مجد البيان في تفسير قرآن

هویة الکتاب

بطاقة تعريف: الاصفهاني النجفي ، محمدحسین بن محمدباقر،1266- 1308ق.

عنوان واسم المؤلف: مجدالبیان في تفسیرالقرآن/ محمدحسین الاصفهاني النجفي.

تفاصيل المنشور: تهران: موسسة البعثة، قسم الدراسات الاسلامیة، 1408ق.= 1366.

مواصفات المظهر: 663 ص.: نمونه.

ملحوظة: ببليوغرافيا مع ترجمة.

موضوع : تفسيرات الشيعة -- قرن 13ق.

المعرف المضاف: موسسة البعثة، وحدة العلاقات الدولية

ترتيب الكونجرس: BP97/5/الف 6م 3 1366

تصنيف ديوي: 297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 71-3584

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

كلمة الناشر

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكتاب

اشارة

* طبع لأوّل مرّة على الحجر سنة 1313 ه بطهران في 313 صفحة مع أخطاء كثيرة. قام بطبعه و تحريره عن خط المؤلف (ره) السيد محمّد تقي الموسوي الخوانساري.

* أعيد طبعته هذه سنة 1317 ه مع ترجمة للمؤلف في المقدمة بقلم شقيقه (رهما).

و أما في طبعته الاخيرة

* تم أولا استنساخ التفسير المطبوع ثم قوبل مع نسخة المؤلف الخطيّة بعد استحصالها من ذويه، و جرى تصحيح كثير من الاخطاء الناشئة عن الكاتب كما أجريت تصحيحات على بعض الاخطاء النحوية. و ذكر أيضا بعض مواضع الاختلاف بين النسخة الخطيّة و النسخة المطبوعة الحجريّة في الهامش.

* ذكر في الهامش مواضع الآيات و مصادر الاحاديث و الاقوال المنقولة بأجمعها تقريبا.

* المؤلّف (ره) بدأ كلّ صفحات كتابه بعبارة: «ربّ يسّر بحق م، ع، ف، ح، ح (ع)» متوسّلا بالخمسة الميامين من أصحاب

ص: 5

الكساء عليهم السّلام. لذلك ارتأينا ذكر نفس هذه العبارة في بداية كلّ صفحة.

* إنّ هذا الكتاب معروف ب «تفسير الاصفهاني» غير أنّ المؤلّف لم يضع له اسما و بناء على طلب ذوي المؤلّف (ره) سمّيناه «مجد البيان في تفسير القرآن».

* المراحل العلمية في المقابلة و التحقيق و التعليق جرت تحت إشراف حجة الاسلام محمّد پاكتچى.

و من اللّه التوفيق، و الحمد للّه أوّلا و آخرا.

قسم الدراسات الاسلامية في مؤسسة البعثة

ص: 6

ص: 7

ص: 8

ترجمة المؤلّف

بقلم أخيه الحجة الشيخ حاج آقا نور اللّه طاب ثراه

بسم الله الرحمن الرحيم و به ثقتي

الحمد للّه ربّ العالمين خالق الخلق أجمعين، و الصلاة و السّلام على محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

أمّا بعد، فيقول العبد المذنب الخاطئ الراجي إلى رحمة اللّه «مهدي» الملقب ب «نور اللّه» - عفى اللّه عن جرائمه و آثامه، و أيده اللّه بطاعته في قصير أيّامه -:

قد سألني بعض الاخلاّء ممّن لا يسعني مخالفته، و لا يمكنني مماطلته أن أذكر نبذا من أحوال صاحب هذا الكتاب من غير إيجاز و إطناب ليكون الناظر فيه على بصيرة من الامر، و حظّ من الدهر. فأجبته شكرا لجزيل الآلاء، و قضاء لحقّ الاخاء، مع ضيق المجال و اختلال البال، متوكلا على اللّه الملك المتعال، و هو حسبي في كلّ حال. فأقول:

هو الشيخ البارع، و الأيّد الجامع، و البحر المحيط ، و الحبر الوقيط ، و العقل البسيط ، و العدل الوسيط ، سليل الامجاد، العلم العالم العماد، الفقيه النبيه، السامي الوجيه، الزاهد العفيف، و العلم الغطريف، و العيلم العريف، و العنصر اللّطيف، خاتم المجتهدين، و أعلم المتقدّمين و المتأخّرين، و رئيس الحكماء المتألهين، و كهف العرفاء السالكين، المهذّب من كلّ دنس و شين، أخى و شفيقي و ابن امّي

ص: 9

«الشيخ محمّد حسين» الاصفهاني مولدا، و الغرويّ مدفنا - أعلى اللّه في حظائر القدس مقامه، و حشره مع مواليه في يوم القيامة - ابن الشيخ العالم الكامل حجّة الاسلام و المسلمين و آية اللّه على الخلق أجمعين، غوث المذهب و الملّة و المسلمين، و غياث الدنيا و الدين، الدرّ الزاهر و العلم الباهر والدي العلامة «الشيخ محمّد باقر» ابن الشيخ العالم الكامل معلّم البشر و العقل الحادي عشر، استاد الكلّ في الكلّ ، التقيّ النقي «الشيخ محمّد تقي» صاحب «هداية المسترشدين على معالم اصول الدين» - قدس اللّه أرواحهما الشريفة -.

اولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

إذا افتخرت بآباء ذوي حسب *** صدقت فيه و لكن بئس ما ولدوا(1)

و بالجملة كان - رحمه اللّه تعالى - عالما كاملا، فقيها محدثا، اصوليّا حكيما متبحرا زاهدا، جامعا ماهرا، عديم النظير في زمانه في الفقه و الاصول و الحديث و المعاني، و فقيد العديل في أوانه في الحكمة و الكلام و التفسير و العرفان و الرياضي، لم يبصر بمثله عين الزمان في جميع ما يطلبه إنسان العين من عين الانسان من أجلاّء علماء المعقول و المشروع، و أزكياء نبلاء الاصول و الفروع، متقدّما بشعلة ذهنه الوقاد، و فهمه المتوقّد النقاد على كلّ حبر متبحّر استاد، و متفنّن مرتاد؛ عظيم الهيبة، فخيم الهيئة، رفيع الهمّة، سريع الحمّة، جليل المنزلة و و المقدار، جزيل الموهبة و الايثار، جامعا للعلوم الدينية، عارفا بالمعارف اليقينية كاشفا عن الاسرار العرفانية، واقفا على سرائر الافنانية، معلّما في مضامير الغرائب من العلوم، مسلما في فنون الفقه و الاصول و التفسير و الرسوم، عادم العديل في إرشاد الخلائق بحسن التفسير، و فاقد البديل في هداية الخلق إلى الحق و الحقائق بلطف التقرير. فسبحان الذي ورثه غير الامامة و العصمة ما أراد، و جعله حجّة على قاطبة البشر في يوم الميعاد، و نصبه علما يأتمّ به في كل عصر العلماء الامجاد.

ص: 10


1- كان في الاصل بين البيت الاول و الثاني جملة: «إذا لم يجيبني مجيب من بعيد أو قريب» و بما أنه لم نجدها فيما لدينا من المظانّ و لم يكن لها وزن شعري و لا معنى محصّل لم نثبتها في المتن.

و كان - رحمه اللّه تعالى - في ابتداء أمره و أوائل سنّه فطنا ذكيّا تقيّا نقيّا، حافظا للصلوات، مجتنبا عن الشهوات و الشبهات، مشتغلا بالبحث و الدرس و الاستفادة في عنفوان شبابه، مصروفا همته في تحصيل العلوم و المعارف في ذهابه و إيابه، ضنينا بعمره الشّريف من أن يصرف في ملهيات الاباطيل، بخيلا بأيّامه المنيفة من أن يشتغل باللّهو و التعطيل.

و قد فرغ من النحو و الصرف و المعاني و البيان و سائر المقدمات قبل بلوغه إلى حد البلوغ و التكليف، و اشتغل عند ذلك بالفقه و الاصول عند والدي العلامة - أعلى اللّه مقامه - من غير عطل و مطل و تسويف.

و كان من شدّة ذكائه و فطنته و جودة فهمه و جربزته جدليّا عيون الطلبة و وجوه المشتغلين يهابون مباحثته مع صغر سنه، و أعيان العلماء و المحصلين يعترفون بسموّ قدره و جلالة منزلته.

ثمّ ذهب لأجل التكميل إلى النجف الاشرف - على ساكنه آلاف التحيّة و الشرف -، فظلّ هناك سنينا عديدة مشتغلا عند علمائه بالتحصيل، مثمّرا عن ذيل الجدّ و الاجتهاد في ذاك النادي للتكميل، حتّى بلغ من العلم غاية قصواه و ارتقى إلى سماء الفضل نهاية منتهاه. فأتقن من الاصول قوانين أصوله و معالم فصوله و زبدة فوائده و نخبة عوائده، و حاز من الفقه و الحديث غرر درره و جواهر زهره و منتهى نهاية تهذيبه و مسالك تخطئته و تصويبه بما حصل به تبصرة كافية لعباده و ذخيرة شافية لمعاده، حتى أذعن بفضله جميع العلماء الاعيان، و صار في دوحة العلم و الكمال مشارا إليه بالبنان، و انتشر صيت فضيلته في جميع الاقطار، و اشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار.

و تلمّذ في النجف الاشرف عند جماعة من العلماء الاخيار و الفقهاء الابرار.

فمنهم: الشيخ العالم الفاضل، رئيس المجتهدين و أوحد الاصوليين و فريد المتكلّمين، حبر الامة و قدوة الائمة، شيخ الطائفة الحقة و رئيس الفرقة المحقة،

ص: 11

شيخي و استادي و من عليه في العلوم سندي و استنادي، العالم الاوّاه الميرزا حبيب اللّه الرشتى الجيلاني - أسكنه اللّه مساكن أوليائه المقرّبين في يوم الحساب، و جزاه أفضل جزاء المجتهدين من الاصحاب -.

و منهم: الشيخ الوحيد و الحبر المتبحر الفريد، العالم الوجيه و الفقيه النبيه رئيس الفقهاء و المحدّثين، عماد الملّة و الدين، شيخ الطائفة في أوانه، و استاد الفقه و الحديث في زمانه، ابن خالنا العلامة الشيخ راضي - تغمده اللّه بغفرانه، و أسكنه بحبوحة جنانه -.

و منهم: الشيخ الفقيه العالم العجب العجاب و أنجب الانجاب، و حيرة اولى الالباب و خيرة اللّه العزيز الوهّاب، مروّج المذهب و الدين، و معلّم الفقهاء و المجتهدين، و آية اللّه في الارضين، استاد البشر و مجدد المذهب في القرن الرابع عشر ملاذ الانام و حجة الاسلام الحسن المستحسن الحاج ميرزا حسن الشيرازيّ مولدا، السامرائي مسكنا، و الغرويّ مدفنا - أفاض اللّه على روحه شآبيب الغفران و أسكنه مع أوليائه في روضة الجنان -.

و جمع آخر مع العلماء العاملين و الفقهاء المتبحرين.

فلمّا فرغ من مراسم التحصيل و التكميل في الفروع و الاصول، و جمع بين المعقول و المنقول، رجع سالما غانما إلى داره و مستقرّ قراره في أصفهان - صانها اللّه عن الحدثان - و اشتغل بالافادة و الاستفادة و اتّكأ على وسادة الاجادة، أقبل عليه طلبة العلم من كلّ مكان، و أحاطوا عليه لتحصيل العلوم من كلّ فجّ عميق مرخى العنان، فتصدر من غير نكير في مجلس التدريس، و فاق علماء عصره بالاتفاق في كل فنّ نفيس، و أذعن كلّ ذي فضل بفضله الجزيل، و اعترف كلّ ذي فنّ بمهارته في كلّ فنّ جليل، و تصدّى للوعظ و إرشاد الخلق إلى الحق بلطف التقرير و حسن التفسير، فصار في ذلك واحد عصره بالاتفاق بلا نظير.

ثمّ سنح له في ذلك الحال و بدا له في خلال تلك الاحوال التجافي عن دار

ص: 12

الغرور، و الانابة إلى دار البقاء و السرور، فترك جميع ما كان متصديا من الوعظ و التدريس، و هجر جميع ما كان يحجبه عن الانس باللّه و هو نعم الانيس، فأشرق له من صبح السّعادة نور أضاءت به غياهب الدجى، و ظهر له من نور الحقيقة ضياء تقشّعت عنه سحائب العمى، و اشتغل بالفكر و الذكر و التلاوة، و صرف ليله و نهاره في الزهادة و العبادة، و لا يفتر عن ذكر «لا إله إلا اللّه» ليلا و نهارا، و يبكى بكاء الثكلى على نفسه سرّا و جهارا بحيث تأذّى من شدّة بكائه الاخوان، و فزع من عويله النساء و الصبيان، بحيث سئل عن جنابه ترك البكاء إما باللّيل و إمّا بالنهار بعض الجيران، و ذكروا أنّ شدّة بكائه يمنعهم عن النوم في تلك الاحيان.

و لقد سافرت معه في خدمته في خلال تلك الاحوال إلى زيارة النجف الاشرف في أحسن حال، فما تكلّم معي في طول الطريق مع انحصار الرفيق بقليل و لا كثير إلا بكلمات قليلة؛ يشتغل في خلالها بذكر الملك القدير، و كان كلّ من ينظر إلى حاله و غليله، و يرى من كثرة بكائه و عويله في أثناء الطريق من الاكراد و غيرهم، الذين لا يعتقدون بدين و لا معاد، أراهم يتغيّر حالهم من غير اختيار، و تفيض أعينهم من الدمع من غير بصيرة و استبصار.

و دخل يوما من الايام في أثناء الطريق إلى الحمّام و كان فيه جماعة كثيرة من الاكراد و الدهاقين و العوام، فبمجرّد ما شاهدوا حاله و نظروا إلى جنابه، و رأوا من خضوعه و خشوعه، و أبصروا بكائه و دموعه، تشوّشت أحوالهم و جرت دموعهم و خشعت أصواتهم. فسبحان الذي جعل للحقيقة أثرا في القلوب لا يحيط به العقول، و جعل للحقّ حقيقة تؤثّر في النفوس و يذهب بالغفلة و الذهول.

و كان لكلامه - قدّس سرّه - أثر غريب في القلوب بحيث قلّ ما ينصح أحدا أو يوصيه بوصية إلا و يؤثّر في نفسه و هواه، و تصرفه إلى إطاعة مولاه.

و قد قال يوما في النجف الاشرف لبعض أصحابنا الامجاد و هو الشيخ العلم العالم العماد الفاضل المؤيّد «الشيخ على محمّد» - سلّمه اللّه و أبقاه، و بلّغه منتهى

ص: 13

مناه -: «عليك بصلاة اللّيل!» فأثّر هذه الكلمة في نفسه الشريفة بحيث ما ترك صلاة اللّيل على ما شاهدته مدّة مديدة، و لو في مشاقّ الاسفار و مظانّ الاخطار.

و كان السبب في انقطاعه - رضوان اللّه عليه - إلى اللّه و ذهوله عمّا سواه على ما حدثني به الشيخ الجليل و الفاضل النبيل، العالم الامين و الحبر العامل الرزين غوث الملّة و الحقّ و الدين، فخر العلماء العاملين و ثقة الاسلام و المسلمين، أخي الاجلّ الاكرم الوفىّ الحاج شيخ محمّد علي - جعلني اللّه فداه، و أدام اللّه ظلاله على من سواه، و سلّمه اللّه و أبقاه - عنه - قدس سره - أنه قال:

«لمّا كنت في أصفهان مشتغلا بامامة الجماعة خطر في قلبي بعض الوسواس الذي هو من الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، فكنت كل يوم قبل الخروج إلى الصلاة أشتغل بالفكر ساعة أو ساعتين لتحصيل الخلوص الذي هو للصلاة عين الفرض و فرض العين، افكر في فناء الدنيا و غرورها، و عدم بقاء نعيمها و سرورها، و ما يجري فيها من المكاره على أهلها، و انقضاء صعبها و سهلها، و في الآخرة و بقائها و منجياتها و مهلكاتها دفعا للمراء، و حذرا من الرياء، فأثر في قلبى أثرا انقطعت بالمرّة عمّا سوى اللّه، و توجّهت بكلّ وجهي إلى اللّه، فحصل لي ما حصل ببركة التفكّر في تلك الساعات، و ظهر لى حقيقة قوله عليه السّلام: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة»، و أنّه أصل لكل العبادات، و رأس لجميع السعادات».

و حدّثنى عنه أيضا أنّه قال: «ما أذكر من نفسي أنّي عصيت اللّه في عمري طرفة عين، و لا أبرّئ نفسي من التجرّي في البين». و هو الصادق الجدير بما أظهر المصدق الامين فيما ذكر من غير ريب و شين، و اللّه العالم.

و حدّثني الشيخ الامين و الثقة الرزين، الفاضل المحدّث المسدّد، العالم العامل الحبر المؤيّد، فخر الفقهاء و زبدة العلماء الهادي المهديّ شيخنا «الحاج ميرزا محمّد مهديّ » - أيّده اللّه و أبقاه، و بلّغه منتهى مناه -، و كان صهرا على اخته و صديقه و ابن خالته، و كان منه بمكان من صافي الاخاء خالصا في المحبّة و الصداقة

ص: 14

و الوفاء، قال: «سألت عن جنابه - قدس اللّه أرواحه الشريفة - يوما من الايّام عمّا رأى برأي العيان و حقيقة الوجدان من المقامات و الكرامات في أيّام اشتغاله بالمجاهدة و الرياضات، فذكر لي - رضي اللّه عنه - بعد إنكار شديد و إصرار أكيد أمرين:

أولهما، أنّه كان في ليال عديدة يظهر لي نور مشرق أراه برأي العين يستضاء منه الظلام، و أبصر به كلّ ما احتجب عن عيون الانام، و اطالع به في الكتاب في ليل داج من غير حاجة إلى الضوء و السراج.

و ثانيهما، أنه ربّما يشتد علي ولع الجوع في بعض أوان الاشتغال بالرياضة و المجاهدة، فيأتيني من الغيب أنواع الاطعمة و صنوف الاشربة، فكنت أشربها و آكلها و أتناول منها على قدر الكفاية بما يرفع الجوع عنّي مدّة مديدة، بل أيّاما عديدة.»

و لعمري صدق فيما قال، و هذا قليل بالنسبة إلى مقامات ذاك الحبر الزاهد المفضال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

و كان - رحمه اللّه تعالى - في أواخر عمره و أوان انقضاء دهره برا رءوفا، ضحاكا عطوفا، صاحبا رفيقا، و أخا شفيقا؛ يستأنس بحضرته كلّ أنيس، و لا يشبع من محادثته و مجالسته الصاحب و الجليس.

و كنت في حضرته بعض الاسفار في طريق زيارة الأئمّة الاطهار، فكنت أرى منه من حسن الصحبة و صفاء المحبة، بحيث كان يخدمني و يخدم من معي من الاصحاب بأنواع الخدمات و يتحمّل صنوف المشاقّ من حمل الاثقال و تكفّل الزحمات، بل كان يشارك الخدّام فيما يلزمهم من الامور في كمال الوجد و السرور.

و كان - رضي اللّه عنه - كثير المعونة، قليل المؤنة، يعجبه من اللّباس ما خشن و من الطعام ما جشب، و يؤثر بغذائه و عشائه إلى الفقراء و الايتام، و يقنع بقليل شيء يسدّ به الجوع في اللّيالي و الايّام، يصرف ما زاد عن مئونته إلى الفقراء، و

ص: 15

كان حازما صابرا وقورا في السرّاء و الضرّاء.

و كان - رضي اللّه عنه - معتدل القامة ضئيلا هزيلا، قليل اللّحم، عليل المزاج غالبا، حلو العينين غائرهما، أقنى الانف، مقوّس الحاجبين، أسمر اللّون، مليح الشمائل، خفيف اللّحية، قد أثّر فيها أثر المشيب، خفيف لحم العارضين، في وجهه أثر الجدري ليس بالقليل، أبلج الاسنان.

و قد تلمذت عنده - رحمه اللّه تعالى - في النجف الاشرف أوان ابتداء تشرفي هناك للتحصيل بمقدار من كتاب «الفصول» لعمّي العلامة في الاصول، و قليل من علم الهيئة، و نبذة من علم المعقول.

و قد أفرغ في داره مدى إقامته في أصفهان قبة صغيرة مظلمة لنفسه، لا يخرج منها ليلا و لا نهارا، و يشتغل بالفكر و الذكر و العبادة هناك سرّا و جهارا.

و كان ولادته في ثاني يوم من محرم الحرام من سنة 1266، و وفاته - قدس اللّه روحه - في أوّل يوم من محرّم سنة 1308 في أوائل الظهر، فكان مدى عمره الشريف اثنين و أربعين سنة غير يوم واحد.

و حدّثني من أثق بقوله من خدامه الحاضر عند جنابه حين وفاته أنه سمعه يقرأ هذا الشعر في آخر آن من أوان حياته:

آنكه دائم هوس سوختن ما مى كرد *** كاش مى آمد و از دور تماشا مى كرد

و لا يخفى على العقلاء مناسبة كلامه في ذلك الحال لمقامه، و اللّه أعلم بحقيقة الاحوال.

و حدّثني من أثق بقوله و جلالته، عن بعض الأجلاّء الكرام و الثقات العظام قال: «رأيت في ما يرى النائم و أنا في سامرّاء كأنّي قد وصلت إلى خدمة سيّد الانبياء - صلوات اللّه و سلامه عليه - فقلت له صلّى اللّه عليه و آله بعد كلمات: يا سيّدي، الشيخ مرتضى الانصاري ناج ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: نعم، هو ناج بشفاعتنا، فقلت له: يا سيّدي، الشيخ محمّد باقر الاصفهاني - يعني: والدي العلامة - ناج ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله:

ص: 16

نعم، ناج بمحبّتنا، فقلت له: الشيخ محمّد حسين الاصفهاني ناج ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: إنّه قد ورد على اللّه فأعطاه كل ما أراد. انتهى. و اللّه العالم بالمبدإ و المعاد.

و حدّثني بعض الموثّقين في نقله و روايته، عن الرجل الصالح بوّاب الروضة الشريفة الغرويّة - على ساكنها آلاف السلام و التحيّة - أنّه قال: «كان المرحوم الشيخ محمّد حسين أوان تشرّفه هناك غالبا آخر خارج من الروضة الشريفة في اللّيالي و أوّل داخل عند فتح الباب في السحر. فخرج ليلا و خرجت و سددت الابواب، فلمّا رجعت سحرا لفتح الباب سمعت حسّا و صوتا و محادثة من داخل الروضة، و كأنّه رجلان يتكلّمان أو يتحادثان، فخفت أن يكون قد دخل في الروضة بعض اللّصوص لسرقة الاموال و الفصوص، فأسرعت في فتح الباب، فلمّا دخلت رأيت المرحوم الشيخ محمّد حسين واقفا قبال الضريح المطهّر و المشهد المنوّر، فعجبت من سبق حضوره إلى الحضرة قبل فتح الباب، و تحيرت من مشاهدة هذا العجب العجاب و سألته - رحمه اللّه - عن حقيقة الحال، و عن الرجل الذي يحادثه و يتكلّم معه في تلك الأحوال، فأشار إليّ - رحمه اللّه تعالى - بالسكوت، و حلّفنى بترك إظهار ذلك لأحد ما دام هو في الحياة، و اللّه أعلم. انتهى.

و لمّا كان وفاته - رحمه اللّه - في عشر العاشور أرخ بعض الشعراء تاريخ وفاته بهذا المصرع:

«با حسين شهيد شد محشور»

و قد قلت أنا في تاريخ وفاته - رحمه اللّه تعالى -: «ثلم الاسلام ثلمة.»

و لمّا أتاني نعي وفاته و انقضاء أيامه الجميلة رثيتها أنا بقصيدة طويلة أحببت أن أدرج بعضها في هذا الكتاب الشريف مع ما فيها من التزييف. مطلعها:

يا عين جودي بحمر الدمع مدرارا *** و اذكر مساكن من تهويه و الدارا

منازل عطلت من أهلها و خلت *** و استوحشت بعد ما كانوا لها جارا

باللّه سل مدمع الباكي هل ارتحلوا *** أم هل بقي عنهم في الربع آثارا

ص: 17

و منها:

لم أنس إذ زارني و اللّيل معتكر *** أفديه من زائر جنح الدجى زارا

ثمّ استهلّ دموع العين من جزع *** و ظلّ دمعا على الخدين مدرارا

كادت تأجّج نيران الغرام به *** ثأرا تضرّم في الاحشاء سعّارا

و ظلّ ينثر في ورد الخد و دأسا *** لئالي الدمع مقلالا و مكثارا

و صاح صبرا فانّ القوم قد ظعنوا *** يا بعدها منزلا ساروا و أسفارا

و منها في الرثاء:

لهفي على جيرة جار الزمان بهم *** و أضرموا في الحشا من هجرهم نارا

لهفي على قمر قد غاب عن نظري *** من قبل أن تكتمل للوصل مضمارا

كنا و كانوا جميعا في هوى و تقى *** عونا على الدهر ايرادا و إصدارا

حتى رمثنا صروف الدهر من عجل *** و فرقنا بدوح الارض أشطارا

قد كنت أرجو فدتك النفس يا أملي *** أن يستدان لنا الايّام أعصارا

لكن قضايا قضاء اللّه غالبة *** و ليس بعد قضاء اللّه إنكارا

و منها:

قد حاز من دوحة العلياء أزهرها ***روضا و أرفعها شأنا و مقدارا

ما كان بدرا و لكن يستضاء به *** ما كان بحرا و لكن كان ذخّارا

و كان أوسعنا حلما و أصبرنا *** على الحوادث ايسارا و إعسارا

و كل نبت نما من معشّب حسن *** يكون أقصرها عيشا و أعمارا

و رثيته أيضا بقصيدة طويلة اخرى أردت أن اثبت بعضها في ذلك و إن كنت غير سالك في تلك المسالك. مطلعها:

هل جاد صبّ بالهوى فأجودا *** أم زاد عن لوم العدى فأذودا

أم هل أفاق من الصبابة عاشق *** فأفيق أم هل استطاع جحودا

أم هل سمعت بعاشق ذاق الهوى *** فأطاع عاذله و خان عهودا

ص: 18

أم هل رأيت متيّما خاف الردى *** في وصل من يهوى فرام صدودا

ما كنت اول من تصدّر للهوى *** ذاق النوى دهرا و مات شهيدا

تبدو على كلّ الامور نقيصة *** و الحبّ يوما بعد يوم يزيدا

أ ترى الصبا عيب الفتى باللّه أم *** ذمّ الصبابة في الورى محمودا

كيف التستر و الوشاة على الهوى *** و جدي و كدّي و السقام شهودا

و غرير دمع في الهوى يهريقها *** نار تأجّج في الكلى و سهودا

و منها في الحماسة:

للّه أيّام الصبا إذ كان لي *** نجم المسرّة بازغا مسعودا

و يهزني سكر الشباب كأنّني *** غصن يميل به الصبا و يعيدا

يا دهر كفّ فانّ من عاديته *** شمس العداوة لا يخاف عنيدا

و دع التحاول لمن تذلل من غدا *** قد نال عزّا ما عليه مزيدا

من مبلغ العلياء عنّي إنّني *** أحمي حماها قائما و قعودا

و أنا رضيع لبانها و حليفها *** عند الهزاهز مصدرا و ورودا

و المجد ما رفعت لمجد راية *** إلا أخذت زمامها المعقودا

و العين شاخصة إلى عليائه *** شزرا إذا ما النّاس عند رقودا

فلربّ داهية رفعت قناعها *** و معاضل كشفتها و عقودا

كم طارق غرثى كشفت كروبه *** و بذلت فيه طارقا و تليدا

و مخوف صرف الزمان أجرته *** و صرفته رطب اللّسان حميدا

و بدا غصون المجد منّي مورقا *** بيد تمدّ إلى الفخار مديدا

لو أخلد الشرف الفتى لرأيت لي *** في الدهر ما دام السّماء خلودا

لكنّ من غير الزّمان و صرفه *** لم ينج مذموما و لا محمودا

كرّ الحوادث و الشهور لحادث *** لا والد يبقى و لا مولودا

و أرى المنايا و المنى أثر الفتى *** يتسابقان و ما لهنّ مدودا

ص: 19

و منها في الرثاء:

يا صاحبى أرى التهاجر قاتلي *** عودا على ودّ الاحبّة عودا

عودا اذكرا لى بعد تذكار الهوى *** عهد الحبيب و فضله المشهودا

كنّا جميعا في مضامير الهوى *** في ظلّ شاخصة العلى ممدودا

فأباد تأريب الزّمان و صرفه *** يا ليت كلكلة الزّمان تبودا

مهلا رويبات الزّمان و صرفه *** أمهل رويدا و امهلين رويدا

بأبي أخا برّا كريما ماجدا *** قد عاش محمودا و مات سعيدا

قد كان بحرا للفضائل و النهى *** إن كان للبحر العطا و الجودا

ما جاد بعدك وابل طلاّ و لا *** اخضرّ بعدك للمسرّة عودا

و لقد يعزّ على الزّمان و أهله *** إذ ما يرونك و الفخار فقيدا

لهفي لايّام الوصال و قد مضت *** يا ليت أيّام الوصال تعودا

هيهات أن يلد الزّمان بمثله *** و إن استكان و أبذل المجهودا

يعزز عليّ بأن أرى غوث الورى *** ما بين أطباق الثرى ملحودا

من للأرامل و اليتامى و التقى *** و النائبات إذا وردن ورودا

***

ص: 20

خطبة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر بحقّ م. ع. ف. ح. ح (ع)

الحمد للّه الّذي أنزل على عبده الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، و سراجا لا يخبأ توقّده، و بحرا لا يدرك قعره، و منهاجا لا يضلّ نهجه، و شعاعا لا يظلم ضوؤه، و فرقانا لا يخمد برهانه، و تبيانا لا تهدم أركانه، و شفاء لا تخشى أسقامه، و عزّا لا تهزم أنصاره، و حقّا لا تخذل أعوانه. فهو معدن الايمان و بحبوحته، و ينابيع العلم و بحوره، و رياض العدل و غدرانه، و أثافيّ الاسلام و بنيانه، و أودية الحقّ. و غيطانه و بحر لا ينزفه المنتزفون، و عيون لا ينضبها الماتحون، و مناهل لا يغيضها الواردون و منازل لا يضلّ نهجها المسافرون، و أعلام لا يعمي عنها السائرون، و آكام لا يجوز عنها القاصدون. جعله اللّه ريّا لعطش العلماء، و ربيعا لقلوب الفقهاء، و محاجّ لطرق الصّلحاء، و دواء ليس بعده داء، و نورا ليس معه ظلمة، و حبلا وثيقا عروته، و معقلا منيعا ذروته، و عزّا لمن تولاّه، و سلما لمن دخله، و هدى لمن ائتمّ به، و عذرا لمن انتحله، و برهانا لمن تكلّم به، و شاهدا لمن خاصم به، و فلجا لمن حاجّ به، و حاملا لمن حمله، و مطيّة لمن أعمله، و آية لمن توسّم، و جنّة لمن استلأم،

ص: 1

و علما لمن وعى، و حديثا لمن روى، و حكما لمن قضى.

نحمدك اللّهمّ يا من تجلّى لعباده(1) في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته؛ و خوّفهم من سطوته، و كيف محق من محق بالمثلات، و احتصد من احتصد بالنغمات (2) ؟الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بقرآن قد بيّنه و أحكمه، ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه، و ليقرّوا به إذ جحدوه، و ليثنوه بعد إذ أنكروه. فهو الناصح الّذي لا يغشّ و الهادي الّذي لا يضلّ، و المحدّث الّذي لا يكذب؛ ما جالسه أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة من هدى و نقصان من عمى؛ ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، و لا لأحد قبله من غنى، و فيه شفاء من أكبر الداء و هو الكفر و النفاق و الغيّ و الضلال، و ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله؛ ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا تفنى عجائبه و لا تكشف الظلمات إلاّ به؛ آمر زاجر و صامت ناطق، حجّة اللّه على خلقه أخذ عليهم ميثاقه، و ارتهن عليه أنفسهم، أتمّ نوره و أكرم به دينه؛ شافع مشفّع، و قائل مصدّق؛ من شفع له القرآن يوم القيامة شفّع فيه، و من يمحل به القرآن يوم القيامة صدّق عليه؛ قد اوصينا بأن نستشفي به أدواءنا، و نستعين به على لأوائنا، و نستدلّ به على ربّنا، و نستنصحه على أنفسنا، و نتّهم عليه آرائنا، و نستغشي فيه أهوائنا(3).

و الصّلاة و السّلام على عبده و رسوله الّذي أرسله بالدّين المشهور و العلم المأثور و الكتاب المسطور و النور الساطع و الضياء اللاّمع و الأمر الصادع محمّد صلّى اللّه عليه و آله موضع سرّه و ملجأ(4) أمره و عيبة علمه، و موئل حكمه، و كهوف كتبه، و جبال دينه؛ أساس

ص: 2


1- في المخطوطة: «لعبادك».
2- في النهج: «النقمات».
3- من أوّل خطبة الكتاب إلى هنا مأخوذة من كلمات أمير المؤمنين - عليه السلام -، فراجع نهج البلاغة، خ 198 و 147 و 176 و 18 و 183.
4- في المخطوطة: «لجأ».

الدّين و عماد اليقين، أزمّة الحقّ و أعلام الدّين و ألسنة الصدق؛ فيهم كرائم القرآن و هم كنوز الرّحمن، عيش العلم و موت الجهل، يخبر حلمهم عن علمهم، و صمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقّ و لا يختلفون فيه؛ هم دعائم الاسلام و ولائج الاعتصام.

السبب الباعث لتأليف هذا الكتاب

أمّا بعد، فانّي طالما كنت أتمنّى التّوفيق لكتابة تفسير مشتمل على بيان ظواهر الآيات، و المواعظ المستخرجة منها، و المعارف و العلوم المشيرة إليها، و جملة من النكات الصوريّة و المعنويّة المحتوية عليها و أشباه ذلك، منضمّا إلى ذكر الأخبار المنقولة في طيّها مع بيان ما نحتاج إلى البيان منها، و تطبيقها على مدلول الآيات عند المخالفة بين ظواهرها، و الجمع بين ما اختلف ظواهرها، و استخراج المعاني الكليّة منها ليكون الكتاب جامعا بين علمي الكتاب و السنّة، الّذين امرنا بالتمسّك بهما؛ مع أنّي لم أعثر إلى الآن على تفسير مشتمل على تلك المقاصد المهمّة مع تكثّرها؛ و كانت العوائق تمنعني عن الاقدام منضمّة إلى علمي بقصوري عن السبق في ذلك الميدان، و انحطاط رتبتي عن التعرّض لذلك، و خوفي عن الوقوع في تفسير شيء من كلام اللّه تعالى و أوليائه بالرّأي، أو متصرّفا فيه بهواي؛ إلى أن اجتمع رأيي في الاقدام على ذكر ما يسنح بالبال من المطالب المذكورة و ما شابهها على وجه العرض على أذهان إخواني في الدّين و طلاّب العلم و اليقين، فينظروا فيها بعين الدقّة و الانصاف دون الجور و الاعتساف، فما وجدوه حقيقا بالقبول فمن فضل اللّه و منّه على عبده، و ما وجدوه سقيما فمن قصوري و تقصيري؛ فأكون كمن يعرض السلعة على الطالبين متبرّئا من عيوبه، مذعنا بنقصانه، فمن وجد شيئا منها مرغوبا أخذه و إلاّ تركه أو صحّحه.

و لا أدّعي في شيء منها إصابة نظري و فكري؛ فانّ معاني كلمات اللّه و أوليائه

ص: 3

و حقائقها وراء ما يصل إليه هذه العقول الناقصة المبتلية بأهوية النفس و وساوس الشيطان، و ليس المعصوم إلاّ من عصمه اللّه تعالى.

فشرعت فيه آيسا من حولي و قوّتي و علمي معتصما بحول اللّه و قوّته و هدايته ملتمسا منه التوفيق في إتمام ما عزمت عليه على نهج يحبّه و يرضاه، مستعيذا به من وساوس الشيطان و الآراء و الأهواء، مستشفعا إليه برسوله و آله - صلوات اللّه عليهم - في ذلك كلّه، سائلا منه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، و ذخيرة ليوم الدّين، و أن يباركه لاخواني المؤمنين، إنّه هو الرّءوف الرّحيم، الّذي يتولّى الصالحين.

ربّ عليك توكّلت و إليك أنبت و بك اعتصمت، فهبني يا إلهي من عندك هداية و توفيقا و تسديدا و تأييدا، و لا تكلني إلى نفسي؛ إنّك حسبي و نعم الوكيل و أنت على كلّ شيء قدير، و لا ملجأ و لا منجى لنا منك إلاّ إليك.

و لنمهّد قبل الشروع في عنوان الآيات مقدّمات.

ص: 4

المقدمات

اشارة

ص: 5

ص: 6

[المقدّمة]

[في فضل القرآن و أوصافه، و الوصيّة بالتمسّك به]

[المقدّمة] الاولى فى نبذة ممّا ورد في الوصيّة بالتمسّك بالقرآن و التدبّر فيه و جملة من أوصافه منضمّة إلى استبصارات عقليّة

[في فضل القرآن و أوصافه، و الوصيّة بالتمسّك به]

قال اللّه سبحانه:

«أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا؟» (1)

و قال تعالى:

«أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جٰاءَهُمْ مٰا لَمْ يَأْتِ آبٰاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ؟» (2)

و قال في وصفه:

«مُبٰارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبٰابِ.» (3)

و عن محمّد بن يعقوب (ره) في الكافي، و محمّد بن مسعود العيّاشي باسناديهما عن الصّادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«أيّها الناس! إنّكم في دار(4) هدنة (5) ،و أنتم على ظهر سفر و السّير بكم سريع، و قد رأيتم اللّيل و النّهار و الشّمس

ص: 7


1- محمّد - صلّى اللّه عليه و آله - / 24.
2- المؤمنون/ 68.
3- ص/ 29.
4- العيّاشي: «زمان».
5- خ. ل: «حضر».

و القمر يبليان كلّ جديد، و يقرّبان كلّ بعيد، و يأتيان بكلّ موعود، فأعدّوا الجهاز لبعد المجاز(1).

قال: فقام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ما دار الهدنة؟ فقال:

دار بلاغ(2) و انقطاع، فاذا التبست عليكم الفتن كقطع اللّيل المظلم، فعليكم بالقرآن، فانّه شافع مشفّع و ماحل(3)

مصدّق، و من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، و من جعله خلفه ساقه إلى النّار؛ و هو الدّليل يدلّ على خير سبيل، و هو كتاب فيه تفصيل و بيان و تحصيل، و هو الفصل ليس بالهزل، و له ظهر و بطن، فظاهره حكم(4) و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق؛ له تخوم و على تخومه تخوم(5) ، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى و منار(6)

الحكمة، و دليل على المعرفة لمن عرف الصّفة.»(7)

ص: 8


1- العيّاشي: «المفاز».
2- العيّاشي: «بلاء».
3- في المخطوطة: «مماحل».
4- العيّاشي: «حكمة».
5- في المخطوطة: «تخومة»، و في بعض نسخ الكافي في الموارد الثلاثة: «نجوم» بدل «تخوم».
6- العيّاشي: «المنازل».
7- العيّاشي: «و دليل على المعروف لمن عرفه»، و الحديث في الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ص 598، ح 2؛ و العيّاشي، ج 1، ص 2، ح 1؛ و نوادر الراوندي مع ما زاد في الكافي و سيأتي كما في البحار، ج 92، باب فضل القرآن، ص 17، ح 17؛ و هكذا في الصّافي و البرهان.

و زاد في الكافي:

«فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب و يخلص(1)

من نشب، فانّ التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص و قلّة التربّص.»

أقول:

في الصّحاح: «هدن يهدن هدونا: سكن، و هدّنه أي: سكّنه - إلى أن قال: - و الاسم منها الهدنة، و منه قولهم: هدنة على دخن أي: سكون على غلّ.»

و قوله صلّى اللّه عليه و آله: «مشفّع» معناه ظاهرا: مقبول الشّفاعة.

و فيه أيضا: «يقال: محل به إذا سعى به إلى السلطان و هو ماحل و محول.

و في الدّعاء: فلا تجعله ماحلا مصدّقا.» انتهى. و لعلّه من هنا قيل في معناه:

«يمحل بصاحبه إذا لم يتبع ما فيه؛ أعني: يسعى به إلى اللّه تعالى »(2) ،و ما قيل في تفسيره من أنّه: «الخصم المجادل »(3).

و أصل المحل: الجدب، و هو انقطاع المطر و يبس الأرض، فيمكن إرادته هنا على معنى أنّ القرآن مجدب لمن لم يكن من أهله لا يمطر عليهم بمياه العلوم و المعارف و الحكم.

و فيه أيضا: «الأنق: الفرح و السّرور، و قد أنق بالكسر يأنق أنقا، و شيء أنيق أي: حسن.» و «التخوم» على ما قيل جمع تخم بمعني: منتهى الشّيء.

و قوله: «لمن عرف الصّفة» قيل: «أي صفة التعرّف و كيفيّة الاستنباط.»(4)

و يحتمل إرادة صفة القرآن من دقائق إشارته و نكاته.

ص: 9


1- خ. ل: «يتخلّص».
2- راجع الصافي، ج 1، المقدّمة الاولى، ص 9.
3- نفس المصدر.
4- نفس المصدر.

و «العطب»: الهلاك، و نشب الشيء نشوبا أي: علق فيه. فلعلّ المراد من النشب العلاقة، و إليه يرجع تفسيره بالوقوع فيما لا مخلص منه.

اعلم أنّ الدّنيا دار يسكنها الانسان مدّة منقطعة إذا بلغ إليها انقطع عنها و انقطعت عنه، و هي تبلغ الإنسان إلى الآخرة، و العاقل يحصّل منها ما يبلغه إلى نعيم الأبد، و الانسان فيها على ظهر سفر مبدؤه الولادة و آخره الموت، فانّه أجزاء البدن من التّراب و غيره قد تحرّكت عن أماكنها و اجتمعت و ترقّت إلى أن صارت نطفة، ثمّ سارت النطفة سيرا معنويّا بطريق التكميل إلى أن صارت بدنا للانسان، ثمّ تسير سيرا إلى العلوّ و الكمال صاعدة إلى أواسط الشباب، ثمّ تسير سيرا مستويا إلى أوان الانحطاط، ثمّ تسير هابطا إلى أوان الموت. فهذا أحد أمثلة صراط الآخرة المذكور فيه انقسامه إلى الأقسام الثلاثة. و إن شئت فلاحظ مجموع حركات الانسان من مكان الولادة إلى مكان الموت و سكناته؛ فانّك تجده كشخص سافر من المكان الأوّل إلى الثّاني بتئودة و بط ء؛ كالمريض المريد لمكان بعيد، فانّه يكثر سكونه و يقلّ زمان حركته، و هذه المسافة مطابقة لمدّة العمر أعني: الزمان المقدّر لحياة كلّ شخص، فالسير بهم سريع؛ لانّه لا يتصوّر شيء أسرع سيرا من الزّمان، سواء جعلناه منتزعا عن حركة فلك الافلاك، أو جعلناه موجودا ثابتا في الواقع على نحو التقضّي و التصرّم، و اللّيل و النّهار يأتيان بكلّ حادث مقدّر في كلّ منهما؛ لأنّ الامور مرهونة باوقاتها، فاذا جاء وقتها أتى بها، سواء كان بلاء جديد و اندراس عامر، أو أمرا بعيدا بحسب أجزاء الزمان، فكلّ ما وعد يأتيان بها بمجيء وقته، و الشّمس و القمر بتأثيريهما المتضادّين في الأشياء يبليان كلّ جديد، و يؤثران في الكون و الفساد؛ فكلّ منهما كان موعودا أو قريبا آتيا به. و المراد بالتأثير ليس هو التأثير الاستقلاليّ، بل على الوجه الّذي نذكره في محلّه - إن شاء اللّه تعالى -.

ص: 10

كما أنّ بعض النسب المتقدّمة لا يخلو عن توسّع بحسب اللّغة و العرف، فلا ينبغي للعاقل أن يعتقد الدّنيا دار قرار و منزل استيطان، و لا لها استقرارا و ثباتا، و لا أمرا مقصودا بنفسه، و لا يستبعد بلاء جسده و جميع أمتعة الدّنيا، و لا الموت و لا البرزخ و الآخرة الموعودة؛ لأنّها ثابتة عند أزمنتها و انقضاء الزمان المتوسّط بيننا و بينها يأتي بها، فكان ما هو كائن عن قليل لم يكن، و ما لم يكن بعد عن قليل لم يزل.

ثمّ إنّ أسباب الفتن من الجهالات و الشّبهات الباطلة و الاعتقادات الفاسدة، و ما شاكلها كالأخبار الكاذبة و بدع المبتدعين منضمّة إلى كلمات المعاصي و غيرها، و رؤية كلّ شيء بخلاف ما هو عليه، و ملاذ الدنيا و شهواتها الباعثة لحدوث الاهوية إذا اجتمعت و تراكمت صارت مانعة عن رؤية الحقّ و إدراكه، و سببا لالتباس الحقّ على الطالب للحقّ، فيغيّر كاللّباس الّذي يغطّي الانسان من حيث إحاطته بالبصيرة، و منعها عن تأثير أسباب الهداية كوقاية اللّباس عن الحرّ و البرد، و تأثّر البدن عن إشراق نور الشّمس و من حيث سواده، و مقابلته لنور المعرفة كقطع اللّيل الشّديد الظلام، بل لعلّك إذا لاحظتها بالبصيرة الباطنة شاهدتها كألبسة سود مماثلة لقطع اللّيل في الصورة فضلا عن المشابهة في السواد و الايحاش، و منع الادراك بحيث إذا أخرج يده لم يكد يراها.

و المخلص عنها القرآن، فانّه شافع إلى اللّه لمن تتّبعه و تمسّك به و صار من أهله، يستدعي و يسأل و يقتضي معنى من أحد سبحانه دفعا لهم، كما يشفع لهم حسّا و صورة يوم القيامة مقبول الشفاعة في المقامين، يخلّص اللّه أتباعه منها باقتضائه، و يمنع خيراته عمّن لم يتمسّك به و خالفه، و يسعى به اللّه سبحانه، و يقتضي طرده و إبعاده مصدّق عند اللّه تعالى في شهادته و في حكمه على هذه الطائفة؛ بل الاولى في جميع ما أخبر به عن الامور الآتية، بل الماضية و الموجودة؛ فمن ائتمّ به و جعله

ص: 11

أمامه و سار خلفه فأمكن الكتاب من زمامه فصار قائده يحلّ حيث حلّ ثقله(1)

و ينزل حيث كان منزله ساقه إلى الجنّة، و من أعرض عنه بوجه قلبه و خالفه و سار على خلافه قاده إلى اللّه، كما قال سبحانه:

«وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاٰ يَزِيدُ الظّٰالِمِينَ إِلاّٰ خَسٰاراً » (2) .

فمثله كماء النيل لبني إسرائيل و أصحاب فرعون، فمن استنصحه نصحه، و من نظر فيه بأهوائه زيد في ضلالته و جهالته، و من لم يؤمن به صار كافرا به.

و هو الدّليل الّذي يدلّ على خير سبيل كما وصفه تعالى بقوله:

«إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » (3) .

يريهم الطريق و يوصل إلى المطلوب من مقام الزّلفى إلى اللّه سبحانه و الرضوان و نعيم الآخرة الأبديّة الخالصة عن الأكدار، بل إلى نعم الآخرة و الاولى و مصالحهما.

و فيه تفصيل الحقّ عن الباطل، و الهدى عن الضلال، و الرشد عن الغيّ، و بيان المعارف و النشآت من الاولى و الاخرى، و تحصيل العلوم و الخيرات و الكمالات.

فهو الفصل الّذي ليس فيه شيء من الهزل الباطل، و له ظاهر و باطن، فظاهره حكمة علمية و عملية، و باطنه علوم دقيقة، ظاهره حسن معجب لفظا و معنى، فصاحة و بلاغة، و باطنه علوم عميقة لا تصل إلى قعرها إلاّ الرّاسخون في العلم؛ لمعانيه مبادئ و نهايات، و لنهاياته نهايات، فعجائبه لا تحصى، و غرائبه لا تبلى بفناء العمر و كثرة التدبّر و التفكّر و البحث، بل هو جديد دائما و غريب بديع أبدا؛ كلّما لاحظه أدرك منه شيئا غير ما تفطّن له من قبل.

فيه مصابيح الهدى يدرك الانسان بها هدايته في كلّ مقام، و يطرد عن الطالب

ص: 12


1- «الثقل» بالفتح: متاع المسافر.
2- الاسراء/ 82.
3- الاسراء/ 9.

كلمات أهويته و جهالاته، و منار الحكمة فيظهر به وجوه الحكمة العلميّة و العمليّة و حكمة اللّه في إجراء العالم، و يستدلّ به عليها، و دليل على معرفة الحقّ و الخلق لمن عرف كيفيّة التعرّف و إشاراته و نكات بيانه، فهو الّذي ينبغي إجالة اولي الأبصار بصيرته فيه؛ إذ لا شيء أحقّ بصرفه و إنفاقه من هذا المصرف.

و ليبلغ نظره إلى صفات الحقّ الّتي تجلّى بها في صفاته و أسمائه الحسنى الظاهرة به، و استرشاده إلى أن يبلغ إلى كنه ما وصفه لعباده في ظاهره و نكاته و إشاراته و لطائفه و حقائقه، حتّى ينجو السالك فيه من الهلاك الحقيقي معنى في هذا اليوم و صورة في الغد، و يتخلّص من العلائق و الاندار من الوقوع فيما لا مخلص منه، و يصل إلى مقام الموحّدين المنقطعين إليه سبحانه، المستكنّين المستغنين به عمّن سواه.

و هذا السّلوك الفكريّ النظريّ موجب لحياة قلب من له بصيرة، يسلك به في نور القرآن كمشي المستنير بالنور في القرآن؛ فانّ النور الحسّي يظهر المحسوسات للماشي الحسّي، و نور القرآن يظهر المعاني و الطرق المعنويّة للسالك فيها معنى.

و على العاقل قصر الهمّ في التخليص الحسن عن التشبّث و قلّة التربّص و المقام فيها؛ فانّ الكيّس من جدّ و اجتهد في تحصيل الخلاص و النجاة بعد معرفته بطريقه و ترك الرّاحة. و اللّه الموفّق للصواب.

و عنهما باسنادهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«القرآن هدى من الضلالة، و تبيان من العمى، و استقالة من العثرة، و نور من الظلمة، و ضياء من الأجداث (1) ،و عصمة من الهلكة، و رشد من الغواية، و بيان من الفتن، و بلاغ

ص: 13


1- الكافي: «الاحداث»، و العيّاشي: «الأحزان».

من الدّنيا إلى الآخرة؛ و فيه كمال دينكم (1) ،و ما عدل أحد من(2) القرآن إلاّ إلى النّار »(3).

اعلم أنّ الهدى و الضلالة كما يطلقان في الطريق الحسّي، كذلك يقعان على الطرق المعنويّة الّتي يسلكها اولو الألباب للوصول إلى اللّه سبحانه و رضوانه و النعم الباقية الصوريّة و المعنويّة. و الانسان في هذه الدّار سالكة بمعارفه و جهالاته، و أخلاقه الحسنة و القبيحة، و أعماله الحسنة و السيّئة إلى القرب إلى اللّه سبحانه و البعد منه، و إلى الخروج من الحجب و زيادتها على نفسه، و إلى نعيم حقيقيّ و جحيم كذلك، و إلى جنّة و إلى نار؛ و كما أنّ الماشي إلى مقصد كما يحتاج إلى دلالة يستدلّ بها إلى المقصود حذرا من الضلال كذلك السالك المعنويّ يحتاج إلى هدى يستهدي به حتّى لا يضلّ عن مقصوده، بل هو أشدّ احتياجا لكثرة طرق الضلالة؛ كما يشير إليه قوله تعالى:

«وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » (4) .

حيث أتى السبل بصيغة الجمع، و القرآن يهدي للّتي هي أقوم كما نصّ سبحانه عليه (5).و كذا العمى قد يطلق على صفة العين الظاهرة باعتبار انعدام البصر عنه؛ و قد يقع على العين المثاليّة باعتبار انعدام صفة الابصار عنه، فلا يرى الامور المثاليّة و قد يقع على العقل باعتبار انعدام صفة التعقّل عنه، فلا يعقل الأشياء الّتي من شأنها

ص: 14


1- و زاد العيّاشي هنا: «فهذه صفة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - للقرآن.»
2- الكافي و العيّاشي: «عن».
3- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ص 600، ح 8؛ و العيّاشي، ج 1، ص 5، ح 8؛ و هكذا في الصافي و البحار و البرهان.
4- الأنعام/ 153.
5- إشارة إلى آية 9 سورة الاسراء، و قد مرّ آنفا.

أن يدركها. و ربما يطلق العمى على نفس خفاء الشيء عند شأنية ظهوره في كلّ من المقامات الثلاثة، خفي من المبصرات الحسيّة و المثاليّة و المدركات العقليّة عند شأنية إدراكه فقد عمى عنه، و القرآن تبيان لما خفي من العلوم و المعارف و المدركات الباطنيّة، و تبيان به يرتفع الغشاوة و العشاوة عن البصيرة الباطنيّة، فيصير الانسان بصيرا بعد ما كان أعمى. و به يطلب إقالة العثرات باستجلاب حال التوبة الماحية للعثرات و من مواعظه و بياناته و استشفائه من الأمراض الباطنيّة لترتفع ببركته و الاستدلال عليه لرفع الشكوك و الشبهات. و هو نور من الظلمة، فانّ النّور حقيقته ما بسببه يظهر الأشياء، و قد قيل في تفسيره: «الظاهر بنفسه المظهر لغيره »(1).

و القرآن يظهر به العلوم و المعارف و سائر الامور المتعلّقة بالنشأتين لمن كان بصيرا غير أعمى القلب؛ «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ » .(2) كما أنّ نور الشّمس يظهر المحسوسات للبصير كذلك القرآن يظهر المعاني و غيرها لصاحب البصيرة، و كما يرتفع ظلمة اللّيل باشراق الشّمس كذلك ترتفع ظلمة الجهل و الوهم و غيرها ممّا أشرنا إليه بنور القرآن.

و لعلّك إن كنت ممّن تعرف النّور و الظلمة الموجودين في باطن العالم و مراتب القرآن الحكيم، استغنيت به عن ما ذكرنا و غيره فيه و في أمثاله.

و ممّا أشرنا إليه يظهر وجه كونه ضياء من الجدث المحتمل لارادة القبر و للهيكل الحيواني؛ إذ ضياء القرآن تدخل في باطن الانسان بأيّ اعتبار أخذوه و يبقى في البرزخ، بل دائما أبدا إذا اجتمع بما يعتبر في بقائه.

و هو عصمة من الهلكة الصوريّة، كما يدلّ على نبذة منه ما ذكر في خواصّ جملة الآيات و السور، و المعنويّة، لأنّ الكفر و الجهل و الأخلاق الرذيلة و هوى

ص: 15


1- راجع مجمع البحرين.
2- ق/ 37.

النفس و ميلها إلى المعاصي و النّيات ترتفع ببركة قراءته و تبياناته و مواعظه و زواجره و دلالاته و غيرها من سائر بركاته. فيخلّص الانسان من الشقاوة الباقية، و يوصله إلى السعادة الحقيقيّة.

فهو رشد من الغواية، يحصل منه التّميز بين الضارّ و النافع الحقيقيّ، كما أنّ الرّشد المالي عقل كيفيّة استثمار المال، و ترك تضييعه و التميز بين المعاملة الضارّة و النافعة، و جميع أعضاء الانسان و عمره و أمواله، و جميع ما يرتبط به من نعم الدّنيا أموال يمكن الانتفاع بها لمنافع الآخرة؛ فانّ الدنيا مزرعة الآخرة. و عقل الانسان أنحاء التصرّفات اللاّئقة و صورة ما يمضي منها رشد حقيقيّ يحصل من بركة القرآن.

فهو البيان لفتن الدّنيا و غيرها، كما هو بيان لكلّ بدعة و ضلالة و شبهة و ما ضاهاها.

و البلاغ من الدنيا للآخرة، بل مخرج للانسان عن نشأة الدّنيا الدنيّة إلى دار السّلام، ففيه كما في الدّين، الّذي من عدل عنه صار إلى النّار المعنويّة و الحسّيّة.

و عن العيّاشي باسناده عن الحارث الأعور، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث قال:

«سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: أتاني جبرئيل عليه السّلام فقال:

يا محمّد! ستكون في امّتك فتنة.

قلت: فما المخرج منها؟

فقال: كتاب اللّه، فيه بيان ما قبلكم من خبر، و خبر ما بعدكم و حكم ما بينكم، و هو الفصل ليس بالهزل؛ من وليه(1) من

ص: 16


1- العيّاشي: «و اللّه».

جبّار فعمل بغيره قصمه(1) اللّه، و من التمس الهدى في غيره أضلّه اللّه؛ و هو حبل اللّه المتين، و هو الذّكر الحكيم، و هو الصّراط المستقيم لا تزيغه الأهوية، و لا تلبسه الألسنة، و لا - يخلق على الرد، و لا ينقض(2) عجائبه، و لا يشبع منه العلماء.

هو الّذي لم يلبث(3) الجنّ إذ سمعه أن قالوا: «إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ» (4) من قال به صدق و من عمل به أجر، و من اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم. هو الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد »(5).

و سيظهر لك بعض ما يتبيّن به كثير من هذه الفقرات ممّا لم يظهر بما سبق فيما يأتي - إن شاء اللّه تعالى -.

[في الوصيّة بالتّمسّك بأهل البيت عليهم السّلام، و أنّهم الكتاب النّاطق]

و روى عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال في جملة كلام:

«ألا و إنّي سائلكم عن الثقلين! قالوا: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! و ما الثقلين(6) ؟

ص: 17


1- «القصم»: انكسار الظهر بشدّة.
2- العيّاشيّ: «ينقضى».
3- في بعض نسخ العيّاشي: «لم تكنّه».
4- راجع سورة الجنّ، آية 1 و 2.
5- العيّاشيّ، ج 1، ص 3، ح 2؛ و الصافي، ج 1، المقدّمة الاولى، ص 9، نقلا عنه؛ و هكذا في البحار و البرهان.
6- القمّي: «الثقلان».

قال: كتاب اللّه الثقل الأكبر طرف بيد اللّه و طرف بأيديكم، فتمسّكوا به لن تضلّوا و لن تزلّوا؛ و الثقل الأصغر عترتي أهل بيتي، فانّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض كاصبعيّ هاتين - و جمع بين سبّابتيه - و لا أقول كهاتين - و جمع بين سبّابته و الوسطى -، فتفضل هذه على هذه »(1).

و روايات الثقلين على اختلاف ألفاظها كثيرة من الفريقين متواترة.

و لا يخفى عليك أنّ الكتاب كتابان: كتاب صامت، و كتاب ناطق مشتمل على ما اشتمل عليه الصامت، كما أنّ الصامت مبيّن لما اشتمل عليه الناطق؛ كمناهاة مكتوب القرآن لملفوظه، فهما كالسبّابتين، و كلّ منهما دالّ على الآخر؛ كالمرآتين المتقابلتين اللّتين يظهر في كلّ منهما الآخر بما انعكس فيها. فانّ كلّ ما اشتمل عليه القرآن من معرفة اللّه سبحانه بأسمائه و صفاته و أفعاله و آثاره، و معرفة حقائق الاشياء في المبدا و البرزخ و المعارف و وجوه الحكمة فيها، و بيان صفات المواليد الثلاثة و أحوال الانسان و شقاوته و سعادته و ما يؤدّي إلى كلّ منهما، و بيان ما وقع و ما يقع، و أحكام اللّه سبحانه، و غيرها ممّا يدلّ عليها دلالة لفظيّة، موجودة في نفس الامام عليه السّلام منقوشة بالوجود العلميّ الّذي هو أعلى مرتبة من الوجود اللّفظيّ و الكتبيّ. و كلّ ما يحكي عنه القرآن بجميع أنواعه حكاية لفظيّة وضعيّة يدلّ عليه علوم الامام عليه السّلام دلالة علميّة مرآتيّة. فكما أنّ المطّلع على ألفاظ القرآن ينتقل منها إلى تلك المعاني كذلك المطّلع على علومه ينتقل إليها، و كلّ أثر يوجده الأوّل من التّقريب و التّعريف و التّعليم، و البشارة و الانذار، و التكميل

ص: 18


1- القمّيّ، ج 1، مقدّمة الكتاب، ص 3؛ و البحار، ج 23، باب فضائل أهل البيت - عليهم السّلام -، ص 129، ح 61.

و الترقّي إلى عالم القدس، و النصح و الدعاء إلى اللّه سبحانه بأنواع المقرّبات يترتّب على الثاني أيضا، بل الموجود في الثاني المعاني و الألفاظ قوالب لها يحكي عنها.

فانّ الامام عليه السّلام هو الّذي عنده علم الكتاب، و كلّ شيء أحصى اللّه سبحانه في الامام المبين بالوجود العلميّ، و في الكتاب الكريم بالوجود اللّفظي، و فرق ظاهر بين كتاب العلم و نفس العالم المنتقش فيها العلوم. فالامام عليه السّلام بهذا الاعتبار كتاب ناطق كتب اللّه سبحانه في لوحه معاني القرآن و ألفاظه، و تجلّى فيه بصفاته و آياته و أفعاله؛ مع استجماعه لسائر الشئون من تخلّقه بما يستحقّه القرآن من الأخلاق، و عمله بما يرغب إليه من الأفعال، و امتثاله لأحكامه في جميع المقامات.

فهو كتاب إلهيّ، و انقياد و عمل بمقتضاه و غيرها.

فهو الداعي إلى اللّه على نحو دعاء القرآن مع زيادة القبول و الدعاء بالفعل فانّ أخلاقه و أعماله تدعو العارف بها إلى التشبّه بها خصوصا مع المناسبة الظاهريّة في هيكل البشريّة. فهما من حيث الحكاية متشاركان في جميع المقامات و إن ازداد الثاني على الاوّل بامور أخر، و كلّ منهما يدلّ على صاحبه و يشهد بحقيقته و تبيّنه؛ إذ جميع صفات الامام عليه السّلام مسطور في الكتاب، و يشهد له بذلك، و إلاّ لم يكن تبيانا لكلّ شيء، كما أنّ جميع صفات القرآن لفظا و معنى و غيرهما تحصى في الامام عليه السّلام، و يشهد له بالحقيقة تفصيلا علما و لفظا و تخلّقا، و هو على صورة القرآن تماما مع إجابته و قبوله.

[بيان أنّ الكتاب هو الثّقل الأكبر]

فان قلت: فعلى هذا الثقل الأكبر هو الامام عليه السّلام دون الكتاب و الخبر مصرّح بخلافه.

قلت: إذا لاحظنا سائر مراتب القرآن و مقاماته دون مقام اللّفظ و الكتب و النقش، فمن جملة مقاماته مقام قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الامام عليه السّلام؛ إذ هو آيات بيّنات

ص: 19

في صدور الّذين اوتوا العلم. و من جملتها مقامات أخر لسنا نتعرّض لبيانها.

و الامام أيضا مشتمل على جميع تلك المقامات، فالقرآن بجميع مقاماته عندهم و لا يبطل بذلك المقايسة و المفاضلة نظرا إلى اتّحادهما حينئذ؛ إذ ربّما يصحّ بملاحظة الاعتبارات و الحيثيّات، فيصحّ أن يلاحظ المقايسة بين القرآن بتمام شئونه، أو خصوص المرتبة اللّفظيّة و الكتبيّة، و بين الامام عليه السّلام باعتبار كونه صورة قبول القرآن و الاجابة و التخلّق به. و الأوّل في مقام الفعل و الاقتضاء، و الآخر مقام الانفعال و الاجابة. فالقرآن أكبر شأنا من هذه الملاحظة كما أنّه منسوب إلى الحقّ و من صفاته، و الآخر من صفات العبد و إن كان الامام عليه السّلام هو الآية الكبرى التامّة؛ لكنّه لم يلحظ في المقايسة.

و يصحّ أن يلاحظ بين جميع مراتب القرآن مع المندرج فيها مرتبة عند الامام عليه السّلام مقيسا إلى الامام عليه السّلام بسائر شئونه إذا قطع النظر عن كونه حاملا لمراتب القرآن، و يصحّ أن يلاحظ النسبة بين القرآن بجملتها، و ما صدر عن العترة في الظاهر قولا فقط أو مع ما ظهر من أفعالهم، فانّه المتمسّك به لعامّة الناس لو أخذوا به، و حينئذ فالكتاب أكبر منه. و لا أستبعد أن يكون السرّ في هذا التعبير ملاحظة حال السامعين، و عدم قابليّتهم لكشف أزيد من ذلك عندهم، أو أنّ أهل الظاهر الّذين هم الجمهور يرون كتاب اللّه منتسبا مضافا إلى الحقّ، و الامام عليه السّلام مستقلاّ غير مضاف إليه سبحانه. فالأوّل أشرف من الثاني إذا لوحظا كذلك، فافهم ما ذكر، و ليكن ببالك فلعلّه يتّضح به جملة من الأخبار المؤوّلة لكثير من الآيات بهم عليهم السّلام؛ كما رواه عليّ بن إبراهيم القمّيّ، عن أبي بصير بسند متّصل في تفسير قوله تعالى: «ذٰلِكَ الْكِتٰابُ لاٰ رَيْبَ فِيهِ» (1) عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«الكتاب عليّ عليه السّلام لا شكّ فيه، «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» قال: فيه

ص: 20


1- البقرة/ 2.

تبيان(1) لشيعتنا »(2).

و الأخبار فيما عنونّا به المقدّمة كثيرة، كما نقله في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام ممّا اقتبسناه في خطبة الكتاب، فانّ جلّها أو كلّها مأخوذة منه متبرّكين به.

و لنقتصر من ذلك الكثير بهذا القليل.

فانظر الآن أيّها البصير إلى أنّ اللّه سبحانه على ما هو عليه من عزّ صفاته أهّلك لمخاطبته و مكالمته، و وجّه خطابه و كلامه إليك، و ألّف كتابا لك، و أرسله إليك على لسان أحبّ خلقه و أقربهم إليه، و جعله الرسول المبلّغ له، ثمّ جعل له حملة حفظة هم أقرب خلق اللّه إليه سبحانه بعد رسوله، فلاحظ شأن المتكلّم و مؤلّف الكتاب، ثمّ شأن مبلّغه، تمّ شأن حامله بقدر معرفتك وسعة وعائك، حتّى يظهر لك شأن الكتاب على حسب فهمك. و إلاّ فلن تصل إلى أزيد من جزء واحد من أجزاء غير متناهية من شأن واحد من الثلاثة فضلا عن الأوّل. فان كنت عبد اللّه فكن مستمعا لكلامه، متوجّها نحو خطابه، متدبّرا في كتابه، مهتديا بهداه، آخذا به، متّبعا له.

و اعلم أنّ كلّ كتاب مصنّف(3) تابع في الكمال و النقصان لمصنّفه في المرتبة فكلّ من كان أكمل علما و فضلا كان كتابه أكمل، و كلّ موعظة لفظيّ أو كتبيّ تابعة لواعظه، فمن كان أعلم بجهات الوعظ و أقدر و أرحم بالمخاطبين، كان وعظه أعلى و أجلّ و أنفع، و كلّ من كان أعلم بسرائر المخاطبين و أشفق بهم، كان كلامه أنفع لهم.

ص: 21


1- في بعض النسخ: «البيان».
2- القمّيّ، ج 1، ص 30؛ و البرهان، ج 1، ص 53.
3- المخطوطة: «كتاب كلّ مصنّف».

و بالجملة فالكلام تابع لصفة المتكلّم كاشف عنه، أ لا ترى أنّ من لم يكن مطّلعا على حال عالم من حيث العلم و الحال إذا نظر إلى كتابه عرف به حال المصنّف؟ فمن هذا الميزان يصحّ أن يعرف البصير كلام اللّه سبحانه من غيره، فيعلم به أنّه لا يقدر أحد وصف كتاب اللّه صورة و معنى كما لا يحصي أحد وصف اللّه سبحانه و ثنائه فان كنت لا تعرف في كتاب اللّه سبحانه ما وصفناه لك فاعلم أنّ النقص فيك و في بصيرتك، و أنّك محتجب عنه بحجاب؛ لا أنّه ناقص في البيان و الهداية، و النقص منك لا منه، فاجتهد في رفع حجابك، و ألق السمع و أنت شهيد.

[أسماء القرآن]

و اعلم أنّ للقرآن صفات كثير [ة] وصفه بها(1) سبحانه، يشهد بحقيقتها العارفون، ينتزع منها أسماء كثيرة للقرآن على ما جمعه بعض العلماء(2) و إن كان في بعضها بعض الاحتمال:

منها: «الفرقان»؛ قال تعالى: «تَبٰارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ.» (3)

و الظاهر إرادة معنى الفرق و الفصل بين الحقّ و الباطل.

و منها: «التذكرة» و «الذكرى» و «الذكر»؛ قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ » (4) ، «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » (5) ،بضميمة: «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ

ص: 22


1- المخطوطة: «به».
2- كثير من العلماء و المفسّرين ذكروا أسماء القرآن و صفاته في كتبهم، و بيّنوا معانيها و نكتها؛ منهم: فخر الدين الرازي في تفسيره. و قد يحتمل أنّ المؤلّف (قده) قد أخذ هذه الأسماء عنه باعتبار ترتيب بيانها و تفسير بعضها على ما ذكره، فراجع تفسير الكبير، ج 1، ص 238-241.
3- الفرقان/ 1.
4- الحاقّة/ 48.
5- الذاريات/ 55.

يَخٰافُ وَعِيدِ » (1) ، «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ » (2).و فسّر بأنّه ذكر من اللّه سبحانه، ذكّر به سبحانه عباده أو شرّف و فخر.

و منها: «التنزيل»؛ قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.» (3) دلّ على أنّه نزل من مقام شاهق إلى هذه الدار.

و منها: «الحديث»؛ قال اللّه سبحانه: «اَللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ.» (4) قيل:

«شبّهه بما يتحدّث به، فانّ اللّه تعالى خاطب به المكلّفين.» و الاولى تبديل الاسم بأحسن الحديث.

و منها: «الموعظة»؛ قال تعالى: «قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ.» (5)

و منها: «الحكم» و «الحكمة» و «الحكيم» و «المحكم»؛ قال تعالى:

«وَ كَذٰلِكَ أَنْزَلْنٰاهُ حُكْماً عَرَبِيًّا » (6) ، «حِكْمَةٌ بٰالِغَةٌ » (7) ، «وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ » (8) ، «كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ » (9).

و منها: «الشفاء» و «الرحمة»؛ قال تعالى: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ » (10).

ص: 23


1- ق/ 45.
2- الزخرف/ 44.
3- الشعراء/ 192.
4- الزمر/ 23.
5- يونس/ 57.
6- الرعد/ 37.
7- القمر/ 5.
8- يس/ 2.
9- هود/ 1.
10- الاسراء/ 82.

و منها: «الهدى» و «الهادي»: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » (1) ، «إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » (2).

و منها: «اَلصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ » :قال تعالى: «وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً » (3).

و منها: «حبل اللّه»: قال سبحانه: «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً » (4).

و منها: «الروح»: «وَ كَذٰلِكَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنٰا » (5).و لعلّه باعتبار أنّه سبب لحياة الأرواح، كما أنّ بالروح حياة الأبدان.

و منها: «القصص»: «إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ » (6).و لك تبديله بالقاص:

«إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ.» (7)

و منها: «البيان» و «التبيان» و «المبين»: «هٰذٰا بَيٰانٌ لِلنّٰاسِ » (8) ، «تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ » (9) ، «تِلْكَ آيٰاتُ الْكِتٰابِ الْمُبِينِ.» (10)

و منها: «البصائر»: «هٰذٰا بَصٰائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ .» (11).

و منها: [الفصل ](12): «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ.» (13)

و منها: «النجوم»: «فَلاٰ أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ.» (14) و لعلّه لأنّه نزل نجما نجما.

و منها: «المثاني»: «مَثٰانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ.» (15) و لعلّه

ص: 24


1- البقرة/ 2.
2- الاسراء/ 9.
3- الأنعام/ 153.
4- آل عمران/ 103.
5- الشورى/ 52.
6- آل عمران/ 62.
7- النمل/ 76.
8- آل عمران/ 138.
9- النحل/ 89.
10- يوسف/ 1؛ و الشعراء/ 2؛ و القصص/ 2.
11- الأعراف/ 203.
12- أضفناها قياسا، و هي موجودة في تفسير الكبير.
13- الطارق/ 13.
14- الواقعة/ 75.
15- الزمر/ 23.

لأنّه يثنّى فيه القصص و الأخبار.

و منها: «النعمة»: «وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.» (1) على ما روي عن ابن عبّاس من تفسيره بالقرآن.

و منها: «البرهان»: «قَدْ جٰاءَكُمْ بُرْهٰانٌ مِنْ رَبِّكُمْ.» (2)

و منها: «البشير» و «النذير»: «قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)بَشِيراً وَ نَذِيراً.» (4)

و منها: «القيّم»: «قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً.» (5)

و منها: «المهيمن»: «مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ، وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ.» (6)

و منها: «النور»: «وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ.» (7)

و منها: «الحقّ»: «وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ.» (8)

و منها: «العزيز»: «وَ إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ.» (9)

و منها: «الكريم»: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.» (10)

و منها: «العظيم»: «وَ لَقَدْ آتَيْنٰاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثٰانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.» (11)

و منها: «المبارك»: «كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ مُبٰارَكٌ.» (12)

فانظر بعين التأمّل إلى صفات القرآن، و اعرف صدق ما روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام من أنّه: «ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، و لا لأحد قبله من غنى »(13) ، فانّك محتاج إلى فرقان يفرق بين الحقّ و الباطل في ظلمة هذه الدار الّتي لا بدّ

ص: 25


1- الضحى/ 11.
2- النساء/ 174.
3- في المخطوطة: «يعقلون».
4- فصّلت/ 3-4.
5- الكهف/ 2.
6- المائدة/ 48.
7- الأعراف/ 157.
8- الحاقّة/ 51.
9- فصّلت/ 41.
10- الواقعة/ 77.
11- الحجر/ 87.
12- ص/ 29.
13- نهج البلاغة، خ 176، ص 252، و قد مرّ في خطبة الكتاب.

من تحصيل الزاد أشدّ من جميع ما تحتاج إليه و هو الفرقان، و إلى مذكّر لك يذكّرك ربّك و منسيّ نعمته و ما نسيته من عهدك الأوّل، و يرفع غشاوة الغفلة و النسيان عليك، و هو الذكر و التذكرة، و إلى ما في العالم الاعلى لترتبط به، و تتخلّص من هذه الدار، و قد نزل إليك التنزيل، و إلى حديث تستمع له و هو أحسن الحديث، و إلى موعظة تتّعظ بها و هو الموعظة، و إلى حكم و حكمة بالغة موصوف بالحكمة محكم الآيات و هو الحكم العربيّ و الحكمة البالغة و القرآن الحكيم المحكم الآيات، و إلى شفاء تستشفي به من أمراضك الروحانيّة من الجهل و الكفر و الأخلاق الرذيلة و العادات السّيئة، الّتي تؤدّيك إلى موت روحانيّ أبديّ، و أمراضك الجسمانيّة، و هو الشفاء لما في الصدور، و شفاء بقول مطلق، و الى رحمة ترحمه بها؛ لأنّك محتاج بجميع الشئون و الجهات، و هو رحمة للمؤمنين بقول مطلق، و إلى هداية تستهدي بها في ظلمة هذه الدار لمصالحك، و هو الهدى و الهادي إلى صراط مستقيم تصل باتّباعه إلى المقصد الأصليّ، و هو الصراط المستقيم، الّذي من تبعه نجى، و إلى حبل يربطك إلى عالم القدس لينجذب به روحك إليه، و يبقى معلّقة به، كما ورد في شأن الخواصّ: أنّهم «صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالملإ الاعلى »(1) ،و يعتصم به من رياح الأهواء و أمواج الفتن، و هو حبل اللّه المتين، و إلى روح تحيي به حياة باقية حقيقة، فانّك ميّت معنى و إن كنت حيّا صورة، و «الناس موتى و أهل العلم أحياء »(2) ،و هو روح نزل من عالم الامر الاعلى، و إلى قاصّ يقصّ عليك القصص، و هو المشتمل على أحسن القصص، و إلى بيان

ص: 26


1- الكلام لأمير المؤمنين - عليه السلام -، فراجع نهج البلاغة، ح 147، ص 497؛ و تحف العقول، ص 114، و فيهما: «المحلّ» مكان «الملأ».
2- اشارة إلى قول أمير المؤمنين - عليه السلام - في الديوان المنسوب ذيل قوله - عليه السلام -: «الناس من جهة التمثال أكفاء...».

و تبيان يتبيّن به ما خفى عليك ممّا لا يحصيه إلاّ اللّه سبحانه، و يبيّنه لك، و هو البيان للناس، و التبيان لكلّ شيء، و المبين بكلمة مطلقة، و إلى بصائر تستبصر بها فيما خفي على بصيرتك و هي البصائر، و إلى قول فصل يفصّل لك ما التبس عليك بين الحقّ و الباطل من كلّ شيء، و هو القول الفصل، و إلى نجوم معنويّة تستضيء بها في ديجور هذا اللّيل الّذي أنت فيه، و آياته نجم نجوم كذلك، و إلى تكرير الكلام ليتقرّر و يتثبّت في نفسك و هو المثاني، و إلى ما يرعد فرائصك و يقرع سمعك بكلام عظيم ليوحشك عن هذه النشأة و يخرجك عنها، و ما يؤنسك إلى ذكر اللّه، و يلين قلبك القاسية، و هو الّذي يقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم، ثمّ تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر اللّه، و إلى نعمة روحانيّة يتنعّم بها روحك، و هو النعمة من ربّك، و إلى برهان تبرهن به في المعارف و العلوم لدفع شبهات شياطين الجنّ و الانس، و تظفر به على من خالف الحقّ، و هو البرهان النازل من الربّ، و إلى مبشّر يبشّرك بالثواب على الخيرات، و منذر يخوّفك عن الموبقات، فانّك كالطفل في عمل الآخرة، تحتاج دائما إلى ترغيب و ترهيب لتجتهد في كسبها، و تتّقي من ضررها، و هو البشير و النذير، و إلى كتاب قيّم لا عوج فيه، حتّى يقام و يعدل به سائر المطالب، الّتي ترد عليك من داخل و خارج، و هو القيّم؛ حتّى ورد في جملة من الأخبار عرض الروايات على الكتاب و طرح ما يخالفه و الأخذ بما يوافقه (1) ،و إلى مهيمن على الكتب السابقة، إمّا بشهادة على صحّتها حتّى تؤمن بما انزل من قبلك، أو يؤمنك على عدم بطلان فيه، و إمّا باحاطته على ما فيها حتّى تكتفي به عنها، و لا تحتاج إليها بعده، و هو المهيمن للكتاب الّذي بين يديه، و إلى نور تستنير به في الكلام على ما سبق و هو النور، و إلى عزيز يمنع نادر الوجود لم يوجد مثله، أو يمنع الشكوك و الأباطيل و يدفعها،

ص: 27


1- ستأتي في المقدّمة الثانية.

أو يمنع المنقطع إليه المتخلّق من كلّ آفة و سوء، أو ذو عزّة و رفعة شأن حتّى يسرى منه العزّة إلى حامله، و هو الكتاب العزيز، و إلى كريم يكرم عليك ما تحتاج إليه، يدرّ الأرزاق الصوريّة و المعنويّة، و يعطيك المواهب الجسمانيّة و الروحات، و هو الكتاب الكريم، و إلى عظيم يجبر به هونك و ذلّتك في الدين و الدنيا و الآخرة، و هو الكتاب العظيم، و إلى بركات كثيرة، ظاهريّة و باطنيّة، سماويّه و أرضيّة، يفتح عليك؛ كما في قوله تعالى: «لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ بَرَكٰاتٍ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ » (1) ،و هو الكتاب المبارك.

و لعلّك تفهم ممّا ذكرناه بعض وجوه تجلّي الحقّ سبحانه في كتابه الوارد في الأحاديث إن كنت عالما بمعني التجلّي، فانّه سبحانه ظهر في كلامه باسم «الفاضل» و «الفاصل» و «المذكّر» و «المنزل» و «الحكيم» و «الشافي» و «الرحيم» و «الهادي» و «المحيي» و «المبين» و «المنعم» و «القيّوم» و «المهيمن» و «النور» و «العزيز» و «الكريم» و «العظيم»، و سيأتي بيان هذه الاشارة في نظائره - إن شاء اللّه تعالى -.

فان قلت:

إنّا لا نجد كثيرا ممّا ذكرت في وصف القرآن في أوّل المقدمة إلى هنا، و لم نسمع بمن وجد ذلك، فما وجه صحّة هذه الدعاوي؟

قلت:

ليس معنى وجود الخاصيّة في الشيء أنّ هذا الشيء بأيّ وجه أخذ و في أيّ حال و على أيّ صفة و مقترنا بأيّ شيء و مفترقا عن أيّ شيء له تلك الخاصيّة، بل معناه في مثل المقام أنّ من كان بصفة كذا إذا أخذ الجزء المعيّن و صنع به كذا، بشرط كذا و ارتفاع مانع كذا، يحصل منه كذا، فانّ لكلّ شيء شروطا

ص: 28


1- الأعراف/ 96.

و موانع و مكملات و حدودا و موازين و قواعد لا يطّلع عليه إلاّ من كان من أهله، أو أخذه عنه، و لا ينتفع به إلاّ من كان محلّه قابلا له إذا أتى به بشروطه و موازينه بحسب الخصوصيّات المرتبطة بذلك المورد كمالا و نقصانا. فللشمس نور ظاهر بنفسه، لكنّ الأعمى لا يبصره و لا يستنير به، و مستحقّ للأجسام، و من ابتدأ به نوبة الربع غير مستحقّ به مربّي للنباتات و النبات الّذي بعد عهده عن الماء يهزل به، و منضج للثمار لكنّ الثمرة الّذي ضرّ به البرد لا تنضج به، و ما كان محتجبا عن نور الشمس لا ينتفع به. و طريق التصديق بما ذكر إمّا بملاحظة الآيات و الأخبار الواردة في المقام مع جودة التفكّر فيها، و الاطّلاع على معانيها فيما اشتملت عليه منها بظاهرها، إن كنت مؤمنا بظاهر الثقلين و باطنهما إجمالا موقّتا بأنّ شيئا منها غير مبنيّ على المجازفات الشعريّة، و إنّه حقّ اليقين، و إمّا تصديق أهل الخبرة فيها تقليدا لهم، و إمّا تحصيل أهليّة الاطّلاع على تلك الاوصاف، كلّ على حسب مقامه ليظهر لك كلّ منها بطريق الوجدان.

و سنذكر بعض شرح ذلك في المواضع المناسبة - إن شاء اللّه تعالى - بحسب المقدار السانح بالبال. أو لست من أهل إدراك حقائق تلك الاوصاف و حقائقها؟ لعلّه ينبّه الطالب المستعدّ ليشتغل فى طلبها و التأهل لظهورها فيه حتّى يجدها.

ص: 29

المقدّمة الثّانية في ذكر جملة ممّا جاء في المنع من تفسير القرآن بالرأي،

و ما يتراءى منه بترك تفسيره بغير ما ورد عن أهل البيت - عليهم السلام -، و أنّ من عداهم لا يعلمون شيئا منه، و ما أشبه ذلك، و تحقيق ذلك

[نبذة من الروايات التي تدلّ على أنّ علم القرآن كلّه عند أهل البيت عليهم السلام]

قال اللّه سبحانه بعد ذكر أنّ من آيات الكتاب محكمات:

«هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا.» (1)

و قوله تعالى: «وَ الرّٰاسِخُونَ» يحتمل كونه معطوفا على اسم الجلالة، يكونون ممّن استثناهم عن عدم علم تأويله، و هو الظاهر من جملة من الاخبار(2).

يحتمل كونه مبتدأ خبره «يقولون».

و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه:

ص: 30


1- آل عمران/ 7.
2- كما ذهب اليه جمهور علماء الشيعة، و عقد محمد بن الحسن الصفار (ره) في بصائر الدرجات بابين أورد فيهما روايات تدل عليه، فراجع الجزء الرابع، باب 7 و 10 و الروايات في ذلك خارج عن حدّ الاحصاء و من أرادها فليراجع التفاسير و كتب الحديث.

«من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحق، فقد أخطأ.»(1)

و لعلّ المراد أنّه إن أصاب الواقع اتّفاقا فقد أخطأ في الطريق، أو أنّه أخطأ طريق السداد أو النجاة من المهالك، أو مار و أخطأ خطيئة.

و عن الكافي، عن الصّادق، عن أبيه عليهم السّلام قال:

«ما ضرب [رجل](2) القرآن بعضه ببعض إلا كفر.»(3)

و روي العامّة عن ابن عباس، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النار.»(4)

و روي عنه و عن الائمّة القائمين مقامه عليهم السّلام:

«أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلا بالاثر الصحيح و النصّ الصريح.»(5)

و عن الشيخ الطوسي [ره] باسناده عن عبيدة السلماني، قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول:

ص: 31


1- سنن الترمذي، ج 4، باب 1 من ابواب تفسير القرآن. ص 268. رقم 44024 و سنن ابي داود، ج 3، كتاب العلم، ص 320، رقم 3652؛ و هكذا نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الخامسة، ص 21؛ و المجلسي (رض) في البحار، ج 92، باب تفسير القرآن بالرأي، ص 111، ح 20، عن «منية المريد».
2- سقط في المخطوطة.
3- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 632، ح 17؛ و العياشي، ج 1، ص 18، ح 2؛ و هكذا في المحاسن و ثواب الاعمال و معاني الاخبار.
4- اخرجه الترمذى فى سننه، ج 4، باب 1 من ابواب تفسير القرآن، ص 268، رقم 4022؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي ج 1، المقدمة الخامسة، ص 21؛ و المجلسي (ره) في البحار، ج 92، باب تفسير القرآن بالرأي، ص 111، ح 20، عن منية المريد.
5- راجع التبيان، ج 1، المقدمة، ص 4؛ و مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفنّ الثالث، ص 13؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الخامسة، ص 21.

«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ ،اِتَّقُوا اللّٰهَ ، (و لا تفتوا الناس بما لا تعلمون،) فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد قال قولا آل منه إلى غيره، و قد قال قولا من وضعه غير موضعه كذب عليه.

فقام «عبيدة» و «علقمة» و «الاسود» و اناس معهم، فقالوا:

يا أمير المؤمنين، فما نصنع بما قد خبّرنا به في المصحف؟

فقال: يسأل عن ذلك علماء آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله.»(1)

و عن التفسير المنسوب إلى الامام العسكري، عن آبائه، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في حديث أنّه قال:

«أ تدرون متى يوفّر(2) على المستمع و القارئ هذه المثوبات العظيمة؟ إذا لم يقل في القرآن برأيه، و لم يجف عنه، و لم يستأكل به، و لم يراء به.

و قال: عليكم بالقرآن! فانّه الشفاء النافع، و الدواء المبارك، عصمة لمن تمسّك به، و نجاة لمن اتّبعه.

ثمّ قال: أ تدرون من المتمسّك به، الّذي يتمسّكه ينال هذا الشرف العظيم؟ هو الّذي يأخذ القرآن و تأويله عنّا أهل البيت، و عن وسائطنا السفراء عنّا إلى شيعتنا، لا عن آراء

ص: 32


1- التهذيب، ج 4، باب من الزيادات في القضايا و الاحكام، ص 295، ح 823؛ و الوسائل، ج 18، باب 4 من أبواب صفات القاضي، ص 13، ح 19؛ و ايضا رواه الصفار (ره) في البصائر، الجزء الرابع، باب 7، ص 196، ح 9، بهذا الاسناد؛ و هكذا في البحار، ج 2، باب النهي عن القول بغير علم، ص 113، ح 1، عن كتاب «عاصم بن حميد» باختلاف يسير في الالفاظ.
2- في بعض النسخ: «يتوفر».

المجادلين. و أمّا من قال في القرآن برأيه، فان اتّفق له مصادفة صواب فقد جهل في أخذه عن غير أهله، و إن أخطأ القائل في القرآن برأيه، فقد تبوّأ مقعده من النار.»(1)

و عن الكافي، عن الصّادق عليه السّلام في رسالته الطويلة إلى أصحابه، المرويّة بعدّة طرق:

«إنّ اللّه أتمّ لكم ما آتاكم من الخير، و اعلموا أنّه ليس من علم اللّه و لا من أمره أن يأخذ أحد من خلق اللّه في دينه بهوى و لا رأي و لا مقاييس. قد أنزل اللّه القرآن، و جعل فيه تبيان كلّ شيء، و جعل للقرآن و تعلّم القرآن أهلا لا يسع أهل علم القرآن، الّذين آتاهم اللّه علمه، أن يأخذوا في دينهم(2) بهوى و لا رأي و لا مقاييس و هم أهل الذكر، الّذين أمر اللّه الامّة بسؤالهم.»(3)

و عن الصدوق [ره] في عدّة من كتبه باسناده عن الرضا عليه السّلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: قال اللّه جلّ جلاله: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، و ما عرفني من شبّهني بخلقي،

ص: 33


1- تفسير العسكري عليه السلام، المقدمة، ص 4؛ و البحار، ج 92، باب فضل حامل القرآن ص 182، ح 18.
2- في بعض النسخ: «فيه» بدل «في دينهم».
3- الكافي، ج 8، ص 5، ح 1؛ و الوسائل، ج 18، باب 6 من ابواب صفات القاضي، ص 22، ح 2.

و ما على ديني من استعمل القياس في ديني.»(1)

و عنه عن الصادق عليه السّلام أنّه قال ل «أبي حنيفة »(2):

«أنت فقيه أهل العراق؟ قال: نعم. قال: فبم تفتيهم؟ قال:

بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله. قال: يا أبا(3) حنيفة، تعرف كتاب اللّه حقّ معرفته؟ و تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: نعم.

قال: يا أبا حنيفة، لقد ادّعيت علما، ويلك! ما جعل اللّه ذلك إلا عند أهل الكتاب، الّذين أنزل عليهم؛ ويلك! و لا هو إلا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و ما ورثك اللّه من كتابه حرفا.»(4)

ص: 34


1- رواه في التوحيد، باب التوحيد و نفي التشبيه، ص 68، ح 23؛ و العيون، ج 1، باب ما جاء عن الرضا - عليه السلام - في التوحيد، ص 95، ح 4؛ و الامالي، و هكذا في البحار، ج 2 باب البدع و الرأي و المقاييس، ص 297، نقلا عنهم.
2- و هو: نعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه مولى «تيم اللّه بن ثعلبة» الكوفي، احد الائمة الاربعة السنية، صاحب الرأي و القياس و الفتاوى المعروفة في الفقه، و من الذين ردوا كثيرا من أحاديث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - و ضيعوها كما قيل. و روي عن الامام مالك قال: «كانت فتنة أبي حنيفة أضرّ على هذه الامة من فتنة ابليس.» و روي: «انه كان رأس المرجئة.» (الكنى و الالقاب). أقول: هو أشهر من أن نطيل الكلام فيه. و من أراد أن يطلع على ترجمته أكثر من هذا فليراجع كتب الرجال.
3- في المخطوطة: «ابي».
4- رواه الصدوق (ره) فى العلل، ج 1، باب 81، ص 89، ح 5، و المجلسي (رض) في البحار، ج 2، باب البدع و الراي و المقاييس، ص 292، ح 13.

و عن العيّاشي، عن عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سئل عن الحكومة، فقال:

«من حكم برأيه بين اثنين فقد كفر، و من فسّر برأيه آية من كتاب اللّه فقد كفر.»(1)

و عن الكليني [رض] باسناده إلى منصور بن حازم فيما حكاه للصادق عليه السّلام من مكالمته للناس:

«قلت لهم: فحين مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من كان الحجّة للّه على خلقه؟ قالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فاذا هو يخاصم المرجئي(2) و العدويّ (3) و الزنديق(4) الّذي لا يؤمن به حتّى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجّة إلا بقيّم (5) ،فما قال فيه من شيء كان حقّا - إلى أن قال: - فأشهد أنّ عليّا عليه السّلام كان قيّم القرآن، و كانت طاعته مفترضة، و كان الحجّة على الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،

ص: 35


1- العياشي، ج 1، ص 18، ح 6؛ و البرهان، ج 1، باب النهي عن تفسير القرآن ص 19، ح 13، و هكذا فى البحار و الوسائل.
2- في الكافي: «القدري» مكان «العدوي» و هو الظاهر، و قد تطلق هذه الاسماء على اصحاب فرق «المرجئة» و «القدرية» و «الزنادقة».
3- في الكافي: «القدري» مكان «العدوي» و هو الظاهر، و قد تطلق هذه الاسماء على اصحاب فرق «المرجئة» و «القدرية» و «الزنادقة».
4- في الكافي: «القدري» مكان «العدوي» و هو الظاهر، و قد تطلق هذه الاسماء على اصحاب فرق «المرجئة» و «القدرية» و «الزنادقة».
5- قال المولى صالح المازندراني (ره) فى شرحه على الكافي، ج 5، ص 105: «قوله: «الا بقيم»، فى الفائق: قيم القوم من يقوم بسياسة امورهم. و المراد به هنا من يقوم بأمر القرآن و يعرف ظاهره و باطنه، و مجمله و مؤوّله، و محكمه و متشابهه، و ناسخه و منسوخه بوحي الهي، أو بالهام رباني، او بتعليم نبوي.»

و أنّ ما قال في القرآن فهو حقّ.

فقال - يعنى الصّادق عليه السّلام -: رحمك اللّه.»(1)

و عن الكافي باسناده إلى زيد الشحّام، قال: دخل «قتادة بن دعامة»(2)

على أبي جعفر عليه السّلام، فقال:

«يا قتادة، أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال: هكذا يزعمون. فقال أبو جعفر عليه السّلام: بلغني أنّك تفسّر القرآن؟ فقال له قتادة:

نعم.

فقال له أبو جعفر عليه السّلام: فان كنت تفسّره بعلم فأنت أنت(3)

و أنا أسألك - إلى أن قال أبو جعفر عليه السّلام: - ويحك يا قتادة إن كنت إنّما فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت و أهلكت، و إن كنت قد فسّرته(4) من الرجال، فقد هلكت و أهلكت - إلى أن قال: - ويحك يا قتادة! إنّما يعرف القرآن من خوطب به.»(5)

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له، قال:

ص: 36


1- الكافي، ج 1، باب الاضطرار إلى الحجة، ص 168، ح 2؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من ابواب صفات القاضي، ص 129، ح 1، نقلا عنه.
2- هو من مشاهير محدثى العامة و مفسريهم، روى عن «انس بن مالك» و «ابي الطفيل» و «سعيد بن المسيب» و «الحسن البصري». و قال الخزرجي في «تذهيب الكمال»: «قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري الاكمه، أحد الائمة الاعلام، حافظ، مدلس.»
3- أي: أنت المفسر الذي يجوز له التفسير و الرجوع اليه، و الحاصل: أنت كامل فى العلم. كما قال المولى صالح المازندراني (ره) في شرحه على الكافي، ج 12، ص 415.
4- في بعض نسخ الكافي: «أخذته».
5- الكافي، ج 8، ص 311، ح 485؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الثانية ص 12.

«إنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، و بصر به عماه، و سمع به صممه، و أدرك به ما قد فات (1) ،و حيي به بعد إذ(2) مات، فاطلبوا ذلك من عند أهله و خاصّته، فانّهم خاصّة نور يستضاء به، و أئمّة يقتدى بهم؛ هم عيش العلم و موت الجهل، و هم الّذين يخبركم حلمهم(3) عن علمهم، و صمتهم عن منطقهم، و ظاهرهم عن باطنهم؛ لا يخالفون الحقّ، و لا يختلفون فيه.»(4)

و عن الصدوق [رض]، عن ابن عبّاس، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في خطبة له يذكر فيها بعض فضائل عليّ عليه السّلام و مراتبه:

«إنّ اللّه أنزل القرآن(5) و هو الّذي من خالفه ضلّ، و من يبتغي علمه عند غير عليّ هلك.»(6)

و عن الصّادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام:

ص: 37


1- في بعض نسخ الكافي: «علم ما فات».
2- في المخطوطة: «اذا».
3- في بعض نسخ الكافي: «حكمهم».
4- رواه الكلينى (قده) فى الكافى، ج 8، ص 386، ح 586؛ و الحر العاملى (ره) فى الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضى، ص 137، ح 26، و هكذا روى السيد الرضى (رض) من قوله - عليه السلام -: «هم عيش العلم - الخ»، الذى تقدم فى خطبة الكتاب، في نهج البلاغة، خ 147، ص 206، و خ 239، ص 357، فراجع.
5- في الامالى و الوسائل: «علىّ القرآن».
6- الامالى، المجلس الخامس عشر، ص 64، ح 11؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضى، ص 137، ح 29.

«إنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّ عليهما السّلام يسألونه عن الصمد، فكتب إليهم:

بسم اللّه الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، و لا تجادلوا فيه، و لا تتكلّموا فيه بغير علم، فانّي سمعت جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من قال في القرآن بغير علم، فليتبوّأ مقعده من النار.»(1)

و عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«لعن اللّه المجادلين في دين اللّه على لسان سبعين نبيّا، و من جادل في آيات اللّه كفر (2) ؛قال اللّه: «مٰا يُجٰادِلُ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.» (3) و من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على اللّه الكذب، و من أفتى النّاس بغير علم لعنته ملائكة السموات و الارض - الحديث.»(4)

و عن البرقي [ره] في المحاسن عن المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في رسالة له:

«فأمّا ما سألت عن القرآن، فذلك أيضا من خطراتك المتفاوتة المختلفة؛ لأنّ القرآن ليس على ما ذكرت، و كلّ

ص: 38


1- التوحيد، باب تفسير قل هو اللّه أحد، ص 90، ح 5، و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 140، ح 35.
2- في الاكمال: «فقد كفر».
3- الغافر/ 4.
4- اكمال الدين، باب 24 ص 256، ح 1، و البرهان، ج 1 باب في النهي عن تفسير القرآن بالرأي، ص 17، ح 1.

ما سمعت فمعناه على غير(1) ما ذهبت إليه، و إنّما القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم، و لقوم يتلونه حقّ تلاوته، و هم الذين يؤمنون به و يعرفونه.

و أمّا غيرهم، فما أشدّ إشكاله عليهم و أبعد(2) من مذاهب قلوبهم؛ و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «إنّه ليس شيء أبعد من قلوب الرجال من تفسير القرآن.» و في ذلك تحيّر الخلائق أجمعون إلا من شاء اللّه. و إنّما أراد اللّه بتعميته في ذلك أن ينتهوا إلى بابه و صراطه، و أن يعبدوه و ينتهوا في قوله إلى طاعة القوّام بكتابه و الناطقين عن أمره، و أن يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن أنفسهم.

ثمّ قال: «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.» (3)

فأمّا عن غيرهم، فليس يعلم ذلك أبدا و لا يوجد، و قد علمت أنّه لا يستقيم أن يكون الخلق كلّهم ولاة الامر؛ لأنّهم(4) لا يجدون من يأتمرون عليه، و من يبلغونه أمر اللّه و نهيه، فجعل اللّه الولاة خواصّ ليقتدى بهم، فافهم ذلك - إن شاء اللّه تعالى -.

و إيّاك و إياك و تلاوة القرآن برأيك! فانّ النّاس غير

ص: 39


1- في بعض النسخ: «فمعناه غير».
2- في الوسائل: «أبعده».
3- النساء/ 83.
4- في بعض النسخ: «اذ».

مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الامور، و لا قادرين على تأويله إلا من حدّه و بابه الّذي جعله اللّه له، فافهم - إن شاء اللّه -، و اطلب الامر من مكانه تجده - إن شاء اللّه -.»(1)

و عن الطبرسي في احتجاج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم الغدير على مفسّر كتاب اللّه و الداعي إليه إلى أن قال:

«معاشر النّاس! تدبّروا [القرآن] و افهموا آياته، و انظروا في محكماته، و لا تتّبعوا متشابهه، فو اللّه لن يبيّن لكم زواجره، و لا يوضح لكم عن تفسيره(2) إلا الّذي أنا آخذ بيده.»(3)

و عن بشارة المصطفى، عن الحسن عليه السّلام في خطبته لمعاوية:

«نحن حزب اللّه الغالبون - إلى أن قال: - و المعوّل علينا في تفسيره لا نتظنّى تأويله، بل نتّبع حقائقه، فأطيعونا - الحديث.»(4)

ص: 40


1- المحاسن، ج 1، كتاب مصابيح الظلم، باب 36، ص 268، ح 356، و الوسائل ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 141، ح 38.
2- في الاحتجاج: «لكم تفسيره».
3- الاحتجاج، ج 1، ص 75، و الوسائل ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 142، ح 43.
4- بشارة المصطفى، ص 106، عن هشام بن حسان، عنه - عليه السلام -، و الوسائل ج 18، باب 13 من ابواب صفات القاضي، ص 144، ح 45، و روى الطبرسى (ره) في الاحتجاج، ج 2، ص 22، عن موسى بن عقبة، عن الحسين بن علي - عليهما السلام - نحوه، الذي سيجيء في المقدّمة السادسة - إن شاء اللّه تعالى -.

و عن تفسير فرات بن إبراهيم، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث كلامه مع «عمرو بن عبيد»، قال:

«و أمّا قوله تعالى: «وَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوىٰ » (1) ، فانّما على النّاس أن يقرءوا القرآن كما انزل، فاذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا و إلينا يا عمرو - الحديث.»(2)

و عن العيّاشي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«من فسّر القرآن برأيه إن أصاب لم يؤجر، و إن أخطأ خرّ(3) أبعد من السماء»(4)

و عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«ما علمتم فقولوا، و ما لم تعلموا فقولوا: اللّه أعلم؛ إن الرجل ينتزع(5) الآية، فيخرّ فيها(6) أبعد ما بين السماء و الارض.»(7)

و عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«إيّاكم و الخصومة! فانّها تحبط العمل و تمحق الدين؛

ص: 41


1- طه/ 81.
2- تفسير فرات، ص 91، و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضى ص 149، ح 64. ينتهي الحديث فيما بأيدينا من المصادر المذكورة إلى كلمة «عمرو» فلا يصح أخذ لفظ «الحديث» كما استعمله المؤلف (ره).
3- في بعض النسخ: «فهو».
4- العياشي، ج 1، ص 17، ح 4؛ و البحار، ج 92، باب تفسير القرآن بالرأي ص 110 ح 13، و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 149، ح 66.
5- في بعض نسخ العياشى: «ينزع».
6- في بعض نسخ العياشي: «بها».
7- العياشي، ج 1، ص 17، ح 3.

إن أحدكم لينزع بالآية، فيخرّ فيها(1) أبعد من السماء.»(2)

و عنه عليه السّلام قال:

«ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن؛ إنّ الآية ينزل أوّلها في شيء، و أوسطها في شيء، و آخرها في شيء.»(3)

و عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

«ليس شيء أبعد من عقول الرجال عن(4) القرآن.»(5)

و عن جابر قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«يا جابر، إنّ للقرآن بطنا، و للبطن ظهرا، و ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن (6) ؛إنّ الآية ينزل أوّلها في شيء، و أوسطها في شيء، و آخرها في شيء، و هو كلام متصرّف(7) على وجوه.»(8)

و ذكر صاحب الوسائل في حاشيته أنّه:

ص: 42


1- في بعض نسخ العياشي: «يقع».
2- العياشي، ج 1 ص 18، ح 1.
3- العياشي، ج 1، ص 17، ح 1.
4- في بعض النسخ: «من».
5- العياشي، ج 1، ص 17، ح 5.
6- في العياشي و الوسائل و البرهان: «منه» بدل «من تفسير القرآن».
7- في بعض نسخ العياشي: «و هو كلام متصل يتصرف».
8- العياشي، ج 1، ص 11، ح 2. و هذه الاحاديث الخمس نقله الحر العاملي (ره) في الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي ص 149 و 150، ح 68 و 71 و 73 و 69 و 74؛ و السيد هاشم البحراني (رض) في البرهان، ج 1، ص 19، عن العياشي.

«قد ورد أحاديث متواترة تزيد على مأتين و عشرين حديثا، قد جمعتها في محلّ آخر، دالّة على عدم جواز استنباط الاحكام النظريّة من ظواهر القرآن إلا من بعد معرفة تفسيره من كلام الائمّة عليهم السّلام، و التفحّص عن أحوالها، و أنّها محكمة أو متشابهة، ناسخة أو منسوخة، عامّة أو خاصّة إلى غير ذلك؛ أو ورد ما يوافقها من أحاديثهم الثابتة، و أنّه يجب العمل بالكتاب و السنّة، و قد تقدّم ذلك في حديث «عبيدة السلماني» - إلى آخر كلامه.»(1)

[معنى التّفسير و أنواعه]

أقول: اعلم أنّ المفسّر إمّا أن يفسّر ظاهر القرآن أو إشاراته و دقائقه و بواطنه، فالقسم الاوّل من التفسير من ترجمة المراد من الالفاظ و ما استعمل فيها، و بيان ما هو المقصود من الكلام ابتداء، الّذي هو الشائع المعروف في كتب التفسير؛ فانّ القرآن عبارة عن ألفاظ و كلمات عربيّة مؤلّفة على النهج العربيّ، فكما أنّ لكلّ كلام عربيّ معنى إذا عرض على عرف العرب فهم منه ذلك المعنى بعد ملاحظة مساق الكلام و خصوصيّاته و سائر القرائن الحاليّة و المقاليّة المتّصلة و المنفصلة، كذلك آيات القرآن و جمله إذا عرضت عليهم بجميع الخصوصيّات الّتي هي عليها، و ملاحظة القرائن المتّصلة و المنفصلة، يفهمون منها معاني خاصّة بملاحظة معاني المفردات و خصوصيّات الاعراب و التأليف و مساق الكلام و القرائن المكتنفة باللّفظ و غيرها، و كلّ كلام تامّ بأيّ لغة كانت إذا عرض على العارف بتلك اللّغة يفهم منه معنى، و يحكم بأنّه هو معنى ذلك الكلام.

ص: 43


1- راجع التعليقة، ص 20 من مجلد 18.

و لا شكّ أنّ ظاهر القرآن كلام عربيّ نزل بلغة العرب، و طريقة العقلاء، و المسلمين خصوصا جارية على حمل كلّ كلام على ما هو الظاهر المتبادر منه بعد ملاحظة جميع الخصوصيّات. و لعلّ مثل هذه الترجمة لا يعدّ تفسيرا فضلا عن كونه تفسيرا بالرأي؛ فقد ذكر بعض العلماء: «انّ التفسير أصله الكشف و الاظهار، و كذلك سائر تقاليبه من ذلك، سفرت المرأة: كشفت عن وجهها، و الفرس لأنّه يكشف به عن وجوه الحوائج، و منه السرف لانّه يكشف عن حاله حينئذ، و الرفس لأنّه يكشف عن عضوه، و انكشاف حال المقيّد من ومقاته في رسناته(1) واضح »(2).

فلا يبعد أن يكون التفسير هو بيان كلام لا يفيد بنفسه ذلك المعنى، فيكون مساوقا لتعيين المجمل و كشف المغلق. نعم، لا يبعد اندراج ما دلّ عليه القرائن الخفيّة فيه باعتبار إظهار تلك القرينة، و أمّا بعد الالتفات إليها، فان كانت معتبرة عند العقلاء كانت كسائر القرائن الظاهرة، و إلا لم يصحّ الاعتماد عليها.

و بالجملة فكلّ آية لها ظاهر معنى لفظيّ بملاحظة جميع الخصوصيّات، فهو حجّة فيه على ما فصّل في علم الاصول، فيصحّ تفسيرها به.

و يرشد إليه مضافا إلى ما تقدّم من الاخبار من أخبار الثقلين، المرويّة في «غاية المرام» من طريق الخاصّة باثنين و ثمانين طريقا، و من طريق العامّة بتسعة و ثلاثين طريقا، و غيرها، و ما أدرجناه في الخطبة من كلمات أمير المؤمنين عليه السّلام روايات كثيرة:

[روايات عرض الأخبار على القرآن]

و منها: الروايات الواردة في عرض الاخبار عند التعارض على الكتاب العزيز

ص: 44


1- «المقة» بالكسر: المحبة، و الهاء عوض عن الواو، و قد ومقه يمقه بالكسر فيهما أي: أحبه فهو وامق (مجمع البحرين). «الرسن»: الحبل الذي يشد به الدابة.
2- الكلام للنيشابوري، راجع تفسيره، ج 1، ص 18.

و الاخذ بما وافقه؛ كرواية «الميثمي»، «و عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه»، «و الحسن بن الجهم»، و «عمر بن حنظلة»(1) و غيرها على ما هو الظاهر.

و منها: الروايات الواردة في عرض الاخبار على الكتاب مطلقا و ترك العمل بما لم يوافقه أو لم يشبهه و ما يقرب من ذلك؛ كرواية «السكوني» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه.»(2)

و المراد بالموصول يحتمل أن يكون هو الحديث، أو مطلق الكلام، أو مطلق القضيّة العقليّة، و لعلّ الاطلاق أقرب، فانظر كيف يعدّ الكتاب ميزانا للمخاطبين مشخّصا لهم الحقّ و الباطل و الصواب و الخطاء.

و رواية «عبد اللّه بن أبي يعفور»، قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن اختلاف الحديث يرويه من تثق به، و منهم من لا تثق به؟

قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو

ص: 45


1- راجع الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 21 و 29 و 40 و 48 و 1، و قد نقلها عن العيون و رسالة سعيد بن هبة اللّه الراوندي و الاحتجاج و العياشي و الكافى بالترتيب.
2- المحاسن، ج 1، باب 14 من كتاب مصابيح الظلم، ص 226، ح 150؛ و الكافى، ج 1، باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب، ص 69، ح 1؛ و العياشي، ج 1، ص 8، ح 2؛ و الامالي كما في البحار، ج 2، باب علل اختلاف الاخبار و كيفية الجمع بينها، ص 227، ح 4؛ و الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 78 ح 10؛ و هكذا في البرهان.

من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و إلا فالّذي جاءكم به أولى به.»(1)

و ظاهر الجواب غير مخصوص بمورد الاختلاف.

و رواية «أيّوب بن راشد» عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«ما لم يوافق من الحديث القرآن، فهو زخرف.»(2)

و رواية «أيّوب بن الحرّ»، قال:

«سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: كلّ شيء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه، فهو زخرف.»(3)

و عن هشام بن الحكم و غيره عنه عليه السّلام قال:

«خطب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمنى، فقال: أيّها الناس، ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله.»(4)

و عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة؛ إنّ على

ص: 46


1- المحاسن، ج 1، باب 12 من كتاب مصابيح الظلم، ص 225، ح 145؛ و الكافى ج 1، باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب، ص 69، ح 2؛ و الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 78، ح 11؛ و هكذا في البرهان.
2- الكافي، ج 1، باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب، ص 69، ح 4؛ و الوسائل ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 78، ح 12؛ و هكذا في البرهان. (3و4) رواهما البرقي (ره) في المحاسن، ح 1، باب 11 من كتاب مصابيح الظلم ص 220 و 221، ح 128 و 130؛ و الكليني (رض) في الكافي، ج 1، باب الاخذ بالسنة و شواهد الكتاب، ص 69، ح 3 و 5؛ و العياشى (ره) في تفسيره، ج 1، ص 9 و 8، ح 4 و 1؛ و الحر العاملي (ره) في الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 79، ح 14 و 15؛ و هكذا البحراني (قده) في البرهان.

كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نورا، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه.»(1)

و عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث، قال:

«انظروا أمرنا و ما جاءكم عنّا، فان وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، و إن لم تجدوه موافقا فردّوه، و إن اشتبه الامر عليكم فقفوا عنده، و ردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا.»(2)

و عن العيّاشي، عن سدير قال: قال أبو جعفر و أبو عبد اللّه عليهما السّلام:

«لا تصدّق(3) علينا إلا ما وافق(4) كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله.»(5)

و لعلّك تستفيد من هذه الاخبار أنّ القاعدة هو إرجاع الاخبار إلى الكتاب و جعل الميزان فيها هو الكتاب مطلقا، و الاخذ بما وافقه و أشبهه، و طرح ما خالفه أو لا يشبهه، بل و ما لا يوافقه و ما لا يخالفه إذا لم يكن مستجمعة لشرائط الحجيّة.

و العجب من جماعة عكسوا الامر، فلم يأخذوا بالكتاب بنفسه أصلا، و جعلوا الحديث ميزانا للكتاب. فتدبّر في هذه الاخبار و ما قدّمناه، و احتفظ بما حصّلته منها

ص: 47


1- نقله الحر العاملى (ره) عن رسالة سعيد بن هبة اللّه الراوندي، فراجع الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 86، ح 35.
2- الامالي للطوسي (رض)، ج 1، الجزء التاسع، ص 236؛ و البحار، ج 2 باب علل اختلاف الاخبار و كيفية الجمع بينها، ص 235، ح 21؛ و الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 86، ح 37.
3- فى بعض النسخ: «لا يصدق».
4- في بعض النسخ: «بما يوافق».
5- العيّاشي، ج 1، ص 9، ح 6؛ و الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 89؛ ح 47؛ و هكذا في البرهان.

حتّى تنتفع به في مواضع كثيرة.

[في أخذ محكمات القرآن و ترك المتشابهات و ردّ علمها إلى أهلها]

و منها: ما دلّ على الاخذ بمحكم الكتاب و ردّ متشابهه إليه؛ كما روي عن أبي حيون مولى الرضا [عن الرضا] عليه السّلام قال:

«من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم. ثمّ قال عليه السّلام: إن في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا.»(1)

فانظر إلى هذا الخبر كيف سوّى بين الكتاب و الحديث في الاشتمال على القسمين، و كيف حكم في كلّ منها بحكم واحد، و هو ردّ المتشابه إلى المحكم، فان كان الاشتمال عليهما مانعا عن الحجيّة عمّ المقامين.

و ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام في كتابه إلى مالك الاشتر، المرويّة في نهج - البلاغة:

«و اردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك من الخطوب، و يشتبه عليك من الامور؛ فقد قال اللّه سبحانه لقوم أحبّ إرشادهم:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ.» (2)

فالراد إلى اللّه الاخذ بمحكم كتابه، و الرادّ إلى الرسول

ص: 48


1- رواه الصدوق (ره) في العيون، ج 1 باب، 28، ص 226، ح 39؛ و نقله الحر العاملي (ره) في الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي، ص 82، ح 22.
2- النساء/ 59.

الاخذ بسنّته الجامعة غير المتفرّقة.»(1)

و عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن سنان أو غيره، عمّن ذكره، قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن القرآن و الفرقان، أ هما شيء واحد؟ فقال عليه السّلام: القرآن جملة الكتاب، و الفرقان المحكم الواجب العمل به .»(2).

و عن وهيب بن حفص، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال:

«سمعته يقول: إنّ القرآن فيه محكم و متشابه، فأمّا المحكم فنؤمن به و نعمل به و ندين اللّه به، و أمّا المتشابه، فنؤمن به و لا نعمل به؛ و هو قول اللّه: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ - إلى قوله: - وَ الرّٰاسِخُونَ .» (3).

و لعلّ المراد هو التفصيل بالنسبة إلى المخاطبين و غيرهم، و إلا فهم يعلمون جميع القرآن من دون فرق بين المحكم و المتشابه؛ كما ورد في رواية اخرى:

«المحكم ما يعمل به و المتشابه الّذي يشبه بعضه بعضا.»(4)

ص: 49


1- في بعض النسخ: «المفرقة». و الحديث فى: نهج البلاغة، ر 53، ص 434؛ و الوسائل، ج 18، باب 9 من أبواب صفات القاضي ص 86، ح 38.
2- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 630، ح 11؛ و معانى الاخبار، ص 189؛ و البحار، ج 92، باب فضل القرآن، ص 15، ح 10.
3- الآية؛ آل عمران/ 7؛ و الحديث في: بصائر الدرجات، ص 203، ح 3؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 146، ح 52؛ و هكذا في البرهان.
4- العياشي، ج 1، ص 10، ح 1، عن أبي محمد الهمداني، عن رجل، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام -؛ و البرهان، ج 1، ص 20، ح 5.

[جواز العمل بظاهر القرآن في الأحكام]

و منها: ما ربما يظهر صحّة العمل بظاهر القرآن في المسائل الفقهيّة؛ كما ورد في من أتمّ في السفر أنّه:

«إن قرء عليه آية التقصير و فسّرت له أعاد.»(1)

و لعلّ اشتراط التفسير لكون ما يتراءى من الآية ابتداء عند الجاهل هو جواز القصر لا لزومه، أو اشتراطه بالخوف.

و كقوله عليه السّلام على ما ببالي في من عثر فانقطع ظفره أنّه:

«يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه؛ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.» (2)

و ما روي من:

«انّ اللّه لا يخاطب الخلق بما لا يعلمون.»(3)

إلى غير ذلك.

و من لاحظ مساق الآيات الواردة في شأن الكتاب الكريم، و تأمّلها حقّ

ص: 50


1- رواه العياشي (ره) في تفسيره، ج 1، ص 271، ح 254؛ و الصدوق (رض) في الفقيه ج 1، ص 278، ح 1؛ و الشيخ (رض) في التهذيب، ج 3، ص 226، ح 80 عن زرارة و محمد بن مسلم، عن أبي جعفر - عليه السلام -؛ و نقله الحر العاملي (رض) في الوسائل ج 5 باب 17 من أبواب صلاة المسافر ص 531، ح 4.
2- الآية: الحج/ 78؛ و الحديث في الكافي، ج 3، باب الجبائر و القروح و الجراحات ص 33، ح 4، عن عبد الاعلى مولى آل سام، عن أبى عبد اللّه - عليه السلام -؛ و الوسائل ج 1، باب 39 من أبواب الوضوء، ص 327، ح 5.
3- راجع الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 151، ح 81.

التأمّل، و شاهد طريقة المسلمين، و تتبّع سائر الاخبار مضافا إلى ما قدّمناه، ظهر له أنّ ما أحدثه بعض الاخباريّين من عدم جواز استنباط العلوم من القرآن بعيد عن إصابة الحقّ و الصواب، و لعلّه كفران بهذه النعمة العظيمة، الّتي أنعم اللّه سبحانه على عباده حيث أنزل إليهم كتابا جامعا لأنواع العلوم و المعارف ليدّبّروا آياته، و ليتذكّر اولو الالباب، و إنّه آيات بيّنات لا إجمال و لا ريب فيه؛ كيف و الاجمال و الاغلاق و عدم وفاء اللفظ بالمراد نقص في الكلام، و مناف لبلاغة الكلام، و كلام اللّه سبحانه منزّه عن كلّ نقص و كامل تامّ. و تفصيل البحث موكول إلى علم الاصول.

و ليعلم أنّ القدر الّذي ذكرنا من الاخذ بظاهر القرآن، و المعنى الّذي يتبادر منه عرفا موقوف على الاطلاع على معاني المفردات و قوانين تأليفها، و ملاحظة القرائن الحاليّة و المساقيّة و المقاليّة، و جميع دقائق الكلام، و البحث عن القرائن المنفصلة من الاحاديث، و سائر الادلّة العقليّة و السمعيّة.

فأمّا حمل القرآن على معنى من دون اطّلاع على القواعد اللفظيّة، أو عدم الالتفات إلى القرائن و الدقائق اللفظيّة، أو عدم البحث عن القرائن المنفصلة و ملاحظة حال الناسخ و المنسوخ و المجمل و المفصّل و غيرهما، أو تخصيص شيء منها بمورد بملاحظة استحسان عقليّ، أو نكتة غير عرفيّة، أو محض ميل نفسه إليه، أو تعصّب لمذهبه، أو تقليد مفسّر غير معصوم و لا آخذ عنه، أو خيال سبق إلى ذهنه، أو قاعدة خارجيّة فاسدة، أو قياس فاسد إلى غير ذلك، أو حمل اللفظ المحتمل لوجهين أو وجوه على معنى بأحد الامور المشار إليها، أو تصرّف آخر غيرهما بواحد منها كما هو كثير في تفسيرات المفسّرين فهو غير صحيح، و فيها يتحقّق تفسير القرآن بالرأي و ضرب بعض القرآن ببعض، و القول في القرآن بغير علم و من دون سؤال علماء آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله مع التمكّن منه، كما هو شأن «قتادة» و «أبي حنيفة» و أضرابهما، و الاخذ

ص: 51

في الدين بالهوى و المقاييس، و التفسير من تلقاء النفس و عن الرجال، و الخوض و المجادلة و التكلّم في القرآن بغير علم، و اتباع المتشابه، و تظنى التأويل، و انتزاع الآية الّذي يخرّبه أبعد من السماء، و الغفلة عن نزول أوّل الآية في شيء و آخرها في شيء. و منه يظهر الجواب عن أكثر الاخبار المتقدّمة.

فان قلت: إن اقتصر في علم القرآن على القدر الّذي يفيده القواعد اللفظيّة بالشروط المتقدّمة من الفحص عن القرينة المنفصلة و الدليل المعارض و غيره، قلّ الانتفاع بالقرآن في استخراج العلوم و المعارف، و بطل أكثر ما ذكره المفسّرون و قد امرنا بالتدبّر فيه و استنارته و استنصاحه؛ مع أنّ القرآن فيه تبيان كلّ شيء و فيه ينابيع العلم و بحوره، و هو بحر لا يدرك غوره إلى غير ذلك ممّا ورد في صفته.

قلت: ليس مدلول القرآن منحصرا في ذلك، بل هو قطرة من ذلك البحر الزاخر، و لكن لكلّ مرتبة منه أهل خاصّ به. فمن كان عالما بقواعد الالفاظ و ما يتوقّف عليه إعمالها فقط، كان شأنه مقصورا على ذلك من دون تعدّي إلى الاستمداد بشيء من الامور المشار إليها، حتّى نكون ممّن نستدلّ به على ربّنا، و نستنصحه على أنفسنا، و نتّهم عليه آرائنا، و نستغشّ فيه أهوائنا، و آخذا للمعنى من القرآن و جاعلا له حجّة علينا، لا ممّن يحمل القرآن على رأيه و هواه و تقليده، و يجعل شيئا ممّا قدّمناه حجّة على القرآن و دليلا حاكما عليه. و لعلّك بالتأمّل فيما فصّلنا ترى انطباق كثير من أخبار الطرفين بعد ملاحظة مساقها و ما توجّه الكلام في بيانه، و بعد اتّفاق تلك القواعد و التجنّب عمّا أشرنا إليه يحصل له باستعمالها في القرآن و التدبّر فيه علوم كثيرة بقدر غوره فيه، و الاطلاع على دقائقه يزداد علومه، و بضمّ بعضها إلى بعض يكثر العلوم؛ فانّ العلوم إذا كثرت يمكن العالم من استخراج مجهولات كثيرة من ضمّ بعضها إلى بعض، كما تبين في علم المنطق،

ص: 52

خصوصا بملاحظة التطبيق بين ظواهر الآيات و التفاسير المأثورة عنهم عليهم السّلام. فعسى أن يتحصّل منه قواعد يستخرج منها علوما كثيرة من سائر مراتب القرآن؛ إذ ما ذكرناه إنّما هو في عالم لفظ القرآن و نشره، و لعلّه المراد من التنزيل في جملة من الاخبار.

و أمّا مراتبه الكثيرة الخارجة عنه، فجميعه إنّما هو عند المعصومين، كما استفاضت به الاخبار، بل المتواترات به، بل لا يحصي جميع مراتب حرف واحد منها غيرهم عليهم السّلام، أو من علّموه من خواصّهم إن أمكن لغيرهم إحصائه.

و قد نقل «السيّد البحرانيّ» [رض] في «غاية المرام» عن ابن طاوس [ره] أنّه قال: ذكر أبو عمرو الزاهد و اسمه محمّد بن عبد الواحد في كتابه باسناده أنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام قال:

«يا ابن عبّاس، إذا صلّيت عشاء الآخرة فالحقني إلى الجبّان.

قال: فصلّيت و لحقته و كانت ليلة مقمرة.

قال: فقال لي: ما تفسير الالف من الحمد؟ فقال: فما علمت حرفا اجيبه، فتكلّم في تفسيرها ساعة واحدة تامّة.

قال: فما تفسير الحاء من الحمد؟ فقلت: لا أعلم. فتكلّم فيها ساعة تامّة.

قال: قال عليه السّلام: فما تفسير الميم؟ قال: قلت: لا أدري. قال:

فتكلّم فيها ساعة تامّة.

قال: ثمّ قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلت: لا أدري. قال: فتكلّم فيها إلى برق عمود الفجر.

قال: فقال لي: قم يا ابن عبّاس إلى منزلك و تأهّب لفرضك. قال أبو العبّاس عبد اللّه بن العبّاس: فقمت و قد وعيت كلّما قال،

ص: 53

ثمّ تفكّرت فاذا علمي بالقرآن في علم علي عليه السّلام كالقرارة في المثعجر.»(1)

و عنه في كتاب «سعد السعود» نقله من طريق العامّة، عن أبي حامد الغزالي:

«قال عليّ عليه السّلام لمّا حكى عهد موسى أنّ شرح كتابه كان أربعين حملا: «لو أذن اللّه و رسوله لي، لأشرع في شرح معاني ألف الفاتحة حتّى يبلغ مثل ذلك.» يعني: أربعين وقرا أو حملا، و هذه الكثرة في السعة و الافتتاح في العلم لا يكون إلا لدنّيّا سماويا إلهيّا، هذا آخر لفظ محمّد بن محمّد بن محمّد الغزالي.»(2)

و لا شكّ أنّ القدر الّذي يفيده الالفاظ باعتبار اوضاعها اللغويّة و العرفيّة نسبته إلى سائر مراتبه المجتمعة عندهم عليهم السّلام كنسبة القطرة من البحر، فلا جرم مثل «قتادة» و «أبي حنيفة» و أضرابهما لم يورثوا منه حرفا واحدا؛ إذ غاية إدراكهم قشر الحرف الواحد.

و من هنا يعلم الجواب عن جملة اخرى من الاخبار المشار إليه، و أنّ ما دلّ من الاخبار على انحصار علم القرآن أو تمامه لهم عليهم السّلام، لا تنفى صحّة التمسّك بظاهرها؛ إذ العالم به بالنسبة إلى أصل علم القرآن كالعامي الصرف العالم بأنّ كتاب «الشفاء» للشيخ الرئيس اسمه الشفاء، و حجمه كذا، و جلده كذا، و لون جلده و أوراقه كذا، و مداده من السواد أو الحمرة، و سطور الصفحة كم هي؛ فهل

ص: 54


1- قال المؤلف (ره) في الحاشية: «كالقرارة في المثعجر» أي: كالغدير في جنب البحر. كذا قيل. و الحديث في غاية المرام، المقصد الثاني، الباب الخامس و العشرون، ص 513؛ و تراه في سعد السعود، ص 284؛ و البحار، ج 92، ص 104.
2- المصادر السابقة.

يعدّ ذلك الشخص عالما بذلك الكتاب؟

و منه يعلم أنّ ما أورده صاحب الوسائل من ذلك و أشباهه في باب عدم جواز استنباط الاحكام النظريّة من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الائمّة عليهم السّلام ليس في محلّه. و يعلم أنّ ما نقلناه سابقا عنه في الحاشية من كثرة الاخبار فالظاهر كون كثير منها من هذا القبيل، بل لا دخل لجملة منها بالمدّعى، و على ما قرّرنا يتحسّم أصل إشكال التعارض بين الاخبار.

هذا، و لا يخفى عليك أنّ بين المرتبتين، مرتبة أهل اللفظ و مرتبة الائمة عليهم السّلام العالمين بجميع المراتب في الجميع، مراتب كثيرة يرشدك إليه ما قدّمناه في الخطبة من كلمات أمير المؤمنين عليه السّلام و جملة من الاخبار المتقدّمة، إذا تدبّرتها حقّ التدبّر فيشاهد المنتزفون بحرا لا ينزف، و الماتحون عيونا لا تنضب، و الواردون مناهل لا تغاص، و المسافرون منازل لا يضلّ نهجها، و السائرون أعلاما لا يعمى عنها، و القاصدون آكاما لا يجاز عنها، و العلماء فيه ريّ عطشهم، و الفقهاء ربيع قلوبهم، و الصلحاء محاجّ طرقهم.

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في احتجاجه على زنديق سأله عن آيات متشابهة من القرآن فأجابه، إلى أن قال:

«ثمّ إنّ اللّه قسّم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه و لطف حسّه و صحّ تمييزه ممّن شرح اللّه صدره للاسلام، و قسما لا يعلمه(1) إلا اللّه و ملائكته(2) و الراسخون في العلم. و إنّما فعل ذلك لئلا يدّعي أهل الباطل المستولين على ميراث رسول

ص: 55


1- الاحتجاج: «يعرفه».
2- في بعض نسخ الاحتجاج: «امناؤه».

اللّه صلّى اللّه عليه و آله من علم الكتاب ما لم يجعله اللّه لهم، و ليقودهم الاضطرار إلى الائتمام بمن ولي(1) أمرهم فاستكبروا عن طاعته - الحديث.»(2)

و القسم الثاني يحتمل أن يكون وراء عالم الالفاظ و دون مرتبة الراسخين عليهم السّلام بقرينة ذكر شرح الصدر للاسلام، و أن يكون من العالم بمباني ظاهر القرآن و ما يرتبط به، فيكون القسم الاوّل ما يفهمه أهل لسان العرب مطلقا.

و عنه عليه السّلام:

«إلا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن.»(3)

و عنه عليه السّلام:

«من فهم القرآن فسّر جمل العلم.»(4)

و عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:

«كتاب اللّه على أربعة أشياء: العبارة، و الاشارة، و اللطائف، و الحقائق؛ و العبارة للعوام، و الاشارة للخواصّ، و اللطائف

ص: 56


1- في بعض نسخ الاحتجاج: «الى الائتمار بمن ولاه».
2- الاحتجاج، ج 1، ص 376؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضى، ص 143، ح 44.
3- أخرجه البخاري: و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة عن أبي جحيفة، عنه - عليه السلام - باختلاف يسير في الالفاظ، فراجع صحيح البخاري، ج 9، كتاب الديات، باب 24 و 31، ص 14 و 16؛ و سنن الترمذي، ج 2، باب 16 من أبواب الديات، ص 432 رقم 1433؛ و سنن النسائي، ج 8، كتاب القسامة، ص 23؛ و سنن ابن ماجة، ج 2 كتاب الديات، باب 21، ص 887، رقم 2658؛ و هكذا نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1 المقدمة الرابعة، ص 19؛ و أبو الحسن العاملي الاصفهاني (قده) في مرآة الانوار، ص 17.
4- الصافي، ج 1، المقدمة الخامسة، ص 22؛ و مرآة الانوار، ص 17.

للأولياء، و الحقائق للأنبياء.»(1)

و لعلّ المراد من الاولياء خواصّ الشيعة و الكاملين منهم، و إلا فالائمّة أعلم من سائر الانبياء على ما يستفاد من أحاديثهم عليهم السّلام (2) ،و سيظهر لك تحقيق الحال في ذلك - إن شاء اللّه تعالى -.

ص: 57


1- الصافي، ج 1، المقدمة الرابعة، ص 19؛ و مرآة الانوار، ص 17؛ و جامع الاخبار، ص 41، عن حسين بن علي - عليهما السلام -؛ و أيضا نقله المجلسي (رض) في البحار، ج 92، باب أن للقرآن ظهرا و بطنا، ص 103، ح 81، عن «الدرة الباهرة».
2- راجع البحار، ج 26، باب أنّهم - عليهم السّلام - أعلم من الانبياء - عليهم السلام -، و قد أورد - رحمه اللّه - فيه روايات تضمن هذا المعنى.

المقدّمة الثّالثة في نبذة ممّا جاء في أنّ علم القرآن كلّه إنّما هو عندهم - عليهم السّلام - و ما أشبه ذلك

فعن الكافي، عن بريد بن معاوية، عن أحدهما عليهم السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ:

«وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » (1) :

«فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل الراسخين في العلم؛ قد علّمه اللّه جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل، و ما كان اللّه لينزل عليه شيئا لا يعلّمه تأويله، و أوصيائه من بعده يعلمونه - الحديث.»(2)

و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«نحن اَلرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ،و نحن نعلم تأويله.»(3)

و عن عبد الرحمن بن كثير، عنه عليه السّلام قال:

«اَلرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أمير المؤمنين و الائمّة عليهم السّلام.»(4)

ص: 58


1- آل عمران/ 7، و قد مرّ.
2- الكافي، ج 1، باب أن الراسخين في العلم هم الائمة - عليهم السلام -، ص 213؛ و كذا رواه الصفار (ره) في بصائر الدرجات، الجزء الرابع، باب 10 بطريق آخر عن بريد، عن أبي جعفر - عليه السلام -؛ و العياشي (ره) في تفسيره، ج 1، ص 164 مرسلا عن بريد، عنه - عليه السلام - أيضا.
3- نفس المصادر.
4- الكافي، ج 1، باب أن الراسخين في العلم هم الائمة - عليهم السلام -، ص 213، ح 3؛ و البرهان، ج 1، ص 270، ح 2.

و عن أبي بصير قال:

«سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول في هذه الآية: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» (1) فأومأ بيده إلى صدره.»(2)

و عن عبد العزيز العبدي، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام فيه أنّه قال:

«هم الائمّة عليهم السّلام.»(3)

و عن أبي بصير قال:

«قرأ أبو جعفر عليه السّلام هذه الآية: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» ثمّ قال: أما و اللّه يا با محمّد ما قال: ما بين دفّتي المصحف.

قلت: من هم جعلت فداك؟

قال: من عسى أن يكونوا غيرنا؟»(2)

و عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قٰالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتٰابِ... - إلى أن قال: - و عندنا و اللّه علم الكتاب كلّه.»(3)

و عن بريد بن معاوية قال:

ص: 59


1- العنكبوت/ 49. (2و3) الكافى، ج 1، باب أن الائمة - عليهم السلام - قد اوتوا العلم و أثبت فى صدورهم؛ و البرهان، ج 3، ذيل الآية.
2- المصادر السابقة؛ و أيضا في البصائر، الجزء الرابع، باب 11، ح 3.
3- الآية: النّمل/ 40، و الحديث في الكافي؛ ج 1، باب انه لم يجمع القرآن كلّه إلاّ الائمة - عليهم السلام - و انهم يعلمون علمه كله، ص 229، ح 5؛ و البصائر، الجزء الخامس، باب 1، ص 212، ح 2؛ و هكذا في البرهان.

«قلت لأبي جعفر عليه السّلام: «قُلْ كَفىٰ بِاللّٰهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتٰابِ» (1) قال عليه السّلام: «إيّانا عنا، و عليّ أوّلنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.»(2)

و عن سدير، عن أبى عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال:

«علم الكتاب كلّه و اللّه عندنا، علم الكتاب كلّه و اللّه عندنا.»(3)

و عن علي بن إبراهيم في تفسيره في الصحيح ظاهرا، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه: «وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ» (4) قال:

«اللّيل في هذا الموضع هو الثاني غشي أمير المؤمنين عليه السّلام في دولته - إلى أن قال: - و القرآن ضرب فيه الامثال للناس، و خاطب(5) نبيّه صلّى اللّه عليه و آله به، و نحن نعلمه، فليس يعلمه غيرنا.»(6)

و عن الكافي باسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

ص: 60


1- الرعد/ 43.
2- الكافي، ج 1، باب انه لم يجمع القرآن كله إلاّ الائمة - عليهم السلام - و أنهم يعلمون علمه كلّه، ص 229، ح 6؛ و البصائر، الجزء الخامس، باب 1، ص 216، ح 20؛ و هكذا في البرهان.
3- الكافي، ج 1 باب نادر فيه ذكر الغيب، ص 257، ح 3؛ و البصائر، الجزء الخامس، باب 1، ص 213، ح 3، و فيه بعد قوله «عندنا»: «ثلاثا»؛ و أيضا في البرهان.
4- الليل/ 1.
5- في القمّي: «خاطب اللّه».
6- القمّي، ج 2، ص 425؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي ح 80؛ و هكذا في الصافي.

«ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع(1) القرآن كلّه، ظاهره و باطنه، غير الاوصياء.»(2)

و الاخبار فيما نحن فيه كثيرة يطول الكلام في ذكرها، و قد سبق جملة منها.

و أنت إذا تأملت ما قدّمناه من صفات القرآن علمت أنّ حقائقه ليس شريعة لكل وارد، و لا يطّلع عليه إلا واحدا بعد واحد. و سيتّضح لك ذلك مع جملة من الاخبار في المقام - إن شاء اللّه تعالى -.

ص: 61


1- في البصائر: «انه جمع».
2- الكافي، ج 1، باب انه لم يجمع القرآن كله إلاّ الائمة - عليهم السلام - و انهم يعلمون علمه كله، ص 228، ح 2؛ و البصائر، الجزء الرابع، باب 6، ص 193، ح 1 و ايضا في الصافي و البرهان.

المقدّمة الرّابعة في جملة ممّا جاء في معاني وجوه الآيات،

و التّنزيل و التّأويل، و الظّهر و البطن، و الحدّ و المطلع، و المحكم و المتشابه، و النّاسخ و المنسوخ، و اشتمال الآيات على البطون و التأويلات و غير ذلك، و ما يتعلّق ببيانها

[الرّوايات الواردة في الظّهر و البطن و الحدّ و المطلع و...]

فعن العيّاشي و البرقي في المحاسن بتفاوت ما في الالفاظ باسنادهما عن جابر قال:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن شيء من تفسير القرآن، فأجابني ثمّ سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟! فقال لي: يا جابر، إنّ للقرآن بطنا، و للبطن بطنا(1) و ظهرا و للظهر ظهرا (2) ،يا جابر، و ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن؛ إنّ الآية ليكون أوّلها في شيء، و آخرها

ص: 62


1- في المخطوطة: «بطن».
2- في المخطوطة: «ظهر».

في شيء، و هو كلام متّصل يتصرّف على وجوه.»(1)

و قد سبق ذيله بتغيير ما في الالفاظ (2).

و عن العامّة أنّهم رووا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، لكلّ آية منها ظهر و بطن، و لكلّ حرف حدّ و مطلع.»(3)

و في رواية اخرى:

«إنّ للقرآن ظهرا و بطنا، و لبطنه بطنا إلى سبعة أبطن.»(4)

و عنه صلّى اللّه عليه و آله:

«إنّ للقرآن ظهرا و بطنا و حدّا و مطلعا.»(5)

و عن العيّاشي باسناده عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«ظهر القرآن الّذين نزل فيهم، و بطنه الّذين [عملوا](6) بمثل

ص: 63


1- العياشي، ج 1، ص 12، ح 8؛ و المحاسن، ج 2 كتاب العلل، ص 300، ح 5؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الرابعة، ص 17.
2- راجع المقدمة الثانية، ص 42.
3- أخرجه الطبري في تفسيره، ج 1، ص 9، عن ابن مسعود، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الرابعة: ص 18؛ و هكذا أخرجه الفريابي مرسلا عنه - صلّى اللّه عليه و آله - كما أورده الذهبي في التفسير و المفسّرون، ج 3، ص 19؛ و ايضا في تفسير البغوي، المقدمة؛ و روح المعاني، ج 1، ص 7.
4- نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الرابعة، ص 18؛ و ابو الحسن العاملي الاصفهاني (رض) في مرآة الانوار، المقدّمة الاولى ص 5.
5- ذكره الغزالي في الاحياء، ج 1، كتاب آداب تلاوة القرآن، باب الرابع، ص 289؛ و الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الرابعة، ص 18؛ و هكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود بنحوه كما قال العراقي في هامش الاحياء.
6- سقط عن المخطوطة.

أعمالهم.»(1)

و باسناده عن الفضيل بن يسار قال:

«سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الرواية: «ما في القرآن آية إلا و لها ظهر و بطن، و ما فيه حرف إلا و له حدّ و مطّلع» ما يعني بقوله: «لها ظهر و بطن»؟

قال عليه السّلام: ظهره تنزيله، و بطنه تأويله، منه ما مضى، و منه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس و القمر، كلّما جاء منه شيء وقع؛ قال اللّه تعالى: «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» نحن نعلمه.»(2)

و عن بصائر الدرجات روايته عنه بتفاوت يسير.(3)

[المراد من الحدّ و المطلع هو التّنزيل و التّأويل]

أقول: يحتمل أن يكون «المطلع» اسم مكان على وزن المشدّد(4) بمعنى مكان الاطّلاع من موضع عال، و أن يكون على وزن المصعد أي: صعد يصعد إليه.

قيل: «و محصّل معناه قريب من معنى التأويل و البطن، كما أنّ معنى الحد قريب من معنى التنزيل و الظهر.»(5)

ص: 64


1- العياشي، ج 1، ص 11؛ و البحار، ج 92، باب أن للقرآن ظهرا و بطنا، ص 94؛ و ايضا في الصافي و البرهان.
2- المصادر السابقة.
3- البصائر، الجزء الرابع، باب 10، ح 2؛ و البحار، ج 92، باب أنّ للقرآن ظهرا و بطنا، ص 97، ح 64.
4- تشبيهه - رحمه اللّه - بالمشدد لا يناسب كلمة الاطلاع، و الاولى تشبيهه بالمدكر.
5- الكلام للفيض (ره)، راجع الصافي، ج 1، المقدّمة الرابعة، ص 18.

[في اندراج الجزئيّات تحت الكليّات و تطبيقها عليها]

و لعلّ المراد حينئذ أنّ لكلّ من المفردات و المركّبات بمعنى الحروف و الكلمات أو بمعنى الكلمات و الجمل معاني محدودة جزئيّة، و حقائق كلّيّة، فتحصّل من تجريد الجزئيات عن الخصوصيّات الّتي لا دخل لها في نفس تلك الحقيقة و عن تعلّق الحكم بها كما سبق فيما قبله، فانّ الّذين نزل فيهم الآية لهم خصوصيّات لا دخل فيها لما حكم في الآية عليهم، و إنّما مناط الحكم هو القدر المشترك الحاصل فيهم، و فيمن كان له مثل أعمالهم، فانّ الجزئيات كلّها تندرج تحت قاعدة كليّة هو المعوّل عليها، فيعمّ الافراد الماضية و الآتية، فكلّما جاء موضوعه الكلّيّ في ضمن فرد من الافراد وقع عليه المحمول الكلّيّ، كالشمس و القمر، فانّهما ينيران و يظهران كلّ جسم كثيف قابلهما، فلا اختلاف فيهما، و إنّما الاختلاف من جهة تقابل الاجسام لهما، كذلك لكلّ خبر أو إنشاء تعلّق بموضوع جزئيّ حقيقيّ، فانّما يتعلّق من حيث عنوان كلّيّ هو المناط الّذي لا تبديل فيه و لا تغيير، و سائر الخصوصيّات المشخّصة لا دخل لها بذلك الحكم، و «لاٰ تَبْدِيلَ لِكَلِمٰاتِ اللّٰهِ» (1) سبحانه و «لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّٰهِ تَبْدِيلاً وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّٰهِ تَحْوِيلاً.» (2)

و لعلّه لذا ورد في رواية المعلّى السابقة(3) أنّ: «القرآن أمثال لقوم يعلمون دون غيرهم، و لقوم يتلونه حقّ تلاوته، و هم الّذين يؤمنون به و يعرفونه - الحديث» و في رواية محمّد بن مسلم السابقة: (4)«و القرآن ضرب فيه الامثال للناس - إلى آخره» فانّ المثل يطلق كثيرا على ما يفيد حال مماثله بتوسط الامر الجامع بينهما، الّذي

ص: 65


1- يونس/ 64.
2- فاطر/ 43.
3- راجع المقدمة الثانية، ص 39.
4- راجع المقدمة الثالثة، ص 60.

هو المعيار و المناط، و إلا فالجزئيّ لا يكون بنفسه كاسبا لمجهول، كما تقرّر في علم المنطق؛ مثلا: المؤمن الّذي ذكر في سورة «يس» شخص جزئيّ حقيقيّ قيل له:

«اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قٰالَ يٰا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ » .(1) لكنّ الّذي يرتبط بوقوع هذا الخطاب عليه من خصوصيّاته هو إيمانه و أعماله الصالحة من دعوة قومه، أو تحمّل الاذى في جنب اللّه مثلا دون شكله و لونه و نسبه و اسمه؛ فتنزيل الآية و حدّه الرجل الّذي يسعى هو ذلك الشخص بعينه، و تأويله من كان بمثل عمله. فمفاد التأويل قضيّة كلّيّة هو أنّ: كلّ من آمن و عمل كذا مثلا يقال له: ادخل الجنّة، ممّن مضى و ممّن يأتي كلّما جاء شخص بصفة كذا، وقع عليه كذا، على ما روي عن إسحاق بن عمّار زيادة على ما مرّ، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام: يقول:

«إنّ للقرآن تأويلا، فمنه ما [قد](2) جاء، و منه ما لم يجىء فاذا وقع التأويل في زمان إمام من الائمّة عليهم السّلام عرفه إمام ذلك الزمان.»(3)

و روي عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«تفسير القرآن على سبعة أوجه، منه ما كان، و منه ما لم يكن بعد، تعرفه الائمّة عليهم السّلام.»(4)

و في رواية محمّد بن مسلم:

«و القرآن ضرب فيه الامثال للناس.»(5)

ص: 66


1- يس/ 26.
2- سقط عن المخطوطة.
3- رواه الصفّار (ره) في البصائر، الجزء الرابع، باب 7؛ و نقله الحرّ العاملي (ره) في الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 145.
4- نفس المصادر.
5- قد مرّ آنفا.

[إرادة الكلّيّ من إيراد الجزئي]

و قد جرت طريقة العقلاء و العلماء على بيان الامور الكليّة في ضمن الامثلة الجزئيّة؛ كقول «ابن مالك»:(1)

مبتدأ زيد و عاذر خبر *** إن قلت زيد عاذر من اعتذر

في مقام بيان المبتدإ و الخبر بعنوان كلّي، و قيل في شأنه: «إنّ من عادته الحكم بالمثال.» فلاحظ أنّ زيدا ليس مبتداء لكون مادّته هو الحروف الثلاثة و لا كونه على زنة فعل، بل لمعان اخرى أو معنى آخر هو المقصود بالبيان.

و تحقيق ذلك أنّ كلّ محمول خارج عن ذات الموضوع، و لا لازم لماهيّته، فانّما يعرضه لعلّة موجبة لعروضه، و لا بدّ من أن يكون للموضوع اختصاص لذلك العلّة من حيث أنّها علّة موجب لتأثيره في إلحاق ذلك المحمول عليه. فالموضوع الواقعيّ هو الوصف العنوانيّ المنتزع من ذلك الاختصاص الناعث، و سائر الخصوصيّات الذاتيّة و العرضيّة خارجة عن موضوع الحكم في الواقع لا دخل لها في عروضه، فاذا قال لابنه: «يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ» (2) فالمخاطب ذلك الشخص الخاص، لكن صورة النهي الارشادي لم يتعلّق به إلا من حيث كون الشرك ظلما عظيما، و كون لقمان شفيقا عليه لا يرضى بصدور الظلم منه، فكلّ موجود كان شركه ظلما عظيما و كان شفيقا عليه اندرج تحت العنوان الواقعيّ و إن خرج عن الصورة.

و إذا جرّدت النهي عن الناهى و لاحظت أنّ ذلك الفعل بحيث ينبغي النهي عنه، الّذي هو حقيقة النهي الارشادي، سقط اشتراط الشفقة، و القضيّة حينئذ أن كلّ شيء كان شركه ظلما عظيما، فينبغى تحذّره عنه و امتناعه منه.

ص: 67


1- راجع الفية ابن مالك، باب الابتداء.
2- لقمان/ 13، و هي: «وَ إِذْ قٰالَ لُقْمٰانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يٰا بُنَيَّ لاٰ تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.»

و إذا لاحظت أنّ لقمان صدر منه هذا الكلام لأجل أنّه حكيم، و جرّدته عن سائر خصوصياته، علم منه أنّ كلّ من كان حكيما فهو ينهى عن الشرك معنى ثمّ إذا جرّدت الحكيم عن كونه شخصا خارجيا ماديّا، و لاحظت أنّ الحكمة صفة العقل هو أثقل، و أن العقل هو الحكيم الذى يمنع عن الشرك لكونه ظلما و انّ صدور النهي عن لقمان لمكان عقله المتّصف بالحكمة، صارت القضيّة أنّ العقل المتّصف بالحكمة ينهى عن الشرك لذلك. فالعقل لقمان يعظ بذلك، و كلّ عاقل حكيم يعظ بذلك و المخاطب كلّ موجود له قابليّة النهي عنه متّصف بالصفات الموجبة لكون شركه ظلما من الماضين و الآتين، و المنهيّ عنه هو الشرك من حيث كونه ظلما عظيما، فالعنوان الواقعيّ هو الظلم العظيم في أيّ مفهوم تحقّق.

و قس عليه الحال في الامور الخارجيّة، فانّ كلّ نسبة خارجيّة يعبّر منه الكلام إنّما تحقّق لعلّة و العلّة فاعليّة و ماديّة و صوريّه و غائيّة، و لا يخلو عن إمكانات استعداديّة و معدّات و شرائط و انتفاء موانع. و الكلام الحاكي عن النسبة الخارجيّة إذا جرّدتها، و قطعت النظر عن جميع ما لا يرتبط بتحقّق تلك النسبة الخارجية، و أخذت بما يرتبط بتحقّقه عقلا على الميزان العقليّ، صار الكلام الجزئيّ قاعدة كلّيّة جارية من أوّل العالم إلى آخره، و جميع الامور الخارجيّة الجزئيّة مندرجة تحت كلّيّات معيّنة في الواقع، لا تبديل لها أبدا ما دامت السموات و الارض، كما أنّ إعرابات الكلمات العربيّة الواقعة في ألسنة الفصحاء كلّها مندرجة تحت القواعد النحويّة، و التكاليف الشخصيّة مندرجة تحت الاحكام الفقهيّة الكلّيّة، و الكلّيّات ثابتات، و الجزئيّات داثرات، و للتجريد درجات، و للقضايا الكلّيّة مراتب كلّما اتّسعت دائرة عمومه و شموله و قلّت عددا، و كلّما نزلت تعدّدت و تضيّقت.

ص: 68

[في كثرة العوالم و أنّ لكل شيء حقيقة في كلّ واحد منها]

ثمّ اعلم أنّ العوالم كثيرة، و لكلّ شيء حقيقة في كلّ عالم من العوالم، و لكلّ صورة معنى، و كما عرفت حال المفاهيم الجزئيّة و الكلّيّة بمراتبها، فقس عليه حال العوالم من حيث الضيق و السعة، و سرعة الانقضاء و بطئها، و الثبات و عدمه و كما أنّ لزيد وجودا في الخارج، و وجودا في الحسّ المشترك، و وجودا معنويّا في الوهم، و وجودا متوسّطا في المتخيّلة، و وجودا كلّيّا في العقل؛

و الاوّل، جزئيّ حقيقيّ يمتنع فرض الاشتراك فيه مقترن بمادّته الجسمانيّة.

و الثاني، مجرّد عن المادّة مقترن بما اكتنفه من الخصوصيّات.

و الثالث، مجرّد عن الخصوصيّات الصوريّة ملبوس بالمعاني الكائنة فيه.

و الرابع، ملبوس بهما معا.

و الخامس، مجرّد عن جميع المشخّصات و جميع اللواحق الّتي لا دخل لها في نفس تلك الحقيقة الكلّيّة من المعاني و الصور.

مع اختلاف ما سوى الاوّل من المراتب في مقدار التلبّس و التجرّد، فربّما يلاحظ العقل حقيقة الشيء مجرّدا عن جميع ما سواه، و ربّما يلاحظه ملبوسا بعوارض كلّيّة، فيكون التصوّر على الاوّل النوع، و على الثاني الصنف، و اللواحق و الخصوصيّات لها كلّيّات متصوّرة بالعقل، و معان مدركة بالوهم، و صور مدركة بالحسّ، و لها ضمّ و تفريق يحصلان بالمتخيّلة.

و كما أنّك إذا أبصرت زيدا ارتسم صورته في الحسّ، ثمّ معناه في الوهم، ثمّ الجميع في المتخيّلة، ثمّ تمام حقيقته في العقل، كذلك يوجد حقيقته الكلّيّة أوّلا في عالم من عوالم الوجود، ثمّ معانيه في آخر، ثمّ الجامع لهما في ثالث أو في حدّ مشترك بين عالمين، ثمّ صورته مجرّدة عن المادّة في رابع ثمّ المتلبّس بالمادّة العنصريّة في هذا العالم. و الاوّل في عالم العقل، و الثاني في

ص: 69

عالم المعاني، و الرابع في عالم المثال، و الثالث في المتوسّط بينهما، و الخامس في عالم الحسّ و الشهادة، و لكلّ منهما درجات.

و ذلك لأنّ موجودات هذا العالم كلّها مركّبات من المادّة و الصورة و الحصص الكلّيّة و الخصوصيّات المشخّصة، و وجود كلّ مركّب مسبوق بوجود سابقه سبقا ذاتيا عقلا، و سبقا خارجيّا بالحدس الناشي عن ملاحظة تقابل القوس الصعودي في عالم الانسان مع القوس النزولي في العالم الكبير، و عن ملاحظة سنّة اللّه سبحانه في خلق الاشياء من التدريج في ايجادها، و ترتيبها على ما يقتضيه الحكمة بوضعها في مواضعها، و تنزيلها منزلته، و مرتبة البسيط مقدّمة على المركّب، فتقدّمه بالوجود وضع له في محلّه.

و أيضا فانّ الكلّيّات أشرف من الجزئيّات الداثرة و الفانية، يقتضي قاعدة إمكان الاشرف هي موجودة مقدّمة على الجزئيات، و أيضا فانّ الحكمة الالهيّة المقتضية لابداع الاشياء إنّما تتحصّص متدرّجة، فلا يتعلّق أوّلا بالماديّات المركبة و الجزئيّات، أ لا ترى أنّ صفة الجود في الجواد منّا إنّما يقتضي الانفاق و الاعطاء الكلّي فلو كنّا قادرين على أن نوجده على صفة الكلّيّة لأوجدناه كذلك، و كانت تلك الصفة كافية في صدور ذلك الكلّيّ منّا من دون حاجة إلى ضمّ أمر آخر؟ و أمّا الانفاق على زيد بطريق جزئيّ فلا يكفي تلك الصفة في صدوره، بل لا بدّ من خصوصيّات تنضمّ إليه توجب تحصيل تلك الطبيعة في ضمن ذلك الفرد من إدراك متعلّق بزيد، و بأنّه مستحقّ للانفاق عليه، و بالشيء الّذي ينفق عليه و غير ذلك.

و حينئذ فالجواد المطلق القادر على جميع الاشياء ينبغي أن يكون صدور الكلّيّات عنه مع قدرته عليه مقدّما على صدور الجزئيّات؛ و قد قال اللّه سبحانه:

«وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.» (1)

ص: 70


1- الحجر/ 21.

و لا نريد بالكلّيّ هنا المفهوم الذهنيّ الّذي يمتنع عروض الوجود العينيّ له؛ إذ الكلّيّ إذا جاء في ظرف الخارج يصير فردا، بل أمرا آخر يحاكيه المفهوم الكلّيّ الذهنيّ، و هو عنوان له. و سيظهر لك تتمّة كلام فيما يتعلّق بما مرّ - إن شاء اللّه تعالى -.

و حينئذ فيشبه أن يكون لكلّ آية مراتب من حيث المدلول بحسب عوالم مفاده، فانّ القرآن حكاية عن الافعال و الاحكام الالهيّة، و فيه تبيان كلّ شيء، و حينئذ فلا يبعد أن يكون حكاية القرآن عن كلّ واقعة على نحو ينطبق على جميع عوالمه، بشرط أن يراعى في كلّ منها المعنى بحيث يناسب ذلك العالم؛ إذ متاع البيت يشبه صاحب البيت، و حينئذ فلا بدّ من نقل تلك القضيّة بجميع أجزائه إلى ذلك العالم، و أخذ كلّ واحد على الوجه المناسب له، و حينئذ فقد يكون ما هو حقيقة في هذا العالم مجازا معنويّا فى بعض العوالم، إمّا بتوسّع في نسبة المحمول إلى الموضوع أو في غيره، كما في نسبة القتل إلى النبيّ، فانّه إذا لوحظ النبيّ في عالم المجرّدات يكون النبيّ هو العقل، و عدوّه الجهل الكلّيّ؛ لكن نسبة القتل بينهما لا يقع في نفس ذلك العالم، بل في مظاهرهما و آثارهما كما أنّ القتل الحسّي لا يقع على الارواح، بل على الاجسام التي هي مظاهر للارواح، و قد يكون لفظ مجازا في عالم الشهادة، و حقيقة في عوالم أخر؛ كالنور و الظلمة التي كثر ذكرهما في الآيات و الأخبار في شأن المكلّفين؛ كقوله تعالى:

«اَللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ.» (1)

إذ الظلمات بحسب الظاهر هو الجهل بمصالحه و مفاسده، أو ما أشبه ذلك و هو مجاز بعلاقة المشابهة، لكنّه على معناه الحقيقيّ في عالم المثال و البرزخ و غيرهما، و قد يكون العرض في عالم جوهرا في عالم آخر؛ كأعمال المكلّفين، التي

ص: 71


1- البقرة/ 257.

تتجسّم في النشأة البرزخيّة و عالم القيامة.

[مراتب القرآن على ما ذكر بعض العارفين]

و ذكر بعض العارفين للتفسير ستّ مراتب: الظاهر، و ظاهر الظاهر، و الباطن و باطن الباطن، و التأويل، و باطن التأويل، و قال (ره) في بيانها:

«الظاهر معروف، و ظاهر الظاهر هو ما يؤخذ من مادّة الكلمة أي: من حروفها. و يراد منها معنى و إن كان مخالفا لقاعدة أهل اللّغة؛ كما في قوله تعالى:

«وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً.» (1)

ففي تفسير الظاهر أنّ «الجبال» جمع «جبل» و هو معروف، و في تفسير ظاهر الظاهر أنّ «الجبال» جمع «جبلّة» و هي الطبيعة، و في تفسير التأويل «الجبال» الاجساد الحيوانيّة من الانسان و غيرها. و «النحل» في الظاهر معروف، و في الباطن آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و في التأويل نفوس العلماء و في ظاهر الظاهر النفوس الّتى لها قدرة على الانتحال أي: الاختيار الحسن؛ كما في قوله تعالى: «فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» (2) بقرينة قوله تعالى: «وَ أَوْحىٰ رَبُّكَ ...» .

و أمّا التأويل، فأن تصرف كلاما عن ظاهره على معنى آخر لم يرد منه ظاهرا كما قال عليّ عليه السّلام في ذكر قيام القائم [عليه السلام]:

«و ما ينالون ما أدركوه من العلم بحيث يستغني كلّ منهم عن علم الآخر.»

قال عليه السّلام:

«و هو تأويل قوله تعالى: يُغْنِ اللّٰهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ.» (3)

ص: 72


1- النحل/ 68.
2- الزمر/ 18.
3- النساء/ 130.

و أمّا باطن التأويل فكذلك، و لكن يجري فيه على معنى الباطن؛ كما روي عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاٰةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ؟» (1)

قال عليه السّلام:

«هو الحسن بن عليّ عليهما السّلام أمر بالكفّ عن القتال و الصلح.» أو كما قال: «فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتٰالُ» (2) قال:

«هو الحسين بن علىّ عليه السّلام كتب عليه القتل، و اللّه لو برز معه أهل الارض لقتلوا.»(3)

فانظر هذا المعنى، فانّه تأويل باطن، لانّه باطن تأويل؛ لكن لا يجري على ظاهر العربيّة كما ترى.

و كما ورد في قوله تعالى: «وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً» (4) ما معناه: «أن الانسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و أنّ الوالدين الحسن و الحسين عليهما السّلام.»(5)

و كما رواه فرات بن إبراهيم في تفسير قوله تعالى: «وَ السَّمٰاءِ ذٰاتِ الْحُبُكِ» (6)

عن أحدهم عليهم السّلام قال:

ص: 73


1- النساء/ 77.
2- النساء/ 77.
3- لم نجد الحديث بعينه فيما بأيدينا، و لكن يقرب من ألفاظه الحديثان اللّذان رواهما العيّاشي (ره) في تفسيره، ج 1 ص 258، عن الحسن بن زياد العطّار، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام -، و عن عليّ بن أسباط يرفعه، عن أبي جعفر - عليه السلام -؛ و نقلهما البحراني (رض) في البرهان، ج 1، ص 395، ح 6 و 7.
4- العنكبوت/ 8.
5- راجع القمّي، ج 2، ص 297، و نور الثقلين، ج 5، ص 11.
6- الذاريات/ 7.

«السماء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و الحبك عليّ عليه السّلام، فعليّ عليه السّلام ذات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.»(1)

و أمّا تفسير باطن الباطن، فلا يجوز بيانه؛ فقد روي أن القائم - عجّل اللّه تعالى فرجه - إذا خرج و نادى أنصاره و اجتمعوا عنده دعاهم إلى مبايعته، فأجابوا فقال: تبايعونى على كيت و كيت، فنفروا عنه و لم يثبت معه إلا المسيح و أحد عشر نقيبا، فيجولون في الارض، فلا يجدون ملجأ الا إليه، فيأتونه و يبايعونه على ما يريد منهم، و هو حرف من باطن الباطن حتّى أنّ الصادق عليه السّلام قال ما معناه: «و اللّه إنّي لأعلم الكلمة التي قالها لهم فيكفرون.»(2) انتهى كلامه - رفع مقامه -.

[في جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى و أقسامه]

فان قلت: قد تقرّر في علم الاصول أنّه لا يجوز استعمال اللّفظ الواحد في أكثر من معنى سواء كانا حقيقيين أو مجازيين أو مختلفين، فما وجه إرادة المعاني

ص: 74


1- تفسير فرات، ص 169؛ و روى القمّي (ره) صدره في تفسيره، ج 2، ص 329 عن أبي حمزة، عن أبي جعفر - عليه السلام -.
2- الظاهر أن القائل استفاد هذا من الحديث المروي فى كمال الدين باب 62 (نوادر الكتاب) ح 25، و البحار، ج 52، ص 326، ح 42 نقلا عنه. و نص الحديث - كما في البحار - هكذا: قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة و حوله أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدة أهل بدر، و هم أصحاب الالوية و هم حكام اللّه في أرضه على خلقه حتى يستخرج من قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيجفلون عنه إجفال الغنم فلا يبقى منهم إلا الوزير و أحد عشر نقيبا كما بقوا مع موسى بن عمران عليه السلام. فيجولون في الارض فلا يجدون عنه مذهبا فيرجعون إليه و اللّه إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به.

المختلفة من الآية الواحدة لو أريد منها ذلك؟ و ما ثمرة حملها على غير المراد منها إن لم يثبت الاستعمال إلا في أحدها، و لا سيّما في تفسير ظاهر الظاهر، الذي ذكره العارف المتقدّم، و به يجمع بين جملة من الاخبار المتنافية الواردة في تفسير آية واحدة بحمل أحد المتنافيين على تفسير الظاهر، و الآخر على ظاهر الظاهر، كما يجمع بين كثير من المتعارضات بحمل البعض على الظاهر، و غيره على البطون و التأويلات، و بملاحظة المجموع يرفع معظم التعارض الواقع بين أخبار التفسير؟ و كيف يجوز إخراج استعمالات ألفاظ القرآن من وجوه الاستعمالات الصحيحة عند أهل اللسان، بل لو سلّم جوازه عندهم، فلا يخلوا من استبشاع عندهم، و هو مناف للمرتبة العالية الثابتة للقرآن في جميع المقامات اللفظيّة و المعنويّة فصاحة و بلاغة و أسلوبا و إمارة؟

قلت: الّذي أرى في المسألة الاصوليّة أنّ المانع من استعمال اللّفظ في أكثر من معنى عدم إمكان حقيقة الاستعمال فيه، و ملخّص بيانه: أنّ الاستعمال عبارة عن إيراد اللّفظ بازاء المعنى، و جعله قالبا له، و مرآة للانتقال إليه، و آلة لتصويره في ذهن السامع؛ كما أنّ الوضع عبارة عن تعيين لفظ المعنى و تخصيصه به على وجه كلّيّ، بحيث متى أطلق أو أحسّ فهم منه ذلك المعنى، و مفاد المقامين هو صيرورة اللّفظ كلّيّة في الثانى و في الكلام الخاصّ في الاوّل بازاء المعنى، بحيث يكون اللّفظ المركّب من حيث كونه مجتمعا وحدانيا بازاء المعنى البسيط، أو المركب من حيث كونه مركّبا وحدانيّا. فالمحاكات هنا بين اللّفظ الواحد و المعنى الواحد و لو كانت الوحدة اعتباريّة، و الحاكي الواحد في الاستعمال الواحد لا يحكي إلا حكاية واحدة عن الشيء الواحد، و من ضروريّته أن لا يقع بازاء الاكثر، و لا قالبا له و لا مرآة له لبساطته في هذا اللحاظ، إلا أن يلاحظ الاكثر من حيث الاجتماع واحدا، فيخرج عن العنوان و يندرج تحت استعمال اللّفظ في مجموع معنيين، و هو غير

ص: 75

الموضوع له، فان تمّت العلاقة صحّ مجازا و إلا بطل.

و إن شئت قلت: معنى الوضع تخصيص لفظ بمعنى بحيث يكون الاوّل بتمامه واقعا بحذاء الثاني، و يصير بكلّيّته مرآة له، و متمحّضا في الدلالة عليه، فلا - يطابقه الاستعمال إلا حال وحدة المعنى، و توضيحه موكول إلى فنّه.

و حينئذ فمتى تعقّلنا الاستعمال على الوجه المفروض صحّ، بل لو قلنا: بأنّ جهة المنع أمر آخر، فلا ريب أنّ المانع إنّما يمنع من الاستعمال في المتعدّد إذا لم يلاحظ فيه اعتبار بجعل المتعدّد واحدا اعتباريّا، كما أشرنا إليه، و يظهر ممّا فصّله متأخّر و الاصوليّين في تحرير محلّ النزاع.

و حينئذ فحلّ الاشكال إمّا باعتبار إخراج بعض المعاني عن الاستعمال، فلا يكون مستعملا فيه ابتداء بالمعنى المتقدّم، و إمّا بتحصيل اعتبار و لحاظ يوحّد به المتعدّد، و يخرج به عن صفة الكثرة.

أمّا الاول، فبأن يقال: الانتقال من اللّفظ إلى المعنى و استفادة المطلب من الكلام ليس منحصرا فيما استعمل فيه اللّفظ ابتداء بالمعنى المشار إليه، بل إذا استعمل المفردات المركّبة تركيبا مفيدا، أفاد الكلام مطابقة معانيها، و تضمّنا حال أجزائها العقليّة و الخارجيّة، و التزاما عللها و أجزاء عللها و شرائطها، و انتفاء موانعها، إلى أن ينتهي إلى مبدإ المبادي تفصيلا مع الانحصار، أو منضمّا إلى ما ينفي الباقي، و إجمالا بدونهما، و نفي ما لا يجتمع معه حال وجوده و وجود ما لا بدّ، منه في وجوده، و إثبات معلولاتها و معلولات معلولاتها و ما يلزمها و مفاهيمها المعتبرة بنفسها و بمعونة القرائن، و ما يستخرج من ضمّ تلك القضيّة إلى أخرى مثلها، و هذه هي المرتبة الاولى من الظاهر.

ثمّ إنّ المعنى المقصود بالافادة من الكلام قد يكون منحصرا في ذلك، و قد يكون خارجا عنه، كما في أحد قسمي الكناية و قد يكون كلاهما معا، كما في

ص: 76

الوجه الآخر منه. فقد يقال: فلان مهزول الفصيل و لا فصيل له، مريدا بذلك أنّه جواد. فقد استعمل اللّفظ صورة في معناه، و اوقعت النسبة الصوريّة مع عدم تحققها في الواقع، و قصد به أمر آخر، و قد اختلف في كونه حقيقة أو مجازا، و الاوّل أقرب كما في محلّه. و قد يقال ذلك لبيان هزال فصيله، و إفادته منضمّا إلى بيان الجواد مع أصالة كلّ منهما أو أحدهما فقط، مع أنّ هزال الفصيل بنفسه لا يدلّ على الجود بوجه من الدلالات الثلاث؛ إذ لا ملازمة بينهما واقعا و إن أطلق عليه اسم اللازم بملاحظة غلبة محقّقه أو مفروضه على وجه الادّعاء، إلا أنّه يفيده بشيوع ذكره في مقام بيانه أو بملاحظة سائر القرائن و الخصوصيّات من حال أو مقال أو مساق أو غيرها. و قريب من الكناية التمثيل، لكنّه في المركّب و الكناية في المفرد، و في كلّ منهما يتحصّل من الكلام معنيان مستقلّتان، و كلاهما شايعان في استعمالات الألبّاء، بل لا يبعد أن يكون كثير من القصص و الحكايات العاميّة بما وضعها الحكماء و العقلاء لافادة معان مغايرة لها، لينتقل منها إليها من كان ذا لبّ و بصيرة، كما يومئ إليه مطابقة جملة منها لمواعظ شافية أو مطالب عالية، و فيهما ينتقل المستنبط من مطلب إلى آخر مناسب له مناسبة واقعة بين المعنيين و لا يشترط كونه ملازمة، فلا مانع من أن يكون لآيات القرآن العزيز [معان](1) لا يخلو من مداليل كنائيّة و مثاليّة؛ «وَ لَقَدْ صَرَّفْنٰا [لِلنّٰاسِ] فِي هٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ.» (2)

و قد سبق في الاخبار: «أنّ القرآن أمثال لقوم يعلمون»، و تدبّر. و ما ذكر أحد الوجوه في المقام.

و منها:

أنّه ربّما يتكلّم بكلام لمعنى بحيث يصلح لارادة غيره تنبيها على صحّة إرادته

ص: 77


1- أضفناه بقرينة المقام.
2- الاسراء/ 89.

أيضا، و مطابقته للواقع من دون أن يكون مستعملا فيه أصلا، كما أنّه قد ينشأ الشاعر شعرا بقافية خاصّة على وجه يمكن تغييره، و قراءته على وجه آخر موزون.

و ربّما يجري بعض الكلام على الوجه المناسب للمعنى الآخر، فيصير قرينة على صحّة إرادته أيضا، فانّ الكلام الصادر من الحكيم القادر العالم بتمام الوجوه ينبغي مطابقته للمعنى بجميع الخصوصيّات، كما ينبغي كونه على أحسن الوجوه اللّفظية. و حينئذ فاذا لم يتمّ الكلام على الوجه المناسب للمعنى المقصود، فينبغي حمل ذلك التغيير الواقع في الاسلوب علي نكتة، و من أعظمها ما ذكر. و لعلّ ذلك هو المراد خاصّة، أو بعض أفراد المراد من قوله عليه السّلام في الخبر السابق: «إنّ الآية ليكون أوّلها في شيء، و آخرها في شيء، و هو كلام متّصل يتصرّف على وجوه»(1) و غيره ممّا تقدّم في المقدّمات السّابقة. و لا يختصّ القرينة بالتغيير في الاسلوب، بل قد يكون الجهتان مجتمعتين ابتداء أحدهما حاليّا أو مساقيا، و الآخر لفظيّا، إلى غير ذلك. و لعلّ هذا و أشباهه من الاشارة الّتي للخواصّ في الرواية السابقة.

و منها:

أنّه قد يذكر المتكلّم في كلامه شيئا يشير إلى جريان الحكم المذكور في مورد آخر، أو عنوان كلّيّ بأن يعلّق الحكم على وصف في مقام تعليقه على الذات أو تذييله بما يقتضي ذلك إشارة أو إيراد في مقام يناسب بيانه.

و منها:

أنّه ربّما يذكر كلام أحد على وجه الحكاية، و يسكت عنه في مقام لو كان كذبا اقتضى ردّه، فيستفاد من الكلام صحّته، مع أنّ اللّفظ لم يستعمل في ذلك.

ص: 78


1- راجع الرواية الاولى من هذه المقدمة.

و أما الثّاني: فيما عرفت سابقا أنّ الاشياء لها عوالم و نشئات و أنحاء من الوجود و الظهور، فالرزق مثلا له نحو وجود في هذا العالم؛ كالحنطة و الخبز المأكولين، و له وجود في السماء؛ قال سبحانه: «وَ فِي السَّمٰاءِ رِزْقُكُمْ وَ مٰا تُوعَدُونَ.» (1)

و لأبدان الحيوانات أرزاق، و للنفوس أرزاق؛ بل لكلّ شيء رزق، و هو ما به قوامه و بقائه و نموّه. فليس معنى الرزق إلا واحد، لكنّه يختلف أحكامه بحسب العوالم، و إن كان بحسب العرف لا ينصرف إلا إلى الاوّل خاصّة، إمّا لجهلهم بسائر أنحائه، أو لكونه أظهر عندهم، أو لاختصاص الوضع العرفيّ به، أو الوضع اللّفظيّ به. و حينئذ فالاستعمال في الاعمّ فيما سوى الاخير حقيقة لغويّة، و على الاخير مجاز لفظيّ و حقيقة معنويّة. و لا ضير في التزام المجاز اللّفظي في آيات الكتاب خصوصا مع كونه حقيقة معنويّة. أ لا ترى إلى إطلاق اليد و السمع و البصر و الاحاطة و الاستواء و غيرها على اللّه تعالى مع استحالة معانيها العرفيّة على اللّه سبحانه؟ و الظاهر في تفسير ظاهر الظاهر هو الاوّل، و في غيرها هو الثاني، و إن أمكن في بعض البطون حمل اللّفظ على الظاهر، و الانتقال إلى البطن بمثل ما تقدّم في الوجه الاوّل.

و ربّما يستفاد من كلام بعض العارفين أنّ الالفاظ لم توضع بازاء خصوص المفاهيم العرفيّة أصلا، بل هي موضوعة بازاء الحقائق الواقعيّة العامّة، و أنّ أفرادها المعنويّة أولى بالصدق من الافراد الحسّيّة، و هذا بناء على أنّ الواضع هو اللّه سبحانه، و أنّ الاسماء تنزل من السماء، أو بني بأمر الحقّ أو إلهامه، أو أنّ دلالتها بالمناسبة الذاتيّة، له وجه وجيه، و إن كان التعميم في بعض المقامات محلّ تأمّل. و اللّه سبحانه العالم بحقيقة الحال.

ص: 79


1- الذاريات/ 22.

[في أنّ للقرآن محكما و متشابها، و ناسخا و منسوخا، و سننا و أمثالا، و فصلا و وصلا، و أحرفا و تصريفا و ما جاء فيها]

و أمّا المحكم، فالظاهر أنّه الكلام الدالّ على المراد منه بالصراحة أو الظهور بحيث يفهم منه المعنى المقصود منه، و لو بما اكتنف من القرائن الحاليّة و المقاليّة، فيكون المتشابه هو ما لا يدلّ عليه كذلك، سواء لم يكن ظاهرا في شيء أصلا، كالحروف المقطّعة على كثير من الاحتمالات، أو كان موهما لما لا يراد منه؛ كقوله تعالى:

«اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ.» (1)

و المنسوخ، هو الآية الدالّة على حكم كان ثابتا بحيث يتراءى منه الدوام، ثمّ رفع.

و الناسخ، ما اشتمل على الرافع له.

و عن الكليني في الكافي بسنده عن محمّد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«إنّ أناسا تكلّموا في القرآن بغير علم، و ذلك أنّ اللّه يقول:

«هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مٰا تَشٰابَهَ مِنْهُ ابْتِغٰاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغٰاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ.» (2)

فالمنسوخات من المتشابهات، و الناسخات من المحكمات - الحديث.»(3)

ص: 80


1- طه/ 5.
2- آل عمران/ 7.
3- الكافي، ج 2، ص 28، ح 1؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 134، ح 18.

و باسناده عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، في حديث احتجاجه على الصوفيّة لمّا احتجّوا عليه بآيات من القرآن في الايثار و الزهد، قال:

«أ لكم علم بناسخ القرآن و منسوخه، و محكمه و متشابهه، الّذي في مثله ضلّ من ضلّ، و هلك من هلك من هذه الامّة؟ قالوا(1) له أو بعضه فأمّا كلّه فلا.

فقال [لهم]: فمن هنا اتيتم، و كذلك أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله - إلى أن قال: - فبئس ما ذهبتم إليه و حملتم الناس عليه من الجهل بكتاب اللّه، و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله، و أحاديثه الّتي يصدّقها الكتاب المنزل، و ردّكم إيّاها لجهالتكم، و ترككم النظر في غريب(2) القرآن من التفسير و الناسخ و المنسوخ(3) ، و المحكم و المتشابه، و الامر و النهي - إلى أن قال: - دعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، و ردّوا العلم إلى أهله تؤجروا و تعذروا عند اللّه، و كونوا في طلب ناسخ(4)

القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه، و ما أحلّ اللّه فيه ممّا حرّم، فانّه أقرب لكم من اللّه، و أبعد لكم من الجهل؛ دعوا الجهالة لأهلها، فانّ أهل الجهل كثير، و أهل العلم قليل؛ و قد قال اللّه: وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.» (5)

ص: 81


1- في بعض نسخ الكافي: «فقالوا».
2- في بعض نسخ الكافي: «غرائب».
3- في بعض نسخ الكافي: «بالناسخ من المنسوخ».
4- في بعض نسخ الكافي: «علم ناسخ».
5- الآية: يوسف/ 76؛ و الحديث في الكافي، ج 5، ص 65، ح 1؛ و الوسائل ج 18 باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 135، ح 23.

و عن البرقي في المحاسن بسنده عن أبي الوليد البحراني، ثمّ الهجري، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّ رجلا قال له: «أنت الّذي تقول(1) ليس شيء من كتاب اللّه إلا معروف؟» قال عليه السّلام:

«ليس هكذا قلت، إنّما قلت (2):ليس شيء من كتاب اللّه إلا عليه دليل ناطق عن اللّه في كتابه ممّا لا يعلمه الناس - إلى أن قال: - إنّ للقرآن ظاهرا و باطنا، و معانيا، و ناسخا و منسوخا، و محكما و متشابها، و سننا و أمثالا، و فصلا و وصلا، و أحرفا و تصريفا، فمن زعم أنّ الكتاب مبهم فقد هلك و أهلك - الحديث.»(3)

قال صاحب الوسائل:

«المراد من آخره أنّه ليس بمبهم على كلّ أحد، بل يعلمه الامام عليه السّلام و من علّمه إيّاه، و إلا لناقض آخره أوّله.»

أقول:

بل الظاهر أنّ المراد أنّ الكتاب ليس مبهما بنفسه بحيث لا يفي ببيان مداليله، بل فيه تبيان كلّ شيء و مشتمل على بيان المرادات، و لكن لا يصل إلى ذلك كلّ أحد لقصور مرتبتهم عن ذلك. فليس الاجمال فيه، بل قصور بصائر الناس يمنعهم عن إدراكه، كالشمس في رابعة النهار بالنسبة إلى الاعمى و الضرير و الخفّاش.

ص: 82


1- في بعض النسخ: «تزعم أن».
2- في بعض النسخ: «و لكن» بدل «إنّما قلت».
3- المحاسن، باب 36 من كتاب مصابيح الظلم، ص 270، ح 360؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 141، ح 39؛ و البحار، ج 92، باب أنّ للقرآن ظهرا و بطنا، ص 90، ح 34؛ و البرهان، ج 2 ص 3، ح 3.

و حينئذ فالظاهر أن يكون حظّ كلّ إنسان من بيانات القرآن بقدر قابليّته و استعداده و علمه بكيفيّة الاستخراج، و لا يستفاد من صدر الحديث ما ينافي ذلك، بل يدلّ علي ذلك إن جعلنا قوله «في كتابه» طرفا للدليل، فيكون الدليل في الكتاب هو الآية الدالّة. و الظاهر أنّه ليس المراد من نفي علم الناس به نفي علم ما سوى الامام بشيء منه على سبيل الاستغراق الحقيقيّ، و إلا لاقتضى إنكار وجود المحكم في الكتاب أصلا، بل نفي وصول أفهام عامّة الناس إلى الادلّة الخفيّة منها.

و الظاهر أنّ المراد بالسنن هو طريقة فعل اللّه بالنسبة إلى عباده؛ كقوله:

«سُنَّةَ اللّٰهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ » (1) ،و يبعد إرادة السنّة التشريعيّة المقابلة للفريضة.

و أمّا الفصل و الوصل، فالظاهر إرادة وصل الكلام و ربطه معنى بسابقه، و انقطاعه عنه باستيناف مطلب جديد؛ ك «آية التطهير»(2) الواقع ذيلها عقيب المخاطبة لأزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله في الظاهر، لكون المخاطب بالذيل غيرهنّ، فيكون الذيل مفصولا عن الصدر غير موصول به.

و لا يبعد أن يكون [المراد](3) ب الاحرف الحروف المقطّعة في القرآن، و ب التصريف ما عداها، أو بما أريد من قوله تعالى: «نُصَرِّفُ الْآيٰاتِ » .

و ربّما يطلق النسخ على الاعمّ من النسخ التشريعى و البداء التكويني، أو على الاخير خاصّة البداء؛ كما هو الظاهر فيما عن الكليني بسنده عن جميل بن صالح قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «الم * غُلِبَتِ الرُّومُ *

ص: 83


1- الاحزاب/ 38 و 62.
2- الاحزاب/ 33، و هي: «... إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ».
3- أضفناه بقرينة المقام.

فِي أَدْنَى الْأَرْضِ » (1) ،فقال:

«إن لهذا تأويلا لا يعلمه إلا اللّه و الراسخون في العلم من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله - إلى أن قال: - أ لم أقل لك إنّ لهذا تأويلا و تفسيرا، و القرآن ناسخ و منسوخ»(2)

[حدود القرآن]

و أمّا الحدود، فقد ذكر فيما رواه البرقي في المحاسن بسنده عن عبد الحميد بن عوّاض الطائيّ قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:

«إنّ (3) للقرآن حدودا كحدود الدار.»(4)

و لعلّ المراد منه حدود معانيها في التشريعيّات و التكوينيّات، نظير ما ورد ظاهر [أ] أنّ:

«للصّلاة أربعة آلاف حدّ.»(5)

فانّ لكلّ حكم مذكور في القرآن حدودا من الشروط و الموانع و القيود الزمانيّة و المكانيّة و الحاليّة و غيرها، و لأفعال اللّه سبحانه أيضا حدودا و ترتيبا

ص: 84


1- الروم/ 1-3.
2- الكافي، ج 8، ص 269، ح 397؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 136، ح 24.
3- هذه الكلمة ليست في بعض نسخ المحاسن.
4- المحاسن، باب 38 من كتاب مصابيح الظلم، ص 273، ح 375؛ و الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي، ص 142، ح 40؛ و هكذا في البحار.
5- رواه الشيخ (قده) في التهذيب، ج 2، باب في فصل الصلاة من أبواب الزيادات، ص 242، ح 25؛ و ابن شهرآشوب (ره) في المناقب، ج 4 باب إمامة أبي عبد اللّه - عليه السلام -، ص 249، عن حماد بن عيسى، عنه - عليه السلام -؛ و هكذا نقله المجلسي (رض) في البحار، ج 82، باب أنّ للصلاة أربعة آلاف باب و...، ص 303، ح 2؛ و ذكر أقوال العلماء في تبيينه، فراجع.

و نظاما معيّنا لا يتعدّاها.

و روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال:

«ما من آية إلا و لها أربعة معان: ظاهر و باطن، و حدّ و مطلع. و الظاهر: التلاوة، و الباطن: الفهم، و الحدّ:

هو أحكام الحلال و الحرام، و المطلع: هو مراد اللّه من العبد بها.»(1)

[تذييل]

و لنختم الكلام في هذه المقدّمة بما روي عن محمّد بن إبراهيم النعماني في تفسيره باسناده عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام يقول:

«إن اللّه تبارك و تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فختم به الانبياء، فلا نبيّ بعده، و أنزل عليه كتابا فختم به الكتب، فلا كتاب بعده؛ أحلّ فيه حلالا، و حرّم حراما، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم، و خبر من قبلكم و بعدكم.

و جعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله علما باقيا في أوصيائه، فتركهم الناس و هم الشهداء على أهل كلّ زمان، و عدلوا عنهم، ثمّ قتلوهم و اتّبعوا غيرهم و أخلصوا لهم الطاعة، حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الامر و طلب علومهم. و ذلك أنّهم ضربوا القرآن بعضه ببعض (2) ،و احتجّوا بالمنسوخ و هم يظنّون أنّه الناسخ،

ص: 85


1- نقله الفيض (ره) فى الصافى، ج 1، المقدمة الرابعة، ص 18.
2- فى البحار: «ضربوا بعض القرآن ببعض».

و احتجّوا بالخاصّ و هم يقدّرون أنّه العامّ، و احتجّوا بأوّل الآية و تركوا السنّة(1) في تأويلها. و لم ينظروا إلى ما يفتح الكلام و إلى ما يختمه، و لم يعرفوا موارده و مصادره؛ إذ لم يأخذوه عن أهله، فضّلوا و أضلّوا.

و اعلموا رحمكم اللّه أنّه من لم يعرف من كتاب اللّه عزّ و جلّ الناسخ من المنسوخ، و الخاصّ من العامّ، و المحكم من المتشابه، و الرخص من العزائم، و المكّي و المدنيّ، و أسباب التنزيل، و المبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة و المؤلّفة، و ما فيه من علم القضاء و القدر، و التقدم و التأخّر (2) ،و المبيّن و العميق، و الظاهر و الباطن، و الابتداء من الانتهاء(3) ، و السؤال و الجواب، و القطع و الوصل، و المستثنى منه و الجار [ي] فيه، و الصفة لما قبل ممّا يدلّ على ما بعد، و المؤكّد منه، و المفصّل، و عزائمه و رخصه، و مواضع فرائضه و أحكامه، و معنى حلاله و حرامه، الّذي هلك فيه الملحدون، و الموصول من الالفاظ، و المحمول على ما قبله و على ما بعده، فليس بعالم في القرآن، و لا هو من أهله.

و متى ادّعى معرفة هذه الاقسام مدّع بغير دليل، فهو كاذب مرتاب، مفتر على اللّه الكذب و رسوله، و مأواه جهنّم و بئس المصير - إلى أن قال: -

ص: 86


1- خ. ل: «السبب».
2- في البحار: «التقديم و التأخير».
3- في البحار: «و الانتهاء» بدل «من الانتهاء».

ثمّ سألوه عن تفسير المحكم من كتاب اللّه، فقال: أمّا المحكم الّذي لم ينسخه شيء، فقوله(1) عزّ و جلّ: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ - الآية.» و إنّما هلك الناس في المتشابه؛ لأنّهم لم يقفوا على معناه، و لم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلا(2) من عند أنفسهم بآرائهم، و استغنوا بذلك عن مسئلة الاوصياء، و نبذوا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وراء ظهورهم .»(3).

ص: 87


1- في البحار: «شيء من القرآن، فهو قول اللّه».
2- في البحار: «تأويلات».
3- نقل العلامة المجلسي - أعلى اللّه مقامه الشريف - هذا التفسير بتمامه في البحار، ج 93، باب ما ورد في أصناف آيات القرآن، ص 3، فراجع.

المقدّمة الخامسة فيما نزل عليه القرآن من الأقسام الكليّة و ما يتعلّق بذلك

فعن الكافي و تفسير العيّاشي باسنادهما عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و احكام، - و زاد العيّاشي: - و لنا كرائم القرآن.»(1)

و باسنادهما عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول:

«نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام.»(2)

ص: 88


1- رواه الكليني (رض) في الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ص 628، ح 4، عن أبي بصير؛ و العياشي (ره) في تفسيره ج 1، ص 9، ح 1، عن أبي الجارود، و أيضا رواه فرات بن إبراهيم (قده) في تفسيره، ص 2، عن الاصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب - عليه السلام -؛ و الحسين بن الحكم الحيري الكوفي من رواة القرن الثالث في كتاب «ما نزل من القرآن في أهل البيت - عليهم السلام -»، ص 44، عن أبي الجارود، عن الاصبغ، عنه - عليه السلام -، و فيه: «رفع حلال و حرام» بدل «ربع سنن و امثال»؛ و هكذا في البحار، ج 92، باب أنواع آيات القرآن، ص 114، ح 1؛ و الصافي و البرهان.
2- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ص 627، ح 2؛ و العياشي، ج 1، ص 9، ح 3، و البحار، ج 92، باب أنواع آيات القرآن، ص 114، ح 2، و أيضا في الصافي و البرهان.

و عن ابن المغازلي، عن ابن عباس، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«إنّ القرآن أربعة أرباع: فربع فينا أهل البيت خاصّة، و ربع حرام، و ربع فرائض و أحكام، و اللّه انزل فينا كرائم القرآن .»(1).

و عن العيّاشى باسناده عن خثيمة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«القرآن نزل أثلاثا: ثلث فينا و في أحبّائنا، [و] ثلث في أعدائنا و عدوّ من كان قبلنا، و ثلث سنّة و مثل؛ و لو أنّ الآية إذا نزلت في قوم ثمّ مات اولئك القوم ماتت الآية، لما بقي من القرآن شيء، و لكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السموات و الارض، و لكلّ قوم آية يتلونها هم فيها(2) من خير أو شرّ.»(3)

ص: 89


1- انظر مناقب عليّ بن أبي طالب - عليه السلام -، ص 328، و هكذا رواه فرات ابن إبراهيم (ره) في تفسيره، ص 2 و 89، بهذا الاسناد، و الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، ج 1، الفصل الخامس، ص 43، ح 57، نقلا عن فرات، و أخرجه الحافظ أبو نعيم في كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ - عليه السلام -» على ما نقله العلامة المجلسي (رض) في البحار، ج 35، باب 14، ص 359، و أيضا في إحقاق الحق، ج 14، باب ربع القرآن في أهل البيت - عليهم السلام -، ص 701، و البرهان، ج 1، ص 21، نقلا عن المناقب. و في جميع المصادر سوى البرهان و إحقاق الحق و بعض نسخ المناقب: «... و ربع في أعدائنا، و ربع حلال و حرام... و اللّه انزل في عليّ...»
2- خ. ل: «منها».
3- العياشي، ج 1، ص 10، ح 7؛ و البحار، ج 92، باب أنواع آيات القرآن، ص 115، ح 4؛ و هكذا في الصافي و البرهان.

أقول:

الظاهر أنّ بناء هذه القسمة ليس على تعديل السهام و تسوية الاقسام، بل على ضبط المقسم فيها. و ما ورد في أحبّائهم فقد ورد فيهم عليهم السّلام؛ لأنّ ما يلحق بأحبّائهم من حيث كونهم أحباء فقد لحق بهم عليهم السّلام، و شيعتهم منهم، خلقوا من فاضل طينتهم، و كلّ خير نسب إلى الاحبّاء فأصله فيهم. و عدوّ من كان قبلهم عليهم السّلام فهو عدوّ لهم، كما أنّ المؤمنين السابقين كانوا من شيعتهم و أحبّائهم؛ لأنّه إذا ذكر الخير كانوا أوّله و أصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه، و كلّ كمال نسب إلى الناقص يدخل فيه الكامل، كما سبق بيانه؛ كالذّم المنسوب إلى الناقص في تلك الصفة المذمومة، و قد سبق أنّه يدخل في الآية من كان عمل(1) بمثل أعمالهم، و [كان](2) من سنخ طينتهم، فراجع.

و أمّا الفرائض و الاحكام، فيمكن إدخالها في الخبر الاخير في قوله عليه السّلام:

«ثلث فينا و في أحبّائنا»؛ لأنّهم القائمون بها، فكأنّها حكايات أحوالهم و أفعالهم، أو لأنّ بطونها ترجع إلى ولايتهم عليهم السّلام. و لعلّ المراد بالسنّة سنّة اللّه سبحانه في النشأة الاولى، الّتي لا تبديل لها في السابقين و اللاحقين، فيندرج فيها القصص و الاخبار عمّا مضى و ما يأتي، و بيان صنائع اللّه و نعمه على عباده ما عدا حكاية أحوال المؤمنين و الكفّار؛ إذ يمكن إدخالها فيما نزل فيهم، خصوصا في الخبر الاخير.

و أمّا حكاية النشأة الاخرى، فيمكن إدخالها في السنن، و إدخالها في ما نزل فيهم عليهم السّلام و في أعدائهم، و التفصيل بين ما يختصّ باحدى الطائفتين و غيره، كانشاء القيامة الكبرى و مقدّماتها.

ص: 90


1- في المخطوطة: «من».
2- أضفناه بقرينة المقام.

و أمّا ما نزل في بيان صفات الحقّ، فيمكن إدخالها في الاوّل، لأنّهم عليهم السّلام مظاهرها و محالّ معرفتها، و إدخالها في السنن فيما كان من صفات الفعل، و الامثال فيما كان من صفات الذات؛ إذ المعاني الّتي نتصوّرها من تلك الالفاظ مثل اللّه سبحانه، فانّ كلّ ما ميّزناه بأوهامنا فهو مخلوق مثلنا، مردود إلينا(1).

و قد ورد روايات كثيرة عن المعصومين عليهم السّلام في تأويل كثير من الآيات بهم و بأوليائهم و أعدائهم (2) ،حتّى قيل: «إنه قد صنّف في ذلك كتب، واحد منها يقرب من عشرين ألف بيت.»(3) و سنورد كثيرا منها في شرح الآيات المتعلّقة بها - إن شاء اللّه تعالى -.

و عن تفسير العيّاشي، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«يا محمّد (4) ،إذا سمعت اللّه ذكر قوما(5) من هذه الامّة بخير فنحن هم، و إذا سمعت اللّه ذكر قوما بسوء ممّن مضى فهم

ص: 91


1- كما قال الباقر عليه السلام: «هل سمّي عالما و قادرا الا لانه وهب العلم للعلماء و القدرة للقادرين؟ و كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم، و البارئ تعالى واهب الحياة و مقدر الموت. و لعلّ النمل الصغار تتوهم أن للّه زبانيتين فانهما كمالها...» نقله الفيض في المحجة البيضاء، ج 1، ص 219.
2- قد رواها كثير من العلماء و محدثي الخاصّة و العامّة، و جمعوها في كتبهم؛ كمحمد ابن العباس (ره) في الكنز، الّذي أورده النجفي (رض) في تفسير الآيات الباهرة؛ و أبو القاسم الحسكاني في شواهد التنزيل، و الحويزي (قده) في نور الثقلين؛ و غير ذلك.
3- الكلام للفيض - نوّر اللّه مرقده - ظاهرا، فراجع الصافي، ج 1، المقدمة الثالثة، ص 14.
4- في المخطوطة: «أبا محمد» كما في الصّافي.
5- في بعض النسخ: «أحدا».

عدوّنا.»(1)

[في أنّ الولاية المطلقة للنّبيّ و الأئمّة - عليهم السّلام -]

اعلم أنّ النبوّة المطلقة مختصّة بنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله، و الوصيّة النيابة المطلقة عنه، و الولاية المطلقة الكلّيّة له صلّى اللّه عليه و آله و للائمّة - صلوات اللّه عليهم -، و أمّا سائر الانبياء و الاولياء فلهم نبوّة خاصّة مقيّدة و ولاية جزئيّة على أهل عصر خاصّ أو قرية معيّنة، لا على ما سوى اللّه سبحانه من أقسام موجودات العوالم بأسرها، الّذي هو معنى الخلافة عن اللّه سبحانه بعنوان كلّيّ مطلق؛ لانّهم عليهم السّلام مظاهر الاسم الاعظم بتمامه، ما سوى الحرف الواحد، الّذي لا مظهر له في العالم، و سائر المعصومين عليهم السّلام مظاهر لبعض أجزائه و حروفه (2).و إذا كانوا عليهم السّلام مظاهر لاسم السلطنة الالهيّة المطلقة، فلا جرم كان كلّ من سواهم تحت سلطنتهم، و نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله سيّد الانبياء. و لمّا ثبت أنّ الولاية الّتي له صلّى اللّه عليه و آله هي بعينها لخلفائه فهم السلاطين و الاولياء على ما سوى اللّه سبحانه، فلهم الولاية على الانبياء السابقين، و له صلّى اللّه عليه و آله النبوّة المطلقة، و جميع الانبياء يخبرون عن بعض ما أنبأه معنى لانحصار

ص: 92


1- العياشي، ج 1، ص 13، ح 3؛ و الصّافي، ج 1، المقدّمة الثالثة، ص 14؛ و البرهان، ج 1، ص 22.
2- كما ورد في أحاديثهم - عليهم السلام -؛ كرواية الصفار (ره) عن هارون ابن الجهم، عن رجل من أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السلام - قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السلام - يقول: «انّ عيسى بن مريم أعطي حرفين و كان يعمل بها، و أعطي موسى بن عمران أربعة أحرف، و أعطي إبراهيم ثمانية أحرف، و أعطى نوح خمسة عشر حرفا، و أعطى آدم خمسة و عشرون حرفا، و انّه جمع اللّه ذلك لمحمّد - صلّى اللّه عليه و آله - و أهل بيته، و انّ اسم اللّه الأعظم ثلاثة و سبعون حرفا أعطى اللّه محمّدا - صلّى اللّه عليه و آله - اثنين و سبعين حرفا، و حجب عنه حرفا واحدا.» راجع البصائر، باب 13 من الجزء الرابع، ص 208، ح 2.

الشريعة الكاملة التامّة بهذه الشريعة، فهم بمنزلة الدّعاة إلى بعض هذه الشريعة، و قد أخذ ميثاق نبوّته صلّى اللّه عليه و آله على جميع الانبياء، قال تعالى:

«وَ إِذْ أَخَذَ اللّٰهُ مِيثٰاقَ النَّبِيِّينَ - الخ.»(1)

فهم أتباع مقام النبوّة و الولاية، داعين إليه صلّى اللّه عليه و آله، مبشّرين به صلّى اللّه عليه و آله و النبوة و الولاية المقيّدتين مستمدّتان من الكلّيّتين: أخبار عرض الولاية عليهم، و تقدّم خلقهم و أنّهم العلّة الغائيّة لانشاء هذا العالم.

و لعلّ ما ذكر يظهر للمتأمّل في ما ورد في أخذ ميثاق النبوّة المطاعيّة لهم عليهم السّلام من الانبياء في العوالم السابقة (2) ،و أنّ آدم و غيره عليهم السّلام تحت لوائه صلّى اللّه عليه و آله يوم القيامة (3) ،إلى غير ذلك ممّا سنورد بعضه في خلال التفسير مشروحا.

و حينئذ فالاخبار عن النبوّات السابقة و الولايات الماضية، و عن المؤمنين و الكافرين السابقين كلّها يرجع إلى الاخبار عن أتباعهم، الّذين هم بمنزلة أبعاضهم و رشحاتهم، و عن أعدائهم؛ لأن عدوّ الجزء و التابع عدوّ للكلّ و المتبوع، و منكر جزء النبوّة و الولاية منكر للكلّ من حيث هو كلّ لانعدام الكلّ بانعدام جزئه، و منكر من كان آخذا لميثاق النبوّة، و داعيا إلى التصديق به، منكر لذلك النبيّ، و عدوّه و جاحده من هذه الحيثيّة جاحد و عدوّ له، و سائر النبوّات و الولايات بمنزلة أجزاء البيت، و النبوّة و الولاية المطلقة بمنزلة البيت التامّ. فمن انتسب إلى

ص: 93


1- آل عمران/ 81.
2- الاخبار في هذا الموضوع كثيرة جدا، حتى أنّ المجلسي (قده) عقد له بابا في البحار، كتاب الامامة، ص 267-319، و أورد فيه روايات عن كتب كثيرة؛ من أراد أن يطلع عليها فليراجع.
3- راجع البحار، كتاب المعاد، باب اللواء؛ و كتاب الامامة، باب الخامس و الثمانين في فضائل عليّ بن أبي طالب - عليه السلام -.

بيت الابعاض بمعرفة و ايمان، أو محبّة، أو متابعة و تسليم، فقد انتسب إلى البيت بقدره، و من عاند و أنكر و جحد الابعاض، أو صار عدوّا لها، فقد أنكر و عاند و جحد و اعتدى على التامّ. هذا جملة ما سنح بالبال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

[في أنّ عليّا - عليه السّلام - قسيم الجنّة و النّار]

و يؤيّد جملة ممّا ذكر ما عن الصدوق [رض] في علل الشرائع باسناده عن المفضّل بن عمر، قال:

«قلت لأبي عبد اللّه: بما صار عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قسيم الجنّة و النار؟

قال: لأنّ حبّه إيمان و بغضه كفر، و إنّما خلقت الجنّة لاهل الايمان، و خلقت النّار لأهل الكفر، فهو عليه السّلام قسيم الجنّة و النار لهذه العلّة، و الجنّة لا يدخلها إلا أهل محبّته، و النار لا يدخلها إلا أهل بغضه.

قال المفضّل: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فالانبياء و الاوصياء هل كانوا يحبّونه و أعدائهم يبغضونه (1) ؟فقال: نعم.

قلت: فكيف ذلك؟

قال: أ ما علمت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله، ما يرجع حتى يفتح اللّه على يديه»؟ قلت: بلى.

قال: أ ما علمت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لمّا أتي بالطائر المشوي قال: اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك(2) يأكل معي هذا

ص: 94


1- في العلل و البحار: «كانوا يبغضونه».
2- في بعض النسخ: «إليك و إليّ».

الطير» و عنى به عليّا عليه السّلام؟ قلت: بلى.

قال: يجوز أن لا يحبّ أنبياء اللّه و رسله و أوصيائهم رجلا يحبّه اللّه و رسوله، و يحبّ اللّه و رسوله؟ فقلت: لا.

قال: فهل يجوز أنّ يكون المؤمنون من أممهم لا يحبّون حبيب اللّه و حبيب رسوله و أنبيائه؟ قلت: لا.

قال: فقد ثبت أنّ جميع أنبياء اللّه و رسله و جميع المؤمنين كانوا لعلي بن أبي طالب محبّين، و ثبت أنّ [أعداءهم و] المخالفين لهم كانوا له و لجميع أهل محبّته مبغضين. قلت:

نعم.

قال: فلا يدخل الجنّة إلاّ من أحبّه من الاوّلين و الآخرين، فهو إذن قسيم الجنّة و النار.

قال المفضّل بن عمر: فقلت له: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك، فزدني مما علّمك اللّه. فقال:

سل يا مفضّل.

فقلت: أسأل يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فعليّ بن أبي طالب عليه السّلام يدخل محبّه الجنّة و مبغضه النار، أو رضوان و مالك؟

فقال: يا مفضّل، أ ما علمت أنّ اللّه تبارك و تعالى بعث رسوله و هو روح إلى الانبياء، و هم أرواح قبل خلق الخلق بألفي عام؟ قلت: بلى.

قال: أ ما علمت أنّه دعاهم إلى توحيد اللّه و طاعته و اتّباع أمره، و وعدهم الجنّة على ذلك، و أوعد من خالف ما

ص: 95

أجابوا إليه و أنكره النار؟ فقلت: بلى.

قال: أ فليس النبي صلّى اللّه عليه و آله ضامنا لما وعد و أوعد عن(1) ربّه عزّ و جلّ؟ قلت: بلى.

قال: أ و ليس عليّ بن أبي طالب عليه السّلام خليفته و إمام أمّته؟

قلت: بلى.

قال: أ و ليس رضوان و مالك من جملة الملائكة و المستغفرين لشيعته الناجين بمحبّته؟ قلت: بلى.

قال: فعليّ بن أبي طالب عليه السّلام إذن قسيم الجنّة و النار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و رضوان و مالك صادران عن أمره بأمر اللّه تبارك و تعالى. يا مفضّل، خذ هذا، فانّه من مخزون العلم و مكنونه، لا تخرجه إلا إلى أهله.»(2)

[في أنّ القرآن نزل بايّاك أعني...]

هذا، و عن الكافي أنّه روى عن عبد اللّه بن بكير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«نزل القرآن بايّاك أعني و اسمعي يا جارة.»(3)

و هو مثل يضرب لمن يتكلّم بكلام و يريد به غير المخاطب(4).

ص: 96


1- في المخطوطة: «لما وعدوا عن وعد ربه».
2- العلل، ج 1، باب 130، ص 161، ح 1؛ و البحار، ج 39، باب انه - عليه السلام - قسيم الجنّة و النار، ص 194، ح 5.
3- روى الكليني (ره) هذا الحديث في الكافى، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن؛ و العياشي (رض) في تفسيره، ج 1، ص 10؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، و البحراني (ره) في البرهان، فراجع.
4- قال الميداني في مجمع الامثال، ج 1، ص 50: «أوّل من قال ذلك «سهل بن مالك الفزاري»، و ذلك انّه خرج يريد النعمان، فمرّ ببعض أحياء طىء، فسأل عن سيد الحي، فقيل له «حارثة بن لام»، فأمّ رحله فلم يصبه شاهدا، فقالت له أخته: انزل في الرحب و السعة، فنزل فأكرمته و لاطفته، ثم خرجت من خبائها فرأى أجمل أهل دهرها و أكملهم، و كانت عقيلة قومها و سيدة نسائها، فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها و لا ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباء يوما و هي تسمع كلامه، فجعل ينشد و يقول: يا أخت خير البدو و الحضارةكيف ترين في فتى فزارة أصبح يهوي حرة معطارةإياك أعني و اسمعي يا جارة فلما سمعت قوله عرفت انه إيّاها يعني، فقالت: ما ذا يقول ذي عقل اريب و لا رأي مصيب و لا أنف نجيب؟ فأقم ما قمت مكرما، ثم ارتحل متى شئت مسلما، و يقال: أجابته نظما فقالت: إنّي أقول يا فتى فزارةلا أبتغى الزوج و لا الدعارة و لا فراق أهل هذى الجارةفارحل إلى أهلك باستخارة فاستحي الفتى و قال: ما أردت منكرا، وا سوءتاه! قالت: صدقت. فكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته. فارتحل، فأتى النعمان فحيّاه و أكرمه. فلمّا رجع نزل على أخيها، فبينا هو مقيم عندهم تطلعت إليه نفسها و كان جميلا، فأرسلت إليه أن اخطبنى إن كان لك إليّ حاجة يوما من الدهر، فاني سريعة إلى ما تريد. فخطبها و تزوّجها و ساربها إلى قومه. يضرب لمن يتكلّم بكلام و يريد به شيئا غيره.»

كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«ما عاتب اللّه نبيّه فهو يعني به من قد مضى في القرآن؛ مثل قوله: «وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً » ،عنى بذلك غيره »(1).

و لعلّ المراد من «قد مضى» ما أسقط اسمه من القرآن، أو مضى زمانه، و يكون المجرور ب «في» متعلّقا بقوله «عاتب»، أو خبرا مقدّما مبتدؤه قوله:

«مثل قوله». و يحتمل تعميم المثل السابق لكلّ كلام ورد مختصّا بمورد،

ص: 97


1- الآية: الاسراء/ 74؛ و الحديث: راجع تعليقة 3 من صفحة 96.

و المقصود بالافادة منه غير ذلك الفرد، كالاخبار عن الامم الماضية الّتي خلت. و لا نسأل عمّا فعلوا و لا يسألون عمّا نفعل، لها ما كسبت و لنا ما كسبنا، و لكنّها أمثال تجري نظائرها في هذه الامّة أشخاصا و أفعالا و مجازاة. فالكلام وارد في فرعون خاصّ، و المقصود بيان حال غيره، إلى غير ذلك. و هذا التعميم أنسب من التخصيص الاوّل، لأنّ التصرّف في المخاطب في أكثر المقامات متعذّر ظاهرا؛ إذ المخاطب هو النبيّ و المؤمنون، أو جميع الناس، أو طائفة خاصّة. و من ذلك يظهر لك وجه آخر للأخبار المتقدّمة، فتدبّر فيه بالتأمّل.

و فيما قدّمناه يظهر وجه للجمع بين الاخبار المتقدّمة و ما روي عن الكليني بسنده عن داود بن فرقد، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، و ربع حرام، و ربع سنن و أحكام، و ربع خبر ما كان قبلكم و نبأ ما يكون بعدكم و فصل ما بينكم.»(1)

ص: 98


1- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 627، ح 3؛ و البرهان، ج 1، ص 21، ح 2.

المقدّمة السّادسة في نبذة ممّا جاء في أنّ القرآن تبيان كلّ شيء و بيان ذلك

فعن الكافي بسنده عن مرازم، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«إنّ اللّه تعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى و اللّه ما ترك اللّه شيئا يحتاج إليه العباد حتّى لا يستطيع عبد يقول: «لو كان هذا في القرآن» إلا و قد أنزله اللّه فيه.»(1)

و باسناده عن عمرو بن قيس، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: سمعته يقول:

«إنّ اللّه تعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الامّة إلا أنزله في كتابه، و بيّنه لرسوله، و جعل لكلّ شيء حدّا، و جعل عليه دليلا يدلّ عليه، و جعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّا.»(2)

و باسناده عن المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

ص: 99


1- الكافي، ج 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنّة، ص 59، ح 1؛ و هكذا رواه البرقي (ره) في المحاسن، باب 36 من كتاب مصابيح الظلم، ص 267، ح 352؛ و القمي (ره) في تفسيره، ج 2، ص 451، بهذا الاسناد؛ و أيضا في البحار و الصافي.
2- الكافي، ج 1 باب الردّ الى الكتاب و السنة، ص 59، ح 1؛ و هكذا رواه الصفار (قده) في البصائر، الجزء الاول، باب 3، ص 6، إلى قوله - عليه السلام -: «يدلّ عليه» بهذا الاسناد بطريقين عن «عبد اللّه بن جعفر» و «إبراهيم بن هاشم»؛ و العياشي (ره) في تفسيره، ج 1، ص 6، ح 13؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي.

«ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا و له أصل في كتاب اللّه، و لكن لا تبلغه عقول الرجال.»(1)

و باسناده عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السّلام:

«إذا حدّثتكم بشيء فاسألوني أين هو في كتاب اللّه تعالى».

ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ (2) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نهى عن القيل و القال، و فساد المال، و كثرة السؤال. فقيل له: يا ابن رسول اللّه، أين هذا من كتاب اللّه؟ قال: إنّ اللّه تعالى يقول: «لاٰ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلاّٰ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاٰحٍ بَيْنَ النّٰاسِ.» (3) و قال: «لاٰ تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً.» (4) و قال: «لاٰ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ.» (5)

و بأسانيد متعدّدة، عن الصادق عليه السّلام في الرسالة الّتي كتبها لأصحابه بعد التحذير عن الاخذ في الدين بالهوى و الرأي و المقاييس:

«... قد أنزل اللّه القرآن و جعل فيه تبيان كلّ شيء، و جعل

ص: 100


1- الكافي، ج 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنة، ص 60، ح 6؛ و رواه في المحاسن، ج 1، باب 36 من كتاب مصابيح الظلم، ص 267، ح 355؛ و هكذا في الصافي و البحار.
2- في المخطوطة: «ثم ان».
3- النساء/ 114.
4- النساء/ 5.
5- الآية: المائدة/ 101؛ و الحديث في الكافي، ج 1، باب الردّ إلى الكتاب و السنة، ص 60، ح 5؛ و أيضا رواه البرقي (ره) في المحاسن، ج 1، باب 36 من كتاب مصابيح الظلم، ص 269، ح 358 بهذا الاسناد؛ و أورده الطبرسي (رض) في الاحتجاج، ج 2، ص 55، مرسلا عن أبي الجارود.

للقرآن و تعلّم القرآن أهلا...»(1)

و عن الصفّار في بصائر الدرجات بسنده عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«إنّ في القرآن ما مضى و ما يحدث و ما هو كائن، و كانت فيه أسماء الرجال فألقيت، و إنّما الاسم الواحد في وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة.»(2)

و عن العيّاشي، عنه ما يقرب من ألفاظه(3).

و روى غيره عن موسى بن عقبة أنّ معاوية أمر الحسين عليه السّلام أن يصعد المنبر فيخطب، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:

«نحن حزب اللّه الغالبون، و عترة نبيّه الأقربون، و أحد الثقلين، الّذين جعلنا رسول اللّه ثاني كتاب اللّه؛ فيه تفصيل لكلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه،

ص: 101


1- قد تقدم في المقدمة الثانية، انظر ص 33.
2- البصائر، باب 7 من الجزء الرابع، ص 195، ح 6؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 25؛ و البرهان، ج 1، ص 15، ح 7. قال الفيض - نوّر اللّه مرقده -: «لعلّ المراد ب «أسماء الرجال» الملقية أعلامهم، و ب «الاسم الواحد» ما كنّى به تارة عنهم و تارة عن غيرهم من الالفاظ التي لها معان متعددة؛ و ذلك ك «الذكر» فانّه قد يراد به رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله -، و قد يراد به أمير المؤمنين - عليه السّلام - و قد يراد به القرآن؛ و ك «الشيطان»، فانه قد يراد به الثاني، و قد يراد به إبليس، و قد يراد به غيرهما. أراد عليه السلام أن الرجال كانوا مذكورين في القرآن تارة بأعلامهم فألقيت، و أخرى بكنايات فألقيت، فهم اليوم مذكورون بالكنايات بألفاظ لها معان آخر يعرف ذلك الاوصياء».
3- العياشى، ج 1، ص 12، ح 10.

و المعوّل علينا في تفسيره لا نتظنّى(1) تأويله، بل نتّبع حقائقه.»(2)

أقول:

اعلم أنّ الحكيم هو الّذي يضع الاشياء مواضعه، و يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، و الجواد المطلق هو الّذي يعطي كلّ محتاج ما يحتاج إليه، و الفيّاض المطلق من يعطي كلّ قابل ما له قابليّته و استعداده. و لمّا كان الممكن في نفسه و مرتبة ذاته معدوما محضا، لا يتّصف بأمر أصلا، فحصول القابليّة و الاحتياج و الاستحقاق و صيرورته ذا شأنيّة و صلاحيّة به يكون موضعا واقعيّا لأمر ما لا يكون في الممكن إلا باعطاء الحقّ إيّاه ذلك، كما أنّه لا تمايز بين الاعدام حال العدم المطلق، فاللّه سبحانه ينشأ ذات الممكن، و يعطيه القابليّة و الاستحقاق و الشأنيّة و الاحتياج، و يهب له ما يقتضيه ذلك العطاء الاوّل؛ فيخلق الحيوان و يعطيه الحاجة إلى الرزق و يرزقه، و كل شيء موجود فهو بتقدير اللّه و قضائه و قدره و مشيّته و إمضائه، و المتعلّقة بتلك الجزئيّات، و تلك الجزئيّات واقعة تحت أنواع و أصناف هي مناط صيرورتها محالّ تلك الامور الالهيّة. فالانواع و قابليّاتها المصحّحة لتلك الامور و الامور المفروضة كلّها راجعة إليه، و فعل كلّ أحد يرجع إلى صفاته؛ لأنّها المبادئ للأفعال، فاذا أعطى زيدا أحدا و منع آخر مع استواء قدرته بالنسبة إلى كلّ منهما، فيعلم كلّ أحد أنّ للمعطى خصوصيّة في قلب المعطي به صار سببا لاعطائه، و هو غير

ص: 102


1- في بعض نسخ الاحتجاج: «لا يبطينا»، و في بعض آخر: «لا يبطئنا».
2- رواه الطبرسي (ره) في الاحتجاج، ج 2، ص 22؛ و هكذا أورده الطبري (رض) في بشارة المصطفى، عن هشام بن حسان، عن الحسن بن عليّ - عليهما السلام - نحوه؛ و نقله الحرّ العاملي (ره) في الوسائل، ج 18، باب 13 من أبواب صفات القاضي ص 144، ح 45، و قد مر في المقدمة الثانية، ص 40.

موجود في الآخر من محبّة أو صداقة أو فقر أو غيرها.

و أنت إذا تدبّرت جميع أفعال الانسان وجدت لها مبادئ في نفسه، لو لم يكن تلك المبادئ لم يصدر عنها تلك الافعال الاختياريّة، فاذا رأينا زيدا يصلّي أو يدعو أو يضرب أحدا أو يقتله أو يكرمه أو غير ذلك، علم العاقل أنّ له إرادة متعلّقة بذلك، منبعثة عن صفة نفسانيّة اقتضت ذلك الاختيار. و كذا جميع موجودات العالم يرجع إلى تلك الامور المفروضة، و هي إلى حقائق أسماء اللّه سبحانه، الّتي تسمّى بها، و صفاته الافعاليّة، و هي إلى الصفات الذاتيّة، الّتي هي عين الذات. و لكلّ شيء سبب مركّب من مقتض و شرط و معدّ و انتفاء مانع، و لها أيضا أسباب كذلك، إلى أن ينتهي إلى مسبّب الاسباب. فمن عرف اللّه سبحانه بجميع أسمائه فقد عرف جميع المخلوقات لانتقال الذهن من الاسباب إلى المسبّبات، و من عرف فردا من أفراد كلّ عنوان بالعناوين الّتي باعتبارها صار معروضا لأفعال اللّه سبحانه و أسمائه، فقد عرف الاسماء و الصفات بعد معرفة كيفيّة الارتباط و مناطه.

و القرآن مبيّن للأسماء و الصّفات و الحوادث و كيفيّة الارتباط تصريحا و تلويحا، و يشبه أن يكون ذكر كثير من أسماء اللّه سبحانه عقيب ذكر الحوادث تنبيها على مبدئ تلك الحادثة، و أن مصدرها هو ذلك الاسم و الصفة. فالقرآن واف ببيان جميع الاشياء لمن يعرفه حق معرفته.

و قد سبق بعض البيان في ذلك، و ستعرف بعض ما يتّضح به ذلك - إن شاء اللّه تعالى -. و هذا ذكر إجمالي سنح بالبال، فتدبّره فلعلّه يكون الحقّ في المقال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

ص: 103

المقدّمة السابعة في نبذة ممّا جاء في جمع القرآن و تحريفه و زيادته و نقصه، و ما يتعلّق بذلك

فعن عليّ بن إبراهيم [قدّه] في تفسيره باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لعلي عليه السّلام: يا عليّ، إنّ القرآن لخلفة فراشه(1) في الصمت(2) و الحرير و القراطيس، فخذوه و اجمعوه، و لا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة. و انطلق عليّ عليه السّلام فجمعه في جراب أصفر (3) ،ثمّ ختم عليه في بيته و قال: لا أرتدي حتّى أجمعه، قال: كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتّى جمعه.»(4)

و عن الكافي باسناده عن سالم بن أبي سلمة قال:

«قرأ رجل على(5) أبي عبد اللّه عليه السّلام و أنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

ص: 104


1- في بعض نسخ القمي: «خلف فراشي».
2- في بعض نسخ القمي: «الصحف».
3- في المخطوطة: «جواب أصفر»، و في بعض النسخ: «ثوب أصفر»، كما يأتي الاشارة اليه.
4- القمي، ج 2، ص 451، عن أبي بكر الحضرمي، عنه - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 24؛ و البحار، ج 92، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ص 48، ح 7.
5- في المخطوطة: «عن»، و كتب فوقه: «عند - ظ».

كفّ عن هذه القراءة، اقرأ كما يقرأ الناس حتّى يقوم القائم عليه السّلام فاذا قام قرأ كتاب اللّه تعالى على حدّه، و أخرج المصحف الّذي كتبه عليّ عليه السّلام.

و قال: أخرجه عليّ عليه السّلام إلى الناس حين فرغ منه و كتبه، فقال لهم: هذا كتاب اللّه كما أنزله اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و قد جمعته بين اللّوحين. فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن، لا حاجة لنا فيه. فقال: أما و اللّه ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنّما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرءوه.»(1)

و باسناده عن البزنطي قال:

«دفع إلىّ أبو الحسن عليه السّلام مصحفا و قال: لا تنظر فيه؟ ففتحته و قرأت فيه: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ...» .(2) فوجدت(3)

فيها اسم سبعين رجلا من قريش و أسمائهم و أسماء آبائهم - إلى آخره.»(4)

ص: 105


1- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 633، ح 23؛ و ايضا رواه الصفار (ره) في البصائر، باب 6 من الجزء الرابع، ص 193، ح 3؛ و هكذا في الصافي و البرهان.
2- البيّنة/ 1.
3- في المخطوطة: «فوجد»، و كتب عليه: «كذا».
4- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 631، ح 16؛ و الصافي ج 1، المقدمة السادسة، ص 25، و قد أورد الفيض (ره) في شرحه في ص 33 منه، و فى الوافي، ج 1، باب اختلاف القراءات و عدد الآيات، ص 237 كلاما مفيدا جدّا، من أراد فليراجع.

و عن محمّد بن سليمان، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن عليه السّلام قال:

«قلت له: جعلت فداك، إنّا نسمع الآيات في القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها، و ما نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال: لا، اقرءوا كما تعلّمتم، فسيجيء من يعلّمكم.»(1)

و عن العيّاشي في تفسيره، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«لو لا أنّه زيد في كتاب اللّه و نقص، ما خفي حقّنا على ذي حجى، و لو قد قام(2) قائمنا فنطق صدّقه القرآن.»(3)

و فيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«لو قرء القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمّين.»(4)

ص: 106


1- قوله عليه السلام: «من يعلمكم» يعني به: صاحب الزمان - عجل اللّه تعالى فرجه الشريف -. و الحديث في الكافي، ج 2، باب أن القرآن يرفع كما انزل، ص 619 ح 2؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 24.
2- في المخطوطة: «قدم» بدل «قد قام». (3و4) العياشي، ج 1، ص 13، ح 6، عن ميسر، عن أبي جعفر - عليه السلام - و ح 4، عن داود بن فرقد، عمّن أخبره، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 25؛ و البرهان، ج 1، ص 22. و هكذا نقل الحرّ العاملي (ره) هذين الحديثين و أحاديث أخر في إثبات الهداة، ج 3، فصل 38، ص 43 و قال في ذيلها: «هذه الاحاديث و امثالها دالة على ان النص على الائمة - عليهم السلام - و كذا التصريح بأسمائهم، و قد تواترت الاخبار بأن القرآن نقص منه كثير و سقط منه آيات لما تكتب، و بعضهم يحمل تلك الاخبار على ان ما نقص و سقط كان تأويلا نزل مع التنزيل، و بعضهم على أنه وحي لا قرآن، و على كلّ حال فهو حجة في النصّ، و تلك الاخبار متواترة من طريق العامة و الخاصة.»

و فيه عنه(1) عليه السّلام:

«إنّ القرآن قد طرح منه آي كثيرة، و لم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت به الكتبة و توهّمها الرجال.»(2)

و عن الطبرسي في الاحتجاج في جملة احتجاج أمير المؤمنين عليه السّلام على جماعة من المهاجرين و الانصار أنّ طلحة قال له في جملة مسائله عنه:

«يا أبا الحسن، شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم فقلت: أيّها الناس، إنّي لم أزل مشتغلا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغسله(3) و كفنه و دفنه، ثمّ اشتغلت بكتاب اللّه حتّى جمعته، فهذا كتاب اللّه عندي مجموعا؛ لم يسقط عنّي حرف واحد، و لم أر ذلك الّذي كتبت و ألّفت، و قد رأيت عمر بعث إليك أن ابعث به إليّ، فأبيت أن تفعل. فدعا عمر الناس، فاذا شهد رجلان على آية كتبها، و إن لم يشهد عليها غير رجل واحد أرجأها(4) فلم يكتب، فقال عمر و أنا أسمع:

إنّه قد قتل يوم اليمامة قوم كانوا يقرءون قرآنا لا يقرؤه غيرهم

ص: 107


1- المراد من الضمير في قوله: «عنه» هو الباقر - عليه السلام - كما يظهر من العياشي و البرهان، لا الصادق - عليه السلام -، كما يوهمه عبارة المتن التي هي مأخوذة من الصافي أو مرآة الانوار.
2- العياشي، ج 1، ص 180، ح 73، عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 25؛ و البرهان، ج 1، ص 294، ح 5؛ و مرآة الانوار، المقدمة الثانية، ص 37.
3- في المخطوطة: «و غسله».
4- أي: «أخّرها».

فقد ذهب. و جاء شاة إلى صحيفة و كتاب يكتبون فأكلتها، و ذهب ما فيها، و الكاتب يومئذ عثمان، و سمعت عمر و أصحابه الّذين ألّفوا ما كتبوا على عهد عمر و على عهد عثمان، يقولون:

إنّ «الاحزاب» كانت تعدل سورة «البقرة»، و إنّ «النور» نيّف(1) و مائة آية، و «الحجر» تسعون و مائة آية، و ما هذا؟ و ما يمنعك - يرحمك اللّه - أن تخرج كتاب اللّه على الناس و قد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر، فجمع له الكتاب، و حمل الناس على قراءة واحدة. فمزّق مصحف «أبيّ بن كعب» و «ابن مسعود» و أحرقهما(2) بالنار؟

فقال عليّ عليه السّلام: يا طلحة، إنّ كلّ آية أنزلها اللّه عزّ و جلّ على محمّد صلّى اللّه عليه و آله عندي باملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خطّ [يدى](3) و تأويل كلّ آية أنزلها اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و كلّ حلال و حرام أو حدّ أو حكم أو شيء يحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة مكتوب باملاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خطّ يدي، حتّى أرش(4)

الخدش - و ساق الكلام إلى أن قال: -

ثمّ قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عمّا سألتك عنه من أمر القرآن، أ لا تظهره للناس؟(5)

قال عليه السّلام: يا طلحة، عمدا كففت عن جوابك، فأخبرني عمّا

ص: 108


1- في بعض نسخ الاحتجاج: «ستون».
2- في المخطوطة: «أحرقها».
3- سقط عن المخطوطة.
4- الارش: الدية.
5- في المخطوطة: «تظهر».

كتب عمر و عثمان، أ قرآن كلّه أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كلّه.

قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار و دخلتم الجنّة؛ فانّ فيه حجّتنا و بيان حقّنا و فرض طاعتنا. قال طلحة:

حسبي [أمّا](1) إذا كان قرآنا، فحسبي - إلى آخر الحديث.»(2)

و قال رحمه اللّه: و في رواية أبي ذرّ الغفاري:

«لمّا توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جمع عليّ عليه السّلام القرآن و جاء به إلى المهاجرين و الانصار و عرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فلمّا فتحه أبو بكر خرج في أوّل صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر، فقال: يا عليّ، اردده فلا - حاجة لنا فيه. فأخذه عليّ عليه السّلام و انصرف.

ثمّ أحضر «زيد بن ثابت» - و كان قارئا للقرآن - فقال له عمر: إنّ عليّا جاءنا بالقرآن و فيه فضائح المهاجرين و الانصار، و قد أردنا أن تؤلّف لنا القرآن و تسقط (3) منه ما كان فيه فضيحة و هتك للمهاجرين و الانصار.

فأجابه زيد إلى ذلك، ثمّ قال: فان أنا فرغت من القرآن على ما سألتم و أظهر عليّ عليه السّلام القرآن الّذي ألّفه، أ ليس قد بطل كلّ ما عملتم؟

ص: 109


1- سقط في المخطوطة.
2- الاحتجاج، ج 1، ص 222-225، عن سليم بن قيس الهلالي، و الصافي، ج 1، المقدّمة السادسة، ص 25-26؛ و البحار، ج 92، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ص 41.
3- في بعض نسخ الاحتجاج: «رأينا أن نؤلّف القرآن و نسقط».

ثمّ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة.

فقال عمر: ما الحيلة دون أن نقتله و نستريح منه؟ فدبّر في قتله على يد «خالد بن الوليد»، فلم يقدر على ذلك، و قد مضى شرح ذلك(1).

فلمّا استخلف عمر سأل عليّا عليه السّلام أن يدفع إليهم القرآن فيخرجوه(2) فيما بينهم فقال: إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتّى نجتمع عليه.

فقال عليّ عليه السّلام: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنّما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، و لا تقولوا يوم القيامة:

إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به. إنّ القرآن الّذي عندي لا يمسّه إلا المطهّرون و الاوصياء من ولدي.

فقال عمر: فهل وقت لاظهاره معلوم؟

قال عليّ عليه السّلام: نعم، إذا قام القائم [عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف] من ولدي يظهره و يحمل الناس عليه. فتجري السنّة به.»(3)

[و] روي عنه عليه السّلام في جملة احتجاجه على الزنديق الّذي جاء إليه مستدلا بآي من القرآن متشابهة(4) يحتاج إلى التأويل أنّه قال عليه السّلام:

ص: 110


1- قوله: «و قد مضى شرح ذلك» من كلام صاحب الاحتجاج (ره).
2- في المخطوطة و المآخذ: «يحرفوه».
3- الاحتجاج، ج 1، ص 225؛ و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 27؛ و البحار، ج 92، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ص 42، ح 2.
4- في المخطوطة: «متشابه».

«و لم يكنّ عن أسماء الانبياء تجبّرا و تعزّزا، بل تعريفا لأهل الاستبصار. إنّ الكناية عن أسماء ذوي الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست(1) من فعله تعالى، و إنّها من فعل المغيّرين و المبدّلين (2) ،الّذين جعلوا القرآن عضين، و اعتاضوا الدنيا من الدين. و قد بيّن اللّه تعالى قصص المغيّرين بقوله: «لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتٰابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هٰذٰا مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً » (3) ،و بقوله: «وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتٰابِ » (4) ،و بقوله: «إِذْ يُبَيِّتُونَ مٰا لاٰ يَرْضىٰ مِنَ الْقَوْلِ» (5) بعد فقد الرسول ما يقيمون به أود(6)

باطلهم حسب ما فعلته اليهود و النصارى بعد فقد موسى

ص: 111


1- في المخطوطة: «الّتي ليست».
2- قال الفيض (ره) في توضيح هذه الفقرة في حاشية تفسيره: «قوله: «ان الكناية» مفعول للتعريف؛ أراد عليه السلام ان اللّه سبحانه صرّح في كتابه بأسماء المنافقين كما صرّح بأسماء الانبياء، و إنما بدلها المبدلون، و إنما لم يكن من أسماء الانبياء في مقام ذكر هفواتهم، بل صرّح بها تجبرا و تعزّزا لئلا يتخذوا من دونه آلهة. و ليعرف أهل الاستبصار أنّ التكنية عن أسماء المنافقين ليست من فعله، بل هو من فعل المغيّرين، و ذلك لعلمه بأنهم سيبدلونها، و يبقى أسماء الانبياء مصرحا بها بلفظه، «بل» ليست للإضراب بل للترقي.» و قال أبو الحسن العاملي الاصفهاني في مرآة الانوار في شرحها: «ثم ان قوله: «بل تعريفا» متعلّق بمجموع قوله «لم يكن» إلى وجه التصريح، ليس التجبر، بل تعريف أهل الاستبصار. هذا غاية توجيه العبارة المذكورة، و يحتمل أيضا سقوط شيء منها.»
3- البقرة/ 79.
4- آل عمران/ 78.
5- النساء/ 108.
6- الاود: الاعوجاج.

و عيسى من تغيير التوراة و الانجيل، و تحريف الكلم عن مواضعه، و بقوله: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ.» (1) يعني: إنّهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله اللّه ليلبسوا على الخليقة، فأعمى اللّه قلوبهم(2) حتّى تركوا فيه ما دلّ على ما أحدثوه فيه و حرّفوه منه، و بيّن عن إفكهم و تلبيسهم، و عن كتمان ما علموه منه؛ و لذلك قال لهم: «لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبٰاطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ؟» (3) و ضرب مثلهم بقوله: «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.» (4) فأمّا «الزبد» في هذا الموضع كلام الملحدين، الّذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحلّ و يبطل، و يتلاشى عند التحصيل؛ و الّذي ينفع الناس منه فالتنزيل الحقيقيّ الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و القلوب تقبله. و «الارض» في هذا الموضع هي محلّ العلم و قراره، و ليس يسوغ(5) مع عموم التقيّة التصريح بأسماء المبدّلين، و لا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل و الكفر، و الملل المنحرفة عن قبلتنا، و إبطال هذا العلم الظاهر الّذي قد استكان له الموافق و المخالف بوقوع الاصطلاح على الائتمار

ص: 112


1- التوبة/ 32.
2- في المخطوطة: «على قلوبهم».
3- آل عمران/ 71.
4- الرعد/ 17.
5- في المخطوطة: «سوغ».

لهم و الرضاء بهم، و لأنّ أهل الباطل في القديم و الحديث أكثر عددا من أهل الحقّ، و لأنّ الصبر على ولاة الامر مفروض لقول اللّه عزّ و جلّ لنبيّه: «فَاصْبِرْ كَمٰا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » (1) ،و ايجابه مثل ذلك على أوليائه و أهل طاعته بقوله:

«لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» (2) - إلى آخره.»(3)

مشتملا على مواضع أخر تدلّ على التغيير:

منها: التصريح بتغيير الكتاب و إسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل و كفر ذوي الكفر منه.

و منها: التصريح بأنّهم تركوا منه ما قد رأوا أنّه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره، و علم اللّه أنّ ذلك يظهر و يبيّن، فقال: «ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ » (4) ،و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم و افترائهم، الّذي بدا في الكتاب من الازراء على النبيّ من فرية الملحدين؛ و لذلك قال: «لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً.» (5)

و منها: التصريح بأنّه إسقاط المنافقين بين القسط في اليتامى، و بين نكاح النساء في قوله تعالى: «إِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ» (6)

ص: 113


1- الاحقاف/ 35.
2- الاحزاب/ 21.
3- الاحتجاج، ج 1، 370-371؛ و الصافي، ج 1، المقدّمة السادسة، ص 28-29؛ و البحار، ج 92، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ص 43، ح 3؛ و مرآة الانوار، المقدمة الثانية، ص 43-46.
4- النجم/ 30.
5- المجادلة/ 2.
6- النساء/ 3.

من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن، إلى غير ذلك.

و الاحاديث الظاهرة في تغيير القرآن و تبديله، و التقديم و التأخير، و الزيادة و النقيصة، و غير ذلك كثيرة، حتّى نقل بعض العارفين المحدّثين عن السيّد نعمة اللّه الجزائري أنّه ذكر في الرسالة الصلاتيّة:

«أنّ الاخبار الدالّة على ذلك تزيد على ألفي حديث.»(1)

و ذكر أنّه لم يقف على حديث واحد يشعر بخلاف ذلك، و قال:

«القرآن الموجود الآن ستّة آلاف آية، و ستّمائة و ستّ و ستّون آية تقريبا.»

و في صحيحة «هشام بن سالم الجواليقي»: «أنّ القرآن الذى نزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله سبعة عشر ألف آية.»(2)

و في رواية: «ثمانية عشر ألف آية.»(3)

و نقل عن سعد بن إبراهيم الاردبيلي من علماء العامّة في كتاب «الاربعين» أنّه روى باسناده إلى المقداد بن الاسود الكندي، قال:

«كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله [و هو](4) متعلّق بأستار الكعبة و يقول: اللّهمّ اعضدني، و اشدد أزري، و اشرح صدري، و

ص: 114


1- مراده من الرسالة الصلاتية هي: رسالة «هدية المؤمنين و تحفة الراغبين»، الموضوعة في بيان أحكام الصلاة، فراجعها، ص 121 (المخطوط).
2- رواه الكليني (ره) في الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 634، ح 28، عنه، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام -.
3- نقله المولى محمد صالح المازندراني (ره) عن كتاب سليم بن قيس الهلالي (ره) في شرحه على الكافي، ذيل آخر حديث من كتاب فضل القرآن، فراجع.
4- سقط عن المخطوطة.

ارفع ذكري؛ فنزل جبرئيل عليه السّلام و قال: اقرأ: «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَ وَضَعْنٰا عَنْكَ وِزْرَكَ * اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَ رَفَعْنٰا لَكَ ذِكْرَكَ (1) بعليّ صهرك.» فقرأ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على ابن مسعود، فألحقها في تأليفه (2) ،و أسقطها عثمان.»(3)

[اختلاف العلماء في التّحريف]

و قد اختلف أنظار علمائنا - رحمهم اللّه تعالى - في ذلك؛ فقال عليّ بن إبراهيم - رحمه اللّه تعالى - أستاد الكليني (ره) في أوّل تفسيره:

«فالقرآن [منه] ناسخ، و منه منسوخ، و منه محكم، و منه متشابه، و منه خاصّ، و منه عامّ، و منه تقديم، و منه تأخير، و منه منقطع، و منه معطوف، و منه حرف مكان حرف، و منه محرّف (4) ،و منه على خلاف ما أنزل اللّه عزّ و جلّ، و منه [ما] لفظه عامّ و معناه خاصّ، و منه [ما] لفظه خاصّ و معناه عامّ، و منه آيات بعضها في سورة و تمامها في سورة أخرى - ثمّ ذكر أنواعا كثيرة و قال في آخرها: - و نحن ذاكرون جميع ما ذكرناه آية آية في أوّل الكتاب مع خبرها ليستدل بها على غيرها، و يعرف بها علم ما في الكتاب - إلى أن قال: -

و أمّا التقديم و التأخير، فانّ آية «عدّة النساء» الناسخة تقدّمت على المنسوخة؛ لأنّ في التأليف قد قدّمت آية «عدّة

ص: 115


1- الانشراح/ 1-4.
2- في الاربعين: «مصحفه».
3- تراه في الاربعين (المخطوط)، الحديث التاسع و الثلاثون.
4- هذه الفقرة ليست في بعض النسخ.

النساء أربعة أشهر و عشرا»(1) على آية «عدّة سنة »(2) ،و كان يجب أوّلا أن تقرأ المنسوخة الّتي نزلت قبل، ثمّ الناسخة الّتي نزلت بعد.

و قوله: «أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتٰابُ مُوسىٰ إِمٰاماً وَ رَحْمَةً.» (3) فقال الصادق عليه السّلام: إنّما أنزل:

«أ فمن كان على بينه من ربه و يتلوه شاهد منه إماما و رحمة و من قبله كتاب موسى.»

و قوله: «وَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلاّٰ حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا.» (4)

و إنّما هو: «نحيا و نموت»؛ لأنّ الدهريّة(5) لم يقرّوا بالبعث بعد الموت، و إنّما قالوا: «نحيا و نموت» فقدّموا

ص: 116


1- البقرة/ 234، و هي: «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً.»
2- البقرة/ 240. و هي: «وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوٰاجِهِمْ مَتٰاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرٰاجٍ.» و نظير قوله (ره) ما قال الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 33، و هو: «الآيتان متقاربتان في سورة البقرة. و أما الناسخة المتقدمة، فهي قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً .و أما المنسوخة المتأخّرة، فهي قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوٰاجِهِمْ مَتٰاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرٰاجٍ.»
3- هود/ 17.
4- الجاثية/ 24.
5- الدهريون هم القائلون أن العالم موجود أزلا و أبدا لا صانع له، و هم فرقة من الكفار ملحدون، كما في هامش فرق الشيعة، ص 46. و قال الطريحي (ره) في مجمع البحرين: «الدهرية قوم يقولون: لا ربّ و لا جنّة و لا نار، و يقولون، ما يهلكنا إلا الدهر، و هو دين وضعوه لأنفسهم بالاستحسان منهم على غير تثبّت.»

حرفا على حرف.

و قوله: «يٰا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي.» (1) و إنّما هو:

«اركعي و اسجدي ».

و قوله: «فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ (2) نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً.» (3) و إنّما هو: «فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ

أسفا إن لم يؤمنوا بهذا الحديث.» و مثله كثير - إلى أن قال: -

و أمّا ما هو كان على خلاف ما أنزل اللّه، فهو قوله: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ.» (4) فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام لقاري هذه الآية:(5)

«خير امّة يقتلون(6) أمير المؤمنين و الحسن و الحسين ابنا عليّ عليهم السّلام؟ فقيل له: كيف انزلت يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال:

إنّما انزلت: «كنتم خير أئمة اخرجت للناس »؛أ لا ترى مدح اللّه لهم في آخر الآية: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ » ؟

و مثله آية قرئ على أبي عبد اللّه عليه السّلام: «اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنٰا

ص: 117


1- آل عمران / 43.
2- في المصباح: «بخع نفسه بخعا، قتلها من وجد أو غيظ.»
3- الكهف/ 6.
4- آل عمران / 110.
5- في المخطوطة: «القراءة».
6- في المخطوطة: «تقتل».

هَبْ لَنٰا مِنْ أَزْوٰاجِنٰا وَ ذُرِّيّٰاتِنٰا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنٰا لِلْمُتَّقِينَ إِمٰاماً.» (1)

فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«لقد سألوا اللّه عظيما أن يجعلهم للمتّقين إماما».

فقيل له: يا ابن رسول اللّه، كيف نزلت؟

فقال: «إنّما نزلت: و اجعل لنا من المتقين».

و قوله: «لَهُ مُعَقِّبٰاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ.» (2) فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«كيف يحفظ الشيء من أمر اللّه؟ و كيف يكون المعقّب من بين يديه؟» فقيل له: و كيف ذلك يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال عليه السّلام: «إنّما انزلت: له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بأمر اللّه.»

و مثله كثير - ثمّ قال: -

و أمّا ما هو محذوف منه، فهو قوله: «لٰكِنِ اللّٰهُ يَشْهَدُ بِمٰا أَنْزَلَ إِلَيْكَ في علىّ عليه السّلام - كذا نزلت - أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلاٰئِكَةُ يَشْهَدُونَ » (3).

و قوله: «يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في علي عليه السلام وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ.» (4)

و قوله: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ(5)

ص: 118


1- الفرقان/ 74.
2- الرعد/ 11.
3- النساء/ 166.
4- المائدة/ 67.
5- النساء/ 168.

و قوله: «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمد حقهم أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.» (1)

و قوله: «وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا آل محمّد حقّهم فِي غَمَرٰاتِ الْمَوْتِ.» (2)

و مثله كثير نذكره في مواضعه - إلى أن قال: -

و أما الآيات التي هي في سورة و تمامها في سورة أخرى، فقوله في سورة «البقرة» في قصّة بني إسرائيل حين عبر بهم موسى البحر، و غرق اللّه فرعون و أصحابه، و نزل موسى ببني إسرائيل و أنزل اللّه عليهم المنّ و السلوى، فقالوا لموسى:

«لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا قٰالَ

لهم موسى أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مٰا سَأَلْتُمْ.» (3) فقالوا له: «يٰا مُوسىٰ إِنَّ فِيهٰا قَوْماً جَبّٰارِينَ وَ إِنّٰا لَنْ نَدْخُلَهٰا حَتّٰى يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهٰا فَإِنّٰا دٰاخِلُونَ.» (4) فنصف الآية في سورة «البقرة» و نصفها في سورة «المائدة».

ص: 119


1- الشعراء/ 227.
2- الانعام/ 93، و هي في المصحف هكذا: «وَ لَوْ تَرىٰ إِذِ الظّٰالِمُونَ فِي غَمَرٰاتِ الْمَوْتِ.»
3- البقرة/ 61.
4- المائدة/ 22.

و قوله: «اِكْتَتَبَهٰا فَهِيَ تُمْلىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً» (1) فردّ اللّه عليهم:

«وَ مٰا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتٰابٍ وَ لاٰ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتٰابَ الْمُبْطِلُونَ.» (2)

فنصف الآية في سورة «الفرقان» و نصفها في سورة «العنكبوت».

و مثله كثير، نذكره في مواضعه - إن شاء اللّه تعالى -.»(3)

انتهى.

و الظاهر من حاله أنّ ما ذكره جميعا مأخوذ من أحاديثهم عليهم السّلام.

و استظهر من الكليني اعتقاد التحريف و النقصان في القرآن من جهة روايته روايات في هذا المعنى من دون تعرّض لقدح فيها في الكافي، مع ذكره في أوّله أنّه كان يثق بما رواه فيه.

و كذلك الطبرسي في كتاب «الاحتجاج».

و نسب إلى أكثر الاخباريّين أنّه وقع فيه التحريف و الزيادة و النقصان(4) ،

-

ص: 120


1- الفرقان/ 5.
2- العنكبوت/ 48.
3- القمي، ج 1، المقدمة، ص 5-12.
4- كالسيد نعمة اللّه الجزائري (ره). و قد أورد في رسالته الموسومة ب «منبع الحياة في حجية قول المجتهدين من الاموات» (المخطوط) أدلّة لإثباته و قال: «انّ الاخبار المستفيضة بل المتواترة قد دلّت على وقوع الزيادة و النقصان و التحريف في القرآن؛ منها: ما روي عن مولانا أمير المؤمنين - عليه السلام - لمّا سئل عن التناسب بين الجملتين في قوله تعالى. «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تُقْسِطُوا فِي الْيَتٰامىٰ فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلاٰثَ وَ رُبٰاعَ »،فقال: «و اللّه لقد سقط بينهما أكثر من ثلث القرآن.» و منها: ما روي عن الصادق - عليه السلام - في قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ» قال: «كيف يكون هذه الامة خير أمة و قد قتلوا ابن بنت رسول اللّه؟ ليس هكذا نزلت، و إنما نزلت: «كنتم خير ائمة »؛ يعني: الائمة من أهل البيت - عليهم السلام. و منها: ما روي من الاخبار المستفيضة في أن آية الغدير هكذا نزلت: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في عليّ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ. إلى غير ذلك مما لو جمع لصار كتابا كثير الحجم.» و ذكر في رسالة «هدية المؤمنين و تحفة الراغبين» (المخطوط): «هذا ليس بأول قارورة كسرت في الاسلام لما استفاض في أخبارنا من أن القرآن نزل أربعة أرباع، ربع في مدح عليّ و أهل بيته - عليهم السلام -، و حذفوه بأجمعه، و حرّفوا القرآن و العمل تحريفا بينا، و لكنّا أمرنا في هذه الاعصار بقراءة هذا القرآن و العمل بأحكامه، حتى تظهر دولتهم - عليهم السلام -، و يظهر القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين - عليه السلام - و هو الآن مخزون مع سائر الكتب السماوية و المواريث النبوية عند الصاحب عليه السلام. و العجب من الصدوق و المرتضى و الطبرسي - رضوان اللّه عليهم - كيف قالوا: إنّ ما بين دفّتي المصحف هو المنزل من غير حذف و تبديل، مع أن الاخبار الواردة في هذا الباب تزيد على ألفي حديث ما بين صحيح و حسن و موثّق و معتبر، لكنّ الغارة إذا وقعت اشترك فيها الغريب و الصديق!» و مال إليه أيضا جماعة من العلماء في تصانيفهم؛ كالفيض (ره) في الصافي و غيره؛ و الحرّ العاملي (رض) في إثبات الهداة حيث قال ما تقدم في تعليقة 3، ص 106؛ و العاملي الاصفهاني (ره) في مرآة الانوار، المقدمة الثانية، فراجع.

و مال إليه جماعة من الاصوليّين؛ كالمحقق القمّيّ (ره) في ظاهر كلماته(1).

ص: 121


1- وجه الاستظهار من قول المحقق القمي حيث أورد أدلة المثبتين للتحريف و قوّاها و أورد أدلة النافين له و ضعّفها، و اختار في آخر كلامه وقوعه لا في الاحكام. فراجع كلامه في القوانين، قانون حجية الكتاب، ص 385-390.

و عن السيّد المرتضى(1) و الصدوق(2) و الشيخ الطوسي في «التبيان»(3) و الطبرسي(4)

و جمهور المجتهدين عدمه. و نقل الشيخ و الطبرسي الاجماع على نفي الزيادة (5).و ادّعى بعض المتأخّرين إجماع المسلمين عليه، قال:

«و حملوا أحاديث الزيادة على زيادة بعض الحروف في بعض القراءة؛ مثل: ملك و مالك، و مثل: مسكنهم و مساكنهم.»

ص: 122


1- ذكر رحمه اللّه في جواب المسائل الطرابلسيات على ما نقله الطبرسي (ره) في مجمع البيان، ج 1، الفن الخامس، ص 15: «انّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار و الوقائع العظام، و الكتب المشهورة و أشعار العرب المسطورة، فان العناية اشتدت و الدواعي توفّرت على نقله و حراسته، و بلغت إلى حدّ لم يبلغه فيما ذكرناه؛ لأن القرآن معجزة النبوة و مأخذ العلوم الشرعية و الاحكام الدينية، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه و قراءته و حروفه و آياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا أو منقوصا مع العناية الصادقة و الضبط الشديد؟»
2- قال رحمه اللّه: «اعتقادنا ان القرآن الذى أنزله اللّه على نبيه - صلّى اللّه عليه و آله - هو ما بين الدفّتين، و ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك - الى ان قال: - و من نسب إلينا انا نقول انه أكثر من ذلك فهو كاذب.» راجع الاعتقادات، الباب الثالث و الثلاثون.
3- التبيان، ج 1، المقدمة، ص 3. قال: «و أما الكلام في زيادته و نقصانه، فممّا لا يليق به أيضا؛ لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، و النقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، و هو الاليق بالصحيح من مذهبنا، و هو الذي نصره المرتضى (ره)، و هو الظاهر في الروايات، غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة و العامة بنقصان كثير من آي القرآن، و نقل شيء منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، و الاولى الاعراض عنها، و ترك التشاغل بها، لأنه يمكن تأويلها، و لو صحّت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فانّ ذلك معلوم صحّته، لا يعترضه أحد من الامة و لا يدفعه.»
4- مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفن الخامس، ص 15. و كلامه فيه هو: «فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه، و أما النقصان منه، فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية العامة انّ في القرآن تغييرا و نقصانا، و الصحيح من مذهبنا خلافه.»
5- راجع التعليقتين السابقتين.

[معنى التحريف و الزيادة]

و استظهر من الزيادة أن يكون هي الحاصلة من التقديم و التأخير؛ كما في قوله: «أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ - الخ» على ما مرّ، فكان الكلام المؤخر زائدا في المكان الثاني ناقصا من الاوّل، و الكلام المقدّم زائدا في المكان الاوّل ناقصا من المكان الثاني.

و يمكن حمله على التحريف، فانّ المكتوب عوض ما كان زيادة، و إسقاط ما كان نقيصة؛ كتبديل «من» ب «الباء» في «مِنْ أَمْرِ اللّٰهِ »،و «من» ب «اللام» في «لِلْمُتَّقِينَ »كما سبق.

و ربّما يعبّر عن التحريف بالزيادة و النقصان في العرف، كما يظهر من ملاحظة ترجمتهما بالفارسيّة، كما يسمّى تبديلا و تحريفا؛ و قد ورد في جواب الصحابة لنبيّهم صلّى اللّه عليه و آله على الحوض إذا سألهم: «كيف خلفتموني في الثقلين من بعدي؟» أنّهم يقولون:

«أمّا الاكبر فحرّفناه و بدّلناه - الخ.»(1)

و يدلّ على نفي الزيادة بالوجوه الآخر كزيادة آية، أو جملة، أو كلام، مضافا إلى الاجماع المتقدّم ما حكيناه سابقا عن العيّاشي أنّه: «لم يزد فيه إلا حروفا

ص: 123


1- أورده محمد بن بحر الرهني من علماء العامة في الجزء الثاني من كتاب مقدمات علم القرآن؛ و نقله الجزائري (رض) في منبع الحياة (المخطوط)؛ و المحقق القمي (ره) في القوانين قانون حجية الكتاب، ص 389، نقلا عنه. و هذا المعنى قد ورد في روايات كثيرة؛ كرواية علي بن إبراهيم (ره) عن أبي ذر (رض)، عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - في قوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ »؛قال صلّى اللّه عليه و آله: «يرد على أمتى يوم القيامة على خمس رايات، فراية مع عجل هذه الامة، فأسألهم: ما فعلتم بالثقلين من بعدي؟ فيقولون: أما الاكبر، فحرّفناه و نبذناه وراء ظهورنا - الخ.» فراجع القمي، ج 1، ص 109.

أخطأت به الكتبة »(1) ،و ما سبق من مخاطبة أمير المؤمنين عليه السّلام لطلحة(2) حيث ذكر «أن الموجود قرآن كلّه» و لم ينكره عليه السّلام، بل ربّما سيظهر من قول طلحة بعد ذلك: «حسبى إذا كان قرآنا» أنّه فهم تقريره عليه السّلام لذلك و غير ذلك، و ما ذكره السيّد المرتضى - رحمه اللّه تعالى - من أنّ:

«العلم بتفصيل القرآن و أبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنّفة؛ ككتاب «سيبويه» و «المزني». فانّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها، حتّى لو أنّ مدخلا أدخل في كتاب «سيبويه» بابا في النحو ليس من الكتاب لعرف و ميّز، و علم أنّه ملحق و ليس من أصل الكتاب، و كذلك القول في كتاب «المزني». و معلوم أنّ العناية بنقل القرآن و ضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء.»(3)

و أيضا فانّ كثيرا من وجوه إعجاز القرآن تأبى عن زيادة آية أو كلام يشبهه، و من نظر في آيات القرآن نظر تدبّر و استبصار، فربّما لاح له أنّه لم يدخل فيه كلام آخر؛ إذ لو كان لخرج عن أسلوبه و مشاكلته، و صار كحبّة شعير في صاع من حنطة بخلاف التحريف اليسير لبقاء الاسلوب و التركيب و غيرهما. أ ما سمعت بعض ما وضعه المبطلون في مقابل آيات القرآن؟ هل يشابهه، أو يمكن خفاء مغايرته له و مباينته معه على بصير؟

ص: 124


1- قد تقدم في هذه المقدمة، فراجع ص 107.
2- قد تقدم في هذه المقدمة، فراجع ص 107-109.
3- راجع المصدر المذكور في تعليقة 1 ص 122.

و هذا عمدة جهات الفرق بين الزيادة و غيرها من وجوه التصرّف و بين القرآن المجيد و سائر الكتب المنزلة على ما هو الظاهر من شأنها. فان القرآن المجيد نزل معجزا بألفاظه و معانيه، بحيث يعجز الخلق عن الاتيان بآية مثله في أنظار الالباب، بحيث يرونه مماثلا له؛ مضافا إلى ان التحريف على تقدير وقوعه إنّما هو من فعل رؤساء المنافقين و أتباعهم، و لو كان بنائهم على الزيادة لزادوا فيه ما يشيّد به أركان باطلهم، و يهدم به الحقّ. فلمّا لاحظنا آيات القرآن لم نجد شيئا منه يؤسّس شيئا من باطلهم، و لا يدلّ على شيء من أضاليلهم الّتي كانوا ساعين في إقامتها، و لا مقيما سوق رياستهم.

و ما يتراءى منه فى بادئ النظر أمر لا يوافق الاصول الصحيحة، فبعد تدقيق النظر فيه و استعمال العقل المبرّأ عن وساوس الشيطان في فهمه يظهر خلافه، و أنّه «لاٰ يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .على أنّه لو أدخل فى القرآن ما ليس منه، لكان ذلك أولى ببيان المعصومين عليهم السّلام إيّاه من النقيصة الّتي وردت بها الاخبار الكثيرة. و لم أظفر إلى الآن بخبر واحد يدلّ على زيادة آية واحدة بخصوصها، سوى ما يتراءى من رواية الاحتجاج الاخيرة مع معارضتها فى مورده بغيره ظاهرا، و عدم موافقة العقل لهذا المعنى المترائى منه؛ إذ الآيات المذكورة لها معان صحيحة يحكم العقل بصحّتها من دون أن يلزم منه انتقاص بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله على طبق ما ورد بعضها في كلامهم، بل في الرواية المذكورة إشكال آخر، و هو أنّه كيف يخاطب الزنديق بما فيه لغوية حجج أهل التعطيل و الكفر و الملل المنحرفة عن ملّتنا على ما صرّح به فيه؛ إذ لا نجد فرقا بين التصريح بزيادة آيات مخصوصة و بين بيانه إجمالا؛ بل الثاني أضرّ بالعقائد؛ إذ يسرى به الشكّ إلى جميع ما في القرآن، مع أنّ المترائى من ذيلها بيان بعضها. على أنّي لم أجد ألفاظ الخبر و كيفيّة بيانه على أسلوب سائر أحاديثهم، لكنّي لا أردّه و لا أنكره مع ذلك كلّه

ص: 125

بل أكل علمه إليهم، و أصدّق بما أريد به واقعا لو كان صادرا عنهم عليهم السّلام، و نردّ ذلك إليهم، و احتمل فيه أن يكون الحديث منقولا بالمعنى بزيادة و نقيصة. و مع هذا كلّه فهو خبر واحد ضعيف الاسناد ظاهرا، غير صريح في أمر زائد على التحريف بالمعنى المتقدّم.

[معنى التّحريف و النّقيصة]

و أمّا التحريف و النقيصة، فمع ورودها في الروايات الكثيرة من جهة العامّة و الخاصّة كما اعترف به الشيخ في تبيانه (1) ،و عدم ظهور معارض لها، لا أجد نافيا لها، مثبتا لعدمها، و مجرّد الشهرة المنقولة على النفي لا يصلح للاعتماد عليه، خصوصا في مثل المقام الّذي ليس من المسائل الفرعيّة بنفسه؛ مع أنّه نقل وجود المخالف في كل آن من زمن الائمة عليهم السّلام إلى هذا الآن، و إن اختلفت الشهرة باختلاف الازمنة، و لم يظهر لي أمر ينافي صحّة هذا النقل.

[نقد أدلّة النّافين للتّحريف]

و أمّا ما يذكر دليلا للنافين، فهي وجوه ضعيفة؛ كقوله: «لاٰ يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ » (2).

و فيه أنّ سقوط البعض عن النسخ الشائعة أو تحريفه ليس مبطلا للقرآن الواقعيّ، خصوصا بعد حفظه عند أهله، إذ ليس إبطال الكلام إلا بما يجعله باطلا مخالفا للواقع، و يكون حجّة على ذلك، أو رافعا له، أو اشتماله على الباطل في الاخبار عن الماضي أو المستقبل أو الحال. و هل يصحّ أن يقول أحد - العياذ باللّه - بطل كلام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الائمّة عليهم السّلام و أبطله الراوون إذ غيّروا كلامهم بزيادة و نقيصة أو أتاه الباطل؟

ص: 126


1- قد مرّ آنفا، فراجع تعليقة 3 ص 122
2- فصّلت/ 42.

و كقوله: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ » (1).

و فيه أنّه إن حمل على غير حفظ الحروف في المصاحف و القلوب فلا ربط له بالمقام و إن حمل عليه، فان أريد حفظه في الجميع لزم انتفاء الغلط في المصاحف الموجودة بين الناس، و عدم ضياع المصاحف و بقائها على حالها أبد الدهر، و عدم سهو أحد في حفظه، و عدم نسيانه له، و المشاهد المحسوس كثرة خلاف ذلك؛ إذ قلّما يوجد مصحف صحيح تامّ لا غلط فيه، و لا لها بقاء أزيد من سائر الكتب، و يرد عليه المحو و الاندراس و كثرة غلط حفظة السور و القرآن و نسيانهم إيّاه.

و إن أريد حفظه في الجملة بأن يكون باقيا و لو في بعض، فيكفي فيه كونه محفوظا عند أهله، على أنّ الحفظ غير موقّت بالابد، فيمكن كونه محفوظا إلى زمان وقوع التحريف؛ مع أنّه لم يصرّح فيه بالحفظ عن كلّ تحريف و تبديل، فيمكن بقاء الاكثر محفوظا عند الناس و وقوع التصرّف في القليل، فلا يضرّ في صدق الاسم عرفا مضافا إلى احتمال إرادة العلم من الحفظ، كما احتمله المحقّق القمي(2).

و كدعوى أنّ: «القول بجواز التبديل فتح لباب الكلام على إعجاز القرآن».

و فيه ما أشرنا إليه من ذلك في الزيادة بالمعنى المتقدّم، و لا يلزم من غيره خصوصا النقيصة.

ص: 127


1- الحجر/ 9.
2- قال رحمه اللّه في بحثه عن التحريف: «و أما الدليل على الثاني، فقوله... و قوله تعالى: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ.» و فيه انه لا يدلّ على عدم التغيير في القرآن الذي بأيدينا، فيكفي كونه محفوظا عند الائمة - عليهم السلام - في حفظ أصل القرآن في مصداق الآية. و لا ريب أنّ ما في أيدينا أيضا محفوظ من أن يتطرق إليه نقص آخر أو زيادة، مع احتمال أن يراد من قوله تعالى «لَحٰافِظُونَ »:لعالمون.» راجع القوانين، الباب السادس، ص 389.

و كدعوى أنّ ذلك مناف للأخبار الدالّة على التمسّك بالكتاب؛ كخبر «الثقلين »(1) ،و روايات عرض الاخبار عليه و الاخذ بما وافقه(2) باعتبار دلالتها على بقاء الكتاب في كلّ وقت؛ إذ لا معنى للأمر بالتمسّك بما لا يوجد عندنا، كما أنّ الامام موجود في كلّ عصر، أو باعتبار استظهار إرادة الكتاب الموجود عندنا في كثير منها؛ مع أنّه على تقدير التحريف لا يجوز التمسّك بها؛ إذ ليس المحرّف كلام اللّه حتى يكون دليلا، بل كلام مخلوق منافق أو فاسق أو نحوهما.

و فيه أنّه يكفي بقائه واقعا كبقاء المعصوم، فيكون لكلا الثقلين حالان:

غيبة لا نتمكّن من الوصول إليه، و ظهور و حضور يتمكّن الناس من الاخذ به تفصيلا، على أنّ قيد التمكّن معتبر في الاوامر، فالمأمور به هو المقدار المقدور من التمسّك بالكتاب، أو عرض الحبر عليه، أو الاخذ به، فيصحّ أن يكون في البعض غير مقدور؛ كالمتشابهات، و لو حمل بالنسبة إليها على التمسّك الاجمالي جرى فيما نحن فيه أيضا؛ مع أنّ أكثر آيات الكتاب الوارد في الاحكام غير وافية بنفسها بالتفاصيل في أنظارنا القاصرة.

و أمّا دعوى أنّه لا يصحّ التمسّك بالكتاب الموجود حينئذ.

ففيه أنّه يمكن أن يكون المعصوم عليه السّلام عالما بأنّه لم يقع فيه تحريف يوجب تغيير حكم، كما استظهر من بعض دعوى الاجماع عليه. و يمكن أن يكون حكما ظاهريّا؛ كالامر بالأخذ بالأحاديث مع كثرة وقوع الاختلال فيها، كما أنّ الدلالة ظنّيّة غالبا، فليكن اللّفظ أيضا كذلك؛ إذ الحكم ظاهريّ بالنسبة إلى الدلالة الظنّيّة و لو حمل على التمسّك بالمراد الواقعيّ، فانقطاع الايدي عنه كانقطاعها عن مصحف الامام عليه السّلام. و يؤيّده ورود عرض الخبر على السنّة و التمسّك بها أيضا مع

ص: 128


1- تقدم في المقدمة الاولى، ص 17. و قد علمت كثرة أخباره و تعدّد طرقه فيما سبق.
2- تقدم في المقدمة الثانية، ص 44-47، فراجع.

العلم بوقوع التصرّف بالنقصان و التحريف فيها، مضافا إلى أنّه إنّما يلزم ذلك لو لم يصل إلينا من ناحية المعصومين عليهم السّلام مواضع التحريف.

و أمّا ما نقص من الكتاب فليس المصيبة به أعظم من مصابنا بالغيبة(1) المستندة إلى أعمالنا السيّئة.

و كدعوى أنّ القرآن ممّا يتوفّر الدواعي علي نقله، و اشتدّت العناية على حراسته، إذ القرآن معجز النبوّة و مأخذ الاحكام الدينيّة، و كلّما كان كذلك فالعادة تقتضي بنقله متواترا، فما لم ينقل كذلك ليس قرآنا، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية، حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه و قراءته و حروفه و آياته؛ مع أنّ القرآن كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مجموعا مؤلّفا على ما هو عليه الآن؛ إذ القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّى يمكن على جماعة من الصحابة في حفظهم له، و أنّه كان يعرض على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و يتلى عليه، و أنّ جماعة من الصحابة مثل: «عبد اللّه بن مسعود» و «أبيّ بن كعب» و غيرهما ختموا القرآن علي النبىّ صلّى اللّه عليه و آله عدّة ختمات، و كلّ ذلك يدلّ على أنه كان مجموعا مرتّبا غير مبثوث، و لو تمكّن المستولون على الخلافة و أتباعهم على تغيير المصاحف المكتوبة، فما كانوا متمكّنين من تغيير ما حفظ فى القلوب.

و فيه أنّ توفّر الدواعي على حفظه من جهة الاعجاز في القرآن كتوفّره

ص: 129


1- المقصود هو: غيبة الامام المنتظر و الحجة الثانى عشر - عجل اللّه تعالى فرجه الشريف -، و استنادها إلى معاصي العباد مؤيد بالاخبار؛ منها: كلام القائم - عليه السلام - في كتابه إلى الشيخ المفيد (قده)، و هي: «و لو أنّ أشياعنا - وفّقهم اللّه لطاعته - على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، و لتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة و صدقها منهم بنا. فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا ممّا نكرهه و لا نؤثره منهم.» فراجع الاحتجاج، ج 2، ص 325، و البحار، ج 53، باب 31، ص 176، ح 8.

على سائر المعجزات الّتى لم تنقل غالبا إلا من جهة الآحاد. و لعلّ ما لم ينقل منها كثير، مع أنّ انتفاع غالب الناس بها من حيث الوضوح أكثر من القرآن لعدم شدّة ظهور الاعجاز فيه، كظهوره عندهم في غيره، و إن كان عند الكاملين بالعكس و من جهة كونه أصلا لسائر الاحكام، كالسنّة الّتى وقع في نقلها اختلالات لا تحصى و اهتمام علماء الاعصار فى ضبطه و حراسته إنّما وقع بعد الصدر الاوّل الّذي وقع ما وقع فيها.

[كيفيّة جمع القرآن و زمانه]

و أمّا كونه مجموعا في زمانه صلّى اللّه عليه و آله فلم يثبت (1) ،قال السيّد نعمة اللّه -

ص: 130


1- اعلم أن جماعة من العلماء ذهبوا إلى جمع القرآن في عهد النبي - صلّى اللّه عليه و آله -، و أن كثيرا منهم نصروا المؤلّف (قده) على جمعه بعده - صلّى اللّه عليه و آله - فمن الاول: السيد المرتضى - طاب ثراه -، الذي قال في جواب المسائل الطرابلسيات كما في مجمع البيان، ج 1، الفن الخامس، ص 15: «انّ القرآن كان على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - مجموعا مؤلّفا على ما هو عليه الآن.» و استدلّ على ذلك بأن: «القرآن كان يدرس و يحفظ جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة فى حفظهم له و ان كان يعرض على النبي - صلّى اللّه عليه و آله - و يتلى عليه، و أن جماعة من الصحابة مثل: «عبد اللّه بن مسعود» و «أبي بن كعب» و غيرهما ختموا القرآن على النبي - صلّى اللّه عليه و آله - عدة ختمات، و كل ذلك يدلّ بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير مبتور و لا مبثوث.» و هكذا آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئى - متع اللّه المسلمين بطول بقائه - و قد أجاد الكلام فيه في تفسير البيان. و من الثاني زائدا على من ذكره (ره) من الخاصة و العامة، أبو الحسن الشريف - رضوان اللّه تعالى عليه -، قال في مرآة الانوار، المقدمة الثانية، ص 51 في جواب السيد المرتضى (ره) بعد ذكر كلامه المتقدم: «و جوابه أن القرآن مجموعا في عهد النبي - صلّى اللّه عليه و آله - على ما هو عليه الآن غير ثابت، بل غير صريح. و كيف كان مجموعا و إنما كان ينزل نجوما، و كان لا يتمّ إلا بتمام عمره؟ و لقد شاع و ذاع و طرق الاسماع في جميع الاصقاع أن عليا - عليه السلام - قعد بعد وفاة النبي - صلّى اللّه عليه و آله - في بيته أياما مشتغلا بجمع القرآن. و أما درسه و ختمه، فانما كانوا يدرسون و يختمون ما كان عندهم منه، لاتمامه.» و أيضا الشيخ آقابزرگ الطهراني (ره)، في رسالة «النقد اللطيف في نفي التحريف عن القرآن الشريف» (المخطوط)، التي أثبت فيها حجية مصحف الموجود، و أيد إجماع المسلمين على نفي الزيادة و النقيصة العينية فيه، و اعتقد أن المقصود من الالفاظ الواقعة في متون الاخبار كالتنقيص و الاسقاط و المحو و الطرح و غيرها، هو التنقيص الاجمالي المتوجه إلى الباقى، الذي سقط عن الجامعين، لا المصحف الموجود؛ قال: «المصرّح به في كلمات أهل السير أن القرآن لم يكن في عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - مجموعا بين الدفتين على الترتيب المشهور في اليوم، و ما كان في موضع واحد مرسوما و لا بالمصحف موسوما، بل الجمع كذلك كان بعد رحلته - صلّى اللّه عليه و آله -.» و استشهد على ما رواه السيوطي في كتاب الاتقان، النوع الثامن، ص 57، عن زيد بن ثابت، و ما حكاه فيه أيضا من تعليل أبي سليمان حمد الخطابي المتوفى سنة 388 لعدم جمع النبي - صلى اللّه عليه و آله - القرآن في حياته بقوله: «انما لم يجمع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته - إلى قوله: - و قد كان القرآن كتب كله في عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله -، لكن غير مجموع في موضع واحد، و لا مرتب السور.» و على ما رواه أبو الفرج ابن الجوزى في كتابه «نقد العلم و العلماء» عن زيد بن ثابت، ثم قال: «إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة في أن الجمع كذلك كان بعد عصره - صلّى اللّه عليه و آله - و ان اختلفت في أنه في عصر أبي بكر أو عمر أو عثمان؛ لكنّ الكلّ متفق على عدم الجمع في موضع واحد في عصره - صلّى اللّه عليه و آله -.»

الجزائري (ره) في رسالته(1):

ص: 131


1- منبع الحياة (المخطوط)، و هكذا نقله المحقق القمّي في القوانين، قانون حجية الكتاب، ص 385-386.

«إنّ القرآن كان ينزل منجّما على حسب المصالح و الوقائع و كتّاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلا من الصحابة، و كان رئيسهم أمير المؤمنين عليه السّلام، و قد كانوا في الاغلب ما يكتبون إلا ما يتعلّق بالاحكام و إلا ما يوحى إليه في المحافل و المجامع. و أمّا الّذي كان يكتب ما ينزل عليه في خلواته و منازله، فليس هو إلا أمير المؤمنين عليه السّلام؛ لأنّه كان يدور معه ما دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف. فلمّا مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى لقاء حبيبه و تفرّقت الاهواء بعده جمع أمير المؤمنين عليه السّلام القرآن كما أنزل، و شدّه بردائه و أتى به إلى المسجد [و فيه الاعرابيان و أعيان الصحابة ](1) ، فقال لهم: «هذا كتاب ربّكم كما أنزل.»

فقال [له الاعرابيّ الجلف ](2): «ليس لنا [فيه](3) حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان».

فقال عليه السّلام: «لن تروه و لن يراه أحد حتّى يظهر القائم - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف -» - إلى أن قال: -

و هذا القرآن كان عند الائمّة عليهم السّلام يتلونه في خلواتهم.»

و ساق الكلام إلى أن ذكر حكاية عثمان ما عدا مصحفه من مصاحف كتّاب الوحي، و قال:

فلو لا حصول المخالفة بينها لما ارتكب بهذا الامر الشنيع، الّذي صار من أعظم المطاعن عليه.

ثمّ حكى عن ابن طاوس:

ص: 132


1- سقط عن المخطوطة.
2- سقط عن المخطوطة.
3- سقط عن المخطوطة.

«أنّه نقل عن محمّد بن بحر الرهني - و هو من أعاظم علماء العامّة - في بيان التفاوت في المصاحف الّتي بعث بها عثمان إلى أهل الامصار، قال: «اتّخذ عثمان سبع نسخ فحبس منها بالمدينة مصحفا و أرسل إلى أهل مكّة مصحفا، و إلى أهل الشام مصحفا، و إلى أهل الكوفة مصحفا، و إلى أهل البصرة مصحفا، و إلى أهل اليمن مصحفا، و إلى أهل البحرين مصحفا.»(1)

ثمّ عدّد ما وقع فيها من الاختلاف بالكلمات و الحروف، مع أنّها كلّها بخطّ عثمان، فكيف حال ما ليس بخطّه؟» إلى آخر ما ذكره رحمه اللّه.

و أنت إذا تدبّرت ما نقل في كيفيّة جمع القرآن من طريق العامّة فضلا عن الخاصّة ظهر لك أنّه ليس الامر على ما زعموه.

قال النيشابوري في أوّل تفسيره - و هو من علمائهم، الموالين لأعداء الائمة عليهم السّلام، الناصرين لهم - في كيفيّة جمع القرآن:

«روي عن زيد [بن] ثابت أنّه قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة و إذا عنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ(2) بقرّاء القرآن يوم اليمامة، و إنّي أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن كلّها، فيذهب قرآن كثير، و إنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: فقلت: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه

ص: 133


1- نقله السيد الاجل علي بن طاوس (رض) في سعد السعود، ص 279.
2- أي: اشتدّ.

صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال لى: هو و اللّه خير. فلم يزل [عمر] يراجعني في ذلك حتّى شرح اللّه صدري له، فرأيت فيه الّذي رأى عمر.

قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فتتبّع القرآن فاجمعه، فتتبّعت القرآن أجمعه من الرقاع(1) و العسب(2)

و اللّخاف(3) و من صدور الرجال.

و كانت الصحف عند أبي بكر حتّى مات، ثمّ كانت عند عمر حتّى مات (4) ،ثمّ كانت عند حفصة مدّة إلى أن أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إليّ بالصحف ننسخها في المصاحف ثمّ نردّها عليك، فأرسلت إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى «زيد بن ثابت» و إلى «عبد اللّه بن زبير» و «سعيد بن العاص» و «عبد الرحمن بن الحرث بن هشام»، فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف، ثمّ قال للرهط القرشيّين الثلاثة: ما اختلفتم فيه أنتم و زيد فاكتبوه بلسان قريش، فانّه نزل بلسانهم.

قال: ففعلوا حتّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، بعث عثمان في كلّ افق بمصحف من تلك المصاحف، و أمر بما سوى ذلك من القرآن أن يحرق أو يخرق.»(5)

ص: 134


1- «الرقاع» جمع رقعة، من رقعت الثوب اذا جعلت مكان القطع خرقة.
2- «العسب» جريدة النخل، و فى المخطوطة: «العشب»، و هو لا يلائم المعنى.
3- «اللخاف» جمع لخفة، و هى حجارة بيض.
4- فى المخطوطة: «فات».
5- تفسير النيشابوري، ص 9. و هذه ليست بخبر واحد، بل مركّب من الاخبار، و قد أخرجها البخاري و الترمذي و النسائي و أحمد و غيرهم في كتبهم كما في البحار، ج 92، باب ما جاء في كيفية جمع القرآن، ص 75-77، و مرآة الانوار، المقدمة الثانية، ص 39-40.

انتهى المقصود من كلامه.

فانظر بعين التدبّر أنّ الّذين كتبوا الرقاع و العسب و اللخاف و من أخذ من صدورهم هل كانوا معصومين من الخطأ و النسيان و السهو و تعمّد الكذب؟ أو أنّه أخذ كلّ آية آية من جماعة بالغة إلى عدد التواتر؟ أو اقترنت بالقرائن المفيدة للعلم و إلى أنّ الجماعة المستودعين للصحف كانوا ضابطين لها بحيث يعلم عدم سقوط شيء منها؟ و إلى أنّ الاربعة المباشرين للنسخ معصومون في نسخهم على ما يظهر من حالهم في الآثار؟ و إلى أنّ وقوع الاختلاف في القطعيّات ممكن؟ و إلى أنّ تحريق ما لا يوافق تلك النسخ و تخريقه هل يتصوّر له داع يعتذر به عثمان إلى المسلمين، مع ما كان عليه من حفظ ظاهره نفاقا و رياء؟ إلى غير ذلك.

[اختلاف القراءات]

و لو كان الكلّ متّفقين فما هذا الاختلاف الواقع بين القرّاء من الصحابة و التابعين و من بعدهم في الكلمات و الموادّ و الحروف و الهيئات ممّا ملئوا به كتب التفسير و القراءة؟ و يعدّون منهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الائمّة عليهم السّلام، بل ينقلون منهم قراءات شاذّة باصطلاحهم، فراجعها و تثبّتها و استخبرها تجدها ناطقة بخلاف ما قالوا.

أ لا ترى أنّ سورة «الحمد» الّتي يحفظها الصبيان و الجواري، و يجب على كلّ مكلّف قراءته في اليوم و الليلة عشر مرّات وجوبا عينيّا في غير الجماعة، و يسمعها المأموم(1) كذلك في الجماعات، كيف وقع فيها الاختلاف الكثير من الصحابة و التابعين و من يتلوهم من حيث الكلمة، و الهيئة المغيّرة للمعنى، و الحرف و الاعراب المغير للمعنى التركيبي و غيرها؟ فراجع «الكشاف»(2) و «مجمع البيان»(3)

ص: 135


1- في المخطوطة: «المأمون».
2- ج 1، ص 9.
3- ج 1، ص 23.

أو غيرهما، و كفى بالاختلاف الواقع في «مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» و «مالك» عند المشهورين منهم غير سائر القراءات الّتي قرأها أهل الصدر الاوّل و من يتلوهم في هذه الآية.

أ ليس المعنى و الحروف مختلفة مع أنّ الظاهر عندنا أنّ القرآن حرف واحد نزل من عند واحد؟ فقس على ذلك حال سائر القرآن، مضافا إلى ما وقع فيه الاختلاف بين المسلمين ممّا يعمّ به البلوى؛ كغسل اليدين في الوضوء مستويا و منكوسا، و كالغسل و المسح في الرجلين و غيرهما.

و ذكر بعض العارفين:

«أنّ الكتاب دلّ بصريحه المؤيّد بالحديث المجمع على معناه من المسلمين كافّة على أنّه مغيّر محذوف منه كثير بمعونة الاحاديث المجمع عليها من المسلمين، و هي ما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«لتركبنّ سنن من كان قبلكم؛ حذو النعل بالنعل، و القذّة(1)

بالقذّة، حتّى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه.»(2)

و هذا لا يختلف في معناه اثنان من الشيعة - ثمّ نقله من طرق العامّة عن «أبي ليث الواقدي»، ثمّ قال: - و هذا الحديث لا يختلف في معناه اثنان منهم، فقد حصل إجماع المسلمين على المعنى.

ص: 136


1- «القذة» أي: ريش السهم.
2- قد رواه كثير من علماء الخاصة و العامة في كتبهم بألفاظ و أسانيد مختلفة و طرق متعددة، كسليم بن قيس و القمي و الشيخ و الصدوق و غيرهم - رضوان اللّه تعالى عليهم - من الخاصة، و البخاري و مسلم و الترمذي و أحمد و الحاكم و الهيثمي و غيرهم من العامة، فراجع البحار، الباب الاول من كتاب الفتن و المحن؛ و مرآة الانوار، ص 33-34، و مجمع الزوائد، ج 7، ص 261، و جامع الاصول.

و في صريح القرآن: «وَ كَتَبْنٰا لَهُ فِي الْأَلْوٰاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْ ءٍ.» (1) و هذه التوراة الّتي عند اليهود قد غيّروا فيها صفة محمّد صلّى اللّه عليه و آله بالاجماع من المسلمين، و قد أخبر القرآن عن كثير من ذلك.

و منه قوله تعالى (2):وَ قَدْ كٰانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يعني: من أسلافهم اليهود يَسْمَعُونَ كَلاٰمَ اللّٰهِ في أصل جبل طور سيناء و أوامره و نواهيه ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ عمّا سمعوه إذ أدّوه إلى من ورائهم من بني إسرائيل مِنْ بَعْدِ مٰا عَقَلُوهُ فهموه بعقولهم وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أنهم في قولهم كاذبون.»

انتهى كلامه.

و لعلّ مثل هذا الاستدلال هو المعنيّ في رواية الاحتجاج الاخيرة (3) ،فراجع.

[اختيار القول بالتحريف في الجملة]

فالظاهر من ملاحظة ما ذكرناه هو وقوع التحريف في القرآن مادّة و هيئة و كلمة، و زيادة بعض الحروف و نقصانه، و التقديم و التأخير، و نقصان كثير؛ لكن التصرّف الواقع فيه إمّا أن لا يكون مضرّا بصحّة معنى الكلام الموجود، أو يكون مبيّنا في كلام الائمّة عليهم السّلام حفظا للدين، بل الأصل في مطلق التحريف ذلك، إلا أن يمنع عنه مانع مدفوع بالأصل، أو بيّن لهم و لم يصل إلينا، و الظاهر عدمه.

و بالجملة فالقرآن الموجود الآن حجّة ظاهرا بدلالة الأخبار الكثيرة

ص: 137


1- الاعراف/ 145.
2- البقرة/ 75.
3- راجع صفحة 111.

المتقدّم كثير منها، و ليس هذا المقدار من التصرّف مقصورا على طريقتنا بل على طريقة العامّة؛ إذا لاحظ المنصف اختلاف القراءات بين السلف ظنّ وقوع أمثال ذلك في القراءات الشائعة؛ إذ ليس كلّ شاذّ باطلا و لا كلّ مشهور أصيلا.

و أمّا النقصان في الجملة، فعلى طريقتهم ليس ببعيد، و على طريقتنا فالظاهر وقوع الكثير منه.

و أمّا التحريف البالغ الزائد على أمثال ما اختلف فيه القرّاء فغير ظاهر، و يدلّ على عدمه ما روي عن الكليني باسناده عن أبي جعفر عليه السّلام في رسالته إلى «سعد الخير»:

«... و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، و حرّفوا حدوده، فهم يروونه و لا يرعونه، و الجهّال يعجبهم حفظهم للرواية، و العلماء يحزنهم تركهم للرعاية - الحديث.»(1)

و لا أستبعد أن يكون جملة ممّا ورد في أخبار التحريف في خصوص الآيات محمولا على تحريف المعنى دون اللّفظ، فتكون تلك الأخبار مبيّنة لمعانيها لا لألفاظها (2) ،و يؤيّده عدم ظهور أسلوب القرآن فيما ورد في بعضها. و أمّا إجراء هذا الاحتمال في الجميع و إنكار التصرّف في الألفاظ رأسا، فبعيد جدّا. و اللّه العالم.

ص: 138


1- الكافي، ج 8، ص 52، ح 16، و الصافي، ج 1، المقدّمة السادسة، ص 34.
2- كما احتمله الفيض (رض) في علم اليقين، ج 1، ص 565، إذ قال: «ان مرادهم - عليهم السلام - بالتحريف و التغيير و الحذف إنما هو من حيث المعنى دون اللفظ، أي: حرّفوه و غيّروه في تفسيره و تأويله، أي: حملوه على خلاف ما هو عليه في نفس الامر.» و نظيره ما قاله في الوافي، ج 2، باب اختلاف القراءات من أبواب القرآن، ص 274، و الصافي، ج 1، المقدمة السادسة، ص 34.

المقدّمة الثّامنة فيما ورد من نزول القرآن على سبعة أحرف و بيانه، و اختلاف القراءات و المعتبر منها

قد اشتهر بين العامّة، بل ادّعى بعضهم التواتر في أصل الحديث(1) عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«نزل القرآن على سبعة أحرف، كلّها كاف شاف »(2).

و نسب إلى أكثر العلماء أنّها سبع لغات من لغات قريش لا يختلف، بل هي متّفقة المعنى، و استدلّ على أنّ السبعة هي سبع لغات متّفقة المعنى بما روي عن «ابن سيرين» أنّ ابن مسعود قال:

«اقرءوا(3) القرآن على سبعة أحرف، و هو كقول أحدكم(4):

هلمّ و تعال و أقبل».

و عن بعضهم:

ص: 139


1- كأبي عبيد على ما في تفسير القاسمي، ج 1، ص 284.
2- رواه ابو يعلى في الكبير عن أبي المنهال، و الطبراني في الاوسط عن أبي سعيد كما في مجمع الزوائد، ج 7 ص 152 و 153، باب كم أنزل القرآن على حرف؛ و رواه أيضا ابن الاثير في النهاية؛ و هكذا نقله الشيخ (ره) في التبيان، ج 1، المقدمة، ص 7؛ و الطبرسي (ره) في مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفن الثاني، ص 12؛ و الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 38.
3- خ. ل: «اقرأ» كما قال المؤلف (ره) في الهامش.
4- في المخطوطة «أحدهم».

«أنّها سبع قبائل من العرب: قريش و قيس، و تميم (1) ،و هذيل، و أسد، و خزاعة، و كنانة، لمجاورتهم قريشا».

و قيل:

سبع لغات من أيّ لغة كانت لقوله صلّى اللّه عليه و آله: «إنّه قد وسع لي أن أقرأ كلّ قوم بلغتهم».

و قيل:

معناه أن يقول في صفات الربّ - تبارك و تعالى - مكان قوله:

«غفورا رحيما، عزيزا حكيما، سميعا بصيرا» لما روي أنّه صلّى اللّه عليه و آله قال: «اقرءوا القرآن على سبعة أحرف ما لم تجمعوا مغفرة بعذاب و عذابا بمغفرة، أو جنّة بنار، أو نارا بجنّة(2)».

إلى غير ذلك من الوجوه. بل قيل: إنّ الاختلاف في معناه يقرب من أربعين قولا(3).

و رووا عنه صلّى اللّه عليه و آله أنه:

«نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، و زجر، و ترغيب، و ترهيب، و جدل، و قصص و مثل.»(4)

ص: 140


1- في المخطوطة: «تيم».
2- كلّ هذه الاقوال في الاحرف السبعة تجدها في تفسير النيشابوري، ص 8، فراجع.
3- راجع الصافي، المقدمة الثامنة، ص 38؛ و القوانين، الباب السادس، ص 391.
4- رواه الطبري في تفسيره، ج 1، ص 23، عن أبي قلابة، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و نقله الشيخ (ره) في التبيان، ج 1، المقدمة، ص 7؛ و الطبرسي (ره) في مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفن الثاني، ص 13؛ و الفيض (رض) في الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 38.

و في رواية أخرى:

«زجر، و أمر، و حلال، و حرام، و محكم، و متشابه، و أمثال.»(1)

و المستفاد منهما أنّ الأحرف إشارة إلى أقسامه و أنواعه. و يؤيّد ذلك ما روي من طريق أصحابنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال:

«إن اللّه تبارك و تعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام، كلّ قسم منها كاف شاف، و هي: أمر، و زجر، و ترغيب، و ترهيب، و جدل، و مثل، و قصص.»(2)

[في عدم نزول القرآن على سبعة ألفاظ]

و يدلّ على نفي ورود القرآن بالألفاظ المختلفة ما روي عن الكليني بسنده الحسن كالصحيح، عن فضيل بن يسار قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء اللّه، و لكنّه نزل

ص: 141


1- أخرجه الطبري فى تفسيره، ج 1، ص 22، عن يونس؛ عن ابن مسعود، عن النبي - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و رواه الطبراني عم عمر بن أبي سلمة، عنه - صلّى اللّه عليه و آله - في قوله لعبد اللّه بن مسعود كما ذكره الهيثمي فى مجمع الزوائد، ج 7، باب كم أنزل القرآن على حرف، ص 153؛ و هكذا في التبيان، ج 1، المقدمة، ص 7؛ و مجمع البيان، ج 1، الفن الثاني من مقدمة الكتاب، ص 13؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 39.
2- رواه النعماني (قده) في تفسيره، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه، عنه - عليهما السلام -، فراجع البحار، ج 93، باب ما ورد في أصناف آيات القرآن، ص 4. و قد تقدم صدر كلام أبي عبد اللّه - عليه السلام - من تفسيره في المقدمة الرابعة. و هكذا نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 39؛ و المحقق القمي (ره) في القوانين، الباب السادس، ص 391.

على حرف واحد من عند الواحد.»(1)

و عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّه قال:

«إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد، و لكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرّواة.»(2)

و عن كتاب «التحريف و التنزيل» المنسوب إلى «أحمد بن محمّد»، المعروف ب «السيّارى»: حدّثني البرقي و غيره، عن ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«القرآن واحد نزل من عند ربّ واحد إلى نبيّ واحد، و لكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة.»

البرقي و غيره، عن حمّاد بن عيسى، عن جابر بن عبد اللّه قال:

«قيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن على سبعة أحرف، فقال: كذبوا، نزل حرف واحد من عند ربّ واحد إلى نبيّ واحد.»

و عنه أيضا، من البرقي باسناده المتّصل عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«قلت له: قول الناس: «نزل القرآن على سبعة أحرف»؟

فقال: واحد من عند واحد.»

[و] عنه أيضا ما هذا لفظه.

و باسناده عن زرارة بن أعين قال:

«سأل سائل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رواية الناس في القرآن:

ص: 142


1- الكافى، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 630؛ و الصافى، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 40؛ و البرهان، ج 1، ص 21.
2- نفس المصادر.

«نزل على سبعة أحرف»، فقال: كذبوا الناس في رواياتهم، بل هو حرف واحد من عند واحد نزل به الملائكة على واحد.»

و عنه أيضا مسندا عن جميل بن درّاج، عن زرارة مثل رواية الكلينى(1).

[المراد من الاحرف ما هو؟]

و هذه الاخبار قامت على أنّ القراءة النازلة واحدة، و أنّه لم ينزل على سبعة ألفاظ مختلفة، فيجوز أن يكون للكلام بالمعنى الّذي أرادوا كما هو الظاهر من التكذيب؛ إذ تكذيب اللّفظ باعتبار المعنى المقصود منه فلا ينافي ورود هذا اللّفظ في الاخبار بالمعنى المتقدّم أو بمعنى آخر؛ كارادة البطون و التأويلات، كما ربّما يستفاد ممّا روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام لمّا قال له حمّاد: «إنّ الاحاديث تختلف عنكم(2) أنّه قال:

«إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فأدنى ما للامام(3) أن يفتي على سبعة وجوه.»(4)

ص: 143


1- المراد من «مثل رواية الكليني» روايته الاخيرة كما صرّح به السيد محمد الموسوي الخوانساري عند نقل هذه الاخبار في هامش الوسائل، ج 1، ص 385، المطبوع بتبريز في سنة 1313؛ و هكذا نقلها المحدث النوري (ره) في فصل الخطاب، الدليل العاشر، ص 212.
2- في بعض نسخ الخصال: «منكم».
3- في المخطوطة: «للإتمام».
4- رواه العياشي (رض) في تفسيره، ج 1، ص 12، ح 11؛ و الصدوق (ره) في الخصال، ج 2، باب السبعة، ص 358، ح 43؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 39؛ و المجلسي (ره) في البحار، ج 92، باب أن للقرآن ظهرا و بطنا، ص 83، ح 13.

و ما(1) ربّما يستفاد من رواية الخصال عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«أتاني آت من اللّه عزّ و جلّ فقال: [إنّ اللّه] يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا ربّ وسّع على امّتي، فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف.»(2)

فمع ضعف سنده و معارضته بما تقدّم المعتضدة بالاعتبار محتمل لارادة التوسعة و الضيق المعنويين باعتبار الاكتفاء من بعض بما يفهمونه من بعض الآيات، و إن لم يكن مطابقا للواقع في مقابل إلزام الكلّ بتحصيل المراد الواقعي، أو بملاحظة أنّ المطلوب من كلّ صنف من أصناف المؤمنين آداب و شرائط لا يراد ممّن دونه؛ إذ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين.

فلعلّ المراد أنّ القرآن على سبعة أحرف، كلّ حرف يتعلّق بأهل مرتبة من المراتب السبعة المذكورة في الاخبار للايمان، فلا يراد من الجميع الاحكام المراد من ذي الدرجة السابعة. و يؤيّد هذا الاحتمال الرواية السابقة؛ إذ هذا السبب هو السبب الظاهر في اختلاف الفتاوى.

و يحتمل إرادة التوسعة اللّفظيّة مع بقاء المادّة و التركيب بحاله، بحيث لا يتغيّر به المعنى الافراديّ و التركيبيّ، و إن كان اللّفظ النازل من اللّه سبحانه واحدا مشتملا على كيفيّات خاصّة، فيجوز قراءة ذلك بسائر الكيفيّات الصحيحة، على أنّه لا يبعد أن يكون العبرة في القراءة بما يعدّ حكاية لكلام اللّه سبحانه في العرف. و كثير من أنحاء التغييرات لا نحلّ بذلك؛ كالاشمام، و الامالة، و التفخيم،

ص: 144


1- في المخطوطة: «اما».
2- الخصال، ج 2، باب السبعة، ص 358، ح 44 عن عيسى بن عبد اللّه الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام -، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 39؛ و الوسائل، ج 4، باب 74 من أبواب القراءة في الصلاة ص 822، ح 6.

و ما يحذو حذوها جزما؛ و كالقلب و الابقاء على الاصل، و الادغام، و فكّه، و الاسكان، و التحريك؛ كقراءة «كفؤا» بالهمزة و الواو، متحرّك الوسط و ساكنه، دون يرتدّ و يرتدد، على احتمال قويّ. فلا يبعد أن يقال: لا يلزم في ذا مثلا ذلك تعدّ بقراءة أصلا، بل يجوز قراءة الآية الواحدة بما لا يخرجها عن كونها هي من الوجوه الصحيحة عند أهل اللّسان و إن لم يقرأه به أحد من القرّاء.

و هذا بخلاف ما لو أفضى إلى تغيير المادّة؛ مثل ينشر و ينشز باهمال الآخر(1) أو إعجامه أو هيئته المشتملة على تبديل الحرف، و مثل القراءة بصيغة المغايب و المتكلّم في مواضع، و كقراءة «ملك» و «مالك»، أو المعنى: كصيرورة المفعول حالا، و المبتدأ خبرا و غير ذلك. فانّه يخرجه عن حكاية القرآن عند الدّقّة؛ إذا الكلام مأخوذ فيه المادّة و الهيئة في المفردات، و الهيئة التركيبيّة الّتي تختلف باختلافها المعاني التابعة لها كالفاعليّة و المفعوليّة؛ فافهم.

و يؤيّد ما ذكر من عدم التوسعة الّتي زعموه بحيث تؤدّي إلى تبديل ألفاظ القرآن، ما روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:

«إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضالّ. قال ربيعة:

ضالّ؟ فقال: نعم، ضالّ. ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: أمّا نحن فنقرأ على قراءة ابي.»(2)

و استظهر بعض أنّ ذيله ورد من باب المصلحة (3) ،و احتمل أن يكون اللّفظ

ص: 145


1- في المخطوطة: «الاحرام».
2- رواه الكليني (قد) في الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 634، ح 27 عن عبد اللّه بن فرقد و المعلّى بن خنيس عنه - عليه السلام -؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الثامنة، ص 40.
3- الاستظهار للفيض (ره) على حسب الاحتمال إذ قال في ذيل الرواية، «و لعلّ آخر الحديث ورد على المسامحة مع «ربيعة» مراعاة لحرمة الصحابة، و تداركا لما قاله فى «ابن مسعود». ذلك لأنهم - عليهم السلام - لم يكن يتبعون أحدا سوى آبائهم - عليهم السلام -؛ لأن علمهم من اللّه، و في هذا الحديث إشعار بأن قراءة «أبي» كانت موافقة لقراءتهم - عليهم السلام - أو كانت أوفق لها من قراءة غيره من الصحابة.».

«أبي» باضافة الاب إلى ياء المتكلّم، و لم يظهر إتقان النسخ بحيث لا يقع فيه تشديد زائد لو كان.

[جواز اختيار القراءة المشهورة]

ثمّ اعلم أنّ الظاهر بناء على ما ذكرناه هو التزام ما صدق عليه الاخبار المرخّصة للقراءة كما علّمنا، كما تقدّم بعضها بالمعنى المتقدّم. فكلّ قراءة كانت شائعة في ذلك الزمان جازت القراءة به، سواء كان من السبع أو تمام العشر أو لا، بوجه من الوجوه الصحيحة عند أهل اللّسان فيما خرج عن جوهر الكلام، مع احتمال إسقاط قيد الشيوع و الاكتفاء بمجرّد كونه قراءة من شأنها أن يتعلّم، و إلغاء خصوصيّة ذلك الزمان و مناسبته، فيكتفي بكلّ قراءة؛ إذ الظاهر أنّ مبنى الكلام ليس على إفادة أنّ لهذه القراءات الموجودة في ذلك العصر خصوصيّة، فلا تغفل.

ص: 146

المقدّمة التّاسعة في زمان نزول القرآن و ما يتعلّق بذلك

قال اللّه سبحانه: «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.» (1)

و قال عزّ و جلّ: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.» (2)

و قال سبحانه: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ * فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنٰا، إِنّٰا كُنّٰا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.» (3)

و عن الكافي بسنده عن حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«سألته عن قول اللّه تعالى: «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»

و إنّما أنزل القرآن في عشرين سنة بين أوّله و آخره؟

فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثمّ نزل في طول عشرين سنة.

ثمّ قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: نزل صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، و أنزلت التوراة لستّ مضين من شهر رمضان، و أنزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، و انزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان، و أنزل

ص: 147


1- البقرة/ 185.
2- القدر/ 1.
3- الدخان/ 3-6.

القرآن في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان.»(1)

و عنه عن الفقيه باسنادهما عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«نزلت التوراة في ستّ مضين من شهر رمضان، و نزل الانجيل في اثني عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، و نزل الزبور في ليلة ثمان عشرة في شهر رمضان، و نزل القرآن في ليلة القدر.»(2)

و باسنادهما عن حمران أنّه سأل أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه تعالى:

«إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ » ،قال:

«هي ليلة القدر، و هي في كلّ سنة في شهر رمضان في العشر الاواخر، و لم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر؛ قال اللّه تعالى:

«فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » ،قال: يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، من خير أو شرّ، أو طاعة أو معصية، أو مولود أو أجل، أو رزق.»(3)

أقول:

لمّا كان جميع الحوادث الواقعة في السنة مقدّرة متعيّنة الاحكام و الحدود

ص: 148


1- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ص 628، ح 6؛ و الصافي ج 1، المقدمة التاسعة، ص 41؛ و كذا روى العياشي (ره) فى تفسيره، ج 1، ص 80، ح 184، عن علي بن إبراهيم، عنه - عليه السلام - مثله، إلا فيه: «و أنزل القرآن لأربع و عشرين من رمضان.»
2- الكافي، ج 4، باب في ليلة القدر من كتاب الصيام، ص 157؛ و الفقيه، ج 2، ص 101 و 102؛ و الصافي، ج 1، المقدمة التاسعة، ص 41.
3- نفس المصادر.

في ليلة القدر على ما يستفاد من الاخبار المستفيضة (1) ،لزم منه أن يكون الآيات الّتي نزل في كلّ سنة ثابتة متعيّنة في ليلة القدر الّتي تقع في تلك السنة. و بهذا يصحّ القول بأن القرآن نزلت في ليلة القدر، و في شهر رمضان؛ لأنّها فيه على ما يستفاد من المستفيضة المعتضدة بالكتاب (2) ،لكنّ الظاهر من تنكير اللّيلة في الآية الثالثة و رواية حفص المتقدّمة، و ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره(3) مضمون(4)

هذا الجزء منه أعني قوله: «نزل القرآن جملة واحدة - الخ» من دون إسناد إلى الامام عليه السّلام، لكنّ الظاهر من حاله أخذه من رواياتهم، مع ما يشعر به سائر الروايات، أنّ القرآن نزل في ليلة واحدة جملة. و حينئذ فيمكن أن يقال: أنّ القرآن إنّما قرّر و ثبت كلاّ تبعا لتقدير النبوّة و الرسالة؛ لأنّه لمّا قدّر الرسالة و الانذار قدّر المرسل به و المنذر به، لأنّه من متعلّقاته. و لمّا كان إعطاء منصب الرسالة دفعيّا، لزم منه تعيين المرسل به، كما إذا قدّر و عين السبب في آخر السنة، بحيث لا ينفك عن تفرّع مسبّبه عليه، ترتّب عليه تقدير المسبّب في أوّل السنة الآتية.

[مراتب نزول القرآن]

و الّذي يقتضيه النظر الدقيق أنّ توقيت التقديرات بليلة القدر إنّما

ص: 149


1- كالخبر الاخير و سائر الاخبار التي أوردها الاعلام في كتبهم، و قد جمعها المجلسي (رض) في البحار، ج 97، باب ليلة القدر و فضلها، فراجع.
2- مراده (ره) الروايات الكثيرة المتواترة المنقولة في كتب الاخبار. منها ما ذكره المجلسي (ره) في البحار، ج 97، باب ليلة القدر و فضلها. و هي معتضدة بقوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.»
3- القمي، ج 1، ص 66.
4- في عبارة المؤلف (قده) هنا تشويش، و عبارته هي: «و ذكر مضمون هذا الجزء منه أعني: قوله: «نزل القرآن جملة واحدة - الخ» علي بن إبراهيم في تفسيره...»

هو في بعض المراتب النازلة من مراتب القضاء و القدر، و فوقه مراتب أخرى، إلى أن ينتهي إلى اللّوح المحفوظ الّذي رقّم فيه جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق العالم. و يشبه أن يكون هو أمّ الكتاب (1) ،الّتى يتولّد منها أحكام القضاء مرتبة بعد مرتبة، إلى أن ينتهي إلى تفصيل أحكام كلّ سنة في ليلة القدر منها.

و حينئذ فنزول القرآن جملة واحدة يصحّ أن يكون من عالم اللّوح المحفوظ دفعة إلى مرتبة تحتها، ثمّ نزوله منها في مرتبة ثالثة في كلّ سنة بقدرها، ثمّ نزوله في هذا العالم في أجزاء اللّيالي و الايّام. و يشبه أن يكون المرتبة الثانية هي البيت المعمور، أو باطنه و روحه و هو مظهره، كما روي.

و أمّا ما ذكره المحدّث الكاشاني بقوله: «كأنه أريد به نزول معناه على قلب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله »(2) ،فان أراد به أنّ البيت المعمور هو قلبه صلّى اللّه عليه و آله فهو فاسد؛ إذ هو من أجزاء العالم الكبير و قد ورد ذكره في الاخبار (3) ،و للقرآن مراتب نزولية في العالم الكبير. و إن أراد به أنّه مساوق لمقام قلبه بحيث إذا نزل فيه اطّلع قلبه صلّى اللّه عليه و آله عليه لاتّحادهما رتبة، فهو ليس بذلك البعيد؛ إذ أريد بالقلب ما يسمّى به قلبا باصطلاح جماعة من أهل المعرفة، إلا أنّ ذلك المقام لا يأبى عن الالفاظ حين ينزّل النزول إلى المعاني، بل الالفاظ بنفسها ممّا يصحّ نزولها فيه، و ليس تنزيل نزول القرآن إلى نزول المعاني الصرفة، إلا تأويلا من دون سبب

ص: 150


1- لقد ذهب اليه جمهور المفسرين.
2- راجع الصافي، ج 1، المقدمة التاسعة، ص 42.
3- راجع البحار، ج 58، باب البيت المعمور. و انه (ره) ذكر فيه روايات من الخاصة و العامة يستفاد منها أن البيت المعمور هو في السماء الرابعة، و انه قد سمي: «الضراح».

يقتضيه، فثبت.

[كيفيّة نزول القرآن في ليلة القدر و تفصيله]

ثمّ لمّا كان القرآن تبيان كلّ شيء على نهج كلي إجماليّ مشتمل على تكليفيّات و تكوينيّات متعلّقة بموضوعات مستقلّة، تفصل في ليلة القدر، و تتولّد منها أحكام و قضايا معيّنة مشخّصة جزئيّة بالنسبة إلى ما كان عليه، صحّ أنّه: «لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن» كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (1) ؛إذ لو لم ينزل تفصيله فيها و بقي على حاله الاجماليّ كان مرفوعا عن هذا العالم.

و ربّما يشهد لما ذكرناه معنى ما رواه في الكافي عن الباقر عليه السّلام أنّه قال:

«قال اللّه عزّ و جلّ في ليلة القدر: «فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»

يقول: ينزل فيها كلّ أمر حكيم، و المحكم ليس بشيئين، إنّما هو شيء واحد، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم اللّه عزّ و جلّ، و من حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب، فقد حكم بحكم الطاغوت. إنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الامر تفسير الامور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا و كذا، و في أمر الناس بكذا و كذا، و إنّه ليحدث لأولي الامر سوى ذلك كلّ يوم علم اللّه الخاصّ، و المكنون العجيب المخزون، مثل ما ينزل في

ص: 151


1- رواه الكليني (ره) في الكافي، ج 4، باب في ليلة القدر من كتاب الصيام، ص 158، ح 7 عن داود بن فرقد، عن يعقوب، عنه - عليه السلام -؛ و أيضا الصدوق (ره) في الفقيه، ج 2، ص 101، ح 9، بهذا الاسناد؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة التاسعة، ص 42.

تلك اللّيلة من الامر، ثم قرأ: وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاٰمٌ.» (1)

و سيمرّ عليك ما يوضح لك كثيرا ممّا ذكر هنا - إن شاء اللّه تعالى -.

ص: 152


1- الكافي، ج 1، باب في شأن «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» و تفسيرها، ص 248، ح 3؛ و الصافي، ج 2، ص 540. و الآية الاخيرة: لقمان/ 27.

المقدّمة العاشرة في نبذة ممّا جاء في تمثّل القرآن يوم القيامة

و شفاعته لأهله و معاتبة السّورة لتاركها بعد تعلّمها، و ثواب حفظه و تلاوته و سماعه و استماعه، و فضيلتها، و ما يتعلّق بذلك

فعن الكليني باسناده عن سعد الخفّاف، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«يا سعد، تعلّموا القرآن، فانّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق، و الناس صفوف، عشرون و مائة ألف صفّ، ثمانون [ألف] صفّ أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و أربعون ألف صفّ من سائر الامم، فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلّم (1) ،فينظرون إليه، ثمّ يقولون: لا إله إلا اللّه الحليم الكريم؛ إنّ هذا الرجل من المسلمين، نعرفه بنعته و صفته، غير أنّه كان أشدّ اجتهادا منّا في القرآن، فمن هناك أعطي من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الشهداء، فينظر إليه الشهداء ثمّ يقولون: لا إله إلا اللّه الربّ الرحيم؛ إنّ هذا الرجل من الشهداء، نعرفه بسمته(2) و صفته غير أنّه من شهداء البحر، فمن هناك أعطي من البهاء و الفضل ما لم نعطه.

قال: فيجاوز حتّى يأتي على صفّ شهداء البحر في صورة

ص: 153


1- قال (ره) في حاشية المخطوطة: «الظاهر: مسلم».
2- «السمت»: الطريق، و يستعمل لهيئة أهل الخير.

شهيد، فينظر إليه شهداء البحر، فيكثر تعجّبهم و يقولون:

إنّ هذا من شهداء البحر، نعرفه بسمته و صفته غير أن الجزيرة الّتي أصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة الّتي أصبنا فيها، فمن هناك اعطي من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ يجاوز حتّى يأتي صفّ النبيّين و المرسلين في صورة نبيّ مرسل، فينظر النبيّون و المرسلون إليه، فيشتدّ(1) لذلك تعجّبهم و يقولون: لا إله إلا اللّه الحليم الكريم؛ إنّ هذا لنبيّ مرسل، نعرفه بسمته و صفته غير أنّه أعطي فضلا كبيرا.

قال: فيجتمعون، فيأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيسألونه و يقولون:

يا محمّد صلّى اللّه عليه و آله من هذا؟

فيقول لهم: و ما تعرفونه؟

فيقولون: ما نعرفه، هذا ممّن لا يغضب اللّه عزّ و جلّ عليه.

فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذا حجة اللّه على خلقه، فيسلّم.

ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الملائكة في صورة ملك مقرّب، فينظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم، و يكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله، و يقولون: تعالى ربّنا و تقدّس، إنّ هذا العبد من الملائكة، نعرفه بسمته و صفته غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ مقاما، فمن هناك ألبس من النور و الجمال ما لم نلبس.

ص: 154


1- في بعض النسخ: «فيشد».

ثمّ يجاوز(1) حتى يأتي(2) ربّ العزّة تبارك و تعالى، فيخرّ تحت العرش، فيناديه تبارك و تعالى: يا حجّتى في الارض و كلامي الصادق الناطق! ارفع رأسك، و سل تعط، و اشفع تشفّع.

فيرفع رأسه، فيقول اللّه تبارك و تعالى: كيف رأيت؟

فيقول: يا ربّ، منهم من صاننى و حافظ عليّ و لم يضيّع شيئا. و منهم من ضيّعني و استخفّ بحقّي و كذب بي. و أنا حجّتك على جميع خلقك.

فيقول اللّه تبارك و تعالى: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني، لأثيبنّ اليوم عليك أحسن الثواب، و لأعاقبنّ عليك اليوم أشدّ(3) العقاب.

قال: فيرفع(4) القرآن رأسه في صورة أخرى.

قال: فقلت [له]: يا أبا جعفر عليه السّلام، في أيّ صورة يرجع؟ قال: في صورة رجل شاحب(5) اللّون متغيّر، يبصره(6) أهل الجمع، فيأتي الرجل من شيعتنا الّذي يعرفه و يجادل به أهل الخلاف، فيقوم بين يديه، فيقول: ما تعرفني؟

فينظر إليه الرجل، فيقول: ما أعرفك يا عبد اللّه.

قال: فيرجع في صورته الّتي كان في الخلق الاوّل، فيقول:

ص: 155


1- في المخطوطة: «يتجاوز».
2- في بعض النسخ: «حتى ينتهي إلى».
3- في بعض النسخ: «اليم».
4- في بعض النسخ: «فيرجع».
5- شحب لونه: كمنع و نصر و كرم و عمى، تغيّر من هزال أو جوع أو سفر.
6- في بعض النسخ: «ينكره».

ما تعرفنى؟ فيقول: نعم.

فيقول: أنا الّذي أسهرت ليلك، و أنصبت عينك (1) ،و سمعت الاذى، و رجمت بالقول فيّ. ألا و إنّ كلّ تاجر قد استوفى تجارته، و أنا ورائك اليوم.

قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى، فيقول:

يا ربّ عبدك و أنت أعلم به، كان نصبا بي، مواظبا عليّ، يعادي بسببى، و يحبّ فيّ و يبغض فيّ.

فيقول اللّه عزّ و جلّ: أدخلوا عبدي جنّتى، و اكسوه حلّة من حلل الجنّة، و توّجوه بتاج.

فاذا فعل به ذلك عرض القرآن، فيقال له: هل رضيت بما صنع بوليّك؟

فيقول: يا ربّ، إنّى أستقلّ هذا له، فزده مزيد الخير كلّه.

فيقول: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لانحلنّ اليوم له خمسة أشياء مع المزيد له و لمن كان بمنزلته؛ ألا إنّهم شباب لا يهرمون، و أصحّاء لا يسقمون، و أغنياء لا يفتقرون، و فرحون لا يحزنون، و أحياء لا يموتون. ثمّ تلا هذه الآية:

«لاٰ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولىٰ.» (2)

قال: قلت: يا أبا جعفر، و هل يتكلّم القرآن؟

فتبسّم، ثمّ قال: رحم اللّه الضعفاء من شيعتنا، إنّهم أهل تسليم. ثمّ قال: نعم، يا سعد، و الصلاة تتكلّم، و لها صورة

ص: 156


1- في بعض النسخ: «عيشك».
2- الدخان/ 56.

و خلق تأمر و تنهى.

قال سعد: فتغيّر لذلك لوني و قلت: هذا شيء لا أستطيع أن أتكلّم به في الناس.

فقال أبو جعفر عليه السّلام: و هل الناس إلا شيعتنا؟ فمن لم يعرف بالصلاة فقد أنكر حقّنا. ثمّ قال: يا سعد، أسمعك كلام القرآن؟

قال سعد: قلت: بلى صلّى اللّه عليك.

فقال: «إِنَّ الصَّلاٰةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللّٰهِ أَكْبَرُ.» (1)

فالنهي كلام، و الفحشاء و المنكر رجال، و نحن ذكر اللّه، و نحن أكبر .»(2).

و عنه باسناده عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«إذا جمع اللّه الاوّلين و الآخرين أراهم(3) بشخص قد أقبل لم يرقّط أحسن صورة منه، فاذا نظر إليه المؤمنون و هو القرآن؛ قالوا: هذا منّا، هذا أحسن شيء رأينا. فاذا انتهى إليهم جازهم، ثمّ ينظر إليه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم، فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم كلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلين، فيقولون: هذا القرآن، فيجوزهم. ثمّ ينتهي حتّى يقف عن يمين العرش، فيقول

ص: 157


1- العنكبوت/ 45.
2- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ص 596، ح 1؛ و البحار، ج 7، باب تطاير الكتب و إنطاق الجوارح، ص 319، ح 16.
3- في بعض النسخ: «إذا هم».

الجبّار: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمك، و لأهيننّ من أهانك.»(1)

و عنه باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«تعلّموا القرآن، فانّه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شابّ جميل شاحب اللّون، فيقول: أنا القرآن الّذي كنت أسهرت ليلك، و أظمأت هواجرك (2) ،و أجففت ريقك، و أسبلت(3) دمعتك، أوّل معك حيث ما ألت، و كلّ تاجر من وراء تجارته، و أنا لك اليوم من وراء تجارة كلّ تاجر، و سيأتيك كرامة اللّه عزّ و جلّ، فأبشر.

قال: فيؤتي بتاج فيوضع على رأسه، و يعطى الامان بيمينه، و الخلد في الجنان بيساره، و يكسى حلّتين، ثمّ يقال [له]:

اقرأ و ارق، فكلّما قرأ آية صعد درجة، و يكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين، ثمّ يقال لهما: هذا لما علّمتماه القرآن.»(4)

و عنه، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«يجيء القرآن يوم القيامة في أحسن منظور إليه صورة

ص: 158


1- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ص 602، ح 14؛ و الوسائل، ج 4، باب 2 من أبواب قراءة القرآن، ص 827، ح 1.
2- «الهواجر» جمع هاجرة: وسط النهار و شدة حرارته.
3- في بعض النسخ: «أسلت».
4- الكافي، ج 2، باب فضل حامل القرآن من كتاب فضل القرآن، ص 603، ح 3؛ و الوسائل، ج 4، باب 7 من أبواب قراءة القرآن، ص 834، ح 1.

- إلى أن قال: - حتّى ينتهي إلى ربّ العزّة، فيقول: يا ربّ فلان بن فلان أظمأت هواجره، و أسهرت ليله في دار الدنيا؛ و فلان بن فلان لم أظمأ هواجره، و لم أسهر ليله.

فيقول تبارك و تعالى: أدخلهم الجنّة على منازلهم، فيقوم فيتّبعونه، فيقول للمؤمن: اقرأ و ارقه. قال: فيقرأ و يرقأ حتّى يبلغ كلّ رجل منهم منزلته الّتي هي له، فينزلها.»(1)

و عنه باسناده عن منهال القصّاب، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«من قرأ القرآن و هو شابّ مؤمن اختلط القرآن بلحمه و دمه، و جعله اللّه مع السفرة الكرام [البررة]، و كان القرآن حجيزا عنه يوم القيامة؛ يقول: يا ربّ إنّ كلّ عامل قد أصاب أجر عمله غير عاملي، فبلّغ به أكرم عطائك.

قال: فيكسوه العزيز الجبّار حلّتين من حلل الجنّة، و يوضع على رأسه تاج الكرامة، ثمّ يقال له: هل أرضيناك فيه؟ فيقول القرآن: يا ربّ، قد كنت أرغب له فيما هو أفضل من هذا.

[قال:] فيعطى الامن بيمينه، و الخلد بيساره، ثمّ يدخل الجنّة، فيقال له: اقرأ و اصعد درجة، ثمّ يقال له: هل بلّغنا به و أرضيناك؟ فيقول: نعم.

قال: و من قرأه كثيرا و يعاهده بمشقّة من شدّة حفظه أعطاه

ص: 159


1- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، ص 601، ح 11؛ و الوسائل، ج 4، باب 1 من أبواب قراءة القرآن، ص 824، ح 2؛ و الصافي، ج 1، المقدمة العاشرة ص 43.

اللّه عزّ و جلّ أجر هذا مرّتين.»(1)

و روي قريب من كثير مضامين هذه الروايات في روايات أخر.

[مراتب وجود القرآن في النزول و الصعود]

أقول: يمكن أن يقال: القرآن له وجود كتبيّ بين الدفّتين؛ و وجود لفظيّ للقارئ منّا و من المعصومين عليهم السّلام و من الملائكة كجبرئيل عليه السّلام؛ و وجود علميّ في لوح النفس مكتسب من المرتبتين الاوليين؛ و وجود علميّ من إلقاء الروح الّذي في عالم الامر إيّاه في القلب بأمر اللّه سبحانه؛ كما لعلّه يرشد إليه قوله تعالى: «نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ.» (2) أو من انتقاش الالفاظ الغيبيّة في لوح القلب عند مواجهته لها و مقابلته إيّاه. و لعلّه يومي إليه قوله تعالى: «بَلْ هُوَ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ.» (3)

و وجود غيبيّ كتبيّ في لوح غيبيّ هو المبدأ لهذه النقوش الواقعة في لوح القلب، و به يصير القلب مصحفا لوجه أوراقه و تلك النقوش كتابته. و لعلّ إليه الاشارة بقوله تعالى: «إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ * لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ.» (4)

و وجود لفظيّ غيبيّ هو كلام اللّه سبحانه، الّذي أوجده و أسمعه من شاء من عباده من الملك و النبي. و لعلّ إليه الاشارة بقوله تعالى: «اَللّٰهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ

ص: 160


1- الكافي، ج 2، باب فضل حامل القرآن من كتاب فضل القرآن، ص 603، ح 4؛ و الوسائل، ج 4، باب 6 من أبواب قراءة القرآن، ص 833، ح 1؛ و رواه أيضا الصدوق (ره) في ثواب الاعمال، ص 126.
2- الشعراء/ 193-194.
3- العنكبوت / 49.
4- الواقعة / 77-79.

اَلْحَدِيثِ.» (1)

و له وجود إجمالي قبل التفصيل. لعلّ إليه الاشارة بقوله تعالى: «كِتٰابٌ أُحْكِمَتْ آيٰاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ.» (2)

و هو الاصل، و الباقي تنزّلاته و مراتبه و شئونه بمنزلة أصل الشجرة بالنسبة إلى ساقه و أغصانه. و لعلّ إلى هذه المقامات الاشارة باطلاق الانزال و التنزيل على القرآن في مواضع كثيرة.

ثمّ إن له صعودا ايضا، فانّ القرآن اللّفظيّ الصادر عنّا يتمثّل بمثال و يتشكّل بصورة جوهريّ في عالم أرفع من هذا العالم، على ما تحقّق و ثبت في محلّه بالآيات و الاخبار الكثيرة الواردة في الموارد الكثيرة، المعتضدة بالاستبصارات العقليّة و غيرها، من أنّ الاعمال الحسنة و السيّئة تتجسّم و تتمثّل و تبقى في عالم البرزخ مع الميّت؛ و قراءة القرآن منها، بل من أولى أفرادها بهذا الحكم، و كتابة القرآن أيضا عمل يتجسّم كذلك.

و حينئذ فيتحقّق في القرآن قوسان؛ قوس نزول ينتهي إلى وجوده اللّفظيّ و الكتبيّ الواقع في هذه النشأة، و قوس صعود واقع في عالم البرزخ، كما هو الحال في حقيقة الانسان.

ثمّ إنّ حقيقة القرآن ليس مقصورا على عالم الالفاظ و النقوش الواقعة في عالم الملك و الملكوت، بل مداليل الكلمات القرآنيّة أحقّ بالدخول في حقيقة القرآن منها، و لها وجود في عالمها المعنويّة، فهي أيضا يصحّ أن تعدّ مقاما آخر له، و مراتبه المتعدّدة تنتهي إلى حقيقة الاسم الالهيّ، الّذي هو المبدا للقرآن.

و يشبه أن يكون هو حقيقة اسم الهادي و النور، الّذي ربّما أطلق اسمه على القرآن في مواضع.

ص: 161


1- الزمر/ 23.
2- هود/ 1.

[شرح تنزّل القرآن في القيامة بصور مختلفة]

ثمّ إنّ عالم القيامة الكبرى لمّا كان يوم الجمع بين العوالم، و يوم إبلاء السرائر و إظهار المكنونات و إبراز الامور الغيبيّة بصور حسيّة مطابقة لها حتّى يتوافق النشئات و العوالم لينبّئهم بما عملوا. و لتبلى كلّ نفس ما كسبت، و يحصد كلّ زارع ما زرع - و الزرع تابع للبذر -، و الدنيا بمنزلة الأمّ للآخرة لزمه أن يتنزّل القرآن من عالم الغيب إلى ظاهر عالم القيامة مصوّرة بصورة حسنة أحسن ما يكون حتّى يوافق حسنه المعنويّ؛ لأنّه أحسن ما يكون، و له بهاء و جمال و نور حسيّ، كما أنّ له هذه الصفات اليوم في عالم الغيب على وجه غيبىّ.

ثمّ إنّه لا بدّ أن يمرّ على صفوف المؤمنين، كما يمرّ على قلوبهم و نفوسهم فى دار الدنيا ليطابق الظاهر الباطن، و القالب الروح، و الصورة المعنى، مبتدئا للمرور من الادنى إلى الاعلى؛ لأنّه سالك في الاستكمال متوجّه إلى ربّ العزّة، فيلزمه الكون مع النازل قبل الكون مع الكامل، و أن يكون مع كلّ صنف منهم بصورة ذلك الصنف؛ لأنّه عند كلّ منهم واقع في مرتبتهم بزيادة بهاء و جمال و نور لعدم مخالطته بما يضادّ هذه الصفات من ظلمة و كدورة، و لأنّهم لا يدركون منه إلا المقدار الّذي كان لهم في الدنيا، و منه الشأن المتعلّق بصفتهم و مقامهم و حالهم، كما أنّ كلا منهم حال قراءته للقرآن يشاهد المعنى الموافق لمقامه من الظاهر و الباطن و باطن الباطن و إن كان الكامل مشتملا على الناقص. فلا بدّ و أن يظنّ كلّ صنف منهم أنّه منهم، كما كانوا يظنّون في الدنيا أنّه بيان طريقتهم و صفة حالهم، و أن يعرفه كلّ منهم بنعته و صفته عند المواجهة، كما كان يعرف ذلك المقدار في دار الدنيا من القرآن و معانيه، و قبله منه فيها؛ إذ القدر الظاهر منه في كلّ مقام يساوي ذلك المقام، و لو لم يعرف أهل الصنف ذلك القدر الظاهر لم يكونوا

ص: 162

من أهل ذلك المقام. إلى أن ينتهي إلى ربّ العزّة في آخر قوسه الصعودي، فيسجد صورة كما سجد بالخضوع المطلق و الفناء معنى. و قد كان مصير القرآن إليه سبحانه في النشأة الاولى.

ثمّ إنّ له بعد ذلك مقاما يؤمر برفع الرأس من السجدة يضاهي مقام البقاء باللّه بعد الفناء في اللّه؛ و أن يسأل فيعطى، كما كان مستمدّا مواهب الحقّ سبحانه و بركاته لاهله في الدنيا؛ و أن يشفع فيقبل شفاعته، كما كان مقرّبا للعباد إلى اللّه سبحانه، و موجبا لشمول الرحمة لهم، و دفع العذاب عنهم في الدنيا.

ثمّ إنّه يظهر حال القابلين له و التاركين، كما كان يبيّن في الدنيا أحوال الطائفتين راضيا عن الاولى ساخطا للثانية؛ كالملك بالنسبة إلى رعيّته، كموافقته و مخالفته و القبول و الردّ المعنويين في الاولى.

ثمّ إنّ الحقّ يحكم بترتّب أحسن الثواب و العقاب بالقرآن هناك، كما كان استحقاق الفريقين هنا، و لزوم كلّه الاعطاء و العقاب هنا تابعا له؛ إذ لا تكليف إلا بعد البيان، و لا ثواب و لا عقاب قبل التكليف.

ثمّ إنّه يرفع رأسه في صورة رجل شاحب اللّون متغيّر ثانيا، كالنبيّ الكامل الراجع إلى الخلق بالحقّ بعد الفناء فيه، قد اجتمع فيه الفعل و الانفعال، و الامر و الائتمار، و الطلب و الاجابة، و العبوديّة و المرآتيّة للربوبيّة، وجهة إلى الحقّ، و الاخرى إلى النفس، فيلزمه تغيّر لونه و كونه بصورة رجل؛ إذ خلق الانسان في أحسن تقويم.

و من هذا البيان مضافا إلى الرواية الاولى يظهر عدم المنافاة بين الرواية الثانية و الثالثة.

ثمّ إنّه يتعرف إلى الرجل العارف به من الشيعة، كما تعرّف إليه في

ص: 163

الدنيا، و ما يعرفه بالصورة الثانية؛ لأنّه ما عرفه به في الدنيا، و يعرفه إذا تصوّر بالصورة الّتي كان عليها في باطن هذا العالم؛ إذ كان عرفه كذلك.

ثمّ إنّه ينطلق به إلى رب العزّة، كما كان يقرّبه إلى اللّه سبحانه في الدنيا بحضوره في قلبه، و جريانه على لسانه، و تعليمه و هدايته، و حمله إيّاه على ما يقرّبه إلى اللّه سبحانه، و يظهر عند الربّ ما صنع به، كما أظهر في مشاهدة الربّ في دار الدنيا من العبد ما صنعه و حمله عليه، كما صرّح به في الرواية الثالثة و الرابعة، فيجزيه الربّ الجزاء الاولى، و يبشّره القرآن بكرامة اللّه، كما في الرواية الثالثة، كما كان يبشّره في الدنيا؛ «وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ.» (1)

ثمّ الظاهر أنّ تعجّب الراوي من تكلّم القرآن لأنّه لم يطّلع منه إلا على الالفاظ و النقوش الواقعة في هذا العالم؛ لأنّه نظر إليه نظر الضعفاء في مقام الايمان، و لهذا استرحم الامام على الضعفاء المسلّمين لكلام الائمّة عليهم السّلام و إن لم يصل إلى إدراكه أفهامهم، فانّ طريقة النجاة لهم هو التسليم دون جعل الافهام الناقصة ميزانا لكلامهم في الردّ و القبول. و أمّا الاقوياء فهم يدركون صحّته على قدر درجاتهم في الايمان، فيصدّقون تصديقا إيقانيّا، لا تعبّديّا. و لعلّ محصّل الجواب هو المقايسة بالصلاة لاشتراك الاستبعاد الوهمي بينهما، و أنّ لها صورة و خلقا تأمر و تنهى، و هو من باب تجسّم الاعمال الجزئيّة الصادرة عنّا، أو من باب صورته الكلّيّة المقدّمة على الافعال الجزئيّة، نظير ما مرّ في القرآن.

ثمّ إنّ الصلاة بكلا الوجهين تنهى عن موالاة أعدائهم خصوصا الاوّلين، المكنّى عنهما بالفحشاء و المنكر بالخصوص (2) ،أو مندرجين تحت المكنّى عنه لو لم

ص: 164


1- البقرة/ 25. و في المخطوطة: «يبشر».
2- هذه التكنية قد وردت في روايات الأئمة - عليهم السلام -؛ كرواية رواه العياشي (ره) في تفسيره، ج 2، ص 267، ح 62، عن عطاء الهمداني، عن أبي جعفر - عليه السلام - أنه قال في تفسير قوله تعالى: «وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ» (النحل/ 90): «و ينهى عن الفحشاء الاول و المنكر الثاني و البغي الثالث.» و هكذا ذكر السيد هاشم البحراني (ره) هذه الرواية و غيرها ممّا يتضمّن هذا المعنى في البرهان، ج 2، ص 381، فراجع.

يخصّص بهما، و تأمر بموالات الائمّة الّذين هم ذكر اللّه الّذي هو أكبر. و شرحه خارج عن العنوان الّذي نحن فيه.

[تكلّم القرآن و معاتبة السّورة المتروكة لتاركها]

و ممّا ذكرنا يمكن أن يعرف كيفيّة مخاطبة السورة المتروكة و المنسيّة لتاركها و ناسيها الواردة في عدّة من الاخبار؛ كما عن الكافي بسنده الصحيح، عن يعقوب الاحمر قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك، إنّه أصابتني هموم و أشياء لم يبق شيء من الخير إلا و قد تفلت منّي منه طائفة، حتّى القرآن لقد تفلت منّي طائفة منه.

قال: ففزع عند ذلك حين ذكرت القرآن، ثمّ قال: إنّ الرجل لينسي السورة من القرآن فتأتيه يوم القيامة حتّى تشرف عليه من درجة من بعض الدرجات، فتقول:

السلام عليك. فيقول: و عليك السلام، من أنت؟ فتقول:

أنا سورة كذا و كذا ضيّعتني و تركتني، أما لو تمسّكت بي لبلغت بك هذه الدرجة - إلى آخر الحديث.»(1)

ص: 165


1- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب من حفظ القرآن ثمّ نسيه؛ و الوسائل، ج 4، باب 12 من أبواب قراءة القرآن.

و عنه و عن عقاب الاعمال و المحاسن بالسند الحسن و غيره عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«من نسي سورة من القرآن مثّلت له في صورة حسنة و درجة رفيعة في الجنّة (1).فاذا رآها قال: ما(2) أنت؟ فما أحسنك! ليتك لي. فتقول: أ ما تعرفني؟ أنا سورة كذا و كذا، لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان.»(3)

و عنه بسنده عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام [يقول]:

«إنّ الرجل إذا كان يعلم السورة ثمّ نسيها أو تركها و دخل الجنّة أشرفت عليه من فوق في أحسن صورة، فتقول: تعرفني؟ فيقول: لا. فتقول: أنا سورة كذا و كذا، لم تعمل بى و تركتني، تقول: أما و اللّه لو عملت بي لبلغت بك هذه الدرجة، و أشارت بيدها إلى ما فوقها.»(4)

[درجات الجنّة على عدد آيات القرآن]

و المستفاد من هذه الاخبار أنّ التمسّك بأيّ سورة كانت و العمل بها و عدم نسيانها موجب للوصول إلى درجة رفيعة، و أنّ تضييعها و تركها و نسيانها و ترك العمل بها سبب لفقدانها، كما أنّ المستفاد من جملة من الروايات أنّ القارئ إذا

ص: 166


1- ليس في عقاب الاعمال: «في الجنة». منه (ره).
2- في المصادر: «من».
3- المصادر المذكورة في تعليقة 1 ص 165، و المحاسن، ج 1، كتاب عقاب الاعمال، ص 96، ح 57؛ و عقاب الاعمال، ص 283؛ و هكذا فى البحار، ج 92، باب ثواب تعلم القرآن و تعليمه، ص 188، ح 11.
4- المصادر المذكورة في تعليقة 1 ص 165.

قرأ آية صعد درجة، و أنّ عدد درجات القارئ بعدد آيات القرآن، كما في الروايات الاخيرة، و كما رواه في المجالس بسنده عن المفضّل بن عمر، عن الصادق عليه السّلام قال:

«عليكم بتلاوة القرآن، فانّ درجات الجنّة على عدد آيات القرآن، فاذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: اقرأ و ارق، فكلّما قرأ آية رقا درجة.»(1)

و ما عن الكليني بسنده عن حفص، قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السّلام يقول - في حديث -:

«إنّ درجات الجنّة على قدر آيات القرآن؛ يقال له: اقرأ و ارق. فيقرأ ثمّ يرقا.»(2)

و غير ذلك.

و يشبه أن يكون السرّ في ذلك أن في كلّ سورة بل كلّ آية علم و معرفة و هداية و دعوة إلى الحقّ، فبالتمسّك بكل منها و المعرفة بها و التخلّق بموجبها و العمل بها درجة في التقرّب إلى اللّه سبحانه، و المتحصّل من مجموعها نهاية درجات القرب إليه سبحانه. و لمّا كان الدرجات الواقعة بين العبد و الحقّ مضاهيا لدرجات الجنّة و مطابقا لها، بل هي معانيها و أرواحها، و تلك قوالبها و مظاهرها، و جوائزها و آثارها المترتّبة عليها، كانت الدرجات أيضا على حسب السور و الآيات.

و لعلّ المراد من الحفظ و النسيان ليس مجرّد ألفاظ القرآن و نسيانها، بل

ص: 167


1- المجالس للصدوق (ره)، المجلس السابع و الخمسون، ح 10؛ و البحار، ج 92، باب فضل قراءة القرآن عن ظهر القلب، ص 197، ح 4؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 842، ح 10.
2- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ص 606، ح 10؛ و علم اليقين للفيض (ره)، ج 1، الباب الثاني عشر، ص 554؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 840، ح 3.

مع حفظ معانيها و الايمان بها و التخلّق بها و العمل بموجبها، كما يؤيّده مضافا إلى إشارة الاخبار المذكورة من ذكر التضييع و التمسّك و العمل و تركه، ما سيجيء في آداب القراءة و حامل القرآن - إن شاء اللّه تعالى -.

[رفعة مقام أهل القرآن]

و لعلّ ذلك هو المراد ممّا عن الكليني بسنده عن السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

«إنّ أهل القرآن في أعلى درجة من الآدميّين ما خلا النبيين و المرسلين، فلا تستضعفوا أهل القرآن حقوقهم، فانّ لهم من اللّه العزيز الجبّار لمكانا.»(1)

و ما رواه الطبرسي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«أهل القرآن هم أهل اللّه و خاصّته.»(2)

و ما رواه الصدوق باسناده عنه صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«أشراف أمّتي حملة القرآن و أصحاب اللّيل.»(3)

ص: 168


1- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ص 603، ح 1؛ و الوسائل، ج 4، باب 4 من أبواب قراءة القرآن، ص 830، ح 1؛ و روى الصدوق (رض) في ثواب الاعمال، ص 105، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن هاشم مثله.
2- في المخطوطة: «أهل اللّه خاصة». و الحديث فى مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفن السادس، ص 15، عن أنس بن مالك، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و الوسائل، ج 4، باب 1 من أبواب قراءة القرآن، ص 825، ح 9؛ و أخرجه بهذا الاسناد أيضا ابن ماجة في سننه، ج 1، المقدمة، باب 16، ص 68، رقم 215، و الحاكم في المستدرك، ج 1، باب فضائل القرآن، ص 556.
3- الخصال، باب الواحد، ص 7، ح 21، و فيه: عن ابن عباس، عنه - صلى اللّه عليه و آله -؛ و هكذا في الفقيه و معاني الاخبار كما في الوسائل، ج 4، باب 4 من أبواب قراءة القرآن، ص 831، ح 2، و رواه أيضا الطبرسي في مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفنّ السادس، ص 16.

و لعلّ المراد من أصحاب اللّيل أرباب النفوس الساذجة من أهل المعرفة المنقطعين إلى اللّه سبحانه.

و ما عن تفسير الامام العسكري عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال:

«حملة القرآن المخصوصون لرحمة اللّه، الملبّسون نور اللّه، المعلّمون كلام اللّه، المقرّبون عند اللّه؛ من والاهم فقد والى اللّه، و من عاداهم فقد عادى اللّه. يدفع اللّه عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، و عن قارئه بلوى الآخرة - إلى أن قال: - و الّذي نفس محمّد صلّى اللّه عليه و آله بيده لسامع(1) آية من كتاب اللّه و هو معتقد أعظم أجرا من ثبير ذهبا يتصدّق به... و لقارئ(2) آية من كتاب اللّه معتقدا أفضل ممّا دون العرش إلى أسفل التخوم.»(3)

و ما رواه الكليني بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة.»(4)

ص: 169


1- وقع التقديم و التأخير هنا في المخطوطة.
2- في المخطوطة: «لقارئه».
3- تفسير الامام العسكري - عليه السلام -، المقدمة، ص 4؛ و البحار، ج 92، باب فضل حامل القرآن، ص 182، ح 18؛ و الوسائل، ج 4، باب 4 من أبواب قراءة القرآن، ص 831، ح 4؛ و روى الطبرسي (ره) صدره في مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفنّ السادس، ص 15، عن أنس بن مالك، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -.
4- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ص 603، ح 2؛ و هكذا رواه الصدوق (ره) في ثواب الاعمال، ص 127؛ و المعاني كما في الوسائل، ج 4، باب 5 من أبواب قراءة القرآن، ص 832، ح 1.

و بسنده عن معاوية بن عمّار قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«من قرأ القرآن فهو غنيّ لا يفقر(1) بعده، و إلا ما به غنى.»(2)

[فضل قراءة القرآن و ختمه و استماعه]

و الاخبار الواردة في فضيلة قراءة القرآن زيادة على ما مرّ كثير؛

منها: ما رواه الكليني بسنده عن الزهري قال:

«قلت لعليّ بن الحسين عليهما السّلام: أيّ الاعمال أفضل؟

قال: الحالّ المرتحل.

قلت: و ما الحالّ المرتحل؟

قال: قال: فتح القرآن و ختمه؛ كلّما جاء بأوّله ارتحل بآخره.(3)

ص: 170


1- في بعض النسخ: «فقر».
2- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ص 605، ح 8؛ و ثواب الاعمال، ص 128؛ و الوسائل، ج 4، باب 6 من أبواب قراءة القرآن، ص 834، ح 3. قال الفيض (ره) في ذيل هذا الحديث في الوافي: «و ذلك لأنّ في القرآن من المواعظ ما إذا اتّعظ به استغنى عن غير اللّه في كل ما يحتاج إليه، و إن لم يستغن بالقرآن فما يغنيه شيء، و هذا أحد معاني قوله - صلّى اللّه عليه و آله -: من لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا.»
3- في المآخذ: «في آخره». و قال المجلسي (رض) في مرآة العقول، ج 12، ص 488: «الحال المرتحل أي: عمله، و في النهاية: فيه أنه سئل أي الاعمال أفضل؟ فقال: الحال المرتحل. قيل: و ما ذلك؟ قال: الخاتم المفتتح، و هو الذى يختم القرآن بتلاوته، ثم يفتتح التلاوة من أوله، شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه، ثم يفتتح السير؛ أي: يبتدئ به. و كذلك قراء مكة اذا ختموا القرآن بالتلاوة ابتدءوا و قرءوا «الفاتحة» و خمس آيات من أول سورة «البقرة» الى قوله «هُمُ الْمُفْلِحُونَ »،ثم يقطعون القراءة، و يسمون فاعل ذلك «الحال المرتحل»، أي: أنه ختم القرآن و ابتدأ بأوله و لم يفصل بينهما بزمان.»

و قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من أعطاه اللّه القرآن فرأى أنّ رجلا أعطي أفضل ممّا أعطي، فقد صغّر عظيما و عظّم صغيرا.»(1)

و عن الصدوق روايته أيضا كما رواه الكليني إلا أنّه قال: «كلّما حلّ بأوّله ارتحل في آخره.»(2) و هو أقرب و أنسب.

و منها: ما عنهما بسنديهما عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«من قرأ القرآن قائما في صلاته كتب اللّه له بكلّ حرف مائة حسنة، و من قرأ في صلاته جالسا كتب اللّه له بكلّ حرف خمسين حسنة، و من قرأ في غير صلاة كتب اللّه له بكلّ حرف عشر حسنات.»(3)

ص: 171


1- الكافي، ج 2، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، ص 605، ح 7؛ و الصافي، ج 1، المقدمة العاشرة، ص 43؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 839، ح 2.
2- راجع معاني الاخبار، باب معنى الحال المرتحل، ص 190.
3- الكافي، ج 2، باب ثواب قراءة القرآن، ص 611، ح 1، و فيه: «عن ابن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن معاذ بن مسلم، عن عبد اللّه بن سليمان، عن أبي جعفر - عليه السلام -.» و قال في ذيل هذا الحديث: «قال ابن محبوب: و قد سمعته عن معاذ على نحو ممّا رواه ابن سنان.» و هكذا في ثواب الاعمال، ص 126؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 840، ح 4.

و الظاهر أن الاخير من جهة أنّ كلّ حرف منها حسنة، و «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا.» (1) و الاوّل لأنّ جعله في الصلاة حسنة أخرى، فيضرب العشر في العشر، أو لأنّ حالة الصلاة يقتضي المضاعفة كذلك، و الثاني لأنّ صلاة الجالس نصف القائم.

و منها: ما عن الكليني بسنده عن بشير بن غالب الأسدي، عن الحسين بن عليّ عليهما السّلام قال:

«من قرأ آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ في صلاته قائما يكتب اللّه له بكلّ حرف مائة حسنة، فان قرأها في غير صلاة كتب اللّه له بكلّ حرف عشر حسنات، و إن استمع القرآن كتب اللّه له بكلّ حرف حسنة، و إن ختم القرآن ليلا صلّت عليه الملائكة حتّى يصبح، و إن ختمه نهارا صلّت عليه الحفظة حتّى يمسي، و كانت له دعوة مجابة، و كان خيرا له ممّا بين السماء إلى الارض.

قلت: هذا لمن قرأ القرآن، فمن لم يقرأه؟

قال: يا أخا بني أسد، إنّ اللّه جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما معه أعطاه اللّه ذلك.»(2)

ص: 172


1- الانعام/ 160.
2- الكافي، ج 2، باب ثواب قراءة القرآن، ص 611، ح 3؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 841، ح 5؛ و هكذا رواه ابن فهد الحلّي في عدة الداعي كما في البحار، ج 92، باب فضل قراءة القرآن عن ظهر القلب، ص 200، ح 17. قال الفيض (ره) في الوافي: «لعلّ المراد بختمه ليلا و نهارا فراغه منه فيهما، لا ختمه كلّه فيهما. و أما الدعوة المجابة، فانّما تترتّب على ختمه كله.»

و ما عنه باسناده عن محمّد بن بشير، عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام [قال:](1) و قد روي هذا الحديث عن الصادق عليه السّلام قال:

«من استمع حرفا من كتاب اللّه من غير قراءة كتب اللّه له حسنة، و محى عنه سيّئة، و رفع له درجة؛ و من قرأ نظرا من غير صلاة كتب اللّه له بكلّ حرف حسنة، و محى عنه سيّئة و رفع له درجة؛ و من تعلّم منه حرفا ظاهرا كتب اللّه له عشر حسنات، و محى عنه عشر سيّئات، و رفع له عشر درجات.

قال: لا أقول بكلّ آية، و لكن بكلّ حرف، باء أو تاء أو شبههما.

قال: و من قرأ حرفا و هو جالس في صلاة كتب اللّه له خمسين حسنة، و محى عنه خمسين سيّئة، و رفع له خمسين درجة؛ و من قرأ حرفا و هو قائم في صلاته كتب اللّه له مائة حسنة، و محى عنه مائة سيّئة، و رفع له مائة درجة؛ و من ختمه كانت له دعوة مستجابة، مؤخّرة أو معجّلة.

قال: قلت: جعلت فداك، ختمه كلّه؟

قال: ختمه كلّه.»(2)

و بهذا السند عن الصادق عليه السّلام قال:

«سمعت أبي يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ختم القرآن إلى

ص: 173


1- القائل يمكن أن يكون المصنف (ره) كما احتمله المولى محمد صالح المازندراني (رض) في شرحه على الكافي، أو الراوي كما ذكر في بعض النسخ.
2- الكافي، ج 2، باب ثواب قراءة القرآن؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 841.

حيث يعلم.»(1)

و لعلّ المراد بالحسنة لقراءة الحرف هو الحسنة المضاعفة عشرا، فيكون لتعلّمه عشرة مضاعفة إلى المائة بظاهر السياق.

و منها: ما عنه بسنده عن عمرو بن أبي المقدام، عن الصادق عليه السّلام في حديث قال:

«ما من عبد من شيعتنا يتلوا القرآن في صلاته قائما إلا و له بكلّ حرف مائة حسنة، و لا قرأ في صلاته جالسا إلا و له بكلّ حرف خمسون حسنة، و لا في غير صلاته إلا و له بكلّ حرف عشر حسنات.»(2)

و لعلّ التخصيص بالشيعة لاختصاص قبول الاعمال أو مضاعفتها لهم.

و منها: ما عنه بسنده عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، و من قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين،

ص: 174


1- في بعض النسخ: «تعلم». و الحديث في المصادر السابقة. قال الفيض (ره) في الوافي: «يعني: ختمه فى حقك أن تقرأ كل ما تعلم منه.» و قال المجلسى (ره) فى مرآة العقول: «ربي حيث يعلم؛ في بعض النسخ: «إلى»، و في بعضها: «إلى ربي»، و على نسخة: «إلى» بدون ربي. لعلّ المراد أن من قرأ القرآن قدر ما يعلم يعطى ثواب ختمه، فيترتب ثواب الختم على ختم هذا القرآن الذي نقرؤه، و إن كان في الواقع أكثر من ذلك. و على نسخة: «ربي» فقط؛ لعلّ المراد أنه تعالى جعل مجموع القرآن عند من يعلم، أي: الائمة - عليهم السلام -. و على الجمع بينهما لعلّ المراد، أن ثوابه إلى اللّه تعالى لا يعلم غيره لكثرته، و اللّه يعلم.»
2- الكافي، ج 8 (الروضة) ص 214، ح 260؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب قراءة القرآن، ص 842، ح 8.

و من قرأ مائة آية كتب من القانتين، و من قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، و من قرأ ثلاث مائة آية كتب من الفائزين، و من قرأ خمس مائة آية كتب من المجتهدين، و من قرأ ألف آية كتب له قنطار - القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب؛ المثقال أربعة و عشرون قيراطا - أصغرها مثل جبل أحد، و أكبرها ما بين السماء و الارض.»(1)

و منها: ما عنه باسناده عن ابن القدّاح، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قال أمير المؤمنين عليه السّلام: البيت الّذي يقرأ فيه القرآن و يذكر اللّه عزّ و جلّ فيه تكثر بركته، و تحضره الملائكة، و تهجره الشياطين، و يضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الارض؛ و إنّ البيت الّذي لا يقرأ فيه القرآن و لا يذكر اللّه عزّ و جلّ فيه تقلّ بركته، و تهجره الملائكة، و تحضره الشياطين.»(2)

و قريب من جملة ممّا فيه أخبار أخر، و منها غير ذلك.

ص: 175


1- في بعض النسخ: «إلى الارض». و الحديث في الكافي، ج 2، باب ثواب قراءة القرآن، ص 612، ح 5؛ و رواه أيضا الصدوق (ره) في ثواب الاعمال و المجالس و المعاني كما في الوسائل، ج 4، باب 17 من أبواب قراءة القرآن، ص 851، ح 2.
2- الكافي، ج 2، باب البيوت الّتي يقرأ فيها القرآن، ص 610، ح 3؛ و الوسائل، ج 4 باب 16 من أبواب قراءة القرآن، ص 850، ح 2.

المقدّمة الحادية عشر في ذكر جملة ممّا ورد في آداب التّلاوة الظّاهريّة و الباطنيّة و كيفيّتها، و ما يتعلّق بذلك

و الآداب المرغّب فيها كثيرة:

[استحباب النّظر في المصحف حال القراءة]

منها: النظر إلى المصحف حال القراءة و كون القراءة منه؛ فعن الكليني باسناده عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قلت [له]: جعلت فداك، إنّى أحفظ القرآن على ظهر قلبي فأقرأه على ظهر قلبى أفضل أو أنظر في المصحف؟

قال: فقال عليه السّلام لي: بل اقرأه و انظر في المصحف، فهو أفضل، أ ما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة؟»(1)

و عنه باسناده عن يعقوب بن يزيد رفعه إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«من قرأ القرآن في المصحف متّع ببصره، و خفّف على والديه و إن كانا كافرين.»(2)

و عن ثواب الاعمال روايته باسناده عنه، عن رجل عن العوّام رفعه مثله إلا

ص: 176


1- الكافي، ج 2، باب قراءة القرآن في المصحف، ص 613، ح 5؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 44؛ و الوسائل، ج 4، باب 19 من أبواب قراءة القرآن، ص 854، ح 4.
2- الكافي، ج 2، باب قراءة القرآن في المصحف، ص 613؛ و الوسائل، ج 4، باب 19 من أبواب قراءة القرآن.

أنّه قال: «في المصحف نظرا.»

و زاد: و بهذا الاسناد رفعه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال:

«ليس شيء أشدّ على الشيطان من القراءة في المصحف نظرا.»(1)

و عن الكلينى باسناده عن الحسن بن راشد، عن جدّه، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قراءة القرآن في المصحف تخفّف العذاب عن الوالدين و إن كانا كافرين.»(2)

و عن الامالي باسناده عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:

«النظر إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عبادة، و النظر إلى الوالدين برأفة و رحمة عبادة، و النظر في الصحيفة يعني صحيفة القرآن عبادة، و النظر إلى الكعبة عبادة.»(3)

و لعلّ السرّ في استحبابه أنه شغل العين بملاحظة كلام اللّه سبحانه، أو أنّه يورث زيادة توجّه القلب إليه، أو أنّه يمنع العين عن شغله بغيره الصارف للقلب عنه.

[استحباب الطّهارة عند قراءة القرآن]

و منها: الطهارة؛ فعن عبد اللّه بن جعفر الحميري [ره] في قرب الاسناد، عن

ص: 177


1- ثواب الاعمال، ص 128 و 129؛ و الوسائل، ج 4، باب 19 من أبواب قراءة القرآن، ص 853، ح 1 و 2.
2- راجع المصادر المذكورة في تعليقة 2 ص 176.
3- أمالي الشيخ، ج 2، الجزء السادس عشر، ص 70؛ و الوسائل، ج 4، باب 19 من أبواب قراءة القرآن، ص 854، ح 5.

محمّد بن عبد الحميد، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السّلام قال:

«سألته: أقرأ المصحف ثمّ يأخذني البول، فأقوم فأبول و أستنجي و أغسل يدي و أعود إلى المصحف فأقرأ فيه؟

قال: لا، حتّى تتوضّأ للصلاة.»(1)

و المراد من الوضوء للصلاة إنّما الوضوء المأتيّ به لأجله، و يكون ذلك لأنّه أدخل في الطهارة من غيره، أو الوضوء الّذي من شأنه أن يتوصّل به إليها و إن لم يفعله لها، فيكون المراد هو الوضوء الرافع للحدث، أو غير ذلك.

و عن الصدوق [ره] في الخصال باسناده عن عليّ عليه السّلام في حديث الاربعمائة قال:

«لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتّى يتطهّر.»(2)

و عن ابن فهد [ره] في عدّة الداعي قال: قال عليه السّلام(3):

«لقارئ القرآن بكلّ حرف يقرؤه في الصلاة قائما مائة حسنة، و قاعدا خمسون [حسنة]، و متطهّرا في غير صلاة خمس و عشرون حسنة، و غير متطهّر عشر حسنات. أما إنّي لا أقول «المر»، بل بالالف عشر، و باللام عشر و بالميم عشر، و بالراء عشر.»(4)

ص: 178


1- قرب الاسناد، ص 175؛ و الوسائل، ج 4، باب 13 من أبواب قراءة القرآن، ص 847، ح 1.
2- الخصال، ج 2، حديث الاربعمائة، ص 627؛ و الوسائل، ج 4، باب 13 من أبواب قراءة القرآن، ص 847، ح 2.
3- و الظاهر أن المراد من «قال عليه السلام» هو: جعفر بن محمد الصادق - عليه آلاف التحية و السلام - كما يظهر من رواية سبقت على هذا الحديث فى العدة.
4- عدة الداعى (المخطوطة)، الباب السادس، ص 256؛ و الوسائل، ج 4، باب 13 من أبواب قراءة القرآن، ص 848، ح 3.

و لعلّ السرّ في ذلك أنّ حالة الطهارة أقرب إلى الاستفاضة بأنوار القرآن من حالة الحدث، كما أنّ طهارة القلب عن الادناس الباطنيّة معدّ لحصول تلك الفيوضات للقارئ، بل الظاهر أنّه أولى بالمراعات؛ إذ هو المعنى و الروح، و الطهارة الظاهريّة صورة و قالب، و بينهما ارتباط كسائر المعاني و الصور، فلا بدّ من الجمع بينهما في تحصيل الكمال على ما يخطر بالبال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

[خفض الصّوت و رفعه و رجحان أحدهما على الآخر]

و منها: خفض الصوت به؛ ففي المجالس و الاخبار باسناده عن أبي ذرّ، عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في وصيّته له، قال:

«يا أبا ذرّ، أخفض صوتك عند الجنائز، و عند القتال، و عند القرآن.»(1)

و روى الكليني [ره] عن الباقر عليه السّلام أنّ:

«من قرأ «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» يجهر بها صوته كان كالشاهر سيفه في سبيل اللّه، و من قرأها سرّا كان كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه.»(2)

و الثاني أرفع شأنا من الاوّل.

و أمّا ما روي عن ابن إدريس في آخر السرائر بسند ظاهره الصحّة، عن معاوية بن عمّار قال:

ص: 179


1- المجالس و الاخبار (الامالي) للشيخ، ج 2، المجلس الاول، ص 146؛ و الوسائل، ج 4، باب 23 من أبواب قراءة القرآن، ص 858، ح 3.
2- الكافي، ج 2، باب فضل القرآن، ص 621، ح 6؛ و الوسائل، ج 4، باب 23 من أبواب قراءة القرآن، ص 857، ح 1؛ و هكذا رواه الصدوق (ره) في ثواب الاعمال، ص 152.

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: الرجل لا يرى أنّه صنع شيئا في الدعاء و في القراءة حتّى يرفع صوته.

فقال عليه السّلام: لا بأس، إنّ عليّ بن الحسين عليهما السّلام كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان يرفع صوته حتّى يسمعه أهل الدار، و إنّ أبا جعفر عليه السّلام كان أحسن الناس صوتا بالقرآن و كان إذا قام من اللّيل و قرأ رفع [به] صوته، فيمرّ به مارّ الطريق من السقّائين و غيرهم، فيقومون فيستمعون إلى قراءته.»(1)

فصدره لا يدلّ على أزيد من نفي البأس عن رفع الصوت لمن كان كذلك، و هو محتمل لنفي الكراهة و إن تضمّن ترك بعض الآداب؛ إذ ليس كلّ ترك مستحبّ مكروها بالمعنى الشائع، و لكونه لأجل ترجيح ما يترتّب على رفع الصوت لمن كان كذلك من تأثّر القلب أو التّحزّن و غيرهما على الخفض، و لنفي كون السنّة الاخفات مطلقا بحيث يخرج الجهر بها عن السنّة.

و أمّا ذيله فاجهار الامامين عليهما السّلام لأجل تنبيه السامعين و تأثيره في قلوبهم، خصوصا على الحالة الّتي يقرءاه، فيكون القراءة موعظة و تذكيرا في ضمن عبادة، و هو حينئذ أرجح من ملاحظة استحباب الخفض بالقراءة، خصوصا من الامام المنصوب لتكميل العباد؛ لكن لا يبعد أن يكون رجحان الاسرار غير عامّ بحسب حالات القارئ و إن كان الظاهر أرجحيّة إخفاء العبادات المندوبة؛ إذ النسبة بين

ص: 180


1- السرائر، باب النوادر (المستطرفات)، ص 484، و قد نقله من كتاب نوادر المصنفين لمحمد بن علي بن محبوب الاشعري الجوهري القمي؛ و هكذا في الوسائل، ج 4، باب 23 من أبواب قراءة القرآن، ص 858، ح 2؛ و البحار، ج 92، باب قراءة القرآن بالصوت الحسن، ص 194، ح 9.

الإسرار و الإظهار للغير عموم من وجه، و حينئذ فيحتمل قويّا أن يكون في الحكم الاسرار و الاجهار مختلفا بحسب الاحوال، فمن كان الإسرار له أخلص من جهة النيّة، أو أدخل في التوجّه، كان أرجح له، و من كمل إخلاصه، أو كان متخلّيا عن الناس، و كان الاجهار أشدّ تأثيرا في القلب، أو أجمع للفكر، أو كان منبّها للغير، أو نحو ذلك، كان أولى له.

و يؤيّد أولويّة الجهر في الجملة ما رواه الكليني بسنده عن أبي بصير قال:

«قلت لأبي جعفر عليه السّلام: إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جاءني الشيطان فقال: إنّما ترائي بهذا أهلك و الناس.

فقال: يا أبا محمّد، اقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك، و رجّع بالقرآن صوتك، فانّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ الصوت الحسن.»(1)

و لا يبعد أن يكون ذلك لاستظهاره عليه السّلام أنّ ذلك الخطور له بالنسبة إلى الاهل محض خطور لا يؤثّر في نيّته، فيكون من قبيل تصوّر الرياء بخلافة بالنسبة إلى الناس؛ إذ ربّما يشوب النيّة فيمنعه عن كمال الاخلاص.

[استحباب تحسين الصّوت و عدم جواز التّرجيع و الغناء]

و منها: تحسين الصوت؛ كما دلّ عليه ذيل الخبرين المتقدّمين، و ما رواه الكليني بسنده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: لكلّ شيء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن.»(2)

ص: 181


1- الكافي، ج 2، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، و الصافي؛ ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 45؛ و الوسائل، ج 4، باب 24 من أبواب قراءة القرآن.
2- نفس المصادر، و كذا في جامع الاخبار، ص 49، و فيه: أنس بن مالك، عن النبي - صلّى اللّه عليه و آله -.

و ما رواه في المرسل عنه عليه السّلام قال:

«كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان السقّاءون يمرّون فيقفون ببابه يستمعون قراءته.»(1)

و ما رواه عن عليّ بن محمّد النوفلي، عن أبي الحسن عليه السّلام، قال:

«ذكرت الصوت عنده، فقال: إنّ عليّ بن الحسين عليهما السّلام كان يقرأ فربّما مرّ به المارّ فصعق من حسن صوته.»(2)

و ما رواه الصدوق في عيون الاخبار باسنادين عن الرضا عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: حسّنوا القرآن بأصواتكم، فانّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا.»

و زاد في إحدى الروايتين:

«و قرأ: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مٰا يَشٰاءُ .» (3).

و ما رواه الطبرسي في مجمع البيان عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله تعالى: «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً » (4) ،قال:

ص: 182


1- الكافي، ج 2، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 45؛ و الوسائل، ج 4، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، ص 859.
2- نفس المصادر.
3- الآية: فاطر/ 1؛ و الروايتين: تجد الاخيرة في العيون، ج 2، باب 31، ص 68، ح 323، عن دارم بن قبيصة، عنه - عليه السلام -، عن آبائه - عليهم السلام -، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و أما الرواية الاولى فلم نعثر عليها فيما بأيدينا من نسخ العيون؛ و لكن نقلهما الشيخ حرّ العاملي (رض) عنه فى الوسائل، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، ص 859 و 860، ح 6 و 7. و اسناد الرواية الاولى على ما في الوسائل هو: محمد بن عمر الجعابي، عن الحسن بن عبد اللّه التميمي، عن أبيه، عن الرضا - عليه السلام -، عنه - صلى اللّه عليه و آله و سلّم -.
4- المزّمّل/ 4.

«هو أن تتمكّث فيه و تحسن به صوتك.»(1)

أقول:

قد يكون حسن الصوت طبيعيّا منشؤه كون آلات التنفّس و التكلّم بحيث يصدر عنه الكلام حسنا و ملائما مناسبا لسمع السامعين، بحيث يستلذّ به السامع، كما أنّها قد تكون على خلاف ذلك بحيث يخرج منه الكلام على وجه تشمئزّ منه النفوس؛ كصوت الحمار. و هذا في الصوت كالحسن و القبح في الوجه و غيره من سائر الاشياء. و قد يكون اختياريّا ناشئا من طرف المادّة باعتبار إخراج الحروف من أليق حدود مخارجها بها على وجه متناسب، كما يشاهد في بعض القرّاء، أو من طرف الهيئات العارضيّة للحروف، المحسّنة لها، المزيّنة إيّاها، باعتبار الانفراد و التأليف مع غيرها بحيث يميل إلى معروضها نفس السامع، كما يعرض القبح للكلام بالاعتبارين، كما هو المشاهد من بعض الناس. و قد يكون اختياريّا ناشئا من ترجيح الصوت و ترديده بكيفيّات خاصّة، بحيث تؤثر في النفس سرورا و حزنا، مع قطع النظر عن مادّة الحروف و الكلمات و هيئاتها العارضة لها، بل هو خارج عنها أصلا، بل ربّما يؤثّر تأثيرها في نفس السامع مع عدم سماعه لجوهر الكلام.

و بيان هذا النمط من الحسن هو الّذي تكفّل له علم الموسيقى المعدود من أجزاء علم الحكمة، و له أقسام و قواعد مسطورة فيه.

و لا يبعد أن يكون هذا القسم بالخصوص هو المراد بالغناء الّذي ورد عنه النهي في الاخبار و أفتى بحرمته العلماء، و يشبه أن يكون موضوعه ظاهرا عند أهله و من له بصيرة بهذا الشأن، و لو في الجملة؛ إذ ليس كلّ من يعرف حسن الشيء من قبحه يقدر على صناعته، كما يظهر بين الخطّ الحسن و القبيح، و البناء الحسن

ص: 183


1- مجمع البيان، ج 5، ص 378؛ و الوسائل، ج 4، باب 21 من أبواب قراءة القرآن، ص 856، ح 4.

من القبيح. و الظاهر أنّ هذا من الكيفيّات العارضة للصوت؛ كعروض هيئة الشعر على الكلمات في تعيّنه واقعا، و انقسامه إلى أقسام محصورة في الواقع، و معرفته من لا يقدر على إحداثه، و اختلاف الصانعين في جودة الطبع و عدمها، و مقدار الاكتساب. و هذه الكيفيّة هي ترجيع خاصّ معهود، و مطرب مؤثّر في النفس سرورا و حزنا، و هو المراد من تفسيره بالترجيع، أو مع قيد الاطراب، أو ما يعبّر عنه في الفارسيّة ب «خوانندگى»، و نحوها إن أريد بها، و ما يشبهها المعاني المعهودة عند أهل الخبرة بهذا الشأن.

و هاهنا نوع آخر من حسن الصوت بالقرآن يحصل من حال القارئ إذا ترقّى في مقامات القراءة من هذا العالم إلى عالم السرور و البهاء و القدس، فانه يحدث لقراءته ملاحة و حسنا، و يتلبّس بها كلامه بحيث يبتهج به السامع ابتهاجا روحانيّا لصدوره من عالم البهجة و الحسن و الجمال، و ظهور حال المتكلّم و صفاته في الكلام، كما يظهر حزنه و سروره فيه بحيث سرى منه إلى السامع، كما يؤثّر الغناء في ذلك، و كما أنّه إذا خرج عن القلب دخل في القلب. و يشبه أن يكون هذا النمط من الحسن هو ما كان لداود و عليّ بن الحسين و الباقر عليهم السّلام على ما روي في الأخبار، أو نمط أعلى من ذلك يشابهه في الروحانيّة، و ذلك بخروج القرآن عن لسان المتكلّم على ما هو عليه من البهاء و الكمال الروحاني، أو عن مبدئه الّذي له الجمال المطلق.

و ممّا ذكر يظهر أنّه لا يختصّ تحسين الصوت بالقرآن، و الترجيع به بالتغنّي به، بل ليس لتلك الاخبار الواردة ظهور تامّ في جوازه فضلا عن رجحانه، فالخروج بها عن إطلاق ما دلّ على حرمته جرأة تامّة، خصوصا بملاحظة ما رواه الكليني بسنده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اقرءوا القرآن بألحان العرب و

ص: 184

أصواتها، و إيّاكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر! فانّه سيجيء من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانيّة، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم.»(1)

[استحباب التّرتيل في القراءة و معنى التّرتيل]

و منها: الترتيل؛ قال سبحانه: «وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً.»

و عن الكافي بسنده عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن ذلك، قال:

«قال أمير المؤمنين: بيّنه تبيانا، و لا تهذّه هذّ الشعر، و لا تنثره نثر الرمل، و لكن أقرعوا(2) به قلوبكم القاسية، و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة.»(3)

و روى الطبرسي قريبا من ألفاظه عنه عليه السّلام مرسلا (4).لكنّ الموجود في

ص: 185


1- الكافي، ج 2، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، ص 614، ح 3؛ و رواه أيضا الطبرسي (ره) في مجمع البيان، ج 1، المقدمة، الفن السابع، ص 16، عن حذيفة بن اليمان، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و الشيخ البهائي (قده) في كشكوله، ج 2، ص 16، مرسلا عن أبي عبد اللّه - عليه السلام -، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و هكذا في الوسائل، ج 4، باب 24 من أبواب قراءة القرآن، ص 858، ح 1.
2- في بعض النسخ: «أفزعوا» أو «فزعوا».
3- الكافي، ج 2، باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن، ص 614، ح 1؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 45؛ و الوسائل، ج 4، باب 21 من أبواب قراءة القرآن، ص 856، ح 1. و قال الفيض (ره) في الصافي: «الهذّ: السرعة في القراءة؛ أي: لا تسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر، و لا تفرق كلماته بحيث لا تكاد تجتمع كذرّات الرمل، و المراد به الاقتصاد بين السرعة المفرطة و البطوء المفرط.»
4- راجع مجمع البيان، ج 5، ص 378.

النسخة أفزع بالموحّدتين، كما أنّ الموجود في نسخة الوسائل عن الكليني أقرع بالمثنّاة و المهملة، كما أنّ الموجود في نسخة تفسير عليّ بن إبراهيم هكذا:

قال:

«بيّنه تبيانا، و لا تنثره نثر الرمل، و لا تهذّه هذّ الشعر، و لكن أقرع به القلوب القاسية».(1)

و قال الطبرسي بعد الرواية: و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«إذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فاسأل اللّه الجنّة، و إذا مررت بآية فيها ذكر النار، فتعوّذ باللّه من النار.»(2)

و قد سبق رواية أخرى عنه فيه.

و روى غيره عن الصادق عليه السّلام في المرسل كالصحيح:

«ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتّل في قراءته، فاذا مرّ بآية [فيها] ذكر الجنّة و ذكر النار سأل اللّه الجنّة و تعوّذ [باللّه] من النار، و إذا مرّ ب (3): «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ» و «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» يقول: لبّيك ربّنا»(4)

ص: 186


1- القمي، ج 2، ص 392.
2- مجمع البيان، ج 5، ص 378؛ و البحار، ج 92، باب آداب القراءة و أوقاتها، ص 216، ح 20؛ و الوسائل، ج 4، باب 3 من أبواب قراءة القرآن، ص 830، ح 8.
3- في المخطوطة: «إذا قرأ».
4- رواه الشيخ (ره) في التهذيب، ج 2، باب في كيفية الصلاة و صفتها....، ص 124، ح؛ و نقله الحرّ العاملي (ره) في الوسائل، ج 4، باب 18 من أبواب القراءة في الصلاة، ص 753، ح 1.

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام تفسيره ب: «حفظ الوقوف، و أداء الحروف.»(1)

و عن دعائم الاسلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام على ما نقله بعض الفقهاء عقيب رواية عبد اللّه بن سليمان:

«و لا تنثره نثر الرمل، و لا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، و حرّكوا به القلوب، و لا يكن همّ أحدكم آخر السورة.»(2)

و قد اختلفوا تعبيرا في تفسير الترتيل، فقال الجوهري في الصحاح: «الترتيل في القراءة: الترسّل فيها، و التبيين بغير بغي و كلام، رتّل بالتحريك أي: مرتّل، و ثغر رتّل أيضا إذا كان مستوى البنات.»

و عن ابن عباس في تفسيره في الآية: «بيّنه تبيانا، و اقرأه على هنيئتك ثلاث آيات و أربعا و خمسا.»(3)

ص: 187


1- نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 45؛ و المجلسي (ره) في البحار، ج 67، باب علامات المؤمن و صفاته، ص 323؛ و ج 85، كتاب الصلاة، باب القراءة و آدابها، ص 8.
2- دعائم الاسلام، ج 1، كتاب الصلاة، باب في ذكر صفات الصلاة ص 161. و المراد من بعض الفقهاء هو: الشيخ محمد حسن النجفي - قدّس اللّه سرّه - صاحب الجواهر، و قد نقله في ج 9، كتاب الصلاة، باب القراءة، ص 392 من كتابه؛ و نقله أيضا المجلسي (رض) عن الدعائم، عنه - عليه السلام - في البحار، ج 85، باب القراءة و آدابها من كتاب الصلاة، ص 50، و عن نوادر الراوندي، عن موسى بن جعفر، عن آبائه - عليهم السلام -، عن النبي - صلّى اللّه عليه و آله - في ج 92، باب آداب القراءة من كتاب القرآن، ص 215، ح 17؛ و هكذا أخرجه العسكري فى المواعظ عن عليّ - عليه السلام -، عنه - صلّى اللّه عليه و آله - كما في الدرّ المنثور، ج 6، ص 277.
3- راجع مجمع البيان، ج 5، ص 377.

و عن الزجاج: «البيان لا يتمّ بأن يعجل في القرآن، إنّما يتمّ بأن يبيّن جميع الحروف و توفي حقّها من الاشباع.»(1)

و عن مجاهد: «معناه: يرسّل فيه ترسيلا.»(2) و عن قتادة: «ثبت فيه تثبيتا.»(3)

و قيل: «الترتيل هو أن يقرأه على نظمه و تواليه، و لا يغيّر لفظا، و لا يقدّم مؤخّرا، و هو مأخوذ من ترتّل الاسنان إذا استوت و حسن انتظامها.»(4)

و قيل: «رتّل معناه: ضعّف، و الرتل: اللّين» عن قطرب، قال: «و المراد بهذا تحزين القرآن، أي: اقرأه بصوت حزين.»(5)

و عن بعض تفسيره ب «الترسّل و التؤدة بتبيين الحروف و إشباع الحركات.»(6)

و عن آخر: «بالتأنّي و التمهّل، و تبيين الحروف و الحركات»، قال: «تشبيها بالثغر المرتّل، و هو المشبّه بنور الاقحوان.»(7)

و عن الشيخ الطوسي [ره] و غيره تفسيره ب «تبيين الحروف من غير مبالغة »(8).

ص: 188


1- نفس المصدر؛ و هكذا نقله الطوسي (ره) في التبيان، ج 10، ص 162؛ و الرازي في التفسير الكبير، ج 8، ص 334.
2- التبيان، ج 10، ص 162؛ و مجمع البيان، ج 5، ص 377؛ و الدرّ المنثور، ج 6، ص 277.
3- راجع مجمع البيان، ج 5، ص 376.
4- نفس المصدر، ص 378.
5- نفس المصدر.
6- هذا التفسير للزمخشري على الظاهر، راجع الكشّاف، ج 4، ص 152.
7- القول لابن الاثير كما يقول في النهاية؛ و هكذا في تفسير القرطبي، ج 1، ص 17.
8- التبيان، ج 7، ص 488، و ج 10، ص 162؛ و هكذا في منتهى المطلب للعلامة كتاب الصلاة، باب القراءة، ص 278؛ و المعتبر للمحقّق الحلّي، كتاب الصلاة، باب القراءة، ص 176، نقلا عن الشيخ.

و عن العلامة: ب «بيان الحروف و إظهارها»، و ب «أن لا يمدّه بحيث يشبه الغناء.»(1) و كأنّهما مأخوذان من كلام الجوهري من التقييد بغير بغي(2).

و عن إرشاد الجعفريّة ب: «تبيين الحروف و إظهارها »(3).و عن المدارك ب «الترسّل و التبيين و حسن التأليف.»(4) و عن جماعة ب «حفظ الوقوف و أداء الحروف.»(5)

و أكثر هذه التعبيرات متقاربة المفاد، و ليس المفسّر ملتزما بايراد الحدّ الجامع المانع، و إنّما عليه كشف المعنى و لو في الجملة، كما هو الظاهر من ملاحظة كلمات أهل اللّغة و التفسير.

و فسّره بعض الفقهاء ب «الترسّل و التأنّي بالقراءة بسبب المحافظة على كمال بيان الحروف و الحركات، فيحسن تأليفه و تنضيده، و يكون كالثغر المرتّل الّذي حسن نضده بسبب ما فيه من الفلج حتّى شبّه بنور الاقحوان، بخلاف غير المرتّل من الكلام الّذي يشبه في تتابعه الثغر الألصّ، أو الشعر الذي يهذّ و يسرع في تأديته، أو الرمل المنثور الذي بعضه على بعض؛ كالدقل من التمر المتراكم قبل سقوطه أو بعده إذا تساقط متتابعا.»(6)

ص: 189


1- ذكره (ره) في نهاية الاحكام، كتاب الصلاة، باب القراءة؛ و تذكرة الفقهاء ج 1، كتاب الصلاة، ص 117.
2- كما قال (ره) في الجواهر، ج 9، ص 394.
3- كما في المصدر السابق؛ و مفتاح الكرامة، كتاب الصّلاة، باب القراءة.
4- مدارك الاحكام، كتاب الصلاة، باب القراءة.
5- كالشهيد الاول - قدّس اللّه روحه -، ذكره في الذكرى، ج 1، كتاب الصلاة باب القراءة (الواجب الرابع)؛ و هكذا فى الجواهر، ج 9، ص 391-395، و لقد يوجد فيه كثير من الاقوال المتقدمة كما أشرنا إلى بعضها فيما سبق.
6- الكلام لصاحب الجواهر، راجع المصدر، ج 9، كتاب الصلاة، باب القراءة، ص 392.

و استظهر أن يكون هو المراد لأكثر اللّغويين و الفقهاء و إن اختلفت عباراتهم.

و يشبه أن يكون الجامع لجميع ما ذكر عدا ما عن قطرب، الترسّل و التأنّي و التؤدة و التمهّل فيها، فلا يكون هذّا كهذّ الشعر على ما عن ابن الاثير من تفسيره بترك الاسراع فيه و ترك الافراط في التمهّل، فيكون نثرا كنثر الرمل أو الدقل على أحد الاحتمالين، و تبيين الحروف و إظهارها، و ترك المبالغة فيه، و توفية حقّها من الاشباع، و بيان الحركات، و المحافظة على نظمه و تواليه بحيث يحسن تأليفه، و يحفظ وقوفه. و هذا قريب ممّا سبق عن المدارك.

و لعلّ الجامع لها هو: إفصاح الكلام و إظهاره مادّة و هيئة على الوجه الّذي ينبغي أن يكون عليه، بحيث يكون ظاهر الأجزاء منفصلة الابعاض مع بقاء نظامها، و ارتباط بعضها مع بعض؛ كالثغر المرتّل الّذي انفصل أسنانه، مع بقاء نسقه و نظامه، و لزومه محلّه الّذي ينبغي أن يكون عليه.

و أمّا سؤال الجنّة و النار، فلم يعلم من الاخبار كونه معنى الترتيل، فلعلّه من لواحق الترتيل؛ إذ الكلام الصادر على الوجه المذكور يكون منشرح المعاني للقارئ، فيناسب إلحاق السؤالين المفروضين بالقراءة؛ كقول لبّيك عقيب الخطابين، و كذا الوقوف عند عجائبه، و تحريك القلوب و تقريعها و تفزيعها.

و يمكن أن يقال: إنّ هاهنا ترتيلا صوريا في لفظ القراءة، و ترتيلا معنويا في معانيها الواردة على القلب، و ترتيلا في الحالات المنبعثة عن تلك المعاني الواردة عليه؛ فتبيين للقلب، و تبيين للمعنى لعلّه المراد من الوقوف عند عجائبه، و تبيين للحالة الحادثة من ذلك المعنى من طلب جنّة و استعاذة من نار في القلب مؤكّدا إيّاهما باجرائه على اللّسان، أو حالة إجابة نداء الحقّ، كذلك. و لعلّه المراد من إقراع القلب و إفزاعه و تحريكه، و كذا التأنّي في اللّفظ و المعنى و الحالة، و كذا حسن التأليف في كلّ منها، فتدبّر.

ص: 190

و أمّا ما نقل عن قطرب من إرادة تحزين الصوت بالقرآن فشاذّ، و لا يؤيّده الرواية المذكورة في بيان استحباب تحسين الصوت؛ إذ المذكور هو: التمكّث و تحسين الصوت و هو غير التحزين، و بينهما عموم من وجه.

و لعلّ المراد من التحسين تحسين المادّة و الصورة و النظم، فيدلّ على ما ذكرنا، و قد أشرنا إلى بيانه هناك، فيكون هذه الرواية و الروايات السابقة و الآتية متفرّقة مع كلمات الجماعة، مجتمعة على ما استظهرناه و إن احتاج إلى تصرّفات في ظواهر كثير منها.

و أمّا ما ذكره العلامة [ره] من ترك مدّها بحيث يشبه الغناء، فان كان المراد منه ما يخلّ بأسلوب القرآن و نظامه، الّذي ينبغي أن يكون عليه، فهو حسن، و إلا كان ممنوعا؛ إذ لم نجد له شاهدا أصلا.

هذا ما سنح بالبال، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

[ترك الافراط في مقدار القراءة إلاّ في شهر رمضان]

و منها: ترك الافراط في مقدار القراءة على ما يستفاد من جملة من الاخبار؛ فعن الكليني بسنده عن محمّد بن عبد اللّه قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أقرأ القرآن في ليلة، فقال: لا يعجبني أن تقرأه في أقلّ من شهر.»(1)

و باسناده عن الحسين بن خالد، عنه عليه السّلام قال:

«قلت له: في كم أقرأ القرآن؟ فقال: اقرأه أخماسا، اقرأ أسباعا؛ أما إنّ عندي مصحفا مجزّأ أربعة عشر جزءا.»(2)

ص: 191


1- الكافي، ج 2، باب في كم يقرأ القرآن و يختم؛ و الوسائل، ج 4، باب 27 من أبواب قراءة القرآن، ص 862.
2- نفس المصادر.

و باسناده عن عليّ بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه عليه السّلام و أنا حاضر، فقال له:

«جعلت فداك، أقرأ القرآن في ليلة؟

فقال: لا. قال: ففي ليلتين؟

فقال: لا. حتّى بلغ ستّ ليال، فأشار بيده فقال: ها.

ثمّ قال: يا با محمّد، إنّ من كان قبلكم من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله كان يقرأ القرآن في شهر و أقلّ؛ إنّ القرآن لا يقرأ هذرمة، و لكن يرتّل ترتيلا. إذا مررت بآية فيها ذكر النار وقفت عندها و تعوّذ [ت] باللّه من النار.

فقال له أبو بصير: أقرأ القرآن في رمضان في ليلة؟

فقال: لا. فقال: ففي ليلتين؟

فقال: لا. فقال: ففي ثلاث؟

فقال: ها، و أومأ بيده، نعم، شهر رمضان لا يشبهه شيء من الشهور، له حقّ و حرمة، أكثر من الصلاة ما استطعت.»(1)

و عن السيّد ابن طاوس في الاقبال، عن وهب بن حفص، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«سألته: الرجل في كم يقرأ القرآن؟ قال: في ستّ، فصاعدا.

قلت: في شهر رمضان؟ قال: في ثلاث، فصاعدا.(2)

ص: 192


1- نفس المصادر.
2- الاقبال، ص 110؛ و الوسائل، ج 4، باب 27 من أبواب قراءة القرآن، ص 864.

و عن جعفر بن قولويه باسناده إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«لا يعجبني أن يقرأ القرآن في أقلّ من شهر.»(1)

و لعلّ السرّ فى ذلك هو لزوم الاخلال بآداب القراءة من الترتيل و التدبّر و غيرهما على تقدير الافراط، أو حدوث القساوة في القلب و عدم تأثّره من مواعظه، كما ربّما يشاهد نظيره عن بعض من يدمن حضور مجالس الوعّاظ و محادثتهم، فانّه أبعد تأثّرا من المقتصدين، أو حدوث الكسل عن هذه العبادة الشريفة و إدبار النفس عنها، و كراهتها إيّاها، مع أنّ النشاط في العبادة و الاقبال عليها مطلوب.

و أمّا شهر رمضان، فانّ المواظبة فيه على العبادة أكثر، فربّما يسهل عليه مراعات الآداب مع الاكثار، و القلب فيه رقيق من جهة الصوم، فلا يحدث للمتّقي قساوة، و النشاط فيه للعبادة و قلّة الكسالة و إقبال القلب مشاهد من أهل العبادة، كما يظهر بأدنى تأمّل في تفاوت أحوالهم فيه بالنسبة إلى سائر الشهور. مع أنّ فيوضات ذلك الشهر ربّما تمدّ المتّقي باطنا، و تصير سببا لظهور بركات القراءة لأهله، و قبول ما لم يكمل فيه آدابه. و لعلّه لذا ورد فيها الاذن في الختم في كلّ ليلة، بل استفاد الرخصة في أربعين ختمة في مجموع الشهر. و لعلّ الاشارة فيما رواه الكليني إلى ما مرّ باسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«لكلّ شيء ربيع، و ربيع القرآن شهر رمضان.»(2)

و منه يظهر قوّة احتمال اختلاف الأشخاص في المقدار الّذي ينبغي له من الجزء الواحد من ثلاثين جزء إلى السدس من القرآن، بل ورد في رواية «إبراهيم بن العباس» أنّ الرضا عليه السّلام كان يختمه في كلّ ثلاث و يقول:

ص: 193


1- نفس المصادر.
2- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن ص 630، ح 10؛ و رواه أيضا الصدوق (ره) في ثواب الاعمال، ص 129؛ و في المجالس و المعاني كما في الوسائل، ج 4، باب 18 من أبواب قراءة القرآن، ص 853، ح 2.

«لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة لختمت، و لكنّي ما مررت بآية قطّ إلا فكّرت فيها، و في أيّ شيء انزلت، و في أيّ وقت، فلذلك صرت أختم في كلّ ثلاثة.»(1)

[التّحزين في القراءة]

و منها: كون القراءة بالحزن؛ فعن الكليني باسناده عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

«إنّ القرآن نزل بالحزن، فاقرءوه بالحزن.»(2)

و باسناده عن عبد اللّه بن سنان، عنه عليه السّلام قال:

«إنّ اللّه أوحى إلى موسى بن عمران عليه السّلام: إذا وقفت بين يديّ فقف موقف الذليل الفقير، و إذا قرأت التوراة فأسمعنيها بصوت حزين.»(3)

و باسناده عن حفص قال:

«ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر عليه السّلام، و لا أرجى الناس منه، و كانت قراءته حزنا، فكأنه يخاطب إنسانا.»(4)

ص: 194


1- رواه الصدوق (ره) في العيون، ج 2، باب 44، ص 177، ح 4؛ و نقله الحرّ العاملي (رض) في الوسائل، ج 4، باب 27 من أبواب قراءة القرآن، ص 863، ح 6.
2- الكافي، ج 2 باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن من كتاب فضل القرآن؛ و الوسائل، ج 4، باب 22 من أبواب قراءة القرآن، ص 857.
3- نفس المصادر.
4- الكافي، ج 2، باب فضل حامل القرآن، ص 606، ح 10؛ و الوسائل، ج 4، باب 22 من أبواب قراءة القرآن، ص 857، ح 3.

[استحباب سؤال الجنّة و الاستعاذة من النّار عند آيتيهما]

و منها: سؤال الجنّة و الاستعاذة من النار عند آيتيهما، بل سؤال كلّ مسئلة عند آيتها، و العافية من العذاب؛ و قد مرّ جملة من الأخبار في ذلك.

و عن الكليني باسناده عن سماعة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:

«ينبغي لمن قرأ القرآن إذا مرّ بآية من القرآن فيها مسئلة أو تخويف أن يسأل [اللّه] عند ذلك خير ما يرجو أو يسأله العافية من النار و من العذاب.»(1)

و عن الطبرسي عن الصّادق عليه السّلام في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ آتَيْنٰاهُمُ الْكِتٰابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاٰوَتِهِ » ،(2) قال:

«حقّ تلاوته هو: الوقوف عند ذكر الجنّة و النار؛ يسأل في الاولى، و يستعيذ من الاخرى .»(3).

و اعلم أنّ السؤال و الاستجارة لفظيّان و قلبيّان، ربّما يعبّر عنهما بالطلب و الاستدفاع، و الرجاء و الخوف؛ و علميان فعليّان بمعنى المعرفة بأنه في معرض حصول المرجوّ له، و وقوع المخوف عليه، مع العلم بوجودهما في الواقع، و كونهما في يد المسئول عنه، و المستعاذ به يعذّب من يشاء بما يشاء كيف يشاء، و يرحم من يشاء بما يشاء كيف يشاء، مع تذكّر الانسان لمعرفته تفصيلا، و الاوّلان حكايتان عن الثانيين منبعثان عنهما، و هما مسبّبان عن الاخيرتين. فاذا حصّل العلم و المعرفة في النفس

ص: 195


1- الكافي، ج 3، باب البكاء و الدعاء في الصلاة، ص 301، ح 1؛ و رواه الشيخ (ره) في التهذيب، ج 2، باب كيفية الصلاة و صفتها و... من أبواب الزيادات، ص 286، ح 3؛ و هكذا في الوسائل، ج 4، باب 3 من أبواب قراءة القرآن، ص 828، ح 2.
2- البقرة/ 121.
3- مجمع البيان، ج 1، ص 198؛ و الوسائل، ج 4، باب 27 من أبواب قراءة القرآن، ص 863، ح 7.

بما مرّ، و صار ذاكرا له انبعث الرجاء و الخوف و الطلب و الهرب في القلب، و إذا تحقّقت صار اللّسان مترجما للحالة الحادثة حاكيا عنه، و توسّل السائل بسؤاله نيل مقصوده، أو الهرب عن مبغوضه. و القرآن هو المذكّر لذلك، و الهادي إليه لمن يؤمن به، فيحقّ أن يكون حقّ تلاوته هو حصول التذكّر و المعرفة بحيث يستتبعهما آثارهما في القلب و اللّسان، و لا يكمل السؤال حقيقة إلا باستجماعه المراتب، و كذا الاستجارة و الاستعاذة، فتأمّل.

[التفكّر في معاني القرآن و التأثّر منها]

و منها: التفكّر في معاني القرآن و التدبّر و التأثّر و الاتّعاظ، و استشعار الرقّة و اللّين و الوجل و الدمعة، و ما أشبه ذلك دون إظهار الغشية.

فعن الكليني باسناده عن الحلبيّ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، و الصدوق بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السّلام أنّهما قالا:

«قال أمير المؤمنين عليه السّلام: أ لا أخبركم في الفقيه حقّا؟ من لم يقنّط الناس من رحمة اللّه، [و لم يؤمنهم من عذاب اللّه،] و لم يؤيسهم من روح اللّه (1) ،و لم يرخّص لهم في معاصي اللّه، و لم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره؛ ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه.»(2)

و الاوّل باسناده عن الزهري قال: سمعت عليّ بن الحسين عليهما السّلام يقول:

«آيات القرآن خزائن، كلّما فتحت خزانة ينبغي لك أن

ص: 196


1- هذه الفقرة غير موجودة في بعض نسخ الكافي و المعاني.
2- الكافي، ج 1 باب صفة العلماء، ص 36، ح 3 و المعاني، باب معنى الفقيه حقا، ص 226؛ و الوسائل، ج 4، باب 3 من أبواب قراءة القرآن، ص 829، ح 7.

تنظر ما فيها.»(1)

[كلام عليّ - عليه السّلام - في صفة المتّقين و شرحه]

و في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام في كلام طويل في صفة المتّقين:

«أمّا اللّيل، فصافّون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، و يستثيرون به دواء دائهم. فاذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم؛ و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها في أصول آذانهم. فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم و أكفّهم و ركبهم، و أطراف أقدامهم؛ يطلبون إلى اللّه سبحانه تعالى في فكاك رقابهم.»(2)

و عن الصدوق في المجالس باسناده عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السّلام في جملة كلام في صفتهم هكذا:

«أما اللّيل، فصافّون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا، يحزنون به أنفسهم، و يستثيرون به تهييج أحزانهم بكاء على ذنوبهم، و وجع كلوم جراحهم. و إذا مرّوا

ص: 197


1- الكافي، ج 2، باب في قراءته من كتاب فضل القرآن، ص 609، ح 2؛ و الوسائل، ج 4، باب 15 من أبواب قراءة القرآن، ص 849، ح 2؛ و هكذا رواه ابن فهد الحلّي (رض) في عدّة الداعي (المخطوطة)، الباب السادس، ص 255؛ و نقله المجلسي (ره) عنه في البحار، ج 92، باب آداب القراءة و أوقاتها، ص 216، ح 22.
2- نهج البلاغة، خ 193، ص 304؛ و البحار، ج 67، باب علامات المؤمن و صفاته، ص 315، ح 50؛ و هكذا رواه الحرّاني (ره) في تحف العقول، ص 107.

بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم و أبصارهم، فاقشعرّت منها جلودهم، و وجلت [منها] قلوبهم، فظنّوا أنّ صهيل جهنّم [و زفيرها] و شهيقها في أصول آذانهم؛ و إذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلّعت أنفسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم - الحديث.»(1)

و عن كنز الكراجكي باسناده عنه عليه السّلام في جملة كلام له في صفة شيعة أهل البيت هكذا:

«أمّا اللّيل، فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، و يستشفون لدائهم بدوائه تارة و تارة، مفترشون جباههم و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم - الحديث.»(2)

أقول:

«الصفّ»: ترتيب الجمع على صفّ، و صفّ القدمين في الصلاة: وضعهما بحيث يتحاذى الابهامان و يتساوى البعد بين الصدر و العقب. و حينئذ إرادة هذا المعنى في حال صلاتهم حقيقة لكون قراءتهم فيها كذلك، أو كونهم بهذه الصفة و لو في غيرها، و أن يكون كناية عن مطلق قيامهم بالقراءة مع شدّة ثباتهم و إقبالهم عليها بجدّهم، و عن بعض النسخ: «تالون».

و «الحزن»: الهمّ، و حزنه الامر كنصر أي: جعله حزينا، و حزن كعلم أي: صار حزينا، و حزّنه تحزينا: جعل فيه حزنا، و الاوّل و الاخير كلاهما

ص: 198


1- المجالس، المجلس الرابع و الثمانون، ص 570، ح 2؛ و البحار ج 67، ص 341، ح 51؛ و رواه أيضا سليم بن قيس الكوفي - قدّس اللّه سرّه - فى كتابه، ص 239.
2- كنز الفوائد، ص 32.

موجودان في النسخ، و تحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر، و أمّا آيات الوعد، فللخوف من الحرمان و عدم الاستعداد، كذا قيل؛ لكن أكثر الآيات بظاهرها خارجة عن كلتا الطائفتين. و يصحّ أن يلاحظ فيها أمورا يحزن به النفس من جهات عديدة، فيلاحظ في الآيات المشتملة على ذكر النعم العامّة و التقصير في شكرها، و فيما دلّ على صفات الحقّ بعدم القيام بواجب حقّ عبوديّته، و ما اشتمل على نعمه على بعض العباد باستشعار أنّ فقدها له لقصوره إن كان مفقودا له، و التقصير في الشكر إن كان مثله موجودا، و غير ذلك من الوجوه المناسبة. و كما يمكن تحزين النفس بالقرآن يمكن إثارة البشارة و الرجاء منه و لو من آيات الوعيد لكون الانتقام من الاشقياء نعمة على السعداء لأنّهم أعدائهم، و إثارة المحبّة منها بملاحظة صفات اللّه سبحانه الذاتيّة و الفعليّة في جملة أفعاله و حكمته و عدله و سنّته في الماضين و الغابرين، و عجائب تدبيره. فينشرح منها القلب بالمعرفة و المحبّة و استثارة الحياء لمشاهدة عظمة المتكلّم في كلامه الحاكي عن جلاله و جماله، و مشاهدة القصور و التقصير، و نفود حكمه و مشيّته، وسعة قدرته و حلمه و كرمه في طيّ أفعاله و صنائعه و أحكامه.

و لعلّه عليه السّلام اقتصر على الاوّل لكون التحزين أقرب إلى مقام العبوديّة و الخضوع و الاستكانة للحقّ، و أقرب إلى شمول الرحمة له بالتدارك، و أقمع للنفس عن هواه و كبره و أنانيّته من الرجاء، مع أكثريّة الزواجر في القرآن عن المبشّرات لاقتران المبشّرات نوعا بشرائط و خصوصيّات غير متحقّقة الحصول للعبد.

و أمّا المحبّة و الحياء، فاستثارتهما من القرآن موقوف على علوّ مقام في المعرفة، و صلاح القلب لا تحضر لأغلب العباد في أكثر أوقاتهم. و يحتمل أن يراد من تحزين القلب بالقرآن تحزينه بما اشتمل ظاهره على ما ينبغي الحزن بسببه، لا

ص: 199

الاستغراق، هذا.

و أثار الغبار و استثاره أي: هيّجه؛ قيل: «لعلّ المراد بالدواء: العلم، و بالداء: الجهل، و استثارة العلوم الكامنة على حسب الاستعداد و الكمال بالتدبّر و التفكّر و التذكّر.»

و قال بعضهم: «المراد أنّهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الّذى كاد يبلغ [حدّ] الاغترار و الامن لمكر اللّه، و بآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط، و بما يستكمل اليقين داء الشبهة، و بالعبر داء القسوة، و بما ينفر عن الدنيا و الميل إليها داء الرغبة فيها، و نحو ذلك.»(1)

و هذا مقام أهل الاحوال و الاخلاق المشتغلين بمعالجة نفوسهم، كما أنّ الاوّل مقام الحكماء المستهدين بأنوار القرآن، فيمكن الحمل على الاعمّ منهما، بل على الاعمّ من حال المنقطع إلى اللّه سبحانه في أدواته المتقرّب إليه سبحانه بكلامه ليجعله شفاء لما في صدره.

و ركن إلى الشيء: مال و سكن. و التطلّع إلى الشيء: الاستشراف له، و الانتظار لوروده. و نصب الشيء: رفعه، و أن يستقبل به شيء، و الكلمة منصوبة على الظرفيّة؛ أي: ظنّوا أنّها فيما نصب بين أيديهم، كذا قيل، و عن بعض النسخ برفع النصب على أنّه خبر «أنّ»، و يكون النصب بمعنى المنصوب و الاضافة إلى الاعين لأدنى ملابسة.

و عن «الكيدريّ»: «و تطّلعت نفوسهم إليها أي: كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم الابدان، فتصعد إلى العالم الاعلى شوقا إلى ما وعدوا به في تلك الآيات من أخائر الذخائر و عظائم الكرائم.»

ص: 200


1- نقله المجلسي (رض) عن والده (ره) في البحار، و سنشير إلى موضعه فيه عن قريب - إن شاء اللّه تعالى -.

و عن «الراوندي» أنّ: «الظنّ هنا بمعنى اليقين.» و عن بعض الشرّاح أنّه: «يمكن أن يكون على حقيقته.»(1) و كلاهما موجّهان؛ إذ المعلوم هو وجوده المبشّر به و المشوّق إليه في حدّ نفسه، فهو بين يدي العبد شأنا.

و أمّا أنّ الوجهة الّتي توجّه العبد إليها بكمال إيمانه و خلقه و عمله و هو ذلك الّذى بشّر به بأن يكون غاية تلك الجهات هو المشوّق إليه المرغوب إليه، فذلك غير معلوم، بل المؤمن ظنون بنفسه.

و أصغى سمعه إليه أى: أماله، و «زفير النار»: صوت توقّدها، و الزفير أيضا: إخراج النفس بعد مدّة، فالمراد زفير أهل جهنّم. و «الشهيق»: تردّد البكاء في الصدر مع سماع الصوت من الحلق، و شهيق الحمار صوته، و كونهما في أصول الآذان كناية عن تمكّنهما في الآذان؛ كذا ذكره بعضهم.

و حنى الظهر يحنوه و يحنيه أي: عطفه فانحنى. قيل: و حنوهم على أوساطهم وصف لحال ركوعهم. و الافتراش: البسط على الارض و هو وصف لحال سجودهم. و يحتمل تعميم الفقرتين لغير الحالين أيضا، فانّ المتّصف بالاحوال المذكورة إذا كان قائما كان منحني الظهر في الجملة، و افتراش الجبهة و الاكفّ من حالات الخضوع المنبعث منها.

و قال بعضهم: يطلبون إلى اللّه أي: يسألونه راغبين و متوجّهين إليه. و فكّ الرقبة كمدّ أي: أعتقها، و الاسير: خلّصه.

هذا، و في بعض النسخ في نظير الرواية الثانية: «و يستترون به» بعد قوله:

«يحزنون به أنفسهم»؛ و لعلّ المراد أنّهم يخفونه عن الناس خوفا من الرياء، أو طلبا لكونه عبادة سرّيّة. و في بعضها: «و يستبشرون به»، و قيل في معناه: «أي:

ص: 201


1- القول لابن أبي الحديد، فراجع شرحه على نهج البلاغة، ج 10، خ 186، ص 143.

يفرحون بالحزن أو بالتلاوة شكرا لما وفّقهم اللّه لذلك.» و لعلّ إرادة الاستبشار من آيات الترغيب، و يكون التحزين مقصورا على آيات الترهيب أولى ليطابق ما بعده و تهييج أحزانهم على بناء المجرّد فيكون أحزانهم فاعله، و بكاء منصوبا على العلّة، و وجع عطف على ذنوبهم، أو على بناء التفعيل و بكاء فاعله و أحزانه مفعوله، و وجع عطف على بكاء و يحتمل العكس، فيكون الاحزان مهيّجا للبكاء على الذنوب و الوجع، بل لعلّه أولى و إن اقتصر بعضهم على سابقه.

و «الكلوم» جمع كلم بالفتح و هو: الجرح، و الجراح جمع جراحة، و الاضافة للتأكيد، أو الجراح مصدر؛ أي: الجراحات الّتي حدثت من جراحهم لأنفسهم بالذنوب و المعاصي. و «المسامع» جمع مسمع و هو: آلة السمع، أو جمع السمع على غير قياس. و «أبصارهم» بالنصب(1) عطفا على المسامع أي: أبصار قلوبهم، أو بالجرّ عطفا على قلوبهم، فالابصار بمعنى البصائر، كذا ذكر بعض الشارحين.(2)

و «الصهيل»: صوت الفرس، و لعلّه شبّه به صوت توقّد النار لرفعته و شدّته.

[عدم جواز إظهار الغشية عند قراءة القرآن]

و عن الكليني و الصدوق بأسانيد مختلفة الصدور عن جابر، عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«قلت: إنّ قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أو حدّثوا به

ص: 202


1- في المخطوطة: «بالفتح».
2- هذا الكلام و سائر الاقوال المذكورة في شرح خطبته - عليه السلام - لهمام (ره) في صفة المتقين لمولانا المجلسي - عطّر اللّه مرقده - صاحب البحار، إلا ما ذكر قائله في كلام المؤلّف (ره) أو في الهوامش، فراجع البحار، ج 67، باب علامات المؤمن و صفاته، ص 323-324 و ص 347.

صعق أحدهم حتّى ترى أنّ أحدهم لو قطعت يداه و رجلاه لم يشعر بذلك.

فقال عليه السّلام: سبحان اللّه! ذاك من الشيطان، ما بهذا نعتوا، إنّما هو اللّين و الرّقة و الدمعة و الوجل.»(1)

و لعلّه لأجل استظهاره عليه السّلام أنّه محض إظهار و تصنّع و تكلّف، أو لأجل أنّ تكلّف تحصيل الغشية ليس مأمورا به و إن كان الترقّي في المقامات و الاحوال مطلوبا. و يلزم من بعض معاليها عروضها أحيانا من دون تكلّف له. و يسنح ببالي وجود رواية مشتملة على عروض الغشية للصادق عليه السّلام بعد تكراره «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» معلّلا إيّاه: بأنّي «ما زلت أردّدها حتّى سمعتها من قائلها، فلم يثبت قلبي لعظمته.»(2)

و عنه باسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال:

«قرّاء القرآن ثلاثة - إلى أن قال: - و رجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فأسهر به ليله و أظمأ به نهاره، و قام به في مساجده، و تجافى به عن فراشه. فبأولئك يدفع [اللّه] البلاء، و بأولئك يديل اللّه من الاعداء، و بأولئك ينزل اللّه الغيث من السماء. فو اللّه لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الاحمر.»(3)

ص: 203


1- الكافي، ج 2، باب فيمن يظهر الغشية عند قراءة القرآن، ص 616، ح 1؛ و الامالي، المجلس الرابع و الاربعون، ح 9؛ و الوسائل، ج 4، باب 25 من أبواب قراءة القرآن، ص 860، ح 1.
2- نقله الفيض (ره) في المحجة، ج 2، كتاب آداب تلاوة القرآن، الباب الثالث، ص 248؛ و الشيخ البهائي (ره) في العروة الوثقى (المخطوطة)، ذيل الآية.
3- الكافي، ج 2، باب النوادر من كتاب فضل القرآن ص 627، ح 1 و عن عبيس بن هشام، عمّن ذكره، عنه - عليه السلام -؛ و رواه أيضا الصدوق (ره) بهذا الاسناد في الامالي، المجلس السادس و الثلاثون، ح 15؛ و الخصال، ج 1، باب الثلاثة، ص 142، ح 164؛ و هكذا في الوسائل، ج 4، باب 8 من أبواب قراءة القرآن، ص 836، ح 3.

و قد أشرنا في أوّل الكتاب إلى كيفيّة الاستشفاء بالقرآن و غير ذلك ممّا يناسب المقام، فراجع و تأمّل(1).

و عن مصباح الشريعة عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:

«من قرأ القرآن و لم يخضع له و لم يرقّ عليه و لم ينشأ حزنا و وجلا في سرّه، فقد استهان بعظم شأن اللّه، و خسر(2)

خسرانا مبينا. فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، و بدن فارغ، و موضع خال. فاذا خشع للّه قلبه فرّ، منه الشيطان الرجيم، و إذا تفرّغ نفسه من الاسباب تجرّد قلبه للقراءة، فلا يعترضه(3) عارض فيحرمه نور القرآن و فوائده، و إذا اتّخذ مجلسا خاليا و اعتزل من الخلق بعد أن أتى بالخصلتين الاوّلتين استأنس روحه و سرّه باللّه، و وجد حلاوة مخاطبات اللّه عباده الصالحين، و علم لطفه بهم و مقام اختصاصه لهم بقبول كراماته و بدائع إشاراته. فاذا شرب كأسا من هذا المشرب، فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا، و [لا] على ذلك الوقت وقتا، بل يؤثره على كلّ طاعة و عبادة؛ لأنّ فيه المناجاة مع الربّ بلا واسطة.

ص: 204


1- راجع مبحث أسماء القرآن من المقدمة الاولى.
2- في المخطوطة: «فقد خسر».
3- في المخطوطة: «يعترض».

فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك و منشور ولايتك، و كيف تجيب أوامره و نواهيه، و كيف تمتثل حدوده، فانّه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فرتّله ترتيلا، وقف عند وعده و وعيده، و تفكر في أمثاله و مواعظه، و احذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده »(1).

ص: 205


1- مصباح الشريعة، الباب الرابع عشر؛ و الصافي، ج 1، المقدمة الحادية عشرة، ص 46؛ و البحار ج 85، باب القراءة و آدابها و أحكامها، ص 43، ح 30.

المقدّمة الثّانية عشر فيما جرينا عليه في هذا التفسير من اصطلاح و غيره

اعلم أنّه إذا ذكرنا فيه عن «الكافي» فالمراد به كتاب الحديث المعروف للشيخ الاجلّ ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني، الّذي لم نعهد كتابا أكثر اعتبارا منه بين الاماميّة.

و إذا ذكرنا «القمّي» فالمراد به صاحب التفسير المشهور الثقة الجليل عليّ بن إبراهيم القمّي شيخ الكلينيّ.

و إذا ذكرنا «العيّاشي» فالمراد محمّد بن مسعود العيّاشي المعروف من قدماء الاماميّة صاحب التفسير المعروف.

و المراد ب «الفقيه» في هذا الكتاب كتاب «من لا يحضره الفقيه»، و ب «العيون» كتاب «عيون الاخبار»، و ب «الاكمال» كتاب «إكمال الدين و إتمام النعمة»، و ب «المعاني» كتاب «معاني الاخبار» و ب «العلل» كتاب «علل الشرائع و الاحكام» كلّها للشيخ الجليل رئيس المحدّثين محمّد بن عليّ بن الحسين [بن] موسى بن بابويه القمّي و له أيضا كتاب «الامالي» و يسمّى «المجالس» على ما صرّح به بعض المحدّثين، و «الخصال»، و «ثواب الاعمال»، و «عقاب الاعمال»، و كتاب «التوحيد»، و «المجالس»، و «الاعتقادات».

و «المناقب» لمحمّد بن شهرآشوب المازندراني.

و «التهذيب» و «الغيبة» و «الامالي» للشيخ أبي جعفر الطوسي.

و عبّرنا عن التفسير المنسوب إلى الامام أبي محمّد العسكري عليه السّلام ب «تفسير الامام» المنسوب إليه في هذا الكتاب.

ص: 206

ثمّ إنّا قد نأخذ الحديث من نفس الكتاب و «المجمع» و «الجوامع» للشيخ أبي عليّ الطبرسي، و من كتاب العلماء الناقلين؛ كالمحدّث الكاشاني من تفسيره «الصافي»، و المحدّث الحرّ العاملي من كتاب «الوسائل»، و المحدّث المجلسي من «بحار الانوار»، و السيّد هاشم البحراني من كتاب «معالم الزلفى» و «غاية المرام» و غيرهم، و ننسبه إلى الكتاب أو المصنّف المنقول عنه ثقة و اعتمادا عليهم.

و ربّما نوصف السند بالصحّة و الموثقيّة و الحسن، و نريد به المعاني المعروفة، و هو مبنيّ على الظنون الاجتهاديّة الرجاليّة، و ما نقل عن متقدّمي علماء الرجال.

و النسخ الّتي ننقل عنها غير تام الصحّة، فان كان الغلط ظاهرا أبدلناه بالصحيح إن تعيّن، و إلا نقلناه على ما وجدنا، و ربّما ننبّه على استظهار الغلط بأن نكتب فوقه «كذا» تنبيها للخاطر.

ثمّ اعلم أنّا نتعرّض في هذا الكتاب إلى بيان ألفاظ القرآن و الحديث مادّة و صورة و تركيبا مأخوذة من كلمات المفسّرين، أو أهل اللّغة و الادب، و نعتمد في ذلك على كلامهم، فانّهم أهل الخبرة و البصيرة بهذا الشأن، و إلى ما يتفرّع على تلك القواعد اللّفظيّة مبنيّة على ظنون و اجتهادات لفظيّة: و إلى إيراد أكثر الاخبار الّتي عثرنا عليها حال التفسير مأخوذة من كتب على ما وضعت، و إلى بيانات لها و تنبيهات مطابقة لمداليها، و دقائق و استبصارات من نفس تلك الآيات، و بضميمة الاخبار. و لست بانيا في جميع ما ذكرته في هذا الكتاب على القطع و اليقين و إن كان موردا له بصورة الجزم، و لا أدّعي مطابقة الواقع فيها و إصابة النظر له، بل إنّما أذكر ما يخطر ببالي و يسنح في فكري، و أعرضه على الناظرين لينظروا فيه، فان وجدوه صحيحا قبلوه، و إن وجدوا فيه خللا أصلحوه، و إن رأوه غير صحيح

ص: 207

لم يقبلوه، و الخطأ منّي أو منهم، و إن وجدوه مشتبها فليذروه في سنبله، و عليهم أن لا يبادروا بالانكار قبل تمام الجدّ و الجهد في فهم الكلام و ملاحظة المباني و الادلّة و القواعد، فلعلّ من وراء مبلغ نظرهم نظر لغيرهم.

و لا ألتزم إصابة نظري للواقع؛ إذ القلب عليل، و الرأي كليل، و موانع الادراك كثيرة، و أسباب الاختلال في الأدلّة الّتي نتوصّل بها إلى المطالب من الاخبار و غيرها كثيرة، و المطالب غير محصورة، و الاوقات محدودة، و الاسباب غير مجتمعة؛ فلعلّ من وراء مذهبي مذهبا لغيري، و فوق فكري فكرا سواه. و مع هذه الاحوال لا بدّ أن يتطرّق إلى الكلام الخطأ و النقصان، مضافا إلى كون الانسان محلا للسهو و النسيان، فغاية ما يرجى في مثل ذلك الحال أن يكون أكثر المطالب مطابقة للواقع، إلا أن يسدّدني ربي و يعصمني، و يأخذ بقلبي إلى الرشاد؛ إنّه بكلّ شيء قدير، و هو بكلّ شيء عليم.

و هذا أوان الشروع في المقصود بعون اللّه الملك المعبود. و أخّرنا تفسير الاستعاذة إلى الآية المشتملة عليها لنذكرها عنده - إن شاء اللّه تعالى -، و من اللّه التوفيق، و هو حسبنا و نعم الوكيل.

ص: 208

سورة الحمد سبع آيات

اشارة

ص: 209

ص: 210

[تحقيق حول كلمة البسملة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

في تفسير الامام عليه السّلام و التوحيد عنه(1) عليه السّلام في قوله تعالى: «بسم اللّه - الخ»:

«هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ من [هو] دونه، و تقطع الاسباب من جميع من سواه.

يقول: «بِسْمِ اللّٰهِ» أي: أستعين على أموري كلّها باللّه، الّذي لا تحقّ العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث، و المجيب إذا دعي.»(2)

قيل: معنى «يتألّه إليه»؛ بفزع و يلتجأ إليه.»(3)

و في رواية عنه عليه السّلام:

«يعني: بهذا الاسم أقرأ و أعمل هذا العمل.»(4)

[القول في معنى الباء و متعلّقها]

اعلم أنّ حرف الجرّ يدلّ على أن له متعلّقا و ليس بمذكور، فيكون

ص: 211


1- المراد من قوله: «عنه» هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليه السلام -.
2- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 7؛ و التوحيد، باب معنى «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ص 230، ح 5؛ و الصافي، ج 1، ص 50؛ و البحار، ج 92، باب فضائل، سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 232، ح 14، و ص 240، ح 48.
3- القول للفيض (ره)، راجع الصافي، ج 1، ص 50.
4- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 9؛ و الصافي، ج 1، ص 50؛ و البرهان، ج 1، ص 46، ح 11.

محذوفا، و قرينة تعيين المحذوف هو ما يقع بعده، و هو القراءة و العمل الواقع بعده، فيناسب في المقام تقدير «أقرأ» متأخّرة عن الجارّ و المجرور، لا القراءة، و لا مقدّما لوجوده ذكرها المفسّرون. و في عطف «أعمل» على «أقرأ» إشعار بأنّ في كلّ مقام يقدّر ما يكون التسمية لأجله. فالمسافر إذا حلّ و ارتحل فقال: «بسم اللّه و البركات» كان المعنى: بسم اللّه أحلّ و أرتحل و كذلك. و نظيره قولهم في الدعاء للعرس: «بالرخاء و البنين»؛ أي: بالرخاء أعرست. و تقدير القراءة و نحوها أنسب من الابتداء ليكون الفعل بتمامه منتسبا إلى اسم اللّه؛ كقوله تعالى: «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.» (1)

و ذكروا في معنى تعلّق اسم اللّه بالقراءة وجهين(2):

تعلّق الكتابة بالقلم، كأنّ فعله لا يجيء معتدّا به إلا بعد تصديره بذكره، كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله على ما ببالي:

«كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر.»(3)

و تعلّق الدهن بالانبات في قوله: «تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ» (4) أي: متبرّكا باسم اللّه أقرأ، كما في قوله: «بالرخاء و البنين» أي: ملتبسا بالرخاء و البنين أعرست.

و هذا الوجه أعرب و أحسن عند جماعة، و علّل بوجوه عديدة من كون استعمال الباء في الملابسة و المصاحبة أكثر من الاستعانة، و أنّ دلالتها على تلبّس إجراء

ص: 212


1- العلق/ 1.
2- راجع تفسير النيشابوري، ج 1، ص 19.
3- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 9؛ و الصافي، ج 1، ص 52؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 242؛ و هكذا أخرجه أحمد في مسنده، ج 2، ص 359؛ و رواه الزمخشري في الكشاف، ج 1، ص 5.
4- المؤمنون/ 20.

الفعل بالتبرّك أظهر، و أنّ في التبرّك باسم اللّه من التأدّب ما ليس في جعله بمنزلة الآلة؛ إذ الآلة لا يكون مقصودة بالذات، و اسم اللّه عند الموحّد أهمّ شيء و أقدمه، و غيرها من بعض الامور الاعتباريّة المحضة.

و الظاهر أن الاوّل هو الظاهر من الباء في مثل المقام، و فيه من التأدّب و المناسبة ما ليس في الثاني؛ إذ نهاية أدب العبد غمض العين عن حوله و قوّته، و الالتجاء إلى اسم ربّه، و الاعتصام و الاستعانة به في جميع شئونه و أفعاله، إلى أن يصل إلى مقام يغني عن مشاهدة نفسه فاعلا و مريدا، و يرى ذاته فاعلا و مريدا باللّه سبحانه. و هذا حقيقة التبرّك باسمه تبارك و تعالى، فانّه مفتاح نزول البركات عليه، و سبب لوصول الفيض عليه في إتمام المقصود، فلا يكون الفعل المبتدإ به أبتر، بخلاف من يرى نفسه مصدرا لأفاعيله معتمدا على نفسه و إن تبرّك بذكر اسم اللّه. و يشهد لذلك الرواية المتقدّمة. و ليس ذكر الاستعانة فيه دليلا على نقي تقدير القراءة و العمل، بل لعلّه بناء [على] معنى الربط المدلول عليه بكلمة الباء، فلا ينافي كون متعلّقها هو القراءة و العمل، و يجوز تقدير مستعينا حالا من الضمير في «أقرأ» و «أعمل» ليكون هو المتعلّق.

و أمّا تعميم المستعان له للأمور كلّها، فيجوز كونه لأجل بيان أنّ جميع الاعمال التي يبدأ بها باسم اللّه كذلك، فيكون كلّ فرد من أفراد البسملة مرادا بها استعانة خاصّة، و أن يكون تكميلا للاستعانة الخاصّة بالحاق جميع ما يشاركها به ليكون أتمّ. و حينئذ فيكون الروايتان متقاربتين في المفاد معتضدتين بالاعتبار.

و لهذا القول حينئذ صورة و معنى. أمّا الصورة، فاظهار أنّي أوجد القراءة و العمل باسم اللّه مستعينا به و معتمدا عليه، لا بأسمائي و صفاتي و حولي و قوّتي و مشيّتى. و أمّا المعنى، ففي مقام الحال كون حال القائل اللجأ و الاعتصام باسم اللّه سبحانه، و عدم الاعتماد على نفسه و صفاته، و في مقام المعرفة العلم بأنّه لا يملك

ص: 213

لنفسه ضرّا و لا نفعا إلا ما شاء اللّه، و أنّه ليس بفاعل شيئا الآن و لا غدا إلا أن يشاء اللّه، كما روي في التوحيد عنه صلّى اللّه عليه و آله:

«إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: يا ابن آدم، بمشيّتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بإرادتي كنت أنت الّذي تريد لنفسك ما تريد، و بفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، و بعصمتي و عوني و عافيتي أدّيت إليّ فرائضي، فأنا أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيّئاتك منّي، فالخير منّي إليك بما أوليت يدا، و الشرّ منّي إليك بما جنيت جزاء، و باحساني إليك قويت على طاعتي - الحديث.»(1)

[في معنى التّسمية]

و ربّما يؤيّد ما ذكر و يوافقه ما روي في التوحيد عن الرضا عليه السّلام بعد السؤال عن ترجمة البسملة، أنّه قال:

«معنى قول القائل «بسم اللّه» أي: أسم على نفسي سمة من سمات اللّه عزّ و جلّ، و هي العبادة.

قال - الراوي -: فقلت له: ما السمة؟ قال: العلامة.»(2)

ص: 214


1- التوحيد، باب المشية و الارادة، ص 343، ح 13 عن معاذ بن جبل، عنه - صلى اللّه عليه و آله -؛ و هكذا رواه القمي (رض) في تفسيره، ج 2، ص 210؛ عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه - عليهما السلام -، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -؛ و المجلسي (ره) في البحار، ج 5، باب القضاء و القدر، ص 93 و 94، ح 13 و 14، عنه و عن التوحيد.
2- التوحيد، باب معنى «بسم اللّه الرحمن الرحيم»، ص 229، ح 1، عن علي ابن الحسن بن على بن فضال، عن أبيه، عنه - عليه السّلام -؛ و هكذا رواه (ره) في المعاني: باب في معنى بسم اللّه، ص 3 بهذا الاسناد؛ و نقله الفيض (ره) في الصافي، ج 1، ص 50؛ و المجلسي (ره) في البحار، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 230، ح 9.

و عن العيون و العلل عنه عليه السّلام مثله(1).

فانّ التسمية بهذه الكيفيّة متحقّق بمقام العبوديّة الّتي هي علامة الربوبيّة و مظهرها، فانّ العبوديّة فناء و تبعيّة و قابليّة و سؤال و التجاء و اعتصام و استمداد، و الربوبيّة كمال وجود و إعطاء و إمداد و إيجاد و نفاذ كلمة و تأثير، و الاوّل علائم و مظاهر للآخر، و المسمّى بذلك المعنى دال على ربّه فاعل به، و تاركها كذلك مظهر نفسه في فعله، و محتجب عن ربّه بذاته و صفاته و أفعاله. و العلامة ما كان كاشفا عن المعنى الّذي هي علامة له، لا حاجبا ساترا عنه. فمن وضع التسمية على نفسه فقد و سم نفسه بسمة اللّه و علامته.

و مناط التفرقة بين الوجهين، و أصله و مبدئه أن كلّ ممكن زوج تركيبي و مركّب من وجود و مهيّة، و الاوّل هو جهته من ربّه و فعل لربّه، و الثاني جهته من نفسه و قابل لفعل الحقّ بمنزلة المادّة و الصورة الفعليتين، وجهة الوجود هو مبدأ توجّهه إلى الحقّ، و هو مبدأ كلّ خير، وجهة الماهيّة نظره إلى نفسه بما هي هي، و هو مناط الاحتجاب عن الحقّ و دعوى الأنانيّة، و هو مبدأ كلّ شرّ يصدر منه، كما أنّ الجهة الاولى جهة كون الشيء آية لربّه و حاكيا عنه و مظهرا له، و الجهة الثانية مبدأ كونه حجابا له، فانّه سبحانه تجلّي لخلقه بخلقه و احتجب به عنه (2) ؛كما ورد في كلماتهم عليهم السّلام(3).

ص: 215


1- العيون، ج 1، باب 26، ص 203، ح 19، بنفس الاسناد. و أما موضعه في العلل، فلم نظفر عليه.
2- في المخطوطة: «بها عنها».
3- يوجد هذا المعنى في كثير من كلماتهم و خطبهم - عليهم السلام - في التوحيد؛ كخطبة أمير المؤمنين - عليه السلام - خطبها للناس بالكوفة، و رواها الكليني (ره) في الكافي، ج 1، باب جوامع التوحيد، ص 139، ح 5، عن إسماعيل بن قتيبة، عن الصادق، عنه - عليهما السلام -، فانه - عليه السلام - قال: «... الحمد للّه... الدالّ على وجوده بخلقه - إلى أن قال: - و لا تحجبه الحجب، و الحجاب بينه و بين خلقه خلقه إياهم.»

و التسمية هي نظر الوجود و توجّهه إلى مبدئه، و من لواحقه التسمية باللّسان و القلب و غيرهما.

هذا، و يحتمل أن يكون المراد من الرواية تعلّق الجارّ و المجرور باسم المقدّر، و يكون الاسم بمعنى السمة و الوسم، ليكون ترجمته مطابقة: «أعلم على نفسي بعلامة اللّه»، و يكون الجملة إنشاء كالوجه السابق؛ إذ التسمية بنفسها عبادة و يجري فيها نظير ما سبق من المراتب؛ إذ العبوديّة فعليّة و حاليّة و قلبيّة و عقلية و روحيّة، و لكلّ تسمية، و حينئذ فيكون أحد المعنيين تفسيرا ابتدائيّا، و الآخر تفسيرا لظاهر الظاهر على ما مرّ بيانه في المقدّمة (1) ،أو أحدهما للبسملة القرآنية و الآخر لغيرهما ممّا يقع في كلمات العباد، لا بعنوان كونه قرآنا. و على ما ذكر يكون المعنى الثاني ذكرا للمدلول الالتزامي للمعنى الاوّل المراد بالكلام مطابقة و هذا ممّا يؤيّده ترجيحه.

ثم الرواية الاخيرة يؤيّد ما ذهب إليه الكوفيّون من كون الاسم أصله الوسم و السمة، لأنّ الاسم علامة للمسمّى، خلافا للبصريّين، فذهبوا إلى أنّ أصله السموّ بمعنى العلوّ، و المناسبة أنّ التسمية تنويه للمسمّى و إعلاء له، أو أنّ اللّفظ معرّف للمعنى، و المعرّف متقدّم على المعرّف في المعلوميّة، فهو عال عليه.

و كلاهما بعيدان و إن كان اشتقاق الاسماء و أسمّي و سمّيت في الجمع و التثنية و بناء الفعل يؤيّده.

[في وجوه تعليق الاستعانة باسم الجلالة و كيفيّتها]

ثمّ إنّ في تعليق الاستعانة و ما شابهها باسم اللّه سبحانه في البسملة و سائر

ص: 216


1- راجع المقدمة الرابعة، بحث مراتب القرآن.

المقامات كقوله: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ» (1) و «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» (2) و «تَبٰارَكَ اسْمُ رَبِّكَ» (3)

و «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ» (4) و غيرها وجهين:

أحدهما، أن يكون المنسوب إليه هو اللّه سبحانه لا الاسم؛ كقول «لبيد»:

«إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما».

و هذا يمكن أن يكون نحو تعظيم في التعبير، كما شاع ذكر الجناب و نحوه عند إرادة العرض على الاكابر، مع أنّ المنسوب إليه هو الكبير بنفسه، و أن يكون المراد من الاسم المذكور هو المسمّى، كما صرّح به بعضهم في الآية الاولى(5)

و ثانيهما، أن يكون الاستعانة بنفس الاستعانة، و ما شاكلها، متعلّقة بنفس الاسم من حيث كون الاستعانة به استعانة بالمسمّى، و كونه وسيلة إليه سبحانه سواء جعل الاسم بمعنى اللّفظ، كما هو المفهوم منه عند العامّة، فيكون إسناد التسبيح و التبارك إليه باعتبار كونه منزّها عن الدلالة على ما يشعر بنقص، و كونه موجبا للبركة لمن واظب عليه، أو ذكر اللّه سبحانه به، أو عبارة عن حقيقة ذلك الاسم في عالم الربوبيّة، فانّ للاسماء حقائق في أعلى درجات عالم الامكان، كما سنبيّنه في خلال التفسير - إن شاء اللّه تعالى -. و حينئذ فنسبة التنزيه و البركة و الاستعانة إليه حقيقة إمكانيّة، يعني في مقام نسبة الاشياء الامكانيّة بعضها إلى بعض. و هذا الوجه أدلّ على تنزيه الحقّ و تباركه و كونه المستعان به من حذف الاسم و جعل المسمّى متعلّق النسبة.

ص: 217


1- الاعلى/ 1.
2- العلق/ 1.
3- الرحمن/ 78.
4- الواقعة/ 74 و 96؛ و الحاقّة/ 52.
5- راجع تفسير النيشابوري، ج 3، سورة الاعلى، ذيل الآية؛ و هكذا في مجمع البيان، ج 1، ص 20، و ج 5، ص 474 و في التفسير الكبير، ج 8، ص 536.

و لعلّ أوجه الوجوه أن يقال: لمّا كان ذات الحقّ سبحانه منزّها عن تعلّق إدراكنا به، و غيبا محضا لا يصحّ الاشارة إليه لا عقلا و لا وهما، ظاهرا لنا بصفاته و أسمائه و أفعاله و آثاره، و كان صفاته الذاتيّة عين الذات الممتنعة عن الادراك، افتقر الداعي و المستعين و المسبّح إلى وجهة يتوجّه بها إليه سبحانه من أسمائه الكلّيّة و الجزئيّة: «وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا » (1) ،بمنزلة القاصر عن مشاهدة الشمس بعينه، المتوسّل إلى ملاحظتها بالماء الصافي، أو المرآة الصافية، فانّ الاسم من حيث أنّه اسم و علامة للشيء لا يعتبر له استقلال و هويّة، بل يلاحظ به المسمّى و يجعل آلة للحاظه؛ كالناظر إلى الشمس من المرآة و الماء، فانّه ينبغي غفلته عن ملاحظة صفات الماء و المرآة، و استغراقه في مشاهدة صفات الشمس الظاهرة له بتوسّط الماء، فتسبيحه حينئذ لما ظهر في الماء تسبيح للشمس، و الماء مظهر لها.

و أمّا من يرى الماء شيئا مستقلا، و يشاهده و صفاته، فهو غير ناظر إلى الشمس، و لا إلى علامته، بل إلى أمر آخر محتجب به عن الشمس. و كذا المستعين بحقائق الاسماء الالهيّة أو ألفاظها و مسبّحها قد يكون مسبّحا له سبحانه مستعينا به بايقاع الالفاظ و الحقائق عليه، و هو الموحّد في ذلك المقام، و قد يكون مسبّحا للألفاظ و الحقائق، و محتجبا بها عنه سبحانه، و هو من أخفى أقسام الشرك.

و مثالهما: القارئ المشتغل بألفاظ القراءة عن معانيها، و المشتغل بمعانيها عن ألفاظها بحيث ربّما يذهل عن الالفاظ من كونها أشياء في عين نظره إليها، من حيث كونها قوالب و مظاهر للمعاني. فلو سألت عن الاوّل عن معنى ما قرأ و في أيّ مطلب كان لم يشعر بذلك، و لو سألت الثاني عن خصوصيّات الالفاظ و الحروف و الكيفيّة الّتي وقع عليها إخراج الحروف لم يدر شيئا منها.

و إن شئت ظهور الحال لك فاستظهر بحال مطالعة الكتاب عند استغراق

ص: 218


1- الاعراف/ 180.

النفس في معانيها، و تمام انصراف الفكر إليها، فانّه غافل عن النقوش المكتوبة من حيث صفاتها، بل هي عنده مرآة للمعاني. و قايسه بحال رجل من العوام يريد شراء كتاب، فانّ نظره على النقوش من حيث صفاتها و أنحائها، و كذلك المتوجّه إلى اللّفظ و الحقيقة تارة متوجّه إلى أحدهما من حيث كونه شيئا، و تارة من حيث كونه اسما و علامة و معرّفا، فيكون متوجّها إلى المسمّى بالاسم لا إلى الاسم. و نظر الموحّدين إلى كلّ شيء من حيث كونه آية من آيات اللّه سبحانه، كما أنّ نظر الناقصين إليها من حيث أنّها هي، فهو ناظر إلى مهيّاتها، كما أنّ الاوّل نظر إلى وجوداتها.

و لعلّ ما ذكر من الدقيقة هو الّذي أوقع جماعة في توهّم أنّ الاسم عين المسمّى، و استفاضت الاخبار في ردّه (1) ،و ردّه الجمهور، بل هو كلام لا محصّل له إلا أن يريد به ما ذكرناه توسّعا في التعبير، و مجازا بعيدا عن الحقيقة؛ إذ الفرق بيّن بين أن يكون الاسم هو المسمّى، و بين إمكان التوجّه بالاسم إلى المسمّى.

[تفسير الاسم باعتبار معنى كلّ حرف من حروفها]

هذا تفسير الكلمة باعتبار معناه التركيبي، و أمّا باعتبار معاني حروفه مفردا و مادّة هذه الكلمة فهو ما رواه في الكافي و التوحيد و المعاني و العيّاشي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في تفسير البسملة:

«الباء بهاء اللّه، و السين سناء اللّه، و الميم مجد اللّه - و في رواية:

ص: 219


1- كحديث رواه الصدوق (رض) فى التوحيد، باب أسماء اللّه تعالى، ص 220، ح 13، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام - في جواب ما سأله هشام بن الحكم (ره) عن أسماء اللّه عز و جلّ و اشتقاقها، - إلى أن قال عليه السلام -: «و الاسم غير المسمى...» و هكذا روايات أخر نقله المجلسي (ره) في البحار، ج 4، باب المغايرة بين الاسم و المعنى، فراجع.

ملك اللّه - الحديث.»(1)

و روى القمّي بأسانيد متعدّدة جملة منها معتبرة، عن الباقر و الصادق و الرضا عليهم السّلام مثله بالرواية الأخيرة (2).و ذكره كذلك في التوحيد ثانيا في ضمن حديث آخر في ترجمة البسملة(3).

و هذه الرواية الّتي رواها أساطين مشايخ الحديث بالطرق المتكثّرة عنهم عليهم السّلام في تفسير البسملة موافقة لما رواه في التوحيد باسناده عن الرضا عليه السّلام:

«إنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ و جلّ ليعرف به خلقه الكتابة حروف المعجم - إلى أن قال: - و لقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في «ا، ب، ت، ث» أنّه قال:

«الألف آلاء اللّه، و الباء بهجة اللّه - إلى أن قال: - «س، ش»، فالسين سناء اللّه - إلى أن قال: - «م، ن»، فالميم ملك يوم الدين (4) ،يوم لا مالك غيره، و يقول عزّ و جلّ:

ص: 220


1- الكافي، ج 1، باب معاني الاسماء و اشتقاقها من كتاب التوحيد، ص 114، ح 1؛ و التوحيد، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 230، ح 2: و المعاني، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 3، ح 1؛ و العياشي، ج 1، ص 22، ح 18؛ و رواه أيضا البرقي (رض) فى المحاسن، ج 1، باب 24 من كتاب مصابيح الظلم، ص 238، ح 213؛ و هكذا في الصافي و البحار و البرهان. و اسناد الحديث في الجميع هو: عبد اللّه بن سنان، عنه - عليه السلام -.
2- القمي، ج 1، ص 28.
3- التوحيد، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 230، ح 3، عن صفوان ابن يحيى، عمن حدثه، عن أبى عبد اللّه - عليه السلام -؛ و هكذا رواه رحمه اللّه بهذا الاسناد في المعانى، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 3، ح 2.
4- خ. ل: «ملك اللّه».

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ؟ثمّ تنطق أرواح أنبيائه و رسله و حججه فيقولون: اَللّٰهُ الْوٰاحِدُ الْقَهّٰارُ ،فيقول جلّ جلاله: اَلْيَوْمَ تُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ لاٰ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّٰهَ سَرِيعُ الْحِسٰابِ - الحديث .»(1).

و هذه الرواية تؤيّد الرواية الثانية، كما يؤيّده في ترجمة «الميم» ما رواه فيه أيضا باسناده عن الكاظم عليه السّلام أنّه قال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في جواب اليهودىّ، السائل عن الفائدة في حروف الهجاء بعد أمر رسول صلّى اللّه عليه و آله إيّاه بجوابه:

«ما من حرف إلا و هو اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ - إلى أن قال: - و أمّا الميم، فمالك الملك - الحديث.»(2)

و ما رواه أيضا باسناده عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه:

«سأل عثمان بن عفّان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن تفسير «أبجد»، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: تعلّموا تفسير أبجد، فانّ فيه الأعاجيب كلّها؛ ويل لعالم جهل تفسيره.

فقيل: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، ما تفسير أبجد؟

فقال: أمّا الألف، فآلاء اللّه حرف من أسمائه، و أمّا الباء،

ص: 221


1- الآيتين: الغافر/ 16-17؛ و الحديث في التوحيد؛ باب تفسير حروف المعجم: ص 232، ح 1، عن عليّ بن الحسن بن على بن فضال، عن أبيه، عنه - عليه السلام -؛ و هكذا رواه (ره) بهذا الاسناد في المعاني و العيون و الامالي كما في البحار، ج 2، باب غرائب العلوم من تفسير أبجد و حروف المعجم، ص 318، ح 3.
2- التوحيد، باب تفسير حروف المعجم، ص 234، ح 2، عن يزيد بن الحسن، عن الكاظم - عليه السلام -،...، عنه - عليه السلام -؛ و المعاني، باب معاني حروف المعجم، ص 44، ح 2 بهذا الاسناد؛ و البحار، ج 2، باب غرائب العلوم من تفسير أبجد و حروف المعجم، ص 319، ح 4.

فبهجة اللّه - إلى أن قال: - و أمّا الميم، فملك اللّه الّذي لا يزول، و دوام اللّه الّذي لا يفنى.»(1)

و ما رواه عن الباقر عليه السّلام في حروف «الصمد» أنّه قال:

«و أمّا الميم، فدليل على ملكه، و أنّه الملك الحقّ لم يزل و لا يزال، و لا يزول ملكه.»(2)

و روى أيضا باسناده عن الباقر عليه السّلام في حديث عن عيسى عليه السّلام في تفسير «أبجد»:

«الألف آلاء اللّه، و الباء بهجة اللّه.»(3)

و يؤيّد الرواية الاولى ما في المعاني عن الصّادق عليه السّلام في «الم» في «آل عمران» من أنّ معناه: «أنا اللّه المجيد»، و في «حم» من أنّ معناه «الحميد المجيد».(4)

و البهجة و البهاء متّحدان معنى؛ قال الجوهري في «بهج»: عن أبي عبيدة:

ص: 222


1- التوحيد، باب تفسير حروف الجمل، ص 236، عن الاصبغ بن نباتة عنه - عليه السلام -؛ و رواه أيضا بهذا الاسناد في المعاني، باب معنى حروف الجمل، ص 46؛ و هكذا في الامالي كما في البحار، ج 2، باب غرائب العلوم من تفسير أبجد و حروف المعجم.
2- التوحيد، باب تفسير «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» إلى آخرها، ص 92، ح 6؛ عن وهب بن وهب القرشي، عن الصادق، عنه - عليهما السلام -؛ و المعاني، باب معنى الصمد، ص 8، بنفس الاسناد؛ و البحار، ج 3، باب 6 من أبواب التوحيد، ص 224، ح 15.
3- راجع المصادر المذكورة في تعليقه 1 من هذه الصفحة، و فيها: عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عنه - عليه السلام -.
4- المعاني، باب معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن، ص 22، ح 1 عن سفيان بن السعيد الثوري، عنه - عليه السلام -؛ و هكذا في تفسير الامام - عليه السلام - كما في البحار، ج 92، باب متشابهات القرآن و تفسير المقطعات، ص 373، ح 1.

«البهجة: الحسن؛ يقال: رجل ذو بهجة. و قد بهج بالضمّ بهاجة فهو بهيج؛ قال تعالى: «مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » (1).و بهج [به] بالكسر أي: فرح [به] و سرّ، فهو بهج و بهيج.»

و لعلّ إطلاق البهجة عليه باعتبار انبعاثه كثيرا من إدراك الكمال و الحسن في نفسه، أو لانبعاثه عن إدراك الشيء الحسن من مرئيّ أو مسموع أو غيرهما، فأطلق لفظ الأصل على أثره المتفرّع عليه، أو لأنّ الفرح يحدث للبشرة حسنا و إشراقا عكس الهمّ و الخوف، فيكون من إطلاق لفظ المسبّب على السبب. و يحتمل كون المعنى الأوّل مأخوذا من الثاني باعتبار كون الحسن موجبا للسرور، و ربّما يشعر به كلام بعضهم.

و قال في «بهاء»: «البهاء: الحسن؛ تقول: بهي الرجل بالكسر و بهو بالضمّ فهو(2) بهيّ.»

ثمّ ذكر له معنى الخلوّ و التعطيل و الفخر أيضا، و ذكر للبهاء من المهموز معنى الانس، و أنّ البها بمعنى الحسن من بهى الرجل غير مهموز.

و في مجمع البحرين: «البهاء: الحسن و الجمال؛ يقال: «بهاء الملوك» أي: هيئتهم و جمالهم، و «بهاء اللّه» عظمته.»

و بالجملة فالظاهر أنّ المراد من البهاء و البهجة هنا هو الحسن، و هو منشأ الانس الّذى هو معنى المهموز.

و أمّا السناء، فقال الجوهري: «السنا مقصور ضوء البرق - إلى أن قال - و السناء من الرفعة ممدود، و السنيّ: الرفيع، و أسناه أي: رفّعه.»

و ذكر المعنيان الطريحي أيضا و قال: «في الخبر: «بشّر أمّتي بالسناء» أي:

ص: 223


1- الحج/ 5.
2- في المخطوطة: «فهي».

بارتفاع القدر و المنزلة عند اللّه تعالى.»

و يمكن كون الثاني مأخوذا من الأوّل لارتفاع ضوء البرق على الأشياء، فشبّه به الشيء الرفيع في رفعته، فأطلق لفظه على الرفعة؛ كالسماء في إطلاقه على ما يقابل الارض و على كلّ عال.

و أمّا المجد، فقال الجوهري: «المجد: الكرم، و المجيد: الكريم، و قد مجد الرجل بالضمّ فهو مجيد و ماجد؛ قال «ابن السكّيت»: المجد و الشرف يكونان بالآباء؛ يقال: رجل شريف ماجد، له آباء متقدّمون في الشرف. قال:

و الحسب و الكرم يكونان في الرجل و إن لم يكن له آباء لهم شرف.»

و يشعر ذيل كلامه بخلاف ما حكاه عنه.

و قال الطريحي: «المجد: الشرف الواسع في كلام العرب - إلى أن ذكر عن أبي عليّ أنّ: - «معناه: العلوّ و الكمال و الرفعة» - و ذكر أيضا أن: - المجد:

الكرم و العزّ، و في الخبر: «المجد حمل المغارم و إيتاء المكارم.» و رجل ماجد:

كريم شريف.»

و على هذا فالظاهر أنّ المجد هنا هو العلوّ و العزّ، فيصحّ اتحاده مع الملك؛ إذ حقيقته السلطنة على الشيء و الاستعلاء عليه و إن أخذ الأوّل وصفا للشيء في حدّ نفسه، فلا يقال: مجده و عزّه بخلاف مجد و عزّ الشيء، و الثاني وصفا إضافيّا خاصّا، فيقال: ملكه و لا يقال: ملك من دون اعتبار متعلق إن أخذ الملك مكسورا، الّذي يعبّر عن صاحبه بالمالك، لا الملك بالضمّ، الّذى يشتقّ منه الملك. و ذلك لأنّ العلوّ و العزّ لا يعقلان ما لم يلاحظ سائر الاشياء و لو إجمالا ليصدق العلوّ و العزّ باعتباره؛ أ لا ترى أنّه إذا فرضنا انحصار الموجود في واحد لم يصحّ وصفه بالعلوّ و العزّ ما لم يقايس بسائر الاشياء و لو وهما؟ غاية الامر عدم لزوم ملاحظة أمر خاصّ في التوصيف، بل يصحّ اعتباره وصفا مع ملاحظة إجماليّة كالملك بالضمّ

ص: 224

إذ لا يعقل السلطنة بدون فرض الرعيّة، إلا أنّه لا يلزم ملاحظة شخص خاصّ أو أشخاص في التوصيف بخلاف الملك بالكسر؛ إذ يعتبر فيه النسبة الخاصّة و لو حذف من اللّفظ.

و حينئذ فالملك بالضمّ أقوى أنواع المجد، فيتّحد الروايتان إن أخذنا الملك بالضمّ، كما يؤيّده الاستشهاد بالانواع؛ إذ مجد الحقّ أعظم مجد و أقواه بديهة، و لا مجد فيما يعرفه الناس أعظم من السلطنة. و إن أخذنا الملك بالكسر فبعد عموم متعلّق الملك يكون بمنزلة التفصيل من الاجمال الذي يدلّ عليه المجد، فيتّحدان في الحقيقة و إن اختلفا في اللحاظ.

و حينئذ فنقول في معنى الاشتقاق: إنّ حقائق الاسماء الالهيّة على نوعين:

إمّا ظاهر من شأنه الظهور؛ أو خفيّ من شأنه الخفاء بنفسه و إن ظهر في آثاره و الثاني أقرب إلى الحقّ، لكونه مثالا للحقّ في غيبيّة الذات و ظهوره بالآثار، فهو الرابطة بين الظهور و البطون، و ذاته الخفيّ من طرف الحقّ، و أثره من طرف الخلق، فهو آية الحقّ في الظهور و البطون، فالمطابق له في الالفاظ الالف الذي أوّل الحروف من حيث أوّليّته و خفائه عن أوائل أسماء اللّه سبحانه و غيرها، كالبسملة لفظا و ظهوره كتبا، إلا في البسملة حيث ابدل إظهاره بتطويل الباء لما ذكروه في موضعه، و نسبة الكتابة إلى اللّفظ نسبة الجسد إلى الروح، فهو خفيّ روحا و ظاهر قشرا، و من حيث استقامته التي هي الاصل في أشكال الحروف، ككون «الصراط المستقيم» صفة فعل الحقّ؛ «إِنَّ رَبِّي عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1) و من حيث اشتقاق سائر الحروف منه كتبا. فهو كالمركز من الدائرة؛ كتوسّط «اَلصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ» بين السبل «وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» (2) و لان

ص: 225


1- هود/ 56.
2- الانعام/ 153.

مخرجه أقرب من القلب الذي هو المبدا الاول في عالم الانسان، فهو أوّل الحروف مخرجا، و أبعدها ظهورا، و أكثرها امتدادا لجريانه من قريب السرّة إلى الفم يمرّ على وسط المخارج كالصراط المستقيم إلى غير ذلك، فهو الآلاء بمعنى النعم الباطنيّة الخفيّة.

و الاوّل على أقسام ثلاثة:

إمّا أن يكون ظاهرا بالمرآتيّة المحظة للحقّ، بحيث يكون فاني الهوية في جنب الحقّ، و الاسم المكنون المخزون عنده سبحانه.

و إمّا أن يكون ظاهرا بنفسه و هويّته أيضا.

و إمّا أن يكون ظاهرا بنفسه في مظاهره و مظهرا لها.

و الاوّل مرآة ظهر بالمرآتيّة و خفي بنفسه؛ كالمرآة الصافية التي لا يظهر بصفات نفسه للابصار، و إنّما شأنه إظهار الشيء.

و الثاني مرآة يتعلّق بنفسها الادراك، و يظهر فيها الصورة على ما هو عليه كأكثر المرائي الصافية.

و الثالث مرآة ضعف مرآتيّته في ظهور نفسه، و مظهر هويّته في صفاته المغايرة، كما هو مرآة له، فصار مبدأ لظهور الكثرة و خفاء الوحدة الحقيقيّة التى هي مرآة له.

و من البيّن سبق الاوّل على الثاني، و سبقه على الثالث.

فالاوّل هو الباء الذي يتلوا الالف مرتبة، و لا يفارقه كتبا إلا بانحراف طرفيه و بقاء الباقي بعد الانبساط، و هو بهاء الحقّ و مرآة حسنه ليس لها صفة وراء إظهار حسن الحقّ؛ إذ الحقّ هو الحسن المطلق و الجميل المطلق، فمرآته مرآة الحسن و البهاء، و هو حقيقة الاسم الحاكي عن صفاته الذاتيّة، و هو متّصف بصفة الفناء، فهو خال عن نفسه بخلاف الثاني، و عن سائر الاشياء بخلاف الثالث، و

ص: 226

معطّل عمّا سوى شأن المرآتيّة، فيوافقه المعنى الثاني للبهاء و هو مظهر الفخر الذاتي، فيوافقه المعنى الثالث، و هو أصل مقام الانس المنبعث عن الوصل؛ إذ لا وصل إلا بالفناء و البقاء، فيوافقه المعنى الرابع الذي للبهاء ممدودا، فهو مبدأ البهجة و السرور بالحقّ، الذي هو السرور الحق و البهجة الحقّة؛ إذ لا سرور للعارف إلا بذلك، و غيره باطل عاطل.

و الثاني هو السين الذي هو الباء بزيادة التصرّف في وسطه، و جعله كالطرفين فصار له أضراس ثلاثة، و هو: سناء الحق، و ضوء برقه، و نوره الظاهر بنورانيّة الحاكي عن مبدإ وجوده، و كما أنّ سناء البرق ظاهر بنفسه، و بكونه شعاعا للبرق و دالا عليه، بحيث لا يكاد يفارق أحد اللّحاظين عن الآخر عند إدراكه، و لمعان و ظهور للبرق لا أمر مغاير له منفصل عنه، كذا سناء اللّه ظاهر بنفسه و هويّته مظهر للحقّ و آية له، لا تغلب أحد اللّحاظين الآخر، و هو لمعان و ظهور لفعل الحق و المرتبتين المتقدّمتين عليه، فكأنّ السابقة برق لا يظهر بهويّته للابصار بنفسه، و اللاحقة ضوئه الذي ظهر بنفسه و أظهر البرق بظهوره، فكأنّه عبد قائم بصفة العبوديّة المقتضي لملاحظة نفسه و ربّه، السابق عليه، فان عن نفسه باق بربّه، و هذا السناء أرفع من جميع الابداعات الظاهرة، فهو رفعة الحقّ و مظهرها، فيصحّ أخذه بالمعنى الثاني.

و الثالث فهو الميم المستدير الحاكي عن معنى دائرة الامكان، و يقابل الالف من حيث أنّ صفته الاستقامة المقابلة للاستدارة، و من حيث أنّ مخرجه آخر المخارج نزولا، فيقابل مخرج الالف، و هو ملك، و مجده و علوّه على الاشياء، و هذا المعنى يقتضي ظهور الاشياء بصفة المقهوريّة و المملوكيّة حتّى يظهر الحقّ فيها بصفة الملكيّة و المالكيّة و العلوّ، فهو البرزخ الحاكي عن الواجب بهذه الصفات، و عن الممكنات بتلك، و الجامع لحقائق الاسماء الاضافيّة، و قد انضمّ إلى

ص: 227

جهته التي إلى الحقّ، و جهته في نفسه جهته إلى الخلق، و باعتبارها أظهر أعيانها بصفاتها، فشهدت لخالقها بأضدادها، و هو مقام الربوبيّة الفعليّة الّتي تقتضي وجود المربوب. و ليس الغرض من هذا البيان حصر حقائق الاسماء في الحروف الاربعة، بل يشبه أن يكون هي أصول تلك الحقائق، أو الاولى من كلّ نوع من الانواع ما عدا الالف؛ إذ هو الاخير من مقام الغيب، و قبله الالف المشار إليه بلام ألف لا و قبله النقطة، و يشهد لكثرة الاسماء و تقدّم البهاء عليها دعاء السحر المعروف الوارد في شهر رمضان(1) حيث قدّم على الاسماء الكثيرة، و منها: الملك، و النور المساوق للسناء في وجه.

هذا جملة ما خطر بالبال في ترجمة الجار و المجرور تركيبا و تحليلا، و اللّه العالم.

[بحوث حول لفظ الجلالة]

و أمّا «اللّه» ففي الرواية السابقة بطرقها:

«و اللّه إله كلّ شيء »(2).

و في التوحيد عن الامام العسكري عليه السّلام، عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّ رجلا قام إليه، فقال:

«يا أمير المؤمنين، أخبرني عن «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»

ما معناه؟

فقال: إنّ قولك «اللّه» أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ و جلّ و هو الاسم الّذي لا ينبغي أن يسمّى به غير اللّه، و لم يتسمّ به مخلوق.

فقال الرجل: فما تفسير قوله: «اللّه»؟

ص: 228


1- هو دعاء أبي جعفر - عليه السلام -؛ قد نقله السيد الاجلّ عليّ بن طاوس - نوّر اللّه مضجعه - في الاقبال، ص 77، فراجع.
2- راجع المصادر المذكورة في تعليقة 1 و 2 ص 220.

قال عليه السّلام: هو الّذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من دونه، و تقطع الاسباب من كلّ من سواه. ثمّ قال: و ذلك أنّ كلّ مترئّس في هذه الدنيا، و متعظّم فيها و إن عظم غنائه و طغيانه، و كثرت حوائج من دونه إليه، فانّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، و كذلك هذا؛ المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى اللّه عند ضرورته و فاقته حتّى إذا كفي همّه عاد إلى شركه؛ أ ما تسمع اللّه عز و جلّ يقول: قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتٰاكُمْ عَذٰابُ اللّٰهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّٰاعَةُ أَ غَيْرَ اللّٰهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ * بَلْ إِيّٰاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مٰا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شٰاءَ وَ تَنْسَوْنَ مٰا تُشْرِكُونَ.» (1)

و فيه أيضا في حديث أنّه قال أمير المؤمنين عليه السّلام:

«اللّه معناه: المعبود الّذى يأله فيه الخلق و يؤله إليه، و اللّه هو المستور عن درك الابصار، المحجوب عن الاوهام و الخطرات».

ثمّ قال: قال الباقر عليه السّلام:

«اللّه معناه: المعبود الّذي أله الخلق عن درك ماهيّته و الاحاطة بكيفيّته، و يقول العرب: أله الرجل: إذا تحير في الشيء فلم يحط به علما، و و له: إذا فزع إلى شيء ممّا

ص: 229


1- الآيتين: الانعام/ 40-41؛ و الحديث في التوحيد، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 230، ح 5؛ و هكذا في تفسير الامام - عليه السلام -، ص 10، و البحار ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 232 و 244، ح 14 و 48؛ و البرهان، ج 1، ص 45، ح 8.

يحذره و يخافه، و الاله(1) هو المستور عن حواس الخلق - الحديث »(2).

و ذكر في جملة رواه عنه أنّ:

«تفسير الاله هو الّذي أله الخلق عن إدراك ماهيّته و كيفيته بحسّ أو بوهم، لا بل هو مبدع الاوهام، و خالق الحواسّ - الحديث »(3).

و فيه باسناده عن الحسن بن راشد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال:

«سألته عن معنى اللّه، قال: استولى على ما دقّ و جلّ »(4).

و في مجمع البحرين أنّ في الحديث: «اللّه معنى يدلّ بهذه الاسماء و كلّها

ص: 230


1- في بعض النسخ: «فالإله».
2- الحديثان في التوحيد، باب تفسير «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» الى آخرها، ص 89، ح 2؛ و البحار، ج 3، باب 6 من كتاب التوحيد، ص 222، ح 12.
3- راجع المصادر المذكورة في تعليقة 2 ص 222.
4- التوحيد، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 230، ح 4، و المعاني باب معنى «اللّه عز و جلّ»، ص 4، ح 1، بهذا الاسناد؛ و رواه أيضا الكليني (ره) بالاسناد المذكورة في الكافي، ج 1، باب معاني الاسماء و اشتقاقها، ص 114، ح 3؛ و العياشي (رض) في تفسيره، ج 1، ص 21، ح 15، عن الحسن بن خرزاذ، عن الصادق - عليه السلام -، و نقله المجلسي (ره) في البحار، ج 4، باب معاني الاسماء و اشتقاقها، ص 181، ح 6، و قال في ذيله: «لعلّه من باب تفسير الشيء بلازمه، فانّ معنى الالهية يلزمه الاستيلاء على جميع الاشياء دقيقها و جليلها. و قيل: السؤال إنما كان عن مفهوم الاسم و مناطه، فأجاب - عليه السلام - بأنّ الاستيلاء على جميع الاشياء مناط العبودية بالحقّ لكلّ شىء.»

غيره».

و في التوحيد باسناده عن الصادق عليه السّلام:

«اللّه مشتق عن إله، و إله يقتضي مألوها(1)».

و في خطبة الرضا عليه السّلام:

«له معنى الربوبيّة إذ لا مربوب، و حقيقة الالهيّة إذ لا مألوه.»(2)

[في اشتقاق كلمة الجلالة و علميّتها، و أنّ أصلها ما هو؟]

اعلم أنّه لا خلاف في أنّ الالف و اللاّم في لفظ الجلالة حرف تعريف في الاصل لا من أصل الكلمة، كما مرّ على ما صرّح به بعضهم، و ذهب الاكثر إلى أنّ أصله «الالاه»، و جوّز سيبويه أن يكون أصله لاها من لاه يليه: تستّر و احتجب، و قيل:

بمعنى: ارتفع، و يبعده كثرة دوران إله في الكلام و استعمال إله في المعبود، و إطلاقه على اللّه. فهو حينئذ كلفظ الناس حيث أنّ أصله «الاناس»، فحذف منه الهمزة،

ص: 231


1- التوحيد، باب أسماء اللّه تعالى، ص 220، ح 13، عن هشام بن الحكم، عنه - عليه السلام -؛ و البحار، ج 4، باب 1 من أبواب أسمائه تعالى، ص 157، ح 2؛ و هكذا رواه الكليني (ره) بهذا الاسناد في الكافي، ج 1، باب معاني الاسماء و اشتقاقها، ص 114، ح 2؛ و الطبرسي (ره) في الاحتجاج، ج 2، ص 72، مرسلا عن هشام بن الحكم، عنه - عليه السلام -.
2- رواه الصدوق (ره) في التوحيد، باب التوحيد و نفي التشبيه، ص 38، ح 2؛ و العيون، ج 1، خطبة الرضا - عليه السلام - في التوحيد، ص 125، عن محمد بن يحيى ابن عمر بن علي بن أبي طالب، عنه - عليه السلام -؛ و الطبرسي (ره) في الاحتجاج، ج 2 ص 177، مرسلا عنه - عليه السلام -؛ و هكذا في البحار، ج 4، باب جوامع التوحيد، ص 229، ح 3.

و عوّض منه الالف و اللام، كما عن أبي عليّ النحويّ، أو من دون تعويض كما ذكره غيره.

و الاله مشتقّ من أله بالفتح إلاهة أي: عبد عبادة على ما ذكره الجوهري(1)

و وافقه جماعة.

و عن المصباح: «أله يأله - من باب تعب - إلهة [بمعنى] عبد عبادة، و تألّه:

تعبّد، و الإله: المعبود و هو اللّه سبحانه، ثمّ استعار [ه] المشركون لما عبد من دونه».

و أجود منه ما ذكره الجوهري من تعليل تسمية الاصنام بالآلهة باعتقادهم أنّ العبادة تحقّ لها، و أسمائهم تتبع اعتقاداتهم، لا ما عليه الشيء في نفسه.

قيل: «اتّفق القائلون بالاشتقاق على اشتقاقه ممّا ذكر (2) ،و أنّه اسم جنس كالرجل و الفرس، يقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل، ثمّ غلب على المعبود بحقّ؛ كما أنّ النجم اسم لكلّ كوكب، ثمّ غلب على الثريّا. و كذا السنة على عام القحط و البيت على الكعبة، و الكتاب على كتاب سيبويه. و أمّا اللّه بحذف الهمزة فمختص بالمعبود [ب] الحقّ لم يطلق على غيره (3).»انتهى.

و قيل: «من أله بكسر أي: تحيّر.» و ذكر الجوهري أنّ أصله الوله، و ردّ بمخالفته لكثير من كلام أهل اللّغة، و المناسبة ظاهر؛ إذ تحيّرت الاوهام، و غمضت مداخل الفكر، و عجزت العقول عن إدراكه.

و قيل: «من ألهت إلى فلان أي: سكنت إليه.» فالنفوس لا تسكن إلا إليه، و العقول لا تقف إلا لديه، «أَلاٰ بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ » .(4)

ص: 232


1- راجع الصّحاح، و قد يوجد فيه أيضا كثير من الاقوال المتقدّمة و الآتية المنقولة عنه و عن غيره في حول كلمة الجلالة.
2- يعني به ما تقدم أخيرا عن الجوهري.
3- القول للنيشابوري، راجع تفسيره، ج 1، ص 24.
4- الرعد/ 28.

و قيل: «من الوله و هو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان، و الواقفون في ظلمات الجهالة و تيه الخذلان.»

و قيل: «من أله الفصيل إذا أولع بامّه؛ لانّ العباد تتضرّع إليه في البليّات.» و عن الخليل و متابعيه و أكثر الاصوليّين و الفقهاء من العامّة أنّ: اسم الجلالة ليس بمشتقّ، و اسم علم له سبحانه، و احتجّ لذلك بأنّه: لو كان مشتقّا لكان معناه كلّيّا لا يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة فيه، فلا يكون «إلا اللّه» موجبا للتوحيد المحض؛ و بأنّ: الترتيب العقلي ذكر الذات ثمّ نعته بالصفات، و إنّا نقول: اللّه الرحمن الرحيم العالم القادر، و لا نقول بالعكس، فدلّ على أنّه اسم علم؛ و بأنّه: لو كان صفة و سائر أسمائه صفات لم يكن للباري تعالى اسم، و لم يبق العرب شيئا من الاشياء إلا سمّته، و لم تسمّ خالق الاشياء و مبدعها (1) ؛هذا محال.

أقول:

الّذي يظهر لي في المقام أنّ الاله الّذي هو الاصل في اللّه على ما عرفت، و صرّح به في الرواية المتقدّمة، و يظهر من سائر الروايات أيضا هو: فعال بمعنى مفعول؛ كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله بمعنى عبد، كما صرّح به جماعة(2) و أصل العبودية الخضوع و الذلّ، كما صرّح به الجوهري، و ربّما فسّر بغاية التذلّل، و لعلّه لانصراف اللّفظ إلى الفرد الكامل، فيكون الاله هو: المعبود الّذي لأجله يقع الخضوع و التذلّل الكامل.

ثمّ إنّ المعبود تارة يعتبر و يؤخذ بالاضافة إلى شخص خاصّ فيقال: معبود زيد، و تارة يؤخذ مطلقا، و على الاوّل فلا يبعد انصرافه إلى من كان شأنه أن

ص: 233


1- تجد هذه الاقوال و الدلائل التي أقيم في إثبات قول الاخير في التفسير الكبير، ج 1، ص 121-125؛ و تفسير النيشابوري، ج 1، ص 24.
2- كالفيومي، فراجع المصباح.

يعبده ذلك الشخص، و كان قابلا لذلك و أهلا له، و إلا فهو متّخذ إلها، لا أنّه معبود. و لمّا لم يكن المخلوق أهلا لذلك في ظرف الواقع كان إطلاق الاله و المعبود و لو مقيّدا على المخلوق المتّخذ معبودا خطاء في الاطلاق لاشتباه في المصداق، كما سبق عن الجوهري، أو مبنيّا على اعتقاد المخطي، فيكون إطلاق إله «هذيل» و معبودهم على الصنم مبنيّا على اعتقادهم، فيكون المعنى أنّه معبود بزعمهم و على حسبانهم. و حينئذ فلا مصداق له حقيقة في نفس الامر سوى الواحد الحقّ و إطلاقه على غيره مبنيّ على الزعم الفاسد.

و أمّا الثاني، فهو إمّا مأخوذ بمعنى الشأنيّة و الاستحقاق مع قطع النظر عن تحقّق العابد في الخارج، أو بمعنى الفعليّة لكلّ من سواه استغراقا، بأن يكون معبودا مطلقا يعبده جميع من سواه، أو على وجه الاهمال ليصدق على الكلّ أو البعض، فيكون مفاده التوصيف بالمعبوديّة على وجه الاجمال.

و على الاوّلين فاختصاصه بالحقّ ظاهر؛ إذ هو الّذي «وَ إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» (1) و «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً .» (2).

و على الثالث، فربّما يستفاد منه العموم باعتبار إفادة حذف المتعلّق العموم، و إذا حلّي بالالف و اللام قوي ذلك لاقتضائه الاشارة الّتي هي مدلولها التعييني، و لا يتعيّن المعبود بمعنى الفعليّة من حيث كونه معبودا إلا باضافته إلى العابد، و لا تعيّن لشيء من أفراد العابدين في اللّفظ لتساوي نسبتها إلى اللّفظ، و امتناع الترجّح من غير مرجّح فيتعيّن إرادة الجميع. و التوصيف بالمعبوديّة المطلقة نظير ما قرروه في إفادة الجمع المحلّى باللام العموم في الاصول.

و ممّا ذكر ظهر أنّه لا حاجة إلى تقييد «الاله» في كلمة «لا إله إلا اللّه»،

ص: 234


1- مأخوذ من آية 44 سورة الاسراء، و أصلها هو: «إِنْ مِنْ شَيْ ءٍ...»
2- مريم/ 93.

و أن الاله معرّفا باللام ظاهر الاختصاص بالحقّ من وجوه من حيث استظهار الشأنيّة، و الصلاحيّة في جوهر الكلمة من حيث هو، و من حيث خصوصيّة ترك إضافته إلى عابد معين، و من حيث تحليته باللام.

فالاله هو الّذي يعبده بالاستحقاق جميع من سواه و تأكّد هذه الدلالة عند حذف الالف و قطع همزة التعريف بصيرورته؛ كالمنسلخ عن الاضافة الخاصّة، و انضمّ إليه كثرة الاستعمال، و هجر غيره حتّى صار كالاعلام الشخصية في الاختصاص، بل منها حقيقة بحسب ظاهر النظر في العرف.

و هذه حكومة بين المثبتين للاشتقاق و القائلين بالعلميّة و الاسميّة؛ إذ الوضع العرفي التاري على المعنى الاصلي علميّ و إن كان مطابقا للمعنى الاشتقاقي الاصلي من حيث المعنى، لكنه صار بحيث لا يتبادر منه المعنى الوصفي بحسب العرف، بل يتبادر إلى أذهانهم الذات من حيث هو، أو كاد أن يصير كذلك. و مثاله لفظ «العلامة» و «المفيد» و «بحر العلوم» و غيرها من اجتماع الجهتين فيها، و تمحّضها أوّلا للمعنى الوصفي.

و من ذلك ظهر معنى تفسير الكلمة باله كلّ شيء، و أنّه الاسم الّذي لا ينبغي أن يسمّى به غير اللّه، و لم يتسمّ به مخلوق؛ إذ معنى الاسم منحصر به سبحانه على ما فصّلنا.

[في حقيقة العبوديّة، و أنّ كلمة الجلالة مستجمع لجميع الصّفات الكماليّة]

ثمّ إنّ التذلّل و الخضوع الّذي هو معنى المادّة فيتحقّق تارة من حيث استحقاق العباد لذاته الخضوع لمعبوده لذاته و صفاته، فيكون المعبود مستحقّا للخضوع له بذاته و صفاته، و العبد مستحقّا للاتّصاف به لذاته، و هذا حقيقة العبادة؛ فاذا عرف ذاته بخواصّ الامكان و نقائصه، و عرف الحقّ باستجماعه لجميع الصفات

ص: 235

الكماليّة انبعث له حال الخضوع قلبا، و الطاعة له جوارحا. و بهذه الملاحظة فاللّه هو الذات المستجمعة لجميع الصفات الكماليّة؛ إذ لو فقد منها شيئا لم يكن معبودا بقول مطلق. و من جملتها أن يكون مرتفعا عن الخلق و عن مبلغ مداركهم، بحيث يحتجب عنها بغير حجاب، و مستورا عن درك الابصار، و محجوبا عن الاوهام و الخطرات، فيأله الخلق عن إدراك حقيقته، فيناسب جملة من مبادي الاشتقاق السابقة، و يوافق جملة من الروايات المتقدّمة.

و ذلك لأنّ المدارك لا تدرك إلا ما كان واقعا في عالمها و مشاركا لها، و مثله لا يستحقّ العبادة، و إنّما المستحقّ هو خالق المدرك و المدرك، المنزّه عن صفاتها و شباهتها، و صيرورته في عالم من عوالمها؛ إذ المتماثلين أو المتشابهين أو المتجانسين لا يستحقّ واحد منهما العبادة على الآخر، و إنّما المستحقّ القدّوس المطلق المنزّه عن جميع ما ينعت به الخلق.

و أيضا الخضوع المطلق إنّما يكون عند من تحيّر فيه إدراك الخاضع؛ إذ التحيّر من أنواع الخضوع و الاستكانة، و المدرك بالاكتناء يسكن الخضوع بعد تمام إدراكه. و أيضا الّذي يحاط به العلم محاط للعالم، و المحيط أولى بالمعبوديّة من المحاط.

و من جملتها أن يكون مستوليا على جميع ما دقّ و جلّ؛ إذ لو لم يستول على شيء منها لم يكن مستحقّا لعبادته من هذه الحيثيّة، فانّ المستولى عليه يحقّ له عبادة المستولي دون غيره، فليس معبودا مطلقا. و لعلّ إليه الاشارة بالحديث السابق، لا اشتقاق لفظ الجلالة من الاستيلاء إلا أن يؤل بالاشتقاق الكبير، فيكون الغرض بيان المناسبة.

و تارة أخرى من حيث طلب شيء بالاستحقاق الذاتي من المعبود من مطلوب دنيويّ أو معنويّ أو أخروي، أو هرب من شيء مبغوض بأحد الوجوه الثلاثة،

ص: 236

فالعابد يتألّه إلى معبوده في حاجته. و الاله المطلق بهذا الاعتبار من كان مستوليا على كلّ شيء دقيق و جليل لا يخرج عن حكمه شيء، حتّى يصحّ تذلّل كلّ شيء له في كلّ أمر من الامور المتعلّقة به من مطلوب أو مبغوض على الوجوه الثلاثة، حتّى يتذلّل العابد له بالالتجاء إليه في كلّ حاجة.

و من هنا يتبيّن وجه التعميم في الحاجة و المحتاج في الرواية الاولى، و تفصيله باثبات انحصاره فيه سبحانه، و أنّ من سواه لا يقدر على الكلّ و إن قدر على بعض، بل هو محتاج أيضا، و المعبود في كلّ جهة لا بدّ و أن يكون غنيّا من كلّ جهة، إذ عبادة المحتاج للمحتاج سفاهة، و هذا بحسب ظاهر النظر، و الا فالمحتاج إليه عند العارف ليس إلا الحقّ سبحانه، و هو من دونهم وليّ الاعطاء و المنع، و جميع ما سواه يلتجأ به، إمّا دائما كالعارف، و إمّا عند الحاجة كالمؤمنين، و إمّا عند الاضطرار كالكفار؛ كما يشهد له الآية(1) و الرواية، و ما رواه في التوحيد بعد ما قدّمناه في صدر ترجمه البسملة؛ قال:

«و هو ما قال رجل للصّادق عليه السّلام: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، دلّني على اللّه ما هو، فقد أكثر عليّ المجادلون و حيّروني.

فقال له: يا عبد اللّه، هل ركبت سفينة قطّ؟ قال: نعم.

قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئا من الاشياء قادر على

ص: 237


1- كقوله تعالى: «فَإِذٰا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّٰا نَجّٰاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذٰا هُمْ يُشْرِكُونَ.» (العنكبوت/ 65)، و قوله تعالى: «وَ إِذٰا مَسَّ النّٰاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذٰا أَذٰاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ.» (الروم/ 33).

أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم.

قال الصّادق عليه السّلام: فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حيث لا منجي، و على الاغاثة حيث لا مغيث .»(1).

و الظاهر أنّ السبب في ذلك رجوع الكافر حال اضطراره إلى فطرته المحجوبة، و ظهور تلك المعرفة و فعليّته.

و لا يخفى عليك أنّ الالتجاء و الاستغاثة و السؤال و الفزع كلّها من شئون العبوديّة و الخضوع و التذلّل، بل هي تذلّلات و خضوعات حاليّة، كما أن الاطاعة بالجوارح عبوديّة، بل أغلب النفوس لا تخضع و لا تتذلّل إلا عند الحاجة:

«إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَيَطْغىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنىٰ.» (2)

فالعبوديّة أصلها الخضوع و التذلّل، و لها أغصان و فروع و آثار يصحّ إطلاق العبوديّة على كلّ منها أيضا. أ لا ترى أنّ السجدة عبادة جوارحيّة، و لها معنى قلبيّ هو السجدة القلبيّة؟

و بما فصّلنا يتّضح أنّ اللّه هو أعظم اسم من أسماء اللّه سبحانه، الحاكية عن صفات الذات و صفات الافعال في مقام الظهور باعتبار دلالته على المعبوديّة المطلقة، المشتملة على جميع شئونها من صفات الذات و صفات الافعال، و العبوديّة مساوقة لعالم الامكان، و كلّ حادث عبد؛ «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْداً.» و العبوديّة وجهة العبد إلى سيّده، و العابد إلى معبوده، و الرابطة و الوسيلة، و اللّه سبحانه معبود بذاته و صفاته و أفعاله و آثاره. و لو اغمض النظر عن واحد منها لم يكن معبودا مطلقا، فلو خرج عن مدلول كلمة الجلالة اسم من أسمائه الظاهرة لم يكن باعتباره معبودا، فخرج مظاهر ذلك الاسم عن دائرة العبوديّة

ص: 238


1- راجع تعليقة 2 ص 211.
2- العلق/ 6-7.

من حيث كونها مظاهر له. و المعبود المطلق من كان كاملا في ذاته و صفاته باستجماعه جميع الصفات الجماليّة و الكماليّة، الذاتيّة و الفعليّة، مرجوّا عند كلّ ما يرجى، مخوفا عند كلّ ما يخاف، مستحقّا للمحبوبيّة بجميع الوجوه و الحيثيّات، و للحياء منه بجميع الشئون الموجبة لاستحقاق الحياء منه، متوحّدا في جميع ذلك، لا يشاركه في شيء منها غيره. فمدلول هذه الكلمة شاملة لمدلول كلّ اسم من الاسماء الظاهرة، فهو أعظم منها و أعمّ.

و من هنا يتبيّن أنّه المقدّم عليها معنى، فهو المستحقّ للتقديم لفظا يوصف بها، و لا يجري وصفا لشيء منها.

[في بيان أنّ كلمة الجلالة ليست اسما للذّات]

و ممّا ذكرنا ظهر فساد الاستدلال على أنّه اسم للذات بأنّه لولاه لم يكن مفهومه مانعا عن وقوع الشركة فيه؛ إذ الاستغراق و الشمول لجميع ما سواه يمنع من الشركة فيه، فيكون كلمة التوحيد دالا عليه، فكأنّ معناها أنّه لا معبود إلا المعبود المطلق، و بملاحظة الترتيب العقلي لما ذكرنا. و أمّا الاستدلال بلزوم انتفاع اسم الذات، فمردود بأنّ امتناع وقوع الادراك على الذات من حيث هي هي، الّذي هو الغيب المطلق، و منقطع الاشارات العقليّة و الوهميّة و الحسّيّة مانع عن وضع اسم بازائه؛ إذ كلّ معروف بنفسه مصنوع كما ورد عنهم عليهم السّلام(1).

و أمّا ما أورده الفاضل النيشابوري في تفسيره(2) من «أنّ وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، و إنّما ينافي عدم إدراكه مطلقا، فيجوز أن يقال:

الشيء الّذي يدرك منه هذه الآثار و اللّوازم مسمّى بهذا اللّفظ، و أيضا إذا كان

ص: 239


1- راجع خطبة علي بن موسى الرضا - عليه السلام - في مجلس المأمون في التوحيد، و قد مرّ مصادرها في تعليقة 2 ص 231.
2- تفسير النيشابوري، ج 1، ص 20.

الواضع هو اللّه تعالى، و أنّه يدرك ذاته على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسما مخصوصا لا يشاركه فيه غيره حقيقة، فمدفوع بأنّ جميع أسماء اللّه سبحانه دالّة على الذات من حيثيّة من الحيثيّات السلبيّة و الايجابيّة، أو الاضافيّة، أو المركّبة، و لا يكون معانيها عند المدرك إلا متميّزة محدودة متعيّنة؛ إذ لو لا التميز و التعيين امتنع الادراك، و المشار إليه بهذه المعاني ليس إلا الذات: إذ لولاه لم تكن هذه أسماء له، بل لغيره، و لم يكن الداعي بها داعيا له بكلّ معنى من المعاني المدلول عليها بالاسماء، وجهة يتوجّه بها العبد إلى ذات الحقّ سبحانه. فاذا فرضنا خلو المدلول عن وجهة أصلا لم يقع عليه الادراك أصلا، فلا يفهم منه شيء أصلا، فلم يكن موضوعا له؛ إذ الوضع تخصيص شيء بشيء بحيث متى أطلق أو أحسّ الشيء الاوّل فهم منه الشيء الثاني. و إن اشتمل على وجهة على جهة المرآتيّة و المعرفيّة للمسمّى فهو شأن كلّ اسم من أسمائه من حيث كونه اسما؛ إذ لو لم يكن معرّفا و مرآة لم يكن اسما له سبحانه، بل اسما لغيره، فتبصّر.

و حينئذ فوضع الحقّ الاسم إن كان لتعريف نفسه لنفسه فهو العالم بنفسه لنفسه، المنزّه عن كونه معرفته بغيره؛ و إن كان لتعريف غيره به، فقد عرفت امتناعه، فما معنى الوضع المفروض؟

و نظير هذا الكلام يجري في حقائق الاسماء الالهيّة؛ إذ الاسم مخلوق و المخلوق محدود و اللّه سبحانه منزّه عن الحدّ، فلا بدّ أن يكون الحقيقة حاكيا عن الحقّ بما ظهر له من الشأن فقط، فلا يكون اسما للذات بما هي هي، فافهم.

و يؤيّد ما اخترناه في كلمة الجلالة ظاهر قوله سبحانه: «وَ هُوَ اللّٰهُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ فِي الْأَرْضِ » (1) ،و الاخبار المذكورة أخيرا.

و أمّا إطلاق المألوه على المربوب مع أنّ المألوه بمعنى المعبود، فكأن الوجه

ص: 240


1- الانعام/ 3.

فيه إرادة ظهور مظاهر الالوهيّة بمعنى المعبوديّة، و محالّها و متعلّقات إشراقها، فكأنّ الاله لمّا كان بمعنى المعبود بالاستحقاق، و الاستحقاق بالصفات واقع على الاشياء وقوع الشخص بصورته في المرآة ظاهر بها، اشتقّ اسم المفعول منه بهذا الاعتبار، فمعنى المألوه متعلّق الالوهيّة بمعنى المعبوديّة.

و ممّا فصّلنا ظهر اندراج سائر الاحتمالات في المشتقّ منه تحت ما ذكرنا على وجه يظهر للمتأمّل فيما ذكر، فلا نطيل ببيانها و وجه الجمع بين الاخبار الواردة في ذلك و انطباقها على القواعد اللّفظيّة، فلا تغفل.

ثمّ اعلم أنّه يشبه أن يكون حقيقة اسم الجلالة بمعنى الاسم العينيّ الواقعي، لا اللّفظيّ و الكتبي، هو حقيقة الامكان و الافتقار الذاتي الّذي هو مفتاح خزائن الجود و العطاء بعنوان مطلق؛ إذ العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة، إذ الربوبيّة الذاتيّة معناها و مدلولها، و الربوبيّة الفعليّة أمر ظاهر فيها و متأخّر عنها؛ إذ مرتبة العبوديّة مرتبة القابليّة، و الربوبيّة الفعليّة مرتبة الفعليّة، و القابليّة شرط الفعليّة و معدّ لحصوله، أو التربية بعد الوجود المتأخّر عن القابليّة، فكأنّ حقيقة هذا الاسم هو القابليّة و الامكان الكلّي، الّذي حقّق قابليّات الاشياء و إمكاناتها و افتقاراتها إلى ما ينبغي لها؛ إذ في هذه المرتبة يظهر العبوديّة و قبله لا عبد و لا عبوديّة، و لا يصحّ اعتبار شيء منهما فعلا، و فيها يصحّ اعتبار التذلّل و الخضوع، و السؤال و التضرّع بلسان الحال، و امتثال خطاب «كن» بقبول الكون، و التداعي و الاتّصاف به، و هي الرابطة بين الحقّ و الخلق؛ «قُلْ مٰا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاٰ دُعٰاؤُكُمْ » (1).

و لعلّه المراد ممّا نسب إلى بعض العارفين من أنّه إذا تمّ الفقر فهو اللّه، فتبصّر.

ص: 241


1- الفرقان/ 77.

[تفسير كلمة الجلالة باعتبار حروفها]

و أمّا شرح الكلمة باعتبار حروفه، ففي التوحيد باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام بعد السؤال عن تفسير «اللّه» في ضمن تفسير البسملة، قال:

«الالف آلاء اللّه على خلقه من النعيم بولايتنا، و اللام إلزام اللّه خلقه ولايتنا.

قلت: فالهاء؟

قال: هو ان لمن خالف محمّدا و آل محمّد - صلوات اللّه عليهم - الحديث.»(1)

و لعلّه اسقط منه الالف و اللام لخروجهما عن جوهر الكلمة، أو أخذ اللام المشدّدة واحدة، و اسقط الالف المتأخّرة عنه، إمّا لخروجه عن الحروف الثمانية و العشرين المعروفة و عدم ظهوره في الكتابة، أو عدم قابليّة الراوي لفهمه، أو أخذ اللامين واحدا و الهمزة و الالف واحدا لعدم تفاوت المعنى بالتكرار. و قد مرّ في عدّة من الاخبار تفسير الالف بآلاء اللّه سبحانه من دون تقييد بخصوص الولاية و لعلّ التخصيص هنا لأجل كونها أصل النعم و غايتها، أو كونها أعظم النعم و أخفاها عن الانظار، فاحتاجت إلى مزيد بيان، أو انحصار النعمة الباطنة الخفيّة الّتي أريد من الآلاء بها، أو اختصاص الاختصاص بلفظ الجلالة لخصوصيّة تظهر وجهه ممّا نذكره. و قريب منه الكلام في تفسير اللام في بيان معاني الحروف في بعض الاخبار ب «اللّطيف بعباده »(2) ،و في بعض آخر تفسيرها ب «إلمام أهل الجنّة بينهم

ص: 242


1- راجع المصادر المذكورة في تعليقة 3 ص 220؛ و هكذا في البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 231، ح 12.
2- كرواية الصدوق (ره) عن حسين بن علي - عليهما السلام - عن أمير المؤمنين - صلوات اللّه و سلامه عليه - في جوابه ممّا سأله اليهودي من الفائدة في حروف الهجاء؛ فراجع التوحيد باب تفسير حروف المعجم، ص 235، ح 2.

في الزيارة و التحيّة و السلام، و تلاوم أهل النار فيما بينهم »(1).

و اللّطف الحقيقي هو جعله الولاية الّتي هي مساوقة للدين بل هي عينه، و ثمرة الولاية بل ظهورها بآثارها؛ إذ الولاية موجب لتحقق الالفة و الولاية بين الموالين، و هي من آثار ولايتهم عليهم السّلام و توابعها و شئونها، و التزاور و التحيّة و السلام كلّها من آثار المحبّة و الاتّحاد و المؤاخاة الّتي هي من آثار الولاية.

و أمّا تلاوم أهل النار، فمن لوازم عدم قبولهم الولاية؛ قال اللّه سبحانه:

«وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » (2) .

و لنعم ما قيل بالفارسيّة:

جان گرگان و سگان جمله جداست *** متّحد جانهاى شيران خداست

و أمّا الهاء ففي بعض الاخبار المفسّرة للحروف تفسيره بأنّه: «هان على اللّه من عصاه.»(3) و هو مطابق لما مرّ؛ إذ كلّ معصية راجعة إلى مخالفتهم عليهم السّلام، كما أنّ كلّ طاعة إلى طاعتهم، و كلّ معصية مخالفة لهم، و كلّ مخالفة لهم معصية للّه سبحانه، بل هما متّحدتان معنى و حقيقة و إن اختلفا صورة و اعتبارا.

و في آخر تفسيره ب «هول جهنّم »(4) ،و في ثالث ب «هاء الهاوية» قال عليه السّلام:

ص: 243


1- راجع كلام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - في جواب من سأله عن تفسير أبجد؛ نقله الصدوق - طاب ثراه - في التوحيد، باب تفسير حروف الجمل، ص 237، ح 2، عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين، عنه - صلّى اللّه عليه و آله -.
2- الانعام/ 153.
3- رواه الصدوق (ره) فى التوحيد، باب تفسير حروف المعجم، ص 234، ح 1؛ و المعاني، باب معاني حروف المعجم؛ ص 44، ح 1؛ و الامالي و العيون عن علي بن موسى الرضا - عليهما السلام -... عن أمير المؤمنين - عليه السلام -؛ و هكذا في البحار، ج 2 باب غرائب العلوم من تفسير أبجد و حروف المعجم، ص 319، ح 3.
4- رواه الصدوق (ره) في التوحيد، باب تفسير حروف الجمل؛ و المعاني و الامالي عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر - عليه السلام - و هكذا في البحار، ج 2 باب غرائب العلوم من تفسير أبجد و حروف المعجم.

«فويل لمن هوى في النار.»(1)

و هذان غايتان لهوان العبد على اللّه سبحانه، و ثمرتان له، فانّ من هان عليه هنا ترتّب عليه ورود أهوال الآخرة خصوصا هول جهنّم، و أدّاه الهوان على اللّه إلى دخول الهاوية و الهويّ في النار. فالهوان هو الاصل، و هي آثاره و نتائجه، كما أنّ الجنّة أثر كرامة العبد على اللّه و رضوان اللّه سبحانه.

و حينئذ فنقول: ظهور معنى المعبود الّذي هو معنى كلمة الجلالة بجعل حقيقة الدين الّتي هي الولاية كما أشرنا إليه، و النعيم الحقيقي، و إلزام العباد بقبوله فيترتّب على قبوله جميع الخيرات الحقيقيّة الّتي هي نتائج ذلك النعيم الحقيقي، و جعل الهوان و الهلاك و العذاب على من أبى عن قبول الدين. فهذه أمور ثلاثة و إن كانت بحسب الاعتبار الاوّل أربعة: جعل الدين، و إلزام العباد على قبوله، و ما يترتّب على القبول، و ما يترتّب على إبائه و إنكاره؛ لكنّ الثالث لمّا كان من آثار الدين الّذي هو الامر الاوّل صحّ تثليثها، و هي مترتّبة بحسب الواقع كترتّب الحروف الثلاثة الدالّة عليه، و هو ظاهر بملاحظة ما مرّ و حينئذ فيوافق معنى المادّة أعني الحروف الكلمة معنى و تركيبا، فلا تغفل.

[بحوث حول كلمتي الرّحمن و الرّحيم]

و أمّا الرحمن الرحيم، ففي رواية التوحيد المتقدّمة صدرها:

«الرحمن الّذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا

ص: 244


1- نفس المصادر، عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين - عليه السلام - عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله -.

و دنيانا و آخرتنا، خفّف علينا الدين، و جعله سهلا خفيفا، و هو يرحمنا بتمييزنا عن أعدائه.»(1)

و في الرواية المتقدّمة صدرها، المرويّة بالطرق المتكثّرة:

«الرحمن بجميع خلقه، و الرحيم بالمؤمنين خاصّة.»(2)

و في رواية التوحيد الثانية قال:

«قلت: الرحمن؟

قال: بجميع العالم.

قلت: الرحيم؟

قال: بالمؤمنين خاصّة.»(3)

و في رواية تفسير الرحمن ب:

«العاطف على خلقة بالرزق، لا يقطع عنهم موادّ رزقه و إن انقطعوا عن طاعته.»(4)

و في المجمع عن عيسى بن مريم عليه السّلام.

«الرحمن رحمان الدنيا، و الرحيم رحيم الآخرة.»(5)

و عن الصادق عليه السّلام:

ص: 245


1- في بعض النسخ: «عن أعاديه». و موضع الحديث قد أشرنا إليه، فراجع تعليقة 1 ص 229.
2- راجع تعليقة 1 و 2 ص 220.
3- راجع تعليقة 3 ص 220.
4- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 12. و الصافي، ج 1، ص 51؛ و البحار ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها ص 248 ح 48.
5- مجمع البيان، ج 1، ص 21؛ و الصافي، ج، ص 51؛ و هكذا في الدرّ المنثور، ج 1 ص 8.

«الرحمن اسم خاصّ لصفة عامّة، و الرحيم اسم عامّ لصفة خاصّة.»(1)

و في بعض أدعية الصحيفة السّجاديّة:

«يا رحمان الدنيا و الآخرة و رحيمهما.»(2)

و نقل النيشابوري و غيره أنّه جاء:

«رحمان الدنيا و الآخرة و رحيم الدنيا.»(3)

أقول:

الرحمن و الرحيم كلاهما صفتان مشتقّان من الرحم، و أصله بحسب المعنى:

العطف و الرقّة و فسّرا بالتعطّف و الشفقة و الميل الروحاني لا الجسماني، فان ذلك ليس معنى الرحمة و إن كان معنى بعض ما يلاقيها في الاشتقاق.

و ذكر بعضهم: «أنّ منه الرحم لرقّتها و انعطافها على ما فيها.»(4)

و لعلّه أراد به بيان المناسبة، و إلا فلا يطلق على ما رقّ جسمه حسّا، أو انعطف كذلك الرحمة، كما نبّه عليه المفسّر المتقدّم.(5) نعم، يصحّ ذلك في الرحم بمعنى القريب لما جعل بين الارحام من الميل و الشفقة و التعطّف.

و ذكر بعضهم في تفسير الرحمة هنا: «أنّها ترك عقوبة من يستحقّها، أو إرادة الخير لأهله.»(6) و ذكر آخر أنّها: «في بني آدم عند العرب رقّة القلب ثمّ

ص: 246


1- نفس المصادر غير الدرّ المنثور.
2- الصحيفة السجادية، دعائه - عليه السلام - في استكشاف الهموم (د 53).
3- تفسير النيشابوري، ج 1 ص 24؛ و نقله أيضا الزمخشري في الكشاف، ج 1، ص 6؛ و البيضاوي في أنوار التنزيل ص 2.
4- ذكره النيشابوري و الزمخشري و البيضاوي في المصادر المتقدمة.
5- راجع تفسير النيشابورى، ج 1، ص 24.
6- نفس المصدر.

عطفه، و في اللّه عطفه و برّه و رزقه و إحسانه.»(1)

و التحقيق أنّ الّذي يظهر لنا في مورد الرحمة في الخلق رقّة و انكسار في قلب الراحم، ثمّ عطف القلب نحو المرحوم، ثمّ ما يترتّب عليه من الافعال المنبعثة عن ذلك من إصلاح أمر المرحوم، و كشف ضرّه، و جبر فاقته، و رفع حاجته، و يشبه أن يكون الاوّل سببا لحصول الرحمة و الثالث ثمرة له و أثرا مترتّبا عليه، و يكون حقيقة الرحم هو الامر الثاني. و يستظهر ذلك بملاحظة ظهور بساطة المعنى و عدم تركّبه من أمرين مختلفين: انفعال من شيء و فعل. و حينئذ فملاحظة عدم كون الاوّل متعدّيا بل لازما لا يتجاوز بنفسه إلى المفعول، مع أنّ الرحم يتعدّى إليه بلا واسطة تقتضي بنفي الاوّل، و المقصود من اللّزوم و التعدية هو كون المعنى بنفسه واقعا على الفاعل أو متجاوزا منه إلى غيره بنفسه، و هو الاصل في التعدية و اللّزوم اللّفظيّين. و ملاحظة كون الرحم من الصفات الباطنية دون الافعال الخارجيّة فيقال: رحيم القلب و لا يقال: رحيم الفعل، تشهد بأنّ الفعل الخارجي منبعث عنه و مظهر له باعتبار ما يصحّ إطلاق الرحم و الرحمة عليه، لا أنّه عينه.

و حينئذ فالظاهر كون أصل الرحم هو العطف الحاصل للراحم نحو المرحوم المنبعث عن ملاحظة حاجته و ضرّه، المقتضي لاصلاح شأنه و جبر كسره. و حينئذ فلا بعد في أن يقال، إنّ إطلاق الرحم على اللّه سبحانه على نحو الحقيقة اللّغوية، و أنّ الحكم بالمجازيّة ناش من عدم تجريد أصل المعنى من الاغشية اللازمة له بحسب الموارد المحسوسة؛ كملازمة الانكسار و الانفعال للرحم فينا بحيث لا يكاد يوجد إلا منبعثا عنه، و ليس إطلاق الرحم على اللّه سبحانه مقصودا على اعتبار أخذ الغاية و الاثر، و إلغاء المبادي التي هي المعاني الاصليّة كما يظهر منهم، بل لأفعال اللّه سبحانه مبادي وجوديّة عينيّة على التحقيق هي حقيقة معاني الالفاظ. فاطلاق

ص: 247


1- الكلام للطريحي (ره)، راجع مجمع البحرين.

الرحم و الرضا و الغضب و أشباهها ليس باعتبار تحقّق الآثار فقط مجرّدة عن المبادي بل باعتبار مبادي تلك الافعال التي هي الاصل لها.

فحقيقة الرحمة و الرحم هو المعنى الذي باعتباره يرحم الممكنات، و هو حقيقة اسم الرحمة من أسمائه سبحانه المخلوقة؛ كما يشهد له ما روي في المشهور و أورده في المجمع عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله:

«إنّ للّه عزّ و جلّ مائة رحمة، أنزل منها واحدة إلى الارض فقسّمها بين خلقه، فبها يتعاطفون و يتراحمون، و أخّر تسعا و تسعين [لنفسه] يرحم بها عباده يوم القيامة.»(1)

و عن تفسير الامام عليه السّلام معناه عن أمير المؤمنين عليه السّلام.(2)

و حينئذ فانكسار القلب سبب لظهور تلك الرحمة المنفصلة في القلب، فيعطفه على المرحوم كظهورها في الآباء و الامّهات و الارحام و غيرهم بالنسبة إلى الاولاد و القرابات و غيرهم، و كلما كان القلب أصفى كان ظهور الرّحمة بالنسبة إلى الخلق أتمّ.

و لعلّه المراد بالتخلّق بأخلاق اللّه، و حينئذ فاطلاق الرحمن و الرحيم على اللّه سبحانه باعتبار كونه ذا الرحمة الواسعة و مبدأ لها و جاعلا لها، و قيامها به قيام صدور لا قيام حلول، كما يوصف الانسان بصفات أفعاله من الكلام و غيره بخلاف توصيف الناس به، فانّه باعتبار كونه محلا للرحم، و مظهرا له في وجه يظهر به حصر الرحمة في الحقّ، و أنّه لا راحم على الحقيقة إلا هو، و أنّ له الرحمة المطلقة

ص: 248


1- مجمع البيان، ج 1، ص 21؛ و الصافي، ج 1، ص 51.
2- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 13؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 250. و قوله - عليه السلام -: «و من رحمته أنه خلق مائة رحمة، و جعل منها رحمة واحدة في الخلق كلهم. فبها يتراحم الناس... فاذا كان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة إلى تسعة و تسعين رحمة، فيرحم بها أمة محمد - صلّى اللّه عليه و آله -.»

لا لمن سواه، و هو التوحيد في هذه الصفة كما ورد في بعض فقرات الصحيفة السجاديّة على ما ببالي:

«فلعلّ بعضهم برحمتك يرحمني.»(1)

و لعلّ هذه الرحمة هي حقيقة المراد من قوله تعالى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» (2) في مقام التكوين لا الوعد، و قوله سبحانه: «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ - الخ »(3) ،و قوله عزّ و جلّ: «رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وٰاسِعَةٍ » (4) ،و ما ورد من أنّه سبقت رحمته غضبه (5) ،و ما في دعاء كميل من قوله عليه السّلام: «برحمتك التي وسعت كل شيء »،و ما شابهها.

[في أنّ مرتبة الرّحمة متأخّرة عن مرتبة الالوهيّة]

ثمّ إنّ هذه الرحمة المخلوقة يظهر في الموجودات تارة في ضمن حصص محدودة معيّنة؛ كالحالة الحادثة فينا و في غيرنا من ذوات الادراك، كما يظهر نور الشمس في نور القمر و غيره من ذوات الانوار؛ و أخرى بآثارها و غاياتها المترتّبة عليها من

ص: 249


1- الصحيفة السجادية، دعائه - عليه السلام - في ذكر التوبة و طلبها (د 310).
2- الانعام/ 54.
3- الاعراف/ 156.
4- الانعام/ 147.
5- هذا المعنى قد وردت في روايات نقلها الاعلام؛ منها: ما رواه ابن فهد الحلّي (ره) في عدة الداعي، الباب الرابع؛ و نقله الحر العاملي (رض) عنه في الجواهر السنية ص 72 من أن اللّه سبحانه حين أرسل موسى إلى فرعون قال له: «توعده و أخبره أنّي إلى العفو و المغفرة أسرع منّي إلى الغضب و العقوبة.» و منها: ما نقله الطريحي (ره) في مجمع البحرين من كلامه سبحانه: «رحمتي تغلب على غضبي.» و منها: ما في العيون و العلل و تفسير الامام - عليه السلام - من كلامه سبحانه لموسى - عليه السلام -: «انّ رحمتي سبقت غضبى.»

إعطاء ما يحتاج إليه المرحوم، أو دفع ما ينافيه. و يندرج فيها إعطاء الرحمة للرحماء و جعلهم رحماء. فالاولى مندرجة في الثانية بهذا الاعتبار.

و الرحمة تارة تعتبر مطلقة مجردة عن التعلّقات و الاضافات، كما يقال: فلان رحيم القلب في مقابلة القسيّ القلب بمعنى أنّه على صفة لو وجد مرحوما لرحمه؛ و أخرى مضافة متعلّقة بمتعلّق خاصّ، و نسبته إلى الاعتبار الاول يشبه نسبة الفعليّة إلى الشأنيّة، و ما بالفعل إلى ما بالقوّة و حقيقة الاعتبار الاوّل ملاحظة الرحمة في حدّ نفسها و صرافة حقيقتها، و الثاني إلى ملاحظة انبساطها و شمولها وسعتها للاشياء. و به يظهر آثارها الخارجيّة الّتي ربّما تطلق عليها الرحمة أيضا باعتبار ظهور الرحمة بها، و اقتضائها إيّاها، فهي بمنزلة الفرع من الاصل، بل هي رحمة فعليّة صوريّة، كما أنّ سابقها رحمة معنويّة صفتيّة. و على أيّ اعتبار أخذت الرحمة فهي إنّما تعقل بالاضافة إلى محلّ يصلح لعروض الرحمة له، و هو الشيء المتّصف بصفة الحاجة و الفقر إلى أمر ليس بحاصل له، فما لم يكن فقير محتاج سائل بلسان حاله فعلا أو شأنا لم يكن رحمة فعليّة و شأنيّة. فمرتبة هذا الاسم متأخّرة عن مرتبة اسم الالوهيّة عقلا و عينا، إذ المعبوديّة يقتضي عابدا، كما مرّ في الحديث أنّ: «إلها يقتضي مألوها.»(1) فلو لم يكن عابد لم يكن معبودا. و إن كانت الالوهيّة الشأنيّة لا يقتضى وجود العابد بالفعل، بل تصير مبدأ لايجاده لتظهر، و هو معنى ما تقدّم في الحديث من إثبات الالهيّة إذ لا مألوه؛ لكنّها لا تصدق إلا بعد فرض وجود العابد، فتصدق الشأنيّة بعد فرض وجود العابد و الفعليّة بعد الفعليّة. فبمجرّد وجود الممكن فرضا و عينا صحّ وصف الحقّ بالإلهيّة بمعنى المعبوديّة شكرا لنعمة إيجاده، و لما هو عليه من عزّ جلاله و صفاته، و لما عليه الممكن من خواصّ الامكان، و لا يلزم من ذلك كون الحقّ

ص: 250


1- تقدم عن هشام بن الحكم، عن الصادق - عليه السلام -، فراجع ص 231.

مستكملا بالخلق؛ إذ المعبوديّة الاضافيّة ليس كمالا للحقّ و إن كان تجلّيا لكماله و إظهارا له.

و أمّا الرحمة فانّما تتحقّق بفرض حاجة الممكن إلى أمر ليس حاصلا له ليستكمل به، و هو حقيقة سؤاله بلسان حاله و عبادته الذاتيّة، فالرحمة الشأنيّة تقتضي إعطاء الحاجة لها، و تعريضها للعطاء، و جعلها سائلة بألسنة أحوالها قابلة لعروض الرحمة لها، فهي متأخّرة عن الالوهيّة و المعبوديّة. و الرحمة الفعليّة بمعنى الخاصّة لا تكون إلا بعد صيرورة كونها كذلك، و بالمعنى العامّ لا تكون إلا بعد تحقّق الحاجة الكلّيّة. فاسم الرحمة متأخّر عن مبدإ اسم الجلالة رتبة عقليّة و عينيّة، فتتبعهما مرتبة اللّفظيّة و الكتبيّة.

[الرّحمن اسم خاصّ لصفة عامّة و الرّحيم اسم عامّ لصفة خاصّة]

ثمّ إنّ الموجودات لمّا ظهرت و أعطيت لها قابليّة عطايا كثيرة، و سألت بلسان أحوالها كمالاتها، و ما تحتاج إليها في دوامها، و السير إلى غاياتها و نهاياتها، و اتّصفت بصفة العبادة الذاتيّة، ظهرت صفة الرحمة، فأعطي كلا منها ما يستحقّها.

و هذه الرحمة تنقسم إلى قسمين؛ قسم منه بالقياس إلى القوس النزولي و النشأة الاولى، و سيره من الحقّ إلى آخر درجات الخلق، فاعطاء ما يحتاج إليه من إعطاء الرزق و دفع مكاره و إعطاء منافع و إصلاح شأن و تحسين صورة، و إعطاء ما يتوقّف عليه شيء من ذلك و لو بوسائط، إلى غير ذلك. و الآخر بالقياس إلى القوس الصعودي و النشأة الاخرى، و سيره من الخلق إلى الحقّ، و طيّ درجات القرب إلى اللّه سبحانه.

و الاوّل هو الرحمة الاولى الابتدائيّة لعدم بنائه على فعل العبد، فيشمل كلّ شيء من مؤمن و كافر، و جماد و نبات و حيوان و غيرها؛ كما وصف سبحانه:

ص: 251

«وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ.»

و الثاني الرحمة الثانية و الاكتسابيّة و المجازاتيّة ب «أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىٰ * ثُمَّ يُجْزٰاهُ الْجَزٰاءَ الْأَوْفىٰ » ،(1) كما وصف سبحانه: «فَسَأَكْتُبُهٰا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ - الخ». و هذه الرحمة اختصّت بالسعداء على تفاوت درجاتهم و منازلهم و حرّمها الاشقياء على درجاتهم في الشقاوة مع شدّة احتياجهم و فقرهم إليه.

فالاوّل الرحمة الرحمانيّة؛ كما قال سبحانه:

«مٰا تَرىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمٰنِ مِنْ تَفٰاوُتٍ.» (2)

و قد استوى الحقّ بتلك الصفة على العرش، فأعطى بها كلّ ذي حقّ حقّه.

و الثاني الرحمة الرحيميّة المكتوبة لخصوص أهله على تفاوتهم في درجاتهم، و ميزوا المجرمون منهم بالحرمان، و اعطوا أضداد تلك الرحمة، و هو المقرون باسم «الغفور» و ما في مرتبته. فالاوّل عامّ لم يخلّ منه شيء، و الآخر خاص بالبعض دون البعض مع تفاوت الطائفتين.

فالرحمن اسم خاصّ لصفة عامّة، و الرحيم اسم عامّ لصفة خاصّة كما مرّ في الحديث.(3)

قال النيشابوري في وجه خصوص الرحمن أنّه: «من حيث لا يسمّى به إلا اللّه تعالي، لأنّه من الصفاف الغالبة، كالدبران و العيّوق.»(4)

و في وجه عمومه: «أنّه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق و الرزق

ص: 252


1- النجم/ 39-41.
2- الملك/ 3.
3- راجع قول الصادق - عليه السلام - فى ص 246 المنقول عن المجمع.
4- «الدبران»: منزل للقمر، و هو مشتمل على خمسة كواكب في برج الثور؛ سمّي بذلك لأنه يتبع الثريا. و «العيوق»: نجم أحمر مضىء فى طرف المجرة الايمن، يتلو الثريا و لا يتقدمها؛ سمّى بذلك لأنه يعوق الدبران عن لقاء الثريا.

و النفع.» و في وجه عموم الرحيم: «اشتراك تسمية الخلق به.» و في خصوصه:

«رجوعه إلى اللطف بالمؤمنين و التوفيق.»(1)

و يمكن أن يوجّه اختصاص الرحمن معنى بدلالة اللّفظ على زيادة الرحمة، و بلوغها الغاية القصوى، نظرا إلى أنّ زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني، فهو أبلغ من الرحيم. و هذا هو النكتة في اختصاصه بالرحمة الاولى الشاملة لجميع الاشياء، فيتبعه اختصاص الرحيم مع اجتماعه معه في التوصيف بالرحمة الخاصّة بصميمة ملاحظة الترتيب اللّفظي، و تطبيقه على المراتب المعنويّة.

و لمّا كان كلّ رحمة وصف المخلوق بها فهي حقيرة بالاضافة إلى رحمة الحقّ لم يستحقّ إطلاق الاسم الدالّة على الزيادة و الكثرة على الخلق، بخلاف الرحيم الّذي لا يدلّ إلا على المتّصف بالرحمة، فيشمل المخلوقات في النظر الجليّ. و هذه القاعدة أعني: دلالة زيادة المباني على زيادة المعاني، مع أنّها مصرّح بها في كلام أهل العربيّة، مؤيّدة بشواهد لا يسعنا ذكر تفصيلها.

و ممّا فصّلناه يظهر الوجه في تخصيص الرحمن فيما مرّ من الاخبار في الفرق بين الرحمن و الرحيم، فهو المعتمد عليه.

و أمّا ما في دعاء الصحيفة من إضافتها إلى الدنيا و الآخرة، فلعلّ الوجه فيه أخذ الدنيا و الآخرة بمعنى العالم الاوّل و الثاني لجميع ما تتحقّق فيهما. و لا ريب أنّ الرحمة الرحيميّة يبتدأ في الدنيا بجعل التكليف سهلا خفيفا (2) ،ثمّ عرضه على العباد، ثمّ التوفيق لقبوله و الهداية بمعنى الايصال إلى المطلوب و التسديد و العصمة ثمّ ترتيب الفيوضات الكماليّة المعنويّة عليه، و إعطاء الجنان المعنويّة لأهله، و غير ذلك كلّها إنّما يقع في عالم الدنيا الّتي هي المزرعة للآخرة، و هي من الرحمة

ص: 253


1- تفسير النيشابوري، ج 1، ص 25.
2- في المخطوطة: «حنيفا».

الرحيميّة كما يشهد له الرواية الاولى (1) ،كما أنّ بقاء ما يحتاج إليه الانسان في بقائه من الدنيا إلى الآخرة من الرحمة الرحمانيّة؛ إذ ليس المعاد إعادة المعدوم المحض الّذي لا عين له و لا تميز، كما حقّق في محلّه.(2)

و أمّا الرواية الاخيرة (3) ،فمع ضعفه جدّا لعلّه إطلاق اللّفظ باعتبار آخر، أو إسقاط عطف الآخرة مرتبة ثانية تعويلا على العطف الاوّل، أو ترك له لنكتة خاصّة.

هذه جملة ما سنح بالبال في ترجمة كلمات البسملة من حيث الافراد، و بقي أمور متعلّقة بها ينبغي ذكرها.

[في بيان أنّ البسملة أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من بياض العين إلى سوادها]

منها: أنّه روى العيّاشي (ره) عن الرضا عليه السّلام أنّها:

«أقرب إلى اسم اللّه الاعظم من ناظر(4) العين إلى بياضها.»(5)

و روى الصدوق في المجالس و عيون الاخبار عنه عليه السّلام أنّه قال:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم أقرب إلى الاسم الاعظم من بياض العين إلى سوادها.»(6)

ص: 254


1- يعني به أول رواية نقلها (ره) في ترجمة «اَلرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،راجع ص 244 و 245
2- راجع مبحث المعاد في الكتب الكلامية.
3- المراد بها ما نقله النيشابوري، راجع ص 246.
4- في بعض النسخ: «سواد».
5- العياشي، ج 1 ص 21، ح 13، عن إسماعيل بن مهران، عنه - عليه السلام - و روى الحرّاني (ره) في التحف، ص 366، عن أبي محمد العسكري - عليه السلام - مثله؛ و هكذا في الصافي ج 1، ص 52، و البحار و البرهان.
6- العيون، ج 2، باب 30، ص 5، ح 11، عن محمد بن سنان، عنه - عليه السلام -؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة، ص 747، ح 11، نقلا عنه. و في النسخة الموجودة عندنا من العيون: «سواد العين إلى بياضها» كما يأتي في الرواية الآتية؛ لكنه في الوسائل، على نحو نقله المؤلف (ره)، و هكذا ما وجدنا الحديث في المجالس.

و نسب إلى الرواية عنه عليه السّلام أيضا أنّها:

«أقرب إلى الاسم الاعظم من سواد العين إلى بياضها.»(1)

و روى الشيخ في التهذيب عن الصادق عليه السّلام مثله على الوجه الاوّل(2).

و ربّما يوجّه بأنّ البسملة اللّفظيّة نسبتها إلى البسملة التكوينيّة بمعنى حقيقة ما تدلّ عليها في عالم الاسماء الالهيّة نسبة المظهر و المرآة و الفرع إلى الغيب و الاصل، فتلاحظها فيها من دون مشاهدة الاولى، و بملاحظتها، كما إذا توجّهت إلى النفس المقابلة في المرآة من دون التفات إليها أصلا، و الاولى محلّ لظهور الثانية و حاكية لها، فهي أقرب إليه من سواد العين إلى بياضه؛ لأنّ ذلك قرب الملاصقة و هنا قرب المداخلة، لا كدخول شيء في شيء.

و الّذي يظهر لي أنّ البسملة في المقامين نسبتها إلى الاسم الاعظم فيهما نسبة الناظر و السواد إلى بياض العين. و ذلك أنّ حقيقة الاسم الاعظم الالهي ينبغي أن يكون هو الاسم الواحد الّذي بوحدته يشمل جميع الاسماء، و يكون تلك الاسماء بمنزلة الاجزاء و الجزئيّات و الحروف من تلك الكلمة العينيّة، و لا يعزب عنه شيء من

ص: 255


1- المصادر السابقة غير الوسائل؛ و هكذا نقله عليّ بن عيسى الاربلى (ره) في كشف الغمة، ج 2، ص 420، من كتاب دلائل الحميري، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي محمد العسكري - عليه السلام -.
2- التهذيب، ج 2، باب في كيفية الصلاة من أبواب الزيادات، ص 289، ح 15، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عنه - عليه السلام -؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة ص 745، ح 3.

حقائق الاسماء و حقائق مدلول البسملة أمور متعددة لا تجمعها وحدة من البهاء و السناء و الملك أو المجد، و آلاء اللّه على خلقه من نعيم الولاية و إلزامه إيّاهم قبوله، و هوان مخالفيهم في مقام الحروف، و الرابط بين اسم الحقّ و الخلق المدلول عليه بالباء، و مطلق الاسم أنّه لم يجعل مقحما فيه، أو متعيّنا بالمضاف إليه في مقام قانون العربيّة، و اسم الجلالة و الرحمن و الرحيم. و الظاهر أنّ شيئا منها ليس اسما جامعا على ما وصفنا، كما يظهر بالتأمّل فيما فصّلناه سابقا، فيشبه أن تكون هي تفصيل ذلك الاسم الاعظم و بمنزلة الحروف من تلك الكلمة، و إذا أخذت تلك الحقائق التفصيلية و نسبتها إلى الحقيقة الاجماليّة الوحدانيّة، و لاحظت إحاطة ذلك الاسم الواحد بها و اندراجها فيه، كان الاسم الاعظم كالبياض المحيط بالناظر المشتمل على الاجزاء المتعدّدة، و السواد مشتمل عليها، أو قربه إليها قرب البياض إلى أحدهما؛ إذ ليس المحاط معزولا عن المحيط و مفضولا عنه سواء كانت الاحاطة صوريّة أو معنويّة، فالاعظم هو البياض، كما هو الاظهر بلفظ الرواية. و إن لاحظت أنّ الحقائق التفصيليّة مظاهر و محالّ لتلك الحقيقة الوحدانيّة، و هي الظاهر فيها المتجلّي بها كانت هي كالبياض و تلك الحقيقة كالسواد أو الناظر، و قربها إليها كقربه إليه إذ قرب الظاهر و المتجلّي في المظهر المتجلّى فيه بحسب المعنى، و كقرب الحالّ إلى المحلّ في الصورة.

و إذا عرفت كيفيّة النسبة بين البسملة و الاسم الاعظم في مقام الحقيقة صحّ لك اعتبارها بين لفظ البسملة و ذلك الاسم اللّفظي؛ إذ نسب الالفاظ هاهنا تابعة للحقائق كتبعيّتها إيّاه في وصفها بالكلّيّة و الجزئيّة، و الترادف و التباين، و كما أنّ بياض العين غير محيط من جميع الجوانب، كذا لا يحيط البسملة بجميع تفصيل الاسم الاعظم مطابقة؛ إذ منه أسامي القهر و الانتقام في مقام التفصيل، و هي غير مصرّحة بها، و إن فهم من الملك و المجد إن لم تؤخذ بمعنى الكرم و الالوهيّة على

ص: 256

وجه التضمّن أو الالتزام. نعم، يدلّ عليها الهاء من لفظ الجلالة على وجه إجمالي كما سبق.

و كما أنّ حقيقة العين و الاصل فيها هو الناظر و السواد المشتمل عليه، و البياض بمنزلة القالب لهما، كذا مرتبة الاسم الاعظم مرتبة الاصل و الحقيقة بالنسبة إلى حقيقة البسملة، و هي بمنزلة القالب له.

[هل البسملة جزء من سورة الفاتحة أم لا؟]

منها: أنّ المستفاد من الاخبار و كلمات فقهائنا دخول البسملة في سورة الحمد، و أنّها جزء منها و إن وقع في غيرها مناقشة شاذّة و اختلف العامّة في ذلك اختلافا فاحشا.

قال المحدّث الكاشاني:

«البسملة في أوّل كلّ سورة آية منها، و إنّما كان يعرف انقضاء السورة بنزولها ابتداء للأخرى، «و ما أنزل اللّه كتابا من السماء إلا و هي فاتحته» كذا عن الصادق عليه السّلام رواه العيّاشي.»(1)

و في الكافي عن الباقر عليه السّلام:

«أوّل كلّ كتاب نزل من السماء بسم اللّه الرحمن الرحيم، فاذا قرأتها فلا تبال أن لا تستعيذ، و إذا قرأتها سترتك ما بين السماء و الارض.»(2)

ص: 257


1- راجع الصافي، ج 1، ص 51؛ و الحديث في العياشي، ج 1، ص 19، ح 5، عن صفوان الجمال، عنه - عليه السلام -؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 236، ح 29.
2- الكافي، ج 3، باب قراءة القرآن من كتاب الصلاة، ص 313، ح 3، عن فرات ابن أحنف، عنه - عليه السلام -؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة، ص 746، ح 8، و الصافى، ج 1، ص 51.

أقول:

المناسبة المعنويّة في الابتداء بها ظاهرة ممّا سبق؛ لأنّ للقارئ حقيقتها هي المبدا لنزولها و ما اشتمل عليها من المعاني إن عمّت لمداليلها التبعيّة. و أمّا كون قراءتها ساترة ما بين السماء و الارض، و كونها مغنية عن الاستعاذة، فالظاهر أنّه إنّما يكون إذا كانت القراءة مشتملة على الصورة و المعنى، و يكون القاري متسمّيا بها متحقّقا بحقيقتها على ما يفهم ممّا قدّمناه، و إلا فمحض تحريك اللّسان لا يفيد هذه الفائدة العظيمة، كما يظهر بالمراجعة إلى الوجدان، و إن كان عدم خلوّه عن التأثير في الجملة غير منكر.

و في العيون و المجالس عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال:

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ آية من فاتحة الكتاب، و هي سبع آيات تمامها بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.» (1)

و في العيون و تفسير الامام عليه السّلام أنّه قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام:

«أخبرنا عن بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ أ هي من الفاتحة؟

قال: فقال: نعم، كان(2) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقرؤها و يعدّها آية منها، و يقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني.»(3)

ص: 258


1- العيون، ج 1، باب 28، ص 235؛ و المجالس، المجلس الثالث و الثلاثون و فيهما: عن علي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي - عليهما السلام - عن آبائه - عليهم السلام -، عنه - عليه السلام -؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب القراءة فى الصلاة؛ و هكذا في تفسير الامام - عليه السلام -، ص 10.
2- في المخطوطة و بعض النسخ: «فان».
3- تفسير الامام - عليه السلام -، ص 21؛ و هكذا في المصادر المذكورة في تعليقة 1 من هذه الصفحة بنفس الاسناد.

و عن القمّي، عن الصادق عليه السّلام أنّها:

«أحقّ ما يجهر به، و هي الآية الّتي قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً.» (1)

[في بيان علّة رجحان الاجهار بالبسملة في الصّلاة و أنّها أعظم آية من كتاب اللّه]

و لعلّ الوجه في رجحان الاجهار به كما في غيره من الاخبار أيضا هو أنّ الاجهار نوع من الاظهار، و إظهار التحقّق بمقام البسملة في عالم الملك الانساني و الكبير موجب لظهور فيوضاتها و بركاتها و دفع الشياطين فيما ظهرت فيها. و في كونه ذكرا للربّ وحده و اشتمال مدلولها على كثير من معاني التوحيد، كما يظهر ممّا أسلفناه، و في تنفّرهم عنه و تولّيهم على أدبارهم نفرتهم عن التوحيد، و إعراضهم عن هذه الاسماء، و التحقّق بها، و التخلّق بموجبها، و عمّن كان شأنه و صفته ذلك، كما أنّه يبعد بسبب قراءتها على وجه الحقيقة أشباههم الداخليّة في عالم القلب الانساني.

و العيّاشي [ره] عنه عليه السّلام قال:

«ما لهم قاتلهم اللّه عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه، فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها.»(2)

ص: 259


1- الآية: الاسراء/ 46؛ و الحديث في القمّي، ج 1، ص 28 عن ابن اذينة، عنه - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، ص 52؛ و نور الثقلين، ج 3، ص 173؛ و هكذا روى العياشي (رض) في تفسيره، ج 2، ص 295، ح 86، عن زرارة، عن أحدهما - عليهما السلام - مثله.
2- العياشي، ج 1، ص 21، ح 16، عن خالد بن مختار، عنه - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، ص 52؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 238، ح 39.

و الظاهر أنّها تعريض بالعامّة، المنكر ثلّة منهم لكونها جزء من السورة، و بعض للجهر بها في الصلاة، كما أنّ المنكرين للجزئيّة هم المرادون بما رواه عن الباقر عليه السّلام:

«سرقوا أكرم آية(1) كتاب اللّه بسم اللّه الرحمن الرحيم.»(2)

و الوجه في كون البسملة أكرم آية و أعظم آية يظهر ممّا قدّمناه و فصّلناه في تفسيرها، و ممّا يأتي - إن شاء اللّه تعالى -.

و روى البرقي [ره] في المحاسن عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:

«ما نزل كتاب من السماء إلا أوّله بسم اللّه الرحمن الرحيم.»(3)

و روى الشيخ الطوسي [رض] في الصحيح على الظاهر عن محمّد بن مسلم أنّه قال:

«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن السبع المثاني و القرآن العظيم، أ هي الفاتحة؟

قال: نعم. قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع المثاني؟

قال: نعم، هي أفضلهنّ.»(4)

ص: 260


1- في بعض النسخ: «في كتاب».
2- العياشي، ج 1، ص 19، ح 4، عن أبي حمزة، عنه - عليه السلام -؛ و الصافي، ج 1، ص 52؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 236، ح 28.
3- المحاسن، كتاب ثواب الاعمال، باب 37، ص 40، عن صفوان الجمال، عنه - عليه السلام -؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 234، ح 17؛ و الوسائل ج 4، باب 11 من أبواب القراءة فى الصلاة، ص 747، ح 12.
4- التهذيب، ج 2، باب في كيفية الصلاة من أبواب الزيادات، ص 289، ح 13؛ و الوسائل، ج 4، باب 11 من أبواب القراءة في الصلاة، ص 745، ح 2.

و عن الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال:

«كتموا بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ،فنعم و اللّه الاسماء كتموها.

كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا دخل منزله و اجتمعت عليه قريش يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، و يرفع بها صوته، فتولّى قريش فرارا، فأنزل اللّه [في ذلك]: وَ إِذٰا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلىٰ أَدْبٰارِهِمْ نُفُوراً.» (1)

و روى الشيخ (ره) عن أبي حمزة أنّه قال: قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام:

«يا ثماليّ، إنّ الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان إلى قرين الامام، فيقول: هل ذكر ربّه؟ فان قال نعم ذهب، و إن قال لا ركب على كتفيه، فكان إمام القوم حتّى ينصرفوا.

قال: فقلت: جعلت فداك، أ ليس يقرءون القرآن؟

قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثماليّ، إنّما هو الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.»(2)

[لما ذا جعل البسملة في أوّل السّورة؟]

و منها: أنّه روى الصدوق في العلل و الكليني في الكافي بأسانيد معتبرة عن جماعة من أجلاّء أصحابنا، عن الصادق عليه السّلام في ذكر صلاة ليلة المعراج بطوله:

«ثمّ إنّ اللّه عزّ و جلّ قال: يا محمّد، استقبل الحجر الاسود

ص: 261


1- الكافى، ج 8، ص 266، ح 387، عن هارون، عنه - عليه السلام -؛ و الوسائل، ج 4، باب 21 من أبواب القراءة فى الصلاة، ص 757، ح 2.
2- التهذيب، ج 2، باب في كيفية الصلاة من أبواب الزيادات، ص 290، ح 18؛ و الوسائل، ج 4، باب 21 من أبواب القراءة في الصلاة، ص 758، ح 4.

و هو بحيالي، و كبّرني بعدد حجبي. فمن أجل ذلك صار التكبير سبعا؛ لانّ الحجب سبع (1) ،و افتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة. و الحجب متطابقة(2) ثلاثا بعدد النور الّذي أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله ثلاث مرّات، فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرّات، فلاجل ذلك كان التكبير سبعا و الافتتاح ثلاثا. فلمّا فرغ من التكبير و الافتتاح قال اللّه عزّ و جلّ: الآن وصلت إليّ، فسمّ باسمي. فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم. فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل السورة - إلى آخر الحديث الشريف.»(3)

و هو مشتمل على معان تكلّ العقول عن إدراكها إلا قليلا و منها، نشير إلى نبذة تتعلّق بهذه السورة في خلال التفسير بما يخطر تصوّره بالبال، و اللّه العالم بحقيقة الحال

فنقول:

بعد تحقّق الوصال و ارتفاع الحجب افتتح صلّى اللّه عليه و آله بالقراءة، و ذكر اسم الحقّ، إذ الوصال بفناء العبد في الحقّ عن أوصافه و أسمائه، و يلحقه ظهور أسماء اللّه سبحانه عليه، و التسمّي بها، و هو حقيقة ذكر العبد الحقّ و بيانه له.

و لمّا كانت البسملة على ما مرّ مشتملة على جمل أسمائه سبحانه كانت هي الظاهرة على أشرف الممكنات في أشرف المقامات، فصار محلاّ لهذه الكلمة

ص: 262


1- في المخطوطة: «سبعة» كما في العلل و البحار.
2- في بعض النسخ: «مطابقة».
3- العلل، ج 2، باب 1، ص 315؛ و الكافي، ج 3، باب النوادر من كتاب الصلاة، ص 485؛ و البحار، ج 18، باب إثبات المعراج و معناه، ص 358.

الكلّيّة لفظا و حقيقة و حالا، فكان صلّى اللّه عليه و آله هو تلك الكلمة، كما أنّ لوح القرآن قرآن و محلّ للقرآن، فظهر فيه صلّى اللّه عليه و آله اسم الوهيّة الحقّ للممكنات و الرحمة الرحمانيّة و الرحيميّة، و كان رحمة للعالمين بقول مطلق في المعنى الكلماتي، و بهاء الحقّ و سنائه و مجده أو ملكه، و آلاء اللّه على خلقه بنعيم ولاية الحقّ، و إلزام العباد إيّاه، و الهوان على المخالفة في مقام معاني الحروف.

و لمّا كان هو صلّى اللّه عليه و آله محلاّ لذلك الولاية و الالزام و الحكم بالهوان على المخالف، صحّ نسبة الولاية إليه و إلى القائمين مقامه في ذلك، كما أنّ صورة العلم إذا وجدت في ذهن الانسان نسبت إليه، و كانت علما له عن قبل تلك الولاية عنهم أوصله إلى كلّ خير، و من أبي لزمه الهوان، و هذه التسمّي بالتسمية ينسب إلى الحقّ نسبة الشيء إلى جاعله و موجده، و إليه صلّى اللّه عليه و آله نسبة الشّيء إلى محلّه.

فهذا روح نزول التسمية إليه و يطابقه المراتب النازلة إلى أن ينتهي إلى نزول اللّفظ عليه و الوحي اللّفظي، و ظهور الكلمة من فمه المبارك في الخارج. فالبسملة أوّل السورة في كلّ مقام.

[في استحباب إتيان البسملة عند بدء كلّ أمر]

و منها: أنّه ينبغي الاتيان بالبسملة عند افتتاح كلّ أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه، ففي الكافي عن الصادق عليه السّلام قال:

«لا تدعها و لو كان بعدها شعر.»(1)

و في المحاسن عنه عليه السّلام قال:

«إذا توضّأ أحدكم و لم يسمّ كان للشيطان في وضوئه شرك،

ص: 263


1- الكافي، ج 2، ص 672، ح 1، عن جميل بن دراج، عنه - عليه السلام -؛ و نور الثقلين، ج 1، ص 6، ح 15.

و إن أكل أو شرب أو لبس و كلّ شيء صنعه ينبغي له أن يسمّي عليه، فان لم يفعل كان للشيطان فيه شرك.»(1)

و في التوحيد باسناده عن العسكري، عن الصّادق عليهما السّلام في جملة حديث تقدّم أكثره أنّه قال:

«و لربّما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره «بسم الله الرحمن الرحيم» فيمتحنه اللّه عزّ و جلّ بمكروه لينبّهه على شكر اللّه تبارك و تعالى و الثناء عليه، و يمحق عنه و صمة تقصيره عند تركه قول «بسم الله الرحمن الرحيم» - و ساق الحديث إلى أن قال: -

فقال اللّه جلّ جلاله لعباده: أيّها الفقراء إلى رحمتي، إنّي قد ألزمتكم الحاجة إليّ في كلّ حال، و ذلّة العبوديّة في كلّ وقت، فاليّ فافزعوا في كلّ أمر تأخذون فيه و ترجون تمامه و بلوغ غايته، فانّي إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم، و إن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم، فأنا أحقّ من سئل، و أولى من تضرّع إليه، فقولوا عند افتتاح كلّ أمر صغير أو عظيم: «بسم الله الرحمن الرحيم» - و ساق الحديث إلى أن قال: -.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من حزنه أمر تعاطاه فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم» و هو مخلص للّه و يقبل بقلبه إليه، لم ينفكّ

ص: 264


1- المحاسن، باب 33 و 34 من كتاب المآكل، ص 430 و 432، ح 252 و 260، و قد رواه (ره) بأسانيد متعددة؛ و هكذا في الوسائل، ج 4، باب 17 من أبواب الذكر، ص 1194، ح 3.

من إحدى اثنتين: إمّا بلوغ حاجته في الدنيا، و إمّا يعدّ له عند ربّه و يدّخر لديه، و ما عند اللّه خير و أبقى.»(1)

و فيه تأييد لما قدّمناه من كيفيّة الاستعانة باسم اللّه، كما يظهر من ذلك البيان المتقدّم السرّ فيما نحن فيه، و سيأتي فيما بعد ما يظهر منه تتمّة كلام تتعلّق بأطراف المقام - إن شاء اللّه تعالى -.

[نزول البسملة على الأنبياء و رفع شدّتهم بها]

و منها: أنّه روى النيشابوري مرسلا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال:

«لمّا نزلت «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ *» قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

أوّل ما أنزلت هذه الآية على آدم قال: أمن ذرّيّتي من العذاب ما داموا على قراءتها، ثمّ رفعت فانزلت على إبراهيم - صلوات اللّه عليه -، فتلاها فهو في كفّة المنجنيق، فجعل اللّه عليه النار بردا و سلاما، و ثمّ رفعت بعده فما أنزلت إلا على سليمان و عندها قالت الملائكة: الآن تم و اللّه ملكك، ثم رفعت فأنزلها اللّه تعالى عليّ، ثمّ تأتي أمّتي يوم القيامة و هم يقولون:

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ » ،فاذا وضعت أعمالهم في الميزان ترجّحت حسناتهم.»(2)

ص: 265


1- التوحيد، باب معنى «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،ص 231، ح 5، عن على ابن محمد بن سيار، عن أبويهما، عنه - عليه السلام -، و هكذا في تفسير الامام - عليه السلام - ص 8 و 10؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 232، ح 14، و ص 240 و 244، ح 48.
2- تفسير النيشابورى، ج 1، ص 26.

[في الأمور الباطنيّة الّتي ينبغي أن يراعيها قارئ البسملة]

و منها: أنّ المناسب لحال قارئ البسملة بقلبه أن يثير في قلبه محبّة اللّه سبحانه من حروف «بسم» على ما تقدّم، و الحياء منه سبحانه من عظمة كلمة الجلالة من حيث الكلمة و الحروف، و الرجاء من الرحمن و الرحيم و الخوف من فوات الرحمة الرحيمية الخاصّة بأهله، فانّ اختصاصه بالبعض دليل على حرمان الباقين، و العبد لا يدري من المستحقّين أم لا، و الحرمان من جهة صفات العبد لا من أسماء الحقّ؛ «مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.» (1) فلا يرجو راج إلا ربّه، و لا يخاف إلا نفسه.

و في جعل البسملة ابتداء للفاتحة و السور و الكتب المنزلة على ما تقدّم دلالة على سعة الرحمة. فبملاحظته يعالج داء القنوط. و على أنّ إنزال السورة و الكتب نشأ من الرحمة، فاللازم المسارعة في القبول و الامتنان، لا الكراهة و التثاقل، و به يقوي الرجاء الحاصل من جعل البسملة فاتحة، و تسميته نفسه رحمانا رحيما جامعا بينهما، فكيف لا يرحم؟

حكي أنّه وقف سائل على باب رفيع، فسأل شيئا، فأعطي شيئا قليلا، فجاء بفاس و أخذ يخرب الباب.

فقيل له: لم تفعل؟

قال: إمّا أن تجعل الباب لائقا بالعطيّة، أو العطيّة لائقة بالباب.

و عن عارف أنّه كتب «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» و أوصى أن يجعل في كفنه، فقيل له في ذلك فقال: أقول يوم القيامة: إلهي، بعثت كتابا و جعلت عنوانه «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فعاملني بعنوان كتابك.

ص: 266


1- النساء/ 79.

ففي البسملة إثارة للحبّ و الحياء و الرجاء و الخوف، الّتي هي أصول التقوى و العبوديّة، و لا ينفك العابد عن أحد هذه الاحوال.

و منها:

انّ البسملة تسعة عشر حرفا و الزبانية تسعة عشر، فالمرجوّ من اللّه سبحانه أن يدفع بليّتهم بهذه الحروف التسعة عشر(1).

و أيضا انّ نوحا لمّا ركب السفينة قال: «بِسْمِ اللّٰهِ مَجْرٰاهٰا وَ مُرْسٰاهٰا » (2) ،فنجا بنصف هذه الكلمة، فما ظنّك بمن واظب على الكلمة طول عمره؟ كيف يبقى محروما عن النجاة؟ كذا نبّه بعضهم.

و أيضا اليوم بليلته أربع و عشرون ساعة، فرض خمس صلوات تقع في خمس ساعات منها، فتبقى تسعة عشر ساعة لا يستغرق فيها بذكر اللّه سبحانه، و عسى أن يجعل اللّه سبحانه هذه التسعة عشر حرفا كفّارة للتفريط الواقع في التسعة عشر ساعة(3).

و لنقتصر في شرح ما يتعلّق بالبسملة على هذا المقدار و إن بقي التتمّة.

ص: 267


1- هذا المعنى يؤيّد بما روي في جامع الاخبار الفصل الثاني و العشرون، ص 42، عن ابن مسعود، عن النبي - صلّى اللّه عليه و آله - أنه قال: «من أراد أن ينجيه اللّه تعالى من الزبانية التسعة عشر، فليقرء «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ »،فانها تسعة عشر حرفا، ليجعل اللّه كل حرف منها جنّة من واحد منهم.» و نقله أيضا المجلسي (ره) في البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 257، ح 52.
2- هود/ 41.
3- جميع ما تقدم أخيرا من النكات و الحكايات مذكور في تفسير النيشابوري، ج 1، ص 25-26؛ و التفسير الكبير، ج 1، ص 131 و 134.

[تحقيق حول كلمة الحمد]

اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ

في العيون و تفسير الامام عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سئل عن تفسيرها، فقال:

«هو أنّ اللّه عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملا؛ إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل، لأنّها أكثر من أن تحصى أو تعرف. فقال [لهم]: قولوا: الحمد للّه على ما أنعم به علينا.»(1)

[الفرق بين الحمد و المدح]

اعلم أنّ الحمد نقيض الذمّ، و هو الثناء باللّسان على الجميل الاختياري.

و لعلّه مراد من حدّه بأنّه قول دالّ على أنّه مختصّ بفضيلة اختياريّة معيّنة، و هي فضيلة الانعام عليك و على غيرك. و لا بدّ أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكّم و الاستهزاء. و من حدّه بأنّه الثناء بالجميل على قصد التعظيم و

ص: 268


1- العيون، ج 1، باب 28، ص 220، ح 30 و تفسير الامام - عليه السلام -، ص 11؛ و هكذا في العلل كما في البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 224، ح 2.

التبجيل للممدوح سواء كان لنعمة و غيرها. و من زاد على ما ذكرناه أوّلا اعتبار كونه على قصد التعظيم و لا حاجة إليه؛ إذ لو أريد منه وقوعه على جهة التفضيل المقابل للتهكّم و نحوه فهو مدلول عليه بلفظ الثناء، و إن أريد أزيد من ذلك فاعتباره غير ظاهر، بل الظاهر خلافه.

و المدح أعمّ منه مطلقا و يقابله الهجاء؛ إذ المدح توصيف للحيّ و لغير ذي الحياة؛ كاللّؤلؤة و الياقوتة الثمينة بخلاف الحمد، و أعمّ من كون التوصيف على الامر الاختياريّ أو غيره بخلاف الحمد المختصّ بالاوّل في وجه اختاره جماعة؛ إذ لا يقال: حمدته على صباحة خدّه، و يقال: مدحته عليه.

و زاد بعضهم (1):أنّ المدح أعمّ من أن يكون قبل الاحسان أو بعده، و الحمد إنّما يكون بعده، و هو بعيد جدّا.

و لعلّ منشأ الوهم أنّ عمدة الفضائل الاختياريّة عند العرب هو الكرم، فظنّ الاختصاص به، أو أنّه لا ينبغي الثناء إلا من المنعم عليه على المنعم، فظنّ أنّ غيره ليس بحمد. و ما أبعد بينه و بين ما يظهر منه أنّهما مترادفان كعبارة «الفائق »(2) ،و هو أيضا ضعيف.

و لو ورد في كلام العرب إطلاق الحمد على المعنى الاعمّ لم يكن بعيدا لكثرة التوسعة و المجازات في كلامهم، كما أنّ كثرة وروده في مورد الاحسان لا يصير دليلا على تخصيص أصل المعنى به، كما يفصح عنه مقابلته بالذمّ الّذي لا يختصّ بالبخل و ترك الاحسان، بل يحتمل أن يكون مطلق الثناء على القادر العالم حمدا و إن كان باعتبار صفاته الذاتيّة الخارجة عن الاختيار و الاكتساب. و اختاره بعض

ص: 269


1- المراد من بعضهم هو: النيشابوري، راجع تفسيره، ج 1، ص 30.
2- و عبارته هي: «الحمد هو المدح و الوصف بالجميل.» كما في رياض السالكين، دعاء 21، ص 220.

المتأخّرين(1) فقال:

«الحمد هو الثناء على ذي علم بكماله، ذاتيّا كان؛ كوجوب الوجود و الاتّصاف بالكمالات، و التنزّه عن النقائص، أو وصفيّا؛ ككون صفاته كاملة واجبة، أو فعليّا: ككون أفعاله مشتملة على حكمة فأكثر تعظيما له.»

[الفرق بين الحمد و الشكر]

و الشكر أعمّ من الحمد من وجه؛ إذ هو على النعمة الواصلة على الشاكر خاصّة، إمّا باللّسان أو بالقلب أو بالجوارح؛ قال الشاعر(2):

أفادتكم النعماء منّي ثلاثة *** يدي و لساني و الضمير المحجبا

و سيأتي بيانه في محلّه - إن شاء اللّه تعالى -.

[أقسام الشكر]

و أمّا ما رواه القمّيّ في الحسن بأبيه عن الصادق عليه السّلام في قوله «اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ » أنّه قال: «الشكر للّه »(3) ،و يوافقه ظاهر مساق الرواية المتقدّمة، فالظاهر أنّ المراد من الشكر فيه الشكر باللّسان فقط و هو على قسمين: أحدهما إظهار النعمة الواصلة إلى الشاكر باللّسان، و ثانيهما مطلق الثناء على المنعم لأجل كونه منعما

ص: 270


1- هو: السيد عليخان المدني (قده) شارح صحيفة سيد الساجدين - عليه آلاف التحية و السلام -، و قد ذكر هذا الكلام في شرحه عليها عند شرح دعائه - عليه السلام - في التحميد للّه عز و جلّ.
2- راجع مجمع البحرين.
3- القمي، ج 1، ص 28، عن أبي بصير، عنه - عليه السلام -؛ و البحار، ج 92، باب فضائل سورة الفاتحة و تفسيرها، ص 229، ح 5.

على الشاكر، و أداء لحقّه في الانعام، و كلاهما مندرجان تحت الحمد، و لا يخرج الحمد عنهما إلا إذا لم يقع من جهة الانعام.

و لمّا كان سورة الحمد تعليما للعباد في مخاطبتهم و مكالمتهم مع اللّه سبحانه على ما يظهر من جملة من الاخبار (1) ،و يوافقه الآيات الاخيرة من السورة، و كان من حقّ العبد المستغرق في نعم اللّه سبحانه أن يقصد أداء حقّ النعمة و إن عجز عن إكماله على ما يستحقّه سمّى الحمد شكرا لاندراجه تحت عنوانه بهذه الملاحظة.

و يؤيّد ما ذكرنا من البيان الرواية الاولى و ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام من أنّه:

«ما أنعم اللّه على عبد بنعمة، صغرت أو كبرت، فقال: الحمد للّه، إلا أدّى شكرها.»(2)

و يمكن أن يكون في تفسير الحمد بالشكر إشارة إلى تعميم الحمد للثناء بلسان القال، و الثناء بلسان الحال؛ إذ حقيقة الشكر على ما ذكره بعضهم إشاعة النعمة و الابانة عنها، فيعمّ ما كان باللّسان أو العمل أو القلب، و نقيضه الكفران

ص: 271


1- كالروايات المشتملة على بيان فضائل هذه السورة، و معاني آياتها، و بيان أنها تشتمل على تمجيد اللّه سبحانه و ثناءه و شكره، و الاقرار برحمانيته و رحيميته و ربوبيته، و مالكيته في يوم الجزاء و اختصاصه في العبادة و الاستعانة، و طلب الهداية منه، و الاستعاذة به من الوقوع في طرق الضلال و المهالك، و قد ذكر بعضها المؤلف (ره) في آخر تفسير هذه السورة، فراجع. و اعلم أن الاخبار الواردة في آداب الدعاء و استحباب تقديم تمجيد اللّه سبحانه و ثناءه قبله مؤيّدة لذلك أيضا، فراجع الوسائل، ج 4، باب 31 من أبواب الدعاء.
2- الكافي، ج 2، باب الشكر، ص 96، ح 14، عن صفوان الجمّال، عنه - عليه السلام -؛ و البحار، ج 71، باب الشكر، ص 32، ح 9.

ينبئ عن الستر و التغطية.

و لمّا كان كلّ ثناء من مثن بلسان حال أو مقال مسبوقا بالنعم الالهيّة عليه، الّتي منها هذا الثناء، كان كلّ ثناء شكرا لأياديه و إنعامه إذا قصد به ما يحقّ للعبد إيراده عليه من أداء حقّ النعمة، فتدبّر.

[في اختصاص الحمد باللّه سبحانه]

و اللام في الحمد للجنس؛ إذ هو الظاهر من اللام حيث لا عهد كما هنا، فهي للاشارة إلى المعنى الجنسى الّذي هو مدلول قوله.

و لمّا كانت الاشارة لا تصحّ إلاّ بمتعيّن، و لا تعيّن للمعنى الجنسيّ إلا إذا أخذ مطلقا غير مشروط بالقيود و المشخّصات دلّت اللام على كون الماهيّة مأخوذة على وجه اللابشرطيّة.

و اللام في للّه للاختصاص، فيدلّ الجملة الخبريّة على أنّ ماهيّة الحمد و حقيقته بعنوان كلّيّ مختصّ باللّه و ملك له و حقّ له، فلا يستحقّ غيره شيئا من أفراده. فيفيد لام الجنس هنا مفاد لام الاستغراق بالمآل، و قد فصّل في علم الاصول بيان أنّ تحلية المسند إليه باللام يفيد الحصر، و سرّه ما ذكرناه إجمالا و التفصيل موكول إلى العلم المذكور.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ مفاد هذه الكلمة انحصار ماهيّة الحمد بجميع أفراده و اختصاصه باللّه سبحانه، فلا مستحقّ لشيء منه سواه، و هو يستحقّ جميع أفراده و أنواعه، فهو المحمود المطلق، و من سواه لا يحقّ له المحمودية، و هذا هو التوحيد في مقام الحمد.

و منه يظهر وجه ترجيح هذه الجملة على جملة من الوجوه؛ كالجملة الفعليّة و إيراد المبتدأ منكّرا.

ص: 272

[اعتقاد العدليّة في جواز التّحميد لغير اللّه سبحانه]

فان قلت: كيف يصحّ حصر الحمد به سبحانه مع ما تقرّر عند العدليّة من القول بالتحسين و التقبيح العقليين بالنسبة إلى أفعال العباد، و قد فسّروا الحسن بما يستحقّ المدح أو الثواب، مع أنّ المدح هنا يقع بازاء الجميل الاختياريّ، فهو حمد على ما مرّ؟ و حينئذ يتّجه ما عن الجبريّة من التشنيع على العدليّة بأنّكم تثبتون للعبد فعلا و اختيارا، و استحقاق الحمد إنّما يكون على أشرف النعم و هو الايمان، فلو كان الايمان بفعل العبد لكان المستحقّ للحمد هو العبد، و يكون هذه الكلمة على ما ذكر في مفاده دليلا على صحّة قول الاشاعرة، فكيف المخلص عنه؟

قلت: العدليّة على ضربين:

فمنهم: من أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله، فأخرجوه عن سلطانه، و هم القدريّة الّذين ورد في حقّهم: «أنّهم مجوس هذه الامّة»(1) على أظهر الوجهين، و هم المشركون بالشرك الخفيّ، المنكرين لكثير من أبواب التوحيد.

و منهم: الفرقة الوسطى الجامعين بين التوحيد في جميع مراتبه و العدل، و هم أهل الحقّ على تفاوت درجاتهم في زيادة العلم و المعرفة و البصيرة و نقصانها، و الخطاء في جهات المطلوب و نكاتها الدقيقة.

و حينئذ فنقول: إنّ شرطنا في مفهوم الحمد وقوعه بعد نعمة صادرة من المحمود بالنسبة إلى غيره و لو كان غير الحامد، أو في المراد من الحمد هنا كما يوافقه تفسيره بالشكر فوجه الحصر ظاهر؛ إذ لا منعم في الحقيقة إلا الحقّ، و ليس من سواه منعما في الواقع، و إنّما هو في صورة المنعم ظاهرا، و هو واقعا مجرى النعمة

ص: 273


1- الروايات الواردة في هذا المعنى كثيرة، فراجع التوحيد، باب القضاء و القدر، ص 381 و 382، ح 28 و 29؛ و البحار، ج 5، باب القضاء و القدر و الجبر و التفويض.

و المجرى بيده النعمة؛ كما ورد في دعاء الصحيفة السجادية:

«و أنت من دونهم - يعني: المعطين و المانعين، أو مطلق المخلوقين - وليّ الاعطاء و المنع.»(1)

و أمّا إذا لم نأخذ في المراد منه ذلك و القيد فوجه الاختصاص أن يقال: إنّ المراد باختصاص ماهيّة الحمد به ليس أنّه لا يحمد في الخارج سواه لكثرة ما يحمد غيره، بل إنّه ممّا يستحقّه الحقّ من الخلق، و من جملة حقّه الثابت عليهم بحيث لو لم يفعلوا كانوا مقصّرين في أداء حقّه الثابت عليهم، و لا يستحقّ الحمد بهذا المعنى أحد من المخلوقين و إن استحقّ فاعل الحسن الحمد بمعنى أنّه لو مدح به لكان صحيحا عند العقل، موضعا للشيء موضعه الّذي ينبغي أن يوضع فيه عقلا، لا أنّه يستحقّ من غيره أن يمدحوه به على معنى أنّه لو لم يفعل لكانوا مانعين حقّه. فهاهنا فرق واضح بين استحقاق الديّان من المديون دينه، و استحقاق الفقير للبذل له، و إن عبّر بلفظ واحد في المقامين. فالاستحقاق في الثاني بمعنى أنه لو أعطى شيئا لكان في محلّه؛ إذ له أهليّة ذلك، و في الاوّل أنّه يطلبه منه، و له حقّ ثابت عليه لو منعه كان متعدّيا، فالفرق بينهما كالفرق بين الجواز و بين الرجحان و الوجوب. فالحمد حقّ للّه ثابت له على وجه الاطلاق بحكم العقل، و ليس لأحد حقّ الحمد على غيره و إن كان في فاعل الحسن صحيحا؛ لكنّ الحامد متفضّل بالحمد على العبد المحمود، كما أنّ المعطي متفضّل على الفقير المستحقّ، بخلاف حامد الحقّ؛ إذ هو تأدية لحقّ من حقوقه الغير المتناهية، مع كون هذه التأدية أيضا نعمة منه سبحانه على الحامد.

فالاستحقاق في الواجب إلزام و ترجيح، و في الممكن تجويز و ترخيص؛ كيف و لو كان فاعل كلّ حسن مستحقّا من غيره المدح لكان الّذي ينبغي عند العقل أن

ص: 274


1- الصحيفة السجادية، دعائه - عليه السلام - في مكارم الاخلاق (د 20).

يترك الناس مشاغلهم، و يشتغلوا بمدح فاعلي كلّ حسن، و لا يسعه أوقاتهم لكثرتهم و كثرة أفعالهم.

و نظير هذا ما نذهب إليه في استحقاق فاعل الحسن و كلّ مطيع الثواب بحسب حكم العقل الاوّليّ، فانّه لا يحكم بأنّه يستحقّ من اللّه سبحانه ثوابا بمعنى ثبوت حقّ للعبد على الحقّ لو لم يؤدّه لكان ظالما له، بل يحكم بالاستحقاق بمعنى أنّ من شأنه أن يثاب عليه، بحيث لو أثيب عليه لكان واضعا للشيء موضعه بخلاف فعل القبيح و المعصية، إذ لو أثيب عليهما لكان قبيحا، و يظهر حاله من ملاحظة حال المعصية بالنسبة إلى الذّمّ و العقاب؛ إذ ترك ذمّ فاعل القبيح لغير مصلحة من ردع و هداية و غيرهما لو لم يكن راجحا على فعله لم يكن مرجوحا، مع أنّه يطلق عليه الاستحقاق، و كذا العقاب على مرتكب القبيح و المعصية لو لم يكن مرجوحا بالنسبة إلى العفو لم يكن راجحا، مع قطع النظر عن الخصوصيّات، مع أنّهم يطلقون الاستحقاق عليه.

[وجوب شكر المنعم في الواجب و الممكن و نسبته مع الحمد]

فان قلت: كيف يصحّ إنكار حق المدح من المنعم على المنعم عليه؛ كالاستاد بالنسبة إلى التلميذ، و السيّد بالنسبة إلى عبده، و المعطي بالنسبة إلى السائل، و المحسن بالنسبة إلى المحسن إليه، مع اتّفاق كلمة العدليّة على الظاهر على وجوب شكر المنعم، و الحمد من الشكر بل رأسه كما في الخبر