مجالس منبریه : محاضرات و نواعی مجالس شهر محرم الحرام

اشارة

سرشناسه:امامی، مصطفی، 1367-

عنوان و نام پديدآور:مجالس منبریه : محاضرات و نواعی مجالس شهر محرم الحرام/ مصطفی الامامی.

مشخصات نشر:قم: حکمت فراز، 1441ق.= 1398.

مشخصات ظاهری:318 ص.

شابک:978-600-989986-9

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

موضوع:حسین بن علی(علیه السلام)، امام سوم، 4 - 61ق. -- سوگواری ها -- احادیث

موضوع:Hosayn ibn Ali -- Laments -- Hadiths

موضوع:خطبه ها

موضوع:Islamic sermons

موضوع:روضه خوانی

موضوع:*Rowdah-Khani (Commemoration of the martyrs of Karbala)

موضوع:واعظان

موضوع:*Preachers (Islam)

موضوع:واقعه کربلا، 61ق.

موضوع:Karbala, Battle of, Karbala, Iraq, 680

رده بندی کنگره:BP261/4

رده بندی دیویی:297/754

شماره کتابشناسی ملی:6067586

ص: 1

اشارة

مجالس منبریه

محاضرات و نواعی مجالس شهر محرم الحرام

مصطفی الامامی

ص: 2

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا يقتضى رضاه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله الطيبين الطاهرین.

اما بعد: فیقول الفقير الى رحمة ربه الکريم "مصطفی الإمامي الأهوازي" عفى الله عن خطایاه و حشره مع الائمة الطاهرين (علیه السلام) کتبت مجموعة کُتب اسمیتها "مجالس منبریة" و هي في المجالس الدینیة التی تمر علی طول السنة و یحتاج الیها المبلغ الدیني و الخطیب الحسیني و هی مرتبة علی اساس الترتیب الرائج بین الخطباء و فیها: مجالس وفیات المؤمنین التی تسمی في اللغة الدارجة ب"مجالس الفاتحة" و هکذا فیها: مجالس لشهر رمضان من أول الشهر الی أخره و مجالس حسینیة للأیام العشرة الأولی من شهر محرم الحرام و مجالس أیام الفاطمیة و مجالس شهادات اهل البیت (علیه السلام) مع ذکر فضائلهم و نواعیهم فی اخر کل مجلس.

و اجتهدت و اتعبت نفسی ان تکون اکثر القصائد و النواعی التي نقلتها مقروءة بواسطة احد الخطباء المعروفین کالسید محمد الصافي و الشیخ زمان الحسناوي و غیرهم من خیرة خطبائنا، حتی لا یتعب الخطیب المبتدئ نفسه باجراء الأطوار علیها و سیحصل علی طور القصیدة فی هذا الکتاب بمجرد بحث مستهل القصیدة او الأبیات الأولی في الإنترنت فیجد أحد الخطباء قد قرأها سابقا و یستمع الیها و یحفظها و ثم یجریها، لأني نقلت القصائد المعروفة المقروءة علی لسانهم.

و هذا الجزء من مجموعة "مجالس منبریة" مختص ب-: "المجالس الحسینیة و مناسبات العشرة الأولی من شهر محرم الحرام".

ص: 3

المجلس الأول (اللیلة الأولی)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى الک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما

کم يا هلال محرم تشجينا*ما زال قوسک نبله يرمينا

کل المصائب قد تهون سوى التي*ترکت فؤاد محمد محزونا

يوم به ازدلفت طقاة أمية*کي تشفين من الحسين ضغونا

نادى الا هل من معين لم يجد*الا المحددة الرقاق معينا

فهوى على وجه الصعيد مبضعا*ما نال تغسيلا ولا تکفينا

وسروا بنسوته على عجف المطا*تطوي سهولا بالفلا وحزونا

**

هلت الشيعه بالحزن يهلال عاشور*او نصبت مياتم للعزيه او تلطم اصدور

اهلال المحرم ليش اشوفک کاسف اللون*لابس سوادک ليش گلي اشصار بالکون

ون الهلال او گال سيد الرسل محزون*او کل العوالم محزنه والدين مقهور

المحاضرة: اجتناب الحرام

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَکلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)(1)

نتحدث الیوم في مقام خطیر و هو أکل المال الحرام، و للمال الحرام عقوبات تصيب اکله أن أکل الحرام سبب لحلول النقم، والعقوبات العامة على الأمة، وزوال نعم الله عليها في اقتصادها وأمنها فللمکاسب المحرمة اثار سيئة على الفرد والجماعة.

منها انها تنزع البرکات، وتفشو العاهات، وتحل الکوارث أزمات مالية مستحکمة، وبطالة متفشية، وتظالم وشحناء.

عقوبات أکل الحرام

من أعظم عقوبات أکل الحرام: أن الله تعالى لا يستجيب لاکل الحرام دعوة، ولا ترفع له الى السماء مسالة فکم من درهم حرام حرم به العبد

ص: 4


1- الطلاق: 2 - 3

دراهم من الحلال، ولو تعفف العبد عن الحرام وقنع بما کتب الله له من الحلال لفتح الله عليه من أبواب رزقه ما يکفيه ويغنيه، فإنه تعالى قد أخذ على نفسه ذلک، فقال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَکلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

یا مؤمنین تجنبوا المال الحرام، فإنه أشد أنواع المهلکات، وأعظم موانع الوصول الى السعادات وأکثر الناس الذين حرموا الفيوضات إنما حرموا بأکلهم المال الحرام نعم..

أين القلب الذي نشأ على لقمة الحرام من قابلياته التي تنشأ من عالم القدس؟ إذن على طالب النجاة أن يجد في تحصيل الحلال، وأن يعصم يده وبطنه ويعفهما عن کل طعام حرام کان نتاجا للظلم والعدوان والخيانة في الأمانة والغدر والمکر و الحيلة والغصب والسرقة والاحتکار والرشوة والربا وقرائنها، وأن يلبس لباس الورع والتقوى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِک خَيْرٌ).

وروي عن أعز المرسلين محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(1)

«لرد دانق من حرام يعدل عند الله سبعين الف حجة مبرورة» و قال النبى (صلی الله علیه و آله):(2)«إن

أحدکم ليرفع يديه الى السماء فيقول: يا رب يا رب و مطعمه حرام و ملبسه حرام فأي دعاء يستجاب لهذا(3)،

و أي عمل يقبل منه و هو ينفق من غير حل إن حج حج حراما، و إن تصدق تصدق بحرام، و إن تزوج تزوج بحرام، و إن صام أفطر على حرام فيا ويحه أ ما علم أن الله طيب لا يقبل الا الطيب و قد قال في کتابه (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ)».

و قال الشاعر:

إذا حججت بمال أصلهُ دنسٌ*فما حججت ولکنْ حَجَّتِ العِيرُ(4)

لا يقبل الله الاّ کلَّ طَيِّبَة*ما کلّ مَنْ حَجَّ بيت الله مَبْرورُ

و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(5) «من أکل لقمة حرام لم يقبل له صلاة أربعين

ص: 5


1- مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي، ج 12، ص 105
2- إرشاد القلوب الى الصواب، للديلمي، ج 1، ص 69
3- قال الشاعر: نحن ندعو الاله في کل کرب*ثم ننساه عند کشف الکروب کيف نرجو إجابة لدعاء*قد سددنا طريقها بالذنوب
4- العِير: ای الجمل
5- بحار الأنوار، ج 63، ص 314، و عن علي (علیه السلام) قال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): الطعام إذا جمع أربع خصال فقد تم إذا کان من حلال و کثرت الأيدي عليه و سمي الله تبارک و تعالى في أوله و حمد في آخره. (نفس المصدر)

ليلة، و لم تستجب له دعوة أربعين صباحا و کل لحم ينبته الحرام فالنار أولى و إن اللقمة الواحدة تنبت اللحم.»

و یروی الراوی عن الامام الباقر (علیه السلام) قال:(1)

سالته عن شرک الشيطان قوله: (وَشَارِکهُمْ فِي الأَمْوَال وَالأَوْلَادِ) قال: ما کان من مال حرام فهو شريک الشيطان، قال و يکون مع الرجل حتى يجامع فيکون من نطفته و نطفة الرجل إذا کان حراما.»

و قال علی ابن ابی طالب (علیه السلام) بلسان الشعر:(2)

دع الحرص على الدنيا*و في العيش فلا تطمع

و لا تجمع من المال*و لا تدري لمن تجمع

و لا تدري أ في أرضک*أم في غيرها تصرع

فإن الرزق مقسوم*و کد المرء لا ينفع

فقير کل من يطمع*غني کل من يقنع

قصة رجل تزوج عمياء خرساء وصماء

قصة رجل تزوج عمياء لا تبصر، وخرساء لا تتکلم، وصماء لا تسمع، دخل أحد السلف أحد المزارع وکان جائعا متعبا فشدته نفسه لأن يأکل وبدأت المعدة تقرقر فأطلق عينيه في الأشجار فرأى تفاحة فمد يده اليها ثم أکل نصفها بحفظ الله ورعايته ثم شرب من ماء نهر بجانب المزرعة، لکن انتبه بعد ذلک من غفلته بسبب الجوع وقال لنفسه: ويحک کيف تأکل من ثمار غيرک دون استئذان وأقسم الا يرحل حتى يدرک صاحب المزرعة يطلب منه أن يحلل له ما أکل من هذه التفاحة فبحث حتى وجد داره فطرق عليه الباب فلما خرج صاحب المزرعة استفسر عن ما يريد..

قال صاحبنا: دخلت بستانک الذي بجوار النهر وأخذت هذه التفاحة وأکلت نصفها ثم تذکرت أنها ليست لي وأريد منک أن تعذرني في أکلها وأن تسامحني عن هذا الخطأ فقال الرجل: لا أسامحک ولا أسمح لک أبدا الا بشرط واحد قال صاحبنا: وما هو هذا الشرط؟

قال صاحب المزرعة: أن تتزوج ابنتي. قال ثابت: أتزوجها؟ قال الرجل: ولکن انتبه إن ابنتي عمياء لا تبصر، وخرساء لا تتکلم، وصماء لا

ص: 6


1- تفسير العياشي، ج 2، ص 299
2- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 259

تسمع وبدأ يفکر ويقدر أنعم بها من ورطة ماذا يفعل؟ ثم علم أن الابتلاء بهذه المرأة وشأنها وتربيتها وخدمتها خير من أن يأکل الصديد في جهنم جزاء ما أکله من التفاحة وما الأيام وما الدنيا الا أياما معدودات، فقبل الزواج على مضض وهو يحتسب الأجر والثواب من الله رب العالمين.

وجاء يوم الزفاف وقد غلب الهم على صاحبنا کيف أدخل على امرأة لا تتکلم ولا تبصر ولا تسمع فاضطرب حاله وتمنى أن لو تبتلعه الأرض قبل هذه الحادثة ولکنه توکل على الله وقال لا حول ولا قوة الا بالله وإنا لله وإنا اليه راجعون ودخل عليها يوم الزفاف فإذا بهذه المرأة تقوم اليه وتقول له السلام عليک ورحمة الله وبرکاته فلما نظر اليها تذکر ما يتخيله عن الحور العين في الجنة. قال بعد صمت ما هذا؟

إنها تتکلم وتسمع وتبصر فأخبرها بما قال عنها أبوها قالت: صدق أبي ولم يکذب قال أصدقيني الخبر قالت: أبي قال عني أنني خرساء لأنني لم أتکلم بکلمة حرام ولا تلکمت مع رجل لا يحل لي.. وإنني صماء لأنني ما جلست في مجلس فيه غيبة ونميمة ولغو.. وإنني عمياء لأنني لم أنظر الى أي رجل لا يحل لي فانظر واعتبر بحال هذا الرجل التقي وهذه المراة التقية وکيف جمع الله بينهما.»

المال الحرام و قتل الامام الحسین (علیه السلام)

ان الإمام الحسین کشف عن أن المال الحرام هو السبب الذي جعل الجيش الأموي في ضلال تام فيقدم على أعظم جريمة في التاريخ البشري، وقد کشف الإمام عن هذه الحقيقة عندما کان ینصحهم فلا یستمعون فقال لهم:(1)

«فقد ملئت بطونکم من الحرام وطبع على قلوبکم. ويلکم، الا تنصتون؟ الا تسمعون؟»

نعي

روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال:(2)

"وارحم تلک الخدود التي تقلبت على قبر أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) وارحم تلک الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلک القلوب التي حزنت لأجلنا واحترقت بالحزن، وارحم تلک الصرخة التي کانت لأجلنا..." أي واحسيناه...

ص: 7


1- بحار الأنوار، ج 45، ص 8، و رواه الخوارزمي في مقتل الحسين (علیه السلام)، ج 2، ص 9 و کتاب نفس المهموم، للشيخ عباس القمي، ص 221
2- وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 10، ص 320 ح 7. و في حلية الأبرار: ج 2، ص 206، و في بحار الأنوار، للمجلسي، 101ج، ص 8 ح 30 عن کامل الزيارات.

وامظلوماه... واغريباه...

هذه المجالس التي يحبونها ويأنسون بإقامتها، کما قال إمامنا الصادق (علیه السلام) لأحد أصحابه:(1)

"أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا".

لذا أقام فضيل بن يسار مأتما للحسين (علیه السلام) ولم يخبر به إمامنا الصادق (علیه السلام) فلما کان اليوم الثاني أقبل الى الإمام فقال له:(2)

"يا فضيل أين کنت البارحة"؟ قال: سيدي شغل عاقني (ما أحب فضيل أن يخبر الصادق (علیه السلام) بأنه صنع مجلسا في بيته للحسين (علیه السلام) حتى لا يؤلم قلبه بسماع ذکر الحسين (علیه السلام) لأنه (علیه السلام) ما ذکر اسم جده الحسين الا وخنقته العبرة).

فقال (علیه السلام): "يا فضيل لا تخف علي أما صنعت مأتما وأقمت بدارک عزاء في مصاب جدي الحسين (علیه السلام) "؟ فقال: بلى سيدي قال (علیه السلام): "وأنا کنت حاضرا" قال: سيدي إذا ما رأيتک أين کنت جالسا؟ فقال (علیه السلام): "لما أردت الخروج من البيت أما عثرت بثوب أبيض"؟

قال: بلى سيدي قال (علیه السلام): "أنا کنت جالسا هناک" فقال له: سيدي لم جلست بباب البيت ولم لم تتصدر المجلس؟ (أنتم المقدمون في الدنيا والاخرة، ولکم صدور المجالس والمحافل، ولا يجوز لنا أن نتقدم عليکم أهل البيت).

فقال الإمام الصادق (علیه السلام): "کانت جدتي فاطمة جالسة بصدر المجلس لذا ما تصدرت إجلالا لها".

فالزهراء (علیه السلام) تحضر مجالس ولدها الحسين وتطلب من يسعدها بالبکاء عليه وقد جاء في الرواية عن إمامنا الصادق (علیه السلام): "ابک على جدي الحسين وأسعد بذلک فاطمة" فالزهراء (علیه السلام) لم تکن غائبة عما جرى على ولدها يوم عاشوراء.

ولذلک يروى:(3) أن عمر بن سعد حينما بعث برأس الحسين الى الکوفة مع خولي بن يزيد الى ابن زياد أقبل خولي الى قصر الإمارة فوجد باب القصر مغلقا فأتى به الى منزله ووضع الرأس الشريف في أجانة ثم اوى

ص: 8


1- وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 8، ص410
2- ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي، ج 1، ص 32
3- انظر: حياة الإمام الحسين (علیه السلام)، القرشي، ج 3، ص 319 و انساب الأشراف، ق 1 ، ج 1، و في العقد الفريد ج 2، ص 242 انها قالت له: و اللّه لا يجمعني و اياک فراش أبدا و في البداية و النهاية ج 8، ص 190 انها قامت من فراشه، و نظرت الى الاجانة فرأت النور ساطعا من تلک الاجانة الى السماء و رأت طيورا بيضا ترفرف حولها.

الى فراشه فقالت له زوجته: ما وراءک؟

فقال لها: جئتک بغنى الدهر هذا رأس الحسين معک في الدار قالت: ويلک الناس يأتون بالذهب والفضة وأنت تأتيني برأس ابن بنت رسول الله لا والله لا جمعت رأسي ورأسک وسادة أبدا. تقول تلک المرأة: خرجت الى ساحة الدار وإذا أنا بنور مثل العمود يسطع من تلک الأجانة الى عنان السماء وسمعت هاتفة تقول:(1)

"بني حسين قتلوک ومن شرب الماء منعوک وما عرفوا من أمک ومن أبوک"

انه ام الشهید المات عطشان*جسمه سلیب ولا له اکفان

ولعبت عليه الخيل ميدان

أنا الوالده المذبوح ابنها*او طول الدهر ماگل حزنها

مصيبة او يشيب الطفل منها*سبعين جثه ابدور چنها

وينه اليواسيني ابدمعته*على ابني الذي حزوا رگبته

اويلاه يبني الماحضرته*ولا غسلت جسمه او دفنته

وابن والده اچفوفه گطيعه*مطروح نايم علشريعه

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا*وقد مات عطشانا بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنده*وأجريت دمع العين في الوجنات

يا الله

لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا اليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا ال بيت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

نسالک اللهم وندعوک باسمک الأعظم الأعز الأجل الأکرم يا محمود بحق محمد (صلی الله علیه و آله)، يا عالي بحق علي (علیه السلام)، يا فاطر السماوات والأرض بحق فاطمة (علیه السلام)، يا محسن بحق الحسن (علیه السلام)، يا قديم الإحسان بحق الحسين (علیه السلام) عجل فرج وليک الحجة المنتظر المهدي (عجل الله فرجه) وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه، الأخوة الحاضرين تقبل اللهم عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحق محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله)، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذکر محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله)، ارزقهم شفاعة محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله)، اغفر لهم بحق

ص: 9


1- مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 59

محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)واحشرهم مع محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله). (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَکشِفُ السُّوءَ) الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمد وال محمد.

لطمیة: للموت ما ننسى الحسين (علیه السلام)

للموت ما ننسى الحسين*للموت ما ننسى الحسين

ما أظن ننسى مصيبة کربلاء*البيه أبو السجاد ضحى بکل وفاء

يبقى عالي مرتفع هذا النداء*بوجوه کل الحاقدين

للموت ما ننسى الحسين*للموت ما ننسى الحسين

ياضياء الکون ويا نور الحياة*يا سفينة وبيه نوصل للنجاة

ونهتف نواليک ولحد الممات*مکتوب أسمة أعلى الجبين

للموت ما ننسى الحسين*للموت ما ننسى الحسين

ص: 10

المجلس الثاني (اللیلة الأولی)

اشارة

ما انتظار الدمع أن لا يستهلا*أو ما تنظر عاشوراء هلا

هل عاشور فقم جددبه*مأتم الحزن ودع شربا وأکلا

کيف ما تلبس ثوب الحزن في*مأتم أحزن أملاکا ورسلا

کيف ما تحزن في شهر به*أصبحت فاطمة الزهراء ثکلا

کيف ما تحزن في شهر به*أصبحت ال رسول الله قتلا

کيف ما تحزن في شهر به*البس الإسلام ذلا ليس يبلا

کيف ما تحزن في شهر به*رأس خير الخلق في رمح معلى

يجدي اگعد وشوف ابنک رمية*خذوا راسه او جسمه اعلى الوطيه

عليه اتجول گامت خيل اميه*او لا ظل بيه مفصل ما تهشم

يجدي شوف أصاويب البصدره*تسع ميه والف طعنه وطبره

لتوالي العمر ذاخرتک وريداک*عفتني وذبل يبن امي وريداک

عسى سيف الگطع بالطف وريداک*گطع مني الوريد وعمل بيه

المحاضرة: الفقر

(وَلَنَبْلُوَنَّکمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَال وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(1)

أن الزمان لا يثبت على حال کما قال عز وجل: (وَتِلْک الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس)(2) فتارة فقر وتارة غنى، وتارة عز وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي وتارة يشمت الأعادي والعاقل من لازم أصلا على کل حال وهو تقوى الله، و إن المسلم يبتلى بأمراض ومصائب وأحزان، فيحتاج الى ما يذکره ويصبره.

وقد رأيت أن المؤمنین عامة قد وقع علينا من الابتلاءات والمصائب کالجوع والفقر والحرمان، وغيرها مما لا يحصيه الا الله، فأحببت أن أذکر کل مبتلى ببعض الروایات و القصص فيها عبر وعظات سائلا المولى سبحانه تفريج الکرب، وجلاء الحزن، وذهاب الهم والغم، والشفاء من کل داء لکل محزون.

أيها الفقير لا تغتم من فقرک(3)، فإن زينته للمؤمن خير من زينة اللجام

ص: 11


1- البقرة: 155
2- ال عمران: 140
3- يعرف الفقر أنه عدم قدرة الفرد على تلبية حاجاته الأساسية، وعدم توفر الحد الأدنى من المستوى المعيشي المتوقع في المجتمع الذي يعيش فيه. أو هو حاجة الفرد الى غيره من أفراد مجتمعه لتأمين ما يحتاجه من لوازم الحياة.

للفرس، والجنة مشتاقة للفقراء عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)

«الفقراء ملوک أهل الجنة، والناس کلهم مشتاقون الى الجنة، والجنة مشتاقة الى الفقراء» و يکفي الفقير تسلية لفؤاده قول السيد البشير النذير (صلی الله علیه و آله): «الفقر فخري و به أفتخر»(2).

و قال (صلی الله علیه و آله): «اللهم أحيني مسکينا، وأمتني مسکينا، واحشرني في زمرة المساکين»(3)

قال أمير المؤمنين (علیه السلام):(4)«الفقر

يخرس الفطن عن حجته و المقل غريب في بلدته طوبى لمن ذکر المعاد و عمل للحساب و قنع بالکفاف الغنى في الغربة وطن و الفقر في الوطن غربة القناعة مال لا ينفد الفقر الموت الأکبر إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما منع غني ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله و أحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتکالا على الله القناعة کنز لا ينفد.»

وروي عن الامام الصادق (علیه السلام):(5) «إن الله جل ثناؤه ليعتذر الى عبده المؤمن المحوج في الدنيا کما يعتذر الأخالى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي ما أحوجتک في الدنيا من هوان کان بک علي، فارفع هذا

ص: 12


1- بحار الأنوار، ج 69، ص 49
2- عدة الداعي، ص 112، في مدح الفقر وفضيلة. عوالي اللئالي، ج 1، ص 39، ح 38. بحارالأنوار، ج 69، ص 30. و تمام الحديث: عن النبی (صلی الله علیه و آله): (الشريعة أقوالي و الطريقة أقوالي و الحقيقة أحوالي و المعرفة رأس مالى، و العقل أصل دينى، و الحب أساسى، و الشوق مرکبى، و الخوف رفيقى، و العلم سلاحى، و الحلم، صاحبى، و التوکل زادى (ردائى) و القناعة کنزى، و الصدق منزلى، و اليقين مأواى، و الفقر فخرى و به افتخر على سائر الأنبياء و المرسلين). ثم قال في المستدرک: و رواه العالم العامل المتبحر السيد حيدر الآملي في کتاب أنوار الحقيقة و أطوار الطريقة و أسرار الشريعة. انظر: مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي، ج 11، ص 173
3- روضة الواعظين و بصيرة المتعظين، ج 2، ص 454 و جاء فیه عن النبی (صلی الله علیه و آله): انظروا الى من أسفل منکم و لا تنظروا الى من فوقکم فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله.
4- نفس المصدر
5- المؤمن، ص 24، ح 35، عن أبي عبدالله (علیه السلام)، مع اختلاف يسير الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 791، ح 3050، بحار الانوار، ج 72، ص 25، ح 20

السجف لانظر الى ما عوضتک من الدنيا، قال: فيرفع فيقول: ما ضرني مامنعتني مع ما عوضتني» وروي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام):(1)

«ملوک الدنيا و الاخرة الفقراء الراضون»

اجعل الدعاء و الصدقة سلاحک

قال الله تعالى: (وَإِذَا سَالک عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(2) الدعاء سلاح المؤمن فالجندي الذي لا يحمل سلاحه، کيف يدافع عن نفسه؟ والمسلم الذي لا يدعو الله، کيف ينجو ويزول همه وحزنه و هکذا الصدقة لها تاثیرها علی دفع الفقر، قال علی (علیه السلام):(3)

«إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة»

بعض اللطائف

قيل: إنه إذا أيسر (ای صار غنیا) الفقير ابتلي به ثلاثة: صديقه القديم يجفوه، وامرأته يتزوج عليها، وداره يهدمها ويبنيها. و الفقیر یجب علیه ان لا یشتکی فقره لاحد و یکتمه.

یقول الامام علي (علیه السلام) فی دیوان شعره:(4)

و لا خير في الشکوى الى غير مشتک*و لا بد من شکوى إذا لم يکن صبر

أ لم تر أن البحر ينضب ماؤه*و يأتي على حيتانه نؤب الدهر

أ لم تر أن الفقر يرجى له الغنى*و أن الغنى يخشى عليه من الفقر

و یقول احد الحکماء: «جوهر المرء في ثلاث: کتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتک أنک غني، وکتمان الغضب حتى يظن الناس أنک راضٍ، وکتمان الشدة حتى يظن الناس أنک متنعم.»

قصة الخليفة الوليد

وکان الخليفة الوليد الاموي يجلس في مجلسه، فدخل عليه شيخ طاعن في السن، مهشم الوجه، أعمى البصر، فساله عن قصته، فقال الشيخ: إني بت ذات ليلة في واد، وليس في ذلک الوادي أغنى مني، ولا أکثر مني مالا وحلالا وعيالا، فأتانا السيل بالليل، فأخذ عيالي ومالي وحلالي، وطلعت الشمس وأنا لا أملک الا طفلا صغيرا وبعيرا واحدا.

فهرب البعير، فأردت اللحاق به، فلم أبتعد کثيرا حتى سمعت خلفي

ص: 13


1- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 487
2- البقرة: 186
3- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 513، أملقتم: افتقرتم
4- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 207

صراخ الطفل، فالتفت فإذا برأس الطفل في فم الذئب، فانطلقت لإنقاذه فلم أقدر على ذلک.

فقد مزقه الذئب بأنيابه، فعدت لالحق بالبعير، فضربني بخفه على وجهي، فهشم وجهي وأعمى بصري، فأصبحت لا مال لي، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر قال: وما تقول يا شيخ بعد هذا؟ فقال الشيخ: أقول: (الحمد لله الذي ترک لي قلبا عامرا، ولسانا ذاکرا).(1)

نعي

يقول الإمام الصادق (علیه السلام) کان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحکا، وکانت الکابة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام منه فإذا کان اليوم العاشر کان ذلک اليوم يوم مصيبة وکائه ويقول هو اليوم الذي قتل فيه الحسين.(2)

وکان (علیه السلام) يطلب من الشعراء أن يرثوا الحسين بما جادت به قرائحهم، وکان يأمرهم أن ينشدوا بصوت حزين، فإذا حضر الراثي ضرب لعياله سترا، وأجلسهم خلفه، وکان الإمام الصادق (علیه السلام) یخبر الشعراء بثواب نظم الشعر في الحسين کقوله (علیه السلام):(3)

(ما من أحد قال في الحسين شعرا فکبى وأبکى به الا أوجب الله له الجنة، وغفر له).

ودخل عليه ذات يوم السيد الحميري فاقل له الإمام: أنشدني في الحسين شعرا، وقام الإمام وضرب سترا لنسائه، واطفاله، وأجلسهم خلف الستر، وجلس حزينا باکيا على مصيبة جده الحسين (علیه السلام) ومن حوله أصحابه يقول السيد الحميري فأنشأت:(4)

امرر على جدث(5)

الحسين*فقل لأعظمه الزکيه

ص: 14


1- تاريخ دمشق، ابن عساکر
2- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 1، ص 66 و أمالي الصدوق: 111 ح 2، عنه بحار الأنوار، للمجلسي، 44ج، ص 283 ح 17، و کتاب "عوالم العلوم والمعارف والأقوال من الأيات والأخبار والأقوال"، للشيخ عبدالله البحراني: 17ج، ص 538 ح 1.
3- بحار الأنوار، للمجلسي، 44ج، ص 282 ح 16
4- مستدرک عوالم العلوم، البحراني، ج 17، ص 542 و ثواب الأعمال، ص 108 ح 1 و کامل الزيارات، ص 100 ح 3 و بحار الأنوار، للمجلسي، 44ج، ص 288 ح 28.
5- القبر

يا أعظما مازلت من*وطفاء(1)

ساکبة رويه

وإذا

مررت بقبره*فأطل به وقف المطيه

وابک الطهر للمطهر*والمطهرة التقيه

کبکاء

معولة أتت*يوما لواحدها المنيه

يقول الحميري: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحادر على خديه، وارتفع الصراخ النساء من داره.(2)

و یقولون ارباب المقاتل في بعض المنازل بین الکوفة و الشام نصبوا الرأس على رمح الى جنب صومعة راهب وفي اثناء الليل سمع الراهب تسبيحا وتهليلا.

ورأى نورا ساطعا من الرأس المظهر وسمع قائلا يقول: السلام عليک يا ولدی یا حسین فتعجب حيث لم يعرف الحال وعند الصباح استخبر من القوم قالوا: إنه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب وأمه فاطمة بنت محمد النبي (صلی الله علیه و آله).

فقال لهم: تبا لکم أيتها الجماعة صدقت الأخبار في قولها إذا قتل تمطر السماء دما، وأراد منهم أن يقبل الرأس فلم يجيبوه الا بعد أن دفع اليهم دراهم ثم أظهر الشهادتين وأسلم ببرکة رأس الحسين (علیه السلام). (3)

أقول أيها المحب أيها الوالي من أين هذا السلام هذا السلام على الظاهر من أمه فاطمة الزهراء (علیه السلام):

مأنه الوالدة يحسين يبني*ويمن ريت ذباحک ذبحني

أسعدني على ابني يلتحبني*مصابه هد حيلي وکتلني

لون حاضرة يحسين يمک*وابوک النفل والطيار عمک

چا ما راح اضياع دمک*وظليت متحيرة بلمک

أيا ناعيا إن جئت طيبة مقبلا*فعرج على مکسورة الضلع معولا

فحدث بما مض الفؤاد مفصلا*افاطم لو خلت الحسين مجدلا

وقد مات عطشانا بشط فرات

يا الله

لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا اليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا ال بيت محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

ص: 15


1- الدموع الغزيرة
2- سفينة بحار الانوار، ج 2، ص 431
3- مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 366 و تذکرة الخواص، ص 150

نسالک اللهم وندعوک باسمک الأعظم الأعز الأجل الأکرم يا محمود بحق محمد (صلی الله علیه و آله)، يا عالي بحق علي (علیه السلام)، يا فاطر السماوات والأرض بحق فاطمة (علیه السلام)، يا محسن بحق الحسن (علیه السلام)، يا قديم الإحسان بحق الحسين (علیه السلام) عجل فرج وليک الحجة المنتظر المهدي (عجل الله فرجه) وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه، الأخوة الحاضرين تقبل اللهم عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحق محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله)، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذکر محمد وال محمد، ارزقهم شفاعة محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله)، اغفر لهم بحق محمد وال محمد واحشرهم مع محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله). (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَکشِفُ السُّوءَ) الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله).

ص: 16

المجلس الأول (اللیلة الثانیة)

اشارة

مدارس ايات خلت من تلاوة*ومنزل وحى مقفر العرصات

لال رسول الله بالخيف من منى*وبالرکن والتعريف والجمرات

ديار علي والحسين وجعفر*وحمزة والسجاد ذي الثفنات

ديار عفاهاجور کل منابذ*ولم تعف بالايام والسنوات

قفا نسال الدار التي خف اهلها*متى عهدها بالصوم والصلوات

افاطم لو خلت الحسين مجدلا*وقد مات عطشانا بشط فرات

اذن للطمتي الخد عنده فاطم*واجريتي دمع العين على الوجنات

**

ﺩﻫﺮﻱ ﺭﻣﺎﻧﻲ ﺑﺎﻟﺮﺯﺍﻳﺎ ﺑﻜﻞ ﻏﺎﻟﻲ*او لا يوم ساعه من الالم مرتاح بالي

ﻭﺷﺘﺖ ﺃﻭﻻ ﺩﻱ ﻋﻦ ﻳﻤﻴﻨﻲ ﻭﻋﻦ ﺷﻤﺎﻟﻲ*ﻭﺃﻋﻈﻢ ﻣﺼﻴﺒﻪ ﻟﻮ ﻧﻌﻰ ﺍﻟﻨﺎﻋﻲ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﻴﻦ

ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺴﺎﻣﺮﺍ ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻓﻲ ﺧﺮﺍﺳﺎﻥ*ﻭ ﻣﻨﻬﻢ بارض ﻃﻴﺒﻪ ﻭﻣﻨﻬﻢ بارض ﻛﻮﻓﺎﻥ

ﻭﺃﻋﻈﻢ ﻣﺼﻴﺒﻪ مصیبة ﺍﻟﻤﺬﺑﻮﺡ ﻋﻄﺸﺎﻥ

المحاضرة: سوء الخلق

(وَإِنَّک لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(1)

اجتنبوا سوء الخلق، فإنه يبعدک عن الخالق والمخلوق، وسىء الاخلاق يعيش معذبا دوما فإنه أسيرعدوه الذي لايترکه أينما حل قال تعالى: (وَإِنَّک لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) و ذلک لأن الدين الإسلامي في نظر أهل البيت (علیه السلام) ليس مجرد علاقة بين العبد وربه، وإنما هو علاقة بين العبد وبين أخيه العبد، ولم تتم علاقة الإنسان مع ربه ولم تقبل أعماله وعباداته الا إذا تمت علاقته مع أخيه الإنسان.

الأخلاق

أخلاق الإنسان هي الطباع والصفات التي يتصف بها والتي تلازم أفعاله وأقواله، بحيث إن أي فعل أو قول يصدر منه يکون مصبوغا بصفة من صفاته الأخلاقية.

فمثلا من کان متصفا بالعناد، فإن أفعاله التي تصدر منه ومواقفه تجاه أي قضية ستکون مصبوغة بالعناد وعدم تقبل رأي الاخر ولو کان حقا. ومن کان متصفا بالحلم، فإنه عند التعرض للإساءة، سيعفو عن المسيء اليه إن کان قادرا على ذلک.

أما سوء الخلق فهو عبارة عن الصفات والعادات والطباع التي يبغضها

ص: 17


1- القلم: 4

الله عز وجل، لکونها منشأ لفساد حياة الإنسان في الدنيا والاخرة. أما فساد حياته في الدنيا، فلأن فساد الأخلاق يعتبر المسبب الأول

لقطع الروابط الاجتماعية وجر الإنسان نحو التفلت والجريمة والأعمال السيئة. وأما فساد حياته في الاخرة، فلکون فساد الأخلاق کما سيأتي هو سبب المه وضيقه في قبره وعذابه الشديد عند حلول يوم القيامة.

و عن الإمام الباقر (علیه السلام):(1) (إن أکمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) وفي الخبر سمع الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)في نهار رمضان امرأة تشتم جاريتها أو جارتها، فدعا بطعام وقال لها: کلي، قالت: يا رسول الله، کيف اکل وأنا صائمة فقال (صلی الله علیه و آله): وکيف تکوني صائمة وقد شتمت جارتک.(2)

و الامام الصادق (علیه السلام) قال: قال النبي (صلی الله علیه و آله):(3)

«أبى الله عزوجل لصاحب الخلق السيء بالتوبة قيل: وکيف ذاک يا رسول الله؟ قال: لإنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه.»

روی فی دیوان اشعار الامام علي (علیه السلام):(4)

إن المکارم أخلاق مطهرة*فالدين أولها و العقل ثانيها

و العلم ثالثها و الحلم رابعها*و الجود خامسها و الفضل سادسها

و البر سابعها و الصبر ثامنها*و الشکر تاسعها و اللين باقيها

و النفس تعلم أني لا أصادقها*و لست أرشد الا حين أعصيها

و عن الإمام الصادق (علیه السلام) لما سئل عن حسن الخلق قال (علیه السلام):(5)

«تلين جناحک وتطيب کلامک وتلقى أخاک ببشر حسن» من هنا أشارت النصوص الشريفة الى بعض اثار سوء الخلق فعن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال:(6) «من ساء خلقه أعوزه الصديق والرفيق».

وقال (علیه السلام):(7) «من ساء خلقه ضاق رزقه» فليجرب سيء الأخلاق هذه النصيحة: ارسم ابتسامة على وجهک طوال اليوم أمام الناس وتعامل معهم بالکلمة الجميلة والأخلاق الحسنة، وستتفاجأ بالنتائج الطيبة لذلک.

ص: 18


1- الکافي، ج 2، ص 99
2- بحار الأنوار، المجلسي، ج 93، ص 293 و أخرجه الحر العاملى فى وسائل الشيعة أيضا تحت الرقم 13135.
3- الکافي: ج 2، ص 321 ح 2
4- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 479
5- الکافي، ج2، ص103
6- غرر الحکم و درر الکلم، ص 667
7- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 431

والسبب راجع الى أن طبيعة البشر تنجذب نحو المعاملة اللينة واللطيفة التي تجلب الراحة والطمأنينة الى نفوسهم.

قصة سعد بن معاذ

فعن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)عندما دفن سعد بن معاذ قال:(1)

قد أصابته ضمة (ای ضغطة القبر) فسئل عن ذلک فقال (صلی الله علیه و آله): نعم، إنه کان في خلقه مع أهله سوء والملاحظ في هذه الرواية أن سعدا کان مسلما مؤمنا بما جاء به الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله)، وبالتالي کان مؤديا للصلاة ولباقي الواجبات، ولکن لسوء الخلق نتائجه الحتمية التي لا يمکن الفرار منها، ومن ضمنها الالم والضيق في القبر. وقد يکون هذا من أدنى ما يصيب سيء الأخلاق في الاخرة، والا فإن هناک الوانا من العذاب أشد وأقسى وذلک لأصحاب الأخلاق الفاسدة فقد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2) إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درک جهنم.

بائع العسل وبائع الخل

رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قال:(3) «إن سوء الخلق ليفسد الايمان کما يفسد الخل العسل» و ینقل فی التاریخ انه کان رجلان متجاورين في دکانين أحدهما يبيع العسل والاخر يبيع الخل وکان الناس يزدحمون على صاحب الخل فقال صاحب العسل لعل غلاء سعر العسل هو من نفر الناس مني.

وجعل يخفض من قيمة العسل والناس لا يزالون يزدحمون على بائع الخل واستمر في تخفيض السعر حتى ومع ذلک لم يأته أحد فذهب الى جاره صاحب الخل وقال: لماذا يزدحم الناس عليک مع أنک تبيع الخل والخل طعمه حامض ورائحته کريهة وأنا أبيع العسل ولا يأتيني أحد.

فقال له: ذلک أني أبيع الخل بلسان من عسل وأنت تبيع العسل بلسان من خل فالکلام الطيب والفاظک الحسنة وتعاملک الکريم مع الناس یجذب الناس الیک و الاخلاق السیئه تنفر الناس عنک و ان کنت تملک احسن بضاعه.

حکایة اللسان

یقول احد العلماء فی لیلة بعد وفات ابی و کان ابوه من المراجع الدین المعروفین رایته فی النوم و هو فی عالم البرزخ فرایت لسانه متورم

ص: 19


1- الأمالي الصدوق، ص468
2- إحياء علوم الدين لأبو حامد الغزالي، ج3، ص 65
3- عیون اخبار الرضا (علیه السلام)، ج 2، 37. بحار الانوار،ج 73،ص 297. مستدرک الوسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي، ج 2، 338

بشدة و یعانی من الالم بینما کنت انظر الیه و اذا رایته خاف ارتجف و اذا بعقرب ظهر بکبر الجمل و اذا اتا الی ابی و ابی اخرج لسانه فقرصه العقرب و ذهب هنا تقدم الی ابی قلت ماالامر کیف هذا و انت مرجع و بیت حوزات و حسینیات و...

قال یا ولدی و کان یتکلم بصعوبة شدیدة هذا جزاء بعض اعمالی القبیحة کنت فی اول زواجنا اقول لامک "سَکَن" (و هی اسمها سَکینة).

و کانت امک لا ترضی بذلک و تکره هذا الاسم لکن لم اکف عن مناداتها به من باب المداعبة و المزاح و هذا العقرب یقرصنی فی لسانی عقابا علی ذلک اذهب و اطلب من امک ان تجعلنی فی حل منها.

الولد و هو ایضا فی زماننا من المراجع یقول ذهبت الی امی و قلت لها هل ابی کان یقول لک "سکن" قالت الام متعجبة و انت من این عرفت؟ هذا کان فی اول زواجنا و لم تکونوا انتم مولدین بعد، حکیت لها ما رایت فی المنام و طلب الحلالیة منها.

نعي

لقد بکى على الإمام الحسين (علیه السلام) جميع الأنبياء وهو نور بساق العرش فقد روي في حديث مناجاة موسى (علیه السلام) أنه قال:(1) يا رب لم فضلت أمة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)على سائر الأمم؟ فقال الله تعالى: فضلتهم لعشر خصال، قال موسى: وما تلک الخصال التي يعملونها حتى امر بني إسرائيل يعملونها؟ قال الله تعالى: الصلاة والزکاة والصوم والحج والجهاد والجمعة والجماعة والقرآن والعلم والعاشوراء قال موسى: يا رب وما العاشوراء؟

قال: البکاء والتباکي على سبط محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)والمرثية والعزاء على مصيبة ولد المصطفى. يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلک الزمان بکى أو تباکى وتعزى على ولد المصطفى الا وکانت له الجنة ثابتا فيها وما من عبد أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه طعاما وغير ذلک، درهما أو دينارا الا بارکت له في دار الدنيا.

الدرهم بسبعين وکان معافى في الجنة، وغفرت له ذنوبه وعزتي وجلالي ما من رجل أو امرأة، سال دمع عينيه في يوم عاشوراء وغيره قطرة واحدة الا وکتب له أجر مائة شهيد.

ص: 20


1- مجمع البحرين ج 3، ص 405 و مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي ، ج 10، ص 319

وروي(1) أن نوحا لما رکب في السفينة طافت به جميع الدنيا فلما مرت بکربلا أخذته الأرض، وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال: الهي طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض فنزل جبرئيل وقال: يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل؟

قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت عليه.

وروي(2)

أن إبراهيم (علیه السلام) مر في أرض کربلا وهو راکب فرسا فعثرت به وسقط إبراهيم وشج رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: الهي أي شيء حدث مني؟ فنزل اليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منک ذنب، ولکن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمک موافقة لدمه.

قال: يا جبرئيل ومن يکون قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين والقلم جرى على اللوح بلعنه وروي(3) أن موسى کان ذات يوم سائرا ومعه يوشع بن نون، فلما جاء الى أرض کربلا انخرق نعله، وانقطع شراکه، ودخل الحسک والشوک في رجليه، وسال دمه، فقال: الهي أي شيء حدث مني؟

فأوحى اليه أن هنا يقتل الحسين (علیه السلام) وهنا يسفک دمه، فسال دمک موافقة لدمه فقال: رب ومن يکون الحسين؟ فقيل له: هو سبط محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، فقال: ومن يکون قاتله؟ فقيل: هو لعين السمک في البحار، والوحوش في القفار، والطير في الهواء، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه.

وروى(4) صاحب الدر الثمين في تفسير قوله تعالى: (فَتَلَقَّىٰ

آدَمُ مِن رَّبِّهِ کلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) أنه رأى ساق العرش وأسماء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)والأئمة (علیه السلام) فلقنه جبرئيل (علیه السلام) قل: يا حميد بحق محمد، يا عالي بحق علي، يا فاطر بحق فاطمة، يا محسن بحق الحسن والحسين ومنک الإحسان فلما ذکر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل في ذکر الخامس ينکسر قلبي وتسيل عبرتي؟

ص: 21


1- بحار الأنوار، ج 44، ص 243
2- نفس المصدر
3- بحار الأنوار، ج 44، ص 244
4- نقلا عن بحار الأنوار، ج 44، ص 245

قال جبرئيل: ولدک هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: يا أخي وما هي؟ قال: يقتل عطشان غريبا وحيدا فريدا ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا ادم وهو يقول: واعطشاه واقلة ناصراه حتى يحول العطش بينه وبين السماء کالدخان، فلم يجبه أحد الا بالسيوف، وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، وينهب رحله أعداؤه وتشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النسوان، کذلک سبق في علم الواحد المنان، فبکى ادم وجبرئيل بکاء الثکلى.

وعنه (صلی الله علیه و آله و سلم)أنه قال:(1) کل عين باکية يوم القيامة الا عين بکت على ولدي الحسين فإنها ضاحکة مستبشرة بنعيم الجنة. في البحار عن إبراهيم ابن أبي محمود قال:(2)

قال الرضا (علیه السلام): ان المحرم شهر کان أهل الجاهلية في مامضى يحرمون فيها القتال فاستحلت فيه دمائنا وهتکت فيه حرمتنا وسبي فيه ذرايتنا ونسائنا وأضرمت النيران في مضاربنا وانتهب منها ثقلنا ولم ترع لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فيه حرمة في أمرنا.

ثم قال (علیه السلام): إن يوم الحسين اقرح جفوننا

«وأسبل دموعنا» واذل عزيزنا بأرض کرب وبلاء وأورثنا الکرب والبلاء الى يوم الإنقضاء فعلى مثل الحسين (علیه السلام) فليبک الباکون فأن البکاء عليه يحط الذنوب العظام.

ثم قال الرضا (علیه السلام): کان أبي إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحکا وکانت الکابة تغلب عليه حتى تمضي عشرة ايام فإذا کان يوم العاشر کان ذلک اليوم مصيبته وحزنه وبکائه ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (علیه السلام).

وعن الريان بن شبيب قال:(3) دخلت على مولاي علي بن موسى الرضا (علیه السلام) في أول يوم من المحرم فقال يا ابن شبيب إن کنت باکيا لشئ فابک على الحسين (علیه السلام) فأنه ذبح کما يذبح الکبش وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيه لقد بکت السماوات السبع والأرضون السبع لقتله ولقد نزل الى الأرض من الملائکة أربعة الاف ملک لنصرته أنهم نزلوا فوجدوه قد قتل فهم عند قبره شعث غبر الى أن يقوم صاحب الأمر فيکونون من أنصاره وشعائرهم: يا لثارات الحسين و فی خبر لم يأذن لهم. و کان الصادق (علیه السلام) أذا هل المحرم لا يرى

ص: 22


1- بحار الانوار، ج44، ص 293
2- بحار الأنوار، ج 44، ص 283 و الأمالي، للصدوق، ص 128
3- الأمالي، للصدوق، ص 130

ضاکحا قط وکذلک الأئمة واحدا بعد واحد.

بل وهذه سيرة سارت في مواليهم وشيعتهم إذا هلّ عاشوراء اجتمعت عليهم الاحزان والکروب ولعل الخبر يشير الى ذلک: «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا يصيبهم ما أصابنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا».(1)

وکانوا عليهم الصلاة والسلام يجلسون للعزاء کما تجلس شيعتهم اليوم. و کان الرضا (علیه السلام) يجلس في کل عشرة من المحرم کئيبا حزينا ويعقد مجلسا للعزاء ويجلس نساءه وراء الستار وکان إذا دخل عليه أحد من الشعراء يأمره بالإنشاد على جده الحسين (علیه السلام) کما في قصة دعبل الخزاعي لما دخل عليه وقال له: أنشدني فأنشده التائية التي منها:(2)

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا*وقد مات عطشانا بشط فرات

وکذلک الصادق (علیه السلام) لما دخل عليه هارون المکفوف فقال (علیه السلام): أنشدني في جدي الحسين (علیه السلام) فأنشأ يقول:(3)

أمرر على جدث الحسين*وقل لأعظمه الزکية

فبکى الصادق (علیه السلام) وقال: أنشدني کما تنشدون بالرقة فقال:

يا مريم نوحي على مولاک*وعلى الحسين الا أسعدي ببکاک

ص: 23


1- الفقرة المذکورة ليست نصاً لحديث مروي عن المعصومين (علیه السلام) بل هي مضمون لحديث مروي عن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، و هو حديث طويل جداً يتحدث عن مواضيع مختلفة و نحن نُشير الى موضع الحاجة منه و هو: «إن الله تبارک و تعالى اطلع الى الأرض فاختارنا و اختار لنا شيعة ينصروننا و يفرحون لفرحنا و يحزنون لحزننا و يبذلون أموالهم و أنفسهم فينا أولئک منا و الينا ما من الشيعة عبد يقارف أمرا نهيناه عنه فيموت حتى يبتلى ببلية تمحص بها ذنوبه إما في مال و إما في ولد و إما في نفسه حتى يلقى الله عز و جل و ما له ذنب و إنه ليبقى عليه الشي ء من ذنوبه فيشدد به عليه عند موته الميت من شيعتنا، صديق شهيد، صدق بأمرنا و أحب فينا و أبغض فينا يريد بذلک الله عز و جل مؤمن بالله و برسوله قال الله عز و جل: (و الذين آمنوا بالله و رسله أولئک هم الصديقون و الشهداء عند ربهم لهم أجرهم و نورهم) » انظر الی: الخصال، ج 2، ص 635
2- بحار الأنوار: ج 45، ص 257 ح 15
3- ثواب الأعمال، ص 108 ح 1 و کامل الزيارات، ص 100 ح 3 و بحار الأنوار، للمجلسي، 44ج، ص 288 ح 28. توضيح: (قيل في معناه) الرقة بالفتح مدینة تقع في الجمهوریة السوریة و يحتمل أن يقرأ بالرقة بالکسر أي کما تنشدون بالرقة و الحزن و التأثير.

فصاحت ابنة الصادق (علیه السلام): واجداه واحسيناه وهکذا ساير أهل البيت (علیه السلام) ولا زالوا صارخين معولين عطاشا جائعين من اول شهر محرم الى يوم العاشر.

وقيل للصادق (علیه السلام): سيدي جعلت فداک إن الميت يجلسون له بالنياحه بعد موته أو قتله وأراکم تجلسون أنتم وشيعتکم من أول الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين (علیه السلام) فقال (علیه السلام): «يا هذا إذا هل هلال محرم نشرت الملائکة ثوب الحسين (علیه السلام) وهو مخرق من ضرب السيوف وملطخ بالدماء فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر

فتنفجر دموعنا».

وقال (علیه السلام) فيما قال لاحد اصحابه اسمه مسمع: «يا مسمع ما من عين بکت على الحسين (علیه السلام) الا ونعمت بالنظر الى الکوثر أو شربت منه الى يوم القيامة).

فأي عين لا تبکي عليک يا أبا عبدالله السلام على من دمه غسله والتراب کافوره ونسج الرياح أکفانه والرماح الخطية نعشه وفي قلب من والاه قبره:

إن يبقي ملقى بلا دفن فإن له*قبرا بأحشاء من والاه محفورا

لو لاک الفرض يحسين ماتم*وحگ گلبک المنة ثلث ماتم

الک ابگلوبنا يحسين ماتم*نبچیله ابکل صباح وکل مسية

وینه العنده حاجه او يطلب التوبه*او وین اللی یرید ایکفر اذنوبه

شتگول الزهراء:

او وینه الفاگد اعزاز او فگد محبوبه*

تعال المجلس احسین او تعال ابدمعه مسچوبه

تعال اوگابل الزهرا ال اجت بالنوح مصیوبه*

تحضر بالمجالس ساچبه الدمعه

وکأني بها تناشد الباکين على مصاب ولدها الحسين (علیه السلام):

وينه اليواسيني یشيعة*على حسين وأولاده ورضيعه

وابن والده عين الطليعة*على العلگمي کفوفه گطيعه

يا سائلي وشظايا القلب في شجنٍ*هل جهزوا لغريب مات ممتحن

أجبته بفؤاد خافق وهنٍ*ما غسلوه ولا لفوه في کفنٍ

يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا

يا الله

لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا اليه راجعون، وسيعلم

ص: 24

الذين ظلموا ال بيت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

نسالک اللهم وندعوک باسمک الأعظم الأعز الأجل الأکرم يا محمود بحق محمد (صلی الله علیه و آله)، يا عالي بحق علي (علیه السلام)، يا فاطر السماوات والأرض بحق فاطمة (علیه السلام)، يا محسن بحق الحسن (علیه السلام)، يا قديم الإحسان بحق الحسين (علیه السلام) عجل فرج وليک الحجة المنتظر المهدي (عجل الله فرجه) وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه، الأخوة الحاضرين تقبل اللهم عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحق محمد وال محمد، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذکر محمد وال محمد، ارزقهم شفاعة محمد وال محمد، اغفر لهم بحق محمد وال محمد واحشرهم مع محمد وال محمد (صلی الله علیه و آله). (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَکشِفُ السُّوءَ) الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمد وال محمد

ص: 25

المجلس الثاني (اللیلة الثانية)

اشارة

وغدت أسيرة خدرها ابنة فاطم*لم تلق غير أسيرها المصفودا

نادت

فقطعت القلوب بشجوها*لکنما انتظم البيان فريدا

إنسان

عيني يا حسين أخي*يا أملي وعقد جماني المنضودا

ما لي دعوت فلا تجيب ولم تکن*عودتني من قبل ذاک صدودا

المحنة شغلتک عني أم قلى؟*حاشاک إنک ما برحت ودودا

خويه

معذور يالنايم بالطفوف*دگعد من منامک وشوف

منه

امسلبه والگلب ملهوف*خويه ودمعي عالوجنات مذروف

انه مشيت درب الما مشيته*وگتال اخيي رافگيته

من جلت الوالي نخيته*شتم والدي وانکر وصيته

المحاضرة: القساوة

(فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِکرِ اللَّهِ) (1)

الاسلام اهتم بالعاطفة الانسانیة و شعور بالم الاخرین و مساعدتهم و قساوة القلب(2)علی

خلاف ذلک و هي حالة تصيب الادمي، فلا يتأثر بالام الاخرين ومصائبهم.

ومنشأ هذه القساوة هو غلبة القوة السبعية إن الکثير من الأفعال الذميمة کالظلم، وإيذاء الاخرين، وعدم إجابة نداء المظلومين، وعدم الأخذ بيد الفقراء والمحتاجين إنما تنتج عن قساوة القلب و علاج هذا المرض في نهاية الصعوبة.

وعلى صاحب هذا المرض أن يواظب على فعل ما يترتب عن القلب الرحيم، لتصبح نفسه بذلک مستعدة لتلقي إفاضة صفة الرقة من مبدأ الفيض، ولتغيب بعد ذلک عنه حالة القسوة أما إذا لم يعالج نفسه، فليعلم أنه خارج عن حدود الادمية.

قال تعالى: وقال عز وجل: (فويل للقاسية قلوبهم من ذکر الله) أي: لا تلين لکتابه، ولا تتذکر باياته، ولا تطمئن بذکره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة الى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الکبير.

وروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال:(3)

«ما جفت الدموع الا لقسوة

ص: 26


1- الزمر: 22
2- يوصف من ابتلي بالقسوة بعدة أوصاف وهي من المرادفات (قاسي القلب، غليظ الکبد، جافي الطبع، خشن الجانب، فظ الأخلاق، وفيه قسوة، وقساوة، وغلظة، وجفاء، وخشونة، وفظاظة
3- علل الشرایع، ص 81 و میزان الحکمة، باب 3402، حدیث 16699

القلب، وما قست القلوب الا لکثرة الذنوب» و روي عن النبی (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(1)

«ثلاث يقسين القلب: استماع اللهو، وطلب الصيد، وإتيان باب السلطان» وروي عن المسيح عيسى ابن مريم (علیه السلام) قوله:(2)

«القلوب إذا لم ترقق بذکر الموت ويتبعها دؤوب العبادة تقسو و تغلظ»

قصة الفضيل بن عياض

فقد کان الفضيل بن عياض التميمي في أول أمره رجلا يخيف الناس، ويقطع الطريق، وينهب أموال عابري السبيل، فکل يخاف سطوته وجبروته فتحول الى أن کان من أعبد الناس و أزهدهم.

يقول ابن عساکر في سبب توبته:(3)

کان الفضيل شاطرا، يقطع الطريق في مفازة، وکان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران اليها سمع قارئا يتلو (المْ

يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِکرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ)(4).

فقال: يا رب قد آن فرجع فاواه الليل الى خربة، فإذا فيها رفقة قافلة، فقال بعضهم لبعض: نرحل الليلة، وقال قوم: بل نبقى هنا حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، فقال: يا قوم أنا الفضيل جوزوا، والله لأجتهدن الا أعصى الله أبدا و تاب الفضيل وأمنهم، وجاور الحرم حتى مات.

طرق العلاج

الطريق الأول لعلاج قسوة القلب هو محاسبة النفس. قال الامام علي (علیه السلام):(5)

«عباد الله زنوا أنفسکم من قبل أن توزنوا و حاسبوها من قبل أن

ص: 27


1- میزان الحکمة، باب 3402، حدیث 16703
2- مجموعة ورام، ج 1، ص 148، و کامل الحدیث: « قال عيسى (علیه السلام) بحق أقول لکم کما نظر المريض الى الطعام فلا يتلذذ به من شدة الوجع کذلک، صاحب الدنيا لا يتلذذ بالعبادة و لا يجد حلاوتها مع ما يجده من حلاوة الدنيا بحق أقول لکم إن الدابة إذا لم ترکب و تمتهن تصعبت و تغير خلقها کذلک القلوب إذا لم ترقق بذکر الموت و بنصب العبادة تقسو و تغلظ و بحق أقول لکم إن الزق إذا لم ينخرق أو ينحل يوشک أن يکون وعاء العسل کذلک القلوب إذا لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم فسوف تکون أوعية الحکمة»
3- مختصر تاريخ دمشق لابن عساکر، ج20، ص 299
4- الحديد: 16
5- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 123

تحاسبوا و تنفسوا قبل ضيق الخناق و انقادوا قبل عنف السياق(1)

و اعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يکون له منها واعظ و زاجر لم يکن له من غيرها لا زاجر و لا واعظ».

وورد عن الإمام الکاظم (علیه السلام):(2) «ليس منا من لم يحاسب نفسه کل يوم فإن عمل حسنة استزاد الله وإن عمل سيئة استغفر الله و تاب اليه»، قبل النوم استعرض اعمالک الذی عملتها من الصبح الى الليل و استغفر ربک و توبک ان اخطئت و اشکر ربک ان احسنت.

الطريق الثاني: ایجاد الأجواء الروحانیة. فان الذهاب الی المساجد و برامج والدعاء و المجالس الدینیة و زیارت المراقد المقدسة یزیل قسوة القلب فیجب البعد عن الأجواء الشيطانية، التی هی کلها إثارة وإغراء.

أهمية إقامة الشعائر الحسينية

کان الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)يقول: «حسين مني» و «حسين طمئنينتي» و «حسين روحي التي بين جنبي» و «حسين مني وأنا من حسين» و «أحب الله من أحب حسينا» قال: ودخل الحسن (علیه السلام) واخوه الحسين (علیه السلام) على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)يوما فشم الحسن (علیه السلام) في فمه وشم الحسين (علیه السلام) في نحره فقام الحسين وأقبل الى امه (علیه السلام)، فقال لها: اماه شمي فمي هل تجدين فيه رائحة يکرهها جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فشمته في فمه فإذا هو أطيب من المسک ثم جاءت به الى أبيها فقالت له: أبه لم کسرت قلب ولدي حسين (علیه السلام) ؟

فقال (صلی الله علیه و آله): مم؟ قالت: تشم أخاه في فمه وتشمه من نحره فلما سمع (صلی الله علیه و آله و سلم)بکى وقال: «بنية أما ولدي الحسن (علیه السلام) فإني شممته في فمه لأنه يسقى السم فيموت مسموما وأما الحسين (علیه السلام) فإني شممته من نحره لأنه يذبح من الوريد الى الوريد».

فلما سمعت فاطمة بکت بکاءا شديدا وقالت:أبة متى يکون ذلک؟ فقال: «بنية في زمان خال مني ومنک ومن أخيه وأخيه» فاشتد بکاؤها ثم قالت: ابه فمن يبکي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه؟ فقال لها:

«بنية فاطمة إن نساء امتي يبکون على نساء أهل بيتي و رجالهم يبکون على ولدي الحسين (علیه السلام) وأهل بيته و يجددون عليه العزاء جيلا بعد جيل

ص: 28


1- العنف ضد الرفق و السياق هنا مصدر ساق يسوق. «من لم يعن على نفسه» - مبني للمجهول- أي: من لم يساعده الله على نفسه حتى يکون لها من وجدانها منبه لم ينفعه تنبيه غيره.
2- محاسبة النفس للسيد ابن طاووس، ص 13

فإذا کان يوم القيامة أنت تشفعين للنساء وأنا أشفع للرجال وکل من يبکي على ولدي الحسين (علیه السلام) أخذنا بيده وأدخلناه الجنة» و قال (صلی الله علیه و آله): «على الحسين فلتشق القلوب لا الجيوب».

وقال (صلی الله علیه و آله): «الا وصلى الله على الباکي على ولدي الحسين (علیه السلام) » فرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)تراه تارة يدعو للباکي على ولده الحسين واخرى يخبر بفضل الباکي عليه وما له يوم القيامة من الأجر لقوله (صلی الله علیه و آله): «کل عين باکيه يوم القيامة الاعين بکت على ولدي الحسين فإنها ضاحکة مستبشرة بنعيم الجنة».

و روى المجلسي رحمه الله قال: حکى السيد علي الحسيني قال: کنت مجاورا في مشهد علي بن موسى الرضا (علیه السلام) مع جماعة من المؤمنين فلما کان يوم العاشر من المحرم عقدنا مأتما للحسين (علیه السلام) فابتأ رجل منا يقرأ مقتل الحسين (علیه السلام) فقرأ رواية عن الباقر (علیه السلام) إنه قال: «من ذرفت عيناه بالدموع على مصاب الحسين عيله السلام ولو کان مثل جناح البعوضة غفر الله ذنوبه ولو کانت مثل زبد البحر».

و کان في المجلس معنا رجل يدعي العلم ولا يعرفه فقال: ليس هذا صحيح و أن العقل لا يقبله. قال: وکثر البحث بيننا ثم افترقنا وهو مصر على ماهو عليه فلما نام تلک الليلة رأى في منامه کأن القيامة قد قامت وحشر الناس في صعيد واحد وقد نصبت الموازين وامتد الصراط و وضع للحساب ونشرت الکتب واسعرت النيران وزخرفت الجنان واشتد الحر عليه وعطش عطشا شديدا.

فجعل يطلب الماء فلا يجده فالتفت هناک وإذا بحوض عظيم الطول والعرض فقال في نفسه: هذا هو الکوثر فأقبل اليه وإذا عليه رجلان وامرأة انوارهم مشرقة لابسين السواد قال: فسالت عنهم فقيل لي: هذا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وهذا علي (علیه السلام) وهذه فاطمة (علیه السلام) فقلت: اذا لماذا لابسين السواد فقيل لي اليس هذا اليوم يوم قتل فيه الحسين (علیه السلام).

قال: فدنوت اليهما وقلت لفاطمة: سيدتي إني لعطشان، فنظرت الي شزرا وقالت لي: أن الذي تنکر فضل البکاء على ولدي الحسين (علیه السلام) لن تذوق منه قطرة واحدة حتى تتوب ما أنت عليه قال: فانتبه من نومه فزعا مرعوبا وجاء الى أصحابه وقص عليهم رؤياه وقال والله يا أصحابي أنا ندمت مما صدر مني وأنا تائب عما کنت عليه.

نعي

أقول: فليت فاطمة (علیه السلام) کانت حاضره يوم عاشوراء ومعها جرعة من

ص: 29

ماء الکوثر وتسقي ولدها الحسين (علیه السلام) لما نادى: يا قوم وحق جدي أنا عطشان.

قال رجل من القوم: رايت شفتي أبي عبد الله يتحرکان بکلام لم أفهمه فقلت: إن کان الحسين (علیه السلام) يدعو علينا هلکنا ورب الکعبة. فأقبلت اليه فسمعته ينادي إسقوني جرعة من الماء وقال: فأتيت الى ابن سعد (لعنه الله) وقلت له: يا أمير إن الرجل قد ضعف عن القتال ولا قابلية له على حمل السلاح ما يضرک لو سقيته جرعة من الماء؟ قال: فسکت اللعين فعلمت ان السکوت من الرضا فأقبلت الى خيمتي وأخذت رکوة فملئتها ماء وأتيت مسرعا الى الحسين فبينا أنا في بعض الطريق و إذا بالکون قد تغيرت وهبت ريح سوداة مظلمة وتزلزلت الأرض وإذا بالمنادي ينادي: قتل الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمة. فنظرت وإذا برأس الحسين (علیه السلام) على رأس رمح طويل.(1)

وشيبته مخضوبة بدمائه*يلاعبها غادي النسيم و رائحه

وزينب (علیه السلام) کأني بها:

يشال راس حامينه او ولينه*دريض خلي اتودعه اسکينه

ليش احسين ساچت عن ونينه*گلي تعب لو جرحه تخدر

کأني بها تخاطب رأس الحسين (علیه السلام) بلسان الحال:

يحسين لا تلتفت لينه*واتشوفنه نشگف بدينه

نسوان تدري وانولينه*وعليلک المچتف ولينه

حوار بین زینب و رأس الحسین (علیه السلام):

نام فوک الرمح نوم العافية*ليل ما مر اعله زينب غافية

بين ذيج وهاي ترکض حافية*خل اسولفلک سوالف فاجدات

ایگله:

بليل خوية شطلعج زينب شجاج*شبيج محنية وتکضين ابکفاج

عفتي جم طفلة وطفل تايه وراج*ونتي تدرين ابناتي امدللات

زینب تگله:

تنشدني ها مرتاحة ما مرتاحة*بين راسک حايرة و ذباحة

السوط راسک عالرمح ما لاحة*لاح متني ولوع امتون الخوات

ابليل سيرتي علي يالفاجدة*اکبال طول الرمح شفتج کاعدة

ص: 30


1- ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي، ج 1، ص 43 و نقلت بعض هذه العبارات فی: أعيان الشيعة، محسن الأمين، ج 1، ص 610، مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 296، مثير الأحزان، ابن نما الحلي، ص 75

زينب التفي بعباتج باردة*انا اخيج هذا يالضنيتي مات

الليل حان او وين منواها البنات*مظيعات العرف مدري متيهات

لیلی امناطره او عینی البناتک*او علی الثانیه اتباری الخواتک

یه خوی الدرب تعبنی او حیاتک*او راسک عمه اعیون ام دللاتک

***

قد ورثت من أمها زينب کل الذي جرى عليها وصار

وزادت البنت على أمها من دارها تهدى الى شر دار

تستر باليمنى وجوها فأن اعوزها الستر تمد اليسار

لا

تبزغي يا شمس کي لا ترى زينب حسرى ما عليها خمار

ص: 31

المجلس الأول (اللیلة الثالثة)

اشارة

لم أنس لا والله زينب إذ مشت*وهي الوقور اليه مشي المسرع

تدعوه والأحزان ملء فؤادها*والطرف يسفح بالدموع الهمع

أأخي ما عودتني منک الجفا*فعلام تجوفي وتجفو من معي

أنعم

جوابا يا حسين أما ترى*شمر الخنا بالسوط کسر أضلعي

فأجابها من فوق شاهقة القنا*قضي القضاء بما جرى فاسترجعي

وتکفلي حال اليتامى وانظري*ما کنت أصنع في حماهم فاصعني

(تگله) يا خوي توصيني بالايتام*وانه حرمه او طحت ما بين ظلام

أباري الوگع واله الغفه اونام

ابعيني لباري لک اعيالک*وابروحي لکستلک اطفالک

والبين لو يرضه ابدالک*رحنه يبو اليمه فدالک

تمنيت أبوک ايشوف حالک*مطروح محد تدنالک

يا خوي وامگطعه اوصالک*ويتاماک هلتلطم اگبالک

المحاضرة: حب الدنيا

(وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا الا لَهْوٌ وَلَعِبٌ)(1)

اتقوا الله حق التقوى، واحذروا یا مؤمنین من حب الدنيا الدنية و من الميل الى الدنيا ومحبتها وإيثارها على الآخرة، واعلموا أن حب الدنيا رأس کل خطيئة(2).

وما سکنت الدنيا في قلب عبد الا ابتلي بشغل لا ينفک عناؤه وأمل لا يدرک منتهاه و التأمل في انواع الذنوب القلبية کالکفر، والشرک، والنفاق، والرياء والعجب، والکبر والحقد، والحسد وغيرها.

وکذلک في الذنوب الجسدية يکشف ان حب الدنيا بالنسبة الى هذه الذنوب کالرأس من الجسد فکما ان الجسد بدون رأس جثة لا اثر لها فکذلک استئصال حب الدنيا لا يترک أي اثر من تلک الذنوب ابداً.

ورد الحديث عن الامام الباقر (علیه السلام):(3)«ما

ذئبان ضاريان في غنم ليس لها

ص: 32


1- العنکبوت: 64 وأمر العباد ان يعتبروا الدنيا محطة وليست مقرا.
2- قال الإمام الصادق (علیه السلام): (رأس کل خطيئة حب الدنيا) ميزان الحکمة: ج2، ص896.
3- الکافي ج 2، ص 315، و الضاري الذي اعتاد بالصيد الحريص الشبعان. شبه حب المال و الشرف و الجاه بالذئب الضارى المهلک المعتاد باکل اللحوم فى الافساد و الاهلاک لقصد الايضاح لان حبهما يشغل القلب عن ذکر الله و ما يوجب القرب منه و يقيده بلذة الاقبال الى الخلق و اقبالهم اليه و يبعثه على ملازمة الفساق من أهل الدنيا و أمراء الجور و المداراة معهم و مخالفة ظاهره لباطنه و لذلک قال النبي (صلی الله علیه و آله):(حب الجاه و المال ينبتان فى القلب النفاق کما ينبت الماء البقل) و يتولد منه جميع الاخلاق الذميمة کالحقد و الحسد و العداوة و الرياء و الکبر و العجب و نحوها.

راع هذا في أولها و هذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال و الشرف في دين المؤمن» الدنيا هي عبارة عما للعبد حظ منه بعد موته، أي ما ينفعه بعد موته والدنيا التي يريد العبد من طلبها تحصيل الأجر والثمرة الأخروية، فإنها غير الدنيا المذمومة.

کما أنه يستثنى من الدنيا المذمومة المقدار الذي يستهلکه العبد للبقاء حيا وتأمين معاشه وعياله وحفظ ماء وجهه وجماله الضروري بل إن مثل هذا التحصيل يعد من الأعمال الصالحة واعلم أن الدنيا مثلها کمثل ماء البحر، کلما استسقى منها الظامئ ازداد عطشا حتى يموت.

و عن الامام الباقر (علیه السلام):(1)«من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على جاره لقي الله عزوجل و وجهه مثل القمر ليلة البدر».

عن النبي عيسى (علیه السلام) أنه قال:(2) «مثل طالب الدنيا مثل شارب البحر کلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى تقتله».

وکان فيما أوحى الله تعالى الى موسى (علیه السلام):(3)

«اعلم أن کل فتنة بذرها حب الدنيا» و عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) قال:(4)«إن

في کتاب علي (علیه السلام): إنما مثل الدنيا کمثل الحية ما الين مسها و في جوفها السم الناقع،

ص: 33


1- الکافي، ج 5، ص 78
2- مجموعة ورام، ج 1، ص 149
3- قصص الأنبياء (علیه السلام)، للراوندي، ص 163 و کامل الحدیث: «و عن ابن بابويه حدثنا محمد بن موسى بن المتوکل حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا أحمد بن محمد حدثنا رجل عن أبي يعقوب عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: کان فيما ناجى الله تعالى به موسى (علیه السلام) لا ترکن الى الدنيا رکون الظالمين و رکون من اتخذها أما و أبا يا موسى لو وکلتک الى نفسک تنظر لها لغلب عليک حب الدنيا و زهرتها يا موسى نافس في الخير أهله و اسبقهم اليه فإن الخير کاسمه و اترک من الدنيا ما بک الغنى عنه و لا تنظر عيناک الى کل مفتون فيها موکول الى نفسه و اعلم أن کل فتنة بذرها حب الدنيا و لا تغبطن أحدا برضا الناس عنه حتى تعلم أن الله عز و جل عنه راض و لا تغبطن أحدا بطاعة الناس له و اتباعهم إياه على غير الحق فهو هلاک له و لمن اتبعه.»
4- کافي، ج 3، ص 350، سم ناقع: أي بالغ و قيل: قاتل.

يحذرها الرجل العاقل، ويهوى اليها الصبي الجاهل.»

و سئل علي بن الحسين السجاد (علیه السلام):(1)«أي

الأعمال أفضل عند الله تعالى قال ما من عمل بعد معرفة الله و معرفة رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)أفضل من بغض الدنيا فإن لذلک لشعبا کثيرة و للمعاصي شعبا فأول ما عصي الله تعالى به الکبر معصية إبليس حين أبى و استکبر و کان من الکافرين ثم الحرص و هي معصية آدم و حواء حين قال الله تعالى لهما (وَکلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَکونَا مِنَ الظَّالمِينَ).

فأخذا ما لا حاجة بهما اليه فدخل ذلک على ذريتهما الى يوم القيامة فلذلک أن أکثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به اليه ثم الحسد و هي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله فتشعب من ذلک حب النساء و حب الدنيا و حب الرئاسة و حب الراحة و حب الکلام و حب العلو و الثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن کلهن في حب الدنيا فقالت الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلک حب الدنيا رأس کل خطيئة و الدنيا دنياءان دنيا بلاغ و دنيا ملعونة.»

و البلاغ بالفتح الکفاية و دنیا البلاغ ای ما تحتاجها به في تحصيل قوتک و دنيا ملعونة کل ما لا حاجة به في تحصيل الآخرة او الغیر الضروری للحیاة.

وروي عن الصحابی المعروف ابن عباس أنه قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء العينين أنيابها بادية، مشوهة الخلق لا يراها أحد الا هرب منها، فتشرف على الخلائق أجمعين فيقال لهم: أتعرفون هذه؟ فيقولون: لا، نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم بها وتقاتلتم عليها.

وعن الفضيل بن عياض أنه قال: جعل الخير کله في بيت واحد، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجعل الشر کله في بيت واحد، وجعل مفتاحه حب الدنيا. وقيل: إن الدنيا مثل ظل الإنسان إن طلبته فر، وإن ترکت تبعک.

قصة إبراهيم بن أدهم

کان إبراهيم بن أدهم(2) من أبناء الملوک فرأى عيب الدنيا وتقضيها وزوالها، فترکها وتزهد، ولما سئل عن ذلک قال: کان أبي من ملوک خراسان وکان قد حبب الي الصيد، فبينا أنا راکب فرسي وکلبي معي إذ

ص: 34


1- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 893
2- المستطرف في کل فن مستظرف، ص 512

رأيت ثعلبا أو أرنبا، فحرکت فرسي نحوه.

فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله الشيطان.

ثم حرکت فرسي، فسمعت نداء أعلى من الأول: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة، فلم أر شيئا، ثم سمعته ثالثا فوقفت وقلت: هيهات جائني النذير من رب العالمين، والله لا عصيت ربي ما عصمني بعد يومي هذا.

فتوجهت الى أهلي وخلفت فرسي وجئت الى بعض رعاة أبي، فأخذت جبته وکساءه والقيت اليه ثيابي، فلم أمش حتى صرت الى العراق فعملت بها أياما فلم احصل علی الحلال، و ذهبت الی طرسوس (فی سوریا).

قال: فبينا أنا قاعد على باب البحر، إذ جائني رجل فاکتراني أنظر له بستانا، فتوجهت معه، فأقمت في البستان أياما کثيرة، فإذا خادم له قد أقبل ومعه أصحاب له، ثم قال: اذهب فأتنا بأکبر رمان تقدر عليه وأطيبه، فأتيته برمان، فکسر الخادم واحدة، فوجدها حامضة، فقال: أنت منذ کذا وکذا في بستاننا تأکل من فاکهتنا ورماننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ فقلت: والله ما أکلت من فاکهتکم شيئا، ولا أعرف الحلو من الحامض.

قال: فغمز الخادم أصحابه، وقال: الا تعجبون من هذا، ثم تحدث الناس بذلک، وجاءوا الى البستان، فلما رأيت کثرة الناس اختفيت والناس داخلون، وأنا هارب منهم.

وکان إبراهيم بن أدهم يأکل من کسب يده، وکان يحصد ويحفظ البساتين ويعمل في الطين، فبينما هو يوما يحرس کرما (بستان العنب) إذ مر به جندي فقال: أعطنا من هذا العنب، فقال له: إن صاحبه لم يأذن لي، فضربه بالسوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسا طالما عصى الله يا جندي، فاستحى الرجل وترکه ومضى.

قصة عجيبة

وروي أن داود (علیه السلام) بينما هو في الجبال إذ مر على غار فيه رجل عظيم الخلقة من بني ادم ملقى على ظهره وعند رأسه حجر محفور مکتوب فيه: أنا "دوسم" الملک، تملکت الف عام وفتحت الف مدينة، وهزمت الف جيش، وافتضضت الف بکر من بنات الملوک ثم صرت الى ما ترى التراب فراشي والحجر وسادي فمن راني فلا تغره الدنيا کما غرتني.

ص: 35

موعظة المسيح

وقال وهب بن منبه: خرج عيسى (علیه السلام) ذات يوم مع أصحابه، فلما ارتفع النهار مروا بزرع قد نضج، فقالوا: يا نبي الله إنا جياع فأوحى الله تعالى اليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم، فتفرقوا في الزرع يأکلون. فبينما هم کذلک إذ جاء صاحب الزرع يقول: زرعي وأرضي ورثتها من أبي وجدي، فبإذن من تأکلون يا هؤلاء؟

قال: فدعا عيسى ربه أن يبعث جميع من ملکها من لدن ادم الى تلک الساعة، فإذا عند کل سنبلة ما شاء الله من رجل، وامرأة يقولون: أرضنا ورثناها عن ابائنا وأجدادنا، ففر الرجل منهم، وکان قد بلغه أمر عيسى ولکن لا يعرفه، فلما عرفه قال: معذرة اليک يا نبي الله لم أعرفک، زرعي ومالي حلال لک، فبکى عيسى (علیه السلام) وقال: ويحک هؤلاء کلهم ورثوها وعمروها، ثم ارتحلوا عنها، وأنت مرتحل عنها ولاحق بهم، ليس لک أرض ولا مال.

نعي: صاحب الزمان (عجل الله فرجه) علی جده

الإمام الحجة (عجل الله فرجه)، هو الحامل لمصائب ابائه وأجداده وخصوصا مصيبة الإمام الحسين (علیه السلام) فهو المنتقم له والطالب بثاره. ففي الکافي بسنده عن محمد بن حمران قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): لما کان من أمر الحسين (علیه السلام) ما کان، ضجت الملائکة الى الله بالبکاء وقالت: يفعل هذا بالحسين صفيک وابن نبيک؟

قال: فأقام الله لهم ظل القائم (عجل الله فرجه) وقال: بهذا أنتقم لهذا. وعن الباقر (علیه السلام) في کيفية تعزية المؤمنين بعضهم لبعض بمصيبة الحسين (علیه السلام) أنهم يقولون: "عظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين (علیه السلام) وجعلنا وإياکم من الطالبين بثاره مع وليه الإمام المهدي (عجل الله فرجه) من ال محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)وفي دعاء الندبة: أين الطالب بدم المقتول بکربلاء..

سيدي يا صاحب الزمان، أنت المعزى بجدک الحسين (علیه السلام) والنادب له والراثي لمصيبته.. استمع أيها الموالي لإمام زمانک کيف يخاطب جده الحسين (علیه السلام) فيما يروى عنه، في زيارة الناحية المقدسة:(1) "السلام على الشيب الخضيب، السلام على الخد التريب السلام على البدن السليب، السلام على الثغر المقروع بالقضيب، فلأندبنک صباحا ومساء، ولأبکين عليک بدل الدموع دما، حسرة عليک وتأسفا"

ص: 36


1- المزار الکبير، لابن المشهدي، ص 500

ثم يصف ما جرى عليه ويقرأ مصيبته: (1)

"و أحدقوا بک من کل الجهات، وأثخنوک بالجراح، حتى نکسوک عن جوادک، فهويت الى الأرض جريحا، تطؤک الخيول بحوافرها، وتعلوک الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينک، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالک ويمينک، تدير طرفا خفيا الى رحلک وبيتک، وأسرع فرسک شاردا، والى خيامک قاصدا، محمحما باکيا."(2)

یقول الامام الباقر (علیه السلام) کان فرس جدی ينعى الحسین یقول:(3)

الظليمة الظليمة من امة قتلت ابن بنت نبيها، فلما نظرن النساء الى الجواد مخزيا والسرج عليه ملويا خرجن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، وللوجوه سافرات، وبالعويل داعيات.

طاح طاح الاخو طاح*راح راح الاخو راح

سمعت زينب و رکضت*و گامن ترکض النسوان

لمن وصلن الحومه*لگنه اموسد التربان

يلوج امن العطش و يصيح*و جق جدي النبي عطشان

يا هالوادم درحموني*شربت ماي دسگوني

بعد ما شوف بعيوني

و

قامت عالوجه تلطم*و تخمش زينب الخدين

زينب جاعده يمه*و تجلّب الجروح البصدره

لنها اتشوف المثلث*طالع من خرز ظهره

گامت عالوجه تلطم*و تسجب زينب العبره

وقعت علیه تنادی وا اخاه واحسیناه وا فجعتاه:

اتنادی یا شمر خليه ساعه*خله یمد للموت باعه

مهو شمامة الحلوه اطباعه*دخلي ابراح روح احسين تظهر

ص: 37


1- المزار الکبير، لابن المشهدي، ص 504
2- زیارة الناحیة المقدسة ، نقلناها فی اخر الکتاب
3- مقتل الحسين (علیه السلام) للمقرم: 283 و بحار الأنوار، ج 44، ص 308

المجلس الثاني (اللیلة الثالثة)

اشارة

يا ابن الوصي المرتضى*لم لا حسامک ينتضى

طال انتظارک سيدي*نهضا فقد ضاق الفضا

ماذا

التصبر والحسي*ن بکربلا ظام قضى

والرأس

منه بالقنا*کالبدر لما أن أضا

وعليله

بقيوده*والغل أضحى مبهضا

وبنات

فاطمة بها*ظعن الأعادي قوضا

تستاق

ضربا بالسيا*ط متى دعت بالمرتضى

نعم یا مومنین بنات فاطمة (علیه السلام) کلما ما نادن یا علی (علیه السلام) یضربهن بالسیاط زینب شتکل لابوها علی (علیه السلام):

واخونه احسين هذا ذابحينه*او عباس علشاطي رهينه

او بحديد راسه امهشمينه*والسهم هلنابت ابعينه

يسراه مگطوعه او يمينه*او علي السجاد اويلي امگيدينه

او للشام بويه ماخذينه

المحاضرة: الإفراط في المزاح

عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(1)

«ما مزح امرؤ مزحة الامج من عقله مجة»

معنى المزاح هو الدعابة، والمزح نقيض الجد. الإفراط في المزاح مذموم، ويؤدي الى الخفة وقلة الوقار، وسقوط الهيبة، وحصول المذلة، وموت القلب، والغفلة عن الاخرة، وفي کثير من الأحيان يؤدي الى وقوع العداوة، وإيذاء المؤمن واستحيائه.

أما المزاح الذي ليس فيه إفراط، ولا يؤدي الى المفاسد فإنه ممدوح(2).

ص: 38


1- نهج البلاغة: الحکمة 450، شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد: 20 ج، ص 100. المزح والمزاحة والمزاح: بمعنى واحد، وهو المضاحکة بقول أو فعل، وأغلبه لا يخلو من سخرية. و مج الماء من فيه: رماه، وکأن المازح يرمي بعقله ويقذف به في مطارح الضياع.
2- قصص مزاح رسول الله (صلی الله علیه و آله): نذکر بعض مزاح النبی (صلی الله علیه و آله و سلم)المنقولة لنا: 1) أنه قال لامرأة و ذکرت زوجها أهذا الذي في عينيه بياض فقالت لا ما بعينيه بياض و حکت لزوجها فقال أما ترين بياض عيني أکثر من سوادها. 2) رأى (صلی الله علیه و آله و سلم)جملا عليه حنطة فقال تمشي الهريسة 3) و قال (صلی الله علیه و آله و سلم)للحسين «حزقة حزقة ترق عين بقة» کان یحرک الحسن (علیه السلام) و الحسين (علیه السلام) و الحزقة هو القصير، العظيم البطن، فذکرها له على سبيل المداعبة و التأنيس له و ترق بمعنى اصعد و عين بقة کناية عن، صغر العين و حزقة منصوب على خبر کان المحذوفة، تقديره کن حزقة. 4) و قالت عجوز من الأنصار للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)ادع لي بالجنة فقال إن الجنة لا يدخلها العجز فبکت المرأة فضحک النبي و قال أ ما سمعت قول الله تعالى (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبکارا) و قال للعجوز الأشجعية يا أشجعية لا تدخل العجوز الجنة فرآها بلال باکية فوصفها للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فقال و الأسود کذلک فجلسا يبکيان فرآهما العباس فذکرهما له فقال و الشيخ کذلک ثم دعاهم و طيب قلوبهم و قال ينشئهم الله کأحسن ما کانوا و ذکر أنهم يدخلون الجنة شبانا منورين. 5) و رأى (صلی الله علیه و آله)، صهيبا (صهيب الرومي وهو، صهيب بن سنان النمري الربعي، صحابي من، صحابة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)يأکل تمرا فقال (صلی الله علیه و آله و سلم)أ تأکل التمر و عينک رمدة فقال يا رسول الله إني أمضغه من هذا الجانب و تشتکي عيني من هذا الجانب. 6) أبا هريرة سرق نعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)و رهن بالتمر و جلس بحذائه (صلی الله علیه و آله و سلم)يأکل فقال (صلی الله علیه و آله و سلم)يا أبا هريرة ما تأکل فقال نعل رسول الله (صلی الله علیه و آله). 7) انه (صلی الله علیه و آله و سلم)استدبر رجلا من ورائه و أخذ بعضده و قال من يشتري هذا العبد يعني أنه عبد الله. انظر: بحار الأنوار، ج 16، ص 294 نقلا عن المناقب لابن شهرآشوب.

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1) «ستة من المروءة ثلاثة منها في الحضر و ثلاثة منها في السفر أما اللاتي في الحضر فتلاوة القرآن و عمارة مساجده و اتخاذ الإخوان في الله تعالى و أما اللاتي في السفر فبذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير معاصي الله تعالى»

عواقب المزاح

المزاح يؤدي الى الغفلة، والمسلم يحتاج الى قلب حي لا تتسرب الغفلة اليه فيجس صراعه مع الشيطان فقد أقسم الشيطان على غوايتنا وروي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(2)

«ما مزح امرؤ مزحة الا مج من عقله مجة».

وقد يؤدي المزاح حال کثرته الى قلة الهيبة أو اجتراء السفهاء على المازح قال الامام علي (علیه السلام) «من مزح استخف به»(3)

و قال (علیه السلام): «کثرة المزاح تسقط الهيبة»(4).

و قال: «من کثر مزاحه استحمق»(5)

و قد يسبب المزاح شيئا من

ص: 39


1- صحيفة الإمام الرضا (علیه السلام)، ص 51
2- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 555
3- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 424
4- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 389
5- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 454

الضغينة فيکون مذموما و قال الامام علي (علیه السلام) «لکل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح»(1)

و قال (علیه السلام): «دع المزاح فإنه لقاح الضغينة(2)»

المزاح الحرام

المزاح الحرام(3)

ويصبح المزاح حراما إذا صاحبه مخالفة شرعية. منها:

1) الترويع و التخویف: وفيه أن بعض أصحاب رسول الله کانوا يسيرون مع رسول الله في مسير فنام رجل منه فانطلق بعضهم الى نبل معه فأخذها فلما استيقظ الرجل فزع فضحک القوم فقال: ما يضحککم فقالوا: لا، الا أنا أخذنا نبل هذا ففزع فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(4)

(لا يحل لمسلم أن يروع مسلما). و من هذا القیبل ترویع الطفل بقصد المزاح معه.

2) الکذب في المزاح:(5)

فعن أمير المؤمنين (علیه السلام):(6) «لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يترک الکذب جده وهزله» روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(7)

«إني لأمزح و لا أقول الا حقا»

3) الإضرار بالممزوح معه: فان المزاح الذي قد الى الإضرار بالممزوح معه کان تاخذ منه صورة و هو علی حالة نومه او بملابس داخلیة مثلا و تنشرها فی الانترنت علی انک تمزح معه فهذا یضرر بسمعته او کما ینقل ان بنتا أرادت أن تمزح مع صديقتها فاتصلت بها تليفونياً تقول لها ابنتک التى تعيش بالخارج خضعت لعملية جراحية وماتت فيها أهذه مزحة فلعظم صدمة المرأة أصيبت بشلل فى جنبها الأيمن.

4) المزاح الذي تنتهک فيه حدود الله: فقد يمتد المزاح الى باب کبير من أبواب الکبائر کالاستهزاء ببعض القرآن أو النبي أو الأحکام الفقهية أو

ص: 40


1- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 402
2- الضِغْن، الحقد شديد
3- فی کل امر شرعی یجب ان یرجع المکلف الی مرجعه الدینی لکن هذه الموارد منهی عنها فی الروایات و بعض العلما افتی بحرمتها.
4- مجموعة ورام، ج 1، ص 98
5- يفتي بعض علمائنا بحرمة الکذب جده وهزله ففي کتاب، صراط النجاة، ص398، قال السيد الخوئي: الکذب حرام جده وهزله ومفيده ومضره والله العالم.
6- الکافي، ج 2، ص 340
7- مکارم الأخلاق، ص 21

العلماء، کما وقع من بعض المنافقين يوم تبوک حين استهزءوا برسول الله فنزل: (وَلَئِن سَالتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا کنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ کنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)(1)

قصة ضمرة

«و قال الامام السجاد (علیه السلام): إن موت الفجاءة تخفيف على المؤمن و أسف(2) على الکافر، و إن المؤمن ليعرف غاسله و حامله، فإن کان له عند ربه خير ناشد حملته أن يعجلوا به، و إن کان غير ذلک ناشدهم أن يقصروا به.

فقال ضمرة بن سمرة: إن کان کما تقول فأقفز من السرير و ضحک و أضحک فقال (علیه السلام): اللهم إن ضمرة ضحک و أضحک لحديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فخذه أخذ أسف. فمات فجأة فأتى بعد ذلک مولى لضمرة زين العابدين (علیه السلام) فقال: أصلحک الله إن ضمرة مات فجأة و إني لاقسم لک و الله إني لسمعت صوته و أنا أعرفه کما کنت أعرف صورته في حياته و هو يقول: الويل لضمرة بن سمرة، خلا مني کل حميم، و حللت بنار الجحيم، و بها مبيتي و المقيل. فقال علي بن الحسين (علیه السلام): الله أکبر هذا جزاء من ضحک و أضحک بحديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)»(3)

نعي

لم نسمع بمولود ينعقد له مأتم حين ولدته أمه بدلا من حفل السرور والفرح لکن الحسين (علیه السلام) اختص بذلک حيث ذکر له من أول ساعة ولد فيها حديث قتله ومقتله ومصرعه..

فحينما ولد الحسين (علیه السلام) جاؤوا به الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ثم وضعه في حجره وبکى وقال: تقتله الفئة الباغية لا أنالهم الله شفاعتي وقال: ليت شعري من يقتلک بعدي؟(4)

ص: 41


1- التوبة:64- 65
2- أسف: غضب أي أخذة غضب أو غضبان. قوله «تخفيف على المؤمن» حيث خلص من سکرات الموت و من وساوس الشيطان و بذلک لا يسقط من منزلته شي ء بخلاف الکافر فان شدائد الموت بالنسبة اليه أسهل مما عليه بعده.
3- بحار الأنوار، للمجلسي، 46ج، ص 27 ح 14، و کتاب: عوالم العلوم والمعارف والأقوال من الأيات والأخبار والأقوال، للشيخ عبدالله البحراني: ج 18، ص 85 ح 1. و رواه في الکافي: ج 3، ص 234 ح 4
4- عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ج2، ص 25 الحديث 5، و ابن فتال النيسابورى فى روضة الواعظين ج1، ص 153،

وعن أبي جعفر الباقر (علیه السلام):(1) کان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)إذا دخل عليه الحسين (علیه السلام) جذبه اليه ثم يقول لأمير المؤمنين (علیه السلام) أمسکه فيقع عليه فيقبله ويبکي يقول الحسين (علیه السلام): يا أبه لم تبکي؟ فيقول: يا بني أقبل موضع السيوف منک وأبکي...

وکان ينظر اليه أمير المؤمنين (علیه السلام) ويقول: يا عبرة کل مؤمن(2)...

وکان الحسين (علیه السلام) يقول: أنا قتيل العبرة لا يذکرني مؤمن الا استعبر(3)... وعندما دخل الحسين (علیه السلام) يوما على أخيه الحسن (علیه السلام) ونظر اليه بکى.

فقال له: ما يبکيک يا أبا عبد الله؟ قال: أبکي لما يصنع بک فقال له الحسن (علیه السلام): إن الذي يؤتى الي سم يدس الي فأقتل به، ولکن لا يوم کيومک يا أبا عبد الله، يزدلف اليک ثلاثون الف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد (صلی الله علیه و آله)، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلک، وسفک دمک، وانتهاک حرمتک، وسبي ذراريک ونسائک، وانتهاب ثقلک(4)...

وکان الإمام الصادق (علیه السلام) لا يذکر عنده الحسين (علیه السلام) ويرى في ذلک اليوم مبتسما.. وإذا دخل عليه بعض الشعراء يرثون عنده الحسين (علیه السلام) يجلس کما تجلسون ويبکي عليه.. وفي إحدى المرات استأذن عليه السيد الحميري رحمه الله فأذن له وأقعد حرمه خلف الستر واستنشده شعرا في الحسين (علیه السلام) فأنشده السيد هذه الأبيات التي تشير الى مصيبة من مصائب الإمام الحسين (علیه السلام) فقال:(5)

أمرر على جدث(6)

الحسين*وقل لأعظمه الزکية

يا أعظما لا زلت من*وطفاء(7)

ساکبة روية

ما لذ عيش بعد رضک*بالجياد الأعوجية

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد (علیه السلام) تنحدر على خديه وارتفع الصراخ من داره حتى أمره الإمام بالإمساک فأمسک سيدي يا أبا عبد الله يا

ص: 42


1- ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص220 و کامل الزيارات، ص 146
2- کامل الزيارات، ص 108
3- کامل الزيارات، ص 108
4- الأمالي، للصدوق، ص 116
5- ثواب الأعمال، ص 108 ح 1 و کامل الزيارات، ص 100 ح 3 و بحار الأنوار، للمجلسي، 44ج، ص 288 ح 28. مثير الأحزان، ص 83
6- القبر
7- الدموع الغزيرة

جعفر بن محمد (علیه السلام) لم تتمالک أن تسمع مصيبة واحدة من مصائب جدک الحسين (علیه السلام) مصيبة لم ترها عيناک لکن سمعتها أذناک لکن ما حال عمتک زينب أم المصائب حينما سمعت نداء عمر بن سعد: الا من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره... يا خيل الله ارکبي ودوسي صدر الحسين..

ما حالها لما نظرت عيناها الى جسد الحسين (علیه السلام) جثة بلا رأس.. ملقى على رمضاء کربلاء عندما ابتدر عشرة فرسان وداسوا بحوافر خيولهم صدر الحسين وظهره حتى طحنوا عظامه؟. واحسيناه واسيداه..

نعم أيها الموالي نادى عمر بن سعد في ذلک اليوم: الا من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره فانتدب عشرة أفراس، وداسوا بحوافر خيولهم صدر الحسين (علیه السلام) وظهره حتى طحنوا أضلاعه والصقوه بالأرض(1)..

ما حال زینب و هی تنظر الی الحسین فی تلک الحالة:

خويه انعمت عيني ولا شوفک*ذبيح ويجري دم نحرک

واصحابک وأهل بيتک*ضحايا مطرحة بجنبک

عساها تعثرت هالخيل*ولا داست على صدرک

ويلي نادى بن سعد يا خيلنا وين*من يرکب يرض ضلوع الحسين

يرض صدره والظهر زين*ويرض الباقي لعظامه ويسدر

رکبت له من الفرسان عشره*ولعبت خيلهم ويلي على صدره

قالت سکينة: رأيت في المنام رؤيا.. رأيت امرأة راکبة في هودج ويدها موضوعة على رأسها فسالت عنها فقيل لي: فاطمة بنت محمد (صلی الله علیه و آله و سلم)أم أبيک، فقلت: والله لأنطلقن اليها ولأخبرنها ما صنع بنا، فسعيت مبادرة نحوها حتى لحقت بها فوقفت بين يديها أبکي وأقول: يا أماه جحدوا والله حقنا، يا أماه بددوا والله شملنا، يا أماه استباحوا والله حريمنا، يا أماه قتلوا والله الحسين (علیه السلام) أبانا.

فقالت لي: کفي يا سکينة فقد قطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيک الحسين (علیه السلام) لا يفارقني حتى القى الله به(2)..

ولذلک جاء في بعض الروايات أنه: إذا کان يوم القيامة تجيء فاطمة وبيدها اليمنى الحسن وبيدها اليسرى الحسين (علیه السلام) وعلى کتفها الأيمن

ص: 43


1- مثير الأحزان، ابن نما الحلي، ص 78 و مسند الإمام الشهيد (علیه السلام)، العطاردي، ج 2، ص 202
2- مثير الاحزان، ص 104 و بحار الأنوار، للمجلسي، 45ج، ص 140

قميص الحسن ملطخ بالسم وعلى الأيسر قميص الحسين (علیه السلام) ملطخ بالدم، فتنادي وتقول: رب احکم بيني وبين قاتلي ولدي. فيأمر الله الزبانية فيقول لهم: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ،(1)

وَ سَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(2)»(3)

وين اليواسيني ابدمعته*على ابني الذي حزوا رگبته

أويلاه يبني الما حضرته*ولا غسلت جسمه ودفنته

لا بُدَّ أنْ ترِدَ القِيامَةَ فَاطِمٌ*وقمِيصها بِدَمِ الحسينِ مُلَطَّخ

ويْلٌ لِمَنْ شفَعاؤُهُ خصَماؤُهُ*والصُّور فِي حَرِ الخَلائِقِ يُنْفَخ

ص: 44


1- سورة الحاقة: الآية 30
2- سورة البقرة: الآية 156
3- إحقاق الحق، الشوشتري، ج 26، ص 304 نقلا عن "التبر المذاب"، ص 110 عن اللطائف على ما في ملحقات الإحقاق. و الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 24، ص 148

المجلس الأول (اللیلة الرابعة)

اشارة

قد

أوهنت جلدي الديار الخاليه*من أهلها ما للديار وما ليه

ومتى سالت الدار عن أربابها*يعد الصدى منها سؤالي ثانيه

ولقد دعوه للعنا فأجابهم*ودعاهم لهدى فردوا داعيه

ما ذاق طعم فراتهم حتى قضى*عطشا فغسل بالدماء القانيه

تبکيک عيني لا لأجل مثوبة*لکنما عيني لأجلک باکيه

تبتل منکم کربلا بدم ولا*تبتل مني بالدموع الجاريه

أنست رزيتکم رزايانا التي*سلفت وهونت الرزايا الاتيه

وفجائع الأيام تبقى مدة*وتزول وهي الى القيامة باقيه

يا دار انشدچ عن اهاليچ*يا دار وين احسين راعيچ

وين العشيره و الزلم ذيچ*وين البطل عباس حاچيچ

و تالی لن اغراب البين ناعيج*يا دار شنهو طبتي ليچ

يا دار عزيني و عزيچ(1)

المحاضرة: حب الرياسة

(تِلْک الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذینَ لا یُریدُونَ عُلُوًّا فِی الأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقینَ)(2)

حب الرئاسة، وحب الشهرة مرضان خطيران على المرء المسلم، لا غرابة في حرص أهل الدنيا على الرئاسة. فذلک أمر تعوده الناس منهم، حتى أفضى الأمر الى نزاعات وخلافات ومفاسد وفتن کثيرة، موضوعنا في هذه الليلة أيها الإخوة عن شهوة خفية في النفس تقدح في الإخلاص وتخالف التجرد لله سبحانه وتعالى.

ص: 45


1- جاء فی کتاب رياض الأبرار (رياض الأبرار، الجزائري، ج 1، ص 254): و عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: لما قتل الحسين (علیه السلام) جاء غراب فتمرغ في دمه ثم طار فوقع بالمدينة على جدار فاطمة بنت الحسين فنظرت اليه و بکت و قالت، شعر: نعب (نعق) الغراب فقلت من*تنعاه ويلک يا غراب قال الإمام فقلت من*قال الموفق للصواب إن الحسين بکربلاء*بين الأسنة و الضراب فنعته لأهل المدينة فقالوا: قد جاءتنا بسحر عبد المطلب، فما کان بأسرع أن جاءهم الخبر بقتل الحسين (علیه السلام). نقلا عن: بحار الأنوار، ج 45، ص 171
2- القصص: 83

وهي حب الرئاسة وحب الشهرة، و نقصد من حب الرئاسة هو ان الانسان یکون له حب ان ترجع الیه الناس فی کل صغیرة و کبیرة و یأخذون الاذن منه و هو یکون کبیر القوم و یترأس علی الناس و یکون الامر و الناهی علیهم.

و حب الرئاسة: حالقة تحلق الدين، ومزلق عظيم من المزالق التي يفنى فيها الإخلاص ويذوب، بل إن خطورته على الدين أشد من خطورة الذئب الذي يترک في زريبة غنم و هی بلا راعی کما جاء فی الحدیث:(1) (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال و الشرف لدينه).

ذئبان جائعان: الحرص على المال ذئب والحرص على الشرف شبهه بذئب اخر، إذا أرسل الذئب في الغنم ماذا يفعل؟ فکذلک يفعل الحرص على الشرف والحرص على الجاه والحرص على الرئاسة کذلک تفعل في الدين، تفسد الدين إفسادا عظيما، والحرص على الرئاسة وحب الرئاسة والسعي لها، شهوة خفية في النفس ولا شک، والناس عندهم استعداد للزهد في الطعام والشراب والثياب لکن الزهد في الرئاسة هذا نادر.

و یشتد هذا الامر اذا کان الانسان من اهل العلم و المثقفین فی المجتمع لأن من طلب المال و أعراض الدنيا بعلمه، کمن نظف أسفل مداسه بوجهه و محاسنه، فجعل المخدوم خادما و الخادم مخدوما.

فعليک أن لا ترکن الى حطام الدنيا و إقبالها، و ولاية المناصب و إجلالها، فإن ذلک حبالة الشيطان، يصطاد بها ضعفاء اللهم الا إذا طلب الجاه، للأمر بالمعروف، و النهي عن المنکر، و تنفيذ الحق، و اعزاز الدين لا لنفسه و هواه، فيجوز ذلک بقدر ما يقيم به الأمر بالمعروف و النهي عن المنکر.

أرباب الرئاسة يقضي حياته في التملق والترحيب، ويفني عمره بالنفاق على هذا و ذاک، لايهنىء نومه ليلا، ولايرتاح ويطمئن في نهاره. قال عزوجل: (تِلْک الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذینَ لا یُریدُونَ عُلُوًّا فِی الأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقینَ).

ص: 46


1- روضة الواعظين، فتال النيشابوري، ج 2، ص 378، و راجع: الزهد للحسين بن سعيد الکوفي: 58ج، ص 155، بحار الأنوار، للمجلسي، 73ج، ص 144، کنز العمال: 3ج، ص 460

وروي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(1)«من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» الامام الصادق (علیه السلام):(2)«ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه» وروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله:(3)«افة

العلماء حب الرئاسة» و «الرئاسة عطب»(4).

و عن الامام الصادق (علیه السلام):(5)«إياکم و هؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فو الله ما خفقت النعال خلف رجل الا هلک و أهلک».

و قال (علیه السلام): «إياک و الرئاسة و إياک أن تطأ أعقاب الرجال(6)

قال قلت جعلت فداک أما الرئاسة فقد عرفتها و أما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي الا مما وطئت أعقاب الرجال فقال لي ليس حيث تذهب إياک أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في کل ما قال.»

محنة شهيد الفخ

مع ان اهل البیت (علیه السلام) کان ینهون عن طلب الرئاسة لکن کل من اراد ان یثور ضد طاغیة من طغاة زمانهم و کان هدفه الامر بالمعروف و النهی عن المنکر کانوا یساعدونه و یحامون عنه فمثلا نری فی قضیة شهید الفخ عزم الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي ابن ابی طالب (وکانت أمه زينب بنت عبد الله بن الحسن) ثار ضد موسی بن المهدی(7)

فبايعه خلق کثير ممن حضر موسم الحج.

ص: 47


1- الأمالي (للطوسي)، ص 538
2- الکافي، ج 2، ص 298
3- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 181
4- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 61، العطب: الهلاک.
5- الکافي، ج 2، ص 298
6- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 1، ص 262 و وطؤه العقب کناية عن الاتباع في الفعال و تصديق المقال. المقصود: أي مشيت خلفهم لاخذ الرواية عنهم فاجاب (علیه السلام) بانه ليس الغرض النهى عن ذلک بل الغرض النهى عن جعل غير الامام مکان الامام، بحيث تصدقه في کل ما يقول. و هذا فی زماننا واقع کثیرا حیث الناس تتبع الممثلین و المغنین و کل من هب و دب و لیس له علم بالدین و لا حتی بالاخلاق الانسانیة.
7- موسى الهادى العباسى: کان شابا يافعا له من العمر 25 سنة ذو نزعات شريرة فلقد کانت فترة حکمه من الفترات القاسية فى تاريخ أهل البيت و شيعتهم، و قد وصفه المؤرخ المسعودى فى مروح الذهب قائلا: کان قاسى القلب، شرس الأخلاق، صعب المرام. وأهتم الهادى فى الغناء، و الطرب، و الإعتناء بالسهرات الماجنة، و الإغداق على أهل الطرب و اللهو، مما أدى الى اندلاع أکبر ثورة قادها العلويون، و شيعتهم ضده، و هى واقعة فخ، التى قادها الحسين بن على قائد الثورة انذاک، و کان موقف الإمام الکاظم من ثورة فخ أيجابى فإنه بشر، صاحب الثورة بالشهادة، و أوصاه بالقوة، والصبر قائلا ليه « إنک مقتول فاحد الضراب فإن القوم فساق»

و لم یبقی معه الا أقل من خمسمائة وبعد أن تغلب الحسين على المدينة خرج قاصدا الى مکة ومعه من تبعه من أهله ومواليه وأصحابه، وهم زهاء ثلاثمائة، واستخلف رجلا على المدينة، فلما صاروا بفخ(1)

تلقتهم الجيوش، فعرض على الحسين الأمان والعفو والصلة، فأبى ذلک أشد الإباء.

فالتقوا للقتال يوم التروية وقت صلاة الصبح حتى قتل أکثر أصحاب الحسين. وجاء الجند بالرؤوس الى موسى والعباس(2)،

وعندهما جماعة من ولد الحسن والحسين فلم يسالا أحدا منهم الا موسى بن جعفر (علیه السلام) فقالا(3):

هذا رأس حسين؟

قال (علیه السلام): "نعم إنا لله وإنا اليه راجعون مضى والله مسلما صالحا صواما امرا بالمعروف، ناهيا عن المنکر، ما کان في أهل بيته مثله"(4) وفي قصيدة دعبل التي أنشدها بمحضر الإمام الرضا (علیه السلام):

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي*قبور بکوفان وأخرى بطيبة

نجوم سماوات بأرض فلات*وأخرى بفخ نالها صلواتي

وروي عن أبي جعفر الجواد (علیه السلام) أنه قال:(5) "لم يکن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ".

نعي

جمع الحسين بن علي (علیه السلام) الفضائل أجمع کالعلم و الجود، ومنتهى الشجاعة وفصاحة لسانه فمن خطبته الشهيرة بمکة إذ يقول في أولها: «الا إن الدعي ابن الدعي قد رکز بين اثنتين

بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلک ورسوله والمؤمنون وحجور طابت و

ص: 48


1- الفخ: بئر بينه وبين مکة فرسخ تقريباً.
2- هم موسى بن عيسى و العباس بن محمد، قادة الجیش الذی قتل، صاحب الفخ الحسین بن علی
3- الضمیر فی"لم يسالا و قالا" یعود الی موسى والعباس
4- مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، ص 380
5- عمدة الطالب: 183، عنه بحار الأنوار، للمجلسي، 48ج، ص 165، و عن معجم البلدان: 4ج، ص 238 نحوه.

بطون طهرت وانوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الکرام».(1)

واما شجاعته فصارت تضرب بها المثل و فيما أفتخرت به بنو هاشم على بنو أمية قولهم: من مثل الحسين بن علي (علیه السلام) يوم الطف ما رأينا مکثورا (ای مغلوبا) قد فرق من اخوته واهله وانصاره أشجع من الحسین.

و لکن ما فعلوا بعد أن قتلوا الإمام الحسين ؟ رفعوا رأسه على رأس الرمح، أقبل القوم على سلبه، فأخذوا ثيابه، ودرعه وسيفه، وحتى خاتمه الشريف أخذه اللعين بجدل بن سليم الکلبي، وکان قد جمد عليه الدم، فقطع اللعين إصبع الإمام مع الخاتم...

وترکوا الإمام على وجه الصعيد، عاري اللباس، قطيع الرأس، منخمد الأنفاس..

نايم أخيي شلون نومه*وحر الشمس غير ارسومه

وفوق الذبح سلبوا اهدومه

یقول امام زماننا فی زیارة جدیه الحسین "السلام على الدماء السائلات، السلام على الأعضاء المقطعات، السلام على الرؤوس المشالات، السلام على النسوة البارزات".(2)

نعم یا شیعة بعد شهادة الإمام الحسين نادى عمر بن سعد بنداءين يحرقان القلوب: والنداء الأول: حينما نادى اللعين: الا من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره فانتدب عشرة أفراس وداسوا بحوافر خيولهم صدر الحسين وظهره ما حال بنات رسول الله وهن ينظرن الى هذا المشهد.(3)

النداء الثاني: أحرقوا خيام الظالمين ففررن بنات رسول الله في البيداء بلا حام ولا معين وهن يصحن: وا محمداه، واعلياه.. يقول حميد بن مسلم: لما أحرقوا الخيام على بنات رسول الله فررن في البيداء، وبينما أنا أنظر الى الخيام الملتهبة رأيت امرأة جليلة واقفة بباب الخيمة، وأحيانا تدخل في داخل الخيمة الملتهبة وتخرج. فأسرعت اليها وقلت: يا هذه ما وقوفک ههنا والنار تشتعل من جوانبک وهؤلاء النسوة قد فررن

ص: 49


1- انظر، تأريخ الطّبري: ج 5، ص 425- 426، الکامل في التّأريخ: ج 3، ص 287- 288.
2- المزار الکبير، محمد بن المشهدي، ص 498
3- مثير الأحزان، ابن نما الحلي، ص 78 و مسند الإمام الشهيد (علیه السلام)، العطاردي، ج 2، ص 202

وتفرقن؟ ولم لم تلحق بهن؟ وما شأنک؟ فبکت وقالت: يا شيخ إن لنا عليلا في الخيمة وهو لا يتمکن من الجلوس والنهوض، فکيف أفارقه وقد أحاطت النار به؟(1)

ويقول حميد بن مسلم أيضا: ورأيت طفلة من أطفال الحسين قد فرت في البيداء والنار تلتهب في أذيالها وهي فزعة مرعوبة فاقتربت منها، قلت: بنية النار کادت أن تلتهمک، فالتفتت الي وهي تظن بأني من معسکر ابن سعد وقالت: يا شيخ أنت لنا أم علينا؟ قلت: سيدتي أنا لا لکم ولا عليکم. قالت: يا شيخ هل قرأت القرآن؟

قلت: بلى، قالت: هل قرأت هذه الاية: (فأما اليتيم فلا تقهر) قلت: بلى، قالت: يا شيخ أنا يتيمة الحسين قلت: بنية الى أين ذاهبة؟ قالت: أن لنا قبرا في النجف وهو قبر جدي أمير المؤمنين أريد أن أمضي والوذ به. قلت: بنية إن بينک وبين النجف مسافة قالت: إذن يا شيخ دلني على جسد والدي (الحسين) يقول: أخذت بيدها الى جسد أبيها، لما رأته جثة بلا رأس رمت بنفسها عليه، واعتنقته وهي تقول: أبه يا حسين من الذي قطع الرأس الشريف؟ من الذي خضب الشيب العفيف؟ من الذي أيتمني على صغر سني؟(2)

يا والدي والله هظيمه*أنا صير من صغري يتيمه

أتاري الأبو يا ناس خيمه*يفيي على بناته وحريمه

يبويه من گطع راسک*ويا هو السلب اثيابک

يبويه غطى کل مصاب*امصاب الماجره امصابک

عسى ابعيد البلى امخضب*وبفيض الدما اخضابک

گبل ما شوفک ابهالحال*يريت انعمت عيناي

ساعد الله قلبها، ما حالها والنساء قد تفرقن عنها يمينا وشمالا، والأطفال فررن في البيداء بعد هجوم الخيل على الخيام، خرجت زينب تتفقدهم فوجدت طفلين ميتين على الثرى لا يدرى هل ماتا من العطش؟ أم من دهشة خوف العدو؟(3)

ص: 50


1- زينب الکبرى (علیه السلام) من المهد الى اللحد، القرشی، ص 248، نقلا عن کتاب معالي السبطين ج 2، الفصل الثاني عشر، المجلس الثالث و کتاب: الطراز المذهب في أحوال سيدتنا زينب
2- مجالس السبايا من کربلاء الى الشام ومن الشام الى المدينة، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني سنة 1435 ه-، ص 18
3- نفس المصدر، ص 20

خويه تحيرت والله اب يتاماک*ما ينحمل يحسين فرگاک

والمثل هذا الوکت ردناک

سالت ربع الندى والدمع ينهمل*عن معشر هاهنا عهدي بهم نزلوا

أين استقلوا عن الاوطان وارتحلوا*بالأمس کانوا معي واليوم قد رحلوا

وخلفوا في سويد القلب نيرانا

ص: 51

المجلس الثاني (اللیلة الرابعة)

اشارة

مدارس ايات خلت من تلاوة*ومنزل وحي مقفر العرصات

أفاطم قومي يابنة الخير واندبي*نجوم سماوات بأرض فلات

قبور بکوفان واخرى بطيبة*واخرى بفخ نالها صلواتي

وقبر ببغداد لنفس زکية*تضمنها الرحمن في الغرفات

قبور بجنب النهر من أرض کربلا*معرسهم فيها بشط فرات

توفوا عطاشا بالفرات فليتني*توفيت فيهم قبل حين وفاتي

أفاطم لو خلتي الحسين مجدلا*وقد مات عطشانا بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنده*وأجريت دمع العين في الوجنات

يا فاطمة يم البدور*يال گبرچ خفي من دون ال گبور

جيبي سدر لبنچ وکافور*أخبرچ بصدر حسين مکسور

ومن العطش چبد حسين مفطور*هذا الجره في يوم عاشور

المحاضرة: المراء

(فَلا تُمارِ فِيهِمْ الاّ مِراءً ظاهِرا)(1)

فإن من أخطر افات اللسان التي حذر منها الکتاب العزيز و الروایات: الجدال(2)

والمراء والمخاصمة.

لم أشهد في مجتمعنا عشقاً لشيء أکثر من عشق الجدال، فما أن يطرح أحدهم فکرة ما حتى يسارع کل المحيط بالاعتراض والاستفاضة في النقد والتقليل من رأي الطرف الآخر، فيتحول الموضوع لمسالة شخصية

ص: 52


1- (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ کلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ کلْبُهُمْ رَجْماً بِالغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ کلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ الاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ الاَّ مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) و (فَلا تُمارِ فِيهِمْ الاَّ مِراءً ظاهِراً) تفريع على الاختلاف في عدد أهل الکهف، أي إذ أراد بعض المشرکين المماراة في عدة أهل الکهف لأخبار تلقوها من أهل الکتاب أو لأجل طلب تحقيق عدتهم فلا تمارهم إذ هو اشتغال بما ليس فيه جدوى. و التماري: تفاعل مشتق من المرية، و هي الشک. و اشتقاق المفاعلة يدل على أنها إيقاع من الجانبين في الشک، فيؤول الى معنى المجادلة في المعتقد لإبطاله و هو يفضي الى الشک فيه، و المراد بالمراء فيهم: المراء في عدتهم کما هو مقتضى التفريع. و المراء الظاهر: هو الذي لا سبيل الى إنکاره و لا يطول الخوض فيه. و ذلک مثل قوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ. و المراء الظاهر: هو الذي لا سبيل الى إنکاره و لا يطول الخوض فيه. و ذلک مثل قوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِ
2- الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح کلامه وهو الخصومة في الحقيقة.

ويخرج عن مساره ويحاول کل فرد أن يثبت وبشکل مستميت أنه هو الصواب والآخر على خطأ.

وبطبيعة الحال يحاول الطرف الآخر أن يدافع عن رأيه ويثبت للآخر أنه هو المخطئ ولا تستغرب إن کان الجدال على أمر لايکاد يذکر ولايستحق کل هذا من الأساس..

إن مسالة الجدال ناتجة عن وعي ناقص لمعنى النقاش، فما أن يطرح أحدهم رأيا معينا حتى يطلق دون أن يعلم شرارة تشتعل بها العقول التي اصطلح عندها النقاش بأنه فرصة "للانتصار"، وأن من يناقش يجب أن ينتصر والا فأنه خاسر.

لهذا لا تستغرب کثيراً إن رأيت أحدهم وقد انتفخت عروقه وأحمر وجهه وأرتفع صوته وهو يحاول إثبات أنه على صواب، ولا تتعجب أن يخرج کل طرف بضغينة في قلبه على الآخر لأنه حاول إثبات نفسه على حساب الآخر، وهذه إحدى عواقب الجدال.

قال الشاعر:

لا تفن عمرک في الجدال مخاصما*إن الجدال يخل بالأديان

واحذر مجادلة الرجال فإنها*تدعو الى الشحناء و الشنان

و اما الآیة التی تلوناها علیک نهی الله فی هذه الآیة عن المراء و هو الجدال و المجادلة على مذهب الشک و الريبة و التشکیک فی کل شئ واضح و الاعتراض على الکلام من غير غرض ديني.

و يقال ماريته أيضا: إذا طعنت في قوله، تزييفا للقول، و تصغيرا للقائل. و لا يکون المراء الا اعتراضا، بخلاف الجدال: فإنه يکون ابتداء، و اعتراضا.

ولاشک أنه إذا اشتدت هذه الصفة المذمومة، فإنها تصل بصاحبها الى حد يصبح معه کالکلب المتوحش الذي يبحث دوما عمن يتصارع معه، ويترصد المماريأن يسمع من أحد کلاما ليجادله و يلتذ بمرائه. خاصة إذا کان في المجلس جمع من ضعفاء العقول يشجعونه على صفته الخبيثة تلک، فيقولون: فلان مجادل ماهر ومتکلم حاذق وناطق فريد.

عن الامام علي (علیه السلام):(1) «و من نازع في الرأي و خاصم شهر بالعثل من

ص: 53


1- الغارات، ج 1، ص 82، ضمن الحديث الطويل، و الخصال، ص 231، باب الأربعة، ضمن الحديث الطويل 74، بسند آخر عن أميرالمؤمنين (علیه السلام). تحف العقول، ص 166، ضمن الحديث الطويل، عن أميرالمؤمنين (علیه السلام)، و في کلها مع اختلاف يسير. راجع: نهج البلاغة، ص 473، الحکمة 31 الوافي، للفیض الکاشاني، ج 4، ص 225، ح 1857، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 15، ص 341، ح 20693، ملخصا، بحار الانوار، ج 72، ص 116، ح 15. و في أکثر النسخ «بالفشل» و هو الضعف و الجبن، قيل: و انما شهر بالفشل لان خصمه المبطل لا ينقاد للحق، بل لا يزال يجادل بالباطل ليدحض به الحق فيظهر ضعف هذا الحق فيشهر به.

طول اللجاج» شهر بالعثل ای عرف بالحمق و عن الصادق (علیه السلام) قال:(1)

«من يضمن أربعة بأربعة أبيات في الجنة أنفق و لا تخف فقرا و أنصف الناس من نفسک و أفش السلام في العالم و اترک المراء و إن کنت محقا.»

وروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام):(2) «ثمرة المراء الشحناء» وروي عن الإمام الحسن بن علي العسکري (علیه السلام):(3) « لا تمار فيذهب بهاؤک و لا تمازح فيجترأ عليک و قال (علیه السلام) من الجهل الضحک من غير عجب ».

و حتی بالنسبة الی الدعوة الی الدین لا یجوز العراک و المخاصمة فلقد قال الصادق (علیه السلام):(4)

«و لا تخاصموا الناس لدينکم فإن المخاصمة

ص: 54


1- الکافي، کتاب الإيمان و الکفر، باب الإنصاف و العدل، ح 1948، بنفس السند، مع اختلاف يسير. و في المحاسن، ص 8، کتاب الأشکال و القرائن، ح 22، و الزهد، ص 64، ح 3، عن محمد بن سنان. الخصال، ص 223، باب الأربعة، ح 52، بسنده عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن سنان، مع اختلاف يسير. الفقيه، ج 2، ص 62، ح 1711، مرسلا الوافي، للفیض الکاشاني، ج 10، ص 489، ح 9952، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 15، ص 284، ح 20529، و ج 21، ص 549، ح 27837، بحار الانوار، ج 75، ص 30، ح 23. «المراء»: الجدال، الا أن المراء لا يکون الا اعتراضا، بخلاف الجدال، فإنه يکون ابتداءا و اعتراضا.
2- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 208، الشحناء: البغض و العداوة
3- تحف العقول، ص 486، الفقيه، ج 4، ص 355، ضمن الحديث الطويل 5762، بسند آخر عن جعفر بن محمد، عن آبائه (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)و فيه: «يا على لاتمزح فيذهب بهاؤک، و لا تکذب فيذهب نورک». الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 628، ح 2735، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 12، ص 117، ح 15810.
4- الکافي، کتاب الإيمان و الکفر، باب في ترک دعاء الناس، ح 2229، و باب الرياء، ح 2488، المحاسن، ص 201، تفسير العياشي، ج 2، ص 137، ح 48، عن علي بن عقبة الوافي، للفیض الکاشاني، ج 1، ص 564، ح 476، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 1، ص 71، ح 158، و ج 16، ص 190، ح 21316.

ممرضة للقلب إن الله عزوجل قال لنبيه (صلی الله علیه و آله و سلم)(إِنَّک لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَکنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس(1) و إنکم أخذتم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)إني سمعت أبي (علیه السلام) يقول إن الله عزوجل إذا کتب على عبد أن يدخل في هذا الأمر(2) کان أسرع اليه من الطير الى وکره(3)

قصة الخبیر و لغز العنب

اجتمع اربعة اشخاص من مناطق مختلفة (عربی و رومی و ترکی و فارسی) و اجمعوا اموال ارادوا یتغدوا بشئ فقال الفارسي: اني احب ال (أنکور) أي العنب وقال العربي: معاذ الله، أني أريد العنب، وقال الترکي: اني أريد ال (نو زوم) أي العنب وقال الرومي: اني أريد (استافيل) أي العنب ایضا و وقع بینهم النزاع و اذا مربهم عالم بهذه اللغات الاربع فقال لهم ناوشونی الدراهم فشتری لهم العنب و ارضاهم اربعتهم.(4)

قصة الرجل الصیاد

البعض عنده حاله خلاف المراء ای یصدق کل شئ له نقلت قصة فی الکتب وهی: أن رجلا صاد طیرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟

قال: أذبحک فاکلک قالت: والله ما اشبعوک من جوع ولکني أعلمک ثلاث خصال هي خير لک من أکلي: أما الواحدة فأعلمکها وأنا في يدک، والثانية إذا صرت على هذه الشجرة، و الثالثة إذا صرت على الجبل فقال: هات الأولى، قالت: لا تتلهفن على ما فاتک.

فخلى عنها فلما صارت فوق الشجرة قال: هات الثانية قالت: لا تصدقن

ص: 55


1- الناس الاول یعنی العامة و الناس الثانی یعنی بهم الصحابة
2- التشیع و معرفة حق الامام
3- عش الطائر
4- هذه القصة هی شعر لجلال الدين المولوی الرومي: چار کس را داد مردی یک درم*ان یکی گفت این بانگوری دهم ان یکی دیگر عرب بد گفت لا*من عنب خواهم نه انگور ای دغا ان یکی ترکی بد و گفت این بنم*من نمی خواهم عنب خواهم ازم ان یکی رومی بگفت این قیل را*ترک کن خواهیم استافیل را در تنازع ان نفر جنگی شدند*که ز سر نامها غافل بدند مشت بر هم می زدند از ابلهی*پر بدند از جهل و از دانش تهی صاحب سری عزیزی، صد زبان*گر بدی انجا بدادی، صلحشان

بشئ محال أنه يکون ثم طارت فصارت على الجبل، فقالت: يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درة فيها زنة عشرين مثقالا.

قال: فعض على شفتيه وتلهف ثم قال: هات الثالثة. قالت له: أنت قد نسيت الاثنتين، فکيف أعلمک الثالثة؟ الم أقل لک لا تتلهفن على ما فاتک؟ فقد تلهفت علي إذ فتک، وقلت لک. لا تصدقن بما لا يکون، أنه يکون فصدقت أنا وعظمي و ريشي لا أزن عشر مثاقیل، فکيف يکون في حوصلتي ما يزنها؟

نعي

لما أمر المنصور الدوانيقي، محمد بن عبد الملک عامله على المدينة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) داره فجاء ومعه جلاوزته بالحطب فوضعوه على باب دار الإمام (علیه السلام) وأضرموا فيه النار فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحت العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهن فخرج الإمام (علیه السلام) وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان فجعل يخمد النار.

ويطفئ الحريق و هو يقول: أنا ابن أعراق الثرى (1)

و أنا ابن إبراهيم خليل الله عليه السلام.(2)

حتى قضى عليها فلما کان الغد دخل عليه بعض شيعته يسالونه فوجدوه حزينا باکيا فقالوا: ممن هذا التأثر والبکاء؟

أمن جرأة القوم عليکم أهل البيت (علیه السلام) وليس منهم بأول مرة؟ فقال الإمام (علیه السلام): لا ولکن لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت الى نسائي وبناتي يتراکضن في صحن الدار من حجرة الى حجرة، ومن مکان الى مکان هذا وأنا معهن فتذکرت فرار عيال جدي الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء من

ص: 56


1- قال العلامة المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار 47 ج، ص 136- بيان الحديث 186 ما نصه: رأيت في بعض الکتب: أن أعراق الثرى کناية عن إسماعيل (علیه السلام) و لعله إنّما کنى عنه بذلک لأن أولاده انتشروا في البراري. و يؤيده ما جاء في انساب الاشراف (ج 1، ص 6) بإن عرق الثرى اسم إسماعيل (علیه السلام).
2- الی هنا رواه الکليني مسندا في الکافي ج 1، ص 273 عن بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن المفضّل بن عمر.. و عنه في إثبات الهداة ج 3، ص 78 و مدينة المعاجزج 5، ص 259 و حلية الأبرار ج 4، ص 71. و أورده ابن شهرآشوب في مناقبه ج 3، ص 363 مرسلا عن المفضّل بن عمر، و عنه في بحار الأنوار 47 ج، ص 136، ذيل الحديث 186. و انظر الثاقب في المناقب: 137 و عنه و عن مناقب ابن شهرآشوب في مدينة المعاجز ج 5، ص 296.

خيمة الى خيمة ومن خباء الى خباء والمنادي ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين ثم أقبلوا الى خيام بنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)ثم قاموا بسلب بنات رسول الله.(1)

حميد بن مسلم يقول: رأيت امرأة من بکر بن وائل کانت مع زوجها في أصحاب عمر ابن سعد فلما استشهد الحسین و رأت القوم قد اقبلوا لینتهبوا ثقل الحسين (علیه السلام) ومتاعه وجميع ما في الخيام و اقتحموا على نساء الحسين (علیه السلام) فسطاطهن، أخذت سيفا وأقبلت نحو الفسطاط، فقالت: يا ال بکر بن وائل أتسلب بنات رسول الله؟ (2)

و في المقاتل أن سکینة قالت: کنت واقفة بباب الخيمة وأنا أنظر الى أبي وأصحابي مجزرين کالأضاحي على الرمال، والخيول على أجسادهم تجول وأنا أفکر فيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية، أيقتلوننا أو يأسروننا؟

فإذا برجل على ظهر جواده يسوق النساء بکعب رمحه وهن يلذن بعضهن ببعض، وقد أخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة، وهن يصحن: وا جداه، وا أبتاه، وا علياه، وا قلة ناصراه، وا حسناه، أما من مجير يجيرنا؟

أما من ذائد يذود عنا؟ قالت: فطار فؤادي وارتعدت فرائصي، خشية منه أن يأتيني. فبينا أنا على هذه الحالة وإذا به قد قصدني ففررت منهزمة، وأنا أظن أني أسلم منه، وإذا به قد تبعني، وإذا بکعب الرمح بين کتفي، فسقطت على وجهي...

وترک الدماء تسيل على خدي ورأسي تصهره الشمس، وولى راجعا الى الخيم، وأنا مغشي علي(3)..

ويلي ان صحت بويه يشتموني*وان صحت خويه يضربوني

ومن الضرب ورمن امتوني*ومن البکا عمين اعيوني

أنادي هلي وما يسمعوني

وإذا أنا بعمتي عندي تبکي وهي تقول: قومي نمضي تقول سکینة ما

ص: 57


1- هذا المقطع نقلا عن کتاب: مأساة الحسين بين السائل والمجيب للشيخ عبد الوهاب الکاشي، ص 136
2- اللهوف في قتلى الطفوف، ص 78 و فیه: فأخذها زوجها و ردها الى رحله. و انظر: الحسين و بطلة کربلاء، مغنية، ص 54
3- بحار الأنوار، ج 45، ص 60 و نقلت بعض مقاطعه فی: مسند الإمام الشهيد (علیه السلام)، العطاردي، ج 2، ص 201 مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 315

کنت أعلم ما جرى على البنات وأخي العليل، فقمت.. فما رجعنا الى الخيمة الا وهي قد نهبت وما فيها، وأخي علي بن الحسين مکبوب على وجهه، لا يطيق الجلوس من کثرة الجوع والعطش والأسقام، فجعلنا نبکي عليه ويبکي علينا(1)..

یقول حميد بن مسلم: فانتهينا الى علي بن الحسين (علیه السلام) وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له: الا نقتل هذا العليل فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي وإنه لما به(2)

(یعنی مرضه یقتله، یکفیه مرضه) فأقبلت اليه العقيلة زينب وأهوت عليه، وقالت: والله لا يقتل حتى أقتل دونه، فکفوا عنه(3)..

ولکن سحبوا الفراش الذي کان ينام عليه والقوه على الأرض:(4)

يخويه بقيت محيرة واصفک باليدين*لا عباس يبرالي ولا حسين

يضربوني من ابکي وتدمع العين*وتبقى عبرتي بصدري اتکسر

إجوا وخروا عنه وخلوه*ومن فوق فراش المرض جروه

على وجهه وعلى التربان سحبوه*يا ويلي ولا صديق عليه ينغر

ثم نادى اللعين عمر بن سعد: أحرقوا خيام الظالمين فأضرمت النيران في الخيام.. فجاءت الحوراء زينب الى الإمام زين العابدين (علیه السلام) وهي تقول: يا بقية الماضين، وثمال الباقين، أضرموا النار في مضاربنا؟

قال: عمة عليکن بالفرار ففررن بنات رسول الله صائحات باکيات نادبات(5)..

يفترن خوات احسين من خيمة لعد خيمه*

او کل خيمه تشب ابنار ردن ضربن الهيمه

ينخن وين راحو وين ما ظل بالعده شيمه*

والسجاد

اجو سحبوه او دمعه اعلى الوجن ساله

عجبا لها بالأمس أنت تصونها*واليوم ال أمية تبديها

ص: 58


1- بحار الأنوار، ج 45، ص 60
2- الإرشاد، المفيد، ج 2، ص 112 و تاريخ الأمم و الملوک، الطبري، ج 5، ص 454 و لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 48
3- أخبار الدول للقرماني، ص 108 و نفس المهموم، الشيخ عباس القمي، ص 345
4- مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 13
5- موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 230 نقلا عن: اللهوف لابن طاووس، ص 55 و المازندراني في معالي السبطين ج 2، ص 52

هذه زينت ومن قبل کانت*بفنا دارها يحط الرحال

أضحت اليوم واليتامى عليها

ص: 59

مقتل مسلم ابن عقيل (اللیلة الخامسة)

اشارة

حکم

الاله بما جرى في مسلم*والله ليس لحکمه تبديل

اوته طوعة مذ أتاها والعدى*من حوله عدوا عليه تجول

فأحس منها ابنها بدخولها*في البيت أن البيت فيه دخيل

فمضى الى ابن زياد يسرع قائلا*بشرى الأمير فتى نماه عقيل

فدعى

الدعي جيوشه فتحزبت*يقفوا على أثر القبيل قبيل

فاستخرجوه مثخنا بجراحه*والجسم من نزف الدماء ثقيل

قتلوه ثم رموه من أعلى البنا*وعلى الثرى سحبوه وهو قتيل

وله

ابنة مسح الحسين برأسها*واليتم مسح الرأس فيه دليل

عاده اليستجير ايکون ينجار*عن جتله حليف الشرف ينجار

مثل مسلم صدک بالحبل ينجار*تتنومس ابچتله اعلوج اميه

المحاضرة: حیاة مسلم ابن عقیل

مسلم بن عقيل الهاشمي القرشي هو ابن عم الحسين بن علي (علیه السلام) و قد أرسله الى أهل الکوفة لأخذ البيعة منهم، و هو أول من استشهد من أصحاب الحسين بن علي (علیه السلام)، في الکوفة. و قد عرف فيما بعد بأنه (سفير الحسين (علیه السلام) ).

يحظى بمکانه متميزة في الشيعة و تعرف الليلة الخامسة المحرم في المجتمعات العربية الشيعية بليلة مسلم بن عقيل.

ولد مسلم بن عقيل في المدينة المنورة سنة 22ه. والده هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) وعمه الاخر جعفر الطيار.

و کان مسلم بن عقيل محاربا فذا اتصف بالقوة البدنية فتصفه بعض المصادر «وکان مثل الأسد، وکان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت(1)»

وکان مسلم بن عقيل مناصرا لعمه الامام علي بن ابي طالب (علیه السلام). فشارک في معرکة صفين عام 37 ه وجعله الامام على ميمنة الجيش مع الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر الطيار.

و قد استشهد مع سيد الشهداء تسعة من ال عقيل، وعلى رأسهم مسلم بن عقيل، وأخوانه عبد الرحمن ومحمد وجعفر، وأولاده عبد الله ومحمد والطفلين الصغيرين، وابن أخيه محمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب وکان الإمام السجاد (علیه السلام) يميل الى ولد عقيل فقيل له: ما بالک

ص: 60


1- المناقب: ج 3، ص 244، و بحار الأنوار: 44ج، ص 354

تميل الى بني عمک هؤلاء دون ال جعفر؟

فقال:(1) «إني لأذکر يومهم مع أبي عبد الله (علیه السلام) فأرق لهم» و نجله عبد الله بن مسلم بن عقيل(2)،

فقد روي أنه برز و وقف بإزاء الحسين (علیه السلام) وقال: «يا مولاي أتأذن لي بالبراز؟ فقال له الحسين (علیه السلام):(3)

«يا بني

ص: 61


1- کامل الزيارة لابن قولويه، ص 107 بحار الانوار 11ج، ص 123
2- البعض قالوا ان ولد عقيل الذين استشهدوا مع الحسين (علیه السلام) في کربلاء ثلاثة و هم: 1- عبد الرحمن بن عقيل. 2- عبد الله بن عقيل. 3- عبد الله بن مسلم بن عقيل. و لم يذکر غيرهم، و لکن یمکن عد اخرین من ال عقیل و هم: 1- مسلم بن عقيل: و هو سفير الحسين (علیه السلام) لأهل الکوفة. و استشهد فيها قبل ورود الحسين (علیه السلام) الى کربلاء. 2- محمد بن عقيل: و لم يذکره سوى الخوارزمي في مقتله ج 2، ص 48 و ذکره المؤلف في جملة الأسرى. 3- جعفر بن عقيل: و أمه الخوصاء بنت عمرو العامري. دخل المعرکة فجالد القوم يضرب فيهم بسيفه قدما، و هو يقول: أنا الغلام الابطحي الطالبي*من معشر في هاشم من غالب و نحن حقا سادة الذوائب*هذا حسين أطيب الاطائب قتله: بشر بن حوط قاتل أخيه عبد الرحمن (ابصار العين، ص 53، الکامل 4ج، ص 92. مقاتل الطالبيين، ص 87) و قيل: قتله عروة بن عبد الله الخثعمي. 4- محمد بن مسلم بن عقيل: أمه أم ولد. قال أبو جعفر (علیه السلام): حمل بنو أبي طالب بعد قتل عبد الله حملة واحده، فصاح بهم الحسين: صبرا على الموت يا بني عمومتي. فوقع فيهم محمد بن مسلم، قتله أبو مرهم الازدي و لقيط بن إياس الجهني (ابصار العين، ص 50، المقاتل، ص 87، الخوارزمي ج 2، ص 47). 5- محمد بن أبي سعيد بن عقيل: أمه أم ولد. قال حميد بن مسلم الازدي: لما، صرع الحسين خرج غلام مذعورا يلتفت يمينا و شمالا فشد عليه فارس فضربه، فسالت عن الغلام، قيل: محمد بن أبي سفيان. و عن الفارس: لقيط بن إياس الجهني. و قال هشام الکلبي حدث هاني بن ثبيت الحضرمي، قال: کنت ممن شهد قتل الحسين (علیه السلام) فو الله اني لواقف عاشر عشرة ليس منا رجل الا على فرس، و قد حالت الخيل و تضعضعت إذ خرج غلام من ال الحسين و هو ممسک بعود من تلک الابنية عليه ازار و قميص و هو مذعور يتلفت يمينا و شمالا، فکأني انظر الى درتين في اذنيه يتذبذبان کلما التفت، إذ أقبل رجل يرکض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه، ثم اقتصد الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام الکلبي: إن هاني بن ثبيت الحضرمي هو، صاحب الغلام عن نفسه استحياء و خوفا. (ابصار العين، ص 51، الخوارزمي ج 2، ص 47، الکامل 4ج، ص 92). 6- جعفر بن محمد بن عقيل: ذکره الخوارزمي في مقتله ج 2، ص 47. انظر: (شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (علیه السلام)، ج 3، ص 238)
3- فرهنگ جامع سخنان امام حسين (علیه السلام)، ص 520

کفاک وأهلک القتل، أنت في حل من بيعتي، حسبک قتل أبيک مسلم، خذ بيد أمک واخرج من هذه المعرکة، فقال: يا عم بماذا القى جدک محمدا (علیه السلام) وقد ترکتک سيدي، والله لا کان ذلک أبدا بل أقتل دونک حتى القى الله بذلک، لست والله ممن يؤثر دنياه على اخرته».

تزوج عقيل من ابنة عمه السيدة رقية بنت علي وقد عرف له منها ومن أم ولد أربع أولاد: عبد الله الذي کان يبلغ سنة 60 للهجرة سنة عاشوراء 15 سنة و محمد الذي کان يبلغ من العمر 10 سنين في نفس السنة و إبراهيم الذي کان يبلغ وقتها من العمر 8 سنوات و حميدة التي کانت تبلغ 8 سنوات من العمر في تلک السنة.

صفاته الخلقية

عرف بقوة البدن والفتوة، ففي الکتب:(1)

«أرسل الإمام الحسين (علیه السلام) مسلم بن عقيل الى الکوفة وکان مثل الأسد، وکان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده فيرمي به فوق البيت.» کما أشارت بعض المصادر الى شبهه بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فعن أبي هريرة أنه قال:(2)«ما

رأيت من ولد عبد المطلب أشبه بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم)من مسلم بن عقيل»

ارساله الی الکوفة

بعد موت معاوية وانقضاء مدة الصلح وتخلف معاوية عن بنود الصلح ونصيب يزيد حاکما بدله کان للحسين موقفا رافضا لهذا التنصيب و الناس ایضا کان معارضین و ارسلوا للحسین رسائل یدعونه بالقدوم الی العراق و المبایعة له.

کلف مسلم بن عقيل بالذهاب الى الکوفة والاطلاع على حال أهلها واستعداد المدينة لاستقبال الحسين والانتفاض ضد الحکم القائم.

تحرک ابن عقيل معه رسالة الامام الحسين (علیه السلام) الى أهل الکوفة. کانت هذه الأحداث تصل الى مسامع حاکم الکوفة الأموي النعمان بن بشير(3)

فلم يکن يقوم بشيء غير نصح الناس على المنبر بترک مبايعة الحسين.

وکان الأمويين من اهل الکوفة يرون ان النعمان اما ضعيف او يتظاهر

ص: 62


1- بحار الأنوار ج44، ص354
2- التاريخ الکبير للبخاري ج7، ص266، الثقات لابن حبان ج5، ص391
3- عن ابن أبى الحديد (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 4، ص 77): «و کان النعمان بن بشير الأنصاري منحرفا عنه (ای علی (علیه السلام) و عدوا له و خاض الدماء مع معاوية خوضا (ای فی حرب، صفین خاض فی دماء) و کان من أمراء يزيد ابنه حتى قتل و هو على حاله.»

بالضعف بفعل عدم اتخاذه اجراءات عسکرية ضد الشيعة الملتفين حول ابن عقيل.

حتى وصل الامر ان اتهموه وهو على المنبر بالضعف فاجابهم:(1)

«أن أکون من المستضعفين في طاعة الله أحب الي من أن أکون من الأعزين في معصية الله» لما وصل مسلم الی الکوفة نزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وبايعه 18 الفا من أهلها وکانوا يترددون عليه بشکل علني.

فأرسل کتابا الى الإمام الحسين (علیه السلام) بتاريخ 12 ذو القعدة مع عابس بن شبيب الشاکري يخبره ببيعة أهل الکوفة له.

واشتکى جماعة من أتباع بني أمية الى يزيد من حال الوالي النعمان بن بشير وطالبوا بتغييره لعدم مواجهته حرکة مسلم بن عقيل بالقوة.

ولایة ابن زياد

مع وصول هذه الکتب الى يزيد دب الارتباک البلاط الأموي، فاشار سرجون (وهو أحد مستشاري يزيد وکان مساعدا لمعاوية) الى يزيد بعزل النعمان عن ولاية الکوفة وتامير عبيد الله بن زياد عليها، حيث عرف لعبيد الله عداءه لاهل البيت وفتکه بالشيعة اضافة لوسع حيلته وتدبيره وکان اميرا على البصرة.

فسارع يزيد بالاخذ بنصيحه سرجون وعين عبيد الله اميرا للکوفة وامره بالتحرک اليها بسرعة لوئد الثورة الحسین في مهدها.(2)ترک

عبيد الله بن زياد على حکم البصرة اخوه عثمان بن زياد، ودخل الى الکوفة متلثما يلبس عمامة سوداء مقلدا ملابس الامام الحسين (علیه السلام) ولايکلم أحد و يصحبه بضعة من اصحابه، وکان اهل الکوفة ينتظرون الامام الحسين (علیه السلام) فلما راوا عبيد الله ظنوه الامام واستقبلوه بالورود.

فتحرک الوکب حتى وصل القصر عندها کشف عن هويته الحقيقة لحراس القصر فدخل دار الامارة وعزل النعمان.

إجراءات ابن زياد في الکوفة

قام ابن زياد بالخطبة بالناس محذرا اياهم من ما سماه "الفتنة" وحذر المناصرين للامام بالقتل والسجن والملاحقة الشديدة. ثم بعد ذلک بدا بعملية بث الجواسيس داخل المدينة للوصول الى مسلم بن عقيل المختبئ هناک.

ص: 63


1- البداية و النهاية، ابن کثير، ج 8، ص 152، الفتوح، ابن أعثم، ج 5، ص 35
2- تاريخ الطبري، ج5 "وصول مسلم بن عقيل الى الکوفة"

فارسل شخصا يدعى "معقل" ومعه ثلاثة اللاف درهم يحملها الى مسلم بن عقيل و يتظاهر بانه اجنبي جاء من خارج الکوفة وانه موالی للحسین.

فاستطاع ان يصل الى مسلم بن عقيل الذي کان موجودا في بيت هانئ بن عروة وهو أحد زعماء الشيعة في الکوفة. فاعطاه المال وغادر المکان متجها الى ابن زياد ليبلغه بمحل اختباء مسلم بن عقيل(1) شک ابن عقيل بالرجل فغادر بيت هانئ، وماهي الا فترة قليلة واصبحت الدار محاصرة بالشرطة الذين لم يجدوا في الدار الا هانئ فاعتقلوه.

استجوب عبيد الله هانئ بن عروة لمعرفة مکان مسلم بن عقيل الا ان هانئ لم يفصح عن مکانه قائلا:(2) "والله لو کان تحت قدمي ما رفعتها عنه" فراى مسلم بن عقيل وجوب الثورة لانقاذ هانئ بن عروة على الرغم من کون بعض زعماء الشيعة خارج الکوفة في ذلک الوقت حيث کانوا يجمعون تاييد القبائل في المناطق المحيطة بالکوفة.

على کل حال امر مسلم رجاله بالنهوض فنهض معه اربعة الاف توجهوا جميعهم الى القصر وحاصروه. فامر عبيد الله انصاره باثارة الشائعات في الکوفة واخبار الناس حول جيش اموي جرار قادم من الشام سيفتک بکل من يقف ضد الدولة کما قام برشوة زعماء بعض القبائل ليقوموا بتخذيل اقاربهم عن نصرة مسلم وبالفعل حدثت بلبلة کبيرة في الکوفة وبدا الناس بتفرق من حول مسلم حتى اذا حان الليل اغدى وحيدا ليس معه أحد. وصار يتجول في ازقة الکوفة لا يدري ان يذهب.

الاعتماد و الوثاقة

فقد قال الإمام الحسين (علیه السلام) في حقه حينما أرسله الى أهل الکوفة: "وإني

باعث اليکم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل".(3)

ص: 64


1- تاريخ الطبري ج5، ص 362
2- تاريخ الطبري ج5، ص 349 مثير الأحزان، ص 33
3- الإرشاد: ج 2، ص 36 و راجع: روضة الواعظين: ج 1، ص 393، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4، ص 90، کشف الغمة: ج 2، ص 42، تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 42، الملهوف، ص 16، بحار الأنوار: ج 44، ص 334، تذکرة الخواص، ص 255، تاريخ الطبري: ج 5، ص 353، مقتل الحسين للخوارزمي: ج 1، ص 195، الکامل في التاريخ: ج 3، ص 357، الفتوح: ج 5، ص 30، أنساب الأشراف: ج 3، ص 159، الفصول المهمة، ص 171، البداية و النهاية: ج 8، ص 152.

وجاءت في زيارة مسلم بن عقيل الإشارة الى بعض الجهات الموجبة للاعتماد وهي: «أشهد لک بالتسليم والوفاء والنصيحة لخلف النبي المرسل» وعندما أدخل ابن عقیل على ابن زياد وأخبره أنه مقتول لا محالة، قال له:

«دعني أوصي الى بعض قومي، فقال: افعل، فنظر مسلم الى جلساء عبيد الله وفيهم عمر بن سعد، فقال: إن بيني وبينک قرابة(1)،

ولي اليک حاجة، وقد يجب لي عليک نجح حاجتي، وهي سر، فامتنع عمر بن سعد تظاهرا لعبيد الله بالإخلاص والمودة، فقال له عبيد الله: ويلک، لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمک؟ فلما سمع ذلک من ابن زياد قام ابن سعد وأخذ مسلما الى ناحية من القصر، وکان مما قال له مسلم: إن علیّ دينا بالکوفة استدنته منذ قدمت الکوفة سبعمائة درهم، فاقضها عني، وإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث الى الحسين (علیه السلام) من يرده، فإني قد کتبت اليه أعلمه أن الناس معه، ولا أراه الا مقبلا»(2)

و لم یعمل بهذه الوصایا فجثة مسلم دفنوها قبیلة مذحج و اعرابیان من اهل البادیة اخبروا الحسین بمقتل مسلم اما الدین فالله اعلم.

فقهه و ورعه

ان مسلما بعد قتاله وأسره من قبل أتباع ابن زياد کان قد أصابه العطش الشديد، فلما أخذ الى قصر ابن زياد رأى قلة (جرة، کوز) مبردة موضوعة على بابه فقال: «اسقوني من هذا الماء» فقال له ابن باهلة جندی ابن زیاد:(3)

أتراها ما أبردها، فوالله لا تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحميم في نار جهنم، فقال له مسلم: «ويلک، ولأمک الثکل، ما أجفاک وأفظک وأقسى قلبک، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم».

ثم جلس فتساند الى حائط فرق له احدهم فبعث اليه غلاما له فجاءه بقلة عليها منديل وقدح معه فصب فيه الماء ثم سقاه، فأخذ کلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دما من فيه فأخذ لا يشرب من الدم. وفعل ذلک مرة أو

ص: 65


1- و القرابة بينه و بين ابن سعد هي القرابة القرشية و من طرف الام الى بني زهرة عشيرة ابن سعد. انظر حاشیة کتاب وقعة الطف، ص 138
2- تاريخ الطبري ج4، ص282، والإرشاد ج2، ص61، ومنتهى الآمال ج1، ص584
3- لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 49، الکامل في التاريخ لابن الأثير، ج 3، ص 366

مرتين، فلما أراد أن يشرب الثالثة سقطت ثنيتاه في القدح، فقال: «الحمد لله، لو کان لي من الرزق المقسوم لشربته»(1).

ومن أمثلة عبادة مسلم قضاؤه ليلة شهادته بالعبادة، ففي کامل البهائي: أن مسلم بن عقيل کان في الدعاء إذ سمع حوافر الخيل وصهيلها، فعجل في دعائه وأتمه فلبس لامته، وقال لطوعة: «يا أمة الله، قد أديت ما عليک من الخير، ولک نصيب من شفاعة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وقد رأيت عمي أمير المؤمنين (علیه السلام) في المنام فقال لي: ستلحق بي غدا»(2)

و روی أنه لما أرادوا أن يصعدوا بمسلم أعلى القصر ليقتلوه، صعد وهو يستغفر الله ویهلل و یکبر.(3)

مسلم ملتزم بالقیم الاخلاقیة

عندما کان مسلم في منزل هاني بن عروة متخفيا وعلم بقدوم ابن زياد لزيارة هاني بن عروة الذي کان مريضا (وقيل أن المريض کان شريک بن الأعور) فأخبره هانئ أنه سيعطيه إشارة معينة لکي يقتل ابن زياد عندما يکون معه لوحده في غرفته، ثم لما أعطاه الجملة التي فيها الإذن بالقتل لم يفعل مسلم ذلک، حتى شک ابن زياد في هاني، فلما خرج ابن زياد سال مسلما عن سبب امتناعه عن القتل بالرغم من أن ابن زياد فاجر غادر.

فقال مسلم: إنما لم أقتله لحديث بلغني عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)قال فيه:" الإيمان

ص: 66


1- مقاتل الطالبيين، ص66، بحار الأنوار ج44، ص355، منتهى الآمال ج1، ص583
2- کامل البهائي ج2، ص275، عنه منتهى الآمال ج1، ص580
3- مقاتل الطالبيين، ص67

قيد الفتک(1)، لا يفتک مؤمن"، وإنا أهل بيت نکره الغدر.(2)

شهادة مسلم و هاني

أرسل الإمام الحسين (علیه السلام) ابن عمه مسلم ابن عقيل کسفير له الى أهل الکوفة ومعه رسالة منه (علیه السلام) اليهم کان مما قد جاء فيها:(3)

«أنا باعث

ص: 67


1- أي الايمان قيد للمؤمن عن الافعال الغير الملائمة للشريعة. و يدل بطريق العکس على ان من أفتک، فهو غير مقيد بالايمان، و من انتفى منه قيد الايمان، انتفى عنه الايمان. فالفاتک غير مؤمن. و الفتک أن يأتي الرجل، صاحبه و هو غافل، فيشد عليه. و الغيلة أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفى. و نقل الحديث عن طریق العامة: تهذيب تاريخ ابن عساکر 435ص ،ج 7 و ابن أبي شيبة 122ص ،ج 15 و 279 و عبد الرزاق 299ص ،ج 5 و سنن أبي داود 87ص ،ج 3 و عون المعبود 42ص ،ج 3 و مسند أحمد 166ص ،ج 1 و 167 و 92ص ،ج 4 و النهاية و لسان العرب و غريب الحديث لأبي عبيد، ص 301، ج 3 و 302. و رواه في الصحيح من السيرة عن الجامع الصغير 124ص ،ج 1 عن البخاري في التاريخ و أبي داود و مستدرک الحاکم و مسند أحمد و مسلم و کنوز الحقائق بهامش الصغير 96ص ،ج 1 و مستدرک الحاکم 352ص ،ج 4 و مسند أحمد 166ص ،ج 1 و منتخب کنز العمال بهامش المسند 57ص ،ج 1 و مقتل الحسين للخوارزمي 202ص ،ج 1 و عن ابن الأثير 11ص ،ج 4 و عن تأريخ الطبري 240ص ،ج 6. لکنه لم یروی بهذا اللفظ عن طریق اهل البیت نع روی عنهم: (الکافي، ج 7، ص 376) قلت لأبي عبد الله (علیه السلام) إن لنا جارا من همدان يقال له الجعد بن عبد الله و هو يجلس الينا فنذکر عليا أمير المؤمنين (علیه السلام) و فضله فيقع فيه أ فتأذن لي فيه فقال لي يا أبا الصباح أ فکنت فاعلا فقلت إي و الله لئن أذنت لي فيه لأرصدنه فإذا، صار فيها اقتحمت عليه بسيفي فخبطته حتى أقتله قال فقال يا أبا الصباح هذا الفتک و قد نهى رسول الله، ص عن الفتک يا أبا الصباح إن الإسلام قيد الفتک و لکن دعه فستکفى بغيرک قال أبو الصباح فلما رجعت من المدينة الى الکوفة لم البث بها الا ثمانية عشر يوما فخرجت الى المسجد فصليت الفجر ثم عقبت فإذا رجل يحرکني برجله فقال يا أبا الصباح البشرى فقلت بشرک الله بخير فما ذاک فقال إن الجعد بن عبد الله بات البارحة في داره التي في الجبانة فأيقظوه للصلاة فإذا هو مثل الزق المنفوخ ميتا فذهبوا يحملونه فإذا لحمه يسقط عن عظمه فجمعوه في نطع فإذا تحته أسود فدفنوه. (الاسود هو اسم لحیة قاتلة)
2- مقاتل الطالبيين، ص66، الأخبار الطوال، ص235، تاريخ الکوفة للبراقي، ص328
3- أورد هذه الرسالة المفيد في الإرشاد: ج 2، ص 39، و ابن الأثير في الکامل: ج 3، ص 386.

اليکم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل، فإن کتب الي بأنه قد اجتمع رأي ملئکم وذوي الحجى والفضل منکم، على مثل ما قدمت به رسلکم، وقرأت في کتبکم، فإني أقدم اليکم وشيکا، إن شاء الله».

و اخذ مسلم ابن عقيل ابنيه محمد وإبراهيم معه الى الکوفة وهکذا وصل مسلم ابن عقيل وابناه الکوفة في أواخر ذي القعدة سنة 60 للهجرة واستقبلوا هناک في بادئ الأمر بحفاوة کبيرة وحسن ضيافة من الکوفيين.

ولم يتغرق الأمر طويلا حتى اجتمع حوله ما يقارب 18000 من الکوفيين الذين بايعوا الإمام الحسين (علیه السلام) في حضرته. کما قام اين زياد بمحاصرة الکوفة بحيث لا يتمکن أحد من الخروج منها أو الدخول اليها الا بإذنه.

أثناء ذلک کان مسلم ابن عقيل في منزل هانئ ابن عروة تلبية لدعوته. حصل ذلک سرا ولم يعرف الا القلة القليلة بذلک. لکن أحد جواسيس ابن زياد الذي ادعى أنه من شيعة أهل البيت (علیه السلام) والذي استطاع کسب الثقة و تمکن من معرفة مکان إقامة مسلم ابن عقيل.

وبذلک تم اعتقال هانئ ابن عروة و سجنه أما مسلم ابن عقيل فقد ترک منزل هانئ ابن عروة کي لا يضطهد أحد بسببه وترک ابنيه عند أحد الثقاة وحاول اعتبارا من السابع من ذي الحجة سنة 60 للهجرة أن يترک الکوفة ليتوجه الى الإمام الحسين (علیه السلام) کي يبلغه بما الت اليه الأمور في الکوفة ولکنه لم يتمکن من ترکها.

و لما سمع الناس باعتقال هانئ ابن عروة وبعد أن بدأ بعض الشخصيات بأمر من ابن زياد بتخذيل الناس و تجبينهم عن التباع مسلم ابن عقيل بإشاعة خبر مفاده أن جيشا کبيرا من الشام في طريقه الى الکوفة صاروا يتفرقون الواحد تلو الاخر حتى لم يبق منهم على بيعته أحد بعد أن تخلى الکل عن مسلم ابن عقيل وقف في الثامن من ذي الحجة أمام دار تسکنه امرأة تقدمت في السن صالحة مع ابنها اسمها طوعة.

و قبض علیه هناک و عندها أمر ابن زياد بقتله على سطح دار الإمارة و القاء جسده المبارک الى الأرض من على السطح. استشهد مسلم بن عقيل في الکوفة يوم 9 ذو الحجة سنة 60 ه- بعد يوم واحد من خروج الإمام الحسين (علیه السلام) من مکة، کان مسلم ابن عقيل غير ابه بالموت عند اعتلائه القصر منشغلا بذکر الله وتسبيحه الى أن قتله جلاوزة ابن زياد.

ص: 68

بعد أن قتل ابن زياد أيضا هانئ ابن عروة رضوان الله عليه أمر بسحب جسد مسلم وهانئ من أرجلهما في الأسواق ثم صلبهما في الکناسة منکوسين وأنفذ الرأسين الى يزيد بن معاوية. فيما بعد تم العثور أيضا على أولاد مسلم، محمد وإبراهيم وقتلهما رغم صغر سنهما.

وفي رواية أن الإمام الحسين (علیه السلام) قال في مسلم ابن عقيل: رحم الله مسلما فلقد صار الى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه. الا إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا. ثم أنشأ يقول:(1)

فان تکن الدنيا تعد نفيسة*فان ثواب الله أعلى و أنبل

و إن تکن الأبدان للموت أنشئت*فقتل امرئ بالسيف فى الله أفضل

و ان تکن الازراق قسما مقدرا*فقلة حرص المرء فى السعى أجمل

و ان تکن الاموال للترک جمعها*فما بال متروک به المرء يبخل

نعي

بایع مسلم بن عقیل (علیه السلام) من اهل الکوفه ثمانية عشر الفاً، حسب ماجاء في رسالة مسلم الى الحسين يقول فيها: (أما بعد، فإن الرائد لا يکذب أهله، وقد بايعني من أهل الکوفة ثمانية عشر الفا، فعجل الإقبال حين يأتيک کتابي هذا، فإن الناس کلهم معک ليس لهم في ال معاوية رأي ولا هوى، والسلام).

و قیل من بينهم حاکم الکوفة النعمان بن بشير. وکان ما کان مع مسلم بن عقيل في الکوفة حيث انقلبوا عليه، حتى بقي وحيدا غريبا يسير في أزقة الکوفة وشوارعها، ولا يدري أين يذهب، الى أن وصل الى دار امرأة يقال لها طوعة، کانت جالسة على باب دارها، تنتظر عودة ولدها المشؤوم، فراها مسلم وسلم عليها، ردت علیه السلام فقال لها: أمة الله، اسقيني شربة من الماء، دخلت تلک المرأة وجاءته بالماء.

ودخلت، وما لبثت أن خرجت فرأت مسلما جالسا على باب دارها، قالت: يا عبد الله الم تشرب الماء؟ قال: بلى، فقالت له: فاذهب الى أهلک، أنا لا أحل لک الجلوس على باب داري، فقال لها: أمة الله، ما لي في هذا المصر من أهل ولا عشيرة، فهل لک الى أجر ومعروف، أن تضيفيني سواد هذه الليلة، ولعلي مکافئک بعد هذا اليوم؟ فسالته: ومن تکون؟

فقال لها: أنا مسلم بن عقيل، خذل بي أهل الکوفة. فقالت: أنت مسلم،

ص: 69


1- مسند الإمام الشهيد (علیه السلام)، العطاردي، ج 1، ص 453، ناسخ التواريخ، حالات سيد الشهداء (علیه السلام)، ج 2، ص 146، اللهوف: 32

أدخل على الرحبة والسعة فداک أبي و أمي، أدخلته دارا غير الدار الذي کانت تسکن فيه، وقدمت له الطعام، فلم يأکل منه شيئا، وأمضى تلک الليلة قائما وقاعدا يصلي، الى أن أصبح الصباح، فسمع بوقع حوافر الخيل، وأصوات الرجال، فعرف أنهم قد جاؤوا لطلبه، بسبب وشاية ذلک الولد، فلبس لامة حربه بعد أن اقتحموا عليه الدار، فخرج مسلم وشد عليهم حتى أخرجهم من الدار، وحمل عليهم يقاتلهم حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، فلما رأوا ذلک أشرفوا عليه من أعلى السطوح، وأخذوا يرمونه بالحجارة و یشعلون النار في کرات ثم يرمونه بها، حتى أثخن بالجراح و عجز عن القتال، فأسند ظهره على جدار بيت فضربوه بالسهام والأحجار.

فقال: ما لکم ترمونني بالأحجار کما ترمى الکفار، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار، الا ترعون رسول الله في عترته.

عند ذلک طعنه رجل من خلفه فخر الى الأرض فتکاثروا عليه وانتزعوا سيفه و کتفوه فجعل مسلم يبکي، فقال له رجل: اتبکی لما نزل بک؟ فقال: والله ما لنفسي بکيت، ولکن أبکي لأهلي المقبلين، أبکي للحسين و ال الحسين.

مسلم من وگع والسيف طرفاه*على احسين ابو اليمه ايدير طرفاه

ينظر يمنته او يسراه طرفاه*او ينادي لا تجي يبن الزکيه

وأخذوه الى ابن زياد مکتوفا، والناس مجتمعة حول القصر، منهم من يقول بأن مسلما مقتول، ومنهم من يقول: بأنه يساق الى الشام، فبينما هم کذلک إذا بمسلم قد صعدوا به الى أعلى القصر، وهو مثخن بالجراح، قد نزف دمه والعطش قد أضر به، وبکر بن حمران شاهرا سيفه يريد أن يحتز رقبته، لما رأى مسلم ذلک طلب منه أن يصلي رکعتين، فقال له بکر: صل ما شئت، صلى مسلم رکعتين، ثم توجه نحو المدينة وصاح: السلام عليک يا أبا عبد الله، السلام عليک يا بن رسول الله

يحسين انا مکتول ردوا ولا تجوني*خانوا اهل کوفان عگب ما بايعوني

وللفاجر ابن زياد کلهم سلموني*مفرد وانتو يا هلي عني بعيدين

عظم الله لک الأجر يا أبا عبد الله، وإذا باللعين قد رفع سيفه، واحتز رأسه الشريف، ثم رموا بجسده من أعلى القصر.

ثم جاءوا بهاني بن عروة و کان محبوسا عند ابن زياد وفعلوا به کما فعلوا مع مسلم، ثم ربطوا رجليهما بالحبال وجعلوا يجرونهما في

ص: 70

الأسواق. واستوهب قبیلة مذحج جثتيهما ودفنوهما عند القصر حيث موضعهما اليوم، وقبراهما کل على حدة، لکن لا یوم کیومک یا ابا عبدالله

عگب هذا طلعت مذحج من الدور*او شگوا لعد هانی او مسلم اگبور

بس جثت احسین ابیوم عاشور*بگت فوگ الثری و الدم غسلها

روی عن زین العابدین (علیه السلام) أنه دخل يوما السوق، فرأى غريبا، فسلم عليه، ودعاه الى بيته لضيافته، وقال له بحضور الناس: أترى لو أصابک الموت وأنت غريب عن أهلک، هل تجد من يغسلک ويدفنک؟ فقال الناس: يا ابن رسول الله، کلنا يقوم بهذا الواجب، فبکى وقال: لقد قتل أبو عبد الله غريبا، وبقي ثلاثة أيام تصهره الشمس بلا غسل ولا کفن.(1)

ما حال ما زينب (علیه السلام) و هی تنظر الى جسم أخيها الحسين (علیه السلام) ولما رأته بتلک الحالة جثة بلا راس یوم الحادی عشر، ملقى على الثرى، جعلت تندبه وترثيه، قال الراوي:(2)

فوالله لا أنسى زينب ابنة علي وهي تندب الحسين (علیه السلام) وتنادي بصوت حزين وقلب کئيب: وا محمداه، صلى عليک مليک السماء، هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، محزوز الراس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، يا محمداه.

وبناتک سبايا وذريتک مقتلة تسفي عليهم ريح الصبا، بأبي من عسکره يوم الاثنين نهبا، بأبي من فسطاطه مقطع العرى، بأبي من لا هو غائب فيرتجى، ولا هو مريض فيداوى، بأبي المهموم حتى قضى، بأبي العطشان حتى مضى، بأبي من شيبته تقطر بالدماء..

الى الله المشتکى والى محمد المصطفى (صلی الله علیه و آله و سلم)والى علي المرتضى (علیه السلام) و الى فاطمة الزهراء (علیه السلام) والى حمزة سيد الشهداء.. واحزناه، واکرباه عليک يا أبا عبد الله، اليوم مات جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله)... يابه يجدي:

تعالوا لابنکم غسلوه*والکفن وياکم دجيبوه

وجيبوا قطن للجرح نشفوه*وعلى اکتافکم لحسين شيلوه

وبهداي وسط القبر خلوه

قال الراوي: فأبکت والله کل عدو وصديق ثم التفتت زينب الى ابيها امير المؤمنين (علیه السلام) تگله:

ص: 71


1- سيرة الأئمة الاثني عشر (علیه السلام)، هاشم معروف، ج 3، ص 115
2- بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 58 و تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 333 و مقتل الحسين (علیه السلام) للخوارزمي: ج 2، ص 4- 39، الملهوف على قتلى الطفوف: 156- 190.

يابه يا مغسل الزهرة الزکية بجنحة الليل*ويالواقف عليها ودمعک يسيل

اخيي بکربلا من غير تغسيل

هذي نساؤُک من يکون إذا سرتْ*في الأسرِ سائقُها ومَنْ حاديها

أيسوقُها زجرٌ بضربِ مُتونِها*والشمر يَحدُوها بسبِ أبيها

ص: 72

المجلس الثاني (اللیلة الخامسة)

اشارة

لو کان ينفع للعليل غليل*فاض الفرات بمدمعي والنيل

کيف السلو وليس بعد مصيبة ابن*عقيل لي جلد ولا معقول

حکم الاله بما جرى في مسلم*والله ليس لحکمه تبديل

خذلوه وانقلبوا الى ابن سمية*وعن ابن فاطمة يزيد بديل

سل ما جرى جملا ودع تفصيله*فقليله لم يحصه التفصيل

قتلوه ثم رموه من أعلا البنا*وعلى الثرى سحبوه وهو قتيل

ربطوا

برجليه الحبال ومثلوا*فيه فليت أصابني التمثيل

المقدر جره وشاعت أخباره*رموه القوم من قصر الامارة

هاني انقتل بعده وبقت داره*مظلمة ولا بعد واحد يصلها

مصيبتهم مصيبة اتصدع الأجيال*ومن قبل الشيب اتشيب الأطفال

شفت ميت يجرونه بالحبال*يناعي لا تظن صاير مثلها

المحاضرة: الطمع

(وَ جَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُوداً*وَ بَنِينَ شُهُوداً*وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً*ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ*کلَّا إِنَّهُ کانَ لِآياتِنا عَنِيداً)(1)

الطمع هو: التوقع من الناس في أموالهم وأن يعطوه ما عندهم ويکون ذليلا مهينا عندهم وهو من الرذائل المهلکة. الطمع توأم الحرص، وضدهما الاستغناء عن الناس.

قال الصادق (علیه السلام):(2) «ان اردت ان تقر عينک وتنال خير الدنيا والاخرة فاقطع الطمع عما في ايدى الناس» قال الامام علي (علیه السلام):(3)«من

اراد ان يعيش حرا ايام حياته فلا يسکن الطمع قلبه» و قال الباقر (علیه السلام): (4)

«بئس العبد عبد له طمع يقوده» و وقال اميرالمؤمنين (علیه السلام):(5) «تفضل على من

ص: 73


1- مدثر: 12- 16
2- بحار الأنوار: 70ج، ص 168، باب 129، حديث 3
3- مجموعة ورام: 1ج، ص 49، باب الطمع
4- الکافى: ج 2، ص 320، باب الطمع، حديث 2. وسائل الشيعة: 16ج، ص 24، باب 67، حديث 20865
5- و ذکرت احادیث فی بحار الانوار، (بحارالأنوار ج 70، ص 170) عن علی ابن ابی طالب (علیه السلام) فی الطمع انه قال: « قال (علیه السلام) أزرى بنفسه من استشعر الطمع و رضی بالذل من کشف عن ضره و قال (علیه السلام): و الطمع رق مؤبد و قال (علیه السلام) أکثر مصارع العقول تحت بروق المطامع و قال (علیه السلام): الطامع فی وثاق الذل و قال (علیه السلام): من أتى غنیا فتواضع لغناه ذهب ثلثا دینه و قال (علیه السلام): إن الطمع مورد غیر مصدر (ای تدخل فیه و لا تقدر علی الخروج منه ای فیه الهلاک) و ضامن غیر وفی (ای لا وفاء لما ظمن الطمع لک) و ربما شرق (أي غص) شارب الماء قبل ریه فکلما عظم قدر الشیء المتنافس فیه عظمت الرزیة لفقده و الأمانی تعمی أعین البصائر و الحظ یأتی من لا یأتیه و قال (علیه السلام) فی وصیته للحسن (علیه السلام): الیأس خیر من الطلب الى الناس ما أقبح الخضوع عند الحاجة و الجفاء عند الغناء.»

شئت فانت اميره، واستغن عمن شئت فانت نظيره، وافتقر الى من شئت فانت اسيره» وقد روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(1) «الطمع يذهب الحکمة من قلوب العلماء» وعن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(2) «قليل الطمع يسد کثير الورع» و «ما هدم الدين مثل البدع، ولا أفسد الرجل مثل الطمع».

وعن علي بن الحسين السجاد (علیه السلام) قوله:(3)

«رأيت الخير کله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس و من لم يرج الناس في شي ء، و رد أمره الى الله عز و جل في جميع أموره، استجاب الله عز و جل له في کل شي ء ».

وروى الصادق (علیه السلام) قال:(4) «قلت له: ما الذي يثبت الايمان في العبد؟ قال: الورع، والذيي خرجه منه؟ قال: الطمع» جاء رجل الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فقال یا رسول الله أوصنی:(5)

«قال أوصیک بخمس بالیأس عما فی أیدی الناس فإنه الغنى و إیاک و الطمع فإنه الفقر الحاضر و صل صلاة مودع و إیاک و ما یعتذر منه و أحب لأخیک ما تحب لنفسک».

و قال الصادق (علیه السلام):(6) «إن فيما نزل به الوحي من السماء لو أن لابن آدم واديين يسيلان ذهبا و فضة لابتغى اليهما ثالثا يا ابن آدم إنما بطنک

ص: 74


1- نهج الفصاحة، ص 560
2- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 370
3- الکافي، کتاب الإيمان و الکفر، باب الطمع، ح 2605، الى قوله: «عما في أيدى الناس» الوافي، للفیض الکاشاني، ج 4، ص 415، ح 2222، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 9، ص 449، ح 12469، بحار الانوار، ج 75، ص 110، ح 16.
4- الخصال، ص 9، باب الواحد، ح 29، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 899، ح 3251، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 16، ص 24، ح 20867، بحار الانوار، ج 73، ص 171، ح 12.
5- بحارالأنوار ج 70، ص 168
6- من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 418

بحر من البحور و واد من الأودية لا يملأه شي ء الا التراب.» و نُقل شعر عن الامام علي (علیه السلام) و هو:(1)

لا تخضعن لمخلوق على طمع*فإن ذلک وهن منک في الدين

و استرزق الله مما في خزائنه*فإنما الأمر بين الکاف و النون (2)

إن الذي أنت ترجوه و تأمله*من البرية مسکين ابن مسکين

ما أحسن الجود في الدنيا و في الدين*و أقبح البخل فيمن صيغ من طين

و قال فی شعر اخر:(3)

دع الحرص على الدنيا*و في العيش فلا تطمع

و لا تجمع من المال*و لا تدري لمن تجمع

و لا تدري أ في أرضک*أم في غيرها تصرع

فإن الرزق مقسوم*و کد المرء لا ينفع

فقير کل من يطمع*غني کل من يقنع

قصة اشعب الطماع

کان اشعب(4) طماعا یعیش فی المدینة قالوا له ما بلغ منک من الطمع: فقال ما زفت امرأة بالمدينة الا کنست بيتي قلت لنفسي يجيئون بها لي، وقال في إجابة أخرى: ما خرجت في جنازة قط فرأيت اثنين يتکلمان الا ظننت أن الميت قد أوصى لي بشيء.

وقال أيضا: ما رأيت اثنين يتحدثان الا ظننتهما يريدان إعطائي شيئا وقال له رجل: ما بلغ من طمعک فقال: ما سالتني عن هذا الا وقد خبأت لي شيئا تعطيني إياه وقال في إجابة أخرى: اذا أرى دخان بیت جاري فأسرع بفت الثريد و الخبز و اقول سیعطینی منه شیئا.

ص: 75


1- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 451
2- الکاف و النون هو اشار الی امر الله الذی یقول لشئ کن فالامور کلها بید الله عزوجل. روی القمی فی تفسیره: « قوله (کنْ فَيَکونُ) قال خزائنه في کاف و نون» ای کاف کُن و نون فیکون، انظر: تفسير القمي، ج 2، ص 218 و الی هذا اشار العلامة المجلسی: (بحار الأنوار، ج 25، ص 175): «أمره بين الکاف و النون أي هم عجيب أمر الله المکنون الذي ظهر بين الکاف و النون إشارة الى قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ کنْ فَيَکونُ) »
3- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 259
4- هذا کان یروی الحدیث ایضا و قيل فيه: «ضاع الحديث بين أشعب وعکرمة»، وخلاصة الحکاية أن أشعب قال: «حدثنا عکرمة عن ابن عباس أن رسول الله قال: لا يخلو المؤمن من خلتين». وسکت، فقيل له: «ما هما؟» فقال: «الأولى نسيها عکرمة، والثانية نسيتها أنا».

وسئل: أرأيت أطمع منک؟ فقال نعم، کلب بیت فلان يتبعني فرسخين وأنا أمضغ، ظانا انی ارید اعطیه شئ من فمی. و حضور أشعب في موائد الطعام کان أحد مظاهر الطمع في حياته، إذ کان يفرض نفسه على الدعوات، ويحکي أشعب أنه دخل على سالم فقال له: يا أشعب حمل الينا هريسة وأنا صائم فاقعد فکل.

فاجتهد أشعب في أن يأکل الجفنة کلها، فقال له سالم: لا تحمل نفسک فوق طاقتها واحمل ما تبقى منک الى بيتک. فلما رجع الى بيته قالت له امرأته: يا مشئوم بعث اليک عبد الله يطلبک (و اراد ان یدعوه للاکل) فقال لها: وماذا قلت له؟ قالت: قلت له أنک مريض، فقال أشعب أحسنت، وصبغ نفسه بالصفرة وعصب رأسه واتکأ على عصا وادعى أنه مريض، وذهب الى عبد الله يدعى أنه مريض منذ شهرين وما رفع جنبه من الأرض، ولم يعرف أشعب أن سالم الذی تغدی عنده کان في البيت مع عبد الله.

قصة

«ضرب الحکماء مثالا لفرط الطمع فقالوا إن رجلا صاد قبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحک و آکلک قالت و الله ما أشفي من قرم و لا أشبع من جوع و لکني أعلمک ثلاث خصال هن خير لک من أکلي أما واحدة فأعلمک إياها و أنا في يدک و أما الثانية فإذا صرت على الشجرة أما الثالثة فإذا صرت على الجبل فقال هاتي الأولى قالت لا تلهفن على ما فات فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هاتي الثانية.

قالت لا تصدقن بما لا يکون أنه يکون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين وزن کل واحدة ثلاثون مثقالا فعض على يديه و تلهف تلهفا شديدا و قال هاتي الثالثة فقالت أنت قد أنسيت الاثنتين فما تصنع بالثالثة أ لم أقل لک لا تلهفن على ما فات و قد تلهفت و أ لم أقل لک لا تصدقن بما لا يکون أنه يکون و أنا و لحمي و دمي و ريشي لا يکون عشرين مثقالا فکيف صدقت أن في حوصلتي درتين کل واحدة منهما ثلاثون مثقالا ثم طارت و ذهبت.»(1)

قصة الصیاد الطماع

کان صياد بالکاد يجد قوت يومه وکان يعيش في کوخ صغير وسط الغابه کان لديه أطفال کثيرين کان إذا اصداد سمکه واحده في اليوم

ص: 76


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 19، ص 166

يأخذها الى زوجته لتعد بها الغداء ويأکلونها لتقوى أجسامهم بها وإن وفقه الله واصداد اثنتان فهذا يوم العيد عندهم فيأخذ الأولى الى زوجته ويأخذ الثانيه ليبيعها ويشتري بثمنها نواقص منزله الصغير.

وفي يوم من الايام وبينما کان ينتظر حظه لهذا اليوم اصداد هذا الصياد سمکه کبيره فرح بها الصياد کثيرا أخذها مسرعا الى زوجته طلب منها إعداد وجبه معتبره من هذه السمکه الشهيه وفعلا أخذت الزوجه هذه السمکة الکبيره بدأت بعملها للطبخ ولکن تفاجئت لما رأته رات لؤلؤه کبيره في داخل تلک السمکه أخبرت زوجها بما رأته فاحتار في أمرها وماذا يصنع بها..؟

ففکر ثم تذکر بأن جارهم يبيع اللؤلؤ ذهب للجار ليشتري منه اللؤلؤه الکبيره کان يفکر بشراء ملابس جديده لاطفاله وزوجته وسيشتري کل مايحتاجه منزله طلب الصياد من التاجر شراء هذه اللؤلؤه الکبيره لکنه تفاجئ بجواب التاجر قال له لا أستطيع شرائها..

لانني لا أمتلک ثمنها إذهب الى وزير الماليه فإنه لايملک ثمنها ذهب الصياد الى وزير الماليه ودخل على لوزير أخبر الوزير بما حدث له طلب منه الوزير رؤية اللؤلؤه وعندما رأها کان جوابه نفس جواب التاجر ولکنه طلب من الصياد الذهاب الى من هو أقدر منه و هو الملک و الملک قبل شرائها منه و ثمنها سیکون ادخالک غرفة الممتلکات وسأترکک فيها لمدة ساعتين واعلم بأن فيها کل ما لذ وطاب ولکن بعد هذا الساعتين سيأتي الحراس ويخرجونک ولا تطلب بعدها دقيقه واحده زائده دخلها.

فوجدا في بداية الطريق الذهب و اللولوء لکن قرر ان يريح جسده من عناء هذا اليوم فکر الصياد ثم قال لدي وقت کثير سأجلس وأشبع معدتي و کان فی الغرفة مالذ و طاب ثم أعود أدراجي لأخذ النقود والمجوهرات جلس الصياد يأکل ويأکل ويأکل فلم ينتبه الا بعد مضي نصف الوقت قام الصياد للذهاب الى النقود ولکنه حينما وصل الى المفارش ورأى ماتتصف به من نعومه ودفئ قرر أن يأخذ له نومة لمدة قلیلة من بعدها يأخذ النقود.

تم الوقت والصياد لايزال نائما من شدة التعب لايزال نائما لم يحس الا والحرس يسحبوه ليخرجوه من الغرفه وهو يحاول ايقافهم لکن بلا جدوی أخرجوه من الغرفه ومن القصر خالي اليدين کيف سيقابل زوجته وأطفاله؟ يتمنى لو يعود به الزمن ولو لدقيقه واحده ليفعل فيها شيء لم

ص: 77

يستطع فعله في هذه الدقيقه الضاعئه.

و المقصود من الصياد هو الإنسان کان الملک هو الرب العادل الرحيم کانت اللؤلؤه هي الفرصه کانت الغرفه هي الدنيا کانت المجوهرات والنقود هي الحسنات کانت المفارش هي الغفله کانت الاطعمه هي الشهوه کان الحارس هو ملک الموت فهذا هو حال الإنسان يضيع وقته بين الشهوة والغفله بعدها يطلب دقيقه واحده ليفعل مالم يستطع عمله خلال سنواته الطويلة.

نعي

عن ابن عباس، قال: قال علي (علیه السلام) لرسول الله (صلی الله علیه و آله): يا رسول الله، إنک لتحب عقيلا؟ قال: إي والله إني لأحبه حبين: حبا له، وحبا لحب أبي طالب له، وإن ولده لمقتول في محبة ولدک، فتدمع عليه عيون المؤمنين، وتصلي عليه الملائکة المقربون.

ثم بکى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)حتى جرت دموعه على صدره، ثم قال: الى الله أشکو ما تلقى عترتي من بعدي.(1)

وفعلا إن مصيبة مسلم مصيبة اليمة ومحرقة للقلوب، خاصة وأنه أقبل الى الکوفة وهو العزيز عند أهل البيت (علیه السلام) وسفير الحسين (علیه السلام) وممثله خاصة، وقد بايعه أکثر من ثمانية عشر الفا، کلهم يقرأون کتاب الحسين (علیه السلام) ويضعونه على أعينهم ثم سرعان ما خذلوا مسلما وضيعوا بيعتهم فما إن دخل ابن زياد لعنه الله الکوفة وهدد أهلها ورغب مناصريه حتى تفرق الناس عن مسلم، کان يأتي الأب الى ابنه والأم الى ولدها والأخ الى أخيه يقولون ما لنا والدخول بين السلاطين.

ثلاث مرات مسلم ذکر الحسين (علیه السلام) و واساه و سلم عليه قبل شهادته، کانت المرة الأولى حینما قبضوا علیه جنود ابن زیاد و قیدوه بالحبال تذکر اباعبدالله و بکی قالوا له تبکی علی حالک؟ قال لا ابکی علی الحسین و علی وحدته، والمرة الثانية حينما جاؤوا به الى قصر الإمارة، أراد أن يشرب من قلة فيها ماء بارد موضوعة على باب القصر، وکان في أشد وغاية الظمأ لکنه منعه لئيم من الشرب منها، حتى رق لحاله أحدهم وجيء اليه بقدح فيه ماء ومعه کأس، فصب فيه ليشرب وأدناه من فمه و کلما أراد أن يشرب امتلأ القدح دما من فيه ثم أراد أن يشرب ثالثة وإذا بثناياه سقطت في القدح، فقال: "الحمد لله، لو کان لي من

ص: 78


1- أمالي الصدوق: ص 111، المجلس 27، حديث رقم 3، وعنه بحار الأنوار، للمجلسي، ج 22، ص 288

الرزق المقسوم لشربته"

(نعم واسى الحسين في شهادته فأبى أن يموت الا ظمان کسيد الشهداء). والمرة الثالثة التي ذکر فيها مسلم الحسين وسلم عليه مودعا حينما صعدوا به الى أعلى قصر الإمارة وجراحاته تنزف والعطش قد أخذ به وهو يذکر الله ولما رأى مسلم السيف مشهورا استمهلهم ليصلي، فصلى رکعتين.

وقال: اللهم احکم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا وکذبونا، وتوجه نحو المدينة وصاح: السلام عليک يا أبا عبد الله، السلام عليک يا بن رسول الله.(1)

و لما استشهد مسلم و وصل الي الحسين خبر شهادته کان قريبا من الکوفة في منطقة يقال لها زرود(2)،

إختنق بعبرته، وأقام في ذلک المکان مأتما،(3) سمعت زينب بکاء إخوتها وبني عمومتها، وقفت قليلا على باب الخيمة لترى ما الخبر بينا هي کذلک، وإذا بأخيها الحسين أقبل اليها يمسح دموعه بطرف ردائه، قالت: ما يبکيک أخي أبا عبد الله؟

قال لها: "أخيه، عظم الله لک الأجر بابن عمک مسلم فلقد قتلوه وغدروا به عندها صاحت: وا ابن عماه وامسلماه(4)

والمقدر جره وشاعت اخباره*رموه القوم من قصر الامارة

وهاني انکتل بعده وبگت داره*مظلمة ولا بعد واحد يصلیها

قال: "أخيه زينب أين يتيمة مسلم، حميدة طفلة مسلم جاءت بها دفعتها الى سيد شباب أهل الجنة، أخذها وأجلسها في حجره، جعل يمسح على رأسها يطيب قلبها، وهو مختنق بعبرته، شعرت هذه الطفلة باليتم، جعلت تتفحص في وجه عمها الحسين (علیه السلام) تقول: عماه أبا عبد الله، ما لي أراک تصنع معي کما تصنع مع اليتامى هل أصاب والدي مکروه، لعل والدي قد قتل، قال: "بنية أنا أبوک وبناتي أخواتک"(5)،

لما سمعت من الحسين هذه الکلمات صاحت واأبتاه وامسلماه و تبکي عليه.

ص: 79


1- مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 165 و أسرار الشهادة، ص 259
2- زرود: اسم منزل على طريق الکوفة نزل فيه سيد الشهداء. و زرود کما جاء في «معجم البلدان ج 3، ص 139»: "رمال بين الثعلبية و الخزيميّة بطريق الحاج من الکوفة".
3- تحفة الأزهار، ضامن بن شدقم، ج 2، ص 61
4- مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 35
5- فرهنگ جامع سخنان امام حسين (علیه السلام)، ص 393

هذا وسکينه واقفة تنظر اليها، حابسة لدمعتها تحاول ملاطفتها. ولکن کيف کان حال سکينة عندما استشهد الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء. جاءت الى أبيها الحسين، وقد رأته بتلک الحالة مقطوع الرأس، مقطع الأوصال رمت بنفسها عليه(1)و

هي تقول: يا أبتاه، البسني بنو أمية ثوب اليتم. يا أبتاه إذا أظلم عليّ الليل من يحمي حماي؟. يا أبتاه إذا عطشت فمن يروي ظماي؟ يا أبتاه انظر الى رؤوسنا المکشوفة، و الى أکبادنا الملهوفة، و الى عمتي المضروبة، و الى أمي المسحوبة(2):

تگله من گطع راسک ابسيفه*اومن هشم اعظامک واخذ حيفه

يبويه الجيش سلبنه اعله کيفه*اومتني ابسوط عدوانک تورم

ويتيمة فزعت لجسم کفيلها*حسرى القناع تضج في أصواتها

وقعت عليه تقبل موضع نحره*وعيونها تنهل في عبراتها

تقول سکينة وبينما هي على صدر الحسين (علیه السلام) وإذا بها تسمع صوتا من نحره الشريف: بنيه سکينة اقرأي شيعتي عني السلام، وقولي لهم إن أبي قتل عطشانا فاذکروه، ومات غريبا فاندبوه:(3)

شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذکروني*

أو

سمعتم بشهيد أو غريب فاندبوني

فأنا السبط الذي من غير جرم قتلوني*

وبجرد الخيل بعد القتل عمدا سحقوني(4)

ليتکم في يوم عاشورا جميعا تنظروني*

کيف

أستسقي لطفلي فأبوا أن يرحموني

ص: 80


1- مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 322، للاطلاع الاکثر علی حیاتها راجع: تهذيب الأسماء للنووي ج 1، ص 163 و الکواکب الدرية للمناوي ج 1، ص 58 و نور الأبصار للشبلنجي، ص 160 و وفيات الأعيان لابن خلکان بترجمتها: توفيت سکينة بنت الحسين (علیه السلام) يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة 117 ه و في المجدي لأبي الحسن العمري في النسب و اعلام الورى للطبرسي، ص 127 عند ذکر أولاد الحسن (علیه السلام) و الأغاني ج 12، ص 163: أنها تزوجت من ابن عمها عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب قتل عنها يوم الطف و لم تلد منه.
2- موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 259 نقلا عن: العيون العبرى، ص 199
3- "عوالم العلوم و المعارف والأحوال من الآيات و الأخبار و الأقوال" ج 11، ص 958
4- موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 259

فسقوه سهم بغي عوض الماء المعين(1)

بينا هي محتمية بأبيها الحسين (علیه السلام) جاء جمع من الأعداء، وأرادوا أن ينحوها عن جسد أبيها، ما تمکنوا، فجعلوا يضربونها بالسياط، وهي تلوذ بأبيها:

بوي برضاک لو غصبن عليک*اني يجرني الشمر من بين إيدک

وادري بحميتک ما تخليک*بس معذور يا لحزوا وريديک

وکاني بزينب (علیه السلام) بعدما رکبت الناقة التفتت الى اخيها الحسين(2)

تقول له:

مالي غيرک يا حبيب ام الزکية*مالي غيرک يالکنت خيمة عليا

مالي غيرک يا دمع عيني الجرية*مالي غيرک يا غريب الغاضرية

مالي غيرک يا طريح على الوطية*مالي غيرک خويا راح امشي سبية

مالي غيرک الناس تتفرج عليا

ص: 81


1- موسوعة شهادة المعصومين (علیه السلام)، اعداد: لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (علیه السلام)، ج 2، ص 325، و الدمعة الساکبة ج 4، ص 374.
2- للاطلاع الاکثر راجع: موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 259

المجلس الأول: الحر (اللیلة السادسة)

اشارة

اسد تدافع عن حقائق أحمد*والحرب من لجج الدما تتدفع

واستقبلوا بيض الصفاح وعانقوا*سمر الرماح وبالقلوب تدرعوا

فکأنما لهم الرماح عرائس*تجلى وهم فيها هيام ولع

يمشون في ظلل القنا لم يثنهم*وقع القنا والبيض حتى صرعوا

فدماؤهم

للسمهرية منهل*ونحورهم للمشرفية مرتع

وجسومهم بالغاضرية خشع*ورؤوسهم فوق الأسنة ترفع

مشوا لنصار يا حيهم للاطراد*او کلمن راح منهم بعد ما عاد

گظوا حگ الحسين او حگ الجهاد*او حگ الله او ناموا ابحر الصخور

اچفوف الگدر يصحابي لونکم*احشمکم او روحي اتون لونکم

تنهضون او تشوفوني لونکم*وحيد او حاطت العدوان بيه

المحاضرة: الشره

الشره یعنی موافقة الهوی فی المطاعم و المناکح و جمع المال و قد یقع ایضا فی الکمالیات بحیث یکون المرء مولع بجمع الملابس الفاخرة و النقوش و الاوانی و المجسمات و النقود الاجنبیة و ماشابه.

شره الطعام

انه عبادة البطن، فإن مفاسده کثيرة تترتب عليهما کالذلة و المهانة و الحمق و البلادة، بل إن معظم الأضرار التي ترد على الإنسان منشؤها البطن ولولا جور البطن، لما وقع طير في فخ، بل لما جهز الصياد فخه.

و قالوا الحکماء لو قیل لاهل القبور ما کان سبب آجالکم لقالوا التخمة واعلم أنه کما للبطنة افات کثيرة، فإن للجوع ثمارا مفيدة کثيرة، فإن الجوع ينور القلب، ويجلو الذهن، ويصبح ابن ادم خفيف المؤنة، ويصح بدنه، وتنأى أمراضه.

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1) «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه فإن غلب الآدمي نفسه فثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس» و عن الامام الصادق (علیه السلام) انه قال:(2)«ثلاث فيهن المقت من الله عزوجل نوم في غير سهر و ضحک من غير عجب و أکل على الشبع»

ص: 82


1- بحار الأنوار، ج 63، ص 330
2- بحار الأنوار، ج 63، ص 332

قصة أبو جحيفة

«أبو جحيفة(1)، و هو هب بن عبد الله، و من أصحاب علي (علیه السلام) انه من صغار الصحابة، ذکروا ان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)مات و أبو جحيفة لم يبلغ الحلم، و لکنه سمع من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و روى عنه، و جعله علي بن أبي طالب (علیه السلام) على بيت المال بالکوفة، و شهد معه مشاهده کلها، و روى عن أبو جحيفة أنه أکل ثريدة(2)

بلحم و أتى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و هو يتجشأ(3).

فقال: أکفف عليک جشائک أبا جحيفة فان أکثرهم شبعا في الدنيا أکثرهم جوعا يوم القيامة. قال: فما أکل أبو جحيفة مل ء بطنه حتى فارق الدنيا، کان إذا تعشى لا يتغدى، و إذا تغدى لا يتعشى.»

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(4)«إذا دعي أحدکم الى طعام فلا يستتبعن ولده، فإنه إن فعل أکل حراما ودخل عاصيا» و عن الامام علي (علیه السلام):(5)

«إياکم ودناءة الشره والطمع، فإنه رأس کل شر، ومزرعة الذل، ومهين النفس، ومتعب الجسد»

شره الجماع

الجماع ينبغي أن يکون باعتدال من غير إفراط أو تفريط، وحد الاعتدال ما يعفهم ويحصنهم ويکفيهم و على الرجل أن يعف نفسه و زوجته عن الحرام بحسب ما يستطيع بلا إفراط أو تفريط.

و الشره فی الجماع معناه الإکثار من النکاح و إفساد المني و هو مذموم لأن کثرة إراقته ربما تضعف المرء، ويسقط القوة، ويجف الأعضاء

ص: 83


1- سفينة بحار الانوار، ج 1، ص 553، بحار الأنوار، ج 63، ص 332
2- يُسمى الخبز المهشوم و المبلَّل بالمرق، الثريدة
3- الجشأ: ريح يخرج من الفم مع الصوت عند امتلاء المعدة.
4- التهذيب، ج 9، ص 92، ح 397، المحاسن، ص 411، کتاب المآکل، ح 147، الجعفريات، ص 165، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 20، ص 531، ح 19953، و في مرآة العقول، ج 22، ص 72: «أکل حراما، أي الولد، و يحتمل الوالد، فتکون الحرمة محمولة على الکراهة الشديدة، أو على ما إذا ظن أنه لا يرضى بأکله مع کون ولده معه، و على أي حال لعله محمول على ما إذا لم يغلب ظنه برضاه بذلک». و قال الشهيد قدس سره: «يکره... استتباع المدعو الى طعام ولده، و يحرم أکل طعام لم يدع اليه للرواية، و قيل: يکره». الدروس، ج 3، ص 26.
5- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 101

الأصلية ويسرع اليها الهرم والذبول، و کثرة النکاح تفتر البدن(1)

و تجففه و تضعفه و تخلخله ويهرم سريعا، ويضر بالعصب، ويفسد اللون، ويورث الرعشة. الوطئ یجب ان یدفع به شر احتقان المنی و عدم الوقوع فی الحرام او یطلب به الولد فاما انه یصیر عادة و یکون التمتع بنفس الفعل فلا.

و للرئيس ابى علي بن سينا المتفنن في العلوم، شعر:(2)

اجعل غذاءک کل يوم مرة*و احذر طعاما قبل هضم طعام

و احفظ منيک ما استطعت فانه*ماء الحياة يصب في الارحام

شره المال

و قد یقع الشره علی جمع المال و هو مذموم اذا زاد علی قدر الحاجة و هی غنی النفس لاجل الاستغناء عن الاخرین و البذل علی العائلة و بذل بعضه علی المحتاجین فاذا حصل هذا ینبغی علی المومن ان لا یضیع وقته علیه.

و عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت عليا (علیه السلام) يقول إن رسول الله (علیه السلام) قال:(3)«منهومان(4)

لا يشبعان منهوم دنيا و منهوم علم فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله عزوجل له سلم و من تناولها من غير حلها هلک الا أن يتوب و يراجع و من أخذ العلم من أهله و عمل به نجا و من أراد به الدنيا فهي حظه»

شره الکمالیات

و قد یقع الشره فی فنون ما یلتذ به من الابنیة المنقوشة و الملابس الفاخرة و جنی انواع الطیور و الحیوانات و غیر ذلک و یکون لاجل الهوس و بلا فائدة مادیة او معنویة و علاجه ان یعلم ان الحساب علی کسب الحلال شدید و التبذیر ممنوع و یتذکر ان علی (علیه السلام) کان خمس سنوات خلیفة

ص: 84


1- روی عن طریق العامة من الامام علي بن أبي طالب (علیه السلام): «منيک عمرک، إن شئت قلله، وإن شئت کثره. أنا (ای الجماع) للمريض الذي يشتهي أرجي (ای انفع) مني للصحيح الذي لا يشتهى.» انظر: (التمثيل و المحاضرة، ص 122)
2- نزهة الجلیس و منیة الأدیب الأنیس، ج 2، ص 344
3- تهذيب الأحکام، ج 6، ص 328، و رواه عن سليم: الکليني في الکافي، ج 1، ص 113و الروضة و السيد المرتضى في الشافي و الصدوق في الخصال و الديلمي في أعلام الدين.
4- المنهوم: من النهم، بمعنى الجوع و إفراط الشهوة في الطعام.

علی المسلمین و لا بنی بیت و لا وضع آجره علی آجره(1)

و هکذا کان رسول الله.

نعي الحر

کان أول قتيل بين يدي سيد الشهداء الحر بن يزيد الرياحي(2)،

وقد کان شريفا في قومه ورئيسا في الکوفة، فلما رأى القوم قد صمموا على قتال الحسين (علیه السلام) وسمع صيحة الإمام ينادي:" أما من مغيث يغيثنا، أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)"، جاء الى عمر بن سعد وقال له: أمقاتل أنت هذا الرجل؟

قال: إي والله، قتالا أيسره أن تسقط فيه الرؤوس، وتطيح الأيدي(3)،

قال الحر: أفما لکم في واحدة من الخصال التي عرض عليکم رضى؟ قال عمر بن سعد: أما والله، لو کان الأمر الي لفعلت، ولکن أميرک قد أبى ذلک. فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا، ومعه رجل يقال له قرة بن قيس. فقال: يا قرة، هل سقيت فرسک اليوم؟ قال: لا.

قال له: أما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، وکره أن أراه يصنع ذلک. فقلت له: أنا منطلق فأسقيه قال: فاعتزلت ذلک المکان، فأخذ يدنو من الحسين (علیه السلام) قليلا قليلا.(4)

فقال له رجل من قومه: ما تريد يا ابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسکت وأخذته مثل الرعدة. فقال له صاحبه: يا ابن يزيد، والله، إن أمرک لمريب، والله ما رأيت منک في موقف قط مثل شيء أراه الان، ولو قيل لي من أشجع أهل الکوفة لما عدوتک، فما هذا الذي أراه منک؟ قال الحر: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، و والله لا أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت.(5)

ص: 85


1- فی الحدیث عن الباقر: و لقد ولي الناس خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة، و لا لبنة على لبنة. انظر: الأمالي للطوسي، ص 693
2- بحار الأنوار، للمجلسي، 45ج، ص 13 عن کتابنا هذا و عن مناقب ابن شهر اشوب و الکامل في التاريخ: 4ج، ص 64. و کذا في کتاب "عوالم العلوم والمعارف والأقوال من الأيات والأخبار والأقوال"، للشيخ عبدالله البحراني: 17ج، ص 257.
3- ادب الطف، شبر، ج 1، ص 86 و لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 102 و موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 1، ص 67
4- إبصار العين، السماوى، ص 208
5- مع الرکب الحسيني، ج 4، ص و تاريخ الطبري: ج 3، ص 320

ثم ما لبث أن أقبل ملبيا نادما منکسرا على ما فعله من منعه الحسين (علیه السلام) من المسير في أرض الله العريضة، جاء الى الحسين ويديه على رأسه وهو يقول: اللهم اليک تبت فتب علي، فقد أرعبت قلوب أوليائک وأولاد بنت نبيک، فلما دنا من الحسين (علیه السلام) قلب ترسه(1)

وأقبل وقد نزل عن فرسه، وجعل يقبل الأرض بين يديه، فقال الحسين (علیه السلام):"من تکون أنت ارفع رأسک"؟ قال جعلني الله فداک يا ابن رسول الله، أنا صاحبک الذي حبستک عن الرجوع، وسايرتک في الطريق، وجعجعت بک في هذا المکان، وما ظننت أن القوم يردون عليک ما عرضت عليهم، ولا يبلغون منک هذه المنزلة، والله لو علمت أنهم ينتهون بک الى ما أرى ما رکبت منک الذي رکبت، وأنا تائب الى الله تعالى مما صنعت فترى لي من توبة.(2)

فقال الحسين: "نعم، يتوب الله عليک، فانزل"، قال: أنا لک فارسا خير مني راجلا، أقاتلهم على فرسي ساعة والى النزول يصير اخر أمري، فقال له الحسين (علیه السلام): "فاصنع يرحمک الله ما بدا لک".(3)

ولما أن بدء القتال، حمل الحر على القوم وهو يرتجز:(4)

إني أنا الحر ومأوى الضيف*أضرب في أعناقکم بالسيف

عن خير من حل بأرض الخيف

فقاتل قتالا شديدا حتى أکثر فيهم القتلى، فعقروا فرسه، فجعل يقاتلهم راجلا، فحملت عليه الرجالة وتکاثرا عليه حتى قتلوه، فاحتمله أصحاب الحسين (علیه السلام) حتى وضعوه بين يديه (علیه السلام) وبه رمق فجعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: "أنت الحر کما سمتک أمک، حر في الدنيا والاخرة".(5)

ثم أنشأ الحسين يقول:(6)

لنعم الحر حر بني رياح*صبور عند مشتبک الرماح

لنعم الحر إذ واسى حسينا*وجاد بنفسه عند الصباح

ص: 86


1- قلب ترسه: علامة لعدم الحرب وذلک لان المقبل الى القوم وهو مفترس شاهر سيفه محارب لهم فإذا قلب الترس وأغمد السيف فهو غير محارب اما مستأمن أو رسول.
2- ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 364
3- ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 365
4- إبصار العين، السماوى، ص 210
5- تاريخ الأمم و الملوک، الطبري، ج 5، ص 428
6- الإرشاد، المفيد، ج 2، ص 100

وهکذا کان يصنع الإمام مع کل شهيد يسقط من أصحابه، کان يمشي اليه، يضع رأسه في حجره، يقبله ما بين عينيه، يبکي عليه، ويبشره بالجنة. ولکن الموقف الصعب حينما سقط الحسين على رمضاء کربلاء، من الذي مشى اليه؟ من الذي وضع رأسه في حجره؟ من الذي مسح عنه الدم والتراب؟ من الذي نعاه وبکاه؟ جاءته أخته زينب (علیه السلام) تنظر اليه و رأسه على رأس رمح طويل، صاحت: وا أخاه، وا سيداه، وا حسيناه.

ما تدري يخويه شلون حالي*شحال الغريبه بغير والي

علی راس الرمح راسک گبالي*وکلمن شاف ذي الحاله بکالي

او عدوانک قدو علی یبچون

ولکن الموقف الأصعب على قلب الحوراء زينب (علیه السلام) هو لما أمر عمر بن سعد أن ترض الأجساد بحوافر الخيل، وقفت عشيرة بني رياح وأحاطوا بجثمان الحر وجردوا سيوفهم، وقالوا: لا والله لا يرض جسد رئيسنا بحوافر الخيول.(1)

فقال ابن سعد لهم: ويلکم لقد خرج على الأمير، قالوا: نعم خرج عليه ساعة من الزمن وأطاعه دهرا من عمره، خاف ابن سعد وقوع الفتنة، فقال: ويحکم احملوا جثمان الحر خارج الميدان. هذا والعقيلة زينب (علیه السلام) واقفة أمام الخيمة تنظر الى عشيرة بني رياح يحملون جثمان الحر خارج الميدان، وتنظر الى جهة أخيها الحسين (علیه السلام) والحسين قد رضت الخيل صدره وظهره، وهي تنادي: يا قوم أما فيکم مسلم يدفن هذا السليب.(2)

العشيرة شالته بحر الظهيره*الکل منهم عليه شالته الغيره

بس ظلوا لماعدهم عشيره*ضحايه بالشمس من غير تغسيل

لذا وجهت نداءها الى رسول الله (صلی الله علیه و آله):

يابه يجدي تعالوا لبنکم غسلوه*والکفن وياکم دجيبوه

وجيبوا گطن للجرح نشفوه*وعلى اکتافکم لحسين شيلوه

يجدي مات محد وگف دونه*ولا نغار غمضله عيونه

وحيد يعالج او منخطف لونه*ولا واحد بحلگه ماي گطر

يجدي مات محد مدد ايديه*ولا واحد يجدي عدل رجليه

يعالج بالشمس محد گرب ليه*يحطله اظلال يا جدي امن الحر

قوموا غضابا من الأجداث وانتدبوا*واستنقذوا من يد البلوى بقايانا

ص: 87


1- مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 318
2- ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي ج 2، ص 197

هذا حسين بلا غسل ولا کفن*عار تجول عليه الخيل ميدانا

ص: 88

المجلس الثاني: حبيب بن مظاهر (اللیلة السادسة)

اشارة

کيف يصحو بما تقول اللواحي*من سقته الهموم أنکد راح

وغزته عساکر الحزن حتى*أفردت قلبه من الأفراح

بأبي من شروا لقاء حسين*بفراق النفوس والأرواح

وقفوا يدرأون سمر العوالي*عنه والنبل، وقفة الأشباح

فوقوه بيض الظبي بالنحور*البيض والنبل بالوجوه الصباح

باعدوا بين قربهم والمواضي*وجسوم الأعداء والأرواح

بأبي الواردون حوض المنايا*يوم ذيدوا عن الفرات المتاح

غدوا هذا اعله حر الأرض مطروح*او ذاک ايعالج او دم منحره ايفوح

او هذا امن الطعن ما بگت بيه روح*او ذاک امن الطبر جسمه تخذم

تعنه حسين واوچب بالمعاره*لگاها امطرحه او دمها ايتجاره

صفگ بيده او تلهف على انصاره*او عليهم دمع عينه انحدر واسچم

غده يعتب عليها ابگلب مالوم*يطيب الکم يفرسان الوغى النوم

او

تخلوني وحيد ابين هالگوم*وکل منهم لعد چتلي ايتولم

اشلون اعيونکم يهل الوفه اتنام*او تسمعون الحرم لاجت بالخيام

بعد

هيهات دهري بيکم ايعود*ورد اشيل راسي بيکم اردود

او

ترد اچفوف ابو فاضل للزنود*وتتلايم النوب اجروح الأکبر

المحاضرة: الاستهزاء

قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَکونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ)(1)

السخرية هي الاستهانة والاحتقار بالناس، مع ذکر النقائص والعيوب على وجه يضحک منه بالفعل او القول او الإشارة أو الحرکة.

اما الاستهزاء هو حمل الأفعال والاقوال على اللعب والهزل، لا على الحقيقة و الجد. الاستهزاء والسخرية يعتبران ازدراء وتهکم وانتقاص للغير، وکذلک السخرية والاستهزاء هما کذب وزور، وقلب للحقائق وتشويه لها. الاستهزاء و السخرية هما يعتبران باب من الشر عظيم، لأنه يساهم في فتح أبواب الهمز واللمز والغيبة والنميمة، کما انهما يساعدان في ملأ القلوب احقاد وطغائن وعداوات، الذي تساهم في حدوث الخصومات والنزاعات.

فيجب علي کل مسلم أن يحفظ لسانه، وان يتوقى في افعاله وأقواله،

ص: 89


1- الحجرات: 11

وان يحذر طريق الهمازين اللمازين الذين يقومون بالسخرية من عباد الله المؤمنين، وکذلک يستهزئون بدين رب العالمين کي لا يهلک مع الهالکين وينجوا مع الناجين.

فإذا کانت السخرية من صفات المنافقين(1)،

وبضاعة المفلسين وحيلة العاجزين، فلذلک لا يليق بمسلم أن يتخلق بأخلاقهم، فيسخر او يحتقر من إخوانه، أو يحط من شأنهم ومکانتهم، فقد قال (صلی الله علیه و آله):(2) «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

السخرية و الاستهزاء فهو محرم فی الشرع مهما کان مؤذيا و معنى السخرية الاستحقار و الاستهانة و التنبيه على العيوب و النقائص على وجه يضحک منه ويکون الدافع الى ذلک إما العداء أو التکبر أو تحقير الاخرين وقد يکون الدافع هو مجرد إضحاک بعض أهل الدنيا، والترفيه عنهم طمعا في أوساخهم الدنيوية.

لاشک أن هذا العمل مختص بالأراذل والأوباش وذليلي النفس، ولاتجد عند صاحب هذا العمل أثرا للدين والإيمان والإنسانية.

قد قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3) «إن الرجل ليتکلم بالکلمة ليضحک بها جلساءه فيهوي بها أبعد من الثريا.» الله سبحانه وتعالى اعتبر الاستهزاء في بعض الأحيان جهلا فقال: (قالوا أتتَّخذنا هُزُواً قال أعوذُ باللهِ أنأکونَ مِنَ الجاهِلين).

عن مولانا زين العابدين علي بن الحسين (علیه السلام) فقال:(4)«و الذنوب التي تزيل النعم عصيان المعارف(5) و التطاول على الناس و الاستهزاء بهم و

ص: 90


1- حيث ان المنافقون هم من أکثر الناس سخرية بالرسل (علیه السلام) وأتباعهم، قال تعالى في وصفهم: (وَإِذَا لَقُوا الذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا الى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إِنَّا مَعَکمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)
2- المحاسن، ص 285، کتاب مصابيح الظلم، ح 426، الفقيه، ج 4، ص 362، ح 5762، صفات الشيعة، ص 31، ح 43، علل الشرائع، ص 523، ضمن ح 2، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 4، ص 162، ح 1756، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 12، ص 278، ح 16300، بحار الانوار، ج 67، ص 358، ح 62. و کامل الحدیث: «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)أ لا أنبئکم بالمؤمن المؤمن من ائتمنه المؤمنون على أموالهم و أمورهم و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده و المهاجر من هجر السيئات و ترک ما حرمه الله عليه»
3- مجموعة ورام، ج 1، ص 111
4- عدة الداعي و نجاح الساعي، ص 213
5- عصيان المعارف: هو نکران العطية و الاحسان بالبغی علی اصحابها و معاداتهم

السخرية منهم» وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)

«إنه المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة، فيقال: هلم هلم (أي: تعال تعال) فيجيء بکربه وغمه (لأنه في جهنم والعياذ بالله)، فإذا أتى أغلق دونه، ثم يفتح له باب اخر، فيقال: هلم هلم فيجيء بکربه وغمه، فإذا أتى أغلق دونه، فما يزال کذلک، حتى يفتح له الباب، فيقال له: هلمهلم فما يأتيه»

و قال الصادق (علیه السلام):(2) «من حقر مؤمنا لقلة ماله حقره الله فلم يزل عند الله محقورا حتى يتوب مما صنع و قال إنهم يباهون بأکفائهم يوم القيامة.»

و فی الخبر انه نظر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)الى الکعبة فقال:(3)«مرحبا

بک من بيت ما أعظمک و أعظم حرمتک و الله إن المؤمن أعظم حرمة منک عند الله عزوجل لأن الله حرم منک واحدة و من المؤمن ثلاثة دمه و ماله و أن يظن به ظن السوء.»

و قال الامام الباقر (علیه السلام):(4)«إن الله تبارک و تعالى أخفى أربعة في أربعة أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه و أنت لا تعلم و أخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئا من معصيته فربما وافق سخطه معصيته و أنت لا تعلم و أخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق إجابته و أنت لا تعلم و أخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يکون وليه و أنت لا تعلم.»

هذا فی السخریة وأما أصل المزاح فليس بمنهي عنه مع الأصدقاء والأحباء، ومزاح الامام علي (علیه السلام) ومزاح رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)مشهوران، حتى قال: يا رسول الله، إنک تداعبنا؟ قال:(5)

«إني أمزح، ولا أقول الا حقا».

وأما الذي سلم من هذا فهو الذي کان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)يفعله، وکذلک الوصي على الندرة لمصلحة، وتطيب نفس المخاطب ومؤانسته و من مزاح الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)قال أتت امرأة عجوز الى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فقال (صلی الله علیه و آله و سلم)لا

ص: 91


1- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، ج9، ص 233
2- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 59
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 18، ص 278
4- الخصال، ج 1، ص 209
5- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 6، ص 579

تدخل الجنة عجوز فبکت فقال إنک لست يومئذ بعجوز قال الله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبکارا و روي عن زيد بن أسلم أن امرأة يقال لها أم أيمن.

جاءت الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فقالت إن زوجي يدعوک فقال و من هو أ هو الذي بعينه بياض فقالت و الله ما بعينه بياض فقال بلى إن بعينه بياضا فقالت لا و الله فقال (صلی الله علیه و آله و سلم)ما من أحد الا و بعينه بياض أراد به البياض المحيط بالحدقة.

و روى علقمة عن أبي سلمة أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)کان يدلع لسانه للحسن و الحسين (علیه السلام) فيرى الصبي لسانه فيهش اليه فقال عيينة بن بدر الفزاري و الله ليکون لي الابن رجلا قد خرج وجهه و ما قبلته قط فقال رسول الله من لم يرحم لا يرحم.(1)

و أکثر هذه المطايبات منقولة مع النساء و الصبيان و ذلک من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل الى هزل و سخریة.

ولذلک قال العلماء: المنهي عنه من المزاح ما يسقط المهابة والوقار، و الذی یدل على قلة العقل وخفته.

قصة المبطل و الامام السجاد (علیه السلام)

«کان بالمدينة رجل بطال يضحک الناس منه فقال قد أعياني هذا الرجل أن أضحکه يعني علي بن الحسين (علیه السلام) قال فمر السجاد (علیه السلام) و خلفه موليان له فجاء الرجل حتى انتزع رداءه من رقبته ثم مضى فلم يلتفت اليه السجاد (علیه السلام) فاتبعوه و أخذوا الرداء منه فجاءوا به فطرحوه عليه فقال لهم من هذا فقالوا له هذا رجل بطال يضحک أهل المدينة فقال قولوا له إن لله يوما (يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ)(2)»(3)

قصة سالم بن عمير الأنصاري

(الذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالذِينَ لَا يَجِدُونَ

ص: 92


1- انظر، صحيح البخاري: ج 5، ص 2235 ح 5651، و، ص 2239 ح 5667، و: ج 6، ص 2686 ح 6941، الأدب المفرد للبخاري: 1ج، ص 46 ح 91 و 94 و 96، صحيح مسلم: 4ج، ص 1808 ح 2318 و، ص 1809 ح 2319. و ذکرت اسانید اکثر فی: الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 6، ص 33، فراجع.
2- الجاثية: 27
3- الأمالي، للصدوق، ص 221

الا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ اليمٌ)(1)

تفسیر الآیة: فجاء سالم بن عمير الأنصاري بصاع من تمر فقال يا رسول الله کنت ليلتي أجيرا لجرير حتى نلت صاعين تمرا أما أحدهما فأمسکته و أما الآخر فأقرضه ربي، فأمر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)أن ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون و قالوا و الله إن الله يغني عن هذا الصاع ما يصنع الله بصاعه شيئا و لکن أبا عقيل(2)

أراد أن يذکر نفسه ليعطى من الصدقات فقال: سخر الله منهم و لهم عذاب اليم.(3)

قصص من عقوبات المستهزئين

قال الشیخ الصافي فی تفسیره في قوله: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ الى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِک بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ(4)) قال: اتخذوا الصلوة و المناداة مضحکة روى ان نصرانيا بالمدينة کان إذا سمع المؤذن يقول اشهد ان محمدا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قال احرق الله الکاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار و اهله نيام فتطاير شرارة في البيت فأحرقه و اهله.(5)

قصة الامام الکاظم (علیه السلام) و استهزاء الساحر

عن علي بن يقطين، قال استدعى هارون الرشيد رجلا يبطل به أمر موسى الکاظم (علیه السلام) ويقطعه و يخجله في المجلس، فانتدب له رجل معزم (ای ساحر) فلما أحضرت المائدة عمل ناموسا (ای سحر و عوذ) على الخبز، فکان کلما رام (ای اراد) أبو الحسن الکاظم (علیه السلام) تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، واستفز هارون الفرح والضحک لذلک، فلم يلبث أبو الحسن أن رفع رأسه الى أسد مصور على بعض الستور، فقال له: يا أسد الله، خذ عدو الله: فوثبت تلک الصورة کأعظم ما يکون من السباع.

فافترست ذلک المعزم، فخر هارون وندماؤه على وجوههم مغشيا عليهم. وطارت عقولهم خوفا من هول ما رأوا. فلما أفاقوا من ذلک بعد حين قال هارون لأبي الحسن (علیه السلام): سالتک بحقي عليک لما سالت الصورة أن ترد الرجل.

فقال: إن کانت عصا موسى ردت ما ابتلعته من حبال القوم و عصيهم،

ص: 93


1- التوبة: 79
2- الظاهر من کلام ان أبا عقيل کنية سالم بن عمير المذکور في، صدر الحديث
3- تفسير القمي، ج 1، ص 302
4- فان السفه يؤدي الى الجهل بالحق و الهزء به و العقل يمنع منه.
5- تفسير الصافي، ج 2، ص 47

فإن هذه الصورة ترد ما ابتلعته من هذا الرجل(1)

فکان ذلک أعمل الأشياء في إماتة نفسه(2)

(علیه السلام) »(3)

قصة ضمرة بن سمرة

«و قال الامام السجاد (علیه السلام): إن موت الفجاءة تخفيف على المؤمن و أسف(4) على الکافر، و إن المؤمن ليعرف غاسله و حامله، فإن کان له عند ربه خير ناشد حملته أن يعجلوا به، و إن کان غير ذلک ناشدهم أن يقصروا به.

فقال ضمرة بن سمرة: إن کان کما تقول فأقفز من السرير و ضحک و أضحک فقال (علیه السلام): اللهم إن ضمرة ضحک و أضحک لحديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فخذه أخذ أسف.

فمات فجأة فأتى بعد ذلک مولى لضمرة زين العابدين (علیه السلام) فقال: أصلحک الله إن ضمرة مات فجأة و إني لاقسم لک و الله إني لسمعت صوته و أنا أعرفه کما کنت أعرف صورته في حياته و هو يقول: الويل لضمرة بن سمرة، خلا مني کل حميم، و حللت بنار الجحيم، و بها مبيتي و المقيل. فقال علي بن الحسين (علیه السلام): الله أکبر هذا جزاء من ضحک و

ص: 94


1- الأمالي، للصدوق، ص 149، یشیر الی فرق المعجرة و السحر و ان المعجزة لا ترجع الی ما کانت علیه و انما هی حقیقیة و اذا اکل السبع فیاکله حقیقة و لیس خیال و توهم لکن السحر هو مجرد خیال یخیل الی الانسان و اذا شاء الساحر ذهب الخیال و امکن مشاهدة الواقع الاصلی الذی هو فی الحقیقة لم یتغییر.
2- ای یقول ابن یقطین هذه اقوی حادثة سببة حسد هارون علی الکاظم و قتله
3- و فی کتاب مناقب ال أبي طالب (علیه السلام)، لابن شهراشوب،ج 4، ص 300، نقل هذا الشعر: من، صاحب الرشيد و الإيوان*و السبع و الساحر و الرغفان إذ طير الخبز على الخوان*و خلف هارون وسادتان و فيهما للسبع تمثالان*فقال قول الحنق الحردان يا سبع خذ ذا الکفر و الطغيان*فزمجر السبع على المکان و افترس الساحر ذا البهتان*و افتقد السبع عن العيان معجزة للعالم الرباني*الصادق اللهجة و اللسان *الحنق: المغتاظ و الحردان بمعنى المغضب
4- أسف: غضب أي أخذة غضب أو غضبان. قوله «تخفيف على المؤمن» حيث خلص من سکرات الموت و من وساوس الشيطان و بذلک لا يسقط من منزلته شي ء بخلاف الکافر فان شدائد الموت بالنسبة اليه أسهل مما عليه بعده.

أضحک بحديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)»

نعي

فلما ورد الحسين (علیه السلام) کربلاء، خرج حبيب ومسلم اليه متخفيين، يسيران الليل ويکمنان النهار حتى وصلا اليه.(1)

ثم أقبل حبيب على جواده وشده شدا وثيقا، وقال لعبده: خذ فرسي، وامض به ولا يعلم بک أحد وانتظرني في المکان الفلاني، فأخذه العبد، ومضى به وبقي ينتظر قدوم سيده.

ثم إن حبيب ودع زوجته وأولاده، وخرج متخفيا فاستبطأه الغلام، وأقبل على الفرس، فجعل الغلام يخاطبه، ويقول له: يا جواد حبيب، إن لم يأت صاحبک لأعلون ظهرک، وأمضي بک لنصرة سيدي الحسين (علیه السلام).

لما سمع حبيب خطاب الغلام لجواده، أخذ يصفق بإحدى يديه على الأخرى، ويقول: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله، العبيد يتمنون نصرتک فکيف بالأحرار. ثم قال لعبده: يا غلام، أنت حر لوجه الله، فبکى الغلام، وقال: سيدي والله لا ترکتک حتى أمضي معک وأنصر الحسين (علیه السلام) ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وأقتل بين يديه، فجزاه خيرا.

ثم جدا السير ليلا نهارا، حتى وصلا أرض کربلاء، هذا والحسين (علیه السلام) قد وزع الرايات على أصحابه، وبقيت راية واحدة، وکل واحد من أصحابه يقول: سيدي من علي بحمل هذه الراية، والإمام (علیه السلام) يجيبهم: "الان يأت صاحبها"، بينا هم في الکلام، وإذ بغبرة من جهة الکوفة، فالتفت الإمام (علیه السلام) وقال لهم: "جاء صاحب الراية، هذا أخوکم حبيب بن مظاهر الأسدي"، فلما صار حبيب قريبا من الإمام ترجل عن جواده، وجعل يقبل الأرض بين يديه وهو يبکي، فسلم على الإمام (علیه السلام) وأصحابه فردوا (علیه السلام) وأعطاه الإمام الراية. فسمعت زينب (علیه السلام) فقالت: من هذا الذي أقبل؟ فقيل لها: حبيب بن مظاهر.

فقالت، أقرؤوه عني السلام، فلما بلغوه سلامها، لطم حبيب على وجهه، وحث التراب على رأسه، وأخذ يقول: من أنا ومن أکون حتى تسلم علي بنت أمير المؤمنين.(2)

انه منين وتسلم عليه*بنت المرتضى حامي الحمية

هاي مدللة عباس هيه*وبحگهم نزل وينص الکتاب

علي انت يبت حيدر تسلمين*ولکم خادم انه او عبد لحسين

ص: 95


1- موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 83
2- معالي السبطين، المازندراني، ج1، ص 372 - 370

گام اولطم وجهه وهلت العين*حبيب اوفوگ راسه ذب التراب

فاستأذن من الحسين (علیه السلام) أن يسلم عليها، فأذن له أقبل حبيب وقف على باب الخيمة جعل يتأوه ويتحسر على أم المصائب يقول في کلامه: "اه لوجدک يا زينب يوم تحملين على بعير ضالع، ورأس أخيک الحسين (علیه السلام) على علم (لأنه سمع من أبيها أمير المؤمنين (علیه السلام) ما سيجري عليها من السبي والأسر) تحف به رؤوس أهل بيته وأصحابه، وکأني برأسي هذا معلق في عنق الفرس يضربه الفرس برکبتيه، أجابته زينب (علیه السلام): يا حبيب لقد أخبرني بهذه المصائب ابن أمي الحسين (علیه السلام) البارحة، ولوددت أني عمياء، ولا أرى هذه المصائب.(1)

انا اصيحن او بالصياح راح صوتي*يا ريت گبل احسين موتي

ولا اشوف العده تنهب ابيوتي

وفعلا ما مضت الساعات، وإذا بحبيب يوم العاشر من المحرم، لما قاتل بين يدي الحسين (علیه السلام) في المرة الأخيرة رجع الى المخيم ودموعه جارية على خديه. فقال له الإمام الحسين (علیه السلام): مما بکاؤک يا حبيب؟

لعلک ذکرت الأهل والأوطان، أنت في حل من بيعتي. فأجابه حبيب: لا، لقد استبدلت عن أهلي أهلا، وعن داري دارا، وعن صبيتي صبية. قال: إذا مما بکاؤک؟ قال: أبکي لحال تلک الواقفة بباب الخيمة (الحوراء زينب) ولما يجري عليها من بعدک، فجزاه الإمام خيرا...

ولما سقط حبيب شهيدا، مشى اليه الحسين (علیه السلام) وعندما وصل اليه استعبر باکيا، وقال: لله درک يا حبيب، لقد کنت فاضلا تختم القرآن في ليلة واحدة.(2)

ثم قام الإمام من عنده محني الظهر (لأن مقتل حبيب قد هد ظهره) وهو يقول: عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي.(3)

گضوا حگ لعليهم دون الخيام*ولا خلوا خوات احسين تنضام

لمن طاحوا تفايض منهم الهام*تهاووا مثل مهوى النجم من خر

إن يهد الحسين قتل حبيب*فلقد هد قتله کل رکن

قتلوا منه للحسين حبيبا*جامعا في فعاله کل حسن

وکان ما أخبر به حبيب، وجرى ما جرى على الحسين في کربلاء، عندما وصلت زينب الى مصرع المولى أبي عبد الله، رأته بتلک الحالة يجود بنفسه، جراحاته تشخب دما، لسانه کالخشبة اليابسة، شفتاه ذابلتان.

ص: 96


1- مجالس السيرة الحسينية، ص 27
2- معالى السبطين، ج 1، ص 376 و ينابيع المودّة، ص 415
3- إبصار العين، ص 100- 106 و مستدرکات علم الرجال ج2، ص 302

جلست عند رأسه، أسندته الى صدرها، ورفعت طرفها الى السماء، وقالت: اللهم تقبل منا هذا القربان(1)، ثم أعادت الحسين الى الأرض، وأخذت تکلمه، قالت: أخي أبا عبد الله، الى من نلتجئ والى من نفزع؟ مات جدنا رسول الله ففزعنا الى أبيک علي، مات أبونا علي ففزعنا الى أخيک الحسن، فالى من نفزع بعدک أبا عبد الله؟

وهذا ابنک ملقى مغمى عليه، فلم تسمع منه جوابا، قالت: أخي بحق جدي رسول الله کلمني، بحق أبي أمير المؤمنين کلمني، بحق أمنا فاطمة کلمني، عند ذلک فتح عينيه، وقال: أخية زينب لقد کسرت قلبي وزدت کربي، ارجعي الى الخيام واحفظي لي العيال والأيتام...(2)

تگله أنا بعيني لباريلک عيالک*وبروحي لسکتلک اطفالک

خويه الموت لو يرضه بدا لک*انروح کل احنا فدا لک

خويه تحيرت والله بيتاماک*ما ينحمل يحسين فرگاک

والمثل هالوگت ردناک

أَأُخَيُ مَا لَک عن بَنَاتِک مُعرِضَاً*والکلُّ

مِنک بِمَسمَعٍ وَمَنظَرِ

ص: 97


1- حياة الامام الحسين، ج 2، ص 301، سيرة الأئمة الاثنى عشر، هاشم معروف الحسنى، ج 2، ص 87
2- دموع الأبرار على مصاب أبي الأحرار، ص 114

المجلس الثالث (اللیلة السادسة)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله صلى الله عليک وعلى الک المظلومين لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا، ومسلوب العامة والردا ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيم.

المحاضرة: العجب

(الذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ انَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا)(1)

جنب نفسک عبادة النفس والعجب بها إذا أردت أن تعجب بنفسک، فتأمل في حالاتک کيف کانت بدايتک نطفة بخسة، واخرک جيفة قذرة، ولست بين تلک وهذه سوى حمال للنجاسات المتعفنة، وجوال بالأوساخ المتعددة.

وتأمل في عظمة ذي الجلال، والى ذل نفسک وافتقارها وعجزها عن البق والذباب، و ضعفها عن دفع الحوادث والافات واتخذ من هزيمة النفس شعارا و روي أن الله تعالى قال لداود (علیه السلام):(2)«ياداود

بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: کيف أبشر المذنبين وأنذرالصديقين؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين الا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب الا هلک».

و قال الامام علي (علیه السلام):(3)«الإعجاب

ضد الصواب و آفة الالباب.» و عن الامام الکاظم (علیه السلام) قال الراوی:(4)«سالته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال (علیه السلام): العجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله، فيراه

ص: 98


1- کهف: 104
2- الأمالي للمفيد، ص 156، المجلس 19، ح 7، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 881، ح 3212، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 1، ص 99، ح 236، بحار الانوار، ج 14، ص 40، ح 22 و في مرآة العقول: «أنصبه، کأضربه، أي اقيمه. و کونه على بناء الإفعال بمعنى الإتعاب بعيد»
3- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 29
4- کافي، ج 3، ص 762

حسنا، فيعجبه، و يحسب أنه يحسن صنعا و منها أن يؤمن العبد بربه، فيمن على الله عز و جل، و لله عليه فيه المن».

الامام السجاد (علیه السلام) قال:(1)«قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)في حديث ثلاث مهلکات شح مطاع وهوي متبع وإعجاب المرء بنفسه» عن الامام الصادق (علیه السلام) قال:(2)«إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلک فيتراخي عن حاله تلک فلأن يکون علي حاله تلک خير له مما دخل فيه».

و عن جعفر الصادق (علیه السلام) قال:(3)

«قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)بينما موسى بن عمران (علیه السلام) جالس إذ أقبل عليه إبليس و عليه برنس ذو الوان فلما دنا من موسى خلع البرنس و أقبل عليه فسلم عليه فقال موسى من أنت قال أنا إبليس قال موسى فلا قرب الله دارک(4)

فيم جئت قال إنما جئت لأسلم عليک لمکانک من الله عزوجل فقال له موسى فما هذا البرنس(5)

قال أختطف(6)

به قلوب بني آدم قال له موسى أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه فقال إذا أعجبته نفسه و استکثر عمله و صغر في عينه ذنبه ثم قال له أوصيک بثلاث خصال يا موسى لا تخل بامرأة و لا تخل بک فإنه لا يخلو رجل بامرأة و لا تخلو به الا کنت صاحبه دون أصحابي(7)

و إياک أن تعاهد الله عهدا فإنه ما عاهد الله أحد الا کنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه و بين الوفاء به و إذا هممت بصدقة فأمضها فإنه إذا هم العبد بصدقة کنت صاحبه دون أصحابي أحول بينه و بينها ثم ولى إبليس و يقول يا ويله و يا عوله علمت موسى ما (لا) يعلمه بني آدم.»

و عن أميرالمؤمنين (علیه السلام) قال:(8) «لاحسب کالتواضع، ولا وحدة أوحش

ص: 99


1- وسائل الشيعة ج1، ص102
2- کافي ج2، ص313
3- الأمالي (للمفيد)، ص 156
4- دعاء عليه، أي لا قرب الله دارک منا
5- البرنس: کل ثوب رأسه منه ملتزق به و فی زماننا یلبسونه فی شمال افریقیا تسمی بالقشابية عندهم، تشبه العبائة الاهوازیة.
6- ای غلب العبد و استمالته الى ما يريد منه.
7- قوله لعنه الله کنت، صاحبه يعني أغتنم إغواءه و أهتم به بحيث لا أکله الى أصحابه و أعواني بل أتولى إضلاله بنفسي.
8- روضة الواعظين و بصيرة المتعظين، ج 2، ص 382

من العجب، وعجبت للمتکبر الذي کان بالإمس نطفة وغدا جيفة» و روي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(1) «إياک والإعجاب بنفسک و الثقة بمايعجبک منها وحب الإطراء(2)،

فإن ذلک من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق مايکون من إحسان المحسن».

و قال (علیه السلام):(3) «العجب يوجب العثار» و «ثمرة العجب البغضاء» و «رضاک عن نفسک من فساد عقلک» و «المعجب لاعقل له» و «العجب عنوان الحماقة» و قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِکم بِالمَنِّ وَالأَذَى کالذِي يُنفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ کمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَکهُ صَلْدًا)(4) والمن نتيجة استعظام العمل و هو العجب. وربما طغت افة العجب على المرء حتى وصل به الأمر الى الکفر والخروج من ملة الإسلام کما هو الحال مع إبليس اللعين حيث أعجب بأصله وعبادته، ودفعه ذلک الى الکبر وعصيان أمر الرب تعالى بالسجود لادم (علیه السلام).

مظاهر العجب

فهناک بعض العلامات والأمارات التي تظهر في سلوک المعجب بنفسه منها:

1) کثرة الحديث عن نفسه و تزکيتها و الرفع من شأنها.

2) عدم سماع النصيحة، و الاستعصاء على التوجيه و الإرشاد.

3) الفرح بسماع عيوب الاخرين خاصة الأقران.

4) رد الحق والترفع عن الاستجابة لداعيه.

5) احتقار الناس، وتصعير الخد لهم(5).

6) الاستنکاف عن استشارة العقلاء و الفضلاء.

7) التبختر في المشي(6).

8) استعظام الطاعة واستکثارها، والمن على الله بها.

9) المباهاة بالعلم والتفاخر به وجعله وسيلة للمماراة و الجدل.

ص: 100


1- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 443
2- الاطراء: المبالغة في المدح و الثناء. الفرص: جمع الفرصة، الوقت المناسب للوصول الى المقصد.
3- غرر الحکم و درر الکلم، ص 33
4- البقرة: 264
5- تصعیر الخد ای الاعراض بالوجه عمن تکلمه تکبرا واستحقارا له
6- يمشي في بطء وتمايل و غنج معجبا بنفسه و مشى مشية المعجب بنفسه

10) التباهي بالأحساب والأنساب، واحتقار الناس من أجل ذلک.

11) التفاخر بحسن الخلقة وجمال المنظر.

12) تعمد التقليل من شأن أهل الفضل من العلماء والمشايخ والأتقياء.

13) التکبر عن الاستماع لأهل العلم.

14) الإصرار على الأخطاء، و تعمد مخالفة الناس.(1)

15) التصدر في المجالس وإن لم يکن أهلا لذلک، لظنه أنه الأجدر بالصدارة.

16) الفتور عن الأعمال الصالحة والاتکال على ما قد عمل ظنا منه أنه قد وصل الى مرحلة الکمال.

17) نسيان الذنوب واستقلالها.

18) توقع الجزاء الحسن من الله والمغفرة وإجابة الدعاء دائما.

19) احتقار العصاة والفساق.

20) کثرة أحلام اليقظة(2) بالاشتهار بين الناس.

أسباب العجب

مما لاشک فيه أن هناک أسبابا عديدة من شأنها أن تهيئ المناخ المناسب لتسلل داء العجب الى النفوس، من أهمها:

السبب الأول: الغفلة و نسيان الذنوب، تجاهل النعم الله و جهل قدر نفسه انه لیس بتلک المرتبة الذی یظن.

السبب الثاني: إطراء الناس للشخص وکثرة ثنائهم عليه مما يعين عليه الشيطان و ان المتملقين إذا وجدو الإطراء مقبولا في العقول الضعيفة أغروا أربابها، و قد یجعلون ذلک ذريعة الى الاستهزاء بهم.

السبب الثالث: إهمال تزکية النفس. السبب الرابع: قلة مخالطة الأکفاء ومقارنة نفسه بمن دونه فيظن نفسه أحسن حالا من غيره، فیدفعه ذلک على العجب.

قصة صدیق عیسی (علیه السلام)

و روي إن النبي عيسى (علیه السلام) کان يسيح في البلاد فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه وکان کثير اللزوم لعيسى (علیه السلام) فلما انتهى عيسى الى البحر قال: بسم الله بصحة و يقين فمشى على ظهر الماء فقال الرجل

ص: 101


1- لا نقول یجب موافقت الناس دائما لکن فی اغلب الموارد اذا اجتمع الناس علی شئ یکون هو الافضل لانهم یتابعون عقولهم و یسمی بالعقل الجمعی
2- ای یتصور فی خیاله انه یصبح رئیس دولة او مرجع دین او اشهر طبیب فی البلد و هو لا یملک لذلک المقومات

علمنی یا عیسی کیف فعلت ذلک؟

قال له: قلها بیقین، فلما قالها بحصة يقين منه مشى على الماء و لحق بعيسى فدخله العجب بنفسه فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء و أنا أمشي على الماء فما فضله علي قال: فرکس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه، ثم قال له ما قلت يا فلان؟ قال: قلت هذا روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلک عجب.

فقال له عيسى: لقد وضعت نفسک في غير الموضع الذي وضعک الله فيه فمقتک الله على ما قلت.

قصة الغني والحطاب الفقير

يحکي أن في يوم من الايام بينما کان احد الاغنياء يمشي في بلدته محجبا بغناه وامواله وملابسه الثمينة التي يرتديها عن قصد حتي يبهر الجميع وبينما هو علي هذه الحال رأي رجلا فقيرا يأتيه مسرعا وهو يحمل علي ظهره حزمة کبيرة من الحطب و تبدو عليه علامات التعب والارهاق والفقر واضحة، کان هذا الفقير يمر بجانب الغني مسرعا وهو ينادي بأعلي صوته: افسحوا الطريق، افسحوا الطريق، افسحوا الطريق.

لما رأي الغني هذا المشهد وقف امام الفقير الذي يحمل الحطب الثقيل علي ظهره عن عمد کأنه لم يسمع نداء هذا الرجل المسکين، فإذا بالرجل يصطدم به والحطب يمزق ثوب الغني هنا اخذ الغني يصرخ بأعلي صوته ويصيح في الحطاب المسکين: هل تعلم ما ثمن هذا الثوب الذي مزقته ايها الغبي وصمم الغني ان يأخذ الرجل الي القاضي ويخبره بالحادثة.

قال القاضي للحطاب: لماذا لم تفسح الطريق؟ فسکت الحطاب ولم يجد ما يرد به علي القاضي، هنا القاضي قال للرجل الغني: کيف يمکنک أن تقاضي رجلا لا يتحدث؟ فقال الغني: لا انه يتکلم، وقد کان ينادي في الطريق باعلي صوته: افسحوا الطريق، افسحوا الطريق، قال القاضي: اذا انت من تستحق العقاب ايها المعجب بنفسه، لأنک لم تفسح الطريق امام هذا العامل المسکين الذي يعمل لاجل کسب لقمة عيشه. العبرة من القصة: مهما وصل الانسان الي اعلي المراتب ووسع له الله عزوجل في رزقه، يبقي التواضع دائما اجمل صفة يمکن أن يتخلي بها الانسان، والغني الحقيقي هو غني النفس.

ص: 102

نعي

الحر بن يزيد الرياحي رضوان الله عليه کان من أصحاب ابن سعد فلما رأى الحر أن القوم صمموا على قتال الحسين (علیه السلام) قال لعمر بن سعد: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: أي والله قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي(1)،

فأخذ الحر يقول: إني أخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله لا أختار على الجنة شيئا، ولو قطعت وحرقت.(2)

ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين وجاز على عسکر ابن سعد واضعا يده على رأسه، وهو يقول: اللهم اليک أنبت فتب علي فقد أرعبت قلوب أوليائک، وأولاد نبيک ثم قال للحسين (علیه السلام): وأنا تائب الى الله مما صنعت فهل ترى لي من توبة؟ فقال له الحسين (علیه السلام): نعم يتوب الله عليک.(3)

وفي رواية قال له: أهلا وسهلا أنت الحر في الدنيا والاخرة.(4)

وعندما رمى ابن سعد سهما نحو مخيم الحسين (علیه السلام) وصاح: اشهدوا لي عند الأمير إني أول من رمى، فرمى أصحابه کلهم، فلم يبق من أصحاب الحسين أحد الا أصابه سهم من سهامهم(5)، قال الحسين (علیه السلام) لأصحابه: قوموا رحمکم الله الى الموت الذي لابد منه، فإن هذه السهام رسل القوم اليکم.(6)

فقال له الحر: يا ابن رسول الله، کنت أول خارج عليک فأذن لي لأکون أول قتيل بين يديک، وأول من يصافح جدک غدا.

فأذن له الحسين فتقدم فقاتل قتالا شديدا حتى قتل فأتاه الحسين ودمه يشخب فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول: بخ بخ لک يا حر أنت حر کما سمتک أمک وأنت الحر في الدنيا والسعيد في الاخرة.(7) ولکن لو سالتني أيها المحزون عن هذه المسافة الفاصلة بين قبر الحر وقبر الحسين (علیه السلام) لأجبتک: إن السبب في ذلک هو أن الحر لم يقطع رأسه

ص: 103


1- ادب الطف، شبر، ج 1، ص 86 و لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 102 و موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 1، ص 67
2- مع الرکب الحسيني، ج 4، ص و تاريخ الطبري: ج 3، ص 320
3- ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 364
4- تاريخ الطبري، ج 3، ص 320
5- مقتل الحسين (علیه السلام) للخوارزمي، ج 2، ص 11 وتسلية المجالس، ج 2، ص 278
6- مع الرکب الحسيني، ج 4، ص 269
7- لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 111

مع أصحاب الحسين، لأن عشيرته حملته عندما أمر ابن سعد بفصل الرؤوس ورض الأجساد، قامت بنو رياح وقالت: والله لا يقطع رأس زعيمنا وأيدينا على قوائم سيوفنا. فقال ابن سعد: احملوا جسد شيخکم. فحملته عشيرته ودفنوه في هذا المکان. (1)

هذا، وزينب واقفة وتنظر الى الحر وقد حملته عشيرته، والحسين ملقى على وجه الأرض جثة بلا رأس، وکأني بها تنادي وا حسيناه، وا غريباه.(2)

يحسين الکل الهه عشيره*اجت ناهضه ابخدمه چبيره

بس الفواطم غرب ديره(3)

مو عادت اليوگع بالاکوان*ويصير للنشاب نيشان

تهد اخوته او تنسف الجيمان*او یحولون له ابخطة المیدان

یسگوه مای ان چان عطشان*یه حسین فزعنالک امن الخيم نسوان

دوریته طلعت الولینه او دوریته*او مطروح بالحومه لگیته

امخضب ابدمه اولا عرفته*لگيت الشمر ثاني رکبته

على صدر اخيي أو حز رگبته*عيني العما اولاچان شفته

ص: 104


1- مقتل الحسين (علیه السلام)، المقرم، ص 318
2- ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي ج 2، ص 197
3- هذا موقف، صعب علی زینب (علیه السلام) و موقف ثانی حینما دخلوا الی الکوفة ان نساء الأنصار اللاتي کن مع السبايا لما وصلن الى الکوفة تشفع فيهن بعض أرحامهن فأمر ابن زياد بتسريحهن وبقيت بنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وکأني بالحوراء زينب (علیه السلام) تخاطب الحسين (علیه السلام) عندما رأت ذلک: يحسين الکل الهه عشيره*اجت ناهضه ابخدمه چبيره او طلعت الکل منهم يسيره*بس الفواطم غرب ديره ما من عشيرتهن ذخيره

المجلس الأول: مقتل العباس (اللیلة السابعة)

اشارة

عبست وجوه القوم خوف الموت وال*عباس فيهم ضاحک يتبسم

قلب اليمين عن الشمال وغاص في*الأوساط يختطف النفوس ويحطم

بطل ثورث من أبيه شجاعة*فهيا أنوف بني الضلالة ترغم

أو تشتکي العطش الفواطم عنده*وبصدر صعدته الفرات المفعم

لولا القضا لمحا الوجود بسيفه*والله يقضي ما يشاء ويحکم

وهوى بجنب العلقمي فليته*للشاربين به يداف العلقم

فمشى لمصرعه الحسين وطرفه*بين الخيام وبينه متقسم

سدر للحرب راعي الحميه*أثاري الگوم خلوله خفيه

يويلي وانضرب راس الشفيه*ابعمود احديد شگ الراس نصين

خر امن السرج عباس واخلاه*بس ما مال مال العلم وياه

طاح او طيحته صارت على اگفاه*وصاح ابصوت الله اوياک يحسين

المحاضرة: القاب العباس (علیه السلام)

إحتل العباس المرتبة الثانية بعد أخيه الحسين (علیه السلام) في ملحمة کربلاء من حيث الأهمية نظرا للتضحيات الجسام والمواقف العظيمة التي أبداها أبو الفضل في سبيل الحسین لُقّب بالقاب عديدة وفيما يلي تفصيل لبعض القابه:

قمر بني هاشم

کان العباس (علیه السلام) رجلا وسيما جميلا وجهه منير کالبدر في ليلة تمامه وکماله آية من أيات الجمال حيث يرکب الفرس المطهم ورجلاه تخطان الأرض. نقلا عن سبط إبن الجوزي عن هشام بن محمد بن القاسم بن الأصبغ المجاشعي قال لما أتي بالرؤوس الى الکوفة وإذا بفارس قد علق في لبان فرسه رأس غلام أمرد کأنه القمر في ليلة تمامه والفرس يمرح فإذا طأطأ رأسه لحق الرأس بالأرض فقلت رأس من هذا؟ قال رأس العباس بن علي.

أبو الفضل

کني بأبي الفضل (علیه السلام) لأن له ولدا إسمه الفضل إضافة الى سخائه حيث کان مصدر الفيض والعطاء للملهوفين وقد رثاه السيد راضي صالح القزويني البغدادي فقال:

أبا الفضل يامن أسس الفضل والإبا*أبى الفضل الا أن تکون له أبا

بطل العلقمي

تصدى العباس بمهمة السقاية بعد أن منع جيش إبن مرجانة الماء عن

ص: 105

معسکر الحسين (علیه السلام) کان يجلب الماء للعيال والأطفال وقد إستطاع بشجاعته أن يکشف جيش الکفر عن المشرعة و یجلب الماء وآخرها يوم العاشر من المحرم بعد أن تمکن من الماء ولکن لم يتمکن من إيصاله وإستشهد على مقربة من النهر حتى إقترن إسمه بإسم النهر فسمي ببطل العلقمي.

کبش الکتيبة

لقبه بهذا اللقب الحسین (علیه السلام) عندما طلب من الحسين (علیه السلام) مرات عديدة السماح له بإقتحام جيش الکفر فلم يمنحه الرخصة فقال له أخي أنت حامل لوائي وکبش کتيبتي وقد جسد أحد الشعراء هذا المعنى بالبيت التالي:

عباس کبش کتيبتي وکنانتي*وسري قومي بل أعز حصوني

حامي الظعينة

من الالقاب المشهورة للعباس (علیه السلام) فيما عرف عنه قيامه بحراسة وحماية عيال الحسين (علیه السلام) حتى لحظة إستشهاده. وحماية الضعينة (وهي المرأة في الهودج) تتطلب من حاميها وکافلها غيرة وحمية، والغيرة والحمية هي السعي في المحافظة ما يلزم محافظته، وهو من نتائج الشجاعة وکبر النفس وقوتها، وهي شرائف الملکات، و بها تتحقق الرجولية والفحلية، والفاقد لها غير معدود من الرجال.

الکفيل

من المعروف أن العباس تکفل شقيقته زينب (علیه السلام) وقد أطلق عليه لقب کفيل زينب (علیه السلام).

العبد الصالح

أطلق عليه هذا اللقب الإمام الصادق (علیه السلام) في الزيارة المخصوصة المروية عنه وجاء فيها: (السلام عليک أيها العبد الصالح) وإن ترکيب کلمة العبد مع کلمة الصالح والتعبير به عن الإمام الصادق (علیه السلام) في حق أبي الفضل العباس (علیه السلام) ينبئ عن عظيم إيمان أبي الفضل العباس (علیه السلام) بالله، وشدة عبوديته له، وکبير إخلاصه وتسليمه لأمر الله.

باب الحوائج

أبو الفضل صاحب الجاه العظيم والمنزلة الرفيعة فما قصده أحد في حاجة الا وقضى الله حاجته حتى صار بابا لقضاء الحوائج ومظهرا للکرامات.

ص: 106

السقاء

قال الإمام الصادق (علیه السلام):(1) «من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء کان کمن أعتق رقبة ومن سقى الماء في موضع لا يوجد فيه الماء کان کمن أحيا نفسا ومن أحياها فکأنما أحيا الناس أجمعين».

ولا ينسى يوم صفين وقد شاهد الإمام علي (علیه السلام) من عدوه ما تندى منه جبهة کل غيور فإن معاوية لما نزل بجيشه على الفرات منع أهل العراق من الماء حتى کظهم الظمأ فأنفذ اليه أمير المؤمنين صعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي يسالانه أن لا يمنع الماء الذي أباحه الله تعالى لجميع المخلوقات وکلهم فيه شرع سواء فأبى معاوية الا الإصرار في الغواية والجهل فعنده قال أمير المؤمنين أرووا السيوف من الدماء ترووا من الماء.

ثم أمر أصحابه أن يحملوا على أهل الشام حملة واحدة فحمل الأشتر والأشعث في سبعة عشر الفا فلما أبعدهم أهل العراق عن الفرات ونزلوا عليه وملکوه أبى صاحب النفس المقدسة التي لا تعدوها أي مأثرة أن يسير على نهج عدوه حتى أباح الماء لأعدائه ونادى بذلک في أصحابه ولم يدعه کرم النفس أن يرتکب ما عمله معه أعداؤه من سياسة تدل على الجبن والخسة والضعف ومصداق ذلک قول الشاعر:

فحسبکم هذا التفاوت بيننا*فکل إناء بالذي فيه ينضح

صاحب الرایة

قال الإمام علي (علیه السلام) يوم صفين:(2)«لا

تميلوا براياتکم ولا تزيلوا ولا تجعلوها الا مع شجعانکم فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ وإعلموا أن أهل الحفاظ هم الذن يحتفطون براياتهم ويکتنفونها ويصيرون حفافها وأمامها وورائها ولا يضيعونها ولا

ص: 107


1- الفقيه، ج 2، ص 64، ح 1724، معلقا عن معاوية بن عمار. و راجع: الکافي، کتاب الإيمان و الکفر، باب إطعام المؤمن، ح 2193 الوافي، للفیض الکاشاني، ج 10، ص 510، ح 10003، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 9، ص 473، ح 12524.
2- الخصال، ص 616، أبواب الثمانين و ما فوقه، ضمن الحديث الطويل. تحف العقول، ص 107، ضمن الحديث الطويل، عن أمير المؤمنين (علیه السلام)، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 15، ص 113، ح 14763، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 15، ص 97، ح 20059، بحار الانوار، ج 33، ص 452، ح 663.

يتأخرون عنه فيسلمونها ولا يتقدمون عنه فيفروا دونها».

ولکون هذه الرايات معقد الجيش کان أصحابها يرفعونها بغية إطمئنان النفوس وشحذ الهمم بها فلا يهزم الجيش أبدا ما دامت رايته ترفرف عاليا فلذلک کان هذه الرايات لا تسلم الا لشجعان القوم وصناديدهم وأبطالهم ممن يعتمد عليهم عند الشدائد ولذلک نجد أن راية الطف العظيمة التي إستمدت روحيتها من أول راية للإسلام رفعها الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) في معرکة بدر قد إزدادت علوا وکان لها الأثر في حفظ الدين الى يومنا هذا بهمة الفارس المقدام العباس بن علي بن أبي طالب.

زوجته

هي السيدة الفاضلة لبابة بنت عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب وهي من قريبات العباس (علیه السلام) ومن البيت الهاشمي ومن السيدات الفاضلات في عصرها. أبوها من زعماء القوم وکان واليا على اليمن من قبل الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).

أولاد العباس

کان للعباس (علیه السلام) عدة أولاد و بنتان: 1 - الفضل 2 - عبيدالله 3 - الحسن 4 - القاسم وأمهم لبابة بنت عبيدالله أما وإتفق أرباب النسب والمقاتل على إستمرار عقب العباس إبن أمير المؤمنين في ولده عبيدالله وکان من کبار العلماء وله خصوصيته عند الإمام السجاد فکان يبکي کلما يراه مستذکرا موقف أبيه مع سيد الشهداء (علیه السلام) يوم الطف.

یقول الصدوق:(1)«نظر سيد العابدين: علي بن الحسين (علیه السلام) الى عبيد الله بن عباس بن علي بن أبي طالب فاستعبر. ثم قال: ما من يوم أشد على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله، و بعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب.

ثم قال (علیه السلام): و لا يوم کيوم الحسين (علیه السلام) ازدلف عليه ثلاثون الف رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة، کل يتقرب الى الله عزوجل بدمه، و هو بالله يذکرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيا و ظلما و عدوانا. ثم قال (علیه السلام): رحم الله العباس، فلقد آثر و أبلى، و فدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله عزوجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائکة في الجنة، کما جعل لجعفر بن أبي طالب. و إن للعباس: عند الله تبارک و تعالى منزلة،

ص: 108


1- الأمالي للصدوق، ص 462

يغبطه بها جميع الشهداء(1) يوم القيامة.»

إفتراء تاريخي

قال إبن الأثير:(2)«إن العباس بن علي (علیه السلام) قال لإخوته من أمه عبدالله وجعفر وعثمان تقدموا حتى أرثکم فإنه لا ولد لکم ففعلوا وقتلوا في الواقعة»

الجواب الأول: وقد رد السيد المقرم رحمه الله على هذه الأباطيل و قال وما أدري کيف خفي عليهما حيازة العباس (علیه السلام) ميراث إخوته مع وجود أمهم أم البنين وهي من الطبقة المتقدمة کما يشارکهم سيد شباب أهل الجنة وزينب العقيلة وأم کلثوم ورقية وغيرهن من بنات أمير المؤمنين فکيف والحال هذا يختص العباس بالميراث وحده.

الجواب الثانی: أما رأي الشيخ آغا بزرک الطهراني أن تصحيف أرثکم من أرثيکم فکأنه أراد أولا أن يفوز بشهادة وثانيا البکاء عليهم ورثاؤهم.

الجواب الثالث: انه یقصد من قوله، ارث مصابکم و ارث الغم و الهم منکم فانکم لا ولد لکم فانا اخذ اجر غم شهادتکم و همها کله و یقوی هذا القول روایة مقاتل الطالبيين عن أبي مخنف ان العباس بن علي (علیه السلام) لأخيه من أمه وأبيه عبدالله بن علي تقدم بين يدي حتى اراک شهيدا فأحتسبک فإنه لا ولد لک.

مقتل العباس (علیه السلام)

ولما رأى العباس (علیه السلام) کثرة من قتل من عسکر أخيه الحسين (علیه السلام) تقدم وقال لأخوته: يا بني أمي تقدموا لأحتسبکم عند الله، فتقدم إخوته الثلاثة من أمه وهم: عبد الله، وجعفر، وعثمان فقاتلوا جميعا واحدا تلو الاخر حتى قتلوا ولما اشتد النزال ولم يبق من أصحاب الحسين (علیه السلام) وأهل بيته

ص: 109


1- يغبطه اي يتمنى ان يکون مثله بلا نقصان من حظه و الغبطة خصلة غير مذمومة و هي تمني مثل ما للغير، کما ان المنافسة هي: تمني مثل ما للغير مع السعي في التحصيل، و هي سبب قوي للنشاط و التقدم قال الله تعالى: (وفي ذلک فليتنافس المتنافسون). انما المذموم الحسد، و هو کراهة نعمة الغير و حب زوالها، اما اذا تمنى مثل حاله دون ان يريد زوال نعمته فتلک الغبطة و في الحديث: (المؤمن يغبط و المنافق يحسد). و اصل الحسد هو نظر الحاسد الي المحسود بعين الإکبار و الإعظام، فيرى نفسه حقيرا في جنب ما اوتي ذلک المحسود. و من اجمل ما قيل: ان يحسدوک على علاک فانما*متسافل الدرجات يحسد من علا
2- إبن الأثير: الکامل في التاريخ ج3، ص 529.

من الرجال الا أبو الفضل.

ونظر أبو الفضل الى وحدة أخيه الحسين (علیه السلام) أقبل، وقال: سيدي هل لي من رخصة؟ نظر الحسين (علیه السلام) الى العباس وبکى بکاء شديدا، ثم قال: "يا أخي، أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسکري"، فقال العباس: لقد ضاق صدري وسئمت الحياة، وأريد أن أطلب بثاري من هؤلاء الأعداء، فقال الحسين (علیه السلام): "إذا کان من بد فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء"، فذهب العباس ووعظهم وأبلغ في کلامه بهم فلم ينفع مع هذه العصبة الظالمة، فرجع لأخيه، وإذا به يسمع الأطفال ينادون العطش.. العطش..

ما تحمل أبي الضيم سماع صراخ الأطفال الا أن رکب فرسه وأخذ القربة وتوجه نحو الفرات لما وصل الى النهر، وکان قد أحاط به أربعة الاف ممن کانوا موکلين بالمشرعة، رموه بالنبال فکشفهم عن النهر بعد أن قتل منهم جماعة، فلما وصل الى المشرعة، دخل الماء بجواده ورکز لواءه، ثم انحنى عن ظهر جواده، اغترف غرفة ليشرب، فلما أحس ببرد الماء وقد کظه العطش، تذکر عطش الحسين (علیه السلام) وأهل بيته، فرمى الماء من يده، وقال: والله لا أشرب وأخي الحسين وعياله وأطفاله عطاشى لا کان ذلک أبدا، وجعل يقول:

يا نفس من بعد الحسين هوني*وبعده لا کنت أن تکوني

هذا حسين وارد المنون*وتشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال ديني*ولا فعال صادق اليقين

اشلون اشرب وخوي حسين عطشان*وسکنه والحرم واطفال رضعان

وظن قلب العليل التهب نيران*يريت الماي بعده لا حله ومر

ثم ملأ القربة، وحملها على کتفه الأيمن، وتوجه نحو المخيم، فقطعوا عليه الطريق، وأحاطوا به من کل جانب فحاربهم، فأخذوه بالنبال من کل جانب، حتى صار درعه کالقنفذ من کثرة السهام، فلم يعبأ بهم، فکمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة وعاونه حکيم بن الطفيل، فلما مر به العباس ضربه بالسيف على يمينه فقطعها، فأخذ السيف بشماله وحمل القربة على کتفه الأيسر وهو يقول:(1)

والله إن قطعتم يميني*إني أحامي أبدا عن ديني

وعن إمام صادق اليقين*نجل النبي الطاهر الأمين

ص: 110


1- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 309 و شرح الأخبار، القاضي نعمان، ج 3، ص 192

فقاتل حتى ضعف عن القتال، وقد أعياه نزف الدم، فکمن له حکيم بن الطفيل من وراء نخلة، فضربه على شماله فقطعها من الزند فجعل يقول:(1)

يا نفس لا تخشي من الکفار*واستبشري بنعمة الجبار

قد قطعوا ببغيهم يساري*فأصلهم يا رب حر النار

ولم يکن للعباس هم الا أن يوصل القربة الى معسکر الحسين (علیه السلام) ثم جاءته السهام من کل جانب فأصاب سهم عينه، وسهم أصاب القربة فأريق ماؤها، وسهم أصاب صدره، وبين العباس واقف حائر ماذا يصنع، لا يدين فيقاتل بهما، ولا ماء فيأتي به الى المخيم، جاءه لعين فضربه بعمود من حديد على رأسه، ففلق هامته، فانقلب عن فرسه الى الأرض مناديا بضعيف صوته: أخي أبا عبد الله أدرکني.(2)

(ولکن أقول: أيها الموالون، من عادة الفارس إذا ما أراد أن يقع على الأرض يتلقى الأرض بيديه، ولکن کيف يتلقى الأرض من کان مقطوع اليدين والسهم نابت في صدره، وسهم في عينه). فجاءه الإمام (علیه السلام) وراه بتلک الحالة مقطوع اليدين، السهم نابت في العين، المخ سائل على الکتفين، القربة مخرقة، العلم ممزق، عندها صاح الإمام (علیه السلام): " الان انکسر ظهري، الان قلت حيلتي، الان شمت بي عدوي".(3)

يخويه العلم گلي وين اوديه*ينور العين دربي بيش اجديه

حنا فوگه اوشمه وشبگ ايديه*او صاح احسين اخوي الله أکبر

بينا الحسين (علیه السلام) عنده وإذا بالعباس (علیه السلام) مد رجليه، واستودع أخاه الحسين وشهق شهقة، وفاضت روحه، رحم الله من نادى واعباساه أي واسيداه أي وامظلوماه فقام الإمام من عنده منحني الظهر باکي العين، مناديا: وا أخاه، واعباساه

يخويه انکسر ظهري ولا اگدر اگوم*صرت مرکز يخويه لکل الهموم

يخويه استوحدوني عگبک الگوم*او لا واحد عليه بعد ينغر

رجع الإمام الى المخيم يکفکف دموعه بطرف کمه (من الذي کان بالانتظار) ابنته سکينة واقفة تنتظر أباها الحسين (علیه السلام) على باب الخيمة، لما رأت أباها بتلک الحالة، هرولت اليه، قالت: أبه، ما لي أراک جئت

ص: 111


1- بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 40 و أعيان الشيعة، محسن الأمين، ج 1، ص 608
2- تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 688
3- معالي السبطين ج 1، ص 446، مقتل الخوارزمي ج 2، ص 30

الي وحدک؟ أين عمي العباس؟ قال الحسين (علیه السلام): "بنية سکينة، عظم الله لک الأجر بعمک العباس، فلقد خلفته على شاطى ء الفرات مقطع اليدين مرضوض الجبين" لما سمعت زينب ذلک خرجت منادية: واأخاه واعباساه واضيعتنا بعدک أبا الفضل.(1)

عندک يبو فاضل يخويه اشتکي حالي*حرمة ولا والي والشمر يبرالي

واليحدي للناگه زجر عباس يا عيوني*ترضه يذلوني وللشام يسبوني

خويه الفواطم بالدرب منهو ليحاميها*عگبک يا واليها يويلي عليها

وانروح تاليها بيسر عباس يا عيوني*ترضى يذلوني وللشام يسبوني

ص: 112


1- مقتل الحسين (علیه السلام) للمقرم: 269- 270

مجلس العباس الثاني (اللیلة السابعة)

اشارة

المجد مجدک يا ابن ساقي الکوثر*والفخر فخرک يا کريم العنصر

والفضل بشهد أنه لولاک لم*يعرف وما في الناس عنه بمخبر

أبکيک مقطوع اليدين معفرا*نفسي الفداء لجسمک المتعفر

ولرأسک المفضوخ والعين التي*انطفأت بسهم في الجهاد مقدر

فمشى اليک الحسين يهتف يا أخي*أفقدتني جلدي وحسن تصبري

أأخي ها فانظر بنات محمد*تبکي عليک بلوعة و تزفر

هذا لواؤک من يقوم بحمله*بل من سيحفظ بعد فقدک معشري

من

للحمى من للعقائل أصبحت*حيرى ومن سيحن للطفل البري

ون احسين يم عباس وانه*لواک الچان بيه النصر وینه

تظل يا عباس يم النهر او آنه*ابگه اوحيد بين اعلوج اميه

المحاضرة: الالفة

وقال الله: (فالفَ بينَ قُلوبِکم فأصبحتُم بنعمتِهِ إخواناً)(1)

معنی الالفة هو الاجتماع مع الناس بالتئام ومحبة، والتوافق، والانسجام، و ضده الفرقة هذا تعريف يجسد بمواقف کثيرة، فأنت حينما تتمنى أن تجلس مع إنسان وقتا طويلا معنى ذلک أنک تالفه، وحينما يتمنى هو أيضا أن يبقى معک معنى ذلک أنه يالفک.

وعلامة الإيمان الالفة، المؤمن يالف ويؤلف، ذلک لأن المؤمن موصول بالله، فبعد أن اتصل بالله اشتق منه الکمال، فالمؤمن متواضع، المؤمن منصف، المؤمن رحيم، المؤمن يقول الحق ولا يکذب، هذه الصفات الراقية إن توافرت في إنسان اخر توافقا. و قال السجاد (علیه السلام):(2) «صلاح حال التعايش و التعاشر مل ء مکيال ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل» ای ان اجعل حیاتک ثلاث اشطر شطرین افطن فیها و لا تفعل اشیاء من جانبک تدخلک فی مشاکل مع الناس و ثلث تغافل عن تعدیاتهم.

الفة الناس ومصافاتهم من الأوصاف الحميدة، والأخلاق المرغوب فيها، ومن هنا کانت الأحاديث الکثيرة في فضيلة زيارة المؤمنين والسلام عليهم، ومصافحتهم، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وتعزية أهل المصائب وما شابه ومن يلاحظ الأخبار الواردة في هذا الباب يعلم مدى اهتمام الباري بالالفة والمحبة بين عباده، وما وضع من السنن الحميدة

ص: 113


1- ال عمران: 103
2- تحف العقول: 359، عنه بحار الأنوار، للمجلسي، 78ج، ص 241 ح 22

لحفظ هذه الصفة. وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)«إن

أحبکم الى الله أحسنکم أخلاقا الموطئون أکنافا(2)الذين يالفون و يؤلفون و أبغضکم الى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون لأهل البراء العثرات(3)».

و روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله:(4)«طوبى لمن يالف الناس ويالفونه على طاعة الله» وقال أميرالمؤمنين (علیه السلام):(5) «المؤمن الف مالوف متعطف» و قال (علیه السلام):(6)

«التودد الى الناس رأس العقل» و قال (علیه السلام):(7)

«ليجتمع فى قلبک الأفتقار الى الناس و الاستغناء عنهم فيکون افتقارک اليهم فى لين کلامک و حسن بشرک و يکون استغناءک عنهم فى نزاهة عرضک و بقاء عزک» و عن علي بن أبي طالب (علیه السلام) انه قال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(8)

«المؤمنون هينون لينون(9)

کالجمل الأنوف إن استنخته أناخ»

أسباب الالفة

أن تلقى أخاک بوجه طلق، أن تزحزح له إذا دخل، قد يکون المکان واسعا، أما حينما تتحرک قليلا تکريما له، حينما تعبر له عن محبتک و تکون صادقا مع أخيک، أن تراعی شعوره، أن ترعى حاجاته، الا تکون

ص: 114


1- عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ج 1، ص 100
2- قوله: الموطئون اکنافا: يعنى أنهم أهل خفض الجانب، و کنى عنه بالجناح کقوله تعالى: (و اخفض جناحک) و هو کناية عن لين الجانب، و حسن الأخلاق.
3- العثرات، جمع عثرة: و هي وقوع الشي ء القبيح من شخص يخالف عادته على سبيل الندرة
4- مشکاة الأنوار، ص 180
5- مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ج 8، ص 451
6- غرر الحکم و درر الکلم، ص 72
7- کافى ج 2، ص 149، ح
8- مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي، ج 8، ص 451 و الجمل الأنف: هو الجمل الذي يجعل في أنفه خزام فيکون سهل القياد. (لسان العرب ج 9، ص 13) و فیه هذه الروایات ایضا: أبو القاسم الکوفي في کتاب الأخلاق،" أن ذا القرنين قال لبعض الملائکة علمني شيئا أزداد به إيمانا فقال له الملک لا تهتم لغد و اعمل في اليوم لغد الى أن قال و کن سهلا لينا للقريب و البعيد و لا تسلک سبيل الجبار العنيد."
9- بالتشديد ويخففان، في النهاية هما تخفيف الهين واللين و الأنف بمعنى المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به.

عبئا عليه، أن يکون ظلک خفيفا عنده، إذا الالفة تحتاج الى جهد، هي في الحقيقة شعور، راحة، انسجام، لکن هذا الانسجام، وتلک الراحة، وهذا الشعور، لهم أسباب طويلة، وجهد کبير وتصرف واحد أحمق غير مدروس، قد يجعله ینفر منک.

و هکذا کان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)اذا احد خالطه احبه فورد فی الروایة «عن أمير المؤمنين (علیه السلام) کان إذا وصف رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قال کان أجود الناس کفا و أجرأ(1)

الناس صدرا و أصدق الناس لهجة و أوفاهم ذمة و الينهم عريکة(2)

و أکرمهم عشرة(3)

و من رآه بديهة هابه و من خالطه فعرفه أحبه لم أر مثله قبله و لا بعده(4)(5)

العباس نافذ البصيرة

جاء فی حديث الامام الصادق (علیه السلام) فی صفت العباس (علیه السلام):(6)«رحم

الله عمنا العباس کان و الله نافذ البصيرة، صلب الايمان، قتل مع أخيه الحسين (علیه السلام) بالطف، و مضى في سبيل الله شهيدا» مما تميز به أبو الفضل العباس (علیه السلام) بصیرته و يقينه و ان بصيرته جعلته يتمسک بعروة الولاية الالهية، وان صلابة ايمانه وصدق يقينه جعلاه لا يأبه بالحياة، فحينما جاء اليه شمر ابن ذي الجوشن في اليوم التاسع من شهر محرم في تلک السنة بأمان من عند ابن زياد.

واراد ان يفرق بينه وبين أخيه. وکانت بين شمر وبين أبي الفضل العباس علاقة الخوئلة، لان أم البنين کانت من تلک القبيلة التي ينتمي اليها الشمر ابن ذي الجوشن (من بنی کلاب) فجاء شمر حاملا الأمان ودعى أبا الفضل واخوته قائلا: أين بنوا أختنا؟

سکت اخوة العباس احتراما لاخيهم الأکبر، وسکت العباس احتراما لامامه، وحجة الله عليهم الحسين، وکرر شمر النداء وبقي أبو الفضل ساکتا لا يجيبه، فقال الحسين لهم: "اجيبوه ولو کان فاسقا(7)".

ص: 115


1- الجرأة: الشجاعة.
2- العريکة: الطبيعة.
3- العشرة- بالکسر- الصحبة
4- هذا و في بعض الروایات انه (علیه السلام) قال بعد هذا الکلام «بأبي من لم يشبع ثلاثا متوالية حتى فارق الدنيا و لم ينخل دقيقه (ای طحین خبزه کان غیر منخول)»
5- بحار الأنوار ج 16، ص 231
6- ابصار العين، ص 30، عمدة الطالب، ص 349
7- إبصار العين، السماوى، ص 58

قالوا لشمر: ما شأنک وما تريد؟ قال: يا بني اختي انتم امنون، لا تقتلوا انفسکم مع الحسين، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال له العباس: لعنک الله، ولعن أمانک. تؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا ان ندخل في طاعة اللعناء واولاد اللعناء؟ فرجع الشمر مغضبا.

وان تکن الابدان للموت انشأت فقتل امرء بالسيف في الله افضل وهکذا حينما دخل المشرعة، واغترف الغرفة من الماء کانت کلمته رائعة حينما قال:

والله ماهذا فعال ديني*ولا فعال صادق اليقين

نعي

وقد جاءت للعباس وإخوته الثلاثة من أمه أم البنين (علیه السلام) وهم: عبد الله وعثمان وجعفر، جاءتهم حالتا أمان من قائد الجيش بنجاتهم إن هم ترکوا الحسين (علیه السلام) الأولى کانت لخالهم عبد الله بن أبي المحل الکلابي، فرد العباس ذلک ردا جميلا وقال لرسول خاله: أبلغ خالي عني السلام وقل له أن أمان الله ورسوله خير.(1)

وکان ذلک ليلة عاشوراء والمحاولة الأخرى يوم عاشوراء قبل نشوب المعرکة حيث ينادي الشمر: أين بنو أختنا أين العباس وإخوته؟ فسکتوا ولم يجيبوه، فقال لهم الحسين (علیه السلام): أجيبوه وإن کان فاسقا فقالوا له: ما شأنک وما تريد؟ فقال: يا بني أختنا أنتم امنون فلا تقتلوا أنفسکم مع الحسين وادخلوا في طاعة أمير المؤمنين يزيد.

فرد عليه العباس: "قبحک الله وقبح أمانک، اتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له وتدعونا أن ندخل في طاعة اللعناء وأبناء اللعناء" فلما سمع الشمر کلام العباس لوى عنان جواده ورجع ابو الفضل العباس یمشی کالأسد الغضبان(2)

استقبلته الحوراء زينب وقد سمعت کلامه مع الشمر قالت له: يا أخي اريد ان احدثک بحديث قال: حدثيني يا زينب لقد حلا وقت الحديث.

قالت: اعلم يابن والدي لما ماتت امنا قال أبي لأخيه عقيل: اريد منک ان تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة حتى اصيب منها ولدا ينصر ولدي الحسين بطف کربلاء وقد ادخرک أبوک لمثل هذا اليوم(3) وصل يومک يبوفاضل تری احنه ابغربه يخويه او مالنا والی:

ص: 116


1- وقعة الطف، أبو مخنف، ص 190 و الإرشاد: 230 و التذکرة: 249
2- عمدة الطالب: 323- 324 و نفس المهموم، الشيخ عباس القمي، ص 303
3- ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي: ج 1، ص 219

وأنا مخدرة وتدري*واخافن ينهتک ستري

اغتاض وگال يا زينب*شنهي الخيل وتهمچ

أخوچ وصارمي بيدي*ومنهو اليگحم خيمچ

وحگ الحسن يا زينب*وچبده وکسر ضلع أمچ

لخلي جموعها طشار*وخلي النايحة بکل دار

وخلي کربلا تذکار*وخلي الناس جيل جيل

ما ينسون عملتها

أقول سيدي يا أبا الفضل العباس، بالفعل قدمت شجاعة ووفاء خاصا في يوم العاشر من المحرم، ولکن سيدي ليتک کنت حاضرا مع زينب عندما تقدمت في يوم العاشر الى جسد الحسين (علیه السلام) وهو بتلک الحالة، سيدي ليتک کنت حاضرا معها وقد ضربها الشمر بسوطه، وازينباه.(1) ولهذا لم يبق لها محام ولا کفيل، کانت وحيدة عند جسد سيد الشهداء ولسان حالها تگله خوي:

أنا طولي الچان ما ينشاف شافوه*وصوتي الچان ما ينسمع سمعوه

وخدري الچان ما ينهتک هتکوه*ضربوني وابوي الفحل شتموه

يصيحون زينب طلعوها*وحرقوا قلبها ابراس اخوها

او لو بجت بالسوط اضربوها*سبوا الزجيه وشتموا ابوها

یا عباس انت الی جبتنی*کفیلی لیش بل حومه عفتنی

وابگوم امیه ودعتنی*لا رحم عدهم او لا حمیه

هَيْهَاتَ بَعْدَک يَا أَخِي أَتَبَسَّمُ*عَبَّاسُ وَالبَسَمَاتُ وَلَّى عُمْرُهَا

ص: 117


1- مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 116

مجلس العباس الثالث (اللیلة السابعة)

اشارة

هيهات أن تجفو السهاد جفوني*أو أن داعية الأسى تجفوني

يوم أبوالفضل استفزت بأسه*فتيات فاطم من بني ياسين

حسموا يديه وهامه ضربوه في*عمد الحديد فخر خير طعين

ومشى اليه السبط ينعاه کسرت*الآن ظهري يا أخي ومعيني

عباس کبش کتيبتي وکنانتي*وسري قومي بل أعز حصوني

ياساعدي في کل معترک به*أسطو وسيف حمايتي بيميني

لمن اللواء أعطي ومن هو جامع*شملي وفي ضنک الزحام يقيني

عباس تسمع زينبا تدعوک من*لي ياحماي إذا العدى سلبوني

أولست تسمع ماتقول سکينة*عماه يوم الأسر من يحميني

يا عباس عني رحت لاوين*اوتدري امن الهواشم ما بگه امعين

يخويه امودع الله تظل بالبر*نهض محني الظهر للخيم سدر

اجت سکنه تصیح الله و اکبر*يبوي وحدک عباس چا وينه

بچه اونادى يبويه راح عمچ*يبويه اش ينفع عتابچ او ونچ

بعد عمچ يبويه موش یمچ*گضه امطبر يسکنه لا تعتبين

المحاضرة: صفات و فضائل العباس

علم العباس

العباس کان عالما کما ورد عن أهل البيت (علیه السلام) في العباس (علیه السلام) أنه: (زق العلم زقا) و ليس هذا بکثير على رجل يتخرج من مدرسة مدينة العلم، و يعاصر أربعة من الأئمة (عليهم الصلاة و السلام) متأدبا بآدابهم، آخذا من علومهم.

عن أبيه علي (علیه السلام): «إن العباس بن علي زق العلم زقا»(1)

ومن مستطرف الأحاديث یقول فیه احد العلماء:(2) "إن العباس من أکابر وأفاضل فقهاء أهل البيت، بل إنه عالم غير متعلم، وليس في ذلک منافاة، لتعليم أبيه إياه". هو اخذ العلم إنه من أهل بيت زقوا العلم زقا. کان یوجد طالب علم مغرور بنفسه لا يزور العباس (علیه السلام) وکان يرى في نفسه أفضلية حتى على العباس (علیه السلام) حيث کان يقول: إني أعلم من العباس حيث إني درست الفقه والأصول والأدب، والعباس لم يدرس عند أحد و هو مجرد شهید لا اکثر و النبی قال مداد العلماء افضل من دماء الشهدا فرأى هذا

ص: 118


1- أسرار الشهادة للدربندي، ص 324، بحر العلوم، مقتل الحسين (علیه السلام) (الهامش) 312، ادب الطف، شبر، ج 1، ص 224
2- کتاب الکبريت الأحمر ج3، ص45

الرجل المغرور العباس (علیه السلام) في منامه.

فعاتبه على کلامه قائلا له: أولا إني درست عند أبي أمير المؤمنين (علیه السلام) وعند أخوي الحسن (علیه السلام) و الحسین (علیه السلام) وکنت أعاشرهم وأعاشر الإمام السجاد (علیه السلام). ثانيا إنک استنبطت الأحکام واستوعبت ظنونا، لکني علمت بالأحکام علما قطعيا، ثم قال (علیه السلام): وفي نفسيات کريمة، وأخذ يعددها: من کرم، وصبر، ومواساة، وجهاد الى غيرها، ولو قسمت على جميعکم لما أمکنک حمل شيء منها.

على أن فيک ملکات رذيلة من حسد، ومراء، ورياء، ثم ضرب بيده الشريفة على فم الرجل، فانتبه فزعا نادما، معترفا بالتقصير، ولم يجد منتدحا الا بالتوسل به، والإنابة اليه (علیه السلام) وعلى ابائه فاستيقظ الرجل من منامه فزعا مرعوبا تائبا الى الله سبحانه عما زعمه وعما عمله و یقول لما استیقظ ذهب لزیارته وشرع يزور العباس بعد ذلک ويواظب على زيارته بانتظام.

أم العباس

أما الأُم الجليلة المکرمة لأبي الفضل العباس (علیه السلام) فهي السيدة الزکية فاطمة بنت حزام بن خالد وأبوها حزام من أعمدة الشرف في العرب، ومن الشخصيات النابهة في السخاء والشجاعة و اکرام الأضياف و طلب أمير المؤمنين (علیه السلام) من أخيه عقيل (وکان نسابة عارفا بأخبار العرب) أن يختار له إمرأة من ذوي البيوت والشجاعة ليکون له منها بنون ذوو خصال طيبة عالية فأجابه عقيل قائلا (أخي، اين أنت عن فاطمة بنت حزام الکلابية، فإنه ليس في العرب اشجع من ابائها(1)).

فعاشت مع أمير المؤمنين (علیه السلام) في صفاء وإخلاص، وعاشت بعد شهادته (علیه السلام) مدة طويلة لم تتزوج من غيره، إذ کانت العرب تخطبها فإمتنعت. وقد روت حديثا عن علي (علیه السلام) في أن أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)والوصي (علیه السلام) لا يتزوجن بعده.

ولادته

في الرابع من شعبان المعظم سنة 26 ه- زفت البشرى بولادة سيدنا ومولانا أبي الفضل العباس (علیه السلام) وأجرى عليه مراسيم الولادة حسب ما نصت عليه السنة النبوية فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وفي اليوم السابع من ولادته حلق شعره وتصدق بزنته ذهبا أو فضة على

ص: 119


1- عمدة الطالب: 357

المساکين والفقراء وعق عنه کما عق عن الإمامين الحسن (علیه السلام) و الحسين (علیه السلام). و الامام علي سماه بالعباس والعباس إسم من أسماء الأسد وهو الأسد الضاري وفعلا کما تنبأ کان شجاعا.

صفاته

قال الإمام الصادق (علیه السلام) في حق عمه العباس (علیه السلام): «کان عمي العباس بن علي (علیه السلام) نافذ البصيرة صلب الإيمان. جاهد مع أخيه الحيسن (علیه السلام) وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا» أما الإمام زين العابدين و سيد الساجدين (علیه السلام): «رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله بجناحين يطير بهما مع الملائکة في الجنة، کما جعل لجعفر بن ابي طالب وأن للعباس عند الله تبارک وتعالى منزلة يغبطه(1)

عليها جميع الشهداء يوم القيامة».

قال المؤرخون عن شجاعته وبسالته «کان إذا حمل على کتيبة تفر بين يديه فيبدد جمعهم ويمزق رجالهم(2)»

نعي

ورد في الأخبار أن موت الأخ قص الجناح وقيل أيضا: من لا أخ له لا ظهر له وقيل: لما أخبر لقمان بوفاة أخيه قال: الان انکسر ظهري. أقول ولا أدري کيف حال الحسين (علیه السلام) وهو يودع عضيده وحامل لوائه ورئيس عسکره أبا الفضل العباس.

نعم انه کان يقول: وا ضيعتاه من بعدک يا أبا الفضل.(3)

قال الراوي: لما رجع الحسين من مصرع أخي العباس رجع وهو يکفکف دموعه بکمه، فتلقته أخته الحوراء زينب، وقالت: أبا عبد الله أراک رجعت وحيدا فريدا أين ابن والدي أين أخي أبو الفضل العباس؟ قال: عظم الله لک الأجر

ص: 120


1- يغبطه اي يتمنى ان يکون مثله بلا نقصان من حظه و الغبطة خصلة غير مذمومة و هي تمني مثل ما للغير، کما ان المنافسة هي: تمني مثل ما للغير مع السعي في التحصيل، و هي سبب قوي للنشاط و التقدم قال الله تعالى: (وفي ذلک فليتنافس المتنافسون). انما المذموم الحسد، و هو کراهة نعمة الغير و حب زوالها، اما اذا تمنى مثل حاله دون ان يريد زوال نعمته فتلک الغبطة و في الحديث: (المؤمن يغبط و المنافق يحسد). و اصل الحسد هو نظر الحاسد الي المحسود بعين الإکبار و الإعظام، فيرى نفسه حقيرا في جنب ما اوتي ذلک المحسود. و من اجمل ما قيل: ان يحسدوک على علاک فانما*متسافل الدرجات يحسد من علا
2- البالغون الفتح في کربلاء، لعبد الأمير القريشي، ص162
3- مقتل الحسين (علیه السلام) للمقرم، ص 228

بأخيک أبي الفضل.

وقيل ما کلمها بشيء، بل راح الى خيمة العباس، فأسقط عمودها فارتفعت الأصوات بالبکاء والنحيب، ونادت زينب: وا أخاه وا عباساه. وأرادت أن تذهب الى مصرع العباس، فوضع الحسين (علیه السلام) يده في صدرها وقال: أخيه زينب الى أين تريدين؟ ارجعي الى الخيمة ولا تشمتي بنا الأعداء.(1)

اني رايحة لعباس أجعده*وأرکب چفوفه فوگ زنده

وأگوله ترى عيالک بشده*يا خويه حملي وقع يا هو الليسنده

رجعها الحسين الى الخيمة ولم تخرج الى کفيلها الا عندما جن عليها ليل الحادي عشر أقبلت اليه وهي تنادي:

عباس خويه من المدينه بذمتک جيت*

لجلک ولجل حسين عفت الوطن والبيت

واشوف جيت لکربلا ومني تبريت

عتبچ يازينب على راسي وعلى عيني*

بس اظن ماجيتي الشريعة ولانظرتيني

وين الراس وين العين ياخیتي ماتعذريني*

چفيلک صار بهالحال خوية واعذریني

أأخي من يرعى الفواطم في غد

أأخي من يحمي بنات محمد

إن صرن يسترحمن من لا يرحم

ص: 121


1- زاد الخطباء في ایام عاشوراء، ج 1، ص 211 و سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ص 329 نقلا عن: معالي السبطين ج1. عقدة الخطيب ج1 فاضل الحياوي

مجلس العباس الرابع (اللیلة السابعة)

اشارة

أروحک أم روح النبوة تصعدُ*من الأرض للفردوس والحور سُجَّدُ

ورأسک أم رأس الرسول على القنا*بآية أهل الکهف راح يردِّد

وصدرک أم مستودع العلم والحجى*لتحطيمه جيشٌ من الغدر يعمد

فلو علمت تلک الخيول کأهلها*بأن الذي تحت السنابک أحمد

لثارت على فرسانها وتمردت*عليهم کما ثاروا بها وتمرَّدوا

وأعظم ما يشجى الغيور حرائرٌ*تُضام وحاميها الوحيد مقيَّد

کأنَّ رسول الله قال لقومه*خذوا وترکم من عترتي وتشدَّدوا

اهلال الکدر والاحزان هليت*أو دمه عين الموالي بيک هليت

يشهر النوح علاسلام هليت*لا تظهر أو تفرح بيک أمية

الف وسفه على العباس ينصاب*او مخ راسه على الکتفين ينصاب

الماتم دوم اله ولحسين ينصاب*لمن تظهر الراية الهاشمية

المحاضرة: عقوق الوالدين

(وَ قَضى رَبُّک الاّ تَعْبُدُوا الاّ إِيّاهُ وَ بِالوالدَيْنِ إِحْسانا)(1)

من کان عاقا لوالديه، فإنه لايرى الخير لا في الدنيا ولا في الاخرة، ولا ينفعه عمره، ولا ترفعه عزته، يقصرعمره، وتضيع حياته هباء تصعب عليه سکرات الموت وتشتد، ويرهقه خروج روحه فتنبه يا أخي و ارحم نفسک، واحذر حد العقوق، فإنه قاطع.

وتذکر معاناة والديک فيک، وهجرهما النوم من أجلک، وتربيتهما لک، وسنين رقدتک في أحضانهما تنهل منهما العطف والحنان والمحبة، وبذلهم مهجهم دونک حتى بلغتما بلغت، واشتد عضدک بعد أن کنت ضعيفا مستقويا بهم عن الصادق (علیه السلام) و هو یعدد اثار الذنوب قال:(2)«و التي تعجل الفناء قطيعة الرحم، و التي ترد الدعاء و تظلم الهواء عقوق الوالدين.»

ص: 122


1- الإسراء: 23
2- علل الشرائع، ص 584، ح 27، معاني الأخبار، ص 269، ح 1، الاختصاص، ص 238، و راجع: الکافي، کتاب الإيمان و الکفر، باب قطيعة الرحم، ح 2721 الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 1039، ح 3548، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 16، ص 274، ح 21551. و اظلام الهواء مبالغة فى ظلمة العقوق و قبحه، او کناية عن أنه تتکدر حیاته و تکون سوداء الیوم المظلم لاجل اسوداد الهواء فیه. ويرد الدعاء فلان قبول الدعاء منوط برضاء الله المنوط برضاء الوالدين.

و عن الصادق (علیه السلام):(1)«إذا کان يوم القيامة کشف غطاء من أغطية الجنة، فوجد ريحها من کانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، الا صنف واحد، قلت من هم؟ قال: العاق لوالديه» العقوق من العق و أصله الشق، يقال: عق الولد أباه إذا قطع عنه و عصاه و اذاه، و ترک الإحسان اليه، و أما الإيذاء القليل و ترک بعض الحقوق فلا يسمى عقوقا، کما روى الصدوق عن اصحاب الائمة قال: سالت الامام الصادق (علیه السلام)، عن إمام الجماعة لا بأس به غير أنه يسمع أبويه الکلام الغليظ الذي يغيظهما، ا اصلی فردا خلفة و لا ائتم به: «قال (علیه السلام): لا تقرأ خلفه (ای لا تصلی فردا بل صلی معه و هو لیس بفاسق) ما لم يکن عاقا قاطعا»

نعم اخوانی الاختلاف بین الاب و الابن قد یقع لکن لاتجوز القطیعة بینهما. و اکثر ما یجب احترامها الام کان رجل من النساک يقبل کل يوم قدم أمه، فأبطأ على إخوانه يوما، فسالوه فقال: کنت أفرغ في رياض الجنة، فقد بلغنا أن الجنة تحت أقدام الأمهات(2).

و عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: «لو علم الله شيئا أدنى من أف(3)

لنهى عنه» و عن الکاظم (علیه السلام) قال:(4) «سئل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)ما حق الوالد على الولد قال لا يسميه باسمه و لا يمشي بين يديه و لا يجلس قبله و لا يستسب(5) له.» و عير رجل ابنه بأمه لانها کانت امه و خادمة فقال الولد لابیه: هي و الله خير لي منک لأنها أحسنت لي الاختيار فولدتني من حر و أنت أسأت الاختيار فولدتني من أمه.

ص: 123


1- الخصال، ص 37، باب الاثنين، ح 15، و الفقيه، ج 3، ص 444، ح 4542، مرسلا عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)و فيهما قطعة منه، و هي: «إن الجنة لتوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام، و لا يجدها عاق و لا ديوث» و الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 911، ح 3261، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 21، ص 501، ح 27694، بحار الانوار، ج 7، ص 224، ح 143، و ج 74، ص 60، ح 24.
2- عن الصادق (علیه السلام) قال: جاء رجل الى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فقال يا رسول الله من أبر قال أمک قال ثم من قال أمک قال ثم من قال أمک قال ثم من قال أباک. (الکافى ج 2، ص 159).
3- إشارة الى قوله تعالى في سورة الاسراء: 26 (فلا تقل لهما أف و لا تنهرهما)
4- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 159
5- أي لا يفعل ما يصير سببا لسب الناس له کأن يسبهم أو آباءهم

قصة زین العابدین و امه

قال رجل لعلي زین العابدین (علیه السلام): لقد علمناک من أبر الناس بأمک فلماذا لا تأکل معها في صفحة واحدة؟ فقال له: لأني أخاف أن تسبق يدي يدها الى ما تسبق عيناها اليه فأکون قد عققتها.(1)

قصة بقرة بنی اسرائیل

روی عن الامام الرضا (علیه السلام) انه قال:(2)

«إن رجلا من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى: إن سبط ال فلان قتل فلانا فأخبرنا من قتله فقال: ايتوني ببقرة (وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّه يَأْمُرُکمْ أَن تَذْبَحُواْ

ص: 124


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4، ص 162 و شذرات الذهب 1ج، ص 105 الکامل للمبرد 1ج، ص 302، عيون الأخبار لابن قتيبة ج 3، ص 97.
2- تفسير العياشي، ج 1، ص 46، قیل ان تفصیل القصة هکذا: بعد خروج نبي الله موسي (علیه السلام) من مصر وهلاک فرعون وجنوده، مکث بني اسرائيل في الشام ومرت عليهم السنين وکثرت فيهم الشرور والمعاصي فکثر فيهم الربا والزنا والقتل والسرقة وکان من بينهم جماعة، صالحون اعتزلوهم وبنوا مدينة خاصة بهم، وکانوا اذا جن عليهم الليل وجاء المساء لم يترکوا احد منهم خارج المدينة الا ادخلوه، واذا اصبحوا کانوا مع الناس فيي المعاملات حتي يمسوا ولما راي موسي (علیه السلام) کثرة القتل في بني اسرائيل، کان اذا راي قتيل قريبا من دار قوما اغرمهم ديته، واذا وجدوا قتيلا بين قريتين او قبيلتين قاسوا المسافة بينهما فالي ايتهما کان اقرب غرمت ديته. وکان في بني اسرائيل شيخ کبير، يملک الکثير من الاموال، ولم يکن له الا ابنة واحدة، وکان بنوا اخيه فقراء لا مال لهم وکان هذا الشيخ بخيلا، لا يعطيهم شيئا ولا ينفق عليهم قليلا او کثيرا، وذات يوم تقدم احدهم اليه يخطب ابنته فرفض واهانة اهانة شديدة، وعيره بفقره وطرده من منزله شر طردة، فاغتاظ وحقد عليه، وشارکه اخوته ذلک، فتمنوا موت عمهم، فاتاهم الشيطان: فقال لهم: هل لکم الي ان تقتلوا عمکم فترثوا ماله، وتاخذوا ديته. فقالوا: کيف قال: تقتلوه،تتهمون المدينة المجاورة بانهم قتلوه. فوافقوا علي ذلک وراحوا يدبرون لقتل عمهم وذات ليلة قام احدهم وذهب الي عمه، وطلب منه ان يذهب معه الي المدينة الجاورة، واخبره ان بعض التجار قد قدموا اليها،وهو يريد ان ياخذ من تجارتهم وانهم لو راوا عمه معه اعطوه، فوافق الرجل وکان يحب التجارة والمال،فخرج معه ليلا، فلما اقتربوا من المدينة قتله وکان اخوته خلفه، فحملوه، ووضعوه امام عتبة باب المدينة التي يسکنها الصالحون منهم، واختفوا خلف شجرة، ينتظرون حتي ياتي الصباح فيتهمون اهل المدينة بقتله، وياخذون منهم الدية. (المصدر: سلسلة حکايات قرآنية، اعداد: منصور علي عرابي).

بَقَرَةً قَالواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللّه أَنْ أَکونَ مِنَ الجَاهِلِينَ*قَالواْ ادْعُ لَنَا رَبَّک يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِي قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِکرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِک فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ*قَالواْ ادْعُ لَنَا رَبَّک يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ*قَالواْ ادْعُ لَنَا رَبَّک يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللّه لَمُهْتَدُونَ*قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاذَلُولٌ تُثِيرُ الارْضَ وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالواْ الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا کادُواْ يَفْعَلُونَ*وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَرَأْتُمْ فِيهَا وَاللّه مُخْرِجٌ مَّا کنتُمْ تَکتُمُونَ*فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا کذَلِک يُحْيِ اللّه المَوْتَى وَيُرِيکمْ آيَاتِهِ لَعَلَّکمْ تَعْقِلُونَ)(1).

ثم قال الامام الرضا (علیه السلام): (2) «فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال: لا أبيعها الا بمل ء مسکها ذهبا، فجاءوا الى موسى فقالوا له: قال: فاشتروها قال: فقال لرسول الله موسى (علیه السلام) بعض أصحابه: إن هذه البقرة لها نبأ فقال: و ما هو قال: إن فتى من بني إسرائيل کان بارا بأبيه و إنه اشترى بيعا فجاء الى أبيه و الأقاليد تحت رأسه، فکره أن يوقظه فترک ذلک فاستيقظ أبوه فأخبره فقال له أحسنت فخذ هذه البقرة فهي لک عوض بما فاتک، قال: فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): انظروا الى البر ما بلغ بأهله.»

قصة رفیق موسی فی الجنة

کان النبی موسى (علیه السلام) کان يدعو الله فيقول يا رب يا رب أرني رفيقي في الجنة أريد أن أعرف من سيرافقني في الجنة فأوحى الله عزوجل الى موسى يا موسى أول رجل يمر عليک هو رفيقک في الجنة.

فانتظر موسى (علیه السلام) من سيمر عليه فإذا برجل لا يعرفه موسى وهو لا يعرف موسى (علیه السلام) رجل عادي حاله حال الناس تعجب موسى، موسى ظن أن الإجابه ستکون نبي من الأنبياء ستکون رجلا مشهورا بصلاحه هذا الرجل غيرمعروف فتبعه موسى (علیه السلام) يريد ان يرى لماذا هذا الرجل

ص: 125


1- البقرة: 67 - 73، معاني المفردات: (هزو): سخرية. (فارض): الفارض: المسنة التي انقطعت ولادتها. (بکر): صغيرة لم تحمل بعد. (عوان): وسط. (فاقع): شديد الصفرة. (ذلول) الريض الذي زالت، صعوبته، والمراد هنا بقوله (لا ذلول) البقرة التي لم تعتد العمل في الأرض. (مسلمة): خالية من العيوب (شية): علامة (فادرأتم): أصلها تدارأتم على وزن تفاعلتم، ومعنى التدارؤ التدافع.
2- تفسير العياشي، ج 1، ص 47

صار رفيقه في الجنة يقول فدخل بيتا فدخل معاه موسی.

و جلس الرجل أمام إمرأة عجوز وموسى (علیه السلام) يرقبه من بعيد، إمرأة عجوز على الأرض جالسة إمرأة کبيرة في السن فدخل هذا الشاب اليها فسلم عليها يقول فإذا به يشوي اللحم يصنع الطعام ويأتي بالطعام ووضع الطعام بالقرب منها وجاء بالماء ثم أخذ الطعام وأخذ يلقمها في فمها يلقم هذه العجوز في فمها يضع الطعام ثم يسقيها بالماء ثم بعد أن رتب البيت ونظف البيت وغسل فم هذه العجوز و الرجل لا يعلم أن هذا موسى (علیه السلام).

فقال موسى له: يا فلان من هذه العجوز التي دخلت أطعمتها الطعام وسقيتها الشراب و غسلتها وفعلت. فقال الشاب: إنها أمي فقال موسى (علیه السلام): وهل تدعو لک هذه الأم، قال نعم تدعو لي کثيرا لکنها لها دعاء لا تغيره، فقال موسى (علیه السلام): وبما تدعو لک هذه الأم قال له: تدعو لي بدعوة واحده دوما تقول اللهم اجعل ابني هذا مع موسى ابن عمران في الجنة فقال له موسى: أبشر أبشر يا عبد الله فقد استجاب الله دعاءها وأنا موسى ابن عمران وأنت رفيقي في الجنة.

قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّک الاَّ تَعْبُدُواْ الاَّ إِيَّاهُ وَبِالوَالدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَک الکبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ کلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً کرِيماً*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا کمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً)(1) واعلم أخي أن البر بالوالدين لا يقتصر على فترة حياتهما بل يمتد الى ما بعد مماتهما ويتسع ليشمل ذوي الأرحام.

مختصر عن العباس (علیه السلام)

أبي الفضل العباس (علیه السلام) کان الإمام الحسين (علیه السلام) في يوم کربلاء يعتبره اليد اليمنى، وصاحب لواءه، ويرسله لمخاطبة جيش ابن سعد ويعظم للإيمان، وقال في حقه الإمام الحسين (علیه السلام) عند أستشهاده الأن أنکسر ظهري وقلت حيلتي وشمت بي عدوي وهذه المقولة لم يقلها أخ قط لأخيه حتى في حق امير المؤمنين (علیه السلام) لما فلق هامته الشريفة روحي له الفداء اللعين عدو الرحمن إبن ملجم.

العباس (علیه السلام) و حرب صفین

قال بعض الرواة ان العباس (علیه السلام) شارک في حرب صفين مشارکة فعالة(2)،

وقالوا: خرج من جيش أمير المؤمنين (علیه السلام) شاب على وجهه

ص: 126


1- الإسراء: 23-24
2- هذا و نص الخوارزمي في المناقب علی حضوره و قال:"کان تاما کاملا" (المناقب، الخوارزمي، ص 227): «خرج من عسکر معاوية کريب بن أبرهة من ال ابن ذي يزن و کان مهيبا قويا يأخذ الدرهم فيغمزه بابهامه فيذهب بکتابته فقال له معاوية: ان عليا يبرز بنفسه و کل احد لا يتجاسر على مبارزته و قتاله، قال کريب: أنا أبرز اليه، فخرج الى، صف أهل العراق و نادى: ليبرز الي علي، فبرز اليه مرتفع بن وضاح الزبيدى فساله من أنت؟ فعرفه نفسه فقال: کفو کريم و تکافحا فسبقه کريب فقتله و نادى: ليبرز الي أشجعکم أو علي، فبرز اليه شرحبيل بن بکر و قال لکريب: يا شقى الا تتفکر في لقاء الله و رسوله يوم الحساب عن سفک الدم الحرام، قال کريب: إن، صاحب الباطل من اوى قتلة عثمان ثم تکافحا فقتله کريب، ثم برز اليه الحرث بن الجلاح الشيبانى و کان زاهدا، صواما قواما، ثم تکافحا فقتله کريب فدعا علي (علیه السلام) ابنه العباس و کان تاما کاملا من الرجال فأمره بأن ينزل عن فرسه و ينزع ثيابه، ففعل فلبس علي (علیه السلام) ثيابه و رکب فرسه و البس ابنه العباس ثيابه و أرکبه فرسه لئلا يجبن کريب عن مبارزته، فلما هم علي بذلک جاءه عبد الله بن عدى الحارثى و قال: يا أمير المؤمنين بحق امامتک فائذن لى أبارزه، فإن قتلته و الا قتلت شهيدا بين يديک، فاذن له علي فتقدم الى کريب فتصارعا ساعة، ثم، صرعه کريب، ثم برز اليه علي (علیه السلام) متنکرا و حذره بأس الله و سخطه، فقال له کريب: اترى سيفى هذا؟ لقد قتلت به کثيرا مثلک، ثم حمل على علي بسيفه فاتقاه بحجفته، ثم ضربه علي (علیه السلام) على رأسه فشقه حتى سقط نصفين و قال: النفس بالنفس و الجروح قصاص*ليس للقرن بالضراب خلاص بيدى عند ملتقى الحرب سيف*هاشمى يزينه الاخلاص مرهف الشفرتين أبيض کالملح*و درعى من الحديد دلاص ثم انصرف أمير المؤمنين (علیه السلام) و قال لابنه محمد: قف مکانى فان طالب و تره يأتيک، فوقف محمد عند مصرع کريب فاتاه احد بني عمه و قال: اين الفارس الذي قتل ابن عمي؟ قال محمد: و ما سؤالک عنه، فانا أنوب عنه، فغضب الشامي و حمل على محمد، و حمل عليه محمد فصرعه، فبرز اليه اخر فقتله حتى قتل من الشاميين سبعة.» و (المرهف: المحدّد، الدلاص: اللين البراق)

نقاب تعلوه الهيبة، و تظهر عليه الشجاعة يقدر عمره ب "14" سنة، فطلب المبارزة فهابه الناس، وندب معاوية اليه أبا الشعثاء فقال:(1)

ان أهل الشام يعدونني بالف فارس ولکن ارسل اليه احد اولادي، وکانوا سبعة.

وکلما خرج احد منهم قتله حتى أتى عليهم فساء ذلک أبا الشعثاء واغضبه، ولما برز اليه الحقه بهم، فهابه الجميع، ولم يجرأ أحد على مبارزته و تعجب اصحاب أمير المؤمنين من هذه البسالة التي لا تعدو الهاشميين، ولم يعرفوه لمکان نقابه.

ص: 127


1- ، صاحب الکبريت الأحمر، ج3، ص24

ولما رجع الى مقره دعاه أمير المؤمنين وازال النقاب عنه، فاذا هو العباس و البطولة لا تعني مجرد منازلة الاقران، بل جملة صفات انسانية سامية کالشهامة والاباء والتضحية والوفاء والمواساة. وهکذا کان العباس انظروا کيف حارب، وکيف استشهد.

نعي

قال الصادق (علیه السلام) فی حدیث عن عقوق الوالدین:(1)

«فعقوا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)في ذريته و عقوا أمهم خديجة في ذريتها» نعم اخوانی کان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)بمنزلة الأب و خديجة (علیه السلام) بمنزلة الأم فقد قتلوا في کربلاء ثمانية عشر من ذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و خديجة (علیه السلام)، و سبوا نساء الحسين (علیه السلام) و حملوهن في البلاد عراة على مطايا بلا غطاء.

قيل أن مولاتنا الزهراء (علیه السلام) تأتي يوم القيامة للشفاعة و التظلم عند الله و معها بعض المصائب التي فيأتي اليها جبرائيل فيقول لها: يا سيدة النساء بم تبدئين باخذ حقک ممن ظلمک؟ أم بإسقاط جنينک المحسن؟ تقول: لا فيقول أبقتل ابن عمک علي بن أبي طالب (علیه السلام) ؟ تقول: لا فيقول: أبقتل ولدک الحسن؟

تقول: لا، فيقول أبقتل ولدک الحسين (علیه السلام) ؟ فتقولک لا، فيقول: إذن بمن تبدئين يا زهراء؟ عند ذلک تخرج الزهراء کفي أبي الفضل العباس (علیه السلام) وتقول: يا عدل يا حکيم أحکم بيني وبين من قطعوا هذين الکفين، ما ذنب هذين الکفين حتى يقطعا من الزندين؟(2)

اچفوف امگطعه ويلي من الزنود*او دمعة فاطمه تجري بالخدود

او بالمحشر تنادي اهنا يمعبود*اشذنب چفين گطعوهن سويه

نعم: إن الزهراء (علیه السلام) تبکي لقطع کفي أبي الفضل العباس (علیه السلام) لأنهما کفان أديا خدمة کبيرة في کربلاء لأبي عبد الله (علیه السلام) وبنات رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فقد کان العباس يحمل بکفه الأمين السيف يذب به عن وجه الحسين (علیه السلام) ويحامي عن خدر زينب (علیه السلام) ويکفه اليسرى کان يحمل اللواء وکان يأتي بالماء بين الحين والاخر. ولا أدري کيف حال الحوراء زينب بعد قطع کفي أبي الفضل العباس (علیه السلام) و بعد ان کان ابوفاضل یصونها و یحفظها وکأني بها تخاطبه:

انه مشيت درب الما مشيته*وچتال اخيي رافگيته

من جلت الوالي نخيته*شتم والدي وانکر وصيته

ص: 128


1- من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 562
2- سلسلة مجمع مصائب أهل البيت، ص 352

اني رايحة لعباس أجعده*وأرکب جفوفه فوق زنده

وأگله ترى عيالک بشده*يا خويه حملي وقع يا هو الليسنده

أنا رايحة لعباس أحاچية*وأسولفلة مصايبنا وأبچي وأبچية

**

أحق الناس أن يبکى عليه*فتى أبکى الحسين بکربلاء

أخوه وابن والده علي*أبو الفضل المضرج بالدماء

ص: 129

مجلس العباس الخامس (اللیلة السابعة)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى الک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما

المحاضرة: حفظ السر

قال الصادق (علیه السلام):(1)«المجالس

بالأمانة وليس لأحد أن يحدث بحديث يکتمه صاحبه الا بإذنه الا أن يکون ثقة أو ذکرا له بخير»

حفظ أسرار الناس خلق عظيم من أخلاق الإسلام وأمانة من الأمانات التي يجب على المسلم أن يحفظها و حفظ السر و کتمانه قاعدة عظيمة في التعامل مع الإخوان و الخلان، وهي من أخلاق أهل الإيمان قال الله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ الى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالتْ مَنْ أَنْبَأَک هَذَا قَال نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ)(2)

و إذا أردت حفظ سر، فلا تطلع عليه أحدا و إن کان صديقک المخلص لک، فإن له أصدقاء کثيرين. قال بعض العلماء:

ص: 130


1- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 620، ح 2712، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 12، ص 104، ح 15767
2- التحريم: 3، قال علي بن إبراهيم (تفسير القمي، ج 2، ص 376) کان سبب نزولها أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)کان في بعض بيوت نسائه و کانت مارية القبطية (و هی جاریة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و ام ولده ابراهیم) تکون معه تخدمه و کان ذات يوم في بيت حفصة فذهبت حفصة في حاجة لها فتناول رسول الله مارية، فعلمت حفصة بذلک فغضبت و أقبلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و قالت يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)هذا في يومي و في داري و على فراشي فاستحيا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)منها، فقال کفى فقد حرمت مارية على نفسي و لا أطؤها بعد هذا أبدا و أنا أفضي اليک سرا فإن أنت أخبرت به فعليک لعنة الله و الملائکة و الناس أجمعين فقالت نعم ما هو فقال إن أبا بکر يلي الخلافة بعدي ثم من بعده أبوک فقالت من أخبرک بهذا قال الله أخبرني فأخبرت حفصة عائشة من يومها ذلک و أخبرت عائشة أبا بکر» و للکلام تتمة فراجع.

وکل سر جاوز الاثنين شاع*وکل علم ليس في القرطاس ضاع

الطريف أن البغض فسر (الاثنين) بمعنى الشخصين، وهو يعني أن السر إذا عرفه ثلاثة أشخاص شاع بين الناس، و لکن البعض يشرح أن الاثنين لا يعني بهما الا الشفتين، وبهذا يکون المعنى أن السر سيشيع إذا نطقت به لسواک، وبالتالي فلا تأتمن أحدا على سرک.

روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام):(1)«سرک أسيرک فإن أفشيته صرت أسيره» و «کلما کثر خزان الأسرار کثر ضياعها(2)» و «ابذل لصديقک کل المودة، ولاتبذل له کل الطمأنينة(3)» وروي عن الصادق (علیه السلام):(4)

«سرک من دمک، فلا يجرين من غير أوداجک» قال احد الحکماء، أربعة تدل على صحة الرأي: «طول الفکر و حفظ السر و فرط الاجتهاد و ترک الاستبداد.» قيل لرجل: کيف کتمانک السر؟ قال: قلبي قبره و صدري حبسه(5).

قال رجل: إذا تکلمت بالنهار فانظر من عندک، و بالليل، فاخفض صوتک. و قال الامام علي (علیه السلام) فی دیوانه:(6)

لا تودع السر الا عند ذي کرم*و السر عند کرام الناس مکتوم

و السر عندي في بيت له غلق*قد ضاع مفتاحه و الباب مختوم

و عن الامام الصادق (علیه السلام) قال: (7)«امتحنوا

شيعتنا عند ثلاث عند مواقيت الصلاة کيف محافظتهم عليها و عند أسرارهم کيف حفظهم لها عن

ص: 131


1- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 285
2- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 396
3- کنز الفوائد، ج 1، ص 93، و کامل الحدیث: «من قلب الإخوان (ای تقلب احوالهم) عرف جواهر الرجال أمحض أخاک بالنصيحة حسنة کانت أم قبيحة ساعده على کل حال و زل معه حيث زال لا تطلبن منه المجازاة فإنها من شيم الدناة ابذل لصديقک کل المودة و لا تبذل له کل الطمأنينة و أعطه کل المواساة و لا تفض اليه بکل الأسرار توفي الحکمة حقها و الصديق واجبه»
4- بحار الأنوار، ج 72، ص 71
5- قال الشاعر: فمن کانت الأسرار تطفو بصدره*فأسرار، صدري بالأحاديث تغرق فلا تودعن الدهر سرک أحمقا*فإنک إن أودعته منه أحمق وحسبک في ستر الأحاديث واعظا*من القول ما قال الأديب الموفق: "إذا ضاق، صدر المرء عن سر نفسه*فصدر الذي يستودع السر أضيق"
6- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 403
7- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 79

عدونا و الى أموالهم کيف مواساتهم لإخوانهم فيها.»

و قال أمير المؤمنين (علیه السلام):(1)«جمع خير الدنيا و الآخرة في کتمان السر و مصادقة الأخيار و جمع الشر في الإذاعة و مؤاخاة الأشرار» و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2)

«المجالس بالأمانة الا ثلاثة مجالس: مجلس سفک فيه دم حرام، و مجلس استحل فيه فرج حرام، و مجلس استحل فيه مال حرام بغير حقه.»

قصة الحسين بن روح

«قال ابن نوح و سمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذکرون أن أبا سهل النوبختي(3)

سئل فقيل له کيف صار هذا الأمر الى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح(4) دونک. فقال هم أعلم و ما اختاروه و لکن أنا رجل القى الخصوم و أناظرهم و لو علمت بمکانه کما علم أبو القاسم و ضغطتني الحجة على مکانه لعلي کنت أدل على مکانه و أبو القاسم فلو کانت الحجة تحت ذيله و قرض بالمقاريض ما کشف الذيل عنه.»(5)

قصة محمد بن أبي عمير

«محمد بن أبي عمير(6) کان من اصحاب الامام الکاظم و الرضا و الجواد

ص: 132


1- الإختصاص، ص 218
2- الأمالي للطوسي، ص 53
3- أبو سهل إسماعيل بن علي بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، (237- 311 ه-) أحد کبار البيت النوبختي بل من أشهرهم، کان من رؤساء الشيعة ووجهائهم و کانت مکانته بین الشیعة اعلی من الحسين بن روح.
4- الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي ويُکنى بأبي القاسم، هو السفير الثالث للإمام المهدي (عجل الله فرجه) في زمن الغيبة الصغرى، خلف فيها الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العَمري.
5- الغيبة ، للطوسي، کتاب الغيبة للحجة، ص 391
6- هو محمد بن زياد بن عيسى أبو أحمد الأزدي بغدادي الأصل و المقام، کان أوثق الناس عند الخاصة و العامة و أنسکهم نسکا و أورعهم و اعبدهم، و کان من أصحاب الإجماع، جليل القدر، عظيم الشأن. قال الفضل بن شاذان: دخلت العراق فرأيت أحدا يعاتب، صاحبه و يقول له: أنت رجل عليک عيال و تحتاج ان تکسب عليهم؟ و ما آمن أن تذهب عيناک لطول سجودک، فلما أکثر عليه قال: اکثرت على، ويحک لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنک برجل يسجد سجدة الشکر بعد، صلاة الفجر فما يرفع رأسه الا عند زوال الشمس. سبب افتقاره: هو مصادرة امواله علی ید هارون العباسی و ابنه مأمومن العباسی، قال الکشي، صاحب کتاب الرجال وجدت بخط أبي عبد الله الشاذاني سمعت أبا محمد الفضل بن شاذان يقول سعي بمحمد بن أبي عمير (و اسم ابي عمير زياد) الى السلطان (و هو هارون الرشید) انه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فامره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد و علق بين القفازين فضرب مائة و عشرين خشبة امام هارون و قیل مائة سوط و تولى ضربه السندى بن شاهک على التشيع (قال الفضل سمعت ابن أبي عمير انه قال) لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم الي فکدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس يقول يا محمد بن أبي عمير اذکر موقفک بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله و، صبرت و لم اخبر و الحمد لله. ثم افدى مائة و واحدا و عشرين الف درهم حتى خلى عنه. و کان متمولا یملک خمسمائة الف درهم. و أيضا اخذه المامون و حبسه، و أصابه من الجهد و الضيق امر عظيم و أخذ المأمون کل شي ء کان له و ذلک بعد موت الرضا (علیه السلام) و قيل انه کان في الحبس أربع سنين. و روى المفيد (ره) في الاختصاص انه حبس سبع عشر سنين، و في حال استتاره و کونه في الحبس دفنت أخته کتبه فهلکت الکتب، و قيل: ترکها في غرفة فسال عليها المطر فحدث من حفظه و مما کان سلف له في ايدى الناس، فلهذا تسکن الاصحاب الى مراسيله، قال المحقق الداماد في الرواشح السماوية (ص: 67) مراسيل محمد بن أبي عمير تعد في حکم المسانيد، الى أن قال: کان يروى ما يرويه باسانيد، صحيحة، فلما ذهبت کتبه ارسل رواياته التي کانت هي من المضبوط المعلوم المسند عنده بسند، صحيح، فمراسيله في الحقيقة مسانيد معلومة الاتصال (انتهى) انظر: هامش بحار الأنوار، ج 54، ص 326 و رجال الکشي (إختيار معرفة الرجال)، ص 591

(علیه السلام) و حدث عنهما و حبس في أيام هارون الرشيد ليدل على مواضع الشيعة فامتنع فجرد و ضرب أسواطا بلغت منه و کاد أن يقر لعظيم الالم فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن(1)

و هو يقول: (اتق الله يا محمد) فتقوى بقوله فصبر ففرج الله عنه، و ذکر الکشي (احد علماء الرجال) أنه ضرب مائة و عشرين خشبة و تولى ضربه السندى بن شاهک و حبس فلم يفرج عنه حتى أدى من ماله واحدا و عشرين الف درهم، و مکث في الحبس أربع سنين أو (فی روایة اخری) سبع عشرة سنة، و قيل ان أخته دفنت کتبه في حال استتاره و کونه في الحبس، و قيل ترکها هو في غرفة فسال عليها المطر فمحى أکثرها فلذلک حدث من حفظه و مما کان سلف له في أيدي الناس، و لهذا السبب أصحابنا يسکنون الى

ص: 133


1- يونس بن عبد الرحمن فقيه ومحدث ومتکلم من أصحاب الإمام الصادق و الإمام الکاظم و الإمام الرضا (علیه السلام) وهو من أصحاب الإجماع.

مراسيله»(1)

قصة امیر الکوفة

احد الخلفاء ابدل امیر الکوفة و قال للامیر الجدید الا يخبر أحدا، فلم يکن له زاد، فتوجهت امرأته الى دار الامیر السابق، أقرضونا زاد، لراکب فإن الخلیفة ولي زوجي الکوفة، فأخبرت امرأة الامیر السابق زوجها، فجاء الخلیفة وقال له: "وليت فلان الکوفة و انا لم اقصر فی شئ معک، فقال: ومن أخبرک؟ قال: نساء المدينة يتحدثن به، فقال اذهب وخذ منه العهد".

الجن و توارد الافکار

قيل: إن الجن تنقل الأخبار، وتفشي ما تطلع عليه من الأسرار ولعل هذا ما یسمونه توارد الافکار و انما و من حکایات التاریخیة فی هذا الامر ان احد العلماء یقول دخلت على المتوکل فرأيت الفتح بن خاقان وزيره واقفا على غير مرتبته التي يقوم عليها، متکأ على سيفه فتعجبت من حاله فقال لي الخليفة: يا فلان أنکرت شيئا؟ قلت: نعم يا خلیفة، قال: سوء اختياره أقامه ذلک المقام، قلت: ما السبب قال: اسسرت الیه سرا و رجع الی السر من غیره.

قلت: لعلک أسررت الى غيره، قال: ما کان هذا قلت: فلعل مستمعا استمع اليکما، قال: لا ولا هذا أيضا. قال فأطرقت مليا ثم رفعت رأسي، فقلت: يا أمير المؤمنين قد وجدت له مما هو فيه مخرجا قال وما هو؟ قلت: الجن فشاء سرک قال کیف قلت یوجد حدیث عن أبي الجوزاء انه قال: طلقت امرأتي في نفسي وأنا بالمسجد ثم انصرفت الى منزلي، فقالت لي امرأتي: طلقتني يا أبا الجوزاء قلت من أين لک هذا؟

قالت حدثتني به جارتي الأنصارية قلت: ومن أين لها هذا؟ قالت ذکرت أن زوجها خبرها بذلک قال: فغدوت على ابن عباس رضي الله عنهما فقصصت عليه القصة فقال: أما علمت أن وسواس الرجل يحدث وسواس الرجل؟ فمن هنا يفشو السر.

فضحک المتوکل، وقال الي يا فتح فصب عليه خلعة، وحمله على فرس، وأمر له بمال، وأمر لي بدونه فانصرفت الى منزلي، وقد شاطرني الفتح فيما أخذ فصار الي الأکثر.(2)

ص: 134


1- من لا يحضره الفقيه (الهامش) ج 4، ص 460
2- ، صبح الأعشی في، صناعة الإنشاء، ج 1، ص 144

فضائل العباس

جاء فی صفات ابوالفضل انه: «کان العباس رجلا و سيما جميلا، يرکب الفرس المطهم(1)،

و رجلاه تخطان في الأرض(2)،

و کان يقال له: قمر بني هاشم و کان لواء الحسين بن علي (علیه السلام) معه يوم قتل و اللواء هو العلم الأکبر، و لا يحمله الا الشجاع (الذی لا یهاب الموت) في العسکر و قد کان من الفقهاء أولاد الأئمة (علیه السلام) و کان عدلا، ثقة، تقيا، نقيا، قمر بني هاشم» و کان لواء الحسين (علیه السلام) معه يوم قتل.

و الامام الباقر (علیه السلام) يقول: أن زيد بن رقاد الجنبي و حکيم بن الطفيل الطائي قتلا العباس، و کانت ام البنين ام هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى تخرج الى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة و أحرقها فيجتمع الناس اليها يسمعون منها و کان مروان بن الحکم، علي شدة شقاوته و قساوته و عداوته لبني هاشم يجيء فيمن يجيء لذلک، فلا يزال يسمع ندبتها و يبکي و من مراثيها:(3)

لا تدعوني ويک ام البنين*تذکريني بليوث العرين

کانت بنون لي ادعى بهم*و اليوم أصبحت و لا من بنين

نعي

انظر هذه المراه المومنه کیف کان حالها یوم اخبرها ببشر ابن حذلم بشهادة اولادها الاربعة یقول اصحاب المقاتل حینما دخل بشر ابن حذلم فی المدینه و وقف بین بیوت الهاشمین نادا:

يا اهل يثرب لا مقام لکم بها*قتل الحسين و ادمعي مدرار

الجسم منه بکربلا مضرج*و الرأس منه علي القناة يدار(4)

ما بقیت فاطمیه و لا هاشمیه الا و خرجت یقول فرایت امراه معصبت الراس قد اقبلت الی قالت یا بشر عندی شبان اربعه ارید اسلک عنهم

ص: 135


1- من الناس والخيل الحسن التام کل شيء منه على حدته و المقصود أي يرکب الفرس المتوازن و ليس الفرس القصير القامة و رجلاه تخطان عليه.
2- انظر، مقاتل الطالبيين: 89- 90، الفتوح لابن أعثم: ج 3، ص 129، الإمامة و السياسة لابن قتيبة: ج 2، ص 12، تأريخ خليفة: 235، مروج الذهب للمسعودي: ج 3، ص 77، و کان يقال له «قمر بني هاشم» لو سامته و جماله. انظر، تأريخ الطبري: 4ج، ص 118
3- إبصار العين، السماوى، ص 64، رياض الأحزان، ص 60، نفس المهموم، الشيخ عباس القمي، ص 599
4- اللهوف، ابن طاوس، ص 198

قال من انتی قالت انا ام البنین الاربعه قال یا ام البینین عظم الله لک الاجر فی جعفر قالت الخلف و البقا فی راس الحسین قال عظم الله لک الاجر فی عون قالت الخلف و البقا فی راس الحسین (علیه السلام) قال عظم الله لک الاجر فی عثمان قالت الخلف و البقا فی راس الحسین (علیه السلام) قال عظم الله لکی الاجر فی ابی فضل العباس فلقد قطعو کفیه و فلقو حامته قالت لا تجبنی و لا تقل لی الا عن ولدی الحسین اخبری عن حبیبی الحسین تکلم عن ولدی الحسین.

قال اذن يا أم البنين عظم الله لک الأجر بالحسين فلقد خلفناه بأرض کربلاء جثة بلا راس فصاحت وا ولداه وا حسيناه …

انکبت علی الارض و تنادی وا خجلتا امام فاطمة الزهرا (علیه السلام) وا خجلتاه امام رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قتل حبیبی الحسین (علیه السلام).(1)

لیتها حضرت یوم کربلا و رات بطولات ولدها ابالفضل عندما حمل القربه و اجلی القوم عن المشرعه نزله الی الماء حمل بکفه قلیلا من الماء فتذکر عطش اخیه الحسین(2):

طب الماي بس هيس ابرده*غرف غرفه يروي عطش چبده

تذکر لن أخوه احسين بعده*ذب الماي من چفه او تحسر

اشلون أشرب و اخوي احسين عطشان*

او سکنه و الحرم و اطفال رضعان

و اظن گلب العليل اشتعل نيران

لکن موقف اخر صعب علی قلب زینب، حینما وصلت زینب الى دار الحسين وقد کانت فاطمة العلیلة منتظرة وقد نفذ صبرها، وإذا بباب الدار يفتح وقد فتحت معه أبواب الرزايا أمام بنات الحسين وأولاده.. کيف يکون حال الدار ومن فيه..(3)

وگفت ابباب الدار زينب والنساوين*وتصيح وين حسين يا دار الميامين

ص: 136


1- مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج3، ص 252
2- مقتل الحسين (علیه السلام)، للمقرم، ص 226 و حياة الإمام الحسين (علیه السلام)، للقرشي، ج 3، ص 267
3- مجالس السيرة الحسينية, إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني,، ص 24 و فی معالي السبطين للمازندراني، ج 2، ص 123: قال الراوي فخرجت أم سلمة من الحجرة الطاهرة، و في إحدى يديها القارورة، و قد، صارت التربة فيها دما، و قد أخذت بالأخرى يد فاطمة العليلة بنت الحسين (علیه السلام). (یقصد فی استقبال السبایا)

يا دار وين اهل النبوه والرساله*واللي أفاض الله عليهم من جلاله

يا دار وين اهل الرياسه والامامه*اشمالج امظلمه او وينها ذيچ النشامه

يادار وين حسين اخيي او وين عباس*

اشبال ابويه اللي على چتف النبي داس

عباس تسمع زينبا تدعوک من*لي يا حماي إذ العدى سلبوني

أو لست تسمع ما تقول سکينة*عماه يوم الأسر من يحميني

ص: 137

مجلس العباس السادس (اللیلة السابعة)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى الک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما.

بنفسي الذي واسى أخاه بنفسه*وقام بما سن الإخاء وأوجبا

رنا ظاميا والماء يلمع طاميا*وصعد أنفاسا بها الدمع صوبا

وما همه الا تعطش صبية*الى الماء أوراها الإوام تلهبا

لم أنسه والماء ملأ مزاده*وأعداه ملأ الأرض شرقا ومغربا

وما ذاق طعم الماء وهو بقربه*ولکن رأى طعم المنية أعذبا

فضل عباس ما ينعد وجوده*ضوه لحسين يوم الطف وجوده

انحنه من طاحن اچفوفه وجوده*او بعده احسين صاح انگطع بيه

يعباس أخوک احسين وحده*بالکون والعسکر مضهده

ترضه نظل عگبک ابشده*معذور يالمگطوع زنده

المحاضرة: التکبر والتواضع

قال الله تعالى: (فَسَجَدَ المَلَائِکةُ کلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*الا إِبْلِيسَ اسْتَکبَرَ وَکانَ مِنَ الکافِرِينَ)(1)

التواضع هو عدم التعالي والتکبر على أحد من الناس، بل على المسلم أن يحترم الجميع مهما کانوا فقراء أو ضعفاء أو أقل منزلة منه. وقد أمرنا الله تعالى بالتواضع، فقال: (وَاخْفِضْ جَنَاحَک لِمَنِ اتَّبَعَک مِنَ المُؤْمِنِينَ)(2)

أي تواضع للناس الذین حبوک و اتبعوک.

و من ميزات التواضع أنه يزيد المحبة بين الناس ويصفي القلوب ويزيد من ترابطها، کما أنه ينشر المحبة في المجتمع ويجعل النفوس أکثر صفاء وليونة، ويضفي على صاحبه هيبة و وقارا لأن الله تعالى جعل للمتواضع مکانة عالية، بشرط أن يکون التواضع بنية خالصة لا يشوبها

ص: 138


1- ص: 73-74
2- الشعراء: 215

الاستعراض أو الادعاء، أما التکبر فإنه يورث البغضاء بين الناس ويزيد من الحقد والکراهية في القلوب، ويساهم في تفکک المجتمع وخلق فجوة بين أفراد المجتمع وخصوصا بين الغني والفقير وبين العالم والجاهل وبين الکبير والصغير، بعکس التواضع الذي يتم فيه التعامل مع الناس بسلاسة قائمة على أساس المساواة.

التواضع من صفات الأنبياء (علیه السلام) ومن صفات الأولياء والصالحين، أما التکبر فهو دليل على الغرور والاستعلاء دون وجه حق، فالله سبحانه وتعالى حين خلق البشر خلقهم جميعا من طين وساوى بينهم، وحين يحاسبهم على أعمالهم فسيحاسبهم بناء عليها فقط ولن ينظر الى صورهم والوانهم وأعراقهم وجنسهم.

إذ أن ميزان التفاضل الوحيد بين البشر هو ميزان التقوى، وما دون ذلک فلا يجب أن يفتخر فيه أحد، لذلک يعتبر التکبر من أقبح الصفات لأنه يعزز العنصرية والقسوة بين البشر، ويشعر البعض بالدونية فيکرهون الحياة ويزداد سخطهم عليها وعلى من فيها. قال الشاعر:

نسي الطين ساعة أنه طين*حقير فصال تيها وعربد

وکسا الخز جسمه فتباهى*وحوى المال کيسه فتمرد

يا أخي لا تمل بوجهک عني*ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

الامام الصادق (علیه السلام) قال:(1) «لا يدخل الجنة من کان في قلبه مثقال حبة من خردل من کبر قال قلت إنا نلبس الثوب الحسن فيدخلنا العجب فقال إنما ذلک فيما بينه و بين الله عز و جل.»

و روي عن الصادق (علیه السلام) أيضا قوله:(2)

«إن في جهنم لواديا للمتکبرين يقال له سقر: شکى الى الله عزوجل شدة حره، وساله أنيأذن له أن يتنفس، فتنفس فأحرق جهنم» إذن اسع ما استطعت أن تکون متواضعا، واعلم أن التواضع لا ينقص من شأنک وجلالک شيئا، بل إنه يصل بک الى المرتبة الرفيعة.

أما التکبر، فإنه من خصائص الناقصين والساقطين الساعين الى الکبر لستر نقصهم، لکنهم بکبرهم هذا يلوحون بقبائحهم ويوضوح عيوبهم.

ص: 139


1- معاني الأخبار، ص 241
2- تفسير القمي، ج 2، ص 251، الزهد، ص 184، ح 284، المحاسن، ص 123، کتاب عقاب الأعمال، ح 138، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 870، ح 3185، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 15، ص 375، ح 20786، بحار الانوار، ج 73، ص 218، ح 10.

قال الله تعالی: (وَلاتُصَعِّرْ خَدَّک لِلنَّاسِ(1) وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا(2) إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ کلَّ مُخْتَال فَخُورٍ(3))(4)

تواضع الامام زین العابدین (علیه السلام)

«کان علی بن الحسین (علیه السلام) لا یسافر الا مع رفقة لا یعرفونه و یشترط علیهم أن یکون من خدام الرفقة فیما یحتاجون الیه فسافر مرة مع قوم فراه رجل فعرفه فقال لهم: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا.

قال: هذا علی بن الحسین (علیه السلام) فوثبوا الیه فقبلوا یدیه و رجلیه فقالوا: یا ابن رسول الله أردت أن تصلینا نار جهنم لو بدرت الیک منا ید أو لسان أما کنا قد هلکنا اخر الدهر فما الذی حملک علی هذا؟ فقال: انی کنت سافرت مرة مع قوم یعرفوننی فأعطونی برسول الله صلی الله علیه و اله و سلم ما لا أستحق فأخاف أن تعطونی مثل ذلک فصار کتمان أمری أحب الی»(5)

و قال الامام الصادق (علیه السلام):(6) «من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس و أن تسلم على من تلقى و أن تترک المراء و إن کنت محقا و أن لا تحب أن تحمد على التقوى.»

نماذج من تواضع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)

کان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قمة فی التواضع، لا يعتريه کبر مع رفعة قدره وعلو منزلته، فقد نقل فی احواله:(7) «و کان يجلس على الأرض و ينام عليها و يأکل عليها و کان يخصف النعل و يرقع الثوب و يفتح الباب و يحلب الشاة و يعقل البعير فيحلبها و يطحن مع الخادم إذا أعيا و يضع طهوره بالليل بيده و لا يتقدمه مطرق (ای من یطرق قدامه الباب قبل وصوله) و لا يجلس متکئا و يخدم في مهنة(8)

أهله و يقطع اللحم و إذا

ص: 140


1- أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهک الناس، تکبُرا عليهم، وتعاظما.
2- أي: بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسک
3- تعليل للنهى والمختال: المتکبر الذى يختال فى مشيته، ومنه قولهم: فلان يمشى الخيلاء، أى يمشى مشية المغرور المعجب بنفسه والفخور: المتباهى على الناس بماله أو جاهة أو منصبه.
4- لقمان: 18
5- عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ج 2، ص 145
6- الکافي، ج 2، ص 122
7- مناقب ال أبي طالب (علیه السلام)، لابن شهراشوب، ج 1، ص 146 و قال فی مصدره: فقد جمعها بعض العلماء و التقطها من الأخبار.
8- و المهنة هی الخدمة ای یخدم اهله حق الخدمة، مجد فیها

جلس على الطعام جلس محقرا و کان يلطع(1)

أصابعه و لم يتجشأ قط و يجيب دعوة الحر و العبد و لو على ذراع أو کراع و يقبل الهدية و لو أنها جرعة لبن و يأکلها و لا يأکل الصدقة و لا يثبت بصره في وجه أحد و کان يعصب الحجر على بطنه من الجوع يأکل ما حضر و لا يرد ما وجد لا يلبس ثوبين و کان إذا لبس جديدا أعطى خلق ثيابه مسکينا.

و يردف خلفه عبده(2) أو غيره و يرکب ما أمکنه من فرس أو بغلة أو حمار و يشيع الجنائز و يعود المرضى في أقصى المدينة يجالس الفقراء و يؤاکل المساکين و يناولهم بيده يصل ذوي رحمة من غير أن يؤثرهم على غيرهم الا بما أمر الله و لا يجفو على أحد يقبل معذرة المتعذر اليه و کان أکثر الناس تبسما ما لم ينزل عليه القرآن أو لم تجر عظة و ربما ضحک من غير قهقهة لا يرتفع على عبيده و إمائه في مأکل و لا في ملبس ما شتم أحدا بشتمة و لا لعن امرأة و لا خادما بلعنة و لا يأتيه أحد حرا و عبدا و أمة الا قام معه في حاجته لا فظ و لا غليظ و لا صخاب(3)

في الأسواق.

و لا يجزي بالسيئة السيئة و لکن يغفر و يصفح و يبدأ من لقيه بالسلام و من رامه بحاجة صابره حتى يکون هو المنصرف ما أخذ أحد يده فيرسل يده حتى يرسلها و إذا لقي مسلما بدأه بالمصافحة و کان لا يقوم و لا يجلس الا على ذکر الله و کان لا يجلس اليه أحد و هو يصلي الا خفف صلاته و أقبل عليه و قال أ لک حاجة و کان أکثر جلوسه أن ينصب ساقيه جميعا و کان يجلس حيث ينتهي به المجلس.

و کان أکثر ما يجلس مستقبل القبلة و کان يکرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه و يؤثر الداخل بالوسادة التي تحته و کان في الرضا و الغضب لا يقول الا حقا و کان يمزح و لا يقول الا حقا.» وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: «أن تخضع للحق وتنقاد اليه، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته»

روایة

سئل علی زین العابدین (علیه السلام):(4) أي الأعمال أفضل عند الله عزوجل فقال

ص: 141


1- و لطع اصابعه: اى لحسها و مضغها بعد الاکل. و الکراع من البقر و الغنم: مستدق الساق.
2- ای اذا رکب الدابة یرکب احدا خلفه
3- ای لا یرفع، صوته فی الاسواق، الصخب: شدة الصوت
4- الکافي، ج 2، ص 130

ما من عمل بعد معرفة الله جل و عز و معرفة رسوله (علیه السلام) أفضل من بغض الدنيا و إن لذلک لشعبا کثيرة(1)

و للمعاصي شعبا فأول ما عصي الله به الکبر و هي معصية إبليس حين (أَبَى وَاسْتَکبَرَ وَکانَ مِنَ الکافِرِينَ)(2)

و الحرص و هي معصية ادم(3) و حواء حين قال الله عزوجل لهما (فَکلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَکونَا مِنَ الظَّالمِينَ)(4).

فأخذا ما لا حاجة بهما اليه فدخل ذلک(5)

على ذريتهما الى يوم القيامة و ذلک أن أکثر ما يطلب ابن ادم ما لا حاجة به اليه ثم الحسد و هي معصية ابن ادم حيث حسد أخاه فقتله فتشعب من ذلک حب النساء و حب الدنيا و حب الرئاسة و حب الراحة و حب الکلام و حب العلو و الثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن کلهن في حب الدنيا.

فقال الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلک حب الدنيا رأس کل خطيئة و الدنيا دنياءان دنيا بلاغ(6) و دنيا ملعونة.»

تواضع الامام الرضا (علیه السلام)

ضرب الإمام الرضا (علیه السلام) أروع الأمثلة في التواضع، وهذه الصفة من ذاتيات الإمام (علیه السلام) التي لا تنفک عنه بحال، وقد أورد التاريخ العديد من الأمثلة الدالة على تواضعه فقد أخرج الشيخ الکليني بسنده:(7) «إن الإمام الرضا (علیه السلام) في سفره الى خراسان فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم.

فقلت: جعلت فداک لو عزلت لهؤلاء مائدة فقال: مَهْ، إن الرب تبارک وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال»

و روى الشبلنجي:(8) «أن الإمام الرضا (علیه السلام) دخل يوماً الحمام، فبينما هو

ص: 142


1- (إن لذلک) أي بغض الدنيا (لشعبا) أي من الصفات الحسنة و الاعمال الصالحة و هى ضد شعب المعاصى.
2- البقرة: 34
3- معصية ادم عند الإمامية مجاز و النهى عندنا نهى تنزيه.
4- الأعراف: 19
5- أي الحرص أو أخذ مالا حاجة به.
6- دنيا بلاغ أي الاخذ بقدر الضرورة من الدنیا و دنيا ملعونة هی الافراط فی کسب الدنیا و خبط الحرام من الحلال.
7- روضة الکافي، الشيخ الکليني، ج 8، ص 186، رقم 296، وبحار الانوار، ج 49، ص 101، رقم 18
8- نور الأبصار، مؤمن الشبلنجي، ص 357

في مکان من الحمام، إذ دخل عليه جندي فأزاله عن موضعه، وقال: صب على رأسي، فصب على رأسه، فدخل من عرفه، فصاح: يا جندي هلکت أتستخدم ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فأقبل الجندي يقبل رجليه، ويقول: هلا عصيتني إذ أمرتک فقال الإمام: إنها لمثوبة، وما أردت أن أعصيک فيما أثاب عليه»

وعن إبراهيم بن العباس:(1) «أنه کان إذا خلا ونصبت الموائد أجلس على مائدته مماليکه ومواليه حتى البواب والسائس. وعن ياسر الخادم: کان الرضا إذا خلا جمع حشمه کلهم عنده الصغير والکبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم»

وتواضع الإمام الرضا (علیه السلام) لم يکن عن تکلف أو مباهاة، بل هو جزء من تکوينه الذاتي والشخصي، کما أنه ممزوج بالتقوى والورع. قال له رجل: أنت والله خير الناس. فقال له:(2)

«لا تحلف يا هذا، خير مني من کان أتقى لله عزوجل وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکم مِّن ذَکرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاکمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکرَمَکمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکمْ)(3) وقال له آخر: والله ما على وجه الأرض أشرف منک أباً. فقال: التقوى شرفتهم، وطاعة الله أحظتهم»

فالإمام الرضا (علیه السلام) يتعامل مع الناس من منظور الحفاظ على کرامة الإنسان وحفظ حقوقه حتى وإن کان من المستضعفين أو المحرومين أو الفقراء أو العبيد والخدم. فقد روى ياسر الخادم و نادر جميعاً قالا:

«قال لنا أبو الحسن (علیه السلام): إن قمت على رؤوسکم وأنتم تأکلون، فلا تقوموا حتى تفرغوا، ولربما دعا بعضنا فيقال: هم يأکلون، فيقول: دعوهم حتى يفرغوا. وعن نادر الخادم قال: کان أبو الحسن (علیه السلام) إذا أکل أحدنا لا يستخدمه حتى يفرغ من طعامه»(4).

وفي هذه الأمثلة من الدروس والعبر ما يجب الاقتداء به (علیه السلام) وفي هذه الأمثلة من الدروس والعبر ما يجب الاقتداء به (علیه السلام) فالمعاملة مع الخدم

ص: 143


1- أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج 2، ص548
2- بحار الأنوار، ج 49، ص 95، رقم 8
3- الحجرات: 13
4- بحار الأنوار، ج 49، ص 102، رقم 22 و بعضه فی: المحاسن، ص 432، کتاب المآکل، ح 214، عن نوح بن شعيب، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 20، ص 489، ح 19851، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 24، ص 266، ح 30509، بحار الانوار، ج 49، ص 102، ح 22.

والخادمات يجب أن ينطلق من التعامل الإنساني، والإحسان اليهم، والعفو عن أخطائهم کما کان يفعل الإمام (علیه السلام) ونموذج آخر للتواضع يقدمه لنا الإمام الرضا (علیه السلام) في خدمة الضيوف، قال الراوی:(1)

«نزل بأبي الحسن الرضا (علیه السلام) ضيف وکان جالساً عنده يحدثه في بعض الليل فتغير السراج، فمد الرجل يده ليصلحه، فزبره أبو الحسن (علیه السلام) ثم بادره بنفسه فأصلحه ثم قال: إنا قوم لا نستخدم أضيافنا»

نعي

وکفى في ايمان العباس ابن علي ما قال علي بن الحسين في زيارته: «اشهد انک مضيت على بصيرة من أمرک»(2) يعني: في دينک لأنه لم يجاهد الأعداء لأجل العصبية لأخيه بل کان يعرف ان دين الله قائم بالحسين (علیه السلام) وهو عمود الدين مجاهد عن دين الله وعن شريعة المصطفى وحامي عن ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وعن بنات الزهراء (علیه السلام) کما قال:

اني احامي أبدا عن ديني*وعن إمام صادق اليقيني

وروى(3) عن زین العابدین (علیه السلام) أنه نظر يوما الی عبيد الله بن العباس بن علي فاستعبر ثم قال: «ما من يوم أشد على رسول الله من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم موته، قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب.

ثم قال (علیه السلام): ولا يوم کيوم الحسين (علیه السلام) ازدلف اليه ثلاثون الف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة، کل يتقرب الى الله عزوجل بدمه، وهو بالله يذکرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا.

ثم قال (علیه السلام): رحم الله العباس فلقد اثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عزوجل بهما جناحين، يطير بهما مع الملائکة في الجنة کما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإن للعباس عند الله تبارک وتعالى منزلة يغبطه(4) بها جميع الشهداء يوم القيامة الشهداء يوم القيامة.»

ص: 144


1- بحار الأنوار، ج 49، ص 102، رقم 20
2- کامل الزيارات: 269- 270، باب 85، حديث رقم 1
3- الخصال: 68 باب الاثنين، ح 101 و الامالي: 373، المجلس 70، ح 10
4- يغبطه اي يتمنى ان يکون مثله بلا نقصان من حظه و الغبطة خصلة غير مذمومة و هي تمني مثل ما للغير، کما ان المنافسة هي: تمني مثل ما للغير مع السعي في التحصيل، و هي سبب قوي للنشاط و التقدم قال الله تعالى: (وفي ذلک فليتنافس المتنافسون). انما المذموم الحسد، و هو کراهة نعمة الغير و حب زوالها، اما اذا تمنى مثل حاله دون ان يريد زوال نعمته فتلک الغبطة و في الحديث: (المؤمن يغبط و المنافق يحسد). و اصل الحسد هو نظر الحاسد الي المحسود بعين الإکبار و الإعظام، فيرى نفسه حقيرا في جنب ما اوتي ذلک المحسود.

وفي تأدبه (علیه السلام) أنه ما کان يجلس بين يدي الحسين (علیه السلام) الا باذنه کان کالعبد الذليل بين يدي الموالى الجليل وکان ممتثلا لأوامره ونواهيه مطيعا له وکان له کما کان ابوه علي (علیه السلام) لرسول الله (صلی الله علیه و آله).(1)

ومن تأدبه لم يکن يخاطب الحسين (علیه السلام) الا ويقول ياسيدي يا ابا عبد الله يابن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وما کان يخاطبه بالأخوة قيل في مدة عمره الامرة واحدة خاطب الحسين (علیه السلام) بالاخوة، فقط الساعة التي ضربوه بعمود من حديد ناداه یا اخاه ادرک اخاک.

کان العباس روحي فداه يلقب في زمن حياته بقمر بني هاشم ويکنى أبا الفضل ولقب في الطف بالسقاء ومن القابه الطيار لأن الله وهب له جناحين يطير بهما في الجنه ومن القابه باب الحوائج.

ولما رأى العباس کثرة من قتل من عسکر اخيه الحسين (علیه السلام) فتقدم وقال لأخوته الثلاثة هؤلاء يا بني امي تقدموا لاحتسبکم عند الله(2)

(ای اخذ الاجر من الله علی صبری لشهادتکم).

فتقدم عبد الله بن علي وعمره خمس وعشرون سنة فقاتل قتالا شديدا حتى قتل، فتقدم بعده اخوه جعفر بن علي وعمره تسع عشر سنة فقاتل و قتل، فبرز بعده اخوهما عثمان بن علي(3)

وعمره احدى وعشرون سنة فقام مقام اخوته وقاتل حتى قتل.(4)

وعن بعض الکتب ان العباس لما رأى وحدته اتى اخاه وقال: يا أخي هل من رخصة فبکى الحسين (علیه السلام) بکاء شديدا ثم قال: يا اخي انت صاحب لوائي واذا مضيت تفرق عسکري فقال العباس قد ضاق صدري وسئمت من الحياة و اريد ان اطلب بثاري من هؤلاء المنافقين، فقال الحسين (علیه السلام): فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء فذهب العباس و وعظهم وحذرهم فلم ينفعهم فرجع الي اخيه فاخبره فسمع الأطفال ينادون

ص: 145


1- منهاج البکاء في فجائع کربلاء، ص 126
2- إبصار العين، السماوى، ص 62
3- روي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال: «إنّما سمّيته عثمان، بعثمان بن مظعون أخي» راجع مقاتل الطالبيين، ص 89
4- إبصار العين، السماوى، ص 67

العطش العطش فرکب فرسه واخذ رمحه والقربة وقصد نحو الفرات و اذا بزینب تخاطب العباس(1)، زينب تنادی اباالفضل تردید اتودعه قبل رحيله:(2)

لحظة يخويه دنتظر*محلا جمالک يالبدر

مقدر اشوفه معتفر*هيد لزينب يالقمر

لحظة بقبل هالکفوف*قبل تقبلها السيوف

عباس الى زينب تعوف*وابقى غريبة يالقمر

لحظة أباشم منحرک*واشبع امنک وانظرک

بشتاق خويه المظهرک*منهو بعد مثلک قمر

من هو بعد عينک الي*من هو بیعدل محملي

من هو بيکفل بت علي*ترضى أجانب يالقمر

اسمح ليه بعوذ زندک*لا ينفصل عن يدک

ليه عسى الله يردک*سالم يعباس القمر

لحظة بشم اخدودک*خويه و بعدل جودک

خلني بلف ازنودک*لا يگطعوها يالقمر

ولا تنسى خويه طاسک*وثگل بعد متراسک

ولامتک تحفظ راسک*لا يفضخوه يالقمر

وتحامى عينک بيدک*لا تکسر ظهر اعضيدک

ويمکن اللامة تفيدک*تحفظ عيونک يالقمر

وهالنهر حين اتدخله*إذکر حسين و طفله

وسکنة ورباب ورملة*کلها تنتظرک يالقمر

سلم على امي الزهرا*وبويه لا تنسى تخبره

بنتک بقت منسترة*ليمن مضى و راح القمر

راح القمر راح القمر راح

قال الراوي: لما سقط العباس من فرسه اتاه الحسین و انحنى عليه الحسين ليحتمله ففتح العباس عينيه فرأى أخاه الحسين (علیه السلام) يريد أن يحمله فقال له الى أين تريد بي يا أخي فقال الى الخيمة، فقال: أخي بحق جدک رسول الله أن لا تحملني دعني في مکاني هذا، فقال (علیه السلام) لماذا؟ قال لحالتين وأما الأولى فإنه قد نزل بي الموت الذي لابد منه أما الثانية

ص: 146


1- مسند الإمام الشهيد (علیه السلام)، العطاردي، ج 2، ص 131 و مقتل الحسين، للمقرم، ص 309- 314
2- الشعر من الشيخ علي الجفيري

فإني وعدت ابنتک سکينة بالماء ولم اتها به فإني مستح منها. فقال الحسين (علیه السلام) جزيت عن أخيک خيرا.(1)

يخويه احسين خليني ابمکاني*يگله ليش يا زهرة زماني

يگله واعدت سکنه تراني*ابماي او مستحي منها امن اسدر

بچه وناده يبعد العگل والروح*خليني يخويه احسين مطروح

اموت او لا أرد للخيم مجروح*اشلون اسدر او تعاتبني النساوين

اجرکم الله، وبينما الحسين (علیه السلام) عند أخيه أبي الفضل إذ شهق شهقة وفارقت روحه الدنيا وصاح الحسين (علیه السلام): وا أخاه، وا عباساه فقام الحسين محني الظهر يکفکف دموعه بکمه، وهو ينادي، وا أخاه، وا عباساه.

يخويه انکسر ظهري او لگدر اگوم*صرت مرکز يخويه الکل الهموم

يخويه استوحدوني عگبک الگوم*او لا واحد عليه بعد ينغر

ص: 147


1- مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج 1، ص 320 و معالي السبطين ج1، ص449

مجلس العباس السابع (اللیلة السابعة)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى الک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما.

المحاضرة: دروس مستوحاة من زيارة العباس (علیه السلام)

نقلت زیارة للعباس (علیه السلام) عن الإمام الصادق (علیه السلام) والتي تنم عن سمو منزلة العباس وعظيم مکانته، قال الصادق (علیه السلام):(1) «إذا أردت زيارة قبر العباس بن علي (علیه السلام) و هو على شط الفرات بحذاء الحائر فقف على باب السقيفة و قل سلام الله و سلام ملائکته المقربين و أنبيائه المرسلين و عباده الصالحين و جميع الشهداء و الصديقين و الزاکيات الطيبات فيما تغتدي و تروح عليک يا ابن أمير المؤمنين أشهد لک بالتسليم و التصديق و الوفاء و النصيحة لخلف النبي المرسل و السبط المنتجب و الدليل العالم و الوصي المبلغ و المظلوم المهتضم فجزاک الله عن رسوله و عن أمير المؤمنين و عن الحسن (علیه السلام) و الحسين (علیه السلام) أفضل الجزاء بما صبرت و احتسبت و أعنت فنعم عقبى الدار لعن الله من قتلک و لعن الله من جهل حقک و استخف بحرمتک و لعن الله من حال بينک و بين ماء الفرات».

و لقد استقبل الإمام الصادق (علیه السلام) عمه العباس بهذه الکلمات الحافلة بجميع معاني الإجلال ولتعظيم، فقد رفع له تحيات من الله وسلام ملائکته وأنبيائه المرسلين وعباده الصالحين والشهداء الصديقين، وهي أندى وازکي تحية رفعت له. ويمضي الإمام الصادق (علیه السلام) في زيارته والتي أضاف فيها أوسمة رفيعة على عمه العباس وهي من أجمل الأوسمة التي تضفى على الشهداء العظام:

ص: 148


1- کامل الزيارات، ص 256، عنوان: الباب الخامس و الثمانون زيارة قبر العباس بن علي (علیه السلام)

التسليم

قال في زيارته (علیه السلام): (أشهد لک بالتسليم والتصديق) و سلم أبي الفضل العباس (علیه السلام) لأخيه سيد الشهداء الإمام الحسين (علیه السلام) جميع أموره وتابعه في جميع قضاياه حتى استشهد في سبيله وذلک لعلمه بإمامته القائمة على الإيمان الوثيق بالله تعالى، وعلى أصالة القصد والإخلاص في النية. و العباس کان مسلم للحسین (علیه السلام) بل مقدمه (علیه السلام) علی نفسه ولقد اثر أبو الفضل العباس (علیه السلام) أخاه الإمام الحسين (علیه السلام) على نفسه منذ أيامه الأولى، فکان لا يجلس بين يدي أخيه الإمام الحسين (علیه السلام) الا بعد أن يأذن له (علیه السلام) بالجلوس، ثم إذا جلس بعد الإذن له جلس جلسة العبد بين يدي مولاه، و لا یخاطبه الا بمثل کلمة سيدي، ومولاي، ويا بن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)وما أشبه ذلک.

ولم يعهد منه أن يدعو أخاه بکلمة أخي وصنوي، وما أشبه ذلک أبدا، الا في موضع واحد، وهو حين مصرعه وجسد أبي الفضل العباس (علیه السلام) أروع صور الإيثار في التأريخ عندما انتهى الى الماء وکان قلبه الشريف قد تفتت من العطش واغترف من الماء غرفة ليشرب منه الا انه تذکر عطش أخيه الحسين (علیه السلام) ومن معه من النساء والأطفال فرمى الماء من يده وامتنع إن يروي غليله وهو يقول:

يا نفس من بعد الحسين هوني*وبعده لا کنت وتکوني

هذا الحسين وارد المنون*وتشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال ديني*ولا فعال صادق اليقين

إن الإنسانية بکل إجلال وإکبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تالقت في دنيا الفضيلة والإسلام، وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الکرامة والإنسانية والمثل العليا. لقد کان الإيثار الذي تجاوز حدود الزمن والمکان من ابرز الذاتيات في خلق أبي الفضل (علیه السلام) فلم تمکنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان لأخيه إن يشرب من الماء قبله، فأي إيثار أنبل واصدق من هذا الإيثار؟ لقد امتزجت نفسه بنفس أخيه، وتفاعلت روحه مع روحه فلم يعد هناک تعدد في الوجود بينهما.

التصديق

قال في زيارته (علیه السلام): (أشهد لک بالتسليم والتصديق) و الصدق ضد (الکذب) وهو اشرف الصفات المرضية، ورئيس الفضائل النفسية، وما ورد في مدحه وعظم فائدته من الايات والإخبار مما لا يمکن إحصاؤه. والتصديق: يکون فی الذي يصدق قوله بالعمل، وصدق العباس أخاه

ص: 149

ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)في جميع اتجاهاته، ولم يخامره الشک في عدالة قضيته، وانه على الحق وان من نصب له العداوة وناجزه الحرب کان على ضلال مبين.

و في عيون الأخبار مسندا عن النبي انه قال: «لکل امة صديق و فاروق، وصديق هذه الأمة وفاروقها علي بن أبي طالب (علیه السلام) »(1)

الوفاء

قال في زيارته (علیه السلام): (أشهد لک بالتسليم و التصديق و الوفاء و النصيحة) و الوفاء من الصفات الکريمة التي أضافها الإمام الصادق (علیه السلام) على عمه أبي الفضل العباس (علیه السلام) الوفاء، فقد وفى ما عاهد عليه الله من نصرة إمام الحق أخيه أبي عبدالله الحسين (علیه السلام) فقد وقف الى جانبه في أحلک الظروف وأشدها محنة وقسوة، ولم يفارقه حتى قطعت يداه واستشهد في سبيله. و قد شهد الإمام الصادق (علیه السلام) کما في الزيارة المأثور عنه بالوفاء في خصوص أبي الفضل العباس (علیه السلام) حيث يقول مخاطبا إياه:(2)

«السلام عليک أيها الولي الصالح و الصديق المواسي» و المواساة هی الوفاء ضد (الجفاء) وهو الثبات على الحب ولوازمه وإدامته الى الموت.

و الوفاء أنبل صفات أبي الفضل (علیه السلام) وأميزها، فقد ضرب الرقم القياسي في هذه الصفة الکريمة وابلغ أسمى حد لها فقد کان وفي لدينه وأمته ووطنه وأخيه.

و کان وفائه لأخيه کان من أروع صور الوفاء، فقد روي في کتب

ص: 150


1- عيون أخبار الرضا (علیه السلام) ج 2، ص 13، و کامل الحدیث: قال الشیخ الصدوق: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه و أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم و أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنهم قالوا حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن الرضا علي بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « لکل أمة، صديق و فاروق و، صديق هذه الأمة و فاروقها علي بن أبي طالب (علیه السلام) و إنه سفينة نجاتها و باب حطتها و إنه يوشعها و شمعونها و ذو قرنيها معاشر الناس إن عليا خليفة الله و خليفتي عليکم بعدي و إنه لأمير المؤمنين و خير الوصيين من نازعه فقد نازعني و من ظلمه فقد ظلمني و من غالبه فقد غالبني و من بره فقد برني و من جفاه فقد جفاني و من عاداه فقد عاداني و من والاه فقد والاني و ذلک أنه أخي و وزيري و مخلوق من طينتي و کنت أنا و هو نورا واحدا»
2- المزار الکبير ، لابن المشهدي، ص 425

التأريخ أن جيش بني أمية بقيادة ابن سعد لما أغاروا على مخيم الإمام الحسين (علیه السلام) بعد الظهر من يوم عاشوراء ونهبوا ما فيه، وکذلک جمعوا ما في ساحة الحرب من غنائم وبعثوا بها الى الشام کان في جملتها اللواء الذي کان يحمله العباس (علیه السلام).

فلما وقع عين يزيد عليه وأجال بصره فيه تعجب هو ومن کان معه، حيث رأوا أن هذا اللواء لم يسلم منه مکان الا محل قبضته وموضع اليد منه، فسال يزيد متعجبا وهو يقول: من کان يحمل هذا اللواء في کربلاء؟ قالوا: العباس بن علي (علیه السلام) فلما سمع يزيد بأن حامله کان هو العباس (علیه السلام) قام من مکانه.

تعجبا من شجاعة العباس (علیه السلام) واندهاشا من شهامته وبطولته، ثم قال الى من حضره: انظروا الى هذا العلم، فإنه لم يسلم من الطعن والضرب الا مقبض اليد التي تحمله إشارة الى أن سلامة المقبض دليل على شجاعة حامله وشهامته، حيث کان يتلقى کل الضربات والرشقات بصبر وصمود دون أن يترک اللواء لينتکس ويدعه ليسقط.

ثم قال: أبيت اللعن يا عباس هکذا يکون وفاء الأخ لأخيه. وهذا اعتراف من العدو في حق العباس (علیه السلام) والفضل ما شهدت به الأعداء.

النصيحة

قال في زيارته (علیه السلام): (أشهد لک بالتسليم و التصديق و الوفاء و النصيحة) و النصيحة هي إرادة بقاء نعمة الله للمسلمين وکراهة وصول الشر اليهم، وعن أبي جعفر (علیه السلام) قال: (لينصح الرجل منکم أخاه کنصيحته لنفسه) وقد شهد الإمام الصادق (علیه السلام) بنصيحة عمه العباس لأخيه الحسين (علیه السلام) فقد اخلص له في النصيحة على مقارعة الباطل، ومناجزة أئمة الکفر والضلال، وشارکه في تضحياته الهائلة التي لم يشاهد العالم مثلها نظيرا.

الصبر

قال في زيارته (علیه السلام): (فجزاک الله بما صبرت و احتسبت و أعنت) يعتبر الصبر من منازل السالکين، ومقام من مقامات الموحدين، وفيه يتسلک العبد في سلک المقربين ويصل الى جوار رب العالمين، فما من فضيلة الا وأجرها بتقدير وحساب الا الصبر، ولذا قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(1).

کما وان الصبر ليس تحملا وحسب، إنما هو شکر وتسليم لله جل ثناؤه

ص: 151


1- الزمر: 10

أيضا والصبر من مميزات أبي الفضل العباس (علیه السلام) فقد المت به يوم الطف من المصائب والمحن التي تذوب من هولها الجبال، فلم يجزع ولم يفه بأي کلمة تدل على سخطه، وعدم رضاه بما جرى عليه وعلى أهل بيته، وإنما سلم أمره الى الخالق العظيم، مقتديا بأخيه سيد الشهداء (علیه السلام) الذي لو وزن صبره بالجبال الرواسي لرجح عليها.

بعض القاب العباس (علیه السلام)

الطيار

التضحية هي بذل النفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، ولأجل هدف أرجى، مع احتساب الأجر والثواب على ذلک عند الله عز وجل، والتضحية مرادفة (الفداء) ومن معانيها: البذل والجهاد. وإن الإمام زين العابدين (علیه السلام) أطلق اسم الطيار على عمه أبي الفضل العباس (علیه السلام) وذلک لتضحيته الکبيرة بيمينه وشماله التي قطعهما العدو حتى ضم اللواء الى صدره، وهو يقول:

يا نفس لا تخشي من الکفار*وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار*قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا رب حر النار

عن الإمام زين العابدين (علیه السلام) قال: (رحم الله عمي العباس، فلقد اثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائکة في الجنة کما جعل لجعفر بن أبي طالب (علیه السلام).

وإن للعباس عند الله تبارک وتعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة). ومن المعلوم إن کلمة (جميع) في قول الإمام زين العابدين (علیه السلام): "يغبطه بها جميع الشهداء" عامة وشاملة، فتشمل غير المعصومين عامة حتى مثل حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب. فإنهم جميعا يغبطون العباس بن علي (علیه السلام) على منزلته ومقامه عند الله في القيامة، وما ذلک الا لعظيم بلائه، وشديد محنته، وکبير رزيته. حيث إن جيش بني امية في کربلاء نکلوا به، ومثلوا بجسمه وهو حي. وذلک وحقدا وغيظا منهم له، وانتقاما من شجاعته وشهامته.

قصة سبع القنطرة

اشتهر بکنى والقاب وصف ببعضها في يوم الطف والبعض الاخر کان ثابتا له من قبل، ومنها سبع القنطرة والبعض يظن أن المقصود ب"سبع القنطرة" هو سبع کربلاء أو المعرکة أو ساحة الميدان و لکن قصتها هی ان لما رجع أمير المؤمنين (علیه السلام) من القتال في معرکة صفين اعتزلت

ص: 152

طائفة من أصحابه يقال لهم الخوارج، فأخذوا يحرضون الناس على قتاله في کل بلد يدخلونه حتى وصلوا النهروان، وکان عبدالله بن الخباب بن الأرت واليا عليها من قبل أمير المؤمنين (علیه السلام) انذاک فقالوا له: فما تقول في علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال: ما أقول في رجل قال فيه رسول الله: (علي مني بمنزلة هارون من موسى) الا خيرا.

فقالوا: الله أکبر لقد کفر الرجل، ثم شدوا عليه فقتلوه وکانت زوجته حاملا وقد دافعت عنه فقتلوها وشقوا بطنها واستخرجوا جنينها وذبحوه على صدرها، وکان ذلک على نهر دجلة فسالت دماؤهم جميعا في الماء.

فلما سمع (علیه السلام) بذلک خطب أصحابه ونعى اليهم عبدالله بن الخباب وبکاه وقال: لا قعود بعد قتل العبد الصالح عبدالله بن الخباب.

ثم تجهز للمسير وسار بعسکره حتى وصل الى مدينة النهروان فلما سمع به القوم أغلقوا باب السور عليهم وتحصنوا، فنهض اليهم الإمام (علیه السلام) ورفع صوته يخاطبهم محذرا من الفتنة وحاججهم فالجمهم وذکرهم ووعظهم فرجع منهم جماعة عن حربه وأصر الباقون وأعلنوا العناد، فعند ذلک عزم الإمام (علیه السلام) على حربهم واستعد معه أصحابه للحرب.

و منها جائت تسمیة العباس (علیه السلام) بسبع القنطرة قال المحقق اية الله الشيخ محمد إبراهيم الکلباسي النجفي:(1) السبع يقال للأسد ولکل حيوان مقدام فتاک، ويطلق على الرجل الشجاع البالغ في الشجاعة والإقدام.

والقنطرة: يقال للجسر، ولکل ما بني على الماء من أنهار وجداول للعبور. وسبع القنطرة يعني الرجل الشجاع الذي حمى الجسر من عبور الأعداء عليه، وأثبت من نفسه جدارة الحراسة للجسر، وسجل عليه مواقف بطولية مشرفة. کيف عرف (علیه السلام) بهذه الخصيصة؟ وإنما عرف أبو الفضل العباس (علیه السلام) بسبع القنطرة.

لأنه على ما روي قد أبدى من نفسه في حرب النهروان والنهروان بلد من بغداد بأربعة فراسخ جدارة عالية في حراسة القنطرة، والجسر الذي کان قد أوکله أبوه أمير المؤمنين (علیه السلام) مع مجموعة من الفرسان بحفظه يوم النهروان من الخوارج، وسجل عليه مواقف شجاعة وبطولات هاشمية مشرفة.

فإنه لم يدع بشجاعته وبسالته جيش الخوارج أن يعبروا من عليه، ولا أن يجتازوه الى حيث يريدون، بل صمد أمامهم بسيفه وصارمه، وصدهم

ص: 153


1- الخصائص العباسية، ص 156-159، عنوان: الخصيصة الواحدة والعشرون، في أنه (علیه السلام) المعروف بسبع القنطرة

عما کانوا ينوونه بعزمه وبأسه. ولذلک لما دخل وقت الصلاة وطلب الإمام أمير المؤمنين ماء يتوضأ به أقبل فارس والإمام (علیه السلام) يتوضأ، وقال: يا أمير المؤمنين، لقد عبر القوم ويقصد بهم الخوارج وإنهم عبروا القنطرة التي أوکل بها الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ابنه العباس (علیه السلام) مع مجموعة من الفرسان فلم يرفع الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) اليه رأسه، ولم يلتفت اليه.

وذلک وثوقا منه بشجاعة ولده المقدام أبي الفضل العباس (علیه السلام) الذي أوکله بحفظ القنطرة من سيطرة الأعداء، وأمره بحراستها من عبورهم عليها وتجاوزهم عنها. هذا مضافا الى ما أخبره به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)عن الله في شأن الخوارج، وما يؤول اليه أمرهم وفتنتهم، وما أطلعه (صلی الله علیه و آله و سلم)على جزئيات قضيتهم، وکيفية مقاتلتهم له، ومواقع نزولهم ورکوبهم، وسوء عواقبهم ومصارعهم. على إثر ذلک کله أجاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) ذلک الفارس بقوله: إنهم ما عبروا ولا يعبرونه، ولا يفلت منهم الا دون العشرة، ويقتل منکم الا دون العشرة.

ثم قال: يؤکد ذلک: والله ما کذبت ولا کذبت. فتعجب الناس من کلام أمير المؤمنين (علیه السلام) لذلک الفارس. وکان هنالک مع الإمام رجل وهو في شک من أمره فقال: إن صح ما قال فلا أحتاج بعده الى دليل غيره، فبينما هم کذلک إذ أقبل فارس فقال: يا أمير المؤمنين، القوم على ما ذکرت لم يعبروا القنطرة. ثم إن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) صلى بالناس صلاة الظهر وأمرهم بالمسير اليهم وهم دون القنطرة، ثم حمل عليهم بأصحابه حملة رجل واحد، وذلک بعد أن أتم الحجة عليهم، واستتابهم مما جنوه من قتل عبد الله بن خباب وبقر بطن زوجته وإخراج طفلها وقتله، فرجع منهم ثمانية الاف وبقي أربعة الاف لم يتوبوا.

وقالوا له: لنقتلنک کما قتلناه. فحمل (علیه السلام) عليهم، واختلطوا فلم يکن الا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم ولم يفلت منهم الا تسعة أنفس. فرجلان هربا الى خراسان والى أرض سجستان وبهما نسلهما، ورجلان صارا الى بلاد الجزيرة الى موضع يسمى السن، ورجلان صارا الى بلاد عمان وفيها نسلهما الى الان، ورجلان صارا الى بلاد اليمن، ورجل اخر هرب الى البر ثم بعد ذلک دخل الکوفة وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. کما إنه لم يقتل من أصحاب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) الا تسعة، فکان کما أخبر به أمير المؤمنين (علیه السلام) تماما من دون زيادة ولا نقصان.

ص: 154

نعي

روي عن الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) أنه قال: «لما أرادوا الوفود بنا على يزيد بن معاوية أتونا بحبال وربطونا مثل الأغنام وکان الحبل بعنقي وعنق أم کلثوم، وبکتف زينب وسکينة والبنيات، وساقونا وکلما قصرنا عن المشي ضربونا، حتى أوقفونا بين يدي يزيد، فتقدمت اليه وهو على سرير مملکته، وقلت له: ما ظنک برسول الله لو يرانا على هذه الصفة فأمر بالحبال فقطعت من أعناقنا واکتافنا».(1)

وروي(2) أيضا: أن الحريم لما أدخلن الى يزيد بن معاوية، کان ينظر اليهن ويسال عن کل واحدة بعينها وهن مربطات بحبل طويل، وکانت بينهن امرأة تستر وجهها بزندها، لأنها لم تکن عندها ما تستر به وجه ها.

فقال يزيد: من هذه؟ قالوا: سکينة بنت الحسين. فقال: أنت سکينة؟ فبکت واختنقت بعبرتها، حتى کادت تطلع روحها فقال لها: وما يبکيک؟ قالت: کيف لا تبکي من ليس لها ستر تستر وجهها ورأسها، عنک وعن جلسائک؟

و هنا فقام اليه رجل من أهل الشام فقال:(3)

يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية وهو يعنی سکینة بنت الحسین، وکنت بنت وضيئة یعنی فی وجهها نور و جمال فأرعدت سکینة، فأخذت بثياب عمتها: زينب، و قالت يا عمتاه: أوتمت و أستخدم؟ (کل من یصیر یتیم یکون خادم عند الناس).

فقالت زينب: لا، ولا کرامة لهذا الفاسق (و اشارت الی یزید) وقالت للشامي: کذبت والله ولؤمت، والله ما ذلک لک ولا لیزید. فغضب يزيد و هم بضرب زینب، عادک اهنا زینب تذکرک کافلها و اخوها ابوالفضل العباس:

يا بو فاضل تدري بالطفل المدلل*يابو فاضل على الماي شگد توسل

يابو فاضل تحيرني شلوون زينب*يابو فاضل اليتامى کلها تسال

يابو فاضل عمة شو عمنا تعطل*يابو فاضل لو أجيک شلون أندل

لسان حال العباس: (خویه زینب)

ﻻ تجيني زينب ايگتلج ونيني*ﻻ تجيني مقطع يساري ويميني

ص: 155


1- موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 456 و مثير الأحزان، ص 99
2- الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 7، ص 322، الأنوار النعمانية: ج 3، ص 254
3- الإحتجاج، الطبرسي، ج 2، ص 310

ﻻ تجيني زينب ايگتلج ونيني*ﻻ تجيني والسهم نابت بعيني

یقولون اصحاب المقاتل انه فی العشرین من صفر فی اربعینیة الحسین (علیه السلام) لما وصلوا من الشام الی کربلاء عندما عرفت ان هذا قبر الحسین اخذت بالتراب و تهیله علی رأسها و من ثم توجهت صوب العلقمی قال زین العابدین یا عمة الی این انت ذاهبة اتگله:

انا رايحة العباس اگله*نومک يه خیی مو محله

انا رايحة العباس احاچيه*اسولفله مصايبنه وبچيه

اثاري الاخو ياناس عازته عازه*اریدن شوفتک گلبی توازه

یمه یا یمه الزهرا یا یمه

تعالی یه یمه او جابليني*ندير اللطم ما بينچ او بيني

انه سعدچ یه یمه او ساعديني*عليچ النوح والونه عليه

ص: 156

المجلس الأول: مقتل القاسم (اللیلة الثامنة)

اشارة

على القاسم العريس أم المکارم*أشاعت بيوم العرس نشر الماتم

ولم أنسه لما هوى بعد أن هوت*ببطشته الکبرى کماة الضياغم

تقاسمه الأوغاد خوف مراسه*بنبل وأحجار وسمر اللهاذم

فما هو الا البدر قبل تمامه*عراه خسوف من شموس الصوارم

ينادي أيا عماه اودعتک الذي*اليه مصير الخلق يا خير عاصم

وعز عليه أن يراه مقطرا*عليه برود من دماء سواجم

**

جابه او مدده ما بين اخوته*گعد عدهم يويلي وهم موته

بس ما سمعن النسوان صوته*اجت رمله تصيح الله أکبر

انهدم ذاک البنيته او طاح يبناي*يجاسم ليس بيه اگطعت يبناي

تبگه اوياي ظني بيک يبناي*تباريني لمن تدنه المنيه

المحاضرة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر

(وَلْتَکنْ مِنْکمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ الى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْکرِ وَأُولَئِک هُمُ المُفْلِحُونَ)(1)

لا تتساهلوا یا اخوانی عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، فإن التهاون في هذا الأمر يعد من جملة المهلکات، وضرره عام و شامل، وفساده تام. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي باقر العلوم قوله:(2) «أوحى الله الى شعيب النبي: إني معذب من قومک مئة الف، أربعين الفا من شرارهم، وستين الفا من خيارهم. فقال (علیه السلام): يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله اليه: داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي».

و کان أبو عبد الله (علیه السلام) إذا مر بجماعة يختصمون لا يجوزهم حتى يقول ثلاثا اتقوا الله يرفع بها صوته. وعن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال:(3)

«غاية الدين الأمر بالمعروف و النهي عن المنکر، و إقامة الحدود» وقال

ص: 157


1- ال عمران: 110
2- التهذيب، ج 6، ص 180، ح 372، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 15، ص 169، ح 14849، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 16، ص 119، ح 21132، بحار الانوار، ج 12، ص 386، ح 12 و المداهنة: المصانعة، و الملاينة، و المساهلة، و المسالمة، و المداراة، و المصالحة. راجع: المفردات للراغب، ص 320، لسان العرب، ج 13، ص 162 (دهن).
3- غرر الحکم و درر الکلم، ص 469

(علیه السلام):(1) «من نهى عن المنکر أرغم أنوف الفاسقين» و قال الامام علي (علیه السلام):(2) «أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله فان الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل، أيها الناس انما يجمع الناس الرضا و السخط، و انما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ)»

قصة

الامام الصادق (علیه السلام) کان فی الحج فرای رجل وضع عود حدیدی فی الارض فی طریق الحجاج و ربطه فی خیمته فقال له الامام (علیه السلام):(3)

«يا هذا اتق الله فإن هذا الذي تصنعه ليس لک قال فقال له الرجل(4)

اذهب الی عملک من انت حتی تامرنی فالامام هنا بعد ان رای انه لا ینصرف من فعلته و قلیل ادب اطرق براسه للارض و مشی علی سبیله».

فالواجب على أهل الإيمان الأمر بالمعروف و النهي عن المنکر بحسب الإمکان و شرط الصلاح فإذا تمکن الإنسان من إنکار المنکر بيده و لسانه و أمن في الحال و مستقبلها من الخوف بذلک على النفس و الدين و المؤمنين وجب عليه الإنکار بالقلب و اليد و اللسان اقتصر فيه على القلب و اللسان و إن خاف من الإنکار باللسان اقتصر على الإنکار بالقلب الذي لا يسع أحدا ترکه على کل حال و انکار القلب هو النظر الی اهل المعاصی بالقیض و الشدة و عدم مداهنتهم وقت المعصیة و عدم احترامهم.

و الإنکار باليد يکون بما دون القتل و الجراح و إن عجز عن ذلک أو خاف في الحال أو المستقبل من فساد، بالإنکار باليد لم يکن له من العمل في الإنکار الا بما يقع بالقلب و اللسان من المواعظ بتقبيح المنکر و البيان عما يستحق عليه من العقاب و التخويف بذلک.

ص: 158


1- الأمالي للطوسي، ص 37، المجلس 2، ذيل ح 9، و تحف العقول، ص 162، ضمن الحديث، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 15، ص 186، ح 20237
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2 ، ص 589
3- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 15، ص 184، ح 14873، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 16، ص 128، ح 21155، ملخصا.
4- جاء فی الروایة عن قول الرجل: أ ما تستطيع أن تذهب الى عملک ام لا يزال المکلف (أي المتعرض لما لا يعنيه) الذي لا يدرى من هو يجيئني فيقول يا هذا اتق الله.

البعض یقول لماذا لم تنهی عن السرقات من المسئولین نقول هؤلاء ایضا یجب ان ینهون عن المنکر و العبث باموال الشعب و لکن ذلک لا یجب ان یؤدی الی تعطیل الکلي للنهي عن المنکر التی یاتی من قبل الشعب العادي.

فان المسؤل او الحاکم احد افراد هذا الشعب و تربی بینهم قبل ان یکون مسؤلا، فاذا صلح الشعب سیخرج منه مسؤل صالح ایضا. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)«كما

تكونوا يولى عليكم.» و عکس هذه المعادلة صحیح ایضا فان الناس یتبعون ملوکهم فی الدین و الامانة و الصدق ففی المثل المشهور: "الناس

على دين ملوكهم"(2) و معناه

أن الحاكم إذا صلح صلحت الرعية.

قصة احد ملوک الصين

يروي ان احد ملوک الصين الحکماء سد طريقا يسلکه الناس بصخرة کبيرة ووضع غلاما يحرس الصخرة ويسجل ما يراه ويسمعه ويرفعه للحاکم کما وقع في الصباح مر رجلا من اثرياء البلدة ونظر للصخرة وقد سدت الطريق فغضب وصرخ من هذا الغبي الذي وضعها هنا وتأفف ثم التف حول الصخرة واکمل طريقه وجاء شابان من البلدة فوجدا الصخرة قد سدت الطريق فضحکا کثير واطلقا سيلا من التعليقات والنکت على الغبي واضع الصخرة ثم اکملا طريقهما ثم جاء فلاحا فلما رأي الصخرة تعجب وقال ما ينبغي ان تسد الطريق وما ينبغ ان نسکت على منکرا.

ص: 159


1- نهج الفصاحة، ص 616 ، يعني أن الشعب إذا صلح صلحت القيادة أو الحاكم
2- مقولة من أمثال العرب و منها: "اذا تغير السلطان تغير الزمان" ومن الاقوال المشهورة عند اهل السنة، قولهم: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقران"، أي ان الله يصلح على يدي الحاکم ويغير به الناس أكثر مما يصلح و يغير بالقران و ذلک لأن الحاکم بيده أدوات المكافأة و المعاقبة، فالناس تمشی على نهج الحاکم خوفا منه او طمعا بما عنده. اما القران ففیه الموعظة و قد لا تنفع الموعظة فی بعض الناس و لکن تنفع معاهم عصی التادیب. على كل حال هذا الكلام يشير إلى واقعية إجتماعية، و هو ان بعض الناس من غير العلماء و النخب المثقفة یتاثرون من الحاكم و الملک، لانه يملک من الإمكانات الإعلامية و الدعائية ما يجعله يصور للناس أن ما یقوله هو الصحيح، فینظم الناس سلوكهم على أساس ما يفرضه الحكام. و قد أشار القران الكريم إلى هذه المسألة: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) الأحزاب: 67

ثم بدأ في ازاحة الصخرة حتى ابعدها عن الطريق ولما تدحرجت الصخرة نظر الفلاح فاذا بصندوق تحتها فرفعه وفتحه فوجده کنزا کبير من المال ووجد قصاصة فيه کتب فيها ان المنکر لا يتغير الا بالعمل والتحرک واما الکلام والتشدق والمقالات فلن تغير منکرا ولن تحل مشکلا.

کیف نأمر اهلنا بالمعروف

امر الاهل و الأولاد بالمعروف یکون بایجاد اجواء ایمانیة للاولاد و الزوجة و تهیئة الاجواء یکون بهذه الامور:

1. ارتياد المساجد: انها من أهم الأجواء الايمانية التي لها دور کبير في اصلاح الإنسان وتغييره قال أمير المؤمنين (علیه السلام):(1)«من

اختلف الى المسجد أصاب احدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أو علما مستطرفا، أو اية محکمة، أو رحمة منتظرة، أو کلمة ترده عن ردى، أو يسمع کلمة تدله على هدى، أو يترک ذنبا خشية أو حياء» فحری بالرجل ان یذهب هو و اولاده و زوجته فی کل یوم و یشارک فی فعالیات المسجد.

2. زيارة قبور الأنبياء والأئمة (علیه السلام) والصالحين فان فیها تأثير من خلالها بأرقى الشخصيات الإسلامية، ويندفع للاقتداء بها في أفکارها وعواطفها وسلوکها و یجب علی الاب ان یذهب باهله و اولاده فی کل مناسبة لزیارة الائمة (علیه السلام) ، خصوصا اذا کانت مشاهدهم قریبة یکثر الزیارات لهم، فانهم تعوّد الأولاد علی الاجواء الایمانیة.

3. الجليس الصالح: من وصية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)لأبي ذر الغفاري قال:(2)«الجليس

الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء، واملاء الخير خير من السکوت، والسکوت خير من املاء الشر»

الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر في النهضة الحسينية

من الجلي أن هناک عوامل عديدة أسهمت في حدوث ثورة الإمام الحسين (علیه السلام) ونهضة عاشوراء، أهمها: إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر و ثار الإمام الحسين (علیه السلام) لأجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، فجاء ذلک على لسانه حينما قال الحسين

(علیه السلام) الى أخيه محمد بن علي المعروف بابن الحنفية:(3)«إني لم أخرج أشرا ولا

ص: 160


1- أمالي الصدوق: 319، وينسب هذا القول الى الإمام الحسن (علیه السلام) کما ورد في: تحف العقول، ص 166
2- مکارم الاخلاق، ص 466
3- مقتل الحسين (علیه السلام) للخوارزمي: ج 1، ص 186، الفتوح: ج 5، ص 21 نحوه و راجع: الإرشاد: ج 2، ص 33، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4، ص 89، بحار الأنوار: ج 44، ص 329، نفس المهموم، ص 38، معالي السبطين: ج 1، ص 212

بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن امر بالمعروف وأنهى عن المنکر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب».

فاتضح بذلک أن الإمام الحسين (علیه السلام) جعل الهدف الأساس من قيامه هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر. لأن هذا المبدأ ضمان لبقاء الإسلام، ينعدم الإسلام بانعدامه. لذا عرف من بقي من عائلة الإمام الحسين (علیه السلام) بعد واقعة کربلاء بأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، وعملوا بعد يوم عاشوراء على إقامة هذه الفريضة المهمة أينما حلوا.

مختصر عن القاسم

اللیلة هی للقاسم إبن الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب (علیه السلام) وأمه يقال لها رملة. توفي ابوه وله من العمر سنتان و فی روایة اربع کفله عمه الإمام الحسين (علیه السلام) تربى ونشأ في کنفه وکان عمره يوم الطف ثلاث عشرة سنة.

نعي

تکاثرت نداءات الحسين (علیه السلام) في العاشر من المحرم: "هل من ناصر ينصرنا هل من ذاب يذب عنا هل من معين يعيننا" فخرج الشبان من الأنصار، وخرج الهاشميون يلبون نداءات سيد الشهداء (علیه السلام). وممن لبى هذه النداءات إبن أخيه القاسم بن الحسن (علیه السلام) لما رأى وحدة عمه الحسين وقد تکاثرت عليه الأعداء.

أقبل مستجيبا مندفعا لعمه مناديا: لبيک عماه أبا عبد الله، لما نظر الإمام (علیه السلام) الى ابن أخيه القاسم کالبدر يتهادى اليه، اختنق بعبرته، فاعتنقه الإمام (علیه السلام) وجعلا يبکيان حتى غشي عليهما. (1)

فلما أفاقا طلب القاسم المبارزة، فأبى الحسين (علیه السلام) فقال القاسم: يا عماه، لا طاقة لي على البقاء، وأرى بني عمومتي وأخوتي مجزرين، وأراک وحيدا فريدا. فقال الإمام (علیه السلام): "يا ابن أخي، أنت البقية الباقية من أخي الحسن، کيف أعرضک لضرب السيوف" فلم يزل القاسم يقبل يديه ورجليه، حتى أذن له الإمام، وأمره بتوديع أمه والنساء والأطفال،

ص: 161


1- مقتل الخوارزمي ج 2، ص 31

فخرجت أمه رملة(1) وعمته زينب وأخواته لوداعه امه اتگله:

لهاليوم أنا ذاخرتک*با لک تخيب ظنوني

رايح أنا يا والده*من غير ما تگليلي

عمي وحيد بکربلا*المن اضمن حيلي

اوصيک يمه وصيه*تسمعين لفظ جوابي

شبان لو شوفتيهم*بالله ذکري شبابي

عطشان انا يا والده*حين الشرب ذکريني

ثم إن الحسين (علیه السلام) البس القاسم ثوبا کهيئة الکفن، وأخذ عمامة القاسم شقها نصفين، نصف عممه بها والنصف الاخر أدلاه على خديه، ودفع اليه السيف ووجهه نحو الميدان ماشيا على قدميه.(2) فحمل على القوم وهو يرتجز ويقول:(3)

إن تنکروني فأنا نجل الحسن*سبط النبي المجتبى والمؤتمن

هذا حسين کالأسير المرتهن*بين أناس لا سقوا صوب المزن

يقول حميد بن مسلم: خرج الينا غلام، وبيده سيف، ووجهه کفلقة القمر، وعليه قميص وإزار، وفي رجليه نعلان، فبينما هو يقاتل، إذ انقطع شسع نعله اليسرى، فوقف ليشدها، فقال عمر بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، وأثکلن به عمه.

فقلت: وما تريد بذلک؟ والله لو ضربني ما بسطت يدي، يکفيک هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من کل جانب. قال والله لأفعلن فشد على الغلام فما ولى حتى ضرب الغلام بالسيف على رأسه، فوقع القاسم لوجهه وصاح: أدرکني يا عماه، لما سمعه الحسين أقبل کالصقر المنقض على فريسته، وقتل قاتل القاسم.

ثم جاءه فراه يفحص بيديه ورجليه، انحنى عليه، ضم رأس القاسم الى صدره، عند ذلک أخذ الإمام يقول: "عز على عمک أن تدعوه فلا يجيبک، أو يجيبک فلا يعينک، أو يعينک فلا يغني عنک، بعدا لقوم قتلوک، ومن خصمهم يوم القيامة جدک وأبوک، هذا يوم والله کثر واتره وقل ناصره" ثم صاح الإمام (علیه السلام): "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا،

ص: 162


1- دموع الأبرار على مصاب أبي الأحرار، ص 163، و فیه: رملة زوجة الإمام الحسن (علیه السلام) وهي أم القاسم وأبي بکر وعبيد الله الذين استشهدوا في واقعة الطف بکربلاء مع عمهم الإمام الحسين (علیه السلام). نفس المصدر
2- مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر، ج 3، ص 369
3- بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 34

ولا تغادر منهم أحدا، صبرا يا بني عمومتي، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا".(1)

بچى ونادى يجاسم اشبيدي*يريت السيف گبلک حز وريدي

هان الکم تخلوني وحيدي*او على خيمي يعمي الگوم تفتر

ضلع احسين على الجاسم محنه*يعمي ابموتتک زادت محنه

شاله احسين وابدمه محنه*اه اشلون حال أمه الزچية

حمله الحسين (علیه السلام) وجعل صدر القاسم على صدره، ثم جاء به الى المخيم وکانت رجلا القاسم تخطان في الأرض خطا و هل کان القاسم طويلا الى هذا الحد حتى کانت رجلاه تخطان الأرض، أم أن الهموم والرزايا التي انهالت على أبي عبد الله لا سيما مقتل القاسم هدت ظهر الحسين (علیه السلام) فکان عند حمل ابن أخيه القاسم بن الحسن منحني الظهر.

جاء به الى المخيم، وطرحه الى جانب جثمان ولده علي الأکبر، ثم جلس بينهما، صار ينحني تارة على ولده ينادي: "واولداه واعلياه"، وأخرى على ابن أخيه ينادي: "واقسماه".

جابه ومدده ما بين اخوته*بچى عدهم يويلي وهم موته

بس ما سمعن النسوان صوته*اجت رملة تصيح الله أکبر

فلما سمعت النساء بالخبر، جئن اليه وهن باکيات لاطمات، ومعهن أمه رملة، فلما وصلن اليه القين بأنفسهن عليه، وأمه تنادي: واولداه، واقسماه(2)

آ يبني شکول عليک اعليک ا يبني*دولبنبي زماني بيک دولبني

دولبني زماني بيک يا سلوه*اشلون انساک ونسه ايامنه الحلوه

اشهل البلوه المثلها ماجرت بلوه

تسيب امک يجاسم من بعد عدها*عين الله على العريس واحدها

تريد اتناشدک دکعد او ناشدها*تکلک باليسر منه اليرکبني

يبني الفاجدات اکثرهن امخلفات*ما تدري تموت أم الولد لو مات

يبني ارباي وينه او سهر ليلي الفات*يبني ليش ما تکعد تحاسبني

يبني ردتک ما ردت دنيا ولا مال*تحضرني لو وگع حملي ولا مال

يجاسم خابت ظنوني ولا مال*عند الضيق يبني گطعت بيه

ومرمل مذ رأته رملة صرخت*يا مهجتي وسروري يا ضيا بصري

ص: 163


1- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 305 و البداية و النهاية، ابن کثير، ج 8، ص 186
2- سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج 1، ص 372

بني تقضي على شاطي الفرات ظما*والماء أشربه صفوا بلا کدر

ص: 164

مجلس القاسم الثاني (اللیلة الثامنة)

اشارة

لا ترکنن الى الحياة*إن المصير الى الممات

واعمل وکن متزودا*بالباقيات الصالحات

واغنم لنفسک فرصة*تنجو بها قبل الفوات

واذکر ذنوبک موقنا*أن لا سبيل الى النجاة

الا بحب بني النبي ال*مصطفى الغر الهداة

جار الزمان عليهم*ورماهم بالفادحات

بعض بطيبة والغري*قضى وبعض بالفرات

والقاسم بن الجتبى*حلو الشمائل والصفات

ذاک الذي يوم الوغى*کأبيه حيدر في الثبات

حنائه دم نحره*والشمع أطراف القناة

جاء الحسين به الى*خيم النساء الثاکلات

ايبني شگول اعليک ايبني*دولبني زماني بيک دولبني

دولبني زماني بيک يا سلوه*اشلون انساک وانسه ايامنه الحلوه

اشهل بلوه المثلها ما جرت بلوه

ليالي اسهرت ربيتک وعدلک*وحسب للعرس يبني وعدلک

أثاري النوب تاليها وعدلک*تعوف العرس وانه ابگه ابعزيه

المحاضرة: الرضا

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)(1)

الرضا بالقضاء والقدر إحدى شعب الإيمان بالله ولا يکتمل الإيمان الا به، والمؤمن الحق يؤمن بالقضاء خيره وشره والرضا: هو عدم الجزع في أي أمر من أمور الحياة الدنيا، والفرح وسکون النفس وقول الحمد لله على کل حال. و الرضا هو ضد السخط کما فی الدعاء: (اللهم إني أعوذ برضاک من سخطک).

الرضا في الشرع: رضا العبد عن الله أن لا يکره ما يجري به قضاؤه، و رضا الله عن العبد أن يراه مؤتمرا بأمره منتهيا عن نهيه. و فی الروایات أن الله يرضى عن العبد يأکل الأکلة فيحمده عليها و يشرب الشربة فيحمده عليها.

المراد من الرضا ترک الاعتراض على المقدرات الالهية في الباطن

ص: 165


1- النحل: 18، کيف لا نرضى من الله ونحن نوقن أن الله هو الودود، يتودد الى عباده بنعمة اللامحدودة.

والظاهر، قولا و فعلا و صاحب هذه المرتبة دوما في بهجة ولذة و سرور و راحة. لافرق عنده بين الفقر والغنى، و بين الراحة و العناء، و بين العزة و الذلة، وبين المرض والصحة والسلامة. فهو يراها جميعا من الله. فالصبر والرضا هم رأس کل طاعة. قال تعالى في حديث قدسي:(1)«من لم يرض بقضائي، و لم يشکر على نعمائي، ولم يصبر على بلائي، فليطلب ربا سواي».

وروي عن الامام جعفر بن محمد الصادق (علیه السلام):(2)«عجبت

للمرء المسلم لايقضي الله عزوجل له قضاء الا کان خيرا له، وإن قرض بالمقاريض کان خيرا له، وإن ملک مشارق الأرض ومغاربها کان خيرا له».

و قال الصادق (علیه السلام):(3) «رأس طاعة الله الصبر و الرضا عن الله فيما أحب العبد أو کره ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو کره الا کان خيرا له فيما أحب أو کره».

و روي «أن جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه ابتلي في اخر عمره بضعف الهرم والعجز، فزاره محمد بن علي الباقر (علیه السلام) فساله عن حاله، فقال: أنا في حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب، والمرض على الصحة، والموت على الحياة فقال الباقر (علیه السلام): أما أنا يا جابر، فإن جعلني الله شيخا أحب الشيخوخة، وإن جعلني شابا أحب الشيبوبة، وإن أمرضني أحب المرض، وإن شفاني أحب الشفاء والصحة، وإن أماتني أحب الموت، وإن أبقاني أحب البقاء فلما سمع جابر هذا الکلام منه قبل وجهه، وقال صدق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فإنه قال: ستدرک لي ولدا اسمه اسمي، يبقر العلم بقرا کما يبقر الثور الارض ولذلک سمي باقر علم الأولين والاخرين، اي شاقه»(4).

ص: 166


1- دعوات الراوندي: 74، الجامع الصغير ج 2، ص 235 - باختلاف في الفاظه.
2- فقه الرضا (علیه السلام)، ص 360، مع اختلاف يسير الوافي، للفیض الکاشاني، ج 4، ص 277، ح 1940، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 3، ص 250، ح 3544، بحار الانوار، ج 72، ص 331، ح 15.
3- الأمالي للطوسي، ص 196، المجلس 7، ح 37. المؤمن، ص 20، ح 15، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 4، ص 275، ح 1933، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 3، ص 253، ح 3555، بحار الانوار، ج 72، ص 333، ح 18.
4- مسکن الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد، ص 87

و روی عن طریق العامة انه:(1) «نظر علي بن أبي طالب (علیه السلام) الى عدي بن حاتم(2) کئيبا حزینا؟ فقال و ما یمنعنی یا امیرالمومنین و قد قتل ابنی و فقئت عینی فقال: يا عدي بن حاتم انه من رضي بقضاء الله جرى عليه وکان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله.» کان الإمام الصادق (علیه السلام) کذلک رضای بقضاء الله:(3)

«قال قتیبة الأعشی أتیت أبا عبد الله (علیه السلام) أعود إبنا له فوجدته علی الباب فإذا هو مهتم حزین فقلت: جعلت فداک، کیف الصبي؟ فقال: والله إنه لما به(4)، ثم دخل فمکث ساعة ثم خرج الینا وقد أسفر وجهه، وذهب التغیر والحزن. قال: فطمعت أن یکون قد صلح الصبي فقلت: کیف الصبي جعلت فداک؟ فقال: لقد مضی لسبیله. فقلت: جعلت فداک، لقد کنت وهو حي مهتما حزینا وقد رأیت حالک الساعة وقد مات غیر تلک الحال، فکیف هذا؟ فقال: إنا أهل بيت إنما نجزع قبل المصيبة فإذا وقع أمر الله رضينا بقضائه وسلمنا لأمره».

و «دخل سفیان الثوري علی الصادق (علیه السلام) فراه متغیر اللون فساله عن ذلک، فقال: کنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت فدخلت فإذا جارية من جواريي ممن تربي بعض ولدي قد صعدت في سلم والصبي معها فلما بصرت بي ارتعدت وتحيرت وسقط الصبي الی الأرض فمات، فما تغیر لوني لموت الصبي وإنما تغیر لوني لما أدخلت علیها من الرعب وکان (علیه السلام) قال لها: أنت حرة لوجه الله، لا بأس علیک، مرتین».(5)

و «عن العلاء بن کامل قال: کنت جالسا عند أبي عبد الله (علیه السلام) فصرخت الصارخة من الدار فقام أبو عبد الله (علیه السلام) ثم جلس فاسترجع (قال: إِنَّا لِلّهِ

ص: 167


1- تهذيب الکمال في أسماء الرجال ج7، ص 95
2- و حاتم بن عبد الله الطائى کان جوادا يضرب به المثل في الجود و ابنه عدى بن حاتم کان من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و خواص أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام). و من قصص جود حاتم انه مره جائه ضيوف و لم يکن عنده الا فرسه و کانت من خيرة الخيل، فذبحها و قدمها للضيوف فلما اکلوا قالوا له لقد جئناک لشتري فرسک قال لهم لقد ذبحتها لکم.
3- الوافي، للفیض الکاشاني، ج 25، ص 573، ح 24698، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 3، ص 276، ح 3640، بحار الانوار، ج 47، ص 49، ح 78.
4- ای أنه لما فیه من مرض ای انه قد أخذه المرض الذي معه، فلا يمکن أخذه منه، فکأنه، صار ملکه. فيکون کناية عن احتضاره و إشرافه على الموت
5- مناقب ال أبي طالب (علیه السلام)، لابن شهرآشوب، ج 4، ص 275

وَإِنَّا اليْهِ رَاجِعونَ ای مات احد اولاده) وعاد في حدیثه حتی فرغ منه ثم قال: إنا لنحب أن نعافي في أنفسنا وأولادنا وأموالنا فإذا وقع القضاء فلیس لنا أن نحب ما لم یحب الله لنا»(1)

طريق تحصيل الرضا

السعي في تحصيل المحبة الالهية بدوام الذکر و الفکر و سائر الأمور التي تقوي المحبة الالهية والتدبر في أن عدم الرضا ليس له نتيجة، وکذلک السخط على القضاء. فالقضاء والقدر لن يتغيرا من أجله، ولن تتغير أوضاع مصنع الوجود لتسلية قلبه، ولن يترتب على قلقه واضطرابه من القضاء سوى تضييع العمر وذهاب برکة الوقت.

على طالب مرتبة الرضا أن يتأمل الايات والأخبار التي تتحدث عن رفعة وسمو مرتبة أهل البلاء، وأن يعلم أن کل عناء سيکون کنزا، وأن بعد کل محنة راحة.

یحکی إن امرأة عثرت فانقطع ظفرها وسال الدم فضحکت، فقيل لها: أما تالمت؟ فقالت: "لذة الأجر أنستني الالم" إذن عليه أن يعيش مؤملا ثواب الله، وأن يطوي صحراء البلاء بقدم الصبر، حتى تهون عليه مصاعب هذا الطريق، کالمريض الذي يتحمل الحجامة والفصد بالمبضع وتناول الدواء المر أملا للشفاء.

واعلم أن الدعاء لاينافي الرضا، فإننا أمرنا بالدعاء، وقال رب العالمين: (أدعوني أستجب لکم) فالدعاء مفتاح السعادة، ومحقق الحاجات.

أم موسى والرضا بقضاء الله

قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا الى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَالقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ اليْک وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ)(2)

والقصة تبدأ برؤيا الفرعون المصري في منامه أن نارا قد أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط (المصريين) ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلک، فجمع الکهنة والسحرة، وسالهم عن ذلک فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يکون سببا من هلاک أهل مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترک البنات.

وجاء ميلاد موسى في ذالک العام الا أن أم موسى استطاعت إخفاء

ص: 168


1- بحار الأنوار، للمجلسي، 47ج، ص 49 ح 76 و 78، و وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 2، ص 918 ح 1 و 2، و حلية الأبرار: ج 2، ص 220
2- القصص: 7

حملها عن أعين رجال فرعون الذين کانوا يمرون على نساء بني إسرائيل بالقابلات لمعرفة الحوامل منهم. ولما وضعت أم موسى طفلها نبي الله موسى (علیه السلام) سقط في أيديها ماذا تفعل؟ وإنه سوف يکتشف أمره ويقتل، فأوحى اليها الله أن ترضعه فإذا خافت عليه القتل وضعته في صندوق و القته في البحر أن الله سوف يرده اليها سالما معافا ويجعله من المرسلين.

ورضيت أم موسى بقضاء الله وقدره والقت بطفلها في البحر کما أمرها الله سبحانه وتعالى، فالتقطه ال فرعون، و اسيا امرأة فرعون لما فتحت الصندوق کشفت الحجاب ورأت وجهه يتلالأ بالأنوار الربانية ونور النبوة حبته حبا شديدا فلما جاء فرعون وراه أمر بقتله، فقالت له: قرة عين لي ولک. قال لها فرعون: أما لک فنعم وأما لي فلا. ثم حرم الله عليه المراضع التي أتوا بهن لإرضاعه، حتى قالت أخته لهم: هل أدلکم على أهل بيت يکفلونه لکم وهم له ناصحون. قالوا لها: ما يدريک بنصحهم وشفقتهم عليه؟ قالت: رغبة في سرور الملک ورجاء منفعته. وهکذا عاد موسى الى أمه کي تقر عينها وتسعد به، وجعلت لها اسيا زوجة فرعون راتبا على ذلک أيضا.

قصة عن الرضا بالقضاء والقدر

القصة أن شيخا کبیر فی السن کان يعيش فوق تل من التلال ويملک جوادا وحيدا محببا اليه ففر جواده وجاء اليه جيرانه يواسونه لهذا الحظ العاثر فأجابهم راضی برضا الله، وبعد أيام قليلة عاد اليه الجواد مصطحبا معه عددا من الخيول البرية فجاء اليه جيرانه يهنئونه على هذا الحظ السعيد فأجابهم راضی برضا الله ولم تمضي أيام حتى کان إبنه الشاب يدرب أحد هذه الخيول البرية فسقط من فوقه وکسرت ساقه وجائوا للشيخ يواسونه في هذا الحظ السيء فأجابهم راضی برضا الله.

وبعد أسابيع قليلة جائوا من الجیش و اخذوا کل شاب یستطیع الحرب فی القریة وأعفی إبن الشيخ من القتال لکسر ساقه فمات في الحرب شباب کثر و قال راضی برضا الله. نعم هکذا أهل الحکمة لا يغالون في الحزن على شيء فاتهم لأنهم لا يعرفون على وجهة اليقين إن کان فواته شرا خالص أم خير خفي أراد الله به أن يجنبهم ضررا أکبر، ولا يغالون أيضا في الابتهاج لنفس السبب، ويشکرون الله دائما على کل ما أعطاهم ويفرحون بإعتدال ويحزنون على مافاتهم بالصبر و الرضى بالقضاء والقدر.

ص: 169

و اما رضا الامام الحسین (علیه السلام) بالله فلا نظیر له قال (علیه السلام) عندما کان في مقتله، وهو يجود بنفسه: «الهي.. رضا بقضائک، وتسليما لأمرک، لا معبود سواک، يا غياث المستغيثين» تلک کلمات نطق بها الحسين (علیه السلام) وهو رافع طرفه الى الله مناجيا بعدما اشتد به الحال بأبي وامي.

نعي

قيل إن الحسين (علیه السلام) لما جاء بالقاسم الى الخيمة، التي فيها جثمان علي الأکبر، طرحه الى جنبه، فجعل ينظر الى وجه الأکبر تارة وينادي وا ولداه وا علياه، وتارة ينظر الى وجه القاسم وينادي وا ولداه وا قاسماه، تارکا بينهما فراغا لرجل ثالث کان ذلک الفراغ للحسين الذي جلس بينهما حتى طال بقاؤه بينهما، وکان أم الأکبر وأم القاسم تنتظران خروجه، لأنهن يستحين من الحسين (علیه السلام) أن يندبن ولديهما وهو حاضر. لذلک جئن الى زينب وطلبن منها أن تذهب وتطلب من الحسين (علیه السلام) أن يفسح لهن المجال ليقضين وطرا من الکباء على الشباب. فجاءت زينب الى الحسين (علیه السلام) قائلة: أخي أبا عبد الله ساعدک الله على هذه المصيبة، أبا عبد الله هذه أم القاسم وأم علي الأکبر يردن الدخول الى الخيمة للبکاء على قتلاهن وهن يستحين منک. فقال الحسين (علیه السلام): إن المصيبة والرزء أکبر فليأتين، وليندبن قتلاهن. عند ذلک التفتت الحوراء زينب وصاحت يا ليلى ويا رملى هلممن للبکاء والعويل.(1)

رمله اتصيح يوليدي يجاسم*عمت عيني على التربان نايم

تردلي من الحرب ظنيت سالم*او لن جسمک ابدمه امخضبينه

يبني ما ذکرت أمک وحنيت*عفتني امن انطبگ ظهري وحنيت

يجاسم خضبت شيبي وحنيت*ابدمک يا شباب الغاضريه

والأکبر امه ليله اتصيح يبني*دحاچيني ترى امصابک کتلني

ما تسمع يبعد الروح وني*أظن النفس منک گاطعينه

ليله اتصيح اجتنه کربله امنين*عسن للطف يرمله لا لفينه

فلهفي على ذاک المحيا معفرا*ولهفي على تلک الخدود النواعم

ص: 170


1- سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج 1، ص 376 نقلا عن: عدة الخطيب، فاضل الحياوي ج1

مجلس القاسم الثالث (اللیلة الثامنة)

اشارة

يادوحةَ المجدِ من فهرٍ ومن مُضَرِ*قد جفَ ماءُ الصِّبا من غصنِک النَّظِرِ

مُهَذَّبُ الخَلقِ والأخلاقِ إن ترَهُ*کأنه مَلک في صورَةِ البَشرِ

ما اخضَرَ عارِضُه مادَبَ شارِبُهُ*لکن جرى القدَر الجاري على القدَرِ

ياساعدَ اللّه قلب السبطِ ينظُرهُ*فرداَ ولم يبلغ العشرينَ في العمرِ

إن يبکيه عمهُ حزناً لمصرعهِ*فما بکى قمر الا على قمرَ

مُرَمَلاً مُذْ رأته رَملَةٌ صَرَخَتْ*يا مُهجَتي وسُروري يا ضِيا بصري

بُنَيَ تقضي على شاطيء الفراتِ ظماً*والماءُ أشرَبُهُ صَفواً بلا کدَرٍ

بُنيَ في لَوعَةٍ خَلَّفت والدَةً*ترعى نُجومَ الدُّجى في الليل بالسَهرِ

**

ردتک ما ردت دنيا ولامال*اتحضرني لو وگع حملي ولامال

يجاسم خابت انظوني ولامال*عند الضيج يبني اگطعت بيه

علامت اوليدي امحنه ليدين*اومطعون بفاده طعنتين

او سالت ادموعه على الخدين*او بعده شباب او ما تهنه

المحاضرة: تحقير الناس

(وَيْلٌ لِکلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)(1)

جاء الإسلام بدين قويم بعث به رسول عظيم (صلی الله علیه و آله و سلم)ليخرج الناس من الظلمات الى النور من الفوضى والعداوة والبغضاء الى حياة فيها سعادة الإنسان وصلاح المجتمع. أتى بالتوحيد وأبطل الوثنية والشرک وقضى على عبادة الأوثان ودعا الى توحيد الله والإيمان به وبملائکته وانبياءه ورسله. دعانا الى التقوى والتوحيد والطهارة والزکاة وحب الناس والسير على النهج القويم والابتعاد عن البغض والعدوان والسخرية والنميمة والغيبة والکبر والفخر دعانا للابتعاد عن التفاخر بالاحساب والانساب.

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)(2) نتازر ونتعاون لا لفضل لعربي على عجمي ولا لغني على فقير ولا لقوي على ضعيف بل کلنا سواء ولا نفضل أحد على احد الا بالتقوى والعمل الصالح فإن کان ولا بد لنا ان نعيش مع محيطنا وبيئتنا فإن هذا يفرض علينا کمسلمين أن ننفذ کل ما امرنا به

ص: 171


1- الهمزة: 1
2- الأنبياء: 92

الله تعالى التي تکفل لنا العيش بحسن جوار مع أفراد المجتمع الإسلامي والغير إسلامي.

ومن الأصول الإسلامية مسالة احترام الاخرين وعدم تحقيرهم والسخرية منهم. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَکونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَکنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَکمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالالقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِک هُمُ الظَّالمُونَ)(1)و التحقير: هو أن يستصغر شخص شخصا آخر أو ما يصدر عنه من معروف يسديه أو هدية يعطيها.

إن من الصفات الذميمة التي ذمها الله و محمد و اله السخرية بالناس واحتقارهم، قال تعالى: (وَيْلٌ

لِکلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ)(2) والويل: کلمة تهديد ووعيد(3)

لمن کانت هذه صفاته، الهمز هو السخرية من الناس بالإشارة کتحريک اليد قرب الرأس إشارة الى الوصف بالجنون، أو الإشارة بالعين رمزا للاستخفاف أو نحو ذلک.

واللمز: هو السخرية من الناس بالقول، کتسمية الشخص باسم يدل على عاهة فيه أو مرض. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ

ص: 172


1- الحجرات: 11 تفسير الاية: (لا يسخر قوم من قوم) يعني لا يسخر رجال من رجال (عسى أن يکونوا خيرا منهم) يعني: عسى أن يکون أولئک المسخور منهم خيرا من الساخر وأفضل، (ولا نساء من نساء عسى أن يکن خيرا منهن) يعني: عسى أن يکون أولئک المسخور بهن خيرا من أولئک الساخرات، فقد يسخر المفضول من الفاضل ليستر نقصه، ويعمي نقصه عن الناس، (ولا تلمزوا أنفسکم) يعني لا يلمز بعضکم بعضا. لأن نفس الإنسان کنفس أخيه المؤمن فهي شيء واحد لهذا قال الله “أنفسکم”، لما يثير من الشحناء ويسبب الاختلاف فلا يليق بالمؤمن، (ولا تنابزوا بالالقاب) والتنابز هو التداعي بالالقاب، کأن يقول: يا حمار أو يا فاجر، بل يدعوه بأسمائه الحسنى التي يفضلها، ولهذا قال الله بعدها: (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) معنى هذا أن الأعمال تجعلک فاسقا بعد إيمانک، فکيف ترضاه لنفسک أن تکون فاسقا بعدما کنت مؤمنا بأعمالک الخبيثة وإساءتک الى إخوانک؟ فإن هذه الإساءات من أسباب غضب الله (ومن لم يتب فأولئک هم الظالمون) فيجب عليک الحذر، والبعد عن أسباب الفسق، وعن أسباب غضب الله، ومن لم يتب أي يصر على المعاصي ظالم لنفسه، وعليه التوبة الى الله، فالواجب على کل مسلم أن يحاسب نفسه وأن يتقي الله في أقواله وأعماله، وأن يحذر إيذاء إخوانه بالقاب، أو يلمز أو بسخرية.
2- الهمزة: 1
3- و قالوا الویل: الوادي يسيل من، صديد أهل النار وقيحهم.

قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَکونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَکنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَکمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالالقَابِ)(1) إن الله نهی من أن يسخر الناس من بعضهم بجميع معاني السخرية، من الفقره و الخلقة والتنابز بالالقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يکرهه من اسم أو صفة.

فالحذر من أن یحقر أحدا من عباد الله أو تهينه، فالانسان یجب ان یکون امنا علی ماله و حیاته و عرضه و کرامته و سمعته و ماء وجهه فیجب علی الناس ان یحترم الاخرین قال رسول الله فی وصیته لابوذر:(2) «قلت: أى المؤمنين أکمل ايمانا؟ قال: أحسنهم خلقا، قلت: و أي المؤمنين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه و يده (و زاد في البحار على المعاني)(3) قلت: و أي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السوء» إذن ليس من شأن المؤمن الا أن يکرم کل الناس ويعزهم، وخاصة أهل العلم والفضل والشيوخ و یتجنب تاليف القصص المکذوبة التي تسمى النکت عليهم، و یحترم أصحاب الورع والتقوى، ومن ابيضت لحيته في الإسلام، والسلالة الجليلة من السادات العظام سلالة خيرالأنام محمد و اله فقد قال رسول الله قال: (حقت شفاعتي لمن أعان ذريتي بيده ولسانه وماله).

و قال الامام الصادق (علیه السلام) قال:(4)

«من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة(5) کتب الله عزوجل له عشر حسنات و من تبسم في وجه أخيه کانت له حسنة.» الصادق (علیه السلام) قال:(6)

«من قال لأخيه المؤمن مرحبا کتب الله تعالى له مرحبا الى يوم القيامة.» الصادق (علیه السلام) قال:(7)

«من أتاه أخوه المسلم فأکرمه فإنما أکرم الله عز و جل.

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)ما في أمتي عبد الطف أخاه في الله بشي ء من لطف الا أخدمه الله من خدم الجنة.» و قال (علیه السلام):(8) «قال: إن المؤمن ليتحف أخاه التحفة قلت و أي شي ء التحفة قال من مجلس و متکإ و طعام و

ص: 173


1- الحجرات: 11
2- معاني الأخبار، ص 333
3- بحار الأنوار، ج 74، ص 70
4- الکافي، ج 2، ص 206
5- القذى جمع قذاة و هو ما يقع في العين أو في الشراب من تراب أو تبن
6- نفس المصدر
7- نفس المصدر
8- نفس المصدر

کسوة و سلام فتطاول الجنة(1)

مکافأة له.»

اذن ليس من شأن المؤمن الا ان يکرم کل الناس ويعزهم وخاصة اهل العلم والفضل واصحاب الورع والتقوى والشيوخ ومن ابيضت لحيته في الاسلام والسلاله الجليله من السادات العظام سلالة خير الانام محمد (صلی الله علیه و آله).

وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2) «من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله» فالسخرية صفة ذميمة جدا في الإسلام قد نهانا الله عنها لشدة ما هي مذمومة فهي استهزاء بالناس واهانة وتصغير لهم وعدم احترامهم فالسخرية ناتجة عن الاستعلاء والتکبر الذي هو اول صفة من الصفات الأخلاقية الذميمة وأم المفاسد والرذائل الأخلاقية.

النموذج من السخرية

واليکم هذا النموذج من السخرية: عاش الجاحظ في القرن الثالث الهجري، وله کتب واثار کثيرة. ولقد کان قبيح المنظر جدا، وقد قال يوما لتلاميذه: إنه لم يخجلني طيلة عمري أحد کما فعلت امرأة ثرية، فقد لقيت امرأة في بعض الطرق وسالتني في أن أصحبها ففعلت.

حتى أتت بي الى محل صائغ للتماثيل، وقالت له مشيرة الي: کهذا الشيطان فبقيت حائرا من أمرها، ولما انصرفت سالت الصائغ عن القصة، فقال: لقد استعملتني هذه المرأة لأصوغ لها تمثال شيطان. فقلت لها: إني لم أر الشيطان کي أصوغ تمثاله، فطلبت مني أن انتظر حتى تجيء لي بتمثاله واليوم جاءت بک الي وأمرتني أن أصوغه طبق منظرک».

ينبغي على کل منا معاملة الناس بالمثل والاحسان لهم والابتعاد عن السخرية والاستهزاء والتحقير والتعيير لهم ومن انشغل في عيوبه انشغل عن عيوب الناس.

یقول الامام علي فی دیوان اشعاره فی بیان فضائل الاخلاق:(3)

أهل التصنع ما أنلتهم الرضا*و إذا منعت فسمهم لک منقع (4)

لا تفش سرا ما استطعت الى امرئ*يفشي اليک سرائر تستودع

ص: 174


1- ای تعطی الجنه
2- مجموعة ورام، ج 1، ص 113
3- ديوان أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 272
4- أي اذا ما اعطیة اهل التنصع فکأنهم نقعوا لک سم الحتوف من قولهم سم ناقع أي بالغ و سم منقع أي مربى

فکما تراه بسر غيرک صانعا*فکذا بسرک لا محالة يصنع

و إذا اؤتمنت على السرائر أخفها*و استر عيوب أخيک حين تطلع

لا تبدأن بمنطق في محفل*قبل السؤال فإن ذاک يشنع

فالصمت يحسن کل ظن بالفتى*و لعله خرق سفيه أرقع

و دع المزاح فرب لفظة مازح*جلبت اليک بلابل لا تدفع

و حفاظ جارک لا تضعه فإنه*لا يبلغ الشرف الجسيم مضيع

و الضيف أکرمه تجده مخبرا*عمن يجود و من يضن و يمنع

و إذا استقالک ذو الإساءة عثرة*فأقله إن ثواب ربک أوسع

لا تجزعن من الحوادث إنما*خرق الرجال على الحوادث يجزع

و أطع أباک بکل ما وصى به*إن المطيع أباه لا يتضعضع

ويقول الشاعر:(1)

إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى*و دينک موفور وعرضک صين

لسانک لا تذکر به عورة امرئ*فکلک عورات وللناس السن

وعيناک إن أبدت اليک معايبا*فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى*ودافع ولکن بالتي هي أحسن

و لقد نهى الإسلام عن ذکر الناس باسم أو لقب يشينهم ويکون سببا لإهانتهم وتحقيرهم وقد حذرت التعاليم الإسلامية الناس عن هذا العمل المنکر الذي يبعث البغضاء والحقد في المجتمع. قال الله تعالى: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالالقَابِ)(2) یقول الراوی:(3)

«سمعت الرضا (علیه السلام) يوما ينشد وقليلا ما کان ينشد شعرا:

کلنا نأمل مدا فى الأجل*والمنايا هن افات الأمل

لا تغرنک أباطيل المنى*والزم القصد ودع عنک العلل

إنما الدنيا کظل زائل*حل فيه راکب ثم رحل

فقلت لمن هذا أعز الله الأمير فقال لعراقى لکم، قلت أنشدنيه(4)

أبو العتاهية(5)

لنفسه فقال هات إسمه ودع عنک هذا ان الله سبحانه وتعالى

ص: 175


1- و يقول شاعر اخر: لو نظر الناس الى عيوبهم*ما عاب إنسان على الناس
2- الحجرات: 11
3- جامع أحاديث الشيعة (للبروجردي) ج 26، ص 740
4- ای سمعت هذا الشعر من ابوالعتاهیة
5- إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية (130ه--211ه-/ 747 م – 826 مم) عاش فی الکوفة، کان بائعا للجرار، مال الى العلم والأدب ونظم الشعر حتى نبغ فيه، ثم انتقل الى بغداد، کان يجيد القول في الزهد والمديح وأکثر أنواع الشعر في عصره. وأبو العتاهية کنية غلبت عليه لما عرف به في شبابه من مجون و طیش لکنه کف عن حياة اللهو والمجون، ومال الى التنسک والزهد، وانصرف عن ملذات الدنيا والحياة، وشغل بخواطر الموت، ودعا الناس الى التزود من دار الفناء الى دار البقاء و العتاهية من المعتوه ای الناقص العقل والعته التجنن والرعونة.

يقول «و لا تنابزوا بالالقاب» ولعل الرجل يکره هذا.»

وفي الحديث عن الامام علي (علیه السلام):(1)

«ثلاث يصفين لک الود في قلب أخيک أن تبدأه بالسلام إذا لقيته و أن تدعوه بأحب أسمائه اليه و أن توسع له في المجلس.»

نعي

توفي أبوالقاسم الامام الحسن (علیه السلام) وکان له من العمر أربع سنين فرباه عمه الحسين (علیه السلام) فکان له الولد العزيز المدلل فقد کان يحبه حبا شديدا ولم يذکر: أن الحسين عند وداع أحد من أهل بيته غشي عليه من شدة البکاء حتى عند وداع ولده وفلذة کبده علي الأکبر شبيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قالوا عند وداعه: ان الحسين أرخى عينيه بالدموع ولکنهم قالوا لما خرج القاسم واقبل على عمه يستأذنه في القتال نظر اليه الحسين فلم يملک نفسه دون أن تقدم إيه واعتنقه وجعلا يبکيان حتى غشي عليهما. أقول: هذه ساعة اعتنق فيها الحسين ابن أخيه القاسم ثم ودعه فنزل الى الميدان، وساعة أخرى اعتنقه وهو مشقوق الهامة مثخن بالجراح. ساعد الله قلبک أبا عبد الله وأنت ترى وديعة أخيک الحسن مغسلا بدمائه سيدي ما کنت تقول وأنت تحمله الى الخيمة؟ قال بعضهم: کان الحسين (علیه السلام) يبکي عند رأسه وينادي يا بن أخي أنت الوديعة. فلما سمعت النساء صراخ الحسين أقبلن اليه وهن يبکين لاطمات تتقدمهن أمه رملى وعمته زينب. فلما وصلن اليه القين بأنفسهن عليه وأمه تنادي وا ولداه وا قاسماه:

وين الفاقدة الشبان وين الضايگة اللوعه*

هاي ام جاسم العريس عالعريس مفجوعه

وين الفاگدة الشبان خل اوياي تتعنه*

لم جاسم نريد نروح ونساعدها على الونه

يبني يجاسم جيت أشمک*دگعد يمن لا ظلت أمک

ظل گلبي يبني ايحوم يمک*يالحنتک من فيض دمک

ص: 176


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 12، ص 10

يالفدوه اروحن لک ولسمک

ردتک ما ردت دنيه ولا مال*اتحضرني لو وگع حملي ولا مال

يجاسم خابت اظنوني والامال*یبنی وکت الضيج لیش اگطعت بيه

انا ربيت الولد وشکد تعبت عليه*گلت يکبر وليدي وچنت اظنن بيه

يسد عني وحشتي وبيتي يبنيه*واموت وللگبر بيده يوديني

**

بني في لوعة خلفت والدة*ترعى نجوم السما في الليل بالسهر

ص: 177

مجلس القاسم الرابع (اللیلة الثامنة)

اشارة

إنْ يبکهِ عمُهُ حزناً لمصرعهِ*فما بکى قمرٌ الا على قمرِ

يا ساعدَ اللهُ قلبَ السِبطِ ينظُرهُ*فرداً ولم يبلغِ العشرينَ في العُمرِ

ما کنتُ امُل في الرمضاءِ أبصرهُ*يا ليت فارقني من قبل ذا بصري

مُرَملاً مذْ رأتْهُ رَملة ٌ صَرَخَتْ*يا مهجتي وسروري يا ضيا بَصري

خلّفْت والدةً ولهى مُحيَرةً*مدهوشةً ليسَ مِنْ حامٍ ومُنتصرِ

بني تقضي على شاطي الفراتِ ظَماً*والماءَ أشربُهُ صفواً بلا کدرِ

بُنيَ في لوعةٍ خَلّفْت والدةً*ترعى نجومَ الدّجى في الليلِ بالسهَرِ

**

يا شبان يا حلوين الاطباع*عفتوا الحرم نمتوا على الگاع

ظلّت وحدها ابگلب مرتاع*رحتوا او غدت عيلتکم اضياع

طاح الحمل ياهو اليشيله*او ضعن الحراير من يجيله

عافوا منازلهم الشبان*کلهم او ناموا على التربان

المحاضرة: تتبع عيوب الناس

(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا)(1)

من علامات خبث النفس ودناءة الطبع وعدم سلامة السجية تتبع عورات الناس وإحصاء أخطائهم، فإن کل ذي عيب ونقص يسعى الى إظهار عيوب الناس و نقائصهم.

روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2)«من أذاع فاحشة کان کمبتدئها، ومن عيرمؤمنا بشيء لم يمت حتى يرکبه» وقال أمير المؤمنين علي (علیه السلام):(3)

«تتبع العيوب من أقبح العيوب و شرالسيئات» و «من بحث عن أسرار غيره، أظهرالله سبحانه أسراره»(4).

و من تتبع عيوب الناس، وشغل وقته ولسانه بذکرها، في حين أن عيوبه تعد بالالاف، ومعاصيه سودته من رأسه حتى أخمص قدميه، فأغمض عينه عما فيه وطفق يذکر ما في غيره فهو أحمق. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(5)«أ

لا أخبرکم بشرارکم قالوا: بلى، قال: من شرارکم المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون البراء العنت».

ص: 178


1- التجسس: البحث عن عورات الناس، و التحسس: الاستماع لأحاديث الناس.
2- المؤمن، ص 66
3- غرر الحکم و درر الکلم، ص 325
4- عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 436
5- عیون الأخبار، ج 2، ص 16

قال احد الحکماء: (ما نصحت أحدا قط الا وجدته يفتش عن عيوبي و من عاب سفلة فقد رفعه، و من عاب شريفا فقد وضع نفسه.) و قیل ایضا: مثل الذي يسمع الکلام و المواعظ فلا يحکي الا ما يستقبحه منها مثل رجل عنده قطيع غنم معها کلبها فطلب منه رجل حيوانا منها فقال: امض اليها و اختر ما تريد، فمضى و أخذ بأذن الکلب و خلى القطيع.

و من ثم ورد في الرواية عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)«الخير

کله في العزلة، و الخير و السلامة في الوحدة، و البرکة في ترک الناس، خصوصا أهل هذا الزمان جواسيس العيوب، اللابسين أثواب الحسد منهم على کل حسن.»

و تأمل قول أمير المؤمنين و سيد الوصيين:(2)«الأشرار

يتتبعون مساوي الناس، ويترکون محاسنهم کما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة» و «أکبر العيب أن تعيب ما فيک مثله»(3)

«و من نظر في عيوب الناس فأنکرها ثم رضيها لنفسه فذلک الأحمق بعينه.»(4)

و لذا یجب ان نعمل بحدیث بحديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)الذي يقول فيه:(5)«من حسن إسلام المرء ترکه ما لا يعنيه»

حکایة

یحکی ان عالم قد لقي عالم اخر فقال له: «يا أخي إني لأحبک في الله، فقال الاخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منک ما تعلم من نفسک لکان لي فيما أعلم من نفسي من عیوب بکثرة حتی تشغلنی عن بغضک.»

ص: 179


1- مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 352 قال: (أقتدي بقول سيد النبيين و شفيع يوم الدين)
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 269
3- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 537
4- نهج البلاغة للصبحي صالح، ص 536 کامل الحدیث: « و قال (علیه السلام): من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره و من رضي برزق الله لم يحزن على ما فاته و من سل سيف البغي قتل به و من کابد الأمور (إذا قاسيت شدته بلا إعداد لأسبابه) عطب (انکسر، و المراد خسر) و من اقتحم اللجج (ای البحر المضطرب، المتلاطم أمواجه) غرق و من دخل مداخل السوء اتهم و من کثر کلامه کثر خطؤه و من کثر خطؤه قل حياؤه و من قل حياؤه قل ورعه و من قل ورعه مات قلبه و من مات قلبه دخل النار و من نظر في عيوب الناس فأنکرها ثم رضيها لنفسه فذلک الأحمق بعينه»
5- قرب الإسناد، ص 67

فيا أيها الحبيب لک في نفسک شغل عن عيوب غيرک ففيک أضعاف أضعاف ما تراه في الاخرين، فلا تفتح على نفسک باب الغيبة وسوء الظن وهتک أستار الناس بالانشغال بعيوبهم، ولا تفتح على نفسک باب شر لا يسد بالکلام عن الناس فيتکلموا عنک، يقول الشاعر:(1)

إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى*و دينک موفور وعرضک صين

لسانک لا تذکر به عورة امرئ*فکلک عورات وللناس السن

وعيناک إن أبدت اليک معايبا*فدعها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى*ودافع ولکن بالتي هي أحسن

فعلى الإنسان المؤمن أن ينظر الى الأمور والأشياء في الحياة بنظرة إيجابية کما نظر نبي الله عيسى (علیه السلام) ینقل ان الحواريون الذين کانوا معه لما رأوا جثة کلب فقد نظروا الى الرائحته الکريهة الناتجة من تعفنه و قالوا: ما أنتن ريح هذا الکلب ولکن عیسی نظر الى الجزء الإيجابي منه قائلا: ما أشد بياض أسنانه.

و لذا نجد أن بعض المشاکل في الحياة الزوجية ناتجة من نظر کل طرف لشريک حياته بمنظار سلبي، فيرى نقاط الضعف لديه، والعيوب الموجودة فيه، ولکنه لا يرى الأمور الإيجابية والحسنة منه، ومع الزمن تتحول هذه النظرة السلبية الى مشاکل مستعصية بين الزوجين، وربما يصل الأمر الى الانفصال والطلاق.

بينما لو نظر کل طرف لشريک حياته بنظرة إيجابية، وتأمل في النقاط الإيجابية الموجودة عند شريک حياته، وأغضى الطرف عن النقاط السلبية لأصبحت الحياة الزوجية ملؤها السعادة، والتفاؤل والأمل. من هنا نفهم على أهمية الترکيز على إيجابيات الاخرين وحسناتهم، وأن نشيعها بين الناس، ونتجنب الخوض في معايبهم و زلاتهم، وعدم نشر ما قد نعلمه أو نسمعه أو نقرأه عن عورات الاخرين وعيوبهم وهفواتهم وأخطائهم، فالستر أولى وأفضل وأحسن.

وظائف المومن تجاه من یظهر عیوب الناس

1) ترک مجالستهم: و جاء فی وصة علي (علیه السلام) لمالک الاشتر لما ولاه مصر:«ليکن أبعد رعيتک منک و أشنأهم عندک أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها فلا تکشفن عما غاب عنک منها فإنما عليک تطهير ما ظهر لک و الله يحکم على ما غاب عنک»

ص: 180


1- و يقول شاعر اخر: لو نظر الناس الى عيوبهم*ما عاب إنسان على الناس

2) عدم الاخذ بکلامهم: عن الکاظم (علیه السلام) ساله احد اصحابه:(1)

«قلت له: جعلت فداک، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشي ء الذي أکرهه، فأساله عن ذلک، فينکر ذلک، وقد أخبرني عنه قوم ثقات؟ فقال لي: يا محمد، کذب سمعک وبصرک عن أخيک فإن شهد عندک خمسون قسامة، وقال لک قولا، فصدقه، وکذبهم، لاتذيعن عليه شيئا تشينه به، وتهدم به مروءته، فتکون من الذين قال الله في کتابه: «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين امنوا لهم عذاب اليم»

قصة

کان عمر بن الخطاب یمشی بالمدينة في الليل، فارتاب بالحال فتسور (ای صعد من حاط بیت) فوجد رجلا عنده امرأة و عنده خمر، فقال له: يا عدو الله، أ کنت ترى أن الله يسترک و أنت على معصيته؟ فقال الرجل: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، إن کنت عصيت الله في واحد فقد عصيته أنت في ثلاث: قال الله تعالى: (وَ لا تَجَسَّسُوا)(2) و قد تجسّست، و قال: (وَ أْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها)(3) و قد تسوّرت، و قال: (يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِکمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها)(4) و أنت دخلت بغير سلام.(5)

نعي

ذکر المؤرخون أن القاسم بن الحسن (علیه السلام) أبدى شجاعة لا تنسى وبطولة لا تقهر في عاشوراء کربلاء، رغم صغر سنه. وعن بطولاته ذکر صاحب المنتخب:(6)

أنه قدم الى عمر بن سعد وقال: يا عمر أما تخاف الله أماتراقب الله يا أعمى القلب أما ترعى رسول الله؟ فقال عمر بن سعد: أما کفاکم تجبرا يا ال أبي طالب؟ أما تطيعون يزيد؟ فقال القاسم: لا جزاک الله خيرا تدعي الاسلام وال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)عطاشى ظماء قد اسودت الدنيا بأعينهم.(7)

ثم طلب المبارزة فجاء اليه رجل يعد بالف فارس فقتله القاسم، وکان له

ص: 181


1- الکافي، ج 8، ص 147
2- الحجرات: 12
3- البقرة: 189
4- النور: 27
5- البصائر و الذخائر، ج 6، ص 138
6- المنتخب في المراثي و الخطب للطريحي، ص 374
7- مناهج البکاء فى فجائع کربلاء، الفرطوسي الحويزي، ج 1، ص 153

أربعة أولاد مقتولين فضرب القاسم فرسه بسوط وعاد يقتل بالفرسان الى أن ضعفت قوته فهم بالرجوع الى خيمة وإذا بالأزرق الشامي قد قطع عليه الطريق وعارضه، فضربه القاسم (علیه السلام) على أم رأسه فقتله وسار الى الحسين (علیه السلام) وقال: يا عماه العطش العطش، أدرکني بشربة من الماء، فصبر الحسين (علیه السلام) وعاد ليودع أمه فلما رأته احتضنته وراحت تشمه وتقبله. ثم دفعته الى نصرة عمه(1) وکأني بالقاسم يخاطب أمه:

يمة ذکريني من تمر زفة شباب*من العرس محروم وحنتي دم المصاب

شمعة شبابي من يطفوها*حنتي دمي والکفن دار التراب

يمة ذکريني يمة ذکريني من تمر زفة شباب

أوصيک يمه وصيه*تسمعين لفظ اجوبي

شبان لو شفتيهم*بالله ذِکري یه یمه اشبابي

محروم من شم الهو*من دون کل صحابي

عطشان أنا يا والده*حين الشرب ذکريني

اتگله امه:

يبني يا جاسم هالوقت*حیلک لعمک ضمه

لها اليوم أنا ذاخرتک*مالک تخيب ظنوني

وانقلب الى الميدان فأحاطوا به و رشقوه بالنبل و شد عليه الأزدي حتى ضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته، وقيل أن رجلا شق بطنه واخر طعنه بالرمح على ظهره فأخرجه من صدره، أي وا قاسماه. ولا أدري کيف حال الحسين (علیه السلام) عمه، الذي سمعه ينادي السلام عليک مني يا عماه أدرکني، فجاء اليه الحسين کالصقر المنقض على الصفوف حتى وصل الى القاسم ودموع الحسين جارية وحسراته وارية ثم نزل اليه ووضع صدره على صدره قال حميد بن مسلم فقلت في نفسي ما يصنع الحسين فاحتمله على صدره وکأني أنظر الى رجلي الغلام يخطان في الأرض فجاء به حتى القاه بين القتلى من أهل بيته.

وجعل يقول: اللهم إنک تعلم أنهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا أعدائنا اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ولا تغفر لهم أبدا صبرا يا بني عمومتي صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا

ص: 182


1- سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج1، ص 366

اليوم أبدا اللهم إن کنت حبست عنا النصر في دار الدنيا فاجعل ذلک ذخرا لنا في الاخرة وانتقم لنا من القوم الظالمين.(1)

ولکن ما کان حال تلک الأم التي فجعت به؟ وما حال تلک الحرائر من بنات الرسالة؟ وقد جئن اليه کأني بهن وقد درن حوله يبکين وينحن عليه...

ولما وصلت أمه رملة اليه القت بنفسها عليه وتحادرت الدموع وارتفع الصراخ وجعلت تردد: واولداه واقاسماه..(2)

صاحت یالذی فی الکون(3)*مثل

ما جری فی الناس

یالحسین الذی ایعرس*اله حنه و الیه الباس

و حنا اتشوفنا کلنا*صوایح فی عزا عباس

و کلنا امن العطش بنموت*او ما وحده جلد بیه

یحسین الذی ایعرس*هله فی زفته ایحضرون

ناس تعمل الزینه*او ناس الچفه ایحنون

او هلمعرس یه نور العین*هله فی المعرکه ایونون

مثلک ما جری فی الناس*اولها او تالیها

یحسین الذی یعرس*لعرسه ینحرون اجمال

او کل الناس یلتمون*من حوله نسه و اطفال

او هل المعرس یه نور العین*لعرسه ذابحین ارجال

ماشفنا احد عرس*و ارجال انذبح لیها

نادی بالعجل گومی*او من حزنه کشف للرأس

ولیمة هالولد یاختی*فلا صارت ابد فی الناس

ولیمة هالولد یاختی*ذبحنا بوالفضل عباس

**

يقول الخوارزمي جعل الإمام الحسين (علیه السلام) يقول بعد شهادة ابن أخيه القاسم:

غريبون عن اوطانهم وديارهم*تنوح عليهم في البوادي وحوشها

هل وکيف لا تبکي العيون لمعشر*سيوف الاعادي في البراري تنوشها

ص: 183


1- روضة الشهداء، الکاشفي، ص 409 و ينابيع المودة، القندوزي، ج 3، ص 77
2- مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 239
3- الابیات للشيخ علي الجفيري

ام القاسم اتگله:

يبني ما ذکرت أمک وحنيت*عفتني امن انطبگ ظهري وحنيت

يجاسم خضبت شيبي وحنيت*ابدمک يا شباب الغاضريه

يا کوکبا ما کان أقصر عمره*وکذا تکون کواکب الأسحار

ص: 184

مجلس القاسم الخامس (اللیلة الثامنة)

اشارة

عظم الله أجورکم يا بقية الله يا صاحب العصر والزمان بمصابکم بجدکم أبي عبد الله الحسين وال بيته وأصحابه. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى الک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين الى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ اليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما.

قسَمَ الالهُ الرزءَ بين أعاظِمِ*لا رزءَ أعظمُ من مصابِ القاسمِ

حسنيُ خلقٍ من نجار محمدٍ*مضريُ عِرقٍ من سلالةِ هاشمِ

قتّال أبطال مبيدُ کتائبٍ*فتّاک اسادٍ هَزَبر ملاحِمِ

هزمَ الکُماةَ بقوّةٍ علويةٍ*وأبادهم طراً ببطشٍ هاشمِ

لله يومٌ خرَ فيه الی الثریٍ*متکسرَ الأضلاعِ تحت مناسِمِ

نادی حسيناً عمَهُ متشکّياً*بُعدَ الوصال وقربَ هجرٍ دائمِ

ويلوک کالحوتِ التريبِ لسانهُ*لوکاً ويفحَص کالقطا بقوادمِ

**

یجاسم گوم یمه ريت البيک بيه*يجاسم گوم ريت الموت ليه

صدگ رايح يجاسم هاي هيه*او تخليني أون الليل واسهر

المحاضرة: العداوة و الشتم

لا ريب أن من مقاصد رسالة الإسلام تهذيب الأخلاق، وتزکية النفوس، وتنقية المشاعر، ونشر المحبة والالفة وروح التعاون والإخاء بين المسلمين.. قال النبي (صلی الله علیه و آله):(1)

«إنما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق»

ص: 185


1- المستدرک للحاکم ج 2، ص 613، السنن الکبرى للبيهقي ج 10، ص 192، مجمع الزوائد ج 8، ص 188 و مجموعة ورام، ج 1، ص 89 و فیه عن امیر المومنین (علیه السلام): کان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)"خلقه القرآن" قوله عزوجل (خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين) ثم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)هو أن تصل من قطعک و تعطي من حرمک و تعفو عمن ظلمک و قال (صلی الله علیه و آله و سلم) أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن. و جاء رجل الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه عن يمينه فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من قبل شماله فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من ورائه فقال ما الدين فالتفت اليه و قال أما تفقه الدين هو أن لا تغضب.

وهناک افة عظيمة انتشرت بين جميع فئات المجتمع على اختلاف مراحلهم العمرية وطبقاتهم الثقافية افة عظيمة نشأ عليها الصغير، ودرج عليها الکبير، وتساهل بها کثير من الاباء والأبناء، الرجال والنساء، الشباب والفتيات، افة عظيمة تولدت منها الأحقاد، وثارت الضغائن، وهاجت بسبها رياح العداوة والبغضاء. افة عظيمة تغضب الرب جل وعلا، وتخرج العبد من ديوان الصالحين، وتدخله في زمرة العصاة الفاسقين، إنها السب واللعن والفحش وبذاءة اللسان، فتجد الوالد يسب أبناءه ويلعنهم، والأم کذلک تفعل مثله، ولا يدريان أن ذلک من کبائر الذنوب وعظائم الاثام.

وتجد الصديق يسب ويلعن صديقه، فيرد عليه بسب أمه وأبيه، حتى الطفل الصغير تجده قد تعود کيل السباب واللعائن للاخرين، وربما فعل ذلک بأبيه وأمه وهما ينظران اليه فرحين مسرورين، إن الواجب على کل عاقل أن يضبط لسانه دائما، ولا يعوده السب واللعن، حتى مع خادمه وولده الصغير، بل ومع أي شيء من جماد أو حيوان، فإنه لا يأمن إذا سب أحدا من الناس أو لعنه أن يقابله بمثل قوله، أو يزيد عليه فيثور غضبه ويطغى، ويقوده الى ما لا تحمد عقباه، وکم من جريمة وقعت کانت بدايتها لعنا وسبابا، ومعظم النار من مستصغر الشر.

تعریف الفحش

اعلم ان حقيقة الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارة الصريحة ويجري أکثر ذلک في الفاظ المستهترین فی کلامهم فان لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون من التعرض لها، بل يکنون عنها ويعبرون عنها بالرموز.

ثم الفاظ الفحش لا ريب حينئذ في کونها محظورة باسرها مذمومة، وان کان بعضها أفحش من بعض، فيکون أثمه أشد، سواء استعمل في الشتم والايذاء أو لا يستعمل فيه، بل في المزاح والهزل وغيرهما.

روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)قوله:(1)«قال سمعت أمير المؤمنين (علیه السلام) يقول قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): إن الله حرم الجنة على کل فحاش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال و ما قيل له فإنک إن فتشته لم تجده الا لغية (أي زنية) أو شرک شيطان فقال رجل يا رسول الله أ و في الناس شرک شيطان فقال أ ما تقرأ قول الله: (وَشَارِکهُمْ فِي الأَمْوَال وَالأولادِ)(2) فقيل و في

ص: 186


1- الزهد، ص 8
2- الإسراء: 64

الناس من لا يبالي ما قال و ما قيل له؟ فقال (صلی الله علیه و آله و سلم)نعم من تعرض الناس فقال فيهم و هو يعلم أنهم لا يترکونه فذلک الذي لا يبالي ما قال و ما قيل له»

و قال رسول الله:(1)«سباب المؤمن فسوق، وقتاله کفر، وأکل لحمه معصية، وحرمة ماله کحرمة دمه» فسب المسلم بغير حق حرام، وفاعله فاسق کما أخبر به النبي و روي عنه (صلی الله علیه و آله و سلم)أيضا قوله:(2) «الجنة حرام على کل فاحش أن يدخلها» وروي عن محمد بن علي الباقر (علیه السلام) في تفسیر قول الله عزوجل (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) قال:(3)

«قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لکم فإن الله عزوجل يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش السائل الملحف و يحب الحي الحليم العفيف المتعفف» واعلم أن من الفحش والسب ما يکون عن مجرد الغضب، ويکون أيضا عن مجالسة الأوباش و الفساق و أهل الهذيان و الفحاشين، فتصبح تلک عادة جليسهم ويصبح فحاشا دون عداوة وغضب.

ولعلک تشاهد الأراذل والأوباش يطلقون الفحش على بعضهم البعض وخاصة على أمهاتهم ومحارمهم من باب المزاح لا شک أن مثل هؤلاء الأشخاص بعيدون عن الادمية کل البعد.

صدیق الامام الصادق (علیه السلام)

روي انه کان لابي عبد الله الصادق (علیه السلام) صديق لا يکاد يفارقه فقال صديقه يوما لغلامه: يا ابن الفاعله اين کنت؟ فلما سمع الامام الصادق (علیه السلام) من صديقه هذا القذف تالم کثيرا ورفع يده فصک بها جبهته ثم قال: سبحان الله تقذف امه وقد کنت ارى ان لک ورعا فاذا ليس لک ورع، قال صديق الامام جعلت فداک ان امه سنديه (يعني من بلاد الهند) فقال

ص: 187


1- الکافي، ج 2، ص 360
2- نهج الفصاحة، ص 439 و روي عن الإمام الکاظم فی وصيته (علیه السلام) لهشام فی حدیث طویل: (مکاتيب الأئمة (علیه السلام)، ج 4، ص 494) «يا هشام، المتکلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب، فأما الرابح فالذاکر لله وأما السالم فالساکت وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على کل فاحش بذي ء قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، وکان أبو ذر رضى الله عنه يقول: يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيک کما تختم على ذهبک وورقک.»
3- الأمالي، للصدوق، ص 254

الامام الصادق: الا تعلم ان لکل امه نکاحا تنح عني. قال الراوي: فما رايت الامام الصادق يمشي مع صديقه حتى فرق بينهما الموت»(1)

قصة سماعة مع الجمال

عن سماعة(2) قال:(3)

«دخلت على أبي عبد الله (الامام الصادق (علیه السلام) )، فقال لي مبتدئا يا سماعة ما هذا الذي کان بينک و بين جمالک إياک أن تکون فحاشا أو صخابا(4) أو لعانا فقلت و الله لقد کان ذلک أنه ظلمني فقال إن کان ظلمک لقد أربيت عليه(5)

إن هذا ليس من فعالي و لا آمر به شيعتي استغفر ربک و لا تعد قلت أستغفر الله و لا أعود.»

يبتدئ الإمام، سماعة بالسؤال عما بدر منه من کلام فاحش، وينهاه عن ذلک، وإن کان الجمال قد ظلمه، فإنه بکلامه الفاحش قد زاد عليه. ثم يتبرأ من الکلام الفاحش ومن اللعن، بل حتى من الکلام بصوت صاخب ومرتفع، ويدعوه الى الاستغفار وعدم العود الى مثل ذلک أبدا. إذ المؤمن يصون لسانه عن کل قبيح ودنيء.

قصة شتم قنبر

أن أمير المؤمنين (علیه السلام) قد سمع رجلا يشتم قنبرا، وقد رام قنبر أن يرد عليه، فناداه أمير المؤمنين علي (علیه السلام): "مهلا يا قنبر، دع شاتمک مهانا ترض الرحمن، وتسخط الشيطان، وتعاقب عدوک. فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السکوت عنه»(6)

وعلى هذا، إذا شتمک أحدهم فقل له: سامحک الله وغفر لک. فإن ذلک داعية له الى أن يخجل ويعتذر عما بدر منه.

جزاء الفحش والبذاء

قد يستهين بعضهم ويطلق کلاما فاحشا دون أن يلتفت الى الأثر المترتب عليه. لذا، يحسن به أن يتعرف الى مورثات هذه الکلمة، والتي منها:

ص: 188


1- الکافي ج 2، ص 324 ح 5 و وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، 11ج، ص 330 ح 1، و أورده في تنبيه الخواطر: ج 2، ص 206
2- سماعة بن مهران ابن عبد الرحمان الحضرميّ، الفقيه الکوفي، وکان يتّجر في القز ويخرج به الى حران من أصحاب الامام الصادق (علیه السلام)
3- الکافي، ج 2، ص 326
4- الصخاب: الشديد الصوت و هنا ای، صرخت علیه و رفعت، صوتک
5- أربيت إذا اخذت أکثر مما أعطيت و هنا یعنی زدت علیه
6- الأمالي، المفيد، ص 118

1 بغض الله له: عن رسول الله (صلی الله علیه و آله): "إياکم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش(1)»

2 حرمان الجنة: عنه (صلی الله علیه و آله): «الجنة حرام على کل فاحش أن يدخلها»(2)

3 من شرار خلق الله: عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: قال رسول الله (علیه السلام): «إن من شر عباد الله من تکره مجالسته لفحشه»(3)

4 معاقبة باقي الجوارح: عن علي بن الحسن (علیه السلام): «إن لسان ابن ادم ليشرف کل يوم على جوارحه فيقول کيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إن ترکتنا، ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: إنما نثاب بک ونعاقب بک»(4)

5 نزع البرکة من رزقه: فقد ورد(5)

أن «من فحش على أخيه المسلم، نزع الله منه برکة رزقه ووکله الى نفسه وأفسد عليه معيشته»(6)

6 يکون من اللئام: عن الإمام الباقر (علیه السلام): «سلاح اللئام قبح الکلام»(7)

قصة زواج القاسم

وملخصها أن الإمام الحسن (علیه السلام) کان قد أوصى بتزويج إبنه القاسم (علیه السلام) من إبنة اخيه الحسين لذلک قام الحسين (علیه السلام) في کربلاء بإجراء عقد الزواج بين القاسم و بنته في خيمة بعد أن البسه ثيابا جديدة لکن القاسم رغم ذلک فضل الشهادة على الزواج وقال لخطيبته: لقد أخرنا عُرسنا الى الآخرة فبکت الهاشميات.(8)

و اول مصدر الذی فی ایدینا و نقل لنا هذه الحادثة هو ما ذکره ملا حسين الکاشفي السبزواري في کتاب روضة الشهداء، قال الکاشفي ما ترجمته:(9)

«يقول الراوي: لما نظر القاسم بن الحسن (علیه السلام) الى وجه أخيه

ص: 189


1- المحجة البيضاء، الکاشاني، ج 5، ص 216
2- جامع السعادات، ج 1، ص 277
3- الکافي، ج 2، ص 325
4- الإرشاد، المفيد، ص 230
5- الراوی لم یذکر اسم الامام القائل لکن، صرح بنقله عنهم (علیه السلام)
6- جامع أحاديث الشيعة، البروجردي، ج 13، ص 433
7- الفصول المهمة في معرفة الأئمّة، الإربلي، ج 2، ص 887
8- الدکتور لبيب بيضون: موسوعة کربلاء، الباب السادس، ج 2، ص 128، نقلا عن فخر الدين الطريحي في کتابه "المنتخب في المراثي والخطب"، ص 373 وکذلک المياحي في "العيون العبرى"، ص 158.
9- روضة الشهداء لکمال الدین حسین الواعظ السبزواری الکاشفی، ص400 – 403، و نص العبارة بالفارسیة نقلا عن الکتاب هی هکذا: «راوي گويد که چون قاسم بن حسن (علیه السلام) چهره ي برادر خود را (منظور عبدالله بن حسن (علیه السلام) است) که گل بوستان ناز بود، به خار ان حادثه ي جانگداز (شهادت) خراشيده ديد، اه از نهاد او برامده پيش عموي بزرگوار خود امده، گريان و با دلي از اتش حسرت، بريان، و گفت: اي سيد و امام جهان، مرا ديگر طاقت مفارقت اقربا نمانده است و زمانه از سرير بهجتم بر خاک اندوه و مصيبت نشانده است. دستوري ده تا کينه ي برادر بازجويم و سؤال اهل ضلال را به تيغ زبان سنان جواب گويم. امام حسين گفت: اي جان عم تو مرا از برادر يادگاري، و در اين، صحرا انيس دل فگاري، من تو را چگونه اجازت دهم و داغ فراق تو، بر سينه ي پر غم نهم. مادر قاسم نيز از خيمه بيرون دويد و دامن قاسم بر دست پيچيده فرياد برکشيد: اي به دلم گرفته جا، لطف کن از نظر مرو* مرهم سينه چون تويي، مرهم ديده هم تو شو القصه، قاسم اجازت جنگ نيافت. به خيمه درامده سر به زانوي اندوه نهاد. ناگاه يادش امد که پدرش تعويذي بر بازوي وي بسته بود و فرموده بود که هر گاه اندوه بسيار و ملال بي شمار بر تو غلبه کرد، اين تعويذ را باز کن و برخوان و به انچه در ان نوشته است، عمل نماي. قاسم با خود گفت: تا من بوده ام مرا چنين حال نيفتاده و به اين سان ملامتي دست نداده، بيا تا تعويذ را بخوانم و مضمون ان را بدانم. پس ان تعويذ را از بازو باز کرد و بگشاد. ديد که امام حسن (علیه السلام) به خط مبارک خود نوشته است: اي قاسم وصيت مي کنم تو را که چون برادرم و عمويت، امام حسين (علیه السلام)، را ببيني که در، صحراي کربلا به دست شاميان دغا و کوفيان بي وفا گرفتار شده، زنهار، که سر خود در قدم وي اندازي و جان خود را روان دربازي و هر چند تو را از مصاف بازدارند، تو مبالغه نمايي و در الحاح و ابرام افزايي که جان فداي حسين کردن، مفتاح باب شهادت و وسيله ادراک اقبال و سعادت است. کدام کشته ي عشق وي است رو بر خاک* که جان غرقه به خونش غريق رحمت نيست قاسم که اين وصيت نامه فروخواند، از شادي ندانست که چه کند. زود از جاي بجست و به خدمت امام پيوست و ان نوشته را بوسيده، به دست ان حضرت داد. چون شاه شهيدان ان مکتوب را بديد، اه سوزناک از جگر برکشيد و زار زار بناليد و گفت: اي جان عمو اين وصيت پدرت است نسبت به تو و مي خواهي که به اين وصيت کار کني. و مرا نيز درباره ي تو وصيت ديگر فرمود و من نيز داعيه دارم که ان را به جاي ارم. بيا ساعتي به اين خيمه دراييم و به ان وصيت قيام نماييم پس دست قاسم گرفته به خيمه دراورد و برادران خود، عون و عباس را طلبيد و مادر قاسم را گفت که جامه هاي نو در قاسم پوشان و خواهر خود زينب را گفت: عيبه ي جامه ي برادرم حسن را بيار که في الحال بياوردند و در پيش وي حاضر کردند. سر عيبه را بگشاد و دراعه ي (جبه، جامه، قبا) امام حسن (علیه السلام) و يک جامه ي قيمتي خود در قاسم پوشانيد و عمامه ي زيبا به دست مبارک خود بر سر وي بست و دست دختري را که نامزد قاسم بود گرفته، گفت: اي قاسم اين امانت پدر توست که به تو وصيت کرده، تا امروز نزد من بود، اکنون بستان پس دختر را با وي عقد بست و دستش به دست قاسم داد و از خيمه بيرون امد. قاسم از يک جانب دست عروس گرفته در وي مي نگريست و سر در پيش مي انداخت که ناگاه از لشکر عمر سعد اواز امد که ايا هيچ مبارز ديگر نمانده است؟ قاسم دست عروس را رها کرد و خواست که از خيمه بيرون ايد، عروس دامنش را بگرفت و گفت که اي قاسم چه خيال داري و کجا مي روي؟ بگو کز بر من کجا مي روي*مرا مي گذاري کجا مي روي قاسم گفت: اي نور دو ديده، عزم ميدان دارم و همت بر دفع دشمنان مي گمارم، دامنم رها کن که عروس و دامادي ما به قيامت افتاد. غباري بردميد از راه بيداد*شبيخون گرد بر نسرين و شمشاد برامد ابري از درياي اندوه*فرو باريد سيلي کوه تا کوه ز روي دشت بادي تند برخاست*هوا را کرد با خاک زمين راست رسيد از عالم غيبي، ندايي*ندايي نه، صداي اشنايي که احسنت اي زمان و اي زمين زه*عروسان را به دامادان چنين ده عروس گفت: اي قاسم مي فرمايي که عروسي ما به قيامت افتاد. فرداي قيامت تو را کجا جويم و به چه نشان بشناسم؟ گفت: مرا به نزديک پدر و جد طلب کن و به اين استين دريده بشناس پس دست فراز کرد و سر استين بدريد و غريو از اهل بيت برامد: قاسما اين چه ظلم و بيدادي است*اين نه ايين و رسم دامادي است اما چون حضرت امام حسين (علیه السلام) ديد که قاسم به مصاف مي رود، گفت: اي جان عمو به پاي خود به گورستان مي روي؟ به اين گونه نتوان رفت. دست کرد و گريبانش چاک زد و...»

الذي کان زهرة وادعة في الروض وقد ذبلت بشوکة تلک الحادثة الفتاکة تأوه وأقبل نحو عمه العزيز، وقال باکيا وقد احترق قلبه من نار الحسرة: يا مولاي ويا إمام الکون، ليس لي طاقة بفراق الأقارب (الأحبة).

ولقد أنزلني الزمان من سرير بهجتي الى تراب الغم والمصيبة، فأذن لي کي أنفس عن الغل الذي خلفه مقتل أخي ولکي أجيب طلب أهل الضلال بحد السنان، فقال الإمام الحسين (علیه السلام): يا عزيز عمه، إنک الذکرى من أخي وأنت أنيس قلبي في هذه الصحراء، فکيف اذن لک وأضع حرقة فراقک في صدري، وخرجت أم القاسم من الخيمة مهرولة

ص: 190

الذي کان زهرة وادعة في الروض وقد ذبلت بشوکة تلک الحادثة الفتاکة تأوه وأقبل نحو عمه العزيز، وقال باکيا وقد احترق قلبه من نار الحسرة: يا مولاي ويا إمام الکون، ليس لي طاقة بفراق الأقارب (الأحبة).

ولقد أنزلني الزمان من سرير بهجتي الى تراب الغم والمصيبة، فأذن لي کي أنفس عن الغل الذي خلفه مقتل أخي ولکي أجيب طلب أهل الضلال بحد السنان، فقال الإمام الحسين (علیه السلام): يا عزيز عمه، إنک الذکرى من أخي وأنت أنيس قلبي في هذه الصحراء، فکيف اذن لک وأضع حرقة فراقک في صدري، وخرجت أم القاسم من الخيمة مهرولة

ص: 191

وقد واحتضنت بيديها ولدها وصاحت: يا من حل محل قلبي ارفق بي ولا تبتعد عن ناظري ولأنک دواء لقلبي فکن دواء عيني.

والقصة: أن القاسم لم يحظ بإذن الحرب، وکان إخوة الحسين يتهيئون لخوض الحرب، فجاء القاسم الى الخيمة ووضع رأسه على رکبتيه مهموما، وحينها تذکر أن أباه قد ربط عوذة على ذراعه، وکان قد أخبره: حينما يکون الغم عليک شديدا وأحاط بک اليأس فحل هذه العوذة واقرأها واعمل بما فيها.

فقال القاسم لنفسه: طوال فترة حياتي لم يصبني مثل هذا الحال ولم يلم بي غم کهذا، لأقرأ هذا التعويذ وأفهم ما فيه، فحل العوذة من ذراعه وفضها فرأى مکتوبا فيها وبخط يد الإمام الحسن (علیه السلام): "يا قاسم أوصيک إذا رأيت أخي وعمک الإمام الحسين (علیه السلام) في فلاة کربلاء وقد ابتلي بأهل الشام الملعونين وأهل الکوفة الغادرين فانهض وضع رأسک عند أقدامه وابذل روحک رخيصة، وکلما منعک من القتال معه فبالغ في طلبک وازدد في الحاحک فإن فداء الحسين (علیه السلام) مفتاح باب الشهادة وطريق لإدراک السعادة.

وحينما قرأ القاسم هذه الوصية لم يتمالک نفسه من شدة الفرح، فنهض من مجلسه على الفور وتوجه نحو الإمام الحسين (علیه السلام) وهو يقبل تلک العوذة حال تسليمها، وحينما نظر الإمام الحسين في تلک الرسالة، زفر وتأوه وانتحب بصوت عال ثم قال: "يا بن الأخ، إن هذه وصية أبيک اليک، وأنت تريد العمل بها، وإن لي وصية أخرى منه لک، وإنني أريد العمل بها، فتعال معي الى هذه الخيمة ونعمل بتلک الوصية، ثم أخذ بيد القاسم الى الخيمة وطلب إخوته عونا والعباس، وقال لأم القاسم: البسي القاسم ثيابه الجدد.

وقال لأخته زينب: ائتيني بعيبة أخي في الحال، فأحضروه له ففتح رأس الصندوق وأخرج منه قباء ثمينا للإمام الحسن (علیه السلام) والبسه القاسم، ووضع على رأسه عمامة الإمام الحسن (علیه السلام) بيديه المبارکتين، وأخذ بيد البنت المسماة للقاسم وقال: وإن هذه أمانة أبيک التي أوصاک بها، ولقد کانت عندي حتى هذه الساعة سلوة، ثم عقد البنت له، ووضع يدها بيد القاسم وخرج من الخيمة.

کان القاسم ممسکا بيد زوجته ويبکي في وجهها ثم يومئ برأسه نحو الأرض، وإذا به يسمع صيحة من جيش عمر بن سعد: هل من مبارز؟ رفع القاسم يده عن يد زوجته وأراد الخروج من الخيمة، فأمسکت زوجته

ص: 192

بذيله وقالت: يا قاسم، ما الذي يدور في خلدک؟ والى أين أنت عازم؟ قال القاسم: يا نور عيني، إنني عازم على الميدان، وهمتي محاربة الأعداء، فاترکي ذيلي فإن عرسنا قد تأجل الى الاخرة. فقالت الزوجة: إنک تقول أن عرسنا قد تأجل للقيامة، فأين القاک في غد القيامة؟ وبأي علامة أعرفک؟ فقال: اطلبيني عند أبي وجدي، واعرفيني بهذا الکم المقطوع، ثم مد يده وقطع کمه وخرج عن زوجته مسرعا.»(1)

و أما النص الذي ذکره الشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085 ه فهو التالي:(2)

«ونقل أيضا لما ال أمر الحسين (علیه السلام) الى القتال بکربلاء وقتل جميع أصحابه ووقعت النوبة على أولاد أخيه جاء القاسم بن الحسن وقال: ياعم الإجازة لأمضي الى هؤلاء الکفرة، فقال له الحسين (علیه السلام): يا بن الأخ، أنت من أخي علامة وأريد أن تبقى لأتسلى بک ولم يعطه

ص: 193


1- راجع عرس القاسم بن الحسن (علیه السلام) بين الحقيقة والخرافة (مناقشة مع الشهيد المطهري) لسماحة السيد هاشم الهاشمي و التعریب له. و قال السيد الهاشمي فی ختام بحثه: «فنحن لا نريد أن نقول أن القصة حقيقة على نحو الجزم ولکننا نرفض ادعاء کذبها أو نسبتها للخرافة من غير دليل، فما يعتبره بعض المعترضين دليلا على دعوى الخرافة والأسطورة الملفقة لهو أهون من بيت العنکبوت، بل نؤکد على ما قاله آية الله العظمى التبريزي حيث سئل عن هذا الموضوع، بالسؤال التالي: سؤال: من المتعارف عندنا في الخليج في شهر محرم الحرام تخصيص اليوم الثامن لشبيه القاسم بن الحسن (علیه السلام)، ولإثارة الندبة والنياحة، يطرح الخطباء على المنابر مصيبته وينقلونها حسب ما ذکره المؤرخون، ومنها زواجه بابنة عمه المسماة له في يوم الطف، وربما يدخلون ما يعبر عن مراسيم الزواج کالشموع في وسط المجلس، فيزداد حزن الناس، الا أنه في عصرنا کثر المعترضون على مثل هذه الروايات والتعبير عنها بالضعف، وکأنه الشغل الشاغل لهم، بل بلغ الأمر الى الاستشکال في قراءة مثل هذه الرواية، فبم تنصحون أمثال هؤلاء حيث أن مصيبة الطف جامعة لکل المصائب؟ فأجاب حفظه الله: "بسمه تعالى: لا بأس بقراءة هذا المجلس على القاسم بن الحسن، ولکن حسب ما ورد في الکتب التاريخية، بحيث لاتکون قراءته على نحو يترسخ في أذهان الناس أنها حتمية الحصول، بل على نحو الاحتمال، والمسائل المتيقنة والمطمئن بها غير قليلة، فليکن الاهتمام بها أکثر للترسخ في الأذهان للأجيال القادمة لدفع الشبهات التي تحيط بهم، والله الموفق". (الأنوار الالهية، ص168)»
2- المنتخب للطريحي، ص 374 - 372، عنه مدينة المعاجز للبحراني ج3، ص 366 تحت عنوان: الرابع و الثمانون العوذة التي ربطها في کتف ابنه القاسم و أمره أن يعمل بما فيها.

إجازة للبراز، حزين القلب، وأجاز الحسين إخوته للبراز ولم يجزه.

فجلس القاسم متالما ووضع رأسه على رجليه وذکر أن أباه قد ربط له عوذة في کتفه الأيمن، وقال له: إذا أصابک الم وهم فعليک بحل العوذة وقراءتها وفهم معناها واعمل بکل ما تراه مکتوبا فيها، فقال القاسم لنفسه: مضى سنين علي ولم يصبني من مثل هذا الالم، فحل العوذة وفضها ونظر الى کتابتها، وإذا فيها: "يا ولدي قاسم، أوصيک إذا رأيت عمک الحسين (علیه السلام) في کربلاء وقد أحاطت به الأعداء فلا تترک البراز والجهاد لأعداء رسول الله ولا تبخل عليه بروحک، وکلما نهاک عن البراز عاوده ليأذن لک في البراز لتحظى السعادة الأبدية.

فقام القاسم من ساعته وأتى الى الحسين (علیه السلام) وعرض ما کتب الحسن (علیه السلام) على عمه الحسين (علیه السلام)، فلما قرأ الحسين العوذة بکى بکاءا شديدا، ونادى بالويل والثبور وتنفس الصعداء، وقال: يا بن الأخ هذه الوصية لک من أبيک، وعندي وصية أخرى منه لک ولابد من إنفاذها، فمسک الحسين (علیه السلام) على يد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا.

وقال لأم القاسم: ليس للقاسم ثياب جدد، قالت: لا، فقال لأخته زينب: إيتيني بالصندوق فأتته به ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن والبسه القاسم ولف على رأسه عمامة الحسن ومسک بيد ابنته التي کانت مسماة للقاسم فعقد له عليها، وأفرد له خيمة وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما، فعاد القاسم ينظر الى ابنة عمه ويبکي الى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالک؟ وما الذي تريد أن تفعله؟

قال لها: أريد ملاقاة الأعداء فإنهم يطلبون البراز، وأني أريد ملاقاتهم، فلزمته ابنة عمه، فقال لها: خلي ذيلي، فإن عرسنا أخرناه الى الاخرة، فصاحت وناحت وأنت من قلب حزين ودموعها جارية على خديها وهي تقول: يا قاسم، أنت تقول عرسنا أخرناه الى الاخرة، وفي القيامة بأي شيء أعرفک؟ وفي أي مکان أراک؟ فمسک القاسم يده وضربها على ردنه وقطعها، وقال: يا بنة العم إعرفيني بهذه الردن المقطوعة، قال: فانفجع أهل البيت بالبکاء لفعل القاسم وبکوا بکاء شديدا ونادوا بالويل والثبور".»

أما النص الذي ذکره ضامن بن شدقم الشدقمي الحسيني المتوفى بعد

ص: 194

الشيخ الطريحي بفترة ليست بالطويلة فهو التالي:(1)

«قد حضر مع عمه الحسين (علیه السلام) وقعة الطف، فاستأذنه في البراز، فقال له (علیه السلام): يا بن أخي أنت لي من أخي علامة، فأريد أن تبقى لأتسلى بک، فجلس مهموما مغموما واضعا رأسه بين رکبتيه، حزين القلب باکيا. فذکر أن أباه (علیه السلام) قد عقد له عوذة في عضده الأيمن، وقد قال له: يا بني إذا أصابک الم أو هم فحلها واقرأها وافهم معناها واعمل بکل ما تراه مکتوبا فيها، فعند ذلک حلها وقرأها، فهذا ما وجده مکتوبا فيها: "يا ولدي يا قاسم أوصيک بتقوى الله عز وجل، فإذا رأيت عمک الحسين (علیه السلام) بکربلاء وقد أحاطته الأعداء، فاطلب منه البراز ولا تترک الجهاد بين يديه على أعداء الله ورسوله وأعدائه، ولا تبخل عليه بروحک، فإذا نهاک فعاوده حتى يأذن لک لتحظى بالسعادة الأبدية".

فنهض القاسم الى عمه وعرض عليه العوذة، فتنفس الصعداء، وقال له: يا بني، هذه وصية لک من أبيک، وعندي وصية أخرى منه لک، فلابد من إنفاذها، ثم نهض (علیه السلام) اخذا بيده وبيد أخويه عون والعباس ودخل بهم الخيمة، وأمر أخته زينب بإحضار الصندوق، وفتحه واستخرج منه قباء أخيه الحسن (علیه السلام) وعمامته، فالبسهما القاسم وعقد له على ابنته، وأدخله عليها وخرج عنهما. فجعل القاسم ينظر اليها وهو يبکي، فسمع القوم ينادون هل من مبارز؟ يا قوم ما من مبارز؟ إن القوم قد ذلوا، فنهض مسرعا يقول: إن هذا وقت البراز الى القتال، ليس فيه أعراس ولا حطة عقال، وسنلتقي إن شاء الله الواحد المتعال".»

نعي

القاسم رضوان الله عليه على صغر سنه بحيث عبر عنه أنه لم يبلغ الحلم(2)

(کان عمره حوالي 12 أو 13 سنة) کان متهيئا لنصرة عمه الحسين ومتدربا على القتال کالفرسان والشجعان، وليس عجيبا أمره إذ أنه ابن الحسن وجده أمير المؤمنين وتربى في حجر الحسين فغدا کاملا في أخلاقه وإيمانه وثباته، وقدوة للعارفين والسالکين الى الله في عشقه للشهادة، يساله الحسين (علیه السلام) عندما أراد القاسم أن يعرف هل هو في جملة من يرزقوا الشهادة کما بشر بها الإمام الحسين أصحابه ليلة عاشوراء فقال له الحسين: ولدي قاسم کيف تجد طعم الموت؟ قال: يا عماه، والله الموت بين يديک عندي أحلى من العسل، فبشره الحسين بالشهادة وأنه

ص: 195


1- تحفة اللباب في ذکر نسب السادة الأنجاب، ص217
2- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 304

في جملة من يکون لهم هذا الفوز وهذه السعادة معه من الشهداء.(1)

و بالفعل لما سمع القاسم نداء عمه الحسين واغربتاه، واقلة ناصراه، أما من معين يعيننا؟ أما من ناصر ينصرنا؟ أما من ذاب يذب عنا؟ خرج القاسم الى عمه الحسين قائلا: لبيک سيدي يا عم يا أبا عبد الله، فلما نظر اليه الحسين (علیه السلام) وکان أشبه بأبيه الحسن (علیه السلام) اعتنقه وجعلا يبکيان حتى غشي عليهما (ولعل هذا الوداع لم يحصل الا مع القاسم)..

فلما أفاقا طلب القاسم المبارزة فأتى الحسين (علیه السلام) فقال: يا عماه لا طاقة لي على البقاء وأرى بني عمومتي وأخوتي مجزرين، وأراک وحيدا فريدا، فقال له الحسين (علیه السلام): يا ابن أخي أنت الوديعة من أخي، أنت العلامة.(2)

فلم يزل القاسم يقبل قدمي عمه ويديه، فقال له الحسين: بني قاسم أراک تمشي الى الموت برجليک، قال وکيف لا يکون ذلک وأنت بقيت بين الأعداء وحيدا فريدا لا تجد ناصرا ومعينا روحي لروحک الفداء ونفسي لنفسک الوقاء، عندها قال له الحسين: بني قاسم الي الي، فدنا منه القاسم، فجاء به الحسين الى الخيمة وأتى بصندوق الإمام الحسن المسموم الذي فيه ودائعه وملابسه ولامة حربه، فأخرج الحسين ملابس الحسن وعمامته وسيفه وقلد القاسم السيف، وشق أزياقه، وقطع العمامة نصفين وأدلاها على وجهه، ثم البسه ثيابه على صورة الکفن، ثم قال ولدي قاسم أبرز. (3)

(ولکن قبل ذلک ودع أمک وأخواتک) وما أصعبها من ساعة، رحم الله الشاعر يصور هذا المشهد:

لزمت ارچابه سکينة*وعمته ابنحره اتشمه

ومن الخيم مهضومة*طلعت تنادي یمه

يبني يا جاسم هالوکت*حیلک العمک ضمه

لها اليوم أنا ذاخرتک*بالک تخيب اظنوني

هز الرمح واتچنه*يا والده د دعيلي

رايح انه ياوالده*من غير متگليلي

عمي وحيد ابکربله*المن اضمن حيلي

ص: 196


1- موسوعة عاشوراء، ص 131 و اثبات الهداة ج 5، ص 204 و الهداية الکبرى، الخصيبي، ص 204
2- مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام) ج 1، ص 361
3- مدينة المعاجز، البحراني، ج 3، ص 369

انتي او عمتي زينب*لمن اغير انخوني

أوصيچ يمه اوصيه*اتسمعين لفظ اجوبي

شبان لو شفتيهم*بالله د ذِکري شِبابي

انه محروم من شم الهو (یمه یا یمه)*من دون کل صحابي

عطشان أنا يا والده*وکت الشرب ذکريني

و لما استشهد القاسم جائه الحسین وحمله الى المخيم ساعد الله قلبک أبا عبد الله (تقول الرواية:(1) احتمله ورجلاه تخطان علی الأرض) لم يطق الحسين أن يحمل القاسم مستويا لأن المصائب التي مرت عليه خاصة مصيبة القاسم أحنت ظهره. جاء بالقاسم الى الخيمة التي فيها علي الأکبر، وضعه الى جنبه، فجعل ينظر تارة الى وجه الأکبر والى وجه القاسم تارة أخرى، وهو يکفکف دموعه بکمه، وأخذ يقبلهما وينادي واولداه واعلياه، واقاسماه وابن أخاه(2)

شاله لخيمته ويسکب دمع عينه*وگعد ما بين شبله الأکبر وبينه

نده وصاح يا رمله وسکينه*تعالن للعزيز واشوفن اشحاله

وقيل إن الحسين ندب القاسم بهذه الأبيات:

غَرِيبُونَ عَنْ أَوْطانِهِمْ وَدِيارِهِمْ*تَنوحُ عَلَيْهِمْ فِي البَرارِي وُحُوشُها

وَکيْفَ لا تَبْکي العُيونُ لِمَعْشَرٍ*سُيوفُ الأَعادِي فِي البَرارِي تَنُوشُها(3)

صار الحسين ينظر الى ولده علي الأکبر وقتلى حوله من أهل بيته، ورفع طرفه الى السماء وقال: اللهم أحصهم عددا، ولا تغادر منهم أحدا، ولا تغفر لهم أبدا، صبرا يا بني عمومتي، صبرا يا أهل بيتي، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا.(4)

ساعد الله أمه رمله لما نظرت الى ولدها الوحيد مشقوق الهامة مخضبا بدمه القت نفسها عليه منادية واولداه، واقاسماه(5):

امبارک ما بين سبعين الف جابوک*عن الحنه ابدما الراس حنوک

ابدال الشمع بالنشاب زفوک*املبس فوق راسک نبل تنثر

ص: 197


1- إعلام الورى، الطبرسي، ج 1، ص 466
2- مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام)، ج 1، ص 376
3- من أخلاق الإمام الحسين (علیه السلام)، عبد العظيم المهتدي البحراني، ص 253 نقلا عن: معالي السبطين ج 1، ص 281
4- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 305
5- مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 239

جابوک يبني اولا عرفتک من الجروح*

يا

شمعة البيت اوزهرته اوفرحة الروح

عگب الفرح يا حيف تالي العمر بالنوح*

أگضيه

يبني لا عسن ظليت بعدک

يا لبيدي افرشلک چنت يبني وأغطيک*

نايم

عله التربان هسه اولا نفس بيک

لو يرضه مني الموت والله ابروحي أفديک

ليالي اسهرت برباتک وعدلک*وحسب للعرس يبني وعدلک

أتاري النوب تاليها وعدلک*تعوف العرس وانه ابقى ابعزيه

مُرَمَّلاً مُذْ رَأَتْهُ رَمْلَةٌ صَرَخَتْ*أَيَا مُهْجَتِي وَسُرورِي يا ضِيا بَصَرِي

ص: 198

المجلس الأول: مقتل علي الاکبر (اللیلة التاسعة)

اشارة

حکم المنية في البرية جاري*ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا ترى اﻻنسان فيها مخبرا*حتى يرى خبرا من اﻷخبار

فالعيش نوم والمنية يقظة*والمرء بينهما خيال ساري

ليس الزمان وإن حرصت مسالما*خلق الزمان عداوة اﻷحرار

ﻻتأمن اﻷيام يوما بعدما*غدرت بعترة أحمد المختار

فجعت حسينا بابنه من أشبه ال*مختار في خُلُق وفي أطوار

لما راه مقطع اﻷوصال ملقا*في الثرى يذري عليه الذاري

ناداه واﻷحشاء تلهب والمدا*مع تستهل بدمعها المدرار

ياکوکبا ماکان أقصر عمره*وکذا تکون کواکب اﻷسحار(1)

جاورت أعدائي وجاور ربه*شتان بين جواره وجواري

**

الف وسفه عليک يبني ياشبيه المصطفى*

مابلغ عشرين سنک غاب نورک وانطفى

تشبه الکرار جدک بالحروب وحملته*

تشبه الزهره بمشیها والعمر فی قصرته

وبالکرم تشبه العمک حسن جود وعفته*

جملة

أوصافک کريمه وهلک من أهل الوفا

وهاللذي هذي أوصافه شحال قلب أمه وأبوه*

يرخصونه

للمنية للأعادي يذبحوه

ص: 199


1- ینقل ان الشاعر المعروف علي بن محمد بن فهد، أبو الحسن التهامي قال قصیدة فی رثاء ابنه وقد عدت من عيون قصائد الرثاء والحکمه. وهو من الشعراء المحسنين المجيدين، أصحاب الغوص. مولده ومنشؤه باليمن، قال: حکم المنية في البرية جاري*ما هذه الدنيا بدار قرار (الی ان قال) ياکوکبا ماکان أقصر عمره*وکذا تکون کواکب اﻷسحار جاورت أعدائي وجاور ربه*شتان بين جواره وجواري لله در النائبات فإنها*صدأ اللئام وصيقل الأحرار و يقال إن أبي الحسن لما توفي راه أحد الناس في المنام فقال له يا إمام ماذا فعل بک الله سبحانه وتعالى قال أبو الحسن غفر لي بقولي في قصيدتي: جاورت أعدائي وجاور ربه*شتان بين جواره وجواري یعنی لحسن ظنه بالله عزوجل الله اکرمه.

ماکفى العدوان ذبحه بالخناجر بضعوه*

صاح

يايابه ادرکني ومن سمع صوته لفى

گعد عنده وشافه امغمض العين*ابدمه سابح امترب الخدين

متواصل

طبر والراس نصين*حنه ظهره على ابنيه وتحسر

يبويه

من سمع يمک ونينک*او من شبحت لعند الموت عينک

للعشرين

ما وصلن اسنينک*او حاتفني عليک الدهر الاکشر

حاتفني الدهر يبني ولکدار*وعليک اﮔضي العمر بالهم ولکدار

يلکبر من غمض اعيونک ولکدار*راسک يوم اجت ليک المنيه

يبويه

من عدل راسک ورجليک*او من غمض اعيونک واسبل ايديک

ينور العين کل سيف الوصل ليک*گطع گلبي ولعند احشاي سَدّر

المحاضرة: طول الأمل

قال الله تعالى (ذَرْهُمْ يَأْکلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(1)

طول الأمل: هو دوام الحرص على الدنيا، مع الإعراض عن الاخرة و أن يمني الإنسان نفسه بالبقاء في هذه الدنيا، ولا يتفکر في رحيله عنها أن تحدث نفسک بطول الحياة، وأن بينک وبين الموت مفاوز ومسافات.

فطول الأمل الذي نتحدث عنه ونحذر منه هو التعلق بالدنيا ونسيان الاخرة، هو الذي يحمل على الغفلة والتفريط وتسويف التوبة وتأخير الأعمال الصالحة.

أما مجرد الأمل والنظر الى المستقبل بنظرة التفاؤل، دون الغفلة عن الاخرة، فهذا أمر مشروع ومعقول، مشروع شرعه الله ورسوله و اهل بیته قال الحسن بن علي (علیه السلام):(2)«اعمل

لدنياک کأنک تعيش أبدا و اعمل لآخرتک کأنک تموت غدا الخبر».

و معقول يدل على کمال عقل صاحبه وفطنته، فالله تعالى استخلفنا في الأرض وأمرنا بعمارتها وزرعها وغرسها، وأمرنا بالتمتع بما أحله لنا من الطيبات فيها، وأمرنا بالزواج وإنجاب الذرية حتى يستمر نسل الإنسان في هذه الحياة الى أن يأذن الله بنهايتها وقصر الأمل: هو الاستعداد للرحيل في أي وقت وحين، أن يکون العبد دائما متأهبا مستعدا لعلمه بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة.

ص: 200


1- الحجر: 3
2- مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، لميرزا حسين النوري الطبرسي، ج 13، ص 58

وهو من أنفع الأمور للقلب فإنه يبعث على حسن اغتنام فرصة الحياة التي تمر مر السحاب. قال الشاعر:

تزود من التقوى فانک لا تدري*اذا جن ليل هل تعيش الى الفجر

فکم من عروس زينوها لزوجها*وقد قبضت ارواحهم ليلة القدر

وکم من صغار يرتجى طول عمرهم*وقد أدخلت أرواحهم ظلمة القبر

وکم من صحيح مات من غير علة*وکم من سقيم عاش حينا من الدهر

وکم من فتى امسى واصبح ضاحکا*وقد نسجت اکفانه وهو لا يدري

وکم ساکن عند الصباح بقصره*وعند المساء قد کان من ساکن القبر

فداوم على تقوى الاله فانها*أمان من الأهوال في موقف الحشر

تزود من التقوى فانک لا تدري*اذا جن ليل هل تعيش الى الفجر

روي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام):(1)«إنما

أخشى عليکم من بعدي اتباع الهوى و طول الأمل فإن طول الأمل ينسي الاخرة و اتباع الهوى يصد عن الحق الا و إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة و الاخرة قد جاءت مقبلة و لکل واحدة منهما بنون فکونوا من أبناء الاخرة و لا تکونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل و اليوم المضمار(2) و غدا السباق و السبقة(3)

الجنة و الغاية النار».

طول الأمل هو عبارة عن الاستغراق في الامال والتمنيات، وتوقع الحياة والرفاهية في الدنيا. وهو يکون عادة عن أمرين: الجهل والغرور، وحب الدنيا فالجاهل المغرور يعتمد على شبابه أوصحته، ويستبعد الموت في عهد الشباب والصحة، ويغفل عن أن الموت قد حصد مالا يحصى من الأطفال والشباب، وکثرة حصول الأمراض المفاجئة، والموت المفاجىء ومحبة الدنيا الدنية، والأنس باللذات الفانية الحاجيات الدنيوية و یقول إذا کبرت تتوب و تتهيأ لاخرتک فإذا کبر قيل له: ما

ص: 201


1- خصائص الأئمة (علیه السلام) (خصائص أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 96، شرح ابن ميثم ج 2، ص 40. ابن أبي الحديد ج 2، ص 91.
2- الموضع و الزمن الذي تضمر فيه الخيل، و تضمير الخيل أن تربط و يکثر علفها و ماؤها حتى تسمن، ثم يقلل علفها و ماؤها و تجري في الميدان حتى تهزل، ثم ترد الى القوت، و المدة أربعون يوما. و قد يطلق التضمير على العمل الأول أو الثاني، و إطلاقه على الأول لأنه مقدمة للثاني و الا فحقيقة التضمير: إحداث الضمور و هو الهزال و خفة اللحم، و إنما يفعل ذلک بالخيل لتخف في الجري يوم السباق.
3- بالتحريک، الغاية التي يجب على السابق أن يصل اليها.

زلت شابا اعمل ماشئت حتى تهرم وإذا هرم قال لأعمر هذه المزرعة، أول أزوج أولادي و کلما انتهى من أحد مشاريعة تلک انشغل بمشروع جديد اخر، يمني النفس باليوم والغد، حتى يفاجىء بالنداء.

فيلبي حيث لا إمهال ولا غد غافلا عن أن من کان يعده غرورا بالتوبة غدا هو معه في غده، وعن أن الفراغ من الخيال و من أشغال الدنيا لايحصل وإنما يفرغ عنها من يترکها دفعة واحدة.

يا من بدنياه اشتغل*قد غره طول الأمل

الموت يأتي بغتة*و القبر صندوق العمل

و لم تزل في غفلة*حتى دنا منک الأجل

وروي عن رسول الله قوله لابن مسعود:(1)«قصر

أملک، فإذا أصبحت فقل: إني لا أمسي وإذا أمسيت فقل: إني لا أصبح واعزم على مفارقة الدنيا، واحبب لقاء الله» وروي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(2) «ما طال عبد الأمل الا أساء العمل».

و «انما أخاف عليکم اثنتين: اتباع الهوى و طول الأمل، اما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق، و أما طول الأمل فينسى الاخرة(3)

و «من أيقن أنه يفارق الأحباب، ويسکن التراب، ويواجه الحساب، ويستغني عما خلف، ويفتقر الى ما قدم، کان حريا بقصر الأمل، وطول العمل(4)».

و دخل رجل علي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فجعل يقلب بصره في بيته فقال:(5)«يا

أبا ذر، أين متاعکم؟ قال: إن لنا بيتا نتوجه اليه، فقال: إنه لابد لک من متاع ما دمت ها هنا، فقال: إن صاحب المنزل لايدعنا هاهنا».

و قال بعض الحکماء: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله ولا يحزن

ص: 202


1- مکارم الأخلاق، ص 452
2- الزهد، ص 152، ح 221، الأمالي للصدوق، ص 108، المجلس 23، ح 4 و عيون الأخبار، ص 39، ح 120، و الأمالي للمفيد، ص 309، المجلس 36، ح 8، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 24، ص 190، ح 23876، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 2، ص 437، ح 2577.
3- المحاسن، ص 211، کتاب مصابيح الظلم، ح 84، الأمالي للمفيد، ص 207، المجلس 23، ح 41، الکافي، کتاب الروضة، ضمن ح 14836، و الخصال، ص 51، الأمالي للمفيد، ص 92
4- کنز الفوائد، ج 1، ص 351، بحار الأنوار، ج 70، ص 167
5- شعب الإيمان (10651)

على فناء عمره، وعجبت من الدنيا مولية عنه والاخرة مقبلة عليه يشتغل بالمدبرة ويعرض عن المقبلة.

و قال أحد الزهاد: کونوا من الله على حذر، ومن دنياکم على خطر، ومن الموت على وجل، ولقدوم الاخرة على عجل. و ینقل عن احد العلماء انه قال: ما خرجت من المسجد منذ عشرين سنة فحدثت نفسي أن أرجع اليه. یقول الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت*إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من تراه کئيبا*کاسفا باله قليل الرجاء

و رأى احد العلماء شيخا کبیرا فی السن في جنازة فلما فرغ من الدفن قال العالم له: يا شيخ أسالک بربک أتظن أن هذا الميت يرد أن يرد الى الدنيا فيزيد من عمله الصالح ويستغفر الله من ذنوبه السالفة؟ فقال الشيخ: اللهم نعم فقال العالم: فما بالنا لا نکون کهذا الميت ثم انصرف وهو يقول: أي موعظة؟ وما أنفعها لو کان بالقلوب حياة ولکن لا حياة لمن تنادي.

علاج طول الأمل

ما السبيل الى علاج طول الأمل و حفظ النفس من مخاطره(1)؟

أولا: تذکر أنک راحل. فإن تذکر الموت يخرج البشر من التعلق بالدنيا، ويشبع قلبه منها، قيل للإمام الباقر (علیه السلام): حدثني ما أنتفع به قال:(2)

«أکثر ذکر الموت، فإنه لم يکثر ذکره إنسان الا زهد في الدنيا» وروي عن رسول الله أنه قال:(3)

«أفضل الزهد في الدنيا ذکرالموت، وأفضل العبادة ذکر الموت وأفضلال تفکر ذکر الموت، فمن أثقله ذکر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة»

قصة طریفة

«تقول احد المومنات ذهبت للمستوصف وبعد أن أخذت رقم الدخول وجلست أنتظر دوري دخلت شابة جميلة ولکنها متبرجة وملابسها غير

ص: 203


1- و من مخاطره إن قيادة الأمل هذه تمني الإنسان بسعادة موهومة تمنعه من التکامل، وتنحو به نحو التسافل، فتوسوس له: اسرق، فستعيش بعد ذلک مرتاحا بقية حياتک. لا تعط مالا للفقراء، لأنک ستعيش طويلا، وقد تحتاج الى المال أکثر من غيرک. غش الناس، فإن فائدة ذلک ستعود عليک في مستقبلک، دون أن يشعر أحد بذلک.
2- الزهد، ص 78
3- جامع الأخبار ، للشعيري، ص 165

محتشمة أخذت رقمها وجلست شيء بداخلي يدعوني لتقديم نصيحة لها و بعد تردد توکلت على الله وجلست بجانبها سلمت عليها وأخذت أعاتبها بلطف وأبين لها ما وقعت به من مخالفات لأوامر الله فما کان منها الا أن نهرتني بشدة لتدخلي فيما لا يعنيني فهي حرة فيما تعمل وترتدي کما تقول عدت لمکاني، ولکن ذلک الهاتف بداخلي عاد هو أيضا لم لا أحدثها عن الموت هادم اللذات توجهت اليها مبتسمة وطلبت منها أن تجيبني على سؤال واحد فقط فقالت بتأفف: تفضلي.

قلت: لو جاءک ملک الموت الان ماذا ستقولين له ردت وليتها ما ردت فقالت بسخرية: أقول له کش.. کش (ای اطرده من عندی کالدجاجة).

نزلت إجابتها کالصاعقة علي ليظهر رقمي في اللوحة دخلت على الدکتورة وأنا بحالة ذهول کيف لإنسان أن يتفوه بتلک الکلمات خرجت بعد إجراء اللازم لأرى جمهرة من النساء والممرضات يرددن "أنا لله وأنا اليه راجعون" اقتربت أکثر فماذا رأيت إنها تلک الشابة وقد سقطت ميته لقد کان يومها وما ذلک الهاتف الا لإعطائها الفرصة لتنوي التوبة ولکنها لم تستفد من هذه الفرصة أتى ملک الموت وما استطاعت أن تقول له شيئا.»

قال سلمان الفارسي رضي الله عنه:(1)«أضحکتني

ثلاث و أبکتني ثلاث فأما الثلاث التي أبکتني ففراق الأحبة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)و حزبه و الهول عند غمرات الموت و الوقوف بين يدي رب العالمين يوم تکون السريرة علانية لا أدري الى الجنة أصير أم الى النار و أما الثلاث التي أضحکتني فغافل ليس بمغفول عنه و طالب الدنيا و الموت يطلبه و ضاحک مل ء فيه لا يدري أ راض عنه سيده أم ساخط عليه» و عن بعض الحکماء أنه کان يقول:(2)«أين

الوضأة(3)

الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم أين الملوک الذين بنوا المدائن و حصنوها ضعضع(4)بهم

الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا(5) ثم النجا النجا».

ثانيا: عليک بزيارة المقابر، أخي اذهب الى القبور وأنت حاف، ومر على تراب أصدقائک وتأمل في لوحات قبورهم واعتبر وتفکر بما

ص: 204


1- المحاسن، ج 1، ص 4
2- مجموعة ورام، ج 1، ص 275
3- الواضى: النظيف الحسن. و الوضاة جمعه کالقاضي و القضاة.
4- تضعضع به الدهر: اذله
5- الوحا: السرعة. النجا: الخلاص

يجري على بعد ذراعين تحت أقدامک ثم تجرد وتأمل في حالک فإنک ستغدو مثلهم عن قريب، وينتهي عمرک، وتظهر علامات الموت عليک من کل جانب، حتى يتوقف الأطباء عن علاج بدنک، وتتوقف أعضاؤک عن الحرکة، ويظهر عرق الموت على جبينک، ويأتيک ملک الموت بأمر ربه.

شئت أم أبيت يبسط الموت مخالبه في جسمک الضعيف، فيفصل بين الروح والجسد، ويبکيک أهلک وأصدقاؤک وترتفع أهاتهم في مأتمک، ثم ترفع في التابوت، لينقلوک الى سجن قبرک، ثم يترکوک وحيدا في وحشة قبرک ويعودوا.

عندها تأسف على أيام حياتک وصحتک وشبابک و وقت فراغک أيام حياتک کيف أمضيتها دون زاد ليومک هذا؟ وکيف لم تتزود لاخرتک حيث لاينفع الندم؟ فقد انقطع العمل وجاء وقت الحساب والحصاد.

ثالثا: اعتبر واتعظ بسرعة مرور الأيام والشهور والأعوام وقيمة طاعة الوقت وأن التسويف يورد صاحبه موارد الهلکة وأن العبد يجب أن يکون حيث أمره مولاه وأن يحذر أن يراه حيث نهاه. و قيل للصادق (علیه السلام):(1)«على ما ذا بنيت أمرک فقال على أربعة أشياء علمت أن عملي لا يعمله غيري فاجتهدت و علمت أن الله عزوجل مطلع علي فاستحييت و علمت أن رزقي لا يأکله غيري فاطمأننت و علمت أن آخر أمري الموت فاستعددت.»

فيا مومنین أما تأملتم في الأيام وسرعتها أما تفکرت في الشهور وذهابها، أما اتعظت بمرور السنوات وانقضائها فکن عاقلا، وکن مستعدا، و عن الامام الرضا (علیه السلام):(2)

«خذ من ستة قبل ستة خذ من شبابک قبل هرمک و من صحتک قبل سقمک و من قوتک قبل ضعفک و من غناک قبل فقرک و من فراغک قبل شغلک و من حياتک قبل موتک.»

قصة الرجل العجوز صاحب الأمل و هارون

«قيل إن هارون الرشيد قال يوما لخواصه و ندمائه: أرغب أن أزور شخصا قد تشرف بإدراک الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله و سلم)و سمع منه حديثا، لينقل لي عنه بلا واسطة.

و باعتبار أن خلافة هارون کانت سنة مائة و سبعين هجرية، فقد کان من الجلي مع هذه المدة الطويلة أن أحدا لم يبق من زمن النبي، و إن

ص: 205


1- بحار الأنوار، ج 75، ص 228
2- معدن الجواهر و رياضة الخواطر، ص 55

وجد فإنه سيکون في غاية الندرة. لذا فقد سعى رجال هارون و ملازموه في العثور على شخص بهذه الأوصاف و فتشوا الأطراف و الأکناف، فلم يعثروا الا على رجل عجوز متداع متهالک في غاية الضعف و الوهن، لم يبق منه الا أنفاس تتردد في کومة عظام بالية.

فوضعوه في زنبيل و جاءوا به الى بلاط هارون في غاية العناية و أدخلوه عليه فورا، فسر هارون بذلک کثيرا، لأنه شاهد شخصا أدرک رسول الله و سمع منه. ثم قال له: أيها العجوز أرأيت النبي الأکرم؟ قال: بلى. فقال هارون: متى رأيته؟ قال العجوز: أخذ أبي بيدي يوما في طفولتي واصطحبني الى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)ثم لم أدرک محضره حتى رحل عن الدنيا.

قال هارون: أفسمعت من رسول الله شيئا ذلک اليوم؟ أجاب: بلى سمعت من رسول الله ذلک اليوم أنه قال: يشيب ابن ادم و تشب معه خصلتان: الحرص و طول الأمل، فسر هارون کثيرا بسماعه رواية على لسان رسول الله بوساطة واحدة فقط، و أمر فأعطوا العجوز کيسا من الذهب جائزة له، ثم أخرج عنه.

و حين أرادوا إخراج العجوز من البلاط رفع صوته في أنين واهن ضعيف قائلا: ردوني الى هارون فلدي معه کلام. قالوا: لا إمکان في ذلک. قال: لابد من رجوعي اليه، فلدي سؤال ينبغي أن أساله منه ثم أخرج. و هکذا أعادوا الزنبيل و فيه العجوز الى هارون، فقال: ما الأمر؟ قال العجوز: لدي سؤال. قال هارون: قل.

فقال: أيها السلطان أعطاؤک الذي تفضلت به علي اليوم لهذه السنة فقط أم هو عطاء يتجدد کل عام؟ فتعالت قهقهة هارون و قال متعجبا: صدق رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)يشيب ابن ادم و تشب معه خصلتان الحرص و طول الأمل.

إن هذا العجوز لا رمق له، و لم أکن لأظن أنه سيبقى حيا حتى خروجه من البلاط، و ها هو يقول: أهذا العطاء مختص بهذه السنة أم انه عطاء لکل سنة. لقد أوصله الحرص على زيادة المال و طول الأمل الى أن صار يتوقع لنفسه عمرا فهو في صدد أخذ عطاء جديد بلى، هذه هي نتيجة عدم تربية النفس الإنسانية بالأدب الالهي، مما دعى بالحرص و الأمل الى بسط نفوذهما في وجود الإنسان في طيف واسع متزايد لا حد

ص: 206

له ليقف عنده.»(1)

قصة معبرة

رأى النبي عيسى (علیه السلام) شيخا يعمل بمسحاة يثير الأرض، فقال عيسى (علیه السلام): اللهم انزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع، فلبث ساعة، فقال النبي عيسى (علیه السلام): "اللهم اردد اليه الأمل فقام فجعل يعمل، فساله عيسى (علیه السلام) عن ذلک، فأجاب الشيخ: بينما أنا أعمل، إذ قالت لي نفسي: «الى متى تعمل، وأنت شيخ کبير؟ فالقيت المسحاة، واضطجعت، ثم قالت لي نفسي: والله لا بد لک من عيش ما بقيت، فقمت الى مسحاتي»(2)

نعي

ولما استشهد أصحاب الحسين ولم يبق معه الا أهل بيته، تقدم ولده علي الأکبر، مستأذنا بالبراز(3)، وکان علي الأکبر من أصبح الناس وجها، وأحسنهم خلقا، فنظر اليه الحسين (علیه السلام) وأرخى عينيه بالدموع، وأطرق الى الأرض برأسه، ويقال: أنه قال له: "ولدي علي الي الي أودعک وتودعني،أشمک وتشمني"، فتعانقا حتى غشي عليهما.(4)

يويلي من تلاگو عند الوداع*امشابگ طول لمن هووا للگاع

يگله والدمع بالعين دفاق*ابعبرة امکسره وابگلب خفاگ

ص: 207


1- معرفة المعاد، ج 1، ص 22
2- بحار الأنوار، المجلسي، ج14، ص 329
3- هناک ثلاثة أقوال في هذا الصدد: 1- العباس بن علي بن أبي طالب: ذهب الى هذا القول الشعبي (راجع: تذکرة الخواص: 230). 2- عبدالله بن مسلم بن عقيل (علیه السلام): ذهب اليه السروي في المناقب ج 4، ص 105 والصدوق في الأمالى: 226، وابن فتال في روضة الواعظين: 118، والحائري في تسلية المجالس ج 2، ص 302، 3- علي الأکبر (علیه السلام): ذهب اليه أکثر المؤرخين کابن الأثير في الکامل ج 3، ص 293، والمفيد في الإرشاد ج 2، ص 106، والبلاذري في أنساب الأشراف ج 3، ص 406، وأبي الفرج في مقاتل الطالبيين: 86، والأندلسي في جمهرة أنساب العرب: 267 والسيد في اللهوف: 166، والطبرسي في إعلام الورى ج 2، ص 462، والدينوري في الأخبار الطوال: 256، وابن نما في مثير الأحزان: 68، وعشرات الکتب الاخرى ترکناها رعاية الاختصار. ويؤيده ما ورد في زيارة الناحية المقدسة من (الحجة بن الحسن) (علیه السلام): «السلام عليک يا أول قتيل من نسل خير سليل من سلالة إبراهيم الخليل». (راجع: بحار الأنوار، للمجلسي، 45 ج، ص 65).
4- سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیه السلام) ج 1، ص 392

يبويه اوداعة الله هذا الفراق*يبويه اشبيدنه هذا المگدر

فلما أفاق الحسين رفع رأسه مشيرا بسبابتيه الى السماء، وقال:" اللهم اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز اليهم أشبه الناس خلقا وخلقا ومنطقا برسولک محمد ص، وکنا إذا اشتقنا الى نبيک نظرنا في وجه هذا الغلام. اللهم امنعهم برکات الأرض، وفرقهم تفريقا، ومزقهم تمزيقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا". وصاح الحسین (علیه السلام) بعمر بن سعد: "قطع الله رحمک کما قطعت رحمي، ولا بارک الله لک في أمرک، وسلط الله عليک من يذبحک على فراشک". ثم تلا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَال إِبْرَاهِيمَ وَال عِمْرَانَ عَلَى العَالمِينَ*ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) لما سمع علي ذلک الدعاء من أبيه علم أنه قد سمح له.(1)

فحمل علي الأکبر على الأعداء يقاتلهم وهو يرتجز ويقول:

أنا علي بن الحسين بن علي*نحن وبيت الله أولى بالنبي

أضربکم بالسيف أحمي عن أبي*أطعنکم بالرمح حتى ينثني

ضرب غلام هاشمي علوي(2)

أخذ يقاتلهم قتال الأبطال، حتى قتل على عطشه منهم مقتلة عظيمة، وکان قد أخذ منه العطش مأخذه، رجع الى أبيه (لکن بأية حالة رجع) رجع وجراحاته من کل جانب وهو يلوک لسانه من شدة العطش، وهو يقول: أبه العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فهل الى شربة ماء من سبيل، أتقوى بها على الأعداء.(3)

يبويه شربة اميه الچبدي*اتگوى ورد للميدان وحدي

يبويه انفطر چبدي وحگ جدي*العطش والشمس والميدان والحر

فصاح الإمام: "وا غوثاه، بني ارجع الى قتال عدوک، فإني أرجو أن لا تمسي حتى يسقيک جدک المصطفى بکأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا".(4)

يگله سهله يبويه طلبتک هاي*لکن يعگلي اوماي عيناي

امنين اجيبن شربة الماي*والعطش مثلک يبس حشاي

ثم ودع أباه وودع النساء ورجع الى الميدان، وعيون الحسين (علیه السلام) تشيعه،

ص: 208


1- ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 261 و مع الرکب الحسيني، ج 4، ص 359
2- مع الرکب الحسيني، ج 4، ص 359
3- إبصار العين، السماوى، ص 51 و اللهوف: 166
4- نفس المصدر

فلم يزل يحمل على الميمنة ويعيدها على الميسرة ويغوص في الأوساط حتى قتل منهم مقتلة عظيمة. فلم يزل يقاتل قتالا شديدا مع ما فيه من العطش.

فقال مرة بن منقذ العبدي لعنه الله: إن مر بي هذا الغلام علي اثام العرب إن لم أثکل أباه به، فلما مر به طعنه بالرمح في ظهره وضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته، واعتنق فرسه، فاحتمله الى معسکر الأعداء، وأحاطوا به حتى قطعوه بسيوفهم إربا إربا فلما وصلت روحه الى التراقي نادى برفيع صوته: يا أبتاه عليک مني السلام، هذا جدي قد سقاني بکأسه شربة لا أظمأ بعدها ويقول لک: إن لک کأسا مذخورة.(1)

فأتاه الحسين (علیه السلام) ولما وصل اليه أخلى رجليه من الرکاب، ورمى بنفسه من على ظهر الجواد على مصرع ولده، وانکب عليه واضعا خده على خده، وأخذ يصيح: "ولدي علي، ولدي علي"، ولما لم يسمع منه جوابا، صاح الإمام (علیه السلام): "على الدنيا بعدک العفا، أما أنت فقد استرحت من هم الدنيا وغمها وبقي أبوک لهمها وغمها". (2)

يبويه گول منهو الشرگ راسک*ينور العين من خمد انفاسک

يعگلي من نهب درعک اوطاسک*يروحي اشلون اشوفنک امطبر

ثم التفت الإمام الى شباب بني هاشم وقال:"احملوا أخاکم عليا"، ولکن کيف يحملونه وهو مقطع إربا إربا؟ أقبلوا الى المخيم وجاءوا ببساط وجمعوا جثمان علي الأکبر على ذلک البساط وجاءوا به الى المخيم، هذا والحسين يمشي خلفهم ويقول: "بني قتل الله قوما قتلوک، ما أجرأهم على الرحمان، وعلى انتهاک حرمة الرسول".(3)

فجاؤوا به الى الفسطاط حيث النساء وحرائر الرسالة ينظرون اليه محمولا، مخضبا بالدماء، موزع جثمانه بالطعن والضرب، فدخلن الخيمة واستقبلنه بعويل وصراخ: واعلياه... وامظلوماه... تتقدمهن عقيلة بني هاشم زينب الکبرى صارخة منادية: يا حبيب قلبی... وثمرة فؤادی، ليتني کنت قبل هذا اليوم عمياء.(4)

هوت فوقه تحب خده وتشمه*وغدت تصبغ وجهها بفيض دمه

عسه بعيد البله تگله يعمه*على التربان نايم ليش بهالحر

ص: 209


1- ادب الطف، شبر، ج 1، ص 276
2- لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 131
3- إبصار العين، السماوى، ص 52
4- مناهج البکاء فى فجائع کربلاء، الفرطوسي الحويزي، ج 1، ص 180

لما أقبل الحسين (علیه السلام) ودخل الخيمة التي فيها ولده، جلس عنده ينادي: واولداه.. واعلياه...

شافه والنبل شابک علي راح*هوه فوگه اوصفگ علي راح

صاح بصوت يزينب علي راح*يخويه اظلمت الدنيا عليه

فلتذهبِ الدُنيا على الدُنيا العَفَا*ما بَعدَ يَومِک مِن زَمانٍ أرْغَدِ

وَمَحا الرَدَى يَا قَاتَلَ اللهُ الرَدَى*مِنهُ هِلال دُجَىً وَغُرَّةَ فَرقَدِ

ص: 210

مجلس علي الاکبر الثاني (اللیلة التاسعة)

اشارة

بشبهِ المصطفى جاءوا قتيلا*الى خيم النسا فعلى العويل

وصاحت زينبُ الکبرى بصوتٍ*ودمع مِن محاجرها يسيل

لليلى أسرعي هذا عليٌ*شبيهُ المصطفى الهادي قتيل

غدت تمشي وتعثرَ وهي ثکلى*عراها من مصيبتها الذهول

وجاءت تسحب الأذيال حزنا*وحول وحيدِها أخذت تجول

ووالدُه الحسينُ هوى عليه*وقد أدمت محاسنَه النصول

على الدنيا العفا يا نورَ عيني*وبعدک غيرَ هذا لا أقول

یحرکه وليس به حِراک*بنيَ اليومَ فارقنا الرسول

**

ترکض لا مره ظلّت ولابت*تگطّع ما بگه ابجسمه ولابت

خالي امن الحزن ما ظل ولابت*ابيوم الطاح الاکبر علوطيه

أشد وأعظم على ليله ولدها*ابيوم الطاح واليها (او ولدها) ولدها

ترضه الشمر يضربها (ویلدها) ولدها*او راحت للسبي امن الغاضريه

المحاضرة: مراعاة الجار

(وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِکواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالدَيْن إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاکينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) (1)

اهتم التشريع الإسلامي بأمر الجار اهتماما کبيراً، وقد جاءت الآيات القرآنية الکريمة بالإحسان في معاملة الجار، وجاءت السنة المطهرة توضح وتبين عظم حق الجار.

قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِکواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالدَيْن إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاکينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ) وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظنت أنه سيورثه»(2) فالجار الصالح يکون سببا في سعادة جاره ولذا قيل:

اطلب لنفسک جيرانا تجاورهم*لا تصلح الدار حتى يصلح الجار

ولقد باع أحدهم منزله فلما لاموه في ذلک قال:

يلومننى أن بعت بالرخص منزلي*ولم يعرفوا جارا هناک ينغص

فقلت لهم کفوا الملام فإنما*بجيرانها تغلوا الديار وترخص

ص: 211


1- النساء: 36
2- إمتاع الأسماع، المقريزي، ج 14، ص 506 و الفقيه: ج 4، ص 13، بحار الأنوار، للمجلسي، ج 74، ص 150 ح 2

تفسیر الآیة

(وبالوالدين

أحسانا) أي: أحسنوا بهما إحسانا وهو البر مع لين الجانب (وبذي القربى) وهو ذو القرابة يصله ويتعطف عليه (واليتامى) يرفق بهم ويدنيهم (والمساکين) ببذل يسير أو رد جميل (والجار ذي القربى) وهو الذي له مع حق الجوار، حق القرابة (والجار الجنب) البعيد عنک في النسب ای الاجنبی (والصاحب بالجنب) وهو الرفيق الاجنبی في السفر و الحضر (وابن السبيل) عابر الطريق وقيل الضيف يؤويه ويطعمه حتى يرحل (وما ملکت أيمانهم) أي: المماليک (إن الله لا يحب من کان مختالا) عظيما في نفسه لا يقوم بحقوق الله (فخورا) على عباده بما خوله الله من نعمته.

نعم یا مومن لاتؤذ جيرانک، بل راع فيهم حق الجار، ولاتنظر في بيوتهم لتطلع على عوراتهم وتراقب أعمالهم، ولاتجعل ميزابک يصب في بيوتهم، ولا ترم التراب والقذارة عند باب بيوتهم، ولاتؤذهم بدخان بيتک ورائحة طعامک، و واسهم إياک أن تنام في الليل مليء البطن وهم جائعون قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)

«ليس من المؤمنين الذي يشبع وجاره جائع الى جنبه» أو تمضي في راحة وهم في شدة وعناء من البرد والقلة يئنون لاتمنع عنهم الملح والنار والماء وما شابه ذلک، وإن طلبوا منک إعارتهم بعض أغراض بيتک أعرهم.

وراعهم في کل الأمور فإن الإحسان للجار يزيد في العمر ويعمر الديار وقد أوصانا أهل بيت العصمة بالجيران خيرا في الکثير من أحاديثهم. قال الامام علي (علیه السلام):(2)

«سل عن الجار قبل الدار» و علامات الجار السوء قال بعض الفضلاء: الجار السوء يفشي السر، و يهتک الستر.

قصة حفظ الجوار و الامام علي (علیه السلام)

«قال أبو القاسم العلوي حدثنا فرات بن إبراهيم الکوفي معنعنا عن علي بن الحسين (علیه السلام) قال: کان رجل موسر على عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)في دار له حديقة و له جار له صبية فکان يتساقط الرطب عن النخلة فيشدون صبيانه يأکلونه فيذرون فيأتي الموسر فيخرج الرطب من جوف أفواه الصبية فشکا الرجل ذلک الى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فأقبل وحده الى الرجل فقال بعني حديقتک هذه بحديقة في الجنة فقال له الموسر لا أبيعک عاجلا باجل فبکى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)و رجع نحو المسجد فلقيه أمير المؤمنين علي

ص: 212


1- روضة الواعظين و بصيرة المتعظين، ج 2، ص 389
2- الکافي، ج 8، ص 24

بن أبي طالب (علیه السلام) فقال له يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)ما يبکيک لا أبکى الله عينيک فأخبره خبر الرجل الضعيف و الحديقة فأقبل أمير المؤمنين حتى استخرجه من منزله و قال له بعني دارک قال الموسر بحائطک الحسي فصفق على يده و دار الى الضعيف فقال له در الى دارک فقد ملککها الله رب العالمين و أقبل أمير المؤمنين (علیه السلام) و نزل جبرئيل (علیه السلام) على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فقال له يا محمد اقرأ و الليل إذا يغشى و النهار إذا تجلى(1).

و ما خلق الذکر و الأنثى الى اخر السورة فقام النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)فقبل بين عينيه ثم قال بأبي أنت و أمي قد أنزل الله فيک هذه السورة کاملة.»(2)

قصة جار الحسن (علیه السلام)

و روی عن الامام الحسن بن علي (علیه السلام):(3)«أن

جاره اليهودي انخرق جداره الى منزل الحسن فصارت النجاسة تنزل في داره و اليهودي لا يعلم بذلک فدخلت زوجته يوما فرأت النجاسة قد اجتمعت في دار الحسن فأخبرت زوجها بذلک فجاء اليهودي اليه معتذرا فقال: أمرني جدي (صلی الله علیه و آله و سلم)بإکرام الجار فأسلم اليهودي.»

و «قالوا لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)فلانة تصوم النهار و تقوم الليل و تتصدق و تؤذي جارها بلسانها قال لا خير فيها هي من أهل النار قالوا و فلانة تصلي المکتوبة و تصوم شهر رمضان و لا تؤذي جارها فقال رسول الله هي من أهل الجنة.»(4)

أهم حقوق الجار

يوجد العديد من الحقوق التي لا بد وأن يتمتع بها الجار، وهي کما يأتي:

1. رد السلام وإجابة الدعوة: فهي أحد الحقوق العامة بين المسلمين، ويتأکد هذا الحق في الجيران. وذلک لما له من اثار طيبة في نشر الالفة والمودة بين الجيران.

2. کف الأذى عن الجار: حيث حذروا اهل البیت (علیه السلام) من الحاق الأذى

ص: 213


1- سورة الليل: «وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّکرَ وَالأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَکمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَکذَّبَ بِالحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)»
2- تفسير فرات الکوفي، ص 565
3- نزهة المجالس و منتخب النفائس، ج 2، ص 19
4- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 214

بالجار، وورد عن الامام الصادق (علیه السلام) انه قال:(1)

«المؤمن من آمن جاره بوائقه قلت ما بوائقه قال ظلمه و غشمه.»

3. تحمل أذى الجار: يعتبر هذا الحق أحد صفات الکرام الذين يتصفون بالمروءة وعلو الهمة، فکثير من الناس يستطيع کف الأذى عن الناس، ولکن من يتحمل الأذى صابرا محتسبا فهو من أصحاب الدرجات العالية، وقال موسى الکاظم (علیه السلام): «ليس حسن الجوار کف الأذى، ولکن حسن الجوار الصبر على الأذى»(2)

4. تفقد الجار وقضاء حوائجه: فقد کان الصالحون يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم.

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3) «أ تدرون ما حق الجار قالوا لا قال إن استغاثک أغثته و إن استقرضک أقرضته و إن افتقر عدت عليه و إن أصابته مصيبة عزيته و إن أصابه خير هنأته و إن مرض عدته و إن مات تبعت جنازته و لا تستطيل عليه بالبناء فتحجب الريح عنه الا بإذنه و إذا اشتريت فاکهة فأهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا و لا تخرج بها ولدک تغيظ بها ولده و لا تؤذه بريح قدرک الا أن تغرف له منها»

5. ستر الجار وحماية عرضه: ينبغي أن يستر الجار على جاره ويصون عرضه، حيث يقول الشاعر:

ما ضر جاري إذ أجاوره*الا يکون لبيته ستر أعمى

إذا ما جارتي خرجت*حتى يواري جارتي الخدر

6. زيارة الجار في مرضه عندما يمرض.

7. تشييع جنازته إذا مات.

8. مواساته في المصائب، وتهنئته في الأفراح، عدم حسده على ما أتاه الله من مال، رد غيبته، إعانته عندما يطلب العون والمساعدة.

قصة

«عن الامام الصادق (علیه السلام) قال: إن يعقوب (علیه السلام) لما ذهب منه بنيامين نادى يا رب أ لا ترحمني أذهبت عيني و أذهبت ابني فأوحى الله تبارک و تعالى اليه لو أمتهما لأحييتهما حتى أجمع بينک و بينهما و لکن تذکر الشاة التي ذبحتها و شويتها و أکلت و فلان الى جنبک صائم لم تنله منها

ص: 214


1- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 214
2- تحف العقول، ص 409، الوافي، للفیض الکاشاني، ج 5، ص 517، ح 2479، وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي، ج 12، ص 122، ح 15825
3- مسکن الفؤاد عند فقد الأحبة و الأولاد، ص 115

شيئا و إن يعقوب بعد ذلک کان مناديه ينادي کل غداة من منزله على فرسخ الا من أراد الغداء فليأت الى يعقوب و إذا أمسى نادى الا من أراد العشاء فليأت الى يعقوب.»(1)

لطائف

قال رجل لاحد العلماء إن جارنا يشتکي من ولدی ولعله يکذب عليه قال إذا أذنب ولدک ذنبا فاحفظه عليه فإذا شکاه جارک فأدبه على ذلک فتکون قد أرضيت جارک وأدبت ولدک.

قصة حفظ الجوار

يروى عن محمد بن الجهم وجاره سعيد بن العاص، أنه عرض محمد بن الجهم دارا، بخمسين الف درهم، فلما حضروا ليشتروا، قال: بکم تشترون منى جوار سعيد؟ وکان جارا له.

فقالوا: وهل يبيع الجوار؟ فأجاب: وکيف لا يباع ويفرد بثمن، وهو جوار من إذا سالته أعطاک، وإن سکت ابتدأک، وإن أسأت أحسن اليک؟

فبلغ ذلک سعيدا فوجه اليه بمائة الف درهم، وقال: أمسک عليک دارک.

قصة استرداد ما سرقه الجار

يحکى أن رجلا أعمى کان کلما وفر شيئا من الدراهم، يدفنه في بستان وراء بيته، فأحس بذلک جار له فسرق ماکان قد دفنه، ولما شعر الأعمى أن ماله قد سرق، ذهب الى جاره الذي ظن أنه هو السارق، وقال: قد أتيتک مستنصحا.

فقال له: قل.. قال: إن عندي قليل من المال، ولا أعلم أي طريق خير؟ أما أن أخبأه، أو أن أضعه عند أحد الناس.. فقال: خير لک أن تخبأه، لأن في وضعه عند الناس خطرا، فشکره ومضى وفي الحال ذهب ذلک الجار بالمال الذي سرقه، ورده الى الحفرة التي کان مدفونا فيها، مؤملا أن يأخذه مع ما سيدفنه ذلک الأعمى، فذهب الأعمى الى الحفرة، فوجد المال فأخذه ثم أتى الجار الى الحفرة، فلم يجد شيئا، فرجع بخفي حنين، أي عاد خائبا نادما على ما فعل.(2)

ص: 215


1- مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 215
2- و يروى في ذلک أنه کان هناک امرأة تمتلک قط جميل، تحبه کثيرا، لبراعته في، صيد الفئران، وتتسلى بمداعبته ساعات الانفراد، فخرج القط يوما، ولم يعد کعادته، فقلقت المرأة عليه وخرجت تبحث عنه، فوجدته في الطريق قتيلا برصاصة في رأسه، فحزنت عليه حزنا شديدا. وبعد أيام قلائل، بلغها أن جارها هو الذي قتل ذلک القط، لحاجة في نفسه، فاغتاظت من ذلک الفعل السيئ، وصممت على الانتقام من جارها الذي لم يراعي حرمة الجوار، ولم يشک ذلک القط اليها أبدا فاشترت جملة من مصايد الفئران، وصادت بها أکثر من خمسين فأرا، ثم وضعت الفئران في، صندوق، وکتبت عليه اسم جارها، وأرسلته اليه بالبريد، ولما تسلم الرجل الصندوق فرح به، وظنه هدية نفيسة من أحد أصدقائه. ففتحه ليرى ما فيه، وإذا الفئران خرجت تثب في وجهه، وانتشرت في أنحاء الغرفة، وهو يتقزز من ذلک المنظر الخبيث، ولم يدر سببا لهذه المکيدة، ثم التفت الى الصندوق فرأى ورقة مکتوبا فيها العبارة الاتية: لقد قتلت قطي، وحرمتني من وجوده، فأهديت لک هذه الفئران التي أصبحت تمرح في بيتي بلا رقيب، فخذها لتعرف قيمة القطط فاتعظ الرجل بهذه المصيبة التي اعتبرها جزاءا حقا على سوء فعلته. لکن الناس لاموا هذه المرأة على فعلها، لأنها قابلت الإساءة بالإساءة، وکان عليها أن تقابل الإساءة بالإحسان والعفو، لا بالانتقام والتشفي، فقد قال الله سبحانه وتعالى، في کتابه الکريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (وليعفوا وليصفحوا الا تحبون أن يغفر الله لکم والله غفور رحيم) سورة النور: 22

جوار امیر المومنین (علیه السلام)

قال يحيى المازني، کنت في جوار أمير المؤمنين (علیه السلام) في المدينة مدة مديدة، و بالقرب من البيت الذي تسکنه زينب ابنته، فلا و الله ما رأيت لها شخصا، و لا سمعت لها صوتا. و کانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدها رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)تخرج ليلا، و الحسن عن يمينها، و الحسين عن شمالها، و أمير المؤمنين أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (علیه السلام) فأخمد ضوء القناديل، فساله الحسن مرة عن ذلک؟ فقال: أخشى أن ينظر أحد الى شخص اختک زينب. اه وینه علی (علیه السلام) لینظر لابنته و هی تدخل الشام:

مثل لمحت بصر وکتی لمح جار*و انه المایوم من طولی لمح جار

انه کل الشام لاگانی لم احجار*شرید اشگف و انه احبالی بدیه

نعي

ان علي بن الحسين الشهيد بالطف لقب بالأکبر لأنه اکبر اولاد الحسين (علیه السلام) على قول مشهور(1) و من کثرة حب الحسين (علیه السلام) لأبيه أمير المؤمنين

ص: 216


1- قال محشی کتاب "مع الرکب الحسيني" (مع الرکب الحسيني، ج 4، ص 355) حول ان علی الاکبر هل هو اکبر من الامام السجاد (علیه السلام) او لا، قال ما نصه: « المصرحون بأنه (ای علی الاکبر الشهید بکربلاء) هو الأکبر (ای الأکبر من اولاد الحسین "ع"): ابن سعد في طبقاته (ترجمة الإمام الحسين (علیه السلام) ومقتله - من القسم غير المطبوع من کتاب الطبقات الکبير لابن سعد- تحقيق السيد عبدالعزيز الطباطبائي: 73)، وابن فندق في لباب الأنساب ج 1، ص 349، وابن کثير في البداية والنهاية: ج 8، ص 191، والطبري في تاريخه: ج 3، ص 330، وأبوالفرج الأصبهاني في مقاتل الطالبيين: 86، والدينوري في الأخبار الطوال: 256، وابن الأثير في الکامل: ج 3، ص 293، وابن الجوزي في تذکرة الخواص: 229، والديار بکري في تاريخ الخميس: ج 2، ص 298، وابن الحنبلي في شذرات الذهب: ج 2، ص 61، والمجدي العلوي في المجدي: 91، والبلاذري في أنساب الأشراف: ج 3، ص 406، والأندلسي في جمهرة أنساب العرب: 267، والفخر الرازي في الشجرة المبارکة: 72، والفضيل بن الزبير الکوفي الأسدي في: تسمية من قتل مع الحسين: 150، والطبراني في مقتل الحسين: 38، وابن شهراشوب في المناقب: ج 4، ص 109، والذهبي في سير أعلام النبلاء: ج 3، ص 321، والمسعودي في مروج الذهب: ج 3، ص 61، والذهبي أيضا في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61، ص 21)، والزرندي في نظم درر السمطين: 218، واليافعي في مراة الزمان: ج 1، ص 131، واليعقوبي في تاريخه: ج 2، ص 94، واليماني في النغمة العنبرية: 45، والعقيقي کما في الحدائق الوردية: 116، وأبونصر في سر السلسلة العلوية: 30، وابن إدريس في السرائر: ج 1، ص 657، والشهيد الثاني في الدروس: ج 2، ص 11. ومن الأدلة على ذلک: 1- أن علي بن الحسين (علیه السلام) المقتول بکربلاء مع أبيه (علیه السلام) ولد سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة النبوية على قول الواقدي (راجع: عمدة الطالب: 192 ومقتل الحسين (علیه السلام) للمقرم: 255)، وأن الإمام زين العابدين علي بن الحسين (علیه السلام) ولد سنة ثماني وثلاثين من الهجرة، وبعض النصوص تصرح بأن عليا الشهيد (علیه السلام) ولد في إمارة عثمان (راجع: السرائر: ج 1، ص 654 ومقاتل الطالبيين: 86). 2- يروي المؤرخون أن الإمام زين العابدين (علیه السلام) حينما ساله الطاغية ابن الطاغية يزيد: ما اسمک؟ قال: علي بن الحسين. قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ قال (علیه السلام): قد کان لي أخ أکبر مني يسمى عليا فقتلتموه (راجع: مقاتل الطالبيين: 119- 120 ونسب قريش: 58). ولايخفى على الباحث والمتتبع الخبير بأن النصوص التي تصرح بأنه الأکبر أضعاف النصوص التي لاتقول بذلک، فإن علماء النسب هم أعرف بهذه الصنعة حين قالوا بأنه الأکبر، ولا أدري ما هذا الاصرار عند البعض بأن الإمام زين العابدين (علیه السلام) کان أکبر منه؟ يقول المرحوم ابن ادريس أعلى الله مقامه الشريف: وأي غضاضة تلحقنا وأي نقص يدخل على مذهبنا إذا کان المقتول عليا الأکبر، وکان علي الأصغر الإمام المعصوم بعد أبيه الحسين (علیه السلام)، فإنه کان لزين العابدين (علیه السلام) يوم الطف ثلاث وعشرون سنة، ومحمد ولده الباقر (علیه السلام) له ثلاث سنين وأشهر، ثم بعد ذلک کله فسيدنا ومولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) کان أصغر ولد أبيه سنا ولم ينقصه ذلک. وقال أيضا: والأولى الرجوع الى أهل هذه الصناعة وهم النسابون وأصحاب السير والأخبار والتواريخ، مثل الزبير بن بکار في کتاب أنساب القرشيين، وأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين، والبلاذري، والمزني، صاحب کتاب لباب أخبار الخلفاء، والعمري النسابة حقق ذلک في کتاب المجدي فإنه قال: وزعم من لا بصيرة له أن عليا الأصغر هو المقتول بالطف وهذا خطأ ووهم. (المجدي: 91)، والى هذا ذهب، صاحب کتاب الزواجر والمواعظ، وابن قتيبة في المعارف، وابن جرير الطبري المحقق لهذا الشأن، وابن أبي الأزهر في تاريخه، وأبوحنيفة الدينوري في الأخبار الطوال، وصاحب کتاب الفاخر، مصنف من أصحابنا الامامية، وأبوعلي بن همام في کتاب الأنوار في تواريخ أهل البيت ومواليدهم، وهو من جملة أصحابنا المصنفين المحققين، فهؤلاء جميعا أطبقوا على هذا القول وهم أبصر بهذا النوع. (راجع: السرائر: ج 1، ص 655- 656). وعن الشهيد الأول في الدروس (ج 2، ص 11): «وهو الأکبر على الأصح». وقال البيهقي في لب الأنساب ج 1، ص 349: «اختلف النسابون في أن المقتول علي الأکبر أم الأصغر، فاتفق أکثر العلماء على أن المقتول بکربلاء علي الأکبر».

سمى اولاده عليا کما اشار الى ذلک زين العابدين جوابا ليزيد لعنه الله حين قال للأمام: وا عجبا لأبيک سمى عليا وعليا، فقال (علیه السلام): ان ابي احب أباه أمير المؤمنين فسمى بإسمه مرارا.(1)

وعلى هذا يکون معاوية بن أبي سفيان خال ليلى ام الأکبر لهذا ناداه رجل من أهل الکوفة حين برز علي الأکبر للميدان ان لک رحما بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية فان شئت امناک، فقال له علي: ويلک لقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)احق ان ترعى.(2)

وکان معاوية کثيرا ما يمدح على بن الحسين (علیه السلام) حتى قال يوما لأصحابه: من احق الناس بالخلافة، قالوا: انت، قال: لا بل احق الناس بالخلافة علي بن الحسين بن علي (علیه السلام) جده رسول الله وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية و زهو ثقيف يعني المنظر الحسن.(3)

اما شجاعتة بني هاشم التي اشار اليها معاوية لعنه الله يوم الطف عرفهم بها علي الأکبر حين نکس منهم الرايات وخاض فيهم کجده خواض

ص: 217


1- المناقب، ابن شهرآشوب، ج 4، ص 173
2- ادب الطف، شبر، ج 1، ص 274 و الحدائق الوردية: 99 و ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 259
3- تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 820

سمى اولاده عليا کما اشار الى ذلک زين العابدين جوابا ليزيد لعنه الله حين قال للأمام: وا عجبا لأبيک سمى عليا وعليا، فقال (علیه السلام): ان ابي احب أباه أمير المؤمنين فسمى بإسمه مرارا.(1)

وعلى هذا يکون معاوية بن أبي سفيان خال ليلى ام الأکبر لهذا ناداه رجل من أهل الکوفة حين برز علي الأکبر للميدان ان لک رحما بأمير المؤمنين يزيد بن معاوية فان شئت امناک، فقال له علي: ويلک لقرابة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)احق ان ترعى.(2)

وکان معاوية کثيرا ما يمدح على بن الحسين (علیه السلام) حتى قال يوما لأصحابه: من احق الناس بالخلافة، قالوا: انت، قال: لا بل احق الناس بالخلافة علي بن الحسين بن علي (علیه السلام) جده رسول الله وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية و زهو ثقيف يعني المنظر الحسن.(3)

اما شجاعتة بني هاشم التي اشار اليها معاوية لعنه الله يوم الطف عرفهم بها علي الأکبر حين نکس منهم الرايات وخاض فيهم کجده خواض

ص: 218


1- المناقب، ابن شهرآشوب، ج 4، ص 173
2- ادب الطف، شبر، ج 1، ص 274 و الحدائق الوردية: 99 و ذخيرة الدارين، الشيرازي، ص 259
3- تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 820

الغمرات واباد منهم الشجعان وفرت منهم اکثر الفرسان واحجم العسکر عن مبارزته ووقفت عن منازلته ووجهه کالقمر يتلالأ نوره روحي له الفدا.

فما حال الحسین حین طلب علی الاکبر منه اذن القتال، سکینه تقول عن تلک الحالة ابی احتضر و اراد ان یموت فی ثلاث مواقف، الموقف الأول لما اجاه علی الاکبر لما سمع اباعبدالله ابنه رایت ابی و کأن روحه ارادت ان تخرج من جسمه ظل الحسین یشحق بنفسه، اشلون ایعبر عنه ابن نصار(1):(2)

ص: 219


1- قال السيد جواد شبر فی ترجمته: (ادب الطف، شبر، ج 7، ص 233): «الشيخ محمد بن الشيخ علي بن ابراهيم ال نصار الشيباني أو الشبامي اللملومي (لملوم قرية کانت على شاطي ء الفرات، اندرست في حدود 1220 ه) النجفي المعروف ب: الشيخ محمد بن نصار. توفي في جمادى الاولى سنة 1292 في النجف الاشرف و دفن في الصحن الشريف عند الرأس و هو من أسرة أدب و علم، أصلهم من لملوم سکنوا النجف لطلب العلم و توفي منهم في طاعون سنة 1247 ما يقرب من أربعين رجلا طالبا للعلم و هم غير أسرة ال نصار المعروفين في النجف الذين منهم الشيخ راضي رحمه الله يسکنون محلة العمارة. و المترجم له فاضل أديب له شعر باللغتين الفصحى و الدارجة و قل ما ينعقد مجلس عزاء للحسين (علیه السلام) فلا يقرأ شعره الدارج. و لعل السر أن الناظم کان من أهل التقوى، و لشدة حبه لاهل البيت سمى کل أولاده باسم علي و جعل التمييز بينهم في الکنية فواحد يکنى بأبي الحسن و الثاني بأبي الحسين و هکذا. أقول و أطلعني السيد ضاحي ال سيد هادي السيد موسى على مخطوطة بخطه و من تاليفه المسمى (لملوم قديما و حديثا) ان الشيخ علي والد الشيخ محمد نصار قد أقام في ناحية الشنافية منذ هجرته اليها من (لملوم) و کان عالما فاضلا، عاش حوالي ثمانين عاما الى أن توفي سنة 1300 ه. و جاء في شعراء الغري: الشيخ محمد نصار بن الشيخ علي ابن ابراهيم بن محمد الشيباني اللملومي الشهير ب (ابن نصار) شاعر معروف و أديب شهير ذکره، صاحب (الحصون المنيعة) فقال: کان فاضلا کاملا، أديبا لبيبا، شاعرا ماهرا، حسن المعاشرة، صافي الطوية، صادق النية، و کان أکثر نظمه على طريقة نظم البادية حتى نظم واقعة الطف من أولها الى آخرها على لغتهم يقرؤها ذاکروا مصاب الحسين (علیه السلام) في مجالس العزاء و له في هذا النظم القدح المعلى، و کان رحمه الله من أخص أحبابي حين مهاجرتي من کربلاء، أيام والدي و بقائي في النجف لتحصيل العلم.»
2- نقلا عن الشيخ الخطیب "زمان الحسناوي" استمع مقطع: "مصيبة علي الأکبر (علیه السلام) نعي الشيخ زمان الحسناوي" (و قال ایضا: رای احد العلماء الامام الحسین (علیه السلام) فی الرویا قال له هل، صحیح انک احتضرک عند علی الاکبر قال له: نعم و کأن ابن نصار کان معانه حین شعر هذا الشعر.) https://ouo.io/bpPJWo

أويلي من تلاگوا عند الاوداع*امشابگ طول لمن هووا علگاع

لاع الأبو لأبنه و الابن لاع*على اوليده يويلي وداع الأقشر

يقله والدمع بالعين دفاق*ابعبرة امکسرة وبگلب خفاق

يبويه وداعة الله هذا الفراق*يبويه اشبيدنه هذا المقدر

هذا الموقف الأول الذی احتضر بیه الحسین و الموقف الثاني لما رجع علی الاکبر و طلب الماء هنا ایضا ظل الحسین یشهگ، نعم یا موالین لما رجع علي الى الحسين (علیه السلام) وهو منتصر على بکر بن غانم و یقول:

صيد الملوک ارانب و ثعالب*و اذا رکبت فصيدى الابطال

ويقول: أبه الجائزة، قال: ما تريد يا بني؟ قال: أبه يا حسين ثقل الحديد أجهدني والعطش قد قتلني.(1)

يبويه شربة اميه الچبدي*اتروی وارد للمیدان وحدي

يبويه العطش فتنی وحگ جدي*الشمس والعطش والميدان والحر

قال له الحسين (علیه السلام): بني علي، ضع لسانک على لساني، وإذا بلسان الحسين کالخشبة الیابسة، ای وا اماماه وا حسیناه.(2)

يا علي يبني الماي منين اجيبه*وقلبي مثل قلبک لهيبه

قال ابه انت اشد عطشا منی، قال لاباس یا ولدی، أراد أن يرجع الى المعرکة فقال له الحسين (علیه السلام): يا علي أدرک أمک ليلى في وسط الخيمة تکاد روحها أن تفارق بدنها، فجاء علي الى أمه فرحت بمجیئه قالت له: ولدي هذه المرة الأخيرة التي أراک فيها فکأن قلبي يعلمني بهذا الشيء، فقالت له عندي طلب، قال أطلبي يا أماه ما تشائين؟

فقالت له: ولدي علي قم فتمشى أمامي لأنظر الى قوامک الشبيه بقوام جدک المصطفى، فقام علي يتمشى في وسط الخيمة وأمه تنظر اليه و کل ما مشی خطو قالت وا ولداه وا علیاه.(3)

بینما هو کذلک و اذا بناعیة الحسین، ینادی اما من ناصر ینصرنا، هل من ذاب یذب عن حرم رسول

ص: 220


1- تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 311
2- حياة الإمام الحسين (علیه السلام)، القرشي، ج 3، ص 246 نقلا عن: مقتل الخوارزمي ج 2، ص 30
3- انظر کتاب: مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 51، و نقلنا اکثر نواعی و مقاتل الکتاب منه.

الله.

فخرج من الخیمة فقال لبیک یا ابه یا حسین لبیک یا داعی الله نادی قال الحسین ودعوه، ثم عاد علي الأکبر الى القتال يضرب القوم يمينا وشمالا حتى قتل منهم مقتلة عظيمة. قال حميد بن مسلم: کان علي بن الحسين يطرد أمامه کتيبة من الفرسان والرجال، وکان مرة بن منقذ العبدي الى جانبي، فقال: لإن مر بي هذا الغلام والله لأثکلن به أمه وأباه. يقول: فلما مر بنا علي بن الحسين کمن له مرة (لعنه الله) من خلفه وضرب بالسيف على رأسه ففلق هامته، فاعتنق الفرس وسالت الدماء من رأسه الشريف(1)

(رحم الله من نادى واعليا... أي واسيداه)

ولما بلغت روحه التراقي نادى: عليک مني سلام الله أبه يا حسين، عليک مني السلام أدرکني. فجاءه الحسين (علیه السلام) ولکن بأية حالة؟ قال بعضهم ممن رأى الحسين (علیه السلام): إن الحسين کان یرکض تارة و یسقط علی الارض تارة أخرى حتى وصل اليه، قالوا اصحاب المقاتل: فجعل الحسين (علیه السلام) صدره على صدر ولده علي ونادى: ولدي علي على الدنيا بعدک العفا أما أنت فقد استرحت من هم الدنيا وغمها.