الیوم الموعود بین الفکر المادی و الدینی

اشارة

سرشناسه:صدر، محمد

عنوان و نام پديدآور:الیوم الموعود بین الفکر المادی و الدینی/ تالیف محمد الصدر

مشخصات نشر:بیروت-لبنان - دارالتعارف للمطبوعات 1423

مشخصات ظاهری:ص 668

فروست:(موسوعه الامام المهدی"ع"؛ کتاب 4)

وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی

يادداشت:عربی

یادداشت:کتابنامه: ص. 668 - 665؛ همچنین به صورت زیرنویس

شماره کتابشناسی ملی:191416

ص :1

اشارة

ص :2

الیوم الموعود بین الفکر المادی و الدینی

تالیف محمد الصدر

ص :3

ص :4

المقدمة

- 1 -

كانت الكتب الثلاثة السابقة من موسوعة الإمام المهدي عليه السلام، متكفلة لتاريخ الامام المهدي من وجهة النظر الإمامية، مع محاولة إعطائها صيغة متكاملة و خالصة من الشوائب. ابتداء بميلاده و مرورا بغيبته، و انتهاء بظهوره و دولته، مع إعطاء السمات العامة للبشرية اللاحقة للظهور إلى قيام الساعة. و قد انتهت هذه الجنبة من التاريخ من خلال هذه الكتب الثلاثة.

و سيكون من المنطقي، طبقا لمنهجية البحث عن الفكرة المهدوية...

الشروع بالاستدلال على صحة هذه الفكرة، و محاولة دفع ما يحتمل أن يكون مانعا عن الالتزام بوجوده و وجود دولته.

و من المنطقي أن يبدأ الاستدلال من أعم المنطلقات، لنصل إلى أخصها بالتدريج، من خلال كتب هذه الموسوعة. إن أعم المنطلقات بالنسبة إلى هذه الفكرة هو محاولة إثبات صحة الفكرة القائلة بوجود المستقبل السعيد للبشرية من زاوية مادية صرفة، بغض النظر عن أي دين...

ليكون للحديث الديني مجال آخر جديد.

- 2 -

هل يوجد للبشرية مستقبل عادل، يسود فيه الرفاه و تخيم فيه السعادة على ربوع البشرية، و ترتفع فيه المظالم و الأنانيات عن الناس، و تترك العداوات و الاعتداءات و يعم السلام الحقيقي الكامل كل الأرض المعمورة.

أو أن هذا اليوم لن يوجد، بل من المحتوم على البشرية أن تبقى في خبط و شماس و تلون و اعتراض و قلاقل و مظالم، ما دام لها وجود على البسيطة.

لأن هذه الحركة الظالمة الدائبة، من خصائص النقص البشري لا يمكن

ص:5

فكاكها عن البشر.

هذا سؤال مهم و أساسي، قد يلقيه الفرد على نفسه، أو يسمعه من غيره فيهز رأسه يائسا من الجواب، لأن المستقبل مما لا يمكن الاطلاع عليه بحال من الأحوال، و المستقبل وحده هو الكفيل بإعطاء الجواب.

و لا نستطيع و نحن في الماضي - بالنسبة إلى تلك الحقبة من الدهر - أن نعطي الجواب الحاسم بحال.

و قد يهز فرد آخر رأسه من هذا السؤال مستغربا من مجرد إثارته، لأنه يرى من اليقين الذي لا شك فيه أن البشرية، سوف تبقى على هذا الحال تجتر مشاكلها و مظالمها ما دام لها وجود. فإن الأوضاع الحاضرة كلها تدل على ذلك المستقبل، بأي حال.

بل إن الطبيعة البشرية ذات الأنانية أو العامل الجنسي أو الاقتصادي أو غيرها هو السبب في هذه الحركات الظالمة، و هو مواكب للبشرية إلى نهايتها، إذن، فلا بد أن يبقى الظلم مواكبا مع البشرية إلى نهايتها، و لا يمكن أن يوجد لها أي مستقبل سعيد.

و كلتا هاتين الفكرتين لها درجة من الأهمية و الوجاهة. إلا أنه مما يؤسف له!!... أن عددا من المفكرين في العالم على مختلف المبادئ و المشارب استطاعوا استشفاف المستقبل، و التنبوء بوجود المستقبل السعيد، و أوضحوا القرائن و الدلائل على ذلك.

إنك لو سألت الماركسية عن ذلك لأجابت بكل ثقة و اطمئنان بنعم.

و لو سألت الأديان عامة و الأديان الثلاثة الكبرى منها و خاصة الاسلام، لأجابوا بصوت واحد: نعم، بكل تأكيد.

من هذه الزاوية المشتركة سيكون منطلق البحث.

- 3 -

تنبأت الماركسية بالمستقبل السعيد، من زاوية النظرية العامة التي وضعتها لتفسير التاريخ، المسماة بالمادية التاريخية، التي جعلت خاتمة مطافها ذلك المستقبل.

و تنبأت الأديان، بهذا المستقبل من زاوية البرهنة على وجود قائد معين منقذ للبشرية من المظالم و مخلص لها من المشاكل... و قد سماه الإسلام

ص:6

بالمهدي.

و النتيجة بينهما واحدة، و هو الجزم بوجود المستقبل السعيد. و هذه هي نقطة القوة الرئيسية.

و من هنا عرضنا للآراء الماركسية عرضا مفصلا، لنرى أنها بعد أن كانت مصيبة بنبوءتها هذه، فهل هي قد توصلت إليها بمقدمات برهانية صحيحة أو غير صحيحة.

و هنا لا بد من الالماع، إلى أن الحديث ليس عن نقد الماركسية ككل... ليستلزم ذلك عرض كل شاردة و واردة في الفكر الماركسي. فإن موضوع الكتاب ليس هو ذلك. و إنما المهم النظر إلى الماركسية من زاوية هذه النبوءة ليس إلا... مع التأكد من سلامة أو عدم سلامة المقدمات التفصيلية التي أنتجتها.

فكان هذا هو القسم الثاني من الكتاب.

و أما القسم الأول، فهو قسم مختصر، يراد به التأكيد على أن الاتجاه المادي عموما بصفته ماديا، لا يمكنه استنتاج وجود المستقبل السعيد بأي حال... سواء من زاوية «علمية» أو من زاوية «قانونية». و إنما انفردت الماركسية من بين المذاهب المادية الحديثة بهذه النبوءة باعتبار فهمها الخاص للمجتمع و التاريخ.

- 4 -

و بعد أن يتم نقد الماركسية، و يثبت عدم صمود ماديتها التاريخية تجاه النقد. ينقدح السؤال من جديد: هل فشلت النبوءة إذن؟!...

كلا... فإن هناك أدلة من نوع آخر يمكن إقامتها عليه؛ تلك هي أدلة الدين... الذي يثبت وجوده بنفس الطريق الذي تثبت به الماركسية فشلها. إن الدين يمكن أن يعطى البديل الصالح للمادية التاريخية الماركسية، و يملأ كل الفجوات التاريخية و الاجتماعية التي حاولت الماركسية ملأها، و التي لم تحاول.

بل إنه يزيد عليها بكثير... إنه يرى أنه وجود المستقبل السعيد نتيجة لتاريخ البشرية ككل، و وجود البشرية ككل نتيجة لظواهر و أهداف كونية عامة إذن فالمستقبل السعية يمت بصلة إلى الأهداف الكونية نفسها... و سينتج

ص:7

هذا المستقبل البشري نتائج كونية حاسمة. و لن ينتهي الحديث عند مجرد النبوءة بوجوده، كما انتهى حديث الماركسية.

إن البشرية ليست إلا رحلة طويلة من رحلات الكون الكبرى، و ظاهرة من ظواهره، و ليس مستقبلها السعيد بكل تفاصيله سوى محاولة لتركيز الأغراض الكونية.

أما أنه كيف يكون ذلك، و ما هي مقدماته، و ما هي صفاته و ما هي نتائجه، فهذا ما يشرحه لك «التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية» في القسم الثالث من هذا الكتاب، بكل تفصيل.

و نحن بعد أن أعطينا في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، زاوية من الاستدلال على الفهم الامامي لنظرية المهدي، أمكننا أن نستعين بهذا الفهم أحيانا لملأ بعض فقرات هذا التخطيط العام.

و أعطينا من خلال هذا التخطيط تفسيرا كاملا للبشرية بماضيها و حاضرها و مستقبلها إلى حين فنائها. و حاولنا من خلال الحديث المقارنة مع النتائج الماركسية التي عرفناها في القسم الثاني. و هنا أمكننا أن نتوصل إلى مناقشات أعمق و أوضح مما سبق. إنها مناقشات جديدة تماما لأنها منطلقة من نظرية متكاملة و جديدة تماما... هي نظرية التخطيط الالهي.

إن هذه النظرية، معروضة أيضا في الكتابين السابقين. إلا أنها عرضت في هذا الكتاب بشكل يختلف في المقدمات و التفاصيل و النتائج...

كما هو مشار إليه في داخل هذا الكتاب، و لا يخفى - أيضا - على قارىء هذه الموسوعة و من هنا حل لنا هذا المقدار من التكرار.

فهذا هو العطاء الذي يمكن أن يحصل عليه من خلال هذا الكتاب.

- 5 -

إن طريق التوصل إلى النتائج الكاملة، دائما، هو تلاقح الأفكار و السعي في سبيل النقد البناء. و الحقيقة بنت البحث.

و من هنا يود المؤلف، بكل انفتاح، تلقي النقد البناء المخلص من كل ناقد من ماديين و متدينين، عسى أن يتمكن من ملأ الفراغات التي تركتها جوانب النقص البشري في بحثه... لو كان. لعلنا نتوصل من ذلك إلى القناعة بالنتائج الرئيسية الكاملة.

ص:8

القسم الأول: المستقبل السعيد للبشرية في الفكر المادي بمعناه العام

اشارة

ص:9

ص:10

يحتوي هذا القسم على ثلاث أطروحات:

الأطروحة الأولى: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية العلم التكنيكي الحديث.

الأطروحة الثانية: تصور المستقبل السعيد للبشرية من زاوية القانون الوضعي.

الأطروحة الثالثة: تصور المستقبل السعيد من زاوية (المادية التاريخية) التي تنبأت بذلك بصراحة.

أما الأطروحة الثالثة فسوف نكرس لها القسم الثاني من هذا الكتاب.

و نقتصر في هذا القسم على الأطروحتين الأوليتين، بصفتهما تمثلان الاتجاه المادي العام الحديث.

ص:11

ص:12

الأطروحة الأولى المستقبل السعيد بالتطور العلمي نحو الأفضل

اشارة

تكون الفكرة الأساسية في هذه الأطروحة: ان العلم التكنيكي الصناعي الحديث هو الكفيل بإيصال المجتمع البشري إلى السعادة و الرفاه... و بخاصة في المستقبل حين يتطور العلم أكثر مما هو عليه الآن، فيصل بمزيد من التجارب إلى مراق عليا يستطيع أن يكفل بها إيجاد المستقبل السعيد للبشرية كلها.

كيف لا؟!... و نحن نعاصر النتائج الكبرى التي تمخض عنها العلم في هذا العصر، فلا نجد إلا ما يدعو إلى الاكبار و الاحترام... فإننا لو تجاوزنا قمم العلم العليا التي تتمثل في عدة أمور، كتفجير الذرة و الصعود إلى الكواكب و تأسيس العقل الالكتروني... إذا تجاوزناها، و حاولنا النزول إلى الفوائد الاجتماعية التي يمكن للعلم أن يحققها، فيضمن للبشرية مستوى عال من السعادة و الرفاه.

... إذن، لرأينا الشيء الكثير... فهناك الأجهزة التي اخترعت، و لا زالت تخترع لتذليل مصاعب الحياة المنزلية، و لعل أهمها إلى الآن ذلك الانسان الآلي الذي يقوم بالخدمات بكل رحابة صدر و بدون تعب! و يوفر للعائلة أكبر الجهود. و هو أيضا يرد على التلفون و يخبر صاحبه عن المكالمات التلفونية الحاصلة حال غيابه.

و هناك الآلات الزاخرة العظيمة المستعملة كوسائل للإعلام... من السينما إلى الراديو، إلى التلفزيون، إلى التسلتار الذي يوزع البث التلفزيوني على رقعة كبيرة من العالم.

أما التلفون الصوتي و التلفزيوني، فحدث عنه و لا حرج... في تقصير

ص:13

المسافات و التقريب بين المتباعدين و الغائبين، و اختصار الجهد إلى حد بعيد و هناك الآلات الزراعية، التي تقلل الجهد و تزيد في الانتاج و توسع رقعة الأرض المزروعة إلى أكبر مدى. مضافا إلى الأساليب العلمية لتحسين الانتاج إلى درجة كبيرة بل إنتاج أنواع من الأطعمة و الفواكه ليست معهودة و لا معروفة! و قل نفس الشيء في تحسين الإنتاج الحيواني، و تطويره و توسيعه...

و لا يخفى ما للعلم من جهود مشكورة في دفع الآفات و الأمراض الزراعية و الحيوانية و إعطاء أعمق الأساليب و أنجحها لاتخاذ أحسن شكل للانتاج.

و أما الطب فحدث عن انتصاراته على المرض و لا حرج... و قد تكللت الجهود الطبية بزرع الأعضاء الجديدة في جسم الانسان بدل الأعضاء التالفة فيه. و لعل عملية زرع القلب، هي أهم ما أنجز، في هذا المجال... بل قد تودع في الجسم الإنساني آلة صماء تقوم مقام العضو التالف لتؤدي نفس وظيفته.

و تربية الجيل الناشىء قد استندت إلى العلم أيضا... و العلم وحده!!.. فهناك النظريات التربوية التي تطبقها أحدث المعاهد في العالم، بمختلف مستوياتها... و لا زال العلم يتقدم بهذه النظريات نحو الأفضل.

و تعال بنا إلى الهندسة العمرانية، لنرى أنها إلى أي ارتفاع و دقة وصلت في ميادين هندسة البيوت و المدارس و المستشفيات و الأسواق و السجون و المنتزهات و غيرها... مما يوفر أحسن الرفاه و أكبر الجهود للناس.

و إذا تجاوزنا الجانب الاجتماعي للعلم، إلى الجانب الفكري أو الثقافي ككل، وجدنا بحرا لا ينزف و تفوقا لا يوصف في علوم الذرة و الفلك و الفيزياء و الكيمياء... و تدقيقا في حوادث التاريخ و قوانينه، و عمقا في المنطق و الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع. لم تكن البشرية قد بلغته في أي وقت مضى من حياتها الطويلة... كل ذلك يؤذن بالخير، و بالمستقبل الزاهر السعيد الذي يقوم على أكتاف العلم و العلماء.

و إذا كان العلم قد وصل إلى مثل هذه المراقي العظيمة إلى العصر الحاضر... فأحر به أن يصل إلى درجات أهم و أوسع في المستقبل، تكون كافية... و بكل جدارة لضمان الرفاه و سيادة السعادة و العدل في ربوع

ص:14

البشرية.

و لعل بين أيدينا من المستقبل العلمي أفكارا مهمة و واضحة،... و إن لم تكن منجزة. فعلا... إلا أن العلم كفيل بإنجازها في أقرب وقت ممكن.

فمن ذلك سرعة وسائط النقل للركاب أكثر مما هو عليه الآن، و أكثر سلامة... سواء في ذلك ما بين المدن أو في داخل المدينة..؛ و من ذلك تحويل الطعام و الشراب إلى أقراص أو سوائل قليلة، يوفر لما الفرد عدة ساعات يقضيها عادة في إنجاز الطعام و تناوله.

و من ذلك تطوير الانسان الآلي، بحيث يمكنه أن يقوم بالخدمات المنزلية و الخارجية بشكل أوسع مما عليه الآن، و توفيره سوقيا على نطاق واسع.

و من ذلك توسيع السكنى للبشرية إلى الكواكب و النجوم المجاورة!!! عن طريق تكثير رحلات الفضاء و تسهيلها و تخفيض نفقاتها و جعلها متوفرة للركاب.

و من ذلك التسبيب إلى طول عمر الانسان بالمستوى الصحي الذي يكفله العلم... حتى يصبح الستين و السبعين عاما، من أعوام الشباب!!... و أما الشيخوخة فلا تبدأ أول مراحلها إلا بعد المائة.

إلى غير ذلك من النتائج الكبرى المتوقعة للعلم... و لعمري إن المجتمع الذي يعيش تحت ظل مثل هذا التقدم العلمي الهائل، لهو مجتمع سعيد و مرفه.

إذن، فمن المستطاع القول: بأن العلم يكفل للبشرية المستقبل السعيد... و إذ يكون العلم دائما في تطور مستمر، إذن فالبشرية صائرة - لا محالة - إلى ذلك المستقبل المجيد.

المناقشة:

إلا أنه من المؤسف!!! أن هذا الكلام بالرغم من أهميته و جمال شكله!!! لا يمكن أن يكون صحيحا في نتيجته، بأي حال من الأحوال.

ص:15

فكل هذه التطورات العلمية صادقة... و لعل فيما أهملناه أهمية مماثلة أو أكبر مما ذكرناه... فإننا أعطينا نماذج من ذلك فقط... و لعمري أن للعلم مساعدة فعالة في جلب الراحة إلى الانسان و المجتمع.

لكن ذلك لا يعني بحال، أن العلم وحده من دون ملاحظة شيء آخر، يمكنه أن يضمن السعادة و العدل بين الناس. و لا ينبغي لنا أن نبالغ في أهمية العلم، مهما كان له في العالم من هيبة و هيمنة و أهمية.

فإن العلم إنما يضمن الجانب المدني و التكنيكي من حياة الانسان، و لا يتضمن العلم - بمجرده - أي جانب قانوني أو نظامي أو أخلاقي، كما هو واضح... فإن لهذه الأمور حقولا أخرى في المعرفة الانسانية لا تمت إلى العلم بصلة، على الإطلاق.

فإذا استطعنا أن نضم النتائج الرائعة للعلم إلى نظام عادل و قانون سليم... استطعنا أن نكفل الرفاه الحقيقي و السعادة الكبرى، إذ تكون النتائج العلمية موزعة يومئذ بين البشر بشكل متساو و متكافئ بدون إجحاف أو ظلم.

و أما إذا نظرنا إلى العلم وحده، و توقعنا منه أن يكون صانعا لسعادة المستقبل مع إسقاط النظام عن نظر الاعتبار... فهذا يعني الوصول إلى نتائج وخيمة مروعة في غاية السوء و الاجحاف.

منها: أنه يمكن للعلم أن يكرس طاقاته الهائلة في فناء البشرية و إضرارها إلى حد كبير... في وضع الأسلحة الفتاكة و السموم القاتلة، و وسائل التعذيب اللاإنساني للآخرين. و هذا ما هو حاصل في العصر الحاضر، و هو يتقدم و يتزايد بتقدم العلم و تزايده... و تبذل الدول في سبيله الملايين.

و منها: أن هذا الرفاه يكون خاصا بالمتمولين، الذين يستطيعون استغلال النتائج العلمية في مصلحتهم... أما الأعم الأغلب من الناس في العالم، و هم متوسطو الحال و ذوو الدخل المحدود و الفقراء، فلن يستطيعوا الحصول على شيء مهم من نتائج العلم.

فإن قال قائل: إنه يمكن توفير الرفاه العلمي لأكبر كمية من الناس و بأرخص ثمن ممكن... و بذلك تتسع رقعة المستفيدين من نتائج العلم

ص:16

الكبرى.

قلنا: إن هذا لا يكون إلا تحت نظام خاص و في ظل نظام معين يكفل ذلك... و لا يمكن للعلم وحده أن يكفل هذه الجهة.

و منها: ان العلم إذا لم ينضم إلى القانون الصالح، لا يمكن أن يضمن زوال الاعتداء بين البشر بأي شكل من الأشكال. و من الواضح أن التطور العلمي لا يعني تطور الجانب الانساني من الانسان، بل يمكن أن ينسجم أعلى أشكال الانتاج العلمي مع أقسى أشكال الأنانية و العدوان.

و مع كل ذلك... و مع غير ذلك... كيف يمكن للفرد أن يتفوه بهذا الكلام على أنه حقيقة نهائية، و هو أنه يمكن للعلم وحده أن يضمن المستقبل السعيد للعالم.

و معه،... تكون هذه الأطروحة المادية الأولى، قد فشلت في قيادة البشرية نحو المستقبل السعيد... فهل يمكن للأطروحة الثانية أن تضمن ذلك؟!..

ص:17

الأطروحة الثانية المستقبل السعيد بتطور الفكر القانوني

اشارة

بعد أن ثبت بوضوح فشل الأطروحة العلمية لقيادة العالم، و ان المهم في الأمر هو وجود النظام الصالح و القانون العادل الذي ينسق شئون المجتمع و البشرية و يسهل حصولها على آمالها و إزالة آلامها. إذن فالقائد الرئيسي للبشرية نحو الأفضل هو القانون نفسه... و هو الذي سيكفل للبشر مستقبلهم السعيد.

فإن البشرية كانت و لا زالت، تمر في تاريخها الطويل بتجارب و مشاكل، تكون هي الكفيل الأساسي لرقي الفكر القانوني. و ذلك بعد مرور الفكر القانوني بمرحلتين:

المرحلة الأولى: التعرف بوضوح على المشاكل العامة و الخاصة السائدة في المجتمع، و محاولة فهمها فهما عميقا كاملا و الاطلاع بها على أسبابها و نتائجها بكل دقة.

... و كلما اتسع الوعي الفكري للانسان على واقعه بما فيه من مشاكل و آلام، كلما ساعد ذلك على تربية الجانب القانوني فيه.

المرحلة الثانية: محاولة التعمق، في معرفة الحلول الممكنة لهذه المشاكل المعروضة، و الاطلاع على أساليب عامة و فعالة في إزالة المصاعب و تذليل العقبات، و من ثم إلى إيجاد الرفاه و العدالة في المجتمع.

فإذا استطاع المفكر القانوني، أن يمر بكلا المرحلتين، بشكل دقيق و شامل، استطاع - لا محالة - أن يصل إلى وضع القانون العادل الذي يكفل السعادة و الرفاه الدائم.

و قد كان و لا زال الفكر القانوني البشري، في طريق التربية و التكامل

ص:18

باستمرار، من كلتا الجهتين، نتيجة لما تعطيه التجارب الاجتماعية من دقة و ثراء.

و بذلك يثرى الفهم الفقهي القانوني... فتعطى التعاريف و التفاسير بشكل أدق و أشمل شيئا فشيئا، سواء في ذلك من ناحية القانون المدني أو العسكري أو الدولي، أو قوانين العقوبات أو الأحوال الشخصية... أو غيرها.

و قد وصل القانون في العصر الحاضر إلى مراق عليا... حتى أصبح من أدق العلوم الانسانية. و إذا كنا قد نجد فيه بعض النواقص و الاختلافات بين المفكرين في جملة من حقوله... فإن التكامل التدريجي للقانون، من خلال التجارب الطويلة، كفيل بأن يزيل هذه النواقص و يزيد في إدراك الفكر القانوني لذينك المرحلتين الأساسيتين، مما يفتح أمام القانون فرصة الوصول التدريجي إلى إدراك العدل الحقيقي، و التذليل الكامل للمشاكل البشرية.

و حيث لا يكون المقصود، تعيين فترة معينة لهذا التكامل... فإن من الممكن أن يصل القانون إلى تلك النتيجة الكبرى، في فترة مقبلة من الدهر، مهما طالت.

و إذا وصل القانون إلى درجة الفهم الكامل للعدل... و أمكن تطبيقه في المجتمع البشري، كان هذا هو المستقبل السعيد (الموعود) الذي يعم فيه الرفاه و السعادة ربوع المجتمع البشري كله.

و بهذا يتم البرهان على صحة الأطروحة الثانية...

المناقشة:

غير أنه يمكن المناقشة في هذه النتيجة بالرغم من أهميتها، بعدة مناقشات أساسية:

فإننا إذا تجاوزنا المناقشة الرئيسية التي تم البرهان عليها في بحوث العقائد الاسلامية، و هي عجز الفكر البشري القانوني عن إدراك مصالحه الحقيقية و إدراك العدل... و بالتالي انه يتعذر عليه تغطية المرحلتين المشار

ص:19

إليهما بالدقة المطلوبة و المتوقعة لا حراز العدل الكامل.

بل ينحصر تغطية ذلك عن طريق الحكمة الالهية و الوحي من وراء الطبيعة. و أما الفهم البشري المنفصل عن الوحي - كما هو مفروض هذه الأطروحة -، فيتعذر عليه ذلك بأي حال. و سيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب ما يلقي ضوءا كبيرا على ذلك.

فإذا تجاوزنا ذلك، بقيت عدة مناقشات نذكر منها ما يلي:

المناقشة الأولى: انه من الصعب أن نتصور أن في مستطاع الفكر القانوني البشري أن يثرى و يتكامل باستمرار، حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق.

و ذلك لأن المفكر القانوني، فردا كان أو جماعة، فإنه يحيا في المجتمع كأي إنسان آخر، له مصالحه و ارتباطاته و علاقاته و موارده الاقتصادية، و غير ذلك. و هو يود في كل ذلك - طبقا لحب الخير لنفسه - أن ينجح في كل الحقول و أن يتوفق فيها أحسن توفيق، و يتقدم على غيره من الناس، مهما أمكن.

و إذا كان المفكر القانوني، ذو اتجاه عقائدي أو سياسي معين، كان - لا محالة - متحمسا لذلك الاتجاه، يود فوزه و سيطرته على الآخرين...

و يرى اندحاره و خيبته كابوسا مزعجا.

و على كل حال، يكون الفرد القانوني، التكوين النفسي و الاتجاه الاجتماعي المعين الذي يستحيل عليه أن يعزله عن فكره القانوني... و عن إدراكه للمصالح و المفاسد العامة. و مهما حاول الفرد اتخاذ المسلك الموضوعي و التجرد عن الأنانية و التعصب... و تصور مصالح الآخرين بمعزل عن مصالح نفسه... فإنه فاشل و خاطىء... فإن اللاشعور و الضغوط و الملابسات العامة و الخاصة و التاريخ الذي عاشه، يفرض نفسه عليه من حيث يدري و لا يدري.

و من المتعذر بل المستحيل أن نجد فردا أو جماعة، في الفكر القانوني البشري، ذا تجرد كامل و حقيقي... و لن يوجد مثل هذا الفرد على مر التاريخ. فإن لكل زمن ملابساته و لكل تاريخ تأثيره على الفرد و الجماعة.

... على حين لا يمكن للعدل الحقيقي إلا أن يوجد من زاوية الادراك

ص:20

الكامل المجرد لمصالح البشر و مفاسدهم و آلامهم و آمالهم... و هذا ما لا يحصل لأي فرد على مر التاريخ.

و معه فكيف نتوقع للقانون أن يثرى و يتكامل تدريجا، على مر التاريخ حتى يصل إلى إدراك العدل المطلق... إن ذلك لا يحصل إلا إذا حصل الفرد المتجرد المطلق... و هو مستحيل الحصول من الناحية المادية.

المناقشة الثانية: إن النظرية القانونية، مهما تصاعدت و تكاملت، ليست وحدها الكفيلة بسيادة السعادة و العدل ما بين الناس... و إنما، لا بد أن تأخذ طريقها إلى التطبيق في عالم الحياة، لتستطيع أن تؤتي ثمارها ناضجة شهية.

و بالطبع... فإن القانون العادل الشامل، يحتاج إلى أن يشعر كل الأفراد بالمسؤولية تجاه تطبيقه، و لا يكفي أن يأخذ الجهاز الحاكم بزمام المبادرة إلى ذلك، مع كون الأفراد نافرين عنه منكمشين منه... فإنه في مثل ذلك لن يكتب له النجاح، مهما كانت النظرية صائبة و صحيحة.

و لعمري... إنه من المتعذر جدا، أن يجد القانون البشري تجاوبا عاما من الشعب على هذا المستوى الواسع... فلئن تنزلنا - جدلا - عن المناقشة الأولى، و فرضنا واضع القانون البشري مجردا عن الهوى بدرجة كاملة، فإننا لا يمكن أن نفرض الأفراد كلهم مجردين و موضوعيين أيضا!! و إنما لا بد أن ننظرهم من زاوية الواقع، و هو وجود الأنانية و حب المصلحة الشخصية في كل فرد منهم. فلا يطيعون القانون إلا من هذه الزاوية و بالمقدار الذي تقتضيه. و أما حين لا توجد المراقبة القانونية، كان الفرد مخلى بينه و بين مصالحه، لا يعترف بقانون و لا نظام.

و لا يستطيع أي قانون بشري أن يتابع الفرد في خلواته و زواياه، ليضمن التطبيق الكامل لفقراته و بنوده في كل وقت. و يستحيل على الدولة بكل هيمنتها و هيبتها و مؤسساتها، أن تضمن ذلك.

و لئن ضمنته حينا، فلن تستطيع ذلك دائما... و لئن استطاعته دائما، في فرد أو جماعة معينة، فلن تستطيعه في كل الشعب. كما لن تستطيع تطبيق القانون من قناعة عامة به و عن تجاوب قلبي معه. و إنما سوف يطبق القانون بمقدار ما تقتضيه القوة من ناحية، و المصالح الشخصية للأفراد

ص:21

من ناحية أخرى... يدفعون به عن أنفسهم العقاب، أو ينالون به شيئا من الفوائد.

و إذا كان الناس هكذا... و هم دوما لهم نفس الموقف تجاه القانون البشري... إذن فلا يمكن أن نتوقع لهذا القانون في يوم من الأيام، أن يضمن لنفسه التطبيق الكامل المطلوب.

المناقشة الثالثة: إن التكامل في الفكر القانوني، كما شهدناه في عالم الأمس و اليوم أصبح ذا شعب و انشقاقات، فما هو عدل عند هؤلاء هو ظلم عند آخرين... و ما هو مصلحة عند قوم هو مفسدة لدى آخرين... و ما هو تجرد و موضوعية عند بعضهم، هو عين الأنانية و التعصب عند البعض الآخرين... و هكذا.

يكفينا انشقاق القانون المدني، إلى روماني و جرماني، و هما يختلفان في المفاهيم الأولية لتفسيرها و تعريفها، فضلا عن التفاصيل. و كذلك انشقاق الاتجاه الاقتصادي إلى رأسمالية و اشتراكية، و هما يختلفان في وجهة نظر هما إلى الانتاج و التوزيع اختلافا جوهريا. و كذلك اختلاف الدول - و إن اتفقت في المبادئ - في قوانين الأحوال الشخصية و قوانين العقوبات و غيرها.

فأي هذه الانشقاقات يرجى له الكمال؟! ان النظر العقلي المجرد لا يرى أحد الشقين أو أحد الخصمين أو التفسيرين أولى من الآخر. و أما الفرد المؤمن بأحدهما فيرى قانونه هو الكامل و يتعصب له. و يبقى التكتل و الانشقاق بين البشر موجودا... و مع تفشيه يستحيل الوصول إلى العدل العالمي المطلوب.

و من المتعذر حقا، أن نزعم أن الفكر القانوني بتكامله و مروره بالتجارب المتكثرة، سوف يتوحّد في العالم، و يرتفع الخلاف بين القانونيين... إن هذا الافتراض مخالف لطبيعة الأشياء و طبيعة الإنسان.

و لئن وجد ذلك في جيل معين - جدلا - بقيت الآراء الأخرى السابقة لها احترامها، بطبيعة الحال، فلا يكون الفكر القانوني موحدا حقيقة... كما أن وحدة الفكر لن تدوم طويلا، و يوجد حتما، الكثير من المناقشين و الطاعنين في صلاحية هذا القانون الواحد، لتكفل العدل و رفع الظلم.

و إذا لم توجد الوحدة في الفكر القانوني، و إذا كان من المتعذر

ص:22

وجودها، كان من المتعذر وجود المجتمع العالمي العادل تحت ظل القانون البشري، بأي حال من الأحوال.

إذن، فالأطروحة الثانية، القائمة على الأساس المادي المنفصل عن عطاء السماء، لا يمكنها القيام بالمسؤولية الكبرى المطلوبة.

ص:23

ص:24

القسم الثاني: المستقبل السعيد للبشرية في الفكر الماركسي

اشارة

ص:25

ص:26

أسس منهجة البحث

تتزعم الاتجاهات المادية عموما، الفكرة المسماة بالماركسية، و إن لم تكن منتسبة بكل تفاصيلها لماركس. و هي الاتجاه الوحيد من الفكر الحديث - حسب معرفتنا - الذي بشر بالمستقبل البشري السعيد.

و هي، بنظرة عامة، تتكفل ميادين ثلاثة بالبحث و التمحيص، و تحاول الربط بينها ربطا عضويا، و سوقها مساق نظرية موحدة شاملة.

الميدان الأول: إعطاء نظرية شاملة للكون المادي كله، و تفسير تسلسل الحوادث فيه، بشكل تحاول الماركسية عدم إبقاء ثغرة فيه.

... يتمثل ذلك بنظرية (الديالكتيك) القائلة بأن كل شيء يحتوي في داخله و مضمونه على صراع دائم بينه و بين نقيضه... حتى يزول المتصارعان و يتولد من الصراع شيء جديد، يكون بدوره محتويا على الصراع ذاته. و هكذا تتعدد الأشياء، و هكذا تتطور... و لا ينجو من هذا الصراع حتى القضايا الرياضية البحتة، كما أكد عليه انجلز، على ما سنسمع.

الميدان الثاني: إعطاء نظرية شاملة للتاريخ البشري و مفسرة له، و هي المسماة ب (المادية التاريخية) المبتنية بدورها على الديالكتيك العام. حيث نجدها تقول - طبقا لذلك المفهوم -: بانقسام المجتمع إلى طبقتين متصارعتين يتمخضان عن وضع اجتماعي جديد... و يتبدل بتبدل الوضع الاجتماعي كل أحواله الفكرية و الاقتصادية و الأخلاقية و غيرها.

و تحتوي هذه النظرية على إيجاد تسلسل تقليدي لعصور التاريخ معروف لكل مثقف... يبدأ بعصر الاشتراكية الأولى البدائية، و ينتهي بعصر الاشتراكية العلمية أو الطور الشيوعي الأعلى، الذي تنتفي فيه الدولة و يحكم المجتمع نفسه على أساس وضع اقتصادي معين.

الميدان الثالث: إعطاء فهم شامل للاقتصاد قائم على أساس تقييم

ص:27

معين للنظريات الاقتصادية المعروفة، و خاصة الاقتصاد الرأسمالي العدو التقليدي العنيد للماركسية، مع بناء نظرية جديدة في الاقتصاد تكون هي البديل - في نظرها - عن جميع النظريات الأخرى.

و أهم نقطة ركزت عليها الماركسية في هذا الصدد، هو نظرية (فائض القيمة) التي تنتج النظام الرأسمالي على أساس لا إنساني ظالم؛ قائم على أساس سرقة مالك رأس المال نسبة معينة من أرباح عماله... تلك السرقة التي تركز الصراع بين هاتين الطبقتين، و تتمخض في نهاية المطاف - بقانون الديالكتيك - عن المجتمع الاشتراكي.

و نحن إذ نكون بصدد دراسة الماركسية من زاوية تبشيرها بالمستقبل السعيد للبشرية، نكون مواجهين للميدان الثاني بشكل أساسي... لأن هذا المستقبل هو جزء عضوي رئيسي من المادية التاريخية نفسها.

و بهذا يكون التعرض إلى الميدانين الآخرين، ثانويا إلى حد ما. و لكنه لا بد منه على كل حال. أما الميدان الأول فاللازم التعرض له من أجل تفهم الأسس الفكرية الكونية التي تقوم عليها المادية التاريخية... و أما الميدان الثالث فنتعرض له ضمنا حين ندرس تقييمات الماركسية للمذاهب الاقتصادية الأخرى.

و من هنا سيكون تسلسل المنهج في هذا القسم من الكتاب كما يلي:

نبدأ بتمهيدات معينة تتكون من:

أولا: المضمون المشترك بين المادية التاريخية و التخطيط الالهي العام، حيث تمسّ الحاجة إليه حين يراد إعطاء البديل الأصلح للمادية التاريخية.

ثانيا: مناشئ الفكر الماركسي... و هو دراسة الأسباب الموضوعية التي أوجدت الفكر الماركسي بين البشر.

ثالثا: مصاعب النقاش مع الماركسيين... بصفتهم المبشرين بالمستقبل السعيد، و الحاملين للنظرية التي نتصدى لمناقشتها.

و حين تنتهي هذه التمهيدات، و نريد الحديث عن المادية التاريخية، لا بد لنا - كما أشرنا - أن نقدم لها قسمين من المقدمات:

القسم الأول: الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية... من حيث كونها قائمة على أساس الديالكتيك.

ص:28

القسم الثاني: الأسس الاقتصادية و الاجتماعية للمادية التاريخية، و نعني بها ربط الحوادث التاريخية بقوى الانتاج و علاقاته.

و حين يتم هذان القسمان ندخل في: الهيكل الأساسي للمادية التاريخية و هو الفهم الخاص للمجتمع و التاريخ المتكون من فقراته و عهوده المعينة.

و سنلتزم - هناك - بالتزامين معينين، لأجل زيادة الاطمئنان و الايضاح:

الالتزام الأول: نقل أي نظرية أو فكرة من مصدر ماركسي بألفاظ ذلك الكتاب... و لا نحاول النقل بالمعنى مهما أمكن... لنكون مع القارئ على بينة من الأمر تجاه الفكرة الماركسية.

الالتزام الثاني: إننا سنعطي - هناك - لكل فقرة ماركسية، رقما معينا... لكي نستفيد من ذلك في ضبط التسلسل الفكري أولا، و سهولة الاستنتاج ثانيا... و يفيدنا أيضا عند النقاش، حيث سنناقش الفقرات في نهاية كل فصل من دون أن نضطر إلى نقل مضمونها من جديد... بشكل مستلزم للتكرار.

و هكذا سيبدأ الحديث عن المادية التاريخية، و ينتهي...

ص:29

التمهيد الأول: المضمون المشترك بين المادية التاريخية و التخطيط الالهي العام

من الملاحظ بجلاء، أن اتجاه المادية التاريخية، و اتجاه التخطيط العام الإلهي لتكامل البشرية، و هما معا يبشران بالمستقبل السعيد... من الملاحظ أنهما بالرغم من كونهما قطبين متعارضين... إلا أنهما بنظرهما الشامل إلى البشرية، استطاعا أن يبينا نقاطا معينة اشتركا فيها و تصادقا عليها.

و هذه النقاط بالرغم من كونها عناوين عامة، فارغة من التفاصيل، إلا أنها ليست بالقليلة إلى الحد المتصور، و إنما هي ذات طابع مهم إلى حد كبير. و إنما يبدأ الخلاف بين الاتجاهين - بعد تجاوز أسسها العامة -: عند الدخول في التفاصيل، و محاولة ملء هذه العناوين الفارغة بما ينبغي أن تملأ به.

و سنحاول الآن أن نلخص المضمون المشترك بين الاتجاهين...

بشكل يكون مرضيا - في الأغلب - لهما معا:

إن البشرية، بصفتها جزءا من الكون، تكون محكومة بطبيعة الحال، للقوانين الكونية، التي تقوم بتطويرها بشكل موضوعي مستقل عن إرادة البشر. و إنما يملك الأفراد حرية التصرف من خلال ما تعطيه تلك القوانين من فرص.

و التاريخ البشري، صاعد باستمرار نحو التكامل و التطوير نحو الأفضل، حتى يصل في يوم من الأيام إلى مستقبل سعيد يسود فيه الرفاه ربوع البشرية كلها.

فقد وجدت البشرية في أول أمرها ساذجة و بسيطة... و بقيت كذلك، ردحا من الزمن، حتى استطاعت بالتدريج البطيء أن تسير نحو الأفضل... و قد لاقت خلال سيرها هذا كثيرا من المشاكل و الويلات.

ص:30

و قد مرت البشرية خلال ذلك بعدة مراحل، كانت كل مرحلة منها أفضل من سابقتها، تدفع بعض ما فيها من نواقص، و تضفي عليها ما تستطيعه من تطورات.

و هي مراحل عديدة، سارت فيها طبقا للقوانين الكونية من ناحية، و لقوانين خاصة بها، من ناحية أخرى... و يمكن القول - إلى حد ما - ان البشرية تعيش خلال الزمن المعاصر، المرحلة ما قبل الأخيرة من تاريخها الطويل... و لم يبق أمامها إلا تلك المرحلة التي يتحقق فيها الأمل الوردي الذي يتساوى فيه الناس و يعيشون من رفاه و سعادة... و ستبدأ البشرية يومئذ تاريخا طويلا و مجيدا.

و هذا اليوم هو اليوم النهائي من تطور البشرية... الذي لا يخلفه يوم آخر سيئ. بعد أن يتطور فيه الانسان تطورا ضخما، و يكتسب وعيا جديدا، يستطيع به أن يخط تاريخه الطويل الجديد بحروف رشيدة و خطوات رصينة و ان التاريخ الأساسي للبشرية هو الذي يبدأ منذ ذلك الحين... و إنما نعيش الآن عصور ما قبل التاريخ!!!... تماما كما يعيش أجدادنا عصور ما قبل التاريخ بالنسبة إلينا!...

و نحن الآن إذ نعيش في العصر السابق على المستقبل الموعود... و إن كنا نستطيع أن نعطي اللمحات المهمة عن صفات ذلك العهد الأغر... إلا أن عدم معاصرتنا له، و عدم مشاهدتنا لمقدار عمقه و حقيقة وعيه... إلى جانب ارتباط أفكارنا بواقعنا و وعينا المعاصر... كل ذلك يوجب عجزنا عن أن نصف العمق الحقيقي الكامل لذلك المستقبل الموعود، و النظام التفصيلي الذي يسوده. و إنما المهم الآن أن نعرف باليقين أنه يوم آت لا محالة، و به تتحقق الراحة الكاملة للبشر أجمعين. و لعلنا نستطيع - إلى جانب ذلك - أن نلم بقليل من صفات ذلك المجتمع الموعود.

هذا هو المنطق المشترك الذي يتفق فيه هذان الاتجاهان المستقطبان.

و لكننا إذا تقدمنا نحو التفاصيل خطوة أو خطوات، نجد الاختلافات الأساسية بوضوح في عدة جهات:

أولا: في تشخيص ماهية القوانين الكونية الشاملة للبشرية.

ثانيا: في تشخيص القوانين التي نختص بالتاريخ البشري و تطويره.

ص:31

ثالثا: في تشخيص السبب الأساسي لنقص البشرية و الباعث على ما يسودها من مصاعب و ويلات.

رابعا: في تشخيص المراحل التي مرت بها البشرية خلال تاريخها الطويل. فإن للمادية التاريخية اتجاها معروفا في تفصيل هذه المراحل لا يوافقها عليه الاتجاه الآخر، الذي يقوم بدوره شكلا آخر من المراحل.

خامسا: في تشخيص ما يستطيع فهمه من تفاصيل و أنظمة للمستقبل الموعود، و ما هو سبب السعادة و الرفاه فيه.

سادسا: في انه هل هناك بعد تحقق ذلك المستقبل، و وجوده في عالم الحياة... هل هناك تسلسلا تطويريا آخر يصل بالبشرية إلى مستقبل جديد... أو لا؟ و هذا ما لم تستطع الماركسية أن تفصح عنه. على ما سنرى... و قد أفصح عنه التخطيط الإلهي العام الذي استطاع أن يواكب البشرية إلى يوم فنائها... على ما سنسمع.

و بهذه النقاط، و نقاط أخرى، اتسعت الهوة بين هذين الاتجاهين، و اكتسبا الاستقطاب و التنافي بينهما... إلى حد لا يكاد يشعر الفرد الباحث بما بينهما من نقاط الاتفاق، بعد أن يستحوذ على شعوره وجود الخلاف في التفاصيل.

و نقاط الالتقاء هذه هي التي حدتنا إلى أن نتحدث عن المادية التاريخية بصفتها إحدى الاتجاهات التي أصابت النظر في التبشير باليوم الموعود السعيد... و إن أخطأت في التمهيدات و التفاصيل كما سنرى.

ص:32

التمهيد الثاني: مناشئ الفكر الماركسي

يمكن للباحث أن يقدم عدة أطروحات في الجواب على السؤال الآتي:

كيف و لما ذا وجد الفكر الماركسي في تاريخ الفكر البشري العام. و لما ذا مال بعض المفكرين إلى اتخاذ هذه النظرية كتفسير لمختلف ميادين الحياة.

يمكن أن نقدم بهذا الصدد، ثلاث أطروحات مفهومة تقوم أولاها على قواعد الفكر الماركسي نفسه، و تقوم الأخيرة على أساس التخطيط الإلهي لليوم الموعود. و تحاول الوسطى بيان الخاصة المتعددة التي أنتجت هذه النتائج.

الأطروحة الأولى: القائمة على الفكر الماركسي نفسه:

إن تصريحات الماركسيين أنفسهم تقتضي أن كل شكل من أشكال الفكر، ناتج - بالضرورة - من الطبقة التي ينتمي إليها المفكر. و يستحيل على أي إنسان أن يفكر تفكيرا مطلقا حرا عن حدود طبقته التي ينتمي إليها.

و قد رتبوا على ذلك عدة نتائج: من أهمها: ضرورة اختلاف الفكر باختلاف الطبقة التي ينتمي إليها المفكر. و ضرورة وجود الصراع بين أفكار الطبقات... و إن أفكار أفرادها ان هي إلا انعكاس لواقع الصراع المحتدم بينهم.

و بهذا استطاعوا أن ينفوا صدق أو صحة أي تفكير آخر غير تفكيرهم، بصفته فكرا طبقيا، بما فيه الفكر الديني على ما سنرى و نسمع.

بل حتى الحقائق الرياضية الواضحة... بعد أن صرحوا أنها تنطبق على قانون الديالكتيك، تكون فكرا طبقيا أيضا، و قابلا للتغيير بتغير الوجود الطبقي أيضا.

و طبقا لذلك... لا يكون الفكر الماركسي نفسه، بدعا من الأفكار، بل يكون فكرا طبقيا أيضا، و إدراكا محدودا للكون، قابلا للتغير تبعا لتغير

ص:33

الطبقة، كأي فكر آخر. إذ لا يمكن القول باستثناء الفكر الماركسي من قواعد المادية التاريخية الضرورية الانتاج ماركسيا... بأن نزعم - مثلا -:

أن مفكري الماركسية كماركس و انجلز و لينين... ذوي أفكار مطلقة لا طبقية و لا حزبية. فإننا بذلك نكون قد نفينا الضرورة عن المادية التاريخية. فإنه إذا أمكن استثناء هؤلاء المفكرين منها أمكن استثناء آخرين أيضا. بل يعني ذلك نفي هذه الضرورة بالمرة، لا كما تريد الماركسية...

و من ثم يتضح من هذه الأطروحة الأولى التي نعرضها... إن وجود الفكر الماركسي مستند إلى الضرورة التاريخية الطبقية التي تؤمن بها الماركسية نفسها. و إذا كان كذلك، لم يمكن صدقها صدقا تاما و إنما تكون قابلة للتغير و التبديل، طبقا للضرورة التاريخية نفسها.

و قد التفت الكتاب المتأخرون من الماركسيين إلى ذلك... و من الطريف أنهم اعترفوا بهذه النتيجة، طبقا لقواعدهم الماركسية، فقد جردوا من الفكر الماركسي قواعد مطلقة جعلوا الفكر الماركسي نفسه تطبيقا من تطبيقاته، و سواء صح منهم ذلك أم لا. فإنهم اعتبروا الفكر الماركسي فكرا طبقيا حزبيا... اقتضت الضرورة التاريخية وجوده من أجل الانتقال من المرحلة الرأسمالية إلى ما بعدها، حتى الوصول إلى المجتمع الاشتراكي العلمي الأخير.

و قد واجهوا في هذا الصدد بعض المصاعب من أهمها: أن ماركس و انجلز نفسيهما من أبناء الطبقات المتقدمة تاريخيا كالإقطاع أو الرأسمالية...

فكيف أنتج ذهنهما فكرا اشتراكيا يتقدم بالبشرية إلى نهاية الشوط.

و قد أجابوا على ذلك: انه يمكن للفرد أن يخرج من طبقته و يندرج في طبقة أخرى، يختارها لنفسه، لأنهم أكدوا إلى جنب الضرورة التاريخية وجود عنصر الاختيار الفردي و حرية التصرف، كما سنسمع. و من هنا يمكن القول بأن هذين المفكرين خرجا من طبقتهما الاقطاعية أو الرأسمالية، و انتميا إلى الطبقة الجديدة التي تمثل الفكر الاشتراكي... و بذلك فسروا انقداح الفكر الاشتراكي في ذهن هذين المفكرين الماركسيين الرئيسيين.

إلاّ أن هذا الجواب ليس صحيحا، لوضوح أن ماركس و انجلز إنما صبحا من قادة العمال و موجهيهم بعد وضع نظرياتهم العامة في التاريخ، لا

ص:34

انهم أنتجوا هذه النظريات بعد انتمائهم إلى العمال.

و من هنا سوف نضطر إلى القول: بأن الفكر الاشتراكي الماركسي نتج لأول وهلة من الطبقات السابقة على الاشتراكية، التي كان ينتمي إليها ماركس و انجلز. و بذلك يصبح الفكر الماركسي نفسه تطبيقا مخالفا للقواعد التاريخية الماركسية.

و لو تنزلنا عن هذا الجواب، و فرضنا الفكر الماركسي ناتجا عن الطبقة الاشتراكية، فهو - على أي حال - لا يخرج عن كونه فكرا طبقيا حزبيا.

و معنى ذلك عدم إمكان كونه فكرا مطلقا، بل يكون فكرا محدودا، و قابلا للتغيير، بل ضروري التغيير بتغير الطبقة و علاقات الانتاج.

و لا يعني خروج المفكرين الماركسيين عن طبقتهم، ان أفكارهم أصبحت مطلقة... و إنما يعني أنها أصبحت نتيجة لطبقة أخرى غير الطبقة التي كان ينبغي أن تنتج عنها. فإنها سواء نتجت عن هذه الطبقة أو تلك، فإنها على أي حال، فكر طبقي محدود.

و من الطريف ان الكتاب الماركسيين، جعلوا الفكر الماركسي مواكبا لعدة عصور من المادية التاريخية. فإنه بدأ بوجود العصر الرأسمالي الأول (التراكم الأولي لرأس المال) و سيبقى إلى الطور الشيوعي الأعلى... فإذا علمنا ان مجموع هذا الزمن ينقسم إلى ستة عصور تاريخية، على ما سوف نسمع... إذن فقد كان للماركسية توفيق استثنائي بالبقاء خلال كل هذه العصور... فإنه بالرغم من ان تطور وسائل الانتاج و تبدل علاقاته، قد أوجبت تطور البشرية و تبدل النظام الحاكم و كل الايديولوجيات الاجتماعية عدة مرات... لم تستطع التأثير بتطور الفكر الماركسي، بل بقيت حقائقه هي الحقائق المطلقة القائدة للبشرية و الرائدة للمستقبل الأفضل.

و بهذا يصبح الفكر الماركسي، بدوره، خارجا عن قواعده و ضروراته التاريخية، مرة أخرى.

و قد يخطر في الذهن: ان التطويرات المتأخرة للمفكرين الماركسيين المتأخرين، تمثل هذا التطوير الذي تقتضيه الضرورة التاريخية.

إلاّ أن هذا السؤال منطلق من زاوية فكرية ضيقة ماركسيا:

أولا: باعتبار ما عرفناه من أن العهود التي مرت بها الماركسية و تمر

ص:35

بها، تصل إلى ستة عهود... و ليست التطويرات تصل بالضبط إلى هذا العدد، و لا هي مواكبة من انتقال العهود، عهدا عهدا.

ثانيا: إن أفكار المحدثين... هل هي أفكار ماركسية أم لا... فإن لم تكن ماركسية لم يكن لنا معها الآن حديث. و إن كانت ماركسية، فمعنى ذلك وجود الفكر الماركسي باستمرار من عصر ماركس إلى الآن، مع أن مقتضى قانون النفي و الاثبات و قانون التغير النوعي الماركسيّين اللذين سوف نسمعهما... هو أن يتبدل في كل عهد، الفكر إلى نقيضه، فيصبح الفكر الماركسي غير ماركسي... مع أنه لم يصبح كذلك في أي عهد من العهود.

إذن صح كون الفكر الماركسي خارجا عن ضروراته التاريخية التي أسسها بنفسه... أي انه متغير و زائل عن المجتمع طبقا لضروراته نفسها.

الأطروحة الثانية: ان نحسب حساب الوضع العام الذي ولدت فيه الماركسية، بغض النظر عن اتجاه فكري معين.

و بهذا الصدد يمكن أن نضع أيدينا على عدة نقاط رئيسية، تكوّن بمجموعها البيئة الرئيسية التي ولدت فيها الماركسية، و ساعدت على نموها...

النقطة الأولى: إن أوربا كانت منذ أول عهد نهضتها، في حالة صراع دائم و دائب بين مختلف عناصرها و اتجاهاتها من النواحي الفكرية و الاقتصادية و الاجتماعية، لا يقر لها قرار و لا يهدأ لها بال. فالصراع بين القديم و الحديث قائم على قدم و ساق... ذلك القديم الذي يمثله الاقطاع و الكنيسة و مجموعة التقاليد و العادات الأولى، و الحديث الذي يمثله قادة النهضة الفكرية عموما. و الصراع بين الاتجاهات الحديثة أيضا قائم. فقد عاشت أوروبا انشقاقات و تباينات عميقة و جذرية بين الفئات من الناحية السياسية إلى جنب النواحي العقائدية و العلمية و الفلسفية و غيرها.

و لسنا الآن بصدد إعطاء أرقام محددة عن هذه الصراعات المتمادية... إذ يكفينا هذا الوجدان البسيط الذي يحمله المثقف الاعتيادي عن حالة أوروبا خلال الثلاثة أو الأربعة قرون المتأخرة من تاريخها... و قد تكون الدقة في العرض عن الغريب العجيب، بهذا الصدد.

ص:36

و لم يكن حال أوروبا في عصرها القديم بأحسن حالا من عصرها الحديث... ابتداء من عصر الاغريق إلى عصر الرومان إلى عصر ما قبل النهضة... الذي كانت الأسر المالكة قد تقاسمت أروبا في فرنسا و ألمانيا و انكلترا و إيطاليا و غيرها. و ليست الحروب الواقعة بين هذه الدول كحرب السبع سنوات و حرب المائة عام... أو الحروب الواقعة بينها و بين الدول الأخرى كروسيا القيصرية و تركيا العثمانية... ليست ببعيدة عن الذاكرة.

كما لا يمكن أن تكون الخلافات و الحروب الداخلية بين الأحزاب أو الفئات الدينية أو غيرها... بعيدة عن الذاكرة أيضا.

كما ان عصر الأطماع الاستعمارية، و انفتاح أروبا على العالم الخارجي، و تفكيرها في استغلال موارده و ثرواته... ابتداء بالحروب الصليبية السابقة على النهضة و انتهاء بالاستعمار الصحيح اللاحق لها...

غير بعيد عن الذاكرة أيضا.

كان هذا العصر في أوجه و إبّان اندفاعه... حين وجد ماركس و انجلز.

و قد تكلّلت كل هذه القلاقل الأروبية، بأشدها رسوخا و أوضحها تأثيرا، أعني الثورة الفرنسية بما استتبعته من انشقاقات و خلافات و مجازر أتت على آلاف الفرنسيين.

و باختصار... إننا إذا نظرنا إلى الألف سنة الأخيرة، بل الألفين الأخيرة، وجدنا أروبا مليئة بالقلاقل و الدماء و الخلافات... و ليست العهود السابقة عليها بأحسن حالا من هذه الفترة، إن لم تكن أشد و أنكى، باعتبار ضعف المستوى الثقافي و العقلي للبشرية في تلك العصور... كل ما في الأمر، اننا نستطيع أن نباشر النظر إليها باعتبار بعدها التاريخي نسبيا.

و هذا يعطي الانطباع الواضح لدى الذهن البشري الذي يعيش في خضم هذه القلاقل و يكتوي بلهيبها... إن التاريخ البشري كله قائم على الخلاف و الصراع، و تنازع الطبقات و التحاقد بين الفئات.

فهذا الانطباع هو الذي حدا بالماركسية أن تقول في التاريخ نفس هذا المضمون، و تضيف: ان التحاقد و الصراع لا يمكن أن يزول ما دامت الطبقات ذات وجود في المجتمع.

ص:37

كما انعكس هذا الانطباع في ذهن داروين و آخرين، على شكل تعميم آخر، و ان عالم الحيوان كله قائم على الصراع، و ان البقاء يكون للأقوى أو الأصلح...

بل زاد الانطباع على ذلك في ذهن الماركسيين... فاعتبروا الكون كله قائما على الصراع أيضا، ليس بين الأشياء المتعددة فحسب، بل حتى بين الشيء و ذاته أيضا. فكل شيء يحتوي على عناصر هدمه و فنائه، و هو في صراع دائم معها. حتى يكون لتلك العناصر النجاح في إفناء الشيء...

لكي يوجد في نهاية المطاف شيء جديد... ليبدأ الصراع الجوهري في ذاته من جديد.

و اعتبرت الصراع بين النقائض قانونا كونيا عاما، لا يمكن أن يتخلف... و أنه هو السبب الرئيسي لوجود أي ظاهرة أو حركة في الكون أو على صعيد المجتمع الانساني.

فهذا التعميم الذي قالته الماركسية... ان هو إلا انطباع نفسي يمثل ما كان يعيشه المفكرون الماركسيون من صراع و خلافات اجتماعية، و ما كانت تحدثه هذه الصراعات من ردود فعل اقتصادية و سياسية و نفسية مؤثرة في وضعهم الشخصي و مصالحهم الخاصة. فحين اكتووا بنار الخلافات العامة و تضرروا من نتائجها... لم يستطيعوا أن يتحرروا من ضغط مفعولها الذهني... لكي يتصوروا الكون و المجتمع منسجما خاليا من الصراع و النزاع.

النقطة الثانية: إن أوروبا عاشت في عصر النهضة و ما قبلها: عصري الاقطاع و الرأسمالية، بشكل مركّز و واضح... كما هو الحال في إنكلترا و فرنسا على الخصوص، و ألمانيا و إيطاليا و بعض أوروبا الوسطى على العموم.

و حيث كانت أوروبا دون كل مناطق العالم الأخرى، تستقطب اهتمام الفرد الأوروبي عادة - بما فيهم ماركس و انجلز نفسيهما -، من النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية... فقد أصبح هذا الوضع الأوروبي هو المثال الأفضل لأهم مراحل نظرية المادية التاريخية التي وضعها ماركس و انجلز... و الميدان الرئيسي للتركيز عليه كوضع ظالم و مجحف، و التبشير

ص:38

بإمكان - بل بضرورة - تحوله إلى وضع مريح و سعيد... و العمل الجاد في سبيل ذلك بتنظيم الأمميات و الأحزاب الاشتراكية، من أجل نقل المجتمع الأوروبي من وضعه المجحف إلى الوضع الأفضل الذي بشرت به المادية التاريخية.

... بل أصبح التعميم من الوضع الأوروبي، و صفات المجتمع الأوروبي إلى كل البشرية و التاريخ البشري، ممكنا في نظر الماركسيين...

لأن أوروبا هي المثال الأفضل الذي يتركز به الوجود البشري و التاريخ البشري كله!!!.

و من هنا أيضا لا نرى أي اهتمام حقيقي في كلام الماركسيين بسائر مناطق العالم، حتى روسيا القيصرية، قبل أن ينبثق فيها الأمل بتحولها إلى الاشتراكية. فضلا عن بلدان آسيا و افريقيا و أمريكا بوضعها الموجود خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

و لو وزعت الماركسية نظراتها بانتظام، على مناطق العالم، في توزيع مراحل المادية التاريخية... لوجدت في ذلك صعوبات جمة، لمدى الاختلاف التاريخي الكبير الذي عاشته أوروبا عن سائر مناطق العالم... بما فيه روسيا القيصرية نفسها، كما اتضح بعد ذلك العصر بقليل.

فإنه بالرغم من أن أمل ماركس و انجلز، كان منعقدا على تحوّل فرنسا و انكلترا إلى الاشتراكية بعد أن مرت بالفترة الرأسمالية... و عدم تحول الاقطاع الروسي القيصري إلى الاشتراكية، لضرورة مروره بالفترة الرأسمالية طبقا لمفاهيم المادية التاريخية. بالرغم من ذلك وجدنا روسيا تنقلب إلى الاشتراكية بعد الاقطاع مباشرة، و ان الرأسمالية تبقى إلى أمد غير محدود في فرنسا و إنكلترا و اضرابهما... على خلاف نبوءة الماركسيين و قواعد المادية التاريخية!!!.

و من الطريف أن الجيش البلشفي (الماركسي) نفسه بقيادة (لينين) هو الذي استطاع خرق هذه الضرورة التاريخية، و الاستغناء عن الوضع الرأسمالي في روسيا و الطفرة بها من الاقطاع إلى الاشتراكية... و لعل قيامه بهذه المعجزة مستند إلى إيمانه العميق بهذه النظرية المقدسة!!!...

و سيأتي في داخل الكتاب بحث كل هذه الأمور مفصلا...

ص:39

النقطة الثالثة: ان ماركس استطاع أن يشخص في نفسه و غيره، حقيقتين مقترنتين:

الحقيقة الأولى: اتصافه بالذكاء الكافي و العبقرية التي تؤهله لوضع النظريات الدقيقة، و قيادة الناس على أساسها.

و هذه العبقرية واضحة الثبوت له، بعد أن استطاع أن يستعملها أوسع استعمال. فوضع من الناحية النظرية أطروحة فكرية متناسقة تفسر الكون و الحياة على حد سواء. و استطاع أن يشارك من الناحية العملية في تطبيق هذه النظرية و قيادة الناس على أساسها، بمقدار إمكانياته و ظروفه.

الحقيقة الثانية: فهم ماركس بعبقريته أن قيادة الناس و استقطاب عواطفهم و استغلالها، يكون يسيرا للغاية لو أوجدت لهم نظرية مشتملة على عنصرين أساسيين:

العنصر الأول: كونها مستوعبة استيعابا كافيا للكون و الحياة، و تعطي فهما متكاملا عن ذلك. فإن هذا العنصر مما يجلب الاهتمام و الاحترام لأي نظرية تحتوي عليه.

العنصر الثاني: كونها مبشرة بمستقبل سعيد تزول فيه الآلام و تتحقق فيه الآمال... يكون هو نتيجة الأعمال و الجهود البشرية... و خاصة الواعية و الهادفة منها.

فإذا استطاعت النظرية أن: تقول أن: هذا المستقبل ضروري الوجود و ليس محتملا فقط. و استطاعت أن تبرهن على ذلك من نفس تسلسلها الفكري المتناسق... استطاعت استقطاب أكبر قدر ممكن من العواطف و المؤيدين.

و قد استطاع ماركس أن يجمع بين هاتين الحقيقتين حين رأى من نفسه قابلية القيادة و لذتها، فوضع نظريته المنسجمة عن الكون و الحياة، و استطاع أن يمزجها بالتنبؤ بالمستقبل السعيد، لكي يستقطب أكبر مقدار من العواطف و يجعل لأتباعه و مؤيديه هدفا يسعون إليه و يعملون من أجله.

و لا زال العنصران الأساسيان في الحقيقة الثانية هما مثار الاحترام للنظرية الماركسية عند كثير من الناس، بل القناعة و الاندفاع عند عدد لا يستهان به منهم. و لا شك أنهما يدلان - على أي حال - على عبقرية واسعة، لو لا الفجوات التي يمكن أن نجدها في النظرية و في التطبيق معا،

ص:40

كما سوف نسمع مفصلا.

و هذا هو الفرق بين قيادة ماركس و اتباعه للناس، و بين قيادة غيرهم كنابليون - مثلا - حيث احتوى الآخرون على الذكاء القيادي دون الذكاء النظري، فأصبحوا قادة فكريين، لا يملكون أي فهم محدد للحياة فضلا عن الكون. و أما قيادة ماركس و أتباعه، فقد أصبحت قيادة عملية و نظرية معا... مما يسر له قيادة الناس إلى حد كبير.

النقطة الرابعة: ان ماركس شعر أن الخط المادي الالحادي خط مشروع في الرأي الأوروبي العام غير مستغرب... إذ لو لم يكن كذلك، لما استطاع ماركس أن يمارس القيادة على أساسه.

بل هو الاتجاه المفضل، لكل من يرى نفسه أفضل من الآخرين، و يرى لنفسه حرية العمل و الرأي، و أفضلية التمسك بكل جديد نتيجة الأجيال، و إن منعت عنه الأديان. هكذا كان اتجاه الفكر الأوروبي العام، يؤيده الاتجاه العلمي الذي يعتقد منافاته مع الاتجاهات الدينية المتمثلة بالكنيسة هناك.

إذن، فلم يذهب عن ماركس، نتيجة لذلك، ان القيادة الناجحة و المرغوبة اجتماعيا في أوروبا هي القيادة التي تنطلق من الالحاد و تقوم على نقد الواقع الديني نقدا مرا... و من ثم اتخذ هذا المسلك و مشى على هذا الطريق، كما سنسمع مفصلا.

النقطة الخامسة: التمهيد للنظرية الماركسية بنظريات فلسفية سابقة عليها تتبنى المادية الديالكتيكية... و قد تتوجت قبل ماركس بقليل بفلسفة هيجل، الذي اعترف المفكرون الماركسيون: أنه الرائد الأول لوضع الديالكتيك و الممهد للنظرية الماركسية(1).

النقطة السادسة: يتصف المجتمع الأوروبي الذي وجد فيه ماركس، بنقص أساسي، انطبع على ماركس و غيره... و كان له الأثر البليغ في تهيئة الأرضية العامة لنمو النظرية الماركسية.

فإن المجتمع الأوروبي ككل، بجانبيه المتدين و الملحد معا، كان يرى

ص:41


1- (1) انظر: أسس الفلسفة الماركسية، افاناسييف ص 20 و ما بعدها. و المادية الديالكتيكية لجماعة من الكتاب السوفييت ص 44.

الدين منحصرا بتعاليم الكنيسة بما فيها من تعصب و ظلم و مشاكل عقائدية و اجتماعية. فالمتدين كان يضطر إلى الرضوخ للكنيسة و الرضاء بواقعها مهما كان. و المتمرد كان يرى ببطلان الكنيسة بطلان الدين كله، و بظلمها و مشاكلها ابتناء الدين كله على المظالم و المشاكل... باعتبار كون الكنيسة هي الفرد الأمثل للدين، في نظره...

مع أنه لو كان للشعب الأوروبي درجة كافية من الموضوعية و التجربة في النظر و الفكر، و كان في البلاد الاسلامية الإمكانية الكافية على إبلاغ أفكار الاسلام و مفاهيمه إلى أوروبا كاملة غير منقوصة و صحيحة غير مشوبة...

لاستطاعت أوروبا منذ أول عهد نضتها أن تقرن تمددها على الكنيسة بالرجوع إلى حقائق الاسلام، و أن تعرف: أن الكنيسة لا تمثل كل الدين، بل و لا شيئا من الدين بالمرة... و إنما تمثل الجبروت و الظلم و الإثراء غير المشروع باسم الدين و باسم الدعوة الالهية المقدسة. و ليس شيء من ذلك في الاسلام موجودا، مما ييسر لأوروبا الحصول على البديل الصالح عن الكنيسة في الاسلام، لا أن ترتمي في أحضان الالحاد دون وعي.

إذن، فالنقص الأساسي الموجود في المجتمع الأوروبي، هو عدم محاولة استيعاب النظريات المعروفة في العالم بالبحث و التحليل، لعلها تجد في إحداها الحق المفقود و العدل الضائع... بل و عدم النظرة الموضوعية تجاه أي فكر سوى ما خلقته أوروبا لنفسها من نظريات في تفسير الكون و الحياة.

و حين انعدمت محاولة الاستيعاب، كان من الواضح و الطبيعي، أن لا تصل أوروبا إلى الاسلام، و أن لا تتعرف على مفاهيمه، و أن لا تطلع على مصادره و منابعه... فتضطر إلى أن تتمسك بأي بديل آخر للكنيسة لمجرد أنه يحتوي على درجة من السعة و الأهمية.

و من ثم لم يكن لماركس و لا لغير ماركس، في ذلك المجتمع أن يحاول استيعاب المصادر البشرية بالبحث و النظر... و ليس له إلا أن يعيش جو الأنانية الفكرية في تقديس المعطى الأوروبي و رفض غيره من ناحية عاطفية... من دون أن يكون مستعدا لسماع الدليل و البرهان.

إذن، فمن المحتمل - على أقل تقدير - لو كانت النظرة الموضوعية المستوعبة موجودة في المجتمع الأوروبي... أن لا توجد النظريات

ص:42

الماركسية، و لا غيرها، بعد أن يطلع ماركس على البديل الصالح. أو - لا أقل - من أن ماركس حين يضع نظريته، سوف لن يجد التجاوب الكافي في المجتمع، بعد أن كان الفرد الأوروبي الاعتيادي قد اطمئن إلى البديل الصالح الذي يستغني به عن الماركسية و عن نظرتها العامة للكون و الحياة.

و من هنا نعرف، مقدار التأثير العميق لهذا النقص لدى ماركس خاصة، و المجتمع الأوروبي عامة، من تأثير في وجود النظرية الماركسية و تهيئة البيئة الذهنية العامة لتلقيها و استقبالها استقبالا حسنا. بالرغم من أن هذا النقص قد يغفل عنه الكثيرون، و خاصة الفرد الأوروبي باعتبار اعتزازه بنفسه و مجتمعه، و نظره المتطرف إلى الاسلام و بلاد الاسلام.

بل ان أوروبا لم تستطع نشر نظرياتها في الشرق الاسلامي، ماركسية و غيرها، إلا بعد أن استطاعت تزريق نقصها بنفسه هناك ففصلت بين الشعب و دينه، و أفرغت ذهنه منه، و ملأت الفراغ باعتراضات على التكوين الديني و بالنظريات المبتدعة في المجتمع الأوروبي نفسه... و تقبل الناس في الشرق الاسلامي، هذا التخطيط الهدام، بكل صفاقة و إهمال.

الأطروحة الثالثة: لتفسير ولادة الفكر الماركسي:

و هي الأطروحة المبتنية على أساس التخطيط العام لليوم الموعود، الذي سبق أن عرضناه في الكتابين السابقين من هذه الموسوعة، و سيأتي في القسم الثالث من هذا الكتاب عرضه من زاوية أعمق و أوضح.

و من مهم تطبيقاته هو التعرض إلى تفسير وجود المادية عموما و الماركسية خصوصا في المجتمع البشري. و ستأتي تفاصيل ذلك... و إنما ينبغي في المقام أن نعطي صورة موجزة عنه، بالمقدار الذي ينسجم مع الترتيب المنهجي لهذا الفصل.

و ذلك: أنه ثبت بالدليل الدال على التخطيط الالهي العام، أن الهدف الذي استهدفه اللّه تعالى من إيجاد البشرية، و هو تطبيق العدل الكامل في ربوعها... يتوقف على مرور البشرية بظروف الاختبار و التمحيص، و هي الظروف التي يكون فيها الايمان صعبا و محتاجا إلى تضحية و قوة إرادة،

ص:43

و هي ظروف الظلم و الانحراف، حيث يكون الاتجاه العام للعالم هو ذلك، و يكون الايمان استثناء و شذوذا، فيحتاج الالتزام به و السير على طبقه في الحياة إلى المرور بمصاعب و تضحيات، قد تكبر و قد تصغر تبعا لظروف الفرد المؤمن و حاجاته العامة و الخاصة. بينما لا يحتاج الظلم و الانحراف، إلى أية كلفة، لأنه موافق للاتجاه العام و المصلحة الخاصة، في كثير من الأحيان.

و إذ يكون الأفراد العاديون من البشر، و هم كثرتهم الكاثرة، لا يملكون قوة في الارادة و استعدادا للتضحية في سبيل الايمان و العدل، فسوف يكون سلوكهم مطابقا للاتجاه الأسهل لهم، و هو اتجاه الظلم و الانحراف. و يوجد إلى جنب هذه الكثرة خلاصة بشرية قليلة في العدد كبيرة في الارادة و الاخلاص و الاستعداد للتضحية، تجاه الحق و العدل...

فهؤلاء هم الذين يكون التمحيص سببا في زيادة تمسكهم بالايمان و اندفاعهم في طريقه.

... و هؤلاء هم النخبة الصالحة التي يكون على عاتقها شرف القيادة لايجاد اليوم الموعود السعيد للبشرية. ذلك اليوم الذي وجدت البشرية وضحت الأجيال و كرست الجهود من أجله على طول الخط التاريخي الطويل.

و قد برهنا أن البشرية ما لم تمر بظروف من الظلم و التمحيص هذه، و ما لم تحصل نخبة ممحصة الايمان قوية الإرادة من البشر، لم يكن بالامكان أن يحصل لها اليوم الموعود مهما طال الزمن. و حيث أن هذا اليوم الموعود السعيد قطعي الحدوث، لكونه الهدف الأعلى من وجود البشرية، إذن تكون أسبابه و مقدماته قطعية الحدوث أيضا. و حيث أحرزنا بالبرهان أيضا أن ظروف الظلم و التمحيص من مقدماته أيضا، كانت هذه الظروف قطعية الحدوث أيضا.

حتى ما إذا تمخض التمحيص عن درجة عليا معينة من الايمان، و الاخلاص و قوة الارادة في نفوس عدد كاف من المؤمنين لفتح العالم بالعدل... استحقت البشرية يومئذ أن تحظى بشرف تطبيق العدل المطلق على وجه الأرض.

فهذا ملخص مما ينبغي أن نعرفه الآن... و سيأتي تفصيل ذلك في القسم الثالث من هذا الكتاب.

ص:44

فإذا تم لدينا كل ذلك، أمكننا أن نضع أيدينا على رءوس الخيوط الرئيسية لموقف الماركسية من التخطيط الالهي... و بتعبير أحسن: موقف التخطيط الالهي من الماركسية خاصة و المادية كلها عامة... كمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: ان ظروف الظلم و التمحيص السابقة على وجود الماركسية.

... بما تضمنته من أكثرية بشرية جاهلة... و انحسار الحقائق العادلة عن الأذهان، و عدم وصولها إلى الكثير من المفكرين في العالم، كما سمعنا في الأطروحة الثانية.

... و بما تضمنته هذه الظروف من انسياق البشر عادة وراء شهواتهم و مصالحهم، بغض النظر عن الأخلاق و العدالة.

... و بما في ذلك حب القيادة و الزعامة التي حدث بكثير من ذوي القابليات، إلى استغلال هذه الظروف و الاستعلاء على الناس و إيجاد المظالم و المشاكل فيهم.

... و بما تضمنته هذه الظروف أيضا، من خواء عقائدي لدى الكثرة الكاثرة من البشر، و الشعور بالحاجة إلى تكوين نظري كامل يلم شعثهم و يحل مشاكلهم... مما يسّر لنظرية عامة كالماركسية أن تحظى بالاعجاب و الاحترام و أصبحت محط الآمال لفترة من الزمن.

... في هذه الظروف، ولدت الماركسية. لتقوم بالزعامة النظرية الاجتماعية للبشر الخاوين المتلهفين للمستقبل الأفضل.

النقطة الثانية: إن الماركسية، بصفتها تتضمن مادية مفلسفة و معمقة، تندرج في الفكرة التي قلناها من تصاعد التمحيص و تعمقه باستمرار... فتكون مشاركة في مستوى عال جدا من التمحيص الالهي... من دون أن تعلم.

و ذلك: اننا إذا سبرنا تاريخ البشرية خلال الألف سنة الأخيرة، نجد انطباق هذه الفكرة بكل وضوح... فانه منذ أن وجدت الأطروحة العادلة الكاملة، يحسب التخطيط العام، وجدت إلى جنبها المادية متدرجة في التعقيد، و موازية - إلى حد كبير - مع الزيادة التدريجية في الدقة و العمق

ص:45

لفهم الأطروحة العادلة الكاملة.

فإن هذه الأطروحة، المتمثلة بالاسلام، كما سبق أن برهنا في تاريخ الغيبة الكبرى(1)، لاقت منذ أول عهدها المادية متمثلة بعبادة الأصنام...

تلك المادية الضحلة التي لم تكن تستند إلى دليل إلاّ مجرد التقالية و العادات.

ثم ابتليت إبان العهدين الأموي و العباسي بالزنادقة و الشكاكين و اتجاهات متطرفة من الفلسفة اليونانية و الوسيطة. و هي اتجاهات مادية كانت تحاول أن تلبس لبوس الدليل و العاطفة. و لكنها على أي حال، كانت استثناءات من القاعدة الرئيسية التي كانت للمجتمع المسلم و هو التدين بالاسلام، و كانت مغطاة بالوضع العام، لا تبدو على السطح الواضح بصراحة.

و لم تكد تنتهي هذه العهود، إلاّ و كانت أوروبا قد بدأت نهضتها الفكرية، و هي مادية الاتجاه عموما تدعو إلى تجاهل وجود اللّه - على أقل تقدير - و فصل الدين عن اندولة و القانون.

و بالتدريج حاول الأوروبيون أن يدققوا ماديتهم هذه و يتعمقوا فيها، و استطاعوا بذلك أن يجعلوا الاتجاه العام نحو المادية بشكل يكون معه الالتزام بالعقيدة الالهية هي الاستثناء... بخلاف ما كان عليه العصر السابق، حتى في أروبا نفسها.

كما استطاعت أروبا أن تضفي على ماديتها نوعا من الأدلة العقلية و العاطفية لم يكن يستطيعها مادّيّو العصر السابق بحال... و بذلك تعمق التمحيص الالهي.

و لئن كانت المادية الأولى لعصر النهضة، تقتصر على التشكيك بوجود كل ما هو غير محسوس، و بالتالي غض النظر عن العقيدة الالهية و العدل الإلهي، ان تلك هي مادية الرأسمالية عموما... فإن المادية المتأخرة المتمثلة بالماركسية أصبحت أوسع من ذلك و أعمق، لأنها مادية مقترنة بفهم عام و مفلسف للكون و الحياة.

... و بذلك تعمق التمحيص الالهي، و أصبح الحصول على الايمان بالرغم من هذه المصاعب العقائدية، غاية في الصعوبة، بالنسبة إلى الفرد

ص:46


1- (1) انظر ص 261.

الاعتيادي. و لم يبق بإزاء ذلك، إلاّ ما سنذكره في النقطة التالية.

النقطة الثالثة: إن الماركسية أوجبت و توجب تعميق الفكر الاسلامي بالتدريج، من حيث لا تعلم؛ و ذلك بعد الالتفات إلى أمرين:

الأمر الأول: ان النقاش الفكري و الجدل العقائدي، موجب بطبيعة الحال، لعمق الفكرة و تدقيق المستوى الثقافي، باعتباره موجبا لا عادة النظر فيما كان يملكه الانسان من فكر و رأي و محاولة صياغته من جديد بشكل يتلاءم و حياته المتطورة، من ناحية، و يدفع عنه إيرادات الآخرين، من ناحية أخرى.

و هذا النقاش النظري، بطبعه، ممحص للأفكار و العقائد، فكثير ما يوجب موت الفكرة و فشلها بالمرة. فيما إذا كانت ضحلة و بسيطة و غير قابلة للصمود الفكري و الاجتماعي. و لا تبقى بعد المرحلة المعمقة من هذا التمحيص، إلاّ الأفكار الكبرى، التي تملك القوة الكافية للصمود الفكري و الاجتماعي، تجاه إيرادات الآخرين و التكثيف لمتطلبات الحياة.

و إذا بلغ النقاش أقصاه، و هذا التمحيص غايته، لم يكن في إمكان أي عقيدة أو فكرة للبقاء و الاستمرار، ما لم تكن مطابقة للواقع، و مقدمة للتفسير الحقيقي للكون و الحياة.

الأمر الثاني: إن الأطروحة العادلة الكاملة السائرة نحو التطبيق الكامل على وجه الأرض، بحسب التخطيط الالهي، محتاجة إلى التعميق الكبير في أذهان البشرية، لكي تكون البشرية على مستوى فكري و عاطفي، تكون معه قابلة لفهم و تطبيق القوانين و المفاهيم العميقة التفصيلية التي تعلن في الدولة العالمية يومئذ، كما سمعنا في (تاريخ ما بعد الظهور) و نسمع نموذجا آخر منه في القسم الثالث من هذا الكتاب.

فبضم هذين الأمرين، نستطيع أن نفهم مدى الأثر الضخم الذي تخلفه المادية عامة و الماركسية خاصة في تدقيق الفكر الاسلامي، و تعميق مستواه في أذهان المسلمين. و ذلك على عدة مستويات:

المستوى الأول: محاولة الجواب على الايرادات التي توردها المادية على الدين عموما و الاسلام خصوصا... و بذل جهد فكري في ذلك... قد يستبطن الالتفات إلى أفكار و نظريات لم تكن موجودة في أذهان المسلمين.

ص:47

سواء في ذلك الصعيد العقائدي أو الفقهي أو التاريخي أو الاجتماعي أو غير ذلك.

المستوى الثاني: محاولة نقد النظريات المادية و كشف ما فيها من نقاط ضعف.

المستوى الثالث: محاولة إيجاد البديل الأصلح عن التفسيرات المادية للكون و الحياة، و محاولة فهم ذلك من المصادر الأساسية في الاسلام. و هو مستوى عال يتضمن بطبيعته الالتفات إلى أفكار أساسية و جديدة.

المستوى الرابع: محاولة اتخاذ أساليب جديدة مناسبة للعصر، لنشر الفكر الاسلامي على الصعيد العالمي، بإزاء ما تقوم به المبادئ الأخرى مادية و غيرها من أساليب للنشر و الاعلان و كسب الأفكار و الأنصار.

النقطة الرابعة: إن من أهم فقرات التخطيط العام، ان النظم البشرية، و النظريات التي تدعي حل مشاكل البشرية، سوف تواجه التمحيص، كما يواجهه الأفراد، و ذلك من خلال تطبيقها في عالم الحياة.

و سوف يبدو بالتدريج البطيء زيفها واحدة واحدة. حتى تيأس البشرية من كل هذه النظم السائدة و تشعر بعمق بالضرورة إلى وجود نظام منقذ يخرجها من وهدتها و ينتشلها من ورطتها. و هذا هو الشعور الذي سيساعد على تقبل البشرية للفكرة الاسلامية بمجرد عرضها كبديل عالمي صالح، عن جميع التجارب السابقة عليه، لكي يقوم بالاصلاح الكامل في اليوم الموعود.

و من هنا نستطيع أن نلاحظ مقدار مشاركة الماركسية في هذا المضمار فكرة و نظاما، فانها لا زالت تعيش تجربتها التطبيقية في العالم، و تواجه التجربة و التمحيص باستمرار... و لا زال ينكشف للرأي العام العالمي بالتدريج نقاط ضعفها، سواء من الناحية النظرية أو التطبيقية... حتى ان الماركسيين أنفسهم أصبحوا اليوم يناقشون نظريات ماركس نفسه و يطعنون بواضحات أفكاره، على ما سنسمع... فضلا عن غير الماركسيين.

و وضوح فشل النظام الماركسي في حل مشكلات الانسان، يعني أمرين رئيسيين في التخطيط الالهي:

الأمر الأول: إن فشلها يعني فشل إحدى الأنظمة الرئيسية التي تدعي حل مشكلات العالم. و بذلك تسير البشرية خطوة مهمة نحو اليأس من

ص:48

الأنظمة المعلنة، و الاتجاه في الأمل نحو نظام عالمي عادل جديد.

الأمر الثاني: ان الماركسية بصفتها إحدى النظريات المادية الدقيقة التي وضعت فهما كاملا للكون و الحياة، يكون فشلها معبرا بطريق أولى عن فشل أي تجربة أخرى تكون دونها أو مثلها في المستوى الفكري و التطبيقي.

... فهذه هي النقاط الأربعة التي تمثل الجوانب المهمة من موقف التخطيط الالهي من المادية عموما و الماركسية خصوصا. و سيأتي من خلال القسم الثالث ما يسند و يوضح هذه الجوانب أيضا.

ص:49

التمهيد الثالث: مصاعب النقاش مع الماركسيين

لا بد لنا و نحن بصدد عرض الآراء الماركسية و مناقشتها، أن نعرض السؤال التالي و نحاول الجواب عليه. و هو انه هل يكون النقاش مع الماركسيين ممكنا و مجديا أم لا؟.

و في جواب هذا السؤال، لا بد لنا من أن نمر بعدة نقاط:

النقطة الأولى: ان النقاش ليس عارا على أية نظرية أو فكرة، بل ان الحقيقة دائما بنت البحث، و أحر بالفكرة الصائبة أن تثبت جدارتها و عمقها عن طريق النقاش.

إلاّ أن النظريات إنما تكون ممكنة المناقشة مع حصولها على عدة خصائص معينة، و بدونها تكون المناقشة معها على درجة من التعقيد.

الخصيصة الأولى: أن تكون الفكرة أو مجموعة الأفكار محددة مفهومة، بحيث يمكن أن تبيّن و تتعقّل بأسبابها و صيغتها و نتائجها، لكي يمكن أن تسدد إليها سهام النقد و المناقشة.

أما إذا كانت الفكرة، أو التكوين الفكري، مشوشا غير محدد و لا مفهوم، بحيث يحار المفكر في بيان حدوده و ترتيبه... فبالطبع يكون هذا التكوين غير قابل للمناقشة. و يسري الاختلاط الموجود في أصل الفكرة إلى الاختلاط في النقاش أيضا.

الخصيصة الثانية: ان تكون هناك نقاط مشتركة بين المتناقشين، يمكن أن يبدأ منها النقاش أو أن ترسو عندها النتائج، و هي الأصول المسلمة في الجدل عادة.

و أما إذا لم تكن هناك أسس مشتركة بالمرة، إما باعتبار بعد الشقة النظرية بينهما، بحيث لا توجد أية حقيقة مشتركة يؤمنان بها معا... أو باعتبار ان الطرف الآخر يسهل عليه إنكار الحقائق التي تكون ضد مصلحة

ص:50

تكوينه الفكري... ففي مثل ذلك يكاد يكون النقاش غير ممكن أو غير مجد.

الخصيصة الثالثة: أن تكون لدى أصحاب التكوين الفكري و المدافعين عنه، الروح الموضوعية العلمية الكافية، و أن يكون رائدهم النهائي هو الحقيقة، بحيث يكونون على استعداد بالتسليم بكل مناقشة يثبت صدقها، و إعادة النظر بكل فكرة يثبت زيفها، من دون لف و دوران.

و بدون ذلك يكون النقاش أيضا، غير ذي جدوى.

و سنرى في النقاط التالية: ان كل هذه الخصائص الثلاث غير واضحة التوفر في الفكر الماركسي... بل بعضها واضح الزيف في نظرهم، على ما سنرى.

النقطة الثانية: ما هو الفكر الماركسي، و كيف يصح نسبة الفكرة المعينة إلى الماركسية، و هل للماركسية كيان محدد يمكن أن يعرض و يشار إليه أم لا.

... إننا إن أجبنا بنعم، فمعناه توفر الخصيصة الأولى فيه، و إلاّ فانها غير متوفرة بطبيعة الحال.

إن أفكار كارل ماركس نفسه... هي أفكار ماركسية بطبيعة الحال، بمقتضى الاضافة اللفظية، كما هو واضح... إلا أن تاريخ الفكر الماركسي، سار في طريق أوسع من هذا بكثير.

فإن التكوين النظري الذي اعترف به ماركس و استند إليه نظريا، لم يكن له وحده، بل كان - في الواقع - نتيجة لمساندة انجلز له و معاونته إياه في الفكر و العمل. و لكن اعترف انجلز ان التكوين الرئيسي للفكرة هو من صنع ماركس نفسه، و بذلك يستحق نسبتها إليه، و ان كان انجلز قد شارك في صنع العديد من جوانبها(1) - و لكن يبدو انها بمجموعها مرضية تماما لكلا الشخصين. و قد غلب على ماركس الجانب الاقتصادي في كتابه (راس المال) و غلب على انجلز التركيز على المادية الديالكتيكية في كتابه (ديالكتيك الطبيعة) و المادية التاريخية في كتابه (أصل العائلة) و غيره.

إذن، فالتكوين النظري الأصلي للماركسية هو ما استند إلى هذين

ص:51


1- (1) انظر: لودفيج فورباخ لانجلز. هامش صفحة 46.

الشخصين بالذات، خلال وجودهما في العصر التاسع عشر.

ثم توالت التجارب... تترى... و كان بعضها خلال حياة هذين المفكرين، و لعل أهمها ثورة باريس المسماة بكومونة باريس، التي أظهرت نقاط الضعف لهذين الشخصين في نظريتهما حتى صرحا في البيان الشيوعي:

ان بعض نقاط هذا البرنامج قد شاخت(1) و انه لا بد من إجراء التعديل على بعض الفقرات(2).

و أباح ماركس و انجلز لأنفسهما أن يغيرا من النظرية بمقدار ما ظهر لهما زيفه... و كيف لا، و إن الأفكار أفكارهما فلهما أن يتصرفا فيها كيف شاءا... و إن كان هذا التغيير لو قام به غيرهما لاعتبراه خارجا على تعاليمهما.

و فارق هذان المفكران الحياة، و التجارب لا زالت تترى، و لا يمكن أن تتوقف. و التجارب لا تحترم أحدا و لا ترحم رأيا و لا تغتر بالظواهر.

... و استطاعت الماركسية، ردحا من الزمن، أن تكسب احترام عدد من الناس نتيجة للظلم المعاش في روسيا و أروبا عموما، إلى جانب الدعاية الشيوعية الواسعة النطاق في تلك البلدان، و التركيز على أنه لا يمكن الهرب من الاقطاع أو الرأسمالية إلا إلى الماركسية، لأنها هي الحل الوحيد للمشاكل الانسانية.

و اصطدمت التعاليم و المفاهيم الماركسية بالواقع، و تحير الناس في التوفيق بينها و بين الواقع، و حدثت مئات الأسئلة في الأذهان... فكان من الطبيعي أن يستعمل العديدون من مفكري هذه العقيدة، قابلياتهم الذهنية للتصدي لتذليل هذه العقبات سواء من الناحية الفلسفية أو الاجتماعية...

فوجدت، نتيجة لذلك، عدة أطروحات لفهم الماركسية في روسيا و أروبا مثل آراء بليخانوف و لينين و كاوتسكي و تروتسكي و هيلغر دينغ، و غيرهم.

و لم يكن الفكر الماركسي الأصلي - في الواقع - أقرب إلى أحدهم، من الآخر، لأن كل واحد منهم يقول: بأن ماركس أراد أن يقول هكذا، لا غيره. و من الصعب جدا من الناحية الموضوعية، أن نتصور أن أشخاصا

ص:52


1- (1) انظر: البيان الشيوعي ص 6.
2- (2) المصدر نفسه ص 19.

بأعيانهم أقرب إلى مجموع النظرية من الآخرين. بل لربما أن هذا فهم هذه الجهة من كلام ماركس بشكل أصوب، و ذاك فهم تلك الجهة بشكل أصوب، و هكذا، تبعا لاختلاف اختصاصات الأفراد و تجاربهم الحياتية و العلمية و غيرها، و بالتالي لا يتعين للأجيال المتأخرة، من هو الأقرب و من هو الأبعد بشكل مطلق.

إلا أن ظروف ثورة أكتوبر من ناحية، و ظروف الحرب العالمية الثانية من ناحية أخرى... جعلت من بعض هؤلاء المفكرين حكاما و قادة و مسيطرين. فأصبحت القوة إلى جانب تفسير معين للماركسية، هو التفسير الذي يتبناه هؤلاء القادة، و أصبح هو التفسير الرسمي الصحيح، و غيره هو الباطل الذي يمثل الانحراف و (المثالية) و قصر النظر. و أصبح ذووه مستحقين للقتل و التشريد.

و أصبحت السيطرة الحقيقية فكريا و اجتماعيا للقائد الأعظم (لينين) و أصبح تفسيره للماركسية هو الصائب. و كان من وافقه كبليخانوف على صواب و كان من خالفه كتروتسكي و غيره على خطإ.

و بقي الحال على ذلك، و بقي الحق إلى جانب القوة، متمثلا في ستالين، ثم خروشوف ثم الحكام السوفياتيين المعاصرين. و بقيت الدراسة الرسمية في جامعات البلدان الاشتراكية منطلقة من ذلك على الدوام.

و كانت هذه البلدان هي الطليعة الأولى في القرن العشرين لسحق المعارضة و كم الأفواه.

و كان لذلك استثناءان:

الاستثناء الأول: الايديولوجية الصينية (الماوية) لفهم الماركسية...

حيث استطاع ماوتسي تونغ أن يستقل عن الفهم السوفييتي الرسمي للماركسية، و يتخذ لنفسه فهما جديدا بقوة كاملة، تجعله بدوره رسميا و صحيحا!!!...

الاستثناء الثاني: ان ظروفا معينة أوجبت ايجاد أفكار ماركسية جديدة خلال الأعوام القليلة المتأخرة (العقد الثامن من القرن العشرين). و كان أهم هذه الظروف عاملان:

العامل الأول: ظروف الحرية النسبية التي تبنتها الحكومة السوفييتية

ص:53

كرد فعل للتقييد الذي عاشوه خلال عصر (ستالين)؛ تلك الحركة التي فسحت فرصة جديدة للماركسيين في أن يوضحوا و يفسروا الماركسية من جديد.

العامل الثاني: ظروف النقد اللاذع و الايرادات الفلسفية و التاريخية و الاجتماعية التي أوردت على الفكر الرسمي، الماركسي - اللينيني، من قبل المفكرين الاسلاميين و الأوروبيين الرأسماليين... بحيث اتضح للرأي العام بكل جلاء زيف هذا التكوين النظري، و ثبت للشيوعيين استحالة بقاء هذا التكوين على أهميته و هيبته في الأذهان من دون إصلاح ورتوش.

و من هنا تحركت عدد من الأقلام لعرض الماركسية من جديد، بشكل يدعم ورود تلك الانتقادات عليه.

و سمح هؤلاء المفكرون لأنفسهم الطعن بماركس و انجلز بصفتهما برجوازيين!!!... و بصفتهما ذوي تجارب قديمة!! و بصفتهما ذوي تنبؤات فاشلة (بحدوث الثورة الاشتراكية في فرنسا و انكلترا)!.. و بصفتهما قابلين للخطأ و النقاش على أي حال.

كما سمح هؤلاء المفكرون أن يناقشوا الأفكار الأساسية للماركسية، فضلا عن التفاصيل... ففي الديالكتيك: لا يتضمن الشيء لنقيضه، و إنما توجد له ذاتيا عوامل الفناء. و في المادية التاريخية أكدوا على انقسام المجتمع إلى أكثر من طبقتين... و انه لا ضرورة على مرور البلد بجميع مراحل هذه النظرية... و في جانب الضرورة التاريخية: أكدوا على وجود حرية التصرف للفرد إلى حد كبير، و ان الحرية لا تنافي الضرورة.

و في جانب الاقتصاد، قالوا: إن الرأسمالية التي عرفها ماركس، هي الرأسمالية البدائية... و هناك رأسماليات لم يلتفت لها ماركس!! يكون آخرها مرحلة (الامبريالية)... إلى غير ذلك مما قالوه... و سنسمع الكثير من ذلك خلال مناقشاتنا الآتية.

بعد هذه الجولة التاريخية السريعة في الفكر الماركسي، يتضح ما نريد أن نقوله في هذه النقطة الثانية... فإن هذه الخلافات بين المفكرين الماركسيين تعطي نتيجة واضحة، و هي وجود درجة من الغموض و التشويش في تحديد (الفكر الماركسي)... بحيث لو عرضت الماركسية على شكل

ص:54

كهذا لصح، و لو عرضتها على شكل آخر لصح أيضا، و لو عرضتها على شكل ثالث لصح أيضا... فأي الأفكار هي (الماركسية) هل هي ماركسية ماركس أم ماركسية تروتسكي أم ماركسية ماوتسي تونغ أم ماركسية لينين أم ماركسية المحدثين كبولتزر و كوفالسون و غيرهما.

فأي هذه الأشكال هو الماركسية؟!.. ليس هو مجموعها بالطبع...

لوجود التنافي بينها... و ليس واحد بعينه أولى بماركس من الآخر... و من هنا تحار الاشارة في التوجه، و تزول الحديّة في التحديد.

فإذا وصل النقاش بين الماركسيين إلى الأفكار الأساسية، أصبح من الممكن الاشارة إلى فهمين متناقضين... كلاهما نسميه بالماركسية. فمثلا بينما آمنت الماركسية الأولى بضرورة تغير كل أوضاع المجتمع نتيجة لتطور وسائل الانتاج، قال الماركسيون المتأخرون: إنه إنما يؤثر في تغيير بعض الأوضاع، و في حدود الحرية النسبية دون الضرورة المطلقة.

و هذا المقدار من التناقض مع الفكر الماركسي هو الذي سار عليه الماركسيون المحدثون، بعد مواجهة العاملين السابقين... و هو اتجاه منفتح في داخل الماركسية يتضمن نقطة قوة من هذه الناحية.

إلا أن هذا الاتجاه يمنى بإيرادين رئيسيين ما دام يعترف كونه ماركسيا:

الايراد الأول: ان الفكر الماركسي الموروث... ينبغي أن يكون خاطئا جملة و تفصيلا، و يجب إعادة النظر فيه عموما. فإذا علمنا أن هذا الفكر هو الذي قامت على أكتافه ثورة أكتوبر السوفييتية، حتى أن لينين نفسه سجل أهم تطويراته الفكرية بعد الثورة، فضلا عن ستالين... عرفنا أن الفكر الذي قامت عليه ثورة أكتوبر فكر خاطىء... و هذه نتيجة مؤسفة بالنسبة إلى كل الماركسيين!..

الايراد الثاني: الخصيصة الرئيسية للماركسية الموروثة عن ماركس و انجلز... إنما هي استيعاب الكون و المجتمع بفهم شامل و متجانس، كما سمعنا.

و معه... فإيرادات الماركسيين المتأخرين و آراؤهم، ان أوجبت الطعن بالماركسية الأولى دون أن تأتي بالبديل... إذن، فقد خسروا الفهم المستوعب للكون و الحياة. و إن جاءوا بالبديل، لم يكن هو ماركسية، بل هو

ص:55

منسوب إلى صاحبه كنسبة آراء ماركس إليه... فهي - مثلا - خروشوفية أو كوفالسونية!!!... و معه ينبغي الابتعاد عن ماركس كمفكر فعلي و إعطاء الأهمية له من زاوية متحفية فقط. و هذا أيضا مما يعزّ على الماركسيين الاعتراف به.

النقطة الثالثة: سوف نسير في مستقبل البحث على تذليل هذه الصعوبة التي عرضناها في النقطة السابقة، على الشكل التالي:

أولا: الاعتماد في فهم الفكر الماركسي على ماركس و انجلز بصفتهما الواضعين الرئيسيين للنظرية... و اعتبار ما ناقض آراءهما من وجهات النظر خارجا عن الماركسية، و إن كان صادرا عن مفكرين ماركسيين.

ثانيا: الاعتماد في فهم هذه النظرية و تفسيرها على المسلك الرسمي السوفييتي الأول المتمثل بلينين و ستالين و بليخانوف... بصفته الحامل الأول لهذه الفكرة إلى العالم.

و هو إذا قورن من ناحية موضوعية إلى مسالك الآخرين الذين قضت عليهم الثورة، لم يكن أولى منها، كما قلنا... لكن الآراء الأخرى مجهولة التفاصيل و قليلة المصادر... مضافا إلى أن المسلك الرسمي هو المسلك المعترف به من قبل الشيوعيين في عالم اليوم.

ثالثا: الاعتماد على المفكرين الماركسيين المحدثين الذين لم يسمحوا لأنفسهم المناقشة في الافكار الماركسية الرئيسية... و إنما قبلوها و حاولوا إيضاحها من جديد. و إذا سنحت لهم المناقشة، فإنما يكون من زوايا جزئية.

... فهؤلاء يعتبرون، على المستوى الرسمي السوفييتي، نقلة أمناء للماركسية أمثال كيللي و كوفالسون و أفاناسييف و بوليتز و غيرهم... دون الآخرين الذين طعنوا في الأفكار الماركسية الأساسية.

و هنا ينبغي الالماع إلى أن التفسير السوفييتي للماركسية، هو الأقرب إلى الاعتماد من التفسير الصيني المادي. لأن التفسير السوفييتي بخطه الطويل هو الوريث المباشر للماركسية - اللينينية بطبيعة الحال، مهما أراد ماوتسي تونغ - و هو في أقصى الدنيا - أن يقول!!...

النقطة الرابعة: الخصيصة الثانية التي ذكرناها في النقطة الأولى لإمكان

ص:56

النقاش، غير متوفرة أيضا في الفكر الماركسي... و هي وجود مسلمات مشتركة يمكن أن ينطلق منها الجدال أو أن يقف عندها النزاع.

و كيف يمكن أن تكون هذه الحقائق موجودة، بين الماركسية و الاسلام، في حين أنهما يبدوان أمام الرأي العام على طرفي نقيض و بشكلين مستقطبين لا يمكن أن يلتقيا أبدا...

و أي شيء تكون هذه الحقائق؟... بعد أن اعتبرت الماركسية الدين نتاجا بدائيا جدا لوسائل الانتاج، و نصيرا للاقطاع، و أفيونا للشعوب، و صورة مكثفة للمثالية المقيتة!!!... كما اعتبر الدين الماركسية إلحادا و زندقة و ضيقا في النظر إلى الكون و المجتمع، و سيرا بالبشرية إلى مهاوي الفساد.

و مع وجود هذا التنافي الشاسع بينهما، لا يمكن أن توجد أي حقيقة مشتركة بينهما، يمكن أن ينطلق منها الجدال أو أن يقف عندها النزاع.

و قد ينتج من ذلك: أن الفكر الديني لا يستطيع أن يجيب على آراء الماركسيين أو أن يناقشهم... أو على الأقل، لا يستطيع إقناع الماركسيين بآرائه، فكيف يصح لنا الكلام، و نحن ننطلق في النقاش من زاوية دينية؟!..

إلا أن هذه الصعوبة، يمكن تذليلها بكل سهولة... كما يلي:

أولا: إن هذه النتيجة المومى إليها، تأتي بالنسبة إلى الماركسية أيضا... إذ مع انعدام المسلمات المشتركة، ينجح أيضا عدم إمكان إقناع المتدينين ضد فكرتهم أيضا، تماما كما هو شأن الماركسيين.

و لكن هل هذه النتيجة صحيحة، بالنسبة إلى المتدينين... هذا ما سنعرفه فيما يلي.

ثانيا: إن الماركسية انطلقت في فهمها لنظريتها و في الاستدلال عليها، من أمثلة مقتبسة من واقع الطبيعة و المجتمع. فإذا استطعنا أن نعرف أن الواقع الموضوعي للوقائع، كالكاسة الفارغة، يمكن أن تملأه بأكثر من رأي و فلسفة و تفسير، و لا يتعين في فهمه الاتجاه الماركسي.

... و إذا استطعنا أن نفهم أن ما استشهدت به الماركسية من الوقائع إنما هو غيض من فيض لا يمكن الانطلاق منه إلى استنتاج النظرية العامة.

إذا استطعنا هذا و ذاك و غيرهما، استطعنا أن نمشي في النقاش خطوات

ص:57

كبيرة.

ثالثا: إننا سنسمع وجوها للمناقشة مستنتجة من القواعد الماركسية نفسها. و هي تكون ملزمة بالنسبة إلى من يؤمن بهذه القواعد مع التأكد من صحة الاستنتاج.

رابعا: إننا قد ننطلق إلى المناقشة من أسس عقلية قد لا يؤمن بها الماديون... و غايتنا من ذلك بيان: أننا لا يمكننا الايمان بنتائج أفكارهم و ان آمنوا بها و التزموا بصدقها، لأنها منافية لمبادئنا العقلية.

خامسا: إننا سوف ننطلق إلى مناقشة الماركسية من مستويين:

المستوى الأول: النظر في تفصيل النظرية و إعطاء المناقشة لكل فقرة منها على حدة. و هذا ما سنسير فيه على هدى الفقرات السابقة.

المستوى الثاني: النظر إلى مجموع النظرية الماركسية ككل و إعطاء البديل الأصلح عنها. فإننا سنعوض عن المادية التاريخية بنظرية التخطيط العام الالهي و سننطلق عن طريق المقارنة إلى مناقشات أساسية و جديدة.

و ستكون هذه المناقشات أكثر عمقا و ضبطا و ترابطا من المستوى الأول، بالرغم من صحة كلا المستويين. و هذا ما سنذكره خلال عرض نظرية التخطيط العام في القسم الثالث من الكتاب، و سنقتصر في هذا القسم على المستوى الأول من المناقشات.

النقطة الخامسة: إن الخصيصة الثالثة لامكان النقاش، مما عرفناه في النقطة الأولى، و هي تجرد الباحث و موضوعيته... الذي هو الشرط الأساسي للدخول في أي نقاش و لاحتمال قبول أي نتيجة... إذ بدونه يمكن رفض أي نتيجة، مهما كانت صادقة و مبرهنة.

هذه الخصيصة... استطاع الماركسيون في وضعهم الفكري و الاجتماعي، أن يقيموا القرائن على رفضها و الابتعاد عنها كأنها من الخصائص القاتلة للنظرية و التطبيق!!...

و يتلخص بيان موقف الماركسيين من هذه الموضوعية، في مرحلتين:

المرحلة الأولى: إنكارهم وجود الموضوعية و التجرد الذهني لأي فكر أصلا. و إنما يعتبر الفكر عموما نتاجا طبقيا و حزبيا معينا.

قال كوفالسون:

ص:58

«ينبغي التمييز بين الموضوعية و الموضوعانية.

التعبير الأول يستخدم لوصف المعرفة العلمية، و الثاني لوصف الموقف النظري (!) أي على وجه الضبط موقف (اللاتحيز) في معرفة الحياة الاجتماعية، موقف المراقب غير المتحيز الموضوعي المزعوم للعمليات الاجتماعية. و قد انتقد لينين الموضوعانية انتقادا حادا، و اعتبرها شكلا مستورا و مقنعا للتعبير عن الحزبية»(1).

و أضاف:

«فليس موقف المراقب الحيادي موقف اللامبالاة و عدم الاكتراث، بل الاشتراك الفعال في الحياة الاجتماعية»(2).

فكأن الموضوعية عنده، تعني عدم الاهتمام بالحياة الاجتماعية و الانصراف عنها... في حين أن الاهتمام بها يعني شيئا آخر غير الموضوعية أو الموضوعانية - كما سماها -. و هذا الاهتمام ضروري بطبيعة الحال، إلا أن وجود الموضوعية أيضا ضروري، لأنها تعني - بكل بساطة - استعداد الذهن لقبول الحقيقة، و عدمها يعني الجمود على الفكرة لمجرد الموافقة مع الهوى و المصلحة الخاصة ليس إلا. و الدعوة إلى «النضال من أجل وحدة الموضوعية العلمية و الحزبية»(3) يحتوي على تهافت في التفكير، لوجود التنافي الواضح بين الاتجاه الموضوعي و الاتجاه الحزبي.

المرحلة الثانية: إننا حين نستقرئ كلمات الماركسيين و مؤلفاتهم و طرق تفكيرهم، نجدهم قد طبقوا نظريتهم في انتفاء الموضوعية و التجرد بشكل واضح.

و ذلك في عدة حقول:

الحقل الأول: إنهم يستعملون الشتم عند الحاجة لكل معارض، مهما كانت الفكرة نظرية، أو كان المتناقشون مفكرين على مستوى عال.

اسمع معي لينين ينتقد اشتراكية ما قبل ماركس:

«و قد جاءت ثورة 1848 تسدد ضربة قاتلة لجميع الأشكال الصاخبة المبرقشة اللاغطة الاشتراكية ما قبل ماركس... و تكشف جميع المذاهب التي تقول باشتراكية لا طبقية و بسياسة لا طبقية عن ثرثرة باطلة»(4).

ص:59


1- (1) المادية التاريخية. كليلة و كوفالسون ص 28/27.
2- (2) المصدر ص 28.
3- (3) المصدر و الصفحة.
4- (4) مختارات لينين ج 1 ص 16.

و اسمعه يتحدث عن تقدم الفيزياء الحديثة و كيف يرى أنه:

«قد أثبت بشكل رائع صحة مادية كارل ماركس الديالكتيكية رغم أنف مذاهب الفلاسفة البرجوازيين و رغم إرادتهم «الجديدة» نحو المثالية القديمة المتهرئة»(1).

و على هذا الغرار...

حتى رفيقاه في النضال: بليخانوف و ستالين... لم ينجوا من لسانه: -... بليخانوف الذي قال عنه لينين:

«لا يمكن للانسان أن يصبح شيوعيا حقيقيا و اعيا ما لم يدرس كل ما كتبه بليخانوف في الفلسفة. لأنه خير ما يوجد في مجمل نتاج الفكر الماركسي في جميع البلدان»(2).

قال عنه أيضا:

«لم يتمسك ماركس بشجب دعي لحركة «جاءت في غير أوانها على غرار الماركسي الروسي المرتد بليخانوف الذي اشتهر شهرة لا يغبط عليها... أخذ يصرخ على نمط الليبراليين: ما كان ينبغي حمل السلاح»(3).

و أما ستالين فحذر منه قائلا:

«ان الرفيق ستالين الذي أصبح أمينا عاما، قد حصر في يديه سلطة لا حد لها.

و أنا لست على ثقة في أنه سيعرف على الدوام كيف يستعمل هذه السلطة بما يكفي من الاحتراس»(4).

و قال عنه أيضا:

«إن ستالين مفرط في الفظاظة... و لهذا اقترح على الرفاق أن يفكروا في أسلوب لنقل ستالين من هذا المنصب و تعيين شخص آخر لهذا المنصب، يمتاز من جميع النواحي الأخرى عن الرفيق ستالين بميزة واحدة فقط هي أن يكون أكثر تسامحا و أكثر ولاء و أوفر لطفا و أشدّ انتباها للرفاق، و أقل تقلبا في الأهواء»(5).

أما أعداؤه الكلاسيكيون، فهم الوحوش الضواري تماما. اسمعه يقول - فيما يقول -:

«إن ضواري الامبريالية الانجلو فرنسية و الامريكية، يتهموننا بالاتفاق مع الامبريالية الالمانية، فيا للمنافقين و يا للأوباش الذين يفترون على حكومة العمال و ترتعد

ص:60


1- (1) المصدر ص 23.
2- (2) فلسفة التاريخ: بليخانوف. ص 4.
3- (3) الدولة و الثورة من مختارات لينين ج 2 ص 217.
4- (4) رسالة إلى المؤتمر من نفس المصدر ج 4 ص 271.
5- (5) المصدر ص 273.

فرائصهم في الوقت نفسه أمام العطف الذي يبديه عمال بلدانهم بالذات علينا»(1).

فكيف تقوم الايديولوجية الكبرى على مثل هذه الشتائم؟!...

الحقل الثاني: إضفاء أكبر الصفات و أهم آيات المدح العاطفي و الفكري لأي شخص ينسجم معهم في الفكر و العمل.

و بالرغم من أن الجهة العقلية التامة تقتضي التنزه في عرض النظريات عن المدح، كالتنزه عن الذم تماما. لكن قد يشفع لهم انسياقهم العاطفي زيادة عن العطاء العقلي... غير أن المدح ينبغي أن يقتصر على المقدار الممكن نظريا إضفاؤه على الآخرين... و لكن نجد ما هو أكثر من ذلك...

فإننا بالرغم من أننا نسمع من الماركسية أن الآراء و الأفكار كلها طبقية و حزبية، و إن الحقائق كلها نسبية...

قال انجلز:

«كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية و عن أوضاع الانسانية المطلقة المناسبة لها. فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية شيء نهائي، مطلق، مقدس، انها ترى الانهيار في كل شيء... و هي نفسها ليست سوى انعكاس بسيط لهذا المجرى في الدماغ المفكر»(2).

و بالرغم من أن الماركسية نفسها فلسفة حزبية، تمثل فلسفة حزبية، تمثل فلسفة حزب أو طبقة البروليتاريا، كما أكد عليه الشيوعيون تأكيدا شديدا:

«إن العلم الاجتماعي الماركسي يربط نفسه على المكشوف بمصالح الطبقة العاملة بالنضال من أجل تحرير الكادحين من الاستثمار... و في هذا تقوم حزبيته»(3).

... بالرغم من هذا الأفق الضيق الذي يستحيل معه الانطلاق. فإن الشيوعيين يؤكدون أن الماركسية تتحدث عن الواقع بكامله، سواء على المستوى الطبيعي أو الاجتماعي.

اسمع لينين يقول:

«إن مذهب ماركس لكلي الجبروت، لأنه صحيح، و هو متناسق و كامل، و يعطي مفهوما منسجما عن العالم، لا يتفق مع أي ضرب من الأوهام، و مع أية رجعية... و هو

ص:61


1- (1) رسالة إلى العمال الأمريكيين من مختارات لينين ج 32 ص 194.
2- (2) لودفيج فورباخ، انجلز ص 10.
3- (3) المادية التاريخية: كوفالسون ص 26.

الوريث الشرعي لخير ما أبدعته الانسانية في القرن التاسع عشر»(1).

و يقول:

«و أهم هذه المكتسبات - الماركسية الديالكتيك، أي نظرية التطور بالحمل مظاهرها و أشدها عمقا و أكثرها بعدا عن ضيق الأفق. نظرية نسبية المعارف الانسانية التي تعكس المادة في تطورها الدائم»(2).

و يقول:

«إن مادية ماركس التاريخية كانت أكبر انتصار أحرزه الفكر العملي»(3).

و يقول غيره:

«إن الفلسفة الماركسية - اللينينية، إذ تدرس قضية العلاقة بين الموضوع و الذات و أعم قوانين تطور العالم المادي و التفكير نفسه، تعطي العلوم الأخرى المفهوم الصحيح للعالم و نظرية و طريقة المعرفة العلمية»(4).

و يقول:

«إنها تدرس القوانين العامة لتطور المجتمع»(5).

إلى غير ذلك!...

و لا تعلم كيف يكون الفكر صحيحا و مطابقا للواقع الموضوعي، طبيعيا و اجتماعيا، مع كونه حصيلة فكر طبقي و حزبي معين؟!...

الحقل الثالث: إعطاء فهم خاص لبعض الآراء المضادة للماركسية، بحيث يسهل مناقشتها بسهولة أولا، و حمل فكرة سيئة عنها سلفا، ثانيا.

و لعل أوضح مثال على ذلك: تلك الأوصاف و الخصائص التي افترضها الماركسيون للميتافيزيقيين.

فإن الميتافيزيق لفظ يوناني، يؤدي معنى: ما وراء الطبيعة أو ما فوق الطبيعة. و محصله: أن هناك شيء آخر خارج عالم الطبيعة الفيزياوي غير محكوم لقوانين الفيزياء الاعتيادية... موجود، في عالم الواقع و مؤثر في عالم الطبيعة. و لا يمكن أن نفهم من هذا اللفظ الموجز أكثر من ذلك، كما هو واضح. و الميتافيزيقي هو الذي يؤمن بمضمون هذا اللفظ. ليس إلا...

ص:62


1- (1) مختارات لينين ج 1 ص 22.
2- (2) المصدر ص 22.
3- (3) المصدر و الصفحة.
4- (4) المادية التاريخية: كوفالسون ص 33.
5- (5) المصدر ص 30.

أما الماركسيون، فقد أضفوا على الميتافيزيقي صفات عديدة و غريبة، تكاد تجعله في عداد المجانين!!...

قال خالد بكداش:

«إن الميتافيزيقية: تعني طريقة في التفكير الفلسفي تنكر الروابط بين الأشياء و الحوادث، و تنظر إليها منفصلا بعضها عن بعض، و تعتبر الطبيعة في حالة جمود و استقرار...»(1).

و قال ستالين:

«تتميز الطريقة الديالكتيكية الماركسية بالخطوط الأساسية التالية:

أ - إن الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يعتبر الطبيعة تراكما عرضيا للأشياء، و حوادث بعضها منفصل عن بعض... بل يعتبر الطبيعة كلا واحدا متماسكا ترتبط فيه الأشياء و الحوادث بينها ارتباطا عضويا...

ب - إن الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يعتبر الطبيعة في حالة سكون و جمود، حالة ركود و استقرار بل يعتبرها حالة حركة و تغير دائمين...

ج - إن الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية - لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة، لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية، بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغيرات كمية ضئيلة و خفية إلى تغيرات ظاهرة و أساسية، أي إلى تغيرات كيفية...»(2).

و قال بوليتزر:

«و تفصل الميتافيزيقا المادة الخام عن المادة الحية و عن الفكر. لأن الميتافيزيقا تعتبر أن هذه مبادئ ثلاثة منعزلة كل منها عن الآخر»(3).

و قال أيضا:

«و تقوم الميتافيزيقا بعزل الظواهر الاجتماعية كلا منها عن الأخرى، فتعزل الواقع الاقتصادي عن الحياة الاجتماعية، و تعزل الحياة السياسية عنهما، كما انها تدخل الحواجز في كل هذه الميادين»(4).

و قال أيضا:

«و لا يفهم الميتافيزيقي تاريخ المجتمعات، بل هو خليط من العوارض (أي

ص:63


1- (1) المادية التاريخية: ستالين هامش ص 13.
2- (2) المصدر نفسه ص 13-15 ملخصا.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية ج 1 ص 58.
4- (4) المصدر ص 63.

الظواهر التي لا سبب لها) و من الصدف العابثة»(1).

إلى آخر ما ذكروه من خصائص و صفات...

و بغض النظر عن أن هذا النقل عن آراء الميتافيزيقيين، لم يسند إلى أي مصدر من مصادرهم، و لم يدل عليه أي كلام من كلماتهم. و إنما كل ما في الأمر أن الماركسيين رغبوا بنسبة هذه الآراء إليهم بدون دليل. و إذا أمكنت مثل هذه النسبة العشوائية لشخص ما، أمكنت لأي شخص آخر... و هذا يعني - بكل بساطة - سقوط الاعتبار لنقل الماركسيين لآراء خصومهم!..

و بغض النظر - أيضا - عن أن هذا النقل عن الميتافيزيقيين، صحيح أو خاطىء... فإن مستقبل هذا البحث كفيل بهذه الجهة.

المهم في المقام: أن أيا من هذه الآراء، غير متضمن في معنى الميتافيزيقية بأي حال. و إنما هو مفهوم بسيط لا يعني سوى وجود شيء ما وراء العالم الطبيعي المنظور... فمن أين جاءت هذه الاضافات؟!...

الحقل الرابع: إن كل فكرة معارضة للماركسيين... لا بد أن توسم بصفة غير محببة!!... حتى و إن كانت فكرة مادية و اشتراكية.

و إن أعظم صفة رديئة توسم بها الفكرة عندهم هي كونها «مثالية»!!... إلى جانب كونها روحية و ميتافيزيقية...

فبعد أن نتجاوز مادية ما قبل ماركس و الاشتراكيات الأخرى غير الماركسية، و ما وسمت به من هذه الأوصاف... ينبغي لنا أن نمثّل بأهم و أقرب الفلاسفة، في المستوى الذهني و الفلسفي إلى الماركسية... و هما هيجل و لودفيج فورباخ...

فهيجل... بالرغم من أنه الفيلسوف المادي الذي وصل بالفكر الديالكتيكي إلى أوج ارتفاعه، فيما قبل الماركسية. و هو أمر في غاية الأهمية بالنسبة إلى الماركسية. و قد مدحه انجلز قائلا:

«و لما لم يكن - هيجل - عبقرية خلاّقة و حسب، بل إنسانا ذا تبحّر موسوعي، فإن مؤلفاته في جميع الميادين ذات قيمة مرموقة»(2).

ص:64


1- (1) المصدر و الصفحة.
2- (2) مختارات انجلز ص 76.

بالرغم من ذلك لم ينج من تهمة المثالية. حيث نسمع لينين، حين يتحدث عن التحريفيين، يقول:

«إنهم كرزوا بالمثالية، بمثالية أحقر و أسخف ألف مرة من مثالية هيجل»(1).

و قال عنه جان كاتابا:

«بيد أن ديالكتيك هيجل تأثر تأثرا ثقيلا بعبء مثاليته»(2).

و فورباخ... و هو الفيلسوف المادي المهم الذي ألف فيه إنجلز كتابه المسمى باسمه... و سمه انجلز نفسه بسمة المثالية مكررا.

منها قوله:

«إن مثالية فورباخ الحقيقية تنكشف حالما تنتقل إلى فلسفته في الأخلاق و الدين...»(3).

ليس هذا فقط، بل هو ميتافيزيقي!! أيضا. قال انجلز ضمن كلامه:

«نجد عرضا عن سير تطور الميتافيزياء الفورباخية نفسها»(4).

و لا نعلم ما ذا يعني مفهوم المثالية و مفهوم الميتافيزيقية أو الميتافيزياء - حسب اصطلاحه -... حين ينطبق على أمثال هؤلاء الفلاسفة الماديين؟!...

نعرف من كل ذلك: أن الماركسيين مزجوا في كلماتهم بين الفكر و العاطفة... و قد يكون لهم بعض العذر حين تبنوا الحزبية، و رفضوا الموضوعية في التفكير. و أما من يرفض هذا الاتجاه، و يقيّم المفكر بمقدار ما يبذل من موضوعية و تجرد... كيف يمكن أن يركن إلى ما قالوه من كلام؟!...

و من هنا نفهم ما أردنا إيضاحه في هذه النقطة الخامسة، و هو أنه مع وجود هذا المنحى العاطفي الخالي من الموضوعية عند الماركسيين، كيف يمكن النقاش معهم و أخذ النتائج منهم؟!... فإنه يكفيهم أن يصفونه بالمثالية و الميتافيزيقية، ليعتبروا كلامه ساقطا من الاعتبار و غير قابل للاصغاء.

ص:65


1- (1) مختارات لينين ج 1 ص 32.
2- (2) مختارات انجلز ص 67.
3- (3) لودفيج فورباخ: انجلز ص 33-34.
4- (4) المصدر ص 24.

النقطة السادسة: حقا ان من يكون على هذا المستوى الذهني الذي عرفناه قبل لحظة يتعذر عليه الاصغاء لأي كلام و الالتفات لأي نقاش. و حقا ان الماركسية تجعل للمعتقدين بها (مناعة) عميقة عن التأثر بأي كلام آخر غير كلامها، أو انتهاج أي منهج سواها.

غير أن لنا في تذليل هذه الصعوبة المنهجية الثالثة فكرة معينة، هي أن هذه الصعوبة لا ينبغي أن تعيقنا عن التفكير أو أن تكف أيدينا عن طلب الحقيقة.

فإن أمامنا النظرية الماركسية بمصادرها و تفاصيلها، بنقاط قوتها و ضعفها. فحسبنا أن نعرضها كما هي معروضة بنطق أصحابها - كما وعدنا في منهجنا - فنقبل ما هو حق و نرفض ما هو باطل، و نناقش كما يوصلنا إليه البرهان الصحيح... مخاطبين في ذلك الرأي العام المفكر الذي يتصف بدرجة مقبولة من التجرد و العمق.

و لا يهمنا بعد ذلك أن يكون كلامنا مقبولا لدى من ينكر التجرد و الموضوعية، و يعتبرهما حزبية مبطنة و مساوقة مع الاهمال و عدم الاهتمام.

ص:66

الأسس العامة الفلسفية للمادية التاريخية

اشارة

- 1 - تبدأ الكتب الماركسية - عادة - بنقطة انطلاق معينة، و هي أن أهم مسألة في الفلسفة على الاطلاق، هي أن الفكر متقدم على المادة أو أن المادة متقدمة على الفكر... و ان اختلفت كلمات الماركسيين في طرح هذه المسألة.

قال انجلز:

«المسألة الأساسية الكبرى في كل فلسفة، و بخاصة الفلسفة الحديثة، هي مسألة العلاقة بين الفكر و الوجود... مسألة معرفة أي عنصر هو الأسبق: الروح أم الطبيعة.

إن هذه المسألة قد اتخذت حيال الكنيسة شكلا حادا، هل العالم من صنع اللّه أم هو موجود منذ الأزل.

و قد كان الفلاسفة ينقسمون حسب جوابهم على هذا السؤال، بهذا الشكل أو ذاك، إلى معسكرين كبيرين. فالذين كانوا يؤكدون صفة الأسبقية للروح على الطبيعة، و الذين كانوا بالتالي يسلمون، في نهاية المطاف، بخلق العالم من أي نوع كان... كان هؤلاء يؤلفون معسكر المثالية. أما الآخرون، الذين يعتبرون الطبيعة هو العنصر الأسبق، فكانوا ينتمون إلى مختلف المدارس المادية»(1).

- 2 - و قد أجابت الماركسية على هذا السؤال باختيار الجانب المادي للفكر، و قالت في نفس الوقت بأزلية العالم، تجنبا للفكرة القائلة بإمكان أن يطفر الكون من العدم إلى عالم الوجود، دفعة واحدة بمحض الصدفة المطلقة، لوضوح سخافتها إلى درجة لا يمكن حتى مجرد التفكير بها.

ص:67


1- (1) مختارات انجلز ص 61-62. و انظر: لودفيج فورباخ ص 20 و ما بعدها. و كذلك: المادية التاريخية لكوفالسون ص 13. و غيرها من المصادر.

يقول انجلز:

«إن الفهم المادي للعالم يعني - بكل بساطة - فهم الطبيعة كما هي، دون أية إضافة غريبة.

و لقد كتب لينين بصدد المفهوم المادي عند فيلسوف العهد القديم و هيراكليت الذي جاء فيه ان «العالم هو واحد، و قد كان و لا يزال و سيكون شعلة حية إلى الأبد، تشتعل و تنطفئ تبعا لقوانين معينة...» فقال: يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية»(1).

- 3 - أضاف انجلز قائلا:

«و لكن مسألة علاقة الفكر بالكائن ترتدي أيضا مظهرا آخر: ما هي العلاقة بين أفكارنا عن العالم المحيط بنا، و العالم نفسه، و هل يستطيع فكرنا أن يعرف العالم الواقعي... هذه المسألة تسمى في اللغة الفلسفية مسألة مطابقة الفكر و الكائن. إن أكثرية الفلاسفة الكبرى قد أجابوا عنها بالايجاب»(2).

و في جواب هذا السؤال اختارت الماركسية - مصادرة - جانب الواقعية خلافا لهيوم و باركلي و إضرابهما.

«ممن يشكون في إمكانية معرفة العالم - أو على الأقل معرفته الكاملة»(3).

- 4 - و اعتقدت الماركسية بإمكان اجتماع النفي و الاثبات في هذا الواقع الذي اعترفت به، حتى في الشيء الواحد ذاته. و اعتبرت الايمان بهوية واحدة ثابتة للأشياء ضربا ميتافيزيقيا من التفكير.

قال انجلز:

«تبدو وجهة النظر العتيقة الشكلية تجريديا عن الهوية، التي تريد تناول كائن عضوي كشيء مماثل لذاته ببساطة و كثابت، باطلة... بيد أن الهوية بوضعها هذا لا وجود لها في الواقع حتى في الطبيعة غير العضوية.

فكل جسم يتعرض باستمرار لأفعال ميكانيكية و فيزيائية و كيميائية تحدث فيه على الدوام تغيرات تبدل هويته»(4).

ص:68


1- (1) المادية التاريخية لستالين ص 24.
2- (2) لودفيج فورباخ: انجلز ص 21.
3- (3) المصدر نفسه ص 22.
4- (4) مختارات انجلز ص 104.

... «إن التغير المستمر أي إبطال الهوية المجردة مع الذات، يوجد أيضا في الطبيعة المسماة بغير العضوية. و الجيولوجيا هي تاريخ هذا التغير المستمر. على السطح تبدلات ميكانيكية (تأكل تجمد) كيماوية (تفتت).

في الداخل تبدلات ميكانيكية (ضغط) حرارة (بركانية) تغيرات كيماوية (ماء، حوامض، مثبتات) على نطاق واسع. ارتفاع التربة، هوات أرضية الخ...».

«إن (مبدأ الهوية) بمعنى الميتافيزياء هو المبدأ الأساسي للمفهوم القديم عن العالم: آ آ. كل شيء متماثل مع نفسه... و هذا المبدأ قد دحضه علم الطبيعة نقطة فنقطة، و في حال أثر أخرى»(1).

و قال انجلز أيضا:

«أكيد أننا لا نصطدم بأي تناقض في الأشياء ما دمنا نعتبرها ساكنة و بدون حياة.

كل لذاته. الواحد إلى جانب الآخر، و الواحد بعد الآخر... و في حدود ميدان الملاحظة هذا، نخرج من الأمر بنسق التفكير الدارج: النسق الميتافيزيائي.

و لكن الأمر يختلف عن ذلك تماما منذ أن ننظر إلى الأشياء في حركتها، في تغيرها، في حياتها، في فعلها المتبادل بعضها على بعض. هنا نقع فورا في تناقضات، فالحركة نفسها هي تناقض.

بل ان تغير المكان الميكانيكي نفسه لا يمكن أن يتم إلا لأن جسما ما في لحظة واحدة بذاتها يكون في مكان و في مكان آخر معا، يكون موجودا في مكان واحد بذاته و لا يكون موجودا فيه.

و الحركة إنما هي بالضبط، في الصورة التي ينطرح بها هذا التناقض باستمرار و ينحل في الوقت نفسه»(2).

«و إذا كان التغير الميكانيكي البسيط للمكان يتضمن في ذاته تناقضا، فمن باب أولى أن تكون كذلك الأشكال العليا لحركة المادة، و على الأخص الحياة العضوية و تطورها.

و قد رأينا فيما سبق أن الحياة تقوم بالدرجة الأولى و على وجه التحديد في أن كائنا ما هو في كل لحظة ذاته و آخر مع ذلك. فالحياة بالتالي هي أيضا تناقض... و مذ يتوقف التناقض تتوقف الحياة أيضا و يحل الموت»(3).

ص:69


1- (1) المصدر نفسه ص 105.
2- (2) المصدر ص 108.
3- (3) المصدر ص 109.

- 5 - حتى الرياضيات مشمولة لهذا التناقض.

قال انجلز:

«إن من الأسس الرئيسية للرياضيات العليا واقع أن المستقيم و المنحني يجب أن يكونا - في بعض الظروف - الشيء ذاته. و الرياضيات العليا تحقق أيضا هذا التناقض الآخر، و هو أن خطوطا تتقاطع أمام أنظارنا، ينبغي - مع ذلك - على بعد خمسة أو ستة سنتيمترات فقط من نقطة تقاطعها أن تعتبر متوازية، أي انها خطوط لا يمكن أن تتقاطع حتى و ان امتدت إلى اللانهاية.

إن جذرا ل (آ) ينبغي أن يكون قوة ل (آ) و مع ذلك فان (آ 15) -؟؟؟ آ. إنه لتناقض. إن كمية سلبية يجب أن تكون مربعا لشيء ما، ذلك لأن كل كمية سلبية مضروبة بنفسها تعطي مربعا إيجابيا. إن الجذر المربع ل (- 1) ليس فقط تناقضا، بل هو تناقض لا معقول، هو لا معنى فعلي. و مع ذلك ففي كثير من الحالات يكون؟؟؟ - 1 هو النتيجة الحتمية لعمليات رياضية صحيحة. و فوق ذلك أين ترى تكون الرياضيات، سواء الدنيا أم العليا، إذا كان محظورا عليها أن تتعامل مع؟؟؟ - 1؟»(1).

- 6 - و اعتقدت الماركسية ان هذا التناقض الداخلي هو السبب الكبير و الوحيد للتطور.

قال لينين:

«التطور هو نضال المضادات».

و قال ستالين:

«تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن حركة التطور من الأدنى إلى الأعلى، لا تجري بتطور الحوادث تطورا تدريجيا متناسقا، بل بظهور التناقضات الملازمة للأشياء و الحوادث ب «نضال» الاتجاهات المتضادة التي تعمل على أساس هذه التناقضات»(2).

- 7 - و هنا نصل إلى قانون: نفي النفي، أو التركيب بين النفي و الاثبات، الذي هو روح التطور عند الماركسية.

قال انجلز:

«فما هو إذن نفي النفي، إنه قانون لتطور الطبيعة و التاريخ و الفكر، عام للغاية.

ص:70


1- (1) المصدر ص 111.
2- (2) المادية التاريخية: ستالين ص 19.

و لذا له أهمية و مدلول بالغين. إنه - كما رأينا - قانون على مملكة الحيوان و النبات و على الجيولوجيا و الرياضيات و التاريخ و الفلسفة»(1).

«فإذا كنت أقول عن جميع هذه العمليات أنها نفي النفي، فإني أفهمها في ضوء هذا القانون الوحيد للحركة، و بالتالي لا آخذ بالحسبان على وجه التحديد خصائص كل عملية خاصة على حدة. و لكن هذا إنما يعني بالضبط: ان الديالكتيك ليس سوى علم القوانين العامة للحركة و لتطور الطبيعة و المجتمع البشري و الفكر»(2).

دعنا نسمع انجلز بمثل لهذا القانون الماركسي:

«لنأخذ حبة شعير، مليارات من حب الشعير المتماثلة تطحن و تطبخ و تخفق، ثم تستهلك. و لكن إذا وجدت حبة شعير من هذا النوع الظروف العادية لها، إذا وقعت على أرض مؤاتية. فإن تحوّلا معينا يجري فيها تحت تأثير الحرارة و الرطوبة: إنها تنبت، تزول الحبة بوصفها هذا، يقع عليها النفي. تحل محلها النبتة التي تولدت فيها، نفي الحبة. و لكن ما هو الدور الطبيعي لهذه النبتة؟ إنها تنمو، تزدهر، تتلقح، و تنتج في نهاية الأمر حبات شعير جديدة. و ما أن تنضج هذه حتى يتلف الساق و يقع عليه النفي بدوره. و كنتيجة لنفي النفي هذا، تكون لدينا من جديد حبة الشعير التي كانت في البداية، لا مجرد حبة، بل أكثر منها بعشر أو عشرين أو ثلاثين مرة»(3).

«إن عملية التطور هذه تتم لدى معظم الحشرات مثلما تتم مع حبوب الشعير، كالفراشات مثلا. فهي تلد من البيضة بنفي البيضة، فتنجز التغيرات في هيئتها النضج الجنسي، فتتزاوج، فتنتفي بدورها أي تموت، منذ أن ينتهي التزاوج و تبيض الأنثى بيوضها العديدة»(4).

- 8 - و بهذا يتضح مفهوم «الثلاثية» الماركسية: الأطروحة و الطباق و التركيب... أو القضية و ضدها و المركب.

و المقصود - عادة - بالأطروحة أو القضية وجود الشيء ذاته، سواء في عالم المادة أو عالم الفكر. و المراد بالطبق أو ضد القضية: تحقق نقيض ذلك الوجود، أما في داخله - بحسب مفهوم التناقض الماركسي الذي عرفناه -، أو في خارجه، يعني ما يسبب إلى زوال ذلك الوجود. و المراد بالتركيب:

ص:71


1- (1) مختارات انجلز ص 117.
2- (2) المصدر ص 117-118.
3- (3) المصدر نفسه ص 113.
4- (4) المصدر و الصفحة.

نفي النفي الذي عرفناه، و هو أن الصراع بين وجود الشيء و عدمه، بين الأطروحة و الطباق، يصل بالوجود إلى وجود أفضل جديد... ثالث، هو غير الأطروحة و الطباق السابقين. و يكون هذا الوجود الجديد بدوره أطروحة لينتفي بالطباق مرة أخرى... و هكذا تستمر الحركة.

و هذه الفكرة التي عرضناها واضحة في المصادر الماركسية بصيغة:

النفي و نفي النفي، و فيما نقلناه سابقا كفاية للدلالة عليه. إلا أن التعبير بالثلاثية بإحدى صيغتيها، نادر الوجود فيما اطلعنا عليه من المصادر، بالرغم من أنه مشهور عنهم جدا.

فماركس نفسه حين أراد تطبيق القانون لم يعبر بذلك. حيث نسمعه في كتابه «رأس المال» يقول:

«إن الاستملاك الرأسمالي، المطابق لنمط الانتاج الرأسمالي، يشكل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل و الفردي. و لكن الانتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه، بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة. إنه نفي النفي. و هو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات و مكاسب العصر الرأسمالي، و على التعاون و الملكية المشتركة لجميع وسائل الانتاج، بما فيها الأرض»(1).

و كذلك انجلز، فيما سمعنا من التطبيقات و غيرها. و كذلك ستالين و بوليتزر و إضرابهما من المفكرين الماركسيين.

غير أن كتابا ماركسيا حديثا تعرض إلى ذلك بأسلوب يكاد أن يكون ثانويا و استطراديا... حيث قال:

«لقد رأينا أن ما يبرز بصفة النفي، يتبدل بدوره مع الزمن و يتحول إلى نوعية جديدة، أي نفي نفسه. و هذه السلسلة من النفي لا نهائية. و انه من الخطأ الظن بأن هذا التطور يجري بشكل سلس و بدون تناقضات. الواقع أن التطور التصاعدي السائر إلى الإمام عن طريق النفي يتم بشكل تناقض.

و لتوضيح ذلك نتصور نزاعا بين طرفين حول قضية علمية ما. إن الطرف الأول يقدم فكرة معينة (نظرية) و الطرف الثاني يقدم نفي هذه الفكرة (ضد النظرية). إن كلا من الطرفين المتعارضين يمكن أن يصيب بعض الحقيقة، و لكنهما يعارض أحدهما الآخر من جانب واحد، و يقف أحدهما من الآخر بصفته نافيا له. و تنشب بين الطرفين معركة فكرية تنتهي بظهور فكرة جديدة تنفي الفكرتين السابقتين المتصارعتين فيما بينهما

ص:72


1- (1) رأس المال: كارل ماركس ج 3 ق 2 ص 1138.

و لكنها عند ما تنفيهما و تنهي الخلاف الناشب بينهما لا تنبذ تلك العناصر من الحقيقة التي كانت متمثلة في كل منهما من جانب واحد، بل تضمهما إلى بعض و تصبح بهذا «مركبا» يستفيد من الجوانب الايجابية في تطور الجدال الذي كان ناشبا... و يختفي في الوقت نفسه عنصر الخطأ المؤقت المعارض للحقيقة. إن هذه الدرجة الجديدة بالذات هي ما نسميه «نفي النفي». و بالتالي فإن نفي النفي هو النتيجة القانونية لحل صراع الأضداد»(1).

- 9 - و طبقا لهذا التسلسل الفكري، وضعت الماركسية: قانون تراكم التغيرات الكمية و تحولها، في مرحلة معينة، إلى تغيرات كيفية. و المراد من التغيرات الكمية، باصطلاحها، التغيرات الطفيفة التي تطرأ على الشيء، و من التغيرات الكيفية: ما كان تغيرا أساسيا و مهما في الشيء. و بهذا الفهم من هذا القانون: ان التغيرات الطفيفة و القليلة إذا تراكمت انتجت تغيرا كبيرا و مهما.

قال ستالين:

«إن الديالكتيك - خلافا للميتافيزيقية -، لا يعتبر حركة التطور حركة نمو بسيطة، لا تؤدي التغيرات الكمية فيها إلى تغيرات كيفية. بل يعتبرها تطورا ينتقل من تغيرات كمية و ضئيلة و خفية إلى تغيرات ظاهرة و أساسية، أي تغيرات كيفية. و هذه التغيرات الكيفية ليست تدريجية، بل هي سريعة فجائية، و تحدث بقفزات من حالة إلى أخرى.

و هذه التغيرات ليست جائزة الوقوع بل هي ضرورية نتيجة تراكم كمية محسوسة و تدريجية.

و لذلك تعتبر الطريقة الديالكتيكية أن من الواجب فهم حركة التطور، لا من حيث هي حركة دائرية أو تكرار بسيط للطريق ذاته، بل هي حركة تقدمية صاعدة انتقال من الحالة الكيفية القديمة إلى حالة كيفية جديدة و تطور ينتقل من البسيط إلى المراكب، من الأدنى إلى الأعلى»(2).

و قال انجلز:

«كل تغير هو مرور من الكمية إلى الكيفية. هو نتيجة التغير الكمي لكمية الحركة كيفما كان شكلها، سواء أ كانت ملازمة للجسم من داخله أم مضافة إليه ما خارج. فإن حرارة الماء مثلا ليس لها بادئ الأمر تأثير في حالته من حيث هو سائل، و لكن إذا زيدت

ص:73


1- (1) المادية الديالكتيكية ص 305.
2- (2) المادية الديالكتيكية لستالين 15-16.

أو نقصت حرارة الماء، جاءت لحظة تعدلت فيها حالة التماسك التي هو فيها، و تحول الماء إلى بخار في إحدى الحالات، و إلى جليد في الحالة الأخرى»(1).

و «يمكن القول بأن الكيمياء هي علم التغيرات الكيفية الناشئة في الأجسام عن تغيرات كمية»(2).

- 10 - و أما مقدار الارتباط بين هذين القانونين: قانون نفي النفي و قانون التغيرات، فهو غير واضح في المصادر الماركسية!...

إن الماركسية، لا بد لها أن تجيب عن السؤال عن هذه العلاقة بأحد شكلين:

الشكل الأول: ان التغيرات الكمية - مهما كانت ضئيلة - يعتبر كل واحد منها، أو كل مرحلة أو درجة، شكلا من أشكال التركيب (نفي النفي) النتائج من أطروحة و طباق سابقين عليه، طبقا للقانون الأول.

و التغير الكيفي، شكل آخر للتركيب أيضا، لكنه ضخم و مهم. فقد اكتسب هذا التغير أصل وجوده من القانون الأول، و اكتسب ضخامته و أهميته من القانون الثاني.

إلا أن هذا الشكل لا يكاد يكون صحيحا، لأنه مناف للطفرة التي قالت بها الماركسية قبل التغير الكيفي. فإنها تعني أن هذا التغير الذي هو «تركيب» جديد غير مسبوق بأطروحة و طباق، بل بطفرة تقطعه عن سوابقه. فإن من نتائج الطفرة و خصائصها أن لا يكون ما بعدها ملحقا بما قبلها أو معتبرا من نتائجه بشكل من الأشكال.

مضافا إلى أن وجود الأطروحة و الطباق للتغير الكيفي سوف يكون افتراضيا تجريديا، لأنه غير متمثل بالتغيرات الكمية السابقة عليه، و إلا صرنا إلى الشكل الثاني الذي سوف نتحدث عنه... إذن فأين توجد الأطروحة و الطباق؟!...

الشكل الثاني: انها تعتبر التغيرات الكمية صراعا بين الأضداد أو بين الأطروحة و الطباق، و يكون التغير الكيفي هو التركيب.

ص:74


1- (1) المصدر ص 18.
2- (2) المصدر و الصفحة.

إلا أن هذا الشكل أيضا غير قابل للتصديق، إذ مضافا إلى ورود الأشكال الأول السابق نفسه، فإن الطفرة (تقطع) التغير الكيفي عن التغيرات الكمية بل يعتبر حادثا جديدا غير ناتج مما سبق. بخلاف التركيب، فإنه يتولد من أحشاء الصراع بين الأطروحة و الطباق، و لا يمكن أن يكون إلا كذلك.

هذا، و نحن طبقا لهذا الشكل الثاني، لا بد أن نعتبر القانونين قانونا واحدا ليس إلا. فالتغيرات الكمية عبارة أخرى عن صراع الأضداد و التغير الكيفي عبارة أخرى عن التركيب أو نفي النفي. فهما تعبيران عن واقع واحد. و بذلك تخسر الماركسية أحد القانونين الرئيسيين، مع أنها قد أكدت على كل منهما مستقلا تأكيدا كبيرا.

فهل يعني ذلك أن الماركسية، حين تحدثت عن قانون التغيرات، لاحظته (سلسا) خاليا من الأضداد، كما هو مقتضى الفصل بين القانونين... و هل يمكن للماركسية أن تتحدث بهذا الشكل؟،...

- 11 - و ينقسم صراع الأضداد إلى تناقض رئيسي و تناقض ثانوي.

فإن «أية عملية ما ليست بسيطة قط، لأنها تدين بوجودها الخاص إلى عدد كبير من الشروط الموضوعية التي تصلها بالمجموع. ينتج عن ذلك أن كل عملية هي محل سلسلة من التناقضات و من بين هذه التناقضات، تناقض رئيسي يوجد منذ بداية العملية حتى نهايتها و يحدد وجوده و تطوره طبيعة سير العملية، أما الأخريات فهي تناقضات ثانوية تتعلق بالتناقض الرئيسي.

... و لا تتراكم هذه التناقضات كل منها فوق الآخر، بل هي تتداخل و تتفاعل حسب قانون الجدلية الأولي. فما هو تأثير هذا التفاعل؟ تزداد أهمية تناقض ثانوي في بعض الأحوال، فيصبح لفترة معينة تناقضا رئيسيا بينما يصبح التناقض الرئيسي الأول ثانويا (و لا يعني هذا زوال تأثيره). فليست التناقضات إذن متحجرة، بل هي تتغير.

و هكذا يصبح التناقض بين البرجوازية و البروليتاريا (الذي هو التناقض الرئيسي الأول) في البلاد المستعمرة ثانويا لفترة معينة، بالرغم من خطورته، إذ ينحل بانتصار الاشتراكية في هذه البلاد...»(1).

- 12 - فهذه الفقرات، كافية لعرض الديالكتيك الماركسي، أو قانون

ص:75


1- (1) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ص 179-181.

صراع الأضداد، بشكل موجز و مرتب، خال من التشويش و كثرة الأمثلة و المناقشات... التي تجدها في المصادر الماركسية.

مناقشة الديالكتيك

- 1 - بالنسبة إلى ما ذكره الماركسيون من وجود السؤال الرئيسي في الفلسفة، حول أسبقية الروح أو المادة...

تكتسب بعض المسائل نوعا من الأهمية، حين تكون نقطة للخلاف بين جماعتين فكريتين من الناس... لا تختلف في ذلك المسائل الفلسفية عن غيرها.

فالمسألة المهمة بين المسلمين و المسيحيين هو أنه هل صدق محمد بن عبد اللّه نبي الاسلام في نبوته أو لا. و المسألة الرئيسية بين غاليلة و الكنيسة هي أن الأرض كروية أو مسطحة. و المسألة الرئيسية بين فريقين من الفلاسفة هي أن الأصل في التكوين هل هو الماهية أو الوجود و هكذا.

إذن، فمن الطبيعي أن تكون المسألة الرئيسية بين الماديين و الالهيين هو القول بتقدم الروح أو المادة. و لا يعني ذلك أنها هي المسألة الأكبر على الاطلاق، لوضوح أنه قد توجد انقسامات أخرى فلسفية أو فكرية، تكون مسائل أخرى هي المحك فيها.

و ليست هذه المسألة هي أعم المسائل في الفكر الفلسفي. فإن هناك ما هو أسبق منها و أشمل، كالمسألة التي وقعت محلا للخلاف بين الواقعيين و المثاليين - بالمعنى الاصطلاحي - و هو أنه هل يوجد خارج الذات شيء واقعي أو لا يوجد... لوضوح أن الخلاف في تلك المسألة متفرع على الاعتراف بالواقع الموضوعي، و التسالم عليه بين الفريقين: المادي و الالهي.

و أما التعبير بالمثالية و الميتافيزيقية، في كلام الماركسيين، على خلاف المعاني الاصطلاحية و المعروفة لها، بحيث تشمل الفلاسفة الماديين أنفسهم، كهيجل و فورباخ، فيصبحون ماديين ميتافيزيقيين، و واقعيين مثاليين في نفس الوقت!!... فهذا تهافت ينبغي أن نعرض عنه، و خاصة بعد أن عرفنا من

ص:76

استعمال هذه الألفاظ كونها لمجرد الطعن و التجريح.

- 2 - و أما القول بأزلية الكون، فقد ثبت في العلم الحديث بطلانه. فإن مقتضى قانون الديناميك الحراري، هو أن الأجسام عموما تشع حرارتها حتى تصل إلى الصفر المطلق أو العدم. و معه... فإذا كان هذا الكون أزليا، إذن فلا بد أن يكون قد انعدم و انتهى منذ عهد بعيد طبقا لهذا القانون. في حين أننا نرى الكون موجودا، إذن فلا بد أن يكون قد وجد في لحظة «متأخرة» بحيث لا زالت حرارته الداخلية سارية المفعول. و هذا يعني حدوث الكون و نفي أزليته.

و إذا كان الكون حادثا... إذن، يدور الأمر بين الاعتراف بالفاعل الخارجي للكون، أو كونه قد طفر من العدم إلى الوجود فجأة...

و كلا الأمرين مما لا ترغب فيه الماركسية.

و إنكار قانون الديناميك الحرارية، كما حاولت بعض المصادر الماركسية أن تقوله(1)، يورط المفكر الماركسي بعدة محاذير باطلة(2)، أوضحها في

ص:77


1- (1) المادية الديالكتيكية و العلوم الطبيعية ص 119.
2- (2) لا يخفى أن القانون المشار إليه، صحيح و لا مناص للماركسيين من الاعتراف به في بعض الحدود التي سنذكرها (انظر المصدر السابق، نفس الصفحة). و لكنه يحتاج إلى تقييدات محتملة، نذكرها مع ما ينبغي أن يكون موقفنا و موقف الماركسية منها: التقييد الأول: إن هذا القانون إنما يصح في المادة المتناهية المحدودة، فقط، دون ما إذا قلنا بأنها لا متناهية. كما أشار إليه المصدر السابق (الصفحة نفسها). و هذا صحيح، لأن المادة اللامتناهية تكون قابلة لا شعاع الحرارة في أمد لا متناهي، فلا يوجب ذلك فناء الكون و إن كان أزليا. إلا أن الالتزام بلا تناهي الكون أمر غير صحيح... أما من وجهة نظر المؤلف فباعتبار وجود البرهان على ذلك في الفلسفة... و لا حاجة إلى ذكره. و اما من وجهة نظر الماركسية فلأن هذا الموقف يتضمن (مثالية) متطرفة و ميتافيزيقة مكثفة، لأنه يتضمن الاعتراف بوجود أشياء يستحيل الاطلاع عليها حسيا أو إقامة البرهان عليه علميا. مضافا إلى ما ذكرناه في المتن أعلاه فراجع. التقييد الثاني: عدم الاعتراف بقانون فناء المادة أعني القانون القائل بأن المادة يستحيل أن توجد أو أن تفنى... فإن القانون المشار إليه في المتن إنما يصح لو أنكرنا هذا القانون الأخير، و أما لو قلنا باستحالة فناء المادة، فهو يعني استحالة فناء الكون. و هذا ما أشار إليه المصدر السالف الذكر (ص 121). إلا أن هذا التقييد غير صحيح... أما من زاوية نظر المؤلف فلعدم قيام الدليل عليه، إذ يمكن وجود المادة و انعدامها من ناحية فلسفية. و أما من زاوية أعم من ذلك: فلأن الحديث في هذا القانون عن المادة

ص:78

الذهن الماركسي أنه يكون على خلاف قول لينين بأن الكون شعلة أبدا تثور و تنطفئ طبقا لقوانين معينة... كما سبق أن سمعنا.

فإن إنكار قانون الفناء الحراري، يعني أن الكون يشع حرارته باستمرار و بنسبة متشابهة منذ الأزل إلى الأبد، بدون أن (ينطفىء) أو يناله العدم. و هو على خلاف ما التزم به لينين.

و يبدو أن المقصود من انطفاء شعلة الكون، انعدامه بالمرة، مرة بعد مرة، إذن يلزم من اشتعاله بعد الانطفاء وجوده بعد العدم مرة بعد مرة، و هو يورط الماركسية بالقول بالصدفة للكون لعدة مرات، ربما لا تكون متناهية على حين أنها هربت منه لمرة واحدة.

و لا ينبغي لنا أن نتحدث عن «القوانين المعينة» التي تحكم الكون حين ينعدم و تنطفئ شعلته، كما لا ينبغي أن نتحدث عن القوانين «الموضوعية» الماركسية، في مثل ذلك، بما في ذلك قانون الديالكتيك الذي رأى لينين انطباقه في هذا المورد... إذ لا معنى لوجود القانون مع انعدام الموضوع.

- 3 - و أما ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من اعتراف الماركسية بوجود الواقع و إمكان إدراكه، خلافا للمثاليين - بالمعنى المصطلح -، فهذا أمر صحيح، نعترف به إجمالا، و لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله، إذ يكفينا في بحثنا الآتي هذا المقدار المختصر من الواقعية.

غير أنه مما يلفت النظر أنه لا يوجد في المصادر الماركسية - حسب ما نعلم - استدلال على صحة الواقعية، و إنما أخذت النظرية بمصادرة ساذجة،

ص:79

مع أن للمثالية أدلتها التي تحتاج إلى المناقشة سواء على المستوى القديم كباركلي، أو على مستوى الفيزياء الحديثة التي انطلق منها البعض إلى الالتزام بالمثالية.

كل ما في الموضوع، أن القوانين الماركسية حيث أنها لا تفيد في إثبات الواقعية باعتبار تفرعها على الاعتراف به، فقد رأت الماركسية أن الأصلح لها أن تلوذ بالصمت من هذه الجهة و توكل الأمر إلى الوجدان البسيط.

- 4 - نود في هذا الصدد الاشارة إلى حقيقة معينة، قلما يلتفت إليها المفكرون على اختلاف اتجاهاتهم...

و هي أن «القانون» الكوني، أيا كانت صيغته و مدلوله، و في أي ميدان كان عمله، إنما هو مفهوم ذهني منتزع من عدد من الوقائع الجزئية الخارجية. فقولنا: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير... ليس إلا صيغة ذهنية أو تعبيرية منتزعة أو مفهومة باعتبار ملاحظة عدد ضخم من الوقائع الخارجية التي حدثت فيها الجاذبية في عالم الكون. فهنا تنجذب تفاحة و هناك تنجذب حصاة و هنالك ينجذب كوكب... و هكذا...

فنلاحظ ذلك و نقول: كل جسم كبير يجذب الجسم الصغير، الذي هو «قانون الجاذبية».

و لا يمكن أن يكون للقانون بمعناه الواسع وجود واقعي، و إنما الموجود في الخارج ليس إلا الجزئيات، و الوقائع الخاصة.

و البرهان على ذلك من زاويتنا: الحقيقة الفلسفية القائلة: بأن الكلي - على سعته - لا يوجد في الخارج، فإن عالم الوجود الخارجي مساوق مع الجزئية و التعين. و المفهوم القانوني مفهوم كلي لا يمكن أن يوجد في الخارج.

و البرهان من زاوية الماديين: إن القانون الكوني، أيا كان، ليس (مادة) لأنه مسيطر على المادة و الماديات و حاكم فيها. و ليس محسوسا، لوضوح أن ما هو المحسوس هو مدار و انطباق القانون، لا القانون على سعته. فاننا نرى التفاحة تنجذب إلى الأرض لكننا لا نرى قانون الجاذبية...

فالماديون حين يقولون: بأن الوجود الواقعي منحصر بالمادة،

ص:80

و يقولون: بأن ما ليس بمحسوس ليس بموجود -. ينتج من ذلك: ان «القانون» غير موجود، باعتباره أمرا غير محسوس.

و إن تحدثوا عن «القوانين الموضوعية» - كما هو ديدن الماركسيين دائما... فهم يتحدثون - لا محالة - عن شيء لا مادي و لا محسوس، بل عن شيء ميتافيزيقي أو «مثالي» مقيت!!..

لا ينجو من ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه. فاننا لو لاحظناه بحياله لوجدناه مفهوما ميتافيزيقيا مثاليا لا مادي و لا محسوس. و إنما المحسوس - لو صح هذا القانون - هو وقائعه و تطبيقاته الجزئية. فنحن نرى هذه الشعيرة - كما مثل انجلز - تصبح نبتة، و هذه النبتة تصبح شجرة، و هذه الشجرة تصبح ثمرة... لا اننا نرى القانون على شموله و عمومه.

هذا و يختص قانون الديالكتيك بزيادة في اتجاه هذا البرهان نفسه...

فإن التناقض الداخلي، في الشيء ذاته بين الأطروحة و الطباق، أمر غير محسوس، و إنما المحسوس هو طرد العوامل المتلفة على الشيء من الخارج. فإذا زرعنا الشعيرة أتلفتها رطوبة الأرض، و إذا دققناها أتلفها الدق، و إذا قضمناها أتلفها القضم... و هكذا. و اما ان عوامل الفناء موجودة في داخل الشعيرة نفسها، فهو أمر غير محسوس، بل هو افتراض ميتافيزيقي ليس إلا.

إذن، فليس قانون الديالكتيك على سعته ميتافيزيقيا، فحسب، بل حتى في موارده الجزئية ميتافيزيقي أيضا. فما هو رأي الماركسيين في الالتزام بمثل هذه الأمور الميتافيزيقية!!...

إذن، فتعميم قانون صراع الأضداد الميتافيزيقي، إلى كل المجالات من العلوم الطبيعية و المجتمع،... حتى الرياضيات... تعميم ميتافيزيقي ليس إلا...

- 5 - و بغض النظر عما قلناه، و التسليم - جدلا - بإمكان وجود القوانين الموضوعية المادية... يمكن إيراد اشكالات أخرى تتمثل في عدة نقاط ضعف:

النقطة الأولى: إن ما حاولته الماركسية من الانطلاق من الأمثلة

ص:81

الحياتية و العلمية، و إن كان لطيفا... إلا أن فهم النظرية العامة من هذه الأمثلة، يمكن بأحد أسلوبين:

الأسلوب الأول: ان نفترض النظرية سلفا، ثم نحاول حمل الأمثلة عليها.

الأسلوب الثاني: أن نحاول فهم النظرية من حمل الأمثلة نفسها.

و المفروض أن الماركسية قامت بالأسلوب الثاني في فهم النظرية...

فهل أفلحت في ذلك. أو أنها قامت - في الواقع - بالأسلوب الأول من حيث لا تعلم.

إن الأمثلة المأخوذة من الكون و الحياة، مهما تزايدت، فإنها لا تدل على فهم فلسفي معين، بل هي كالكاسة الفارغة يمكن أن تملأها أي نظرية فلسفية عامة، وضعت لفهم الكون و الحياة. و لا يمكن لأي نظرية عامة أن تنجح ما لم تطبق فهمها على كثرة كاثرة من موارد الكون و الحياة.

فمثال انجلز عن حبة الشعير، كما يمكن فهمه على أساس الديالكتيك، كذلك يمكن فهمه على أساس مفهوم العلية القائل بالارتباط الضروري بين الفعل و الفاعل، كما يمكن - أيضا - فهمه على أساس العلية بالفهم العلمي الحديث القائم على مجرد الترتب بين الوقائع... و هكذا، أي نظرية عامة أخرى.

إذن، فالأمثلة المسبقة من الحياة، لا تدل على النظرية الماركسية، كما يريد انجلز أن يقول -... بل من الضروري للفلسفة أن تقيم البرهان على صحة نظرياتها خارجا عن هذا النطاق، حتى ما إذا تم البرهان عليها أمكن تطبيقها على سائر الوقائع. أي أن الأسلوب الأول هو الأسلوب الأمثل.

و أما إذا اعتمدت النظرية، على الوقائع اعتمادا كليا، كما فعلت الماركسية، و لم يكن لها دليل مسبق، إذن سوف تبقى النظرية للدليل الكافي، لأن الوقائع وحدها، قاصرة عن إثباتها، كما رأينا.

النقطة الثانية: إن صراع الأضداد، هل يؤدي - كما ترى الماركسية - إلى وجود تركيبي أكمل أو لا؟!...

إن هذا الصراع - على ما يبدو - يؤدي، حتما، إلى هلاك المتصارعين، لأنه عنيف و دائم، و لا أقل من هلاك أحدهما، و أما وجود

ص:82

شيء جديد نتيجة لهذا الصراع، فهذا مما لا يمكن أن يكون معقولا، لأنه خلاف طبيعة الصراع بالضرورة.

على أن الحركة، ليست دائما إلى الأكمل و الأعلى، بل قد تؤدي الحركة إلى ما هو الأردأ، كتحول الحديد إلى تراب نتيجة لتآكله بالرطوبة... و قد لا تؤدي هذه الحركة إلى نتيجة بالمرة، مثل بقاء بعض المجتمعات البدائية غير المتطورة إلى حد الآن، على شكلها البدائي، و لعلها تبقى كذلك حتى تفنى أو تتفرق.

... و قد تؤدي الحركة إلى زوال الذات بدون بدل... كالفوتونات الكهربائية عند استقرارها على الأجسام، فإنها تنعدم بالمرة، لأن لا كتلة لها عند السكون، و إنما تحدث لها الكتلة عند الحركة، كما ثبت في الفيزياء الحديثة.

فإذا كانت الحركة صراعا بين الأضداد، لم تكن منتجة للفرد الأكمل دائما...

النقطة الثالثة: اننا نستطيع مما سبق أن ننطلق إلى نتيجة مهمة من عدة زوايا:

الزاوية الأولى: اننا بعد أن أثبتنا أن القوانين الكونية، لا وجود لها على المستوى المادي، و إنما هي مفاهيم ذهنية نعبّر بها على المستوى اللغوي عن مجموعة من الوقائع الجزئية التطبيقية... إذن، فقد زال الأساس المهم الذي يقيم عليه الماديون ماديتهم في التعويض، بفرضية وجود هذه القوانين عن فرضية وجود اللّه... إذ يرون أنه لا حاجة إلى الافتراض الثاني مع صدق الافتراض الأول.

و هذا منحى عام للماديين، سواء في ذلك الماركسيون و غيرهم. و إنما يختلف الماركسيون عن غيرهم في فهم هذه القوانين التي تعوض عن افتراض الخالق في رأيهم. فغير الماركسيين يكتفون من هذه القوانين بالقوانين الفيزياوية و الكيمياوية و الفلكية للطبيعة. و الماركسيون يفهمون كل ذلك طبقا لقانون خاص بهم هو قانون الديالكتيك الذي عرفناه.

فإذا استطعنا التنزل عن افتراض وجود القوانين المادية، على ما برهنا عليه... لم يبق أمامنا إلا الافتراض الثاني، و هو وجود اللّه تعالى كمدبر

ص:83

للعالم بدل هذه القوانين.

هذا... و نستطيع أن نخطو خطوة أخرى، و هي أننا لو سلمنا - جدلا - بوجود هذه القوانين، فإن وجودها لا يغني عن وجود اللّه، بعد وضوح دلالتها على حسن التدبير في هذا الكون، كما سنشير إليه في الزاوية التالية... و خاصة مع الاعتراف «بحدوث» الكون، كما سنبرهن عليه من الزاوية التي بعدها.

الزاوية الثانية: أكدت الماركسية بإصرار على أن القوانين الطبيعية، عمياء عفوية الانتاج... و هذا واضح جدا على مستوى الفكر المادي، لا مناص لهم عن الالتزام به. و لكن هل هو صحيح أو لا؟ -.

إننا نصبح مفكرين و عباقرة و مشاهير، لمجرد الاطلاع على خصائص بعض هذه القوانين. فهل يمكن أن يكون وجود هذه القوانين - بعد الاعتراف بها - بدون فكر و بدون عبقرية؟!... و هل تكفي الأزلية أو الصدفة لتفسير ذلك؟ ان الجواب على ذلك موكول إن الرأي العام في تفكيره الاعتيادي الموضوعي.

لا يشذ عن ذلك حتى قانون الديالكتيك نفسه - على تقدير صحته - فإن سريانه في الكون، و إنتاجه للحركة نحو الأكمل، لا يمكن أن يكون لمجرد أزلية القانون أو لمجرد الصدفة. و إنما يدل بوضوح على عمق الصنع و التدبير.

الزاوية الثالثة: ان القول بأزلية الكون بمعنى عدم وجود بداية لوجوده... مما لا معنى له بالمرة.

فإن لفظ الكون يعبر عن مجموع ما في عالم الوجود من أجزاء... فما هو الشيء الذي نقول بأزليته؟ هل هو المجموع أم الأجزاء؟!...

أما المجموع، فلا يمكن أن يكون أزليا، لأنه مفهوم ذهني أو تعبيري غير موجود في الخارج، و إنما المتحقق هو الأجزاء الكثيرة فقط. أما تصور وحدتها المجموعية فهو خيال تصوري محظ. و ليس المراد الالتزام بأزلية هذا الخيال، و إنما المراد الالتزام بأزلية الكون الواقعي، فإذا لم يكن المجموع واقعيا لا معنى للالتزام بأزليته... فإن ما هو أزلي هو الموجود الواقعي دون غيره.

ص:84

و أما الالتزام بأزلية الأجزاء على كثرتها و تشتتها... فهذا أيضا غير محتمل، فلأن الأجزاء توجد و تفنى باستمرار، و لا يمكن لأي جزء يعينه أن يبقى محافظا على وجوده منذ الأزل. فإن معنى الحركة - حتى في الفكر الماركسي - هو زوال أشياء و حدوث أشياء أخرى، طبقا لقانون الديالكتيك أو غيره. و الكون متحرك باستمرار، و لا يمكن أن يكون ساكنا.

فإذا لم يكن الكون، لا بمجموعه و لا بأجزائه أزليا، فهو حادث - إذن - في لحظة معينة. فيدور أمره بين الالتزام بالصانع الحكيم أو القول بالصدفة المطلقة التي تبرأت الماركسية من مجرد التفكير بها.

و قد يخطر في الذهن: أن معنى أزلية الكون ليس هو ما قلناه، بل بمعنى أن الكون عبارة عن مجموعة من الحوادث المتتابعة من الأزل و إلى الأبد، فأي واقعة لاحظناها وجدناها مسبوقة بأخرى، و هكذا إلى ما لا يتناهى. و هذه السلسلة المتتابعة هي التي تحفظ للكون أزليته.

و جوابه: ان هذا الشكل من التتابع، ما لم يصل إلى الفاعل الخارجي أو الخالق الحكيم، الذي يوجد السلسلة بشكلها اللامتناهي أو يقع في أولها، فلا تكون لا متناهية في العدد... ما لم يكن هذا الشكل مستحيلا، كما سنذكر في النقطة التالية.

الزاوية الرابعة: إن أزلية الكون، بأي شكل، لو سلمناها، لا تبرر وجوده من دون فاعل خارجي. فإن عدم افتراض هذا الفاعل يؤدي إلى ما يسمى باصطلاح الفلسفة بالتسلسل و هو محال. إذن يتعين القول بوجود الفاعل الخارجي حتى مع الالتزام بأزلية الكون.

و انطباق فكرة التسلسل، واضحة على هذا التقدير... فإن ترتب الأحداث و الوقائع الكونية على بعضها البعض، مما لا ينكره أحد، سواء كان بنحو ديالكتيكي أو علمي أو على شكل ثالث... إذن فوجود هذه الحادثة مستند إلى حادثة قبلها، و تلك إلى ما قبلها، و هكذا إلى ما لا نهاية. و هذا هو معنى التسلسل.

و أما استحالة التسلسل، فنحن لا نحتاج في إثباتها إلى دليل عقلي معقد، لكي تنكره الماركسية بصفته ميتافيزيقيا أو مثاليا!!.. و إنما الوجدان حاكم باستحالته، إذ يكفي مجرد تصوره إلى استنكار حدوثه.

ص:85

و أوضح أمثلته: ما إذا أمرك شخص، لا مناص لك من طاعته، ان تخرج من عدة أبواب على أن لا تخرج من أي باب إلا إذا كنت خرجت من باب قبلها. فإن أمره هذا لا يكون قابلا للاطاعة، باعتبار استلزامه التسلسل. فإنك - لا محالة - تخرج لأول مرة من باب لم تخرج من باب قبله. و أما تقيدك بهذا الشرط باستمرار، فهو في عداد المحالات...

فالحظ ذلك بنفسك(1).

و مثله، ما لو أمرك بأن تأكل عدة تفاحات على أن تكون كل تفاحة تأكلها مسبوقة بأكلك تفاحة قبلها... أو أمرك أن تسمع عدة أبيات من الشعر على أن يكون كل بيت تسمعه مسبوقا بسماعك لبيت قبله...

و هكذا.

و من هنا تضطر أنت، لو أردت الامتثال، إلى قطع هذه السلسلة بالخروج من باب لم تخرج قبله من باب آخر، أو سماع بيت من الشعر لم تسمع قبله بيتا... و هكذا. و إلا كانت كل فقرات السلسلة متعذرة التطبيق تماما...

فكذلك الحال في الكون عموما، لو قلنا بأزليته من دون إسناده إلى صانع خارجي، فإن حوادثه مربوطة ببعضها البعض منذ الأزل، فإذا لم تستند إلى الصانع تكون كل حوادثه متعذرة الوجود، تماما كأبيات الشعر و التفاحات.

إذن فأزلية الكون مستحيلة التحقق على أساس الفكر المادي...

النقطة الرابعة: انه كما لا معنى لأزلية الكون، لا معنى لأزلية قوانينه أيضا بما فيها قانون الديالكتيك... بشكل أوضح من أزلية الكون.

إذ لعل شخصا يتحدث عن أزلية الكون، بعد التنزل - جدلا - عما عرفناه في النقطة السابقة، يتحدث عنه على أساس ملاحظة المجموع أو على تسلسل الحوادث و تتابعها اللانهائي... إلا أن هذا لا معنى له في القوانين الكونية. لأن الحديث عن مجموع القانون حديث مهمل، لوضوح أن القانون إنما يوجد في ضمن تطبيقاته، و ليس له وجود أوسع من ذلك.

ص:86


1- (1) إن أول من ذكر هذا الأسلوب في استحالة التسلسل، حسب اطلاعنا، هو: عبد اللطيف بري، في كتابه: نقد الفكر المادي و الديني، ص 25. نذكره حفظا للحقيقة.

و تطبيقات القانون متناثرة مشتتة ليس بينها ترابط من أي نوع، فلا يمكن أن نتصور فيها تتابعا لا نهائيا... لوضوح أن جذب التفاحة غير مربوط بجذب الحصاة... و هكذا.

و إذا كانت التطبيقات، متعددة و مشتتة، و ليس للقانون وجود زائد عليها، إذن فكيف يمكن الالتزام بأزليته.

و الأمر بالنسبة إلى قانون الديالكتيك، أوضح و أشد... لأننا لو سلمنا - جدلا - بإمكان أزلية غيره من القوانين، يتعذر القول بأزليته مع الأسف!!...

لوضوح، أن معنى أزليته بقاؤه على طول المدة، بقاؤه سلسا من دون تغيير... و هذا ينافي مضمون القانون نفسه. فإن مضمون القانون هو أن كل شيء يحدث فيه النفي و نفي النفي، على الشكل الثلاثي الذي عرفناه.

فإذا كان هذا المضمون شاملا حقيقة لكل شيء، إن فهو شامل للقانون نفسه، و معه يكون قانون الديالكتيك (أطروحة) يجري فيها النفي (الطباق) و يحدث بعده (التركيب)...

إذن، فإذا كان هذا القانون أزليا، ينبغي أن نتوقع - طبقا لمضمونه نفسه - أن يكون قد تغير و تبدل إلى شيء آخر منذ أمد طويل. و سيكون القانون الذي يخلفه سلسا و ثابتا، و لا حاجة إلى القول بتغيره مرة أخرى، بعد زوال قانون الديالكتيك من الكون... و لا بد أن يكون هذا القانون الجديد، هو الساري المفعول في العصر الحاضر.

- 6 - لم يبق لدينا من المناقشات، سوى النظر إلى القانون الماركسي الثاني، و هو تحول التغيرات الكمية إلى تغير كيفي، تحولا دفعيا على شكل قفزة أو طفرة.

إن هذا القانون مما لا أساس له، لعدة نقاط:

النقطة الأولى: ما ذكرناه فيما سبق، من أن الطفرة بطبيعتها دائما تقطع الواقع اللاحق عن الواقع السابق، بحيث لا يكون اللاحق ناتجا من السابق بأي حال عن السابق، بل هو حادث جديد منقطع عن سابقه.

و هذا هو سر الطفرة و فلسفتها.

ص:87

فما ذكرته الماركسية من أن التغير الكيفي ناتج من التغيرات الكمية، و انها بمنزلة الأسباب له... لا يكون صحيحا، لتخلل الطفرة بينهما...

فلا بد أن نفحص عن أسباب أخرى للتغير الكيفي... و إلا كان وجوده مستندا إلى الصدفة المطلقة!!..

النقطة الثانية: ان هذا القانون، لو صح أحيانا، فهو لا يصح دائما...

إذ أن التغيرات الكمية كثيرا ما لا تنتج تغيرا كيفيا بالمرة، كنقل شيء ما من مكان إلى مكان، و كحركة المروحة الكهربائية و سائر المحركات و الآلات، و كحركة النجوم في مداراتها. فإن كل هذا... و غير هذا...

لا ينتج شيئا جديدا بعد انتهاء التغير الكمي و انقطاع الحركة لو حصل.

و قد يكون التغير الكيفي ناتجا من دون تغيرات كمية. خذ إليك مثلا: انكسار الزجاج، فإنه لو كان ناتجا عن الاهتزاز، لكان ناتجا عن تغير كمي... و لكنه قد يكون ناتجا عن سقوط جسم ثقيل عليه، فيكون انكساره تغيرا كيفيا غير ناتج من تغير كمي فيه.

و كذلك إسراج المصباح الكهربائي، و كذلك إشعال النار، فإنها غير مسبوقة بتغيرات كمية فيها. بل هي اما حركة في غيره كحركة الفوتونات الكهربائية خلال السلك، الأمر الذي يوجب إسراج المصباح. و اما هي حركة ليست من نوعه كحركة يد الانسان الذي يشعل النار فانها ليست من نوع النار. و القانون الماركسي لا بد أنه يشترط أن يكون التغير ان في شيء واحد و من نوع واحد.

انظر إلى مثال الغليان الذي أكد عليه انجلز، فإنه حاصل على كلا الصفتين فهو ذو تغيرات كمية في شيء واحد (و هو الماء) و من نوع واحد، فإن الغليان شكل من أشكال ارتفاع الحرارة.

و قد لا يكون التغير الكيفي، نهائيا... بل تلحقه تغيرات كمية أخرى، لكن بدون أن تكون منتجة لتغير كيفي. فلئن كان رفع الحرارة قبل الغليان منتجا للغليان، فإن رفع الحرارة بعد الغليان غير منتج لشيء، بل يبقى الغليان هو الغليان و تحول السائل إلى غاز على حاله.

و ما الذي يحدث لو كانت كل مجموعة من التغيرات الكمية منتجة لتغير

ص:88

كيفي... إذن، ينبغي ان ننتظر تغيرا كيفيا بعد 90 درجة من تصاعد الحرارة و ربما أقل منها أيضا. مع أن شيئا من ذلك لا يحدث. إن السر في هذا «التأجيل» إلى درجة المائة يمكن في سبب آخر غير هذا القانون الذي يعجز عن تفسيره.

و لو أننا انتظرنا من التغير الكيفي أن يكون أهم و أفضل من التغيرات الكمية التدريجية، إذن سنصطدم بتغيرات كيفية أضعف و أسوأ من التغيرات الكمية. و لعل أوضح أمثلته الموت بعد الحياة، فإن استمرار الحياة منتج للموت الذي هو أقل أهمية منها. و من أمثلته (الاحتراق التام) في حالتي الخسوف و الكسوف الذي ينتج بعد الاحتراق الجزئي التدريجي... مع وضوح أن الاحتراق التام أسوأ من الاحتراق الناقص.

النقطة الثالثة: ان التغير الذي يعتبره انجلز كيفيا، هو - في واقعه - تغير كمي ليس إلا.

و يمكن أن ننطلق إلى إيضاح ذلك من مثاله الرئيسي: مثال الغليان.

فإنه يحتوي على تغيرات كمية على عدة أشكال:

الشكل الأول: تصاعد الحرارة، فإنه - بطبعه - تصاعد كمي و ان زاد على المائة. و يوضح ذلك: الالتفات إلى غير الماء من الأجسام التي تتدرج في الحرارة فإن تصاعدها هناك كمي محض.

الشكل الثاني: تحول الماء إلى بخار أو غاز... فإن هذا يحدث منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، و يتزايد بتزايدها، لأنه يتناسب مع الحرارة تناسبا طرديا. إذن فالتبخر كان موجودا قبل الغليان و مستمرا في التزايد، و الحال نفسها بقيت بعد الغليان، و لم يحدث شيء جديد.

نعم، لو لم يكن التبخر موجودا، ثم وجد من أول الغليان، لكان ذلك تطبيقا للقانون بشكل أو بآخر. إلا أن الأمر ليس كذلك.

الشكل الثالث: النشيش، الذي هو عبارة عن صعود الأجزاء السفلى من الماء إلى أعلى، نتيجة لتمددها بالحرارة أكثر من الأجزاء العليا. فإن الحديث فيه كالحديث عن التبخر... من حيث أن النشيش موجود منذ الدرجات الضعيفة للحرارة، و يتزايد بتزايدها، لأنه يتناسب معها تناسبا طرديا، حتى تصبح تدريجا واضحة. و لو ارتفعت الحرارة أكثر من المائة،

ص:89

فسوف يكون الانقلاب أوضح.

و يصدق أيضا ما قلناه في جانب التبخر... فإن النشيش أو الصعود، لو كان منعدما قبل الغليان، ثم يحدث بحدوثه، لكان تطبيقا للقانون، و لكن الأمر ليس كذلك.

كل ما في الأمر، أن العرف اللغوي تبانى على تسمية كمية معينة من هذه السلسلة الصاعدة من الحركات بالغليان، كما سمى درجاتها الضعيفة بالنشيش. و كان يمكنه أن يسمي أية مركبة أخرى بهذا الاسم أو بأي اسم آخر. و قد أهمل «التصاعد» اللاحق للغليان من اسم جديد. و في الواقع كله تصاعد على غرار واحد، و بارتفاع في كمية الحرارة و كمية التبخر و كمية الانقلاب ليس إلا.

و من هنا نستطيع أن نفهم معنى الطفرة التي لمسها الماركسيون قبل التغير الكيفي فإن العرف اللغوي حين يتبانى على أن درجة معينة من الانقلاب هي المسماة بالغليان، دون ما هو أقل منها... فإن هذه الدرجة تحدث مع تصاعد الحرارة في لحظة معينة، بطبيعة الحال (درجة المائة تحدث بعد التسعة و التسعين) و لا يكون لها وجود قبل تلك اللحظة. و بمجرد حدوثها يسميها العرف اللغوي «فجأة» باسمها الجديد: الغليان. و هذه المفاجأة هي التي استوحى منها الماركسيون معنى الطفرة و هي مفاجأة لغوية، كما أن فكرة التغير الكيفي أساسا فكرة لغوية، و لا تحتوي من ناحية (علمية) إلا على التغير الكمي.

إذن، فلم نستطع أن نضع يدنا على تطبيق واحد، من أي نوع، يصلح أن يكون تطبيقا كافيا للقانون الماركسي، و حاملا لكل صفاته المطلوبة.

و من مجموع هذه المناقشات ينتج أن الأسس الفلسفية العامة للمادية التاريخية، لم يثبت صحة شيء منها، غير الاعتراف بالواقعية. إلا أن هذا لا ينافي وجود بعض اللمعات في التفكير الماركسي، هو الذي حدانا أن نستشهد بها في هذا الكتاب.

ص:90

الأسس العامة الاقتصادية و الاجتماعية للمادية التاريخية

- 1 - إن الحياة الاجتماعية جزء من الطبيعة، و تابعة لقوانينها القاهرة، بطبيعة الحال.

قال ستالين:

«و من السهل أن ندرك الأهمية العظمى لتطبيق مبادئ المادية الفلسفية على درس الحياة الاجتماعية، و على درس تاريخ المجتمع... فإذا صح أن الصلة بين حوادث الطبيعة و تكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة هما قانونان ضروريان من قوانين تطور الطبيعة نتج عن ذلك أن الصلة بين حوادث الحياة الاجتماعية و تكييف بعضها بعضا بصورة متبادلة، ليسا مجرد احتمالات، بل هما أيضا قانونان ضروريان من قوانين التطور الاجتماعي.

و بالتالي تخرج الحياة الاجتماعية و تاريخ المجتمع عن كونهما تكدس «احتمالات» بل يصبح تاريخ المجتمع تطورا ضروريا، و تصبح دراسة التاريخ الاجتماعي علما»(1).

- 2 - و حيث أن القانون الأهم و الأعم للطبيعة، في نظر الماركسية، هو الديالكتيك مضافا إلى قانون التغير الكمي و الكيفي... إذن يكون المجتمع في حاضره و ماضيه ديالكتيكيا، محكوما لقانونه القاهر. و تكون المادية التاريخية من زاوية كونها تفسيرا للمجتمع، مادية ديالكتيكية بطبيعتها، و إن كانت خاصة بالمجتمع.

قال كوفالسون:

«إن الموقف الديالكتيكي (الجدلي) من معرفة جميع الظاهرات الاجتماعية من

ص:91


1- (1) المادية الديالكتيكية لستالين ص 30.

دراسة المجتمع، هو أهم مقدمة فلسفية للدراسة الاجتماعية. و هو يلزم بالنظر من خلال التناقضات إلى المجتمع بسبيل التطور»(1).

«و ليس من العسير أن نلاحظ أن مبدأ المادية و المبدأ الديالكتيكي للتاريخية في دراسة المجتمع يخدمان على السواء هدفا واحدا، هو معرفة الموضوع المدروس، كما هو عليه بحد ذاته، و في هذا تتجلى وحدتهما العضوية.

إن المجتمع إنما هو نظام موجود و متطور موضوعيا. و لتكن هذا التعريف للمجتمع، لا يميزه عن الطبيعة بوصفه موضوعا خاصا للمعرفة، لأنه تجري هنا و هناك، في المجتمع و في الطبيعة دراسة قوانين عمل و تغير الأنظمة المادية»(2).

و قال ستالين:

«أما المادية التاريخية فتوسّع نطاق المادية الديالكتيكية حتى تشمل دراسة الحياة الاجتماعية، و تطبق هذه المبادئ على حوادث الحياة الاجتماعية... أي على درس المجتمع على درس تاريخ المجتمع»(3).

و قال:

«من الواضح أن وجود علم تاريخي، و تطور هذا العلم شيئان مستحيلان بدون هذا الفهم التاريخي للحوادث الاجتماعية، فمثل هذا الفهم فقط يمنع علم التاريخ من أن يصبح فوضى احتمالات، و كونه أخطاء سخيفة.

و بعد، إذا صح أن العالم يتحرك و يتطور تماما و أبدا، و إذا صح أن اختفاء القديم و نشوء الجديد هما قانونان للتطور، أصبح من الواضح أنه ليست هناك أنظمة اجتماعية ثابتة «لا تتزعزع» و لا «مبادئ أبدية» للملكية الخاصة و الاستثمار. و ليست هناك «أفكار أبدية» عن خضوع الفلاحين لكبار ملاكي الأرض و العمال للرأسماليين»(4).

«... و بعد، إذا صح أن التطور يجري، بانبثاق التناقضات الداخلية و بالنزاع بين القوى المتضادة على أساس هذه التناقضات، و ان غاية هذا النزاع هي قهر هذه التناقضات و التغلب عليها. فمن الواضح أن نضال البروليتاريا الطبقي هو حادث طبيعي تماما و لا مناص منه»(5).

- 3 - يتميز المجتمع على الكون الطبيعي و قوانينه العامة، بميزتين رئيسيتين:

ص:92


1- (1) المادية التاريخية لكوفالسون ص 37.
2- (2) نفس المصدر ص 39.
3- (3) المادية الديالكتيكية لستالين ص 10.
4- (4) المصدر ص 21.
5- (5) المصدر ص 23.

الميزة الأولى: إن هناك قوانين تحكمه، خاصة به، و هي منبثقة بدورها من القوانين الكونية العامة و منسجمة معها... و سنسمع رأي الماركسية في تأثير قوى الانتاج و علاقات الانتاج في تطوير المجتمع.

الميزة الثانية: وجود جو من الحرية و الوعي في تصرف المجتمع، بخلاف الطبيعة، فإن تصرفاتها عمياء عفوية خالية من الوعي و الهدف، حسب ما ترى الماركسية.

و بطبيعة الحال، يكون مقتضى شمول القوانين الكونية الضرورية للمجتمع: أن تكون كل تصرفات الناس «جبرية» ضرورية لا أثر للوعي فيها. إلا أن الماركسية جمعت بين هذين المفهومين المتناقضين: الضرورة و الحرية، و اعترفت بهما معا.

قال انجلز:

«غير أن تاريخ تطور المجتمع يختلف جوهريا في نقطة واحدة عن تاريخ تطوّر الطبيعة. ففي الطبيعة (بقدر ما نحن نضع جانبا رد فعل الانسان فيها) لا يؤثر بعضها في بعض إلاّ قوى عمياء لا واعية، و في تأثيرها تظهر القوانين العامة. و ليس هنا أي هدف واع منشود. لا في الأعراض الظاهرية التي لا عدّ لها و المرئية على السطح، و لا في النتائج الختامية التي تؤكد وجود الانتظام في داخل هذه الأعراض.

أما في تاريخ المجتمع، فالأمر بالعكس. ففي تاريخ المجتمع يفعل الناس الذين لهم موهبة الوعي و يعملون بتفكير أو بتأثير عاطفة، و ينشدون أهدافا معينة. و لا يصنع هنا شيء دون نية واعية، و دون هدف منشود»(1).

قال بليخانوف:

«و لكننا في الحوادث التاريخية لا نواجه أشياء جامدة، و إنما نواجه بشرا يعملون، و البشر يتمتعون بالوعي و الارادة. فيحق لنا بالتالي أن نتساءل عما إذا كانت الضرورة - التي لا يوجد خارجها مفهوم علمي للظواهر في التاريخ، كما في علم الطبيعة - لا تنفي فكرة الحرية الانسانية.

و إذا صغنا المسألة بكلمات أخرى، فهي تطرح على النحو التاريخ: هل من سبيل للتوفيق بين الفعل الانساني الحر و الضرورة التاريخية.

يبدو لنا للنظرة الأولى أن ذلك غير ممكن و ان الضرورة تنفي الحرية، و بالعكس.

و لكن الأمور ليست على هذا الشكل إلاّ بالنسبة لمن يتوقف نظره عند سطح الأشياء، عند قشرة الظواهر. في الحقيقة ان هذا التناقض «الشهير» هذا التنافي المزعوم بين الحرية و الضرورة ليس له وجود. فإن الضرورة لا تنفي الحرية إنما هي شرطها الأساسي»(2).

و قال بليخانوف أيضا:

ص:93


1- (1) لودفيج نورباخ: انجلز ص 53.
2- (2) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 39.

«و على كل، فمن المؤكد أن مثل هذا التوافق ممكن الوقوع تماما، و ان الشعور بالضرورة يتسق تماما مع الفعالية العملية التي بلغت مداها. و مهما يكن من أمر فهذا ما صادفناه حتى الآن في التاريخ»(1).

«... انني لا أستطيع أن أقسم عرى هذا التماثل بين الحرية و الضرورة جاعلا إحداهما تعارض الأخرى، و لا يمكن أبدا أن أستشعر أن الضرورة تضايقني. إلاّ أن اختفاء الحرية هذا، ليس في الوقت نفسه إلاّ تعبيرا تاما عنها(2).

«... هذه الحرية المتولدة عن الضرورة. و بعبارة أدق: انها الحرية المتماثلة مع الضرورة، إنها الضرورة التي استحالت إلى حرية. ان هذه الحرية هي نفسها الحرية المواجهة بعامل قسري، و المعارضة بعائق خارجي(3)...».

- 4 - و يذكر بليخانوف أسلوبا رياضيا لحساب احتمالات هذه الحرية و الضرورة من أجل التأكيد على أنه من الممكن الجمع بينهما تماما.

اسمعه يقول:

«لنفرض ان الظاهرة (آ) يتحتم وقوعها إذا توفرت مجموعة شروط معينة نرمز إليها بحرف (س). و قد أوضحت لي ان بعضا من هذه الشروط قد تمّ توفرها، و ان البقية الباقية ستحصل في الوقت (ن).

لقد أقنعتني! فسأواجه الحادث (آ) و أكتب كلمة (تام) و أنام ملء جفوني حتى يحين اليوم السعيد حيث يتحقق فيه الحادث وفق تنبؤاتك.

و إليك النتائج؛ فمن مجموع القيمة (س) للشروط الواجب توافرها حتى تحدث الظاهرة (آ) أدخلت عملي أيضا الذي سأرمز له بحرف (د). و لما كنت مستسلما للرقاد لدى حلول الوقت (ن) فإن مجموع الشروط اللازمة لايجاد الظاهرة الملمع بها ليس (س) و إنما (س - د). و هذا ما يبدل الوضع. و يجوز أن يحل آخر مكاني و يكون مستسلما للعطالة، غير ان المثل الذي ضربه له استرخائي قد ترك لديه أثرا فعالا، إذ رأى أن العطالة أمر مشين. و في هذه الحال، تحل القوة (ب) مكان القوة (د).

فإذا كانت القوة (ب) مساوية للقوة (د) (د ب) فإن مجموع الأسباب الضرورية لانجاز الظاهرة (آ) تبقى مساوية ل (س). و الظاهرة تقع من تلقاء نفسها في الوقت المحدد (ن).

و إذا لم تكن قوتي معادلة للصفر، و إذا كنت كفؤا و ماهرا و لم يأخذ مكاني شخص

ص:94


1- (1) المصدر ص 15.
2- (2) المصدر ص 17.
3- (3) نفس المصدر.

سواي، فتكون عندئذ قيمة (س) ناقصة لم تكتمل، و ستتحقق الظاهرة (آ) في زمن متأخر عن الوقت الذي فرضناه آنفا أو تتم بصورة ناقصة أو لا تتم البتة.

هذا الأمر واضح كالنهار، فإذا لم أفقه هذه الحقيقة، أو تخيلت أن القيمة (س) ستبقى (س) حتى بعد إخفاقي، فما ذلك إلاّ لأني أجهل قواعد الحساب.

و هل أكون أنا الوحيد الذي يجهل قواعد الحساب؟ عند ما أنبأتني أن مجموع الشروط (س) سيتم الحصول عليها في الوقت (ن) لم تشر إلى أنني سأذهب و أنام حالما تنتهي محادثتنا. و كنت على يقين بأنني سأبقى حتى النهاية عاملا لاتمام الظاهرة (آ). لقد اعتمدت على قوة كان لزاما عليك أن لا تعول عليها كثيرا، بدلا من قوة أخرى كان من واجبك الاعتماد عليها، و بالتالي فقد أخطأت بالحساب أيضا.

و لنفترض أنك لم ترتكب أية هفوة و كنت مرتقبا حدوث كل شيء، فإليك ما ستؤول إليه حساباتك: قد ذكرت أن مجموع الأسباب (س) ستتحقق في الوقت (ن).

و من جملة هذه الشروط الضرورية يمثل إخفاقي قوة سلبية، كما يمثل الأثر المثير - و هو الذي يشيع الطمأنينة في قلوب الرجال الأشداء الموقنين بأن اتجاهاتهم و مثلهم العليا ليست إلا تعبيرا ذاتيا عن الضرورة الموضوعية - القوة الايجابية.

و في هذه الحالة يتحقق مجموع الأسباب (س) في الوقت المحدد من قبلك و تتم الظاهرة (آ). و هذا يبدو واضحا. و لكن لما ذا جعلتني الفكرة القائلة بضرورة وقوع الظاهرة (آ) في اضطراب، و لم تبدو لي و كأنها تحكم عليّ بالعطالة؟ و لم جعلتني نتيجة البراهين التي أوحت بها إليّ أنسى المبادئ الأولية للحساب؟ لا ريب أن ثقافتي كانت على شكل يجعلني أحمل بعنف في نفسي، ميلا إلى العطالة، و ان محادثتنا كانت القطرة التي صبت في كأس دهاق. و تكلم هي القضية بكاملها.

إن الشعور بالضرورة لم يكن من شأنه إلا إعطاء استرخائي و عجزي المعنوي المناسبة اللازمة حتى يتحققا. و لم تكن الضرورة سبب ذلك، و إنما السبب هو التربية التي أصبتها.

و هكذا نرى أن الرياضيات علم مفيد جليل القدر، لا يحسن أن تغرب قواعده عن البال، و خاصة عن بال السادة الفلاسفة»(1).

- 5 - و حين جمعت الماركسية بين الضرورة و الحرية، نفت في نفس الوقت «الجبرية» المطلقة و «الارادية» المطلقة. و رأت فيهما مذاهب غير صحيحة.

قال بليخانوف في نقد بعض وجهات النظر:

ص:95


1- (1) دور الفرد في التاريخ: بليخانوف. ص 25 و ما بعدها.

«بيد أن هذه الحقيقة تتسم بالجبرية الصارخة، لأنها تعود و تزعم أن تاريخ الانسانية محدد سلفا، حتى في جزئياته القليلة، بالخصائص العامة للطبيعة البشرية. إن الجبرية هنا تنشأ عن اختفاء الخاص في العام.

و يمكن القول، كما في العادة: ما دامت جميع الحوادث الاجتماعية محددة بالضرورة، فليس لعملنا أي اعتبار. و هذه فكرة صحيحة لم يحسن صياغتها، إذ كان من الواجب القول: إذا كان العام يقرر كل شيء، فينجم عن ذلك أن الفردي (بما فيه مجهودي) ليس له أية أهمية ان مثل هذه النتيجة صحيحة تماما، و إن كان استعمالها يجري بصورة خاطئة. و عند تطبيق هذه الفكرة مع المفهوم المادي الحديث عن التاريخ حيث يترك حيزا للعمل الفردي، لا يعود لها أي معنى»(1).

و قال كوفالسون:

«إن الجبرية (الاعتقاد بالقضاء و القدر) تؤدي على العموم إلى خرافات و سخافات، بتحويلها الصدفة إلى حتمية تاريخية.

أما الارادية التي تعتبر التاريخ مجرد إنتاج لابداع الناس الحر، لارادتهم الحرة و لاختيارهم الحر لأهدافهم، فإنها تتخبط في مأزق أمام كثير من المسائل. مثلا من وجهة النظر هذه كيف يفسر الدافع الأساسي التالي، و هو أن نتائج النشاط في التاريخ تكون أحيانا كثيرة جدا مناقضة للأهداف التي وضعها الناس نصب أعينهم. إن الناس يتمنون الخير، و لكنهم يصنعون الشر أحيانا»(2).

- 6 - و لعل أوضح بيان في أسلوب الجمع بين الضرورة و الحرية، من الناحية الاجتماعية، هو ما ذكره كوفالسون، حين قال:

«إن كان جيل جديد من البشر يجد عند دخوله حلبة الحياة، ظروفا اجتماعية جاهزة، مصنوعة قبل ظهوره، و يفعل و يتصرف على أساسها، و يصنعها من جديد أو يغيرها. و هذه الظروف تنشئ إمكانيات معينة لأجل هذا النشاط أو ذاك.

ثم إن مستوى التطور المبلوغ سابقا، يحمل معه طائفة معينة من القضايا الاجتماعية، فيدركها الناس و يستهدفون حلها. و لهذا لا يمكن فصل النشاط عن الظروف الموضوعية التي يتحقق في إطارها. إلا أن وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن و استقلال نشاط الانسان، بل يتيح - بالعكس - فهم هذا النشاط على نحو أفضل»(3).

ص:96


1- (1) دور الفرد في التاريخ: بليخانوف ص 97-98.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون ص 43.
3- (3) المصدر نفسه ص 43.

«... إن المجتمع يتطور حسب القوانين الموضوعية، و الناس مقيدون في أفعالهم بظروف مادية معينة. و لكن الناس يستطيعون في إطار الظروف الموضوعية - و هذا الاطار واسع جدا - أن يتخذوا مختلف القرارات... حسب فهمهم للظروف الموضوعية، لظروف النشاط الملموسة».(1)

- 7 - بعد الانتهاء من هذه المرحلة، يأتي دور الحديث عن قوى الانتاج لنرى مقدار تأثيرها في قيادة المجتمع، و من ثم في الحرية أو الضرورة للانسان.

قوى الانتاج أو القوى المنتجة، هي الوسائل التي كان و لا زال الانسان يستخدمها في «نضاله ضد الطبيعة» على حد تعبير الماديين.

قال بليخانوف:

«إن اليد مع الذراع هي الأداة الأولى و الآلة الأولى التي يستخدمها الانسان.

و عضلات الذراع تؤدي مهمة النابض الذي يضرب أو يرمي. غير أن الآلة أخذت تظهر خارج الجسم شيئا فشيئا. لقد أفاد الحجر في بادئ الأمر بثقله، بكتلته. و فيما بعد ثبتت هذه الكتلة على مقبض. و هكذا البلطة و المطرقة.

إن اليد و هي الأداة الأولى عند الانسان، تخدمه لانتاج أدوات أخرى، و تكييف المادة للنضال ضد الطبيعة، أي ضد بقية المادة المستقلة.

و كلما ارتقت هذه المادة المستعبدة، نما استخدام الأدوات و الآلات و ازدادت أيضا قوة الانسان ضد الطبيعة»(2).

و قال ستالين:

«و فيما يلي لوحة تبين الخطوط الكبرى لتطور القوى المنتجة منذ أقدم الأزمان إلى يومنا هذا:

الانتقال من الأدوات الحجرية الغليظة إلى الفؤوس و السهام، و بالتالي، المرور من الصيد إلى استخدام الحيوانات و تربية المواشي بشكل بدائي. ثم الانتقال من الأدوات الحجرية إلى المعدنية (الفأس الحديدية، المحراث الابتدائي المجهز بسكة مصنوعة من الحديد... الخ) و بالتالي الانتقال إلى غرس النباتات، إلى الزراعة. و من ثم إجراء تحسين جديد من الأدوات المعدنية لأجل صنع مختلف المواد، و ظهور الكير ذي المنفاخ، و صناعة الأواني الفخارية، و بالتالي تطور الحرف، و انفصال الحرف عن الزراعة، و تطور

ص:97


1- (1) المصدر أيضا ص 45.
2- (2) فلسفة التاريخ ص 48.

الحرف المستقلة أولا. ثم المانيوفاكتورة (أي المصنع) فيما بعد، ثم الانتقال من أدوات الانتاج الحرفي إلى الآلة، و تحويل الانتاج الحرفي - المانيوفاكتوري، إلى صناعة قائمة على الآلة. و من ثم الانتقال إلى نظام الآلات و ظهور الصناعة الميكانيكية الحديثة الكبرى.

هذه هي بصورة إجمالية و غير كاملة اللوحة التي تبين تطور قوى المجتمع طوال تاريخ البشرية. و لا حاجة إلى القول أن تطور أدوات الانتاج و تحسينها لم يحدثا بصورة مستقلة عن الناس بل حققها الناس الذين لهم علاقة بالانتاج»(1).

- 8 - و لكن ما هي علاقات الانتاج؟...

يجيب ستالين على ذلك في كتابه قائلا:

«... فالناس في نضالهم مع الطبيعة يستثمرونها لانتاج الحاجات المادية، ليسوا منفردين منعزلا بعضهم عن بعض بل ينتجون في جمعيات فالانتاج، دائما، و مهما تكن الشروط، إنتاج اجتماعي. ففي أثناء انتاج الحاجات المادية يقيم الناس فيما بينهم هذه العلاقات أو تلك ضمن نطاق الانتاج، أي يقيمون بينهم هذه أو تلك من علاقات الانتاج.

و يمكن أن تكون هذه العلاقات علاقات تعاون و تساعد... كما يمكن أن تكون علاقات انتقال من شكل من أشكال علاقات الانتاج إلى آخر... و يمكن أن تكون علاقات سيطرة علاقات الانتاج. فهي دائما، و تحت كل الأنظمة، عنصر ضروري لا غنى عنه في الانتاج، مثلها في ذلك قوى المجتمع المنتجة، سواء بسواء»(2).

«يستخلص من ذلك أن الانتاج أو أسلوب الانتاج، يشمل قوى المجتمع المنتجة، كما يشمل علاقات الانتاج بين الناس سواء. ففيه يتجسد اتحاد الطرفين خلال عملية إنتاج الحاجات المادية»(3).

- 9 - تكون علاقات الانتاج دائما مربوطة بتغيرها و تطورها بتطور القوى المنتجة. و هو تغير و تطور خارج عن قدرة الناس و إرادتهم، بل هو مؤثر فيهم من حيث لا يعلمون.

قال ماركس:

«إن الناس أثناء الانتاج الصناعي لمعيشتهم يقيمون فيما بينهم علاقات إنتاج معينة ضرورية مستقلة عن آرائهم. و تطابق علاقات الانتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم

ص:98


1- (1) المادية الديالكتيكية لستالين ص 48.
2- (2) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 42.
3- (3) المصدر نفسه ص 43.

المنتجة»(1).

و قال ستالين:

«خاصية الانتاج الثانية: هي أن تطوره و تغيراته تبدأ دائما بتغير القوى المنتجة و تطورها، و بتغير و تطور أدوات الانتاج قبل غيرها. فالقوى المنتجة هي - إذن - أكثر عناصر الانتاج حركة و ثورة.

في بادئ الأمر، تتعدل القوى المنتجة و تتطور، و بعدئذ تبعا لهذه التعديلات و طبقا لها، تتعدل علاقات الانتاج بين الناس، في علاقاتهم الاقتصادية.

غير أن ذلك لا يعني أن علاقات الانتاج لا تؤثر في تطور القوى المنتجة أو أن هذه لا تتعلق بتلك. فإن علاقات الانتاج التي يتعلق تطورها بتطور القوى المنتجة، تؤثر بدورها في تطور القوى المنتجة فتعجله أو تبطؤه.

و من المهم أن نلاحظ - علاوة على ذلك - أن علاقات الانتاج لا يمكن أن تتأخر أمدا طويلا عن نمو القوى المنتجة، و أن تبقى في تناقض مع هذا النمو. لأن القوى المنتجة لا تستطيع أن تتطور تطورا تاما إلا عند ما تكون علاقات الانتاج مطابقة لطابع القوى المنتجة... و لذلك، فمهما تتأخر علاقات الانتاج عن تطور القوى المنتجة، فلا بد أن ينتهي الأمر - و هو فعلا ينتهي - بالمطابقة بينها و بين القوى المنتجة... و إلا تعرضت الوحدة إلى خطر التفكك و... إلى وقوع أزمة في الانتاج و إلى تحطيم القوى المنتجة»(2).

«... فإذن، ليست القوى المنتجة أكثر عناصر الانتاج حركة و ثورة فقط، بل هي إيضا العنصر الحاسم في تطور الانتاج، و كما تكون القوى المنتجة كذلك، يجب أن تكون علاقات الانتاج»(3).

- 9 - إن تطور علاقات الانتاج يكون سببا في التطور الاجتماعي ككل، سواء من الناحية السياسية أو الأدبية أو الدينية أو الفلسفية أو أي شكل آخر في المجتمع.

قال ماركس:

«و مجموع علاقات الانتاج هذه تشكل البناء الاقتصادي للمجتمع أي الأساس

ص:99


1- (1) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 59 من مقدمة كتاب: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي لماركس.
2- (2) المادية الديالكتيكية أيضا ص 45.
3- (3) المصدر ص 45.

الواقعي الذي يقوم عليه «بناء علوي» حقوقي و سياسي، و تطابقه كذلك أشكال معينة من الوعي الاجتماعي و السياسي و الفكري بصورة عامة. فليس وعي الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك، معيشتهم الاجتماعية هي التي تحدد وعيهم»(1).

و قال انجلز:

«إننا نرى للظروف الاقتصادية القول الفصل في تحديد التطور التاريخي. و عليه فالأصل هو نفسه عامل اقتصادي»(2).

«إن التطور السياسي و الحقوقي و الفلسفي و الديني و الأدبي و الفني... الخ يستند إلى التطور الاقتصادي»(3).

- 10 - و إذا صح ذلك، أعني استناد تطور المجتمع إلى تطور علاقات الانتاج... و صح استناد تطور هذه العلاقات إلى تطور قوى الانتاج أو و سائله... صح - لا محالة -. استناد تطور المجتمع نفسه إلى تطور قوى الانتاج، و بالتالي إلى آلة الانتاج نفسها.

قال ستالين:

«فالناس... يتغيرون و يتطورون بتغير أدوات الانتاج و تطورها»(4).

و قال كوفالسون:

«إن وسائل العمل... ليست دليلا على النجاحات التي أحرزها الناس في النضال ضد الطبيعة و حسب، بل الأساس الحاسم لتطور الانتاج و المجتمع كله»(5).

- 11 - غير أن هنا استثناء تؤكد عليه الماركسية، لكي لا يورد عليها بأننا نرى كثيرا من الأشياء تتطور بغير العامل الاقتصادي. إن العامل الاقتصادي - في نظرها - هو السبب الأعمق و الأهم في تطور كل جوانب المجتمع، و لا يعني ذلك مباشرته العمل في كل شيء، بل توجد هناك عوامل أخرى تعمل متأخرة عنه، و إن كانت كلها تعود، في النتيجة، إليه.

ص:100


1- (1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 45.
2- (2) نصوص مختارة: انجلز ص 179.
3- (3) المصدر و الصفحة.
4- (4) المادية الديالكتيكية ص 48.
5- (5) المادية التاريخية: كوفالسون ص 60.

قال انجلز:

«إن التطور السياسي و الحقوقي و الفلسفي و الديني و الأدبي و الفني... الخ، يستند إلى التطور الاقتصادي. و لكنها جميعا تتأثر أيضا بعضها ببعض، كما تؤثر في الأساس الاقتصادي. فليس صحيحا أن الوضع الاقتصادي هو السبب، و هو وحده الفاعل، و ان كل ما عداه ليس سوى مفعول. ان ثمة - بالعكس - تفاعلا على أساس الضرورة الاقتصادية التي لها الغلبة في المرجع الأخير. إن الناس هم الذين يصنعون تاريخهم بأنفسهم، و لكن في وسط مكيّف لهم على أساس علاقات فعلية موجودة من قبل، في عدادها الظروف الاقتصادية التي - مهما يكون مدى تأثرها بالظروف الأخرى السياسة و الايديولوجية - لن يقلل ذلك في المرجع الأخير، من كونها الظروف المحددة التي تؤلف من البداية إلى النهاية، الدليل المرشد الذي يجعلك وحده قادرا على الفهم.»(1).

و قال أيضا:

«إن العامل المحدد في التاريخ، حسب المفهوم المادي للتاريخ، هو المرجع الأخير، إنتاج و إعادة إنتاج الحياة الواقعية. و لم نؤكد أبدا - لا ماركس و لا أنا - أكثر من هذا.

فإذا كان من يعذّب هذه القضية ليرغمها على أن تقول أن العامل الاقتصادي هو المحدد الوحيد، فإنه ليحولها إلى عبارة فارغة مجردة سخيفة.

إن الوضع الاقتصادي هو الأساس؛ و لكن مختلف عناصر البنيان الفوقي - الأشكال السياسية للنضال الطبقي و نتائجه... الأشكال الحقوقية، و حتى انعكاسات جميع هذه النضالات الفعلية في دماغ المشتركين فيها، النظريات السياسية و الحقوقية و الفلسفية، و المفاهيم الدينية... تمارس كذلك فعلها في سير النضالات التاريخية، و في كثير من الأحيان تحدد شكلها على نحو راجح. فثمة فعل ورد فعل لجميع هذه العوامل التي في غمارها تنتهي الحركة الاقتصادية... و لو لا ذلك، لعمري، لكان تطبيق النظرية على أي عهد تاريخي أيسر من حل معادلة بسيطة من الدرجة الأولى.

إننا نصنع تاريخنا بأنفسنا، و لكن قبل كل شيء بمقدمات و ضمن ظروف جد المحددة. و لكن الظروف السياسية... الخ بل و حتى التقاليد التي تخالط أدمغة الناس تلعب كذلك دورا و إن يكن غير حاسم. إنها أسباب تاريخية، و في المرجع الأخير، أسباب اقتصادية»(2).

ص:101


1- (1) نصوص مختارة، لانجلز ص 180.
2- (2) المصدر ص 191-192.

إلى هنا نكون قد سرنا خطوة مهمة و موفقة، في فهم الأساس الاقتصادي للتطور الاجتماعي.

و لعل من الراجح الآن أن نبدأ بمناقشة هذه الآراء الماركسية، قبل الدخول في «الفهم الطبقي الماركسي»، لكي لا تتكدس علينا المناقشات و يتعذر جانب الوضوح فيها.

ص:102

مناقشة الفكر الماركسي في الحرية الفردية و علاقات الانتاج

- 1 - نحن نتفق مع الماركسية، في هذه النقطة، و هي: ان القوانين الطبيعية العامة شاملة للمجتمع، و ان المبادئ الفلسفية للكون تشمل حياة الناس و تاريخهم بالضرورة.

يستثنى من ذلك - في نظرنا - الافعال التي تصدر من الناس عن إرادة و وعي، على ما سيأتي، و سنرى بالتحليل ما هو موقف الماركسية منها.

و نتفق مع الماركسية أيضا في ضرورة الترابط بين الحوادث الاجتماعية، بشكل من الأشكال.

و إنما نختلف معها - بهذا الصدد - في أمرين:

الأمر الأول: في تشخيص القوانين الطبيعية التي تحكم المجتمع.

فالماركسية ترى في أنها قانون الديالكتيك و نحوه، مما سمعناه، في حين أننا نرى أنها أشياء أخرى سنلمح إليها فيما يلي من البحث.

الأمر الثاني: انه مع استثناء الأفعال الاختيارية للناس من الضرورة القانونية الكونية - كما قلنا -، لا يكون التطور الاجتماعي تطورا ضروريا قهريا، يمكن حسابه بأسلوب رياضي حدّي تماما. بل يبقى احتمال تصرف الناس في ضمن التاريخ موجودا أيضا.

و من الطريف أن الماركسية إلى جانب تأكيدها على ضرورة التطور، بكل تفاصيله، تؤكد أيضا على وعي الناس و إرادتهم، و انهم هم الذين يصنعون التاريخ. و هذا معناه عدم إمكان الجزم الحقيقي بردود الفعل الصادرة، من الناس تجاه الوقائع المختلفة، فكيف - و الحال هذه - يكون التطور ضروريا، و التنبوء بالحوادث يمكن حسابه حسابا رياضيا... كما تميل

ص:103

إليه الماركسية حين حولت علم التاريخ و المجتمع من «فوضى احتمالات» إلى «علم»!!...

إلا أن هذا لا ينافي الاعتراف مع الماركسية، بأن المجتمع يتطور تطورا موضوعيا، و ذا درجة كافية من الضبط، و يمكن السيطرة عليه من قبل فاعل داخلي أو خارجي. و سيتضح ذلك جليا عند شرح التخطيط العام في القسم الثالث من هذا الكتاب.

و بهذه الدرجة الكافية من الضبط، يمكن تأسيس علم التاريخ، كفرع عميق من فروع المعرفة الانسانية. و لا يكون «فوضى احتمالات و كومة أخطاء سخيفة».

- 2 - نرى أن الأسباب التي تؤثر في التطور الاجتماعي في العصور الثلاثة:

الماضي و الحاضر و المستقبل، ثلاثة رئيسية؛ اثنان منها موضوعيان، أعني خارجين عن إرادة الناس، و واحد منها ذاتي، يعود إلى إرادتهم.

السبب الأول: الاسباب الطبيعية العامة.

فإن اعترفنا بالقوانين، عبرنا عنها بالقوانين الكونية، كقوانين الفلك و الفيزياء و الكيمياء العامة. و إن أنكرنا القوانين - كما فعلنا - تكون الأسباب هي كل واقعة سابقة بالنسبة إلى اللاحقة، فإن هنا تتابعا بين الحوادث على أي حال، من حين حدوث الكون إلى نهايته. و قد سبق أن برهنا على حدوث الكون. و انطلقنا من ذلك على وجود الفاعل الخارجي الخالق للكون.

و من هذا النوع من الأسباب قهرية التأثير بالنسبة إلى كل ما يندرج تحتها من الوقائع و الأشياء، و موضوعي و مستقل تماما عن إرادة الانسان، و تجعل الانسان - عادة - عاجزا عن مخالفتها أو محاولة تجاهلها.

و هذه الأسباب شاملة بمدلولها المباشر للمجتمع، تماما كما هي شاملة للطبيعة. و بعبارة أخرى: إنها تفهم المجتمع كما تفهم الطبيعة... هنا نرى الانسان يسقط من شاهق كما تسقط الحصاة!!..

السبب الثاني: الأهداف المتوخاة من إيجاد الكون.

و البرهان على ذلك مختصر قبل الوصول إلى القسم الثالث من الكتاب اننا بعد أن أثبتنا أن للكون خالقا و مدبرا من خارجه، و ثبت في

ص:104

الفلسفة أن هذا الخالق قادر مطلق و حكيم مطلق و مختار في تصرفه. يكفينا من ذلك الآن أن الخلاف مع الماديين إنما هو في وجوده، مع التسالم على أنه لو كان موجودا لكان كاملا «مطلقا» و لم يدع أحد وجود الاله الناقص.

كما ثبت أن كل فعل اختياري، لا بد أن يكون ناشئا من هدف و غرض، معينين، و هذا ما اعترفت به الماركسية، كما سمعنا قبل قليل.

فكيف إذا كان الفاعل قادرا و حكيما مطلقا.

... إذن، فلا بد أن تكون أهداف الخالق الحكيم من وراء خلق هذا الكون العظيم.. في غاية العمق و الدقة و الأهمية. و حيث أنه القادر المطلق، فهو - إذن - قادر على تنفيذ أهدافه من خلقه، بأي شكل من الأشكال.

و الفاعل الحكيم يستحيل عليه نقض الغرض، أي أن يخالف أهدافه و يفعل ما لا يحققها أو ما يحقق أضدادها. فهو إذن - بالضرورة - يتسبب بقدرته إلى تحقيق تلك الأهداف و الأغراض. و لا تكون هذه الضرورة منافية لقدرته، باعتبار انسجامها مع إرادته و حكمته. مع وضوح أن استحالة نقض الغرض (حق ارفاقي) للفاعل، و لا يمكن أن يتضمن تحميلا قسريا بالنسبة إليه.

و نحن باعتبار كوننا موجودين في داخل الكون، و محكومين بقوانينه و أسبابه، لا تستطيع أن ندرك بالتفصيل، خصائص تلك الأهداف. غير أننا نعلم، على وجه الاجمال، تبعا للاعتقاد بالحكمة المطلقة لخالق الكون، و استغنائه المطلق عن خلقه: ان خلق الكون من أجل أن يصل الكون إلى كماله، أعني أحسن واقعية يمكن أن يصل إليها في طريق حركته نحو الأفضل. غير أننا لا نستطيع أن ندرك شكل هذا الكمال، إلا بعد حدوثه.

و هذا السبب، المسمى بالعلة الغائية في اصطلاح الفلسفة، شامل للبشرية أيضا في حياتهم الفردية و الاجتماعية، بصفتهم أيضا جزءا من الطبيعة. غير أنه يكتسب صيغة أخص و أوضح. و ذلك بأن نقول: أن الهدف من إيجاد البشرية هو إيصالها إلى كمالها، أعني - أيضا - أحسن حالة واقعية يمكن أن تصل إليها في طريق حركتها نحو الأفضل.

ص:105

و كما يستحيل تخلف الأهداف الكونية، و يتسبب الخالق المدبر إلى تحقيقها لا محالة... كذلك يستحيل تخلف الأهداف المتوخاة من إيجاد البشرية، و يتسبب الخالق أيضا إلى تحقيقها بالضرورة. و هذا هو الذي نصطلح عليه بالتخطيط الالهي العام، الذي سنعرض له في القسم الثالث مفصلا.

و انطباق هذا السبب على الحياة البشرية، لا يعني بحال، تحول أفعالهم الاختيارية إلى أفعال ضرورية قسرية. فإن هذا السبب الغائي، لا يزيد - في واقعه - عن السببين الآخرين من حيث التطبيق. بمعنى أن الخالق حين توخى أهدافا معينة من كونه و بشريته، جعل السبب الأول و الثالث الآتي هي الطرق إلى إنجاز تلك الأهداف، فتحوّل تلك الأسباب عن واقعها و تغير محتواها يعني بالضرورة تخلف تلك الأهداف، و هو مستحيل لأنه نقض لغرض الحكيم المطلق، إذن، فلا بد أن يبقى السبب الأول قسريا. و السبب الثالث اختياريا، على ما سنسمع، لكي ينجز الكون أهدافه.

و بكلمة أخرى: إن اختيارية أفعال البشر، دخيلة في إيصالهم إلى الكمال فالالتزام بقسرية أفعالهم، مناف مع هذا الهدف و هو محال.

السبب الثالث: لتكوين الحياة الاجتماعية، هو الأفعال الاختيارية للناس أنفسهم، و ردود أفعالهم تجاه مختلف الوقائع و الأحداث. و سنعرف مقدار اختيارية هذه الأفعال في الفقرة التالية.

و هذا السبب ذاتي - بطبعه - باعتبار أن صفة الاختيار صفة «داخلية» للانسان، كما أن الدوافع التي يصدر عنها في أفعاله دوافع داخلية أيضا.

- 3 - نعرف من هذا الذي سمعناه، ما هو الصحيح في مقدار اختيارية أفعال الانسان.

إن الانسان يملك الاختيار، بمعنى أن له أن يفعل و أن يترك تجاه أية واقعة أو حادثة، و لا يمكن أن تكون أفعاله قسرية. و هذا هو الذي له أكبر الأثر في تربيته و تكامله، و بالتالي في تربية البشرية ككل و تكاملها، و الافصاح عن النيات الحسنة و الشريرة. و بدون لا معنى لأي هدف أو أي دافع، مما

ص:106

نشعر به وجدانا، كما لا معنى للخير و الشر، كما لا معنى لاعطاء أية قيمة لفعل الانسان، فلا يستحق أحد شكرا و لا عقابا.

و لكن الانسان، بالرغم من كونه مختارا، لا يستطيع أن يتحكم في السببين الأولين النافذي المفعول عليه.

أما السبب الأول: فهو قسري التأثير بالنسبة إليه، لا اختيار له تجاهه، لوضوح أن كل من ألقى نفسه من شاهق، فهو يسقط، و كل من أدخل يده في النار، فإنها تحترق.

و بهذ السبب تتحدد الظروف التي يستطيع الانسان بذل النشاط من خلالها. لوضوح أن الانسان لو كان يستطيع أن يخالف قانون الجاذبية - مثلا - لكان نشاطه بشكل يختلف عن نشاطه حال عدم استطاعته لذلك.

إذن، فقانون الجاذبية - مهما فسرناه - يحدد ظرف سلوك الأفراد و يحدد من نشاطهم عموما. و كذلك الحديث عن غيره من القوانين.

إلا أن هذا السبب بالرغم من قسريته، لا يحول الأفعال الانسانية إلى قسر. فإن احتراق اليد بالنار قسري، لكن إدخالها فيها اختياري على أي حال. و ذلك: لأن الانسان إنما يكون مختارا فيما هو قادر عليه، و هو غير قادر على أن يخالف القوانين أو الأسباب العامة بالضرورة. فهو قادر - مثلا - على أن لا يدخل يده في النار، و لكنه غير قادر على عدم احتراقها لو دخلت.

و هذه الظروف التي توفرها الأسباب العامة، إطار واسع - حسب تعبير الماركسيين - يمكن أن يتصرف الناس خلالها.

و أما السبب الثاني: فليس له أي قسر مباشر بالنسبة إلى الأفراد.

و لكن حيث أنه يتضمن تحديد أهداف معينة من خلق الكون و البشرية، تحدث بالضرورة... ينتج من ذلك: أن الانسان يستطيع أن يحدد أهدافه القصيرة، لا انه يستطيع أن يحدد أهداف بشريته عموما، بل هو بالضرورة سائر ضمن هذه الأهداف.

و بكلمة أخرى: إن الانسان في كل أفعاله الاختيارية يسير بالضرورة نحو هدفين مزدوجين: أهدافه الشخصية القصيرة، و الأهداف العامة للبشرية.

ص:107

و لا نقصد بالأهداف القصيرة، ما ينجز خلال يوم أو شهر؛ بل ان الأهداف الفردية مهما طالت، فإنها قصيرة بالنسبة إلى عمر البشرية الطويل.

و من الطريف: أن الأفعال و الأهداف الشخصية، لا تنافي بحال الأهداف البشرية العامة. و من هنا، إن الفرد مهما عمل من أعمال و مهما استهدف من أهداف، فإنه يخدم بذلك الأهداف البشرية العامة من حيث لا يعلم.

ذلك لسبب بسيط، و هو ما أشرنا إليه من أن الخالق الحكيم أوجد السبب الثالث للحياة الاجتماعية، بمعنى أنه أوفر الاختيار للناس، من أجل إنجاز تلك الأهداف العامة. إذن فكل ما يصدر عن الأفراد نتيجة لهذا الاختيار، فهو بالضرورة، يقع في طريق تحقيق تلك الأهداف.

و بهذا نعرف إحدى الخصائص الرئيسة للتخطيط العام الذي سنشرحه في القسم الثالث: و هي، ان أفعال البشر مهما كانت، فإنها تقع مؤيدة للتخطيط و أهدافه، و لا معنى لأن تقع مضادة لها.

- 4 - فإن فهمنا الجمع بين الضرورة و الحرية، بالشكل الذي ذكرناه الآن، فهو، و إلا كان الجمع بينهما تناقضا و كاملا متهافتا ليس إلا... لوضوح أن الفرد إما أن يكون مختارا حرا في أفعاله، و إما أن يكون مجبورا فيها مقسورا عليها... و لا معنى لأن يكون الفرد حرا و مجبورا في نفس الوقت.

و معه لا نجد أي معنى للحرية المتولدة من الضرورية أو المتماثلة معها، كما سمعناه من بليخانوف و غيره من الماركسيين.

- 5 - و لعل ما ذكره كوفالسون، من أسلوب الجمع بين الحرية و الضرورة، أقرب إلى ما قلناه من أي شيء آخر. فإنه من الصحيح أن الجيل حين يرد الحياة يواجه ظروفا اجتماعية جاهزة، يتصرف على أساسها، فإن تلك الظروف تعتبر غير اختيارية بالنسبة إليه، لأنها من صنع غيره، و فعل كل فرد غير اختياري بالنسبة إلى الفرد الآخر. و من هنا تدخل هذه الظروف في الاطار العام الواسع الذي يحدد حرية التصرف الفردية. «إلا أن وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن و استقلال نشاط الانسان» كما قال

ص:108

كوفالسون، بعد أن برهنا على وجود الاختيار في ضمن ذلك الاطار.

كما أن الأسلوب الرياضي الذي اتخذه بليخانوف، يدل على ذلك أيضا، و لا يمكن فهمه إلا من هذه الزاوية.

إن الحادثة (آ) إن كان مجموع أسبابها (س) متكونة من أسباب كونية قسرية من الشكل الأول الذي ذكرناه، و كان لنا اطلاع كاف على تفاصيلها، إذن، يمكن التنبوء بحصول الحادثة في الوقت (ن) بشكل رياضي دقيق غير قابل للتخلف.

و أما إذا كان جزء من مجموع (س) فعل إرادي اختياري لفرد أو أفراد، (د) أو (ب)، فلا يمكن التنبوء بوقوع الحادثة بشكل قطعي بأي حال. بل غايته أن نحسب حساب احتمالات الدوافع التي نعرفها للفرد إلى إنجاز ذلك العمل. فإن عرفنا له دافعا شديدا، كان احتمال وقوع الحادثة (آ) كبيرا، في وقتها المحدد (ن). و إلا كان أضعف من ذلك.

و من يكون له دافع كبير، سوف نحرز - إلى حد بعيد - أنه لن يستسلم للنوم، كما افترض بليخانوف لنفسه، بل سوف يبقى عاملا جادا لايجادها، فتحدث في وقتها المحدد، بخلاف ما لو كان دافعه ضعيفا، فإنه يترك العمل - على الأكثر -، فتفقد الحادثة جانب الفعل الاختياري، و المفروض أن س - د صفر أي أن الحادثة لن تتحقق بتركه العمل لمجرد وجود الجزء التكويني من الأسباب.

نعم، لو تبدل د إلى ب بمعنى أنه قام بالفعل غيره و المفروض أن:

ب د... س + ب آ و هو وجود الحادثة في وقتها المعين.

و أما افتراض بليخانوف تأثر وقوع الحادثة عن وقتها (ن) أو حدوثها ناقصة عند انعدام (د) و عدم تعويضه ب (ب)... فهذا يعود إلى مقدار افتراض دخل (د) أو الفعل الاختياري في وقوع الحادثة. فإننا إذا افترضنا له دخلا كليا كان وقوع الحادثة بدونه متعذرا أي أن س - د صفر بالضرورة، و ان افترضناه شيئا يحوم حول الحادثة و يلقي عليها بعض الظلال و حسب، كان ما قاله بليخانوف، من هذه الناحية، صحيحا.

و إذا كان للفعل الاختياري (د) مشاركة في وقوع الحادثة (آ)...

أمكن التنبوء القطعي بوقوع الحادثة، بشكل مشروط بإنجاز العمل، تماما

ص:109

كما هو مشروط بوقوع (س) نفسها. كل ما في الأمر أن (س) يمكن التنبوء بتحققها بصفتها تكوينية، و اما (د) فاختيارية. و على أي حال فالتنبؤ المشروط صادق تماما. بأن نقول: لو حدث (س) و انضم إليه (د) لحدث (آ) في الوقت (ن). فلو عبرنا عن الاشتراط و التقدير برمز (..) و عنينا من (آ) وقوع الحادثة في وقتها المحدد كانت المعادلة كما يلي:

.. س +.. د آ. و كذلك تماما.. س +.. ب آ. لأن د ب بحسب الفرض.

و انطلاقا من هذا التسلسل الفكري، نجد أن الشعور بالاضطراب الذي تحدث عنه بليخانوف عن نفسه، و الايحاء الذي فهمه من ضرورة كونه مسترخيا عاطلا، شعور و همي لا أساس له. إذ يستطيع بليخانوف أن يسترخي و يستطيع أن يعمل، باعتباره فردا مختارا في الفعل و الترك. فإذا فعل حدثت الحادثة و إن استرخى لم تحدث... و ليس في ذلك أي شكل من أشكال الضرورة بالنسبة إليه.

فما حاوله بليخانوف، من جعل البرهان الرياضي، دليلا على الجمع بين الضرورة و الحرية، غير صحيح... و إنما ينبغي أن نفهمه بالأسلوب الذي فهمناه.

- 6 - إن الايمان بالمادية عموما مستلزم للقسر و الجبرية في أفعال الانسان.

لأن «القوانين» المادية ذات تأثير ضروري قسري دائما شامل لكل أجزاء الكون، بما فيه الانسان، بشكل لا يمكن فيه الاستثناء.

و إذا كانت قوى الانتاج و عوامل «المادية التاريخية» عموما تنتج إطارا اختياريا للانسان، فهذا معناه أن تأثيرها غير كامل، بل لها جزء الأثر، و يكون باقي الأثر موكولا إلى العوامل المادية الأخرى، و تشكل مجموع العوامل حينئذ عنصرا جبريا في حياة الانسان.

و معه، فإنكار الجبرية، من قبل الماديين، و التركيز على جانب الحرية، غريب تماما عن مسالكها الفكرية... و أغرب منه ما ادعاه كوفالسون من أن الجبرية تؤدي إلى الاعتقاد بالقضاء و القدر. كلا!. فإن هذا الاعتقاد - ببعض أشكاله - يعني: ان اللّه يجبر الناس على أعمالهم،

ص:110

و هو اتجاه جبري غير الاتجاه الذي يقول: ان العوامل المادية تجبرهم على ذلك. ما ينبغي أن يلتزم به الماديون هو هذا الثاني، لا القول بالقضاء و القدر بطبيعة الحال.

على أن فكرة الاختيار و صفة الحرية في أفعال الانسان، فكرة «ميتافيزيقية» لا تناسب مع المادية بالمرة. فالالتزام بالحرية من قبل الماديين اتجاه ميتافيزيقي مثالي مقيت!!!...

و قد بقيت بعض المناقشات الجانبية في كلمات الماركسيين عن حرية الانسان، لا حاجة إلى التطويل بها، بل نوكل إدراكها إلى القارئ النبيه.

- 7 - وصل بنا النقاش الآن إلى قوى الانتاج و علاقات الانتاج...

لسنا في خلاف مع الماركسية من حيث مفهوم قوى الانتاج، فإنها - بذاتها - أمر معاش في المجتمع؛ و لا من حيث تطورها عبر التاريخ البشري، و لا في أن قوى الانتاج تحتاج في الغالب، إلى علاقات إنتاج معينة على الصعيد الاجتماعي.

كما اننا لا نناقش في تأثير هذه الأشياء في حياة المجتمع، مباشرة أو بالواسطة، شأنها في ذلك شأن العامل الجغرافي أو الجنسي أو غير هما، مما ادعى الناس أنه العامل الوحية في التأثير... و ليس كذلك.

و إنما يبدأ النقاش من هذا الدور السحري الكبير الذي أعطته الماركسية لهذه الأشياء. فإن ذلك، مما لا يمكن الالتزام به لعدة نقاط:

النقطة الأولى: إن قوى الانتاج قد تتطور و لا يتطور المجتمع، و قد رأينا في مجتمعنا العالمي المعاصر، في عدة موارد:

المورد الأول: في أوربا الغربية، كألمانيا و فرنسا و انكلترا و إيطاليا...

و هي البلدان التي تنبأ ماركس و انجلز، طبقا لنظرياتهم المادية، بانتقالها إلى الاشتراكية أسبق من غيرها.

قال انجلز: فالثورة الشيوعية... إنما ستقع في آن واحد في جميع البلدان المتمدنة أي على الأقل في انكلترا و أميركا و فرنسا و إلمانيا(1).

و قد اخلفت هذه البلدان ظن هذا المفكر و صاحبه... و بقيت

ص:111


1- (1) نصوص مختارة: انجلز ص 49.

رأسمالية تماما لعدة قرون، بالرغم من تطور وسائل الانتاج من الآلة البخارية إلى الآلة التي تدار بالبنزين إلى الآلة الكهربائية إلى الآلة الذرية.

و لا زال النظام هو النظام، بالرغم من هذا التطور الشاسع العظيم لوسائل الانتاج.

فإن اعتذر عن ذلك شخص و قال: بأن نظرية المادية التاريخية قد تحصل بشكل سريع، و قد تحصل بشكل بطيء و تكون البلدان الرأسمالية قد حصلت النظرية فيها بشكل بطيء.

غير أن هذا الاعتذار، قد يكون مقبولا في التطور القليل لقوى الانتاج في مرحلتين مثلا، و أما إذا أصبح التطور بهذا الشكل و لم تنطبق نظرية المادية التاريخية، فهذا معناه عدم صحة النظرية و مجافاتها للواقع. إذ كيف أوجدت الفأس الحديدية نظام الرأسمالية، و لم توجد سلسلة التطورات المتأخرة الكثيرة، و خاصة بعد الوصول إلى الصناعات الذرية، نظام الاشتراكية الأول (دكتاتورية البروليتاريا) فضلا عما بعده.

إن هذا يعني - على الأقل - توقف مفعول الضرورة المادية التاريخية، في هذا العصر، بعد أن كان نشيطا فعالا!!...

المورد الثاني: في الاتحاد السوفييتي نفسه و البلدان الاشتراكية التابعة له. فإنها تمر الآن - طبقا للنظرية - بعصر دكتاتورية البروليتاريا. و هو عهد واحد قبل عهدين اشتراكيين لاحقين له، آخر هما الطور الشيوعي الأعلى، على ما سوف نسمع. و بالرغم من تطور قوى الانتاج و وسائله إلى حد الآلة الذرية، هناك... إلا أن دكتاتورية البروليتاريا بقيت هي هي لم تتطور.

المورد الثالث: في الصين الشعبية، فإنها - طبقا للنظرية - تعيش نفس الفترة. و بالرغم من دخولها في «العهد الذري» لم تستطع أن تدخل في «العهد الشيوعي».

المورد الرابع: البلدان الاشتراكية المجاورة للاتحاد السوفييتي، فإن اندراجها في العالم الشيوعي لم يكن بسبب تطور وسائل الانتاج فيها، بل بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، التي أوجبت دخول الجيوش الروسية إلى البلدان المجاورة التي كانت محتلة لألمانيا الهتلرية...

فإن اعتذر عن ذلك شخص و قال: بأن تطور وسائل الانتاج في الاتحاد

ص:112

السوفييتي، أوجب تغيير النظام في البلدان المجاورة، فرجع التأثير إلى هذا التطور نفسه.

... إن هذا الاعتذار يحتوي على تأويل للنظرية، مجاف لروحها، و لما ذكره المفكرون الماركسيون الأوائل الذين أناطوا نظام كل بلد بتطور وسائل الانتاج فيه لا في غيره. و لا معنى للتفريق المكاني بين التطور و النظام، بأن يحصل التطور في مكان و يحصل النظام في مكان آخر، كما هو معلوم.

النقطة الثانية: إن علاقات الانتاج، قد تتطور و لا يتطور كثير من ظواهر المجتمع، كاللغة و الدين و القانون و بعض المؤسسات الاجتماعية...

أما اللغة، فعدم تطورها بتغير الأنظمة و تطور علاقات الانتاج، واضح كل الوضوح. و قد اعترف بذلك الماركسيون المتأخرون، و قد اعتبرها كوفالسون استثناء من الظواهر الاجتماعية، حيث نسمعه يقول عن اللغة:

«... و لكن بما أن وجودها و تطورها و خصائصها، لا يحددها البناء التحتي الاقتصادي، فلا يمكن تصنيفها في عداد عناصر البناء الفوقي»(1).

و مراده من البناء التحتي الاقتصادي، ما عرفناه من قواعد تطور المجتمع بتطور وسائل الانتاج... كأن هذه النظرية - لو كانت صحيحة - لكانت قابلة للاستثناء متى شاء المفكر. في حين أن القوانين العامة الضرورية غير قابلة للاستثناء، و وجود الاستثناء في كل «قانون» يدل على عدم صحته بنفسه.

و كذلك الدين، فإن أوروبا بقيت مسيحية في عصري القنانة و الاقطاع و بقيت «علمانية» في عصر الانتاج الحرفي و الرأسمالية الأولى و الرأسمالية الاحتكارية، بل و في عصر دكتاتورية البروليتاريا، في القسم الاشتراكي من أوروبا.

و الحديث عن القانون، يشبه هذا الحديث... فإن القانون الروماني وجد في عصر القنانة و بقي ساري المفعول إلى عصر الاقطاع العصر الحرفي و الرأسمالية الأولى، بل بقيت روحه العامة سارية المفعول إلى عصر

ص:113


1- (1) المادية التاريخية: كيلله كوفالسون ص 86.

الرأسمالية الاحتكارية.

و كذلك الحديث المؤسسات الاجتماعية، فالنظام الملكي في بريطانيا و الحبشة و إيران، مر في عهود مختلفة من زاوية النظرية المادية التاريخية من عهد القنانة إلى عهد الاقطاع إلى عهد الرأسمالية، على اختلاف بين هذه الدول لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.

بل و كذلك الأنظمة السياسية و الحقوقية و الدينية و الفلسفية على العموم، قد تتحجر و لا تتطور.

«و يضيف ماركس قائلا: كذلك هي الحال بالضبط فيما يتعلق بالأنظمة السياسية و الحقوقية و الدينية و الفلسفية على العموم»(1).

و الحال التي يشير إليها هي التحجر الذي كان يشير إليه قبل ذلك من عدم تطور نظام القرابة في بعض المجتمعات القديمة.

و كذلك بعض الأحزاب، كالماسونية، و كذلك بعض الصحف المهمة التي تبقى مستمرة الصدور عدة قرون و في مختلف العهود.

النقطة الثالثة: إن علاقات الانتاج، إن أوجبت التطور، فهي لا توجب شكلا معينا من التطور. إذ لو كان كذلك للزم أن يتطور العالم كله على شاكلة واحدة، و ليس كذلك. إذن، فهي توجب التطور في كل بلد على شكل يختلف عن تطور البلد الآخر.

إذن، فالتطور في البلد المعين، أو قل أن أوضاعه بمجموعها و تفاصيلها غير مستندة إلى تطور علاقات الانتاج... بل إلى عوامل أخرى، تفسر وجود الفرق بين الأنظمة و التواريخ في مختلف البلدان.

و بكلمة أخرى: إن هذه التفاصيل غير مستندة إلى تطور وسائل الانتاج وحدها، و إلا كانت عهود الاقطاع - مثلا - في العالم متشاكلة في ظواهرها، مع ان الاختلاف بينها ظاهر جدا. و لا يمكن لمجتمعين أن يكونا على شاكلة واحدة. و إنما تستند هذه التفاصيل إلى أسباب أخرى غير وسائل الانتاج... أو قل: إلى المركب بين وسائل الانتاج و غيرها، و هذا المركب لا يمكن أن نعبر عنه بوسائل الانتاج أو علاقات الانتاج بطبيعة الحال.

و معه لا تكون وسائل الانتاج هي السبب الكامل في أي بلد من

ص:114


1- (1) أصل العائلة: انجلز ص 35.

البلدان على الاطلاق... و إنما لها جزء التأثير. و قد تكون مشاركتها ضعيفة أحيانا و قوية أحيانا.

النقطة الرابعة: اننا سمعنا من المفكرين الماركسيين عدة أمور مترابطة:

الأمر الأول: ان تطور علاقات الانتاج مستند إلى تطور وسائل الانتاج.

الأمر الثاني: ان تطور المجتمع، بظواهره المختلفة، مستند إلى تطور علاقات الانتاج.

الأمر الثالث: ان تطور وسائل الانتاج نفسها غير منفصل عن الانسان بل الانسان هو الذي يطور هذه الوسائل و يحسنها.

و هذا ينتج عدة اعتراضات لا تكون في مصلحة الفكر الماركسي.

الايراد الأول: ان تطور المجتمع و الناس مستند إلى تطور علاقات الانتاج، المستندة في تطورها إلى تطور وسائل الإنتاج، المستند بدوره إلى فكر المجتمع و الناس أنفسهم. إذن فالناس هم الذين يطورون أنفسهم، في الحقيقة، و لا يستند التطور إلى وسائل الانتاج أو علاقاته إلا على سبيل المجاز.

الايراد الثاني: إن إسناد تطور وسائل الانتاج إلى وعي الناس، مناف لما ذكره ماركس من:

«ان الناس أثناء الانتاج الصناعي لمعيشتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن آرائهم. و تطابق علاقات الانتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة»(1).

و قد سبق أن سمعنا هذه العبارة في الفقرة السادسة من هذا الفصل.

فإن الناس إن طوروا وسائل إنتاجهم عن وعي و عمد و تفكير، و كانوا يشعرون بأن علاقاتهم الانتاجية سوف تتغير، و هذا ما يكون مدركا أحيانا، إذن يستند تغيير هذه العلاقات إلى وعيهم و عمدهم و تفكيرهم، و ليس مستقلا عن آرائهم، كما قال ماركس.

الايراد الثالث: إذا توقف آ على ب و توقف ب على آ أيضا... ينتج

ص:115


1- (1) انظر المادية الديالكتيكية: ستالين ص 59.

أن لا يوجد آ و لا ب. فمثلا، لو كنت لا تحترم صديقك إلا إذا احترمك، و كان صديقك يتخذ منك نفس الموقف... بحيث لم يكن أحدكما مستعدا للبدء باحترام صاحبه إلا إذا بدأه الآخر بالاحترام... إذن، فسوف لن يحترم أي منكما صاحبه انه ينتظر المبادرة من قبل الآخر، و هي لا تحدث، إلا على تقدير شرط مفقود و هو المبادرة الأخرى، و هكذا. و قد التفت بليخانوف إلى استحالة هذه المناقصة(1).

و كذلك الحال، لو توقف آ على ب و توقف على ج - و توقف ج - من جديد على آ. فإن ذلك يؤدي إلى عدم وجود شيء من هذه الثلاثة.

فإذا طبقنا هذه الفكرة على ما سمعناه من الماركسية، في هذا الصدد، وجدنا أن تطور المجتمع يستند إلى تطور علاقات الانتاج، و تطور علاقات الانتاج يستند إلى تطور وسائل الانتاج و تطور هذه الوسائل يستند إلى تطور المجتمع. فقد توقف كل من هذه الثلاثة بعضها على البعض، و هو يؤدي - كما عرفنا - إلى عدم كل واحد منها.

فإذا أجاب الماركسيون: أن المجتمع الذي يطور وسائل الانتاج يمثل جيلا من الناس، و المجتمع الذي تطوره وسائل الانتاج يمثل جيلا آخر، فلا يكون هذا الايراد موجودا، بل تكون سلسلة التطويرات موجودة باستمرار.

إن هذا الجواب، يعني - بكل وضوح - أن الأجيال تربي بعضها بعضا عن وعي و تفكير... كل ما في الأمر أن واسطة التربية تكون اقتصادية على استمرار. فالمؤثر في تغيير الجيل اللاحق هو الجيل السابق، بشكل رئيسي. و هذا أمر صحيح، على إجماله، لا أن السبب الرئيسي للتغيير مستند إلى علاقات الانتاج أو وسائله، كما أكدت عليه الماركسية.

النقطة الخامسة: ان الماركسية بعد أن أكدت أن هذا العامل الاقتصادي هو العامل الأعمق لتطور المجتمع، و ليس هو العامل الوحيد في كل التفاصيل إذن فهذا العامل - كما عرفنا من عدة تصريحات ماركسية - هو عامل ناقص، ذو تأثير جزئي، و ليس عاملا قسريا ضروريا.

فإذا ضممنا إلى ذلك، تأكيد الماركسية على وعي الناس و استخدامهم

ص:116


1- (1) انظر فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 44.

لتفكيرهم استخداما تاما و حقيقيا... كان معنى التركيب بين هاتين الحقيقتين الماركسيتين: ان وعي الناس و تفكيرهم يمكن أن يحول دون تأثير العامل الاقتصادي. لوضوح أن العامل الجزئي الناقص، يمكن الحيلولة دون تأثيره.

و لو كانت الماركسية قد جزمت بتفرع الوعي الانساني عن قوى الانتاج. كان لها أن ترفض هذه الفكرة. إلا أنها أظهرت خلاف ذلك في عدد من المناسبات(1). و معه يمكن للوعي الحيلولة دون تأثير العامل الاقتصادي، و لو في بعض الأحيان. و لا يكون العامل الاقتصادي نهائيا.

كما أرادت الماركسية أن تقول.

إذن، فلم يثبت - طبقا لهذه المناقشات - أن العامل الاقتصادي، هو العامل الحاسم في تطوير المجتمع؛ و إن كان ينبغي الاعتراف مع الماركسية، بأن له تأثيرا جزئيا مباشرا أو غير مباشر، على عدد من ميادين الحياة، شأنه في ذلك، شأن العوامل الأخرى. فان الالتزام بنظرية العامل الواحد، على أي حال. لا تخلو من إمكانية التعرض إلى النقد.

ص:117


1- (1) و خاصة في العصور الاشتراكية، ابتداء من «دكتاتورية البروليتاريا» فما بعدها، على ما سنسمع ذلك مفصلا.

المفهوم الطبقي لدى الماركسية

اشارة

- 1 - أسندت الماركسية أسلوب تطوير المجتمع بوسائل الانتاج أو قوى الانتاج طبقا لمفهومها الديالكتيكي العام، إلى الأسلوب الذي عبر عنه ماركس قائلا:

«و عند ما تبلغ قوى المجتمع المنتجة درجة معينة في تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الانتاج الموجودة أو مع علاقات الملكية - و ليست هذه سوى التعبير الحقوقي لتلك - تلك العلاقات التي كانت تتحرك ضمنها القوى المنتجة إلى ذلك الحين.

فبعد أن كانت هذه العلاقات أشكالا لتطور القوى المنتجة، تصبح قيودا لهذه القوى، و عندئذ ينفتح عهد الثورات الاجتماعية، فإن تغير الأساس الاقتصادي يزعزع كل البناء العلوي الهائل على صور مختلفة من السرعة أو البطء»(1).

إن قوى الانتاج أسرع تطورا من علاقات الانتاج. قال ستالين:

«فالقوى المنتجة هي إذن أكثر عناصر الانتاج حركة و ثورة. ففي بادئ الامر تتعدل القوى المنتجة و تتطور. و بعدئذ، تبعا لهذه التعديلات و طبقا لها، تتعدل علاقات الانتاج بين الناس، أي علاقاتهم الاقتصادية»(2).

ثم قال:

«فمهما تتأخر علاقات الانتاج عن تطور القوى المنتجة، فلا بد من أن ينتهي الأمر - و هو فعلا ينتهي - بالمطابقة بينها و بين مستوى تطور القوى المنتجة، و أن تتخذ طابعا يلائم طابع هذه القوى المنتجة، و إلا تعرضت الوحدة إلى خطر التفكك، فيودي إلى حدوث انقطاع في مجموع الانتاج إلى تجمع في نظام الانتاج، بين القوى المنتجة و علاقات الانتاج، إلى وقوع أزمة في الانتاج، إلى تحطيم القوى المنتجة»(3).

ثم قال:

ص:118


1- (1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 47.
2- (2) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 45.
3- (3) المصدر و الصفحة.

«ان الأزمات الاقتصادية، التي تؤدي إلى تحطيم القوى المنتجة، هي نتيجة لهذا الخلاف - يعني بين علاقات الانتاج و طابع القوى المنتجة -.

و علاوة على ذلك، فإن هذا الخلاف نفسه هو الأساس الاقتصادي للثورة الاجتماعية المدعوة إلى هدم علاقات الانتاج الحالية، و خلق علاقات جديدة مطابقة لطابع القوى المنتجة»(1).

- 2 - و هنا تقول الماركسية كلمة رئيسية في منطقها الديالكتيكي، و في فهمها للمادية التاريخية. بالرغم أننا لا نجد في المصادر الماركسية التصريح بها كقاعدة عامة، إلا نادرا، و إنما نجد إسهابا في تطبيقها على عهود المادية التاريخية، و خاصة في نقدها للوضع الرأسمالي. و سنسمع تطبيقاتها بعد ذلك.

و أما هنا، فينبغي أن نسمع القاعدة العامة، مستقاة من كلام ستالين حين يقول:

«فإن تطور القوي المنتجة و التغيرات في ميدان علاقات الانتاج تجري خلال مرحلة معينة، بصورة عفوية مستقلة عن إرادة الناس. و لكن ذلك لا يدوم إلا إلى حين، أي إلى أن تصبح القوى المنتجة التي برزت و أخذت تتطور في درجة معينة كافية من النضج.

فعند ما تبلغ القوى المنتجة الجديدة حد النضج، تتحول علاقات الانتاج الموجودة و الطبقات التي تمثلها، إلى حاجز كئودا لا يمكن إزاحته من الطريق إلا بالنشاط الواعي للطبقات الجديدة، و بعملها العنيف أي بالثورة.

و يظهر إذ ذاك بشكل رائع الدور العظيم الذي تلعبه الأفكار الاجتماعية و المؤسسات السياسية الجديدة المدعوة إلى إلغاء علاقات الانتاج القديمة و محوها بالقوة. فإن حاجات المجتمع الاقتصادية و علاقات الانتاج القديمة، كل ذلك، يولد أفكارا اجتماعية جديدة»(2).

و قد بدأ الفصل الأول من البيان الشيوعي بالقول:

«إن تاريخ كل مجتمع إلى يومنا هذا، لم يكن سوى تاريخ نضال بين الطبقات.

فالحر و العبد، و النبيل و العامي، و السيد الاقطاعي و القن، و المعلم و الصانع، أي بالاخنصار، المضطهدون و المضطهدون، كانوا في تعارض دائم، و كانت بينهم حرب مستمرة تارة ظاهرة و تارة مستترة. حرب كانت تنتهي - دائما - إما بانقلاب ثوري يشمل

ص:119


1- (1) المصدر ص 46.
2- (2) المصدر السابق ص 60

المجتمع بأسره، و اما بانهيار الطبقتين المتناضلتين معا»(1).

ثم يبدأ مؤلفا هذا البيان، بتطبيق مفهوم هذا الصراع على عهود التاريخ، كما تفهمها المادية التاريخية.

- 3 - و من هذه الزاوية يكون كلام انجلز صحيحا، حين يقول.

«ثبت - بالنسبة للتاريخ الحديث على الأقل - أن كل نضال سياسي هو نضال طبقي، و ان كل نضال تخوضه الطبقات من أجل تحررها، رغم شكله الذي هو بالضرورة سياسي - لأن كل نضال طبقي هو نضال سياسي - هو بالنتيجة نضال لأجل التحرر الاقتصادي».

- 4 - و من الطبيعي، طبقا لهذا التسلسل الفكري، أن يكون المجتمع منقسما إلى طبقتين فقط، إذ بعد تطور قوى الانتاج بشكل أسرع من علاقات الانتاج، توجد طبقة «رجعية» تمثل علاقات الانتاج التي أصبحت قديمة، و تصبح هي الطبقة الظالمة المضطهدة - بالكسر - و يكون إلى جنبها طبقة مرتبطة مصلحيا بالشكل الجديد لوسائل الانتاج، و ما تقتضيه هذه من علاقات إنتاج... و تصبح هذه الطبقة هي الكثرة المضطهدة - بالفتح - في المجتمع، و تبدأ بالصراع الطبقي من أجل السيطرة على الطبقة القديمة و إزالتها من الوجود عن طريق الثورة.

و هنا يوجد فهمان متعاكسان للماركسية في تحديد الوجود الطبقي في المجتمع:

الفهم الأول: ان الطبقة المضطهدة - بالفتح - بصفتها تقدمية و ثورية، و على الأخص: باعتبارها موافقة مع الشكل المتطور من وسائل الانتاج... سوف يكتب لها النجاح حتما، فتزيل الطبقة القديمة الرجعية و تحل محلها.

و تعيش هذه الطبقة فترة، حتى ما إذا وصلت وسائل الانتاج، في مجتمعها إلى حد النضج، أصبحت هذه الطبقة - بدورها - رجعية، لأنها تصبح ممثلة للعلاقات الانتاجية القديمة، و توجد ضدها طبقة جديدة

ص:120


1- (1) البيان الشيوعي لماركس و انجلز ص 36.

تقدمية، تمثل قوى الانتاج التي جاءت إلى الولادة من جديد.

و هذا الفهم هو الموافق مع التسلسل الفكري النظري للماركسية، و له شواهد من كلام الماركسيين.

و قد طبقته الماركسية في انتقال المجتمع من عهد الاقطاع إلى عهد الرأسمالية الأولى، فإن الطبقة الفقيرة في عهد الاقطاع، هي التي أصبحت رأسمالية بعد ذلك. على ما سوف نسمع بعد ذلك.

الفهم الثاني: إن الكثرة الكاثرة، من سكان المجتمع، هي دائما - في المجتمع الطبقي - الطبقة المضطهدة - بالفتح -، فهم في عهد الرق أرقاء و في عهد الاقطاع فلاحون أقنان، و في عهد الرأسمالية عمال بروليتاريون.

و الاعتراض الوارد على الفهم الأول من زاوية الفهم الثاني، هو: ان الطبقة المضطهدة - بالفتح - حينما تكون كثيرة، أو ممثلة للأكثرية الكاثرة، كيف تصبح مضطهدة - بالكسر، إن هذا مخالف لوضع المجتمعات تاريخيا... و لا يحتوي - لو حصل - على ظلم أو إجحاف كبير، لأن حكم الأقلية من قبل الأكثرية، كأنه واضح المشروعية، و قد أقرته الماركسية في أكثر من عصر من عصورها الاشتراكية، على ما سنسمع.

و هذا الاعتراض لا يرد على الفهم الثاني، لأن الأكثرية، هنا مضطهدة - بالفتح - باستمرار.

و الاعتراض الوارد على الفهم الثاني من زاوية الفهم الأول: أنه كيف يمكن لأكثرية الشعب، و هم أشخاص بأعيانهم، أن يكونوا ممثلين لأكثر من مرحلة واحدة من مراحل تطور وسائل الانتاج، و ما تقتضيه هذه من علاقات. إن الفرد لا يمكن أن يكون نصيرا إلا لمرحلة واحدة من هذا التطور، طبقا للنظرية فكيف أصبح الفرد - الممثل للأكثرية - نصيرا لوسائل الانتاج الجديدة باستمرار.

و بالرغم من ذلك، فإن الماركسية طبقت الفهم الثاني، على انتقال المجتمع من عهد الرق إلى عهد الاقطاع، فإن الاقنان أنفسهم أصبحوا فلاحين، و لم يصبحوا إقطاعيين، كما هو المتوقع في الفهم الأول، و هذا ما سنسمع تطبيقاته في الفصل الآتي أيضا.

ص:121

و مع تذبذب الفهم الماركسي بين هذين الوجهين المتعارضين، و ورود الاعتراض على كل منهما من زاوية النظرية الماركسية نفسها، لا يبقى لأصل هذه الفكرة التي يتفرع عنها الوجهان... قيمة واقعية.

- 5 - إن النظرية الماركسية، بالرغم من أنها أكدت على انقسام المجتمع إلى طبقتين لا أكثر، لم تستطع في نفس الوقت إنكار وجود طبقات أخرى، لكنها اعتبرتها طبقات ثانوية غير رئيسية.

قال انجلز: في صدد حديثه عن انكلترا و فرنسا:

«و منذ عام 1830 اعترف في هذين البلدين بالطبقة العاملة، البروليتاريا مناضلة ثالثة من أجل السيطرة. و قد بلغت درجة من البساطة بحيث أن الناس الذين أغمضوا عيونهم عمدا وحدهم الذين لم يستطيعوا أن يروا في نضال هذه الطبقات الثلاث الكبرى و في تصادم مصالحها تكمن القوة المحركة لكل التاريخ الحديث»(1).

و ظاهر هذا الكلام انقسام المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية من أول الأمر:

و قال البيان - الشيوعي:

«و خلال العهود التاريخية السابقة نجد المجتمع في كل مكان تقريبا منظما تنظيما متسلسلا، و الأوضاع الاجتماعية على مراتب و درجات متفاوتة. ففي روما القديمة نجد النبلاء ثم الفرسان ثم العامة ثم الأرقاء. في القرون الوسطى نجد الاقطاعيين الأسياد ثم الاقطاعيين الأتباع، ثم المعلمين ثم الصناع ثم الاقنان. و نجد تقريبا داخل كل طبقة من هذه الطبقات مراتب و درجات خاصة»(2).

و هذا الكلام واضح كل الوضوح بانقسام المجتمع إلى طبقات عديدة، سواء في عهد الرق (في روما) أو في عهد الاقطاع (في القرون الوسطى).

ثم يقول:

«إلا أن الذي يميز عصرنا الحاضر، عصر البورجوازية، هو أنه جعل التناحر الطبقي أكثر بساطة: فان المجتمع آخذ في الانقسام أكثر فأكثر إلى معسكرين فسيحين متعارضين، إلى طبقتين كبيرتين، العداء بينهما مباشر هما البورجوازية و البروليتاريا»(3).

ص:122


1- (1) لودفيج فورباخ: انجلز ص 58 و انظر أيضا نصوص مختارة انجلز ص 159.
2- (2) ص 38.
3- (3) نفس الصفحة من المصدر.

و قال كوفالسون:

«إن البنية الطبقية لكل مجتمع هي عبارة عن لوحة معقدة جدا. و تحليلها يفترض في المقام الأول أن نفرز في المجتمع المعني: الطبقات الأساسية التي تفصح العلاقات بينها عن الخط الرئيسي لتطوره. و علاوة على ذلك ينبغي أن نأخذ بالحسبان أنه توجد كذلك، عادة، في المجتمع طبقات غير أساسية مرتبطة بوجود مختلف النماذج الاقتصادية»(1).

ثم قال:

«و الحرفيون و صغار التجار و الفلاحون، يمثلون النموذج الاقتصادي البضاعي الصغير. و الفلاحون في المجتمع الرأسمالي هم طبقة وسطية غير أساسية، و موجودة في جميع البلدان تقريبا. و هي تنحل بتأثير العلاقات الرأسمالية، فارزة البورجوازية الريفية و البروليتاريا الريفية. و في جملة من البلدان توجد طبقة كبار ملاكي الأراضي، الذين يلجئون إلى بقايا أشكال الاستثمار الاقطاعية، علاوة على أشكال الاستثمار الرأسمالية.

و فضلا عن الرأسماليين و العمال و البرجوازية الصغيرة، توجد كذلك في المجتمع الرأسمالي فئة كبيرة من المثقفين و المستخدمين. فإن هؤلاء لا يملكون وسائل الانتاج و لا يصنعون الخيرات المادية، و لهذا لا يشغلون مكانا مستقلا في نظام الانتاج»(2).

- 6 - و قد أسندت الماركسية كل الظواهر الاجتماعية إلى التناحر الطبقي، نشرح أهمها فيما يلي بالتفصيل:

فمن ذلك، وجود الدولة:

و تستقرئ الماركسية نشوء الدولة من أول أمرها، في تاريخ البشرية، حتى تصل بها إلى العصر الحديث. و سنواكب هذا الاستقراء في الفصل الآتي عند الحديث عن عهود المادية التاريخية، الذي يمثل الكيان الأساسي لهذه النظرية الماركسية.

و المهم في المقام أن نعرف وجهة نظر الماركسية عن الدولة من حيث نشأتها و دورها بعد وجودها.

قال انجلز:

«و بما أن الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات، و بما أنها قد نشأت ضمن الاصطدامات بين هذه الطبقات. فهي كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى السائدة اقتصاديا، و التي تصبح عن طريق الدولة السائدة سياسيا أيضا. و تكتسب على هذه

ص:123


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون ص 195.
2- (2) المصدر و الصفحة.

الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة المظلومة و استثمارها.

فإن الدولة القديمة كانت، قبل كل شيء، دولة مالكي العبيد لقمع العبيد، الدولة الاقطاعية هيئة النبلاء لقمع الفلاحين التابعين و الأقنان. كذلك الدولة التمثيلية الحديثة هي أداة لاستثمار العمل المأجور من قبل رأس المال»(1).

و قال - أيضا - عن الدولة:

«إنها لا تؤلف ميدنا مستقلا و لا تتطور بصورة مستقلة، بل يتوقف وجودها و تطورها آخر الأمر، على الظروف الاقتصادية لحياة المجتمع»(2).

و هي أيضا ليست «سوى تعبير مكثف عن الحاجات الاقتصادية السائدة في الانتاج»(3).

و قال أيضا:

«إن الدولة تبدو لنا أول قوة فكرية فوق الانسان، فإن المجتمع ينشيء جهازا لحماية مصالحه المشتركة من الهجمات الداخلية و الخارجية. و هذا الجهاز هو سلطة الدولة. و ما أن يولد حتى يجعل نفسه مستقلا عن المجتمع، و ينجح في ذلك بقدر ما يصبح جهاز طبقة معينة واحدة، و بقدر ما يحقق سيطرة هذه الطبقة بصورة مباشرة.

و نضال الطبقة المضطهدة ضد الطبقة الحاكمة يصبح بالضرورة نضالا سياسيا نضالا موجها قبل كل شيء ضد السيطرة السياسية لهذه الطبقة. و إدراك الصلة بين هذا النضال السياسي و قاعدته الاقتصادية يقل، و في بعض الأحيان يختفي تماما. و لكنه إذا كان لا يختفي دائما عند المناضلين، فإنه ينعدم غالبا عند المؤرخين.

... غير أن الدولة، حينما غدت قوة مستقلة إزاء المجتمع، أحدثت حالا إيديولوجية جديدة، و المقصود هنا بالضبط أن العلاقة مع الوقائع الاقتصادية تختفي بصورة تامة عند محترفي السياسية و أصحاب نظريات قانون الدولة، و حقوقيي القانون المدني. و في كل حالة خاصة ينبغي للوقائع الاقتصادية أن تأخذ شكل أسباب حقوقية من أجل أن يصادق عليها القانون. و من البديهي أنه ينبغي عند ذلك حسبان الحساب الكامل نظام القانون القائم، و لذلك يبدو الشكل الحقوقي كأنه كل شيء، أما المحتوى الاقتصادي، فلا شيء»(4).

- 7 - و من ذلك: وجود الدين.

ص:124


1- (1) أصل العائلة: انجلز ص 227.
2- (2) لودفيج فورباخ: انجلز ص 60.
3- (3) المصدر نفسه ص 61.
4- (4) المصدر ص 61.

إن الماركسية، لم تستطع أن تؤكد بوضوح ارتباط الدين بالوجود الطبقي في المجتمع، و إن مالت إلى ذلك كل الميل. و ذلك لوجود عقبة كئودا دون ذلك، و هو وجود الدين في عصور بشرية متقدمة جدا. و في تلك العصور لم تكن الطبقية موجودة، في نظر الماركسية، لوجود المجتمع الشيوعي البدائي في ذلك الحين. إذن، فمن المتعذر القول: بأن الدين نشأ من الوجود الطبقي.

نعم، رأت الماركسية: ان الدين أصبح - بعد وجوده - أحد الأساليب الرئيسة التي تستعملها الطبقات في الصراع فيما بينها:

قال انجلز:

«إن الدين قد ولد في عصور بدائية من تخيلات الناس الجاهلة الغامضة البدائية عن طبيعتهم ذاتها، و عن الطبيعة الخارجية التي تحيط بهم(1).

و قال بوليتزر عن المراسيم الدينية:

«انها تعبر جميعا عن معطى معين حقيقي عن الفعل الانساني» ألا و هو عجزه النسبي الكبير في مطلع الانسانية و هو عجز أمام الطبيعة، ذلك العجز الذي يتعلق بنمو الانتاج الضعيف. و هو أيضا عجز أمام الظواهر الاجتماعية الذي يتعلق الاضطهاد الطبقي و فقدان الأمل و ضعف الوعي الاجتماعي.

يعرف كل واحد منا أن على المراسيم الدينية أن تضمن النجاح و الفوز «في الأعمال» و الانتصار على العدو، و أن تعود بالسعادة الأبدية... و هكذا تبدو الديانة كأنها وسيلة يستخدمها الانسان لبلوغ أهدافه، و هي مراسيم تتعلق بجهل أسباب شقائه، أو سعيه نحو السعادة»(2).

«إن الديانة لما كانت تتولد من الجهل فإنها تحل محل التفسيرات العلمية تفسيرات خيالية، فتعمل بذلك على ستر الواقع و إسدال الستار على التفسير الموضوعي للظواهر و لهذا كان الرجل المتدين مناوئا لمبادئ العلم التي هي من عمل الشيطان، لأنه حريص على أوهامه.

و تستخدم الطبقات المستغلة هذه الخاصية، لاهتمامها بإخفاء استغلالها عن أعين الطبقات الكادحة... فهي بحاجة إلى سلبية هذه الطبقات و جمودها، كي يستمر اضطهادها، كما انها بحاجة لخضوعها و إيمانها بالقضاء المحتوم، هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى: يجب توجيه أمل الجماهير بالسعادة نحو العالم الآخر و هكذا

ص:125


1- (1) لودفيج فورباخ: انجلز ص 64.
2- (2) أصول الفلسفة الماركسية: جورج بوليتزر و آخرين ج 1 ص 241.

يعرض الأمل و العزاء بدخول الجنة، على أنها تعويض عما بذلته الطبقات الشعبية من تضحيات على الأرض. فيتحول الاعتقاد بخلود النفس، الذي كان ينظر إليه في القدم على أنه مصيبة مرهقة، إلى أمل بالخلاص في الآخرة.

استخدمت الديانة، إذن، منذ أقدم العصور كقوة فكرية «للمحافظة على النظام» و كأفيون للشعب، حسب قول ماركس، بالرغم من أن الطبقات الحاكمة المستنيرة لم تعد تعتقد بأية كلمة من النظريات التي كانت تعمل على استمرار تأثيرها في الطبقات الكادحة»(1).

هذا ما قالته الماركسية عن الدين من الزاوية التاريخية، و هناك مناقشات فلسفية أو عقائدية، لا مجال لسردها و نقاشها في هذا البحث.

و ستأتي بعض التفاصيل لدى التعرض إلى الهيكل الأساسي للمادية التاريخية.

- 8 - و من ذلك: وجود الفلسفة و العلوم عموما.

فهي مستندة في وجودها و تطورها إلى وسائل الانتاج.

و قد أكدت الماركسية بهذا الصدد، على عدة نقاط:

النقطة الأولى: ما سمعناه من انجلز: من أن التطور السياسي و الحقوقي و الفلسفي و الديني و الأدبي و الفني، يستند إلى التطور الاقتصادي(2).

النقطة الثانية: ما سمعناه عن لينين من انه انتقد الموضوعية و اللاتحيز انتقادا حادا، و اعتبرها شكلا مستورا و مقنعا للتعبير عن الحزبية(3).

النقطة الثالثة: إنكار الحقيقة المطلقة بالمرة، و ان الحقائق دائما نسبية.

قال انجلز:

«كذلك تحطم هذه الفلسفة الديالكتيكية جميع التصورات عن الحقيقة المطلقة النهائية، و عن أوضاع الانسانية المطلقة المناسبة لها. فليس هناك بالنسبة للفلسفة الديالكتيكية شيء نهائي مطلق مقدس. إنها ترى حتمية الانهيار في كل شيء...»(4).

النقطة الرابعة: ان المعارف و العلوم عموما ناشئة من المصلحة.

ص:126


1- (1) المصدر ج 1 ص 243.
2- (2) انظر: نصوص مختارة، لانجلز ص 179.
3- (3) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 28.
4- (4) لودفيج فورباخ: انجلز ص 10.

«و يقوم بين المعرفة و المصلحة تطابق، و تتجلى المصلحة في السعي وراء المعرفة الحقيقية. و لكن إذا تناقضت المصلحة و المعرفة نشأت الخرافات و الأوهام. و التصورات المشوهة عوضا عن العلم. ان المصلحة إنما هي قوة جبارة. و لو أن البديهيات الهندسية أو النظريات الهندسية - مثلا - كانت تناقض مصالح معينة، لتواجد بكل تأكيد، أناس يعمدون إلى دحضها»(1).

النقطة الخامسة: إن النظرية الماركسية نفسها حزبية:

قال كوفالسون:

«إن العلم الاجتماعي الماركسي يربط نفسه على المكشوف بمصالح الطبقة العاملة، بالنضال من أجل تحرير الكادحين من الاستثمار، بتحرك المجتمع نحو الاشتراكية و الشيوعية. و في هذا تقوم حزبيته»(2).

النقطة السادسة: إن الماركسية أكدت على قانون الديالكتيك، الذي يتضمن ان كل شيء متضمن لنفيه و لنفي النفي أيضا، الذي هو معنى الأطروحة و الطباق و التركيب. و قد عرفنا ذلك مفصلا.

و إذا كان هذا القانون شاملا لكل الأشياء، إذن فهو شامل للفكر الماركسي، بكل تفاصيله أيضا، و إلا لم يكن قانون الديالكتيك عاما بطبيعة الحال.

و إذا شمل هذا القانون الفكر الماركسي، فسوف يؤول إلى الانتفاء و التغيير، لا محالة. لأننا إما أن نفرض هذا الفكر، أطروحة أو طباقا أو تركيبا. و لا شيء غير ذلك.

فإن فرضناه أطروحة، كان الطباق نافيا له، فضلا عن التركيب.

و إن فرضناه طباقا، باعتباره نفيا للفكر السابق عليه، كان التركيب فكرا غير الأطروحة و الطباق، أو غير الفكر القديم و الفكر الماركسي معا. و إن فرضناه تركيبا، كان التركيب بدوره أطروحة يحتوي على نفيه لا محالة، لوضوح ان الديالكتيك لا يكف عن العمل بعد إنجاز (التركيب) لا محالة. إذن، فالفكر الماركسي ينتفي حتما و يتبدل إلى غيره، طبقا للقانون الماركسي نفسه.

النقطة السابعة: إن الفلسفة و العلوم جميعا إذا كانت من نتاج التطور الاقتصادي - كما سمعنا من انجلز - فهذا لا يعني، فقط، ان العلوم تكون

ص:127


1- (1) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 26.
2- (2) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون.

مسببة لهذا التطور، كما فهمناه من النقطة الأولى، بل يعني انها تتطور بتطورها أيضا. فإذا عرفنا، بالاضافة إلى ذلك، أن الفكر الماركسي وجد في عصر الرأسمالية، و كان الوضع الاقتصادي الرأسمالي في عصر الرأسمالية، و كان الوضع الاقتصادي الرأسمالي مسببا له... إذن، فسوف يتغير بتغير هذا الوضع، و لا يمكن أن يكون له بقاء و استمرار بعد زوال الرأسمالية طبقا لنفس القاعدة الماركسية. فإن كان لها بقاء، كان ذلك نقطة ضعف في القاعدة الماركسية للتطور نفسها.

فهذه سبعة نقاط ماركسية، تدل على سبعة نقاط ضعف في الفكر الماركسي على الخصوص، و في الفلسفة و العلوم كلها على وجه العموم.

و الماركسية اعترفت بهذه النقاط كلها، في الفلسفات و العلوم كلها، و أنكرتها في الفكر الماركسي نفسه!!... فالفكر الماركسي في نظر الماركسيين، يدل على الواقع الموضوعي نفسه، و هو مرآة صادقة عنه.

فإنه «يرسم بصورة موضوعية لوحة عن الواقع، و نسبة القوى، و التناقضات القائمة و اتجاهات التطور»(1).

- 9 - و من ذلك: وجود الأخلاق.

قال انجلز:

«و لهذا فإننا نرفض كل طمع بأن تفرض علينا أية عقائدية أخلاقية كقانون إضافي سرمدي نهائي، لا يتزعزع بعد اليوم بذريعة ان لعالم الأخلاق، هو أيضا مبادئه الدائمة التي هي فوق التاريخ و الفوارق القومية. فنحن نؤكد - بالعكس - ان كل نظرية في الأخلاق حتى اليوم إنما كانت في التحليل الأخير نتاج الوضع الاقتصادي للمجتمع في أيامها. و كما ان المجتمع قد تطور اليوم ضمن تعارضات طبقية، فقد كانت الأخلاق على الدوام أخلاقا طبقية: أما انها كانت تبدو سيطرة و مصالح الطبقة السائدة، و أما انها كانت منذ ان تصبح الطبقة المضطهدة على جانب من القوة، تمثل الثورة على هذه السيطرة و مصالح المستقبل للمضطهدين.

و أضاف:

«و ما من شك أن تقدما قد حدث مع هذا - إجمالا - بالنسبة للأخلاق، كما بالنسبة لجميع فروع المعرفة البشرية الأخرى. و لكننا لم نتجاوز بعد الأخلاق الطبقية.

و لن يصبح ممكنا وجود أخلاق إنسانية حقا موضوعة فوق التعارضات الطبقية و ذكراها،

ص:128


1- (1) المصدر نفسه ص 26.

إلاّ في مستوى للمجتمع لا يكون قد تم فيه فقط التغلب على التعارض الطبقي، بل يكون قد نسي فيه أيضا في ممارسة الحياة اليومية، ما ذا كان هذا التعارض»(1).

و يعتبر انجلز كثرة التطورات الأخلاقية و تعددها و تعارضها، دليلا على عدم كون الأخلاق سرمدية و نهائية.

اسمعه يقول:

«بأية أخلاق يعظوننا اليوم؟ إنها أولا الأخلاق الاقطاعية المسيحية الموروثة من إيمان القرون الماضية. و هي بدورها تنقسم أساسا إلى أخلاق كائوليكية و أخلاق بروتستانتية، الأمر الذي لا يمنع انقسامها ثانية إلى أقسام فرعية... و إلى جانب هذا تقوم الأخلاق البرجوازية الحديثة. ثم من جديد إلى جانب هذه أخلاق المستقبل، أخلاق البروليتاريا... فما هي الصحيحة إذن؟ و لا واحدة بمعنى مطلق و نهائي».

و أضاف:

«و لكن الأخلاق التي تحتوي على النصيب الأوفى من العناصر الواعدة بالبقاء هي بالتأكيد الأخلاق التي تمثل في الحاضر، انقلاب الحاضر، تمثل المستقبل، إنها إذن الأخلاق البروليتارية»(2).

و قال انجلز أيضا:

«فمنذ اللحظة التي تطورت فيها الملكية الخاصة للأشياء المنقولة، كان لا بد لجميع المجتمعات التي تسود فيها هذه الملكية الخاصة، أن يكون فيها هذه الوصية الأخلاقية المشتركة: لا تسرق. فهل يعني هذا أن تصبح هذه الوصية وصية أخلاقية سرمدية! كلا أبدا!!. ففي مجتمع أزيلت منه دوافع السرقة، حيث السرقات، بالتالي، لا يمكن ارتكابها، مع مرور الزمن، غير مجانين. كم سيضحك الناس من الواعظ الأخلاقي الذي يود أن يعلن على رءوس الأشهاد الحقيقة السرمدية: لا تسرق!»(3).

و إذا كانت الأخلاق طبقية، و متطورة بالتالي بتطور وسائل الانتاج و علاقات الانتاج، إذن يوجد لكل مرحلة من مراحل المجتمع البشري أخلاقه الخاصة، و لكل طبقة أخلاقها الخاصة... الخ...

- 10 - و من ذلك: وجود العدالة و القانون ككل.

فإنها - أيضا - من نتائج الوضع الاقتصادي، المتمثل بعلاقات الانتاج

ص:129


1- (1) نصوص مختارة: انجلز ص 160.
2- (2) المصدر ص 159.
3- (3) المصدر ص 160.

و وسائل الانتاج.

و لعل أوضح نص ماركسي يوضح ذلك، و يكشف عن تطور الفكرة القانونية في نظر الماركسية، من صورتها البدائية، إلى فكرة العدالة، بشكلها «الميتافيزيقي»!! الكامل... ما قال انجلز:

«في مرحلة جد بدائية من تطور المجتمع، يشعر بالحاجة إلى جمع العقود اليومية المتجددة للانتاج و التوزيع و مبادلة المنتجات في قاعدة مشتركة، و إلى السهر على أن يخضع كل فرد لشروط الانتاج و التبادل المشتركة. و هذه القاعدة التي تكون في البداية عرفا، تصبح بعد قليل قانونا.

و معه تنبثق بالضرورة هيئات مكلفة بمراعاته: السلطات العامة، الدولة.

و خلال التطور اللاحق للمجتمع يتطور القانون إلى تشريع أكثر أو أقل اتساعا.

و كلما ازداد تعقيدا ازدادت اصطلاحاته بعدا عن الاصطلاحات المعبرة عن ظروف المجتمع الاقتصادية الجارية. و إذ ذاك يبدو هذا التشريع كعنصر مستقل، يستمد مبرّر وجوده و أساس تطوره اللاحق لا من الظروف الاقتصادية، بل من دواعيه العميقة الخاصة، أو - إذا شئتم - من «فكرة الارادة». و ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق لديهم. مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان.

و مع تطور التشريع إلى مجموعة معقدة و موسعة تظهر ضرورة تقسيم جديد للعمل الاجتماعي و تتكون طائفة من رجال القانون المحترفين. و معهم يولد علم الحقوق. و هذا العلم لدى تطوره، يقارن بين النظم القانونية لمختلف الشعوب و لمختلف العصور، ناظرا إليها لا كصورة للعلاقات الاقتصادية في حينها، بل كنظم تجد في ذاتها مبرر وجودها.

و الحال ان المقارنة تفترض عنصرا مشتركا، و الحقوقيون يظهرونه ببناء حقوق طبيعية مما هو مشترك أكثر أو أقل بين جميع هذه النظم. و المقياس الذي يرجع إليه لمعرفة ما هو من الحقوق الطبيعية أم لا، إنما هو - بالضبط - التعبير الأكثر تجريدا عن الحقوق ذاتها، أي العدالة.

... و هذه العدالة ليست دائما غير التعبير على الصعيد الايديولوجي و الميتافيزيائي عن الظروف الاقتصادية القائمة، تارة حسب صورتها المحافظة و تارة حسب صورتها الثورية.

فلقد كانت عدالة اليونان و الرومان تجد الرق عادلا. و كانت عدالة البرجوازيين عام 1789 تطالب بإلغاء الاقطاعية، لأنها غير عادلة... و هكذا فكرة العدالة السرمدية تتغير ليس فقط مع تغير العصر و المكان بل و مع تغير الأشخاص أنفسهم»(1).

ص:130


1- (1) نصوص مختارة: انجلز ص 162 و ما بعدها.

فقد أكد انجلز على عدة نقاط:

النقطة الأولى: إن القانون في صورته البدائية، عبارة عن تقاليد أو عرف، و في صورته المعقدة قانون.

النقطة الثانية: إن القانون ناشئ من ظروف المجتمع الاقتصادية.

النقطة الثالثة: إن القانون كلما ازداد تعقيدا ازداد بعدا عن أصله الاقتصادي.

النقطة الرابعة: إن الناس تدريجا ينسون ارتباط القانون بالجانب الاقتصادي مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان!!..

النقطة الخامسة: إن الدولة تصبح مسئولة عن تطبيق هذا القانون «الاقتصادي» الطبقي.

النقطة السادسة: إن القانون تدريجا يكتسب تجريدا إضافيا فيصبح من الحقوق الطبيعية، ثم يصبح ممثلا لفكرة العدالة «الميتافيزيائية».

النقطة السابعة: إن اختلاف النظر إلى العدالة خلال اختلاف المجتمعات و العصور يعني ان العدالة نسبية و ليست مطلقة. و بتعبير آخر:

انها منظورة - فقط - من زاوية اقتصادية طبقية.

فهذه النقاط السبع، يغنينا بها انجلز عن أخذ كلمات غيره من الماركسيين.

ص:131

مناقشات الوجود الطبقي الماركسي

- 1 - لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في تأثير قوى الانتاج في إنتاج علاقات إنتاج معينة، لا بمعنى السلبية بأي معنى من معانيها. بل - من زاويتنا - ان كل مجموعة من الآلات، و المواد الخام الطبيعية، تحتاج في تدبيرها و حسن إنتاجها إلى علاقات إنتاج معينة، لو تغيرت هذه العلاقات لم يصبح الانتاج نفسه حسنا و وفيرا.

و هذا في واقعه، يعود إلى عدة عوامل أهمها اثنان:

العامل الأول: الفهم العلمي و الاجتماعي، لأحسن طريقة يمكن أن يستغل به هذه المجموعة، لانتاج أكبر مقدار من الناتج و من الربح.

و قد يكون هذا الفهم خاطئا، بمعنى ان الفرد أو مجموع من يهمه أمر الانتاج، يرى ان مجموع التصرفات المعينة هي أفضل من غيرها. و لو كان قد تعمق أكثر لأدرك لزوم الاستغناء عن بعض التصرفات و إبدالها بتصرفات أفضل.

العامل الثاني: حب الذات الذي يقتضي اتباع الأحسن دائما. و إلاّ فما الذي يحدو بالفرد أو المجموع إلى ذلك... و الفرد يستطيع بالضرورة أن يوقع نفسه بالضرر أو الهلاك.

و لكن السؤال الذي يتوجه إلى الماركسيين، في هذا المجال، هو أنهم هل يعتقدون بتكون علاقات الانتاج طبقا لتطور وسائل الانتاج بشكل ديالكتيكي أو بشكل «سلس» خال من التناقضات؟!..

إن جوابهم ينبغي أن يكون حاضرا، و هو اختيار الأسلوب الديالكتيكي، لكونه أمسّ بقانونهم العام. و لكن هلاّ قدموا لنا أسلوب

ص:132

تطبيق هذا القانون في هذا المجال؟!..

فإننا في هذا المجال، ككل مجال، لا بد أن نلاحظ: الشيء و نفيه و نفي نفيه... أو الأطروحه و الطباق و التركيب. فكيف تنطبق هذه المفاهيم في مجال بحثنا؟!..

إن الماركسيين قدموا لنا التناقض بين علاقات الانتاج القديمة و وسائل الانتاج الجديدة، كجواب على هذا السؤال. و هذا و إن لم يكن خاليا من المناقشة، غير أننا يمكن أن نطرح السؤال بشكل أوضح، بحيث لا يصلح أن يكون هذا جوابا له. كيف تترتب علاقات الانتاج مع وسائل الانتاج الموازية معها في الدرجة؟!.. هل ذلك بشكل تناقضي أو بشكل سلس.

و هذا سؤال يعم كل تطورات وسائل الانتاج، بما تنتجه من علاقات إنتاج مختلفة، على مدى عصور المادية التاريخية.

إن أفضل ما نفترضه في هذا الصدد هو أن تكون الدرجة المعينة من وسائل الانتاج - الطاحونة الهوائية مثلا -: هي أطروحة. فهل تصلح ان تكون علاقات الانتاج الموازية لها - العلاقات الاقطاعية مثلا -: طباقا لتلك الأطروحة، و نفيا لها. كلا! بعد افتراض الانسجام الكامل بينهما.

إن الطباق لوسائل الانتاج، لا بد أن يفترض - ماركسيا - طباقا داخليا في نفس الآلة، يؤدي إلى تكاملها و تطويرها. و اما ترتب علاقات الانتاج على الدرجة المعينة لهذه الوسائل، و وجودها بإزائها، فهو ترتب سلس بالضرورة.

و لو كانت علاقات الانتاج هي الطباق، فما هو التركيب؟... ليس هو الآلة الجديدة، لكونها ناتجة من الطباق «الداخلي» في الآلة القديمة.

و ليس هو علاقات الانتاج الجديدة، لكونها ناتجة عن الآلة الجديدة لا عن علاقات الانتاج القديمة، باعتراف الماركسية. و ليس هو تغير أوضاع المجتمع، فإنها تتغير طبقا للعلاقات الجديدة، لا للعلاقات القديمة. إذن فهذا الطباق ليس وراءه تركيب!!!...

و يمكن أن نلاحظ نفس هذه الملاحظة، بالنسبة إلى ترتب التغيير الاجتماعي على علاقات الانتاج الجديدة. إن الأوضاع الجديدة تترتب على العلاقات الجديدة، بشكل سلس غير تناقضي. لأنها - أولا - لا تصلح أن

ص:133

تكون طباقا لها باعتبار انسجامها تاما، في حين يفترض بالطباق أن يكون نافيا للأطروحة، لا منسجم معها. و لو كان طباقا - ثانيا -، فليس له تركيب لأن كل ظاهرة أخرى مما عددناها لها مبررات وجودها الماركسية غير هذا الصراع بين علاقات الانتاج و ظواهر المجتمع.

إذن، فقانون الديالكتيك، غير منطبق على علاقات الانتاج، و لا على ظواهرها الاجتماعية الجديدة.

- 2 - نحن نتفق مع الماركسية بوجود التطور المستمر في قوى الانتاج، بمعنى آلات الانتاج، لا المواد الخام بما فيها الأرض، فإنه لا معنى للتطور المستقل فيها إلا نادرا. نعم الانسان لو اعتبرناه من قوى الانتاج، فقد يتطور في الذكاء أو القوة البدنية، و قد لا يتطور.

و يعود تطوير وسائل الانتاج إلى ما يشبه ذينك العاملين، اللذين عرفناهما في الفقرة الأولى. و نعبر عنهما في المقام كما يلي:

أولا: حب الذات المقتضي لحب زيادة الانتاج.

ثانيا: الفهم المركب من أمرين:

أحدهما: الفهم العلمي بأسلوب تطوير الآلة.

ثانيهما: إدراك حقيقة ان الآلة المتطورة تخدم الانتاج أكثر من سابقاتها.

و هذا يعني بوضوح ان تطور وسائل الانتاج إنما كان بفعل الفكر الانساني و الارادة الانسانية، و ليس شيئا خارجا عن وعي الناس، كما حاول ماركس و ستالين أن يقولا. و من الطبيعي أن يكون أولئك الماركسيون الذين اعترفوا بإسناد التطور إلى وعي الانسان أقرب إلى الحق.

و لكن هؤلاء بدورهم يقعون في بعض المصاعب:

أولا: إن معنى ذلك: إن الانسان هو الذي يطور نفسه، لا ان قوى الانتاج هي التي تطوره بشكل مستقل. و بكلمة أخرى: ينحصر الأمر بالقول: بأن العقول المفكرة المخترعة و المطوّرة للآلات الجديدة، هي التي تطور المجتمع عن طريق هذه الآلات، و ليس للآلات أي تأثير حقيقي.

ثانيا: انه بعد أن أصبح التطور واعيا، فمن الصعب أن نتصور وقوع

ص:134

التنافي بين قوى الانتاج و علاقاته، لأننا من الصعب أن نتصور أن مثل هؤلاء المخترعين يوقعون الضرر بوضعهم الاجتماعي، كيف، و قد يكونون من المستفيدين منه فعلا. كما اننا من الصعب ان نتصور مجموع الناس المكون لعلاقات الانتاج، لا يفهم أفضلية الآلة المتطورة على القديمة.

- 3 - و ما حال هذه القضية التي اعتبرتها الماركسية صحيحة بشكل سلس و هي ان قوى الانتاج أسرع تطورا من علاقات الانتاج... و انها أكثر عناصر حركة و ثورة.

أولا: ان هذه الحقيقة - ككل حقيقة - لا بد في منطق الماركسية ان تكون مشمولة لقانون الديالكتيك... فتكون نسبية الصدق و ليست مطلقة و لا نهائية، إذن فهي إن صدقت في حين لا يتعين بالضرورة ان تكون صادقة دائما. بل يتعين تغيرها بتطور وسائل الانتاج نفسها.

ثانيا: إننا شاهدنا تطور وسائل الانتاج في البلدان الرأسمالية من الآلة البخارية إلى الكهربائية إلى الذرية، و لم يحصل أي تطور في علاقات الانتاج أو الوضع الاجتماعي، و بكلمة أخرى: إنه لم يحصل تناف بين العلاقات السابقة و الآلة الجديدة.

ثالثا: ان هناك علاقات إنتاج مستمرة بالضرورة، بالرغم من تطور الآلات و المجتمعات ككل، و موجودة في مختلف الأنظمة الاجتماعية...

كالزراعين، أعني الملاكين الصغار، و الفلاحين و الحرفيين أعني الصناع اليدويين، و لو بالآلة الصغيرة، و المعلمين و الأطباء و البنائين، و غيرهم...

فلما ذا لا تتطور هذه العلاقات بقانون الماركسيين.

- 4 - إنه من السهل أن نفترض بشكل «سلس» ان مجموع من يهمه الأمر في علاقات الانتاج يتطورون مع تطور الآلة، من دون أن يتخلف تطورهم عن تطورها. فمهما زاد مسمار أو مروحة، و اقتضى ذلك علاقات انتاج جديدة، أو تبدلت الآلة بالمرة، فإن مجموع من يهمهم الأمر يعقدون علاقاتهم طبقا للجديد باستمرار، طبقا لاختيارهم للأحسن نتيجة لحب ذاتهم، كما قلنا، و طبقا لاتصاف الناس بحب مصالحهم و لقمة عيشهم، كما

ص:135

ذكرت الماركسية.

هذا، و ان تخلف علاقات الانتاج أحيانا، عن التطور، مستند إلى أسباب بعينها، لا تعود إلى قوى الانتاج و لا إلى قانون الديالكتيك، بل إلى ارتباط فئة معينة ذات نفوذ، ارتباطا مصلحيا، لا بالآلة القديمة، بل بأشياء أخرى كالأرض في حالة الاقطاعيين... و المنجم مثلا... أو الصيد مثلا في حالة غيرهم. و الارتباط المصلحي مستند إلى حب الذات ليس إلاّ لوضوح أن الانسان قادر على أن يضر نفسه و يخالف مصلحته، لو لم يكن محبا لذاته.

إذن، فتخلف علاقات الانتاج، يعود إلى عوامل جغرافية و نفسية، أكثر من ارتباطها بالآلة.

- 5 - إن مفهوم الطبقة الماركسي، مغاير لمفهومها عند علماء الاجتماع الآخرين، فبينما يرى البعض ان الطبقة هي المجموعة التي يتحدد الانتساب إليها بالولادة، في مقابل الكتلة التي يتم الانتساب إليها نتيجة للانهماك بعمل معين. ترى الماركسية ان الطبقة يتحدد الانتساب إليها طبقا لعلاقات الانتاج، فالطبقة الماركسية هي كتلة في اصطلاح الآخرين لأنها تعني الانهماك بعمل اقتصادي معين.

و مهما يكن الرأي في هذا الاختلاف، فإن التعريف الماركسي، يختص بالانطباق على الملاكين و الفلاحين، أو العمال و أصحاب العمل، و نحوهم.

و لا يمكن أن ينطبق على كثير من مجموعات الناس.

فهناك مجموعة من الناس في العصر الاقطاعي و الرأسمالي و غير هما، لا تنتسب إلى عمل، و هم العاطلون بسبب الصغر أو الكبر أو المرض أو عدم توفر الفرص، أو غير ذلك.

هناك مجموعات من الناس، لا يمت عملهم إلى الانتاج بصلة، كالطلاب و المعلمين و الأطباء و الحلاقين و رجال الدين و رجال الدولة. و ادراج هؤلاء أو بعضهم في مفهوم العمال أو البروليتاريا، توسيع مجازي لهذا المفهوم.

و هناك مجموعات من الناس يرتبط عملهم بالتوزيع لا بالانتاج...

و هم التجار عموما على اختلاف بضائعهم و مراتبهم. بل ان الانتاج بدون

ص:136

توزيع لا معنى له، و غير مثمر للربح بالمرة، بل ان الرأسمالية عموما لم توجد، و لم تكدس الأموال الطائلة إلاّ بالتوزيع. و لم يكن الانتاج كافيا في ذلك، كما هو واضح.

و هناك عدد من الناس ينتجون، لكن لا بضاعة و لا زراعة، كالصحفيين و الرسامين و النقاشين و الحفارين... و نحوهم. و يقصد بالانتاج عادة غير هذا الانتاج.

و هذه «الطبقات» موجودة في مختلف عصور التاريخ، بعد تجاوز العصر البدائي للبشرية.

و إذا كان الحال هكذا، فينبغي أن نتساءل عن مصير هذه الطبقات في مجال الصراع الطبقي الماركسي. و هل يكونون مضطهدين أو مضطهدين، مع العلم انه قد لا يكون بعضهم مندرجا في كلا هذين المفهومين، كما قد يكون بعضهم مندرجا في كلا المفهومين لظروف معينة. فهل يكونون من مؤيدي الآلة القديمة أو الجديدة، في حين انهم غير مرتبطين بالآلة أصلا.

و ما هو شأن مثل هذه «الطبقات» في الديالكتيك الجاري في المجتمع، حينما تكون الطبقة المضطهدة القديمة أطروحة و الطبقة المضطهدة طباقا و الوضع الاجتماعي الجديد تركيبا. فلا تكون هذه الطبقات مندرجة في شيء من هذه المفاهيم... مع ان شيئا ما في العالم لا يمكن أن يخرج عنها في الديالكتيك الماركسي.

و الاعتذار عن ذلك - ماركسيا - بكونها طبقات غير أساسية، يعني الاعتراف بعدم شمول قواعد الديالكتيك و المادية التاريخية. لهذه الطبقات... فضلا عن الاعتذار عن ان الصراع بين هذه الطبقات قد يكون أهم أحيانا من الصراع بين الطبقات الأساسية... فإنه يتضمن الاعتراف بأن الصراع الماركسي الأساسي في المجتمع، يكون معطلا أحيانا أو يكاد، لسيطرة صراعات أخرى عليه، و إذا تعطل الخط الأساسي للصراع أو ضعف، كيف يكون ذلك سببا لتطور المجتمع. و كيف أوجب تطور وسائل الانتاج إيجاد الصراع الثانوي دون الصراع الأساسي خلافا للقواعد المادية التاريخية المفهومة؟!..

ص:137

- 6 - من هذا نعرف أنه ليس كل نضال سياسي هو نضال طبقي، كما ترى الماركسية.

إن الوجود الطبقي سبب للنضال السياسي، بلا شك. و إنما الشك في كونه السبب المنحصر لذلك، بحيث لا يوجد نضال سياسي إلاّ و هو نضال طبقي!!..

إن السنوات المتأخرة التي عشناها في النصف الثاني من هذا القرن أثبتت بكل وضوح، ان غالب النضالات السياسية ناشئة من اتجاهات عقائدية و فكرية و حزبية، ناشئة بدورها من أحد منشأين رئيسيين ليس أحدهما الوجود الطبقي في المجتمع.

المنشأ الأول: الشعور بالظلم العام في المجتمع المعني خاصة، و في البشرية عامة، مع ادعاء المجموعة بأنها تستطيع حل هذه المشكلات.

المنشأ الثاني: محاولة الترؤس في الناس و السيطرة على دفة الحكم في المجتمع، من أجل مصالح فردية خاصة، كحب السيطرة و حب الشهرة، و نحو ذلك.

- 7 - و أما فكرة نشوء الدولة عن الوجود الطبقي في المجتمع.

فنحن لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في وجود كثير من الدول الطبقية في التاريخ، و خاصة في أوروبا قبل عصر النهضة و بعدها، و هي محل تركيز الفكر الماركسي عادة، كما سمعنا.

فقد تداولت الحكم في أوروبا سلسلة من الحكومات بعضها إقطاعية و بعضها رأسمالية، و بعضها تمثل - في نظر الماركسيين - طبقة العمال البروليتاريين.

إلا أن هذا لا يعني، بأي حال، عدم إمكان نشوء الدولة من سبب آخر، غير الوجود الطبقي في المجتمع... نعم، لو عملنا من أوروبا - كما عملت الماركسية - نموذجا بشريا عاما، يمكن تعميم الحكم منها إلى كل مناطق الأرض، لكان كلام الماركسيين أقرب إلى الصحة. إلا أن هذا مما عرفنا زيفه بوضوح... و ان شيئا من مناطق الأرض لا يشبه أوروبا بحال،

ص:138

أو أن أوروبا لا تمثل إلا نفسها على طول الخط - إذن، فالرأي الماركسي لا بد أن يكون بعيدا عن الصحة. و يمكن أن تنشأ الدولة من سبب غير طبقي موجب لوجودها.

و للماركسية تصريحات مهمة، تثبت بكل وضوح، أن الدولة يمكن أن تكون غير ممثلة لطبقة معينة، بل هي وسط بين الطبقات، و كان الحال على ذلك خلال قرنين من الزمن في الحكم الفرنسي الملكي.

قال انجلز:

«و مع ذلك، فثمة - كحالات استثنائية - مراحل تبلغ فيها الطبقات المتناضلة درجة من توازن القوى تنال معها سلطة الدولة لفترة معينة نوعا من الاستقلال حيال الطبقتين، مظهر وسيط بينهما. هكذا كان الحكم الملكي المطلق في القرنين السابع عشر و الثامن عشر، إذ كان يحافظ على التوازن بين النبلاء و البرجوازية في النضال القائم بينهما. و هكذا كانت البونابرتية في الامبراطورية الأولى، و لا سيما في الامبراطورية الثانية في فرنسا. إذ كانت تحرض البروليتاريا على البرجوازية و البرجوازية على البروليتاريا»(1).

و إذا أمكن حدوث هذا الحياد في الدولة بين الطبقات مرة، أمكن حدوثه مرات.

و نحن بعد أن التفتنا إلى أن النضال السياسي قد ينشأ من دوافع غير طبقية، فهذا النضال، إذا تكلل بالنجاح لمجموعة معينة من الناس، فسيطروا على الحكم، فإن حكمهم لا محالة لا يكون طبقيا.

- 8 - و الصيغة المقترحة لفهم الدولة، كما ينبغي أن تكون، بغض النظر عن المظالم التي تتورط فيها الدول. هي كما يلي:

إن الدولة وجدت من أجل ازجاء تلك المصالح التي لا يمكن للأفراد القيام بها عادة.

فإن مصالح الأفراد على شكلين:

منها: ما يمكن لأي فرد عادة القيام بها كالحصول على الدخل الفردي و التعليم و ممارسة الطب، و نحو ذلك. فضلا عن النشاط الشخصي كالأكل و النوم.

ص:139


1- (1) أصل العائلة لانجلز ص 227.

و منها: ما لا يمكن لأي فرد القيام به عادة، و هي الأعم و الأهم من المصالح العامة، كتنظيم الدفاع و التعليم العام و الطب و البرق و البريد و تأسيس المرافق العامة و الاشراف على الاستيراد و التصدير، و غير ذلك.

و عجز الأفراد عن القيام بذلك، يعود إلى عدة أسباب لا حاجة إلى استقصائها. و إنما المهم أن مثل هذه المصالح، ينحصر ازجاؤها بالدولة لا محالة، و بدون ذلك يكون المجتمع في حالة تسيب كامل، لأن الأفراد كمجموع لا يمكنهم القيام بذلك، لأن تصدي البعض ليس أولى من تصدي الآخرين، و اتفاق المجموع غير ممكن.

فالدولة التي تزجي هذه الحاجات العامة طبقا لمصلحة الأشخاص الحاكمين، بأي دافع من الدوافع: طبقي أو شخصي أو حزبي أو استعماري، فهي دولة ظالمة، و الظلم لا يدوم طويلا، بل ينفتح حينئذ عصر الثورات و التمردات و المتاعب ضدها. لأن الشعب في النهاية، لا يمكن أن يصبر على الضيم طويلا.

و الدولة التي تزجي هذه الحاجات العامة طبقا لمصلحة مجموع الشعب المحكوم، لأنها تتصف بالغيرية و نقاء الضمير، فهي الدولة العادلة، و هي مما لا يمكن عادة وجود المتاعب ضدها. لأن الشعب يريد أن يرتاح تحت ظل حكومته، فإذا و فرت له الراحة، بعد لها، و أحس الناس بذلك، فلا معنى للثورة ضدها إلا من قبل جماعة من الطامعين أو المعتدين.

و بهذا نفهم عدة نتائج مخالفة للماركسية:

النتيجة الأولى: إنه يمكن للدولة أن لا تكون طبقية أو حزبية.

النتيجة الثانية: إن وجود الدولة لا يقترن بالثورات و التمردات دائما، كما تريد الماركسية أن تقول. بل ان الدولة التي تسير طبقا لراحة الشعب و رفاهه، لا مجال منطقي للثورة عليها... فإن العدل يضمن بقاء الملك.

النتيجة الثالثة: إن وجود الدولة ضروري باستمرار، لأن المجموع لا يمكن أن يزجي الحاجات العامة بأي حال، إلا في فروض نادرة، سوف نوضحها عند الحديث عن التخطيط الالهي العام.

ص:140

مناقشة الفكرة الماركسية عن الدين

- 1 - و هنا لا نريد أن ندخل أية كلمة من ناحية فلسفية أو عقائدية في البرهان على صحة الدين، أو على وجود الخالق المدبر للكون. و فيما ذكرناه فيما سبق عند مناقشة الديالكتيك كفاية لمن اكتفي.

و إنما نريد حصر النقاش في الجانب الاجتماعي و النظر إلى تفسير الماركسيين لوجود الدين و تطوره و مدى إمكان صحة ذلك.

- 2 - إن الماركسية لم تستطع - كما عرفنا - أن تؤكد استناد وجود الدين إلى وسائل الانتاج أو الوجود الطبقي، لتقدم وجوده يقينا على وجودها. ما عدا اليد إذا اعتبرناها من وسائل الانتاج. لكن هذه الوسيلة يتأخر الدين عنها تأخرا كبيرا بحيث يكون إسناده إليها مثيرا للسخرية... لوضوح أنها وجدت مع الانسان، و لكن الدين - بشكله المعروف - وجد بعد عصر الوعي الانساني.

و على أي حال، فالماركسية استطاعت بذلك أن تعطينا رقما واضحا في بعض الأشياء لا تنتج بهذا السبب، خلافا لقواعد المادية التاريخية التي تقول: ان كل الأشياء ناتجة عن وسائل الانتاج أو الوجود الطبقي. إذ لقائل أن يقول: انه إذا كانت بعض الأشياء تنتج عن سبب آخر، فلربما ينتج عن ذلك أكثر من شيء، أو العديد من الأشياء.

إن القول الماركسي: بأن وجود الدين ناشئ من أشكال بدائية جدا من وسائل الانتاج، ينافي ما قالته الماركسية من استناد وجوده إلى جهل الناس

ص:141

أو عجزهم. لوضوح أن الجهل و العجز يمثلان نقصا في التكوين البشري و لا يستند بأي حال إلى وسائل الانتاج. فاستناده إلى هذين العاملين، يعني عدم استناده إلى ذلك العامل.

و معاصرة الجهل و العجز لوسائل الانتاج البدائية، لا يعني كونها ناشئة منها، لوضوح إمكان كونها أمورا متعاصرة ليس بينها سببية.

و قد يخطر في الذهن: ان الجهل مستند إلى عدم وجود وسائل الانتاج المتطورة، التي أوجدت العلوم المختلفة بعد ذلك، و فتحت البشرية ذهنيا على كثير من الحقول الكونية. و من ثم يكون الجهل مستندا إلى وسائل الانتاج بشكل و آخر.

غير أن هذا لا يعدو أن يكون مغالطة في التعبير، لأنه أصبح مستندا إلى «عدم» وسائل الانتاج المتطورة، و هذا ليس استنادا فعليا إلى أية درجة ناجزة من وسائل الانتاج، كما تريد الماركسية أن تقوله في الأشياء جميعا.

و اما استناد وجود الجهل إلى الدرجة الناجزة القديمة من وسائل الانتاج، فهو مما لم تستطع الماركسية أن تقوله باعتبار وضوح بطلانه، فإن استناده إلى غير اليد واضح لليقين بتقدمه عليها. و أما استناده إلى اليد كوسيلة للانتاج، فهو مما يدعو إلى السخرية، لوضوح أنهما: أعني اليد و الجهل وجدا معا في الانسان، و ليس بينهما أي شكل من السببية. و القول باستناد الجهل إلى اليد ليس بأوضح من القول باستناد اليد إلى الجهل!!.. و خاصة و ان الجهل كان موجودا في عصر لم يكن الانسان ملتفتا إلى استعمال يده في الانتاج بالمرة(1). و من ثم لم تكن يده وسيلة للانتاج، و من ثم لم يكن هناك أي وسيلة للانتاج بالنسبة إلى الانسان.

و إذا لم يكن الجهل مستندا إلى وسيلة إنتاج، و إنما هو صفة طبيعية للبشر غير المتعلم أو القديم... فاستناد الدين إليه يعني عدم استناده إلى أية وسيلة إنتاج. و من هنا يكون القول الماركسي باستناد الدين إلى أشكال بدائية جدا من وسائل الانتاج، منافيا معه. فكيف سمحت الماركسية لنفسها أن تتكلم على شكلين متناقضين.

ص:142


1- (1) طبقا للمفاهيم الحديثة تقدم البشرية عشرات الملايين من السنين. و هو مما تعترف به الماركسية. و سنناقشه عند الحديث عن التخطيط الالهي.

- 4 - إن قدم الشعور الديني لدى الانسان، لا يتعين تفسيره بالشكل المادي أو الماركسي، بل كما يمكن ذلك، كذلك يمكن وجوده بسبب أصالة الشعور الديني و صدقه في النفس البشرية، إذن فالنظر الموضوعي لا يمكنه أن يجزم بمضمون ذلك التفسير.

- 5 - إن الجهل بأسباب حوادث الطبيعة، لا يفسر بمجرده وجود الدين أو الاعتقاد بخالق مدبر خارج الطبيعة. إذ لو اقتصرنا على فكرة الجهل، لكان في إمكان الجاهل أن يسند هذه الحوادث إلى محض الصدفة، و عدم وجود أي سبب لها... كما يمكنه أن يسنده إلى سبب بسيط من موجودات الكون، و إن لم يكن له أي ارتباط بالواقعة. فلو لم نضم إلى هذا الجهل!!! الاعتقاد بقانون السببية ارتكازا و الاعتقاد إلى أهمية و عمق السبب الفاعل للتدبير الكوني العام، لما أمكن أن ينتج الجهل بمجرده الاعتقاد بالخالق المدبر.

و لو كان هناك ترابط حقيقي بين الجهل و الاعتقاد الديني، لما أمكن أن نجد كثرة من الجهلاء الملحدين، أو كثرة من العلماء المؤمنين؛ مع العلم أن هذين الصنفين موجودان بكثرة في البشرية منذ أن عرفت البشرية الجهل و العلم.

و من طريف القول، ما ذكره بليخانوف من أن الجهل البشري ينتج الشعور الاحيائي عند الانسان، هذا الشعور المنتج بدوره للشعور الديني لديه.

اسمعه يقول:

«إن طفلا كان بحضوره يصف القمر بقوله (ملعون) لأنه لم يكن يود الظهور، فهذا الطفل كان يعتبر القمر كائنا حيا. و الانسان البدائي، يحيي - على غرار هذا الطفل - الطبيعة بمجموعها. ان التفكير الاحيائي هو المرحلة الأولى في تطور التفكير الديني. و الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي لحوادث الطبيعة، و فهمها كظواهر خاضعة لقوانين»(1).

و من الواضح أن المتدين لا يؤمن بوجود الروح أو الحياة في الطبيعة

ص:143


1- (1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 8.

نفسها، بل بوجودها خارجها. و كان الاعتقاد على ذلك منذ القديم، فإن الاعتراف بالخالق لا يعني غير ذلك. كما ان المتدين لا يرى تنافيا بين السبب الخارجي و القوانين، بل يمكنه أن يؤمن بكلا الأمرين، و أن السبب الخارجي هو الذي سنّ هذه القوانين في الكون. مضافا إلى ما عرفناه من أن القوانين وحدها لا تكفي تفسيرا لحوادث الكون، بل هي ليست إلا و هما من الأوهام. و التفسير الوحيد للحوادث هو الاسناد إلى فاعل خارجي، بعد التجاوز عن الصدفة المحضة التي لا يمكن أن يقول بها أي مفكر.

- 6 - كما أن الجهل غير كاف لنشوء العقيدة الدينية، كذلك العجز غير كاف لوجودها... لوضوح أن رد الفعل الأولي للعجز هو التردد و انهيار الارادة، و ليس هو الاعتقاد بأي شيء مهما كان.

و لو أنه كان سببا للاعتقاد، فلا يتعين الاعتقاد بسبب خارجي، بل يكفي الاعتقاد بالصدفة أو بسبب في داخل الكون - كالشمس مثلا - أو بالقوانين العامة أو بالجن... إلى غير ذلك من العقائد. إذن فتعين الاعتقاد بالاله المدبر دون غيره، يحتاج إلى بيان سببه... و لا يكفي العجز لتدبيره.

- 7 - وصلت بنا المناقشة إلى استفادة الوجود الطبقي من الدين، بعد أن لم يكن بأصل وجوده طبقيا.

لا ينبغي أن ننكر أن كثيرا من الجهات و الأفراد و الطبقات، استفادت من الدين - على اختلاف أشكاله - استفادات أنانية مصلحية، تحت مختلف الدوافع و الشعارات، سواء سميناها استفادات طبقية، كما أرادت الماركسية، أو سميناها بأي اسم آخر.

و ليس في ذلك من ضير على أصل الدين، فإن المتاجرة باسم الشيوعية أيضا ممكنة من دون أن يوجب طعنا على الشيوعية، فكذلك الحال في الدين حرفا بحرف. سواء كثر «التجار» أو قلوا، و سواء مثلوا قوة أو مثلوا ضعفا، و سواء مثلوا طبقة أو كانوا أفرادا.

غير أن من الطريف و المؤسف أن الماركسية تعبر بالدين، و تقصد نماذج معينة من البشر المحسوبين على الدين، تلك النماذج التي يكون الكلام

ص:144

الماركسي عنها قريبا من الصحة. و تهمل النماذج الصحيحة للدين، التي لا يصح فيها ذلك الكلام البتة.

و نحن نذكر بعض النماذج للتمثيل و إلفات النظر، لا على سبيل الحصر، و لا على سبيل التمانع، بل يمكن إدراج فرد أو أفراد تحت أكثر من نموذج واحد.

النموذج الأول: نموذج «بدائي» من الدين - لو صح التعبير - كالاعتقاد بتعدد الآلهة، أو وجود إله قومي، أو الطقوس الدينية في قبائل نصف متوحشة!! و نحو ذلك.

النموذج الثاني: نموذج الرأي الشخصي لمفكر ديني، و كل رأي شخصي يحتاج إلى تمحيص قبل نسبته إلى الصحة، فضلا عن نسبته إلى الدين... كرأي أوغسطين أو الفارابي أو غير هما.

النموذج الثالث: نموذج كنسي كان يحكم أوروبا ردحا من الزمن، و يتبنى عدة قضايا «جاهلة» ضد «العلم» لا ظل لها من الصحة... مما أوجب غضب الرأي العام الاوروبي و حدوث النهضة الاوروبية الحديثة، بما أحدثته من مادية و علمانية.

النموذج الرابع: استغلالات سياسية للدين، قد لا يرضاها الدين الأصلي الذي تبنته هذه السياسة. كتبني الدولة الرومانية للمسيحية، أو استغلال الأحزاب الاشتراكية الاوروبية لاسم الدين، حيث أسست أحزاب في عدد من بلدان أوروبا باسم الحزب الاشتراكي المسيحي، مع نسبته إلى البلد الذي وجد فيه.

النموذج الخامس: نموذج الاختلافات الدينية الواقعة بين المعتقدين بالدين. و هي اختلافات - و الحق يقال - كثيرة جدا على طول التاريخ.

سواء في داخل الدين الواحد، كالدين المسيحي و الاسلامي، أو بين أهل الأديان المختلفة... كالبوذيين و المسلمين في الهند، و اليهود و المسلمين في الشرق الأوسط.

النموذج السادس: نموذج صوفي منعزل عن العالم، أناني في نزعته الدينية، لا يرى إلا مصلحة كماله الشخصي من الناحية الدينية. و لا يهتم بكمال غيره و لا بفساد العالم.

ص:145

فإذا قدمنا للماركسية خاصة و للعالم عامة، نموذجا آخر من الدين يريد إصلاح العالم، و ينظم علاقات البشر تنظيما عادلا، و يتجاوب مع العلوم الطبيعية تجاوبا كاملا، و يشجب الاستغلالات المنحرفة له. و بالخلاصة، يتجاوب مع آمال البشرية و آلامها في كل عصر لا يختلف تجاهه قوي عن ضعيف أو غني عن فقير أو حاكم عن محكوم، كلهم تجب تربيتهم و معاقبتهم على الذنب و استغلال مواهبهم استغلالا صالحا... كما عليه الدين الاسلامي بواقعه العادل، و نصوص واضحة في ذلك، كما هو مبحوث في مصادره. فما ينبغي أن تقول الماركسية تجاهه، و كيف يمكن أن يكون ناشئا عن الوجود الاجتماعي الطبقي، و هو على مثل هذه الصفات.

- 8 - إن الفكر الديني يرى العلم الطبيعي بكل أشكاله الصورة الناطقة عن قدرة الخالق و حسن تدبيره و عظمة خلقته. و ليس هناك أي تناف بين العلم و الدين. و إن أبسط فكرة تدل على ذلك لدى المتدين: هو أنه يرى أن العلوم الطبيعية بما تدل عليه من قوانين و ظواهر، لا يمكن أن تكون صادقة بدون وجود اللّه تعالى. فضلا عن أن الدين الاسلامي حث على تعلم العلوم على مختلف أشكالها، كما هو غير خاف على من راجع مصادره.

إذن فما ادعاه بليخانوف، تبعا للفكر الماركسي عموما من أن:

«الخطوة الأولى للعلم هي إبعاد التفسير الاحيائي - يريد به الديني الالهي - لحوادث الطبيعة، و فهمها كظواهر خاضعة لقوانين»(1).

لا يمكن أن يكون صحيحا.

إذن، فالعلوم الطبيعية كلها علوم إلهية دينية، و ليس المتدينون بحاجة إلى ما قاله كوفالسون:

«و في زماننا صار الدين أكثر احتراسا و أخذ رجال الدين يصرحون على المكشوف:

انهم يطمحون إلى أمر واحد فقط، هو أن يترك العلم للّه شيئا ما «إلهيا» على الأقل»(2).

إن الرجال الفاهمين للدين يعلمون أن كل شيء هو للّه عز و جل، بما فيه كل ظواهر العلم و الطبيعة، و لا حاجة بهم إلى هذا الاستجداء الدنيء.

ص:146


1- (1) فلسفة التاريخ: بليخانوف ص 8.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون، ص 10.

كما ان الصلة بين الفيزياء و الميافيزياء، صلة وثيقة جدا، أكثر مما يتصور الماديون، بل أكثر مما يتصور أكثر المتدينين أيضا. فإن العوامل الميتافيزيائية هي التي تحرك كل أجزاء الكون الفيزيائي. و تشكل البديل الصالح عن القوانين المزعومة التي عرفنا زيف تصورها فيما سبق... و ليس لنا الآن الدخول في تفاصيل ذلك.

إذن، فالنداء المادي القائل:

«أيتها الفيزياء حذار من الميتافيزياء»(1).

خال من المضمون و المعنى تماما... إذ لا وجود و لا حركة للفيزياء بدون الميتافيزياء.

- 9 - و أما الاعتقاد بالجزاء الاخروي، فلا نريد الدخول في تفاصيله، بعد كل الذي سبق، من إعادة النظر في الأفكار الماركسية تجاه الدين، إلا من زاوية واحدة، و هي أن هذه العقيدة، هل تصلح أفيونا للشعوب، كما قال ماركس، أو أنها - في واقعها - المحرك الأساسي للمعتقدين بها للعمل في خدمة الانسانية و العدالة.

إن الانسان بحسب طبعه مربوط بمصالحه الخاصة و نوازعه و أهدافه القصيرة، و قد يرفض، بكل سهولة و حزم، أي دافع يدرك منافاته و لو بقليل مع تلك الدوافع و النوازع، ما لم يدرك عودها عليه، تارة أخرى، بالمصلحة.

و هذا ينتج بطبيعة الحال، الميل نفسيا إلى عصيان كل تعليم قانوني أو نظامي يشعر فيه الفرد بهذه المنافاة... سواء في ذلك القانون الوضعي أو القانون الالهي، (التعاليم الدينية).

و الأطروحة الواضحة لتذليل هذه المشكلة هي جعل العقاب على العصيان و الجزاء على الاطاعة؛ و هذا ما عملته الحكومات فعلا في قوانينها الوضعية، فشرعت العقوبات، و أسست السجون، فضمنت إلى حد المستطاع إطاعة و تطبيق قوانينها، بما في ذلك الحكومات الشيوعية نفسها.

و الدين لا يختلف عن ذلك، فإن له في قانونه عقوبات و مثوبات دنيوية

ص:147


1- (1) نصوص مختارة: انجلز ص 177.

معجلة، على مستوى قوانين العقوبات الاعتيادية... كما ان له عقوبات و مثوبات أخروية مؤجلة. و كلا هذين النوعين من الجزاء، يؤثر بطبيعة الحال، في ضمان تطبيق التعاليم الدينية. و القسم المؤجل يختص بها الدين عن القوانين الوضعية، و يعطي لأعمال الخير قيمة معنوية عظيمة تتجاوز ساحة الحياة إلى ساحة الأبدية. و بذلك يزداد الدافع العاطفي نحو العمل الديني إلى حد كبير.

فإذا فهمنا الدين طريقة صوفية أو رهبانية أو كنيسة، كما حاولت الماركسية أن تفهم كان تطبيق تعاليمه يعني الانعزال عن الناس، و بالتالي التخدير عن العمل و عن نفع الآخرين، كما قال ماركس تماما.

و أما إذا شجب الفكر الديني الصالح هذه الاتجاهات، و أكد على بث الخير في الناس و تطبيق العدل فيهم، و التضحية من أجل الآخرين بالنفس و النفيس، كان معنى تطبيق هذه التعاليم و معنى الحث عليها يجعل الدافع الأخروي عليها: زيادة الدافع النفسي و العاطفي تجاه نفع الآخرين و بذل التضحيات لنفعهم و إسعادهم. و إعطاء ذلك قيمة أبدية غير موقتة و لا قصيرة (و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)(1).

- 10 - أما لو سلمنا - مع الماركسية - أن الدين وليد مرحلة من مراحل تطور وسائل الانتاج... فلما ذا لم يتغير أو يتطور بتغيرها.

إن مرحلة معينة لوسائل الانتاج إن كانت أوجبت وجود الدين أساسا، إذن، فالمرحلة اللاحقة لها يجب أن تكون موجبة لطمسه و زواله بالمرة، مع أن المشاهد بالوجدان بقاؤه إلى العصر الحاضر، بالرغم من التغيرات العديدة من وسائل الانتاج.

و إن مرحلة معينة من وسائل الانتاج إن كانت سببا لشكل من أشكال الدين، إذن فاللازم أن يتغير في المرحلة اللاحقة لهذه الوسائل. في حين أننا نجد أن عددا من الأديان بقيت بذاتها و بكل تفاصيلها عبر أشكال عديدة من وسائل الانتاج، و عبر عهود كثيرة، للمادية التاريخية. و اعتنقها الناس

ص:148


1- (1) آل عمران: 169.

بمختلف طبقاتهم و اتجاهاتهم و مصالحهم، كالبوذية و اليهودية و المسيحية و الاسلام.

و لذا أشرنا فيما سبق، أن الدين من جملة الأشياء التي تعتبر ثابتة بالرغم من هذه التطورات التي تؤمن بها الماركسية.

مناقشة الفكر الماركسي في الأخلاق و العدالة

- 1 - ينبغي أن نتفق سلفا على أن هناك قضايا سلوكية أو «عملية» متفق عليها بين البشر، فمثلا لو سئل أي فرد عن قيمة السرقة أو عن قيمة العلاقة الجنسية بين الفرد و أمه، لا ستنكرها بطبعه و اعتبرها أمرا غير مشروع.

لا يختلف في هذا الاستنكار مجتمع عن مجتمع أو جيل عن جيل أو طبقة عن طبقة.

و نحن نعلم باليقين أن وجود هذا الشعور في البشرية قديم منذ أن التفت الناس إلى أهمية السلوك و قيمته... و ذلك منذ آلاف السنين. إذ بلا شك أن فردا من الانسان القديم لو أخذ فاكهة لطعامه مثلا، فخطفها منه شخص آخر، لاستنكر ذلك و استنكره غيره أيضا. و ليس ذلك إلا مفهوم (لا تسرق) الذي شجبه انجلز.

إن هذا المفهوم ليس من قبيل وعظ الوعّاظ، بل هو تسالم اجتماعي عام على تصحيح هذه القضايا و إعطاء هذه القيمة لهذا العمل. و يكون رد الفعل لعصيان هذه القضايا، أي للقيام فعلا بالسرقة مثلا، هو - على أقل تقدير - عقابا اجتماعيا عاما يتمثل في شجب كل أفراد المجتمع لهذا العمل و احتقار فاعله، و إدراك أنه قد عمل عملا دنيئا ينبغي تركه و الارتداع عنه.

ص:149

و هذا المفهوم بالذات: لا تسرق. ليس وليد الشعور الاجتماعي بالملكية، بل هو وليد الشعور بالاختصاص، إذ لا أقل من استنكار سرقة طعام الفرد و ثيابه و أموره الخاصة به، سواء كان مالكا لهذه الأشياء أو لا و من هنا لو قلنا بتأخر وجود الشعور بالملكية تاريخيا، فلا أقل من الشعور بالاختصاص منذ وجدت البشرية، بل هو موجود عند الحيوانات أيضا بنحو آخر. و هذا الشعور يلازم بطبعه مع الشعور بقبح السرقة و إعطائها قيمة رديئة، لأنها تنافي هذا الشعور، و تعني سلب الاختصاص.

و كذلك الحال في المجتمع الشيوعي الذي تهدف إليه الماركسية، فإن الملكية الخاصة غير موجودة فيه، و لكن الاختصاص موجود فيه لا محالة، فيما يمت إلى الأفراد بصلة. و من هنا يكون هذا المفهوم الاجتماعي صادقا تماما، و لا تنتفي مبرراته الواقعية، كما يريد انجلز أن يقول.

إن المجتمع الواعي و المرفه الذي يصبح من العمق الفكري بحيث يعد السارق في حكم المجانين... هذا المجتمع يحتاج إلى هذا المفهوم أيضا، بل هو مطبق له تطبيقا كاملا، و إلا لم يصبح السارق مجنونا و لكان قد أحسن صنعا في نظر الناس. و ليس معنى التطبيق الكامل لبعض القضايا أو الأحكام، أن تصبح تلك القضية خالية من المعنى. نعم، حاجة الناس إلى الوعظ و التنبيه تكون منتفية، لأنهم ملتفتون إلى ذلك دائما، إلا أن ذلك لا يعني كذب القضية أو سفاهتها، بشكل من الأشكال.

- 2 - و إذا تم لنا الشعور الانساني بقيمة معينة لقضية واحدة أو قضيتين، الذي هو معنى حكم العقل العملي باصطلاح المناطقة... أمكن القول بوجود عدة قضايا يشعر بها الانسان بنفس المستوى.

و لئن كان الشعور العملي عند الانسان البدائي قليلا، لبساطة الحياة... فإن هذا الشعور ينمو بنمو الحضارة و المدنية الانسانية، لوضوح أن الحياة كلما تعقدت، ازدادت التوقعات الصالحة من الفرد، و ازداد العتب عليه كلما خالف هذا الشعور الانساني العام.

و معه يصبح مجموع القضايا التي يمثلها الشعور العملي البشري كبيرا يمثل «علم الأخلاق» و يمثل العدالة بمفهومها «الميتافيزيائي»!! المطلق.

ص:150

فإننا نشعر الآن بوضوح برداءة السرقة سواء كانت الملكية موجودة أو لا و سواء كان الاختصاص موجودا أو لا، بل سواء كان الانسان موجودا أو لا معنى هذه القضية: لا تسرق: انه كلما اختص فرد بشيء كان سلبه منه عملا رديئا. و صدق هذه القضية لا يتوقف على وجود فرد معين أو اختصاص معين أو ملكية معينة. و هذا هو معنى الاطلاق في صدق القضية.

- 3 - و بهذا نستطيع أن نفرق بين العرف و التقاليد من ناحية و بين الشعور العملي عند الانسان، مع أن كليهما يمت إلى السلوك بصلة.

و ذلك: ان الشعور العملي يعم الاعتقاد بصحته كل البشر الأسوياء.

و أما العرف و التقاليد، فهي تختص بمجتمع معين دون مجتمع. و لا توجد هناك تقاليد متفق عليها بين البشر.

كما أن الشعور العملي عند الانسان يتصف بالاطلاق، بالمعنى الذي ذكرناه و أما التقاليد، فلا تتصف بهذا الاطلاق، و إنما هي ردود فعل معينة يتسالم عليها مجتمع معين طبقا لمصالحه و فهمه للحياة.

نعم، قد يكون سلوك الأفراد في المجتمع مركبا من الشعور العملي و التقاليد، بل هو في الأغلب، كذلك، لوضوح أن المجتمع كما يطبق تقاليده الخاصة به، يطبق الآراء العقلائية أيضا أعني الشعور العملي، كلاهما تطبيق تلقائي.

و من هنا نعرف أن التقاليد ليس لها قيمة حقيقية، بل ان المجتمع في طريق تربيته ينبغي أن يستغني عنها تدريجيا، بخلاف الشعور العملي فإنه ذو قيمة حقيقية، و لا بد أن تستهدف التربية العادلة رسوخها و تعميقها في أذهان الناس.

- 4 - و بذلك أيضا نستطيع أن نفرق بين الشعور العملي و القانون فإن الشعور العملي يتصف بالتسالم و العمومية بين الناس، بخلاف القانون، فإنه في أصل تشريعه شعور شخصي للمقنن بأن هذه المادة أو القضية أو السلوك على الطريقة المعينة، مطابق للمصلحة، حسب فهم المقنن للكون و الحياة... دون أن يكون متسالما عليه بين الناس، و قد لا يكون واضح

ص:151

المصلحة في أذهانهم أيضا.

- 5 - و بهذا نعرف أن الماركسية أصابت حظا من الصواب، حين قالت بتأخر وجود القانون في البشرية، و حين رأت تأخر الشعور العملي عن وجود البشرية.

و لكنها أخطأت في عدة نقاط أهمها نشوء الشعور العملي من مرحلة معينة من مراحل وسائل الانتاج. فقد عرفنا أصالته و عمقه في الادراك الانساني، و عدم استناده إلى ذلك. نعم هو مستند إلى درجة من درجات الوعي البشري في تقييم الأشياء، و هو أمر آخر غير وسائل الانتاج.

كما أخطأت في الاعتقاد في أن القانون ناشئ من العرف، فإن العرف هو بعض مصادر القانون و ليس مصدره الوحيد. فإن القضايا العرفية وحدها لا تكفي لأن تشكل قانونا، كما هو واضح، لقلة ما تسالم عليه العرف من «القضايا» و الحاجة إلى قضايا قانونية كثيرة لتدبير أمور الناس... من ناحية. و وجود عدد من القضايا الخاطئة عرفا لا يمكن صياغة القانون منها.

كما أخطأت في الاعتقاد بأن القانون ممثل للعدالة المطلقة باستمرار، كما حاولت الماركسية أن تفهمه من اتجاه خصومها. فإن هذا ليس بصحيح، و كيف يصح مع وجود التضارب و الاختلاف بين المقننين باستمرار. و إنما القانون إذا اتفقت قضاياه الأساسية و أصوله الموضوعية مع الشعور العملي العام، كان عادلا، و إلا لم يكن عادلا.

إذن، فعدالة القانون شيء جدي يمكن حسابه بشكل دقيق، و لا يمكن أن تكون مادتان قانونيتان متهافتتان في المضمون عادلتين في نفس الوقت، و ان اعتقد واضع هذه المادة و واضع الأخرى، بعدالة ما وضعه.

و من هنا نفهم - أيضا - خطأ الاعتقاد الماركسي، بأن اختلاف المقننين و اختلاف علماء الأخلاق في جملة من القضايا، يدل على عدم وجود العدالة المطلقة. فإننا بعد أن برهنا على وجود الشعور العملي في البشرية، نستطيع أن نفهم أن الاختلافات في واقعها تطبيقات خاطئة لذلك الشعور العملي. و إن واحدا معينا من الآراء في كل مسألة هو الصحيح، و الباقي خاطىء لا محالة.

ص:152

كما ان تطور الشعور العملي خلال تاريخ البشرية، لا يدل أيضا على عدم وجود العدالة المطلقة، كما تريد الماركسية أن تقول. فإن هذا التطور صحيح ضروري تبعا لتطور الفهم البشري العام للكون و الحياة و ازدياده تدريجا، و كلما ازداد الفهم ازدادت التوقعات العملية كما أشرنا. كل ما في الأمر أن الذهن الضيق الموجود في العصر القديم، لا يدرك من القضايا العملية إلا بعدد قليل و من زوايا معينة. في حين أن الذهن المتفتح و المعمق الادراك، يستطيع أن يلم بالقضايا العملية من مختلف زواياها و خصائصها.

إذن فتطور البشرية يوجب تطور الادراك العملي و ازدياد توقعات تطبيقها، كفرسي رهان.

هذا، و إن الاختلاف في الادراك العملي بين المقننين، لا يعني اختلاف الشعور العملي العام، فإن دافع القانون، يتأثر لا محالة بعدة عوامل ليس كلها عقلية أو عامة، بل فيها الشعور العاطفي الشخصي أو الحزبي أو المذهبي أو القومي أو غير ذلك، مما يكون مانعا عن اتباع العدالة المطلقة و الشعور العملي العام، مما يجعل المقنن - في واقعه - منحرفا عن العدالة المطلقة و عاصيا لها.

و من هنا نفهم مزية من أهم المزايا للتشريع الالهي عن التشريع الوضعي. فإن المقنن الوضعي يتأثر بتلك العوامل بالضرورة، و بمقدار تأثره يبتعد عن مصلحة المجتمع و العدالة المطلقة، بخلاف المشرع الالهي، لوجود الحكمة المطلقة لديه، و عدم صدق المصالح الضيقة في حقه، كما هو واضح. و سوف لن يكون هذا الرأي غريبا علينا بعد أن برهنا على وجود الخالق المدبر للكون فيما سبق.

- 6 - و هنا، بعد أن تكلمنا عن العدالة، لا بد أن نفرز الأخلاق بكلمة:

ان الشعور العملي العام هو الأساس للعدالة في القانون و الأخلاق معا. و من هنا يصطلح على قيمة السلوك القانوني و غير القانوني بالقيمة الأخلاقية.

و الأخلاق بهذا المعنى تحدد و تقيم السلوك عموما. في كل أشكال العلاقات الخاصة و العامة، فتعطي لعدد من الأفعال شكل الالزام و لبعضها شكل الرجحان و كذلك في جانب الترك و الارتداع. غير أن جانب

ص:153

(الاباحة) و التخيير في الأفعال موجود فيها أيضا على نطاق غير قليل. و من هنا لم تصلح القضايا الأخلاقية وحدها أن تكون رصيدا لقانون متكامل.

لكننا إذا فهمنا من الأخلاق ما يفهمه الناس عادة من كونها عبارة عن آداب المجاملة و حسن الصحبة في العلاقات... فالأخلاق بهذا المعنى لا تمثل - دائما - الشعور العملي العام. بل هي كالقانون، تنشأ من هذا الشعور تارة و من المصالح الشخصية أو المذهبية أو الحزبية أو القومية أحيانا، كما تنشأ من التقاليد و من الخرافات أحيانا أخرى. و هي لا تكون على صواب ما لم تنشأ من الأساس العام الذي تبتني عليه الأخلاق بالمعنى الأول.

و من هنا ينشأ التسيّب و الانحراف في المجتمعات، فيحترم من لا يستحق الاحترام و يحتقر من لا يستحق الاحتقار، و يؤخذ البريء بذنب المجرم، و يتباطأ الناس في قضاء حاجة المحتاجين، بل لا يبقى للانسان قيمة، و تكون المصلحة الضيقة أعلى من كل قيمة، إلى آخر قائمة الظلم و الانحراف.

و المعنى الأول للأخلاق (مطلق) الصحة غير قابل للتبدل، و ان أوضح دليل وجداني عليه، هو تسالم البشر على صدق القضايا الأخلاقية الأساسية، لا يختلف فيه جيل عن جيل و مجتمع عن مجتمع و طبقة عن طبقة. بخلاف القسم الثاني فإنه يختلف بالضرورة اختلافات شاسعة بين البشر.

و هذه هي الأخلاق التي ذكرها انجلز و جعل اختلافها دليلا على عدم صدق الأخلاق صدقا مطلقا، كما سمعنا. و هي لعمري ليست بمطلقة، بل و لا صادقة بالمرة، ما لم تعد إلى القضايا الأساسية التي لا يمكن أن ينالها كلام انجلز و غير انجلز بأي سوء.

- 7 - و أما رأي الماركسية في الفلسفة و العلوم عموما، الذي ذكرناه، في الفقرة الثامنة من المفهوم الطبقي الماركسي. فهو بشموله و عموميته يعتبر طعنا في العلوم كلها، و إدخالها في بوتقة ضيقة: طبقية و حزبية و مصلحية، توجب الشك في معطيات كل الفلسفات و العلوم و عدم الوثوق بمطابقة أي شيء منها للواقع، بما في ذلك الفلسفة الماركسية نفسها.

ص:154

و من هنا لم يكن هذا الرأي من الماركسية قابلا للنقاش... لوضوح أن طعنها في العلوم هو طعن حزبي و مصلحي من وجهة نظرها نفسها...

كما أن المناقشة في ذلك ستكون حزبية و مصلحية و طبقية بطبيعة الحال.

لا يبقى مع الماركسية إلا استفهام واحد، و هي أنه كيف يستطيع مفكروها الجزم بنتائج الأبحاث العلمية فيزياوية أو تاريخية أو اقتصادية أو غيرها، كما تطفح كتبهم بذلك. مع أنهم يأخذون نتائجها من أناس آخرين هم بدورهم طبقيون و مصلحيون و غير موضوعيين. كيف تتوقع الماركسية أن تقنع الآخرين مع أنها تقول لهم ضمنا: ان آرائي مصلحية و طبقية و حزبية و ليست موضوعية. كما أن نظر الآخرين إليها سوف يكون متصفا بنفس الصفة، فمن المنطقي أن يبتعد الناس عن القناعة المطلوبة للماركسية.

و الذي يهون الخطب، ان هذا التهوين من قيمة العلوم، سيصيب الماركسية أولا، باعتبار اعترافها لنفسها بهذه القيمة الضئيلة. و أما غيرها من العلوم و الفلسفات، فسوف لن يصيبها ضرر لأن تقييمها غير منحصر بآراء الماركسيين بطبيعة الحال. و ان الرأي العام في العالم يرى في العلوم و الفلسفات غير ما ترى الماركسية، فيمكنه أن يعطيها قيمتها الواقعية.

ص:155

الهيكل الأساسي للمادية التاريخية

التكوين العام

اشارة

- 1 - قسمت الماركسية عصور التاريخ البشري إلى أقسامها المشهورة عنها.

و هو ليس تقسيما عقليا جديا، بل هو التزام بما نقل التاريخ من ذلك.

قال ستالين:

«و لقد سجل التاريخ خمسة أنواع أساسية لعلاقات الانتاج: المشاعية البدائية، الرق، النظام الاقطاعي، النظام الرأسمالي، و النظام الاشتراكي»(1).

و قد كان وجود النظام الاشتراكي تاريخيا صحيحا، عند ما كتب ستالين هذه العبارة، إذ كانت روسيا قد بدأت فعلا بتطبيق النظام الاشتراكي، تحت حكم لينين ثم ستالين نفسه. و أما الجيل الأسبق، فيكون اطلاعه على وجود العهد الاشتراكي متعذرا.

و لو كان التاريخ قد سجل عهدا آخر، أو عهودا أخرى أو سجل العهود بشكل آخر في التقديم و التأخير، لكان للمادية التاريخية موقف آخر غير ما عهدناه.

- 2 - و قد بدأت الطبقية في المجتمع مع بدء عصر الرق، و لم يكن لها وجود في عصر المشاعية البدائية، و بقيت سارية المفعول إلى العصر الرأسمالي و ستزول في عصر الاشتراكية.

و كذلك الحال في الملكية الخاصة، و الدولة تماما، في اعتقاد

ص:156


1- (1) المادية الديالكتيكية: ستالين. ص 48.

الماركسية.

قال كوفالسون:

«و قد أدت جميع هذه العوامل إلى انحلال الجماعة البدائية و إلى تفسيخ العلاقات القائمة على المساواة البدائية. و دخلت القوى المنتجة الجديدة في تناقض مع علاقات الانتاج القديمة. و محلها حل المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة، و مع استثمار الانسان للانسان»(1).

و قال برنامج الحزب الشيوعي السوفييتي:

«الشيوعية هي نظام اجتماعي لا طبقي تقوم فيه الملكية الواحدة للشعب على وسائل الانتاج»(2).

و قال ستالين:

«و في النظام الاشتراكي... تؤلف الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج أساس علاقات الانتاج»(3).

و قال انجلز:

«فالدولة إذن غير موجودة منذ الأزل. لقد كانت ثمة مجتمعات تدبر أمرها بدونها، و لم تكن لديها أية فكرة عن الدولة و عن سلطة الدولة. و في مرحلة ما من التطور الاقتصادي كانت مرتبطة بحكم الضرورة بانقسام المجتمع إلى طبقات، جعل هذا الانقسام الدولة ضرورة. و اننا الآن لنقترب بخطوات سريعة من مرحلة تطور الانتاج لم يقتصر الأمر معها على كون وجود هذه الطبقات لم يعد ضرورة، بل ليغدو عقبة مباشرة في طريق الانتاج. و لسوف تسقط هذه الطبقات، بمثل الحتمية التي انبثقت بها في الماضي، و تسقط الدولة معها لا محالة»(4).

و لم ينتقل المجتمع من الاقطاع إلى الرأسمالية مباشرة، بل مر بمرحلة صناعية صغيرة و بدائية، تسمى بالحرفية أو العهد الحرفي. و قد يكون هذا العهد شاملا - بنحو و آخر -: العهد المانيوفاكتوري، و هو القائم على أساس تعاون الحرفيين تحت إشراف واحد، من أجل إنتاج مشترك. و اللفظة مأخوذة من النص الاوروبي الذي يعني «مصنع».

قال ستالين بصدد تعداده لتطور وسائل الانتاج:

ص:157


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون ص 125.
2- (2) المصدر ص 142.
3- (3) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 53.
4- (4) أصل العائلة، لانجلز ص 229.

«و انفصال الحرف عن الزراعة، و تطور الحرف المستقلة أولا، ثم المانيوفاكتورة، فيما بعد. ثم الانتقال من أدوات الانتاج إلى الآلة، و تحويل الانتاج الحرفي المانيوفاكتوري إلى صناعة قائمة على الآلة»(1).

فإذا عرفنا أن الزراعة تعني في هذه اللغة: الاقطاع. و الآلة تعني النمو الرأسمالي... عرفنا أن العهد الحرفي و العهد المانيوفاكتوري، يقع بين الاقطاع و الرأسمالية.

و قال كوفالسون في صدد حديثه عن الفترة الأخيرة من الاقطاع:

«و لكن الانتاج الحرفي الذي كان قد بلغ في مرحلة ازدهار الاقطاعية درجات متفاوتة من الرقي و الكمال. لم يكن يلبي الطلب المتناهي بلا انقطاع، لأن الامكانيات التي كان يوفرها لأجل توسيع الانتاج كانت محدودة للغاية.

و قد استتبعت حاجات السوق ظهور قوة منتجة جديدة هي التعاون و المانيوفاكتورة.

... فعلى نقيض الحرفة، تقوم المانيفاكتورة بتقسيم مفصل للعمل عند إنتاج سلعة من السلع. صحيح، ان الأدوات الحرفية تبقى القاعدة التكنيكية للمانيفاكتورة، إلاّ أن تقسيم عملية الانتاج العامة إلى عمليات جزئية في غاية البساطة قد أدى إلى ازدياد انتاجية العمل ازديادا ملحوظا. و خلق بالاضافة إلى المقدمات لأجل الاستعاضة عن عمل الانسان بحركة العاملة. و بذلك هيأ تطوّر المانيفاكتورة الشروط و الظروف لأجل ظهور الانتاج الآلي»(2).

- 4 - و تنقسم الرأسمالية - في وجهة النظر الماركسية - إلى ثلاثة أقسام:

يمثل المرحلة الأولى منها التراكم الأولي لرأس المال، أو البرجوازية الصغيرة و المتوسطة. و تمثل المرحلة الثانية منها: الرأسمالية التنافسية، و هي القائمة على الاشتراك في الفرص من خلال السوق الحرة. و تمثل المرحلة الثالثة منها: الاحتكارية، و فيها تندر فرص الربح الرأسمالي لغير الاحتكاريين و يضطر المجتمع إلى الانصياع إلى تحكم الاحتكاريين اقتصاديا و سياسيا.

و يميل الكتّاب الماركسيون المحدثون إلى أن المرحلة المعاصرة من الرأسمالية، هي المرحلة الاحتكارية، و إن لم يعاصرها ماركس و انجلز و لم يتحدثا عنها.

ص:158


1- (1) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 49.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون ص 132.

و لا حاجة الآن إلى الاستشهاد بكلام الماركسيين، بعد أن كان العزم على بسطه تفصيلا في المستقبل.

- 5 - و تنقسم الاشتراكية أيضا إلى ثلاثة أقسام: تمثل المرحلة الأولى منها، مرحلة الاعداد للاشتراكية عن طريق دكتاتورية البروليتاريا. و أما المرحلة الثانية فهي الطور الأول من المجتمع الشيوعي، كما اصطلح ماركس، و هي الاشتراكية بالمعنى المشهور، المقابل للشيوعية العلمية.

و أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة الطور الأعلى أو المجتمع الشيوعي الذي تطبق فيه القاعدة القائلة: من كل حسب طاقته و لكل حسب حاجته.

و تنتفي فيه الدولة، و يزول الصراع الطبقي، إذ لا يكون في المجتمع إلا طبقة واحدة، و هي المرحلة الأخيرة من عهود المادية التاريخية، و من تاريخ الانسانية أيضا!!..

و سيأتي تفصيل كل ذلك في مستقبل البحث.

- 6 - ينتج من كل ذلك: أن الماركسية، و إن كانت تعتقد أن التاريخ البشري منقسم إلى خمسة أقسام، هي الأقسام المشهورة التي أسلفناها. إلا أنها في نفس الوقت تعتبر هذه المراحل رئيسية، و تعتقد بمراحل أخرى، أكثرها ضمني، غير رئيسي تصل بالسلسلة إلى احدى عشرة مرحلة... تبدأ بأول وجود المجتمعات البشرية و تنتهي بمرحلتها العليا.

فإذا أضفنا إلى ذلك تاريخ ما قبل وجود المجتمعات، حين كان يعيش الانسان القديم منفردا أو في جماعات صغيرة متفرقة... كانت الأقسام اثني عشر كما يلي:

أولا: مرحلة ما قبل تكون المجتمعات.

ثانيا: الشيوعية البدائية.

ثالثا: عهد الرق.

رابعا: عصر الاقطاع.

خامسا: الانتاج الحرفي.

سادسا: الانتاج المانيوفاكتوري.

ص:159

سابعا: التراكم الأولي لرأس المال.

ثامنا: الرأسمالية التنافسية.

تاسعا: الرأسمالية الاحتكارية.

عاشرا: دكتاتورية البروليتاريا.

حادي عشر: الطور الاشتراكي الأول.

ثاني عشر: الطور الشيوعي الأعلى.

و كل هذه التطورات موكولة إلى تطور وسائل الانتاج، و مقترنة بشكل معين لعلاقات الانتاج، و موجبة لا يجاد مستوى فكري و سياسي و طبقي معين يختلف عن سابقه و لا حقه.

و تعتقد الماركسية أن هذه التطورات ضرورية خارجة عن اختيار الانسان، و عن وعيه... لا يستثنى من ذلك إلا العهد الاشتراكي بأقسامه الثلاثة، فإن الحزب الماركسي - اللينيني هو الذي يقود البشرية عن وعي و عمد إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية. و لا يمكن أن تحدث هذه المراحل الأخيرة تلقائيا، كما حدثت المراحل السابقة عليها. و سنسمع تصريحات الماركسيين عن ذلك عند الحديث المفصل عن هذه المراحل.

- 7 - و هذه النظرية، ذات أسلوب مطاط في التطبيق، لا تنطبق على شكل واحد في كل الأزمنة و الأمكنة.

«لأن هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهات عامة، تطبق مثلا في بريطانيا على غير ما تطبّق في فرنسا، و في فرنسا على غير ما تطبّق في ألمانيا، و في ألمانيا على غير ما تطبّق في روسيا»(1).

فإذا وجدنا أن بعض البلدان قد انتقل إلى الرأسمالية دون الباقي أو إلى الاشتراكية دون الآخرين. أو إذا وجدنا أن أحد العهود قد طال في بعض البلدان أو إذا كان تطبيق أحد العهود أعمق من البعض الآخر، فلا ينبغي أن نتعجب من ذلك، من أجل هذا السبب.

فإن هذه النظرية تهمل التفاصيل، و هي قابلة للانطباق على كل الأشكال الاجتماعية. كما انها تهمل عنصر الزمن و لا تحدد تاريخا معينا لأي عهد من العهود. و إنما التحديد التاريخي يعود إلى الوضع الخاص بكل مجتمع.

ص:160


1- (1) مختارات لينين: ج 1 ص 44.
نقد التكوين العام للمادية التاريخية

- 1 - لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية بمرور البشرية ردحا طويلا من الزمن بعصر بدائي، يبدأ بما قبل تكوّن المجتمعات، و ان المجتمعات و الأفكار و الأساليب تكوّنت تدريجا، و لا زالت البشرية في مجال التطور و الرقي.

إلا أن النقاش ينطلق بعد ذلك، من عدة نقاط:

النقطة الأولى: ان الماركسية مسئولة عن الجواب على هذا السؤال، و هو أن هذه التطورات خلال العهود التاريخية الخمسة، هل هي ضرورية أم لا.

مقتضى التكوين النظري الماركسي، هو كونه ضروريا، مقترنا اقترانا قهريا بتطور وسائل الانتاج. و معنى ذلك: أننا لو فرضنا أن مجتمعا بدائيا خلق في الأرض من جديد، لأمكن أن نتنبأ بمروره بنفس هذه العهود الخمسة من دون أن يمكنه التخلف عن ذلك. كما لا يمكن لوعي ذويه أو أية سلطة داخلية أو خارجية أن تغيّر من ذلك.

و لكن مقتضى عبارة ستالين التي نقلناها في الفقرة الأولى من «التكوين العام» أن هذه العهود الخمسة يستند تحديدها إلى النقل التاريخي صرفا. فلو كان التاريخ قد سار في كل العهود أو بعضها على شكل آخر، لما كان للماركسية أي مانع في أن تقول: أن وسائل الانتاج تطور المجتمع على الشكل «ب» لا الشكل «آ» بخلافه على الوجه الأول، فان تغير سير التطور المادي للتاريخ يكون مستحيلا.

و طبقا للوجه الأول - أيضا - يستحيل أن يمر قسم من البلدان بشكل من التطور. و يمر قسم آخر بشكل آخر منه. بمعنى ضرورة مرور كل البشرية 11

ص:161

بهذه العهود الخمسة، و ان اختلفت في التفاصيل.

و حيث أن الوجه الأول، هو المطابق للنظرية الماركسية الأصلية، و للتأكيدات في كلمات الماركسيين على التطور الضروري للمجتمع، و الخارج عن وعي الناس و إدراكهم. فإذا وجدنا بعض البلدان تختلف عن البعض الآخر، أو تتخلف عن بعض العهود - كما سنسمع بعد ذلك - إذن نعرف أن الماركسية قد فشلت في تفسير التاريخ، كما تريده من العمومية و الشمول.

النقطة الثانية: ان نظر الماركسية مركّز باستمرار نحو أوروبا، أوروبا فقط، انطلاقا من اللاشعور الاوروبي القائل: بأن الانسان هو الانسان الأوروبي و غيره هباء في شبك. إذن فلا ينبغي أن يعتني بماضي الناس أو حاضرهم أو مستقبلهم إلا إذا كانوا أوروبيين، أو يعود عليهم بالفائدة.

و لا ينبغي أن ننسى كلمة لينين التي سمعناها قبل قليل: ان هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهية عامة، تطبّق مثلا في بريطانيا على غير ما تطبّق في فرنسا، و في فرنسا على غير ما تطبّق في ألمانيا، و في ألمانيا على غير ما تطبّق في روسيا. و هذه الدول كلها أوروبية.

و لا زلنا نذكر أحلام انجلز و ماركس التي حامت حول تطبيق الشيوعية في انكلترا و المانيا قبل روسيا، و قد فشل هذا الحلم، و كذّبه الواقع. و هذه كلها دول أوروبية أيضا. ان تفكير الرجل الاوروبي بما فيهم لينين و انجلز و ماركس، يدور في بوتقة أوروبية مغلقة، و لا يخطر في ذهنه إلا أسماء الدول الأوروبية، كأنها الوحيدة الوجود في العالم.

إذا التفتنا إلى ذلك، فقد يكون صحيحا أن ندّعي أن أوروبا مرت فعلا بهذه العهود الخمسة، على أن يكون هذا الحكم غالبا غير مستوعب، و مهملا من التفلسف و ذكر الأسباب، و يبقى مع ذلك، قابلا للمناقشة، على ما سيأتي.

إلا أننا لو نظرنا إلى خارج أوروبا، فقد نجد التاريخ يسير على خلاف ما سار في أوروبا، و بالتالي على خلاف ما تريده المادية التاريخية.

فالشرق الأوسط عموما لم يمر بعهد إقطاعي مشابه لأوروبا، و ان كانت هناك ملكيات للأرض غير قليلة... إلا أنها لا تبلغ إلا نسبة ضئيلة مما كان

ص:162

عليه الاقطاع الاوروبي. و لم يكن يتصف بنفس المعاملة الوحشية مع الفلاّحين، لوجود الفوارق النفسية و الدينية و الاجتماعية بين المنطقتين.

كما أن الشرق الأوسط لم يمر بعهد رأسمالي كالعهد الذي مرت به أوروبا و لم يكن فيه إنتاج آلي ضخم و لا توزيع على نطاق عالمي، كما هو معلوم.

نعم، مر الشرق الأوسط في عهود قديمة، بعهد الرق ردحا طويلا من الزمن. و لكنه تحوّل إلى عهد جديد لا يشبه شيئا مما ذكرته الماركسية من العهود، هو عهد «الاسلام» و بخاصة في صدر الاسلام و الخلافة الأولى.

و الصين الشعبية انتقلت من الاقطاع إلى الاشتراكية، و أهملت بالمرة عهد الرأسمالية الرئيسي، و كذلك عدد من البلدان الاشتراكية بما فيها الاتحاد السوفييتي نفسه، و قد اعترفت بذلك المصادر المتأخرة، كما سيأتي فيما بعد.

النقطة الثالثة: إن البشرية بدأت بمرحلة بما قبل المجتمعات... ثم بدأت المجتمعات تحدث تدريجا، فهل كان هذا الحدوث ناشئا من الوجود الطبقي إن الطبقية لا معنى لها بدون مجتمع بطبيعة الحال. و لكن إذا كان كل تطور مستندا إلى الوجود الطبقي، كما تريد الماركسية أن تقول، إذن فلا يمكن أن يحدث التطور في البشرية الأولى... مع انها قد تطورت فعلا.

و قد تقول الماركسية: ان حدوث المجتمعات مستند إلى تطور وسائل الانتاج، لا إلى الوجود الطبقي. و هذا التطور كان موجودا في ما قبل المجتمعات.

و جوابه ان هذا غير صحيح لوجهين:

الوجه الأول: إن الماركسية عوّدتنا أن تسند التطوّر العام إلى تطوّر وسائل الانتاج بشكل غير مباشر. و إنما تطورها يوجب تطوّر علاقات الانتاج، و هذا التطوّر يوجب بدوره تطور الشكل الطبقي للمجتمع، و هذا الأخير يوجب تطور سائر ظواهر المجتمع. فكيف انقطعت هذه السلسلة، و أصبح التطور مستندا إلى وسائل الانتاج مباشرة. إن هذا لا يمكن أن يكون مفهوما من زاوية قواعد المادية التاريخية. و إذا أمكن التطوير المباشر للانسان، فلما ذا لم تلتزم به الماركسية دائما... هل اختلفت قوة وسائل

ص:163

الانتاج بعد تطوّر المجتمعات؟! -. و إذا لم يمكن التطوير المباشر فكيف حدث ذلك في مورد حديثنا في الانسان قبل وجود المجتمعات.

الوجه الثاني: إنه بعد التنزل - جدلا - عن الوجه الأول، و افتراض أن الماركسية تختار التطوير المباشر لوسائل الانتاج. فهذا يعني أننا ينبغي أن نجزم بحدوث التطور في وسائل الانتاج قبل حدوث المجتمعات، لتكون المجتمعات قد حدثت عقيبه.

إن وجود اليد وحدها، غير كاف في ذلك، لأنها وجدت مع الانسان، و لم توجد المجتمعات إلا بعد أمد طويل، تتعذر النسبة إليها فيه.

فينبغي أن نفحص عن وسيلة الانتاج أخرى... و كل وسيلة لاحظناها - بما فيه استعمال الحجر - لا يوجد دليل تاريخي على تقدمها على تكون المجتمعات. ما لم تقل الماركسية أن مقتضى قواعد المادية التاريخية هو ذلك، فيصبح مستنتجا منها لا دليلا عليها كما هو المطلوب الآن.

هذا و يمكن القول أن استعمال الحجر و نحوه، ليس تطورا في وسيلة الانتاج، و إنما التطور كان نتيجة لعمل إنساني كتركيب الحجر على المقبض ليصبح فأسا مثلا. و إذا صح ذلك، لم يكن وجود التطور إلا في مجتمع بطبيعة الحال، لأن الاختراع و الاكتشاف لا يكون إلا في مجتمع. و معه يكون وجود التطور في العصر السابق على المجتمعات متعذرا... و معه يتعيّن أن يكون هذا التطور الانساني الذي هو وجود المجتمعات غير مستند إلى تطوّر وسائل الانتاج.

- 2 - إن تطور البشرية من المجتمع الشيوعي البدائي إلى عصر الرق، لم يكن مستندا إلى الوجود الطبقي، لفرض اعتراف الماركسيين بعدم وجود الطبقات في المجتمع البدائي. فإذا كان كل تطور مستندا إلى الوجود الطبقي، و غير مستند إلى وسائل الانتاج مباشرة، كما عرفناه مطابقا لقواعد المادية التاريخية و تصريحات الماركسيين. إذن فتطور المجتمع البدائي إلى الرق، لا يكون مطابقا لتلك القواعد.

- 3 - إن الماركسية ربطت بين وجود المجتمع البدائي، و بين عدم وجود

ص:164

الطبقية من ناحية و عدم وجود الملكية الخاصة من ناحية أخرى. مع أن كلا الأمرين يمكن وجودهما في ذلك المجتمع.

إن المجتمع البدائي - على الأقل - كان يشعر بأهمية الأب و الجد و سيطرتهما على ذريتهما، أو - على الأقل أيضا - إن ذلك قد حدث قبل وجود الرق بزمن طويل. و هذا يعني تحقق الوجود الطبقي في المجتمع. فإن طبقة الآباء أعلى و أكبر من طبقة الأبناء لا محالة.

كما أن المجتمع البدائي، مهما كان التوزيع الاقتصادي فيه بدائيا و مشاعا، كما تريد الماركسية أن تقول... إلا أن هناك أشياء - بلا شك - مستندة إلى الفرد و مختصة به، يشعر بالغبن عند سيطرة الآخرين عليها، و انخرام مصالحه الشخصية في ذلك، لا أقل من وجبة طعامه أو ثيابه أو سلاحه، مهما كانت هذه الأمور بدائية.

كما أن الاشاعة في الملكية، هي سيطرة جماعة محدودة على كمية من المتاع كالطعام أو السلاح مثلا. و هذه الجماعة ترفض بطبيعة الحال سيطرة جماعة أخرى على أموالها(1)، و هذا يعني وجود الملكية الخاصة في حدود الجماعة. فإن فكرة الملكية الخاصة لا تعني استنادها لفرد واحد، بل قد تكون مشتركة بين متعددين.

إذن، فالملكية الخاصة، كانت موجودة أيضا في المجتمع البدائي، و لم يكن هذا المجتمع شيوعيا، كما تريد الماركسية أن تقول. و سنبحث ذلك أيضا عند التعرض إلى ذلك المجتمع.

و من هنا نستطيع أن نعجب للتشكيك الذي ذكره انجلز في ملكية ابراهيم الخليل عليه السلام لقطعانه، حيث قال:

«و من العسير القول ما إذا كان موسى مؤلف ما يسمّى بالكتاب الأول، قد اعتبر البطريرك ابراهيم مالكا لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية، أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة»(2).

بالرغم من أن ابراهيم عليه السلام كان يعيش في منطق الماركسية، في

ص:165


1- (1) و هذا ما يحدث بين مجتمعين بدائيين لو أراد أحدهما السيطرة على الآخر. و قد يحدث في داخل المجتمع الواحد، و لو نادرا.
2- (2) أصل العائلة: انجلز ص 67.

عهد الرق، و لا شك في وجود الملكية الخاصة في ذلك العهد. مضافا إلى ما ذكرناه من وجود الملكية في المجتمع البدائي، لو كان مجتمعه بدائيا.

- 4 - و هل الملكية الخاصة مستلزمة لاستثمار الانسان للانسان، كما قالت الماركسية، أم لا؟!..

إن الملكية الخاصة شيء، و استثمار الانسان للانسان شيء آخر، قد يقترنان و قد يفترقان.

قد تكون الملكية الخاصة مقترنة مع هذا الاستثمار الشنيع، كما يحدث في عصور الرق و الاقطاع و الرأسمالية و عصر دكتاتورية البروليتاريا، بالنسبة إلى غيرهم من «الرجعيين» و «أعداء الشعب و التقدم».

و قد تكون الملكية الخاصة موجودة بدون استثمار الانسان للانسان، كما لو تعهد أفراد المجتمع أو القانون السائد أن لا تنتقل الملكية من شخص إلى آخر، إلا برضائه و طيب قلبه، بحيث يلتزم ببطلان كل أسلوب معاملي يفقد هذا العنصر الهام، مع سد الفرص تماما أمام أي استغلال أو تحكم، كما هو الحال في القانون الاسلامي، كما هو غير خفي لمن راجعه.

كما قد يكون استثمار الانسان للانسان موجودا و لا تكون الملكية الخاصة موجودة. و ذلك - بكل بساطة - في المجتمع الشيوعي (بصورته البدائية على الأقل). فإن المتاع حين يكون مشاعا و لا يكون هناك جهاز حاكم، فقد يخطر في ذهن الأقوياء الأذكياء أن يحوزوا لأنفسهم أكثر من الآخرين، و هذا هو الاتجاه الذي ولّد مجتمع الرق في نهاية المطاف، باعتراف الماركسية، و هو اتجاه وجد في العصر السابق عليه لا محالة.

و باختصار، فإن استثمار الانسان للانسان، لا يحدث إلا حين تتحكم الأثرة و الأنانية، و ينعدم التعاطف الانساني، و لا ربط لذلك بالملكية الخاصة بذاتها.

و لكن ما هو الدليل على أن استثمار الانسان للانسان شيء شنيع و قبيح.

إننا لو قلنا بالقيمة الاخلاقية المطلقة للأشياء، فالحكم بالشناعة و القبح على ذلك يكون يسيرا و واضحا، و أما لو قلنا باستناد القيم إلى وسائل الانتاج

ص:166

و الوجود الطبقي، فمن الواضح أننا يمكن أن نقول بكل وضوح: أن كل استثمار مناسب في عهد تاريخي معين هو حسن في تلك الفترة و ليس قبيحا.

فالاسترقاق في عهد الرق لم يكن قبيحا، حتى عند العبيد أنفسهم، و لا القنانة في عهد الاقطاع، و لا العمل في عهد الرأسمالية. و من ثم فاستثمار الانسان للانسان شيء جيد و حسن في مختلف عصور البشرية. و كذلك ليس من القبيح محاربة «أعداء الشعب» في عصر دكتاتورية البروليتاريا، و هي حرب عنيدة و طويلة، كما سيأتي عند الحديث عن هذا العصر.

نعم، يمكن أن تتبدل هذه القيمة إلى الشناعة و القبح في المجتمع الشيوعي النهائي، حين تنعدم الطبقات و يزول النضال الطبقي و الدولة.

فإذا علمنا أن البشرية لم تدخل بعد في الطور الأعلى النهائي، في أية منطقة في العالم، بل ان مناطق العالم الآن موزعة - في منطق الماركسية - بين الاقطاع و الرأسمالية و دكتاتورية البروليتاريا... إذن فلا بد أن نحكم بحسن استثمار الانسان للانسان، و نحن معاصرون لهذه العهود. و يستحيل على أي فرد أن يسبق التاريخ، بما فيهم المفكرون الماركسيون أنفسهم. فكيف حكموا بقبح الاستثمار خلافا لقواعد ماديتهم التاريخية. فإن هذا اما على خلاف اعتقادهم، أو ان هذا الاعتقاد وجد في أذهانهم على خلاف تلك القواعد.

- 5 - و أما الدولة التي اعتقدت الماركسية أنها لم تكن في العهد الشيوعي الأول و ستكون غير موجودة في العهد الشيوعي الأخير.

قال انجلز:

«و المجتمع الذي ينظم الانتاج تنظيما جديدا على أساس اتحاد المنتجين بحرية، و على قدم المساواة، سيرسل آلة الدولة بأكملها، حيث ينبغي أن تكون حينذاك: إلى متحف العاديات بجانب المغزل البدائي و الفأس البرونزية»(1).

و نحن بعد أن عرفنا وظيفة الدولة في المجتمع، و انها تنظم ما لا يستطيع الأفراد تنظيمه... نستطيع أن نعرف تبعا لذلك عدة حقائق.

الحقيقة الأولى: إن وجود الدولة تابع لوجود درجة من التعقيد، تكتسب فيه

ص:167


1- (1) أصل العائلة لانجلز ص 230.

المصالح العامة درجة صعبة لا يمكن للأفراد القيام بها.

الحقيقة الثانية: إن وجود الدولة يكون ضروريا ما دامت الحياة معقّدة، لا تختلف في ذلك عهود التاريخ. و لا يمكن لأي مجتمع مهما كان اشتراكيا أن يسوس نفسه بنفسه بدون دولة أو حكومة. إلا بعض الفروض النّادرة أو غير المشروعة، التي سنشير إليها بعد ذلك.

الحقيقة الثالثة: إن هناك فرقا بين الشيوعية الأولى و الشيوعية الأخيرة، لو سلّمنا بوجوديهما. فانه في الشيوعية الأولى، لم تكن الحياة معقّدة، بل كانت بدائية و بسيطة للغاية، فلم تكن البشرية بحاجة إلى الدولة. و اما في الشيوعية الأخيرة، فالحياة بطبيعة الحال معقّدة، بل هي أكثر تعقيدا من أي عهد مضى، لأنها أكثر حضارة و مدنية و إنتاجا من أي وقت مضى، على ما هو المفروض. و التعقيد تابع لوجود الحضارة و المدنية بطبيع الحال. فكيف يمكن عدم وجود الدولة، و كيف يمكن للأفراد أن يسوسوا المجتمع باستقلالهم.

و لو كان عدم الدولة، مقترنا من التوزيع الشيوعي للمال، و ناتجا منه... لكان القول بعدم الدولة في المجتمع الأول ملازما للقول بعدمها في المجتمع الأخير، كما أرادت الماركسية... لأن صفة التوزيع الشيوعي مشتركة بينهما. إلا أن الأمر - مع الأسف! - ليس كذلك بل هو تابع لدرجة معينة من التعقيد الاجتماعي. و هو متوفر في المجتمع الأخير و غير متوفر في المجتمع الأول، فمن الطبيعي أن يكون المجتمع الأول غير محتاج إلى الدولة، على حين يكون الأخير غير مستغن عنها.

- 6 - و بالنسبة إلى وجهة النظر المادية التاريخية للتطور، لو كان العامل الأساسي فيه هو الوجود الطبقي أو التوزيع غير المتساوي لوسائل الانتاج أو للأرباح... لكان عدم وجود الدولة مشتركا بين المجتمعين الأول و الأخير.

إلا أن الماركسية أ فهمتنا أنها ترى أن السبب الرئيسي هو تطور وسائل الانتاج بالذات، و ان كل مرتبة أو مرحلة معينة من التطور تنتج شيئا معينا أو ظاهرة اجتماعية معينة. و لا معنى للقول بأن مرحلتين مختلفتين من تطور وسائل الانتاج تكونان متصفتين بنفس الظاهرة الاجتماعية.

و هذا ينتج منه نتيجتان مهمتان ماركسيا:

النتيجة الأولى: انه مع اختلاف درجات التطور في وسائل الانتاج من عصر الرق إلى عصر الرأسمالية، كيف يمكن أن تبقى ظاهرة معينة محفوظة و غير متبدلة، هي ظاهرة الدولة. إذ لا معنى لا تصاف مرحلتين من التطور

ص:168

بنفس الظاهرة، كما عرفنا.

و قد يخطر في الذهن: اننا وجدنا عدة استثناءات لهذه القاعدة، أهمها اللغة و غيرها. فلتكن الدولة من هذه الاستثناءات.

و الجواب على ذلك: اننا عرفنا أيضا أن هذه الاستثناءات لا تعني شيئا آخر غير انخرام القاعدة المادية و بطلانها. فلتكن الدولة كذلك.

النتيجة الثانية: إن درجتين من وسائل الانتاج إحداهما في غاية البساطة و البدائية، و الأخرى في قمة التعقيد و التطور، و هما متباعدتان في التاريخ جدا، قد يزيد الفاصل الزمني بينهما على ألفي عام... احداهما في المجتمع البدائي و الأخرى في المجتمع الشيوعي الأعلى... قد اتصفت هاتان الدرجتان من التطور المتباين بنفس الظاهرة، و هي انعدام الدولة. مع أننا عرفنا قبل قليل أنه لا يمكن لمرحلتين من تطور وسائل الانتاج أن تتصفا بنفس الظاهرة. فكيف صح للماركسية الالتزام بذلك؟!!..

و لو انسجمنا مع القواعد الماركسية لقلنا بأن الوسائل البدائية للانتاج تنتج المجتمع الخالي من الدولة، و أما الوسائل المتطورة جدا فتقترن بوجود الدولة. و لا يمكن للتاريخ أن يعود القهقرى بأي حال.

- 7 - قلنا اننا إذا نظرنا إلى خارج أوروبا، لا نجد عهود المادية التاريخية مطبّقة بوضوح، فكذلك لو نظرنا إلى أوروبا نفسها...

فإن أوروبا بشكلها المعاصر منقسمة إلى قسمين: رأسمالي و اشتراكي. أما القسم الرأسمالي، فلم يمر بعهد الاشتراكية، و أما القسم الاشتراكي، فلم يسبق له أن مر بعهد الرأسمالية... و إنما طفر من الاقطاع إلى الاشتراكية، كما قلنا. إذن فعهود المادية التاريخية، غير مطبقة في أوروبا تماما، فضلا عن غيرها.

كما أن عددا من المجتمعات الاوروبية اجتمعت فيه الرأسمالية مع الاقطاع. فقد حدث ذلك في المجتمعين الفرنسي و الالماني، في عصر المانيوفاكتورة الأولى، فان ماركس - على ما سنسمع - يعتبر الانتاج المانيوفاكتوري إنتاجا رأسماليا، مع أنه قد حدث في عصر الاقطاع و بقيا معا ساريي المفعول ردحا من الزمن.

ص:169

و قد حدث أيضا في روسيا القيصرية، قبل الثورة، فانها كانت تحتوي على الاقطاع إلى جنب التجارة الرأسمالية الواسعة، و إن لم تكن على الشكل الآلي الحديث.

أما عن مناصرة عدد من الاشتراكيين مع الرأسماليين و مع المثاليين، فهو حديث الماركسيين الأساسي، ضد أعدائهم من الاشتراكيين، و سيأتي فيما بعد بعض الأمثلة لذلك.

إن كل ذلك، يحدث في أوروبا نفسها على خلاف قواعد المادية التاريخية.

- 8 - و أما الفهرس العام للمادية التاريخية، بعهودها الخمسة، و أقسامها الاثني عشر، فسيأتي التعرض إلى نقد كل منها عند التعرض إلى عرض أوصافها فيما يلي.

إلا أننا الآن نقول كلمة واحدة، و هي أن هذا التسلسل الطويل للمادية التاريخية، ينافي مع القواعد الأساسية الماركسية لتطور التاريخ.

إن الماركسية قالت: إن عهد الرق نقيض العهد الشيوعي البدائي، و عهد الاقطاع نقيض لعهد الرق، و عهد الرأسمالية نقيض لعهد الاقطاع... و تصل البشرية إلى كل عهد، باعتبار التناقض الديالكتيكي المتمثل بالتناحر الطبقي الموجود في العهد السابق عليه.

إن هذا لو سلمناه، فهو صادق بالنسبة إلى تطور المادية التاريخية خلال عهود خمسة لا خلال عهود اثني عشر؛ إن هذا التقسيم الجديد، يواجه - من هذه الجهة - عدة نقاط ضعف.

النقطة الأولى: إن نقيض الاقطاع ليس هو الرأسمالية، بل هو العهد الحرفي، و نقيض العهد الحرفي هو العمل المانيوفاكتوري، و نقيض هذا العمل هو التراكم الرأسمالي الأولي.

إن هذا على خلاف تصريحات الماركسيين - أولا -، حيث قسموا العهود إلى خمسة و حصروا التناقض فيها. كما انه خلاف المبررات المعطاة لتحوّل المجتمع من عهد إلى عهد، و المربوطة بتطور وسائل الانتاج و تغيّر الوجود الطبقي... كما سنعرف. ان الطبقة الجديدة في عهد الاقطاع هم

ص:170

الرأسماليون و ليس الحرفيين.

إذن، فهذه المبررات، غير صادقة في التقسيم الجديد، بل يحتاج المجتمع إلى مبررات جديدة للانتقال من خلال هذه العهود الجديدة.

النقطة الثانية: إن التناقض لو سلّمناه بعد التجاوز عن النقطة الأولى، فإنه إنما يصدق في عهدين ذوي فروق كبيرة كعهد الرأسمالية الاحتكارية مع العهد الذي يليه و هو دكتاتورية البروليتاريا. و لا نسلم وجود التناقض في عهدين متجاورين متجانسين، كالعهد الحرفي و العهد المانيوفاكتوري، و كالرأسمالية التنافسية مع الرأسمالية الاحتكارية، و كالطور الشيوعي الأول مع الطور الثاني. إن هذه العهود متجانسة و متحابة، و ليست متناقضة و لا متضادة، بل يعتبر المتأخر تركيزا و ترسيخا للعهد السابق عليه.

و اختلاف أوصافها لا يبرر إطلاق لفظ التناقض أو التضاد عليها...

و استعمال هذه الألفاظ فيها تمطيط غير صحيح لهذه الاصطلاحات المنطقية أو الفلسفية.

النقطة الثالثة: إن التناقض حين ينتفي بين عهدين متجانسين، لا يمكن الالتزام بأنه ناتج عنه بصورة ديالكتيكية... بل هو ناتج منه بطريقة «سلسة» لا محالة، لأنه ترسيخ و تأكيد له، و ليس نفيا له كما هو واضح.

فمثلا، لو كانت الرأسمالية الاحتكارية نفيا للرأسمالية التنافسية، لأوجب زوال الوضع الرأسمالي بالمرة، و لو كان الطور الشيوعي الثاني نفيا للطور الأول لكان موجبا لزوال الاشتراكية بالمرة، فإن معنى النفي هو ارتفاع النظام الاجتماعي بكل خصائصه، كما صرّحت الماركسية. و إنما لم يوجب نفيه لأنه مترتب عليه ترتبا سلسا، و يعتبر تأكيدا و ترسيخا له، و ليس نفيا له بأي حال.

- 9 - بقيت الفقرة السابعة من التكوين العام، و هي ان النظرية المادية التاريخية تعطي توجيهات عامة و تختلف في التطبيق... غير خالية من المناقشة بالرغم من كونها لطيفة إلى حد كبير. لكنها غير منطبقة على القواعد الماركسية الأخرى.

إن المادية التاريخية و القواعد الماركسية العامة لتطور المجتمع، لا يخلو

ص:171

حالها من أحد شكلين: اما أن تكون حديّة في الانطباق مائة بالمائة، و اما أن لا تكون حدّية.

فإن كانت حدّية تماما، كان تطور المجتمعات على شكل واحد بالضرورة، و يستحيل أن يكون مختلفا بطبيعة الحال. و هذا خلاف الوجدان، فإن الاقطاع هنا يختلف عنه هناك و الرأسمالية هنا تختلف عنها هناك، في عدد من الصفات و الظواهر العامة. و هذا واضح من التاريخ المعاصر و القديم.

و هذا الاعتراض هو الذي تخلص عنه لينين حين قال بأن النظرية ليست حدّية بل تعطي توجيهات عامة فقط.

و لكنه في الواقع، قد وقع في اعتراض أشد، فإن النظرية إن لم تكن حدّية... لم نستطع - أولا - أن نجزم بوجود الطور الشيوعي الأعلى، كما حاولت الماركسية أن تؤكده. بل لم نستطع الجزم بأي تغيير لأن النظرية ستصبح سببا ضعيفا مطّاطا يمكن أن تحول دونه الموانع... فإن أنكر لينين ذلك، كان معناه كون النظرية حدّية ضرورية، و ليست ذات توجيهات عامة فقط.

و ثانيا: ما أشرنا إليه فيما سبق من أن هذه التوجيهات العامة أو السبب الضعيف، لا تصلح وحدها لانتاج التفاصيل بل لا بد أن عاملا آخر مستقلا في كل مجتمع أنتج التفاصيل الخاصة به. و معه يكون مجموع الوضع الاجتماعي ناتجا من مجموع التوجيهات العامة و العامل الآخر المستقل. و هذا العامل لا نستطيع أن نسمّيه بتطور وسائل الانتاج، بعد أن كان هذا التطور لا يمثّل إلا التوجيهات العامة فقط، أعني جزء مجموع السبب الموجب لتطور المجتمع.

و على أي حال، فمقتضى الضرورة التاريخية، التي أكّدت عليها الماركسية في نظريتها، هو كونها حدّية و ليست «موضوعات توجيهية عامة» كما قال لينين. و معه لا نستطيع أن نفسر الفرق و الاختلاف بين المجتمعات.

و يعتبر هذا الكلام من لينين تنازلا عن تلك الضرورات الفلسفية، نتيجة لضغط الواقع المعاش الذي يخالف النظرية الماركسية بوضوح.

هذا، و بعد الحديث عن التكوين العام، سنبدأ بالحديث عن العهود

ص:172

الاثني عشر، فنعقد لكل منها فصلا مستقلا، و نلحق بكل فصل مناقشاته الخاصة به.

مرحلة ما قبل المجتمعات
اشارة

- 1 - تعتقد الماركسية بأن الانسان متحدّر عن قرد، كما هو القول المشهور لداروين... بغض النظر عما يستلزمه هذا التحوّل من طول في الزمن، أو عدم اعتراف الناس بسلفهم «الصالح» هذا!!...

قال انجلز:

«منذ مئات عدة من ألوف السنين، في عهد ما يزال من غير الممكن تحديده بيقين، من ذلك العصر في تاريخ الأرض الذي يسمّيه الجيولوجيون بالعصر الثالث على تخومه على الأرجح، كان يعيش في مكان ما من الدائرة الاستوائية - أغلب الظن في قارة غائرة اليوم في جوف المحيط الهادي - عرق من القردة الشبيهة بالبشر بلغت تطورا رفيعا بوجه خاص. و قد أعطانا داروين وصفا تقريبيا لهذه القردة التي قد تكون أسلافنا. كانت مكسوّة كليا بالشعر، و ذات لحى و آذان محددة، و تعيش جماعات على الأشجار.

و قد أخذت هذه القردة، بالدرجة الأولى - دون شك - بنمط معيشتها الذي يتطلب أن ينجز الأيدي من أجل التسلّق غير وظائف الأرجل، أخذت تفقد عادة الاستعانة بأيديها من أجل السير على الأرض، و اتخذت أكثر فأكثر مشية عمودية. و هكذا تم اجتياز الخطوة الحاسمة لانتقال القرد إلى الانسان»(1).

«... في البدء العمل، و بعده، ثم معه في الوقت نفسه، اللسان: ذانكما هما الدافعان الأساسيان اللذان تحت تأثير هما تحوّل دماغ قرد شيئا فشيئا إلى دماغ إنسان.

يتجاوزه بعيدا برغم كل تشابه، ارتفاعا و اتقانا. و لكن السير جنبا إلى جنب مع تطور الدماغ تطورت أدواته المباشرة، أعضاء الحواس»(2).

«... و قد مرت مئات ألوف السنين - و هي في تاريخ الأرض تعادل ثانية في حياة

ص:173


1- (1) نصوص مختارة: انجلز ص 123 و ما بعدها.
2- (2) المصدر ص 128 و ما بعدها.

الانسان - قبل أن يخرج مجتمع بشري من قطيع القردة المتسلق للأشجار. و لكنه ظهر آخر الأمر. فما الفرق الذي نجده بين قطيع القردة، و بين المجتمع البشري؟ العمل!».

و يستمر انجلز ببيان كيف أن العمل هو الذي غيّر القرد و جعله إنسانا. و قال في آخر كلامه:

«... فكما ان تاريخ تطور الجنين البشري في بطن أمه لا يمثل غير تكرار مختصر لتاريخ ملايين السنين من التطور الجسماني لأسلافنا الحيوانات بدءا من الدودة. فإن التطور العقلي للطفل، هو كذلك تكرار أكثر تكثيفا، فقط للتطور العقلي لدى هذه الأسلاف، الأخيرة منها على الأقل.

على أن مجمل العقل المنهجي لدى جميع الحيوانات، لم ينجح في أن يطبع الأرض بخاتم إرادتها. ان هذا يحتاج إلى الانسان. و بالاختصار، ان الحيوان يستخدم الطبيعة الخارجية فقط، و يحدث فيها تغييرات بمجرد وجوده. و أما الانسان، فإنه بالتغييرات التي يحدثها في الطبيعة يجعلها تخدم أغراضه، يسيطر عليها. و في هذا يقوم الفارق الأساسي الأخير بين الانسان و باقي الحيوانات. و الانسان مدين في هذا الفرق مرة أخرى، للعمل»(1).

و لا ينبغي أن ننسى في هذا الصدد عبارة انجلز حين يقول:

«و ينسى الناس أن الظروف الاقتصادية لحياتهم هي منشأ الحقوق عندهم، مثلما نسوا انهم قد نسلوا من عالم الحيوان»(2).

- 2 - و يذكر انجلز في كتابه «أصل العائلة»... الخطوات اللاحقة لتطور الانسان عن القرد، فيقسمها إلى عدة أطوار، نذكر منها الآن، ما يمت إلى ما قبل تكوّن المجتمعات بصلة:

1 - الوحشية:

1 - الطور الأدنى: طفولة النوع البشري. كان الناس و لا يزالون بعد في إقامتهم الأولية، في الغابات الاستوائية و شبه الاستوائية. كانوا يعيشون - على الأقل جزئيا - على الأشجار. و بهذا وحده يمكن تفسير بقائهم بين وحوش كاسرة كبيرة. و كانت الثمار و الجوز و الجذور غذاءهم.

و الانجاز الرئيسي في هذه المرحلة هو نشوء النطق. و من بين جميع الشعوب التي أصبحت معروفة في هذه المرحلة التاريخية، لم يبق أي منها في هذه الحالة البدائية. و رغم

ص:174


1- (1) المصدر ص 129 و ما بعدها.
2- (2) المصدر نفسه، ص 162.

ان هذه الحالة استمرت، أغلب الظن، الآلاف و الآلاف من السنين، إلا أننا لا نستطيع أن نثبت وجودها بأدلة مباشرة. و لكننا إذ نعترف بنشوء الانسان من مملكة الحيوان، لا بد لنا أن نفترض و نقبل هذه الحالة الانتقالية.

2 - الطور المتوسط: يبدأ باستعمال الغذاء السمكي... و باستعمال النار.

و هذا و ذاك مترابطان، لأن الغذاء السمكي لا يصبح صالحا تماما للاستهلاك إلا بفضل النار.

و لكن البشر أصبحوا بفضل هذا الغذاء الجديد، مستقلين عن المناخ و المكان، و بالسير مع تيار الأنهر و على سواحل البحار، كان في وسعهم أن ينتشروا - حتى في الحالة الوحشية - على القسم الأكبر من سطح الأرض.

... إن الاقامة في أماكن جديدة، و السعي النشيط الدائم إلى البحث و التفتيش، بالاضافة إلى امتلاك النار عن طريق الحك، كل هذا أوجد وسائل جديدة للتغذية، هي الجذريات و الدرنيات التي تحتوي على النشاء، و المشويّة في الرماد الحار، أو في الأفران المحفورة في الأرض.

و كذلك الطريدة التي أصبحت، بفضل اختراع الأسلحة الأولى، الهراوات و الرماح، غذاء إضافيا يمكن الحصول عليه حسب الصدف، بين الفينة و الفينة»(1).

ثم يقول انجلز بعد صفحة:

«حتى الآن استطعنا أن ننظر في سير التطور بوصفه سيرا ذو طابع شامل تماما، ساري المفعول في مرحلة معينة بالنسبة لجميع الشعوب، بصرف النظر عن مكان إقامتها.

و لكننا مع حلول عهد البربرية، وصلنا إلى درجة يكتسب فيها الفرق بين الأحوال الطبيعية في القارتين الكبيرتين شأنا و وزنا»(2).

و حيث أن الاختراع عموما، لا يصدر إلا عن مجتمع، كما أسلفنا، إذن فاختراع الهراوات و الرماح، دال بشكل و آخر على وجود المجتمع، إذن، فقد دخلت البشرية في عصر الاجتماع.

ص:175


1- (1) أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة: انجلز ص 25 و ما بعدها.
2- (2) المصدر نفسه ص 27.
مناقشة ما قبل المجتمعات

- 1 - لا شك أن البشرية بدأت بسيطة و بدائية و ساذجة، و قد ولدت كل الظواهر الاجتماعية فيها تدريجا، بما فيها اللغة، بل و حق القدرة على التفكير الفعلي المنظم...

و لكن كيف تم ذلك، و تحت أي نوع من الأسباب حدث، فهذا ما نستطيع أن نحمل عنه فكرة بعد قليل أولا، و يأتي تفصيله عند الحديث عن التخطيط العام ثانيا.

و المهم الآن هو التعرف على مقدار صحة هذه التفاصيل التي ذكرها انجلز، و مقدار ارتباطها بالقواعد الماركسية.

- 2 - و أول خطوة يمكن أن نتقدم بها في طريق المناقشة، هو ما اعترف به الماركسيون أنفسهم بأن العهود القديمة، فضلا عما قبلها، لا يمكن إقامة أدلة حقيقية للتأكد من أوصافها، و إنما يقوم تفسيرها دائما على الظن و التخمين دائما.

و كلما كان العهد أقدم كانت النقول التاريخية عنها أندر، و من ثم فالاستنتاج منها أصعب. و بالطبع فإن الحدس و التخمين يملأ الفجوات الموجودة حتى يصل الأمر في القدم إلى حد لا يمكن التحدث عنه بإثبات تاريخي بالمرة، فيكون للتخمين الميدان الأفسح في ملء هذا الفراغ.

و قد سمعنا انجلز قبل قليل يقول:

«منذ مئات عدة من ألوف السنين في عهد ما يزال من غير الممكن تحديده بيقين... كان يعيش... في أغلب الظن...».

و قال انجلز أيضا:

«و لكن إذا كانت دراسة هذه الأسباب المحركة للتاريخ في جميع المراحل السابقة غير

ص:176

ممكنة تقريبا، لأن العلاقات بين هذه الأسباب و نتائجها كانت مشوشة و مستورة. فإن عصرنا قد بسط هذه العلاقات، حتى ان حل اللغز أصبح ممكنا في آخر الأمر».

و إذا كانت دراسة ما قبل العصر الحديث لغزا مستورا، فكيف بالعصور الأسبق عليه. و كيف بالعهود البشرية الأولى، فضلا عن عهد ما قبل المجتمعات، فضلا عن عهد تحول القرد إلى إنسان. و إنما قال انجلز بأن حل اللغز أصبح ممكنا باعتبار نظريته الماركسية، التي أخذ صحتها مسلمة في كلامه، و هو ما لا يمكننا الآن الاعتراف به، باعتبار أننا نبحث عن صحة هذه النظرية أساسا.

- 3 - إننا نستطيع أن نرفض بضرس قاطع نظرية تكوّن الانسان من قرد، لكننا لا نريد الآن أن ندخل في التفاصيل. نذكر فقط بعض نقاط الضعف التي نراها فيها:

النقطة الأولى: ما قلناه قبل لحظة من أن هذا التحول، لو كان قد تم، فهو في عهد سحيق من القدم لا يمكن إقامة الدليل عليه.

النقطة الثانية: إن هذه النظرية لو صحت لحدثت باستمرار، و لرأينا مختلف الدرجات ما بين القرد و الانسان باستمرار. فما الذي حدا بهذه العملية أن تتم في زمن معين دون غيره. إن هذا لغريب.

النقطة الثالثة: إن علماء الوارثة اتفقوا على استحالة انتقاع نوع إلى نوع، و ضرورة مماثلة الذرية للسلف بالنوع. و لا شك أن القرد نوع آخر غير الانسان، فيكون حصوله منه مستحيلا. و لا فرق في هذه الاستحالة بين الانتقال الدفعي و الانتقال التدريجي.

إن تغيّر الصفات بالتدريج ممكن ما دامت النوعية بذاتها قائمة.

و لا يمكن للناسلات (الجينات) أن تقرر أنماطا من الصفات خارجة عن النوع بأي حال.

النقطة الرابعة: إن علماء الوارثة اتفقوا على أن الصفات المكتسبة لا تورث. فما يكتسبه الحيوان أو الانسان من صفات نتيجة للعامل الجغرافي أو لتكيفه طبقا لحاجاته - كما هو مقتضى نظرية التطور الداروينية - يستحيل أن تورث. إن القطة إن قطعت ذيلها لم تنتج ذرية مقطوعة الذيول. أو أن

ص:177

عاملا قويت يده اليمنى من كثرة الممارسة، لا تكون ذريته متصفة بنفس الصفة. إذن، فلا يمكن إنتاج التطور من هذه الناحية.

و هذه النقاط واضحة جدا على الأساس المادي الذي تعترف به الماركسية و تنطلق منه.

و أما على الأساس الالهي، فهذه النقاط و خاصة الثلاث الأخيرة، غير واردة، لأن إيكال الأمر إلى قدرة اللّه تعالى و مشيئته يذلل كل هذه المصاعب، و انطلاقا من هذا الأساس يمكن إقامة أدلة من نوع آخر على بطلان نظرية داروين، ربما أشرنا إلى بعض أسسها، خلال الحديث عن التخطيط العام في القسم الثالث من الكتاب.

- 4 - من هذا يتضح، أن الفكر القائم على الأساس الالهي، غير ملزم بالاعتراف بهذه النظرية، و لكن المادية مضطرة، من أجل تفسير وجود الحياة و تطورها على وجه الأرض، إلى الالتزام بهذه النظرية، باعتبارها التفسير المتوفر المعقول لذلك، و لكنها إذ تواجه تلك النقاط التي ذكرها ستقع في موقف محرج، و ستضطر في النهاية إلى التنازل عن نظرية التطور، فتبقى الحياة بدون تفسير مادي.

- 5 - إن اختصار الجنين لتاريخ البشرية، و إن كانت فكرة مشهورة، يوافق عليها انجلز بدوره. إلا أنها أسطورة غريبة، و بخاصة من زاوية الماركسية، و ذلك لورود عدة نقاط عليها:

النقطة الأولى: ان هذه المماثلة المدّعاة تبدأ لا محالة، من أول التلقيح و تنتهي بالرشد الكامل للفرد، حينما يصبح الفرد مماثلا مع مجتمعه في المستوى العقلي و الفكري.

و هذا يستلزم عدة أمور غير صحيحة:

الأمر الأول: أن يتماثل نمو الأفراد الجسمي و العقلي إلى حد كبير، لأنهم جميعا يمثّلون نفس التاريخ البشري... و هذا واضح الانتفاء و البطلان.

الأمر الثاني: أن يمر الفرد أو الأفراد بمثل النكسات التي مرت بها

ص:178

البشرية خلال تاريخها الطويل - المهمة منها على الأقل -. و من الواضح عدم مرور أغلب الأفراد بذلك.

الأمر الثالث: أن يكون نمو الفرد سلسا كنمو البشرية، في حين أنه يحتوي على «عقبات» غير موجودة في تاريخ البشرية، يمر بها الأفراد بالضرورة كالتلقيح نفسه، و الولادة و التسنين و الشيخوخة.

النقطة الثانية: إن البشرية مرت في نظر الماركسية بالعهود الخمسة المعروفة. فما هو المماثل في حياة الفرد. و هل تصح المماثلة بدون إمكان هذا التطبيق. و هل يصبح كل فرد خيّرا صالحا بالضرورة في آخر عمره، كالبشرية التي تنبأت لها الماركسية بالمستقبل السعيد. إن أفضل فترات العمر هو الشباب، و هو يقع عادة في الوسط من حياة الفرد. على حين أن المادية التاريخية ترى أن أفضل فترات عمر البشرية هو نهايتها، خلال مستقبلها السعيد.

النقطة الثالثة: إننا لو تجاوزنا عما سبق، لرأينا الانسان لا يمثل البشرية فقط، بل يمثل الكون كله. و قد غفل انجلز عن ذلك، و لكن لم يغفل بعض الفلاسفة عن ذلك حين قالوا: ان الجنين منذ التلقيح يبدأ جمادا ثم يصبح نباتا ثم يصبح حيوانا ثم يصبح إنسانا. ثم أضافوا: إنه يصبح بعد ذلك ملاكا.

و إذا كان انجلز ينكر المرحلة الأولى، لأن الانسان يبدأ بالحويمن و هي ليس بجماد، و ينكر المرحلة الأخيرة، انطلاقا من ماديته، فلا أقل من انه يذكر المراحل الثلاثة الوسطى. فلما ذا أهملها؟!.

- 6 - هناك أمران مهمان في تطور البشرية يعترف انجلز أو ينبغي أن يعترف، أنهما غير ناتجين عن وسائل الانتاج:

أحدهما: اللغة.

قال انجلز - كما سبق أن سمعنا -: «و الانجاز الرئيسي في هذه المرحلة هو نشوء النطق».

و لم تكن وسائل الانتاج بمتطورة بالمرة، و لم يكن للانسان أية وسيلة إنتاج سوى يده، و لو كانت اليد سببا لوجود اللغة، لكانت اللغة موجودة بوجود الانسان، و هو غير صحيح بطبيعة الحال.

ص:179

ثانيهما: ظهور المجتمعات: حيث سبق أن قلنا أن تطوير وسائل الانتاج لا يمكن أن يستند إلا إلى مجتمع، مهما كان بسيطا. فيتعيّن أن يكون ظهورها قبل كل تطوير.

هذا مضافا إلى ما تعترف به الماركسية من تطور الانسان عن القرد، و تطور القرد عن حيوان أبسط منه و هكذا... و كل هذه التطورات غير مستندة إلى وسائل الانتاج، بطبيعة الحال.

و هناك بعض المناقشات الأخرى، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.

المجتمع الشيوعي البدائي
اشارة

- 1 - بعد أن بدأت المجتمعات بالظهور، بدأ عهد المجتمع الشيوعي البدائي، أو التشكيلة الشيوعية الأولى.

و الماركسية تشرح شكل العهود عادة بشكل «تجريدي»، كأنها أقرب إلى الأعمال الرياضية الحديّة من أي شكل آخر. و هي و ان حاولت تطبيقها على التاريخ الفعلي للبشرية، إلا انها تشعر حينئذ بصعوبة في انطباق ذاك الشكل التجريدي على الواقع الفعلي. و هذا ما سنحاول أن نحمل عنه فكرة فيما يلي، في حدود المجتمع البدائي.

- 2 - تبدأ الماركسية بشرح الشكل التجريدي لهذا المجتمع، فتقول، كما قال ستالين:

«في نظام المشاعية، تؤلف الملكية الجماعية لوسائل الانتاج أساس علاقات الانتاج، و ذلك يطابق من حيث الأساس طابع القوى المنتجة في هذا الدور. فالأدوات الحجرية و كذلك القوس و السهام التي ظهر فيما بعد، لم تكن تسمح للأفراد أن يناضلوا منفردين ضد قوى الطبيعة و الحيوانات المفترسة.

فلأجل قطف الأثمار في الغابات، و لأجل صيد الأسماك، و لأجل بناء مسكن ما، كان الناس مجبرين على العمل معا بصورة مشتركة، إذا ما أرادوا اجتناب الموت جوعا أو

ص:180

الوقوع فريسة للحيوانات الضارية أو للقبائل المجاورة.

و يؤدي العمل المشترك إلى الملكية المشتركة لوسائل الانتاج و للمنتجات أيضا.

فهنا، إذا استثنينا الملكية الفردية لبعض أدوات الانتاج التي تؤلف في الوقت نفسه أسلحة دفاع ضد الحيوانات المفترسة، لم نجد معنى لمفهوم الملكية الخاصة لوسائل الانتاج. هنا، لا استثمار و لا طبقات»(1).

- 3 - و تقول الماركسية عن مميزات المجتمع البدائي:

«لقد كان هذا النظام الشيوعي البدائي، ضروريا للمجتمع الانساني، في هذه المرحلة من التطور. فلقد كان من المستحيل على المجتمع لو عاش أفراده حياة منعزلة مبعثرة، أن يخترع الأسلحة و الأدوات الابتدائية، و أن يحسنها فيما بعد.

و لم يستطع الناس أن يحرزوا انتصاراتهم الأولى في ميدان الكفاح ضد الطبيعة إلا بفضل حياتهم التعاونية لقد كان اتحادهم في «بطن» شيوعي هو قوتهم الرئيسية.

لم يكن استثمار إنسان لانسان آخر موجودا في المجتمع الشيوعي البدائي، بل لم يكن هذا الاستثمار ممكنا فيه. لقد كان العمل مقسما بين الرجل و المرأة. و كان في القبيلة أفراد أقوى من غيرهم و أفراد أضعف. و لكن لم يكن هناك استثمار.

ليس الاستثمار ممكنا، إلا إذا استطاع الانسان أن ينتج من وسائل الحياة ما يكفي له، و للآخرين أيضا. فبهذا الشرط وحده، يمكن لفرد أن يعيش عالة على عمل الآخرين. و لم يكن من الممكن، و الحالة هذه، أن يوجد في المجتمع البدائي المجبر على تدارك رزقه يوما فيوما، أي استثمار»(2).

«و من خصائص الشيوعية الأولية، اعترافها بدور المرأة الكبير، و لم يكن عدم المساواة بين الرجل و المرأة إلا في تقسيم العمل بينهما، و لم يكن يعترف إلا بنسل المرأة وحدها. فكانت المرأة تشرف على التربية، كما كانت نصائح الجدة نافذة. ذلك كان عهد سيطرة الأم»(3).

- 4 - «إن الشعور بالملكية الفردية و التفكير بها لم يوجدا بعد، كما ان الحقد الطبقي غير موجود، لعدم وجود الطبقات و الاستغلال الطبقي.

إذن، إنه على عكس ما يقول المثاليون، فإن الشعور «بما يخصني» و «يخصك» و ان الحقد و الكبرياء ليست عواطف أبدية خالدة في الطبيعة الانسانية، بل هي منتوجات

ص:181


1- (1) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 48 و ما بعدها.
2- (2) نظرات علمية في الاقتصاد السياسي: سيغال ص 12 و ما بعدها.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر و آخرين ص 59 ج 2.

تاريخية تتولد من الملكية الخاصة»(1).

- 5 - «كانت الأخلاق و الدين و الفن، أشكال الوعي التي ولدت في المجتمع البدائي.

و لكن هذه الأشكال لم تكن آنذاك مفصولة بعضها عن بعض، بل كانت تندمج في كل واحد، مشكلة نظاما كأنما منحته الطبيعة، من تقاليد و عادات و تصورات العشيرة و القبيلة، نظاما كان عضو العشيرة بمفرده خاضعا كليا له بأفكاره و أفعاله.

كانت العشيرة و القبيلة، بالنسبة إلى الفرد نوعا من حدود لجميع علاقاته، حدود مكانية، لأنه لم يكن بوسعه أن ينتقل بحرية إلا في ضمن أراضيها. حدود اقتصادية، لأن وجوده كان رهنا بالجماعة. حدود روحية، لأنه كان يعي و يتحسس نفسه لا كفرد منفرد متميز، بل كعضو في العشيرة المعينة. إن وعي العشيرة كان في الوقت نفسه وعي كل فرد، و كل ما يتخطى إطار العشيرة، إطار القبيلة كان غريبا»(2).

- 6 - و تقول الماركسية في بيان سبب زوال المجتمع البدائي:

«و لقد تم تقدم قوى الانتاج داخل الكومون البدائية التي كانت تسهّل آنذاك إلى أقصى حد، النضال ضد الطبيعة. و كانت المراحل الأساسية هي: تأليف الحيوانات بفضل القوس و السهام و تقسيم العمل بين الرعاة و الصيادين البدائيين، ثم الانتقال إلى الزراعة بفضل الآلات المعدنية كفأس الحديد و سكة المحراث. يضاف إلى ذلك أن صناعة الخزف كانت تساعد على الاحتفاظ بالمؤن.

كان لهذا التقدم نتائج عظيمة. فلقد وفّرت تربية الحيوانات و الزراعة مصادر أكثر انتظاما و غزارة مما يوفره الصيد البري.

... و لم يعد العمل، بعد ظهور تربية الحيوانات و الزراعة للحاجة المباشرة، بل أصبح ينتج فائضا، فيصبح التبادل ضروريا و ممكنا، كما تتوفر إمكانية تجميع الثروات»(3).

و مع تزايد إنتاجية العمل الفردي، أخذ يتطور الانتاج الفردي في العائلة الواحدة، الأمر الذي قوّض أسس التوزيع المتساوي... فقد ظهر التبادل بين القبائل: أي شكل جديد من العلاقات الاقتصادية و ظهر المنتوج الزائد أي المنتوج الذي يبقى بعد تلبية الحاجات الضرورية. و ظهرت بالتالي إمكانية تكديس هذا المنتوج و إعادة توزيعه، و تركيز الثروات في أيدي قسم من المجتمع.

ص:182


1- (1) المصدر نفسه ص 58.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون ص 123.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ج 2 ص 60 و ما بعدها.

و كان من الممكن أن يصبح الانسان نفسه ثورة، و لقد أصبحها، لأنه صار من الأفيد أكثر فأكثر اقتصاديا استثمار قوة العمل. و قد تطلّبت الزراعة نمط الحياة الحضري، و أتاح ظهور كمية كبيرة من المنتوجات للناس تشكيل وحدات أوسع من العشيرة و القبيلة.

و قد أدت جميع هذه العوامل إلى انحلال الجماعية البدائية و إلى تفسيخ العلاقات القائمة على المساواة البدائية. و دخلت القوى المنتجة الجديدة، في تناقض مع علاقات الانتاج القديم. و محلها حل المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة، و مع استثمار الانسان للانسان»(1).

و أما الدولة، فلم تظهر في نهاية المجتمع البدائي، أو بداية مجتمع الرق، بل بعد ذلك، في زمن متأخر نسبيا، على ما سيأتي.

- 7 - «حينما أخذ بعض أعضاء الكومون البدائية، بالانتقال تدريجا من الآلات الحجرية إلى الآلات الحديدية، كانوا، يجهلون النتائج الاجتماعية التي يفضي إليها هذا التجديد، و لم يكونوا يفكرون في ذلك.

و لم يعوا ذلك، و لم يكونوا يدركون أن استعمال الآلات المعدنية يعني ثروة في الانتاج، و انه سيؤدي بالنهاية إلى نظام الرق. لم يكونوا يريدون سوى جعل عملهم أسهل، و ان يحصلوا على فائدة مباشرة محسوسة، فكان نشاطهم الواعي ضمن نطاق هذه الفائدة اليومية الضيق.

تركت نهاية العصر البدائي، و مطلع عصر الرق آثارا عميقة في مخيلة الناس. و لما كانوا لا يدركون ضرورتها الموضوعية، رأوا فيها انتقاما إليها و فقدانا «للبراءة» الأولية، و ثمرة «للشر» و «الكبرياء» و الشيطان و هكذ صيغت «الفضائل» القديمة. في أفكار، تولد عنها العديد من الموضوعات الأخلاقية. فاستمرت ذكرى وجود المرأة القديم في أسطورة سبيل آلهة الخصب. كما نعى الانجيل «سقوط» الانسان، و تغنىّ الشعراء القدامى أمثال هزيود و أوفيد «بالجيل الذهبي» الذي تنبأ المأثور بعودته المحتومة»(2).

- 8 - هذا كله على مستوى «التجريد» الماركسي.

و أما تطبيق هذه السلسلة النظرية على التاريخ البشري الفعلي، فلم تجده الماركسية إلا في كلام «مورغان» حين أصدر كتابه «المجتمع القديم». و هو كاتب أمريكي معاصر لانجلز، وجد انجلز أن هناك تشابها

ص:183


1- (1) المادية التاريخية لكوفالسون ص 124 و ما بعدها.
2- (2) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ج 2 ص 63.

كبيرا بين كتابه و بين النظرية الماركسية... فكتب كتابه المشهور «أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة» من أجل الالماع إلى ذلك و التركيز عليه.

و لا طريق للقارئ، عادة، إلى كتاب مورغان، إذ كان لا يحسن لغة الكتاب. و إنما طريقه طليه هو ما نقله عنه انجلز في كتابه المشار إليه.

و كتاب انجلز لا يقتصر - بطبيعة الحال - على ما يذكره مورغان، بل يضيف إلى ذلك أشياء كثيرة من آرائه، و يقتصر من مورغان على نقل نصوص من كتابه ليس إلا.

و قد يكون في مجموع آراء انجلز و مورغان التاريخية، بعض المشابهة مع النظرية الماركسية، على ما سنسمع لدى المناقشة؛ و أما كلمات مورغان نفسها و نصوصه فلا ربط لها بصحة النظرية بأي حال. و سنسمع ذلك أيضا. و من المعلوم أن أكثر من 90 بالمائة من كتاب «أصل العائلة» هو من آراء انجلز و انشائه لا من آراء مورغان، كما هو واضح لمن راجع الكتاب.

و معه يحسن أن نرجئ الاشارة إلى الجانب التطبيقي، إلى حين المناقشة.

ص:184

مناقشة المجتمع الشيوعي البدائي

- 1 - من الطريف أن الماركسية تتكلم عن أغلب بل عن جميع تشكيلاتها أو عهودها الخمسة، بشكل تجريدي، و تنظر إليها نظرا رياضيا، في حين أن المجتمع هو واقع تاريخي أكثر منه أي شيء آخر.

فمن المعروف أن هناك فرقا كبيرا بين الدائرة الهندسية التجريدية التي يتصورها الذهن، و بين أية دائرة فعلية يرسمها أي انسان، مهما كان فنانا فكذلك يلمس القارئ الفرق بين ما تقوله الماركسية بشكل تجريدي عن تطورات المجتمع، و ما يراه في الواقع من لحم و دم و أفعال و أقوال.

إن هذا التجريد الماركسي يتصف بعدة صفات رئيسية:

الصفة الأولى: التسليم المطلق بأن هذه الأشياء قد حدثت فعلا، من دون إعطاء أي مجال للتشكيك أو الاحتمال. و كلما كان الحادث أو الظاهرة أقرب في نظر الماركسيين إلى نظريتهم، كان حدوثه أكثر يقينا و تأكيدا.

الصفة الثانية: إن هذه الأشياء قد حدثت أو تحدث في العالم كله بدون استثناء، و بدون أي تمييز.

الصفة الثالثة: إن شيئا آخر غير هذا التجريد الرياضي لم يحدث و لن يحدث؛ و كلما خالف ذلك، فهو كذب، ان أمكن تكذيبه، و إلا فهو لا بد مندرج في هذا التجريد على كل حال.

في حين أن كلا من هذه الصفات، قابلة للمناقشة:

أما الصفة الأولى: فلأن ما هو المعلوم باليقين من التاريخ، هو الواقع المعاش، و بعض الأمور الواضحة من الماضي، و كل ما عداه، فهو محتمل الوجود و العدم. كالأعم الأغلب جدا من أمور الماضي و المستقبل. و قد سمعنا اعتراف انجلز بأن حوادث الماضي غامضة و مشوشة؛ و كلما كان

ص:185

الماضي أبعد كان أشد غموضا و التباسا، فكيف يمكن أن نأخذ مجموعة ضخمة من الحوادث كأنها يقينية الحدوث.

و أما الصفة الثانية: فهي - على الأقل - مخالفة لما ذكره لينين، من أن هذه النظرية تعطي توجيهات عامة، تطبّق هنا على غير الأسلوب التي تطبّق به هناك. و هذا الكلام لا يختلف فيه عهد عن عهد بطبيعة الحال. فكيف تستطيع الماركسية أن تجزم أن كل الصفات التي أعطتها للمجتمع البدائي و الحوادث التي سردتها فيه، قد حدثت في العالم كله.

و أما الصفة الثالثة: فلأن العالم حشد هائل من الحوادث و الظواهر، و إذا نظرنا إلى مجموع التاريخ البشري، كان هذا الحشد أشد ضخامة و أعظم خطرا و هولا، فكيف تستطيع الماركسية أن تتصيد من هذا لمجموع الحوادث «المختارة» لتصنع منها «لوحة تجريدية». و كيف تستطيع أن تقول: ان هذا هو التاريخ دون غيره. إلا أن يكون هذا جزافا من القول، أو يعود إلى فرض النظرية على الواقع على عكس ما أرادته الماركسية.

و مورغان و أبحاثه، ما هي قيمتها من الناحية التاريخية و المنطقية؟! إن مورغان باحث و مؤرخ، و هذا مما لا ينبغي المناقشة فيه. و لكن تبقى هنا عدة نقاط ينبغي فحصها:

النقطة الأولى: ان نظرية تأسيسية جديدة في تفسير التاريخ، لا يمكن أن تتبرهن إلا إذا قامت على مجموعة كافية و واضحة من حوادث التاريخ، بحيث أخذها المؤرخون أمورا مسلّمة و ثابتة. و خاصة و أن الماركسية - كما سبق - أرادت أن تفهم نظريتها من الحوادث، لا أن تطبق الحوادث على نظريتها.

و أما إذا اعتمدت هذه النظرية على أقوال مؤرخ واحد، و على حوادث محتملة و غير ثابتة. فهذا مما يخلّ بثبوت أصل النظرية. كما هو معلوم.

النقطة الثانية: ان مورغان كاتب متأخر، بطبيعة الحال، لم يعاصر العصر القديم للبشرية. كل ما في الموضوع أنه استقى من مصادر و كتب السابقين عليه جملة من معلوماته، و ملأ الفراغات باجتهاداته و آرائه في حدود ما يعتقد أنه مناسب الحدوث في ذلك الحين.

فلئن كان مجموع آرائه مناسبا مع النظرية الماركسية، لو سلّمناه، فإن

ص:186

آراءه الخاصة مما لم يستطع أن يقيم عليه دليلا كافيا، لا يمكن الاعتماد عليها. و أما ما استطاع إقامة الدليل عليه، و نقله عن مصادر موثوقة، فهو غير كاف و لا مناسب مع النظرية الماركسية، و إلا لاعتمد عليها انجلز قبل اعتماده على كتاب مورغان.

النقطة الثالثة: ان من الأدلة الرئيسية عند مورغان، لاستنتاج صفات المجتمع القديم، هو وجود ما يماثله من مجتمعات بدائية في العصر الحاضر.

و لكن هذا لا يتم، و لا يمكن أن يكون إثباتا كافيا، لوجود الاحتمال - على الأقل - بأن هناك فروقا كبيرة و أساسية بين المجتمع القديم و المجتمع البدائي المعاصر. و هذا الاحتمال لا يمكن نفيه إلا لمن كان مشاهدا لكلا المجتمعين، إذا وجد هما على شكل واحد. و لا يوجد مثل هذا الانسان على وجه الأرض.

و مما يدعم هذا الاحتمال: الاستفهام عن السبب الذي أوجب تطور باقي المجتمعات مع بقاء هذا المجتمع على بدائيته. ان هذا لا يمكن بدون أسباب رئيسية أوجبت ذلك، تمثّل بدورها فروقا مهمة بين شكلي المجتمع البدائي.

و على أي حال، فمع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن الزعم بأننا نعرف صفات المجتمع القديم.

- 3 - و قد أوضح بليخانوف هذه الحقيقة حين قال:

«و لكنه لا يسعنا الاعتماد إلا على التخمينات فيما يتعلق ب «الانسان البدائي».

فالبشر الذين يسكنون الأرض حاليا، و الذين لاحظهم في الماضي باحثون جديرون بالثقة، هم بعيدون جدا عن الوقت الذي توقفت فيه الحياة الحيوانية بمعنى الكلمة الأصلي، بالنسبة إلى الانسان.

هكذا، فقبائل ايروكوا في أميركا الشمالية - و نظام الأمومة الذي تعيش فيه هذه القبائل، و درسه و وصفه مورغان، بلغت نسبيا مرحلة متقدمة جدا في التطور الاجتماعي. و الاستراليون الحاليون أنفسهم لا يملكون لغة و حسب (و اللغة هي الشرط و الأداة و السبب و النتيجة في كل حياة اجتماعية) و لا يعرفون استخدام النار و حسب، بل هم يعيشون أيضا في مجتمعات، في ظل نظام معين و لهم أعرافهم و مؤسساتهم.

ص:187

و القبيلة الأوسترالية لها أرضها و أساليبها في الصيد و وسائلها في الدفاع و الهجوم، و هي تستعمل أوعية لحفظ المؤن، بعض أعمال تزيين الجسد. و بكلمة مقتضبة: ان الاسترالي رغم تأخره، يعيش في بيئة اصطناعية»(1).

إذن، فالفرق بين المجتمع القديم و المجتمعات البدائية المعاصرة، ليس محتملا فحسب، بل هو مؤكد و يقين... و باعتراف شخص ماركسي كبليخانوف. و أين هذا من الصورة التجريدية التي تعطيها الماركسية للمجتمع القديم.

- 4 - إن صحة أبحاث مورغان، مستندة في نظر انجلز إلى مطابقتها، في رأيه، لتطور وسائل الانتاج.

قال انجلز:

«إن اللوحة التي رسمتها هنا، استنادا إلى مورغان، عن تطور البشرية عبر عهد الوحشية و عهد البربرية إلى منابع الحضارة، غنية كفاية بخطوط جديدة. ناهيك بأنه لا جدال فيها، لأنها مأخوذة مباشرة من الانتاج»(2).

و هذا يعني فرض النظرية على الواقع، فإن النظرية هي التي تقول باستناد التطور إلى وسائل الانتاج. و المفروض أنها تفهم من أبحاث مورغان، لا أن تفهم أبحاثه على ضوئها.

- 5 - إننا لو حاولنا تطبيق التجريد الماركسي للمجتمع القديم، على كلام انجلز في كتابه «أصل العائلة...»، لوجدنا المفارقات الكبيرة بين الحقلين بحيث لا يكاد يشترك الحقلان إلا في خصائص ضئيلة كالتأكيد على بدائية المجتمع و ضآلة وسائل الانتاج فيه. و نجد إلى جنب ذلك عشرات الأوصاف موجودة في أحد الحقلين مفقودة من الحقل الآخر.

فبينما يؤكد التجريد الماركسي على عدم الملكية الخاصة و على التساوي في التوزيع و وجود الدين و الفن و الاخلاق في المجتمع البدائي. لا نجد لكل هذه الأمور أي أثر في تطبيقات انجلز. إذن فهي استنتاجات افتراضية محضة لا تملك أي إثبات تاريخي.

ص:188


1- (1) فلسفة التاريخ لبيلخانوف ص 71.
2- (2) أصل العائلة لانجلز ص 31.

و أما تطبيقات انجلز في كتابه، فتبدأ بتقسيم المجتمع القديم إلى:

عصور الوحشية و البربرية و أطوار كل منها و تقسيمها إلى أقسام ثلاثة. ثم يبدأ الحديث عن شكل العائلة و الزواج مفصلا، و بانتهائه ينتهي الحديث عن المجتمع القديم ثم يبدأ الكلام عن صفات مجتمعات بعينها، كالمجتمع اليوناني و الروماني و غيرهما و يكون الغرض الأساسي من هذا الاطلاع على الأوضاع السياسية و الاجتماعية و من ثم أسلوب تطور الدولة في تلك المجتمعات.

فما يمت إلى مجتمعنا القديم بصلة هو ما يعود إلى عهود البشرية الأولى، و إلى الحديث عن العائلة.

أما عهود البشرية خلال الوحشية و البربرية، فهو بعيد عن التجريد الماركسي كل البعد. و انجلز و ان حاول ربط تطورها بتطور وسائل الانتاج، إلا أنها عهود حضارية أو مدنية، و ليست عهودا اقتصادية كالعهود الخمسة، الماركسية. فلا بد أن وسائل الانتاج قد أثّرت في التطوير الحضاري من دون الاحتياج إلى علاقات الانتاج أو التناحر الطبقي، خلافا للنظرية الماركسية.

و معه فحتى لو سلّمنا صدق كل هذه التطورات البشرية، فإنه لا يستلزم بأي حال، صدق النظرية و التجريد الماركسيين. و مرور بعض المجتمعات البشرية بهذا التطور فيما سبق، لا يغني مرور أي مجتمع بدائي آخر بنفس التطور، كما تريد الماركسية أن تقول.

و أما الحديث عن العائلة القديمة في كلام انجلز، فهو أيضا بعيد عن التجريد الماركسي، فإنه يتحدث عن الزواج الجماعي و الثنائي و الآحادي و عن تطور النظام العائلي في الأدوار الأولى للبشرية.

و هو حديث عن جانب واحد، من جوانب المجتمع القديم. و هو جانب غير اقتصادي بطبعه. و من هنا تركت الماركسية التأكيد عليه في «تجريدها الرياضي» إلا في بعض المصادر المتأخرة جدا من كتب الماركسيين مثل بوليتزر و كوفالسون، حين وجدوا ضرورة الربط بين التجريد و التطبيق، من أجل محاولة رفع التنافي بينهما. و قد نقلنا عنهما شيئا من ذلك.

ص:189

- 6 - و لو سلّمنا صحة الربط بين التجريد و التطبيق... فلنا أن نتساءل: ان وسائل الانتاج التي أوجبت تطور البشرية خلال عهود الوحشية و البربرية، و أوجبت تطور العائلة من الزواج الجماعي إلى الثنائي إلى الآحادي، كيف لم توجب زوال عهد الشيوعية البدائية... مع تأكيد الماركسية على ان لكل طور من وسائل الانتاج، شكلا مختلف من علاقات الانتاج، و لا يمكن ان تكون علاقات إنتاج واحدة لطورين أو تطورين من وسائل الانتاج. فهل أصبح المجتمع الشيوعي البدائي محتويا على عدد من علاقات الانتاج، أو أن هذه التطورات لا تغير علاقات الانتاج. إن كل ذلك غير ممكن في النظرية الماركسية.

و ما هو فضل و أهمية هذا التطور في وسائل الانتاج الذي أوجب زوال المجتمع الشيوعي، على التطورات السابقة عليه، التي لم تنتج زواله؟ و أين تأكيدات الماركسية على ان كل تطور في وسائل الانتاج ينتج تغير كل الوضع الاجتماعي بكل تفاصيله و خصائصه.

- 7 - ينتج من هذه المناقشات، اننا ينبغي ان نعترف بوجود المجتمع البدائي و تأخر وجود الدولة عنه، و تأخر وجود المجتمعات عن وجود البشرية... لأن هذا مطابق للطبيعة الأولية لتطور البشرية على ما سوف نرى.

و اما ان المجتمع الأول، قائم على أساس التساوي في التوزيع، و عدم وجود الاختصاص او الملكية، و كذلك مقارنة أية ظاهرة مع مرتبة معينة معروفة لتطور وسائل الانتاج... فهذا مما لا يمكن أن يكون له إثبات تاريخي.

و لعمري ان التطبيق الماركسي، لو لا كونه قائما - إلى حد كبير - على الحدس و التخمين، لكان أقرب إلى التصديق من التجريد الماركسي الذي يعامل التاريخ البشري معاملة الأشكال الهندسية.

- 8 - و هنا لا بد أن نقول كلمة عن الأخلاق و الدين، اللذين ادعت الماركسية وجود هما في المجتمع الشيوعي الأول.

و نحن نتفق معها في وجود هما منذ ذلك الحين، إلا أن ذلك في الواقع، دليل رسوخهما و عمق وجود هما في الذهن البشري، و يكفي أن تعترف الماركسية

ص:190

و هي بالضرورة لا تستطيع أن تنكر، أنهما وجدا قبل أي تطور لوسائل الانتاج و قبل أي وضع اقتصادي أو علاقات الانتاج، و قبل أي وجود طبقي.

بل لا يبعد وجودهما بشكلهما المبسّط قبل وجود المجتمعات، حين كان البشر جماعات متفرقة قليلة الأفراد.

لكننا لا ينبغي ان نخطو إلى الوراء أكثر، لأننا إذا قلنا ان البشرية بدأت من الصفر، حتى بالنسبة إلى التفكير و اللغة، فمن المعلوم ان الدين و الأخلاق لا يمكن أن يدركا من دون تفكير و لا لغة. فإن الدين يتوقف إدراكه على نمو الادراك النظري لدى الانسان. و الأخلاق يتوقف إدراكها على نمو الادراك العملي لديه.

إذن فوجودهما منوط بهذين الأمرين. و غير منوط بأصل وجود البشرية، بناء على هذه النظرية.

نعم لا يمكن أن ننزل بالبشرية، عن مستوى الحيوانات العليا، فإن قلنا - كما يميل إليه بعض الفلاسفة - بوجود درجة من الوعي عند هذه الحيوانات، فلا بد أن نقول بمثله أو بأفضل منه لدى الانسان الأول. و معه فقد يمكن أن نفترض انه يفهم من الدين و الأخلاق شيئا ضئيلا جدا مناسبا مع مرتبة إدراكه. و لعل في حياة العديد من الحيوانات، ما يصلح ان يكون شاهدا على هذا الادراك، و لسنا الآن بصدد تعداده.

هذا و قد سبق أن برهنّا على أصالة الدين و الأخلاق في الضمير الانساني و عدم ارتباطهما بموقف اقتصادي أو اجتماعي معين.

و بطبيعة الحال، كلما ازدادت تجارب الانسان، فردا أو جماعة، ازداد إدراكه النظري و العملي، و كلما ازداد ذلك ازداد للأخلاق و الدين فهما و تعمقا، و اطّلع على حقائق منهما أكثر، و سيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن التخطيط الالهي.

و لعل إدراك الناس للبراءة الأصلية و الفضيلة و الشر و الكبرياء، كأمور سيئة تارة و حسنة أخرى، يحتاج إلى تطور في الادراك العملي إلى مقدار كاف، و ليس من المولّدات الأخلاقية الأولى للذهن البشري... لكنها غير مربوطة في الحقيقة بانتقال البشرية إلى مجتمع الرق، كما أراد بوليتز أن يقول!!.

- 9 - تبقى كلمة واحدة، بالنسبة إلى تحديد زمن انتهاء عصر الشيوعية

ص:191

البدائية، مضافا إلى تعيين ابتدائها.

إن الماركسية تحسن صنعا حين لا تعطي لعهودها التاريخية بشكلها التجريدي وقتا معينا. فإنها قد تزيد و قد تنقص. إلا أنها ذكرت أن عهودا معيّنة قد بدأت و انتهت فعلا. إذن قد اكتسبت تاريخا معينا في عالم التطبيق الفعلي، و من هنا يقع السؤال: إن الواقع التاريخي لعصر الشيوعية البدائية، متى بدأ و متى انتهى؟!...

إن المصادر الماركسية لا تكاد تعطي فكرة محددة حول ذلك؛ و لكن يمكن أن نتصيّد ذلك من كلماتهم.

أما بالنسبة إلى ابتداء المجتمع الشيوعي، فهو يتحدد تجريديا ببدء المجتمعات؛ و لكننا حين نصل إلى عالم التطبيق نجد أن المجتمعات تكونت تدريجا، و لا يمكننا أن نشير إلى نقطة تاريخية محددة تحديدا رياضيا لنقول: انها زمان أو مكان تكون المجتمعات.

إن المجتمعات عند انعقادها الواسع، كانت شيوعية، كما تقول الماركسية، و أما قبل ذلك فما هو حالها... إن هذا أحد نقاط التنافي الكبير بين التجريد الماركسي و التطبيق.

إن الشيوعية البدائية، كما تصفها الماركسية تظهر في تعاون الأسر المختلفة من الناحية الاقتصادية، و بعض النواحي الأخرى. و هذا يصدق على المجتمعات الواسعة نسبيا، و من الصعب أنه صادق على المجتمع الصغير كأسرة واحدة أو نحوها.

إذن، يبقى السؤال واردا بوضوح على الماركسية: إن المجتمع البدائي الشيوعي، هل بدأ مع تكوّن المجتمعات على الاطلاق، أو من توسّع المجتمعات. فالشق الأول هو ما تعرب عنه الماركسية عادة - كمفهوم - و الشق الثاني هو الذي يقتضيه وصفها لذلك المجتمع.

و أما بالنسبة إلى زمن انتهاء المجتمع الشيوعي البدائي من الناحية التطبيقية... فقد يبدو من المصادر الماركسية أنه بقي طويلا في التاريخ.

إن انجلز يتصور النبي ابراهيم عليه السلام يعيش في مجتمع بدائي، و لذا لم يكن يحس بالملكية الفردية، كما نتصورها الآن!!...

قال انجلز:

ص:192

«و من العسير القول ما إذا كان موسى، مؤلف ما يسمى بالكتاب الأول، قد اعتبر البطريرك ابراهيم مالكا لقطعانه بموجب حقه الشخصي بوصفه رئيس مشاعة عائلية، أم بموجب مركزه كرئيس يرث بالفعل عشيرة. هناك أمر واحد لا ريب فيه، هو أنه ينبغي لنا أن لا نتصوره مالكا بمعنى الكلمة الحالي»(1).

بل ان الانجيل نفسه وضع في العصر البدائي نفسه...

قال انجلز:

«و القضية المتعلقة بكيفية نشوء القصص الانجيلية عن المعجزات أنشأت في قلب المشاعة عن طريق تشكّل الخرافات تشكلا غير واع يعتمد على التقليد، أم اختلقها أولئك الذين ألّفوا الأناجيل أنفسه»(2).

و اعتبر بوليتزر - كما سمعنا - بعض أفكار الانجيل كسقوط الانسان، نتيجة لنهاية العصر البدائي و مطلع عصر الرق.

و بغض النظر عن هذا التهافت، بين هذين المفكرين الماركسيين، في أن الانجيل هل وضع خلال عصر المشاعة(3) أو خلال عصر الرق. فإن آلافا من السنين مضت بين بدء المجتمعات و عصر وضع الانجيل. و تكون هذه الآلاف كلها ممثلة للعصر الشيوعي البدائي... على حين لم يبق للعصور المتأخرة عنه سوى ألفين من السنين!!..

و معنى ذلك: انه ليس النبي ابراهيم عليه السلام كان يعيش في العصر البدائي، فحسب، بل موسى واضع ما يسمى بالكتاب الأول - على حد تعبير انجلز - كان يعيش في نفس العصر أيضا... للوضوح التاريخي بأن «العهد القديم» وضع قبل «العهد الجديد» بزمن طويل. و تكون الأسر الفرعونية كلها و ما يقابلها من الآشوريين و البابليين في الشرق الأوسط كلها تعيش في العصر البدائي الشيوعي.

إلا أن هذا كله - مع الأسف - غير محتمل، لوجود عدة نقاط للضعف فيه، نذكر منها ما يلي:

ص:193


1- (1) أصل العائلة لانجلز ص 67.
2- (2) لوفيج فورباخ ص 16.
3- (3) لا يحتمل أن يكون بين وضع القصص و تسجيلها زمان طويل يزيد على الألف عام مثلا، لأن هذه المدة كفيلة بمحو القصص من الأذهان. و من هنا يكون وضع القصص في «قلب المشاعة» مستلزما لتسجيلها في الانجيل في نفس العصر، و معنى ذلك: ان تأليف الانجيل قد تم خلال نفس العصر أيضا.

النقطة الأولى: إن وجود الدولة معناه انتهاء عصر الشيوعية البدائية، لتصريح الماركسيين بأن الدولة إنما أسست بعهده،... و للتنافي الذي يعتقدونه بين التوزيع المتساوي و الطبقية المنتجة للدولة.

و من المعلوم أن العهود المشار إليها: الفرعونية و الآشورية و البابلية و غيرها، كلها محكومة لطبقات أو أسر مسيطرة. و هذا معناه أن البشرية كانت قد اجتازت عصر المشاعة البدائية.

و موسى عليه السلام وجد في عهد الفراعنة، كما أن يسوع المسيح عليه السلام وجد في عصر الدولة الرومانية، إذن فقد وجدا بعد العصر البدائي، و سيأتي أن الماركسية تعتبر المجتمع الروماني مثالا رئيسيا لعصر الرق. إذن، فكيف يكون الانجيل قد كتب في «قلب المشاعة» كما صرح انجلز، مع أنه كتب بعد المسيح يقينا.

النقطة الثانية: ان الكتاب الأول الذي استشهد به انجلز، و هو «سفر التكوين» من التوراة المتداولة، صريح كل الصراحة بوجود الدولة في عصر ابراهيم عليه السلام. و الدولة تعني الخروج من العصر البدائي، كما قلنا و قالوا.

أما في مصر، فقد كان الحكم للفراعنة، و قد ذهب ابراهيم إلى مصر، و كان له مع الفراعنة عدة حوادث نقل الكتاب الأول منها قسطا. منها: أن الفرعون حاول الاستيلاء على زوجته - كما يدّعي الكتاب الأول - إذ يقول:

«فحدث لما دخل ابرام - يعني ابراهيم - إلى مصر، أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا، و رآها رؤساء فرعون و مدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون. فصنع إلى ابرام خيرا بسببها... الخ ما حدث»(1).

و أما في شرق البحر الأحمر، منطقة فلسطين و الأردن و لبنان الحالية، فقد كانت محكومة لعدة أمراء أو ملوك، كما هو واضح لمن راجع أول الاصحاح الرابع عشر من سفر التكوين، و لا حاجة إلى نقله.

النقطة الثالثة: إن الكتاب الأول نفسه صريح بوجود الملكية لإبراهيم عليه السلام، و غيره بالمعنى الذي نعرفه حاليا، خلافا لما قاله انجلز. كل ما في الموضوع أن انجلز كتب ما كتبه مستعجلا بدون الرجوع إلى المصدر الذي استشهد به.

ص:194


1- (1) سفر التكوين 14/12-16.

إن عددا من فقرات الكتاب الأول دال على ذلك. يكفي أن ننقل منه هذه الفقرة الدالّة على أنه كان لإبراهيم أملاك و أغنام: و كان للوط أيضا مثلها، فوقعت خصومة بين رعاة ابراهيم و رعاة لوط. و لا يمكن أن تقع الخصومة إلا نتيجة للشعور الأكيد و الوطيد بالملكية... فكان أن افترق الرجلان و تباعدا في الأرض، حتى لا تحدث الخصومة بينهما.

«و لوط السائر مع ابرام كان له أيضا غنم و بقر و خيام، و لم تحتملهما الأرض أن يسكنا معا إذا كانت أملاكهما كثيرة. فلم يقدرا أن يسكنا معا، فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي إبرام و رعاة مواشي لوط... فقال ابرام: لا تكن مخاصمة بيني و بينك و بين رعاتي و رعاتك، لأننا إخوان، أ ليست كل الأرض أمامك. اعتزل عني. إن ذهبت شمالا فأنا يمينا و إن يمينا فأنا شمالا»(1).

إذن، فقد كانت الملكية موجودة بوضوح، و وجودها متأخر عن عصر الشيوعية البدائية، كما تعتقد الماركسية، إذن فوجود ابراهيم متأخر عن ذلك العصر لا محالة.

إذن، فلا بد أن يكون العصر البدائي، قد انتهى قبل زمن ابراهيم عليه السلام. و يكون وجوده، كما قلنا فيما سبق، في عصر الرق، لو صح تقسيم الماركسية للتاريخ البشري.

- 10 - أما ما أعطته الماركسية كمبرّر تجريدي لانتهاء عهد المشاعة البدائي، و هو وجود الانتاج الزائد عن الحاجة، و إمكان استغلال قوة العمل الذي أنتج فكرة ملكية الانسان للانسان.

... فمن المنطقي أن ينتج ذلك، أعني الانتاج الزائد، تقويض التوزيع المتساوي، و تكدّس الانتاج الزائد لدى بعض الأفراد، و صيرورة هؤلاء ذوي شأن خاص في المجتمع و امتيازات يفقدها الآخرون. كما أصبح في إمكان هؤلاء فرض السيطرة على جماعة من الناس، و استغلال أعمالهم مجانا لزيادة الانتاج.

كل هذا ممكن...

إلا أن وجود مجتمع الرق من وراء ذلك، غير منطقي و لا ممكن. و ذلك:

أولا: إن استغلال الانسان للانسان، لا يعني تملّكه بالملكية الخاصة،

ص:195


1- (1) المصدر 5/13-10.

بحيث يكون للمالك أن يبيعه أو يهبه، كما هو المفهوم من الرقية. إذ من الواضح أن الاستغلال موجود في أساليب أخرى كالاقطاع و الرأسمالية، و هو غير متوقف على التملك الخاص.

و من الواضح: أن حاجة الرجل القوي المستغل تكون مقضيّة و منفّذة بمجرد حصوله على أعمال الآخرين. فإنه بذلك يحرز لنفسه أكبر مقدار ممكن من الانتاج الزائد الذي يطمع به. أما ملكيته للآخرين بأعيانهم، فهو أمر غير مربوط بالمرة بالانتاج. فهي خصيصة لا توجب زيادة العمل المستهلك، إن لم توجب، من الناحية النفسية نقصانه. فافتراض الملكية تجريديا، خال عن المبرر الصحيح.

ثانيا: إن هذا الاستغلال، قد ينتج سيطرة الأقوياء المستغلين على جماعات من الناس. و أما سيطرتهم على كل الناس أو على أغلبهم، بحيث يصح القول بانقسام المجتمع إلى مالكين و مملوكين فحسب، كما تريد الماركسية أن تقول - تجريديا -، فهو مما لا يصح لعدة أسباب:

أهمها: إن إمكانية الانتاج أساسا لم تكن في ذلك العصر على هذه السعة، التي تحتاج إلى استغلال كل الناس. كما أن المستوى الفكري الذي يجعل الفرد يلتفت إلى إمكان امتلاكه لكل أفراد المجتمع، لم يكن موجودا أيضا.

كما أن الفرد القوي المستغل، يحتاج في إنتاجه الفائض إلى تسويق يتوقف على وجود أناس «أحرار» يبيعون و لا يباعون... لأن الانتاج قد يكون من الغزارة بحيث لا يستطيع الفرد القوي أن يبيعه بنفسه، كما لا يمكنه أن يستغل عبيده لبيعه، لأن العبد ليس له شخصية قانونية و لا يستطيع أن يتولى أية معاملة، في عرفهم. إذن، فيحتاج التوزيع و التسويق إلى أناس أحرار يتكفلونه. إذن، فلا بد أن يكون جزءا كافيا من المجتمع بقي على حريته، ليقوم بهذه المهمة، و ليس من مصلحة المستغلّين استرقاقهم.

هذا هو الذي ينبغي أن يكون «تجريدا» صحيحا، بدل التجريد الماركسي. و سيأتي بعد لحظة كلام الماركسية مفصلا في وصف مجتمع الرق، مع مناقشته.

ص:196

مجتمع الرق

اشارة

- 1 - إن مجتمع الرق هو أول أشكال المجتمع الطبقي، بعد زوال المساواة البدائية، و قد سبّبت العوامل التي أدت إلى زوالها إلى دخول البشرية في عصر الطبقية، خلال عصور: الرق و الاقطاع و الرأسمالية.

حيث «دخلت القوى المنتجة الجديدة في تناقض مع علاقات الانتاج القديم، و محلها حل المجتمع الطبقي مع الملكية الخاصة و مع استثمار الانسان للانسان»(1).

- 2 - «إن المجتمع الطبقي لم يظهر في جميع الأنحاء في وقت واحد. فقد ظهر بادئ ذي بدء في الأودية الخصبة لأنهر: يانتسي و هوانة و النيل و اليانغ و دجلة و الفرات. فإن التربة الخصبة و السهلة على الحراثة في هذه الأودية كانت تعطي غلة جيدة نسبيا، رغم استعمال الأدوات الزراعية البدائية. و من هنا بالذات، قبل أي مكان آخر، أخذ يدبّ الانحلال في المشاعة البدائية و ظهرت العبودية (الرق) شكل الاستثمار البدائي الوحشي الأخشن، الذي كان يضمن لمالك العبيد منتوجا إضافيا، بتخفيض استهلاك المنتج المباشر إلى الحد الأدنى المطلق»(2).

إن هذا التحول الاجتماعي الكبير، منوط أيضا، بتطور القوى المنتجة، في نظر الماركسية، طبقا لقاعدتها العامة في كل تحوّل.

«فعوضا عن الأدوات الحجرية، أصبحت عند الناس الآن أدوات معدنية، و بدلا من اقتصاد يقتصر على صيد ابتدائي فقير، و يجهل تربية المواشي و الزراعة، تشهد ظهور تربية المواشي و الزراعة و حرف شتى. و تقسيم العمل بين هذه الفروع المختلفة للانتاج، كما شهد ظهور إمكان تبادل المنتجات بين الأفراد و الجماعات و إمكان تراكم الثروة في أيدي عدد ضئيل من الناس و تكديس وسائل الانتاج بصورة فعلية في أيدي الأقلية، و إمكان جعل الأكثرية خاضعة للأقلية، و تحويل أكثرية الناس إلى عبيد»(3).

ص:197


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون ص 125.
2- (2) المصدر و الصفحة.
3- (3) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 49.

- 4 - و تعطي الماركسية للرق، مضافا إلى الأوصاف السابقة، ما يلي:

«إن العبد الرق بالنسبة إلى المالك يستطيع بيعه و شراءه و قتله كالماشية»(1).

«كان العبد ملكا مطلقا لسيده، الذي كان يستطيع أن يتصرف به تصرفه بالسوائم.

و كان العبيد محرومين من كل الحقوق المدنية حتى الأساسية منها. و كان أسيادهم يستطيعون قتلهم دون أن ينالهم عقاب.

و من الواضح أن شروطا كهذه كانت تجعل من الضروري اللجوء إلى العنف لارغام العبيد على العمل. فكان استثمار العبد الفظيع سبب تهدم قواهم السريع، فإذا عجزوا عن العمل قتلوا. و كان من الضروري لاستبدال الموتى بغيرهم، و لتوسيع الانتاج أن يكون هناك فيض لا ينقطع من العبيد، فكان الأسياد يتداركونهم عن طريق الحروب التي تشنها الدول النخاسة على الدوام تقريبا»(2).

«هنا يسود العمل الاجباري عمل عبيد يستثمرهم سادة عاطلون منعمون، و لهذا لم تبق أيضا ملكية مشتركة لوسائل الانتاج و لا المنتجات إذن، فقد حلّت محلها الملكية الخاصة هنا يصبح سيد العبيد هو المالك الأول و الرئيسي، المالك المطلق.

أغنياء و فقراء، مستثمرون و مستثمرون، أناس لهم كل الحقوق و أناس ليس لهم أي حق، نضال حقيقي طبقي حاد بين هؤلاء و أولئك تلك هي لوحة نظام الرق!...»(3).

- 5 - و لم تستطع الماركسية أن تعرض عن ضغط الفكرة القائلة بوجود طبقات اجتماعية عديدة، أهمها التجار «الأحرار» الذين أشرنا إلى ضرورة وجودهم في مجتمع الرق.

قال بوليتزر:

«و قد نشأ داخل مجتمع الرقيق طبقات أخرى. فقد ظهرت طبقة العمال اليدويين حينما انفصلت المهن عن الزراعة. ثم ولد ازدياد التبادل تبادل السلع.

و من هنا نشأت تناقضات جديدة و لما كانت طبقة التجار وسيطا لا غنى عنه بين منتجين، فقد جمعت بسرعة ثروات ضخمة، و أصبح لها تأثير اجتماعي يناسب هذه الثروات. و أخذت تنافس الملاّكين، لتوجيه السياسة حسب مصالحها الطبقية.

غير أن هذه التناقضات الثانوية لا يجب أن تخفي التناقض الأساسي ذلك: لأن الرق

ص:198


1- (1) المصدر و الصفحة.
2- (2) نظرات علمية في الاقتصاد السياسي: سيغال ص 21.
3- (3) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 49-50.

يساعد على زيادة الثروات و الانتاج الذي تعيش منه التجارة. و تزيد زيادة الانتاج قيمة قوة العمل الانساني، فيصبح من الصعب الاستغناء عن الرق الذي يصبح عنصرا أساسيا في النظام الاجتماعي»(1).

- 6 - و من حيث التطبيق، وجدت الماركسية خير مثال لعصر الرق، ما كان عليه الحال في الدولة الرومانية، إلى جانب ما كان عليه الحال في أجزاء كثيرة من اليونان، في عصر سابق أو معاصر للدولة الرومانية.

«إن اليونان القديمة و روما القديمة هما ذلك «الموديل» لمجتمع العبودية(2).

ففي اليونان كان «الحق الأبوي مع توريث الملكية للأولاد ييسر تراكم الثروات في العائلة و يجعل من العائلة قوة في وجه العشيرة، و الفوارق في الملكية تؤثر بدورها في تنظيم الادارة بخلقها أولى أجنة الأريستوقراطية الوراثية و السلطة الملكية و العبودية التي كانت لا تشمل في البدء غير أسرى الحرب، تفتح السبيل أمام المستعبد لاستعباد أعضاء قبيلته بالذات و حتى أعضاء عشيرته.

و الحرب القديمة بين القبائل تتحول من ذاك إلى عملية نهب و سلب في البر و البحر لأجل الاستيلاء على الماشية و العبيد و الكنوز، و تتحول بالتالي إلى مصدر عادي للكسب إلى حرفة»(3).

«و نما عدد العبيد نموا ملحوظا، و من الأرجح أنه زاد كثيرا في ذلك الوقت على عدد الاثينيين الأحرار»(4).

و في روما كان الملاّكون الاريستوقراطيون «يحرثون بواسطة العبيد العقارات الشاسعة المتكوّنة على هذا النحو»(5).

و لا بد أن العدد الذي يتهيأ له من العبيد حراثة المساحات الشاسعة، عدد كبير فعلا.

- 7 - و يستمر التجريد الماركسي، ليصف زوال مجتمع الرق و تبدله إلى الخطوة التالية، في تسلسل المادية التاريخية، و هو المجتمع الاقطاعي.

و ينطلق أيضا إلى ذلك من القانون الكوني الديالكتيكي و قانون تطور

ص:199


1- (1) أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر و آخرين ج 2 ص 70.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون ص 128.
3- (3) أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدولة: انجلز ص 140-141.
4- (4) المصدر ص 148.
5- (5) المصدر ص 171.

وسائل الانتاج.

«لقد كان نظام الرق شكلا اجتماعيا ضروريا من أشكال تطور القوى المنتجة، في مرحلة معيّنة من مراحل التاريخ. و لكن هذا التطور بدوره كان سببا لانحطاط هذا النظام»(1).

«و تدريجا أخذ المجتمع العبودي يتحول بسبل و أشكال معقّدة و متناقضة إلى مجتمع إقطاعي»(2).

«و إذا كان نظام الرق في عهد نشأته و في أيامه الأولى عاملا في تطور القوى المنتجة، فلقد أصبح فيما بعد سببا لتهديم هذه القوى. و كان هذا الانحطاط في القوى المنتجة أن يؤدي بدوره إلى انحلال الرق و زواله. و على قدر ما كان يزداد الافقار الشامل و انحطاط التجارة و الحياكة و الزراعة كان عمل العبيد ينقطع عن أن يكون عملا مفيدا و ذا ريع»(3).

لم يعد الرق يعطي أية فائدة، و لذلك كان يموت شيئا فشيئا، و لكنه كان يترك وراءه ابرته السامة، و هي احتقار الرجال الأحرار للعمل المنتج... فنظام الرق لم يعد من الناحية الاقتصادية نظاما يمكنه البقاء و عمل الرجال الأحرار، كان أخلاقيا، موضع الاحتقار، فالرق لم يعد يمكن أن يكون أساس الانتاج الاجتماعي، و عمل الأحرار لم يكن يمكنه حتى ذلك الوقت أساسا له. و كان العلاج الوحيد لهذه الحالة، ثورة كاملة»(4).

- 8 - و لهذا التجريد تطبيقه أيضا على نفس النموذج المفضّل، و هو المجتمع الروماني، فالماركسية تروي لنا كيف زال الرق من المجتمع الروماني.

«عند ما كان اقتصاد نظام الرق قويا و ثابتا، انتهت تمرّدات العبيد التي كانت تحدث من آن لآخر إلى الفشل. (و أكبرها جميعا تمرد سبارتاكوس من سنة 73-71 ق م) و لكن الوضع تغير تماما مع انحطاط اقتصاد نظام الرق و انحطاط الامبراطورية بوجه عام، و قد تكلّمنا عنه آنفا.

و قد اتخذت تمرّدات العبيد منذ القرن الثاني للميلاد، شكلا أكثر حدة، و صادفت - على الأغلب - تأييدا من قبل الطبقات الفقيرة من السكان الأحرار - و هو أمر له أهمية خاصة.

و صادف في الوقت عينه أن بدأ البرابرة الجرمان يتوغّلون في أراضي الامبراطورية الرومانية، التي كانوا معها في حالة حرب منذ عدة قرون، فسهّل هجوم الجرمان تمردات

ص:200


1- (1) نظرات علمية: سيغال ص 22.
2- (2) المادية التاريخية: كوة فالسون ص 129.
3- (3) نظرات علمية ص 22.
4- (4) المصدر ص 25 نقلا عن أصل العائلة لانجلز.

العبيد، في هزيمة روما على يد الجرمانيين و أدّت هذه الهزيمة من جديد إلى الاسراع في سير ثورة العبيد و تصفية نظام الرق.

... لقد أخذ الفاتحون الجرمان ثلثي مجموع أراضي الرومان و وزّعوها على «البطون» و العائلات، و لكن قسما هاما من الأراضي المفتوحة وزّعها الملوك على القادة العسكريين الذين أعطوها بدورهم إلى محاربيهم، ليتصرفوا بها تصرفا دائما دون أن يكون لهم حق بيعها أو التخلي عنها للآخرين.

إن هذه الأراضي التي بقيت تحت سلطة الملك العليا، سميت إقطاعات و سمي أصحابها أسيادا إقطاعيين... و هكذا نشأت حوالي القرن التاسع الاقطاعية أو النظام الاقطاعي»(1).

مناقشة مجتمع الرق

لا ينبغي أن ننكر وجود بعض المجتمعات في التاريخ، اعترفت بالرق، و بملكية الانسان للانسان، و كثر فيها العبيد، و كان لهم أثرهم فيها.

و إنما ينبغي أن تنطلق المناقشة من زاوية وجهة نظر الماركسية من حيث كون المرور بمثل هذه المرحلة ضروريا من ناحية و لازما لكل البشرية بدون استثناء.

كيف، و يوجد ضد إمكان الالتزام بصحة هذا التعميم عدة نقاط للضعف:

النقطة الأولى: إن نظام الرق، و إن وجد في المجتمع اليوناني و الروماني، إلا أنه لم يشمل مناطق أخرى من العالم.

قال كوفالسون:

«إن اليونان القديمة و روما القديمة، هما ذلك «الموديل» لمجتمع العبودية الذي يحكمون بموجبه أحيانا كثيرة على كامل مرحلة الأزمنة الغابرة. و لكن هذا الموقف غير دقيق تاريخيا.

ففي مصر و الهند و الصين سار التطور في الأزمنة الغابرة بأشكال مختلفة بعض الشيء، فإن العبودية لم تتطور هناك بمثل ذلك الاتساع الذي تطورت به اليونان و روما.

إن نظام المشاعات الريفية المنغلقة نسبيا قد أنشأت طرازا من مجتمع سمّاه ماركس بالأسلوب الأسيوي للانتاج. و أسلوب الانتاج هذا، أ هو تشكيلة اجتماعية خاصة أم لا. إن

ص:201


1- (1) المصدر ص 25-27.

هذه المسألة لا تزال قيد المناقشة. و لكنه واضح على كل حال، انه طراز أصيل فريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا، و قلما طرأ عليه تغير و تطور. و إن هذا يميّزه بكل حدة عن عالم البحر الأبيض المتوسط الدينامي جدا، من حيث مقاييس ذلك الزمن»(1).

إذن، فمصر و الهند و الصين لم تمر بنظام الرق، و إنما مرّت بنظام آخر يختلف تماما عن عالم البحر الأبيض المتوسط عالم الرق الموجود في اليونان و الرومان. فكيف صح ذلك، و تحقق في عالم الوجود، إذا كانت الضرورة التاريخية لتطور وسائل الانتاج، تقتضي وجود نظام الرق على أي حال؟!.

النقطة الثانية: إن الماركسية لا تستطيع أن تبتّ بشيء جزمي في هذا الأمر الذي هي بصدده، لأنها تعترف بوجود الغبار الكثيف على التاريخ المانع من الرؤية التفصيلية و الذي يجعل أكثر التفاصيل تقوم على الحدس و الاستنتاج الشخصي دون النقل الموثوق.

ففي كتاب أصل العائلة كرر انجلز عدة مرات هذه الحقيقة، و خاصة بالنسبة إلى النموذجين المفضّلين: المجتمع اليوناني و الروماني. و إذا كان هذان المجتمعان خفيين في تاريخهما، و هما أوضح تاريخا و أشهر من أكثر مناطق العالم، فكيف بغيرهما من المجتمعات.

ففيما يخص التاريخ اليوناني، قال انجلز:

«إن تاريخ أثينا السياسي حتى سولون، ليس معروفا بصورة كافية»(2).

و قال في موضع آخر:

«نحن لا نعرف التفاصيل بدقة»(3).

و فيما يخص التاريخ الروماني قال:

«و بسبب الظلام الكثيف الذي يلفّ تاريخ روما الأسطوري البدائي - و هو ظلام شدّده كثيرا ما بذله علماء القانون المتأخرون الذين تشكّل مؤلفاتهم مصادرنا من محاولات لتفسير التاريخ بطريقة براغماتية عقلانية، و ما قدّموه من أوصاف و عروض بالطريقة ذاتها - يستحيل قول أي شيء دقيق»(4).

و إذا كان التاريخ مجهولا، و الظلام كثيفا، و القول الدقيق متعذرا،

ص:202


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون ص 128.
2- (2) أصل العائلة ص 144.
3- (3) المصدر ص 149.
4- (4) المصدر ص 169.

فكيف يصح أن نستنتج النظرية منه. و المفروض بالماركسية أن تستنتج النظرية من الواقع، دون العكس، كما ألمعنا إليه مكررا.

النقطة الثالثة: إن التجريد الماركسي، يفترض أن مجتمع الرق منقسم إلى طبقتين: قلة مالكة متنفّذة، و كثرة كاثرة مملوكة مجرّدة من كل الحقوق.

إلا أن التطبيق مناف لهذه الصورة من عدة جهات نشير إليها باختصار:

الجهة الأولى: إن نسبة الأحرار إلى العبيد كانت كبيرة، لا كما يتوقّعها التجريد الماركسي.

قال انجلز عن المجتمع الأثيني:

«كان مجمل عدد المواطنين الأحرار بمن فيهم النساء و الأطفال يبلغ زهاء 90000 (تسعين ألف) شخص. بينما كان عدد العبيد ذكورا و أناثا يبلغ 365000 (ثلاثمائة و خمسة و ستون ألف) شخص. و عدد الموالي من مهاجرين و غرباء و عبيد محررين 45000 (خمسة و أربعون ألف) شخص. و هكذا كان يوجد مقابل كل مواطن راشد من الذكور 18 عبدا على الأقل و أكثر من اثنين من الموالي»(1).

أقول: تكون نسبة العبيد إلى مجموع غيرهم من أحرار و موالي هكذا:

90 + 365/45 /ألف/ألف 73/27365/135 أي حوالي نسبة الثلث إلى الثلثين، و هي نسبة منافية مع التجريد الماركسي إلى حد كبير.

الجهة الثانية: إن المجتمع الروماني، كان منقسما إلى ست طبقات(2)، لا إلى طبقتين، كما ذكر انجلز، خلافا للتجريد.

الجهة الثالثة: إن كثيرا من الأحرار ليسوا فقط، غير مالكين، بل هم فقراء أيضا. نعرف ذلك من النص الماركسي الذي سمعناه يقول:

«و قد اتخذت تمرّدات العبيد منذ القرن الثاني للميلاد شكلا أكثر حدّة. و صادفت - على الأغلب - تأييدا من قبل الطبقات الفقيرة من السكان الأحرار - و هو أمر له أهمية خاصة»(3).

النقطة الرابعة: إن هناك أسباب معينة اقتضت تطور المجتمع واضحة للعيان، غير تطور وسائل الانتاج، و يبدو بوضوح أنه لو لا تلك الأسباب لما

ص:203


1- (1) المصدر ص 155. و يلاحظ ان انجلز يذكر هذه الأرقام بدون الاعتماد على أي مصدر.
2- (2) انظر أصل العائلة أيضا ص 169.
3- (3) نظرات علمية: سيغال ص 25.

حصل تطور المجتمع الروماني من الرق إلى الاقطاع.

فمثلا نعرف من حديث سيغال السابق عن الظروف التي أدّت إلى ذلك، انها متكونة من عدة عناصر. منها: ثورات العبيد التي كانت عديدة في ذلك المجتمع. و منها: - و ربما الجزء الأهم - توغل البرابرة الجرمان في الامبراطورية الرومانية.

إذن، فلولا هذا التوغل لبقي مجتمع الرق ساري المفعول، و الدولة الرومانية مستمرة. إذن، فليس السبب في هذا التطور، هو تطور وسائل الانتاج في المجتمع الروماني.

أضف إلى ذلك: أن سيغال أوضح: ان الجرمان تقاسموا الأراضي فيما بينهم، فصار مالك كل قسم إقطاعيا. فلولا هذا التنظيم الذي أحدثوه لما وجد الاقطاع في الدولة الرومانية. إذن فالاقطاع مستند إلى الغزو الخارجي، لا إلى تطور وسائل الانتاج في ذلك المجتمع، أو إلى شعور الملاّكين بأن الفلاّح أكثر إنتاجا من الرقيق، على ما سوف نسمع من الماركسية في شرحها التجريدي لأسباب وجود الاقطاع.

النقطة الخامسة: ان مجتمع الرق، من زاوية ماركسية، موجود قبل المجتمع اليوناني و الروماني بكثير. فالفراعنة في مصر، و ملوك الشرق الأدنى من البابليين و الآشوريين و غيرهم، لا بد للماركسية أن تقول أنهم عاشوا مجتمع الرق، دون المجتمع البدائي، بطبيعة الحال. فلما ذا لم تشر الماركسية إلى ذلك.

و قد سمعنا في النقطة الأولى من المناقشة، من كوفالسون أن مصر لم تمر بعصر الرق. و نظره - كما يبدو - متوجه إلى مصر في الحقبة المعاصرة للدولة الرومانية، و لم ينظر إلى ما قبل ذلك إلى زمن الفراعنة الأقدمين، الذين توافق صفات مجتمعهم، إلى حد ما، ما تعطيه الماركسية من صفات لمجتمع الرق تجريديا.

و على هذا تكون مصر قد خرجت على التجريد الماركسي، لأنها انتقلت من الرق (في عصر الفراعنة) إلى غير النظام الاقطاعي، إلى الأسلوب الأسيوي للانتاج - كما سمّاه ماركس -، الذي هو طراز أصيل و فريد من تنظيم اجتماعي ثابت جدا، و قلما طرأ عليه تغير و تطور، كما سمعنا من كوفالسون.

ص:204

مجتمع الاقطاع

اشارة

- 1 - تربط الماركسية حدوث مجتمع الاقطاع، بقاعدتها العامة، و هي تطور وسائل الانتاج أو قوى الانتاج. و تناقض الشكل الجديد لها مع نظام مجتمع الرق.

قالت على لسان بعض كتّابها المحدثين، و هو الطف ما وجدناه للتجريد الماركسي في تصوير هذه الفقرة:

«و في ظروف مجتمع الرق حدث تطور تال للقوى المنتجة رفعها إلى مرحلة جديدة. ففيه حدث تحسين في عملية صهر المعادن و صناعة الحديد، و انتشار المحراث الحديد و نول النسيج، و تطور زراعة الأرض و إنشاء البساتين و صناعة الخمور و الزيوت. و على هذا الأساس تتغير و تتحسن تجربة و مهارات العمال.

كانت قوى الانتاج المتطورة، تتطلب أن يكون لدى كل شغيلة نوع من المبادرات في الانتاج و المصلحة في العمل. و كان الرق الذي تساوى مع أداة العمل الجامدة يعرقل إدخال تكنيك جديد، لأنه كان ينظر إليه بعين العداء.

و لقد كان الرقيق يصب جام غضبه و يفرغ نقمته على أدوات العمل و غالبا يقوم بتحطيمها و لهذا كانت تصنع الأدوات، عن قصد، فجة و دون توفر المهارة.

و كان الرقيق الذي يعمل تحت العصا ذا إنتاجية عمل جد منخفضة. إن إدخال أدوات جديدة أكثر صلاحية، كان يتطلب تغيير علاقات الانتاج في مجتمع الرق. كانت الضرورة الاقتصادية تجبر على رفض استخدام الرقيق باعتباره خال من المصلحة و الاهتمام بالعمل.

و لقد تجلّت هذه الضرورة في التناقض الصارخ الذي كان مصدر تفسخ و انهيار نظام عهد الرق. و ينحصر هذا التناقض في أن العمل (الذي هو الشرط الأساسي لوجود كل مجتمع) يصبح هنا غير قمين بالانسان، يصبح لعنة على جماهير الأرقاء. و ليس في وسع الناس أن يعيشوا بدون عمل، لكن في وسعهم أن يعملوا كثيرا و يبقوا أرقاء.

كان المخرج في التناقض هو في تحطيم علاقات إنتاج عهد الرق و الطبقات المرتبطة بها، و في خلق علاقات إنتاجية جديدة تضمن للمنتجين المباشرين و لو جزءا يسيرا من الاهتمام

ص:205

بالعمل»(1).

و يتلخص هذا الكلام عن انهيار مجتمع الرق و قيام مجتمع الاقطاع على أنقاضه بالأسباب التالية، يمكن تلخيصها كما يلي انطلاقا من التصورات الماركسية العامة:

السبب الأول: تطور وسائل الانتاج، الذي يقتضي بشكل ديالكتيكي و خارج عن إرادة الانسان، تحوّل النظام الاجتماعي.

السبب الثاني: أن الرقيق كان ذا قوة إنتاجية منخفضة، لا تفي بإطماع المالكين و طموحاتهم إلى الربح الوفير، و من هنا استبدلوا بفكرة الرق فكرة الاقطاع(2).

السبب الثالث: ان الأرقاء أنفسهم باعتبار سوء ظروفهم المعاشية و الاجتماعية كانوا يقومون بتمردات و ثورات عديدة، حتى أنهم كانوا يحطمون أدوات الانتاج نفسها، و يعملون الجديد منها بدون مهارة و لا إخلاص. و هذا التمرد أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الرق و قيام الاقطاع.

السبب الرابع: ان نظام الرق في بعض مراحله الأخيرة، اقتضى أن يبقى الرقيق بدون عمل، و هذا مناقض مع طبيعة الناس الاجتماعية و المعيشية فاقتضى ذلك تغيير علاقات الانتاج القديمة و إبدالها بغيرها، من أجل الحصول على العمل.

أما أنه هل يمكن اجتماع هذه الأسباب كلها، أو لا بد أن يصدق بعضها دون بعض، و هل هي متفقة على نتيجة واحدة أو لا فهذا ما سيأتي عند المناقشة.

هذا كله على مستوى التجريد الرياضي، الذي هو مصدر الالهام الرئيسي للماركسية.

و هو بالرغم من أهميته لم نجده إلا في مصدر متأخر جدا من مصادر الماركسية.

- 2 - أما أغلب المصادر الماركسية، فهي تنطلق إلى وجود المجتمع الاقطاعي، من التطبيق، من تحول المجتمع الروماني من الرق إلى الاقطاع. و قد سمعنا من

ص:206


1- (1) المادية التاريخية لعدد من الكتاب السوفييت ص 166 و ما بعدها.
2- (2) و هذا السبب هو الذي أكد عليه ستالين في كتابه المادية الديالكتيكية ص 50 و ما بعدها.

«سيغال» مختصرا عن ذلك فلا نعيد.

- 3 - و تشرح الماركسية مميزات المجتمع الاقطاعي، و وجهات تفوّقه عن مجتمع الرق، من زاوية كونه يعتبر خطوة تقدمية بالنسبة إليه، فتقول:

«يمثل النظام الاقطاعي تطورا في الملكية الخاصة، و أساسه الاقتصادي هو ملكية السيد الاقطاعي لوسائل الانتاج، و كذلك ملكيته المحدودة للعامل القين.

لم يعد بإمكان الاقطاعي أن يقتله، و إن كان يمكنه أن يبيعه أو يشتريه. و لا يملك القين، سواء كان فلاحا أو عاملا يدويا، شخصيا، إلاّ آلاته و ما اقتصده على أساس العمل الشخصي. و هكذا يمكنه أن يكوّن عائلة»(1).

«و خلافا للعبد، كانت تتوفر للفلاح في المجتمع الاقطاعي فرصة العمل في قطعته من الأرض، و كان يبقى له حد أدنى من المنتوج، ضروري لأجل تجديد إنتاج قوة العمل. و كان بإمكان الفلاحين في أغلب الأحوال أن تكون لهم عيالهم، حتى و إن كانوا في حالة تبعية قنّيّة.

و لهذا لم يكن تجديد إنتاج قوة العمل مرتبطا بالضرورة بالحروب، و لم يكن طابعه التبديدي بنفس الضراوة التي كان عليها في ظل نظام العبودية.

لقد كان العبد بمنزلة الأداة. أما الفلاح في النظام الاقطاعي. فقد كان يعتبر إنسانا، و إن كان من الفئة الدنيا من الناس»(2).

- 4 - و تستمر الماركسية، واصفة المجتمع الاقطاعي، فتقول:

إن بنية المجتمع الاقطاعي الطبقية معقدة نسبيا، فإن الفوارق الطبقية فيه مستورة الانقسام إلى فئات و مراتب. فالانسان ينتسب منذ ولادته إلى فئة أو مرتبة معينة. فهو إما نبيل أو فلاح، إما تاجر أو حرفي. و الانتقال من فئة إلى أخرى صعب للغاية. و تسود فئتان متميزتان هما فئة النبلاء و كبار رجال الدين.

... و تتميّز الدولة الاقطاعية بالملكية المراتبية أو المطلقة، و تتميّز ايديولوجيتها بسيادة الدين بلا منازع. و الدولة و الكنيسة اللتان هما مؤسستان كلّيتا الجبروت من مؤسسات هذا المجتمع تصونان و تحميان ملكية الطبقة السائدة و امتيازاتها»(3).

«و اتخذ الاستثمار الاقطاعي للفلاحين شكلين رئيسيين:

1 - إجبار الفلاح على أن يعمل مجانا أياما معينة من الأسبوع في حقول السيد (و هي السخرة).

ص:207


1- (1) أصول الفلسفة الماركسية، بوليتزر ص 72 ج 2.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون ص 129.
3- (3) المصدر ص 130.

2 - إجباره على تسليم جزء من محصول أرضه الخاص (و هي الاتاوة).

و كان الفلاح يملك حق ترك سيده لينظم إلى سيد آخر، و لكنه لا يستطيع - مع ذلك - ان يتحرر من السيادة الاقطاعية»(1).

- 5 - «و كان المنتجون الحرفيون المستقلون الذين يقطنون في المدن و ينتجون بقصد البيع، يسدون قسما كبيرا من حاجاتهم بما ينتجونه بعملهم الخاص (فكانوا يملكون مواش و بستانا و حقلا في بعض الأحيان). و كان التبادل محليا على الأخص و يجري بين المدينة و القرى المجاورة لها.

و إلى جانب هذا كانت هناك تجارة المنتجات المستوردة من البلاد الأخرى، و خصوصا الأشياء الكمالية و الافاويه (البهارات) و غيرها. و لكن لم يكن هناك تقريبا تبادل بين المناطق المختلفة لكل قطر.

و لما كان طابع الانتاج طبيعيا، و كان تطور المبادلات ضعيفا، و كانت الطرق و المواصلات سيئة، كانت البلاد مجزّأة إلى مقاطعات و مناطق مستقلة.

... و مع تطور التبادل، أخذ استثمار الفلاحين يزداد خطوة فخطوة، فكلما اتسع التبادل و كلما استطاع السيد الاقطاعي شراء أشياء كمالية و أسلحة لمحاربيه، كلما وجب عليه - بالتالي - ان يستنزف من فلاحيه أكثر مما كان يستنزف أولا. فصارت حقول الأسياد تتسع على حساب أراضي الفلاحين. و السخرات تزيد و معها تزيد الاتاوات»(2).

- 6 - ثم تشرح الماركسية على طريقتها التجريدية أسباب زوال الاقطاع، و انحطاط المجتمع الاقطاعي، قائلة:

في البداية «تظل صور نضال القيون بدائية: كالهرب من منطقة السيد، و تنظيم العصابات في الغابات، و القيام بالثورات لمحاولة القضاء على السجلات التي سجل عليها السيد ما يتوجب عليه»(3).

ثم توجد «بداية منازعات جديدة: إذ تولد فئة القيون التي مارست الصناعة اليدوية و من ثم التجارة، طبقة جديدة. و يزداد تناقض المصالح بين هؤلاء «البرجوازيين» إذ يجب على هذه البرجوازية الفتية أن تنمي قوى الانتاج، و ان تكون قوة اقتصادية كبيرة. و تصبح علاقات الانتاج الاقطاعية، التي كانت في البدء مطابقة لطابع قوى الانتاج، عامل تأخر،

ص:208


1- (1) المادية الديالكتيكية، ستالين ص 50.
2- (2) نظرات علمية في الاقتصاد السياسي، سيغال ص 28.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر و آخرين ج 2 ص 73.

فتتحوّل إلى عوائق لهذه القوى. و يبدو التناقض بين البرجوازية و الاقطاعية، بعد أن كان ثانويا، قد تولد عن نمو قوى الانتاج داخل نظام الرق، فيظهر على المسرح ليقوم في النهاية بالدور الرئيسي»(1).

- 7 - و أما مجتمع الاقطاع من حيث التطبيق، فلا يحتاج إلى أي تأكيد، فإنه أوضح من أن يوصف. أن أوروبا عاشت عدة قرون تحت هذا النظام، ابتداء بالغزو الجرماني للدولة الرومانية و انتهاء بالثورة الفرنسية التي كانت الحلقة الرئيسية الأولى في بناء البرجوازية الرأسمالية.

و من هنا كان للماركسية أن تمثّل لتمردات الفلاحين (الأقنان) على ذلك النظام بحركة الجاكيين في فرنسا في القرن الرابع عشر، و حرب الفلاحين في ألمانيا في القرن السادس عشر، و تمردات رازين بوغاتشيف في روسيا(2).

و ستأتي إيضاحات أخرى عن زوال الاقطاع، من حيث التجريد و التطبيق عند الكلام عن حدوث الحلقة التالية للمادية التاريخية الماركسية.

ص:209


1- (1) المصدر و الصفحة.
2- (2) نظرات علمية لسيغال ص 30.
مناقشة المجتمع الاقطاعي

لا ينبغي أن نختلف مع الماركسية في أن عددا من بلدان العالم، و خاصة في أوروبا، مرت بعهود ملكية الأراضي الواسعة، المسماة بالاقطاع.

و إنما النقاش ينبغي أن يبدأ في إمكان ضرب القاعدة العامة لضرورة مرور أي مجتمع بشري بهذا النظام، كما أرادت الماركسية أن تقول... مع التأكد من صحة أو عدم صحة الأوصاف المعطاة لهذا النظام، و انطباق التجريد مع التطبيق، و نحو ذلك من المناقشات.

- 1 - لا بد أولا أن ننظر في مدى صحة الأسباب التي رأى التجريد الماركسي وجود المجتمع الاقطاعي على أساسها. و هنا لا حاجة إلى تكرار الأسباب، و إنما نبدأ بالمناقشة رأسا.

أما السبب الأول، ففي عدة نقاط ضعف نذكر منها ما يلي:

النقطة الأولى: ان خروج هذا التطور عن إرادة الانسان، ينافي ما ذكر في السبب الثاني من أن المالكين هم الذين اختاروا هذا النظام، و جعلوه البديل الأفضل لنظام الرق. و هو السبب الذي أكد عليه ستالين، كما عرفنا.

كما ينافي أيضا السبب الثالث، و هو أن الأقنان بثوراتهم العديدة هم الذين أجهزوا على نظام الرق، و أقاموا مجتمع الاقطاع.

فإن أجابت الماركسية: أنهم أرادوا ذلك قهرا، طبقا لضرورة القانون لا بالوعي و الاختيار.

قلنا في جوابه: أن هذا منسجم مع القوانين العامة التي آمنت بها الماركسية إلا أنه ينافي أمرين:

الأمر الأول: ان الماركسية - كما عرفنا - جمعت بين الضرورة و الاختيار فأثبتت للانسان اختيارا و وعيا، و نفت الضرورة الجبرية المطلقة. إذن فالأقنان

ص:210

كانوا مختارين في ثوراتهم، غير مجبورين. و هو ينافي السبب الأول.

الأمر الثاني: ان الماركسية صرحت بكل وضوح، على ما سوف يأتي، أن مرحلة الاشتراكية، لا يمكن أن توجد إلا بالعمل الواعي من قبل الاشتراكيين و بالارادة الثورية منهم. فإذا كان للاشتراكيين إرادة بصفتهم بشرا - طبعا - فليكن لكل البشر إرادة و وعي، بما فيهم الأقنان و مالكيهم أيضا.

النقطة الثانية: ان من جملة فقرات قانون الديالكتيك الماركسي: أن التغير الكمي يصبح عن طريق الطفرة تغيرا كيفيا، و أن التغير لا يمكن أن يوجد بشكل سلس لا طفرة فيه. و قد عرفنا ذلك فيما سبق.

فأين الطفرة إلى الاقطاع؟!. إن الماركسية لم تذكر أي طفرة أو ثورة اقتضت هذا المعنى، و إنما تبدو الأسباب التاريخية سلسة في إيجاد هذا النظام الجديد.

إن ثورات العبيد كلها فاشلة، كما يخبرنا سيغال(1). و برر ذلك كوفالسون قائلا:

«لأنهم كانوا مشتّتين غير منظّمين، و لأنهم لم تكن لديهم أهداف سياسية واضحة»(2).

و أكبر التمردات جميعا هو تمرد سبارتاكوس من سنة 73-71 قبل الميلاد(3)و هو - بالرغم من أهميته - متقدم جدا على وجود الاقطاع، فلا يصلح أن يكون سببا له، مضافا إلى فشله. إذن، فثورات العبيد لا تصلح أن تكون ممثلة لهذه الطفرة المتوقعة. و لو لا الغزو الجرماني لبقي المجتمع الروماني تحت نير الرق إلى أجل غير مسمى.

و أما الغزو الجرماني نفسه، فهو لا يصلح أن يكون ممثلا لتلك الطفرة لعدة أسباب:

أولا: لوجوده في مجتمع واحد من مجتمعات الرق، و لم تحدّثنا الماركسية عن وجود مثيله في اليونان مثلا.

ثانيا: انه سبب خارجي. و الماركسية تتحدث عن التغير الكيفي الداخلي كغليان الماء الناتج عن تصاعد الحرارة.

ص:211


1- (1) نظرات علمية ص 25.
2- (2) المادية التاريخية ص 131.
3- (3) نظرات علمية لسيغال ص 25.

ثالثا: ان هذا الغزو بمجرده لم ينتج زوال نظام الرق، لو لا أن الغزاة الجرمان قرروا، بعد مدة، توزيع الأراضي و إيجاد نظام الاقطاع.

إذن، فالسبب الأول غير صحيح.

و أما السبب الثاني: فهو قد يكون صادقا على بعض المالكين، إذا أراد أن يحرر عبيده. إلا أنه - مع الأسف - مناف مع التطبيق التاريخي، فإن الذين طبقوا الاقطاع في المجتمع الروماني ليسوا المالكين بل هم الغزاة الجرمان أنفسهم و قد وزّعوها على أنفسهم لا على المالكين السابقين للرقيق. فالمالك لم يصبح إقطاعيا، كما هو المفروض لو صح هذا السبب، كما أن الاقطاعي الجديد لم يكن مالكا للرقيق.

و أما السبب الثالث: فقد عرفنا أن ثورات العبيد وحدها لم تكن بأي حال كافية لقلب النظام في المجتمع الروماني، لو لا الغزو الجرماني. فضلا عما دون الثورة من نشاط لتحطيم آلات الانتاج و عدم صناعتها بمهارة.

هذا، و لم ترو لنا الماركسية، وجود ما يماثل هذه الثورات في العدد و الأهمية في مجتمعات الرق الأخرى.

مضافا إلى أنها كلها متقدمة على زمن زوال الرق، فلا تصلح أن تكون سببا مباشرا لزواله.

و أما السبب الرابع: فهو بمجرده صيغة تافهة جدا، فإن بقاء الناس من دون عمل لا يعني أي شيء ما لم يستتبع تمردا أو ثورة. فإن انتقلنا إلى التفكير في وجود الثورات، استقبلنا التاريخ بما عرفناه من ثورات العبيد و الغزو الجرماني، و قد عرفنا مناقشاتها.

هذا و ينبغي أن نلتفت بدقة، إلى أن ثورات العبيد و بقاء الناس من دون عمل، لا يعني الانتقال إلى نظام الاقطاع بأي حال. كل ما تعنيه وجود الواقع الفاسد و ضرورة تغييره. و أما الحال الجديدة التي يجب أن تطبق في المجتمع، فهذا ما لا يفهمه الجمهور، و لا دليل بأي حال على أن العبيد قد قصدوا تطبيق الاقطاع حين قاموا ثائرين... بل يمكن التأكيد على عدم التفاتهم إلى ذلك.

إذن، فما الذي أدى إلى وجود الاقطاع دون غيره، لو انطلقنا من أحد السببين الأخيرين من الأسباب الأربعة.

إذن، فكل الأسباب التي سردتها الماركسية لا تصح و لا تصلح لإزالة الرق

ص:212

و إيجاد الاقطاع. فإذا كان الاقطاع قد وجد في بعض البلدان، كالمجتمع الروماني خاصة، و أوروبا عامة، فقد وجد لأسبابه الأخرى على الطريقة السلسلة غير الماركسية بعد أن فشلت الأسباب الماركسية في تفسير وجوده، و عدم إمكان وجوده بدون سبب بالمرة.

- 2 - إن المملوك في المجتمع السابق كان يسمى «رقا» و الفلاح في مجتمع الاقطاع يسمى «قينا». فما هو الفرق بين الاصطلاحين.

قال بوليتزر:

«إن كلمة «قين» نفسها مشتقة من لفظ لاتيني يعني «الرقيق»...»(1).

إذن، فالمفهوم لم يتبدل خلال النظامين، و إن تبدل اللفظ، إلا أن الأوصاف التي يعطيها التجريد الماركسي للفلاح في نظام الاقطاعي - كما سمعنا - لا يمكن أن تجعل منه قينا أو رقيقا، فهو إنسان صالح للتملك، و لأخذ حصة من الحاصل، و للانتقال من سيد إلى سيد، و غير ذلك مما لا يمكن أن يكون صفة للعبد.

نعم، يظهر من كلام سيغال: أن نظام القنانة جاء متأخرا على نظام الاقطاع.

قال:

«و لقد أدى استثمار الفلاحين المتعاظم شدة إلى دفع هؤلاء للهرب، و في سبيل الحيلولة دون هذا الهرب لجأ الاقطاعيون إلى ربطهم بالأرض، فأصبحوا اقنانا، و في ظل القنانة ازدادت تبعيتهم للاقطاعي و توثقت... الخ»(2).

إذن، فليس كل فلاح اقطاعي هو قن، و إنما أصبح كذلك في عصر متأخر، خلافا لسائر المصادر الماركسية التي تعتبر القنانة صفة عامة.

كما انه يمكن القول، طبقا لرأي سيغال: ان الحال ازدادت سوءا، بل رجعت إلى عصر الرق أو ما يشبهه، و هذا مخالف للمفهوم العام للمادية التاريخية الذي يؤكد على سير البشرية إلى الأفضل دائما.

على أنه ما ذا يعني تشريع الاقطاعيين للقنانة؟... هل يعني ملكيتهم

ص:213


1- (1) أصول الفلسفة الماركسية ص 72.
2- (2) نظرات علمية، لسيغال ص 29.

الشخصية على ما كان في عصر الرق تماما؟! ستجيب الماركسية بالنفي! فإذا لم يكن يعني ذلك فلما ذا سمي النظام بالقنانة، و هل القن إلا المملوك بالملكية الشخصية؟! و هل تشديد النكير على الفلاح من الناحية التشريعية يمنعه من الهرب؟ ان التشريع لا يؤثر شيئا ما لم يقترن بقوة السلاح، و مع وجود القوة لا حاجة إلى هذا التشريع، يكفي تشريع الاشراف العام على الفلاحين، بحيث يعاقبون على عصيانه أو الهرب منه. و بهذا تستوفي حاجة النظام الاقطاعي.

و مجرد كون الرقيق في النظام السابق يمكن قتله، بدون عقاب، بخلاف نظام الاقطاع، لا يكفي فرقا بين الانسانين، مع العلم أن العمل الرئيسي لكل من الرق و القين هو الزراعة، و كلاهما قد يستخدم في أعمال أخرى.

- 3 - قلنا فيما سبق: أن ماركس و الماركسيين، لا يرون في الدنيا بلادا إلا أوروبا. فالكرة الأرضية تبدأ بأوروبا و تنتهي بها.

إن حديثها عن المجتمع الاقطاعي، كله طافح بذلك... خذ إليك المجتمع الروماني و المجتمع اليوناني، و هما في أوروبا. و الغزو الجرماني على الرومان لم يحدث إلا في أوروبا و تطبيقات الاقطاع في المانيا و فرنسا و انكلترا و روسيا، كلها تطبيقات أوروبية. و ثورات الفلاحين، بما فيه تمرد سبارتاكوس كلها أوروبية.

إن نظام السخرة، و أخذ الأتاوة، كان منطلقه الأساسي مجتمع أوروبا.

كما أن وجود الدولة و الكنيسة اللذان يدعمان النظام الاقطاعي، إنما كانت في أوروبا. لوضوح أن الكنيسة منطلقة من الدين المسيحي، و هو دين شائع في أوروبا و قليل في غيرها. فإن الدين الشائع في الشرق الأدنى هو الاسلام، و الدين الشائع في الشرق الأقصى هو البوذية. و في افريقيا تشيع أديان و عقائد بسيطة و بدائية، و كذلك في أمريكا قبل اكتشافها، في العصر الذي نتحدث عنه.

و ينتج هذا التركيز على أوروبا، عدة أخطاء في المادية التاريخية، في حدود مجتمع الاقطاع.

أولا: إن الاقطاع الاوروبي، ليس ينبغي بالضرورة، أن يوجد في مناطق أخرى من العالم. فان لأوروبا ظروفها الخاصة التي اقتضت ذلك.

ص:214

بل هو لم يوجد في غير أوروبا، بكل تأكيد، و أبسط دليل على ذلك: انه لو كان قد وجد لذكرته الماركسية كدليل على نظريتها. و ها نحن نعيش في الشرق الأوسط، فلا نجد خلال الحقب الطويلة لتاريخه، ما يماثل الاقطاع الاوروبي، و لا تشكل ملكيات الأراضي التي حدثت فيه إلا جزءا ضئيلا بالنسبة إلى ذلك الاقطاع، و ما يتصف به من سعة و أهمية.

ثانيا: إن هذا الدين الذي يدعم الاقطاع، هو الايديولوجية الكنسية الموجودة في أوروبا. و ليس من الصحيح الزعم: ان اتجاهات دينية أخرى سوف تتورط بنفس الخطأ حين تجابه نفس الظروف كالاسلام و اليهودية و البوذية.

ثالثا: إن سبب تولد البرجوازية الأوروبية التي أجهزت على الاقطاع ليس بالضرورة ينبغي أن يتكرر في البلدان الأخرى... بعد الالتفات إلى النهضة العقلية و العلمية التي قادتها هذه البرجوازية، و قويت على أساسها في أوروبا، مما يبعد جدا توفره في أي بلد آخر، و لم يحدث - تاريخيا - في أي منطقة أخرى إلى حد الآن. و لو لا بوادر تلك النهضة، لكان في الامكان استمرار حكم الاقطاع و الكنيسة على أوروبا إلى الوقت الحاضر.

- 4 - إن التجريد الماركسي بشكله الكامل، يقتضي أن يكون المجتمع الاقطاعي منقسما إلى طبقتين: قلة متحكمة مالكة للأراضي، و كثرة ساحقة من الفلاحين أو الأقنان.

إلا أن هذه الصورة، كانت شاحبة في مجتمع الرق، أصبحت أكثر شحوبا في المجتمع الاقطاعي. إن طبقات كثيرة أخرى موجودة فعلا في أوروبا غير هاتين الطبقتين، و لا يمكن لأحد أن ينكر أثرها في المجتمع.

إن بعض الطبقات أرجعتها الماركسية إلى مصالح الاقطاع نفسه، و إن لم تكن من الاقطاعيين حقيقة كطبقة الحكام السياسيين للمجتمع، و كطبقة رجال الدين الكنسيين. و بعض الطبقات لم تستطع الماركسية بأي حال إرجاعها إلى ذلك بالرغم من أنها تشكل كثرة كاثرة في المجتمع، ككبار التجار و صغارهم و الحرفيين بأقسامهم. مضافا إلى مهن أخرى كالأدباء و الصحفيين و السينمائيين و غير ذلك، و هم يتبعون ذوق الجمهور و رغبته في الغالب، لا انهم يناصرون الاقطاعيين. و ستولي الماركسية طبقة الحرفيين أهمية خاصة في النظام

ص:215

المانيوفاكتوري الجديد، و هو دليل على توفرها بدرجة تستطيع كتابة الصفة الرئيسية للمجتمع.

النظام الحرفي و المانيوفاكتوري

اشارة

و هو النظام الذي وجد في أواخر الاقطاع و بواكير الرأسمالية، حتى أن نظام المانيوفاكتورة، تعتبره الماركسية عهدا برأسه في مقابل الاقطاع و الرأسمالية، و إنما قلّ عنه التركيز و الاهتمام، باعتبار قصر مدته تجاه العهود الأخرى.

و نستطيع أن نواكب الرأي الماركسي حول هذين النظامين: الحرفي و المانيوفاكتوري، ضمن الفقرات التالية:

- 1 - إن المهن الحرفية موجودة خلال عصر الاقطاع نفسه، إلا أنها تدريجا أصبحت تكتسب أهمية متزايدة. و قد لعبت بأهميتها تلك دورا رئيسيا في تاريخ الاقطاع، حتى استطاعت من خلال التطورات اللاحقة الاجهاز على النظام نفسه.

إن التجريد الماركسي يبرز هذه الأهمية، حين يقول:

«حدثت بالمدن تبدلات هامة، فالعلاقات بين المعلمين الحرفيين و صناعهم، أخذت تزداد خطورة، و مثلها العلاقات بين الحرفيين و التجار. و إليك السبب في ذلك:

لقد كان الفلاحون خلال المرحلة الأولى من النظام الاقطاعي، يهربون باستمرار نحو المدن التي كانت مستقلة استقلالا ذاتيا، و يتمتع سكانها بحريتهم الشخصية، فازداد بهذا الشكل - على الأخص - عدد سكان المدن، و كان هذا مفيدا لها أول الأمر، إذ أن قوتها العددية كانت تزيد باللاجئين إليها. و تنفعها هذه الزيادة في نضالها ضد الاقطاعيين.

و لكن هذا التزايد في سكان المدن أوجد خطرا هدّد الحرفيين، هو خطر المنافسة.

فأخذت «المنظمات الحرفية» تعمد إلى التحديد و التضييق في قبول أعضاء جدد في صفوفها، و أطالت مدد التعليم في المهن، و زادت في استثمار الصنّاع، حتى صار من المستحيل عليهم،

ص:216

أكثر فأكثر، أن يصبحوا معلمين حرفيين. و اتخذت المنظمات الحرفية فوق هذا، تدابير أخرى ترمي إلى منع كل الأساليب الجديدة من أن تدخل في الانتاج، و إلى محاربة المنتوجات المستوردة. فكان من جرّاء ذلك ان نشب النضال بين المنظمات الحرفية و بين التجار»(1).

- 2 - «و إليك الآن كيف ولدت المانيفاكتورة الرأسمالية. لقد كان النول الصغير محتكرا في المدن بيد المنظمات الحرفية. فلهذا أخذ الرأسمال التجاري، الذي كان من مصلحته تطوير الانتاج، يوسع دائرة نشاطه إلى ما وراء المدن. فعزز تطور الانتاج الحرفي في الريف و خصوصا إنتاج النسيج، فكان من جرّاء ذلك، أن وقع «الحرفي» البعيد عن السوق تحت تبعية المتعهد الرأسمالي. و قد اتخذت هذه التبعية بالترتيب الأشكال التالية:

فالحرفي في أول الأمر، يبيع منتجاته بأسعار رخيصة. ثم يتلقى من المتعهد نقودا و مواد أولية على سبيل القرض، فيصبح عاملا يشتغل بصنع المواد الأولية التي تخص المتعهد بعدئذ مقدما من عنده آليته الخاصة لا غير، و رابحا بعد جهد ما يكاد يقوم بأوده.

و يأخذ المتعهد بعد هذا، بتكتيل الحرفيين المبعثرين في بناء واحد، حيث يعملون منذئذ كعمال مأجورين محرومين من كل وسيلة إنتاج.

و عندئذ يصبح الرأسمال التجاري رأسمالا صناعيا، و يظهر إلى جانب الانتاج السلعي الصغير الانتاج الرأسمالي الكبير: أي المانيوفاكتورة»(2).

و إن أفضل وصف و تقييم ماركسي للتنظيم المانيوفاكتوري، نجده على لسان كارل ماركس نفسه في كتابه «رأس المال».

فقد حلّلها تحليلا اقتصاديا، فهي من هذه الناحية أولى مراحل «المادية التاريخية» التي تحاول الماركسية تقييمها من الناحية الاقتصادية. و لعل عذرها في ذلك: ان عصر الرق و الاقطاع، و إن كانت عصورا «اقتصادية» و لكنها من البساطة و البدائية بحيث تكون مدركة للنظارة بدون تحليل. و إنما ينبغي أن يبدأ التحليل من حيث يبدأ التعقيد. و أول و أبسط أشكال التعقيد الاقتصادي - لو صح التعبير - هو الانتاج المانيوفاكتوري. و من هنا استحق إعطاءه تحليله الاقتصادي الكافي.

و مهما تكن صحة هذا العذر، فقد اعتبرت الماركسية النظام المانيوفاكتوري نظاما رأسماليا، نتج من الوجود الحرفي في المجتمع و انتج - بدوره - التراكم الأولي لرأس المال.

ص:217


1- (1) نظرات علمية في الاقتصاد السياسي: سيغال ص 30.
2- (2) المصدر ص 32.

«إن التعاون المؤسس على تقسيم العمل، يعني المانيفاكتورة، هو في أوائل عهده ابتداع عفوي، غير واع. و ما أن يكتسب حدا كافيا من المتانة، و أساسا واسعا سعة كافية، حتى يصبح الشكل المعترف به، و الشكل المنظم للانتاج الرأسمالي»(1).

- 4 - نسمع كارل ماركس، يصف شكل المصنع التعاوني المانيوفاكتوري، حين يقول:

«إن معملا واحدا يجمع تحت إمرة رأس المال نفسه حرفيين من مهن مختلفة، ينبغي للمنتوج أن يمر بين أيديهم، لكي يبلغ نضجه الكامل. لقد كانت عربة من العربات هي النتاج الجماعي لأعمال عدد كبير من الحرفيين المستقلين بعضهم عن بعض، كالنجارين و السرّاجين و الخياطين و القفّالين و الأطّارين و الخرّاطين و الحبّالين و الزجّاجين و النقّاشين و الدهّانين و المذهّبين... الخ، لقد جمعتهم مانيفاكتورة العربات جميعا في موضع واحد حيث يعملون في الوقت نفسه و بصورة مباشرة فيما بينهم.

... و ما زلنا حتى الآن على صعيد التعاون البسيط الذي يجد مادته من الناس و الأشياء جاهزة. و لكن سرعان ما يطرأ عليه تغيير جوهري. ان الخيّاط و الاطّار و القفّال... الخ، الذين ليسوا مشتغلين إلا في صناعة العربات يفقدون شيئا فشيئا عادة ممارسة مهنتهم في كل اتساعها، و مع فقدهم هذه العادة يفقدون الطاقة على ذلك.

و من جهة أخرى، فإن مهارتهم المحدودة - الآن - في اختصاص تكتسب الشكل الأكثر ملائمة لهذه الدائرة الضيقة من العمل... على هذا النحو خرجت مانيفاكتورات الجوخ و عدد من المانيفاكتورات الأخرى من طائفة الحرف المختلفة، تحت إمرة رأس المال نفسه»(2).

- 5 - و يقسم ماركس المانيفاكتورة إلى شكلين أساسيين:

«و هذان الشكلان على رغم تشابكهما العرضي، يؤلفان نوعين مختلفين اختلافا جوهريا، يلعبان أدوارا مختلفة جدا عند التحول التالي للمانيفاكتورة إلى صناعة كبرى. و هذا الطابع المزدوج ينتج عن طبيعة النتاج الذي يدين بشكله النهائي، اما إلى ملائمة آلية بسيطة بين منتجات جزئية مستقلة، و اما إلى سلسلة من الطرائق و الممارسات المترابطة»(3).

فالقسم الأول من المانيفاكتورة، ما تضمن صناعة لآليات متفرقة مختلفة

ص:218


1- (1) راس المال: كارل ماركس ج 3 ص 513.
2- (2) المصدر ص 475 و ما بعدها.
3- (3) المصدر ص 483.

تماما يصنع كل منها بأسلوب مستقل، و حين تتحد و تتجاوز و تتفاعل تنتج آلة جديدة. و يمثّل ماركس لذلك بصناعة القاطرة بأجزائها المختلفة الكثيرة، و الساعات بأجزائها الكثيرة أيضا.

«فبعد أن كانت الساعة عملا فرديا لأحد الحرفيين في نورمبورغ، أصبحت النتاج الاجتماعي لعدد هائل من الشغيلة، كصانعي اللوالب و الموانئ و الرزّات اللولبية و ثقوب الياقوت و روافعه و الابر و العلب و البراغي و المذهبين... الخ. و التقسيمات الثانوية كثيرة جدا»(1).

«... و جميع هذه الأعضاء المتفاصلة تجتمع لأول مرة في اليد التي سوف تصنع منها في النهاية كلاّ آليا. و هذه العلاقة الخارجية البحتة للنتاج المنجز، مع مختلف عناصره، تجعل هنا - كما يحدث في كل عمل مماثل - اندماج العمال الجزئيين في المعمل نفسه عرضيا تماما. بل ان الأعمال الجزئية يمكن تنفيذها بمثابة حرف مستقلة بعضها عن البعض»(2).

و يصف ماركس القسم الثاني من المانيفاكتورة، قائلا:

«إن النوع الثاني من أنواع المانيفاكتورة، يعني شكلها الكامل، يقدم منتجات تجتاز مراحل نمو مترابطة. يعني سلسلة من العمليات التدريجية، كما يجري مثلا في مانيفاكتورة الدبابيس؛ حيث تتداول السلك النحاسي أيدي 72 عامل بل 92 عاملا ليس بينهم اثنان يقومان بالعملية ذاتها.

إن مانيفاكتورة من هذا النوع، من حيث هي، تدمج حرفا كانت أولا مستقلة، تنقص المسافة بين مختلف أطوار الانتاج. و هكذا يقصر الوقت المطلوب لانتقال النتاج من مرحلة إلى مرحلة أخرى، و كذلك عمل النقل»(3).

- 6 - و يعطي ماركس رأيه الكامل في المصنع التعاوني هذا، انه يراه أفضل من الصناعة الحرفية المتفرقة بكثير... و لكنه - مع الأسف! - إنتاج رأسمالي لا يمكن الركون إليه.

و تتلخص نقاط القوة التي يراها ماركس للمصنع التعاوني، بما يلي:

أولا: إنه يوفر وقتا في الانتاج، كبيرا جدا بالنسبة إلى الانتاج الحرفي. كما سمعنا منه قبل قليل.

ثانيا: إنه تقسيم تعاوني للعمل:

ص:219


1- (1) المصدر و الصفحة.
2- (2) المصدر ص 484.
3- (3) المصدر ص 485.

«فبعد أن كانت البضاعة نتاجا فرديا لعامل مستقل يقوم بطائفة من الأشياء تصبح النتاج الاجتماعي لجماعة من العمال»(1).

«ان التقسيم المانيفاكتوري للعمل هو تعاون من نوع خاص و لا تأتي فوائده في شطر كبير منها، من هذا الشكل الخاص، و إنما من الطبيعة العامة للتعاون»(2).

ثالثا:

«إن المانيفاكتورة تنتج تفوّق الشغيل التفصيلي بإعادة إنتاج تقسيم الحرف، و دفعه إلى أقصى حدوده. كما وجدته في مدن العصور الوسطى»(3).

رابعا:

«إن نزوعها إلى تحويل العمل الجزئي إلى مهنة لا يتعداها الانسان إلى سواها، طوال حياته، يستجيب إلى ميل المجتمعات القديمة لجعل الحرف وراثية»(4).

خامسا:

«إن عملا متواصلا و وحيد الشكل يؤدي أخيرا إلى إضعاف انطلاق الأرواح الحيوانية و إضعاف توترها حين تجد راحة و سحرا في تغيير نشاطها»(5).

سادسا: إن الانتاج التعاوني يوفر لأي عامل حرفي من الآلات و الأدوات الضرورية في الصناعة ما لا يمكن لأي عامل حرفي باستقلاله أن يملك إلا القليل منها.

«العهد المانيفاكتوري يختصر و يحسّن و يكثّر أدوات العمل، مع جعلها ملائمة للوظائف المنفصلة و المقصورة على عمال جزئيين»(6).

سابعا:

إنها «تنمي الاختصاص المنعزل حتى أنها تجعل منه براعة كبرى... و إلى جانب التدرج التراتبي ينشأ تقسيم بسيط للشغيله إلى بارعين و غير بارعين. و بالنسبة إلى هؤلاء الأخيرين تزول تكاليف المران. أما الأول فتنقص تكاليف مرانهم إذا قورنت بتكاليف الحرفة.

و في الحالتين تفقد قوة العمل من قيمتها»(7).

ص:220


1- (1) المصدر ص 477.
2- (2) المصدر ص 479.
3- (3) المصدر و الصفحة.
4- (4) المصدر ص 480.
5- (5) المصدر ص 481.
6- (6) المصدر ص 482.
7- (7) المصدر ص 495.

- 7 - و تتلخص نقاط الضعف في هذا الشكل التعاوني من الصناعة، في رأي ماركس، في النقاط التالية:

أولا:

إنها «تفكّك الحرفة الواحدة إلى عمليات مختلفة و تعزلها بعضها عن بعض، و تجعلها مستقلة إلى الدرجة التي تصبح كل منها وظيفة العامل الجزئي وحدة»(1).

ثانيا:

إنه «على الرغم من الفوائد التي تأتي بها المانيفاكتورة المدمجة، فهي تكتسب وحدة تكتيكية حقيقية، ما دامت ترتكز على قاعدتها الخاصة. و لا تحصل هذه الوحدة إلا بعد تحوّل الصناعة المانيفكتورية إلى صناعة آلية»(2).

ثالثا: إنها تنتج فقدان العادة على ممارسة المهنة على نطاق واسع. و قد سمعنا كارل ماركس يقول:

«الذين ليسوا مشتغلين إلا في صناعة العربات يفقدون شيئا فشيئا عادة ممارسة مهنتهم في كل اتساعها و مع فقدهم هذه العادة يفقدون الطاقة على ذلك»(3).

رابعا: إن الانتاج المانيوفاكتوري هو إنتاج رأسمالي في الواقع، يدار برأس مال موحد، و ينتج زيادة في القيمة الفائضة، و يكون باستمرار تحت إشراف رأس المال. و هذا ما سنسمعه في الفقرة التالية.

- 8 - إن الزبدة الرئيسية للقيمة التي يعطيها ماركس للمصنع التعاوني، هو كونه ذا صيغة رأسمالية، و قد سمعنا من ماركس أنه ارجع الشكل الواسع لهذه الصناعة إلى الشكل المنظم للانتاج الرأسمالي.

و قال فيما قال أيضا:

«إن التقسيم المانيفاكتوري للعمل يقتضي سلطة الرأسمالي المطلقة على ناس جرى تحويلهم إلى مجرد أعضاء من جهاز يملكه الرأسمالي.

إن التقسيم الاجتماعي للعمل يصنع المنتجين المستقلين، بعضهم إزاء البعض الآخر، أولئك الذين لا يعترفون في الواقع بسلطة غير سلطة المزاحمة، و لا بقوة غير قوة الضغط الذي

ص:221


1- (1) المصدر ص 478.
2- (2) المصدر ص 491.
3- (3) المصدر ص 476.

تفرضه عليهم مصالحهم.

... و هذا الوعي البرجوازي الذي يمجّد تمجيدا متحمسا التقسيم المانيفاكتوري للعمل و الحكم مدى الحياة على الشغيل بعملية تفصيلية و تبعيته السلبية للرأسمالي...»(1).

«إن الازدياد التدريجي لرأس المال الأدنى الضروري للرأسمالي... هو إذن قانون يفرضه الطابع التكنيكي للمانيوفاكتورة.

إن جسم العمل الذي يعمل في المانيفاكتورة تتألف أعضاؤه من عمال تفصيليين هو ملك الرأسمالي. انه ليس إلا شكلا من أشكال وجود رأس المال...

إن المانيفاكتورة، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تخضع فقط العامل لاوامر رأس المال و نظامه الصارم... إنها تشل العامل و تجعل منه شيئا مسيخا بإذكاء النمو الاصطناعي لبراعته التفصيلية... بل الفرد نفسه يجزّأ و يحوّل إلى لولب آلي لعملية واحدة لا يعدوها»(2).

«إن المعارف و الذكاء و الارادة التي يبذلها الفلاح المستقل و الحرفي المستقل، على نطاق ضيق... لا تطلب بعد الآن إلا لمجموع العمل إن القوى الذهنية للانتاج تنمو من جانب واحد، ذلك لأنها تزول من جميع الجوانب الأخرى. و ما يفقده العمال الجزئيون يتمركز إزاءهم في رأس المال»(3).

إن القيمة الزائدة التي يعتقد ماركس وجودها في الانتاج الرأسمالي عموما، موجودة في المصنع التعاوني. لأنه عمل مأجور، و هو مستحق - في رأيه - للعامل نفسه. فإذا استولى عليه صاحب العمل، فقد استولى على حق العامل بلا مبرر.

و من جملة الشواهد على ذلك في كلام ماركس، قوله:

«إن نقصان القيمة النسبية لقوة العمل، ذلك النقصان الناتج عن نقص تكاليف المران أو زوالها، يستتبع فورا، بالنسبة إلى رأس المال زيادة القيمة الزائدة، ذلك لأن كل ما ينقص الوقت الضروري لانتاج قوة العمل، يزيد - من هذه الطريق نفسها - نطاق العمل الزائد»(4).

- 9 - و ما دامت المانيوفاكتورة قد وجدت، فقد وجد النظام الرأسمالي، بشكله الساذج الأولي، منبثقا من أحشاء النظام الاقطاعي بما كان يحمله من تناقضات

ص:222


1- (1) المصدر ص 503.
2- (2) المصدر ص 508-509.
3- (3) المصدر ص 509.
4- (4) المصدر ص 495.

و ما يتضمنه من صراع، طبقا للقوانين الديالكتيكية الماركسية.

- 10 - و من هنا نعرف أنه لما ذا تجعل المادية التاريخية، النظام الحرفي و النظام المانيوفاكتوري، فقرة مستقلة من فقراتها، إلى جانب الاقطاع و الرأسمالية، و ذلك لأن وجودها الاجتماعي لم يكن يناسب ذلك.

فالحرف كانت موجودة و مواكبة لعصر الاقطاع، و إن كانت تمثّل في عين الوقت الطبقة التقدمية التي تقف إلى جانب الشكل الجديد لوسائل الانتاج، و من هنا كتب لها الانتصار، و كتب على الاقطاع الفناء، باعتباره مناصرا مصلحيا مع الشكل القديم لهذه الوسائل.

و لم ينتصر الحرفيون، بصفتهم هذه، و إنما انتصروا على الاقطاع، بعد تحوّلهم التدريجي إلى رأسماليين، عن طريق مرورهم بالنظام المانيوفاكتوري فما يليه من أشكال الرأسمالية التي اجهزت على الاقطاع.

و أما عدم اعتبار النظام المانيوفاكتوري نظاما مستقلا فهو - بكل بساطة - نظام رأسمالي، فيكون لفظ الرأسمالية شاملا له. فإذا قيل أن النظام الذي يأتي بعد الاقطاع هو الرأسمالية، كان شاملا للمانيوفاكتورة. إلا أن أقسام الرأسمالية تصبح أربعة، و ليست ثلاثة، كما تريد الماركسية أن تقول.

هذا كله انطلاقا من تسلسل التفكير الماركسي.

ص:223

المناقشة

ينبغي أن ننطلق إلى المناقشة من التسليم بوجود النظام المانيوفاكتوري في أوروبا.

«الذي استمر - تقريبا - منذ منتصف القرن السادس عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر»(1).

كما لا معنى للمناقشة في تفاصيل التنظيم الداخلي لهذا المصنع التعاوني.

كما لا حاجة إلى المناقشة في أفضلية هذا المصنع على الصناعة الحرفية المستقلة، فإن هذه الأفضلية، واضحة، مهما كانت مبرراتها.

كما لا نريد أن نناقش الأساس الرأسمالي الذي تقوم عليه الرأسمالية عموما، في رأي الماركسيين، و هو القيمة الفائضة، فإننا نتعرض لذلك في مرحلة مقبلة من البحث.

و إنما ينبغي أن تنطلق المناقشة، من زاوية انطباق النظام الحرفي و المانيوفاكتوري على القواعد المعطاة من قبل المادية التاريخية، تلك القواعد التي تستهدفها في هذا القسم من البحث استهدافا مباشرا.

النقطة الأولى: إن الصناعة الحرفية و المانيوفاكتورية معا، موجودتان قبل عصر الاقطاع.

أما وجود الحرفيين، فهو أوضح من أن يذكر... و يكفي أن نتذكر أنه الأسلوب الوحيد لمعيشة عدد كبير من الناس، و سد كثيرا من الحاجات على مر العصور... بما فيه عصر الرق و الاقطاع و الرأسمالية، و الاشتراكية أيضا.

و سوف يبقى موجودا ما لم تعزم الماركسية على إلغائه في الطور الشيوعي الأعلى.

و أما المانيوفاكتورة، فمن الطريف أن تعترف الماركسية بكل وضوح، بوجودها خلال عصر الرق.

قال انجلز:

«لقد قضى نظام الرق زمنه، و لم يعد يعطي بعد ذلك أية فائدة تستحق الذكر، لا في

ص:224


1- (1) المصدر السابق ص 475.

الريف، حيث الزراعة الكبرى و لا في «مانيفاكتورات» المدن، و اختفى سوق منتجاته»؟(1).

و إذا كان النظام الحرفي و المانيوفاكتوري، و خاصة الأخير، موجودا في زمن الرق... فهل يكون هذا نظاما رأسماليا قبل وجود الرأسمالية... بل قبلها بعصرين. و لما ذا لم تؤثر في إيجاد النظام الرأسمالي مباشرة بعد عصر الرق؟ و لما ذا لم تشارك مشاركة ما في تغيير النظام، على حين أثرت في عصر الاقطاع في تغييره.

كل هذه أسئلة تكون الماركسية مسئولة عن الجواب عليها.

النقطة الثانية: إن المصنع المانيوفاكتوري، إنما هو أسلوب من أساليب الانتاج ليس إلا. و يمكن وجوده حتى في العصر الاشتراكي. كل ما في الأمر، أن المشرف على هذا المصنع في العصر الرأسمالي هو فرد واحد متمول، و في الطور الاشتراكي الأول هو الحكومة العمالية، و في الطور الاشتراكي الأعلى هو المجالس النقابية، و نحوها، إذن. لا يتعين إن يكون هذا النظام التعاوني، رأسماليا، كما قال كارل ماركس.

و من الطريف: أن هذا النظام يستبطن نفس العيوب التي ذكرها ماركس - لو صحّت - و إن أسست من قبل النظام الاشتراكي، كما هو واضح فراجعها. كما انه يملك نفس المحاسن التي ذكرها، إلى حد قد لا يستغني عنه حتى في الصناعات الآلية الثقيلة... و خاصة الشكل الأول للمانيوفاكتورة مما ذكره ماركس.

النقطة الثالثة: إن الأسباب التي انتجت النظامين الحرفي و المانيوفاكتوري، معلومة معيّنة، و ليست هي تطور وسائل الانتاج. و قد نتج عنها بشكل سلس لا بشكل ديالكتيكي.

و لعل أهم ما يبرهن به على ذلك، هو ما عرفناه من كونها مناسبة مع كل العهود، و غير خاصة بالعصر الرأسمالي... إذ لو كان تطور معين أو مستوى خاص لوسائل الانتاج هو الذي أوجد أحد هذين النظامين، لكان لا بد أن لا يوجدا قبل هذا المستوى لا محالة... و إلا لأمكن وجود الرأسمالية قبل نظام الرق!!؟...

و لو كان مربوطا بهذا المستوى أو ذاك، للزم زواله عند وجود طور آخر

ص:225


1- (1) نظرات علمية: سيغال ص 24 عن انجلز في كتابه «أصل العائلة...».

أرقى لوسائل الانتاج؛ كيف و قد أوجب الطور الجديد تغيير سائر خصائص المجتمع - كما ترى الماركسية -، فلما ذا لم يوجب تغيير هذا النظام. مع العلم أن الماركسية اعترفت و الواقع التاريخي يشهد بوجود النظامين الحرفي و التعاوني في عصر الرق و الاقطاع و الرأسمالية... بل و الاشتراكية أيضا... و لم يوجب تغير النظام الاجتماعي تغييرهما... إذن فهما غير ناتجين من تطور وسائل الانتاج.

و إنما هما ناتجان من أسباب أخرى سلسة، فالحرفة ناتجة من أمرين:

أحدهما: الخبرة الخاصة بعمل معين. و الآخر: الشعور بالحاجة إلى استغلال هذه الخبرة في سبيل العيش. و المصنع التعاوني، ناتج من الشعور بضرورة تحسين النتاج من ناحية، و حصول كل حرفي على ما لدى الآخرين من خبرات و آلات من ناحية ثانية... و حصول المنتوج النهائي من مجموع الأعمال و الاختصاصات، في نهاية المطاف.

و من هنا يمكن أن لا يكون المصنع التعاوني ناتجا من إرادة رأسمال معين، بل من تعاون الحرفيين أنفسهم بإسهام كل منهم بماله و خبرته و عمله في المشروع، و أخذ كل منهم حصته من الربح. و بذلك ينال محاسن هذا الوضع الجديد...

من دون أن يكون باذلا لمجهود زائد.

و من هنا، لا يمكن أن يصح كلام ماركس من أن هذا المصنع وجد في ابتدائه، عفويا و بدون وعي. و إنما وجد لأجل شعور الحرفيين بالأهداف المشار إليها. نعم إنهم لم يكونوا يفهمون: ان هذا الوضع الجديد سيستغل استغلالا رأسماليا، و يساء فيه التصرف و التحكم. لأن نتائج المستقبل مما يصعب على الفرد العادي استشفافها عادة. إلا أن هذا غير العفوية و اللاوعي.

و هناك بعض المناقشات فيما ذكره ماركس من محاسن المانيوفاكتورة و عيوبها، ينبغي أن نعرض عنها صفحا في هذا البحث، لأنه - بالنسبة إلى مهمتنا هنا - تطويل بلا طائل.

و ينبغي أن نلتفت في هذا الصدد، أن التجريد الماركسي كلما يقترب من العهود التاريخية القديمة إلى العصر الحاضر، كلما يبدو تطبيقيا أكثر فأكثر. فبينما نشعر بوضوح أن كلام «سيغال» حول النظامين الحرفي و المانيوفاكتوري تجريدي الاتجاه. إلا أن كلام ماركس أقرب إلى التطبيقية بكثير. فانه يتحدث عن هذا المصنع التعاوني حديث مشاهد، باعتبار ما عاصره فعلا من هذا النظام في

ص:226

أوروبا، التي قلنا مكررا أنها هي محط أنظار المفكرين الماركسيين دائما.

و إذا انحصر الكلام في حيز التطبيق صعب أن يقتنص منه قاعدة عامة.

فإن مرور أوروبا بعصر شاعت فيه المصانع التعاونية، لا يعني مرور كل البلدان بذلك، خلال تاريخها الطويل.

بل حتى لو سلّمنا بمنطق المادية التاريخية، و ان الاقطاع بالضرورة يتحول إلى رأسمالية... لم يكن الأسلوب الوحيد لتحوله إليها، هو وجود المصانع التعاونية، بل قد تكون هناك أساليب كثيرة تختلف باختلاف البلدان. و قد سبق أن سمعنا من لينين المفهوم القائل: بأن هذه النظرية تعطي توجيهات عامة تنطبق في هذا البلد بشكل مغاير عن انطباقه في ذاك البلد.

إذن، فكل ما يمكن أن تقوله الماركسية، هو: أن الأسلوب الأوروبي في الانتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية، كان هو المرور بعهد المصنع التعاوني.

و بتعبير أكثر تحديدا: ان العهد المانيوفاكتوري هو العهد الذي مرت به بعض البلدان الاوروبية خلال انتقالها من الاقطاع إلى الرأسمالية. ان القيمة التاريخية لهذه الصناعة، ليست أكثر من ذلك، على أي حال.

و أما البلدان التي انتقلت من الاقطاع إلى الاشتراكية، مباشرة، بما فيها الاتحاد السوفياتي و الصين... فلا نعلم رأي الضرورة الماركسية في حذف العهد المانيوفاكتوري من الوسط و إسقاطه!؟ و إذا كان موجودا فلما ذا لم يكن سببا للوجود الرأسمالي؟!...

ص:227

الرأسمالية

اشارة

و الحديث عن الرأسمالية، ماركسيا، حديث ذو شجون، من حيث كونها العدو الرسمي اللدود لها.

و من هنا أسهب الماركسيون في نقد الرأسمالية أكثر من أي شيء آخر...

سواء في ذلك مفكروهم الأولون أو المعاصرون. بل قدموا إلى جانب الجهد الفكري و النظري ضد الرأسمالية، الجهد الاجتماعي الحي ضدها، و بذلوا مختلف التضحيات في سبيل الاجهاز عليها و القضاء على سلطانها، و لم يفلحوا إلى الآن بشكل كامل.

و السر في ذلك ناشئ من عدة أمور:

الأمر الأول: ان الماركسية نظريا تؤمن نظريا، بأن الرأسمالية هي المرحلة الأخيرة التي تسبق الوضع الاشتراكي الذي تميل الماركسية إلى تطبيقه و إنجازه و من الطبيعي أنه لا يمكن الوصول إلى العهد المفضل، إلا بعد الاجهاز على العهد السابق عليه.

الأمر الثاني: إن الرأسمالية هي أكبر قوة عالمية واجهتها الماركسية منذ ولادتها... فكان من المنطقي أن تستهدف القوة الكبرى بشكل رئيسي، و تدع النزاعات الأخرى إلى الحقول الجانبية.

الأمر الثالث: إن مفكري الرأسمالية و قادتهم، عموما، قاموا بنشاطات تكفكف من غلواء الهجوم الماركسي. منها النقد العلمي للنظريات الماركسية، و منها الحملات الدعائية الواسعة النطاق. و منها: التخفيف من الظلم الرأسمالي على العمال و أمثالهم، إلى حد لم تعد تشعر هذه الطبقة بالحاجة إلى الثورة الاشتراكية.

و كل هذه النشاطات، مما يثير الماركسيين، فيزدادون شرحا لأقوالهم و صقلا لنظرياتهم... و يستمرون بحملات دعائية معاكسة. و هذا مما يزيد الكتب الماركسية عددا، و نشاط الأحزاب الشيوعية في العالم حماسا و اندفاعا.

ص:228

و قد مر الفكر الماركسي تجاه الرأسمالية بتطور ملحوظ، نظرا لاختلاف مستوى الفكر العالمي عموما، و أشكال تطبيقات الرأسمالية خصوصا. و نحن أشرنا في مقدمة البحث إلى هذا التطور، و قلنا أننا نعتبر الكتّاب الماركسيين التقليديين هم الممثلون الحقيقيون للماركسية.

و إذا أردنا أن نتحدث عن وجهة النظر الماركسية التقليدية إلى الرأسمالية، مع التركيز و الاختصار، و إلغاء كل ما لا يمت إلى مهنتنا الأصلية بصلة...

إذن، لا بد لنا أن نسير في ثلاث مراحل، كما يلي:

المرحلة الأولى: كيفية نشوء الرأسمالية تجريديا و تطبيقيا من عهد الاقطاع، مع إعطاء الأوصاف الأساسية لهذه الرأسمالية الناشئة، و ما قد يقوم به الرأسماليون من نشاط و تصرفات.

المرحلة الثانية: إعطاء القيمة الأساسية الاجمالية للرأسمالية عموما، في نظر الماركسية، بغض النظر عن تقسيمها الآتي.

المرحلة الثالثة: الالماع إلى تقسيمها إلى أقسامها الثلاثة الرئيسية التي ذكرناها سابقا، مع النظر إلى أن القيمة الأساسية التي ذكرها ماركس و الماركسيون، هل تنطبق على الأقسام الثلاثة جميعا، أو تخص بعضها دون بعض.

و سيكون البحث في المرحلة الأولى، موازيا في الشكل للبحث في العهود السابقة للمادية التاريخية، من حيث أسلوبه العام، كما سنرى. على حين سيكون الحديث في المرحلتين الآتيتين حديثا اقتصاديا؛ و هو و إن كان جانبيا بالنسبة إلى غرضنا الأهم، إلا أننا قد نستفيد منه حيث نبحث الجانب الاقتصادي لليوم الموعود، في القسم الثالث من هذا الكتاب.

هذا، و ستكون المناقشات ملحقة بكل مرحلة على حدة.

ص:229

المرحلة الأولى نشوء الرأسمالية و صفاتها الأساسية
اشارة

- 1 - تقول المادية التاريخية، بما تعطي من قواعد عامة، في تفسير زوال أي مرحلة تاريخية و وجود المرحلة الجديدة على أنقاضها:

إن وسائل الانتاج التي كانت تقتضي علاقات الانتاج الاقطاعية، استمرت بالنمو و التصاعد، حتى وجدت وسائل جديدة تنسجم مصالحها مع هذه الوسائل الجديدة. و بقي الاقطاعيون طبقة تناصر الوسائل القديمة للانتاج و تنسجم مصالحها معها. و من هنا يقع النضال بين هاتين الطبقتين، و يكتسب تدريجا صيغة النضال السياسي.

و حيث أن الماركسية تفترض أن النصر دائما يكون في جانب الوسائل الجديدة للانتاج... فمن الطبيعي أن يصل ذلك اليوم الذي يقع فيه التضاد بين الوسائل الجديدة و العلاقات القديمة القائمة في المجتمع الاقطاعي، إلى حد تعجز الوسائل القديمة عن مواكبة حاجات المجتمع... فتفرض الطبقة الجديدة إرادتها في تعميم علاقات الانتاج الجديدة على المجتمع و إلغاء العلاقات القديمة، و تكون العلاقات الجديدة عبارة عن الرأسمالية، و يزول الاقطاع، و بتطور وسائل الإنتاج، و وجود علاقات الإنتاج الرأسمالية، يتبدل بشكل عفوي خارج عن إرادة الناس، كل خصائص المجتمع: الاقتصادية و الأخلاقية و العلمية و الدينية و القانونية... الخ.

و قد سميت الطبقة المعادية للاقطاع بالبرجوازية، و قد كانت في بادئ الأمر ذات ملكيات صغيرة نسبيا(1)، حتى ما إذا اتسعت وسائل الانتاج، اتسعت أطماعهم باتساعها، فأصبح الانتاج ضخما، و أصبح التسويق عالميا،

ص:230


1- (1) قد تجد في بعض المصادر، تفسير البرجوازية بأصحاب الملكية المتوسطة. و هذا صادق بالنسبة إلى الزمن الأول لوجودهم. و أما من الزاوية الماركسية فالبرجوازية و الرأسمالية بمعنى واحد، و الرأسماليون هم برجوازيون، و إن وصلوا إلى نهاية الشوط. و ذلك: لاتحاد الاتجاه الاجتماعي من جهة وحدة (القيمة الفائضة) غير المشروعة ماركسيا، بين كل عصور الرأسمالية، من جهة أخرى.

و أصبح الرأسماليون في حاجة الى مواد خام تستورد من خارج بلادهم، إلى أسواق للتصدير، في خارج بلادهم أيضا... فطبقوا ذلك بشكل عسكري على البلدان الضعيفة، فوجد الاستعمار.

- 2 - و لتسمية هذه الطبقة بالبرجوازية قصة: روينا ملخصا منها في كتابنا «نظرات إسلامية في إعلان حقوق الانسان». و زبدتها:

إن المدينة قد تقظ على طريق بري أو نهري أو بحري، أو غير ذلك من أشكال الأهمية، فتنفتح فرصة ثمينة لأهلها المكوّنين - عادة - من حرفيين و صغار التجار و الفلاحين الهاربين من حكم الاقطاعيين... إلى التوسع و زيادة الأرباح، و من ثم يكتسبون قوة اجتماعية و أهمية و أموالا، فيستطيعون أن يشتروا مدينتهم من الاقطاعي الحاكم، لقاء أموال يدفعونها إليه، و يأخذون منه وثيقة تسمى «Charter» هي وثيقة تحرر المدينة، و تسمى المدينة المتحررة، بيرك «Burq» ، و تسمى الطبقة المتمولة التي تشتري المدينة بالبرجوازيين. و لفظها مشتق من لفظ المدينة نفسه... و هي الطبقة التي كتب لها أن تكون رأسمالية تدريجا. و لا زالت جملة من المدن الاوربية ينتهي اسمها بلفظ «بيرك» في مختلف الدول الاوربية، مثل هامبورك و لوكسمبورك و ادنبرة أي ادنبورك في الأصل... و غيرها فهي مدن مشتراة في تاريخها من الاقطاعيين.

و هذه القصة، و إن لم نجدها في المصادر الماركسية مروية بوضوح، إلا أنها تصلح أن تكون فكرة ماركسية، لو أخذت من زاوية «تجريدية» تقول بلزوم مرور كل المجتمعات المنتقلة إلى الرأسمالية من الاقطاع بمثل هذا الدور، فتدخل هذه القصة كحلقة في المادية التاريخية العامة.

و لكن الفكر غير الماركسي يمكنه قبولها من زاوية «تطبيقية» أي كواقع تاريخي مرت به أوروبا في فترة من عمرها... دون أن يكون لها قيمة القانون العام.

- 3 - هذا، و قد رأينا ما لوجود المصنع التعاوني «المانيوفاكتورة» من أثر في إيجاد الرأسمالية في نظر الماركسية... فلا موجب للتكرار.

- 4 - و تستمر الماركسية شارحة ظروف حدوث الرأسمالية، بشكل يختلط فيه

ص:231

التجريد بالتطبيق، فتقول:

«و لهذه القوة الانتاجية الجديدة - يعني المانيوفاكتورة - علاقات إنتاجية جديدة تتناسب معها. فلم يكن الرأسمال من قبل موجودا إلا بشكل رأسمال ربائي تجاري. و كان التاجر و المرابي يستثمران صغار المنتجين الذين يبيعون منتجاتهم الخاصة.

أما منذ ظهور المانيوفاكتورة، فلم يعد العامل يبيع منتجاته، بل صار يبيع قوة عمله.

الرأسمال هو الذي يملك وسائل الانتاج، و يملك البضائع التي يصنعها العامل، و لا يتلقى العامل أجرة تعادل ما ينفقه من قوة عمله بينما هو ينتج القيمة الزائدة للرأسمالي إن العامل مستثمر من قبل الرأسمالي و أسلوب الانتاج صار بهذا الشكل أسلوبا رأسماليا؛ و أخذت علاقات إنتاج جديدة، علاقات رأسمالية، تظهر و تتطور مع نمو القوى المنتجة.

و لكن النظام الاقطاعي، كان يعوق التطور التالي لهذه القوى المنتجة الجديدة، و لعلاقات الانتاج المقابلة لها. و كان الذي يعوق هذا التطور هو النظام الحرفي في المدن، الجزء المتمم للنظام الاقطاعي. غير أن العلاقات الاقطاعية في القرية لم تكن أقل إعاقة لتطور الانتاج الرأسمالي، فان ارتباط الأقنان بالأرض، كان يحرم الرأسماليين من يد عاملة رخيصة.

و هكذا نرى الاقطاعية التي كانت متناسبة عند نشأتها مع مستوى القوى المنتجة في المجتمع، صارت متناقضة مع القوى المنتجة المتزايدة، و صار إلغاؤها ضرورة تاريخية.

فلما ازدادت حدة اضطهاد الدولة الاقطاعية للفلاحين و الجماهير البرجوازية الصغيرة و العاملة في المدن انفجرت الثورات البرجوازية الرامية إلى هدم النظام الاقطاعي و فسح المجال أمام تطور الرأسمالية. و قد حدثت هذه الثورات في انكلترا في القرن السابع عشر، و في فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر»(1).

- 5 - و تعطي الماركسية أوصاف المجتمع الرأسمالي، من زاوية نقاط قوته على المجتمع الاقطاعي من ناحية، و من زاوية نقاط ضعفه التي تستوجب الاجهاز عليه من ناحية أخرى... تعطي هذه الأوصاف، كما يلي:

«في النظام الرأسمالي، تؤلف الملكية الرأسمالية لوسائل الانتاج أساس علاقات الإنتاج، أما امتلاك المنتجين أي العمال المأجورين، فليس له وجود، و لا يستطيع الرأسمالي قتلهم و لا بيعهم، لأنهم محررون من كل تبعية شخصية، غير أنهم محرومون من وسائل الانتاج. و هم مضطرون - لكي لا يموتوا جوعا - أن يبيعوا قوة عملهم للرأسمالي و أن يعانوا نير الاستعمار.

و هنالك، إلى جانب الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج، ملكية الفلاح و الحرفي الخاصة

ص:232


1- (1) نظرات علمية في الاقتصاد السياسي: سيغال ص 33 و ما بعدها.

لوسائل الانتاج بعد أن حرروا من القنانة. فقد كانت هذه الملكية المؤسسة على العمل الشخصي منتشرة انتشارا واسعا في بادئ الأمر و حلّت الفبارك و المعامل العظيمة المجهزة بالآلات محل ورشات الحرفيين و المانيفاكتورات. كما ان الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة التي تدار على أساس العلم الزراعي و المجهزة بالآلات الزراعية، حلت محل أملاك النبلاء التي كانت تزرع بواسطة أدوات الفلاحين الابتدائية.

و هذه القوى المنتجة الجديدة، تتطلب من الشغيلين أن يكونوا أكثر ثقافة و ذكاء من الأقنان الجاهلين البلداء و أن تكون لديهم الكفاءة اللازمة لفهم الآلة، و أن يجيدوا استعمالها كما ينبغي، و لهذا يفضّل الرأسماليون أن يتعاملوا مع عمال مأجورين محررين من قيود الرق، و حائزين على ثقافة كافية تساعدهم على استعمال الآلات استعمالا لائقا»(1).

«إن حلول علاقات الإنتاج الرأسمالية محل علاقات الإنتاج الإقطاعية يستتبع تحويل البناء الفوقي بحيث يتطابق مع البناء التحتي الجديد كما يستتبع تغيير سيماء المجتمع كله.

و في معمعان الثورات البرجوازية تنهار الحواجز الطبقية المراتبية الإقطاعية و محل الملكية تحل الملكية الدستورية أو الجمهورية البرلمانية.

إن الديمقراطية البرجوازية، تنادي بمبدإ الفردية، مصورة إياه بصورة حرية الفرد الحقيقية و تنادي بمساواة الجميع أمام القانون و لكن هذه المساواة تتسم بطابع شكلي صرف، لأن اللامساواة بين الناس حيال وسائل الانتاج، اللامساواة الاقتصادية تظل أساس المجتمع. و ان الايديولوجية البرجوازية تبذر بذور الأوهام فيما يتعلق بكنه العلاقات الرأسمالية الفعلي»(2).

«كذلك تطور الرأسمالية التوسع الخارجي. فإن البلدان الرئيسية أخذت تستولي على الجديد و الجديد من الأراضي و تنشئ الامبراطوريات الاستعمارية جاذبة العالم كله إلى سبيل التطور الرأسمالي.

... و للمرة الأولى في التاريخ تنشئ الرأسمالية نظاما عالميا موحدا للاقتصاد، سوقا عالمية واحدة. و في ظل الرأسمالية يصبح التاريخ عالميا بكل معنى الكلمة، لأن العزلة السابقة بين مختلف المناطق و مختلف الشعوب تزول.

و في ظل الرأسمالية تتعاظم كثيرا وسائل التطور الاقتصادي و الاجتماعي. ففي حقبة تاريخية قصيرة نسبيا تجوز التشكيلة الرأسمالية في تطورها ثلاث مراحل. من مرحلة التراكم الرأسمالي إلى مرحلة نظام المشروع الحر، و منها إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية.

... إن التقسيم الواسع للعمل لا داخل المصانع و المعامل فحسب، بل أيضا بين مختلف فروع الانتاج يربط الاقتصاد الوطني بخيوط الانتاج في نظام واحد موحد. و يفرض تبعية عضوية متبادلة بين مختلف فروع الانتاج و أصنافه.

ص:233


1- (1) المادية الديالكتيكية: ستالين ص 51، و ما بعدها.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون، كيلله. ص 133 و ما بعدها.

و حالة القوى المنتجة هذه لا تطابقها الملكية الخاصة لوسائل، بل الملكية العامة الاجتماعية. فإن الملكية الخاصة تتحول من شكل لتطور القوى إلى قيود لها. إذ الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة و المجتمع كله. و يؤزم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي.

إن تناقضات الرأسمالية تستفحل إلى الحد الأقصى، في المرحلة العليا في تطورها، أي في مرحلة الامبريالية التي دخلتها الرأسمالية، على تخوم القرنين التاسع عشر و العشرين»(1).

«إن الامبريالية إنما هي آخر مراحل الرأسمالية، المرحلة التي تختتم وجود التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية»(2).

- 6 - و هنا لا بد من كلمة أخيرة عن البروليتاريا، التي تعتبرها الماركسية الطبقة الرئيسية المعارضة للبرجوازية الرأسمالية، و التي تعقد عليها الآمال في انجاز المجتمع الاشتراكي.

و لعل أفضل مصدر يوضح ذلك، هو البيان الشيوعي، حيث نجده يقول:

«تبعا لتطور البرجوازية، أي لتطور الرأسمال، طبقة العمال العصريين الذين لا يعيشون إلا إذا وجدوا عملا، و لا يجدونه إلا إذا كان عملهم هذا ينمي الرأسمال. و هؤلاء العمال المجبرون على بيع أنفسهم بالمفرق هم بضاعة، هم مادة تجارية كغيرها، يعانون كل تقلّبات المزاحمة و كل تموّجات السوق.

و نتيجة لاتساع استعمال الآلات و لتقسيم العمل، فقد... أصبح العامل عبارة عن ملحق بسيط للآلة لا يطلب منه إلا القيام بعملية رتيبة سهلة التلقين...

إذن، كلما أصبح العمل باعثا على الاشمئزاز هبطت الأجور... و كلما قل تطلب العمل اليدوي للمهارة و القوة، أي كلما ترقت الصناعة الحديثة، استعيض عن عمل الرجل بعمل النساء و الأولاد و لا تبقى للفروق في الجنس أو السن أهمية اجتماعية بالنسبة للطبقة العاملة فليس ثمة سوى أدوات للعمل تتغير كلفتها حسب العمر و الجنس.

و متى انتهى العامل من مقاساة استثمار صاحب المعمل و حسبت له أجرته، أصبح فريسة لعناصر أخرى من البرجوازية: مالك البيت و البائع بالمفرّق و المرابي...

أما صغار الصناعيين و التجار و أصحاب الايرادات و الحرفيون و الفلاحون، أي الدرجات السفلى من الطبقة المتوسطة، فيتدهورون إلى صفوف البروليتاريا. و ذلك لأن

ص:234


1- (1) المصدر نفسه ص 134-135.
2- (2) المصدر ص 136.

رساميلهم الضعيفة لا تسمح لهم باستعمال أساليب الصناعة الكبرى. فيندحرون و يهلكون في مزاحمتهم لكبار الرأسماليين. و لأن مهارتهم الفنية تفقد قيمتها و أهميتها تجاه أساليب الانتاج الجديدة، و على هذه الصورة تتجند البروليتاريا من كل طبقات السكان»(1).

ثم يبدأ البيان الشيوعي بتصوير نضال هذه الطبقة المحرومة ضد الرأسمالية، و ضروب التفرق التي تمنى به خلال عملها، و موقف الآخرين منها، و كيف يكون لها النصر في نهاية المطاف، و انها هي الأمل الرئيسي في الاجهاز على الرأسمالية.

و لأجل هذا الاعتقاد صاح البيان الشيوعي صيحته المعهودة: يا عمال العالم اتحدوا. و أكّد المفكرون الماركسيون بكل وضوح أن الماركسية فكرة طبقية و حزبية، مناصرة للبروليتاريا نفسها. و قد سمعنا ذلك و يأتي تفصيله بعد هذا.

المناقشة

- 1 - ينبغي التسليم بالواقع التاريخي للرأسمالية، كما ينبغي التسليم بكونها نظاما غير صالح، ترتبت عليه الويلات الكثيرة و المشاكل الضخمة و الجروح العميقة، للبشرية كلها. و انها قائمة على امتصاص خيرات الآخرين و الاستفادة مما تحله بهم من خراب و دمار.

فهذا ما نتفق فيه مع الماركسية و لعلها من أقدم من التفت إلى مساوئ الرأسمالية الاوروبية.

إلا أن بيت القصيد إنما هو في إمكان اقتناص القانون العام، من هذا الواقع التاريخي، كما أرادته الماركسية... فإنها جعلت الرأسمالية حلقة ضرورية الوجود في ماديتها التاريخية.

إذن، فلا بد من محاولة تطبيق هذا الواقع التاريخي، بخصائصه الثابتة تاريخيا، على التجريد المادي الماركسي... لنرى أنه هل هو منطبق عليه، و انه منتج له بالضرورة، أولا. و من هنا ينفتح مجال المناقشة.

ص:235


1- (1) البيان الشيوعي ص 45-47.

- 2 - تقول المادية التاريخية بوضوح، ان الاقطاع و الرأسمالية و الاشتراكية عهود متفاصلة و متتابعة و متعادية فيما بينها، لا يمكن أن ينسجم اثنان منها في المصالح و العواطف بأي حال. و أي انسجام يحدث من هذا القبيل، يعني أن وسائل الانتاج لم تؤثّر أثرها القهري الضروري في إنتاج النتائج المطلوبة للمادية التاريخية.

مع أننا نجد الفكر الماركسي يؤكد على تعاصر الاقطاع و الرأسمالية ردحا طويلا من الزمن. يكفينا ما سمعناه من أن الانتاج المانيفاكتوري إنما هو إنتاج رأسمالي في نظر الماركسية، و لكنه بقي معاصرا مع الاقطاع عددا طويلا من السنين.

فقد سمعنا من ماركس تحديد وجود المانيوفاكتورة، من منتصف القرن السادس عشر حتى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. فإذا علمنا أن الثورة الفرنسية التي هي أول الوجود الرأسمالي، حصلت في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر نفسه (1789)... نعلم أن الوجود المانيوفاكتوري كله حاصل في زمن الاقطاع و معاصر له، مدة تزيد على القرنين من الزمن. بل من الطريف أنه انتهى بانتهاء عهد الاقطاع.

- 3 - قال سيغال:

«و في البلاد التي تطورت فيها الرأسمالية فيما بعد (أي بعد الثورة الفرنسية)، و جرت الثورة البرجوازية فيها بعد أن تكونت طبقة البروليتاريا الصناعية، كما كانت الحال في المانيا سنة 1848 و خصوصا في روسيا سنة 1950 تفاهمت البرجوازية مع الدولة الاقطاعية و تواطأت معها»(1).

و هذا الكلام يدلنا على أمرين:

الأمر الأول: إن الاقطاع و البرجوازية و الاشتراكية، قد اجتمعت في زمان واحد في روسيا عام 1950. أما وجود البرجوازية و الاقطاعية، فهو المصرح به في هذا الكلام نفسه. و أما وجود الاشتراكية، فلأننا نعلم أن الثورة الاشتراكية الحمراء حدثت عام 1929، فهي كانت عام 1950 قد مضى عليها

ص:236


1- (1) نظرات علمية: سيغال. هامش ص 34.

إحدى و عشرون سنة. و هو زمان كاف لافتراض أول النجاح للتجربة الاشتراكية، أي كون المجتمع اشتراكيا. إذن فتكون العهود الثلاث قد اجتمعت في مكان و زمان واحد، و هو على خلاف قوانين المادية التاريخية، و خاصة في اجتماع الاقطاع مع الاشتراكية التي يفصلها عهد الرأسمالية بالضرورة.

الأمر الثاني: ان البرجوازية عدوّة الاقطاع اللدود في منطق المادية التاريخية أصبح من الممكن - باعتراف سيغال - أن تكون صديقتها الحميمة. فأين ذهب تأثير تطور وسائل الإنتاج الذي يحتم المنافرة و النضال المرير بين هاتين الطبقتين؟ و هل في الامكان وجود تطور جديد يعيد الصداقة إليهما؟ و إذا أمكن ذلك فهل في الإمكان افتراض تطورات أخرى في وسائل الإنتاج تنتج أمورا أخرى ليست في حسبان المادية التاريخية؟!...

- 4 - من الملفت للنظر أن المصادر الماركسية، بالرغم من أن المفروض بها أنها تؤمن بالمادية التاريخية التي تقول بضرورة مرور كل مجتمع بالعهود الخمسة المعروفة. غير أننا نجد ظاهرتين تنافيان هذا الاتجاه.

الظاهرة الأولى: إن المصادر الماركسية تمثّل لعهد الرق ببعض المجتمعات (كالدولة الرومانية و اليونانية) و تمثّل لعهد الرأسمالية بمجتمعات أخرى (كفرنسا و انكلترا و المانيا) و تمثّل لعهد الاشتراكية بمجتمعات غيرها (كروسيا و الصين).

فما تفسير ذلك؟!...

و لو كانت كل هذه المجتمعات قد مرت بكل هذه العهود، لصح التمثيل بكل واحد منها على غير تعيين... و لكن حين تجد الماركسية أن مواصفات عهد معين، كالرق مثلا غير متوفر، كما ينبغي في مجتمع معين، كالرق في فرنسا أو الرأسمالية في روسيا أو الاشتراكية في إيطاليا - مثلا -... فإنها تهمل التمثيل بها إهمالا... و هلم جرا!!...

و لم يتفق للماركسية أن مثّلت لعهدين متتابعين في مجتمع معين غير عهدي الاقطاع و الرأسمالية اللذان مرّا على التتابع في أوروبا الغربية، كفرنسا و المانيا و انكلترا.

الظاهرة الثانية: إن المصادر الماركسية، و بخاصة المتأخرة منها، تعترف

ص:237

بوضوح بعدم مرور بعض المجتمعات ببعض العهود الخمسة بالمرة.

قال كوفالسون:

«إن اليونان و روما القديمة هما ذلك «الموديل» لمجتمع العبودية الذين يحكمون بموجبه أحيانا على كامل مرحلة الأزمنة الغابرة. و لكن هذا الموقف غير دقيق تاريخيا. ففي مصر و الهند و الصين، سار التطور في الأزمنة الغابرة بأشكال مختلفة بعض الشيء، فإن العبودية لم تتطور هناك بمثل ذلك الاتساع الذي تطورت به في اليونان و روما»(1).

إذن فمصر و الهند و الصين، لم تمر بعصر الرق، بالشكل الذي مرت به روما و اليونان. و لا يصح جعل هذين نموذجا عاما، كما فعل الماركسيون الأقدمون بما فيهم انجلز نفسه.

و قال مصدر آخر:

«أما في البلدان الاشتراكية الأخرى (غير الاتحاد السوفياتي) فقد جرى التصنيع في ظروف أكثر ملائمة. و لم يتطلب التصنيع هناك توترا و شدة في العمل، كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي، و لم يكن التطويق الرأسمالي موجودا. و ذلك لأنه كانت قد تشكلت المنظومة الاشتراكية العالمية للاقتصاد و كان الصراع الطبقي قد جرى بأشكال أقل حدّة»(2).

و قال لينين:

«لقد طرحت المسألة بالشكل التالي: هل يمكننا أن نعتبر أن التأكيد القائل بأن المرحلة الرأسمالية في تطور الاقتصاد الوطني محتومة بالنسبة للشعوب المتأخرة التي تتحرر الآن، و التي نلاحظ في أوساطها بعد الحرب حركة في اتجاه التقدم، هو تأكيد صحيح. و قد كان جوابنا على هذا السؤال سلبيا. فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة، بين هذه الشعوب، و إذا ما ساعدتها الحكومات السوفييتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرّفها، عندئذ يصبح من غير الصحيح التأكيد بأن مرحلة التطور الرأسمالي هي مرحلة محتومة بالنسبة للأقوام المتأخرة»(3).

و علّق المصدر السابق المشار إليه، على كلام لينين هذا، قائلا:

«و أثبت التطبيق التاريخي صحة تعاليم لينين بشأن إمكانية انتقال البلدان المتخلفة إلى الاشتراكية دون المرور بمرحلة الرأسمالية المتطورة. ففي الاتحاد السوفييتي - مثلا - انتقلت شعوب جمهوريات آسيا الوسطى و أقصى الشمال إلى الاشتراكية بالاعتماد على مساعدة الطبقة

ص:238


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون، كيلله ص 628.
2- (2) الاقتصاد السياسي للاشتراكية ص 31.
3- (3) مختارات: لينين ج 4 ص 158.

العاملة الروسية و بدون المرور بالرأسمالية. و قطعت منغوليا هذا الطريق نفسه»(1).

و ذكر - أيضا - بعض الأمثلة الأخرى.

و لم يشعر الماركسيون أن هذا التطبيق التاريخي في الواقع، قد أثبت كذب المادية التاريخية و قوانينها العامة، و تجريداتها التفصيلية، التي تؤكد بكل وضوح على ضرورة مرور كل مجتمع بالعهود الخمسة كاملة... و تعطي لذلك مبرراتها الكاملة التي عرفناها.

و لئن أمكن تخلّف بعض العهود عن بعض المجتمعات، و تخلّف تطور وسائل الانتاج عن التأثير، أمكن أيضا، تخلّف العهد الاشتراكي عن الوجود أيضا. فلا يكون وجوده ضروريا، كما أكّدت عليه المادية التاريخية.

و هل يمكن للماركسية أن تقول: ان نقيض الاقطاع في فرنسا هو الرأسمالية و في منغوليا هو الاشتراكية؟!...

إن عددا من البلدان مرت بظروف خارجية، لا تمتّ إلى تطور وسائل الانتاج الداخلية فيها بصلة... فغيرت من أنظمتها العامة، كتطور المجتمع الروماني من الرق إلى الاقطاع نتيجة للفتح الجرماني، كما سمعنا، و كمنغوليا و كوريا الشمالية و فيتنام الشمالية في تحوّلها بدون المرور بعهد الرأسمالية، نتيجة للتدخل السوفييتي الخارجي.

إن هذا التدخل سبب «سلس» غير ديالكتيكي، يقلب المجتمع من أي عهد إلى أي عهد، كما شاء له الهوى، أو كما شاء الغزاة و المتداخلون. فكما يمكن أن يتغير المجتمع نتيجة له، من الاقطاع إلى الاشتراكية، كذلك يمكن تغييره من الرق إلى الاشتراكية، كما قد يكون هو الحال في كوريا و فيتنام... فتنخرم تشكيلتان أو عهدان للمادية التاريخية.

و يمكن لمنطق القوة أن يعكس الأمر، رغما على تطور وسائل الانتاج فيعود المجتمع من الاشتراكية إلى الرأسمالية، كما حدث في عدد من «الثورات المضادة» في اصطلاح الاشتراكيين.

- 5 - و إذا نظرنا إلى الرأسمالية الاوروبية نجد عدة ظواهر مخالفة لما قالته الفكرة

ص:239


1- (1) الاقتصاد السياسي للاشتراكية.

التجريدية الماركسية، يحسن أن نستعرض المهم منها فيما يلى:

الظاهرة الأولى: إن وجود الرأسمالية لأول مرة، لم يكن مستندا بشكل كامل إلى المانيوفاكتورات، كما يقول التجريد الماركسي، بل هناك أمور أخرى و طبقات غيرها ساعدت على ذلك أيضا.

قال ستالين:

«و هناك إلى جانب الملكية الخاصة لأدوات الانتاج، ملكية الفلاح و الحرفي الخاصة لأدوات الانتاج بعد أن حرّروا من القنانة. فقد كانت هذه الملكية المؤسسة على العمل الشخصي منتشرة انتشارا واسعا في بادئ الأمر. و حلّت الفبارك و المعامل العظيمة المجهزة بالآلات محل ورشات الحرفيين و المانيوفاكتورات»(1).

و كل هذه الأمور التي عدّدها ستالين، كان لها قسط من المشاركة في زوال الاقطاع.

الظاهرة الثانية: ان التجريد الماركسي يميل إلى القول: بأن الرأسمالية الصغيرة التي وجدت على اطلال الاقطاع، كالمانيو فاكتورات، قد تحوّلت إلى رأسماليات واسعة نتيجة لتطور وسائل الانتاج.

و بذلك يكون التجريد الماركسي قد أهمل عنصرا مهما، هو ظرف التقدم العلمي و الفكري الذي مرت به أوروبا، و هو الذي أوجد المعامل العظيمة و المصانع الكبرى، و اكتشف الكهرباء و الذرة و القوة الالكترونية... و لو لا هذا الفكر العملي لبقيت المانيوفاكتورات الحرفية على حالها إلى العصر الحاضر.

و هذا التطور الفكري لا يتعين مرور كل المجتمعات به، بل من المظنون جدا، ان أغلب المجتمعات لا تتمكن من المرور به؛ إذن، فشكل حدوث الرأسمالية و تطورها في أوروبا سوف يختلف اختلافا جوهريا ضخما عن سائر المجتمعات، خلافا للتجريد الماركسي التقليدي.

الظاهرة الثالثة: ان التجريد الماركسي يميل إلى اقتران الاستعمار بالرأسمالية على طول الخط، فهل هذا صحيح؟...

إن الاستعمار وجد في أوروبا قبل حصول الرأسمالية بعدة قرون، متمثلا بالحروب الصليبية، التي وجدت إبان عصر الاقطاع، و التي غزت بها أوروبا الشرق الاسلامي بكل ثقلها.

ص:240


1- (1) المادية الديالكتيكية لستالين ص 51.

كما أن بلدانا رأسمالية عديدة لم تفكر بالاستعمار، كالهند و إيران و تركيا (بعد العثمانيين). فانها لم تفكر بغزو العالم للتسويق و لا لأي غرض آخر؛ و إنما تسوّق منتجاتها عن طريق العلاقات الحرة بين الدول.

إن الاستعمار نتيجة لظروف معينة فكرية و عسكرية و اقتصادية للبلد الفاعل للاستعمار، و هذه الظروف قد لا تتوفر في البلد الرأسمالي بصفته رأسماليا، فلا يفكر في الاستعمار.

كما ان الاستعمار غير خاص بالعهد الرأسمالي، بل هو شامل للعهد الاشتراكي أيضا. و قد سمعنا من لينين قبل قليل قوله:

«فإذا ما قامت البروليتاريا الثورية الظافرة بدعاية منتظمة بين هذه الشعوب و إذا ما ساعدتها الحكومات السوفييتية بجميع الوسائل الموجودة تحت تصرفها... الخ».

إن هذه المساعدة الضخمة نوع من أنواع الاستعمار أيضا، و له نفس المبررات الرأسمالية! و هو التسويق العالمي، مضافا إلى التأثير العقائدي و العاطفي أيضا، أي الاستعمار الفكري إلى جانب الاستعمار الاقتصادي، و هو جانب تفقده الرأسمالية، و قد استطاعت الدول الاشتراكية أن تضيفه إلى ذلك.

و لا زلنا نرى في العالم دولا اشتراكية تميل للاتحاد السوفييتي، و دولا اشتراكية تميل للصين، فما السر في ذلك غير المساعدة الاستعمارية المستترة.

الظاهرة الرابعة: ان التجريد الماركسي يميل إلى الاعتقاد إلى أن استمرار الرأسمالية يكون كابحا و مانعا عن تطور وسائل الانتاج، و ان الأطوار الجديدة لهذه الوسائل لا تكون في مصلحة الرأسماليين بل في مصلحة الاشتراكيين المتمثلين بالبروليتاريا أول الأمر. و من ثم يكون زوال الرأسمالية محتوما طبقا لقواعد المادية التاريخية.

و قد سمعنا كوفالسون يقول:

«إن الحفاظ على الملكية الرأسمالية الخاصة يكبح تطور القوى المنتجة و المجتمع كله، و يؤزّم نضال البروليتاريا الطبقي ضد البرجوازية، بوصفه تعبيرا عن تناقض الرأسمالية الأساسي»(1).

إلا أن الواقع التاريخي المعاصر، مخالف لهذا الكلام. فإن وسائل الانتاج

ص:241


1- (1) المادية التاريخية: كوفالسون و كيلله ص 135.

انتقلت في عهد الرأسمالية الاوروبية التي صار لها ثلاثة قرون من الآلة البخارية إلى الكهربائية إلى الذرية و الالكترونية، و استعملت في سبيل الانتاج طرق علمية فيزيائية و كيميائية و غيرها مما لا يحصى. و مع ذلك حافظت الرأسمالية على وجودها و ازدهارها.

ان الرأسماليين هم الذين يواصلون اختراع هذه الآلات و تطويرها. و لم يكن في وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي كابح أو مانع عن ذلك. كما أن الآلة الجديدة لم تصبح في مصلحة البروليتاريا أكثر من غيرها، و لا يتعين عليها أن تعيش في مجتمع اشتراكي. انها تحتاج إلى من يديرها، سواء كان رأسماليا أو اشتراكيا أو أي شيء آخر. ان الخبرة العلمية هي المناط في ذلك دون الفكر العقائدي. و من هنا ترى أن الدول الرأسمالية و الاشتراكية معا تطور وسائل إنتاجها، و لها في هذا التطور مستوى متشابه تقريبا(1).

و كلاهما بالرغم من تطور هما لم يتحولا عما هما عليه، فلا الدول الرأسمالية أصبحت اشتراكية، و لا الدول الاشتراكية أصبحت شيوعية (أعني الطور الأعلى) و بقي الحال، خلافا لقواعد المادية التاريخية.

و أما حديث تأزم النضال مع البروليتاريا، فهو واضح المجافات للواقع، إذ بغضّ النظر عن الدعاية الشيوعية في البلدان الرأسمالية، و الأموال و الجهود التي تبذل عليها... فإن البلدان الرأسمالية قد كفلت حياة الضعفاء إلى درجة معقولة، و إن لم تكن كاملة... متمثلا بالنقابات و الضمان الاجتماعي و حق الاضراب و حق المطالبة برفع الأجور و تحسين ظروف العمل، تمثيل العمال بالمجالس النيابية، و غير ذلك. و لا يمكن للرأي العام أن يؤكد أن ضمان العمال في الدول الاشتراكية أكبر منه في الدول الرأسمالية.

و من الواضح، أن هذه الضمانات الموجودة للعمال في الدول الرأسمالية تكون موجبة لتخفيف التأزم في النضال لا لشدته، بالرغم من تطور وسائل الانتاج.

ص:242


1- (1) و قد اقتضى هذا المستوى المتشابه الاشتراكية هنا و الرأسمالية هناك، على خلاف قواعد المادية التاريخية أيضا.
المرحلة الثانية القيمة الأساسية للرأسمالية ماركسيا
اشارة

- 1 - لما ذا يعتبر ماركس و الماركسيون الرأسمالية نظاما غير صحيح، يجب تغييره و الاجهاز عليه.

قد يقول القائل: ان الماركسية، طبقا لقواعد ماديتها التاريخية، تعتبر الرأسمالية «عهدا» أو تشكيلة موقوفة على تطور وسائل الانتاج، و الطبقة المرتبطة اقتصاديا بالوسائل المتطورة، و سوف يأتي الوقت الذي تبلغ به وسائل الانتاج مستوى معينا يوجب تغيير المجتمع الرأسمالي إلى الاشتراكية... بواسطة النضال الطبقي المرير!!...

إن الماركسية يمكنها أن تكتفي بهذه الفكرة، كما اكتفت بها - بشكل عام - في العهود السابقة، إلا أن ماركس نفسه لا يريد الاكتفاء بذلك، فإن وضع الرأسمالية أوسع و أعمق من ذلك، و العواطف التي يراد توجيهها ضدها لا بد أن تكون كبيرة جدا تستغرق القلب و العقل معا. و الاشتراكية التي يراد بناؤها عالميا على أنقاض الرأسمالية، لا بد أن تكون عميقة و مدعمة بالأدلة الدامغة الواضحة على صحتها و أصالتها.

و من ثم حاول ماركس في كتابه «رأس المال» أن يبرهن رياضيا على وجود عيب أساسي في الرأسمالية، يجعلها غير صالحة للبقاء، و يؤزّم النضال بينها و بين طبقة العمال البروليتاريين. و لا يكون هذا العيب موجودا في الاشتراكية... و من هنا ينبغي أن يكون لها وراثة المجتمع.

- 2 - و هذا العيب الأساسي هو أن الرأسمالية مبتنية على وجود فائض القيمة أو القيمة الزائدة، من حيث كونها معبّرة عن الربح الذي يسرقه صاحب العمل من

ص:243

العامل و به تتكوّن الرأسمالية و بدونه لا توجد رأسمالية.

و هو يعرضها في كتابه مرارا و بأساليب مختلفة، و يعرض كثيرا من خصائصها برأيه... إلى حد يمكن القول أن هذا الكتاب على ضخامته، مكرّس لإيضاح هذه النظرية بالذات.

إن ماركس بعد أن يؤسس رأيه في أن العامل يبيع لصاحب المال قوة عمله، المتمثلة بكيانه الجسمي القادر على إيجاد العمل المطلوب. و يصرف في العمل مقدارا من الطاقة ما يوازي مقدار الأجر (الذي يوازي في العادة مقدار حاجته إلى استرجاع الطاقة التي بذلها في العمل) بحيث يعود في اليوم الآتي و قد استرجع كل قوته المصروفة، ليستأنف العمل من جديد.

... يقول ماركس فيما يقول:

«إن القيمة اليومية لقوة العمل تساوي 3 شلنات. ذلك لأنه يلزم نصف نهار من العمل لانتاج هذه القوة يوميا. يعني أن وسائل المعيشة الضرورية لحفظ العامل يوميا نصف نهار من العمل... إن تكاليف القوة تعيّن قيمتها التبادلية، أما إنفاق القوة، فيؤلّف قيمتها الاستعمالية. فإذا كان نصف نهار من العمل يكفي لاعالة العامل خلال أربع و عشرين ساعة، فلا يترتب على هذا انه لا يستطيع أن يعمل نهارا كاملا.

إن القيمة التي تملكها قوة العمل و القوة التي تستطيع أن توجدها، تختلفان - إذن - من حيث القياس. و هذا الاختلاف في القيمة هو الذي كان الرأسمالي يضعه نصب عينيه حين اشترى قوة العمل.

... إن الرجل صاحب الدنانير قد دفع ثمن القيمة اليومية لقوة العمل، فهو يملك - إذن - استخدامها خلال نهار، يعني عمل نهار كامل. أما كون الحفظ اليومي لهذه القوة لا يكلف إلا نصف نهار من العمل، على الرغم من انها تستطيع أن تعمل خلال النهار بكامله. يعني أن القيمة التي يوجدها استخدامها خلال نهار واحد هو ضعف قيمتها الخاصة.

فهذا حظ سعيد، بصورة خاصة، بالنسبة إلى المشتري (الرأسمالي)، و لكنه لا يمس في شيء حق البائع (العامل).

لقد أدرك صاحبنا الرأسمالي هذا الأمر قبل وقوعه، و هذا ما يضحكه. و العامل يجد - إذن - في المعمل وسائل الانتاج الضرورية لنهار عمل مؤلف من ست ساعات، و إنما من اثنتي عشرة ساعة.

و بما أن 10 ليبرات من القطن قد امتصت 6 ساعات من العمل و تحولت إلى 10 ليبرات من خيوط الغزل؛ فإن 20 ليبرة من القطن سوف تمتص اثنتي عشرة ساعة من العمل و تتحول إلى 20 ليبرة من خيوط الغزل. فلنفحص الآن منتوج العمل الممتد: ان ال 20 ليبرة من

ص:244

خيوط الغزل تتضمن خمسة نهارات من العمل، منها أربعة نهارات تجسدت في القطن و في المغازل المستهلكة و واحد امتصه القطن أثناء عملية الغزل و من المعلوم ان التعبير النقدي عن خمسة نهارات من العمل هو 30 شلنا. هذا هو - إذن - ثمن ال 20 ليبرة من خيوط الغزل.

ان ليبرة خيوط الغزل تكلّف أولا و أخيرا شلنا واحدا و ستة دراهم. و لكن مجموع قيمة البضائع المستخدمة في العملية لم تكن تتجاوز 27 شلنا، و قيمة خيوط الغزل تبلغ 30 شلنا. ان قيمة المنتوج قد ازدادت 91 من القيمة المدفوعة لانتاجه. لقد ولدت قيمة زائدة مقدارها 3 شلنات. لقد تمّت الدورة، لقد تحول المال إلى رأس مال»(1).

«إن وقت الاستثمار (العمل) يقسم إلى فقرتين: و في خلال إحداهما لا ينتج شغل قوة العمل إلاّ معا، و لا لثمنها. و في خلال الأخرى يكون شغل العامل مجانيا، و يدر على الرأسمالي، بالتالي، قيمة لم يقدم لقاءها أي معادل قيمة لا تكلّفه شيئا. و بهذا المعنى يمكن أن يسمى العمل الزائد الذي يستمد منه القيمة الزائدة عملا لم يدفع ثمنه.

... إن كل قيمة زائدة، مهما كان شكلها الخاص: - الربح، الفائدة، الدخل، الخ - هي، بصورة جوهرية، تحويل عمل غير مدفوع ثمنه إلى مادة.

إن سر قوة رأس المال السياسية كله قائم في هذا الواقع البسيط، و هو أن رأس المال يتصرف بكمية معينة من عمل الآخرين لم يدفع ثمنه»(2).

«لقد اشتغل العامل - إذن - نصف النهار لنفسه، و النصف الآخر للرأسمالي»(3).

هذا أوضح ما يقوله ماركس عن نظريته.

ثم يحاول ماركس أن يبيّن أن القيمة الزائدة قد تتضاعف تحت ظروف معينة كثير منها اعتيادي، كزيادة عدد العمال، و زيادة الانتاج، و زيادة ساعات العمل، و غير ذلك. و لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.

ص:245


1- (1) راس المال، لماركس ج 2 ص 262 و ما بعدها.
2- (2) المصدر ج 4 ص 756 و ما بعدها.
3- (3) المصدر ج 2 ص 295.
مناقشة القيمة الزائدة

- 1 - تتضمن هذه النظرية عدة أسس موضوعية، لا بد من الفراغ من صحتها من أجل تصحيح النظرية. و قد فرغ ماركس فعلا مما التفت إليه من الأسس و لكننا لا بد أن نعرضها جميعا و نفحصها مليا لنتأكد من صحتها قبل التسليم بصحة النظرية... و يكفي في تزييف النظرية البرهنة على عدم صحة أساس واحد منها، فضلا عن أكثر من واحد. بل يكفي مجرد الشك في صحة أي منها و عدم ثبوته بالدليل، للشك في صحة أصل النظرية.

- 2 - الأساس الأول: إن العمل هو أساس القيمة التبادلية للأشياء عموما، و بدونه لا يكتسب الشيء أية قيمة، كالأراضي البوار و المعادن غير المستخرجة و الغابات الطبيعية و نحو ذلك.

و هذه نظرية تبناها ماركس، و حاول البرهنة عليها في الفصل الأول من كتابه «رأس المال» و منه صارت إلى الماركسيين عموما و بها تصبح نتيجة العمل للعامل، فيكون استيلاء صاحب المال عليه بدون استحقاق.

إلا أن هذه النظرية تواجه عدة مصاعب تمنع من الأخذ بها، لأنها تعجز عن تفسير عدة أمور:

أولا: تفسير ارتفاع قيمة المخطوطات النادرة، مع كون العمل على كتابتها لا يمثل إلا جزءا ضئيلا جدا من قيمتها.

ثانيا: تفسير ارتفاع التحف القديمة و المجوهرات و أمثالها، مما يكون قيمتها التبادلية أضعاف العمل المبذول فيها. فإن العمل في الأحجار الكريمة موكول إلى الطبيعة نفسها، و ليس للانسان تجاهها إلا العمل الضئيل، الذي لا يمكن أن يمثل قيمتها التبادلية بحال...

ثالثا: تفسير اختلاف القيمة الاستعمالية باختلاف الحاجة إلى الشيء،

ص:246

تتناسب معها تناسبا طرديا. فالماء الواحد المبذول عليه عمل واحد، يكتسب إلى جانب عين الماء قيمة غير القيمة التي يكتسبها و هو في الصحراء. إن هذا الفرق الكبير لا يعود إلى العمل، كما هو معلوم.

رابعا: تفسير الفرق بين العمل الفني الجيد و العمل الرديء، إذا كان مساويا له في الزمن و في الطاقة أو قوة العمل المبذولة. فإن لهما بحسب منطوق النظرية قيمة واحدة، فإذا استهلك العمل الرديء قوة أكثر كان أعلى قيمة من العمل الجيد... و هذا مما لا يمكن أن يكون صحيحا بأي حال.

إلى غير ذلك، مما يطول بنا المقام في تفصيله، فليرجع القارئ إلى المصادر المفصّلة لذلك.

إن البديل عن العمل في الموردين الأولين هو الندرة النسبية (بالمعنى المطلق). و في المورد الثالث هو الندرة الشخصية... و في المورد الرابع هو الأهمية، و هي ترجع بمعنى آخر إلى الندرة.

و ليست الندرة بمجردها كافية في زيادة القيمة، و إنما تعطي الندرة جوا نفسيا خاصا للمشترين، بحيث يكونون على استعداد لدفع القيمة الأعلى، و مع استعداد المشتري للدفع، يكون البائع مستعدا نفسيا للقبض بل راغبا به و طالبا له لا محالة... فهذا الجو النفسي هو السبب الحقيقي المشترك بين هذه الموارد.

و هو يتوفر في مورد ندرة البضاعة، و مورد تضخم النقد، و مورد زيادة الحاجة، الشخصية و العامة (كالحاجة إلى الدواء أيام الوباء)، و هو أمر لا يختلف فيه (العروض) عن (النقد) عن (العمل) عن (قوة العمل).

فإنها جميعا تكون أغلى مع وجود الجو النفسي المشار إليه و تكون أرخص (في إحدى القيمتين التبادلية أو الاستعمالية) مع ضئالته... على تفصيل لا يسعه المقام.

- 3 - الأساس الثاني: إن الشيء الذي يملكه العامل، هو قوة العمل لا العمل نفسه.

و هو ما رآه كارل ماركس و أكّده في كتابه، و حاول شرحه في أحد فصول الجزء الثاني منه(1).

قال:

ص:247


1- (1) ص 228 منه.

«و يجب أن نفهم من هذا الاسم مجموع الخصائص الجسمانية و الذهنية الموجودة في جسم إنسان من الناس في شخصيته الحية، و التي عليه أن يحركها لينتج أشياء نافعة... ان مالك النقد و مالك قوة العمل يلتقيان في السوق و يدخلان في علاقة مع بعض، مبادلين لهما الصفة نفسها. و هما لا يختلفان إلا في هذا: أن أحدهما يشتري و الآخر يبيع، و كلاهما - لهذا السبب نفسه - شخصان متساويان حقوقيا»(1).

و من الطريف أننا نجد أن ماركس يأخذ هذا الأمر افتراضا مسلّما من دون أن يحاول البرهنة عليه... و كأنه يحيل البرهان عليه أو القناعة به إلى ذمة القارئ. و هو أسلوب لا يكفي للاثبات، كما هو معلوم. إن كل شيء لا دليل عليه فهو مرفوض في أي علم.

و نجد - أيضا - من الماركسية التأكيد على العمل بوصفه شيئا ذا قيمة و قابلا بغض النظر عن قوة العمل.

انظر مثلا قول انجلز:

«إن العمل سلعة مثل غيرها، و سعرها - بالتالي - إنما يتحدد بالضبط وفق القوانين ذاتها التي يتحدد بها سعر كل سلعة أخرى»(2).

و قد رتّب انجلز على رأيه هذا نفس النتائج التي يريدها ماركس، إذ أضاف:

«و سعر سلعة في ظل سيادة الصناعة الكبيرة أو المنافسة الحرة... مساو وسيطا على الدوام لكلفة إنتاج هذه السلعة، و إذن، فإن سعر العمل مساو هو أيضا لكلفة إنتاج العمل.

و لكن كلفة إنتاج العمل تتألف بالضبط من كمية وسائل الرزق الضرورية لجعل العامل في حالة تمكنه من متابعة العمل و تحاشي موت الطبقة العاملة»(3).

فقد جعل وسائل الرزق الضرورية رصيدا للعمل نفسه مباشرة، بلا حاجة إلى توسيط القوة. و هذا هو الأقرب إلى الفهم الطبيعي على أي حال. و من هذا الرصيد يمكن الانطلاق إلى فهم القيمة الزائدة، لو سرنا حسب تسلسل تفكير ماركس.

على أن هذه النظرية لا تصمد للنقد، و لا تخلو من المصاعب، نذكر طرفا منها فيما يلي:

ص:248


1- (1) راس المال ج 2 ص 228.
2- (2) نصوص مختارة: انجلز ص 36.
3- (3) المصدر و الصفحة.

الصعوبة الأولى: إن على هذه النظرية بيان الفرق بين العمل الفني و غيره، إذا كان زمنهما واحدا، فإن القوة المبذولة فيهما واحدة، و قيمتهما مختلفة.

الصعوبة الثانية: إن القوة المبذولة في العمل المتشابه مضمونا و وقتا، قد لا تكون متساوية، بل تختلف - بالضرورة - بين إنسان و إنسان، من حيث الصحة و المرض و من حيث العمر (كالشباب و الشيخوخة) و من حيث اتصاف الفرد بالتعب أو انشغال الذهن و نحو ذلك، فإذا كانت القيمة عائدة إلى القوة لا إلى العمل، كان اللازم الاختلاف هنا في القيمة مع أنه خلاف الوجدان.

الصعوبة الثالثة: إن القوة البدنية تنقص بالعمل و تحتاج إلى تعويض بمقدار عشرة شلنات في اليوم ليعود العامل نشيطا في اليوم التالي، على ما قال ماركس و أما الخبرة العلمية أو القوة الذهنية، فلا معنى لنقصانها، فهل تكون مجانية مع أنها الجزء الأساسي للعمل، و تختلف قيمته بزيادة الخبرة بطبيعة الحال.

الصعوبة الرابعة: إن قوة العمل المتمثلة بشخص العامل لا معنى لبيعها، و ينبغي أن يعترف ماركس أنه لا يصبح صاحب المال مالكا لجزء من الشخصية الحيّة للعامل. كل ما في الأمر أنه نتيجة للمعاقدة يصبح صاحب المال مستحقا لعمل يوم واحد مثلا، و تعود قوة العمل كرصيد له مرة أخرى.

- 4 - الأساس الثالث: إن ماركس يفترض أن قيمة قوة العمل هو المقدار من الطعام الذي يكفل للعامل إرجاع القوة بعد صرفها... و هو عشرة شلنات في اليوم في مثال ماركس. و هو يتمثل بالأجر الذي يأخذه العامل يوميا من الرأسمالي. و يترتب على ذلك: أن العامل يصرف من القوة في اليوم ضعف ما يأخذ من الأجر، فيكون قد عمل نصف النهار بالأجر و نصف النهار مجانا.

و معنى ذلك أن الرأسمالي لا يدفع إلى العامل إلا ما يقوته يوميا، و إلا فإنه لو ضاعف له الأجر لكان على ماركس أن يعترف أنه أدى له ما يقابل عمله اليومي تماما.

و هذه الحقيقة، و هي أن صاحب المال لا يدفع إلا مقدار ما يقوته يوميا... قد تكون منطبقة على الرأسمالية الأولى بوجودها التاريخي السابق، حين كان يستخدم العامل أكبر مقدار ممكن من الوقت في أقل مقدار ممكن من

ص:249

الأجر، و لكنها غير منطبقة على الوضع الحالي لها حين أسّست نقابات العمال و أعطوا حق المطالبة برفع الأجور و ممارسة الاضراب و الضغط على الشركات و السلطات بمختلف الأساليب.

و لو لا سوء التصرف و الجشع المسيطر على السوق، لما بقي - بعد هذه الضمانات - إلا كسر قليل من الربح تنازل عنه العامل بمحض حريته لصاحب العمل. فإن صحت نظرية ماركس في كون العامل مالكا، فإنها لا تستطيع أن تمنعه عن التنازل عن بعض ما يملك بإرادته.

و من الطريف الذي لا يمكن للماركسية أن تلتفت إليه إلا بصوت خاص، هو أن هذه الحقيقة الرأسمالية، و هي الاقتصار على دفع القوت اليومي للعامل، منطبقة على القاعدة التي قالت الماركسية بتطبيقها في الطور الشيوعي الأعلى:

و هي: من كل حسب طاقته و لكل حسب حاجته. فإن معنى ذلك بكل وضوح هو استخدام العامل أكبر مقدار ممكن، بمقدار كل طاقته، و إعطاؤه ما يقوته و يلم بحاجته فقط، إذا فهمنا من الحاجة ما كان من الضروريات دون الكماليات، على ما سيأتي عند الحديث عن الطور الأعلى.

و معه تكون نظرية القيمة الفائضة منطبقة على الطور الشيوعي الأعلى، كانطباقها على الرأسمالية. و كل الفرق ما بينهما، هو اختلاف صاحب المال ليس إلا... و أما من حيث كون العامل يعطي أكثر مما يأخذ، فسواء بينهما.

- 5 - الأساس الرابع: التسليم بالمفهوم المطلق للظلم.

فإن ماركس حين يعترض على الرأسمالي أخذ القيمة الفائضة و يعتبرها شيئا غير صحيح و غير مشروع... و ان النظام الرأسمالي القائم على هذا الأساس نظام فاسد؛ فمن حقنا أن نسأله: إن هذا الفساد و عدم المشروعية، من أين جاء و بأي منطق تسجّل؟!...

فإنه لو كان عندنا مفهوم مطلق للظلم و العدل و الصحة و الفساد و المشروعية و عدم المشروعية. لقلنا عن الرأسمالية انها ظالمة و فاسدة و غير مشروعة، كما هي تستحق له فعلا. و لكن الماركسية لا تعترف بذلك، انها - كما عرفنا - تعتبر القيم الأخلاقية قيما مرحلية مرتبطة بما يرتبط به المجتمع على وجه العموم من تطور وسائل الانتاج و علاقاته. و ان هذه المفاهيم مهما بدت بعيدة الارتباط بالجانب

ص:250

الاقتصادي، فانها لا بد صائرة إليه و راجعة عليه، لأنه المحرك الأساسي للتاريخ البشري.

ينتج من ذلك: أن كل مرحلة تاريخية تشيع فيها تقييمات و مفاهيم معينة، تتغير بالضرورة عند ارتفاع تلك المرحلة و تبدلها بالقانون الماركسي العام. فما يكون فاسدا و غير مشروع في مرحلة، قد يصبح صالحا و مشروعا و عادلا في مرحلة أخرى، و بالعكس.

إذن، يمكن القول من هذه الزاوية، بكل وضوح، أن أخذ القيمة الزائدة، هي في عصر الرأسمالية شيء صالح و مشروع و في عهد الاشتراكية شيء غير مشروع، و الرأسمالي حين يأخذ هذه القيمة من العامل، فإنه يعمل شيئا مشروعا و صحيحا في حدود مرحلته و نظامه العام، و لا يهتم الرأسمالي، بل لا يمكنه أن يهتم - من وجهة نظر ماركسية - بالتقييم الاشتراكي لعمله.

و إذا كان هذا أمرا صحيحا و مشروعا في عصر الرأسمالية، فما على الفرد إن كان عليه متّبعا له. فإن المسئولية الكبرى على الفرد هي أن يتبع كل ما هو مشروع و صحيح، و المفروض أن أخذ القيمة الزائدة أمر مشروع و صحيح، فلما ذا يستحق الرأسمالي الانتقام؟.

و قد عرفنا من الماركسية أنها نفت وجود التفكير الموضوعي المجرد، و أثبتت أن كل الأفكار و الآراء طبقية و حزبية و تابعة لتطور وسائل الانتاج... و هذا شامل للتفكير الرأسمالي و الاشتراكي معا. فكما أن الفرد الرأسمالي يكون متحيزا عند أخذه القيمة الزائدة و إدراكه صحة ما يعمل. فكذلك الاشتراكي يكون متحيزا حين يطعن بهذه القيمة و يدرك عدم مشروعيتها، بما فيهم كارل ماركس نفسه، و من الواضح أن فرض الفكر المتحيز على الآخرين و أخذهم به أمر غير مشروع و غير صحيح.

- 6 - إن كارل ماركس يفترض أن 20 ليبرة من القطن الخام تساوي اثنتي عشرة ساعة من العمل. و لا بد أن ذلك باعتبار جنيه و تصفيته و نحو ذلك من الأعمال المسبقة. فإذا غزل هذا القطن استهلك خمسة أيام من العمل هي: اليوم المشار إليه في القطن الخام، مع يوم كامل للغزل و ثلاثة باعتبار استهلاك الآلات و غير ذلك من الأعمال الثانوية. فإذا كانت الأجرة المستحقة في اليوم هي 6 شلنات

ص:251

كانت قيمة ليبرة القطن المغزول 30 شلنا.

و لكن الرأسمالي يدفع للعامل 3 شلنات في اليوم هي قيمة نصف نهار و هذه الشلنات الثلاث هي قيمة قوة عمله المصروفة في اليوم، لأن ما يعين له قوّته على العمل في اليوم الآتي، هو ما يساوي 3 شلنات من الطعام.

إن ماركس يفترض عدد ساعات معينة من العمل تقابل كل «مادة» من مواد الانتاج: القطن، الغزل، المغازل المستهلكة، قوة العمل، طعام العامل،... و هذا أمر قد يصح افتراضه رياضيا، و لكنه من الناحية الواقعية بعيد عن الصحة.

لنأخذ القطن الخام أولا، الذي يفترض ماركس أن 20 ليبرة منه تساوي اثنتي عشرة ساعة من العمل. فهل هذا صحيح. و أما ما سبق ذلك من العمليات قطفه و زرعه و سقيه ثم قبل ذلك حرث الأرض و تسميدها و البذر، ثم قبل ذلك حفظ البذر من التلف إلى حين الموسم. إن هذا يساوي عدة أشهر من مختلف الأعمال، و كلها أعمال ذات قيمة، فلو حفظ لك شخص بذور قطنك لكان مستحقا عليك أجرا، فضلا عما إذا حرث لك أرضك أو زرعها. و أما الكبس و التحميل و نحوه مما هو متأخر عن التصفية، فكأننا ينبغي أن نسقطه عن نظر الاعتبار و إلاّ زادت ساعات العمل.

بل يمكننا أن نسير خطوة أكبر لنرى أن بذرة القطن التي استفدنا من قطنها و غزلناه، كانت في شجرة سابقة عاشت عدة أشهر و بذلت عليها أعمال كثيرة. و هي أيضا نتيجة بذرة سابقة، و هكذا.

إذن، فالقطن يمثّل تاريخا طويلا من الأعمال ممتدا بامتداد تاريخ البشرية.

فكيف ندّعي أنه يمثّل اثنتي عشرة ساعة من العمل. و كيف يمكن أن نقبل هذا الافتراض الرياضي من ماركس.

و يمكننا أن نلاحظ نفس الشيء في طعام العامل الذي يعيد له القوة و النشاط فإنه يمثل في زراعته و جنيه أكثر من ست ساعات بكثير. فضلا عن تاريخ بذوره الممتدة بامتداد البشرية.

و قوة العمل نفسها، مستندة في وجودها إلى مثل هذا التاريخ... مضافا إلى تاريخ آخر و هو أن قوة العمل موجودة في جسم العامل، و جسمه له تاريخ بشري ممتد في آبائه و أجداده طويل جدا.

ص:252

و قل نفس الشيء بالنسبة إلى المغازل المستهلكة. و هكذا غيرها. فكيف يمكن لماركس أن يفترض أنها تمثل ساعات محددة من العمل.

و لو كانت ساعات العمل هي المقياس للقيمة التبادلية للشيء، إذن، ينبغي أن تكون قيمة هذه الأمور مرتفعة جدا، بمقدار ساعات لعدة أشهر أو عدة سنين، إن أسقطنا مجموع التاريخ البشري عن نظر الاعتبار. و هو ما لا يمكن أن يلتزم به أحد.

- 7 - يوضح ماركس أن قيمة القطن المغزول منوط تعيينها بمقدار الساعات التي بذلت في صنعه، و قيمة هذه الساعات تتحدد بقيمة قوة العمل التي بذلت خلالها. و قيمة العمل تتحدد بقيمة قوة العمل أيضا، و كل الخصائص تعود عادة إلى قوة العمل. و قيمة قوة العمل تتحدد بمقدار ما يرجعها صاحبها إلى جسمه من الطعام.

و قيمة قوة العمل هذه، أو - بتعبير آخر -: ما ينبغي أن يتقاضاه العامل بإزاء كل ساعة من قوة العمل أو كل يوم... لا يمكن الرجوع في تحديدها إلى نتيجتها، و هو القطن المغزول، لأننا نكون قد بدأنا من حيث انتهينا. لأننا نكون قد حدّدنا قيمة القطن بقيمة القوة و قيمة القوة بقيمة القطن، فلم نصل إلى شيء.

إن ماركس يجيب على ذلك: ان قيمة القوة لا تتحدد بقيمة القطن، بل بقيمة الطعام الذي يحتاجه الفرد لرجوع قوة عمله بعد نفادها. و من الطريف هنا أن يعتقد ماركس أن هذا الطعام يمثل نفس مقدار الساعات التي استهلكت بالعمل المقبوض أجرته. فلو كان العامل قد قبض أجرة ست ساعات، كان الطعام ممثّلا لعمل ست ساعات.

و هذا الافتراض لطيف من الناحية الرياضية، إذ تكون قوة العمل و الطعام و الست ساعات و القطن، كلها متوازية و متساوية في قيمتها. إلا أنه من الناحية الواقعية غير ممكن أو بعيد الوقوع، إذ قد يشتري العامل طعاما ممثلا لعدد أقل من ساعات أو أكثر، و الأطعمة تختلف في الساعات التي تحتاج لانتاجها مع العلم أنه قد يكون ما يرجع قوة العمل في هذا اليوم ممثّلا لأربع ساعات، و ما يرجعها في اليوم التالي ممثّلا لعشر ساعات.

ص:253

- 8 - نعرف من تسلسل الفكرة في الفقرة السابقة: ان قيمة الناتج محددة بقيمة قوة العمل، و قيمة قوة العمل، محددة بقيمة ما يكون سببا لرجوعها من الأغذية، فمن حقنا أن نسأل، ما إذا كانت هذه الأغذية ممثلة لقوة عمل بدورها أولا؟ إن ماركس سوف يجيب بالايجاب. فما الذي يحدد قوة العمل تلك؟ يجيب ماركس: إنها هي الأغذية التي تعيدها إلى حالها الأولى أيضا.

و هذا الأغذية ممثلة لقوة عمل أخرى، و هي بدورها ترجع عن طريق أغذية أخرى و هكذا، و لا نستطيع أن نصل إلى قعر هذه السلسلة.

إن كل هذه السلسلة من منتوج و قوة عمل، تمثل ساعات محددة متماثلة كست ساعات مثلا - بغض النظر عن الاعتراضات السابقة -. و لكن ما هي القيمة التبادلية لهذه الساعات؟... إنها تتحدد - مرة أخرى - بقيمة الطعام الذي يرجع القوة إلى صاحبها، و قيمة الطعام تتحدد مرة أخرى بقوة العمل.

و هكذا نعود إلى نفس السلسلة.

و إذا عدنا إلى السلسلة لم نستطع أن نحدد قيمة شيء بالمرة، لا الساعات و لا قوة العمل و لا الطعام، في أي فقرة من فقرات هذه السلسلة.

إن ماركس يفترض أن للطعام في السوق قيمة ناجزة، هي التي تحدد قيمة العمل التي تحدد بدورها قيمة المنتوج. و هذا التحديد إنما يصح من زاوية غير ماركسية، حين تتحدد قيمة الطعام بشيء خارج هذه السلسلة، كالندرة النسبية أو الحاجة الاجتماعية أو الجو النفسي الذي ذكرناه.

و تبدو هذه المشكلة بشكل أصرح، فيما إذا افترضنا أن أناسا كوّنوا مجتمعا جديدا، و بذلوا قواهم لانتاج قماش مثلا، ثم أكلوا طعاما مما حصلوا عليه طبيعيا، حتى استعادوا قواهم المبذولة في إنتاج القماش.

إننا نستطيع أن نجزم - طبقا لقانون ماركس - أن القماش و قوة إنتاجه و الطعام الذي أكلوه، ذو قيمة واحدة، هي بدورها قيمه الساعات التي بذلت في الانتاج. و لكن كم هي هذه القيمة؟ هنا يستحيل إعطاء أي تحديد للقيمة، ما لم نرجع إلى مقياس آخر غير ماركسي.

ص:254

المرحلة الثالثة أقسام الرأسمالية
اشارة

تنقسم الرأسمالية، في رأي الماركسيين إلى أقسام ثلاثة متسلسلة يمهد أحدها للآخر، هي:

مرحلة التراكم الأولى لرأس المال.

و مرحلة الرأسمالية التنافسية.

و مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، و هي الامبريالية.

... لا بد من ذكرها على التوالي مع التأكيد على قيمتها الماركسية، و مناقشتها.

ص:255

القسم الأول مرحلة التراكم الأولى لرأس المال
اشارة

- 1 - يريد كارل ماركس بالتراكم الأولي لرأس المال، تجمع الأموال لدى الرأسماليين منذ أول عهد تولدهم، فصاعدا، ما داموا لم يدخلوا في مرحلة ذات خصائص جديدة، و هذا واضح.

و إنما المهم... أن ماركس يحاول أن يعطي لذلك قانونه العام، و يفحص نتائجه بما يملك من دقة. اسمعه يقول:

«و الواقع ان جزءا من القيمة الزائدة، هذه الثمرة السنوية، يأتي سنويا لينظم إلى الرأسمال المكتسب، ثم تكبر هذه الزيادة السنوية هي نفسها كلما ازداد تضخما الرأسمال العامل. و أخيرا فان الشهوة العنيفة إلى الربح، إذا جاءت ظروف ملائمة بصورة استثنائية - كفتح أسواق جديدة في الخارج و ميادين جديدة لتوظيف الرساميل في الداخل، الخ - فحرضت هذه الشهوة، فانها سوف تلقى فجأة أعظم أجزاء المنتوج الصافي في رأسمال تجديد الانتاج، و ذلك لكي توسع نطاقه أيضا.

ينتج عن هذا كله، أن كل سنة سوف تقدم لعدد من العمال الأجراء، يكون أكبر من العدد الذي نال شغلا في العام السابق... ان تجديد إنتاج الرأسمال ينطوي على تجديد إنتاج أداته الكبرى التي تكمن من استثماره، و هي قوة العمل. فتراكم الرأسمال هو - إذن - في الوقت نفسه، ازدياد الطبقة العاملة»(1).

و يعيد كارل ماركس إلى الذهن عصر تولّد الرأسمالية بعد الاقطاع، الذي هو عصر هذا التراكم، فيقول:

ص:256


1- (1) راس المال: كارل ماركس ج 3 ق 1 ص 885.

«لقد خرج النظام الاقتصادي الرأسمالي من أحشاء النظام الاقتصادي الاقطاعي.

و انحلال أحدهما أدى إلى انبثاق العناصر التكوينية للثاني.

... إن الحركة التاريخية التي تحوّل المنتجين إلى مأجورين، تظهر - أذن - بوصفها تحريرا لهم من القنانة، و من التسلسل الصناعي التدريجي. و من الجهة الأخرى، فهؤلاء المحررون لا يصبحون بائعين لأشخاصهم إلا بعد أن يصير تجريدهم من جميع وسائل الانتاج التي كانت بين أيديهم، و من جميع ضمانات الحياة التي كان يقدمها لهم النظام القديم.

... و في تاريخ التراكم البدائي، تؤلف جميع الثورات التي تخدم بمثابة رافعة التقدم للطبقة الرأسمالية الآخذة في التكون، تؤلف جميع هذه الثورات أحداثا بارزة كبرى، و خصوصا تلك التي بتجريدها جماهير واسعة من وسائلها الانتاجية و الوسائل التقليدية لمعيشتها، تلقيها بغتة في سوق العمل. و لكن أساس هذا التحول كله، هو نزع ملكية الزارعين»(1).

كما يعيد ماركس إلى الذهن، ارتباط التراكم الأولي، بالنظام المانيوفاكتوري التعاوني، الذي كان هو الشكل الرئيسي للانتاج الرأسمالي في أول عهده... حيث يقول:

«إن التعاون و التقسيم المانيوفاكتوري، و النظام الآلي، الخ... و بكلمة موجزة الطرائق الكفيلة بإطلاق قوى العمل الجماعي، لا تستطيع الدخول إلا من حيث بدأ تنفيذ الانتاج على نطاق واسع عظيم إلى حد ما. و كلما اتسع هذا تطورت تلك و نمت. و على أساس العمل بالأجرة تكون سلم العمليات في الدرجة الأولى، رهنا بقياس الرساميل المتراكمة بين أيدي أصحاب المشروعات الخاصة»(2).

و يعطي ماركس رأيه النهائي في قيمة هذا التراكم، باعتباره رأسماليا يتصف بكل ما تتصف به الرأسمالية من آلام و شرور.

«إن تراكم الثروة عند قطب، هو كذلك الفقر و الآلام و الجهل و التبلد و الانحطاط المعنوي و العبودية، عند القطب المقابل، من ناحية الطبقة التي تنتج الرأسمال نفسه»(3).

«و هكذا - إذن - فالذي يكمن في أعماق التراكم الأولي للرأسمال، في أعماق عملية نشوئه التاريخية، إنما هو نزع ملكية المنتج المباشر، و انحلال الملكية المؤسسة على العمل الشخصي لمالكها.

... إن نزع ملكية المنتجين المباشرين يتم عن طريق بربرية لا ترحم تشحذها أحقر

ص:257


1- (1) المصدر ج 3 ق 2 ص 1055.
2- (2) المصدر ج 3 ق 1 ص 901.
3- (3) المصدر ص 397.

الدوافع و أسفلها، و أقذر الأهواء و أجدرها بالمقت في دناءتها»(1).

- 2 - و يحاول ماركس أن يربط وجود الرأسمالية المتمثلة بالتراكم الأولي بقانون الديالكتيك الذي أسسه هو نفسه للكون كله.

و هنا - بالضبط نسمعه يقول عبارته المشهورة:

«إن الاستملاك الرأسمالي المطابق لنمط الانتاج الرأسمالي، يشكّل النفي الأول لهذه الملكية الخاصة التي ليست إلا تابعا للعمل المستقل و الفردي. و لكن الانتاج الرأسمالي ينسل هو ذاته نفيه بالحتمية ذاتها التي تخضع لها تطورات الطبيعة، انه نفي المنفي، و هو يعيد ليس ملكية الشغيل الخاصة، بل ملكيته الفردية المؤسسة على مقتنيات و مكاسب العصر الرأسمالي، و على التعاون و الملكية المشتركة لجميع وسائل الانتاج بما فيها الأرض»(2).

و قد اكتسبت هذه العبارة أهمية بصفتها التعرض الوحيد للديالكتيك، الذي كتبه ماركس في رأس المال، بالرغم من أهميته في نظره.

- 3 - بعد هذا الايضاح المختصر، للمرحلة الأولى من الرأسمالية، نصل إلى نهاياتها، حيث لا بد لها تدريجيا أن تتحول إلى المرحلة الثانية.

و هنا نجد كلام كارل ماركس مختصرا و مجملا إلى حد كبير؛ إن ماركس قد عاصر التراكم الأولي للرأسمالية، و لم يكتب له البقاء بعده، و من هنا اعتبر الوضع الرأسمالي الذي عاصره هو الرأسمالية بقول مطلق. و لم يتصور تطوره إلى مراحل أعلى إلا لماما.

و من هنا نرى ماركس قد حمّل المرحلة الأولى للرأسمالية، كل المسئوليات التي صبّها على الرأسمالية المطلقة، و قد سمعنا طرفا من ذلك. و كان تعرضه إلى المراحل المتأخرة مختصرا و من دون تدقيق، في أن هذه المراحل هل تنطوي على كل المسئوليات أيضا أولا؟ بل اننا نستطيع أن نلمس عدم التحديد في إعطاء الصيغة الكاملة للمرحلة التي تلي مرحلة التراكم الأولي. فتارة يوضح ماركس بغموض ان هذه المرحلة هي مرحلة التزاحم الحر أو المزاحمة.

ص:258


1- (1) المصدر ج 3 ق 2 ص 1137.
2- (2) المصدر نفسه ص 1138.

«و كلما ازدهر التراكم الرأسمالي و الانتاج الرأسمالي فان المزاحمة و القرض و هما أقوى عاملين من عوامل التمركز ينطلقان... كما ان نمو أسلوب الانتاج الرأسمالي يخلق أيضا، مع الحاجة الاجتماعية، التسهيلات التكنيكية لهذه المشروعات الهائلة الضخمة، التي يقتضي تشغيلها مركزية مسبقة للرأسمال»(1).

نرى إلى جانب ذلك أيضا، أن ماركس يرى أن المرحلة اللاحقة للتراكم هي الاحتكار الذي عده المفكرون الآخرون مرحلة متأخرة من الرأسمالية تأتي بعد المزاحمة الحرة.

فبينما نسمع ماركس يتحدث عن نزع الملكية الذي يحدث في العصر الرأسمالي الأولي، نراه ينتقل مباشرة إلى الاحتكار.

قال:

«و نزع الملكية هذا إنما يتم حركة القوانين الملازمة للانتاج الرأسمالي التي تؤدي إلى تمركز رءوس الأموال. و بصورة مرتبطة ارتباطا متبادلا مع هذا التمركز، و نزع ملكية العدد الأكبر من الرأسماليين من قبل الأقلية.

... و كلما تدنى عدد سلاطين الرأسمال الذين يغتصبون جميع فوائد مرحلة التحول الاجتماعي هذه و يحتكرونها يتزايد ناميا متعاظما البؤس و الاضطهاد و الاستعباد و الاسترقاق و الانحطاط و الاستثمار، و لكن تتزايد أيضا مقاومة الطبقة العاملة، هذه المقاومة المتعاظمة دوما،... و يصبح احتكار رأس المال عقبة و عائقا بالنسبة إلى نمط الانتاج الذي نما و ازدهر معه و تحت رعايته»(2).

و يفهم من هذه العبارة التراكم الرأسمالي الأولي، يعقبه عملية تجريد يقوم به الرأسماليون الكبار ضد الصغار منهم، و بذلك تتحول الرأسمالية إلى احتكار بيد هؤلاء الطغمة القليلة. و حيث يتزايد البؤس في المجتمع يكون ذلك إيذانا بزوال الرأسماليين، و من ثم الرأسمالية نفسها طبقا لمفاهيم المادية التاريخية التي أسسها ماركس نفسه. إذن فالمرحلة الاحتكارية - طبقا للعبارة الأخيرة - كما هي المرحلة الثانية للرأسمالية، هي المرحلة الأخيرة لها، و لا تكون قابلة للبقاء بعدها. إذن فالرأسمالية لا تنقسم إلى أكثر من هاتين المرحلتين.

و ستأتي الصورة الأخرى التي يعطيها المفكرون الماركسيون الآخرون عن الرأسمالية، لدى الحديث عن المرحلتين الأخيرتين منها.

ص:259


1- (1) المصدر ج 3 ق 1 ص 905.
2- (2) المصدر ج 3 ق 2 ص 1138.
مناقشة مرحلة التراكم الأولي

يمكن أن ننطلق إلى المناقشة حول هذه المرحلة من عدة نقاط:

النقطة الأولى: إننا بينما نرى ماركس يرى التراكم الأولي تراكما رأسماليا بل هو الرأسمالية نفسها، نراه في عين الوقت يرى التراكم الأولي سابقا على التراكم الرأسمالي.

اسمعه يقول:

«و لكن التراكم الرأسمالي يفترض مسبقا وجود القيمة الزائدة، و هذه تفترض مسبقا أن يكون ثمة إنتاج رأسمالي. و هو لا يدخل الساحة بدوره، إلا في اللحظة التي تكون قد تراكمت فيها كتلات من الرساميل و القوى العمالية تبلغ حدا معينا من الضخامة، بين أيدي المنتجين البضاعيين»(1).

فالتراكم الرأسمالي يسبقه إنتاج رأسمالي، و بدون هذا الانتاج لا معنى لهذا التراكم. كما أن الانتاج الرأسمالي لا معنى له، ما لم تسبقه تراكمات سابقة ذات حد معين من الضخامة... هي عبارة أخرى عن التراكمات الأولية التي نتحدث عنها. و هذا يعين أن التراكم الرأسمالي متأخر بالضرورة عن التراكم الأولي بمرحلتين أو أكثر: إذن فالتراكم الأولي ليس تراكما رأسماليا، و إنما هو أحد أسبابه ليس إلا. إذ لا معنى لأن يكون التراكم الرأسمالي مقدمة و سببا للتراكم الرأسمالي نفسه.

و إذا اعتبرنا التراكم الأولي تراكما رأسماليا متحققا في المجتمع، إذن فهو سابق على الانتاج الرأسمالي، فلا حاجة إلى جعل هذا الانتاج من أسباب وجود هذا الانتاج، كما دلت عليه عبارة ماركس. بل لا بد حينئذ من التسليم بأن الانتاج البضاعي كاف في إيجاد التراكم.

النقطة الثانية: بينما نرى ماركس يعطي صيغة القانون (التجريدي) العام للتراكم الأولي لرأس المال... و هذا يعني أن كل مجتمع خرج من عهد

ص:260


1- (1) راس المال: كارل ماركس ج 3 ق 2 ص 1050.

الاقطاع لا بد له أن يمر به بصفته المرحلة الأولى من الرأسمالية.

إلا أننا حين نرد مع ماركس إلى مرحلة (التطبيق) نجده لا يجد مثالا لذلك إلا المجتمع الانكليزي في قطعة معينة من تاريخه، هما القرنين السابع و الثامن عشر.

فبينما يملأ كتابه بالشواهد من ذلك المجتمع، نجده يقول بصراحة:

«و هذا لم يتحقق بعد تحققا تاما جذريا إلا في انكلترة... و لكن جميع بلدان أوروبة الغربية الأخرى تجتاز الحركة نفسها، و لكن اللون المحلي لهذه الحركة يتغير تبعا لكل بيئة، أو أن هذه الحركة تنضغط في دائرة أضيق أو تعرض أقل بروزا و وضوحا أو تتبع ترتيبا مختلفا»(1).

ينتج من كلامه هذا، أن ما مر به المجتمع الانكليزي من التحولات، ليس بالضرورة أن يمر به أي مجتمع آخر، بل يمكن أن يتبع ترتيبا مختلفا بقليل أو بكثير، إذن، فما حسبه كارل ماركس قانونا عاما، ليس - باعترافه - قانونا عاما. و إنما هو تعميم كبير، من مجتمع واحد ليس إلا.

و هذا ما التفت إليه المؤلفون الماركسيون المتأخرون، إذ نسمع كوفالسون يقول:

«إن كتاب «رأس المال» المؤلف الأساسي بين مؤلفات ماركس جميعها، يتناول تحليل القوانين الاقتصادية و الاجتماعية لعمل و تطور تشكيلة اجتماعية واحدة هي التشكيلة الرأسمالية.

و بما أن بريطانيا في القرن التاسع عشر، أي في وقت وضع هذا البحث، بلد الرأسمالية الكلاسيكي، فقد دعم ماركس موضوعات كتابه النظرية بمواد من حياة هذا البلد - و لكن اتجاهات التطور التي كشفها في الرأسمالية بوصفها نظاما اجتماعيا اقتصاديا، لا تصح بالنسبة لبريطانيا و حسب بل أيضا بالنسبة لأي بلد كان»(2).

و لكن هذا الاعتذار عن ماركس، بتصحيح تعميمه، لا يقره ماركس نفسه، حيث يرى ان كل بلد يمر في شكل مختلف، و يتبع ترتيبا مختلفا عن الآخر. و لعل من جملة أشكال الاختلاف انه لا يمر في الطور الأول للرأسمالية، أو لا يمر بعهد الرأسمالية عموما، كما سبق أن سمعنا.

النقطة الثالثة: لا بد لنا أن نلاحظ مقدار انطباق قانون الديالكتيك

ص:261


1- (1) المصدر ص 1055.
2- (2) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 49.

الماركسي على المرحلة الأولى للرأسمالية، ذلك الانطباق الذي رآه ماركس في عبارته السابقة المشهورة(1) كليا و تاما... على حين قد نجد أن وجود هذه المرحلة من سابقتها وجود «سلس» غير ديالكتيكي.

إن أحسن فهم أو تفسير يمكن أن نعطيه لتلك العبارة، هو: إن ملكية العمال لوسائل الانتاج في العصر الحرفي، هي «الأطروحة» في نظام الديالكتيك. الاستملاك الرأسمالي لهذه الوسائل و تجريد العمال منها هو النفي الأول لها... «الطباق»... و الانتاج الرأسمالي هو «التركيب». و هذا الانتاج لا يعيد الأطروحة نفسها أو ملكية العامل لوسائل الانتاج بطبيعة الحال، بل ينتج - لا محالة - الملكية المعترف بها رأسماليا و المؤسسة على معطيات المجتمع الرأسمالي.

و طبقا لذلك، يكون ماركس قد أهمل المراحل السابقة على هذا العهد، و المراحل اللاحقة له، و لاحظه كأنه وحده الموجود في الكون... لتكون ملكية العمال أطروحة، و ما بعدها طباقا و تركيبا. و إلا لو لا حظنا ما سبق ذلك من العهود أمكن أن نبدأ بالأطروحة من حيث نشاء!!! و نعتبر ما بعده طباقا و تركيبا. فمثلا: نعتبر عهد الاقطاع أطروحة، و الملكية الحرفية طباقا و التجريد الرأسمالي تركيبا. أو بأي شكل آخر. و كذلك لو لا حظنا العهود اللاحقة.

و يكون ماركس أيضا قد تغافل عن التراكم الأولي الذي اعتبره فيما سبق من مقدمات التراكم الرأسمالي. إذ لو أدخلناه في الحساب لكانت الفقرات أربعة؛ فاذا كانت الملكية الحرفية أطروحة كان التجريد عن وسائل الانتاج طباقا و كان التراكم الأولي تركيبا. و هذا التركيب بدوره يكون أطروحة، و يكون الانتاج الرأسمالي طباقه و التراكم الرأسمالي تركيبه.

... فقد اختلفت الصورة إذن، و إذا لا حظنا العهود السابقة على هذه الفترة، أو اللاحقة لها، أمكن أن تختلف الصورة على أشكال متعددة.

و هذا التشويش في الافتراض، و إمكان توزيع العهود التاريخية على «الثالوث» الديالكتيكي، بأشكال مختلفة في عين الوقت، إن دل على شيء فانما يدل على ضعف أساسي في هذا الثالوث، أو انه لم يعط المفاهيم تحديدها الكامل.

إن هناك أسباب أخرى للحوادث لا يستطيع الديالكتيك أن يستوعبها.

ص:262


1- (1) يحسن بالقارئ أن يعيد قراءة العبارة و يتأملها في الفقرة الثانية من الحديث عن التراكم الأولي.

و لئن كان بين ملكية الحرفيين لوسائل الانتاج و بين تجريدهم منها، شكل من أشكال المضادة أو المنافاة... فانه ليس بين هذا التجريد و الانتاج الرأسمالي و التراكم بكلا قسميه، أي تناف. بل هي أمور متعاضدة متعاونة «سلسة» الاتجاه في بناء المجتمع الرأسمالي. و لا يمكن أن يكون بعضها نفيا لبعض، كما يريد القانون الماركسي أن يقول.

النقطة الرابعة: إن البيان الشيوعي الذي شارك ماركس نفسه بتأليفه، على إسقاط مرحلة التراكم الأولي بالمرة، حيث نجده تعرض للاقطاع و اتبعه مباشرة بعهد المزاحمة الحرة و هي المرحلة الثانية الآتية، مسقطا للتراكم الأولي عن نظر الاعتبار.

اسمعه يقول:

«و هكذا تبين لنا أن وسائل الانتاج و التبادل التي قامت البرجوازية على أساسها، نشأت داخل المجتمع الاقطاعي. ثم لما بلغت هذه الوسائل حدا معينا من التقدم و الرقي، لم تعد الظروف التي كان المجتمع الاقطاعي ينتج و يبادل ضمنها... يتفق مع القوى المنتجة في ملك تقدمها، بل أصبح يعرقل الانتاج عوضا عن تطويره. ثم تحول إلى قيود تكبله، و أصبح من الواجب تحطيم هذه القيود، فتحطمت.

و حلت محلها المزاحمة الحرة، يرافقها نظام اجتماعي و سياسي يناسبها»(1).

إذن، ينبغي أن نبقى جاهلين ما إذا كانت الماركسية ترى حقا وجود عهد التراكم الأولي، أو لا ترى وجوده بل، تعتبر المزاحمة الحرة هي العهد الأول للرأسمالية.

ص:263


1- (1) البيان الشيوعي ص 44.
القسم الثاني عهد التنافس الحر

أو المزاحمة الحرة، أو التزاحم في السوق الحرة، أو نظامه المشروع الحر، على اختلاف التعابير؛ و قد سمعنا في عبارة ماركس إشارة إليها، بصفتها أحد الاحتمالين، للمراحلة اللاحقة للتراكم الأولي(1). كما سمعنا الإشارة إليها قبل قليل من «البيان الشيوعي» على أساس كونها المرحلة الأولى للرأسمالية.

- 1 - و تعني هذه المرحلة، تكافؤ الفرص للجميع في التجارة و البيع و الشراء، بدون تدخّل خارجي... و في سوق حرة ديموقراطية، من وجهة نظر الرأسماليين. و يعتقد هؤلاء أن أساس السوق الرأسمالية و الأرباح الرأسمالية قائم على ذلك، و هذا هو مجدهم الرئيسي!!...

- 2 - و نرى بالتتبع في المصادر الماركسية المتوفرة، قديمها و حديثها، للاشارة المقتضبة جدا إلى هذه المرحلة.

فبالرغم من أنها مرحلة معترف بها ماركسيا، كما سمعناه من البيان الشيوعي، و وجدناه في حديث كوفالسون حيث يقول:

«و في ظل الرأسمالية، تتعاظم كثيرا و تائر التطور الاقتصادي و الاجتماعي. ففي حقبة تاريخية قصيرة نسبيا تجوز التشكيلة الرأسمالية في تطورها ثلاث مراحل: من مرحلة التراكم الرأسمالي البدائي إلى مرحلة نظام المشروع الحر، و منها إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية»(2).

ص:264


1- (1) راجع الفقرة (3) من الحديث عن التراكم الأولي.
2- (2) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 135.

و يريد بالمشروع الحر، ما سمّاه ماركس بالمزاحمة الحرة، و هي المرحلة الثانية.

و أشار لينين إلى هذه المرحلة مختصرا أيضا حيث قال:

«كان تصدير البضائع الحالة النموذجية في الرأسمالية القديمة، حيث كانت السيادة التامة للمزاحمة الحرة»(1).

إلا أن هذه اللمحات لا تكفي لعرض الخصائص التامة، و لا تعدل ما ذكرته الماركسية عن المرحلة الأولى و الأخيرة الآتية.

- 3 - و يمكن أن يفسر هذا الاعراض الماركسي عن هذه المرحلة بعدة تفاسير:

التفسير الأول: إن هذه المرحلة ملغاة، لا تعترف بها الماركسية، و إنما ترى انقسام الرأسمالية إلى مرحلتين فقط، هي التراكم الأولي و الاحتكار.

و هذا التفسير باطل، باعتبار ما سمعناه من تصريحات الماركسيين بوجود هذه المرحلة.

التفسير الثاني: إن الماركسية تعتبر السوق الحرة، صفة عامة للرأسمالية، كما يرى الرأسماليون أنفسهم، و ليست صفة مرحلة للرأسمالية.

و هذا التفسير، مضافا إلى أنه خلاف التصريحات السابقة للماركسيين.

فانه - أيضا - مناف لتصريحهم و تأكيدهم على زوال هذه الحرية في عصر الاحتكار الرأسمالي، على ما سنسمع بعد قليل. كما انه مناف لنقد ماركس لهذه الحرية، ذلك النقد الذي يفهمنا بوضوح: انها غير موجودة بالمرة، إلا في خيال الرأسماليين، لأنها من زاوية واقعية لا يمكن أن يكون لها أي تطبيق... على ما سنسمع أيضا.

التفسير الثالث: إن الماركسية في كل بحوثها تقرن المفهوم النظري بالزخم العاطفي و قد ترتبت على هذا الاتجاه العام نتائج تربو على حد الاحصاء.

و إذا طبقناها على ما نحن بصدده، نجد نتيجتين هامتين:

النتيجة الأولى: اختصار الكلام في مرحلة السوق الحرة، إلى درجة كبيرة، لأن الكلام عن الحرية الرأسمالية، قد يصبح من الناحية العاطفية، في مصلحة الرأسماليين الذين تريد الماركسية الاجهاز عليهم.

ص:265


1- (1) مختارات. لينين ج 2 ص 82.

النتيجة الثانية: التركيز الشديد على المرحلة الثالثة، الاحتكار الرأسمالي، باعتبار أن هذا التركيز يكون من الناحية العاطفية هدما للرأسمالية، و بعثا للقوى الاشتراكية ضدها.

- 4 - نقد ماركس هذه الحرية التي تتمجد بها الرأسمالية، نقدا لاذعا في كتابه «رأس المال». و قرن بينها و بين القيمة الزائدة... و لم يعتبر هذا المجد شافعا ضد الربح الرأسمالي الحرام!!...

و نجد لذلك النقد عدة نماذج، نقتصر منه على بعضه فيما يلي:

فمن ذلك قوله:

«إن تحويل النقد إلى رأس مال، يقتضي - إذن - أن يجد مالك النقد في السوق (و هو الرأسمالي) الشغيل الحر. و الحر من وجهة نظر مزدوجة:

أولا: يجب على الشغيل أن يكون شخصا حرا يتصرف وفق مشيئته بقوة عمله، بوصفها بضاعته الخاصة به.

ثانيا: يجب أن يكون و لا بضاعة أخرى لديه لكي يبيعها. ان يكون - إذا صح التعبير - حرا من كل شيء محروما تماما من الأشياء الضرورية لتحقيق قوة عمله»(1).

و قد اعتبرت الماركسية هذه الحرية الرأسمالية، حرية شكلية ثابتة تطبيقيا للرأسماليين فقط، و غير شاملة لعمالهم بأي حال.

قال كوفالسون:

«إن الإيديولوجيين البرجوازيين يصورون النظام الرأسمالي بصورة مثالية. و يزعمون أنها أقامت التناسق و التناغم بين الفرد المجتمع، و انها وجدت العلاقة و النسبة الصحيحتين بين حرية الفرد، و مصالح المجتمع.

و بالفعل، من الخطأ، كما سبق و قلنا، أن نطرح جانبا مكاسب الديمقراطية البرجوازية. و لكنه واضح تماما أن الحرية الشكلية غير المرفقة بتأمين الظروف المادية لتطور جميع أفراد المجتمع، لا تقضي على التفاوت الاجتماعي، و لا على التناحر بين الفرد و المجتمع.

إن حرية الفرد في المجتمع البرجوازي إنما هي حرية الفرد البرجوازي. أما البروليتاريا (العمال) و الجماهير المظلومة فقلّ ما يمكنها الاستفادة من هذه الحرية»(2).

إن هذه الفقرة الأخيرة من كلام كوفالسون، صحيحة نتفق فيها مع

ص:266


1- (1) رأس المال: كارل ماركس ج 1 ق 2 ص 231.
2- (2) المادية التاريخية: كيلله كوفالسون ص 358.

الماركسية، و هي من أهم نقاط الضعف في النظام الرأسمالي، إلى جانب نقاط أخرى لا تقل عنها أهمية. و لكن هل للديموقراطية البرجوازية مكاسب لا يمكن أن نتغاضى عنها، كما ذهب إليه كوفالسون؟... إن هذا أمر مبالغ فيه جدا، و لا مجال لنا الآن لاستعراض تفاصيله. و إنما يكفينا أن نعرف أن التقدم العلمي و الصناعي الذي أحرزته أوروبا، ناتج من جو و مستوى عقلي و نفسي و ثقافي خاص، و مرتفع، و لا ربط له بالرأسمالية ذاتها. إن أية إيديولوجية أخرى إذا توفر لها ما يشبه ذلك الجو، فانها تستطيع أن تنتج نفس النتائج.

و إنما ينبغي أن ننظر إلى الرأسمالية من حيث نتائجها الخاصة بها، من دون أن نخلط بين الأمور. و سوف لن نجد حينئذ أي نتيجة صالحة أو إنسانية، سوى المظالم الاجتماعية، و التهديد بالحرب العالمية.

- 6 - بعد التسليم - مع الماركسية - بوجود الحرية الشكلية في المجتمع الرأسمالي، و التسليم بنقدها الذي ذكرناه.

لا يبقى لنا في مقام المناقشة مع الماركسية، إلا التساؤل عن أن هذا المجال الحر، هل هو صفة عامة للرأسمالية، أو لفترة معينة منها.

إن أكثر المصادر الماركسية تتفق على مرحلية هذه الحرية، كما انها تكاد تسلّم بارتفاع هذه الحرية في عصر الاحتكار الذي هو المرحلة الثالثة للرأسمالية.

و لكن هل يصح هذا تماما، بمعنى أن مرحلة التراكم الرأسمالي خالية من الحرية الشكلية، كما ان عصر الاحتكار خال منها أيضا. عندئذ ستكون الحرية مرحلة معينة. و اما إذا كانت هذه الحرية موجودة في أحد العهدين الآخرين أو كليهما، فمعنى ذلك أن هذه الحرية معنى عام و ليس مرحلة معينة.

إن هذه الحرية من الناحية النظرية هي وجود الفرص المتكافئة للحصول على الربح بالنسبة إلى الجميع. و من ناحية التطبيق يختص بملوك المال، و يحرم منه المتمولون الصغار و كل العمال و الحرفيون و غيرهم.

إن هذا المعنى المزدوج للحرية، هو الذي يفرق الرأسمالية عن الاقطاع و الاشتراكية، من حيث أن العامل و الحرفي في العهد الاقطاعي محروم من الحرية النظرية، على حين أن الفرد في المجتمع الاشتراكي، يفترض فيه انه حاصل على المستوى النظري و التطبيقي معا. و ستأتي مناقشة ذلك. فالنظام الذي يحافظ على

ص:267

المستوى النظري، و يرفع اليد عن التطبيق هو الرأسمالية.

إذن، فالرأسماليون، حين يعتبرون هذه الحرية صفة عامة للرأسمالية على حق.

و هذه الصفة موجودة، في عصر التراكم الأولي أيضا، كما هي موجودة في عصر الاحتكار، و إنما الفرق الأساسي بين العصور الأولى للرأسمالية و العصور المتأخرة لها، هي مقدار حصول الرأسماليين على مقادير الأموال الضخمة، فهي قليلة في أول عهدها نسبيا و كبيرة جدا في آخرها. كما ان تمركز الاحتكار من الصفات المتأخرة للرأسمالية، و من المعلوم أن تضخم المال و احتكار المشاريع يجعل تطبيق هذه الحرية أشد غموضا. إلى حد يبقى المستوى النظري نظريا تماما. و من هنا قد يبدو عدم وجود الحرية بالمرة.

- 7 - و من هذه الزاوية تماما نستطيع أن نفهم الاضطراب الموجود في كلام الماركسيين في تحديد أقسام الرأسمالية.

فاننا نستطيع أن نجد أربعة آراء ماركسية، بهذا الصدد:

الرأي الأول: انقسام الرأسمالية إلى أقسامها الثلاثة. و هو الرأي الذي يصرح به كوفالسون، كما سمعناه في عبارته السابقة.

الرأي الثاني: انقسام الرأسمالية إلى التراكم الأولي و المزاحمة الحرة، مع إقساط الاحتكار. و هو الذي مال إليه ماركس في رأس المال، حسب ما فهمناه فيما سبق.

الرأي الثالث: اقتصار الرأسمالية على المزاحمة فقط، مع إسقاط التراكم الأولي و الاحتكار.

و هو الرأي الذي سمعناه من «البيان الشيوعي»، حين ذكر عصر الاقطاع أولا، ثم أعقبه بالقول:

«و حلّت محلها المزاحمة الحرة، يرافقها نظام اجتماعي و سياسي يناسبها»(1).

فهو - إذن - يسقط التراكم الأولي و الاحتكار عن نظر الاعتبار، بحيث لا يبدو للرأسمالية إلا شكل واحد.

ص:268


1- (1) انظر ص. 44 منه.

الرأي الرابع: انقسام الرأسمالية إلى المزاحمة الحرة و الاحتكار... مع إسقاط التراكم الأولي.

و هذا هو الرأي الذي يعرضه لينين، في رسالة «الامبريالية أعلى درجات الرأسمالية». و لعل أوضح عبارة له تبين ذلك قوله.

«إن النتائج الأساسية لتاريخ الاحتكارات، هي إذن الآتية:

1 - سنوات العقدين السابع و الثامن من القرن الماضي، هي قمة ذروة تطور المزاحمة الحرة. لم تكن الاحتكارات إلا حالات جنينية بالكاد تلاحظ.

2 - بعد أزمة سنة 1873 أتت مرحلة تطورت فيها الكارتيلات بصورة واسعة، و لكنها ظلت. مع ذلك حالات نادرة...

3 - نهضت أواخر القرن التاسع عشر، و أزمة سنوات 1900-1903 تصبح الكارتيلات أساسا من أسس الحياة الاقتصادية بأكملها، صارت الرأسمالية إلى امبريالية»(1).

إذن، فلينين يبدأ من أول الرأسمالية بالمزاحمة الحرة، مع إسقاط التراكم الأولي، ثم يعقب ذلك بالاحتكار.

فهذه الآراء الأربعة، نستطيع أن نستوعبها فهما، طبقا لما سبق أن قلناه.

أما الرأي الذي يعرب عنه «البيان الشيوعي» فهو يعني أن المزاحمة الحرة، هي الصفة الرئيسية للرأسمالية، ترافقها متى وجدت. و بهذا يتفق مع الرأسماليين أنفسهم.

و أما رأي ماركس الذي يسقط الاحتكار، فهو باعتبار عدم معاصرته للعصر الاحتكاري.

و أما رأي لينين، فلأن المزاحمة الحرة. كما عرفنا، وجدت بوجود الرأسمالية نفسها، و من هنا اعتبرها لينين أول مراحلها. و هو معنى لا ينافي صفة التراكم الأولي الذي يراد به قلة الأرباح بالنسبة إلى العصور المتأخرة للرأسمالية، ان قد يكون الربح قليلا نسبيا و الحرية موجودة نظريا.

و هذه الحرية تنتهي - في رأي لينين - بدء بعصر الاحتكار، باعتبار ما قلناه من أنها تنعدم عندئذ على صعيد التطبيق، و يبقى لها وجود نظري (طوبائي) ليس له أي أثر.

ص:269


1- (1) مختارات: لينين ج 2 ص 25-26.

و أما رأي كوفالسون الرأسمالية إلى الأقسام الثلاثة، فهو باعتبار ملاحظة كلا جهتي الحرية و كمية الأرباح. فحين كانت الأرباح قليلة نسبيا سمي العصر بعصر التراكم الأولي، و إن كانت الحرية الشكلية سارية المفعول فيه. ثم حين زادت الأرباح زيادة ضخمة جدا، و لم يكن للاحتكار وضوح كان عصر التراكم الأولي قد انتهى و عصر الاحتكار غير موجود، و الحرية الشكلية ذات وجود تطبيقي إلى حد ما، فسمي بعصر المزاحمة الحرة. و حين بدأ الاحتكار الرأسمالي كان هو الصفة الرئيسية المسيطرة على صفة الحرية، فسمي بعصر الاحتكار.

إذن، فقد صحّحنا تشويش كلمات الماركسيين... و لكن هل يقر الماركسيون تصحيحنا هذا؟!..

ص:270

القسم الثالث عهد الاحتكار
اشارة

- 1 - لعل لينين هو أفضل ماركسي كتب عن هذه المرحلة مفصلا، كما نجده في رسالته عن الامبريالية.

قال في تعريف المزاحمة و الاحتكار:

«فالمزاحمة الحرة هي أخص خصائص الرأسمالية و الانتاج البضاعي بشكل عام.

و الاحتكار هو نقيض المزاحمة الحرة المباشر. و لكن هذه الأخيرة أخذت تتحول أمام أعيننا إلى احتكار، منشأة الانتاج الضخم و مزيحة الانتاج الصغير، محلة الأضخم محل الضخم، دافعة تركز الانتاج، و الرأسمال إلى درجة نشأت و تنشأ عنها الاحتكارات: الكارتيلات و السيندكات و التروستات، دامجة فيها رأسمال نحو عشرة من البنوك تتصرف بالمليارات.

و في الوقت نفسه لا تزيل الاحتكارات المزاحمة الحرة التي نشأت عنها، بل تعيش فوقها و إلى جانبها، مولدة على هذا الشكل جملة من التناقضات و الاحتكاكات و النزاعات في منتهى الشدة و القوة. فالاحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى»(1).

و أود قبل الدخول في فقرة جديدة أن أعلق على هذا الكلام بعدة تعليقات:

أولا: إن الاحتكار إذا كان نقيضا للمزاحمة الحرة، فمعنى ذلك أنه بديلها و مزيلها و الحال محلها. و معه لا معنى لبقائها في عصر الاحتكار، كما تصرّح به الفقرة الأخيرة من هذا الكلام.

ثانيا: إن المزاحمة الحرة، كيف تعيش مع الاحتكار، مع انها عنصر نظري ليس له أي تطبيق. و سنسمع تصريحات الماركسيين أن هذه الحرية هي

ص:271


1- (1) مختارات: لينين ج 2 ص 120 و انظر ص 167 منه.

حرية رجال المال دون غيرهم في المجتمع الرأسمالي.

ثالثا: إن قوله: فالاحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى، يعطينا أن الاحتكار عصر جديد غير عصر الرأسمالية. و هو أمر غريب ماركسيا.

فإن الحرية إن كانت هي العنصر الأساسي للرأسمالية، و كانت متوفرة في عصر الاحتكار، كما سمعنا من لينين، إذن فالعنصر الأساسي للرأسمالية موجود فيه، فلما ذا لا يكون عصرا رأسماليا.

مضافا إلى ما سنسمعه من لينين نفسه مكررا من أن الامبريالية الاحتكارية هي أعلى مراحل الرأسمالية، فإن معناه أن عصر الاحتكار رأسمالي بطبعه، فكيف يفترض هنا أنه عصر متأخر عن الرأسمالية.

على أن لينين يعتقد بطبيعة الحال، بوجود النقص الأساسي الماركسي - نسبة إلى شخص ماركس - للرأسمالية، في عصر الاحتكار، و هو الحصول على القيمة الزائدة. بل هو في عصر الاحتكار أجلى و أوضح، إذن فيكون هذا العصر رأسماليا.

- 2 - و يعطينا لينين أفكارا واسعة مدعمة بالأمثلة عن خصائص الاحتكار و صفاته الأساسية و غير الأساسية. و نحن ننقل هنا المضمون النظري، مع حذف الأمثلة، توخيا للاختصار.

قال:

«إن الرأسمال المالي المتركز في أيد قليلة و الذي يمارس الاحتكار فعلا، أرباحا طائلة تتزايد باستمرار من تأسيس الشركات و إصدار الأوراق المالية، و منح القروض للدولة، الخ، موطدا بذلك سيطرة الطغمة المالية و فارضا على المجتمع بأكمله جزية لمصلحة المحتكرين»(1).

«إن الخاصة الأساسية في الرأسمالية الحديثة هي سيطرة الاتحادات الاحتكارية التي يؤسسها كبار أصحاب الأعمال. و هذه الاحتكارات هي أوطد ما تكون حين تنفرد بوضع يدها على جميع مصادر الخامات...

و حيازة المستعمرات هي وحدها، ما يعطي الاحتكارات الضمانة التامة للنجاح ضد كل طوارئ الصراع مع المنافس حتى في حالة ما إذا رغب المنافس في الدفاع عن نفسه باستصدار قانون عن إقامة احتكار للدولة.

ص:272


1- (1) مختارات لينين ج 2 ص 71.

فكلما تقدمت الرأسمالية في تطورها، و كلما بدا بصورة أوضح نقص الخامات، و كلما استعرت المزاحمة، و اشتد الركض وراء مصادر الخامات في العالم كله، احتدم الصراع من أجل حيازة المستعمرات»(1).

«إن اتحادات الرأسماليين الاحتكارية، الكارتيلات، السيفديكات التروستات، تقتسم فيما بينها، بادئ ذي بدء، السوق الداخلية، مؤمنة لنفسها السيطرة على الانتاج في بلاد معينة بصورة مطلقة ما أمكن. و لكن لا مناص للسوق الداخلية في عهد الرأسمالية من أن ترتبط بالسوق الخارجية. و قد أنشأت الرأسمالية السوق العالمية من أمد بعيد.

و كلما كان يزداد تصدير الرأسمال و تتسع شتى أنواع العلاقات بالخارج و بالمستعمرات، و تتسع «مناطق نفوذ» الاتحادات الاحتكارية الضخمة كانت الأمور تسير «بصورة طبيعية» في الاتجاه العالمي بين هذه الاتحادات، في اتجاه تشكل الكارتيلات العالمية.

و هذه درجة جديدة في تمركز الرأسمال و الانتاج في النطاق العالمي و درجة أعلى من السابقة إلى ما لا قياس له»(2).

- 3 - و يعطي لينين أربع خصائص للرأسمالية الاحتكارية، هي أقرب للجانب التطبيقي من الجانب النظري أو «التجريدي»، يحسن بنا أن نحمل عنها فكرة، بصددنا هذا:

قال:

«و ينبغي أن نشير بوجه خاص إلى أنواع الاحتكار الرئيسية الأربعة، أو إلى أربعة مظاهر رئيسية للرأسمالية الاحتكارية تميز العهد الذي نحن بصدده.

أولا: نشأ الاحتكار عن تمركز الانتاج البالغ درجة عالية في تطوره. و هو اتحادات الرأسماليين الاحتكارية: الكرتيلات، السنديكات و التروستات و قد رأينا الدور الجسيم الذي تلعبه في الحياة الاقتصادية الراهنة...

ثانيا: ساقت الاحتكارات إلى تسريع الاستيلاء على أهم مصادر الخامات و لا سيما خامات الصناعات الرئيسية في المجتمع الرأسمالي، و التي بلغ فيها تنظيم الكارتيلات حده الأقصى، كصناعات الفحم الحجري و تكييف الحديد.

و احتكار حيازة أهم مصادر المواد الخام قد زادت سلطة الرأسمال الضخم لدرجة هائلة، و أزمّ التناقضات بين الصناعة المنظمة في الكارتيلات و غير المنظمة في الكارتيلات.

ثالثا: نشأ الاحتكار عن البنوك و قد تحولت البنوك من مؤسسات وسيطة متواضعة إلى

ص:273


1- (1) المصدر ص 113.
2- (2) المصدر ص 91.

محتكر للرأسمال المالي. فثمة ثلاثة أو خمسة بنوك ضخمة لأية أمة من الأمم الرأسمالية الراقية، قد حققت «الاتحاد الشخصي» بين الرأسمالي الصناعي و الرأسمالي البنكي، و ركزت في أيديها التصرف بالمليارات العديدة التي تؤلف القسم الأكبر من الرساميل و المداخيل النقدية في بلاد بأكملها...

رابعا: نشأ الاحتكار عن سياسة حيازة المستعمرات. فالرأسمال المالي قد أضاف إلى بواعث السياسة الامبريالية، إلى البواعث «القديمة العديدة - الصراع من أجل الخامات من أجل تصدير الرساميل، من أجل «مناطق نفوذ»... و أخيرا من أجل الأقاليم الاقتصادية بوجه عام... و لكن عند ما تم الاستيلاء على تسعة أعشار افريقيا (حوالي سنة 1900)، عند ما تم اقتسام العالم برمته، حل بالضرورة عهد احتكار حيازة المستعمرات، و بالتالي عهد احتدام أشد الصراع من أجل اقتسام العالم و إعادة اقتسامه»(1).

- 4 - و نصل أخيرا إلى الامبريالية التي هي أهم خصائص المجتمع الرأسمالي في عصره الثالث.

يعرّف لينين الامبريالية بعدة تعاريف:

فمرة نسمعه يقول:

«و لئن كانت هناك ضرورة لتعريف الامبريالية تعريفا في غاية الايجاز، ينبغي أن يقال:

الامبريالية هي الرأسمالية في مرحلة الاحتكار و مثل هذا التعريف يضم الأمر الرئيسي»(2).

و أخرى نسمعه يعرّفها:

«ان الامبريالية هي تراكم هائل للرأسمال النقدي في عدد قليل من البلدان، يبلغ كما سبق و رأينا 100-150 مليار فرنك من الأوراق المالية»(3).

و ثالثة يقول:

«الامبريالية مرحلة خاصة من الرأسمالية»(4).

و يستمر بالقول:

«لقد نشأت الامبريالية باعتبارها تطورا و استمرارا مباشرا لما فطرت عليه الرأسمالية بوجه عام من خصائص أساسية و لكن الرأسمالية لم تصبح إمبريالية رأسمالية، إلا عند ما بلغت في تطورها درجة معينة عالية جدا عند ما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص

ص:274


1- (1) المصدر ص 167-168.
2- (2) المصدر ص 120.
3- (3) المصدر ص 136.
4- (4) المصدر ص 119.

الرأسمالية (يقصد بها المزاحمة الحرة)!»(1).

و هذه التعاريف، مهما اختلفت فإنها تتشابه في المضمون المهم. فإن المراد من المرحلة الخاصة في التعريف الثالث هي مرحلة الاحتكار في التعريف الأول، و هذه المرحلة مقترنة بتراكم هائل - ليس أوّليا - للرأسمال النقدي، في التعريف الثاني. و إن كان هذا التعريف الثاني يعطي للامبريالية رقما اقتصاديا معينا...

فكأنّ هذا هو الامبريالية، أو أنها هو... و هو مطلب غريب.

و قال لينين عن بعض خصائص الامبريالية:

«تنزع الامبري الية إلى أن تبرز بين العمال فئات مميزة، و إلى فصلها عن الجماهير البروليتارية الغفيرة»(2).

و أضاف:

«و ينبغي أن نشير إلى أن نزوع الامبريالية إلى تقسيم العمال و إلى تقوية الانتهازية بينهم و إلى إفساد حركة العمال موقتا، قد ظهر في انكلترا قبل أواخر القرن التاسع عشر و بدء القرن العشرين، بزمن طويل. ذلك لأن سمتين أساسيتين من السمات المميزة للامبريالية قد بدتا في انكلترا منذ منتصف القرن التاسع عشر: المستعمرات الشاسعة و الوضع الاحتكاري في السوق العالمية»(3).

و قال:

«و الامبريالية، عصر الرأسمال البنكي، عصر الاحتكارات الرأسمالية العملاقة، عصر صيرورة الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية - تظهر بوضوح كبير تعزز «آلة الدولة» لحد خارق، و اتساع جهازها الدواويني و العسكري اتساعا منقطع النظير من جراء تشديد القمع الموجه ضد البروليتاريا»(4).

و أضاف:

«ان التاريخ العالمي يدفع الآن، دون شك، في نطاق أوسع بما لا يقاس من سنة 1852 إلى تركيز جميع قوى الثورة البروليتارية لكي «تهدم» آلة الدولة»(5).

و قال بخصوص الدولة الرأسمالية:

«في ظل الرأسمالية، نرى الدولة، بمعنى الكلمة الخاص، بمعنى آلة خاصة تقمع بها

ص:275


1- (1) المصدر ص 120.
2- (2) المصدر ص 145.
3- (3) المصدر و الصفحة.
4- (4) المصدر نفسه: (الدولة و الثورة) ص 213.
5- (5) المصدر و الصفحة.

طبقة أخرى، تقمع بها الأقلية الأكثرية. و بديهي أن هذا الأمر... يتطلب لنجاحه منتهى الفظاعة و منتهى الوحشية في القمع، يتطلب بحارا من الدماء تجتازها البشرية في قرون العبودية و القنانة و العمل المأجور»(1).

- 5 - و بخصوص الحرية الرأسمالية، قال كوفالسون:

«إن الحرية الشكلية غير المرفقة بتأمين الظروف المادية لتطور جميع أفراد المجتمع، لا تقضي لا على التفاوت الاجتماعي و لا على التناحر بين الفرد و المجتمع.

إن حرية الفرد في المجتمع البرجوازي، إنما هي حرية الفرد البرجوازي. أما البروليتاريا و الجماهير المظلومة، فقلّ ما يمكنها الاستفادة من هذه الحرية»(2).

و قال لينين بهذا الخصوص:

«إن الاحتكارات و الطغمة المالية و النزوع إلى السيطرة بدلا من النزوع إلى الحرية، و استثمار عدد متزايد من الأمم الصغيرة أو الضعيفة من قبل قبضة صغيرة من الأمم الغنية أو القوية، كل ذلك قد خلق السمات المميزة للامبريالية و التي تحمل على وصفها بأنها الرأسمالية الطفيلية أو المتقيحة»(3).

ص:276


1- (1) المصدر ص 286.
2- (2) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 358.
3- (3) مختارات: لينين ج 2 ص 169.
المناقشة

ينبغي أن نسلم مع الماركسية، بعيوب الرأسمالية عموما، بصفتها «تطبيقا» أو واقعا تاريخيا ناجزا، و تجربة عالمية فشلت فيها الرأسمالية و سقطت عن كونها النظام الأفضل في أعين الناس.

و إنما تنحصر المناقشات في الجوانب النظرية أو بطريقة فهم الماركسية الواقع. و سندخل في المناقشات مع حفظ ما قلناه خلال العرض السابق من المناقشات. و تتلخص في عدة نقاط.

النقطة الأولى: ان ترتب مراحل الرأسمالية بعضها على بعض، ليس تناقضا ديالكتيكيا، و إنما هو سلس متناسب متعاضد. و أوضح شاهد على ذلك هو أن الرأسمالية في واقعها في تزايد مستمر و في ترسخ مستمر. و ليست المرحلة اللاحقة نافية للمرحلة الأولى، بل مناسبة معها و مؤكدة لها.

و ليس الفرق بينها كالفرق بين الاقطاع و الرأسمالية أو بين الرأسمالية و الاشتراكية، و لا تحتاج وجود كل مرحلة إلى ثورة أو طفرة.

كما لا ينبغي ان تعتبر المرحلة تغيرا كيفيا بالنسبة إلى سابقتها لوضوح أنها تزايد كمي صرف في رأس المال و المؤسسات، و غير ذلك. و معه كيف يمكن تطبيق القانون الديالكتيكي العام - في رأي الماركسية - على هذه المراحل.

النقطة الثانية: إن من أهم فقرات قوانين المادية التاريخية، هو لزوم تغير كل صفات المجتمع بتغير المرحلة. كما سبق أن عرضناه مفصلا... فهل ينطبق ذلك في هذا المجال.

إن المجتمع الاوروبي بخصائصه العامة، بقي على وضعه، بكل وضوح تاريخي، خلال عصر الرأسمالية كله... و لم يتغير منه شيء إلا التدقيق العلمي، و بعض الايديولوجيات الجانبية. و لا تستطيع الماركسية أن تذكر أمورا أساسية اقترن وجودها بأي واحدة من هذه المراحل. فضلا عن أن تكون كل مرحلة قد غيرت كل المجتمع أو الصبغة العامة له.

ص:277

و لعل من أهم الأمور التي لم تتغير، باعتراف الماركسية، هي صفة «الحرية الشكلية» التي قالت بها الماركسية كصفة شاملة حتى لعصر الاحتكار.

و صفة «القيمة الزائدة» التي هي في تزايد مستمر، لا في تغير و تبدل.

و قد تقول الماركسية: ان المراحل الخمسة الرئيسية للمادية التاريخية، هي التي تغير المجتمع، و أما المراحل أو العهود «الداخلية» لكل مرحلة، فلا تكون مغيرة للمجتمع، بل يبقى المجتمع على نفس الصفات خلال كل العهود الداخلية للمرحلة الواحدة.

و جواب ذلك: إن تغير العهود في منطق المادية التاريخية و قانون الديالكتيك لا يختلف فيه الشأن، من زاوية أسبابها و مسبباتها. فكما ان الاقطاع وجد بطريقة «ماركسية» معينة و أوجد أمورا محددة، فكذلك مرحلة التراكم الأولي وجدت بطريقة «ماركسية» معينة و أوجدت أمورا محددة، و هكذا مرحلة المزاحمة الحرة، و ما بعدها من المراحل. ان كل مرحلة هي فقرة مستقلة بطبعها من المادية التاريخية خاصة و من الديالكتيك عامة... فينبغي أن تنطبق عليها قوانينها، مع اننا نراها غير منطبقة، كما رأينا.

النقطة الثالثة: هل ان مرحلة الامبريالية، محتوية على الخصيصة الرئيسة للرأسمالية، و هي الحرية الشكلية أولا؟!..

نسمع من لينين عبارة تجيب على هذا السؤال بالايجاب و عبارة تجيب بالنفي!!. أما العبارة التي تجيب بالايجاب فهي قوله:

«لقد نشأت الامبريالية باعتبارها تطورا و استمرارا لما فطرت عليه الرأسمالية بوجه عام من خصائص أساسية»(1).

يقصد بها الحرية الشكلية أو المزاحمة الحرة.

و أما العبارة التي تجيب بالنفي، فهي قوله:

«و لكن الرأسمالية لم تصبح امبريالية رأسمالية، إلا عند ما بلغت في تطورها درجة معينة عالية جدا، عند ما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص الرأسمالية»(2).

يقصد بها المزاحمة الحرة. و تحوله إلى نقيضه بمعنى تحول الحرية إلى السيطرة و الكبت: فيكون المراد من هذه العبارة عدم توفر الحرية خلال عصر

ص:278


1- (1) المصدر السابق ص 120.
2- (2) المصدر و الصفحة.

الامبريالية. مع أن مقتضى العبارة الأولى توفرها فيها. و هذا من التهافت الصريح في الكلام.

و قد سمعنا فيما سبق كلتا العبارتين، و علمنا أيضا أنهما متتابعتان في سياق واحد و صفحة واحدة. فيكون تهافتا في الفكرة بشكل أغرب و أعجب.

النقطة الرابعة: اننا نتساءل: ما الذي حدا بالرأسماليين الاستزادة من الأرباح؟!..

و هذا السؤال تغفله الماركسية خلال حديثها الطويل عن الرأسمالية، مع سؤال جوهري في غاية الأهمية، باعتباره مرتبطا بالتكوين الأساسي للرأسمالية.

غير أن الماركسية - على أي حال - تستطيع أن تجيب من وجهة نظرها، بأن الرغبة في الربح المتزائد، ناشئ من الوجود الطبقي أو الصراع الطبقي في المجتمع.

إلا أن هذا الجواب لا يمكن أن يكون صحيحا، مع الأسف. لأن معناه:

أن الطبقة الرأسمالية تحتاج في صراعها مع البروليتاريا إلى هذه الزيادة الضخمة في الأرباح. و لكن هذا غير محتمل لوضوح ممارسة الكبت على العمال من قبل أي جهاز حاكم، أو أي مؤسسة كبيرة، و إن لم يكن الأفراد من ملوك المال. فالمقدار الزائد من المال ليس له تأثير في كبت العمال و السيطرة عليهم.

مضافا إلى ما قالته الماركسية من تزايد أهمية البروليتاريا و قوتها بتقدم عصر الرأسمالية. و هذا يعني ضعف وجودها السابق، بشكل لا يحتاج معه إلى التوسع الرأسمالي المتزائد من أجل كبته و الضغط عليه. على أن الرأسماليين، قد حصلوا على ضد ما أرادوه، فلم توجب زيادة الربح منفعة لهم.

و لعل الماركسية تقول: ان وعي العمال، مما لا يلتفت إليه الرأسماليون.

إلا أن هذا غير صحيح لعدة اعتبارات:

أولها: ان الرأسماليين ان لم يلتفتوا إلى ذلك، في أول أمرهم، فإنهم لا محالة، يلتفتون إليه من خلال التجارب و مرور الزمن. و إذا كان وعي العمال مقترنا بالتوسع المالي الكبير، فقد يكون من مصالح الرأسماليين - طبقيا - التقليل من أرباحهم لتجنب هذا الوعي!!...

ثانيها: ان وعي العمال غير ناشئ من تضخم المال بمجرده، بل ناشئ من المستوى الثقافي العام للمجتمع الذي يبنيه الرأسماليون أنفسهم و يدافعون

ص:279

عنه، إذن فهم قد شاركوا ضمنا في إيجاد هذا الوعي. إذن فقد عملوا شيئا على خلاف مصالحهم الطبقية...

و إذا لم يصح الجواب الماركسي عن سبب رغبة الربح، يبقى هذا السؤال مفتوحا إلى حين عرض الرأي الصحيح، من خلال التخطيط الالهي العام.

النقطة الخامسة: إن ما قالته الماركسية من أن تضخم الرأسمالية أو الامبريالية يوجب قوة البروليتاريا و أهميتها... غير صحيح، بعد الالتفات إلى عدة أمور:

الأمر الأول: إن الدولة على أي حال، أقوى من العمال العزّل مهما كان حالهم، و تستطيع أن تتصرف في أحوالهم و مصائرهم كيفما تريد.

الأمر الثاني: إن الدولة تستطيع أن تربي الفرد على الثقافة التي تهواها، بما فيها النزوع إلى تمجيد النظام الرأسمالي، و إذا تربّى الفرد على هذه المفاهيم فمن الصعب أن يتخلى عنها بعد ذلك.

الأمر الثالث: إن قيام الدولة بإعطاء الحرية لهم في التعبير عن آرائهم و مشاعرهم من ناحية، و ضمان مستوى معاشي أحسن لهم، يرفع - لا محالة - ما في صدورهم من غل إلى حد كبير، تجاه الدولة و النظام الرأسمالي، و يهدىء من تصرفاتهم و تمرّداتهم.

و هذا كله صحيح، لو لا نقطة واحدة، هي الزخم العقائدي و المد على مختلف المستويات، الذي تبذله الدول الاشتراكية، لأجل تحويل العمال إلى مذهبها، و الشعور بالتمرد و السخط على المجتمع الذي يعيشون فيه... إذن فما تدّعيه الماركسية، من أن هذا يحدث تلقائيا و طبقا للقوانين الموضوعية، لا يمكن أن يصح و سنسمع عند «نقد التلقائية» ماركسيا - بعد قليل - ما يلقي ضوءا في هذا المجال.

ص:280

نهاية الرأسمالية
اشارة

- 1 - طبقا لمفاهيم الديالكتيك الكوني و المادية التاريخية، لا بد للرأسمالية من نهاية، ليحل محلها النظام الأفضل في نظر الماركسية: الاشتراكية. و هو المرحلة الأخيرة من سلسلتها التاريخية.

و مجمل تطبيق هذه المفاهيم على الرأسمالية:

إنه من زاوية الديالكتيك تعتبر الطبقة البرجوازية أو الرأسمالية «أطروحة» و الطبقة البروليتارية «طباقا» أو نفيا أول للمجتمع الرأسمالي، و المجتمع الاشتراكي «تركيبا» أو نفي النفي، و التركيب دائما يكون أكمل من كل من الأطروحة و الطباق... و كذلك المجتمع الاشتراكي يكون أكمل من سوابقه.

و أما من زاوية المادية التاريخية، فإن الطبقة البرجوازية الرأسمالية، بعد أن كانت طبقة تقدمية بالنسبة إلى الاقطاع و مرتبطة مصلحيا بالشكل الجديد من وسائل الانتاج، و ما تستلزمه من علاقات إنتاج... تصبح هذه الطبقة تدريجا «قديمة»؛ لأن وسائل الانتاج تستمر في النمو، فيحدث الجديد منها تلو الجديد، فتبقى هذه الطبقة مرتبطة مصلحيا بالنوع الذي كانت مرتبطة به أولا، و لا يمكنها تغيير علاقات إنتاجها... و تحدث في نفس الوقت، طبقة جديدة مرتبطة مصلحيا بالوسائل الجديدة للانتاج، تفضل العلاقات الانتاجية التي تقررها و تفرضها هذه الوسائل. و هذه الطبقة الجديدة هي البروليتاريا.

و حيث أن قانون المادية التاريخية يقتضي انتصار الوسائل الجديدة و الجماعة المرتبطة بها بالضرورة، إذن، فلا بد للبروليتاريا - بالضرورة - أن تنتصر و تجهز على علاقات الانتاج الرأسمالية، و تبدلها بالعلاقات التي تفضلها هي - أي البروليتاريا - و هي العلاقات التي تقررها الآلة الجديدة، و هي علاقات الانتاج الاشتراكية.

ص:281

إذن، فبالضرورة سوف يتحقق المجتمع الاشتراكي مولودا من أحشاء المجتمع الرأسمالي، كما ولد المجتمع الرأسمالي بالضرورة من أحشاء المجتمع الاقطاعي.

هذا هو «التجريد» الماركسي، طبقا للقوانين الماركسية العامة.

- 2 - و بالرغم من أن هذا البيان أو التسلسل الفكري صحيح ماركسيا، و مطابق مع قواعد الماركسية... إلا أنها لم تؤكد عليه في هذه المرحلة، كما أكّدت على تطبيقه في المراحل السابقة. بل لم تذكره المصادر الماركسية إلا لماما، كما هو واضح لمن راجعها.

بل ذكرت ما يخالف ذلك إلى حد كبير، من زاوية أن قانون المادية التاريخية، قانون تلقائي صارم و ضروري الانتاج في نظر الماركسية. و هذا معناه إلغاء الوعي البشري في تبديل عهد إلى عهد، بما فيه تبديل عهد الرأسمالية إلى الاشتراكية. و هذا ما تبنّته و صرحت به الماركسية في المراحل السابقة، أنها لم ترغب به في هذه المرحلة. لأن فيه إلغاء للجهود «الواعية» التي تبذلها الأحزاب الشيوعية في العالم لمناهضة الرأسمالية.

و من هنا أكدت الماركسية، بكل وضوح، على ما سنسمع بعد قليل على عنصر الوعي البشري و العمل الاختياري في تبديل هذه المرحلة، و شجبت التلقائية بالرغم من أنها هي الناتج الضروري من قانونها الديالكتيكي و المادية التاريخية.

- 3 - و قد ربطت الماركسية بين نمو الانتاج و وسائله في عصر الرأسمالية، و بين نمو البروليتاريا من ناحية، التناقض بين الرأسمالية و وسائل الانتاج من ناحية أخرى.

و هذه النقطة من كلام الماركسيين، أقرب الأساليب لقانون المادية التاريخية، من حيث انطباقه على هذا الحقل.

قال ماركس:

«و لكن الرأسمالية، بسبب تنميتها القوى المنتجة بنسبة هائلة، وقعت في تناقضات لا تستطيع حلها. فهي بإنتاجها كميات كبيرة من البضائع و بإنقاصها أسعار هذه البضائع،

ص:282

تزيد المزاحمة تفاقما و اشتدادا، و ترمي جماهير الملاكين الفرديين الصغار و المتوسطين في الخرا، و الدمار، و تجعلهم في حالة البروليتاريين، و تخفض مقدرتهم الشرائية، و تكون النتيجة أن تصريف البضائع المصنوعة يضحى مستحيلا.

إن الرأسمالية بتوسيعها الانتاج، و بجمعها ملايين العمال في فبارك و معامل عظيمة، تطبع عملية الانتاج بطابع اجتماعي، و بذلك تنخر قاعدتها بنفسها، لأن الطابع الاجتماعي لعملية الانتاج يتطلب ملكية اجتماعية لوسائل الانتاج و لكن ملكية وسائل الانتاج تبقى ملكية خاصة رأسمالية، غير متلائمة مع الطابع الاجتماعي لعملية الانتاج.

... و معنى هذا، ان علاقات الانتاج الرأسمالية، لم تعد مطابقة لحالة القوى المنتجة، بل دخلت معها في تناقض لا يحل.

معنى هذا، ان الرأسمالية تحل في صلبها ثورة مدعوة إلى إحلال الملكية الاشتراكية في مكان الملكية الرأسمالية الحالية لوسائل الانتاج»(1).

«و هكذا ينتزع تقدم الصناعة الكبرى من تحت أقدام البرجوازية نفس الأسس التي شادت عليها نظام إنتاجها و تملّكها. ان البرجوازية تنتج قبل كل شيء حفّاري قبورها، فسقوطها و انتصار البروليتاريا، كلاهما أمر محتوم لا مناص منه»(2).

- 4 - و من هنا تنبثق في نظر الماركسية أهمية عمل البروليتاريا، في تقويض الرأسمالية، و توجيه الحزب الشيوعي نحو وعيها و ثورتها.

و لعل أوضح من عرض ذلك هو بوليتزر، حيث نسمعه يقول - فيما قال -:

«نستطيع الآن إدراك مهمة نضال البروليتاريا الطبقي التاريخية. و سنرى بأن هذه المهمة هي حل التناقض الذي ظهر بين علاقات الانتاج الرأسمالية و بين قوى الانتاج.

كانت البرجوازية تنمي البروليتاريا في نفس الوقت الذي كانت تنمي فيه قوى جديدة للانتاج، حسبما تقتضيه طبيعة علاقات الانتاج الرأسمالية... و كلما تجمعت وسائل الانتاج بين يدي البرجوازية، كلما ازداد عدد البروليتاريا و قوتها.

... غير أنه لا يمكن للعمال البروليتاريين أن يؤمّنوا معيشتهم، كما نعلم، إلا بالنضال المستمر ضد الطبقة التي تستغلهم. و هكذا ولّدت البرجوازية بتوليدها نقيضها «البروليتاريا المستغلة» جيشا من الأعداء يقومون بنضال طبقي ضد المستغلين»(3).

و أضاف:

ص:283


1- (1) المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية: ستالين ص 52-53.
2- (2) البيان الشيوعي، ماركس، انجلز ص 54.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية: بولتزر ص 111 ج 2.

«حتى ما إذا تسرب علم المجتمعات الذي أسسه ماركس و انجلز(1) بين صفوف البروليتاريا، ارتفع مستوى النضال الطبقي بفضل الحزب الثوري(2). لأن مهمة هذا الحزب الذي يضم تحت لوائه عناصر البروليتاريا الناهضة، أن يدخل الوعي الاشتراكي في الطبقة العاملة و أن يقودها هي و جميع الطبقات الكادحة المتضامنة معها، إلى دك صرح الرأسمالية.

فهو يناضل من أجل مطالب العمال العاجلة. غير أنه لا يكتفي بذلك، بل يشرح لهم، بصورة علمية، مصدر الاستغلال»(3).

«و لا يستطيع نضال البروليتاريا في هذه المرحلة إزالة الاستغلال الرأسمالي بل يحد من تأثيره. حتى إذا لم تعد علاقات الانتاج الرأسمالية مناسبة لقوى الانتاج، بسبب ازدهار هذه القوى، أي حين تدخل الرأسمالية في نزاع مع قانون الترابط الضروري بين الانتاج و علاقات الانتاج، تتوفر حينئذ الشروط الموضوعية الجديدة لنضال البروليتاريا... و هكذا يسير نضال البروليتاريا الثوري في اتجاه التاريخ، و لهذا كان واثقا من المستقبل، لأن النضال يسير حسب قانون المجتمعات الأساسي(4)».

يعني قانون المادية التاريخية. و قال:

«و يعود الفضل إلى ماركس و انجلز بأنهما اكتشفا الوسيلة الوحيدة التي تستطيع حل التناقض بين طابع قوى الانتاج الاجتماعي و بين الملكية الخاصة، هو نضال الطبقة العاملة الثوري»(5).

«و هكذا يحل نشاط الناس الواعي محل سير التطور العفوي، و يحل الانقلاب العنيف محل التطور السلمي، و تحل الثورة محل التطور التدريجي.

يقول ماركس: البروليتاريا، في نضالها ضد البرجوازية، تتكوّن حتما في طبقة، و تنصب نفسها بالثورة طبقة سائدة، و بصفتها طبقة سائدة، تحطم بالعنف نظام الانتاج القديم»(6).

«إن حزب البروليتاريا السياسي، هو صاحب الدور القائد و الموجّه في نضالها الطبقي.

و يدون الحزب المسلح بالنظرية العلمية و المرتبطة ارتباطا وثيقا بالجماهير، لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق النجاح في نضالها ضد أعدائها الطبقيين»(7).

ص:284


1- (1) يقصد: المادية التاريخية.
2- (2) الحزب الثوري أي الحزب الشيوعي في هامش الكتاب ص 114.
3- (3) المصدر نفسه ص 114.
4- (4) المصدر ص 117.
5- (5) المصدر و الصفحة.
6- (6) المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية: ستالين ص 60.
7- (7) المادية التاريخية: تعريب أحمد داود ص 249.

و قال لينين متهكما:

«دع (اليساريين) يمتحنون أنفسهم في العمل في النطاق الوطني و الدولي. دعهم يحاولون التمهيد لديكتاتورية البروليتاريا (ثم تحقيقها) بدون حزب ذي مركزية قوية و طاعة حديدية»(1).

- 5 - و من هذه الزاوية، بالضبط، زاوية التركيز النظري على أهمية الحزب مضافا إلى التركيز العملي... و من زاوية الشعور بالواقع - على ما سنرى - أكدت الماركسية على نقد التلقائية.

قال بوليتزر:

«و ضرورة مثل هذا الحزب، معطى أساسي من معطيات الاشتراكية العلمية، و هو يتفق مع تعاليم النزعة المادية الجدلية و التاريخية. فلما ذا؟ لأنه إذا صح ان البروليتاريا التي تستغلها البرجوازية مضطرة ماديا للنضال ضدها، فلا يعني ذلك قط ان وعيها الاشتراكي تلقائي. لأن نظرية التلقائية معارضة للماركسية، و النظرية الثورية علم و ليس هناك من علم تلقائي.

و لقد قام لينين في كتابه «ما العمل؟» بنقد كلاسيكي للتلقائية...

و يلاحظ لينين ان حركة البروليتاريا التلقائية، لا يمكن أن تؤدي بالبروليتاري إلى أبعد من مرحلة تأليف النقابات التي تضم العمال من مختلف المعتقدات السياسية و تهدف للنضال من أجل رفع مستوى الحياة و الأجور. و لكن ليس هناك من نقابة - بصفتها هذه - أن تحمل للعمال ما يحمله الحزب السياسي الماركسي، الا و هو أمل الثورة و العلم الثوري.

... مصلحة البروليتاريا الثورية تأمرها بالدفاع عن الحزب الشيوعي ضد أي هجوم و تقويته، لأن وجوده ضروري لانتصارها. أما نظرية التلقائية فهي تضع البروليتاريا تحت حماية البرجوازية.

لأن نظرية التلقائية هي الأساس المنطقي لكل نزعة انتهازية!(2)».

إن التلقائية تجعل العامل محطا للتركيز الفكري البرجوازي الذي يبعده من الاقتناع بضرورة الثورة الاشتراكية التي تستهدفها الماركسية، و الأحزاب الشيوعية.

«لأن النظرية الفكرية التي تعرض تلقائيا للبروليتاريا في النظام الرأسمالي، هي النظرية الفكرية البرجوازية، كالدين - مثلا - و الأخلاق اللذين يلقنان في المدرسة، و يدعوان

ص:285


1- (1) مختارات: لينين (مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية) ج 4 ص 119.
2- (2) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ج 1 ص 409-412.

البروليتاريا إلى «التذرع بالصبر» لأنه لا بد من «ثواب الفضيلة».

و لا تعتمد النظرية الفكرية البرجوازية على قوة التقاليد فقط، بل تعتمد على الوسائل المادية الضخمة التي تمتلكها البرجوازية الحاكمة»(1).

- 6 - و بانتهاء العصر الرأسمالي، ينتهي عصر أهم و أطول، هو عصر الوجود الطبقي الذي عانته البشرية منذ نهاية المشاعية الأولى و دخولها في عصر القنانة، إلى نهاية الرأسمالية الامبريالية.

قال كوفالسون:

«تختتم الرأسمالية عهدا هائلا من تاريخ البشرية هو عهد المجتمع التناحري»(2).

يعني التناحر الطبقي. و يدخل المجتمع في عصر الوئام الاجتماعي الذي لا تتعدد فيه الطبقات، بفضل الاشتراكية التي تسود المجتمع الجديد.

و سوف يكون للبروليتاريا شرف القيام بهذه المهمة العظيمة.

قال بوليتزر:

«ذلك لأن نهاية النضال الطبقي، و انقسام الانسانية على نفسها، يستطيع إعادة الانسجام إلى الانسان و حلول عهد الوعي السعيد. غير أن إزالة النضال الطبقي لا يمكن أن تتم إلاّ بالاستمرار في النضال الطبقي حتى النهاية. ذلك: لأن الثورة البروليتارية، و لا شيء غيرها، هي التي تعيد إلى الانسانية وحدتها التي تتمثل في البروليتاريا و الجماهير الشعبية. إذ يستعيد البروليتاريون و حلفاؤهم، في نضالهم الظافر ضد ظلم الطبقات المستغلة و انحطاطها، الانسانية من أجلهم، و يحققون بذلك غاية الانسان»(3).

ص:286


1- (1) المصدر ص 410. قارن هذا و ما قبله بما قلناه في النقطة الخامسة من مناقشة العصر الثالث للرأسمالية.
2- (2) المادية التاريخية: كوفالسون، كيلله ص 137.
3- (3) أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ج 2 ص 67.
المناقشة

ينبغي أن نتفق مع الماركسية، في أن الرأسمالية، ليست قدرا أبديا على البشرية، بل هي - لا محالة - صائرة إلى زاول، مع ما تحمل من بلايا و دمار.

كما ينبغي أن نتفق معها، بأن المجتمع المتلائم العناصر، و الأخوي في داخله هو الهدف الأساسي للبشرية. و هو الذي يختتم أتعاب البشرية التي عانتها خلال عمرها الطويل. و هذا هو أحد العناصر الرئيسية التي تتفق فيها الماركسية مع «التخطيط الالهي العام» كما ذكرنا في أول الكتاب.

كما ينبغي أن نتفق معها أيضا على «نقد التلقائية» و ان ذلك اليوم السعيد لا يسود البشرية عفويا، بل يحتاج إلى عمل واسع عظيم من أجل إيجاده. و لكننا سنسمع الآن أن نقد التلقائية غير منسجم مع القواعد الماركسية، بالرغم من تأكيدها عليه.

و من هنا ينبغي أن تنطلق المناقشات من زاوية انطباق المفهوم الماركسي التاريخي، على ما أرادت أن تقوله في هذا الحقل بالذات. و ذلك ضمن نقاط:

النقطة الأولى: ان قوانين المادية التاريخية، التي تعتقد الماركسية بضرورة إنتاجها، تقتضي «التلقائية» بالضرورة... سواء على مستوى قانون «نفي النفي» أو قانون «تطور وسائل الانتاج». و من الواضح أنه لا يمكن للحزب الشيوعي «الثوري» و لا لأي فرد أو جماعة أن يغير القوانين الكونية القهرية أو يقف في وجهها.

و هنا قد تقول الماركسية: انها أكدت على جانب الوعي إلى جانب الضرورة كما سبق أن سمعنا. و معنى ذلك، انفتاح الفرصة المؤاتية التي يمكن أن تستغل الثورة خلال تلك القوانين الضرورية.

إلا أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون صادقا، لعدة أجوبة:

الجواب الأول: إن هذا التركيب بين الضرورة و الحرية، قد سبق أن ذكرنا بطلانه و عدم إمكان التسليم بصحته.

ص:287

الجواب الثاني: اننا نسأل عن أن القوانين الضرورية و حدها، هل هي منتجة لانتقال المجتمع من الرأسمالية إلى الاشتراكية أولا!؟...

فإن لم تكن وحدها مؤثرة، فقد فشلت تلك القوانين بعد أن كانت قد نجحت في المراحل السابقة، مستقلة عن الوعي، و إن كانت تعمل عملها مستقلة عن الوعي، كما عملت في المراحل السابقة. إذن، فإنتاجها تلقائي بالضرورة، و لا حاجة إلى أعمال الأحزاب الشيوعية بالمرة.

الجواب الثالث: ان الوعي ليس ضروري الانتاج، كما هو الحال في القوانين الكونية العامة. لأنه يعني الحرية و هي تنافي الضرورة، حتى بالفهم الماركسي.

فإن كان المجتمع لا ينتقل إلى الاشتراكية إلا بواسطة إعمال الوعي، و ليس بالقوانين الضرورية فقط (كما صرحت الماركسية في هذه المرحلة من تفكيرها)... إذن تصبح مرحلة الاشتراكية غير ضرورية الوجود، باعتبار أن أحد أسبابها، و هو الوعي، ليس ضروري الوجود لانتاجها.

إلى أجوبة أخرى غير هذه...

و معه يتعين القول بالتلقائية، طبقا للقوانين المادية الماركسية. و لا معنى لنفيها أو نقدها ماركسيا. و هذا إلى جانب كونه «تقديسا» لهذه القوانين فانه يحتوي إلغاء مهمة الأحزاب الشيوعية. و هذا هو التهافت الذي وقعت فيه الماركسية بين عمل قوانينها و عمل أحزابها. و منه يتضح بجلاء منافاة وجود الأحزاب الشيوعية مع القوانين الماركسية، و إن أكدت الماركسية على مطابقتها معها.

النقطة الثانية: إن ما سمعناه من الماركسية، قبل قليل، من أن زوال المجتمع الرأسمالي ينتج زوال الطبقية و وجود المجتمع الأفضل الذي هو الهدف الانساني الأعلى... هذا لا يمكن أن يكون صحيحا من زاوية ماركسية.

لأن ما يحدث بعد زوال الماركسية ليس هو (الطور الأعلى) للمجتمع الاشتراكي بل هو مرحلة (دكتاتورية البروليتاريا). و سنسمع عند الحديث عنه بعد قليل، ان الماركسية تصرح بوجود الطبقية و النضال الطبقي فيه... غير أن الأكثرية هي التي تكون الطبقة السائدة يومئذ. إذن فالطبقية لن تزول بزوال المجتمع الرأسمالي بل تبقى بعده خلافا لما أرادت الماركسية أن تقول.

ص:288

النقطة الثالثة: ان الحزب الشيوعي لو انعقد في البلد الرأسمالي انعقادا «تلقائيا» ليقود جماهير البروليتاريا إلى المستقبل الاشتراكي... لكان هذا أمرا معقولا، لو استطعنا التنزل عن الاعتراضات السابقة. و المفهوم أن هذه هي الفكرة التي حاولت الماركسية «تجريديا» إعطاءها.

إلا أن هذا التجريد، لا يصح من الناحية التطبيقية لعدة أسباب:

أولا: ان الأحزاب الشيوعية في العالم لم تنعقد بعد الثورة الحمراء في روسيا من تلقاء نفسها، بل بتدخل و تخطيط من قبل الاتحاد السوفييتي، أولا، و الصين الشعبية الماوية ثانيا. و لم يصادف في أي بلد ان وجد الحزب الشيوعي تلقائيا و بدون هذا التدخل بعد الثورة الروسية.

ثانيا: ان هناك عددا من البلدان لا تتصف بالرأسمالية بالمرة، و مع ذلك وجد الحزب الشيوعي فيها. و الواقع المعاش أوضح دليل على ذلك في أكثر الدول النامية في العالم. فإذا كانت وظيفة هذا الحزب قيادة البروليتاريا و إذا كانت البروليتاريا لا توجد إلا في مجتمع رأسمالي. فما هي وظيفة الحزب في البلدان غير الرأسمالية؟!..

لعل وظيفته هو نقل البلد إلى الشيوعية قبل المرور بالعصر الرأسمالي، كما سمعنا تصريح لينين بذلك، و ان ذلك أمر ممكن بتدخل من الاتحاد السوفييتي، و القوى الشيوعية العالمية. إذن، فوظيفة الحزب الشيوعي سوف تكون هي عصيان قوانين المادية التاريخية الضرورية، و ليس تطبيقها، كما تريد الماركسية أن تقول.

و لكن هذا التدخل مخالف لما اتفق عليه الرأي العام العالمي و القانون الدولي، من «حق تقرير المصير» للشعوب، الذي وافق الماركسيون على صحته.

قال لينين:

«إن حق الأمم في تقرير مصيرها يعني بوجه الحصر، حق الأمم في الاستقلال بالمعنى السياسي»(1).

و محاولة الماركسية لتفسير هذا الحق، بأنه انطلاق من نير الاضطهاد الرأسمالي بالخصوص، كما يقول لينين عنه:

ص:289


1- (1) مختارات: لينين ج 1 ص 252.

إن الحق «في حرية الانفصال السياسي عن الأمة المتسلطة المضطهدة»(1).

و هي الأمة الرأسمالية بالخصوص في رأيه.

... هذه المحاولة لا يمكن أن تكون ناجحة، فإن الرأي العام العالمي إنما رغب بهذا الحق، و القانون الدولي، إنما اعترف به، باعتباره معبرا عن اختيار الشعب لنظامه و حكامه بمحض رغبته و اختياره، حسب مستواه الفكري و العقائدي و المدني الخاص. سواء كان مستواه واطئا أم عاليا.

و هذا المعنى، كما ينافي التدخل العسكري لغرض فرض وضع معين على شعب ما، كذلك ينافي التدخل الفكري و العقائدي الذي تحاوله الأحزاب الشيوعية في العالم اليوم... فضلا عن ما تفكر به هذه الأحزاب من الثورة حين تعتقد بضرورتها في مجتمع معين. فإن كل ذلك مما ينافي حق تقرير المصير، بالمعنى الثابت قانونيا و المرغوب به عالميا.

و على أي حال، فمع وجود نقاط الاعتراض هذه، يصبح تفسير الماركسية لزوال الرأسمالية غير صحيح. و لو بعد التجاوز عن اعتراضاتنا السابقة على قانون الديالكتيك و قانون تطور وسائل الانتاج.

بل ستزول الرأسمالية، لا محالة، بأسباب أخرى، سنعرف أهم تفاصيلها عند الحديث عن التخطيط الالهي لليوم الموعود.

ص:290


1- (1) المصدر و الصفحة.
الاشتراكية
اشارة

تنقسم الاشتراكية، كما تنقسم الرأسمالية إلى ثلاث مراحل: تتضمن أولاها: دكتاتورية البروليتاريا. و تتضمن الثانية: عهد الاشتراكية الأول الممهّد للطور الأعلى. و أما الثالثة: فهي المجتمع الشيوعي الكامل أو الطور الأعلى للاشتراكية، الذي به تتحقق آمال البشرية (الماركسية) في إيجاد المجتمع الأمثل الذي تتحقق به السعادة التامة الكاملة للبشر أجمعين.

يشير إلى ذلك كوفالسون قائلا:

«إن العملية الطبيعية التاريخية لقيام و تطور التشكيلة الشيوعية تشكل ثلاث درجات معروفة تتعاقب بصورة محتمة طبيعية، هي المرحلة الانتقالية التي ترسي الثورة الاشتراكية بدايتها، و مرحلة الاشتراكية، أي الطور الأدنى من التشكيلة الشيوعية، و مرحلة الشيوعية»(1).

و سوف تكون القاعدة الاقتصادية الرئيسية فيما قبل المجتمع الأخير، أو بالأخص في المرحلة الثانية، هو المبدأ التالي: «على كل فرد أن يؤدي حسب طاقانه و أن ينال حسب عمله». على حين تكون القاعدة الرئيسية في المجتمع الأخير هو المبدأ التالي: «على كل فرد أن يؤدي حسب طاقاته، و أن ينال حسب حاجاته» على ما سنسمع(2).

و كما أن الماركسية قد أكثرت الكلام في نقد الرأسمالية، كذلك أكثرت الكلام في وصف الاشتراكية، و ذلك لعدة أسباب، كلها مفهومة من زاويتها:

1 - إتمام نظريتها: المادية التاريخية، و بنائها الفكري بشكل متكامل واضح.

2 - الدعوة العالمية إلى مبدئها و الترغيب بأهدافها.

3 - تمييز اشتراكيتها عن الاشتراكيات الأخرى، و هي عديدة في

ص:291


1- (1) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 138.
2- (2) انظر بهذا الصدد أصول الفلسفة الماركسية: بوليتزر ج 2 ص 185.

العالم. و من هنا اصطلحت الماركسية على اشتراكيتها بالاشتراكية العلمية. نظرا إلى أنها ناتجة عن مبدأ عام لفهم التاريخ، هو المادية التاريخية. و أما الاشتراكيات الأخرى فليست كذلك.

4 - إعطاء المبررات النظرية الكافية لتصرفات الحكومات الاشتراكية باعتبار اقتران هذه الأفعال مع التطورات الحتمية للاشتراكية، باعتقاد الماركسية.

و علي أي حال، فالماركسية هي أولى بمبرراتها. و إنما المهم في هذا الصدد اننا ينبغي أن نبذل جهدا في تلخيص الفكرة الماركسية عن الأطوار الاشتراكية، سواء من جهة «تاريخية» أو من جهة «اقتصادية»، متوخّين في ذلك الاختصار مع الايضاح.

و يحسن بنا فيما يلي أن نمشي مع هذه المراحل الثلاث، طبقا للتسلسل الفكري الماركسي.

ص:292

المرحلة الاشتراكية الأولى دكتاتورية البروليتاريا
اشارة

- 1 - أكدت الماركسية بوضوح على ضرورة مرور المجتمع بهذه المرحلة، لأجل الانتقال من العهد الرأسمالي إلى العهد الاشتراكي و الشيوعي.

قال ماركس:

«بين المجتمع الرأسمالي و المجتمع الشيوعي تقع مرحلة تحول المجتمع الرأسمالي تحولا ثوريا إلى المجتمع الشيوعي. و تناسبها مرحلة انتقالية سياسية لا يمكن أن تكون الدولة فيها سوى الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا»(1).

و قال لينين:

«إن الانتقال من المجتمع الرأسمالي بسبيل التطور نحو الشيوعية، إلى المجتمع الشيوعي، يستحيل بدون «مرحلة انتقال سياسية» و لا يمكن لدولة هذه المرحلة أن تكون غير الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا»(2).

- 2 - و تتصف هذه المرحلة بوجود الطبقات، كما كانت عليه في العهود السابقة عليها. و لكن بينما كانت الطبقة القليلة المتنفذة هي المسيطرة و المضطهدة للأكثرية، يكون الآن الأمر بالعكس، فإن الأكثرية البروليتارية، هي التي تضطهد الأقلية الرأسمالية و مؤيديها، بل انها تقمعهم قمعا، و تبيدهم عن الوجود في خلال صراع مرير.

قال لينين:

«في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية يظل القمع أمرا ضروريا، و لكنه يغدو قمعا للأقلية المستثمرة من جانب الأكثرية المستثمرة»(3).

ص:293


1- (1) مختارات: لينين ج 2 ص 281.
2- (2) المصدر: نفس الصفحة و ما بعدها.
3- (3) المصدر ص 286.

و قال ماركس:

«و لكن قبل أن يكون بالامكان تحقيق هذا التغيير، فلا بد من دكتاتورية البروليتاريا، و شرطها الأول هو جيش للبروليتاريا. ان الطبقة الكادحة يجب أن تحصل على الحق في تحررها في ساحة القتال»(1).

و قال لينين أيضا:

«إن دكتاتورية البروليتاريا هي الحرب الأكثر بطولة و الأشد قسوة، التي تخوضها الطبقة الجديدة ضد عدو أقوى، ضد البرجوازية التي تتضاعف مقاومتها من جرّاء سقوطها بالضبط... فإن دكتاتورية البروليتاريا لا غنى عنها. و انه لمن المستحيل التغلب على البرجوازية دون حرب طويلة عنيدة مستميتة...»(2).

- 3 - و من أجل أمرين مقترنين، لا بد من وجود الدولة خلال هذه المرحلة:

أولا: من أجل وجود الطبقات. و قد أ فهمتنا الماركسية أن الدولة أداة طبقية للقمع. و ما دامت الطبقات موجودة، فلا بد أن تكون الدولة موجودة.

ثانيا: من أجل الحاجة الملحة إلى هذا القمع، خلال هذه المرحلة:

قال انجلز:

«إن البروليتاريا بحاجة إلى الدولة لا من أجل الحرية، بل من أجل قمع خصومها»(3).

و قال لينين:

«و يبقى الجهاز الخاص، الآلة الخاصة للقمع «الدولة» أمرا ضروريا»(4).

- 4 - و سيكون الحزب الشيوعي هو القائد للطبقة البروليتارية و دولتها.

قال كوفالسون:

«و بدون الحزب، بوصفه القوة القائدة، يستحيل تطبيق ديكتاتورية البروليتاريا»(5).

ص:294


1- (1) الشيوعية العلمية ص 261 عن المؤلفات الكاملة لماركس ج 7 ص 433.
2- (2) المصدر نفسه ص 268 عن المؤلفات الكاملة للينين ج 31 ص 17-18.
3- (3) مختارات: لينين ج 2 ص 285 (الدولة و الثورة).
4- (4) المصدر ص 286.
5- (5) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 261.

- 5 - و ستكون الدولة في هذه المرحلة انتقالية، تبعا لانتقالية المرحلة ذاتها.

و ستكون من نوع جديد يختلف عن شكل الدولة الرأسمالية السابقة عليها، لأنها ستكون في طريق الفناء.

قال لينين:

«و لكنها تغدو دولة انتقالية، تكف عن أن تكون الدولة بمعنى الكلمة الخاص»(1).

«أولا: إنه لا يلزم البروليتاريا، في رأي ماركس، سوى دولة في سبيل الفناء، يعني مشكّلة بحيث تأخذ في الاضمحلال على الفور، و لا يمكن إلا أن تضمحل.

ثانيا: إن الشغيلة يحتاجون إلى «دولة» هي البروليتاريا المنظمة في طبقة سائدة»(2).

- 6 - و سيكون للديمقراطية وجود خلال المرحلة البروليتارية، و لكن لن يكون معناها هو المفهوم الرأسمالي البرجوازي... بل معناها جلب أكثرية الشعب إلى جانب البروليتاريا، و صهرهم في بوتقة ثورتهم ضد البرجوازية.

قال لينين:

«و على ذلك، نرى ان الديمقراطية في المجتمع الرأسمالي هي ديمقراطية بتراء حقيرة زائفة، هي ديمقراطية للأغنياء وحدهم، للأقلية. أما ديكتاتورية البروليتاريا، مرحلة الانتقال إلى الشيوعية فهي تعطي لأول مرة الديمقراطية للشعب، للأكثرية، بمحاذاة القمع الضروري للأقلية للمستثمرين»(3).

و قال أيضا:

«الديمقراطية من أجل الغالبية العظمى من الشعب، و القمع بالقوة يعني حرمان المستثمرين و مضطهدي الشعب من الديمقراطية. ذلك هو التبدل الذي تمر به الديمقراطية عند الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية»(4).

و قال كوفالسون:

«إن دكتاتورية البروليتاريا لا تقتصر على جهاز سلطة الدولة، جهاز الحكم. فهي معدة لأجل إشراك الجماهير في البناء الاشتراكي، لأجل اجتذاب الكادحين إلى إدارة البلد.

ص:295


1- (1) مختارات: لينين ج 2 ص 286.
2- (2) الشيوعية العلمية ص 278 عن الدولة و الثورة: لينين ط 2 ص 21.
3- (3) مختارات لينين ج 2 ص 286 (الدولة و الثورة).
4- (4) الشيوعية العلمية ص 275 عن الدولة و الثورة ص 110-111.

و هي عبارة عن نظام كامل من منظمات جماهيرية (السوفيات، النقابات، التعاون، اتحاد الشباب، و الخ) يقودها الحزب الشيوعي»(1).

- 7 - و بالرغم من الاجراءات القمعية ضد البرجوازية الرأسمالية، فإن آثارها سوف تبقى خلال هذه المرحلة كلها، فإن الناس لا يمكن أن يتغيروا فجأة بالاتجاه الذي تريده لهم الماركسية، و تقتضيه قوانين المادية التاريخية.

قال كوفالسون:

«إن عدد أولئك الذين بوسعهم أن يحطموا و يفسدوا و يبددوا الأموال العامة، لمجرد أنها ليست لهم بل حكومية، يقل أكثر فأكثر في البلدان الاشتراكية. و لكن هذا لا يعني أن جميع أفراد المجتمع قد تعوّدوا هنا على العمل بوعي و إدراك من أجل الخير العام. فحتى في عشية ثورة أكتوبر أشار لينين قائلا: «إن المرء إذا لم ينسق مع الخيال لا يمكنه أن يفكر بأن الناس بعد إسقاط الرأسمالية، يتعلمون على الفور العمل للمجتمع بدون أية أحكام حقوقية. ناهيك عن أن إلغاء الرأسمالية لا يعطي فورا ممهدات اقتصادية لمثل هذا التغير»(2).

و قال لينين:

«إن تحويل الزارع الصغير، تحويل كل ذهنيته و عاداته، هو عمل أجيال كاملة. و ان القاعدة المادية و التقنية و الاستخدام الكثيف للحارثات و الآلات في الزراعة، و الكهربة على نطاق واسع، تستطيع وحدها أن تحل هذه القضية ان تصلح ذهنيته نوعا ما، هذا ما يمكن أن يحول رأسا على عقب بسرعة هائلة الزارع الصغير.

و حين أقول: انه لا بد لذاك من أجيال، فهذا لا يعني قرونا. و انكم لتفهمون جيدا انه في سبيل الحصول على حارثات و آلات، و في سبيل كهربة بلد شاسع الأبعاد، لا بد على الأقل، مهما تكن الحال، من عشرات السنين، ذلك هو الوضع الموضوعي»(3).

و قال أيضا:

«و على ذلك فإن المرحلة الأولى من الشيوعية لا يمكنها أن تعطي العدالة و المساواة. تبقى فروق في الثورة، و هي فروق مجحفة و لكن استثمار الانسان للانسان يصبح مستحيلا. لأنه يصبح من غير الممكن للمرء أن يستولي كملكية خاصة على وسائل الانتاج، على المعامل و الماكينات و الأرض و غير ذلك»(4).

ص:296


1- (1) المادية التاريخية: كيلله، كوفالسون ص 261.
2- (2) المصدر ص 266 و ما بعدها.
3- (3) الشيوعية العلمية ص 278 عن المؤلفات الكاملة: لينين ج 32 ص 227.
4- (4) مختارات لينين ج 2 ص 290 (الدولة و الثورة).

و استطرد قائلا:

«و على هذه الصورة، فان «الحق البرجوازي» في الطور الأول من المجتمع (الشيوعي) الذي يسمى عادة بالاشتراكية يلغي لا بصورة تامة، بل بصورة جزئية، فقط بالمقدار الذي بلغه الانقلاب الاقتصادي، أي فقط حيال وسائل الانتاج»(1).

إن لينين يقصد بالطور الأول من المجتمع الشيوعي ما نعتبره في تقسيمنا السابق بالمرحلة الثانية للاشتراكية، على ما سيأتي. و إذا كان هذا صحيحا في المرحلة الثانية، فاخلق بصحته في المرحلة الأولى.

- 8 - و ستبدأ الدولة البروليتارية بزمام المبادرة إلى إيجاد تشريعات و تطبيقات اشتراكية. و من هنا اندرجت هذه المرحلة في العهد الاشتراكي، بالرغم من أن الماركسية اعتبرتها مجرد مرحلة انتقالية.

و نسمع من انجلز قائمة من التعاليم التي يجدر بهذه الدولة تطبيقها، حيث يقول:

«انها «يعني ثورة البروليتاريا) ستقيم بادئ ذي بدء دستورا ديمقراطيا و عن هذا الطريق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، السيطرة السياسية للبروليتاريا.

و لن تكون الديمقراطية ذات نفع للبروليتاريا، إذا لم تستخدمها من فورها لاتخاذ تدابير تتضمن طعنة مباشرة للملكية الخاصة، و تضمن وجود البروليتاريا، و إن أهم هذه التدابير، كما هي مبيّنة منذ الآن على أنها مترتبة بالضرورة على الوضع هي التالية:

1 - انقاص الملكية الخاصة بواسطة الضرائب التصاعدية و الضرائب المرتفعة على الارث. و إلغاء حق الميراث في خط جانبي (الأخوة، أبناء الأخوة،... الخ) و القروض الاجبارية... الخ.

2 - الاغتصاب التدريجي للملاكين العقاريين و الصناعيين و أصحاب السكك الحديدية، و أحواض السفن. اما بواسطة منافسة صناعة الدولة، و اما مباشرة، لقاء التعويض بسندات.

3 - مصادرة جميع أملاك المغتربين و المتمردين على غالبية الشعب.

4 - تنظيم العمل و استخدام العمال في الميادين و المصانع و الورشات الوطنية، مع إلغاء منافسة العمال فيما بينهم، و إجبار الصناعيين الموجودين بعد، على دفع نفس الأجر المرتفع الذي تدفعه الدولة.

5 - إلزام العمل بالنسبة إلى جميع أفراد المجتمع، حتى القضاء التام على الملكية

ص:297


1- (1) المصدر ذاته ص 292.

الفردية. تشكيل جيوش صناعية، و بصورة خاصة من أجل الزراعة.

6 - مركزة نظام الائتمان و تجارة المال في أيدي الدولة، و ذلك بواسطة تشكيل مصرف وطني برأسمال دولي، و إلغاء جميع المصارف الخاصة.

7 - مضاعفة المصانع الوطنية، و الورشات، و الخطوط الحديدية و السفن و استصلاح جميع الأراضي المزروعة من قبل، بصورة مطردة مع زيادة الرساميل و القوى العاملة التي تملكها البلاد.

8 - تربية جميع الأولاد، منذ اللحظة التي يمكن فيها إبعادهم عن الأحضان الأمومية، في مؤسسات وطنية، و على نفقة الأمة، (تربية و إنتاج مصنّع).

9 - بناء قصور كبيرة على الأراضي الوطنية التي تكون مسكنا لجماعات من المواطنين المشتغلين في الصناعة و الزراعة. و تكون جامعة لمحسنات الحياة المدينية و الريفية دون أن يكون لها مساوئها.

10 - تدمير جميع المساكن و الأحياء غير الصحية و السيئة البناء.

11 - حق الميراث المتساوي للأبناء الشرعيين و غير الشرعيين.

12 - مركزة جميع وسائط النقل بين أيدي الدولة...»(1).

- 9 - و أخيرا فإن البروليتاريا تمارس عملها كدولة، ضمن المجالس السوفييتية.

و هنا يتحول الكلام الماركسي إلى «التطبيق» بعد أن كان تجريديا.

ان تطبيق المجالس السوفييتية، واقع معاش في الدولة الاتحادية الشيوعية المسماة باسمها... حيث تدعى بالاتحاد السوفييتي أو (اتحاد جمهوريات روسيا السوفييتية). و فيه دلالة ضمنية على أن الواقع التطبيقي هناك يمثل العصر الذي نتحدث عنه، و هو مرحلة دكتاتورية البروليتاريا، و لم تصل بعد إلى المرحلة الاشتراكية ا