الحریة الاقتصادیة: ضوابطها و حدودها فی الفقه الاسلامی

اشارة

سرشناسه:بحراوی طعمه، عبدالکریم

عنوان و نام پدیدآور:الحریة الاقتصادیة؛ ضوابطها و حدودها فی الفقه الاسلامی [کتاب]/ عبدالکریم بحراوی.

مشخصات نشر:قم: مرکزالمصطفی(ص) العالمی للترجمه والنشر، 1433 ق. = 1390.

مشخصات ظاهری:[344] ص.

فروست:معاونیةالتحقیق؛ 351.

شابک:56000 ریال:978-964-195-524-5

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

یادداشت:عربی.

یادداشت:کتابنامه: ص. [339]- 343؛ همچنین به صورت زیرنویس.

یادداشت:نمایه.

موضوع:اقتصاد آزاد (فقه)

شناسه افزوده:جامعة المصطفی(ص) العالمیة. مرکز بین المللی ترجمه و نشر المصطفی(ص)

رده بندی کنگره:BP198/6 /الف73 ب3 1390

رده بندی دیویی:297/379

شماره کتابشناسی ملی: 2556342

ص :1

الإهداء

إلی کلّ الذین سعوا إلی إحیاء تجربة الإسلام بألسنتهم وأقلامهم وجهودهم،حتّی أولئک الذین تعاطفوا معها بنیاتهم وإحساسهم،بل حتّی الذین خالفوها،لکنّهم لم یقفوا بوجهها أو یجاهروا بمعارضتها،بل حتّی الذین حشّدوا الحشود وشحذوا النفوس للقضاء علیها،فإنّهم أمدّوها بروح جدیدة ودماء غزیرة،وعسی أن تتنبّه نفوسهم وتصحو عقولهم علی حقیقة أنّها تهب الإنسان أکثر ممّا یطلب ویرید.

ص:2

الحرّیة الاقتصادیة؛ ضوابطها وحدودها فی الفقه الإسلامی عبدالکریم بحراوی

ص:3

الحرّیة الاقتصادیة؛ضوابطها وحدودها فی الفقه الإسلامی

المؤلف:عبدالکریم بحراوی

الطّبعة الأول:1433ق/1390ش

النّاشر:مرکز المصطفی صلی الله علیه و آله العالمی لترجمة و النشر

المطبعة:إسراء - السّعر:56000 ریال - عدد النّسخ:2000 نسخة

حقوق الطبع محفوظة للناشر

التوزیع:

قم،استدارة الشهداء،شارع الحجتیة،معرض مرکز المصطفی صلی الله علیه و آله العالمی للترجمة و النشر.هاتف-الفکس:902517839305

قم،شارع محمّد الأمین،تقاطع سالاریة،معرض مرکز المصطفی صلی الله علیه و آله العالمی للترجمة و النشر.هاتف:02512133106 فکس:02512133146

www.eshop.miup.ir www.miup.ir

root

miup.ir E-mail:admin

miup.ir

ص:4

کلمة الناشر

اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِی أَنْزَلَ عَلی عَبْدِهِ الْکِتابَ وَ لَمْ یَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً والصلاة و السلام علی النبی الأمین محمّد صلی الله علیه و آله وآله الهداة المهدیین وصحبه المنتجبین.

لقد شهدت علوم الدین طیلة تاریخها العلمی المشرف مستویً من التغیر المستمرّ فی حرکتها نحو الأمام علی صعید الثقافة و الحضارة الإسلامیة فأحدثت تطوّراً منهجیاً فی العلوم الرئیسة المختصّة بالشریعة کالفقه الاسلامی وعلم الکلام و الفلسفة و الأخلاق...وترک هذا التطوّر تبعا لذلک انطباعا موازیاً بانت صورته فی العلوم الأداتیة کالمنطق وعلم الرجال و الحقوق....

وفی ضوء انتصار الثورة الإسلامیة الإیرانیة وحدثها الداعی إلی رؤیة دینیة حدیثة فی مجال الحکم وذلک فی خضم هذا القرن الذی یدعو إلی الانفلات من الدین و الأیدیولوجیة الدینیة وما یعرض فی مسرح أحداثه من تطوّرات فی مسار نظریات العلاقات الدولیة أو تصاعد الاستفسارات المعرفیة المتعلّقة بمفهوم الوجود ومستلزماته التی شغلت ذهن الإنسان فی العصر الحاضر وکذلک ما حصل من توسّع لدی علم الوجود الإنسانی فی ظلّ الأحداث و المتغیرات المعنیة بهذا الجانب؛زادت من مسؤولیة المفکّر الإسلامی أکثر من ذی قبل خاصّة فی الدول الإسلامیة التی باتت تتطلب محاولة ضروریة لمواجهة الشعارات الخوّاء فی عصر العولمة فی ضوء التدقیق و الملاحظة و النقد البنّاء لاجتیاح أی فقرة یخشی أن تسبّب مشکلات فی مقتبل الأیام.

ص:5

ومن هذا المنطلق فإنه یقع علی عاتق الحوزوة العلمیة ضرورة الوقوف علی آخر المستجدّات الفکریة فی حقولها المتعدّدة والاستعانة بضروب من التحقیق العلمی الرصین بمعاییر عالمیة حیة لتوظَّف فی نطاق الدین و الشریعة للإجابة علی المتطلّبات العصریة و المنطلق الداعی إلی التکامل و الارتقاء فی ظلّ الدین و التزام نظامه فی العلم و الحیاة من جهة أخری حیث یتطلّب الأمر من الحوزة العلمیة مسؤولیة وضع حدّ لتهذیب الجانب العولمی وتبعاته الخطیرة علی الإنسان عموما.

و قد عنی مؤسسی الحوزة العلمیة هذه الشجرة الطیبة الذی أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِی السَّماءِ ،سیما الإمام الخمینی الراحل وقائده المبجّل الإمام السید علی الخامنئی دام ظله الوارف فی التصدی لهذا الامر فی الوقت الراهن.

و قد سعت جامعة المصطفی صلی الله علیه و آله العالمیة فی ضوء ما تقدم لتأسیس مرکز المصطفی صلی الله علیه و آله العالمی للترجمه و النشر حیث تکفّل بنشر نتاج هذا الجانب العلمی الهامّ.

و إنّ هذا الدراسة الحرّیة الاقتصادیة؛ضوابطها حدودها فی الفقه الإسلامی جاءت بجهود فضیلة الأستاذ عبد الکریم بحراوی متوافقة مع نسق الرؤیة السائدة المتّبعة و الأهداف السامیة.المتوخاة

کما ندعو أصحاب الفضیلة والاختصاص بما لدیهم من آراء بنّاءة وخبرات علمیة ومنهجیة بالمساهمة معنا و المشارکة فی نشر علوم أهل البیت علیهما السلام.

وختاما لیس لنا إلّا تقدیم الشکر الجزیل لکافّة المساهمین الکرام الذین سعوا فی إعداد هذا الکتاب للطباعة و النشر.

مرکز المصطفی صلی الله علیه و آله العالمی للترجمة و النشر

ص:6

الفهرس

المقدّمة 15

المدخل:بحوث تمهیدیة

المبحث الأوّل:المفاهیم العامّة 23

المطلب الأوّل:مفهوم الحرّیة 23

أوّلاً:الحرّیة فی اللغة 23

ثانیاً:الحرّیة فی القرآن 24

ثالثاً:الحرّیة فی اصطلاحها العامّ 25

رابعاً:الحرّیة فی موضوع البحث 27

المطلب الثانی:مفهوم الاقتصاد 28

أوّلاً:الاقتصاد فی اللغة 28

ثانیاً:الاقتصاد فی القرآن 29

ثالثاً:الاقتصاد فی الاصطلاح 30

رابعاً:الاقتصاد فی موضوع البحث 34

المطلب الثالث:مفهوم الضابط 34

أوّلاً:الضابط فی اللغة 34

ثانیاً:الضابط فی الاصطلاح 36

ثالثاً:الضابط فی موضوع البحث 36

المطلب الرابع:مفهوم الحدّ 36

أوّلاً:الحدّ فی اللغة 36

ثانیاً:الحدّ فی القرآن 37

ثالثاً:الحدّ فی الاصطلاح 38

رابعاً:الحدّ فی موضوع البحث 38

ص:7

المبحث الثانی:المسار التاریخی لحدود الحرّیة الاقتصادیة 39

المطلب الأوّل:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور المتقدّمة 40

أوّلاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد البابلی 40

ثانیاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الآشوری 41

ثالثاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد العبرانی 41

رابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی الهند القدیمة 42

خامساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الیونانی 42

سادساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الرومانی 46

سابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور الوسطی 46

ثامناً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المسیحیة 47

المطلب الثانی:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور المتأخّرة 48

أوّلاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة التجاریة 48

ثانیاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة الطبیعیة 49

ثالثاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة التقلیدیة 50

رابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی النظام الرأسمالی 52

خامساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی النظام الاشتراکی 53

المبحث الثالث:الأصل العقلی فی تحدید نطاق الحرّیة 55

المطلب الأوّل:أدلّة الإباحة 60

الدلیل الأوّل:الارتکاز العرفی و العقلائی فی باب المولویات 60

الدلیل الثانی:کون العقاب من دون حُجّة ظلماً 61

الدلیل الثالث:توقّف المحرّکیة علی وصول التکلیف 61

الدلیل الرابع:اختصاص المحرّکیة بالحکم الحقیقی 62

المطلب الثانی:أدلّة الاحتیاط 64

أوّلاً:الأدلّة 64

الدلیل الأوّل:استلزام العلم الإجمالی فی الشبهات لحکم العقل بلزوم الاحتیاط فی أطرافها 64

الدلیل الثانی:دلالة لزوم دفع الضرر المحتمل علی لزوم الاحتیاط 64

الدلیل الثالث:التمسّک بأصالة الحظر 64

الدلیل الرابع:حکم العقل بحقّ الطاعة 65

ثانیاً:الإشکالات 65

الجهة الأولی:الإشکالات المبنائیة 66

الجهة الثانیة:الإشکالات البنائیة 69

المبحث الرابع:أسس عامّة 79

أوّلاً:الله هو المالک الحقیقی 80

ثانیاً:الإنسان خلیفة الله فی الأرض 81

أ)الخلافة العامّة 81

ص:8

ب)الخلافة الخاصّة 82

ثالثاً:القیام بالقسط،وسیلةٌ وغایة 84

رابعاً:الإسلام کلٌّ واحد(نظامٌ مترابط)87

خامساً:الإنسان ذو کرامة ذاتیة 87

الفصل الأوّل:ضوابط وحدود حرّیة الإنتاج

المبحث الأوّل:الإنتاج؛المفهوم و الضوابط 97

المطلب الأوّل:مفهوم الإنتاج 97

أوّلاً:الإنتاج فی اللغة 97

ثانیاً:الإنتاج فی الاصطلاح 98

المطلب الثانی:ضوابط حرّیة الإنتاج 103

الضابط الأوّل:تقوّم الإنتاج بالعمل المباشر 104

أ)الإنتاج الأوّلی 104

ب)الإنتاج الثانوی أو التداول 105

الضابط الثانی:وقوع الإنتاج علی مادّة 105

الضابط الثالث:قیام الإنتاج الثانوی علی التوافق 107

الضابط الرابع:وقوع الإنتاج علی ما یسدّ حاجةً مشروعة 108

المبحث الثانی:حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی 111

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی استخراج المعادن 113

أوّلاً:عدم السماح باستخراج المعادن،إلّا باستئذان الحاکم الشرعی 114

ثانیاً:عدم السماح بالتصرّف فیما لم یستخرج فعلیاً 116

ثالثاً:عدم السماح بتعدّی استخراج القدر المسموح به من قِبل الحاکم الشرعی 116

رابعاً:عدم السماح بمزاحمة السابق بما یمنع ممارسته الاستخراج 117

خامساً:عدم السماح بمنع اللّاحق من القیام بالاستخراج 117

سادساً:عدم السماح بالتجاوز علی الحریم الخاصّ و العامّ 117

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی التصنیع 118

أوّلاً:عدم السماح بصنع ما ینافی الأسس الاعتقادیة 118

ثانیاً:عدم السماح بصنع ما یروّج للضلال 123

ثالثاً:عدم السماح بصنع ما یروّج للفساد و الرذیلة 124

رابعاً:عدم السماح بصنع ما یوجب الظلم 130

المبحث الثالث:حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی 137

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی الحیازة 138

أولّاً:المیاه 138

أ)عدم السماح بمنع الغیر من الاستفادة من المیاه الأصلیة العامّة فی غیر موضع الحاجة 138

ب)عدم السماح بمنع الغیر من الاستفادة من المیاه الفرعیة من دون أخذها بقصد الانتفاع بها 139

ج)عدم السماح بحرمان من سُمح له بالاستفادة الإنتاجیة من المیاه الفرعیة المملوکة 140

ص:9

د)عدم السماح بالتصرّف فی حریم المیاه بما یلحق ضرراً بها 141

ثانیاً:النبات 142

أ)عدم السماح بممارسة إنتاجه من الأراضی المملوکة إلّا بعد استئذان المالک 142

ب)عدم السماح بمنع الغیر من إنتاجه من دون السبق إلیه ووضع الید علیه 143

ج)عدم السماح بمزاحمة الغیر فی ما سبق إلیه ووضع یده علیه 144

د)عدم السماح بحیازة الأصول إلّا بإحیائها 144

ثالثاً:الحیوان 145

أ)عدم السماح بحیازته دون محاولة القضاء علی مقاومته وإعجازه 145

ب)عدم السماح بالاصطیاد اللهوی:147

ج)عدم السماح بالتجاوز علی ممتلکات الغیر أثناء الاصطیاد 148

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی الزراعة 149

أوّلاً:الحدود العامّة لحرّیة الإنتاج الزراعی 151

أ)عدم السماح بالزراعة فی الأراضی التی یتطلّب إحیاؤها الاستئذان إلّا بعده 151

ب)عدم السماح بزراعة الفائض عن الحاجة 154

ج)عدم السماح بزراعة ما یتنافی وما حظره الإسلام 155

ثانیاً:الحدود الخاصّة لحرّیة الإنتاج الزراعی 156

أ)الإنتاج الاستحداثی 157

الأوّل:الأرض 158

الثانی:النبات 160

الثالث:الزمن 161

ب)الإنتاج التکمیلی 162

الأوّل:النبات 163

الثانی:الزمن 167

المبحث الرابع:حدود الحرّیة فی قطاع الخدمات 169

المطلب الأوّل:الحدود الشخصیة 171

أوّلاً:أن لا یکون صغیراً 172

ثانیاً:أن لا یکون مجنوناً 173

ثالثاً:أن لا یکون سفیهاً 175

رابعاً:أن لا یکون مُکرَهاً 176

خامساً:أن لا یکون مفلّساً 178

سادساً:أن لا یکون مریضاً مرضَ الموت 180

سابعاً:الإسلام 182

المطلب الثانی:الحدود العوضیة 183

أوّلاً:عدم السماح بتداول غیر المعین وغیر المعلوم 184

ثانیاً:عدم السماح بتداول ما لا ینفذ التصرّف فیه 187

ص:10

ثالثاً:عدم السماح بالتداول علی غیر المقدور 189

رابعاً:عدم السماح بتداول غیر النافع 191

خامساً:عدم السماح بالتداول علی الواجب 193

سادساً:عدم السماح باحتکار ما یضرّ احتکاره بالعامّة 195

سابعاً:عدم السماح بالإجحاف بالثمن 196

ثامناً:عدم السماح بتداول المحظور 197

أ)المحظور الذاتی 198

الأوّل:العمل الجنسی 198

الثانی:العمل اللهوی و الشهوانی 199

الثالث:العمل الوهمی و الخرافی 201

الرابع:العمل الدعائی 203

ب)المحظور التبعی 206

تاسعاً:عدم السماح بالعمل فی الإعانة علی المحظور 208

عاشراً:عدم السماح باستیفاء ولو جزء من العوضین دون مقابل 209

الفصل الثانی:ضوابط وحدود حرّیة التوزیع

المبحث الأوّل:التوزیع؛المفهوم و الضوابط 219

المطلب الأوّل:مفهوم التوزیع 219

أوّلاً:التوزیع فی اللغة 219

ثانیاً:التوزیع فی الاصطلاح 220

المطلب الثانی:ضوابط التوزیع 224

الضابط الأوّل:قیام توزیع ثروات الطبیعة علی القیام بعمل تنموی أو انتفاعی فعلی.224

الضابط الثانی:قیام توزیع نتاج الثروات الخاصّة علی أساس العمل المنفَق 226

الضابط الثالث:استلزام حقّ الجماعة فی الثروات العامّه لضمان عیش المحتاجین 230

الضابط الرابع:خضوع التوزیع لسلطة الحاکم للحفاظ علی توازن المجتمع وکرامته 231

المبحث الثانی:حدود الحرّیة فی توزیع ما قبل الإنتاج 235

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی توزیع الأراضی 237

أوّلاً:الأرض الموات 239

أ)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بإذن الحاکم الشرعی 239

ب)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بممارسة عمل إحیائی مستمرّ علیها 241

ج)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بممارسة الإحیاء مباشرةً دون وسیط 243

د)عدم السماح بمزاحمة السابق فیما أحیاه أو حجّره 244

ثانیاً:الأرض العامرة طبیعیاً 244

ثالثاً:الأرض العامرة بشریاً 245

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی توزیع الثروات المنقولة 248

أوّلاً:المعادن 248

ص:11

ثانیاً:باقی الثروات 251

المبحث الثالث:حدود الحرّیة فی توزیع ما بعد الإنتاج 253

أوّلاً:مادّة الإنتاج 254

ثانیاً:العمل 255

ثالثاً:أدوات الإنتاج 259

رابعاً:رأس المال 262

المبحث الرابع:حدود الحرّیة فی إعادة التوزیع 265

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی إعادة التوزیع علی المستوی الفردی 267

أوّلاً:الزکاة 267

أ)عدم السماح بتوزیعها من دون مراجعة الحاکم الشرعی 270

ب)عدم السماح بتوزیعها علی القادر علی العمل بما یناسبه مع توفّر أسبابه 271

ج)عدم السماح بتوزیعها علی من کانت نفقته واجبةً علی غیره بمقدار وجوبها 271

د)عدم السماح بتوزیع سهم الفقیر علی غیر المسلم 272

ه)عدم السماح بتوزیع سهم الفقیر علی من ینفقها فی عمل عبثی ضار 273

و)عدم السماح بإعطاء المستحقّ أکثر من مؤنته 274

ز)عدم السماح بإعطاء الهاشمی من زکاة غیر الهاشمی 275

ثانیاً:الخمس 276

ثالثاً:الکفّارات 279

رابعاً:المیراث 281

أ)عدم السماح بإرث من لم یکن وارثاً نَسبیاً أو سببیاً 281

ب)عدم السماح بالإرث بالقرابة إلّا بالولادة من نکاح شرعی 281

ج)عدم السماح بإرث غیر المسلم للمسلم 282

د)عدم السماح بإرث الوارث إلّا عند تحقّق حیاته وموت المورِّث فی ذات الوقت 282

ه)عدم السماح بإرث القاتل لمن قتله عمداً 283

و:عدم السماح بتوارث الزوجین إلّا بنکاح دائم 283

ز)عدم السماح بتوارث غیر الزوجین سببیاً إلّا بفقد الوارث النَّسبی 284

ح)عدم السماح بتوارث الزوجین بوقوع زواجهما فی مرض الموت للزوج إذا مات قبل الدخول 284

ط)عدم السماح بإرث مطلّقة المریض إلّا بموته بذلک المرض فی سنته ولم یکن برضاها ولم تتزوج 285

ی)عدم السماح بتنفیذ وصیة المریض مرض الموت بأکثر من الثلث إلّا برضی الورثة 285

ک)عدم السماح بإرث الإمام إلّا بفقد الوارث النَّسبی وضامن الجریرة و الزوج و الموصی له 286

ل)عدم السماح بإرث الأبعد مع وجود الأقرب 287

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی إعادة التوزیع علی المستوی الجماعی 288

أوّلاً:الخراج 288

ثانیاً:الفیء 289

ثالثاً:میراث من لا وارث له 290

ص:12

الفصل الثالث:ضوابط وحدود حرّیة الاستهلاک

المبحث الأول:الاستهلاک؛المفهوم و الضوابط 295

المطلب الأوّل:مفهوم الاستهلاک 295

أوّلاً:الاستهلاک فی اللغة 295

ثانیاً:الاستهلاک فی الاصطلاح 296

أ)الاصطلاح العامّ 296

ب)الاصطلاح الخاص 297

المطلب الثانی:ضوابط الاستهلاک 298

الضابط الأوّل:تقوّم الاستهلاک بتحصیل منفعة 299

الضابط الثانی:قیام الاستهلاک علی عدم الإسراف 300

الضابط الثالث:قیام الاستهلاک علی عدم التقتیر 301

الضابط الرابع:اختصاص الاستهلاک بما لا یشتمل علی محظور شرعی 302

المبحث الثانی:حدود حرّیة الاستهلاک علی المستوی الشخصی 305

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی استهلاک الغذاء 306

أوّلاً:عدم السماح بتناول النجس 306

أ)النجس ذاتاً 307

الأوّل:المیتة 307

الثانی:الدم 308

الثالث:الخنزیر 308

الرابع:الکلب 309

الخامس:المنی 309

السادس:البول و الغائط(البراز)309

ب)النجس عرضاً 310

الأوّل:الحیوان الجلّال 310

الثانی:الحیوان الموطوء 311

ثانیاً:عدم السماح بتناول المتنجّس 311

ثالثاً:عدم السماح بتناول ذی الناب أو المخلب من الحیوان 312

رابعاً:عدم السماح بتناول ذی المخلب من الطیر 313

خامساً:عدم السماح بتناول الزواحف و الحشرات 313

سادساً:عدم السماح بتناول غیر ذی الفلس من حیوان البحر 314

سابعاً:عدم السماح بتناول مستثنیات الذبیحة 315

ثامناً:عدم السماح بتناول الضار 316

تاسعاً:عدم السماح بتناول مال الغیر 317

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی استهلاک غیر الغذاء 318

أوّلاً:عدم السماح باستعمال آنیة الذهب و الفضّة 318

ص:13

ثانیاً:عدم السماح للرجل بلبس الذهب 319

ثالثاً:عدم السماح للرجل بلبس الحریر 319

رابعاً:عدم السماح بلبس المستهجَن 320

المبحث الثالث:حدود حرّیة الاستهلاک علی المستوی العمومی 321

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی الانتفاع بالطرق 321

أوّلاً:عدم السماح بإحداث شیء فی الطریق یرجع نفعه إلی الفرد خاصّة 321

ثانیاً:عدم السماح بمزاحمة الغیر فی حال انتفاعه العامّ بالطریق 322

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی الانتفاع بالمنشآت العامّة 323

أوّلاً:عدم السماح بالانتفاع بالمرفق العامّ فی غیر العنوان المجعول له 323

ثانیاً:عدم السماح للّاحق بمزاحمة السابق فی الانتفاع بما سبق إلیه 324

المبحث الرابع:حدود حرّیة الاستهلاک علی المستوی الحکومی 325

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی الإنفاق الحکومی 326

أوّلاً:عدم السماح بإنفاق مؤنة الحکومة فی المجال الشخصی 326

ثانیاً:عدم السماح بإنفاق مؤنة الدولة علی الشخص غیر المؤهّل 326

ثالثاً:عدم السماح بالإسراف و التبذیر فی مؤنة الدولة 327

رابعاً:عدم السماح للحاکم بتجاوز عیش الطبقة السفلی من المجتمع 327

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی التصرّف فی الأموال العامّة 327

أوّلاً:عدم السماح بإخراج مؤنة الحکومة من الأموال العامّة 328

ثانیاً:عدم السماح بإنفاق الأموال العاّمة فی غیر مواردها المعینة 328

الخاتمة 331

مسرد الآیات 335

المصادر 339

أ)المصادر الروائیة 339

ب)المصادر اللغویة 339

ج)المصادر التفسیریة 340

د)المصادر الفقهیة 340

ه-)المصادر الأصولیة 341

و)المصادر الاقتصادیة 342

ز)المصادر العامّة 342

ح)المجلات 343

ط)المصادر الفارسیة 343

Abstract 344

ص:14

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمین،والصلاة و السلام علی أشرف الأنبیاء و المرسلین،حبیب إله العالمین محمّد و آله الأطهار،وصحبه الأخیار وسلّم تسلیماً کثیرا.

إنّ موضوع الاقتصاد ذو حقول مختلفة وجوانب متعدّدة،ونحن تماشیاً مع اختصاصنا ارتأینا أن نخوض فی البحث فیه من خلال جانب الحرّیة التی طغت علی العالم من خلال اتّجاهها الرأسمالی،فسنسعی فی هذه الدراسة لبیان الضوابط و الحدود التی وضعها الإسلام فی جانبه الفقهی علی حرّیة ممارسة الأنشطة الاقتصادیة بکافّة حقولها الإنتاجیة و التوزیعیة والاستهلاکیة،فهو بحثٌ یرتبط بمذهب الإسلام فی جانبه الاقتصادی،ولیس له علاقةٌ بما یعرف بعلم الاقتصاد.

وتنطلق أهمّیة مثل هذه الدراسة من خلال الفوضی الاقتصادیة التی تعمّ العالم بشقّیه الإسلامی وغیر الإسلامی،فالحرّیة التی أُرید لها أن تسمو وتحلّق بالإنسان فی مدارج العیش الرغید و الأمن الاجتماعی،ارتدّت علیه لتهدّده فی أمسّ حاجاته وأوّلیات أمنه،وما ذلک إلّا لأجل أنّها لم تقم علی أسس تأخذ بعین الاعتبار حاجاته الفطریة،والمتطلّبات الحقیقیة لحیاته المعاشیة،فانتهکت بذلک کلّ العوامل التی تؤمّن للإنسان حیاةً سویة،وجعلته أسیراً لما لیس له أی دور حقیقی فی الحصول علی مبتغاه من الطمأنینة والاستقرار،وألقت به فی وطیس أزمات لا یکاد یفرّ من أحدها إلّا هوی فی الأخری.

فالمشکلة التی یعانی منها الاقتصاد العالمی فی قطاع واسع منه،هی أنّه لم یدرک

ص:15

الضوابط و الحدود الواقعیة التی یجب علی الحرّیة أن تکبح جماحها عندها،أمّا الإسلام الذی ینبع من منبع الوجود وفاطره الذی یعلم بکلّ ما من شأنه إسعاد هذا الإنسان فی جمیع مراحله الحیاتیة،فقد أسّس لتلک الحرّیة ووضع لها ضوابط وحدوداً لا تؤمّن إذا ما التزم بها العیش الرغید له فحسب،و إنّما تقوده إلی أرقی درجات الرقی و التطوّر مادّیاً ومعنویاّ.ولأجل کلّ هذا کان البحث فی بیان تلک الضوابط و الحدود التی یزخر بها الفقه الإسلامی ذا أهمّیة بالغة للإنسان المعاصر،بما هو فردٌ،وبما هو مجتمع،لیساهم العمل وفقها فی انتشاله ممّا یعانیه من فقر وحرمان وضیاع واستبداد.

ولأجل توضیح الصورة عن موضوع هذه الدراسة،لابدّ لنا من التنبیه علی عدّة أمور:

1.إنّ الغایة الأساسیة من هذا البحث تتمثّل فی محاولتنا کشف النقاب عن أحکام الإسلام فی مجالها الاقتصادی،لعرض صورة واضحة عن الضوابط و الحدود التی وضعها لتوجیه الحرّیة الاقتصادیة،والتی سیکفی التأمّل البسیط فیها للإیمان بدورها الخلّاق فی إیجاد التوازن المعیشی بین بنی الإنسان وترسیخ کرامتهم التی حباهم الله بها،ومن ثمّ القیام بدورهم الخلافتی الإعماری علی أفضل وجه.

فمع أنّ ضوابط وحدود الحرّیة الاقتصادیة من المواضیع التی تطرّقت وتعرّضت إلیها بعض الکتب،والتی یعدّ بعضها ذا أهمّیة علمیة فائقة،کما هو الحال فیما تعرّض إلیه الشهید الصدر فی کتابه الفرید اقتصادنا،وکذا بعض المقالات المتمیزة کما فی الحرّیة الاقتصادیة مبانیها وحدودها (1)للشیخ التسخیری.ولکنّها تکاد تقتصر علی جانبها وإطارها العامّ،و إن خاضت فیها بعض الأقلام علی مستوی التفاصیل.فإنّه غالباً ما جاء جزئیاً أو عابراً دون التعدّی و الغوص فی جمیع التفاصیل،هذا مع کون الفقه الإسلامی یزخر بالأحکام الاقتصادیة فی أدقّ تفاصیلها.

فتأتی هذه الدراسة لتحاول أن تجبر هذا النقص وتورد ضوابط الحرّیة الاقتصادیة وحدودها بشکل تفصیلی وإضفاء طابع حدیث علیها ینسجم ومتطلّبات العصر.

2.إنّ ما یمیز دراستنا هذه،هو أنّها ستقوم بالکشف عن ضوابط الحرّیة الاقتصادیة من خلال اعتمادها الأسس التی یقوم علیها الاقتصاد الإسلامی،والتی سیکون القرآن الکریم

ص:16


1- (1) .الحرّیة الاقتصادیّة مبانیها وحدودها،مجلة التوحید:37.

عمدتنا الأساس فی استخلاصها واستنتاجها،ومن ثمّ سنخوض فی البحث عن حدود تلک الحرّیة فی إطار تلک الضوابط و الأسس،و هو ما یضفی طابع الانسجام علی البحث الذی یحاول التوصّل إلی رؤیة شاملة ومتکاملة بخصوص الحرّیة الاقتصادیة،یترابط فیها الإنتاج و التوزیع والاستهلاک ترابطاً بنیویاً وغائیاً.

3.إنّ هذه الضوابط و الحدود سندرسها علی ضوء ما ورد حولها فی الفقه الإسلامی متمثّلاً بالفقه الإمامی و الحنفی،مع التنبیه إلی أنّ هذه الدراسة لا تُعدّ مقارنةً بین فتاوی الطرفین فی هذا الخصوص،و إنّما هی أقرب ما تکون مقاربةً بینها،مع أنّهما یکادان یشترکان ویتوافقان فی أغلب المسائل الاقتصادیة إلّا فی النزر الیسیر الذی سنحاول توجیه اختلافهما فیه بالطریقة التی تقارب بینهما؛وذلک بأسلوب حیادی خال من التعصّب،وسلاحنا فی ذلک هو ما سنتوصّل إلیه من الأسس التی یقوم علیها الاقتصاد الإسلامی،وما نعتمده من الضوابط التی تحدّد حرکته فی شعبه الثلاث إنتاجاً وتوزیعاً واستهلاکاً.فستکون هذه الأسس و الضوابط المعیار الفیصل فی انتقاء وترجیح وتثبیت تفاصیل حدود الحرّیة الاقتصادیة فی الإسلام فی جانبها الفقهی،سواء کانت تلک الحدود ممّا وقع الخلاف بین المذهبین حولها،أو اختلفت الفتوی فیها حتّی بین أصحاب المذهب الواحد،لأجل أن تتمّ رؤیتنا إلی الأمور من المنظر الأعلی دون الضیاع فی دهالیز التحلیلات والاستدلالات الجزئیة.

والجدیر ذکره هنا هو أنّنا سنقتصر فی استدلالنا فی الفصول التی ترتبط مباشرةً بموضوع البحث،أعنی:الانتاج،والتوزیع،والاستهلاک؛علی فتاوی وأحکام بعض المتأخّرین المشهورین من فقهاء الإمامیة؛إذ إنّ فتاواهم تمثّل آخر ما توصّلت إلیه الذهنیة الفقهیة الإمامیة.والذین قد تتفاوت فتاواهم فی بعض الأحیان بحسب المبانی التی یتّبعونها أصولیاً،أمّا فی الجانب الحنفی،فسنعتمد علی أمّهات کتبهم التی دوّنوا فیها فتاواهم بکلّ ما یرتبط بشؤون الحیاة،وعلی الخصوص الاقتصادیة منها.

4.وتحاول هذه الدراسة أیضاً مخاطبة جمیع القرّاء مسلمین وغیر مسلمین علی أساس أنّ فوائد وآثار أحکام الإسلام،وعلی الخصوص الاقتصادیة منها غیر مختصّة بالمسلم من جهة،و أنّ الإسلام قد أقرّ حقوق غیر المسلم فی التمتّع بمکاسب الطبیعة وتنمیة ثروته بناءً علی شمول الکرامة الإنسانیة التی نادی بها البشریة جمعاء-کما ستأتی تفاصیله من جهة أخری؛ولذا فستقوم بعرض تلک الضوابط و الحدود بثوب عصری من خلال اعتمادها لغةً عصریةً غیر

ص:17

ما درجت علیه الکتب الفقهیة،وکذا اعتمادها التقسیمات الاقتصادیة الحدیثة التی تتوزّع علی الإنتاج و التوزیع والاستهلاک،لتکون أکثر تنظیماً وأقرب تناولاً من قِبل مَنْ یهمّهم قسم من تلک الأقسام.

5.ثمّ إنّنا سنعقد دراستنا هذه فی مدخل وثلاثة فصول،حیث سیمثّل المدخل الأرضیة التی سننطلق منها للدخول فی المهمّة الأصلیة للدراسة،وهی تحدید ضوابط وحدود الحرّیة الاقتصادیة؛

فرأَینا أنّه من اللازم فیه القیام بتوضیح مفاهیم عنوان الدراسة لإناطة اللثام عمّا ربّما یشوّه إدراک المقصود الدقیق منه،ومن ثمّ تقلیب صفحات التاریخ للسیر فی ما تجسّد من تشریعات ومقرّرات بخصوص الحرّیة الاقتصادیة نفیاً أو إثباتاً.وبما أنّ موضوعنا یتّصل بالحرّیة فمن المناسب القیام ببحثها من خلال الرؤیة الأصولیة التی یقوم علیها الفقه الإسلامی،وذلک لتحدید دائرتها الابتدائیة و التی ستقوم الأحکام الفقهیة بتحدید نطاقها فی مجالها الاقتصادی،هذا إضافةً إلی ما سنتطرّق إلیه من توضیحات بشأنها فی مبحث المفاهیم العامّة.

ثمّ نأتی أخیراً علی الأسس التی یقوم علیها الاقتصاد الإسلامی،والتی نراها علی جانب کبیر من الأهمّیة لاعتماد أغلب ضوابط الحرّیة الاقتصادیة فی الفقه الإسلامی علیها.

وستُخصّص الفصول الثلاثة للبحث فی ضوابط وحدود الحرّیة فی کلّ من الإنتاج و التوزیع والاستهلاک،وذلک بشیء من التفصیل الذی یحاول استعیاب جمیع الحالات التی تدخل فی کلّ قسم من تلک الأقسام.

وأخیراً ینبغی لنا إلفات الأنظار إلی أنّ ما قاد الکثیرین إلی الاعتقاد بأنّ النظام الإسلامی یکّبل العملیة الاقتصادیة بأنواع من القیود التی تعیق حرکة الإنسان التطوّریة فی کافّة المجالات،هو أنّهم لم یطّلعوا،ولم یدرسوا النظام الاقتصادی فی الإسلام بتفاصیله التی قامت بتأمین الحرّیة الحقیقیة التی تکفل التقدّم و التطوّر و الرقی دون أن تقع فی دوّامة الأزمات الناشئة من التعدّی علی هذه الحرّیة ذاتها،لا کما یزعَم من إطلاق العنان لها،وذلک من خلال سیطرة فئة لا تکاد تمثّل سوی عصابةً تتحکّم بکلّ مفاصل الاقتصاد العالمی،هذا من جانب.

ومن جانب آخر هو أنّهم لم یعایشوا تجربةً کاملةً للإسلام فی هذا المضمار،فکما سنلاحظ أنّ أحکام الإسلام الاقتصادیة لا تقبل التفکیک و التجزئّة،فلا یمکن فصل قوانین الإنتاج عنها فی التوزیع والاستهلاک،علاوةً علی أحکامه فی المجالات الحیاتیة الأخری،فإذا ما أُرید لتلک الأحکام أن تُثمر نتائج طیبةً ترفل البشریة فی ظلالها لا بدّ من تطبیقها فی

ص:18

کلّ فصول الاقتصاد،ولا یکتفی بفصل منه دون آخر،فهی ذات وحدة مترابطة یؤثّر کلّ جزء منها فی الأجزاء الأخری سلباً أو إیجاباً بحسب صحّة وسقامة التطبیق.

ومع أنّ دراستنا هذه تمثّل دراسةً نظریةً لمجمل القیود التی أخضع الإسلام الحرکة الاقتصادیة لها فی إطاره المذهبی،إلّا أنّها فی حقیقتها تمثّل الجوانب العملیة للإسلام فی واقعه الاقتصادی بما یمتلکه من قابلیة تطبیقة،کما أکّدتها تجاربه أبّان حکمه السیاسی فی بدایاته،ولکن یلزم القیام بتفعیل الوسائل التی تجعل من هذه الحرّیة،و هذه الضوابط و الحدود فاعلةً فی الواقع الذی تُظلّه سُحب التماهل والاختلاف فی جانب،والانتهازیة والاستبداد فی جانب آخر.

عبد الکریم بحراوی

ص:19

ص:20

المدخل

اشارة

بحوث تمهیدیة

ص:21

ص:22

المبحث الأوّل:المفاهیم العامّة

اشارة

ونتطرّق فیه إلی المفاهیم الرئیسیة فی عنوان البحث،وذلک فی أربعة مطالب:

المطلب الأوّل:مفهوم الحرّیة

اشارة

ونبحث فیه عن مفهوم الحرّیة فی اللغة،وفی اصطلاحها العامّ وما تعرّض له القرآن الکریم من مفهومها لفظاً ومعنی،ومن ثمّ ما نقصده منها فی موضوع البحث.

أوّلاً:الحرّیة فی اللغة

وجاءت بالمعانی التالیة:

أ)قال ابن الأعرابی:حرّ یحرّ حرّیة،من حرّیة الأصل. (1)

ب)وحرّیة العرب:أشرافهم. (2)

وهما بمعنیً واحد،فالشرف الأصالة؛ولذلک قیل:

حرّ حراراً وحرّیة کان حرّ الأصل شریفه (3)فهی تعنی:کون الشیء علی حالته الأصلیة من الطلاقة و الخلوص؛ولذا قالوا:

ص:23


1- (1) .لسان العرب:178/4.
2- (2) .المصدر نفسه:182.
3- (3) .المنجد فی اللغة:124.

الحرّ من الرمل ما خلص من الاختلاط بغیره (1)

وعرّفوا الحرّ بأنّه:

خلاف العبد،سُمی بذلک لخلاصه من الرقّیة (2)

فالحرّ:

من لم یجر علیه حکم شیء (3)

خارجاً و:

من لم تتملّکه الصفات الذمیمة (4)

ذاتاً.

ثانیاً:الحرّیة فی القرآن
اشارة

لقد جاءت الحرّیة فی القرآن الکریم لفظاً ومعنی کالتالی:

أ)لفظاً
اشارة

،وانتظم علی النحو التالی:

الأوّل:التحریر:

فَتَحْرِیرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، (5)أی:عتق رقبة،یقال:حرّرت المملوک فحرّ،أعتقته فعُتق. (6)والتحریر:جعل الإنسان حرّا. (7)

الثانی:الحرّ:

اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ ، (8)و هو من لم یجرِ علیه حکم شیء. (9)

الثالث:المحرّر:

نَذَرْتُ لَکَ ما فِی بَطْنِی مُحَرَّراً ، (10)أی مخلصاً لک مفرداً لعبادتک. (11)

ص:24


1- (1) .مصباح المنیر:128.
2- (2) .مجمع البحرین:264/3.
3- (3) .المفردات فی غریب القرآن:224.
4- (4) .المصدر نفسه.
5- (5) .سورة النساء:92.
6- (6) .مجمع البحرین:363/3.
7- (7) .المفردات فی غریب القرآن:224.
8- (8) .البقرة:178.
9- (9) .المفردات فی غریب القرآن:224.
10- (10) .آل عمران:35.
11- (11) .مجمع البحرین:363/3.

فتلاحظ أنّ المعنی اللُّغوی الذی قدّمناه مأخوذٌ فی جمیع تلک المفردات،فالتحریر إعادةٌ إلی الحالة الأصلیة التی کان علیها.والحرّ هو ما لم یجرِ علیه عنوان وقیود العبودیة فهو طلق،والمحرّر هو ما لم تشوبه أی حالة من حالات العلوق بالدنیا وعدم الخلوص لله،ولذا:

قیل:هو أنّه جعل ولده بحیث لا ینتفع به الانتفاع الدنیوی المذکور فی قوله عزّ وجلّ: بَنِینَ وَ حَفَدَةً . (1)و (2)

ب)معنی،
اشارة

و هذه نماذج منه:

الأوّل:ما جاء بنحو الإشاءة،

کقوله تعالی: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِی أَمْوالِنا ما نَشؤُا ، (3)ونحوه کثیر.

الثانی:ما جاء بنحو الخیرة،

کقوله تعالی: أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ، (4)ونحوه.

الثالث:ما جاء بنحو الإرادة،

کقوله تعالی: وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَکُمْ فَلا جُناحَ عَلَیْکُمْ . (5)

ونحوها من الألفاظ.

ثالثاً:الحرّیة فی اصطلاحها العامّ
اشارة

وذکروا لها هنا عدّة تعاریف،منها:

أ)القدرة علی التصرّف بإرادة الذات واختیارها.

(6)

ب)حرّیة إرادة الإنسان فی تقریر نوع السّلوک.

(7)

ج)الحرّیة عبارة عن عدم وجود مانع فی طریق تحقیق الإنسان لآماله.

(8)

د)الإنسان الحرّ هو ذلک الشخص الذی یتمکّن من القیام بعمل بالاعتماد علی قدرته وعلمه دون أن یواجهه مانع،فهو یفعل ما یرید.

(9)

ه)أن یترک الأفراد أحراراً فی سبیل تحقیق مصالحهم الذاتیة،

دون قید إلّا

ص:25


1- (1) .النحل:72.
2- (2) .المفردات فی غریب القرآن:225.
3- (3) .هود:87.
4- (4) .الأحزاب:36.
5- (5) .البقرة:233.
6- (6) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:159.
7- (7) .مجلّة المنهاج:العدد/11.
8- (8) .آیزایا برلین،نقلاً عن:قدردان قراملکی،محمدحسین:آزادی در فقه وحدود آن:27.
9- (9) .توماس هوبز،نقلاً عن المصدر:26.

عدم تعارض سلوک أی فرد من أفراد الجماعة مع تحقیق الأفراد الآخرین لمصالحهم الذاتیة. (1)

و)أن یستطیع کلّ إنسان السعی نحو مصلحته بطریقته الخاصّة،

بشرط أن لا یعرّض مصالح الآخرین للضرر. (2)

ز)الحرّیة عبارة عن الاستقلال عن کلّ شیء سوی القانون الأخلاقی.

(3)وقبل الخوض فی مناقشة هذه التعریفات لتمییز مدی مصداقیتها ینبغی الإشارة إلی نقطة مهمّة ترتبط بمفهوم الحرّیة،وهی:أنّ الحرّیة علی نوعین،فهناک حرّیةٌ أساسیةٌ أو طبیعیةٌ أو تکوینیةٌ؛یتمیز بها الإنسان عن غیره من المخلوقات-باعتبار ترکیبته النفسیة و العضویة-یمکنه من خلالها مجاراة میوله وغرائزه أو مخالفتها،فهذه الحرّیة میزةٌ طبیعیةٌ للإنسان بما هو إنسانٌ یستطیع من خلالها ممارسة إنسانیته بغضّ النظر عن أی شیء آخر،فهی:

التی تعتبر بحقّ إحدی المقوّمات الجوهریة للإنسانیة؛لأنّها تعبیر عن الطاقة الحیویة فیها.فالإنسانیة بدون هذه الحرّیة لفظ بدون معنی. (4)

و هذه الحرّیة ذاتها تتّخذ شکلاً آخر عندما یبدأ الإنسان بممارسة نشاطه الاجتماعی،ویعیش فی محیط بشری له حرّیاتٌ مشابهةٌ لما لدیه،فهنا سیتحدّد نطاق حرّیته التکوینیة بما لا یتزاحم وحرّیة بنی جنسه،ویحاول بالتعاون معهم علی وضع حدود لحرّیاتهم تلک بما یساهم فی عدم اختلال حیاتهم الاجتماعیة کمجموعة،فتکون حرّیاتهم مقیدةً بما ینظّم حیاتهم تنظیماً یضمن مصالح کلّ منهم،و هذا ممّا لا یختلف بشأنه اثنان.

ثمّ یأتی من بعد ذلک النظام المتَّبع لیوسّع أو یضیق من الحدود الاجتماعیة للحرّیة-بما یتّفق-وقیمه الّتی یؤمن بها و الأهداف التی یتوخّی الوصول إلیها،لتتحوّل إلی حرّیة تصطبغ بصبغة النظام الذی یؤمن صاحبها به،وهی ما یطلق علیها بالحدود الدینیة أو المذهبیة للحرّیة،فیأتی من یؤمن ومن لا یؤمن بنطام لیضع لها تعریفاً یتّفق وما یعتقده،وعلی هذا الأساس:

فما نلاحظه علی التعریفین(الف)و(ب)هو أنّهما نظرا إلی الحرّیة من الزاویة الأولی وهی الحرّیة التکوینیة أو الفلسفیة،کما یعبّرون و التی یعرّفونها بالاختیار فی مقابل الإجبار،خصوصاً إذا ما علمنا بأنّ صاحبَی التعریف من المنهجیین الإسلامیین الذین یأخذون نظامهم الإسلامی بعین

ص:26


1- (1) .آزادی،عقل وإیمان:37.
2- (2) .جان ستیوارت مل،نقلاً عن:قدردان قراملکی،محمدحسین،آزادی در فقه وحدود آن:26.
3- (3) .کانت،نقلاً عن المصدر نفسه:27.
4- (4) .اقتصادنا:282.

الاعتبار،فلم یقیدوا تعریفهم بأی قید ینمّ عن نظرهما إلی زاویة غیر الزاویة الأولی.

أمّا التعریف(ج)فإنّه قد خلط بین الحرّیة التکوینیة والاجتماعیة،فأنزل الثانیة منزلة الأولی،وممّا یدلّل علی أنّ التعریف ناظرٌ إلی الحرّیة الاجتماعیة هو أنّ تحقیق الآمال لیس من الحاجات البسیطة؛إذ هی تتطلّب خوض الغمار الاجتماعی،وأوقف وجودها علی عدم وجود مانع،و هذا یعنی عدم وجود حرّیة مع وجود مانع.ومن الطّبیعی أنّ حرّیات الآخرین تقف حائلاً بوجه تحقّقها المطلق.

والتعریف(د)کالتعریف الذی سبقه،وأضاف إلی ذلک شروطاً ذاتیة یستلزم توفّرها فیمن یرید القیام بعمل حرّ،و هذا یبین بوضوح أنّ المراد منها؛الحرّیة علی المستوی الاجتماعی،وإلّا لیس کلّ الأعمال تتطلّب علماً و قدرةً مساوقةً للعلم.

ویظهر بوضوح أنّ التعریفین(ه)و(و)یختصّان بالنوع الثانی من الحرّیة ألَا،وهی:الحرّیة الاجتماعیة،ولا یتعدّاه إلی نوعها الثالث،وأعنی:المذهبیة:فالأوّل ضبطها بعبارة:دون قید.والثانی بعبارة بطریقته الخاصّة.

و هذا یعنی الانفلات من أی مذهب إلّا المذهب العدمی.

ویأتی التعریف(ز)لیکون عائماً فیما بین نوعها الاجتماعی و المذهبی،فهل المراد من:القانون الأخلاقی النزعة الفطریة أم الضوابط المذهبیة أم القوانین الاجتماعیة التوافقیة؟

رابعاً:الحرّیة فی موضوع البحث

بما أنّ بحثنا یرتبط بالاتّجاه المذهبی الدینی،فهو بالتالی یحدّد الحرّیة المقصودة فیه بذلک الإطار،مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ الحرّیة بجانبها المنهجی و الدینی ترتکز علی جانبها التکوینی الذی اعترف به الإسلام کما مرّ.وتتحدّد کذلک بجانبها الاجتماعی إضافةً إلی الدینی،ولکن حسب الرؤیة التی حدّدها وقرّرها الإسلام لذلک الجانب الاجتماعی.

وبما أنّ بحثنا یختصّ بالحرّیة فی جانبها الاقتصادی،فلا بدّ لنا من عرض بعض تعاریفها الاصطلاحیة فی هذا المجال.فقد جاء فی تعریفها ذاک من أنّها:

إباحة تصرّف الفرد فی ملکه حیثما شاء فله أن یمارس أی لون من ألوان التجارة و الصناعة. (1)

و هذا التعریف ناظرٌ إلی جانبها الفردی المرتبط بالجانب الإنتاجی دون بقیة فروع الاقتصاد کالتوزیع والاستهلاک.

ص:27


1- (1) .النظام السیاسی فی الإسلام:192.

أو أنّ یکون:

لکلّ فرد مطلق الحرّیة فی انتهاج أی أسلوب وسلوک أی طریق،لکسب الثروة وتضخیمها ومضاعفتها،علی ضوء مصالحه ومنافعه الشخصیة. (1)

و هذا التعریف کسابقه إلّا أنّه یبین الأسالیب التی لا تقف عند حدّ لممارسة الفرد حرّیته الاقتصادیة القائمة علی أساس مصالحه،و هو یعبّر عن الحرّیة الاقتصادیة باتّجاهها الرأسمالی؛أمّا التعریف الذی یعرّفها بأنّها عبارة عن:

فسح المجال للفرد فی أن یتملّک ما یشاء ویعمل مواهبه فی إنماء ملکیته دون تعرّض لتحکّم السلطات فی شأنه. (2)

فهو أکثر وضوحاً فی عدم وقوف مؤسّسة الدولة بوجه تلک الحرّیة الاقتصادیة.

ومن خلال ما مرّ یتّضح المقصود منها فی موضوع بحثنا هذا،فالحرّیة الاقتصادیة،تعنی:حرّیة ممارسة النشاط الاقتصادی بکافّة أبعادة علی ضوء المبادئ و القوانین و القیود التی وضعها الإسلام فی هذا الإطار.

المطلب الثانی:مفهوم الاقتصاد

اشارة

وسنبحثه ضمن ثلاثة عناوین لغةً و اصطلاحاً ما ورد عنه فی القرآن،وفی موضوع البحث:

أوّلاً:الاقتصاد فی اللغة
اشارة

والاقتصاد فی اللغة هو:الاسم من اقتصد،وصیغة افتعال من قصد،وتعنی:

أ)الاستقامة

:اقتصد فلان فی أمره،أی:استقام، (3)القصد:استقامة الطریقة. (4)

ب)التوسّط

:والقصد فی الشیء:خلاف الإفراط،و هو ما بین الإسراف و التقتیر، (5)والاقتصاد فی المعیشة:هو التوسّط بین التبذیر و التقتیر، (6)اقتصد فی النفقة:توسّط بین الإفراط و التقتیر. (7)

ص:28


1- (1) .المدرسة الإسلامیة:38.
2- (2) .الأصول العامّة للفقه المقارن:291.
3- (3) .لسان العرب:354/3.
4- (4) .کتاب العین:55/5.
5- (5) .لسان العرب:354/3.
6- (6) .مجمع البحرین:127/3.
7- (7) .المنجد فی اللغة:632.

وهما بمعنیً واحد و هو الاعتدال،حیث الاستقامة هنا هی الاعتدال بالمعنی الأعمّ،والتوسّط استعمل هنا بالمعنی الأخصّ فی مجال الإنفاق،فقالوا:

القصد القصد،أی:الزموا القصد و التمسوه.وتؤل علی معنیین:أحدهما الاستقامة.فإنّ القصد یستعمل فیما بین الإسراف و التقتیر...والقصد فی الأمور:ما بین الإفراط و التفریط. (1)

وجاء القصد بمعان أُخر:

النیة،العزم،الغرض و الغایة،الوجهة،البیان،التعمّد،الإرادة والاختیار. (2)

ثانیاً:الاقتصاد فی القرآن

وورد الاقتصاد فی القرآن الکریم بمعناه اللُّغوی علی نحوین،وهما کالتالی:

أ)ما تضمّنته الآیات التالیة حسب المعانی المشار إلیها:

الأوّل:قوله تعالی:

وَ اقْصِدْ فِی مَشْیِکَ ، (3)أی:اعدل،ولا تتبختر فیه ولا تدبّ دبیباً.من القصد،و هو مشی الاعتدال. (4)

الثانی:قوله تعالی:

وَ سَفَراً قاصِداً ، (5)أی:سفراً متوسّط[اً]غیر متناهی البعد. (6)

الثالث:قوله تعالی:

أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ، (7)أی:عادلة. (8)

الرابع:قوله تعالی: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ . (9)

والمراد بالمقتصد:المتوسّط الذی هو فی قصد السبیل،وسواء الطریق. (10)

ص:29


1- (1) .مجمع البحرین:127/3.
2- (2) .المصطلحات:2056-2057.
3- (3) .لقمان:19.
4- (4) .مجمع البحرین:127/3.
5- (5) .التوبة:42.
6- (6) .المفردات فی غریب القرآن:672.
7- (7) .المائدة:66.
8- (8) .مجمع البحرین:127/3.
9- (9) .فاطر:32.
10- (10) .المیزان فی تفسیر القرآن:46/17.

الخامس:قوله تعالی: وَ عَلَی اللّهِ قَصْدُ السَّبِیلِ (1)أی:بیان الطریق المستقیم. (2)

ویعود جمیع ما تقدّم إلی المعنی اللُّغوی الأساس،أی التوسّط والاعتدال،کما تلاحظ.

ب)ما جاء بلفظ آخر مرادف لمعناه اللغوی:

الأوّل:نحو قواماً فی قوله تعالی: وَ کانَ بَیْنَ ذلِکَ قَواماً . (3)

الثانی:أو سویاً فی قوله تعالی: أَ فَمَنْ یَمْشِی مُکِبًّا عَلی وَجْهِهِ أَهْدی أَمَّنْ یَمْشِی سَوِیًّا عَلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ . (4)

ثالثاً:الاقتصاد فی الاصطلاح

إنّ الاقتصاد فی مفهومه العرفی العامّ غالباً ما یطلق علی حسن التدبیر والاستخدام الأمثل للثروة،ویراد منه:ما یقابل إهدارها وإتلافها دون نفع أو فائدة عقلائیة.ولکنّه فی مفهومه العلمی یطلق علی مجالین،وهما:المجال التحلیلی،ویراد به:علم الاقتصاد.والمجال التقنینی و التشریعی،ویراد به:المذهب الاقتصادی.

ففی المجال الأوّل هناک من التعاریف ما لا یعدّ ولا یحصی،و هذه نماذج منها:

أ)دراسة تصرّفات الفرد فی نطاق أعمال حیاته الیومیة،وأنّه یتناول ذلک الجزء من حیاته الذی یتّصل بکیفیة حصوله علی الدخل وکیفیة استخدامه لهذا الدخل. (5)

ب) دراسة سلوک الإنسان فی إدارة الموارد النادرة وتنمیتها لإشباع حاجاته. (6)

ج) یدرس کلّ ما یتعلّق بالنشاط الإنسانی المؤدّی إلی خلق المنافع وزیادتها،ویستهدف وراء ذلک إشباع أکبر قدر من حاجات الإنسان الاقتصادیة. (7)

د) هو العلم الّذی یتناول تفسیر الحیاة الاقتصادیة وأحداثها وظواهرها،وربط تلک الأحداث و الظواهر بالأسباب و العوامل العامّة التی تتحکّم فیها. (8)

ص:30


1- (1) .النحل:9.
2- (2) .تفسیر الجلالین:346.
3- (3) .الفرقان:67.
4- (4) .الملک:22.
5- (5) .الفرد مارشال نقلاً عن:د.عبد الکریم،فتحی أحمد،النظام الاقتصادی فی الإسلام:6.
6- (6) .أصول الاقتصاد الإسلامی:12.
7- (7) .الاقتصاد فی الإسلام:11.
8- (8) .اقتصادنا:377.

ولا نرید الخوض فی محاکمة هذه التعاریف ومقارنتها ببعضها البعض؛لأنّ موضوع بحثنا لا یرتبط بها،فهو بنیوی یرتبط بالمذهب الاقتصادی من حیث الأسس و الضوابط و الأحکام التی یعتمدها،ویخضع الفعّالیات الاقتصادیة لها.

ومن الجدیر بالذکر هنا،أنّ البعض قد خلط بین علم الاقتصاد و المذهب و النظام الاقتصادی،فلم یمیز بینهما.

فقد ذکر عند کلامه عن المحاور الأساسیة للنظام الاقتصادی الإسلامی-لاحظوا أنّه یستعمل کلمة نظام فی عنوان البحث-عرّف علم الاقتصاد-ولاحظوا مرّةً أخری أنّه یستعمل کلمة علم هذه المرّة:

بأنّه العلم الذی یبحث فی کیفیة واستغلال الموارد الاقتصادیة النادرة لإنتاج ما یمکن إنتاجه من السلع و الخدمات؛وذلک لإشباع الحاجات الإنسانیة،فی ظلّ إطار معین من القیم و التقالید و التطلّعات الحضاریة للمجتمع الإسلامی،أی:أن تتمّ العملیة الإنتاجیة فی ظلّ تعالیم الدین الإسلامی الحنیف،و هو أیضاً العلم الذی یبحث فی الطریقة التی یوزّع بها الناتج الاقتصادی بین المشترکین فی العملیة الانتاجیة فی ظلّ الإطار الحضاری نفسه:أخلاق وقیم الدین الإسلامی. (1)

فهو یتحدّث عن؛عملیة انتاج وتوزیع تتمّ حسب تعالیم الإسلام،أی:أحکام وقوانین الإسلام،و هو یتحدّث عن طریقة معینة لتنظیم الحیاة الاقتصادیة،و هذا هو بالضبط ما یراد بالمذهب الاقتصادی.کما سیأتی.

و قد مرّ آنفاً تعاریف بعض الاقتصادیین و المفکّرین لعلم الاقتصاد،والتی تتلخّص بأنّه دراسة للسلوک و التصرّفات،وتفسیر للظواهر الاقتصادیة،واکتشاف للقوانین الموضوعیة العامّة.

ونحن لا نرید أن ننفی وجود ارتباط بین المذهب و العلم،فإنّ الاکتشاف العلمی یؤدّی أحیاناً إلی وضع قانون مذهبی،فأنصار المدرسة التجاریة مثلاً حینما:

فسّروا من ناحیة علمیة کمّیة الثروة لدی کلّ أمّة:بالمقدار الذی تملکه من النقد،استخدموا هذه الفکرة فی وضع مذهبهم التجاری،فدعوا إلی تنشیط التجارة الخارجیة بوصفها الأداة الوحیدة لجلب النقد من الخارج،ووضعوا معالم سیاسة اقتصادیة،تؤدّی إلی زیادة کمّیة البضائع المصدّرة علی قیمة البضائع المستوردة،لتدخل إلی البلاد نقود بقدر الزیادة فی الصادرات. (2)

ص:31


1- (1) .الاقتصاد الإسلامی الوقائع و الأفکار الاقتصادیّة:199.
2- (2) .:اقتصادنا:30.

ولکنّنا نرید أن نقول إنّ المذهب یمثّل الأنظمة و القوانین المشرّعة التی نتّبعها ویقوم علیها الفعل الاقتصادی،هذا إضافةً إلی أنّه لم یظهر إلی النور حتّی الآن علم اقتصاد إسلامی،یستلهم وجهة نظر الإسلام المذهبیة فی تفسیر الظواهر الاقتصادیة،بالشکل الذی یمکن ادّعاء أنّه علم اقتصاد إسلامی،بل إنّ البعض یری بأنّ العلم بحدّ ذاته،لا یمکن أن یکون مذهبیاً،لنصنّفه بأنّه إسلامی وغیر إسلامی:

لأنّ الکشف عن القوانین و العلائق الموضوعیة بین الظواهر الکونیة أو الاجتماعیة من وظیفة العلم،ولا یدخل فی صلاحیات المذهب إطلاقاً؛ولهذا کانت لمجتمعات مختلفة فی مذاهبها الاقتصادیة،أن تلتقی علی الصعید العلمی وتتّفق علی استخدام مُعطیات علم الاقتصاد وسائر العلوم والاسترشاد بها فی مجالات الإنتاج. (1)

فوظیفة علم الاقتصاد تتمثّل فی:

اکتشاف القوانین التی یتاح للمنتج عن طریق معرفتها،تنظیم الجانب الموضوعی لعملیة الإنتاج بالشکل الذی یؤدّی إلی نتیجة أضخم وإنتاج أوفر وأجود (2)

أمّا المذهب،فإنّه یرتبط:

بالجانب الذاتی الذی یتمثّل فی الدافع النفسی.والغایة التی تُستهدف من تلک العملیة،وتُقیم العملیة تبعاً للتصوّرات المتبنّاة عن العدالة. (3)ففی هذا الجانب ینعکس التناقض المذهبی بین المجتمعات التی تختلف فی مذاهبها الاقتصادیة. (4)

فهل أنّ الأسالیب التی نتّبعها کمسلمین ملتزمین بالإسلام فی ممارسة النشاط الاقتصادی؛وضعناها نحن،أم أنّ الإسلام کان قد جاء بها قبل أکثر من ألف وأربعمائة عام؟وهل أنّ علم الفقه مثلاً هو الفقه نفسه،أم أنّه العملیة التی نقوم بها و التی تحتمل الخطأ،لاستنباط أحکام الإسلام و التکالیف التی یلزم علی الإنسان المسلم الالتزام بها فی حیاته العملیة؟

فالمذهب هو الطریقة العملیة التی یلزم تطبیقها؛أمّا العلم،فهو معلوماتٌ وضوابط یختزنها الذهن للکشف عن هذه الطریقة أو سواها من المعلومات،فما ذکره البعض،تعقیباً علی نقله تعریف المذهب الاقتصادی بأنّه:

الطریقة التی یفضّل الإسلام اتّباعها فی الحیاة الاقتصادیة (5)

ص:32


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .المصدر نفسه:648.
3- (3) .المصدر نفسه:647.
4- (4) .المصدر نفسه:648.
5- (5) .المصدر نفسه:29.

بقوله:

ویؤخذ علی هذا التعریف أنّه جعل الاقتصاد الإسلامی طریقةً ولیس علماً (1)

یستشفّ منه عدم إدراکه بشکل دقیق للفارق بین مفهومَی العلم و المذهب.

وممّا جاء فی تعریفه کمذهب ونظام:

1.النظام الاقتصادی:وحدة النشاط البشری المنظّم الذی تحکمه معاییر حدّدها الإسلام بوضوح. (2)

2.الاقتصاد التشریعی هو ذلک القسم من الاقتصاد الذی یتعلّق بالأوامر و النواهی أو تفسیرها وتقییمها فی مذهب ما. (3)

3.إنّ المذهب الاقتصادی للمجتمع عبارة عن الطریقة الّتی یفضّل المجتمع اتّباعها فی حیاته الاقتصادیة وحلّ مشاکلها العملیة. (4)

فمن خلال التعاریف الثلاثة المتقدّمة یمکننا تحدید رکائز المفهوم الاصطلاحی للاقتصاد،وهی أنّه:

طریقةٌ ومنهجٌ یتّبع فی ممارسة النشاط الاقتصادی-أی:ما ینبغی وما لا ینبغی أو ما یجوز وما لا یجوز فعله-و قد استخدم التعریف الأوّل عبارة«معاییر حدّدها الإسلام»،والثانی عبارة«یتعلّق بالأوامر و النواهی»والثالث«الطریقة التی یفضّل المجتمع اتّباعها»؛للتعبیر عن هذا المنهج المتَّبع،و هذا هو الممیز الأساسی للمذهب الاقتصادی عن علم الاقتصاد،حیث إنّ علم الاقتصاد یختصّ بتفسیر الظواهر و الفعّالیات الاقتصادیة،ومن ثمّ اقتراح حلول للمشاکل التی تعتریها بما یؤدّی إلی الاستمثار الأمثل للموارد،کما تلاحِظ من خلال مضمون تعاریف القسم الأوّل.

وأنّه یشمل کافّة وجوه النشاط و الفعّالیات الاقتصادیة للمجتمع،ولا یختصّ بالمفهوم اللُّغوی و العرفی الذی معنَوْه بالتوسّط والاعتدال فیما بین الإفراط أو الإسراف و التفریط أو التقتیر.لذلک نری أنّ التعریف الأوّل عبّر عن ذلک بوحدة النشاط البشری المنظّم و الأخیر بالمجتمع-أی:لا یختصّ بالتصرّفات الشخصیة التی تقتصر علی الشخص ذاته-ومع أنّ التعریف الثانی لم یشر إلی ذلک إلّا أنّ فحواه هو ما ذهبنا إلیه،ولم یرد من عبارة«ذلک القسم

ص:33


1- (1) .عناصر الإنتاج فی الاقتصاد الإسلامی:41.
2- (2) .النظام الاقتصادی فی الإسلام:14.
3- (3) .در آمدی بر اقتصاد اسلامی:9.
4- (4) .اقتصادنا:377.

من الاقتصاد»جزءاً خاصّاً منه و إنّما النوع فی مقابل الاقتصاد التحلیلی أو علم الاقتصاد.

ومن الطبیعی أنّ المنهج یقوم علی قیم ویتوخّی أهداف المذهب الذی یمثّله،و هذا ممّا لم تُشر إلیه التعاریف المتقدّمة،وما ذلک إلّا لأنّ هذه النقطة تمثّل الغایة من الاقتصاد.ولیس الاقتصاد ذاته؛ولذا قالوا فی مکان آخر:

فالمذهب الاقتصادی یشمل کلّ قاعدة أساسیة فی الحیاة الاقتصادیة تتّصل بفکرة:العدالة الاجتماعیة (1)حیث إنّ فکرة العدالة الاجتماعیة تمثّل الهدف،والغایة التی یبغیها مذهبٌ ما،ویسعی إلی تحقیقها من خلال القوانین التی یضعها لضبط الفعّالیات الاقتصادیة.

رابعاً:الاقتصاد فی موضوع البحث

وممّا تقدّم یمکن تعریف المذهب الاقتصادی بأنّه:مجموعة الأسس و الضوابط و الأحکام التی تنظّم کافّة الممارسات التی تتّصل بتولید الثروة وتوزیعها واستهلاکها فی مجتمع ما بشکل یکفل تحقیق المُثل و القیم التی یقوم علیها ذلک المجتمع.

المطلب الثالث:مفهوم الضابط

اشارة

ونبحث فیه مفهوم الضابط أو الضابطة لغةً واصطلاحاً لنخلُص إلی مفهومه فی موضوع بحثنا:

أوّلاً:الضابط فی اللغة

الضابط هو اسم فاعل من الضبط،ولو راجعنا مفهوم الضبط لُغویاً لوجدنا أنّه قد جاء بالمعانی التالیة:

أ)ضبط الشیء:حفظه بالحزم. (2)

ومنهم من اقتصر فی معناه هذا علی الحزم،فیأتی:

رجل ضابط،أی:حازم. (3)

ب)حفظه حفظاً بلیغا (4)

ص:34


1- (1) .المصدر نفسه:381.
2- (2) .الصحاح:1139/3.
3- (3) .مجمع البحرین:5/3.
4- (4) .المصدر نفسه.

ومنه:مجرّد

الحفظ. (1)

ج)حبس الشیء. (2)

وجمیع المعانی المتقدّمة تستقی من کون الضبط هو حسن القیام علی الشیء و السیطرة علیه

من کافّة أنحائه،وعلی هذا الأساس استُعمل فی معانی مجازیة عدیدة،فیقال:

ضبطه وجع:أخذه. (3)ومنه:ضبط الرجل الشیء یضبطه ضبطاً،إذا أخذه أخذاً شدیدا (4)

کما عن ابن درید.

ویقال ضبط:

الکتاب:صحّحه وشکّله. (5)

ویقال:

رجل ضابط وضبنطی:قوی شدید. (6)

والعمل:

أتقنه وأحکمه. (7)

وعلی هذا الأساس فالضابط فی اللغة یأتی بمعنی:

الحازم،والقوی الشدید.

وبمعنی:

ما یلزم الشئ ویحبسه. (8)

وبمعنی:

الحافظ المتقن. (9)

ص:35


1- (1) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:262.
2- (2) .تاج العروس:321/10.
3- (3) .المصدر نفسه:322.
4- (4) .المصدر نفسه:321.
5- (5) .المنجد فی اللغة:445.
6- (6) .لسان العرب:340/7.
7- (7) .المنجد فی اللغة:445.
8- (8) .الصحاح:1139/3.
9- (9) .المصطلحات:1586.
ثانیاً:الضابط فی الاصطلاح

أمّا فی الاصطلاح،فقد جاء الضابط بالمعانی التالیة:

أ)من لا یغلبه النسیان،من کان ذکره أکثر من سهوه (1)

و هو ما یعرف به الراوی:

ب)حکم کلّی ینطبق علی جزئیاته. (2)

ثالثاً:الضابط فی موضوع البحث

ویختصّ مفهوم الضابط فی موضوع بحثنا بالمعنی(ب)من معانیه الاصطلاحیة،فهو هنا بمثابة المعیار التی تتقید جزئیات وفرعیات موضوع کالإنتاج أو التوزیع أو الاستهلاک به ولا تزیغ عنه،فهی تُخضع نفسها له وتتّخذ مساراً واتّجاهاً موافقاً له.

المطلب الرابع:مفهوم الحدّ

اشارة

ویتضمّن مفهوم الحدّ لُغویاً واصطلاحیاً،وما جاء عنه فی القرآن الکریم،ومن ثمّ فی موضوع البحث:

أوّلاً:الحدّ فی اللغة

لقد جاء الحدّ فیها علی عدّة معان منها:

أ)المنع. (3)

ب)الصرف عن الشیء من الخیر و الشر. (4)

ج)الفصل بین الشیئین لئلّا یختلط أحدهما بالآخر أو لئلّا یتعدّی أحدهما علی الآخر. (5)

د)من کلّ شیء:طرفه الرقیق الحاد. (6)

وقیل:الحدّ من کلّ ذلک ما دقّ من شفرته. (7)

ه)من کلّ شیء:منتهاه. (8)

ص:36


1- (1) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:261.
2- (2) .الصحاح:1139/3.
3- (3) .لسان العرب:142/3.
4- (4) .المصدر نفسه:143.
5- (5) .المصدر نفسه:142.
6- (6) .القاموس الفقهی:82.
7- (7) .لسان العرب:142/3.
8- (8) .القاموس الفقهی:82.

و)حدَّ المذنب:أقام علیه الحدّ وأدّبه ممّا یمنع غیره ویمنعه من ارتکاب الذنب. (1)

فالمعنی(ب)،یعود إلی المعنی(ألف)؛لأنّ الصرف الخاصّ هنا یعود إلی المعنی الأعمّ و هو المنع،والفصل بین الشیئین فی المعنی(ج)هو فی الحقیقة منع أحدهما عن الآخر،والمعنی(و)یعود إلی المنع أیضاً بإرادة الغایة،وهی الامتناع.

أمّا المعنی(د)،فیعود إلی المعنی(ه)؛لأنّ طرف الشیء هو منتهاه عادةً.فیکون علی معنیین؛المنع،ومنتهی الشیء،والمنتهی فی الحقیقة،هو النقطة التی تمنع الشیء عن أن یتجاوزها:

وحدّ کلّ شیء منتهاه،لأنّه یردّه ویمنعه عن التمادی،والجمع حدود (2)

إمّا ذاتاً کالأقوال التی تُمعنیه بالمنتهی أو عرَضاً وذلک بقوّة خارجیة کالمنع و الصرف و الفصل.

ثانیاً:الحدّ فی القرآن

أمّا معانی الحدّ فی القرآن،فقد جاءت علی النحو التالی:

أ)أمر الله سبحانه ونهیه... تِلْکَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَقْرَبُوها . (3)وو (4)

ب)ما لا یتعدّی کالمواریث المعینة وتزویج الأربع،ومنه قوله تعالی: تِلْکَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوها . (5)و (6)

وبقلیل من التأمّل یتّضح بأنّهما یجتمعان فی معنیً واحد،و هو الفرائض التی افترضها الله إیجاباً بالإتیان بها أو انتهاءً بالاجتناب عنها.و هو یعود إلی المعنی اللُّغوی،فإنّه یرتبط بالمنع من مخالفة ما فرضه الله تعالی:

وأصل الحدّ المنع و الفصل بین الشیئین،فکأنّ حدود الشرع فصلت بین الحلال والحرام. (7)

ص:37


1- (1) .المنجد فی اللغة:120.
2- (2) .تاج العروس:410/4-415.
3- (3) .البقرة:187.
4- (4) .القاموس الفقهی:83.
5- (5) .البقرة:229.
6- (6) .لسان العرب:140/3.
7- (7) .المصدر نفسه:142.
ثالثاً:الحدّ فی الاصطلاح

واستُخدم الحدّ فیه بالمعانی التالیة:

أ)عقوبة حدّدها الشارع علی جنایة مثل القتل و الزنا وغیرهما. (1)

ب)وسُمّی اللفظ الجامع المانع حدّاً؛لأنّه یجمع معنی الشیء ویمنع دخول غیره فیه. (2)

فالحدّ اصطلاحاً یطلق علی:1.العقوبة الشرعیة المحدّدة،2.التعریف المنطقی.

رابعاً:الحدّ فی موضوع البحث

وممّا تقدّم یمکن تحدید مفهوم الحدود فی موضوع بحثنا،فهو یرجع فی الأساس إلی المفهوم اللغوی للحدّ،والذی یعضده ما جاء عنه فی القرآن؛فهی الأحکام و القیود و الشروط التی أقرّها الإسلام و التی تخضع لضوابطه الاقتصادیة فلا تتعدّاها أو تتجاوزها فعلاً أو ترکاً.

وعلی هذا فما نعنیه من ضوابط الحرّیة الاقتصادیة وحدودها،هو المِلاکات أو المعاییر التی تتحکّم بالحرّیة الاقتصادیة وتُخضعها لها و المدیات التی تخضع لها فی إطار تلک المعاییر ولا تشذّ عنها،وذلک علی القول بأنّ الأصل الأوّلی هو الإباحة؛أمّا علی القول بأنّه الحظر والاحتیاط ولو فیما یحتمل فیه التکلیف و إن لم یقطع به فإنّه سیؤول إلی ذات النتیجة-إلّا فی نطاق ضیق جدّاً-أخذاً بالأصل العملی الذی یتمثّل بالبراءة الشرعیة،فیما لم یتحقّق فیه قطع،کما سنبحثه لاحقاً.

وبذلک تمثّل الضوابط المعاییر العامّة للفعالیات الاقتصادیة،والحدود،الجزئیات التی تقف عندها الحرّیة الاقتصادیة،والتی تتأطّر بإطار تلک الضوابط إنتاجاً وتوزیعاً واستهلاکاً،لتنتظم بشکل ینسجم و القیم و الأهداف التی یؤمن بها،وتحقّق ما یصبو إلیه من قیام الإنسان بدوره البنّاء فی خلافة الله فی الأرض،وسوقه باتّجاه الغایة التی أنشأه من أجلها و المتمثّلة بطاعته،ومن ثمّ ظفره بالسعادة فی حیاته الدنیویة المؤقّتة وحیاته الأخرویة الخالدة.

ص:38


1- (1) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:153.
2- (2) .البحر الرائق:3/5.

المبحث الثانی:المسار التاریخی لحدود الحرّیة الاقتصادیة

اشارة

عندما ابتدأ الإنسان حیاته علی وجه الأرض،لم یکن یمارس إنتاجاً اقتصادیاً أو توزیعاً للثروات المحیطة به بالشکل المتعارف،حیث کانت حاجاته بسیطة جدّاً تتمثّل فی تحصیل ما یسدّ رمقه و العثور علی مأویً یأوی إلیه عند النوم.فکان یمارس حرّیته بشکل مطلق من خلال عملیة الحیازة المقتصرة علی توفیر ما أشرنا إلیه فیتناول ما تُنبته الأرض من طعام وصید ما تصل إلیه یداه من حیوان.

وعندما عرف کیف یصنع آلات بسیطةً للقیام بعملیة الصید واستغلال الأرض لزراعة المحاصیل التی یحتاجها هو،خطی خطوةً هامّةً وتاریخیةً علی مستوی عملیة الإنتاج.وعندما أخذ بالتوالد وتشکّلت إثر ذلک مجتمعاتٌ بسیطةٌ وصغیرة،أخذ یسعی نحو الکسب الأکثر للثروات لتوفیر احتیاجاته المتزایدة ممّا أدّی إلی حدوث تصادم مع الأفراد الآخرین الذین یسعون فی ذات الاتّجاه،أضف إلی ذلک اتّساع تلک المجتمعات الصغیرة وقیامها بعملیة تقسیم الأعمال و التخصّص فیها ونشوء عملیة التبادل التجاری،والذی ابتدأ بشکله البسیط المتمثّل بعملیة المقایضة.

کلّ ذلک أدّی إلی تنامی وتفاقم المشاکل سواء علی مستوی توفیر ما یحتاجه أو علی مستوی النزاعات التی تحدث بینه وبین أفراد جنسه نتیجةً لذلک.فابتدأ بالتفکیر فی نوع من التفاهم و التوافق حول إیجاد مستویً من النظام یحفظ مصالح الجمیع ویؤمّن انسجام حرکته

ص:39

الاقتصادیة و المعاشیة،وکان لا بدّ له من أن یتنازل عن جزء من حرّیته الأساسیة تلک للتوصّل إلی ذلک النظام الذی یهیئ له أسباب الأمن و الرقّی.

هذا ما یذکره کثیرٌ من العلماء حول نشوء الأنظمة الإنسانیة علی العموم و النظام الاقتصادی علی الخصوص،ویعدّ ذلک أمراً طبیعیاً وجریاناً یتناسب و العقلیة التدبیریة للإنسان فی کافّة شؤون حیاته،إذا ما نظرنا إلیه بمنأیً عن المؤثّرات الأخری؛أمّا إذا کنّا نؤمن-کأتباع دین کالإسلام-بأنّ الأنظمة و القوانین،قد أنزلها الله مع أوّل إنسان وطأت قدمیه الأرض باعتباره خلیفته فیها ونبیاً یوحی إلیه من قِبله،وذلک لتنظیم حیاته وعلاقاته بمختلف الموجودات،فإنّ الأمر سیکون أقرب وأیسر إدراکاً وفهماً.

و قد قام الإنسان باختزان بعض تلک التعالیم و القوانین فی ذهنیته وأسلوب حیاته علی الرغم من ابتعاده عن إطارها المُلزم،وانعکس ذلک علی شکل قوانین وضعها فی مختلف الأدوار التاریخیة التی مرّ بها و الحضارات التی أشادها،ویمکننا إلقاء نظرة إجمالیة علی حدود الحرّیة الاقتصادیة حسب الأدوار التاریخیة المختلفة التی مرّت بها،وذلک فی مطلبین:

المطلب الأوّل:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور المتقدّمة

اشارة

وهی العصور التی تمثّلت فیها تلک الحدود علی شکل إجراءات مبعثرة،وهی کما یلی:

أوّلاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد البابلی

فقد قامت الدولة البابلیة بتحجیم حرّیة التجّار فی عملیة المبادلات التجاریة،فقامت:

بتحدید أسعار کثیر من البضائع (1)

ولأجل حمایة أموال الناس من التعرّض للعدوان والانتهاک ومنع الاستغلال؛وضعت:

عقوبة الأعدام علی السرقة و الرشوة. (2)

وکان ذلک انعکاساً لما جاء فی إحدی فقرات قانون حمورابی الشهیر من الحدیث عن:

تحقیق العدالة،ومحاربة أنواع الظلم،وتحقیق الرفاه العام. (3)

ص:40


1- (1) .تاریخ تحولات اندیشه اقتصادی:52.
2- (2) .المصدر نفسه:52.
3- (3) .المصدر نفسه:51.

أمّا فی مجال التوزیع فقد:

کانت هناک مقرّرات خاصّة للمیراث (1)

ویستشفّ من قانون بابل القدیم بأنّ الدولة کان لها دورٌ مهمٌّ فی عملیة إعادة توزیع الثروات،حیث:

کانت تُجبی الضرائب باسم الله و الشعب وقیام الحاکم بالإشراف علی إنفاقها. (2)

ثانیاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الآشوری

أمّا الآشوریون،فقد کانوا یهتمّون کثیراً بممارسة عملیات الانتاج ویرجّحونها علی العملیات التجاریة؛لما تتّصف به عملیات الانتاج من صفاء وإخلاص وتحصیل للقمة العیش بعرق الجبین،وبُعد عن الظلم والاحتیال الذی کثیراً ما تختلط به الفعّالیات التجاریة:

فکانوا یعتقدون بأنّ التجارة عمل حقیر،و أنّ الانتاج فعّالیة کریمة. (3)

ثالثاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد العبرانی

وبخصوص العبرانیین،فقد جاء النبی عاموس لیحذّر بنی إسرائیل من أنّه:

إذا أخذتم الرشوة،ولم ترحموا الفقراء،فستمحق ثرواتکم وأموالکم (4)

ویتعلّق الأمر الثامن من الأوامر الإلهیة العشرة للنبی موسی علیه السلام:

بتوفیر الأمن وضمان الملکیة الخاصّة. (5)

وأولت تلک الأوامر أهمّیةً خاصّةً لقیام عملیة الکسب علی بذل الجهد وعدم تنامی الثروات وتمرکزها فی ید طبقة خاصّة فکان:

تحریم الربا أحد تلک الأوامر. (6)

وأکّدت علی التربیة الأخلاقیة فی صیانة أموال الآخرین ومراعاة حرمتها:

فأکّدت علی اجتناب الطمع بأموال الجار. (7)

ص:41


1- (1) .المصدر نفسه:52.
2- (2) .المصدر نفسه:52.
3- (3) .المصدر نفسه:52.
4- (4) .المصدر نفسه:53.
5- (5) .المصدر نفسه:54.
6- (6) .المصدر نفسه:54.
7- (7) .المصدر نفسه:54.
رابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی الهند القدیمة

أمّا الهنود القدماء:

فقاموا بتسعیر السلع حسب الضوابط التی تراها النقابات المهنیة-تسعیر تشاوری فیما بین الدولة و السوق-وعمّموا النظام الضرائبی حتّی شمل دور القمار،وفرضوه علی سائر الخدمات سوی القطاع الزراعی. (1)

وبالغ کنفوشیوس 551 ق.م فی إیصاء حکّام المجتمع بالحدّ من الترف وتوزیع الثروة بشکل عادل بین أفراد المجتمع،والحیلولة دون تمرکزها بید طبقة خاصّة،فیصرّح فی ذلک ویقول:

إنّ تمرکز الثروة بید فئة خاصّة یؤدّی إلی تفرّق الناس وتفرّقها بین الناس یؤدّی إلی اتّحادهم وتضامنهم. (2)

وکان للعمل قیمةٌ أخلاقیةٌ کبری فی أفکار کونفوشیوس:

فأوجبه علی الجمیع حتّی الکهول؛لأنّ الکسل و البطالة شیء بغیض ومنبوذ. (3)

علی حدّ تعبیره،لکنّه حذّر من الأنانیة لما لها من دور فی التجاوز علی حقوق الأفراد التی أوصی باحترامها:

فلا ینبغی الاقتصار علی تحقیق المصالح الفردیة أثناء العمل،فمن خلال هذا الطریق یمکن القضاء علی الأفکار الأنانیة (4)

و هو فی ذات الوقت الذی أوجب العمل علی الجمیع:

فرض علی الدولة ضمان إعالة الیتامی و الضعفاء. (5)

وکان الأصل لدیه هو الحرّیة فی ممارسة الأفراد للفعّالیات الاقتصادیة،فحثّ علی:

السعی لترک الناس أحراراً،وعدم سنّ القوانین بهذا الخصوص إلّا فی أضیق دائرة ممکنة. (6)

خامساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الیونانی

أمّا فی الیونان القدیمة:

فقد قام صولون،و هو سیاسی ومشرّع أثینی،فی القرن السادس قبل المیلاد،بوضع دستور ضمّنه عدداً من الإصلاحات؛وذلک بهدف احتواء الآثار الاجتماعیة للصراع

ص:42


1- (1) .المصدر نفسه:60.
2- (2) .المصدر نفسه:62.
3- (3) .المصدر نفسه:62.
4- (4) .المصدر نفسه.
5- (5) .المصدر نفسه.
6- (6) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:24-25(بتصرّف یسیر).

المحتدم فیما بین طبقة التجار و الطبقة الارستقراطیة المکوّنة من کبار ملّاک الأرض إثر تنامی النشاط التجاری،وانعکاس هذا الصراع سلباً علی الفلاحین الذین جری استعبادهم تدریجیاً بعد إفقارهم؛وتمثّلت أبرز تلک الإصلاحات بما یلی:

1.تحریم استرقاق المدین.

2.تحریر بعض العبید.

3.تخفیض کثیر من الدیون إن کان إلغاؤها متعذّرا. (1)

ویلاحَظ بوضوح أنّ الهدف من هذه الإصلاحات هو إعادة التوازن الاجتماعی والاقتصادی عن طریق تحدید الحرّیة اللّامحدودة التی تتمتّع بها الطبقة الارستقراطیة،والتی کانت تستغلّها لتوسیع نفوذها وسحق الطبقات الأخری.وکذلک الحدّ من الانقسام الطبقی الذی کانت تنوء تحت وطأته طبقة العبید.

فقد کان:

العبید یقومون بکلّ النشاطات الزراعیة و الحرفیة والاستخراجیة،وکلّ الأشغال العامّة التی کانت الدولة تقوم بتنفیذها-وبالنظر إلی هذا الدور الحیوی لطبقة العبید-فقد نشطت وازدهرت تجارة العبید فی هذا العصر الذی کان فیه المجتمع الیونانی قائماً علی العبودیة. (2)

فبینما نلاحظ الطبقة الارستقراطیة تستأثر بالأرض و الثروة التی ترکّزت فی یدیها الأمر الذی مکّنها من احتکار النفوذ و الحکم،تأتی طبقة صغار الملّاک و الحرفیین لتخصّ نفسها بالوظائف الرفیعة فی المجتمع،بینما یمنع الأجانب من حقّ التملک،ومن أی حقوق سیاسیة مع ما کانوا یقومون به من دور مهمّ وحیوی فی الحیاة التجاریة فیما بین المدن الیونانیة و المدن الساحلیة الأخری. (3)

وعندما جاء أفلاطون 427347 ق.م ولاحَظ الحقوق الواسعة التی یتمتّع بها أفراد الطبقتین المتقدّمتین علی حساب الطبقات الأخری حضّ علی:

إلغاء الملکیة الفردیة لتحلّ محلّها الملکیة العامّة (4)

حیث:

اعتبر التملک الخاصّ وتکوین الأسرة قیوداً ینبغی أن یتحرّر منها الحکّام،فالحیاة ملیئة بالمغریات (5)

ص:43


1- (1) .المصدر نفسه:27.
2- (2) .المصدر نفسه:25-27(بتصرّف یسیر).
3- (3) .الاقتصاد فی الإسلام:26(بتصرّف یسیر).
4- (4) .المصدر نفسه.
5- (5) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:31.

علی حدّ تعبیره.

وقصر:

حقّ التملک الخاصّ علی طبقة المنتجین،إلّا أنّه حذّر من تکوین ثراء فاحش؛لأنّ فی هذا الثراء الفاحش ما من شأنه أن یهدّد قیم المجتمع ویزعزع استقراره (1)

وجاء هنا لیعطی الدولة دوراً مهمّاً فی تحقیق العدالة الاجتماعیة لما لها من شأن فعّال فی حفظ توازن المجتمع واستقراره،فحضّها:

علی ضرورة التدخّل بغرض منع حدوث الثراء الفاحش لما له من عواقب وخیمة. (2)

وبینما نلاحظ أفلاطون حاول حسر الملکیة الخاصّة عن الفئات الأکثر نفوذاً فی المجتمع ولم یراعِ النزوع الفطری نحوها-لاعتقاده بأنّ ذلک هو السبیل الوحید للحدّ من سطوات الطبقات المتنفّذة-نری أنّ أرسطو 384322 ق.م صلی الله علیه و آله اتّخذ أسلوباً آخر:

فدعا إلی احترام الملکیة الفردیة واعتبرها من أهمّ وسائل زیادة الإنتاج وجودته وعارض الملکیة العامّة وأظهر عیوبها. (3)

وما ذلک باعتقادی،إلّا لاختلاف الزاویة التی نظر منها کلا العَلمین للمشکلة الاقتصادیة القائمة آنذاک،فأفلاطون لم یحارب الملکیة الخاصّة-اعتقاداً منه بعدم جدواها وسلبیتها،-ولکنّه إنّما أراد نزع فتیل الأزمة القائمة فی المجتمع،والتی کان یری أنّ سببها یکمن فی استئثار الطبقة الارستقراطیة بالثروة دون بقیة فئات المجتمع،ممّا یدعوهم إلی إعمال نفوذهم،وسحق باقی الطبقات عن هذه الطریق.

وممّا یعضد ذلک هو أنّه کان یحذّر من الثراء الفاحش الذی کان السبب الأساسی للمشکلة لا الملکیة الخاصّة بحدّ ذاتها،وإلّا لما سمح بها للمنتجین؛أمّا بالنسبة إلی تلمیذه:

فإنّ أرسطو لم یجعل من الملکیة الخاصّة حقّاً مطلقاً،إذ لیس هدف الإنسان تحقیق الثروة (4)

فهو قد عارض کأستاذه الثراء الفاحش الذی کان قد علّل معارضته تلک،بالعواقب الوخیمة المترتّبة علیه:

فحرص علی وضع قیود وضوابط،تحدّ من احتمال حصول ثراء فاحش فی المجتمع،یعود بأسوء العواقب علیه. (5)

ص:44


1- (1) .المصدر نفسه:32.
2- (2) .المصدر نفسه:32.
3- (3) .الاقتصاد فی الإسلام:27.
4- (4) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:42.
5- (5) .المصدر نفسه.

و قد مرّ علینا کیف أنّ أفلاطون کان حریصاً أشدّ الحرص،علی الوقوف بوجه ما یهدّد قیم المجتمع ویزعزع استقراره،وها هو أرسطو یصبو نحو تلک الغایة ذاتها،ولکن من خلال تعمیمه للملکیة الفردیة لأنّ:

للملکیة الخاصّة،فی اعتقاد أرسطو،وظیفة اجتماعیة محدّدة تستهدف خدمة المجتمع ککلّ. (1)

فقد کانت العوامل الأخلاقیة ومحاولة تحقیق العدالة الاجتماعیة من أهمّ البواعث التی دعتهما للذهاب إلی ما ذهبا إلیه.

فانطلق أرسطو،فی تأکیده وضع ضوابط تقید حقّ الملکیة الخاصّة وتحدّ من الإفراط فیها،من عدّة اعتبارات لعلّ أهمّها:اعتبارات أخلاقیة،الحرص علی تأمین قدر معین من العدالة فی المجتمع. (2)

وحدا هذا المحرّک الذی حرّک أرسطو لإقرار الملکیة الخاصّة،ألَا،و هو الحیلولة دون العواقب السیئة التی تزعزع استقرار المجتمع حدا به إلی:

مهاجمة الاحتکار؛ (3)لأنّ هذا من شأنه أن یلحق ضرراً فادحاً بالمجتمع...ولکونه یتعارض مع فکرة العدالة الاجتماعیة. (4)ذلک أنّ الاحتکار یقوم علی أساس استغلال البائع للمشتری. (5)

ومع:

أنّ أرسطو لم یقرّ بأنّ العمل المبذول فی إنتاج السلعة هو أساس التبادل (6)[إلّا أنّه]حرّم الربا. (7)

من جهة أنّه یؤدّی إلی تمرکز الثروة فی أیدی فئة خاصّة فی المجتمع،و هو ما یتنافی و العدالة الاجتماعیة الّتی ینشدها:

فاعتبر التعاطی مع الربا أسوأ شکل من أشکال تجمیع المال. (8)

ص:45


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .المصدر نفسه:43.
3- (3) .الاقتصاد فی الإسلام:27.
4- (4) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:52.
5- (5) .المصدر نفسه:53.
6- (6) .المصدر نفسه:49.
7- (7) .الاقتصاد فی الإسلام:27.
8- (8) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:53.

لأنّ:

الغرض من النقود یتحدّد فی استخدامها فی التبادل،لا زیادتها عن طریق تحصیل الربا (1)

فهی وسیلةٌ ولیست غایة.

سادساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العهد الرومانی

أمّا الرومان،فإنّهم قاموا بتنظیم المعاملات التجاریة،ولم یترکوا الأمور تجری علی عواهنها فی السّوق،حیث أبدعوا نظریةً مهمّةً عُرفت بنظریة العقد،فحدّدوا الأساس الذی تقوم علیه المعاملات،و هو الرضی بین المتعاملین حیث إنّهم کانوا قد:

نادوا باحترام الملکیة الفردیة. (2)

فوفقاً لنظریة العقد:

تکون المعاملات مبنیةً علی الرضا بین المتعاقدین فی السوق. (3)

ومن جهة أخری،فقد:

أکّدوا علی مشروعیة تحقیق ربح ناتج عن النشاط الزراعی إلّا أنّهم اعتبروا حجم الربح الناتج عن الزراعة متوقّفاً علی مدی قرب أو بعد قطعة الأرض الزراعیة من السوق (4)

ولم یطلقوا العنان کذلک للملکیة الخاصّة للتتنامی کیفما شاءت:

فعارضوا الاحتکار وحرّموا الربا. (5)

سابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور الوسطی

أمّا فی العصور الوسطی،فقد حدث انتهاکٌ خطیرٌ جدّاً لحرّیة الأفراد فی الملکیة الخاصّة،بل انجرّ الأمر إلی استرقاقهم من قِبل الحکّام؛وذلک إثر تفتّت الإمبراطوریة الرومانیة،وقیام النظام الإقطاعی،من خلال حکّام الأقالیم الذین سیطروا علی أقالیمهم:

فاستحدثوا نظاماً اجتماعیاً عُرف بنظام رقیق الأرض،فتحوّل الفلّاحون الأحرار،بعد أن جُرّدوا من أراضیهم بالإکراه إلی مجرّد رقیق تربطهم بسید الأرض الجدید

ص:46


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .الاقتصاد فی الإسلام:28.
3- (3) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:61-62.
4- (4) .المصدر:63.
5- (5) .الاقتصاد فی الإسلام:28.

علاقات متبادلة،فیقومون بزراعة أرض الحاکم دون مقابل،ویلزم علیهم کذلک تقدیم الخدمات فی قصره،ولم یعطَوا سوی قطعة من الأرض یقومون بزراعتها لصالحهم مع التزامهم بتقدیم جزء من محصولها إلیه. (1)

ثامناً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المسیحیة

ومع أنّ المسیحیة کانت قد اعترفت بالملکیة الخاصّة:

لکنّها حذّرت من مساوئ الإفراط فی التملّک،وبالتالی جنحت إلی عدم تشجیع الملکیة الخاصّة المطلقة و المفرطة،وذلک بالنظر إلی ما یمکن أن یسفر عن هذا الإفراط فی الملکیة،وفی تکوین الثروة،من إجحاف بحقّ المحرومین و الفقراء. (2)

وعندما ظهرت جماعة المدرّسین من بین رجال الکنیسة،أشادت نظاماً اقتصادیاً کان من أهمّ مبادئه:

1.احترام الملکیة الفردیة؛2.ربط الاقتصاد بالدین و الأخلاق،فدعوا إلی تحریم الربا وطالبوا بالحدّ من الثراء...کما طالبوا بتحدید الأجر العادل و الثمن العادل. (3)

وعلی هذا الأساس:

أقرّ توما الأکوینی بحقّ التملّک الخاص،باعتبار أنّ الملکیة تجسید للنظام الطبیعی.ولکنّه وضع لهذه الملکیة ضوابط وقواعد تحول دون أن تترتّب علیها مساوئ تلحق ضرراً بالمجتمع (4)

علی اعتبار أنّ من حقّ الجمیع أن یحیوا حیاةً متکافئةً دون أن یتجاوز أحدٌ علی الآخر:

فتعامل مع موضوع الملکیة علی أساس أخلاقی مستمدّ من التعالیم المسیحیة التی تؤکّد أن الله خلق الأرض من أجل کل الناس ولا یستطیع أی منهم أن یحرم الآخرین (5)

ومع أنّه:

برّر للبائع حصوله علی ثمن أعلی...إلّا أنّه لم یتجاهل مصلحة المستهلک وضرورة حمایته من جشع البائع،ولا سیما إذا کان هذا البائع ضمن تکتّل احتکاری لمجموعة من البائعین.وحتّی لا یقع غبن علی المستهلک،أکّد الأکوینی علی ضرورة أن یکون الفارق،فی الثمن الذی یحصل علیه البائع،بسیطاً ومشابهاً لأجر العمل المبذول،بحیث یتمّ تحدید ثمن السلعة،فی السوق،بشکل طبیعی وعادل،یرضی البائع،ولا یرهق کاهل المستهلک (6)

ص:47


1- (1) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:67-68(بتصرّف یسیر).
2- (2) .المصدر نفسه:73.
3- (3) .الاقتصاد فی الإسلام:37.
4- (4) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:77.
5- (5) .المصدر نفسه:76.
6- (6) .المصدر نفسه:78.

وبناء علی اعتباراته الأخلاقیة التی بنی علیها ضوابطه تلک فقد:

اعتبر تقاضی الربا سلوکاً یتنافی مع الأخلاق...علاوة علی تعارضها مع التعالیم المسیحیة الأمر الذی یوجب تحریمها. (1)

وبالرغم من:

أنّ الکنیسة فی البدایة قد خصّت بالتحریم،رجال الدین وحدهم،ولکنّها قامت بتعمیم هذا التحریم،فی وقت لاحق،بحیث أصبح تعاطی الفائدة(الربا)أمراً محرّماً علی کلّ الناس (2)

ومع أنّ الأکوینی 12251274م سمح لاحقاً فی تقاضی الربا،ولکنّه لم یسمح به بصورة مطلقة،وحدّده بالموادّ التی لا یمکن استهلاکها دفعةً واحدة؛أمّا ما یستهلک دفعةً واحدةً فأبقاه علی الحظر السابق،فهو:

کمحاولة منه،فی وقت لاحق،إیجاد سبب مقنع لتقاضی الربا،فی ضوء ما استجدّ من متغیرات نجد أنّه یمیز بین موادّ یمکن استهلاکها دفعة واحدة کالنقود،ومواد لا یمکن استهلاکها دفعة واحدة،کالبیوت،والأراضی الزراعیة،وأدوات الإنتاج (3)

المطلب الثانی:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی العصور المتأخّرة

اشارة

وهی العصور التی اتّخذت فیها الحرّیة الاقتصادیة طابعاً منظّماً تمثّل علی شکل مدارس وأنظمة،ویمکننا تحدید ملامح تلک الحرّیة وفقاً لما یأتی:

أوّلاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة التجاریة

عندما استعاد ملوک أوربا نفوذهم اتّبعوا سیاسةً تهدف إلی تحقیق الثراء و القوّة للدولة عن طریق تدخّلها فی الشؤون الاقتصادیة،وذلک عن طریق إقامة تحالف مع التجّار فنشأ ما عُرف بالمدرسة التجاریة،التی أطلقت حرّیة التجّار فی الثراء الفاحش:

فقام الملوک بسنّ القوانین ووضع النُّظم التی من شأنها أن تؤمّن للتجّار أکبر قدر من الربح،یعود جزء منه للملوک (4)

ص:48


1- (1) .المصدر نفسه:79.
2- (2) .المصدر نفسه:79.
3- (3) .المصدر نفسه:80.
4- (4) .المصدر نفسه:94.

ولکنّ ذلک لم یتمّ إلّا علی أساس هضم حقوق المنتجین و العمّال و الحدّ من حرّیتهم التجاریة،فکان:

استمرار وإصرار الدول علی منع زیادة سعر الحنطة ومقدار الأجور،سبباً فی فقر وفاقة المزارعین و العمّال (1)

ولم یقتصر هذا المنع علی الأسعار بل تعدّاه إلی کیفیة ومحلّ بیع منتجاتهم فإنّ:

شراء وبیع الغلّات من قِبل المزارعین کان ممنوعاً حتّی فی داخل الولایات و المناطق وکان یجب أن یتمّ فی السوق الرسمیة ویخضع لرقابة موظّفی الدولة (2)

فقبضت الدولة بید من حدید علی جمیع العملیات الاقتصادیة،ولم تراعِ أی اعتبارات أخلاقیة فی ما یعزّز نفوذها،وبکلّ الوسائل المشروعة وغیر المشروعة،فجاءت دعوة میکافیلّی 1469-1564م إلی:

ضرورة الفصل بین السیاسة من جهة،والأخلاق و الدین من جهة أخری،مؤکّداً،بشکل یوحی بالجزم بأنّ تطوّر المجتمع...یتطلّب سلطة مرکزیة قویة ممثّلة بالملک (3)

وعلی هذا الاعتبار أطلق نهمها حتّی تجاوز تخوم بلادها لتسارع إلی استعمار بقیة البلدان واستثمار خیراتها.

فکانت تقوم لوحدها:

بتحدید أسعار السلع ومستویات الأجور...وباستغلال المناجم و المزارع فی المستعمرات (4)

ولکن کان من نتیجة هذه السیاسة المتشدّدة و الضاغطة علی الحرّیات:

بروز میل عند جمیع الأفراد نحو الحرّیة و الخلاص من ضغوط هذه المقرّرات المتعدّدة و المتزایدة وسوء استخدامها،فانعکس ذلک فی أفکار وعقائد مدرسة جدیدة عُرفت بمدرسة الطبیعیین (5)

ثانیاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة الطبیعیة

حیث قامت فکرة هذه المدرسة،علی أنّ

ص:49


1- (1) .تاریخ مختصر عقاید اقتصادی:45.
2- (2) .المصدر نفسه:45.
3- (3) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:95.
4- (4) .المصدر نفسه:115.
5- (5) .تاریخ مختصر عقاید اقتصادی:46.

المصلحة العامّة تتحقّق تلقائیاً من خلال المصلحة الخاصّة إذ لا یوجد بینهما تعارض وفقاً للنظام الطبیعی (1)

فکان من أهمّ مبادئها:

أ.الحرّیة الاقتصادیة:التی تعطی لکلّ فرد الحقّ فی ممارسة واختیار العمل الذی یلائمه وعبّروا عنها بالمبدأ اترکه یعمل اترکه یمر.ب.الملکیة الفردیة:أن یکون لکلّ فرد الحقّ فی التملّک،وعلی الدولة احترام هذا الحقّ و المحافظة علیه مع احترام المیراث وتطبیق قواعده (2)

وعلی هذا الأساس رفضت تدخّل الدولة فی الحیاة الاقتصادیة،إلّا:

بما لا یتعارض مع جوهر وروح النظام الطبیعی (3)

بل إنّها دعت إلی:

حمایة الملکیة الخاصّة وتأمینها ضدّ أیة تعدّیات أو تجاوزات،باعتبارها عنصراً أساسیاً یقوم علیها النظام الطبیعی (4)

فکانت تری بأنّ الاقتصاد الحرّ هو أفضل وسیلة لتحقیق الرفاه الشامل تطبیقاً:

لفکرتهم المتجسّدة فی الشعار القائل دع الأمور تسیر علی أعنّتها (5)

ومن الجدیر ذکره أنّ المدرسة الطبیعیة کانت قد صبّت جلّ اهتمامها علی الزراعة دون الصناعة و التجارة،کردّ فعل علی التجاریین الذین رکّزوا علی التجارة،حیث اعتبروا غیرها من الأعمال غیر منتجة؛لأنّ الزراعة هی الوحیدة حسب رأیهم:

القادرة علی إیجاد محصول خالص یکون منبعاً لجمیع الثروات؛ولذا فإنّ اشتغال باقی طبقات المجتمع بأعمال غیر الزراعة عقیمة (6)

ثالثاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی المدرسة التقلیدیة

وردّاً علی هذه الرؤیة التی رأتها المدرسة الطبیعیة،نشأت المدرسة الکلاسیکیة أو التقلیدیة التی هدفت إلی توجیه الجهود نحو الصناعة بالذات.ویعدّ آدم سمیث 17231790م من أبرز

ص:50


1- (1) .الاقتصاد فی الإسلام:42.
2- (2) .المصدر نفسه.
3- (3) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:173.
4- (4) .المصدر نفسه:176.
5- (5) .المصدر نفسه:172.
6- (6) .تاریخ مختصر عقاید اقتصادی:65-66.

روّادها،الذی أشاد أفکاره علی أساس الحرّیة الاقتصادیة.ولکنّه و:

علی خلاف کثیر من النقّاد و المحلّلین،لم یکن قائلاً بلزوم رعایة الحرّیة بشکل مطلق فی الأمور الاقتصادیة،و إنّما قام بالعدول عن کثیر من عقائده فهو قد ألزم الدولة بضرورة اتّخاذها تدابیر من أجل تحقیق أصول الحرّیة الاقتصادیة...وکان مقصوده من ذلک هو أنّه یجب علی الدولة تأمین وضمان مجموعة إجراءات مختلفة کی تسیر الفعّالیات الاقتصادیة الحرّة بشکل طبیعی ونافع. (1)

ومن ضمن تلک الإجراءات التی رآها ضروریةً:

تدخّل الدولة فی تحدید أسعار السلع التی یحتکر التعاطی بها صنف أو مؤسّسة خاصّة؛لأنّ ذلک یعدّ الوسیلة و العامل الأمثل فی الحفاظ علی حقوق المستهلکین وصیانتها فی مثل هذه الموارد. (2)

ودعا إلی أن یکون مستوی الأجور متناسباً و الحاجات المعاشیة فی زمن الرخص و الغلاء علی السواء کی:

یستطیع العامل تأمین النفقات الأساسیة له ولأسرته حتّی فی زمن الغلاء،وأن تکون قوّته الشرائیة أکثر من الحدّ الأدنی لما یحتاجه زمن الرخص. (3)

و هذا ممّا یدلّ علی قوله بحدود وضوابط للحرّیة الاقتصادیة التی دعا إلیها.ومن ضمن المبادئ التی قام علیها هذا المذهب و التی تُعدّ بمثابة ضوابط وقیود علی الحرّیة الاقتصادیة التی آمن بها:

1.أنّ العمل وحده قوام الثروة القومیة و المورد الأصیل لها؛2.تحدید الإنتاج وموازنته وفقاً للأسعار السائدة فی الأسواق؛3.رعایة مصالح العمّال وحمایتهم من أصحاب رؤوس الأموال (4)

ویأتی یبدی تورجو 17271781م لیناظر آدم سمیث فی شدّة تمسّکه بمذهب أصالة الفرد ومبدأ الحرّیة الاقتصادیة:

مؤکّداً،فی دفاعه عن هذا المبدأ،علی أنّ کلّ فرد فی المجتمع،هو أعرف بمصلحته،وبالتالی،فهو الأقدر علی تحقیقها. (5)

ص:51


1- (1) .المصدر نفسه:86.
2- (2) .المصدر نفسه:87
3- (3) .المصدر نفسه:95.
4- (4) .الاقتصاد فی الإسلام:42.
5- (5) .تاریخ الفکر الاقتصادی قبل آدم سمیث:286.

أمّا جون باتیست سه 17671832م فقد اعتمد مبدأ المقایضة فتتمّ عملیة:

مقایضة السلع و الخدمات بالسلع و الخدمات فحسب (1)

ولم یعطِ للنقد دوراً سوی اعتباره وسیطاً فی المعاملات و الحصول علی السلع لیس إلّا؛ولذا فقد اعتبر:

الاکتناز مجرّد مرض استثنائی فی الحیاة الاقتصادیة (2)

وکان من نتائج هذه المدرسة،قیام النظام الرأسمالی،الذی اتّخذت فیه الحرّیة الاقتصادیة أبعاداً أخری مستمدّةً من الحرّیة الفردیة المطلقة،التی بنی دعائمه علی أساسها،والتی أطلقت العنان للفرد فی أن یفعل ما یشاء.

رابعاً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی النظام الرأسمالی

وعلی هذا فقد قام الاقتصاد الرأسمالی علی ثلاثة أرکان رئیسیة:

أوّلاً:الأخذ بمبدأ الملکیة الخاصّة بشکل غیر محدود...فسمح للملکیة الخاصّة بغزو جمیع عناصر الانتاج من:الأرض و الآلات و المبانی و المعادن،وغیر ذلک من ألوان الثروة.ثانیاً:فسح المجال أمام کلّ فرد لاستغلال ملکیته وإمکاناته علی الوجه الذی یروق له،والسماح له بتنمیة ثروته بمختلف الوسائل و الأسالیب التی یتمکّن منها.ثالثاً:ضمان حرّیة الاستهلاک،کما تضمن حرّیة الاستغلال.فلکلّ شخص الحرّیة فی الإنفاق من ماله کیف یشاء علی حاجاته ورغباته. (3)

ولا یقف بوجه هذه الحرّیة شیءٌ سوی ما یؤدّی إلی الإضرار بما یرتبط بالمصلحة العامّة،ولا یسوغ حتّی للدولة التدخّل فی الحدّ من هذه الحرّیة،سوی فی مجال:

تحریم استهلاک بعض السلع...کاستهلاک المخدّرات. (4)[و]إلّا بالقدر الذی یتطلّبه الحفاظ علیها،وصیانتها من الفوضی والاصطدام،لأنّ هذا هو القدر الذی یسمح به الأفراد أنفسهم.و أمّا التدخّل خارج هذه الحدود،فلا مسوّغ له من حتمیة تاریخیة،أو دین،أو قیم وأخلاق. (5)

ص:52


1- (1) .تاریخ مختصر عقاید اقتصادی:109.
2- (2) .المصدر نفسه:109.
3- (3) .اقتصادنا:254.
4- (4) .المصدر نفسه:255.
5- (5) .المصدر نفسه:292.
خامساً:ملامح حدود الحرّیة الاقتصادیة فی النظام الاشتراکی

وإثر المآسی التی حدثت نتیجةً للتجربة الرأسمالیة،التی تعدّت حدود بلدانها،فأخضعت دولاً لسلطانها،لتتناول سلعها الإنتاجیة وتدرّ علیها موادّ أوّلیة،تدیر بها طاحونة إنتاجها الذی لیس له نهایةٌ یقف عندها،جاءت المارکسیة لتقضی علی الملکیة الخاصّة لوسائل الإنتاج التی کانت تری بأنّها السبب المباشر فی ما حدث.

فوضعت مذهبها علی مرحلتین،المرحلة الاشتراکیة التی یتمّ فیما یتمّ فیها:

تأمیم مصادر الثروة ووسائل الإنتاج الرأسمالیة فی البلاد واعتبارها ملکاً للمجموع (1)

لتحدّ من تلک الحرّیة الاقتصادیة التی تُعدّ الدعامة الأساسیة للملکیة الخاصّة،و:

قیام التوزیع علی قاعدة:(من کلّ حسب طاقته ولکلّ حسب عمله). (2)

بعد أن یصبح المجتمع طبقةً واحدةً فی مرحلة سابقة:

فیتمّ التوزیع علی أساس ما یؤدّیه کلّ فرد من عمل. (3)وتقوم الدولة بتوجیه النشاط الاقتصادی نحو إنتاج السلع الاستهلاکیة اللازمة لسدّ حاجات الناس الضروریة ولا تسمح بإنتاج السلع الکمالیة إلّا بعد توفّر السلع الضروریة أوّلا (4)

ولا یقتصر دور الدولة علی تحدید الإنتاج بالحاجات الضروریة،بل إنّها ومن أجل تمکین الناس من الحصول علیها:

تحدّد أسعار ما یتّفق مع قدرتهم الشرائیة (5)

أمّا مرحلتها الثانیة المعروفة بالشیوعیة،فإنّها مجرّد أفکار حالمة،فرّ فردوسها الموعود ذعراً،إثر انهیار مرحلتها الأولی عن بطون خاویة،فلا داعی للتعرّض لها؛إذ إنّها لم ترَ النور مطلقاً.

وبهذا نُنهی حدیثنا عن المراحل التی طوتها الحرّیة الاقتصادیة تاریخیاً،والتی تَبین من خلال تلک المراحل تأرجحها فیما بین السعة و الضیق،فالمحظورات و القیود و الضوابط التی توضع علی حرّیة ممارسة النشاط الاقتصادی مرّة،وتُلغی أخری حسب الغایة أو المذهب الذی تقوم علیه؛لم تکن مستمدّةً من مبدء یدرِک بعمق خصوصیات النزعة الإنسانیة من جهة،والعوامل الحقیقیة المؤثّرة فی سلاسة وحیویة وفعّالیة النظام الاقتصادی الذی یؤدّی

ص:53


1- (1) .المصدر نفسه:227.
2- (2) .المصدر نفسه.
3- (3) .الاقتصاد فی الإسلام:54.
4- (4) .المصدر نفسه:52.
5- (5) .المصدر نفسه:52.

إلی تأمین النظم والاستقرار الاجتماعی،والذی یتوقّف بدوره علی القیم و الأهداف التی یتبنّاها ویرتکز علیها.

ومن هنا لاحظنا البون الشاسع و المتعاکس أحیاناً بین الأسالیب التی اتّبعها کلٌّ من أفلاطون وأرسطو،مع أنّهما یعدّان من أکثر المفکّرین و الفلاسفة إدراکاً لأهمّیة مراعاة القیم واستیعاباً لدور الرؤیة العلمیة و الموضوعیة فی نجاح الأسالیب المتّبعة لإقرار النّظام،فمع أنّهما کانا یؤمنان بلزوم مراعاة المصلحة العامّة و العدالة،کغایة یلزم تحقیقها،نری أحدهما یدعو إلی إلغاء الملکیة الخاصّة لتحلّ محلّها الملکیة العامّة،ویدعو الآخر وعلی العکس منه،إلی احترام الملکیة الخاصّة ویعارض الملکیة العامّة،مع أنّهما یبغیان الهدف ذاته؛وما ذلک إلّا لأنّهما لم یستقیا من مبدء یضخّهما برؤیة کونیة شاملة،وأحکام واضحة ومتوازنة حول الإنسان و المجتمع و الحیاة وأسسها وغایاتها،فلم تسعفهما نیاتهما الصادقة فی اختیار الأصلح للمجتمع؛فی عدم الخضوع للظروف الآنیة المحیطة بهما،والتی ساقتهما إلی ما ذهبا إلیه.

وتمثّل بعض الأنظمة و القوانین التی مرّت بنا،والتی عملت علی تقیید حرّیة النشاط الاقتصادی بما لا طائل منه،نزوعاً نحو تحقیق مصالح فردیة وفئویة،فهی تتغیر وتتبدّل تبعاً للمصالح التی یراها من یمسک بأزمّة الأمور،فهی بالتالی لا ترتکز علی رؤیة منهجیة وواقعیة للأمور،بل إنّ هذه الفئات،لا ترید لها أن تکون کذلک؛لأنّها تسدّ الطریق علی ما یبغونه من منافع فئویة،والأنکی من ذلک،هو أنّهم أضافةً إلی ذلک،یحاولون تسخیر الجمیع من أجل تحقیق مصالحهم تلک،ویمارسون أقسی أنواع الظلم ضدّهم من أجل أن لا یصبحوا قوّةً تشکّل تهدیداً لهم،حتّی وصل الأمر إلی مستوی استعبادهم.

وتلاحَظ ضمن هذا المعترک،بعض التشریعات التی أُقرّت فی أغلب تلک الأدوار کمنع الربا والاحتکار،ممّا اختزنته الذهنیة البشریة من خلال التعالیم التی جاء بها الأنبیاء علیهما السلام وربما ساعد علی ذلک،ما جرّبته من آثارها المفجعة علی مرّ العصور.

ویدلّل هذا الأخیر علی قیام أحکام وتعالیم الرؤیة الدینیة،علی إدراک عمیق وصحیح للمصالح و المفاسد الواقعیة.

ص:54

المبحث الثالث:الأصل العقلی فی تحدید نطاق الحرّیة

اشارة

بما أنّ موضع بحثنا یرتبط بالحرّیة،فقد ارتأینا تنقیح الأصل العملی الأوّلی،لتحدید القاعدة الأساسیة الأوّلیة،بخصوص مقدار الحرّیة التی یتمتّع بها الإنسان من حیث المبدأ،فی مجال تصرّفاته فی الواقع الحیاتی الذی یعیشه.وکنّا قد قسّمنا الحرّیة،وذلک عند التطرّق لمفهومها،إلی ثلاثة أقسام،وقلنا إنّها تشمل:الحرّیة التکوینیة و التی ذکرنا:بأنّها میزةً طبیعیةً للإنسان بما هو إنسانٌ یستطیع من خلالها ممارسة إنسانیته-بغض النّظر عن أی شیء آخر-و قد عرّفها البعض بأنّها قدرة الإنسان علی التصرّف بإرادة الذات واختیارها،کما قدّمنا.

ثمّ الحرّیة التی تخضع للحدود الاجتماعیة التی تحدّ من الحرّیة التکوینیة بالمقدار الذی یتمّ التوافق حوله مع أفراد المجتمع الذی یعیش فی إطاره؛ثمّ الحرّیة التی یحدّ أو یوسّع منها المذهب،والتی قصدنا بها ما یقرّره المذهب بخصوص الحرّیتین المتقدّمتین علی أساس القیم التی یقوم علیها.

وعلی هذا،فالبحث فی الأصل الأوّلی،یرتبط بالحرّیة المذهبیة التی یحدّدها طبیعة المذهب الذی یؤمن به الإنسان،ولیس بالحرّیة التکوینیة،کما قد یتوهّم.فالحرّیة التکوینیة تتعلّق بالقدرة التی یتمتّع بها الإنسان فی اختیار السلوک الذی یرغبه،سواء کان مؤمناً بمذهب معین أم لا،یعیش فی مجتمع أم لا.فالقدرة علی الاختیار میزةٌ طبیعیةٌ للإنسان بإمکانه من خلالها مخالفة أو موافقة ما یملیه علیه المذهب أو المجتمع لو خُلّی وشأنه.

ص:55

فالأصل الأوّلی هو ما یراه العقل من الحدود المسموح له فیها بالتصرّف فی إطار المذهب الذی یؤمن به،ومن المعلوم أنّنا نبحثه هنا فی إطار مذهب الإسلام.و قد تقاسم الساحة الأصولیة فی مسألة الأصل الأوّلی بخصوص حکم الموقف الابتدائی للإنسان من کلّ ما یحیط به-أی:من حیث الأساس-ومن خلال الرؤیة العقلیة المحضة؛یتقسامها تیاران رئیسیان:

تیارٌ یقول:بأنّ الأصل الأوّلی هو إباحة جمیع التصرّفات للإنسان إلّا بخصوص ما وصل إلیه من دلیل قطعی أو ظنّی نزّلته الأدلّة منزلة القطعی؛علی تکلیف معین فعلاً أو ترکاً،فیثبت التکلیف به،وتکون له الحُجّیة التی تثبت بثبوت القطع-أی:استحقاق العقاب علی ترک ما قطع بلزوم الإتیان به أو فعل ما قطع بلزوم ترکه-و هو ما یعبَّر عنه بالمنجّزیة،بمعنی تنجّز التکلیف وثبوته فی عهدة المکلَّف.

وثبوت العذر فیما لم یتمّ فیه قطعٌ وعلم،لتوقّف الحُجّیة التی یؤاخذ علیها،علی القطع ولا قطع هنا.و هذا ما یطلق علیه بالمعذّریة-أی:أنّ الإنسان غیر مکلّف من حیث الأساس،إلّا فی ما ثبت فیه التکلیف،فیکون المکلَّف معذوراً فی فعل أو ترک کلّ ما لم یقطع به،و إن کان ثابتاً فی لوح الواقع،و هذه الحُجّیة التی نبحثها هنا ترتبط بجانب الامتثال و الطاعة فی مجال علاقة العبد بمولاه-أی:بخصوص کون القطع منجِّزاً أو معذِّراً فی حقّ العبد-وهی التی یختصّ بحثها فی علم الأصول،وهی غیر الحُجّیة بمعنی مدی حقّانیة وموضوعیة القطع،أو بمعنی:الدافعیة و المحرّکیة المناسبة لطبیعة القاطع للإقدام علی ما یریده و التی هی تکوینیة،فالحُجّیة المبحوث عنها هنا تتجاوز هاتین الحُجّیتین.

فالبحث لا یرتبط بأنّ هذه الحُجّیة:هل هی صحیحةٌ أم خاطئةٌ فی حقیقتها؟أو أنّها تستطیع أن تدفع الإنسان تکوینیاً وطبیعیاً علی نحو مناسب لغرضه أم لا؟

و إنّما ترتبط بالجانب الأصولی الذی یختصّ بمجال تنجُّز العقاب بحقّه بترکه امتثال القطع وتعذُّره بحقّه مع عدم امتثاله ما لم یقطع به-بغضّ النظر عن کونه صائباً أو خاطئاً فی واقعه،أو أنّه مناسبٌ مع طبیعته فی تحریکه نحو ما یریده-فهذه هی القاعدة الأوّلیة لهذا التیار،والتی أطلقوا علیها(قاعدة قبح العقاب بلا بیان)،والبیان هو القطع القائم علی الدلیل الواصل إلی المکلَّف،وتسمّی:بالبراءة العقلیة فی مقابل الشرعیة.

أمّا التیار الآخر،فیقول:بأنّ الأصل الأوّلی هو الحظر والاحتیاط فی جمیع ذلک،إلّا فی خصوص ما یقطع بعدمه-أی:علی العکس ممّا ذهب إلیه التیار الأوّل،-فالإنسان

ص:56

مکلَّف،إلّا ما خرج بالدلیل علی عدم ثبوت تکلیف فیه،فهو یأخذ فی حسبانه أنّ هناک تکلیفاً واقعیاً یواجهه فی کافّة شؤون حیاته،فإن حصل لدیه جزمٌ وقطعٌ بمورد التکلیف،من خلال دلیل لفظی،فستکون حُجّیته قطعیة،و إن لم یحرز ذلک الدلیل یلزم علیه الاحتیاط فی موارد الظنّ والاحتمال و الشک.

فخضوعه وارتباطه وتوقّفه وجوداً وتکویناً علی وجود الله وإرادته،ابتداءً وبقاءً،وعدم إمکانه الانفصال والاستقلال عنها،یستلزم ارتباطه به وخضوعه له أمریاً وتشریعیاً،حیث إنّ لله إرادتین:

إرادةً تکوینیةً:تدیر الکون تکویناً،ولا یمکن أن نتصوّر انقطاع هذه الإرادة و الإدارة فی أی لحظة من اللحظات.

إرادةً تشریعیةً:تنظّمه وتدبّره باتّجاه الغایة التی أرادها.

فلا یمکن الفصل بینهما،فیکون خاضعاً له فی الأولی ابتداءً واستمراراً،وطلیقاً ومتنفّذاً فی الثانیة،فهو ملزمٌ ابتداءً تّجاه تلک الإرادة التشریعیة،فلا یستطیع ممارسة أی فعل مشکوک فیه إلّا بالرجوع إلیه،فإن علم وقطع بجواز الإتیان به فهو حِلٌّ من تلک الإرادة،و إن لم یعلم،وعدم العلم هذا،إمّا أن یکون ظنّاً أو شکّاً أو احتمالاً فی وجود تکلیف معین،فیکون ملزماً بالتزام جانبه الإلزامی،ولا یقدِم علی الطرف الإباحی لذلک الظّن و الشک،لوجوب تنفیذه الإرادة التشریعیة التی قوی لدیه طرفها الأوّل علی الثانی،لارتباط مولویة المولی التشریعیة بمولویته التکوینیة:

فکما أنّ إرادته التکوینیة نافذة فی الکون کذلک إرادته التشریعیة نافذة عقلاً علی المخلوقین (1)

ولأجل الاطّلاع علی أدلّة کلّ من التیارین فیما ذهبا إلیه و النقوض الواردة علیها نحاول عرضهما بشیء من التفصیل المقتضب،ولکن قبل الخوض فی ذلک یجدر إلفات النظر إلی بعض الأمور:

إنّ الأصل الأوّلی یرتبط بتحدید الوظیفة و الموقف العملی عند الشکّ وفقد الدلیل الشرعی لفظیاً کان أو غیر لفظی،فهو أصلٌ عملی،ولکنّه عقلی یأتی فی مرحلة متأخّرة عن الدلیل الشرعی،فلا یتمّ الانتقال إلیه إلّا بعد العجز عن الدلیل،هذا من جهة،ومن جهة أخری،فإنّ تحدید الوظیفة العملیة یتمّ أیضاً من خلال ما یطلق علیه فی علم الأصول بالأصول العملیة الثانویة.

ص:57


1- (1) .بحوث فی علم الأصول:29/5.

فالأصول العملیة تعبّر عن لسان شرعی ولا ترتبط بتحدید حکم شرعی فی موضوع محدّد،و إنّما تقوم بتعیین الموقف العملی تّجاه الوقائع التی لم یرد فیها دلیلٌ شرعی بخصوصها.

ومن هنا فهی عملاً تُقدّم علی الأصل العقلی؛لأنّها تعبّر عن إمضاءات الشارع إلّا فی المجالات التی لا تشملها.ولکنّه مقدّمٌ علیها بحثاً،علی افتراض عدم وجود دلیل شرعی،وعلی أساس ما له من دور فی تقریر بعض الحالات المختصّة بالأمارات و الأصول.وبهذا یکون الأصل الأوّلی العقلی مختصّاً بالموارد التی لا تدخل تحت نطاق الدلیل الشرعی و الأصول العملیة الثانویة،فعند طروء مثل هذا العنوان یأتی دور الأصل الأوّلی لیحدّد لنا وظیفتنا فی هذا النطاق.

وسیکون عمدة ما نعتمده فی هذا الباب،هو البحوث الأصولیة التی أنتجتها العقول الأصولیة فی المذهب الإمامی،وما ذلک إلّا لأجل أنّ هذا البحث علی الخصوص لم یکن علی درجة من السعة و الشمول عند أهل السنّة و الجماعة منه عند الإمامیة،ویعدّ هذا نتیجةً طبیعیةً لغلق باب الاجتهاد عند أهل السنّة وفتحه عند الإمامیة.فالاجتهاد الذی یتمثّل بعملیة الاستنباط یقوم علی أساس علوم متعدّدة وبضمنها علم الأصول.

وسیکون الاقتضاب وضغط المطالب مع محاولة تبسیطها وعدم الإخلال بمفادها ومضمونها والاقتصار علی لبابها من دون توسّع فی التفاصیل؛دیدننا فی هذا الباب،مع عدم ذکر أسماء أصحاب الآراء إلّا من خلال ذکر المصادر؛إذ إنّ المطلوب هنا هو ذکر لمحة عن الأصل الأوّلی لما له من ارتباط بموضوع البحث،فعدم الالتزام بذلک یتطلّب إفراد کتاب خاصّ بهذا الموضوع،و هو خارجٌ عن عهدة هذا البحث بطبیعة الحال.

ومن اللازم توضیح بعض المصطلحات الأساسیة المستعملة هنا،والتی ربما تتضمّن نوعاً من الترادف الموردی لا الحقیقی،کی یتمّ تکوین رؤیة عامّة حولها واستیعاب أفضل لمضمون البحث:

الإباحة و البراءة:فهما مختلفان لُغویاً،ولکنّهما هنا یستعملان بشکل مترادف نوعاً ما،فالإباحة تعنی:حرّیة المکلَّف فی التصرّف فی مورد ما فعلاً أو ترکاً.فالأصولیون ناظرون باستعمالها إلی ذلک المورد فیعبّرون عنه بالمباح،وسیأتی توضیحٌ أکثر بشأنها.

أمّا البراءة،فهی تعنی:عدم ثبوت شیء فی عهدة المکلَّف أو:

الخلو و الفراغ من مطلق التکلیف المشکوک فیه (1)

ص:58


1- (1) .إسلامی نظریه حق الطاعه:343.

فینظرون باستعمالها إلی مسؤولیة المکلَّف تّجاه الله فهو برئٌ وغیر مؤاخذ بالإقدام علی فعل ثبتت فیه البراءة.

ومن هنا تراهم یعبّرون مرّةً بأصالة الإباحة-أی:أنّ الأصل فی الأشیاء أنّها مباحة-وأخری بأصالة البراءة-أی:أنّ الأصل هو أنّ المکلّف غیر مؤاخذ-فهم یقصدون مفهوماً واحداً؛إذ إنّ أحدهما یستلزم الآخر:

فالقائلون بأصالة البراءة هم أنفسهم القائلون بأصالة الإباحة. (1)

و إن کان:

أصل الإباحة أخصّ منه بحسب المورد لجریان أصل البراءة فیما یحتمل الإباحة وفیما لا یحتمله. (2)

الاحتیاط والاشتغال و الحظر:وهی کما تری تختلف لُغویاً،لکنّ الأصولیین یستعملونها فی مقابل الإباحة و البراءة.فالاحتیاط ناظرٌ إلی تقیید حرّیة المکلَّف فی التصرّف فی مورد ما فعلاً أو ترکاً،والاشتغال کون ذمّته مشغولةً ومسؤولةً تّجاه الله فی ذلک المورد،فیعبّرون مرّةً بأصالة الاحتیاط ومرّةً بأصالة الاشتغال،وهم یقصدون مفهوماً واحداً.أمّا الحظر،فهو یصبّ فی ذات الاتّجاه ویقابل الإباحة،ولکنّه یقتصر علی المورد الذی یستدعی الحرمة،ولا یشمل الوجوب کما سیأتی.

ونحن رجّحنا استعمال الإباحة بدل البراءة والاحتیاط بدل الاشتغال و الحظر فی عنوان البحث-اعتقاداً منّا بأنّ عنوان الإباحة أقرب إلی الأذهان-لکونها عادةً ما تکون ناظرةً إلی موضوع التکلیف فی أنّه مباحٌ أو غیر مباح،و هو الأقرب لموضوع رسالتنا،وبالنسبة للاحتیاط فلنفس الجهة ولشموله للشبهات التحریمیة و الوجوبیة خلافاً للحظر الذی یقتصر علی التحریمیة منها.ویتضمّن البحث کذلک مفاهیم ومصطلحات أخری سنأتی علی بیانها فی محلّها.

وها نحن نشرع فی بحث الأصل،الأوّلی فنتطرّق أوّلاً إلی أدلّة الإباحة ومناقشتها،ومن ثمّ ننتقل إلی البحث فی أدلّة الاحتیاط و الإشکالات التی أوردوها علیه،ثمّ لنختار الأرجح من بین الرأیین،وذلک فی مطلبین:

ص:59


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .الفصول الغرویة:351.

المطلب الأوّل:أدلّة الإباحة

اشارة

استدلّ القائلون بأصالة البراءة العقلیة،بعدّة إدلّة لإثبات مدّعاهم نستعرض أهمّها،وتعود غیرها من الأدلّة بنحو أو آخر إلی هذه الأدلّة،فیمکن معرفة مدی قوّتها وصحّتها من خلال الردود المذکورة هنا:

الدلیل الأوّل:الارتکاز العرفی و العقلائی فی باب المولویات
اشارة

حیث إنّ العرف و العقل لا یؤاخذ علی ارتکاب مخالفة التکلیف الواقعی فی موارد الجهل وعدم العلم بالحکم الواقعی ولا الظاهری الإلزامی،فیکون هذا منبّهاً علی ارتکازیة قاعدة قبح العقاب بلا بیان وعقلیتها (1)

فالأصل هو:

حکم العقل بقبح العقاب علی شیء من دون بیان التکلیف ویشهد له حکم العقلاء کافّة بقبح مؤاخذة المولی عبده علی فعل ما یعترف بعدم إعلامه أصلاً بتحریمه (2)

مناقشة الدلیل الأوّل:

إنّ ذلک مختصّ بالمولویات العرفیة و العقلائیة باعتبارها مجعولة ولیست ذاتیة،فالمقدار المجعول من المولویة عقلائیاً لیس بأکثر من موارد العلم بالتکلیف.ولکنّ المولی الحقیقی الذی تکون مولویته ذاتیة بملاک بالغ کامل مطلق و هو المنعمیة،بل و المالکیة و الخالقیة للإنسان،فالعقل لا یری أی قصور فی مولویته وحقّ طاعته،بل یری عمومهما لتمام موارد التکلیف حتّی موارد عدم العلم به (3)

فهذا قیاس لمولویة المولی الحقیقی علی المولی العرفی المجعول و هو بحاجة إلی توجیه:

فإنّه لا یکفی لإثبات اختصاص حقّ طاعة الله تبارک وتعالی عقلاً بالتکالیف القطعیة ما لم یظهر وجه التعدّی من المولویات العرفیة العقلائیة إلی مولویة الله تبارک وتعالی،فلا بدّ من إضافة شیء إلی البیان المذکور لتوجیه هذا التعدّی من قبیل التمسّک بأنّ الله تبارک وتعالی سید العقلاء وطلیعتهم فما یصدُق علیهم یصدُق علیه کما ذکره بعضهم (4)

و هذا بطبیعة الحال لیس إدراکاً عقلیاً و إنّما جعلاً عقلائیاً،فأقصی ما یترتّب علیه ثبوت البراءة الشرعیة،لا العقلیة التی نحن بصددها.

ص:60


1- (1) .إسلامی نظریه حق الطاعه:149-150.
2- (2) .فرائد الأصول:56/2.
3- (3) .بحوث فی علم الأصول:26/5.
4- (4) .الحائری علی أکبر،نظریّة حقّ الطّاعة:108.
الدلیل الثانی:کون العقاب من دون حُجّة ظلماً
اشارة

فإنّ مخالفة ما قامت علیه الحجّة خروج عن زی الرقّیة ورسم العبودیة،و هو ظلمٌ من العبد علی مولاه فیستحقّ منه الذمّ و العقاب.کما أنّ مخالفة ما لم تقم علیه الحُجّة،لیست من أفراد الظلم إذ لیس من زی الرقّیة أن لا یخالف العبد مولاه فی الواقع وفی نفس الأمر فلیس مخالفة ما لم تقم علیه الحُجّة خروجاً عن زی الرقّیة حتّی یکون ظلما (1)

مناقشة الدلیل الثانی:

إنّ هذا الاستدلال مبنی علی التزام القائل به،برجوع قضایا الحسن و القبح إلی قاعدة أوّلیة بدیهیة،هی حسن العدل وقبح الظلم،مع أنّ قاعدة قبح الظلم قد أُخذ فی موضوعها عنوان الظلم و هو عبارة عن؛سلب ذی الحقّ حقّه،فهی لیست أوّلیةً،فلا بدّ من افتراض وجود حقّ للآمر علی المأمور فی مرتبة سابقة لکی یحکم علی کون مخالفته سلباً لحقّه،وإلّا لم یکن ظلماً.

فلا بدّ من تشخیص هذا الحقّ وتحدید دائرته،فی مرتبة سابقة،کی نحدّد المجال الذی لا یتحقّق فیه الظلم بالمخالفة. (2)فإنّ تعلیل نفی الظلم عن مخالفة التکلیف الاحتمالی معناه عدم حُجّیة الاحتمال،و هو ما أراد هذا الدّلیل إثباته،فیکون الدلیل متوقّفاً علی المدّعی،و هو مصادرة. (3)

الدلیل الثالث:توقّف المحرّکیة علی وصول التکلیف
اشارة

إنّ حکم العقل بقبح العقاب من دون بیان إنّما هو لأجل أنّ الأحکام الواقعیة بعد وضوح أنّها لا تکون محرّکةً للعبد إلّا بالإرادة لا یعقل محرّکیتها إلّا بعد الوصول ضرورة عدم إمکان الانبعاث إلّا عن البعث بوجوده العلمی دون الخارجی...و أمّا الحکم المحتمل،فهو بنفسه غیر قابل للمحرّکیة...فالعقاب علی مخالفته عند عدم وصوله عقاب علی مخالفة حکم لا اقتضاء له للمحرّکیة ولا ریب فی قبح ذلک، (4)فلا معنی لتسجیل العقاب علی ترک التحرّک،فی مورد لم یکن فیه موجب للتحرّک...باعتبار أنّ الأمور الواقعیة ومنها التکالیف إنّما تکون محرّکةً بوجوداتها الواصلة[المعلومة]لا الواقعیة. (5)

ص:61


1- (1) .محمدحسین:نهایة الدرایة:462/2.
2- (2) .بحوث فی علم الأصول:28/5،28/4 بتصرّف توضیحی.
3- (3) .الحائری علی أکبر،نظریة حقّ الطاعة:106 بتصرّف یسیر.
4- (4) .أجود التقریرات:186/2.
5- (5) .بحوث فی علم الأصول:27/5.

غیر المعلومة،فإنّه لا یجوز تکلیف الغافل لأنّ قصد الامتثال من دون علم غیر ممکن. (1)

مناقشة الدلیل الثالث:

وأُشکل علی هذا،بأنّ المحرّک علی قسمین،فهناک محرّکٌ تکوینی ناشئٌ من وجود غرض تکوینی لدی الإنسان ینسجم مع نزعاته أو رغباته،ومحرّکٌ تشریعی،و هو حکم العقل بلزوم التحرّک بغضّ النظر عن وجود غرض لدی الإنسان أم لا.ویرجع المحرّک التشریعی هذا إلی حقّ الطاعة،فیکون هذا الحقّ ثابتاً حتّی مع مجرّد احتمال الوصول لمن یقول بشمول هذا الحقّ لحالات الشکّ وعدم العلم بالتکلیف.

أمّا فی مجال المحرّک الأوّل،فإنّ المحرّکیة التکوینیة نحو الغرض النفسانی تتوقّف علی وصول التکلیف لا علی مجرّد الوجود الواقعی للتکلیف بقطع النظر عن وصوله؛لأنّ المحرّکیة عملیةٌ شعوریةٌ ونفسیةٌ،فهی بحاجة إلی الوصول،ولکنّ الوصول لا یقتصر علی الوصول الحقیقی فهو له مراتب أخری،فهناک مرتبة الوصول الاحتمالی التی قد تتحقّق فیها المحرّکیة نحو الشیء المحتمل إن کان له أهمّیةٌ معتدٌّ بها. (2)مع أنّ هذا الکلام یعدّ مصادرةً:

لأنّ عدم المقتضی فرع ضیق دائرة حقّ الطاعة وعدم شمولها عقلاً للتکالیف المشکوکة،لوضوح أنّه مع الشمول یکون المقتضی للتحرّک موجوداً،فینتهی البحث إلی تحدید دائرة حقّ الطاعة. (3)

فالتحرّک هنا لا ینطلق من غرض شخصی کی یتوقّف علی الوصول،و إنّما من إبراء الذمّة تّجاه المولی الذی ثبت له أصل حقّ الطاعة،فلا بدّ من البحث فی المحتمل أوّلاً لمعرفة مدی شمول حقّ الطاعة له.

الدلیل الرابع:اختصاص المحرّکیة بالحکم الحقیقی
اشارة

إنّ مدار الإطاعة و العصیان علی الحکم الحقیقی و إنّ الحکم الحقیقی متقوّم بنحو من أنحاء الوصول لعدم معقولیة تأثیر الإنشاء الواقعی فی انقداح الداعی[المحرّک]،وحینئذ فلا تکلیف حقیقی مع عدم الوصول،فلا مخالفة للتکلیف الحقیقی،فلا عقاب،فإنّه[العقاب یکون]علی مخالفة التکلیف الحقیقی (4)

ص:62


1- (1) .الإبهاج فی شرح المنهاج للبیضاوی:156/2 بتصرّف یسیر.
2- (2) .بحوث فی علم الأصول:27/5 بتصرّف توضیحی.
3- (3) .دروس فی علم الأصول:318/2.
4- (4) .نهایة الدرایة:461/2.

فالحکم الحقیقی هو ما یجعل:

بداعی البعث و التحریک الحقیقی،ومن الواضح أنّ کلّ خطاب لا یعقل أن یکون باعثاً إلّا أن یصل إلی المکلّف؛إذ لا یمکن أن یکون الحکم مجعولاً بداعی البعث و التحریک إلّا إذا کان واصلاً لعدم الباعثیة فی غیر صورة الوصول (1)

فهو یقتصر علی مرحلة الإنشاء و الجعل،ولم یصل مرحلته الفعلیة،فهذه المرحلة تستلزم وصوله لیکون هذا الوصول باعثاً ومحرّکاً علی الإتیان به.

مناقشة الدلیل الرابع:

و قد أُشکل عن هذا الدلیل بإشکالین:

1.إنّ هذا الوجه یتوقّف علی دعوی ضیق حقّ الطاعة فی المرتبة السابقة،أمّا بناءً علی سعة دائرة حقّ الطاعة،فإنّ بإمکان الإنشاء أن یکون محرّکاً فی حالة الوصول الاحتمالی،فهذا الوجه لیس سوی مصادرة؛إذ إنّ البحث هو هل أنّ دائرة حقّ الطاعة ضیقةٌ أم واسعة،فلا بدّ من تحدید ذلک أوّلاً. (2)

2.إنّ أقصی ما یقتضیه هذا الدلیل،هو عدم وجود الحکم بالمعنی المذکور-أی:عدم وجود حکم حقیقی-إن لم یتجاوز مرحلة الإنشاء ویصل إلی المکلَّف،ولکن من جهة أخری،فإنّ ملاکات الأحکام ومبادئها المتمثّلة بالمصلحة و المفسدة و الإرادة أو الکراهة،هی أمورٌ تکوینیةٌ موجودةٌ ومحفوظةٌ فی حالات العلم و الجهل علی السواء،وهی تمثّل روح الحکم وحقیقته،فهی تکفی للحکم بالمنجّزیة وحقّ الطاعة للمولی فی موارد احتمالها سواء سمّینا ذلک حکماً أم لا:

لأنّ الشکّ فی وجود جعل بمبادئه من الإرادة و المصلحة الملزمتین موجود علی أی حال،حتّی ولو لم یکن مقروناً بداعی البعث و التحریک،ولابدّ أن یلاحظ أنّه هل یکفی احتمال ذلک فی التنجیز أو لا (3)

فالذی یهمّنا و الذی یترتّب علیه الأثر؛هو مضمونه وروحه وحقیقته التی یقوم علیها،ومن خلالها یتجسّد فی مرحلة الجعل و الإنشاء. (4)

هذا ما استدلّ به مسلک قبح العقاب بلا بیان لإثبات البراءة العقلیة،وستأتی بعضها أیضاً مع إجاباتها ضمن الإشکالات التی أُشکلت علی مسلک حقّ الطاعة القائل بأصالة الاحتیاط.

ص:63


1- (1) .بحوث فی علم الأصول:28/5.
2- (2) .المصدر نفسه،بتصرّف توضیحی.
3- (3) .دروس فی علم الأصول:320/2.
4- (4) .بحوث فی علم الأصول:28/5 بتصرّف یسیر.

المطلب الثانی:أدلّة الاحتیاط

اشارة

أمّا بالنسبة إلی أصالة الاحتیاط،فسنعرض أدلّتها أوّلاً،ثمّ الإشکالات التی أُشکلت علیها مع أجوبتها،وذلک فی عنوانین:

أوّلاً:الأدلّة
اشارة

لقد استدلّ أصحاب أصالة الاحتیاط بأدلّة مختلفة-حسب الذهنیة الأصولیة التی عاشوها:

الدلیل الأوّل:استلزام العلم الإجمالی فی الشبهات لحکم العقل بلزوم الاحتیاط فی أطرافها

و هو کما تری مسألةٌ جزئیة،حتّی و إن تمّ تعدیتها إلی المسألة الکلّیة التی نحن بصددها،فهی بالنتیجة ترتکز علی حکم العقل،والذی سنتطرّق إلیه من خلال الدلیل الوارد بهذا الشأن.

الدلیل الثانی:دلالة لزوم دفع الضرر المحتمل علی لزوم الاحتیاط

فهی منتفیةٌ علی القول بأنّ احتمال التکلیف هو بمثابة کونه واصلاً ومنجّزاً،فیکون الشکّ حینها شکّاً فی الفراغ،والسقوط فیبقی علی الثبوت،فلا شکّ فی صحّة العقوبة سواء وجِدت مثل هذه القاعدة أم لا. (1)

الدلیل الثالث:التمسّک بأصالة الحظر

فحسب هذا الرأی:

أنّ الأصل فی الأفعال الغیر الضروریة الحظر کما نُسب إلی طائفة من الإمامیة.فیعمل به حتّی یثبت من الشرع الإباحة. (2)وربّما استُدلّ بما قیل من استقلال العقل بالحظر فی الأفعال الغیر الضروریة قبل الشّرع،ولا أقلّ من الوقف وعدم استقلاله،لا به ولا بالإباحة،ولم یثبت شرعاً إباحة ما اشتبه حرمته. (3)

فهم یقصرون أصالة الحظر علی الشبهات التحریمیة فقط،و هذا واضحٌ من استعمالهم للفظة الحظر.فإذا استطعنا إثبات أصالة الاحتیاط علی مسلک حقّ الطاعة،لا داعی حینئذ للتعرّض إلی الاستدلال بأصالة الحظر؛لأنّه یقول بثبوت الاحتیاط فی جمیع الشبهات،تحریمیةً کانت

ص:64


1- (1) .المصدر نفسه:187/4 بتصرّف یسیر.
2- (2) .فرائد الأصول:90/2.
3- (3) .کفایة الأصول:347.

أو غیرها،فإذا ثبت الکلّ و هو الاحتیاط فی جمیع الشبهات یکون الجزء ثابتاً،مع أنّ نزاع القائلین بأصالة الحظر یرتبط بحالة عدم صدور الدلیل،ونزاع القائلین بأصالة الاحتیاط یرتبط بحالة عدم وصول الدلیل. (1)

وبهذا یبقی لدینا الدلیل العمدة الذی استُدلّ به علی مسلک حقّ الطاعة،والذی یقول بأصالة الاحتیاط فی جمیع التکالیف المحتملة:

الدلیل الرابع:حکم العقل بحقّ الطاعة

فإنّ:

المولویة الذاتیة الثابتة لله لا تختصّ بالتکالیف المقطوعة بل تشمل مطلق التکالیف الواصلة ولو احتمالاً.و هذا من مُدرکات العقل العملی وهی غیر مبرهنة،فکما أنّ أصل حقّ الطاعة للمنعم و الخالق مُدرَک أوّلی للعقل العملی غیر مبرهن،کذلک حدوده سعةً وضیقاً.وعلیه فالقاعدة العملیة الأوّلیة هی أصالة الاشتغال بحکم العقل ما لم یثبت الترخیص الجادّ فی ترک التحفّظ. (2)

فلا تبعیض بالطاعة ابتداءً،فکما أنّ العقل العملی یحکم بثبوت أصل حقّ الطاعة بملاک المولویة،فهو یحکم بثبوتها بجمیع حدودها ولا یفرّق ولا یفصل بین مراتبها،ولا یجزّؤها إلّا بإذن من قِبل المولی نفسه،فللمولی حقٌّ فی ذمّة الإنسان بالطاعة بتلک المولویة الذاتیة غیر المجعولة،وعلی الإنسان أن یبرئ ذمّته فی ذلک،ولا یمکن أن یکون بریء الذمّة مع عدم احتیاطه فیما یحتمله من تکلیف سواء کان وجوبیاً أوتحریمیاً.

ثانیاً:الإشکالات
اشارة

و قد أُشکل علی هذا الدّلیل بإشکالات متعدّدة،سنتطرّق إلی أهمّها؛وذلک بإیرادها ضمن جهتین،حیث ترکّزت محاولات نقضه علی جانبین،جانبه المبنائی و هو حکم العقل العملی،وجانبه البنائی،و هو ما بُنی علی حکم العقل ذاک ألَا و هو حقّ الطاعة،وسیعلم من خلال الإجابة علیها کیفیة الإجابة علی بقیة الإشکالات:

ص:65


1- (1) .الحائری علی أکبر،نظریة حقّ الطاعة:90 بتصرّف یسیر.
2- (2) .دروس فی علم الأصول:320/2.
الجهة الأولی:الإشکالات المبنائیة
اشارة

وترتبط إشکالات هذا الوجه بالجانب المبنائی،وذلک بخصوص ابتناء حقّ الطاعة علی حکم العقل العملی غیر المبرهن،ویقوم بعضها علی ما استُدلّ به علی حقّ الطاعة من خلال ملاک شکر المنعم،مع أنّ القائلین بحقّ الطاعة یتجاوزونه إلی الاستدلال بملاک المالکیة و الخالقیة:

و هذا مطلب نُدرکه بقطع النظر عن شکر المنعم الذی حاول الحکماء أن یخرّجوا بها مولولیة الله سبحانه ولزوم طاعته،فإنّ ثبوت الحقّ بملاک المالکیة و الخالقیة شیء وثبوته بملاک شکر المنعم شیء آخر (1)

فعلی هذا یبقی ما أُشکل علیه بملاک المالکیة و الخالقیة:

الإشکال الأوّل:عدم بداهة حکم العقل بحقّ الطاعة:

ویتمثّل مضمون إشکالهم،بأنّه لا یمکن عدّ حقّ الطاعة حکماً عقلیاً أوّلیاً إذا ما أخذنا الخالقیة و المالکیة ملاکاً له؛لأنّ مجرّد خالقیة ومالکیة الله لا تقتضی إطاعة تکالیفه،إلّا إذا تنزّلنا أکثر فعرفنا أنّه غیر عابث أو ظالم فی خلقه،فإدراک لزوم الطاعة لا یتمّ بصورة مباشرة و إنّما بتوسّط معرفة کونه غیر عابث أو ظالم،فهو لیس حکماً أوّلیاً،و إنّما مستنتجٌ من قضیة نظریة سابقة علیه. (2)

الجواب

:ویظهر من هذا الإشکال،أنّه لم یتوجّه إلی حقیقة القول بالمولویة،فإنّ المولویة تتقوّم بجهتین،وجود مولیً من جهة ومولّی علیه من جهة أخری،فهی تعنی:حقّ المولی علی المولّی علیه بالطاعة إذا نظرنا إلیها من جهة المولی،ووجوب طاعة المولّی علیه للمولی إذا نظرنا إلیها من جهة المولّی علیه،فحقّ الطاعة مأخوذٌ فیها ذاتیاً،ولا یمکن حتّی التعبیر عنه؛بأنّه لا ینفکّ ولا ینفصل ولا یزول عنها؛لأنّه لیس شیئاً إضافیاً وزائداً کی یمکن التحدّث عنه بهذه الطریقة،فالمولویة متقوّمة بالطاعة.

ومن هنا قالوا بأنّها ذاتیة،فلا یتوسّط ذلک أی شیء آخر،فالمولویة بحدّ ذاتها،تعنی:حقّ الطاعة.

و هذا لا یتطلّب أن یتصوّر العقل وجود تکلیف بالفعل کی یتوقّف علی التصدیق بوجود مکلَّف فی مرحلة سابقة کما أشکلوا، (3)فکلامنا لیس فی ثبوت التکالیف؛لأنّ العقل العملی وحده:

لا یکفی لإثبات الحکم الشرعی ما لم نظمّ إلیه حکماً عقلیاً نظریا (4)

ص:66


1- (1) .بحوث فی علم الأصول:29/4.
2- (2) .إسلامی نظریة حقّ الطاعة:349،نقلاً عن:الأسس العقلیة:286-292 بتصرّف توضیحی.
3- (3) .المصدر نفسه.
4- (4) .بحوث فی علم الأصول:122/4.

فالعقل:

لیس له شأن إلّا الإدراک لما هو واقع وثابت فی لوح الواقع الأوسع من لوح الوجود...و إنّما الفرق أنّ الأمر الواقعی المُدرَک للعقل إن کان لا یستدعی بذاته موقفاً عملیاً وسلوکیاً معیناً علی طبقه فهو مُدرَک نظری و إن استدعی ذلک فهو مُدرَک عملی (1)

فتصوّر المولویة هو فی حقیقته تصوّرٌ لانشغال الذمّة بالطاعة الکلّیة،و هذا هو المطلوب؛أمّا مفرداتها وتفاصیلها،فهی التی تحتاج إلی إثبات وتعیین لحدودها.فهذا القول هو کالقول:بلزوم التصدیق بوجود خالق کی نصدّق بأنّنا مخلوقین،و هو باطلٌ بالوجدان.فالظاهر أنّ هذا الإشکال ناشئٌ من عدم التمییز بین ثبوت أصل حقّ الطاعة وثبوت التکلیف الفعلی،فإنّ ثبوت التکلیف هو الذی یحتاج إلی العقل النظری للقیام بدور الإثبات وتعیین الحدود.

الإشکال الثانی:التشکیک فی إلزامیة حکم العقل برعایة حقّ طاعة المولی

:

ویمکن تصویر هذا الإشکال بقیاس حکم العقل علی حکم الشرع،فکما أنّ لحکم الشرع مراتب من الوجوب وغیر الوجوب،فکذا حکم العقل،فیمکن القول بأنّ العقل یحکم بحسن الاحتیاط ولیس الوجوب و الإلزام فی رعایة حقّ المولویة فی جمیع الشبهات. (2)

ویقتصر حکمه بالوجوب علی خصوص التکالیف الواصلة المبینة؛أمّا التکالیف المظنونة و المحتملة،فالعقل لا یحکم سوی بحسن الاحتیاط فیها.فالوجوب یختصّ بالتکالیف الواصلة،وحسن الاحتیاط بالتکالیف المشکوکة. (3)

الجواب:و هذا الإشکال مأخوذٌ فیه القول بحقّ الطاعة،إلّا أنّه لم یدرِک حقیقة الحقّ،فهل یا تری یمکن التفصّی من الحقّ و التخلّی عنه،إلّا بواسطة تخییر وترخیص من صاحب الحقّ،فکیف یمکن لنا أن ندّعی أنّه غیر مُلزِم،فلا دلیل علی عدم الإلزام إلّا من خلال البلاغ الواصل من قِبل المولی.

والإشکال کما فی کثیر من الإشکالات ناشئٌ من عدم التمییز بین المولویة الحقیقیة و المولویة العقلائیة المجعولة:

ولا شک أنّه فی التکالیف العقلائیة عادة تکون المولویة ضیقة ومحدودة بموارد

ص:67


1- (1) .المصدر نفسه:120.
2- (2) .مسلک حقّ الطاعة بین الرفض و القبول:117،بتصرّف یسیر.
3- (3) .إسلامی نظریه حق الطاعه:343.

العلم بالتکلیف،و أمّا فی المولی الحقیقی فسعة المولویة وضیقها یرجع فیها إلی حکم العقل العملی تّجاه الخالق سبحانه. (1)

والحال أنّ:

أحکام العقل غیر قابلة للتخصیص (2)

ولذلک نری أنّهم مع اعتبارهم:

المولویة وحقّ طاعته کلّیاً ومتواطئاً لا تقبل الزیادة و النقصان ولیست ذات مراتب (3)

إلّا أنّهم احتاروا فی کیفیة تخریج جعل الحُجّیة للظّن.

فلا بدّ من وجود جعل من جاعل کی یکون حُجّةً:

ومن هنا برزت اتّجاهات جعل الطریقیة و العلمیة للحکومة علی حکم العقل (4)

وما ذلک إلّا لأنّ حکم العقل غیر قابل للتفکیک و الفصل؛لأنّه أمرٌ کلّی:

فوجوب الطاعة ثابت فی جمیع موارد انکشاف التکلیف،أعمّ من الانکشاف القطعی و الظّنی أو الاحتمالی،سوی أنّها تتمّ فی المورد الأوّل من خلال الإتیان بالتکلیف المقطوع،وفی المورد الثانی برعایة الاحتیاط و الإتیان بالتکلیف المظنون أو المحتمل،فالاحتیاط شکل من أشکال الطاعة. (5)

الإشکال الثالث:عدم إمکان اعتماد الشارع علی حکم العقل الخفی:

وصورة هذا الأشکال،هی:أنّه إذا افترضنا أنّ کشف حکم العقل بالاحتیاط،یتطلّب دقّةً دقیقةً،فإنّه حینئذ یبقی خفیاً علی أغلب الناس،فیکونون غافلین عن حکم العقل هذا.

ولیس من اللائق للشارع أن یعتمد علی هذا الحکم الخفی،وبالتالی سیبنی الناس حیاتهم علی أساس قاعدة:(قبح العقاب بلا بیان)، (6)وبما أنّه لم یصل ردعٌ عن الطریق الذی سلکه الناس فی الاعتماد علی المولویة العرفیة المختصّة بالتکالیف المقطوعة،فهذا یعنی:عدم تخطئة الشارع قیام سلوک الناس علی أساس قاعدة(قبح العقاب بلا بیان). (7)

الجواب:

وأُجیب عن هذا الإشکال،بما مضمونه،أنّ عدم مناسبة الاعتماد علی مثل هذا

ص:68


1- (1) .بحوث فی علم الأصول:24/5.
2- (2) .المصدر:24.
3- (3) .المصدر:23.
4- (4) .المصدر:25.
5- (5) .إسلامی نظریه حق الطاعه:344.
6- (6) .مسلک حقّ الطاعة بین الرفض و القبول:123 بتصرّف یسیر.
7- (7) .لاریجانی صادق:نظریه حق الطاعه:124.

الحکم فیما لو کان فی مجال الإثابة،فالإشکال یعود إلی وجود قصور عند أغلب الناس فی فهم أصل الاحتیاط العقلی و الإقرار بصحّته.فإذا کان الأمر کذلک فإنّ قصور المکلَّف وعدم صحّة مؤاخذة القاصر،لیس له علاقةٌ بأصل ثبوت حکم العقل بحقّ الطاعة.إضافةً إلی أنّ أقصی ما یعنیه الإشکال إن صحّ،هو ثبوت البراءة الشرعیة لا العقلیة؛لأنّه تمّ عن طریق إمضاء الشارع. (1)

الجهة الثانیة:الإشکالات البنائیة
اشارة

وترتبط بقضیة حقّ الطاعة ذاتها،فجاءت فیها عدّة إشکالات:

الإشکال الأوّل:وحدة مصدر الطاعة الشرعیة

:

ویمکن تقریب الاستدلال به بالقول؛بإنّ الحکم بعدم ثبوت التکلیف فی حالة عدم وصوله بصورة قطعیة من قِبل المولی العرفی هو کالحکم القطعی للعقل بحسن العدل وقبح الظلم،و هو حکمٌ للعقل العملی،ویتّفق فی ذلک جمیع العقلاء.فالعقل العملی یحکم بشرطیة وصول التکلیف،وعلی هذا فإنّ حکم العقل العملی بحقّ الطاعة مقیدٌ بحکمه بشرطیة وصول التکلیف.

فلا وجود للاستدلال بالسیرة العقلائیة،کی نقول؛إنّ البراءة الثابتة بها براءةٌ شرعیةٌ؛لأنّها بحاجة إلی إمضاء الشارع،فهی إذاً:براءةٌ عقلیةٌ؛لأنّها ترتکز علی العقل العملی.ثمّ إنّ العقل یقطع أیضاً بقبح العقاب علی مخالفة کلّ ما لا یتضمّن حقّ الطاعة،وبهذا یتوقّف:(قبح العقاب بلا بیان)علی عدم وجود حقّ الطاعة فی مرحلة سابقة.فإذا أثبتنا فیها عدم وجود تکلیف فی موارد الانکشاف الاحتمالی،یتمّ بذلک إثبات قبح العقاب فی موارد الانکشاف الاحتمالی.

لأنّ مصدر حقّ الطاعة واحدٌ لا اختلاف فیه فیما بین الله المولی الحقیقی و المولی العرفی کما ذهب إلیه المشهور،وذلک لأنّ الطاعة علی نوعین.طاعةٌ شرعیةٌ وغیر شرعیة.والشرعیة تشمل طاعة الله ومن أمر الله بطاعته،و هذه الأخیرة ترجع إلی طاعة الله،وتکون فی امتدادها غایة ما هنالک أنّها مقیدةٌ ومحدودةٌ بخلاف طاعة الله.وعلی هذا یمکن قیاس حقّ الطاعة للمولی العرفی علی حقّ الطاعة لله،فیثبت بذلک اشتراط الوصول القطعی للتکلیف فی مورد المولی الحقیقی لثبوته فی المولی العرفی. (2)

ص:69


1- (1) .المصدر نفسه:123-124.
2- (2) .دور الوحید البهبهانی فی تجدید علم الأصول:123-133.
خلاصة الإشکال:

بما أنّ وجوب طاعة المولی المجعول تختصّ بالتکالیف قطعیة الوصول فحسب وذلک بحکم العقل،وبما أنّ هذه الطّاعة ترجع إلی طاعة الله؛لأنّها مجعولة من قِبله،فهما سیان،فوجوب طاعة الله.إذاً:تقتصر علی التکالیف القطعیة،ولا تتعدّی إلی المشکوکة.

فالاستدلال یرتکز علی ثلاثة أرکان:اشتراط ثبوت التکلیف بالوصول القطعی هو من مُدرَکات العقل العملی؛قطع العقل بتوقّف قبح العقاب علی عدم وجود حقّ الطاعة فی موارد الاحتمال؛حقّ طاعة الله کحقّ طاعة المولی العرفی لا تشمل إلّا موارد الوصول القطعی الذی ثبت بالعقل العملی.

الجواب

:أمّا بالنسبة إلی الرکن الثانی،فهو متفرّعٌ عن وجود أو عدم وجود حقّ الطاعة،-أی:محلّ النزاع الذی هو مسلّمٌ لدی الفریقین-فهو خارج عن البحث؛أمّا الرکن الأوّل،فهو یتوقّف علی صحّة دعوی الرکن الثالث،فهل هو کما ذکر من أنّ مصدر حقّ طاعة الله و المولی العرفی هو واحدٌ،ومن سنخ واحد؟

فإنّ طاعة من أمر الله بطاعته لیست من مُدرَکات العقل العملی،و إنّما هی متعلّق الوجوب الشرعی کوجوب الصلاة مثلاً التی تتطلّب الامتثال،وهی لیست مصداقاً لحقّ الطاعة کما ذکر المستشکل،و إنّما هی موضوعٌ لها،بدلیل أنّ التزاحم بین طاعة الله وطاعة الأب مثلاً لا یرتبط بأمر الله وأمر الأب،بل بمتعلّق أمر الله بإطاعة الأب وأمر الله.

إذاً:فیوجد هنا وجوبین للطاعة ونوعین للمولویة فی امتداد أحدهما الآخر،ومجرّد اتّحاد الفعل المُطاع به لیس بمعنی اتّحاد الطاعتین.ومن هنا،فلا إشکال فی أن یکون الوجوب الشرعی المجعول لطاعة الأب مثلاً،مقیداً ومحدوداً بحدود التکالیف القطعیة للأب،وأن لا یکون الوجوب العقلی للطاعة الثابتة لله مقیداً ومحدوداً بحدود التکالیف القطعیة لله. (1)

وربّما یکون هذا الإشکال من أدهی ما جادت به قرائح الأصولیین هنا،فقد استطاع الذهن الوقّاد لصاحب الإشکال و التلمیذ المحنّک لصاحب النظریة،من فبرکة إشکاله بأسلوب فنّی،لیتسلّق سور قاعدة حقّ الطاعة ویطلق سهامه الثلاثة صوب جوهرها ومحرّکها،إلّا أنّها بدل أن تصیبه سقطت فی حجرة وقوده لتزیده دینامیةً واضطراماً واضطراداً.

ص:70


1- (1) .الحائری،علی أکبر:نظریة حقّ الطاعة:120-122،باقتضاب.

فهو ومن أجل تحطیم هذا العملاق الظریف،الذی أخذ یتوغّل ویستولی شیئاً فشیئاً علی الساحة الأصولیة،قام بتجزئته إلی أجزاء ثلاثة،لیسهل علیه قنصه و القضاء علیه.

وکانت المشکلة التی تواجهه فی ذلک-بما أنّه یؤمن بثبوت أصل حقّ الطاعة للمولی الحقیقی-کیفیة الانقلاب علی موارد الاحتمال،ومن ثمّ إسقاطها من شمولها بحقّ الطاعة،فقال بعدم ثبوت العقاب علی ارتکاب ما لیس فیه حقّ الطاعة،و هذا أمرٌ مسلّمٌ بکلّیته،کما هو واضح.

فجعل حدود حقّ الطاعة مبهمةً ومردّدةً،وبذلک هیأ الأرضیة للانفراد بالمحتمل وإلقائه أرضاً،ثمّ جاء إلی المولویة العصیة علی الانحناء من أطرافها،لیجرّدها من ثیابها ویترک لها ورقة التوت لا غیر،فقال بعودة طاعة المولی المجعول من قِبل الله إلی طاعة الله-فهو کان قد شخّص الخلل الذی سقط فی فخّه الجمیع فی قیاس طاعة المولی الحقیقی علی المجعول-إذاً:فهی طاعةٌ شرعیةٌ کطاعة الله،وبما أنّ العقل العملی یقول باختصاصها بالتکالیف القطعیة وعدم شمولها للاحتمالیة،فها هی الثّمرة التی أکبّ علی سقیها ورعایتها قد نضجت وحان قطافها،فلا نتیجة لذلک سوی وحدة تلک الطاعة،فطاعة الله لا تشمل المحتمل بحکم العقل العملی الآنف.

ولکنّه-وللأسف-بدل أن یغدق علی المجعول ویلبسه ثوب الجاعل شحّ علی الجاعل فألبسه ثوب المجعول،فجعل حکم الجاعل تابعاً لحکم المجعول فحکم علیه بأحکامه.مع أنّ الاختصاص بحاجة إلی دلیل أوّلاً لوجود جعل هنا بحسب الفرض،والأصل عدم القیاس ثانیاً،فکلّ وشأنه.

الإشکال الثّانی:التفکیک فی ما بین المولویة وحقّ الطاعة:

یقول هذا الإشکال بأنّه:

لا علاقة للمولویة الذاتیة وغیر المجعولة لله بمسألة تنجّز التکلیف.فمن الممکن أن تکون مولویة الله واسعة،ولکنّ حقّ الطاعة لا یتّسع بتلک الدرجة؛لأنّ سعة مولویة الله بسعة ملاک المولویة الذی یتمثّل بخالقیته،والذی یصدُق علی عباده فی أی حال کانوا علیها باعتبارهم خلقه.إذاً:فالمولویة صادقة أیضاً فی کلّ حال،حتّی فی حالة الشکّ بالتکلیف،ولکنّ حقّ الطاعة لا یصدُق فی حالة الشکّ بالطبع. (1)

الجواب:من المسلّم و الواضح أنّ دائرة التشریع أضیق نطاقاً من دائرة التکوین،ولکنّ السبب فی اقتضاء المولویة التشریعیة الذاتیة سعة حقّ الطاعة،هو الرّجوع إلی العقل العملی الذی

ص:71


1- (1) .مسلک حقّ الطاعة بین الرفض و القبول:127.

أدرک أصل المولویة الذاتیة،وأدرک حدودها أیضاً.فالاستدلال غیر قائم علی أساس المولویة التکوینیة،بل علی أنّ العقل العملی،وکما یدرِک أصل المولویة التشریعیة الذاتیة الثابتة لله،فهو یدرِک کذلک سعتها المتمثّلة بتنجّز التکلیف المشکوک،فتکون سعة المولویة التشریعیة وتبعاً لأصلها من مُدرَکات العقل العملی. (1)

الإشکال الثالث:تزاحم مِلاک الترخیص مع مِلاک التکلیف:

إنّ الاحتمال له طرفان،طرف التکلیف وطرف الترخیص،فکما أنّه یستلزم الاحتیاط لئلّا یفوت مِلاک الوجوب أو التحریم فی طرف التکلیف،فکذلک یستدعی الاحتیاط لحفظ ملاک الإباحة فی طرف الترخیص.فلماذا یقتصر الإلزام فی حقّ الطاعة علی جانبه التکلیفی،ویترک فی جانبه الترخیصی مع أنّه یتطلّب طاعةً تتناسب معه وتتمثّل بالالتزام بالبراءة،والمقصود منها رعایة الغرض فی جعل الإباحة. (2)

الجواب

:إنّ الإباحة التی هی قسیم الأحکام الأربعة-الوجوب،الحرمة،الاستحباب،الکراهة-علی نحوین من جهة المِلاک؛إباحةٌ اقتضائیة،وهی التی تقتضی وجود مصلحة وتتمثّل هذه المصلحة بنفس إطلاق العنان و الحرّیة؛وإباحةٌ لااقتضائیة،وهی التی لا تقتضی وجود أی مصلحة فی الفعل أو الترک،أو هما متساویان فی المصلحة.فالمِلاک فی الإباحة اللااقتضائیة هو نفس الخلو من المِلاک الاقتضائی فی جانبی الفعل و الترک،فإذا روعی جانب مِلاک التکلیف المحتمل علی حساب الإباحة المحتملة،فإنّ هذا سوف لا یفوّت مطلقاً مِلاک الإباحة اللااقتضائی لأنّه بحسب الفرض لااقتضائی،فینتفی وجود التزاحم.

أمّا الإباحة الاقتضائیة،فهی إمّا أن یکون مِلاکها کمِلاک التکلیف،أی یکون منجّزاً،بمعنی امتثال جانب الإباحة أی لزوم جعل المکلَّف نفسه حرّاً فی هذا المجال.و هذا لا یمکن القبول به؛لأنّ الإباحة هی بمعنی نفی المسؤولیة،فلا یلزم علیه القیام بأی عمل لأجل أن لا یکون مُلزَماً،وعلی هذا فلا یتطلّب مِلاک الترخیص امتثالاً،ولا یکون المکلَّف مُلزَماً بشیء لمراعاة مِلاک الإباحة المحتمل فی الشبهات،فلا تزاحم.

و إمّا أن یقتضی مِلاک الإباحة؛المعذّریة،ومِلاک التکلیف المنجّزیة،فیتصوّر التزاحم فیما بین المِلاکین بلحاظ حکم العقل،لأنّ الأوّل یقتضی التعذیر من خلال عدم المسؤولیة وعدم الإلزام-

ص:72


1- (1) .إسلامی،رضا:نظریه حق الطاعه:356،بتصرّف یسیر.
2- (2) .لاریجانی،صادق:نظریه حق الطاعه:11،بتصرّف یسیر.

ولیس التنجیز بلحاظ الالتزام بإطلاق العنان کما فی السابق-والثانی التنجیز من خلال الإلزام وثبوت المسؤولیة مقابل الفعل أو الترک.وهنا،إمّا أن یتمثّل المِلاک و المصلحة بعدم وجود إلزام مولوی للمکلّف بالفعل أو الترک فی خصوص الفعل المباح من جهة نفس الفعل المباح.

فإذا کان امتثال التکلیف المحتمل یستلزم التفریط بحرّیة المکلَّف فی خصوص بعض المباحات،فإنّ ذلک لا یوجب تزاحماً فیما بین مِلاک الإباحة وملاک التکلیف.و إمّا أن یکون المِلاک و المصلحة مطلقاً-أی:عدم وجود أی إلزام بالفعل أو الترک فی متعلّق الإباحة-لا من جهة الفعل المباح ولا من أی جهة أخری.فبناءً علی مسلک حقّ الطاعة سیکون هناک تنافیاً بین وجوب الاحتیاط وبین لزوم رعایة مِلاک الإباحة المحتملة.

ولکنّ الصحیح عدم إمکان طروء تنجیز وتعذیر فی عرض أحدهما الآخر؛علی شیء واحد بحکم العقل؛لأنّ التعذیر لیس سوی عدم التنجیز،ففی حالة تنجیز التکلیف المحتمل لا یبقی مکانٌ للتمسّک باقتضاء مِلاک المباح الاحتمالی للمعذّریة.

هذا کلّه؛مع أنّ الموضوع مرتبطٌ بحکم العقل قبل جعل الحکم الظاهری لا بجعل الحکم الظاهری کما خُیل للمستشکل.فالعقل،بغضّ النظر عن جعل الحکم الظاهری،لا یستطیع أن یقول بأنّ مِلاک الإباحة یقتضی المعذّریة ومِلاک التکلیف یقتضی المنجّزیة؛فیکونان متزاحمان فی مقام حفظ المِلاکات،بل إنّ العقل یری تقدّم رعایة مِلاک التکلیف المحتمل علی رعایة مِلاک الإباحة المحتملة؛لأنّه إذا کان هناک حقٌّ للمولی علی العبد بسبب التکلیف المحتمل،لا یمکن للعبد أن یری نفسه معذوراً بخصوص رعایة مِلاک الإباحة الاقتضائی المحتمل. (1)

ففی الحقیقة لیس لدینا حکمان کی یتزاحم جانباهما التنجیزی و التعذیری،و إنّما هناک واقعةٌ واحدةٌ فیها طرفی احتمال،وبما أنّ عدم الإتیان بالطرف الإلزامی یؤدّی إلی احتمال تفویت الغرض الذی یستوجب العقاب،یقدَّم علی الطرف الترخیصی الذی لا یستوجب ذلک.وبهذا یتمّ کلامنا فی أصالة الاحتیاط التی مثّلها مسلک حقّ الطاعة.

وبهذا یتمّ الکلام الذی تطرّقنا فیه إلی أدلّة الطرفین و الإشکالات التی أُوردت علیهما ومناقشاتها وأجوبتها.

ص:73


1- (1) .حدیث الساعة حول نظریة حقّ الطاعة:27،بتصرّف یسیر.

ولقد اتّضح ممّا سبق أنّ الخلاف و النزاع فیما بین المسلکین یدور حول التکالیف المحتملة،فلا بحث فی التکالیف الواصلة،فهل من اللازم مراعاة الاحتیاط فیها أم أنّها خارجةٌ عن عهدة المکلَّف فهو غیر مسؤول عنها؟

فاستدلّ أصحاب البراءة بقبح العقاب لإسقاط التکلیف المحتمل،فقیل لهم ما هو الدلیل علی أنّ العقاب علی ترک العمل بالمحتمل قبیح؟قالوا:سیرة العرف و العقلاء.فقیل لهم:إنّ الاستدلال بالعرف و السیرة العقلائیة لتحدید مولویة المولی الحقیقی قیاسٌ بلا دلیل،ویعدّ دلیلاً إمضائیاً،ولیس دلیلاً عقلیاً،ممّا یجعل براءتکم شرعیةً،ولیست عقلیة؟

فقالوا:بما أنّ مخالفة الواصل ظلمٌ للمولی فمخالفة غیر الواصل لیس من الظلم،فقیل لهم کلامنا فی العقل الأوّلی؛و هذا غیر أوّلی؛و إنّما یرتکز علی قاعدة حسن العدل وقبح الظلم الأوّلیة،وینبغی تشخیص الحقّ ابتداءً کی نعرف أنّه ظلمٌ أم لا.فقالوا:إنّه غیر محرّک؟فقیل لهم:إنّه لیس مسألةً شخصیةً کی لا یکون محرّکاً،و إنّما یرتبط بمسؤولیتنا تّجاه المولی فعدم المحرّکیة فرع عدم ثبوت المحاسبة علیه و المسؤولیة عنه.

فقالوا:لا وجود لحکم حقیقی،فلا مسؤولیة ولا محرّکیة؟فقیل لهم:إنّ معنی ذلک وجود حکم غیر حقیقی و هو ما یدور حوله الکلام لتحدید دائرة المسؤولیة تّجاهه مع أنّ أقلّ ما یستلزم القول بعدم وجود حکم حقیقی،وجود حکم إنشائی،و هذا أقوی من مجرّد الاحتمال،فنکون عدنا من حیث بدأنا.ومعنی:ذلک هو أنّکم تقولون بأنّ التکلیف بلا بیان غیر ثابت لعدم وجود بیان،و هذا هو الدّور ذاته و هو باطل.و هو أوّل الکلام الذی کرّستم جهودکم لإثباته.

ونستنتج من ذلک:

أنّ القائلین بالبراءة یدورون فی حلقة مفرغة،فلم یستطیعوا أن یثبتوا قاعدتهم إثباتاً عقلیاً أوّلیاً،ویفرض ذلک ما یدعو إلیه القائلون بالاحتیاط من لزوم الابتداء بتحدید دائرة حقّ الطاعة؛إذ إنّ أصحاب البراءة یقرّون بأصل وجود حقّ الطاعة،و هذا ما تؤکّده کلماتهم إضافةً إلی فحوی قاعدتهم.

فجاء القائلون بشمول حقّ الطاعة لموارد الاحتمال لیستدلّوا علی الشمول؛بالمولویة التی یتّفق بشأن ثبوتها الطرفان،فقالوا:إنّ المولی من له حقّ الطاعة-أی:من یحکم العقل بلزوم امتثاله واستحقاق العقاب علی مخالفته-و هذا متّفق علیه،و هذا هو بالذات محصّل الحُجّیة،

ص:74

فالحُجّیة تستلزم الامتثال واستحقاق العقاب علی المخالفة و هذا یعنی:أنّ الحُجّیة مفروضةٌ بنفس افتراض المولویة،و هذا هو معنی:حقّ الطاعة.

إذاً فقد وصلنا إلی نتیجة متّفق علیها.

وهنا نأتی ونقول:إنّ هذه الحُجّیة هی لازمٌ ذاتی للقطع لا یمکن أن تنفکّ عنه-أی:أنّ القطع بذاته یستلزم الحُجّیة و المنجّزیة-ولا یمکن انفکاکها عنه،والقطع فی الحقیقة هو عین الانکشاف،فالحُجّیة لازمٌ ذاتی للانکشاف،و هذا ما لا خلاف فیه فالجمیع متّفقون علی ذلک.فنأتی الآن إلی الخلاف الموجود فیما بین الطرفین و المتعلّق بشمول حقّ الطاعة لموارد الاحتمال،فیقول أصحاب الاحتیاط؛بأنّ کلّ انکشاف-احتمال-یعبِّر عن درجة من الحُجّیة إلّا أنّ القطع یعبِّر عن الدرجة القصوی من الحُجّیة و المنجّزیة،فهذه الحُجّیة الثابتة بالانکشاف لا یمکننا ترک العمل وفقها إلّا بترخیص من المولی-أی:من له حقّ الطاعة-لأنّها تعبِّر عن حقّ الطاعة الثابت. (1)

و هذا کلامٌ معقولٌ جدّاً؛لأنّه لا یمکن الخروج عن الأصل إلّا بدلیل،فالأصل هو حقّ الطاعة-کما هو مفاد قول أصحاب البراءة-ولیس القطع کی لا یمکن التّعدی عنه إلی الاحتمال إلّا بدلیل.

فلا بدّ لهم من الإتیان بدلیل عقلی للخروج عن حقّ الطاعة الشامل لموارد الاحتمال،وإلّا فالثابت فعلاً هو الأصل.وعلی هذا فالرأی الراجح فی الأصل الأوّلی العقلی عند الشکّ فی التکلیف هو القول بثبوت حقّ الطاعة الشامل لموارد الاحتمال إلّا ما رخّص المولی فی ترکه.

هذا بالنسبة إلی الأصل العملی العقلی،ولکنّ هذا الأصل:

مشروط عقلاً بعدم وصول أصل عملی شرعی مخالف له،فإذا وصلنا أصل عملی شرعی یتضمّن لزوم الاحتیاط تّجاه الحکم الواقعی المشکوک ارتفع بذلک موضوع البراءة العقلیة عند القائلین بها،کما أنّه لو وصلنا أصل عملی شرعی یتضمّن البراءة تّجاه الحکم الواقعی المشکوک ارتفع بذلک موضوع الاحتیاط العقلی عند القائلین به. (2)

فالمسلکان یلتقیان فی الأصل العملی الثانوی أو الشرعی،وذلک لوصول أصلَی البراءة الشرعیة والاحتیاط الشرعی کلٌّ فی موارده،فلا یبقی اختلافٌ فیما بینهما إلّا فیما لو کان هناک موردٌ لا یمکن أن یخضع لکلّ من أصلَی البراءة والاحتیاط الشرعیین.

ص:75


1- (1) .دروس فی علم الأصول:172/1-175 بتصرّف یسیر.
2- (2) .الحائری،علی أکبر:نظریة حقّ الطاعة:91.

ویبقی ما یرتبط ببحثنا من هذا الموضوع،فبناءً علی مسلک أصالة البراءة،فإنّ عنوان موضوعنا:الحرّیة الاقتصادیة ضوابطها حدودها یکون واضحاً؛لکون الأصل هو الإباحة التی تعنی حرّیة التصرّف،فتأتی الضوابط و الحدود لتضبط،وتحدّ من هذه الحرّیة بالمقدار الذی یثبت منها.أمّا علی أساس مسلک أصالة الاحتیاط،فربما یظنّ البعض بأنّه بحدّ ذاته لا یعترف بحرّیة الإنسان فی التصرّف إلّا فی الموارد التی یقطع بورود ترخیص فیها من قِبل الشارع،فکیف نضبط،ونحدّ من شیء غیر معترَف به من الأساس.

ولکنّ هذا غیر صحیح؛لأنّ المراد من الاحتیاط هنا الاحتیاط عند الشکّ فی وصول البیان لا فی أصل صدوره فإنّ:

مصبّ هذا الخلاف عبارة عن حالة عدم الوصول القطعی للتکلیف مع احتمال صدوره فی الواقع،ولیس عبارة عن حالة عدم صدور البیان علیه من الأساس (1)

وبهذا یکون الاحتیاط مرتبطاً بحالة عدم الوصول القطعی للتکلیف مع احتمال صدوره فی الواقع،أمّا فی غیر هذه الحالة فالأمر لیس کذلک،هذا من جهة،ومن جهة أخری،فإنّ أصالة الاحتیاط محکومةٌ بالأصل العملی الثانوی،فالمولی رخّص فی حقّه هذا،وأحلّ البراءة الشرعیة محلّها من خلال بعض النصوص الواردة،والتی ارتضاها الفریقان مع ما جری من بحث کثیر فی مدی دلالتها علی المطلوب،کالآیة الکریمة لا یُکَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها ، (2)وکحدیث«ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوعٌ عنهم». (3)وبذلک لا یرد علی العنوان إشکالٌ من هذه الناحیة.ولابدّ من التنویه علی أنّ الفریقین قد اتّفقا علی أنّ البراءة الشرعیة تجری عند الشکّ فی التکلیف أی فی ثبوت التکلیف ابتداءً،ولا تجری عند الشکّ فی المکلَّف به،فإنّه یجری فیه الاحتیاط الشرعی باتّفاق الفریقین.

وبهذا تکون القاعدة الشرعیة التی ارتضاها الإسلام فی مجال ممارسة الإنسان لمختلف الأنشطة،هی إباحة الفعل و البراءة من انشغال ذمّته بشیء لله،أی:یکون له مطلق الحرّیة فی التصرّف من حیث المبدأ،إلّا أنّه جاء-باعتباره نظاماً شاملاً وکاملاً للحیاة-ووضع أسساً وضوابط وقوانین وأحکاماً لتنظیم حرّیته هذه فی کافّة المجالات،تنظیماً یضمن له قطف

ص:76


1- (1) .المصدر نفسه:96.
2- (2) .الطلاق:7.
3- (3) .الکافی:164/1،باب حجج الله علی خلقه،ح:3.

ثمرات جوانبها الإیجابیة واجتناب مآسی جوانبها السلبیة،ممّا یعود بالفائدة علی حیاتیه الدنیویة و الأُخرویة،وعلی باقی أعضاء المجتمع الذی یعیش فی إطاره.

فهذا تأسیسٌ لحرّیة مسؤولة تنسجم وطبیعة الحیاة الاجتماعیة و الصالح العام،فالإسلام لم یکتفِ بالحدّ من آثار الحرّیة ومعالجتها إذا ما انفلتت:وذلک بوضع عقوبات علی التجاوزات مهما کانت طفیفةً حتّی إرش الخدش،بل إنّه عمل علی إیصاد کلّ المنافذ التی ربّما تؤدّی إلی الانفلات و التجاوز علی الآخرین.فنهی عن سوء الظنّ مثلاً الذی یعدّ منشأً لکثیر من التجاوزات،حیث قال تعالی: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا کَثِیراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (1)فاعتبر مجرّد الظنّ الذی لم ینعکس بعدُ علی شکل فعل،اعتبره إثماً فی بعض الحالات لما له من آثار خطیرة،وما ذلک إلّا لأنّه لا یتعامل مع الأمور إلّا من خلال واقعها الحقیقی و الموضوعی علی اعتبار وَ إِنَّ الظَّنَّ لا یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئاً (2)لیجعل من نفسیة المؤمن تربةً صالحةً لهذه الحرّیة المسؤولة التی تنعکس علی کافّة مجالات الحیاة لتکون عاملاً مساعداً مهمّاً فی إرساء الحرّیة الحقیقیة و العدالة و الأمن و السلام.

ص:77


1- (1) .الحجرات:12.
2- (2) .النجم:28.

ص:78

المبحث الرابع:أسس عامّة

اشارة

وقبل الخوض فی صلب بحثنا،أری من اللازم التطرّق إلی بعض الأسس العامّة التی یمکن من خلالها فهم الفلسفة التی تقوم علیها تعالیم الإسلام فی المجال الاقتصادی،والتی لا تقتصر علیه فحسب،بل تتعدّاه إلی المجالات الأخری أیضاً.وکذلک إدراک الترابط والانسجام و الفاعلیة و الدینامیة التی تتمیز به من خلال ذلک،ولِما لها من تأثیر کبیر علی کثیر من تلک التعالیم و الأحکام.

فهذه الأسس تمثّل القاعدة المتینة التی تحول دون أن یتزعزع ویتهاوی،کما تزعزعت وتهاوت الکثیر من الأنظمة و النظریات التی لمّحنا إلیها فی سیرنا التاریخی حول حدود الحرّیة الاقتصادیة.

ولا یعدّ إقصاء الإسلام بتعالیمه ونُظمه عن واقع الحیاة دلیلاً علی فشلها العملی،بل علی العکس من ذلک؛فإنّ الفشل الذی لاقاه المسلمون فی العصور التی أعقبت انتشار الإسلام لم یکن لولا إقصائهم هذه التعالیم وإدارة ظهورهم لها.ویعدّ قیام الحضارة الإسلامیة وتطوّرها وازدهارها فی العصور الأولی من حکم الإسلام خیر دلیل علی ما نقول.

إذاً:فمن الضروری أن نشیر إلی هذه الأسس لتکون منطلقاً لنا فی تحدید المفاهیم و الضوابط التی تقوم علیها البحوث الآتیة،والتی سنقوم بعنونتها علی شکل قضایا لزیادة التأکید من خلال نسبة المحمول إلی الموضوع،وهی کالتالی:

ص:79

أوّلاً:الله هو المالک الحقیقی

إنّ ملکیة الله تعالی لکلّ ما فی الوجود و الأرض وما علیها وما فیها،هو ممّا أشارت إلیه الآیة الکریمة: تَبارَکَ الَّذِی بِیَدِهِ الْمُلْکُ ، (1)فقد جاء فی تفسیرها:

و أمّا قوله: بِیَدِهِ الْمُلْکُ فاعلم أنّ هذه اللفظة إنّما تُستعمل لتأکید کونه تعالی ملکاً ومالکا (2)

أی:مالکاً ومتصرّفاً فیما یملکه،و هو:

یشمل بإطلاقه کلّ مُلک،وجعل المُلک فی یده استعارة بالکنایة عن کمال تسلّطه علیه وکونه متصرّفاً فیه کیف یشاء کما یتصرّف ذو الید فیما بیده ویقلّبه کیف یشاء،فهو تعالی یملک بنفسه کلّ شیء من جمیع جهاته ویملک ما یمکله کلّ شیء.فتوصیفه تعالی بالذی بیده الملک أوسع من توصیفه بالملیک فی قوله: عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ ، (3)وأصرح وآکد من توصیفه فی قوله: لَهُ الْمُلْکُ . (4)و (5)

فهذه الملکیة ملکیةٌ حقیقیةٌ غیر اعتباریة،دائمةٌ غیر منقطعة فهو ینسبها إلی نفسه فی کلّ الأحوال و إن جعلها لغیره،کما فی قوله تعالی: وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الَّذِی آتاکُمْ . (6)

فالله هو المالک الحقیقی لجمیع الثروات بصورة فعلیة کما تنبّه إلیه فقرة: بِیَدِهِ ،لذا فباستطاعته استردادها وانتزاعها تکویناً کما تشیر إلیه الآیة الکریمة: إِنْ یَشَأْ یُذْهِبْکُمْ وَ یَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِکُمْ ما یَشاءُ (7)أو تشریعاً؛وذلک من خلال بعض الأحکام التی سترِد علینا فی طیات موضوعنا.

وتترتّب علی الإیمان بهذه الحقیقة،آثارٌ مهمّةٌ علی مستوی علاقة الإنسان بالمال وکیفیة تصرّفه فیه،ویتجسّد ذلک من خلال الآلیة التی وضعها الله تعالی،لمراعاة حدود وضوابط هذه العلاقة،و هذا التصرّف:

فالتوحید یعنی اجتماعیاً أنّ المالک هو الله دون غیره من الآلهة المزیفة. (8)

ص:80


1- (1) .الملک:1.
2- (2) .التفسیر الکبیر:52/30.
3- (3) .القمر:55.
4- (4) .التغابن:1.
5- (5) .المیزان فی تفسیر القرآن:348/19.
6- (6) .النور:33.
7- (7) .الأنعام:133.
8- (8) .صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامی:18.

ثانیاً:الإنسان خلیفة الله فی الأرض

اشارة

وتمثّل هذه الخلافة المسؤولیة و الأمانة التی: وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، (1)فألقاها الله علی عاتقه فقال: إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً ، (2)وهی علی نوعین:

أ)الخلافة العامّة

وهی خلافة النوع الإنسانی،الذی یستوعب کافّة أفراده،کما قال تعالی: هُوَ الَّذِی جَعَلَکُمْ خَلائِفَ فِی الْأَرْضِ ، (3)ولهذه الخلافة وجهان وجهٌ اجتماعی ووجهٌ طبیعی؛فالوجه الاجتماعی یتمثّل فی کون هذه الخلافة تشمل کافّة أفراد البشریة ولا تختصّ بشخص دون شخص کما تشیر إلیه عبارة: جَعَلَکُمْ خَلائِفَ ،والوجه الطبیعی منها یرتبط بالأرض التی تمثّل الطبیعة وما فیها.

فهناک مستخلِفٌ الذی هو الله،ومستخلَفٌ الذی هو الناس جمیعاً ومستخلَفٌ فیه الذی هو الطبیعة،و هو ما یحدّده بوضوح قوله تعالی: جَعَلَکُمْ مُسْتَخْلَفِینَ فِیهِ . (4)

والخلافة بطبیعة الحال تعنی:النیابة عن المستخلِف فی القیام علی المستخلَف فیه وإدارة شؤونه حسب مراد المستخلِف؛لأنّ هذا المستخلِف لیس کغیره من المستخلِفین أو المخلَفین بعبارة أدقّ الذین یرحلون ویخلّفون غیرهم فی الحقیقاً،ولا یستخلفونهم،فهو حی باق مسیطرٌ ومراقبٌ لما یجری: لِنَنْظُرَ کَیْفَ تَعْمَلُونَ . (5)فهی إذن تتطلّب مراعاة وجهها الاجتماعی من خلال اشتراک البشریة فیها جمعاء وحقّهم جمیعاً فی المستخلَف فیه،ورعایتهم للمستخلَف فیه من حیث یرید المستخلِف لا من حیث یریدون هم باعتباره المالک الحقیقی،وإلّا: إِنْ یَشَأْ یُذْهِبْکُمْ وَ یَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِکُمْ ما یَشاءُ ،کما تقدّم فی الأساس الأوّل.

فهذا الخلیفة الذی جعل له الحقّ فی تملّک ثروات الطبیعة ووظّفه باستثمارها،فرض

ص:81


1- (1) .الأحزاب:72.
2- (2) .البقرة:30.
3- (3) .فاطر:39.
4- (4) .الحدید:7.
5- (5) .یونس:14.

علیه مراعاة حقوق الآخرین علی اعتبار أنّها لیست حکراً علیه،و إنّما هناک من یشارکه فی خلافة هذه الطبیعة:

وعلی هذا الأساس یستشعر الفرد المسؤولیة فی تصرّفاته المالیة أمام الله تعالی؛لأنّه هو المالک الحقیقی لجمیع الأموال،کما یحسّ بالمسؤولیة أمام الجماعة أیضاً؛لأنّ الخلافة لها بالأصل،والملکیة للمال إنّما هی مظهر من مظاهر تلک الخلافة وأسالیبها (1)

ویتمّ ذلک فی عملیة منسجمة یتداخل فیها الإنسان مع الطبیعة لیکون قادراً علی تطویعها والارتقاء بها نحو الغایة التی خُلق وخُلقت من أجلها: هُوَ أَنْشَأَکُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَکُمْ فِیها (2), و إن اختلفت قابلیاتهم ومواهبهم وإمکاناتهم،فإنّه ممّا یساهم فی إنجاز هذه المهمّة:

فالملکیة و الحقوق الخاصّة التی مُنحت لبعض دون بعض فاختلفت بذلک درجاتهم فی الخلافة،هی ضرب من الامتحان لمواهب الجماعة ومدی قدرتها علی حمل الأعباء،وقوّة دافعة لها علی إنجاز مهام الخلافة،والسباق فی هذا المضمار. (3)

ب)الخلافة الخاصّة

وهناک خلافةٌ خاصّةٌ یستخلف فیها الله تعالی خلیفةً خاصّاً یکون ممثّله الشرعی فی الإشراف علی المجتمع الإنسانی فی عملیة إدارتهم لشؤون الحیاة و الطبیعة،کما یشیر إلیه قوله تعالی: إِنِّی جاعِلُکَ لِلنّاسِ إِماماً (4)ویقوم بأعباء تلک المسؤولیة حسب الصیغة وعلی ضوء الأهداف التی قرّرها المستخلِف،فإنّ هذا الإمام الذی نصبه الله تعالی؛یعدّ العنصر المتحرّک لتنفیذ إرادته تعالی المتمثّلة بالعنصر الثابت،والتی بینها فی کتابه الکریم فی قوله: وَ کُلَّ شَیْ ءٍ أَحْصَیْناهُ فِی إِمامٍ مُبِینٍ ، (5)لتمتزج عملیة الإمامة بعنصر متحرّک متمثّل بشخص الإمام وعنصر ثابت یتبلور فی مقرّرات الله؛لإنجاز مهمّة إدارة شؤون الحیاة علی أفضل وجه،و هذا ما تعبِّر عنه الآیة الکریمة: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنا . (6)

ص:82


1- (1) .اقتصادنا:567.
2- (2) .هود:61.
3- (3) .اقتصادنا:565-566.
4- (4) .البقرة:124.
5- (5) .یس:12.
6- (6) .الأنبیاء:73.

ولا یمکن لهذه العملیة أن تتمّ من دون فرض إطاعة هذا العنصر المتحرّک علی الناس فقال:

أَطِیعُوا اللّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ (1)فإنّ هذا النصّ دلّ بوضوح علی وجوب إطاعة أولی الأمر.ولا خلاف بین المسلمین،فی أنّ أولی الأمر هم أصحاب السلطة الشرعیة فی المجتمع الإسلامی،و إن اختلفوا فی تعیینهم وتحدید شروطهم وصفاتهم. (2)

فجعل المستخلِف خلیفته الخاصّ قیماً علی خلیفته العامّ للإشراف علی طبیعة تصرّفاته فی الثّروات الطبیعیة من خلال إعمال إرادة المستخلِف فیها و المتمثّلة بتعالیمه،هذا من جانب؛وخصّه بجزء من ثروات الطبیعة من جانب آخر،لیتدخّل عند الضرورة فی إعادة التوازن فیما بین الجماعة إن تعرّض للخلل وذلک من خلال إعمال قیمومته من جهة،وتوظیف تلک الثروة المجعولة له فی هذا المجال من جهة أخری،أی:إنّ المستخلِف أمدّ خلیفته الخاصّ بالقدرة القانونیة و المادّیة لإعمال نفوذه فی إقرار وإعادة التوازن الاقتصادی بین أفراد خلفائه فیما لو أخلّوا بشروط الشراکة الاستخلافیة:

فقد وضعت الشریعة مبدأ إشراف ولی الأمر علی النشاط العام،وتدخّل الدولة لحمایة المصالح العامّة وحراستها،بالتحدید من حرّیات الأفراد فیما یمارسون من أعمال. (3)

ویعدّ هذا التدخّل من الأرکان الرئیسة فی الاقتصاد الإسلامی،فهو یسری فی جمیع مجالات الاقتصاد إنتاجاً وتوزیعاً واستهلاکاً،ولا یختصّ بجانب منه دون آخر،فهو یمثّل عملیة الإشراف التی تأخذ فی الحسبان کلّ العوامل و الظروف التی تؤثّر فی إقرار النظام الاقتصادی المستتبع لإقرار النظام العامّ:

و قد کان وضع الإسلام لهذا المبدأ ضروریاً لکی یضمن تحقیق مُثله ومفاهیمه فی العدالة الاجتماعیة علی مرّ الزمن. (4)

علی اعتبار أنّ الإسلام نظامٌ صالحٌ لجمیع العصور،ومن هنا کان له جانبان:جانبٌ ثابتٌ ویتمثّل بالأحکام المرتبطة بعلاقات الإنسان بالله وبأخیه الإنسان،فهذه العلاقات تکون ثابتةً فی جوهرها و إن تغیرت عناوینها ومظاهرها،وجانبٌ متغیرٌ متطوّرٌ،و هو یمثّل علاقات الإنسان بالطبیعة فهذه العلاقات فی تجدّد وتغیر تبعاً للمعالجات المتغیرة التی یمارسها مع الطبیعة من

ص:83


1- (1) .النساء:59.
2- (2) .اقتصادنا:301.
3- (3) .المصدر نفسه:300-301.
4- (4) .المصدر نفسه:301.

أجل السیطرة علیها والاستفادة الأمثل منها.وهنا یأتی دور تدخّل وإشراف ولاة الأمر،فهم:

یضعون العناصر المتحرّکة التی یستوحونها من المؤشّرات العامّة للإسلام و الروح الاجتماعیة و الإنسانیة للشریعة المقدّسة فی مختلف شؤون الحیاة الاقتصادیة وغیرها. (1)

فتکون وظیفة ولی الأمر ملء هذه العناصر المتحرّکة و هو ما یسمّی بمنطقة الفراغ کی یکون الإسلام قادراً علی مواکبة الحیاة وتطوّرها،ولا یعدّ وجود منطقة الفراغ هذه نقصاً فی الإسلام،بل هی کمالٌ له علی اعتبار أنّه دینٌ واقعی وموضوعی یتلائم مع الفطرة الإنسانیة من جهة و التی تمثّل جانب الثبات،ومع واقع الحیاة المتجدّد و المتطوّر.ومن هنا نجح فی أن یبقی دیناً حیاً یجذب الکثیر من الأنصار و الأتباع علی مدی أربعة عشر قرناً.وعلی هذا یکون تدخّل ولی الأمر فی النشاط الاقتصادی من الأسس المهمّة لتوجیهه فی الاتّجاه الصحیح.ومن هنا رأَینا التأسیس له هنا،لنأتی علی ذکر تطبیقاته الخاصّة فی ثنایا البحث.

وبهذا یکتمل المربّع الخلافتی:منهج الخلافة،المشرف علی الخلافة،الخلفاء و المستخلَف فیه،لیقوم کلٌّ بدوره فی إنجاز المهامّ المنوطة به للسیر نحو المستخلِف،والذی لا مناص للإنسان منه إذا ما أراد أن یعیش حیاةً وادعةً آمنةً مطمئنّةً فی حیاته الدنیا،ویصل فی نهایة المطاف إلی قربه ونیل الزلفی لدیه فی حیاته العلیا.

ویشکّل ذلک الأساس المهمّ الذی یرتکز علیه الاقتصاد الإسلامی فهماً واستیعاباً وتطبیقاً،ولا یمکن لأی اقتصاد أن یستغنی عنه إذا ما أراد السیر فی الطریق الصحیحة،ویصل إلی المحطّة التی تجعل من المجتمع کلّ المجتمع یعیش فی أمن وسلام وخیر.

ثالثاً:القیام بالقسط،وسیلةٌ وغایة

جاء فی اللغة:

القسط،بالکسر:العدل،والقسط:الحصّة و النصیب.و فی الصحاح،یقال:وفاه قسطه،أی:نصیبه وحصّته.ویقال:الإقساط:العدل فی القسمة فقط،أقسطت بینهم،وأقسطت إلیهم.ففی الحدیث:«إذا حکموا عدلوا،و إذا قسموا أقسطوا»،أی:عدلوا (2)

فیستشفّ من ذلک أنّ القسط هو العدل بالمعنی الأعم،والعدل فی القسمة و النصیب بالمعنی الأخص،حتّی أنّه جاء بمعنی الحصّة و النصیب.

ص:84


1- (1) .صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامی:31.
2- (2) .تاج العروس:378/10.

و هذا هو الذی دعانا إلی ترجیحه علی لفظة العدل فی اختیار العنوان،مع ما له من معنیً أدائی وتنفیذی من خلال عبارة القیام-أی:أنّه عملیةٌ إجرائیةٌ تشمل کافّة الأفراد-و هو ما جاءت الآیة الّتی ترتبط بموضوعنا الاقتصادی لتؤکّده،وهی قوله تعالی: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَیِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْکِتابَ وَ الْمِیزانَ لِیَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ . (1)

فقد جاء فی تفسیرها:

وقوله تعالی: وَ الْمِیزانَ لِیَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ فسّروا المیزان بذی الکفّتین الذی یوزن به الأثقال،وأخذوا قوله: لِیَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ غایة متعلّقة بإنزال المیزان،والمعنی:وأنزلنا المیزان لیقوم الناس بالعدل فی معاملاتهم فلا یخسروا باختلال الأوزان و النسب بین الأشیاء فقوام حیاة الإنسان بالاجتماع،وقوام الاجتماع بالمعاملات الدائرة بینهم و المبادلات فی الأمتعة و السلع،وقوام المعاملات فی ذوات الأوزان بحفظ النسب بینها و هو شأن المیزان. (2)

فهو یرتبط بالاقتصاد من حیث الآلیة المتّبعة فی إعطاء کلّ ذی حقّ حقّه،فالعدل بالمعنی:الأخصّ هو الذی یوصل إلی العدل بالمعنی الأعم،فالعدل یعدّ وسیلةً وغایةً فی ذات الوقت،فلا یطلب العدل بالجور،ولهذا لا یمکن إقرار العدل العامّ إلّا من خلال العدل الخاصّ،ولهذا کان القیام بالقسط من الأسس المتینة التی یعتمدها الاقتصاد الإسلامی.

واعتمدناه أساساً عامّاً علی اعتبار دخوله فی جمیع فروع الاقتصاد،وتُستقی من خلاله الکثیر من التشریعات فهو یشکّل:

أساساً لاستیحاء صیغ تشریعیة متطوّرة ومتحرّکة وفقاً للمستجدّات و المتغیرات تکفل تحقیق تلک القیم وفقاً لصلاحیات الحاکم الشرعی فی ملء منطقة الفراغ. (3)

ویتمثّل فی الإنتاج؛من خلال حسن استثمار الطبیعة للقیام بإعمار الأرض وعدم ظلم النفس بالتفریط و التقصیر فی هذه الوظیفة التی أُلقیت علی کاهل الإنسان ممّا یؤدّی إلی الفقر و الفاقة لیس علی المستوی الذاتی فحسب،بل تعدّیه إلی عامّة المجتمع.

وفی التوزیع الحیلولة دون إساءة قسمة الثروة علی الجماعة ککلّ،فإنّ سوء التوزیع یعدّ ظلماً للمجتمع،و هذا ما یشیر إلیه النصّ القرآنی: وَ آتاکُمْ مِنْ کُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا

ص:85


1- (1) .الحدید:25.
2- (2) .المیزان فی تفسیر المیزان:171/19.
3- (3) .صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامی:30.

نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ کَفّارٌ ، (1)فقد أشار هذا النصّ القرآنی إلی:

لونین من الانحراف أحدهما الظلم و الآخر کفران النعمة،والظلم یعنی سوء التوزیع وعدم توفیر هذه النعم لأفراد الجماعة علی السواء-و هو ظلم بعض أفراد الجماعة للبعض الآخر-وکفران النعمة یعنی تقصیر الجماعة فی استثمار ما حباها الله به من طاقات الکون وخیراته المتنوّعة أی التوقّف عن الإبداع الذی هو فی نفس الوقت توقّف عن السیر نحو المطلق نحو الله تعالی-و هذا ظلم الجماعة نفسها-. (2)

وفی الاستهلاک؛بالاعتدال الذی هو افتعالٌ للعدل،والذی یؤدّی بدوره إلی توفیر الکثیر ممّا یسدّ حاجات المجتمع ممّا یساهم فی إقرار العدل وإیجاد التوازن المعاشی بین کافّة الأفراد.

وما یجدر ذکره هنا،هو العلاقة الموجودة بین الرسل من جانب،والکتاب و المیزان من جانب آخر،وبین القیام بالقسط،و قد تحدّثنا عن الجانب الأوّل فی الأساس الثانی؛أمّا الجانب الآخر،فیتمّ الکلام فیه من وجهین:

الوجه الأوّل:

إنّ الآیة الکریمة ربطت القیام بالقسط بشیئین بشکل یوحی بعدم إمکان الفصل بینهما أو الاستغناء عن أحدهما،وهما الکتاب و المیزان،فالکتاب یمثّل المنهاج و النظام الذی تقوم علی أساسه عملیة القیام بالقسط و هو عبارة عن التشریعات التی جاء بها،والمیزان یمثّل الوسیلة المادّیة الحیادیة التی یتمّ من خلالها تحدید الحقوق،فهی بحدّ ذاتها تُعطی کلّ ذی حقّ حقّه،ولا تتلاعب بحقّ أی کان،و إذا ما حدث ذلک فإنّما یحدث من خلال القائم علیها عن طریق الغشّ و الخداع.

و هذا ما جاء الکتاب لیبینه ویأمر بحفظ القسط وینهی عن الجور فیه بإنقاصه،فیقول: وَ أَقِیمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِیزانَ ، (3)فهی الوسیلة التی تعتمدها البشریة جمعاء للقبول بحکمها القیاسی،وهی تمثّل الوجه البارز للاقتصاد.فأعطت للاقتصاد الذی یمثّله المیزان أهمّیةً بارزةً،حیث وضعته جنباً إلی جنب مع الکتاب،إذاً فلا بدّ من وجود موازین تشریعیة وموازین مادّیة حیادیة و التی تعبِّر عن الاقتصاد المتوازن؛لتتمّ عملیة القیام بالقسط.

الوجه الثانی:

ومن المناسب أن نتحدّث عنه ضمن الأساس الرابع:

ص:86


1- (1) .إبراهیم:34.
2- (2) .صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامی:16.
3- (3) .الرحمن:9.

رابعاً:الإسلام کلٌّ واحد(نظامٌ مترابط)

فالاقتصاد الذی نتحدّث عنه؛هو جزءٌ من کلّ فی عملیة القیام بالقسط،فالتشریعات الموجودة فی الکتاب لا تقتصر علی ما یرتبط بالاقتصاد فقط،و إنّما هی تشریعاتٌ تحوی أجزاء متعدّدةً تشمل کافّة مناحی ومرافق الحیاة،و هذا الکلّ متداخلٌ ومتمازجٌ بعضه مع البعض،فلا یمکن إجراء أی جزء منه بمعزل عن إجراء أجزائه الأخری،فهو کتابٌ ذو وحدة واحدة،ولیس صحفاً متفرّقةً لا یوجد تداخل فیما بینها.

ومن هنا،فإذا ما أُرید تطبیق هذا الاقتصاد المتوازن بشکل مثمر؛لا بدّ من العمل علی تطبیق کافّة تشریعاته فی مجالاتها المختلفة،فعلینا:

أن نعی الاقتصاد الإسلامی ضمن الصیغة الإسلامیة العامّة،التی تنظّم شتّی نواحی الحیاة فی المجتمع فمن الخطأ أن لا نُعیر الصیغة الإسلامیة العامّة أهمّیتها،وأن لا نُدخل فی الحساب طبیعة العلاقة بین الاقتصاد وسائر أجزاء المذهب،والتأثیر المتبادل بینها فی کیانه العضوی العام. (1)

ومن هنا أیضاً أُخذت هذه التشریعات کأساس آخر من الأسس التی ینبغی مراعاتها فی الاقتصاد الإسلامی؛ولذلک جاء فی صحّة الشروط التی یتّفق حولها فی المعاملات علی سبیل المثال؛أن لا تکون مخالفةً للکتاب،و هذا لا ینحصر فی الاقتصاد فحسب،بل إنّه یتعدّی إلی مجالات الحیاة الأخری.فإذا ما أُرید للحرّیة الاقتصادیة أن تلعب دورها البنّاء فی التطویر و التنمیة فلا بدّ من مراعاة حدودها وضوابطها التی وضعها الإسلام،وإلّا فستکون منافیةً للغایة التی أُقرّت من أجلها،وستنعکس سلباً علی عامّة النشاط الاقتصادی،بل إنّها ستنقلب علی نفسها،وتکبّل أصحابها بألوان من الأزمات العصیة علی الحلول و المعالجات.

خامساً:الإنسان ذو کرامة ذاتیة

تُعدّ کرامة الإنسان من الأسس المهمّة التی نادی بها الإسلام،لیس علی مستوی الدعوة إلیها فحسب،و إنّما جعلها أساساً للکثیر من التشریعات العملیة سواء من ناحیة صیانتها وحفظها من الانتهاک،أو من ناحیة تجذیرها والارتقاء بها،انسجاماً مع متبنّیات الإسلام التی تستهدف الوصول بالإنسان إلی الکمال اللائق به باعتباره خلیفة الله.

ص:87


1- (1) .اقتصادنا:308-309.

ولم یعتبرها الإسلام شیئاً ممنوحاً من قِبل الآخرین کی یمکن التلاعب بها وسلبها وانتزاعها منه متی شاؤوا،و إنّما هی من الممیزات الذاتیة للإنسان بما هو إنسانٌ تمیزه عن باقی المخلوقات فی کلّ أحواله وأطواره،والتی منحها الله له نظراً للوظیفة التی أنشأه من أجل القیام بها؛لذا فالإسلام یؤمن بها ویؤکّد علیها بغضّ النظر عن الدین و المذهب والاتّجاه و العنصر و القابلیة التی یتمایز بها الأفراد؛فیقول تعالی فی ذلک: وَ لَقَدْ کَرَّمْنا بَنِی آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلی کَثِیرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِیلاً . (1)

فهی کما تلاحِظ کرامةٌ متحقّقةٌ من خلال استخدام حرف التحقیق:قد ودخول لام التوکید الذی یزیدها تحقیقاً،وإیقاعها علی النوع الإنسانی من خلال التعبیر ببنی آدم الذی یختصّ بالطبیعة الإنسانیة،و قد جاء فی تفسیرها:

الآیة مسوقة للامتنان مشوباً بالعتاب...وبذلک یظهر أنّ المراد بالآیة بیان حال لعامّة البشر مع الغضّ عمّا یختصّ به بعضهم من الکرامة الخاصّة الإلهیة و القرب و الفضیلة الروحیة المحضة،فالکلام یعمّ المشرکین و الکفّار و الفسّاق،وإلّا لم یتمّ معنی الامتنان و العتاب.

فقوله وَ لَقَدْ کَرَّمْنا بَنِی آدَمَ المراد بالتکریم تخصیص الشیء بالعنایة وتشریفه بما یختصّ به ولا یوجد فی غیره،وبذلک یفترق عن التفضیل،فإنّ التکریم معنیً نفسی،و هو جعله شریفاً ذا کرامة فی نفسه،والتفضیل معنیً إضافی و هو تخصیصه بزیادة العطاء بالنسبة إلی غیره مع اشتراکهما فی أصل العطیة و الإنسان یختصّ من بین الموجودات الکونیة بالعقل ویزید علی غیره فی جمیع الصفات و الأحوال التی توجد بینها و الأعمال التی یأتی بها. (2)

فجعلها بذلک میزةً أوجب مراعاتها فی جمیع جوانب الحیاة،ومع کلّ الناس،حیث وضع شروطاً قاسیةً لإثبات الجنایة فی حقّ المتّهم بها،ولم یسمح بانتهاک حرمته حتّی مع ثبوتها علیه إلّا بمقدار العقوبة المستحقّة علیه،والتی تُعدّ بحدّ ذاتها وسیلةً وقائیةً لاستعادة کرامته بعد أنّ فرّط هو بها،وصیانةً لکرامة الآخرین.ووبّخ عباده علی عدم مراعاتها مع أشدّ الناس ضعفاً،بقوله تعالی: کَلاّ بَلْ لا تُکْرِمُونَ الْیَتِیمَ . (3)ودعا الإنسان لاتّخاذ نهج یرتقی بها لترتقی به،فقال: إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاکُمْ ، (4)حیث إنّ استعمال صیغة التفضیل هنا یؤکّد علی

ص:88


1- (1) .الإسراء:70.
2- (2) .المیزان فی تفسیر القرآن:155/13-156.
3- (3) .الفجر:17.
4- (4) .الحجرات:13.

أهمّیتها من جهة،وعلی ذاتیتها الممازجة للطبیعة الإنسانیة من جهة أخری.

فالکرامة ثابتةٌ من حیث الأصل فجاء الحضّ المفهومی علی تنمیتها وتطویرها.فهذه الکرامة محفوظةٌ للجمیع من حیث الأساس،فأصبحت من المبادئ الرئیسة فی أغلب التشریعات الشاملة لجمیع مجالات الحیاة،ومنها المجال الاقتصادی إنتاجاً وتوزیعاً واستهلاکاً.

وإلی هنا یتمّ الحدیث فی مبحث الأسس العامّة،وبه ینتهی الکلام فی المدخل الذی اشتمل علی أربعة مباحث،حیث عقدنا الأوّل منها لبیان مفاهیم عنوان الرسالة،والتی تضمّنت:مفهوم الحرّیة.فقد جاءت فی الاصطلاح وأُرید بها القدرة علی التصرّف والاختیار من حیث الأساس،وهی ما یعبَّر عنها بالحرّیة التکوینیة.وتأتی هذه لتحدّدها الضوابط المقرّرة اجتماعیاً مرّةً،ومن ثمّ القوانین المذهبیة لتنظّمها مذهبیاً ثانیةً،وهی التی یختصّ بها موضوع بحثنا.

أمّا مفهوم الاقتصاد،فإنّ ما یهمّنا منه معناه الاصطلاحی الذی أُرید منه المذهب الاقتصادی؛لأنّ بحثنا یرتبط بما أقرّه الإسلام من ضوابط وقیود وأحکام،و هو ما یمیز المذهب عن العلم الذی یختصّ بمجال التفسیر و التعلیل والاقتراح فإنّ:

المذهب الاقتصادی عبارة عن نهج خاصّ للحیاة،یطالب أنصاره بتطبیقه لتنظیم الوجود الاجتماعی علی أساسه...و أمّا العلوم الاقتصادیة،فهی دراسات منظّمة للقوانین الموضوعیة...فالمذهب تصمیم عمل ودعوة.والعلم:کشف أو محاولة کشف عن حقیقة وقانون. (1)

وقلنا إنّ المقصود منه هنا؛هو مجموعة الأسس و الضوابط و القیود و الشروط التی تنظّم کافّة الممارسات التی تتّصل بتولید الثروة وتوزیعها واستهلاکها فی مجتمع ما بشکل یکفل تحقیق المُثل و القیم التی یقوم علیها ذلک المجتمع.

أمّا الضابط،فقد وضّحنا بأنّ ما نقصده منه هنا هو المعیار التی تتقید جزئیات وفرعیات موضوع کالإنتاج أو التوزیع أو الاستهلاک به ولا تزیغ عنه،فهی تُخضع نفسها له وتتّخذ مساراً واتّجاهاً موافقاً له.

وبالنسبة لمفهوم الحدّ،فقلنا إنّ ما نقصده من الحدود فی موضوع بحثنا هو الأحکام و القیود و الشروط التی أقرّها الإسلام،والتی تخضع لضوابطه الاقتصادیة،فلا تتعدّاها أو تتجاوزها فعلاً أو ترکاً.

ص:89


1- (1) .اقتصادنا:225.

أمّا المبحث الثانی،فقد اختصّ بمحاولة إلقاء نظرة سریعة علی ما مرّت به الحرّیة الاقتصادیة من تذبذب فیما بین السعة و الضیق حسب الأدوار التی مرّت بها البشریة،وذلک من خلال خضوعها لإرادة الحکّام مرّةً و العلماء أخری،الذین أطلقوا لها العنان تارةً وألجموها تارةً أخری وفقاّ للأهداف التی یبغونها والاتّجاهات التی یمثّلونها.

وتمّ التطرّق فی المبحث الثالث إلی:تنقیح المناط فی تحدید الوظیفة العملیة عند الشکّ فی التکلیف بناءً علی الأصل الأوّلی الذی یمثّل الأصل العملی العقلی،فأتینا علی الأدلّة التی تمسّک بها کلّ من المسلکین الذَین یتربّعان عرش الساحة الأصولیة.

فعمدة ما استُدلّ به لمسلک البراءة العقلیة التی تقول:قبح العقاب بلا بیان؛بارتکازیة قبح العقاب بلا بیان من خلال الوجدان العرفی و العقلائی الذی لا یؤاخذ علی المخالفة عند الجهل.أُشکل علیه بأنّه مختصٌّ بالمولویة العرفیة؛أمّا مولویة الخالق،فغیر قاصرة عن موارد الاحتمال.

واستُدلّ لها بکون العقاب من دون حُجّة ظلماً،وأشکل علیه بأنّ ذلک یرتکز علی قاعدة أوّلیة بدیهیة،وهی قبح الظلم مع أنّ الظلم یعنی سلب ذی الحقّ حقّه،فلا بدّ من تحدید الحقّ فی مرتبة سابقة،فهی لیست أوّلیة.واستُدلّ لها کذلک بتوقّف المحرّکیة علی وصول التکلیف،وأُشکل علیه بأنّ ذلک مختصٌّ بالمحرّک التکوینی الذی ینسجم مع الرغبات؛لأنّه عملیةٌ شعوریةٌ أمّا المحرّک التشریعی،فهو حکم العقل بلزوم التحرّک بغضّ النظر عن وجود غرض شخصی ویعود ذلک إلی حقّ الطّاعة فیکون ثابتاً حتّی عند الاحتمال لمن یقول بشمول حقّ الطّاعة له.

واستُدلّ لها باختصاص المحرّکیة بالحکم الحقیقی دون الإنشائی،وأُشکل علیه بأنّ ذلک یتوقّف علی ضیق حقّ الطاعة فی مرتبة سابقة؛مع أنّ المِلاکات یکفی احتمالها فی ثبوت المنجّزیة وحقّ الطاعة؛لأنّها تکوینیةٌ تعبِّر عن حقیقة وروح الحکم حتّی عند الجهل.

وکان الدلیل العمدة لمسلک حقّ الطاعة القائل بأصالة الاحتیاط،هو:حکم العقل العملی بثبوت حقّ الطاعة للمولی المرتکز علی المولویة الذاتیة الثابتة لله،فکما أنّ العقل العملی یحکم بثبوت أصل حقّ الطاعة بملاک المولویة،فهو یحکم بثبوتها بجمیع حدودها ولا یفرّق ولا یفصل بین مراتبها ولا یجزّؤها إلّا بإذن من قِبل المولی نفسه.فللمولی حقٌّ فی ذمّة الإنسان بالطاعة بتلک المولویة الذاتیة غیر المجعولة،وعلی الإنسان أن یبرّئ ذمّته فی ذلک،ولا یمکن أن یکون بریء الذمّة مع عدم احتیاطه فیما یحتمله من تکلیف سواء کان وجوبیاً أو تحریمیاً.

وأُشکل علی هذا المسلک من جهتین؛جهة حکم العقل،حیث شکّکوا فی بداهته تارةً و

ص:90

إلزامیته لمراتب الاحتمال أخری وخفائه علی العامّة ثالثةً،وکلّها ناشئةٌ عن التغاضی عن الالتزام بتبعات إدراک العقل للمولویة المتقوّمة بحقّ الطاعة المعترف به وبها فی جمیع تلک الإشکالات وجهة حقّ الطاعة،حیث أقحموا المولی المجعول ضمن دائرة الشرع لیختصّ التنجیز بالتکلیف المقطوع به قیاساً علیه،مع أنّ أمره هنا یعدّ أمراً لله فالاختصاص ناشئٌ من تحدید الله له بهذا المقدار؛وفکّکوا بین المولویة وحقّ الطاعة،فقالوا إنّ المولویة ثابتةٌ حتّی فی حالة الشکّ،فلا داعی لتنجیزه لعدم زوال المولویة بالقول بعدم التنجیز،إغفالاً منهم لقیام التنجیز علی حکم العقل،ولیس علی کون المولویة ذاتیة،واعترضوا علی سبب ترجیح الجانب الإلزامی علی التعذیری للمحتمَل المؤدّی لتفویت ملاک التعذیر،مع أنّ التعذیر علی فرض وجود ملاک له لا یعنی سوی عدم التنجیز،فلا تفویت لما لا یقتضی التفویت.

ومع أنّ المسلکین اختلفا فی القاعدة العقلیة،إلّا أنّهما اتّفقا فی النتیجة من أنّ الشارع وضع أصلاً شرعیاً عملیاً،و هو البراءة الشرعیة التی تبیح للمکلَّف ترک العمل فی حالات الشکّ بوجود تکلیف محدّد بخصوصه.

أمّا المبحث الرابع،فقد خصّصناه للأسس العامّة التی یرتکز علیها الاقتصاد الإسلامی،وذلک لما لها من أثر بلیغ فی تحدید الضوابط و القیود التی تخضع لها الحرّیة الاقتصادیة؛وذلک علی النطاقین التعبّدی الذی یتجسّد فی القضایا التی تنظّم علاقة الإنسان بالله،والحقوقی الذی یتمثّل فی القضایا التی تنظّم علاقات الإنسان بأخیه الإنسان و الطبیعة.

ص:91

ص:92

الفصل الأوّل: ضوابط وحدود حرّیة الإنتاج

اشارة

تُعدّ ممارسة عملیة الإنتاج فی الإسلام رکیزةً أساسیةً لتنفیذ الدور الخلافتی للإنسان،ویتبلور ذلک فی إعمار الأرض واستثمار خیراتها بالشکل الذی یتماشی وتسهیل تنفیذ تلک المهمّة الملقاة علی عاتقه،فإنّ الإنسان بطبیعته البدنیة و النفسیة لابدّ له ممّا یقیم أوده المتمثّل بالطعام و الشراب و الهواء النقی،وما یسدّ حاجاته من المسکن و اللباس ومختلف الأدوات التی یحتاجها فی مختلف شؤونه الحیاتیة،وما یلبّی رغاباته المشروعة فی الترفیه عن نفسه وتحقیق طموحاته وآماله ویدفع عنه الأخطار و الآفات التی تحدق به،ممّا یعزّز إنسانیته ویفتح له آفاق الحیاة الآمنة المطمئنة،و هو ما یعبِّر عن کثیر منه،قوله تعالی: إِنَّ لَکَ أَلاّ تَجُوعَ فِیها وَ لا تَعْری* وَ أَنَّکَ لا تَظْمَؤُا فِیها وَ لا تَضْحی (1)فاعتبر الإسلام ذلک من الأمور الأساسیة التی ینبغی أن یحصل علیها الإنسان،والتی تتطلّب بذل الجهد لتوفیرها.

ومن هنا أعطی الإسلام العمل أهمّیةً استثنائیةً،لکونه العنصر الوحید الذی یمکّن الإنسان من توفیر حاجاته تلک،فالله جلّ وعلا قد مهّد الأرضیة الملائمة لتلک الحیاة من خلال الطبیعة التی أودع فیها کلّ ما یحتاج إلیه،وتسخیر الکثیر من ظواهرها لتکون طوع بنانه؛من أجل أن یستطیع استثمار خیراتها بالشکل الذی یناسب ما أودعه فیه من قویً ومواهب تمکّنه من نیل کلّ ذلک،فلم یبقَ علی الإنسان إلّا التشمیر عن ساعدیه وإطلاق فکره من أجل تحقیق ذلک.

ص:93


1- (1) .طه:118.

ومن هنا قام الإسلام بالحضّ و الحثّ علی العمل و التفکّر،وشجْب واستنکار التقاعس و التکاسل البدنی،والاسترخاء و البطر الذهنی فی کثیر من الآیات و الأحادیث.

وسنری مدی الارتباط الوثیق فیما بین أحکام الإسلام الاقتصادیة وأحکامه فی القضایا العقائدیة و العبادیة والاجتماعیة،فتدخل هذه الأخیرة فی صلب العملیة الإنتاجیة،فتوجّهها الوجهة التی تتلاءم وتنسجم معها.ویعدّ هذا الأمر انعکاساً حقیقیاً لمسألة أنّ الإسلام کلٌّ واحدٌ لا یمکن التفکیک فیما بین أحکامه.

ومن المناسب هنا الإلفات إلی نقطة جدیرة بالملاحظة؛وهی أنّ أحکام الإسلام الاقتصادیة-وخصوصاً فی مجال الإنتاج-تستبطن فی ذاتها عملیة التنمیة الاقتصادیة،والتی ترتکز فی أساسها الأوّل علی العمل؛فجعل الإسلام العمل من الواجبات الکفائیة التی لا بدّ وأن ینخرط فیه من یکفون الناس حاجاتهم المعاشیة, وتمادی فی الحثّ علیه حتّی أوجب أن یسعی المسلم إلی کسب القوّة بکلّ أبعادها،وبأقصی ما یستطیع.

ورکّز هذا الأساس من خلال سدّه جمیع المنافذ التی تؤدّی إلی تمییعه وتهمیشه؛فحظر الکسب بلا عمل،ومنه:الربا،وحظر المجون و اللهو-غیر البنّاء-الذی یقوم بدور معطّل للعمل،وحرَم القادر علیه و الذی لا یعیقه عنه شیءٌ من الضمان الاجتماعی،هذا من جانب،ومن جانب آخر منع من تعطیل استغلال ثروات الطبیعة،فحکم بانتزاع الأرض المعطّلة من صاحبها،وحظر تجمید الأموال و المعبَّر عنه بالاکتناز،وحظر تمرکز الثروة بید طبقة علی حساب الطبقات الأخری،فمنع الحمی و الإقطاع إلّا ما یصبّ منه فی الصالح العامّ،وأخیراً-ولیس آخراً-حظر هدر الثروات من خلال الإسراف و التبذیر و اللهو. (1)

و قد وضع له إضافةً إلی ذلک الأسس و الضوابط و الأحکام التی تنیر له الطریق من أجل أن تکون حرکته تلک؛حرکةً منظّمةً منتجةً ونافعة،لتساعده علی القیام بدوره الخلافتی ذاک.و قد سبق لنا،وأن أشرنا إلی الأسس العامّة المعتمدة فی شتّی مجالات الاقتصاد،وبقی علینا تحدید الضوابط التی یقوم علیها کلّ قطاع منه و الأحکام التی یعتمدها.

وها نحن نتطرّق إلی حدود الحرّیة فی مجال الإنتاج من خلال الابتداء ببحث ضوابط الإنتاج-من خلال التمهید له ببحث مفهوم الإنتاج-التی تقوم علیها قبل الدخول فی الحدود

ص:94


1- (1) .ر.اقتصادنا:654.

التی یرتکز علیها الإنتاج الصناعی و الزراعی وقطاع الخدمات.

ولا بدّ من التذکیر أنّ إیراد بحث مفهوم الانتاج هنا،وعدم إیراده ضمن المفاهیم العامّة فی المدخل؛إنّما هو لأجل أنّ التوصّل إلی مفهوم الإنتاج إسلامیاً یعتمد فی بعض ما یعتمد علیه،علی الأسس التی تقدّم بحثها فی المدخل.فکان لا بدّ من مجیئه متأخّراً عنها،والأمر ذاته ینطبق علی مفهومَی التوزیع والاستهلاک،کما سیأتی فی فصلیهما القادمین.

وعلی أی حال فسیتضمّن هذا الفصل أربعة مباحث،تأتی حسب الترتیب التالی:

المبحث الأوّل:الإنتاج،المفهوم و الضوابط.

المبحث الثانی:حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی.

المبحث الثالث:حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی.

المبحث الرابع:حدود الحرّیة فی قطاع الخدمات.

ص:95

ص:96

المبحث الأوّل:الإنتاج؛المفهوم و الضوابط

اشارة

وسیترکّز البحث فیه حول مفهوم الإنتاج الذی ستتدخّل الأسس العامّة التی تطرّقنا إلیها فی المبحث الرابع فی تحدیده من جهة،وسنعتمد علی المفهوم الذی سنتوصّل إلیه لتحدید الضوابط التی یقوم علیه الإنتاج من جهة أخری،والتی ستلیه مباشرةً،وذلک فی مطلبین:

المطلب الأوّل:مفهوم الإنتاج

اشارة

وسنتطرّق إلیه لُغویاً واصطلاحیاً،ثمّ نحاول التوصّل إلی تعریف جامع مانع له علی ضوء الفقه الإسلامی واعتماداً علی تعریفیه اللُّغوی والاصطلاحی:

أوّلاً:الإنتاج فی اللغة
اشارة

اختُلف فی مفهوم الإنتاج لُغویاً بین معنیین:

أ)الحَمْل،

فقد ذهب البعض إلی أنّ الإنتاج هو بمعنی:الحمل،فیقال:

وأنتجت الفرس،إذا حملت.وحان نتاجها.قال أبو زید:فهی نتوج ومنتج:إذا دنا ولادها وعظُم بطنها.وقال یعقوب:إذا ظهر حملها.ومنهم من یقول:أنتجت الناقة:إذا وضعت.وقال الأزهری:هذا غلط،لا یقال:أنتجت،بمعنی:وضعت.قال:ویقال نتجت:إذا ولدت،فهی منتوجة؛وأنتجت:إذا حملت.وعن ابن الأعرابی:نتجت الفرس و الناقة:ولدت،وأنتجت:دنا ولادها (1)

ص:97


1- (1) .تاج العروس:494/3-495.
ب)الولادة،

وذهب البعض الآخر إلی أنّ الإنتاج هو بمعنی الولادة.

وأنتجت،بالضم:إذا ولدت.وبعضهم یقول:نتجت،و هو قلیل.وقال اللیث:أنتجت الناقة،فهی:نتوج،إذا ولدت.لیس فی الکلام أفعل و هو فعول إلّا هذا (1)

ویمکن إرجاع هذا الاختلاف إلی عدّة احتمالات:

الاحتمال الأوّل:

أن تکون هناک لغتان فی الإنتاج إحداهما،تعنی:الحَمْل و الأخری الولادة.

الاحتمال الثانی:

أنّ الاثنین یعودان إلی معنیً واحد و هو نشوء وبروز الجنین سواء کان علی مستوی ظهوره وعظمه فی بطن أمّه،کما صرّحت به بعض النصوص،أم علی مستوی بروزه خارجاً،فیقال للأوّل:الحَمْل،وللثانی،الولادة.

الاحتمال الثالث:

أنّه بمعنی الحمَْل أساساً،ثمّ استُعمل فی الولادة من خلال بنائه للمجهول،کما أشارت إلیه بعض النصوص المتقدّمة،فیکون هنالک من یلی نتاجه،ویمکن الاستشهاد للأخیر بما ورد فی بعض کتب اللغة:

أنتج الشیء من الشیء:ولده وأخرجه منه (2)

وعلی أی حال،فهو یعنی نشوء شیء من شیء آخر سواء اختزنه داخله علی المعنی الأوّل أو لفظه خارجاً علی المعنی الثانی.و هذا هو الذی یهمّنا من تعریفه اللُّغوی،والذی سنستفید منه للوصول إلی تعریفه الاصطلاحی الجامع.

ثانیاً:الإنتاج فی الاصطلاح
اشارة

جاء تعریف الإنتاج اقتصادیاً علی نحوین:

أ)الاصطلاح العامّ:

ونقصد به التعریف الطبیعی الذی لا ینظر إلیه من ناحیة مذهبیة،ویمکن إیراد بعض تعاریفه فی هذا المجال کالآتی:

الأوّل:خلق منفعة جدیدة. (3)

ص:98


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .المنجد فی اللغة:788.
3- (3) .اقتصادنا:680.

الثانی:خلق الثروة عن طریق استغلال الإنسان لموارد البیئة. (1)

الثالث:أی عمل اقتصادی یصبّ فی الوصول إلی تحقّق الاستفادة من النعم الإلهیة.والمقصود من الانتاج هنا:أعمّ من انتاج السلع أو الخدمات،و إن کان المقصود منه عرفاً إنتاج السلع. (2)

الرابع:نعنی بالإنتاج:إیجاد سلعة أو خدمة معینة باستخدام مزیج من عناصر الإنتاج ضمن إطار زمنی محدّد. (3)

الخامس:العملیات التی تغیر من شکل المادّة،وتجعلها صالحةً لإشباع حاجة،أی:تخلق لها منفعة،أو تزید من درجة نفعها،کما کانت علیه فیما مضی. (4)

السابع:عملیة تطویر الطبیعة إلی شکل أفضل بالنسبة إلی سدّ حاجات الإنسان. (5)

و قد أُشکل علی التعریف الأوّل بأنّه:یدخل فیه کلّ ما یخلق منفعة،و إن لم یکن عملاً إنتاجیاً،فتکون عملیة الإقناع بوجود فائدة فی شیء ما مثلاً،والتی لا یمکن أن یقال عنها إنّها تولید شیء من شیء؛فیکون الإقناع إنتاجاً حسب التعریف الآنف،وذلک لتعریف القائلین به،المنفعة:بأنّها صفةٌ فی الشیء تتولّد من مجرّد الرغبة فیه.فإذا تمّ إقناع الجمهور بهذه الصفة فقد تحقّقت المنفعة من دون القیام بتولید شیء من شیء.فلم یتمّ خلق شیء حقیقی،و إنّما هی مجرّد عملیة اختلاق لیس إلّا. (6)

أمّا التعریف الثانی،فعلی الرغم من أنّه یربط خلق الثروة باستغلال موارد الطبیعة،إلّا أنّه تبقی شبهة الإشکال الأوّل تحیط به؛لأنّه لم یحدّد کیفیة الاستغلال،فلربّما لم یکن تولیداً لشیء من شیء.

ومع أنّ التعریف الثالث یعدّ تعریفاً کاملاً نوعاً ما؛لأنّه یحدّد کیفیة الاستغلال بالقیام بعمل اقتصادی،لکنّ العمل الاقتصادی هذا یبقی غائماً بالرغم من استدراکه توضیحاً بإدخال الخدمات فیه،والذی یفهم منه عدم إدراک العرف له،کما یشیر هو إلی ذلک.

ص:99


1- (1) .دراسات فی فقه الاقتصاد الإسلامی:383/1.
2- (2) .المرکز الحوزوی الجامعی المشترک:در آمدی بر اقتصاد اسلامی:281.
3- (3) .د.قلعه جی،محمد رواس:مباحث فی الاقتصاد الإسلامی:63 بتصرّف یسیر،نقلاً عن؛د.مرطان،سعید:مدخل للفکر الاقتصادی فی الإسلام،مؤسّسة الرسالة:77.
4- (4) .د.العلی،صالح حمید:عناصر الانتاج فی الاقتصاد الإسلامی:100،نقلاً عن؛د.محمد محروس إسماعیل وآخرون:مقدّمة فی علم الاقتصاد.
5- (5) .اقتصادنا:680.
6- (6) .المصدر نفسه،بتصرف یسیر.

ویأتی التعریف الرابع لیسدّ الخلل المتقدّم علی أحسن وجه،إلّا أنّه لم یحدّد ویذکر الغایة التی یتمّ من أجلها الإنتاج،و إن کان یتضمّنها علی اعتبار أنّ إیجاد سلعة وخدمة،إنّما یصبّ فی إشباع وسدّ حاجة ما.

ویتحدّ التعریفان الخامس و السادس مضموناً،و إن اختلفا شکلاً.

فلا یمکن إضفاء طابع الإنتاج علی العمل إلّا من خلال خلقه المنفعة وممارسته للطبیعة بلون من الألوان. (1)

و إن ورد علی السادس منهما صیاغته الفنیة،حیث إنّ التطویر بذاته غالباً ما یعنی تغییر الشیء إلی شکل أفضل،فیکون الأفضل المستعمل فی التعریف تکراراً.أو قُلْ:إنّ الاقتصار علی عملیة التطویر یکفی لنسبة سدّ حاجات الإنسان إلیها.

ویرد علی الاثنین معاً أنّه لا یمکن القول بأنّ جمیع عملیات الإنتاج هی عملیاتٌ تطویریةٌ أو تغییرٌ لشکل المادّة،و إنّما یتمثّل بعضها بکونها عملیات إعداد وتهیئة لمادّة ما کإخراج السمک من الماء علی سبیل المثال،إی:إیجاد فرصة الاستفادة منها.فلا یمکن وصف ذلک بأنّه عملیة تطویر إلّا تجوّزاً،فمن الأفضل التعبیر بإنجاز عمل علی المادّة،فإذا کان ذلک العمل تطویراً لم نکن فرّطنا بشیء،ونتخلّص کذلک من الإشکال الوارد علی تعریف الإنتاج بأنّه خلق منفعة جدیدة.

ولکنّهما لم یشیرا إلی عملیات التبادل التی عُبِّر عنها فی التعریفین الثالث و الرابع بالخدمة؛إذ إنّ عملیة التداول تُصنّف ضمن عملیات الإنتاج،ویطلق علیها الإنتاج الثانوی مع أنّها لیست عملیة تطویر حقیقی،و إنّما هی عملیةٌ خدماتیةٌ صرفة فالذی:

یبدو من دراسة نصوص المفاهیم و الأحکام،واتّجاهها التشریعی العام،أنّ التداول فی نظر الإسلام من حیث المبدأ شعبة من الإنتاج ولا ینبغی أن ینفصل عن مجاله العام...فالتاجر یخلق منفعةً کما یخلق الصانع. (2)

فخلق منفعة حقیقیة هو المعیار الذی یمکن من خلاله اصطفاف التداول فی صفّ الإنتاج،ویمکن أن تکون نسبته إلی الإنتاج آتیةً من خلال إنتاجه للثروة وتنمیته لها نظراً للربح المترتّب علیه.ولو سلّمنا بأنّ التداول یعتبر تطویراً للمادّة إلی شکل أفضل بالنسبة إلی

ص:100


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .المصدر نفسه:685،681.

حاجات الإنسان،لکن لا یمکن استشفاف ذلک من لفظة التطویر إلّا بعنایة إضافیة،فمن الأفضل التصریح به فی التعریف.

ویمکن تحدید الأرکان الرئیسة للإنتاج بمفهومه الاصطلاحی الطبیعی المادّی بما یأتی:

الأوّل:المادّة الأوّلیة التی تجری علیها عملیة الإنتاج أوّلاً و المعبَّر عنها بالبیئة أو النعم الإلهیة أو الطبیعة أو المادّة.فلا بدّ للإنتاج من مادّة أوّلیة لکی یقوم علیها الإنتاج؛إذ إنّه تولید شیء من شیء-کما مرّ فی معناه اللُّغوی،-فلا یمکن إنتاج شیء من العدم.

الثانی:الجهد الذی یبذله الإنسان للقیام بعملیة التغییر و التطویر للمادّة الأوّلیة،وربّما تطلّب الأمر استخدام أداة یتمّ من خلالها تطویع وتغییر المادّة الأوّلیة.

الثالث:تغییر وتطویر تلک المادّة باستحداث صفة جدیدة فیها أو توفیر فرصة الانتفاع بها بإنتاجها الابتدائی أو من خلال عملیة التداول.

رابعاً:ویرتبط کلّ ذلک-فی الحقل الاقتصادی-بالغایة التی یتمّ الإنتاج لأجلها،فلا بدّ من وجود بغیة وحاجة یراد سدّها وإشباعها من خلال عملیة الإنتاج.

ب)الاصطلاح الخاصّ:

ونقصد به تعریفه مذهبیاً،و قد عُرِّف فی هذا النطاق بأنّه:

بأنّه:

بذل الجهد الدائب فی تثمیر موارد الثروة،ومضاعفة الغلّة من أجل رخاء المجتمع،ودعم وجوده وقیمه العلیا. (1)

ویعدّ هذا التعریف عامّاً شاملاً لجمیع المذاهب علی اختلاف اتّجاهاتها ومشاربها،فلکلّ منها قیمٌ تحاول تحقیقها وکلّها تدّعی السعی للوصول إلی رخاء المجتمع من خلال بذل الجهد وزیادة الإنتاج،لکنّه لم یحدّد الأسالیب و الآلیات التی یتمّ من خلالها الوصول إلی کلّ ذلک،والتی تختلف باختلاف المذاهب.

فلأجل أن نحدّد تعریفاً اصطلاحیاً صحیحاً وتامّاً للإنتاج أو کما یقال:جامعاً مانعاً،وفقاً للمذهب الإسلامی-أی:وفقاً للغایة المرادة منه إسلامیاً-لا بدّ أن نأخذ فیه ما ذُکر فی تعریفه الاصطلاحی الطبیعی،وکذا الأمور التی تُضفی علیه إطاراً إسلامیاً،فنقول:

إنّ المراد بالجهد فی التعریف هو العمل الذی تترتّب علیه آثاره من الملکیة وغیرها،

ص:101


1- (1) .عناصر الانتاج فی الاقتصاد الإسلامی:101،نقلاً عن:د.العصیمی،فهد:خطة الإسلام فی موارد الإنتاج،:15.

و هذا یختصّ بالعمل المباشر فی الإسلام،فقد جاء:

«و إذا دفع إلی رجل شبکةً لیصید بها السمک علی أنّ ما صادتها من شیء فهو بینهما فصاد سمکا کثیراً فجمیع ذلک للذی صاد...لأنّ الآخذ هو المکتسب دون الآلة،فیکون الکسب له و قد استعمل فیه آلة الغیر بشرط العوض لصاحب الآلة،و هو مجهول،فیکون له أجرة مثله علی الصیاد» (1)

فیدلّ هذا النصّ بوضوح علی أنّ الملکیة تترتّب علی العمل المباشر،فمع أنّ الشبکة لم تکن للصیاد،وأنّه جری اتّفاقٌ مسبقٌ علی اقتسام ما تصیده،فقد حکم فیه علی أنّه للصائد خاصّةً،ولیس لصاحب الشبکة إلّا أجرتها.

ولهذا،فإنّ المراد بالعمل هو العمل المباشر،و هذا ینطبق علی عملیة التبادل أیضاً،فعن الإمام موسی بن جعفر علیه السلام أنّه سُئل:

عن الرجل یشتری الطعام،أیصلح بیعه قبل أن یقبضه؟قال:«إذا ربح لم یصلح حتّی یقبض،و إن کان یولّیه فلا بأس» (2)

فالقبض یقوم مقام العمل الذی یجوز من خلاله الربح،ویسری الأمر ذاته فی الإجارة

«فإنّه لا یصحّ للمستأجر أن یؤجّر بأجرة زائدة علی ما استأجر به[إلّا]أن یحدث فی العین المستأجرة إصلاحا» (3)

فعدم الصحّة مرتبطةٌ بعدم ممارسته عملاً و الصحّة علی العکس.

و إنّ عملیة التبادل التی دخلت فی نطاق الإنتاج تتقوّم بطرفین،فلأجل أن یتحقّق التبادل بشکل صحیح لا بدّ من حدوث توافق فیما بینهما،کما قال تعالی: لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ (4)وعملیة التوافق هذه لا تأتی من خلال کونها تشریعاً إسلامیاً فحسب،بل إنّها تُعدّ من القضایا العرفیة البدیهیة التی تجری علی أساسها جمیع المعاملات.

المسألة الأخری التی من الضروری عکسها فی التعریف،والتی ترتبط بالحاجة،هی ما أشرنا إلیه فی الأساس الثالث من الأسس العامّة،من کون الإسلام کلٌّ واحدٌ لا یتجزّء،فلابدّ أن تکون الحاجة التی یحاول الإنتاج سدّها متّسقةً و الأحکام الثابتة فی الإسلام.فالحاجة إلی

ص:102


1- (1) .السرخسی،المبسوط:35/22.
2- (2) .تهذیب الأحکام:36/7-37.
3- (3) .الفقه علی المذاهب الأربعة:57/3.
4- (4) .النساء:29.

الجنس مثلاً،لا تبرّر الزنی أو احترافه،لأنّه ما ثبتت حرمته فی صریح القرآن: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنی إِنَّهُ کانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِیلاً . (1)

إذاً:من خلال ما تقدّم،یمکننا تعریف الإنتاج فی ضوء الفقه الإسلامی،بأنّه:إنجاز عمل أو خدمة توافقیة مباشرین علی مادّة لغرض سدّ حاجة مشروعة إسلامیاً ومطلوبة عرفاً.

فنکون بذلک قد أدخلنا جمیع الأبعاد المطلوبة إسلامیاً فی الإنتاج،فی تعریفه،فقد عکس هذا التعریف جمیع أشکال التداول المعبَّر عنه بالخدماتیة،والتوافق المشروط فیها،وکذا شرطیة المباشرة فی العمل،والانسجام مع القیود المأخوذة فی الإسلام علی الحاجة بإدخال عبارة مشروعة إسلامیاً.

ولا نقصد بمطلوبیته عند العرف بطلب أغلب الناس له،بل یکفی أن یکون الشیء مطلوباً لعدّة منهم مهما کانوا قلیلین فی صدق حکم العرف بمطلوبیته،و هذه المطلوبیة العرفیة لا تختصّ بأن یکون الشیء من حاجات الإنسان الخاصّة،بل تشمل کلّ ما یساهم فی کمال الحیاة أو عدم اختلال نظامها،ومن هنا حذفنا ذکر الإنسان الذی جاء فی بعض التعاریف وأبدلناه بالعرف.

فمن خلال قید العمل تخرج من التعریف عملیات کالربا،ومن خلال قید التوافق یخرج کلّ ما لم یؤخذ فیه من الخدمات،ومن خلال قید المباشرة تخرج أدوات الإنتاج التی تقوم بعمل غیر مباشر فی عملیة الإنتاج،ومن خلال قید المشروعة تخرج ممارسات ونتاجات أخری کالزنی وأسلحة الدمار الشامل علی افتراض انحصار الأخیرة بالتدمیر الشامل للبشر.

المطلب الثانی:ضوابط حرّیة الإنتاج

اشارة

لو عدنا إلی التعریف الذی توصّلنا إلیه للإنتاج وفقاً لمذهب الإسلام،لأمکننا استخلاص الضوابط التی تقوم علیها حرّیة الإنتاج إسلامیاً،فلا خیار للإنسان فی أن یضفی طابعاً إنتاجیاً علی أی ممارسة یحبّذها،لیرتّب علیها آثاره،إلّا إذا تطابقت مع الضوابط التی تضمّنها التعریف المتقدّم،فقد جاء فیه بأنّه:إنجاز عمل أو خدمة توافقیة مباشرین علی مادّة لغرض سدّ حاجة مشروعة إسلامیاً ومطلوبة عرفاً.فهذا التعریف یتضمّن الضوابط التالیة:

ص:103


1- (1) .الإسراء:32.
الضابط الأوّل:تقوّم الإنتاج بالعمل المباشر
اشارة

فلا یمکن ترتیب أی أثر إنتاجی علی ما لم یتمّ من خلال عمل مباشر.ولا یقتصر هذا الأمر علی الإنتاج الأوّلی،بل یعمّ الإنتاج الثانوی أو التداول،ویمکن إیراد بعض النصوص التی تؤید ذلک:

أ)الإنتاج الأوّلی

لقد ورد أنّه:

إذا أذن رجل لرجل أن یصطاد له صیداً فاصطاد الصید بنیة أن یکون للآمر دونه،فلمن یکون هذا الصید؟قیل فیه:إنّ ذلک بمنزلة الماء المباح إذا استقاه السقاء بنیة أن یکون بینهم و إنّ الثمن یکون له دون شریکه فها هنا یکون الصید للصیاد دون الآمر؛لأنّه انفرد بالحیازة.وقیل:إنّه یکون للآمر؛لأنّه اصطاده بنیته فاعتبرت النیة،والأوّل أصحّ. (1)

فیتوقّف حدوث الحقّ فی المادّة المنتجَة علی ممارسة العمل علیها بصورة مباشرة حسب هذا النص.

أمّا قول أبی حنیفة من أنّ الشرکة فی الأبدان:

یصحّ فی الصناعة،ولا یصحّ فی اکتساب المباح کالاحتشاش والاغتنام؛لأنّ الشرکة مقتضاها الوکالة ولا تصحّ الوکالة فی هذه الأشیاء؛لأنّ من أخذها ملکها. (2)

فإنّ تصحیحه إیاها فی الصناعة لا یعنی أنّ اکتساب الحقّ فی منتوجها لا یتوقّف علی إنجاز أی عمل کما فی الاحتشاش،بل هو ناظرٌ إلی أنّ العمل فی الاحتشاش یتمثّل بعملیة الحیازة نفسها،بینما تنتفی عملیة الحیازة فی الصناعة؛لأنّها تتقوّم بالعمل الفنّی المباشر،فصحّحها بذلک مع احتمال عروض التفاوت فی مقدار عمل کلّ من الشریکین بحسب العادة.

و هذا هو الذی حدا بإفتاء کثیر من الفقهاء علی بطلانها کالمحقّق الحلّی،حیث قال:

ولا تصحّ الشرکة بالأعمال کالخیاطة و النساجة. (3)

ولم یکن ذلک لأجل عدم ممارسة أحدهما لعمل و إنّما:

لأنّ الکسب فیها یقوم علی أساس المخاطرة،لا العمل؛ونتیجةً لذلک یکون من حقّ الطبیب الأقلّ دخلاً أن یحصل علی جزء من کسب الطبیب الآخر وثمار عمله (4)

فیکون قد اکتسب حقّاً فی المقدار الزائد علی عمله من دون أن یمارس عملاً فیه.

ص:104


1- (1) .الطوسی،المبسوط:346/2.
2- (2) .المغنی:111/5.
3- (3) .شرائع الإسلام:375/2.
4- (4) .اقتصادنا:636.

ولا یقتصر الأمر علی الوکالة و الشرکة،بل یتعدّی جمیع ألوان المعاملات.

فإذا استأجر لیحتطب أو یستقی الماء أو یحیی الأرض،جاز وکان ذلک للمستأجر، (1)

خالصاً له،ولا یستحقّ المؤجّر منه شیئاً؛لأنّه لم یباشر عملاً فیه.

ب)الإنتاج الثانوی أو التداول

لقد تقدّم قبل قلیل ما جاء عن موسی بن جعفر علیه السلام،من أنّه سُئل:

عن الرجل یشتری الطعام،أیصلح بیعه قبل أن یقبضه؟قال:«إذا ربح لم یصلح حتّی یقبض،و إن کان تولیةً فلا بأس». (2)

فأوقف جواز الربح علی عملیة القبض الحقیقی التی تقوم بدور العمل،ومن هنا جوّز بیعه مع عدم الربح لئلّا یقع الربح من دون عمل.وذهب الأحناف کذلک إلی أنّ:

من البیع الفاسد بیع الأعیان المنقولة قبل قبضها سواء باعها لمن اشتراها منه أو لغیره، (3)

و هو کسابقه فی توقّف الربح التجاری علی إنجاز عمل علی السلعة:

مع أنّ عملیة النقل القانونیة تتمّ فی الفقه الإسلامی بنفس العقد،ولا تتوقّف علی أی عمل إیجابی بعده. (4)

ویعدّ هذا الضابط انعکاساً حقیقیاً للأسس المتقدّمة،حیث إنّ الخلافة العامّة ذات الجنبة الإعماریة،والتی تشمل جمیع الناس علی السواء والاستواء،وکذا القیام بالقسط الذی یعنی مراعاة موازین عادلةً تتعامل مع الجمیع علی قدم المساواة،ومثله کرامة الإنسان التی تستدعی أن یستوفی جهوده کاملةً،وأن یتمتّع بثمراتها،تأبی إلّا أن یکون هناک میزانٌ عادلٌ للحقوق و الواجبات،ولا یوجد میزانٌ أفضل من العمل لیقوم الإنسان من خلاله،بأداء وظائفه الموکلة به من جهة،واستیفاء حقوقه علی أساسه من جهة أخری.

الضابط الثانی:وقوع الإنتاج علی مادّة

إنّ الإنتاج لا یصدُق علیه إنتاجٌ إلّا بوقوعه علی مادّة خارجیة أو ما یعبَّر عنه فقهیاً بالعین.و هذا واضحٌ فی الإنتاج الأوّلی؛أمّا فی الإنتاج الثانوی الذی یتمثّل بعملیات التداول من قبیل:

ص:105


1- (1) .تذکرة الفقهاء:118/2.
2- (2) .تهذیب الأحکام:36/7-37.
3- (3) .الفقه علی المذاهب الأربعة:165/2.
4- (4) .اقتصادنا:685.

التجارة،والإجارة،والجُعالة،ونحوها علی القول بأنّها لیست من التجارة،فهو یقع علی المادّة أیضاً؛فالإجارة تقع إمّا علی عین للانتفاع بها مقابل عوض،أو جعل النفس فی معرض الاستخدام مقابل عوض؛والجعالة هی التزام الجاعل بإعطاء شیء أو القیام بعمل لمن ینجز له عملاً؛أمّا المضاربة و الشفعة،فهی تدخل فی نطاق التجارة.

فلا یمکن عدّ ما لم یقع علی مادّة،إنتاجاً،کعملیات الربا و القمار،و هذا ممّا أشارت إلیه الآیة الکریمة الآنفة: لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ (1)فهی تحصر التداول الصحیح بالتجارة،وهی کما هو واضحٌ تقع علی مادّة ملموسة،وهی السلعة أو البضاعة أو ما یعبَّر عنه فقهیاً بالمبیع أو المثمن الذی یستبطن وجود ثمن بإزائه،فإذا لم یکن هناک ثمنٌ ومثمنٌ لا یصدُق إطلاق التجارة علیه،ویکون باطلاً،والباطل هنا هو:

ما لا یکون مشروعاً بأصله ولا بوصفه، (2)[أو]ما لا یترتّب علیه أثره المطلوب. (3)[من النقل والانتقال].

وممّا یجدر التنبیه إلیه هنا،أنّ الآیة غیر ناظرة إلی الأسباب الأخری للتداول الصحیح،کی یقال بأنّها-الأسباب-خارجةٌ عن التداول الصحیح،وتُعدّ أکلاً بالباطل،لوضوح أنّ الآیة ناظرةٌ إلی عملیات المبادلة،و أنّ مشروعیة تلک الأسباب کالأجارة و الجعالة ثابتةٌ من خلال أدلّتها الخاصّة بها.فإنّ بَیْنَکُمْ ،هنا تفید التداول؛إذ جاء فی تفسیرها:

وفی تقیید قوله لا تأکلوا أموالکم بقوله بینکم الدالّ علی نوع تجمّع منهم علی المال ووقوعه فی وسطهم إشعاراً أو دلالةً بکون الأکل المنهی عنه بنحو إدارته فیما بینهم. (4)

هذا فیما لو لم تکن التجارة شاملةً لها:

لأنّ اسم التجارة أعمّ من اسم البیع،لأنّ اسم التجارة ینتظم عقود الإجارات و الهبات الواقعة علی الأعواض و البیاعات (5)

ومن خلال إضافة المستثنی،و هو التجارة المتقوّمة بالثمن و المثمن،یتّضح جلیاً؛أنّ المراد من التداول هنا هو ما یقع کعملیة معاوضة علی عین خارجیة،فجاءت الآیة لتنفی کون الربا مثلاً-والذی ربّما هناک من یعتقد بصحّته-کونه معاوضةً صحیحةً: وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَیْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا ، (6)

ص:106


1- (1) .النساء:29.
2- (2) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:83.
3- (3) .المیزان فی تفسیر القرآن:316/4.
4- (4) .المصدر نفسه:317.
5- (5) .أحکام القرآن:219.
6- (6) .البقرة:275.

تعقیباً علی قولهم: إِنَّمَا الْبَیْعُ مِثْلُ الرِّبا وذلک للتمییز بینهما،فألغی الشارع صفة المعاوضة عنه،فلو کان کالبیع لَما صار حراماً.

ومن هنا یعلم بأنّ المراد من تعریف التجارة بأنّها:

التصرّف برأس المال طلباً للربح (1)

هو التصرّف به فی التداولات الصحیحة،لا مطلق التصرّف.و هذا هو المطلوب فی هذا المحلّ،ولا یهمّنا النقاش الدائر حول الاستثناء الموجود فی الآیة،أنّه متّصلٌ أو منقطع،لتکون الطرق الأخری للتداول الصحیح مخصِّصةً للآیة أو غیر مخصِّصة.

الضابط الثالث:قیام الإنتاج الثانوی علی التوافق

إنّ الإنتاج الثانوی أو التداول لابدّ وأن یقوم علی أساس التوافق فیما بین طرفَی العملیة التبادلیة،والمعبَّر عنه بالتراضی فی النصوص الإسلامیة.و هذا واضحٌ من خلال النصّ القرآنی المتقدّم: إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ فهو یقید التجارة بأن تقع عن تراض،والتراضی صیغة تفاعل من الرضی،فهو یتقوّم بطرفین کما المعاملة،فلا بدّ أن یقوم الأخذ و العطاء علی أساس رضی کلّ من الآخذ و المعطی،ممّا یقمع أسباب الاختلاف و النزاع الذی یجرّ إلی التخریب،لا الإعمار فی مهدها.فإنّ الله تعالی:

جعل المال سبباً لإقامة مصالح العباد فی الدنیا،وشرع طریق التجارة لإکسابها؛لأنّ ما یحتاج إلیه کلّ أحد لا یوجد مباحاً فی کلّ موضع،وفی الأخذ علی سبیل التغالب فساد،والله لا یحبّ الفساد،وإلی ذلک أشار الله سبحانه وتعالی فی قوله یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَکُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ . (2)

و هذا الرضی،مأخوذٌ کشرط أساسی فی نفوذ جمیع المعاملات،اقتصادیةً أو غیر اقتصادیة؛لأنّه تعبیرٌ أصیلٌ عن اختیار وحرّیة تصرّف الشخص فی متعلّقاته الخاصّة،ویعدّ رکناً أساسیاً من أرکان القیام بالقسط.

فإنّ التصرّف فی مال المرء بغیر رضاه هو بمثابة اعتداء وانتهاک لحقوق الآخرین،التی أراد الشارع صیانتها من خلال إعداده الأرضیة القانونیة و المادّیة و النفسیة للقیام بالقسط؛ولذا جاء التحریم صریحاً فی هذا المجال،کما فی النبوی:

ص:107


1- (1) .المفردات فی غریب القرآن:73،باب:التاء.
2- (2) .السرخسی،المبسوط:108/12.

«لا یحلّ مال رجل مسلم لأخیه إلّا ما أعطاه بطیب نفسه».لفظ حدیث التیمی.

وفی روایة الرقاشی:«لا یحلّ مال امرئ[یعنی مسلماً]إلّا بطیب من نفسه». (1)

فحرّم الشارع التصرّف بالمال إلّا برضی صاحبه،کما جاء ذلک فی قاعدة السلطنة المتقدّمة.

الضابط الرابع:وقوع الإنتاج علی ما یسدّ حاجةً مشروعة

إنّ لهذا الضابط جانبان بالنسبة للحاجة:

الجانب الأوّل:و هو یرتبط بعدم حرّیة الشخص فی استثمار موارد الطبیعة بما یزید عن حاجته،و هذا یمسّ أساس کون استثمار الطبیعة حقّاً للجمیع لا یمکن منع وإعدام حقّ الغیر فی جزء من أجزائها؛لأنّ الإنتاج یرتبط ارتباطاً جوهریاً بالتوزیع:

فإحیاء الأرض المیتة،واستنباط عین الماء،واقتطاع الخشب،واستخراج المعادن،کلّها عملیات إنتاج.وهی فی نفس الوقت تؤدّی إلی تطبیق القواعد العامّة للتوزیع علی الثروات المنتجة. (2)

ومن هنا جاء تحدید الإنتاج:

تحدیداً یضمن عدالة التوزیع واتّساقه مع الإسلام وأهدافه. (3)

ففی مجال المصادر الطبیعیة للإنتاج لا یحقّ للفرد أن یستحوذ علی الأرض إلّا بالمقدار الذی یستطیع إحیاءه بشکل مباشر دون تسخیر الآخرین فیه،ولم یقتصر علی ذلک،بل اشتُرط أن یکون الإحیاء مستمرّاً،فإنّ:

ترکها أو أخربها،فأخذها رجل من المسلمین من بعده فعمرها وأحیاها،فهو أحقّ بها من الذی ترکها (4)

وذهب بعض فقهاء الأحناف إلی ذلک وعلّلوه؛بأنّ الأوّل ملک استغلال الأرض،لا رقبتها،فإذا ترکها کان الثانی أحقّ بها. (5)

وعلی هذا الأساس منع الإسلام الحمی،و هو احتکار الأرض الموات من خلال السیطرة علیها بالقوّة،ولم یسمح بتملّک الرقبة فی إقطاع الإمام أرضاً أو معدناً،والذی یتمّ حسب مصالح یراها مهمّةً ممّا ستأتی تفاصیله.

ص:108


1- (1) .البیهقی،السنن الکبری:182/2.
2- (2) .اقتصادنا:678.
3- (3) .المصدر نفسه:679.
4- (4) .تهذیب الأحکام:7،أحکام الأرضین:23/152.
5- (5) .الهدایة فی شرح بدایة المبتدی:137/8 بتصرّف یسیر.

وفی مجال المواد الأوّلیة لم یسمح له باستثمار ما یزید عن حاجته:

إنّما یسمح للأفراد بالحصول علی قدر حاجتهم (1)

لأنّها من المشترکات العامّة التی لا یجوز الاستئثار بها حتّی لو أقطعها الحاکم:

فلو أقطع هذه الظاهرة لم یکن لإقطاعها حکم،بل المُقطَع وغیره سواء،فلو منعهم المُقطَع کان بمنعه متعدّیاً.وکان لما أخذه مالکاً؛لأنّه متعدّ بالمنع،لا بالأخذ وکُفّ عن المنع وصُرِف عن مداومة العمل لئلّا یشتبه إقطاعه بالصحّة أو یصیر معه فی حکم الأملاک المستقرّة (2)

وینطبق الأمر کذلک علی المیاه الطبیعیة وما تحویه و الثروات الطبیعیة الأخری وقوی الطبیعة.

أمّا فی مجال تنمیة الإنتاج،فمع أنّ تحدید کمیته ومقداره یعدّ من الأمور السوقیة التی تخضع للعرض و الطلب،فتکون متعادلةً بطبیعتها،إلّا أنّه من الممکن أن یتعرّض لجانبَی الإفراط و التفریط لأسباب وغایات متعدّدة،ومن هنا سمح الإسلام بتدخّل الحاکم لتوجیه تلک العملیة:

لکی تضمن الدولة الحدّ الأدنی من إنتاج السلع الضروریة،والحدّ الأعلی الذی لا یجوز التجاوز عنه. (3)

الجانب الثانی:ویرتبط بالثروة المنتجة،فلم یسمح بتجمیدها أو تمرکزها وتنامیها إلی الحدّ الذی یؤدّی إلی الإخلال بالوضع الاقتصادی وعدم إمکان تأمین الناس لاحتیاجاتهم،وعلی هذا الأساس،قام بتحریم الاکتناز والاحتکار فی مجال التجمید،ووضع آلیات محدّدةً کالضرائب لمنع تنامیها،وأعطی صلاحیات للحاکم الشرعی للتدخّل عند الضرورة لإعادة الأمور إلی نصابها فی المجالین-أی:التجمید و التمرکز.

وفرض علی أن تکون هذه الحاجة مشروعةً إسلامیاً بما یسدّ الحاجة الحقیقیة للإنسان التی تؤمّن مصالحه الواقعیة وتضمن کرامته التی تمیزه عن غیره من المخلوقات وتسیر به فی الاتّجاه الذی یؤدّی دوره الخلافتی علی أتمّ وجه،فلم یسمح له بإنتاج ما یؤدّی دوراً معاکساً کما سیأتی.

هذه هی الضوابط التی یخضع لها الإنتاج عموماً فی المذهب الاقتصادی فی الإسلام،الذی قید حرّیة الفرد فی ممارسته لعملیة الإنتاج بها،ولم یسمح له بتجاوزها بطریقین،وهما الطریق الذاتی،حیث إنّ الإسلام ألقی تطبیق أحکامه فی عهدة الإنسان،واعتبره مکلَّفاً تکلیفاً ذاتیاً

ص:109


1- (1) .اقتصادنا:496.
2- (2) .الدر المختار:757/6.
3- (3) .اقتصادنا:692.

لإعمالها من دون رقیب علیه سوی نفسه التی تستشعر تلک المسؤولیة من خلال الإیمان بالجزاء ثواباً وعقاباً،و هذا یعدّ میزةً أساسیةً للمذهب الإسلامی توفّر لتعالیمه فرصةً تطبیقیةً أکبر.

والطریق القانونی،الذی یقوم ولی الأمر بإعماله علی المکلَّفین ضمن حدود الصلاحیات و الضوابط المحدّدة له باعتباره الخلیفة الخاصّ،الذی أُنیطت به مهمّة هدایة البشریة نحو الأهداف و الغایات التی استُخلفت من أجلها.

ویتجلّی هذا الأمر بأوضح صوره فی المجال الاقتصادی،حیث تتقاسم الدولة مع الفرد ملکیة الطبیعة بنحو من التداخل و التکامل المنسجمین، (1)ومن هنا،فسنحرص علی أن تکون صیاغتنا للعناوین التی تعکس الحدود التی تخضع لها الحرّیة الاقتصادیة؛ناظرةً إلی هذین البعدین الذاتی و القانونی معاً،فسنُرجّح علی سبیل المثال التعبیر بعدم السماح لإیحائه بهذین الطریقین علی السواء،فی مقابل عدم الجواز الذی تعارف استعماله فی الطریق الذاتی نوعاً ما.

وبما أنّنا کنّا قد توصّلنا إلی أنّ الأصل الساری هو الإباحة-بناءً علی حاکمیة الأصل الشرعی القائل بها علی الأصل العقلی القائل بالاحتیاط-فسنعتمد هذا الأساس فی عنونتنا للعناوین،فنتعامل مع الأمور علی أنّ الأصل هو الحرّیة،وبالتالی ستعکس العناوین ما یقیدها علی اعتبار أنّنا نبحث فی الحدود التی تخضع لها.

ص:110


1- (1) .فقه الشریعة:49/2،بتصرّف یسیر.

المبحث الثانی:حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی

اشارة

یعدّ الإنتاج الصناعی من الوسائل المهمّة و الفعّالة فی توفیر مختلف الحاجات الإنسانیة و التی تشمل مختلف مجالات الحیاة،فمنه ما یوفّر الأجهزة و الآلات و الأدوات اللازمة لإنتاج سلع استهلاکیة صناعیة أخری،أو ما یساهم فی تنمیة الإنتاج الزراعی،أو ما یؤدّی دوراً مهمّاً فی السلامة الصحّیة دوائیاً وجراحیاً ووقائیاً،أو ما یستعمل فی المجالات الترفیهیة و الخدمیة.

فمع کلّ هذا الدور الإیجابی المهمّ الذی یلعبه الإنتاج الصناعی فی الحیاة،والذی لا یمکن الاستغناء عنه،ومع کلّ ما جاء به الإسلام من تعالیم تدعو إلی استثمار موارد الطبیعة لتأمین حاجات الحیاة البشریة المختلفة،وتطویرها بالشکل الذی یساهم فی إغناء الحیاة مادّیاً،إلّا أنّه لم یسمح به بصورة مطلقة،بل وضع حدوداً تنطلق من الأسس و القواعد و الضوابط التی سبق ذکرها،لیکون منسجماً معها ممّا یحول دون حدوث بعض السلبیات التی تجرّها بعض الممارسات،والتی تؤدّی إلی تعکیر صفو حیاة الإنسان،وتجرّه إلی کثیر من المشاکل المادّیة و المعنویة.

ومن هنا قام بحظر مجموعة من النشاطات الإنتاجیة التی تقوم بدور معاکس للدور الخلافتی للإنسان باعتباره مستخلَفاً لإعمار الأرض وتطویرها بما یساهم فی وصوله إلی الکمال اللائق به فی کونه أکرم المخلوقات،حیث تتسبّب مثل هذه النشاطات فی تقویض العملیة الإنتاجیة وانکفائها علی نفسها من جهة،وامتهان کرامة الإنسان التی حباه الله بها خُلقیاً

ص:111

وفکریاً من جهة أخری،و هو ما یشیر إلیه إجمالاً قوله تعالی: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّیَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْیَ بِغَیْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِکُوا بِاللّهِ ما لَمْ یُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَی اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . (1)

فتُعدّ مثل هذه الأمور المذکورة فی الآیة الکریمة بمثابة مؤشّر عامّ علی مدی سلامة العملیات الإنتاجیة عمّا یحرفها عن وجهتها التی عینها لها الإسلام.

فما یهمّنا فی هذا البحث هو الإتیان علی ذکر تلک الموارد التی تمثّل حدوداً لم یسمح الإسلام بممارسة الأفراد حرّیتهم بخصوصها،وذلک لما أشرنا إلیه آنفاً.

لقد جاء فی إحدی فقرات تعریف الإنتاج؛بأنّه إنجاز عمل علی مادّة طبیعیة.

و أنّ هذا العمل المنجَز یتمثّل تارةً بتهیئة فرصة الانتفاع بها،وتارةً بإیجاد صفة جدیدة فیها،فیعدّ هذان النحوان من العمل إنتاجاً،ویشمل الإنتاج الأوّلی،و هو تهیئة فرصة الانتفاع بالثروات الطبیعیة قطبی الإنتاج أعنی الصناعی و الزراعی،فإنّ هناک موادّ تدخل فی نطاق المجال الصناعی کالمعادن،وبعضها تنضوی فی نطاق المجال الزراعی کالأشجار و الأعشاب ونحوها،هذا من حیث المبدأ،أعنی:الإنتاج الابتدائی البسیط و الذی قلنا إنّه تهیئة فرصة الانتفاع بتلک الثروات.

أمّا من ناحیة الانتاج المتمثّل بإیجاد صفة جدیدة فی المادّة الطبیعیة،والذی یمکن أن نطلق علیه الانتاج الترکیبی،حیث إنّه یتطلّب جهداً تحویریاً لتلک المادّة الخام،فقد تداخل المجالان الصناعی و الزراعی إلی حدّ ما،حیث أخذت تُستخدم بعض الموادّ التی یغلب علیها الاستخدام الصناعی فی الانتاج الزراعی،والعکس صحیح،مع کون مسألة التداخل هذا تُعدّ أمراً ثانویاً؛إذ إنّ الأصل هو انفصال الموادّ الأوّلیة لکلّ من المجالین.

وعلی هذا الأساس فسیقتصر بحثنا فی مجال الإنتاج الصناعی البسیط علی المعادن؛أمّا الثروات الزراعیة الطبیعیة فسنُرجئ البحث حولها إلی مبحث حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی علی أن تشمل الثروات الحیوانیة کما هو المتعارف،هذا مع ما تشترک فیه کلّ تلک الموادّ من الأحکام إلّا فی النَزَر الیسیر.

أمّا الماء،فإنّه یعدّ شریان الحیاة فی کافّة مجالاتها،فلا یمکن إدراجه ضمن بحث خاصّ

ص:112


1- (1) .الأعراف:33.

إلّا من باب المسامحة،ومماشاةً للتقسیمات التی قسّمنا إلیها بحثنا،و من هنا فسنورده ضمن بحث الإنتاج الزراعی البسیط لاستعماله الغالب فی هذا المجال.

وعندما نأتی إلی الأرض التی تعتبر حضن الطبیعة بکلّ ما تحویه من موجودات،وهی الأساس الذی یتحرّک علیه الإنسان فی ممارسة کافّة نشاطاته،فلا یمکن تصوّر تعلّق عملیة الإنتاج بها إلّا من خلال وقوعها علیها فسیأتی البحث حولها لاحقاً ضمن نطاق عملیة التوزیع.

وحسب ما تقدّم فسنرکّز بحثنا حول حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی ضمن مطلبین،یرتبط المطلب الأوّل بالإنتاج الصناعی البسیط،والذی یتمحور حول الحدود الواجب مراعاتها فی تهیئة فرصة الانتفاع بالمواد المعدنیة من خلال استخراجها وجمعها من الطبیعة،وسنبحثه تحت عنوان:الاستخراج،تماشیاً مع کون الغالب فیها هو استخراجها من باطن الأرض،ویرتبط المطلب الثانی بحدود الحرّیة فی عملیة التصنیع ذاتها،والتی سنوردها تحت عنوان:التصنیع.

ولا بدّ هنا من التنبیه علی نقطة،وهی أنّ الإنتاج الصناعی لا یقتصر علی ما ینتَج آلیاً،فهو یشمل الإنتاج الیدوی من کلّ ما یهیء فرصة الانتفاع به أو إیجاد صفة جدیدة فیه،وسنُدخل ضمنه الإنتاج الفنّی و العلمی الصناعی-أی:کلّ ما لم یکن زراعیاً أو تداولیاً.

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی استخراج المعادن

اشارة

لقد تبین لنا من خلال تنقیح الأصل الأوّلی،أنّ الأصل المعتمد فی ما یتعلّق بتصرّفات الإنسان هو الإباحة،إلّا ما ثبت الحظر فیه،ولا یشذّ الأمر فی تصرّفه بالطبیعة،حیث إنّها باعتبارها المنبع الزاخر بما یحتاج إلیه،یکون علی تماس مباشر ودائم معها،وعلی اعتبار أنّ الاستفادة من الطبیعة لا یقتصر علی إنسان دون آخر وفقاً لما تطرّقنا إلیه فی الأساس الثانی من الأسس العامّة؛حیث إنّ النوع الإنسانی علی نحو الشمول یقوم بدور الخلافة العامّة؛لذا فقد وضع الإسلام قیوداً علی استثماره لها بما ینسجم و الأسس و القواعد التی أقرّها اقتصادیاً،إضافةً إلی الضوابط التی اعتمدها فی مجال الإنتاج خاصّة.

وکنّا قد ذکرنا من أنّ بحثنا هنا سیقتصر علی الحدود الواجب مراعاتها فی تهیئة فرصة الانتفاع بالمعادن المبثوثة فی الطبیعة،والذی عبرّنا عنه بالإنتاج الابتدائی البسیط.

و قد عرّفوا المعدن فقهیاً بأنّه:

کلّ ما أُخرج من الأرض ممّا خُلق فیها،ولم یکن جزءً من حقیقتها وکان له قیمة

ص:113

وثمن، (1)وهی علی قسمین:معادن ظاهرة وهی المعادن الموجودة علی سطح الأرض أو قریب منه،ولکنّها لا تحتاج إلی جهد فی تحصیلها.

ومعادن باطنة،وهی:المعادن التی توجد علی مستویً عمیق تحت سطح الأرض أو قریب،ولکنّها تحتاج إلی جهد فی تحصیلها،وهما معاً؛إمّا أن یکونا فی أرض مملوکة. (2)أو غیر مملوکة، (3)فتکون الأقسام أربعة:

أوّلها:المعادن الظاهرة فی الأرض غیر المملوکة،وفی حکمها الموجود علی سطح الماء أو فی باطنه،و هو ما یطلق علیه فقهیاً بالغوص.

ثانیها:المعادن الظاهرة فی الأرض المملوکة،وفی حکمها الموجود علی سطح الماء المملوک و المقدار الذی یحتاجه المالک من العمق فی غرضه من الانتفاع بالسطح.

ثالثها:المعادن الباطنة فی الأرض غیر المملوکة،وفی حکمها الموجود منها فی باطن القاع کالنفط.

رابعها:المعادن الباطنة فی الأرض المملوکة.

و قد وضع الشارع الإسلامی حدوداً أوجب مراعاتها لممارسة عملیة الإنتاج لهذه المعادن،ویمکن إیرادها علی النحو التالی:

أوّلاً:عدم السماح باستخراج المعادن،إلّا باستئذان الحاکم الشرعی

إنّ هذا الحدّ یمثّل الجانب التطبیقی للأساس الثانی من الأسس العامّة،والذی یرتبط بالخلافة الخاصّة.فقد ذکرنا أنّ هناک خلافةً خاصّةً إلی جانب الخلافة العامّة،والتی تقوم بدور الإشراف علی العملیة الخلافتیة العامّة وهدایتها وفقاً للأسس و الأهداف العامّة المنظورة لتلک الخلافة.

فقد نُظّمت کیفیة الاستفادة من الطبیعة بشکل یضمن استواء الناس جمیعاً فیها بما هم أفرادٌ لهم حاجاتهم الخاصّة من جهة،وأُعطیت للحاکم الشرعی صلاحیةٌ فی اتّخاذ هذا التنظیم أسلوباً یضمن صالح المجتمع عامّةً لیحقّق عملیة القیام بالقسط المتجسّدة بالعدالة الاجتماعیة من جهة أخری.

ص:114


1- (1) .فقه الشریعة:133/2.
2- (2) .و هی تشمل العامرة المملوکة أصالة و الموات التی ملکت بالإحیاء.
3- (3) .و هی تشمل الأرض الموات و الخراجیة و المفتوحة عنوة،وستأتی تفاصیلها فی فصل التوزیع.

فبالنسبة إلی المعادن الباطنة،فالأظهر لزوم الاستئذان من ولی المسلمین-إن کانت فی الأراضی المفتوحة عنوة (1)-لکونها ملکاً للمسلمین،وکذا فیما کان موجوداً منها فی الموات،فیلزم استئذان الحاکم الشرعی لاستخراجها؛ (2)إذ:

إنّ الإمام مَلک الأرض مطلقاً،بجمیع أجزائها،و هذا من أجزائها. (3)

أمّا ما کان منها فی الأرض المملوکة،فلا بدّ للمنتج من استئذان الحاکم الشرعی فی ممارسته لعملیة الاستخراج،سواء کان المستخرج هو المالک أم غیره علاوةً علی لزوم استئذان صاحب المُلک إن کان المنتِج غیره،لممارسته عملیة الدخول إلیها و الحفر فیها،ولتترتّب آثار الإنتاج بالنسبة إلی المنتِج،ولو أنتج بلا إذن یکون الأمر معلّقاً علی ما یحکم به الحاکم الشرعی؛لأنّه ولی المعدن،إن لم یتصالح المنتِج مع مالک الأرض؛ (4)لأنّه تجاوزٌ علی ملک الغیر.

ویثبت حقّ الإنتاج للأفراد فی المعادن التی تُعدّ عرفاً من توابع الأرض؛أمّا ما یحتاج إلی حفر زائد کالنفط،فلا یسمح بممارسة عملیة إنتاجه من قِبل الأفراد. (5)

أمّا المعادن الظاهرة،فإن کانت فی الأرض الموات،فلا حاجةٌ لاستئذان الحاکم الشرعی لممارسة عملیة إنتاجها،فهی تُعدّ من المباحات العامّة لجمیع الناس کافرهم ومسلمهم؛ (6)وذلک بناءً علی الخلافة العامّة التی تساوی بین الناس جمیعاً فی ممارسة عملیة إنتاجها.

وما کان منها فی الأرض المملوکة،فهی تکون مملوکةً لصاحب الأرض تبعاً لملکیته للأرض،فلا یجوز لغیره استخراجه منها من دون إذنه،ولا یترتّب علی عملیة الاستخراج تلک أی أثر إنتاجی للمنتِج؛إذ تبقی ملکاً لمالک الأرض. (7)

وللحاکم الشرعی المنع من إنتاجها استثناءً بشکل فردی،مع کونها من المباحات العامّة؛

ص:115


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:1194/387/1،بتصرّف یسیر.
2- (2) .فقه الشریعة:148/134/2،بتصرّف یسیر.
3- (3) .تحفة الفقهاء:331/1.
4- (4) .المصدر نفسه:بتصرّف یسیر.
5- (5) .الخوئی،منهاج الصالحین:164/2-785/165 بتصرّف یسیر.
6- (6) .فقه الشریعة:135/134/2 بتصرّف یسیر.
7- (7) .المصدر نفسه:134،بتصرّف یسیر.

وذلک لأنّ المعادن ظاهرةً وباطنةً تُعدّ من الأنفال أی مملوکةً للدولة، (1)فأبو حنیفة(رض):

استدلّ بقوله علیه السلام:«لیس للمرء إلّا ما طابت به نفس إمامه». (2)

فهی فی الأصل ملکٌ له.

وتُعدّ هذه المسألة إعمالاً حقیقیاً للخلافة الخاصّة التی تقدّم الحدیث عنها فی الأسس العامّة؛إذ إنّ الإشراف علی شؤون الحیاة،ومنها الطبیعة تُعدّ من وظائف الحاکم الشرعی التی لا خیار للإنسان فی تجاوزها،کما یعبِّر عنه قوله تعالی: وَ ما کانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَی اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ . (3)

ثانیاً:عدم السماح بالتصرّف فیما لم یستخرج فعلیاً

فإذا حفر وأهمل زال حقّه فی الإنتاج إلّا إذا کان له عذرٌ فیمهَل إلی زواله. (4)فلا یحقّ له التصرّف بما لم ینتجه منه فلو

حفر موضعاً من المعدن،ثمّ باع تلک الحفیرة أو أجّرها،لا یصحّ؛لأنّه إنّما ملک من المعدن ما یخرج ویؤخذ،وما بقی فیه بقی علی الإباحة. (5)

ویعدّ هذا الأمر تطبیقاً واقعیاً لضابط العمل المباشر المأخوذ فی صحّة ترتّب آثار الإنتاج علیه.

ثالثاً:عدم السماح بتعدّی استخراج القدر المسموح به من قِبل الحاکم الشرعی

فلا یسمح للمستخرج باستخراج أی مقدار شاء؛إذ إنّ الأصل هو أنّ الاستخراج مترتّبٌ علی الإذن المعطی له من قِبل الحاکم الشرعی فیدور مداره:

فما یخرج منها یکون لمخرجه مستمرّاً فی أخذ ما یشاء منه بمقدار الإذن (6)

وترتبط هذه المسألة بضابط الحاجة،حیث إنّ المسموح به هو مقدار ما یؤمّن حاجته،کما تقدّم فی الضوابط.

ص:116


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:386/1،بتصرّف یسیر.
2- (2) .السرخسی،المبسوط:167/23.
3- (3) .الأحزاب:36.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:784/164،بتصرّف یسیر.
5- (5) .البحر الرائق:435/5.
6- (6) .فقه الشریعة:148،135/2،بتصرّف یسیر.
رابعاً:عدم السماح بمزاحمة السابق بما یمنع ممارسته الاستخراج

فإنّ المنتج السابق یکون أحقّ بالإنتاج من الموضع الذی احتفره،فلیس للغیر الاستفادة بممارسة الإنتاج من نفس تلک الحفرة. (1)و هذا قائم بطبیعة الحال علی أساس کون الحقّ لمن سبق فی المباحات العامّة،فالسابق له الأوّلویة فیما سبق إلیه من الثروات المشترکة،فلا یسمح بمزاحمته بشکل یؤدّی إلی حرمانه من الاستخراج.

ویعدّ ذلک إعمالاً لحقّ الفرد أی کان فی ممارسة حقّه الأساسی فی استثمار موارد الطبیعة،وفسح المجال له فی القیام بعملیة الإعمار،علی ضوء کونه الخلیفة العامّ فی ذلک.

خامساً:عدم السماح بمنع اللّاحق من القیام بالاستخراج

فلیس للسابق أن یستبدّ بعروق المعدن ویمنع غیره منه،فللّاحق القیام بالإنتاج من نفس ذلک المعدن،وذلک بالوصول إلیه بالحفر من جهة أخری (2):

و هذه روایة فی واقعة بلغتنی عن بعض المفتین المجازفین أنّه أفتی فیمن حفر فی جبل حجراً یتّخذ منه القدور،ثمّ مات ونحت غیره منه قدوراً بأنّ لورثة الحافر المنع تاب الله علیه وعلینا وهداه وإیانا،والصواب لیس لهم المنع؛لأنّ الحجر الباقی،و إن ظهر بحفره بقی علی أصل الإباحة. (3)

لعدم استحقاق المستخرِج إلّا ما استخرجه فعلاً،فهو من المباحات العامّة التی لا یجوز المنع منها،فیکون العمل هو المِلاک الوحید لحیازتها،کما تقدّم آنفاً.ویقوم ذلک علی أساس استواء الجمیع فی ممارسة الحقّ فی استثمار الطبیعة للقیام بالدور الخلافتی الموکول إلیهم.

سادساً:عدم السماح بالتجاوز علی الحریم الخاصّ و العامّ

فإنّ هناک حریماً محدّداً لکلّ من الأمکنة الخاصّة و المشترکات العامّة،وهی تشمل:الدور و الطرق،والعیون و القنوات،والآبار و الأنهار،والبساتین و المزارع،والقری و المدن ونحوها،ممّا ستأتی تفاصیلها فی مواردها الخاصّة بها.

ص:117


1- (1) .المصدر نفسه:149/136،بتصرّف یسیر.
2- (2) .المصدر نفسه:149/135،بتصرّف یسیر.
3- (3) .البحر الرائق:435/5.

وتُعدّ هذه مسألةً تنظیمیةً لممارسة الحقوق وإبقاء المجال مفتوحاً للاستفادة من مصادر الطبیعة دون عوائق تقف بوجه عملیة الاستفادة تلک.

وبهذا ینتهی الکلام فی مطلب الاستخراج من مبحث حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی.

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی التصنیع

اشارة

تتضافر عوامل متعدّدةٌ فی عملیة التصنیع لإنجاحها وإیصالها مرحلة إنتاج الموادّ المطلوبة،فمنها ما یرتبط بالموادّ الأوّلیة،ومنها ما یتعلّق بالأدوات المستعملة فی عملیة التصنیع،ومنها العامل الذی یباشر عملیة التصنیع،وأخری برأس المال الذی یساهم فیها.ولکلّ من هذه العوامل أحکامٌ خاصّةٌ بها،إلّا أنّ ما یهمّنا هنا هو عملیة التصنیع ذاتها،حیث إنّ هناک أموراً لم یسمح الشارع الإسلامی بتصنیعها بناءً علی بعض الحدود التی تندرج تحتها،والتی أقرّها فی هذا الخصوص.

أمّا العوامل الأخری،فإنّ دورها یتمثّل بعملیة التوزیع،و هو ما سنأتی علی تفصیله فی الفصل الثانی الموسوم بحدود حرّیة التوزیع.

ویعدّ الدلیل العمدة فی الاستدلال علی حظر بعض النشاطات الإنتاجیة الصناعیة هو تحریمها بالعنوان الأوّلی-أی:أنّ حرمتها ذاتیة وقع علیها التحریم ابتداءً بالخصوص.أمّا النشاطات المحظورة الأخری،فقد تمّ حظرها بعنوان ثانوی کأن تکون مقدّمةً للحرام،أو أنّ منفعتها منحصرةٌ فی الحرام،فلا منفعة محلّلة فیها،أو أنّ غایتها محرّمة،فتُدرج جمیعها ضمن ضابط کون الحاجة مشروعةً إسلامیاً؛لذا فمن المناسب إدراج کلّ من العنوانین الأوّلی و الثانوی ضمن عناوین تعود إلی الأسباب و العلل القریبة لتحریمها،و إن حدث بعض التداخل فیما بینها،وذلک وفقاً للمفاسد التی یقوم الحظر علی أساسها،والتی تمّ التصریح ببعضها.

وعلی هذا فسیکون کلامنا فی الحدود اللازم مراعاتها فی التصنیع ضمن عدّة أمور،وهی کما یأتی:

أوّلاً:عدم السماح بصنع ما ینافی الأسس الاعتقادیة
اشارة

والأسس الاعتقادیة فی الإسلام تتمثّل بالأصول الثلاثة،وهی:التوحید و النبوّة و المعاد،وما یتفرّع عنها ممّا یعدّ من مکمّلاتها،کالعدل بالنسبة إلی التوحید،والإمامة بالنسبة إلی النبوّة علی رأی الإمامیة.

ص:118

فلم یسمح الإسلام بکلّ ما یؤدّی إلی تقویض هذه الأرکان الثلاثة قولاً وفعلاً.

سواء کان ذلک بشکل مباشر کالکفر بعد الإیمان،أو ممارسة ما من شأنه الترویج للشرک ولو بشکل غیر مباشر عن طریق الاعتیاد علیه بمرور الزمان کصنع التماثیل.و هذا ممّا تشهد به المسیرة التاریخیة للبشریة،حیث برّر عرب الجاهلیة عبادة الأصنام بأنّه تقرّبٌ إلی الله،حسب ما جاء علی لسانهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِیُقَرِّبُونا إِلَی اللّهِ زُلْفی ، (1)أو ما جاء فی محاولة بنی إسرائیل اتّخاذ إله مجسّم تقلیداً للآخرین: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُکُمْ وَ إِلهُ مُوسی فَنَسِیَ . (2)

أو حتّی علی مستوی الاستخفاف بتلک المبادئ قولاً کالسبّ،کما یلمّح إلیه قوله تعالی: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِینَ یَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَیَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ ، (3)أو فعلاً کالأسالیب الفنیة للاستهزاء و السُّخریة بالرموز الدینیة،فقد أعطی الإسلام مکانةً مرموقةً لشخص کالنبی صلی الله علیه و آله-علی سبیل المثال-حیث ألزم باحترام مکانته،ونهی عن التعامل معه کما یتعامل الناس بعضهم مع البعض الآخر،کما یشیر إلی ذلک قوله تعالی: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِیِّ . (4)

ویمکن إیراد بعض مصادیق ذلک علی النحو التالی:

أ)نحت الجسم الکامل لذی الروح:

فلم یسمح الإسلام بصنع صورة مجسّمة ثلاثیة الأبعاد لما کان له روحٌ من المخلوقات؛فعن:

«أبی عبد الله علیه السلام:ثلاثة معذّبون یوم القیامة...ورجل صوّر تماثیل یکلَّف أن ینفخ فیها ولیس بنافخ» (5)

فمع أنّ الإسلام أباح التصویر،إلّا إنّه حظر منه ما یتنافی ویتعارض و الغایة التی خُلق لأجلها الإنسان،ألَا وهی توحیده أفعالیاً،و هذا هو فی الحقیقة ما أشار إلیه الحدیث الآنف.

فمسألة نحت ذی الروح تتعارض ومبدأ الخالقیة-التی تقتصر علی الله تعالی من جهة-فلیس لأحد أن یتشبّه به فیها،فإنّه یجرّ شیئاً فشیئاً إلی الشرک.ومن هنا جاء الوعید بتکلیف المثّال بالنفخ فی ما صوّره و هو بثّ الروح فیه لیتبین عجزه.

ص:119


1- (1) .الزمر:3.
2- (2) .طه:88.
3- (3) .الأنعام:108.
4- (4) .الحجرات:2.
5- (5) .الکافی:528/6،ح10.

وتُعدّ من جهة أخری تمهیداً لترویج الشرک کما قدّمنا.

وهی من المسائل التی غلب فیها الإجماع بین المسلمین:إذ حرّموا:

تصویر ذوات الأرواح من الإنسان و الحیوان وغیرهما تصویراً مجسّماً کالتماثیل المعمولة من الخشب و الشمع و الحجر و الفلزات،و هذا محرّمٌ مطلقاً علی الأحوط. (1)

و هو من المحظورات الذاتیة التی لا یرتبط حظرها بغایة معینة،فإنَ:

تصویر صور الحیوان حرام شدید التحریم،و هو من الکبائر؛لأنّه متوعّد علیه بهذا الوعید الشدید المذکور فی الأحادیث یعنی مثل ما فی الصحیحین عنه صلی الله علیه و آله«أشدّ الناس عذاباً یوم القیامة المصوّرون یقال لهم أحیوا ما خلقتم». (2)

وسواء صنعه لما یمتهن أو لغیره،فصنعته حرام علی کلّ حال؛لأنّ فیه مضاهاة لخلق الله تعالی...وفی المغرب:الصورة عامّ فی کلّ ما یصوّر مشبهاً بخلق الله تعالی من ذوات الروح وغیرها،وقولهم ویکره التصاویر المراد بها التماثیل.فالحاصل أنّ الصورة عامّ و التماثیل خاصّ،والمراد هنا الخاصّ فإنّ،غیر ذی الروح لا یکره کالشجر. (3)

و هو یشمل ما:

لو کان تصویراً علی هیئة خاصّة مثل:تصویره جالساً أو واضعاً یدیه خلفه أو نحو ذلک ممّا یعد تصویراً تامّاً،فالظاهر هو الحرمة بل الأمر کذلک فیما إذا کانت الصورة ناقصة،ولکنّ النقص لا یکون دخیلاً فی الحیاة کتصویر إنسان مقطوع الید أو الرجل (4)أمّا إذا لم یکن الجسد کاملاً کالتمثال النصفی الذی یجسّم فیه الرأس وشیء من الصدر أو البطن،فإنّه جائز؛وکذلک یجوز صنع تمثال کلّ ما لیس له روح من عالم الطبیعة. (5)

هذا ولکنّ الحکم فی مسألة اقتناء مثل تلک الثماثیل یختلف عن حکم صنعها،فقد سمح بها البعض علی کراهة،فإنّه:

یجوز-علی کراهة-اقتناء الصور وبیعها،و إن کانت مجسّمة وذوات أرواح (6)

إلّا أنّ ذلک لا یرتبط بما ینطبق علیه عنوان اتّخاذه للعبادة،کما فی:

ما یکون من شعائر المذاهب الملحدة و الأدیان الباطلة،کالأصنام ونحوها ممّا یختصّ بها ویظهر عقیدة باطلة (7)

ص:120


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:9/2-18،10.
2- (2) .مسند أحمد:26/2.
3- (3) .البحر الرائق:48/2.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:16،8/2.
5- (5) .فقه الشریعة:180،161/2.
6- (6) .منهاج الصالحین:8/2-16،9.
7- (7) .فقه الشریعة:595،405/2.

وقصر البعض حرمتها علی ما إذا استقبل بها المصلّی فیما لو کانت العلّة فیها التشبّه بعبادتها،فإذا:

کانت العلّة التشبّه بعبادتها،فلا تُکره إلّا إذا کانت أمامه أو فوق رأسه (1)

أمّا فی أصل حرمة اقتنائها من عدمه،فإنّ هذا البعض لم یقف فیه علی وجه. (2)

فالظاهر أنّ حظر اقتناء التماثیل و الصور یختصّ بما ینطبق علیه عنوان العبادة أو أُرید منها ذلک،و إن لم ینطبق علیها ذلک العنوان لملاک العلّة و هو العبادة،أو کان فی حکم التشبّه بعبادتها.

ب)صنع لوازم عبادة غیر الله:

فهو ممّا یکون بحکم الشرک بالله،وترویجاً له:

فلا یجوز العمل فی صنع لوازم العبادة عندهم ممّا یتنافی مع التوحید لله،کمثل عمل الأصنام و الرسوم و الشعارات ذات المغزی الدینی (3)

فهی تشمل أنواع متعدّدة منها:

شعائر الکفر کالصلبان (4)

فکما:

یحرُم بیع الآلات المذکورة یحرُم عملها بل یجب إعدامها علی الأحوط،ولو بتغییر هیئتها. (5)

و هو ممّا جاءت به السنّة،کما فی النبوی:

«والذی نفسی بیده لیوشکنّ أن ینزل فیکم ابن مریم حکماً عدلاً فیکسر الصلیب ویقتل الخنزیر» (6)

فإعدام هیئتها الذی أمر الله تعالی به فی کتابه الکریم:

وَ انْظُرْ إِلی إِلهِکَ الَّذِی ظَلْتَ عَلَیْهِ عاکِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِی الْیَمِّ نَسْفاً (7)دلیلٌ علی حظر صنع مثل هذه الهیئات و الأشکال،و هو ما یشیر إلیه حدیث الصادق علیه السلام حیث جاء فیه:

«سألت أبا عبد الله علیه السلام عن التوت أبیعه یصنع به الصلیب و الصنم؟قال:لا.» (8)

الدالّ علی شدّة حرمته من خلال حرمة مقدّمته.

ص:121


1- (1) .حاشیة رد المحتار:699/1.
2- (2) .انظر المصدر نفسه:677/6.
3- (3) .فقه الشریعة:164،152/2.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:9،7/2.
5- (5) .الخوئی،منهاج الصالحین:9،7/2.
6- (6) .صحیح البخاری:143/4.
7- (7) .طه:97.
8- (8) .الکافی:227/5،ح:5.

و قد جاء فی تفسیر قوله تعالی: وَ ما ذُبِحَ عَلَی النُّصُبِ (1):

روی عن مجاهد وقتادة:وابن جریج أنّ النُّصب أحجار منصوبة کانوا یعبدونها ویقرّبون الذبائح لها،فنهی الله عن أکل ما ذُبح علی النُّصب؛لأنّه ممّا أُهلّ به لغیر الله.والفرق بین النُّصب و الصنم أنّ الصنم یصوّر وینقش،ولیس کذلک النٌصب؛لأنّ النُّصب حجارة منصوبة و الوثن کالنُّصب سواء.ویدلّ علی أنّ الوثن اسم یقع علی ما لیس بمصوّر أنّ النبی صلی الله علیه و آله قال لعدی بن حاتم حین جاءه وفی عنقه صلیب:«ألق هذا الوثن من عنقک»فسمّی الصلیب وثناً،فدلّ ذلک علی أنّ النُّصب و الوثن اسم لما نُصب للعبادة،و إن لم یکن مصوّراً ولا منقوشا. (2)

ومنه الإعانة علی الکفر کبناء:

معابد البوذیین و الهندوس وغیرهم (3)ونحوه،و هو ما یشیر إلیه قوله تعالی: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ . (4)فمن غیر المسموح به أن یتمّ تصنیع وإنتاج ما من شأنه الإعانة علی الکفر الذی هو بمعنی:عبادة غیر الله تعالی.

ج)صنع ما یعدّ إهانةً للمقدّسات:

والمراد بها ما یتعلّق بشؤون الدین ممّا یعدّ استخفافاً به وهتکاً له فإنّه:

یحرُم تصویر المقدّسات علی نحو یستلزم هتکها وإهانتها،ولعلّ منه تصویر أهل الجاهلیة إبراهیم وإسماعیل وفی أیدیهما الأزلام-کما قیل-ولا فرق فی حرمة ما ذُکر کلّه بین أن تکون الصورة مجسّمةً أو لا،ولا بین کونها تامّة أو ناقصة،ولا بین أن تکون معمولة بالید أو بالمکائن و الآلات الحدیثة،وکما یحرُم عملها لا یصحّ بیعها ویحرُم أخذ الأجرة علیها و التزین بها. (5)

فلا یسمح بإنتاج کلّ ما کان الهدف منه إهانة المقدّسات والاستخفاف بالدین،فقد یحکم بالارتداد:

بفعل بعض ما یقتضی الاستخفاف بالدین (6)

ومن هنا علّلوا ما روی من النهی عن إخراج مصحف وامرأة فی سریة

لأنّ فیه تعریضهنّ علی الضیاع و الفضیحة وتعریض المصاحف علی الاستخفاف (7)

ص:122


1- (1) .المائدة:3.
2- (2) .أحکام القرآن:391/2.
3- (3) .فقه الشریعة:164،152/2.
4- (4) .المائدة:2.
5- (5) .السیستانی،فقه الحضارة:19،10/2.
6- (6) .انظر جواهر الکلام:295/6.
7- (7) .البحر الرائق:130/5.

وکفّروا من وصف الله:

بما لا یلیق به أو سخر باسم من أسمائه أو بأمر من أوامره (1)

بل عدَّوْا ذلک إلی الملائکة،وذلک:

بعیبه ملکاً من الملائکة أو الاستخفاف به (2)

حتّی إنّ البعض حکم باجتناب التمثیل علی مستوی:

ظهور شخصیات المعصومین من الأنبیاء و الأئمّة علیهما السلام لما فی ذلک من جرأة قد تکون غیر لائقة (3)

و إن لم یکن المقصود منه الإهانة و الهتک.

ویدخل فیه کلّ ما یصنع ویعمل فی هذا السبیل،کإنتاج:الأفلام و الرسوم الساخرة المصطلح علیها:(الکاریکاتیر)،وصناعات التسالی ونحوها.

ثانیاً:عدم السماح بصنع ما یروّج للضلال

ولقد عُدّ الإضلال عن سبیل الله من ضمن الکبائر التی تستوجب دخول جهنّم، (4)استدلالاً بقوله تعالی: ثانِیَ عِطْفِهِ لِیُضِلَّ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ لَهُ فِی الدُّنْیا خِزْیٌ وَ نُذِیقُهُ یَوْمَ الْقِیامَةِ عَذابَ الْحَرِیقِ ، (5)فاعتُبرت حرمته من الضروریات التی لا یشکّ فیها،و هو ما تدلّ علیه فحوی أغلب تعالیم الإسلام،والتی تدعوا إلی اتّباع الحقّ،وأنّه لا شیء بعد الحقّ سوی الضلال،بل إنّها منعت من شوب الحقّ بشیء من الباطل،والذی یعبِّر عن صیرورته مادّةً للضلال،کما فی قوله تعالی: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ ، (6)فجاءت الفتاوی لتحکم بدرجة عالیة من الثقة من أنّ:

حرمة إضلال الناس عن الحقّ من الضروریات بین المسلمین،فلا یحتاج فی إثباتها إلی الإجماع (7)

والأکثر من هذا أنّهم اعتبروا مجرّد احتمال الضلال کافیاً فی تحریم مادّته،ومن هنا أفتوا بأنّه:

ص:123


1- (1) .المصدر نفسه:202.
2- (2) .المصدر نفسه:205.
3- (3) .فقه الشریعة:174،158/2.
4- (4) .انظر جواهر الکلام:311/13.
5- (5) .الحج:9.
6- (6) .البقرة:42.
7- (7) .مصباح الفقاهة:406/1.

یحرُم حفظ کتب الضلال مع احتمال ترتّب الضلال لنفسه أو لغیره،فلو أمِن من ذلک أو کانت هناک مصلحة أهمّ جاز وکذا یحرُم بیعها ونشرها (1)

وجاء عنوان عدم نسخ کتب الضلال کشرط أساسی فی صحّة الوصیة العهدیة وعدم بطلانها،وذلک لمجرّد احتمال تحقّق الإضلال،کما أسلفنا،فاشترطوا:

أن یکون ما أوصی به عملاً سائغاً،فلا تصحّ الوصیة بصرف ماله فی معونة الظالمین وقطاع الطرق،وتعمیر الکنائس ونسخ کتب الضلال ونحوها (2)

والأمر ذاته یجری فی صحّة الوقف، (3)فالإضلال یعدّ من المحرّمات الأساسیة التی تبطل بها المعاملات إذا ما اشتُرط فیها،أو أنّه یعدّ شرطاً باطلاً من الأساس علی أدنی تقدیر.

وفسّروا عملیة الزندقة،والتی أوجبوا من خلالها القتل علی المتزندق إن سبق علی ذلک إسلامه بأنّها فی حقیقتها لیست سوی عملیة إضلال؛إذ إنّها عملیة تمویه للکفر وترویجٌ لعقیدته الفاسدة،و هو ما لا:

ینافی إظهاره الدعوة إلی الضلال وکونه معروفاً بالإضلال (4)

ویتحقّق عنوان الإضلال فی بحثنا هذا بکلّ أسالیب الإنتاج الفنّیة منها و الصناعیة المنطبقة علیه،من قبیل:

ابتداع الأفکار الباطلة،وتأیید ومناصرة الموجود منها و التشنیع علی دین الحقّ ومذهبه وتحریف حقائقه ومسخها،وإضعاف مقولاته ومبادئه. (5)

فقد استُغلت مثل هذه الأمور استغلالاً اقتصادیاً یدرّ أرباحاً طائلةً علی القائمین علیها،وذلک من خلال امتلاکهم الوسائل التی یتمّ بواسطتها تعلیبه صناعیاً حتّی علی مستوی لُعب الأطفال،إضافةً إلی ما تقوم به من دور خطیر فی محاولة مسخ الهویة الدینیة.

ثالثاً:عدم السماح بصنع ما یروّج للفساد و الرذیلة
اشارة

و هو ممّا جاء تحریمه صریحاً فی القرآن الکریم،وذلک فی قوله تعالی: إِنَّ الَّذِینَ یُحِبُّونَ أَنْ تَشِیعَ الْفاحِشَةُ فِی الَّذِینَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ ، (6)فقد جعل الله ذلک من الکبائر التی یستحقّ

ص:124


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:33،9/2.
2- (2) .السیستانی منهاج الصالحین:1367/365/2.
3- (3) .انظر المصدر نفسه:1525/405.
4- (4) .حاشیة رد المحتار:428/4.
5- (5) .فقه الشریعة:168/155/2.
6- (6) .النور:19.

علیها العقاب، (1)ولا یختصّ إشاعة الفاحشة بالکشف عمّا یفعله المسلمین سرّاً،بل یشمل ما یرغّبهم فی إتیانها فی کلّ ما یرتبط بذلک:

کالأمر بالمنکر و النهی عن المعروف ونشر الأفکار الهدّامة و الصور الخلاعیة المثیرة للشهوات الشیطانیة وکلّ ما یوجب الانحطاط الفکری و الخُلقی للمسلمین و إذا صار بعض ما ذُکر من الآلات مصداقاّ لآلة الحرام بالمعنی المتقدّم فلا إشکال فی عدم جواز بیعه و المعاوضة علیه. (2)

والتی تقدّم أمر تحریم عملها سلخاً.

فلا یجوز إنتاج کلّ ما یتّصل بذلک کإنتاج الأفلام و التصاویر،والرسوم الجنسیة الإباحیة وغیرها من أسالیب

الحثّ علی الرذیلة و الإباحیة من ألوان الفواحش و الأفعال المنکرة و المعاصی،کالدفاع أو الحثّ علی السفور و الزنی،أو غیرهما من الأمور التی تساعد علی انتشار الفساد، (3)ولو کانت من مختصّات غیر المسلم،أو کانت ممّا دون الجماع،فهو حرام فی ذاته، (4)وصناعة الأعضاء الجنسیة،فإذا کان الغرض إشاعة الفحشاء و المنکر فیحرُم حینئذ نفس العمل ویحرُم أخذ الأجرة علیه؛ (5)إذ إنّ حرمة إشاعة الفاحشة من حقوق الله تعالی. (6)

ونورد هنا بعض المحظورات التی تؤدّی إلی الفساد و الرذیلة،وتُبعد الإنسان عن ممارسة دوره الإنتاجی:

أ)صنع المسکر:

عموماً،و هو ممّا صرّحت به السنّة،عطفاً علی أصل تحریم الخمر فی القرآن،حیث قال تعالی: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَیْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ، (7)فقد جاء عن أبی جعفر علیه السلام قال:

«لعن رسول الله صلی الله علیه و آله فی الخمر عشرة:غارسها وحارسها وبایعها ومشتریها،وشاربها و الآکل ثمنها،وعاصرها وحاملها و المحمولة إلیه وساقیها» (8)

ص:125


1- (1) .انظر:أحکام القرآن:399/3.
2- (2) .السیستانی منهاج الصالحین:10،7/2.
3- (3) .فقه الشریعة:168،155/2.
4- (4) .المصدر نفسه:175،159/2.
5- (5) .المصدر نفسه:174،157/2.
6- (6) .السرخسی،المبسوط 110/9.
7- (7) .المائدة:90.
8- (8) .الکافی:429/6،ج:4.

ومثله:

«قال رسول الله صلی الله علیه و آله لعن الله الخمر وشاربها وساقیها وبائعها ومبتاعها وعاصرها وآکل ثمنها ومعتصرها وحاملها و المحمولة إلیه» (1)

و قد جاء التعبیر بالخمر باعتبارها المصداق الأبرز لکلّ مسکر،حیث جاء فی الحدیث النبوی:

«کلّ شراب مسکر حرام» (2)

فالحرمة واقعة علی الإسکار الذی یشمل کلّ مسکر مهما اختلفت أسماؤه کالفقاع ونحوه،حسب ما جاء فی الحدیث النبوی:

«ما أسکر کثیره فقلیله حرام» (3)

و إن لم یکن ذلک القلیل مسکراً.

وشمل هذا التحریم کلّ أنواع التعامل بالخمر،وما ذلک إلّا لأجل الغایة التی وقع علیها التحریم،و هو شاملٌ بطبیعة الحال لما هو أکثر انحصاراً بإرادة عنوان الخمر،و هو صناعتها،والذی عُبِّر عنه فی الأحادیث المتقدّمة بالعصر؛ومن هنا،فإنّه:

یحرُم العمل فی جمیع المجالات التی لها علاقة بصناعة الخمور مباشرة،سواء فی ذلک مرحلة تهیئة المادّة للعصر من تنظیف وتقطیع،ومرحلة عصره وتعبئته وتخزینه ونقله للزبائن،بل وکذا یحرُم العمل فی المختبرات التابعة لمصانع الخمر. (4)

بل إنّ بعض الأحادیث ذهبت إلی ما هو أبعد من ذلک،فقد شمل الحظر فیها الغایات التی یتراءی أنّها مفیدةٌ کالمداواة بها،فقد جاء:

أنّ طارق بن سوید الجُعْفی سأل النبی صلی الله علیه و آله عن الخمر،فنهاه أو کره أن یصنعها،فقال:إنمّا أصنعها للدواء.فقال:«إنّه لیس بدواء.ولکنّه داء» (5)

وکما بینا سابقاً،فإنّ الحرمة ترتبط بما وراءها من مفاسد حرص الإسلام علی صیانة المجتمع من آثارها السلبیة،و هذا ما تشیر إلیه الآیة الکریمة فی خصوص المسکر: یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَیْسِرِ قُلْ فِیهِما إِثْمٌ کَبِیرٌ وَ مَنافِعُ لِلنّاسِ وَ إِثْمُهُما أَکْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ، (6)وقوله تعالی: إِنَّما یُرِیدُ الشَّیْطانُ أَنْ یُوقِعَ بَیْنَکُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِی الْخَمْرِ وَ الْمَیْسِرِ . (7)

ص:126


1- (1) .الدرایة فی تخریج أحادیث الهدایة:968/235/2.
2- (2) .صحیح مسلم:99/6.
3- (3) .السنن الکبری:5117/216/3.
4- (4) .فقه الشریعة:197/165/2.
5- (5) .صحیح مسلم:89/6.
6- (6) .البقرة:219.
7- (7) .المائدة:91.

ویدخل فی ذلک المخدّرات جامدةً کانت أو سائلة،وذلک علی أساس ما تُحدثه من الإسکار مهما کان مستواه،فیحرُم صناعتها تطبیقاً لعلّة تحریم المسکر،وهی عملیة الإسکار،أو علی أساس ما سیجیء من ضررها الفادح.

ب)صنع آلات اللّهو:
اشارة

فإنّ اللّهو الذی یشغل الإنسان عن القیام بأداء دوره فی العملیة الانتاجیة،ممّا جاء تحریمه فی القرآن الکریم،کما فی قوله تعال: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا ، (1)وهی علی أنواع:

الأوّل:آلات القمار:

إذ قُرن تحریم القمار مع تحریم الخمر فی قوله تعالی: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَیْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ، (2)أمّا آلاته،فإنّه:

کما یحرُم بیع آلة الحرام یحرُم عملها (3)

والضابط فی کون الآلة آلة قمار:

أن تعدّ فعلاً آلةً للقمار،ویکفی کونها آلةً له فی مجتمع خاصّ لیکون حراماً هناک،و إن لم یعدّ فی مجتمع آخر قماراً جاز هناک. (4)

فالحرمة هنا تأتی علی نحوین:

النحو الأوّل؛المراهنة المرافقة للعب بآلة القمار،و هذا ما یبدو من التعلیل الآتی لکراهة اللعب بها:

ویکره اللعب بالنرد و الشطرنج و الأربعة عشر،وهی لعب تستعمله الیهود؛لأنّه قمار أو لعب وکلّ ذلک حرام (5)

وجواز المراهنة مختصٌّ فیما اختصّت به من إعداد القوّة:

فأمّا إذا کان فی موضع یعلم من حیث الغالب أنّه یسبق أحدهما فإنّ ذلک لا یجوز؛لأنّ هذا إیجاب المال للغیر علی نفسه،بشرط لا منفعة له فیه،و إنّما جوّزنا ذلک فی الفصل الأوّل؛لأنّه تحریض علی مباشرة سبب الجهاد فی الجملة (6)

أمّا اللعب،فتقتصر حرمته علی ما لم تتعلّق به فائدةٌ عقلائیة،أمّا:

إذا تعلّقت به عاقبة حمیدة لا یکون حراماً (7)

ص:127


1- (1) .الأنبیاء:17.
2- (2) .المائدة:90.
3- (3) .السیستانی،فقه الحضارة:208.
4- (4) .المصدر نفسه:209.
5- (5) .بدائع الصنائع:127/5.
6- (6) .تحفة الفقهاء:348/3.
7- (7) .بدائع الصنائع:206/6.

و أمّا إذا تعلّقت به فائدةٌ عقلائیةٌ فإنّه یجوز حینها:

اللعب بکلّ آلة بهدف التسلیة و الترفیه عن النفس بغیر مراهنة (1)

ولکن إذا وصل الأمر إلی الاستغراق فیه بحیث یؤدّی إلی ترک الواجب،فإنّه یجب ترکه. (2)

النحو الثانی:أن یکون صنعها وتصمیهما هو لأجل المقامرة بها،فالآلات:

التی ابتُکرت وصُمّمت من أجل أن یلعب بها فی القمار،بحیث یغلب علی منفعتها الحرام وتُشتری عادة من أجل ذلک،فإنّ صنعها وبیعها،وشراءها واقتناءها حرام حتّی لو کان هدف العامل فیها أو المشتری لها أن ینتفع بها فی الحلال (3)

فحتّی ما یمکن استعماله فی الحلال إلّا أنّه غلب فی الحرام:

بحیث یکون المقصود منه غالباً الحرام (4)

فإنّه غیر مسموح بصنعه.

ویرتبط هذا الحظر بجانبین:الجانب اللهوی:الذی یقوم بطبیعة الحال بدور معاکس للعملیة الإنتاجیة وتنمیتها،فقد جاء فی الحدیث عن النبی صلی الله علیه و آله:

«کلّ ما ألهی عن ذکر الله فهو من المیسر» (5)

ومن المعلوم أنّ ذکر الله فی الإسلام لا یقتصر علی الممارسات العبادیة الصرفة،و إنّما یشمل الأخذ بکلّ ما من شأنه أداء الدور الخلافتی للإنسان و الذی یعدّ الانتاج أبرز مصادیقه باعتباره الأساس الأوّل الذی یرتکز علیه القیام بذلک الدور الخلافتی بکافّة جوانبه.

والجانب الآخر:هو الأثر المترتّب علی المراهنة،ألَا،و هو الربح و الخسارة؛إذ إنّ:

کلّ ما لا یخلو اللاعب فیه من غُنم أو غُرم فهو میسر (6)

و هذا ینافی الضابط الأوّل من ضوابط الإنتاج المتمثّل بالعمل،حیث لا یتمّ إنجاز أی عمل إنتاجی فی هذه العملیة،فیکون فاقداً لشرط أساسی من شروط ترتیب آثار الملکیة علیه.

الثانی:الآلات الموسیقیة الغالب استعمالها فی الألحان المحظورة:

فإنّ القدر المتیقّن من عدم جواز صنع الآلات الموسیقیة؛هو ما یختصّ استعماله فی اللهو المحرّم منها،الذی

ص:128


1- (1) .فقه الشریعة:214،174/2.
2- (2) .المصدر نفسه:216،175،بتصرف یسیر.
3- (3) .المصدر نفسه:217،175.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:8،6/2.
5- (5) .وسائل الشیعة:316/17.
6- (6) .نیل الأوطار:258/8.

فسّروه بالخفّة المثیرة لشهوة الأغلبیة،فهو ممّا یتسبّب فی الوقوع فی الحرام، (1)فلا یجوز:

صناعة آلات الموسیقی التی لا یناسب إلّا أن تُستعمل فی اللهو المحرّم،أی:تکون قوام مالیتها؛فی صورتها الصناعیة التی یقتنیها أغلب الناس لأجلها (2)

فلا یکفی مجرّد إمکان استعمالها فی اللحن المحلّل فی تجویز صنعها إذا کان الغالب علیها استعمالها فی اللحن المحرّم،فلو:

فُرض وجود آلة غلب استعمالها فی الألحان المحرّمة عند الموسیقیین،فإنّه-و إن جاز استعمالها فی اللحن المحلّل-لا یجوز صنعها. (3)

و قد روی عن أبی حنیفة(رض)،أنّه قال:

کلّ شیء أفسده الحرام و الغالب علیه الحلال،فلا بأس ببیعه...وما کان الغالب علیه الحرام لم یجز بیعه ولا هبته (4)

و إن جاءت هذه الفتوی بلسان البیع و الهبة،فإنّها تشمل بطریق أولی الصنع المفترض فیه ذلک،ولم یکن تجویزه بیع آلات الملاهی من البربط و الطبل و المزمار و الدف ونحو ذلک،إلّا لأجل:

أنّه یمکن الانتفاع بها شرعاً من جهة أخری بأن تُجعل ظروفاً لأشیاء،ونحو ذلک من المصالح فلا تخرج عن کونها أموالاً (5)

فهو ناظرٌ إلی ما هو موجودٌ منها فعلاً بعد الفراغ من عملیة الصنع،فإنّ منع الصنع هو بمثابة منع مادّة المعصیة،ولذلک لم یفتَ بالقطع فی سرقتها:

لأنّ آخذها یتأوّل أنّه یأخذها منع المالک عن المعصیة ونهیه عن المنکر وذلک مأمور به شرعا. (6)

ج)التخصیب الصناعی:

و یختصّ بما یجری فی الأنابیب،فهو عملیةً صناعیةً سواء،تمّ فیها نقل الجنین إلی الرحم،أم لا،ویقتصر المنع فیها علی ما إذا تمّ تخصیب بویضة امرأة بمنی أو خلیة من غیر زوجها؛إذ إنّه:

لا یجوز تلقیح المرأة بماء غیر الزوج،سواء أکانت ذات زوج،أم لا،رضی الزوج و الزوجة بذلک،أم لا،کان التلقیح بواسطة الزوج،أم غیره. (7)

ص:129


1- (1) .فقه الشریعة:188/163/2،بتصرّف یسیر.
2- (2) .السیستانی،فقه الحضارة:205.
3- (3) .فقه الشریعة:189،163/2.
4- (4) .بدائع الصنائع:144/5.
5- (5) .المصدر نفسه.
6- (6) .المصدر نفسه:72/7.
7- (7) .السیستانی،منهاج الصالحین:65،459/1.

فإنّ ذلک یعدّ من الزنی الذی جاء تحریمه صریحاً فی القرآن الکریم بقوله تعالی: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنی إِنَّهُ کانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِیلاً ، (1)أمّا إذا تمّت العملیة بماء الزوج،فإنّه یقتصر الحظر حینها علی فیما لو کان المباشر لعملیة التلقیح:

غیر الزوج إذا کان ذلک موجباً للنظر إلی العورة أو مسّها (2)

رابعاً:عدم السماح بصنع ما یوجب الظلم
اشارة

لقد جاء فی تعریف الظلم بأنّه:

تجاوز حقوق الغیر والاعتداء علیه وإیذاؤه فی نفسه،أو ماله،أو عرضه،أو دینه،أو وطنه،أو فی غیرها من سائر ما هو له (3)

فلا یختصّ بوقوعه علی ذات الشخص،فهو یصدُق علی ما یقع علی کلّ ما یتعلّق به،وکذا لا یختصّ بصدوره من شخص محدّد،بل:

یشمل ما یصدر عن الفرد أو الجماعة أو الدولة إذا تجاوزوا ما هو مرسوم لهم فی حدود شرعناً. (4)

ولقد قام الإسلام بتحریم الظلم،وشدّد النکیر علی من یمارسه فی کثیر من تعالیمه،فقال تعالی فی إحدی آیاته: وَ مَنْ یَظْلِمْ مِنْکُمْ نُذِقْهُ عَذاباً کَبِیراً . (5)

ولا غرو فی ذلک؛إذ إنّه من جانب؛یقف فی قبال القسط و العدل الذی أقام الإسلام تعالیمه علی أساسه،وجعله وسیلةً وغایةً فی ذات الوقت-کما أشرنا إلی ذلک مسبقاً،-وإنّه من جانب آخر؛یعارض الفطرة الإنسانیة التی تُعدّ القاعدة الرئیسة لتعالیمه،فدرج علی تقنین مواجهة الظلم بما ینسجم،وما ذکرناه،ولم یکتفِ بالإدانة و الوعید،حتّی شمل هذا التقنین جمیع درجاته مهما کانت تلک الدرجة واطئةً،کالإیذاء النفسی.

ومنه الإعانة علی الظلم،فکما أنّ الحرمة متوجّهةٌ إلی المباشر لعملیة الظلم،فهی أیضاً متوجهةٌ إلی من یقوم بدور الإعانة علیه،کما فی قوله تعالی: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ ، (6)فیکون مشمولاً بالعذاب المترتّب علی الظلم،و هو ما صرّحت به الآیة الکریمة:

ص:130


1- (1) .الإسراء:32.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:45،428/1.
3- (3) .فقه الشریعة:165،153/2.
4- (4) .المصدر نفسه.
5- (5) .الفرقان:19.
6- (6) .المائدة:2.

وَ لا تَرْکَنُوا إِلَی الَّذِینَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّکُمُ النّارُ ، (1)وانسجاماً مع مقولة کرامة الإنسان ذاتیاً؛فإنّه لا فرق فی تحقّق الظلم سواء کان متوجهاً نحو المسلم أو الکافر،فکما:

یحرُم وقوع الظلم من المکلّف فإنّه یحرُم-أیضاً-معاونة الظالم فی ظلمه،سواء وقع علی مسلم أو کافر. (2)

وعلی هذا یمکننا إیراد موضوع الظلم حسب درجاته المتفاوتة:

أ)ما یوجب الموت:
اشارة

و هو ما تدلّ علیه الآیة الکریمة: وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِی حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ، (3)حیث عُدّ ذلک من الکبائر التی لا یمکن التجاوز عنها،والتی توجب الخلود فی نار جهنّم،ویمکن التطرّق إلی بعض مصادیق ذلک صناعیاً کالتالی:

الأوّل:أسلحة الدمار الشامل:

کالقنابل الذریة و الهیدروجینیة ونحوها؛إذ إنّ المفترض فیها أنّها تدمّر کلّ شیء أتت علیه،ولا یقتصر تدمیرها علی العدو المقصود تدمیره،ویمکن الاستدلال علی حظرها بما جاء متواتراً عن النبی صلی الله علیه و آله من أنّه کان یمنع أصحابه فی الحرب من التعرّض للشیوخ و النساء و الأطفال،فقد کان ینهاهم بقوله صلی الله علیه و آله:

«لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شیخاً فانیاً ولا صبیاً ولا امرأةً ولا تقطعوا شجراً إلّا أن تضطرّوا إلیها». (4)

وتجاوز البعض مسألة حظر انتاجها إلی مسألة حرمة تعلّم تصنیعها،حیث أدرجه ضمن الأمور التی یحرُم تعلّمها،فعرّف العلوم التی یحرُم تعلّمها بأنّها:

کلّ علم یبعث علی الفساد ویضرّ الفرد أو المجتمع،فتعلّمه حرام من منظور إسلامی،کالسحر،والکهانة،والنجوم التی کانت شائعةً فی غابر التاریخ.

وکذلک العلوم التی تستخدم باتّجاه الغزو الثقافی،وفساد الأخلاق فی العالم المعاصر،أو علم أسلحة الدمار الشامل. (5)

ویمکن إدراج صناعة الأسلحة الجرثومیة و الوبائیة و الغازیة السامّة،کغاز الأعصاب ونحوها ضمن هذا العنوان؛إذ مع أنّها لا تؤدّی دائماً إلی الموت السریع،إلّا أنّها تُعدّ أفدح ضرراً من غیرها؛وذلک بناءً علی النتائج المرعبة المترتّبة علی استعمالها.وحیث إنّ إنتاجها یقتصر علی

ص:131


1- (1) .هود:113.
2- (2) .فقه الشریعة:165،153/2.
3- (3) .الإسراء:33.
4- (4) .تهذیب الأحکام:1/138/6.
5- (5) .العلم و الحکمة فی الکتاب و السنة:301.

التدمیر و القتل الشامل،فتکون ممّا لا شکّ فی حظرها شرعیاً،إضافةً إلی أنّه قد تمّ حظرها قانونیاً إنتاجاً واستخداماً.

ویمکن الاستدلال لها إضافةً إلی ما تقدّم؛بأنّ النبی صلی الله علیه و آله:

«نهی أن یلقی السمّ فی بلاد المشرکین». (1)

الثانی:السموم القاتلة و الأدویة المجهضة:

تلعب السموم دوراً إیجابیاً مهمّاً فی الکثیر من جوانب الحیاة المدنیة منها و الزراعیة و الطبیة وغیرها،إلّا أنّ الحظر هنا یأتی عرضیاً،وذلک فی عمل الصیدلة،فإنّه:

قد یحرُم من جهة بعض العناوین الثانویة،ولا سیما منها الأدویة المخدّرة أو المسببة للإجهاض أو بعض السموم ونحو ذلک (2)

وذلک فی الموارد الخاصّة التی تنحصر الغایة من تحضیرها الإضرار بالآخرین فضلاً عن محاولة القتل عن سابق إصرار.

والأمر ینطبق کذلک علی الأدویة المجهضة للحَمْل،فإنّه:

لا یجوز للطبیب إجهاض المرأة وقتل جنینها الذی هو من مسلم أو من کافر...حتّی لو طلب منه ذلک و الدا الجنین أو أحدهما،وحتّی لو کانت قوانین البلد تُبیحه (3)

فلم یسمح الإسلام بانتاج ما یقتصر استخدامه علی الإجهاض أو کان المقصود منه ذلک فی حالة خاصّة دواءً کان أو غیره،فإنّ ذلک یعدّ آلةً للحرام:

أمّا ما عدا ذلک من وسائل منع الحمل التی لا تستلزم إجهاض الجنین بعد انعقاد نطفته واستقراره فی الرحم،فإنّه یجوز استخدامها فی ذاتها. (4)

خلاصة الأمر:أنّ الإسلام حَظَرَ إنتاج کلّ ما ینحصر استخدامه فی القتل،سواء انحصر بذلک،أم کان المقصود منه تلک الغایة،وذلک حصراً علی المنتِج القاصد لها،و إن کانت له فوائد.

ب)ما یوجب الضرر:
اشارة

فمع أنّ المستند فی ذلک:(قاعدة لاضرر)المتفّق علی أصلها بین المسلمین،و إن اختلفوا فی حدود شمولها لمختلف حالات الضرر و الإضرار،إلّا إنّ حرمة الإضرار بالغیر:

کحرمة الإضرار بالنفس ثابتة بأدلّة أُخر غیر قاعدة نفی الحکم الضرری،و إن کانت هی من أدلّتها أیضا (5)

ص:132


1- (1) .بحار الأنوار:271/108.
2- (2) .فقه الشریعة:207،169/2.
3- (3) .المصدر نفسه:204،168/2.
4- (4) .المصدر نفسه:806،531/3.
5- (5) .الأنصاری،رسائل فقهیة:5،124.

فیعدّ الإضرار بالغیر من الأحکام الضرریة کالإضرار بالنفس،فلا یجوز تعدّیها،فکما أنّه لا یجب دفع الضرر عن الغیر بإضرار النفس،فکذا لا یجوز الإضرار بالغیر لدفع الضرر المتوجّه إلی النفس. (1)

ویمکن التطرّق لذلک ضمن عدّة نقاط:

الأوّل:المخدّرات و التبغ:

و قد مرّ الحدیث عن الحظر الذاتی لصناعة المخدّرات من خلال الحظر الذاتی للإسکار-أی:حظرها بالعنوان الأوّلی.ویأتی الحظر هنا من باب العنوان الثانوی-أی:من خلال ما تسبّبه من ضرر-فهی ممّا ثبت ضررها الفادح علی المجتمع ککلّ من خلال انتزاع جذوة النشاط الإنسانی و الإنتاجی من الأفراد الذین اعتادوا تناولها،وتشکیل عصابات المتاجرة بها علی نطاق واسع،والتی تزعزع الاستقرار الاجتماعی للمجتمع عموماً؛ولذا فهی تُعدّ من أبرز مصادیق الإضرار.

ومن هنا أفتوا بحرمة زراعتها المساوق لحرمة صنعها:

وبخاصّة بعدما ثبت الضرر البالغ الذی تُحدِثه فی نفس المدمن وجسده وتوازن شخصیته (2)

وعلی هذا،فلا یجوز تحضیر وتهیئة المواد المخدّرة سواء کان من المواد الطبیعیة مثل:المورفین،والهیروئین،والحشیش وماری جوانا،أو من المواد الاصطناعیة مثل:( D.S.I) إذا لم تکن لغرض الاستعمال المحلّل؛نظراً إلی ما یترتّب علی استعمالها من الأضرار الشخصیة والاجتماعیة المعتدّ بها. (3)

أمّا التبغ،فقد تضاربت الآراء حوله؛إذ إنّ المستند فی تحریمه هو حرمة المضرّ،فمن قال بحرمة مطلق الضرر حکم بحرمته،ویدخل فی هذا الباب:

الدخان فإنّه ضارٌ بالصحّة،وفیه تبذیر وضیاع للمال،والمسکر مثل الخمر وغیرها من المخدّرات (4)

ومن قال بحرمة الضرر البلیغ ولو احتمالاً،قصر حرمته علی ذلک،فإنّما یحرُم علی الإنسان:

التدخین،إذا کان یلحق به ضرراً بلیغاً آنیاً أو مستقبلیاً،سواء أکان الضرر البلیغ معلوماً،أو مظنوناً،أم محتملاً بدرجة یصدُق معه الخوف عند العقلاء (5)

ص:133


1- (1) .المصدر نفسه:122 بتصرّف.
2- (2) .فقه الشریعة:537،387/3.
3- (3) .أجوبة الاستفتاءات:111/2،بتصرّف اختصاری.
4- (4) .فقه السنّة:268/3-269.
5- (5) .السیستانی،فقه الحضارة:38.

وعلی هذا تکون حرمة صناعتها متوقّفةً علی ثبوت الضرر البلیغ ولو محتملاً،و هو ممّا:

ثبت علمیاً من خلال تواتر آراء الأطبّاء و البدیهیات فی الطبّ أنّ التدخین یشارک فی موت الکثیر من الناس،وأنّه المسؤول عن سرطان الفم و الحنجرة و الرئة وما إلی ذلک،ممّا یجعله فی مستوی المادّة التی کلّها ضرر (1)

جریاً علی القول بحُجّیة قول أهل الخبرة.

الثانی:تلویث البیئة:

و هو غالباً ما یکون أمراً عارضیاً لمختلف الصناعات،فیکون مرافقاً لعملیة التصنیع،والقدر المتیقّن من عدم جوازه هو ما یؤدّی إلی الإضرار بالمحیط المجاور لها بما یحویه من بشر،فلو کانت الدار علی سبیل المثال:

مجاورة للدور،فأراد صاحبها أن یبنی فیها تنوراً للخبز الدائم،کما یکون فی الدکاکین أو رحی للطحین أو مدقّات للقصّارین لم یجزِ؛لأنّ ذلک یضرّ بجیرانه ضرراً فاحشاً لا یمکن التحرّز عنه،فإنّه یأتی منه الدخان الکثیر الشدید (2)

ویمکن الاستدلال لذلک بکون البیئة من المشترکات العامّة التی لا یمکن نفی حقّ الغیر ممّا یعود علیه بالنفع منها،فیقتصر حقّ الاستفادة منها علی ما لا یتنافی،وذلک،فیعدّ الانتفاع بها بشکل یقوّض حقّ الآخرین فیها إلی توسیع نطاق حرّیة المستفید منها علی حساب حرّیة الآخرین فی التمتّع بها بما یعود بالفائدة علیهم،والذی یعدّ بحدّ ذاته إضراراً بهم فضلاً عن الضرر الواقع علیهم بالتلویث،فیکون مشمولاً لقاعدة:(لا ضرر)من جهتی النقص المادّی و البدنی.

الثالث:العملات الزائفة:

والتی تترتّب علیها أضرارٌ اقتصادیةٌ خطیرةٌ تشمل کافّة أوجه النشاط الاقتصادی،لدخول النقد أساساً فی عملیة المبادلات الاقتصادیة فی أکثر نواحیها،هذا إضافةً إلی أنّها تُعدّ ظلماً للعملیة الاقتصادیة برمّتها،حیث یتمّ من خلالها استنزاف وسلب الأموال بغیر حقّ،و هو ممّا جاء النهی به فی قوله تعالی: وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْیاءَهُمْ . (3)فیکون داخلاً فی قاعدة:(لاضرر)؛لکونه یؤدّی إلی النقص المادّی.

ومن هنا حکموا بعدم جواز:

تزویر العملات الورقیة و المعدنیة المتداولة فی زماننا هذا فی ظلّ النظام النقدی العالمی المتعارف،کما لا یجوز التعامل بها فی البیع و الشراء (4)

ص:134


1- (1) .الندوة:664/3.
2- (2) .تکملة البحر الرائق:55/1.
3- (3) .الأعراف:85.
4- (4) .فقه الشریعة:506/2-802.

و علی اعتبار أنّ عامّة التداولات الحاضرة تتمّ من خلالها علی خلاف ما کان رائجاً فی العهود الماضیة من استعمال النقود الذهبیة و الفضّیة،والتی لم یسمح بالتعامل بالمغشوش منها کذلک،کما فی روایة المفضّل ابن عمر الجعفی،حیث قال:

کنت عند أبی عبد الله علیه السلام فأُلقی بین یدیه دراهم،فألقی إلی درهماً منها،فقال:«أیش هذا؟»فقلت:ستوق.فقال:«وما الستوق؟».فقلت:طبقتین فضة،وطبقة من نحاس،وطبقة من فضة.فقال:«اکسرها،فإنّه لا یحلّ بیع هذا،ولا إنفاقه» (1)

ومن هنا أبطل أبو حنیفة(رض)من البیع ما وقع قبالها،فقال:

یستبدل الزائف ویبطل من الصفقة بقدر ما وجد من الستوق،ویصحّ فی الباقی (2)

وینطبق أمر حظرها کذلک علی فیما لو تمّ استعمالها فی الزمن الراهن فی بعض المعاملات؛إذ:

تحرُم ولا تصحّ المعاملة بالدراهم الخارجة عن السکّة المعمولة لأجل غشّ الناس،فلا یجوز جعلها عوضاً أو معوّضاً عنه. (3)

ج)ما یوجب الإیذاء:

ویمکن الاستدلال علی حظره بعموم أدلّة النهی عن الغیبة و التنابز بالألقاب و الهمز و اللمز،وقوله تعالی: وَ الَّذِینَ یُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَیْرِ مَا اکْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِیناً (4), فقد دلّت علی حرمة إیذاء المسلم.

أمّا غیر المسلم،فإنّهم حرّموا لعن الکافر المتحقّق موته علی الکفر إذا تضمّن ذلک اللعن إیذاء الذمّی أو المسلم. (5)

هذا مع کون الإیذاء النفسی مشمولاً لقاعدة نفی الضرر،علی اعتبار أنّه نقصٌ فی العِرْض،فیکون من أفراد ذلک النقص،والذی لا یقتصر علی الشخص ذاته،بل یشمل کلّ ما یرتبط به ویعود علیه کعِرْضه ودینه ونحوه،حسب ما مرّ من تعریف الظلم،والعبرة فی تحقّقه هو:

حصول الذلّ و النقص فیه عرفا (6)

فهو یصدق علی کلّ ما من شأنه إحداث العیب و النقیصة فیمن وقع علیه حسب العرف الجاری فی ذلک المجتمع.

ص:135


1- (1) .تهذیب الأحکام:105/7.
2- (2) .المحلّی:110/9.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:5/2-10.
4- (4) .الأحزاب:58.
5- (5) .انظر تفسیر الآلوسی:128/18.
6- (6) .البحر الرائق:572/2.

ولأجله علّلوا رجحان ترک استلام الحجر إذا کان مستوجباً للإیذاء؛لکون الکفّ عن الإیذاء واجباً.والاستلام سنّةً،والإتیان بالواجب مقدّمٌ علی الإتیان بالسنّة، (1)بناءً علی أنّه یدخل فی نطاق النقص البدنی حینها و إن کان طفیفاً.

ومع أنّه غالباً ما یتحقّق بالأقوال،إلّا أنّ تحقّقه هنا یرتبط بما یعمل صناعیاً وفنّیاً؛وذلک خصّیصاً لأجل توهین الآخرین وإذلالهم نفسیاً،فلو:

کانت الغایة منها نقد صاحب الصورة والاحتجاج علیه بما یعدّ سُخریة منه وتوهیناً لمقامه وهتکاً لحرمته فهو محرّم إذا کان صاحب الصورة محترماً فی کرامته شرعا. (2)

وبهذا ینتهی الکلام فی بحث التصنیع،وبه یتمّ الکلام فی المبحث الثانی من فصل ضوابط وحدود حرّیة الإنتاج.

ص:136


1- (1) .انظر کتاب المکاسب:258/1.
2- (2) .فقه الشریعة:160/2-179.

المبحث الثالث:حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی

اشارة

إنّ الإنتاج الزراعی یرتبط مرّةً بما أنتجته الطبیعة بشکل ذاتی،کالغابات و الریاض،وما یعیش فیها من حیوان وما یتوفّر فیها من میاه،ومرّةً بقیام الإنسان بتهیئة الأرض وإلقاء البذر،أو الغرس وتعهده بالسقایة و العنایة و الرعایة حتّی یؤتی ثماره.

و هو کما تلاحظ یکون-کما الإنتاج الصناعی-علی نحوین،أحدهما:عبارةً عن توفیر فرصة الانتفاع بالشیء،و هو ما أطلقنا علیه الإنتاج البسیط.

والآخر:عبارة عن إیجاد صفة جدیدة فی ذلک الشیء،و هو ما سمّیناه الإنتاج الترکیبی أو المرکّب؛وعلی أساس ذلک بحثنا الإنتاج الصناعی ضمن قسمین،الاستخراج:الذی یمثّل الإنتاج البسیط.والتصنیع الذی:و هو عبارة عن الإنتاج المرکّب.

وسنتّبع هنا ذات التقسیم،فنبحث حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی ضمن قسمین:الإنتاج البسیط:و هو الذی لا یختصّ بالثروة النباتیة،بل یشمل الثروة المائیة و الحیوانیة کما أسلفنا،ویتمحور الإنتاج فیه بعملیة جمع تلک الثروات الموجودة فعلاً فی الطبیعة،وتکون الحیازة الصفة الغالبة لتلک العملیة،حیث توفِّر فرصة الانتفاع بتلک الثروات،فنبحثه تحت عنوان:الحیازة.

والقسم الآخر،الإنتاج الترکیبی:و هو الذی یتمثّل بإیجاد صفة جدیدة فی الشیء.وسنقوم ببحثه ضمن عنوان الزراعة،والذی یتمحور حول إنتاج المحاصیل الزراعیة ابتداءً بإلقاء البذر وحتّی الإثمار،والتی تشارک فیها عوامل عدّةٌ کالأرض و الماء،والبذر و العمل،وعناصر مساعدةٌ أخری.

ص:137

وعلی هذا،فسوف نبتدئ ببحث الحدود التی تخضع لها الحرّیة فی الإنتاج البسیط المتمثّل بالحیازة،والذی یشمل المیاه و النبات و الحیوان،ثمّ نعرّج علی الخوض فی الحدود التی تخضع لها حرّیة النشاطات الزراعیة.

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی الحیازة

اشارة

و یختصّ بثروات الطبیعة التی لا تحتاج إلی عملیة إنتاجیة معقّدة،بل مجرّد حیازتها و التی تشمل المیاه و النباتات و الحیوانات،والتی سنبحثها بالشکل التالی:

أولّاً:المیاه
اشارة

تنقسم المیاه-کما هو معروفٌ-إلی:میاه جاریة،وتشمل:البحار و الأنهار،والسیول و العیون الجاریة،ونحوها من مصادر المیاه الأساسیة التی تجری بنفسها.ومیاه راکدة:کالبحیرات و المیاه الجوفیة،والعیون الراکدة التی لا یصدُق علیها الجریان.

وعلی الرغم من أنّ النوع الأوّل یخضع لسیطرة الدولة فی التشریع الإسلامی،فهو یعدّ من الأنفال،علی خلاف النوع الثانی الذی عُدّ من المباحات العامّة التی یشترک فی إمکان الاستفادة منها جمیع الناس علی السواء من دون الحاجة إلی استئذان أحد،إلّا أنّ الشارع الإسلامی أشرک النوع الأوّل مع الثانی فی عدم الحاجة إلی الاستئذان للانتفاع منها بشتّی الانتفاعات کالصید و التنقّل،والزراعة و الصناعة،وأنواع الحاجات الأخری.

فیکون الإنسان حرّاً فی ممارسة حقّ الاستفادة منها حسب حاجاته المتنوّعة،إلّا أنّه وضِعت قیودٌ علی ممارسة حرّیته تلک،وذلک لتنظیم عملیة الاستفادة تلک للحفاظ علی حقّ الجمیع فیها من جهة،ودعم عملیة تنمیة الإنتاج والارتقاء بها بکافّة أبعادها من جهة أخری.ویمکن إیراد هذه القیود علی النحو الآتی:

أ)عدم السماح بمنع الغیر من الاستفادة من المیاه الأصلیة العامّة فی غیر موضع الحاجة

ونقصد بالمیاه الأصلیة العامّة،المیاه التی لم یتمّ حیازتها من قِبل أحد بمثل شقّ القناة ونحوها،کالأنهار علی سبیل المثال،فالماء:

الذی ینحدر من الجبل إلی الوادی علی أصل الإباحة،فمن یسبق إلیه،فهو أحقّ

ص:138

بالانتفاع به بمنزلة النزول فی الموضع المباح کلّ من سبق إلی موضع،فهو أحقّ به،ولکن لیس له أن یتعنّت ویقصد الإضرار بالغیر فی منعه عمّا وراء موضع الحاجة (1)

فیقتصر حقّ المنع علی موضع الحاجة الذی سبق إلیه ذلک الشخص،ولا یتعدّاه إلی غیره من مواضع ذلک الماء.

أمّا إذا ازداد عداد المنتفعین بحیث لم یعدْ یکفِ الجمیع،فیبقی معیار السبق هو الحاکم فی مثل تلک الحالة،فلو:

لم تکفِ الجمیع کان الأوْلی و المقدّم هو من سبق غیره (2)

فیقدّم الأسبق فالأسبق،هذا مع انتظام الأمور،وعدم الجهل بمن هو السابق،ومن هو اللّاحق،فیکون بإمکان من أُحرزت أسبقیتهم منع غیرهم فی الفرض المذکور.

أمّا مع الجهل بالأسبق،فینتقل المعیار إلی تقدیم الأعلی فالأعلی أو الأقرب فالأقرب من أصل النهر أو فوّهة العین علی غیره:

فعند قلّة الماء بدئ[أ]أهل الأعلی أسبق إلی الماء،فلهم أن یحبسوه عن أهل الأسفل. (3)

لکنّ الانتفاع یقتصر علی المقدار الذی یؤمّن حاجتهم،ولا یتعدّی عن ذلک:

فیقبض الأعلی بمقدار ما یحتاج إلیه،ثمّ ما یلیه،وهکذا (4)

کی لا یخلّ بحقوق الآخرین فی الاستفادة من المیاه العامّة.

ب)عدم السماح بمنع الغیر من الاستفادة من المیاه الفرعیة من دون أخذها بقصد الانتفاع بها

فلو کانت هناک میاهٌ متفرّعةً من میاه عامّة،سواء کانت متفرّعةً بطبیعتها،أو من خلال تفریعها من قِبل الغیر،ولکن لم یکن ذلک بقصد التفریع للانتفاع بها،و إنّما تمّ بشکل عبثی،فلا یسمح فی مثلها منع الغیر من الاستفادة منها؛لأنّ المفترض هنا عدم وجود حیازة؛إذ إنّ الحیازة تتمّ:

بأخذه بالید،-أی:بالدلو ونحوه من الوسائط المباشرة-أو بجعله فی قناة (5)

بقصد تملّکه،أمّا إذا:

وضع الماء فی الدلو عبثاً أو لغرض غیر تملّکه،أو شقّ قناة لغیر الماء فجری فیها الماء من دون قصد،لم یملک. (6)

ص:139


1- (1) .السرخسی،المبسوط:164/23.
2- (2) .فقه الشریعة:127/2-141.
3- (3) .السرخسی،المبسوط:164/23.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:163/2-779.
5- (5) .فقه الشریعة:124/2-135.
6- (6) .المصدر نفسه:125-135.

فالأصل فی جواز المنع من المیاه؛هو المنع ممّا تمّ حیازته لتأمین الانتفاع به فی موارد الحاجة،کما مرّ فی الفقرة الأولی،فلا یسمح بالمنع ممّا لم یتوفّر فیه ذلک.

بل إنّهم ذهبوا إلی الترتیب بین الحاجات فیما لو کان بعضها أکثر إلحاحاً من غیرها،وذلک بناءً علی تحقّق الإضرار من عدمه فی عدم تأمین الحاجة.فلو أراد أحد العابرین الشرب من ماء نهر خاصّ أو بئر محاز من قِبل آخر،فلیس له منعه:

لأنّ الشفة ما لا یضرّ بصاحب النهر و البئر،فأمّا ما یضرّ به ویقطع حقّه،فله أن یمنع ذلک اعتباراً بسقی الأراضی و النخیل و الشجر و الزرع،فله أن یمنع من یرید سقی نخله وشجره وزرعه من نهره أو قناته أو بئره أو عینه،ولیس لأحد أن یفعل ذلک إلّا بإذنه. (1)

فکما لا یسمح بالإضرار بصاحب الماء فی ما یؤدّی إلی حرمانه من تأمین حاجته من الماء،فکذا الأمر فی عدم السماح له فیما یتّصل بتأمین حاجة الشرب الملحّة لآخر علی أدنی تقدیر،حتّی أنّ البعض حکم بجواز مقاتلة المانع،فلو:

منعه الماء،و هو یخاف علی نفسه ودابّته العطش کان له أن یقاتله بالسلاح. (2)

ج)عدم السماح بحرمان من سُمح له بالاستفادة الإنتاجیة من المیاه الفرعیة المملوکة

فإذا سمح صاحب القناة أو النهر لغیره الاستفادة من میاهه لإنشاء مشروع زراعی أو صناعی ولو مجّاناً بلا عوض:

فلیس لصاحب النهر تحویله إلّا بإذن صاحب الرحی المنصوبة علیه بإذنه،وکذا غیر الرحی من الأشجار المغروسة علی حافتیه وغیرها. (3)

إذ المفترض إنّه سمح له بالانتفاع منه بما یتلاءم وتأمین حاجته منه،فیکون حدّد حرّیته فی التصرّف فی نهره بمقدار ما سمح له به،فلا یمکنه،والحال هذه التصرّف فیه:

بالنحو الذی یعطّل تلک الأعمال أو یتلف الزرع (4)

إلّا إذا اشترط علیه،فیکون حسب ما اشترط لکونه المالک.

ص:140


1- (1) .السرخسی،المبسوط:170/23.
2- (2) .الدر المختار:764/6.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:164/2-782.
4- (4) .فقه الشریعة:126/2-140.
د)عدم السماح بالتصرّف فی حریم المیاه بما یلحق ضرراً بها
اشارة

فقد جُعل حریمٌ لکلّ ماء،وحُدّد ذلک بحسب نوع مصدره بئراً کانت أو عیناً أو قناةً أو نهراً،وحسب نوعیة الأرض الواقع فیها ذلک المصدر من الرخاوة و الصلابة حسب ما جاء مفصّلاً،و قد جُعل هذا الحریم علی نوعین:

الأوّل:حریم الانتفاع:

و هو الحریم الذی یتوقّف علیه إمکان الاستفادة من ذلک الماء،و هو المجال المحیط به بالمقدار الذی یتمّ من خلاله ممارسة عملیة استخدام الماء،کالمجال الذی یتمّ من خلاله الاستقاء منه و المرور إلیه و العبور منه وإصلاحه ممّا ذُکر مفصّلاً. (1)

الثانی:حریم البقاء:

و هو الذی یتمّ من خلاله ضمان تدفّق المیاه وعدم غورها،و قد حدّدوا حدوداً مختلفةً لکلّ من مصادر المیاه،إلّا أنّه من الممکن القول إنّ هذه الحدود تجتمع فی ضابط کلّی وذلک:

بمقدار لا یکون فی إحداث البئر الثانیة ضرر علی الأولی من جذب مائها تماماً أو بعضاً أو منعجریانه إلیها من عروقها،و هذا هو الضابط الکلّی فی جمیع أقسامها. (2)

وکذا الأمر فی العین و القناة؛إذ إنّه أمرٌ توفیقی،ولیس توقیفیاً فهذا:

التحدید غالبی حیث إنّ الغالب یندفع الضرر بهذا المقدار من البعد،ولیس تعبدّیا. (3)

فاختصّ المنع بما یکون فیه ضررٌ علیها،ومن هنا جوّزوا:

لکلّ راغب إحیاء الأراضی الموات الواقعة داخل المسافة التی تفصل بین بئر وأخری أو قناة وأخری (4)

حیث إنّ المنع متوقّفٌ علی ما یحدِثه الانتفاع بذلک من ضرر،و هذا الضرر یتّصل بالحفر لا بالانتفاعات الأخری کالاستفادة من الکلأ الموجود فیه مثلاً؛إذ إنّ التمکّن:

من الکلأ شرعاً لیس باعتبار المُلک،فقد کان متمکّناً منه قبل البیع وبعد فسخ البیع بخلاف ما لو حفر بئراً فی حریمها (5)

ص:141


1- (1) .ر.بدائع الصنائع:195/6؛الخوئی،منهاج الصالحین:150/2.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:904،257/2.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:721،151/2.
4- (4) .فقه الشریعة:129/2-146.
5- (5) .السرخسی،المبسوط:197/23.

فالحفر فی الحریم یستوجب وقوع الضرر علی البئر أو العین السابقة،فیکون البُعد الواجب مراعاته:

إنّما هو بالإضافة إلی إحداث قناة أو بئر أخری فقط (1)

لا غیر.

ثانیاً:النبات
اشارة

و هو یشمل الکلأ-أی:العشب ونحوه ممّا لیس له ساقٌ معتدٌّ به-و هو ما یطلب ویبتغی لأجل الاستفادة من أوراقه وأزهاره؛والآجام-أی:الشجر ونحوه ممّا له ساقٌ کالقصب-و هو الذی یراد لأجل الانتفاع بساقه وثمره.

ویختصّ البحث فیه هنا:بما ینبت بذاته من دون قیام أحد علیه،سواء کان فی أرض مملوکة أم غیرها،وتتمثّل الحدود التی تُراعی فی إنتاجه بما یلی:

أ)عدم السماح بممارسة إنتاجه من الأراضی المملوکة إلّا بعد استئذان المالک

فإذا ما نبت فی الأرض المملوکة شجرٌ برّی بنفسه أو حشائش بنفسها،فهو من المباحات العامّة،کما هو الحال فی ما نبت بذاته فی الأرض غیر المملوکة،فالناس یکونون:

شرکاء فی الرعی والاحتشاش منه کالشرکة فی ماء البحار وأخصّ منه،و هو ما نبت فی أرض مملوکة بلا إنبات صاحبها،و هو کذلک إلّا أنّ لربّ الأرض المنع من الدخول فی أرضه. (2)

فأعطی هذا النصّ لصاحب الأرض الحقّ فی المنع من دخول أرضه لجنیه،و هو ما یؤکّد تقدّم الحقّ فی الأرض علی الحقّ فی ما تحویه؛إذ إنّها الأصل و هو الفرع،والأصل مقدّمٌ علی الفرع،فلا طریق لتقدیم الفرع علی الأصل إلّا بالاستئذان،الذی یمکن من خلاله الانتفاع بما نبت فیها،فیکون من الأحوط وجوباً:

لغیر المالک ترک حیازتها إلّا بعد استئذان المالک واسترضائه. (3)

و هو ما یؤمّن الحقوق العامّة التی تُعطی الناس جمیعاً حقّ استثمار الطبیعة من دون المساس بالحقوق الخاصّة التی تُعطی الفرد الحقّ فی الاستئثار بنتائج جهوده،وعمله المتمثّلة بالأرض هنا.

ص:142


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:722/155/2.
2- (2) .حاشیة رد المحتار:763/6.
3- (3) .فقه الشریعة:137/2.
ب)عدم السماح بمنع الغیر من إنتاجه من دون السبق إلیه ووضع الید علیه

فبما أنّ النبات النابت بنفسه هو من المباحات العامّة التی لا تختصّ بشخص دون آخر،کما فی النبوی:

«ثلاث لا یمنعن:الماء و الکلأ و النار». (1)

فلکلّ إنسان الحقّ فی الانتفاع به:

من دون فرق بین المسلم وغیره (2)

ولیس لأحد الحقّ فی المنع منه:

فلا یکون لأحد أن یمنع أحداً من الانتفاع به (3)

إلّا ما سبق إلیه منه وحازه،فیقتصر حقّ السابق فیما حازه فعلاً دون غیره:

فمن سبق إلی شیء منه ووضع یده علیه،فقد ملکه...غیر أنّ ما یملک منها بذلک هو ما یجتزّ من الحشیش،وما یقطع من الشجر،وما یقطف من الثمار و الأوراق و الأزهار (4)

أمّا ما عدا ذلک ممّا لم یجتز ویقطع،فیبقی علی إباحته ولیس لأحد منعه من ذلک.

أمّا الآثار المترتّبة علی الحیازة،وهی الملکیة،فقد سبق وأن تطرّقنا إلیها فی مبحث الضوابط،وقلنا إنّها تختصّ بمن یمارس عملیة الحیازة بنفسه دون غیره،ولا یستثنی أمرها هنا،فإنّه:

یجوز لکلّ إنسان أن یتملّک منه ما نبت فی الأراضی المباحة بنفسه (5)

لا عن طریق غیره لأنّ:

الاحتطاب والاحتشاش وسائر الأسباب إنّما یوجب الملک باعتبار الید (6)

ومن هنا حکموا بعدم صحّة النیابة و الوکالة فی ذلک،فلو:

وکَّل إنساناً بأن یحتطب له لم یصحّ التوکیل،وکان الحطب للذی یحتطب دون الموکّل (7)

ص:143


1- (1) .سنن ابن ماجة:2473/826/2.
2- (2) .فقه الشریعة:136/2.
3- (3) .السرخسی،المبسوط:165/23.
4- (4) .فقه الشریعة:136/2-137.
5- (5) .المصدر نفسه:136.
6- (6) .السرخسی،المبسوط:146/9.
7- (7) .المصدر نفسه:216/11.

فالعمل المباشر هو المعیار فی ثبوت الملکیة لما أُنتج،فهو ما لا تتعلّق به الوکالة و النیابة ونحوها؛إذ إنّ التوکیل:

فی الصید أو الاحتطاب وغیرهما من سائر أقسام الحیازة غیر صحیح لعدم قبولها للوکالة (1)

وبهذا یتبین عدم اقتصار عدم جواز المنع من حیازة النبات عشباً وشجراً،علی المنع من حیازتها،بل أبطلوا کلّ أثر للمنع،فإذا منعت الظَّلمة:

الناس من الاحتطاب من المروج إلّا بدفع شیء إلیهم فالدفع و الأخذ حرام؛لأنّه رشوة (2)

فامتدّ إلی ما لم یحاز فعلیاً و إن سُبق إلیه،فلم یرتّبوا أثراً علی مجرّد السبق إلیه من دون أن تکون هناک حیازةٌ فعلیةٌ له.

ج)عدم السماح بمزاحمة الغیر فی ما سبق إلیه ووضع یده علیه

فهذه الحرّیة فی ممارسة الإنتاج علی النبات النابت بنفسه مقیدةٌ بعدم سبق الغیر إلیه وحیازته إیاه فعلیاً،فلا یسمح للّاحق مزاحمة السابق علیه:

فمن سبق إلی شیء منه ووضع یده علیه فقد ملکه ولم یجز لغیره مزاحمته فیه. (3)

فهو من باب الترتیب بین الحقوق واحترامها،فهناک حقٌّ ابتدائی شاملٌ لجمیع الناس فی ممارسة عملیة الحیازة ینتفی بسبق ممارسته من قِبل أحدهم،فتکون له الأحقّیة من خلال عملیة السبق إلیه قبل غیره:

فکلّ من سبقت یده إلیها،وتمّ إحرازه لها فهو أحقّ بها کمن أخذ صیداً أو حطباً أو حشیشا. (4)

د)عدم السماح بحیازة الأصول إلّا بإحیائها

وکما ذکرنا سابقاً،فإنّ ترتیب آثار الحیازة یقتصر علی ما حیز منه فعلاً بالاجتزاز والاقتطاع والاقتطاف؛أمّا ما لا یثبت حیازته بذلک،وهی:

نفس الأصول الثابتة،فإنّها لا تُملک بمجرّد الأخذ منها ما لم یضع یده علی الأرض نفسها ویتملّکها بالإحیاء (5)

ص:144


1- (1) .الخوئی،کتاب الإجارة الأوّل:355.
2- (2) .البحر الرائق:441/6.
3- (3) .فقه الشریعة:136/2.
4- (4) .السرخسی،المبسوط:167/23.
5- (5) .فقه الشریعة:137/2.

فیشترط فی ثبوت حیازتها ممارسة عملیة الإحیاء لها بما یساهم فی نموّها وصیانتها،وذلک عن طریق وضع الید علی الأرض نفسها المشروط بممارسة عملیة إحیائها،کما سیأتی فی فصل حدود حرّیة التوزیع.

فهی تبقی علی حالها من کونها مباحات عامّة،فیکون هذا الحدّ تطبیقاً لضابطة لزوم إنجاز عمل مباشر لترتیب آثار الإنتاج من جهة،وإغراءً بالسعی نحو تنمیة الإنتاج من خلال ممارسة عملیة إحیاء الأرض المستوجب للنمو والازدهار وحقّ الأولویة فی الأرض من جهة أخری.

ثالثاً:الحیوان
اشارة

و هو یشمل ما یحلّ أکله وما لا یحلّ حسب تعالیم الإسلام،وتتمّ عملیة توفیر فرصة الانتفاع به من خلال عملیة الحیازة التی تمثّل الإنتاج البسیط کما أسلفنا،وذلک بغضّ النظر عن کونه محلّل الأکل أو محظوره،لکون عملیة الانتفاع به لا تقتصر علی الأکل،و إنّما تتعدّاها إلی الکثیر من الفوائد التی من الممکن أن یوفّرها للإنسان،و هو علی أقسام:فمنه البرّی الذی یشمل الأهلی و الوحشی علی اختلاف أنواعهما؛والبحری الذی یتضمّن کلّ ما یعیش منه فی الماء.

والخاصّیة الأساسیة لحیازة هذا النوع من الموارد الطبیعیة هو أن تتمّ من خلال عملیة الصید؛وذلک لکونه ممّا یتحرّک ویمتنع من السیطرة علیه إلّا بواسطة اصطیاده،فتختلف بذلک وسائل حیازته عن غیره من مصادر الطبیعة؛إذ إنّها تتطلّب الحرکة والاستکمان ونصب الأفخاخ ونحوها من الوسائل،وما یرافق ذلک من احتمال التجاوز علی حقوق الغیر بسبب الإغراء بتعقّب الحیوان.وکذا احتمال اتّخاذ تلک العملیة طابعاً غیر إنتاجی عن طریق تحوّلها إلی وسیلة للهو و التسلّی لما تتّصف به من مغامرة وتحدّ.

وعلی هذا یمکننا تصویر الحدود التی تخضع لها الحرّیة فی مجال الإنتاج البسیط للحیوان باالشکل الآتی:

أ)عدم السماح بحیازته دون محاولة القضاء علی مقاومته وإعجازه

ولهذا الحدّ جانبان:الجانب الأوّل:هو إبداء أی درجة کانت من محاولة الاصطیاد مهما کانت طفیفة،فمع عدم المحاولة،لا یمکن ترتیب أی أثر حیازی:

ص:145

فلو وثب شیء فی سفینته المتوقّفة،أو وقع فی شبکته التی نشرها لإصلاحها،أو رمی بدون قصد الاصطیاد فأصاب صیداً،لم یملک صاحب السفینة،ولا الشبکة ولا الرمیة ما یقع فریسة لذلک من الحیوان (1)

فلا یمکن ترتیب أی أثر علی ذلک ما دام الإنسان لم تصدر منه أی محاولة لصید الحیوان،ومن هنا حکموا علی من:

ضرب فسطاطاً فتعلّق به صید فأخذه إنسان،فهو للآخذ؛[لأنّ]ضارب الفسطاط ما قصد الاصطیاد،فلا یکون آخذاً له و إن تعلّق بفسطاطه (2)

علی خلاف الآخذ،فإنّه حاول أخذه فأخذه.

أمّا الجانب الثانی،فیرتبط بأداء تلک المحاولة إلی القضاء علی مقاومة ذلک الحیوان وجعله عاجزاً عنها،و قد یتحقّق ذلک بالسیطرة علیه فی أوّل حرکة یسیرة ولو حُکماً لا حقیقةً کما لو:

سدّ موضع دخول الماء حتّی صار،بحیث لا یقدر علی الخروج فقد صار آخذاً له بمنزلة ما لو وقع فی شبکة (3)

و هذا النصّ یوحی بقیام عملیة التعجیز مقام الأخذ،أو قد یتحقّق ببذل جهد عسیر.

وعلی هذا،فإذا:

وقع حیوان فی شبکة منصوبة للاصطیاد،ولم تمسکه الشبکة لضعفها وقوّته فانفلت منها لم یملکه ناصبها (4)

وما ذلک إلّا لأجل أنّه لم یستطع القضاء علی مقاومته وتعجیزه و إن حاول أکثر من ذلک،بحیث إنّه:

دنا منه بحیث یقدر علی أخذه فانفلت لا یملکه الآخذ (5)

لأنّه لم یستطع إعجازه.

فالعملیة متقوّمةٌ بشیئین المحاولة و الإعجاز،ولکن هل یمکن ثبوت الحقّ فیه من خلال عملیة الإعجاز،فحسب،أم لا،بحیث یجب أن ینظمّ إلیها الإمساک به؟

هذا ما اختلفوا فیه؛إذ إنّ السواد الأعظم قالوا بلزوم الإمساک فی ثبوت الحقّ،فلا

ص:146


1- (1) .المصدر نفسه:62/90.
2- (2) .السرخسی،المبسوط:19/12.
3- (3) .المصدر نفسه:12/13.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:269/3-813.
5- (5) .تکملة حاشیة ردّ المحتار:19/1.

یثبت من دونه و إن تحقّق الإعجاز،فلو:

سعی خلف حیوان فوقف للإعیاء لم یملکه فإذا أخذه غیره قبل أن یأخذه هو ملکه. (1)

فالمعیار عندهم هو عملیة الأخذ من أی کان صدورها،و إن سبقتها عملیة تعجیز من الغیر بحیث

أتعبه وأعجزه عن المشی لم یملکه بمجرّد ذلک. (2)

وذهب بعضهم إلی أنّ الأحقّ به فی هذه الحالة هو الساعی الذی أرهقه،فإذا:

سعی خلف حیوان فأعیاه فوقف کان أحقّ به من غیره،و إن لم یملکه إلّا بالأخذ،فلو بادر الغیر إلی أخذه قبل ذلک لم یملکه. (3)

فیکون لعملیة التعجیز عندهم أثرٌ فی ترتیب آثار الحیازة،و إن لم یترتّب علیها وحدها الأثر إلّا بانضمام عملیة الأخذ إلیها.و هذا الرأی هو الأنسب؛وذلک لأمرین:الأوّل:هو أنّه ینسجم وضابط العمل المباشر،حیث إنّ المفترض هو أنّه بذل جهداً إلی درجة التعجیز،فهل من الممکن الغضّ عن ذلک بحیث یأتی آخر ویقطف ثمار جهده لا لشیء إلّا لسبقه فی الأخذ فقط. (4)الثانی،هو أنّ ذلک السواد قد رتّب الأثر علی أساس التعجیز،فحکم بثبوت ملکیة الصید لمن کان هو المعجّز له دون رفیقه،فیما لو رمیاه معاً فأصاباه، (5)فإنّ قالوا بإنّ الأمر هنا مختلفٌ لورود یدین علیه،نقول ما عدا ممّا بدا فأنتم حکمتم هناک بثبوته للآخذ دون المعجِّز مع أنّ الآخذ لم یبذل أی جهد فما بالک بالتعجیز،وهنا الاثنان تصدّیا لعملیة التعجیز،فلماذا لم تحکموا بأنّه یکون للآخذ منهما دون الآخر؟

فالحکم هناک باستحقاق المعجِّز له دون الآخذ أولی منه هنا بأنّه للمعجِّز.

الخلاصة:أنّ ممارسة الإنتاج للحیوان لا تتمّ إلّا من خلال محاولة القضاء علی مقاومته وإعجازه ویرتبط هذا بطبیعة الحال بالحیوان الطلق غیر المملوک؛أمّا المملوک،فیبقی ثبوت حقّ صاحبه فیه،فلا تثبت الحرّیة فی محاولة حیازته إلّا إذا فرّ منه بالطیران،لانتفاء التعجیز حینئذ.

ب)عدم السماح بالاصطیاد اللهوی

ومن ضمن الحدود التی تخضع لها حرّیة الإنسان فی ممارسة عملیة الإنتاج علی الحیوان هی

ص:147


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:1612/321/2.
2- (2) .فقه الشریعة:63/91/2.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:812/269/3.
4- (4) .للمزید،انظر:اقتصادنا:550.
5- (5) .فقه الشریعة:66،92/2،باقتضاب.

مسألة اللهو،فمع وجود الاختلاف فیها بین الفقهاء فی کونها محظورةً أو مکروهةً،لا تصل إلی درجة الحظر:إذ إنّه:

أمر ینبغی عدم صدوره من المسلم المؤمن،وعلیه أن یتجنّبه،و إن لم یکن مأثوماً بفعله (1)

فهو أمرٌ مکروهٌ فعله عندهم،مع أنّهم حکموا بلزوم إتمام الصلاة علی من خرج لصید اللهو،لکنّهم لم یدرجوه ضمن سفر المعصیة الواجب فیه الإتمام علی المسافر، (2)علی اعتبار أنّه من الباطل،ولیس من المعصیة:

إذ المراد به ما قابل الباطل،لا المعصیة کالسفر لصید اللهو،لا للقوت (3)

وذلک علی خلاف من قال بحرمته؛إذ إنّ البعض حکم بحرمته،فهو یدخل فی حوزة المعاصی،ولیس الباطل،فاستثنوه علی هذا الأساس من الصید المباح،فقالوا:

إلّا لمُحرِم فی غیر الحرام أو للتلهّی،کما هو الظاهر (4)

فالصید عندهم من حیث الأساس:

مباح إلّا للتلهّی (5)

إلّا أنّ الحکم بکراهته لا ینسجم و الأسس و الضوابط التی قدّمناها،حیث إنّه یتعارض و الدور الإعماری للإنسان المبنی علی أساس استثمار ثروات الطبیعة لا هدرها،فهو:

نوع من التبذیر و التضییع فلا یقاس بسائر أنواع اللهو (6)

وکذا یتعارض وضابط الحاجة،فإنّما:

یسوغ الاصطیاد ویحلّ من أجل أن یستفید منه الإنسان فائدة معتبرة (7)

فالمفروض فی الإنتاج تأمین حاجات الإنسان ممّا فیه فائدةٌ معتبرةٌ لا التسبّب فی جعله محتاجاً.

فمن الأنسب أن یلحق هذا الأمر بالحدود التی تخضع لها حرّیة حیازة الحیوان.

ج)عدم السماح بالتجاوز علی ممتلکات الغیر أثناء الاصطیاد

فحرمة التجاوز علی ممتلکات الغیر ممّا ثبت بأدلّة أخری مستفیضة،إلّا أنّه جیء به هنا لکثرة

ص:148


1- (1) .المصدر نفسه:81،101/2.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:293/1،باقتضاب.
3- (3) .جواهرالکلام:259/14.
4- (4) .الدر المختار:18/7.
5- (5) .تکملة حاشیة ردّ المحتار:18/1.
6- (6) .الخوئی،کتاب الصلاة:117/8.
7- (7) .فقه الشریعة:81،101/2.

الابتلاء به فی مجال الصید،فذکره بعضهم ضمن الأمور الواجب الاحتراز عنها فی ممارسة الإنسان لعملیة الصید:

فلا یطلق رصاصه علی شجرة محترمة تتضرّر أغصانها به،أو یدوس علی زرع فیتلفه،أو یتسوّر ویدخل أرضاً مسوّرة،فإنّ فی جمیع ذلک عدواناً محرّماً علی أملاک الغیر. (1)

فیکون ذلک من ضمن الحدود التی تخضع لها حرّیة ممارسة النشاط الإنتاجی،وعلی الخصوص فی الصید.

وإلی هنا ینتهی الکلام حول حدود الحرّیة فی الإنتاج الزراعی البسیط المتقوّم بالحیازة.

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی الزراعة

اشارة

تمثّل الزراعة الشریان الرئیسی للحیاة البشریة،الذی یضخّها بالوقود اللازم لتجدید نشاطها علی طریق أداء حقّ البدن من خلال تأمین حاجاته الغذائیة من جهة،ومن ثمّ القیام بالوظائف الملقاة علی عاتقه،شخصیةً کانت أو اجتماعیةً أو عبادیةً من جهة أخری؛ولهذا نری الإسلام أولاها أهمّیةً خاصّةً علی اعتبار أنّها تمثّل الثقل الأساسی من عملیة الإعمار التی وُکِّل الإنسان علی تعهّدها وحسن القیام علیها.

فلم یقتصر-کما هو دیدنه-علی التأکید علی أنّها أفضل الأعمال و المِهَن،و إنّما قام بتقنین القوانین التی تحفظ حقوق المزارعین من جانب،وتقوم بتنمیة الإنتاج الزراعی من جانب آخر،فلاحظنا-فی المطلب الأوّل المتمثّل بعملیة الحیازة-کیف أنّه سمح باستغلال مواردها الطبیعیة،وسنّ التشریعات التی تساهم فی الاستغلال الأمثل لها من إقراره تکافؤ الفرص فی استثمارها إلی وضعه آلیات تقنینیة تمنع من هدرها وقیام النزاعات حولها.

فجاء هنا لیؤدّی ذات المهمّة،فلم یطلق ید الإنسان فی ممارستها بالکیفیة التی یشاءها و التی تؤدّی کما أثبتت الوقائع التاریخیة إلی جعله بمثابة حاکم مستبد یتحکّم بمصائر الناس ویستعبدهم؛وذلک عن طریق سیطرته علی الأراضی الزراعیة دون حدّ وحدود،و إنّما قام بوضع قیود علی تحرّکاته فی هذا النطاق،وذلک علی ضوء الأسس و القواعد و الضوابط

ص:149


1- (1) .المصدر نفسه:82/101.

السالف ذکرها بما یساهم مساهمةً فعّالةً فی الوصول بالعملیة الانتاجیة إلی غایتها المرجوّة من تأمین الغذاء الکافی للمجتمع عامّةً وحفظ حقوق الأفراد خاصّة.

و قد سبق لنا،وأن أتینا علی ذکر الحدود اللازم مراعاتها فی حرّیة ممارسة الإنتاج علی الثروات الزراعیة الموجودة فی الطبیعیة،وها نحن بصدد ذکر الحدود المأخوذة علی حرّیة الإنتاج الزراعی فی قسمه الثانی المتمثّل بالزراعة،والذی هو علی خلاف القسم الأوّل حیث إنّه یتمثّل بإیجاد صفة جدیدة فی الشیء،ولیس مجرّد توفیر فرصة الانتفاع،وذلک من خلال الاستفادة من الموارد الطبیعیة کالأراضی و المیاه،إضافةً إلی الجهد البدنی و الآلی المبذول للقیام بعملیة الزرع و الغرس ذاتها،وما یرافقها من عملیات إعداد وتهیئة ورعایة حتّی یؤتی ثماره.

ولو ألقینا نظرةً عامّةً علی العملیة الزراعیة من جهة القیام بتنفیذها،للاحظنا أنّها تنحصر بنحوین:أحدهما فردی،والآخر جماعی،فمرّةً یقوم الإنسان بممارستها بکافّة مراحلها بنفسه،ومرّةً یستفید من جهود الآخرین منذ انطلاقتها-أی:منذ بدء عملیة استحداث الزرع-أو من حیث تستوجب حاجته إلی ذلک.

ففی خصوص النحو الجماعی،فقد عقد له الفقهاء بابین خاصّین،الأوّل:المزارعة أو المخابرة کما سُمّیت،والثانی:المساقاة أو المعاملة،بتعبیر آخر.

مع أنّهما قریبتان جدّاً ممّا یطلق علیه فقهیاً بالإجارة،إلّا أنّهما تختصّان ببعض المسائل التی تمیزهما عنها،وخصوصاً،من حیث استحقاق العامل فیهما جزءً من الحاصل بالأصالة لقیامه بتولید شیء جدید بنفسه،خلافاً للإجارة التی یکون فیها مستحقّاً للأجرة،لا غیر مقابل ما یؤدّیه من خدمة معینة علی مادّة موجودة فعلیاً،فالأمر یرتبط مباشرةً بالمعیار الأساسی الذی تبنّاه الإسلام فی توزیع الثروة المنتجة علی عناصر الإنتاج.

ویشترک کلا النحوین فی حدود عامّة تقید حرّیة المنتِج فیهما ببعض الأمور التی تصبّ فی حفظ النظام وترشید الإنتاج وتوجیهه نحو الغایة التی أرادها الإسلام،وحدود خاصّة ترتبط أکثر ما ترتبط بالنحو الجماعی منهما،فتقیده ببعض الشروط التی تساهم فی حفظ حقوق الأطراف المشترکة فیه من جهة،وتوفّر الجهود دون إتلافها فیما لا جدوی فیه من جهة أخری.

وسنقوم بالتعرّض للحدود العامّة أوّلاً،ثمّ ننتقل إلی الحدود الخاصّة ثانیاً:

ص:150

أوّلاً:الحدود العامّة لحرّیة الإنتاج الزراعی
اشارة

فإنّ ممارسة الإنسان لحرّیته فی هذا المجال تخضع لعدّة أمور عامّة من حیث إنّها تشمل الإنتاجین الفردی و الجماعی،والتی هی کالآتی:

أ)عدم السماح بالزراعة فی الأراضی التی یتطلّب إحیاؤها الاستئذان إلّا بعده

والأراضی التی تتطلّب الاستئذان للتصرّف فیها فیما لو کانت متروکةً،تتمثّل فی:

الأوّل:الأرض العامرة المفتوحة بالقوّة:وذلک لکونها ملکاً لجمیع المسلمین،وهی الأرض العامرة بوجود المیاه فیها أو الأشجار کالغابات؛أمّا ما کانت مخضرّةً بطبیعتها من دون وجود میاه أو أشجار،فإنّها تُعدّ من الموات،فما:

یکون حقّاً لعامّة المسلمین،فالتدبیر فیه إلی الإمام،فإذا أحدثه بغیر إذن الإمام کان متعدّیا. (1)

وباعتبار أنّ هذه الأرض أصبحت ملکاً لجمیع المسلمین:

فلا یختصّ واحد منهم بتملّک رقبة الأرض،بل غایة ما یثبت له جواز الانتفاع بها فی الزراعة (2)

التی تتوقّف بدورها بما أنّها عملیة إحیاء علی:

استئذان الحاکم الشرعی المبسوط الید فعلا (3)

فإذا أراد الفرد القیام باستحداث الزرع فی هذه الأراضی لابدّ له من الحصول علی إذن الحاکم الشرعی.

الثانی:الأرض الموقوفة علی جهة معینة أو أشخاص معلومین بأعیانهم:فمن غیر المسموح القیام بزراعة الأرض المتروکة التی تتّصف بهذه الصفة؛إذ إنّ نفعها موقوفٌ علی هذه الجهة أو هؤلاء الأشخاص المفترض معلومیتهم،فلا یحقّ للفرد التصرّف فی مثل هذه الأرض:

بإحیاء أو نحوه...إلّا بمراجعة المتولّی،ولو کان هو الحاکم الشرعی أو الموقوف علیهم المعینین إذا کان الوقف علیهم،ولم یکن له متولّ خاص. (4)

ص:151


1- (1) .السرخسی،المبسوط:27-25.
2- (2) .فقه الشریعة:66/2-38.
3- (3) .المصدر نفسه:67-40.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:256/2-891.

الثالث:الأرض المعلوم إجمالاً وقفها علی جهة معینة أو ذرّیة الواقف المعلومین بأعیانهم:و هذه الأرض تُعدّ أیضاً من الأراضی التی تستلزم الاستئذان للتصرّف فیها،حیث یفترض فیها أنّها مختصّةٌ بجهة معینة أو شخص معلوم،فیجب حینها لمن أراد التصرّف فیها:

أن یستأذن فی تصرّفه فیه منهم ومن المتولّی لتلک الجهة إن کان،وإلّا فمن الحاکم الشرعی (1)

هذا إذا لم یکن هناک طریقٌ شرعی لإحراز تعلّق الوقف بأحدهم،فإذا تعین ذلک الطریق اختصّ الاستئذان بالمتعین منهما.

ویختصّ الاستئذان بالقسمین السابقین من أرض الوقف دون غیرهما منها فیما لو کان الموقوف علیه مجهولاً؛بناءً علی القول بأنّ الملکیة غیر النقلیة-أی:المتحقّقة بغیر الشراء أو الإرث؛لا تُخرج الأرض عن حکم الموات إن کانت مواتاً بالفعل؛أمّا علی القول بأنّ ما سبق علیه المُلک منها یخرجها عن کونها مواتاً حقیقةً و إن کانت مواتاً حکماً،فإنّه یعرف:

بالطریق الأولی أنّ أرض الوقف الموات،لا یجوز إحیاؤها (2)

فضلاً عن غیر الموقوفة.

الرابع:الأرض الموات بالعارض إن کان لها مالکٌ معلوم:فإنّ الأرض الموات تنقسم إلی قسمین:ما کانت مواتاً بالأصل،وهی ما یسمح بإحیائها لکلّ الناس علی اعتبار أنّهم یشترکون فی کونهم یمثّلون الخلیفة العامّ،وذلک من غیر فرق بین المسلم وغیره، (3)وذلک للنبوی:

«من أحیا أرضاً میتةً فهی له» (4)

فثبوت الحقّ فیها بالإحیاء دلیلٌ علی السماح به،بل علی الحثّ علیه؛إذ إنّ:

بعد وجود الإذن من صاحب الشرع،لا حاجة إلی إذن أحد من الأئمة (5)

فلا یقدح إضافتها إلی الرسول صلی الله علیه و آله فی قوله تعالی: وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ خَیْلٍ وَ لا رِکابٍ (6)فی السماح بإحیائها بالزراعة،ونحوها علی فرض کون الموجف علیه مواتاً بعد تقدّم الإذن-هذا من حیث الأصل وسیأتی فی بحث التوزیع

ص:152


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:708،148/2.
2- (2) .حاشیة رد المحتار:754/6.
3- (3) .ر.الخوئی،منهاج الصالحین:706،147/2.
4- (4) .السنن الکبری:5762،405/3.
5- (5) .السرخسی،المبسوط:16/3.
6- (6) .الحشر:6.

صلاحیة الإمام فی المنع-فیکون الإذن مختصّاً بالعامرة،ممّا کان مفتوحاً بالقوّة،والذی سبق الحدیث عنه فی الفقرة الأولی.

فمع أنّ هذا القسم-الموات بالأصل-یعدّ من الأنفال،کما سلف إلّا أنّه:

لا یتنافی مع کونه مباحاً لکلّ إنسان تحقّق منه القیام بما یعرف بالإحیاء،أی ببذل الجهد فیه من أجل إعماره بالسکن أو الزراعة (1)

و إن شرط البعض إذن الإمام فی إحیائه،فهو من باب أنّ عدم الإذن یؤدّی:

إلی امتداد المنازعة و الخصوصة بینهم فیها،فکلّ واحد منهم یرغب فی إحیاء ناحیة وجعل التدبیر فی مثله إلی الأئمّة یرجع إلی المصلحة لما فیه من إطفاء ثائرة الفتنة. (2)

والقسم الآخر:ما کان مواتاً بالعارض،وهی علی عدّة أقسام،فإنّها؛إمّا أن تکون لأمم مندثرة،أو کان لها صاحبٌ،ولکنّه کان معرِضاً عنها،أو کان لها صاحبٌ،لکنّه لم ینتفع بها فعلیاً بأی نوع من أنواع الانتفاع،ولم یکن مالکاً لها بشراء أو إرث؛فلا تحتاج جمیع هذه الأقسام للاستئذان؛إذ إنّ حکمها یکون کحکم الموات بالأصل.

والقسم الذی یهمّنا منها و الذی یستلزم الاستئذان،هو ما کان له مالکٌ معلومٌ إن کانت ملکیته له قد تمّت عن طریق الشراء أو الإرث:

فالأحوط عدم جواز إحیائه لغیره و التصرّف فیه بدون إذنه (3)

فعلی من أراد زراعة مثل هذه الأرض فعلیه استئذان صاحبها،هذا إن کان تارکاً لها بشکل لا یمارس فیها أی نوع من أنواع الانتفاع مهما کان ضئیلاً؛أمّا إذا کان یمارس ذلک،فتنتفی إمکانیة زراعتها بالکلّیة بناءً علی أنّها مملوکةٌ بالفعل و أنّ صاحبها یمارس فیها عملاً إحیائیاً.

واختصاص الاستئذان بهذا القسم من الموات بالعارض یکون بناءً علی القول بأنّ الملکیة لا تُخرج الأرض عن حکم الموات إن کانت مواتاً بالفعل؛أمّا علی القول بأنّ ما سبق علیه المُلک منها یخرجها عن کونها مواتاً حقیقةً،و إن کانت مواتاً حکماً،فیلزم فیها الاستئذان:

فلو لم یعرف مالکها فهی لقطة یتصرّف فیها الإمام،ولو ظهر مالکها تُردّ إلیه،ویضمن نقصانها إن نقصت بالزرع. (4)

ص:153


1- (1) .فقه الشریعة:58/2-28.
2- (2) .السرخسی،المبسوط:17/3.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:708/148/2.
4- (4) .الدر المختار:754/6.
ب)عدم السماح بزراعة الفائض عن الحاجة

لقد جاء فی ضوابط الإنتاج ضرورة استثماره فی ما یسدّ حاجةً مشروعةً،وعلی هذا فمن الطبیعی أن لا ینظر إلی الحاجة هنا من ناحیة کونها محظورةً أو مباحةً فحسب،و إنّما إلی ناحیة تأمین الحاجة ذاتها علاوةً علی کونها مشروعة.

و هذا الأمر یرتبط أکثر ما یرتبط بمسؤولیة الدولة فی القیام بتنظیم عملیات الإنتاج،فإنّ الإسلام یحتّم:

علی الإنتاج الاجتماعی أن یوفّر إشباع الحاجات الضروریة لجمیع أفراد المجتمع،بإنتاج کمّیة من السلع القادرة علی إشباع تلک الحاجات الحیاتیة،بدرجة من الکفایة التی تسمح لکلّ فرد بتناول حاجته الضروریة منها. (1)

فإنّ تأمین المحاصیل الضروریة مقدّمٌ علی إنتاج محاصیل غیر ضروریة،هذا إضافة إلی أنّ القیام بإنتاج محاصیل فائضة علی الحاجة یعدّ لوناً من ألوان الإسراف،فالإسراف لا یختصّ بباب الاستهلاک،و إنّما یشمل الإنتاج کذلک،فکما یحرُم علی الفرد أن یقوم باستعمال مقتنیاته فی أمور غیر نافعة؛لأنّه إسراف،کذلک یحرُم إنتاج کمّیة من المواد تفوق القدرة الاستهلاکیة للفرد و المجتمع؛لأنّه لونٌ من الإسراف وتبدید للثروات بلا مبرّر. (2)

ویتعلّق هذا الأمر أکثر ما یتعلّق بالإنتاج الزراعی لکونه أکثر عرضةً للتلف و الفساد من غیره،و أنّ تنظیم مثل هذا الأمر و الإشراف علیه یتطلّب تدخّل الدولة لکونه من الأمور الخارجة عن قدرة الأفراد،فمع أنّ النزعة الطبیعیة تتّجه لمجاراة قانون العرض و الطلب؛إلّا أنّ هناک أموراً تلعب دوراً هامّاً فی التلاعب بهذه المسألة بما یسوقها نحو تأمین منافع خاصّة لجهات خاصّة؛وذلک علی حساب المصلحة العامّة،فإنّ

سیر مشاریع الإنتاج الخاصّة،وفقاً لإرادة أصحابها،دون توجیه مرکزی من قبل السلطة الشرعیة یؤدّی فی عصور الإنتاج المعقّد و الضخم إلی تسیب الإنتاج الاجتماعی،وتعرّضه للإسراف و الإفراط من جانب،وللتفریط بالحدّ الأدنی من جانب آخر،فلا بدّ لضمان سیر الإنتاج الاجتماعی بین الحدّین من الإشراف و التوجیه. (3)

ص:154


1- (1) .اقتصادنا:692.
2- (2) .المصدر نفسه،بتصرّف یسیر.
3- (3) .المصدر نفسه:692-693.

فیکون الإشراف علی عملیات الإنتاج وتوجیهها الوجهة التی تؤمّن مصالح المجتمع من ضمن المهام المنوطة بالخلیفة الخاصّ،الذی یتمثّل هنا بالدولة باعتبارها الجهة التی تمتلک الوسائل التی یمکنها من خلالها إعداد البرامج الإنتاجیة وإجراءها:

لکی تضمن الدولة الحدّ الأدنی من إنتاج السلع الضروریة،والحدّ الأعلی الذی لا یجوز التجاوز عنه (1)

ج)عدم السماح بزراعة ما یتنافی وما حظره الإسلام

و هذا الأمر لایرتبط بتحریم ذلک مباشرةً بل من خلال تحریم الغایة التی تتمّ من أجلها زراعة تلک المحاصیل،و قد مرّ علینا فی المبحث السابق کیف أنّ الإسلام حظر صناعة الخمر و المخدّرات،و قد أوردنا بهذا الخصوص حدیث النبی صلی الله علیه و آله حول الخمر،ولعنه غارسها وحارسها،وبایعها ومشتریها،وشاربها و الآکل ثمنها،وعاصرها وحاملها،والمحمولة إلیه وساقیها، (2)فمع أنّه لم یصرّح بالحرمة،إلّا أنّ اللعن هنا یقتضی الحرمة،لا الکراهة بدلیل وروده علی الغرس و الشرب الذی ثبتت حرمته،فی سیاق واحد.

و قد أوضحنا حینها،بأنّ المخدّرات تُلحق بالخمر علی هذا الصعید،وذلک من خلال العلّة المنصوصة لحرمة الخمر ألَا،وهی عملیة الإسکار،فتشترک معها فی تلک العلّة،فکما أنّ الخمر لا یسمح بتناوله وزراعة ما یراد لأجله-کما هو نصّ الحدیث-فالمسألة تنطبق علی المخدّرات کذلک،فکما:

یحرُم تناولها تحرُم زراعتها والاتّجار بها (3)

وکما أشرنا فی بدایة الکلام إلی أنّ هذا الحظر یرتبط بالغایة المقصودة من زراعة وغرس مثل تلک المحاصیل؛أمّا إذا:

کانت للانتفاع المحلّل المعتنی به منها،کالاستفادة منها فی صنع الأدویة،وفی علاج المرضی،ونحو ذلک،فلا بأس فیها (4)

إذ إنّ الغایة منها ستنقلب إلی غایة نافعة تساهم فی الحفاظ علی الصحّة العامّة للمجتمع علی عکس الغایة الأولی التی تعمل علی هدمها،فهی تصبّ بالتالی فی خدمة

ص:155


1- (1) .المصدر نفسه:692.
2- (2) .انظر هذا الکتاب:103.
3- (3) .فقه الشریعة:387/3-537.
4- (4) .أجوبة الاستفتاءات:110/2.

الإنسان للقیام بدوره الخلافتی فی إعمار الأرض.

وتلعب الخلافة الخاصّة المتمثّلة بالدولة دوراً محوریاً فی الحؤول دون ذلک.فمع أنّ الإسلام تبنّی طریقین للحدّ من التخلّفات الشرعیة و الحقوقیة،وهما الطریق الذاتی و القانونی-کما بینا سابقاً-إلّا أنّه أعطی للدور القانونی المتمثّل بالدولة دوراً أهمّ فی القضایا العامّة التی لا تتقوقع علی الجانب الشخصی،فقضیة کالمخدّرات التی باتت تهدّد الأنظمة الاجتماعیة و السیاسیة حتّی لا یمکن للارتداع الذاتی و الخطوات المؤسّساتیة أن تقف بوجهها.فلا بدّ للدولة من دخول هذا المضمار و المعترک للقضاء علی مثل هذه الظواهر،وذلک من خلال التخطیط المبرمج واستخدام کافّة الأسالیب الإعلامیة و الثقافیة و العسکریة.

ثانیاً:الحدود الخاصّة لحرّیة الإنتاج الزراعی
اشارة

وقلنا إنّ هذه الحدود ترتبط بالإنتاج الجماعی المتمثّل باشتراک طرفین أو أکثر أحدهما مالک الأرض و الآخر الزارع فیه،أو صاحب الزرع و الشجر وشخصٌ یرعاه ویصلحه،وذلک حسب اتّفاق مسبق فیما بینهما،فبما أنّها عملیة تعاقد تتمّ بین طرفین،أو أکثر-حسب رأی البعض-فهی تخضع لشروط یلزم توفّرها فی کلّ من المتعاقدین من جهة،إضافة إلی الشروط التی تُشکّل المقوّمات الرئیسة لتلک العملیة من جهة أخری.

أمّا الشروط الأولی،فلا ترتبط بعملیة الإنتاج مباشرةً؛إذ إنّها أمورٌ عامّةٌ ترتبط بشخص المتعاقدین وتخضع لها کلّ عملیة تعاقد فی أی مجال کانت،ولا تختصّ بهذا المجال؛وذلک کی تترتّب آثارٌ صحیحةٌ علی الخدمة التی یقدّمها أحدهما للآخر،و هو ما سنبحثه فی قطاع الخدمات.

أمّا الشروط الثانیة،فتنقسم بدورها إلی شروط توافقیة من قبیل:نفقات ومعدّات المشروع وتقسیم العمل ونحوها.

فتتحدّد هذه حسب ما یتّفقان علیه-حسب رأی البعض-حیث یعدّ التوافق من الضوابط التی تتوقّف علیها کلّ عملیة تبادلیة أو خدمیة،والتی بسطنا الکلام حوله فی بحث الضوابط.

وإلی شروط موضوعیة؛لا بدّ من توفّرها فیما لو أرادا لهذا الاتّفاق أن یکون منتجاً،وأن یکتسب صفةً حقوقیةً صحیحة.فالقسم الذی یهمّنا فی الحقیقة هو الأخیر،مع أنّ القسم الأوّل یکون مقیداً للمتعاقدین أیضاً،وذلک من خلال إیقاعهما تصرّفاتهما حسب ما تمّ الاتّفاق علیه فیما بینهما.

ص:156

وعلی هذا،فسنأتی علی ذکر تلک الشروط الموضوعیة بحسب نوعیة الإنتاج الذی قلنا إنّه یتفرّع إلی فرعین:أحدهما:ما یعرف بالمزارعة-أی:الاشتراک فی عملیة استحداث الزرع-والتی سنُطلق علیها الإنتاج الابتدائی أو الاستحداثی.

والآخر:ما یعرف بالمساقاة-أی:رعایة وإصلاح ما نبت من الزرع و الشجر-والتی سنُطلق علیها الإنتاج التکمیلی أو الرعائی،فلم یترک الأمر لأطراف الإنتاج لکی یمارسوا مثل هکذا إنتاج کیفما اتّفق،بل أُخذت فیه شروطٌ تُعدّ بمثابة قیود تؤمّن حقوق المشترکین فیها،حیث إنّها تحول دون المناورة فی التصرّف بما یتسبّب فی هضم الحقوق وإیجاد النزاعات.وذلک من خلال تأسیسه علی أساس موضوعی متین کما ألمحنا إلیه فیما سبق،وعلی هذا فسنبحث المسألة تحت عنوانین:

أ)الإنتاج الاستحداثی
اشارة

و هو عملیة استحداث الزرع،والذی یطلق علیه فقهیاً المزارعة،وعرّفوها فقهیاً بأنّها:

عملیة التعاقد أو الاتّفاق بین مالک الأرض أو متولّیها و الزارع أو العامل علی زراعة الأرض بحصّة من حاصلها (1)أو:

عقد علی الزرع ببعض الخارج. (2)

والمقوّم الأساسی لهذا النوع من الإنتاج هو اشتراک طرفین فیه،یکونان مسلّطین علی الأرض انفراداً أو اشتراکاً تسلّطاً صحیحاً یسمح لهما بالتصرّف فیها بمثل المزارعة،ملکیاً کان التسلّط أو غیر ملکی؛أمّا العمل و المؤن من البذر و المعدّات ونحوها من النفقات،فهی تخضع لحسب ما یتّفقان علیه،مع أنّ الفقهاء اختلفوا فی بعض صور تقسیم ذلک،فأبطلها البعض فی تلک الصور،وسیأتی الکلام حولها فی فصل التوزیع.

والمسألة الأخری التی اختُلف حولها،هی:إمکان أن یشترک عدّة أشخاص فیها،أم أنّه یلزم أن تقتصر علی شخصین فقط،فجوّز البعض اشتراک عدّة أطراف فیها بالأصالة أو التبعیة،ولم یجوّز البعض الآخر ذلک فقصرها علی شخصین.

والظاهر أنّ المسألتین الخلافیتین الآنفتین ترتبطان بالتوزیع أکثر من ارتباطهما بالإنتاج،

ص:157


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:102/2،باقتضاب.
2- (2) .الدر المختار:582/6.

و هو ما سیأتی بعض الکلام عنه فی فصل:التوزیع،إن شاء الله.

وعلی أی حال،فإنّ هذا النوع من الإنتاج الاستحداثی یشتمل علی عدّة شروط موضوعیة،یمکن حصر أرکانها بالمقوّمات الأساسیة لعملیة الزراعة و التی تتمثّل فی الأرض،النبات،الزمن،إضافةً إلی القسمة بما أنّه عملیةٌ تتمّ بین طرفین،ولهذا فسنقوم ببیانها حسب تلک المقوّمات:

الأوّل:الأرض

و یمکن إیراد الحدود التی تخضع لها بالنحو التالی:

1.عدم السماح بوقوعه فی الأرض غیر القابلة للزراعة ابتداءً واستمراراً:و هذا شرطٌ موضوعی،فمع عدم صلاحیة الأرض ابتداءً للزراعة:

کما إذا کانت الأرض سبخة لا یمکن الانتفاع بها (1)

أو من جهة عدم:

توفّر الماء فیها أو إمکان إیصاله إلیها (2)

ونحوها من الأسباب،فإنّ قضیة العقد مع وجود مثل هذه الأمور یکون:سالباً بانتفاء موضوعه.

نعم،إن کان ذلک من جهة عوارض مؤقّتة یرجی زوالها أو هی علی طریق الزوال تصحّ حینها؛وذلک لتوفّر إمکانیة زراعتها عندئذ،فتکون قابلةً للزراعة مع توفّر مثل تلک الصلاحیة خلال فترة العقد،فإذا:

کانت صالحة للزراعة فی المدّة لکن لا تمکن زراعتها وقت العقد لعارض من انقطاع الماء وزمان الشتاء،ونحوه من العوارض التی هی علی شرف الزوال فی المدّة تجوز مزارعتها (3)

أمّا مع عدم رجاء زوال مثل ذلک خلال تلک المدّة:

مثل وجود عدو أو سبع ضار أو فئران تضرّ بالزرع أو ما یشبه ذلک من الموانع (4)

فلا یصحّح وجود مثل تلک الأمور العقد.

و هذا ابتداءً؛أمّا استمراراً،فالحال کما هو فی الابتداء؛لأنّ الغایة تتمثّل فی وصول الزرع

ص:158


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:103/2.
2- (2) .فقه الشریعة:224/2-288.
3- (3) .بدائع الصنائع:178/6.
4- (4) .فقه الشریعة:224/2-288.

إلی مرحلة الصلاح،فلو طرأت معوّقات قبل بلوغه وإدراکه من شأنها المنع من الاستمرار فی الزراعة کانقطاع الماء عنه،ولم یمکن تحصیله أو استولی علیه الماء،ولم یمکن قطعه أو وُجد مانع لم یمکن رفعه، (1)فإنّ ذلک یکشف عن بطلان العقد من الأساس.

2.عدم السماح بوقوعه دون تعیین الأرض:من ناحیة المکان و المقدار؛إذ إنّ الأراضی تختلف باختلاف مواقعها وتربتها،و هذا ما یؤثّر علی عملیة الإنتاج من ناحیة إمکان ومدی قبولها للزرع،إلّا إذا تساوت:

تلک القطع من الأرض فی الصلاحیة الزراعیة ومستلزماتها،فلا یضرّ عدم التعیین بصحّة العقد. (2)

ویؤثّر کذلک علی حقوق المالک،فیما لوکانت له أراض متعدّدةٌ أو أرضٌ واسعة،إلّا إذا:

عین کلّیاً موصوفاً علی وجه لا یکون فیه غرر کمقدار جریب من هذه القطعة من الأرض التی لا اختلاف بین أجزائها (3)

فإنّها تصحّ حینئذ.

فأنّ التعیین سیقطع الطریق علی کثیر من المشاکل التی غالباً ما تنشأ من الجهل بما یتمّ التعامل علیه؛فلذا لو أنّ الأرض:

کانت مجهولةً لا تصحّ المزارعة لأنّها تؤدّی إلی المنازعة (4)

و هو ما یؤدّی إلی تقویض العملیة الإنتاجیة،و هذا ما یخالف الغایة التی أُریدت لمثل هذه العملیة.

3.عدم السماح بوقوعه دون التخلیة بین الأرض و الزارع:و هذا الشرط یشتمل علی جانبین:الجانب الأوّل:أن تُسلَّم الأرض إلی العامل،و هو أمرٌ موضوعی لا یعقل أن تتمّ العملیة الإنتاجیة من دونه،فیلزم:

أن تکون الأرض مسلّمة إلی العامل مخلاة،و هو أن یوجد من صاحب الأرض التخلیة بین الأرض وبین العامل. (5)

ویتمثّل الجانب الثانی:بتفسیر التخلیة بقیام العامل وحده بعملیة زراعتها وعدم صحّة اشتراک المالک فیها،بحیث:

ص:159


1- (1) .انظر الخوئی،منهاج الصالحین:105/2-497/106.
2- (2) .فقه الشریعة:224/2.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:103/2.
4- (4) .بدائع الصنائع:178/6.
5- (5) .المصدر نفسه.

لو شرط العمل علی ربّ الأرض لا تصحّ المزارعة لانعدام التخلیة،فکذا إذا اشترط فیه عملهما فیمنع التخلیة جمیعا (1)

و یعود هذا فی الحقیقة إلی أنّه؛هل یصحّ إخضاع العمل فی المزارعة إلی مبدأ التوافق أم لا؟فمن قال بالصحّة لم یتعرّض له هنا.

الثانی:النبات

أمّا ما یتعلّق بما یزرع،فإنّه یخضع للحدود الآتیة:

1.عدم السماح بوقوعه علی غیر المستحدَث وغیر الصالح للنمو:إذ المفترض فیه إنّه عقدٌ علی عملیة الزراعة ابتداءً،و إن استمرّ حتّی نضجه انتهاءً کما سبق فی تعریفها،فینبغی أن یتمّ زراعة شیء جدید؛إذ إنّ المزارعة:

تختصّ بنفس استحداث الزرع بعد أن لم یکن (2)

و هذا یتنافی بطبیعة الحال فیما لو أُرید العمل علی ما کان له أصولٌ موجودةٌ فی الأرض:

لأنّ الزرع إذا استُحصد لا یؤثّر فیه عمل الزراعة بالزیادة (3)

فستکون حینها فاقدةٌ لشرطها الأساسی،بل لصدق إطلاق الإنتاج الاستحداثی علیها.

هذا من جهة،ومن جهة أخری،فإنّه ینبغی-وفی ذات الاتّجاه-أن یکون المزروع صالحاً للنموّ عادةً،فهو کالأرض من حیث إنّها ینبغی أن تکون صالحةً للزراعة،و هذا من الأمور الموضوعیة التی یلزم توفّرها فی النبات؛وذلک من حیث تلاؤم ما یزرع و الظروف الطبیعیة التی یزرع فیها من أرض ونحوها،کی یکون العمل علیه منتجاً:

لأنّ مالا یؤثّر فیه العمل بالزیادة عادة لا یتحقّق فیه عمل الزراعة. (4)

2.عدم السماح بوقوعه علی غیر المعین وغیر المعلوم:فلا بدّ من تعیین نوعیة النبات الذی یراد زرعه،فیجب:

أن یکون معلوماً بأن یبین ما یزرع (5)

ص:160


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .فقه الشریعة:221/2.
3- (3) .بدائع الصنائع:177/6.
4- (4) .المصدر نفسه.
5- (5) .المصدر نفسه.

هذا إذا کان بین المتعاقدین اختلاف علی ما یزرع:

وإلّا لم یلزم التعیین (1)

أمّا إذا کان هناک انصرافٌ متعارفٌ إلی نوع معین بعینه،فیکون حینها هو المتعین؛إذ:

یکفی فی التعیین الانصراف المُغنی عن التصریح (2)

فإنّ ذلک کاشفٌ فی الحقیقة عن اتّفاقهما علیه.

فإذا لم یعینا نوع المزروع بطل العقد إلّا أن یصرّحا بالتعمیم وبحرّیة الزارع فی زرع ما یشاء. (3)

إذ إنّه یتوفّر حینئذ نوعٌ من رفع الجهالة التی تتسبّب فیما لو بقیت بعدم صحّة مثل هذا العقد،فإذا ارتفعت الجهالة بأی وسیلة کانت ومنها التعمیم،فیجوز له عندئذ:

أن یزرع فیها ما شاء. (4)

ولو عدنا أدراجنا إلی الحدود العامّة للإنتاج الزراعی لتبین أنّ هناک فائدة مهمّة أخری فی أن یتمّ تعیین نوع المزروع مسبقاً؛إذ یکون هذا الأمر منسجماً تمام الانسجام مع ما جاء فیها من عدم السماح بإنتاج الفائض عن الحاجة،فیصبّ التحدید فی أنّه یساعد علی عملیة ترشید الإنتاج وفقاً لحاجة المجتمع،والتی تتولّی الدولة عملیة الإشراف علیها.

الثالث:الزمن

ولتحدید المدّة التی یتمّ فیها الإنتاج الاستحداثی دورٌ مهمٌّ کذلک لتتحقّق عملیة الإنتاج،فیلزم أن تکون کافیةً لإدراک المحصول،فمع أنّه من المتعارف أن یکون القصد من ممارسة عملیة الإنتاج هو نضج الحاصل للانتفاع به.ومن هنا جوّز البعض عدم ضرورة تحدیدها استحساناً:وذلک:

لتعامل الناس علی ذلک من غیر بیان المدّة وتقع علی أوّل جزء یخرج من الثمرة فی أوّل السنة؛لأنّ وقت ابتداء المعاملة معلوم (5)

إلّا أنّه من الممکن أن یدّعی أحد الطرفین امتدادها لعدّة مواسم مثلاً،أو حدوث أو وجود

ص:161


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:103/2.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:492/132/2.
3- (3) .فقه الشریعة:288/225/2.
4- (4) .بدائع الصنائع:177/6.
5- (5) .المصدر نفسه:180.

ظروف تؤخّر من إمکانیة اقتطاف ثمار الإنتاج علی سبیل المثال،ولأجل هذا:

فلا تصحّ المزارعة إلّا بعد بیان المدّة (1)

ولا یکفی مجرّد تحدید المدّة،بل ینبغی أن تکون تلک المدّة:

بمقدار یمکن حصول الزرع فیه،وعلیه فلو جعل آخر المدّة إدراک الحاصل بعد تعیین أوّلها کفی فی الصحّة (2)

إذ إنّ المهمّ و الشرط الأساسی أن تکون هذه المدّة کافیةً لجنی المحصول.

وکذا لا یستوجب فی تحدید المدّة أن تکون لموسم واحد؛إذ إنّ المسألة ترتبط بصلاحیة الأرض للاستفادة منها.فالمعیار فی تحدید المدّة هو أن تکون کافیةً لإدراک المحصول،فربما تطلّب الأمر عدّة مواسم لإدراکه،وعلی هذا:

فلو کانت الأرض تحتاج إلی إصلاح فی السنة الأولی-مثلاً-لم یضرّ ذلک فی مزارعتها سنتین أو ثلاث (3)

فتحدید المدّة إضافةً إلی أنّه یفید فی رفع الجهالة عن المتعاقدین لحفظ حقوق کلّ منهما،یرتبط کذلک بالظروف المحیطة بالعملیة الإنتاجیة فی أن تکون بصورة یمکن من خلالها قطف ثمار الإنتاج.

وإلی هنا نکون قد انتهینا من الحدود اللازم الأخذ بها فی ممارسة حرّیة الإنتاج الزراعی الاستحداثی،إلّا أنّه یبقی شرطٌ مهمٌّ آخر،والذی یرتبط بکیفیة تقاسم المحصول،فقد اتّفق الجمیع علی أنّه لا بدّ أن یتمّ تقاسمه بحصّة مشاعة من تمام حاصل الأرض محدّدةً بالکسور،لا من غیرها،ولا علی غیر مبدأ الحصص الکسریة المشاعة.وبما أنّ هذا الأمر لا یرتبط مباشرةً بعملیة الانتاج؛إذ إنّه خاضعٌ للمعاییر التی یتمّ علی أساسها التوزیع،ولذا فسوف نبحثه فی فصل التوزیع،إن شاء الله.

ب)الإنتاج التکمیلی
اشارة

و هو عبارةٌ عن عملیة رعایة ما سبق زراعته،والتی أطلقوا علیها فقهیاً المساقاة،وعرّفوها بأنّها:

اتّفاق شخص مع آخر علی رعایة أشجار ونحوها وإصلاح شؤونها إلی مدّة معینة بحصّة من حاصلها (4)

ص:162


1- (1) .المصدر نفسه:180.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:102/2.
3- (3) .فقه الشریعة:288/225/2.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:147/2.

فهو عقدٌ علی العمل بالرعایة إلّا أنّ حقّ العامل یتمثّل بحصّة من نفس الحاصل بالتحدید،ولیس من غیره،ولذا اکتفی البعض فی تعریفها بأنّها:

العقد علی العمل ببعض الخارج. (1)

والمائز الأساسی فیما بین هذا النوع من الإنتاج و الإنتاج الاستحداثی،هو:أنّ الاستحداثی-وکما تمّ بیانه-یتقوّم فی أنّه عملیة استحداث للنبات؛أمّا التکمیلی-وکما هو واضحٌ من العنوان-فأنّه یتقوّم فی العنایة بالنبات بعد ظهوره.

وعلی هذا الإساس،فإنّ الحدود التی ترتبط بالأرض تکون منتفیةً هنا،وتبقی مسألة التوافق و النبات و الزمن و التحاصّ،کما هو واضحٌ من التعریف.وبما أنّ التحاصّ یتعلّق بموضوع التوزیع-کما أشرنا آنفاً-فهو موکولٌ إلی بحث التوزیع.

أمّا الاتّفاق،فهو من الشروط الرئیسة فی کلّ مسألة تعاقد کما سبق ذکره؛وذلک من حیث إحداثه علی أصل الموضوع،و هو الإنتاج التکمیلی هنا،ومن حیث الأمور التکمیلیة الأخری له،والتی لا ترتبط بالحدود الأساسیة لهذه العملیة،فیبقی لدینا الحدود المتعلّقة بالنبات و الزمن،والتی سنبحثها کالتالی:

الأوّل:النبات

ویقوم النبات هنا بدور الأرض فی الإنتاج الاستحداثی،من حیث إنّه یلزم أن یکون التصرّف فیه من خلال ملکیته أو ملکیة منفعته أو الولایة علیه بنحو تُجیز لمتولّیه التصرّف فیه بمثل الإنتاج التکمیلی،أمّا الحدود اللازم مراعاتها فیه فیمکن إیرادها حسب ما یأتی:

1.عدم السماح بوقوعه علی غیر المعین وغیر المعلوم:فکما مرّ سابقاً فی الإنتاج الاستحداثی،فإنّ تعیین نوع ما یقع علیه الإنتاج التکمیلی یعدّ من الأرکان الرئیسة لعملیة الإنتاج،وذلک من الناحیة الحقوقیة المرتبطة بحفظ حقوق کلا المتعاقدین،وکذا من ناحیة ما یلزمها من الأمور الموضوعیة.

فالنباتات تختلف من حیث کیفیة رعایتها و الوسائل التی تتطلّبها تلک الرعایة،کی تصل حدّ الإنتاج،والأمر ذاته ینطبق علی مقدار ما یراد رعایته،فلا بدّ إذاً:

من تعیین النبات من حیث النوع و المقدار (2)

ص:163


1- (1) .بدائع الصنائع:185/6.
2- (2) .فقه الشریعة:306/238/2.

ولا یتطلّب تحدید نوع النبات ومقداره تلک الدقّة التی تحول دون جریان العملیة الإنتاجیة بسلاسة وانسیابیة،فیکفی:

العلم بها إجمالاً بمشاهدة أو نحوها (1)

فلا یحتاج الأمر إلی معرفة تفصیلیة؛إذ إنّ المهمّ فی المسألة هو أن یقدِم المتعاقدین علی هذه العملیة بنحو:

یرتفع معه الغرر (2)

عنهما،و هو ما یساهم فی تعزیز العلاقة الإنتاجیة فیما بین المتعاقدین،والإسراع فیها،بما أنّها تخضع للزمن و الظروف البیئویة أیضاً،واللذان یلعبان دوراً مهمّاً فیها.

2.عدم السماح بوقوعه علی ما لیس له أصول:لقد سبق،وأن ذکرنا فی أوّل بحثنا هذا:أنّ الإنتاج التکمیلی یختلف عن الاستحداثی فی أنّه یتمّ علی ما هو مزروعٌ فعلاً،فهذا الأمر یعدّ مقوّماً إساسیاً للإنتاج التکمیلی،فهو یأخذ فی عهدته إیصال النبات إلی مرحلة النضج و النمو،وقصروا تحقّقه علی فیما لو تمّ علی ما له أصولٌ من النبات،فإنّ هذا النوع من النبات یحتاج إلی عملیات متعدّدة من أجل الوصول به إلی تلک المرحلة،علی عکس ما لم یکن له أصول؛ولهذا السبب ربّما لم یصحّحوه علی الأنواع التی تقتصر علی کونها مجرّد ثمرة:

مثل الخس وغیره من البقول التی لا یبقی لها أصل فی الأرض (3)

إذ إنّ الغالب فیها أنّها لا تحتاج إلی عمل تکمیلی إصلاحی أم رعائی.

ومن هنا أیضاً-ربما جاء الاختلاف علی ما لیس له جذورٌ عمیقةٌ ممتدّة-فقال البعض:بأنّها:

تصحّ فی الکرم و الشجر و الرطب وأصول الباذنجان (4)

فهی علی هذا القول ومن خلال ذکره أصول الباذنجان تکون صحیحةً فیما لو جرت علی:

الأصول غیر الثابتة کالبطیخ و الخیار علی الأظهر (5)

وذلک علی خلاف مَن قصر صحّتها بوقوعها:

علی أصل ثابت؛و أمّا إذا لم یکن ثابتاً کالبطیخ و الباذنجان ونحوهما فالظاهر عدم وقوع المساقاة (6)

ص:164


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:535/150/2.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:519/111/2.
3- (3) .فقه الشریعة:307/238/2.
4- (4) .تکملة البحر الرائق:299/2.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:522/148/2.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:109/2.

فإنّ هذا البعض قصر تعریف الإنتاج التکمیلی علی ما إذا وقع علی أشجار مثمرة، (1)فأخرج ما لم تکن له أصولٌ ثابتةٌ منذ البدء.

وعمدة ما تمسّک به هذا البعض،هو:صحیحة یعقوب بن شعیب؛إذ جاء فیها:

«عن أبی عبد الله علیه السلام فی حدیث:سألته عن الرجل یعطی الرجل أرضه وفیها الرمان و النخل و الفاکهة،ویقول:اسق هذا من الماء واعمره ولک نصف ما أخرج؟قال:«لا بأس». (2)

وذلک باقتصارها علی ذکر الأشجار ذات الثمر،فلا یتعدّی إلی غیرها،فلا إطلاق فی المقام کی یشمل کلّ الأفراد.

وربّما یقال:بأنّ العلّة فی التجویز لیس فی کون السقایة و الإعمار واقعةً علی خصوص الشجر،بل لکونها بالحصص التی جاء التأکید علیها فی کثیر من الأحادیث،ولم یرد من ذکر الشجر هنا إلّا من باب ذکر بعض مصادیق وأفراد ما تقع علیه المساقاة.

فالسائل ذکرها باعتبارها موضعاً لابتلائه لا باعتبارها الفرد الجائز من وقوع المساقاة علیها،ولعلّ ما جاء فی النبوی:

إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله عامل أهل خیبر بشطر ما یخرج منها من ثمر أو زرع (3)

مؤیدٌ لما قلناه؛إذ تنتفی مسألة التقیید بالشجر،فهو:

مطلق فلا یجوز قصره علی بعض الأشجار دون بعض؛لأنّه تقیید (4)

هذا مع أنّ هذا البعض عدّا الحکم إلی ما لیس له ثمرةٌ من الأشجار ممّا یراد لورقه کالحنّاء،فخرقوا عدم الإطلاق الذی ادّعوه،باتّباعهم الظنّ فی کون هذا النوع موجوداً فی خیبر عند إعطاء النبی صلی الله علیه و آله إیاها بالنصف للیهود، (5)ولم یجد هذا الظنّ طریقاً إلیهم فیما کان له أصلٌ غیر ثابت،مع أنّه أولی بالوجود ممّا یراد لورقه.

فالثابت بالروایة الأسبق شیئان:وقوع السقی و الإعمار وصحّة التقاسم بالحصص.

أمّا اختصاص المساقی علیه بالشجر المثمر،فهو ما لا یمکن تأکیده من خلال هذه الروایة،فالأصل هو الإباحة و الصحّة مقیدةً بالإعمار و التحاصّ،هذا مع عدم ورود نهی عن

ص:165


1- (1) .ر.المصدر نفسه:108.
2- (2) .تهذیب الأحکام:22/198/7.
3- (3) .صحیح مسلم:26/5.
4- (4) .تکملة البحر الرائق:300/2.
5- (5) .جواهر الکلام:61/27،باقتضاب.

مثل ما له أصولٌ غیر ثابتة؛و أمّا خروج ما لیس له أصولٌ مطلقاً کالخسّ،فهو لأجل الإخلال بشرطیة قبوله للإصلاح المأخوذ فی الإنتاج التکمیلی.فما له أصولٌ غیر ثابتة یحتمل الإصلاح،والغالب فی ما لیس له أصولٌ هو أنّه لا یحتمل الإصلاح.

وعلی هذا الأساس،لم یکن المدار عندهم فی صحّة وقوع الإنتاج التکمیلی وجود الثمر،و إنّما وجود المالیة العرفیة فی کونه محتاجاً إلیه؛ولذا یصحّ الإنتاج التکمیلی:

فی الأشجار غیر المثمرة إذا کانت لها حاصل آخر من ورق أو ورد،ونحوهما ممّا له مالیة یعتدّ بها عرفاً کشجر الحنّاء الذی یستفاد من ورقه (1)

وبهذا یکون صحیحاً فی ما یکون شجره بذاته مطلوباً لمنافع متعدّدة فیه،کما فی:

قصب السکر الذی تبقی جذوره فی التربة رغم أنّ الثمر فیه هو نفس الأصول الثابتة من تلک الجذور. (2)

بل لم یستبعدوا الصحّة فی مثل:

الشجر الذی یزرع لخشبه کالسرو و الحور (3)

إذ إنّ مالیته لیس معتدٌّ بها فحسب،بل متنافَسٌ علیها.

وعلی هذا،فالمعیار المعتمد فی إمکانیة التعاقد علی الإنتاج التکمیلی،هو:قابلیة المتعاقد علیه للعمل الرعائی و الإصلاحی،ویدخل بذلک کلّ نبات له أصولٌ،و إن کانت غیر ثابتة.فلو أنّ رجلاً:

جاء إلی رجل قد صار زرعه بقلاً فعامله علی أن یقوم علیه ویسقیه حتّی یستحصد فما خرج فهو بینهما نصفان کان جائزا (4)

سواء کان هذا النبات مطلوباً لثمره أو لنفسه،و هذه المطلوبیة تعکس فی الحقیقة ضابط الحاجة الذی تضمّنه الإنتاج،ولولا اتّفاقهم بشأن عدم صحّته فی ما کان متقوّماً بالثمر،کالخسّ لقلنا بصحّته فی مثله أیضاً،فیما لو کان محتاجاً إلی عمل تکمیلی.

فاتّضح من خلال ما قدّمنا،بأنّه لا یسمح بالتعاقد علی الإنتاج التکمیلی علی ما کان مزروعاً،فیما لو لم یکن له أصولٌ،ولو غیر ثابتة.

3.عدم السماح بوقوعه علی ما لا یقبل النموّ کمّاً أو کیفاً:فبما أنّ العملیة هی عملیة تعاقد علی عمل إنتاجی،فلا بدّ وأن تکون مؤثّرةً فی ازدیاد ما تقع علیه کمّاً أو کیفاً،وإلّا لا

ص:166


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:523/148/2.
2- (2) .فقه الشریعة:307/238/2.
3- (3) .المصدر نفسه.
4- (4) .السرخسی،المبسوط:37/23.

یمکن إدخالها تحت ضابط العمل المأخوذ فی الإنتاج،فینبغی أن:

یکون للعمل فیها تأثیر فی تحصیل الخارج (1)

و هذا التأثیر فی المحصول یتمثّل بأحد جانبین:

الأوّل:أن یلعب دوراً فی اکتمال نموّه وإثماره-أی:أنّه یؤثّر فی الازدیاد الکمّی للمحصول-وذلک من خلال النمو الذی یطرأ علی النبات،فلا بدّ من احتیاج النبات إلی:

عمل یتوقّف علیه اکتمال نمو الثمرة (2)

ویعدّ هذا جانباً أساسیاً فی تصحیح وقوع الإنتاج التکمیلی.

الثانی:و هو الذی یعدّ جانباً تطویریاً للجانب الأوّل؛إذ إنّه یکون مساهماً فی کثرة الإنتاج أو جودته أو الحفاظ علیه ممّا یفسده،فیصحّ فی هذه الحالة التعاقد علیه حتّی بعد ظهور الثمرة،وذلک لیکون

إنتاجها أکثر ویجود ویوقی ممّا یطرأ علیه من عوادی (3)

فهو یؤثّر تأثیراً کبیراً فی تحصیل الخارج الذی تقدّمت الإشارة إلیه.

فلا بدّ،إذاً:من حصول تنمیة للمحصول من ناحیة الکمّ کانت هذه التنمیة أم من ناحیة الکیف لکی یکون الإنتاج التکمیلی صحیحاً،فلو أنّ أحداً

دفع نخلاً فیه ثمرة مساقاة و الثمر یزید بالعمل صحّت؛و إن انتهت لا. (4)

الثانی:الزمن

وبناءً علی المسائل السابقة فسیکون لتحدید المدّة التی یتمّ التعاقد علیها ارتباطٌ وثیقٌ بما نحن فیه،کی یکون للعمل تأثیرٌ علی الثمرة،فقد سبق عدم صحّة الإنتاج التکمیل مع عدم تأثیر العمل فی الزیادة أو الجودة،ولأجل هذا،فلا بدّ:

أن تکون المساقاة قبل ظهور الثمرة أو بعده قبل البلوغ (5)

ولا یکفی مجرّد إیقاعه حسب ما مرّ؛لأنّ الغایة من هذا الإنتاج الحصول علی المحصول الکامل،فینبغی أن یکون محدّداً:

ص:167


1- (1) .المصدر نفسه:5.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:521/148/2.
3- (3) .فقه الشریعة:307/238/2.
4- (4) .تکملة البحر الرائق:299/2-300.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:521/148/2.

إمّا ببلوغ الثمرة المساقی علیها؛و إمّا بالأشهر و السنین بمقدار تبلغ فیها الثمرة غالباً،فلو کانت أقلّ من هذا المقدار بطلت المساقاة (1)

فالمعیار فی تحدید المدّة هو صحّة القیام بعمل علیها وجعلها کافیةً لحصول النتیجة:

فإن کان التعاقد إلی مدّة تنتهی قبل صیرورة الغروس قابلة للإثمار،أو کان العقد بعد أن اکتمل نمو الثمرة،ولم تعدّ بحاجة إلی رعایة،فلا یبعد الحکم بعدم صحّة المساقاة. (2)

فما یتعارف فیه عدم تأخّر ثمرته عن وقتها المعلوم یجوز فیه جعل مدّته إلی النضوج،ومن هنا جوّز البعض عدم ذکر المدّة فی حالة التیقّن بوقت حصول الإثمار،وذلک:

بخلاف ما إذا دفع إلیه غرساً قد نبت،ولم یثمر بعد معاملة حیث لا یجوز إلّا بیان المدّة؛لأنّه یتفاوت بقوّة الأرض وضعفها تفاوتاً فاحشاً فلا یمکن صرفه إلی أوّل ثمر یخرج منه (3)

فمن اللازم فی هذه الحالة تحدید المدّة بما یزیل الالتباس و الجهالة.

وبهذا نکون قد انتهینا من الحدود المأخوذة علی الحرّیة فی الإنتاج الزراعی،والتی اختصّت هنا بالقسم الثانی منه و هو الزراعة.

ص:168


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:108/2.
2- (2) .فقه الشریعة:307/238/2.
3- (3) .تکملة البحر الرائق:299/2.

المبحث الرابع:حدود الحرّیة فی قطاع الخدمات

اشارة

لقد سبق،وأن ذکرنا فی المبحث الأوّل من هذا الفصل بأنّ الإنتاج ینقسم إلی قسمین،وهما:الانتاج الأوّلی:الذی تقدّم الکلام عنه فی المبحثین الثانی و الثالث.والإنتاج الثانوی و الذی هو عبارةٌ عن عملیة التداول أو التبادل أو الخدمة التی تتمّ بین شخصین علی ما تمّ إنتاجه بالإنتاج الأوّلی مسبقاً،والتی أُدخلت فی الإنتاج باعتبار ما تخلقه من منفعة حقیقیة،ولیست صوریةً کما سیأتی.

ویلعب التداول حاضراً دوراً هامّاً فی مجمل النشاطات الاقتصادیة؛إذ یمثّل الوسیلة الفعّالة وربّما الوحیدة التی تقوم بدور الخطّ المتقدّم للعملیة الإنتاجیة،فإذا تقدّمت وامتدّت تنامی الإنتاج واتّسع،و إذا انکفأت وتراجعت رکد الإنتاج وکسد.ولأجل هذا فهی تضمّ بین ظهرانیها أطیافاً واسعةً من المجتمع الاقتصادی،وتؤثّر تأثیراً خطیراً علی التنمیة الاقتصادیة أو الرکود الاقتصادی،وذلک من خلال الأسالیب التنفیذیة التی تتّبعها،والأسس العامّة و الخاصّة التی ترتکز علیها.

ومن هنا،فقد قام الإسلام بوضع قیود علی هذه العملیة؛بما یحفظ حقوق الأفراد بما أنّهم یمثّلون خلفاء متکافئین مکلَّفین بمهمّة واحدة،وهی إعمار الأرض و الوصول بها إلی أقصی درجات التطوّر و الرقی من جهة،وبما یؤدّی إلی التکامل الإنسانی لذات الخلفاء أنفسهم،لتصل الحیاة البشریة إلی المستوی اللائق بها من خلال تداخل ذینک التکاملین المادّی و الروحی.

ومن أجل ذلک لم یطلق الإسلام العنان للإنسان أن یمارس حرّیته فی هذا المجال،بما یخلّ بتلک العملیة ویدخلها فی متاهات لا سبیل للخروج و التخلّص منها،کما یشهد بذلک تاریخ

ص:169

البشریة فی کافّة مراحلها.وها نحن نعیش مأساتها تلک بأوضح صورها،فقام الإسلام بخطّ حدود تؤدّی فی الحقیقة الدور التنموی الذی سعی إلیه الإنسان جاهداً دون أن یتمکّن من الوصول إلیه.

و إذا ما أردنا تحدید تلک الحدود المقیدة لحرّیة التداول بالشکل الذی یکون واضحاً ومرتکزاً علی الأسس و الضوابط التی یعتمدها الإنتاج،فلا بدّ لنا من تحلیل عملیة التداول إلی عناصرها المکوّنة لها؛کی تتّضح الخطوط الحمراء التی لا یمکن تجاوزها إذا ما أُرید لها أن تلعب الدور التنموی المنشود.

فلو قمنا بتحلیل عملیة التداول أو الخدمة،لوجدناها تنطوی علی ثلاثة مقوّمات:

الأوّل:المتداولَین ذاتهما بما أنّهما مجریان لعقد التداول.

الثانی:عملیة التوافق فیما بین المتداولَین بما تتضمّنه من أمور یلزم مراعاتها فیه.

الثالث:الشیء المتداوَل فیما بین الطرفین سلعةً کان أو منفعةً من جهة و العوض الذی یکون بأزائها من جهة أخری.

الرابع:الغایة التی یتمّ من أجلها التداول،وهی تمثّل الحاجة المشروعة التی تضمّنها تعریف الإنتاج.

ولا بدّ من إلفات النظر إلی أنّ المقوّمین الثالث و الرابع یتّحدان فی الحاجة،حیث إنّ السلعة التی یتمّ شراؤها من قِبل المشتری،إنّما یتمّ شراؤها بما تمثّل من حاجة بالنسبة إلیه.وکذا الخدمة،فهی تعبِّر عن حاجة المستخدِم إلیها،والعوض بدوره هو ما یحتاج إلیه البائع أو المستخدَم.

فتکون المشروعیة المأخوذة علی الحاجة،مأخوذة علی الخدمة التی تُقدّم و السلعة التی تُتداول بشکل آلی وطبیعی.

هذا مع أنّنا لو ذهبنا بعیداً فی التحلیل،لوجدنا أنّ الحاجة عبارةٌ عن النقص البدنی أو النفسی الذی یتمّ ملؤه بواسطة تلک السلعة أو الخدمة،ومع أنّ الإسلام سمح بسدّ هذا النقص،بل أوجبه،إلّا أنّه لم یسمح أن یتمّ ذلک بأی شیء کان وأی طریقة کانت،و إنّما بما یؤمّن ملأً جوهریاً وحقیقیاً لذلک النقص،لا بما یؤدّی إلی إیجاد اختلالات واضطرابات تقود الإنسان إلی زیادة الإحساس بالنقص و الحاجة.

فبما أنّ ذلک النقص إنّما یتمّ سدّه بتلک السلعة أو الخدمة ذاتها،فقد وضع الإسلام بعض القیود علیها بما یصبّ فی تأمین إنسانیة الإنسان وحرّیته وکرامته وسعادته الحقیقیة.

ص:170

فیتّضح ممّا سبق أنّ الحدود الأساسیة المأخوذة علی الشیء المتداول تتمثّل فی کونه محتاجاً إلیه ومشروعاً،فترتبط هذه الحدود بصمیم الشیء المتداول سلعةً کان أو خدمة.وهناک حدودٌ ثانویةٌ ترتبط بإجراء عملیة التداول بشفافیة تغلق الباب علی کثیر من النزاعات،و هو ما له علاقةٌ وطیدةٌ بصیانة حقوق کلا المتداولَین،ککونه محدّداً وممکناً.

وبناءً علی التحلیل الذی قدّمناه،فسنذکر الحدود التی تخضع لها عملیة التداول ضمن مطلبین،یرتبط المطلب الأوّل بالحدود المرتبطة بشخص المتعاملَین،وسنوردها تحت عنوان:الحدود الشخصیة،ویتعلّق المطلب الثانی:بالحدود المأخوذة علی ما یتمّ التوافق علیه سلعةً کان أو خدمة،وسنُطلق علیها الحدود العوضیة.و أمّا مسألة التوافق فهی تدخل ضمن المطلب الثانی علی اعتبار أنّه یتمّ من خلاله تحدید کلّ ما یرتبط بالعوضین،والذی یکون التوافق أحد معالمه.

-وکما سبق-وأن ذکرنا قبل البدء بمبحث حدود الحرّیة فی الإنتاج الصناعی،بأنّ عنونتنا للعناوین ستنطلق من أنّ الأصل هو الحرّیة،وبالتالی ستعکس العناوین ما یقیدها علی اعتبار أنّنا نبحث فی الحدود التی تخضع لها:

المطلب الأوّل:الحدود الشخصیة

اشارة

إنّ الإسلام-وکما رأینا-لم یکتفِ بوضعه اللبُنَات الأساسیة لحرّیة الإنسان من خلال البُنیة النفسیة و الفکریة و البدنیة التی صبّه فیها،ولم یکتفِ أیضا بتقنینها تشریعیاً،کأصل یرجع إلیه فی کلّ حالة تشوبها سُحب الشکّ و التردّد فیما یراد منه فی مقابل من أمدّه بها ووهبه إیاها،بل وضع حدوداً من أجل صیانتها،فحتّی الحدود التی وضِعت علی حرّیة شخص المتعاملَین فیما سنراه،لا یمکن عدّها حدوداً مقیدةً لهما إلّا اعتباراً لا حقیقةً؛إذ إنّها فی الحقیقة موضوعةٌ لأجل أن لا تُستخدم الحرّیة هذه فی اتّجاه مضادّ لمصلحتهما،فهی بالنتیجة تجعلهما حرّین من کلّ ما یکبّلهما من الشروط و الأوضاع المهدّدة لمصلحتهما و الناجمة عن معاملتهما تلک.

فأراد أن یقوم التداول فیما بینهما علی أسس متینة تتضمّن إعمالاً لحرّیتهما بأبعادها النفسیة و الفکریة و البدنیة من جهة،وحفظاً لحقوقهما کإنسانین متکافئین حقوقیاً ووظیفیاً،ویتجسّد کلّ ذلک من خلال مراعاة الأمور التالیة فی کلّ واحد من المتداولَین:

ص:171

أوّلاً:أن لا یکون صغیراً

والصغیر کما هو معروفٌ خلاف الکبیر،ویرتبط هذا الحدّ بالقدرة الإدراکیة التی یتمیز بها الکبیر عن الصغیر،فیعدّ حدّاً موضوعیاً علی اعتبار أنّ التصرّف المالی یتطلّب إدراکاً کاملاً بخصوص متعلّقه وآثاره،و هو ممّا لا یکاد یتوفّر حتّی فی بعض الکبار،ولکن مع أنّه یخفی وراءه علّةً واضحةً للحدّ من حرّیته تلک؛ألَا وهی عدم اکتمال عقله ورشده بدرجة یمکنه من خلالها إدارة أموره المالیة بشکل یحفظ مصالحه،إلّا أنّ المشرّع الإسلامی لم یأخذ ذلک معیاراً فی السماح لمن لم یصل سنّ البلوغ فی أن یتصرّف فی ماله،فهو:

محجور علیه شرعاً لا تنفذ تصرّفاته الاستقلالیة فی أمواله ببیع وصلح وهبة وإقراض وإجارة وإیداع وإعارة وغیرها،و إن کان فی کمال التمییز و الرشد،وکان التصرّف فی غایة الغبطة و الصلاح. (1)

فیکون الصغر بحدّ ذاته مانعاً لحرّیة الصغیر فی مجال التصرّفات المالیة،فلا یسمح له بها و إن کان عاقلاً ورشیداً بدرجة تسمح له بالتمییز بین النافع و الضارّ من المعاملات،فاشتُرط فی السماح لمن کان یتّصف بالتمییز و الرشد أن یتمّ ذلک تحت إشراف ولیه:

فإن أَذِنَ له وکان خبیراً بإدارة أمواله ورشیداً فی التصرّف صحّ بیعه (2)

ومع هذا،فإنّ التصرّف المسموح له فی هذه الحالة هو ما کان متضمّناً مصلحةً له،أمّا ما کان مقتصراً علی الضرر،فإنّه غیر مشمول بالإذن؛إذ إنّ:

الإذن بالتجارة یزیل الحِجر عن التصرّفات الدائرة بین الضرر و النفع؛و أمّا التصرّفات الضارّة المحضة،فلا یزول الحِجر عنها إلّا بالبلوغ (3)

بل إنّ المشرّع الإسلامی کان أکثر تفانیاً فی حفظ مصالحه،فأوقف مسألة السماح للصغیر الرشید فی التصرّف علی نجاحه فی اختبار حسن التصرّف،فالصبی الذی لم یصل درجة الرشد لم یسمح له مطلقاً بالتصرّف،و إن کان عاقلاً:

إلی أن یؤنس منه رشده،ولا بأس للولی[حینها]أن یدفع إلیه شیئاً من أمواله ویأذن له بالتجارة للاختبار (4)

فیکون التصرّف متوقّفاً علی الإذن،والإذن علی الاختبار،والاختبار علی الرشد.

ص:172


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:1067/296/2.
2- (2) .فقه الشریعة:416/2.
3- (3) .بدائع الصنائع:171/7.
4- (4) .المصدر نفسه:170/7.

ویجری هذا الأمر فی جمیع المعاملات العِقْدیة،حتّی فیما لو أراد أن یصبح أجیراً،مع أنّ صیرورته أجیراً لا یتطلّب تصرّفه فی ماله،فالأمر فیها ربّما یرتبط بمدی قدرته وخبرته علی إنجاز ما یستأجر علی القیام به:

فلا یصحّ عقد الصبی إذا استقلّ به دون إذن الولی،مؤجّراً نفسه أو مستأجرا لغیره...أو یأذن له فیقع منه،ویصحّ إذا کان رشیداً وخبیراً رغم عدم بلوغه (1)

وتنفرد الوکالة من بین العقود فی السماح للصبی بأن یکون وکیلاً لا موکِّلاً،فیجوز:

أن یکون الصغیر وکیلاً،ولو بدون إذن ولیه (2)

ویختصّ هذا بالطبع بمن یعقل:

فتصحّ وکالة الصبی العاقل (3)

حصراً،ولا یتعدّی ذلک إلی غیر العاقل،وما ذلک إلّا لأجل أنّ صیرورته وکیلاً مرتبطٌ برضی الموکِّل ولا یستوجب التصرّف فی ماله هو،وبالتالی،فلا یلحق به أی ضرر من هذه الناحیة.

أمّا المعاملات الإیقاعیة کالجعالة علی سبیل المثال،فیقتصر الأمر علی الموقِّع؛لأنّه هو المتصرِّف فی المال؛أمّا العامل،فلا یشترط فیه ذلک،فلا:

یعتبر فی العامل نفوذ التصرّف فیجوز أن یکون صبیاً ممیزاً،ولو بغیر إذن الولی،بل یجوز أن یکون صبیاً غیر ممیز (4)

ثانیاً:أن لا یکون مجنوناً

والمجنون خلاف العاقل،فهو یقدم علی الأفعال بغیر وعی منه وعقل،و قد تتفاوت درجات ذلک شدةً وضعفاً،ویعدّ هذا الحدّ حدّاً موضوعیاً آخر؛إذ إنّ المجنون أکثر عجزاً وقصوراً عن إحسان التصرّف فی کلّ ما یرتبط به وعلی الخصوص فی الأمور المالیة،فیکون أولی بالمنع من الصبی،حیث إنّ:

وضع المال فی ید من لا عقل له إتلاف المال (5)

مع أنّ الغایة العرفیة و الطبیعیة و الشرعیة من التصرّف فی المال هو إصلاحه،لا إتلافه.

ص:173


1- (1) .فقه الشریعة:230/186/2.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:948/197/2.
3- (3) .بدائع الصنائع:20/6.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:546/153/2.
5- (5) .بدائع الصنائع:170/7.

فیکون ممنوعاً من التصرّف فی ماله،و إن کان الجنون عارضاً علیه لا أصلیاً،فلا فرق:

فی مانعیة الجنون بین الجنون المطبق المستمرّ وبین الجنون الأدواری إذا وقع منه التصرّف حین جنونه (1)

فما دام تصرّفه قد حدث أثناء جنونه،فلا اعتبار له،ولا اعتماد علیه.

و هذا شاملٌ بطبیعة الحال لجمیع المعاملات العقدیة،فمن أهمّ:

شرائط العاقد:العقل،فلا ینعقد بیع المجنون (2)

ولا تشذّ حتّی الوکالة من ذلک،ولا یختصّ الأمر فیها فیما لو أراد أن یکون موکِّلاً،بل یتعدّی إلی فیما لو أراد أن یکون وکیلاً أیضاً.وذلک علی خلاف الصبی الذی مرّ جواز صیرورته وکیلاً،بقید کونه عاقلاً،و هو ما ینتفی فی المقام،فیعتبر:

فی الوکیل کونه متمکّناً عقلاً وشرعاً من مباشرة ما وُکّل فیه (3)

ابتداءً واستمراراً.

فلو طرأ علیه الجنون أثناء الوکالة تبطل وکالته فی الحال،حیث إنّ القدرة العقلیة و التدبیریة تُعدّ عماد الوکالة،فتبطل:

بموت الوکیل أو الموکّل وکذا بجنون أحدهما أو إغمائه إن کان مطبقاً؛و أمّا إن کان أدواریاً،فبطلانها فی زمان الجنون أو الإغماء-فضلاً عمّا بعده-محلّ إشکال (4)

والإشکال ناشئٌ من إمکان القیام بأمر الوکالة فی زمن الإفاقة.

وعلی أی حال،فلا:

ینفذ تصرّف المجنون إلّا فی أوقات إفاقته (5)

إذ إنّ أمر الجنون یکون منتفیاً فیها،فیکون عدم نفوذ تصرّفه فی أمواله مقتصراً علی وقت الجنون،کما هو الحال فی الصبی مع عدم رشده وعدم الإذن له فیه،وما ذلک إلّا:

لکون الحِجر مصلحة فی حقّهما (6)

فالأمر مرتبطٌ بغیاب العقل الذی یؤدّی إلی اختلال التصرّف وفقاً للمصالح و المفاسد،وعلی

ص:174


1- (1) .فقه الشریعة:22/2.
2- (2) .البحر الرائق:432/5.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:1265/341/2.
4- (4) .المصدر نفسه:1285/364/2.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:1083/299/2.
6- (6) .بدائع الصنائع:169/7.

الخصوص فی ما یرتبط منها بحیاته المالیة،ولذا حکموا ببطلان الوکالة علی سبیل المثال فی صورة فقدان العقل،و إن لم یکن من قبیل الجنون،کما هو الحال فی الغیبوبة التی ربّما یتعرّض لها،فالوکالة:

تبطل بجنون الموکّل وبإغمائه حال جنونه وإغمائه (1)

هذا بخصوص العقود التی تتطلّب انشغال ذمّة الطرفین بما یتّفقان علیه؛أمّا فی الموارد التی لا تتطلّب انشغال الذمّة کالجعالة بالنسبة إلی العامل لا الجاعل،حیث إنّها من الإیقاعات التی تصدر من طرف واحد،فتکون مُلزِمةً للجاعل لا العامل،فلا یمنع منها:

حتّی لو کان العامل صبیاً أو مجنوناً (2)

حیث لا یکون العامل مُلزَماً بأداء ما قصده الجاعل،فلا یکون فی الحقیقة مکلَّفاً بما یتعارض مع و قدرته العقلیة التی أُخذت شرطاً فی عموم التکالیف الشرعیة لا الحقوقیة،فحسب.

ثالثاً:أن لا یکون سفیهاً

والسفیه خلاف الرشید،و قد عرّفوا السفیه بالذی:

لیس له حالة باعثة علی حفظ ماله والاعتناء بحاله،یصرفه فی غیر موقعه ویتلفه بغیر محلّه،ولیس معاملاته مبنیة علی المکایسة و التحفّظ عن المغابنة (3)

فإذا کان الحدّ السابق یرتبط بسلامة القدرة الذهنیة و العقلیة،فالأمر یرتبط هنا بسلامة القدرة التدبیریة التی یتوقّف علیها حسم کثیر من الأمور الدخیلة فی حدوث النفع أو الضرر؛إذ إنّ:

السفه هو العمل بخلاف موجب الشرع،و هو اتّباع الهوی وترک ما یدلّ علیه العقل و الحِجا (4)

فمن اللازم أن یتمتّع المتعامل بقابلیة تدبیریة یقوده إلیها عقله السلیم،بما یؤدّی إلی تنمیة ماله والانتفاع به بشکل یحفظ مصالحه،و هذا ما لا یتوفّر فی السفیه؛ولذا فهو:

محجور علیه شرعاً لا ینفذ تصرّفاته فی ماله ببیع وصلح وإجارة وإیداع وعاریة وغیرها (5)

ص:175


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:942/196/2.
2- (2) .فقه الشریعة:326/247/2.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:299/2.
4- (4) .السرخسی،المبسوط:157/24.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:1084/299/2.

إلّا أنّ هذا التحدید لحرّیة السفیه بالتصرّف یقتصر علی التصرّفات التبادلیة التی نحن بصددها أمّا التصرّفات الاجتماعیة و العبادیة فیما یرتبط بحقوقه،فهو فی حلّ من هذا التحدید،فتکون:

مانعیة السفه مختصّة بالأموال،بیعاً وشراء وهبة ونحو ذلک،فلا یمنع السفه من نفوذ تصرّفاته الأخری حتّی لو استتبعت بذل المال،کمثل الزواج و الطلاق و النذر،ونحو ذلک من أنواع التصرّفات الخارجة عن إطار التبادل المالی (1)

فیصبّ هذا التحدید المالی فی مصلحة السفیه،فصحیحٌ أنّه ماله،ولکن علیه أن یستفید من هذا المال بما یصلح شأنه،ولا یتمّ ذلک إلّا من خلال إصلاح المال،لا إتلافه وتضییعه،و هو ما لا یقدر علیه،ولأجل هذا وضع الباری صلاحیة التصرّف فیه بید أولیائه،فقال تعالی: وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَکُمُ الَّتِی جَعَلَ اللّهُ لَکُمْ قِیاماً . (2)

فنسب ماله إلیهم تأکیداً منه علی ضرورة حفظه من خلال القیام علیه،و هو ما یحمّل الأولیاء مسؤولیة الأخذ بید السفیه إلی ما من شأنه أن یسلک به جادّة التنمیة،لا الهدر و الإتلاف،فیکون الحِجر علیه هنا مصلحةً له:

لأنّ التصرّفات شُرّعت لمصالح العباد و المصلحة تتعلّق بالإطلاق مرّة وبالحِجر أخری و المصلحة ههنا فی الحِجر،ولهذا إذا بلغ الصبی سفیهاً یمنع عنه ماله (3)

فیکون السفه مقیداً لحرّیة الشخص فی القیام بالفعّالیات الاقتصادیة؛لأنّه یتسبّب فی القضاء علی قدرته المالیة التی إذا ما حدثت انجرّت إلی تحدید حرّیته فیما یرتبط بعجزه المالی،فیعامل معاملة الصغیر،فلا یدفع إلیه ماله إلّا أن یؤنس رشده:

ویعلم الرشد بإصلاح ماله عند اختباره (4)

فهو کالصغیر فی توقّف تصرّفه بماله علی اختبار حسن تصرّفه فیه.

رابعاً:أن لا یکون مُکرَهاً

والمُکرَه خلاف المختار وعرّفوه بأنّه:

من یأمره غیره بالبیع أو الشراء علی نحو یخاف من الإضرار به لو خالفه،بحیث یکون لخوف الضرر من الغیر دخل فی صدور البیع أو الشراء منه (5)

ص:176


1- (1) .فقه الشریعة:416/2.
2- (2) .النساء:5.
3- (3) .بدائع الصنائع:169/7.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:176/2.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:62/25/2.

أو هو خلاف الرضی فیکون:

الکره معنی قائم بالمُکرَه ینافی المحبّة و الرضا (1)

فمجرّد الإقدام فی حالة عدم الرضی یعدّ إکراهاً،و إن لم یکن هناک ضررٌ فی البین.

وتتجلّی أصالة الحرّیة فی الإسلام بأوضح صورها فی هذا الحدّ،فلکی تکون تصرّفات الإنسان نافذةً یجب أن تکون ناشئةً عن اختیاره ورضاه المنبعث من صمیم ذاته:

فلا یصحّ عقد المُکرَه إلّا أن یرضی بعد ذلک أو یکون الإکراه لسبب مشروع؛نعم،إذا کان الإکراه بدرجة تسلب القصد،فإنّ العقد یبطل حتّی لو رضی بعد ذلک. (2)

ویتمثّل هذا السبب المشروع بما هو حقٌّ لابدّ من إمضائه وإجرائه فی حقّه.أمّا إذا لم یکن کذلک،فیعدّ العقد فاسداً:

إلّا أن یکون الإکراه بحقّ (3)

کما ذکرنا،أو یتعقّبه رضاه المرادف لقبوله به عن قصد واختیار.

ولم یجعل تعقّب الرضی للعقد مُمضیاً للمعاملة؛إلّا لأجل احتمال حدوث مصلحة یراها المُکرَه،فیکون إمضاؤه لها مبنیاً علی اختیاره ومنفعة له فیها،فتتوقّف الصحّة علی:

الرضا و الفائدة،ففسد بیع المکرَه وشراؤه وبیع ما لا فائدة فیه وشراؤه (4)

ولا یقتصر الأمر علی البیع فقط بل یشمل کلّ عقد مالی،کما فی:

البیع و الشراء و الهبة و الإجارة،ونحوها فالإکراه یوجب فساد هذه التصرّفات (5)

فتُعدّ حرّیة التصرّف المتمثّلة بالاختیار رکناً أساسیاً من أرکان نفوذ التصرّفات المالیة؛ولأجل هذا،فإنّ تصرّفات من کان مسلوب الحرّیة من الأساس،کالعبد تُعدّ غیر نافذة لعدم توفّر شرط أساسی فیها،و هو الاختیار الذی لا یمکن أن یتّصف به العبد أصالةً،إلّا إذا جبره مولاه بالرضی:

فلا ینعقد تصرّف المملوک بدون إذن مولاه. (6)

ولکن ربّما یثار هنا إشکالٌ بخصوص أنّ الإسلام الذی أصّل للحرّیة،وجعلها أساساً یرتکز علیه التکلیف فی کافّة نشاطات الحیاة ومناحیها ومنها الاقتصادیة،الإسلام الذی أضفی علی

ص:177


1- (1) .بدائع الصنائع:175/7.
2- (2) .فقه الشریعة:187/2.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:372/80/2.
4- (4) .حاشیة رد المحتار:9/5.
5- (5) .بدائع الصنائع:186/7.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:179/2.

الحرّیة هذه الهالة من القداسة؛کیف یسمح لنفسه أن یقرّ بعبودیة الإنسان،ویعمل علی ترسیخ هذه العبودیة من خلال إقراره بما هو سائدٌ من الممارسات التی تکبّل العبد بقیودها،وتشطب علی إنسانیته من خلال إقرارها عدم نفوذ تصرّفاته؟

و هذا استفهامٌ هامٌّ وطبیعی لمن لم یدخل معترک التشریع الإسلامی،و هو ممّا لا یمکن استیعاب الإجابة علیه فی هذا الهامش الذی أثرناه متعمّدین،فهی تتطلّب إفراد کتاب خاصّ لها کی تتّضح حقیقة صدق دعوی الإسلام فی تبنّیه لحرّیة الإنسان کرکیزة أساسیة فی تشریعاته.

إلّا أنّه من الممکن القول هنا اختصاراً،بأنّ الإسلام دینٌ واقعی،ولیس دیناً مثالیاً أو دیالکتیکیاً،فجاء لیمسک بزمام الواقع المعاش بکلّ تناقضاته،لیأخذ به رویداً رویداً نحو الغایات التی یتبنّاها اعتماداً علی الأسس التی بیناها.وکان من نتیجة هذه الطریقة العقلانیة التی اعتمدها،أنَه قضی علی الرقّ و العبودیة فی عصوره الأولی،وذلک من خلال تشریعاته الذکّیة و الحکیمة فی هذا المجال من دون أن یجبر أو یکره أحداً علی ذلک،أو ینفّر أحداً منه،و هو ما یؤکّد إیمانه العمیق و الراسخ بأصالة حرّیة الإنسان.

خامساً:أن لا یکون مفلّساً

الأمر الآخر الذی یحدّ من حرّیة الإنسان فی تصرّفه المالی هو الإفلاس،والمقصود بالمفلّس هنا،هو:المَدِین الذی یعجز:

عن وفاء دیونه الکثیرة الزائدة علی ما یملکه من أموال غیر محتاج إلیها فی معاشه (1)

ولا یتمّ منعه من التصرّف هذا بصورة عشوائیة؛و إنّما عن طریق الحاکم الشرعی للتحقیق فی ثبوت الدَّین علیه شرعاً وثبوت حلوله علیه وثبوت زیادته:

علی ماله وطلب الغرماء من القاضی الحِجر علیه (2)

فإذا ثبت کلّ ذلک و:

أمر الحاکم بالحِجر علی المفلّس لم یجز له-منذئذ-التصرّف بأمواله علی شتّی أنواعها،من الأعیان و المنافع و الدیون ونحوها ممّا له مالیة،بعوض کان التصرّف،کالبیع و الإجارة،أو بغیر عوض،کالوقف و الهبة و الإبراء. (3)

ص:178


1- (1) .فقه الشریعة:139/3.
2- (2) .حاشیة رد المحتار:441/6.
3- (3) .فقه الشریعة:183/140/3.

وذلک لأنّ حرّیة التصرّف بالمال لها أهمّیةٌ قصوی لا یمکن سلبها وانتزاعها جزافاً،وخصوصاً فی حالات الدعاوی التی غالباً ما یثبت وهمها وخطأها،فیکون البتّ فیها موکولاً إلی الحاکم الشرعی الذی ینظر إلی الأمور بنظرة شمولیة،ویأخذ کلّ ما له دخلٌ فی الکشف عن الحقیقة بعین الاعتبار،ویراعی بحکمه مصالح جمیع الأطراف.

ومن هنا ربّما حکم البعض بعدم کفایة قضاء قاض واحد فی نفوذ الحکم بالحِجر علیه،فلو حجر الأوّل علیه وأطلقه الثانی،فتصرّف:

فی ماله من بیع أو شراء قبل إطلاق الثانی أو بعده کان جائزاً؛لأنّ حِجر الأوّل مجتهد فیه فیتوقّف علی إمضاء قاض آخر (1)

و هذا من جهة.

ومن جهة أخری:فإنّ الحفاظ علی حیویة وسلامة واستمرار النشاطات الاقتصادیة یستوجب قطع الطریق علی مثل هذه الممارسات بعد التأکّد من ثبوتها،کما أشرنا،والتی تلعب بطبیعة الحال دوراً سلبیاً علی مجمل الحرکة الاقتصادیة؛إذ تتسبّب فی تعطیل الکثیر منها،وذلک لکون دوران الأموال فی السوق عمدتها وشریانها الأساسی،و هذا أمرٌ مخالفٌ لما أراده الإسلام من تنمیة المجتمع اقتصادیاً.

فالحِجْر هنا-وعلی خلاف ما تقدّم فی الحِجر علی الصغیر و السفیه-لیس حِجراً ذاتیاً،أی أنّ طبیعة الشخص ذاته تتطلّب الحِجر علیه،و إنّما حِجراً خارجیاً،أی:أنّ وضعه المالی ولارتباطه باحتمال تضییع حقوق الآخرین یتطلّب الحِجر علیه،لا لأجل خصیصة ذاتیة فیه:

فکلّ تصرّف أدّی إلی إبطال حقّ الغرماء،فالحِجر یؤثّر فیه کالهبة و الصدقة (2)

ومن هنا فقد حکم البعض،بأنّ التصرّفات التی لا تؤدّی إلی تضییع حقّ الغرماء مسموحٌ له فیها کالبیع مثلاً،فإن کان:

بمثل القیمة جاز،و إن بغبن فلا (3)

لأنّ البیع بالقیمة السوقیة یبقی علی حقّ الغرماء محفوظاً،والبیع بغبن خسارةٌ توجب ضیاع جزء من حقّهم،ومن هنا جوّزوا:

ص:179


1- (1) .الدر المختار:446/6.
2- (2) .حاشیة رد المحتار:441/6.
3- (3) .المصدر نفسه:445.

للمفلّس إجازة بیع الخیار (1)

للعلّة ذاتها علی فرض صحّته؛إذ یکون له الخیار فی الردّ بما لا یؤدّی إلی تضییع حقّه.

وما دام الأمر مرتبطاً بحقوق الغرماء فحکم الحاکم یکون مرتکزاً علیهم،فإذا سمح له الغرماء بالتصرّف یکون تصرّفه نافذاً،فبطلان تصرّفه فی ماله مختصٌّ فی حال:

عدم إجازة الدیان ما دام الحِجر باقیاً (2)

سادساً:أن لا یکون مریضاً مرضَ الموت

ویعدّ هذا الحدّ حدّاً وقائیاً من حدوث الإضرار بالورثة أوّلاً،أو بمن له علیه حقٌّ کالغرماء ثانیاً،فهو لا یقید حرّیة تصرّف المریض مرض الموت فی ماله بشکل مطلق؛إذ هو بالتالی إنسانٌ یتمتّع بکمال الإنسانیة،ف-:

لا إشکال فی جواز انتفاعه بماله بالأکل و الشرب و الإنفاق علی نفسه ومن یعوله و الصرف علی أضیافه،وفی حفظ شأنه واعتباره وغیر ذلک ممّا یلیق به،ولا یعدّ سرفاً وتبذیراً أی مقدار کان (3)

أی أنّ:

تصرّف المریض فی مرض الموت فیما یحتاج إلیه حاجة أصلیة نافذ کشراء الطعام و الکسوة،ونحو ذلک (4)

أمّا فی ما لم یکن له حاجةٌ أصلیة،فلو تمّ حسب الروال السابق علی مرض موته:

فإن لم یکن مشتملاً علی المحاباة،کما إذا باع بثمن المثل أو آجر بأجرة المثل،فلا إشکال فی صحّته ولزوم العمل به (5)

ولکن إذا ما ترتّب علی تصرّفه فی غیر حاجاته الأساسیة نقصٌ فی ماله،فمن ناحیة حقوق الورثة؛إن کان:

البیع بأقلّ من ثمن المثل و الإجارة بأقلّ من أجرة المثل،ونحو ذلک ممّا یستوجب نقصاً فی ماله (6)

ص:180


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:836/177/2.
2- (2) .المصدر نفسه:176.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:1122/306/2.
4- (4) .بدائع الصنائع:133/4.
5- (5) .الخوئی،منهاج الصالحین:1094/224/2.
6- (6) .السیستانی،منهاج الصالحین:1122/307/2.

فقد ذهب البعض إلی توقّف نفوذ تصرّفه هذا علی فیما لو:

لم یکن من قصده الإضرار بالورثة (1)

فصحیحٌ أنّه یتمتّع بکمال الإنسانیة،إلّا أنّه یفترض أنّه مریضٌ مرض الموت،فهو معلّقٌ بین الموت و الحیاة،فتکون سلطته علی ماله فیما لا یختصّ بحاجاته الأصلیة؛سلطةً معلّقةً علی مراعاة مصلحة المالک اللاحق لماله و المحدّد شرعیاً،فإذا کان فی تصرّفه هذا إضرارٌ به،فهو غیر نافذ.

وحسم البعض المسألة بما أنّها ترتبط بحقوق الورثة،بأن علّق نفوذ تصرّفاته تلک علی إمضاء الورثة،حتّی فیما لو کان تعامله مع الورثة ذاتهم فیکون:

بیع المریض مرض الموت عیناً من أعیان ماله لوارثه فاسد...إلّا إذا أجاز الورثة،و إن کان بمثل القیمة (2)

وبهذا لیس له الحقّ فی التصرّفات المنجّزة التی لا یمکن تلافیها؛لأنّه:

إنّما ینفذ من تصرّفات المریض ما یحتمل النقض بعد وقوعه،فأمّا ما لا یحتمل النقض،فالحکم فیه یثبت علی سبیل التوقّف. (3)

وفرّق البعض الآخر بین ما إذا کان تصرّفه زائداً علی مقدار ثلث ماله،وبین ما إذا کان بمقداره أو أقلّ،فبما أنّ للمیت حقّ التصرّف و الوصیة بالثلث من ماله،فقد أجازوا تصرّفاته فیه.

أمّا ما زاد علیه،فهو بحاجة إلی إجازة الورثة علی اعتبار أنّ الأمر یمسّهم بما أنّه مریضٌ مرض الموت؛فتکون تصرّفاته:

نافذة بمقدار الثلث،فإذا زادت یتوقّف صحّتها ونفوذها فی الزائد علی إمضاء الورثة. (4)

أمّا من ناحیة حقوق الغرماء،فبما أنّ هناک شریکاً فی ماله علی نحو تعلّق الدین به،فإنّ ماله:

یصیر بمنزلة الأجنبی عنه حتّی لا ینفذ منه التصرّف المبطل لحقّ الغریم (5)

فتکون حرّیة تصرّفه فیه مقیدةً بالحالة التی:

لا تضرّ بدین علیه بنحو یضیق باقی أمواله عن سداده (6)

أمّا إذا کان مثل هذا التصرّف مضرّاً بدیون الآخرین علیه،فهو غیر مسموح له به ویکون حکمه باطلاً.

ص:181


1- (1) .فقه الشریعة:36/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:14/5.
3- (3) .السرخسی،المبسوط:55/21.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:1122/307/2.
5- (5) .البحر الرائق:/390/6.
6- (6) .فقه الشریعة:36/2.
سابعاً:الإسلام

إنّ الإسلام بما أنّه دینٌ واقعی،فإنّه لم ینطلق فی تشریعاته من رؤیة خاصّة للإنسان-بغضّ النظر عن المحیط الذی یعایشه-بل انطلق من رؤیة شمولیة له تأخذ بنظر الاعتبار المحیط الذی یحیاه و الظروف التی تنتابه.

و قد رأَینا من خلال الأسس التی تطرّقنا إلیها فی المدخل کیف أنّه لم یقلّده وسام الخلافة علی أساس مذهبی،بل بما هو إنسان،و إن جعل الغایة التی یتوخّاها وحثّه علی محاولة الوصول إلیها هی الکمال الذی لا یمکن الوصول إلیه إلّا من خلال توحید الله.

ومن هنا رأینا:کیف أنّه لم یفرّق بین المسلم وغیر المسلم فی جلّ أو جمیع تشریعاته المرتبطة بالإنتاج،إلّا أنّنا لاحظنا أنّ هناک من یفتی فی حالة واحدة فیما تتبّعنا ترتبط بعدم السماح لغیر المسلم بحرّیة ممارسة حقّ تبادلی یتمثّل فی حالة،کونه شفیعاً لشریکه المسلم،فیما لو أراد أن یشتری الحصّة المشاعة للشریک مسلمٌ آخر،فهو یعطی الحقّ للمشتری المسلم علی حساب الشفیع غیر المسلم.

فإذا اشتری المسلم حصّة أحد الشریکین،لم یکن لشریک ذلک الشخص إذا کان کافراً أن یأخذ تلک الحصّة من الشاری المسلم (1)

فمع أنّ الذی یبدو أنّ الشریک یکون أولی من غیره بشراء حصّة شریکه،إلّا أنّ مجیء الفتوی بخلاف ذلک کان:بناءً علی أصل یکون حاکماً علی مثل هذه الأمور،و هو قوله تعالی وَ لَنْ یَجْعَلَ اللّهُ لِلْکافِرِینَ عَلَی الْمُؤْمِنِینَ سَبِیلاً . (2)

فلا مجال لاستعلاء من لم یسبق إلی الغایة التی خُلق الإنسان من أجل الوصول إلیها علی من سبق إلیها،ولو بدرجة واحدة من درجات ذلک السُّلّم التصاعدی و المتمثّلة بالإیمان،فیکون الثانی أحقّ بقیادة العملیة الإنتاجیة؛لکونه قد وضع قدمه علی الطریق الصحیحة لتنمیة تلک العملیة حسب الموازین التی أرادها المستخلِف.

ورأی البعض أنّ هذه المسألة مسألةٌ دنیویةٌ بحتةٌ ترتبط بمسائل المعاش،فلیس لها أدنی ارتباط بقضیة الاستطالة والاستعلاء فیما بین المسلم وغیره،فهی مجرّد عملیة

ص:182


1- (1) .المصدر نفسه:101/87/3.
2- (2) .النساء:141؛جواهر الکلام:294/37،باقتضاب.

تبادلیة لا تؤثّر فی شیء من ذلک،وعلی هذا،فإنّ:

إسلام الشفیع،فلیس بشرط لوجوب الشفعة،فتجب لأهل الذمّة فیما بینهم وللذمّی علی المسلم؛لأنّ هذا حقّ التملّک علی المشتری بمنزلة الشراء منه و الکافر و المسلم فی ذلک سواء؛لأنّه من الأمور الدنیویة...لأنّه حقّ مبنی علی المُلک (1)

فعلی أساس ذلک یکون المسلم وغیر المسلم علی حدّ سواء فی الاستفادة من حقّ الشفعة،فلا تکون حرّیة غیر المسلم مقیدةً،و إن کان المشتری مسلماً.

المطلب الثانی:الحدود العوضیة

اشارة

تحتلّ السلعة أو المنفعة فی الإنتاج الثانوی أو التداولی دور المادّة الأوّلیة فی الإنتاج الأوّلی،فکما أنّ الإنتاج الأوّلی یقع علی المادّة الأوّلیة ولا یصدُق أن یطلق علیه إنتاجاً من دونها،فکذا الأمر بالنسبة إلی السلعة و المنفعة فی الإنتاج الثانوی،إذ إنّ عملیة التبادل تقع علیهما،ولا یمکن أن توجد عملیةٌ تبادلیةٌ من دونهما.

وکنا قد ذکرنا وفقاً لتعریف الإنتاج و الضوابط المستخلصة منه،بأنّ العملیة التداولیة إنّما تقع علی السلعة و المنفعة بما تتقوّمان به من سدّ حاجة یتسقّطها الإنسان،ویسعی للحصول علیها لملء النقص الحاصل لدیه،وضرورة أن تکون تلک الحاجة مشروعةً لیتمّ ملء ذلک النقص بأحسن صورة تفوّت الکثیر من المتاعب و المضاعفات التی ستهدّد حیاته فیما لو لم یلاحِظ ذلک فیها-إی:أن تصبّ فی مصلحته،وتلعب تبعاً لذلک دوراً تنمویاً لا دوراً تخریبیاً للعملیة الإنتاجیة و النشاط الاقتصادی.

وکنّا أطلقنا أیضاً عنوان:الخدمة علی الإنتاج التداولی؛لأنّ العملیات التبادلیة تمثّل فی حقیقتها خدمةً یقدّمها أحد الطرفین إلی الآخر؛سواء کانت سلعةً یتمّ نقلها إلیه بالبیع ونحوه،أو منفعةً یخلّی بینه وبینها،جهداً کانت أو عیناً بواسطة الإجارة و الجعالة ونحوها من العقود و الإیقاعات.

وبذلک تکون هذه الخدمة،و هذه العملیة التداولیة شاملةً للسلع و المنافع،إلّا أنّ بعض العقود تختصّ بالسلع کالبیع،فلا یمکن أن یقع البیع علی المنافع،بینما تختصّ بعضها بالمنافع کالإجارة،و إن وقعت علی عین،فإنّما وقعت علیها لأجل منافعها،لا علیها بالذات.

ص:183


1- (1) .بدائع الصنائع:16/5.

وعلی کلا التقدیرین،فإنّ الشارع الإسلامی وضع حدوداً لهذه السلع و المنافع المعبَّر عنهما فقهیاً بالمبیع و المثمن،والمضارب فیه و المستأجَر،والمجعول علیه و الموکَّل فیه،وما إلی ذلک،وللعوض المقدّم أزاءهما و المعبَّر عنه فقهیاً بالثمن و الأجرة و الجعل ونحوها،ولا فرق

بینهما من حیث الأساس،فیشترک کلا العوضین الثمن و المبیع علی سبیل المثال فی خضوعهما لتلک الحدود التی سنوردها حسب الشکل التالی:

أوّلاً:عدم السماح بتداول غیر المعین وغیر المعلوم

ویقوم هذا الحدّ علی أساس الحیلولة دون الغرر الذی ربّما یحصل من خلال عدم التحدید و التعیین،فرفع الجهالة عن کلّ من العوضین یعدّ شرطاً رئیساً فی نفوذ المعاملة،فیشترط:

فی البیع أن لا یکون غرریاً (1)

فإنّ جهالة کلّ من العوضین أو أحدهما یفضی إلی الغرر من خلال احتمال تخلّف المواصفات التی یتوقّعها المتعامِل مع عدم البوح بها والاتّفاق حولها،فلا بدّ:

أن یکون المبیع معلوماً و الثمن معلوماً علماً یمنع من المنازعة،فالمجهول جهالة مفضیة إلیها غیر صحیح کشاة من هذا القطیع. (2)

ولا یمکن أن یتمّ ذلک إلّا من خلال تحدید النوعیة و المقدار،وکلّ ما له دخلٌ فی تعیینهما بما یرفع الجهالة،کالأجل فیما لو کانت المعاملة تتمّ علی شیء مؤجّل.

ففیما یرتبط بالنوعیة فإنّه:

یشترط معرفة جنس العوضین وصفاتهما التی تختلف القیمة باختلافها،کالألوان و الطعوم،والجودة و الرداءة،والرقّة و الغلظة،والثقل و الخفّة ونحو ذلک. (3)

فینبغی تعیین کلّ ما له ارتباطٌ فی معرفة نوعیة العوضین معرفةً لا تؤدّی إلی الجهالة الموجبة للغرر،فإذا:

اشتری من هذا اللحم ثلاثة أرطال بدرهم،ولم یبین الموضع فالبیع فاسد (4)

لأنّ لحم الذبیحة تتفاوت نوعیته ومواصفاته من موضع لآخر.

ص:184


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:87/24/2.
2- (2) .البحر الرائق:436/5.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:97/36/2.
4- (4) .بدائع الصنائع:158/5.

أمّا بالنسبة إلی المقدار،فإنّه من اللازم أیضاً تحدیده؛لأنّ:

شرط الصحّة معرفة قدر مبیع وثمن (1)

و هذا یصبّ أیضاً فی ذات الاتّجاه بأن یکون،کلا المتعاملین علی معرفة تامّة بما یقدِمان علیه حفظاً لحقوق کلّ منهما،ونیل ما یطلبانه من تلک المعاملة.

فلا بدّ من:

تحدید مقدار کلّ من العوضین بالنحو الذی یرفع الجهالة الموجبة لوقوع أحد المتعاقدین أو کلیهما فی الغرر وتحقّق غیر المراد (2)

و هذا ینطبق علی کافّة المعاملات،ففی الإجارة علی سبیل المثال:

یعتبر فی الأجرة معلومیتها،فإذا کانت من المکیل أو الموزون أو المعدود لا بدّ من معرفتها بالکیل و الوزن أو العدّ،وما یعرف منها بالمشاهدة،لا بدّ من مشاهدته أو وصفه علی نحو ترتفع الجهالة (3)

وعلی هذا الأساس،حظروا بیع الثمار و الخضّار و الزرع قبل ظهوره،فإذا:

کان الشجر فی مرحلة الإزهار ولم یکن قد ظهر شیء من ثمره،فإنّ الأحوط وجوباً ترک بیعه فی هذه الحالة فی خصوص عامه هذا دون ضمیمة (4)

وکذا الزرع،فإنّه:

لا یجوز بیع الزرع بذراً قبل ظهوره علی الأحوط وجوبا (5)

والأمر یسری فی:

الخضر کالخیار و الباذنجان و البطیخ[؛إذ]لا یجوز بیعها قبل ظهورها علی الأحوط (6)

وما ذلک إلّا لأجل:

مظنّة جهالة المقدار. (7)

فهذا المقدار یجب أن یکون محدَّداً مضبوطاً،ولا یکفی تحدیده حتّی علی سبیل أن یکون معادلاً لقیمته دون ذکر تلک القیمة،أو أن یوکل أمر تحدیده إلی شخص آخر دون ذکر

ص:185


1- (1) .حاشیة ردّ المحتار:9/5.
2- (2) .فقه الشریعة:424/2.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:107/2.
4- (4) .فقه الشریعة:741/474/2.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:286/88/2.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:273/65/2.
7- (7) .فقه الشریعة:473/2.

مقداره فی العقد،فلا یصحّ بیع الشیء:

بقیمته أو بحکم فلان. (1)

وبالنسبة إلی الأجل فیما لو کان البیع نسیئةً مثلاً،یلزم:

معلومیة الأجل فی البیع بثمن مؤجّل ففسد إن کان مجهولا (2)

أی:أن یتمّ تحدید الأجل بشکل یدفع أی جهالة،وأی نزاع حوله.

وینطبق ذات الأمر علی بیع السلف،فیجب:

تعیین أجل مضبوط للمسلَم فیه بالأیام أو الشهور أو السنین أو نحوها،ولو جعل الأجل زمان الحصاد،أو الدیاس،أو الحضیرة بطل البیع (3)

وذلک لعدم ضبط مثل تلک الموارد.

ولا یقتصر أمر أن یکون کلا العوضین معیناً محدَّداً علی فیما لو کان العوضان عیناً مشخّصة،بل هو کذلک فیما لو کانت الأجرة مثلاً حقّاً من الحقوق:

کمثل حقّ(الخلو)وحقّ الحضانة،وحقّ الاختصاص،وحقّ التألیف،ونحو ذلک؛فإنّه لا بدّ من کونه معلوماً محدّداً بما یرفع الجهالة به (4)

وکذا لو کان منفعةً کعمل الأجیر،فلا بدّ من:

تحدید نوع ومواصفات العمل المطلوب (5)

والموضوع و المدّة أو المسافة فیما لو کان عیناً مستأجرةً:

فإذا استأجر الدار للسکنی سنةً و الدابة للرکوب فرسخاً من دون تعیین الزمان بطلت الأجارة (6)

ویتّضح بهذا أنّ التداول لا یکون تامّاً ترتّب علیه الآثار المطلوبة إلّا من خلال تعیین وتحدید ما یراد تداوله منفعةً کان أو سلعةً:

والقاعدة فی ذلک أنّه:(یجب ذکر کلّ ما ترتفع به الجهالة و الغرر) (7)

فمع أنّ هذه المسألة خاضعةٌ لتوافق الطرفین،إلّا أنّ هذا الخضوع لا یکون سائباً بشکل

ص:186


1- (1) .حاشیة ردّ المحتار:9/5.
2- (2) .البحر الرائق:437/5.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:60/2.
4- (4) .فقه الشریعة:241/194/2.
5- (5) .المصدر نفسه:233/188.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:373/80/2.
7- (7) .البحر الرائق:434/5.

یجعلهما غیر مُلزَمین فی تحدید کثیر من الأمور الدخیلة فی انتقاص حقوق کلّ منهما فیما لو لم یضبطاها بشکل یحول دون ذلک،ممّا سیؤدّی إلی حدوث نزاعات تعرقل العملیة التبادلیة،ولأجل هذا فهما مقیدان بمراعاة ما یحول دون الغرر الواقع علی أحدهما أو کلیهما،وضمان سلاستها وانسیابیتها.

وللتأکید علی أهمّیة هذا الحدّ فقد حظر الإسلام الغشّ،وأعطی للمغشوش فرصة إبطال المعاملة فیما لو کان الغشّ جزئیاً.فمع أنّها لا تبطل من الأساس فیما لو کان جزئیاً،إلّا أنّ له الحقّ فی إبطالها،فإنّ:

الغشّ و إن حرُم لا تفسد المعاملة به،لکن یثبت الخیار للمغشوش (1)

أما لو کان الغشّ کلّیاً،کما لو اختلف جنس ما تمّ التعامل و التوافق علیه،فإنّ المعاملة تُعدّ باطلةً من الأساس،ویتحمّل الغاشّ کافّة تبعاتها،ففی مثل:

بیع المطلی بماء الذهب أو الفضّة

فیما لو کان البیع وقع علی الخالص منهما:

فإنّه یبطل فیه البیع،ویحرُم الثمن علی البائع،وکذا أمثاله ممّا کان الغشّ فیه موجباً لاختلاف الجنس (2)

ثانیاً:عدم السماح بتداول ما لا ینفذ التصرّف فیه

ونفوذ التصرّف یرتکز علی ملکیته من قِبل المتصرِّف أو کون المتصرِّف وکیلاً عن المالک أو مأذوناً منه أو ولیاً علیه،والملکیة فی هذا المجال علی أنحاء،فمنها ما تکون حقیقیة،أی:

یکون موجوداً مالاً متقوّماً مملوکاً فی نفسه (3)

فیکون ما فإمّا أن یکون شیئاً منفرداً بذاته کالثوب و البیت،أو أن یکون جزءً من کلّی معین ککیلو

ص:187


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:27/10/2.
2- (2) .المصدر نفسه.
3- (3) .فقه الشریعة:422/2.

غراماً من هذا الطعام،ففی کلا الحالین یکون الشیء المملوک موجوداً فی الخارج ومملوکاً ملکیةً حقیقیة.

یراد تداوله متشخّصاً ومتعیناً فی الخارج،و هو علی نحوین:

فإمّا أن یکون شیئاً منفرداً بذاته کالثوب و البیت،أو أن یکون جزءً من کلّی معین ککیلو غراماً من هذا الطعام،ففی کلا الحالین یکون الشیء المملوک موجوداً فی الخارج ومملوکاً ملکیةً حقیقیة.

ومنها ما تکون اعتباریة،أی:أنّ ما یراد تداوله غیر موجود فی الخارج-حسب ما تقدّم فی الملکیة الحقیقیة-و إنّما یکون علی شکل التزام بإیجاده حسب المواصفات المتّفق علیها،و هو ما یطلق علیه فقهیاً بالکلّی فی الذمّة.

أی:أنّ هناک شیئاً مفترضاً بمواصفات معینة کسلعة یتعهّد البائع بتوفیرها أو بناء یلتزم الأجیر بتنفیذه.

وعلی أساس ذلک لا یجوز تداول ما لم یملک بعد:

مثل بیع السمک فی الماء و الطیر فی الهواء،وشجر البیداء قبل أن یصاد أو یحاز (1)

والمراد من ذلک بیعه هذا السمک،و هذا الطیر و هذا الشجر بالتحدید بواقعه المشخَّص فی الخارج،ومثله:

بیع ما لیس مملوکاً له،و إن ملکه بعده (2)

کالکتاب المملوک فعلاً من قِبل زید،علی خلاف ما لو باع کتاباً فی الذمّة لا خصوص کتاب زید.

ومنه ما لو:

اشتری منقولاً،ولم یقبضه فباعه لا یصحّ بیعه (3)

فینزّل منزلة غیر المملوک فیما لو أراد بیعه،و إن ترتّبت علیه آثار الملکیة من نواح أُخر.

أو کان مملوکاً بنحو العموم کأرض الخراجّ إذ:

لا یجوز بیع رقبة الأرض الخراجیة.وهی:الأرض المفتوحة عنوة العامرة-لا بالأصالة-حین الفتح،فإنّها ملک للمسلمین من وجِد ومن یوجد (4)

لأنّ ملکیتّها عامّةٌ غیر شخصیة،فلا یمکن نفوذ التصرّف فیها بمثل البیع،وکذا لا یصحّ بیع:

أرض أحیاها بغیر إذن الإمام (5)

فیما یحتاج إلی الإذن من الأراضی،لعدم استئذانه الإمام.

ص:188


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:93/26/2.
2- (2) .حاشیة ردّ المحتار:8/5.
3- (3) .المصدر نفسه:9.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:104/38/2.
5- (5) .البحر الرائق:435/5.

أو لم یکن ملکاً طلقاً،أی:عدم وجود مانع من التصرّف فیه،و إن کان مملوکاً،کبیع الوقف مثلاً:

فلو کانت العین موقوفة لم یجز بیعها (1)

عموماً؛إلّا فی بعض مواردها التی لا مجال لتفصیلها هنا.

فلا ینفذ تداول ما لا یکون کذلک،کما لو کان ممّا لا تتحقّق ملکیته للمتصرّف:

فلا یصحّ أن یجعل أجرته خمراً أو مالاً مغصوبا. (2)

وینطبق کلّ هذا علی المنافع و الحقوق أیضاً،فإذا:

کانت الأجرة التی یرید دفعها(حقّاً)من الحقوق...لا بدّ من کونه مملوکاً له (3)

إذ لا یسمح له بالتصرّف بحقّ غیره،ولو قام الولی بإجارة الصبی فبلغ الصبی أثناء مدّة الإجارة:

فله الخیار فی إجارة النفس إن شاء مضی علیها و إن شاء أبطلها (4)

لملکیته لمنافع نفسه حینئذ بسقوط ولایة الغیر علیه بالبلوغ.

ویتبین ممّا سبق أنّه لا بدّ فی صحّة تداول المنافع و الأعیان من ثبوت حقّ التصرّف فیها،فلا یسمح بحرّیة التصرّف فیها من دون ثبوت ملکیتها للمتصرِّف أو ولایته علیها أو مأذونیته فیها،حیث یرتبط هذا الأمر بحقیقة کون الناس مسلّطون علی أنفسهم وأموالهم ولزوم احترام ذلک التسلّط و المال،من خلال الحقّ الذی أوجبه الله تعالی لهم فی کونهم خلفاء له فی إعمار الأرض،وضرورة وقوع ذلک الحقّ علی ما یصحّ أن یکون مورداً لإعمال ذلک الحقّ.

ثالثاً:عدم السماح بالتداول علی غیر المقدور

وتخضع حرّیة تبادل العوضین کذلک إلی أن یکونا ممّا یقدر علی تسلیمه،فلا یکفی أن یکونا محدَّدین ومملوکین علی نحو ینفذ التصرّف فیهما کما مرّ،بل لا بدّ وأن یکون المتداوِل متمکّناً من إعداد العوض ودفعه إلی الطرف الآخر،فیشترط:

فی کلّ من العوضین أن یکون مقدوراً علی تسلیمه،فلا یجوز بیع الجمل الشارد،أو الطیر الطائر،أو السمک المرسَل فی الماء. (5)

ص:189


1- (1) .فقه الشریعة:424/2.
2- (2) .المصدر نفسه:241/193.
3- (3) .المصدر السابق:241/194.
4- (4) .بدائع الصنائع:154/5.
5- (5) .الخوئی،منهاج الصالحین:101/28/2.

وذلک؛لأنّ عملیة الخدمة و التبادل ستکون منتفیةً من الأساس،مع أنّ العوض فی تلک الموارد غیر معدوم،بل هو مملوکٌ أساساً کما یلاحَظ فی الاقتباس الذی مرّ،فالبیع مثلاً:

کما یستدعی المُلک فی المحلّ یستدعی القدرة علی التسلیم؛ولهذا لا ینفذ فی الآبق و الجنین فی البطن،فکذلک لا ینفذ فی المرهون لعجز الراهن عن تسلیمه (1)

وعدم النفوذ،یعنی:عدم وقوعه من الأساس.

ولا یختصّ ذلک بالبیع،بل یشمل کلّ عوض عیناً کان أو منفعة،فیشترط فی الأجرة:

أن تکون ممّا یمکن تسلیمها ودفعها للأجیر عند اللزوم،فلا یصحّ أن یجعل أجرته...طائراً فرّ من قبضته (2)

وینطبق ذلک علی المنفعة أیضاً،فلو:

ظنّ الکفیل قدرته علی إحضاره[المکفول]فتبین عجزه عنه من الأوّل بطلت الکفالة من حین الانکشاف (3)

إذ ستنتفی بذلک قدرته علی تسلیمه.

فالمقصود من التداول،هو:الفائدة المرجوّة منه،و هذا ما لا یتمّ إلّا من خلال التخلیة فیما بین المتعامِل وبین العوض،فإذا لم تتوفّر مثل هذه القدرة علی التخلیة،فستنتفی تلک المنفعة المقصودة،وعلی هذا فإنّ:

القدرة علی التسلیم لذا العاقد شرط انعقاد العقد:لأنّه لا ینعقد إلّا لفائدة،ولا یفید إذا لم یکن قادراً علی التسلیم (4)

ولا یضرّ فی تحقّق القدرة علی تسلیم المنفعة أن یکون:

العمل فی نتائجه خاضعاً-فی بعض الأحیان-لمقدّمات غیر اختیاریة قد تؤثّر علی النتیجة وجوداً وعدما (5)

فعدم وصول موادّ البناء بسبب انقطاع الطریق-علی سبیل المثال-لا یعدّ مبطلاً للإجارة علی اعتبار أنّ مثل هکذا أمور تُعدّ موانع طبیعیةً لا یملک کلا المتعاملین الاختیار فی الحیلولة دون وقوعها،أو التسبّب فی وجودها،فهی من الأمور الخارجة عن نطاق الاختیار.

ص:190


1- (1) .السرخسی،المبسوط:137/21.
2- (2) .فقه الشریعة:241/193/2.
3- (3) .المصدر نفسه:233/169/3.
4- (4) .بدائع الصنائع:147/5.
5- (5) .فقه الشریعة:238/192/2.

فتکون حرّیة التداول مقیدةً بوجود قابلیة علی إیصال فائدة ومنفعة العوض إلی الطرف الآخر،فیما لا یرتبط بالموانع الخارجة عن نطاق قدرتیهما.

رابعاً:عدم السماح بتداول غیر النافع

والمقصود من النفع هنا،هو:المالیة المعتبرة فی الشیء،بلحاظ أنّ مالیة الشیء ترتکز علی مقدار الفائدة التی یتمتّع بها و:

التی بلحاظها تکون للشیء قیمة سوقیة معتدّ بها،و إن اختصّ العلم بوجودها ببعض أصحاب الاختصاص،سواء کانت مرغوبة لعامّة الناس أو لقسم خاصّ منهم (1)

ومع أنّ البعض قد خصّ ذلک بالمال المتقوّم بدل المال،إلّا أنّ ذلک ناظرٌ إلی قید آخر یخضع له العوضان،فالمالیة عندهم:

تثبت بتموّل الناس کافّة أو بعضهم،والتقوّم یثبت بها بإباحة الانتفاع به شرعاً،فما یباح بلا تموّل لا یکون مالاً کحبة حنطة وما یتموّل بلا إباحة انتفاع لا یکون متقوّماً کالخمر.و إذا عدم الأمران لم یثبت واحد منهما کالدم (2)

إذ إنّ المتقوّم عندهم هو:

ما یجب إبقاؤه بعینه أو بمثله أو بقیمته،والخمر یجب اجتنابها بالنصّ فلم تکن متقوّمة (3)

فیعود المتقوّم إلی ما له قیمةٌ عینیةٌ کانت أو مثلیة،والقیمة إنّما تقع علی ما له فائدة.وبما أنّ منفعة الخمر منفیةٌ باعتبار عدم إباحته،فیکون مقصودهم من التقوّم هو الفائدة المباحة،-أی:أنّ المالیة لا تقتصر علی کون الشیء مفیداً،بل ومباحاً أیضاً،-و هو کما تری یعدّ قیداً آخر من قیود العوضین،والتی سنأتی علیه لاحقاً،فلا خلاف فی حقیقة الأمر،فالمالیة ترتبط بمقدار ما للشیء من فائدة،فإذا فُقدت تلک الفائدة خرج عن کونه مالاً کحبّة الحنطة،وبذلک یکون بیع:

ما لا فائدة فیه وشراؤه فاسد (4)

ولا تتحدّد فائدة العوض بالعوض ذاته،بل ربما تکون فائدته متوقّفةً علی أمور أخری،لا علی العوض ذاته،فیلزم أن تتوفّر فی العین التی یراد إجارتها:

ص:191


1- (1) .المصدر نفسه:594/404.
2- (2) .حاشیة ردّ المحتار:4/5.
3- (3) .البحر الرائق:437/5.
4- (4) .المصدر نفسه.

قابلیتها للانتفاع المقصود من الإجارة،فلا تصحّ إجارة الأرض للزراعة إذا لم یکن المطر وافیاً،ولم یمکن سقیها من النهر أو غیره (1)

فمسألة الفائدة ترتبط بما یرجی من تلک العین أو تلک المنفعة أو ذلک الحقّ المراد تداوله،فلو کان المقصود من إجارة تلک الأرض السکن مثلاً،لتوفّرت مثل تلک الفائدة بغضّ النظر عن توفّر وجود شیء آخر زائداً علیها.

فلا یکفی وجود ما یراد شراؤه مثلاً إذا لم یمکن الاستفادة منه فعلیاً،إذ إنّه-والحال هذه یکون مرادفاً للعدم-المطلوب هو توفّر فائدة حقیقیة وواقعیة.

وعلی هذا الأساس قالوا فی الحیوان بأنّه:

لا یجوز شراء بعض معین منه کرأسه وجلده إذا لم یکن ممّا یطلب للحمه،بل کأن کان المقصود الإبقاء للرکوب أو الحمل أو نحوهما (2)

فشراء الرأس و الجلد یصبّ فی إرادة الاستفادة منهما بنحو الرأسیة و الجلدیة و الحال أنّه لا یمکن استیفاؤهما بحسب الفرض،فیکون شراؤهما عملاً غیر انتاجی؛لأنّه سیجمّد المال دون استفادة تُذکر،کمن یشتری حدید الدار بإرادة الحدیدیة مع أنّه متقوّمٌ بنحو الداریة.

ولا تقتصر تلک المالیة و الفائدة علی الأعیان کما أسلفنا،بل إنّها تشمل المنافع و الحقوق أیضاً،فلم یصحّحوا علی هذا الأساس:

استئجار الأقطع و الأشل للخیاط بنفسه و القصارة و الکتابة،وکلّ عمل لا یقوم إلّا بالیدین واستئجار الأخرس لتعلیم الشعر و الأدب (3)

إذ لا یمکن استیفاء منافعهما وهما بتلک الحال،والأمر ینطبق کذلک علی الأجرة،فیلزم أن تکون:

ممّا له قیمة،ویصحّ فیها أن تکون عیناً،کالنقد و السلع،أو تکون عملاً للمستأجر عند الأجیر...أو تکون حقّا (4)

فلا فرق فی ذلک جمیعاً؛إذ إنّ الغایة الأصلیة هو مقدار الفائدة التی یمکن استیفائها من الشیء،هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ جعل الحقّ أجرةً لا یعنی أنّ الحقّ ممّا یمکن التعامل علیه بالبیع و الشراء،بل بعنوان رفع الید عنه-أی:إسقاطه.

ص:192


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:106/2.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:297/68/2.
3- (3) .بدائع الصنائع:175/4.
4- (4) .فقه الشریعة:241/192/2.

فالمقصود من کونه ثمناً أن یکون الثمن مقابل التخلّی و التنازل عنه لا بیعه؛لأنّ:

الحقوق مطلقاً من قبیل الأحکام،فکما لا یصحّ بیعها لا یصحّ جعلها ثمنا. (1)

والمسألة الأخری المهمّة المرتبطة بالموضوع،هی:أنّ الفائدة تعنی أن تکون للشیء المتداوَل قیمةٌ إنتاجیةٌ،ولا نقصد بالقیمة هنا الثمن و إنّما الأهمّیة والاعتبار.

فالأمور العبثیة التی کثیراً ما یتعامل علیها فی عصرنا الراهن،لم یسمح الشارع الإسلامی بالتعاوض علیها،فیشترط فی الجعالة مثلاً:

أن یکون للعمل فائدة معتبرة عند العقلاء،فلا یصحّ الجعل علی العمل العابث الذی لا فائدة منه،کمثل القفز فی الهواء. (2)

إذ إنّ الغایة من عملیة التداول و الخدمة هو الفائدة المرجوّة منها،والتی تعمل بدورها علی تنمیة الإنتاج من خلال محاولة خلق فرص جدیدة له بتتبّع الفوائد التی یقصدها الناس،و هذا علی العکس من الأعمال العبثیة التی تؤدّی إلی تراجع الإنتاج،بل إنّها ممّا لا ینطبق علیها تعریف الإنتاج وضوابطه.

خامساً:عدم السماح بالتداول علی الواجب

الأمر الآخر الذی یدخل ضمن نطاق الحدود العوضیة،هو:أن لا یکون الأمر الذی یتمّ التعامل علیه من الواجبات التی کُلّف المتعامِل بالإتیان بها بنفسه،فما نُسب إلی الأحناف من أنّ:

الإجارة علی الطاعات کاستئجار شخص آخر لیصلّی أو یصوم أو یحجّ عنه أو یقرأ القرآن ویهدی ثوابه إلیه أو یؤذّن أو یؤمّ بالناس أو ما أشبه ذلک لا یجوز،ویحرُم أخذ الأجرة علیه (3)

غیر دقیق.

إذ إنّ لفظة الطاعات تشمل جمیع الأمور التی یتقرّب بها إلی الله سواء کانت من الواجبات أو غیرها،فمع أنّ المتقدّمین منهم قد أفتوا بعدم جوازها فی الجمیع،کما فی مثل:

الأذان و الحجّ و الإمامة وتعلیم القرآن و الفقه (4)

ص:193


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:86/24/2.
2- (2) .فقه الشریعة:327/247/2.
3- (3) .فقه السنّة:183/3.
4- (4) .الدرّ المختار:339/6.

إلّا أنّ المتأخّرین فرّقوا بین ما کان واجباً وغیر واجب،فأفتوا بجواز:

أخذ الأجرة علی الأذان و الإمامة و التعلیم (1)

باعتبار أنّها لیست من الواجبات العینیة أو الکفائیة اللازم الإتیان بها مجّاناً؛ولذلک لم یدخلوا ما یأخذه القاضی تحت عنوان الصلة أو الأجرة:

لأنّ مثل هذه العبادة لم یقل أحد بجواز الاستئجار علیها. (2)

ومن خلال هذا التفریق حکم البعض بأنّ التعلیم الجائز أخذ الأجرة علیه لا یشمل ما وجب منه،کما فی:

تعلیم الحلال و الحرام وتعلیم الواجبات مثل الصلاة و الصیام وغیرهما ممّا هو محلّ الابتلاء علی الأحوط وجوبا (3)

علی اعتبار أنّ تعلیم ذلک وتعلّمه واجبٌ أیضاً،فلا یشذّ عن عدم الجواز،و إن کان تعلیماً،مع أنّها من الواجبات الکفائیة لا العینیة.

فلا یجوز:

ولا یصحّ استئجار الإنسان لیقوم بالواجب الکفائی المتوجّه إلیه عموماً إذا کان من نوع الواجبات التی رغب التشریع بالإتیان بها مجّاناً؛وذلک مثل الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر،والإفتاء من المجتهد،والقضاء،والجهاد الدفاعی (4)

ویشمل ذلک أولویاً:

استئجار المکلّف من أجل أن یؤدّی الواجبات العینیة المطلوبة من کلّ مکلّف. (5)

إذ إنّها مطلوبةٌ منه بالذات علی سبیل الحصر.

بل ذهبوا أکثر من ذلک،فقالوا بعدم الجواز علی ما هو غیر واجب أیضاً،فیما لو عُلم إرادة الشارع الإتیان به علی سبیل المجّان،ولذلک لم یصحّحوا الجعالة:

علی ما عُلم من الشرع لزوم الإتیان به مجّاناً،واجباً کان أو مستحباً عینیاً کان أو کفائیاً،عبادیاً کان أو توصلیا (6)

ص:194


1- (1) .حاشیة ردّ المحتار:405/4.
2- (2) .المصدر نفسه:320.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:476/133/2.
4- (4) .فقه الشریعة:158/150/2
5- (5) .المصدر نفسه:157/150/2.
6- (6) .السیستانی،منهاج الصالحین:548/154/2.

فعدم السماح بالتعامل علی ما لزم الإتیان به مجّاناً یشمل کلّ تلک الموارد.

وما ینطبق علیها،ولأجل هذا:

لا تصحّ الوکالة فیما یعتبر إیقاعه مباشرة. (1)

سادساً:عدم السماح باحتکار ما یضرّ احتکاره بالعامّة

لقد ذکرنا فیما مضی بأنّ الاقتصاد الإسلامی اقتصادٌ تنموی،ومن مستلزمات التنمویة فی قطاع التداول،السیولة سواء کانت نقدیةً أو سلعیة،حیث یکون النقد و السلع فی متناول الجمیع ممّا یؤدی إلی إشباع حاجات أوسع طیف ممکن،وبالتالی تنامی هذه النقود و السلع بعیداً عن التلاعب و الحیف،ومن هنا نلاحظ حظر الشارع الإسلامی الاکتناز فی مجال النقد،والذی یرادفه حظر الاحتکار فی مجال السلع؛إذ إنّ:

أعمال الاحتکار والاستئثار تقوم علی أساس القوّة ولا تحقّق انتفاعاً ولا استثماراًمباشرا (2)

ولم یقتصر علی حظر الاحتکار بأسلوبه الجزئی المباشر،فإنّه:

یحرُم الاحتکار،و هو:حبس السلعة والامتناع من بیعها،لانتظار زیادة القیمة،مع حاجة المسلمین إلیها،وعدم وجود الباذل لها (3)

بل تعدّی الحظر إلی أسلوبه العامّ غیر المباشر،والذی یعدّ أکثر خطورةً وتهدیداً للأمن الاقتصادی،والذی یتمثّل باحتکار السوق،والذی یتمّ من خلال سیطرة السماسرة علی المبادلات التجاریة،وعدم سماحهم بمرور السلع إلّا من خلال غربال رسومهم الجمرکیة،إن صحّ التعبیر.

فقد جاء فی النبوی الصحیح:

«نهی النبی صلّی الله علیه وسلّم عن التلقّی وأن یبیع حاضر لباد» (4)

فهو یشمل تلقّی السلع أو ما یعبّر عنه بتلقّی الرکبان،الذی هو عبارة عن خروج التاجر إلی خارج البلد لیستقبل أصحاب البضائع ویشتری منهم بضائعهم قبل أن یدخلوا البلد ویرجع إلی المدینة فیبیع السلع علی الناس.وکذا قیام التجّار بتولّی شؤون القرویین الذی یقدِمون

ص:195


1- (1) .المصدر نفسه:1269/342/2.
2- (2) .اقتصادنا:537.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:46/15/2.
4- (4) .صحیح البخاری:28/3.

المدینة فیشترون منتجاتهم منهم لیتحکّموا فی بیعها،فیکونون محتکرین للسوق،ویقصون باقی الناس من شرائها مباشرةً من القرویین ممّا یؤدّی إلی التلاعب بالأسعار ووقوع الحیف علی العامّة،و هو ما یلمّح إلیه النبوی الآخر:

«لا یبیع حاضر لباد دعوا الناس یرزق بعضهم من بعض» (1)

فهذان أسلوبان للاحتکار،احتکارٌ جزئی خاص،واحتکارٌ کلّی عام،إلّا أنّ الشارع وحرصاً منه علی حرّیة عملیة التداول،قصر حظرهما علی حالة ما

(إذا کان یضرّ بأهل البلد أو یلبس السعر)علی الواردین لعدم علمهم به،فیکره للضرر و الغرر(أما إذا انتفیا فلا)یکره (2)

والکراهة هنا تحریمیة.

ومع أنّ البعض خصّه بالقوت من الطعام،إلّا أنّ الأنسب بالموضوع هو أنّ:

الاحتکار یجری فی کلّ ما یضرّ بالعامّة...قوتاً کان أو لا (3)

إذ إنّ الإضرار بالعامّة فی مثل هذه الموارد لا یقتصر علی القوت فحسب،فمع:

أنّ الشریعة حرّمت الاحتکار فی بعض السلع الضروریة وترکت للحاکم الشرعی أن یمنع عنه فی سائر السلع ویأمر بأثمان محدّدة تبعاً لما یقدّره من المصلحة العامّة،فإذا استعمل الحاکم الشرعی صلاحیته هذه وجبت إطاعته (4)

فیتّبع الوسائل الممکنة فی سدّ جمیع المنافذ المستحدثة فی الاحتکار بشقّیه الجزئی و الکلّی.

سابعاً:عدم السماح بالإجحاف بالثمن

مع أنّ الشارع الإسلامی لم یقید حرّیة الإنسان فی اختیار مقدار الثمن الذی یریده لقاء سلعته أو الأجرة لقاء خدمته،فجعله خاضعاً للتوافق الذی یتوصّل إلیه الطرفان،و هو ما یحدّده سیر العملیة الاقتصادیة فی السوق،ولکنّه تدخّل علی نحوین لرفع الإجحاف بارتفاع الأسعار.

واتّخذ النحو الأوّل طابعاً عامّاً؛وذلک فی حالات الاحتکار و الندرة المصطنعة التی تؤدّی إلی الإضرار بعامّة الناس فی توفیر احتیاجاتهم،واقتصر فیه علی إجبار:

المحتکر علی البیع فی الاحتکار المحرّم،من دون أن یعین له السعر. (5)

ص:196


1- (1) .السنن الکبری:12/4.
2- (2) .الدر المختار:223/5.
3- (3) .بدائع الصنائع:12/5.
4- (4) .الفتاوی الواضحة:23/31.
5- (5) .الخوئی،منهاج الصالحین:46/15/2.

إلّا أنّه أعطی الحقّ للحاکم الشرعی فی تحدید الأثمان،وذلک لتنظیم السوق و الحفاظ علی مصالح عامّة الناس فیما لو أضرّ ارتفاع الأثمان بذلک،فمسألة تحدید الأسعار تقتصر ابتداءً علی الموادّ الضروریة،وهی:

القوتین لا غیر (1)

لکنّه فی حال سریانه إلی بقیة الموادّ فیما لو:

تعدّی أرباب غیر القوتین وظلموا علی العامّة فیسعّر علیهم الحاکم (2)

فیشمل کلّ مادّة تُصبح ضروریةً للعامّة.

وعلی الخصوص،فی الحالات الطارئة التی تعمّ المجتمع کالمجاعة ونحوها،فإذا:

کان السعر الذی اختاره مجحفاً بالعامّة أُلزم علی الأقلّ الذی لا یکون مجحفا (3)[بهم،و]إن کان أزید من السعر المتعارف فی الظروف العادیة. (4)

فالتحدید لا یکون مطلقاً،بل یقتصر علی ما یتحقّق به رفع الإضرار بعامّة الناس لا خاصّتهم.

واتّخذ النحو الثانی طابعاً خاصّاً؛وذلک من خلال حظر النجَش،و هو:الزیادة علی ثمن السلعة عند المساومة علیها بهدف زیادة ثمنها من دون قصد شرائها.فیعدّ هذا الأسلوب إجحافاً بحقّ المشتری؛إذ إنّ ثمنها سیکون ثمناً غیر واقعی،وربّما أدّی إلی کساد السوق،وذلک من خلال انصراف المشتری عن الشراء و البائع عن البیع من خلال بقائه مصرّاً علی الثمن الوهمی الذی أُعطی له باعتقاد أنّه ثمنٌ حقیقی،فذاک مثل هذا العمل:

حرام مطلقاً،و إن خلا عن تغریر الغیر وغشّه علی الأحوط،ولا فرق فی ذلک بین ما إذا کان عن مواطاة مع البائع وغیره (5)

و إن ورد بلسان الکراهة؛إذ إنّ کراهته:

تحریمیة لا نعلم خلافاً فی الإثم (6)

ثامناً:عدم السماح بتداول المحظور
اشارة

ویعدّ هذا الحدّ من أکثر الحدود تقییداً لحرّیة الفرد بخصوص العوضین؛إذ هو یشمل جمیع

ص:197


1- (1) .الدر المختار:720/6.
2- (2) .المصدر نفسه.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:50/20/2.
4- (4) .فقه الشریعة:599/408/2.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:27/12/2.
6- (6) .البحر الرائق:163/6.

ما حظر الشارع الإسلامی تبادلَهُ،و قد مرّ الکثیر منه فی مطلب التصنیع فحویً،ویمکننا تقسیم ذلک إلی قسمین رئیسیین:

-ما کان محظوراً حظراً ذاتیاً کالتبادل الواقع علی عملیة الزنی.

-وما کان محظوراً حظراً تبعیاً کالواقع علی غایة محظورة.ولا یقتصر الأمر علی لزوم کون العمل نفسه غیر محظور،بل یلزم أن یکون العوض کذلک أیضاً.

فإنّه یشترط فی الأجرة:

أن تکون عملاً محلّلاً،فلا یصحّ أن یجعل أجرته علی بناء داره أن یغنّی له أو أن یعلّمه الغناء. (1)

المحظور منه.

ولأجل عدم الاستغراق کثیراً فی هذا الحدّ بما له من سعة وشمولیة،حیث یتطلّب التفصیل فیه إفراد کتاب خاصّ حوله إذا ما أردنا الخوض فی الأدلّة وتفصیلها وتحلیلها؛فلذلک سنحاول اختزاله بالشکل الذی یحاول استیعاب أغلب حالاته،هذا مع أنّنا سنؤخّر الکلام عن بعض الحالات التی یشملها الحظر إلی فصل الاستهلاک؛لکونه أنسب لها،وذلک حسب ما یلی:

أ)المحظور الذاتی
اشارة

ویختصّ ذلک فیما لو کان الحظر یرتبط بنفس العمل بصورة مباشرة،فمع أنّ الممارسات المحظورة حظراً ذاتیاً لا تنحصر ممارستها من خلال إیقاعها،کعوض أو معوّض علیه نحو عملیة الزنی مثلاً،إلّا أنّها ترتبط بموضوعنا هنا فیما لو وقعت عملیة التبادل علیها بالذات،وعلی هذا فسنبحث المحظور الذاتی ضمن العناوین التالیة:

الأوّل:العمل الجنسی

والذی یشمل الزنی الواقع فیما بین الذکر و الأنثی،واللواط الواقع بین الذکرین،والسحاق الواقع بین الأنثیین،فإنّه:

یحرُم العمل فی کلّ ما یعدّ من الأفعال الجنسیة المحرّمة،مثل:الزنا و اللواط،

ص:198


1- (1) .فقه الشریعة:241/193/2.

والسحاق ممّا هو معلوم وواضح، (1)[إذ إنّ]حرمة الزنا ثابتة فی العقول قال الله سبحانه وتعالی: وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنی إِنَّهُ کانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِیلاً . (2)و (3)

وحرّم اللواط بقوله تعالی:

وَ الَّذانِ یَأْتِیانِها مِنْکُمْ فَآذُوهُما . (4)

وکذا السحاق فی قوله تعالی:

وَ اللاّتِی یَأْتِینَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِکُمْ . (5)

ویدخل فیه کلّ ما یرتبط بالجنس فیما لو کان محرّماً،کالأعمال التی تتطلّب مسّ ما یحرُم مسّه من بدن الغیر،أو مسّ غیر ما یحرُم مسّه إن کان بشهوة للجنس الموافق أو المخالف،إلّا فی حالات الاضطرار التی لا مناص منها،وکذا الأعمال التی تستلزم کشف ما یحرّم کشفه من البدن کعرض الأزیاء،أو الأعمال التی تتطلّب النظر إلی ذلک إلّا اضطراراً، (6)فیحرّم:

تصویر الصور الخلاعیة...ویحرم أخذ الأجرة علیها (7)

وینطبق الأمر ذاته علی الرسم و التمثیل. (8)

الثانی:العمل اللهوی و الشهوانی

و هو یشمل عدّة أمور،منها:

1.الغناء:و هو المعروف من ترجیع الصوت وترقیقه،والقدر المتیقّن الذی لم یسمح به الإسلام منه یختصّ فیما إذا:

وقع علی وجه اللهو و الباطل (9)

والمراد من الباطل:

ما یرجع إلی جانب الغریزة الجنسیة فی الإنسان (10)

ص:199


1- (1) .المصدر نفسه:210/170.
2- (2) .الإسراء:32.
3- (3) .بدائع الصنائع:177/7.
4- (4) .النساء:16.
5- (5) .النساء:15.
6- (6) .فقه الشریعة:399/3-406،باقتضاب.
7- (7) .السیستانی،منهاج الصالحین:19/10/2.
8- (8) .فقه الشریعة:160،158/2،باقتضاب.
9- (9) .الخوئی،منهاج الصالحین:17/9/2.
10- (10) .فقه الشریعة:181/161/2.

فإذا وقع الغناء بهذه الکیفیة حرّم:

فعله واستماعه و التکسّب به (1)

ولأجل تسبّبه فی إخراج الإنسان عن جادّة الصواب و الجنوح نحو الخیال و العواطف المفرطة لم یقبلوا.

شهادة من یسمع الغناء أو یجلس مجلس الغناء. (2)

2.الموسیقی:فإنّه یحرُم منها ما:

کان منها مناسباً لمجالس اللهو و اللعب (3)

وهی التی تقع علی وجه تساعد علی إثارة الشهوة عند غالبیة الناس:

فتصیر محرّمة-حینئذ-حتّی علی الشخص الذی لم تُثِر شهوته لدواع طارئة أو استثنائیة عند استماعها (4)

ما دامت مثیرةً لأغلب الناس.

و قد مرّ الکلام-فی مبحث الإنتاج الصناعی-حول اختصاص الحظر بما یختصّ استعماله فی اللهو المحرّم من الآلات الموسیقیة أو کان الغالب علیها استعمالها فی اللحن المحرّم؛الشامل لحالة تداولها.

3.الرقص:و هو معروف،ویتمّ فیه تحریک أعضاء البدن بطریقة فنّیة،ویختصّ المحظور منه بما:

کان من نوع الرقص الخلیع الماجن،و هو الذی یعبَّر فیه عن معانی العشق و الرغبة الجنسیة بدرجاتها المتفاوتة (5)

و إن اقتصرت ممارسته بین أعضاء الجنس الواحد ما دام خلیعاً ماجناً،وعلیه فلا یسمح باتّخاذه وسیلةً للکسب ما دام محظوراً بذاته،و قد نُقل:

إجماع الأئمّة علی حرمة هذا الغناء وضرب القضیب و الرقص. (6)

4.الترویج للرذیلة:و قد مرّ ذکرنا للآیة الکریمة التی تشیر إلی ذلک،وهی قوله تعالی: إِنَّ الَّذِینَ یُحِبُّونَ أَنْ تَشِیعَ الْفاحِشَةُ فِی الَّذِینَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ ، (7)وینطبق ذلک

ص:200


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:20/10/2.
2- (2) .الدر المختار:26/6.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:20/11/2.
4- (4) .فقه الشریعة:188/163/2.
5- (5) .المصدر نفسه:194/164.
6- (6) .حاشیة ردّ المحتار:446/4.
7- (7) .النور:19.

علی کلّ عمل من شأنه أن یکون إشاعةً للرذیلة:

کالدفاع أو الحثّ علی السفور أو الزنی أو غیرهما من الأمور التی تساعد علی انتشار الفساد. (1)

و هو ما حرص الشارع کثیراً علی تلافیه إلی درجة أنّه لم یجوّز نسبة المولود سفاحاً کما فی وط ء الشبهة إلی الواطئ معلّلاً ذلک بإنّه یتضمّن إشاعةً للفاحشة. (2)

الثالث:العمل الوهمی و الخرافی

و هو یشمل عدّة أمور،منها:

1.السحر:والمراد به استخدام الأسالیب التی تؤثّر:

علی النشاط الطبیعی للقوی الإنسانیة وجعلها أسیرة الوهم و الخرافة و التسلّط القهری لتحقیق أهداف شخصیة (3)[فیکون]عمل السحر تعلیمه وتعلّمه و التکسّب به حرام مطلقاً (4)

لما فیه من الضرر الخطیر الذی دعاهم إلی الحکم بشأن الساحر بأنّه:

لا یستتاب بل یقتل إذا ثبت أنّه یستعمل السحر. (5)

2.الکتابة:

وهی ممّا یدّعی تأثیرها فی البغض و الحبّ و السعادة و الشقاء و الصحّة و السقم ونحوها من الأمور. (6)

3.الشعوذة أو الشعبذة:

وهی إراءة غیر الواقع واقعاً بسبب الحرکة السریعة الخارجة عن العادة حرام،إذا ترتّب علیها عنوان محرّم کالإضرار بمؤمن ونحوه. (7)

فهی بذاتها غیر محظورة إلّا إذا وقعت وفقاً للقید المذکور.

کما لو مورست بطرق:

غریبة کقطع رأس إنسان وإعادته وجعل نحو دراهم من التراب،وغیر ذلک بأنّهم فی معنی السحرة إن لم یکونوا منهم فلا یجوز لهم ذلک،ولا لأحد أن یقف علیهم. (8)

ص:201


1- (1) .فقه الشریعة:168/155/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:257/2،بتصرّف یسیر.
3- (3) .فقه الشریعة:211/171/2.
4- (4) .السیستانی،منهاج الصالحین:23/11/2.
5- (5) .البحر الرائق:213/5.
6- (6) .فقه الشریعة:211/171/2،باختصار.
7- (7) .الخوئی،منهاج الصالحین:22/9/2.
8- (8) .حاشیة ردّ المحتار:46/1 نقلاً عن:العلّامة ابن حجر.

4.تسخیر الجن و الملائکة وتحضیر الأرواح:علی فرض صحّته،فیما لو:

کان مضرّاً بالإنسان نفسیاً أو جسدیا (1)

و هو المفروض فی قوله تعالی: وَ أَنَّهُ کانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ یَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (2)5.التنجیم:و هو الإخبار بأحوال الإنسان باعتقاد تأثیر حرکة النجوم فیها،فهو:

اعتقاد باطل لاصحّة له،و هذا العمل حرام،فلا یجوز فعله ولا أخذ الأجرة علیه (3)

إذ إنّه یقعد بالإنسان عن السعی و الجدّ والاجتهاد الذی اعتبره الإسلام المعیار الفیصل فی الوصول إلی المنافع واجتناب المضار،فیکون الاعتقاد بالتنجیم:

مضرّ بأکثر الخلق،فإنّه إذا أُلقی إلیهم أنّ هذا الآثار تحدث عقیب سیر الکواکب وقع فی نفوسهم أنّها المؤثّرة (4)

دون جهدهم الذی علیهم أن یبذلوه.

6.الرمَل:ویدّعی فیه الکشف عن المجهولات بواسطة خطوط تُخطّ علی الرمْل،و هو:

حرام قطعا (5)

إذ إنّ عاقبته ستکون،کما تقدّم فی الفقرة السابقة.

7.الکهانة:

وهی الإخبار عن المغیبات بزعم أنّه یخبره بها بعض الجان، (6)[فإنّه]یحرُم التکسّب بها و الرجوع إلی الکاهن وتصدیقه فیما یقوله (7)

و قد عدّوا أجرة الکاهن من السحت (8)و هو المال المکتسب حراماً.ولا یدخل ضمن ذلک تکهُّن أهل الخبرة والاختصاص بأحوال الطقس و الحرکات الجیولوجیة و التوقّعات السیاسیة ونحوها اعتماداً علی مؤشّرات میدانیة. (9)

ص:202


1- (1) .فقه الشریعة:211/171/2.
2- (2) .الجن:6.
3- (3) .فقه الشریعة:212/172/2.
4- (4) .حاشیة ردّ المحتار:47/1.
5- (5) .المصدر نفسه.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:23/10/2.
7- (7) .السیستانی،منهاج الصالحین:26/12/2.
8- (8) .حاشیة ردّ المحتار:746/6،باقتضاب.
9- (9) .فقه الشریعة:173/2،باقتضاب.

ومنها المَنْدَل؛وأصله العود الطَّیب الرائحة،و هو ضربٌ من الکهانة سُمّی به لاستعماله الطِّیب عند تحضیر ما یراد تحضیره،فهو نوعٌ من الإخبار بالمغیبات من غیر الاعتماد علی ما هو حقّ،فیعدّ:

عملاً محرّماً وکذا أخذ الأجرة علیه (1)

8.التبصیر:و هو ما یتمّ من خلاله الإخبار عن أحوال الإنسان بواسطة قراءة الکف و الفنجان ونحوهما:

فإنّ کان القارئ معتقداً بصحّة ما یقوله لاعتقاده بصحّة الوسائل التی یعتمد علیها،فإنّ عمله یکون حراماً وکذا أخذ الأجرة علیه (2)

9.القیافة:وهی عبارة عن:

إلحاق الناس بعضهم ببعض أو نفی بعضهم عن بعض استناداً إلی علامات خاصّة علی خلاف الموازین الشرعیة فی الإلحاق (3)

إذ هی من الأعمال المحرّمة،وما یتخیل من إثبات نسب أسامة من خلال قول القائف محض اشتباه،فإنّ نسبه کان قد ثبت بالفراش،وما کان سرور النبی صلی الله علیه و آله بذلک إلّا لأجل بیان ردّ طعن المشرکین بنسبه:

لا لأنّ قول القائف حُجّة فی النسب شرعا (4)

أمّا الأعمال التی تتمّ من خلال اتّباع الطرق العلمیة الحدیثة فی تحلیل الجینات الوراثیة ونحوها فغیر خاضع للتحریم. (5)

الرابع:العمل الدعائی

ویمکن تفریعه إلی عدّة حالات:

1.الإذاعة:فبغضّ النظر عن حظرها الذاتی،فإنّ حظر التعامل بها یرتبط فیما لو تمّ التکسّب من خلال إفشاء الأسرار المتعلّقة بالناس أفراداً وجماعات،وذلک بإطلاع الغیر علیها مقابل مبلغ من المال أو منفعة معینة،و هو مشمولٌ لقوله تعالی: وَ لا یَغْتَبْ بَعْضُکُمْ بَعْضاً . (6)وعلیه:

ص:203


1- (1) .المصدر نفسه:212/172.
2- (2) .المصدر السابق:173.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:21/9/2.
4- (4) .السرخسی،المبسوط:70/17.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:24/12/2،بتصرّف یسیر.
6- (6) .الحجرات:12.

فلا تجوز إذاعة ما اؤتمن علیه الناقل أو اطّلع علیه بالصدفة من أسرار الغیر حتّی لو لم تکن الإذاعة مضرّة بالأطراف المَعنیین بالسر. (1)

أی:أنّ الإذاعة بعنوانها المجرّد محظورةٌ سواء ترتّب علیها ضررٌ أم لا.

2.الافتراء:فهو من الکذب الذی ثبتت حرمته،ویکثر الابتلاء به حالیاً علی نطاق واسع فی وسائل الإعلام من خلال الطعن بالخصوم،وذلک لتحقیق منافع شخصیة وسیاسیة ونحوها،وینطبق ذلک علی ما حدث فی العصر الإسلامی الأوّل من وضع للحدیث لقاء مبالغ مالیة.و قد أشار القرآن الکریم إلی ذلک فی آیات عدیدة،کقوله تعالی: وَ لا یَأْتِینَ بِبُهْتانٍ . (2)

ومع أنّه اختصّ فی الأحادیث فی حدود الانتقاص من العِرض إلّا أنّه بعنوانه العامّ یشمل کلّ افتراء،فهو یعدّ من الأعمال غیر المشمولة لحرّیة التکسّب من خلالها،فإنّه

یحرّم الکذب،و هو:الإخبار بما لیس بواقع،ولا فرق فی الحرمة بین ما یکون فی مقام الجدّ وما یکون فی مقام الهزل. (3)

ومنه البدعة،وهی:بمعناها العامّ إدخال ما لیس من الدین فیه،أو کما عن الحنفیة:

الأمر المُحدَث الذی لم یکن علیه الصحابة،والتابعون،ولم یکن ممّا اقتضاه الدلیل الشرعی، (4)[فکما]یحرّم هذا العمل فی ذاته،فإنّه یحرّم أخذ الأجرة علیه (5)

3.الهجاء:و هو ذکر نواقص الإنسان ومثالبه شعراً کان أو نثراً،فإنّه

یحرُم هجاء المؤمن...ولا یستحسن هجاء مطلق الناس إلّا إذا اقتضته المصلحة العامّة. (6)

4.الفُحش:و هو ما یستقبح التصریح به من القول،فیحرّم مع کلّ أحد عدا الزوجة، (7)وبالتالی لا یجوز التکسّب به فی الأعمال التی تتطلّب أن یتکلّم العامل فیها بکلام فاحش.

5.السباب والاستهزاء:و هو الشتم و السُّخریة من الآباء أو الأعزاء الذین لهم علاقةٌ وثیقةٌ بالإنسان سواء کانوا أقرباء له أم لم یکونوا،أو حتّی من یرتبط بهم فکریاً وعقائدیاً؛کقوله تعالی: وَ لا تَسُبُّوا الَّذِینَ یَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَیَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَیْرِ عِلْمٍ ، (8)وقوله تعالی: لا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ

ص:204


1- (1) .فقه الشریعة:171/156/2.
2- (2) .الممتحنة:12.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:11/2-35/12.
4- (4) .المصطلحات:614.
5- (5) .فقه الشریعة:170/155/2.
6- (6) .المصدر نفسه:33/14.
7- (7) .انظر السیستانی،منهاج الصالحین:34/14/2.
8- (8) .الأنعام:108.

قَوْمٍ عَسی أَنْ یَکُونُوا خَیْراً مِنْهُمْ (1)،فمن غیر المسموح به إسلامیاً ممارسة العمل الذی یتطلّب:

السباب و السخریة من أهل الحرمة من المسلمین وغیرهم،وخاصّة ما یؤدّی منه إلی الفرقة أو الفتنة بین الناس،فإن کان الهدف منه ذلک حرُم العمل فی ذاته وحرُم أخذ الأجرة علیه (2)

و قد رتّبوا علی السبّ آثاراً هامّةً،منها:عدم قبول شهادة من:

سبّ مسلم لسقوط العدالة بسبّ المسلم،و إن لم یکن من السلف. (3)

6.مدح الظالم:فهو من الأعمال المحظورة فی الإسلام؛إذ هو یتعارض و القیام بالقسط الذی انتهجه الإسلام وقنّنه فی کلّ نواحی الحیاة،فلم یجوّز العمل:

فی مدح الظالم و الإشادة به وبظلمه وبکلّ ما یستلزم تقویته فی ظلمه،کمدح أعوانه أو سیاسته أو نظام حکمه. (4)

ولا یختصّ ذلک بالعمل الکلامی فحسب،بل یشمل کلّ عمل یکون بمثابة مدح له،فحظْر مدح الظالم سار فی کلّ نواحی الحیاة إلی درجة سمحوا بالإخلال بالواجب للحؤول دون سماع مدحه،کما هو الأمر فی تجویزهم ترک الاستماع إلی خطبة الجمعة فیما إذا أخذ الخطیب:

فی مدح الظلمة و الثناء علیهم،فلا بأس بالکلام حینئذ. (5)

الخامس:العمل بالمُسْکِر:

بکلّ أصنافه،ویشمل الحظر کلّ ما یرتبط به،بیعاً وشراءً ونقلاً وخزناً (6)وتهیئةً وتعبئةً وتجویداً وطهیاً وتقدیماً، (7)و قد مرّ الکلام عنه فی مطلب التصنیع،إلّا أنّ البعض صحّح بیعه إن کان لمستحلّه غیر المسلم کالذمّی. (8)

السادس:العمل بالقمار:

ویتمثّل التبادل فیه من خلال عملیة المراهنة التی تتمّ فیه،فالقدر المتیقّن من حرمة المقامرة،هو:فیما لو جری تعاطی المال فیما بین الرابح و الخاسر؛إذ إنّ مفهوم لفظة القمار ینطبق علی ذلک تحدیداً،فقد فُسّر بأنّه:

کلّ لعب فیه مراهنة (9)

ص:205


1- (1) .الحجرات:11.
2- (2) .فقه الشریعة:174/158/2.
3- (3) .الدرّ المختار:27/6.
4- (4) .فقه الشریعة:168/155/2.
5- (5) .البحر الرائق:260/2.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:15/8/2،باختصار.
7- (7) .فقه الشریعة:165/2-166،باختصار.
8- (8) .البحر الرائق:434/5،باقتضاب.
9- (9) .معجم ألفاظ الفقه الجعفری:338.

ویؤیده ما جاء عن إسحاق بن عمار:

قال:قلت لأبی عبد الله علیه السلام:الصبیان یلعبون بالجوز و البیض ویقامرون؟فقال علیه السلام:«لا تأکل منه،فإنّه حرام». (1)

فإنّما:

سُمّی القمار قماراً،لأنّ کلّ واحد من المقامرین ممّن یجوّز أن یذهب ماله إلی صاحبه،ویجوّز أن یستفید مال صاحبه،و هو حرام بالنص (2)

فیکون من غیر المسموح به؛التکسّب الذی یتمّ بالمقامرة.

ومنه التجارة بما کان مُعدّاً خصّیصاً للمقامرة به:

بحیث یکون المقصود منه غالباً الحرام. (3)

السابع:العمل التجسّسی:إذ هو ممّا ورد تحریمه صریحاً فی القرآن؛وذلک فی قوله تعالی: وَ لا تَجَسَّسُوا . (4)

و قد جاءت أحادیث عدّةٌ تشیر إلی ذلک،کالذی جاء

عن زید بن وهب قال قیل لابن مسعود:هل لک فی الولید بن عقبة،تقطّر لحیته خمراً؟قال:قد نهینا عن التجسّس،فإن یظهر لنا شئ نُقم علیه. (5)

فلا یجوز العمل فی:

التجسّس،علی شؤون أهل الحرمة،ولو کانوا غیر متدینین،من أجل تتبّع ما لا یحبون ظهوره من أمورهم الخاصّة الحسنة و القبیحة،سواء أذاعها المتجسّس بعد ذلک أو لم یذعها. (6)

إلی هنا یتمّ الکلام فی المحظور الذاتی،مع وجود بعض الموارد التی یختلف وقوع الحظر علیها باختلاف الشروط المتوفّرة فیها،والتی سنُرجئ البحث حولها إلی فصل الاستهلاک.

ب)المحظور التبعی

لقد کان الحدیث یدور حول مفردات المحظور الذاتی من الحدّ السادس من الحدود المقیدة

ص:206


1- (1) .الکافی:10/124/5.
2- (2) .حاشیة ردّ المحتار:723/6.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:8/6/2.
4- (4) .الحجرات:12.
5- (5) .کنز العمال:8482/692/3.
6- (6) .فقه الشریعة:171/156/2.

للعوضین،والذی کان تحت عنوان:

أن لا یکون محظوراً.

وها نحن نتکلّم عن المحظور التبعی من الحدّ المشار إلیه؛إذ إنّ الحظر هنا لا یرتبط بذات ما تتمّ علیه عملیة التبادل،و إنّما بما تستتبعه من حظر،ویتمثّل ذلک فیما لو تمّ التفاهم بالتعامل علی غایة محظورة.

ومع أنّ الشارع الإسلامی لم یضغط باتّجاه الکشف عن الغایات المحظورة لیکون رقیباً علی الإنسان فی کلّ ما یتعلّق بشؤونه،فهو یتنافی و الأسس التی یؤمن بها فی کیفیة فرض الالتزام الدینی،حیث إنّه أوکَلَ ذلک إلی نیة المتداولَین نفسیهما،بل إنّه لم یلزِم البائع باجتناب البیع حتّی لو علم باستخدام المشتری المبیع فی عمل محرّم.

لکنّه حصر الحظر فی نطاق ما لو تمّ التصریح بالممارسة المحظورة بوضوح فی عقد التداول،فإنّها ستدخل فی تلک الحال فی نطاق المقدّمة الموصلة إلی المحظور،وما تؤدّی إلیه من إشاعة للفساد و الرذیلة.

ففیما لو:

کان العمل فی ذاته حلالاً وکان یراد به الحرام فإنّه لا یحرُم العمل فیه إذا لم ینصّ عل الغایة المحرّمة فی العقد،فتجمیل المرأة حلال،ولو کان یعلم أنّها ستخرج به متبرّجة؛وعصر العنب أو قطافه حلال و إن کان الأجیر یعلم أنّ المستأجر سیغلی ذلک العصیر خمراً،وهکذا أمثاله من الأعمال التی هی غیر محرّمة بذاتها،ولا هی محرّمة من جهة الإعانة علی الإثم...وذلک کمثل إدخال الخمر فی فمه،وأشباهه،فإذا نصّ علی الغایة المحرّمة بأن قال له:استأجرتک لقطاف عنبی هذا لصنعه خمراً.فقال الأجیر:قَبِلتُ قطافه علی ذلک الشرط،فإنّه یحرُم حینئذ. (1)

ونزّلوا التوافق علی ذلک من دون التصریح به فی العقد منزلة التصریح به فیه،فإنّ مثل هذا الحظر ثابتٌ:

سواء أکان تواطؤهما علی ذلک ضمن العقد أم خارجه. (2)

ومع أنّهم حظروا مثل ذلک إلّا أنّهم لم یبطلوا مثل تلک المعاملة من الأساس،بل اقتصروا علی الحکم بفساد ذلک الشرط،فلو:

باع واشترط الحرام صحّ البیع وفسد الشرط. (3)

ص:207


1- (1) .المصدر نفسه:233/189.
2- (2) .الخوئی،منهاج الصالحین:15/8/2.
3- (3) .المصدر نفسه.

وما ذلک إلّا؛لأنّ الاستفادة من العنب فی المثال المتقدّم لا تقتصر علی الحرام،فبإمکان المشتری أن یستخدمه فی غایة مباحة،فإنّ:

العصیر یصلح للأشیاء کلّها جائزة شرعاً،فیکون الفساد إلی اختیاره. (1)

و هذا علی خلاف ما إذا انحصر الاستخدام فی الحرام،فإنّ المعاملة تکون باطلةً من الأساس فی هذه الصورة:

فلو انحصرت منافع المال فی الحرام أو اشترط الانتفاع بخصوص المحرّم منها،أو أوقع العقد مبنیاً علی ذلک بطلت الإجارة،کما لو آجر الدکان بشرط أن یباع أو یحفظ فیه الخمر،أو آجر الحیوان بشرط أن یحمل الخمر علیه. (2)

فلیس بإمکان المستأجِر هنا التصرّف بالعین المستأجَرة فی غیر ما استأجره لها،فیکون-والحال هذه مرتکباً للحرام-علی خلاف الشراء الذی یصبح من خلاله مالکاً مبسوط الید فی التصرّف.

تاسعاً:عدم السماح بالعمل فی الإعانة علی المحظور

وهی مشمولةٌ لقوله تعالی: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ ، (3)فیما لو کانت تلک الإعانة بذاتها عملاً محرّماً:

لأنّ الإعانة إنّما تحرُم إذا کانت سبباً مباشراً ومولّداً للحرام (4)

أی:أنّها تساعد مرتکب الحرام مساعدةً مباشرةً فی ارتکابه للحرام،وذلک:

کحمل المال الذی اغتصبه،أو الإمساک بالمظلوم الذی سیضربه أو یسجنه،أو نحو ذلک،فإنّه یحرُم العمل عنده حینئذ (5)

أو ما جاء فی:

بیع السلاح من أهل الفتنة؛لأنّ المعصیة تقوم بعینه فیکون إعانة لهم وتسبّباً،و قد نهینا عن التعاون علی العدوان و المعصیة. (6)

ص:208


1- (1) .تکملة البحر الرائق:371/2.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:106/2.
3- (3) .المائدة:2.
4- (4) .فقه الشریعة:233/189/2.
5- (5) .المصدر نفسه:220/177.
6- (6) .تکملة البحر الرائق:371/2.
عاشراً:عدم السماح باستیفاء ولو جزء من العوضین دون مقابل

من المعلوم أنّ عملیة التبادل تقتصر علی حالة المعاوضة التی یتمّ فیه تبادل العوض و المعوَّض،فعند انتفاء أحد العوضین تنتفی عملیة التبادل من الأساس،وینطبق ذات الأمر علی کلّ جزء من أجزاء العوضین،فلا یمکن فیها استیفاء جزء من أحدهما دون مقابل؛إذ إنّ العوض و المعوَّض یمثّلان فی حقیقتهما عملاً مختزناً،فإن لم یوجد عوضٌ بأزاء المعوَّض-ولو فی مقابل جزء منه-فإنّ ذلک یعنی:ترتیب أثار الملکیة و الحیازة دون عمل،والذی تقدّم حظره فی المباحث السابقة.

ویمکن تصویر حظر مثل هذه المسألة من خلال تجسّدها فی الحالتین التالیتین:

أ)الإقالة بتفاضل:أی أونقیصة عمّا تمّ التوافق علیه من العوضین،فإذا ما رضی أحد المتعاوضَین بإقالة صاحبه واسترداد عوضه یلزم أن یتمّ ذلک دون مقابل،حیث إنّه:

لا تجوز الإقالة بزیادة عن الثمن أو المثمن أو نقصان عنهما (1)

إذ إنّ تلک الزیادة و النقیصة تمثّل فی حقیقتها استیفاءً لجزء من العوض دون أن تتمّ عملیة تبادل فی البین،فإنّ:

الإقالة فسخ وفسخ العقد رفعه من الأصل کأن لم یکن (2)

ب)الربا:و هو ممّا لا یحتاج إلی کلام فی ثبوت حظره،وعرّفوه لغةً ب-:الفضل و الزیادة.وینقسم اصطلاحاً إلی قسمین:

الأوّل:ما یطلق علیه بربا المعاملة،و هو فضل أحد المالین المتجانسین علی الآخر دون أن یقابل ذلک الفضل عوض،ویختصّ ذلک بالمعاملات.والثانی:ربا القرض،و هو الإقراض باشتراط الزیادة ویختصّ بالقرض،الذی سیأتی الکلام عنه فی فصل التوزیع.

ویرجع حظره فی حقیقة الأمر إلی الحصول علی فائدة من دون أن یتمّ بذل عمل مقابل ما تمّ استفادته،فهو یفتقد إلی ضابط أساسی من ضوابط الإنتاج ألَا،و هو العمل الذی تحدّثنا عنه مفصّلاً.وتتحقّق الزیادة فی القسم الأوّل علی نحوین:

الأوّل:الزیادة العینیة أو الحقیقیة؛

وتتمثّل فی بیع أحد المتجانسین بالآخر نقداً بزیادة من نفس جنسه،ویختصّ ذلک ببیع ما

ص:209


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:304/92/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:182/5.

یکال أو یوزن دون غیرهما:

کبیع مائة کیلو من الحنطة بمائة وعشرین منها،أو خمسین کیلو من الحنطة بخمسین کیلو حنطة ودینار (1)

فالعوض و المعوَّض هنا من جنس واحد و هو من الموزون فی الفرض المتقدّم،ویسری الأمر ذاته فی بیعه کیلاً بکیل:

کأن یبیعه مُدّین من القمح بمُدّ ونصف منه (2)

والأمر ذاته یجری فی بیعه کیلاً بوزن فیما لو تحقّقت زیادةٌ خارجیةٌ بینهما:

کأن یبیعه مُدّاً یزن فی بعض البلاد خمسة عشر کیلواً من القمح بعشرین کیلواً منه (3)

و هو ما یطلق علیه:ربا الفضل:

فهو زیادة عین مال شرطت فی عقد البیع علی المعیار الشرعی،و هو:الکیل أو الوزن فی الجنس (4)

والمقصود به الجنس الواحد.

والعبرة فی کونه مکیلاً وموزوناً هو کونه کذلک فعلاً،فیجوز بیع المعدود متفاضلاً،سواء کان بجنسه المعدود أیضاً کبیع بطیخة ببطیختین، (5)أو بجنسه الموزون کبیع الصوف بثیابه بزیادة مع کونهما جنساً واحداً لکون الثیاب من المعدود،وکذا لو کان یباع فی بلد جزافاً ولیس وزناً أو کیلاً فإنّه یصحّ التفاضل فیه،إلّا:

إذا کان مکیلاً أو موزوناً فی غالب البلاد فالأحوط لزوماً أن لا یبُاع متفاضلاً مطلقا (6)

ویشمل ذلک بیع ثمر الشجر بمختلف مراحل نموّه،و هو علی أصوله،بمقدار معلوم من ثمر نفس الشجرة؛إذ:

لا یجوز بیع ثمره علی أصله بثمر من نفس حاصله،کأن یبیعه عنب هذه العریشة بعشرین کیلواً منها؛ (7)[لأنّه]لا یدری أیهما أکثر (8)

ص:210


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:71/2.
2- (2) .فقه الشریعة:779/495/2.
3- (3) .المصدر نفسه.
4- (4) .بدائع الصنائع:183/5.
5- (5) .المصدر نفسه:186،بتصرّف یسیر.
6- (6) .الخوئی،منهاج الصالحین:216/54/2.
7- (7) .فقه الشریعة:755/480/2.
8- (8) .بدائع الصنائع:194/5.

أمّا إن کان الثمن من عنب غیرها،فلا مانع منه إلّا النخل،فإنّه لا یسمح ببیع ثمره فی أی مرحلة کان:

بالتمر دون الرطب و البُسر أو غیرهما،سواء من ثمره أم من ثمر غیره. (1)

وینطبق الأمر ذاتُهُ علی بیع سنبل الزرع.فإنّه لا یجوز:

بیع الحبّ فی السنبل بمثل کیله من الحنطة خرصاً لا یدری أیهما أکثر (2)

أی بیعه بحبّ من نفس الحاصل،و هو یشمل جمیع الحبوب.

أمّا الحنطة،فإنّه:

لا یجوز بیع سنبل القمح بالقمح،سواء کان من نفس الحاصل أو من قمح غیره (3)

ومنه بیع الذهب و الفضة سواء کانا مسکوکین أم لا،متداولین أم لا،موزونین أم معدودین؛إذ:

لا یجوز بیع کلّ بجنسه متفاضلاً فی الوزن سواء اتّفقا فی النوع و الصفة بأن کانا مضروبین دراهم أو دنانیر أو مصوغین أو تبرین جیدین أو ردیئین أو اختلفا (4)

أی:بیعهما بصفتهما الذهبیة و الفضّیة بغضّ النظر عن أی خصوصیة أخری ف-:

لا یجوز بیع الذهب بالذهب و الفضّة بالفضّة مع الزیادة. (5)

أمّا بیع أحدهما بالآخر أی الذهب بالفضّة وبالعکس،فإنّه:

جائز ثمنین کانا أو مثمنین بعد أن یکون یداً بید کبیع دینار بمائة درهم (6)

إذ یکونا فی هذه الحالة مختلفین فی الجنس،فلا ینطبق علیهما شرط الربا مع افتراض بیعهما نقداً،وعلی هذا:فلا بأس:

ببیع الذهب بالفضّة وبالعکس نقداً،ولا یعتبر تساویهما فی الوزن. (7)

ویحظر علی هذا الصعید التعامل بالدراهم الفضّیة و الدنانیر الذهبیة المزیفة التی لم یتمّ التسالم علی التعامل بها؛إذ إنّ التعامل بها فی هذه الصورة یعدّ غشّاً موجباً للتفاضل،وعلیه فإن:

لم تکن رائجة فلا یجوز خرجها وإنفاقها و المعاملة بها إلّا بعد إظهار حاله. (8)

ص:211


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:283/88/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:194/5.
3- (3) .فقه الشریعة:756/480/2
4- (4) .بدائع الصنائع:188/5.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:76/2.
6- (6) .بدائع الصنائع:185/5.
7- (7) .السیستانی،منهاج الصالحین:76/2.
8- (8) .الخوئی،منهاج الصالحین:232/57/2.

والمعیار فی کون الشیئین من جنس واحد هو:

اتّحاد الجنس و الذات عرفا (1)

و إن اختلفا فی الصفات کالجودة و الرداءة ونحوهما:

فلا یجوز بیع کلّ مکیل من ذلک بجنسه متفاضلاً فی الکیل،و إن تساویا فی النوع و الصفة بلا خلاف؛و أما متساویاً فی الکیل متفاضلاً فی النوع و الصفة،فنقول:لا خلاف فی أنّه یجوز. (2)

فتتحقّق المراباة فی بیع القمح الردئ بالجید بزیادة،وکذا ببیع الأصل بما یتفرّع عنه کالحنطة بالدقیق أو الخبز،إلّا فیما اعتبره العرف مختلفاً کالسمسم بزیته و الورد بمائه،ومنهم مَنْ منع ذلک لانطباق أصل الوزن علیه،فلم یجوّز:

بیع دهن السمسم بالسمسم؛لأنّ ذلک بیع الموزون بالموزون (3)

و قد اعتبروا کلّ ما ینضوی تحت اسم واحد من الأشیاء جنساً واحداً،فیکون کلّ صنف من الحبوب جنساً واحداً إلّا الحنطة و الشعیر فهما جنسٌ واحدٌ فی الربا،ومنهم من عدّهما مختلفتین،فجوّز التفاضل فی بیعهما:

یداً بید کبیع قفیز حنطة بقفیزی شعیر (4)

وکذا الأسماک و الطیور و اللحوم ما عدا الغنم و الماعز فهما جنسٌ واحدٌ وکذا البقر و الجاموس،ولم یعدّوا الأهلی منها مجانساً للوحشی؛أمّا التمور،فجمیعها جنسٌ واحدٌ لقابلیة إطلاق التمر علی الجمیع.

الثانی:الزیادة الحکمیة أو الاعتباریة وهی فیما لو لم تکن عینیةً کالأجل و الحقوق؛وتتحقّق ببیع أحد المتجانسین بالآخر نسیئةً،أی:أن یکون الثمن مؤجّلاً،ولیس نقداً:

کبیع عشرین کیلواً من الحنطة نقداً بعشرین کیلواً من الحنطة نسیئة،و هو حرام (5)

إذ هو:

فضل الحلول علی الأجل (6)

ص:212


1- (1) .المصدر نفسه:51.
2- (2) .بدائع الصنائع:187/5.
3- (3) .المصدر نفسه:190.
4- (4) .المصدر السابق:185.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:71/2.
6- (6) .تحفة الفقهاء:25/2.

و هو ما یسمی ب-:ربا النساء،فالأجل هنا یعدّ زیادةً؛لأنّ البائع أعطی ما عنده من حنطة نقداً،ولم یستلم عوضها نقداً؛فیکون هذا التأجیل:

میزة لأحدهما علی الآخر و(زیادة حکمیة)تجعله رباً محرّما (1)

ومنهم من عدّا ذلک إلی بیع المختلفین فی الجنس من المکیل و الموزون أیضاً،سواء اتّحدا فی المقدار أم اختلفا،ما دام کون البیع نسیئةً بأجل (2):

فیجوز بیع أحدهما بالآخر[المختلفان]متساویاً ومتفاضلاً بعد أن یکون یداً بید،ولا یجوز نسیئة. (3)

ولا یختصّ ذلک بالمکیل و الموزون هنا،بل هو جار:

فی غیر المکیلین أو الموزونین عند اتّحاد الجنس (4)

کما فی المعدود،فإنّه:

یشکل بیع المتّحدین فی الجنس من المعدود مع الزیادة العینیة نسیئة،کبیع عشرین جوزة بخمس عشرة جوزة لشهر مَثلا (5)

وعلی هذا،فالحظر فی بیع النسیئة یشمل المتّحدین فی الجنس و المختلفین علی السواء،تساویا فی المقدار أو اختلفا،وکذا المعدود مع الزیادة العینیة.

و أمّا بیع الذهب بالفضّة وبالعکس:

نسیئة فلا یجوز مطلقاً علی الأظهر (6)

کذلک،أی:سواء کان مع الزیادة أو بدونها،و هو شاملٌ بطبیعة الحال لبیع الذهب بالذهب و الفضّة بالفضّة نسیئةً:

لأنّ العین خیر من الدین و المعجّل أکثر قیمة من المؤجّل (7)

والذی تقدّم حظر بیعهما مع التفاضل نقداً؛إذ إنّهم اشترطوا فی صحّة بیعهما ببعضهما البعض أو بالآخر التقابض قبل التفرّق،أی:أن یتمّ إقباض کلّ طرف الطرف الآخر فی محلّ البیع قبل أن یتفرّقا. (8)

ص:213


1- (1) .فقه الشریعة:779/496/2.
2- (2) .المصدر نفسه،باقتضاب.
3- (3) .بدائع الصنائع:189/5.
4- (4) .المصدر نفسه:183.
5- (5) .فقه الشریعة:779/496/2.
6- (6) .السیستانی،منهاج الصالحین:237/76/2.
7- (7) .بدائع الصنائع:187/5.
8- (8) .الخوئی،منهاج الصالحین:222/55/2،بتصرّف توضیحی.

أمّا تصوّر الزیادة فی الحقوق ونحوها کالأعمال،فیتمثّل بأن:

یبیعه عشرین کیلواً من القمح بعشرین کیلواً منه نقداً مع تعهّده بخیاطة ثوبه مثلاً،أو تعهّده بإعطائه حقّ المرور إلی أرضه المجاورة مَثلا (1)

فتُعدّ خیاطة الثوب وإعطاء حقّ المرور بمثابة الربا؛لکونها زیادة:

فالبیع فی هذا کلّه فاسد لأنّ زیادة منفعة مشروطة فی البیع تکون رباً لأنّها زیادة لا یقابلها عوض فی عقد البیع. (2)

ویشمل هذا الحظر کذلک:بیع المکیل بالمکیل و الموزون بالموزون،وکذا المکیل بالموزون سَلَماً-أی:أن یکون المبیع،ولیس الثمن مؤجّلاً،سواء اتّحدا فی الجنس أم اختلفا.

وینطبق ذلک علی المعدود،فیما لو کان الثمن من جنسه إذا کانت فیه زیادةٌ عینیةٌ خارجیة، (3)فلا یجوز:

إسلام غیر المکیل و الموزون فی جنسه من الذرعیات و العددیات کالهروی فی الهروی،والمروی فی المروی،والحیوان فی الحیوان. (4)

ویمکن إدراج ما یعرف ببیع السندات،وهی:الصکوک التی تبیعها الدولة بقیمة أقلّ من القیمة الموضوعة لها علی أن تردّ قیمتها الموضوعة بعد مدّة،فلو افترضنا أنّه بیعٌ حقیقی فسیکون،معناه:بیع مال مؤجّل بمال أقلّ نقداً.ومن هنا:

لا یجوز للبنوک التوسّط فی بیع السندات وشرائها،کما لا یجوز لها أخذ العمولة علی ذلک، (5)لتحقّق الزیادة الربویة فیه.

ویدخل فی هذا النطاق حظر بیع المسلَّم فیه من غیر المکیل و الموزون قبل حلول الأجل؛إذ:

لا یجوز بیعه من غیر البائع قبل حلول الأجل؛ (6)لأنّه مبیع لم یقبض (7)

هذا فیما إذا کان البیع نقداً:

ولا یجوز نسیئة. (8)

ص:214


1- (1) .فقه الشریعة:779/496/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:169/5.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:264/83/2،بتصرّف توضیحی.
4- (4) .بدائع الصنائع:187/5.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:19/437/1.
6- (6) .المصدر نفسه:286/84/2.
7- (7) .بدائع الصنائع:181/5.
8- (8) .فقه الشریعة:771/488/2.

حتّی للبائع.

أمّا المکیل و الموزون:

فلا یجوز بیعهما قبل القبض مرابحةً مطلقا (1)

سواء تمّ البیع قبل حلول الأجل أو بعده.

ولا یقتصر حظر ما تقدّم علی البیع،بل إنّ:

الأظهر اختصاصه بما کانت المعاوضة فیه بین العینین،سواء کانت بعنوان البیع أو المبادلة أو الصلح (2)

وبهذا یتمّ الکلام فی المبحث الرابع المختصّ بحدود الحرّیة فی قطاع الخدمات،وبه یتمّ الکلام فی الفصل الأوّل الذی تطرّقنا فیه لحدود حرّیة الإنتاج.

ص:215


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:250/60/2.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:71/2.

ص:216

الفصل الثانی: ضوابط وحدود حرّیة التوزیع

اشارة

لقد اتّضح من خلال دراستنا لحدود حرّیة الإنتاج أنّ التوزیع فی الإسلام یرتبط ارتباطاً وثیقاً بالإنتاج؛إذ إنّ الإنتاج بحدوده التی یخضع لها؛یعدّ الأساس الأوّل الذی تقوم علیه عملیة التوزیع،حیث إنّ المظهر البارز لعملیة التوزیع ألَا:وهی:الملکیة ترتکز علی الإنتاج،فیکون الوجه الآخر لعملیات الإنتاج هو توزّع الثروات المنتَجة علی منتجیها.

ولکنّه مع هذا،لیس هو العامل الوحید کما هو علیه فی بعض النظم والاتّجاهات،فقد أقرّ الإسلام آلیات متعدّدةً لعملیة التوزیع تنسجم،وما یتبنّاه من رؤیً وأفکار حول الحیاة و الإنسان و الدور الذی أُنیط به.

فتقوم تلک الآلیات بدور حیوی ومکمّل للأساس الأوّل کی یتحقّق من خلالهما ما یسعی إلیه الإسلام من تجسید مقولاته الاجتماعیة و السیاسیة و العبادیة،فلا تمثّل تلک الآلیات مجرّد دور هامشی یقتصر فیها علی ما تجود به أیادی بعض السابلة،بل إنّه جعلها وظائف شرعیةً وقانونیةً وأخلاقیةً یتمّ من خلالها سدّ الهوّة و الفجوة التی تتّسع یوماً بعد آخر بین طبقات المجتمع فیما لو أُلقیت الأمور علی عواهنها کما حصل-و هو حاصل فی بعض الأنظمة القدیمة و الحدیثة.

فلم یسمح الإسلام بامتلاک الثروات الأساسیة و الثانویة أصالةً وانتقالاً کیفما اتّفق،فالتوزیع فی الإسلام له ضوابط یقوم علیها وحدودٌ لا یمکن تعدّیها.وتقوم هذه الضوابط و الحدود بدور

ص:217

بنّاء فی تناغم وانسجام تعالیمه الاقتصادیة الأخری،وذلک حسب ما سبق وأن أشرنا إلیه فی الأسس العامّة؛من أنّ الإسلام کلٌّ واحدٌ مترابطٌ لا یمکن التفکیک بین أجزائه وتفاصیله إذا ما أُرید لتلک التعالیم أن تؤتی أُکلها وتخطو خطوات ثابتةً ورصینةً باتّجاه غایاته المثلی.

و هو ما سنحاول أن نفصّله فی الصفحات التالیة،فنقوم ابتداءً بالتطرّق إلی مفهوم التوزیع وضوابطه،لتکون رکیزةً أساسیةً فی الخوض فی مباحث حدود حرّیة التوزیع،والتی ستتضمّن أربعة مباحث،وحسب الترتیب التالی:

المبحث الأوّل:التوزیع:المفهوم و الضوابط.

المبحث الثانی:حدود الحرّیة فی توزیع ما قبل الانتاج.

المبحث الثالث:حدود الحرّیة فی توزیع ما بعد الانتاج.

المبحث الرابع:حدود الحرّیة فی إعادة التوزیع.

ص:218

المبحث الأوّل

اشارة

التوزیع؛المفهوم و الضوابط

وسنحاول فی هذا المبحث التوصّل إلی مفهوم التوزیع حسب الرؤیة الإسلامیة؛وذلک علی ضوء الأسس العامّة التی مرّت علینا فی المدخل من ناحیة،ومجمل الأحکام التی ترتبط به من ناحیة أخری،ومن ثمّ تحدید الضوابط التی تقوم علیها عملیة التوزیع فی الإسلام بالاعتماد علی مفهومه المفترض،وذلک فی مطلبین:

المطلب الأوّل:مفهوم التوزیع

اشارة

ونبحث فیه مفهوم التوزیع لغةً واصطلاحاً ضمن عنوانین:

أوّلاً:التوزیع فی اللغة

اقتصرت لفظة التوزیع علی معنیً واحد فی اللغة،فقد ذکروا أنّ:

التوزیع القسمة و التفریق،و قد وزّعه،یقال:وزّعنا الجزور فیما بیننا.وفی الحدیث:«أنّه حلق شعره فی الحجّ،ووزّعه بین الناس،أی:فرّقه،وقسّمه بینهم، (1)[و]توزّعوه فیما بینهم،أی:تقسّموه.ومنه حدیث:«الضحایا:...فتوزّعوها». (2)

فهو یعنی:اقتسام الشیء أو تقسیمه إلی أجزاء وتفریقه علی أفراد الجماعة،فیکون لکلّ منهم نصیبٌ منه.

ص:219


1- (1) .الصحاح:1297-1298.
2- (2) .تاج العروس:510.
ثانیاً:التوزیع فی الاصطلاح

لم أجد تعریفاً اصطلاحیاً للتوزیع فیما قرأت وراجعت،إلّا أنّهم تطرّقوا إلی الأسس التی تتمّ علی أساسها عملیة التوزیع،ویمکننا التوصّل إلی تعریف اصطلاحی عامّ للتوزیع یمکن أن یکون صادقاً علی جمیع المدارس الاقتصادیة،وذلک من دون الإشارة إلی متبنّیاتها فی هذا الخصوص،فنقول:

إنّه عبارة عن عملیة تقسیم الثروات الطبیعیة و المنتَجة علی أفراد مجتمع ما وفقاً للأسس و القیم التی یؤمن بها ذلک المجتمع.

إلّا أنّنا إذا أردنا تعریفه حسب الرؤیة الإسلامیة،أی:مع الأخذ بنظر الاعتبار الغایة المرادة منه إسلامیاً،لا بدّ لنا من الرجوع إلی الأسس العامّة التی،یقوم علیها الاقتصاد فی الإسلام.والتی سبق وأن فصّلنا الحدیث عنها فی المدخل.

والأخذ بنظر الاعتبار أیضاً بعض الحقائق التی یمکن استشفافها من مجمل أحکام الإسلام الاقتصادیة،حیث یمکن من خلال کلّ ذلک استخلاص المیزان الذی تقوم علی أساسه عملیة التوزیع.

فقد سبق وأن ذکرنا فی الأسس العامّة:أنّ الله جعل الأرض وما علیها محلّاً لخلافة الإنسان باعتباره ممثِّلاً للجنس البشری للقیام باستثمارها وإعمارها حسب الصیغ التی أرادها المستخلِف من المساواة و القسط القائم علی أساس أنّ الخلافة تتعلّق بالجنس البشری عامّة،فهی لا تختصّ بإنسان دون إنسان أو فئة دون أخری.

فیکون المیزان الابتدائی الذی یتمّ من خلاله اقتسام ثروات الطبیعة هو مقدار السعی و الجهد الذی یبذله فی عملیة الإعمار،وإلّا لا سبیل آخر لتحقّق العدالة فی تقسیم ثرواتها التی من المفترض اشتراک الجمیع فیها،و قد قال تعالی: وَ أَنْ لَیْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعی . (1)فقد جاء فی تفسیر هذه الآیة الکریمة:

أنّه لا یملک الإنسان ملکاً یعود إلیه أثره من خیر أو شر أو نفع أو ضرّ حقیقة إلّا ما جدّ فیه من عمل،فله ما قام بفعله بنفسه؛و أمّا ما قام به غیره من عمل،فلا یلحق بالإنسا أثره خیراً أو شرّا. (2)

ص:220


1- (1) .النجم:39.
2- (2) .المیزان فی تفسیر القرآن:46/19.

ولقد ظهر لنا فی فصل الإنتاج أنّ هذا العمل قد اتّخذ بُعدین:بُعداً انتفاعیاً کما فی استخراج وحیازة الثروات العامّة المهیئة طبیعیاً للانتفاع بها-أی:یقتصر العمل فیه علی حیازة تلک الثروات للانتفاع بها.

وبُعداً تنمویاً:سواء کان ذلک العمل التنموی تطویراً للثروة العامّة،کما فی إحیاء الأرض الموات الذی أخرّنا الکلام عنها إلی هذا الفصل-أی:یتمّ من خلال ذلک العمل خلق فرصة جدیدة فی تلک الثروة لم تکن مهیئةً طبیعیاً،أو تطویراً للثروة الخاصّة الذی سنتحدّث عنه فی النقطة التالیة.

فبما أنّ الإسلام أقرّ مقیاس العمل وقنّنه بشکل متوازن یحفظ من خلاله حقوق الجمیع،فقد أقرّ الآثار المترتّبة علیه،وهی:استحقاق المرء نتائج عمله فی الطبیعة فیما لو کانت موافقةً للحدود التی أوردناها فی فصل الإنتاج،ولم تشذّ عنها أو تتعدّاها،فهو بهذا قد جعل السعی وبذل الجهد فی إنتاج الثروة الأوّلیة من مصادرها الطبیعیة هو الأساس الأوّل فی توزیع ثروات الطبیعة.

و هذا العمل مأخوذٌ أیضاً فی تطویر الثروة الخاصّة،وذلک کما هو علیه الحال فی استحقاق وتملّک الثروة العامّة فیکون علی نحوین،النحو الأوّل تنموی،ویتمثّل فی خلق فرصة جدیدة فی تلک الثروة لم تکن موجودةً فیها.و هذا ما یتمّ من خلال عملیات التصنیع و الزراعة ونحوها،والنحو الثانی انتفاعی،ویتمّ بواسطة تبادل تلک الثروة بغیرها من خلال عملیات التداول التی یتمّ الحصول من خلالها علی أرباح أو من خلال السماح للغیر بالاستفادة منها لقاء أجر.

فالأساس الذی یبتنی علیه هذا العمل.هو:أنّه یقع علی مادّة قد استُحقت أو مُلکت-أی:تمّ إنتاجها فی مرحلة سابقة-فهو لا یقع علی الثروات العامّة التی مرّ الحدیث عنها فی النقطة السابقة،و إنّما علی الثروة الخاصّة التی نتجت عن استثمار الثروة العامّة.

ومعنی هذا:أنّ الإسلام جعل الملکیة أساساً آخر یتمّ من خلاله توزیع ما تنامی منها؛علی مالکها،ومن اشترک معه فی تنمیتها کما سیأتی،ولکنّه فی الوقت ذاته أخضع هذه التنمیة لمقیاس العمل أیضاً،ولم یطلق لها العنان فی أن تطال ما تشاء وکیفما اتّفق،و هو ما سنأتی علی إیضاحه من خلال الحدود التی أخضع عملیة التوزیع لها.

هذا من جهة،ومن جهة أخری،فإنّه ربط دیمومة تلک الملکیة بدیمومة حیاة مالکها،

ص:221

فإذا ما رحل المالک عن هذه الحیاة وودّعها،فإنّ تلک الملکیة ستتحوّل عنه بشکل طبیعی،ولکن بما أنّه هو الذی بذل الجهد وأنتجها فامتلک نتیجة عمله؛لم یرد الإسلام لتلک الجهود أن تذهب سدیً.فلم یفصل بینه وبینها بشکل کامل،و إنّما جعلها ممتدّةً له بشکل غیر مباشر وذلک من خلال إحلاله الامتداد الطبیعی له،وهم ذرّیته محلّه فی استحقاقهم إیاها ضمن حدود تأخذ بنظر الاعتبار حقوقهم جمیعاً وتحفظ التوازن فیما بینهم.

ومن خلال ذلک یتّضح أنّ الملکیة تُعدّ أساساً من أسس التوزیع من ناحیتین:

ناحیة ابتدائیة:وتتمثّل باستحقاق نموّها من خلال العمل.

وناحیة امتدادیة:وهی أنّها تعود إلی الامتداد الطبیعی للمالک الأصلی فی حال وفاته،فیتمّ توزیع ثروته علی ذرّیته.

المسألة الأخری التی تلاحَظ فی هذا الخصوص؛هی أنّ الله لم یخلق الناس متکافئین فی القدرة علی استیفاء متطلّبات حیاتهم،فمنهم الضعیف و العاجز ومن تقف ظروفٌ ذاتیة وخارجیةٌ حائلاً دون توفیر حاجاته.فلم یترکهم صرعی للضعف و العجز و الظروف،و إنّما ألقی أمر إمرار معاشهم علی کاهل القادرین بفرض ضرائب فی أموالهم تتناسب ومستوی غناهم من جانب؛وذلک بسبب ثبوت حقّ لهم فی الطبیعة التی تمکّن القادرون من خلال استمثارهم لها من الاستغناء.

ومن جانب آخر،فقد أوکل إلی ولی الأمر مهمّة الإشراف علی تلک العملیة،وجبران قصور تلک الضرائب عن توفیر احتیاجاتهم؛وذلک علی أساس ما خوّله الله فیه من ملکیة خصّه بها باعتباره المدبّر و المشرف علی شؤون المجتمع.

ویتمّ کلّ ذلک علی أساسین،

الأوّل:الکرامة الإنسانیة التی تضمن أن یعیش الإنسان کریماً.

والثانی:حفظ التوازن الاقتصادی فیما بین أفراد المجتمع المذکور فی قوله تعالی: کَیْ لا یَکُونَ دُولَةً بَیْنَ الْأَغْنِیاءِ مِنْکُمْ (1)وتطرّق إلی أساس الحاجة هذا فی کثیر من آیاته،کقوله عزّ وجلّ: وَ أَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَکُمْ مُسْتَخْلَفِینَ فِیهِ ، (2)أو قوله تعالی: وَ لا یَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْکُمْ وَ السَّعَةِ

ص:222


1- (1) .الحشر:7.
2- (2) .الحدید:7.

أَنْ یُؤْتُوا أُولِی الْقُرْبی وَ الْمَساکِینَ وَ الْمُهاجِرِینَ ، (1)وکذا الآیة الکریمة: وَ الَّذِینَ فِی أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ ، (2)وبذلک یضاف أساسٌ آخر لأسس التوزیع،و هو:الحاجة،والتی اعتبرها الإسلام حقّاً طبیعیاً کما نوّهنا،ولیس ممنوحاً،کما قد یتبادر منها.

هذا من جهة،ومن جهة أخری:فإنّ لهذه الحاجة بُعداً آخر،و هو أنّ الإسلام لم یسمح بالسیطرة علی الثروات العامّة-بشکل مطلق من خلال العمل-و إنّما سمح بها بمقدار ما یؤمّن حاجة الفرد وذلک لحفظ حقوق الآخرین فیها،کما أشرنا إلی ذلک فی بحث ضوابط الإنتاج.وسمح أیضاً بالسیطرة علی بعض الثروات بمجرّد وضع الید علیها؛وذلک لعدم حاجتها إلی عمل تنموی،کما فی الأرض العامرة طبیعیاً.

وبذلک تکون قد اتّضحت الموازین الأساسیة التی تخضع لها عملیة التوزیع إسلامیاً،فإذا ما أردنا تعریف التوزیع إسلامیاً،فینبغی أن تؤخذ جمیع الأمور المتقدّمة فیه،والمتمثّلة بالعمل الأوّلی فی إنتاج الثروة من مصادرها الطبیعیة أوّلاً،والملکیة المتمخّضة عنه و الخاضعة لمقاییس العمل الثانوی الذی یتمّ عن طریقه تنمیة الثروة المنتجة ثانیاً،والحاجة القائمة علی أساس کونها حقّاً طبیعیاً تصبّ فی توفیر الکرامة وحفظ التوازن الاقتصادی ثالثاً.

فمن خلال ما تقدّم یمکننا تعریف التوزیع إسلامیاً بالشکل التالی:هو عملیة تقسیم الثروات العامّة ونتاج الثروات الخاصّة علی الأفراد علی أساس عمل انتفاعی أو تنموی،وتوفیر حاجاتهم بما یحفظ کرامتهم ویعزّز التوازن المعیشی فیما بینهم.

فأشرنا فی هذا التعریف إلی الأساس الأوّل للتوزیع،و هو:العمل الأوّلی الذی یترتّب علیه استحقاق الثروة المنتجة من الطبیعة،والذی یشمل فیما لو کان العمل تنمویاً أو انتفاعیاً،والعمل الثانوی القائم علی أساس الملکیة الخاصّة بما یکسب أصحابها حقّاً فی تنمیتها؛وذلک ببُعدیه التنموی والانتفاعی.

ویراد بالانتفاعی هنا ممارسة عملیة تداولها أو ممارسة خدمة علیها بأجر،فکلاهما یجلب النفع لصاحبها أو لمن تمّ التداول معه أو للعامل.ولکن دون أن یکتسب العامل حقّاً فی تلک الثروة باعتبار سبق ملکیة غیره لها،و إنّما له الحقّ فی المشارکة فی نتاجها إن کان مارس عملاً تنمویاً مباشراً علیها،ولا حقّ له سوی الأجرة إن لم یکن کذلک.

ص:223


1- (1) .النور:22.
2- (2) .المعارج:25-24.

وأشرنا کذلک إلی الحاجة التی یتمّ من خلالها توزیع ما یسدّها علی أساس کونها حقّاً ولیس منحة؛إذ إنّ التوزیع لا یقتصر علی توزیع الثروات المنتجة،کما هو الحال فی بعض الأنظمة،و إنّما یشمل توزیع مصادر تلک الثروات،وهی:الطبیعة التی یشترک فیها الجمیع علی حدّ سواء،والتی تعتبر الأساس فی الحصول علی تلک الثروات الخاصّة وکسبها،وتأتی الکرامة و التوازن المعیشی لیخضعا جمیع تلک الأسس إلیهما،و هو:ما یلقی فی عهدة الحاکم الشرعی لیعطی مجالاً من حرّیة الحرکة و التصرّف لتنظیم کلّ تلک الأمور بما یعزّزهما ویبعد المجتمع عن العواقب الخطیرة لعدم رعایتهما،ولو علی نطاق محدود.

المطلب الثانی:ضوابط التوزیع

اشارة

وعلی أساس هذا المفهوم الذی توصّلنا إلیه للتوزیع حسب الرؤیة الإسلامیة،سنحاول الخوض فی الضوابط الی تقوم علیها حرّیة التوزیع؛وذلک من خلال إعمال الموازین المتقدّمة و الأحکام التی تتّفق وتنسجم وتلک الموازین وفقاً للترتیب التالی:

الضابط الأوّل:قیام توزیع ثروات الطبیعة علی القیام بعمل تنموی أو انتفاعی فعلی.

ویرتبط هذا الضابط ارتباطاً وثیقاً فی ثبوت الحقّ للجمیع باستثمار ثروات الطبیعة بما یکفل حاجاتهم،حیث إنّ الإسلام-وعلی أساس ذلک الحقّ الذی یشترک فیه الجمیع-یقف منهم موقفاً نزیهاً ومتعادلاً بتقریره میزاناً عامّاً یخضع الجمیع إلیه،فهو:

یحدّ من حرّیة تملک الأفراد لمصادر الإنتاج (1)

من خلال اعتماده أصل العمل الذی یمارسه الأفراد بذواتهم لإیجاد حقّ لهم بالسیطرة علی تلک الثروات،وبما لا یؤدّی إلی تزعزع أصل اشتراک الجمیع فیها،ومن ثمّ التسبّب بالإخلال بالتوازن العام.

وبما أنّ ثروات الطبیعة تشمل الثروات الخام التی لا یمکن الانتفاع بها إلّا من خلال القیام بعملیة تطویر لها کالأرض الموات،وکذا الثروات المهیئة بطبیعتها للانتفاع بها،فلا تحتاج إلی بذل جهد فی إعدادها للانتفاع إلی القیام بعملیة إحیاء لها،فیقتصر فیها الأمر علی ممارسات بسیطة کالصید و البذر فی الأرض الخصبة ونحوهما،فقد فرّق الإسلام فی کیفیة توزیعهما علی أساس ذلک.

ص:224


1- (1) .اقتصادنا:439.

فلم یسمح بالسیطرة علی الثروات الأوّلیة الخام إلّا من خلال ممارسة عمل تنموی علیها-أی:تطویری وإحیائی-بحیث یؤدّی ذلک العمل إلی إمکانیة الانتفاع بها؛إذ إنّها بحسب طبیعتها لا یمکن الانتفاع بها ابتداءً.

ویتجلّی هذا الأمر فی الکثیر من الأحکام التی نظّمت تلک العملیة،فلو أخذنا علی سبیل المثال:عملیة الإقطاع التی یعدّها البعض لوناً من ألوان السیطرة علی الأرض وملکیتها من دون موازین حقوقیة-لا تعدوا کونها تطبیقاً لهذا الضابط-فإنّ الإقطاع فی حقیقته لا یمثّل سوی إذناً بالعمل فی تلک الأرض،ولیس استحواذاً علیها.

فتُعدّ تلک العملیة إجراءً تنمویاً یخوَّل من خلاله الفرد القیام علی استثمار تلک الأرض بعمل إحیائی-أی:أنّه یکتسب بذلک الإقطاع المنظَّم من قِبل الحاکم:

حقّ العمل فی تلک الأرض،دون أن یمنحه الإقطاع حقّاً فی ملکیة الأرض،أو أی حقّ آخر فیها،ما لم یعمل،وینفق جهده علی تربتها (1)

فهو یشبه إلی حدّ کبیر عملیة التحجیر التی تُثبت لصاحبها الحقّ فی إحیاء الأرض دون تملّکها،ولهذا حکموا بأنّه:

لو أقطعَ الإمامُ المواتَ إنساناً فترکه ولم یعمّره لا یتعرّض لها إلی ثلاث سنین،فإذا مضی ثلاث سنین فقد عاد مواتاً،کما کان وله أن یقطعه غیره (2)

فموادّ الطبیعة الخام،والتی تمثّل الأرض الموات أهمّ،وأبرز صورها لا یثبت لأحد الحقّ فیها إلّا من خلال ممارسة عمل إحیائی فعلی فیها.

أمّا الثروات المهیئة طبیعیاً،فبما أنّها معَدّة للانتفاع،و أنّ الغایة من إیجادها هو استغلالها من قِبل الإنسان لأداء دوره الحیاتی،فقد جُعل مجرّد ممارسة الانتفاع الفعلی بها هو الأساس فی ثبوت الحقّ فیها،فلو:

مارس الفرد أرضاً عامرةً بطبیعتها،فزرعها واستغلّها،کان من حقّه الاحتفاظ بها،ومنع الآخرین من مزاحمته ما دام یمارس انتفاعه بالأرض،ولا یحصل علی حقّ أوسع من ذلک،یخوّله احتکارها،ومنع الآخرین عنها حتّی فی حالة عدم ممارسته للانتفاع (3)

ص:225


1- (1) .المصدر نفسه:528.
2- (2) .بدائع الصنائع:194/6.
3- (3) .اقتصادنا:533.

و هذا جار فی کلّ ثروة مهیئة بطبیعتها للانتفاع،فعدّوا من ضمن ما لم یدخل فی نطاق الملکیة الفعلیة کلّ ما لم تمارَس علیه عملیة انتفاع،کما فی:

الکلأ،ولو فی أرض مملوکة له،والماء فی نهره أو فی بئره،وبیع الصید و الحطب و الحشیش قبل الإحراز (1)

إذ إنّ المفروض عدم سبق ممارسة عمل انتفاعی فی الموارد المذکورة،وإلّا لکانت محرزةً ومحازةً و الحال أنّها لیست کذلک،فتکون خارجةً عن حرّیة التصرّف فیها بالبیع وشبهه.

فیکون ضابط الانتفاع الفعلی هو المقوِّم الوحید لإمکانیة السیطرة علی الثروات العامرة للطبیعة،فتُکسِب تلک الممارسة الفرد الحقّ فی تلک الثروات،ویخضع هذا بطبیعة الحال إلی ما سیأتی من ضوابط،کی تنتظم عملیة الانتفاع تلک وفق ما یؤمّن الحقوق الأساسیة للجمیع.

الضابط الثانی:قیام توزیع نتاج الثروات الخاصّة علی أساس العمل المنفَق

فحسب ما مرّ بنا فی مفهوم التوزیع أنّ الثروات الثانویة التی أُنتجت من ثروات الطبیعة الأوّلیة قد أصبحت حقّاً أو ملکاً لمن قام بإنتاجها مباشرةً،فتکون دائمةً له ما دام یرید هو الاحتفاظ بها،فلا یمکن،والحال هذه أن یزول حقّه فیها أو ملکیته لها،و إن مارس شخصٌ آخر عملاً لاحقاً علیها؛لأنّ ثبوت الحقّ فی الشیء بممارسة عمل علیه یختصّ بالثروات الأوّلیة التی لم تثبت لأحد بعد.

أی:أنّه لا یمکن توزیعها بأعیانها إذ قد تمّ توزیعها بعملیة سابقة.

فإجراء عملیة توزیع علیها یقتصر علی ما یتنامی وینتَج من تلک الثروات،ولا یقع علیها بذاتها،وربط الإسلام صحّة وشرعیة توزیع نمائها بمسألة العمل أیضاً،فلم یسمح به من دون ذلک مطلقاً.

فالمقیاس الأساسی الذی أقام الإسلام نظامه الاقتصادی علیه یسری فی کلّ مفصل من مفاصله وجزء من أجزائه،ولا یشذّ عنه أی صغیرة وکبیرة.

فبرّر توزیع النتاج علی عناصر الإنتاج علی أساس العمل هذا دون أی مبرّر آخر،فما لم یقم کلّ عنصر من تلک العناصر بعمل حقیقی،فإنّه سیقصیه عن حقّ المشارکة فی ذلک النتاج،ومیز فی طبیعة ثبوت ذلک الحقّ بین نوعین من الأعمال:عملٌ مباشرٌ وعملٌ مختزن.

ص:226


1- (1) .البحر الرائق:435/5.

فالعمل المباشر:هو ما یقوم به العامل أو الأجیر أو ما یتمثّل بعملیة التداول-أی:بذل جهده الشخصی الفعلی فیه فهو عملٌ یوجد ویتمّ فی ساعة قیامه به.

والعمل المختزَن:هو العمل الذی تمّ إنفاقه فی مرحلة سابقة،ولکنّه تجسّد فی ما تمّ إنتاجه بذلک العمل نحو الماکنة و الدار و الأرض التی تمّ إعدادها للاستثمار،فأصبحت هذه الماکنة تمثّل عملاً سابقاً قد اختُزن فیها. (1)

وعلی أساس هذین النوعین من الأعمال یتمّ توزیع نتاج الثروات الخاصّة،وبما أنّ استحقاق النتاج یرتبط بالعمل المباشر-کما وجّهناه فی الفصل السابق-فإنّ ذلک یجری هنا أیضاً،ولکنّه لیس بتلک الصورة التی سبق الکلام عنها بخصوص العمل فی الطبیعة؛إذ إنّ الکلام هنا یرتکز علی أساس أنّ المادّة التی یقع علیها العمل مستحَقّةٌ أو مملوکةٌ لشخص ما-أی:أنّه لا یتمّ انتاجها هی بالذات و إنّما یتمّ إجراء عمل علیها بحسب طبیعتها وبحسب ما یراد منها.

ومن هنا،فإنّ کیفیة توزیع ذلک النتاج بما أنّه یمثّل نتاجاً لشخصین،یرتبط بما یتّفقان علیه،فقد سمح الشارع باقتسامه مع العامل علی نحو الشرکة فیه علی أساس أنّه مارس عملاً مباشراً علیه،فهو یستحقّ بالتالی أن یکون شریکاً فیه بحسب النسبة التی یتمّ التوافق علیها.ولکنّه جعله بالخیار فی القبول بذلک وبین أخذ الأجرة لقاء عمله فحسب،فلربّما لم یتمکّنا من حصد ثمرات عملهما ممّا یؤدّی إلی ذهاب جهود العامل أدراج الریاح.

لأنّ الاتّفاق علی المشارکة فی النتاج و الربح له تبعاتٌ یتعین علی العامل الانصیاع لها،وهی عدم حصوله علی شیء ویخرج خالی الوفاض فیما لو لم یتحقّق ذلک النتاج أو الربح الموعود،فطبیعة الشرکة تقتضی ذلک،فهی علی عکس الإجارة،فإنّ للأجیر حقٌّ مضمونٌ سواء نجح المشروع الإنتاجی نجاحاً باهراً أکسب المنتج أضعاف ما یعطیه للأجیر،أم لم ینجح.

ولکنّه هنا لا یتحمّل ضمان النقص فی المادّة أو رأس المال،لکون الشرکة هنا لیست شرکةً فی المادّة ورأس المال،بل فی العمل فقط.

ویتجلّی هذا الأمر فی أبرز مظاهره فی مشروعَی المزارعة و المضاربة.

فقد ذکروا من أنّه یجوز لصاحب الأرض:

ص:227


1- (1) -1.اقتصادنا:628،بتصرّف یسیر.

أن یعطی الأرض غیره ببعض ما یخرج منها،بأن یکون منه الأرض و البذر،ومن المتقبل القیام بها بالزراعة و السقی ومراعاتها (1)

أی:أن یکون للعامل أو المزارع هنا نسبةٌ من نفس نتاجها لا من شیء آخر،أی:أن یکون شریکاً للمالک فیه بحسب النسبة التی یتّفقان علیها.

هذا بالنسبة إلی العمل التطویری و التنموی؛أمّا بالنسبة إلی العمل التجاری،فإنّهم سمحوا للعامل فی المضاربة بالمشارکة فی الربح أیضاً.فقد عرّفوا المضاربة:

بأن یقول ربّ المال خذ هذا المال مضاربة علی أنّ ما رزق الله عزّ وجل أو أطعم الله تعالی منه من ربح،فهو بیننا علی کذا من نصف أو ربع أو ثلث أو غیر ذلک من الأجزاء المعلومة (2)

فممارسة عمل تجاری مباشر برأس مال الغیر یخوّل العامل المشارکة فی الربح حسب النسبة التی یحدّداناها،وکما أشرنا آنفا أنّ المشارکة تستدعی عدم کون الربح مضموناً للعامل،کما هو الحال فی المزارعة،فالشرکة ترتبط بذات الربح و الحاصل فإذا لم یحصل منه شیءٌ یکون الحقّ فیه سالباً بانتفاء موضوعه.

هذا بالنسبة إلی العمل المباشر،أمّا بالنسبة إلی العمل المختزَن و المتمثّل بأدوات الإنتاج،فلم یجعل له حقّاً فی النتاج،و إنّما جعل له المکافأة؛لکونه یؤدّی من خلال تجسّده بأداة عملاً غیر مباشر،فهی لا تقوم بعملیة الإنتاج بنفسها،و إنّما من خلال العامل الذی یبذل جهده الفعلی المباشر،فلو دفع المالک:

إلی رجل شبکة لیصید بها السمک علی أنّ ما صادتها من شیء فهو بینهما فصاد بها سمکاً کثیراً فجمیع ذلک للذی صاد...؛لأنّ الآخذ هو المکتسب دون الآلة فیکون الکسب له و قد استعمل فیه آلة الغیر بشرط العوض لصاحب الآلة،و هو مجهول فیکون له أجر مثله علی الصیاد (3)

ص:228


1- (1) .الطوسی،کتاب الخلاف:476/3.الملاحظ أنّ هذا الرأی یشترط بأن تکون المادّة التی یقوم علیها الانتاج،و هی البذر هنا من المالک و هو ما ینسجم،وما ذکرناه فی هذا الضابط،هذا مع أنّ کثیراً من الفقهاء لم یشترطوا ذلک فی صحّة اشتراکهما فی النتاج،فیصحّ عندهم أن یکون البذر من أیّهما شاءا،وعلی هذا یصحّ عندهم أن تکون للأرض التی تُعدّ وسیلةً إنتاجیةً حصّةٌ من النتاج،فیصحّ علیه أن تکون لأدوات الإنتاج حصّةٌ فی الربح،و هو ما یتعارض وضابط العمل المباشر الذی ترتکز علیه صحّة الشرکة تلک،و هو ما سیأتی الکلام عنه فی المبحث الثالث من هذا الفصل.
2- (2) .بدائع الصنائع:79/6-80.
3- (3) .السرخسی،المبسوط:35/22.

فهی تلعب دوراً مساعداً،ولیس أساسیاً فیه.

وبما أنّ الحقوق تقوم علی أساس العمل،فقد برّر استحقاقها للأجرة بما هی آلةٌ صمّاء؛علی أساس ما یتفتّت ویستهلک منها بالاستخدام،والذی یعبِّر فی الحقیقة عن العمل الذی تمّ إنجازه علیها فی مرحلة سابقة:

فهو عمل منفصل عن صاحب الأداة،قد تمّ إنجازه وإعداده سابقاً لکی ینفق ویستهلک بعد ذلک فی عملیة الإنتاج (1)

ولأجل هذه الوسطیة و البینیة التی تمثّلها و التی تحول دون قیام صاحبها بعمل مباشر تکون أجیرةً،ولیست شریکةً فی النتاج.

وبهذا تکون قد اتّضحت فکرة التوزیع علی مصادر الإنتاج حسب هذه الرؤیة الإسلامیة،والتی شملت العمل وأدوات الإنتاج.

وبقی الکلام حول رأس المال،فبما أنّ الإسلام أشاد نظامه الاقتصادی علی أساس العمل الذی مرّت علینا تفاصیله،فلم یسمح لرأس المال.والمقصود به هنا هو:العملة و النقد فی مقابل أدوات الإنتاج،ضمان الربح؛لأنّ رأس المال-وعلی خلاف أدوات الإنتاج-لا یمکن تصوّر أن یحدث تفتّتٌ فیه أو استهلاکٌ له فی حال کونه مضموناً.

فلو ضمن المالک ضماناً عقدیاً استعادة رأس ماله فسیعود إلیه،کما هو،ولا یتفتّت منه شیءٌ و إن تغیرت قیمته السوقیة؛لأنّ هذا التغیر لا یرتکز علی العمل،فحتّی لو لم یستخدم المالک ماله فی مثل هکذا عملیة وبقی محافظاً علیه،فإنّ قیمته ستتدنّی حسب الفرض،مع أنّ مسألة تغیر القیمة تنازلیاً هو من الأمور غیر المؤکّدة،فقد یحدث العکس ویکون تصاعدیاً،فهی خاضعةٌ لحرکة السوق.

وعلی هذا الأساس،فقد وضع الإسلام فسحةً للتنفّس وکسب الأرباح،ویتمثّل ذلک فیما لو استخدم المالک ماله فی عملیة تجاریة غیر مضمونة النتائج،أی أن یکون متحمّلاً ومتعرّضاً للخسارة و النقص الذی قد یحدث فی العملیة التجاریة.

فهو و الحال هذه لا یکون مضموناً وسیکون ذلک مبرّراً للربح؛وذلک:

نتیجة لملکیته للمادّة التی مارسها العامل وربح عن طریق بیعها،فهو نظیر حقّ مالک اللوح فی السریر الذی یصنع من لوحه (2)

ص:229


1- (1) .اقتصادنا:619.
2- (2) .المصدر نفسه:634.

فهو فی الحقیقة یعدّ ممارسةً لعمل انتفاعی أو استثماری بواسطة رأس المال الذی یملکه،فیدخل ذلک فی نطاق تِجارَةً عَنْ تَراضٍ الذی سبق الحدیث عنه فی الفصل السابق.

فلم یسمح الإسلام لرأس المال بالربح إلّا من خلال مشارکته فی عملیة تجاریة غیر مضمونة النتائج عقدیاً وذلک بتعریضه للخسارة،کما هو الحال فی المضاربة،وبذلک تخرج الفائدة الربویة القرضیة عن هذا النطاق المسموح به لکون القرض مضموناً،ویخرج کذلک أمثال الکسب القائم علی المقامرة؛لکونه قائماً علی أساس المخاطرة بالمال،ولیس علی أساس عمل انتفاعی أو استثماری.

أی:أنّها لا تعبِّر عن عمل اقتصادی حقیقی،فلا تدخل فی إطار العمل الانتاجی،فیکون مشمولاً لقو تعالی: وَ لا تَأْکُلُوا أَمْوالَکُمْ بَیْنَکُمْ بِالْباطِلِ . (1)

الضابط الثالث:استلزام حقّ الجماعة فی الثروات العامّه لضمان عیش المحتاجین

فمثلما أعطی الإسلام دوراً أساسیاً للعمل فی توزیع ثروات الطبیعة العامّة ونتاج الثروات المنتَجة الخاصّة،فقد أعطی للحاجة أیضاً دوراً أساسیاً فی توزیع بعض نتاج تلک الثروات؛وذلک علی أساس أنّ الطبیعة هی ملکٌ للجمیع،و هو ما یشیر إلیه قوله تعالی: هُوَ الَّذِی خَلَقَ لَکُمْ ما فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً ؛ (2)بناءً علی الخلافة العامّة التی ألبس عباءتها الجمیع.

و قد بینا فیما سبق مسألة تفاوت الناس فی القدرات الذاتیة و التی علی أساسها یتمّ تعویض غیر القادرین جسدیاً علی ممارسة الانتفاع بالطبیعة بما تجود به،وذلک من خلال فرض حصّة ثابتة فی أموال القادرین الذین استطاعوا تسخیرها و الحصول علی ما لذّ وطاب.

و قد قلنا بأنّ هذه المسألة تحتاج إلی نوع من الإشراف و التوجیه و التنظیم بما یکفل حقّهم ذاک،و قد أوکل مهمّة ذلک إلی الدولة الممثَّلة بالحاکم الشرعی وذلک من طریقین:الطریق الأولی:قبضه لتلک الحصّة من أصحابها،کما فی عملیة استیفاء الزکاة و الخمس لتوزیعها علی المستحقّین.

والطریق الثانیة:هو جعله متصرّفاً فی الأموال العامّة من أراض وغیرها بما یعینه علی تأدیة مهامّه الوظیفیة باعتباره حاکماً عامّاً،وبما یقوم به من إنفاق بعض تلک الأموال

ص:230


1- (1) .البقرة،188.
2- (2) .البقرة:29.

والثروات علی سدّ عوز الفقراء و المحتاجین کما جاء فی الحدیث؛

«و هو وارث من لا وارث له،ویعول من لا حیلة له» (1)

وللحاجة هذه بُعدٌ آخر سبق،وأن تطرّقنا إلیه فی ضوابط الانتاج،والذی یعبِّر عن البُعد الإثرائی-إن صحّ التعبیر-ویصبّ فی نتیجته فی البُعد الذی نتحدّث عنه وأعنی البُعد الفقْری.و قد ذکرنا بأنّ الإنتاج یرتبط ارتباطاً وثیقاً بالتوزیع من حیث قیام عملیة التوزیع علی الإنتاج:

فإحیاء الأرض المیتة،واستنباط عین الماء،واقتطاع الخشب،واستخراج المعادن،کلّها عملیات إنتاج.وهی فی نفس الوقت تؤدّی إلی تطبیق القواعد العامّة للتوزیع علی الثروات المنتجة. (2)

وعلی هذا الأساس،لم یسمح للأفراد باستغلال واستثمار موارد الطبیعة إلّا بمقدار الحاجة و التی أتینا علی ذکر النصوص المشیرة إلی ذلک فی فصل الإنتاج؛إذ إنّ ذلک ممّا یؤثّر فی البُعد الفقری من حیث عدم استفراد واستئثار طبقة خاصّة بتلک الموارد،ممّا یؤدّی إلی إثرائها علی حساب باقی أفراد الجماعة البشریة واتّساع نطاق الحاجة و العوز لدیها.

وبهذا،یکون الإسلام و من خلال جعله الطبیعة حقّاً للجمیع من دون استثناء،قد قضی علی الحاجة فی مهدها،وذلک عن طریق عدم سماحه باستثمارها بما یتجاوز علی حقوق الآخرین فیها،وفرضه ضرائب علی المستثمرین لتعویض من لم یستطع استغلالها.

فالحاجة عنده ذات بُعد إنسانی تشمل کلّ بنی البشر ولا تفرّق بین أتباع المذاهب و الأدیان فی تأمین حاجاتهم المعاشیة،بما أنّهم أعضاءٌ ینتمون إلی الأسرة البشریة الواحدة التی تشترک فی العیش فی هذه الطبیعة،و هو ما یعبِّر عنه بأسمی صورة ما جاء عن علی علیه السلام الحاکم الفعلی حینها،من أنّه:

مرّ شیخ مکفوف کبیر یسأل،فقال أمیر المؤمنین علیه السلام:«ما هذا»؟.فقالوا:یا أمیر المؤمنین نصرانی.قال:فقال أمیر المؤمنین علیه السلام:«استعملتموه حتّی إذا کبر وعجز منعتموه!أنفقوا علیه من بیت المال». (3)

الضابط الرابع:خضوع التوزیع لسلطة الحاکم للحفاظ علی توازن المجتمع وکرامته

لقد سبق وأن تطرّقنا فی الأساس الثانی من الأسس العامّة فی مدخل هذا البحث إلی مسألة

ص:231


1- (1) .الکافی:542/1/باب:الفیء/4.
2- (2) .اقتصادنا:678.
3- (3) .تهذیب الأحکام:8/293/6.

الخلافة وقسّمناها إلی:خلافة عامّة:تشمل أفراد المجتمع الإنسانی کافّة.وإلی خلافة خاصّة:تختصّ بمن یعینه الله للإشراف علی جریان خلافة أولئک الأفراد،وسوقهم باتّجاه الغایات التی أرادها وفقاً للتعالیم التی وضعها فی هذا السبیل.

وعلی هذا الأساس،فقد أعطی التشریع الإسلامی سلطات وصلاحیات واسعةً للخلیفة الخاصّ لتأمین تطبیق الحدّ الأعلی من تلک التعالیم بما یحول دون تخلّف المجتمع الإنسانی عن الأهداف التی وجِد من أجلها،و هو ما یحفظ فی ذات الوقت مصالح أفراده قاطبةً،وتطبیق أساس القیام بالقسط علی أفضل نحو،والذی یؤدّی بدوره إلی تأمین کرامتهم.

فمع أنّ الإسلام جعل من العمل أساساً للحقوق وتملّک الثروات وتنمیتها،ویکون بذلک قد سمح بظهور التفاوت المعیشی بین أفراد المجتمع،وذلک من خلال تفاوت قابلیاتهم البدنیة و الفکریة و النفسیة،إلّا أنّه ومن خلال جعله الطبیعة حقّاً یشترک فیه الجمیع،وعدم سماحه بانتزاع حقّ أی فرد منها مهما کانت میوله واتّجاهه،ومن خلال وضعه آلیات عملیة لتأمین ذلک الحقّ،فقد خطی خطوةً واسعةً باتّجاه تضییق نطاق ذلک التفاوت بنسبة معتدّ بها.

ولکنّ الذی خلق الإنسان و الذی،یعلم ما توسوس به نفسه،لم یترک الأمر لذلک الإنسان کی یجری ما کلّفه به من دون وازع ولا رقیب،ومع أنّه اعتمد اعتماداً أساسیاً علی الوازع الذاتی،إلّا أنّ تنظیم الأمور وتنسیقها یتطلّب أن یکون هناک مشرفٌ یتمتّع بصلاحیات إجراء ذلک النظام المترابط و المتشابک.

و قد أثبتت الحقائق الخارجیة مدی الجشع و الشره الذی یمتاز به بعض الناس إلی درجة لم یتورّعوا فی تحویل المجتمع الإنسانی إلی مجتمع الغاب،حتّی وصل ببعضهم الأمر إلی محاولة إسقاط طبیعة المجتمع الحیوانی علی المجتمع الإنسانی من خلال إقرار نظریات أمثال:تنازع البقاء،أو أمثال:صراع الحضارات ونهایة التاریخ التی تنطوی علی شعور وقّاد بالتفوّق وتبریر التجاوز علی حقوق الآخرین وتذویبهم سیاسیاً وثقافیاً واقتصادیاً واجتماعیاً.

ولا یعنی إیجاد التوازن المعیشی بین أفراد المجتمع غمط حقّ من سعی بعرق جبینه وضمن الحدود المشروعة،فکسب ما من شأنه أن یجعله ثریاً؛إذ إنّ التوازن المقصود:

هو التوازن بین أفراد المجتمع فی المعیشة،لا فی مستوی الدخل؛والتوازن فی

ص:232

مستوی المعیشة معناه:أن یکون المال موجوداً لدی أفراد المجتمع ومتداولاً بینهم،إلی درجة تتیح لکلّ فرد العیش فی المستوی العام. (1)

و هو ما کُلّف الحاکم الشرعی بتحقیقه علی کافّة المستویات،ومن ضمنها المستوی التداولی المشار إلیه فی الفقرة الآنفة،فقد أُلزم بمحاربة اکتناز المال واحتکار السلع من دون محاباة ومواربة؛إذ إنّ ذلک یمثّل بُعداً آخر من أبعاد إحلال التوازن المعیشی فیما بین أفراد المجتمع.

فالحقوق الشرعیة التی وضعها الله تعالی علی کاهل الأغنیاء،والأموال العامّة التی جعلها تحت تصرّف الإمام؛إنّما أُقرّت ووضِعت لأجل إغناء الفقراء والارتفاع بهم إلی مستوی یقارب مستوی عیش الأغنیاء من دون منّ ولا أذیً؛إذ هی تمثّل نصیبهم الذی جعله الله لهم ممّا جادت به یمینه التی لا تُفرّق بین أسود وأبیض،و هو ما یقوم الإمام بتحقیقه:

فلا یدع فقیراً إلّا أعطاه حقّه من الصدقات حتّی یغنیه وعیاله،و إن احتاج بعض المسلمین،ولیس فی بیت المال من الصدقات شئ أعطی الإمام ما یحتاجون إلیه من بیت مال الخراج،ولا یکون ذلک دیناً علی بیت مال الصدقة لما بینا أنّ الخراج وما فی معناه یصرف إلی حاجة المسلمین،بخلاف ما إذا احتاج الإمام إلی إعطاء المقاتلة،ولا مال فی بیت مال الخراج صرف ذلک من بیت مال الصدقة،وکان دیناً علی بیت مال الخراج؛لأنّ الصدقة حقّ الفقراء و المساکین. (2)

فالفقراء و المعوزون إضافةً إلی اختصاصهم بالضرائب الشرعیة وعدم مشارکة غیرهم لهم فیها،فإنّ لهم نصیبٌ أیضاً من الأموال العامّة الممثّلة بالخراج،و هو ما یؤدّی إلی استغنائهم وتأمین العیش اللائق بهم کخلفاء لله،و هو ما یعنی:الحفاظ علی کرامتهم وإنسانیتهم؛إذ لا یکونوا فی حاجة حینئذ إلی مدّ ید العون و العوز إلی غیرهم.

وإلی هنا نکون قد انتهینا من ذکر الضوابط التی تخضع لها حرّیة التوزیع،و هو ما یفسح الطریق إلینا معبّداً للسیر و التوقّف فی محطّات الحدود التفصیلیة التی تخضع لها تلک العملیة.

ص:233


1- (1) .اقتصادنا:708.
2- (2) .السرخسی،المبسوط:18/3.

ص:234

المبحث الثانی

اشارة

حدود الحرّیة فی توزیع ما قبل الإنتاج

لا یبدو للوهلة الأولی أنّ التعبیر:بما قبل الإنتاج،فی محلّه فی مباحث التوزیع؛إذ لا یمکن تصوّر حصول عملیة توزیع من دون ممارسة عمل إنتاجی،وذلک حسب الضوابط التی تقدّمنا بها فی فصل الإنتاج،حیث اتّضح فیها أنّ العمل و العمل المباشر،لا غیر هو اللاعب الأوحد فی ترتیب آثار الإنتاج کالحقّ و الملکیة علیه.

إلّا أنّه-کما سبق وأن ألمحنا إلیه فی الفصل الآنف-من وجود ثروات طبیعیة،وهی:الأرض،لا یمکن أن تخضع بذاتها لعملیة إنتاجیة،و إنّما یتمّ ممارسة العملیة الإنتاجیة علیها.أمّا باقی الثروات کالمعادن و المیاه و الحیوان و النبات،فهی تخضع بذاتها للعملیات الإنتاجیة،فیکون توزیعها وثبوت ملکیتها مترتّباً علی إنتاجها المتمثّل بعملیات الاستخراج و الحیازة المباشرین کما ذکرنا.

وعلی أساس هذا الفارق بالذات أخّرنا الحدیث عنها إلی هذا الفصل.

و هذا لا یعنی:أنّ مسألة توزیعها وثبوت الحقّ فیها وتملّکها لا یعتمد علی الإنتاج،بل لأنّها لا تخضع مباشرةً للتوزیع،بل یکون توزیعها متوقّفاً علی ممارسة عملیات إنتاجیة لأشیاء أُخر غیرها،فیکون توزیعها بشکل غیر مباشر،ولیس مباشراً کما فی غیرها إذ؛

إنّ الحقّ الذی یحصل علیه الفرد[فیها]إنّما هو نتیجة الإحیاء ومعلول له،فیبقی حقّه ما دامت العلّة باقیة و الأرض عامرة،فإذا زالت معالم الحیاة عن الأرض سقط حقّه،لزوال العلّة (1)

ص:235


1- (1) .اقتصادنا:477-478.

فیکون هذا التقسیم هو الأکثر مناسبةً بخصوص الموارد الطبیعیة.

فما مرّ علینا فی فصل الإنتاج کان شاملاً لما یخضع لعملیات إنتاجیة مباشرة ویتمّ الاستحواذ علیه مباشرةً،و هو یختلف وحالة الأرض التی تکون تابعةً لما یجری من عملیات إنتاجیة لموادّ أخری غیرها.

ومع أنّهم قد ذکروا بأنّ:

إحیاء الأرض المیتة،واستنباط عین الماء واقتطاع الخشب،واستخراج المعادن،کلّها عملیات إنتاج،وهی فی نفس الوقت تؤدّی إلی تطبیق القواعد العامّة للتوزیع علی الثروات المنتجة (1)

فتکون عملیة توزیعها مترتّبةً علی إنتاجها،لکنّ إدراجهم الأرض ضمن مبحث توزیع ما قبل الإنتاج هو لأجل اشتراکها مع الأُخریات فی کونها طبیعیة؛إذ إنّ القول بصدق وقوع الإنتاج علی الأرض کإحیاء الأرض المیتة،هو ممّا لا یمکن الالتزام به؛لأنّ ذلک لیس عملیة إنتاج لرقعة أرض و إنّما إنتاجٌ للزرع و الحیوان و الموادّ التی یمکن انتزاعها منها،فتکون الأرض محیاةً بالزرع المنتَج و الحیوان المتولِّد و المعدن المستخرَج.

فالمعیار الذی دعانا إلی عدم إیراد الأرض فی فصل الإنتاج،هو:الإنتاجیة،ولیس الطبیعیة،فما دامت لا تخضع بذاتها لعملیة إنتاجیة،فهی تنضوی تحت عنوان:التوزیع،لا الإنتاج؛إذ إنّ توزیعها یکون تابعاً لما ینتج فیها،ولیس إنتاجها هی بالذات.

وممّا یقوّی ما ذهبنا إلیه هو الحکم بعدم خضوع الأراضی للملکیة الحقیقیة،وذلک بناءً علی آراء کثیرة ذهبت إلی أنّ الأراضی بجمیع أقسامها تعتبر ملکاً للدولة،حیث إنّ ما أقرّ الإسلام ملکیته من بعض أقسامها کالأرض التی أسلم أهلها علیها طوعاً،إنّما هی ملکیةٌ متزلزلةٌ تتوقّف علی الاستمرار فی إحیائها فیعود إلی نفس حکم ما عداها،کما سیأتی الکلام عنه.

و هذا علی خلاف موارد الطبیعة الأخری کالماء و المعدن و الطیر التی تخضع لملکیة من قاموا بإنتاجها،فالأرض تبقی ساحةً ومیداناً للتنافس فی ممارسة عملیات الإنتاج علیها،وفی ذلک فوائد جمّةٌ أهمّها عدم إخضاعها للتعطیل والاحتکار،ومساهمة ذلک بالتالی فی الحدّ من تراجع العملیة التنمویة،و هذا یعدّ مؤیداً آخر علی ما سبق،وأن أشرنا إلیه من أنّ أحکام الإسلام الاقتصادیة ذات طبیعة تنمویة.

ص:236


1- (1) .المصدر نفسه:678.

وعلی ضوء ذلک،سیترکّز بحثنا الأساسی هنا علی الحدود التی تخضع لها عملیة توزیع الأراضی.

أمّا غیر الأراضی من الثروات الطبیعیة کالمعادن و النبات،والحیوان و المیاه،فقد تکلّمنا فی الحقیقة عن عملیة توزیعها من خلال کلامنا عن الحدود الواجب مراعاتها فی حرّیة التصرّف فیها-وذلک فی الفصل السابق-إذ إنّ عملیات الإنتاج تُعدّ تطبیقاً للقواعد العامّة للتوزیع کما مرّ فی الاقتباس المتقدّم.ولکنّنا مع هذا سنشیر بصورة إجمالیة إلی عملیة توزیعها.وعلی هذا سینقسم کلامنا فی هذا المبحث إلی مطلبین یختصّ:

الأوّل:منه بالأرض باعتبارها ثروةً ثابتةً،والتی لم نبحثها فی فصل الإنتاج وأرجأنا بحثها إلی هذا الفصل نظراً لما بیناه حولها فیما تقدّم.

والثانی:بالثروة المنقولة التی تتمثّل بما عدا الأرض من المیاه و النبات و الحیوان و المعادن ظاهرةً وباطنة.

المطلب الأوّل:حدود الحرّیة فی توزیع الأراضی

اشارة

إنّ الأرض باعتبارها ثروةً ثابتةً،وکونها البسیطة التی لا یمکن للإنسان العیش من دونها؛إذ إنّ جمیع ما یحتاجه من الأشیاء علی اختلافها هی ممّا ذرأه الله فیها، (1)وجعلها له مهداً (2)یترعرع ویشیخ ویدفن فیها،بل إنّها المادّة الأوّلیة التی أنشأه منها واستعمره فیها؛ (3)قد حظیت بأهمّیة حیاتیة بالغة،هذا إضافة إلی أهمّیتها الاقتصادیة و السیاسیة التی تجذّرت وقویت علی مدی التاریخ.

ومن هنا فإنّ الکلام عن توزیع الأرض هو کلامٌ بالغ الخطورة،حیث سیتقرّر من خلاله کیفیة عیش الإنسان حاضراً ومستقبلاً؛ولهذا فقد أولی الإسلام الأرض عنایةً خاصّةً،وأمعن فی الاهتمام بأمر کیفیة وطبیعة ثبوت الحقّ فیها،وأطلق لأجل ذلک ید خلیفته الخاصّ فی التصرّف فیها،وفی ما یتعلّق بها،کما سیأتی.

والأرض-کما نعلم-لم تکن فی سابق عهدها،کما هی علیه الآن،فقد حدثت تطوّراتٌ کثیرةٌ بخصوص السیطرة والاستحواذ علیها وتملّکها،وذلک حسب الحقب التاریخیة و الحضارات التی استوطنتها.

ص:237


1- (1) . وَ ما ذَرَأَ لَکُمْ فِی الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ... ،النحل:13.
2- (2) . اَلَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَکَ لَکُمْ فِیها سُبُلاً... ،طه:53.
3- (3) . هُوَ أَنْشَأَکُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَکُمْ فِیها... ،هود:61.

وعندما جاء الإسلام وأطلق أحکامه بخصوصها،فإنّ تلک الأحکام-کما غیرها من أحکامه-تکون ناظرةً إلی مجمل الحیاة البشریة حاضراً ومستقبلاً،ومنسجمةً مع الواقع،وآخذةً بنظر الاعتبار الغایة التی أُرید لها أن تتحقّق من خلال رسالته التی بعثها إلی الإنسان،والتی تمثّلت بالإسلام.

ومن هنا،فقد تمّ تقسیم الأراضی حسب الواقع و الطریقة التی حکم بها الإسلام المناطق التی سیطر علیها من جهة،وحسب الطبیعة التی تمیزت بها تلک الأراضی من جهة أخری،وأعطی خلیفته الخاصّ صلاحیة تنسیق وتنظیم عملیات الانتفاع بها واستثمارها بما یراه مناسباً من جهة ثالثة.

وعلی هذا،فقد قُسّمت الأراضی سیاسیاً (1)حسب العناوین التالیة:

1.الأرض المسلمة بالفتح،وهی:الأرض التی فتحها المسلمون بالقوّة.

2.الأرض المسلمة بالدعوة،وهی:الأرض التی أسلم أهلها علیها طوعاً بلا حرب،ولا قتال.

3.أرض الصلح،وهی:الأرض التی استسلم أهلها للمسلمین دون أن یسلموا.

4.أرض الفیء،وهی:الأرض التی بادر أصحابها فی تسلیمها إلی النبی صلی الله علیه و آله من دون قتال ولا حتّی هجوم.

وتنقسم جمیع تلک الأراضی طبیعیاً إلی الأنواع التالیة:

1.الأرض الموات.

2.الأرض العامرة ذاتیاً.

3.الأرض العامرة بشریاً.

وتختلف کیفیة توزیع تلک الأراضی وفقاً لاختلاف عنوانها السیاسی و الطبیعی،وسنأتی علی بیان الحدود التی تخضع لها حرّیة توزیعها بحسب عنوانها الطبیعی،مع أنّ الأحکام الناظرة إلی عنوانها الطبیعی مأخوذٌ فیها عنوانها السیاسی أیضاً.

ص:238


1- (1) .الظاهر أنّ التقسیم المعهود للأرض قائمٌ علی أساس عدم السلطة الفعلیّة للإسلام علی الأراضی الأخری التی لم تدخل بعد فی حدود الدولة الإسلامیّة،فالمرجّح أنّ التقسیم الأساسی للأرض لا یخضع لذلک،بل یتمّ من خلال صلاحیة الإمام بالتصرّف بالأرض قاطبةً،کما تصرّح بعض الأحادیث بذلک؛فعلی هذا یکون التقسیم الأرجح هو تقسیمها بحسب طبیعتها بغض النظر عن أحوالها المذهبیّة و السیاسیّة،و هو ما یتطلّب فتح ملف الأرض علی دفّتیه،وفی کافّة أبعاده لمحاولة الوصول إلی حقیقة الأمر.
أوّلاً:الأرض الموات
اشارة

و قد عُرّفت بأنّها.

الأرض المتروکة التی لا ینتفع بها انتفاعاً معتدّاً به (1)

أی:أنّها فی مقابل العامرة طبیعیاً و العامرة بشریاً،أو أنّها أرضٌ خارج البلد غیر مملوکة أو مستحَقّة لأحد لا ینتفع بها انتفاعاً شخصیاً بأی نحو من أنحاء الانتفاع،أو یوجد فیها ما لا یمکن أن یستغنی عنه المسلمون کالمعادن. (2)

فالتعریف الأخیر یبین أنّ ما ینتفع به لا یقتصر علی ما هو موجودٌ علی ظاهرها،و إنّما یشمل کلّ ما هو موجودٌ علیها وفیها،ولا تقتصر عملیة الانتفاع علی شکل معین دون غیره،بل تشمل أی شکل یمکن أن یتحقّق به،وسبق لنا أن بینا فی فصل الإنتاج أنّ الأرض الموات المقصودة تشمل الموات بالأصالة،وبالعرض فیأتی هنا ما کنّا قد فصّلناه هناک.

وعندما نتطرّق إلی هذه الأرض،فإنّنا سنقتصر بطبیعة الحال علی أمر حدود حرّیة توزیعها وسنتجنّب الخوض فی النقاط التی تتعلّق بحدود حرّیة استغلالها إنتاجیاً،فهی مذکورةٌ فی فصل الإنتاج.

أی:أنّنا سنتطرّق إلی عملیة الاستثمار التی تُثبّت للمستثمر حقّاً أساسیاً بالأصالة فیها،و هذا یستدعی الابتعاد عمّا کان قد استُحق منها؛وعلی هذا فإنّ الحدود التی تخضع لها حرّیة توزیع الأرض الموات تتمثّل بما یأتی:

أ)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بإذن الحاکم الشرعی

فمع أنّهم قد اتّفقوا علی أنّ الأرض الموات خاضعةٌ لتصرّف الإمام،من باب ولایته علیها باعتبار منصبه الشرعی و السیاسی،فهی فی الحقیقة ملکٌ للدولة،إلّا أن البعض نزّلها منزلة الثروات الطبیعیة الموجودة فیها فی جواز التصرّف فیها من دون استئذان الإمام،وذلک من خلال القیام بعملیة إحیائها؛إذ إنّ ملک الدولة:

هو نوع من الملکیة لا یتنافی مع کونه مباحاً لکلّ إنسان تحقّق منه القیام بما یعرف ب-(الإحیاء)...دون ضرورة لمراجعة الحاکم واستئذانه (3)

ص:239


1- (1) .السیستانی منهاج الصالحین:252/2.
2- (2) .بدائع الصنائع:194/6،باقتضاب.
3- (3) .فقه الشریعة:28/58/2.

إلّا أنّ هذا لا یتّفق وملکیة الدولة لها،فالملکیة تستدعی انحصار التصرّف بالمالک إلّا إذا سمح هو بالتصرّف؛إذ إنّها تختلف و الثروات المنقولة الموجودة فیها،فلو جاز القول بعدم تنافی حرّیة التصرّف فی تلک الثروات بالانتفاع مع کونها مُلکاً للدولة،فإنّ الأمر یختلف هنا من ناحیة أنّها ثروةٌ ثابتةٌ تتطلّب استئذان الدولة لتتمکّن الدولة من أداء وظیفتها فی تنظیم وتنسیق ذلک التصرّف بما یضمن التوازن المعیشی:

فما کان مضافاً إلی الله تعالی و الرسول صلی الله علیه و آله فالتدبیر فیه إلی الإمام،فلا یستبدّ أحد به بغیر إذن الإمام (1)

أمّا لو سلّمنا بحرّیة الأفراد فی ممارسة الإحیاء فیها،کما یستدعیه قوله صلی الله علیه و آله:

«من أحیا أرضاً میتةً،فهی له» (2)

فإنّ ذلک لا یعنی ثبوت الحقّ له بتملّکها،کما قد یفهم من تعبیر:«فهی له»،و إنّما أولویته من غیره بالانتفاع بها ما دام الإحیاء قائماً،و هو ما یشیر إلیه قوله صلی الله علیه و آله:

«من أعمر أرضاً لیست لأحد فهو أحقّ» (3)

ففهموا من مجمل الأحادیث أنّ هذا الحقّ هو حقّ أولویة،لا حقّ ملکیة؛ولذلک حکموا فیمن أحیی أرضاً فخربت،فأحیاها آخر:

بأنّ الثانی أحقّ بها لأنّ الأوّل ملک استغلالها،لا رقبتها فإذا ترکها کان الثاتی أحقّ بها. (4)

وممّا یؤید ذلک هو إنّ الذین قالوا بالملکیة قد منعوا من إحیائها بطروء عنوان ثانوی علیها،فیما لو کان الإحیاء:

علی خلاف بعض المصالح العامّة،فنهی عنه ولی المسلمین. (5)

فلا بدّ إذاً:من استئذان الحاکم الشرعی فی التصرّف فیها واستثمارها لکون ملکیتها الأصلیة ثابتةً للدولة أوّلاً،ولثبوت صلاحیته فی الإشراف علی توزیعها لمراعاة التوازن المعیشی بین أفراد المجتمع ثانیاً.

هذا إضافةً إلی أنّه لو:

لم یشترط فیه إذن الإمام أدّی إلی امتداد المنازعة و الخصومة بینهم فیها. (6)

ص:240


1- (1) .السرخسی،المبسوط:167/23.
2- (2) .السنن الکبری:99/6.
3- (3) .صحیح البخاری:70/3.
4- (4) .اقتصادنا:466 نقلاً لقول أبی القاسم البلخی فی تکملة:شرح فتح القدیر:137/8.
5- (5) .السیستانی،منهاج الصالحین:91/252/2.
6- (6) .السرخسی المبسوط:16/3-17.
ب)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بممارسة عمل إحیائی مستمرّ علیها

و قد مرّ علینا کیف أنّ ثبوت الحقّ فیها یرتبط بعملیة إحیائها بما أنّها أرضٌ میتة،فلا یثبت إی حقّ فی الاختصاص بها من دون ممارسة فعلیة لعملیة الإحیاء،وحتّی أنّ الذین قالوا بثبوت الملکیة فیها،ولیس حقّ الاختصاص،فإنّهم أوقفوا ذلک علی ممارسة عملیة إحیاء علیها.والمقصود من الإحیاء الذی یثبت به حقّ الاختصاص فی الأرض هنا هو:المتحقِّق،لا مجرّد المباشرة فیه،فلا بدّ:

فی صدق إحیاء الموات من العمل فیها إلی حدّ یصدق علیها أحد العناوین العامرة کالدار و البستان،والمزرعة و الحظیرة،والبئر و القناة،والنهر وما شاکل ذلک. (1)

مع ملاحظة أنّ عملیة الإحیاء قد تتطلّب مقدّمات تمهّد لها،و هو ما یطلق علیه فقهیاً:التحجیر،ولا توجد کیفیةٌ خاصّةٌ للتحجیر،فهو یرتبط بطبیعة الاستثمار الذی یراد منها،فیکفی فی تحقّق التحجیر:

کلّ ما دلّ علی إرادة الإحیاء من الأعمال المتجسّدة فی مظهر مادّی،وذلک مثل تسویرها بشریط ونحوه،أو وضع حدید أو أحجار علی جوانبها أو علی زوایاها الأربعة،أو حفر رکائز فیها،أو تمهید أرضها وتنقیتها من الصخور،أو غیر ذلک من الأمور التی یفهم منها الناظر إلیها أنّ هذه الأرض محجّرة ومرغوبة من قِبل من یرید إحیاءها. (2)

ومع هذا،فإنّ عملیة التحجیر بذاتها لا تکفی لثبوت الحقّ فی الأرض المیتة،فهی کما قلنا مجرّد مقدّمة للإحیاء،ولیست هی بذاتها عملیة الإحیاء،ومن أجل عدم استغلال التحجیر للسیطرة العشوائیة علی الأراضی،فقد وضعوا قیوداً علی ذلک،فلا یعدّ التحجیر فاعلاً ومؤثّراً فی إجراء عملیة إحیاء فعلی،ولیس له أی اعتبار ما لم تتوفّر فی المحجِّر الأمور التالیة:

الأوّل:القدرة علی الإحیاء:

فإن لم یتمکّن من إحیاء ما حجّره لمانع من الموانع،کالفقر أو العجز عن تهیئة الأسباب المتوقّف علیها الإحیاء جاز لغیره إحیاؤه. (3)

ص:241


1- (1) .الخوئی،منهاج الصالحین:746/156/2.
2- (2) .فقه الشریعة:59/2-32/60.
3- (3) .الخوئی،منهاج الصالحین:738/155/2.

فمن المفروض أنّ الغایة من التحجیر هو کونه مقدّمةً للإحیاء،فإذا انتفت القدرة علی الإحیاء،ولو استمراراً،فلا أثر للمقدّمة حینئذ،فیتعامل معها کأنّها لم تکن:

فلو کان قادراً فطرأ العجز لمرض أو فقر أو غیرهما لم یثبت له حق. (1)

والأمر یجری کذلک فی المقدار الزائد علی القدرة:

فإنّه لا أثر لتحجیره فی المقدار الزائد (2)

ومنهم من ذهب إلی سرایة عدم ترتیب الأثر فی تحجیر المقدار الزائد إلی عدم ترتیب الأثر علی جمیع ما حجّر،فلو:

حجّر زائداً علی ما یقدر علی إحیائه،لا أثر لتحجیره بالإضافة إلی المقدار الزائد. (3)

ومع انتفاء القدرة علی الإحیاء یزول أی حقّ للمحجِّر فی نقلها إلی غیره بإی نحو من أنحاء المعاملات؛لأنّ ذلک متوقّفٌ علی ثبوت الحقّ فیها من خلال عملیة الإحیاء لا غیر،فإذا لم یکن هنالک إحیاءٌ فلا أثر لتحجیره ذاک،وبالتالی لا أثر لنقلها إلی غیره بالمعاملة،فلو:

حجّر الموات من کان عاجزاً عن إحیائها لیس له نقلها إلی غیره بصلح أو هبة أو بیع أو نحو ذلک. (4)

الثانی:الاشتغال بالإحیاء:و هو کسابقه فی عدم صدق الإحیاء وعدم إمکان ترتیب الأثر فیما لو لم یمارس المحجِّر عملاّ إحیائیاً فعلیاً،وبطبیعة الحال فإنّ الشروع بالعمل یحتاج إلی وقت؛وذلک لتهیئة أسباب العمل بنحو لا یصدُق علیه أنّه إهمالٌ وتعطیل.

و قد حدّدوا أقصی مدّة للشروع بالعمل ثلاث سنوات:

فإذا أمسکها ثلاث سنین،ولم یعمّرها دلّ علی أنّه لا یرید عمارتها،بل تعطیلها فبطل حقّه وتعود إلی حالها مواتاً،وکان للإمام أن یعطیها غیره (5)

هذا إذا کان له عذرٌ یحول دون شروعه أو استمراره بالإحیاء؛لأنّ:

التحجیر لا یعتبر سبباً للحقّ الخاص،بوصفه عملیة مستقلّة منفصلة،و إنّما یعتبر کذلک بوصفه شروعاً فی الإحیاء،وبدایة لعملیة عمران الأرض وإحیائها. (6)

ص:242


1- (1) .فقه الشریعة:33/60/2.
2- (2) .المصدر نفسه.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:927/264/2.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:740/155/2.
5- (5) .بدائع الصنائع:194/6.
6- (6) .اقتصادنا:744.
ج)عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بممارسة الإحیاء مباشرةً دون وسیط

لقد سبق،وأن تطرّقنا لموضوع المباشرة فی عملیة الإنتاج لترتیب الأثر علیه،و یجری هنا الموضوع بطبیعة الحال،و هذا ما یستبطنه الضابط الأوّل من ضوابط التوزیع الذی ذکرنا فیه لزوم کون العملیة التنمویة التی یتمّ علی أساسها التوزیع عملیةً فعلیة،والفعلیة هنا مأخوذةٌ من جانبین:

جانب:کونها عملاً حقیقیاً ملموساً.

وجانب:أنّ استحقاق الأرض یتعلّق بمن مارس عملیة الإحیاء بنفسه،لا عن طریق غیره.

ومع أنّ البعض قد ذهب إلی عدم لزوم المباشرة فی الإحیاء فی ثبوت الحقّ فی الأرض،فلم یشترط:

فی التحجیر أو الإحیاء قیام المکلّف نفسه به وتحقّقه من قِبله مباشرة،بل یجوز له أن یوکّل أو یستأجر من یحجّر له مکاناً،ویکون الحقّ الناتج من عملهما لصاحب العمل الذی هو الموکِّل و المستأجِر،لا الوکیل و الأجیر (1)

إلّا أنّ ذلک مخالفٌ للضوابط التی ذکرناها فی التوزیع و الإنتاج معاً،وعلی الخصوص فی عملیة الإحیاء التی تعتبر عملاً تنمویاً تکون ثمراته لمن قام به مباشرة.

ویمکن الاستشهاد له بما جاء فی مسألة الحیازة من:

أنّ صحّة الوکالة فی الأمور التکوینیة تحتاج إلی دلیل خاصّ،و هو لیس موجوداً هنا.و إنّ عقد الإجارة إنّما یقتضی تملّک المستأجِر لحیازة الأجیر،بما هی عمل من أعماله،لا لموضوع الحیازة-أی:الثروة المحازة. (2)

فإنّ الموکِّل و المستأجِر یملک الحیازة نفسها،لا الأثر المترتّب علیها و هو المحاز.هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أنّنا نتحدّث عن ثبوت الحقّ فی الأرض،لا عن النتاج الذی قد یکون لغیر المباشر باعتبار ملکیته لأصل مادّته حسب ما تطرّقنا إلیه فی الضابط الثالث من ضوابط التوزیع.

وعلی هذا الأساس،فإنّ قضیة المباشرة هنا ترتبط بعملیة الإحیاء ذاتها ولا تشمل التحجیر؛لأنّه-وکما ذکرنا-لا یعدّ عملیةً مستقلّةً،و إنّما مقدّمةً للإحیاء،وبالتالی فلا مانع من قیام شخص بتحجیر أرض لشخص آخر،فلا یعتبر فیه:

أن یکون بالمباشرة،بل یجوز أن یکون بالتوکیل والاستئجار،وعلیه فالحقّ الحاصل بسبب عملهما للموکِّل و المستأجِر لا للوکیل و الأجیر (3)

ص:243


1- (1) .فقه الشریعة:34/61/2.
2- (2) .اقتصادنا:773.
3- (3) .السیستانی،منهاج الصالحین:229/264/2.
د)عدم السماح بمزاحمة السابق فیما أحیاه أو حجّره

و هذا قائمٌ-بطبیعة الحال-علی أساس حقّ السبق علی القول بعدم لزوم استئذان الحاکم الشرعی،وعلی عدم التجاوز علی ما صدر فیه الإذن من الحاکم الشرعی،علی القول بلزوم الاستئذان؛ولذا فإنّه:

یعتبر فی حصول الأولویة بالإحیاء أن لا یسبق إلیه سابق بالتحجیر وإلّا لزم الاستئذان منه. (1)

أی:أنّ التحجیر بحدّ ذاته یکون مانعاً عن مزاحمة الغیر للمحجِّر فیه،فإذا کان التحجیر کذلک،فإنّ الإحیاء أولی بالمنع من المزاحمة فیه،فإذا:

أحیی أرضاً للدولة وعمّرها،کان له الحقّ فیها،الذی یخوّله الانتفاع بها،ویمنع الآخرین من مزاحمته فیها. (2)

فهذه عملیةٌ طبیعیةٌ لتنظیم الأمور ومراعاة حقوق الجمیع علی حدّ سواء،والذی جُعل العمل المباشر معیاراً ومیزاناً لذلک،کی تتحقّق العدالة بین الجمیع فی استثمار الأرض،کما هو الحال فی بقیة ثروات الطبیعة،کما مرّ علینا فی الإنتاج.

ثانیاً:الأرض العامرة طبیعیاً

وهی الأرض التی تتضمّن مظاهر العمران،بحیث لا تحتاج إلی جهد فی الاستفادة منها،کالأرض ذات الأشجار النابتة فیها طبیعیاً،وهی الغابات،والأراضی التی لا تحوی أشجاراً و إنّما میاهً وخضرةً بصورة طبیعیة من غیر دخل للإنسان فی إیجادها،و هذه الأرض لا تخضع لمسألة کونها مفتوحةً بالقوّة أم لا،فهی کالأرض الموات:

معدودة من الأنفال التی تملکها الدولة. (3)

فهی تخضع لنفس الحدود التی تخضع لها الأرض الموات بما هی ملکٌ للدولة،من عدم السماح بالتصرّف فیها إلّا بإذن الحاکم الشرعی،ومن قال بعدم لزوم الاستئذان أعطی للدولة الحقّ فی فرض الاستئذان (4)الذی أصبح من المسلّمات الموضوعیة فی وقتنا الراهن.

وکذا فی عدم السماح للّاحق بالانتفاع فیها بما یزاحم السابق، (5)لکون ذلک یتحدّد علی

ص:244


1- (1) .المصدر نفسه:922/263.
2- (2) .اقتصادنا:469.
3- (3) .فقه الشریعة:37/66/2.
4- (4) .المصدر نفسه،بتصرّف یسیر.
5- (5) .اقتصادنا:468.

أساس سبق الإذن إلی الأوّل،وکذا سبقه فی الانتفاع،بناءً علی ممارسته الانتفاع فعلیاً.

فالأرض العامرة بذاتها تتّفق و الأرض الموات فی الحدود التی تخضع لها حرّیة التصرّف فیها،ولکن بمقتضی کونها عامرةً بالأصل،فلا یحتاج صحّة التصرّف فیها إلّا إلی ممارسة الانتفاع فیها فعلیاً وبشکل مباشر.کما مرّ.

ولهذا فبما أنّها لیست بحاجة إلی عمل إحیائی مضن کما فی الأرض الموات:

فلا سبیل إلی اکتساب الفرد حقّاً فیها بسبب الإحیاء؛لأنّها عامرة وحیة بطبیعتها،و إنّما یباح للأفراد الانتفاع بتلک الأرض (1)

فلا یثبت فیها إلّا حقّ الأولویة من حیث الانتفاع بها،فإذا:

حازها أحد کان أولی بها من غیره ما لم یمنع عنه مانع شرعی. (2)

ثالثاً:الأرض العامرة بشریاً

وهی التی عمرت من خلال إحیاء الإنسان لها لا کونها عامرةً بذاتها،ویطلق علیها:الأرض الخراجیة،

وتختلف مسألة توزیعها عن سابقتیها،وذلک بحسب طبیعة وکیفیة ضمّها إلی حوزة الإسلام،فالموات و العامرة طبیعیاً حکمهما واحدٌ،و إن اختلفت کیفیة ضمّهما إلی الإسلام،وعلی هذا فالأرض العامرة بشریاً تنقسم إلی الأقسام التالیة:

أ)المفتوحة عنوة:أی:بالحرب و القوّة،وبما أنّها عامرةٌ بشریاً،فهی تختلف عن سابقتها العامرة طبیعیاً فی ثبوت ید علیها،والتی یثبت من خلالها حقّ الأولویة:

لمن هی تحت یده ما دام قائماً بعمارتها مؤدّیاً لخراجها (3)

إذ إنّها،وکما فی سابقتیها لا تُملک،لکنّها تختلف عنهما بکون ملکیتها عامّةً ولیست للدولة:

فإنّها ملک للمسلمین من وجِد ومن یوجد (4)

فهی ملکٌ لهم علی طول امتدادهم التاریخی؛ولهذا:

لا یسمح للفرد بتملّک رقبة الأرض ملکیةً خاصّة (5)

ص:245


1- (1) .المصدر نفسه.
2- (2) .السیستانی،منهاج الصالحین:104/38/2.
3- (3) .فقه الشریعة:41/67/2.
4- (4) .الخوئی،منهاج الصالحین:99/27/2.
5- (5) .اقتصادنا:443.

إلّا أنّها کسابقتیها فی:

عدم جواز التصرّف فیها إلّا بإذن الحاکم الشرعی (1)

لکونها عامّةً،ولیست لمسلم دون آخر:

نظراً لما فیه من فائدة خضوع توزیع هذه الأراضی لنظر الحاکم وتخطیطه. (2)

أمّا الأرض الموات و العامرة طبیعیاً من أرض الفتح،فهما تخضعان لنفس الحدود التی جاءت حولهما من کونهما ملکاً للدولة،ولا یسمح بالتصرّف فیهما إلّا بصدور الإذن بذلک من الحاکم الشرعی.

ب)الأرض المسلمة بالدعوة:وهی الأرض التی أسلم أهلها طوعاً من غیر قتال،وتبقی علی ملکیتها لأهلها؛

لأنّ الإسلام یمنح المسلم علی أرضه وماله طوعاً،جمیع الحقوق التی کان یتمتّع بها فی الأرض و المال قبل إسلامه (3)

فتکون ملکیتها ملکیةً خاصّة،فتکون علی خلاف الأراضی الأخری التی مرّ ذکرها،إلّا أنّه رغم ذلک:

لم یمنحها بشکل مطلق،و إنّما حدّدها باستمرار هؤلاء الأفراد فی استثمار أراضیهم. (4)

فتعود الحدود التی تخضع لها فی النتیجة إلی ما جاء فی الضوابط من استمرار ممارسة عمل تنموی فعلی علیها،إلّا أنّها تختلف فی نوعیة ثبوت الحقّ فیها و الملکیة.

هذا بالنسبة إلی الأرض العامرة بشریاً منها،أمّا الموات و العامرة ذاتیاً منها،فإنّها تخضع لنفس حدودیهما المذکورة آنفاً.

ج)أرض الصلح:وهی التی استسلم أهلها للمسلمین من دون أن یسلموا وصالحوهم علی الدخول فی سلطانهم:

وحکم العامر من هذه الأرض یرجع إلی ما اتُّفق علیه فی بنود الصلح. (5)

فإذا اتُّفق علی أنّها لأهلها تکون ملکیتها خاصّةً کالأرض السابقة،و إذا اتُّفق علی أنّها للأُمّة تکون کالمفتوحة عنوةً مُلکاً لعامّة المسلمین،و إذا اتُّفق علی أنّها للدولة یجری

ص:246


1- (1) .السیستانی،منهاج الصالحین:104/34/2.
2- (2) .فقه الشریعة:40/67/2.
3- (3) .اقتصادنا:468.
4- (4) .المصدر نفسه:490.
5- (5) .فقه الشریعة:68/2.

علیها کالموات و العامرة طبیعیاً ملک الدولة.

أمّا غیر العامر بشریاً منها،فهی تخضع لنفس الحدود التی خضعت لها الموات و العامرة طبیعیاً،فتکونا مُلکاً للدولة وتخضعان لحدودها. (1)

د)أرض الفیء:وهی الأرض التی سلّمها أهلها للدولة الإسلامیة طواعیةً من دون قتال وانجلوا عنها،و قد قرّرت الآیة الکریمة: وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلی رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ خَیْلٍ وَ لا رِکابٍ وَ لکِنَّ اللّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلی مَنْ یَشاءُ وَ اللّهُ عَلی کُلِّ شَیْ ءٍ قَدِیرٌ ، (2)بکونها للنبی صلی الله علیه و آله،واختُلف فی أنّ ذلک باعتبار عنوانه الشخصی أو القانونی،وعلی أی حال،فإنّ هذه الأراضی:

تختصّ بها الدولة،أو النبی صلی الله علیه و آله أو الإمام بتعبیر آخر. (3)

فتنطبق علیها ملکیة الدولة،وتخضع بهذا لذات الحدود المرتبطة بأراضی الدولة علی اختلافها و التی تقدّمت تفصیلاتها.

وبهذا یتّضح بأنّ الأراضی علی الإطلاق تکون مُلکاً للدولة من حیث المبدأ،فما کان منها غیر خاضع لملکیة الدولة،فإنّه یعود فی الحقیقة إلی ملکیتها وذلک من خلال لزوم استئذان الحاکم فی التصرّف فیها ابتداءً کالعامرة بشریاً المفتوحة عنوةً،أو استمراراً کالعامرة بشریاً التی أسلم أهلها علیها طوعاً،لیبقی المیزان الحقیقی هو القیام بعمل تنموی أو انتفاعی فیها،و هو ما ینسجم و الروح التنمویة لأحکام الإسلام الاقتصادیة.

ومن خلال هذا المیزان الواضح یزول الالتباس الحاصل حول حقیقة الإقطاع و الحمی،فقد سبق وأن تحدّثنا حول حقیقة الإقطاع وذلک فی الضابط الأوّل من ضوابط التوزیع،وظهر أنّه مجرّد السماح للشخص بحقّ العمل فی تلک الأرض وبالمقدار الذی یستطیعه،دون أن یمنحه الإقطاع حقّاً فی ملکیة الأرض،أو أی حقّ آخر فیها،ما لم یعمل،وینفق جهده علی تربتها:

فإقطاع الإمام منجم الذهب لشخص،معناه السماح له بإحیاء ذلک المنجم،واستخراج المادّة منه:ولذلک لا یجوز للإمام اقطاع الفرد ما یزید علی طاقته،ویعجز عن استثماره (4)

ص:247


1- (1) .انظر اقتصادنا:474.
2- (2) .الحشر:6.
3- (3) .اقتصادنا:474.
4- (4) .المصدر نفسه:511.

فهو علی نسق عملیة التحجیر التی تقدّم الکلام حولها.

أمّا الحمی،فهو علی نوعین:

الأوّل:احتکار بعض الأفراد لمساحات من الأرض بالسیطرة علیها وحمایتهم لها من انتفاع الآخرین بها،فإنّ عدم السماح به علی ضوء ما تقدّم من الضوابط و الحدود واضحٌ جدّاً:

لأنّ الحقّ الخاصّ فیه یقوم علی السیطرة،لا علی أساس العمل (1)

و الثانی:هو تخصیص الحاکم الشرعی أراض معینة لمصالح عامّة،فیصبّ هذا النوع من الحمی فی تنظیم استغلال تلک الأراضی،و هو من صلب صلاحیات الحاکم من جهة،حیث یختصّ به دون غیره،کما فی النبوی:

لا حمی إلّا لله ولرسوله (2)

وکونه تخصیصاً للعامّة لا للخاصّة من جهة أخری،فتبقی الأرض مُلکاً للعامّة ولا تکون للخاصّة؛إذ إنّ النبی صلی الله علیه و آله:

لم یحمِ لنفسه،و إنّما حمی النقیع بالنون لإبل الصدقة ونعم الجزیة وخیل المجاهدین فی سبیل الله. (3)

المطلب الثانی:حدود الحرّیة فی توزیع الثروات المنقولة

اشارة

وتشمل الثروات المنقولة حسب ما ذکرنا المعادن الظاهرة و الباطنة،وکذلک باقی الثروات المتحرّکة کالمیاه و النبات،والحیوان وما إلیها،فقد اعتبروا هذه الثروات المنقولة من المشترکات العامّة،إلّا أنّ المعادن منها مع کونها کذلک إلّا أنّها فی ذات الوقت تُعدّ من الأنفال فتجری علیها ملکیة الدولة لا الملکیة العامّة؛ولأجل ذلک سنقسّم بحثنا هنا إلی قسمین یتعلّق الأوّل بالمعادن،والثانی ببقیة الثروات:

أوّلاً:المعادن
اشارة

وتنقسم المعادن-کما سبق الکلام عنها فی فصل الانتاج-إلی قسمین:المعادن الباطنة و المعادن الظاهرة ولکلّ منها خصوصیتها التی سنبینها کالتالی:

ص:248


1- (1) .المصدر نفسه:518.
2- (2) .صحیح البخاری:78/3.
3- (3) .تذکرة الفقهاء:411/2.
أ)المعادن الباطنة:

وهی-کما تقدّم تعریفها فی فصل الإنتاج-المعادن البعیدة عن سطح الأرض أو القریبة منه،ولکنّها تحتاج إلی جهد فی تحصیلها أو فی تطویرها،وهی بهذا تکون علی عکس المعادن الظاهرة کالملح التی لا تحتاج إلی مثل هکذا جهد بوجودها علی سطح الأرض أو قریباً منه.

وتدخل هذه المعادن تحت تصرّف الحاکم الشرعی؛إذ إنّ:

المعدن کلّه معدود من الأنفال التی تختصّ بالدولة بملکیتها له والاهتمام به (1)

و قد تقدّمت الحدود الواجب مراعاتها فی إنتاج مثل هذه المعادن فی بحث الإنتاج،والتی تُعدّ بحدّ ذاتها أسلوباً وحدوداً لتوزیعها،ویعدّ استئذان الحاکم الشرعی فی استخراجها وحیازتها من أهمّ تلک الحدود باعتبار:

أنّ الإمام مَلک الأرض مطلقاً،بجمیع أجزائها،و هذا من أجزائها. (2)