آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ هادی آل راضی35-34

اشارة

سرشناسه:آل راضی، هادی

عنوان و نام پدیدآور:آرشیو دروس خارج اصول آیت الله شیخ هادی آل راضی35-34/هادی آل راضی.

به همراه صوت دروس

منبع الکترونیکی : سایت مدرسه فقاهت

مشخصات نشر دیجیتالی:اصفهان:مرکز تحقیقات رایانه ای قائمیه اصفهان، 1396.

مشخصات ظاهری:نرم افزار تلفن همراه و رایانه

موضوع: خارج اصول

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

تکلّمنا قبل التعطیل عن الاستدلال علی بالبراءة بالاستصحاب، ولم نکمل هذا الموضوع، ذکرنا سابقاً أنّ الاستدلال علی البراءة بالاستصحاب له ثلاثة تقریبات:

التقریب الأوّل: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ؛ إذ لا إشکال فی أنّه هناک یمکن استصحاب عدم الجعل وعدم الحرمة؛ لأنّها متیقنة سابقاً قبل البلوغ، فإذا شُکّ فی ثبوتها بعد البلوغ یمکن إجراء استصحاب عدم الحرمة وعدم الجعل.

التقریب الثانی: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعة؛ إذ لا إشکال فی عدم الجعل وعدم الحرمة، أو عدم الحکم المشکوک قبل ثبوت الشریعة، فإذا شککنا فی الجعل بعد الشریعة؛ فحینئذٍ نجری استصحاب عدم الجعل، وعدم الحکم المشکوک.

التقریب الثالث: أنْ نجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحقق موضوع التکلیف وقیوده، یعنی شرائط التکلیف الخاصّة، کالاستطاعة فی باب وجوب الحج ----- مثلاً ----- فقبل الاستطاعة لم یکن التکلیف ثابتاً، وبعد أنْ تتحقق، شیء نشکّ علی ضوء تحققّه ----- مثلاً ----- بانتفاء التکلیف، أو بقائه، فیمکن إجراء استصحاب عدم التکلیف الثابت قطعاً قبل تحقق هذا الشرط؛ لأنّ هذا الشرط سواء کان معتبراً، أو لم یکن معتبراً، قبل تحققّه لم یکن هناک تکلیف، وإنّما نشک فی ثبوت التکلیف علی تقدیر تحققّه، فنستصحب عدم التکلیف المتیقن قبل تحقق الاستطاعة؛ وحینئذٍ هذا یثبت البراءة، ویثبت التأمین، وهذا هو المطلوب فی المقام.

ص: 1

وقد تقدّم الکلام فی توضیح هذه التقریبات، فلا نعید. وتقدّم الکلام أیضاً عن التقریب الأوّل، یعنی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، والاعتراضات الواردة علیه، وما یرتبط بهذه الاعتراضات.

ثمّ تکلّمنا عن الاعتراضات الخاصّة علی التقریب الثانی، وهو إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعة، وذکرنا الاعتراض الأوّل علی هذا التقریب، علی التمسّک باستصحاب عدم الجعل، أو عدم الحرمة المشکوکة، وعدم الوجوب المشکوک بلحاظ ما قبل الشارع والشریعة. یطلب فی المقام إجراء استصحاب عدم الجعل الآن، یعنی بعد ثبوت الشریعة، وطبعاً إذا جری الاستصحاب سوف یثبت به البراءة والتأمین، وهذا هو المقصود بالاستدلال علی البراءة بالاستصحاب بهذا التقریب.

اعتُرض علی هذا التقریب باعتراضات:

الاعتراض الأوّل: وحاصله: أنّ استصحاب عدم الجعل فی محل الکلام؛ بل استصحاب الجعل فی غیر محل الکلام هو أصل مثبت، فلا یکون معتبراً، ولا یکون صحیحاً، فلا یصح إجراء الاستصحاب، باعتبار أنّ الأثر الذی یُراد إثباته فی المقام لا یترتّب علی نفس الجعل، وإنّما یترتب علی الفعلیة والمجعول، ومن الواضح أنّ المجعول یتحقق بتحقق الموضوع، فعندما یتحقق الموضوع یکون الحکم فعلیاً، وهو الذی یُعبّر عنه بالمجعول، ولذلک لا أثر ----- کما یقول المعترض ----- لجعل وجوب الحج علی المستطیع بالنسبة للمکلّف الذی لیس مستطیعاً، وإنّما یکون له أثر إذا تحققّت الاستطاعة بالنسبة إلیه، وتحقق الموضوع؛ فحینئذٍ یصبح لهذا المجعول أثر، فالأثر لیس لجعل التکلیف، وإنّما للتکلیف الفعلی الذی لا یکون فعلیاً، إلاّ بعد تحقق الموضوع، فالجعل لیس له أثر، وإنّما تمام الأثر هو للمجعول ولفعلیة التکلیف؛ حینئذٍ یقول المعترض: إذا أُرید باستصحاب الجعل فی غیر المقام ----- لأنّ اعتراض المعترض هو علی استصحاب الجعل ثبوتاً وعدماً ------ أو استصحاب عدم الجعل کما فی محل الکلام، إذا أُرید به مجرّد إثبات الجعل من دون أن نثبت المجعول، أو أُرید به مجرّد نفی الجعل من دون أن ننفی المجعول؛ فحینئذٍ هذا لیس له أثر حتّی یجری الاستصحاب بلحاظه، الجعل لیس أثراً، فلا معنی لإجراء الاستصحاب لإثبات شیءٍ لا أثر له، ونفی الجعل لیس له أثر؛ لأنّ الأثر هو للمجعول وللفعلیة، أمّا نفس الجعل، فلیس له أثر، فإن کان المقصود بالاستصحاب الجاری فی الجعل نفیاً، أو إثباتاً هو إثبات مجرّد الجعل، أو نفی مجرّد الجعل، فهذا لا یجری فیه الاستصحاب؛ لأنّه لا یترتب علیه أثر، وأمّا إذا أُرید باستصحاب الجعل، أو استصحاب عدم الجعل کما فی محل الکلام، إثبات المجعول فی الأول، أو نفی المجعول فی الثانی؛ فحینئذٍ سوف یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ لازم بقاء الجعل مع فرض تحقق الموضوع هو ثبوت المجعول، هذا لازم عقلی، فإثبات المجعول باستصحاب الجعل أو نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل یجعل الاستصحاب من الأصول المثبتة؛ لأنّ إثبات المجعول باستصحاب الجعل هو من لوازم بقاء الجعل مع فرض تحقق الموضوع یصبح المجعول فعلیاً، فیثبت المجعول، لکن هذا لازم، ولا یمکن أنْ نثبت المجعول بمجرّد استصحاب الجعل مع الشکّ فیه. کما أنّه لا یمکن نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل؛ لأنّ استصحاب عدم الجعل لا یثبت نفی المجعول إلاّ باعتبار الملازمة العقلیة بین نفی الجعل وبین نفی المجعول.

ص: 2

هذا المطلب الذی یذکره المعترض مطلبٌ عام، ذکره المحققّ النائینی(قدّس سرّه) (1) وبه دفع إشکال المعارضة المعروف بین استصحاب عدم الجعل وبین استصحاب المجعول فی الشبهات الحکمیة. وهناک مسألة معروفة، وهی أنّه فی الشبهات الحکمیة ومثالها الذی یذکروه هو ما إذا شکّ فی حرمة الوطء بعد النقاء وقبل الغسل، فیراد فی المقام إجراء الاستصحاب فی الشبهة الحکمیة، فیقال أنّه لا إشکال فی حرمة الوطء قبل النقاء، فإذا شک بعد النقاء وقبل الغسل فی بقاء الحرمة، أو ارتفاعها، فیستصحب الحرمة التی کانت ثابتة قبل النقاء، وهذا استصحاب حکمی، هنا اعترض علی هذا الاستصحاب باعتراض معروف، وهو أنّ استصحاب بقاء المجعول معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد، بمعنی أننّا إذا لاحظنا ناحیة الجعل، لیس لدینا علم بجعل الحرمة بعد النقاء وقبل الغسل، وإنّما لدینا علم بجعل الحرمة قبل النقاء، لکن هل جُعلت الحرمة شرعاً بعد النقاء أیضاً وقبل الغسل، أو لا؟ لیس لدینا علم بهذا الجعل، فیجری استصحاب عدم هذا الجعل الزائد، فما معنی جعل الحرمة بعد النقاء وقبل الغسل ؟ هذا یکون معارضاً لاستصحاب الحرمة المتیقنة بعد النقاء وقبل الغسل، استصحابان متعارضان، الأوّل یثبت الحرمة، والثانی ینفی الحرمة؛ لأنّه یقول لا جعل للحرمة بعد النقاء وقبل الغسل، الاستصحاب یقول ذلک؛ لأنّ أرکان الاستصحاب متوفّرة، قبل النقاء هناک علم بالجعل، لکن ما أعلمه من الجعل هو جعل الحرمة قبل النقاء، حیث قبل النقاء قطعاً الحرمة مجعولة، لکن هل جعل الله الحرمة بعد النقاء أیضاً وقبل الغسل، أو لا؟ لا أعلم بذلک، والمتیقن سابقاً ولو قبل الشریعة هو عدم الجعل، فیستصحب عدم جعل الحرمة الزائد علی القدر المتیقن، ویکون معارضاً لاستصحاب المجعول، أی الحرمة المتیقنة قبل النقاء.

ص: 3


1- (1) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 216.

مرّة نعتنی بهذا التعارض ونتممّه، کما هو رأی السید الخوئی(قدّس سرّه) یقول:( استصحاب بقاء المجعول یعارضه باستصحاب عدم الجعل فی المقدار الزائد علی المتیقن). (1) فیتعارضان ویتساقطان، فلا یمکن إجراء استصحاب المجعول)، وبذلک نفی صحة إجراء الاستصحاب فی الشبهات الحکمیة، واختار هذا التفصیل المعروف الذی هو جریان الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیة، وعدم جریانه فی الشبهات الحکمیّة؛ لأنّه دائماً استصحاب الحکم، الذی نُعبّر عنه باستصحاب المجعول یکون مُعارضاً لاستصحاب عدم الجعل الزائد.

أمّا المحقق النائینی(قدّس سرّه)، فلا یرضی بذلک، یقول:(إنّ إشکال المعارضة یندفع بما ذکره من الاعتراض، وهو أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری أساساً حتّی یکون معارضاً لاستصحاب المجعول؛ وذلک لأنّه أصل مثبت). لأنّه إذا کان الغرض من استصحاب عدم الجعل هو فقط نفی الجعل؟ فهذا لا أثر له. وإن کان الغرض منه نفی الجعل استطراقاً إلی نفی المجعول، فهذا یجعل الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل هو من اللوازم العقلیة التی لا تثبت بالاستصحاب؛ ولذا دفع المحقق النائینی(قدّس سرّه) إشکال المعارضة بهذا الاعتراض الذی ذکرناه، وهو أنّ الأصول الجاریة فی الجعل نفیاً، أو إثباتاً هی أصول مثبتة.

الجواب عن هذا الاعتراض: ما هو الأثر الذی یُراد إثباته عندما نجری الاستصحاب فی الجعل نفیاً أو إثباتاً؟ لنری أنّ هذا الأثر هل هو أثر للمجعول، أو هو أثر للجعل نفیاً أو إثباتاً؟ فی محل الکلام عندما یُطرَح هذا التقریب لإجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشریعة باستصحاب عدم الجعل، عدم جعل الحرمة المشکوکة ---- مثلاً ---- الأثر الذی یُراد إثباته هو عبارة عن التأمین، نرید إثبات التأمین لهذا المکلف الشاک، أنت فی أمان إذا ترکت هذا الفعل الذی تشکّ فی وجوبه، أو فعلت الفعل الذی تشکّ فی حرمته. هذا التأمین هل یتوقف علی إثبات المجعول ؟ تقدّم فی أبحاث سابقة أنّه یکفی فی إثبات التأمین وإثبات التنجیز وصول الجعل، أو نفیه، فإذا فرضنا أنّ الجعل وصل للمکلّف، بأی طریق من الطرق، علم بالجعل، أو ثبت عنده تعبّداً، وضُمّ إلی ذلک تحقق الموضوع هذا یکفی فی إثبات التنجیز، کما أنّ عدم الجعل إذا وصل إلی المکلّف بالعلم الوجدانی، أو بالعلم التعبّدی کما إذا قام علیه الاستصحاب، فأنّه یترتّب علیه التأمین، ولا یتوقف ترتّب التأمین علی نفی المجعول، کما أنّ التنجیز لا یتوقف علی إثبات المجعول، التنجیز یترتّب علی وصول الجعل إلی المکلّف مع تحقق الموضوع، إذا علم المکلّف بحرمة شرب الخمر، وتحقق الموضوع خارجاً؛ فحینئذٍ یکون منجّزاً علیه، وتکون المنجّزیة ثابتة بالعلم بالجعل، أو وصول الجعل مع فرض تحقق الموضوع، ویکفی فی التأمین ------ الذی هو محل کلامنا ------ وصول عدم الجعل إلی المکلّف، من یعلم بعدم الجعل ----- العلم الأعم من العلم الوجدانی، أو التعبّدی ----- یکون مؤمّناً، إذا علم بعدم الجعل ولو تعبّداً هذا یترتّب علیه التأمین، التأمین والمعذّریة والبراءة لا تتوقف علی نفی المجعول حتّی نقول أنّ نفی المجعول باستصحاب عدم الجعل یکون من الأصول المثبتة؛ بل یکفی فی إثبات التأمین والبراءة وصول عدم الجعل ولو کان وصوله عن طریق التعبّد الاستصحابی. فالاشتباه کان فی أنّه فُرض أنّ الأثر لیس هو التأمین، وإنّما هو الاثار الأخری التی تترتب علی المجعول، وفعلیة التکلیف، فیرد هذا الإشکال، أمّا إذا قلنا أنّ الأثر هو إثبات التأمین، فمن الواضح أنّ غرضنا فی محل الکلام هو إثبات البراءة والتأمین، وهذا شیء یترتب علی نفی الجعل، أی علی وصول عدم الجعل، فإذا أجری المکلّف الاستصحاب فی عدم الجعل، فهذا یعنی أنّه وصل إلیه عدم الجعل، أی أصبح عالماً تعبّداً بعدم الجعل، ومع عدم الجعل هناک تأمین بلا إشکال، عندما یثبت شرعاً، ویقال للمکلّف لم یجعل الشارع الحرمة فی هذا الظرف، ویثبت هذا شرعاً، فهذا معناه أنّه یترتب علی ذلک التأمین، فالأثر الذی یُراد إثباته هو عبارة عن المعذریّة والتأمین، وهذه لا تتوقف علی نفی المجعول فی محل الکلام، وإنّما یکفی فیها نفی الجعل، فإذا وصل نفی الجعل، فأنّه یکفی فی إثبات التأمین بلا مثبتیة؛ لأننّا لا نرید أن نثبت لازم عدم الجعل، ونفی الجعل، أی نفی المجعول؛ بل نکتفی بنفی الجعل نفسه، وتترتّب علیه المعذریة والتأمین والبراءة.

ص: 4


1- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 4، ص 65.

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

الاعتراض الثانی علی استصحاب عدم الجعل: مذکور فی أجود التقریرات (1) وفی الدراسات، (2) وحاصله: أنّ عدم الجعل المتیقّن فی السابق الذی یُراد استصحابه هو عدم أزلی غیر مستند إلی الشارع، وهو الذی یُعبّر عنه بالعدم المحمولی، فی حین أنّ العدم المشکوک الذی یُراد إثباته بالاستصحاب هو عبارة عن العدم النعتی، أی العدم بعد الشریعة وبعد إمکان الجعل، یعنی العدم المنسوب إلی الشارع؛ حینئذٍ یُفهم من کلام المحققّ النائینی(قدّس سرّه) أنّ هناک جهتین للإشکال.

بعد أنْ اتضحت هذه المقدّمة، أنّ العدم المتیقّن سابقاً هو العدم المحمولی، بینما العدم الذی یُراد إثباته بالاستصحاب هو عدم نعتی؛ حینئذٍ یُبیّن جهتین للإشکال:

الجهة الأولی: أنّ الاستصحاب لا یجری لأنّ العدم المتیقن سابقاً لا یُحتمَل بقاؤه؛ بل هو مقطوع الارتفاع الآن بعد مجیئ الشریعة، فلا یجری فیه الاستصحاب؛ لأنّ من شروط الاستصحاب وأرکانه الشکّ فی البقاء، یعنی أنْ یشکّ فی بقاء ما کان متیقناً له سابقاً، وفی المقام لا شک فی البقاء؛ بل هناک قطع بالارتفاع، فلا یجری الاستصحاب لأجل ذلک، أی لا یمکن استصحاب عدم الجعل؛ لأنّه مقطوع الارتفاع بعد الشریعة، وسببه واضح؛ لأنّ العدم المتحقق بعد الشریعة هو عدم نعتی، ولیس عدماً محمولیاً، العدم المحمولی ینتهی بمجرّد مجیئ الشریعة، فأنّ العدم المحمولی هو العدم قبل الشارع والشریعة، وقبل إمکان الجعل، وینتهی بمجرّد مجیئ الشریعة؛ لأنّه أیّ عدم یُفرض بعد مجیئ الشریعة، فهو عدم نعتی، ولیس عدماً محمولیاً.

ص: 5


1- (1) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسیّد الخوئی، ج 2، ص 190.
2- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 269.

إذن: العدم المتیقن سابقاً، وهو العدم المحمولی غیر محتمل البقاء، ویُقطع بارتفاعه، فلا معنی لاستصحابه؛ لاختلال هذا الرکن المقوّم للاستصحاب.

الجهة الثانیة: أنّ هذا مبنی علی التنزّل علی الإشکال الأوّل، بمعنی أننّا لو أغمضنا النظر عن الإشکال الأوّل، وسلّمنا جریان استصحاب العدم المحمولی المتیقن سابقاً فی محل الکلام؛ فحینئذٍ یأتی الإشکال الثانی، والذی یقول: أنّ هذا الاستصحاب من الأصول المثبتة؛ وذلک لأنّ المقصود فی محل کلامنا هو إثبات العدم النعتی، أی إثبات عدم جعل الشارع للحرمة المشکوکة، وهذا هو المقصود بالاستصحاب، أن نثبت أنّ الشارع لم یجعل الحرمة إذا شککنا فی الحرمة، ولم یجعل الوجوب إذا شککنا فی الوجوب، فالغرض من الاستصحاب هو إثبات عدم الجعل الشرعی المستلزم للإباحة والبراءة والتأمین، وعدم الجعل من قِبل الشارع عدم نعتی، یقول: أنّ إثبات العدم النعتی باستصحاب العدم المحمولی یجعل الاستصحاب أصلاً مثبتاً. لو سلمنا جریان الاستصحاب فی العدم المحمولی، فإثبات العدم النعتی باستصحاب العدم المحمولی غیر صحیح؛ لأنّ استصحاب العدم المحمولی یکون مثبتاً، والسر هو أنّه لیس غرضنا إثبات العدم المحمولی الآن، وإنّما غرضنا هو إثبات عدم جعل الشارع للتکلیف المشکوک، یعنی إثبات العدم النعتی، والحال أننّا لا نستصحب العدم النعتی، وإنّما نستصحب العدم المحمولی، وباستصحاب العدم المحمولی لا یمکن إثبات العدم النعتی، فالإشکال الثانی هو أنّ هذا الاستصحاب هو أصل مثبت.

من خلال هذا التوضیح یتبیّن أنّ الإشکال الثانی مترتّب علی الإشکال الأوّل، بمعنی أنّ الإشکال الأوّل هو إشکال فی أصل جریان الاستصحاب، وبقطع النظر عن ترتب الآثار علیه وإشکال المثبتیّة، أصل الاستصحاب لا یجری؛ لأنّه لا شک فی البقاء. لو تنزّلنا وسلّمنا بوجود الشکّ فی البقاء؛ فحینئذٍ یرد إشکال المثبتیة، وهو الإشکال الثانی.

ص: 6

السید الخوئی(قدّس سرّه) بعد أن ذکر هذا الاعتراض فی تقریرات بحثه فی الدراسات والمصباح أجاب عنه بجوابین:

الجواب الأوّل: (1) هذا الجواب إذا تم، فأنّه یرفع الإشکال من أساسه، یقول: من قال بأنّ العدم المتیقن الذی یُراد استصحابه هو عدم محمولی، نحن ندّعی أنّ العدم المتیّقن الذی یُراد استصحابه هو عدم نعتی، یعنی عدم جعل الحکم بعد الشریعة، باعتبار أنّ من الأمور المسلّمة أنّ الأحکام تدریجیّة، ولم تُبیّن دفعة واحدة، وبعد صدور الشریعة مضی زمان لم یُجعل فیه هذا الحکم المشکوک قطعاً، فإذا شککنا فی حرمة لحم الأرنب ------ مثلاً ------ نحن نقطع بأنّ الشارع بعد الشریعة لم یجعل الحرمة لأکل لحم الأرنب، وقطعنا بعدم جعل الشارع للحرمة المشکوکة بعد الشریعة یدخله فی باب العدم النعتی؛ وحینئذٍ نستصحبه، ولا یرد الاعتراض السابق بکلا جهتیه:

أمّا الجهة الأولی: فواضح؛ لأنّه هناک شک فی بقائه، ولا یوجد قطع بارتفاع هذا العدم؛ حیث کانت الجهة الأولی من الإشکال هی أننّا نقطع بارتفاع هذا المتیّقن، فکیف یجری استصحابه ؟ هذا إذا کان المقصود بالعدم هو العدم المحمولی، فنقطع بارتفاعه بمجیئ الشریعة، أمّا إذا کان المقصود به العدم النعتی، أی العدم المتیّقن فی صدر الشریعة، عدم جعل الحرمة المشکوکة فی صدر الشریعة، واقعاً أنا أشکّ فی بقاء هذا العدم؛ لأنّی احتمل أنّ الشارع جعل الحرمة بعد ذلک للشیء المشکوک، فإذن: هذا العدم محتمل البقاء، ولیس هناک قطع بانتفائه وارتفاعه حتّی یُستشکل فی جریان هذا الاستصحاب من هذه الجهة.

کما أنّ الجهة الثانیة من الإشکال أیضاً ترتفع بهذا البیان؛ وذلک باعتبار أنّه لیس هناک مثبتیة، فالمثبتیة إنّما تلزم عندما نرید استصحاب إثبات شیء غیر المستصحب؛ بل هو یلازمه، کما إذا استصحبنا العدم المحمولی وأردنا إثبات العدم النعتی؛ حینئذٍ یلزم إشکال المثبتیة، أمّا إذا کان المستصحب هو نفس العدم النعتی، وما نرید إثباته بالاستصحاب هو نفس العدم النعتی، أی عدم جعل الشارع لهذه الحرمة؛ فحینئذٍ لا یرِد إشکال المثبتیّة، فما نرید إثباته هو نفس المستصحب، لا لازمه حتّی یلزم من ذلک أنْ یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً.

ص: 7


1- (3) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 269.

هذا الجواب إذا تمّ فأنّه یدفع الاعتراض من أساسه؛ لأنّ أساس الاعتراض کان مبنیّاً علی افتراض أنّ المستصحب هو العدم المحمولی، فترِد هذه الاعتراضات.

هذا هو الجواب الأوّل، وهو جواب تام، فنحن لا نرید استصحاب عدم الجعل المحمولی الأزلی، وإنّما المقصود هو الأحکام التی نشکّ بها والتی نرید إثبات التأمین فیها تمسّکاً بالاستصحاب، نستصحب فیها عدم جعل ذلک الحکم المشکوک، وهذا متیّقن بعد الشریعة، لما أشار إلیه من أنّ الأحکام تدریجیّة الحصول، ولم تنزل دفعة واحدة؛ فحینئذٍ یستطیع الإنسان أنْ یلتفت إلی صدر الشریعة ویقول أنا أقطع بأنّ أکل لحم الأرنب المشکوک لم یجعل الشارع له الحرمة، قطعاً لم تُجعل له الحرمة، إذا جُعلت الحرمة، فهی إنّما جُعلت فی زمانٍ متأخّر عن ذلک، فیستصحب المتیّقن السابق ویثبّت عدم جعل الحرمة الآن، وهذا یکفی لإثبات التأمین.

الجواب الثانی: (1) حتّی لو فرضنا أنّ العدم المتیّقن والمستصحَب هو العدم المحمولی الأزلی الغیر المنتسب إلی الشارع، لکن لا یلزم من هذا أنْ یکون الاستصحاب أصلاً مثبتاً؛ لأنّ الانتساب إلی الشارع یثبت بنفس الاستصحاب، وهذا لا یجعل الاستصحاب مثبتاً، بناءً علی ما هو واضح، وما سیأتی مفصّلاً فی مباحث الاستصحاب(إنْ شاء الله تعالی) من أنّ اللّوازم التی لا تثبت بالاستصحاب هی اللّوازم المترتبة علی المستصحب، هذه هی اللّوازم التی لا تثبت بالاستصحاب، ویعجز الاستصحاب عن إثباتها؛ لأنّه یکون أصّلاً مثبتاً بلحاظها، وأمّا اللّوازم المترتبة علی نفس الاستصحاب، أی اللّوازم العقلیّة المترتبة علی التعبّد الاستصحابی، فلا أحد یقول بأنّ الاستصحاب بلحاظها یکون أصّلاً مثبتاً؛ لأنّها هی مفاد الاستصحاب، ومفاد الاستصحاب یثبت علی القاعدة وتثبت لوازمه؛ لأنّ مفاد الاستصحاب هو مفاد إمارة، ولیس مفاد أصلٍ عملی، فالتعبّد الاستصحابی مفاد روایة زرارة، وروایة زرارة من الإمارات التی یثبت بها لوازمها، ومثبتات الإمارات حجّة، لکن مثبتات الأصول العملیة لیست حجّة. التعبّد الاستصحابی إذا کان له لازم عقلی کالتنجیز والتعذیر، التعبّد الاستصحابی بالحکم الشرعی لازمه التنجیز، والتعبّد الاستصحابی بعدم الحکم الشرعی لازمه التعذیر، ولا أحد یقول أنّ الاستصحاب لا یثبت المعذریّة لأنّه یکون أصلاً مثبتاً، باعتبار أنّها لوازم للاستصحاب، یعنی لمفاد روایات زرارة التی هی إمارة، والإمارة کما تکون حجّة فی مدلولها المطابقی، تکون حجّة فی مدالیلها الالتزامیة. هو یقول: ما نحن فیه من هذا القبیل، فلا یُستشکَل علینا بالمثبتیة، بأنْ یقال: أننّا نستصحب العدم المحمولی غیر المنتسب إلی الشارع، ونرید أنْ نثبت العدم النعتی، یعنی العدم المنتسب إلی الشارع، فیکون هذا اصلاً مثبتاً. کلا، هذا لیس أصلاً مثبتاً؛ لأنّ هذا الانتساب والإضافة إلی الشارع تثبت بنفس الاستصحاب؛ لأنّها من لوازمه، لا من لوازم المستصحب، لیس من لوازم عدم جعل الحرمة بنحو العدم المحمولی، وإنّما الانتساب هو من لوازم التعبّد الاستصحابی، فأنّ التعبّد الاستصحابی إذا ثبت؛ حینئذٍ یثبت الانتساب إلی الشارع قهراً؛ فحینئذٍ لا مشکلة فی استصحاب العدم المحمولی، وإثبات الانتساب إلی الشارع من دون أنْ یلزم من ذلک إشکال المثبتیة؛ لأنّ الإشکال مبنی علی افتراض أنّ الانتساب یثبت باعتباره لازم للمستصحب الذی هو عدم الجعل، بینما الانتساب لیس من آثار المستصحب، وإنّما هو من آثار نفس التعبّد الاستصحابی، ولا إشکال فی ثبوت لوازم التعبّد الاستصحابی باعتباره مدلول إمارة.

ص: 8


1- (4) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 265.

هذا الجواب إذا تمّ، فهو یدفع الإشکال من الجهة الثانیة، أی لا تکون هناک مثبتیّة، لکنّه لا یدفع الإشکال من الجهة الأولی، التی هی عدم وجود الشکّ فی بقاء المستصحب؛ بل هناک قطع بارتفاع المستصحب؛ لأنّ المفروض أنّ المستصحب هو العدم المحمولی، والعدم المحمولی یرتفع قطعاً بمجرّد مجیئ الشریعة، وأیّ عدمٍ یُفرض هو عدم نعتی، فلا یمکن أنْ نجیب عن إشکال القطع بارتفاع المتیّقن وعدم الشک فی بقائه، بجواب أنّ الانتساب یثبت بالاستصحاب، هذا شیء آخر. فإذن: هو لا یدفع الإشکال من کلا جهتیه، وإنّما یدفعه من الجهة الأولی

الصحیح فی مقام الجواب عن أصل الاعتراض هو الجواب الأوّل الذی ذکره السیّد الخوئی(قدّس سرّه)، والذی هو أننّا لا نستصحب عدم الجعل کعدم محمولی، وإنّما نستصحبه کعدم نعتی؛ لأننّا نتیقن بأنّ الشارع فی بدایة الشریعة لم یجعل هذه التکالیف المشکوکة، فنقطع بعدم ثبوتها، وهذا عدم نعتی، وکما قلنا هذا الجواب یدفع الإشکال من کلتا الجهتین.

مع التنزّل عن هذا الجواب الصحیح، ولم نقل بأنّ الأحکام تدریجیة، أو لیس هناک قطع بعدم جعل التکلیف المشکوک فی بدایة الشریعة حتّی یکون العدم المستصحب عدم نعتی؛ حینئذٍ الجواب الصحیح عن هذا الاعتراض هو أنْ یقال: أنّ هذا الاعتراض بکلا وجهیه مبنی علی افتراض تعدّد العدم، ووجود عدمین، واحد نسمیه عدم محمولی، والآخر نسمیه عدم نعتی، واحد من العدمین هو العدم غیر المنتسب إلی الشارع، والآخر هو العدم المنتسب إلی الشارع؛ حینئذٍ یرِد الإشکال السابق بکلا جهتیه، أنّ هناک یقین بارتفاع العدم المحمولی غیر المنتسب، ولیس هناک شکّ فی بقائه، وإشکال المثبتیّة أیضاً یرِد؛ لأننّا نرید أنْ نثبت عدماً منتسباً باستصحاب عدم غیر منتسب. وأمّا إذا أنکرنا هذا التعدّد، وقلنا بأنّ هذا الافتراض غیر صحیح، ولیس هناک تعدّد فی العدم، وقد تقدّم سابقاً فی بحث قریب أنّ العدم یتعدّد بتعدّد ما یضاف إلیه، أمّا بتعدّد ملاکات العدم، وبتعدّد صفاته، وبتعدّد الزمان لا یتعدّد العدم، إذا تعدّد ما یُضاف إلیه العدم یتعدّد العدم، ویکون هناک عدمان متغایران، عدم زیدٍ ----- مثلاً ----- وعدم الدار، أمّا إذا فرضنا تعدّد ملاک العدم، العدم یبقی واحد ولا یتعدّد، وإنّما اختلف ملاکه، أو فی محل کلامنا ما هو المتعدّد ؟ وما هو الفرق بین العدم المحمولی والعدم النعتی ؟ لا فرق بینهما إلاّ أنّ هذا عدم یصدر فی زمان ما قبل الشریعة، وهذا عدم یصدر فی زمان ما بعد الشریعة، فهل تعدّد الزمان هذا یعنی تعدّد العدم ؟ وهل لدینا عدمان متغایران حتّی یرد هذا الاعتراض؟ أو أنّ ما لدینا هو عدم واحد فی زمانین؟ أی أنّه عدم واحد وجد فی زمان ثمّ استمر إلی ما بعد صدور الشریعة، هو بالنظر العرفی نشیر إلیه، وبکل وضوح، لو فرضنا أنّ عدم جعل الحرمة کان باقیاً بعد الشریعة، نقول هذا هو بقاء للعدم السابق، یعنی نفس العد السابق استمر وبقی، غایة الأمر أنّه بقی فی زمان، نسمی هذا العدم بلحاظه عدم نعتی، أو عدم منتسب إلی الشارع، أی عدم مع إمکان الجعل من قِبل الشارع، ولیس أنّه عدم آخر مغایر للعدم الأوّل، وإنّما هو نفس العدم السابق، من قبیل عدم التکلیف بالنسبة إلی الصبی قبل البلوغ، وبالنسبة إلیه بعد البلوغ، نقول أنّ العدم لو ثبت للصبی بعد البلوغ فهو نفس العدم السابق ولیس غیره، وإنّما الذی اختلف هو ملاکه، سابقاً کان یثبت عدم التکلیف بملاک الصبا، وعدم البلوغ، والآن عدم التکلیف یثبت بملاکٍ آخر، تعدّد الملاکات، وتعدّد الزمان، وتعدّد الصفات لا یوجب تعدّد العدم، وإنّما الذی یوجب تعدّد العدم هو تعدّد ما یُضاف إلیه العدم، فی محل الکلام لا یوجد تعدّد فی العدم، هو عدم واحد ثبت فی زمان ویُراد استصحابه إلی زمان آخر؛ فحینئذٍ لا یرِد الاعتراض بکلا جهتیه؛ لأنّ الاعتراض کان مبنیّاً علی تعدّد العدم، أنّ هناک عدمین متغایرین، فیرِد الإشکال السابق، أمّا إذا قلنا أنّه عدم واحد تبدّل مع تبدّل الزمان؛ فحینئذٍ لا یِرد الإشکال الأوّل الذی هو عدم وجود الشک فی البقاء، ولا یرد الإشکال الثانی الذی هو دعوی الأصل المثبت؛ لأنّه شیء واحد لا نرید أنْ نثبت باستصحابه شیئاً آخر.

ص: 9

ومن هنا یظهر أنّه لا مشکلة فی الأحکام التی نقطع بعدم جعل الشارع لها فی بدایة الشریعة؛ لأننّا نستصحب العدم النعتی، فلا یرد الاعتراض حینئذٍ، وهذا موجود فی معظم الأحکام، إنْ لم نقل کلّها، یقطع المکلّف بأنّه بعد نزول الشریعة هذه الأحکام لم یجعلها الشارع، لو فرضنا أننّا شککنا فی حکمٍ أنّه مجعول أو لا، ولیس لدینا یقین بعدم جعله بعد نزول الشریعة؛ حینئذٍ یکون الجواب هو أنّه لیس لدینا تعدّد فی العدم، وهناک عدم واحد اختلف الزمان فیه، وهذا یدفع الاعتراض السابق بکلتا الجهتین.

الاعتراض الثالث: ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) فی الدراسات، (1) وفی المصباح، (2) وحاصله: أنّ استصحاب عدم جعل الإلزام فی الشبهات الحکمیة معارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص، فلا یجری استصحاب عدم جعل الحرمة؛ لأنّه معارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص؛ للعلم الإجمالی بثبوت أحد الأمرین فی الشیء المشکوک، إمّا الحرمة ----- مثلاً ----- إذا شککنا فی الحرمة، وإذا کانت الشبهة تحریمیة، وإمّا الحلّیّة، فاستصحاب عدم جعل الحرمة معارَض باستصحاب عدم جعل الحلّیّة، ولا یمکن أنْ یجری کلا الاستصحابین؛ للعلم الإجمالی بثبوت أحدهما، أکل لحم الأرنب ----- مثلاً ----- إمّا حرام، أو حلال، هذا هو معنی الشبهة التحریمیّة، یدور أمره بین أنْ یکون حراماً، وبین أنْ یکون حلالاً، فهو إمّا حرام، وإمّا حلال، وهذا علم إجمالی، ولا نستطیع أنْ ننفی الحرمة، وفی نفس الوقت ننفی الحلّیّة؛ لأنّه مخالف للعلم الإجمالی، وهذا یوقع التعارض بین استصحاب عدم جعل الحرمة، وبین استصحاب عدم جعل الحلّیّة؛ لأنّه کما أنّ الحرمة مشکوکة، الحلیّة أیضاً مشکوکة، فإذا جری الاستصحاب لنفی جعل الحرمة، یجری الاستصحاب لنفی جعل الحلّیّة، ولا یمکن إجراءهما معاً للعلم الإجمالی بأنّ أحدهما ثابت فی الشیء الذی أشک به، حرمة وحلّیّة فی الشبهات التحریمیة، ووجوب وحلّیّة فی الشبهات الوجوبیّة، فدائماً هو معارَض، فلا یجری لأنّه معارَض بعدم جعل الإباحة.

ص: 10


1- (5) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسیّد الشاهرودی، ج 3، ص 271.
2- (6) مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 290.

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

لازال الکلام فی استصحاب عدم الجعل لإثبات التأمین والبراءة، وانتهی الکلام إلی الاعتراض الثالث علی هذا الاستصحاب، وهو الذی أشار إلیه السیّد الخوئی(قدّس سرّه) فی تقریراته، وحاصله: أنّ استصحاب عدم جعل التکلیف المشکوک مُعارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص والإباحة والحلّیّة. والوجه فی هذه المعارضة هو أننّا نعلم إجمالاً بأنّ هذا الشیء الذی نشک فی حرمته وحلّیّته فی الشبهات التحریمیّة، هو إمّا حرام وإمّا حلال، ولا یمکن نفی کلا الاحتمالین فیه بأنْ نجری استصحاب عدم التحریم فننفی التحریم، ونجری استصحاب عدم الحلّیّة فننفی الحلّیّة، لا یمکن ذلک؛ لأننّا نعلم إجمالاً بثبوت أحدهما، وهذا العلم الإجمالی بثبوت أحدهما یوجب وقوع المعارضة والتکاذب بین استصحاب عدم جعل التحریم، الذی هو المقصود إثباته فی المقام، وبین استصحاب عدم جعل الحجّیّة. إذن: لا یجری استصحاب عدم جعل التحریم، وذلک بسبب المعارضة.

السیّد الخوئی(قدّس سرّه) أجاب عن هذا الاعتراض بجوابین:

الجواب الأوّل: أنّ هذا الاعتراض إنّما یتم إذا کان المراد بالإباحة الواقعة طرفاً للعلم الإجمالی هی الإباحة الخاصّة الثابتة للشیء بعنوانه الأوّلی، نظیر التحریم المحتمل الطرف الآخر للعلم الإجمالی أیضاً یثبت للشیء بعنوانه الأوّلی، الإباحة المحتملة إذا کانت ثابتة للشیء بعنوانه الأوّلی، فحینئذٍ یتمّ هذا الاعتراض، فیقع التعارض بین استصحاب عدم جعل التحریم، واستصحاب عدم جعل الإباحة، والوجه فی تمامیة الاعتراض هو لأنّ هذا الشیء، أکل لحم الأرنب ----- مثلاً ----- هو بعنوانه الأوّلی إمّا حرام، وإمّا حلال، ولا یمکن نفیهما معاً، فیقع التعارض بین الاستصحابین.

وأمّا إذا فرضنا أنّ الإباحة الواقعة طرفاً للعلم الإجمالی هی إباحة ثابتة بملاک أنّه لم یرِد فیه نهی، الإباحة المحتملة فی هذا الشیء لیست إباحة خاصّة، وإنّما هی ثابتة بملاک إنّه لم یرِد فیه نهی، یقول: إذا کانت الإباحة من هذا القبیل؛ فحینئذٍ نجیب عن إشکال الاعتراض بأنّ استصحاب عدم جعل التحریم یجری ولا یُعارَض باستصحاب عدم جعل الترخیص والإباحة؛ لأنّ استصحاب عدم جعل التحریم حینئذٍ یکون حاکماً علی استصحاب عدم جعل الإباحة؛ لأنّه أصل موضوعی بالنسبة إلیه؛ لأنّ هذا الفرض معناه فی الحقیقة أنّ ملاک الحلّیّة وموضوعها هو الترخیص، وملاکه وموضوعه هو عدم جعل التحریم؛ لأنّه ثابت بملاک لم یرِد فیه نهی، فموضوعها هو ما لم یرد فیه نهی، کل ما لم یرِد فیه نهی فهو مباح، فإذا جاء استصحاب عدم جعل التحریم وأثبت عدم ورود النهی؛ فأنّه حینئذٍ یکون حاکماً علی استصحاب عدم جعل الحلّیّة؛ لأنّه ینقّح موضوع الحلّیّة الذی هو(لم یرد فیه نهی)، وهذا الاستصحاب یثبت عدم ورود النهی، وهو ینقّح موضوع الحلیّة، وبالتالی یثبت الحلّیّة، وبالتالی یرفع الشکّ الذی هو موضوع استصحاب عدم جعل الإباحة، فمن الواضح أنّ موضوع الاستصحاب هو الشکّ، وعندما تشکّ فی الإباحة وعدمها تستصحب عدم الإباحة، هذا الاستصحاب ----- استصحاب عدم التحریم ----- یرفع الشکّ تعبّداً؛ لأنّه ینقّح موضوع الترخیص والإباحة، فلا معنی لجریان استصحاب عدم الترخیص، واستصحاب عدم الإباحة؛ بل یکون استصحاب عدم جعل التحریم حاکماً علی استصحاب عدم جعل الإباحة. فیقول: هذه المعارضة مبنیّة علی افتراض أنْ تکون الإباحة المحتملة إباحة خاصّة، ثابتة بالعنوان الأوّلی للشیء، وإلاّ إذا کانت ثابتة بملاک أنّه لم یرد فیه نهی، فلا معارضة بین الاستصحابین؛ لأنّ استصحاب عدم جعل التحریم ینقّح موضوع الإباحة ویثبتها، وإذا أثبت الإباحة تعبّداً؛ فحینئذٍ لا شکّ حتّی یجری استصحاب عدم الإباحة.

ص: 11

هذا الجواب کما هو قال أیضاً، مبنی علی هذا الافتراض، لکنّه فی الواقع، وفیما نشکّ فیه، الإباحة المحتملة لیست من هذا القبیل، الإباحة المحتملة هی إباحة خاصّة ثابتة فی هذا الشیء بعنوانه الأوّلی، ومثلنا بأکل لحم الأرنب وأنّه یحتمل فیه التحریم وتُحتمَل فیه الإباحة، کما أنّ التحریم المحتمل ثابت لأکل لحم الأرنب بعنوانه الأوّلی کذلک الإباحة المحتملة ثابتة لأکل لحم الأرنب بعنوانه الأولی، ولیست ثابتة له بعنوان أنّه(لم یرِد فیه نهی) هذا یحتاج إلی دلیل، وهو ذکر بعض الأدلّة، لکنّها کلّها لیست ناهضة لإثبات ذلک، وإنّما ما نشک فیه فی الخارج، أکل لحم الأرنب، أو شرب التتن أو غیرها من الشبهات الحکمیة التی تُذکر کأمثلة للشبهات الحکمیة، الإباحة المحتملة فیها إباحة خاصّة ثابتة لأکل لحم الأرنب بعنوان أنّه(أکل لحم الأرنب) ، ولیس بعنوان أنّه(لم یرِد فیه نهی) حتّی تثبت الحکومة ویندفع الإشکال کما ذکر.

إذن: الجواب الأوّل عن الاعتراض الثالث لیس تامّاً.

الجواب الثانی: من قال أنّ الاستصحابین متعارضان ؟ لا مانع من إجراء کلا الاستصحابین لعدم أدائهما إلی المخالفة العملیة القطعیّة للتکلیف الإلزامی، فلو أجرینا استصحاب عدم التحریم، وأجرینا استصحاب عدم الإباحة، هذا لا یؤدی إلی المخالفة القطعیّة للتکلیف المعلوم بالإجمال، والسبب واضح، وهو أنّ علمنا الإجمالی المُدّعی فی المقام هو لیس علماً بالتکلیف علی کل تقدیر کما فی الأمثلة المعروفة، هل أنّ صلاة الظهر واجبة علیه، أو صلاة الجمعة؟ أو مثال من لا یعلم أنّ هذا الإناء فیه خمر، أو أن ذاک الإناء فیه خمر؟ فهنا یوجد علم بالتکلیف علی کلا التقدیرین، فسواء کانت صلاة الظهر هی الواجبة علیه فهی تکلیف، أو کانت الجمعة هی الواجبة علیه فهی أیضاً تکلیف. وسواء کان هذا خمر یوجد تکلیف، أو کان ذاک خمر فأیضاً یوجد تکلیف. إذن: هناک علم إجمالی بالتکلیف علی کل تقدیر، مثل هذا العلم الإجمالی لا یجوز إجراء الأصول النافیة والمؤمنة فی أطرافه؛ لأنّ إجراء الأصول النافیة والمؤمنة یؤدی إلی الترخیص فی المخالفة القطعیة للتکلیف الإلزامی المعلوم بالإجمال، فلا تجری الأصول فی أطرافه. بینما فی محل الکلام الأمر لیس کذلک؛ لأنّه فی محل الکلام لا یوجد عندنا علم بالتکلیف علی کل تقدیر، وإنّما عندنا علم بالتکلیف علی تقدیر، وأمّا علی التقدیر الآخر لا یوجد تکلیف؛ لأنّ التقدیر الآخر هو الترخیص والإباحة، وفی الترخیص والإباحة لا یوجد تکلیف. إذن: هناک تکلیف علی أحد التقدیرین لوضوح أنّ المحتمل فی المقام أنّ الأمر دائر بین الحرمة والإباحة فی الشبهات التحریمیة، وبین الوجوب والإباحة فی الشبهات الوجوبیة. إذن: علی أحد التقدیرین یوجد تکلیف، وعلی التقدیر الآخر أصلاً لا یجد تکلیف.

ص: 12

یقول: مثل هذا العلم الإجمالی الذی لا یتحقق فیه العلم بالتکلیف علی کل تقدیر لا یمنع من إجراء الأصول المؤّمنة فی أطرافه، فلا محذور فی إجراء کلا الاستصحابین، استصحاب عدم التحریم، واستصحاب عدم الإباحة. صحیح أنا أعلم بثبوت أحدهما، لکن لا محذور فی جریان الأصلین معاً؛ لأنّه لا یؤدّی إلی المخالفة القطعیة للتکلیف بالإلزام المعلوم، فإذا صحّ إجراء استصحاب عدم جعل التحریم ----- بحسب الفرض ------ کفی هذا الاستصحاب لإثبات التأمین والبراءة، وهو المقصود فی المقام؛ لأنّ البراءة والتأمین یکفی فیها نفی التحریم، یکفی للتأمین من جهة أکل لحم الأرنب أن تقوم الحجّة علی نفی التحریم، وهذا لا یتوقّف علی إثبات الإباحة حتّی یقال أنّ استصحاب عدم التحریم لا یثبت الإباحة إلاّ علی القول بالأصل المثبت، لا نحتاج إلی إثبات الإباحة لإثبات التأمین؛ بل یکفی لإثبات التأمین نفی التحریم، استصحاب عدم جعل التحریم یتکفّل نفی التحریم ویترتب علیه إثبات التأمین والبراءة.

ویُلاحظ علی هذا الجواب: أنّه لا وجه للتنزّل وتسلیم جریان الاستصحابین فی المقام، حیث هناک مشکلة فی إجراء أحد الاستصحابین بقطع النظر عن الجواب الأوّل، قلنا أنّ الجواب الأوّل غیر تام؛ لأنّه مبنی علی افتراض أنّ الإباحة ثابتة بملاک عدم ورود النهی، وقلنا أنّ هذا خلاف الظاهر فی الأمثلة التی تُذکر فی هذا المقام، لکن هناک شیء آخر یمنع من إجراء استصحاب عدم الترخیص، وهذا الشیء هو أنّ استصحاب عدم الترخیص لا اثر له، فلا یجری لأنّه لا یترتّب علیه أثر، ومن الواضح أنّ من شروط جریان الاستصحاب هو أنْ یترتب علیه أثر، استصحاب عدم التحریم یترتب علیه أثر، فیجری، وأثره هو التأمین والبراءة؛ لأننّا قلنا أنّ البراءة والتأمین لا تتوقّف علی إثبات الإباحة؛ بل یکفی فیها نفی التحریم، بینما استصحاب عدم الترخیص لا أثر له، ولا یستطیع أن یثبت المنجزیّة؛ لأنّ المنجزیّة من آثار التحریم والمنع والنهی، ومن الواضح أنّ التحریم والمنع والنهی لا یثبت باستصحاب عدم الإباحة، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت؛ إذ لازم عدم الإباحة ----- فرضاً ----- التحریم. إذن: استصحاب عدم الإباحة لا یستطیع أن یثبت المنجزیّة مباشرة حتّی یجری بلحاظه؛ إذ لا یکفی فی التنجیز عدم الإباحة، ولا یستطیع أنْ یثبت موضوع المنجزیّة الذی هو التحریم والمنع، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت، فالصحیح أنّ استصحاب عدم الإباحة لا یجری فی حدّ نفسه، لا أنْ نقول أنّه یجری ویعارض استصحاب عدم جعل التحریم، لکن نقول لا مانع من جریانهما؛ لأنّ هذا لا یؤدی إلی الترخیص فی المخالفة القطعیّة والتکلیف الإلزامی، فی مرحلة سابقة یوجد مانع یمنع من جریان استصحاب عدم الترخیص وعدم الإباحة.

ص: 13

هذا هو الجواب الصحیح عن الاعتراض الثالث. وبهذا یتمّ الکلام عن الصیغة الثانیة لتقریب الاستصحاب، الصیغة الأولی کانت هی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، وتکلّمنا عنها کثیراً، والصیغة الثانیة هی إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل الشرع والشریعة.

الصیغة الثالثة التی طرحناها فی بدایة البحث هی أنْ یجری الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحقق بعض الأمور التی یُحتمَل أنّها شرائط فی التکلیف، هناک شیء معیّن، قبل تحققّه قطعاً لا یوجد تکلیف، وبعد تحققّه نحتمل حدوث التکلیف، فنلتفت إلی فترة ما قبل تحققّ ذلک الشیء، ونقول: قطعاً الحکم لم یکن ثابتاً، فنستصحب عدم الحکم الثابت قبل تحققّ هذا الشیء. نفترض أننّا شککنا أنّ الاستطاعة البذلیّة هل تحققّ وجوب الحج ؟ فنقول : هل یکفی فی وجوب الحج الاستطاعة البذلیّة أو لا ؟ یمکن ببساطة إجراء الاستصحاب بلحاظ ما قبل تحققّ الاستطاعة البذلیّة، فنقول: هذا قبل تحقق البذل لم یجب علیه الحج قطعاً، والآن بعد تحققّ البذل نشکّ فی أنّه وجب علیه الحج، أو لا ؟ فنستصحب عدم وجوب الحج المتیّقن قبل تحققّ البذل. أو صلاة الجمعة ------ مثلاً ------ هی علی تقدیر وجوبها هی مشروطة بالزوال، وبعد الزوال نشکّ فی أنّه هل وجبت صلاة الجمعة فی زمان الغیبة، أو لا ؟ فیمکن إجراء استصحاب عدم الوجوب الثابت قبل الزوال.

هذا التقریب جید، وکثیر من الملاحظات السابقة لا ترِد علیه. نعم یُلاحظ علیه شیء واحد، وهو أنّه فی بعض الأحیان قد یکون هذا الأمر، وهذه الخصوصیّة التی نحتمل أنّها محققّة للتکلیف، قد تکون فی بعض الأحیان مقوّمة للمستصحب، بحیث أنّ الأمر بعد حصولها هو غیر الأمر قبل حصولها، نظیر ما تقدّم فی الاستصحاب بلحاظ ما قبل البلوغ، حیث طُرح هذا الإشکال هناک، وهو أنّ عدم الوجوب کان ثابتاً للشخص بعنوان أنّه غیر بالغ، بینما عدم الوجوب لو ثبت بعد البلوغ، فأنّه یثبت بعنوان آخر، بعنوان أنّه بالغ، فهنا أیضاً یُطرح هذا الأمر، أنّه قبل البذل لم یجب علیه الحج باعتبار عدم وجود الاستطاعة البذلیّة أصلاً، لکن بعد البذل تحققّ شیء، وهذا الشیء قد یکون مقوّماً للحالة، وموجباً لتعدّد الموضوع، أو تعدّد القضیّة المتیّقنة، والقضیّة المشکوکة، وهذا لابدّ من الالتفات إلیه، فإنْ لم یکن کذلک، کما لعلّه فی بعض الأمثلة، الظاهر أنّه لا مانع من إجراء هذا الاستصحاب.

ص: 14

وبهذا یتمّ الکلام عن التقریبات الثلاثة للاستصحاب، وما قیل من الاعتراض علیها، وأجوبة ذلک، وقد تبیّن من خلال هذا الاستعراض الطویل أنّ الظاهر أنّه لا مانع من إجراء الاستصحاب، ولو ببعض تقریباته؛ لأننّا قلنا أنّ الاعتراضات المطروحة غیر واردة علی استصحاب عدم الجعل، أمّا استصحاب عدم التکلیف قبل البلوغ، فالظاهر أنّ الخصوصیة التی یُحتمل کونها موجبة لثبوت التکلیف لا تمنع من إجرائه.

إذن: لا مانع من إجراء الاستصحاب ببعض تقریباته وإثبات البراءة، ولو عجزنا عن إثبات البراءة بالکتاب، والسُنّة، والإجماع، والعقل ----- مثلاً کما ذکروا ----- یمکن إثبات البراءة استناداً إلی الاستصحاب.

بعد ذلک ندخل فی بعض الأمور المتعلّقة بهذا المطلب:

الأمر الأوّل: قد یقال: بأنّ التزامکم بجریان الاستصحاب لإثبات البراءة یلغی مورد البراءة، وأنّه فی کل موردٍ من موارد البراءة یجری فیه الاستصحاب، وهذا معناه عملاً إلغاء للبراءة، فلا یبقی للبراءة مورد تختصّ به بحیث لا یجری فیه الاستصحاب. الإلغاء مبنی علی فکرة أنّ الاستصحاب مقدّم علی البراءة، وذکروا، وسیأتی أنّ تقدیم الاستصحاب علی البراءة بالحکومة، أو بالورود، أو بأیّ شیءٍ کان لا یُفرّق فیه بین أنْ یکون مفاد الاستصحاب متّفقاً مع البراءة، أو یکون مختلفاً معها، علی کل حالٍ هو مقدّم علی البراءة حتّی فی صورة اتّحاد المفاد، کما فی محل الکلام، حیث الاستصحاب فی محل الکلام یثبت التأمین، وأدلّة البراءة أیضاً تثبت التأمین، حتّی فی هذه الحالة یقدّم الاستصحاب علی البراءة، ویکون حاکماً علیها، ورافعاً لموضوعها، فلا یبقی للبراءة شیء، وفی کل مورد نرید أنْ نتمسّک بالبراءة یجری فیه الاستصحاب، ویکون حاکماً علی البراءة، ورافعاً لموضوعها؛ وحینئذٍ أی فائدة فی أدلّة البراءة الکثیرة الدالّة علی البراءة، وبعبارة أخری: سوف تبقی البراءة بلا مورد؛ لأنّ الاستصحاب یکون مقدّماً علیها، ویرفع موضوعها؛ وحینئذٍ لابدّ من الإجابة عن هذا الإشکال.

ص: 15

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

الکلام یقع فی بعض الأمور التی ترتبط بالبحث السابق وهو إثبات البراءة بالاستصحاب:

الأمر الأوّل: ما أثرناه فی الدرس السابق من أنّ الالتزام بجریان الاستصحاب فی المقام یؤدی بالنتیجة إلی إلغاء دلیل البراءة، بمعنی أنّ دلیل البراءة دائماً یجری فی موردٍ یجری فیه الاستصحاب، ففی جمیع الموارد التی تجری فیها البراءة یجری الاستصحاب، وهی عبارة عن جمیع الشبهات الحکمیّة، ومع جریان الاستصحاب یکون الاستصحاب حاکماً علی البراءة، ومقدّماً علیها، وبالتالی یکون موجباً لإلغاء دلیلها، فهل یُلتزَم بهذا ؟ بمعنی أنّ دلیل البراءة لا یبقی له مورد؛ إذ فی کل موردٍ تجری فیه البراءة یجری فیه الاستصحاب، وهو مقدّم علی البراءة، وحاکم علیها، ومانع من جریانها، فلا یبقی مورد للبراءة حتّی تکون الأدلّة الدالّة علیها، وهی کثیرة، منزّلة علی تلک الموارد، فلا یبقی مورد للبراءة إطلاقاً.

أجاب السیّد الخوئی(قدّس سرّه) عن هذا الإشکال بجوابین: (1)

الجواب الأوّل: حاصل ما ذکره هو: لیس لأدلّة البراءة عنوان یوجب اختصاصها بغیر موارد الاستصحاب؛ بل یمکن أنْ تکون الحکمة فی ثبوت الترخیص والبراءة فی جملة من مواردها هو عدم جواز نقض الحالة السابقة.

توضیح المراد: الظاهر أنّ مراده(قدّس سرّه) هو أنّ دلیل البراءة من المحتمل أنْ تکون البراءة المجعولة فیه هی البراءة بملاک الاستصحاب، أی البراءة بملاک عدم نقض الحالة السابقة، باعتبار أنّ دلیل البراءة لم یؤخذ بشرط لا من حیث الاستصحاب، ولیس فیه دلالة علی ذلک؛ وحینئذٍ لا یوجد عندنا أصلان متمایزان منحازان أحدهما البراءة، والآخر الاستصحاب، وکل منهما یثبت بدلیله، حتّی یقال إذا تمّ الاستصحاب، فلا یبقی مورد للبراءة، کلا، الأمر لیس هکذا، أو لا أقلّ من أنّ هذا هو الاحتمال المطروح فی المقام، أنّ دلیل البراءة لم یؤخذ بشرط لا من حیث الاستصحاب حتّی یکون هو أصل متمیّز عن الاستصحاب، هذا یثبت بدلیله، وذاک یثبت بدلیله، وهذا یثبت بملاک، وذاک یثبت بملاکٍ آخر، البراءة تثبت بملاک الشکّ فی التکلیف من دون لحاظ الحالة السابقة، بینما الاستصحاب یثبت بملاک عدم نقض الحالة السابقة. یقول: الأمر لیس هکذا، أو لا أقل من أننّا نحتمل أنْ یکون الملاک فی البراءة هو نفس عدم نقض الحالة السابقة، وبناءً علی هذا لا یکون عندنا أصلان متمایزان منحازان حتّی یقال: إذا جری هذا الأصل لا یبقی مورداً للأصل الآخر، وإنّما من المحتمل أنْ تکون أصالة البراءة راجعة بحسب الروح والجوهر إلی نفس الاستصحاب؛ فحینئذٍ لا یِرد هذا الإشکال أنّه إذا التزمنا بجریان الاستصحاب لا یبقی مورد للبراءة، هذا مبنی علی افتراض أنّ هنا أصلان متمایزان، وکل منهما یثبت بملاکٍ ودلیل، أمّا إذا أنکرنا ذلک، أو احتملنا عدمه؛ حینئذٍ لا یرِد هذا الإشکال؛ إذ لا محذور فی أنْ یثبت دلیلان فی موردٍ واحد، کلٌ منهما یثبت بملاکٍ واحد، وهو عدم نقض الحالة السابقة؛ حینئذٍ لا معنی لأنْ یقال: إذا جری الاستصحاب یلغی البراءة؛ إذ البراءة لیست شیئاً آخراً غیر الاستصحاب؛ لأنّ البراءة ثابتة بنکتة عدم نقض الحالة السابقة.

ص: 16


1- (1) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 272.

لکنْ یمکن أنْ یقال: أنّ هذا مجرّد احتمال لا واقع له، ولا یُفهم من ألسنة أدلّة البراءة، وإنّما الذی یُفهم من ألسنة أدلّة البراءة من قبیل(رُفع ما لا یعلمون) ومن قبیل(الناس فی سعةٍ ما لم یعلموا) وأمثال هذه الأدلّة، أنّ ملاک البراءة هو الشک فی التکلیف، أو عدم العلم بالتکلیف فقط من دون لحاظ الحالة السابقة، ومن دون لحاظ أنّ عدم التکلیف له حالة سابقة، وإنّما ملاکه الشک فی التکلیف، وعدم العلم بالتکلیف(رُفع عن أمّتی ما لا یعلمون) مجرّد الشک بالتکلیف، وعدم العلم بالتکلیف هو ملاک جعل البراءة. هذا هو الذی یُفهم من أدلّة البراءة، فلا معنی لأنْ یقال: أنّ البراءة المجعولة فی أدلّتها مجعولة بنکتة عدم نقض الحالة السابقة، بنکتة ملاحظة الحالة السابقة، یعنی بنکتة أنّ الحالة السابقة هی عدم التکلیف، فأدلّة البراءة تجعل البراءة باعتبار أنّ عدم التکلیف متیّقن فی المرحلة السابقة، لیس بهذا الشکل، وإنّما الذی یُفهم من أدلّة البراءة أنّ ملاک أدلّة البراءة هو عدم العلم بالتکلیف، بینما الاستصحاب لیس ملاکه عدم العلم بالتکلیف، وإنّما ملاکه هو ملاحظة الحالة السابقة، وأنّ هناک حالة متیّقنة سابقاً یُشکّ فی بقائها، فالاستصحاب یقول ابن علی بقاء الحالة السابقة، فالملاک مختلف، والنکتة مختلفة، والدلیل مختلف. إذن: هما أصلان متمایزان مختلفان، وکلٌ منهما ثابت بنکتة، تأتی أدلّة تثبت البراءة بملاک عدم العلم بالتکلیف، وأدلّة تثبت البراءة بملاک عدم نقض الحالة السابقة، فیرجع الإشکال کما کان فی السابق أنّه فی کل موردٍ تجری فیه البراءة یجری فیه الاستصحاب، وإذا جری الاستصحاب یلغی البراءة. إذن: فی أیّ موردٍ تجری البراءة ؟ کل موارد جریان البراءة یجری الاستصحاب فیها، ویکون حاکماً علی البراءة، ورافعاً لموضوعها، وهذا هو معنی أنّ الالتزام بجریان الاستصحاب فی المقام یؤدی إلی إلغاء دلیل البراءة، بمعنی أنّ دلیل البراءة یبقی بلا موردٍ، وهذا لا یمکن الالتزام به؛ لأنّ دلیل البراءة لیس دلیلاً واحداً، أو دلیلین؛ بل هناک أدلّة کثیرة علی البراءة، ولا یمکن أنْ تبقی کلّها بلا مورد، فالجواب الأوّل لیس تامّاً؛ لأنّه مبنی علی احتمال ثبوتی لا یمکن إثباته فی مقام الإثبات؛ بل هو علی خلاف ظاهر أدلّة البراءة.

ص: 17

الجواب الثانی: ذکر(قدّس سرّه) أنّ هناک موارد لدلیل البراءة لا یجری فیها الاستصحاب، فلا یصحّ القول بأنّ جمیع موارد البراءة یجری فیها الاستصحاب، ویؤدی ذلک إلی إلغاء دلیل البراءة؛ بل هناک موارد تجری فیها البراءة ولا یجری فیها الاستصحاب.

ثمّ ذکر(قدّس سرّه) جملة من الموارد التی تجری فیها البراءة ولا یجری فیها الاستصحاب لتصحیح جعل البراءة فی أدلّتها، ولدفع الاعتراض السابق بأنّ الاستصحاب یلغی دلیل البراءة، کلا، الاستصحاب لا یلغی دلیل البراءة؛ لأنّ هناک موارد یتمّ فیها دلیل البراءة، وتجری فیها البراءة، ولا یجری فیها الاستصحاب. ذکر(قدّس سرّه) ثلاثة موارد:

المورد الأوّل: موارد تعارض الاستصحابین، کما فی موارد توارد الحالتین، کالطهارة والنجاسة، أو حدث وطهارة، لکن لا یعلم من هو المتقدّم، ومن هو المتأخّر؛ حینئذٍ استصحاب الأوّل یُعارَض باستصحاب الآخر، فیتعارض الاستصحابان، وفی موردٍ من هذا القبیل لا یجری الاستصحاب؛ للمعارضة، فتجری البراءة؛ وحینئذٍ لا یجری الاستصحاب حتّی یکون حاکماً علی البراءة، فإذا کان الاستصحاب لا یجری لأجل المعارضة؛ حینئذٍ یکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءة من دون جریان الاستصحاب؛ وإذا ضممنا الموارد الأخری إلی هذا المورد؛ فحینئذٍ نلتزم بجریان الاستصحاب، لکن لا یؤدی ذلک إلی إلغاء دلیل البراءة؛ لأنّ دلیل البراءة یبقی له موارد یجری فیها الدلیل، وتثبت فیها البراءة من دون أنْ یجری فیها الاستصحاب.

المورد الثانی: ما إذا کان الأثر المطلوب والمراد إثباته مترتّب علی الإباحة بعنوانها؛ حینئذٍ لابدّ من إجراء أصالة البراءة، عندئذٍ لا ینفعنا إجراء استصحاب عدم المنع، وعدم جعل التحریم لترتیب ذلک الأثر؛ لأنّ المفروض أنّ ذلک الأثر مترتّب علی الإباحة بعنوانها، ولا یترتّب علی مجرّد عدم المنع وعدم التحریم حتّی نرتّب ذلک الأثر باستصحاب وعدم جعل التحریم؛ بل الأثر لا یترتب إلاّ علی الإباحة والبراءة بعنوانها.

ص: 18

إذن: فی هکذا حالة، لترتیب ذلک الأثر، لابدّ من إجراء أصالة البراءة، ولا یجری فیها الاستصحاب. نعم، إذا فرضنا أنّ الأثر الذی یُراد ترتیبه یکفی فیه عدم التحریم، وعدم المنع؛ حینئذٍ یجری فیه استصحاب عدم المنع، واستصحاب عدم التحریم، ویترتب ذلک الأثر؛ وحینئذٍ یرِد ذلک الإشکال.

المورد الثالث: موارد دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین، کما إذا شکّ فی جزئیّة شیء فی المرکب، أو فی شرطیة شیء فی المرکب، هنا یدور الأمر بین الأقلّ والأکثر الارتباطیین، الصلاة واجب ارتباطی، ویدور الأمر بین أنْ یکون الواجب عشرة أجزاء، أو تسعة أجزاء، مثلاً، إذا شککنا فی وجوب السورة فی الصلاة، عندنا تسعة أجزاء متیّقنة، لکننّا لا نعلم أن الجزء العاشر هل هو واجب أو لا ؟ فیدور أمر الصلاة بین الأقلّ(تسعة أجزاء)، والأکثر(عشرة أجزاء) الارتباطیین. هنا الرأی السائد، خصوصاً عند المتأخرین هو جریان البراءة لنفی الوجوب الزائد، أو قل لنفی وجوب الأکثر، وبالتالی یثبت بها جواز الاکتفاء بالأقل. هنا تجری البراءة، کما هو الصحیح، ولا یجری الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب المتصوّر جریانه فی المقام بعد العلم بالتکلیف هو عبارة عن استصحاب عدم التقیید؛ لأنّ المکلّف فی هذه الحالة یعلم بوجوب الأقل علیه جزماً، وعلی کل تقدیر، فالتسعة أجزاء قطعاً هی واجبة علیه، وإنّما شکّه فی وجوب التسعة أجزاء هل هو مقیّد بالجزء العاشر المشکوک الذی هو وجوب السورة فی المثال، أو هو مطلق من ناحیته ؟ إذا کان مقیّداً بالسورة، فهذه الأجزاء التسعة تجب علیه لیس لوحدها، وإنّما مقیّدة بانضمام السورة، وهذا هو معنی وجوب الأکثر، أو أنّ وجوب التسعة أجزاء علیه مطلق من ناحیة السورة، وهذا معناه وجوب الأقّل، ولا یُشترط فی ذلک الإتیان بالسورة. إذن: هو أمره دائر بین أنْ تجب علیه السورة أو لا، یعنی أنّ ما وجب علیه هل هو مقیّد بالجزء الآخر المشکوک، أو هو مطلق ؟ الاستصحاب الذی یجری فی المقام هو استصحاب عدم التقیید، ویثبت البراءة، والاکتفاء بالأقل التی هی نتیجة البراءة، حیث قلنا أنّ البراءة تجری ویثبت بها الاکتفاء بالأقل، استصحاب عدم التقیید هذا معناه، ویثبت نفس النتیجة؛ لأنّ عدم التقیید یثبت أنّ التسعة الواجبة علیک حتماَ لیست مقیّدة بالجزء الآخر فیکفی الاتیان بالأقل. الاستصحاب المتصوّر جریانه فی المقام لإثبات البراءة والاکتفاء بالأقل هو عبارة عن استصحاب عدم التقیید. یقول السید الخوئی(قدّس سرّه) أنّ هذا الاستصحاب مُعارَض باستصحاب عدم الإطلاق؛ لأنّی کما أشکّ فی تقیید الواجب المتیقن الذی هو الأقل بالجزء العاشر، اشکّ أیضاً فی إطلاقه من ناحیة الجزء العاشر، فکما یجری استصحاب عدم التقیید، یجری أیضاً استصحاب عدم الإطلاق، فیتعارض الاستصحابان، استصحاب عدم التقیید واستصحاب عدم الإطلاق فیتساقطان؛ وحینئذٍ تجری البراءة من دون أنْ یجری الاستصحاب فی موردها، فیکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءة من دون جریان الاستصحاب.

ص: 19

هذا هو الجواب الثانی، وهو عبارة عن محاولة للتفتیش عن موارد تجری فیها البراءة من دون جریان الاستصحاب حتّی یقال أنّ أدلّة البراءة منزّلة علی هذه الموارد. فالالتزام بجریان الاستصحاب فی موارد أخری، وإلغاءه للبراءة، وحکومته علیها لا یوجب إلغاء دلیل البراءة؛ لأنّه هناک موارد تجری فیها البراءة، ویمکن تنزیل دلیل البراءة علی تلک الموارد.

هذا الجواب یتمّ فی بعض الموارد التی ذکرها، فی المورد الأوّل، وهو مورد تعارض الاستصحابین کما فی توارد الحالتین، تجری البراءة ولا یجری الاستصحاب، لکن فی الموارد الأخری لا تتمّ هذه الدعوی، أمّا المورد الثانی الذی ذکره، وهو مسألة ما إذا کان الأثر مترتباً علی الإباحة بعنوانها، فقال: فی هذا المورد لا نتمکن من إجراء الاستصحاب؛ لأنّ استصحاب عدم التحریم لا ینفع لإثبات ذلک الأثر؛ لأنّ المفروض أنّ الأثر یترتّب علی الإباحة بعنوانها، فلابدّ من إجراء أصالة البراءة، وعدم إجراء الاستصحاب؛ لأنّه لا أثر لهذا الاستصحاب. فی هذا المورد الثانی، الأمر لیس هکذا، ویمکن إجراء الاستصحاب، لکن لا أجری استصحاب عدم التحریم، وعدم المنع حتّی یقال أنّ هذا الاستصحاب لا أثر له؛ لأنّ الأثر المطلوب مترتّب علی الإباحة بعنوانها، وعدم التحریم لا یثبت الإباحة إلاّ بناءً علی الأصل المثبت، وإنّما یمکن إجراء الاستصحاب فی نفس الإباحة، باعتبارها متیّقنة سابقاً، کما أنّ عدم المنع متیّقن قبل البلوغ فی التقریب الأوّل للاستصحاب، أو قبل الجعل فی التقریب الثانی للاستصحاب، أو قبل تحققّ الشرائط الخاصّة للتکلیف فی التقریب الثالث للاستصحاب، کذلک الإباحة والبراءة أیضاً متیّقنة، فیمکن إجراء استصحاب البراءة، واستصحاب الإباحة المتیقنة قبل البلوغ، أو قبل الجعل، أو قبل تحقق الشرط الخاص من شرائط الحکم المحتملة؛ وحینئذٍ یمکن ترتیب الأثر؛ لأنّ الأثر مترتب علی الإباحة بعنوانها، ونحن استصحبنا الإباحة، الإشکال إنّما یرِد إذا أجرینا استصحاب عدم التحریم المتیّقن قبل البلوغ، فیقال: کیف یترتب الأثر ؟ لأنّ الأثر مترتّب علی الإباحة بعنوانها، واستصحاب عدم المنع لا یثبت الإباحة بعنوانها إلاّ بناءً علی الأصل المثبت. نقول: نحن لا نجری استصحاب عدم المنع؛ لأنّه کما أنّ عدم المنع متیقن قبل البلوغ، کذلک الإباحة متیقنة قبل البلوغ، هذا الصبی قبل بلوغه قبل البلوغ کان یُباح له هذا الفعل، وکانت هناک براءة متیّقنة قبل البلوغ، بمعنی أنّه لو ارتکب هذا الفعل لا یؤاخذ، ولا یُعاقَب، فهذه إباحة متیّقنة قبل البلوغ، فاستصحب هذه الإباحة، وإذا استصحبت الإباحة؛ فحینئذٍ یمکن ترتیب الأثر بلا أنْ یلزم منه إشکال المثبتیّة؛ لأنّ الاستصحاب جری فی نفس الإباحة المتیّقنة، فیعود الإشکال، وهو أنّ هذا المورد الذی تجری فیه البراءة جری فیه الاستصحاب، والاستصحاب حاکم علی البراءة، فلا یبقی مورد للبراءة.

ص: 20

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

کان الکلام فی الجواب الثانی علی الإشکال، وذکرنا أنّ الموارد التی ذکرها السید الخوئی(قدّس سرّه) فی هذا الجواب لیست کلّها ممّا لا یجری فیها الاستصحاب، بعضها لا یجری فیه الاستصحاب، فتجری فیه البراءة، ویصحّ ما ذکره، لکنّ الباقی لیس هکذا، قلنا أنّ المورد الثانی الذی ذکر فیه بأنّ فی بعض الأحیان الأثر یترتّب علی الإباحة بعنوانها، هنا لا فائدة فی إجراء الاستصحاب؛ لأنّ استصحاب عدم المنع لا یثبت الإباحة بعنوانها، إلاّ بناءً علی الأصل المثبت، وبالتالی لا یمکن ترتیب الأثر، وهنا تجری أصالة البراءة ویترتب ذلک الأثر، فیختصّ المورد بجریان البراءة، ولا یجری فیه الاستصحاب، فیُنزّل علیه دلیل البراءة. قلنا أنّ هذا لیس تامّاً؛ لأنّه بالإمکان إجراء الاستصحاب فی نفس الإباحة، وعلیه: فکما تجری البراءة یجری استصحاب البراءة؛ لأنّ البراءة متیّقنة فی الزمان السابق، سواء کان الزمان السابق هو زمان قبل البلوغ، أو کان زمان قبل الجعل، أو کان قبل تحققّ شرائط الحکم الخاصّة. إذن: هنا کما تجری البراءة یجری استصحاب البراءة، ولا نجری استصحاب عدم المنع حتّی یقال: هذا أصل مثبت، وإنّما یجری الاستصحاب فی نفس البراءة المتیّقنة سابقاً.

وهکذا الحال فی المورد الثالث الذی هو عبارة عن دوران الأمر بین الأقل والأکثر الارتباطیین، هنا ذکر السید الخوئی(قدّس سرّه) بأنّ هنا لا یجری الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب الذی یُتوقع جریانه لکی یثبت البراءة، والاکتفاء بالأقل هو عبارة عن استصحاب عدم التقیید، أنّ الأقل الواجب علی کل حال لم یُقیّد بالجزء العاشر، فیکفی الإتیان بالأقلّ، وهذا هو عبارة عن نتیجة البراءة، فأنّ نتیجتها هی الاکتفاء بالأقلّ. قال: استصحاب عدم التقیید مُعارض باستصحاب عدم الإطلاق، فلا یجری الاستصحاب، ولکی نثبت الاکتفاء بالأقل لابدّ من إجراء أصالة البراءة.

ص: 21

هذا الکلام لا یتمّ بناءً علی مبنی السید الخوئی(قدّس سرّه) فی أنّ التقابل بین الإطلاق والتقیید هو تقابل الضدّین؛ فحینئذٍ نقول أنّ کلامه لا یجری؛ لأنّ استصحاب عدم الإطلاق أصلاً لا یجری حتّی یکون معارضاً لاستصحاب عدم التقیید؛ لأنّه ماذا یُراد بإجراء استصحاب عدم الإطلاق ؟ هل یُراد به إثبات التقیید، ثمّ إثبات أثر التقیید، وهو عدم الاکتفاء بالأقل، ووجوب الإتیان بالزائد، هذا هو أثر التقیید، أنّ الأقلّ واجب مقیّد بالجزء العاشر، فیجب الإتیان بالجزء العاشر، هل المراد باستصحاب عدم الإطلاق إثبات التقیید، ثمّ إثبات أثره، أو المراد هو إثبات الأثر مباشرة ؟ وکلٌ منهما لا یمکن الالتزام به، أمّا إذا کان المقصود باستصحاب عدم الإطلاق إثبات التقیید، فهذا أصل مثبت، باعتبار أنّ التقیید لازم عقلی لعدم الإطلاق. وأمّا إذا أُرید باستصحاب عدم الإطلاق إثبات الأثر مباشرة، أی أننّا نجری استصحاب عدم الإطلاق لإثبات لزوم الإتیان بالأکثر، أی لزوم الإتیان بالجزء العاشر؛ فحینئذٍ نقول: أنّ هذا موضوع الأثر هو التقیید، ولیس موضوعه عدم الإطلاق حتّی یترتّب هذا الأثر علی عدم الإطلاق الثابت بالاستصحاب؛ بل هذا الأثر موضوعه التقیید، ومالم نثبت التقیید، لا یکون هذا الأثر ثابتاً، وقد عرفت أنّ التقیید لا یمکن إثباته باستصحاب عدم الإطلاق.

إذن: استصحاب عدم الإطلاق لا یجری فی حدّ نفسه لعدم ترتّب الأثر علیه، بخلاف أصالة عدم التقیید، فأنّها تنفی هذا الأثر، یعنی تنفی وجوب الإتیان بالجزء العاشر؛ لأنّ وجوب الإتیان بالجزء العاشر موضوعه التقیید، فإذا نفینا التقیید بالأصل، فسوف ینتفی أثره، فلا یجب الإتیان بالجزء العاشر، فیثبت بأصالة عدم التقیید عدم وجوب الإتیان بالجزء العاشر، بینما اصالة عدم الإطلاق لا یمکن أنْ تجری لما ذکرناه.

ص: 22

إذن: لا مانع من جریان استصحاب عدم التقیید، فیکون هذا من الموارد التی تجری فیها البراءة والاستصحاب، فیعود الإشکال السابق، وهو أنّ الاستصحاب یکون حاکماً علی البراءة، ورافعاً لموضوعها، وبالتالی یکون موجباً لإلغاء دلیل البراءة.

الصحیح فی الجواب هو أنْ یقال: أنّ الموارد التی لا یجری فیها الاستصحاب، وتجری فیها البراءة فقط موارد نادرة جدّاً ولا معنی لتنزیل أدلّة البراءة الکثیرة جدّاً، وذات السعة جدّاً علی هذه الموارد النادرة. مضافاً إلی أنّ ظاهر کلامه فی الجواب الثانی هو الالتزام بالإشکال فی غیر هذه الموارد التی ذکرها، وهی عبارة عن معظم حالات الشکّ فی التکلیف، یعنی لابدّ أنْ یلتزم بأنّ معظم حالات الشکّ فی التکلیف لا تجری البراءة الشرعیة فیها، فهل یلتزم بذلک ؟ فی الحالات الاعتیادیة غیر هذه الحالات الأربعة، إذا سلّمناها، کما لو شکّ فی حرمة أکل لحم الأرنب، أو شکّ فی حرمة شرب التتن، فهل یلتزم هنا بعدم جریان البراءة الشرعیّة ؟ کما هو ظاهر کلامه فی الجواب الثانی، حیث تخلّص من الإشکال فی هذه الموارد التی تجری فیها البراءة، ولا یجری فیها الاستصحاب، کأنّه الموارد الأخری، وهی جلّ الموارد من الشکّ فی التکلیف یلتزم فیها بالإشکال، یعنی یجری الاستصحاب، ویلغی البراءة، ویرفع موضوعها، فهل یلتزم بعدم جریان البراءة الشرعیّة فی هذه الموارد ؟ لا أظنّه یلتزم بذلک.

الصحیح فی الجواب عن أصل الإشکال هو ما ذکره السیّد الشهید (قدّس سرّه)، حیث أجاب عن أصل الإشکال بأجوبة عدیدة : (1)

الجواب الأوّل: أننّا حتّی لو سلّمنا أنّ دلیل الاستصحاب حاکم علی دلیل البراءة، ورافع لموضوعه، حتّی لو سلّمنا بالحکومة التی ستأتی المناقشة فیها، لکن هذا لا یوجب إلغاء دلیل البراءة؛ إذ یبقی دلیل البراءة مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب، ویکون له أثر، وفائدة، ولا یمکن أنْ نقول أنّ دلیل البراءة یُلغی؛ بل یُجعل دلیل البراءة ویکون مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب. وبعبارة أخری: یکون نظیر الحکم الواقعی مع البراءة؛ إذ لا إشکال أنّ الحکم الواقعی إذا وصل إلی المکلّف یرفع موضوع البراءة؛ لأنّ موضوع البراءة هو الشکّ فی الحکم الواقعی، فإذا وصل الحکم الواقعی إلی المکلّف یرتفع موضوع البراءة، لکن هذا لا یعنی إلغاء دلیل البراءة؛ بل یبقی دلیل البراءة علی حاله ویکون مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه الحکم الواقعی، ویثبت له البراءة، لکن کون الحکم الواقعی بوصوله رافعاً لموضوع البراءة لا یعنی إلغاء دلیل البراءة. دلیل الاستصحاب من هذا القبیل، دلیل الاستصحاب لو سلّمنا الحکومة، وأنّه یرفع موضوع البراءة لا یوجب إلغاء دلیل البراءة؛ لأنّ دلیل البراءة یبقی مؤثراً فی حقّ من لم یصل إلیه دلیل الاستصحاب، وما أکثر الناس الذین لم یصل إلیهم دلیل الاستصحاب، لا من العوام؛ بل من العلماء، وربما مرّ علیکم أنّ أوّل من استدلّ علی الاستصحاب بالأخبار هو والد الشیخ البهائی الشیخ حسین عبد الصمد، وقبله لم یکن قد وصل إلیهم دلیل الاستصحاب، فیکون دلیل البراءة مؤثراً فی حقّهم، وکون دلیل الاستصحاب إذا وصل حاکماً علی دلیل البراءة، ورافعاً لموضوعه لا یعنی إلغاء دلیل البراءة، وبقائه بلا فائدة، وبلا مورد.

ص: 23


1- (1) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

الجواب الثانی: (1) أنّ الحکومة علی تقدیر تسلیمها هی واقعاً ولبّاً وروحاً مرجعها إلی التخصیص، لکن الّلسان هو لسان رفع الموضوع، وإلاّ هی فی الواقع تخصیصٌ، یعنی إخراجٌ من الحکم من دون الإخراج من الموضوع، لا ترفع الموضوع، وإنّما هی تخرج من الحکم. هذه النظریة یؤمن بها السیّد الشهید(قدّس سرّه)، ویقیم القرائن علیها، ویقول أنّ الحکومة إذا ثبتت فی مواردها فهی فی روحها التخصیص، لا ربا بین الوالد والولد، صحیح هو ورد بلسان رفع الموضوع، أی بلسان(لا ربا)، لکن هو فی الواقع إخراجٌ من الحکم، یقول هذا الربا الواقع بین الوالد والولد لیس حراماً، وناظر إلی الآیة(حرّم الربا) فیقول هذا الربا الواقع بین الوالد والولد لیس حراماً، لکن بُیّن هذا الإخراج من الحکم بلسان رفع الموضوع. هذا إذا سلّمنا أنّ الحکومة فی واقعها بحسب اللّب والواقع هی تخصیص؛ حینئذٍ فی المقام لا یمکن أنْ نقول أنّ دلیل الاستصحاب حاکم علی دلیل البراءة؛ لأنّ التخصیص إنّما یمکن الالتزام به إذا کان بین الدلیلین تنافٍ وتعارض، ولو بدوی، بین الدلیل العام، وبین التخصیص یوجد تنافٍ، هذا یقول أکرم العلماء، وذاک یقول فسّاق العلماء، فهناک تنافٍ بینهما، فیأتی التخصیص ویقول هذا خارج من الحکم. أمّا غذا کان الدلیلان متوافقین، ولا تنافی ولا تعارض بینهما إطلاقاً؛ فحینئذٍ لا معنی للتخصیص، أی لا معنی للحکومة، کما هو الحال فی محل الکلام؛ إذ أنّه فی محل الکلام لا یوجد تنافٍ بین دلیل البراءة ودلیل الاستصحاب النافی للتکلیف؛ لأننّا نتکلّم عن استصحاب عدم التحریم، هذا یوافق بحسب النتیجة مع البراءة، فلماذا نلتزم بالتخصیص، والحال أنّه لا یوجد تنافٍ بین الدلیلین ؟ ویمکن أنْ نأخذ بکلٍ منهما کما لو قال(أکرم کل العلماء)، ثمّ قال(أکرم زید العالم)، هنا لا معنی لتخصیص العام؛ لأنّ التخصیص فرع التنافی والتعارض بین مدلولی الدلیلین، ولو کان تعارضاً غیر مستقرّ، أمّا حینما یتوافق الدلیلان فی مدلولیهما، لامعنی للتخصیص، وبالتالی لا معنی للحکومة؛ لأنّ الحکومة حسب هذا المبنی مرجعها بحسب الحقیقة إلی التخصیص.

ص: 24


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

إذن: الحکومة فی المقام غیر صحیحة؛ لعدم التنافی بینهما.

الجواب الثالث: (1) وهو أیضاً مبنی علی مبنیً یؤمن به هو (قدّس سرّه)، وحاصله: أنّ تقدیم الأدلّة التی یقال أنّ فیها حکومة لیس قائماً علی أساس الحکومة؛ بل هو قائم علی نکتة الأظهریّة، أو الجمع العرفی بین الدلیلین، حتّی بین(لا ربا بین الوالد والولد) وبین أدلّة تحریم الربا. وبعبارة أخری: هو لا یتعامل مع الدلیل الحاکم والمحکوم معاملة دلیل حاکم ومحکوم، وإنّما یتعامل معهما معاملة الدلیلین المتعارضین، فی موارد التنافی التعامل مع الدلیلین یکون تعامل مع دلیلین متعارضین، کأی دلیلین متعارضین، فلابدّ من تقدیم الأقوی والأظهر، هو یری، کما أثبت، واستدل علی ذلک بقرائن أنّ دلیل الاستصحاب فیه نکتة الأظهریة، فیُقدّم علی دلیل البراءة علی أساس الأظهریة، ولیس علی أساس الحکومة ورفع الموضوع، ومن الواضح بناءً علی هذا المعنی أنّ هذا التقدیم علی أساس الأظهریة، أو علی أساس الجمع العرفی أیضاً فرع التنافی، کما فی (لا ربا بین الوالد والولد) حیث یوجد تنافٍ بینه وبین (حرّم الربا)، أمّا حیث لا یکون تنافی بین الدلیلین، وکانا متوافقین بالنتیجة؛ فحینئذٍ لا معنی للتقدیم؛ بل نلتزم بکلٍ منهما فی مورده، وأیّ ضیر فی أنْ تتکثّر التأمینات علی المکلّف، فهذا یثبت التأمین بملاکٍ، وذاک أیضاً یثبت التأمین، ولکن بملاکٍ آخر، تعدّد الخطابات المثبتة للتأمینات بملاکات متعدّدة لا محذور فیه، فلیکن دلیل البراءة المثبت للتأمین بملاک الشکّ فی التکلیف، ودلیل الاستصحاب مثبت للتأمین أیضاً بملاک الیقین بالحالة السابقة، وهذا لا ضیر فیه، فنأخذ بکلٍ منهما، أصلاً لا یوجد فی المقام أنّ هذا رافع لموضوع ذاک، أو أنّه یلغی دلیل الآخر، وإنّما یوجد دلیلان، وکلٌ منهما مثبت للتأمین، ولا معنی لتقدیم أحدهما علی الآخر؛ لأنّ هذا التقدیم، ولو بملاک الأظهریة، أو الجمع العرفی، إنّما یکون فی حالات التنافی والتعارض، وفی المقام لیس ثمّة تنافٍ، أو تعارض؛ بل نأخذ بکلا الدلیلین. غایة الأمر أنّ التأمینات تکون متعدّدة، لکن من دون أن یکون الأخذ بالاستصحاب لإثبات التأمین بملاک الیقین بالحالة السابقة یلغی موضوع البراءة؛ بل یبقی دلیل البراءة علی حاله، ویجری، ونأخذ به، ونثبت تأمیناً قائماً علی أساس دلیل البراءة، وبهذا نتخلّص من أصل الإشکال؛ لأنّ فکرة الإشکال قائمة علی أساس الحکومة بمعنی إلغاء دلیل الاستصحاب، ورفعه لموضوع البراءة، فإذا رفع موضوع البراءة؛ فحینئذٍ تُلغی البراءة، وتکون أدلّة البراءة بلا فائدة، حیث فی کلّ موردٍ تجری فیه البراءة یجری فیه الاستصحاب، وهو حاکم علی البراءة، ورافع لموضوعها، فلا یبقی موردٌ للبراءة. الإشکال قائم علی هذه الفکرة، وهذه الأجوبة تجیب عن هذه الفکرة علی تقدیر تسلیم الحکومة، وعلی تقدیر إنکار الحکومة بمعنی رفع الموضوع.

ص: 25


1- (3) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 73.

السرّ فی إنکار السیّد الشهید(قدّس سرّه) للحکومة، ودائماً یقول أنّ التقدیم إنّما یکون فی موارد التنافی، حیث أنّه فی موارد عدم التنافی یقول أصلاً لا داعی للتقدیم، وإنّما نعمل بکلا الدلیلین کما فی محل الکلام، فیکون خارجاً عن محل کلامنا، لکن فی موارد التنافی بین الدلیلین، السبب الذی جعله لا یقول بالحکومة، وإنّما یقول بأنّ التقدیم قائم علی أساس الأظهریة والجمع العرفی، السر هو أنّ حکومة دلیل الاستصحاب علی دلیل البراءة مبتنیة علی الفکرة المعروفة، والمسلک الذی یؤمن به المحقق النائینی(قدّس سرّه)، وهو مسلک الطریقیّة فی باب الإمارات والأصول، بمعنی أنّ الإمارة تجعل الظنّ علماً، وتتمم کشف الدلیل الناقص، وتعتبره طریقاً تامّاً، الشارع یعتبر الظنّ علماً، فإذا اعتبره علما،ً فی أدلة البراءة لاحظنا أنّ البراءة مُغیّاة بالعلم(الناس فی سعة حتّی یعلموا) وهذا قد لا یُصرّح به فی بعض أدلّة البراءة، لکن هو مقصود بلا إشکال، فعند حصول العلم لا معنی للبراءة، وذلک لارتفاع موضوعها. إذن: البراءة مغیّاة بالعلم، وترتفع عند العلم بالحکم الواقعی، ودلیل الاستصحاب یقول أنّ الاستصحاب علم، وبهذا یکون رافعاً لموضوع البراءة؛ لأنّ موضوع البراءة هو عدم العلم؛ لأنّها مغیّاة تنتهی عند حصول العلم، معناه أنّها تثبت عند عدم العلم، أی عند الشکّ، یعنی موضوعها الشکّ أو عدم العلم، الاستصحاب، بناءً علی مسلک جعل الطریقیة، واعتبار الاستصحاب علماً، یکون بجعله الاستصحاب علماً رافعاً لموضوع البراءة؛ لأنّ موضوعه الشکّ، وعندما یعتبر الاستصحاب علماً، یعنی یرفع موضوع البراءة تعبّداً، وهو معنی الحکومة، لکنّ هذا مبنی علی مسلک جعل الطریقیّة فی الإمارات والاستصحاب، لکنّه(قدّس سرّه) یرفض هذا المسلک؛ إذ لا یستفاد من أدلّة اعتبار الإمارة جعلها علماً، واعتبارها طریقاً تامّاً. نعم، یُستفاد منها المعذریّة والمنجّزیة، والحجّیّة، لکن اعتبارها علماً، هذا لا یُستفاد منها فی الإمارات، فضلاً عن الاستصحاب الذی هو محل کلامنا. علی تقدیر التسلیم بالطریقیّة، فهی ناظرة إلی تنزیل هذه الأمور منزلة القطع الطریقی، ولیست ناظرة إلی تنزیل هذه الأمور منزلة القطع الذی یقع موضوعاً للحکم الشرعی، والذی یُسمّی بالقطع الموضوعی، هی تقوم مقام القطع الطریقی، لا أنّها تقوم مقام القطع الموضوعی، فیما نحن فیه العلم الذی جُعل الاستصحاب رافعاً لموضوع البراءة المقیّد بعدمه هو علم موضوعی، البراءة جُعلت مقیّدة بعدم العلم(الناس فی سعةٍ مالم یعلموا)، فالعلم أُخذ قیداً فی هذا الحکم، فهو موضوع لهذا الحکم، عدم العلم موضوع للبراءة، فالعلم یکون علماً موضوعیّاً، حتّی لو آمنا بالطریقیة، فالطریقیّة تُنزّل علی أنْ تقوم الإمارة أو الاستصحاب مقام القطع الطریقی فی المنجّزیّة والمعذّریّة، کما أنّ القطع الطریقی منجّز ومعذّر، الاستصحاب أیضاً یکون منجّزاً ومعذراً، أمّا إذا کان هناک حکم شرعی موضوعه العلم أیضاً دلیل حجّیّة الإمارة أو الاستصحاب ینزّل الاستصحاب أو الإمارة منزلة العلم فی ترتیب ذلک الحکم الشرعی بحیث یصبح موضوع ذلک الأثر الشرعی العلم والاستصحاب، کما أنّ العلم یحققّ موضوع ذلک الأثر، الاستصحاب أیضاً یحققّ موضوع ذلک الأثر، هذا لا یُستفاد من جعل الطریقیة، ما یفهم من جعل الطریقیة هو تنزیله منزلة القطع الطریقی والعلم الطریقی لا تنزیله منزلة العلم الموضوعی کما هو الحال فی محل الکلام.

ص: 26

درس الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ أدلّة البراءة الشرعیة/ الاستصحاب

قلنا أنّ الکلام یقع فی بعض الأمور المرتبطة بالبحث السابق، وهو بحث الاستدلال علی البراءة بالاستصحاب. وقد تکلّمنا عن الأمر الأوّل وأنهینا الکلام عنه.

الأمر الثانی: هناک قضیّة طرحها السیّد الخوئی(قدّس سرّه)، (1) وهی أنّ هذا الاستصحاب، بناءً علی جریانه لإثبات البراءة فی الشبهات الحکمیّة، کما تقدّم، هل یجری فی الشبهات الموضوعیّة، أو لا ؟ ما کنّا نتکلّم عنه هو جریانه فی الشبهات الحکمیّة، لو شککنا فی حرمة أکل لحم الأرنب، هل یمکن إثبات البراءة بالاستصحاب بأحدّ تقریباته الثلاثة السابقة، أو لا؟

أمّا إذا کان الشکّ فی شبهة موضوعیة حکمیّة، کما لو شککنا فی أنّ هذا المایع المُعیّن، هل هو خمر، أو لا ؟ فهل یمکن إثبات البراءة بالاستصحاب، أو لا ؟ هذا هو محل الکلام.

أصل التوقّف، أو الإشکال فی الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّة ناشئ من أنّ الاستصحاب الذی یُراد إجراءه، هو الاستصحاب بالتقریب الثانی المتقدّم، وهو استصحاب عدم الجعل، ومنشأ الإشکال هو أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّة؛ لأنّ الجعل لیس مشکوکاً فی الشبهات الموضوعیّة، والمکلّف لیس لدیه شکّ فیما یرتبط بما یجعله الشارع، بخلاف الشکّ فی حرمة أکل لحم الأرنب، فالمکلّف یشک فی أنّ الشارع جعل الحرمة، أو لا ؟ بینما هنا عندما تشکّ فی أنّ هذا المائع هل هو خمر، أو ماء ؟ هنا لا یوجد عندی شکّ فی الجعل، فیما یرتبط بالشارع أنا أعلم بأنّ الشارع جعل حرمة شرب الخمر، وجعل إباحة شرب الماء، ولا شکّ فیه، وإنّما الشک یکون فی أنّ هذا المائع المعیّن هل هو مصداق للخمر، حتّی تثبت له الحرمة ؟ أو هو ماء حتّی لا تثبت له الحرمة، وتثبت له الإباحة ؟ هذا هو الشکّ فی الشبهة الموضوعیة.

ص: 27


1- (1) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للسیّد الشاهرودی، جزء 3، صفحة 271.

إذن: لیس هناک شک فی الجعل. وبعبارة أکثر وضوحاً: أنّ الحکم لشخص المشکوک لیس فیه جعل، علی تقدیر أنْ یکون هذا خمر، الشارع لا یجعل له حرمة بخصوصه، وإنّما یجعل الحرمة علی طبیعی الخمر، فإذن: هناک حرمة مجعولة علی الطبیعی، وهناک حرمة تتعلّق بخصوص المشکوک، الحرمة المتعلّقة بالطبیعی لا شکّ فیها حتّی یجری فیها الاستصحاب، الحرمة المتعلّقة بخصوص هذا المورد المشکوک نقطع بعدمها؛ لأنّ الشارع لا یجعل حرمة لخصوص هذا الفرد، فإذن: فی أیّ شیءٍ یجری الاستصحاب ؟ یجری الاستصحاب بلحاظ الحرمة المتعلّقة بالطبیعی ؟ لکننّا قلنا أنّ هذه الحرمة لا شکّ فیها، لا یوجد هناک شکّ فی الجعل فی الشبهات الموضوعیّة؛ فحینئذٍ لا مانع من استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّة، بخلاف الشبهات الحکمیّة؛ لأنّ الشک هو فی الجعل الزائد، لو کان أکل لحم الأرنب حرام، فهذا معناه أنّ هناک جعل للحرمة من قِبل الشارع أزید ممّا نعلمه؛ وحینئذٍ حیث أنّه مسبوق بالعدم یمکن إجراء استصحاب عدم جعل الحرمة فی هذا، وهو المسمّی ب--- (استصحاب عدم الجعل) وهو یثبت البراءة. هذا هو الإشکال فی إجراء الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّة، وحاصله: أنّ الجعل لیس مشکوکاً فی الشبهات الموضوعیّة، فلا معنی لإجراء الاستصحاب بلحاظ الجعل. هذا تقریب الإشکال.

السیّد الخوئی(قدّس سرّه) عندما طرح هذا الإشکال فی الدراسات أجاب عنه بهذا الجواب: قال بأنّ الأحکام مجعولة بنحو القضیّة الحقیقیّة، ولیس بنحو القضیّة الخارجیّة، یُفرض موضوع، ثمّ یُجعَل الحکم علی ذلک الموضوع المفترض الوجود، وعندما نفترض أنّ الأحکام مجعولة علی نهج القضیّة الحقیقیّة لازم ذلک الانحلال، بمعنی أنّ الحکم المجعول علی نهج القضیّة الحقیقیّة ینحلّ إلی أحکامٍ متعدّدةٍ بعدد أفراد موضوعه، فکلّما تحققّ فرد ومصداق من موضوعه فی الخارج ثبت له الحکم، وإذا تحققّ مصداق آخر ثبت له الحکم أیضاً.....وهکذا. (لله علی الناس حجّ البیت من استطاع إلیه سبیلا) (1) هذه قضیّة حقیقیّة، علی تقدیر الاستطاعة، وتوفر سائر الشروط الأخری یجب الحج، هذا الحکم المجعول علی نهج القضیة الحقیقیة یتکثّر بتکثّر أفراد موضوعه فی الخارج، فإذا وجد مستطیع یثبت له وجوب الحج، وإذا وجد مستطیع آخر یثبت له وجوب الحج أیضاً.....وهکذا. ویقول أنّ هذا هو مبنی جریان البراءة فی الشبهات الموضوعیّة، وجریان البراءة فی الشبهات الموضوعیّة هی قضیّة مسلّمة، ولکن عندما نفترض جریان البراءة فی الشبهات الموضوعیّة، فلابدّ من فرض أنّ هناک شکّاً فی التکلیف؛ لأنّ مورد البراءة هو الشک فی التکلیف. إذن: لابدّ أنْ یکون فی الشبهة الموضوعیة تکلیف مشکوک؛ ولذا تجری فیه البراءة. ما هو التکلیف المشکوک فی الشبهة الموضوعیّة ؟ من الواضح أنّه لیس هو الجعل؛ لأنّ الجعل متیّقن فی الشبهة الموضوعیّة، ولا یوجد شکّ فیه، التکلیف المشکوک فی الشبهة الموضوعیّة والذی سمح لنا بإجراء البراءة فی الشبهة الموضوعیة بلا إشکال هو مبنی علی فکرة الانحلال، أی أنّ الحکم المجعول علی نهج القضیّة الحقیقیّة ینحل إلی أحکام جزئیة متعدّدة بعدد ما للموضوع من أفراد. إذن: هناک حکم جزئی متعلّق بهذا الفرد، فالحکم ینحل بعدد أفراد موضوعه، فإذا کان أفراد موضوعه مائة ینحل إلی مائة حکم، ثمّ یقول: فإذا شککنا فی أنّ هذا فرد من الموضوع، أو لا ------ وهو معنی الشبهة الموضوعیّة ------ فهذا عبارة أخری عن أننّا نشک فی حکمه الشخصی، هل ثبتت له حرمة شخصیّة انحلالیّة، باعتبار أنّ الحکم مجعول علی نهج القضیّة الحقیقیّة، أو لا ؟ هذا هو معناه بالنتیجة، عندما أعلم أنّ هذا خمر، أعلم بثبوت حرمة له، لکن هذه الحرمة حرمة انحلالیّة، هی التی نسمیها بالمجعول، فتثبت حرمة لشخصه عندما أعلم بأنّه مصداق للموضوع، وعندما أشکّ بأنّه مصداق للموضوع یعنی أشکّ فی ثبوت هذه الحرمة له.

ص: 28


1- (2) آل عمران/سوره3، آیه97

إذن: یوجد شکّ فی التکلیف حتّی فی الشبهة الموضوعیّة؛ ولذا جرت البراءة کما قال، وعلی هذا الأساس نقول بأنّ الاستصحاب یجری فی المقام، استصحاب عدم الجعل فی الشبهة الموضوعیّة؛ لأنّه من الواضح أنّ تکثّر الأفراد یعنی سعة الجعل، وقلة الأفراد تعنی نقص الجعل، وعدم سعته، هذا الجعل علی نهج القضیة الحقیقیة هو یتکثّر وینقص بتکثّر ونقصان عدد أفراده، فإذا علمنا أنّ هذا الموضوع للحکم المجعول علی نهج القضیة الحقیقیة قطعاً له عشرة مصادیق، وشککنا فی مصداقٍ آخر، وشکّنا فی الحقیقیة یرجع إلی الشکّ فی أنّ الجعل هل له سعة بحیث ینحل ویشمل أحد عشر فرداً، أو لیست له هذه السعة، وإنّما هو ینحل إلی عشرة أحکام تثبت لعشرة أفراد. إذن: شکّ فی سعة الجعل وضیقه، فإذا أرجعناه إلی الشک فی سعة الجعل وضیقه، فمن الممکن إجراء الاستصحاب فی الجعل، فیقال: أنّ جعل الحکم بنحوٍ یشمل هذا الفرد المشکوک متیّقن العدم سابقاً، فنستصحب عدم الجعل.

وبهذا دفع الإشکال، وانتهی إلی هذه النتیجة، وهی أنّ الاستصحاب الذی نثبت به البراءة کما یجری فی الشبهات الحکمیّة یجری أیضاً فی الشبهات الموضوعیّة بلا فرقٍ بینهما، مع کونه نفس الاستصحاب، لا نستصحب المجعول؛ بل نستصحب عدم الجعل، لکن بالبیان الذی ذکره. هذا أصل الإشکال وجوابه الذی ذکره السیّد الخوئی(قدّس سرّه).

لکنّ هذا الجواب فیه مشکلة ترتبط برأیٍ للسیّد الخوئی(قدّس سرّه) هو یتبناه، ونقلناه عنه سابقاً، وسیأتی تحقیقه فی باب الاستصحاب، وهو أنّه لا یری جریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّة؛ لأنّه مُعارَض باستصحاب عدم الجعل. هذا إشکال معروف، ویمثّلون له بمسألة وطء المرأة بعد النقاء وقبل الغسل، الاستصحاب الحکمی الذی یجری فی المقام هو استصحاب الحرمة المتیّقنة قبل النقاء، حیث قبل النقاء قطعاً کانت حرمة ----- هذا استصحاب المجعول، والحرمة بمعنی فعلیّة التکلیف ----- وبعد النقاء، وقبل الغسل نشکّ فی أنّه هل ارتفعت الحرمة، أو لا ؟ فنستصحب الحرمة المتیّقنة سابقاً. هذا الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّة فی هذا المورد، وهکذا فی غیره.

ص: 29

هو یقول بأنّ هذا الاستصحاب لا یجری؛ لأنّه مُعارَض باستصحاب عدم الجعل؛ لأننّا متیقنین بأنّ الشارع قد جعل حرمةً قبل النقاء، لکن هل جعل الشارع حرمةً تمتد إلی ما بعد النقاء ؟ هذا مشکوک بالنسبة إلینا. إذن: شکنّا هو فی الجعل الزائد، وحیث أنّ هذا الجعل الزائد مسبوق بالعدم، فنستصحب عدمه، وهذا الاستصحاب ------ استصحاب عدم الجعل الزائد ------ یُعارض استصحاب المجعول، یعنی یعارض استصحاب الحرمة المتیّقنة قبل النقاء؛ لأنّ مقتضی هذا الاستصحاب هو إثبات الحرمة والتنجیز، بینما استصحاب عدم الجعل الزائد یقتضی التعذیر، وعدم الحرمة بعد النقاء، فیکون معارضاً له؛ ولذا ذهب إلی عدم جریان استصحاب المجعول؛ لأنّه معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.

هذا الکلام الذی یقوله(قدّس سرّه) هنا فی مقام توجیه بیان استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّة یوقعه فی هذا الإشکال: أنّ إشکال المعارضة المانع من إجراء استصحاب المجعول سوف یسری من الشبهات الحکمیّة إلی الشبهات الموضوعیّة أیضاً؛ لأنّه أیضاً یجری استصحاب عدم الجعل الزائد، حیث أنّه وجّه جریان استصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّة، فإذا کان استصحاب عدم الجعل یجری فی الشبهات الموضوعیّة؛ حینئذٍ یکون معارِضاً لاستصحاب المجعول فی الشبهات الموضوعیّة. هذا المایع الذی أشک فی کونه خمراً، أو ماءً لنفترض أنّ حالته السابقة کانت هی الخمریّة، فإذا کانت حالته السابقة هی الخمریة، فالمجعول الذی هو الحرمة الفعلیة تثبت له. بعد ذلک شککت فی أنّه هل هو حرام، أو لا ؟ بنحو الشبهة الموضوعیّة، لا أعلم هل أنّه خرج عن کونه خمراً وصار ماءً، أو لا زال خمراً، هنا یجری استصحاب الحرمة المتیّقنة سابقاً، وهذا نُعبّر عنه باستصحاب المجعول، الحرمة المتیّقنة سابقاً قبل التحوّل الذی أوجب الشکّ، وهذا الاستصحاب یُعارَض باستصحاب عدم الجعل الزائد؛ لأنّ استصحاب عدم الجعل علی ضوء ما ذکره لا یختّص بالشبهات الحکمیّة؛ بل یجری حتّی فی الشبهات الموضوعیّة، أنّ الشارع هل جعل الحرمة بنحوٍ تنحلّ حتّی إلی هذا الفرد، أو لا ؟ الأصل عدمه، فیکون معارَضاً باستصحاب عدم الجعل الزائد، وهذا یؤدی إلی أنْ یلتزم ----- ولا أظنّه یلتزم بذلک ------ بأنّ استصحاب المجعول لا یجری فی الشبهات الحکمیّة، ولا فی الشبهات الموضوعیّة، ومن المؤکّد أنّه لا یلتزم بهذا؛ لأنّ المتیّقن من روایات الاستصحاب هو إجراء الاستصحاب فی الشبهات الموضوعیّة، والأمثلة التی ذُکرت فی روایات زرارة هی الشک فی الطهارة وأمثالها بنحو الشبهة الموضوعیّة، وهی القدر المتیّقن من روایات زرارة. بقطع النظر عن هذا الإشکال لا تواجهنا مشکلة فی الشبهات الحکمیة، حیث نخرجها من روایات زرارة، ونقول أنّ روایات زرارة مختصّة بالشبهات الموضوعیّة، ویجری استصحاب الحکم فی الشبهات الموضوعیّة، لکن بعد هذا لابدّ أنْ نخرج منها أیضاً الشبهات الموضوعیّة، ولا اعتقد أنّه یلتزم بذلک. هذا من جهة.

ص: 30

ومن جهة أخری: اصل المطلب هو غیر واضح، فکأنّه یرید أنْ یفترض أنّ التکثّر یکون بلحاظ عالم الجعل، وهذا الافتراض غیر صحیح، حیث لیس لدینا تکثّر بلحاظ عالم الجعل، الجعل لا یتکثّر بتکثّر أفراد موضوعه، الجعل أمر واقعی، وهو شیء واحد، وحالة خاصّة قائمة فی نفس الجاعل، ولا تتکثّر بتحققّ فرد، أو تنقص بعدم تحققّه، یعنی لا تعرض علیها الزیادة والنقیصة بحیث أنّ تحقق أفراد فی الخارج یؤثر فی زیادة الجعل، وعدم تحققّها یؤثر فی نقیصة الجعل، أصلاً لا معنی لأنْ نفترض أنْ یتکثّر الجعل بتکثّر أفراد موضوعه، وإنّما هذا التکثر، والتعدّد قائم فی عالم المجعول، والفعلیّة، فی المجعول یوجد تکثّر بلا إشکال؛ یعنی عندما یوجد فرد مستطیع یثبت له وجوب الحج فعلاً، والذی نعبّر عنه بالمجعول، وهذا لیس معناه أنّ الشارع جعل فیه وجوباً خاصّاً به، فأنّ الشارع قال:(للّه علی الناس حجّ البیت) ولیس أکثر من هذا، ولا ینتظر بعد ذلک کلّما تحققّ موضوع فی الخارج، فیجعل له حکماً ووجوباً، وإنّما نحن بالتحلیل نقول أنّ الحکم مجعول علی نهج القضیّة الحقیقیّة کهذا المثال، عندما یتحققّ مصداق لموضوعه یصبح الحکم فعلیّاً فی حقّه، هذه الفعلیة لیست جعلاً، وهذه نقطة مهمّة، وهی أنّ التکثّر لا یرتبط بعالم الجعل، وإنّما یرتبط بعالم المجعول، فالجعل شیء واحد لیس فیه تکثّر، ولا یتعدّد بتعدّد أفراد موضوعه. هذا الجعل الواحد، الأمر الواقعی الواحد إذا کنّا شاکّین به؛ حینئذٍ تکون الشبهة حکمیّة، وقلنا أنّه لا مشکلة فی إجراء البراءة، ولا مشکلة فی إجراء استصحاب عدم الجعل؛ لأننّا شاکّین فی الجعل، والحالة السابقة هی العدم، فنستصحب عدم الجعل. أمّا إذا کنّا عالمین بالجعل، ولا نشکّ فیه، وإنّما نشکّ فی المجعول، أی نشک فی الأحکام التی عبّر عنها هو ب---(الأحکام الجزئیّة)، والتی تثبت لأفراد الموضوع عندما تتحققّ، والتی نعبّر عنها بالمجعول، الذی هو أمر تحلیلی لیس له واقع، ما له واقع هو الجعل الصادر من المولی، شکّنا إنّما هو فی المجعول، ولیس فی الجعل، الشک فی کون هذا مصداق للموضوع لا یعنی تکثّر وتعدّد فی الجعل حتّی نقول أنّ هذا الشکّ فی التکثّر مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب العدم، وإنّما الشکّ فی المجعول، وهذا یعنی أنّ استصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّة لسببٍ بسیط وهو أنّه بلحاظ الجعل لا یوجد تکثّر، لا الأفراد التی نتیّقن أنّها داخلة فی الموضوع توجب تکثّر فی الجعل، ولا الأفراد التی نشکّ فی دخولها فی الموضوع توجب الشکّ فی سعة الجعل وضیقه، الجعل أمر واحد لا یتکثّر، وإنّما الذی یتکثّر هو المجعول. وعلیه: فاستصحاب عدم الجعل لا یجری فی الشبهات الموضوعیّة، وإنّما یجری فی الشبهات الحکمیّة، والذی یجری فی الشبهات الموضوعیّة هو استصحاب المجعول عندما تتوفّر أرکانه، هذا الشیء کان حراماً سابقاً وأشک فی بقاء الحرمة، أو أنّه کان مباحاً سابقاً، وأشک فی بقاء الإباحة، فاستصحب إباحته سابقاً، هذا استصحاب المجعول، ومن هنا لا یکون معارَضاً باستصحاب عدم الجعل فی الشبهات الموضوعیّة، حتّی لو تمّ إشکاله ----- إشکال المعارَضة ------ فی الشبهات الحکمیّة، فهو لا یرد فی الشبهات الموضوعیّة.

ص: 31

وأمّا المسألة التی طرحها هو(قدّس سرّه) من أنّه لولا الشک فی التکلیف لما جرت البراءة فی الشبهات الموضوعیّة، وهی جاریة بلا إشکال؛ لأنّ مبنی جریان البراءة فی الشبهات الموضوعیّة هو أنّ هناک شکّ فی التکلیف. هذا مطلب صحیح، لکن الشکّ فی التکلیف لا یعنی الشکّ فی الجعل، وإنّما یعنی الشک فی المجعول، ففی الشبهات الموضوعیّة یجری الاستصحاب، لکن الذی یجری فیه هو استصحاب المجعول، وتجری البراءة؛ لأنّ الشک فی المجعول، أی فی التکلیف الفعلی المتیّقن سابقاً، فالبراءة تجری فی الشبهات الموضوعیّة، واستصحاب المجعول یجری فی الشبهات الموضوعیّة، ولا یجری فیه استصحاب عدم الجعل؛ ولذا لا إشکال فیه من جهة المعارضة علی ما ذکر.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

بما تقدّم نختم الکلام عن أصالة البراءة وأدلّتها، وما یرتبط بهذه البحوث، وندخل بعد ذلک فی الاحتیاط وأدلّته، أدلّة الاحتیاط التی استدلّ بها علماؤنا الأخباریون(رضوان اللّه علیهم)، نحن نتکلّم عن هذه الأدلّة وعن غیرها ممّا لم یستدلوا به، لکن قد یُستدَل به علی أصالة الاحتیاط.

وما ننبه علیه کنتیجةٍ لذلک البحث الطویل فی البراءة هو أنّه تبیّن تمامیّة بعض أدلّة البراءة بنحوٍ تکون حاکمة علی أدلّة الاحتیاط لو تمّت، وما تمّ من أدلّة البراءة لیس هو فقط أدلّة البراءة بلسان قبح العقاب بلا بیان ممّا یکون معارضاً لأدلّة الاحتیاط، وإنّما تمّ من الأدلّة ما یکون حاکماً علی أدلّة الاحتیاط لو تمّت أدلّته، فحتّی لو تمّت أدلّة الاحتیاط الآتیة، عندنا من أدلّة البراءة ما یکون حاکماً علیها. أدلّة الاحتیاط نتکلّم فیها علی غرار ما تکلّمنا عن أصالة البراءة، الکلام هناک کان یقع فی مقامین، فی البراءة العقلیة، وفی البراءة النقلیّة الشرعیة. هنا أیضاً الکلام یقع أولاً فی الاحتیاط العقلی الذی یدرکه العقل و یحکم به، وثانیاً یقع فی الاحتیاط النقلی الشرعی الثابت بالأدلّة الشرعیّة.

ص: 32

أمّا المقام الأوّل فی الاحتیاط والاشتغال العقلی، قُرّب وجوب الاحتیاط عقلاً بعدّة تقریبات کما ذکرها الشیخ(قدّس سرّه) فی الرسائل، وصاحب الکفایة(قدّس سرّه) أیضاً ذکرها، نقتصر علی بعض هذه التقریبات المذکورة:

التقریب الأوّل: أنّ الأصل فی الأشیاء الحظر، ویُدّعی أنّ هذا ممّا یستقل به العقل، حیث إذا لم یرد دلیل من الشارع علی الجواز، والإباحة، وتجویز الارتکاب، فالعقل یستقل بأنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر. أصالة الحظر، أو أصالة التوقّف، کما اقترح الشیخ الطوسی(قدّس سرّه) فی العُدّة، حیث کانت لدیه مشکلة فی التعبیر عن هذا بأصالة الحظر، کأنّه یقول أنّ هذه تدخل فی باب الفتوی من غیر علمٍ، کیف نلتزم بالحظر ؟ والمفروض أنّه لا دلیل علی الحظر، فأبدل تسمیة هذه الأصالة، وسمّاها بأصالة التوقّف، أی التوقف عن التحریم المحتمل، وعن الإباحة، التوقّف عن کل منهما، عن التحریم، وعن الإباحة فی الشبهة التحریمیّة، وعن الوجوب والإباحة فی الشبهة الوجوبیة، لکن النتیجة واحدة، یعنی کمن یقول بأصالة الحظر، یؤمن بأنّ الأصل فی الأشیاء إذا لم یرد دلیل علی الإباحة، هو الامتناع وعدم الارتکاب، وهذا معناه احتیاط.

إذن: أصالة الحظر، أو أصالة التوقّف التی تنتج الاحتیاط، ولزوم التوقف وعدم الإقدام، فی الشبهات التحریمیة تنتج لزوم الامتناع عن الفعل وفی الشبهات الوجوبیة تنتج لزوم الاتیان بالفعل، هذه الأصالة تُجعل تقریب أوّل للاحتیاط العقلی، باعتبار أنّها من مدرکات العقل العملی، العقل یستقلّ بذلک کما یُدّعی؛ وحینئذٍ ینتج وجوب الاحتیاط عقلاً علی اساس هذا التقریب، وقلنا أنّ هذا الأصل قد آمن به المتقدّمون، یعنی ذُکر فی کلمات المتقدّمین وأهمهم الشیخ الطوسی(قدّس سرّه)، فأنّه ذکر هذا المطلب فی کتاب (عُدّة الأصول) (1) .

ص: 33


1- (1) عُدّة الأصول، الشیخ الطوسی، ج 1، ص 152.

هناک بعض التعلیلات لهذا المدرک العقلی قد لا تکون مقبولة، لکنّ هذا لا یعنی أنّ اصل المدرک، وأصل دعوی استقلال العقل بذاک أیضاً یکون غیر مقبول. ذُکر أنّ هذا باعتبار أنّ العبد ملکٌ لمولاه، فکل تصرفاته هی ملک للمولی(سبحانه وتعالی)، فإذا تصرّف تصرّفاً من دون إذن من قبل نفس المولی والمالک الحقیقی، فهذا یعتبر تصرّف فی سلطان المولی من دون إذنه، والعقل یدرک قبح هذا؛ لأنّه نوع من التعدّی، والخروج عن زیّ العبودیّة، وتمرّد علی المولی والمالک الحقیقی(سبحانه وتعالی)، باعتباره هو مالک کل التصرّفات، فأیّ تصرّف یتصرّفه العبد یحتاج إلی إذن من المولی، وإلاّ یکون تصرّفاً فی سلطان المولی من دون إذنه، وهذا أمر قبیح، والعقل یستقل بقبحه.

هذا الدلیل الأوّل تعرّض له الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) فی الرسائل، وتعرّض له الشیخ الآخوند(قدّس سرّه) فی الکفایة وأجاب عنه بعدّة أجوبة:

أولاً: اصالة الحظر محل خلافٍ وکلامٍ؛ لأنّ هناک من لم یذهب إلی أنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر؛ بل بالعکس ذهب إلی أنّ الأصل فی الأشیاء الإباحة، فمسألة الحظر هی محل خلاف ونقاشٍ، فلا معنی لجعلها دلیلاً علی لزوم الاحتیاط فی محل الکلام؛ لأنّها لیست أمراً مسلّماً، وإنّما هی محل خلافٍ، إنّما یمکن جعل الشیء دلیلاً فی محل النزاع عندما یکون ذلک الشیء مسلّم بین الطرفین، فیُجعل دلیلاً علی الاحتیاط العقلی. أمّا إذا کان أصل الشیء هو محل کلامٍ وخلافٍ؛ فحینئذٍ لا یکون ملزماً للطرف الآخر المثبت لوجوب الاحتیاط عقلاً علی نحوٍ یکون مفحماً للطرف المقابل.

ثانیاً: الإباحة شرعاً ثبتت بالأدلّة المتقدّمة؛ إذ لا إشکال کما قلنا أنّ بعض أدلّة البراءة تمّ سنداً ودلالة، ومع وجود الإباحة الشرعیّة، مع الترخیص الشرعی فی الإباحة والإقدام، وفی عدم الاحتیاط؛ حینئذٍ هذا الدلیل لا یکون تامّاً، وحتّی لو سلّمنا أصالة الحظر کما ذُکر، لکن من الواضح أنّ أصالة الحظر منوطة ومعلّقة علی عدم ورود الترخیص الشرعی، العقل یحکم بلزوم الحظر، والتوقّف؛ لأنّه تصرّف فی سلطان المولی. إذن: هو حکم جهتی، یعنی یحکم بلزوم الاحتیاط مراعاة لمولویة المولی، ومن الواضح أنّ مثل هذا الحکم الاحترامی یکون منوطاً وموقوفاً علی عدم إذن نفس المولی فی المخالفة؛ إذ مع إذن المولی نفسه لا معنی لإصرار العقل علی لزوم الاحتیاط ومراعاة المولی، فیقول أنّ الإباحة ثبتت بالأدلّة المتقدّمة؛ حینئذٍ ترتفع أصالة الحظر، ولا یبقی أیّ أثر له فی محل الکلام.

ص: 34

ثالثاً: مسألة أصالة الحظر تختلف عن محل الکلام، والبناء علی لزوم الاحتیاط، أو التوقف فی مسألة أصالة الحظر لا یلازم ولا یعنی البناء علی الاحتیاط؛ بل هما مسألتان مختلفتان مدرکاً وملاکاً، فالبناء علی التوقف فی أحدهما لا یعنی لزوم البناء علی التوقف والاحتیاط فی الأخری، ویستفاد من کلامه أنّ الفرق بینهما هو أنّ أصالة الحظر عند من قال بها هی مخصوصة بما قبل وجود الشارع، وعدم التمکّن من بیان الأحکام الشرعیة؛ لأسباب لا ترتبط بالشارع نفسه، وإنّما ترتبط بالأوضاع العام، یعنی لأسباب خاصّة الشارع لا یتمکّن من بیان هذه المحرّمات، فی حالة عدم قابلیّة المکلّف لأنْ تبیّن له الأحکام الشرعیّة، هنا یقال بأنّ هذا المکلّف الذی هو غیر قابل لأنْ تبیّن له الأحکام الشرعیّة إذا شکّ فی التکلیف؛ حینئذٍ لابدّ من التوقّف والاحتیاط والحظر؛ لأنّ الأصل هو الحظر، بینما فی محل کلامنا نحن نرید أنْ نثبت أنّ المکلّف الذی یمکن أنْ یُبیّن له التشریع وهو قابل لأنْ یُبیّن له الأحکام الشرعیة، فإذا لم تُبیّن له الأحکام الشرعیّة، فالاحتیاط هناک لا یلازم الاحتیاط هنا؛ لأنّه فی المقام یمکن أنْ یتمسّک بقاعدة قبح العقاب بلا بیان، حیث أنّ الشارع یمکنه البیان، والمکلّف صالح لأنْ یُبیّن له التکلیف، ومع ذلک الشارع لم یبیّن، هناک یحکم العقل بأنّه یقبح العقاب مع عدم البیان، ویکون هو المؤمّن، ولا منجّزیة حینئذٍ ولا احتیاط، والاحتیاط هناک حیث لا تجری قاعدة قبح العقاب بلا بیان؛ لأنّ المفروض أنّ المکلّف غیر صالح لأنْ یُبیّن له، والشارع غیر متمکّن من البیان، فلا معنی حینئذٍ لحکم العقل بقبح العقاب بلا بیان، فهو إنّما یقبح حیث یکون المولی متمکناً من البیان، ولا یُبیّن، فیقال بأنّ العقاب مع عدم البیان قبیح، أمّا حیث لا یمکنه البیان، ولو باعتبار عدم صلاحیة المکلّفین لبیان التکلیف، ففی هذه الحالة لا تجری هذه القاعدة، والاحتیاط هناک لا یلازم الاحتیاط فی محل الکلام، فلا معنی للاستدلال علی الاحتیاط فی محل الکلام الذی هو بعد فرض الشارع، وبعد فرض التمکن من البیان، وصلاحیّة المکلّف لأنْ یُبیّن له التکلیف؛ ولذا نزلت الشریعة، المسألتان مختلفتان، البناء علی لزوم الاحتیاط هناک لا یلازم البناء علی لزوم الاحتیاط هنا.

ص: 35

هذه مناقشات صاحب الکفایة(قدّس سرّه) فی أصالة الحظر، ولمن تمسّک بها لإثبات وجوب الاحتیاط عقلاً عند الشک فی التکلیف، ولنا تعلیق علی ما ذکره (قدّس سرّه): المفروض أننّا نتکلّم عن أحکامٍ کلّیّة مستقلّة یستقل بها العقل، والشیء الذی یُطرح هو: العقل تجاه التکالیف المشکوکة والمحتملة مع عدم ورود تخصیص من قِبل الشارع، هل یستقل بالعقل، أم یستقل بالبراءة ؟ هذا هو محل البحث بین مسلکین معروفین من قدیم الزمان، مسلک یؤمن بأنّ العقل یستقل بالبراءة، والذی یسمّی بقاعدة قبح العقاب بلا بیان، ومسلک آخر یؤمن بأنّ العقل یستقل بالاحتیاط، وهو المسلک الذی سمّاه السیّد الشهید(قدّس سرّه) بمسلک(حق الطاعة) (1) والذی هو الاشتغال العقلی، وکلامنا هو فی أنّ العقل بماذا یستقل ؟ هل یستقل بالبراءة تجاه التکالیف المحتملة والمشکوکة، أو أنّه یستقل بالاحتیاط والاشتغال ؟ المُدّعی فی هذا الدلیل هو أنّه یستقل بالاحتیاط وبالتوقّف، بمعنی أنّه یستقل بأنّه لابدّ من إطاعة التکالیف المحتملة والمشکوکة، فالتکالیف المحتملة والمشکوکة بنظر أصحاب هذا المسلک هی کالتکالیف المعلومة، کما أنّ العقل یستقل فی التکلیف المعلوم بلزوم إطاعته، کذلک یستقل فی التکالیف المحتملة والمشکوکة بلزوم إطاعتها.

نعم، هذا الحکم العقلی عند من یقول به بلا إشکال هو مقیّد بعدم ورود الترخیص الشرعی؛ لما قلناه من أنّ هذا حکم یدرکه العقل من باب إدراک مولویة المولی وعبودیة العبد، فهو حکم احترامی، ولا معنی للإصرار علی هذا الاحترام حتّی إذا رخّص نفس المولی فی المخالفة لمصالح یراها، ورخّص فی عدم الاحتیاط. فإذن: حتماً هو حکم معلّق علی عدم ورود الترخیص الشرعی، ولیس حکماً مطلقاً. فی الحقیقة هناک ملاحظات علی بعض أجوبة صاحب الکفایة (قدّس سرّه)، منها أنّ مسألة الحظر هی محل خلاف ونزاع، فلا معنی لجعلها دلیلاً فی محل الکلام؛ لأنّ هذا لا یُفحم الخصم، ولا یوافق علی أصل المبنی، هذا الإیراد لا یرِد فی المقام؛ لأنّ کونها محل خلاف هذا أمر واضح، حیث أننّا قلنا فی البدایة أنّ هناک مسلکین فیما نحن فیه، وهناک خلاف بین العلماء فی ذلک، لکن المشکلة هی أنّ کلاً من أصحاب المسلکین لیس لدیه برهان علی إثبات مدّعاه کما تقدّم بحث ذلک مفصّلاً فی بدایة مباحث البراءة، حیث قلنا هناک أنّه لیس هناک برهان علی البراءة کما أنّه لیس هناک برهان علی مسلک حقّ الطاعة، لا توجد براهین فی المقام، وکل ما ذُکر من صورة برهان هو فی الحقیقة غیر ثابت وغیر ناهض لإثبات هذا المسلک، أو ذاک المسلک، وهذا معناه أنّ الدعوی هی دعوی وجدانیّة، من یقول بالحظر وبمسلک حق الطاعة لیس لدیه غیر وجدانه، فیقول: أنّ وجدانی یدرک أنّ المولی مولی حتّی فی تکالیفه المحتملة والمشکوکة، وصاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان یقول: أنا أدرک بأنّ العقل یستقل بقبح العقاب بلا بیان، بمعنی أنّه یقبح من المولی أنْ یعاقب مع عدم البیان، وهذا مؤمّن، فلا یجب الاحتیاط. هی دعاوی وجدانیة، ولا تخرج عن کونها کذلک، وکل برهانٍ وقیمة لإثبات أحدهما هو غیر ناهضٍ، ولیس برهاناً.

ص: 36


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 79.

إذن: هی دعاوی وجدانیة، فلا معنی للمناقشة فی هذا بأنْ نقول أنّ کلامک محل خلافٍ؛ لأنّ هناک من لا یرضی بکلامک، لا معنی لهذا؛ لأنّه لا یستدلّ بشیء، وأصل أصالة الحظر التی یدّعیها هی عبارة عن مسلک حقّ الطاعة، وهی عبارة عن الاحتیاط العقلی، وهو لا یستدلّ علیه بشیء، إنّما یدعیه کأمر وجدانی، فیقول: أنا أدرک بعقلی أنّ الأصل فی الأشیاء هو الحظر، بینما الطرف المقابل یقول: أنا أدرک أنّ الأصل فی الأشیاء هو الإباحة والبراءة؛ حینئذٍ لا یمکن إلزام هذا بوجدان هذا، ولا یمکن إلزام هذا بوجدان هذا؛ بل یبقیان مختلفین فی إدراکهما الوجدانی لهذه الأحکام العقلیة. نحن سابقاً ذکرنا بأنّ الشیء الذی یمکن أنْ یُتفوه به فی هذا المقام هو تجمیع مؤشرات ومنبهات علی صحّة أحد الوجدانین، هذا ممکن، وقد ذکرنا هناک بأنّه، إنصافاً أنّه یمکن أنْ یُستفاد من بعض الآیات الشریفة صحّة مسلک قبح العقاب بلا بیان، والمقصود بالآیات القرآنیة هی قوله تعالی:(وما کنّا معذبین حتّی نبعث رسولاً). (1) یُستفاد منها أنّ العذاب من دون بعث الرسول الذی هو کنایة عن بیان الأحکام الشرعیّة، أنّ هذا شیء لا یلیق بساحته(سبحانه وتعالی)، وهذا شیء لا ینبغی أنْ یصدر منه، یعنی أنّه أمر قبیح بالنسبة إلیه(سبحانه وتعالی)، والتعبیر ب--(ما کنّا) یُستفاد منه أنّه لا ینبغی أنْ یصدر منه ذلک، ولیس مناسباً لشأنه(سبحانه وتعالی). وقوله تعالی:(وما کان اللّه لیضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّی یبیّن لهم ما یتّقون). (2) وقوله تعالی:(رسلاً مبشّرین ومنذرین لئلا یکون علی اللّه حجّة بعد الرسل). (3) ویستفاد منها أنّه قبل الرسل تکون الحجّة للناس علی اللّه(سبحانه وتعالی)، وإنّما هو أرسل الرسل مبشّرین ومنذرین لیُبیّنوا الأحکام لئلاّ یکون علی اللّه حجّة بعد الرسل.

ص: 37


1- (3) سورة الإسراء، آیة 15.
2- (4) توبه/سوره9، آیه115
3- (5) نساء/سوره4، آیه165

إذن: یمکن أنْ نعتبر هذه الأدلّة وغیرها منبّهات ومؤشرات علی صحّة مسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان، بقطع النظر عن أنّها أمور وجدانیة کما قلنا، فلا یمکن إلزام أحد الطرفین بوجدان الطرف الآخر.

المناقشة فی الجواب الثالث الذی ذکره، وهو أنّ المنظور بهذا هو ما قبل الشرع، والمنظور بالثانی هو ما بعد الشرع، فی الحقیقة هذا تحجیم للمسألة، أفرض أنّه فی کلماتهم کانوا یطرحون مسألة الحظر بلحاظ ما قبل الشرع، بالنتیجة هذا لا یُعفینا من أنْ نبحث، بلحاظ ما بعد الشرع هناک من یقول بلزوم الاحتیاط، ولزوم التوقّف، وبمسلک حقّ الطاعة، هذا بحث بلحاظ ما بعد الشرع، لکن کیف نجیب عن دعوی بلحاظ ما بعد الشرع ؟.

علی کل حال، هذا هو التقریب الأوّل، ونسمّیه(مسلک حقّ الطاعة) ویُعبّر عنه ب---(أصالة الحظر)، أو (أصالة التوقّف) وأمثال هذه الأمور، وکلّها تنشأ من شیءٍ واحد وهو استقلال العقل بلزوم الاحتیاط عند التکالیف المحتملة والمشکوکة.

التقریب الثانی: التمسّک بالعلم الإجمالی علی غرار ما تقدّم من التمسّک بالعلم الإجمالی لإثبات حجّیّة خبر الواحد، بمعنی وجوب العمل بالتکالیف التی یتضمّنها خبر الثقة، والتی تنتج نتیجة الحجّیّة؛ لأنّ خبر الثقة یکون حجّة؛ لأنّه یجب العمل بالتکالیف التی یتضمّنها خبره؛ تمسّکاً بالعلم الإجمالی.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ التقریب الثانی لوجوب الاحتیاط عقلاً هو التمسّک بالعلم الإجمالی، بأنْ یُدّعی أننّا نعلم إجمالاً بوجود واجبات ومحرّمات کثیرة فی موارد الشکّ فی التکلیف، فلابدّ من الاحتیاط فی أطراف هذا العلم الإجمالی التی هی جمیع الشبهات، والشبهات فی کل مورد یُشکّ فیه فی التکلیف، تکون طرفاً من أطراف العلم الإجمالی. إذا لاحظنا موضوع مجموع الشبهات وجمیع موارد الشک فی التکلیف الإلزامی نحن نعلم إجمالاً بثبوت تکالیف فی تلک الموارد، فیجب الاحتیاط فی جمیع الأطراف، أنّه کل شبهةٍ نحتمل فیها التکلیف الالزامی هی طرف للعلم الإجمالی، یعنی یُحتمَل أنْ یکون التکلیف المعلوم بالإجمال ثابتاً فیها، وهذا هو المیزان فی طرفیّة الطرف للعلم الإجمالی، ویترتّب علی ذلک أنّه لابدّ من فعل کل ما یحتمل وجوبه، وترک کل ما یحتمل حرمته، ونصل إلی نتیجة معنی الاحتیاط، فی کل شبهة وجوبیة لابدّ من الفعل، وفی کل شبهة تحریمیةٍ لابدّ من الترک وهو معنی الاحتیاط، فالعقل یحکم بالاحتیاط فی موارد الشبهة لأجل هذا العلم الإجمالی.

ص: 38

والجواب عنه: هو بادعاء الانحلال، أی أنّ العلم الإجمالی منحل، فلا مانع من إجراء الأصول فی موارد الشک فی التکلیف، وهذا الانحلال للعلم الإجمالی تارةً یُبیّن بلسان الانحلال الحقیقی، وأخری یُبیّن بلسان الانحلال الحکمی، وهو عبارة عن إلغاء منجّزیة العلم الإجمالی، یعنی العلم الإجمالی لا یبقی منجزاً، وإنْ کان العلم الإجمالی باقیاً علی حاله، ولا ینحل، لکنّه لیس منجّزاً، فیسقط عن التأثیر، ویسقط عن المنجّزیة، وهذا یعبّر عنه ب----(الانحلال الحکمی)،وسرّ تسمیته بذلک واضح، باعتبار أنّه فی الواقع لا یوجد انحلال، والعلم الإجمالی باقٍ علی حاله، لکنّه لا یکون منجّزاً للأطراف، فیسقط عن الحکم؛ لأنّ حکم العلم الإجمالی هو التنجیز، العلم الإجمالی فی موارد الانحلال الحکمی لا یعود منجّزاً، بینما الانحلال الحقیقی هو أنّ نفس العلم الإجمالی ینحل.

أمّا الانحلال الحقیقی، فادُعی الدعوی المعروفة والمشهورة وهی، صحیح أننّا نعلم إجمالاً بثبوت واجبات ومحرّمات وتکالیف إلزامیة فی ضمن جمیع الشبهات، ومنشأ هذا العلم الإجمالی وسببه هو العلم بوجود شریعة، فکل من یعلم بوجود شریعة، فهو یعلم بوجود تشریعات فی تلک الشریعة، وإلاّ لا معنی لتلک الشریعة من دون تشریعات، ومن دون واجبات ومحرّمات، فالعلم بوجود شریعة یلازم العلم بوجود أحکام إلزامیة فی تلک الشریعة علی الإجمال، فهذا العلم الإجمالی وإن کان موجوداً، ودائرته هی عبارة عن جمیع الشبهات، وکل الشبهات هی أطراف لهذا العلم الإجمالی، لکن هذا العلم الإجمالی فی دائرة الشبهات منحل إلی علم إجمالی أصغر منه فی دائرة الطرق والإمارات؛ بل أدُّعی أنّ هناک علماً إجمالیاً أصغر من هذا العلم الإجمالی الثانی، وهو العلم الإجمالی فی دائرة الإمارات المعتبرة بالخصوص.

توضیح المطلب: هناک یُدّعی أنّ لدینا ثلاثة علوم إجمالیة:

ص: 39

العلم الإجمالی الأوّل: هو العلم الإجمالی المُدّعی اساساً، وهو العلم بثبوت واجبات ومحرّمات فی الشریعة، وأطراف العلم الإجمالی هی جمیع الشبهات، سواء قامت إمارة فی تلک الشبهة، أو لم تقم، وسواء کانت الإمارة معتبرة، أو لم تکن معتبرة، کل شبهةٍ حتّی إذا لم تکن فیها إمارة إطلاقاً هی طرف فی هذا العلم الإجمالی، ومنشأ هذا العلم الإجمالی کما قلنا هو العلم بوجود شارع وشریعة، فأنّه یستلزم العلم بوجود تشریعات، ووجود أحکام وواجبات ومحرّمات فی تلک الشریعة.

العلم الإجمالی الثانی: هو عبارة عن العلم بوجود تکالیف إلزامیة فی دائرة الطرق والإمارات، أعم من أنْ تکون معتبرة، أو غیر معتبرة، بمعنی أننّا إذا عزلنا موارد الطرق والإمارات والأصول أیضاً، إذا لاحظناها، فسوف نعلم بأنّ هناک أحکاماً واقعیّة إلزامیة ثابتة فی هذه الموارد، ومدرک هذا العلم هو حساب الاحتمالات، أی أنّ هذه الطرق والإمارات لمّا کانت کثیرة، وکثیرة جدّاً، الأعم من المعتبرة وغیر المعتبرة، ونحن لا نحتمل کذبها جمیعاً، بأنْ تکون جمیع هذه الطرق والإمارات کاذبة، وعدم احتمال کذب الجمیع هو عبارة أخری عن القطع بصدق البعض، والقطع بصدق البعض هو الذی یولّد لنا علماً إجمالیاً بأنّ بعض هذه الطرق والإمارات مصیبة للواقع یعنی أنّ ما تتضمّنه من أحکامٍ إلزامیة ثابت وموجود.

إذن: نحن نعلم بأنّ هناک تکالیفاً إلزامیة فی ضمن هذه الطرق والإمارات المعتبرة وغیر المعتبرة؛ لأننّا لا نحتمل کذب الجمیع بحساب الاحتمالات، یعنی نقطع بصدق البعض، یعنی نعلم بثبوت أحکامٍ إلزامیة فی ضمن هذه الطرق والإمارات المعتبرة وغیر المعتبرة. هذا العلم الإجمالی الثانی دائرته أضیق من دائرة العلم الإجمالی الأوّل؛ لأنّ أطراف العلم الإجمالی الثانی لیست کل شبهة، وإنّما الشبهة التی تقوم علی ثبوت التکلیف فیها إمارة، أو طریق، ولو لم یکن معتبراً، فتکون دائرته أضیق من دائرة العلم الإجمالی الأوّل.

ص: 40

العلم الإجمالی الثالث: وهو فی خصوص الإمارات المعتبرة؛ بل أدعی أنّه فی خصوص أخبار الثقات بنفس الملاک السابق، وهو أننّا إذا التفتنا إلی الإمارات المعتبرة، خبر الثقة، أو غیره إذا وجدت إمارة معتبرة، فسنجد أننّا نعلم بأنّ بعض هذه الأخبار مصیب للواقع بحساب الاحتمالات أیضاً؛ لأننّا لا نحتمل أنّ جمیع أخبار الثقات کاذبة وغیر مطابقة للواقع، هذا احتمال منفی بحساب الاحتمالات، وهذا یوجب القطع بصحّة بعض أخبار الثقات ومطابقتها للواقع، ممّا یعنی العلم الإجمالی بوجود أحکام إلزامیة فی ضمن أخبار الثقات. وهذا العلم الإجمالی الثالث بطبیعة الحال تکون دائرته أضیق من العلمین السابقین؛ لأنّ دائرته هی عبارة عن الشبهات التی قام خبر الثقة علی ثبوت التکلیف فیها، أو قامت إمارة أخری معتبرة علی ثبوت التکلیف فیها، فالشبهة التی یقم فیها خبر معتبر لیست طرفاً لهذا العلم الإجمالی، فضلاً عن الشبهة التی لم تقم فیها أیّ إمارة.

إذن: لا یجوز لنا أنْ نقصر النظر علی العلم الإجمالی الأوّل ونقول أنّه یقتضی الاحتیاط فی جمیع الشبهات، وبالتالی یثبت لنا لزوم الاحتیاط عقلاً؛ لأنّ هذا العلم الإجمالی الأوّل منحل بعلمٍ إجمالی أصغر منه، وهو العلم الإجمالی الثانی؛ بل الثانی أیضاً ینحل بعلم إجمالی أصغر منه، وهو العلم الإجمالی الثالث. ذکروا فی محلّه وسیأتی إنْ شاء اللّه تعالی مفصّلاً أنّ شرط الانحلال هو :

أوّلاً: أنْ تکون أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر، لا أنْ یکون علماً إجمالیاً آخراً لا علاقة له به

ثانیاً: أنْ لا یزید المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر، وإلاّ إذا زاد المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر لا ینحل العلم الإجمالی، ومثاله المعروف هو مثال قطیع الغنم، إذا علم الإنسان بوجود خمس شیاهٍ مغصوبة فی هذا القطیع الکبیر من الغنم، ثمّ علم بأنّ خمسة من الشیاه البیض من هذا القطیع مغصوبة أیضاً، فأصبح لدیه علمان، وهنا توفرت شرائط الانحلال، حیث أنّ أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر، وهی الشیاه البیض من القطیع، والمعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر لا یزید علی المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر، هنا قهراً یتحققّ الانحلال، بمعنی أنّ الإنسان یصبح عالماً بوجود خمس شیاه محرّمة فی ضمن البیض، إذا عزل البیض لیس لدیه علم إجمالی بوجود شیاه محرّمة، أمّا إذا فرضنا أنّه علم بوجود ثلاثة شیاه محرّمة مغصوبة فی البیض من القطیع، فسوف لن ینحل العلم الإجمالی؛ لأنّ المعلوم بالعلم الإجمالی الکبیر أزید من المعلوم بالعلم الإجمالی الصغیر؛ لأنّه إذا عزل البیض فسوف یبقی لدیه علم إجمالی بوجود شیاه محرّمة فی الباقی، فلا یُحل ذاک العلم الإجمالی، ویُحتّم علیه أنْ یحتاط لیس فقط فی البیض؛ بل حتّی فی السود.

ص: 41

هذان الشرطان متوفّران فی محل الکلام؛ لأنّ العلم الإجمالی الصغیر، سواء کان الثانی أو الثالث أطرافه هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر؛ لأنّ الشبهات حکمیّة، لکن هذه الشبهات الحکمیة مرّة تقوم إمارة علی ثبوت الحکم فیها، ومرّة لا تقوم إمارة، والشبهات التی تقوم الإمارة علی ثبوت التکلیف فیها أیضاً تارةً تکون الإمارة معتبرة، وأخری تکون غیر معتبرة، فدائماً أطراف العلم الإجمالی الصغیر هی بعض أطراف العلم الإجمالی الکبیر. والشق الثانی متوفّر، وهو أنّ ما نعلمه بالعلم الإجمالی الکبیر لا یزید علی ما نعلمه بالعلم الإجمالی الصغیر، بمعنی أنّ الإنسان بوجدانه ------ هذه القضیة وجدانیة لا یمکن إثباتها ببرهان ------ إذا التفت إلی جمیع الشبهات لا یعلم إجمالاً بوجود محرّمات أزید ممّا یعلمه إذا التفت إلی خصوص أخبار الثقات، نظراً لکثرة أخباراً الثقات، وأنّ معظم الأحکام الشرعیة ثابتة عن طریق أخبار الثقات، أهم إمارة تثبت لنا الأحکام الشرعیة هی عبارة عن خبر الثقة، فلا یستطیع الإنسان أنْ یقول أنا أعلم بوجود تکالیف إلزامیة بالعلم الإجمالی الکبیر أزید ممّا أعلمه بالعلم الإجمالی الصغیر حتّی الثالث، لیس هناک یقین، نعم، الاحتمال موجود، لکن المناط لیس علی الاحتمال، بحیث إذا عزلت أخبار الثقات تعلم بثبوت تکالیف أخری غیر ما أثبته خبر الثقة، الاحتمال موجود، لکن لا یوجد علم، فتتوفّر الأرکان وشرائط الانحلال، فینحل العلم الإجمالی الأوّل بعلمٍ إجمالی أصغر منه، هذا لا یثبت لنا المطلوب، بعد الانحلال العلم الإجمالی الصغیر یُنجّز أطرافه، لکن هذا لا یثبت المطلوب الذی هو أنْ نقول للمکلّف فی الشبهة التی تعرض علیک، والتی لا تقوم فیها الحُجّة علی ثبوت التکلیف، هذا هو کلامنا، وإلاّ، الشبهة التی تقوم الحُجّة علی ثبوت التکلیف فیها قد فرغنا منها سابقاً، وقلنا بأنّ الحُجّة معتبرة، وتثبت التکلیف ویجب حینئذٍ العمل بمقتضی هذا التکلیف، کلامنا لیس فی هذا، وإنّما کلامنا فی الشبهة التی لیس فیها إمارة، والشبهة التی فیها إمارة لکنّها غیر معتبرة، هنا هل یجب الاحتیاط، أو لا یجب الاحتیاط ؟ بعد الانحلال لا یثبت وجوب الاحتیاط فی مثل هذه الشبهات. نعم، یجب العمل بالاحتیاط فی أطراف الشبهة فی أطراف العلم الإجمالی الصغیر، لکن هذا لا داعی لإثبات الاحتیاط فیه؛ لقیام الحجّة المعتبرة شرعاً علی ثبوت التکلیف فی تلک الموارد.

ص: 42

دعوی الانحلال هذه تقدّمت مفصلاً فی مسألة الاستدلال علی حُجّیّة خبر الواحد بالدلیل العقلی؛ لأنّ هناک تقدّم أنّ خبر الواحد قد یُستدل علیه بالکتاب، والسُنّة، والإجماع، والعقل، أحد البیانات المذکورة للاستدلال علی حُجّیّة خبر الواحد بالعقل هو أنْ یُدعی علم إجمالی فی دائرة خبر الواحد؛ فحینئذٍ یجب العمل بخبر الواحد للعلم الإجمالی، فتثبت نتیجة الحجّیّة الخاصّة الثابتة لخبر الواحد. تقدّم هذا مفصلاً، وتقدّم أنّ هناک مناقشات فی دعوی الانحلال فی محل الکلام، وإنْ کان السید الخوئی(قدّس سرّه) تبعاً لأستاذه المیرزا(قدّس سرّه) یلتزمون بهذا الانحلال الحقیقی، لکن تقدّمت هناک مناقشات فی دعوی الانحلال الحقیقی فی محل الکلام لا داعی لإعادتها؛ لأنّها تقدّمت مفصّلاً.

أصحاب الانحلال الحقیقی قالوا: إذا ناقشتم فی الانحلال الحقیقی ولم ترضوا به، فیمکن إدّعاء الانحلال الحکمی، أنّ هذا العلم الإجمالی المُدعی فی المقام، والذی نرید أنْ نثبت به وجوب الاحتیاط فی الشبهات منحل حکماً لا حقیقةً.

خلاصة الانحلال الحکمی: أنّ العلم الإجمالی یزول عن قابلیة التنجیز، لا یصبح قابلاً لأنْ یُنجّز الأطراف، یسقط عن قابلیة التنجیز، وإنْ کان العلم الإجمالی باقٍ فی نفسه، لکنّه یسقط عن قابلیة التنجیز، فیکون وجوده وعدمه سواء. وبعبارة أخری(کما سیأتی): هو لا یمنع من إجراء الأصل المؤمّن فی بعض أطرافه، لو کان منجّزاً لکل الأطراف، فأنّه یمنع من إجراء الأصول المؤمّنة فی أطرافه؛ لأنّ التأمین لا ینسجم مع التنجیز فی کل الأطراف.

هذا التقریب للانحلال الحکمی یختلف بیانه باختلاف المسالک المعروفة فی منجّزیة العلم الإجمالی لوجوه الموافقة القطعیّة، یعنی الاحتیاط. المعروف أنّ هناک مسلکین فی منجّزیة العلم الإجمالی لوجوب الاحتیاط، أو لوجوب الموافقة القطعیة، المسلک الأوّل هو مسلک الاقتضاء، والمسلک الثانی هو مسلک العلّیّة التامّة، هناک رأی یقول بأنّ العلم الإجمالی مقتضی لوجوب الموافقة القطعیّة، لکن فعلیّة وجوب الموافقة القطعیّة، والتنجیز مبنیّة علی تعارض الأصول المؤمّنة فی الأطراف، فالتنجیز لیس نتیجة لنفس العلم الإجمالی، وإنّما هو من نتائج تعارض الأصول المؤمّنة فی الأطراف.

ص: 43

وبعبارة أکثر وضوحاً: أصحاب مسلک الاقتضاء یقولون: لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین، لا مانع من إجراء أصالة البراءة فی حدّ نفسها فی أحدّ الطرفین، وإنّما یمنع من إجرائها فی هذا الطرف معارضتها بالأصل المؤمّن فی الطرف الآخر؛ لأنّ نسبة کلا الطرفین إلی دلیل الأصل المؤمّن نسبة واحدة، ولیس هناک خصوصیّة لأحد الطرفین بحیث یختصّ دلیل الأصل المؤمن به دون صاحبه، وإجراء الأصل المؤمّن فی کلا الطرفین غیر ممکن؛ للعلم الإجمالی بثبوت التکلیف، نعلم بنجاسة أحد الإناءین، فکیف نجری أصالة الطهارة فی کلا الطرفین ؟! فلا یمکن إجراء الأصل المؤمّن؛ لأنّه منافٍ للعلم الإجمالی، وإجراءه فی أحد الطرفین بخصوصه دون الآخر ترجیح بلا مرجّح بعد تساوی نسبة الطرفین إلی دلیل الأصل المؤمّن، وهذا ینتج تعارضاً الأصول فی الطرفین، بمعنی أنّ شمول دلیل المؤمّن لهذا الطرف یُعارَض بشموله للطرف الآخر، فتسقط الأصول المؤمّنة فی الأطراف؛ فحینئذٍ یُنجّز العلم الإجمالی کلا الطرفین. إذن: تنجیز کلا الطرفین، ووجوب الاحتیاط، ووجوب الموافقة القطعیّة هو من نتائج تعارض الأصول، لا أنّ العلم الإجمالی لوحده یثبّت وجوب الموافقة القطعیّة، العلم الإجمالی لیس فیه هکذا حالة، وإنّما هو فیه مجرّ اقتضاء لوجوب الموافقة القطعیة، وإذا اقترن بتعارض الأصول وعدم جریان الأصل المؤمّن فی الطرف؛ فعندئذٍ یُنجّز وجوب الموافقة القطعیّة. أمّا إذا لم یقترن بتعارض الأصول، فلا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی هذا الطرف، لو فرضنا لسببٍ من الأسباب ----- کما سیأتی ----- عدم جریان الأصل المؤمّن فی ذاک الطرف؛ فحینئذٍ لا مانع من جریان الأصل المؤمّن فی هذا الطرف.

علی مسلک الاقتضاء یُبیّن الانحلال الحکمی بهذا اللّسان: أنّ الشبهات الحکمیّة فی غیر موارد الإمارات المعتبرة تجری فیها الأصول المؤّمنة بلا معارض؛ لأنّ الأصل المؤمّن لا یجری فی الشبهات الحکمیة التی قامت علیها الإمارات المعتبرة المنجّزة للتکلیف فی مواردها، عندما تقوم إمارة معتبرة علی أنّ هذا نجس، وهذا واجب، أو هذا حرام، فهنا لا تجری البراءة؛ لأنّ الإمارة المعتبرة حجّة حاکمة علی البراءة، ومانعة من جریانها. إذن: الأصل المؤمّن لا یجری فی الموارد التی تقوم الإمارة المعتبرة علی ثبوت التکلیف فیها؛ وعندئذٍ لا مانع من جریانه فی غیر هذه الموارد بلا معارض، فیجری فی غیر موارد الإمارات المعتبرة الذی هو محل کلامنا بلا معارض؛ لأننّا قلنا أننّا لا نتکلم عن الموارد التی فیها إمارات معتبرة؛ لثبوت التکلیف فیها بلا إشکال، وإنّما کلامنا فی الشبهات التی لیس فیها إمارة، أو فیها إمارة غیر معتبرة، هنا لا یجب الاحتیاط علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّ الأصل المؤمّن یجری فیها بلا معارض، وبحسب الفرض علی هذا المسلک لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین؛ لأن هذا المسلک هو مسلک الاقتضاء، ولیس العلّیّة التامّة للتنجیز ولوجوب الموافقة القطعیة، وإنّما یثبت وجوب الموافقة القطعیة بعد افتراض التعارض، والمفروض لا تعارض فی المقام؛ فحینئذٍ لا مانع من إجراء الأصل المؤمّن فی الشبهات فی غیر موارد الإمارات المعتبرة، وإذا جرت الأصول المؤمّنة، فهذا معناه أنّه انحل العلم الإجمالی حکماً، یعنی أصبح غیر صالحٍ لأنْ ینجّز کل الأطراف، ولو بضمیمة تعارض الأصول المؤمّنة، فالعلم الإجمالی باقی، ویبقی المکلّف یعلم إجمالاً بأنّ هناک تکالیف فی دائرة الشبهات التی قامت علیها الإمارات المعتبرة وغیر المعتبرة، أو فی أوسع دائرةً، العلم الإجمالی الأوّل فی جمیع الشبهات أعلم إجمالاً بوجود تکالیف إلزامیة، لکن هذا العلم الإجمالی لا یثمر ثمرة؛ لأنّه لا یوجب تنجیز کل الشبهات؛ لأنّه یمکن إجراء الأصول المؤمّنة فی الشبهات التی لم تقم علیها الإمارات المعتبرة. هذا بیان الانحلال بناءً علی مسلک الاقتضاء.

ص: 44

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی الدلیل الثانی علی وجوب الاحتیاط عقلاً، وهو عبارة عن الاستدلال بالعلم الإجمالی، وأجیب عن هذا الدلیل بالانحلال، أنّ هذا العلم الإجمالی منحل، ولا ینجّز وجوب الاحتیاط، ووجوب الموافقة القطعیّة. الانحلال تارةً یبیّن بتقریب الانحلال الحقیقی وقد تقدّم الکلام فیه. وأخری یبیّن بتقریب الانحلال الحکمی، وقلنا أنّ الانحلال الحکمی یختلف باختلاف المسلک المتبنی فی باب منجّزیة العلم الإجمالی بوجوب الموافقة القطعیة، فأنّه بناءً علی مسلک الاقتضاء یبیّن الانحلال بهذا الشکل: أنّ الأصل یجری فی الشبهات الحکمیة فی غیر مورد الإمارات بلا معارض، والتنجیز فرع المعارضة بین الأصول المؤمّنة فی الأطراف بناءً علی مسلک الاقتضاء، ولا یعارض بالأصل فی مورد الإمارات؛ لأنّ أصالة البراءة لا تجری فی موارد قیام الإمارة المعتبرة علی ثبوت التکلیف.

إذن: الأصل المؤمّن یجری فی الشبهات الخالیة من الإمارات المعتبرة بلا معارض، فلا یجب الاحتیاط، فی الشبهة التی یشتبه فیها فی أکل لحم الأرنب لا توجد إمارة معتبرة علی حرمة أکل لحم الأرنب، فتجری فیه البراءة. وأمّا بناءً علی مسلک العلّیّة، فلابدّ أنْ یختلف التقریب؛ لأنّه علی مسلک العلّیة لا یجوز إجراء الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین بقطع النظر عن المعارضة، ولا علاقة له بالمعارضة، فنفس العلم الإجمالی ینجّز وجوب الموافقة القطعیة، هو علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعیة. إذن: هو یمنع من إجراء البراءة فی الطرفین بقطع النظر عن المعارضة، بمعنی أنّه حتّی لو لم نُجری الأصل المؤمّن فی أحد الطرفین، العلم الإجمالی نفسه یمنع من إجرائه فی الطرف الآخر، فتقریب الانحلال بناءً علی مسلک العلّیة لابدّ أنْ یختلف عن تقریبه بناءً علی مسلک الاقتضاء، وحاصل ما یقال فی المقام: هناک مطلب مسلّم عندهم، وهو أنّه یُشترط فی منجّزیة العلم الإجمالی أنْ یکون صالحاً للتنجیز علی کل تقدیر، کل علمٍ إجمالی یکون صالحاً للتنجیز علی کل تقدیر، وکل علمٍ لا یکون صالحاً للتنجیز إلاّ علی أحد التقدیرین دون الآخر فی باب العلم الإجمالی لا یکون منجّزاً، مثلاً فی مثال الإناءین المعروف، العلم الإجمالی یکون منجّزاً؛ لأنّه صالح للتنجیز علی کلا التقدیرین، أی سواء کان المعلوم بالإجمال فی هذا الطرف، یتنجّز، ولا مشکلة فی تنجیزه، أو کان فی الطرف الآخر أیضاً یتنجّز، فهذا العلم الإجمالی یکون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعیّة. وأمّا إذا کان العلم الإجمالی لیس صالحاً لتنجیز أحد الطرفین؛ لأنّ أحد الطرفین هو منجَّز، أی یوجد فیه منجِّز للتکلیف، فالعلم الإجمالی حینئذٍ لا ینجِّز التکلیف؛ لأنّ المتنجِّز لا یتنجَّز مرّة أخری، إذا کان أحد الطرفین قد تنجَّز التکلیف فیه بمنجِّزٍ ما، فهذا معناه أنّ العلم الإجمالی عندما یأتی لا یستطیع أنْ ینجِّز علی کلا التقدیرین، وإنّما ینجز علی أحد التقدیرین دون الآخر، مثل هذا العلم الإجمالی لا یکون منجّزاً، ولا یمنع من إجراء البراءة فی الطرف الآخر. وما نحن فیه من هذا القبیل؛ لأنّ المفروض قیام الإمارة فی بعض الشبهات بمقدار المعلوم بالإجمال علی ثبوت التکلیف فیها، فیکون التکلیف فی موارد قیام الإمارة قد تنجّز بالإمارة، بناءً علی هذا الکلام یجری الأصل المؤمّن فی غیر موارد قیام الإمارة؛ لأنّ هذا العلم الإجمالی لا یصلح للتنجیز علی کلا التقدیرین، وإنّما یصلح للتنجیز علی أحد التقدیرین، علی تقدیرٍ أنْ یکون المعلوم بالإجمال ثابتاً فی موارد قیام الإمارات، فالعلم الإجمالی لا ینجّز التکلیف؛ لأنّ التکلیف قد تنجّز بالإمارة المعتبرة.

ص: 45

نعم، علی تقدیر أنْ یکون المعلوم بالإجمال ثابتاً فی غیر موارد قیام الإمارات یکون العلم الإجمالی منجّزاً للتکلیف. إذن: هو ینجّز التکلیف علی أحد التقدیرین، لا علی کل تقدیر، مثل هذا العلم الإجمالی یسقط عن التنجیز، وینحل حکماً، بمعنی أنّه لا ینجّز الطرف الآخر، فلا یجب الاحتیاط فی الطرف الآخر الذی هو عبارة عن الشبهات الغیر خالیة عن الإمارة المعتبرة، هذه لا تتنجّز، فیجوز إجراء البراءة فیها بعنوان الانحلال الحکمی. هذا تقریب الانحلال بناءً علی مسلک العلّیّة.

إذن: الجواب هو أنّه یُدّعی الانحلال الحکمی علی کلا المسلکین، مسلک الاقتضاء، ومسلک العلّیّة، وأنّ هذا العلم الإجمالی یسقط عن قابلیة التنجیز، وإنْ کان باقیاً بحسب الصورة والظاهر، العلم الإجمالی نفسه باقٍ، لکن لا یکون له أثر فی التنجیز.

ولکن اعتُرض علی هذا الجواب: الظاهر أنّ هذا الاعتراض لا یختصّ بأحد المسلکین، والاعتراض هو أنّ الانحلال الحکمی إنّما یتم إذا کانت الإمارة المعتبرة علی التکلیف واصلة إلی المکلّف حین حصول العلم الإجمالی له، بأنْ کان هناک تقارن بین حصول العلم الإجمالی، وبین وصول الإمارة المثبتة للتکلیف فی بعض الشبهات، فإذا تقارنا، أو کانت الإمارة واصلة قبل حصول العلم الإجمالی؛ فحینئذٍ یتم هذا الجواب؛ لأنّه عندما یحصل العلم الإجمالی سیجد أنّ بعض أطرافه قد تنجّز بمنجّزٍ، وهو الإمارة المعتبرة علی ثبوت التکلیف، فتجری أصالة البراءة فی الطرف الآخر علی مسلک الاقتضاء بلا معارضٍ؛ لأنّ أصالة البراءة فی هذا المورد ----- قیام الإمارة المعتبرة ----- لا تجری، أو نقول تجری البراءة فی الطرف الآخر؛ لأنّ العلم الإجمالی سقط عن قابلیة التنجیز؛ لأنّه لا ینجّز معلومه علی کل تقدیر، وإنّما یُنجّز معلومه علی أحد التقدیرین؛ لأنّ العلم الإجمالی لا ینجّز معلومه علی تقدیر أنْ یکون موجوداً فی الشبهات التی قامت علیها الإمارة المعتبرة؛ لأنّ المتنجّز لا یتنجّز مرة أخری، فیتم هذا الکلام.

ص: 46

وأمّا إذا فرضنا أنّ وصول الإمارة القائمة علی ثبوت التکلیف کان متأخّراً عن العلم الإجمالی، بأنْ حصل العلم الإجمالی للمکلّف فی زمانٍ، ثمّ بعد فترة طویلة، أو قصیرة وصلته الإمارات القائمة علی التکلیف فی بعض الشبهات.

یقول المعترِض: أنّ قیام الإمارات بهذا الشکل لا یُسقِط العلم الإجمالی عن التنجیز؛ بل یبقی منجّزاً لکلا الطرفین، ویمنع من إجراء البراءة فی هذا الطرف، باعتبار أنّ العلم الإجمالی حینما حصل لم یکن هناک شیء یمنع من تنجیزه لکلا الطرفین، لا علی مسلک الاقتضاء، ولا علی مسلک العلّیّة، عندما حصل العلم الإجمالی قبل وصول الإمارات المعتبرة علی التکلیف إلی المکلّف، لم یکن هناک شیء یمنع من تنجیزه لکلا الطرفین، أمّا علی مسلک الاقتضاء، فلأنّ أصالة البراءة فی هذا الطرف مُعارَضة بأصالة البراءة فی الطرف الآخر، یعنی فی الشبهات التی ستصل إلی المکلّف بعد ذلک الإمارات المعتبرة المثبتة للتکلیف فیها، لکن قبل وصول الإمارات هذا طرف وهذا طرف، هنا شبهات حکمیّة وهنا شبهات حکمیة، فتکون البراءة فی هذه الأطراف فی غیر موارد الإمارات التی ستقوم مُعارَض بأصالة البراءة فی الشبهات التی ستقوم الإمارة المعتبرة علی ثبوت التکلیف فیها، قبل قیام الإمارة لا مانع من إجراء البراءة فی هذه الشبهات، فتعارض البراءة فی الشبهات الأخری، فیتنجّز العلم الإجمالی علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّ منجزیة العلم الإجمالی علی مسلک الاقتضاء ینجز معلومه؛ لأنّ هذا التقدیر لم یتنجز بعد. إذن: هو ینجز معلومه علی کل تقدیر، وهذا هو شرط المنجزیة، فیکون العلم الإجمالی منجزاً لکلا الطرفین، ومانعاً من إجراء البراءة فی هذا الطرف، فیجب الاحتیاط.

إذن: الانحلال الحکمی إنّما یتم فی غیر هذه الصورة، أمّا فی هذه الصورة، فلا یتم الانحلال الحکمی؛ لأنّ العلم الإجمالی عندما یحصل لا یمنع من تنجیزه لجمیع الأطراف أی مانع فی صورة تأخّر وصول الإمارات المثبتة للتکلیف عن زمان حصول العلم الإجمالی.

ص: 47

ویقال حینئذٍ: فی مقام تطبیق الجواب عن الانحلال فی محل الکلام، أنّ محل کلامنا هو من قبیل هذه الصورة، بمعنی أنّه فی محل کلامنا وصول الإمارات المثبتة للتکلیف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی؛ لأنّ العلم الإجمالی یحصل للمکلّف من حین بلوغه، والتفاته إلی وجود شرع وشریعة، یحصل له علم إجمالی بثبوت واجبات ومحرّمات فی هذه الشریعة، وهو مسئول عن تطبیقها، فمن حین البلوغ یحصل له العلم الإجمالی، لکن الإمارات المعتبرة علی ثبوت التکلیف فی شبهات حکمیّة تصله بعد ذلک تباعاً. إذن: وصول الإمارات المعتبرة إلی المکلّف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، فیأتی هذا الاعتراض علی الانحلال، هنا لا یوجد انحلال؛ بل یبقی العلم الإجمالی منجزاً لکلا الطرفین، ومجرّد أنّ بعض أطراف هذا العلم الإجمالی ورد فیه منجز بعد ذلک، لا یرفع منجزیّة العلم الإجمالی لکلا الطرفین. وهذا مطلب یذکروه، وسیأتی مفصّلاً، لو فرضنا أنّه حصل عنده علم إجمالی ثمّ خرج أحد الطرفین عن کونه مورد ابتلاءٍ، أو تلف أحد الطرفین، أو أریق هذا الماء فی أحد الإناءین الذی أعلم بأنّ أحدهما نجس، هذا لا یمنع من منجزیّة العلم الإجمالی للطرف الباقی؛ بل یبقی العلم الإجمالی منجز للطرف الباقی بالرغم من خروج أحد الطرفین عن محل الابتلاء، أو تلف، أو أریق، بالرغم من هذا یبقی العلم الإجمالی منجزاً للطرف الآخر. قیام الإمارة فی زمان متأخّر علی ثبوت التکلیف فی بعض الشبهات هو من هذا القبیل، هذا یُخرج هذا عن کونه مورداً للبراءة بعد حصول العلم الإجمالی، بعد منجزیّة العلم الإجمالی لکلا الطرفین، وهذا من قبیل ما إذا تلف، فیخرج عن کونه مورداً للبراءة، ولا معنی لإجراء البراءة فی التالف، أو خرج عن کونه مورداً للابتلاء، أیضاً لا معنی لإجراء البراءة فی الطرف الخارج عن الابتلاء، لکن هذا الخروج عن الموردیة للبراءة لمّا کان فی زمانٍ متأخّرٍ عن العلم الإجمالی، فأنّه لا یمنع من منجزیّة العلم الإجمالی للطرف الباقی، فیبقی العلم الإجمالی منجزاً للطرف الباقی بالرغم من خروج هذا عن کونه مورداً للبراءة. ما نحن فیه من هذا القبیل، فالشبهات التی تنجزت بالعلم الإجمالی سابقاً بقیام الإمارات المعتبرة علی ثبوت التکلیف فیها ورد فیها منجز، فخرجت عن کونها مورداً للبراءة، هذا الخروج لا یمنع من منجزیة العلم الإجمالی للأطراف الأخری، فتبقی الأطراف الأخری ینجز العلم الإجمالی فیها الاحتیاط، ولا یجوز إجراء البراءة فیها.

ص: 48

إذن: الانحلال فی محل الکلام لا یصح؛ لأنّ محل الکلام لم یُقارن وصول الإمارة حصول العلم الإجمالی، ولم یتقدّم علیه؛ بل هو متأخّر عنه، وقد عرفت أنّه فی صورة تأخّر قیام الإمارة یکون حاله حال ما إذا تنجز أحد الأطراف بمنجزٍ متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی فأنّ هذا لا یمنع من منجزیّة العلم الإجمالی.

هذا الجواب عن الانحلال الحکمی مبتنی علی فکرة أنّ الإمارات منجزة بوصولها، وحیث أنّ وصول الإمارة فی محل کلامنا ----- بحسب الفرض ----- متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، فالإمارات لا تنجز بوجوداتها الواقعیة، وإنّما تنجز بوصولها إلی المکلّف، ومن الواضح أنّ وصول الإمارات إلی المکلّف متأخّر زماناً عن حصول العلم الإجمالی، وقلنا أنّ هذا المتأخّر لا یمنع من منجزیة العلم الإجمالی لجمیع الأطراف. نعم، خصوص هذا الطرف الذی قامت علیه الإمارة هذا تنجز بمنجزٍ وهو الإمارة، لکنّ الطرف الآخر یبقی العلم الإجمالی ینجز التکلیف فیه ویمنع من إجراء البراءة فیه.

المحقق النائینی(قدّس سرّه) (1) تعرّض إلی هذا الانحلال الحکمی، وأجاب عنه جواباً مبنائیاً، وحاصله أنّ هذا الاعتراض إنّما یرد إذا قلنا أنّ المجعول فی باب الإمارات هو المنجزیة والمعذّریة، وقد اعترف بورود الاعتراض بناءً علی ذلک، وأمّا بناءً علی مسلکه القائل بأنّ المجعول فی باب الإمارات هو الطریقیة والمحرزیّة، والشارع یجعل الإمارة محرزة للواقع، بناءً علی هذا المسلک لا یرد هذا الاعتراض، باعتبار أنّ قیام الإمارة ------ بناءً علی هذا المسلک ------ یوجب العلم بالواقع تعبّداً؛ حینئذٍ یکون من قامت عنده الإمارة کمن علم بالواقع وجداناً؛ حینئذٍ یقول: کما أنّ من یعلم بالواقع وجداناً ینحل عنده العلم الإجمالی بهذا العلم الوجدانی بالواقع التفصیلی فی بعض الأطراف، کذلک من یعلم بالواقع تعبّداً؛ لأنّ الإمارة مُنزّلة منزلة العلم الوجدانی، جُعلت فیها المحرزیّة والطریقیة، فإذا علم بالواقع وجداناً، فعلمه بالواقع وجداناً، تفصیلاً یوجب انحلال العلم الإجمالی، ولیست مسألة منجزیّة؛ بل هو علِم وجداناً بأنّ المائة تکلیف التی یعلمها اجمالاً بالعلم الإجمالی، حتّی إذا کان متقدّماً، أنّ هناک مائة تکلیف موجودة فی الشبهات هذه، نفس العدد المعلوم بالإجمال هی موجودة هنا، وقد علمها تفصیلاً، وهذا لیس علماً إجمالیاً صغیراً؛ بل هو علمها تفصیلاً بمقدار المعلوم بالعلم الإجمالی، أنّ هذه الشبهة فیها تکلیف، وهذه الشبهة أیضاً فیها تکلیف، بلا إشکال ینحلّ العلم الإجمالی، سواء هذا العلم الإجمالی التفصیلی کان مقارناً للعلم الإجمالی، أو متأخّراً عنه. یقول المیرزا(قدّس سرّه): أنّ قیام الإمارة هو بمثابة العلم الوجدانی؛ لأنّ قیام الإمارة هو علم تعبّدی بالواقع تفصیلاً، وکما أنّ العلم الوجدانی التفصیلی ینحل به العلم الإجمالی، کذلک العلم التعبّدی التفصیلی ینحل به العلم الإجمالی حتّی لو کان متأخّراً عن حصول العلم الإجمالی، فیقول: بناءً علی هذا المبنی لا یرد هذا الاعتراض؛ بل یثبت الانحلال الحکمی. نعم، بناءً علی أنّ المجعول فی باب الإمارات هو المنجزیة والمعذریة من دون تنزیل الإمارة منزلة العلم الوجدانی، ومن دون جعل الطریقیة والمحرزیة، وإنّما یجعل الإمارة منجزة إذا قامت علی التکلیف، ومعذّرة إذا قامت علی نفی التکلیف، هنا الاعتراض یکون وارداً، والانحلال الحکمی یکون فی غایة الإشکال، وعللّ ذلک بما نصّه تقریباً(بأنّ حکم الشارع بمنجزیة الإمارة فی أحد طرفی العلم الإجمالی ----- التی هی هذا المقدار من الشبهات الذی قامت به الإمارة ----- من دون الحکم بکونها محرزة للواقع، ومن دون تنزیلها منزلة العلم لا یترتب علیه الانحلال؛ بل العلم الإجمالی باقٍ علی حاله بعد قیام الإمارة أیضاً). هذا الکلام احتمال قوی أنْ یکون ناظراً إلی ما ذکرناه من أنّ التنجیز بالإمارة المتأخّر عن العلم الإجمالی لا یوجب الانحلال؛ لأنّ الإمارة إنّما تکون منجزة بوصولها لا بوجودها الواقعی، وحیث أنّ وصول الإمارة متأخّر عن العلم الإجمالی، وفرضنا أنّ المحرزیة والطریقیة غیر مجعولة؛ لأننّا بنینا علی المسلک الآخر، ومجرّد أنّ الإمارة منجزة هذا لا یوجب انحلال العلم الإجمالی، قام فی أحد الطرفین منجز، لکن متأخّر عن حصول العلم الإجمالی، هنا لا یوجب انحلال العلم الإجمالی؛ بل یبقی العلم الإجمالی علی منجزیته للطرفین، فالطرف الآخر الذی لم تقم فیه الإمارة، العلم الإجمالی فیه منجز، ولا یجوز إجراء البراءة فیه.

ص: 49


1- (1) اجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 193.

السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) أجاب عن الاعتراض علی الانحلال بإنکار المبنی الذی یبتنی علیه الاعتراض، بإنکار أن یکون منجزیة الإمارة لمؤدّاها موقوف علی الوصول؛ بل أنّها تنجز فی مرتبة سابقة علی الوصول، هی قبل وصولها تنجز، والاعتراض مبنی علی أنّ الإمارة تکون منجزة بوصولها، بحیث أنّ وصولها متأخّراً لا یمنع من تنجیز العلم الإجمالی، فلا انحلال. هو یقول أنّ الإمارة تنجز قبل وصوبها، ویکفی فی منجزیة الإمارة لمؤدّاها کون الإمارة فی معرض الوصول، ولو لم تصل إلی المکلّف. والإمارة التی تقوم لدی المکلّف بعد ذلک لا إشکال فی أنّها تکشف عن أنّ الإمارة فی معرض الوصول من حین حصول العلم الإجمالی، هذه المعرضیة للوصول موجودة من حین حصول العلم الإجمالی، بمعنی أنّ المکلّف من حین بلوغه، لو فحص عن الإمارة لعثر علیها، بدلیل أنّها وصلت إلیه بعد فترة. إذن: هی إمارة موجودة فی معرض الوصول، ولو بحث عنها لعثر علیها. إذن: هی إمارة فی معرض الوصول، فإذا اکتفینا فی التنجیز بکون الإمارة فی معرض الوصول، کونها فی معرض الوصول مقارن للعلم الإجمالی، فإذا کان مقارناً للعلم الإجمالی، ومنجز، فهذا یمنع من منجزیة العلم الإجمالی.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ المحقق النائینی(قدّس سرّه) أجاب عن الاعتراض علی الانحلال الحکمی بجوابٍ مبنائی، لکنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) أجاب عن الاعتراض بإنکار الأصل الموضوعی الذی یبتنی علیه الاعتراض وهو مسألة أنّ تنجیز الإمارات یکون بوصولها، هذا هو المبنی الذی بُنی علیه الاعتراض؛ لأنّه یعنی التفکیک بین زمان حصول العلم الإجمالی وبین ثبوت المنجِّز، فیکون المتنجِّز متأخّراً عن زمان حصول العلم الإجمالی، وهذا یؤدی إلی عدم انحلال العلم الإجمالی. هو یقول: أنّ منجّزیّة الإمارات لا تکون بوصولها، فالوصول لیس شرطاً فی تنجّز الإمارة؛ بل کونها فی معرض الوصول هو الذی یکون معتبراً فی التنجیز، وکل إمارةٍ تکون فی معرض الوصول، وإنْ لم تصل إلی المکلّف هی تنجِّز مؤدّاها ومضمونها؛ لأنّه یجب علیه الفحص، والشبهة حینئذٍ تکون شبهة قبل الفحص، ولا إشکال عندهم فی أنّ الشبهة قبل الفحص تکون منَجّزة ولا تجری فیها الأصول المؤمّنة، وکون الإمارة فی معرض الوصول هذا یحصل من حین حصول العلم الإجمالی، ومن حین البلوغ تکون الإمارة فی معرض الوصول، بدلیل أنّها وصلت إلیه بعد ذلک، وهذا معناه أنّه لو فحص عنها لعثر علیها، فإذن هی فی معرض الوصول من حین حصول العلم الإجمالی.

ص: 50


1- (2) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 286.

وعلیه: لا یرد هذا الاعتراض؛ بل ینحل العلم الإجمالی حکماً علی کلا المسلکین السابقین، مسلک الاقتضاء، ومسلک العلّیّة، باعتبار التعارض علی مسلک الاقتضاء؛ لأنّه عندما حصل العلم الإجمالی کان هناک منجّز لبعض أطرافه، فهذا الطرف الذی ورد فیه المنجّز وهی الإمارة التی هی فی معرض الوصول، لا تجری فیه البراءة، فتجری البراءة فی الطرف الآخر بلا معارض، وبهذا یسقط العلم الإجمالی عن التنجیز حکماً، وهو معنی الانحلال الحکمی. أو علی مسلک العلّیّة، أنّ هذا العلم الإجمالی لا ینجّز معلومه علی کلا التقدیرین؛ بل ینجّزه علی أحد التقدیرین دون التقدیر الآخر، هذا أیضاً یوجب سقوط العلم الإجمالی عن المنجّزیة، فیتم الاعتراض بناءً علی هذا الکلام الذی ذکره السید الخوئی (قدّس سرّه).

هذا هو الاعتراض علی الانحلال الحکمی، وهذا هو جوابه، وهو جواب صحیح، والمسلک الصحیح من المسلکین المتقدّمین الذی بنا علیه تقریباً مشهور المتأخّرین هو مسلک الاقتضاء، وأنّ منجّزیة العلم الإجمالی من آثار تعارض الأصول المؤمّنة فی الأطراف، فإذا لم یجری اصلٌ مؤمّن فی أحد الطرفین، جری الأصل الآخر فی الطرف الآخر بلا معارض، وبذلک یسقط العلم الإجمالی عن التنجیز، وهو معنی الانحلال الحکمی.

إذن: الجواب عن التقریب الثانی لوجوب الاحتیاط عقلاً الذی یُستدل علیه بالعلم الإجمالی بوجود أحکام إلزامیّة فی الشریعة، الجواب هو أنّ هذا العلم الإجمالی منحلٌ حکماً؛ لأنّ الانحلال الحقیقی فی الجواب الأوّل فیه مناقشات کما أشرنا إلیه فی بحث تقدّم، لکن الانحلال الحکمی تام، فلا أثر لهذا العلم الإجمالی فی التنجیز، فهو لا یمنع من إجراء الأصول المؤمّنة فی الشبهات الحکمیة التی لم ترد فیها إمارة معتبرة، وهذا هو المطلوب فی المقام، حیث أننّا نرید أنْ نثبت أنّه عندما یشکّ المکلف بنحو الشبهة الحکمیة فی وجوب شیءٍ، أو حرمة شیءٍ، ولم تقم عنده إمارة معتبرة تدل علی الوجوب، فبإمکانه أنْ یجری البراءة؛ لأنّ البراءة فی هذه الشبهة وأمثالها لیست معارَضة بالبراءة فی الشبهات التی وردت فیها الإمارة المعتبرة.

ص: 51

التقریب الثالث: لوجوب الاحتیاط العقلی هو دعوی أنّ ارتکاب الشبهة فیه احتمال الوقوع فی الضرر، والعقل یستقل بلزوم دفع الضرر المحتمَل. یتألف هذا التقریب من صغری وکبری:

أمّا الصغری فهی أنّ مخالفة التکلیف المحتمل فیه احتمال الضرر، وهی صغری واضحة، باعتبار أنّ مخالفة التکالیف الشرعیة توجب احتمال العقاب الأخروی، واحتمال الوقوع فی المفسدة، المعبّر عنه بالضرر الدنیوی. إذن: العلم بالتکلیف یستلزم العلم بالضرر الدنیوی والأخروی، ویستلزم الوقوع فی العقاب، والمفسدة عند المخالفة، والظن بالتکلیف یستلزم الظن بهما، واحتمال التکلیف یستلزم احتمالهما، وکل درجات التصدیق إذا ثبتت فی أحد المتلازمین تثبت بنفس الدرجة فیما یلازمه؛ للملازمة الواقعیة الثابتة بین نفس التکلیف، وبین ترتّب العقاب علی مخالفته، والوقوع فی المفسدة عند مخالفته، هذه ملازمة واقعیة ثابتة بینهما، فالعلم بأحدهما یستلزم العلم بالآخر، فإذا ظنّ المکلّف بالتکلیف ظنّاً غیر معتبر، إذا کان ظنّاً معتبراً فلا مشکلة، ولیس هو محل کلامنا، وإنّما نحن نرید أنْ نجری البراءة، أو الاحتیاط فی الظنّ بالتکلیف الذی یقم دلیل علی اعتباره، الذی حکمه حکم احتمال التکلیف، وحکم الشکّ فی التکلیف، فإذا ظنّ بالتکلیف ظنّاً غیر معتبر، هذا الظنّ بالتکلیف یلازم الظن بالضرر، والظن بالوقوع فی المفسدة، وإذا احتمل التکلیف، فهذا الاحتمال یلازم احتمال الضرر الأخروی، واحتمال الضرر الدنیوی.

وأمّا الکبری: فهی ممّا یحکم بها العقل ویستقل بها العقل علی ما قالوا، وذکر فی الکفایة (1) بأنّ هذه الکبری مسلّمة ویستقلّ بها العقل بقطع النظر عن مسألة التحسین والتقبیح العقلیین؛ ولذا یؤمن باستقلال العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل، أو المظنون حتّی من ینکر التحسین والتقبیح العقلیین کالأشاعرة، وسرّه هو أنّه حکم عقلی فطری جِبِلّی غیر مبتنی علی مسألة التحسین والتقبیح العقلیین، فیستقلّ العقل بلزوم دفع الضرر المحتمل أو المظنون، فتتم الکبری والصغری، وإذا تمّت الکبری والصغری؛ فحینئذٍ العقل یلزم المکلّف عندما یحتمل التکلیف، أو یشکّ فیه، أو یظنّ به ظنّاً غیر معتبر یلزم العقل المکلّف بأنْ یحتاط، فإذا کانت شبهة تحریمیة فأنّه یلزمه بالترک، وإذا کانت شبهة وجوبیة یلزمه بالفعل؛ لأنّه بذلک یتخلّص من الضرر المحتمل، والضرر المحتمل یجب دفعه بحکم العقل، ودفعه لا یکون إلاّ عن طریق الاحتیاط. فیکون الاحتیاط واجباً عقلاً.

ص: 52


1- (1) کفایة الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 308.

الجواب المعروف عن هذا التقریب، هو: تقدّم فی بحث الانسداد أنّ أحد الأدلّة علی حجّیّة مطلق الظن هو هذا الدلیل، والجواب عنه هو، ما هو المقصود بالضرر فی هذا الدلیل ؟ هل المراد به الضرر الأخروی، أو المراد به الضرر الدنیوی ؟ إذا کان المراد بالضرر هو الضرر الأخروی، فالکبری مسلّمة؛ إذ لا إشکال فی وجوب دفع الضرر الأخروی المحتمل، أو المظنون، والعقل یحکم بوجوب دفع العقاب الإلهی حتّی لو کان محتملاً، أو مظنوناً، فیجب دفعه، لکنّ الکلام فی الصغری، وهی أنّ الظن بالتکلیف هل یلازم الظنّ بالعقاب الأخروی، والضرر الأخروی ؟ هذه الصغری محل کلامٍ ومناقشةٍ، باعتبار أنّ هذه الصغری مبنیّة علی دعوی الملازمة الواقعیة بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی مخالفته حتّی یکون الظنّ بالتکلیف مستلزماً للظن باستحقاق العقاب علی المخالفة، وللظنّ بالضرر الأخروی، واحتمال التکلیف یکون ملازماً لاحتمال الضرر الأخروی، ودعوی الملازمة هذه غیر تامّة.

وأجیب عنها:

أوّلاً: بما ذکروه من أنّ افتراض الملازمة یقتضی البناء علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویة، کما هو الحال فی الشبهات الحکمیّة حتّی بعد الفحص، باعتبار أنّ التکلیف فیها محتمل، والفحص یورث العلم بعدم ثبوت التکلیف، فیبقی التکلیف محتملاً، فإذا بقی التکلیف محتملاً، والمفروض أنّ الملازمة ثابتة بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی المخالفة، فاحتمال التکلیف یستلزم احتمال الضرر الأخروی، ولا إشکال فی أنّ العقل یستقل بلزوم دفع الضرر الأخروی. إذن: یجب الاحتیاط حتّی فی الشبهات البدویة بعد الفحص.

وبعبارةٍ أخری: أنّ الاحتیاط لا یختص بالشبهات البدویة قبل الفحص؛ بل حتّی بعد الفحص أیضاً یجب الاحتیاط فیها، وهذا ممّا لا یمکن الالتزام به، وإنّما یمکن الالتزام بوجوب الاحتیاط فی الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، أو الشبهات البدویة قبل الفحص، لکن بعد الفحص وعدم العثور علی ما یثبت التکلیف فی تلک الشبهة، مقتضی هذا الدلیل أنْ نلتزم بوجوب الاحتیاط حتّی فی هذا المورد، وهذا ممّا لا یمکن الالتزام به.

ص: 53

ثانیاً: أنّ أصل الملازمة بین التکلیف الواقعی وبین استحقاق العقاب علی المخالفة غیر ثابت، وإنّما الملازمة التی ندرکها هی ملازمة بین التکلیف المنجّز وبین استحقاق العقاب علی المخالفة، ولیس کل تکلیف مطلقاً، وإنْ لم یکن منجَزاً یلازم استحقاق العقاب علی المخالفة، فاستحقاق العقاب علی المخالفة من لوازم تنجّز التکلیف، فالتکلیف إذا تنجّز بأیّ منجّزٍ کان، یلازم استحقاق العقاب علی المخالفة، واستحقاق العقاب علی المخالفة هو من لوازم مرتبةٍ خاصّةٍ من التکلیف، وهو أنْ یصل التکلیف إلی مرتبة المنجّزیة، تنجّز التکلیف یلازمه استحقاق العقاب علی المخالفة. إذن: الملازمة لیست بین ذات التکلیف الواقعی، ولو لم یکن منجّزاً، وبین استحقاق العقاب علی المخالفة، وإنّما الملازمة التی نؤمن بها هی ملازمة بین التکلیف المنجّز، وبین استحقاق العقاب علی المخالفة، وحیث أننّا نتکلّم عن شبهةٍ بدویةٍ لم یتنجّز فیها التکلیفٍ بأیّ منجّزٍ، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ احتمال التکلیف یلازم احتمال الضرر الأخروی حتّی نتمّم الصغری، أو أنّ الظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالضرر الأخروی؛ لأنّ هذا مبنی علی افتراض الملازمة بین التکلیف الواقعی، وبین استحقاق العقاب علی المخالفة، وقد عرفت أنّه لا ملازمة بینهما.

هذا الجواب الثانی الذی ذُکر عن تمامیة الصغری، بناءً علی أنْ یکون المقصود بالضرر هو الضرر الأخروی، والکبری تامّة، لکن الصغری غیر تامّة؛ لهذین الوجهین.

وأمّا إذا کان المقصود بالضرر فی الدلیل هو الضرر الدنیوی، أی أنّ احتمال التکلیف یلازم احتمال الضرر الدنیوی عند المخالفة، والظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالوقوع فی الضرر الدنیوی عند المخالفة، ویُعبّر عنه بالوقوع فی المفسدة؛ حینئذٍ قالوا: أنّ کلتا المقدّمتین، الصغری والکبری ممنوعتان علی تقدیر، والکبری ممنوعة فقط علی تقدیرٍ آخر.

توضیح ذلک: قالوا بأنّ الشبهة تارةً تکون شبهةً وجوبیة، وأخری تکون شبهةً تحریمیّة، والشبهة التحریمیّة تارةً ینشأ التحریم فیها من مفاسد نوعیّة کلّیّة راجعة إلی اختلال النظام من قبیل حرمة قتل النفس المحترمة، فهذا التحریم لا ینشأ من ضررٍ یلحق شخص المرتکب عندما یُقدِم علی هذا العمل، وإنّما ینشأ من مفسدةٍ نوعیّةٍ ترجع إلی حفظ النظام، وعدم جواز الإخلال به، فتوضع جملة من التشریعات لأجل حفظ النظام وعدم الإخلال به، وإلاّ القاتل لا یلحقه ضرر شخصی ومفسدة شخصیة تعود إلیه، ولعله من هذا الباب الغصب أیضاً. إذن: هذا نوع من التحریمات لم ینشأ من ضرر شخصی یلحق المرتکب عند ارتکابه ، وإنّما ینشأ من مفاسد نوعیّة کلّیة تؤثر فی حفظ النظام وتوجب اختلاله. وأخری تنشأ من ضررٍ شخصی، ومفسدةٍ شخصیّة موجودة فی نفس من یرتکبه، هو إذا ارتکب هذا الفعل الحرام سوف یتضررّ، ومن هذا القبیل شرب الخمر، هناک مفسدة شخصیة فیه، هو یتضررّ ویصیبه ----- مثلاً ----- الداء الفلانی، وأکل السم أیضاً مفسدة شخصیة وضرر شخصی یلحق ویعود إلی شخص المرتکب.

ص: 54

قالوا: لأنّ الشبهات الوجوبیة عندما نشکّ فی وجوب شیء، لا معنی لأنْ نقول أنّ فی مخالفتها یترتب الضرر الدنیوی، ففی مخالفة التکالیف الوجوبیة فوات مصلحة؛ لأنّ الأحکام تابعة للمصالح والمفاسد فی متعلّقاتها، والتحریم فی بعض الأحیان کما عرفت ینشأ من مفسدة فی المتعلّق، والوجوب ینشأ من مصلحة فی المتعلّق، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ مخالفة الوجوب توجب الوقوع فی الضرر الدنیوی، وإنّما هی توجب فوات المصلحة وفوات الملاک علی المکلف، وهناک فرق بین أنْ تفوت المصلحة علی المکلّف عند المخالفة، وبین أنْ یقع فی الضرر عند المخالفة، فی التکالیف الوجوبیة لا یُتصَوّر معنیً للوقوع فی الضرر عند مخالفتها، وإنّما المتصَوّر هو أنّ المصالح تفوت، والملاک یفوت عندما یخالف التکلیف الوجوبی، وفوات المصلحة غیر الوقوع فی الضرر. إذن: هذا الدلیل لا یمکن تطبیقه فی محل الکلام، فهو غیر تام صغریً وکبریً فی الشبهات الوجوبیة.

أمّا عدم تمامیته صغریً؛ فلأنّ احتمال الوجوب لا یلازم احتمال الوقوع فی الضرر الدنیوی، وإنّما یلازم فوات المصلحة والملاک، وفوات المصلحة والملاک لیس ضرراً.

وأمّا الکبری: فواضح؛ لأنّ الأضرار الدنیویة لا یستقل العقل بوجوب دفعها، خصوصاً إذا کانت من قبیل فوات المصلحة، وسوف نقول أنّها إذا کانت من قبیل الأضرار الشخصیّة التی تلحق المکلّف لا دلیل علی وجوب دفعها عقلاً، فما ظنّک إذا کان المقصود بالضرر هو فوات المصلحة ؟ لا یستقلّ العقل هنا بأنّه یجب علی المکلّف تحصیل المصلحة، ویحرم علیه تفویت تلک المصلحة. ونفس الکلام یقال إذا کانت الشبهة تحریمیة وکان التحریم ناشئ من مفسدة نوعیّة ترجع إلی لزوم حفظ النظام، وعدم الإخلال به، من قبیل تحریم القتل، أیضاً یقال نفس الشیء، کلتا المقدّمتین ممنوعتان، أمّا الصغری؛ فلأنّ الظنّ بحرمة فعلٍ، إذا کانت حرمته من هذا القبیل، أو تنشأ من مفسدةٍ نوعیةٍ، لا من مفسدة تعود إلی شخص المرتکب، أنّ الظنّ بالتحریم لا یلازم الظنّ بالضرر الدنیوی؛ بل بالعکس فی بعض الأحیان قد یکون نفعاً دنیویاً بالنسبة له، هذا الذی یغصب مال الغیر ینتفع دنیویاً، ولا یلحقه ضرر دنیوی عندما یرتکب ذلک الشیء، وإنّما هناک مفاسد نوعیة لاحظها الشارع عند التحریم، فلا نستطیع أنْ نقول أنّ الظنّ بتحریم من هذا القبیل یلازم الظنّ بالضرر الدنیوی، أو أنّ احتمال من هذا القبیل یلازم احتمال الضرر الدنیوی، فهنا الصغری غیر تامّة، والکبری أیضاً غیر تامّة، فلا یستقل العقل بلزوم دفع الضرر بهذا المعنی، یعنی لا یستقل العقل بلزوم تحصیل تلک المصالح النوعیة، وأنّه یجب تحصیلها، فلابدّ من الاحتیاط.

ص: 55

نعم، فیما إذا کان التحریم فی الشبهة التحریمیة ناشئ من ضررٍ شخصی من قبیل شرب الخمر، إذا کان ناشئاً من ضررٍ شخصی، هنا الصغری تکون تامّة؛ لأنّ الظنّ بتحریم من هذا القبیل یلازم الظنّ بالوقوع فی الضرر الدنیوی، والمفسدة الدنیویة، احتمال التحریم من هذا القبیل أیضاً یلازم احتمال الوقوع فی الضرر الدنیوی، لکنّ الکبری غیر مسلّمة؛ إذ لا دلیل علی وجوب دفع الضرر الدنیوی المظنون، فضلاً عن المحتمل؛ بل قالوا أنّه لا دلیل علی تحریم ارتکاب ما فیه ضرر دنیوی حتّی لو کان مقطوعاً به، فضلاً عمّا إذا کان مظنوناً أو محتملاً، العقل لا یحکم بذلک. نعم، العقل قد یمنع عن الإقدام علی ما فیه ضرر کبیر جدّاً بحیث یصدق علیه إلقاء النفس فی التهلکة، وإهلاک النفس وأمثاله، امّا الأضرار الدنیویة الأخری کحمّی یومٍ مثلاً، أو یصیبه الزکام، وأضرار من هذا القبیل إذا کانت أضراراً، العقل لا یستقلّ بلزوم دفعها، وحرمة الإقدام علی ما فیه ضرر من هذا القبیل. نعم، قلنا إذا وصل إلی مرحلة إهلاک النفس، أو إلقاء النفس فی التهلکة، هناک أدلّة تدل علی حرمته، أمّا إذا لم یصل إلی هذه المرحلة، فلا دلیل علی حرمة ذلک. قالوا: ثبت فی موارد خاصّة الإقدام علی ما فیه ضرر، من قبیل الانتحار، دلّ دلیل علی حرمة الإقدام علی هذا الضرر، فی موارد خاصّة أیضاً ثبت حرمة ارتکاب ما یُخاف ضرره فی موارد خاصّة کالصوم، والوضوء، والغُسل، إذا کان فیها ضرر، قالوا ورد حرمة ارتکاب ما یُخاف ضرره فی هذه الموارد، لکنّه یٌقتصَر علیها ولا نستفید منها قاعدة عامّة بحیث نعممّ هذا الحکم، ونقول: کل ما یُخاف فیه الضرر لا یجوز ارتکابه.

ص: 56

هذا غایة ما یقال فی مناقشة التقریب الثالث لإثبات وجوب الاحتیاط عقلاً.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی التقریب الثالث علی وجوب الاحتیاط عقلاً، وذکرنا الجواب عن هذا التقریب المذکور فی کلماتهم، هناک ملاحظات علی هذا الجواب:

الملاحظة الأولی: أنّ إنکار الصغری، بناءً علی إرادة الضرر الأخروی، حیث ذُکر فی الجواب بأنّه إذا کان المراد بالضرر هو الضرر الأخروی والعقاب، فالکبری مسلّمة؛ إذ یجب دفع الضرر الأخروی المظنون والمحتمل بلا إشکال، لکنّ الصغری ممنوعة، بمعنی أنّ الظنّ بالتکلیف لا یستلزم الظنّ بالضرر الأخروی، کما أنّ احتمال التکلیف لا یستلزم احتمال الضرر الأخروی.

أقول: إنّ إنکار الصغری بناءً علی إرادة الضرر الأخروی مبنی علی مسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان؛ إذ یمکن بناءً علیه أنْ یکون هذا الکلام تامّاً؛ لأنّ الظنّ بالتکلیف، فضلاً عن احتماله، إذا لم یکن معتبراً ومنجزاً لا یوجب الظنّ بالعقاب، ولا احتمال العقاب؛ بل العقاب مقطوع بعدمه استناداً إلی قاعدة قبح العقاب بلا بیان، فقاعدة قبح العقاب بلا بیان تقول مع عدم البیان للتکلیف یقبح العقاب، فلو ظنّ المکلّف بالتکلیف، فهذا الظنّ بالتکلیف لا یکون ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل العقاب یکون مؤمّناً عنه بقاعدة قبح العقاب بلا بیان، فهو لیس مظنوناً ولا محتملاً، بمعنی أنّ المکلّف الذی یتمسّک بقاعدة قبح العقاب بلا بیان یقطع بعدمه حتّی مع الظنّ بالتکلیف، أو احتماله، فیتم هذا الجواب، وهو إنکار الصغری بناءً علی إرادة الضرر الأخروی بناءً علی مسلک قبح العقاب بلا بیان، هذا شیء صحیح.

وأمّا إذا بنینا علی المسلک الآخر الذی ینکر قبح العقاب بلا بیان، وینکر حکم العقل بقبح العقاب بلا بیان، ویؤمن بمسلک حق الطاعة الذی هو عبارة عن منجّزیة الاحتمال، بمعنی أنّ احتمال التکلیف یکون منجّزاً، فضلاً عن الظنّ بالتکلیف، وأنّه فی هذه المرحلة لا یحکم العقل بقبح العقاب؛ بل یحکم العقل بلزوم الطاعة، ولزوم الإتیان بالتکلیف المحتمل، فضلاً عن التکلیف المظنون، وبناءً علی ذلک لا وجه لإنکار الصغری؛ لأنّ الظنّ بالتکلیف یلازم الظنّ بالعقاب، واحتمال التکلیف یلازم احتمال العقاب، ولا مؤمّن من ناحیة العقاب حتّی یُقطع بعدمه، ویقال أنّ الظنّ بالتکلیف لا یلازم الظنّ بالعقاب؛ بل علی العکس، فأصحاب هذا المسلک یرون أنّ احتمال التکلیف منجِّز، فمع احتمال التکلیف، والظنّ به یتنجّز التکلیف علی المکلّف بحکم العقل، فلا معنی لأنْ یقال لا ظنّ بالعقاب؛ بل هناک ظنّ بالعقاب، والعاقل یری أنّه لا مانع من العقاب؛ لأنّه لا یراه قبیحاً ----- بحسب الفرض ----- بناءً علی هذا المسلک، اصحاب مسلک قبح العقاب بلا بیان یرونه قبیحاً فیُقطع بعدمه، فلا یکون الظنّ بالتکلیف ملازماً للظنّ بالعقاب؛ بل هو مقطوع بعدمه. أمّا القائل بمسلک حقّ الطاعة، فلا یری أنّ هناک مؤمّناً من ناحیة العقاب، فیکون الظنّ بالتکلیف ملازماً للظنّ بالعقاب، واحتمال التکلیف ملازماً لاحتمال العقاب، وبناءً علی هذا المسلک تکون الصغری تامّة.

ص: 57

إذن: هذا الجواب هو جواب مبنائی مبنی علی قاعدة قبح العقاب بلا بیان.

بعبارةٍ أخری: أنّ صاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان یؤمن أیضاً أنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التکلیف کما یقول الطرف المقابل أنّ استحقاق العقاب لیس من لوازم التکالیف الواقعیة بوجوداتها الواقعیة؛ بل هو من لوازم تنجّز التکلیف، لکنّه یری أنّ التکلیف بالاحتمال منجَّز، ولا یتوقّف تنجّز التکلیف علی العلم، أو الإمارة المعتبرة، کما یقول صاحب مسلک قبح العقاب بلا بیان؛ بل یری أنّ التکلیف یتنجّز بالاحتمال، وهذا المسلک مرجعه فی الحقیقة إلی منجّزیّة الاحتمال، أنّ احتمال التکلیف منجِّز، فاستحقاق العقاب یکون ثابتاً؛ لأنّ استحقاق العقاب من لوازم تنجّز التکلیف، وهو یری أنّ احتمال التکلیف یکون منجّزاً، ولا یتوقف تنجّز التکلیف علی العلم والعلمی، فإذا کان احتمال التکلیف منجّزاً؛ فحینئذٍ لا یمکن إنکار الصغری، والقول بأنّ احتمال التکلیف لا یلازم احتمال العقاب، أو الظنّ بالتکلیف لا یلازم الظنّ بالعقاب؛ بل هو قطعاً یلازم الظنّ بالعقاب.

الملاحظة الثانیة: أنّ التکالیف الوجوبیة التی ذُکرت فی الجواب فی الدرس السابق، لأنّ المصلحة التی تفوت بمخالفتها هی مصلحة شخصیّة فی المتعلّق، ولا یصدق الضرر علی فوات المصلحة، فالظنّ بالوجوب لا یلازم الضرر علی تقدیر مخالفة التکلیف، وإنّما تفوته المصلحة، وفوات النفع غیر الوقوع فی الضرر.

یظهر من الجواب أنّه دائماً یفترض أنّ المصلحة التی تنشأ منها الأحکام التکلیفیة الوجوبیة هی مصلحة شخصیّة ثابتة فی المتعلّق، وأنّها تفوت بمخالفة الوجوب. والملاحظة هی أنّه لا یجب فی المصلحة الداعیّة إلی الوجوب أنْ تکون مصلحة قائمة فی المتعلّق؛ بل قد تکون المصلحة موجودة فی نفس الجعل؛ بل یظهر من الأدلّة أنّ المصلحة التی ینشأ منها الوجوب، ویُجعَل الوجوب علی أساسها قد تکون مصلحة قائمة فی نفس الجعل، بقطع النظر عن المتعلّق، قد لا یکون فی المتعلّق مصلحة؛ بل قد تکون فیه مفسدة، لکن حیث أنّ جعل الوجوب تترتّب علیه المصلحة، جُعل الوجوب. الذی أرید أنْ أقوله هو: أنّ الوجوب لا یجب دائماً أنْ ینشأ من مصلحةٍ فی الملاک والمتعلّق؛ بل قد ینشأ من مصلحةٍ وملاکٍ فی نفس الجعل بقطع النظر عن المتعلّق، وهذا موجود حتّی فی التحریمات، فقد ینشأ التحریم من مصلحةٍ فی نفس جعله، لا من مفسدةٍ فی متعلّقه، قد لا یکون فی المتعلّق مفسدة؛ بل قد تکون فیه مصلحة، ومع ذلک یحرَّم؛ لأنّ هناک مصلحةً تترتّب علی جعل التحریم لاحظها الشارع عندما جعل وشرّع التحریم، ولعلّه یرشد إلی ذلک قوله تعالی:(فبظلمٍ من الذین هادوا حرّمنا علیهم طیباتٍ أُحلت لهم) (1) هی طیبات حلال لهم؛ ولأنّهم ظلموا حرّمناها علیهم، وکأنّ التحریم نوع من أنواع العقوبة، هذا لیس ناشئاً من مفسدةٍ فی المتعلّق، وإنّما ناشئ من مصلحةٍ فی جعل التحریم لاحظها الشارع فجعل التحریم، ولیس له علاقة بوجود مفسدةٍ فی نفس المتعلّق. الذی أرید أنْ أقوله هو: أنّ هذه الأحکام لا یجب أنْ تنشأ من ملاکات فی متعلّقاتها، قد تنشأ من ذلک، وقد تنشأ من ملاکات قائمة فی نفس الجعل، أو مصالح، أو مفاسد لاحظها الشارع لا ربط لها بالملاکات والمصالح والمفاسد فی نفس المتعلّق.

ص: 58


1- (1) نساء/سوره4، آیه160

الملاحظة الثالثة: ذُکر فی الجواب أنّه ورد حرمة ارتکاب ما یُخاف ضرره فی بعض الموارد، ومُثّل لذلک بالصوم، والوضوء، والغسل، أنّه فی هذه الموارد ورد ما یدل علی حرمة ارتکاب ما یُخاف ضرره، الصوم إذا خیف ضرره یکون حراماً، والغُسل إذا خیف ضرره یکون حراماً.

هذا لیس واضحاً؛ لأنّ الأدلّة الواردة فی هذه الموارد لیس فیها دلالة علی حرمة الفعل تکلیفاً بحیث یکون الفعل حراماً، لیست ناظرة إلی هذا إطلاقاً، وإنّما هی تدل علی عدم صحّة الفعل لو جاء به المکلّف، هی ناظرة إلی بطلان الغُسل لو خاف معه الضرر علی نفسه، لا یصح منه الغُسل، وفی الصوم لا یصحّ منه الصوم، أی أنّ صومه باطل یجب علیه قضاؤه، أمّا أنّه لو فعله یرتکب حراماً، ویقع فی الإثم، ویستحق العقاب، هذا لیس واضحاً من الأدلّة. الذی یُستفاد من الأدلّة ------ مثلاً ------ فی باب الصوم أنّ الخلو من المرض ----- لأنّهم اعتبروا المرض من جهة أنّه مُضر ----- هو شرط فی وجوب الصوم وفی صحّته، فإذا کان مریضاً، أو کان هناک ضرر لا یجب علیه الصوم، لا أنّه لا یجوز له الصوم کما هو المُدّعی، لا یصحّ منه الصوم لو جاء به، فالخلو من المرض شرط فی وجوب الصوم وفی صحّته، فمع المرض، ومع الضرر لا یجب الصوم، ولا یصحّ منه لو جاء به، وأین هذا من عدم جوازه، کما هو المُدّعی ؟! أنّه ورد ما یدلّ علی حرمة ارتکاب ما یُحتمَل فیه الضرر، لا یستفاد ذلک من الأدلّة، أو لا أقل أنّه محل تشکیک.

علی کل حال، التقریب الثالث حتّی لو تمّ علی بعض المسالک، کمسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان، فهو لا یثبت به إلاّ مفاد مسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان، یعنی الاحتیاط العقلی، ومن الواضح أنّ الاحتیاط العقلی محکوم بأدلّة البراءة المتقدّمة. حتّی القائل بمسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان، عندما تأتی أدلّة البراءة الشرعیة، فأنّه یرفع یده عن الاحتیاط العقلی، غایة ما یثبت بهذا الدلیل هو مفاد الاحتیاط العقلی، بمعنی أنّ العقل یحکم بلزوم دفع الضرر المحتمل، أو المظنون، لکن مالم یرِد ترخیص من الشارع یؤمّن من ناحیة العقاب، والأدلّة الشرعیة الدالّة علی البراءة تکون حاکمة علی الاحتیاط العقلی، وعلی هذا التقریب الذی ذُکر. فإذن: الاحتیاط یثبت، لکنّه لا ینفع شیئاً؛ لأننّا فرغنا عن ثبوت أدلّة تدلّ علی البراءة الشرعیة، وتکون تلک الأدلّة حاکمة علی هذا الاحتیاط العقلی.

ص: 59

هذا کلّه فی المقام الأوّل، حیث قلنا أنّ الکلام فی أدلّة الاحتیاط تارةً یکون فی أدلّة الاحتیاط العقلی، وله تقریبات ثلاثة علی ما تقدّم، وقد فرغنا منه، والمقام الثانی فی ما یدلّ علی وجوب الاحتیاط شرعاً.

المقام الثانی: فی ما یدلّ علی وجوب الاحتیاط شرعاً، یعنی فی الأدلّة الشرعیة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة. وقد أُستدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات بالکتاب والسُنّة:

من الکتاب: أُستدلّ بعدّة آیات، قیل أنّ مفادها ومدلولها هو وجوب الاحتیاط فی الشبهات.

الآیة الأولی: قوله تعالی:(ولا تقفُ ما لیس لک به علم). (1)

تقریب الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط هو أنْ یقال أنّ صریح الآیة هو حرمة القول بغیر علمٍ، وعلیه: ففی الفعل المشتبه، وفی الشبهة الحکمیة لا یجوز للأصولیین أنْ یحکموا بالإباحة، أو یحکموا بالترخیص والبراءة؛ لأنّ الحکم بالترخیص والإباحة حکم بغیر علم، والآیة الشریفة تنهی عن القول بغیر علم. فالمستدل یقول: أنّ الأصولیین یحکمون فی الشبهة الحکمیّة، وبالخصوص الشبهة الحکمیة التحریمیّة الذی هو مورد النزاع، یحکمون بالإباحة والترخیص، بینما هی شبهة تحریمیة، یعنی یُحتمَل فیها الحرمة، ویُحتمَل فیها الإباحة، فالحکم بالإباحة هو حکم بدون علمٍ، والآیة الشریفة تنهی عن القول بغیر علمٍ. الأخباریون یقولون: هذا لا یرِد علینا؛ لأننّا لا نحکم بالاحتیاط، ولا نفتی به، وإنّما نلتزم بترک المشکوک فی الشبهات الحکمیّة التحریمیّة، وهذا الالتزام بالترک لا یعنی الفتوی بالإباحة والترخیص، ولا الفتوی بالاحتیاط، وإنّما نلتزم بترک الفعل الذی یُشتبه أنّه حرام، ویُشتبه أنّه حلال من دون أنْ نقول أنّ الشارع ألزم بترکه، أو أنّ الشارع أمرنا بالاحتیاط فیه حتّی یکون هذا قولاً بغیر علم، هناک فرقٌ بین الأصولی وبین الأخباری، الأصولی یجوّز الارتکاب، بینما نحن نتوقّف، ونترک المشتبه، وهناک فرق بین ارتکاب الفعل المشتبه، وبین ترکه، ارتکاب الفعل المشتبه لا یکون إلاّ مع الترخیص، کیف یجوّز للمکلّف أنْ یرتکب الفعل المشتبه ؟ لابدّ أنْ یفتی له بالترخیص وعدم المنع، ومن هنا کان الأصولی مضطراً إلی أنْ یُسند شیئاً إلی الشارع کالترخیص وعدم المنع، وهذا قول بغیر علم، فتنطبق علیه الآیة التی تنهی عن القول بغیر علم، بینما یقول الأخباری أنّا لا أفتی بشیء، ولا أجوّز الارتکاب، وإنّما أنا امتنع من فعل المشتبه، وأقول للمکلّف أترک الفعل المشتبه، هذا الترک لا یحتاج إلی الفتوی بالاحتیاط، وإلی الفتوی بالتحریم، فلا یوجد هنا أسناد من غیر علمٍ، فلا یکون مشمولاً للآیة الشریفة. هذا تقریب الاستدلال بالآیة الشریفة.

ص: 60


1- (2) سورة الإسراء، آیة 36.

من الواضح أنّ الأصولیین یعترفون بأنّ القول بالترخیص والإباحة من دون أنْ یکون هناک مستند للقول بالترخیص والإباحة هو قول بغیر علم، وهو تشریع محرّم بلا إشکال، الجمیع یعترف بهذا، الأخباریون والأصولیون، لکنّ الأصولی یدّعی أنّ لدیه علم ومستند یدلّ علی الترخیص وعدم المنع، وهو أدلّة البراءة الشرعیة المتقدّمة، فهی دلیل علی الترخیص الشرعی فی الإقدام علی المُشتبَه، فعندما یفتی مجتهد بالترخیص، واستند فی فتواه بالترخیص وعدم المنع إلی دلیلٍ شرعی، فلا یکون قولاً من غیر علم، فلا یکون مشمولاً للآیة الشریفة، حتّی من یُفتی بالترخیص العقلی هو استند أیضاً إلی دلیلٍ، وهو قاعدة قبح العقاب بلا بیان، فعند من یؤمن بها ویُفتی بالترخیص العقلی هو یستند إلی دلیل، وهو قاعدة قبح العقاب بلا بیان، ومن یُفتی بالترخیص الشرعی هو أیضاً یستند إلی دلیلٍ وهو أدلّة البراءة الشرعیة المتقدّمة.

وبعبارةٍ أخری: أنّ مضمون الآیة الشریفة هو النهی عن التشریع المحرم، والقول من غیر علمٍ هو تشریع محرّم بالأدلّة الأربعة، فمفاد الآیة هو حرمة التشریع، أنْ تسند شیئاً إلی الشارع من دون أنْ تعلم بأنّه قاله، هذا هو مفاد الآیة. الأصولی عندما یثبت الترخیص وعدم المنع، فهذا لیس تشریعاً؛ لأنّه یستند فی إثبات الترخیص وعدم المنع إلی أدلّة شرعیّة دلّت علی الترخیص وعدم المنع، فلا یکون قوله قولاً بغیر علم، ولا یکون تشریعاً محرّماً، فلا تشمله الآیة، بالضبط کالأخباری، فالأخباری أیضاً عندما یلتزم بالاحتیاط، فهو یستند إلی أدلّة، والأصولی أیضاً عندما یُفتی بالترخیص وعدم المنع هو أیضاً یستند إلی أدلّة.

ویمکن أنْ یُصاغ الجواب بهذا الشکل: الأصولی لا یُثبت الإباحة الواقعیة إطلاقاً، ولو أثبت الإباحة الواقعیة لورد علیه هذا الإشکال؛ لأنّه یکون قولاً من غیر علم؛ لأنّ المفروض أنّه یشکّ فی الإباحة کما یشکّ فی التحریم، لا الإباحة الواقعیة وصلت إلیه، ولا التحریم الواقعی وصل إلیه، فإذا کان المنظور هو الفتوی بالترخیص الواقعی، فالأصولی لا یُفتی بالترخیص الواقعی حتّی یکون قولاً من غیر علم، الأصولی لا یُسند الترخیص الواقعی إلی الشارع لیقول أنّ هذا المشتبَه حکمه الواقعی هو الإباحة، هو لا یقول ذلک، وإنْ کان المقصود هو الترخیص الظاهری، فالأصولی یُفتی بالترخیص، لکن استناداً إلی أدلّة البراءة، أو استناداً إلی حکم العقل القائل بقبح العقاب بلا بیان. إذن: علی أحد التقدیرین هو لا یُفتی بالإباحة الواقعیة، وعلی التقدیر الآخر هو یُفتی بالإباحة الظاهریة والترخیص الظاهری، لکنّ هذا لیس تشریعاً محرّماً؛ بل هو حکم مستند فیه إلی الدلیل، وهو عبارة عن الأدلّة السابقة.

ص: 61

إذن: لا یصحّ الاستدلال بهذه الآیة الشریفة علی وجوب الاحتیاط، وعلی بطلان ما ذهب إلیه الأصولیون من البراءة وعدم المنع.

الآیة الثانیة: قوله تعالی:(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکة) (1) ، وتقریب الاستدلال بهذه الآیة الشریفة هو أنّ هذه الآیة الشریفة تنهی عن إلقاء النفس، والاقتحام فی التهلُکة، ویقال بأنّ ارتکاب ما یُحتمَل أنْ یکون مخالفة للمولی(سبحانه وتعالی) هو اقتحام فی التهلکة، فیکون محرّماً بمقتضی إطلاق الآیة؛ لأنّ الآیة مطلقة من هذه الجهة، فکأنّ اقتحام المشتبَه وارتکابه، هو کأنّ الإنسان یُلقی بنفسه فی ما یحتمل أنّ فیه مخالفة لله(سبحانه وتعالی)، وهذا إلقاء للنفس فی التهلکة. هذا غایة ما یُمکن أنْ یُبیّن به تقریب الاستدلال بالآیة الشریفة.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

الکلام فی الآیة الثانیة التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط شرعاً، وهی قوله تعالی:(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکة) (2) ، وتقریب الاستدلال بهذه الآیة الشریفة هو أنّ المستفاد من الآیة الشریفة هو أنّها تنهی عن إلقاء النفس فی التهلُکة، وأنّ تعریض الإنسان نفسه للهلاک منهی عنه بمقتضی الآیة الشریفة، ومن الواضح أنّ اقتحام الشبهات ومحتمل الحرمة فیه تعریض للنفس للهلاک والعقاب، والآیة الشریفة تنهی عن تعریض النفس لذلک، وتنهی عن الاقتحام فی الشبهة، وهذا هو مقصود الأخباریین، أنّ الشبهات لابدّ من التوقّف وعدم الاقتحام فیها، خلافاً للأصولیین الذین یجوّزون اقتحام الشبهة.

ویلاحظ علی هذا الاستدلال:

الملاحظة الأولی: ذکروا بأنّه إذا کان المقصود بالتهلکة فی الآیة الشریفة هی التهلکة الدنیویة، فمن الواضح أنّه لیس فی ارتکاب الشبهة ومحتمل التحریم احتمال التهلکة، فضلاً عن القطع بها، لا یوجد احتمال التهلکة فی ارتکاب محتمل التحریم حتّی تکون الآیة الشریفة ناهیة عن الاقتحام فی الشبهة التحریمیة، وارتکاب محتمل الحرمة، لیس فیها احتمال التهلکة إطلاقاً، وإنّما الذی یمکن أنْ یقال أنّ المحتمل هو الضرر الدنیوی، ومن الواضح أنّه لیس کل ضررٍ دنیوی یقال له تهلکة، فالتهلکة یُراد بها الضرر الواصل إلی حدّ الموت، ومن الواضح أنّ اقتحام محتمل الحرمة لیس فیه تهلکة، وإنّما فیه احتمال الضرر الدنیوی، وهذا نسلّم به، لکن لا نسلّم أنّ فیه احتمال التهلکة، بمعنی احتمال الموت، فإذا کان المقصود بالتهلکة فی الآیة الشریفة هو التهلکة الدنیویة، فجوابه هو أنّ فی ارتکاب محتمل التحریم لا یوجد احتمال التهلکة الدنیویة، فضلاً عن القطع بها، فلا تکون الآیة الشریفة شاملة لذلک؛ لعدم وجود التهلکة، وإنّما الموجود هو الضرر الدنیوی، بمعنی أنْ یترتّب علی ارتکاب هذا الفعل، علی تقدیر أنْ یکون حراماً، الضرر الدنیوی، لکن لیس کل ضرر دنیوی یُعدّ من التهلکة حتّی تکون الآیة الشریفة شاملة لمحل الکلام.

ص: 62


1- (3) بقره/سوره2، آیه195
2- (1) بقره/سوره2، آیه195

وأمّا إذا أرید بالتهلکة التهلکة الأخرویة، یعنی العقاب الأخروی؛ حینئذٍ قالوا: صحیح أنّ هذا محتمل فی ارتکاب محتمل الحرمة، أی أنّه یحتمل أنّ هذا حرام، وبالتالی یقع فی العقاب الأخروی، والتهلکة الأخرویة، لکنّ هذا الاحتمال منفیٌ بأدلّة البراءة المتقدّمة، فأنّ أدلّة البراءة المتقدّمة تکون رافعة لموضوع هذه الآیة؛ لأنّ موضوع هذه الآیة الشریفة هو أنّ المکلّف یُعرّض نفسه للعذاب الأخروی إذا ارتکب الشبهة، وأدلّة البراءة تقول: هذا لیس فیه تعریض النفس للعذاب الأخروی، فهی تنفی العذاب الأخروی؛ بل تقول أنّ العذاب قبیح ولا یصدر من الشارع، فتکون رافعة لموضوع هذه الآیة، فکیف تشمل محل الکلام ؟ إذ فی الشبهات یوجد مؤمّن یؤمّن من العذاب الأخروی، ومع وجود المؤمّن لا معنی لأنْ یقال لا یجوز الارتکاب باعتبار هذه الآیة الشریفة.

لکن یمکن أنْ یقال شیء آخر: وهو، أنّ الآیة الشریفة ظاهرة فی افتراض ثبوت الهلکة فی مرتبة سابقة علی الآیة، الآیة تفترض وجود هلکة، وخطر وتأمر بحرمة إلقاء النفس فی التهلکة وفی هذا الخطر. إذن: مفاد الآیة هو أنّ التهلکة الثابتة بقطع النظر عن الآیة هی تنهی عن إلقاء النفس فیها. بعبارةٍ أخری: أنّ مفاد الآیة هو أنّ هذا الشیء الذی یکون فی اقتحامه تهلکة وخطر، لا یجوز إلقاء النفس فیه، فهی لا تشمل إلاّ الموارد التی ثبت وجود التهلکة والخطر فیها بقطع النظر عن الآیة، وفی مرتبةٍ أسبق من الآیة، وهذا لا یکون إلاّ فی موارد التنجیز، إذا کانت الشبهة منجّزة بمنجّزٍ، مهما کان هذا المنجّز، سواء کان علماً، أو علمیاً، أو شبهة قبل الفحص، أو شبهة مقرونة بالعلم الإجمالی، المهم أنْ تکون الشبهة منجّزة فی حدّ نفسها بقطع النظر عن الآیة؛ حینئذٍ یقال: هناک تهلکة؛ لأنّ هذه الشبهة تنجّزت بحیث أنّ المکلّف إذا خالفها یستحق العقاب؛ حینئذٍ تأتی الآیة الشریفة، وبلسان الإرشاد، ولیس بلسان المولویة، وتقول لا تلقی نفسک فی التهلکة. وأمّا إذا فرضنا أنّ الشبهة لم تتنجّز بمنجّزٍ سابقٍ، کما هو فی محل الکلام؛ لأننّا نتکلّم عن الشبهة غیر المقرونة بالعلم الإجمالی، وبعد الفحص ولیس قبله، ولا یوجد فیها علم یثبت التکلیف، ولا إمارة معتبرة، أی أنّ کلامنا فی الشبهات البدویة التی لم یقم علی ثبوت التکلیف فیها علم، ولا علمی، هنا هل یجوز الاقتحام، أو لا یجوز ؟ الآیة الشریفة لا تدلّ علی عدم جواز الاقتحام؛ لأنّها تقول ما ثبت فیه الخطر لا یجوز اقتحامه وإلقاء النفس فیه، وفی هذه الشبهة التی نتکلّم عنها لم یثبت وجود الخطر، وأنّ اقتحام هذه الشبهة تهلکة بقطع النظر عن الآیة؛ لعدم وجود المنجّز فی مرتبةٍ أسبق من وجود الآیة، فالآیة حینئذٍ لا تکون دالّة علی وجوب الاجتناب وعدم جواز الاقتحام فی محل الکلام، وإنّما هی ناظرة إلی شبهات تنجّزت بمنجّزٍ سابقٍ علیها، وهی بلسان الإرشاد تقول أنّ هذا الشیء فیه خطر، وتنهی عن اقتحامه.

ص: 63

هذا الکلام یکون واضحاً بناءً علی مسلک قبح العقاب بلا بیان؛ لأنّ الشبهة البدویة غیر المقرونة بالعلم الإجمالی، والتی لم یقم فیها دلیل، یکون العقاب مؤمّناً بحکم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بیان. وأمّا بناءً علی مسلک حقّ الطاعة، فقد یقال: بناءً علی مسلک حقّ الطاعة لا فرق بین الشبهة قبل الفحص، والشبهة بعد الفحص، علی کلٍ منهما یکون احتمال التکلیف منجِّزاً. إذن: الشبهة تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، فلتکن الآیة الشریفة شاملة لمحل الکلام بناءً علی هذا المسلک، باعتبار أنّ الشبهة تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، والمفروض أننّا قلنا أنّ الآیة الشریفة ناظرة إلی الشبهات التی تنجّزت بمنجزٍ فی مرتبةٍ سابقةٍ علیها.

نقول: حتّی لو صحّ هذا الکلام، لکن هذا لیس معناه أننّا نستفید التنجیز ووجوب الاحتیاط بعد جواز الارتکاب من الآیة، وإنّما استفدنا ذلک بدلیلٍ آخر قبل الآیة، وبقطع النظر عنها، وهو حکم العقل بوجوب الاحتیاط، هذا نجّز الشبهة. إذن: المنجّز للشبهة لیس هو الآیة.

وبعبارةٍ أخری: أنّ الاستدلال بالآیة لإثبات التنجیز، وإثبات وجوب الاحتیاط، لا مجال له علی کلا المسلکین؛ للنکتة المتقدّمة، وهی أنّ مفاد الآیة هو افتراض وجود الهلکة بقطع النظر عن الآیة الشریفة، وقلنا أنّ لسان الآیة هو أنّ ما فیه هلکة لا یجوز اقتحامه، وتنهی عن إلقاء النفس فی ما فیه الهلکة. إذن: هی تفترض وجود هلکة ووجود خطر، هذه النکتة تقتضی أنّه لابدّ من حمل الآیة الشریفة علی أنّها فی مقام الإرشاد إلی حکم العقل بعدم جواز ارتکاب ما تنجّز بمنجّزٍ سابقٍ، مع افتراض وجود منجّز، العقل یستقل بعدم جواز الارتکاب ووجوب الاحتیاط، سواء کان هذا المنجّز إمارة، أو علم قبل الفحص مقروناً بالعلم الإجمالی، أو بعد الفحص بناءً علی مسلک حقّ الطاعة، بالنتیجة احتمال التکلیف یبقی منجّزاً، والعقل ینهی عن الاقتحام مع التنجیز. إذن: هذه الشبهة بعد الفحص فی محل کلامنا بناءً علی مسلک حق الطاعة تنجّزت بقع النظر عن الآیة، لا یمکن أنْ نقول أنّ الآیة نجّزت هذه الشبهة، لا نستفید من الآیة وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهة، وإنّما الآیة تقول الشیء المنجّز فی مرتبة سابقة هی بلسان الإرشاد ترشد إلی عدم جواز الاقتحام وحرمة ارتکابه حتّی بناءً علی مسلک حق الطاعة.

ص: 64

الملاحظة الثانیة علی الاستدلال بالآیة الشریفة: یوجد احتمال لیس ببعید أنّ التهلکة لا یُراد بها ما ذُکر من التهلکة الدنیویة، والتهلکة الأخرویة، یعنی العقاب والضرر الدنیوی البالغ إلی درجة الموت والقتل، لیس المقصود بها هو هذا، وإنّما المقصود بها بکل وضوح هو الفقر والإفلاس، وذلک بقرینة صدر الآیة الشریفة؛ لأنّ صدر الآیة الشریفة یقول:(وانفقوا فی سبیل الله) فهو أمر بالإنفاق فی سبیل الله تعالی موجّه إلی المسلمین، ثمّ تأتی الآیة بعدها مباشرةً(ولا تُلقوا بأیدیکم إلی التهلکة) بعضهم استفاد من هذا بقرینة الترابط الموجود بین صدر الآیة وذیلها، أنّ التهلکة لیس المقصود بها شیء یرتبط بالعذاب الأخروی، أو الدنیوی، وإنّما المقصود بها هو الشیء المرتبط بالإنفاق، کأنّ الآیة ترید أنْ تقول لهم بأنّه یجب علیکم الإنفاق، أو تطلب منهم الانفاق، لکن بحدوده وقواعده، ولیس الإسراف فی الانفاق بحیث أنّ الإنسان ینفق تمام أمواله ویبقی فقیراً ومفلساً، ویکون عالة علی الغیر، الآیة لا ترید منهم ذلک، وإنّما المطلوب هو الانفاق باعتدالٍ. فمن الممکن أنْ یکون المقصود بالتهلکة هو هذا، أی حالة الإفلاس التی هی حالة قد تسبب الکثیر من المشاکل للإنسان نفسه، وبهذا تکون الآیة أجنبیة عن محل الکلام بالمرّة.

الآیة الثالثة: هی قوله تعالی:(فاتّقوا الله ما استطعتم). (1)

الآیة الرابعة: هی قوله تعالی:(واتّقوا الله حقّ تقاته). (2)

تقریب الاستدلال بالآیة الثالثة: الآیة تدل علی وجوب التقوی بالمقدار المستطاع، ومن الواضح أنّ الاجتناب عن الشبهات یعتبر مصداقاً واضحاً للتقوی، وهو مستطاع للإنسان، والآیة تأمر بتقوی الله(سبحانه وتعالی) ما استطعتم، والاجتناب عن الشبهات مستطاع، فیکون واجباً، فیُفهم من هذا وجوب الاجتناب وعدم الاقتحام فی الشبهات.

ص: 65


1- (2) تغابن/سوره64، آیه16
2- (3) آل عمران/سوره3، آیه102

وبنفس البیان یقرّب الاستدلال بالآیة الرابعة :(واتّقوا الله حقّ تقاته) التی یُفهم منها الأمر بالتقوی بأقصی درجاتها؛ وحینئذٍ یقال أنّ الاقتحام فی الشبهة هو خلاف التقوی، والامتناع عن ارتکاب الشبهات هو داخل فی التقوی المأمور بها لهذه الآیة الشریفة، فیکون مطلوباً ومأموراً به، والاجتناب بالنتیجة بحسب ظاهر الآیة یکون لازماً.

ویُجاب عن ذلک:

الجواب الأوّل: من قال بأنّ اقتحام الشبهة خلاف التقوی ؟ بحیث أنّ الذی یقتحم بالشبهة یکون قد خالف الآیة الشریفة، الأصولیون یقولون بعد قیام الأدلّة الشرعیة المعتبرة الدالة علی البراءة، وعلی التأمین والترخیص فی اقتحام الشبهة؛ حینئذٍ لا یکون اقتحام الشبهة مخالفاً للتقوی، حاله حال أیّ شیءٍ أباحه الشارع للمکلّف، مرّة یبیحه بعنوانه الأوّلی، ومرّة یبیحه بعنوان أنّه مشکوک حکمه، أی بالعنوان الثانوی. الأدلّة السابقة دلّت علی الإباحة والترخیص وعدم المنع وجواز الارتکاب، وعدم المنع بالعنوان الثانوی، لکن بالنتیجة هناک إباحة وترخیص شرعی، کما أنّ ارتکاب المباح الواقعی لیس خلاف التقوی، کذلک ارتکاب ما أباحه الشارع، ولو ظاهریاً، أیضاً لیس خلاف التقوی بحیث یکون المکلّف قد خالف الأمر بالتقوی فی الآیتین الشریفتین.

الجواب الثانی: الذی هو أهم من السابق هو أنّ التقوی تعنی التحرّز والتحفّظ، ومن هنا لابدّ من أنْ نفترض فی مرتبة سابقة وجود شیءٍ یُتحرّز ویُتحفَّظ منه، عندما یؤمر بالتقوی، فلابدّ أنْ یکون هناک شیء یُتقی منه، والآیة حینئذٍ تأمر بالتقوی. إذن: لابدّ من فرض شیء یُتّقی منه ویُتحرّز منه، بقطع النظر عن الآیة.

وبعبارة أخری: أنّ مفاد الآیة هو لزوم الحذر عند وجود الخطر والعقاب، وهذا معناه کما قلنا فی الآیة السابقة أنّه لابدّ من فرض وجود خطرٍ وعقابٍ فی مرتبةٍ سابقةٍ علی الآیة بقطع النظر عنها، وهذا لا ینطبق علی محل الکلام؛ لعدم وجود خطرٍ ولا عقاب فی الشبهات التی نتکلّم عنها وهی الشبهات بعد الفحص غیر مقرونة بالعلم الإجمالی، لم یقم فیها علم، فلا یوجد خطر بقطع النظر عن الآیة، فهی تختص بالشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، والشبهات المنجّزة بمنجّزٍ ما، فهی تقول أحذر من هذا الخطر، وهنا فی محل الکلام لا یوجد خطر مفروغ عنه بقطع النظر عن الآیة، والمکلّف مأمون من ناحیة العقاب المحتمل، إمّا لحکم العقل بقبح العقاب بلا بیان ------ إذا التزمنا به ------- وإمّا لأدلة البراءة المتقدّمة عند من لا یؤمن بقاعدة قبح العقاب بلا بیان.

ص: 66

إذن: فی محل کلامنا، وهی الشبهات بعد الفحص لا یمکن فرض وجود خطر وعقاب وما یتقی منه بقطع النظر عن الآیة، وفی مرتبةٍ سابقة علیها، فلا تکون الآیة شاملة لمحل الکلام، وإنّما تختص بالشبهات التی تنجّزت بقطع النظر عن الآیة الشریفة.

هذا مضافاً إلی ما تقدّم فی الآیة السابقة من أنّ الآیة حیث تفترض وجود خطر فی مرتبةٍ سابقةٍ علی الآیة؛ حینئذٍ لا یُعقل أنْ نستدل بالآیة علی وجوب الاحتیاط کما قلنا فی الآیة السابقة؛ لأنّ الآیة تفترض المنجّز فی مرتبةٍ سابقةٍ علیها، فکأنّ وجود منجّزٍ موضوع لهذه الآیة أُخذ فی موضوعها، ومن الواضح أنّه لا یمکن أنْ تکون الآیة مثبتة لموضوعها، وکل دلیلٍ لا یمکن أنْ یکون مثبتاً لموضوعه، وإنّما الموضوع یؤخذ مفروض الوجود، والدلیل غرضه إثبات المحمول لهذا الموضوع المفترض الوجود، لکن لا یمکن أنْ نستفید من الدلیل أنّه هو ینقّح موضوعه ویثبته، هذا غیر معقول، ------ مثلاً ----- إذا کان الدلیل یقول(الخمر حرام)، لا معنی لأنْ یکون الدلیل هو الذی یثبت أنّ هذا خمر، وإنّما هو یقول(علی تقدیر أنْ یکون هذا خمراً تثبت له الحرمة) کل دلیل لا یمکن أنْ یکون منقّحاً لموضوعه؛ لأنّ موضوعه یؤخذ مفروض الوجود. فی المقام الآیة أخذت الخطأ وما یُتّقی مفروض الوجود، وفی مرتبة أسبق عن الآیة، فلا یعقل أنْ تکون الآیة هی التی تثبت الخطأ، الآیة أخذت التنجیز مفروض الوجود، فلا یعقل أنْ تکون الآیة هی المثبتة للتنجیز؛ لأنّ التنجیز أُخذ فی موضوعها، أُخذ مفروض الوجود بقطع النظر عنها.

إذن: هذه الآیة لا یمکن الاستدلال بها فی محل الکلام، علی کل التقادیر، علی مسلک قبح العقاب بلا بیان، وعلی مسلک حقّ الطاعة، لا یمکن الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط الذی یعنی التنجیز؛ لأنّ التنجیز أُخذ مفروض فی مرتبةٍ سابقةٍ علیها، فلا یُعقَل أنْ تکون هی مثبتة للتنجیز، فلا یصح الاستدلال بها فی محل الکلام.

ص: 67

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

الآیة الأخیرة التی استُدل بها علی وجوب الاحتیاط: هی قوله تعالی:(فأنْ تنازعتم فی شیءٍ فردّوه إلی الله، والرسول). (1) ، بتقریب أنّ الأمر بالرد إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) کنایة عن الأمر بالتوقّف، وعدم الإقدام والاقتحام، نظیر(قف عند الشبهة)، فتدلّ الآیة حینئذٍ علی وجوب التوقّف، وعدم جواز الاقتحام، وأنّ الآیة أمرت بالرد إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الذی هو بمعنی التوقّف.

یُلاحظ علی الاستدلال:

أولاً: أنّ موضوع الآیة الشریفة هو المنازعة والمخاصمة، ولم یُفرَض فی موضوع الآیة الشریفة الشکّ وعدم العلم بالحکم الشرعی الذی هو محل کلامنا، حیث أننّا نتکلّم عن وجوب الاحتیاط عند الشک فی الحکم الشرعی، هذه الآیة لم تأمر بالتوقف ------ علی تقدیر تسلیم ما ذُکر فی الاستدلال ------ عند الشکّ فی الحکم الشرعی، وإنّما أمرت بالرد عند المنازعة والمخاصمة، فلا یثبت بها حینئذٍ وجوب التوقف، لو دلّت علی وجوب التوقّف فی محل الکلام، محل الکلام غیر الموضوع الذی أُخذ فی الآیة الشریفة، فالموضوع المأخوذ فی الآیة هو المنازعة والخصومة، بینما فی محل الکلام لا توجد منازعة وخصومة، وإنّما یوجد شکّ فی التکلیف الشرعی، فأین هذا من هذا ؟! وجوب التوقّف عند المنازعة والمخاصمة لا یدلّ علی وجوب التوقّف عند الشکّ فی الحکم الشرعی وعدم العلم به.

ثانیاً: یحتمل أنْ یکون المراد بالأمر بالردّ إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) لیس هو التوقّف کما قیل فی الاستدلال، وإنّما یکون المراد به هو تحکیم رأی الشارع المقدّس فی موضوع الآیة، (فردّوه إلی الله) یعنی خذوا الحکم من الله(سبحانه وتعالی)، ومن الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فتکون فی مقام الإرشاد إلی أنّ الأحکام الشرعیة ------ علی تقدیر أنْ تکون الآیة ناظرة إلی محل الکلام ------ یجب أخذها من مصادرها الحقیقیة التی هی عبارة عن الله(سبحانه وتعالی)، والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لا بمعنی التوقّف حتّی یُستدَل بها علی وجوب التوقّف عند الشکّ فی الحکم الشرعی.

ص: 68


1- (1) نساء/سوره4، آیه59

هذا هو تمام الکلام فی الآیات الشریفة التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط، وتبیّن أنّ لا شیء یتمّ منها فی محل الکلام.

وأمّا السُنّة، فقد أستدلّ علماؤنا الأخباریون(رضوان الله علیهم)بمجموعة کبیرة جدّاً من الروایات والأخبار، قسم من هذه المجموعة واضحة الضعف من حیث الدلالة، یعنی دلالتها لیست تامّة بشکلٍ واضح؛ ولذلک لعلّه لم یتعرّض علماؤنا(رضوان الله علیهم) لهذا القسم، وإنّما رکّزوا کلامهم ومناقشتهم لطوائف من الأخبار یأتی التعرّض لها إنْ شاء الله تعالی، حیث رکّزوا کلامهم علی أخبار التثلیث، وأخبار التوقّف عند الشبهة، والأخبار الآمرة بالاحتیاط عند الشکّ فی التکلیف، لکن الأخبار الأخری المتفرّقة التی قلنا بأنّ دلالتها لیست ناهضة، أهملت من قِبل العلماء ولم تُذکر، ولعلّ الأخباریون ذکروها واستدّلوا بها علی مدّعاهم من وجوب الاحتیاط.

القسم الأوّل من الروایات: نحن نذکر نماذج من هذا القسم من الأخبار المُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط للإشارة إلی أنّه أین تکون المناقشة فیها:

الروایة الأولی: ما روی عن أمیر المؤمنین(علیه السلام) من قوله لکمیل بن زیاد(أخوک دینک، فاحتط لدینک بما شئت). (1)

الملاحظة علی الاستدلال بهذه الروایة: صحیح أنّ الروایة أمرت بالاحتیاط، لکن أمرت بالاحتیاط وقیّدته بما شئت، فالروایة معلّقة علی مشیئة المکلّف، بمعنی أنّ مقدار الاحتیاط المأمور به موکول إلی مشیئة المکلّف، وهذا یشکّل قرینة علی أنّ الأمر فی الروایة لیس للإلزام، لا نرید أنْ نقول لاستحالة ذلک، أو غیر معقولیة أنْ یُعلّق الأمر الوجوبی علی مشیئة المکلّف، وإنْ کان هذا أیضاً یمکن تصوّره، وإنّما المناسبة العرفیة تقتضی أنْ لا یکون الأمر للوجوب، الأمر الإلزامی، أو الوجوبی لا یُترَک الأمر فی أصل فعله، أو مقدار فعله عندما یکون واجباً، لا یُترک إلی مشیئة المکلّف، فی أصل الفعل عندما یکون واجباً لا معنی لترک أصل الفعل إلی مشیئة المکلّف؛ للمنافاة الواضحة بینهما، لا معنی لأنْ یکون الفعل واجباً لکنّه متروک إلی مشیئة المکلّف، إنْ شاء فعل، وإنْ شاء لم یفعل، فیکون إیکال الأمر فی أصل الفعل إلی مشیئة المکلّف قرینة علی عدم الوجوب، ونفس الکلام یقال فی إیکال المقدار الواجب إلی المکلّف، کما فی هذه الروایة لم یوکل أصل الاحتیاط إلی المکلّف، هنا أیضاً نفس الکلام یمکن أنْ یقال فیها، عندما یکون هناک مقدار واجب ولازم من الاحتیاط، هذا لا یناسب إیکال تعیین المقدار إلی مشیئة المکلّف من حیث الزیادة والنقیصة. وبعبارةٍ أکثر وضوحاً: أنّ وجوب مقدارٍ معیّنٍ من الاحتیاط علی تقدیر أنْ یکون المقدار المعیّن من الاحتیاط الواجب هو الزیادة، فالنقیصة تخرج عن حدّ الوجوب، فلا تکون واجبة، وإذا کان المقدار الواجب هو النقیصة، فالزیادة تخرج عن الوجوب، بینما ظاهر الروایة هو أنّ إیکال تعیین المقدار إلی المکلّف معناه أنّ المکلّف مخیّر فی أیّ مقدار یأتی به، وکل مقدار یأتی به یکون هو الواجب وهو المطلوب بناءً علی الوجوب، أنّ أیّ مقدار یختاره المکلف یکون هو الواجب، ویکون قد جاء بالواجب، فإذا اختار النقیصة فقد جاء بالواجب، وإذا اختار الزیادة فقد جاء بالواجب، وهذا غیر معقول؛ لأنّه عندما یکون الواجب هو الزیادة، فالنقیصة تخرج عن حدّ الوجوب، وهکذا العکس، فإذن: لا مجال للجمع بین وجوب مقدارٍ معیّنٍ، وبین التخییر بما شئت، التخییر بما شئت حتّی فی المقدار لا ینسجم مع افتراض الالزام؛ بل لابدّ من افتراض الرجحان، یعنی الاستحباب وأمثاله، أخوک دینک فاحتط لدینک بما شئت، کل احتیاط تفترضه هو أمر حسن وراجح کما هو الحال بالنسبة إلی الاحسان إلی الأخ؛ ولذا مُثّل الدین بالأخ، کما أنّ الإحسان إلی الأخ بأی مرتبةٍ یأتی بها الإنسان هو أمر راجح ومستحسن، کذلک الاحتیاط فی الدین أیضاً یکون أمراً راجحاً ومستحسناً؛ لأنّ الاحتیاط یعنی الرعایة، یعنی الاهتمام والتحفّظ، هذا بأی مقدارٍ أنت تأتی به، فلسانک لسان الاستحباب والرجحان، لا لسان الوجوب والإلزام.

ص: 69


1- (2) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 167.

الروایة الثانیة: الروایة المعروفة المرسلة عن النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم) أنّه قال:(من اتّقی الشبهات فقد استبرأ لدینه). (1) لو سلّمنا أنّ هذه الروایة واردة فی محل الکلام، یعنی ناظرة إلی الشبهات الحکمیة، غایة ما نفهم منها هو أنّ اتقاء الشبهة هو استبراء للدین، لکن هذه وحده لا یکفی لإثبات وجوب الاحتیاط ووجوب التقوی ما لم نضم إلی هذه الصغری کبری مفادها أنّ الاستبراء إلی الدین واجب، فیکون قیاساً مؤلفاً من صغری وکبری أنّ اتقاء الشبهة هو استبراء للدین، والاستبراء للدین یکون واجباً، إذن: یجب اتقاء الشبهة واجتنابها، وهو المطلوب. فلابدّ من تألیف هذا القیاس حتّی یکون منتجاً ومثمراً، بینما الروایة لیس فیها دلالة علی هذه الکبری، ولا تقول أنّ الاستبراء للدین واجب، وإنّما هی تقول أنّ من اتقی الشبهات استبرأ لدینه، لکن هل الاستبراء للدین واجب فی جمیع المجالات، أو لا ؟ هذا لا یثبت بالروایة، ولعلّه لا یثبت أیضاً بأدلّة أخری. إذن: الروایة لا تصلح أنْ یُستدَل بها علی وجوب الاجتناب والاحتیاط فی الشبهات.

الروایة الثالثة: مرفوعة أبی شعیب المرویّة فی الخصال، قال:(أورع الناس من وقف عند الشبهة). (2) والکلام فیها نفس الکلام فی الروایة السابقة، لکن ما الدلیل علی وجوب الأورعیّة ؟ وما الدلیل علی أنّه یجب علی الإنسان أنْ یکون أورع الناس، حتّی تدل علی أنّه یجب أنْ یقف عند الشبهة ؟ الروایة لیس فیها دلالة علی ذلک، غایة الأمر هو أنّها تقول أنّ أورع الناس هو من وقف عند الشبهة، وهذا صحیح، لکن الروایة لا یثبت بها وجوب الأورعیة حتّی یثبت بضمّ هذه الکبری إلی الصغری المستفادة من الروایة وجوب الوقوف عند الشبهة.

ص: 70


1- (3) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 173.
2- (4) الخصال، الشیخ الصدوق، ص 16.

الروایة الرابعة: مرسلة الطبرسی أرسلها فی تفسیره الصغیر:(دع ما یریبک إلی ما لا یریبک). (1) الشبهة تریبک، دعها إلی ما لا یریبک، بالنتیجة لا تقدم علی عملٍ فیه ریب، والإقدام علی الشبهة هو إقدام علی عملٍ فیه ریب.

ویناقش فی هذه الروایة: بأنّه غیر معلوم أنّها ناظرة إلی محل الکلام؛ وذلک لأنّه لم یؤخذ الشکّ فی الحکم فی موضوعها حتّی تکون ناظرة إلی محل الکلام، وإنّما المأخوذ فیها هو عنوان(الریب)، ومن قال أنّ الریب المقصود فی المقام هو الریب المضاف إلی التکلیف حتّی تکون ناظرة إلی محل الکلام، یعنی دع التکلیف الذی یریبک وتشکّ فیه، حتّی یُستدل بها علی وجوب الاحتیاط والتوقّف فی محل الکلام، الشکّ فی التکلیف لم یؤخذ بشکلٍ واضحٍ فی موضوع هذه الروایة، وإنّما المأخوذ هو الریب، ولا دلیل علی إضافة الریب فی الروایة إلی الحکم الشرعی، حتّی یقال أننّا مأمورون بترک الأحکام الشرعیة التی فیها ریب وشکّ وشبهة، وعدم الإقدام علیها، فیستدَلّ بها علی وجوب الاحتیاط، بینما هذا لم یؤخذ فی الروایة، ولعلّ الریب مضاف إلی شیءٍ آخر، ولعلّها فی مقام تقریر قضیة ومطلبٍ آخر لا علاقة لها بمحل الکلام، وهی أنّ الأعمال التی یقوم بها الإنسان إذا دار أمرها بین عملٍ فیه ریب، وبین عملٍ لا ریب فیه، إرشاد إلی أنّه دع ما یریبک إلی ما لا یریبک، اقدم علی أعمالٍ لیس فیها شبهة وریب وتردّد، ولیست ناظرة إلی الشکّ فی الحکم الشرعی الذی هو محل الکلام فی الشبهات الحکمیة، وترید أنْ تأمر بالتوقف وعدم الإقدام، ناظرة إلی قضیة عامّة، أنّ الإنسان عندما یؤمر من باب النصیحة ومن باب التعلیم بأنْ لا تقدم علی الأمور المریبة، دعها إلی الأمور التی لیس فیها ریب، فتکون الروایة أجنبیة عن محل الکلام.

ص: 71


1- (5) تفسیر جوامع الجامع، الشیخ الطبرسی، ج 1، ص 63.

هناک روایات أخری من هذا القبیل لا داعی لذکرها، فنکتفی بهذا المقدار

القسم الثانی من الروایات: المُستدل بها علی وجوب الاحتیاط، والتی تعرّض لها علماؤنا، ورکّزوا الکلام علیها، وبیّنوا کیفیّة الاستدلال بها، والمناقشات الواردة علیها، وقسّموا هذا القسم من الروایات المستدل بها إلی ثلاثة طوائف من الأخبار:

الطائفة الأولی: الطائفة الآمرة بالتوقّف عند الشبهات، الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، وأمثالها.

الطائفة الثانیة: الأخبار الآمرة بالاحتیاط فی الشبهات، لسانها لیس لسان الوقوف عند الشبهة، وإنّما لسانها لسان الأمر بالاحتیاط(فعلیکم بالاحتیاط) کما فی بعض الروایات الآتیة، أو(فعلیک بالحائطة لدینک)، وأمثالها کما سیأتی.

الطائفة الثالثة: أخبار التثلیث المعروفة(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشبهات بین ذلک).

نتکلّم أولاً عن الطائفة الأولی التی هی الأخبار الآمرة بالتوقف: هذه الأخبار کلّها وردت بلسان الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، وهذا اللّسان وارد فی عدّة روایاتٍ إدّعی أنّها مستفیضة؛ بل قیل أنّها متواترة، لکن الظاهر أنّه من الصعب جدّاً إثبات التواتر، ولا یبُعد أنّها مستفیضة، ولعلّه بعجالة عثرنا علی ستّ روایات، لکنّ لعلّ هناک روایات أخری. هناک أربع روایات مرویّة فی الباب الثانی عشر من أبواب صفات القاضی، وهی الحدیث 2، و13، و15، و57، کل هذه الروایات ورد فیها هذا العنوان(الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة). (1) وفی الباب التاسع هناک حدیثان، الحدیث الأوّل من الباب التاسع من نفس الأبواب، والحدیث الخامس والثلاثون، أیضاً ورد فیها هذا التعبیر، وبقطع النظر عن التواتر والاستفاضة لا إشکال فی وجود ما هو صحیح سنداً من هذه الأخبار، کالحدیث الأخیر، فأنّه صحیح سنداً بلا إشکال. إذن: هذا اللّسان ثابت بحسب الموازین المعتبرة فی إثبات الروایات.

ص: 72


1- (6) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 155. و ص 158. و ص 159. و ص 171.

تقریب الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار علی وجوب الاحتیاط: یکون بدعوی أنّ هذه الأخبار ظاهرة فی وجوب التوقّف عند الشبهة. نعم، هی لم تأمر بالتوقّف بشکلٍ صریح(قف عند الشبهة) لکنّها ظاهرة فی وجوب التوقّف عند الشبهة، غایة الأمر أنّها بیّنت ذلک بلسان الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، ممّا یُفهم منها أنّها ترید أنْ تقول أنّ اقتحام الشبهة فیه هلکة، وفی معرض الهلکة، وأنّ وقوفک عند الشبهة أحسن من أنْ تقع فی الهلکة عند اقتحامک لها، فالوقوف لیس فیه هلکة، والاقتحام فیه احتمال الهلکة، یعنی الإنسان یُعرّض نفسه إلی الهلکة، فیُفهم منها وجوب التوقّف، لکن بُیّن بلسان أنّ هذا خیر من هذا، لیس خیراً بمعنی أفعل التفضیل؛ بل هنا مجرّدة عن أفعل التفضیل، وإنّما هذا یکون هو المعیّن وهو الوقوف عند الشبهة لئلا تقع فی الهلکة. هذا الاستدلال بهذه الروایة ویستفاد منها وجوب الوقوف عند الشبهة، وهذا هو مقصود الأخباریین، أنْ یثبتوا أنّ الشبهات لابدّ من التوقّف فیها، وعدم الاقتحام کما یقول الأصولیین

هناک عدّة مناقشات فی الاستدلال بهذه الطائفة من الأخبار، واهتمّ بها علماؤنا(رضوان الله علیهم):

المناقشة الأولی: مناقشة معروفة مستفادة من کلمات الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) (1) وذکرها من تأخّر عنه، وخصوصاً السید الخوئی(قدّس سرّه) (2) ، ذُکرت فی کلا تقریریه(الدراسات والمصباح) کمناقشة مستقلّة، لکن أساسها هو الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) فی الرسائل. حاصل هذه المناقشة هو: أنّ الوارد فی هذه الأخبار هو عنوان (الشبهة). یُدّعی أنّ الشبهة ظاهرة فی الأمر الذی یکون ملتبساً ومشتبهاً بقولٍ مطلق من جمیع الجهات، یعنی الأمر الذی یکون ملتبساً واقعاً وظاهراً. بعبارةٍ أخری: ما لا یُعرف حکمه الواقعی، ولا حکمه الظاهری؛ عندئذٍ یکون هذا ملتبساً، وشبهة. هذا هو موضوع الروایات، أی ما یکون ملتبساً بلحاظ الحکم الواقعی والحکم الظاهری، وتدلّ علی وجوب التوقّف فی شبهةٍ من هذا القبیل. وأمّا إذا کان الشیء ملتبساً بلحاظ حکمه الواقعی ولیس کذلک بلحاظ حکمه الظاهری، هذا یخرج عن موضوع الروایات، ولا تدلّ الروایات علی وجوب التوقّف فیه؛ لأنّه لیس شبهةً، وما یُعلم حکمه الظاهری کما یُعلم حکمه الواقعی، کما لو علمنا حکمه واقعاً، فإذا علمنا بحکم الشیء ظاهراً خرج عن کونه شبهة، إنّما یبقی شبهة إذا قلنا أنّ الشبهة تختص بما لا یُعلم حکمه الواقعی، لکن إذا عممّناه إلی ما لا یُعلم حکمه الواقعی، وما لا یُعلم حکمه الظاهری، فإذا علمنا حکم شیء ظاهراً، فأنّه یخرج عن کونه شبهة، ویخرج عن الروایات ولا یمکن الاستدلال بالروایات علی وجوب التوقّف فیه. وبناءً علی هذا لا یصح الاستدلال فی محل الکلام بالروایات فی محل الکلام؛ لأنّه فی محل الکلام، أی فی الشبهات الحکمیة البدویة بعد الفحص، فی هذه الشبهات قامت الأدلّة علی الترخیص فی الارتکاب، وهی أدلّة البراءة المتقدّمة، فأثبتت فیه حکماً ظاهریاً مفاده البراءة، فتکون هذه الشبهة محل الکلام ممّا یُعلم حکمه الظاهری، فإذا علمنا حکمه الظاهری باعتبار أدلّة البراءة؛ حینئذٍ لا یکون مشمولاً لهذه الروایات الآمرة بالتوقّف؛ لأنّه بقیام الأدلّة علی البراءة فیه، وعلی الترخیص فیه یخرج عن کونه شبهة؛ لأنّه عُلم حکمه الظاهری عن طریق تلک الأخبار، وإذا خرج عن کونه شبهة، یعنی خرج عن موضوع هذه الروایات، فکیف یُستدَل بهذه الروایات والأخبار علی وجوب التوقّف فیه ؟!

ص: 73


1- (7) فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 71.
2- (8) دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 277. و مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 299.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط العقلی

کان الکلام فی الطائفة الأولی من الأخبار التی اُستدل بها علی وجوب الاحتیاط وهی ما دلّ علی وجوب التوقّف عند الشبهة بلسان الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، وقلنا أنّ هذا الاستدلال واجه عدّة اعتراضات ومناقشات، وقد ذکرنا المناقشة الأولی فی الدرس السابق، وکان حاصلها هو: أنّ هذه الأخبار مختصّة بغیر موارد العلم بالترخیص الظاهری. یعنی بعبارة أخری: مختصّة بمن لا یعلم بالحکم الواقعی، ولا بالحکم الظاهری؛ لأنّ الوارد فیها هو عنوان(الشبهة) والشبهة یراد بها ما یکون الشیء مشتبهاً أو ملتبساً، سواء من ناحیة الحکم الواقعی ، أو من ناحیة الحکم الظاهری.

إذن: هی لا تشمل محل الکلام، یعنی لا تشمل ما إذا کان الترخیص الظاهری ثابتاً، وفی محل الکلام أدلّة البراءة السابقة تثبت الترخیص الظاهری، فلا تکون مشمولة لأدلّة التوقف.

السید الخوئی(قدّس سرّه) بعد أنْ ذکر هذا، حاول الاستدلال علی اختصاص هذه الأخبار، أوقل عدم شمول هذه الأخبار لما إذا عُلم الترخیص الظاهری فی الشبهة کما فی محل الکلام، (1) استَدلّ علی اختصاص الأخبار وعدم شمولها لمحل الکلام بأنّ الدلیل هو: لا إشکال ولا خلاف فی عدم وجوب التوقّف فی الشبهات الموضوعیة بالاتفاق، وکذلک الشبهات الحکمیة الوجوبیة بالاتفاق، وهذا معناه أنّ هناک اتفاقاً علی أنّ الشبهات الموضوعیة والوجوبیة خارجة عن أخبار باب التوقّف، لا بدّ أن تکون خارجة عن أخبار باب التوقّف، وإلاّ، کیف اتُفق علی عدم وجوب التوقف فیها. یقول(قدّس سرّه): هذا الخروج ----- خروج الشبهة الموضوعیّة والوجوبیة ----- عن أخبار التوقف، لیس من باب التخصیص والإخراج الحکمی؛ لأنّ لسان هذه الروایات لسان آبٍ عن التخصیص، لسانها لسان أنّ الوقوف عند الشبهة خیر من أنْ تقع فی الهلکة، هنا لا معنی لأنْ یقال بأننّا نخصصّ هذا فی موردٍ، ونلتزم بأنّ الوقوع فی الهلکة هنا یجوز، وهنا لا یجوز، أی نرخّص فی الوقوع فی الهلکة، هذا هو معنی التخصیص الحکمی، فهو لسان یأبی عن التخصیص، فإذا کان آبیاً عن التخصیص؛ فحینئذٍ یتعیّن أنْ یکون الخروج من باب التخصصّ، والإخراج الحکمی، والإخراج الموضوعی.

ص: 74


1- (1) مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 299.

بعبارة أخری: إنّ ما دلّ علی الترخیص فی هذه الشبهات الموضوعیّة والوجوبیّة یکون مخرجاً لمورده عن موضوع أدلّة التوقّف، بمعنی أنّ هذه لیست شبهة، لا أنّه یقول أنّها شبهة لکن لا یجب التوقّف فیها الذی هو معنی التخصیص، الذی هو معنی الإخراج الحکمی، کلا، وإنّما أدلّة الترخیص تقول: هذه لیست شبهة، إخراجٌ من الموضوع، الشبهة الوجوبیة، والشبهة الموضوعیة لیست شبهة؛ لأنّه قام فیها دلیل یدلّ علی الترخیص الظاهری. إذن: هی تخرج عن موضوع أدلّة التوقّف. یقول(قدّس سرّه): نفس هذا الکلام ندّعیه فی مقامنا، یعنی فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة بعد الفحص، الذی هو محل النزاع، فالمناقشة تدّعی بأنّ أدلّة الترخیص والبراءة المتقدّمة سابقاً تدلّ علی أنّ هذه لیست شبهة، تُخرج موردها عن موضوع أدلّة التوقّف؛ لأنّ موضوع أدلّة التوقف هی الشبهة، والشبهة هی ما لا یُعلم حکمه الواقعی، ولا الظاهری، وأدلّة الترخیص تثبت الحکم الظاهری، فإذن: یخرج موردها عن کونه شبهة، وهذا معنی الإخراج الموضوعی، ومعنی التخصصّ. هذا کما هو موجود فی الشبهات الوجوبیّة والموضوعیّة؛ لأنّه قال أنّ خروجها لیس من باب التخصیص، فهی لیست شبهة مع جواز اقتحام الهلکة فیها؛ لأنّ لسان اقتحام الهلکة لسان یأبی عن التخصیص، وإنّما مرجعه إلی أنّها لیست شبهة، أی إلی الإخراج الموضوعی، هذا نفسه ندّعیه فی محل الکلام، أدلّة الترخیص کما تجری فی الشبهات الوجوبیّة والموضوعیّة، أیضاً هی شاملة لمحل الکلام، فتکون مخرجة لمحل الکلام عن موضوع أدلّة التوقفّ، فإذن: لا یصح الاستدلال بأدلّة التوقّف علی وجوب التوقّف فی محل الکلام؛ لأنّها بأدلّة الترخیص خرجت عن موضوع أدلّة التوقّف.

ویُلاحظ علی هذه المناقشة:

الملاحظة الأوّلی: الظاهر أنّ وجوب التوقّف عندهم المستفاد من أخبار التوقّف هو حکم ظاهری مثل البراءة، والقضیّة واضحة عندهم أنّ موضوع الحکم الظاهری هو الشکّ فی الحکم الواقعی، أخبار البراءة تقول إذا شککت فی حرمة شیءٍ واقعاً، أنا أجعل لک البراءة، وهذه الأخبار تقول إذا شککت فی حرمة شیءٍ أنا أجعل لک وجوب التوقف. إذن: هی أحکام ظاهریّة، وینبغی أنْ یکون موضوعها هو الشک فی الحکم الواقعی، فلا وجه لتعمیم موضوعها للشک فی الحکم الواقعی، والشکّ فی الحکم الظاهری، وإنّما موضوعها الشکّ فی الحکم الواقعی، کل من یشکّ فی الحکم الواقعی، هذه تجعل له وجوب التوقّف، وتلک تجعل له البراءة، فیقع التعارض بینهما، ولا نستطیع أنْ نقول أنّ موضوع أخبار التوقّف هو الأعم من الشکّ فی الحکم الواقعی، والحکم الظاهری، یعنی کما أنّ العلم بالحکم یخرج عن موضوعها، الحکم الظاهری أیضاً إذا ثبت بدلیل أیضاً یخرج عن موضوعها. نعم، هناک دلیلان، واحد یدلّ علی أنّه عند الشکّ فی الحکم الواقعی هناک براءة، والآخر یدلّ علی أنّه عند الشکّ فی الحکم الواقعی هناک احتیاط، هنا یحصل تعارض بلا حکومة، ولا نستطیع القول أنّ أخبار البراءة تکون مخرجة لموردها عن أخبار التوقّف؛ لأنّ موضوع أخبار التوقّف هو الجهل بالحکم الواقعی، والحکم الظاهری؛ بل أخبار التوقّف محمولها حکم ظاهری، وموضوع الأحکام الظاهریّة هو الشکّ فی الحکم الواقعی.

ص: 75

الملاحظة الثانیة: أنّ مرجع هذا الشیء الذی ذُکر فی هذه المناقشة إلی دعوی أنّ أدلّة البراءة حاکمة أو واردة علی أخبار التوقف، فأخبار البراءة عندما تجعل الترخیص فی موردها، فأنها تکون رافعة لموضوع أدلّة وجوب التوقّف، سواء کان رفعاً تعبّدیاً، أو رفعاً حقیقیاً، هی إمّا حاکمة، أو واردة علی أدلّة التوقّف، مرجع کل هذه المناقشة إلی أنّ أخبار التوقّف لمّا کان موضوعها هو الشکّ فی الحکم الواقعی والظاهری، أخبار الترخیص تقول لیس هناک شکّ فی الحکم الظاهری؛ لأنّها تجعل الترخیص کحکمٍ ظاهری، وبهذا تکون رافعة لموضوع أدلّة التوقّف، کالدلیل الدال علی الحکم الواقعی، کما أنّ الدلیل الدال علی الحکم الواقعی یکون رافعاً لموضوع أدلّة التوقّف، کذلک الدلیل الدال علی الترخیص أیضاً یکون رافعاً لموضوع أدلّة التوقّف، إمّا بالحکومة، وإمّا بالورود؛ حینئذٍ الملاحظة الثانیة تقول: هذا لیس أولی من العکس؛ إذ یمکن أنْ ندّعی أنّ مفاد أدلّة البراءة هو البراءة عند الشکّ فی الحکم الشرعی، هنا یمکن أنْ ندّعی بأنّ الجهل وعدم العلم والشکّ الذی أُخذ فی موضوع دلیل البراءة أعمّ من الشکّ فی الحکم الواقعی والشکّ فی الحکم الظاهری، بمعنی أنّ أدلّة البراءة لا تجعل البراءة لمن یعلم وجوب التوقّف فی هذه الشبهة، أی لا تجعل البراءة لمن یعلم الحکم الظاهری فی هذه الشبهة، کما لا تجعل البراءة لمن یعلم الحکم الواقعی فی هذه الشبهة؛ لأنّ موضوعها الشکّ فی الحکم الشرعی، وبالإمکان أنْ ندّعی أنّ الشکّ فی الحکم الشرعی هو أعم من الحکم الواقعی والحکم الظاهری.

إذن: أدلّة التوقّف عندما تجعل الحکم الظاهری فی موردها تکون رافعة لموضوع أدلّة البراءة؛ لأنّ موضوع أدلّة البراءة هو الشکّ فی الحکم الشرعی الأعم من الحکم الواقعی والحکم الظاهری، وأدلّة التوقّف تجعل حکماً ظاهریاً فی موردها، وبذلک ترفع موضوع أدلّة البراءة، فتکون حاکمة، أو واردة علیها، کما أدُعی أنّ أدلة البراءة تکون حاکمة علی أدلّة التوقّف؛ لأنّ موضوع أدلّة التوقّف هو الأعم، یمکن دعوی ذلک نفسه فی أدلّة البراءة؛ لأنّ موضوع أدلّة البراءة هو عدم العلم مطلقاً،(ما کنّا معذبین حتّی نبعث رسولا)، کنایة عن البیان، والبیان أعم من بیان الحکم الواقعی، أو بیان الحکم الظاهری، ایضاً تُدّعی هذه الدعوی، وعلی هذا تکون أخبار التوقّف حاکمة أو واردة علی أدلّة البراءة، بینما هو یدّعی أنّ أدلّة البراءة هی التی تکون حاکمة، أو واردة علی أخبار التوقّف، فلا داعی لترجیح هذا علی هذا، إذا کان البناء علی أنْ نقول بأنّ هذه الأحکام الظاهریّة فی هذه الأدلّة لیس موضوعها هو الشکّ فی الحکم الواقعی، وإنّما موضوعها هو الأعم من الشکّ فی الحکم الواقعی، والشکّ فی الحکم الظاهری، فهذا یرفع موضوع هذا، وهذا یرفع موضوع هذا. الالتزام بأنّ أدلّة البراءة هی التی تکون حاکمة، أو واردة، وبالتالی نلتزم فی محل الکلام بالبراءة وعدم وجوب التوقّف خلافاً للأخباریین لا وجه له بهذا البیان.

ص: 76

الملاحظة الثالثة: أنّه لماذا لا یُلتزم بالتخصیص ؟ بأنْ یُدّعی بأنّ أدلّة البراءة تتقدّم، کمناقشةٍ لما ذکره فی الاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی محل کلامنا، المناقشة تکون بأنها لا تشمل محل الکلام؛ لأنّ محل الکلام خرج بالتخصیص، یعنی أدلّة البراءة تتقدّم علی أدلّة التوقّف بالتخصیص، والمحذور الذی ذکره هو أنّ أخبار التوقّف تأبی عن التخصیص؛ ولذا لابدّ أنْ یکون الخروج خروجاً من الموضوع الذی یستلزم الحکومة، فالخروج من الموضوع یعنی أنّ هذه لیست شبهة، ومورد دلیل البراءة أصلاً هو لیس شبهة، فإذا قلنا أنّ دلیل البراءة یشمل محل الکلام، ففی محل کلامنا لا توجد شبهة، فلا تشمله أخبار التوقّف لخروجه عن موضوعه. هذا اللّسان هل یأبی عن التخصیص ؟ صحیح أنّ مسألة الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، هذا اللّسان یأبی عن التخصیص، فلا معنی لأنْ نفرّق بین موردٍ وموردٍ، فنقول هنا الوقوف عند الشبهة خبر من الاقتحام فی الهلکة، وهنا الوقوف عند الشبهة لیس خیراً من الاقتحام فی الهلکة؛ بل لعلّ الاقتحام فی الهلکة یکون خیراً من الوقوف عند الشبهة، لکن الذی یُلاحظ هو أنّ تقریب الاستدلال بأدلّة التوقّف کان بهذا الشکل: یُستفاد منها صغری وکبری، الصغری بمضمون أنّ الاقتحام فی الشبهة فیه مضنّة الوقوع فی الهلکة، والمقصود بالهلکة عندهم، الهلاک الأخروی، یعنی العذاب، أمّا الکبری فهی بمضمون أنّ الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، فنستفید من هذا وجوب التوقّف عند الشبهة؛ لأنّ الاقتحام فی الشبهة مضنّة للهلکة، والوقوف عند الشبهة خیر، فیتعیّن الوقوف عند الشبهة وعدم الاقتحام فی الهلکة، فی دلیل الترخیص عندما یقوم دلیل الترخیص علی البراءة والترخیص فی محل الکلام، هذا لیس تخصیصاً للکبری حتّی یقال أنّ هذه الکبری تأبی عن التخصیص، فلا یمکن الالتزام بالتخصیص، دلیل الترخیص لا یرید أنْ یقول بأنّ هذه الشبهة التی هی محل الکلام، الوقوف فی الشبهة لیس خیراً من الاقتحام فی الهلکة، وإنّما هو تخصیص من الصغری؛ لأنّ الترخیص یجعل التأمین والبراءة، یعنی یقول للمکلّف فی اقتحامک لهذه الشبهة لا مضنّة للهلکة، أدلّة البراءة کلّها بلسان قبح العقاب بلا بیان، فهو یؤمّن من ناحیة الهلاک، کأنّه یرید أنْ یقول أنّ الاقتحام فی هذه الشبهة لیس فیه مضنّة للهلاک والعقاب الأخروی؛ لأنّه یؤمّن من ناحیته، وهذه الصغری قابلة للتخصیص، ولیست آبیةً عن التخصیص، ولا محذور فی أنْ نقول أنّه ورد أنّ الاقتحام فی الشبهة مضنّة للوقوع فی الهلکة، إلاّ هذه الشبهة، فأنّ الاقتحام فیها لیس فیه مضنّة للهلکة، الکبری لسانها لسان یأبی عن التخصیص، أمّا الصغری فلسانها لا یأبی عن التخصیص، والمدّعی فی المقام بناءً علی التخصیص، ------ وسیأتی طرح هذا الشیء فی ما بعد ------ بناءً علی أنّ أدلّة البراءة تتقدّم علی أدلّة التوقّف بالتخصیص، هذا لا یمکن دفعه بالقول أنّ أدلّة التوقّف آبیة عن التخصیص؛ لأنّ تقدیم دلیل البراءة بالتخصیص علی دلیل التوقّف لا یستلزم تخصیص الکبری الآبیة عن التخصیص، وإنّما هو یستلزم تخصیص الصغری الغیر آبیة عن التخصیص.

ص: 77

وبهذا نصل إلی المناقشة الثانیة فی أصل الاستدلال: ممّا تبیّن أنّ ادّعاء التقدیم علی أساس الورود، أو الحکومة بالبیان الذی ذُکر من أنّ أدلّة البراءة تکون رافعة للشبهة فی محل الکلام ومُخرجة لمحل الکلام عن أدلّة وجوب التوقّف، فلا یصح الاستدلال بأدلّة وجوب التوقّف علی وجوب التوقّف فی محل الکلام، هذه المناقشة لیست تامّة.

المناقشة الثانیة: ادّعاء التخصیص فی المقام، بأنْ یقال: أنّ دلیل البراءة یتقدّم علی أدلّة التوقّف بالتخصیص، بمعنی أنّ محل الکلام وإنْ کان مشمولاً لإطلاق أدلّة التوقّف، إلاّ أنّه یخرج عنها بأدلّة البراءة من باب التخصیص؛ وحینئذٍ یبطل الاستدلال؛ لأنّ محل الکلام خرج عن أخبار التوقّف. إذن: النتیجة واحدة، وهی عدم صحة الاستدلال بأخبار التوقّف فی محل الکلام؛ لأنّ محل الکلام حسب المناقشة الأولی خرج موضوعاً عن أخبار التوقّف، وحسب هذه المناقشة خرج حکماً عن أخبار التوقّف، فبالنتیجة لا یجری التوقّف فی محل الکلام، وهو المطلوب.

لکن یقال: أنّ التقدیم بالتخصیص یتوقّف علی أنْ تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، علی أنْ تکون النسبة بینهما هی نسبة العموم والخصوص المطلق، أنْ تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف فتتقدّم علیها بالتخصیص، لکن کیف یمکن إثبات هذا ؟ وما هو الدلیل علی اختصاص أخبار البراءة فی محل الکلام حتیّ یقال أنّ أخبار التوقّف تشمل محل الکلام بالإطلاق، بینما أخبار البراءة مختصّة بمحل الکلام، فتکون أخصّ مطلقاً ؟ مع أنّ لسانها لسان عام، کما أنّ أخبار التوقّف تشمل کل الشبهات، أخبار البراءة أیضاً تشمل کل الشبهات، ولیست مختصّة بمحل الکلام، (رُفع ما لا یعلمون)، و(ما کنّا معذبین حتی نبعث رسولاً)....الخ من الأدلّة التی تقدّم الاستدلال بها علی البراءة، فهی لیست مختصّة بمحل الکلام، بالشبهة الحکمیّة التحریمیّة التی یقع فیها الکلام؛ بل أنّها تشمل کل الشبهات، وکل شیء لا یُعلم حکمه الواقعی، ولا یختصّ بالشبهة التحریمیّة دون الوجوبیة، لسانها لسان عام؛ وحینئذٍ تکون النسبة بینهما هی التباین، لا العموم والخصوص المطلق حتّی نقدّم أخبار البراءة علی أخبار التوقّف بالتخصیص کما یُدّعی فی المناقشة، ومن هنا لابدّ من توجیه هذه المناقشة، أی التقدیم علی أساس التخصیص لابدّ من توجیهه بتوجیهٍ یعتمد علی کبری انقلاب النسبة حتّی تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص، وذلک بأنْ یقال أنّ أخبار البراءة خرج منها الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، وخرج منها الشبهة قبل الفحص، وخرج منها شبهات أخری کما فی الموارد التی قام الدلیل فیها علی وجوب الاحتیاط، کالدماء، والفروج؛ بل حتّی الأموال، هذه شبهات خرجت عن أخبار البراءة، بمعنی أنّه قام الدلیل علی وجوب الاحتیاط فیها. إذن: هذه شبهات خرجت عن أخبار البراءة.

ص: 78

حینئذٍ یقال: بعد خروج هذه الشبهات عن أخبار البراءة؛ حینئذٍ تنقلب النسبة؛ حینئذٍ تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف؛ لأنّ هذه الشبهات التی خرجت من أخبار البراءة باقیة علی دخولها تحت أدلّة التوقّف، فلا مانع من شمول أخبار التوقف للشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی، وأخبار التوقّف أیضاً تشمل محل الکلام، وتشمل هذه الشبهات، بینما هذه الشبهات خرجت عن أخبار البراءة، وعلیه: سوف تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص بناءً علی کبری انقلاب النسبة.

وبعبارةٍ أکثر وضوحاً: فی المقام، بناءً علی هذا الکلام یوجد عندنا ثلاثة أدلّة، ولابدّ أنْ نتعامل مع هذه الأدلة الثلاث، لدینا دلیل یدلّ علی البراءة، ودلیل ثانٍ یدلّ علی وجوب الاحتیاط فی شبهات معیّنة مقرونة بالعلم الإجمالی، فی الدماء، وفی الفروج، وقبل الفحص، وثالثاً لدینا أخبار التوقّف. النسبة بین أخبار البراءة وأخبار التوقّف قبل تخصیص أخبار البراءة بأخبار الاحتیاط هی نسبة التباین، لکن عندما نخصصّ أخبار البراءة بأخبار الاحتیاط فی الشبهات المذکورة المعیّنة، ونخرج منها الشبهات المذکورة؛ حینئذٍ تنقلب النسبة بین أخبار البراءة، وأخبار التوقّف من التباین إلی العموم والخصوص المطلق، بمعنی أنّ أخبار البراءة تکون أخص مطلقاً من أخبار التوقّف، فتتقدّم علیها بالتخصیص.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

قد یُعترَض علی تخریج المناقشة الثانیة التی ذکرناها فی الدرس السابق بأنّ نفس الکلام الذی تقولونه فی أخبار البراءة یمکن أنْ یقال فی أخبار التوقّف، فکما أنّ هناک شبهاتٍ قام الدلیل علی خروجها من أخبار البراءة، وعلی هذا الأساس تکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، کذلک قام الدلیل علی خروج بعض الشبهات من أخبار التوقّف، کالشبهة الموضوعیّة، والشبهة الحکمیّة الوجوبیّة؛ لأنّ الإجماع قائم علی عدم وجوب التوقّف فی هذه الشبهات. إذن: هی خرجت عن أخبار التوقّف للإجماع علی عدم وجوب الاحتیاط فیها، وهذا یجعلها أخصّ مطلقاً من أخبار البراءة، لیست هناک أولویّة لافتراض أنّ أخبار البراءة أخصّ من أخبار التوقّف؛ بل قد نلحظ هذا الجانب، ونقول: أخبار التوقّف أیضاً خرجت منها بعض الشبهات، وهذه الشبهات مشمولة لأدلّة البراءة، کالشبهة الموضوعیّة، والشبهة الحکمیّة الوجوبیّة، بینما خرجت من أخبار التوقّف، وبهذا الاعتبار تکون أخبار التوقّف أخصّ مطلقاً من أخبار البراءة.

ص: 79

وبعبارةٍ أخری: بناءً علی هذین التخصیصین، والإخراجین تکون النسبة بین أخبار البراءة وأخبار التوقّف هی العموم والخصوص من وجهٍ، فهما یجتمعان فی محل الکلام، أی فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة بعد الفحص، أخبار البراءة تختصّ بالشبهة الموضوعیّة، والشبهة الوجوبیّة؛ لأنّها خرجت من أخبار التوقّف، بینما تختصّ أخبار التوقّف بالشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی، والشبهة قبل الفحص، والشبهة فی الدماء والفروج، فأنّها غیر مشمولة بأخبار البراءة، فتکون النسبة هی العموم والخصوص من وجهٍ، فلا داعی حینئذٍ للتقدیم بالأخصیّة، فلا نستطیع حینئذٍ أنْ نقول أنّ أخبار البراءة تتقدّم علی أخبار التوقّف بالأخصیّة؛ لأنّ النسبة بینهما ----- بناءً علی هذا الکلام ------ سوف تکون هی نسبة العموم من وجه، ویحصل التعارض بینهما فی مادّة الاجتماع التی هی محل الکلام.

لکن قد یُدفع هذا الاعتراض بما ذکره بعض المحققین من أنّ الإجماع القائم علی خروج الشبهة الموضوعیّة، والشبهة الحکمیّة الوجوبیّة من أخبار التوقّف لیس دلیلاً مستقلاً فی قِبال الأدلّة التی هی بأیدینا؛ بل هو یرجع إلی أخبار البراءة، بمعنی أنّ الأصولیین عندما یقولون بعدم وجوب الاحتیاط والتوقّف فی الشبهة الموضوعیّة، فأنّهم یتمسّکون بأخبار البراءة، باعتبار أنّ أخبار البراءة شاملة للشبهة الموضوعیّة وللشبهة الحکمیّة الوجوبیّة، فدلیل إخراج هذه الشبهات من أخبار التوقّف هی أخبار البراءة؛ بل الظاهر أنّ ذلک هو مستند الأخباریین عندما یلتزمون بعدم وجوب التوقّف فی الشبهة الموضوعیّة، وعدم وجوب التوقّف فی الشبهة الحکمیّة الوجوبیّة، الظاهر أنّه لیس لدیهم دلیل علی عدم وجوب التوقّف بعد شمول أخبار التوقّف لهذه الشبهات، خصوصاً الشبهة الحکمیّة الوجوبیّة؛ إذ لا فرق بینها وبین الشبهة الحکمیّة التحریمیّة، فالظاهر أنّه لا مستند لهم فی هذا الإخراج إلاّ التمسّک بأخبار البراءة. فإذن: الإجماع لیس دلیلاً مستقلاً فی قِبال هذه الأدلّة؛ بل الصحیح هو ما ذُکر سابقاً فی أصل المناقشة، وهو أنّ ما بأیدینا من الأخبار هو عبارة عن ثلاثة أخبار، أخبار البراءة والأخبار التی تأمر بالاحتیاط فی شبهاتٍ معیّنة، فی الدماء، وفی الفروج، وفی الشبهة قبل الفحص ما یستدلّ به علی ذلک مقرونة بالعلم الإجمالی وأخبار التوقّف، ولا یوجد لدینا دلیل آخر. نعم، یُدّعی الإجماع، لکنّه إجماع مستند إلی أخبار البراءة، النسبة بین أخبار البراءة، وأخبار التوقّف وإنْ کانت هی التباین علی ما ذکرنا، لکن بعد تخصیص أخبار البراءة بأخبار الاحتیاط، بما دلّ علی وجوب الاحتیاط فی شبهات معیّنة تنقلب النسبة، وتکون أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف.

ص: 80

هذا غایة ما یمکن أنْ یُقال فی بیان هذه المناقشة. نعم هذه المناقشة مبنیّة علی کبری انقلاب النسبة، فإذا أنکرنا انقلاب النسبة کما هو الظاهر؛ فحینئذٍ لا تتمّ هذه المناقشة، ولا یصحّ أنْ یقال أنّ أخبار البراءة أخصّ مطلقاً من أخبار التوقّف، لا قبل الانقلاب، ولا بعد الانقلاب؛ لأننّا لا نقول بانقلاب النسبة، فهی مبنیّة علی دعوی انقلاب النسبة.

المناقشة الثالثة: هی المناقشة المعروفة التی تکررّت فی جملة من الأخبار بأنْ یدّعی أنّ المستفاد من هذه الأخبار هو فرض مضنّة الهلکة فی مرتبةٍ سابقةٍ علی هذه الأخبار، وبقطع النظر عنها؛ ولذا نجد أنّ هذه الأخبار عللّت وجوب التوقّف، أو ما یُفهم منها من حرمة الاقتحام فی الشبهة بأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه هلکة، أو ما فیه مظنّة الهلکة، فکأنّها فرضت أنّ هذه الشبهة فیها مظنّة الهلکة فی مرتبةٍ سابقةٍ علی أخبار التوقّف، أخبار التوقّف جاءت لتأمر بالتوقّف، وتنهی عن الاقتحام، عللّت ذلک بأنّ فیه مظنّة الهلکة. إذن: لکی تشمل هذه الأخبار مورداً، لابدّ من افتراض أنّ اقتحام الشبهة فی هذا المورد فیها مظنّة الهلکة، وأنّ هذا شیء ثابت بقطع النظر عن هذه الأخبار. هذا واضح من أخبار التوقّف، فأخبار التوقّف تقول أنّ الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة. لکنْ من قال أنّ اقتحام هذه الشبهة فیه هلکة ؟ إذن: أخبار التوقّف افترضت أنّ الشبهة التی تأمر بالتوقّف فیها هی شبهة فی اقتحامها مظنّة الهلکة، فهی لا تشمل إلاّ الشبهات التی تکون من هذا القبیل، یعنی الشبهات التی تنجّزت فی مرتبةٍ سابقةٍ علی هذه الأخبار، وبقطع النظر عنها، فإذا تنجّزت یکون فیها عقاب وهلکة، أخبار التوقف تقول بوجوب الوقوف عند هذه الشبهة، فهی تشمل الشبهات التی تنجّزت فی مرتبةٍ سابقةٍ علیها، وفرغنا فیها عن المنجّزیّة، وأنّ الاقتحام فیها اقتحام فی ما فیه مظنّة الهلکة، فتشملها الأخبار. وأمّا الشبهات التی لم نفرغ عن تنجّزها فی مرتبةٍ سابقةٍ، وإنّما نحن الآن فعلاً نرید أنْ نتکلّم عن أنّها منجّزة، ویجب فیها الاحتیاط، أو لا ؟ فتجری فیها البراءة. مثل هذه الأخبار لا تشملها أخبار التوقّف، وما نحن فیه من هذا القبیل، نحن نتکلّم عن شبهةٍ حکمیّةٍ تحریمیّةٍ بعد الفحص، لا قبله؛ لأنّ الاحتمال قبل الفحص یکون منجّزاً، وشبهة بدویّة غیر مقرونة بالعلم الإجمالی حتّی یکون العلم الإجمالی هو المنجّز للواقع فی مورد الشبهة، نتکلّم عن شبهةٍ من هذا القبیل، هذه لم نفرغ عن تنجّزها فی مرتبةٍ سابقةٍ، مثل هذه الشبهة لا تشملها هذه الأخبار.

ص: 81

وبعبارة أخری: أنّ الأمر بالتوقّف فی هذه الأخبار یتعیّن أنْ یکون أمراً إرشادیاً، ولا یُعقل أنْ یکون مولویاً منجِّزاً للواقع فی مورد الشبهة؛ لأنّ هذه الأخبار افترضت التنجیز فی مرحلةٍ سابقةٍ علیها، فکیف یُعقل أنْ یکون الأمر بالتوقّف فیها أمراً مولویاً تترتّب علیه المنجّزیّة کما هو شأن الأوامر المولویّة ؟ الأوامر المولویّة تترتّب علیها المنجزیّة، ویترتّب علیها استحقاق العقاب علی المخالفة، یأتی الأمر المولوی فیترتّب علیه التنجیز الواقع، واستحقاق العقاب علی المخالفة، بینما هذه الأخبار فرضت التنجیز فی مرحلةٍ سابقةٍ، فکیف تقول أنّه أمر مولوی ؟ المأخوذ فی الأمر المولوی هو أنّ التنجیز واستحقاق العقاب علی المخالفة هو فی طول ذلک الأمر المولوی، بینما هذه الأخبار فرضت التنجیز، واستحقاق العقاب والهلکة علی المخالفة فی مرحلةٍ سابقةٍ علیها، فلا یُعقل أنْ تکون هذه الأوامر أوامر مولویّة ویتعیّن حملها علی أنّها مجرّد إرشاد، والأوامر الإرشادیة کما نعلم هی لیست أوامر فی الحقیقة، وإنّما هی أخبار، ونُصْح، ولا یترتّب علیها أیّ إلزام سوی الإلزام الموجود فی نفس المُرشَد إلیه إذا کان بإلزام، وإذا لم یکن فیه إلزام، فلا یترتب علیه إلزام، فهو مجرّد إرشاد إلی أنّ هذا منجّز علیک بمنجِّزٍ سابقٍ، فلا تُقدِم علیه ولا تقتحمه، إرشاد إلی لزوم التوقّف عقلاً عندما یثبت المنجّز فی مرحلةٍ سابقةٍ، فإذن: لا نستطیع أنْ نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط کما هو مدّعی الأخباریین؛ لأنّ معنی أننّا نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط هو أنّها أوامر مولویة یُستفاد منها وجوب الاحتیاط، (1) فإذا لم تکن أوامر مولویّة؛ فحینئذٍ لا یمکن أنْ نستدلّ بها علی وجوب الاحتیاط؛ لأنّها لیست أوامر مولویّة، وإنّما هی ترشد إلی لزوم التوقّف فی الشبهات المنجّزة بمنجّزٍ فی مرتبةٍ سابقةٍ علیها، ولیس فیها دلالة علی وجوب الاحتیاط فی شبهةٍ لم تتنجّز، وإنّما نرید کما هو مُدّعی الأخباریین أنْ نثبت التنجیز، واستحقاق العقاب علی المخالفة بنفس هذه الأخبار.

ص: 82


1- (1) طبعاً الأوامر المولویّة أعمّ من أنْ تکون نفسیة، أو طریقیّة، کل منهما أوامر مولویّة، فإذا دلّ دلیلٌ علی وجوب الاحتیاط فی الدماء، فهو أمر مولوی، لکنّه طریقی غرضه تنجیز الواقع.

صیاغة المناقشة بصیاغةٍ أخری

هذه المناقشة قد تُصاغ بصیاغةٍ أخری، لکن الروح واحدة، حیث هناک صیاغة أخری معروفة منقولة عنهم، وهی أنّ الأمر فی أخبار التوقّف لا یخلو إمّا أنْ یکون أمراً نفسیاً، أو أمراً طریقیاً، أو أمراً إرشادیاً.

أمّا الاحتمال الأوّل والذی هو أنْ یکون أمراً نفسیّاً، فهو مقطوع العدم؛ إذ لا نحتمل أنّ الأمر بالتوقّف هو أمر نفسی علی غرار الأمر بالصلاة والصوم، قطعاً لیس أمراً نفسیاً، وإنّما هو أمر ینظر به الواقع، هو ینجّز الواقع، یعنی طریق لتنجیز الواقع، وهناک فرق بین الأمر بالصلاة، فهو لیس طریقاً لشیء؛ بل هو أمر بالصلاة لوجود ملاکٍ قائمٍ فی نفس الصلاة، بینما الأمر بالاحتیاط لیس لوجود ملاکٍ قائمٍ فیه، وإنّما لغرض إدراک الواقع، فهو أمر طریقی.

کما أنّه ------ أی الأمر فی أخبار التوقّف ------ لیس أمراً مولویاً طریقیّاً؛ للنکتة المتقدّمة المذکورة فی البیان السابق؛ إذ لا یُعقل أنْ یکون أمراً مولویّاً أصلاً، حتّی لو کان طریقیاً؛ لأنّ الأمر المولوی من شأنه أنْ تکون المنجّزیّة واستحقاق العقاب فی طوله، بینما هذه الأخبار ظاهرة فی أنّ الأمر بالتوقّف هو فی طول المنجزیة، الأمر بالتوقّف هو معلول للمنجّزیة المفروضة فی مرتبةٍ سابقةٍ. إذن: لا یُعقل أنْ یکون الأمر بالتوقّف أمراً طریقیاً مولویاً؛ لأنّ الأمر الطریقی المولوی تترتّب علیه المنجّزیّة، لا أنّه یترتب علی فرض التنجیز فی مرتبةٍ سابقةٍ کما هو ظاهر هذه الأخبار، فیتعیّن أنْ یکون الأمر بالتوقّف أمراً إرشادیاً، وکونه أمراً إرشادیاً یعنی أنّه إرشاد إلی لزوم التوقّف والنهی عن اقتحام الشبهة المنجّزة فی مرتبةٍ سابقةٍ، ومثل هذا اللّسان لا یشمل محل الکلام، وإنّما یشمل الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، أی المنجّزة، یشمل الشبهات قبل الفحص؛ لأنّها تنجّزت بمنجّزٍ سابقٍ، ولا یشمل محل الکلام ممّا لم یُفرض فیه التنجیز فی مرتبةٍ سابقةٍ، فلا یصحّ الاستدلال بها فی محل الکلام.

ص: 83

من الواضح أنّ هذه المناقشة تفترق عن المناقشتین السابقتین فی شیءٍ وهو أنّ کلاً من المناقشتین السابقتین تفترض، أو تعترف ضمناً بأنّ أخبار التوقّف تشمل محل الکلام، بإطلاقها، أو بعمومها تشمل محل الکلام، یعنی تشمل الشبهة البدویّة التحریمیّة بعد الفحص، لکنّ المناقشة الأولی تدّعی أنّها خارجة عنها بالحکومة، والمناقشة الثانیة تدّعی أنّها خارجة عنها بالتخصیص، لکنّ أساساً هی تعترف بأنّ أخبار التوقّف شاملة بإطلاقها لمحل الکلام، لکنّها خارجة عنها بالحکومة، أو بالتخصیص، بینما المناقشة الثالثة أساساً لا تعترف بشمول أخبار التوقّف لمحل الکلام، وإنّما هی تشمل خصوص الشبهات المنجّزة فی مرتبةٍ سابقةٍ علی أخبار التوقّف، وبقطع النظر عنها، فهی لا تشمل محل الکلام؛ لأننّا فی محل الکلام لم نفترض التنجیز، ثمّ نأتی إلی أخبار التوقّف.

المناقشة الثالثة هی المناقشة المهمّة فی الحقیقة للاستدلال بأخبار التوقّف؛ ولذا صار هناک نوع من العنایة بها.

أجیب عن هذه المناقشة بعدّة أجوبة:

الجواب الأوّل: هو ما فی الکفایة. حیث أجاب الشیخ صاحب الکفایة(قدّس سرّه) عن هذه المناقشة بأننّا نستکشف من الأمر بالوقوف فی هذه الأخبار بنحو الإن، یعنی استکشاف العلّة من المعلول، والملزوم من الّلازم، نستکشف إیجاب الاحتیاط من قبل أخبار التوقّف، وبقطع النظر عنها، لتصحّ به العقوبة علی المخالفة؛ لأنّ العقوبة علی المخالفة لیست من أخبار التوقّف، وإنّما علی مخالفة ما استکشفناه من أخبار التوقّف من إیجاب الاحتیاط، فیکون ما استکشفناه، وهو وجوب الاحتیاط هو المنجّز لهذه الشبهة، وهو المصححّ للعقوبة والهلکة علی تقدیر المخالفة. (1)

هذا الکلام یحتاج إلی شیءٍ من التوضیح: إنّ مقصوده بهذا الکلام کما فُسّر فی کلماتهم هو: أنّ هناک أمرین مستفادین من أخبار التوقّف:

ص: 84


1- (2) کفایة الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 346.

الأمر الأوّل: هو إطلاق أخبار التوقّف لمحل الکلام، بمعنی أنّ أخبار التوقّف بإطلاقها هی شاملة للشبهة، فتشمل الشبهة فی محل الکلام، قبل أنْ نُعمل هذا التفسیر حتّی نخرج الشبهة فی محل الکلام عن هذه الأخبار هی بإطلاقها تشمله.

الأمر الثانی: ثبوت مظنّة الهلکة فی موارد الشبهة، وأنّ الاقتحام فی کل شبهةٍ هو اقتحام فی الهلکة، أو ما فیه مظنّة الهلکة. إذن: أخبار التوقّف تقول: إنّ کل شبهةٍ فیها مظنّة الهلکة، وأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه مظنّة الهلکة، وأنّ أخبار التوقّف بإطلاقها تشمل الشبهة البدویّة بعد الفحص التی هی محل کلامنا، فإذا شملتها بإطلاقها، إذن: هی تدل علی أنّه حتّی شبهتنا فی محل الکلام الاقتحام فیها اقتحام فی ما فیه مظنّة الهلکة، من قبیل أنْ یقول(لا تأکل الرمّان لأنّه حامض) هذا مطلق یشمل کلّ رمّان، ویدلّ علی أنّ هذه العلّة، وهی الحموضة موجودة فی کل فردٍ من أفراد الرمّان، بقطع النظر عن أننّا نعلم فی الخارج بوجود رمّان لیس حامضاً، ظاهر الدلیل أنّ هذا یشمل کل الرمّان، وأنّ العلّة موجودة فی کل أفراد الرمّان، ما نحن فیه من هذا القبیل، الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة، الشبهة مطلقة، وتشمل محل الکلام، وأخبار التوقّف تدلّ علی وجود العلّة فی کلّ شبهةٍ، والعلّة هی مظنّة الهلکة، واحتمال الهلکة. إذن: الشبهة فی محل کلامنا، أیضاً الاقتحام فیها هو اقتحام فی ما فیه مظنّة الهلکة کسائر الشبهات الأخری.

إذا استفدنا هذا فی محل کلامنا، فسوف نستکشف من وجود الهلکة فی اقتحام هذه الشبهة أنّ الشارع جعل وجوب الاحتیاط فیها، وإلاّ، کیف یمکن تصحیح الهلاک واستحقاق العقاب علی تقدیر المخالفة ؟ وکیف یمکن إثبات أنّ الاقتحام فی هذه الشبهة اقتحامٌ فی ما فیه الهلاک، لو لم تتنجّز هذه الشبهة بمنجّزٍ فی مرحلةٍ سابقةٍ علی هذه الأخبار ؟ غایة الأمر أننّا نستکشف وجوب الاحتیاط المجعول شرعاً من ما دلّت علیه أخبار التوقّف من أنّه فی شبهتنا أیضاً بالإطلاق یوجد هلاک، من باب استکشاف العلّة من المعلول؛ لأنّ الهلاک واستحقاق العقاب معلول للتنجیز، فإذا دلّ دلیل علی ثبوت المعلول نستکشف بطریق الإنْ أنّ العلّة موجودة، والعلّة هی إیجاب الاحتیاط؛ لأنّه فی شبهتنا لا یوجد ما یُنجّز هذه الشبهة سوی إیجاب الاحتیاط، فلو لم تکن هذه الشبهة منجّزة، فلا مجال لاستحقاق العقاب علی تقدیر المخالفة، مع عدم التنجیز تجری قاعدة قبح العقاب بلا بیان، فتؤمّن من ناحیة العقاب والهلاک، بینما هذه الأخبار تقول یوجد هلاک فی اقتحام هذه الشبهة، وهذا لا یُعقل أنْ یکون إلاّ مع افتراض وجود علّة موجبة لهذا، وهی عبارة عن التنجیز، فمن المعلول نستکشف العلّة وهی التنجیز، من اللازم وهو الهلاک والعقاب نستکشف الملزوم الذی هو عبارة عن التنجیز، والتنجیز لا یُتصوّر فی شبهةٍ من هذا القبیل، إلاّ بإیجاب الاحتیاط، فیُستکشَف أنّ الشارع جعل وجوب الاحتیاط فی محل کلامنا من أخبار التوقّف.

ص: 85

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی أدلّة التوقّف والاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، والمقصود بمحل الکلام هو الشبهة الحکمیّة البدویّة بعد الفحص، وقد بیّنّا تقریب الاستدلال علی وجوب الاحتیاط فی هذه الروایات، ثمّ ذکرنا المناقشات والاعتراضات التی ذُکرت علی الاستدلال بها فی محل الکلام، وتقدّمت المناقشات الأولی والثانیة والثالثة، والمناقشة الثالثة کانت ترتکز علی هذه الدعوی المعروفة والمشهورة وهی عمدة المناقشات، وحاصلها: أنّ الذی یظهر من أخبار التوقّف هو افتراض وجود هلکة فی الاقتحام لتلک الشبهة، وهذا یعنی أنّ تلک الشبهة التی تتحدّث عنها الروایة، وتأمر بالتوقّف فیها، هی شبهة منجّزة بمنجّزٍ ثابتٍ بقطع النظر عن أخبار التوقّف؛ لأنّ أخبار التوقّف لا تصلح أنْ تکون هی المنجّزة کما هو مقتضی الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، فمقتضی الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط هو أنْ یکون وجوب الاحتیاط منجَّزاً بسببها، فتکون هی المنجِّزة لوجوب الاحتیاط بلحاظ الواقع، بینما لسان الأخبار هو أنّ الشبهة تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، هو یقول أنّ الشبهة التی تُقدِم علیها فیها مظنّة الهلکة، فتوقّف، فلابدّ من حمل الأمر بالتوقّف فی هذه الروایات علی الإرشاد لا علی المولویّة، فتسقط عن إمکانیّة الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، وإنّما تکون ناظرة إلی الشبهات المنجَّزة بقطع النظر عنها؛ ولذا حملوها علی الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی، والشبهة قبل الفحص، فهناک العقل یحکم بمنجّزیّة الاحتمال فی هاتین الشبهتین.

ذکرنا فی الدرس السابق أنّ هناک اعتراضات علی هذه المناقشة. الاعتراض الأوّل الذی أشار إلیه الشیخ الآخوند(قدّس سرّه) فی الکفایة، (1) لا أقول أنّه التزم به، لکنّه أشار إلیه، وحاصله: أننّا نسلّم أنّ الأمر إرشادی، لکن یمکن مع ذلک إثبات وجوب الاحتیاط عن طریق استکشافه أنّیّاً، أی عن طریق استکشاف العلّة من المعلول، بأنْ نسلّم أموراً:

ص: 86


1- (1) کفایة الأصول، الآخوند الخراسانی، ص 346.

الأمر الأوّل: أنّ أخبار التوقّف فیها من الإطلاق ما یسع محل الکلام؛ إذ لا موجب لقصر النظر علی بعض الشبهات دون بعض. إذن: هی بإطلاقها شاملة لمحل الکلام.

الأمر الثانی: أنّ المراد بالهلکة فیها هو العقاب الأخروی، ولیس المفسدة وأمثالها من الأضرار الدنیویّة.

الأمر الثالث: أنّ ظاهر الروایات هو وجود مظنّة الهلکة فعلاً فی الشبهات التی تتحدّث عنها هذه الروایات.

ونتیجة هذا کلّه: أنّ اقتحام الشبهة فی محل الکلام فیه مظنّة الهلکة؛ لأنّ الروایات مطلقة تشمل محل الکلام، والمراد بالهلکة هو العقاب، والروایة تدلّ علی وجود فعلیّة مظنّة الهلکة عند اقتحام الشبهات التی تتحدّث عنها هذه الروایات. إذن: فی شبهتنا فی محل الکلام، هذه الروایات تقول فی اقتحامها مظنّة الهلکة، ولا یُعقل أنْ تکون هناک هلکة وعقاب أخروی، إلاّ إذا کان هناک ما یُنجِّز الواقع فی هذه الشبهة؛ لأنّ الهلکة والعقاب معلول لکون الواقع منجَّز علی المکلّف؛ ولذا یُحاسَب علی فوات الواقع، فإذا أقدم علی الشبهة وصادف الواقع؛ فحینئذٍ یکون هناک هلاک وعقاب، فعندما یقتحم المکلّف الشبهة هناک مظنّة الهلاک، وهذا معلولٌ لتنجیز الواقع، وتنجیز الواقع فی الشبهة محل الکلام یحصل بإیجاب الاحتیاط، فیکون إیجاب الاحتیاط المنجّز للواقع فی محل الکلام علّة لترتّب مظنّة الهلکة علی ارتکاب هذه الشبهة. ونحن أثبتنا أنّ اقتحام الشبهة فیه مظنّة الهلکة، والذی هو معلول، ومنه نستکشف وجود العلّة التی هی أنّ الشارع أوجب الاحتیاط فی هذه الشبهة. وهو المطلوب؛ وعندئذٍ لا یتوقّف إیجاب الاحتیاط علی أنْ یکون الأمر بالتوقّف فی هذه الروایات مولویاً حتّی یقال أنّ هذا الأمر لیس مولویاً، ولسانه لسان الإرشاد ولیس فیه مولویة، فکیف یمکن أنْ نستدلّ به علی إیجاب الاحتیاط ؟ حتّی لو سلّمنا أنّ الأمر إرشادی، هذا لا یمنع من إثبات إیجاب الاحتیاط عن طریق هذا الاستکشاف لا عن طریق التمسّک بنفس الأمر لإثبات وجوب الاحتیاط، فحتّی لو کانت الأوامر إرشادیة، لکن بهذا البیان الذی ذُکر یمکن استکشاف إیجاب الاحتیاط فی محل الکلام؛ فحینئذٍ ترتفع المناقشة فی الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط.

ص: 87

هذا الجواب فی حدِّ نفسه یصلح أنْ یکون تقریباً ثانیاً للاستدلال بروایات التوقّف علی وجوب الاحتیاط، بأنْ یکون ما تقدّم هو التقریب الأوّل، وهو أنْ یُستدَل بأوامر التوقّف فی هذه الروایات بناءً علی أنّها أوامر مولویة یُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط؛ لأنّها هی تأمر بالتوقّف، فتکون منشئاً لوجوب الاحتیاط. هذا التقریب الأوّل الذی وردت فیه المناقشة المتقدّمة، وهذا تقریب ثانٍ للاستدلال بهذه الروایات، بأنْ یقول الأخباریون فی مقام الاستدلال بها: نحن لا نقول بأن الأمر فیها مولویاً، وإنّما الأمر فیها للإرشاد، لکن بهذا البیان یمکن إثبات إیجاب الاحتیاط والاستدلال بها علی إیجاب الاحتیاط. إذن: کما أنّه جواب عن المناقشة الثالثة، کذلک یصلح أنْ یکون استدلالاً آخراً علی وجوب الاحتیاط بأخبار التوقّف . هذا الجواب الأوّل عن المناقشة الثالثة، وهو ما ذکره صاحب الکفایة(قُدّس سرّه).

الجواب الثانی: هو ما ذکره المحققّ الأصفهانی(قُدّس سرّه) فی حاشیته علی الکفایة (1) لردّ المناقشة الثالثة، وبالتالی هذا یصبّ فی صالح الأخباریین، وفی صالح صحّة الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط. حاصل ما ذکره هو: استکشاف الأمر بوجوب الاحتیاط، أو ما یسمّیه ب--(الأمر الطریقی بالاحتیاط) من الأمر بالتوقّف المعللّ بأنّه خیر من الاقتحام فی الهلکة، وذلک بأنْ یکون أمر المخاطبین بالتوقّف فی هذه الأخبار کاشفاً عن وصول الأمر الطریقی بالاحتیاط إلیهم؛ لأنّ هذه الأخبار تأمر المخاطَبین بالتوقّف عند الشبهة، وهذا معناه أنّ الأمر بالاحتیاط واصل إلیهم؛ لأنّ الأمر بالتوقّف یکشف عن فعلیّة الهلکة فی حقّهم، وبالدلالة الالتزامیّة نستکشف علّة هذه الهلکة، وهو وصول الأمر الطریقی بالاحتیاط إلیهم، ولا محذور فی افتراض وصول الأمر بالاحتیاط إلی المخاطَبین؛ وحینئذٍ بمقتضی قاعدة الاشتراک ------ الکلام لا یزال للمحقق الأصفهانی ------ مع المخاطَبین فی التکلیف، یعنی غیر المخاطبین یشترکون مع المخاطبین فی التکالیف، نستکشف الأمر الطریقی بالاحتیاط فی حقّ غیرهم بقاعدة الاشتراک؛ لعدم احتمال الفرق فی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویّة بین أفراد المکلّفین، فلو ثبت تکلیفٌ، ولو کان ظاهریّاً فی حقّ فئةٍ من المکلّفین، فقاعدة الاشتراک تعممّ هذا التکلیف إلی غیرهم. فی المقام یقول(قُدّس سرّه) لا محذور فی أنْ نستکشف وصول وجوب الاحتیاط إلی المخاطبین بهذه الخطابات الشرعیة، بأوامر التوقّف فی أخبار التوقّف، هؤلاء المخاطبون، قیل لهم یجب علیکم التوقّف فی هذه الشبهة؛ لأنّ فیها اقتحام الهلکة. إذن: فُرض وجود هلکة، والهلکة معلولة لوجوب الاحتیاط، فکیف قیل لهم أنّ هذه الشبهة منجّزة، وفیها هلکة، ولم یصل إلیهم التنجیز ؟ فلابدّ من فرض وصول المنجّز، أی وصول وجوب الاحتیاط إلیهم حتّی یُعقل مخاطبتهم بهذا الخطاب، بأنْ یُقال لهم قف عند هذه الشبهة؛ لأنّ الاقتحام فیها هو اقتحام فی الهلکة، وهذا لا یمکن فرضه، إلاّ بفرض وصول وجوب الاحتیاط إلیهم، ووصول المنجِّز لهذه الشبهة إلیهم، فیقول لا مانع من فرض وصول المنجِّز إلی المخاطبین، فإذا فُرض وصول وجوب الاحتیاط إلیهم، وکان حکمهم الظاهری هو وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهة؛ فحینئذٍ یثبت هذا الحکم فی حقّ غیرهم بقاعدة الاشتراک. وبذلک استطعنا أنْ نستکشف وجوب الاحتیاط فی حقّ جمیع المکلّفین بضمیمة أخبار التوقّف إلی قاعدة الاشتراک.

ص: 88


1- (2) نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، الشیخ الأصفهانی، ج 2، ص 476.

هذا الجواب أیضاً یصلح أنْ یکون تقریباً ثالثاً للاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی حقّ الجمیع. التقریب الأوّل کان مبنیّاً علی أنّ الأمر مولوی، والتقریب الثانی کان مبنیّاً علی أنّ الأمر إرشادی، لکن یُستکشف وجوب الاحتیاط من باب استکشاف العلّة من المعلول، وفی هذا التقریب الثالث نفترض أنّ وجوب الاحتیاط وصل إلی المخاطَبین بأوامر التوقّف، ثمّ نثبته فی حقّ الغیر بقاعدة الاشتراک.

الظاهر أنّ هذا الجواب الثالث إنّما طرحه المحققّ الأصفهانی(قُدّس سرّه) کجوابٍ عن المناقشة الثالثة، ونحن قلنا أنّه یصلح کتقریبٍ لأصل الاستدلال بأخبار التوقّف، إنّما طرحه هو یهدف إلی دفع إشکالٍ مقدّرٍ، وإیرادٍ قد یورد علی الجواب الأوّل لصاحب الکفایة(قُدّس سرّه)، وحاصل هذا الإشکال الذی یرِد هو أنّ الأمر الطریقی بالاحتیاط، إنّما یُنجِّز الواقع علی المکلّف بحیث یوصله إلی مرحلة استحقاق العقاب علی تقدیر المخالفة، إنّما یُنجِّز بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعی، فبوجوده الواقعی لا یصلح للتنجیز بناءً علی قاعدة قبح العقاب بلا بیان، فبناءً علی هذه القاعدة، وجوب الاحتیاط لا یُنجّز الواقع إلاّ بوجوده الواصل الذی تمّ علیه البیان حتّی یخرج من موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بیان، أمّا بوجوده الواقعی فلا یکون منجِّزاً؛ وحینئذٍ یقال: إنْ فُرض وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف بقطع النظر عن هذه الأخبار؛ حینئذٍ یکون هو المثبت للمطلوب، لا أخبار التوقّف، إذا فرضنا أنّ وجوب الاحتیاط هو الذی وصل إلی المکلّف؛ حینئذٍ یثبت المطلوب للأخباریین بلا حاجة إلی الاستعانة بأخبار التوقّف؛ لأنّ وجوب الاحتیاط فُرض وصوله إلی المکلّف، فیکون هو الذی یثبت المطلوب لا أخبار التوقّف، ولا أثر لهذه الأخبار فی ذلک. وإنْ فُرض عدم وصوله إلی المکلّف؛ حینئذٍ لا یمکن استکشاف الهلکة ووجوب الاحتیاط، وبالتالی الانتقال من المعلول إلی العلّة وهو وجوب الاحتیاط؛ لأنّ العقل حاکم بعدم الهلکة والعقاب فی ظرف عدم وصول المنجِّز الذی هو وجوب الاحتیاط، فالمکلّف یقطع بعدم الهلکة، فکیف یُعقل أنْ یقال أنّ الهلکة موجودة، ومن المعلول نستکشف العلّة کما ذکر صاحب الکفایة(قُدّس سرّه).

ص: 89

هذا الإشکال الذی یرید المحقق الأصفهانی(قُدّس سرّه) دفعه عن الجواب الأوّل. حیث أنّ صاحب الکفایة(قُدّس سرّه) کان یقول فی الجواب الأوّل: حتّی لو سلّمنا أنّ الأوامر بالتوقّف إرشادیة، نحن لا نرید أنْ نثبت وجوب الاحتیاط من الأمر بالتوقّف باعتباره أمراً مولویاً، وإنّما نسلّم أنّها أوامر إرشادیة، لکن الأخبار ظاهرة فی وجود هلکة فی الاقتحام فی هذه الشبهة بحسب الإطلاق. إذن: هذه شبهة فی اقتحامها هلکة، والهلکة معلولة للمنجِّز الذی هو وجوب الاحتیاط، فنستکشف العلّة من المعلول. هذا هو الجواب الأوّل. والإشکال کان یقول: لا یُعقل أنْ یکون وجوب الاحتیاط بوجوده الواقعی هو المنجّز، وإنّما المعقول هو أنْ یکون وجوب الاحتیاط بوجود الواصل منجّزاً؛ وحینئذٍ: إمّا أنْ نفترض وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف، أو نفترض عدم وصوله، فإذا افترضنا وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف؛ فحینئذٍ تتنجّز الشبهة ویجب الاحتیاط فیها بلا إشکال، لکنّ الدلیل علی ذلک لیس هو أخبار التوقّف، وإنّما الدلیل علی ذلک هو وجوب الاحتیاط الّذی فُرض وصوله إلی المکلّف، فأنّه هو الذی یُنجّز الشبهة، أمّا أخبار التوقّف فلا تأثیر لها. وأمّا إذا فرضنا عدم وصول وجوب الاحتیاط؛ فحینئذٍ بمسلک قبح العقاب بلا بیان یُقطع بعدم الهلکة فی ارتکاب هذه الشبهة؛ لعدم تمام البیان علی ما یستوجب العقاب، فیکون العقاب مؤمّناً، ویُقطع بعدم الهلکة، ومع القطع بعدم الهلکة فی الشبهة محل الکلام لعدم وصول البیان علی وجوب الاحتیاط بحسب الفرض؛ حینئذٍ لا مجال لأنْ یقال نحن نستکشف من وجود الهلکة العلّة وهی وجوب الاحتیاط؛ لأنّه لیس هناک هلکة، فکیف تستکشف وجود الهلکة، ثمّ تنتقل منها إلی العلّة، بینما بناءً علی عدم وصول وجوب الاحتیاط إلی المکلّف، حینئذٍ لا هلکة، ولا عقاب فی اقتحام الشبهة؛ بل یُقطع بعدم العقاب فی اقتحام الشبهة. فلا معنی لأنْ نستکشف وجوب الاحتیاط من الهلکة. هذا الإشکال علی الجواب الأوّل.

ص: 90

کأنّ المحقق الأصفهانی(قُدّس سرّه) ناظر إلی دفع هذا الإشکال، فیرید أنْ یُقرّب الجواب الأوّل تقریباً بحیث یدفع عنه هذا الإشکال، وحاصل ما یرید أنْ یقوله فی مقام التخلّص من هذا الإشکال هو: أنْ یفترض أنّ من وصل إلیه وجوب الاحتیاط غیر من یرید استکشاف وجوب الاحتیاط من أخبار التوقّف، الذی وصل إلیه وجوب الاحتیاط هو المخاطَب بأخبار التوقّف، والذی یرید استکشاف ذلک هو غیر المخاطَب بالبیان الذی ذکرناه، باعتبار أنّ المخاطبین بأخبار التوقّف یجب علیهم الاحتیاط لوصول وجوب الاحتیاط إلیهم، وهو ما ذکره بقوله لا محذور فی أنْ نفترض أنّ وجوب الاحتیاط وصل إلی المخاطَبین بأخبار التوقّف، والموجودین فی زمان صدور هذه الأخبار الذین یوجّه لهم خطاب(قف عند الشبهة)، وغیر المخاطَب بهذا الخطاب یجب علیهم الاحتیاط لاستکشاف الأمر الطریقی من أخبار التوقّف بضمیمة قاعدة الاشتراک؛ فحینئذٍ لا یرِد الإشکال السابق.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی المناقشة الثالثة فی الاستدلال بأخبار التوقّف والأجوبة التی أوردت علی هذه المناقشة، ذکرنا الجواب الأوّل والجواب الثانی. وقد ذکرنا أنّ الجواب الثانی منهما هو محاولة لتصحیح الجواب الأوّل ودفع ما یمکن أنْ یورد علیه.

والذی یُلاحظ علی الجواب الأوّل، والذی یقول فیه صاحبه بأنّه یمکن استکشاف وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، وإنْ کان الأمر بالتوقّف أمراً إرشادیاً، وذلک عن طریق استکشاف العلّة من المعلول؛ لأنّ الروایات تشمل محل الکلام بإطلاقها، وتدلّ علی وجود الهلکة فی الاقتحام فی الشبهة فی محل الکلام، ووجود الهلکة معلولٌ لوجوب الاحتیاط، فنستکشف وجوب الاحتیاط بالرغم من أنّ الأمر الوارد فی هذه الروایات هو أمر إرشادی.

ص: 91

الملاحظة علی هذا الجواب: أنّ المشکلة فی الحقیقة تکمن فی أنّه کیف یمکن تصوّر اجتماع أمر إرشادی مع أمرٍ مولویٍ فی کلامٍ واحدٍ، المشکلة لیست فی أنّه هل یمکن أنْ یستکشَف هذا، أو لا، وإنّما المشکلة إثباتیة فی أنّه لا یمکن افتراض اجتماع الأمر الإرشادی والأمر المولوی فی کلامٍ واحدٍ، هذا غیر مقبول. نعم، یمکن تصوّر ذلک فی کلامین، ولو لشخصٍ واحد، أنّ الشارع یرشد بأوامر إلی إطاعة أوامر مولویّة قیلت فی مقامٍ آخرٍ، فهو یرشد إلی تلک الأوامر، ویُحذّر من مخالفة تلک الأوامر المولویّة. هذا لا بأس به، أمّا فی کلامٍ واحد، فهذا غیر مقبول، بمعنی أنّ الأمر الإرشادی فی الکلام الواحد یرشد ویحذّر من مخالفة الأمر المولوی فی نفس ذلک الکلام الواحد، هذا غیر مستساغ. الجواب الأوّل یقع فیه هذا المحذور؛ لأنّ الجواب الأوّل یقرّ ویعترف بأنّ الأمر بالتوقّف هو أمر إرشادی، والجواب الأوّل مبنی علی تسلیم أنّ الأمر بالتوقّف هو أمر إرشادی، ویدّعی فی نفس الوقت أنّ التعلیل بأنّ (الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة) یُستکشَف منه الأمر المولوی الطریقی بالاحتیاط، بحیث یکون هذا التعلیل هو بیانٌ بنحوٍ من الانحاء لوجوب الاحتیاط المولوی، یعنی أنّ الشارع بدلاً من أنْ یأمر بالاحتیاط مباشرةً، یُبیّن وجوب الاحتیاط بذکر لازمه، وهو العقوبة علی المخالفة، کما هو الحال فی الواجبات النفسیّة، فکأنّه یرید أنْ یُبیّن وجوب الاحتیاط المولوی لکن بذکر لازمه، هذا هو مدّعی الجواب الأوّل، وهذا معناه أنّ الکلام الواحد اجتمع فیه الأمر المولوی والأمر الإرشادی، یعنی أوامر التوقّف ترشد إلی أوامر مولویة موجودة فی نفس الکلام، هذا الذی یُتوقّف فی قبوله، وحمل الروایات علیه قد یجعلها مخالفة للظاهر، هذا معقول فی کلامین لشخصین، أو لشخصٍ واحد، لکن فی نفس الکلام أنْ یکون الأمر الإرشادی فی کلامٍ واحدٍ صادرٍ من متکلّم واحد هو یُرشد إلی أمرٍ مولوی موجود فی نفس ذلک الکلام هو أمر غیر مستساغ.

ص: 92

وأمّا الجواب الثانی: فأنّه یُراد فیه حمل القضیّة علی أنّها قضیّة خارجیّة، وهذا خلاف الظاهر، فظاهر القضیّة أنّها قضیّة حقیقیّة ولیست خارجیّة، هو یرید أنْ یقول أنّ الخطاب فی أوامر التوقّف موجّه إلی المخاطَبین، ولا مانع من افتراض أنّ المخاطبین قد وصل إلیهم وجوب الاحتیاط، ثمّ نعممّ وجوب الاحتیاط لغیر المخاطبین بقاعدة الاشتراک، فکأنّه یرید أنْ یقول أنّ القضیّة فی المقام قضیّة خارجیّة، والخطاب فیها موجّه إلی أشخاص مُعیّنین وهم المخاطبون بهذا الخطاب. حمل الروایات علی أنّها قضیّة خارجیّة، والخطاب فیها موجّه إلی خصوص المخاطَبین بها هو خلاف الظاهر؛ لأنّ ظاهر الأخبار أنّها قضایا حقیقیّة، والخطاب فیها لا یختصّ بخصوص المخاطَبین.

الجواب الثالث علی المناقشة الثالثة: ما ذکره السیّد الشهید الصدر(قُدّس سرّه) (1) وحاصله: أنّ أصل المناقشة غیر تامّة لا مبنی، ولا بناءً:

أمّا من جهة المبنی؛ فلأنّ أصل المناقشة تبتنی علی مسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان، باعتبار أنّ أخبار التوقّف یُدّعی فی المناقشة أنّها ظاهرة فی وجود الهلکة فی مرتبةٍ سابقةٍ علی نفس الأخبار وبقطع النظر عنها، فلابدّ من حملها علی الشبهات المنجَّزة فی مرتبةٍ سابقةٍ مثل الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی، والشبهة قبل الفحص، ولا تشمل محل الکلام؛ لأنّ الشبهة فی محل الکلام لیست منجَّزة بقطع النظر عن أخبار التوقّف؛ لأنّ الشبهة بعد الفحص تجری فیها قاعدة قبح العقاب بلا بیان، وبهذا استطاع فی المناقشة أنْ یُخرج محل الکلام عن أخبار التوقّف، فلا یصحّ الاستدلال بأخبار التوقّف علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

ص: 93


1- (1) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 93.

وأمّا بناءً علی المسلک الآخر الذی یُنکر قاعدة قبح العقاب بلا بیان، ویؤمن بمسلک حقّ الطاعة، ومنجّزیّة الاحتمال، الذی یؤمن بذلک کقاعدة عقلیّة أولیّة هذه المناقشة لا تصحّ؛ إذ لا فرق بین الشبهة بعد الفحص التی هی محل الکلام، وبین الشبهة قبل الفحص، وبین الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی فی أنّ المنجِّز العقلی موجود فیها جمیعاً، هذه الشبهة ولو بعد الفحص منجَّزة بحکم العقل بمنجّزیّة الاحتمال، حیث أنّ احتمال التکلیف موجود، والعقل یحکم بأنّه منجِّز بقطع النظر عن هذه الأخبار. إذن: لا فرق بین محل الکلام وبین سائر الشبهات بناءً علی مسلک حقّ الطاعة فی أنّ الواقع تنجَّز علی المکلّف بقطع النظر عن هذه الأخبار، فلا معنی لحمل هذه الأخبار علی الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، أو الشبهة قبل الفحص وإخراج محل الکلام عنها، وإنّما یصحّ هذا عندما نؤمن بمسلک قاعدة قبح العقاب بلا بیان.

وأمّا من جهة البناء؛ فلأنّا لو تنزّلنا وسلّمنا قاعدة قبح العقاب بلا بیان، وبنینا علی ذلک، بالرغم من هذا یمکن أنْ نستفید من هذه الأخبار وجوب الاحتیاط، باعتبار أنّ هذا الکلام هو بیان عرفی مألوف لبیان الحکم المولوی الإلزامی، یعنی بیان الحکم الإلزامی بلسان بیان ترتّب العقاب علی الفعل، أو الترک، ومثله رائج (1) فی مقام بیان الأحکام الواقعیّة، یُبیّن الحکم الواقعی بلسان ترتّب العقاب عل الفعل، فیُستفاد منه الحرمة الواقعیّة، أو یبیّن الوجوب الواقعی بلسان ترتّب العقاب علی الترک، وأیّ فرقٍ بین الأحکام الواقعیّة والأحکام الظاهریّة، کما أنّ الحرمة الواقعیّة یمکن أنْ تُبیّن بلسان ترتّب العقاب علی الفعل، الحرمة الظاهریة أیضاً یمکن أنْ تُبیّن بلسان ترتّب الهلکة والعقاب علی الاقتحام فی الشبهة، یُبین وجوب الاحتیاط بلسان ترتّب الهلکة علی الإقدام علی الفعل، فالتوقّف واجب، والاحتیاط واجب، وهذا لسان عرفی ومتعارف ولیس فیه مشکلة، فإذن: یمکن أنْ نستکشف وجوب الاحتیاط من هذا اللّسان، باعتبار أنّ هذا اللّسان لسان أنّ الاقتحام فی الشبهة فیه مظنّة للهلاک، هذا اللّسان لغرض بیان الحکم الظاهری لوجوب الاحتیاط، وهذا لسان متعارف، فلا مشکلة فی أنْ نستفید من أخبار التوقّف وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

ص: 94


1- (2) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 94.

المشکلة فی هذا الجواب الثانی ----- البنائی ----- هی نفس المشکلة الإثباتیّة التی أشرنا إلیها، وهی أنّه لیست المشکلة فی أنّه هل یمکن أنْ یُبیّن الحکم الواقعی، أو الحکم الظاهری بلسان ترتّب العقاب علی المخالفة، أو لا یمکن ذلک، المشکلة لیست فی هذا حتّی یقال: أیّ ضیر فی أنْ یُبیّن وجوب الاحتیاط کحکم ظاهری بلسان أنّ الاقتحام فی الشبهة هو اقتحام فی الهلکة، هذا مُسلّم ولیس فیه مشکلة، فی الحقیقة المشکلة هی أنّه کیف نجمع بین الأمر بالتوقّف الذی سلّمنا أنّه أمر إرشادی وبین وجوب الاحتیاط المولوی المُستکشّف من التعلیل الوارد لتعلیل وجوب التوقّف الإرشادی، وقلنا أنّ هذا الجمع بینهما غیر مستساغ وغیر مقبول عرفاً، فحمل الروایات علی ذلک والاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط بدعوی استکشاف ذلک هو أمر غیر مستساغ عرفاً. نعم، یمکن أنْ یکون فی کلام آخر، أنْ یُبیّن بلسانٍ إرشادی(أنا أحذّرک من أنْ تفعل الأمر الفلانی من العقاب الذی یترتّب علی الفعل) نستکشف حرمة ذلک الفعل، لکن هذه الحرمة غیر مذکورة فی نفس الکلام، وإنّما مذکورة فی کلامٍ آخر، لکن المُدعی فی المقام أنّ هذه حرمة، أو وجوب ظاهری موجود فی نفس الکلام، وبُیّن بذکر لازمه. هذه هی المشکلة الموجودة فی هذا الجواب. هذا بالنسبة إلی المناقشة الثالثة، وممّا تقدّم یظهر أنّ المناقشة الثالثة فی الاستدلال بأخبار التوقّف تامّة.

المناقشة الرابعة: ما ذکره السیّد الشهید أیضاً(قُدّس سرّه) (1) وحاصله: أنّ المقابلة بین الوقوف والاقتحام فی أخبار التوقّف عند الشبهة(فأنّ الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة) جُعلت المقابلة بین الوقوف وبین الاقتحام. یقول: أنّ المقابلة بین الوقوف وبین الاقتحام فی هذه الروایات لا یُراد بها المقابلة بین اجتناب الشبهة وبین ارتکابها حتّی نستفید من الروایات أنّ الاجتناب واجب، وأنّ الارتکاب منهیٌ عنه، علی خلاف أدلّة البراءة، فهی تقول أنّ الارتکاب جائز ولیس علیه نهی، والاجتناب لیس واجباً، بینما هذه الأخبار تقول أنّ الارتکاب منهی عنه، والاجتناب لازم، المقابلة بینهما لا یُراد بها ذلک، وإنّما الوقوف له معنیً آخر غیر الاجتناب، کما أنّ الاقتحام له معنیً آخر غیر الارتکاب، والظاهر أنّ المراد بالمقابلة هو المقابلة بین التریّث والتمهّل فی موارد الشبهة، وبین الإقدام بلا تروٍ ولا تأمّل، باعتبار أنّ الوقوف لا یعنی الإحجام فقط، وإنّما هو کنایة عن التریّث والتمهّل ودراسة الوضع، والإعراض والإحجام عن الشیء لا یقتضی الوقوف، وإنّما یقتضی ترک الشیء والانصراف عنه، الوقوف یعنی أنّه فی حالة تمهّل وتریّث ودراسة حتّی یتّضح الموقف، کما أنّ الاقتحام هو عبارة عن الإقدام بلا تدبّرٍ ولا تروّی عرفاً ولغةً، فلا یُراد به مطلق الإقدام، وإنّما الإقدام من دون تروٍ وتمهّل؛ وعندئذٍ تکون هناک مقابلة بین الوقوف بمعنی التریّث والتأمّل ودراسة الموقف وبین الاقتحام الذی یعنی الإقدام من دون ذلک.

ص: 95


1- (3) بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السیّد محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 91.

إذن: بناءً علی هذا، الأخبار تنهی عن الإقدام من دون تریّثٍ، لا أنّها تنهی عن الإقدام مطلقاً، وتأمر بالوقوف بمعنی التریّث والتأمّل ودراسة الموقف. هذا المضمون ----- أنّ الإمام علیه السلام ینهی عن الإقدام علی الشبهة بلا تریّث، ویأمر بالتریّث والتروّی ------ إذا حملناه علی النهی عن الإقدام بلا مستندٍ ودلیلٍ، فقد یُفهم من النهی عن الاقتحام یعنی النهی عن الإقدام بلا مستندٍ ولا دلیلٍ، والأمر بالتریّث یعنی أنت تریّث وتأمّل وادرس الموقف إلی أنْ تحصل علی مستندٍ ودلیلٍ یجوّز لک الاقتحام فی الشبهة، إذا حُملا علی ذلک؛ فحینئذٍ هذا المعنی لا یضر الأصولی أصلاً، باعتبار أنّ هذا اللّسان لا یُعارض أدلّة البراءة العقلیّة؛ بل الشرعیّة أیضاً التی یستند إلیها الأصولی فی إقدامه علی الشبهة؛ بل تکون فی الحقیقة أخبار البراءة العقلیّة والشرعیّة واردة علی هذا اللّسان، ورافعة لموضوعه؛ لأنّ هذه الأخبار تنهی عن الإقدام من دون مستندٍ ولا دلیلٍ، وأخبار البراءة مستند، والبراءة العقلیّة أیضاً مستند ودلیل یستند إلیه الأصولی فی تجویز الإقدام علی هذه الشبهة، فتکون رافعة لموضوع هذه الأخبار؛ لأنّها إقدام مستند إلی دلیل؛ فحینئذٍ تکون مقدّمة علیها بالورود، وأمّا إذا لم نحمله علی هذ، وحملناه علی أنّ القضیّة حقیقیّة واقعیّة وجدانیّة بمفاد أنّه یأمر بالتروّی والتمهّل وینهی عن الإقدام من دون تروٍ وتأمّلٍ؛ فحینئذٍ تکون أجنبیّة عن محل الکلام؛ وحینئذٍ لا یُستفاد منها وجوب الاحتیاط فی محل الکلام.

نکتفی بهذه المناقشات؛ لأنّ هناک مناقشات أخری أعرضنا عن ذکرها، وتبیّن من خلال هذا أنّ الطائفة الأولی التی استدلّ بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط، وهی أخبار التوقّف غیر تامّة، علی الأقل لورود المناقشة الثالثة علیها، وهذه المناقشة الرابعة التی هی تامّة ظاهراً.

ص: 96

وأمّا الطائفة الثانیة من الأخبار التی استدلّ بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط: فهی الأخبار الآمرة بالاحتیاط فی موارد معیّنة بحیث یُفهم منها کما یدّعی المستدلّ وجوب الاحتیاط فی غیر مواردها ممّا یشبه ذلک المورد من حیث کونه شبهة حکمیّة بعد الفحص، فکما أوجب الإمام(علیه السلام) الاحتیاط فی هذه الروایات فی موردٍ خاصٍّ، هو یوجب أیضاً ------ بعد التعدّی ------ الاحتیاط فی سائر الشبهات الحکمیّة بعد الفحص، وهذا هو المطلوب للأخباریین. عمدة هذه الطائفة روایتان:

الروایة الأولی: صحیحة عبد الرحمن بن الحجّاج المعروفة، قال:(سألت أبا الحسن "علیه السلام" عن رجلین أصابا صیداً وهما محرمان، الجزاء بینهما، أو علی کل واحدٍ منهما جزاء ؟ فقال: لا؛ بل علیهما أنْ یجزی کل واحدٍ منهما الصید، قلت: أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه، فقال "علیه السلام" : إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا). (1)

الاستدلال بالروایة مبنی علی أنْ تکون الإشارة فی قوله(علیه السلام):(إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط) إلی نفس واقعة الصید التی هی شبهة حکمیّة بلا إشکال. وإنْ کانت دائرة بین الأقلّ والأکثر، فهو لا یدری أنّ الواجب علیه جزاء کامل، أو نصف جزاء، لکن کون المورد شبهة حکمیّة من نوعٍ معیّن لیس مشکلةً؛ إذ یمکن أنْ نلغی خصوصیّة کونه دائر بین الأقلّ والأکثر، ونستعین علی إلغائه بقول الإمام(علیه السلام) (إذا اُصبتم بمثل هذا)، ولم یقل (إذا اُصبتم بهذا)، فجعل موضوع وجوب الاحتیاط هو(مثل هذا)، ولیس(هذا) أی نفس الواقعة، وهذا یسمح لنا أنْ نلغی واقعة الصید نفسها، وأنْ نتعدّی إلی کل الشبهات الحکمیّة، ونلغی خصوصیّة أنْ تکون الشبهة دائرة بین الأقلّ والأکثر، المثلیّة بین واقعة الصید الدائرة بین الأقل والأکثر وبین غیرها ممّا أوجب الإمام(علیه السلام) فیه الاحتیاط هی عبارة عن کونها شبهة حکمیّة ؛ لأنّه لم یقل(إذا اُصبتم بهذا) حتّی یقال أنّ واقعة الصید لها خصوصیّة، أو کونه دائر بین الأقل والأکثر له خصوصیّة، وإنّما قال(إذا اُصبتم بمثل هذا)، فهذا الشیء الذی هو غیر واقعة الصید، وغیر دوران الأمر بین الأقلّ والأکثر، الذی هو (مثل هذا)، هذه المثلیّة عادةً تکون ------- بحسب ما یُفهم ------- باعتبار أنّ الشبهة شبهة حکمیّة.

ص: 97


1- (4) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 13، ص 46، أبواب کفارات الصید، باب 18، ح 6. و ج 27، ص 154، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 1.

وبعبارةٍ أخری: القدر الجامع والمشترک بین واقعة الصید المذکورة وبین مثله، الذی عممّ الإمام(علیه السلام) وجوب الاحتیاط إلیه، القدر المشترک هو کونها شبهة حکمیّة، فیُفهم من ذلک وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّة.

درس الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الطائفة الثانیة التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام، قلنا أنّ عمدة أخبار هذه الطائفة روایتین معتبرتین سنداً، الروایة الأولی هی صحیحة عبد الرحمن بن الحجّاج التی قرأناها فی الدرس السابق، وبیّنّا کیفیّة الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی المقام.

لوحظ علی الاستدلال بهذه الروایة: بأنّ الإشارة فی قول الإمام(علیه السلام):(إذا أصبتم بمثل هذا) هی لا تخرج عن أحد احتمالین:

الاحتمال الأوّل: أنْ یرجع ذلک إلی واقعة الصید کما هو مبنی تقریب الاستدلال بهذه الروایة علی وجوب الاحتیاط.

الاحتمال الثانی: أنْ تکون الإشارة راجعة إلی السؤال الأخیر للسائل، بمعنی أنّه قال للإمام(علیه السلام):(أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه)، فأجابه الإمام(علیه السلام):( إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا)، یعنی إذا سُئلتم عن حکم مسألةٍ، ولم تعرفوا ما هو حکم تلک المسألة، فعلیکم بالاحتیاط.

فالاحتمال الأوّل یقول: إذا اصبتم بواقعة الصید، یعنی بالشبهة الحکمیّة، إذا عرضت علیکم شبهة حکمیّة یجب علیکم الاحتیاط. بینما الاحتمال الثانی یقول: إذا سُئلتم عن حکم مسألةٍ ولم تعرفوا ما هو الحکم، فعلیکم بالاحتیاط. الاعتراض یرید أنْ یقول علی کلا التقدیرین لا یصحّ الاستدلال بالروایة فی محل الکلام.

أمّا بالنسبة للاحتمال الأوّل، وهو أنْ تعود الإشارة فی الروایة إلی واقعة الصید کما ذُکر فی تقریب الاستدلال، یقول المعترض بأنّ غایة ما تدلّ علیه الروایة هو وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة قبل الفحص والسؤال مع افتراض إمکانهما، وأمّا وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة بعد الفحص والسؤال وعدم العثور علی حکم المسألة، فالروایة لا تدلّ علیه، والقرینة علی هذا التقیید هو نفس قول الإمام(علیه السلام) فی الروایة:(علیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه فتعلموا)، فالمفروض فی الروایة عدم الفحص، والسؤال فی الشبهة الحکمیّة ماذا نعمل هو قبل الفحص؛ ولذا قال الإمام(علیه السلام) احتاط إلی أنْ تفحص وتعلم حکم المسألة، فالروایة تدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة، لکن قبل الفحص والسؤال مع التمکّن منهما، وأین هذا من محل الکلام ؟! الذی هو عبارة عن الموقف فی الشبهة الحکمیّة بعد الفحص والیأس عن العثور علی ما یدلّ علی حکم تلک المسألة، هذه الروایة لا تدلّ علی وجوب الاحتیاط فی هذه الحالة، وإنّما تکون دالّة علی وجوب الاحتیاط قبل الفحص والسؤال، وهذا أمر مسلّم، یسلّمه الجمیع، وحتّی الأصولیین یسلّمون وجوب الاحتیاط قبل الفحص، وإنّما الکلام فیما بعد الفحص وعدم العثور علی شیء، الروایة لیس فیها دلالة علی هذا؛ لأنّها تقول یجب علیکم الاحتیاط حتّی تسألوا وتعلموا، وفی محل الکلام افترضنا أنّ السائل فحص وسأل ولم یصل إلی شیء، فإیجاب الاحتیاط قبل الفحص والسؤال لا یعنی إیجاب الاحتیاط بعد الفحص والسؤال وعدم العثور علی دلیل.

ص: 98

وأمّا إذا أُرید بالإشارة الاحتمال الثانی بأنْ تکون راجعة إلی السؤال الأخیر الذی سأله السائل(أنّ بعض أصحابنا سألنی عن ذلک، فلم أدری ما علیه)، وعلی هذا یقول الاعتراض یکون مفاد الروایة هو الاحتیاط فی الفتوی؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) أمره بالاحتیاط فی الفتوی، حیث قال: (إذا أصبتم بمثل هذا، فلم تدروا، فعلیکم بالاحتیاط حتّی تسألوا عنه وتعلموا) بمعنی أنّه فی حالة عدم العلم إذا سُئلت عن حکم مسألةٍ ولم تعلم ما هو حکمها فعلیک بالاحتیاط فی الفتوی، بمعنی أنّه لا یجوز لک أنْ تُفتی من دون علمٍ، ومن دون مستندٍ، فتکون ظاهرة فی حرمة الفتوی من دون علمٍ؛ وحینئذٍ تکون أجنبیّة عن محل الکلام، باعتبار أنّ هذه الروایة دالّة علی حرمة الفتوی من دون علمٍ، وهذا أمر مسلّم عند الطرفین، فکل من الأخباریین، والأصولیین یؤمنون بحرمة الفتوی من دون علمٍ، الروایة تقول یحرم الفتوی من دون علمٍ، وقوله (علیه السلام):(علیک بالاحتیاط) یعنی توقّف عن الجواب، والجواب فی المقام یُمثّل الفتوی، هو سُئل عن حکم مسألةٍ، وهو لا یعلم ما هو حکمها، فیجیبه الإمام(علیه السلام) علیک بالاحتیاط، وأنْ لا تجیب بشیءٍ، فتدلّ علی حرمة الفتوی من دون علمٍ، وهذا لیس محل النزاع؛ لأنّه مسّلم بین الطرفین.

یمکن صیاغة هذا الإشکال بعبارةٍ أخری: بناءً علی الاحتمال الثانی الذی هو أنْ تکون الإشارة راجعة إلی السؤال الأخیر. یمکن أنْ یقال أنّ الروایة أجنبیة عن محل الکلام ببیانٍ آخر، وهو أنْ یقال: أنّ مفاد الروایة کما ذُکر، الاحتیاط فی الفتوی فی نفس الواقعة التی سُئل عنها کما هو ظاهر الروایة، یقول أنا سُئلت عن هذه المسألة، وهی أنّ أثنین أصابا صیداً وهما محرمان، فما هو حکمهما ؟ هل علیهما الجزاء معاً، أو علی کلٍ منهما الجزاء ؟ هذه الواقعة فیها حکم واقعی، سُئل هذا الشخص عن حکم الواقعة، یقول الإمام(علیه السلام) إذا سُئلت عن حکم واقعةٍ، ولم تعلم ما هو حکمها یجب علیک الاحتیاط فی الفتوی فی هذه الواقعة، إذا سُئل عن حکم أکل لحم الأرنب، وهو لا یعلم ما هو حکمه، الروایة تقول یجب علیک الاحتیاط، بمعنی أنْ لا تفتی بالحلّیّة، ولا تفتی بالحرمة، فی نفس الواقعة التی سُئل عن حکمها تقول الروایة احتاط، ولا یجوز لک أنْ تجیب عن حکمها من دون مستندٍ ودلیلٍ. هذا المضمون وحده لیس فیه دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة التی لا یُعرف ما هو حکمها؛ بل لابدّ أنْ نستفید ما هو الموقف الشرعی تجاه الشبهة التی لا نعرف حکمها، أنْ نستفیده من دلیلٍ آخر غیر هذه الروایة، هذه الروایة تقول أنّ نفس الواقعة لا یجوز لک أنْ تفتی بحکمها الواقعی؛ لأنّک لا تعرف ما هو حکمها الواقعی. هذا هو مضمون الروایة، لکن حینما نأتی إلی الواقعة باعتبارها مجهولة الحکم، ما هو موقفنا العملی تجاهها ؟ هل یجب علینا أنْ نحتاط، ولا نُقدِم علی ارتکاب الشبهة ؟ أو تجری البراءة ؟ کلٌ منهما لابدّ أنْ یستند إلی دلیلٍ بقطع النظر عن هذه الروایة، مفاد هذه الروایة هو عدم جواز الفتوی فی الحکم الواقعی فی الواقعة المسئول عنها عند عدم العلم بذلک الحکم، لا یجوز لک أنْ تفتی بالحرمة، ولا یجوز لک أنْ تفتی بالحلّیّة فی هذا السؤال، لکن مسألة الإقدام، وعدم الإقدام علی الشبهة، جواز الإقدام کما یقول الأصولیون، أو عدم جواز الإقدام کما یقول الأخباریون لابد من التماسه من دلیلٍ آخر، ولو ادّعی الأخباریون أنّ هناک ما یدلّ علی وجوب التوقّف والاحتیاط؛ حینئذٍ نقول کان هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط لا هذه الروایة، بینما المفروض فی محل الکلام هو الاستدلال علی وجوب الاحتیاط بهذه الروایة، وهذه الروایة لیس فیها دلالة علی وجوب الاحتیاط، وإنّما مفادها هو حرمة الفتوی فی الواقعة المسئول عنها من دون علمٍ، أمّا الموقف العملی تجاه هذه الشبهة، وهذه الواقعة التی لا یُعرف حکمها، فلابدّ أنْ یُلتمس من دلیلٍ آخر، ولو دلّ دلیل علی وجوب الاحتیاط؛ فحینئذٍ یکون هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط، ولیس هذه الصحیحة؛ لأنّها لیس فیها دلالة علی تحدید الموقف العملی تجاه الواقعة المشکوکة، وإنّما هی ناظرة إلی حرمة الإفتاء بالحکم الواقعی فی الواقعة المسئول عنها، وبذلک تکون أجنبیّة عن محل الکلام علی کلا التقدیرین، سواء کان أسم الإشارة راجعاً إلی واقعة الصید، أو کان راجعاً إلی السؤال عن حکم مسألةٍ لا یُعرف حکمها، علی الأوّل فیها دلالة حینئذٍ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة، لکن قبل الفحص بقرینة(حتّی تسألوا فتعلموا)، وهذا غیر محل الکلام. وعلی الثانی لیس فیها دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة، وإنّما هی ناظرة إلی حرمة الفتوی بالحکم الواقعی للواقعة من دون علمٍ، لیس لها نظر إلی وجوب الاحتیاط کموقفٍ عملی فی الشبهة والواقعة التی لا یُعلم ما هو حکمها؛ بل هذا لابدّ من أنْ یؤخذ من دلیل آخر؛ وحینئذٍ الأخباری یقول لدیّ أدلّة تدلّ علی وجوب الاحتیاط، والأصولی یقول لدیّ أدلّة تدل علی البراءة، لو سلّمنا ما یقوله الأخباری، نرجع ونقول بأنّه یکون هو الدلیل علی وجوب الاحتیاط، ولیس هذه الصحیحة.

ص: 99

الروایة الثانیة: موثّقة عبد الله بن وضّاح، یرویها الشیخ الطوسی، بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن سلیمان بن داوود، عن عبد الله بن وضاح، قال:(کتبت إلی العبد الصالح "علیه السلام" یتواری القرص، ویُقبل اللّیل، ثمّ یزید اللّیل ارتفاعاً، وتستتر عنّا الشمس، وترتفع فوق اللّیل حُمرة، ویُؤذّن عندنا المؤذنون، أفأصلّی حینئذٍ وأفطر إنْ کنت صائماً، أو انتظر حتّی تذهب الحُمرة التی فوق الجبل، فکتب إلی: أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحُمرة وتأخذ بالحائطة لدینک). (1) باعتبار أنّ ذیل الروایة جُعل من أدلّة وجوب الاحتیاط.

السند تام، الروایة موثّقة، سند الشیخ الطوسی إلی الحسن بن محمد بن سماعة صحیح، والحسن بن محمد بن سماعة ثقة، ومن شیوخ الواقفة، منصوص علی وثاقته، وسلیمان بن داوود المنقری منصوص علی وثاقته، وهکذا عبد الله بن وضاح، فالروایة معتبرة سنداً، وموثّقة لوجود الحسن بن محمد بن سماعة فیها؛ لأنّه من الواقفة.

یمکن أنْ یُقرّب الاستدلال بالروایة بهذا التقریب: بقوله(علیه السلام) فی جواب الکتاب(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحُمرة وتأخذ بالحائطة لدینک) بقطع النظر عن السؤال، بالنتیجة الإمام (علیه السلام) أمره فی الجواب بالانتظار إلی أنّ تذهب هذه الحمرة، وعللّه بأنّه(تأخذ بالحائطة لدینک). یُفهم من هذا أنّ الأخذ بالاحتیاط، والحائطة للدین هو شیء مطلوب للشارع مطلقاً بقطع النظر عن مورد الروایة کما هو شأن التعلیل، حینما یُعلّل شیئاً بشیءٍ، فهذه العلّة لا تختص بذلک الشیء، إنّما هی علّة عامّة، فلو قیل ----- مثلاً ----- لشخصٍ(أدِّ هذا الدین الذی علیک لزیدٍ، لتفرغ ذمّتک)، فأنّه یُفهم منه التعلیل، بمعنی أنّ الأمر بأداء الدین عُلّل فی هذا الکلام بتفریغ الذمّة، ویُفهم منه مطلوبیة تفریغ الذمّة، من دون أنْ یختص هذا بخصوص مورد الکلام، وإنّما تفریغ الذمّة أمر مطلوب علی الإطلاق، وبقولٍ مطلقٍ، من دون أنْ یختص بمورد الکلام کما هو شأن العلّة، کأنّه یُدّعی فی المقام هذا(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمرة) هذا أمر بالانتظار، (وتأخذ بالحائطة لدینک) هذا بمثابة التعلیل بهذا الأمر، فیُفهَم منه أنّ الأخذ بالحائطة للدین هو أمر مطلوب للشارع، وعُللّ به الأمر بالانتظار، فیُفهم منه أنّ الاحتیاط فی الدین واجب، وأنّه مطلوب؛ حینئذٍ تکون الروایة من أدلّة وجوب الاحتیاط فی موارد الشبهات.

ص: 100


1- (1) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 4، ص 176، أبواب المواقیت، باب 16، ح 14.

ناقشوا فی دلالة هذه الروایة بهذه المناقشة: قالوا بأنّ الحمرة الواردة فی الروایة، والمتکررّة ثلاث مرات فیها یوجد فیها احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أنْ یکون المقصود بالحمرة هی الحمرة المشرقیّة، ولیس المغربیّة، وهی التی ترتفع فی الأفق عندما یستتر القرص من جهة المغرب، فأنّه عندما یستتر القرص من جهة المغرب ترتفع حمرة من الشرق تُسمّی ب---- (الحمرة المشرقیّة)، کأنّ السائل فی الروایة یحتمل أنْ یکون لذهاب هذه الحمرة دخل فی تحقق الغروب الشرعی ------ کما هو المعروف بین الفقهاء أنّه یعتبر ذهاب الحمرة المشرقیة حتّی یتحققّ الغروب الشرعی، ولا یکفی فیه استتار القرص ------ وهو شاکّ فی أنّها دخیلة، حتّی ینتظر، والحمرة موجودة وبعدُ لم تذهب، فیجب علیه الانتظار، أو أنّها لیست دخیلة؛ فحینئذٍ یجوز له أنْ یفطر؛ لأنّ الاستتار متحققّ، وإنْ کانت الحمرة باقیة؛ حینئذٍ بناءً علی هذا الکلام تکون الشبهة حکمیّة، لا موضوعیة، ولیس هناک مشکلة فی أنّ الحمرة باقیة، أو لیست باقیة، وأنّ القرص استتر، أو لم یستتر، ویُفترض أنّه یعلم أنّ القرص استتر، لکنّ الحمرة المشرقیة باقیة، فلا یوجد شکّ فی الموضوع، وإنّما شکّ فی اعتبار زوال الحمرة المشرقیة فی تحققّ الغروب الشرعی؛ وحینئذٍ تکون شبهة حکمیّة، وعلی هذا الکلام الإمام(علیه السلام) سُئل عن شبهةٍ حکمیّةٍ(ما تقولون فی الحمرة المشرقیّة، هل هی دخیلة فی تحقق الغروب الشرعی، أو لا ؟ وکان المفروض والمناسب أنْ یُجیب الإمام(علیه السلام) عن شبهةٍ حکمیّة، بأنْ یزیل الجهل والشکّ عن المکلّف بأنْ یُبیّن له الحکم الواقعی، فإمّا أنْ یقول له لیست معتبرة فی تحققّ الغروب الشرعی، ویکفی فیه استتار القرص، أو أنْ یقول له أنّ الحمرة معتبرة، بینما الذی نلاحظه فی الروایة أنّ الإمام(علیه السلام) لم یُجِب بذلک، وإنّما أمره بالاحتیاط، هذا لیس جواباً عن السؤال، ولا یرفع الجهل، والشبهة؛ بل تبقی الشبهة علی حالها، والأمر بالاحتیاط هو شأن الشخص الغیر العالم بالأحکام الواقعیة، أمّا الإمام(علیه السلام) الذی یعلم بالحکم الواقعی، والسؤال عن الحکم الواقعی، فکان المناسب أنْ یجیب بالحکم الواقعی، بینما الملحوظ أنّ الإمام(علیه السلام) أجابه بالحکم الظاهری حیث أمره بالاحتیاط، وهذا لن یحلّ مشکلة السائل.

ص: 101

بناءً علی هذا الکلام، قالوا: لا یمکن أنْ نحمل جواب الإمام(علیه السلام) علی الجِد، هو لا یرید هذا الجواب جدّاً، ویتعیّن حمله علی التقیّة؛ لأننّا إذا حملناه علی الجد، فأنّه یکون غیر مناسبٍ لمقام الإمام(علیه السلام)، بمعنی أنّ ما یریده الإمام(علیه السلام) جدّاً هو لزوم الانتظار، وأنّ الغروب لا یتحققّ إلاّ بذهاب الحمرة المشرقیّة، لکن هناک مشکلة فی بیان هذا الحکم الواقعی، خصوصاً بالکتابة، المشکلة هی أنّ العامّة، إمّا قاطبة، أو مشهورهم یذهبون إلی کفایة استتار القرص فی تحقق الغروب، فهذا الرأی ----- اشتراط ذهاب الحمرة المشرقیّة فی تحققّ الغروب ----- هو رأی مخالف للعامّة، وفقهاء العامّة، فکأنّ الإمام(علیه السلام) أراد أنْ یتدارک ذلک، وأنْ یتّقی، وهو موضع تقیّة، خصوصاً فی الکتابة، فالإمام(علیه السلام) بیّن الحکم الواقعی، لکن لیس بشکلٍ مباشرٍ، وإنّما بیّنه بلسان(أری لک أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطة لدینک)، وهذا بیانٌ جیّدٌ یحققّ هدف الإمام(علیه السلام)، الغایة المطلوبة من کون الحمرة المشرقیّة شرط فی تحققّ الغروب سوف تتحققّ، وأنّه أمره بالاحتیاط والانتظار. إذن: بالنتیجة هذا السائل سوف لن یفطر قبل ذهاب الحمرة المشرقیّة؛ لأنّه أمره بالاحتیاط والانتظار، فالغرض یتحققّ من دون أنْ یظهر منه المخالفة للعامّة؛ لأنّهم سوف یقرأون هذا الکلام ویفهمونه علی أنّه أمرٌ بالاحتیاط لغرض إحراز استتار القرص الذی یکفی فی نظرهم فی تحققّ الغروب، بینما الغرض الواقعی للإمام(علیه السلام) لیس هذا، وإنّما غرضه هو أنّه أمره بالاحتیاط حتّی یُحرز ما یعتبر فی تحققّ الغروب وهو زوال الحمرة المشرقیّة، لکنّه لم یبیّنه بشکلٍ مباشرٍ، وإنّما بیّنه بلسان الاحتیاط.

النتیجة التی ننتهی إلیها هی: أنّه بناءً علی الاحتمال الأوّل ----- أنْ یکون المراد بالحمرة هی الحمرة المشرقیّة ------ حینئذٍ لا یصح الاستدلال بالروایة؛ لأنّ قوله(أری لک أنْ تنتظر وتأخذ بالحائطة لدینک) لیس الغرض منه هو إیجاب الاحتیاط بالمعنی الذی نتکلّم عنه، وإنّما هو کنایة عن أنّ زوال الحمرة المشرقیّة شرط فی تحققّ الغروب، فلا مجال للاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّة.

ص: 102

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الطائفة الثانیة التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّة، وبالخصوص الشبهة الحکمیّة التحریمیّة، وأنتهی الکلام إلی الروایة الثانیة، وهی موثّقة عبد الله بن وضاح، قرأناها فی الدرس السابق وذکرنا کیفیّة الاستدلال بها، وذکرنا المناقشة فی دلالتها، وتتلخّص المناقشة فی أنّه ما هو المقصود بالحمرة التی ذُکرت فی الروایة، والتی أمر الإمام(علیه السلام) السائل بأنْ ینتظر حتّی تذهب الحمرة، ما هو المقصود بالحمرة ؟

هناک احتمالان طُرحا فی الدرس السابق فی الحمرة:

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون الحمرة هی الحمرة المشرقیّة، وبناءً علی هذا الاحتمال تکون الشبهة شبهة حکمیّة؛ لأنّ هذا الشخص یحتمل أنْ یکون ذهاب الحمرة المشرقیّة دخیل فی تحققّ الغروب، وبالتالی جواز الإفطار، فهی شبهة حکمیّة، أنّ الغروب هل یتوقّف علی زوال الحمرة المشرقیّة ؟ أو لا یتوقّف؛ بل یکفی فی تحققّ الغروب استتار القرص ؟ فهذه شبهة حکمیّة بلا إشکال.

لکنْ قلنا: أنّهم ذکروا أنّه لابدّ من حمل الروایة علی التقیّة؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) لم یجب هذا السائل عن سؤاله، ولم یرفع جهله، ولم یرفع شکّه، وبالنتیجة لم یعرف أنّ زوال الحمرة المشرقیّة دخیلٌ فی تحققّ الغروب، أو لا ؟ لأنّ الإمام(علیه السلام) أجابه بالاحتیاط(أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدینک)، وهذا لا یُفهم منه ما هو الحکم الواقعی فی الشبهة الحکمیة التی یسأل عنها السائل؛ ولذا لابدّ من أنْ لا یکون جواب الإمام(علیه السلام) جواباً جدّیّاً، ولا یحمل علی الجد، وإنّما یُحمَل علی التقیّة، فکأنّ ما یریده الإمام(علیه السلام) جدّاً فی الواقع هو بیان أنّ زوال الحمرة المشرقیّة دخیلٌ فی تحققّ الغروب، لکن هذا یمنع منه مانع، وهو أنّه خلاف الرأی السائد عند العامّة، فالإمام(علیه السلام) لا یستطیع أنْ یُبیّن هذا بشکلٍ صریحٍ، فبیّنه بشکلٍ غیر صریحٍ، وغیر مباشرٍ، بأنْ أمره بالاحتیاط، وهذا یحققّ الغرض من التقیّة، أنّ السامع یتخیّل أنّ انتظار ذهاب الحمرة المشرقیّة لیس لأجل أنّ الغروب یتوقّف علی ذهابها، وإنّما لأجل تحصیل الیقین بتحققّ استتار القرص، فالإمام(علیه السلام) استخدم أسلوب التقیّة لبیان الحکم الواقعی، ومن هنا لا یصحّ الاستدلال بالروایة؛ لأنّ الأمر بالاحتیاط فی الروایة لا یُراد به معناه الحقیقی، یعنی الأمر بالاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة، وإنّما هو ذُکر کطریقٍ لبیان الحکم الواقعی الحقیقی، وهو مقصوده، فیقول له:( أری لک أنْ تنتظر حتّی تذهب الحمرة، وتأخذ بالحائطة لدینک)، وهذا لا یُفهم منه أنّه یجب الاحتیاط فی کلّ شبهةٍ حکمیّةٍ بعد حمله علی التقیّة.

ص: 103

الاحتمال الثانی: أنْ یکون المقصود بالحمرة هو الحمرة المغربیّة التی وردت روایات کثیرة فی لعن أبی الخطاب، حیث أحدث الخطابیّة بدعاً فی المذهب، ومن جملة البدع التی أحدثوها هی أنّهم کانوا لا یصلّون المغرب، إلاّ بعد زوال الحمرة المغربیّة التی تتأخّر بعد استتار القرص بمدّة طویلة، هذه من البدع التی نصّت الروایات علی أنّها من بِدعهم، ونهت عنها، وأصبح من المسلّمات أنّ الغروب لا یتوقّف علی ذهاب الحمرة المغربیّة، فحتّی لو فرضنا أنّ ظاهر الروایة هو توقّف الغروب علی ذهاب الحمرة المغربیّة، ولو باعتبار التقیّة، یعنی بلسان بیان الحکم الظاهری. علی کلّ حال لا یمکن الأخذ والعمل بهذه الروایة لو کان مفادها لزوم انتظار ذهاب الحمرة المغربیّة، ولو من باب الاحتیاط، وبیان الحکم الظاهری والحکم التقیّتی، هذا أمر مُسلّم الفساد فقهیاً، فلا یمکن الالتزام به.

الاحتمال الثالث: الذی یمکن أنْ یُضاف إلی هذین الاحتمالین، والذی تکون الشبهة موضوعیّة بلحاظه، هو أنْ یُقال: أنّ المراد بالحمرة لیس هو الحمرة المشرقیّة ولا الحمرة المغربیّة، وإنّما المراد بالحمرة هو ما یکتنف سقوط القرص، فأنّ القرص عندما یمیل إلی السقوط تکتنفه حمرة بلونٍ باهت، هذه هی المقصودة بالحمرة فی الروایة، فکأنّ السائل یجعل بقاء هذه الحمرة موجباً للشکّ فی استتار القرص؛ لأنّ هذه الحمرة تکتنف القرص حینما یمیل إلی السقوط، وتبقی بعده لمدّة قصیرة جدّاً، فهو عندما یری حمرة یشکّ فی أنّه هل استتر القرص، وبقیت هذه الحمرة، أو أنّ هذه الحمرة هی التی اکتنفت القرص قبل استتاره، فمن هنا یکون بقاء الحمرة ورؤیته لها، موجباً للشکّ فی استتار القرص وعدمه. إذن: هو یشکّ فی استتار القرص وعدمه، وهذه شبهة موضوعیّة، ولا یجب الاحتیاط فیها باعتراف الأخباریین؛ وحینئذٍ لابدّ من حمل الأمر بالاحتیاط فی هذه الروایة علی خصوصیّةٍ فی هذه الشبهة الموضوعیّة أوجبت الاحتیاط، وهذه الخصوصیّة هی عبارة عن أنّ الأصل الجاری فی المقام هو عبارة عن استصحاب بقاء الوقت، أو اشتغال الذمّة بالتکلیف المعلوم جزماً، والذی یستدعی الفراغ الیقینی، ولا فراغ یقیناً، إلاّ بأنْ یفطر بعد هذه الحمرة. هذه خصوصیّة فی نفس هذه الشبهة الموضوعیّة أوجبت الاحتیاط، ومن هنا لا یمکن تعمیم الأمر بالاحتیاط إلی سائر الشبهات الأخری، فلا یمکن الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، لا فی الشبهات الحکمیّة، ولا فی الشبهات الموضوعیّة الفاقدة لهذه الخصوصیّة.

ص: 104

حاصل الجواب هو: أنّ مورد الروایة هو إمّا شبهة حکمیّة، أو شبهة موضوعیّة، لا یخلو من أحد الأمرین: إمّا أنْ یکون مورد الروایة شبهة حکمیّة بلحاظ الحمرة المشرقیّة، أو بلحاظ الحمرة المغربیّة، فالسائل لا یعلم أنّ ذهاب الحمرة المشرقیّة، أو المغربیّة دخیلٌ فی تحققّ الغروب، أو لا ؟ وهذه شبهة حکمیّة. وإمّا أنْ یکون مورد الروایة شبهة موضوعیّة بهذا البیان الأخیر. وعلی کلا التقدیرین لا یصح الاستدلال بالروایة فی محل الکلام.

أمّا إذا کانت شبهة حکمیّة: فلِما قلناه من أنّ الأمر بالاحتیاط کجوابٍ علی شبهةٍ حکمیّةٍ لابدّ من حمله علی محملٍ غیر الجد، وأنّه لیس جواباً جدّیاً من قِبل الإمام(علیه السلام)؛ لأنّ وظیفة الإمام(علیه السلام) هی أنْ یُبیّن الحکم، ویرفع جهل السائل، ویرفع الشکّ عنه، ویُبیّن له ما هو الحکم الواقعی، فإمّا أنْ یجیبه بأنّ الحمرة دخیلة، أو أنّها غیر دخیلة، أمّا أنْ یأمره بالاحتیاط، فهذا لیس جدّیاً، وإنّما استدعته التقیّة بالبیان الذی ذکرناه؛ فحینئذٍ لا یکون جوابه إلاّ جواباً علی نحو التقیّة؛ وحینئذٍ کیف یمکن الاستدلال بالأمر بالاحتیاط الصادر منه من باب التقیّة علی وجوب الاحتیاط فی سائر الشبهات.

وأمّا إذا کان مورد الروایة هو شبهة موضوعیّة: فلما قلناه من أنّ الاحتیاط فی الشبهة الموضوعیّة لیس واجباً حتّی عند الأخباریین، وإنّما أمَرَ بالاحتیاط فی هذه الشبهة الموضوعیّة ------ إذا فسّرنا الروایة بذلک ------ باعتبار خصوصیّةٍ فیها، وهی أنّ هناک أصلاً، أو أصولاً تقتضی وجوب الانتظار، والأصل الواضح هو استصحاب بقاء الوقت، فکیف نجوّز له أنْ یفطر حتّی قبل ذهاب الحمرة ؟ یعنی مع الشکّ فی استتار القرص، فعلی کلا التقدیرین لا یصحّ الاستدلال بهذه الروایة.

ص: 105

الطائفة الثالثة: وهی أهم الطوائف التی استُدلّ بها علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة، وهی أخبار التثلیث، وعمدة هذه الأخبار ثلاث روایات:

الروایة الأولی: روایة جمیل بن صالح، (1) یرویها الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه) فی الفقیه، وفی الخصال، وفی المجالس، ینفرد بروایتها الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه)، لکنّه یرویها فی عدّة کتبٍ من کتبه، یرویها فی الفقیه بإسناده عن علی بن مهزیار، عن الحسین بن سعید، (2) عن الحارث بن محمد بن النعمان الأحول، عن جمیل بن صالح. هذا السند لا مشکلة فیه إلاّ من جهة الحارث بن محمد بن النعمان الأحول الذی هو من ذریة مؤمن الطاق، مجهول الحال، لم یرِد نص علی وثاقته.

نعم، هناک محاولة للوحید البهبهانی(قُدّس سرّه) لإثبات إمکان الاعتماد علیه، حیث ذکر فی تعلیقته (3) أنّه یمکن الاعتماد علیه لکونه صاحب أصلٍ، ولروایة عدّة من اصحابنا لکتابه، منهم الحسن بن محبوب، وغیر ذلک من الأمور التی ذکرها.

فی الخصال أیضاً فیه هذه المشکلة، وهکذا فی المجالس؛ لأنّ السند دائماً ینتهی إلی الحارث بن محمد بن النعمان الأحول، عن جمیل بن صالح، وجمیل ثقة، فالسند فیه هذه المشکلة.

الروایة طویلة، وهی موجودة فی الفقیه بتمامها، وفی ذیل الروایة یقول:(الأمور ثلاثة: أمر تبیّن لک رشده، فاتبعه، وأمر تبیّن لک غیّه، فاجتنبه، وأمر اختُلف فیه، فردّه إلی الله" عزّ وجل").

الاستدلال بالروایة علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام یتوقّف علی أمور:

ص: 106


1- (1) وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 162، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 28.
2- (2) فی بعض النسخ (الحسن بن سعید).
3- (3) تعلیقة علی منهج المقال، الوحید البهبهانی، ص 113.

الأمر الأوّل: أنْ یکون المقصود ببیّن الرشد هو معلوم الحلّیّة، وأنْ یُراد ببیّن الغیّ هو معلوم الحرمة، فکأنّ الحدیث یقول معلوم الحلّیّة یجوز لک أنْ ترتکبه، ومعلوم الحرمة اجتنبه، وأمرٌ اختُلف فیه، فردّه إلی الله(عزّ وجل).

الأمر الثانی: أنْ یُراد من الأمر المختلَف فیه المشکوک والمشتبِه الذی یدور أمره بین الحرمة والحلّیّة.

الأمر الثالث: أنْ یُراد من الأمر بردّه إلی الله(عزّ وجل) وجوب الاحتیاط.

إذا تمّت هذه الأمور الثلاثة، فالاستدلال بالروایة یکون واضحاً؛ لأنّ الروایة بناءً علی تمامیة هذه الأمور یکون مفادها هو أنّ الأمور ثلاثة: أمرٌ معلوم الحلّیّة لا مانع من ارتکابه، وأمرٌ معلوم الحرمة، فاجتنبه، وأمرٌ مشتبه مردّد بینهما لا یُعلم هل هو حلال، أم حرام، والذی هو محل کلامنا، وهو الشبهة الحکمیّة التحریمیّة. هذا الأمر المردّد المشتبه، تقول الروایة ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وقلنا أنّ الرد إلی الله(عزّ وجل) یُفسّر بوجوب الاحتیاط، فتدلّ علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیّة التحریمیّة، وهذا هو المطلوب.

ولکن یمکن المناقشة فی کل أمرٍ من هذه الأمور الثلاثة التی یتوقّف الاستدلال بالروایة علیها:

أمّا الأمر الأوّل، فقد نوقش فیه، بأنّه من المحتمل، إنْ لم نستظهر ذلک، أنْ لا یُراد ببیّن الرشد هو معلوم الحلّیّة، فکیف یمکن تفسیر بیّن الرشد بمعلوم الحلّیّة ؟ وتفسیر بیّن الغی بمعلوم الحرمة ؟ هذا تفسیر یحتاج إلی قرینةٍ، فأنّ بیّن الرشد هو الأمر الواضح، فیکون إشارة إلی المستقلات العقلیّة، فالتعبیر بالرشد والغیّ هو أقرب إلی المستقلات العقلیّة منه إلی الحلّیّة والحرمة الشرعیّتین الواقعیتین، بیّن الرشد یعنی الأمر الذی یستقلّ العقل بحسنه ورشده، وبیّن الغیّ یعنی ما یستقلّ العقل بقبحه، وکونه غیّاً، فنحملهما علی هذا، ولا داعی لحملهما علی معلوم الحلّیّة، ومعلوم الحرمة، لا أقل من احتمال هذا، ولو باعتبار المناسبة بین الرشد والغیّ، وبین ما یدرک العقل حسنه، وما یدرک العقل قبحه؛ بل لعلّ من الصعب جدّاً إطلاق بَینّ الغیّ علی معلوم الحرمة، فالحرمة لیست غیّاً، وإنّما هی تشریع من التشریعات الإلهیّة التی هی عین الصلاح وعین الرشد، ولا فرق بین الحرمة والوجوب، فکلاهما حکم تشریعی الهی، ولا یُعبّر عنه بالغیّ. نعم، فعل الحرام یمکن أنْ یقال أنّ هذا غی، لکن لا یمکن أنْ نقول أنّ بیّن الغیّ یعنی بیّن الحرمة، وکأنّه نجعل الحرمة غیّاً، فإذا کان الشیء معلوم الحرمة یکون بیّن الغیّ، هذا غیر صحیح؛ لأنّ الحرمة لیست غیّاً، ولیست فساداً، فمن الصعب جدّاً أنْ نفسّر بیّن الرشد، وبیّن الغی بمعلوم الحرمة، ومعلوم الحلّیّة، لا أقل من احتمال أنّ المقصود لیس هذا، وإنّما المقصود هو أنّ الأمور التی یدرکها عقلک، وتجزم بها جزماً واضحاً، وبإدراک العقل العملی إذا أدرکت قبح شیءٍ، وأنّه غیّ اجتنبه، وإذا أدرکت حُسن شیءٍ، وأنّ الرشد فیه، فافعله، فالروایة ناظرة إلی المستقلات العقلیّة، ولیست ناظرة إلی معلوم الحرمة، وإلی معلوم الحلّیّة. (وأمر اختُلِف فیه) لابدّ من تفسیره علی ضوء هذا، إذا قلنا بذلک؛ حینئذٍ تُفسّر هذه الأمور بأنّها الأمور التی لا یدرک العقل حُسنها، ولا قُبحها، ولیس لدی العقل شیء جازم فی هذا الأمر، فلا یُدرک حُسنه، ولا یُدرک قبحه؛ حینئذٍ فی هذه الحالة یجب أنْ تتلقّی حکم هذا الشیء من الشارع، ولابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وبهذا تکون الروایة أجنبیة عن محل الکلام، وبناءً علی هذا هی فی الحقیقة ناظرة إلی الأمور التی تدرک أنّها غیّ، فاجتنبها، والأمور التی تدرک أنّها رشد، فافعلها، والأمور التی تتوقّف، وعقلک لیس لدیه إدراک لهذا الأمر، لا غیّه ولا رشده، لا حُسنه ولا قُبحه، هذه الأمور لا یجوز أنْ تعمل بها بالذوق والاستحسان والتخمینات والترجیحات الظنّیّة؛ بل لابدّ من ردّها إلی الله(عزّ وجل)، وبهذا تکون الروایة أجنبیّة عن محل الکلام، ولا علاقة لها بالشبهة الحکمیّة التحریمیّة، وإنّما هی أشبه بعدم جواز الاعتماد علی الاستحسانات والأذواق فی تشخیص الموقف تجاه ما لا یدرکه العقل؛ بل لابدّ من أخذ حکمه من الشارع(عزّ وجل)، فتکون من قبیل(أنّ دین الله لا یُصاب بالعقول) وأمثال هذه الأخبار.

ص: 107

قد یُعترض علی هذه المناقشة: قیل بأنّ هذه المناقشة غیر تامّة، باعتبار أنّ لازم هذه المناقشة هو أنْ نحمل الروایة علی الإرشاد، أنّها تکون فی مقام الإرشاد إلی ما استقلّ به العقل العملی، وهذا خلاف الظهور الأوّلی للخطاب الصادر من الشارع؛ إذ لا إشکال فی أنّ الظهور الأوّلی لکل خطابٍ یصدر من الشارع هو أنّه یصدر منه بما هو شارع. وبعبارة أخری: یصدر منه بما هو مولی، فحمل الخطاب الشرعی علی أنّه إرشاد هو خلاف الظهور الأوّلی، ویحتاج إلی قرینة، فکأنّه یقول: أنّ هذه المناقشة لازمها حمل الروایة علی أنّها فی مقام الإرشاد إلی ما استقل به العقل العملی، وهذا خلاف الظهور الأوّلی للخطاب الصادر من الشارع.

أقول: الظاهر أنّ هذا الاعتراض غیر وارد، وذلک باعتبار أنّه بناءً علی المناقشة یکون مفاد الحدیث فی الحقیقة هو حجّیّة حکم العقل العملی، وأنّ ما یستقل به العقل حجّة، فإذا استقل بقبح شیءٍ، فعلیک أنْ تجتنبه، کما لو أمرک الشارع باجتنابه، وإذا استقل العقل بحُسن شیءٍ، فافعله کما لو أمرک الشارع بفعله، فهی ناظرة إلی بیان حجّیّة العقل العملی فی المستقلات العقلیّة وعدم حجّیّة الاستحسانات والأذواق والعقول الظنّیّة فی غیر المستقلات العقلیّة. هذا یکون مفاد الحدیث بناءً علی المناقشة السابقة، ومن الواضح بأنّ هذا المفاد فیه إعمال مولویّةٍ، ولیس إرشاداً، فهو یُبیّن أنّ العقل العملی حجّة فی المستقلات العقلیّة، الظنون والاستحسانات لیست حجّة فی غیر المستقلات العقلیّة، وأیّ مولویّةٍ أکثر من إعمالها فی هذا المجال ؟ هناک فرق بین روایةٍ یأمر الشارع فیها بالعدل، وینهی عن الظلم، هذه نقول أنّها إرشادیّة؛ لأنّ الأمر بالعدل إرشاد إلی حکم العقل واستقلاله بحسن العدل، والنهی عن الظلم وتحریمه، هذا إرشاد إلی ما حکم به العقل من قُبح الظلم. وفی ما نحن فیه لیس هناک أمر بالعدل، ولا نهی عن الظلم حتّی نقول أنّ هذا خطاب إرشادی؛ لأنّ العقل یحکم بقبح الظلم وحسن العدل، فالروایة بناءً علی تمامیة المناقشة، الشارع یرید أنْ یؤسس أنّ العقل العملی فی المستقلات العقلیّة حجّة، وأنّ العقل الظنّی غیر القطعی، والاستحسانات وأمثالها فی غیر المستقلات العقلیة لیست حجّة؛ بل لابدّ من أخذ حکمها من الشارع، وأیّ مولویةٍ أکثر من هذه المولویة التی أعملها الشارع فی هذا الحدیث الشریف ؟

ص: 108

إذن: لا یلزم من هذه المناقشة حمل الروایة کما قیل علی الإرشاد؛ بل فیها إعمال مولویةٍ بشکل واضحٍ جدّاً، کالأدلّة الدالّة علی حجّیّة شیءٍ، أو عدم حجّیّة شیءٍ، هی أوامر مولویّة صدرت منه بما هو مولی، وبما هو مشرّع، فلا یلزم منها ذلک.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایة الأولی من الطائفة الثالثة وهی روایة جمیل بن صالح، وقد بیّنا کیفیة الاستدلال بها، وذکرنا المناقشة فی الاستدلال بها، وکان حاصل المناقشة هو أنّ الروایة أجنبیّة عن محل الکلام، أو لا أقل من احتمال ذلک، باعتبار أنّه من المحتمل أنْ تکون الروایة ناظرة إلی المستقلات العقلیّة ولیس لها علاقة بالحرمة والحلّیّة، باعتبار أنّ الرشد والغیّ یناسبان المستقلات وغیر المستقلات، ما یستقل العقل بقبحه، وما یستقل العقل بحسنه، ولا یناسبان الحرمة الواقعیة والحلّیّة الواقعیة کحکمین شرعیین واقعیین، فتکون أجنبیّة عن محل الکلام.

بعضهم حاول أنْ یردّ هذه المناقشة، الردّ الأوّل تقدّم فی الدرس السابق، وبیّنّا أنّه لا یلزم من هذه المناقشة أنْ تُحمل الروایة علی أنّها فی مقام الإرشاد، وإنّما واضح فیها إعمال المولویة، ولو باعتبار النهی عن الرجوع إلی غیر الشارع فی غیر المستقلات العقلیّة، فی غیر المستقلات العقلیّة أُمر بالردّ إلی الله(عزّ وجل)، وقلنا أنّ هذا معناه بناءً علی هذه المناقشة، یعنی لا یجوز إعمال الرأی والاستحسان والذوق وتحکیم هذه الأمور فی ما لا یدرک العقل حسنه ولا قبحه؛ بل لابدّ من ردّه إلی الشارع، وهذا فیه إعمال مولویةٍ بلا إشکال.

ص: 109

الردّ الثانی الذی ذُکر، حاصله: أنّ حمل الروایة علی المستقلات العقلیّة وغیرها لا ینسجم مع قوله(علیه السلام) فی ذیل الروایة(أو أمر اُختلف فیه)؛ إذ لا موضوع للاختلاف فی المستقلات العقلیّة؛ لأنّ العقل العملی إمّا أنْ یُدرک أنّ هذا الشیء حسن وعدل، وذاک قبیح وظلم، أو لا یُدرک، ولا رابع فی البین، فی باب المستقلات العقلیّة لا یوجد أمر اختلف فیه العقل، فقوله(وأمر اخُتلف فیه) لا ینسجم مع حمل الروایة علی المستقلات العقلیّة وغیرها، بخلاف ما إذا حملنا الروایة علی معناها المتقدّم وهو الحلّیّة الشرعیّة، والحرمة الشرعیّة، ویکون القسم هو أمر اُختلف فیه، هل هو حلال، أو هو حرام ؟ أمّا أنّه اختلف فیه العقل أنّه یدرک حسنه، أو لا یدرک حسنه، هذا لا وجه له فی باب العقلیات.

أقول: الظاهر أنّ هذا الردّ الثانی أیضاً غیر واردٍ علی المناقشة، وذلک باعتبار أنّ المراد من قوله(علیه السلام) (أو أمر اُختلف فیه) لیس هو ما یختلف فیه العقل نفسه حتّی یقال بأنّ العقل إمّا أن یُدرک حسن الشیء، أو یدرک قبحه، أو لا یدرک، ولا معنی لفرض الاختلاف فی إدراک العقل؛ بل المراد من (أمر اُختلف فیه) بناءً علی هذه المناقشة عدم إدراک العقل حسن شیء ولا قبحه، بمعنی أنّ العقل یدرک حسن شیءٍ فیتّبعه، وأخری یدرک قبح شیءٍ، فیجتنبه، وأخری لا یدرک لا حسنه ولا قبحه، عُبّر عن هذا بأنّه أمر اُختلِف فیه، یعنی لیس واضح المعالم، ولیس واضحاً بنظر العقل، لا هو یدرک حسنه بشکلٍ جازمٍ، ولا یدرک قبحه بشکلٍ جازمٍ، وهذا لا بأس به، أنْ نفترض قسماً ثالثاً بهذا المعنی؛ بل هو فی کلامه افترض هذا القسم الثالث؛ لأنّه قال: إمّا أنْ یدرک العقل حُسنه، أو یدرک العقل قبحه، أو لا یدرک حُسنه ولا قُبحه، ولا رابع. نحن نقول أنّ الغرض منه هو هذا القسم الثالث، بمعنی أنّ العقل لا یُدرک حُسن الشیء، ولا قبحه؛ فحینئذٍ فی هذا القسم الثالث عُبّر عنه فی الروایة بمقتضی المناقشة ----- إذا تمّت ----- بأنّه أمر اختُلف فیه، بمعنی أنّ العقول تختلف فیه، بعضهم یقول هذا شیء حسن، والآخر یقول هذا قبیح، فلا یوجد شیء جزمی بنظر العقل، وإنّما اختلف فیه الناس، فیمکن تفسیره بهذا التفسیر؛ وحینئذٍ لا یوجد عندنا اختلاف فی نفس العقل، أنّ العقل یختلف فی الشیء، هذا صحیح، لا مجال لأنْ نقول أنّ العقل یختلف فی إدراک قُبح شیء، أو إدراک حُسنه، وإنّما المقصود بأمرٍ اُختُلف فیه، یعنی لم یدرک العقل حُسنه ولا قُبحه؛ وحینئذٍ لا یرد هذا الإیراد علی المناقشة.

ص: 110

الردّ الثالث الذی ذکره:هو أنّه قال: بأنّ نسبة الرشد والغیّ إلی المخاطب فی هذه الشریعة(أمر تبیّن لک رشده)، و(أمر تبیّن لک غیّه)، أنّ ضمیر(لک) یعود إلی مسلمٍ مخاطَبٍ ملتزمٍ بهذه الشریعة، هذه النسبة تدلّ علی أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیّان لا مطلقان، نسبة الرشد والغیّ إلی المسلم المخاطب الملتزم بهذه الشریعة تدلّ علی أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیان لا مطلقان، وإذا کان المراد من الرشد والغیّ العقل العملی المستقل؛ فحینئذٍ هذا لا یناسب أنْ یکون الرشد والغیّ أمرین نسبیّین؛ لأنّه لا یمکن أنْ یکون الرشد والغی فی باب المستقلات العقلیّة أمرین نسبیّین، یعنی یثبت حُسن شیءٍ فی هذه الشریعة، ولا یثبت فی شریعةٍ أخری، أو یثبتعند هذه الطائفة ولا یثبت عند هذه الطائفة، الحُسن والقُبح فی المستقلات العقلیّة أمران مطلقان، فما یکون حسناً یکون حسناً عند الجمیع، وما یدرک العقل قبحه کالظلم یکون قبیحاً عند الجمیع، لا أنْ یقال أنّ الضمیر(لک) فی قوله(تبیّن لک رشده) لا یناسب حمل الروایة علی المستقلات العقلیّة، وإنّما یناسب الرشد النسبی، والغی النسبی، وفی باب المستقلات العقلیّة الرشد والغی، أی الحسن والقبح أمران مطلقان لا نسبیّان لا یثبتان عند المخاطب فقط دون الباقین، لا یثبتان عند هذه الشریعة دون الشرائع الأخری، وعند هذه الطائفة دون الطائفة الأخری. فإذن: هذا لا یناسب حمل الروایة علی المستقلات العقلیّة.

أقول: هذا أیضاً لیس واضحاً، باعتبار أنّ استفادة أنّ الرشد والغیّ امران نسبیان من قوله(علیه السلام)(تبیّن لک رشده)، أو(تبیّن لک غیّه) هذه الاستفادة غیر ظاهرة؛ بل لعلّها غیر صحیحة، باعتبار أنّ المخاطب بهذا الخطاب لا یُلحظ بما هو مسلم، وإنّما یُلحظ بما هو عاقل، الخطاب ----- بحسب المناقشة ----- فی باب المستقلات العقلیّة، فعندما یقال(تبیّن لک) یعنی بما أنت عاقل، لا بما أنت مسلم، صحیح أنّ الخطاب هو(تبیّن لک رشده، أو تبیّن لک غیّه) لکنّ الملحوظ فی هذا المخاطَب هو کونه عاقلاً لا کونه متعبّداً بشریعةٍ معیّنةٍ فی قبال سائر الشرائع، أو کونه منتمیاً إلی طائفةٍ فی قبال سائر الطوائف، وإنّما المقصود به خطابه بما هو إنسان عاقل، أمور ثلاثة: أمر تبیّن لک بما أنت عاقل رشده، فاتّبِعه، وأمر تبیّن لک غیّه، فاجتنبه، کل منهما یدخل فی باب المستقلات العقلیّة التی یدرک العاقل بما هو عاقل أنّها حسنة، أو قبیحة، بیّنة الرشد، أو بیّنة الغیّ، المقصود هذا، من قبیل أنْ تخاطب إنساناً(إذا أدرکت حُسن شیءٍ، فاتّبعه، وإذا أدرکت قُبح شیءٍ، فاجتنبه) المقصود بهذا الخطاب هو أنّک تخاطبه بما هو إنسان عاقل لا بما هو من أصحاب شریعةٍ حتّی یُفهم منها النسبیّة، أنّ الرشد والغیّ أمران نسبیان ثابتان فی هذه الشریعة دون سائر الشرائع، لا یُفهم منها هذا، وإنّما الخطاب یوجّه إلی الإنسان بما هو عاقل، فلا نسبیّة فی البین؛ بل یثبت الإطلاق، وهذا یناسب حمل الروایة علی المستقلات العقلیّة.

ص: 111

الصحیح أنّ هذه الردود علی المناقشة غیر تامّة، أمّا أصل المناقشة للاستدلال، فهی ----- إنصافاً ----- محتملة، یعنی أنْ تکون الروایة ناظرة إلی باب المستقلات العقلیّة، وغیر المستقلات العقلیّة، کما أنّه یُحتمَل فی الروایة أنْ تکون ناظرة إلی الأمور العقائدیّة فقط، فتقول: هذه المسائل العقائدیّة إذا کانت واضحة الرشد، فاتّبعها، أو واضحة الغیّ، فاجتنبها، أمّا الأمور العقائدیّة المُختلَف فیها، فلا تُحکّم فیها عقلک الناقص، وإنّما أرجع فیها إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فیمکن أنْ تکون ناظرةً إلی المسائل العقائدیّة. وعلی کلا التقدیرین، سواء کانت ناظرة إلی المستقلات العقلیّة، أو ناظرة إلی المسائل الاعتقادیّة، تکون أجنبیّة عن محل الکلام، ولا یصحّ الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط عند الشکّ فی حرمة شیءٍ، أو حلّیته. وأمّا حملها علی محل الکلام فهذا خلاف الظاهر.

هذا کلّه بالنسبة إلی الأمر الأوّل الذی یتوقّف علیه الاستدلال، حیث قلنا أنّ الاستدلال بهذه الروایة یتوقّف علی أمورٍ ثلاثة:

الأمر الأوّل: هو أنْ یکون المقصود ب---(تبیّن لک رشده) هو تبیّن لک حلّیته، والمقصود ب---- (تبیّن لک غیّه) هو تبیّن لک حرمته، فبیّن الرشد یعنی بیّن الحلّیّة، وبیّن الغیّ یعنی بیّن الحرمة. وقلنا أنّ هذا الأمر الأوّل خلاف الظاهر، وأنّ المناقشة فیه تامّة.

الأمر الثانی: هو أنْ یُراد من الأمر المُختلَف فیه ----- القسم الثالث فی الروایة ----- الأمر المشکوک المشتبَه الدائر بین الحلّیّة والحرمة(وأمرٌ اختُلف فیه) یعنی المشتبهات. فتکون الأقسام ثلاثة، معلوم الحلّیّة، ومعلوم الحرمة ---- بناءً علی تمامیّة الأمر الأوّل ---- والثالث أمر اختُلف فیه، یعنی أمر مردّد مشکوک لا نعلم أنّه حلال، أو حرام، فیُفسّر(أمر اختُلف فیه) بالأمر المشکوک من حیث الحلّیّة والحرمة، حتّی ینطبق علی محل الکلام، حیث أنّ کلامنا هو فی الشکّ فی حرمة شیءٍ، أو إباحته، أی فی الشبهة التحریمیّة. هل یمکن أنْ نستفید من هذه العبارة (وأمر اُختلف فیه) یعنی أمرٌ شُکّ فیه ؟ هذا صعب، فإثبات الأمر الثانی مشکل؛ لأنّ القول بأنّ المقصود من(أمر اختُلف فیه) یعنی أمر شُکّ فیه، هو خلاف الظاهر، إلاّ بعنایة، بأنْ نقول: حیث أنّ الشکّ فی حرمة شیءٍ، أو إباحته یوجب الاختلاف عادةً، فعُبّر عن هذا الشیء المشکوک بما هو لازمه، وهو حصول الاختلاف عادةً، فقیل(أمر اختُلف فیه)، یعنی أمر شُک فی حلّیّته وحرمته، لکن حیث أنّ الشکّ فی ذلک عادةً یکون موجباً للاختلاف، فعُبّر عنه بأمرٍ اختُلف فیه، والمقصود به هو أمر شُکّ فیه.

ص: 112

أقول: هذه العنایة تحتاج إلی قرینةٍ، وبذل هذه العنایة لیس أولی من أنْ نقول شیئاً آخراً یجعل الروایة أجنبیّة عن محل الکلام، وذلک بأنْ نبقی القسم الثالث ----- أمر اختُلف فیه -----علی ظاهره، یعنی هناک اختلاف فیه، أو هناک أقوال فیه، أنْ نبقی هذا علی ظاهره، ونحمل قوله(تبیّن لک رشده)، أو(تبیّن لک غیّه) علی الاتّفاق علی الحلّیّة، والاتّفاق علی الحرمة ------ بعد التنزّل عن مناقشة الأمر الأوّل ------ فتکون الروایة ناظرةً إلی الأمر المتّفق علی حرمته، ونفسّر(الأمر الذی تبیّن لک غیّه) بالأمر المتّفق علی حرمته علی أساس نفس النکتة السابقة، وهو أنْ نقول: أنّ الاتّفاق علی حرمة شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحرمة، والاتّفاق علی حلّیّة شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحلّیّة، کما أننّا قلنا هناک بأنّ الشکّ فی حرمة شیءٍ وإباحته یکون موجباً للاختلاف، هنا أیضاً نقول: الاتّفاق علی حلّیّة شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحلّیّة، کما أنّ الاتّفاق علی حرمة شیءٍ یکون موجباً لتبیّن الحرمة، فبدل التعبیر بالاتّفاق عُبّر فی الروایة بنتیجة الاتّفاق، وهی تبیّن الحلّیّة وتبیّن الحرمة، فتکون النتیجة هی أنّ الروایة تقول: أنّ الشیء المتفّق علی حلّیّته، الذی عُبّر عنه بتبیّن الحلّیّة، أو المُتّفق علی حرمته، الذی عُبّر عنه بتبیّن حرمته، هذا اعملْ به علی أساس ذلک، تبیّن الحلّیّة اعملْ به علی أنّه حلال، وإذا اتّفق علی حرمته، تعامل معه علی أساس ذلک؛ لأنّ الاتّفاق والإجماع حُجّة، وامّا الأمر المُختلَف فیه، فنبقیه علی ظاهره، فلا یجوز لک أنْ تعمل بقول هذا، أو بقول هذا؛ لأنّه أمر مختلَف فیه لابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وبهذا تکون الروایة أجنبیّةً عن محل الکلام، ولا علاقة لها بالشبهة الحکمیّة التحریمیّة، وإنّما هی ناظرة إلی الاتّفاق والاختلاف فی المسألة الشرعیّة الفرعیّة، الحرمة المتّفق علیها اعملْ بها علی أساس الاتفاق علی الحرمة، والحلّیّة المتّفق علیها أیضاً اعملْ بها علی أساس الحلّیّة المتّفق علیها، والأمر المختلَف فیه لابدّ من ردّه إلی الله(عزّ وجل)، وإلی رسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهذا شیء لا علاقة له بمحل الکلام، فنحن لا نتکلّم عن حجّیّة الاتّفاق وعدم حجّیّته، وإنّما نتکلّم فی أنّ مکلّفاً یشکّ فی أنّ هذا الشیء حرام، أم حلال، شبهة حکمیّة، هذا هل یجب علیه الاحتیاط، أم لا ؟ بناءً علی هذا التفسیر تکون الروایة أجنبیّةً عن محل الکلام، ولا یُستفاد منها وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة.

ص: 113

الغرض هو: أنّ حمل (أمر اختُلف فیه) علی أنّه شُکّ فیه کما هو مبنی الاستدلال هو خلاف الظاهر، إلاّ بإعمال عنایةٍ، وهی أنّ الاختلاف فی الحرمة والحلّیّة عادةً یوجب الشکّ، فعُبّر عن الشکّ فی الحرمة والحلّیّة بالاختلاف، فقیل أمر اختُلف فیه، والمقصود هو أمر شُکّ فی حلّیّته وحرمته؛ حینئذٍ نقول: أنّ إعمال هذه العنایة لیس أولی من أنْ نُعمِل العنایة فی جانب تبیّن الغیّ وتبیّن الرشد، نفس العنایة، بأنْ نبقی(أمر اختُلف فیه) علی ظهوره، یعنی أمر اختلفوا فیه، بعضهم یقول حلال، وبعضهم یقول حرام، و(تبیّن لک غیّه) یعنی أمر اتّفق علی حرمته ----- بعد التنزّل والتسلیم بالأمر الأوّل ----- یعنی أمر اتّفق علی حرمته، أو أمر اتّفق علی حلّیّته، وعُبّر عن الاتّفاق عن الحرمة والحلّیّة بتبیّن الحرمة والحلّیّة؛ لأنّ الاتّفاق علی الحلّیّة عادةً یکون موجباً لتبیّن الحلّیّة، کما أنّ الاتّفاق علی الحرمة یکون موجباّ عادةً لتبیّن الحرمة، فعُبِّر عن الاتّفاق علی الحلّیّة بتبیّن الحلّیّة، وعن الاتّفاق علی الحرمة بتبیّن الحرمة، فتکون الروایة ناظرةً إلی الإجماع والاتّفاق، أمّا إذا تعدّدت الأقوال فی المسألة، ففی هذه الحالة لا یجوز أنْ تعمل بقول هذا، أو بقول هذا، وإنّما لابدّ من استنباط حکم المسألة من الأدلّة الشرعیّة الواردة عن الشارع، وبهذا تکون الروایة أجنبیّةً عن محل الکلام. علی کل حالٍ، حمل(أمر اُختلف فیه) علی أنّه أمر شُکّ فیه من حیث الحلّیّة والحرمة هو خلاف الظاهر. هذا بالنسبة إلی الأمر الثانی.

وأمّا الأمر الثالث الذی یتوقّف علیه الاستدلال: والذی هو أنّ قوله(فردّه إلی الله) یعنی احتط فیه، یعنی یجب علیک الاحتیاط، فهو أیضاً لیس واضحاً بذاک الشکل؛ بل لعلّ قوله(فردّه إلی الله) یعنی خُذ حکمه من الله (عزّ وجل)، فی قِبال أخذ الحکم من أحکام العقول الظنّیّة والعقول الناقصة.

ص: 114

إذن: الظاهر أنّ کل الأمور التی یتوقّف علیها الاستدلال بالروایة علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام لیست تامّة، ومن هنا یظهر عدم صحّة الاستدلال بهذه الروایة.

الروایة الثانیة من الطائفة الثالثة: الروایة المعروفة المرویّة بصیّغ متعدّدة، وروایاتها أیضاً متعدّدة، وکل روایاتها ضعیفة سنداً حسب الظاهر. صاحب الوسائل(قُدّس سرّه) ینقل هذه الروایة عن، ابن الشیخ الطوسی فی أمالیه، الحسن بن محمد بن الحسن الطوسی فی أمالیه، عن أبیه، عن علی بن احمد بن الحمامی، عن احمد بن محمد القطّان، عن إسماعیل بن أبی کثیر، عن علی بن إبراهیم، عن السری بن عامر، عن النعمان بن بشیر.

الظاهرأنّ المقصود بالنعمان بن بشیر هو الصحابی الأنصاری المعروف، وکان منحرفاً، والسرّ فی کون النعمان بن بشیر هو الصحابی المعروف هو أنّ هذه الروایة موجودة فی کتب العامّة، وأیضاً ینسبوها إلی النعمان بن بشیر، ولا یوجد غیره من الصحابة من یُسمّی ظاهراً بالنعمان بن بشیر غیره.

قال:(سمعت رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم یقول:إنّ لکل ملکٍ حمی، وإنّ حما الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بین ذلک، کما لو أنّ راعیاً رعی إلی جانب الحمی لم یثبت غنمه أنْ تقع فی وسطه، فدعوا المشتبهات). (1)

الاستدلال بالروایة: الرسول (صلّی الله علیه وآله وسلّم) ----- بناءً علی تمامیّة الروایة ----- یأمر بترک المشتبِهات، وهو یصرّح بأنّ المشتبِهات بین ذلک، حلال وحرام، هذا حمی الله(عزّ وجل) والمشتبهات بین ذلک، مرددّة بین أنْ تکون حلالاً، أو حراماً، وهی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة التی هی محل الکلام، فیُفهم من هذا وجوب ترک الشبهة، والذی یعنی بعبارةٍ أخری وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة .

ص: 115


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 167، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 45.

مضمون هذه الروایة موجود فی کثیرٍ من الروایات:

منها: مرسلة الصدوق(قُدّس سرّه) ، لا بأس بقراءتها لأنّ لسانها یختلف، قال الشیخ الصدوق(قُدّس سرّه) فی الفقیه:(إنّ أمیر المؤمنین(علیه السلام) خطب الناس، فقال فی کلامٍ ذکره: حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک ما اشتبه علیه من الإثم، فهو لما استبان له أترک، والمعاصی حمی الله، فمن یرتع حولها یوشک أنْ یدخلها). (1) (2)

ومنها: روایة سلام بن المستنیر، وهی روایة طویلة عن الإمام الباقر(علیه السلام)، قال:(قال جدّی رسول الله(صلّی الله علیه وآله وسلّم: أیّها الناس حلالی حلالٌ إلی یوم القیامة، وحرامی حرامٌ إلی یوم القیامة، إلا وقد بیّنهما الله(عزّ وجل) فی الکتاب، وبیّنتها لکم فی سُنّتی وسیرتی، وبینهما شبهات من الشیطان وبِدع بعدی من ترکها صلح له أمر دینه، وصلحت له مروته وعرضه، ومن تلبّس بها وقع فیها واتّبعها، کان کمن رعی غنمه قرب الحمی، ومن رعی ماشیته قرب الحمی نازعته نفسه أنْ یرعاها فی الحمی، إلا وإنّ لکل ملکٍ حمی، إلا وإنّ حمی الله(عزّ وجل) محارمه، فتوقّوا حمی الله ومحارمه.....الحدیث). (3)

هذه الروایات بأجمعهاغیر تامّة سنداً للإرسال، أو لضعف الرواة، أو لکونها عامّیّة...الخ، لکنّ المضمون متکررّ، خصوصاً فی کتب العامّة موجود نفس هذا المضمون، وإنْ کانت فی کتب العامّة هی أیضاً مرویّة عن النعمان بن بشیر، وکون الروایات المتعددّة تنتهی إلی راوٍ واحدٍ یمنع من تحققّ حتّی الاستفاضة بالشکل المطلوب. روایات عدیدة بهذا المضمون قد یمکن للإنسان أنْ یفحص أکثر، ویحققّ الاستفاضة بهذا المضمون.،أأ

ص: 116


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 27، ص 161، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 27.
2- من لا یحضره الفقیه، الشیخ الصدوق، ج 4، ص 75.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحرّ العاملی، ج 27، ص 169، أبواب صفات القاضی، باب 12، ح 52.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایة الثانیة من روایات التثلیث وهی روایة النعمان بن بشیر، وقلنا أنّ مضمون هذه الروایة موجود فی روایاتٍ أخری ذکرنا بعضها.

الکلام یقع فی الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام. فی الواقع الاستدلال بهذه الروایة وما کان بمضمونها علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام یواجه مشکلة فی الدلالة، وذلک لأنّ المستفاد من هذه الروایة وما کان بمضمونها هو أنّ ارتکاب الشبهات یوجب اقتراب الإنسان من الوقوع فی الحرام، مفادها أنّ مرتکب الشبهة ----- کما فی بعض الروایات ----- مشرف علی الوقوع فی المحرّمات. الواضح من خلال التمثیل بالحمی (وراعی الغنم یوشک أنْ یقع فیه)، أو(کان لما استبان له من الإثم أترک)، وأمثال هذه العبارات، یُفهم منها أنّ ارتکاب الشبهة یوجب أنْ یقترب الإنسان من المحرمات بحیث یکون مشرفاً علی الدخول فی المحرّمات؛ وحینئذٍ من یستدل بهذه الروایات علی وجوب الاحتیاط لابدّ أنْ یثبت بأنّ الإشراف علی المحرّمات والاقتراب منها حرام، وأنّه یجب عدم الاقتراب من المحرّمات حتّی یکون بإمکانه أنْ یستدل بهذه الروایات علی وجوب اجتناب الشبهة والاحتیاط فی الشبهات؛ لأنّ مفاد هذه الروایات هو أنّ ارتکاب الشبهة یوجب الاقتراب من المحرّمات، لکن من قال أنّ الاقتراب من المحرّمات والإشراف علیها حرام یجب ترکه ؟ إذا ثبت وجوب ترکه؛ حینئذٍ یمکن الاستدلال بهذه الروایات علی وجوب ترک الشبهة؛ لأنّ ارتکاب الشبهة یوجب الاقتراب من الحرام، والاقتراب من الحرام حرام، لکن من الواضح أنّ هذا یتوقّف علی إثبات أنّ الاقتراب من المحرّمات حرام، وأنّ ترک الاقتراب من المحرّمات واجب. أمّا إذا لم نقل بوجوب ترک الاقتراب من المحرّمات، وقلنا بجواز الاقتراب، ولو علی نحو الکراهة؛ حینئذٍ لا یمکن إثبات وجوب الاحتیاط وحرمة ارتکاب الشبهة، وإنّما غایة ما یثبت هو الجواز علی نحو الکراهة، وهذا لیس هو المقصود للأخباریین، الأخباریون یریدون أنْ یثبتوا حرمة ارتکاب الشبهة، ووجوب الاجتناب عن الشبهة، بینما لا یُستفاد هذا المعنی من لسان هذه الروایات، وإنّما یُستفاد منه أنّ ارتکاب الشبهات یوجب الاقتراب من المحرّمات.

ص: 117

یمکن صیاغة هذا المطلب بصیاغةٍ أخری: أنّ الروایات واضحة فی أنّها تقول هناک أمور ثلاثة(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشبهات لا یُعلم حرمتها ولا حلّیتها) والذی یُفهم من هذه الروایات(لو أنّ راعیاً رعی حول الحمی أوشک أنْ یقع فیها)، أو(فمن ترک ما اشتبه له من الإثم کان لما استبان له أترک) وأمثال هذه العبارات، الذی یُستفاد منها هذا المعنی الذی قلناه من أنّ ارتکاب الشبهات لیس فیه محذور ومانع نفسی، وإنّما محذوره هو أنّه یقرّب الإنسان من المحرّمات بحیث من یرتکب الشبهات یوشک أنْ یقع فی المحرّمات، باعتبار أنّ جرأة الإنسان علی ارتکاب محتمل الحرمة قد تُجرّئه علی أنْ یرتکب ما استبان له من الإثم کما فی بعض الروایات، ومن هنا یظهر أنّ ملاک النهی عن ارتکاب الشبهة، أو الترغیب فی ترک الشبهة المستفاد من هذه الروایة هو أنّ ارتکاب الشبهات یجرّأ الإنسان علی ارتکاب ما یعلم حرمته، إذا ارتکب الشبهات سوف یتجرّأ علی ارتکاب المحرّمات المعلومة لدیه. هذا مفاد الروایات، وهذا شیء آخر غیر ما یریده الأخباریون، ما یریده الأخباریون هو أنّ ارتکاب الشبهة حرام، یجب الاحتیاط فی الشبهات، لیس من باب أنّه یُجرّأ الإنسان علی ارتکاب المحرّمات المعلومة لدیه، هذا هو ملاک النهی فی هذه الروایات، بینما هم یثبتون حرمة الإقدام، ووجوب الاحتیاط بملاکٍ آخر، وهو ملاک أنّ هذا فیه احتمال الحرمة الواقعیّة، احتمال أنْ یقع فی الحرام یمنعه من ارتکاب تلک الشبهة، وإنْ لم یکن الحرام معلوماً لدیه. هذا ملاک آخر غیر ذاک الملاک، هناک فرق بینهما، مرّة نقول له لا ترتکب الشبهة لأنّه یجرّئک علی ارتکاب المحرّمات المعلومة لدیک، ما تکون حرمته معلومة لدیک، ارتکاب الشبهات یجرّئک علی ارتکابه(کان لما استبان له من الإثم أترک)، بینما إذا ارتکب الشبهات لا یکون أترک لما استبان له من الإثم؛ بل یکون أقرب إلی أنْ یرتکب ما استبان له من الإثم. هذا لیس هو المقصود للأخباریین، الأخباریون غیر ناظرین إلی هذا عندما یقولون بوجوب الاحتیاط فی الشبهات، أو حرمة ارتکاب الشبهات، وإنّما الملاک عندهم هو أنّ ارتکاب الشبهة یُحتمل فیه الوقوع فی الحرام الواقعی، احتمال أنْ یکون ما یرتکبه حراماً واقعیاً، هذا یمنع من ارتکاب الشبهة. هذا لسان آخر وملاک آخر لا یکاد یستفاد من هذه الأخبار، مفاد هذه الأخبار هو أنّ ارتکاب الشبهات یقرّب الإنسان من العصیان ومن التمرّد علی الله(سبحانه وتعالی) وارتکاب المحرّمات المعلومة لدیه، وقلنا سابقاً بأنّ هذا لا یمکن الاستدلال به علی حرمة ارتکاب الشبهة إلاّ إذا اثبتنا أنّ الاقتراب من المحرّمات، وأنْ یوشک علی ارتکاب الحرام یکون محرّماً، وإلاّ إذا قلنا أنّه غیر محرم، أو افترضنا أنّه مکروه، فلا یثبت حینئذٍ إلاّ الجواز، ولو علی نحو الکراهة، ولا یکاد یثبت به حرمة الارتکاب ووجوب الاحتیاط، وهذا یُستفاد من کل هذه الأخبار التی قرأناها، وحتّی الأخبار التی لم نقرأها.

ص: 118

الروایة الثالثة والأخیرة: مقبولة عمر بن حنظلة المعروفة الواردة فی الخبرین المتعارضین. الروایة طویلة، السائل یسأل فیها الإمام(علیه السلام) عن الخبرین المتعارضین. الإمام(علیه السلام) فی البدایة ذکر مرّجحات باب التعارض، الأصدقیّة، والأورعیّة.....الخ، وفی الأخیر ذکر الترجیح بالشهرة، والمقصود بالشهرة علی ما ذکروا واتّفقوا علیه هو الشهرة الروائیة، خبران متعارضان لم تتم فیهما مرجّحات باب التعارض ووصلت النوبة إلی الشهرة، فیقول له هذا الخبران المتعارضان إذا کان أحدهما مشهوراً شهرة روائیّة، وعُبّر عنه فی الروایة ب----(إذا کان مجمعاً علیه من أصحابک) إذا کان مشهوراً، والآخر بطبیعة الحال فی حالة التعارض یکون غیر مشهور، یکون شاذاً ونادراً کما عبّرت الروایة(ودع الشاذ النادر) یعنی الذی لا یکون مشهوراً ولا مجمعاً علیه من اصحابک. الإمام(علیه السلام) أمره بطرح الشاذ النادر، وعللّ الترجیح بالشهرة، ولزوم الأخذ بالروایة المشهورة، وترک الخبر الشاذ النادر، بقوله(علیه السلام):(أنّ المجمع علیه لا ریب فیه) وذُکر فی محلّه أنّ المقصود بالمجمع علیه هو المشهور، ولم یقل بعد ذلک أنّ الشاذ النادر ما هو ؟ هل الشاذ النادر هو ممّا لا ریب فی بطلانه ؟ أو هو ممّا فیه الریب ؟ الروایة لم تصرّح بذلک، لکن الذی یُفهم من الروایة، وبقرائن سیأتی ذکرُها أنّ الشاذ النادر هو ممّا فیه الریب، ولیس أنّه ممّا لا ریب فی بطلانه، یعنی معلوم البطلان، وإنّما هو ممّا فیه الریب.

الإمام(علیه السلام) فی هذا المقام ذکر حدیث التثلیث، قال:(یُنظر إلی ما کان من روایتهم عنّا فی ذلک الذی حکما به المجمع علیه من أصحابک، فیؤخذ به من حکمنا ویُترک الشاذ الذی لیس بمشهورٍ عند أصحابک، فأنّ المجمع علیه لا ریب فیه، وإنّما الأمور ثلاثة، أمر بیّن رشده، فیُتّبع، وأمر بیّن غیّه فیُجتنب، وأمر مشکل یُرَدّ علمه إلی الله ورسوله، قال رسول الله صلّی اللّه علیه وآله وسلّم :حلالٌ بیّن، وحرام بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتکب المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم). (1) هذا ما ذُکر فی هذه الروایات.

ص: 119


1- تهذیب الأحکام، الشیخ الطوسی، ج 6، ص 301.

ذکر الشیخ الأنصاری فی الرسائل جملة من القرائن علی أنّ الشاذ النادر هو ممّا فیه الریب، لا أنّه معلوم البطلان، والغرض من الاهتمام بهذا الشیء هو أنْ ندخل الشاذ النادر فی القسم الثالث الذی ذکره الإمام(علیه السلام) وهو الأمر المشکل، وإلاّ إذا کان الشاذ النادر ممّا لا ریب فی بطلانه، فسوف یدخل فی القسم الثانی، یعنی فی بیّن الغی الذی حکم الإمام(علیه السلام) بوجوب اجتنابه. نحن نقول لا یُفهم من الروایة أنّ الشاذ النادر هو ممّا لا ریب فی بطلانه حتّی یدخل فی القسم الثانی، وإنّما هو ممّا فیه الریب، فیدخل فی القسم الثالث الذی هو(الأمر المشکل).

القرینة الأولی: أنّ الترجیح بالشهرة فی الروایة ذُکر بعد أمورٍ أخری کالترجیح بالأصدقیّة والأعدلیّة، وبعد أنْ استنفذ مرجّحات باب التعارض ذکر أخیراً الترجیح بالشهرة. یقول(قدّس سرّه):( والمراد أنّ الشاذ فیه ریب لا أنّ الشهرة تجعل الشاذ ممّا لا ریب فی بطلانه، وإلاّ لم یکن معنی لتأخیر الترجیح بالشهرة عن الترجیح بالأصدقیّة والأعدلیّة، والأورعیّة، ولا لفرض الراوی الشهرة فی کلا الخبرین، ولا لتثلیث الأمور، ثمّ الاستشهاد بتثلیث النبی صلّی الله علیه وآله وسلّم) (1)

إذن: الشهرة لا توجب العلم ببطلان ما یعارض الخبر المشهور، وإنّما یکون ما یعارض الخبر المشهور ممّا فیه الریب، وهذا یناسب تقدیم الترجیح بالأصدقیّة والأعدلیّة وغیرها علی الترجیح بالشهرة.

القرینة الثانیة: أنّ الراوی بعد أنْ أکمل الإمام(علیه السلام) کلامه افترض الشهرة فی کلا الخبرین، بعد أنْ قال الإمام(علیه السلام) رجّح بالشهرة، واعمل بالمشهور، ودع الشاذ النادر، قال الراوی فی مقام التفریع: فإذا کان کل منهما مشهوراً، یعنی افترض الشهرة فی الخبرین المتعارضین. ومن الواضح أنّ هذا لا ینسجم مع افتراض أنّ الشهرة توجب العلم ببطلان ما یقابل المشهور، فکیف تُفرض الشهرة فی کلیهما ؟ هذا غیر معقول، أنْ نفترض الشهرة فی هذا الحدیث وفی هذا الحدیث معاً مع افتراض تعارضهما، والحال أنّ کون أحد الخبرین مشهوراً یوجب العلم ببطلان الآخر، فیسقط عن الاعتبار، فلا معنی لافتراض الشهرة فی کلٍ منهما، هذا لا ینسجم إلاّ مع افتراض ما قاله الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه) وقالوه کلّهم من أنّ ما یقابل المشهور هو ممّا فیه الریب؛ فحینئذٍ یقال: أنّ هذا یدخل فی القسم الثالث الذی هو عبارة عن الأمر المشکل.

ص: 120


1- فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 83.

القرینة الثالثة: أنّ الشیخ(قدّس سرّه) قال: أنّه علی تقدیر أنْ یکون الشاذ وغیر المشهور ممّا لا ریب فی بطلانه؛ حینئذٍ تکون الأمور اثنین لا ثلاثة؛ لأنّه سوف یکون لدینا أمر بیّن الرشد، وأمر بیّن الغی، وما یقابل المشهور یدخل فی بیّن الغی، فتکون الأمور اثنین لا ثلاثة، ولا داعی حینئذٍ لذکر أنّ الأمور ثلاثة فی کلام الإمام(علیه السلام)؛ إذ فی مورد الروایة لیس لدینا أمور ثلاثة، وإنّما لدینا أمران أمر بیّن الرشد الذی هو المشهور المجمع علیه، وأمر بیّن الغیّ الذی هو الخبر الشاذ النادر إذا کان موجباً للعلم ببطلانه، فیدخل فی بیّن الغیّ، فلا داعی لتثلیث الأمور فی کلام الإمام(علیه السلام)، ولا داعی لاستشهاده بکلام النبی(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم) أیضاً الوارد فی التثلیث، کل هذا لا داعی له؛ لأنّ الأمور تکون اثنین لا ثلاثة، بینما إذا قلنا أنّ الشهرة لا توجب العلم بالبطلان؛ فحینئذٍ تکون الأمور ثلاثة، أمر بیّن الرشد، وأمر بیّن الغی، وأمر مشکل؛ وحینئذٍ ینطبق عنوان المشکل علی الخبر الشاذ الذی فیه ریب، لا أنّه معلوم البطلان.

الذی یمکن أنْ یقال: بقطع النظر عن أنّ هذه القرائن تامّة، أو لا، أنّ طبیعة القضیّة أیضاً تقتضی أنْ یکون ما یقابل المشهور ما فیه الریب، لا أنّه ممّا لا ریب فی بطلانه؛ لأنّ غایة ما تقتضی الشهرة هو أنْ یقطع الإنسان نتیجة الشهرة، بصدور هذه الروایة المشهورة والمجمع علیها من المعصوم(علیه السلام)، لکن بالرغم من هذا، هذا لا یوجب القطع ببطلان ما یقابلها؛ لأنّ هناک أموراً أخری غیر مسألة الصدور، هناک مسألة جهة الصدور، ومسألة الدلالة، هذه أمور لیست قطعیّة، الشهرة توجب القطع بالصدور، لکن هذه الروایة ما هی جهة الدلالة فیها، أو ما هی الدلالة فی هذه الروایة ؟ هذا یوجب أنْ لا نقطع ببطلان ما یقابلها، کیف نقطع ببطلانه ؟ والحال أنّه من الممکن أنْ یکون ما یقابلها صحیح وصادر من المعصوم (علیه السلام)، باعتبار أنّ الدلالة فی المشهور لیست واضحة، أی أنّ جهة الصدور فیه لیست واضحة، فلا نستطیع بمجرّد أنّ روایة مشهورة، حتّی لو قطعنا بصدورها أنْ نجزم بفساد ما یقابلها؛ بل من الممکن أنْ تکون هذه صادرة وهذه صادرة، ویُحلّ التعارض عن طریق افتراض التقیّة، أو عن طریق الجمع الدلالی بین الروایتین.

ص: 121

إذن: مجرّد الشهرة لا یقتضی الجزم ببطلان ما یقابها. نعم، یمکن أنْ نقول فیه ریب، أو لیس حجّة، أو لا یجوز العمل به، کل هذا صحیح، لکن هذا شیء، والجزم بالبطلان والفساد، والجزم بأنّه ممّا لا ریب فی بطلانه، هذا لا تقتضیه طبیعة الشهرة، بقطع النظر عن القرائن التی ذکرها الشیخ الأنصاری(قدّس سرّه).

إلی هنا وصلنا إلی أنّ کل هذا هو محاولة فی مقام الاستدلال بالروایة علی إدخال الخبر الشاذ النادر فی القسم الثالث الذی هو الأمر المشکل. إذن: الخبر الشاذ النادر داخل فی الأمر المشکل، وفی الأمر المشکل أُمرَ بردّه کما فی الروایة إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإلی الرسول(صلّی اللّه علیه وآله وسلّم)، والمقصود بذلک هو الاحتیاط ووجوب الاجتناب.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایة الثالثة من الطائفة الأخیرة، وهی مقبولة عمر بن حنظلة، بیّنّا کیفیّة الاستدلال بها علی وجوب الاحتیاط، وکان حاصله هو: أنّ الروایة قبل الاستشهاد بحدیث النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الروایة تأمر بالاجتناب عن الخبر الشاذ النادر، وتُدخِل الخبر الشاذ النادر فی الأمر المشکِل فی مقابل بیّن الرشد وبیّن الغیّ، وتأمر الروایة باجتنابه، ویُطرح الخبر الشاذ النادر؛ لأنّ المجمع علیه لا ریب فیه، وقلنا أنّ المقصود أنّ ما یقابل المجمع علیه ممّا فیه الریب، فیدخل فی القسم الثالث الذی ذکره الإمام(علیه السلام) بکلامه وهو الأمر المشکِل، وحکمه هو الرد إلی الله(عزّ وجلّ) وإلی الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، وهو الذی یعنی طرح الخبر الشاذ وعدم الاعتداد به؛ لأنّه هو الشیء الذی أمر الإمام(علیه السلام)قبل التثلیث المذکور فی کلامه، أمر بطرح الشاذ النادر، وذکر التثلیث فی کلامه قبل أنْ یستشهد بحدیث الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، یُفهم من هذا أنّ الخبر الشاذ النادر یدخل فی القسم الثالث، أی فی الأمر المشکل، وأنّ الأمر المشکل یجب اجتنابه.

ص: 122

إلی هنا هذا لیس دلیلاً علی وجوب الاجتناب والاحتیاط فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة، خصوصاً أنّ الکلام الوارد فی کلام الإمام(علیه السلام) لیس هو(حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات)، لم تُذکر الشُبهات فی کلام الإمام(علیه السلام)، وإنّما ذُکر(أمر تبیّن لک رشده، وأمر تبیّن لک غیّه، وأمر مشکل) لکن الاستدلال لیس بالتثلیث الوارد فی کلام الإمام(علیه السلام)، وإنّما الاستدلال بالتثلیث الذی استشهد به الإمام(علیه السلام) من الحدیث النبوی؛ لأنّ الوارد فیه(حلالٌ بیّن، وحرامٌ بیّن، وشبهات بین ذلک، فمن ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشُبهات وقع فی المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم)، الاستدلال یکون بهذا الشکل: لولا أنّ الحدیث فیه دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات، ووجوب ترک الشبهة، لما صحّ الاستشهاد به علی وجوب ترک الأمر المشکل الذی هو مورد الروایة؛ لأنّ الإمام(علیه السلام) یستشهد بالحدیث النبوی لإثبات ما یریده، کأنّه یستدلّ علی حکمٍ بیّنه بالحدیث النبوی، والذی بیّنه الإمام(علیه السلام) فی کلامه هو وجوب طرح الخبر الشاذ النادر، فلابدّ أنْ یکون الاستشهاد بحدیث یدلّ علی وجوب الطرح والترک ووجوب الاجتناب، فاستشهد الإمام(علیه السلام) بهذا الحدیث، فلابدّ أنْ یکون هذا الحدیث دالاً علی وجوب ترک الشبهات، وطبّقه الإمام(علیه السلام) علی الأمر المشکل الذی هو الخبر الشاذ النادر، هذا یجب ترکه، فلابدّ أنّ الحدیث یدلّ علی الوجوب والإلزام بترک الشبهة، وإلاّ لو لم یکن فی الحدیث دلالة علی وجوب ترک الشبهات، لما صحّ الاستشهاد به علی وجوب ترک الخبر الشاذ النادر.

إذن: من استشهاد الإمام(علیه السلام) بالحدیث النبوی نستکشف أنّ هذا الحدیث فیه دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشُبهات، ووجوب الاجتناب عن الشُبهة، وهذا هو المطلوب فی المقام.

ص: 123

لوحظ علی الاستدلال بالروایة الشریفة علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام: الظاهر أنّ الأمر بالردّ إلی الله(عزّ وجل) فی حدیث الإمام(علیه السلام)، (وأمر مشکل یُردّ إلی الله عزّ وجل) أنّ المقصود به لیس هو وجوب الترک والاجتناب کما هو مدّعی الأخباری، وإنّما المقصود به هو عدم الاعتماد علیه، وقوله: یُرد إلی الله(عزّ وجل) کنایة عن أنّ هذا الشیء لا یُعتمد علیه فی استنباط الحکم الشرعی، وأنّ مورد الروایة کما هو واضح خبران متعارضان، أحدهما مشهور لا ریب فیه، والآخر شاذ نادر فیه ریب، الإمام(علیه السلام) یقول أنّ هذا الشاذ النادر یدخل فی الأمر المشکل، وحکم الأمر المشکل هو أنّه یُرَد إلی الله(عزّ وجل)، ومعنی الردّ إلی الله(عزّ وجل) هو عدم الاعتماد علیه؛ لأنّه لیس حجّةً حتّی نستند إلیه فی إثبات الحکم الشرعی، وإنّما الحجّة هو الخبر المقابل له الذی هو مشهور. هذا هو المقصود بالردّ إلی الله(عزّ وجل) ، وفی بعض النسخ إلی الله(عزّ وجل)، ورسوله(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، لا الاجتناب والترک کما هو مقصود الأخباری، حیث أنّه یقول أنّ الحدیث یدلّ علی وجوب ترک الخبر الشاذ، بینما المُدّعی فی المناقشة هو أننّا لا نفهم هذا من الردّ إلی الله(عزّ وجل)، وإنّما الردّ إلی الله(عزّ وجل) هو کنایة عن عدم الاعتماد علی هذا الخبر، والقرینة علی ذلک:

أولاً: مسألة التطبیق، حیث أنّ الإمام(علیه السلام) طبّق التثلیث الذی ذکره فی کلامه علی الخبرین المتعارضین الذی هو مورد الروایة. إذن: نحن نتکلّم عن خبرین، وعن دلیلین وقع التعارض بینهما، ومن الواضح أنّ الدلیل یُستند إلیه لإثبات الحکم الشرعی، الإمام(علیه السلام) یقول له: هذا الدلیل یمکن أنْ تستند إلیه لإثبات حکمٍ شرعی، لکنّ هذا الشاذ النادر من الدلیلین المتعارضین لیس مورد اعتماد، ولا یمکن الاستناد إلیه لإثبات الحکم الشرعی، وهذا قرینة علی أنّ المقصود من الرد إلی الله(عزّ وجل) لیس هو الترک کما یقول الأخباری، وإنّما المقصود منه هو عدم الاعتماد بقرینة التطبیق علی دلیلین متعارضین.

ص: 124

ثانیاً: قرینة الاتّباع، أمرٌ تبیّن لک رشده، فاتّبعه، أو فمتّبع، نفس الاتّباع یناسب الدلیل، ولیس مناسباً للحکم الشرعی؛ لأنّ الحدیث عن دلیلٍ، الدلیل الذی تبیّن رشده وصحّته یُتّبع، یعنی یُعتمَد علیه لإثبات الحکم الشرعی، والدلیل الذی تبیّن غیّه وفساده یُجتنب، بمعنی لا یُعتمّد علیه لإثبات الحکم الشرعی، هذا شأن الأدلّة. فالمقصود بالرد إلی الله(عزّ وجل)، والرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) هو عدم الاعتماد علیه، لا ترک الشیء واجتنابه، بمعنی عدم ارتکابه. الذی یُفهَم من الأمر المشکل هو الأمر الذی فیه احتمالان، له وجهان متساویان، فیقول له أنت فی مثل هذه الحالة لا تستطیع أنْ تعتمد علی هذا الوجه، ولا علی هذا الوجه، وهذا من شأن الأمر المشکل، أنْ یکون فیه احتمالان، وأنْ یکون له وجهان، والمقصود أنّه لا یجوز الاعتماد علی أحد الوجهین، فیکون الحدیث ناظراً إلی باب الأدلّة، وانّ الأدلّة إنْ کانت ممّا لا ریب فیها، فیمکن أنْ تتّبع، وأنْ یُستنَد إلیها لإثبات الحکم الشرعی، وأمّا إنْ کانت الأدلّة ممّا لا ریب فی بطلانها، أو ممّا فیها ریب، فلا یجوز الاعتماد علیها لإثبات الحکم الشرعی. غایة الأمر أنّ هناک فرقاً بینهما، الدلیل الذی لا ریب فی فساده وبطلانه، هذا واضح، لکنّ الأمر المردّد نُبّه علی أنّ حاله حال الدلیل الذی لا ریب فی بطلانه فی عدم إمکان الاعتماد علیه لإثبات الحکم الشرعی، فالروایة ناظرة إلی باب الأدلّة لا إلی باب الأحکام.

وأمّا ما استشهد به الإمام(علیه السلام) من التثلیث الوارد فی کلام النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، فأنّه یختلف، هذا(بیّن رشده، وبیّن غیّه، وأمر مشکل)، بینما ذاک صریح(حلال بیّن، وحرام بیّن، وشُبهات بین ذلک)، هذا الذی استشهد به الإمام(علیه السلام) من کلام النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، الذی یُبطل الاستدلال به علی وجوب الاحتیاط فی محل الکلام هو أنْ یقال: أنّ مجرّد الاستشهاد بهذا الحدیث الشریف لیس فیه دلالة علی أنّ المراد من الحدیث هو وجوب الاحتیاط فی الشبهات، والإلزام بذلک کما هو المقصود للأخباریین؛ بل یمکن أنْ نفترض صحّة الاستشهاد بالحدیث النبوی بالرغم من أنّ المورد یجب ترکه، ویجب اجتنابه، بالرغم من أنّ حکم الأمر المشکل الذی هو الخبر الشاذ هو الإلزام ----- سواء فُسّر الإلزام، بالترک، أو بعدم جواز الاعتماد علیه واستنباط الحکم الشرعی منه ----- مع ذلک، لا یلزم أنّ نقول أنّ الحدیث النبوی أیضاً فیه دلالة علی الإلزام بترک الشبهة کما هو مبنی الاستدلال، حیث أنّ مبنی الاستدلال هو أنّ الأمر المشکل حکمه إلزامی، والاستشهاد بالتثلیث النبوی لابدّ أنْ یکون دالاً علی الإلزام، وإلاّ لو لم یدل علی الإلزام لما صحّ الاستشهاد.

ص: 125

المناقشة تقول: مجرّد الاستشهاد لیس فیه دلالة علی ذلک؛ لأنّه یمکن أنْ نفترض أنّ الحدیث النبوی لا یدلّ علی الإلزام؛ بل یدلّ علی مطلق الرجحان الجامع بین الاستحباب والوجوب، الأعم من الاستحباب والوجوب، ومع ذلک یصحّ الاستشهاد به فی موردٍ یکون الاجتناب فیه لازماً وواجباً، ویمکن الجمع بینهما بأنْ نقول: أنّ الحدیث النبوی الشریف یقول أنّ من ترک الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات، هذا فی مقام الإرشاد إلی أنّ ارتکاب الشبهة یوجب الوقوع فی الحرام علی غرار ما تقدّم فی الروایات السابقة. الروایة الشریفة فی مقام الإرشاد إلی أنّ ارتکاب الشبهة یلازم ----- بأیّ شیءٍ فسّرنا هذه الملازمة ----- الوقوع فی الحرام؛ حینئذٍ هذا یمکن تفسیره علی غرار ما تقدّم فی تفسیر الطائفة الأولی(الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة)؛ فحینئذٍ هذا یعتمد علی الهلکة الموجودة فی اقتحام تلک الشبهة، هل هی منجّزة، أو غیر منجّزة ؟ إذا کانت منجّزة، فالتحرّز عنها یکون لازماً، أمّا إذا لم تکن منجّزة، فالتحرّز عنها لا یکون لازماً، وهذا الحدیث حدیث إرشادی، إرشاد إلی التحرّز عن الحرام، وعن الهلکة، إذا فسّرنا الحدیث بهذا التفسیر؛ حینئذٍ یکون الحدیث أعم من الوجوب والاستحباب، یعنی یدلّ علی مطلق رجحان التحرّز عن الهلکة، هذا یختلف باختلاف الموارد، إذا کانت الهلکة منجّزة بمنجّزٍ سابق؛ حینئذٍ یکون التحرّز عنها لازماً وواجباً کما هو الحال فی الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالی، وأمّا إذا کانت هذه الشبهة لیست منجّزة بمنجّزٍ سابق کما فی الشبهات الموضوعیّة، أو الشبهات الحکمیّة الوجوبیّة التی اتّفق الجمیع علی عدم وجوب الاحتیاط فیها؛ حینئذٍ یشملها الحدیث ویکون التحرّز عنها راجحاً، إذا قلنا بأنّ الحدیث ما هو إلاّ إرشاد إلی التحرّز عن الهلکة، والتحرّز عن المحرّمات وأمثال هذه التعبیرات؛ حینئذٍ لا یکون الحدیث دالاّ علی الإلزام بالتحرّز، والاجتناب، وإنّما یکون دالاً علی الرجحان الأعم من الاستحباب والوجوب، لو حملنا الحدیث الشریف علی مطلق الرجحان هل ینافی هذا الاستشهاد به فی موردٍ یکون التحرّز فیه واجباً ؟ لا ینافیه، عندما یُفترّض أنّ التحرّز فی الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالی واجب، هذا الحدیث یشمله؛ لأنّه إرشاد إلی التحرّز عن الشبهة، والضرر، والهلکة، فیمکن الاستشهاد به فی هذا المورد الذی یکون التحرّز فیه واجباً. فی محل الکلام سلّمنا أنّ الأمر المشکل یجب التحرّز عنه، لکنّ الاستشهاد بالنبوی الشریف لا یکون دلیلاً، أو قرینة علی أنّ الحکم فی الحدیث النبوی الشریف إلزامی؛ بل هذا ینسجم مع کونه إلزامیاً، وینسجم مع کونه بمطلق الرجحان الذی یمکن تطبیقه علی ما یکون التحرّز فیه واجباً، کما یمکن تطبیقه علی ما یکون التحرّز فیه لیس واجباً؛ بل راجحاً.

ص: 126

إذن: مجرّد استشهاد الإمام(علیه السلام) بالحدیث النبوی لیس دلیلاً علی أنّ الحدیث النبوی دالٌ علی وجوب اجتناب الشبهة وعلی الإلزام بالاحتیاط، بینما الاستدلال کان یبتنی علی أنّ مجرّد الاستشهاد بالحدیث النبوی لابدّ أنْ یکون مفاد الحدیث النبوی إلزامیاً حتّی ینطبق علی الإلزام بترک الأمر المشکل، وترک الخبر الشاذ. قلنا: مجرّد الاستشهاد لیس فیه دلالة علی ذلک.

وأمّا إذا لاحظنا الحدیث النبوی الشریف بقطع النظر عن الاستشهاد به، هو حدیث فی حدّ نفسه وصل إلینا، یقال فیه(حلالٌ بین، وحرامٌ بیّن، وشبهات بی ذلک) هل فیه دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات، أو لا ؟ قد یقال: أنّ فیه دلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات.

الذی یمکن أنْ یقال فی هذا هو: من أین تأتی هذه الدلالة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات ؟ الحدیث لیس فیه(اجتنب الشبهة)، أو(دع الشبهة)، وإنّما فیه(شبهات بین ذلک، فمن اجتنب الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات، وهلک من حیث لا یعلم). الآن نأتی إلی هاتین الجملتین الّلتین ذکرتا فی الشبهات(شبهات بین ذلک).

أمّا الجملة الأولی: وهی من ترک الشبهات نجا من المحرمات. هذا أمر صحیح فی حدّ نفسه، والعقل یدرکه، أنّ الذی یترک الشبهات لا یرتکب المحرّمات. هذه الشبهات التی نعلم إجمالاً بأنّ فیها محرّمات واقعیّة، ورد أنّ الذی یترکها ----- کلامنا فی الشبهات الحکمیّة التحریمیّة ----- ینجو من المحرّمات، وسوف لا یرتکب حراماً. هذه قضیّة واقعیّة صحیحة، لا إشکال فیها، لکنّ هذا مجرّد إرشاد إلی قضیّة واقعیّة یدرک العقل صحّتها وواقعیتها بقطع النظر عن أیّ شیءٍ آخر. هذه الجملة لا تفید أکثر من أنّها إرشاد إلی هذه القضیّة الحقیقیّة الواقعیّة ولا یُستفاد منها الإلزام، إرشاد إلی مطلب عقلی یدرکه العقل، أنّ الذی یترک الشبهات ینجو من المحرّمات.

ص: 127

الکلام فی الجملة الثانیة: ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات. هذه هی الجملة التی قد یُستدَل بها علی وجوب الاحتیاط، وحرمة اقتحام الشبهة؛ لأنّ الحدیث الشریف یقول أنّ الذی یأخذ بالشبهات، یعنی أنّ الذی یقتحم الشبهة التحریمیّة یقع فی المحرّمات، ولا إشکال أنّ الوقوع فی المحرّمات حرام، فیکون ارتکاب الشبهات حرام، یعنی یجب اجتناب الشبهات، فیثبت مقصود الأخباریین. هذه الفقرة هی المهمّة، الحدیث الشریف یقول من أخذ بالشبهات حتماً سیقع فی المحرّمات، ولا إشکال أنّ الوقوع فی الحرام أمر لا یریده الشارع، فیکون ارتکاب الشبهات أمراً غیر جائز، وهو معنی وجوب الاحتیاط. هل الفقرة تدلّ علی ذلک، أو لا ؟

نقول:أنّ هذه الفقرة إذا أخذنا بظاهرها کما هی من دون تأویلٍ، ومن دون حمل، ظاهرها أنّ الذی یرتکب جمیع الشبهات؛ لأنّه یقول(من أخذ بالشبهات)، إذا حملناها علی أنّ المقصود بها جمیع الشبهات، یعنی من أخذ بجمیع الشبهات وقع فی المحرّمات، وهلک من حیث لا یعلم، وأساسه أننّا نعلم علماً إجمالیاً بأنّ هناک محرّمات واقعیّة فی ضمن هذه الشبهات الکثیرة، فالذی یرتکب جمیع الشبهات یکون قطعاً قد وقع فی المحرّمات، یعنی أنّ الحدیث فی مقام تحذیر الإنسان من ارتکاب جمیع الشبهات، وأنّه یترتّب علی ذلک أنْ یقع فی المحرّمات. هذا هو الظهور الأوّلی لهذه الفقرة، لکن ما علاقة هذا الظهور الأوّلی بمحل الکلام ؟ هل یثبت مقصود الأخباری من وجوب الاحتیاط فی الشبهات ؟ کلا، الأخباری یرید أنْ یقول أنّ ارتکاب شبهة واحدة هو حرام، ویرید أنْ یثبت وجوب الاحتیاط فی کل شبهة شبهة، لا أنّه یرید أنْ یقول أنّ ارتکاب جمیع المحرّمات حرام وغیر جائز، محل کلامنا هو ارتکاب الشبهة الواحدة، هل یجب فیه الاحتیاط، أو لا ؟ هذا المعنی، بناءً علی أنْ تکون الروایة ناظرة إلیه، لا یثبت به مقصود الأخباری.

ص: 128

وبعبارة أخری: أنّ الأخباری یرید أنْ یقول بأنّ ارتکاب الشبهة غیر جائز لاحتمال الوقوع فی الحرام، أین هذا من ارتکاب الشبهات التی یعلم المکلّف بأنّه یقع فیها فی الحرام إذا کان المقصود جمیع الشبهات ؟! هذا شیءٌ، وهذا شیءٌ آخر، المبحوث عنه فی المقام هو لزوم ترک الشبهة لاحتمال الوقوع فی الحرام، ولیس لزوم ترک جمیع الشبهات لأنّه یؤدی إلی العلم بالوقوع فی المحرّمات؛ لأنّ هذا أمرٌ مسلّم، ولا إشکال فیه، وصحیح ولا یناقش فیه أحد، وإنّما الکلام فی ارتکاب الشبهة الواحدة التی یُحتمل، أو الشبهات التی لا یوجد فیها احتمال الوقوع فی الحرام.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الروایة الأخیرة، وهی مقبولة عمر بن حنظلة، وکان آخر الکلام فی ما استشهد به الإمام(علیه السلام) من حدیث التثلیث المروی عن النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، حیث قلنا بأنّ الحدیث فیه فقرتان:

الفقرة الأولی: قلنا أنّها واضحة فی الإرشاد إلی أنّ ترک الشبهات یؤدی إلی النجاة من المحرّمات، وهذا مطلب مسلّم وواضح، لکن لیس فیه دلالة علی الإلزام بترک الشبهة.

وأمّا الفقرة الثانیة: فیقول فیها(ومن أخذ بالشبهات وقع فی المحرّمات وهلک من حیث لا یعلم)، قلنا أنّ هذه العبارة تارةً نبقیها علی ظاهرها الأوّلی، وهو أنّ المقصود هو من أخذ بجمیع الشبهات وقع فی المحرّمات، وهذا مطلب صحیح وندرکه بقطع النظر عن الروایة، لکنّه لا یثبت المقصود فی محل الکلام؛ لأنّ المقصود فی محل الکلام هو أنّ ارتکاب الشبهة هل هو جائز، أو غیر جائز ؟ بملاک احتمال الوقوع فی الحرام، والأخباریون یقولون أنّ هذا الاحتمال لابدّ من الاعتناء به، ویجب الاحتیاط لاحتمال الوقوع فی الحرام، بینما الأصولیون یقولون لا یجب الاعتناء بهذا الاحتمال، فلا یجب الاحتیاط.

ص: 129

إذن: کلامنا فی ارتکاب الشبهة، ولو کانت واحدة بملاک احتمال الوقوع فی الحرام. وأین هذا ممّا یُفهم من الروایة من أنّ من یرتکب جمیع الشبهات یقع فی المحرّمات، وهذا لا إشکال فیه، باعتبار العلم الإجمالی بوجود محرّمات واقعیّة فی ضمن جمیع الشبهات، فمن یرتکب جمیع الشبهات یقع فی المحرّمات. هذا أمر واضح بلا إشکال. لکن هذا لا یثبت وجوب التجنّب عن الشبهة الواحدة التی لیس فیها إلاّ احتمال الوقوع فی الحرام. ومنه یظهر أنّه لابدّ من حمل الشبهات علی الجنس، یعنی أنّ المقصود لیس هو جمیع الشبهات، وإنّما علی الجنس، من أخذ بالشبهة وقع فی المحرّمات؛ وحینئذٍ لابدّ من تفسیرها بتفسیرٍ علی غرار ما تقدّم سابقاً فی بعض الروایات من أنّها تُفسّر بأنّ من ارتکب الشبهة وقع فی المحرّمات یعنی شارف علی الوقوع فی المحرّمات، لابدّ من ارتکاب تجوّزٍ من هذا القبیل، باعتبار أنّ ارتکاب الشبهة یقرّب الإنسان من المحرّمات، فیکون جریئاً علی ارتکاب المحرّمات، فیکون المراد بها هو نفس المراد بالروایات السابقة، وبناءً علیه: أیضاً لا یصحّ الاستدلال بهذه الروایة، لما تقدّم سابقاً فی تلک الروایات من أنّ هذا المعنی لا یثبت وجوب الاحتیاط، إلاّ إذا اثبتنا حرمة المشارفة والاقتراب من المحرّمات، لکنّ هذا أوّل الکلام، فمن قال أنّ الاقتراب من المحرّمات حرام ؟ وأنّ المشارفة علی المحرّمات حرام بحرمةٍ شرعیّة حتّی نستنبط من الروایة حرمة الإقدام علی الشبهة ووجوب الاحتیاط.

هذا تمام الکلام فی أدلّة وجوب الاحتیاط العقلیّة والنقلیّة. وقد تبیّن ممّا تقدّم عدم تمامیّة شیء من هذه الأدلّة، لا الدلیل العقلی، ولا الدلیل النقلی بکل تقریباته المتقدّمة، ومن هنا یظهر أنّه لا داعی للدخول فی بحثٍ مترتّب علی افتراض تمامیّة أدلة الاحتیاط، هناک بحث ذُکر، لکنّه مترتّب علی افتراض تمامیّة أدلّة الاحتیاط، وهذا البحث هو عبارة عن ما هی النسبة بین أدلّة الاحتیاط، وبین أدلّة البراءة ؟ من الواضح أنّ هذا البحث مبنی علی افتراض تمامیّة أدلّة البراءة، وهذا صحیح، ومبنی أیضاً علی افتراض تمامیّة أدلّة الاحتیاط؛ فحینئذٍ یقع الکلام فی ما هی النسبة بین أدلّة البراءة العقلیّة، وأدلة الاحتیاط ؟ أو بین أدلّة البراءة الشرعیّة من الآیات والروایات وبین أدلّة الاحتیاط العقلی والنقلی، فیقع الکلام فی أنّه عندما یتعارضان، بعد فرض تمامیّة کلٍ منهما، فأیّهما یُقدّم علی الآخر؟ هل تقدّم أدلّة البراءة ؟ أو تقدم أدلّة الاحتیاط ؟ هذا بحثٌ لا داعی للدخول فی تفاصیله، باعتبار أنّهم أیضاً انتهوا إلی نتیجة أنّ أدلّة الاحتیاط لیست تامّة، فتبقی أدلّة البراءة لا یوجد لها ما یعارضها؛ لذا نستغنی عن هذا البحث. ومن هنا یظهر أنّ ما تمّ من أدلّة البراءة من الکتاب والسُنّة لیس له ما یعارضه؛ لعدم تمامیّة شیءٍ من أدلة الاحتیاط التی استدلّ بها الأخباریون.

ص: 130

تنبیهات البراءة

إلی هنا یتمّ الکلام عن أصالة البراءة. یبقی الکلام فی تنبیهات البراءة، وتحت هذا العنوان ذکروا جملة من المباحث، کأنّ هذه التنبیهات ترتبط بشکلٍ، أو بآخر بالبراءة؛ فلذا ذُکرت هذه التنبیهات فی ذیل البحث عن أصالة البراءة.

التنبیه الأوّل: ما تعرّض إلیه الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)، (1) حیث أنّه ذکر أنّ العمل بالبراءة وجریانها بعد الفراغ عن تمامیّة أدلّتها مشروط بشرط، وهو أنْ لا یکون هناک أصل موضوعی جارٍ فی موردها، وإلاّ إذا کان هناک أصل موضوعی یجری فی مورد البراءة؛ فحینئذٍ لا تصل النوبة إلی البراءة؛ لأنّ هذا الأصل الموضوعی یکون حاکماً، أو وارداً ------ علی الخلاف ------- علی أصالة البراءة، ومُثّل لذلک بالمثال المعروف وهو أصالة عدم التذکیة عند الشکّ فی حلّیّة حیوان، أو حرمته من جهة الشکّ فی قابلیته للتذکیة. یقول هنا لا مانع من الرجوع إلی البراءة فی حدّ نفسه کَشَکٍّ فی الشبهة الحکمیّة التحریمیّة، وقد قلنا سابقاً أنّ أدلّة البراءة تامّة فیها، لکن هنا یوجد ما یمنع من إجراء البراءة، وهو هذا الأصل الموضوعی الذی هو أصالة عدم التذکیة، أو استصحاب عدم التذکیة، فأنّ هذا الاستصحاب یحرز لنا عدم التذکیة، وبذلک یکون رافعاً لموضوع البراءة؛ لأنّ موضوع البراءة هو الشکّ فی الحرمة وفی الحلّیّة، واستصحاب عدم التذکیة تعبّداً یحرز لنا الحرمة، ویحرز لنا عدم التذکیة، یعنی یحرز لنا ما یترتّب علی عدم التذکیة، أی الأثر الشرعی وهو الحرمة، ومع إحراز الحرمة، ولو تعبّداً یرتفع موضوع أصالة البراءة الذی هو الشکّ فی الحرمة، فلا تصل النوبة إلی البراءة عند وجود أصلٍ موضوعی من هذا القبیل.

ص: 131


1- فرائد الأصول، الشیخ الأنصاری، ج 2، ص 109.

الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)بعد أنْ ذکر هذا کمثالٍ للأصل الموضوعی المانع من إجراء البراءة، دخل فی بحثٍ صغروی لیس له علاقة بأصل الفکرة، وإنّما هو بحث صغروی فی أصالة عدم التذکیة، وما هو المقصود بها ؟ وما هی المعانی الموجودة المتصوّرة للتذکیة ؟ فی فروع هذه المسألة، وکل ما یرتبط بتنقیح حال هذا الأصل، وهذه أبحاث أخذت منه مأخذاً کبیراً جدّاً وهی فی الحقیقة بحوث صغرویة، ومحلّها أنْ تُبحث فی الفقه، ولکنّها من الاستطرادات التی ذُکرت فی علم الأصول وهی کثیرة، کأنّهم لم یجدوا محلاً لبحثها، إلاّ فی هذا المکان، فوجدوا فرصة، فدخلوا فی هذه البحوث المُعمّقة والطویلة جدّاً، فدخل فی بحث أصالة عدم التذکیة، وما هی المعانی المتصوّرة لأصالة عدم التذکیة ؟ وما هو حکمه بالنسبة إلی الأدلّة الأخری ؟ ومتی یکون جاریاً، ومتی لا یکون جاریاً؟ یختلف هذا باختلاف التفسیرات المطروحة للتذکیة.....الخ ممّا لعلّه سنشیر إلیه ولو علی نحو الاختصار. بالنتیجة الفکرة فی أصلها هی فکرة صحیحة، ولیس لها اختصاص بالبراءة؛ بل هذا المطلب جارٍ فی جمیع الأدلّة؛ إذ لا إشکال فی أنّ العمل بأیّ دلیلٍ یکون مشروطاً بأنْ لا یکون هناک دلیل آخر حاکم أو وارد علیه، والعمل بأیّ دلیلٍ یکون مشروطاً، لیس فقط بهذا، وإنّما مشروط بأنْ لا یوجد معارض مساوٍ له یکون موجباً لسقوطه عن الحجّیّة، وکذا هو مشروط بأنْ لا یکون هناک دلیل رافع لموضوعه بالحکومة، أو بالورود، فهذا لیس شیئاً من مختصّات دلیل البراءة، وإنّما هو شیء عام، ومسلّم بلا إشکال، وإنّما طُبّق علی دلیل البراءة لغرض توضیح بعض الأمور، لعلّه لغرض توضیح أصالة عدم التذکیة، فالمطلب صحیح، أنّ إجراء أصالة البراءة یتوقّف علی عدم وجود أصلٍ موضوعی یجری فی موردها.

ص: 132

مدرسة المحقق النائینی(قدّس سرّه) اعترضت علی الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه) (1) بأنّه ما هو الوجه فی تخصیص الشرط بالأصل الموضوعی الذی یجری فی الموضوع کما هو ظاهر الأصل، المحقق النائینی(قدّس سرّه) یقول لا وجه لهذا التخصیص؛ لأنّ الملاک فی تقدیم هذا الأصل علی البراءة هو الحکومة، الحکومة أیضاً بالتفسیر الذی هو یختاره، المبنیة علی مسلک الطریقیة وجعل العلمیّة والمحرزیّة، فکأنّ الأصل المجعول فیه العلمیّة والطریقیّة والمحرزیّة وبذلک یکون رافعاً لموضوع أصالة البراءة الذی هو الشک تعبّداً. إذن: الملاک فی هذا الشرط هو عدم وجود دلیل حاکم علی البراءة، ومن الواضح أنّ الدلیل الحاکم علی البراءة لا یختصّ بالأصول الموضوعیّة، أی لا یختصّ بخصوص الأصل الجاری فی الموضوع؛ بل یمکن أنْ یجری حتّی إذا کان أصلاً جاریاً فی الحکم فیما إذا کان رافعاً لموضوع البراءة، ورافعاً للشکّ حتّی إذا کان جاریاً فی الحکم لا فی الموضوع؛ إذ أیّ فرقٍ بین الأصل الجاری فی الموضوع، وبین الأصل الجاری فی الحکم إذا کان کل منهما رافعاً للشکّ الذی هو موضوع دلیل البراءة، العمل بأصالة لبراءة وجریانها کما یتوقّف علی عدم وجود أصل موضوعی حاکم علیها کذلک یتوقّف علی عدم وجود أصل حکمی حاکم علیها؛ لأنّ المناط هو الحکومة، ورفع الموضوع، هذا هو الذی یمنع من إجراء البراءة، وهذا لا یُفرّق فیه بین الأصل الموضوعی وبین الأصل الحکمی، وبناءً علی هذا یکون الشرط هو أنْ لا یکون هناک أصل حاکم یجری فی مورد البراءة، سواءً کان أصلاً موضوعیاً، کما فی مثال أصالة عدم التذکیة، أو کان أصلاً حکمیاً، من قبیل استصحاب الحرمة، فی بعض الأحیان قد یجری فی نفس المورد ما کان فی الحالة السابقة کالنجاسة، أو الحرمة، فیکون استصحاب الحرمة حاکماً علی البراءة والإباحة؛ لأنّه یعبّدنا بالحرمة، أو بالنجاسة، وبهذا یکون رافعاً لموضوع البراءة الذی هو الشکّ فی الحرمة، أو الشکّ فی النجاسة، مع أنّه أصل حکمی، أی أنّه أصل یجری فی مرتبة الحکم، لکن لمّا کان حاکماً بنفس الملاک الموجود فی الأصل الموضوعی؛ حینئذٍ لابدّ أنْ نشترط فی جریان البراءة عدم جریانه، کما نشترط فی جریان البراءة عدم جریان الأصل الموضوعی، فلا داعی لتخصیص هذا الشرط بالأصل الموضوعی کما ذکره الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه). هذا الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه).

ص: 133


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 380.

لکن ما هو مقصود الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه) بالأصل الموضوعی ؟ هل مقصوده خصوص الأصل الموضوعی الجاری فی الموضوع، أو مقصوده بالأصل الموضوعی هو الأصل الذی ینقّح موضوع أصالة البراءة ویرفع الشک ؟ یوجد احتمال أنّ هذا هو مقصود الشیخ الأنصاری(قُدّس سرّه)، فیعمّ الأصل الجاری فی الموضوع، والأصل الجاری فی الحکم؛ لأنّ الأصل الجاری فی الحکم ینقّح الموضوع، ویرفع الشک الذی أُخذ فی موضوع أصالة البراءة.

بعد أنْ ذکر المحقق النائینی(قدّس سرّه) هذا المطلب، من الواضح أنّه افترض الحکومة بناءً علی مسلکه، یعنی حکومة الأصل الجاری فی الموضوع، أو الجاری فی الحکم، افترض أنّه حاکم علی أصالة البراءة، لکن افترض أنّ نکتة الحکومة هی مسلک الطریقیّة، وجَعْل العلمیّة وإلغاء احتمال الخلاف وأمثاله؛ لأنّ أصالة عدم التذکیة التی هی استصحاب عدم التذکیة، أو استصحاب الحرمة المتیّقنة سابقاً؛ لأنّ المجعول فی الاستصحاب الطریقیة؛ حینئذٍ یکون الاستصحاب حاکماً علی اصالة البراءة؛ لأنّ المجعول فی دلیل الاستصحاب هو الطریقیة، والعلمیّة والمحرزیّة، فیکون رافعاً للشکّ الذی هو موضوع البراءة، فیتقدّم علیه بالحکومة.

لکن یُلاحظ علیه: أنّنا فی بعض الأحیان نقدّم الأصل الجاری فی مورد البراءة، ولو لم یکن ممّا جُعلت فیه المحرزیّة، لم تُجعل فیه المحرزیّة باعتراف المحقق النائینی(قدّس سرّه)، مع ذلک هو یقدّمه علی البراءة، مع أنّه لا وجه لهذا التقدیم إذا کانت نکتة الحکومة هی الطریقیّة والعلمیّة؛ لأنّه لم تُجعل فیه المحرزیّة باعتراف المحقق النائینی(قدّس سرّه)، والمثال علی ذلک هو مسألة الماء المشکوک الطهارة، إذا حکمنا علیه بالطهارة استناداً إلی اصالة الطهارة، ولیس استصحاب الطهارة، بأنْ نفترض أنّه لیست له حالة سابقة کما فی توارد الحالتین، فلا نستطیع أنْ نستصحب الطهارة فی توارد الحالتین، فإذن: هو ماءٌ مشکوک الطهارة والنجاسة، حکمنا علیه بالطهارة استناداً إلی اصالة الطهارة، ثمّ هذا الماء الذی حکمنا علیه بالطهارة استناداً إلی اصالة الطهارة غسلنا به ثوباً نجساً، یعنی حالته السابقة هی النجاسة، وشککنا فی بقاء النجاسة وارتفاعها؛ لأننّا غسلنا الثوب بماءٍ نشکّ فی طهارته ونجاسته، هنا أیّهما الذی یتقدّم ؟ لا إشکال، وبلا خلاف، حتّی عند المحقق النائینی(قدّس سرّه) أنّ أصالة الطهارة تتقدّم علی استصحاب النجاسة فی الثوب؛ لأنّ أصالة الطهارة بمثابة الأصل الموضوعی السببی، بینما استصحاب النجاسة بمثابة الأصل المسببی الحکمی، یعنی أنّ أصالة الطهارة تجری فی مرتبة الموضوع، بینما الاستصحاب یجری فی مرتبة الحکم، فتتقدّم أصالة الطهارة علی استصحاب النجاسة، مع أنّه علی مبنی المحقق النائینی(قدّس سرّه) المفروض أنْ نعکس؛ لأنّ الاستصحاب هو الذی جُعلت فیه المحرزیّة، أمّا أصالة الطهارة، فلم تُجعل فیها المحرزیّة، لا أحد یقول أنّ العلمیّة والطریقیّة مجعولة فی أصالة الطهارة، العلمیة والطریقیة مجعولة فی الإمارات، وفی الاستصحاب علی رأیٍ، وإلاّ حتّی فی الاستصحاب هناک کلام فی أنّ الطریقیة لو تعقّلناها فی الإمارات هل هی مجعولة فی الاستصحاب، أو لا ؟ لو کانت نکتة الحکومة وتقدیم الأصل الجاری فی مورد أصالة البراءة هو الطریقیّة، إذن: فی أمثال هذا المثال لابدّ من عدم تقدیم أصالة الطهارة علی استصحاب النجاسة؛ بل لابدّ أنْ نحکم بالعکس؛ بأنْ نقدّم استصحاب نجاسة الثوب علی أصالة الطهارة الجاریة فی الماء؛ لأنّ الاستصحاب یحرز لنا نجاسة الثوب، فنکون قد أحرزنا نجاسة الثوب، فإذن: لا نستطیع أنْ نتمسّک بأصالة الطهارة لإثبات طهارة الثوب؛ لأنّ استصحاب النجاسة أحرز نجاسة الثوب تعبّداً. بینما هو لا یقول بذلک؛ بل الکل لا یقولون بذلک، هذا یکشف عن أنّ نکتة التقدیم فی محل کلامنا لیست هی جعل الطریقیّة وجعل العلمیّة، بهذا الدلیل، وإلاّ فی بعض الأحیان نقدّم الأصل الجاری فی الموضوع ولو لم یکن المجعول فیه هو المحرزیّة والطریقیّة والعلمیّة. النکتة فی التقدیم لیست هی الطریقیّة، وإنّما النکتة فی التقدیم قائمة فی نفس کون هذا الأصل یجری فی رتبة الموضوع، وکون الأصل الآخر یجری فی رتبة الحکم، النکتة فی التقدیم هی کون هذا الأصل سببی، وکون الأصل الآخر مسببی، فی محل کلامنا لماذا نشکّ فی حرمة هذا الحیوان الذی نشکّ فی حرمته وحلّیّته ؟ لأننّا نشکّ فی التذکیة. إذن: الشکّ فی التذکیة صار سبباً للشکّ فی حرمة الحیوان وحلّیّته، فذاک أصل سببی، وهذا أصل مسببی، نفس کون هذا أصل یجری فی رتبة الموضوع، وهذا أصل یجری فی رتبة الحکم، هذه هی النکتة للتقدیم فی نظر العرف، والتی تقتضی تقدیم الأصل الذی یجری فی رتبة الموضوع علی الأصل الذی یجری فی رتبة الحکم، بقطع النظر عن مسألة المحرزیّة وجعل الطریقیّة وأمثالها، وإنّما نفس کون هذا أصلاً سببیّاً یقتضی التقدیم؛ لأنّه فی رتبة السبب یجری وینقّح الموضوع ویرفع الشکّ فی مرتبة المسبب.

ص: 134

علی کل حال، نکات تقدیم الإمارات علی الأصول، وتقدیم بعض الأصول علی بعض، هذه النکات ستبحث مفصّلاً فی مباحث الاستصحاب والتعارض، والتعادل والتراجیح، ولیس هنا محل بحثها، وإنّما الغرض هو الإشارة إلی هذا الشیء علی وجهٍ سریع. فقلنا أنّهم دخلوا بعد إکمال هذا التنبیه فی بحث أصالة عدم التذکیة، وما هو المقصود بها ؟ وهل تکون أصالة عدم التذکیة حاکمة ومقدّمة علی البراءة وأصالة الحلّیّة فی جمیع الموارد، وبجمیع المعانی المطروحة له، أو لابدّ من التفصیل ؟ فدخلوا فی هذا البحث، ونحن تبعاً لهم أیضاً ندخل فی هذا البحث، لکن بشکلٍ مختصر.

ذکروا أنّ الحیوان الذی زُهقت روحه، یمکن تصوّر الشکّ فی حلّیّة لحمه وحرمته علی أنحاءٍ أربعة، وکلّ هذه الأنحاء تنقسم تارةً إلی شبهةٍ حکمیّةٍ، وإلی شبهةٍ موضوعیّةٍ تارة أخری، فتکون الصور المتصوّرة ثمانیة:

النحو الأوّل: أنْ یکون الشکّ فی حلّیّة لحمه وحرمته من جهة الشکّ فی أنّ هذا الحیوان هل هو محللّ الأکل، أو محرّم الأکل، ولیس من جهة التذکیة؛ بل نفترض فی هذا النحو أننّا نحرز التذکیة؛ بل نفترض أکثر من هذا، أننّا نحرز التذکیة، ونحرز قابلیة هذا الحیوان للتذکیة، لکن مع ذلک نشکّ فی حرمة لحمه وحلّیّته من جهة الشکّ فی أنّه من الحیوانات المحللّة الأکل، أو المحرّمة الأکل، هذا ینشأ من أننّا نعلم بأنّ التذکیة فی بعض الأحیان لا تنتج لنا حلّیّة الأکل، وإنّما تنتج فقط الطهارة، حتّی فی الحیوان القابل لها، أنّ هناک حیوانات قابلة للتذکیة إذا ذُکیت، ولکن لا یحل أکل لحمها کما فی السباع، وإنّما فقط یکون أثر التذکیة ظاهراً فی طهارة جلودها وأمثال ذلک، فهذا حیوانٌ زهقت روحه، ونعلم بوقوع التذکیة علیه، ونعلم بقابلیته للتذکیة، لکن لا ندری أنّ الشارع هل رتّب علی تذکیته حلّیّة أکل لحمه أیضاً، کما رتّب الطهارة، أو لم یرتّب ذلک ؟ فشککنا فی أنّه یحل أکل لحمه، أم لا ؟

ص: 135

وهذا النحو الأوّل تارةً یکون بنحو الشبهة الحکمیّة، وتارةً أخری یکون بنحو الشبهة الموضوعیّة.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی استصحاب عدم التذکیة: وقلنا أنّهم ذکروا أربع أنحاء متصوّرة للشک فی حلّیة الحیوان وحرمته بعد زهاق روحه، حیوان زهقت روحه، نشکّ فی حلّیّته وحرمته، هذا الشکّ فی حلیته وحرمته له أربع أنحاء:

النحو الأوّل: تقدّم ذکرها وکان المراد بها هو الشکّ من جهة حرمة الأکل ذاتاً، أنّ هذا الحیوان هل هو محللّ الأکل ذاتاً، أو لا ؟ یعنی نحرز التذکیة، وقابلیة الحیوان للتذکیة، لکن نشکّ فی أنّ التذکیة هل تؤثر فی حلّیّة الأکل، أو لا تؤثر إلاّ فی طهارة جلده فقط ؟ ، هذا النحو من الشکّ قد یکون شبهة حکمیّة، وقد یکون شبهة موضوعیّة کما مثّلنا.

النحو الثانی: أنْ یکون الشکّ فی حلّیّة لحم الحیوان، أو حرمته من جهة الشکّ فی قابلیة الحیوان للتذکیة. فی النحو السابق کنّا نحرز قابلیة الحیوان للتذکیة فی الجملة، بینما هنا نشکّ فی أنّه یقبل التذکیة أو لا ؟ وهذا الشکّ ینشأ من أنّ هناک بعض الحیوانات الغیر القابلة للتذکیة أصلاً، ویُمثّل لها بالحشرات والمسوخات وأمثالها. هنا نشکّ فی أنّ أکل هذا الحیوان هل هو حلال، أو حرام؛ للشکّ فی أنّه قابل للتذکیة، او لا ؟ یعنی أننّا نحرز التذکیة، لکن نشکّ فی قابلیة الحیوان للتذکیة. هذا الشکّ أیضاً قد یکون بنحو الشبهة الحکمیّة، کما إذا شککنا فی أنّ أسد البحر هل هو قابل للتذکیة، أو لا ؟ هذه شبهة حکمیّة یُسئل عنها الشارع لحَلِّها. وقد یکون بنحو الشبهة الموضوعیّة، وهو فیما إذا شککنا فی أنّ هذا الحیوان المذکّی هل هو شاة، حتّی یکون قابلاً للتذکیة، أو أنّه من المسوخات حتّی لا یکون قابلاً للتذکیة، هذه شبهة موضوعیة لیس لها علاقة بالشارع، وإنّما هی شبهة موضوعیّة لابدّ من حلّها عن طریق الإمارات التی تحلّ بها الشُبه الموضوعیّة.

ص: 136

النحو الثالث: أنْ نشکّ فی حرمة الأکل وحلّیته من جهة الشکّ فی طرو ما یمنع من قبوله للتذکیة، حیث هناک أمور ثبت شرعاً أنّها إذا طرأت علی الحیوان القابل للتذکیة تمنع من قبوله للتذکیة، أی أنّ الحیوان بحسب ذاته قابل للتذکیة، لکن إذا طرأت هذه الموانع، فأنّها تمنع من قبوله للتذکیة کالجلل، فأنّه یمنع من قابلیّة الحیوان للتذکیة، وهذا أیضاً قد یکون بنحو الشبهة الحکمیّة، وقد یکون بنحو الشبهة الموضوعیّة، بنحو الشبهة الحکمیّة کما إذا شککنا فی مانعیة شیءٍ کالجلل، کما لو لم یکن لدینا دلیل علی مانعیته، وحدث الجلل، وشککنا فی أنّه هل یمنع من قبول الحیوان للتذکیة، أو لا یمنع، هذه شبهة حکمیّة، فأنّ مانعیة الجلل إنّما یحددها الشارع المقدّس. وأخری تکون الشبهة موضوعیّة، کما إذا شککنا فی حصول الجلل مع العلم بکونه مانعاً.

النحو الرابع: أنْ یکون الشکّ فی الحلّیّة والحرمة من جهة الشکّ فی تحققّ جمیع ما هو معتبر فی التذکیة خارجاً، کأنْ نشکّ بأنّ ما هو معتبر فی التذکیة هل هو متحققّ فیه، أو لیس متحققاً فیه. هذا یمکن تصوّره بنحو الشبهة الحکمیّة وبنحو الشبهة الموضوعیّة، بنحو الشبهة الحکمیّة کما إذا شککنا ----- مثلاً ----- فی اعتبار التسمیة فی التذکیة، ونعلم بأنّ هذا الحیوان لم یُسمَ علیه، بطبیعة الحال هذا الشکّ یوجب الشکّ فی حلّیّة أکل لحم هذا الحیوان، أو عدم حلیّته، بأنْ کانت التسمیة معتبرة، فهذا یحرم أکله، وإنْ لم تکن معتبرة فهذا یحلّ أکله. هذه الشبهة حکمیّة؛ لأنّ الشکّ هو فی اعتبار التسمیة فی التذکیة وعدم اعتبارها، وهذا شیء یُراجَع فیه الشارع. وأخری یکون بنحو الشبهة الموضوعیّة، کما إذا شککنا فی تحقق التسمیة مع العلم باعتبارها شرعاً، یعنی نعلم باعتبار التسمیة شرعاً، لکننّا نشکّ فی تحققّها خارجاً.

ص: 137

هذه هی الأنحاء الأربعة المذکورة فی کلامهم والتی بحثوا فی ضمنها أصالة استصحاب عدم التذکیة، أو ما یُسمّی بأصالة عدم التذکیة.

أمّا النحو الأوّل: فمن الواضح أنّه خارج عن محل الکلام الذی هو استصحاب عدم التذکیة، بطبیعة الحال أنّ استصحاب عدم التذکیة إنّما نتکلّم عن جریانه وعدمه حینما تکون التذکیة أمراً مشکوکاً، أو علی الأقل قابلیة الحیوان للتذکیة تکون أمراً مشکوکاً، بینما فی النحو الأوّل افترضنا انّ التذکیّة لیست مشکوکة، ولا قابلیة الحیوان للتذکیة مشکوکة، وإنّما المشکوک هو أنّ الشارع هل حکم بحلّیّة أکل لحم هذا الحیوان بعد تذکیته کما هو الحال فی الشاة والبقرة والجمل، أو لم یحکم بحلیّة أکل لحم هذا الحیوان بعد تذکیته کما هو الحال فی السباع، فالتذکیة معلومة، وقابلیة الحیوان للتذکیة فی الجملة، ولو لإثبات الطهارة أمر معلوم، وإنّما الشک فی تأثیر التذکیة فی حلّیة اللّحم وعدم تأثیرها، فلا معنی للکلام عن أنّه هل تجری أصالة عدم التذکیة؛ إذ لیس لدینا شکّ فی التذکیة حتّی نجری أصالة عدم التذکیة، لکن ذکرو هذا الفرع الأوّل استطراداً، وهو أننّا نشکّ فی حیوانٍ أنّه محرّم الأکل، أو محلل الأکل، فإذا کان محلل الأکل، فهذا یعنی أنّ التذکیة مؤثرة فی حلّیّة لحمه، کما هی مؤثرة فی طهارة جلده، أمّا إذا کان محرّم الأکل، فهذا یعنی أنّ التذکیة لیست مؤثرة شرعاً فی حلّیّة أکل لحمه، وهذا أیضاً قلنا أنّه یمکن تصوّره بنحو الشبهة الحکمیّة، وبنحو الشبهة الموضوعیّة، بنحو الشبهة الحکمیّة بأنْ لا نعلم أنّ تذکیة هذا الحیوان هل هی موجبة لحلّیّة أکل لحمه، أو لا ؟ هل حکم الشارع بأنّ التذکیة مؤثرة فی حلیة الأکل، أو لا، فقط التذکیة مؤثرة فی طهارته، هذا شکٌ فی الحکم الشرعی، یعنی شبهة حکمیّة. وأخری تکون الشبهة موضوعیّة، بأنْ لا نعلم أنّ هذا الحیوان هل هو شاة، أو هو من السباع، فإذا کان هذا الحیوان شاة، فأنّه یحلّ أکله؛ لأننّا نعلم أنّ الشارع جعل التذکیة فی الشاة موجبة لحلیة الأکل. أمّا إذا کان من السباع، فلا یحلّ أکله؛ لأننّا نعلم أنّ الشارع لم یجعل التذکیة فی السباع موجبة لحلیّة الأکل. فی هذا النحو الأوّل ذکروا أنّه إذا کانت الشبهة الحکمیّة کما مثّلنا؛ حینئذٍ لابدّ أنْ نفتّش عن عامّ فوقانی یدلّ علی حلّیّة الأکل، أو علی حرمته، قد نعثر علی عامّ فوقانی یدلّ علی حلّیة کل حیوان إلاّ أمور معیّنة استثناها الشارع، وقد نعثر ----- مثلاً ----- علی عامّ فوقانی یدلّ علی حرمة کل حیوانٍ إلاّ ما استُثنی، إذا عثرنا علی هکذا عمومات فوقانیة، فبلا إشکال یتعیّن حینئذٍ الرجوع إلیها؛ لأنّ الشبهة شبهة حکمیّة، فنسأل عنها الشارع، فإذا کان لدینا دلیل یقول أنّ کل حیوان هو محلل الأکل إلاّ ما استُثنی، فنتمسّک بهذا الدلیل فی هذه الشبهة الحکمیّة؛ لأنّ هذا لیس تمسّکاً بالعام فی الشبهة المصداقیة کما سیأتی فی الشبهة الموضوعیّة؛ لأننّا نحرز عدم انطباق ما استُثنی علی هذا الحیوان، فهو لیس داخلاً فی المستثنی قطعاً، فنتمسّک بهذا العام لإثبات حلّیة أکل لحمه، لکنّ الکلام فی أنّه هل یوجد هکذا عامّ فوقانی یمکن الرجوع إلیه واستنطاقه لمعرفة حکم هذا الحیوان الذی نشکّ فی أنّه حلال الأکل، أو لا ؟ إذا وجد، یتعیّن التمسّک به ولا تصل النوبة إلی الأصول العملیّة.

ص: 138

قد یقال: أنّ هناک ما یُستفاد منه هذا العموم، وهو قوله تعالی ﴿قل لا أجد فی ما أوحی ألیّ محرّم علی طاعمٍ یطعمه إلاّ أنْ یکون میتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزیر﴾. (1) فیُستفاد من هذه الآیة الشریفة أنّ کلّ حیوانٍ ما عدا ما استُثنی الغیر المنطبق علی محل الشکّ ----- بحسب الفرض ----- یکون حلالاً.

لکن هناک تأمّل فی إمکان التمسّک بالآیة ودلالة الآیة علی هذا العموم حتّی بالنسبة إلی مورد الشکّ بالنظر إلی ما ثبت عندهم من أنّ الأحکام بُیّنت بشکلٍ تدریجی، فبالنظر إلی تدریجیّة بیان الأحکام الشرعیة یمکن أنْ یقال أنّ الآیة لیست ناظرة إلی کلّ المحرّمات وفی جمیع الأزمنة، وإنّما هی ناظرة إلی المحرّمات فی زمان نزولها، وکأنّ الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عُلِّم أنْ یقول أنّی لا أجد فی هذه المحرّمات التی وصلت إلیّ فی زمان نزول الآیة محرّماً علی طاعمٍ یطعمه إلاّ أنْ یکون میتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزیر.....الخ. فلا یکون فیها عموم أو إطلاق یشمل کلّ الأزمنة، هو لیس ناظراً إلی جمیع المحرّمات وفی جمیع الأزمنة، وإنّما ناظر إلی المحرمات التی کانت موجودة ونازلة علی النبی(صلّی الله علیه وآله وسلّم) عند نزول الآیة الشریفة فی أوّل الشریعة، لکن لا یوجد فیها عموم بعدم وجود محرّم إلاّ هذه الأمور حتّی بلحاظ الأزمنة الآتیة؛ لأنّ الشریعة بُیّنت بشکلٍ تدریجی، وقد تُضاف إلی المُستثنیات بعض المحرّمات، ولعلّ هذا المشکوک منها. قد یُستشکل بدلالة الآیة بهذا الشکل.

علی کل حال. من ناحیة أصولیّة نقول: إنْ کان هناک عموم فوقانی یدلّ علی حلّیّة کل حیوان إلاّ ما استُثنی، أو یدلّ علی حرمة کل حیوان إلاّ ما استثنی، یتعیّن الأخذ به، ولا تصل النوبة إلی الأصول العملیّة. لکن إذا شککنا فی ذلک، أو منعنا من ذلک، وقلنا لا یوجد لدینا عموم قرآنی بهذه المثابة؛ حینئذٍ تصل النوبة إلی الأصول العملیّة، ما هو الأصل الذی یمکن التمسّک به فی المقام ؟ هنا احتمالات ثبوتیة:

ص: 139


1- انعام/سوره6، آیه145.

الاحتمال الأوّل: الرجوع إلی أصالة الحل(کل شیءٍ لک حلال حتّی تعلم أنّه حرام) ولحم هذا الحیوان لا نعلم أنّه حرام، فنثبت حلّیّة لحم هذا الحیوان.

الاحتمال الثانی: استصحاب عدم التذکیة.

الاحتمال الثالث: استصحاب الحلّیّة الثابتة قبل التشریع.

الاحتمال الرابع: استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة.

هذه الأصول محتملة، ولو احتمالات ثبوتیة، فأصالة الحل، واستصحاب الحلّیّة الثابتة قبل التشریع یثبتان حلّیة أکل لحم هذا الحیوان، واستصحاب عدم التذکیة، واستصحاب الحرمة الثابتة حال الحیاة، أی استصحاب الحرمة المتیّقنة حال حیاة هذا الحیوان تثبتان حرمة أکل لحم هذا الحیوان. أیّ أصل من هذه الأصول هو الذی یجری ؟

لا إشکال فی أنّ استصحاب عدم التذکیة لا یجری فی هذا الفرع؛ ولذا قلنا أنّ هذا الفرع لیس له ربط بمحل الکلام الذی هو عبارة عن استصحاب عدم التذکیة؛ لأنّه لیس لدینا شکّ من ناحیة التذکیة فی هذا الفرع حتّی نستصحب عدمها، فاستصحاب عدم التذکیة لا موقع له فی هذا المقام، ولا معنی لإجرائه لعدم الشکّ فی التذکیة. أو بعبارة أخری: لأننا نقطع بتحققّ التذکیة، فلا معنی لاستصحاب عدم التذکیة، إنّما یکون هناک معنی لهذا الاستصحاب إذا شککنا فی تحققّ التذکیة وعدم تحقّقها، أمّا مع العلم بعدم تحققّها، لا یجری هذا الاستصحاب. إذن: استصحاب عدم التذکیة ینبغی عزله علی حِدی.

وأمّا استصحاب الحلّیّة الثابتة قبل التشریع، فلا محذور فیه علی غرار ما تقدّم من استصحاب البراءة قبل التشریع، حیث قلنا أننّا إذا عجزنا عن إثبات البراءة بأدلّتها تصل النوبة إلی استصحاب البراءة، وقلنا أنّ استصحاب البراءة له تقریبات، استصحاب البراءة قبل البلوغ، استصحاب البراءة قبل عروض الحالة الخاصّة علی الموضوع، ومنها استصحاب البراءة الثابت قبل التشریع، باعتبار أنّ البراءة هی الثابتة قبل التشریع، إنّما الحرمة هی التی تحتاج إلی تشریع. فإذا شککنا أنّ هذه البراءة والحلّیّة الثابتة قبل التشریع هل لا زالت باقیة، أو ارتفعت بجعل الشارع تشریعاً للحرمة، حیث ترتفع البراءة والحلّیة إذا شرّع الشارع الحرمة، فشکّنا هو أنّ الشارع شرّع الحرمة أو لا ؟ فیجری استصحاب الحلّیة المتیقنة قبل زمان التشریع علی غرار استصحاب البراءة المتیقنة قبل التشریع، وإذا جری هذا الاستصحاب وآمنا به؛ حینئذٍ لا تصل النوبة إلی أصالة الحل؛ لأنّ الاستصحاب مقدّم علی أصالة الحل بالحکومة، أو بالورود، فلا تصل النوبة إلی أصالة الحل، وإنّما الذی یجری هو استصحاب الحل الثابت قبل التشریع، وهذا یثبت حلّیّة أکل لحم هذا الحیوان. وأمّا إذا ناقشنا فی جریان هذا الاستصحاب؛ حینئذٍ نتمسّک لإثبات الحلّیّة بأصالة الحل.

ص: 140

وأمّا استصحاب الحرمة الثابتة حال الحیاة، فقد یقال: أنّ الأصل الذی یجری فی المقام لیس هو استصحاب الحل الثابت قبل التشریع، وإنّما الذی ینبغی إجرائه هو استصحاب الحرمة الثابتة قبل زهاق الروح، یعنی فی حال الحیاة، حیث أنّ هذا الحیوان کان یحرم أکله، وبعد أنْ زُهقت روحه نشکّ فی أنّ هذه الحرمة ارتفعت، فیما إذا کانت التذکیة سبباً للحلّیة، أو لم ترتفع، فیما إذا کانت التذکیة لیست سبباً لحلّیته، فنستصحب الحرمة المتیقنة فی حال الحیاة، وهذا یثبت نتیجة معاکسة لاستصحاب الحلّیة قبل التشریع. هذا الاستصحاب یجری، أو لا ؟

قد یقال: بجریانه؛ بل لعلّه یظهر من بعضهم جریانه فی المقام، حیث نُسب إلی البعض أنّه تمسّک بهذا الاستصحاب ووصل إلی نتیجة أنّ الحیوان المشکوک بالنحو الأوّل فی الشبهة الحکمیّة یحرم أکله؛ لاستصحاب الحرمة المتیقنة حال الحیاة، ودلیله علی جریان هذا الاستصحاب هو أنّه کانت هناک حرمة ثابتة فی حال الحیاة ویُشک بها لاحقاً، فتکون أرکان الاستصحاب متوفرة، یقین سابق بالحرمة فی حال الحیاة، فهذا الحیوان فی حال حیاته کان یحرم أکله، وشکٌّ لاحق فی بقاء هذه الحرمة وزوالها، فتتوفّر أرکان الاستصحاب، فیجری الاستصحاب، وهذا الاستصحاب إذا جری فأنّه یمنع من استصحاب الحل الثابت قبل التشریع؛ لأنّه ناظر إلی حالة متأخّرة.

ولکن هناک عدّة مشاکل فی هذا الاستصحاب:

المشکلة الأولی: المناقشة فی الیقین السابق، من قال أنّ الحرمة ثابتة فی حال الحیاة ؟ أو فلنقل: من قال أنّ الحیوان الحی یحرم أکله ؟ لا دلیل علی هذا؛ لأنّ کلّ العناوین التی ثبتت فیها حرمة الأکل لا تنطبق علی هذا الحیوان فی حال الحیاة، لا عنوان المیتة ینطبق علیه، ولا عنوان غیر المذکی....الخ، فأنّ المُذکی وغیر المُذکی هو وصف للعنوان المیت، فالحیوان المیت یقال عنه أنّه مذکی، أو غیر مُذکی، أمّا الحیوان الحی لا یتّصف لا بالمُذکی، ولا بغیر المُذکی، فلا هو میتة، ولا هو غیر مذکّی؛ لأنّ غیر المذکّی من صفات الحیوان المیت بعد إزهاق روحه، ولیس من صفات الحیوان الحی، فلا دلیل علی حرمة أکل الحیوان وهو حی، وعلی هذا الأساس أفتی جماعة من فقهائنا؛ بل لعلّ المعروف جواز ابتلاع السمک الصغیر وهو حی، مع وضوح أنّ ذکاة السمک لیست بإخراجه من الماء، وإنّما بموته خارج الماء، ولیس بمجرّد إخراج السمک من الماء تکون هذه تذکیة له بحیث یقال یجوز ابتلاعه لأنّه ذُکی بإخراجه من الماء؛ بل تذکیته هی موته خارج الماء، فإذا بقی حیّاً وبلعه، فأنّه یکون قد بلع حیواناً قبل تذکیته، وقالوا بجوازه؛ لأنّه لا دلیل علی حرمة لحم الحیوان فی حال حیاته، فإذن: القضیة لیست مسلّمة حتّی یقال لدینا یقین سابق وشکّ لاحق، أنّ هذا الحیوان فی حال حیاته کان یحرم أکله، والآن یُشکّ فی بقاء الحرمة، فنستصحب الحرمة المتیّقنة فی حال الحیاة، فلا یوجد لدینا یقین بالحرمة سابقاً حتّی یجری هذا الاستصحاب.

ص: 141

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الشکّ من النحو الأوّل: وبالتحدید کان الکلام فی ما إذا کان الشکّ بنحو الشبهة الحکمیّة، کما إذا شککنا فی حیوان أنّه محللّ الأکل، فتکون تذکیته موجبة لحلّیة أکل لحمه، أو محرّم الأکل، فتکون التذکیة غیر مفیدة لإثبات حلّیة لحمه. قلنا أنّه إنْ کان هناک عام یمکن الرجوع إلیه، فیتعیّن الرجوع إلیه باعتباره دلیلاً اجتهادیاً، وإنْ لم یکن عندنا عام من هذا القبیل؛ فحینئذٍ تصل النوبة إلی الأصول العملیّة، وقلنا أنّه لا معنی للتمسّک باستصحاب عدم التذکیة؛ لأنّه لا یوجد عندنا شکّ من ناحیة التذکیة؛ لأننّا نحرز أنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، فیدور الأمر بین أصالة الحلّیة، أو استصحاب الحل الثابت قبل الشریعة، وبین استصحاب الحرمة المتیّقنة فی حال الحیاة. قلنا بأنّه لا تصل النوبة إلی أصالة الحلّیة إذا جری أحد الاستصحابین، إمّا استصحاب الحلّ الثابت قبل الشریعة، أو استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة، وذلک لأنّ الاستصحاب یکون مقدّماً علی أصالة الحلّ بلا إشکال، وإنّما الکلام فی أنّ الاستصحاب الأخیر ------ استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة ------ هل یجری، أو لا ؟ نُسب إلی البعض بأنّه لا بأس بأنْ یجری استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة، وهذا یُثبت نتیجة معاکسة لما یُثبته استصحاب الحلّ الثابت قبل الشریعة. هذا الاستصحاب یُذکر بدعوی أنّ أرکان الاستصحاب تامّة فیه من الیقین السابق؛ لأنّه فی حال الحیاة کان یحرم أکله، والشکّ اللاحق، بعد أنْ ذُکّی نشکّ فی حرمة أکله وعدمها، فتستصحب الحرمة المتیقنة الثابتة فی حال الحیاة. هذا ما یُقال فی مقام تقریب هذا الاستصحاب.

ص: 142

لکن المشکلة هی: أنّ هناک تشکیکاً فی ثبوت الحرمة حال الحیاة، بمعنی أنّ الحیوان فی حال الحیاة لا یحرم أکله؛ ولذا قالوا أنّه ذهب جماعة من فقهائنا إلی جواز ابتلاع السمک وهو حی مع وضوح أنّ تذکیة السمک لیست بإخراجه من الماء، وإنّما هی بموته خارج الماء، فقبل موته خارج الماء لم یُذکَ ومع ذلک حکموا بجواز ابتلاعه، وهذا معناه أنّهم لا یرون أنّ هناک حرمة فی الأکل ثابتة فی حال الحیاة، فأصل المتیقن سابقاً لیس واضحاً؛ لأنّ الاستصحاب مبنی علی افتراض ثبوت حرمةٍ فی حال الحیاة، وهذه الحرمة متیّقنة، ویُشکّ فی بقائها بعد ذلک، فتُستصحب تلک الحرمة المتیّقنة، بینما أصل ثبوت الحرمة حال الحیاة لیس واضحاً، والسرّ فی هذا هو أنّنا لا نملک دلیلاً علی حرمة أکل الحیوان الحی؛ لعدم انطباق عنوان المیتة علیه، ولا غیر المذکّی؛ لأننّا قلنا أنّ توصیف الشیء بالمذکّی وغیر المذکّی إنّما یصح بلحاظ ما بعد زهاق الروح، فیُقال أنّ هذا مُذکّی وغیر مُذکّی، أمّا قبل زهاق الروح وفی حال الحیاة، فلا یصح وصف هذا الحیوان بأنّه مُذکّی، أو غیر مُذکّی، فالأدلّة الدالّة علی حرمة أکل المیتة لا تشمله، والأدلّة الدالّة علی حرمة أکل غیر المذکی أیضاً لا تشمله، فلا دلیل علی حرمة أکل لحم الحیوان فی حال الحیاة.

وأمّا الآیة الشریفة التی استُدلّ بها علی ذلک ﴿حُرّمت علیکم المیتة والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردیة والنطیحة وما أکل السبع إلاّ ما ذکیتم﴾ (1) بأنْ یُدّعی أنّ هناک إطلاقاً فی المستثنی منه یشمل الحیوان المیّت والحیوان الحی بحیث یکون مفاد الآیة هو أننّا حرّمنا علیکم أکل الحیوان إلاّ المُذکی، والمستثنی منه یشمل بإطلاقه الحیوان الحی والحیوان المیّت، بمعنی کل حیوانٍ حرّمناه علیکم إلاّ ما ذُکّی، وحیث أنّه فی حال الحیاة لا توجد تذکیة، فیکون الحیوان فی حال حیاته محرّماً.

ص: 143


1- مائده/سوره5، آیه3.

لکن الاستدلال بهذه الآیة الشریفة مردود؛ لأنّ الآیة الشریفة ناظرة إلی الحیوان المیّت، ولیست ناظرة إلی الحیوان الحی، فالآیة استثناء من المیتة وأمثالها، وهی ناظرة إلی الحیوان المیّت، إلی الحیوان الذی زهقت روحه، هذا الحیوان الذی زهقت روحه حرّمناه علیکم، إلاّ ما ذکّیتم، فهی ناظرة إلی الحیوان المیّت، ولیس فیها إطلاق، أو عموم یشمل الحیوان الحی حتّی یُستدل بها فی محل الکلام.

أمّا إذا تنزّلنا،وافترضنا أنّ هناک حرمة حال الحیاة بملاک عدم التذکیة؛ فحینئذٍ یقع الکلام فی أنّ هذا الاستصحاب المُدّعی ----- استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة ----- فی المقام هل یمکن إجراؤه ؟ مع التنزّل وافتراض وجود حرمةٍ فی حال الحیاة، ولو تمسّکاً بإطلاق المستثنی منه(إلاّ ما ذکیتم)فی الآیة الشریفة. هل یجری هذا الاستصحاب، أو أنّه لا یجری ؟

قد یقال بجریان هذا الاستصحاب، بعد التنزّل وتسلیم ثبوت الحرمة فی حال الحیاة، لا مانع من استصحاب هذه الحرمة المتیّقنة فی حال الحیاة، وذلک باعتبار أنّ حرمة أکل لحم الحیوان فی حال حیاته إنْ کانت بملاک کونه حیّاً، فمثل هذه الحرمة لا شکّ فی بقائها؛ بل نقطع بارتفاعها بعد زهاق روحه کما هو محل الکلام؛ لأنّ هذا الاستصحاب متقوّم بالحیاة کما هو المفروض؛ أی أنّ هذه الحرمة متقوّمة بالحیاة، باعتبار أنّ المفروض أنّ هذه الحرمة ثبتت له بملاک الحیاة، باعتباره حیّاً، ولو من باب احترام الحی ------ مثلاً ------ فهذه الحرمة الثابتة بملاک الحیاة ترتفع بلا إشکال بزهاق روحه. إذن: لابدّ أنْ نفترض حرمة أخری یُراد استصحابها فی المقام یُشکّ فی بقائها؛ لأننّا نقطع بارتفاعها. وهذه الحرمة دائرة بین حرمتین:

ص: 144

الحرمة الأولی: هی الحرمة بملاک عدم التذکیة. لنفترض من باب التنزّل أنّ الحیوان الحی یحرم أکله لکونه غیر مُذکی.

الحرمة الثانیة: الحرمة الذاتیّة الثابتة فی الحیوان. بأنْ یکون الحیوان هو أصلاً محرّم الأکل، وهذه الحرمة ذاتیّة ثابتة فیه فی حال الحیاة، وثابتة فیه بعد زهاق روحه، باعتباره محرّم الأکل لا باعتباره غیر مُذکی، فسواء ذُکّی أم لم یُذکَ هو محرّم الأکل، والتذکیة فیه لا تنفع لإثبات حلّیة أکل لحمه.

إذن: هناک حرمتان یمکن افتراضهما فی المقام. أمّا الحرمة بملاک عدم التذکیة، فیُقطَع بارتفاعها؛ لأنّها ثابتة بملاک عدم التذکیة، والمفروض فی محل الکلام فی هذا النحو إحراز التذکیة، وإحراز قبول الحیوان للتذکیة، هذه أمور نحرزها، فما معنی أنْ نفترض حرمة ثابتة بملاک عدم التذکیة بعد التذکیة، وبعد إحراز قبول الحیوان للتذکیة، هذه الحرمة لو کانت ثابتة فی حال الحیاة، فهی مرتفعة بعد التذکیة؛ لأنّها ثابتة ----- بحسب الفرض ----- بملاک عدم التذکیة، فمع حصول التذکیة کما هو المفروض، ترتفع هذه الحرمة قطعاً.

وأمّا إذا کانت الحرمة المُدّعاة فی المقام والتی یُراد استصحابها هی الحرمة الذاتیة الثابتة للحیوان حتّی لو ذُکّی؛ حینئذٍ هذه الحرمة باقیة حتّی بعد زهاق روحه وتذکیته؛ لأنّ الحرمة الذاتیة لا ترتفع بالموت وزهاق الروح، فهی باقیة حتماً، ومنه یظهر أنّه یمکن إجراء استصحاب الحرمة من باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا إشکال عندهم فی جوازه، کما إذا ترددّ الثابت سابقاً بین فردٍ یُقطَع ببقائه وبین فردٍ یُقطَع بارتفاعه، بمعنی أنّه لو کان الحادث هو هذا الفرد، فهو باقٍ جزماً، ولو کان الحادث هو الفرد الآخر، فهو مرتفع جزماً، فی مثل هذه الحالة لا مانع من استصحاب الکلّی؛ لأنّه من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا شکّ عندهم فی جواز استصحابه، من قبیل ما إذا ترددّ الحیوان الموجود فی مکان بین أنْ یکون فیلاً أو حشرة، وبعد مدّة لا تبقی الحشرات فیها عادةً؛ حینئذٍ یقال أننّا نشکّ فی أنّ الحیوان هل هو باقٍ فی هذا المکان، أو لا ؟ فیقال: أنّ هذا الحیوان إنْ کان فیلاً، فهو باقٍ، وإنْ کان حشرة، فهو مرتفع قطعاً، فی مثل هذه الحالة یجری الاستصحاب بلحاظ الجامع، ویُستصحَب کلّی الحیوان فی حال الشکّ؛ لتوفّر أرکان الاستصحاب بالنسبة إلی الکلّی، وإنْ لم تتوفّر بالنسبة إلی کلٍ من الفردین، لکن بالنسبة إلی الکلّی هناک یقین بحدوث الکلّی، وشکّ فی ارتفاعه، هذا الکلّی الذی نحن علی یقین من حدوثه ونشکّ فی ارتفاعه یمکن إجراء الاستصحاب فیه. ما نحن فیه من هذا القبیل؛ لأنّ الحرمة الحادثة فی حال الحیاة المتیقنة سابقاً هی مرددّة بین فردین، بین حرمةٍ مرتفعةٍ قطعاً وهی الحرمة الثابتة بملاک عدم التذکیة؛ لأنّ المفروض التذکیة فی محل الکلام، وبین حرمةٍ باقیةٍ علی تقدیر حدوثها، وهی الحرمة الذاتیة الثابتة للحیوان باعتباره حیواناً محرّم الأکل شرعاً، هذه الحرمة الذاتیة علی تقدیر أنْ تکون هی الثابتة سابقاً تکون باقیة قطعاً، فیدخل فی باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی المرددّ بین ما لا بقاء له وبین ما یبقی، فلا مانع حینئذٍ من إجراء هذا الاستصحاب.

ص: 145

لکن، هذا الاستصحاب مبنی علی الالتزام بشیءٍ وهو أنّ الحرمة بملاک عدم التذکیة تختصّ بمأکول اللّحم ولا تشمل غیر مأکول اللّحم، تختصّ بغیر المحرّم الأکل ذاتاً، فعندنا حرمتان، حرمة بملاک عدم التذکیة مختصّة بالحیوانات المحللّة الأکل، وعندنا حرمة ذاتیة ثابتة للحیوان محرّم الأکل، بناءً علی افتراض أنّ الحرمة الثابتة للحیوان الحی بملاک عدم التذکیة مختصة بالحیوان محللّ الأکل؛ حینئذٍ یجری هذا التقریب للاستصحاب، بمعنی أنّ الاستصحاب فی المقام یکون جاریاً باعتباره من باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی؛ لأنّ الحرمة الحادثة الثابتة سابقاً مرددّة بین فردین من الحرمة، حرمة نقطع بارتفاعها علی تقدیر أنْ تکون هی الحادثة، وحرمة باقیة علی تقدیر أنْ تکون هی الحادثة، فیدخل فی باب استصحاب الکلّی من القسم الثانی؛ لأنّ هذا الحیوان الذی زهقت روحه إمّا أن یکون محلل الأکل ذاتاً، فالحرمة الثابتة فیه فی حال الحیاة هی الحرمة من جهة عدم التذکیة، وإمّا أنْ یکون محرّم الأکل، ففیه الحرمة الذاتیة فقط لا الحرمة من جهة عدم التذکیة؛ لأنّ المفروض أنّنا قلنا أنّ الحرمة بملاک عدم التذکیة مختصّة بمأکول اللّحم ولا تشمل غیره، یعنی ما یکون محرّماً بالذات.

إذن: الأمر یدور بین فردین للحرمة، أحدهما باقٍ علی تقدیر حدوثه، وهی الحرمة الذاتیة، والآخر مرتفع علی تقدیر حدوثه، وهی الحرمة بملاک عدم التذکیة، فیکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی، فیصحّ إجراء الاستصحاب بهذا البیان. وأمّا إذا قلنا أنّ الحرمة الثابتة بملاک عدم التذکیة لا تختصّ بمحلل الأکل، وأنّها کما تشمل محلل الأکل، کذلک تشمل محرّم الأکل، فکأنّه تجتمع فی محرّم الأکل حرمتان، حرمة ذاتیة وحرمة بملاک عدم التذکیة، بناءً علی هذا الکلام؛ حینئذٍ لا یصحّ إجراء الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب حینئذٍ لا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی الذی لا إشکال فی جریانه عندهم، وإنّما یکون من قبیل الاستصحاب من القسم الثالث الذی لا إشکال عندهم فی عدم جریانه، والذی هو أنْ یکون هناک کلّی نعلم بتحققّه فی ضمن فردٍ، ونعلم بأنّ هذا الفرد قد ارتفع، لکن نشکّ فی أنّه قبل ارتفاعه هل حدث فرد آخر للکلّی اقترن بوجود ذلک الفرد الآخر وقبل ارتفاعه بحیث أنّ الکلّی یبقی موجوداً ولا یرتفع؛ لأنّه وإنْ ارتفع هذا الفرد، لکنّه اقترن به قبل ارتفاعه حدوث فردٍ آخر للکلّی بحیث یبقی الکلّی موجوداً، فی هذه الحالة لا یجری استصحاب الکلّی بالاتفاق، کما لو کنّا نعلم بوجود حیوانٍ فی مکان ما، ثمّ رأیناه خارج ذلک المکان، فهذا الذی تحققّ الکلّی فی ضمنه یکون قد ارتفع قطعاً، لکن احتملنا أنّه قبل أنْ یخرج وُجد حیوان آخر بحیث بقی الکلّی فی هذا المکان، هل یمکن إجراء استصحاب الکلّی ؟ لا، هنا لا یجری استصحاب الکلّی، بالاتفاق.

ص: 146

أقول: بناءً علی هذا الاحتمال، وهو أنّ الحرمة الثابتة بملاک عدم التذکیة هی حرمة لا تختصّ بمأکول اللّحم، وإنّما تشمله وتشمل أیضاً محرّم الأکل، بمعنی أنّ ما نعلمه هو أحدی الحرمتین، وأحدی الحرمتین معلومة الحدوث ومعلومة الارتفاع وهی الحرمة بملاک عدم التذکیة، هذه حرمة معلومة الحدوث، سواء کان الحیوان محرّم الأکل، أو محللّ الأکل هذه الحرمة ثابتة له بحسب الفرض، نحن افترضنا أنّ الحرمة بملاک عدمالتذکیة لا تختصّ بمحلل الأکل، وإنّما هی کما تثبت لمحلل الأکل، کذلک هی تثبت لمحرّم الأکل. إذن: هذا الحیوان مهما کان، سواء کان محرّم الأکل، أو محللّ الأکل ثبتت له حرمة بملاک عدم التذکیة فی حال الحیاة، لکن هذه الحرمة نعلم بارتفاعها بحصول التذکیة کما هو المفروض فی محل کلامنا، فهذه حرمة معلومة الحدوث ومعلومة الارتفاع، وعندنا حرمة أخری وهی الحرمة الذاتیة، وهی مشکوکة الحدوث أساساً؛ لأنّ الحرمة الذاتیة مختصّة بالحیوان محرّم الأکل، ونحن نشکّ فی أنّ هذا الحیوان محرّم الأکل، أو محلل الأکل، إذن: عندنا حرمتان، حرمة معلومة الحدوث ومعلومة الارتفاع، والحرمة الثانیة هی مشکوکة الحدوث أساساً، وهذا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثالث، ولا یکون من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی حتّی یجری فیه الاستصحاب.

إذن: إجراء استصحاب الحرمة فی محل الکلام مع التنزّل عمّا قلناه أولاً، یتوقّف علی افتراض أنّ الحرمة بملاک عدم التذکیة مختصّة بالحیوان مأکول اللّحم حتّی یحصل الترددّ، أنّ الحرمة الثابتة سابقاً هی مرددّة بین فردین؛ لأنّ الحیوان إمّا محلل الأکل، أو محرّم الأکل، محرّم الأکل له حرمة واحدة وهی الحرمة الذاتیة، ومحللّ الأکل له حرمة واحدة وهی الحرمة بملاک عدم التذکیة، لو کان الحادث سابقاً هو الحرمة بملاک عدم التذکیة فهی مرتفعة، أمّا لو کان الحادث سابقاً هی الحرمة الذاتیة، فهی باقیة؛ لأنّ الحرمة الذاتیة لا تزول بالقتل وإزهاق الروح، فیدخل فی القسم الثانی، فهی مبنیّة علی هذا الاحتمال. وأمّا علی الاحتمال الآخر یکون الاستصحاب من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثالث، وهو لا یجری بالاتفاق.

ص: 147

لکن الظاهر ----- وفاقاً لهم ----- هو أنّ الاحتمال الأوّل هو الصحیح، بمعنی أنّ الحرمة من حیث عدم التذکیة مختصّة بمأکول اللّحم. وبعبارة أخری: أنّ محرم الأکل، ما کانت حرمته ذاتیة لا یحرم إلاّ من حیث کونه محرّم الأکل، لا أنّه تجتمع فیه حرمتان، حرمة ذاتیة، وحرمة أخری من جهة کونه غیر مُذکّی؛ لأنّ ما دلّ علی حرمة غیر المُذکّی هو ناظر فی الحقیقة إلی الحیوان المیّت المحلل الأکل ولیس له إطلاق یشمل الحیوان الحی، وهی المناقشة الأولی، وفی المناقشة الثانیة تنزّلنا عن ذلک، هنا أیضاً نقول أنّ ما دلّ علی حرمة غیر المُذکّی هو ناظر إلی الحیوان محلل الأکل، یعنی أنّ الحیوان المحلل الأکل إذا زهقت روحه ولم یُذکَ فهو یحرم أکله، فهی ناظرة إلی الحیوان محلل الأکل ولیست شاملة إلی ما کان محرّم الأکل.

وبعبارة أخری: أنّ الذی یُفهم من الأدلّة، الآیة الشریفة(إلاّ ما ذکّیتم)، أو الروایات الخاصّة الواردة فی المقام، الذی یُفهم منها هو أنّ التذکیة شرط فی حلّیة أکل اللّحم المحلل ذاتاً، ولا یحل أکل لحمه بعد زهاق روحه إلاّ بالتذکیة، التذکیة تکون موجبة لحلّیة أکل لحم ما کان حلال الأکل بالذات، فحلال الأکل بالذات إذا لم یُذکَ یحرم أکله، وإذا ذُکّی حلّ أکله، ولیس لها نظر إلی ما هو محرّم بالذات، ولا تقول أنّ المحرّم بالذات إذا لم یُذکَ فهو حرام من جهة عدم التذکیة. فالظاهر هو الاختصاص، وبناءً علی الاختصاص الظاهر أنّه لا مانع من إجراء استصحاب الحرمة فی المقام؛ لأنّه من قبیل استصحاب الکلّی من القسم الثانی. لکن هذا کلّه بناءً علی التنزّل عن الملاحظة الأولی، یعنی بناءً علی تسلیم أنّ هناک حرمة بملاک عدم التذکیة فی حال الحیاة، لکنّک عرفت بأنّ هذا أمر غیر مُسلّم، والأدلّة لا تُساعد علیه؛ لأنّ أدلّة حرمة غیر المذکّی ناظرة إلی الحیوان الذی زهقت روحه، وأنّ هذا إذا ذُکی یحل أکله، وإذا لم یُذکَ یحرم أکله، ولیس لها نظر إلی الحیوان الحی.

ص: 148

إذن: لا یقین بحرمةٍ سابقةٍ فی حال الحیاة حتّی تُستصحب.

هذا تمام الکلام فی الشبهة الحکمیة من النحو الأوّل.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

انتهینا عن فرض الشبهة الحکمیّة من النحو الأوّل: ونؤکد مرةً أخری بأنّ هذا النحو هو أساساً خارج عن محل الکلام؛ لأنّ المفروض فیه إحراز التذکیة، وإحراز قبول الحیوان للتذکیة، وإنّما الشکّ من جهةٍ أخری، وتبیّن أنّ الصحیح فی هذا الفرض إذا کانت الشبهة حکمیّة هو الرجوع إلی أصالة الحل، أو استصحاب الحلّیة الثابتة قبل التشریع، وبالنتیجة یمکن الحکم بحلّیة هذا الحیوان المشکوک فی حلّیّة أکل لحمه، وحرمته بنحو الشبهة الحکمیة فی هذا النحو الأوّل.

وأمّا إذا کانت الشبهة موضوعیة، النحو الأوّل نفسه، نعلم فیه بتذکیة حیوانٍ، وبقبوله للتذکیة، لکننّا لا نعلم أنّ هذا الحیوان هل هو غنم حتّی یترتّب علی تذکیته حلّیة أکل لحمه ؟ أو أنّه من المسوخات، أو السباع حتّی لا یترتّب علی تذکیته حلّیة أکل لحمه بنحو الشبهة الموضوعیّة التی لا یکون الشکّ فیها مرتبطاً بالشارع ؟ وإنّما الشکّ فی أمورٍ خارجیّة وموضوعیّة. فی هذا الفرض یختلف فرض الشبهة الموضوعیة عن فرض الشبهة الحکمیّة فی أنّه فی فرض الشبهة الحکمیّة قلنا لا مانع من الرجوع إلی عامٍّ فوقانی ----- إذا وُجِد ----- یکون دالاً علی حلّیة کل حیوان، إلا ما استُثنی، لا مانع من الرجوع إلی هذا العام فی الشبهة الحکمیة، أمّا فی الشبهة الموضوعیّة فحتّی إذا وجد مثل هذا العام، فمن الواضح أنّه لا یجوز الرجوع إلیه؛ لأنّ التمسّک بالعام حینئذٍ یکون تمسّکاً بالعام فی الشبهة المصداقیّة للمخصصّ؛ لأنّ هذا العام الدال علی حلّیة کل حیوانٍ خرجت منه عناوین معیّنة، ونحن نشکّ فی أنّ هذا الحیوان المشتبه بنحو الشبهة الموضوعیّة هل هو شاة، أو هو من السباع، والسباع خرجت من دلیل(یحلّ أکل کل حیوان)، ونحن نشکّ أنّ هذا من السباع، أو لا ؟ إذن: هی شبهة مصداقیة للمخصصّ للعام، وفی الشبهة المصداقیّة بلا إشکال لا یجوز التمسّک بالعام. اللّهمّ إلاّ أنْ نحرز موضوع العام عن طریق إجراء أصالة عدم المخصص، یعنی أصالة عدم کونه من السباع، هذا الأصل یحرز لنا موضوع الحلّیّة؛ لأنّ موضوع الحلّیّة هو کل حیوان، وبعد التخصیص یکون ماعدا السباع، فیکون هذا هو موضوع الحلّیّة بعد التخصیص، هذا حیوان ونحرز أنّه لیس من السباع بأصالة عدم کونه من السباع، طبعاً هذا الأصل هو من باب استصحاب العدم الأزلی، یعنی من باب استصحاب العدم المحمولی، ولیس من باب استصحاب العدم النعتی، عدم کونه من السباع؛ لأنّ هذا الحیوان منذ وُلِد هو یُشکّ فی کونه من هذا، أو من هذا، ولیست هناک حالة متیقنة سابقة نحرز فیها بأنّ هذا لیس من السباع، فلابدّ من إجراء استصحاب العدم الأزلی، فیتنقّح موضوع الحلّیة، وهذا بحثٌ آخر وعام ویجری فی جمیع موارد التمسّک بالعام فی الشبهة المصداقیة، مثلاً إذا قال(أکرم کل عالم) وخرج منه الفُسّاق منهم، فأصبح موضوع الوجوب هو عبارة عن العالم غیر الفاسق، لا یجوز التمسّک بهذا العام فی مورد الشکّ فی الشبهة المصداقیة، أنّ هذا عالم، لکن نشکّ أنّه عادل، أو فاسق، بلا شکٍّ لا یجوز التمسّک بالعام لإثبات وجوب إکرامه، لکن یمکن إحراز موضوع الوجوب عن طریق إجراء أصالة عدم کونه فاسقاً، ولو بنحو استصحاب العدم الأزلی. هذا کلام آخر، لکن بالنتیجة لا یمکن الرجوع إلی العام الفوقانی ----- لو وُجِد ----- لأنّه تمسّکٌ بالعام فی الشبهة المصداقیة.

ص: 149

وأمّا إذا لم یوجد عام فوقانی من هذا القبیل یدلّ علی الحلّیّة فی الحیوان، أو بالعکس، قد یدلّ علی حرمة کل حیوان إلاّ ما استُثنی، المهم أنّه دلیل اجتهادی یمکن التمسّک بعمومه، أو بإطلاقه، نفترض أنّه غیر موجود؛ حینئذٍ یتعیّن الرجوع إلی الأصول العملیّة، والأصل الذی یُرجَع إلیه هو عبارة عن استصحاب الحل، أو اصالة الحل، لکن استصحاب الحل فی المقام أیضاً یکون بنحو استصحاب العدم الأزلی، ومعنی استصحاب الحل هو أنّ هذا الحیوان کان حلالاً، ما معنی کان حلالاً ؟ نحن لا نحرز أنّ هذا الحیوان بعد تولّده هو حلال، وإنّما من حین تولّده نشکّ فی أنّه من هذا القبیل، أو من هذا القبیل ؟ لا نعلم به، ولیس هناک حالة متیقنة کنّا نحرز أنّ هذا الحیوان کان حلالاً، ثمّ نشکّ بعدها هل هو باقٍ علی حلّیّته، أو ارتفعت حلّیّته حتّی نستصحب عدم الحرمة بنحو العدم النعتی، وإنّما هو کان من البدایة مشکوک، فلابدّ من استصحاب عدم الحرمة، أو نُعبّر عنه باستصحاب الحل بنحو استصحاب العدم الأزلی، یعنی عدم الحرمة الثابتة ولو من باب السالبة بانتفاء الموضوع، هذه قطعاً کانت ثابتة، هذا الحیوان ولو لأجل قبل وجوده کان حلالاً، یعنی لم تثبت له الحرمة ولو باعتبار عدم وجوده، فیمکن فی محل الکلام استصحاب عدم ثبوت الحرمة له ولو باعتبار عدم وجوده، وتثبت بذلک حلّیة هذا الحیوان. إذا عجزنا عن ذلک واستشکلنا فی جریان هذا الاستصحاب، فیمکن الرجوع إلی أصالة الحل؛ إذ لا إشکال فی جریانها فی الشبهات الموضوعیّة، وإنْ کان هناک کلام فی جریانها فی الشبهات الحکمیّة، هناک کلام فی أنّ أصالة الحل هل تجری فی الشبهات الحکمیّة، أو تختصّ بالشبهات الموضوعیّة، لکنّ جریانها فی الشبهات الموضوعیّة التی هی محل الکلام فعلاً هو أمر مسلّم، فیمکن الرجوع إلی أصالة الحل فی هذه الحالة. وهنا أیضاً نقول لا مجال ولا موقع للرجوع إلی استصحاب عدم التذکیة، لما قلناه من أنّه فی هذا النحو بکلا قسمیه لا یوجد هناک شکّ من جهة التذکیة؛ بل حتّی من جهة قبول الحیوان للتذکیة.

ص: 150

إذن: لا معنی لاستصحاب عدم التذکیة، أو استصحاب عدم قابلیة الحیوان للتذکیة؛ لأننّا نقطع بکلٍ منهما ----- بحسب الفرض ----- فیُرجَع إلی أصالة الحلّیّة، أو الاستصحاب الذی ذکرناه.

هناک أمر ینبغی التنبیه علیه، وهو أنّ الکلام فی جریان استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة أیضاً یجری فی المقام، والکلام نفس الکلام السابق، نفس ما ذکرناه فی الشبهة الحکمیّة أیضاً یجری فی الشبهة الموضوعیّة بأنْ نقول أنّ هذا المرددّ بین أنْ یکون من الغنم، أو یکون من السباع، هذا حینما کان حیّاً کان یحرم أکله، والآن کما کان، هذا استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة. نفس الإشکالات المتقدّمة علی جریان هذا الاستصحاب تجری فی محل الکلام، ونفس الکلام السابق یجری فی هذه الحالة، وانتهینا إلی نتیجة أنّ استصحاب الحرمة الثابتة فی حال الحیاة لا یجری، والصحیح هو الرجوع إلی أصالة الحل.

النحو الثانی من أنحاء الشکّ فی الحلّیّة والحرمة: وهو ما إذا کان الشکّ فی حلّیة أکل لحم هذا الحیوان الزاهق الروح، أو حرمة أکل لحمه من جهة الشکّ فی قبوله التذکیة، وعدم قبوله، وبهذا یختلف هذا النحو عن النحو الأوّل، حیث فی النحو الأوّل لم یکن لدینا شکّ من جهة قبول الحیوان للتذکیة، وإنّما شکّ فی أنّه محلل الأکل بالذات، أو محرّم الأکل، بینما الشک هنا هو من جهة أنّ هذا الحیوان یقبل التذکیة، أو لا ؟ من قبیل ما إذا شککنا فی أنّ أسد البحر هل یقبل التذکیة، أو لا یقبلها ؟ هل حکم الشارع علیه بحلّیة أکل لحمه بعد التذکیة ؟ هذا معناه أنّه یقبل التذکیة، أو أنّه لم یحکم علیه بذلک ؟ أو فی مثال آخر کما ذکروا حیواناً تولّد من حیوانین أحدهما کلب والآخر شاة، ولا یلحقهما فی الاسم، فلا یصدق علیه عنوان(کلب)، ولا عنوان(شاة)، وشککنا فی أنّه یقبل التذکیة، أو لا ؟ هنا أیضاً الشبهة تارة تکون حکمیّة، وأخری تکون موضوعیّة. أمّا کونها حکمیّة فکما مثّلنا بأننّا لا نعلم أنّ أسد البحر هل یقبل التذکیة، أو لا ؟ أو هذا الحیوان المتولّد من کلبٍ وشاة، لا نعلم هل حکم الشارع علیه بحلّیة أکل لحمه بعد التذکیة ؟ هذه شبهة حکمیّة، ویُسأل عنها الشارع لأجل حلّها، وأمّا کون الشبهة موضوعیّة، فذلک بأنْ یُشکّ بأنّ هذا الحیوان زاهق الروح الذی نشکّ فی حلّیة أکل لحمه وحرمته هل هو غنم ؟ حتّی یکون قابلاً للتذکیة، ویحل أکل لحمه بعد الذبح، أو هو من السباع ؟ حتّی لا یحل أکله، هذه شبهة موضوعیّة ولیست شبهة حکمیّة، یُشک فی الحلّیة والحرمة من جهة الشکّ فی قبول هذا الحیوان للتذکیة، أو عدمه، لکن بنحو الشبهة الموضوعیّة.

ص: 151

الکلام فعلاً فی الشبهة الحکمیّة، هنا لابدّ من افتراض إحراز التذکیة، یعنی لابدّ من إحراز أنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، وإحراز فری الأوداج مع استقبال القبلة مع التسمیّة وإسلام الذابح، هذه الأمور التی تُعتبر فی التذکیة، هذه الأمور کلّها محرزة، شکّنا لیس من هذه الجهة، أی لیس من جهة أنّ الذابح سمّی أو لم یُسمِّ، ولا من جهة أنّه ذُبح بالحدید، أو لم یُذبح بالحدید، وإنّما من جهة أنّ هذا الحیوان أساساً هل یقبل التذکیة، أو لا یقبل التذکیة ؟ مع إحراز حصول التذکیة علیه، الکلام هنا یقع فی أنّه هل یجری استصحاب عدم التذکیة لإثبات حرمة أکل لحم هذا الحیوان، أو لا یجری هذا الاستصحاب ؟ هنا بالإمکان تصوّر جریان استصحاب عدم التذکیة، باعتبار أنّ الکلام فی قبول الحیوان للتذکیة، أو عدم قبوله، فهل یجری هذا الاستصحاب ؟

قبل الجواب عن هذا السؤال ذکروا أنّه لابدّ من تحدید معنی التذکیة، وما هو المراد بالتذکیة؛ لأنّ تحدید معنی التذکیة یؤثر فی الجواب عن هذا السؤال من حیث أنّه یجری استصحاب عدم التذکیة أو لا یجری. ذکروا احتمالات فی معنی التذکیة، ثمّ دخلوا فی هذا البحث، ونحن نری أنّ المناسب جدّاً أنْ نذکر آراء بعض المحققین فی الجواب عن هذا السؤال، ثمّ منه ننطلق إلی بحث هذه المسألة التی ذکروها.

فی البدایة من المناسب جدّاً أنْ نذکر رأیّ المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فی الجواب عن هذا السؤال، هل یجری استصحاب عدم التذکیة، أو لا ؟ مع افتراض أنّ الشبهة حکمیّة، وأنّ الشکّ هو من جهة قبول التذکیة وعدمه بعد إحراز عملیة التذکیة وما یُعتبر فیها خارجاً. المحقق النائینی(قُدّس سرّه) کما ورد فی تقریرات المحقق الکاظمی(قُدّس سرّه) ذکر بأنّ التذکیة التی تکون موجبة للطهارة ولحلّیة اللّحم یوجد فیها احتمالان: (1)

ص: 152


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 381.

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون عبارة عن أمرٍ بسیط یحصل من المجموع المرکّب من الأمور الخاصّة کفری الأوداج بالحدید مع الاستقبال والتسمیة، مع قابلیة المحل. إذن: هناک أمور خاصّة تتمثّل فی ما یفعله الذابح، ولنفترض أنّ ما یفعله الذابح واجدٌ لکلّ الشرائط، ویُضاف إلیه قابلیة المحل، إذا اجتمعت هذه الأمور، یعنی فعل المُذکّی زائداً قابلیة المحل للتذکیة، یترتّب علیها أمر بسیط وحدانی یُسمّی بالتذکیة، فالتذکیّة هی عبارة عن أمرٍ بسیطٍ یترتّب علی مجموعةٍ من الأمور بما فیها قابلیة المحل للتذکیة، لکن نفس التذکیة هی أمر بسیط مسبَّب عن مجموع فعل الذابح مع قابلیة المحل، کما یقال أنّ الطهارة أمر مسبَّب عن الأفعال الوضوئیّة، هناک أفعال وضوئیة هی الغسلات والمَسَحات یترتّب علیها عنوان بسیط هو عنوان(الطهارة).

الاحتمال الثانی: أنْ یکون المراد بالتذکیة هو نفس الأمور الخاصّة المتقدّمة، ولیس أمراً بسیطاً مسبَّباً عن هذه الأفعال والأمور الخاصّة، وإنّما هو عبارة عن نفس تلک الأمور الخاصّة، فالتذکیة عبارة عن فری الأوداج بالحدید مع الاستقبال والتسمیة، وکون الذابح مسلماً، وقابلیة المحل خارجة عن حقیقة التذکیة، وإنْ کان لها دخل فی تأثیر هذه الأمور فی الطهارة والحلّیة، وقابلیة المحل لیست داخلة فی مفهوم التذکیة، وإنّما هی شرط فی تأثیر هذه الأفعال والأمور الخاصّة فی الحلّیة، وهذه الأفعال لا تؤثر فی الحلّیة إلاّ بشرط أنْ یکون المحل قابلاً.

وبعبارةٍ أخری: أنّ قابلیة المحل تؤخذ فی التذکیة بنحو الشرطیة، فلا تکون داخلة فی حقیقة التذکیة، وإنّما هی شرط فی التذکیة علی غرار الشروط الأخری التی لا تدخل فی حقیقة المشروط، وإنّما هی شرط فی التأثیر. المحقق النائینی(قُدّس سرّه) دخل فی بحثٍ فقهی، وهو أنّه أیّ الاحتمالین هو الأرجح، هو رجّح الاحتمال الثانی، یعنی هو یری أنّ التذکیة هی مجموعة الأفعال التی یمارسها الذابح بما فیها من الشرائط، لا أنّ التذکیة أمر بسیط مسبَّب عن هذه الأفعال. ثمّ قال: فعلی الأوّل ----- أی إذا قلنا أنّها أمر بسیط ----- تجری أصالة عدم التذکیة، باعتبار أنّ الحیوان فی حال الحیاة لم یکن مُذکّی، فیُستصحب هذا العدم، یعنی عدم التذکیة، حیث أنّ له حالة سابقة متیّقنة فی حال الحیاة، قطعاً التذکیة غیر حاصلة، بعد ذلک نشکّ فی أنّه حصلت التذکیة، أو لا، فنستصحب عدم التذکیة إلی زمان خروج وزهاق روحه.

ص: 153

وبعبارةٍ أخری: إنّ هذا الأمر البسیط المتحصّل من هذه الأفعال الخاصّة بشرط قابلیة المحل قطعاً لم یکن موجوداً سابقاً فی حال الحیاة؛ لسببٍ بسیطٍ جدّاً وهو أنّ فی حال الحیاة لیس هناک تذکیة، حیث لا توجد عملیة الذبح وفری الأوداج، وإنّما هو أمر بسیط یحصل نتیجة مجموع هذه الأفعال الخاصّة زائداً قابلیة المحل، قطعاً فی حال الحیاة هذا الأمر البسیط ----- الذی هو التذکیة بناءً علی الاحتمال الأوّل ----- لم یکن حاصلاً؛ لما قلناه من أنّه بحسب الفرض لم تکن هناک تذکیة، یعنی لم تکن هناک عملیة فری الأوداج بشرائط، فقطعاً لم یکن هذا الأمر البسیط حاصلاً فی حال الحیاة، وبعد تذکیته وفری أوداجه الأربعة بالشرائط المعتبرة نشکّ فی أنّ هذا الأمر البسیط یحصل، أو لا ؟ وذلک لأننّا نشکّ فی أنّ هذا الحیوان قابل للتذکیة، أو لا ؟ لأننّا قلنا أنّ القابلیة هی أحد الأمور التی تکون التذکیة مسبّبة عنها، فهی مسبّبة عن مجموعة أمور، مسبّبة عن فری الأوداج الأربعة مع قابلیة المحل، وبعد فری أوداجه وذبحه نشکّ فی حصول التذکیة فی هذا الأمر المسبّب عن مجموعة أمور، وذلک لأننّا نشکّ فی قابلیته للتذکیة وعدمها، فنستصحب عدم حصول هذا الأمر المسبّب؛ لأنّ هذا العدم کان متیقّناً سابقاً، فنستصحبه.

نعم، یقول المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فی مقام التعلیق علی هذا الاستصحاب الذی حکم بجریانه: (1) غایة الأمر أنّ جهة الیقین والشکّ تختلف، جهة الیقین بعدم حصول هذا الأمر البسیط المسبّب، والسبب فی یقینی بعدم حصول هذا الأمر البسیط سابقاً هو عدم فری الأوداج فی حال الحیاة، هذه جهة الیقین سابقاً، جهة الشکّ فعلاً اختلفت وهی لیست نفس الجهة السابقة؛ لأنّه فُریت أوداجه، وذُبح بالحدید، جهة الشکّ لیست من هذه الجهة وإنّما من جهة قابلیة المحل وعدم القابلیة. یقول: أنّ اختلاف جهة الیقین والشکّ لا یؤثر فی جریان الاستصحاب، ما دام وحدة الموضوع متحققّة، کون القضیة المشکوکة هی نفس القضیة المتیقنة، وهذا حاصل فی المقام، اختلاف جهة الشکّ لا یؤثر فی جریان الاستصحاب، فیجری استصحاب عدم التذکیة بهذا المعنی. هذا بناءً علی الاحتمال الأوّل.

ص: 154


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 383.

یقول: وأمّا علی الاحتمال الثانی ----- لا زال الکلام للمحقق النائینی(قُدّس سرّه) وهو أنّ التذکیة هی عبارة عن الأفعال التی یأتی بها والشرائط التی یُعبّر عنها(فعل المکلّف)، هذه الأمور هی عبارة عن التذکیة، وقابلیة المحل شرط فی تأثیرها فی الحلّیة والطهارة ----- لا تجری أصالة عدم التذکیة عند الشک فی قابلیة الحیوان للتذکیة وعدمها؛ لأنّ هذه القابلیة لیس لها حالة سابقة؛ لأنّ هذا الحیوان حینما وجد کان یُشک فی قابلیته للتذکیة وعدمها، ولم تمرّ علیه فترة کنّا نقطع بعدم قابلیته، ثمّ نشکّ فی قابلیته، وعدم قابلیته حتّی نستصحب عدم القابلیة المتیقنة سابقاً، وإنّما هذا الحیوان حینما وجد کان یُشکّ فی أنّه قابل، أو لیس قابلاً، فأسد البحر ----- مثلاً ------ حینما وُلد نحن نشکّ فی أنّه قابل، أو لا، أو هذا المتولّد من کلبٍ وشاة نشکّ من حینما وجد فی أنّه قابل للتذکیة، أو لا، فإذن: لا یجری استصحاب عدم التذکیة، لماذا ؟ (هذه نکتة مهمّة) نحن نجری استصحاب عدم التذکیة من أیّ جهة ؟ التذکیة بمعنی فعل الذابح محرزة ----- بحسب الفرض ----- استصحاب عدم التذکیة من جهة القابلیة وعدم القابلیة، هذه الجهة هی الجهة المشکوکة، فلنترک استصحاب عدم التذکیة، ونتمسّک باستصحاب عدم القابلیة، هذا هو مقصوده، یقول: استصحاب عدم التذکیة من جهة الشکّ فی القابلیة وعدمه الذی هو بمعنی استصحاب عدم القابلیة لا یجری؛ لأنّ عدم القابلیة لیس لها حالة سابقة متیقنة، لیس لدینا حالة سابقة نستطیع أنْ نقول هذا الحیوان لیس قابلاً للتذکیة، والآن نشکّ ونستصحب عدماً متیقّناً سابقاً، فلا یجری استصحاب عدم قابلیة الحیوان للتذکیة.

ص: 155

إذن: المحقق النائینی(قُدّس سرّه) فصّل بحسب ما یُختار فی تفسیر وتحدید معنی التذکیة، إنْ کانت أمراً بسیطاً یجری استصحاب عدم التذکیة، وإلاّ فلا یجری. هذا خلاصة ما قال المحقق النائینی(قُدّس سرّه) .

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام یقع فی النحو الثانی: وهو الشکّ فی الحلّیّة والحرمة من جهة الشکّ فی القابلیة وعدمها، وبنحو الشبهة الحکمیّة، والکلام یقع فی أنّه هل یمکن فی المقام إجراء استصحاب عدم التذکیة، أو لا یمکن ؟ والمقصود باستصحاب عدم التذکیة هو استصحاب عدم القابلیة؛ لأنّها هی الشیء المشکوک، وإلاّ التذکیة کأفعالٍ وشروط المفروض فی المقام تحققّها، بمعنی أنّ الحیوان قد ذُبح، وفُریت أوداجه بالحدید مع التسمیة والبسملة، هذا متیقن ولیس لدینا فیه شکّ، فنجری استصحاب عدم التذکیة بهذا المعنی، وإنّما المقصود باستصحاب عدم التذکیة یعنی التذکیة بالمعنی الشامل لقابلیة المحل التی ترجع بالحقیقة إلی استصحاب عدم القابلیة. هل یجری هذا الاستصحاب، أو لا ؟ نقلنا فی الدرس السابق کلاماً وتفصیلاً للمحقق النائینی(قُدّس سرّه).

نُعلّق علی هذا الکلام، ثمّ ننقل کلاماً آخر لبعض الأعلام، التعلیق قد لا یخرج عن کونه توضیحاً واستفهامات تُطرح فی المقام: بالنسبة إلی ما ذکره بناءً علی الاحتمال الأوّل فی تفسیر التذکیة، وهو أنّ التذکیة أمر بسیط مُسبَّب عن هذه الأفعال الخاصّة مع قابلیة الحیوان للتذکیة، فهی أمر بسیط، الآن نشکّ فی تحقق هذا الأمر البسیط ----- التذکیة ----- المسبّب عن مجموعة أفعالٍ بضمیمة قابلیة الحیوان للتذکیة، نشکّ فی أنّه هل تحققّ عندما فرینا أوداج هذا الحیوان بالشرائط المعتبرة، لکن لا نحرز قابلیته للتذکیة، هل یتحقق هذا الأمر البسیط، أو لا ؟ هنا یقول: لا مانع من استصحاب عدم التذکیة. وبعبارة أخری: عدم تحققّ هذا الأمر البسیط؛ لأنّه لا إشکال فی أنّه فی حال حیاة الحیوان قطعاً لم یکن هذا الأمر البسیط متحقّقاً، یعنی التذکیة بهذا المعنی لم تکن متحققّة قطعاً، ونشکّ فی تحققّها بعد ذلک، فنستصحب المتیّقنَ سابقاً وهو عدمَ تحققّ المعنی البسیط.

ص: 156

السؤال الذی یُطرح هو: أنّه(قُدّس سرّه) لم یُبیّن أنّ استصحاب عدم التذکیة بالمعنی البسیط هل هو بنحو العدم النعتی، أو هو بنحو العدم المحمولی الأزلی ؟ لکن یمکن أنْ یقال: أنّ الجواب عن هذا السؤال یرتبط ببحثٍ، حاصله: أنّ هناک کلاماً فی أنّه ما هو موضوع حرمة أکل اللّحم ؟ هل موضوعها هو عدم التذکیة المضاف إلی الحیوان ؟ أو موضوعها هو عدم التذکیة المضاف إلی زاهق الروح ؟ وهناک فرق بینهما وله ثمرة عملیّة، فعلی الأوّل عندما یکون موضوع الحرمة هو عدم التذکیة المضاف إلی الحیوان؛ حینئذٍ لأجل أنْ لا نقع فی محذورٍ تقدّمت الإشارة إلیه وهو أنّه لم تثبت حرمة الأکل فی حال حیاة الحیوان، وقد تقدّم بحثه، أنّه لا دلیل علی حرمة أکل لحم الحیوان فی حال حیاته، فإذا قلنا أنّ موضوع الحرمة هو عدم التذکیة المضاف إلی ذات الحیوان، فهذا یوجب أنْ نحکم بحرمة الحیوان فی حال حیاته، فلابدّ حینئذٍ أنْ یُضاف جزءاً آخراً للموضوع وهو عبارة عن زهاق الروح، فیکون موضوع الحرمة هو عبارة عن مجموع أمرین، أحدهما: هو زهاق الروح، والآخر: هو عدم التذکیة، وکل منهما یکون مضافاً إلی الحیوان، بمعنی أنّهما أُخذا فی عرضٍ واحدٍ موضوعاً للحرمة، فکأنّه قیل: الحیوان إذا زُهقت روحه ولم یُذکِّ، فهو حرام؛ فحینئذٍ یصبح موضوع عدم التذکیة هو الحیوان، لکن بإضافة جزءٍ آخر أیضاً مضافاً إلی الحیوان وهو زهاق الروح. بناءً علی هذا الاحتمال؛ حینئذٍ لا مانع من استصحاب عدم التذکیة بنحو العدم النعتی، وجریان هذا الاستصحاب فی المقام لا یتوقّف علی القول باستصحاب العدم الأزلی، فحتّی لو لم نقل بجریان العدم الأزلی، مع ذلک فی المقام یصحّ أنْ نقول بجریان استصحاب عدم التذکیة، والسرّ فی ذلک هو أنّ هذا عدمٌ نعتی، ولیس عدماً أزلیاً، ووضوح أنّ هذا الموضوع ------ الحیوان ------ کان موجوداً وکان غیر مُذکّی جزماً، هذا عدم نعتی؛ إذ أننّا افترضنا أنّ موضوع الحرمة هو الحیوان، هذا الموضوع قطعاً کان موجوداً، وقطعاً لم تثبت له التذکیة فی حال حیاته، قبل ذبحه وزهاق روحه لم یُذکَّ قطعاً، فنستصحب هذا العدم الذی هو عدم نعتی؛ لأنّ الموضوع هو الحیوان، والحیوان موجود فی فترةٍ معیّنةٍ ولم تثبت له التذکیة، وهذا متیقّن عندنا، فنستصحب هذا العدم الثابت للموضوع وهو عدم نعتی ولیس عدماً أزلیاً ومحمولیاً، فإذن: بناءً علی هذا الاحتمال یجری الاستصحاب لا بنحو استصحاب العدم الأزلی، وإنمّا بنحو العدم النعتی. وبعبارة أخری: تکون سالبة بانتفاء المحمول، یعنی موضوع ثابت ینتفی عنه المحمول، وهذا هو ملاک العدم النعتی.

ص: 157

وأمّا إذا قلنا بالرأی الثانی، أی قلنا بأنّ موضوع الحرمة هو زاهق الروح، فیکون زهاق الروح مع عدم التذکیة هو موضوع الحرمة، أی عدم التذکیة بما هو مضاف إلی زهاق الروح؛ حینئذٍ لابدّ أنْ یکون عدم التذکیة عدماً أزلیّاً، وعدماً محمولیّاً؛ لأنّ هذا الحیوان منذ زهاق روحه نحن نشکّ فی أنّه مُذکّی، أو غیر مُذکّی، لیس لدینا یقین بأنّ زهاق الروح متحققّ فی هذا الحیوان، ونعلم بعدم کونه مُذکّی حتّی نستصحب هذا العدم بنحو العدم النعتی، وإنّما هذا الحیوان منذ زهاق روحه هو مشکوک من حیث التذکیة وعدمها. نعم، عدم التذکیة ثابت له قبل زهاق الروح، وقبل تحققّ الموضوع، فیکون العدم عدماً أزلیّاً محمولیّاً لا نعتیّاً، یعنی عدم بانتفاء الموضوع وقبل تحققّ الموضوع، فیکون سالبة بانتفاء الموضوع، وهذا هو ملاک العدم الأزلی.

علی کلّ حال: من یبنی علی جریان الاستصحاب فی العدم الأزلی لا مشکلة لدیه فی إجراء الاستصحاب فی محل الکلام؛ لأنّه إنْ کان بالنحو الأوّل، فالاستصحاب یکون بنحو العدم النعتی الذی لا إشکال فی جریانه، وأمّا إنْ کان بالنحو الثانی، فیجری الاستصحاب بنحو العدم الأزلی، فمن یبنی علی جریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّة لا یواجه مشکلة من إجراء استصحاب عدم التذکیة. هذا توضیح لمقطعٍ من کلامه.

الأمر الآخر: بالنسبة إلی الاحتمال الثانی فی معنی التذکیة وهو أنْ یکون المراد بالتذکیة هو مجموعة الأفعال الخاصّة مشروطة بقابلیة المحل، وذکر هو علی أنْ تکون قابلیة المحل لیست دخیلة فی مفهوم التذکیة، وإنّما هی شرط فی تأثیر الأفعال الخاصّة فی حلّیّة اللّحم. فإذن: التذکیة کمفهوم لا یشمل القابلیة، لکنّ القابلیة شرط فیه. بناءً علی هذا الاحتمال قال: أنّ استصحاب عدم التذکیة لا یجری؛ لما ذکره من أنّ هذا الحیوان من أوّل وجوده یُشَکّ فی أنّه له قابلیة للتذکیة، أو لیس له قابلیة ؟ فإذن: لیس هناک حالة نتیقّن فیها بعدم ثبوت التذکیة لهذا الحیوان حتّی نجری استصحاب عدم التذکیة.

ص: 158

حینئذٍ یُطرح سؤال: لماذا لا نجری استصحاب عدم التذکیة بنحو العدم الأزلی ؟ هذا الذی ذکره صحیح بلحاظ العدم النعتی؛ لأنّ هذا الحیوان لم تمر علیه حالة ثبت له فیها عدم التذکیة، وقطعنا بأنّه لم یکن مُذکّی، ثمّ شککنا فی التذکیة، حتّی نستصحب عدم التذکیة المتیقّن بنحو العدم النعتی؛ بل هذا الحیوان من حین وجوده هو نشکّ فی أنّه قابل للتذکیة، أو لیس قابلاً لها، أسد البحر من حین وجوده نشکّ فی أنّه قابل للتذکیة، أو لیس قابلاً لها، والحیوان المتولّد من کلبٍ وشاة هو من حین أصل وجوده نحن نشک فی أنّه قابل للتذکیة، أو لیس قابلاً لها، إذن: متی نحرز عدم التذکیة ؟ هذا إشکال علی جریان استصحاب عدم التذکیة بنحو العدم النعتی؛ حینئذٍ یُطرح هذا السؤال: لماذا لا نجری استصحاب عدم التذکیة بنحو العدم الأزلی ؟ صحیح هذا الحیوان من حین وجوده هو مشکوک التذکیة، ولیس له حالة سابقة نتیقّن فیها بعدم تذکیته، لکن قبل وجود الحیوان یمکن استصحاب عدم التذکیة بنحو العدم الأزلی، ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع الذی هو ملاک العدم الأزلی؛ وحینئذٍ نحکم بجریان استصحاب العدم الأزلی، ویترتّب علیه ما یترتّب علی استصحاب العدم فی الحالة السابقة وعلی الاحتمال الأوّل.

قالوا: بأنّ هذا الکلام صحیح، لکنّ جریان استصحاب العدم الأزلی فی محل الکلام یتوقّف علی إثبات أمرین، نحن نتکلّم بناءً علی أنّ المراد بالتذکیة هو الأفعال الخاصّة، والتذکیة شرط لتأثیر الأفعال الخاصّة فی حلّیّة اللّحم. فی هذه الحالة قال المیرزا(قدّس سرّه): (1) (لا یجری استصحاب عدم التذکیة؛ لأنّه لیست هناک حالة سابقة نتیقن فیها بکون الحیوان غیر مُذکّی). أمّا استصحاب العدم الأزلی، فلم یتعرّض له. هنا طُرح سؤال هو أنّه هل یمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی ؟ أجابوا عنه بأنّه یمکن الالتزام بجریان استصحاب عدم التذکیة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع بشرطین:

ص: 159


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 382.

الشرط الأوّل: أنْ یکون موضوع الحکم، وهو الحرمة، المرکّب من عدم التذکیة وزهاق الروح، أنْ یکون موضوعه هذین الجزئین المأخوذین فی الموضوع بنحو الترکیب، لا بنحو التوصیف، بمعنی أنّ زهاق الروح جزء من الموضوع، والجزء الآخر هو عدم التذکیة. هذا فی قبال أنْ یکون الجزءان مأخوذین فی الموضوع علی نحو التوصیف، بمعنی أنّ الحیوان الزاهق الروح المتّصف بعدم التذکیة، بحیث یکون اتّصاف زاهق الروح بالتذکیة دخیلاً فی الموضوع، لا ذات الجزئین. بناءً علی الأوّل إذا قلنا به؛ حینئذٍ یکون الکلام صحیحاً ویمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی؛ إذ لا مانع أو محذور منه؛ لأنّ موضوع الحرمة هو عبارة عن زهاق الروح زائداً عدم التذکیة، فیمکن أنْ نجری الاستصحاب فی عدم التذکیة بضمّه إلی الوجدان الذی یحرز لنا الجزء الأوّل وهو زهاق الروح، فیتألف موضوع الحکم بالحرمة؛ لأنّ موضوع الحکم بالحرمة هو زهاق الروح المحرز بالوجدان بحسب الفرض، وعدم التذکیة الذی یمکن إحرازه باستصحاب العدم الأزلی، فیتنقّح موضوع الحکم، ویُحکم بحرمة هذا الحیوان. وأمّا إذا کان المعتبر هو التوصیف، أُخذا علی نحو التوصیف فی موضوع الحرمة، بمعنی أنّ موضوع الحرمة هو عبارة عن الحیوان الزاهق الروح المتّصف بعدم التذکیة، قالوا بأنّه هنا لا یمکن إجراء استصحاب العدم الأزلی؛ لأنّ ترتّب اتصاف زاهق الروح بعدم التذکیة علی استصحاب العدم الأزلی مبنی علی القول بالأصل المثبت؛ لأنّک تستصحب عدم التذکیة، اتّصاف زاهق الروح بهذا العدم، هذا إنّما یثبت باللازم، فالاستصحاب لا یثبت هذا الاتّصاف إلاّ بناءً علی القول بحجّیّة الأصل المثبت، بینما علی الأوّل لا یحتاج إلی الاتّصاف، هو فقط یثبت مفاده وهو عدم التذکیة؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع مرکّب من ذات الجزئین، زهاق الروح المحرز بالوجدان، وعدم التذکیة المحرز بالاستصحاب ولا نحتاج إلی أکثر من هذا، لا یتوقّف علی القول بالأصل المثبت، بینما إذا کان الموضوع مأخوذاً بنحو الاتّصاف، فاستصحاب العدم الأزلی لا یمکنه إثبات الاتّصاف، إلاّ إذا قلنا بالأصل المثبت.

ص: 160

الشرط الثانی: یتوقّف علی أنْ نقول ----- کبرویاً ----- بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّة مطلقاً، أو لا أقل نقول بالتفصیل ------ کما اختاره جماعة من المحققّین ------ بین ما إذا کان الوصف الذی نرید استصحاب عدمه بنحو العدم الأزلی من لوازم الذات، من لوازم الماهیّة وثابت فی مرتبة الذات، وبین ما إذا کان الوصف الذی نرید استصحاب عدمه بنحو العدم الأزلی من لوازم الوجود، وثابت فی مرتبة الوجود. مثال الأول: الزوجیّة بالنسبة إلی الأربعة، فأنّها من لوازم الذات، من لوازم الماهیة، التفصیل یقول: إذا کان من لوازم الماهیّة وثابت فی مرتبة الذات، هنا لا یجوز استصحاب العدم الأزلی، وأمّا إذا کان من لوازم الوجود من قبیل القرشیة بالنسبة إلی المرأة، فهنا یجری استصحاب العدم الأزلی، ویُضاف إلی هذا التفصیل فی الصغری، أنّه فی محل الکلام نستصحب عدم التذکیة المقصود به عدم القابلیّة، أنْ نلتزم أنّ القابلیة من لوازم الوجود لا من لوازم الذات، فلکی یجری الاستصحاب فی المقام نحتاج إلی: إمّا أنْ نقول بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیّة مطلقاً، ولا یوجد فرق بین لوازم الوجود وبین لوازم الذات، فیجری. أو نقول بالتفصیل، لکن نلتزم بأنّ القابلیة التی نرید إجراء استصحاب عدمها بنحو العدم الأزلی هی من لوازم الوجود، وفی التفصیل یقول: إذا کان من لوازم الوجود یجری فیها الاستصحاب.

وأمّا إذا قلنا أنّ استصحاب العدم الأزلی أصلاً لا یجری کما هو مختار جماعة، أو قلنا بالتفصیل، لکن أنکرنا أنْ تکون القابلیة من لوازم الوجود، وإنّما من لوازم الماهیّة، فأیضاً لا یجری استصحاب العدم الأزلی. إذن: جریان استصحاب العدم الأزلی فی المقام یتوقّف علی إثبات أمرین، أحدهما: أنْ یکون الجزءان مأخوذان علی نحو الترکیب، لا علی نحو التوصیف، وثانیهما: أنْ نقول باستصحاب فی الأعدام الأزلیّة مطلقاً، أو بالتفصیل، مع الالتزام بأنّ القابلیة هی من لوازم الوجود لا من لوازم الذات؛ وحینئذٍ یتوقّف علی هذین الأمرین، وهذان الأمران محل کلامٍ ومحلّ خلافٍ ولیسا أمرین مسلمین عند الجمیع.

ص: 161

لکن هناک مشکلة فی جریان استصحاب العدم الأزلی فی محل الکلام ولیس مطلقاً، وهذه المشکلة ----- إذا تمّت ----- تمنع من جریان استصحاب العدم الأزلی حتّی إذا قلنا أنّ استصحاب العدم الأزلی یجری ولا مانع منه کبرویاً، أو قلنا بالتفصیل، أو أنکرنا التفصیل، لا علاقة له بالمختار فی مسألة استصحاب العدم الأزلی، حتّی إذا قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً، أو قلنا بالتفصیل وقلنا بأنّ القابلیة من لوازم الوجود، حتّی إذا قلنا بذلک، مع ذلک هناک مشکلة فی خصوص المقام تمنع من جریان الاستصحاب، وهذه المشکلة هی : بالتحلیل فرض المسألة هو الشکّ فی قابلیة الحیوان للتذکیة، وعدم قابلیته للتذکیة بنحو الشبهة الحکمیة، قابلیة الحیوان للتذکیة ماذا تعنی ؟ هی لا تعنی إلاّ أنّ الشارع حکم علی هذا الحیوان بحلّیة لحمه إذا ذُکی، لا أکثر، ونحن ننتزع من هذا الحکم عنوان القابلیة، وعدم القابلیة تعنی أنّ الشارع حکم علی هذا الحیوان بعدم حلّیة لحمه إذا ذُکّی، من هذا نفهم أنّ هذا الحیوان ----- الشاة، البقر، الجمل ----- قابل للتذکیة شرعاً، یعنی إذا ذُکی یحل لحمه، وهذا الحیوان لیس قابلاً للتذکیة، یعنی إذا ذُکّی لا یحل أکل لحمه، فقسّمنا الحیوانات إلی قسمین، قابل للتذکیة، وغیر قابل لتذکیة، هذه مجرّد عناوین لحکم الشارع بحلیة أکل لحم هذا عند ذبحه وفری أوداجه بالشرائط المعتبرة، وعبارة عن حکم الشارع بحرمة اللّحم عند تذکیة هذا، یعنی عندما تُفری أوداجه بالشرائط المعتبرة، هذا هو معنی القابلیة، وعدم القابلیة.

إذن: واقع المطلب أنّ القابلیة وعدم القابلیة ترجعان إلی حکم الشارع، وحکم الشارع لیس عبثیاً؛ بل لابدّ أنْ تکون فی الحیوان الذی حکم الشارع علیه بقابلیة التذکیة وبحلیة لحمه عندما یُذکّی، أنْ تکون فیه خصوصیّة أوجبت ذلک، ومن غیر المعقول أنْ لا نقول بذلک؛ لأننّا إذا لم نقل بذلک، فهذا معناه أنّ فری الأوداج بالشرائط المعتبرة یوجب حلّیّة اللحم، بینما الشارع فرّق فی ذلک بین هذا وبین هذا، فی هذا قال نفس العملیة التی تُجری علی هذا التی توجب حلّیة لحمه، فی هذا قال أنّ هذه العملیة إذا جرت علی هذا لا توجب حلّیة اللّحم، إذن: لماذا اختصّ هذا بهذا الحکم، إذا صارت تذکیته موجبة لحلّیة لحمه، ففیه خصوصیّة تستوجب ذلک، ولنفترض خصوصیة کونه غنماً، هذه خصوصیة موجودة فی هذا الحیوان تقتضی حلّیة لحمه بعد ذبحه، أو خصوصیّة أعمّ من کونه غنماً، ولنفترض أنّ الخصوصیة هی کونه حیواناً أهلیاً لا وحشیّاً، هذه خصوصیّة فی لحم الغنم ویشارکه فیها غیره، هذه أوجبت أنْ یکون ذبحه وفری أوداجه موجباً لحلّیة لحمه. هذه الخصوصیة لیست موجودة فی السباع، وإذا کانت غنماً، لیست موجودة فی غیر الغنم، إذا کانت الخصوصیة هی کونها أهلیة، فهی لیست موجودة فی الوحشیة. هذا معناه فی الحقیقة أنّ شکّنا فی القابلیة وعدم القابلیة یرجع إلی الشکّ فی أنّ هذا الحیوان(أسد البحر)، أو الحیوان المتولّد من کلبٍ وشاة هل توجد فیه الخصوصیّة التی تکون موجبة لحلّیة أکل لحمه عند فری أوداجه، أو لیست فیه هذه الخصوصیة ؟ شکّنا یرجع إلی هذا، هل هذا فیه تلک الخصوصیة، أو لیس فیه تلک الخصوصیة، الشک فی الحقیقة یرجع إلی الشکّ فی وجود الخصوصیة وعدم وجود الخصوصیة، ولا نعلم ما هی الخصوصیّة حتّی تکون الشبهة حکمیة، لا أنْ تکون الخصوصیة موجودة فی هذا، أو لا مع العلم بها، هذه تکون شبهة موضوعیة وسیأتی الکلام عنها. یدور أمر الخصوصیة بین أنْ تکون خصوصیة موجود فی هذا الحیوان الذی نشکّ فیه، أو خصوصیة غیر موجودة فی هذا الحیوان الذی نشکّ فیه. (مثلاً) إذا ذبحنا حماراً، أو خیلاً، وشککنا فی أنّه یقبل التذکیة، أو لا یقبلها، بنحو الشبهة الحکمیة، هذا الشک مرجعه کما قلنا إلی الشک فی أنّ الخصوصیة التی توجب حلّیة اللّحم عند تحققّها موجودة، أو لا ؟ نقول: إنْ کانت الخصوصیة هی کونه غنماً ----- مثلاً ----- أو کونه بقراً، أو کونه جملاً، فهی لیست موجودة فیه حتماً، فأنّ خصوصیته هی کونه خیلاً. نعم، إنْ کانت الخصوصیة التی أوجبت الحکم بحلّیة أکل لحم الغنم عندما یُذبح لیست هی کونه غنماً، وإنّما هی کونه حیواناً أهلیاً، هذه الخصوصیة موجودة فی هذا، فیُحکم بحلّیة أکل لحمه.

ص: 162

إذن: شکّنا فی الحقیقة أنّ الخصوصیة التی أوجبت حلّیة اللّحم فی حیوانات نعلم بأنّها محللّة الأکل، هل هی موجودة هنا، أو لیست موجودة هنا ؟ إنْ کانت الخصوصیة فی مثالنا هی الغنمیة، والبقریة، وأمثال هذه الأمور، فهی لیست موجودة قطعاً، وأمّا إذا کانت أوسع منها، کما لو کانت هی کونها حیواناً أهلیّاً، فهی موجودة قطعاً. إذن: یدور أمر الخصوصیة بین ما یُقطع بوجوده، وبین ما یُقطع بانتفائه، فی مثل هذه الحالة لا یجری الاستصحاب، حتّی لو قلنا بجریان الاستصحاب فی الأعدام الأزلیة، أو قلنا بالتفصیل المتقدّم، لا علاقة له بهذا البحث، هذه الخصوصیة یدور أمرها بین أنْ تکون مقطوعة الثبوت ، وبین أنْ تکون مقطوعة الانتفاء، إنْ کانت غنمیة فهی مقطوعة الانتفاء، وإن کانت هی کونها أهلیّة فهی مقطوعة الثبوت، فکیف نُجری الاستصحاب ؟

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی الشبهة الحکمیّة، وذکرنا آراء المحقق النائینی(قدّس سرّه) وذکرنا بأنّ الصحیح فی الشبهة الحکمیّة هو عدم جریان استصحاب عدم التذکیّة، بقطع النظر عن ما نختاره فی استصحاب العدم الأزلی، فالقضیّة لیست مبنیّة علی القول باستصحاب العدم الأزلی، فحتّی لو قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً وبلا تفصیل، مع ذلک فی خصوص المقام نقول أنّ الاستصحاب لا یجری؛ لما أشرنا إلیه فی الدرس السابق من أنّ الشک فی القابلیة مرجعه فی الحقیقة إلی الشک فی أنّ الخصوصیة الموجودة فی هذا الحیوان المذبوح الذی نشکّ فی قابلیته للتذکیة وعدمها، هل اعتبرها الشارع؟ هل هی خصوصیّة موجبة لحلّیّة اللّحم علی تقدیر التذکیة، أو لا؟

ص: 163

إنْ قلنا أنّ حکم الشارع بالقابلیة، یعنی حکمه بحلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیّة، وأنّ هذا الحکم لا یأتی اعتباطاً، وإنّما ینشأ من وجود خصوصیّة فی الحیوان؛ فلأنّ هذا الحیوان فیه هذه الخصوصیّة، کانت تذکیّته موجبّة لحلّیة لحمه؛ ولأنّ ذاک الحیوان لا توجد فیه هذه الخصوصیّة؛ لذا لم تکن تذکیته موجبة لحلّیة لحمه، فعندما نشک فی حیوان علی نحو الشبهة الحکمیّة، فهذا معناه أنّ الخصوصیّة موجودة فی هذا الحیوان؛ لأنّ الشبهة لیست موضوعیة، وإنّما هی شبهة حکمیّة، أنّ الخصوصیة الموجودة فی هذا الحیوان هل توجب حلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیة، أو لا ؟ حتّی تکون الشبهة حکمیّة، مثلاً الخیل المذبوحة، خصوصیة الخیلیّة متوفّرة فیها، وهی خصوصیة معروفة، وهی أنّه حیوان أهلی، لکننا لا نعلم أنّ الخصوصیة التی توجب حلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیة هی خصوصیة کونه أهلیاً حتّی تکون موجودة فی هذا الحیوان، ویُحکم بحلّیة لحمه، أو أنّ الخصوصیة هی لیست کونه أهلیّاً، وإنّما الخصوصیة هی کونه ----- فرضاً ----- غنماً، أو بقراً، أو کونه من الدواب الثلاثة المعروفة، هذه هی الخصوصیة التی اوجبت حلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیّة، هذه الخصوصیّة لیست موجودة فی هذا الحیوان المشکوک.

إذن: مرجع الشکّ فی القابلیة وعدمها إلی الشکّ فی أنّ الخصوصیّة الموجودة فی الحیوان المذبوح هل هی موجبة لحلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیة، أو لا؟ إذا أرجعنا هذا الشکّ إلی هذا الشکّ؛ حینئذٍ یتبیّن أنه لا یصح إجراء استصحاب عدم الخصوصیّة؛ وذلک لأنّ الخصوصیة مردّدة بین ما هو مقطوع البقاء، وبین ما هو مقطوع الانتفاء، الخصوصیة إنْ کانت خصوصیة غنمیّة وبقریّة وأمثالها، فهی مقطوعة الانتفاء فی الخیل، وإنْ کانت الخصوصیة هی کونه أهلیاً فهی مقطوعة البقاء، فما معنی أنْ نجری الاستصحاب فی الخصوصیة ؟ هل نجری أصالة عدم الخصوصیة الغنمیة ؟ لیس لدینا شکّ فی هذه الخصوصیة حتّی نستصحب عدمها؛ لأننّا نقطع بعدم کونه من الغنم، فلا معنی لاستصحاب عدم هذه الخصوصیة، کما لا معنی لإجراء الاستصحاب بلحاظ خصوصیة الأهلیّة، یعنی استصحاب عدم کونه حیواناً أهلیاً؛ لأننّا نقطع بوجود هذه الخصوصیة، ونقطع بأنّ هذا حیوان أهلی. إذن: واقع الخصوصیة مردّد بین ما یکون معلوم الوجود، وبین ما یکون معلوم الانتفاء، فلا مجال لجریان الاستصحاب فی الخصوصیة.

ص: 164

أمّا العناوین، کعنوان الخصوصیة وغیره، فلیس لها دخل فی الحکم الشرعی، هذه العناوین هی عناوین انتزاعیة لیست دخیلة فی الحکم الشرعی، وإنّما الدخیل فی الحکم الشرعی هو واقع الخصوصیة، وأمّا عنوان الخصوصیة، فلیس له دخل فی الحکم الشرعی، فبلحاظ ما یکون دخیلاً فی الحکم الشرعی لا یجری الاستصحاب، وفی المقام لا یجری استصحاب عدم الخصوصیة الذی یرجع إلیه استصحاب عدم القابلیة. وهذا لا یُفرّق فیه بین أنْ نقول بجریان الاستصحاب فی العدم الأزلی، أو لا نقول بجریانه. هذا ما یرتبط بکلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) مع بعض التعلیقات علیه.

ذکر المحقق العراقی(قدّس سرّه) فی نهایة الأفکار (1) نفس ما ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه) تقریباً، أنّ التذکیّة إنْ کانت أمراً بسیطاً یجری استصحاب عدم التذکیّة، وإنْ کانت أمراً مرکّباً من هذه الأفعال الخاصّة، وکانت القابلیة شرطاً فی تأثیر هذه الأفعال الخاصّة فی حلّیة اللّحم بحیث تکون القابلیة خارجة عن مفهوم التذکیة، وإنّما هی مأخوذة علی نحو الشرطیّة والقیدیّة، هنا أیضاً قال بعدم جریان استصحاب عدم التذکیة کما ذکر المحقق النائینی(قدّس سرّه).

نعم، هو أضاف معنیً ثالثاً فی معنی التذکیة غیر الاحتمالین الذین ذکرهما المحقق النائینی(قدّس سرّه)، وهذا الاحتمال هو نفس الاحتمال الثانی، لکنّه افترض أنّ القابلیة مأخوذة علی نحو الجزئیّة ولیس علی نحو الشرطیّة، فیکون الفرق بین الثانی والثالث هو أنّهما یشترکان فی أنّ التذکیّة أسم لهذه الأفعال الخاصّة من فری الأوداج وغیرها، لکن القابلیة تارة تؤخذ بنحو الشرطیّة فتکون خارجة عن مفهوم التذکیة کما فی الاحتمال الثانی، وتارة تکون جزءاً من مفهوم التذکیة، فتکون داخلة فی مفهوم التذکیة بحیث یکون مفهوم التذکیة عبارة عن مجموع الأفعال زائداً قابلیة الحیوان للتذکیّة. ذکر الاحتمال الثالث، وذکر أنّ حکمه هو نفس حکم الاحتمال الثانی، وهو عدم جریان استصحاب عدم التذکیّة، والتعلیل هو نفس التعلیل السابق، وهو عدم وجود حالة متیقنة کان فیها الحیوان وکنّا نحرز عدم التذکیة؛ لأنّنا أخذنا القابلیة قیداً، أو شرطا،ً حتّی نستصحب عدم القابلیة، لم یمر علی الحیوان زمان نقطع فیه بعدم التذکیّة؛ لأنّ الحیوان حینما وجد هو یُشک فی کونه مذکّی، أو غیر مذکّی، فأیّ عدم نستصحبه ؟ بعد وجود الحیوان لیس لدینا یقین بعدم التذکیة، لأنّ هذا الحیوان حینما وجد هو مشکوک فی کونه مذکّی، أو غیر مذکّی، وفی کونه قابلاً للتذکیة، أو غیر قابلٍ لها، فلیس لدینا یقین بعدم تذکیة هذا الحیوان حتّی نقول أننّا نشکّ الآن، فنستصحب عدم التذکیة، أو عدم القابلیة المتیّقن فی زمان وجود الحیوان، فقال(قدّس سرّه) بأنّ هذا یمنع من جریان الاستصحاب.

ص: 165


1- نهایة الأفکار، تقریر بحث آقا ضیاء للبروجردی، ج 2، ص 256.

الکلام هو الکلاممع إضافة، وهی أنّ الاحتمال الثالث الذی ذکره المحقق العراقی(قدّس سرّه) یبدو أنّه لیس محتملاً حتّی ثبوتاً، فکون القابلیة شرطاً فی التذکیة هو أمر معقول، فتکون خارجة عن مفهوم وحقیقة التذکیة، أمّا أنْ تکون القابلیة جزءاً من مفهوم التذکیة، فهذا لیس مقبولاً؛ لأنّه لا معنی لأنْ یقال أنّ قابلیة التذکیة جزء من مفهوم التذکیة؛ إذ أنّ قابلیة الحیوان للتذکیة هی شیء غیر التذکیة، القابلیة لا تکون جزءاً من مفهوم التذکیة، وإنّما الذی یکون جزءاً من مفهوم التذکیة هو التذکیة بمعنی فری الأوداج وأمثالها من الأمور، أما القابلیة للتذکیة، فهی خارجة عن مفهوم التذکیة ولیست جزءاً منه؛ ولذا الأصح هو أنْ یقال أنّ الاحتمال الثانی هو أنّ القابلیة غیر التذکیة، فتکون شرطاً فیها وهو الاحتمال الثانی المتقدّم، لا أنّ القابلیة جزء من التذکیة؛ لأنّ القابلیة للتذکیة غیر التذکیة، ولا تکون جزءاً من مفهوم التذکیة.

ثمّ المحقق العراقی(قدّس سرّه) اختار الاحتمال الثانی کالمحقق النائینی(قدّس سرّه) الذی قال بأنّه إما أنْ یکون أمراً بسیطاً، أو أمراً مرکباً، واختار أنّه أمر مرکب، وهذا أیضاً بحث فقهی، بحث استنباطی من الأدلّة، أننّا ماذا نفهم منها، هل التذکیة أمر بسیط، أو أنّها أمر مرکب ؟ أی عبارة عن الأفعال الخاصّة، هذا بحث استنباطی فقهی، هو اختار الاحتمال الثانی کالمحققّ النائینی(قدّس سرّه).

والأمر الآخر هو أنّه نصّ علی أنّ استصحاب عدم القابلیة بنحو العدم الأزلی لا یجری، (1) باعتبار أنّ المختار فیه هو التفصیل بین ما إذا کانت الصفة من لوازم الماهیة، وبین ما إذا کانت من لوازم الوجود، وهذا الاستصحاب لا یجری إلاّ إذا کانت الصفة من لوازم الوجود، وهو یری أنّ القابلیة لیست من لوازم الوجود، وإنّما هی من لوازم الماهیّة؛ لذا یقول حتّی لو قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی، فهو لا یجری فی المقام؛ لأننّا لا نقول بجریانه مطلقاً، وإنّما نقول بجریانه حینما تکون الصفة المشکوکة من لوازم الوجود، والقابلیة فی محل الکلام لیست من لوازم الوجود، وإنّما هی من لوازم الماهیّة. هناک کلمات أخری لمحققّین آخرین کالمحققّ الأصفهانی(قدّس سرّه) لا داعی للتعرّض لها، فنکتفی بهذا المقدار فی الشبهة الحکمیّة.

ص: 166


1- نهایة الأفکار، تقریر بحث آقا ضیاء للبروجردی، ج 2، ص 258.

الآن ننتقل إلی الشبهة الموضوعیة: مثال الشبهة الموضوعیّة هو ما إذا علمنا بأنّ الغنم قابل للتذکیة، وأنّ الخنزیر لیس قابلاً للتذکیة، لکننّا لا نعلم أنّ هذا الّلحم الموجود أمامنا، هل هو لحم شاةٍ حتّی تکون قابلیة التذکیة موجودة فیه، أو هو لحم خنزیر ؟ وهذا الشک هو شکّ فی شبهة موضوعیّة، سببّها ---- فرضاً ---- ظلمة الهواء، فلا یعلم بسبب هذه الظلمة بأنّ هذا اللّحم لحم خنزیر، أو لحم شاة ؟ أو أنّ هذا الحیوان قد ذُبح بشکلٍ بحیث تقطّعت أوصاله وأصبح قطعاً صغیرة من اللّحم، فلا یُمیّز بین لحم الخنزیر وبین لحم الشاة، فیُشکّ بأنّ هذا اللّحم المذبوح والمُذکّی هل هو لحم شاة حتّی یکون حلالاً، أو هو لحم خنزیر حتّی لا یکون حلالاً، أو أنّه لحم سباعٍ حتّی لا یکون حلال الأکل؟

مثال آخر لهذه الشبهة الموضوعیّة: وهو ما إذا علمنا أنّ الخصوصیة التی حکم الشارع بأنّ الحیوان الواجد لها یحلّ أکله إذا ذُکّی، علمنا أنّ هذه الخصوصیة هی کونه أهلیّاً، لکننّا نشکّ فی کون هذا اللّحم المُذکّی الموجود فی الخارج لحم حیوان أهلی حتّی تکون الخصوصیة موجودة فیه، وبالتالی یُحکم بحلّیة لحمه، أو هو حیوان وحشی، حتّی لا یکون قابلاً للتذکیّة، وبالتالی لا یحل أکله ؟ هذه هی أیضاً شبهة موضوعیّة؛ إذ لیس لدینا شک من جهة الشارع، فنحن نعلم بأنّ هذه الخصوصیّة توجب حلّیة اللّحم علی تقدیر تذکیته، والوحشیّة لا توجب ذلک، لکنّنا نشکّ فی أنّ هذا اللّحم هل هو لحم حیوان وحشی، أو لحم حیوانٍ أهلی، بنحو الشبهة الموضوعیّة.

ص: 167

الذی یظهر من کلمات المحققّین، خصوصاً المحقق العراقی(قدّس سرّه) أنّ نفس ما تقدّم فی الشبهة الحکمیّة یجری فی المقام، وصرّح(قدّس سرّه) بأنّه لا فرق بین الشبهتین.

لکن یمکن أنْ یقال: أنّ هناک فرقاً بین الشبهة الحکمیّة وبین الشبهة الموضوعیّة، وهذا الفرق یظهر بناءً علی الاحتمال الثالث الذی ذکره المحقق العراقی(قدّس سرّه) ------ إذا تعقّلناه ----- وهو أنْ تکون القابلیة جزءاً من مفهوم التذکیة، لا أنّها مأخوذة علی نحو الشرطیّة؛ بل إنّما تکون مأخوذة علی نحو الجزئیة، فی هذه الحالة، فی الشبهة الموضوعیّة یمکن استصحاب عدم تلک الخصوصیة بنحو العدم الأزلی، بخلاف الشبهة الحکمیّة المتقدّمة، فأنّه هناک کان لا یجری استصحاب عدم الخصوصیة علی ما تقدّم، والفرق یکمن فی أنّه فی الشبهة الموضوعیّة عندما نشکّ فی الخصوصیة یمکن استصحاب عدمها، وذلک لأنّ الشکّ فی وجود الموضوع شکّ فی وجود الخصوصیة، وهذا الوجود مسبوق بالعدم، ولو العدم الأزلی ولیس العدم النعتی، فأننّا لا نحرز العدم النعتی، فلیس لدینا یقین بأنّ هذا الحیوان وجد ولم تکن فیه هذه الخصوصیة، بعد وجود الحیوان لیس لدینا یقین؛ لأنّ الحیوان حینما وجد هو مشکوک من حیث أنّ فیه هذه الخصوصیة، أو لیس فیه هذه الخصوصیة، وهل أنّه قابل للتذکیة، أو لیس قابلاً لها، لکن بنحو العدم الأزلی یمکن استصحابه، بأن نستصحب عدم الخصوصیّة بنحو العدم الأزلی، حیث لا مانع منه فی الشبهة الموضوعیّة؛ لأنّ الشکّ فی وجود الخصوصیة، وهذا الوجود مسبوق بالعدم، ولو بنحو العدم الأزلی، ولو بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، فلا مانع من استصحابه بناءً علی المبانی فی استصحاب العدم الأزلی، فإذا قلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی مطلقاً، فأنّه یجری فی المقام، وإذا قلنا بالتفصیل المتقدّم، فیجری فی المقام إذا کانت الخصوصیة من لوازم الوجود لا من لوازم الماهیّة.

ص: 168

وأمّا فی الشبهة الحکمیة، فلا یجری استصحاب العدم الأزلی، باعتبار أنّ الشکّ فی الشبهة الحکمیّة لیس فی وجود الموضوع، أی لیس فی وجود الخصوصیة، وإنّما الشکّ هو فی موضوعیّة هذا الموجود، الشکّ هو فی أنّ هذا الموجود الذی لا شکّ فیه، هل هو موضوع لحلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیة، أو لیس موضوعاً ؟ فالشک فی المقام هو فی موضوعیة الموجود لا فی وجود الموضوع، ومن هنا لا شکّ فی الشبهة الحکمیّة فی الخصوصیة، حیث فی الشبهة الحکمیّة نعلم بأنّ هذا الحیوان خیل، وأنّه حیوان أهلی، وإنّما الشکّ هو فی أنّ الأهلیة هل ثبت أنّها موضوعاً لحلّیة اللّحم علی تقدیر التذکیة، أو لا ؟ لیس الشکّ فی وجود الخصوصیة حتّی نستصحب عدمها، ولو بنحو العدم الأزلی کما فی الشبهة الموضوعیّة، وإنّما الموضوع محرز، بمعنی أنّ هذه الخصوصیة نعلم بوجودها بلا إشکال، وإنّما نشکّ فی حکمها الشرعی، وهل اعتبرها الشارع خصوصیة موجبة لحلّیة اللّحم، أو لا ؟ فلا مجال لجریان الاستصحاب فی الشبهات الحکمیّة، بینما هناک مجال لإجراء الاستصحاب فی الشبهة الموضوعیّة.

قلنا بأنّ جریان الاستصحاب فی الشبهة الموضوعیّة بنحو العدم الأزلی یبتنی علی أنْ لا تکون الخصوصیة من لوازم الماهیة، فإذا کانت من لوازم الوجود وقلنا بجریان استصحاب العدم الأزلی؛ فحینئذٍ یجری الاستصحاب، وأمّا إذا کانت من لوازم الماهیة، فالقول بجریان الاستصحاب فیها مبنی علی القول بجریان الاستصحاب فی العدم الأزلی مطلقاً.

نکتفی بهذا المقدار من النحو الثانی الذی هو عبارة عن حلّیة اللّحم وعدم حلّیته من جهة الشکّ فی قابلیة التذکیة وعدمها، وهو النحو المهم فی هذا البحث؛ لأنّه فی هذا البحث بحثنا عن استصحاب عدم التذکیة، فأنّه إنّما یُتصوّر جریانه عندما یکون هناک شکّ فی القابلیة، فعندما نشکّ فی قابلیة الحیوان للتذکیة، فهذا الشکّ یکون موجباً للشک فی حلّیة اللّحم وعدم حلّیته؛ وحینئذٍ یقع هذا الکلام. وإلاّ قلنا أنّ النحو الأوّل خارج عن محل الکلام، ولا کلام لنا فیه بالنسبة إلی أصالة عدم التذکیة.

ص: 169

النحو الثالث: هو ما إذا کان الشکّ فی الحلّیّة والحرمة من جهة الشکّ فی طرو المانع، یعنی نحن نعلم بأنّ هذا الحیوان قد ذُکّی، ونعلم بأنّه قابل للتذکیة، إمّا بلحاظ کلا الأثرین، حلّیة اللّحم والطهارة، أو بلحاظ أحدهما، لکن بالنتیجة نعلم بأنّ هذا الحیوان قابل للتذکیة، فلیس لدینا شکّ فی أصل التذکیة، ولا فی قابلیة الحیوان للتذکیة، وإنّما نشک فی أنّه هل حدث مانع یمنع من تأثیر هذه القابلیة فی حلّیة اللّحم ؟ حیث هناک موانع تمنع من تأثیر التذکیة فی حلّیة اللّحم، حتّی فی الحیوان القابل، من قبیل الجلل، فأنّه یمنع من تأثیر الذبح والتذکیة فی حلّیّة اللّحم، فنشکّ فی أنّ هذا الحیوان هل هو من الحیوانات الجلالة، أو لا ؟ هذ أیضاً قد یکون بنحو الشبهة الحکمیّة، وقد یکون الشبهة الموضوعیّة. أمّا بنحو الشبهة الحکمیّة، فهو کما إذا شککنا فی أنّ الجلل مانع، أو لا، مع إحراز الجلل فی هذا الحیوان. وأمّا بنحو الشبهة الموضوعیّة فهو أنْ نشکّ فی تحققّ الجلل، مع العلم بکونه مانعاً

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

کان الکلام فی النحو الثالث من أنحاء الشکّ فی حلّیة الحیوان وحرمته، وهو ما إذا کان الشکّ ناشئاً من الشکّ فی وجود المانع من التذکیة، إمّا بنحو الشبهة الحکمیّة التی کان فیها الکلام، وإمّا بنحو الشبهة الموضوعیّة، وکلامنا فعلاً هو فی الشبهة الحکمیّة، کما إذا شککنا فی أنّ الجلل مانع، أو لیس بمانع، مع فرض إحراز أنّ هذا الحیوان الذی نشکّ فی حلّیته وحرمته هو حیوان جلاّل، لکننّا نشکّ فی أنّ الجلل مانع شرعاً، أو لیس بمانع.

ص: 170

قلنا أخیراً بأنّ الصحیح هو أننّا تارة نفترض وجود دلیل اجتهادی یمکن الرجوع إلیه لنفی اعتبار عدم الجلل فی حلّیة أکل لحم الحیوان، أو لنفی أنّ الشارع اعتبر الجلل مانعاً، فإذا کان هناک إطلاق دلیل یثبت لنا أنّ الجلل لیس مانعاً، وأنّ عدم الجلل لم یؤخذ قیداً ولا جزءاً فی التذکیة والحلّیة؛ حینئذٍ یمکن الرجوع إلی هذا الدلیل لإثبات أنّ الجلل لیس مانعاً؛ وحینئذٍ یُلتزَم بتحقق التذکیة فی الحیوان، وبالتالی یکون مُحلّل الأکل.

وأمّا إذا فرضنا عدم وجود دلیلٍ اجتهادی یمکن أنْ نتمسّک به لنفی اعتبار عدم الجلل، فبقی الشکّ علی حاله، وبقینا نشکّ فی أنّ الجلل هل هو مانع، أو لیس بمانع ؟ فإنْ کان مانعاً، فهذا الحیوان غیر مُذکی، وبالتالی لا یکون حلالاً، وإنْ لم یکن مانعاً، فهذا الحیوان مُذکی، وبالتالی یکون حلالاً؛ حینئذٍ تصل النوبة إلی الأصول العملیة، وفی مقام تحدید ما هو الأصل العملی الذی یجری فی المقام یأتی هذا الکلام الذی أُشیر إلیه سابقاً، وهو أنّ هذا یختلف باختلاف ما نختاره فی تفسیر معنی التذکیة، فتارة نفترض أنّ التذکیة هی عبارة عن مجموعة من الأفعال والشروط الخاصّة، نفس الأفعال، فری الأوداج بالحدید، واستقبال القبلة، والتسمیّة.... وهکذا. وأخری نفترض أنّ التذکیة هی عبارة عن أمرٍ بسیطٍ مُسَببّ عن هذه الأفعال، بمعنی أنّ هذه الأفعال تکون سبباً فی تحققّ هذا المفهوم البسیط المُعبّر عنه بالتذکیة، فبناءً علی الأوّل وأنّ المراد بالتذکیّة هی نفس الأفعال الخاصّة الخارجیّة وما یعتبر فیها؛ حینئذٍ لا مجال لاستصحاب عدم التذکیّة، باعتبار أننّا لا نشکّ فی التذکیة بهذا المعنی؛ لأنّ المفروض أننّا نحرز تحقق کل الأفعال الخاصّة، کما لاشکّ فی الجلل، فأننّا أیضاً نحرز تحقّقه فی الخارج وأنّ هذا الحیوان هو حیوان جلاّل.

ص: 171

إذن: لا معنی لجریان استصحاب عدم التذکیّة بهذا المعنی؛ لعدم الشکّ فی الأعمال والشرائط، فلا یوجد عندنا شکّ فی الأعمال والشرائط حتّی یجری استصحاب عدم التذکیّة؛ بل الأعمال کلّها محرزة، والجلل أیضاً محرز ------ بحسب الفرض ------ فلا مجال فی محل الکلام لاستصحاب عدم التذکیّة بهذا المعنی، بمعنی الأفعال الخاصّة الخارجیّة مع الشرائط المعتبرة.

نعم، یمکن فی المقام الرجوع إلی ما ذکرناه سابقاً وهو استصحاب عدم اعتبار الجلل مانعاً شرعاً، بمعنی استصحاب أنّ الشارع لم یعتبر الجلل مانعاً شرعاً من التذکیّة؛ لأنّ الشکّ هو فی ذلک، فالشکّ لیس فی تحققّ الجلل، المفروض أنّ الشکّ هو فی مانعیة هذا الشیء المتحققّ، هل هو مانع؟ أو لیس بمانع ؟ یعنی هل اعتبره الشارع مانعاً من التذکیة، أو لا ؟ وقلنا أنّه یجری استصحاب عدم المانع، یعنی عدم اعتبار هذا الجلل مانعاً من التذکیة، باعتباره أمراً مشکوکاً مسبوقاً بالعدم، کما هو الحال فی استصحاب عدم الجعل الذی تکلّمنا عنه سابقاً، حیث أنّ استصحاب عدم الجعل لإثبات البراءة کان أحد الطرق لإثبات البراءة، والاستدلال علیها کان هو التمسّک باستصحاب عدم الجعل، بمعنی أننّا حینما نشکّ أنّ الشارع هل جعل هذا الحکم، أو لم یجعله ؟ نستصحب عدم جعل هذا الحکم الثابت قبل الشریعة، وهذا أیضاً جعل واعتبار، ونشکّ فیه، هل اعتبر الشارع الجلل مانعاً من التذکیة أو لا ؟ هذا أمر مسبوق بالعدم، فیمکن إجراء الاستصحاب فیه؛ وحینئذٍ یکون الحکم هو الحلّیة اعتماداً علی هذا الاستصحاب، وهو استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من التذکیة، والمفروض أنّ بقیة الأمور کلّها محرزة، فیُحکم بتذکیة الحیوان، ویُحکم بحلّیته، ولو ناقشنا فی هذا الاستصحاب، ومنعنا من جریانه؛ فحینئذٍ لا مشکلة فی إثبات الحلّیّة؛ لأنّه یمکن حینئذٍ التمسّک بأصالة الإباحة؛ لأنّ هذا حیوان نشکّ فی إباحته وحرمته، وأنّ لحمه هل هو مباح، أو لیس مباحاً ؟ وکل شیءٍ یُشکّ فی حرمته وحلّیته، فالأصل فیه هو الإباحة، فیمکن الرجوع إلی أصالة الإباحة، باعتبار أنّ هذا الحیوان یُشکّ فی حرمة أکل لحمه وإباحته؛ لأنّه إنْ کان الجلل مانعاً، فهو محرّم الأکل، وإلاّ، إذا لم یکن الجلل مانعاً، فلا یکون محرّم الأکل؛ بل یکون محلّل الأکل؛ لأنّه حاله حال سائر الأمور التی یُشکّ فی حرمتها وحلّیتها. هذا کلّه إذا کانت التذکیة عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة الخارجیّة.

ص: 172

وأمّا إذا کانت التذکیة عبارة عن أمر بسیط یترتّب علی هذه الأفعال، فتکون هذه الأفعال سبباً لتحقّقه. فی هذه الحال الظاهر أنّه لا مانع من إجراء استصحاب عدم التذکیّة؛ لأننّا نشکّ فی تحققّ التذکیة بهذا المعنی، بالمعنی السابق لم یکن عندنا شکّ فی تحقق التذکیة؛ لأنّ المعنی السابق کان یقول أنّ التذکیة عبارة عن الأفعال، ولا شکّ فی الأفعال، والشرائط أیضاً لا شکّ فیها، المحرزة والمحتملة، لکن عندما یکون المراد بالتذکیة هو النتیجة، الأمر الذی تکون هذه الأفعال سبباً لتحققّه، نحن بالوجدان نشکّ فی تحققّ هذا الأمر البسیط، ولا ندری أنّ هذا الأمر البسیط متحققّ، أو غیر متحقق ؟ لأنّه إنْ کان الجلل مانعاً، فهذا الأمر البسیط غیر متحققّ، وإنْ لم یکن مانعاً، فالأمر البسیط متحققّ، فعندنا شکّ وجدانی فی تحققّ هذا الأمر البسیط، وإذا شککنا فی تحققّ هذا الأمر البسیط، فالأصل عدمه؛ لأنّه أمر مسبوق بالعدم قطعاً، نشکّ فی تحققّه، فنستصحب العدم المتیقّن سابقاً، وهذا هو معنی استصحاب عدم التذکیّة، لکن استصحاب عدم التذکیّة بناءً علی أنّ المراد بالتذکیة أمر بسیط مسَببّ عن هذه الأفعال، فی قباله یوجد أمران:

الأمر الأوّل: ما ذکرناه من استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من تحقق التذکیّة، باعتبار أنّ الشکّ فی التذکیة مسَببّ عن الشکّ فی اعتبار الشارع الجلل مانعاً، أو عدم اعتباره، لماذا نشکّ فی أنّ هذا الحیوان المذبوح مذکی، أو غیر مذکی ؟ لأننّا نشکّ فی أنّ الجلل مانع، أو لیس بمانع، والأصل الجاری فی الشکّ السببی یکون حاکماً علی الأصل الجاری فی الشکّ المسَببّی، فیکون استصحاب عدم التذکیّة ------ الذی قلنا لا مانع من جریانه أساساً ------ محکوماً باستصحابٍ هو عبارة عن نفس الاستصحاب السابق الذی هو استصحاب عدم کون الجلل مانعاً من التذکیة شرعاً.

ص: 173

الأمر الثانی: یمکن إبراز استصحاب تعلیقی أیضاً یکون مقدماً علی استصحاب عدم التذکیّة علی بعض الآراء، أو یکون معارضاً له، وعلی کلا التقدیرین لا یجری استصحاب عدم التذکیّة، وهذا الاستصحاب التعلیقی یکون باعتبار أنّ هذا الحیوان قبل الجلل تصدق فی حقّه هذه القضیة الشرطیة، وهی أنّ هذا الحیوان لو ذُبح بالشرائط المعروفة لکان مذکی بلا إشکال، فنستصحب هذه القضیة الشرطیة، وهو معنی الاستصحاب التعلیقی، فنقول: هذا الآن کما کان سابقاً، فکما أنّ هذا سابقاً لو ذُبح لکان مذکی، الآن أیضاً کذلک لو ذبح لکان مذکی، ونحن نحرز الذبح بحسب الفرض بالأفعال والشروط المعتبرة، فنقول أنّ هذا یکون مذکی، وهذا الاستصحاب التعلیقی، إمّا أنْ یکون معارضاً لاستصحاب عدم التذکیّة، وإمّا أنْ یکون مقدّماً علی استصحاب عدم التذکیّة بناءً علی أنّ الاستصحاب التعلیقی یکون حاکماً علی الاستصحاب التنجیزی کما هو أحد الآراء فی المسألة والذی اختاره صاحب الکفایة(قدّس سرّه)، والاستصحاب التنجیزی فی محل کلامنا هو استصحاب عدم التذکیّة؛ لأننّا قلنا لا مانع من جریانه، والاستصحاب التعلیقی هو أنّ هذا لو ذُبح قبل الجلل لکان مذکی، وهو الآن کما کان.

إذن: علی کل حال لا یمکن الالتزام بحرمة أکل لحم هذا الحیوان وبعدم کونه مذکّی، فالظاهر أنّه فی الشبهة الحکمیة بالنحو الثالث، علی کلّ التقادیر وعلی کلّ الاحتمالات لابدّ من الالتزام بالتذکیة وبالحلّیة، فیحکم بحلّیة هذا الحیوان، فی النحو الثالث بنحو الشبهة الحکمیة.

وأمّا إذا کانت الشبهة موضوعیة فی النحو الثالث، کما إذا شککنا فی أنّ هذا الحیوان جلاّل، أو لا، مع إحراز أنّ الجلل مانع من التذکیة، ولا شکّ لدینا من ناحیة الحکم الشرعی فی أنّ الجلل مانع، لکن لا نعلم أنّ هذا الحیوان الذی زهقت روحه هل هو جلاّل ؟ حتّی یکون غیر مذکّی ومحرّم الأکل، أو أنّه لیس بجلال ؟ حتّی یکون مذکّی ومحلّل الأکل.

ص: 174

هنا أیضاً نقول: تارة تکون التذکیة هی عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة الخارجیّة، التذکیة مرکّبة من مجموعة هذه الأمور الخارجیة؛ حینئذٍ یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل، وهذا استصحاب لا مانع من جریانه فی المقام؛ لأنّ الجلل حالة مسبوقة بالعدم، فإذا شککنا فی تحققّها، فالأصل عدمها.

وبعبارةٍ أخری: أنّ هذا الحیوان قطعاً مرّ علیه زمان لم یکن جلاّلاً، والآن نشکّ فی أنّه صار جلاّلاً، أو لم یصر جلاّلاً، هل تعنون بعنوان(الجلاّل) أو لا ؟ الأصل هو عدم تحققّ الجلل، فیمکن إجراء استصحاب عدم الجلل، وبضم هذا الاستصحاب إلی ما نحرزه وجداناً ویقیناً من تحققّ الأفعال الخاصة والشروط المعتبرة فی التذکیة؛ حینئذٍ یمکن إثبات التذکیة، وبالتالی إثبات حلّیة اللّحم؛ لأنّ التذکیة بحسب الفرض هی عبارة عن مجموعة الأفعال زائداً عدم الجلل؛ لأنّ المفروض أننّا نعلم بأنّ الجلل مانع.

إذن: التذکیة هی عبارة عن مجموعة الأفعال الخاصّة زائداً عدم الجلل، الأفعال الخاصّة والشروط الأخری غیر عدم الجلل نحرزها بالوجدان، وبحسب الفرض لیس لدینا شکّ فیها، وعدم الجلل المعتبر فی التذکیة بحسب الفرض نحرزه بالاستصحاب، وبذلک نحرز التذکیة بضمّ الوجدان إلی التعبّد(الاستصحاب) فنحرز التذکیة، وبالتالی حلّیة أکل لحم هذا الحیوان، فیجری استصحاب عدم الجلل وبضمّه إلی الوجدان یمکن إحراز التذکیة وبالتالی حلّیة الأکل. هذا إذا کانت التذکیة عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة والشروط المعتبرة فیها.

وأمّا إذا قلنا أنّ التذکیة أمر بسیط مسَببّ عن الأفعال الخاصّة؛ حینئذٍ یمکن إثبات نفس الکلام السابق الذی قلناه فی الاحتمال السابق، لکن فیما إذا فرضنا أنّ هذا الأمر البسیط هو عبارة حکمٍ شرعی، صحیح أنّ التذکیة هی أمر مسَببّ عن الأفعال الخاصّة، لکنّ هذا الأمر البسیط المسَببّ عن الأفعال الخاصّة هو جعل شرعی یتمثّل فی حکم شرعی، الشارع یحکم بالتذکیة عندما تتحققّ الأفعال الخاصّة، التذکیة غیر الأفعال الخاصّة، مترتّب علی الأفعال الخاصّة، لکنه عبارة عن حکم شرعی، وجعل شرعی یُعبّر عنه بالتذکیة. بناءً علی هذا الکلام هو نفس الکلام السابق؛ لأنّ معنی هذا الکلام هو أنّ هناک جعلاً وحکماً شرعیّاً وهو التذکیة، نفترض أنّ التذکیة حکم شرعی، وموضوع هذا الحکم الشرعی الذی یترتّب علیه ترتّب الحکم علی موضوعه هو عبارة عن الأفعال الخاصّة زائداً عدم الجلل الذی هو بمثابة الموضوع للتذکیة التی هی حکم شرعی، والتذکیة تترتّب علی الأفعال الخاصّة زائداً عدم الجلل ترتّب الحکم علی موضوعه؛ حینئذٍ یمکن إحراز هذا الحکم الشرعی بنفس ما قلناه سابقاً، بضمّ الوجدان إلی الاستصحاب؛ لأنّ موضوع هذا الحکم الشرعی هو الأفعال الخاصّة زائداً عدم الجلل، الأفعال والشرائط الخاصّة محرزة بالوجدان، وبحسب الفرض، وعدم الجلل یمکن إحرازه بالاستصحاب، فبضمّ استصحاب عدم الجلل إلی ما نحرزه وجداناً، نحرز موضوع هذا الحکم الخاص وهو التذکیة، فالتذکیة بناءً علی هذا تکون حکماً شرعیاً موضوعه مرکّب من هذین الجزئین، أحد الجزئین نحرزه بالوجدان، والآخر نحرزه بالاستصحاب، فنحرز موضوع الحکم الشرعی، فیترتب الحکم الشرعی علی موضوعه بعد إحرازه، فیجری استصحاب عدم الجلل، ویترتّب علیه بعد ضمّه إلی الوجدان هذا الحکم الشرعی. غایة الأمر أنّ الفرق بینه وبین ما تقدّم هو أنّه فیما تقدّم لم نقل أنّ التذکیة حکم شرعی یترتّب علی الأفعال؛ بل التذکیة هی نفس الأفعال، فیمکن إحرازها بضم الوجدان إلی التعبّد، هنا نقول أنّ التذکیة حکم شرعی موضوعه مرکّب من الأفعال زائداً عدم الجلل، فنستطیع أنْ نحرز موضوع هذا الحکم الشرعی بضمّ الوجدان إلی التعبّد.

ص: 175

وأمّا إذا قلنا أنّ التذکیة أمر بسیط مسَببّ عن الأفعال الخاصّة، لکنها لیست حکماً شرعیاً، وإنّما هی أمر تکوینی واقعی یترتّب علی الأفعال الخاصّة، حالة من الحالات التکوینیة الواقعیة تترتّب علی هذه الأفعال الخاصّة من قبیل ترتّب الموت علی إطلاق النار، فالموت أمر تکوینی واقعی ولیس جعلاً شرعیاً، التذکیة هی من هذا القبیل، أمر تکوینی واقعی یترتّب علی هذه الأفعال الخاصّة، إذا قلنا بذلک؛ حینئذٍ تختلف المسألة، فی هذه الحالة لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل لإثبات الحلّیة کما هو المطلوب فی المقام، لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل إلاّ بناءً علی القول بحجّیة الأصل المثبت، باعتبار أنّ التذکیة لیست من اللّوازم الشرعیة لعدم الجلل حتّی یمکن إثباتها باستصحاب عدم الجلل، وإنّما هی من اللّوازم المترتبة علی عدم الجلل، لازم تکوینی، حیث قلنا أنّها مسَببّ تکوینی لهذه الأفعال الخاصّة بما فیها عدم الجلل. إذن: هی أمر تکوینی یترتّب علی عدم الجلل زائداً الأفعال الخاصّة، فهل یمکن بإجراء استصحاب عدم الجلل أنْ نثبت هذا الأمر التکوینی ثمّ نثبت الأثر الشرعی الذی هو حلّیّة الأکل ؟ فحلّیة الأکل تترتّب علی التذکیة، والتذکیة بحسب الفرض تترتب علی الأفعال الخاصّة زائداً عدم الجلل، باستصحاب عدم الجلل لا یمکن إثبات هذا الأمر التکوینی ثمّ الانتقال إلی الأثر الشرعی؛ لأنّ هذا اصل مثبت، إثبات الحلّیة اعتماداً علی استصحاب عدم الجلل لا یکون تامّاً، إلاّ بناءً علی القول بحجّیة الأصل المثبت، فالاستصحاب لا تثبت به الأمور التی تترتب علیه عقلاً وتکویناً، وإنّما تترتّب علیه خصوص الأمور التی تترتّب علیه شرعاً، یعنی تترتّب علیه آثاره الشرعیة، عدم الجلل إذا کانت له آثار شرعیة تترتّب علی الاستصحاب، ولا یکون الاستصحاب مثبتاً، أمّا آثاره العقلیة والتکوینیة فهی لا تترتّب علی استصحاب عدم الجلل، ومن هنا لا یمکن إجراء استصحاب عدم الجلل لإثبات حلّیة الأکل فی محل الکلام؛ وحینئذٍ الظاهر أنّ الأصل الجاری فی المقام هو استصحاب عدم التذکیة، باعتبار أننّا نشکّ فی تحققّ هذا الأمر التکوینی المسَببّ عن الأفعال الخاصّة، لیس لدینا أصل یحرز لنا تحققّه، فنشکّ فی تحققّه، والأصل عدم تحققّه، وهو عبارة عن استصحاب عدم التذکیّة، والمفروض أنّ الشبهة فی المقام موضوعیّة ولیست حکمیّة حتّی یجری استصحاب عدم جعل الشارع هذا مانعاً، لیس لدینا شکّ فی ذلک، قطعاً الجلل مانع شرعاً، وإنّما الشکّ فی تحققّه خارجاً، فتصل النوبة إلی استصحاب عدم التذکیّة، یعنی عدم الأمر المسَببّ، التذکیّة مسبوقة بالعدم، ونشکّ فی تحققّها والأصل عدم تحققّها.

ص: 176

إذن: لا یجری استصحاب عدم الجلل لغرض إثبات الحلّیة؛ لأنّه أصل مثبت، وتصل النوبة إلی استصحاب عدم التذکیة، باعتبار أنّ التذکیة حینئذٍ تکون أمراً مشکوکاً مسبوقاً بالعدم، فیجری استصحاب عدمها.

هذا تمام الکلام فی النحو الثالث.

درس الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ الاحتیاط/ الاحتیاط الشرعی

الکلام فی النحو الرابع من أنحاء الشکّ: وهو أنْ نفترض أنّ الشک فی حلّیّة الحیوان الزاهق الروح وحرمته ناشئة من الشکّ فی تحقق جمیع ما هو معتبر فی التذکیة، إمّا بنحو الشبهة الحکمیّة، أو بنحو الشبهة الموضوعیة، وکان کلامنا فیما إذا کان هذا الشکّ بنحوالشبهة الحکمیّة، ومثّلنا لذلک بما إذا شککنا فی شرطیة التسمیة فی التذکیة مع إحراز عدم التسمیة علی هذا الحیوان، وإلاّ إذا أحرزنا التسمیة؛ فحینئذٍ لا یوجد شکّ، فعلی تقدیر أنْ تکون التسمیة معتبرة فهی متحققّة، وإنّما یکون الشک فی الحلّیة والحرمة فیما إذا أحرزنا عدم التسمیة، أی أننّا نعلم بأنّ هذا الحیوان المذبوح لم یُسمّ علیه حین ذبحه، وشککنا فی أنّ التسمیة معتبرة أو لا، فإنْ کانت معتبرة، فهذا الحیوان غیر مذکی، ولا یحل أکله، وإنْ کانت غیر معتبرة، فهذا الحیوان حلال الأکل، فتکون هذه الشبهة شبهة حکمیّة.

فی هذه الشبهة الحکمیّة الظاهر أنّه یجری فیها نفس ما تقدّم فی الشبهة الحکمیّة من الشک فی النحو الثالث، وحاصل ما تقدّم أنّه إنْ کان هناک دلیل اجتهادی کالإطلاق وأمثاله یمکن الرجوع إلیه لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره، أخذنا به، ونفینا اعتبار التسمیة فی التذکیة، ویترتّب علی ذلک أنّ هذا الحیوان یکون محلّل الأکل؛ لأنّ الدلیل دلّ علی أنّ التسمیة لیست معتبرة فی التذکیة بحسب الفرض، ولا تصل النوبة إلی الأصول العملیة.

ص: 177

وأمّا إذا لم یکن مثل هذا الدلیل موجوداً؛ حینئذٍ تصل النوبة إلی الأصول العملیة؛ وحینئذٍ نفرّق بین التفسیرین المتقدّمین للتذکیة، فإنْ قلنا بأنّ التذکیة عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة والشرائط الخارجیة؛ حینئذٍ لا مجال لاستصحاب عدم التذکیة، لعدم الشکّ فی شیءٍ من هذه الأفعال والشرائط؛ لأنّ المفروض أننّا نحرز تحققّ جمیع الأفعال، والمفروض أننّا نحرز عدم التسمیة، فلا تجری اصالة عدم التذکیة، فالتذکیة عبارة عن مجموع هذه الأفعال والشرائط، ولا یوجد شکّ فی هذه الأفعال والشرائط؛ بل المفروض أننّا نحرز جمیع الأفعال والشرائط، ونحرز أیضاً ونقطع بعدم التسمیة، فأین یجری الاستصحاب ؟ إذا فسّرنا التذکیة بذلک؛ فحینئذٍ لا مجال لجریان أصالة عدم التذکیة؛ لعدم الشکّ فی الأفعال والشرائط.

نعم، تقدّم أنّه یمکن إجراء استصحاب عدم اعتبار التسمیة فی التذکیة شرعاً؛ لأننّا نشکّ فی أنّ الشارع هل اعتبر التسمیة فی التذکیة، أو لم یعتبر ذلک ؟ هذا اعتبار مشکوک فیه، والأصل عدمه، وإذا جرت أصالة عدم اعتبار التسمیة فی التذکیة؛ حینئذٍ یمکن إثبات الحلّیة اعتماداً علی هذه الأصالة، وقد تقدّم أننّا لو ناقشنا فی هذا الأصل؛ فحینئذٍ یکون المرجع هو أصالة الحلّیة؛ لأنّه حیوان نشکّ فی حرمته وحلیته، ولا یوجد أصل یُنقّح لنا الحرمة، ولا أصل یُنقّح لنا الحلّیة، ولا دلیل اجتهادی بحسب الفرض؛ فحینئذٍ تصل النوبة إلی الأصل العملی الذی هو عبارة عن أصالة الحلّیة، وهی أنّ کلَ شیء تشکّ فی حرمته وحلّیته، فهو لک حلال. هذا إذا کانت التذکیة عبارة عن نفس الأفعال والشرائط.

وأمّا إذا کانت التذکیة أمراً بسیطاً مُسَببّاً عن الأفعال ویحصل بتحققّ هذه الأفعال والشرائط، فی هذه الحالة لا مانع ابتداءً من جریان أصالة عدم التذکیة؛ لأننّا نشکّ واقعاً فی تحققّ هذا الأمر البسیط وعدم تحققّه، علی تقدیر أنْ تکون التسمیة معتبرة، فهذا الأمر البسیط غیر متحققّ، وعلی تقدیر أنْ تکون التسمیة غیر معتبرة، فهذا الأمر البسیط متحققّ، فنشکّ فی تحققّ هذا الأمر البسیط خارجاً، وعدم تحققّه، وحیث أنّه أمر حادث مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب عدمه، فلا مانع من جریان أصالة عدم التذکیة بناءً علی ذلک، لکننّا قلنا سابقاً فی النحو الثالث بأنّ هذا الشکّ فی تحقق التذکیة بهذا المعنی وعدم تحققّها هو مُسببّ عن الشکّ فی اعتبار التسمیة فی التذکیة شرعاً، فعلی تقدیر أنْ تکون التسمیة معتبرة شرعاً، فالتذکیة غیر متحققّة فی الخارج، وعلی تقدیر أنْ لا تکون التسمیة معتبرة فی التذکیة شرعاً، فالتذکیة متحققّة فی الخارج، منشأ الشکّ فی تحقق التذکیة وعدم تحققّها هو الشکّ فی أن التسمیة التی نعلم بعدم تحققّها بحسب الفرض هل هی معتبرة، أو غیر معتبرة ؟ والأصل الجاری فی الشکّ السببی یکون حاکماً ومقدّماً علی الأصل الجاری فی الشکّ المسببّی، وقد قلنا بجریان أصالة عدم اعتبار الشارع التسمیة فی التذکیة شرعاً، وهذا الأصل یکون حاکماً علی أصالة عدم التذکیة علی تقدیر جریانه کما هو الصحیح.

ص: 178

قبل أنْ ننتقل إلی الشبهة الموضوعیة هنا مطلب ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) یرتبط بالرجوع إلی الدلیل الاجتهادی، فقد قلنا أنّه إنْ کان هناک دلیل اجتهادی مثل إطلاق دلیل یمکن التمسّک به لنفی ما یُشکّ فی اعتباره، باعتبار أنّ الشبهة حکمیّة، أخذنا به. السید الخوئی(قدّس سرّه) له تعلیق علی ذلک (1) ، وحاصله:

أنّه یقول ما نصّه:(أنّ دعوی الرجوع إلی إطلاق دلیل التذکیة لنفی اعتبار الأمر المشکوک فیه غیر مسموعة؛ لأنّ التذکیة لیس أمراً عرفیاً حتّی یُنزّل الدلیل علیه، ویُدفع احتمال التقیید بالإطلاق کما کان الأمر کذلک فی مثل قوله تعالی:﴿أحل الله البیع﴾. (2) یقول(قدّس سرّه) البیع أمر عرفی یمکن تنزیل الدلیل علیه، فإذا شککنا فی اعتبار شیءٍ فیه، أو فی تقییده بشیءٍ، یمکن نفی التقیید بإطلاق الدلیل. أمّا التذکیة، فلیست أمراً عرفیاً، وإنّما هی أمر شرعی؛ وحینئذٍ لا یمکن تنزیل الدلیل علیه والتمسّک بالإطلاق لنفی التقیید المحتمل.

اعتُرض علی هذا الکلام: بأنّ التمسّک بالإطلاق لنفی القید لا یتوقّف علی عرفیّة المدلول، بأنْ یکون المدلول أمراً عرفیّاً؛ بل یکفی فی نفی القید بالإطلاق عرفیّة الدلالة، بأنْ تکون الدلالة عرفیة، ولا إشکال فی أنّ الدلالة العرفیة موجودة فی المقام؛ لأنّ السکوت عن القید فی مقام البیان یدلّ عرفاً علی انتفاء التقیید، وانتفاء القید، هذه دلالة عرفیة، ما دام المتکلّم فی مقام البیان، فإذا سکت عن بیان القید، یُفهم منه عرفاً عدم إرادة القید، الدلالة عرفیة، لا نفترض أنّ التذکیة لیست أمراً عرفیاً، المدلول لیس أمراً عرفیاً، لکن نفی القید بالإطلاق لا یتوقف علی ذلک، وإنّما یُشترَط فیه أنْ تکون الدلالة علی الإطلاق وعدم إرادة القید أمراً عرفیاً، وهذا أمر ثابت فی المقام؛ وحینئذٍ لا فرق بین أحلّ الله البیع، وبین التمسّک بدلیل التذکیة لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره کالتسمیّة کما مثّلنا.

ص: 179


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 313.
2- بقره/سوره2، آیه275.

أقول: فی مقام التعلیق علی هذا الکلام، یبدو ----- والله العالم ----- أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یشیر إلی مطلبٍ آخر، وهو أنّ التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ما یُحتمَل اعتباره، نفی القید المحتمل اعتباره، المشکوک الاعتبار إنّما یصح فی ما إذا شککنا فی اعتبار قیدٍ فی الموضوع لا یکون مقوّماً للموضوع، ولا مأخوذاً فی مفهومه؛ بل لا یُحتمل فیه ذلک، یعنی یعتبر فی التمسّک بالإطلاق أنْ لا نحتمل، فضلاً عن أنْ نعلم، بأنّ هذا القید الذی نشکّ فی اعتباره هو مقوّم للموضوع، ومأخوذ فی مفهومه، کما هو الحال فی مثال احتمال تقیید الرقبة بالإیمان فی قوله(اعتق رقبة)، فالإیمان لیس مقوّماً للرقبة؛ بل لا نحتمل أنّ الإیمان مقوّم للرقبة، أو مأخوذ فی مفهومها؛ حینئذٍ یصح التمسّک بالإطلاق لنفی القید؛ لأننّا نحرز انطباق مفهوم الموضوع علی الفرد الفاقد لذلک القید، وإنّما نشکّ فی اعتبار قیدٍ زائدٍ علی المفهوم، هل اعتبر فی الرقبة التی یجب عتقها أنْ تکون مؤمنة ؟ هذا القید علی تقدیر اعتباره هو قید زائد علی المفهوم، والمفهوم یصدق من دونه، ویُحرز صدقه علی الفرد الفاقد من دونه، وإنّما یُشکّ فی أنّ الشارع هل اعتبر قید الإیمان فی هذا المفهوم، أو لم یعتبر ذلک ؟ حینئذٍ من الواضح أنّه یجوز فیه التمسّک بالإطلاق ونفی اعتبار ذلک القید المشکوک الاعتبار. وأمّا إذا کان القید الذی نشکّ فی اعتباره دخیلاً فی المفهوم، ومأخوذاً فی مفهوم الموضوع، أو احتملنا أنّ القید الذی نشکّ فی اعتباره مأخوذ فی مفهوم الموضوع بحیث أنّ المفهوم علی تقدیر اعتباره لا یصدق علی الفرد الفاقد لذلک القید، فی هذه الحالة لا یکون التمسّک بالإطلاق جائزاً؛ لأنّ مثل هذا الشکّ مرجعه فی الحقیقة إلی صدق الموضوع؛ لأننّا نشکّ فی أنّ الموضوع متحققّ، أو غیر متحققّ؛ لأنّ القید نشکّ فی اعتباره، لکن المفروض أنّه دخیل فی مفهوم الموضوع، أو یُحتمل أنّه دخیل فی مفهوم الموضوع، فأننا لا نحرز انطباق الموضوع علی الفرد الفاقد للقید حتّی نتمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار القید الزائد، وإنّما مرجع هذا فی الحقیقة إلی الشکّ فی تحققّ الموضوع، أنّ الموضوع أساساً ینطبق علی هذا الفرد الفاقد، أو لا ؟ وفی مثله من الواضح أنّه لا یجوز التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه فی الفرد الفاقد، مع أنّ المفروض أننّا لا نحرز انطباق الموضوع علی ذلک الفرد الفاقد.

ص: 180

هذا المطلب مطلب کلّی، کأنّه ----- والله العالم ----- أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یرید أنْ یُطبّق هذا فی محل الکلام، فیقول أنّ الموضوع إنْ کان أمراً عرفیاً من قبیل(أحلّ الله البیع) وکان القید المشکوک اعتباره لیس مقوّماً لهذا الموضوع العرفی، ولا مأخوذاً فی مفهومه؛ حینئذٍ یمکن التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ذلک القید، کالإیمان بالنسبة إلی الرقبة. وأمّا إذا کان مقوّماً للموضوع، أو یُحتمل فیه ذلک، هنا لا یجوز التمسّک بالإطلاق، وکون الموضوع لیس عرفیّاً کما ادّعاه فی التذکیة حیث قال أنّ التذکیة لیست أمراً عرفیاً، وإنّما هو من المخترعات من قِبل الشارع، أمر تأسیسی ولیس عرفیاً، إذا کان الموضوع لیس عرفیاً، وإنّما کان تأسیسیاً، أو اختراعیاً من قِبل الشارع؛ حینئذٍ یکون حاله حال القید الذی نشکّ فی اعتباره مع احتمال کونه مأخوذاً فی مفهوم الموضوع؛ لأنّ الأمر الاختراعی هو عبارة عن الشیء الذی اخترعه الشارع، فإذا شککنا فی أنّ التسمیة هل هی معتبرة فی هذا الأمر الاختراعی، أو لا ؟ فأننّا لا نحرز انطباق هذا الأمر الاختراعی علی هذا الفرد الفاقد للتسمیة؛ لأنّ التسمیة علی تقدیر اعتبارها تکون دخیلة فی الموضوع الاختراعی التأسیسی الذی جعله الشارع، بمعنی أنّ هذا المفهوم الاختراعی التأسیسی لا یصدق من دون التسمیة علی تقدیر اعتبار التسمیة، ولا نحرز صدقه علی الفرد الفاقد للتسمیة علی تقدیر اعتبارها، فیکون الشکّ حینئذٍ شکّاً فی صدق الموضوع المخترع التأسیسی، ومعه لا یصح التمسّک بالإطلاق لنفی اعتبار ما یُشکّ فی اعتباره، کأنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) یُشیر إلی ذلک، فیقول بأنّ التذکیة لیست کالبیع، فالبیع أمر عرفی، والعرف یفهم ما هو المراد من البیع؛ حینئذٍ ما یشکّ فی اعتباره، إنْ کان یُحتمل، فضلاً عن ما إذا عُلم دخالته فی هذا الموضوع؛ فحینئذٍ لا یجوز التمسّک بالإطلاق. أمّا إذا أحرز الإنسان باعتباره هو العرف، بأنّ هذا القید المشکوک الاعتبار لیس دخیلاً فی مفهوم الرقبة کما هو واضح؛ فحینئذٍ یمکن التمسّک بالإطلاق، وإلاّ إذا احتمل دخالته لا یجوز التمسّک بالإطلاق؛ لأنّ هذا تمسّک بالدلیل فی الشبهة المصداقیة للدلیل، یعنی تمسّک بالدلیل مع عدم إحراز موضوعه الذی یُراد إثبات الحکم فیه تمسّکاً بذلک الدلیل، ومن الواضح أنّ التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه هو فرع إحراز انطباق موضوعه علی ذلک الفرد، إذا کان الموضوع اختراعیاً ولیس عرفیاً کالتذکیة لا یجوز التمسّک بالدلیل؛ لأنّ أی شیء نشکّ فی اعتباره شرعاً یعنی نشکّ فی دخالته فی ذلک الموضوع المخترع، ولا نحرز انطباق ذلک الموضوع علی الفرد الفاقد لذلک الشیء الذی یُشکّ فی اعتباره.

ص: 181

هذا ما أراد السید الخوئی(قدّس سرّه) أنْ یقوله، وهذا الکلام له وجه، ولا علاقة له بعرفیّة الدلالة وعرفیة المدلول، هو یقول أنّ المدلول لابدّ أنْ یکون عرفیّاً بهذا المعنی فی مقابل الموضوع الاختراعی الذی یخترعه الشارع ویؤسّسه کما هو الحال فی التذکیة.

نعم، یمکن أنْ یُلاحظ علی ما ذکرهالسید الخوئی(قدّس سرّه) شیء آخر وهو أنْ یقال أنّ هذا الذی ذکره إنّما یتم فیما لو کان المدّعی هو التمسّک بالإطلاق اللّفظی لدلیل التذکیة فی محل الکلام؛ حینئذٍ یکون لهذا الکلام وجه، فیقال بأنّ التذکیة لیست أمراً عرفیاً، وإّنما هی أمر اختراعی، فأیّ شیء یُشکّ فی أخذه فی التذکیة شرعاً یمنع من التمسّک بالإطلاق. وأمّا إذا کان المقصود بالإطلاق الذی یمکن الرجوع إلیه هو الإطلاق المقامی ولیس الإطلاق اللفظی، بأنْ فرضنا أنّ الشارع هو فی مقام بیان التذکیة المخترعة التأسیسیة، لکن هو فی مقام بیان ما هی التذکیة التی یخترعها، وما هی الأمور المعتبرة فی هذا المفهوم المُخترع، إذا فرضنا أنّه فی هذا المقام وسکت، ذکر الاستقبال وفری الأوداج، وذکر أنّ الذبح بالحدید وسکت عن التسمیة، هنا یمکن التمسّک بالإطلاق المقامی لنفی اعتبار التسمیة، هذا الإطلاق المقامی غیر الإطلاق اللّفظی، ذاک الکلام یأتی فی الإطلاق اللّفظی؛ لأنّ هناک نتمسّک بالدلیل الذی یثبت الحکم لموضوعه، هنا عندما نرید أنْ نتمسّک بهذا الدلیل لإثبات الحکم فی فردٍ لابد أنْ نحرز انطباق الموضوع علی ذلک الفرد حتّی یمکن التمسّک بالدلیل لإثبات حکمه فیه، وهذا غیر متحققّ فیما إذا کان الموضوع مفهوماً اختراعیاً تأسیسیاً، أمّا عندما یکون المقصود بالإطلاق هو الإطلاق المقامی، فهذا حتّی فی المفاهیم المخترَعة التأسیسیة مع افتراض أنّ الشارع فی مقام بیان ذلک الأمر التأسیسی، وما هو المعتبر فیه، فإذا ذکر جملة من الأشیاء وسکت عن التسمیة، فهذا الإطلاق لا مانع من التمسّک به حتّی إذا کان الموضوع أمراً تأسیسیاً. هذا کلّه إذا کانت الشبهة حکمیّة بالنحو الرابغ.

ص: 182

وأمّا إذا کانت الشبهة موضوعیّة کما إذا شُکّ فی تحققّ التسمیة مع العلم باعتبارها شرعاً، بمعنی أننّا نعلم أنّ التسمیة معتبرة، لکننّا لا ندری أنّ هذا اللّحم الموجود هل هو لحم حیوانٍ سُمّی علیه عند ذبحه، أو لمْ یُسمّ علیه عند ذبحه ؟ فإذا سُمّی علیه، فهو حلال، وإنْ لم یُسمّ علیه، فهو محرّم، فنشکّ فی حلّیته وحرمته بنحو الشبهة الموضوعیة، فإنْ کانت التذکیة عبارة عن مجموعة الأفعال الخاصّة والشرائط الخاصّة؛ فحینئذٍ یمکن إجراء استصحاب عدم التسمیة؛ لأننّا نشکّ فی أنّ التسمیة متحققّة، أو غیر متحقّقة، التسمیة أمر حادث مسبوق بالعدم، والأصل عدمه، وینتج حرمة أکل لحم هذا الحیوان.

وأمّا إذا کانت التذکیة عبارة عن أمرٍ بسیط مُسببّ عن هذه الأفعال الخاصة؛ حینئذٍ یمکن استصحاب عدم التذکیة؛ لأنّ التذکیة أمر بسیط یحصل نتیجة الإتیان بهذه الأفعال الخاصّة بالشرائط الخاصّة، ونحن نشکّ فی تحققّ التذکیة وحصول هذا الأمر البسیط وهو کما قلنا أمر حادث بسیط مسبوق بالعدم، فیجری استصحاب عدم التذکیة، والنتیجة واحدة.

هذا تمام الکلام فی أصل التنبیه الأوّل، کلامنا واضح فی تنبیهات البراءة، حیث عقدوا باباً مستقلاًّ سمّوه بتنبیهات البراءة وکان التنبیه الأوّل هو أنّ البراءة عندما تصل النوبة إلیها عندما لا یکون هناک أصل موضوعی یکون حاکماً علیها، ومثّلوا للأصل الموضوعی بأصالة عدم التذکیة مانعاً من التمسّک بالإباحة والبراءة، ودخلوا فی بحث استصحاب عدم التذکیة. وفرغنا من أصل التنبیه الأوّل، ویبقی الکلام فی بعض الأمور التی ترتبط بذلک، وغالب هذه الأمور بسطوا الکلام فیه، لکنّها أبحاث فقهیّة إثباتیة تعتمد علی استنباط أمور معیّنة من الروایات، هذا بحث فقهی، لکنّنا ننبّه علی هذه الأمور بالنسبة إلی ما یرتبط بالبحث الأصولی ولا ندخل فی البحث الفقهی؛ لأنّه له مجال آخر.

ص: 183

الأمر الأوّل: نبحث فی الأمر الأوّل عن ما یترتّب علی استصحاب عدم التذکیّة فی موارد جریانه، فقد تبیّن من البحث السابق أنّ استصحاب عدم التذکیة یجری فی بعض الحالات ولا یجری فی حالات أخری، فی موارد جریان استصحاب عدم التذکیة ماذا یترتّب علیه ؟ قالوا بأنّه لا إشکال فی ترتّب حرمة الأکل علی استصحاب عدم التذکیة ؛ لأنّ حرمة الأکل مترتّبة فی لسان الأدلّة علی عدم التذکیة.

وبعبارة أخری: أنّ موضوع حرمة الأکل هو عدم التذکیة، ولو باعتبار قوله تعالی:﴿ حُرّت علیکم المیتة والدم ولحم الخنزیر وما أهل لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّیة والنطیحة وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾ (1) یُفهم من ذلک أنّ موضوع هذه الحرمة هو عدم التذکیّة، فإذا أحرزنا الموضوع باستصحاب عدم التذکیة یترتّب الحکم علی ذلک، وهو حرمة الأکل، وإنّما یقع الکلام فی النجاسة، أنّ النجاسة هل تترتّب أیضاً علی استصحاب عدم التذکیة، أو أنّها لا تترتّب علی استصحاب عدم التذکیة.

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الأوّل بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الأوّل

کان الکلام فی ما یترتّب علی استصحاب عدم التذکیّة فی موارد جریانه، ذکروا، ومنهم السیّد الخوئی(قدّ سرّه) أنّه لا إشکال فی ترتّب حرمة الأکل علی استصحاب عدم التذکیة، باعتبار أنّ حرمة الأکل مترتّبة فی لسان دلیلها علی عدم التذکیة، فیکون موضوع حرمة الأکل هو غیر المذکّی، فإذا ثبت هذا الموضوع باستصحاب عدم التذکیة یترتّب علیه الحکم بلا إشکال، واستُفید ذلک من قوله تعالی:﴿ حُرّمت علیکم المِیْتة والدمَ ولحمَ الخنزیر وما أُهلّ لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّیة والنطیحة وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾. (2) فی مقام الاستثناء من حرمة الأکل، ویُفهم أنّ التذکیة هی موضوع الحلّیّة وأنّ عدمها هو موضوع الحرمة، فیکون موضوع الحرمة هو عدم التذکیة، فتثبت باستصحاب عدم التذکیّة.

ص: 184


1- مائده/سوره5، آیه3.
2- مائده/سوره5، آیه3.

وأمّا النجاسة، فإن کان موضوعها هو نفس موضوع حرمة الأکل، إذا ادُّعی بأنّ النجاسة أیضاً موضوعها هو غیر المذکی، وفی الأدلّة ثبتت حرمة الأکل لغیر المذکّی، وثبتت له فی الأدلّة أیضاً النجاسة، کما ادُّعی ذلک، حیث حُکی عن المحققّ الهمدانی(قدّس سرّه) أنّه یری أنّ موضوع النجاسة هو غیر المذکّی، (1) بناءً علی هذا أیضاً لا مشکلة؛ إذ یمکن إثبات النجاسة أیضاً باستصحاب عدم التذکیة، باعتبار أنّ موضوع النجاسة هو غیر المذکّی، ویثبت باستصحاب عدم التذکیّة، فباستصحاب عدم التذکیة تترتّب حرمة الأکل والنجاسة.

وأمّا إذا قلنا، کما هو الرأی المعروف والمشهور أنّ موضوع النجاسة لیس هو عدم التذکیة وغیر المذکی، وإنّما موضوع النجاسة هو المیتة، وفُسرّت المیتة بأنّها عبارة عن ما زهقت روحه من دون سببٍ محللٍ شرعی، فتشمل ما مات حتف أنفه، وتشمل ما مات بالضرب، أو بالشق، وتشمل ما ذُبح مع اختلال بعض الشرائط المعتبرة فی التذکیة، کلّ هذا یُعتبر میتة؛ لأنّ المیتة بناءً علی هذا التفسیر هی عبارة عن کلّ ما زهقت روحه من دون سببٍ شرعی محللٍ، وفی کلّ هذه الحالات لا یوجد سبب محللّ، والتذکیة بالمعنی الشرعی غیر متحققّة، فتکون میتة، هذا هو المراد بالمیتة، إذا کان موضوع النجاسة هو المیتة، وفُسّرت المیتة بذلک، أی بالمعنی العام الذی لا یختصّ بما مات حتف أنّفه؛ بل یشمل کل ما مات من غیر سبب محللّ، بناء علی ذلک؛ حینئذٍ لا یمکن إثبات النجاسة باستصحاب عدم التذکیة، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت، باعتبار أنّ المیتة بهذا المعنی المتقدّم هی أمر وجودی(ما مات بدون سببٍ شرعی محلل) ملازم لعدم التذکیة، ولا یمکن إثبات هذا الأمر الوجودی باستصحاب عدم التذکیة، وإنْ کان بینهما ملازمة، لکن لمّا کان موضوع النجاسة هو الأمر الوجودی، فاستصحاب عدم التذکیة لا یثبت به هذا الأمر الوجودی؛ لأنّ ما یثبت باستصحاب عدم التذکیة هو عدم التذکیة، ولازم عدم التذکیة هو کونه میتة، والأثر مترتّب علی هذا اللّازم الذی هو أمر وجودی، وهو کونه میتة، وهذا لا یثبت باستصحاب عدم التذکیة، إلاّ بناء علی القول بالأصل المثبت؛ بل قد یقال فی هذه الحالة ------ بناءً علی هذا الذی ذکرناه ------ بجریان أصالة عدم کونه میتة، ویکون هذا الأصل معارضاً لأصالة عدم التذکیة؛ لأنّ کلاً منهما أمر وجودی مسبوق بالعدم، فالتذکیة أمر وجودی مسبوق بالعدم، وکونه میتة هو أیضاً أمر وجودی مسبوق بالعدم، فکما یجری استصحاب عدم کونه مذکّی یجری أیضاً استصحاب عدم کونه میتة، وهذان أصلان متنافیان ومتعارضان، فیتساقطان، فإذا تساقطا؛ فحینئذٍ یمکن الرجوع إلی أصالة الطهارة عندما نشکّ فی طهارة هذا الحیوان ونجاسته، وبذلک نفکّک بین حرمة الأکل وبین النجاسة، فنلتزم بحرمة أکل لحم هذا الحیوان اعتماداً علی أصالة عدم التذکیة؛ لأنّ موضوع الحرمة هو عدم التذکیة، وهو یثبت بهذا الاستصحاب، ولا نلتزم بالنجاسة؛ بل نلتزم بالطهارة اعتماداً علی قاعدة الطهارة، باعتبار أنّ أصالة عدم التذکیة وأصالة عدم کونه میتة تتعارضان وتتساقطان، فلا یوجد عندنا ما یثبت النجاسة، أو ینفی الطهارة؛ لأنّ استصحاب عدم کونه میتة وإنْ کان ینفی النجاسة کما قلنا؛ لأنّ موضوع النجاسة هو کونه میتة، واستصحاب عدم کونه میتة ینفی النجاسة، لکنّ المفروض أنّ استصحاب عدم کونه میتة سقط بالمعارضة مع استصحاب عدم التذکیة؛ لأنّهما أصلان متنافیان، تعارضا فتساقطا، فبقینا نحن وهذا المشکوک الذی نشکّ فی أنّه طاهر، أو نجس، فنرجع إلی قاعدة الطهارة لإثبات طهارته.

ص: 185


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 314.

السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) (4)ذکر فی هذا المقام بأنّه لا داعی لإیقاع التعارض بین هذین الأصلین والتنافی؛ بل من الممکن الالتزام بجریانهما معاً، فتجری أصالة عدم التذکیة وتجری أصالة عدم کونه میتة، کلّ منهما یجری؛ لأنّ کلاً منهما حادث مسبوق بالعدم، فیجریان معاً ولا مانع من ذلک، ونلتزم بمقتضی کلٍ منهما، فأصالة عدم التذکیة یترتّب علیها حرمة الأکل، وأصالة عدم کونه میتة یترتّب علیها الطهارة، أو قل بعبارة أخری: یترتّب علیها نفی النجاسة؛ لأنّ موضوع النجاسة هو المیتة، وأصالة عدم کونه میتة ینفی النجاسة بنفی موضوعها، فنلتزم بأنّ هذا یحرم أکله، لکنّه فی نفس الوقت هو لیس نجساً، أو نقول أنّه طاهر، فنلتزم بالطهارة وحرمة الأکل. ویقول: لا مانع من الالتزام بذلک وإجراء الاستصحابین؛ إذ لا یلزم من ذلک إلاّ التفکیک بین أمرین بینهما تلازم واقعی، یعنی نفکک بین حرمة الأکل والنجاسة، والحال أنّ حرمة الأکل والنجاسة أمران متلازمان فی الواقع، بلحاظ الواقع هذا الحیوان المشکوک إنْ کان مذکّی، فهو حلال الأکل وطاهر، وإنْ لم یکن مذکّی، فهو حرام الأکل ونجس، أمّا أنْ نلتزم بحرمة أکله وبطهارته، فهذا تفکیک بین أمرین بینهما تلازم فی الواقع. یقول: لا مشکلة فی ذلک؛ لأنّ هذا التفکیک تفکیکاً ظاهریّاً وبحسب الأدلّة الظاهریة، وبحسب الأصول العملیة، هذا التفکیک الظاهری بین أمرین بینهما تلازم واقعی لا محذور فیه ولا مانع منه، فبحسب الظاهر أننّا نلتزم بذلک للأدلّة التی دلّت علی أنّ هذا حرام الأکل وفی نفس الوقت هو طاهر، أو لیس نجساً، وقد ثبت هذا فی جملة من الموارد، ومثّل لذلک بما إذا توضأ بمایع مرددّ بین کونه ماءً، أو بولاً، هنا یُحکم علیه بالطهارة من الخبث، ولکن یُحکم علیه ببقاء الحدث اعتماداً علی الاستصحاب الجاری فی کلٍ منهما، فبلحاظ بدنه کان البدن قبل أنْ یتوضأ بهذا المایع طاهراً، وبعد أنْ توضأ بهذا المایع المرددّ بین البول والماء یشکّ فی أنْ بدنه هل تنجّس بنجاسة خبثیة، أو لا ؟ فیستصحب بقاء الطهارة من الخبث بالنسبة إلی بدنه، فیحکم بأنّ بدنه طاهر، لکن بالنسبة إلی الحدث کانت حالته السابقة هی أنّه محدث فکان یرید أنْ یتوضأ بهذا المایع، فیشکّ فی أنّ حدثه ارتفع، أو لا ؟ فیستصحب بقاء الحدث، فیُلتزَم بأنّ البدن طاهر، ویُلتزَم ببقاء الحدث مع أنّ هذین الأمرین بینهما تلازم واقعی، فبلحاظ الواقع هو إنْ توضأ بالماء، فبدنه طاهر وحدثه مرتفع، وإنْ توضأ بالبول، فحدثه باقٍ وبدنه نجس، وأمّا أنْ یُلتزم بطهارة البدن وبقاء الحدث، فهذا تفکیک بین أمرین لا یمکن التفکیک بینهما واقعاً. یقول: لا محذور فی أنْ نفکک بینهما بحسب الظاهر باعتبار جریان الأدلّة والأصول العملیة.

ص: 186


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السیّد الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 314.

هناک تعلیقان علی هذا الکلام:

التعلیق الأوّل: مسألة تفسیر المیتة بما تقدّم من زهاق الروح الغیر المستند إلی سبب شرعی بحیث أنّ عنوان(المیتة) لا یختصّ بما مات حتف أنفه، وإنّما یعمّ حتی ما ذُبح ولکن مع اختلال بعض الشرائط، وما مات بشقّ بطنه، أو بإلقائه من شاهق وأمثال هذه الأمور. الظاهر أنّ هذا التفسیر لیس هو باعتبار أنّ عنوان(المیتة) ظاهر فی ذلک، فالظاهر أنّ عنوان(المیتة) لیس له ظهور فی ذلک، وإنّما الظاهر منه أنّه ما مات حتف أنفه کما یشهد لذلک عطف المتردیّة والنطیحة والموقوذة علی المیتة فی الآیة الشریفة:﴿ حُرّمت علیکم المِیْتة والدمَ ولحمَ الخنزیر وما أُهلّ لغیر الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردّیة والنطیحة وما أکل السبع إلاّ ما ذکّیتم ﴾. (1) هذا العطف لا وجه له إذا کان المراد بالمیتة هذا المعنی العام؛ لأنّ هذا المعنی العام یشمل المتردیّة والنطیحة والموقوذة، النطیحة یعنی ما ماتت بالنطح، والمتردّیة ما ماتت بالتردّی، المیتة بناءً علی هذا المعنی، یعنی کل ما مات بلا سبب شرعی محلل، وإنّما تکون هذه فی قبال المیتة إذا أردنا بالمیتة ما مات حتف أنّفه، وبالمتردّیة ما مات بالتردی، وبالنطیحة ما مات بالنطح.....وهکذا، وهذا یشهد لأنّ المراد بالمیتة هو ما مات حتف أنفه، والذی دعاهم إلی القول بأنّ المراد بالمیتة هو هذا المعنی العام، فی أدلّة النجاسة، باعتبار أنّهم ذکروا أنّ موضوع دلیل النجاسة هو المیتة، وفسّروا المیتة بهذا المعنی العام، الذی دعاهم إلی ذلک هو عدم إمکان الالتزام باختصاص النجاسة بخصوص ما مات حتف أنفه؛ إذ لا إشکال فقهیاً فی أنّ النجاسة لا تختصّ بخصوص ذلک، وإنّما هی کما تشمل ما مات حتف أنفه کذلک تشمل المتردیة والنطیحة وکل ما مات بغیر سببٍ شرعی، وکل ما مات بغیر تذکیة فهو نجس، فتفسیر المیتة بهذا المعنی العام إنّما هو بهذا الاعتبار لا علی أساس أنّه هو المعنی اللّغوی للمیتة، وإلاّ فالمعنی اللّغوی للمیتة کما قلنا بشهادة الآیة الشریفة لیس هو هذا، وإنّما هو عبارة عن ما مات حتف أنفه.

ص: 187


1- مائده/سوره5، آیه3.

التعلیق الثانی: أنّ مسألة کون موضوع حرمة الأکل هو غیر المُذکّی، الظاهر أنّه أمر لیس مسلّماً عند الجمیع، فهناک من یری أنّ حرمة الأکل کما رُت-ّبت فی بعض الأدلّة علی غیر المذکّی، رُتّبت أیضاً فی بعض الأدلّة الأخری علی عنوان(المیتة)، ولا نرید أنْ ندخل فی البحث الفقهی ونستعرض الروایات، هناک روایات التزم بعضهم بأنّ حرمة الأکل کما هی مرتّبة علی غیر المذکّی هی مرتّبة أیضاً علی عنوان(المیتة) بمعنی أنّ موضوع حرمة الأکل هو المیتة، وموضوع حلّیة الأکل هو المذکّی، ولیس موضوع حرمة الأکل نقیض المذکّی(عدم التذکیة)، أو(غیر المذکّی)، وإنّما موضوعها هو عنوان وجودی وهو عبارة عن المیتة.

إذن: لیس مُسلّماً أنّ موضوع حرمة الأکل هو غیر المذکّی حتّی نقول لا إشکال فی أنّ الحرمة تثبت باستصحاب عدم التذکیة، وإلاّ بناءً علی أنّ موضوعها المیتة فأننّا سوف نواجه نفس المشکلة التی واجهناها فی النجاسة بناءً علی أنّ موضوعها هو المیتة؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیة یعجز عن إثبات الحرمة والنجاسة إذا کان موضوعهما المیتة، إلاّ بناءً علی القول بالأصل المثبت. ومن هنا قیل بوقوع التعارض بین استصحاب عدم التذکیة وبین استصحاب عدم کونه میتة؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیة ینفی الحلّیة، واستصحاب عدم کونه میتة ینفی الحرمة؛ لأنّ موضوع الحرمة بحسب هذا الفرض، والاحتمال الأخیر هو المیتة، فاستصحاب عدم کونه میتة ینفی الحرمة، موضوع الحلّیة هو المُذکّی، فاستصحاب عدم کونه مذکّی ینفی الحلّیة، وهذان استصحابا متعارضان؛ لأنّ أحدهما ینفی الحرمة، والآخر ینفی الحلّیة، فیقع التعارض بینهما، فقد یقال بتساقطهما والرجوع إلی أصالة الحلّیة، وأصالة البراءة. هذا التعارض بهذا النحو کلّه مبنی علی أنْ یکون موضوع حرمة الأکل هو المیتة، وموضوع حلّیة الأکل هو المذکّی، فیجری استصحاب عدم التذکیة، واستصحاب عدم کونه میتة، ویقع بینهما التعارض فیتساقطان، فیُرجع إلی أصالة الحلّیة.

ص: 188

وقد یُستدل علی ذلک بالآیة الشریفة، ویقال بأنّ ظاهر الآیة الشریفة أنّ المیتة هی موضوع لحرمة الأکل کما هو الحال بالنسبة إلی الدم ولحم الخنزیر، وقلنا بأنّ المراد بالآیة بحسب الظاهر هو ما مات حتف أنفه، حرّمت علیکم المیتة والدم، فالدم هو نفسه موضوع لحرمة الأکل، ولحم الخنزیر أیضاً موضوع لحرمة الأکل، والمیتة هی أیضاً موضوع لحرمة الأکل، فیکون ظاهر الآیة هو أنّ موضوع حرمة الأکل هو المیتة.

إذن: لیس من الأمور المسلّمة أنّ کلّ الأدلّة التی ذُکرَت فیها الحرمة رُتبت فیها الحرمة علی غیر المذکّی؛ بل هناک من الأدلّة ما رُتّبت فیه الحرمة علی عنوان(المیتة).

وأمّا قوله تعالی فی ذیل الآیة:﴿إلاّ ما ذکّیتم﴾ یمکن أنْ یقال بأنّ هذا لیس استثناءً من المیتة، ولا من الدم، ولا من لحم الخنزیر، وإنّما هو استثناء ممّا أکل السبع، ویمکن أنْ یقال بأنّه یرجع إلی المتردّیة والنطیحة أیضاً، بمعنی المتردّیة یحرم أکلها إلاّ ما ذکّیتم، وما أکل السبع یحرم أکله إلاّ ما ذکّیتم، أمّا أنّ المیتة یحرم أکلها إلاّ ما ذکّیتم، فهذا لا وجه له، کما لا وجه إلی الرجوع إلی الدم وإلی لحم الخنزیر، فهو استثناء یرتبط بالأمور الأخیرة، وعلی کلّ حال یمکن أنْ یُدّعی بأنّ حرمة الأکل فی بعض الأدلّة رُتّبت علی عنوان(المیتة) کما رُتّبت فی أدلّةٍ أخری علی عنوان(غیر المذکّی).

لکن یمکن أنْ یقال فی قبال ذلک: أنّ الآیة الشریفة وإنْ جُعل عنوان(المیتة) فیها موضوعاً للحرمة، لکن یبدو أنّ ذلک باعتبار کونه مصداقاً لعنوان(غیر المذکّی)، یعنی أنّ موضوع الحرمة هو غیر المذکّی، والمیتة ذُکرت فی الآیة، أو فی أدلّة أخری إنّما هو باعتبار أنّ المیتة هی مصداق لغیر المذکّی بقرینة ذیل الآیة الذی یقول(إلاّ ما ذکّیتم) والذی فُهم منه أنّ موضوع الحرمة هو غیر المذکی، وأنّ موضوع الحلّیة هو المذکّی، فیقول یحرم علیکم ما أکل السبع ----- مثلاً ----- إلاّ ما ذکیتم، أخرج المذکّی وحکم علیه بالحلّیة، فیبقی غیر المذکّی وهو موضوع الحرمة الذی هو غیر ما خرج بالاستثناء، فالذی فُهم من الاستثناء فی ذیل الآیة هو أنّ موضوع الحرمة هو غیر المذکّی، ونحن نعلم من الخارج أنّ الحرمة حرمة واحدة، ولیس لدینا حرمتان، موضوع أحداهما هو غیر المذکّی، وموضوع الأخری هو المیتة بمعنی ما مات حتف أنفه کما فی الآیة، هذه الحرمة إمّا أنْ یکون موضوعها غیر المذکّی الذی هو أعمّ من المیتة، وأمّا أنْ یکون موضوعها المیتة، وإلاّ لا توجد عندنا حرمتان، وفی حالة من هذا القبیل، مقتضی الجمع بین الدلیلین، ومقتضی الأخذ بکلا الدلیلین هو الالتزام بأنّ موضوع الحرمة هو العنوان الأعمّ، والالتزام بأنّ العنوان الأخص إنّما ذُکر موضوعاً للحرمة باعتباره مصداقاً للموضوع الأعم؛ لأنّه بهذا یتحقق العمل بکلا الدلیلین، وأمّا إذا لم نلتزم بذلک؛ فحینئذٍ قد یلزم من ذلک طرح وإلغاء أحد الدلیلین إذا قلنا أنّ الموضوع هو المیتة، یعنی ما مات حتف أنفه، مقتضی الجمع بین الدلیلین هو أنّ یُحمل الأوّل ------ ذکر العنوان الخاص ------ علی أنّه مصداق للعنوان العام، وأنّ الاعتبار بالعنوان العام، ولا محذور فی أنْ یفرض مصداقاً للعنوان العام ویجعله موضوعاً للحرمة، فلا محذور فی ذلک کما لو فرضنا أنّ وجوب الإکرام رُتّب فی دلیلٍ علی الفقیه(أکرم الفقیه)، وفی دلیل آخر رُتّب علی مطلق العالم(أکرم العالم) فی حالةٍ من هذا القبیل واضح أنّ مقتضی الجمع بینهما هو حمل الفقیه علی أنّه ذُکر باعتباره مصداقاً لمطلق العالم، ولا خصوصیّة له فی قبال سائر أفراد العالم، وإنّما باعتباره مصداقاً للعالم؛ لأنّه بذلک یمکن الجمع بین الدلیلین، والأخذ بکلیهما، بینما إذا قلنا بأنّ موضوع الحکم هو خصوص الفقیه یلزم إلغاء الدلیل الآخر، وهذا بلا وجه، الجمع العرفی بینهما یقتضی الالتزام بأنّ موضوع الحکم هو الأعم، ففی محل الکلام یُلتزم بأنّ موضوع الحکم هو غیر المذکّی، والمیتة وإنْ ذُکرت فی الآیة، أو حتّی فی الروایات الأخری، لکن الظاهر أنّها ذُکرت باعتبار أنّها مصداق لغیر المذکّی، فیکون موضوع الحکم بالحرمة هو عبارة عن غیر المذکّی. هذا کلّه إذا أرید بالمیتة الواردة فی الآیة کما هو الظاهر، أو الواردة فی الروایات کما أشار إلیه القائل الذی یقول بأنّه ورد فی بعض الروایات أنّ الحکم بالحرمة مرتّب علی عنوان(المیتة) إذا أرید بالمیتة ما مات حتف أنفه، فیرد فیه الکلام السابق.

ص: 189

وأمّا إذا کان المراد بالمیتة المعنی العام کما فُسّرت به، یعنی ما مات بلا سببٍ شرعی محلّل الذی هو أعمّ ممّا مات حتف أنّفه، إذا کان هذا المراد؛ فحینئذٍ هکذا یکون الحال: فی بعض الأدلّة الحرمة مرتّبة علی غیر المذکّی، وفی بعض الأدلّة الحرمة مرتّبة علی عنوان( المیتة) والمراد بالمیتة المعنی العام، هنا لا یرِد فیه الکلام السابق؛ لأنّ المیتة بهذا المعنی هی مساویة لغیر المُذکّی، ولیست أخص منه؛ لأنّ المراد بالسبب الشرعی الذی أُخذ عدمه فی معنی المیتة هو التذکیة، والمیتة ه ما مات بلا سببٍ شرعی، یعنی بلا تذکیة، فإذن: بحسب الروح معناهما واحد، غیر المذکّی والمیتة بهذا المعنی الواسع، لا یکون هذا أخص من هذا، وإنّما هو مساوی له.

نعم هذا الفرق یؤثّر فی مقام الإثبات وکیفیّة التعامل مع الأدلّة، یؤثّر فی أنّه إذا کان موضوع حرمة الأکل هو غیر المذکّی، فهذا عنوان عدمی یمکن إثباته باستصحاب عدم التذکیة، ولا یکون بلحاظه أصلاً مثبتاً؛ لأننّا نثبت نفس العنوان، أی عنوان(غیر المذکّی)، فیترتّب علیه الحکم بالحرمة؛ لأنّ موضوع الحرمة هو غیر المذکّی، فلا یکون الأصل الجاری ----- اصالة عدم التذکیة ----- لإثبات حرمة الأکل بناءً علی أنّ الموضوع یکون هو غیر المذکّی لا یکون مثبتاً، بینما إذا کان الموضوع هو المیتة، ولو بالعنوان العام وهو عنوان وجودی، یکون استصحاب عدم التذکیة لإثبات الحرمة یکون بلحاظه أصلاً مثبتاً؛ لأنّ استصحاب عدم التذکیة یعجز عن إثبات الحرمة، إلاّ باعتبار التلازم الموجود بین عدم التذکیة وبین عنوان المیتة، والمفروض أنّ موضوع الحرمة هو عنوان(المیتة).

ص: 190

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی الأمر الثانی: وهو تحدید معنی التذکیة، وذکرنا رأیین فی معناها والکلام الذی یدور حول ذلک. هناک رأی ثالث تبنّاه جماعة من المتأخّرین، وهو أنّ التذکیة عبارة عن النقاء والطهارة لا أنّها شیء تثبت له الطهارة، واستُشهد علی ذلک :

أولاً: أنّ ادّعائنا هذا هو المفهوم عرفاً من معنی التذکیة والذُکاة، فالمفهوم عرفاً منها هو الطهارة والنقاء والطیب.

ثانیاً: استعمال الذُکاة والتذکیة فی عدید من الأخبار ولا یُحتمل أنْ یُراد بها الذبح ونفس الأعمال الخارجیة ممّا یدل علی أنّ التذکیة لیست مرادفة للعملیة وللذبح، حیث استُعملت فی موارد لا یُحتمل أنْ یُراد بها ذلک، مثلاً: ورد فی مقام بیان عدم الانفعال بملاقاة الیابس فی بعض الروایات أنّ الیابس ذکی، (1) من الواضح هنا أنّه لا یُعقل إرادة الذبح وما یشبه هذا المعنی، وإنّما المراد بالذکی هو الطاهر والنقی والملائم للطبع وأمثال هذه العبارات، وکذا ورد فی بعض الجلود أنّ الجلد الذکی یجوز الصلاة فیه، (2) وعُبّر هنا عن الجلد بأنّه ذکی، ومن الواضح أنّ الذکاة فی هذا النص جُعلت صفة للجلد، وهذا لا معنی لأنْ یکون المراد به الذبح إلاّ بالتأویل بأنْ یکون المقصود هو جلد حیوان ذکی، فلا معنی لأنْ یقال عن نفس الجلد بأنّه ذکی بمعنی الذبح، إلاّ بالتأویل، وهو خلاف الظاهر، ومنه یظهر أنّ إطلاق الذکی علی الجلد إنّما هو بمعنی الطهارة والنقاء وأمثال هذه العبائر، وکذا ورد فی ما لا تحلّه الحیاة من المیتة کالصوف والبیض من أنّه ذکی، (3) هذا کلّه وارد فی روایات ثابتة، وهنا الذکاة بمعنی الذبح لا معنی لها حتّی بالتأویل الذی ذُکر فی النصّ السابق، وذلک لأنّ نفس الحیوان لیس بذکی؛ لأنّ المفروض أنّه میتة، الروایة تتحدّث عن ما لا تحلّه الحیاة من المیتة، فحتّی التأویل السابق فی نسبة الذکی إلی الصوف لا یتأتّی فی هذه الحالة، ولا نستطیع أنْ نقول صوف حیوان ذکی کما قلنا فی السابق؛ لأنّ المفروض أنّه صوف میتة، فإذن: لا یمکن أنْ یُراد بالذکی فی المقام ما یساوق الذبح، وکذا ورد فی الجنین من أنّ ذکاته ذکاة أمّه، (4) فأیضاً أطلق الذکی علی الجنین، فیُفهم من ذلک أنّ التذکیة تُطلق علی ما یساوق الطهارة والنقاء. هذا من جهة.

ص: 191


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 1، ص 351، باب 31 من أبواب أحکام الخلوة، ح 5.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 4، ص 347، باب 2 من أبواب لباس المصلّی، ح 8.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 180، باب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، ح 3، و4، و5.
4- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 33، باب 18 من أبواب الذبائح، ح 2،و3، و6، و7، و8، و11، و12.

ومن جهةٍ أخری: أننّا وجدنا أنّ الذکاة أطلقت فی بعض الأخبار علی نفس العملیة، ونفس الأفعال الخارجیّة، فقیل التسمیة ذُکاة، والتسمیة فعل خارجی، وقیل إخراج السمک من الماء ذُکاة. (1) من هذا وهذا یُعرّف أنّ ذلک العنوان البسیط الذی هو عبارة عن الطهارة والنقاء هو عنوان ینطبق علی نفس العملیة، وإنّما قیل أنّ هذه الأعمال ذُکاة باعتبار أنّ هذا العنوان ینطبق علیها، فکون إخراج السمک من الماء حیّاً تذکیة لا یعنی أنّ التذکیة هی عبارة عن هذه الأفعال، وإنّما یعنی أنّ التذکیة بما لها من المعنی البسیط الذی هو النقاء والطهارة ینطبق علی هذه الأفعال.

النتیجة: أنّ التذکیة هی عبارة عن أمر بسیط، لیس هو عبارة عن الأفعال، ولا هو أمر مسبّب عن الأفعال کما فی الرأیین المتقدّمین، وإنّما هو أمر بسیط یساوق الطهارة والنقاء والملائمة للطبع، وأمثال هذه العبارات، ینطبق علی الأفعال وعلی عملیة الذبح بالشرائط، فهذا هو المراد بالتذکیة.

لکن الذی یُبعّد هذا الاحتمال أمران:

الأمر الأوّل: أنّ المُلاحظ أنّه لم تستعمل التذکیة بمعنی الطهارة وبمعنی الطیب فی غیر الحیوان وما یتبع الحیوان، إلاّ نادراً، وباقی تلک الموارد قابلة للتأویل، لو کان معنی التذکیة والذُکاة هو الطهارة والطیب؛ فحینئذٍ لا داعی لعدم استعمالها فی غیر الحیوان وتوابع الحیوان کالصوف والبیض والشعر کما تقدّم، استعمال التذکیة بمعنی الطهارة فی غیر الحیوان وتوابعه معدوم أو نادر، وهذا یُبعّد هذا الاحتمال، إذا کان معناها الطیب، فلماذا لا یقال أنّ الماء ذکی ؟ بل لا یصحّ هذا التعبیر، علی الأقل هو غیر متعارف وغیر مستعمل، ولا یقال أنّ الثوب ذکی، وأنّ الید ذکیة، فعدم استعمال الذُکاة والتذکیة بمعنی الطهارة والطیب فی غیر الحیوان وتوابعه یشکّل قرینة معاکسة علی أنّه لا یُراد بالتذکیة فی موارد الحیوان وتوابعه ذاک المعنی؛ بل لابدّ أنْ یُراد بها معنیً آخر، وإلاّ لو کان هذا هو معناها لوصل إلینا هذا الاستعمال، ولکان استعمالاً صحیحاً ومُتعارفاً.

ص: 192


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 75، باب 31 من أبواب الذبائح، ح 8.

الأمر الثانی: ما ذکره من أنّ التذکیة أطلقت فی بعض الأخبار علی نفس العملیة، کما ذکر إخراج السمک من الماء ذُکاة، وفی بعض الروایات(التسمیة ذُکاة)، وفی بعض الروایات(صیده ذُکاته)، وفی بعض الروایات(قتله ذُکاة) إطلاق الذُکاة والتذکیة علی نفس العملیة ولا داعی للتأویل، وافتراض أنّ التذکیة بمعنی الطهارة، وأنّ الطهارة تنطبق علی هذه العملیة هو خلاف الظاهر، فالظهور الأوّلی عندما یقول أنّ التسمیة ذُکاة، فالظاهر هو أنّ التذکیة هی نفس هذه العملیة، أو علی الأقل أنّ هذه العملیة هی سبب للتذکیة، فیثبت أحد القولین السابقین من أنّ التذکیة هی إمّا نفس الأعمال الخارجیة، وإمّا هی أمر مُسببّ عن الأعمال الخارجیة، وإنْ کان الأظهر بلحاظ الروایات التی تستعمل هذه المادّة أنّها عبارة عن نفس العملیّة، ویؤیّد ذلک:

أولاً: تفسیر اللّغویین للتذکیة بالذبح، وهذا لا ینافی أنّ التذکیة قد لا تتمثّل بخصوص الذبح، فقد تکون بأرسال الکلب المُعلّم للصید، فهو أیضاً تذکیة، وقد تکون بإطلاق السهم أو الحیوان، هذه أیضاً تذکیة، لکن بالنتیجة التذکیة عمل یصدر من المکلّف فی الخارج یترتب علیه الحکم بحلّیة الحیوان، أو طهارته، وهذا لا یخرج عن کون التذکیة هی عبارة عن نفس العمل. اللّغویّون فسّروه بخصوص الذبح، لعلّهم ناظرین إلی التذکیة بالمعنی اللّغوی الأصلی، لکن هذا لا یمنع من أنْ یکون المقصود بالتذکیة الأعمّ من هذا ولا یختصّ بالذبح.

وبعبارةٍ أخری: أنّ التذکیة عبارة عن الأعمال التی تترتّب علیها شرعاً الحلّیة والطهارة، وهذا یناسب المعنی اللّغوی.

ثانیاً: الروایات الظاهرة فی أنّ التذکیة هی عبارة عن نفس العملیة، الذبح وغیره، هناک روایات عدیدة یُستفاد من مجموعها أنّ التذکیة هی عبارة عن نفس العملیة لا أنّها عنوان بمعنی الطهارة ینطبق علی نفس العملیة؛ بل التذکیة هی نفس هذا العمل، مثلاً:

ص: 193

ورد فی روایة محمد بن مسلم وغیر واحد، عنهما (علیهما السلام) أنّهما قالا:(فی الکلب یرسله الرجل ویسمّی، قالا: إنْ أخذه فأدرکت ذُکاته فذکّه). (1) الظاهر منها أنّ قوله(علیه السلام) (فذکّه) یعنی أذبحه.

وأیضاً عن أبی بکر الخضرمی، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن صید البزاة والصقورة والفهد والکلب، قال: لا تأکل صید شیءٍ من هذه إلاّ ما ذکیتموه). (2)

وفی روایة زرارة عن أبی عبد الله(علیه السلام) فی حدیث أنّه قال:(وأمّا خلاف الکلب ممّا تصید الفهود والصقور وأشباه ذلک، فلا تأکل من صیده إلاّ ما أدرکت ذُکاته). (3)

وفی روایة جمیل بن درّاج، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرجل یرسل الکلب علی الصید، فیأخذه ولا یکون معه سکین فیذکّیه بها). (4) یعنی یذبحه بها.

وفی روایة أخری لجمیل بن درّاج، قال:(قلت لأبی عبد الله علیه السلام أرسل الکلب فأسمی علیه فیصید، ولیس معی ما أذکّیه به). (5) یعنی ما أذبحه به، ولیس معه آلة جارحة یذبحه بها.

ص: 194


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 341، باب 4 من أبواب الصید، ح 2.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 393، باب 4 من أبواب الصید، ح 2.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 340، باب 4 من أبواب الصید، ح 3.
4- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 347، باب 8 من أبواب الصید والذباحة، ح 1.
5- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 348، باب 9 من أبواب الصید والذباحة، ح 2.

وفی روایةٍ عبد الرحمن بن أبی عبد الله، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجلٍ لأرسل بازیه، أو کلبه، فأخذ صیداً، فأکل منه، آکل من فضلهما ؟ فقال: ما قتل البازی فلا تأکل منه إلاّ أنّ تذبحه) (1) ، وهی تفسّر أنّ المقصود بالتذکیة فی الروایات الأخری هو الذبح.

وعن محمد بن مسلم، قال:(سألت أبا جعفر علیه السلام عن الذبیحة باللّیطة، وبالمروة، فقال: لا ذُکاة إلاّ بحدیدة). (2)

وعن سماعة بن مهران، قال:(سألته عن الذکاة، فقال لا تُذکِ إلاّ بحدیدة). (3)

لا أرید أنْ أقول أنّها نصّ فی أنّ المراد بالتذکیة فی هذا هو نفس العملیة، یمکن تفسیرها بمعنیً آخر تکون العملیة سبباً للتذکیة، لکن الظهور الأوّلی بهذا الشکل(لا تذکی إلاّ بحدیدة) یعنی لا تذبح إلاّ بحدیدة، (لا ذُکاة إلاّ بحدیدة).

وفی روایة أبی بکر الحضرمی، عن أبی عبد الله(علیه السلام) أنّه قال:(لا یؤکل ما لم یذبح بحدیدة). (4)

وفی روایة درست، عن أبی عبد الله(علیه السلام) قال:(ذکرنا الرؤوس من الشاء، فقال: الرأس موضع الذُکاة) (5) ، یعنی موضع الذبح.

ص: 195


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 351، باب 9 من أبواب الصید والذباحة، ح 9.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 7، باب 1 من أبواب الذبائح، ح 1.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 8، باب 2 من أبواب الذبائح، ح 4.
4- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 8، باب 2 من أبواب الذبائح، ح 3.
5- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 11، باب 3 من أبواب الذبائح، ح 3.

وعن الفضیل بن یسار، قال:(سألت أبا جعفر علیه السلام عن رجلٍ ذبح، فتسبقه السکین، فتقطع الرأس، فقال: ذُکاة وحِیّة ---- یعنی سریعة ---- لا بأس بأکله). (1)

وفی روایة محمد الحلبی، قال:(قال أبو عبد الله علیه السلام فی ثورٍ تعاصی، فابتدره قوم بأسیافهم وسمّوا، فأتوا علیاً علیه السلام فقال: هذه ذُکاة وحِیّة، ولحمه حلال). (2) یعنی ذُکاة سریعة.

وفی روایة عمّار بن موسی(عن أبی عبد الله علیه السلام ----- فی حدیث ----- أنّه سأله عن الشاة تُذبح، فیموت ولدها فی بطنها، قال: کله، فأنّه حلال؛ لأنّ ذُکاته ذُکاة أمّه، فإنْ هو خرج وهو حیّ، فاذبحه وکل). (3) یعنی إذا خرج وهو میّت، فالشارع اعتبر أنّ ذُکاته ذُکاة أمّه، فیکون حلالاً، أمّا إذا خرج وهو حیّ، فذکّه، فهنا یحتاج إلی تذکیة، بینما هناک لم یحتج إلی تذکیة، وعبّر عن التذکیة بقوله(أذبحه). إلی غیرها من الروایات التی لها ظهور فی أنّ المراد بالتذکیة هو نفس العملیة. نعم، أشرنا إلی أنّه لیس المقصود بذلک خصوص الذبح؛ بل هی عبارة عن الأعمال التی اعتبرها الشارع موجبة لحلّیة الحیوان وطهارته.

فی روایات أخری رُتبت الحلّیة علی نفس الأعمال ولیس علی التذکیة، کما فی صحیحة سلیمان بن خالد، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرمیة یجدها صاحبها، أیأکلها ؟ قال: إنْ کان یعلم أنّ رمیته هی التی قتلته، فلیأکل). (4) علی القتل المستند إلی الرمیة، یعنی علی نفس الأفعال، فالحلّیة ----- حلّیة الأکل) رتّبت علی نفس الأفعال.

ص: 196


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 17، باب 9 من أبواب الذبائح، ح 1.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 19، باب 10 من أبواب الذبائح، ح 1.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 24، ص 35، باب 18 من أبواب الذبائح، ح 8.
4- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 365، باب 18 من أبواب الصید، ح 1.

وفی صحیحة حریز، نفس العبارة السابقة، حیث قال:(سُئل أبو عبد الله علیه السلام عن الرمیة یجدها صاحبها من الغد أیأکل منه ؟ قال: إنْ علم أنّ رمیته هی التی قتلته، إنْ کان سمّی). (1) فرتّب الحلّیة علی الرمیة مع التسمیة وهی عبارة عن الأفعال.

فی معتبرة سُماعة بن مهران، قال:(سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الرجل یرمی الصید وهو علی الجبل، فیخرقه السهم حتّی یخرج من الجانب الآخر، قال: کله). (2) رتّب حلّیة الأکل علی نفس الأفعال.

وعن أبی عبیدة، عن أبی عبدالله علیه السلام قال:(إذا رمیت بالمعراض فخرق فکل). (3) رتّب الحلّیة علی الرمی بالمعراض إذا خرق ولم یصب عرضاً إلی غیر ذلک فهو کثیر.

وممّا تقدّم یتبیّن أنّ حلّیة الأکل مترتّبة فی الأدلّة علی أمرین، أحدهما: التذکیة. والثانی: الأفعال الخاصّة بالشروط الخاصّة.

قد یقال: احتمال أنْ یکون الترتّب علی الأفعال فی بعض الروایات باعتبارها محققّة ومحصّلة للتذکیة. صحیح فی هذه الروایات رتبت الحلّیة علی العملیة الخارجیة، لکن لیس لخصوصیّة فی العملیة، وإنّما باعتبار أنّها محققّة للتذکیة بمعنی الطهارة ----- مثلاً ----- التی هی شیء آخر غیر الأفعال.

أقول: هذا الاحتمال لیس بأولی من تفسیر التذکیة بالأفعال الخارجیة، أنّ المراد بالتذکیة فی الأخبار الأخری التی رتبت الحلّیة علی التذکیة هی عبارة عن نفس الأفعال والشرائط الخاصة؛ بل الظاهر من الروایات السابقة أنّ هذا هو الأقرب والمتعیّن، أی أنْ نفسّر التذکیة بالأفعال الخاصّة؛ وحینئذٍ ینتهی الکلام عن هذا الأمر الثانی الذی هو تحدید معنی التذکیة، والأقرب من هذه الأقوال هو ما ذکرناه من أنّها نفس العملیة.

ص: 197


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 365، باب 18 من أبواب الصید، ح 2.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 369، باب 20 من أبواب الصید، ح 1.
3- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 370، باب 22 من أبواب الصید، ح 1.

نعم، قد یرد فی بعض الأخبار إطلاق آخر، لکنّه أیضاً قابل للتأویل، والأغلب فی الإطلاقات أنْ یکون معنی التذکیة هو عبارة عن نفس الأفعال الخاصّة.

الأمر الثالث: قد یقال: أنّ هناک بعض الأخبار التی تنافی استصحاب عدم التذکیة؛ بل تکون دلیلاً علی بطلانه وعدم جریانه؛ وحینئذٍ ینبغی ملاحظة هذه الأخبار؛ لأننّا انتهینا إلی أنّ استصحاب عدم التذکیة یجری، علی الأقل فی بعض الموارد لا مانع من جریانه، ویترتّب علیه الأثر، لکن قد یقال أنّ هناک بعض الأخبار المعتبرة سنداً التی تنافی ذلک وتقتضی إبطال استصحاب عدم التذکیة، من هذه الروایات:

الروایة الأولی: معتبرة عیسی بن عبد الله القمّی. الروایة معتبرة سنداً، وإذا کان توقّف من جهة عیسی بن عبد الله القمّی من جهة أنّه لم یُنص علی وثاقته، لکن قیل بأنّه شیخ جلیل القدر، عظیم المنزلة، وتعبیرات من هذا القبیل التی تفید المدح، وهذا یکفی فی اعتبار الروایة، قال:(قلت لأبی عبد الله علیه السلام: أرمی بسهمی، فلا أدری سمّیت، أم لم أسمّی، قال: کل، لا بأس). (1) فبالرغم من أنّه یشکّ فی التذکیة؛ لأنّ التسمیة معتبرة فی التذکیة، فشکّه فی التسمیة یعنی شکّ فی التذکیة، لم یقل له الإمام(علیه السلام) اعتنِ باستصحاب عدم التذکیة، وابنِ علی الحرمة، وإنّما قال له کل، لا بأس، وهذا ینافی استصحاب عدم التذکیة.

الروایة الثانیة: روایة علی بن أبی حمزة، وبناءً علی أنّ علی بن أبی حمزة یمکن الاعتماد علیه تکون الروایة معتبرة سنداً کما هو الظاهر؛ لأنّ باقی الرواة فی السند لیس فیهم خدشة. ورد فی هذه الروایة قوله(علیه السلام):(ما علمت أنّه میتة، فلا تصل فیه). (2) ومفهومها هو(ما لم تعلم، أو ما تشکّ فی أنّه میتة تجوز الصلاة فیه) علی إبطال وإلغاء استصحاب عدم التذکیة؛ لأنّ ما لم یعلم أنّه میتة یعنی یشکّ فی أنّه مذکّی، أو میتة، ومقتضی استصحاب عدم التذکیة هو عدم جواز الصلاة فیه، بینما الإمام(علیه السلام) جوّز الصلاة فیه. وفی روایة أخری صُرّح بهذا المفهوم وهی روایة سُماعة بن مهران، ورد فیها(لا بأس ----- یعنی بالصلاة فیه ----- ما لم تعلم أنّه میتة) والمستفاد من مفهوم النصّ الأوّل ومنطوق النصّ الثانی هو جواز الصلاة بالرغم من الشکّ فی کونه میتة، أو مذکّی، وهذا علی خلاف استصحاب عدم التذکیة.

ص: 198


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 23، ص 377، باب 25 من أبواب الصید، ح 1.
2- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 3، ص 491، باب 50 من أبواب النجاسات والأوانی والجلود، ح 4.

بالنسبة إلی الروایة الأولی یمکن الجواب عنها بأنّ الروایة إنّما حکمت بالحلّیة باعتبار أنّ ترک التسمیة فیها إنّما هو لأجل النسیان، هذا هو ظاهر الروایة، بضمیمة ما ثبت بالأدلّة من أنّ التسمیّة شرط ذکری، بمعنی أنّ هذه الشرطیة ترتفع أصلاً فی حالة النسیان، بمعنی أنّ التذکیة فی حالة النسیان لیست التسمیة شرطاً فیها، وبضمیمة هذا؛ حینئذٍ یکون الحکم بالحلّیة علی وفق القاعدة، وهو(علیه السلام) لم یحکم بالحلّیة فی ظرف الشکّ، لم یحکم بحلّیة ظاهریة حتّی یقال أنّ هذا ینافی استصحاب عدم التذکیة الذی یقتضی عدم الحلّیة ظاهراً، وإنّما یحکم بحلّیة واقعیة، باعتبار أنّ المکلّف ترک التسمیة ناسیاً، والتسمیة شرط ذکری إنّما یعتبر فی حال الالتفات والذکر، وفی حال النسیان لا یعتبر أصلاً، فهذه تذکیة واقعیة حقیقیة، والتذکیة الواقعیة الحقیقیة تترتّب علیها الحلیة الواقعیة.

فإذن: الروایة لیست ناظرة أساساً إلی فرض الشکّ فی التذکیة وعدمها الذی هو مورد جریان استصحاب عدم التذکیة حتّی یقال بأنّ الإمام(علیه السلام) لم یحکم باستصحاب عدم التذکیة، وحکم بالحلّیة الظاهریة حتّی یکون هذا إبطال وإلغاء لاستصحاب عدم التذکیة، وکلا الأمرین ثابتان، أمّا الأمر الأوّل الذی هو أنّ ترک التسمیة فی الروایة علی تقدیره یکون من باب النسیان، فهذا واضح فی الروایة؛ لأنّه یقول لا أدری سمّیت، أم لم أسمِ، فإذا کان قد سمّی، فلا مشکلة حینئذٍ، وإذا لم یسمِّ، فترکه للتسمیة یکون من باب النسیان لا من باب العمد، إذن: هو علی کلا التقدیرین، سمّی، أو لم یسمِّ حصلت منه التذکیة الواقعیة، فالحکم بالتذکیة حینئذٍ یکون حکماً واقعیاً لا حکماً ظاهریاً.

ص: 199

إذن: الروایة لا تصلح أنْ تکون دلیلاً علی إبطال استصحاب عدم التذکیة.

وأمّا الروایة الثانیة، فی مقام الجواب عنها قیل أنّ مورد هذه الروایة هو وجود إمارات دالة علی التذکیة من قبیل سوق المسلمین، وید المسلم وأمثالها، ومن الواضح أنّه مع وجود الإمارات الدالّة علی التذکیة لا یجری الاستصحاب؛ إذ لا معنی لأنْ نقول أنّ هذه الروایة تکون معارضة للاستصحاب وموجبة لإبطاله، فی مورد الروایة أصلاً لا یجری الاستصحاب؛ لوجود إمارات دالّة علی التذکیة، فلا معنی لأنْ نلتزم باستصحاب عدم التذکیة فی موارد الشکّ حیث لا إمارة علی التذکیة کما هو المدّعی، المقصود هو أنّ استصحاب عدم التذکیة یمکن التمسّک به فی موارد الشکّ حیث لا إمارة علی التذکیة، وإلاّ مع وجود الإمارة علی التذکیة، لا إشکال فی أنّ هذا یمنع من جریان الاستصحاب. إذن، هذه الروایة لا تمنع من الالتزام بجریان استصحاب عدم التذکیة حیث لا إمارة علی التذکیة، وهذا هو المدّعی،

إذن: هذه الروایة لا تبطل جریان الاستصحاب بالمعنی المقصود؛ لأنّه لا أحد یلتزم باستصحاب عدم التذکیة حتّی فی موارد وجود الإمارة علی التذکیة، لکن المشکلة أنّ هاتین الروایتین لیس فیهما أی إشارة علی التذکیة. نعم فی روایات الباب یفترض السائل أنّه اشتری شیئاً من السوق، لکن فی هاتین الروایتین لا توجد أیّ إشارة فیهما إلی وجود إمارة علی التذکیة من قبیل سوق المسلمین، وید المسلم وأمثالهما، مقتضی إطلاق هذه الروایة هو أنّ هذا إذا لم تعلم أنّه میتة تجوز الصلاة فیه مطلقاً، یعنی سواء قامت إمارة علی التذکیة، أو لم تقم إمارة علی التذکیة، وهذا هو الذی یکون منافیاً لاستصحاب عدم التذکیة، حتّی إذا لم تقم إمارة علی التذکیة تجوز الصلاة فیه؛ لأنّ مقتضی استصحاب عدم التذکیة عدم جواز الصلاة فیه، فهذا فی الحقیقة ما یمنع من الأخذ بهذا الجواب وهو أنّ الروایات لیس فیها إشارة إلی اختصاصها بصورة وجود إمارة علی التذکیة، ومقتضی إطلاقها هو شمولها لحالتی وجود الإمارة وعدم وجود الإمارة علی التذکیة، وهذا یبطل جریان استصحاب عدم التذکیة.

ص: 200

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی وجود بعض الروایات التی قد یقال بأنّها منافیةلاستصحاب عدم التذکیة، وانتهی الکلام إلی روایتی علی بن أبی حمزة، وروایة سُماعة بن مهران، حیث یُفهم منهما الجواز والحلّیة مع الشکّ فی جواز الصلاة فیه مع الشکّ فی التذکیة، وهذا معناه عدم جریان استصحاب عدم التذکیة.

فی الدرس السابق ذکرنا جواباً عن ذلک، لکن بینّا أنّ الروایات لیس فیها ما یُشیر إلی أنّ الحکم بالحلّیة فیها إنّما هو لأجل وجود إمارة علی التذکیة، وإلاّ ظاهرها الإطلاق، أنّها تحکم بالحلّیة والجواز مطلقاً، أی سواء کانت هناک إمارة علی التذکیة، أو لم تکن هناک إمارة علی التذکیة، وهذا مُنافٍ لاستصحاب عدم التذکیة فی صورة عدم العلم بالتذکیة وعدم وجود إمارة علی التذکیة، هذه الروایات تحکم بالجواز والحلّیة، فی حین أنّ مقتضی الاستصحاب هو عدم الجواز وعدم الحلّیة.

الذی یمکن أنْ یقال فی المقام هو أنّ هذه الروایة وإنْ کان ظاهرها المنافاة مع استصحاب عدم التذکیة، لکن هذه الروایة معارضة بأکثر من روایةٍ فی نفس المورد تدلّ علی أنّ الحکم هو عدم الجواز، وفی هذا الصدد تُذکر موثقة ابن بُکیر، عن زرارة، عن أبی عبد الله(علیه السلام) قال:(إنْ کان ممّا یؤکل لحمه، فالصلاة فی وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه، وکل شیءٍ منه جائز إذا علمت أنّه ذکی). (1) فقیّد الجواز بما إذا علمت أنّه مذکّی، ومفهومها هو إذا لم تعلم أنّه مذکّی، یعنی شککت فی تذکیته، تکون الصلاة منه فی هذه الأمور جائزة، فتکون هذه الروایة معارضة للروایات السابقة، باعتبار أننّا فی نفس المورد نحکم فی صورة الشکّ بعدم الجواز خلافاً لتلک الروایات. هذه الروایة إنْ جعلناها معارضة للروایات السابقة؛ حینئذ بعد فرض التعارض وعدم وجود المرجّح لا یمکن الاستناد إلی کلٍ منهما، فیتساقطان للتعارض؛ وحینئذٍ لا مانع من الرجوع إلی أصالة عدم التذکیة فی حالة الشکّ کما هو محل الکلام؛ لأنّ الروایة التی فُرض کونها مانعة من جریان أصالة عدم التذکیة سقطت بالمعارضة مع الروایة الأخری، فکأنّه نبقی نحن وأصالة عدم التذکیة من دون أنْ یوجد ما یمنع من استصحاب عدم التذکیة، فیُلتزم باستصحاب عدم التذکیة إذا جعلناها معارضة لتلک الروایات. ونفس الکلام یقال، أنّ النتیجة نفس النتیجة إذا فرضنا أنّ هذه الروایة مطلقة من حیث وجود إمارة علی التذکیة وعدم وجود إمارة علی التذکیة، بمعنی أنّ الروایة الأخیرة بمفهومها تدلّ علی عدم الجواز فی حالة الشکّ وعدم العلم بالتذکیة، فی حالة الشکّ یُحکم بعدم الجواز، ومقتضی إطلاقها هو أنّه یُحکم بعدم الجواز فی صورة وجود إمارة علی التذکیة وصورة عدم وجود إمارة علی التذکیة، هذا الإطلاق لا یمکن الالتزام به، ولابدّ من تخصیصها؛ لأنّه فی صورة وجود إمارة علی التذکیة لا یمکن الحکم بعدم الجواز استناداً إلی استصحاب عدم التذکیة؛ إذ لا إشکال أنّه فی صورة وجود إمارة علی التذکیة لا یجری الاستصحاب، فحکم الروایة بعدم الجواز لابدّ من تخصیصه وإنْ کان مطلقاً بحسب الظاهر یشمل صورة وجود الإمارة علی التذکیة وصورة عدم وجود الإمارة علی التذکیة، لکن لابدّ من تخصیصها بصورة عدم وجود الإمارة علی التذکیة حتّی یمکن أنْ نلتزم بعدم الجواز استناداً إلی استصحاب عدم التذکیة، یعنی نُخرج منها صورة وجود الإمارة علی التذکیة، فتبقی هذه الروایة بعد التخصیص بعد إخراج صورة وجود الإمارة علی التذکیة تبقی مختصّة بصورة عدم وجود الإمارة علی التذکیة؛ حینئذٍ نلاحظ نسبة هذه الروایة بعد هذا التخصیص إلی الروایات السابقة التی تحکم بالحلّیة، سوف نجد أنّ النسبة بینهما هی العموم والخصوص المطلق؛ لأنّ الروایات السابقة الحاکمة بالحلّیة تحکم بالحلیة مطلقاً، سواء وجدت الإمارة علی التذکیة، أم لم توجد الإمارة علی التذکیة؛ ولذا جُعلت منافیة لاستصحاب عدم التذکیة، فهی تحکم بالحلّیة مطلقاً، بینما هذه الروایة تحکم بالحرمة بعد التخصیص فی صورة عدم وجود إمارة علی التذکیة، وتکون نسبتها إلی تلک الروایات نسبة الخاص إلی العام، تلک الروایات تحکم بالحلّیة مطلقاً، بینما هذه تحکم بالحرمة فی صورة عدم وجود إمارة علی التذکیة، فتخصّص تلک الروایات، یعنی نحمل تلک الروایات علی صورة وجود إمارة علی التذکیة، وبهذا لا تکون حینئذٍ منافیة لاستصحاب عدم التذکیة، یعنی سوف نصل إلی نفس النتیجة التی ذُکرت فی الجواب السابق الذی لم نرتضه وناقشنا فیه، وهو أنّ هذه الروایات مختصّة بصورة وجود الإمارة علی التذکیة، قلنا أنّ هذا إذا استفید من نفس الروایات، فالروایات لیس فیها إشارة إلی اختصاص الحکم بالحلّیة فی صورة وجود إمارة علی التذکیة، وإنّما هی مطلقة، لکن عندما أبرزنا هذه الروایة الدالّة علی الحرمة وعدم الجواز، قلنا أنّ هذه الروایة إنْ کانت معارضة لتلک الروایات، بأنْ کنّا لا نؤمن بانقلاب النسبة الذی هو مبنی الوجه الآخر الذی ذکرناه؛ حینئذٍ یتعارضان ویتساقطان؛ فحینئذٍ لا مانع من الالتزام بأصالة عدم التذکیة ولیس هناک ما یمنع من جریانه؛ لأنّ المانع من جریانه هو تلک الروایات وقد سقطت بالمعارضة.

ص: 201


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 3، ص 408، باب 9 من أبواب النجاسات والأوانی والجلود، ح 6.

وأمّا إذا آمنّا بکبری انقلاب النسبة، فسوف تکون النسبة بین هذه الروایة الأخیرة وبین تلک الروایات هی نسبة العموم والخصوص المطلق؛ لما قلناه من أنّ هذه الروایة وإنْ کانت مطلقة تدّل علی الحرمة مطلقاً، یعنی سواء قامت إمارة علی التذکیة، أو لم تقم، لکن هذا لا یمکن الالتزام به، لأنّ فی صورة قیام الإمارة علی التذکیة کیف یُلتزَم بعدم الجواز اعتماداً علی استصحاب عدم التذکیة ؟ إذن: لابدّ أنْ نخرج منها صورة قیام الإمارة علی التذکیة ونحملها علی صورة عدم قیام الإمارة علی التذکیة. إذن: هی تدلّ علی عدم الجواز فی صورة عدم قیام الإمارة علی التذکیة، إذا اختصّت بصورة عدم قیام الإمارة علی التذکیة تکون أخصّ مطلقاً من تلک الروایات وهذا معناه انقلاب النسبة؛ لأنّ تلک الروایات تدلّ علی الحلّیة مطلقاً سواء کانت هناک إمارة علی التذکیة أو لم تکن هناک إمارة علی التذکیة، فتخصص هذه الروایة الأخیرة تلک الروایات، یعنی نخرج من تلک الروایات صورة عدم وجود الإمارة علی التذکیة؛ لأنّ صورة عدم وجود الإمارة علی التذکیة هذه الروایة تحکم بعدم الجواز، تلک تحکم بالحلّیة، لکن تحکم بالحلّیة مطلقاً، لا أنّها تحکم بالحلّیة فی هذه الصورة حتّی تعارضها، وإنّما تحکم بالحلّیة مطلقاً فنخصصّها ونحمل تلک الروایات الدالّة علی الحلّیة علی صورة وجود الإمارة علی التذکیة، وحملها علی صورة وجود الإمارة علی التذکیة لا ینافی استصحاب عدم التذکیة؛ لأننّا لا نتکلّم فی صورة وجود إمارة علی التذکیة؛ إذ لا إشکال فی تقدّم الإمارة علی الاستصحاب، فیثبت المطلوب، سواء قلنا بالمعارضة، أو قلنا بانقلاب النسبة، النتیجة هی نفس النتیجة وهی أنّه لا مانع من إجراء استصحاب عدم التذکیة، ولا مانع منه من جهة هذه الروایات.

ص: 202

هذا تمام الکلام فی استصحاب عدم التذکیة.

التنبیه الثانی: یقع فی حسن الاحتیاط واستحبابه. وذلک لأنّه بعد أنْ تقدّم فی أصل البحث عدم تمامیة ما استدلّ به الأخباریون علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات البدویة التحریمیة، أو مطلقا، علی الخلاف فی أنّه یجب مطلقاً، أو فی خصوص الشبهات التحریمیة. بعد أن فرغنا من ذلک، أنّ ما أقاموه من أدلّةٍ علی وجوب الاحتیاط فی هذه الشبهات غیر تام، فلا نلتزم بوجوب الاحتیاط؛ حینئذٍ ینفتح المجال للبحث فی أنّه هل الاحتیاط الذی فرغنا عن عدم وجوبه هل یمکن الالتزام بحسنه عقلاً ؟ واستحبابه شرعاً؟ أو لا ؟ ذکروا بأنّ الحسن العقلی للاحتیاط لا إشکال فیه، ولا ینبغی أنْ یقع الکلام فیه، بمعنی أنّه لا إشکال فی حُسن الاحتیاط فی جمیع أقسام الشبهة البدویة التحریمیة والوجوبیة وحتّی الشبهة الموضوعیة، لا إشکال فی حُسن الاحتیاط عقلاً، باعتبار أنّ الاحتیاط یمثّل إدراک الواقع، والوصول إلی مطلوب الشارع ومراده، والعقل یحکم بحُسن هذا الشیء بلا إشکال. فحُسن الاحتیاط ورجحانه عقلاً ممّا لا إشکال فیه ولا بحث فیه، وإنّما یقع الکلام فی استحبابه شرعاً، هل یمکن أنْ نلتزم باستحبابه بحیث أنّ المفتی یفتی بأنّ الاحتیاط مستحب شرعاً، حاله حال المستحبات الأخری. الکلام الذی طرحوه تکلّموا عن إمکان هذا الشیْ، هل یمکن فرض الاستحباب الشرعی للاحتیاط ؟ وتکلّموا عن کیفیّة استفادته، وإثباته. البحث الأوّل بحث ثبوتی، فی أنّه هل یمکن فرض استحبابٍ شرعی متعلّق بالاحتیاط، أو أنّه غیر ممکن ؟ البحث الثانی یحث إثباتی فی کیفیّة استفادة الاستحباب، فی إثبات الاستحباب، ما هو الدلیل علی الاستحباب، فرضاً أنّ الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط أمر ممکن؛ إذ لا محذور فیه ثبوتاً، لکن ما هو الدلیل علیه، هذا بحث إثباتی.

ص: 203

فی کلماتهم وقع خلط بین البحثین، ولم یُمیّز أحدهما عن الآخر، بینما ینبغی التمییز بینهما، ولو من ناحیة منهجیة. ثمّ أنّ البحث فی حکم الاحتیاط فی الشبهات البدویة وإن کان یعمّ العبادات وغیر العبادات، فی کلٍ منهما یجری هذا الکلام، الاحتیاط فی العبادات لیس واجباً، فیقع الکلام فی أنّه هل یمکن أنْ یکون مستحبّاً ؟ أو لا یمکن أنْ یکون مستحبّاً ؟ شیء یدور أمره بین أنْ یکون واجباً، أو غیر واجب، فرضاً قلنا أنّه لا یجب الاحتیاط، هذا قد یُتصوّر فی غیر العبادة، وقد یُتصوّر فی العبادة، أنّ صلاة رکعتین عند دخول المسجد واجبة، أو لیست بواجبة ؟ فیقع الکلام فی أنّ هذا الاحتیاط هل هو مستحب فی العبادة، أو لیس مستحبّاً فی العبادة ؟ الکلام کما یقع فی هذا یقع فی غیره أیضاً، فی غیر العبادات ممّا یدور أمره بین الوجوب وغیره، لکن حیث أنّ العبادات تختصّ بنکاتٍ خاصّة لیست موجودة فی غیرها ناسب ذلک إیقاع هذا البحث فی مقامین، المقام الأوّل فی الشبهات البدویة بشکلٍ عام من دون أنْ نبحث عن خصوصیّة کون المشکوک عبادة. والمقام الثانی عن حکم الاحتیاط فی خصوص العبادات؛ لأننّا قلنا أنّ العبادات فیها بعض النکات التی تختصّ بها.

المقام الأوّل: فی الشبهات البدویة بشکلٍ عام، من دون ملاحظة خصوصیة کون المشکوک عبادة.

الکلام یقع فی بحثین:

البحث الأوّل: فی البحث الثبوتی، فی إمکان فرض استحبابٍ شرعی مولوی للاحتیاط، هل یمکن فرضه، أو لا یمکن فرضه ؟

البحث الثانی: بعد فرض الإمکان فی البحث الأوّل یقع الکلام فی کیفیّة استفادة هذا الاستحباب، وما هو الدلیل علی هذا الاستحباب ؟

ص: 204

قبل أنْ نتکلّم عن هذین البحثین الثبوتی والإثباتی لابدّ من الإشارة إلی أنّ المقصود بالاستحباب فی المقام الذی نبحث عن إمکانه، وعن کیفیة إثباته، هو الاستحباب المولوی الطریقی لا الاستحباب المولوی النفسی، الاستحباب الطریقی الذی یکون ملاکه هو نفس ملاک الواقع، ویکون الغرض منه هو الوصول إلی الواقع المشکوک، والتحفّظ علی ملاکات الواقع المشکوک، هذا الاستحباب الطریقی هو طریق لإدراک الواقع المشکوک، فیؤمر بالاحتیاط علی نحو الاستحباب لغرض الوصول إلی إدراک الواقع، والتحفّظ علی ملاکات الواقع، فیکون هذا الاستحباب استحباباً طریقیاً، هذا هو محل کلامنا؛ لأننّا نتکلّم عن الاحتیاط الذی تکلّمنا فیه سابقاً، والذی عجزت أدلّة الإخباریین عن إثبات وجوبه، وذاک الاحتیاط احتیاط طریقی الغرض منه هو إدراک الواقع المشکوک والتحفّظ علیه، هذا إذا لم تنهض الأدلّة لإثبات وجوبه؛ حینئذٍ لا یقع الکلام فی أنّه مستحب، أو غیر مستحب.

وأمّا الاستحباب المولوی النفسی الذی ینشأ من ملاکات لیس لها علاقة بالواقع المشکوک؛ بل ینشأ من ملاکات أخری، لیس الغرض منه إدراک الواقع المشکوک، والتحفّظ علی ملاکه؛ بل له ملاک آخر من قبیل ما أشارت إلیه بعض الروایات المتقدّمة حینما تقول من ترک ما اشتبه علیه من الإثم فهو لما استبان له أترک، هذا ملاک للاستحباب وهو أنّ الاحتیاط یخلق فی نفس الإنسان حالة الاقتدار علی ترک ما یعلم حرمته، أی المحرّمات المعلومة، ومن الواضح أنّ الذی یترک ما یحتمل کونه حراماً یکون أقدر بلا إشکال علی ترک ما یعلم کونه حراماً، هذا ملاک للاستحباب، ملاک لترک ما یحتمل حرمته، وفعل ما یحتمل وجوبه، لکن لیس الملاک فی هذا هو مسألة إدراک الواقع المشکوک، وإنّما الملاک هو خلق حالة الاقتدار علی ترک المحرّمات المعلومة، وفعل الواجبات المعلومة، کلامنا لیس فی هذا؛ لأنّ مثل هذا الاستحباب النفسی المولوی لا إشکال فی إمکانه، کما أنّه لا ینبغی الإشکال فی إمکان استفادته من بعض نصوص الباب کهذا الحدیث الذی ذکرناه؛ إذ من الواضح أنّه ظاهر فی هذا الشیء، فلیس هو مورداً للبحث أنّ الاستحباب المولوی النفسی الشرعی للاحتیاط ممکن، أو لیس ممکناً ؟ هو ممکن بلا إشکال؛ لأنّ المحذور الذی سنذکره علی الاستحباب المولوی الطریقی لیس موجوداً فی الاستحباب المولوی النفسی الذی هو کما سیأتی أنّه یستلزم محذور اللّغویة، لیس هناک لغویة فی جعل استحباب نفسی مولوی للاحتیاط، ولا یلزم منه لغویة بالرغم من أنّ العقل یحکم بحسنه، فأنّ اللغویة إنّما ترد من جهة أنّ العقل یحکم بحسنه، فما هو الداعی لجعل الاستحباب ؟ هذا إنّما یُتصوّر فی الاستحباب الطریقی المولوی، أمّا الاستحباب المولوی النفسی للاحتیاط لا یلزم منه لغویة بالرغم من أنّ العقل یحکم بحسن الاحتیاط، لکن الملاک للاحتیاط اختلف، حیث أنّ العقل یحکم بحسن الاحتیاط باعتبار إدراک الواقع المشکوک، الشارع یحکم باستحبابه بملاک آخر، ملاک نفسی لیس له علاقة بالواقع حتّی یلزم من جعل الاستحباب ----- مثلاّ ----- توهّم محذور اللّغویة، فإذن: الاستحباب النفسی المولوی خارج عن محل الکلام، نحن نتکلّم عن الاستحباب المولوی الطریقی، هل هو أمر ممکن، أو لا ؟

ص: 205

أمّا الکلام فی البحث الثبوتی: وهو الإمکان وعدمه، فقد یقال بعدم الإمکان، باعتبار لزوم اللّغویة من جعله بعد فرض حکم العقل بحُسنه؛ لأنّ الغرض من جعل الاستحباب هو جعل ما یحرّک المکلّف نحوه لا علی نحو الإلزام، والمفروض وجود هذا المحرّک، أی وجود ما یحرّک المکلّف نحو الإتیان بما یحتمل وجوبه، وترک ما یحتمل حرمته، وهو حکم العقل بحسن الاحتیاط، عقل الإنسان یحکم بحسن الاحتیاط وهذه قضیّة مسلّمة، وهذا یکون محرّکاً له نحو الإتیان بما یحتمل وجوبه، وترک ما یحتمل حرمته، ومع فرض وجود المحرّک لا معنی لأنْ یجعل الشارع استحباباً لغرض إیجاد المحرّک لتحریک المکلّف؛ إذ هناک ما یحرّک المکلّف وهو حکم العقل الذی ذکرناه؛ وحینئذٍ یکون جعل الاستحباب من قِبل الشارع لنفس الغرض، لإیجاد ما هو حاصل یکون لغواً وبلا فائدة. وهذا المحذور الثبوتی الذی إذا تمّ سوف یستوجب الحکم باستحالة جعل الاستحباب المولوی الطریقی للاحتیاط، هنا واضح عدم تعددّ الملاک فی هذین المحرّکین، حکم العقل بحُسن الاحتیاط ملاکه إدراک الواقع المشکوک، والاستحباب المولوی الطریقی أیضاً ملاکه إدراک الواقع المشکوک، فالملاک واحد وغیر متعددّ؛ ولذا قلنا أنّه إذا کان الاستحباب نفسیاً فلا إشکال فی إمکانه؛ لأنّ الملاک متعدد، ملاک إدراک الواقع، وملاک أنْ یکون أقدر علی ترک المحرّمات المعلومة، فلا یلزم اللّغویة، بینما هنا ترد شبهة اللّغویة؛ لأنّ الملاک واحد، فی کلٍ منهما ملاک واحد، هذا یُحرک المکلّف، فما هو الداعی لجعل محرّک آخر للمکلّف ؟!

لکن الذی یُلاحظ علی هذا الکلام هو أنّ جعل الاستحباب الطریقی من قِبل المولی إنّما هو لغرض إدراک الواقع المحتمل والتحفّظ علی ملاکاته، فإذا فرضنا أنّ الواقع المحتمل وملاکاته فی نظر المولی واصل إلی درجة من الأهمیة لیست بذاک المقدار الذی لا یرضی بتفویته؛ إذ أنّ أهمیّة الواقع المحتمل، وأهمیّة ملاکاته فی نظر المولی، مرّة نفترض أنّه واصل إلی درجة من الأهمّیة بحیث لا یرضی بتفویته، فی هذه الحالة سوف یجعل وجوب الاحتیاط علی المکلّف حتّی یدرک الواقع؛ لأنّه لا یرضی بتفویت الواقع. نحن نفترض أنّ الواقع وملاکاته بالغة إلی درجة من الأهمّیة مهمّة فی نظر المولی، لکنها لیست واصلة إلی حدٍّ بحیث لا یرضی بتفویته؛ بل هو یرضی بتفویته، لکنّه یهتم به، واصلة إلی درجة من الأهمیّة تتناسب مع استحباب الاحتیاط، یعنی تتناسب مع حثّ العبد نحو إدراک الواقع وتحصیل ملاکاته، لکنّه یرضی بتفویته، إلاّ أنّه من الأهمّیة بمکان بحیث یطلب من المکلّف طلباً غیر إلزامی بأنْ یُدرک الواقع؛ فحینئذٍ یجعل استحباب الاحتیاط.

ص: 206

أقول: هذا الفرض یمکن فرضه ثبوتاً ولیس هناک مانع منه، فی هذه الحالة لا مانع من جعل استحباب مولوی طریقی للاحتیاط ولا یلزم من جعله فی هذا الفرض اللّغویة؛ وذلک لأنّ مثل هذا الاستحباب یوجب تأکید حکم العقل بحسن الاحتیاط، ویوجب إیجاد محرّک آخر للمکلّف، ولو علی مستوی الاستحباب، ومع کونه یحقق هذین الأمرین، تأکید المحرّکیة الموجود باعتبار حکم العقل بحسن الاحتیاط، وکونه یوجد محرّکاً آخراً غیر محرّکیة حکم العقل، هذا یرفع محذور اللّغویة؛ وحینئذٍ لا یکون جعله لغواً، فمن دون جعل الاستحباب المولوی الطریقی هذین الأمرین لا یحصلا، لا حکم العقل بالاحتیاط یکون حکماً مؤکّداً، ولا المحرّکیة تکون متعدّدة؛ بل تکون المحرّکیة واحدة وهی محرّکیة حکم العقل، هذا یُضیف إلی المحرّکیة محرّکیة أخری، ولو بنفس الملاک.

وبعبارة أخری: أنّ حکم العقل وإنْ کان یوجد داعٍ عند المکلّف بالتحرّک علی المستوی المناسب للرجحان والاستحباب، لکن هذا لا یعنی لغویّة جعل داعٍ آخر عند المکلّف للتحرّک، یعنی یجعل الشارع داعٍ آخر عند المکلّف للتحرّک، وذلک بجعل استحباب الاحتیاط؛ بل یمکن أنْ یقال أنّه یکفی فی عدم لغویّة هذا الاستحباب الطریقی المولوی هو أنّه قد یکون محرّکاً بالفعل بالنسبة إلی بعض الناس الذین لا یتحرّکون من الحکم العقلی؛ إذ من الممکن فرض أنّ بعض الناس لا یتحرّکون من الحکم العقلی، بالفعل لا یتحرّک للإتیان بالاحتیاط لمجرّد أنّ العقل یدرک حُسنه، لکن إذا قال له الشارع هذا مستحب فأنّه قد یتحرّک نحو الإتیان بالاحتیاط، وهذا یکفی فی رفع لغویّة جعل الاستحباب المولوی الطریقی للاحتیاط، والظاهر أنّ الجماعة لم یهتموا بهذا الإشکال، وفرغوا عن إمکان جعل الاستحباب الطریقی للاحتیاط، وهذا هو الصحیح، یعنی فی عالم الثبوت لا توجد مشکلة فی افتراض استحبابٍ مولویٍ طریقیٍ للاحتیاط.

ص: 207

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

الکلام الإثباتی: فی کیفیّة استفادة هذا الاستحباب، هناک طریقان لإثبات هذا الاستحباب:

الطریق الأوّل: دعوی استفادته من أدلّة الاحتیاط، باعتبار أنّ أدلّة الاحتیاط تدلّ علی وجوب الاحتیاط، وبعد صرفها عن ظاهرها کما تقدّم سابقاً، ولو باعتبار أدلّة تدلّ علی البراءة؛ وحینئذٍ لا یمکن الأخذ بهذا الظاهر؛ وحینئذٍ تُحمل علی الاستحباب، ویُستفاد منه الاستحباب، أو المطلوبیة، لکن لا علی نحو الإلزام؛ بل قد یُدّعی أنّ بعض الروایات السابقة فیها دلالة علی الاستحباب مباشرة، هی لا تدلّ علی أکثر من الاستحباب؛ فحینئذٍ یثبت الاستحباب باعتبار تلک الأدلّة.

الطریق الثانی: أنْ یُستفاد الاستحباب من حکم العقل بحُسن الاحتیاط بناءً علی الملازمة بین ما یحکم به العقل وما یحکم به الشرع، فإذا حکم العقل بحُسن الاحتیاط؛ حینئذٍ بناءً علی الملازمة یمکن أنْ یُستفاد من ذلک استحباب الاحتیاط شرعاً، یعنی مطلوبیة الاحتیاط شرعاً.

أمّا الطریق الأوّل وهو استفادة استحباب الاحتیاط من أدلّة الاحتیاط، فقد استشکل المحققّ النائینی(قدّس سرّه) فی ذلک، وقال فی وجه الإشکال:(وفی استحبابه الشرعی من جهة أوامر الاحتیاط إشکال لاحتمال أنْ تکون الروایات الواردة فی الباب ----- علی کثرتها ----- للإرشاد إلی ما یستقلّ به العقل من حُسن الاحتیاط تحرّزاً عن الوقوع فی المفسدة الواقعیة وفوات المصلحة النفس الأمریة، وحکم العقل برجحان الاحتیاط وحسنه إنّما یکون طریقاً إلی ذلک، لا أنّه نشأ عن مصلحة فی نفس ترک ما یحتمل الحرمة، وفعل ما یحتمل الوجوب بحیث یکون ترک المحتمل وفعله بما أنّه محتمل ذا مصلحة یحسن استیفائها عقلاً). (1)

ص: 208


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 398.

وبناءً علی حمل هذه الروایات علی الإرشاد؛ حینئذٍ لا یمکن أنْ نستفید منها الاستحباب المطلوب فی محل الکلام؛ لأننّا نتکلّم عن الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط، ومثل هذا الاستحباب المولوی الشرعی للاحتیاط لا یمکن أنْ یُستفاد من الأوامر إذا حُملت علی الإرشاد، أوامر إرشادیة لا یُعمِل الشارع فیها المولویة، فکیف نستفید منها الطلب والاستحباب المولوی؛ بل هذه الأخبار فی الحقیقة لا تزید عن حکم العقل بحُسن الاحتیاط، وهی ترشد إلی ذلک لا أزید، فاستشکل(قدّس سرّه) فی استفادة استحباب الاحتیاط من الأخبار السابقة الدالّة علی وجوب الاحتیاط.

مسألة حمل الأوامر علی الإرشاد لاحتمال أنْ تکون هذه الأوامر إرشادیة لا ینفع فی المقام؛ لأنّ الظهور الأوّلی للأوامر الصادرة من الشارع أنّها أوامر مولویة، بمعنی أنّ الشارع أعمل فیها المولویة، وحملها علی خلاف ذلک، أی علی أنّها إرشادیة، وأنّ الشارع لم یُعمِل فیها المولویة یحتاج إلی قرینة، لا بأس به إذا کانت هناک قرینة تدلّ علی ذلک، وهذه القرینة قد تکون موجودة فی بعض الأخبار السابقة علی ما تقدّم، لکن الظاهر أنّها غیر موجودة بشکل واضح فی جمیع الأخبار السابقة، بحیث نحمل جمیع أخبار الاحتیاط بطوائفها الکثیرة السابقة علی أنّها فی مقام الإرشاد، المحقق النائینی(قدّس سرّه) لم یبرز قرینة وإنّما الذی ذکره هو احتمال أنْ تکون هذه الأوامر أوامر إرشادیة ولم یذکر القرینة.

أقول: هذا الاحتمال وحده لا یبررّ لنا رفع الید عن الظهور الأوّلی للأوامر الصادرة من المولی فی أنّها أوامر مولویة.

قد یقال: أنّ القرینة علی حمل الأوامر علی الإرشاد فی المقام موجودة وهی نفس حکم العقل بحُسن الاحتیاط، باعتبار أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط یمنع من حمل هذه الأوامر علی الاستحباب المولوی للاحتیاط ویقتضی أنْ تُحمل هذه الأوامر علی الإرشاد.

ص: 209

الجواب عن ذلک: إنّ هذا فی الحقیقة بحسب الروح راجع إلی ما تقدّم سابقاً من دعوی اللّغویة، بمعنی أنّ حکم الشارع مولویاً باستحباب الاحتیاط، بعد فرض حکم العقل بحُسن الاحتیاط، یکون لغواً وبلا فائدة، فإذا کان لغواً؛ فحینئذٍ لابدّ من حملها علی الإرشاد، فیکون ورود هذه الأوامر فی مورد حکم العقل هو بنفسه قرینة علی الإرشاد کما قیل؛ لأنّ کون هذه الأوامر مولویة فی مورد حکم العقل لغو، فلابدّ من حملها علی الإرشاد. وأجیب عن ذلک سابقاً بمنع اللّغویة، وأنّه لا توجد لغویة فی أنْ یطلب الشارع طلباً مولویاً بالاحتیاط، ولو علی نحو الاستحباب، فلا توجد لغویة بذاک المعنی؛ لأننّا قلنا سابقاً بأنّه من الممکن افتراض فوائد وآثار تترتّب علی الطلب الشرعی بالرغم من کون المورد مورداً لحکم العقل بحُسن الاحتیاط، بالرغم من ذلک هناک فوائد یمکن تصوّرها فی المقام لرفع المحذور الثبوتی، یمکن تصوّر فوائد للطلب الشرعی المولوی بحیث یمنعنا من أنْ نقول أنّ هذا مستحیل؛ لأنّه لغو وبلا فائدة، بل یمکن تصوّر ترتّب فوائد علی الطلب الشرعی کما بیّنّا سابقاً، فإذن: هذا بحسب الروح یرجع إلی دعوی اللّغویة بحیث یکون ورود هذه الأوامر فی موارد حکم العقل هو قرینة علی حملها علی الإرشاد، فنکررّ ما قلناه من أنّ هذا ممنوع ویرجع کلامنا السابق من عدم وجود قرینة واضحة فی جمیع تلک الأخبار علی أنّها للإرشاد، قد تکون هذه القرینة موجودة فی بعض الأخبار، لکنّ دعوی وجودها فی جمیع هذه الأخبار هذا غیر واضح، والظهور الأوّلی للأوامر أنّها أوامر مولویة.

وأمّا الطریق الثانی، وهو استکشاف الاستحباب الشرعی المولوی علی أساس الملازمة لحکم العقل بحُسن الاحتیاط بعد الإیمان بالملازمة. من الواضح أنّ هذا الطریق مبنی علی الإیمان بالملازمة بین ما حکم به العقل وما حکم به الشرع، أی بین الحکم العقلی وبین الحکم الشرعی، وقد تقدّم فی بحث التجرّی إنکار هذه الملازمة، وأنّه لا توجد ملازمة تحتّم بالضرورة أنْ یحکم الشارع فی مورد حکم العقل بحُکم شرعی؛ لأنّه من الممکن ثبوتاً اکتفاء الشارع بما حکم به العقل، وبالإدراک العقلی للحسن والقبح، ویمکن افتراض عدم وجود داعٍ یدعو الشارع إلی أنْ یحکم علی طبق ما حکم به العقل، لو فرضنا أنّ الشارع لا یهتم بذاک الأمر اهتماماً أزید ممّا یقتضیه الحکم العقلی، الحکم العقلی یحرّک المکلّف نحو الفعل، أو نحو الترک بمقدارٍ ما، إذا فرضنا أنّ الشارع لا یهتم بذاک المطلب أزید من هذا المقدار، فیترک الأمر لحکم العقل، ولا یری داعیاً لأنْ یجعل هو حکماً شرعیاً علی طبق الحکم العقلی، فی أحیان أخری نجد أنّ الشارع یری أنّ هناک مبررّاً لأنْ یحکم بحکم شرعی فی مورد حکم العقل، وذلک حینما یکون مهتمّاً بذلک الفعل، أو بذلک الترک بدرجة أکبر ممّا یحققّه الإدراک العقلی، وما یقتضیه الإدراک العقلی، هو یهتم بذلک المورد؛ فحینئذٍ یجعل حکماً علی طبقه، هذا لا یعنی وجود ملازمة بأنّه کلمّا حکم العقل بشیءٍ، فلابدّ أنْ یکون هناک حکم شرعی علی طبقه، کلا، الأمر لیس هکذا، لیس هناک ملازمة تثبت بالضرورة وجود حکم شرعی فی مورد حکم العقل. إذن: أساساً الطریق الثانی مبنی علی دعوی الملازمة.

ص: 210

الآن نُسلّم الملازمة، لنفترض أنّ الملازمة ثابتة بین الحکم العقلی والحکم الشرعی، بناءً علی الملازمة هل هذا الطریق تام ؟ هل یمکن استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، أو لا یمکن استکشاف ذلک ؟

المحقق النائینی(قدّس سرّه) أیضاً استشکل فی ذلک، (1) وحاصل ما ذکره فی مقام الإشکال علی هذا الطریق لاستکشاف استحباب الاحتیاط هو أنّ المورد لیس مورداً لقاعدة الملازمة، وذلک باعتبار الرأی المعروف عنه والذی تبنّاه السید الخوئی (قدّس سرّه)، وحاصله : أنّه یُفرّق بین نوعین من الأحکام العقلیة، یُفرّق بین حکم عقلی واقع ---- حسب تعبیره ----- فی سلسلة علل الأحکام الشرعیة، وهو الحکم العقلی الذی یثبت بقطع النظر عن الحکم الشرعی، لا أنّه یثبت فی طوله، هذا نوع من الأحکام العقلیة، وهناک نوع آخر من الأحکام العقلیة وهو الحکم العقلی الذی یثبت فی سلسلة معلولات الأحکام الشرعیة، یعنی یثبت فی مرحلة امتثال الحکم الشرعی، أو قل هو الحکم العقلی الواقع فی طول الحکم الشرعی. الأوّل من قبیل حکم العقل بحُسن العدل، وقُبح الظلم، فهذا الحکم العقلی لا علاقة له بالحکم الشرعی، فهو یثبت بقطع النظر عن افتراض وجود حکم شرعی، سواء وجد حکم شرعی، أو لم یوجد، العقل یحکم بحُسن العدل وقُبح الظلم. الأمر الثانی هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقُبح المعصیة، یقول هذا واقع فی سلسلة معلولات الأحکام الشرعیة، یعنی واقع فی طول الحکم الشرعی، وفی مرحلة امتثاله، ومعنی حُسن الطاعة الذی یحکم به العقل هو أنّ الشارع إذا حکم بشیء؛ فحینئذٍ یحسُن منک طاعته، وتقبح منک معصیته، فهو حکم واقع فی طول الحکم الشرعی، وفی مرحلة امتثاله، یقول(قدّس سرّه) هناک فرق بینهما: الملازمة ثابتة فی القسم الأوّل، العقل یحکم بحُسن العدل، الملازمة تثبت حکماً شرعیاً بوجوب العدل، العقل یدرک قبح الظلم، هذه الملازمة أیضاً تثبت حکماً شرعیاً بأنّ الظلم حرام شرعاً، هذا لا مانع منه، فتُطبّق الملازمة فی القسم الأوّل ویُستنبط منها حکم شرعی مولوی. وأمّا فی القسم الثانی، فیقول القسم الثانی لیس مورداً لقاعدة الملازمة، وذلک باعتبار أنّ صیرورة الحکم العقلی فی القسم الثانی منشئاً للحکم الشرعی یلزم منه محذور التسلسل؛ لأنّ الحکم العقلی فی القسم الثانی واقع فی طول الحکم الشرعی، یعنی هو یفترض حکماً شرعیاً، وأمراً مولویاً، وهو یقول بأنّه تحسُن إطاعته وتقبح معصیته، وهذا معناه أننّا لابدّ أنْ نفترض أنّ هناک حکماً شرعیاً ----- فرضاً ----- بوجوب الصلاة، أو حرمة شرب الخمر، العقل یحکم بحُسن إطاعتهما، وقُبح معصیتهما، هذا الحکم العقلی بحُسن إطاعة هذا التکلیف الشرعی لو کان منشئاً لحکم شرعی مولوی؛ حینئذٍ یلزم التسلسل، فإذن صیرورة الحکم العقلی فی القسم الثانی منشئاً للحکم الشرعی المولوی یلزم منه التسلسل؛ لأنّه إذا جعل الشارع حکماً شرعیاً مطابقاً للحکم العقلی بمضمون تجب إطاعة الأوامر الشرعیة؛ لأنّ ما یحکم به العقل هو حسن الإطاعة وقبح المعصیة، هذا الحکم العقلی إذا استلزم حکماً شرعیاً، فأنّه سوف یکون حکماً شرعیاً مولویاً بمضمون یجب إطاعة الأوامر الشرعیة ویحرم معصیة الأوامر الشرعیة، وهذا الحکم الشرعی المستکشَف من الحکم العقلی هو حکم شرعی مولوی صادر من الشارع بما هو مولی، وأیضاً یحکم العقل بحُسن إطاعته؛ إذ لا فرق بینه وبین الحکم الشرعی الأوّل الذی فرضناه بوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر، کل منهما حکم مولوی صادر من الشارع بما هو مولی، العقل أیضاً یحکم بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، فإذا حکم بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، والمفروض أنّ هذا الحکم العقلی یستلزم ویُستکشَف منه حکم شرعی، فأیضاً یستلزم جعل حکم شرعی آخر..... وهکذا یلزم التسلسل؛ لأنّه لا نهایة له؛ ولذا هنا تقف المسألة، یعنی لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی المولوی من الحکم العقلی فی القسم الثانی، وإنّما یمکن ذلک فی خصوص القسم الأوّل.

ص: 211


1- فوائد الأصول، إفادات المیرزا النائینی للشیخ الکاظمی الخراسانی، ج 3، ص 399.

یقول المحقق النائینی(قدّس سرّه) بأنّ ما نحن فیه، وهو حکم العقل بحُسن الاحتیاط هو من قبیل القسم الثانی؛ لأنّ الاحتیاط طریق محض ----- حسب تعبیره ----- للتخلّص من فوات المصلحة والوقوع فی المفسدة الواقعیة، یقول: فهو نظیر حکمه بحُسن الإطاعة وقُبح المعصیة وهو فی القسم الثانی، یعنی من قبیل الأحکام العقلیة الواقعة فی طول الأحکام الشرعیة، من قبیل الأحکام العقلیة الواقعة فی مرحلة امتثال الحکم الشرعی، یعنی هناک حکم شرعی ناشئ من مصلحة واقعیة، أو من مفسدة واقعیة، الاحتیاط یقول یحسُن الاحتیاط تجنّباً لتفویت المصلحة، أو تجنّباً للوقوع فی المفسدة الواقعیة، فیکون حاله حال أوامر الطاعة، وحکم العقل بحُسن الطاعة وحکمه بقبح المعصیة، فإذا کان ما نحن فیه من قبیل القسم الثانی؛ حینئذٍ حتّی لو آمنّا بالملازمة لا یمکن استکشاف الاستحباب الشرعی للاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط.

لکن استُشکل فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) کبرویاً وصغرویاً، هذا کلّه بقطع النظر عن الملازمة؛ لأننّا إذا أنکرنا الملازمة؛ فحینئذٍ لا یأتی هذا الکلام؛ بل ینتفی الطریق الثانی أصلاً؛ لأنّ الطریق الثانی مبنی علی التسلیم بالملازمة، فإذا أنکرنا الملازمة؛ فحینئذٍ کیف یمکن استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحُسن الاحتیاط ؟ لا یمکن استکشافه، کلامنا کلّه مبنی علی تسلیم الملازمة، کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) المبنی علی تسلیم الملازمة استُشکل فیه کبرویاً وصغرویاً.

المراد من الکبری هو التفصیل بین نوعین من الأحکام العقلیة، هل هذه الکبری تامّة بعد تسلیم الملازمة ؟ هل أنّ هناک فرقاً بین الأحکام العقلیة من القسم الأوّل التی یکون مورداً للملازمة ویستکشف منها الحکم الشرعی المولوی وبین الحکم العقلی من قبیل القسم الثانی الذی لا یمکن فیه ذلک، هل هذا صحیح ؟ هذه الکبری.

ص: 212

أمّا الصغری فهو فی تطبیق ذلک علی محل الکلام وأنّ محل الکلام وهو حکم العقل بحُسن الاحتیاط هو من قبیل القسم الثانی، یعنی من قبیل الأحکام العقلیة الواقعة فی طول الأحکام الشرعیة وفی سلسلة معلولاتها کما یسمّیه. هذه الصغری. کل منهما استُشکل فیها.

أما الکبری: فقد تقدّم الکلام عنها أیضاً فی بحث التجرّی، علی تقدیر تسلیم الملازمة هل هناک فرق بین نوعین من الأحکام العقلیة، أو لا ؟ والذی انتهینا إلیه فی ذاک البحث أنّها تامّة، بمعنی أنّ الأحکام الشرعیة من قبیل القسم الأوّل یمکن استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی فیها، بخلاف القسم الثانی، والسرّ فی ذلک هو أنّ استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی فی القسم الثانی، یعنی فی الأحکام العقلیة الواقعة فی طول الأحکام الشرعیّة یلزم منه اللّغویة، افتراض حکم شرعی فی مورد الحکم العقلی من قبیل القسم الأوّل الذی مثاله حکم العقل بحُسن الإطاعة، وقُبح المعصیة، یلزم من استکشاف الحکم الشرعی المولوی فی هذا المورد اللّغویة، فیصح کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه)، بمعنی أنّه فی القسم الثانی لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی، بخلاف القسم الأوّل، باعتبار أنّ المفروض فی القسم الثانی وجود تکلیفٍ شرعی مولوی کما قلنا، ونمثّل له بوجوب إقامة الصلاة، أو حرمة شرب الخمر، والعقل یحکم بحُسن إطاعة هذا الحکم الشرعی، وقُبح معصیته، هذا التکلیف المولوی الذی افترضناه لا إشکال فی أنّه یُحرّک المکلّف ویوجد عنده داعٍ للتحرّک لکنّه بتوسط حکم العقل بحُسن إطاعته وقُبح معصیته، وإلاّ التکلیف وحده، وبقطع النظر عن إدراک العقل للزوم إطاعته وقُبح معصیته لا یکون محرّکاً للمکلّف، فالذی یُحرّک المکلّف هو التکلیف بتوسّط حکم العقل بحُسن الإطاعة وقُبح المعصیّة، وإلاّ من دون إدراک العقل لا یکون التکلیف محرّکاً له، فإذا فرضنا کما یقول من یُنکر علی المحقق النائینی(قدّس سرّه) هذا التفصیل، إذا فرضنا جعل حکم مولوی شرعی وطبّقنا الملازمة واستکشفنا حکماً شرعیاً مولویاً بمضمون وجوب إطاعة هذا التکلیف، وحرمة معصیته، الکلام هو فی أنّ هذا لغو، أو لیس لغواً ؟ أنّ مثل هذا التکلیف الشرعی المولوی الذی یُراد استکشافه بوجوب إطاعة ذلک التکلیف وحرمة معصیته، هل هذا لغو، أو لا ؟ المُدّعی هو أنّ هذا لغو وبلا فائدة، وذلک لأنّ الفائدة المتوخاة من وجوبٍ من هذا القبیل هو الداعویة، أی جعل داعٍ للتحرّک، وقلنا أنّ أیّ تکلیفٍ شرعی لا یدعو المکلّف للتحرّک إلاّ بتوسّط إدراک العقل للزوم الإطاعة وقبح المعصیة، وهذا التکلیف المستکشف له داعویة بتوسّط حکم العقل بحسن الإطاعة وقبح المعصیة، هذه الداعویة الثابتة بهذا التکلیف الشرعی المولوی المستکشف بتوسّط حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة هی نفس الداعویة الموجودة بقطع النظر عن هذا التکلیف الشرعی المستکشف، ولیس شیئاً آخراً غیرها، سابقاً کان هناک تکلیف یدعو المکلّف للتحرک، وهذا التحرّک لا یحصل عند المکلّف فعلاً، إلاّ بتوسّط حکمه العقلی وإدراکه العقلی لحُسن الإطاعة وقبح المعصیة. نفس هذه الداعویة هی التی سوف یحققّها التکلیف الجدید إذا استکشفناه من الحکم العقلی فی هذا القسم ولیس شیئاً إضافیاً، أو جدیداً، وبهذا یختلف الکلام هنا عن ما قلناه بالنسبة إلی استحباب الاحتیاط، هنا نفترض وجود تکلیف شرعی، وفی مسألة استحباب الاحتیاط لم نفترض وجود تکلیف شرعی، هنا نفترض وجود تکلیف شرعی یأمر بالصلاة، وحکم عقلی یقول تلزم إطاعة هذا التکلیف ویقبح معصیته، هذا سوف یخلق داعیاً عند المکلّف للتحرّک بلا إشکال، هذا التکلیف الذی یُستکشف هو لا یزید علی ذلک، غایة الأمر أنّ العبارة قد تبدّلت، بدل أنْ یأمر بالصلاة یأمر بوجوب إطاعة الأمر بالصلاة، فلا فرق بینهما، وإلاّ المضمون واحد، ذاک یقول أقیموا الصلاة، وهذا التکلیف المستکشف ------- بحسب الفرض ------- بناءً علی ثبوت الملازمة فی القسم الثانی مضمونه وجوب إطاعة وأقیموا الصلاة، هذا أیضاً یحرّک المکلّف ویوجد داعیاً عند المکلّف بتوسّط حکم العقل بحُسن الطاعة وقُبح المعصیة باعتباره أیضاً تکلیفاً مولویّاً شرعیّاً، هذه الداعویة التی یخلقها هذا التکلیف الجدید بضمیمة حکم العقل هی نفس الداعویة التی کانت ثابتة سابقاً ولیست شیئاً جدیداً، أو أضافیاً حتّی نقول أنّ هذا التکلیف تکون له فائدة؛ لأنّه یضیف شیئاً جدیداً، ومنه یظهر الفرق بین هذا وبین الحکم العقلی الذی لا یُفترض فیه وجود حکم شرعی مسبق یدعو المکلّف للتحرّک بتوسّط الحکم العقلی، وعلی هذا الأساس تقدّم سابقاً أنّ جعل استحباب شرعی للاحتیاط لیس لغواً؛ لأننّا لم نفترض مسبقاً أنّ الشارع بتکلیف شرعی مولوی حرّک المکلّف نحو الاحتیاط، وإنّما نرید استکشاف ذلک من نفس حکم العقل بحُسن الاحتیاط. الآن نرید أنْ نستکشفه، ولم نفترضه فی مرحلةٍ سابقة، لو کنّا نفترض فی مرحلةٍ سابقة أنّ الشارع حکم باستحباب الاحتیاط؛ فحینئذٍ کل هذا الکلام لا یأتی؛ لأنّ الشارع حکم باستحباب الاحتیاط، وإنّما نتکلّم عن استحباب الاحتیاط شرعاً باعتبار أننّا لم نفترض الحکم باستحباب الاحتیاط، وإنّما فقط افترضنا حکماً عقلیّاً بحُسن الاحتیاط، ونرید أنْ نستکشف من هذا الحکم العقلی حُسن الاحتیاط الشرعی، وهذا لیس فیه لغویة، لا أرید أنْ أقول نستکشف من ذلک، وإنّما الکلام عن افتراض استحباب الاحتیاط شرعاً لیس فیه لغویّة، ولیس محالاً؛ لأنّ هذا الاستحباب المولوی الشرعی یحققّ داعویة وتحریک غیر ما تحقق بمجرّد افتراض الحکم العقلی. أمّا فی القسم الثانی الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه) وهو حکم العقل بحسن الإطاعة وقبح المعصیة، وقلنا أنّه فی طول الحکم الشرعی، یعنی لابدّ أنْ نفترض حکماً شرعیّاً من الشارع یدعو المکلّف نحو فعل یحکم العقل بحسن إطاعته وبقبح معصیته؛ ولذا یمکن أنْ یقال أنّ کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) ثابت وصحیح باعتبار أنّ الحکم الشرعی یحققّ فائدة ویحققّ داعویة غیر ما تقدّم سابقاً حتّی فی القسم الثانی؛ ولذا لا یکون لغواً ولا محذور فیه، فإذا دفعنا إشکال التسلسل؛ حینئذٍ یکون لا بأس به، هذا الکلام منظور فیه.

ص: 213

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

کان الکلام فی الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب الشرعی المولوی للاحتیاط، وذکرنا بأنّ المحقق النائینی(قدّس سرّه) استشکل فی هذا الطریق، ببیان أنّ لیس جمیع الأحکام العقلیة یُستکشف منها الحکم الشرعی، وإنّما الذی یستکشف منه الحکم الشرعی هو خصوص الحکم العقلی الثابت بقطع النظر عنالحکم الشرعی لا الثابت فی طوله؛ لأنّ الحکم العقلی الثابت فی طول الحکم الشرعی لا یستکشف منه، ولا یکون منشئاً للحکم الشرعی، وذلک للزوم التسلسل علی ما ذکرنا، والمقام من قبیل الثانی، ما نحن فیه ----- حُسن الاحتیاط ----- هو حکم عقلی ثابت فی مرحلة الامتثال وفی طول الحکم الشرعی، فیکون حاله حال حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة، وکما أنّ هناک لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی من هذا الحکم العقلی(حسن الطاعة وقبح المعصیة) هنا أیضاً لا یمکن استکشاف الاستحباب الشرعی للاحتیاط من حکم العقل بُحسن الاحتیاط.

قلنا أنّ هذا الکلام نوقش فیه کبرویاً وصغرویاً:

أمّا کبرویاً فقد نوقش فیه بمناقشات تقدّم ذکرها فی بحث التجرّی، لکن قلنا الظاهر أنّ هذه الکبری تامّة لا من جهة التسلسل الذی یذکره؛ لأنّ إجراء التسلسل والالتزام التام بالتسلسل فی الأمور الشرعیة الاعتباریة لا یخلو من إشکال، قد یمکن افتراض التسلسل فی التکوینیات، لکن فی الأمور الاعتباریة التسلسل لیس محذوراً، وإنما الوجه فی صحّة هذه الکبری والتفرقة بین النوعین من الأحکام العقلیة هو ما ذکرناه فی الدرس السابق من أنّه فی الأحکام العقلیة الواقعة فی طول الحکم الشرعی من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقُبح المعصیة یلزم من استکشاف الحکم الشرعی منها محذور اللّغویة؛ لأنّ الحکم الشرعی المستکشف لا یترتّب علیه شیء غیر ما هو حاصل وفُرض حصوله فی مرحلة سابقة، الداعویة التی کانت موجودة بافتراض الحکم الشرعی بوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر بضمیمة حکم العقل بلزوم طاعة المولی وقبح معصیته، هذه الداعویة المفروض وجودها لا یثبت بالحکم الشرعی المستکشف شیء غیر ذلک، وشیء أزید من ذلک حتّی لا یکون جعل مثل هذا الحکم الشرعی لغواً؛ بل الظاهر أنّه بلا فائدة، ولا یثبت به شیء أزید ممّا هو ثابت سابقاً کما وضّحنا فی الدرس السابق، بخلاف الأحکام العقلیة الثابتة بقطع النظر عن الحکم الشرعی من قبیل حکم العقل بحسن العدل وقبح الظلم، هنا لا یلزم من افتراض استکشاف حکم شرعی بوجوب العدل وحرمة الظلم من هذا الحکم العقلی لا یلزم منه اللّغویة؛ لأننّا لم نفترض محرّکیة فی مرحلة سابقة ثابتة بحکمٍ شرعی بضمیمة الحکم العقلی، وإنّما الذی افترضناه فقط هو حکم العقل بحُسن العدل وقبح الظلم، وقلنا سابقاً بأنّ هذا لا ینافی ولا یجعل الحکم الشرعی فی مورد هذا الحکم العقلی لغواً؛ بل تتصوّر له فوائد علی ما بیّنّا سابقاً فلا یکون لغواً، فلا محذور فی استکشاف حکم شرعی من هذه الأحکام العقلیة الثابتة بقطع النظر عن الحکم الشرعی، بخلاف الأحکام العقلیة الثابتة فی مرحلة امتثال الحکم الشرعی وفی طوله، فإنّ افتراض ثبوت حکم شرعی مستکشف من الحکم العقلی یکون لغواً وبلا فائدة ولا یترتّب علیه أثر فی مقام الداعویة والمحرّکیة؛ لأنّ الداعویة هی بنفسها موجودة سابقاً ولا یثبت بالحکم الشرعی أزید من ذلک حتّی یرتفع محذور اللّغویة.

ص: 214

إذن: الکبری التی یذکرها المحقق النائینی(قدّس سرّه) بحسب الظاهر تامّة.

وأمّا الصغری: یعنی تطبیق هذه الکبری علی محل الکلام لإثبات أنّ حکم العقل بُحسن الاحتیاط لا یُستکشف منه الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط. المحقق النائینی(قدّس سرّه) طبّق هذه الکبری فی محل الکلام وأدخل محل الکلام فی القسم الثانی، یعنی أدخل محل الکلام فی الأحکام العقلیة الثابتة فی طول الحکم الشرعی، وقد ذهب إلی استحالة استکشاف الحکم الشرعی فی هذه الحالة، إمّا للزوم التسلسل کما ذکره، أو لعدم الفائدة وللغویة کما ذکرنا. بالنتیجة إذا طبّقنا هذه الکبری علی محل الکلام والتزمنا بأنّ حکم العقل بحسن الاحتیاط هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة؛ حینئذٍ یثبت المطلب وهو أنّه لا یمکن استکشاف استحباب الاحتیاط الشرعی المولوی من حکم العقل بحسن الاحتیاط.

هذه الصغری أیضاً وقعت محل مناقشة، بمعنی أنّه علی تقدیر تسلیم الکبری، وقد عرفت أنّها صحیحة وثابتة، إمّا أنْ نعترف بثبوت الکبری، وإمّا أنْ نأخذها ثابتة ومسلّمة، وعلی تقدیر ثبوتها نتکلّم فی انطباق هذه الکبری علی محل الکلام. استُشکل أیضاً فی هذا الانطباق بأمرین:

الأمر الأوّل: أنْ یقال بأنّها لیست مصداقاً لهذه القاعدة، بمعنی أنّها لیست صغری لهذه الکبری، وذلک باعتبار الفرق الواضح بین حکم العقل بحسن الإطاعة وقبح المعصیة وبین حکم العقل بحسن الاحتیاط، فأننّا نجد أنّ المحذور الذی لأجله قیل باستحالة استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحسن الإطاعة وقبح المعصیة لا یجری فی استکشاف الحکم الشرعی لاستحباب الاحتیاط من حکم العقل بُحسن الاحتیاط، المحذور لا یجری فی محل الکلام، فلا یقع المقام صغری لتلک الکبری، فی تلک الکبری قلنا أنّ الحکم العقلی الواقع فی طول الأحکام الشرعیة لا یُستکشف منه الحکم الشرعی، إمّا للزوم التسلسل، أو للزوم اللّغویة، والمثال الواضح لذلک هو ما تقدّم من حکم العقل بُحسن الطاعة وقبح المعصیة، أمّا حکم العقل بُحسن الاحتیاط لا یلزم من استکشاف الحکم الشرعی منه، أی استحباب الاحتیاط، لا یلزم کلا المحذورین، لا یلزم اللّغویة کما لا یلزم محذور التسلسل، وهذا معناه أنّ هذا الحکم العقلی بُحسن الاحتیاط لیس مصداقاً وصغری لتلک الکبری، فی الکبری نسلّم التفصیل، لکنّ المقام لیس صغری لتلک الکبری. وأمّا عدم لزوم محذور اللّغویة، فباعتبار أننّا لم نفترض فی هذا الحکم العقلی الذی هو محل الکلام، أی حکم العقل بُحسن الاحتیاط، لم نفترض فیه وجود داعویة شرعیة فی مرحلة سابقة بضمیمة حکم العقل بُحسن الطاعة، بینما افترضنا ذلک فی حکم العقل بُحسن الطاعة وقبح المعصیة، فی حکم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصیة هذا یستبطن افتراض تکلیف شرعی کما مثّلنا من قبیل(أقیموا الصلاة)، و(یحرم شرب الخمر) العقل یقول بلزوم إطاعة هذا التکلیف وقبح معصیته، وبضمیمة حکم العقل إلی الحکم الشرعی؛ حینئذٍ تثبت داعویة ومحرّکیة للمکلّف نحو الامتثال، إذا استکشفنا حکماً شرعیاً من حکم العقل بُحسن الطاعة، هذا الحکم الشرعی هو لا یزید عن ما کان ثابتاً سابقاً، والداعویة التی تثبت به أیضاً تحتاج إلی ضمیمة حکم العقل؛ لأننّا قلنا أنّ التکلیف وحده، مجرّد التکلیف من دون إدراک العقل للزوم الإطاعة وقبح المعصیة لا یکون محرّکاً للعبد، وإنّما یکون التکلیف محرّکاً للعبد بضمیمة حکم العقل، هذه الداعویة والمحرّکیة الثابتة باعتبار التکلیف الشرعی بضمیمة الحکم العقلی هی بنفسها سوف تثبت لو استکشفنا حکماً شرعیاً بوجوب الطاعة وحرمة المعصیة، ولا یثبت به شیء أزید ممّا ثبت سابقاً؛ لأنّ هذا الحکم الشرعی علی تقدیر استکشافه هو عبارة عن حکم بوجوب الطاعة وحرمة المعصیة، هذا لا یکون داعیاً إلاّ بضمیمة حکم العقل، فلا یثبت داعویة إضافیة أزید ممّا ثبت سابقاً، کان عندنا(أقیموا الصلاة) بضمیمة حکم العقل له درجة من الداعویة، استکشفنا حکماً شرعیاً بوجوب الطاعة وحرمة المعصیة، هذا أیضاً لا یکون له داعویة إلاّ بضمیمة حکم العقل بُحسن الطاعة وقبح المعصیة؛ لأنّ التکلیف المجرّد لا یدعو المکلّف للتحرّک إلاّ بضمیمة داعویة العقل ومحرّکیته، وهذا الشیء کان ثابتاً سابقاً، کان هناک حکم شرعی افترضنا وجوده یدعو المکلّف بضمیمة حکم العقل، وداعویته تکون ثابتة، ولا نستکشف شیئاً إضافیاً بالحکم الشرعی الجدید؛ ولذا یکون لغواً، وهذا بخلاف محل الکلام، فی محل الکلام نحن لم نفترض إلاّ حکم العقل بُحسن الاحتیاط، لم نفترض داعویة فی مرحلة سابقة غیر داعویة العقل وإدراک العقل بُحسن الاحتیاط، بینما إذا استکشفنا والتزمنا بأنّ هذا الحکم العقلی بُحسن الاحتیاط یُستکشف منه حکم الشرع باستحباب الاحتیاط لا یلزم من استحباب الاحتیاط المستکشف لغویة؛ لأنّ الداعویة التی تثبت علی تقدیر أنْ یحکم الشارع باستحباب الاحتیاط لم یُفرض وجودها فی مرحلة سابقة حتّی یکون استکشاف هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لغواً کما هو الحال فی استکشاف وجوب الطاعة وحرمة المعصیة من الحکم العقلی بحسن الطاعة وقبح المعصیة، هنا کان هذا الاستکشاف یلزم منه اللّغویة، بینما فی محل الکلام هذا الاستکشاف لا یلزم منه اللّغویة، لم نفترض داعویة سابقة هی نفس الداعویة التی نثبتها باستکشاف الحکم الشرعی، وإنّما الداعویة التی نثبتها باستکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لم تکن موجودة ومفروضة سابقاً حتّی یلزم اللّغویة، بخلاف أصل الکبری فی القسم الثانی من الأحکام العقلیة، فأنّ افتراض استکشاف الحکم الشرعی یلزم منه اللّغویة علی ما ذکرنا سابقاً، ومن هنا لا یکون المقام مصداقاً لهذه الکبری. هذه الکبری صحیحة، ونفرّق علی اساسها بین نوعین من الأحکام العقلیة، لکن الحکم العقلی الذی لا یُستکشف منه الحکم الشرعی هو ما کان من قبیل حُسن الطاعة وقبح المعصیة، لا ما کان من قبیل حکم العقل بُحسن الاحتیاط، المناط فی الحقیقة لیس هو فی وقوع الحکم العقلی فی طول الحکم الشرعی، وإنّما المناط فی التفرقة بین الحکمین العقلیین، وهو أنّه هل یلزم من جعل الحکم الشرعی فی مورد الحکم العقلی محذور ثبوتی من قبیل التسلسل کما قال، أو اللّغویة کما قلنا ؟ هل یلزم ذلک، أو لا یلزم ؟ هذا هو المناط. فی حکم العقل بُحسن الطاعة وقبح المعصیة یلزم من استکشاف الحکم الشرعی فی موردهما هذان المحذوران، التسلسل علی ما قال، أو اللّغویة، بینما من استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل باستحباب الاحتیاط لا یلزم اللّغویة؛ لأننّا لم نفترض داعویة فی مرحلة سابقة، وإنّما افترضنا فقط فی المقام إدراک العقل لحُسن الاحتیاط، هل یلزم اللّغویّة من جعل الشارع حکماً مولویّاً باستحباب الاحتیاط؟ لأنّ هذه الداعویة باعتبار الحکم الشرعی، لم تکن مفروضة فی مرحلة سابقة وإنّما المفروض فی مرحلة سابقة هو فقط حکم العقل بُحسن الاحتیاط، فلا مانع من أنْ نستکشف من هذا الحکم العقلی حکماً شرعیاً باستحباب الاحتیاط، کما لا یلزم التسلسل الذی ذکره المحقق النائینی(قدّس سرّه)، باعتبار أنّ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط الذی یُراد استکشافه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم الشرعی لا یترتّب علیه حکم عقلی بلزوم الاحتیاط حتّی یُدّعی التسلسل، باعتبار أنّ العقل لا یستقل بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، قد فی موارد معینة من قبیل موارد العلم الإجمالی یستقل بلزوم الاحتیاط، لکن لا یستقل بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، فإذن: لو استکشفنا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط لا یلزم محذور التسلسل؛ لأنّ هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لا یترتب علیه حکم عقلی بلزوم الاحتیاط حتّی یتسلسل الحکم العقلی بلزوم الاحتیاط یلازم الحکم الشرعی ...وهکذا حتّی یتسلسل؛ لأنّ العقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط فی جمیع الموارد، ما نستکشفه هو حکم الشرع باستحباب الاحتیاط، استکشفناه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم الشرعی المستکشف باستحباب الاحتیاط لا یترتّب علیه حکم عقلی حتّی یلزم محذور التسلسل.

ص: 215

نعم، قد یقال: بأنّ العقل یحکم بحُسن إطاعة هذا التکلیف المولوی الشرعی المستکشف؛ لأننّا استکشفنا من حکم العقل بحسن الاحتیاط استحباب الاحتیاط شرعاً، قد یقال بأنّ هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط یترتّب علیه حکم عقلی بحُسن إطاعته، ولیس بلزوم إطاعته، وینبغی أنْ نفرّق بین الحُسن وبین اللّزوم، هذا حکم مولوی باستحباب الاحتیاط، یحکم العقل بحُسن إطاعته، بالنتیجة هذا حکم صادر من الشارع بما هو مولی، ویطلب من العبد الاحتیاط، فیحکم العقل بأنّه یحُسن من العبد أنْ یطیع مثل هذا الطلب. إذن: یترتّب علی الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط المستکشف من حکم العقل بحُسن الاحتیاط یترتّب حکم عقلی، لکن نسأل أنّ هذا الحکم العقلی هل هو ثابت بنفس ملاک الحکم العقلی الذی فرضنا وجوده سابقاً، أو بملاکٍ آخر ؟ الجواب أنّه ثابت بملاک آخر، الحکم العقلی الذی فرضناه هو عبارة عن حکم العقل بحُسن الاحتیاط، بملاک الاحتیاط، بملاک إدراک الواقع، وإدراک ملاکات الواقع، بینما هذا الحکم العقلی ------- علی تقدیر ثبوته ------ الذی یترتّب علی حکم الشارع باستحباب الاحتیاط هو حکم عقلی ثابت بملاک حُسن الطاعة للمولی، بملاک قبح المعصیة بمستوً من المستویات، ثابت بملاک إطاعة المولی؛ لأنّ المولی حکم باستحباب الاحتیاط، فهناک استحباب مولوی شرعی للاحتیاط، العقل یقول هذا التکلیف المولوی، ولو علی مستوی الاحتیاط یحسُن إطاعته، هو لا یثبت بملاک الاحتیاط، وإنّما یثبت بملاک الطاعة، فإذن: هذا الحکم العقلی، علی تقدیر استکشافه، وإلاّ فقد قلنا لا یوجد هکذا حکم عقلی، فالعقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط، ولا یحکم بقُبح معصیة هذا التکلیف، ولا یحکم بحُسن الاحتیاط مطلقاً، وإنّما یحکم بحُسن الاحتیاط فی موارد معیّنة. فإذن: هذا الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط لا یوجد حکم عقلی علی طبقه فی مورده بأنْ یحکم العقل بلزوم الاحتیاط، فالعقل لا یحکم بلزوم الاحتیاط مطلقاً، وإنّما الذی یمکن أنْ یقال هو أنّ العقل یحکم بحُسن إطاعة هذا التکلیف الشرعی المولوی، فیکون هذا الحکم العقلی ثابت بملاک الطاعة، بینما الحکم العقلی السابق ثابت بملاک الاحتیاط، العقل یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الذی فرضناه سابقاً، بینما الحکم العقلی الذی یُفترض وجوده، ثابت بملاک الطاعة، وهذا غیر ذاک، فلا یلزم التسلسل، بناءً علی ما هو الصحیح وهو أنّ العقل لا یحکم، ولا یوجد عنده حکم حینئذٍ، عنده حکم بحُسن الاحتیاط، وهذا استکشفنا منه استحباب الاحتیاط وانتهی المقام، ولا یترتب علی هذا الحکم الشرعی المستکشف حکم عقلی حتّی یلزم التسلسل، وعلی تقدیر أنْ یثبت حکم عقلی، هو یثبت أیضاً بملاک الطاعة لا بملاک الاحتیاط، فیکون هذا الحکم العقلی غیر ذاک الحکم العقلی، وهذا حتّی لو تسلسل، فأنّه یتسلسل بملاک الطاعة.

ص: 216

وبعبارةٍ أخری: یلزم التسلسل باعتباره مصداقاً لتلک الکبری التی هی أنّ الأحکام العقلیة بحُسن الطاعة وقبح المعصیة، استکشاف الحکم الشرعی منها یلزم منه المحذور لا أنّه یتسلسل بالملاک الذی نتحدّث عنه وهو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط استکشاف الحکم الشرعی منه باستحباب الاحتیاط لیس فیه محذور اللّغویة ولیس فیه محذور التسلسل، ومن هنا لا یقع صغری لتلک الکبری.

الملاحظة الثانیة: علی جعل المقام صغری لتلک الکبری ومنع استکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، تتلخّص الملاحظة الثانیة فی أنّ الحکم الذی یقع مورداً لهذه الکبری هو عبارة عن الحکم العقلی الذی یکون الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه منه علی أساس الملازمة فی القسم الأوّل من القسمین العقلیین السابقین، أو یُمنع من استکشافه من الحکم العقلی کما فی القسم الثانی من الحکمین العقلیین یلزم أنْ یکون من سنخ الحکم العقلی. الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه من الحکم العقلی، أو یُراد نفی استکشافه، یلزم أنْ یکون هذا الحکم الشرعی من سنخ الحکم العقلی حتّی یمکن فرض الاستکشاف، وإلاّ لامعنی للاستکشاف، ولا لنفی الاستکشاف، حتّی یمکن فرض استکشاف هذا من ذاک لابدّ أنْ یکون من سنخه.

إذن: لابدّ أنْ یکون محل الکلام هو عبارة عن حکم شرعی نتکلّم عن استکشافه من الحکم العقلی، أو عدم استکشافه، أنْ یکون من سنخ الحکم العقلی حتّی یدخل مصداقاً لهذه الکبری ومورداً لهذه القاعدة، من قبیل حکم العقل بحسن العدل، وحکم العقل بقبح الظلم، هنا ما یراد استکشافه هو عبارة عن حکم الشارع بوجوب العدل وهو من سنخ حکم العقل بحسن العدل. ما یُراد استکشافه هو حکم الشارع بحرمة الظلم وهو من قبیل حکم العقل بقبح الظلم ومن سنخه، فیدخل فی القاعدة. وهکذا فی القسم الثانی ما یُراد نفی استکشافه، ایضاً هو من قبیل الحکم العقلی، الحکم العقلی فی القسم الثانی یحکم بحُسن الطاعة، وقبح المعصیة، وما یُراد نفی استکشافه هو حکم الشارع بوجوب العدل، وهو من قبیل حکم العقل بحُسن العدل، ما یراد نفی استکشافه هو حکم الشارع بحرمة الظلم، وهو من قبیل حکم العقل بقبُح الظلم.

ص: 217

وأمّا إذا کان من غیر سنخه، فهذا لا یصلح أنْ یکون صغری لهذه الکبری، ومانحن فیه من هذا القبیل، باعتبار أنّ الاستحباب الشرعی للاحتیاط الذی یُراد استکشافه من حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس من سنخ حکم العقل بحُسن الاحتیاط، وذلک باعتبار أنّ هناک فرقاً بین الاستحباب الشرعی للاحتیاط وبین حکم العقل بحُسن الاحتیاط، حکم العقل بحُسن الاحتیاط لا یثبت للاحتیاط مطلقاً، وإنّما یدرک العقل حُسن الاحتیاط إذا جیء به علی نحو قربی، أی إذا جاء به العبد متقرّبا إلی الله(سبحانه وتعالی) حینئذٍ یدرک العقل حُسن الاحتیاط، أمّا إذا جاء به لا علی نحو التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی) وإنّما جاء به لغرضٍ آخر من قبیل التحرّز عن الضرر ------ مثلاً ------، مثل هذا لا یحکم العقل بحُسنه. ترک شرب العصیر العنبی الذی یحتمل حرمته تارةً یکون هذا الترک بداعٍ قربی، فهذا احتیاط حسن بنظر العقل. وأخری لا یکون بداعٍ قربی، وإنّما یکون لغرضٍ آخر، مثل هذا الترک والاحتیاط لا یحکم العقل بحُسنه، والغالب أنّه بنکتة أنّ ما یحکم به العقل هو حُسن التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، فالاحتیاط إنْ تعنون بهذا العنوان یحکم العقل بحُسنه، وإنْ لم یتعنون بهذا العنوان، فلا یحکم العقل بحسنه.

إذن: حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس مطلقاً، وإنّما هو مقیّد بذلک. هذا الحکم العقلی. أمّا إذا أتینا إلی الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه وهو استحباب الاحتیاط، فسنجد أنّ الاستحباب ثابت لمطلق الاحتیاط، ولیس مشروطاً فی الاستحباب أنْ یکون المکلّف قد جاء بالاحتیاط علی نحوٍ قربی، وإنّما الاحتیاط مطلقاً مستحب، سواء إنْ جاء به المکلّف بنحو قربی، أو جاء به لا بذلک النحو، وذلک باعتبار أنّ الاحتیاط عبارة عن إدراک الواقع وتجنّب مخالفة الواقع، فإذا دلّ دلیل علی استحباب الاحتیاط وثبت استحباب الاحتیاط شرعاً، فهذا هو المطلوب، أنْ یتجنّب مخالفة الواقع، وأنْ یدرک الواقع علی کل حال، وهذا یتحققّ سواء جاء به بنحوٍ قربی وبداعٍ مقرّب، أو جاء به لغرضٍ آخر لا یتقرّب به إلی الله(سبحانه وتعالی) علی کل حال هو یدرک الواقع، ویتجنّب مخالفة الواقع، فیکون مستحبّاً، الحکم بالاستحباب لا یختص بخصوص الاحتیاط الذی یؤتی به بداعٍ قربی بل یثبت مطلقاً.

ص: 218

إذا تمّ هذان الأمران فی الحکم العقلی وفی الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط؛ حینئذٍ یثبت أنّ الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه هو لیس من سنخ الحکم العقلی المفروض ثبوته فی المقام، فإذا لم یکن من سنخه أصلاً لا یکون مورداً لهذه الکبری؛ لأننّا قلنا أنّ ما یکون مورداً للکبری هو عبارة عن الحکم الشرعی الذی یُراد استکشافه، أو یُنفی استکشافه، إذا کان هذا الحکم الشرعی من سنخ الحکم العقلی الذی یراد استکشاف هذا الحکم الشرعی منه، أو یُراد نفی استکشافه؛ لِما قلناه، وإلاّ لا معنی للاستکشاف، لا معنی لأنْ نستکشف هذا من هذا إذا لم یکن من سنخه، إنّما الاستکشاف یکون له معنی، ونفی الاستکشاف أیضاً کذلک، إنّما یکون له معنی عندما یکون من سنخه، وإلاّ فلا معنی لاستکشافه، أو نفی استکشافه. فی محل الکلام الحکم الشرعی الذی نتکلّم عن استکشافه هو لیس من سنخ الحکم العقلی.

فإذن: لا یکون صغری لهذه الکبری؛ وحینئذٍ تکون هذه ملاحظة ثانیة علی الصغری التی ذکرها المحقق النائینی(قدّس سرّه).

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

الکلام فی أنّ حکم العقل باستحباب الاحتیاط هل هو من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة فی أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی منه بقاعدة الملازمة، هل هو من قبیل القسم الثانی من القسمین المتقدّمین فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه) أو أنّه لیس من هذا القبیل ؟ هذه المناقشة الصغرویة.

قلنا بأنّه استُشکل فی ذلک بإشکالین:

الإشکال الأوّل: فی کون المقام من قبیل حکم العقل بحسن الطاعة الذی فرغنا عن إمکان استکشاف الحکم الشرعی منه، هل هو من هذا القبیل أو لا ؟ الأشکال الأوّل کان مبنیّاً علی أنّه لیس من قبیله؛ لأنّ المناط فی التقسیم السابق للحکمین العقلیین وإنْ ذُکر فی کلام المحقق النائینی(قدّس سرّه)، لیس المناط هو کون الحکم العقلی واقعاً فی طول الحکم الشرعی، أو واقعاً بقطع النظر عنالحکم الشرعی، لیس هذا هو المیزان حتّی یقال بأنّ حکم العقل بحسن الطاعة بالنتیجة أیضاً واقع فی طول الأحکام الشرعیة المحتملة، المیزان فی القسم الثانی لیس هو کونه واقعاً فی طول الحکم الشرعی حتّی نقول أنّ حکم العقل بحسن الطاعة کذلک، وإنّما المیزان فی التفرقة بین القسمین من الأحکام العقلیة هو أنّ الحکم العقلی إنْ کان هناک محذور فی استکشاف الحکم الشرعی منه، فهو من قبیل القسم الثانی، وإنْ لم یکن هناک محذور؛ فحینئذٍ لا مانع من استکشاف الحکم الشرعی منه، وإنّما قلنا بأنّ الحکم العقلی بحُسن الطاعة وقبح المعصیة یختلف عن الحکم العقلی بحُسن العدل وقبح الظلم، الاختلاف بینهما یکون فی أنّ استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی بحُسن الطاعة فیه محذور التسلسل کما یقول المیرزا(قدّس سرّه)، أو اللّغویة کما تقدّم، بینما لا یلزم ذلک من استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی بحُسن العدل وقبح الظلم، بناءً علی الملازمة کما هو المفروض، لا یلزم ثبوت محذور، فهذا هو الفارق بینهما، ولیس الفارق بینهما فی أنّ الأوّل واقع وثابت بقطع النظر عن الأحکام الشرعیّة، والثانی ثابت فی طول الأحکام الشرعیّة حتّی یقال أنّ حکم العقل بحُسن الطاعة لابدّ أنْ یکون من قبیل الثانی؛ لأنّه أیضاً واقع بمعنیً من المعانی فی طول الأحکام الشرعیة المحتملة، المیزان هو أنّه هل یلزم محذور من استکشاف الحکم الشرعی من الحکم العقلی، أو لا ؟ بناءً علی هذا الکلام یتّضح أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط لیس من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة؛ لأنّه لا یلزم محذور من استکشاف الحکم الشرعی منه، لا اللّغویة کما بیّنا فی الدرس السابق ولا التسلسل، فإذن: هو لیس مصداقاً للکبری، لیس مصداقاً للقسم الثانی الذی فرغنا عن أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی منه.

ص: 219

الظاهر أنّ هذه الملاحظة تامّة وتوجب الإشکال فی کون محل الکلام من قبیل حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة فی عدم إمکان استکشاف الحکم الشرعی منه؛ بل الصحیح عدم وجود محذور ثبوتی فی هذا الاستکشاف، لا التسلسل، ولا اللّغویة.

الإشکال الثانی: وقد بیّناه فی الدرس السابق وکان حاصله: إنّما یکون المورد مورداً للکبری المتقدّمة فیما إذا کان الحکم الشرعی الذی یراد استکشافه من الحکم العقلی، أو یراد نفی استکشافه من الحکم العقلی هو من سنخ الحکم العقلی، وأمّا إذا کان من غیر سنخه، فلا معنی لهذا الاستکشاف، ولا معنی لنفی الاستکشاف، الاستکشاف یعنی أنّ هذا ناشئ من هذا، فلابدّ أنْ یکون من قبیله حتّی یکون مستکشفاً منه. الإشکال یقول: أننّا نلاحظ أنّ الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس من سنخ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط، الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط ثابت للاحتیاط مطلقاً وإنْ لم یأتِ به بقصد القربی، بینما الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس ثابتاً للاحتیاط مطلقاً، وإنّما هو ثابت له بقید أنْ یأتی به بقصد القربی، إذن: هو لیس من سنخه، فإذا لم یکن من سنخه یخرج عن موضوع القاعدة، وعن الکبری المتقدّمة والتقسیم المتقدّم. إذن: هو لیس صغری لما تقدّم.

من الواضح أنّ هذا الإشکال یتوقّف علی الالتزام بأنّ الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط لیس مطلقاً؛ بل هو مقیّد بما إذا کان بقصد التقرب إلی الله(سبحانه وتعالی).

قد یقال: أنّ هذا لا یمکن الالتزام به؛ لأنّ هذا یؤدی فی الحقیقة والواقع إلی إنکار هذا الحکم العقلی، یؤدی إلی أننّا ننکر أنْ یکون هناک حکم عقلی بحُسن الاحتیاط، مآله إلی إنکار وجود حکم عقلی بحُسن الاحتیاط، وإنّما الذی یحکم العقل به هو حُسن التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، هذا الذی یدرکه العقل، التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی) هو حسن بنظر العقل، فإذا انطبق هذا علی الاحتیاط؛ حینئذٍ یکون الاحتیاط حسناً عقلاً، وإنْ لم ینطبق، فلا یکون حسناً عقلاً. إذا جاء المکلّف بالاحتیاط قربةّ إلی الله(سبحانه وتعالی) یکون حسناً، وإذا جاء بالاحتیاط لا لذلک؛ بل لغرضٍ آخر لا یکون حسناً، هذا معناه فی الحقیقة والواقع إنکار أنْ یکون للعقل حکم بحُسن الاحتیاط، فإذن: لا خصوصیة للاحتیاط حتّی یحکم العقل بحُسنه، وإنّما یحکم العقل بحُسنه باعتباره تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)، فلابدّ أنْ یقصد المکلّف التقرّب حتّی یقال بأنّه حسن بنظر العقل، فی حین أنّ الصحیح بحسب ما ندرکه هو أنّ العقل یدرک حُسن الاحتیاط بعنوانه لا باعتباره تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)، وإنّما بعنوانه یدرک حُسنه حتّی لو لم یأتِ به بنحوٍ قربی، باعتباره إدراکاً للحکم الواقعی المحتمل، حرمة، أو وجوباً، وتجنّباً لمخالفة الواقع، ولیس باعتباره مقرّباً إلی المولی، وإنّما الاحتیاط فی حدّ نفسه هو إدراک للواقع، وإحراز للواقع، وفیه تجنّب عن مخالفة الحکم الواقعی المحتمل، هذا فی حدّ نفسه هو أمر حسن سواء جاء به بنحو قربی، أو لم یأتِ به بنحوٍ قربی، هذا أمر حسن یدرکه العقل، فلا داعی لأنکار أنْ یکون هناک حکم عقلی بحُسن الاحتیاط بما هو احتیاط، ولیس باعتبار کونه مقرباً إلی الله(سبحانه وتعالی).

ص: 220

وبعبارةٍ أخری: أنّ الکلام لیس فی العبادات، العبادات سیقع الکلام فیها فی المقام الثانی، نحن نتکلّم عن الاحتیاط فی الشبهات بقطع النظر عن أنْ یکون المحتمل عبادة، فیمکن أنْ نفترضه واجباً توصّلیاً، أو حراماً توصّلیاً بقطع النظر عن العبادة، شخص یحتمل أنّ شرب النبیذ حرام، فیترک شرب النبیذ احتیاطاً، هذا یمکن تصوّره علی نحوین:

النحو الأوّل: أنْ یحتاط بترک شرب النبیذ الذی یحتمل حرمته قربة إلی الله(سبحانه وتعالی)، ولاحتمال أنْ یکون الشارع قد حرّم هذا؛ حینئذٍ یکون قد جاء بالاحتیاط بنحوٍ قربی.

النحو الثانی: أنْ یترک شرب النبیذ لا لذلک؛ بل لغرض آخر، لا لکونه محتمل الحرمة شرعاً الذی یحققّ القربیة، وإنّما لغرضٍ الآخر. هذا الثانی فرضاً لا یحققّ القربیة، ولا یجعل العمل عبادة؛ لأنّه لم یقصد به التقرّب، لکن هذا الاحتیاط فیه إدراک للواقع، وفیه تجنّب لمخالفة الواقع، وفیه إدراک للملاکات الواقعیة التی تدور الأحکام الشرعیة مدارها، هذا فی حدّ نفسه أمر حسن یحکم العقل بحُسنه، فلماذا ننکر حکم العقل وإدراکه لحُسن الاحتیاط؟ هذا رأی.

نتیجة هذا الرأی هو: أنّه لا فرق حینئذٍ بین الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط وبین حکم العقل بحُسن الاحتیاط فی أنّهما من سنخ واحد؛ لأنّ کلاً منهما ثابت للاحتیاط مطلقاً، الاستحباب ثابت للاحتیاط مطلقاً، والحُسن العقلی أیضاً ثابت للاحتیاط مطلقاً لا للاحتیاط بقید أنْ یؤتی به بقصد التقرّب؛ بل الأعم من هذا، فیکونان من سنخ واحد؛ فحینئذٍ یرتفع هذا الإشکال الثانی.

فی المقابل قد یقال: أنّ التحقیق فی هذه المسألة منوط بتحدید معنی الاحتیاط أوّلاً. ما هو الاحتیاط ؟ هل قصد القربی مأخوذ فی مفهوم الاحتیاط، أو لیس مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط ؟ هل الاحتیاط یُراد به التحرّز عن مخالفة الواقع بترک ما یُحتمل حرمته، أو فعل ما یُحتمل وجوبه لاحتمال الحرمة شرعاً ولاحتمال الوجوب شرعاً ؟ أو أنّ الاحتیاط هو عبارة عن التحرّز عن مخالفة الواقع من دون قید موافقة الوجوب المحتمل، أو الحرمة المحتملة ؟ الاحتیاط هو أنْ یترک ما یحتمل حرمته موافقة للواقع، ولیس أنْ یترک ما یحتمل حرمته لاحتمال أنْ یکون حراماً شرعاً، وإنّما الاحتیاط عبارة عن إدراک الواقع، والتحرّز عن مخالفته، وإدراک المصالح الواقعیّة، لکن لیس مأخوذاً فیه أنْ یفعل ذلک قربة إلی الله(سبحانه وتعالی)، احتمالان:

ص: 221

الاحتمال الأوّل: یقتضی أنْ یکون التقرّب مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط، الاحتیاط هو عبارة عن إدراک الواقع والتحرّز عن مخالفته لاحتمال أنْ یکون حراماً، أو أنْ یکون واجباً، هذا معناه أنّه یأتی به تقرّباً إلی الله(سبحانه وتعالی)؛ لأنّه یأتی به لاحتمال التحریم، فکأنّ قصد القربی مأخوذ فی مفهوم الاحتیاط.

الاحتمال الثانی: قصد القربة لیس مأخوذاً فی مفهوم الاحتیاط، الاحتیاط عبارة عن التحرّز عن مخالفة الواقع، إذا ترک شرب النبیذ فقد تحرّز عن مخالفة الواقع، وادرک المصالح الواقعیة، وتجنّب المفاسد الواقعیة حتّی إذا جاء به لا لأجل احتمال حرمته، أو ترکه لا لأجل احتمال حرمته، وإنّما ترکه لغرض آخر، هذا هو الاحتیاط. ما هو الصحیح منهما، وما معنی الاحتیاط ؟

الظاهر أنّه لا یُفهم من الاحتیاط إلاّ المعنی الثانی، بمعنی أننّا لا نفهم من الاحتیاط أخذ قصد القربی فی مفهومه، الاحتیاط عبارة عن تجنّب مخالفة الواقع، وفعل ما یکون موافقاً للواقع، وإدراک الواقع، وتجنّب مخالفته، وإدراک المصالح الواقعیة، لکن لا یُشترط فیه أنْ یفعل ذلک بداعی قربی، وبقصد القربی، مادة الاحتیاط لا تساعد علی ذلک، وإنمّا هو عبارة عن التحرّز کما قلنا عن مخالفة الواقع ولیس أکثر من ذلک.

إذن: قصد التقرّب لم یؤخذ فی مفهوم الاحتیاط؛ ولذا لو تمّت مقدّمات الاستکشاف واستکشفنا الاستحباب، أو لنقل أنّ الاستحباب الشرعی علی تقدیر ثبوته للاحتیاط یثبت مطلقاً، لا أنّه یثبت له بقصد أنْ یأتی به بداعٍ قربی؛ لأنّ الاحتیاط معناه مطلق ولم یؤخذ فیه قصد التقرّب.

هناک بحث آخر أیضاً یتوّقف علیه الوصول إلی النتیجة، وهو أنّه علی التقدیر الثانی الذی هو الظاهر، وهو أنّ قصد التقرّب لم یؤخذ فی مفهوم الاحتیاط، نأتی إلی الحکم العقلی بالحُسن، العقل ماذا یدرک ؟ العقل عندما یحکم بحُسن الاحتیاط، هذا الاحتیاط الذی یحکم العقل بحُسنه، أو یدرک حُسنه، أیّ احتیاطٍ هو ؟ هل هو عبارة عن الاحتیاط بقصد التقرّب ؟ بأی نحو من أنحاء التقرّب، ولو کما قلنا یترک الفعل المحتمل الحرمة لاحتمال الحرمة، أو یفعل الفعل المحتمل الوجوب لاحتمال الوجوب، هذا أیضاً قصد قربی، هل ما یحکم العقل بحُسنه هو هذا فقط ؟ موافقة الواقع وتجنّب مخالفته، وإدراک الملاکات الواقعیة، لکن إذا جاء بها بداعٍ قربی، أو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط مطلقاً ؟ حتّی لو قلنا بأنّ الاحتیاط هو عبارة عن ذات التجنّب وذات الموافقة للواقع ولم یؤخذ فیه قصد القربی، فیُثار هذا البحث؛ لأننّا نحتمل أنّ ما یحکم العقل بحُسنه لیس هو الاحتیاط بمفهومه الذی تقدّم؛ بل یضیف له قیداً، وهو أنْ یؤتی به بقصد القربی، وإنْ لم یؤخذ فی مفهومه. یحکم العقل بحُسن إدراک الواقع وتجنّب مخالفته، والاحتیاط بمعناه المتقدّم السابق، هذا الذی یحکم العقل بحُسنه، سواء کان بقصد القربی، أو لم یکن بقصد القربی.

ص: 222

الظاهر فی هذا البحث الثانی: أنّ العقل لا یدرک حسن الاحتیاط مطلقاً، وإنّما ما یدرکه العقل هو حُسن الاحتیاط إذا جاء به المکلّف بداعی التقرّب إلی الله(سبحانه وتعالی)، هذا هو الذی یدرکه العقل، وأمّا أزید من ذلک، أنْ یدرک العقل حُسن الاحتیاط ولو لم یأتِ به المکلّف بقصد قربی، فهذا غیر واضح، وإنْ کنّا نسلّم بأنّ الاحتیاط فیه إدراک للواقع وللمصالح الواقعیة، وتجنّب مخالفة الواقع والأحکام التکلیفیة الواقعیة المحتملة، لکن الکلام فی أنّ المحتاط لماذا یأتی بذلک ؟ هل یقصد التقرّب، أو لا ؟ إذا قصد التقرّب، فلا إشکال فی أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط حینئذٍ، أمّا إذا لم یقصد التقرّب، لا یترک ما یحتمل حرمته لاحتمال حرمته، وإنّما یترک ما یحتمل حرمته ریاءً، أو سمعة، أو یترک ما یحتمل حرمته غافلاً، بالنتیجة هو أدرک الواقع، تجنّب المفاسد الواقعیة؛ لأنّه ترک ما یحتمل حرمته، کل هذه المعانی متوفرة فیه، لکن هل یمکن أنْ نقول أنّ العقل یحکم بحُسن هذا الاحتیاط ؟ من غیر الواضح وجود حکم عقلی جزمی بحُسن الاحتیاط فی هذه الحالة، خصوصاً فی حالات الریاء والسمعة والغفلة، وفی حالات ما إذا جاء بالاحتیاط لغرضٍ دنیوی آخر لیس له علاقة بالمولی إطلاقاً، لا أنّه یترک بالفعل لاحتمال أنّه حرام، فترک الفعل لاحتمال أنّه حرام هو من أرقی أنواع الطاعة ویحکم العقل بحُسنه بلا إشکال، وإنّما یترکه لغرض آخر، هل یحکم العقل بحُسنه ؟ لا یمکن القول بأنّ العقل یحکم بحُسنه حینئذٍ. الذی یمکن الجزم به هو أنّ العقل یحکم بحُسن الاحتیاط إذا أضیف هذا الاحتیاط إلی المولی(سبحانه وتعالی) بنحوٍ من أنحاء الإضافة، وما عدا ذلک لا وضوح فی وجود حکم عقلی بالحُسن.

ص: 223

وبعبارة أکثر وضوحاً: أنّ الظاهر أنّ حکم العقل بحُسن الاحتیاط المسلّم بلا إشکال، ملاکه الانقیاد إلی أمر المولی، ومن الواضح أنّ هذا الانقیاد لا یتحققّ إلاّ إذا أضیف الاحتیاط إلی المولی بنحوٍ من أنحاء الإضافة، وأمّا إذا جاء به لا بهذا النحو؛ فحینئذٍ هذا لیس انقیاداً، الانقیاد مأخوذ فیه أنْ یترکه لاحتمال أنّ الشارع حرّمه، أو یأتی به لاحتمال أنّ الشارع أوجبه هنا یتحققّ قصد القربی، فتکون فیه إضافة، هذا یحکم العقل بحُسنه بلا إشکال، کلامنا فی ما عدا ذلک، فی غیر هذه الحالة، هل یحکم العقل بالحُسن، أو لا ؟ وبهذا نصل إلی أنّ الإشکال الثانی أیضاً وارد علی کون المقام صغری للکبری السابقة، بمعنی أنّ الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط الذی یراد استکشافه من الحکم العقلی هو لیس من سنخ الحکم العقلی؛ لأنّ الاستحباب علی تقدیره هو استحباب ثابت للاحتیاط مطلقاً، وإنْ لم یکن بقصد القربی، بینما ما یحکم العقل بحسنه هو عبارة عن الاحتیاط إذا قُصد به التقرّب وأُضیف إلی المولی(سبحانه وتعالی).

ومن هنا یظهر أنّه علی تقدیر الإیمان بالملازمة بین ما حکم به العقل وما حکم به الشرع لا محذور فی صیرورة الحکم العقلی بحُسن الاحتیاط منشئاً لاستحبابه شرعاً حتّی لو سلّمنا الکبری المیرزائیة المتقدّمة، فی القسم الثانی ممّا یقوله المیرزا(قدّس سرّه) نسلّم أنّه لا یمکن استکشاف الحکم الشرعی من حکم العقل بحُسن الطاعة وقبح المعصیة، إمّا للزوم اللّغویة، أو التسلسل کما یقول، حتّی علی تسلیم الکبری فی المقام لا مانع من استکشاف الحکم الشرعی؛ لأنّ المقام لیس صغری لتلک الکبری، فإذا سلّمنا الملازمة، فلا محذور فی استکشاف استحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط، حتّی إذا سلّمنا تلک الکبری، وبالنتیجة کل هذا موقوف علی التسلیم بالملازمة، لکنّک عرفت أنّ الملازمة أساساً لیست ثابتة، وبهذا یبطل الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب؛ لأنّ الطریق الثانی لاستکشاف الاستحباب کان مبنیّاً علی الملازمة بین ما یحکم به العقل وبین الحکم الشرعی، فإذا أنکرنا الملازمة لا مجال لاستکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من حکم العقل بحُسن الاحتیاط.

ص: 224

نعم، یبقی الطریق الأوّل، وهو استکشاف الحکم الشرعی باستحباب الاحتیاط من الأخبار المتقدّمة التی استدل بها الأخباریون علی وجوب الاحتیاط، فأنّه بعد أنْ فرغنا عن عدم إمکان حملها علی ظاهرها وهو الوجوب لما تقدّم سابقاً؛ حینئذٍ تُحمل علی الاستحباب، فیُستکشف الاحتیاط من هذه الأخبار، واستکشاف الاحتیاط من هذه الأخبار خالٍ عن الإشکال، فتکون هی المنشأ لاستحباب الاحتیاط، ولا مشکلة فی استکشاف استحباب شرعی مولوی طریقی الذی هو محل کلامنا، حیث أنّ محل کلامنا فی الاستحباب الطریقی ولیس فی الاستحباب النفسی؛ لأنّ الاستحباب النفسی خارج عن محل الکلام ولا إشکال فی إثباته، افتراض استحباب شرعی للاحتیاط لا محذور فیه علی ما تقدّم، نستکشف کون هذا الاستحباب مولویاً من نفس الأخبار، بناءً علی القاعدة المتقدّمة أنّ الأصل فی کلام الشارع فی هذا المجال هو أنْ یکون صادراً منه بما هو مولی لا أنّه صادر منه بما هو مرشد ومنبّه، فنأخذ بهذا الظهور الأوّلی ما لم تقم قرینة علی الإرشاد، وحیث لا قرینة علی الإرشاد، فنأخذ بهذا الأصل الأوّلی ونحمل الاستحباب علی کونه مولویّاً، وأمّا أنّه طریقی الغرض منه هو التحرّز عن مخالفة الواقع، فهذا واضح؛ لأنّ هذا شیء مأخوذ فی نفس الاحتیاط، فالاحتیاط عبارة عن التحفّظ علی الواقع والتحرّز عن مخالفته، والمنظور فی الاحتیاط هو إدراک الواقع وتجنّب مخالفته، وهذا معنی أنّ الاحتیاط المستحب احتیاط طریقی، هذا لا مانع من استکشافه من الأخبار بشکل عام من دون التدقیق فی الأخبار وأنّه من أیّ لسانٍ یُستفاد، لکن إذا فرضنا أنّ هناک أخباراً تدل علی وجوب الاحتیاط وتعذّر حملها علی الوجوب لوجود أخبار تدلّ علی البراءة؛ حینئذٍ لا یبقی محذور فی حملها علی الاستحباب، ولا مشکلة فی افتراض الاستحباب المولوی الطریقی. هذا کلّه فی المقام الأوّل.

ص: 225

المقام الثانی: حکم الاحتیاط فی العبادات.

العبادات لها خصوصیّة، الکلام فی هذا المقام یقع بعد أنْ فرغنا فی المقام الأوّل عن حُسن الاحتیاط عقلاً؛ بل فرغنا ----- إذا تمّ الکلام الأخیر ----- عن استحبابه شرعاً، إذن، الاحتیاط حسن عقلاً، ومستحب شرعاً علی ما تقدّم، یقع الکلام فی أنّه کیف یمکن تصوّر الاحتیاط فی العبادات؛ لأنّ تصوّر الاحتیاط فی الواجبات التوصّلیة لا مشکلة فیه؛ لأنّ المطلوب فی التوصّلیات هو تحققّ الفعل فی الخارج بأیّ نحوٍ افتُرض تحققّه، مجرّد أنْ یتحققّ الفعل فی الخارج؛ حینئذٍ هذا هو المطلوب فی باب التوصّلیات، ولا یُشترط فی تحققّه ------ فی المطلوب فی التوصّلیات ------ أنْ یؤتی به بقصد القربی، فلا مشکلة فی الاحتیاط فی التوصّلیات، یحتمل أنّ هذا حرام، فیترکه، أو یحتمل أنّه واجب، فیفعله، لکن المشکلة موجودة فی ما إذا کان الشیء عبادة وأردنا أنْ نحتاط فی تلک العبادة، وفرضنا أننّا شککنا فی أنّ هذه العبادة واجبة، أو لا ؟ ویجب أنْ نفترض أنّ الأمر لا یدور بین الوجوب والاستحباب، وإلاّ أیضاً لا توجد مشکلة فی العبادات إذا دار الأمر بین الوجوب والاستحباب؛ لأنّه فی هذه الحالة یحرز المکلّف الطلب من المولی، غایة الأمر أنّه یشکّ فی أنّ هذا الطلب، أو الأمر وجوبی، أو استحبابی، لکن الطلب موجود، فلا مشکلة فی تصوّر الاحتیاط فی العبادة حینئذٍ؛ لأنّه بإمکانه أنْ یأتی بهذه العبادة المحتملة الوجوب بقصد امتثال أمرها؛ لأنّه یحرز تعلّق الأمر بهذه العبادة، وإنْ کان یشکّ أنّه واجب، وأنّه علی نحو الوجوب، أو علی نحو الاستحباب ؟ الکلام لیس فی هذا، الکلام فیما إذا دار الأمر بین الوجوب والإباحة ----- مثلاً ----- أو بین الوجوب واللّغویة کما فی تقریرات السید الخوئی(قدّس سرّه) (1) یعنی أنّ هذه العبادة إمّا أن تکون واجبة، أو تکون لغواً.

ص: 226


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 296.

الإشکال یقول: کیف یمکن تصویر الإتیان بما یشکّ فی وجوبه ویحتمل أنّه لیس واجباً، وإنّما هو مباح أو لغو، یأتی به علی نحو عبادی، والحال أنّ العبادة مشروطة بقصد امتثال الأمر، ولا یستطیع المکلّف أنْ یقصد امتثال الأمر إلاّ إذا جزم بوجوده، فتتحققّ العبادیة، وأمّا إذا کان شاکّاً بالأمر وغیر عالم به؛ حینئذٍ کیف یمکن أنْ یأتی به علی نحو عبادی؛ لأنّ کونه عبادة مشروط بقصد امتثال الأمر، وهذا إنّما یمکن عندما یکون جازماً بالأمر، وأمّا مع عدم الجزم بالأمر والشکّ فیه، فلا یمکن الإتیان بالفعل علی نحو عبادی، إذن: لا یمکن الاحتیاط فی باب العبادات.

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثانی

الکلام فی الإشکال الذی أورد علی إمکان الاحتیاط فی العبادات، والذی کان یقول بأنّ قصد القربة، والإتیان بالعبادة کعبادة غیر ممکن فی حال الشکّ وعدم العلم بالأمر الذی هو المفروض فی محل الکلام، فلا یمکن تصوّر الاحتیاط فی العبادات.

الجواب عن هذا الإشکال: وهو جواب صحیح، وهو أنّ هذا الإشکال إنّما یتوجّه ویکون له وجه عندما نفترض أننّا نختار القول بأنّ عبادیة العبادة تتوقّف علی الاتیان بها بقصد أمرها الجزمی، واشترطنا فی صحّة العبادة قصد امتثال الأمر الجزمی؛ حینئذٍ یتوجه الإشکال کما هو واضح؛ لأنّه لا یتمکّن من امتثال الأمر الجزمی؛ لأنّه لا جزم بالأمر حتّی یقصد امتثاله، والمفروض أنّ عبادیة العبادة تتوقّف علی ذلک، وهو غیر ممکن، إذن، الاحتیاط غیر ممکن فی ظرف الشکّ وعدم العلم.

لکن هذا القول لیس صحیحاً؛ بل الصحیح هو أنّه یکفی فی عبادیة العبادة مجرّد إضافتها إلی المولی(سبحانه وتعالی)، وهذه الإضافة تتحققّ بلا إشکال بالإتیان بالعبادة برجاء احتمال أنْ تکون مأموراً بها، یعنی قصد امتثال الأمر الاحتمالی کقصد امتثال الأمر الجزمی یکون محققّاً لعبادیة العبادة من دون أنْ یکون هناک فرق بینهما فی تحقق عبادیة العبادة، حیث لم یدل دلیل علی اعتبار قصد امتثال الأمر الجزمی فیها؛ بل ما یُستفاد من الدلیل هو أنْ یأتی بالعبادة قربة إلی الله تعالی، مضافة إلی الله تعالی، وکما أنّ هذا یتحقق بقصد امتثال الأمر الجزمی کذلک یتحقق بقصد امتثال الأمر الاحتمالی، بالنتیجة هو جاء بها لله(سبحانه وتعالی) ولم یأتِ بها لغیره، هذه إضافة، والإتیان بالعمل علی هذا ألأساس یُعتبر انقیاداً للمولی وتقرّباً إلیه، وهذا یکفی فی کون العبادة وقعت علی نحو قربی، ونحن لا نرید أکثر من أنْ یقع الفعل بنحوٍ قربی، والمکلّف قد جاء بالعبادة علی هذا النحو سواء قصد امتثال الأمر الجزمی عندما یکون عالماً بوجود الأمر، أو یقصد امتثال الأمر الاحتمالی عندما لا یکون عالما وجازماً بوجود الأمر، علی کلا التقدیرین انبعاثه وتحرّکه یصدق علیه أنّه نحو من التقرّب، وهذا المقدار یکفی فی عبادیة العبادة وصحّتها.

ص: 227

وعلیه: یرتفع الإشکال السابق؛ لأنّه کان مبنیّاً علی افتراض اعتبار قصد امتثال الأمر الجزمی، وأمّا إذا قلنا بعدم اعتبار ذلک، وکفایة قصد امتثال الأمر الاحتمالی، فهذا الإشکال یرتفع من أساسه ولا وجه له إطلاقاً، ولم یُناقش أحد فی کون هذا التحرّک والانبعاث من احتمال الأمر نوعاً من التقرّب إلی المولی، هذه قضیة مسلّمة عند الجمیع ولا إشکال فیها، فالجمیع یسلّمون أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر هو نحو تقرّبٍ إلی المولی(سبحانه وتعالی) ویتحققّ به قصد القربة المعتبر فی العبادة.

نعم، تکلّموا فی ناحیة أخری أثارها الشیخ(قدّس سرّه) وهی أنّه هل هناک طولیة بین الامتثال الاحتمالی والاحتمال الجزمی، أو لا ؟ بمعنی أنّه هل یعتبر فی صحة الامتثال الاحتمالی، یعنی الإتیان بالعبادة لاحتمال تعلّق الأمر بها، الذی هو محل کلامنا، هل یعتبر فی ذلک عدم التمکّن من الامتثال الجزمی ؟ بحیث إذا تمکّن من الامتثال الجزمی لا یصح منه الامتثال الاحتمالی، أو لا یُعتبر ذلک ؟ وهذا کلام آخر، لکن الکل یتّفقون علی أنّ التقرّب یتحققّ بالامتثال الاحتمالی کما یتحقق بالامتثال الجزمی، والکل یتّفقون علی أنّ الانبعاث والتحرّک عن الأمر الاحتمالی کالانبعاث والتحرّک عن الأمر الجزمی، کل منهما تقرّب إلی المولی، وکل منهما یتحقق فیه قصد التقرّب المعتبر فی العبادة. وهذا الجواب عن الإشکال لا یُفرّق فیه بین ما یُختار فی باب قصد القربة المعتبر فی العبادة من أنّ الحاکم به هو العقل، أو أنّ الحاکم به هو الشارع، أنّه هل أنّ قصد القربة معتبر فی الغرض من دون أنْ یکون داخلاً فی الأمر ومتعلّق الأمر إطلاقاً بحیث یکون الأمر المتعلّق بالواجبات التوصّلیة کالأمر المتعلّق بالواجبات العبادیة، قصد القربة خارج عن کلٍ منهما، وکما هو خارج ------ قصد القربة ------ ولیس له علاقة بمتعلّق الأمر التوصّلی، أیضاً قصد القربة لیس مأخوذاً فی متعلّق الأمر العبادی، وإنّما قصد القربة فی العبادات دخیل فی الغرض، ویکون معتبراً من ناحیة الغرض، بمعنی أنّ المأمور به یتحققّ، لکن الغرض لا یترتّب علی الواجب العبادی إلاّ إذا جاء به علی نحو قربی، بخلاف الواجب التوصّلی، فأنّ الغرض یتحقق منه حتّی إذا جاء به لا بنحو قربی، ومن هنا یکون الحاکم باعتبار قصد القربة، ولا بدّیة قصد القربة هو العقل، فأنّه هو الذی یحکم باعتبار قصد القربة کما هو رأی صاحب الکفایة(قدّس سرّه). أو نقول أنّ قصد القربة مأخوذ فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعبادة، سواء کان فی متعلّق نفس الأمر المتعلّق بالعبادة، أو فی متعلّق أمر آخر سمّاه المحقق النائینی(قدّس سرّه) بمتممّ الجعل بناءً علی استحالة أخذ قصد القربة فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعبادة، فقال بأنّه أخذ فی متعلّق الأمر الآخر المتممّ للجعل، فکأنّه علی رأیه هناک أمران، (1) أمر یتعلّق بذات العبادة، وأمر یتعلّق بالعبادة مع قصد امتثال الأمر الأوّل المتعلّق بالعبادة، یعنی بالإتیان بها علی نحو قربی. أمر یتعلّق بذات العبادة فقط ولم یؤخذ فیه قصد القربة، والأمر الثانی یتعلّق بإتیانها علی نحو قربی. علی کل حال هنا یکون الحاکم باعتبار قصد القربة هو الدلیل والشارع. علی کل هذه التقادیر، سواء کان الحاکم هو العقل، أو کان الحاکم هو الشرع، وسواء أخذناه فی متعلّق الأمر المتعلّق بالعبادة، أو أخذناه فی متعلّق أمر آخر متمم للجعل، علی کل هذه التقادیر یصح هذا الجواب، وعند أصحاب کل هذه الأقوال لا إشکال فی أنّ الامتثال الاحتمالی والانبعاث عن احتمال الأمر هو کافی فی تصحیح العبادة، کما هو الحال فی الامتثال الجزمی والانبعاث عن الأمر الجزمی من دون فرقٍ بین هذه الأقوال.

ص: 228


1- أجود التقریرات، تقریرات بحث النائینی للسید الخوئی، ج 1، ص 116.

إذن: لا ینبغی التوقّف فی هذه المسألة، وبالتالی فی إمکان الاحتیاط فی العبادة التی لا یعلم المکلّف تعلّق الأمر بها، وإنّما هو یحتمل تعلّق الأمر بها. نعم، علی الاحتمال الآخر، بناءً علی أنّه یُشترط فی صحّة العبادة قصد الأمر الجزمی یکون هذا الإشکال وارداً لما تقدّم من عدم الجزم بالأمر فی محل الکلام الذی هو الشکّ فی تعلّق الأمر بالعبادة.

قد یقال: حتّی لو ذهبنا إلی الرأی الثانی الذی یقول باعتبار قصد الأمر الجزمی فی صحّة العبادة، مع ذلک یمکن تصحیح الإتیان بالعبادة احتیاطاً؛ بأنْ لا یقصد الأمر المتعلّق بالعبادة حتّی یقال بأنّه لا جزم فیه، فلا یمکن قصده إلاّ علی نحو التشریع، وإنّما ما یقصده هو الأمر المتعلّق بالاحتیاط، یقصد امتثال الأمر بالاحتیاط، فأنّ الأمر بالاحتیاط هو فی واقعه أمر بالعبادة لکن بعنوان الاحتیاط، حیث أنّه شاکّ فی أنّ هذه العبادة مأمور بها، أو لیست مأموراً بها، وهناک أمر بالاحتیاط ولو بنحو الاستحباب، هذا الأمر بالاحتیاط هو فی واقعه أمر بالإتیان بالعبادة، لکن بعنوان الاحتیاط، وهذا أمر جزمی لا شک فیه، تعلّق الأمر بالاحتیاط ولو علی نحو الاستحباب بحسب الفرض أیضاً جزمی نجزم به، أو لا أقل بناءً علی ثبوت استحباب الاحتیاط، هذا أمر معلوم للمکلّف؛ فیمکنه حینئذٍ أنْ یأتی بالعبادة قاصداً امتثال الأمر بالاحتیاط، باعتبار أنّ الأمر بالاحتیاط هو أمر بالعبادة لکن بعنوان الاحتیاط، فیأتی بالعبادة ویقصد امتثال هذا الأمر؛ وحینئذٍ تصح العبادة ویتحققّ الشرط المعتبر فیها وهو قصد الأمر الجزمی، وهنا قصد امتثال الأمر الجزئی، وبذلک یرتفع الإشکال حتّی علی الرأی الآخر.

تکلّموا عن هذا الطرح وعن التخلّص عن هذا الإشکال علی الرأی الآخر، هل هذا الطرح تام، وهل یلزم منه محذور، أو لا ؟ وقد ذکروا محذوراً عقلیاً لهذا الفرض، بأنْ یأتی المکلّف بالعبادة قاصداً امتثال الأمر بالاحتیاط بحیث یکون قصد امتثال الأمر بالاحتیاط هو المصحح لعبادیة العبادة کما هو المطلوب فی المقام؛ لأنّ المصحح لعبادیة العبادة هو قصد الأمر الجزمی المتعلّق بالعبادة، هنا کأنّه محاولة لإثبات تصحیح العبادة بقصد امتثال الأمر بالاحتیاط، قالوا أنّ هذا یلزم منه محذور، والمحذور هو محذور الدور، أو ما یشبه الدور، وذلک باعتبار أنّ الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط توقف کل أمر علی متعلّقه، وتوقف کل عارض علی معروضه؛ لأنّ الأمر یعرض علی الاحتیاط، فیکون الأمر متوقفاً علی ما یعرض علیه وهو الاحتیاط، قالوا: فلو أردنا تصحیح الاحتیاط بالأمر لزم الدور؛ لأنّ معنی ذلک أنّ الاحتیاط یتوقف علی الأمر به، بینما الأمر بالاحتیاط کان متوقفاً بحسب الفرض علی الاحتیاط توقف کل عارض علی معروضه، فیلزم شیء یشبه الدور، الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط، والاحتیاط لا یمکن أنْ یتوقف علی الأمر به، إذا أردنا تصحیح الاحتیاط فی المقام بالأمر بالاحتیاط، فهذا معناه أنّ الاحتیاط توقف علی الأمر به، والحال أنّ الأمر بالاحتیاط یتوقف علی الاحتیاط، فیلزم شیء من هذا القبیل. وتکلموا کثیراً فی هذه الناحیة، وأنّه ممکن، أو غیر ممکن، وأطالوا الکلام فی ذلک، ولا نری داعیاً فی الحقیقة للدخول فی تفاصیل ذلک باعتبار أنّ کل هذه التفاصیل وکل هذا الکلام مبنی علی فرض غیر صحیح، وهو افتراض اعتبار قصد الأمر الجزمی فی صحّة العبادة. بناءً علی هذا حاولوا التخلّص من الإشکال بقصد الأمر بالاحتیاط، بینما هذا الفرض غیر صحیح، ولیس هو غیر صحیح عند جماعة؛ بل عند الجمیع، الجمیع یتّفقون علی کفایة الأمر الاحتمالی، والظاهر أنّه لا أحد یستشکل فی صحّة العبادة إذا قصد الأمر الاحتمالی، أمّا أنّه مع تمکنه من قصد الأمر الجزمی هل یمکنه الامتثال الاحتمالی، أو لا ؟ فهذه مسألة أخری أشرنا إلیها، لکن لنفترض أنّ المکلّف غیر متمکن من الأمر الجزمی کما هو مفروض فی محل کلامنا، حیث المفروض فی محل کلامنا أنّ المکلّف لا علم له بتعلّق الأمر بتلک العبادة، الجمیع یتّفقون علی کفایة الامتثال الاحتمالی وأنّ الانبعاث عن احتمال الأمر یکون مقرّب إلی المولی سبحانه وتعالی، فیتحقق فیه قصد القربة والإتیان بالفعل بنحوٍ قربی، وکل الأمور المعتبرة فی العبادة تتحقق کذلک، فإذن: لا داعی للدخول فی هذه التفاصیل، ونختم البحث بذلک.

ص: 229

النتیجة: لا إشکال فی إمکان الاحتیاط فی العبادات کما هو ممکن فی غیر العبادات.

هذا تمام الکلام فی التنبیه الثانی من تنبیهات البراءة.

التنبیه الثالث من تنبیهات البراءة

التنبیه الثالث: ما یُسمّی بقاعدة(التسامح فی أدلّة السنن)، أو فی أحادیث من(بلغه). هذا البحث هو من توابع البراءة کما هو مقتضی التسلسل الموجود حیث ذُکر فی تنبیهات البراءة، یکون من توابع البراءة بناءً علی تفسیر الأحادیث التی هی مستند هذه القاعدة والتی هی المدرک فی هذا البحث، تفسیرها بتفسیر؛ فحینئذٍ من المناسب إدراج البحث عن هذه القاعدة فی ذیل البحث عن البراءة وجعلها من تنبیهات البراءة، وهذا التفسیر هو أنْ یقال: أنّ مفاد أخبار(من بلغ) التی هی مدرک هذه القاعدة هو الإتیان بالعمل برجاء موافقة الواقع مع الشکّ فی الحکم، عندما لا یعلم المکلّف بحکم هذا ویشکّ به ولا یثبت عنده ثبوتاً واضحاً، الأخبار تقول لیأتی به برجاء أنْ یکون هذا الشیء الذی بلغه ثابتاً، إذا احتمل استحباب شیءٍ، الذی هو مورد القاعدة، لم یثبت عنده الاستحباب، ولم یدل علیه دلیل تام السند، وإنّما دلّ علیه خبر ضعیف، لا یوجد إلاّ احتمال الاستحباب، الأخبار تقول لیأتی بالفعل برجاء أنْ یکون هذا الاستحباب ثابتاً، ویکون له ثواب حتّی إذا لم یکن ذلک الاستحباب ثابتاً. هذا یناسب جعله من تنبیهات البراءة؛ لأنّه ناظر إلی حثّ المکلّف علی الإتیان بالعمل المشکّوک حکمه، ولو کان حکمه حکماً غیر إلزامی کما هو مورد القاعدة. إذن: کأنّ الأخبار تتحدّث عن حکم الفعل الذی لا یُعلم ما هو حکمه، لیس حکمه الواقعی، وإنّما بمقدار أنّه لو جاء به برجاء أنْ یکون مستحبّاً یکون له ذلک الثواب، فهی تعالج هذه القضیة، فلعلّها تناسب جعلها من تنبیهات البراءة.

ص: 230

لکن إذا فُسّرت الأخبار بتفسیر آخر، بأنْ قیل أنّ المستفاد منها جعل الحجّیة للخبر الضعیف فی الأحکام غیر الإلزامیة، أمّا فی الأحکام الإلزامیة فالحجّة ثابت شرعاً فقط لخبر الثقة، لکن فی الأحکام غیر الإلزامیة تتّسع دائرة الحجّیة لتشمل خبر غیر الثقة، فیکون الخبر الضعیف حجّة لإثبات الحکم الغیر الإلزامی، فکما أنّ خبر الثقة حجّة لإثبات الحکم الإلزامی، خبر الضعیف أیضاً یکون حجّة لإثبات الخبر الغیر الإلزامی، بناءً علی هذا التفسیر؛ حینئذٍ یناسب أنْ تکون هذه القاعدة من توابع خبر الواحد، خبر الواحد إذا کان راویه ثقة، وعادلاً؛ حینئذٍ یکون حجّة ودلّت الأدلة علی حجّیتهّ فی الأحکام الإلزامیة، ویبحث بعد ذلک فی الأحکام غیر الإلزامیة حیث دلّت الأدلة علی أنّ دائرة الحجّیة أوسع من ذلک، وأنّ الحجّیة تثبت حتّی لخبر الضعیف، فالمناسب أنْ یبحث فی ذلک البحث.

علی کل حال، وردت روایات عدیدة وبعضها تام سنداً بلا إشکال، ذکر هذه الروایة الشیخ صاحب الوسائل(قدّس سرّه) فی مقدّمة العبادات فی الباب 18، حیث جمع معظم هذه الروایات وعقد لها باباً مستقلاً، وهذه الروایات بمضمون من بلغه ثواب علی عمل فعمله التماس ذلک الثواب الذی بلغه کان له ذلک الثواب وإنْ لم یکن کما بلغه. (1)

الکلام عن هذه القاعدة یقع فی جهات:

الجهة الأولی: تحدید مفاد هذه الأخبار، حتّی علی ضوء تحدید مفادها نستطیع أنْ نتکلّم فی الجهات الأخری، توجد عدّة احتمالات ثبوتیة فی تعیین وتحدید مفاد هذه الأخبار. السید الخوئی ذکر ثلاثة احتمالات، ورجّح أحد الاحتمالات علی الاحتمالات الباقیة، الاحتمالات التی ذکرها هی (2) :

ص: 231


1- وسائل الشیعة(آل البیت)، الحر العاملی، ج 1، ص 81، أبواب مقدّمة العبادات، باب 18، ح 1، و3، و4، و6، و7، و8، و9.
2- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 301.

الاحتمال الأوّل: أنْ یکون المراد بها هو الإرشاد إلی حکم العقل بحسن الانقیاد والانبعاث من المطلوبیة الاحتمالیة، هناک روایات إرشادیة لا یُستفاد منها حکم مولوی تأسیسی، وإنّما مفادها الإرشاد الصرف إلی حکم العقل بحسن الانبعاث عن المطلوبیة الاحتمالیة، والعقل یحکم بحسن الانبعاث عن المطلوبیة الاحتمالیة، وقلنا سابقاً بأنّ العقل یحکم بحسن کل تقرّب إلی المولی سبحانه وتعالی.

الاحتمال الثانی: أنْ یکون مفاد هذه الأخبار ------ کما أشرنا قبل قلیل ------ هو جعل واسقاط شرائط حجّیة الخبر فی المستحبّات، حیث أنّ أخبار(من بلغ) تُسقط الشرائط المعتبرة فی حجّیة الخبر فی الأحکام الإلزامیة، فاشتراط العدالة والوثاقة، وکل ما نشترط فی حجّیة الخبر فی الأحکام الإلزامیة، أخبار(من بلغ) تُسقِط هذه الشرائط فی المستحبّات، یعنی فی الأحکام غیر الإلزامیة.

وبعبارة أخری: أنّ مفادها هو جعل الحجّیة للخبر الضعیف فی الأحکام غیر الإلزامیة.

الاحتمال الثالث: هو جعل استحباب نفسی موضوعه البلوغ، بمعنی أنّ العمل یکون مستحبّاً علی حدّ استحباب سائر الأفعال الأخری، فیکون العمل مستحباً لکن بالعنوان الثانوی، بعنوان أنّه بلغه ثواب علیه، لا أنّه مستحبّ بعنوانه الأوّلی، لکنّه یکون مستحبّاً نفسیاً بعنوان ثانوی، وهو عنوان أنّه بلغه ثواب علیه، کأنّ هذا العنوان الثانوی عندما عرض علی هذا العمل الذی هو لیس مستحبّاً بعنوانه الأوّلی، عندما عرض علیه أوجب حدوث ملاک ومصلحة فیه تقتضی أنْ یتعلّق به الاستحباب النفسی، فیکون العمل الذی بلغه ثواب علیه مستحبّاً علی حدّ سائر المستحبّات الأخری، وهذا لیس غریباً أنْ یکون عنوان ثانوی یوجب تغیّر الحکم، وهذا لا مشکلة فیه، حیث هناک الکثیر من هذه العناوین التی توجب تغیّر الحکم کعنوان الضرر وعنوان الحرج وغیرها من العناوین، فیکون هناک حکم یُعبّر عنه بالحکم الثانوی، بمعنی أنّه حکم نفسی ثابت بعنوان ثانوی، یعنی لولا العنوان الثانوی هذا الحکم النفسی لا یثبت لذات الفعل، فالبلوغ هو من هذا القبیل.

ص: 232

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثالث بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ التنبیه الثالث

کان الکلام فی تحدید مفاد أخبار(من بلغ) المتقدّمة، وهذه هی الجهة الأولی التی یقع الکلام فیها من هذا البحث، قلنا أنّ السید الخوئی(قدّس سرّه) فی المصباح ذکر احتمالات ثلاثة: (1)

الاحتمال الأوّل: أنْ تکون الأخبار إرشادیة، أی إرشاد إلی حکم العقل بحسن الانقیاد والاحتیاط.

الاحتمال الثانی: أنْ یکون مفادها استحباب العمل استحباباً نفسیاً واقعیاً، لکن بعنوان ثانوی، وهو بعنوان(البلوغ) العمل بعنوانه الأولی لیس مستحبّاً، لکن عندما یتعنون بعنوان(البلوغ) یکون مستحبّاً استحباباً واقعیاً ثانویاً کما قد تتّصف بعض الأفعال التی لا تکون واجبة بعنوانها الأوّلی، لکنّها قد تتّصف بالوجوب بالعنوان الثانوی، کما إذا أمر بالفعل من تجب طاعته.

الاحتمال الثالث: أنْ یکون مفادها جعل الحجّیّة للخبر الضعیف فی باب المستحبات.

ثمّ ذکر بأنّ المناسب لقاعدة التسامح فی أدلّة السنن هو الاحتمال الثالث، یعنی جعل الحجّیة للخبر الضعیف. وبعبارة أخری: اسقاط شرائط الحجّیة فی باب المستحبات، هذا الذی یناسب عنوان القاعدة الذی هو التسامح فی أدلّة السنن، السنن والأحکام غیر الإلزامیة نتسامح فی أدلّتها، فلا یُشترط فیها الشرائط التی تشترط فی الأحکام الإلزامیة. لکنّه استبعد هذا الاحتمال باعتبار أنّه لا یناسب لسان الحجّیة، أی أنّ لسان الأخبار لا یناسب لسان الحجّیة؛ إذ أنّ لسان الحجّیة هو لسان الواقع، وإلغاء احتمال الخلاف، فلا یناسبه التصریح بفرض أنّ هذا قد یکون مخالفاً للواقع، هذا المطلب ذکره المحقق النائینی أیضاً (2) قبل السید الخوئی(قدّس سرّهما)، ذکره بعد أنْ اختار الاحتمال الثالث فی أحدی دورتیه، لکن رجع فی الدورة الثانیة واستشکل فیه بهذا الإشکال، وأنّ الاحتمال الثالث لا یناسب لسان الأخبار؛ لأنّ لسان الأخبار یقول(کان له ذلک وإنْ لم یقله) هذا التصریح بأنّه ثابت حتّی إذا لم یکن مطابقاً للواقع لسانه لا یناسب لسان جعل الحجّیة، فلسان جعل الحجّیة لسان إحراز الواقع، وإلغاء احتمال الخلاف، فلا یناسب هذا اللّسان، فلذلک یکون حمل الأخبار علیه خلافاً لظاهر الأخبار، أو لا أقل ----- کما یقول السید الخوئی(قدّس سرّه) ------ من أنْ الأخبار لا تدل علیه، لا أقل من أنْ نقول أنّ الأخبار لیس فیها دلالة علی هذا الاحتمال الثالث.

ص: 233


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 319.
2- أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 208.

وهکذا الأمر فی الاحتمال الثانی وهو الاستحباب النفسی الثانوی للعمل بعنوان البلوغ، مثل هذا الاحتمال الثانی أیضاً لا نلتزم به، ولا دلالة للأخبار علی أنّ البلوغ ممّا یوجب حدوث مصلحة فی العمل یصیر بها العمل مستحبّاً کما هو مقتضی الاحتمال الثانی، حیث کان الاحتمال الثانی یقول بمجرّد أنْ یتعنون العمل بعنوان البلوغ؛ حینئذٍ تحدث فیه مصلحة، الاستحباب استحباب واقعی، لکنه ثانوی، بمعنی أنّه ثابت للفعل لیس بعنوانه الأوّلی، وإنّما بعنوانه الثانوی، هو استحباب واقعی ینشأ من مصلحة فی العمل، هذه المصلحة ناشئة من تعنونه بعنوان البلوغ. قال(قدّس سرّه):(فالمتعیّن هو الاحتمال الأوّل، فأنّ مفادها مجرّد الإخبار عن فضل الله(سبحانه وتعالی) وأنّه سبحانه بفضله ورحمته یعطی الثواب الذی بلغ العامل، وإنْ کان غیر مطابق للواقع، فهی ------ کما تری ------ غیر ناظرة إلی العمل وأنّه یصیر مستحبّاً لأجل طرو عنوان البلوغ، ولا إلی إسقاط شرائط حجّیة الخبر فی باب المستحبّات). (1) یعنی أنْ نحمل الأخبار علی الإرشاد إلی حکم العقل بحسن الاحتیاط وحسن الانقیاد.

ثمّ أشار(قدّس سرّه) إلی أنّه یترتّب علی ذلک ----- علی اختیار الاحتمال الأوّل ونفی الاحتمال الثانی والثالث ----- انتفاء جملة من المباحث التی ذکروها؛ لأنّ هذه المباحث کلّها مبتنیة علی الاحتمالین الثانی والثالث، فإذا نفینا هذین الاحتمالین، فلا داعی للبحث فی هذه المباحث، قال(قدّس سرّه):(فتحصّل أنّ قاعدة التسامح فی أدلّة السنن ممّا لا أساس لها، وبما ذکرناه من عدم دلالة هذه الأخبار علی الاستحباب الشرعی سقط کثیر من المباحث التی تعرّضوا لها فی المقام): (2)

ص: 234


1- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 319.
2- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، 320.

(منها) أنّ المستفاد من الأخبار هل هو استحباب ذات العمل، أو استحبابه إذا أتی به بعنوان الرجاء، واضح أنّ هذا البحث یلغو بناءً علی ما ذکره؛ لأنّه متفرّع علی الاحتمال الثالث، متفرّع علی الالتزام بأنّ الأخبار تدلّ علی استحباب العمل، فیقع الکلام فی أنّ هذا الاستحباب ثابت لذات العمل، أو ثابت للعمل المأتی به رجاءً، ولغرض التماس ذلک الثواب.

و(منها) ظهور ثمرة الاختلاف بین الاحتمالین الأخیرین، أنّه ما هی الثمرة التی تترتّب علی الاحتمالین الأخیرین، الثانی والثالث، ذکر أنّ الثمرة هی إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ ثبتت حرمته بإطلاق، أو عموم، قال أنّ الثمرة فی الاحتمالین الثانی والثالث تظهر فی هذا المورد، وذلک باعتبار أنّه علی الاحتمال الثالث الخبر الضعیف یکون مخصصاً للعموم، أو مقیّداً للإطلاق؛ لأنّه حجّة، فأنّ الخبر الضعیف فی المستحبات حجّة، وحیث أنّه أخصّ مطلقاً من العموم، وأخصّ مطلقاً من المطلق؛ فحینئذٍ یقیّد المطلق، ویخصص العام، فنرفع الید عن العام الدال علی حرمة هذا الشیء بالخبر الضعیف الدال علی استحبابه، ونلتزم باستحبابه. هذا علی الاحتمال الثالث. وأمّا علی الاحتمال الثانی، فهو یثبّت الاستحباب بعنوان البلوغ؛ فحینئذٍ یقع التزاحم بین الحکم التحریمی والحکم الاستحبابی، حکمان شرعیان یقع التزاحم بینهما؛ حینئذٍ النتیجة واضحة، حیث نقدّم الحکم الإلزامی التحریمی؛ لأنّ الحکم الاستحبابی لا یزاحم الحکم الإلزامی التحریمی، لکن لا یدخل فی باب التخصیص والإطلاق وأمثاله، فلا نخصص العام، وإنّما هذا یدلّ علی حرمة هذا، ودلیل آخر یُثبت لنا استحباب هذا ولیس حجّیة الخبر الضعیف، وإنّما هو بعنوان البلوغ یصیر مستحباً، فالعمل بمقتضی أخبار(من بلغ) مستحب، ومقتضی ذاک الإطلاق، أو العموم هو الحرام، فیتزاحمان، فیُقدم التحریم.

ص: 235

هذا أیضاً نقول لا داعی لبحثه؛ لأنّه مبتنٍ علی بیان الثمرة للقول الثانی والثالث، والمفروض أنّ کلاً منهما غیر ثابت، وإنّما أخبار(من بلغ) إنّما تدلّ علی الاحتمال الأوّل.

و(منها) البحث عن معارضة أخبار(من بلغ) لما دلّ علی اعتبار العدالة والوثاقة فی حجّیة الخبر، وقالوا أنّ هذه الأخبار تتقدّم علی ما دلّ علی اعتبار العدالة والوثاقة فی حجّیة الخبر بالأخصّیة. هذا البحث أیضاً متفرّع علی الاحتمال الثالث، هذا التقدیم إنّما یمکن تصوّره إذا التزمنا بأنّ مفاد الأخبار هو جعل الحجّیة للخبر الضعیف فی باب المستحبات، تلک الأخبار تقول أنّه یُشترَط العدالة والوثاقة فی حجّیة الخبر، یخرج عن هذه الأخبار فی باب المستحبّات بالخصوص؛ لأنّ أخبار(من بلغ) جعلت الحجّیة للخبر الضعیف، وإنْ لم یکن عادلاً، وإنْ لم یکن ثقة، جعلت له الحجّیة فی باب المستحبات، فیُقدّم علبها بالأخصّیة. هذا البحث أیضاً یلغو؛ لأنّه مبنی علی الاحتمال الثالث.

و(منها) البحث عن ثبوت الاستحباب بفتوی الفقیه، هل یثبت الاستحباب بفتوی الفقیه ؟ باعتبار صدق البلوغ؛ إذ لا یشترط فی تحقق عنوان(البلوغ) أنْ یکون بروایة، وإنّما یمکن أنْ یتحققّ بفتوی فقیه ، فلو افتی فقیه باستحباب فعل أیضاً یصدق أنّه بلغنی ثواب علیه. هذا البحث أیضاً یلغو؛ لأنّه متفرّع علی الاحتمال الثانی، متفرّع علی الالتزام بأنّ أخبار(من بلغ) تدلّ علی الاستحباب بعنوان البلوغ، فنتحدّث عن أنّ هذا هل یشمل فتوی الفقیه حتّی یکون الفعل الذی افتی الفقیه باستحبابه مستحبّاً بمجرّد البلوغ، أو لا ؟ هذا هو الموجود فی المصباح.

لکن فی التقریرات الأخری للسید الخوئی(قدّس سرّه) وهی(الدراسات) (1) جعل الاحتمال الثانی لیس ثبوت الاستحباب بعنوان(البلوغ)، وإنّما ثبوت الثواب علی العمل بعنوان(البلوغ)، یقول: أنّ مفاد الأخبار هو أنّه إذا بلغک ثواب علی عمل، فإذا عملته برجاء ذلک الثواب، فأنّه یحدث، ولیس الاستحباب، وإنّما ذلک الثواب یثبت، فمفادها هو جعل الثواب، وإعطاء الثواب للمکلّف الذی بلغه ثواب علی عمل وعمله لالتماس ذلک الثواب، وإنْ کان ذلک الثواب غیر مطابق للواقع، لکن الشارع یُعطی ذلک الثواب للمکلّف. ثبوت الثواب علی العمل بالعنوان الثانوی الطارئ، یعنی عنوان البلوغ، ولیس ثبوت الاستحباب النفسی کما هو الحال فی الاحتمال الثانی فی المصباح. ثمّ التزم فی الدراسات بتعیّن هذا الاحتمال الثانی فی قبال الاحتمالین الأوّل والثالث، بینما هناک التزم بتعیّن الاحتمال الأوّل، یعنی حمل الأخبار علی الإرشاد، وهنا التزم بتعیّن الاحتمال الثانی ونفی الاحتمال الأوّل وهو الإرشاد، باعتبار أنّ الأخبار واردة فی مقام الترغیب والحث علی العمل لا فی مقام الإرشاد، وإنّما هو یحثّ علی العمل، لا أنّه یرشد إلی ما حکم العقل به من حسن الانقیاد، فنفی الاحتمال الأوّل بذلک، والاحتمال الثالث أیضاً منفی بما تقدّم من أنّ لسان الأخبار لا یناسب لسان جعل الحجّیة، وعیّن الثانی، لکنّه طرح الثانی فی البدایة بهذا الشکل: أنّه یستفاد من الأخبار جعل ثواب لهذا الشخص الذی بلغه ثواب علی عمل، فعمله رجاء ذلک الثواب، مفاد الأخبار أنّه یعطی له ذلک الثواب، وإنْ کان ما بلغه غیر مطابق للواقع.

ص: 236


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

ثمّ ذکر(قدّس سرّه) فی مقام الاستدلال علی الاحتمال الثانی الذی اختاره هنا أنّ هذا هو الذی یساعده الظهور العرفی والذوق الطبعی، قال(قدّس سرّه):(فالمتعیّن هو الاحتمال الثالث، وهو الذی یساعده الظهور العرفی والذوق الطبعی، فأنّ المناسب لعظمة الشخص أنّه إذا أسند إلیه الوعد بشیء أنْ یُنجّزه، وإنْ لم یکن الإسناد مطابقاً للواقع). (1) هذا معنی الاحتمال الثانی الذی ذکره فی الدراسات، أنّ الله(سبحانه وتعالی) یعطی ذلک الثواب وإنْ لم یکن ثابتاً. ومن هنا نستطیع أنْ نقول إلی هنا یظهر أنّ هناک فرقاً بین الاحتمال الثالث هنا وبین الاحتمال الثانی هناک، فالاحتمال الثانی هناک هو جعل استحباب واقعی ثانوی نفسی للعمل بعنوان البلوغ، بینما هنا مجرّد أشبه بإعطاء ثواب، والتزام بإعطاء ثواب فی هذه الحالة لا أکثر من هذا، والدلیل الذی ذکره أیضاً یؤیّد هذا الفهم، یؤیّد الفرق بین الاحتمال الثالث هنا وبین الاحتمال الثانی هناک، الدلیل هنا هو مسألة أنّ المناسب لعظمة الشارع أنّه إذا أُسند إلیه وعد أنْ یُنجّز هذا الوعد، القضیة مرتبطة بالثواب، إذا بلغ شخصاً ثواب من الله(سبحانه وتعالی) فهو یعطی ذلک الثواب، لکن فی الدراسات نفسها بعد أنْ طرح الثانی بهذا الشکل، عباراته الأخری واضحة فی أنّ المقصود من الاحتمال الثانی هو الاستحباب، وعبارته صریحة، قال:(وکیف کان فالظاهر من هذه الروایات هو استحباب العمل بمجرد بلوغ الثواب علیه)، (2) وبعد ذلک قال:(واما علی ما اخترناه من ثبوت الاستحباب الشرعی بالبلوغ فیقع التزاحم بین الحکم الاستحبابی و التحریمی). بعد ذلک عقد جهة مستقلّة تکلّم فیها عن البحث الأوّل الذی قال عنه فی المصباح بأنّه یلغو هذا البحث، بینما فی الدراسات عقد جهة مستقلّة تکلّم فیها عن ذلک البحث الذی هو أنّ الاستحباب هل یثبت لذات العمل، أو یثبت للعمل إذا جیء به رجاء ذلک الثواب، وهنا عقد جهة مستقلّة تکلّم فیها عن هذه الجهة، وهذا یعنی أنّه یختار القول بالاستحباب للعمل، غایة الأمر تکلّم فی أنّ الاستحباب یثبت لذات العمل، أو یثبت للعمل المقیّد بما إذا جیء به بعنوان الالتماس والرجاء وأمثاله. وهذا یؤیّد أنّ المقصود بالاحتمال الثالث فی الدراسات هو الاستحباب، ثمّ هناک أیضاً هو نفس المعنی السابق، لعلّه ذکر الثواب هنا فی الدراسات لعلّه تقیّداً بأخبار(من بلغ)، فأنّ أخبار(من بلغ) لا تذکر الاستحباب وإنّما تذکر الثواب، ومن جهة أخری لعلّه من باب أنّه یری الملازمة بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب، أفرض أنّ الروایات تحدّثت عن ترتب ثواب، لکن هذا ترتّب الثواب یکشف عن مطلوبیة للعمل من قبل الشرع وهذا هو معنی الاستحباب، فتکون هناک ملازمة بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب.

ص: 237


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.
2- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

إذن: لا فرق بین أنْ نقول أنّ أخبار(من بلغ) تثبت الاستحباب، وبین أنْ نقول أنّها تثبت إعطاء الثواب الذی بلغه کما بلغه فی هذه الحالة؛ لأنّ ترتب الثواب علی العمل الذی بلغه وجاء به برجاء ذلک الثواب، یستلزم افتراض استحباب العمل شرعاً، فیثبت استحباب العمل شرعاً باعتبار هذه الملازمة، لعلّه من هذا الباب.

نعم، یبقی هناک تنافٍ بین ما ذکره فی الدراسات وبین ما ذکره فی المصباح، حیث قال فی المصباح أنّ هذا البحث یلغو، وأنّه لا یری الاستحباب، قال أنّ هذا البحث أنّه هل یثبت الاستحباب لذات العمل، أو للعمل بقید الإتیان به رجاءً، قال یلغوا هذا البحث هناک، بینما هنا عقد جهة مستقلة تکلّم فیها عن ذلک، وهذا معناه أنّه یری الاستحباب ویقول به. هذا مضافاً إلی أنّه فی المصباح عیّن الاحتمال الأوّل وهو حمل الأخبار علی الإرشاد، بینما هنا لغی الاحتمال الأوّل وناقش فیه بأنّه خلاف ظاهر الأخبار؛ لأنّ ظاهر الأخبار أنّها فی مقام الحثّ والترغیب من قبل الشارع لا فی مقام الإرشاد. دعوی الملازمة بین ترّتب الثواب والاستحباب هذه فی المقام لیست واضحة، وسیأتی الحدیث عنها مفصّلاً، وأنّه هل توجد ملازمة بین ترتّب الثواب وبین الاستحباب، لا أقل فی خصوص المقام ؟ سیأتی الحدیث عنها مفصلاً إنْ شاء الله تعالی. هذا ما نُقل عن السید الخوئی(قدّس سرّه) فی تقریره.

السید الشهید الصدر(رضوان الله علیه) ذکر احتمالات أخری ثبوتیة غیر الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة: (1)

ص: 238


1- بحوث فی علم الأصول، تقریر بحث السید محمد باقر الصدر للسید محمود الشاهرودی، ج 5، ص 121.

الاحتمال الرابع: أنْ یکون مفاد أخبار(من بلغ) مجرّد الوعد لمصلحة فی نفس الوعد بإعطاء ذلک الثواب الذی بلغ هذا المکلّف، وبعد حصول الوعد نقطع بالوفاء بلا إشکال، فالشارع کأنّه یعد من بلغه ثواب علی عمل بإعطائه ذلک الثواب إذا عمله برجاء ذلک الثواب لمصلحةٍ فی نفس الوعد من دون أنْ تکون هناک مصلحة فی الفعل، ومن دون افتراض جعل حکم من قبل الشارع، ولا تحدث مصلحة فی العمل، وإنّما هناک مصلحة فی نفس الوعد، وأنّ هذا الثواب الذی أعدک أنا سوف أعطیه لک بالمقدار الذی بلغک، مجرّد وعد إلهی من قبل المولی بإعطاء هذا الثواب بهذه الشروط، إذا بلغه ثواب علی عمل فعمله رجاء ذلک الثواب، الله سبحانه یعده بإعطائه ذلک الثواب.

الاحتمال الخامس: أنْ یکون مفادها جعل الاحتیاط الاستحبابی فی موارد بلوغ الثواب، مفادها احتیاط لکن فی المستحبّات، الغرض منه التحفّظ علی الملاکات الواقعیة الراجحة الموجودة فی المستحبات الواقعیة فی موارد التزاحم الحفظی، علی أنّه هو یری أنّ الأحکام الظاهریة کلّها تعبّر عن ترجیح ملاکات واقعیة متزاحمة تزاحماً حفظیاً فی مقام حفظها عندما تتزاحم، الأحکام الظاهریة هی تعبیر عن اهتمام الشارع ببعض الملاکات لأهمیتها وترجیحها علی ملاکات أخری تزاحمها، مفاد أخبار(من بلغ) احتیاط استحبابی، احتیاط فی باب المستحبّات لإدراک المستحبّات الواقعیة وملاکاتها الواقعیة، یقول له إذا بلغک ثواب علی عمل، فاحتط وأتی بالعمل حتّی تدرک ملاکات المستحبات الواقعیة إذا کان الشارع یهتمّ بها.

هذه عمدة المحتملات الثبوتیة فی أخبار(من بلغ). الفوارق بین هذه الاحتمالات واضحة من خلال ما تقدّم، الفرق بین الاحتمال الأوّل وبین باقی الاحتمالات واضح؛ إذ أنّ الاحتمال الأوّل إرشاد صرِف، ولیس فیه إعمال مولویة، یعنی الشارع لم یعمل مولویته فی هذه الأخبار إطلاقاً، وإنّما هو إرشاد إلی حکم العقل بحسن الاحتیاط، بینما فی سائر الاحتمالات الأخری هناک إعمال مولویة، جعل حجّیة، وجعل استحباب، ووعد إلهی بإعطاء الثواب مثلاً، جعل احتیاط فی باب المستحبّات.

ص: 239

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ قاعدة التسامح فی أدلّة السنن بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ قاعدة التسامح فی أدلّة السنن

بعد أنْ استعرضنا الاحتمالات المتقدّمة الثبوتیة فی مفاد أخبار(من بلغ) تکلّمنا عن الفوارق بین هذه الاحتمالات، هناک کلام ذکره السید الخوئی(قدّس سرّه) ظاهره أنّه ینکر وجود ثمرة فقهیة بین الاحتمالین الثانی والثالث المتقدّمین، (1) یعنی بین القول بأنّ مفاد الأخبار هو جعل الاستحباب للعمل بعنوان(البلوغ)، وبین کون مفاد الأخبار هو جعل الحجّیة للخبر الضعیف فی المستحبّات، یقول لا ثمرة عملیة فقهیة بینهما؛ لأنّه علی کلا التقدیرین المجتهد یفتی باستحباب العمل، أمّا علی الثانی فواضح؛ لأنّ مفاد الأخبار علی الثانی هو استحباب العمل بالعنوان الثانوی. وأمّا علی الثالث، فأیضاً واضح؛ لأنّ الخبر الضعیف هو حجّة فی إثبات الاستحباب، فالفقیه ینتهی إلی نتیجة ثبوت الاستحباب ویفتی حینئذٍ باستحباب العمل علی کلا التقدیرین، غایة الأمر أنّ الاستحباب الثابت علی التقدیر الثانی هو استحباب واقعی ثانوی ثابت بعنوان(البلوغ)، بینما علی الثالث هو استحباب واقعی أوّلی ثابت للعمل باعتبار دلالة الخبر الضعیف الحجّة بناءً علی الاحتمال الثالث علی استحبابه.

ثمّ ذکر السید الخوئی(قدّس سرّه) وقال: قد یقال بظهور الثمرة فی مورد وهو ما إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب ما ثبتت حرمته بعمومٍ، أو إطلاق. تقدّم ذکر هذا عند نقل کلامه فی البحوث التی قال بأنّها مبنیّة علی اختیار أحد الاحتمالین الثانی، أو الثالث، وحیث أنّه فی المصباح ----- مثلاً ----- لم یرتضِ کلاً منهما، فقال حینئذٍ یلغو هذا البحث، ویکون بلا فائدة؛ لأنّه مبنی علی اختیار البحث الأوّل، أو البحث الثانی، إذا قام خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ وکان مقتضی عموم دلیل، أو مقتضی إطلاق دلیل حرمة ذلک الشیء، هنا ذکروا بأنّه بناءً علی القول الثانی حینئذٍ یقع التزاحم بین الحکم الاستحبابی وبین الحکم التحریمی؛ لأنّ أخبار(من بلغ) تدلّ علی استحبابه، بینما العموم والإطلاق یدلّ علی تحریمه، فیقع التزاحم بین هذین الحکمین، ولا إشکال فی تقدیم الحکم الإلزامی فی هذا المجال، فیُحکم بحرمته، بینما علی الاحتمال الثالث، یعنی حجّیة الخبر الضعیف فی المستحبّات؛ حینئذٍ یکون هذا أخص مطلقاً من العموم، أو الإطلاق، فیخصصّ العموم، أو یقیّد الإطلاق، وبالتالی یُلتزم باستحبابه لا بحرمته، وهذه ثمرة بین القولین، السید الخوئی(قدّس سرّه) سابقاً کان یقول هذا البحث یلغو؛ لأنّه علی أحد الاحتمالین الثانی، أو الثالث، وکما قلنا أنّه فی المصباح لم یرتضِ کلاً منهما، الآن یقول قد یقال: بأنّ الثمرة بین القولین تظهر فی هذا الفرض؛ لأنّه علی الاحتمال الثانی یُحکم بحرمة الفعل، بینما علی الاحتمال الثالث یُحکم باستحبابه؛ لأنّه علی الاحتمال الثالث یکون الخبر الضعیف الحجّة ------ بحسب الفرض ------ مقیّداً للعموم والإطلاق، العموم یشمله بعمومه، فیخصصّه هذا الخبر، والإطلاق یشمله بإطلاقه، فیقیّده هذا الخبر، وبالتالی نلتزم بمضمون هذا الخبر، یعنی نلتزم بالاستحباب، وهذه ثمرة تظهر بین القولین، فقد یقال: بأنّ هناک ثمرة بین القولین تظهر فی هذا المورد.

ص: 240


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 302.

وأجاب عن ذلک: (1) بادعاء أنّ مثل هذا الخبر فی هذا المورد الخاص أصّلاً لا تشمله أخبار(من بلغ) حتّی نتکلّم أنّه بناءً علی الاحتمال الثالث فیها نلتزم بالتخصیص وبالتالی بالاستحباب، وأمّا علی الاحتمال الثانی فیها، فیُلتزم بالتزاحم وبالتالی یُلتزم بالتحریم، یقول هذا الخبر أصلاً لیس مشمولاً لأخبار(من بلغ)؛ لأنّه یری أنّ الأخبار منصرفة عن مثله، ومختصّة بمن بلغه الثواب فقط، أمّا من بلغه العقاب مضافاً إلی بلوغ الثواب کما هو فی هذا المورد؛ لأنّ هذا المورد بلغه الثواب بالخبر الضعیف، وبلغه العقاب بالعموم والإطلاق الدال علی حرمته بإطلاقه، أو بعمومه، فیکون المکلّف قد بلغه العقاب أیضاً علی هذا العمل، یقول الأخبار منصرفة عن ذلک، والأخبار لا تشمل إلاّ من بلغه الثواب فقط، أمّا من بلغه الثواب والعقاب، فهذا لا تکون الأخبار شاملة له؛ بل منصرفة عنه، وفی (المصباح) (2) ذکر وجهاً یمکن جعله هو الوجه فی دعوی الانصراف، وهو دعوی أنّ الأخبار لا تشمل مقطوع الحرمة، ولو قطعاً تعبّدیاً کما هو المفروض فی محل الکلام؛ لأننّا نفترض أنّ العموم والإطلاق ثابت اعتباراً؛ فحینئذٍ یکون موجباً للقطع بالحرمة، ولو قطعاً ----- کما قلنا ----- تعبّدیاً، والقطع بالحرمة یستلزم القطع بالعقاب واستحقاق العقاب، باعتبار الملازمة بین القطع بالحرمة والقطع باستحقاق العقاب؛ حینئذٍ کیف یمکن الالتزام بترتّب الثواب علی الاتیان به مع القطع باستحقاق العقاب علی الاتیان به، هذا غیر ممکن أصّلاً، ومن هنا، فإنّ أخبار(من بلغ) لا تشمل مقطوع الحرمة؛ لأنّ القطع بحرمته یساوق القطع بترتّب العقاب علی فعله، ومع القطع بالعقاب علی الفعل کیف یمکن الالتزام بترتّب الثواب علی الفعل، ومن هنا تختص أخبار(من بلغ) بخصوص من بلغه الثواب، فلا تشمل محل الکلام؛ لأنّه فی محل الکلام فرضنا بلوغ الثواب وبلوغ العقاب، وأخبار(من بلغ) منصرفة عن ذلک ولا تشمله، فإذن: لا یصح دعوی وجود الثمرة بالشکل الذی ثبوته فرع الالتزام بشمول أخبار(من بلغ) لذلک الخبر الضعیف حتّی یُفصَّل علی الاحتمال الثانی وعلی الاحتمال الثالث، بینما أخبار(من بلغ) أساساً هی لا تشمل مثل هذا الخبر؛ حینئذٍ هذه الثمرة لا تکون صحیحة.

ص: 241


1- دراسات فی علم الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للسید الشاهرودی، ج 3، ص 303.
2- مصباح الأصول، تقریر بحث السید الخوئی للبهسودی، ج 2، ص 320.

هذا الکلام کأنّه غیر مقبول، أمّا علی الاحتمال الثالث، بناءً علی أنّ مفاد أخبار(من بلغ) هو جعل الحجّیة للخبر الضعیف؛ لأنّ الخبر الضعیف بناءً علی هذا الاحتمال یصیر حجّة فی إثبات الاستحباب، وإذا صار حجّة یکون موجباً للقطع بترتّب الثواب علی الفعل، کما أنّ دلیل الحرمة الحجّة یوجب القطع بترتّب العقاب علی الفعل، علی الاحتمال الثالث یکون الخبر الضعیف موجباً للقطع بترتّب الثواب علی الفعل، فیجب أنْ نتعامل معهما علی هذا الأساس، یوجب القطع بترتّب الثواب علی الفعل، ولا یمکن أنْ نقول أنّ الأخبار لا تشمل هذا المورد؛ لأنّ القطع بالحرمة یستلزم ترتّب العقاب علی الفعل؛ إذ لا فرق بین دلیل الحرمة ودلیل الاستحباب بناءً علی الاحتمال الثالث، فأنّ کلاً منهما حجّة، یعنی القطع بترتّب العقاب یقابله القطع بترتّب الثواب، فلا وجه لأنْ نقول بأنّ القطع بالحرمة یوجب القطع بترتّب العقاب، فلا تشمله هذه الأخبار، إبراز هذه النکتة وحدها فقط غیر کافیة لإثبات الانصراف؛ لأنّ القطع بترتّب العقاب یقابله القطع بترتّب الثواب علی الاحتمال الثالث؛ بل لعلّ الأمر کذلک علی الاحتمال الثانی أیضاً بناءً علی أنّ مفاد الأخبار هو ثبوت الاستحباب للفعل بالعنوان الثانوی، أی بعنوان(البلوغ)؛ لأنّه بناءً علیه الاستحباب فی الحقیقة لا یثبت للخبر الضعیف کما هو الحال بناءً علی الاحتمال الثالث، الاستحباب لا یثبت للخبر الضعیف علی الاحتمال الثانی؛ لأننّا لم نصل إلی نتیجة أنّ الخبر الضعیف حجّة فی المستحبات، وإنّما الاستحباب یثبت لأخبار(من بلغ) غایة الأمر أنّ الخبر الضعیف یحقق موضوع هذا الاستحباب وشرطه وهو عنوان(البلوغ) یحققه وجداناً، وإنْ کان خبراً ضعیفاً لیس حجّة، لکن یحقق عنوان(البلوغ)، فإذا تحققّ عنوان(البلوغ) حینئذٍ یثبت الاستحباب بأخبار(من بلغ) لا بالخبر الضعیف، بمعنی أنّ الاستحباب یثبت لا بالخبر الضعیف حتّی علی الاحتمال الثانی، وإنّما یثبت بأخبار(من بلغ) والمفروض أنّ أخبار(من بلغ) تامّة سنداً وحجّة ومعتبرة، ویکون هذا موجباً للقطع بالاستحباب بعد تحقق موضوعه وجداناً بالخبر الضعیف، والقطع بالاستحباب أیضاً یوجب القطع بترتّب الثواب، فکما أنّ هناک قطعاً بترتّب العقاب علی الفعل، هناک قطع بترتّب الثواب علی الفعل، دلیل الحرمة یوجب القطع بترتّب العقاب علی الفعل، الخبر الضعیف علی الاحتمال الثالث، أخبار من بلغ علی الاحتمال الثانی توجب القطع بترتّب الثواب، فیقع التعارض بینهما. إبراز هذه النکتة کنکتةٍ للانصراف لیس واضحاً.

ص: 242

نعم، یمکن إدّعاء الانصراف بنکتةٍ أخری، یعنی انصراف أخبار(من بلغ) عن مورد بلوغ العقاب علی العمل، مضافاً إلی بلوغ الثواب یُدّعی الانصراف بقرینة أخری وهی قوله(علیه السلام):(فعمله التماساً لذلک الثواب) هذا لا یبعد انصرافه إلی حالة بلوغ الثواب فقط، ولعلّ ظاهره أیضاً بلوغ الثواب فقط؛ لأنّ التماس ذلک الثواب تصوّره لیس صحیحاً عندما یکون الشخص بلغه ثواب وبلغه عقاب علی العمل، فعندما یبلغه ثواب علی العمل ویبلغه عقاب علی العمل، خصوصاً فی مورد الکلام الذی بلغه عقاب علی العمل بدلیلٍ معتبر، بینما بلغه الثواب بخبر ضعیف ------ بحسب الفرض ------ ونحن نرید أنْ نتکلّم عن أخبار(من بلغ) أنّها تدل علی حجّیة الخبر الضعیف، أو لا ؟ بالنتیجة هو بلغه ثواب بخبر ضعیف، وبلغه عقاب علی العمل بخبر معتبر بعموم، أو إطلاق، الخبر عندما یقول:(فعمله التماساً لذلک الثواب) منصرف عن هذه الحالة، ظاهر فی بلوغ الثواب فقط، هذا غیر بعید، ولا یبعُد أنْ یقال ذلک، أنّ الخبر منصرف عن حالة بلوغ العقاب مع بلوغ الثواب، فلا یکون شاملاً لذلک، وإنّما هو یختص بحالة بلوغ الثواب، أنّ الشخص الذی یبلغه العقاب علی عمل بخبر معتبر، ویبلغه الثواب علی العمل نفسه بخبر ضعیف عادةً لا یأتی بالعمل التماساً للثواب مع وصول العقاب علیه بدلیل معتبر، الأخبار لیست ناظرة إلی هذه الحالة، وإنّما ناظرة إلی حالة بلوغ الثواب فقط، جاءه خبر یدلّ علی ثبوت الثواب لشیءٍ، هذا تکون الأخبار شاملة له، وأمّا افتراض أنّه بلغه الثواب وبلغه العقاب بخبر المعتبر کما هو المفروض فی هذا المقام، لا یبعُد کما قال انصراف الأخبار عنه، فعلی کل حالٍ یمکن ذکر ثمرة، أو بعض الثمرات بین القولین الثانی والثالث غیر ما ذُکر، وتتفرّع هذه الثمرة علی ما قلناه من أنّ الاستحباب الثابت بناءً علی الاحتمال الثانی هو استحباب واقعی ثانوی، یعنی ثابت للفعل بعنوانه الثانوی، أی بعنوان(البلوغ) بینما الاستحباب إذا ثبت علی الاحتمال الثالث یکون استحباباً واقعیاً ثابتاً للفعل بعنوانه الأوّلی بناءً علی حجّیة الخبر الضعیف فی باب المستحبات، یترتب علی ذلک هذه الثمرة، وهی تظهر فیما إذا دلّ خبر ضعیف علی استحباب شیءٍ ودلّ خبر صحیح علی عدم استحبابه ولیس علی حرمته.

ص: 243

أمّا علی الاحتمال الثانی فلا توجد مشکلة، فنأخذ بکلا الخبرین، بمعنی أننّا نلتزم باستحباب الفعل بعنوانه الثانوی، وعدم استحبابه بعنوانه الأوّلی عملاً بالخبر الصحیح الدال علی عدم استحبابه، بأنّه ینفی الاستحباب عنه بعنوانه الأوّلی، وهذا لا ینافی أنْ نلتزم بأنّ نفس هذا الفعل، لکن بعنوانه الثانوی یکون مستحبّاً عملاً بأخبار(من بلغ) بعد أنْ نختار فی تفسیرها وتحدید مفادها الاحتمال الثانی الذی یثبت استحباب الفعل بعنوان(البلوغ)، ولا محذور فی أنْ نلتزم بأنّه مستحب بعنوانه الثانوی، ولیس مستحبّاً بعنوانه الأوّلی، فنأخذ بکلا الدلیلین، یعنی بالخبر الصحیح النافی للاستحباب، وبأخبار(من بلغ) الدالة علی الاستحباب بالعنوان الثانوی.

وأمّا علی الاحتمال الثالث، یعنی بناءً علی حجّیة الخبر الضعیف فی باب المستحبات؛ حینئذٍ یقع التعارض بین الخبرین؛ لأنّه علی الاحتمال الثالث الخبر الضعیف یکون حجّة فی باب الاستحباب، فیعارض الخبر الصحیح النافی للاستحباب، فیقع التعارض بینهما.

هذه ثمرة بین القولین علی الاحتمال الثانی نأخذ بکلا الدلیلین، ونلتزم بالاستحباب بالعنوان الثانوی، بینما علی الاحتمال الثالث یقع التعارض بین الخبرین، فالثمرة بین القولین الثانی والثالث تظهر فی هذا المورد وفی غیره من الموارد لا داعی للتعرّض لها.

نأتی إلی البحث الإثباتی، إنّ هذه الاحتمالات المتعددّة فی أخبار(من بلغ) ما هو الاحتمال الأقرب منها علی ضوء ما یُفهم من الأدلّة ؟ نتعرّض أولاً للاحتمال الثالث وهو أنّ مفاد الأخبار هو عدم اعتبار شرائط الحجّیة فی الخبر فی باب المستحبات، أو بعبارة أخری: جعل الحجّیة للخبر الضعیف فی باب المستحبات.

هذا الاحتمال الثالث استُشکل فی إفادته من أخبار(من بلغ) بهذا الإشکال المعروف، وهو أنّ دلیل الحجّیة لابدّ أنْ یکون ناظراً إلی الواقع، ومثبتاً للواقع بإلغاء احتمال الخلاف، بینما هذه الأخبار کما نفهمها صریحة فی إثبات ترتّب الثواب مع عدم التعرّض لإلغاء احتمال الخلاف؛ بل ------ وهو المهم ------ التعرّض لتقریر هذا الاحتمال بقوله:(وإنْ لم یکن کما بلغه) کما فی بعض الروایات، أو(وإنْ کان رسول الله لم یقله) هذا التصریح بأنّ هذا حجّة وطریق لإدراک الواقع، وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع لا یناسب لسان الحجّیة، فلسان الحجّیة لسان إلغاء احتمال الخلاف، لسان أنّ هذا یحرز الواقع، هذا لا یناسبه أنْ یُصرّح بأنّ هذا حجّة وإنْ لم یحرز الواقع، هذا التصریح بأنّه وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع یُعبر عنه فی الروایات(وإنْ لم یکن کما بلغه)، أو(وإنْ لم یکن کما قاله رسول الله صلّی الله علیه وآله وسلّم) حسب اختلاف التعبیرات، هذا لا یناسب الحجّیة، فلسان الحجّیة أنّ هذا یحرز الواقع وموصل إلی الواقع، إلغِ احتمال الخلاف، ولا تعتنی باحتمال الخلاف، وتتمیم الکشف، وأمثال هذه التعبیرات، وکلّها ترجع إلی جعل هذا طریقاً موصلاً إلی الواقع، فما معنی أنْ یقول: أبنِ علی أنّ هذا طریق إلی الواقع، محرز للواقع، والغ احتمال الخلاف وإنْ کان غیر مطابقاً للواقع، هذا لا یناسب لسان الحجّیة، فاللّسان الموجود فی هذه الأخبار لا یناسب لسان الحجّیة. ومن هنا یکون هذا الاحتمال الثالث مستبعداً علی هذا الأساس. هذا الإشکال منقول عن المحقق النائینی(قدّس سرّه)، نقله عنه تلامذته. (1)

ص: 244


1- (4) أجود التقریرات، تقریر بحث النائینی للسید الخوئی، ج 2، ص 208. .

أجیب عن هذا الکلام: کما هو موجود فی کلامٍ للشیخ حسین الحلّی(قدّس سرّه) تعلیقاً علی کلام استاذه بعد أنْ نقله بهذا المضمون علّق علیه، ذکر ما حاصله: أنّ إبداء احتمال المخالفة وإنْ کان لا یناسب جعل الحجّیة کما ذکر؛ لأنّ المناسب له هو صرف نظر المکلّف عن احتمال المخالفة وتحویل نظره إلی البناء علی المطابقة لا جعل احتمال المخالفة نصب عینیه، وکأنّ الروایات تجعل احتمال المخالفة نصب عینیه عندما تقول(وإنْ لم یکن کما قاله)، أو (وإن کان لیس کما بلغک) یقول هذا لا یناسب جعل الحجّیة، إلاّ أنّه مع ذلک لعلّ المقام مقام إبداء ذلک الاحتمال، فیمکن أنْ نفترض أنّ المقام یستدعی إبداء ذلک الاحتمال وسدّه تعبّداً بأنْ یقال له هذا الخبر حجّة کاشف عن الواقع، فیلزمک البناء علی المطابقة للواقع وإنْ کنت وجداناً تحتمل المخالفة للواقع، حتّی إذا کنت تحتمل المخالفة للواقع أبنِ علی أنّ هذا مطابق للواقع، الذی هو معنی الحجّیة، وذکر بأنّ هذا یصح إذا فرض تشکیکه فی ذلک، ولو من جهة ظاهر حاله، أنّ المخاطَب فُرض فیه أنّه یشکّک فی جعل الحجّیة حتّی مع احتمال المخالفة للواقع، یُشککّ فی جعل الحجّیة، فیقال له هذا الکلام، فیُبرَز له هذا الاحتمال ویُحکم بإلغائه وأنّه لا قیمة له، أنّ هذا أجعله حجّة وطریقاً موصلاً إلی الواقع حتّی إنْ کنت تشکّ فی مطابقته للواقع، إبداء هذا الاحتمال وإبرازه قد یکون لغرض، صحیح طبیعة جعل الحجّیة یقتضی أنْ لا یُبرَز هذا الاحتمال وأنْ یُجعَل نصب عینیه کما قال، هذا هو المناسب لجعل الحجّیة، لکن لا مانع من فرض أنّه فی حالة معیّنة قد یستدعی المقام إبراز هذا الاحتمال من قبل نفس جاعل الحجّیة، فیبرز هذا الاحتمال له حتّی یسدّه، حتّی یحکم بإلغائه، فیقول له وإنْ کنت تحتمل المخالفة للواقع وعدم المطابقة للواقع، أنا أقول لک أجعله طریقاً للواقع، فیکون مناسباً لجعل الحجّیة، بناءً علی هذا لا یکون هذا اللّسان لساناً منافیاً لجعل الحجّیة.

ص: 245

هذا الکلام ----- فرضاً ----- ممکن، لکن المشکلة أنّ أخبار(من بلغ) عندما جعلت الحجّیة لا تنظر إلی خصوص هذا، وإنّما جعلت الحجّیة مطلقاً، جعلت الحجّیة لکل شخصٍ لا خصوص هذا الذی یفترض کونه یشککّ فی جعل الحجّیة مع المخالفة، لیس فقط لهذا، وإنّما جُعلت الحجّیة بهذا اللّسان بإبراز احتمال المخالفة للواقع مطلقاً، ولکل أحد، هذا یقال أنّه لا یناسب جعل الحجّیة، خصوصاً وأنْ الأخبار تقول(وإنْ لم یکن کما قاله)، ولیس أنّها تقول(وإن کنت تحتمل أنّها مخالفة) کما هو ذکر، وإنّما تقول(وإنْ لم یکن کما قاله رسول الله)، أو(وإنْ لم یکن کما بلغک) یعنی إبداء احتمال المخالفة الواقعیة لا أنّ المکلّف، وإن کنت تحتمل المخالفة للواقع وعدم المطابقة له، وإنّما اللّسان واضح فی أنّ جعل الحجّیة بمعنی الطریقیة، بمعنی الکشف عن الواقع، بمعنی أصالة الواقع وإلغاء احتمال الخلاف، وإنْ لم یکن مطابقاً للواقع، هذا مفاد الأخبار، التصریح بهذا لیس مناسباً لجعل الحجّیة، وإنّما المناسب لجعل الحجّیة أنْ یجعلها طریقاً، ولا یصرّح بأنّه حجّة حتّی إذا کان مخالفاً للواقع، هو فی الواقع هکذا، هو حجّة حتّی إذا کان مخالفاً للواقع، لکن الکلام لیس فی هذا، وإنّما الکلام فی تصریح الجاعل نفسه، کما ذکر هو(قدّس سرّه) بأنّ المناسب لیس أنْ یبرز هذا الاحتمال ویجعله أمام عینیه، المناسب أنْ یجعل هذا طریقاً إلی الواقع ویسکت، ویلغی احتمال الخلاف أمّا أنْ یقول أبنِ علی أنّ هذا مطابق للواقع، وإنْ کان مخالفاً فی الواقع، فهذا لا یناسب لسان جعل الحجّیة.

نعم، أصل الإشکال مبنی علی مسلک جعل الطریقیة فی تفسیر الحجّیة، بمعنی أنه بناءً علی جعل الطریقیة وتتمیم الکشف، وإلغاء احتمال الخلاف یأتی هذا الکلام، أنّ هذا اللّسان الموجود فی الأخبار لا یناسب جعل الحجّیة؛ لأنّ جعل الحجّیة یعنی تتمیم الکشف، یعنی جعله طریقاً إلی الواقع، فلا معنی لأنْ یقول له هذا طریق إلی الواقع، وإنْ لم یطابق الواقع.

ص: 246

وأمّا إذا فسّرنا الحجّیة بمسالک أخری من قبیل جعل الحکم المماثل، أو من قبیل المنجّزیة والمعذریة؛ فحینئذٍ لا یرد هذا الکلام، فلسان الأخبار لیس منافیاً للسان جعل الحجّیة بهذا المعنی، بمعنی جعل الحکم المماثل، لا علاقة له بالواقع، یجعل حکماً مماثلاً لمؤدّی الإمارة، أو أنّ مؤدّی الإمارة منجّز علیه، أو معذّر له، هذا لا یرد علیه الإشکال؛ لأنّ أصل الإشکال مبنی علی الطریقیة وتتمیم الکشف وأمثال هذه الأمور، لکن بالرغم من هذا ----- أنّ هذا مبنی علی مسلک جعل الطریقیة، وأننّا إذا فسّرنا الحجّیة بتفسیر آخر، فهذا الإشکال لا یرد ----- مع ذلک یمکن أنْ یقررّ الإشکال بتقریر آخر خالٍ من هذا، یأتی بیانه إنْ شاء الله تعالی ، یعنی یجری علی کل المسالک فی تفسیر الحجّیة.

درس الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ قاعدة التسامح فی أدلّة السنن بحث الأصول

الموضوع: الأصول العملیّة/ البراءة/ تنبیهات البراءة/ قاعدة التسامح فی أدلّة السنن

کان الکلام فی الاحتمال الثالث فی تفسیر أخبار(من بلغ) ویبدو أنّه تامّ،ولکنّه مبنی علی مسلک الطریقیة، مبنی علی مسلک تفسیر الحجّیة بإلغاء احتمال الخلاف والطریقیة؛ حینئذٍ الحجیة لا یناسبها هذا اللّسان الموجود فی هذه الأخبار، لسان إبداء احتمال المخالفة للواقع، ومن هنا لا یمکن أنْ نفسّر الأخبار بأنّ المقصود بها هو حجّیة الخبر الضعیف فی باب المستحبات. أمّا إذا اخترنا مسلکاً آخراً فی الحجّیة، لا ینافیه هذا اللّسان، هذا اللّسان لا یکون منافیاً لتفسیر الحجّیة بالمنجّزیة والمعذّریة، أو تفسیرها بجعل الحکم المماثل وأمثاله.

لکن قد یقال: یمکن الخدشة فی هذا الاحتمال باعتبار أنّه ینافی ظاهر بعض الأخبار وهی الأخبار التی تقیّد العمل بما إذا جاء به رجاء ذلک الثواب، أو رجاء أنْ یکون کما قاله الرسول(صلّی الله علیه وآله وسلّم)، برجاء أنْ یکون مطابقاً للواقع. لا یبعد أنّ هذه قرینة علی عدم حدوث هذا الاحتمال؛ لأنّ هذا الاحتمال لا ینسجم مع الإتیان بالعمل رجاءً، والتماس ذلک الثواب، هذا موجود فی بعض أخبار الباب، هذا إنّما یکون عندما لا یکون الشیء ثابتاً، وإنّما هو احتمال صرف، مجرّد احتمال؛ فحینئذٍ یقال: یؤتی به برجاء ذلک الشیء الغیر الثابت، هو قال: من جاء بالعمل اعتماداً علی الخبر الضعیف برجاء أنْ یکون الثواب ثابتاً یکون له ذلک الثواب؛ لأنّ الخبر الضعیف حجّة، واستفیدت حجّیته من هذه الأخبار، هذا لا یناسب إلاّ ما إذا کان الشیء غیر ثابت، لا ثبوتاً وجدانیاً، ولا ثبوتاً تعبّدیاً، وإنّما هو احتمال صرف، الإتیان بالعمل رجاءً یناسب ذلک، أمّا إذا فرضنا أنّ الشیء کان ثابتاً وجداناً، أو کان الشیء ثابتاً ثبوتاً تعبّدیاً. أمّا إذا فرضنا الحجّیة، وأنّ مفاد الأخبار هو جعل الحجّیة للخبر الضعیف الدال علی الاستحباب، تقیید العمل وترتّب الثواب علیه بما إذا جاء به رجاء ذلک الثواب، هذا لا یناسب جعل الحجّیة؛ لأنّه إذا قامت الحجّة علی الثواب وعلی الاستحباب، فلا معنی لأنّ یأتی به برجاء ذلک الثواب، کیف ؟ والثواب ثابت ------ بحسب الفرض ------ الثواب والاستحباب ثابت بالحجّة والدلیل المعتبر، فیأتی به لاستحبابه ولیس برجاء الاستحباب والثواب، هذا لا یناسب الحجّیة، وإنّما یقال: المناسب ف