ومضات السبط علیه السلام

اشارة

رقم الإیداع فی دار الکتب والوثائق ببغداد

لسنة 2011 __ 159

الفتلاوی، علی، 1960 -     م.

ومضات السبط (ع): البعد العقائدی والأخلاقی فی خطب الإمام الحسین علیه السلام / تألیف علی الفتلاوی؛ تقدیم نبیل الحسنی - کربلاء: قسم الشؤون الفکریة والثقافیة فی العتبة الحسینیة المقدسة، 1432ق. = 2011م.

2 ج. – (قسم الشؤون الفکریة والثقافیة فی العتبة الحسینیة المقدسة؛ 53)

المصادر.

1. الحسین بن علی (ع)، الإمام الثالث، 4 – 61ق. – الخطب – دراسة وتعریف. 2. الحسین بن علی (ع)، الإمام الثالث، 4 – 61ق. – نظریة فی العقائد . 3. الحسین بن علی (ع)، الإمام الثالث، 4 – 61ق. نظریة فی الأخلاق الإسلامیة. 4. واقعة کربلاء، 61ق. – أسباب ونتائج. 5. أهل البیت (ع) – فضائل. 6.الحسین بن علی (ع)، الإمام الثالث، 4 – 61ق. الخطب – اللغة. 7. الحسین بن علی (ع)، الإمام الثالث، 4 – 61ق. أصحاب. ألف. الحسنی، نبیل، 1965 -     م.، مقدم. ب. العنوان. ج.العنوان: البعد العقائدی والأخلاقی فی خطب الإمام الحسین علیه السلام

 8و  2ف / 7 / 41 BP

تمت الفهرسة فی مکتبة العتبة الحسینیة المقدسة قبل النشر

ص: 1

الجزء الأول

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

ص: 2

ص: 3

ومضات السبط

البعد العقائدی والأخلاقی

فی خطب الإمام الحسین علیه السلام

تألیف الشیخ علی الفتلاوی

الجزء الأول

إصدار

قسم الشؤون الفکریة والثقافیة

فی العتبة الحسینیة المقدسة

وحدة الدراسات التخصیصة فی الامام الحسین صلوات الله وسلامه علیه

ص: 4

الطبعة الأولی

1433ه_ __ 2012م

جمیع الحقوق محفوظة

للعتبة الحسینیة المقدسة

العراق: کربلاء المقدسة __ العتبة الحسینیة المقدسة

قسم الشؤون الفکریة والثقافیة __ هاتف: 326499

Web: www.imamhussain-lib.com

E-mail: info@imamhussain-lib.com

ص: 5

مقدمة الشعبة الدراسات والبحوث

الحمد لله علی ما أنعم وله الشکر بما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها وتمام منن والاها، جم عن الاحصاء عددها ونأی عن الجزاء أمدها وتفاوت عن الإدراک أبدها.

والصلاة والسلام علی خیر الأنام وکاشف الظلام وعلی آله الهداة إلی الإسلام وسلم تسلیماً کثیراً.

وبعد:

لم یزل الإمام الحسین علیه السلام منهلاً عذباً لأصحاب الفکر والتأمل ومورداً خصباً لأهل البحث والتدقیق والدراسة، تحل فی فناء روضته العلماء وتغدوا إلی درسه الأجلاء، فهم بین مستمع ومفکر ومتعلم قد تزاحمت رکبهم فی محضره وتناسقت الأنفاس بمجلسه حتی کأن الطیر علی رؤوسهم.

من هنا:

نلمس ان عطاء المعین النبوی لا ینفد والفکر الحسینی لا یتوقف حتی کان الناظر إلی هذا العطاء یخال نفسه واقفاً أمام نواة الحیاة ومشدوداً إلی سخاء الشمس ونورها، فما طعم العیش والمرء معصوب العینین عن کلام ابن بنت سید النبیین وأبو الأئمة المیامین.

ص: 6

من هنا أیضاً:

انبری سماحة حجة الإسلام الشیخ علی الفتلاوی دام توفیقه إلی الارتحال إلی معین أبی الأئمة ومرفئ العلم، ومنبع الدمعة لترسو به الوسیلة إلی بحر من بحور النبوة لیغرف من لئالئ بحر الخلق النبوی وجواهر بحر التوحید العلوی فیضعها فی کتابه الموسوم «ومضات السبط علیه السلام» کی یزدان بها المؤمن ویختزنها المتأمل ویتزودها المتقی.

فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوَی

وسیجد القارئ أن الکتاب مشبع بالأحادیث الشریفة والآیات الکریمة، والنکت العلمیة الظریفة، ففضیلة الشیخ یمیل إلی بهذا اللون من الکتابة الذی یعتمد سلاسلة العبارة وغزارة المعلومة ومخاطبة کل الفئات حتی کأنک تخال نفسک فی واحة من ریاحین علوم آل محمد صلی الله علیه وآله وسلم.

إذ لا یخفی علی اللبیب ما للبعد الأخلاقی والعقائدی من الریادة فی المکتبة الإسلامیة وما له من الحظوة عند علماء الإمامیة حتی ملئوا المکتبات بهذا النتاج الفکری.

نسأل الله القبول والخلف علی باذل هذا الجهد فإنه خیر زاد لیوم المعاد.

السید نبیل الحسنی

مسؤول شعبة الدراسات والبحوث الإسلامیة

فی العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 7

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله الذی رزقنا موالاة محمد وآل محمد والذی دلنا علی هداهم فأنعم علینا بنعمة ولایتهم، وأنار عقولنا بنور کلامهم، وطمأن نفوسنا بإتباع نهجهم، والصلاة والسلام علی السراج المنیر والبشیر النذیر وعلی آله الأخیار والأئمة الأبرار لاسیما سفینة النجاة ومصباح الهدی سید الشهداء ورمز الفداء الإمام الحسین علیه السلام.

أما بعد:

لقد أطلعنا علی کتب کثیرة تعنی بشخص الإمام السبط علیه السلام وصفاته وثورته وجهاده ومواقفه وکلامه ورسائله وخطبه وکتبه ونصائحه، إلا أننا لم نعثر بعد تفتیش وفحص دقیقین علی شروح تتناسب وکثرة ما تفوه به سید شباب أهل الجنة علیه السلام إلا أن هناک بعض المؤلفات التی تعد علی أصابع الید الواحدة قد سلطت الضوء علی بعض أقواله بشکل موجز ونافع، فرأینا من الواجب علینا أن نضیف تألیفا علی ما سبق من المؤلفات، کما ندعوا أن یتصدی غیرنا لإضافة تألیفات أخری لیتناسب ذلک مع ما صدر من کلام لإمامنا الحسین علیه السلام، سیما أن المکتبة الإسلامیة بحاجة إلی إصدارات تشرح خطب ومواعظ الإمام السبط علیه السلام وتسلط الأضواء علی الأبعاد الفقهیة والعقائدیة والأخلاقیة فضلا عن الأبعاد الأخری فی کلامه الشریف.

ص: 8

ومن هذا المنطلق أخذنا علی عاتقنا بیان البعدین العقائدی والأخلاقی فی خطبه فقط دون سائر أقواله، وبیان المعنی اللغوی فی هذه الخطب لیتسنی لمن یرید الاستفادة منها منبریا أو ثقافیا.

ولکی تسهل الإحاطة بنصوص الخطبة ومعانیها، وتیسیر الاطلاع علی البعدین العقائدی والأخلاقی فیها ارتأینا أن نذکر نص الخطبة أولا ثم نبدأ شرح الخطبة ببیان المعنی اللغوی لکل فقرة تحتاج إلی بیان ثم نتعرض إلی بیان البعد العقائدی فی الخطبة ویتلو ذلک بیان البعد الأخلاقی فیها.

الشیخ علی الفتلاوی

ص: 9

الخطبة الأولی: فی التوحید

اشارة

ص: 10

ص: 11

نص الخطبة

اشارة

«أیّها النّاس، اتَّقُوا هؤُلاءِ المارِقَةَ الَّذِینَ یُشَبِّهُوَن اللهَ بِأنْفُسِهمْ، یُضاهِئونَ(1) قَولَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ أهلِ الکِتابِ، بَلْ هُوَ اللهُ لَیسَ کَمِثْلِهِ شَیءٌ، وَهُوَ السَّمِیعُ البَصیرُ، لا تُدْرِکُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الأبْصارَ، وَهُوَ اللَّطِیفُ وَهُوَ الخَبِیرُ.

استّخلصَ الوَحدانِیَّةَ والجَبَرُوتَ، وأمضَی المَشِیئَةَ والإرادَةَ والقُدرَةَ والعِلمَ بما هُوَ کائِنٌ، لا مُنازِعَ لَهُ فی شَیءٍ مِنْ أمرِه، ولا کُفءَ لَهُ یُعادِلُهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ یُنازِعُهُ، ولا سَمِّی لَهُ یُشابِهُهُ، ولا مِثْلَ لَهُ یُشاکِلُهُ، لا تَتَداولُهُ الأُمورُ، ولا تَجرِی عَلَیهِ الأحْوالُ، ولا تَنزِلُ عَلَیهِ الأحْداثُ، ولا یَقدِرُ الواصِفُونَ کُنْهَ عَظَمَتِه، ولا یَخطُرُ عَلی القُلُوبِ مَبلَغُ جَبَرُوتِهِ، لأنَّه لَیسَ لَهُ فی الأشْیاءِ عَدِیلٌ، ولا تُدرِکُهُ العُلَماءُ بِأَلبابِها، ولا أهلُ التَّفکِیرِ بِتَفکِیرِهِمْ إلاّ بِالتَّحقِیقِ(2) إیقاناً بِالغَیبِ، لأّنَّهُ لا یُوصَفُ بِشَیءٍ مِن صَفاتِ المَخلوُقِینَ، وَهُوَ الواحِدُ الصّمَدُ، ما تَصَوَّرَ فی الأوهامِ فَهُوَ خِلافُهُ، لَیسَ بِرَبٍّ مَنْ طُرِحَ تَحْتَ البَلاغِ، وَمَعْبُودٍ مَن وجِدَ فی هواءٍ أو غَیرِ هَواءٍ، هُوَ فی الأشْیاءِ کائِنٌ لا کَینُونَةَ مَحظُورٍ(3) بِها عَلَیهِ، وَمِنَ الأَشْیاءِ بائنٌ لا بَینُونَةَ


1- ضاهأه: شابهه، وفعل مثل فعله.
2- اللّبُّ: العقل. والتحقیق: التصدیق.
3- المحظور: الممنوع.

ص: 12

غائبٍ عَنها، لَیسَ بِقادِرٍ مَن قارَنَهُ ضِدٌّ أوْ ساواهُ نِدٌّ، لَیسَ عَن الدَّهرِ قِدَمُهُ ولا بِالنّاحِیةِ أمَمُهُ(1)، احتَجَبَ عَنِ العُقُولِ کَمَا احتَجَبَ عَنِ الأبصار، وعَمَّنْ فی السَّماءِ احِتجابُهُ کَمَنْ فی الأرضِ، قُربُهُ کَرامَتُهُ وبُعده أهانَتُهُ، لا تُحلّهُ (فی) ولا تُوَقِّتُهُ (إذ) ولا تُؤامِرُهُ (إنْ)، عُلُوُّهُ مِنْ غَیرِ تَوَقُّلٍ(2)، وَمَجِیئُهُ مِنْ غَیرِ تَنَقُّلٍ، یُوجِدُ المفقُودَ ویُفْقِدُ المَوجُودَ، ولا تَجتمِعُ لِغَیرِهِ الصِّفَتانِ فی وَقتٍ، یُصِیبُ الفِکرُ مِنْهُ الإیمانَ به مَوجُوداً وَوُجُودُ الإیمانِ لا وُجُودُ صفةٍ، بِه تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بِها یُوصَفُ، وبِه تُعرَفُ المعَارِفُ لا بِها یُعرَفُ، فَذلِکَ اللهُ لا سَمِیَّ لَهُ، سُبحانَهُ لَیسَ کَمِثْلِه شَیءٌ، وَهُوَ السَّمِیعُ البصیرُ».

المعنی العام

(أیّها النّاس، اتَّقُوا هؤُلاءِ المارِقَةَ الَّذِینَ یُشَبِّهُوَن اللهَ بِأنْفُسِهمْ، یُضاهِئونَ قَولَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ أهلِ الکِتابِ).

وجه الإمام الحسین علیه السلام خطابه إلی عامة الناس سواء کانوا موالین أو غیر موالین، أرشدهم فیه إلی التحرز والتحذر من فئة خرجت من الدین کما خرج السهم من الرمیة (أی مرقت) خرجت بسرعة کما یمرق السهم من القوس، وما کان هذا التحذیر إلا لانحرافهم عن التوحید حیث إنهم یشبهون ویمثلون الله تعالی بخلقه، فقولهم هذا یشابه قول الکافرین من أهل الکتاب.

(بَلْ هُوَ اللهُ لَیسَ کَمِثْلِهِ شَیءٌ، وَهُوَ السَّمِیعُ البَصیرُ، لا تُدْرِکُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الأبْصارَ، وَهُوَ اللَّطِیفُ وَهُوَ الخَبِیرُ).

ویردف الإمام علیه السلام قوله بقوله إن الله تعالی الذی احتارت فیه عقول العقلاء لا یمکن أن یشابه شیئا من خلقه، فهو محیط بالأسماع والمسموعات والأبصار


1- النّد: المثل والنظیر. وأممه: قصده.
2- تّوَقَّلَ فی الجبل: صعد فیه.

ص: 13

والمبصرات، وممتنع علی إدراک وإحاطة أبصار خلقه، وهو (اللطیف) الرفیق بعباده (الخبیر) والعالم والعارف بکل صغیرة وکبیرة من خلقه.

(استّخلصَ الوَحدانِیَّةَ والجَبَرُوتَ، وأمضَی المَشِیئَةَ والإرادَةَ والقُدرَةَ العِلمَ بما هُوَ کائِنٌ).

اختص الله سبحانه بأنه قاهر منفرد بقهاریته، وأنفذ الحکم والقدرة والعلم بالأشیاء.

(لا مُنازِعَ لَهُُ فی شَیءٍ مِنْ أمرِه، ولا کُفءَ لَهُ یُعادِلُهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ یُنازِعُهُ، ولا سَمِّی لَهُ یُشابِهُهُ، ولا مِثْلَ لَهُ یُشاکِلُهُ).

لا معطل ولا مفسد ولا مخاصم لما أراد هو سبحانه فی خلقه، ولا نظیر له ولا مساوی یعادله، ولا مخالف له یخالفه أو یخاصمه ویمنعه، ولا یوجد من اسمه اسم الله تعالی لعدم انطباق الاسم علی المسمی فی المخلوق، ولا نظیر له یماثله ویشابهه.

(لا تَتَداولُهُ الأُمورُ، ولا تَجرِی عَلَیهِ الأحْوالُ، ولا تَنزِلُ عَلَیهِ الأحْداثُ، ولا یَقدِرُ الواصِفُونَ کُنْهَ عَظَمَتِه، ولا یَخطُرُ عَلی القُلُوبِ مَبلَغُ جَبَرُوتِهِ، لأنَّه لَیسَ لَهُ فی الأشْیاءِ عَدِیلٌ، ولا تُدرِکُهُ العُلَماءُ بِأَلبابِها، ولا أهلُ التَّفکِیرِ بِتَفکِیرِهِمْ إلاّ بِالتَّحقِیقِ إیقاناً بِالغَیبِ، لأّنَّهُ لا یُوصَفُ بِشَیءٍ مِن صَفاتِ المَخلوُقِینَ، وَهُوَ الواحِدُ الصّمَدُ، ما تُصُوِّرَ فی الأوهامِ فَهُوَ خِلافُهُ).

لا تحوّله الأحوال من حال إلی حال، ولا تقع أو تتوالی علیه الأحوال والتغیرات، ولا تهبط أو تهطل علیه الأمطار، ولا یحیط الواصفون بقدر عظمته ولا یقع أو یمر فی القلوب منتهی قاهریته وقدرته، لأن لیس له فی الخلق مثیل أو نظیر، ولا تعرفه أو تعقله العلماء بعقولها وبصائرها، ولا یحیط به الذین یفکرون أی الذین یحلون العقل فی المعلوم لیصلوا إلی المجهول وهم أهل النظر والتأمل إلا أنهم یعرفونه من خلال

ص: 14

التصدیق بالغیب والإیقان به، لأنه لا ینعت بنعوت المخلوقین، وهو الفرد الذی یقصد فی الحاجات دون سواه، وما تشبه من صورة وما وقع فی الذهن من خاطر فهو خلافه ولیس من الحقیقة بشیء.

(لَیسَ بِرَبٍّ مَنْ طُرِحَ تَحْتَ البَلاغِ، وَمَعْبُودٍ مَن وجِدَ فی هواءٍ أو غَیرِ هَواءٍ).

لیس بمدبر ومربی للخلائق من ألقی أو وضع تحت الشجر، ولیس له حق العبادة من وجد فی ریح أو غیره.

(هُوَ فی الأشْیاءِ کائِنٌ لا کَینُونَةَ مَحظُورٍ بِها عَلَیهِ، وَمِنَ الأَشْیاءِ بائنٌ لا بَینُونَةَ غائبٍ عَنها، لَیسَ بِقادِرٍ مَن قارَنَهُ ضِدٌّ أوْ ساواهُ نِدٌّ).

أی أنه سبحانه موجود وحاضر فی الأشیاء دون أن یکون حادثا بحدث کما فی الخلائق لامتناع ذلک علیه ولجریانه فی الممکنات فقط، وهو مبتعد ومنفصل عن الأشیاء لا ابتعاد غائب عنها کما فی الممکنات، ولیس بقادر من کان له قرین یخالفه أو نظیر یساویه.

(لَیسَ عَن الدَّهرِ قِدَمُهُ ولا بِالنّاحِیةِ أمَمُهُ، احتَجبَ عَنِ العُقُولِ کَمَا احتَجَبَ عَنِ الأبصار، وعَمَّنْ فی السَّماءِ احِتجابُهُ کَمَنْ فی الأرضِ، قُربُهُ کَرامَتُهُ وبُعده أهانَتُهُ، لا تُحلّهُ (فی) ولا تُوَقِّتُهُ (إذ) ولا تُؤامِرُهُ (إنْ)).

استتر عن العیون النواظر، واستتر عن أهل السماء کما عن أهل الأرض، دنوه من العبد یظهر فی إکرامه له ونأبه وبعده یظهر فی احتقاره أو استضعافه، واستخدم الإمام علیه السلام أدوات لغویة، (فی) تشیر إلی رفض حلوله فی الأشیاء أی غیر متحد مع شیء أو داخل فیه، (وإذ) تشیر إلی رفض جریان الزمن علیه، (وإن) إشارة إلی امتناع کونه مأمورا.

(عُلُوُّهُ مِنْ غَیرِ تَوَقُّلٍ، وَمَجِیئُهُ مِنْ غَیرِ تَنَقُّلٍ، یُوجِدُ المفقُودَ ویُفْقِدُ المَوجُودَ، ولا تَجتمِعُ لِغَیرِهِ الصِّفَتانِ فی وَقتٍ). 

ص: 15

ارتفاعه من غیر صعود، واقدامه وإتیانه من غیر حرکة وانتقال، یخلق ما لم یکن، ویفنی ما کان، وهاتان الصفتان لا یأتی بها أحد فی آن واحد إلا الله تعالی.

(یُصِیبُ الفِکرُ مِنْهُ الإیمانَ به مَوجُوداً وَوُجُودُ الإیمانِ لا وُجُودُ صفةٍ).

لا یحصل الفکر منه إلا الإیمان به موجودا حاضرا شاهدا وهذا الإیمان الموجود فی الفکر حقیقة لا شک فیها.

(بِه تُوصَفُ الصِّفاتُ لا بِها یُوصَفُ، وبِه تُعرَفُ المعَارِفُ لا بِها یُعرَفُ، فَذلِکَ اللهُ لا سَمِیَّ لَهُ، سُبحانَهُ لَیسَ کَمِثْلِه شَیءٌ، وَهُوَ السَّمِیعُ البصیرُ).

بالله تعالی تنعت النعوت ولیست هی التی تثبت له نعتا، وبه تعالی تعرف العلوم والمعارف ولیست هی التی تعرّفه وتشبه، فهذا الموجود المحیر للعقول الذی تکلمت عنه هو الله تعالی الذی ینفرد بهذا الاسم والذی ینطبق فی اسمه الاسم علی المسمی، تنزه عن کل نقص لیس له نظیر یشابهه، وهو المحیط بالمسموعات والمبصرات.

التحذیر من الفکر المنحرف

(أیّها النّاس، اتَّقُوا هؤُلاءِ المارِقَةَ الَّذِینَ یُشَبِّهُوَن اللهَ بِأنْفُسِهمْ، یُضاهِئونَ(1) قَولَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ أهلِ الکِتابِ).

حذر الإمام المعصوم علیه السلام الأمة من الانجرار وراء الأفکار الضالة البعیدة عن سبیل الله تعالی وأرشد إلی التحرز من ترویجها وبثها وتبنیها بل حث الأمة علی رفض أصحاب هذه الأفکار ومقتهم وعدم مخالطتهم والاقتراب منهم لخطورة ما ینطقون به من ترهات إذ إنهم یجعلون الله تعالی کأحدهم من خلال تشبیهه تعالی بأنفسهم ومن خلال فهمهم الخاطئ والقاصر لآیات القرآن الکریم والجمود علی ظواهر


1- ضاهأه: شابهه، وفعل مثل فعله.

ص: 16

هذه الآیات وتعطیل دور العقل فی الوصول إلی الحقائق، فنراهم یقولون بالرؤیة البصریة ویقولون بوجود ید لله تعالی أو رجل أو صورة ویجعلون له أبعاداً من طول وعرض وحجم وکتلة فی الوقت الذی یرفض القرآن الکریم هذا الفهم الخاطئ کما فی قوله تعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ) (1).

وقوله تعالی:

(لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ) (2).

الشبه بین المارقین وبین الکافرین

بعد أن أوردنا جهل وکفر أهل الکتاب الذین شبهوا الله تعالی بأنفسهم، صار لزوما علینا أن نبیّن وجه الشبه بین قول المارقة الذین ذمهم الإمام علیه السلام وبین قول الکافرین من أهل الکتاب الذین کفروا لتشبیههم الله تعالی بخلقه، ولکی یتضح هذا الأمر نورد هذا التشابه فی أقوال الفریقین:

__ ورد فی التوراة فی سفار الملوک الأول: الإصحاح الثانی والعشرون /19:

(قد رأیت الربّ جالساً علی کرسیّه وکلّ جند السماء وقوفٌ لدیه عن یمینه وعن یساره، فقال الربّ من یغوی أخآب فیصعد ویسقط فی راموت جلعاد...)(3).

__ وورد فی إنجیل یوحنا: الإصحاح العاشر /38:

(إن کنت لست أعمل أعمال أبی فلا تؤمنوا بی، ولکن إن کنت أعمل فإن لم تؤمنوا بی فآمنوا بالأعمال لکی تعرفوا وتؤمنوا أن الأب فیّ وأنا فیه...).


1- سورة الأنعام، الآیة: 103.
2- سورة الشوری، الآیة: 11.
3- الفوائد البهیة: ص134.

ص: 17

__ وورد فی صحیح البخاری:

حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِی هُرَیْرَةَ رَفَعَهُ وَأَکْثَرُ مَا کَانَ یُوقِفُهُ أَبُو سُفْیَانَ: (یُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِیدٍ فَیَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَکَ وَتَعَالَی قَدَمَهُ عَلَیْهَا فَتَقُولُ قَطِ قَطِ)(1).

وورد أیضا فی صحیح البخاری:

حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِیِّ __ صلی الله علیه وآله وسلم __ قَالَ: (یُلْقَی فِی النَّارِ).

وَقَالَ لِی خَلِیفَةُ حَدَّثَنَا یَزِیدُ بْنُ زُرَیْعٍ حَدَّثَنَا سَعِیدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ مُعْتَمِرٍ سَمِعْتُ أَبِی عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِیِّ __ صلی الله علیه وآله وسلم __ قَالَ:

(لاَ یَزَالُ یُلْقَی فِیهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِیدٍ، حَتَّی یَضَعَ فِیهَا رَبُّ الْعَالَمِینَ قَدَمَهُ فَیَنْزَوِی بَعْضُهَا إِلَی بَعْضٍ، ثُمَّ تَقُولُ قَدْ قَدْ بِعِزَّتِکَ وَکَرَمِکَ، وَلاَ تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّی یُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَیُسْکِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ)(2).

وورد أیضا:

حَدَّثَنَا أَبِی، عَنْ صَالِحِ بْنِ کَیْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِی هُرَیْرَةَ، عَنِ النَّبِیِّ __ صلی الله علیه وآله وسلم __ قَالَ:

(اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَی رَبِّهِمَا فَقَالَتِ الْجَنَّةُ یَا رَبِّ مَا لَهَا لاَ یَدْخُلُهَا إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتِ النَّارُ __ یَعْنِی __ أُوثِرْتُ بِالْمُتَکَبِّرِینَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَی لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِی، وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِی أُصِیبُ بِکِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِکُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْکُمَا


1- صحیح البخاری: ج16، ص153، ح4849.
2- صحیح البخاری: ج24، ص216، ح7384

ص: 18

مِلْؤُهَا __ قَالَ __ فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ یَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ یُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ یَشَاءُ فَیُلْقَوْنَ فِیهَا فَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِیدٍ، ثَلاَثًا، حَتَّی یَضَعَ فِیهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَیُرَدَّ بَعْضُهَا إِلَی بَعْضٍ وَتَقُولَ قَطْ قَطْ قَطْ)(1).

فبعد هذا التشابه بین أقوال الذین کفروا من أهل الکتاب وبین أقوال الشبه المارقین تبین ضرورة الحیطة والحذر التی أمر بها الإمام علیه السلام الناس من الوقوع تحت تأثیر هؤلاء المارقة.

ما هو التشبیه؟

التشبیه فی اللغة: التمثیل، تشابه الشیئان أشبه کل منها الآخر(2).

التشبیه فی الاصطلاح: هو تشبیه ذات الله تعالی بشیء من مخلوقاته.

نشأت فکرة التشبیه عند ظهور أحادیث التشبیه التی بدأت فی عهد عمر بن الخطّاب واشتد انتشارها فی عهد الدولة الأمویة لأغراض سیاسیة إذ إنها لم تکن فی عهد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وفی عهد أبی بکر بدلیل الروایات الآتیة:

(ورد فی تنبیه الخاطر: روی عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب یوما _ وعنده کعب الأحبار _ إذ قال عمر: یا کعب! أحافظ أنت للتوراة؟

قال کعب: إنی لأحفظ منها کثیرا، فقال رجل من جنبه: یا أمیر المؤمنین! سله أین.

کان الله جل جلاله قبل أن یخلق عرشه؟ ومم خلق الماء الذی جعل علیه عرشه؟ فقال عمر: یا کعب! هل عندک من هذا علم؟


1- صحیح البخاری: ج24، ص301، ح7449.
2- المعجم الوسیط: ص471.

ص: 19

فقال کعب: نعم یا أمیر المؤمنین! نجد فی الأصل الحکیم أن الله تبارک وتعالی کان قدیما قبل خلق العرش، وکان علی صخرة بیت المقدس فی الهواء، فلما أراد أن یخلق عرشه تفل تفلة کانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناک خلق عرشه من بعض الصخرة التی کانت تحته، وآخر ما بقی منها لمسجد قدسه.

قال ابن عباس: وکان علی بن أبی طالب علیه السلام حاضرا.. فعظم ربه وقام علی قدیمه، ونفض ثیابه، فأقسم علیه عمر عاد إلی مجلسه، ففعل.

قال عمر: غص علیها یا غواص، ما یقول أبو حسن فما علمتک إلا مفجرا للغم؟ فالتفت علی علیه السلام إلی کعب فقال:

«غلط أصحابک وحرفوا کتب الله، وقبحوا الفریة علیه، یا کعب! ویحک! إن الصخرة التی زعمت لا تحوی جلاله، ولا تسع عظمته، والهواء الذی ذکرت لا یجوز أقطاره، ولو کانت الصخرة والهواء قدیمین معه لکانت لهما قدمته، وعز الله وجل أن یقال له مکان یومی إلیه، والله لیس کما یقول الملحدون، ولا کما یظن الجاهلون، ولکن کان ولا مکان بحیث لا تبلغه الأذهان.

وقولی: (کان) لتعریف کونه، وهو مما علم من البیان، یقول الله عزّ وجل:

(خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَیَانَ) (1).

فقولی له کان مما علمنی البیان لأنطق بحجة عظمة المنان، ولم یزل ربنا مقتدرا علی ما یشاء، محیطا بکل الأشیاء، ثم کون ما أراد بلا فکرة حادثة له أصاب، ولا بشبهة دخلت علیه فیما أراد، وإنه عز وجل خلق نورا ابتدعه من غیر شیء، ثم خلق منه ظلمة وکان قدیرا أن یخلق الظلمة لا من شیء، کما خلق النور من غیر شیء، ثم خلق من الظلمة نورا وخلق من النور یاقوتة غلظها


1- سورة الرحمن، الآیتان: 3 و4.

ص: 20

کغلظ سبع سماوات وسبع أرضین، ثم زجر الیاقوتة فما عت لهیبته فصارت مارا مرتعدا، ولا یزال مرتعدا إلی یوم القیامة، ثم خلق عرشه من نوره، وجعله علی الماء، وللعرش عشرة آلاف لسان یسبح الله کل لسان منها بعشرة آلاف، لیس فیها لغة تشبه الأخری، وکان العرش علی الماء من دونه حجب الضباب، وذلک قوله:

(وَکَانَ عَرْشُهُ عَلَی الْمَاءِ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (1).

یا کعب! ویحک! إن من کانت البحار تفلته _ علی قولک _ کان أعظم من أن تحویه صخرة بیت المقدس، أو یحویه الهواء الذی أشرت إلیه أنه حل فیه..»

فضحک عمر بن الخطاب، وقال: هذا هو الامر، وهکذا یکون العلم لا کعلمک یا کعب، لا عشت إلی زمان لا أری فیه أبا حسن)(2).

ففی هذه الروایة یظهر أن عمر بن الخطاب هو من سمح لأفکار الیهود أن تدخل إلی الأمة الإسلامیة من خلال روایة کعب الأحبار عما فی التوراة، کما أن اعتراض أم المؤمنین عائشة علی من یقول برؤیة الله تعالی فیه دلالة علی أن الثقافة السائدة لم تکن تؤمن برؤیة الله تعالی بل أن ثقافة الرؤیة لم تکن سائدة أو منتشرة فی عصر النبی صلی الله علیه وآله وسلم أو فی خلافة أبی بکر وإلاّ لسمحت بها أم المؤمنین عائشة ولتبنت فکرتها ودافعت عنها، ولکن ما یظهر من الروایة الآتیة لا یشیر إلی ذلک.

جاء فی صحیح البخاری ( حدّثنا عبدان، عن أبی حمزة، عن الأعمش، عن سعید بن جبیر، عن أبی عبد الرحمن السلمی، عن أبی موسی الأشعری قال: قال النبی صلی الله علیه وآله وسلم:


1- سورة هود، الآیة: 7.
2- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج36، ص222، ح6.

ص: 21

«ما أحد أصبر علی أذی سمعه من الله، یدعون له الولد، ثمّ یعافیهم ویرزقهم»)(1).

أن التشبیه والتجسیم انتشر فی الشام بل عملت الشام بقوة علی نشره، ومما یدل علی ذلک هذه الروایة التی یذکرها الشیخ الصدوق فی کتاب التوحید.

عن أسد بن سعید النخعی، قال: (أخبرنی عمرو بن شِمْر، عن جابر بن یزید الجُعْفی، قال: قال محمّد بن علیّ الباقر علیهما السلام:

«یا جابر ما أعظم فِرْیة أهل الشام علی الله عزّ وجلّ، یزعُمون أنّ الله تبارک وتعالی حیث صعد إلی السماء وضع قدمه علی صَخْرَة بیت المَقْدِس(2) ولقد وضع عبد من عباد الله قدمه علی حَجَرَة(3) فأمرنا الله تبارک وتعالی أن نتّخذه مصلّی یا جابر إنّ الله تبارک وتعالی لا نظیر له ولا شبیه، تعالی عن صفة الواصفین، وجلّ عن أوهام المتوهّمین، واحتجب عن أعین الناظرین لا یزول مع الزائلین، ولا یأفل مع الآفلین، لیس کمثله شیء وهو السمیع العلیم»)(4).

التشبیه محال عقلاً

یتفق العقل مع الشرع علی رفض التشبیه وإبطال التجسیم لما فیهما من جرأة علی خالق الخلق ومدبر الأکوان ورب الأرباب، ولما فیهما من تحدید اللامحدود وافقار للغنی المطلق، وجعل واجب الوجود ممکنا ضعیفا تعتریه الحوادث والمتغیرات وتحیط به الأماکن والأبعاد، وحیث إننا نرید أن نظل علی قول العقل فی تشبیه المخلوق بالخالق وتشبیه الممکن بالواجب وتحویل الإله الغنی المطلق إلی فقیر محتاج.


1- صحیح البخاری: ج6، ص2687، باب قول الله تعالی: (إنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتین)، ح6943.
2- المقدّم والتالی کلاهما مزعومهم الباطل.
3- هو إبراهیم النبیّ علی نبیّنا وآله وعلیه السلام وضع قدمه علی حجرة فی مکّة حین تفقد عن ابنه اسماعیل لتغسلها زوجته فبقی فیها نقش منها، وهی الآن فی المحلّ المعروف بمقام إبراهیم علیه السلام قرب الکعبة، وقصّته طویلة تطلب من مظانّها.
4- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص174 __ 175، ح13.

ص: 22

فنقول: اتفق أهل الاختصاص علی أن العقل یدرک أن المعقول إمّا أن یصح اتصافه بالوجود الخارجی أو لا، والذی یصح اتصافه بالوجود إمّا واجب أو لا، فالذی لا یصح اتصافه بالوجود الخارجی هو ممتنع الوجود، والذی یصح اتصافه بالوجود الخارجی یکون علی قسمین: واجب الوجود وممکن الوجود، وواجب الوجود ما کان وجوده واجبا بذاته لذاته أی لا یحتاج فی وجوده إلی غیره بل أن وجوده من ذاته بذاته وهذا هو الله تعالی لا غیر، وأمّا ممکن الوجود من کان وجوده بغیره، أی یحتاج فی وجوده إلی غیره فیکون حینئذ وجوده متساوی النسبة إلی الوجود والعدم فیحتاج إلی موجود یوجده فإمّا أن یکون الموجد للمکن نفسه فیلزم الدور وإمّا یکون غیره فننتقل إلی ذلک الغیر فیتسلسل الأمر وحیث إن التسلسل باطل ثبت أن الموجد للمکن لابد أن یکون واجب الوجود، فیظهر مما تقدم أن واجب الوجود غنی مطلق وما سواه فقیر محتاج مطلق، فلذا صار أن یتصف کل منهما بصفات تلیق به، فإذا قلنا إن واجب الوجود یشبه ممکن الوجود فی بعض الصفات التی یتصف بها الممکن الفقیر المحتاج المحدود الحادث الفانی یلزم من قولنا انقلاب واجب الوجود الغنی مطلقا إلی الممکن وهو لا یزال واجب الوجود وهذا محال لاجتماع النقیضین، أی ما فرضناه غنیا لا یحتاج إلی غیره مطلقا انقلب فقیراً محتاجا مع وجوب وجوده وهذا محال.

التشبیه لا یصح ولا یجوز فی القرآن الکریم

حثنا القرآن الکریم علی التدبر فی آیاته الکریمة لنفهم ما یمکن فهمه ونرد ما یصعب فهمه إلی أهله الذین خوطبوا به، ففی کل آیة ظاهر أنیق وباطن عمیق، ولکل آیة تفسیر وتأویل ولکن لا یعلم تأویله إلا الله تعالی وعباده الراسخون فی العلم إلاّ أن هذا لا یمنع أن نفهم ما یظهر من آیاته التی تشیر إلی عدم صحة وجواز التشبیه کما فی الآیات الآتیة:

ص: 23

1__ قوله تعالی:

(وَقَالَتِ الْیَهُودُ عُزَیْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَی الْمَسِیحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِکَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ یُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّی یُؤْفَکُونَ) (1).

یظهر هنا أن الیهود والنصاری نسبت إلیه تعالی الأبوّة فجعلت عزیز وعیسی ولداً له تعالی، هذا قول یلزم منه مفاسد کثیرة تدل علی جرأة قائله وجهله بمقام ربه، ففی هذا القول الباطل یشیرون إلی أن الله تعالی یشبه خلقه فی حاجته للولد، ویشبهه فی التناسل والتوالد تعالی عن ذلک علواً کبیراً فهو تعالی کما وصف نفسه:

(لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُولَدْ)

وهو تعالی منزه عن کل صفات المخلوقین من حیث الحاجة والمحدودیة والتجسیم والمکان والزمان وکل نقص، فلا یصح ولا یجوز ولا یمکن أن نجعل له ولداً أو امرأة ولا یمکن أن یکون له شبهٌ وهذا ما أکده قوله تعالی:

(بَدِیعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّی یَکُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَکُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ کُلَّ شَیْءٍ وَهُوَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ) (2).

فکیف بعزیر وعیسی أن یکونا ولدین لله تعالی وهو الإله الغنی المطلق اللامحدود؟ وکیف یکون الولد الفقیر المحتاج المحدود الممکن المرکب العاجز الحادث شبیها لله تعالی الکامل المطلق؟ فهذا محال لانتفاء الشبه بین الولد المدعی وبین الله تعالی الأب کما یدعون، فإذا انتفی الشبه انتفت البنوّة والأبوّة معاً، بل لا شبیه له فی الوجود إذ إنه تعالی الخالق وما سواه مخلوق حادث فقیر محتاج.


1- سورة التوبة: 30.
2- سورة الأنعام، الآیة: 101.

ص: 24

2__ قوله تعالی:

(لَقَدْ کَفَرَ الَّذِینَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِیحُ ابْنُ مَرْیَمَ وَقَالَ الْمَسِیحُ یَا بَنِی إِسْرَائِیلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّی وَرَبَّکُمْ إِنَّهُ مَنْ یُشْرِکْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِینَ مِنْ أَنْصَارٍ) (1).

تؤکد هذه الآیة الکریمة أن الله تعالی الذی خلق الخلق وبرأ النسمة وفطر السموات والأرض ودبر الکون واستوی علی العرش، لا یمکن أن یکون رجلاً فقیراً محتاجا مولوداً من رحم امرأة، کما لا یمکن أن یکون هذا المولود الحادث الذی هو مسبوق بوجود أمه، والمحتاج إلی رعایتها إلاّ غنیا أزلیا قدیما له کل صفات الکمال، بل یلزم من هذا القول الباطل الانقلاب الحال.

3__ قوله تعالی:

(وَجَعَلُوا بَیْنَهُ وَبَیْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا یَصِفُونَ) (2).

تستنکر هاتان الآیتان الکریمتان أن یکون لله تعالی نسب کما لغیره من المخلوقات، وتؤکد أن علی من یقول هذا القول فهو ممن یثبت الشبه بین الله تعالی الذی لیس کمثله شیء وبین خلقه الذی ینسب إلی غیره، فالجن ینتسب إلی الجن للتشابه بینهم، والإنسان ینسب إلی نوعه للتشابه بین أفراد النوع الواحد، وهکذا المخلوقات الأخری تنتسب إلی جنسها ونوعها لاشتراکها فی صفات واحدة، وهذا مما لا ینطبق علی الله تعالی إذ لا شبه بینه وبین أحد من مخلوقاته کما تقدم أعلاه.

4__ وهناک آیات أخری تنفی التشبیه بین الله المثال وبین خلقه، فآیة تنفی رؤیته


1- سورة المائدة، الآیة: 72.
2- سورة الصافات، الآیتان: 158 و159.

ص: 25

بالبصر کما فی قوله تعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ) (1).

وقوله تعالی:

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَی لِمِیقَاتِنَا وَکَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی وَلَکِنِ انْظُرْ إِلَی الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِی فَلَمَّا تَجَلَّی رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَکًّا وَخَرَّ مُوسَی صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَیْکَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِینَ) (2).

وأخری تنفی الحاجة التی هی من صفات المخلوق کما فی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَی اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ) (3).

وثالثة تنفی فناءه إذ کل مخلوق فان کما فی قوله تعالی:

(کُلُّ مَنْ عَلَیْهَا فَانٍ (26) وَیَبْقَی وَجْهُ رَبِّکَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِکْرَامِ) (4).

بعد هذه الآیات الکریمة وغیرها کیف یتسنی لأحد أن یشبه الله تعالی الغنی بخلقه الفقیر؟

التشبیه لا یجوز ولا یصح نقلا فی السنة النبویة

بلغنا ما نقر بصحته من الروایات التی وردت عن أهل بیت العصمة علیهم السلام ما یؤکد حکم العقل الذی یقول باستحالة التشبیه بین الخالق والمخلوق وبین


1- سورة الأنعام، الآیة: 103.
2- سورة الأعراف، الآیة: 143.
3- سورة فاطر، الآیة: 15.
4- سورة الرحمن، الآیتان: 26 و27.

ص: 26

الواجب والممکن، وحیث إن النبی المصطفی صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته الأطهار هم عیبة علم الله تعالی ومنابع المعرفة الحقة وخزائن الحکمة ومصادر التشریع صار لزاما علینا أن نقف علی روایاتهم وخطبهم وأقوالهم فی هذا الموضع لتتضح لنا کیفیة وصف الحق سبحانه.

1__ النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم یصف ربه تعالی وصفاً یلیق به سبحانه، یؤکد فیه علی نفی التشبیه.

عن إسحاق بن غالب، عن أبی عبد الله، عن أبیه علیهما السلام قال:

«قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فی بعض خطبه:

الحمد لله الذی کان فی أوّلیّته وحدانیّاً، وفی أزلیّته متعظما بالإلهیة، متکبرا بکبریائه وجبروته ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق علی غیر مثالٍ کان سبق بشیءٍ ممّا خلق»(1).

ویشیر الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم إلی أن المشبهة یجهلون مقام ربهم سبحانه کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«ما عرف الله من شبّهه بخلقه، ولا وصفه بالعدل من نسب إلیه ذنوب عباده...»(2).

2__ أمیر المؤمنین علیه السلام وسید البلغاء بعد النبی صلی الله علیه وآله وسلم یصدح بخطبته التی یوحد الله تعالی بها وینزهه عن صفات المخلوقین ویؤکد علی أن الله تعالی لا یشبه خلقه ولا أحد من الخلق یشبه، بل یصرح بجهل من شبه الله تعالی بخلقه، ویشیر أیضاً إلی عدم توحید من یقول بالتشبیه، ولکی نترک القارئ الکریم یطلع علی


1- کتاب التوحید للصدوق: ص45، ح4.
2- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص48، ح10.

ص: 27

نهج أمیر المؤمنین علیه السلام وفکره ویقف علی معرفته بربه تعالی نورد إلیه هذه الخطبة البلیغة الملیئة بالعلم والحکمة والتوحید الحقیقی.

عن فرج بن فروة، عن مسعدة بن صدقة، قال: (سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول:

«بینا أمیر المؤمنین علیه السلام یخطب علی المنبر بالکوفة إذ قام إلیه رجل فقال:

یا أمیر المؤمنین صف لنا ربّک تبارک وتعالی لنزداد له حبّاً وبه معرفة، فغضب أمیر المؤمنین علیه السلام ونادی الصلاةَ جامعة فاجتمع الناس حتّی غصّ المسجد بأهله، ثمّ قام متغیّر اللون فقال:

الحمد لله الّذی لا یَفِرُه المنع، ولا یُکْدیه الإعطاء إذ کلّ معطٍ منتقصٌ سواه، الملیء بفوائد النعم وعوائد المزید، وبجوده ضَمِنَ عیالة الخلق؛ فأنهج سبیل الطلب للراغبین إلیه، فلیس بما سئل أجود منه بما لم یُسأل، وما اختلف علیه دهر فیختلف منه الحال، ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال وضحکت عنه أصداف البحار من فِلَذِ اللُجَیْن وسبائک العِقْیان ونضائد المرجان لبعض عبیده، لما أثّر ذلک فی وجوده ولا أنفد سعة ما عنده، ولکان عنده من ذخائر الإفصال مالا ینفَدُه مطالب السؤّال ولا یخطر لکثرته علی بالٍ، لأنّه الجواد الّذی لا تنقصه المواهب، ولا ینحله إلحاح الملحّین (وإنّما أمره إذا أراد شیئاً أن یقول له کن فیکون) الّذی عجزت الملائکة علی قربهم من کرسیّ کرامته، وطول وَلَههم إلیه، وتعظیم جلال عزّه، وقربهم من غیب ملکوته أن یعلموا من أمره إلاّ ما أعلمهم، وهم من ملکوت القدس بحیث هم من معرفته علی ما فطرهم علیه أن قالوا: (سبحانک لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّک أنت العلیم الحکیم)»)(1)


1- کتاب التوحید للصدوق: ص49 __ 50، ح13.

ص: 28

3__ وحیث إن الأئمة المعصومین علیهم السلام هم نور واحد وقول واحد ومنهج واحد نطمئن أن وصفهم لربهم سبحانه لا یختلفون فیه فقول کل واحد منهم هو قول جدهم المصطفی صلی الله علیه وآله وسلم وأخیه المرتضی علیه السلام وخیر دلیل علی ذلک ما قاله الإمام الرضا علیه السلام الذی هو ثامن الأئمة المعصومین علیهم السلام.

حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الولید، قال: حدّثنا محمّد بن عمرو الکاتب، عن محمّد بن زیاد القلزمی، عن محمد بن أبی زیاد الجُدی صاحب الصلاة بجُدّة، قال: (حدّثنی محمّد بن یحیی بن عمر بن علیّ بن أبی طالب علیه السلام قال: سمعت أبا الحسن الرضا علیه السلام یتکلّم بهذا الکلام عند المأمون فی التوحید، قال ابن أبی زیاد: ورواه لی أیضا أحمد بن عبد الله العلوی مولی لهم وخالٌ لبعضهم عن القاسم بن أیّوب العلوی أنّ المأمون لمّا أراد أن یستعمل الرضا علیه السلام علی هذا الأمر جمع بنی هاشم فقال: إنی أرید أن استعمل الرضا علی هذا الأمر من بعدی، فحسده بنو هاشم، وقالوا: أتولّی رجلاً جاهلاً لیس له بصر بتدبیر الخلافة؟! فابعث إلیه رجلاً یأتنا فنری من جهله ما یستدلّ به علیه، فبعث إلیه فأتاه، فقال له بنو هاشم: یا أبا الحسن اصعد المنبر وانصب لنا علماً نعبد الله علیه، فصعد علیه السلام المنبر، فقعد ملیّاً لا یتکلّم مطرقا، ثمّ انتفض انتفاضة واستوی قائماً، وحمد الله وأثنی علیه، وصلّی علی نبیّه وأهل بیته، ثمّ قال:

«أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحیده، ونظام توحید الله نفی الصفات عنه لشهادة العقول أنّ کلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة کلّ مخلوقٍ أنّ له خالقا لیس بصفة ولا موصوف، وشهادة کلّ صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع عن الأزل الممتنع من الحدث، فلیس الله عرف من عرف بالتشبیه ذاته، ولا إیّاه وحدّ من اکتنهه ولا حقیقته أصاب

ص: 29

من مثّله، ولا به صدّق من نّهاه ولا صمد صمده من أشار إلیه ولا إیّاه عنی من شبّهه، ولا له تذلّل من بّعَضه، ولا إیّاه أراد من توهّمه، کلّ معروفٍ بنفسه مصنوع وکلّ قائم فی سواه معلول، بصنع الله یستدلّ علیه، وبالعقول یعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجّته خلق الله حجابٌ بینه وبینهم ومباینته إیّاهم مفارقته إنّیتهم، وابتداؤه إیّاهم دلیلهم علی أن لا ابتداء له لعجز کلّ مبتدئٍ عن ابتداء غیره، وأدْوُه إیّاهم دلیل علی أن لا أداة فیه لشهادة الأدوات بفاقة المتأدّین وأسماؤه تعبیر، وأفعاله تفهیم، وذاته حقیقة، وکنهه تفریق بینه وبین خلقه، وغُبُوره تحدید لما سواه فقد جهل الله من استوصفه، وقد تعدّاه من اشتمله وقد أخطأه من اکتنهه، ومن قال: کیف فقد شبّهه، ومن قال: لم فقد علّله، ومن قال: متی فقد وقّته، ومن قال: فیمَ فقد ضمّنه، ومن قال: إلی مَ فقد نهاه، ومن قال: حتّی م فقد غیّاه ومن غیّاه فقد غایاه، ومن غایاه، فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فیه، لا یتغیّر الله بانغیار المخلوق، کما لا یتحدّد بتحدید المحدود، أحدٌ لا بتأویل عددٍ ظاهرُ لا بتأویل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤیة، باطن لا بمزایلة، مبائنٌ لا بمسافة، قریب لا بمداناة، لطیف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحول فکرة مدبّر لا بحرکة، مرید لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرک لا بمجسّة سمیع لا بآلة، بصیر لا بأداة.

لا تصحبه الأوقات، ولا تضمّنه الأماکن، ولا تأخذه السِنات ولا تحدّه الصفات، ولا تقیّده الأدوات سبق الأوقات کَوْنُه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له وبتجهیره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادّته بین الأشیاء عرف أن لا ضدّ له، وبمقارنته بین الأمور عرف أن لا قرین له، ضادّ النور بالظلمة، والجلایة بالبُهْم، والجَسو بالبلل والصرد بالحرور، مؤلّف بین متعادیاتها،

ص: 30

مفرّق بین متدانیاتها، دالّة بتفریقها علی مفرّقها، وبتألیفها علی مؤلّفها، ذلک قوله عزّ وجلّ:

(وَمِنْ کُلِّ شَیْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَیْنِ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ) (1).

ففرّق بها بین قبل وبعد لیعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غریزة لمغرّزها، دالّة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها مخبرة بتوقیتها أن لا وقت لموقّتها، حجب بعضها عن بعض لیعلم أن لا حجاب بینه وبینها غیرها له معنی الربوبیّة إذ لا مربوب وحقیقة الإلهیّة إذ لا مألوه ومعنی العالم ولا معلوم، ومعنی الخالق ولا مخلوق، وتأویل السمع ولا مسموع لیس منذ خلق استحقّ معنی الخالق، ولا بإحداثه البرایا استفاد معنی البارئیّة کیف ولا تغیّبه مذ، ولا تدنیه قد، ولا تحجبه لعلّ، ولا توقّته متی، ولا تشمله حین، ولا تقارنه مع، إنّما تحدّ الأدوات أنفسها، وتشیر الآلة إلی نظائرها وفی الأشیاء یوجد فعالها منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلیة، وجنّبتها لولا التکملة افترقت فدلّت علی مفرّقها، وتباینت فأعربت عن مباینها لما تجلّی صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤیة، وإلیهاتحاکم الأوهام، وفیها أثبت غیره ومنها أنیط الدلیل وبها عرّفها الإقرار، وبالعقول یعتقد التصدیق بالله، وبالإقرار یکمل الإیمان به، ولا دیانة إلاّ بعد المعرفة، ولا معرفة إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبیه، ولا نفی مع إثبات الصفات للتشبیه فکلّ ما فی الخلق لا یوجد فی خالقه، وکلّ ما یمکن فیه یمتنع من صانعه، لا تجری علیه الحرکة والسکون، وکیف یجری علیه ما هو أجراه، أو یعود إلیه ما هو ابتدأه إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزّأ کنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما کان للبارئ معنی غیر المبروء، ولو حدّ له وراء إذاً حدّ له أمام ولو التمس له التمام إذاً لزمه النقصان،


1- سورة الذاریات، الآیة: 49.

ص: 31

کیف یستحقّ الأزل من لا یمتنع من الحدث، وکیف ینشئ الأشیاء من لا یمتنع من الإنشاء، إذاً لقامت فیه آیة المصنوع، ولتحوّل دلیلاً بعد ما کان مدلولاً علیه، لیس فی محال القول حجّة ولا فی المسألة عنه جواب، ولا فی معناه له تعظیم، ولا فی إبانته عن الخلق ضیم، إلاّ بامتناع الأزلیّ أن یثنّی وما لا بدأ له أن یبدأ، لا إله إلاّ الله العلیّ العظیم، کذب العادلون بالله، وضلّوا ضلالا بعیدا، وخسروا خسرانا مبینا، وصلّی الله علی محمدٍ النبی وآله الطیبین الطاهرین»)(1).

ولکی نؤکد علی عدم جواز تشبیه الله تعالی بخلقه نورد حدیثین عن الأئمة المعصومین علیهم السلام یبینان حال من یشبه الله تعالی بخلقه وهل أن الله له شیئا من الإیمان؟

1__ یشیر الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام إلی أن المشبهة لا إیمان لهم بقوله:

«مَنْ شبّه الله بخلقه فهو مشرک، ومن أنکر قدرته فهو کافر»(2).

2__ ویؤکد ولده الإمام الرضا علیه السلام ذلک بقوله:

«من شبّه الله بخلقه فهو مشرک، ومن وصفه بالمکان فهو کافر، ومن نسب إلیه ما نهی عنه فهو کاذب».

ثمّ تلا هذه الآیة:

(إِنَّمَا یَفْتَرِی الْکَذِبَ الَّذِینَ لَا یُؤْمِنُونَ بِآَیَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِکَ هُمُ الْکَاذِبُونَ) (3)»(4).

فبهذا المقدار نکتفی من بیان عدم صحة القول بالتشبیه وعدم جواز ذلک.


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص35 __ 42، ح2.
2- کتاب التوحید للصدوق: ص74، ح31.
3- سورة النحل، الآیة: 105.
4- التوحید للصدوق: ص67، ح25.

ص: 32

هل أن الله تعالی شیء؟

تمتنع الکلمات من الانتقاش علی سطورها وجلة کونها ترجمان المباحث العقائدیة لاسیما فی البحوث التی تتکلم عن بارئها، فکیف لی أن أبدأ الجواب علی هذا السؤال؟ هل أن الله تعالی شیء؟ لمعرفتی أن الفطرة تقر بوجود خالق الخلق، والقلب ملیء بالیقین والتصدیق، والجوارح مذعنة معترفة بقدرته وإحاطته، فلذا أقول بلسان صریح أن الله تعالی موجود، وأنه تعالی شیء لما جاء فی کتب اللغة من أن الشیء هو الموجود(1).

فلذا یصح أن نطلق کلمة (شیء) علی الله تعالی مع الاحتفاظ بقیود الآیات والروایات الشریفة التی صرحت بأنه تعالی (لیس کمثله شیء) ولکی یتاح لی أن أجیب علی هذا السؤال بطریقة علمیة لابد أن أسلسل الجواب وفق النقاط التالیة:

1__ لا شک فی وجود الله تعالی بالدلیل العقلی کبرهان الإمکان وبرهان العلة والمعلول وبرهان المحدودیة وبرهان الأثر والمؤثر التی ذکرها أهل الاختصاص فی محلها.

2__ لا شک فی وجود الله تعالی بالدلیل النقلی کما فی قوله تعالی:

(أَفِی اللَّهِ شَکٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2).

وقوله تعالی:

(مُنِیبِینَ إِلَیْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِیمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَکُونُوا مِنَ الْمُشْرِکِینَ) (3).


1- المعجم الوسیط: ص502.
2- سورة إبراهیم، الآیة: 10.
3- سورة الروم، الآیة: 31.

ص: 33

وقال عزّ وجل:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَیَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّی یُؤْفَکُونَ) (1).

وهناک أکثر من آیة تصرح بأن الله تعالی موجود لخلقه الخلق وتدبیره الأمر.

کما أن الکثیر من الروایات التی تشیر إلی وجوده تعالی کما جاء عن الإمام الصادق علیه السلام فی حواره مع السائلین والمستفهمین ومع المشککین والملحدین، وقد أشار مولانا الإمام الصادق علیه السلام إلی دلیل الفطرة الذی یظهر عند الشدائد، (قال له رجل: یابن رسول الله دُلنی علی الله ما هو؟ فقد أکثر علیَّ المجادلون وحیّرونی.

فقال الإمام علیه السلام:

«یا عبد الله هل رکبتَ سفینة قطّ؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل کُسرتْ بک حیث لا سفینة تنجّیک ولا سباحة تغنیک؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل تعلّق قلبُکَ هنالک أنّ شیئاً من الأشیاء قادرٌ علی أن یخلّصک من ورطتک؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فذلک الشیء هو الله القادر علی الإنجاء حیث لا منجی وعلی الإغاثة حیث لا مغیث»)(2).


1- سورة العنکبوت، الآیة: 61.
2- الفوائد البهیة فی شرح عقائد الإمامیة، محمد جمیل حمّود: ج1، ص88. بحار الأنوار: ج3، ص41

ص: 34

3__ ثبت عند أهل الحکمة وکثیر من المتکلمین أن الشیئیة تساوق الوجود والعدم لا شیئیة له أی أن کل ما له الوجود له الشیئیة، وکل ما له الشیئیة له الوجود(1).

4__ ثبت فی لسان النقل أن الله تعالی شیء ولکن لیس کمثله شیء کما فی قوله تعالی:

(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا یَذْرَؤُکُمْ فِیهِ لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ وَهُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ) (2).

وما ورد عن أهل بیت العصمة علیهم السلام صریح فی جواز إطلاق (شیء) علی الله تعالی ولکن دون أن ننفی وجوده أو ننفی صفاته، ودون أن نشبهه بصفات خلقه کما فی قول الإمام الجواد علیه السلام: (عن الحسین بن سعید قال: سُئِلَ أبو جعفر الثانی علیه السلام: یجوز أن یقال لله: إنّه شیءٌ؟ قالَ __ علیه السلام __:

«نَعم یُخرِجُهُ مِنَ الحَدَّیْنِ: حَدِّ التَّعْطیلِ وَحَدِّ التَشْبیهِ»)(3).

وروایات أخری تبیّن أنه تعالی شیء لا کالأشیاء فی ذاته وصفاته بل هو تعالی فوق الإدراک والأوهام وهذا ما صرح به الإمام الباقر علیه السلام: (عن محمد بن عیسی، عن عبد الرحمن بن أبی نجران قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عَنِ التّوحیدِ فَقُلتُ: أتَوَهَّمُ شَیئاً؟ فَقالَ __ علیه السلام __:

«نَعَمْ، غَیْرَ مَعْقُولٍ وَلا مَحْدُودٍ، فَما وَقَعَ وَهْمُکَ عَلَیْهِ مِنْ شَیءٍ فَهوَ خِلافُهُ، لا یُشبِهُهُ شَیءٌ ولا تُدرِکُهُ الأوْهامُ، کَیفَ تُدْرِکُهُ الأوهام وهوَ خلاف ما یُعقَلُ وخلاف ما یتصوَّرُ فی الأوْهامِ؟! إنّما یتوهّم شیءٌ غَیرُ مَعْقُولٍ ولا مَحدودٍ»)(4).


1- بدایة الحکمة: ص165.
2- سورة الشوری، الآیة: 11.
3- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص104، باب إطلاق القول بأنّه شیء، ح2.
4- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص104، باب إطلاق القول بأنّه شیء، ح1.

ص: 35

وما نورده من الروایات الشریفة الآتیة صریح فی إطلاق الشیئیة علیه تعالی مع الاحتفاظ بشروطها کما فیما یلی:

1__ عن أحمد بن محمد بن خالد البرقی، عن أبیه، عن النضر بن سوید، عن یحیی الحلبی، عن ابن مسکان، عن زرارة بن أعین قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول:

«إنّ اللهَ خِلو من خلقه وخلقه خلو منه وکل ما وقع علیه اسم شیء ما خلا الله فهو مخلوق والله خالق کل شیء تبارک الذی لیس کمثله شیء وهو السمیع البصیر»(1).

2__ عن علی بن إبراهیم، عن أبیه، عن ابن أبی عمیر، عن علی بن عطیة، عن خیثمة، عن أبی جعفر علیه السلام قال:

«إنّ الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه وکل ما وقع علیه اسم شیء ما خلا الله تعالی فهو مخلوق والله خالق کل شیء»(2).

3__ عن العباس بن عمرو الفقیمی، عن هشام بن الحکم، عن أبی عبد الله علیه السلام أنه قال للزّندیق حین سأله: ما هو؟

قال:

«هو شیء بخلاف الأشیاء ارجع بقولی إلی إثبات معنی وأنه شیء بحقیقة الشیئیة غیر أنه لا جسم ولا صورة ولا یحسّ ولا یجسّ ولا یدرک بالحواس الخمس، لا تدرکه الأوهام ولا تنقصه الدّهور ولا تغیّره الأزمان»(3).


1- أصول الکافی: ج1، ص105، باب إطلاق القول بأنّه شیء، ح4.
2- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص105، ح5.
3- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص105، باب إطلاق القول بأنّه شیء، ح6.

ص: 36

السمیع البصیر اسمان من أسمائه تعالی

إن صفتی السمع والبصر مما یتصف بهما الله تعالی دون أن یمس هذا الاتصاف عظمة الحق سبحانه، ومن غیر أن یشترک معه السامعون والمبصرون لجلاله عن آلتی السمع والبصر، فهو سمیع بغیر آلة وبصیر بغیر جارحة، ولذا أشتق اسما السمیع والبصیر من هذا الاتصاف، ولکی نقف علی حقیقة هاتین الصفتین لابد أن نطلع علی ما قیل فی تفسیرهما وانطباقهما علی الله تعالی.

1__ إنّ سمعَهُ وبصرَهُ سبحانه لیسا وصفین یغایران وصف العلم، بل هما من شُعَب علمه بالمسموعات والمبصرات، فلأجل علمه بهما صار یطلق علیه تعالی أنّه سمیعٌ بصیر.

2__ إنّهما وصفان حسّیان، وإدراکان نظیر الموجود فی الإنسان.

3__ إنّ السّمع والبصر یغایران مطلق العلم مفهوماً، ولکنهما علمان مخصوصان وراء علمه المطلق من دون تکثر فی الذات ومن دون أن یستلزم ذلک التوصیف تجسماً، وما هذا إلاّ حضور الهویّات المسموعة والمبصرة عنده سبحانه، فشهود المسموعات سمع، وشهود المبصرات بصر، وهو غیر علمه المطلق بالأشیاء العامة، غیر المسموعة والمبصرة(1).

ولبیان صحة هذه الأقوال الثلاثة التی وردت عن أهل العلم نقول:

ألف: إن السمع والبصر فی الله تعالی لا یمکن أن یکونا حسیین لتنزهه عن صفات الممکنات، ولجلاله عن الحاجة والترکیب، فلذا لا صحة للقول الثانی لاستحالة انطباقه علی الله تعالی.

باء: بما أنه تعالی یحیط بکل شیء علما فهو تعالی عالم بالمسموعات والمبصرات ولذا یصح إطلاق اسمی السمیع والبصیر علیه تعالی.


1- الإلهیات للشیخ جعفر السبحانی: ج1، ص159.

ص: 37

الوصفان فی القرآن الکریم
السمیع

تتجلی العظمة الإلهیة من خلال الخلق لمن ینظر إلیها من نافذة الممکنات، ویشهدها بقلبه حینما یتأمل صفات الحق سبحانه، وخیر مَن وصف البارئ عزّ وجل هو کتابه الکریم بآیات ملیئة بالحکمة والعلم، وبکلمات تحوی بطونا سبعة لا یعلمها إلا أهلها، ولکی نقف علی هذه الصفة (السمع) التی إذا اتصف بها فاعلها سمّی بالسمیع لابد أن نطلع علی ما جاء فی ذکر هذا الاسم وهذه الصفة فی الآیات الکریمة من القرآن الکریم:

1__ کونه تعالی واجب الوجود وخالق الخلق ومدبّر الأمور یقتضی ذلک أن یکون محیطا بکل شیء، لا تخفی علیه الأصوات ولا تفوته الخفایا والأسرار، فهو لکل صوت سمیع وبکل سر علیم فلذا قال تعالی:

(إِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمٌ) (1).

2__ کونه تعالی رؤوفاً بالعباد لطیفاً بالخلق رحیماً بالمؤمنین یقتضی ذلک أن یجیبهم إذا سألوا ویحمیهم إذا لجأوا ویغیثهم إذا استغاثوا فلذا نجده سبحانه یصف نفسه تعالی بأنه سمیع لدعاء عباده کما فی قوله تعالی:

(هُنَالِکَ دَعَا زَکَرِیَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِی مِنْ لَدُنْکَ ذُرِّیَّةً طَیِّبَةً إِنَّکَ سَمِیعُ الدُّعَاءِ)(2).

رغم أن دعاء زکریا کان خفیا کما حکی لنا ذلک القرآن الکریم فی قوله تعالی:

(إِذْ نَادَی رَبَّهُ نِدَاءً خَفِیًّا) (3).


1- سورة البقرة، الآیة: 181.
2- سورة آل عمران، الآیة: 38.
3- سورة مریم، الآیة: 3.

ص: 38

فهو یسمع الدعاء ویسمع النداء ویعلم الاستغاثة سواء کان ذلک فی الجهر أو الإخفاء.

3__ لا شک فی أن یکون خالق الخلق والمحیط بکل شیء قریباً من عباده لا قرب مکان ولا قرب زمان لأنه تنزه عن مجانسة مخلوقاته وإنما هو مقتضی إحاطته لذا یصف نفسه بقوله تعالی:

(إِنَّهُ سَمِیعٌ قَرِیبٌ) (1).

مداراة لعقولنا التی آنست بالأبعاد المادیة الدنیویة وإلاّ فهو تعالی أسمی فی قربه من أن ندرکه فلذا یخاطبنا بقوله:

(أَمْ یَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَی وَرُسُلُنَا لَدَیْهِمْ یَکْتُبُونَ) (2).

4__ وصف الله سبحانه نفسه بأنه یسمع دون أن تؤثر فیه الأصوات ودون أن تؤثر علی سمعه الأماکن فهو یسمع من فی السموات کما یسمع من فی الأرض وفی آن واحد وبمستوی واحد کما فی قوله تعالی:

(قَالَ رَبِّی یَعْلَمُ الْقَوْلَ فِی السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ) (3).

وقوله تعالی:

(إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ) (4).

5__ لو تتبعنا کل آیة ورد فیها اسم السمیع لطال بناء المقام فلذا اکتفینا بذکر بعضها علما أن اسم السمیع أو کلمة سمیع وردت فی کثیر من الآیات.


1- سورة سبأ، الآیة: 50.
2- سورة الزخرف، الآیة: 80.
3- سورة الأنبیاء: 4.
4- سورة الشعراء، الآیة: 220.

ص: 39

البصیر

علْمنا بأنه تعالی یری ویسمع یجعلنا فی حیاء دائم لاسیما عندما تقع من بعضنا الآثام ویقترف بعضنا الذنوب، فنعیش فی دائرة التقصیر مستغفرین تائبین، کیف لا یکون ذلک ونحن نقرأ هذه الآیات الکریمة؟

1__ آیة تشیر أنه تعالی مطلع علی ظواهرنا وبواطننا بغیر جارحة أو آلة للبصر کما فی قوله تعالی:

(فَسَتَذْکُرُونَ مَا أَقُولُ لَکُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِی إِلَی اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِیرٌ بِالْعِبَادِ) (1).

2__ آیة تصرح بأن ما نقترف من سیئات ونرتکب من ذنوب فی أعمالنا وأقوالنا ونیاتنا تحت مراقبته کما فی قوله تعالی:

(إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ) (2).

3__ عندما نتأمل ونتدبر قوله تعالی:

(إِنَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ بَصِیرٌ) (3).

نعتقد بأن بصره لیس کبصرنا وإبصاره لیس کإبصارنا، فبصره لابد أن یکون منزهاً عن الحدود والأماکن والأزمان، ولابد أن یکون بصره واسعاً سعة تلیق به تعالی ولیس ذلک إلاّ علمه بالمبصرات وإحاطته بها.

4__ حیث إننا نعلم أن کلمة (البصیر __ بصیر) وردت فی أکثر من آیة فی القرآن الکریم وکلها تشیر إلی اتصافه تعالی بالبصر وتسمیته بالبصیر نکتفی بما تقدم ونتدبر فی


1- سورة غافر، الآیة: 44.
2- سورة البقرة، الآیة: 110.
3- سورة الملک، الآیة: 19.

ص: 40

الآیات التی ذکرت هذه الصفة لنعرف شیئا من عظمة ربنا سبحانه وتعالی.

وقوله علیه السلام:

«احتجب عن العقول کما احتجب عن الأبصار، وعمن فی السماء احتجابه کمن فی الأرض».

تقدمت الأبحاث التی أثبتت عدم الرؤیة البصریة بل أثبتنا عدم إحاطة العقل به سبحانه لمحدودیة العقل وعجزه عن أن یحیط بالله تعالی، وأدرجنا الروایات التی تشیر إلی عجز الأوهام والأفهام عن الإحاطة به تعالی، ولکی نذکر القارئ الکریم نقول باختصار:

الله تعالی هو واجب الوجود ومن صفات واجب الوجود وکماله أنه منزه عن الحدود والأوصاف الناقصة، ومنزه عن کل صفات الممکن، ولذا فهو تعالی فوق العقول المحدودة وخارج إدراکها، کما أنه تعالی منزه عن الجسم والجسمانیة فیکون أیضا خارجا عن الرؤیة البصریة، وهو تعالی خالق الخلق ومحیط بکل شیء فلا شیء یحیط به، فاحتجب عن خلقه لا بحجاب أو ساتر، وإنما احتجب بذاته وصفاته ووجوب وجوده.

ولکی نؤکد قولنا ونربط بین قول الإمام الحسین علیه السلام وأبیه أمیر المؤمنین علیه السلام نورد هذه الخطبة عن أمیر المؤمنین علیه السلام التی تبین بوضوح ما أراده الإمام الحسین علیه السلام، فلقد جاء فی خطبة أمیر المؤمنین علیه السلام:

«الحمد لله الذی لا تدرکه الشواهد، ولا تحویه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدال علی قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه علی وجوده، وباشتباههم علی أن لا شبه له، الذی صدق فی میعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط فی خلقه، وعدل علیهم فی حکمه، مستشهد بحدوث الأشیاء علی أزلیته، وبما وسمها به من العجز علی قدرته، وبما اضطرها إلیه من الفناء علی دوامه، واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة، وتشهد له

ص: 41

المرائی لا بمحاضرة، لم تحط به الأوهام بل تجلی لها بها، وبها امتنع منها، وإلیها حاکمها، لیس بذی کبر امتدت به النهایات فکبرته تجسیما، ولا بذی عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیدا، بل کبر شأنا، وعظم سلطانا»(1).

وهناک روایات تذکر علة احتجاب الله عزّ وجلّ عن خلقه.

عن محمد بن بندار، عن محمد بن علی ، عن محمد بن عبد الله الخراسانی __ خادم الرضا علیه السلام __ قال: (قال بعض الزنادقة لأبی الحسن علیه السلام:

لِمَ احتجب الله؟ فقال أبو الحسن علیه السلام:

«إن الحجاب عن الخلق لکثرة ذنوبهم فأما هو فلا تخفی علیه خافیة فی آناء اللیل والنهار».

قال: فلِمَ لا تدرکه حاسة البصر؟ قال __ علیه السلام __:

«للفرق بینه وبین خلقه الذین تدرکهم حاسة الأبصار، ثم هو أجل من أن تدرکه الأبصار أو یحیط به وهم أو یضبطه عقل».

قال: فحده لی، قال __ علیه السلام __:

«إنه لا یحد».

قال: لِمَ؟ قال __ علیه السلام __:

«لأن کل محدود متناه إلی حد فإذا احتمل التحدید احتمل الزیادة، وإذا احتمل الزیادة احتمل النقصان، فهو غیر محدود ولا متزائد ولا متجز ولا متوهم»)(2).

وجاء عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسین، عن الحسین بن الولید، عن عبد الله بن سنان، عن أبی حمزة الثمالی قال: (قلت لعلی بن الحسین علیهما السلام:


1- منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة للعلامة حبیب الله الهاشمی: ج11، ص5، الخطبة 184.
2- بحار الأنوار للعلامة المجلسی رحمه الله: ج3، ص16، ح1.

ص: 42

لأی علة حجب الله عز وجل الخلق عن نفسه؟ قال __ علیه السلام __:

«لان الله تبارک وتعالی بناهم بنیة علی الجهل فلو أنهم کانوا ینظرون إلی الله عز وجل لما کانوا بالذین یهابونه ولا یعظمونه، نظیر ذلک أحدکم إذا نظر إلی بیت الله الحرام أول مرة عظمه فإذا أتت علیه أیام وهو یراه لا یکاد أن ینظر إلیه إذا مر به ولا یعظمه ذلک التعظیم»(1).

__ وقوله علیه السلام:

«قربه کرامته وبعده إهانته».

أشار الإمام علیه السلام إلی القرب الإلهی وبین أنه قرب معنوی لا قرب مادی فلذا یقول إن قرب الله تعالی من العبد یظهر من خلال إکرامه لهذا العبد وأن بعد الله تعالی عن العبد یظهر من خلال سخطه وعدم رضاه وإهانته لهذا العبد، فیظهر من قول الإمام علیه السلام أن الله تعالی لا یحویه مکان ولا یحیط به موضع فلذا لا یکون له قرب وبعد مادی، وهذا ما أکده أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«ولا کان فی مکان فیجوز علیه الانتقال»(2).

__ وقوله علیه السلام:

(عُلُوُّهُ مِنْ غَیرِ تَوَقُّلٍ، وَمَجِیئُهُ مِنْ غَیرِ تَنَقُّلٍ، یُوجِدُ المفقُودَ ویُفْقِدُ المَوجُودَ، ولا تَجتمِعُ لِغَیرِهِ الصِّفَتانِ فی وَقتٍ).

أشار الإمام علیه السلام إلی أربعة أبحاث نوجزها فی النقاط التالیة:

1__ إن الله تعالی عال علواً معنویاً، وما کان علوّه ناشئاً عن صعود سلّم أو ارتقاء منبر، أو طیران طائر بل هو علو خارج عن صفات المادة والجسمیة.


1- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج3، ص16، ح2.س
2- نهج البلاغة بشرح محمد عبده: ص130، الخطبة 91.

ص: 43

2__ ورد فی القرآن الکریم قوله تعالی:

(وَجَاءَ رَبُّکَ وَالْمَلَکُ صَفًّا صَفًّا) (1).

وقوله تعالی:

(إِذْ أَخْرَجَنِی مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِکُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّیْطَانُ بَیْنِی وَبَیْنَ إِخْوَتِی إِنَّ رَبِّی لَطِیفٌ لِمَا یَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِیمُ الْحَکِیمُ) (2).

فأراد الإمام الحسین علیه السلام أن یبیّن أن مجیئ الله تعالی له معنی غیر مادی لیس معتمداً علی الحرکة والانتقال.

3__ بیّن الإمام علیه السلام أن الله تعالی هو الذی أوحد الأشیاء وهو الذی یفنیها.

4__ إن الله تعالی قادر علی أن یجمع بین الصفتین المتضادتین فی آن واحد، کالإحیاء والإماتة، وکالرازق وغیر الرازق، وقادر علی الجمع بین صفة الحلم والکرم مثلا فی آن واحد دون أن تتأخر إحداهما عن الأخری.

الوصفان فی حدیث أهل البیت علیهم السلام
السمیع

وصف أهل البیت علیهم السلام یتقدمهم جدّهم المصطفی صلی الله علیه وآله وسلم ربّهم بصفة السمع وأطلقوا علیه اسم السمیع کما أطلق هو تعالی علی نفسه، إلاّ أنهم بیّنوا فی أحادیث متفرقة کیفیة هذا السمع فتارة یسمع الأصوات المرتفعة کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«یا سامع الأصوات، یا عالم الخفیات، یا دافع البلیات»(3).


1- سورة الفجر، الآیة: 22.
2- سورة یوسف، الآیة: 100.
3- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص265، ح4706.

ص: 44

وأخری یسمع الأصوات الضعیفة التی یصدرها الضعفاء من العباد عندما یأنون من آلامهم کما ورد ذلک فی دعاء النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«یا من یعلم مراد المریدین، یا من یعلم ضمیر الصامتین، یا من یسمع أنین الواهنین، یا من یری بکاء الخائفین»(1).

وورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام ما یبیّن سعة سمعه وکیفیته، فهو تعالی یسمع الأصوات الصغیرة والکبیرة علی حد سواء والقریبة والبعیدة کذلک کما جاء ذلک فی قوله علیه السلام:

«کل سمیع غیره یصم عن لطیف الأصوات، ویصمه کبیرها، ویذهب عنه ما بعد منها»(2).

ویشیر الإمام زین العابدین علیه السلام إلی سعة سمعه أیضا بقوله:

«اللهم أنت الملک الذی لا یملک، والواحد الذی لا شریک لک، یا سامع السر والنجوی»(3).

وفی موضوع آخر یدعو فیقول:

«یا موضع کل شکوی، ویا سامع کل نجوی، وشاهد کل ملا، وعالم کل خفیة»(4).

وأمّا الإمام الصادق علیه السلام فیوضح لنا علة تسمیته تعالی بالسمیع من خلال بیان سعته وقوته بقوله:

« إنما سمی سمیعا؛ لأنه ما یکون من نجوی ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو


1- موسوعة العقائد الإسلامیة، محمد الریشهری: ج4، ص266، ح4707.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص266، ح4709.
3- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص266، ح4710.
4- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص266، ح4711.

ص: 45

سادسهم، ولا أدنی من ذلک ولا أکثر إلا هو معهم أینما کانوا، یسمع النجوی، ودبیب النمل علی الصفا، وخفقان الطیر فی الهواء، لا تخفی علیه خافیة ولا شیء مما أدرکته الأسماع والأبصار، وما لا تدرکه الأسماع والأبصار، ما جل من ذلک وما دق، وما صغر وما کبر، ولم نقل سمیعا بصیرا کالسمع المعقول من الخلق»(1).

ویؤکد الإمام الکاظم علیه السلام أن الله تعالی سمیع دون أن یشک بصحة سمعه ودقته فیقول:

«اللهم.... أنت..... سمیع لا یشک»(2).

ویؤکد أیضا أنه تعالی یسمع الأصوات القویة دون أن تؤثر علیه کما تؤثر علی سمع المخلوق فیهم منها، ویسمع الخفیة التی لا یستطیع أن یسمعها غیر صاحبها، ویوضح أن سمعه واسع شامل لجمیع اللغات المختلفة التی تصدرها المخلوقات بل هو رقیب علی کل ما یصدر من خلقه ویری الإمام الرضا علیه السلام أن الله سبحانه یسمع کل صوت یصدر من خلقه دون أن یشتبه بأحد منها کما فی قوله:

« اللهم إنی أسألک، یا سامع کل صوت، ویا بارئ النفوس بعد الموت، ویا من لا تغشاه الظلمات، ولا تتشابه علیه الأصوات، ولا تغلطه الحاجات»(3).

وینفی الإمام الرضا علیه السلام أن یکون سمع الله تعالی بآلة سمع مثقوبة کما هو فی خلقه فیقول:

« سمی ربنا سمیعا لا بخرت فیه یسمع به الصوت ولا یبصر به، کما أن خرتنا الذی به نسمع لا نقوی به علی البصر، ولکنه أخبر أنه لا یخفی علیه شیء من


1- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص266 __ 267، ح4713.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص267، ح4716.
3- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص267 __ 268، ح4718.

ص: 46

الأصوات، لیس علی حد ما سمینا نحن، فقد جمعنا الاسم بالسمع واختلف المعنی»(1).

ویبیّن الإمام الرضا علیه السلام سعة سمعه ودقته فی موضع آخر (لما سأله رجل: أخبرنی عن قولکم: إنه لطیف وسمیع...: قلنا:

«إنّه سمیع لا یخفی علیه أصوات خلقه ما بین العرش إلی الثری من الذرة إلی أکبر منها فی برها وبحرها، ولا یشتبه علیه لغاتها، فقلنا عند ذلک: إنّه سمیع لا بأذن»(2).

سمعه لا کسمعنا

ورد علی لسان أهل البیت علیهم السلام أن سمع الله تعالی منزه عن صفات سمع المخلوق کما جاء ذلک عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی أکثر من حدیث کقوله:

«السمیع لا بأداة، سمیع لا بآلة، السمیع لا بتفریق آلة، سمیع للأصوات المختلفة، بلا جوارح مؤتلفة».

وورد عن الإمام الصادق علیه السلام قوله:

«ولم نقل سمیعا بصیرا کالسمع المعقول من الخلق».

وفی قول آخر یقول:

«هو سمیع بصیر، سمیع بغیر جارحه، بصیر بغیر آلة، بل یسمع بنفسه ویبصر بنفسه».

وورد عن الإمام الرضا علیه السلام قوله:

«قلنا: سمیع لا مثل سمع السامعین».

وجاء عن ولده الإمام الجواد علیه السلام قوله:

«ولم نصفه بالسمع المعقول فی الرأس».


1- موسوعة العقائد الإسلامیة للریشهری: ج4، ص268، ح4719.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص268، ح4720.

ص: 47

البصیر

وصف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته الأطهار علیهم السلام ربّهم بصفة البصر المنزهة عن الشبه، وأطلقوا علیه اسم البصیر تبعا لما ورد فی القرآن الکریم إلا أنهم بیّنوا أموراً تتعلق بهذه الصفة وهذا الاسم وهی کالآتی:

__ إنّ الله تعالی یری الأشیاء ویبصرها دون أن یحول بینه وبینها حاجب سواء کان سمیکا أو شفافاً، کبیراً أو صغیراً وهذا ما ورد علی لسان سید المرسلین صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«یا من لا یحجبه شیء عن شیء».

__ إن البصیر من المخلوقات لا یستطیع أن یری الألوان الخفیة، والأجسام الدقیقة الصغیرة إلا أن الله سبحانه بصیر بذلک مطلع علیه وهذا ما جاء عن أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«کل بصیر غیره یعمی عن خفی الألوان، ولطیف الأجسام».

__ إنما سمی الله تعالی البصیر، لأنه یری ویبصر ما تدرکه الأبصار وما لا تدرکه من مخلوقات صغیرة أو کبیرة، حقیرة أو عظیمة وهذا ما أجاب به الإمام الصادق علیه السلام لما سأله الزندیق (أفرأیت قوله: سمیع بصیر عالم؟ قال:

«إنّما سمّی __ تبارک وتعالی __ بهذه الأسماء لأنه لا یخفی علیه شیء مما لا تدرکه الأبصار امن شخص صغیر أو کبیر، أو دقیق أو جلیل»).

__ إنه تعالی بصیر لا یشک ولا یشتبه ولا تلتبس علیه اللوابس کما فی دعاء الإمام الکاظم علیه السلام:

«سبحانک اللهم وبحمدک... أنت.... بصیر لا یرتاب».

__ إن الله تعالی یوصف بالبصیر دون أن یشبه بغیره من الخلق فلذلک ورد عن

ص: 48

الإمام الصادق علیه السلام:

«ولا نصفه بصیرا بلحظ عین کالمخلوق».

وأکد ذلک الإمام الرضا علیه السلام بقوله:

«إنه بصیر لا کبصر خلقه».

وفی قوله علیه السلام:

«وهکذا البصر لا بخرت منه أبصر، کما أن نبصر بخرت منا لا ننتفع به فی غیره».

وهذا الوصف صرح به أیضا الإمام الجواد علیه السلام بقوله:

«ولم نصفه ببصر لحظة العین».

__ وقوله علیه السلام:

(عُلُوُّهُ مِنْ غَیرِ تَوَقُّلٍ، وَمَجِیئُهُ مِنْ غَیرِ تَنَقُّلٍ).

__ تقدم فی الأبحاث السابقة أن الله تعالی لا یتصف بصفة من صفات الممکنات ولا تحده الحدود الزمانیة والمکانیة ولا یتکیف بکیف ولا یسری علیه ما یسری علی خلقه، ومما ینزه عنه سبحانه هو العلوّ المکانی، فلله تعالی علوٌّ حقیقی عن کل ما سواه لأنه واجب الوجود وخالق الخلق وبارئ المکان والزمان ومحیط بکل شیء ولا یحیط به شیء إلاّ أنه تعالی رغم علوّه وارتفاعه عن خلقه فهو أقرب إلیهم من حبل الورید بل یحول بین المرء وقلبه وما هذا القرب إلاّ لإحاطته وقیومیته، ولو تأملنا فی الآیات الکریمة کقوله تعالی:

(لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ) (1).


1- سورة الشوری، الآیة: 11.

ص: 49

وقوله تعالی:

(وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِیُّ) (1).

وقوله تعالی:

(اللَّهُ خَالِقُ کُلِّ شَیْءٍ) (2).

لاتضح لنا عدم صحة نعته بصفة من صفات الممکنات وعدم جواز وصفه بصفة الأجسام، وعلی هذا لابد من تفسیر علوّه سبحانه بامتناع اتصافه بصفات خلقه وارتفاعه عن کل صفات المخلوقات واستغنائه عن العلوّ والسفل التی هی من ملازمات المکان، فعلوّه هو نزاهته عن کل نقص، وعلوّه هو ربوبیته لما سواه، وعلوّه هو غناه عن کل شیء، وعلوّه هو إحاطته بکل شیء، وعلوّه هو قیومیته علی خلقه وغیر ذلک من صفات الکمال اللائق به تعالی.

__ وأمّا تفسیر مجیئه تعالی یتضح مما تقدم أنه مجیء أمره تعالی لجلاله عن المجیء والحرکة والانتقال، وهذا ما أکدته الروایة الشریفة عن الإمام الرضا علیه السلام عن قول الله تعالی:

(وَجَاءَ رَبُّکَ وَالْمَلَکُ صَفًّا صَفًّا)

قال:

«إنّ الله عزّ وجل لا یوصف بالمجیء والذهاب، تعالی عن الانتقال وإنما یعنی به وجاء أمر ربک والملک صفا صفا»(3).

وهناک معنی آخر للمجیء ذکره العلامة الطباطبائی صاحب تفسیر المیزان هو (أن


1- سورة فاطر، الآیة: 15.
2- سورة الرعد، الآیة: 16.
3- التوحید للصدوق: ص162، ح1.

ص: 50

المجیء یعنی حصول القرب وارتفاع المانع والحاجز بین الشیئین)(1).

__ وقوله علیه السلام:

(یُوجِدُ المفقُودَ ویُفْقِدُ المَوجُودَ).

__ أوجد الله الشیء: أنشأه من غیر سبق مثال، وفلانا أغناه، یقال: الحمد لله الذی أوجدنی بعد فقر.

الواجد: من أسماء الله تعالی، وهو الغنی الذی لا یفتقر(2).

__ فقد الشیء __ فقداً، الکتاب و__ المال ونحوه: خسره وعدمه(3).

لا شک أن الله تعالی علی کل شیء قدیر، ووسعت قدرته کل ما ینطبق علیه مفهوم الشیء، فهو تعالی قادر علی غیر المحال إذ إن المحال باطل محض لعدم انطباق مفهوم الشیئیة علیه، وحیث إن الله تعالی هو خالق کل شیء فهو تعالی قد أبدع خلقه وأنشأه من غیر أن یقیس ذلک علی مثال سابق لغناه عن ذلک، فلقد ورد فی الروایات ما یشیر إلی ذلک کقول الإمام الصادق علیه السلام:

«لا یکوّن الشیء لا من شیء إلا الله، ولا ینقل الشیء من جوهریته إلی جوهر آخر إلا الله...»(4).

وأمّا بالنسبة لفناء الأشیاء فلقد صرح تعالی بقوله:

(کُلُّ مَنْ عَلَیْهَا فَانٍ) (5).


1- تفسیر المیزان للسید الطباطبائی: ج2، ص104.
2- المعجم الوسیط: ص1013.
3- المعجم الوسیط: ص696.
4- بحار الأنوار للعلامة المجلسی رحمه الله: ج4، ص148، ح2.
5- سورة الرحمن، الآیة: 26.

ص: 51

وفی هذا إشارة إلی القانون الإلهی الذی یحکم بانقطاع أمد هذه النشأة الدنیویة وولادة نشأة أخری بعد التأمل فی النشأة الأولی التی هی الدنیا ومادیاتها والنشأة الأخری التی هی الآخرة ومعنویاتها تظهر نتیجة واضحة أن الله تعالی هو الذی أوجد ما کان فی العدم وعدم ما هو فی الوجود، وهذا ماصرح به الإمام الصادق علیه السلام:

«ولا ینقل الشیء من الوجود إلی العدم إلا الله»(1).

__ وقوله علیه السلام:

(ولا تَجتمِعُ لِغَیرِهِ الصِّفَتانِ فی وَقتٍ).

ثبت فی محله أن لله تعالی نوعین من الصفات هما الصفات الثبوتیة والتی تسمی بصفات الکمال والصفات السلبیة والتی تسمی بصفات الجلال، والصفات الثبوتیة تنقسم إلی قسمین هما: الصفات الذاتیة وهی التی تنتزع من الذات فقط، والصفات الفعلیة وهی التی تنتزع من مقام الفعل کالخالفیة والرازقیة.

وثبت أیضا أن صفات الذات هی عین الذات کالحیاة والعلم والقدرة، أی أن قدرته هی حیاته وحیاته هی قدرته فهو حی من حیث هو قادر وقادر من حیث هو حی، فبهذا اللحاظ نستطیع أن نقول أن أکثر من صفة اجتمعت له تعالی وفی وقت واحد.

وهناک معنی آخر کاجتماع الصفتین له تعالی فی وقت کاتصافه بأنه یخلق ولا یخلق أو یرزق ولا یَرزق أو یرحم ولا یَرحم، إذ أن هذه الصفات هی من صفات الفعل ولیس من صفات الذات.

ولکی یتضح البحث نورد باقة من الروایات الشریفة التی تشیر إلی هذا المعنی:

1__ عن هشام بن الحکم فی حدیث الزّندیق الذی سأل أبا عبد الله علیه السلام فکان من سؤاله أن قال له: (فله رضاً وسخط؟ فقال أبو عبدالله علیه السلام:


1- بحار الأنوار للمجلسی: ج4، ص148، ح2.

ص: 52

«نعم ولکن لیس ذلک علی ما یوجد من المخلوقین، وذلک أن الرضا حال تدخل علیه فتنقله من حال إلی حال؛ لأن المخلوق أجوف معتمل مرکب، للأشیاء فیه مدخل، وخالقنا لا مدخل للأشیاء فیه لأنه واحد واحدی الذات واحدی المعنی، فرضاه ثوابه، وسخطه عقابه من غیر شیء یتداخله فیهیجه وینقله من حال إلی حال، لأن ذلک من صفة المخلوقین العاجزین المحتاجین»)(1).

هذه الروایة تشیر إلی اجتماع الرضا للمؤمنین والسخط علی الکافرین فی وقت واحد.

2__ عن حریز، عن محمد بن مسلم، (عن أبی جعفر علیه السلام أنه قال فی صفة القدیم:

«إنّه واحد صمد أحدی المعنی لیس بمعانٍ کثیرة مختلفة».

قال: قلت: جعلت فداک یزعم قوم من أهل العراق أنه یسمع بغیر الذی یبصر ویبصر بغیر الذی یسمع، قال: فقال __ علیه السلام __:

«کذّبوا وألحدوا وشبهوا تعالی الله عن ذلک، إنه سمیع بصیر یسمع بما یبصر ویبصر بما یسمع».

قال: قلت: یزعمون أنه بصیر علی مایعقلونه، قال: فقال __ علیه السلام __:

«تعالی الله إنما یعقل ماکان بصفة المخلوق ولیس الله کذلک»)(2).

وهناک معنی آخر هو أنه تعالی یوجد المفقود ویفقد الموجود فی وقت لا یشغله الإیجاد عن الافقاد ولا الافقاد عن الإیجاد، ولا یشغله أمر عن أمر ولا سمع عن سمع ولا صوت عن صوت.


1- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص64، ح6.
2- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص63، ح1.

ص: 53

هل هما من صفات الذات؟

بیّنا أن هاتین الصفتین قد اتصف بهما الله سبحانه وتعالی، وأنهما بمعنی علمه بالمسموعات والمبصرات، وأن ذکرهما قد ورد فی القرآن الکریم وعلی لسان أهل بیت العصمة علیهم السلام.

وکذلک بیّنا سعة هاتین الصفتین ودقتهما وأنهما فی الله تعالی لیس کما فی خلقه، وأن إطلاق اسمی السمیع البصیر علیه تعالی لا یشابه إطلاقه علی غیره.

بعد هذا البیان لنا أن نسأل عن هاتین الصفتین هل هما من صفات الذات أم من الصفات الفعلیة؟

الجواب عن ذلک سیعرف من خلال وقوفنا علی الأحادیث التی وردت عن أهل البیت علیهم السلام إذ إنها تبین لنا نوع هاتین الصفتین وهی کما یلی:

فی السمع

__ ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام قوله:

«سمیعا إذ لا مسموع».

__ ورد عن الإمام الباقر علیه السلام قوله:

«یسمع بما یبصر ویبصر بما یسمع».

__ وقال علیه السلام:

«والسمع ذاته ولا مسموع».

__ ورد عن الإمام الرضا علیه السلام قوله:

«إنه یسمع بما یبصر ویری بما یسمع».

ص: 54

البصر

__ ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام قوله:

«بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه».

__ ورد عن الإمام الصادق علیه السلام قوله:

«لم یزل الله عزّ وجل ربنا... والبصر ذاته ولا مبصر... فلما أحدث الأشیاء وقع البصر علی المبصر».

__ ورد عن الإمام الرضا علیه السلام قوله:

«إنه یسمع بما یبصر ویری بما یسمع»(1).

من خلال التمعن فی هذه الأحادیث الشریفة نجد قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«سمیعا إذ لا مسموع».

یثبت أن الله تعالی متصف بالسمع والبصر قبل أن یخلق المسموعات والمبصرات وهذا یدل علی أن هاتین الصفتین من صفات الذات.

ولو نظرنا أقوال الإمامین الباقر والرضا علیهما السلام:

«یسمع بما یبصر ویبصر بما یسمع».

یتضح لنا أن هاتین الصفتین لا یمکن أن تکونا هکذا إلا إذا کانتا عین الذات فیلزم أنهما من صفات الذات، وتصریح الإمام الباقر علیه السلام بقوله:

«والسمع ذاته ولا مسموع».

لا یحتاج إلی توضیح وبیان کما أن قول الإمام الصادق علیه السلام:

«والبصر ذاته ولا مبصر فلما أحدث الأشیاء وقع البصر علی المبصر».

یصرح بأن البصر صفة ذات یتصف الله تعالی بها منذ الأزل.


1- التوحید للشیخ الصدوق: ص65.

ص: 55

وهاتان الصفتان لا یخرجا عن علمه فلذلک قال الإمام الصادق علیه السلام:

«وقع البصر علی المبصر».

أی وقع العلم الذاتی علی المعلوم.

سؤال مهم
اشارة

السؤال: هل یصح أن نطلق علیه أنه شام أو ذائق أو لامس لعلمه بالمذوقات والمشمومات والملموسات؟

الجواب:

ألف

لا نصف ربنا إلاّ بما وصف به نفسه ونقف عند ذلک دون أن نخوض فی غیره استحسانا أو اجتهاداً وقیاساً وهذا ما أشار إلیه الإمام الرضا علیه السلام فی حدیث طویل فیقول:

«سبحانه ما عرفوک ولا وحدوک ومن أجل ذلک وصفوک، سبحانک لو عرفوک لوصفوک بما وصفت به نفسک، سبحانک کیف طاوعتهم أنفسهم أن شبّهوک بغیرک إلهی لا أصفک إلاّ بما وصفت به نفسک، ولا أشبّهک بخلقک، أنت أهل لکلّ خیر فلا تجعلنی من القوم الظالمین»(1).

وجاء عن محمد بن سلیمان، عن علی بن إبرهیم الجعفری، عن عبد الله بن سنان، (عن أبی عبد الله علیه السلام قال: قال:

«إنّ الله عظیم، رفیع، لا یقدر العباد علی صفته، ولا یبلغون کنه عظمته، لا تدرکه الأبصار وهو یدرک الأبصار وهو اللطیف الخبیر، ولا یوصف بکیف


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص110، ح13.

ص: 56

ولا أین ولا حَیث فکیف أصفه بکیف وهو الذی کیّف الکیف حتّی صار کیفاً، فعرفت الکیف بما کیّف لنا من الکیف، أم کیف أصفه بأین وهو الذی أیّن الأین حتّی صار أیناً، فعرفت الأین بما أیّن لنا من الأین، أم کیف أصفه بحیث وهو الذی حیّث الحیث حتّی صار حیثاً، فعرفت الحیث بماحیّث لنا من الحیث، فالله تبارک وتعالی داخل فی کلّ مکان، وخارج من کلّ شیء، لا تدرکه الأبصار، وهو یدرک الأبصار، لا إله إلاّ هو العلیّ العظیم، وهو اللطیف الخبیر»(1).

باء

هناک قول لأهل العلم لا یصح إطلاق الشام أو الذائق علیه تعالی للزوم صفات المادة فیقول: (یجب أن یکون سمیعا بصیراً، لأنه حی لا آفة به، وفائدة السمیع البصیر أنه علی صفة یجب فیها أن یسمع المسموعات، ویبصر المبصرات، وذلک یرجع إلی کونه حیاً لا آفة به، ولا یوصف بأنه سمیع بصیر، والمعلوم خلاف ذلک.

وأمّا سامع مبصر فمعناهما أنه مدرک للمسموعات والمبصرات، وذلک یقتضی وجود المسموعات والمبصرات فلذلک لا یوصف بهما فی الأزل، فأمّا شام وذائق فلیس المراد بهما کونه مدرکاً بل المستفاد بالشام أنه قرب الجسم المشموم إلی حاسة شمه، والذائق أنه قرب الجسم المذوق إلی حاسة ذوقه، ولذلک (یقولون شممته فلم أجد له رائحة، وذقته فلم أجد له طعماً ولا) یقولون: أدرکته فلم أدرکه لأنه مناقضه وجری مجری قوله أصغیت له فلم أسمعه فهما بأن یکونا سبب الإدراک علی وجه دون أن یکونا نفس الإدراک)(2).


1- التوحید للصدوق: ص111 __ 112، ح14.
2- الاقتصاد فیما یتعلق بالاعتقاد للشیخ محمد بن الحسن الطوسی: ص57 __ 58.

ص: 57

لا تدرکه الأبصار وهو یدرک الأبصار
امتناع الرؤیة

استشهد القرآن الناطق الإمام المعصوم علیه السلام بآیة من القرآن الکریم فی خطبته الشریفة لیقول بلسان فصیح وقول صریح أن الحق سبحانه أجل وأکبر وأعظم من أن تناله الأبصار أو تدرکه الأفهام، امتنع علیها بوجوب وجوده وعجزت عن إدراکه بإمکان وجودها، وتعالی بکماله اللامتناهی عن نقصها المحض، وارتفع بغناه المطلق عن فقرها اللامحدود، فلذا صارت محالاً رؤیته، سمت فوق العقول ذاته، فلا یعرفه إلا بصفته ولا یری إلا بالبصیرة، فهو تعالی أکبر من أن یقال شیء عن رؤیته ولذا نقسم القوم إلی ثلاث فرق:

1__ قالت العدلیة بعدم رؤیته تعالی بالبصر سواء کانت الرؤیة فی الدنیا أو فی الآخرة.

2__ جوّز المجسمة رؤیته تعالی بالبصر فی الدارین.

3__ قال بعض الأشاعرة برؤیته تعالی یوم القیامة وإنه سینکشف إلیهم کانکشاف القمر لیلة البدر، وحیث إن قول المجسمة یستلزم شروطاً للرؤیة، فلابد أن نذکرها کما یلی:

1__ یستلزم تحقق الرؤیة أن یکون المرئی فی جهة معینة.

2__ یستلزم تحقق الرؤیة أن یکون المرئی مقابلا للرائی أو ما فی حکم المقابل کما فی المرآة.

3__ یستلزم تحقق الرؤیة أن تنعکس صورة المرئی علی العین.

4__ أو أن تکون الرؤیة بواسطة خروج شعاع مخروطی الشکل فیقع علی المرئی.

ص: 58

وبناء علی ما تقدم من الأقوال جمیعاً یلزم أن یکون المرئی جسماً محدوداً ذا أبعاد مختلفة کالطول والعرض والعمق، کما یلزم منها أن یکون واجب الوجود ممکنا له کل صفات الممکنات، فینتفی الکمال المطلق له تعالی ویتصف بالنقص تعالی الله عن ذلک علواً کبیراً.

وبعد أن حکم العقل السلیم بعدم صحة القول برؤیته تعالی بالبصر لابد أن نؤید حکم العقل بما جاء فی الکتاب الکریم، وبما صرح به لسان العصمة من أحادیث محمد وآل محمد صلوات الله علیه وسلم تسلیماً کثیراً.

الآیات الکریمة

قال الله تبارک وتعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ) (1).

وقوله تعالی:

(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَی لِمِیقَاتِنَا وَکَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِی أَنْظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَنْ تَرَانِی وَلَکِنِ انْظُرْ إِلَی الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِی فَلَمَّا تَجَلَّی رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَکًّا وَخَرَّ مُوسَی صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَیْکَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِینَ) (2).

وقال سبحانه وتعالی:

(یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْمًا) (3).


1- سورة الأنعام، الآیة: 103.
2- سورة الأعراف، الآیة: 143.
3- سورة البقرة، الآیة: 255.

ص: 59

وقوله تعالی:

(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا یَذْرَؤُکُمْ فِیهِ لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ وَهُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ) (1).

وبهذه الباقة العطرة من الآیات الکریمة التی تفند مدعی الرؤیة البصریة نکتفی بالرد علی من یقول بجواز رؤیته تعالی بالبصر.

الأحادیث الشریفة

ما نطق به لسان أهل الذکر، وما صرحت به کلماتهم علیهم السلام یرشدنا إلی صحة ما حکم به العقل من رفض التجسیم لله تعالی ورفض الرؤیة البصریة التی تستلزم التجسیم، ولکی تنشرح الصدور بأحادیثهم النورانیة نذکرها کالآتی:

1__ ورد عن أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام: (کان رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم جالساً فی مسجده إذ دخل علیه رجل من الیهود فقال: یا محمّد ما تدعو؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«إلی شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّی رسول الله».

قال: یا محمّد أخبرنی عن هذا الربّ الّذی تدعو إلی وحدانیّته وتزعم أنّک رسوله کیف هو، قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«یا یهودیُّ إنّ ربّی لا یوصف بالکیف لأنّ الکیف مخلوق وهو مکیّفه».

قال: فأین هو؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«إنّ ربّی لا یوصف بالأین لأنّ الأین مخلوق وهو أیّنه».


1- سورة الشوری، الآیة: 11.

ص: 60

قال: فهل رأیته یا محمّد؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«إنّه لا یری بالأبصار ولا یدرک بالأوهام».

قال: فبأیّ شیء نعلم أنّه موجود؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«بآیاته وأعلامه».

قال: فهل یحمِل العرش أم العرش یحمله؟ فقال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«یا یهودی إنّ ربّی لیس بحالٍّ ولا محلّ».

قال: فکیف خروج الأمر منه؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«بإحداث الخطاب فی المحالّ».

قال: یا محمّد ألیس الخلق کلّه له؟! قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«بلی».

قال: فبأیّ شیء اصطفی منهم قوماً لرسالته؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«بسبقهم إلی الإقرار بربوبیّته».

قال: فَلِمَ زعمت أنّک أفضلهم؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«لأنّی أسبقهم إلی الإقرار بربّی عزّ وجلّ».

قال: فأخبرنی عن ربّک هل یفعل الظلم؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«لا».

قال: ولِمَ؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«لعلمه بقبحه واستغنائه عنه».

قال: فهل أنزل علیک فی ذلک قرآناً یتلی؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«نعم: إنّه یقول عزّ وجلّ: 

ص: 61

(وَمَا رَبُّکَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ) (1).

ویقول __ تبارک وتعالی __:

(إِنَّ اللَّهَ لَا یَظْلِمُ النَّاسَ شَیْئًا وَلَکِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ) (2).

ویقول __ سبحانه وتعالی __:

(وَمَا اللَّهُ یُرِیدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِینَ) (3).

ویقول __ عزّ وجلّ __:

(وَمَا اللَّهُ یُرِیدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) (4)».

قال الیهودی: یا محمّد فإن زعمت أن ربّک لا یظلم فکیف أغرق قوم نوح علیه السلام وفیهم الأطفال؟ فقال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«یا یهودی إنّ الله عزّ وجلّ أعقم أرحام نساء قوم نوح أربعین عاماً فأغرقهم حین أغرقهم ولا طفل فیهم، وما کان الله لیهلک الذرّیة بذنوب آبائهم، تعالی عن الظلم والجور علوّاً کبیراً».

قال الیهودی: فإن کان ربّک لا یظلم فکیف یخلّد فی النار أبد الآبدین من لم یعصه إلاّ أیّاماً معدودة؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«یخلّده علی نیّته، فمن علم الله نیّته أنّه لو بقی فی الدنیا إلی انقضائها کان یعصی الله عزّ وجلّ یخلّده فی ناره علی نیّته، ونیّته فی ذلک شرّ من عمله، وکذلک یخلّد من یخلّد فی الجنّة بأنّه ینوی أنّه لو بقی فی الدنیا أیّامها لأطاع الله أبداً، ونیّته خیر من


1- سورة فصلت، الآیة: 46.
2- سورة یونس، الآیة: 44.
3- سورة آل عمران، الآیة: 108.
4- سورة غافر، الآیة: 31.

ص: 62

عمله، فبالنیّات یخلّد أهل الجنّة فی الجنّة وأهل النار فی النار، والله عزّ وجلّ یقول:

(قُلْ کُلٌّ یَعْمَلُ عَلَی شَاکِلَتِهِ فَرَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَی سَبِیلًا) (1)».

قال الیهودی: یا محمّد إنّی أجد فی التوراة أنّه لم یکن لله عزّ وجلّ نبیّ إلاّ کان له وصیّ من أمّته فمن وصیّک؟ قال __ صلی الله علیه وآله وسلم __:

«یا یهودی وصیّی علیّ بن أبی طالب علیه السلام واسمه فی التوراة ألیا وفی الإنجیل حیدار، وهو أفضل أمّتی وأعلمهم بربّی، وهو منّی بمنزلة هارون من موسی إلاّ أنّه لا نبیّ بعدی، وأنّه لسیّد الأوصیاء کما أنّی سیّد الأنبیاء».

فقال الیهودی: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّک رسول الله وأنّ علیّ بن أبی طالب وصیّک حقّاً، والله إنّی لأجد فی التوراة کلُّ ما ذکرت فی جواب مسائلی، وإنّی لأجد فیها صفتک وصفة وصیّک، وأنّه المظلوم ومحتوم له بالشهادة، وأنّه أبو سبطیک وولدیک شبراً وشبیراً سیّدی شباب أهل الجنة)(2).

2__ ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام: (جاء حِبْرٌ إلی أمیر المؤمنین علیه السلام فقال: یا أمیر المؤمنین هل رأیت ربّک حین عبدته؟ فقال __ علیه السلام __:

«ویلک ما کنت أعبد ربّاً لم أره».

قال: وکیف رأیته؟ قال __ علیه السلام __:

«ویلک لا تدرکه العیون فی مشاهدة الأبصار ولکن رأته القلوب بحقائق الإیمان»)(3).

3__ ومن الروایات التی تبین أن القول بالرؤیة البصریة یجر إلی التشبیه المحال


1- سورة الإسراء، الآیة: 84.
2- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص386 __ 387 فی الهامش.
3- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص106، ح6.

ص: 63

والباطل قول الإمام أبی الحسن الثالث علیه السلام: (عن أحمد بن إسحاق، قال: کتبت إلی أبی الحسن الثالث علیه السلام أسأله عن الرؤیة وما فیه الناس فکتب علیه السلام:

«لا تجوز الرؤیة ما لم یکن بین الرائی والمرئیّ هواء ینفُذه البصر، فإذا انقطع الهواء وعدم الضیاء بین الرائی والمرئیّ لم تصحّ الرؤیة وکان فی ذلک الاشتباه لأنّ الرائی متی ساوی المرئیّ فی السبب الموجب بینهما فی الرؤیة وجب الاشتباه وکان فی ذلک التشبیه، لأنّ الأسباب لابدّ من اتّصالها بالمسبّبات»).

4__ وهذه الروایة تکذّب من افتری علی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بأنه رأی ربه بالبصر فیقول: (عن ابن فضّال، عن أبی جمیلة، عن محمّد بن علیّ الحلبی، عن أبی عبد الله علیه السلام فی قوله عزّ وجلّ:

(یَوْمَ یُکْشَفُ عَنْ سَاقٍ) (1).

قال:

«تبارک الجبّار».

ثمّ أشار إلی ساقه فکشف عنها الإزار، قال:

«ویدعون إلی السجود فلا یستطیعون».

قال:

«أُفحِم القوم ودخلتهم الهَیْبَة، وشخصت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة وقد کانوا یدعون إلی السجود وهم سالمون»)(2).

وهناک الکثیر من الروایات التی ترکناها لتجنب الوقوع فی الإطالة.


1- سورة القلم، الآیة: 42.
2- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص149 __ 150.

ص: 64

الرؤیة القلبیة

لا تخلو الرؤیة من أحد المعنیین، المعنی الحقیقی أو المعنی المجازی لها، فإن کان مرادنا من الرؤیة المعنی الحقیقی لها فهی بمعنی الإدراک الحسّی أی الرؤیة البصریة، وإن کان مرادنا المعنی المجازی لها فهی بمعنی الإدراک العلمی التام أی الرؤیة بالبصیرة أو ما یسمی بالرؤیة القلبیة، وقد تقدم بطلان الرؤیة بالمعنی الأول عقلاً ونقلاً، فتنحصر الرؤیة بالمعنی الثانی ولهذا نقول:

إن عظمة الحق سبحانه تتجلی فی ذاته وصفاته وأفعاله، وحیث إن الذات الإلهیة لا یحاط بها لإحاطتها بکل شیء فلذا عجز المخلوق مهما ارتفعت رتبته وعلت مکانته وسمی فوق غیره من أن ینال الذات الإلهیة أو یعرف کنهها وهذا ما أکده الإمام أبو جعفر علیه السلام بقوله: (عن محمّد بن الحسن، عن سهل بن زیاد، عن الحسن بن محبوب، عن علی بن رئاب، عن أبی بصیر، قال: قال أبو جعفر علیه السلام:

«تَکَلَّمُوا فِی خَلْقِ اللهِ وَلاَ تَتَکلّمُوا فِی اللهِ فَإنَّ الکَلامَ فِی اللهِ لا یَزْدادُ صاحِبُهُ إلاّ تَحَیُّراً».

وفی روایة أخری عن حَریزٍ، قال علیه السلام:

«تَکَلَّمُوا فِی کُلِّ شَیْءٍ وَلاَ تَتَکَلَّمُوا فِی ذاتِ اللهِ»)(1).

والنظر فی ذات الله تعالی یؤدی إلی وقوع الناظر فی التیه والضلال والاضطراب کما فی هذا الحدیث:

(عن محمد بن حُمران، عن أبی عبیدة الحذاء قال: قال أبو جعفر علیه السلام:

«یا زِیادُ، إیّاکَ وَالخُصُوماتِ فَإنَّها تُورِثُ الشَّکَّ وَتُحْبِطُ العَمَلَ وَتُرْدِی صاحِبَها وَعَسی أنْ یَتَکَلَّمَ بِالشَّیْءِ فَلا یُغْفَرُ لَهُ، إنَّهُ کانَ فِیما مَضی قَوْمٌ تَرَکُوا عِلْمَ ما


1- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص114، باب النّهی عنِ الکلام فی الکیفیة، ح1.

ص: 65

وُکِلُوا بِهِ وَطَلَبُوا عِلْمَ ما کُفُوهُ حَتَّی انْتَهی کَلامُهُمْ إلَی اللهِ فَتَحَیَّرُوا حَتّی أنْ کانَ الرَّجُلُ لَیُدْعی مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ فَیُجِیبُ مِنْ خَلْفِهُ وَیُدْعی مِنْ خَلْفِهِ فَیُجِیبُ مْنْ بَیْنِ یَدَیْهِ».

وفی روایةٍ أخری:

«حَتّی تاهُوا فی الأرضِ»)(1).

بل إن المفکر فی ذات الله تعالی الذی یبغی الإحاطة بها جاهل محض وعاجز ضعیف وسیقوده تفکیره فی ذلک إلی عاقبة سیئة کما فی قول الإمام أبی عبد الله الصادق علیه السلام:

«مَنْ نَظَرَ فِی اللهِ کَیْفَ هُوَ، هَلَکَ»(2).

فلذا أبی الإمام أبو جعفر علیه السلام إلا أن یرشدنا وینصحنا رعایة منه لنا ورحمة منه بنا بقوله:

«إیّاکُمْ وَالتَّفَکُّرَ فِی اللهِ وَلکِنْ إذا أرَدْتُمْ أنْ تَنْظُرُوا إلی عَظَمَتِهِ فَانْظُرُوا إلی عَظیمِ خَلْقِهِ»(3).

وبعد هذه الجولة فی أحادیث أهل العصمة والطهارة علیهم السلام صار لابد لنا أن نتأمل فیها بإمعان ونستلهمها بقوة ونسترشد بها بدقة لکی نصل إلی اطمئنان القلب وسکون النفس وخضوع الجوارح ونسلم بأن رؤیة الله تعالی لا تتم من خلال الحواس، ولا تتحقق رؤیة الذات الإلهیة إلا من خلال النظر فی عظمتها وصفاتها، فبناء علی ما تقدم لا تکون الرؤیة إلا بالبصیرة، ولا تتحقق إلا الرؤیة القلبیة وهذا ما تؤکده الأحادیث والروایات الشریفة التی سنقف علی مضامینها الآتیة:


1- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص115، باب النّهی عنِ الکلام فی الکیفیة، ح4.
2- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص115، باب النهی عن الکلام فی الکیفیة، ح5.
3- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص116، باب النهی عن الکلام فی الکیفیة، ح7.

ص: 66

1__ فی هذا الحدیث الشریف یؤکد الإمام علیه السلام علی عدم إمکان تحقق الرؤیة البصریة لجلال الله تعالی عن صفات الأجسام، کما یؤکد علی حصول الرؤیة القلبیة لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فیقول:

«إنَّ اللهَ تَبارَکَ وَتَعالی أری رَسُولَهُ بِقَلْبِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ ما أحَبَّ»(1).

2__ وحدیث الإمام أبی جعفر علیه السلام یشیر إلی أن الرؤیة القلبیة تتحقق لکل مؤمن عالم عارف بربّه من خلال نظره فی آیات الله تعالی الأنفسیة والآفاقیة، فیقول: (عن علی بن معبد، عن عبد الله بن سنان، عن أبیه قال: حضرت أبا جعفر علیه السلام فدخلَ علیه رجلٌ من الخوارج فقال له: یا أبا جعفر، أیّ شیء تعبد؟ قال __ علیه السلام __:

«الله تعالی».

قال: رأیته؟ قال __ علیه السلام __:

«بَلْ لم تَرَهُ العیونُ بمشاهدة الأبصار ولکن رأته القلوب بحقائق الإیمان، لا یعرف بالقیاس ولا یدرک بالحواس، ولا یشبه بالناس، موصوف بالآیات، معروف بالعلامات، لا یجور فی حکمه، ذلک الله لا إله إلا هو».

قال: فخرج الرجل وهو یقول: الله أعلم حیث یجعل رسالته)(2).

3__ بیّن الإمام أبو الحسن الرضا علیه السلام أن رؤیة الذات الإلهیة لا یمکن تتحققها بالبصر ولا بالبصیرة معاً لمحدودیة الرائی وقصوره عن إدراک الذات اللامتناهیة، فلذا قال: (عن أحمد بن محمد، عن أبی هاشم الجعفری، قال سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام: عنِ الله یوصفُ؟ قال __ علیه السلام __:

«أما تَقرَأ القرآن؟».


1- أصول الکافی للکلینی: ج1، ص114، بابٌ فی إبطال الرّؤیة، ح1.
2- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص119، باب فی إبطال الرؤیة، ح5.

ص: 67

قُلتُ: بَلی، قال __ علیه السلام __:

«أما تقرأ قوله تعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ)

قلت: بلی، قال __ علیه السلام __:

«فتعرفون الأبصار؟».

قلتُ: بلی، قال __ علیه السلام __:

«ما هی؟».

قلت: أبصار العیون، فقال __ علیه السلام __:

«إنّ أوهام القلوب أکبر من أبصار العیون فهو لا تدرکه الأوهام وهو یدرک الأوهام»)(1).

وهناک الکثیر من الروایات التی تؤکد هذا المعنی لجمنا عنها قلمنا لکی لا نقع فی الإطالة.

ما هو سبب شبهة الرؤیة؟

إن الذین قالوا بجواز رؤیته تعالی بالبصر وقعوا فی شبهة التجسیم بسبب فهمهم الخاطئ للآیات الکریمة، وبسبب ابتعادهم عن نهج العترة الطاهرة والثقل الأصغر، فقادهم هذا الابتعاد إلی التعامل مع الآیات الکریمة بسطحیة وبساطة فی الفهم، ودفعهم إلی الجمود علی ظواهر الآیات الکریمة وهذا بدوره أدی إلی صدور أفکار مخالفة للعقل وأقوال تتقاطع مع النصوص الصریحة فی تنزیه الحق سبحانه کقوله تعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ) (2).


1- أصول الکافی: ج1، ص120، باب فی قوله تعالی: (لا تدرکه الأبصار وهو یدرک الأبصار)، ح10.
2- سورة الأنعام، الآیة: 103.

ص: 68

وقوله تعالی:

(یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْمًا) (1).

وقال سبحانه وتعالی:

(لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ) (2).

وقد ترک هذا الفهم السطحی والخاطئ ترکة فکریة ثقیلة علی عقول بعض طوائف المسلمین وهذا ما نلمسه من الحدیث الآتی:

(عن أحمد بن إدریس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن یحیی قال: سألنی أبو قرّة المحدث أن أدخله علی أبی الحسن الرضا علیه السلام فاستأذنته فی ذلک فأذن لی فدخل علیه فسأله عن الحلال والحرام والأحکام حتّی بلغ سؤاله إلی التوحید فقال أبو قرّة: إنا روینا أنّ اللهَ قسم الرؤیة والکلام بین نبیّین، فقسم الکلام لموسی ولمحمد الرؤیة، فقال أبو الحسن علیه السلام:

«فمن المبلغ عن الله إلی الثقلین من الجن والإنس:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ)، و(وَلَا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْمًا) ، و (لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ).

ألیس محمد صلی الله علیه وآله وسلم؟».

قال: بلی. قال علیه السلام:

«کیف یجیء رجل إلی الخَلقِ جمیعا فیخبرُهُمْ أنّه جاء من عند الله وأنّه یدعوهم إلی الله بأمر الله فَیقولُ: (لا تدرکه الأبصار)، و(لا یحیطون به علما)، و(لیس کمثله شیء)، ثمّ یقول: أنا رأیته بعینی وأحطت به علما وهو علی صورة البشر، أما


1- سورة طه، الآیة: 110.
2- سورة الشوری، الآیة: 11.

ص: 69

تستحونَ؟ ما قدَرَتِ الزَّنادقة أن ترمیه بهذا أن یکون یأتی من عند الله بشیء ثمّ یأتی بخلافه من وجه آخر».

قال أبو قرّة: فإنّه یقول:

(وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَی) (1).

فقال أبو الحسن علیه السلام:

«إنّ بعد هذه الآیة ما یدلّ علی ما رأی حیث قال:

(مَا کَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَی)

یقول: ما کذب فؤادُ محمّد ما رأتْ عَیناهُ، ثمّ أخبر بما رأی فقال:

(لَقَدْ رَأَی مِنْ آَیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی) (2).

فآیات اللهِ غیر اللهِ وقد قال الله:

(وَلَا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْمًا).

فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة».

فقال أبو قرّة: فتُکَذِّبُ بالرّوایات؟ فقال أبو الحسن علیه السلام:

«إذا کانَتِ الرّوایات مخالفة للقرآن کذّبْتُها، وما أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَیهِ أنّه لا یُحاط به عِلْماً ولا تُدْرِکُهُ الأبْصارُ وَلَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیءٌ»)(3).

فمن هذا الحدیث الذی سقناه إلیکم تظهر بعض الإرشادات التی أفاض بها الإمام علیه السلام علی السائل لکی یضع قدمه علی الصراط المستقیم، ویرتفع اللبس عن عقله وتنار ظلمة أفکاره بنور الإمام علیه السلام وهی کما یلی:


1- سورة النجم، الآیة: 13.
2- سورة النجم، الآیة: 18.
3- أصول الکافی للشیخ الکلینی: ج1، ص117 __ 118، باب فی إبطال الرّؤیة، ح2.

ص: 70

1__ فی حالة وجود تقاطع مع کلام الله تعالی یقدم کلام الله تعالی علی غیره من الکلام وإن کان منسوباً إلی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.

2__ یؤکد الإمام علیه السلام للسائل أن حدیث النبی صلی الله علیه وآله وسلم لا یناقض القرآن الکریم کون مصدرهما واحداً وهو نفس النبی صلی الله علیه وآله وسلم.

3__ ثم یفسر الإمام علیه السلام الآیات تفسیرا یدفع شبهة الرؤیة البصریة عن نهم السائل الذی أوسر عقله بفهم خاطئ للآیة.

معنی الإدراک الإلهی

ورد قوله تعالی:

(لَا تُدْرِکُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصَارَ) (1).

کعبارة علی لسان الإمام الحسن علیه السلام یصف بها ربه سبحانه، ولکی نقف علی معنی هذه العبارة لابد أن نعرف معنی الإدراک.

الإدراک فی اللغة: أدرک الشیء: بلغ علمه أقصی الشیء(2).

الإدراک فی الاصطلاح: هو علمه تعالی بالمدرکات والإحاطة بها.

إذا اطلع الإنسان علی أمر ما فی الواقع الخارجی یدرکه بأحد حواسه الخمس، أمّا من خلال البصر أو السمع أو الذائقة أو اللمس أو الشم فیستطیع أن یصفه بحسب علمه الحسی لذلک الشیء المحسوسیّ، لکن الإدراک بالنسبة لله تعالی لا یمکن أن یکون کذلک لتنزّهه تعالی عن الحواس، فیکون إدراکه تعالی للأشیاء المدرکة هو علمه بها دون اشتباه أو التباس أو خطأ، وکیف لا یدرک المحسوسات وغیرهاوهو الذی أحاط بکل شیء علما؟


1- سورة الأنعام، الآیة: 103.
2- المعجم الوسیط: ص281.

ص: 71

وهو اللطیف الخبیر
اللطیف

للطیف معنیان هما:

اللطیف: (من أسماء الله الحسنی البر بعباده الرفیق بهم والعالم بخفایا الأمور ودقائقها.

اللطیف: الصغیر، الرقیق، ألطف فلانا بکذا: أتحفه وبرّه.

استلطف الشیء: قربه منه وألصقه بجنبه.

اللّطّف: الرفق، الهدیة، یقال: أهدی إلیه لطفا، وما أکثر تحفه وألطافه.

اللطف: من قبل الله تعالی: التوفیق العصمة)(1).

فلو تأملنا هذه المعانی لکلمة (اللطیف، اللطف) لانطبقت بعضها علی صفته تعالی، فهو الرفیق بعباده الحنّان الذی یرأف بعبده أکثر من رأفة الوالدین بالصغیر، وهو الذی یغدق علی عبده بعطایاه ومنحه ونعمه، ویتقرب إلی صالحهم ویوفقه ویحول بینه وبین الآثام والخطایا رحمة وحباً وتفضلاً.

فالله تعالی لطیف بالمعنی الذی یلیق بشأنه سبحانه، کما أنه تعالی منزه عن معنی الصغیر أو الرقیق التی هی من معانی صفات الممکنات المحدودة العاجزة.

وهناک معنی آخر یتضح من خلاله اسم اللطیف: وهو أن الله تعالی خلق خلقاً فی غایة الصغر والدقة واللطافة وقد أحاط به علما فلذا سمی باللطیف وهذا ما تؤکده الروایات الشریفة:

__ ورد عنه علیه السلام:

«إن الله سبحانه وتعالی لا یخفی علیه ما العباد مقرّفون فی لیلهم ونهارهم، لطف به خیرا وأحاط به علما».


1- المعجم الوسیط: ص826.

ص: 72

__ ورد عنه علیه السلام:

«لا إله إلا الله اللطیف بمن شرد عنه من مسرفی عباده لیرجع عن عتوه وعناده».

__ عن الإمام الحسن علیه السلام:

«ربنا اللطیف بلطف ربوبیته».

__ عن الإمام الصادق علیه السلام:

«سمیناه، لطیفا للخلق اللطیف ولعله بالشیء اللطیف ما خلق من البعوض والذرة، وما هو أصغر منها لا یکاد تدرکه الأبصار والعقول، لصغر خلقه من عینه وسمعه وصورته، لا یعرف من ذلک لصغر الذکر من الأنثی، ولا الحدیث المولود من القدیم الوالد، فلما رأینا لطف ذلک فی صغره وموضع العقل فیه والشهوة للفساد، والهرب من الموت، والحدب علی نسله من ولده، ومعرفة بعضها بعضا، وما کان منها فی لجج البحار، وأعنان السماء، والمفاوز والقفار، وما هو معنا فی منزلنا، ویفهم بعضهم بعضا من منطقهم، وما یفهم من أولادها ونقلها الطعام إلیها والماء، علمنا أن خالقها لطیف، وإنه لطیف بخلق اللطیف».

__ عن الإمام الرضا علیه السلام:

«وأمّا اللطیف فلیس علی قلة وقضافة (دقة) وصغر، ولکن ذلک علی النفاذ فی الأشیاء، والامتناع من أن یدرک، کقولک للرجل لطف عنی هذا الأمر ولطف فلان فی مذهبه، وقوله یخبرک أنه غمض فیه العقل وفات الطلب وعاد متعمقا متلطفا لا یدرکه الوهم، فکذلک لطف الله تبارک وتعالی عن أن یدرکه بحد أو یحد بوصف، واللطافة منا الصغر والقلة، فقد جمعنا الاسم  واختلف المعنی».

وهناک الکثیر من الروایات التی تؤکد نفس المعنی لکلمة اللطیف الذی ورد فی الروایات المبینة أعلاه.

ص: 73

الخبیر

جاء المعنی اللغوی لاسم الخبیر بمعنی: اسم من أسماء الله عز وجل، وهو العالم بما کان وما یکون، وذو الخبرة الذی یخبر الشیء بعلمه وفی التنزیل العزیز (فاسأل به خبیرا)(1).

فالله تعالی هو واجب الوجود الذی اتصف بصفات کمالیة مطلقة کالعلم والإحاطة بکل شیء، وهو الذی لا یعزب عنه شیء ولا یفوته مهما دق وصغر واختفی، وهو الذی یعلم السر وأخفی، مما یدل علی إحاطة علمه بحقیقة الأشیاء وبظاهرها وباطنها وهذا ما أکده الإمام الرضا علیه السلام بقوله:

«وأمّا الخبیر فالذی لا یعزب عنه شئ ولا یفوته، لیس للتجربة ولا للاعتبار بالأشیاء، وأمّا فی بعض المصادر: فتفیده التجربة والاعتبار علما لولاهما ما علم؛ لأن من کان کذلک کان جاهلا، والله تعالی لم یزل خبیرا بما یخلق، والخبیر من الناس المستخبر عن جهل المتعلم، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنی»(2).

وعنه أیضا علیه السلام:

«لم یکن قوام الخلق وصلاحهم إلا بالإقرار منهم بعلیم خبیر، یعلم السر وأخفی، آمر بالصلاح، ناه عن الفساد»(3).

وتشیر الأحادیث التی سبق ذکرها إلی خبرته التی هی بمعنی الإحاطة التامة بما خلق لا عن تجربة أو اعتبار کما یحصل ذلک فی البشر، کما أن خبرته لم تکن عن تعلم لرفع جهل أو تدریب لصقل موهبة.


1- المعجم الوسیط: ص215.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج4، ص201، ح4554.
3- المصدر السابق: ح4555.

ص: 74

استخلص الوحدانیة والجبروت

عند الوقوف علی هذه العبارات الحسینیة التی نطق بها لسان العصمة، وصرح بها عقل الإمامة تلمس المعانی الملکوتیة التی تسمو بسامعها إلی سحاب الحکمة وشمس الحقیقة الإلهیة التی تحار العقول فی معرفة کنهها وتعجز الألباب عن الإحاطة بها، وأنی لغیر عنوان العصمة وسلیل النبوة ومعدن العلم أن یقف علی عمق هذه المفردات؟ إلاّ أن ذلک لا یمنع عن بیان ما وصلت إلیه الأفهام وأدرکته العقول فأقول:

تقدم بیان المعنی اللغوی لمفردة الوحدانیة فی شرح المعنی العام، فلذا نعطف الکلام علی بیان المعنی الاصطلاحی للمفردة فتأتی الوحدانیة بعدة معانی کلها تنطبق علی الذات المقدسة، فتارة بمعنی لا نظیر له ولا شبیه، وأخری بمعنی الذات البسیطة التی لا ترکیب فیها ولا أجزاء لها، وثالثة بمعنی المعبود الذی لا معبود سواه، ویترسخ معنی الوحدانیة فی عقولنا.

عندما نتأمل هذا الکون الفسیح وهذه الموجودات الممکنة التی تنصور کأنها مجموعة واحدة لما فیها من ارتباط وتناسب وهذا بدوره یدل علی أن صانعها ومدبرها واحد لا أحد سواه، وعند التفکر والنظر فی معنی الإله لا یظهر لنا إلا معنی واحداً وهو أن الإله هو الموجود الغنی مطلقاً، وهذا المعنی ینفی بدوره تعدد الإله، ولکی ندرک المعنی لابد من توضیح البرهانین فنقول: (وجدت فی هذا الکون موجودات مرتبطة بعضها ببعض أی لا تستطیع الاستغناء عن بعضها البعض فلو ضربنا مثلا نقول: لکی یتغذی الإنسان لابد من وجود نبات مثمر وهذا النبات یحتاج إلی أرض وماء وهواء وعوامل أخری لکی یعطی ثماره وإلا لو فقد عامل من هذه العوامل لما وجد النبات ولما تغذی الإنسان ولما تحققت غایة الخلقة التی هی العبادة لله الواحد الأحد (وما خلقت الجن والإنسان إلا لیعبدون) فیظهر مما تقدم لابد من وجود ترابط بین الموجودات بل هو من سماتها دل هذا بدوره علی أن صانعها ومدبرها واحد لا أحد

ص: 75

سواه تعالی، وإلا للزم التعارض والتدافع والفساد کما فی قوله تعالی:

(قُلْ لَوْ کَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ کَمَا یَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَی ذِی الْعَرْشِ سَبِیلًا) (1).

وقوله تعالی:

(لَوْ کَانَ فِیهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا یَصِفُونَ) (2).

وأمّا لبیان البرهان الثانی نقول: لو فرضنا تعدد الآلهة للزم من فرضنا وجود جهات اختلاف بینهم، أی یتصف أحدهم بصفة غیر موجودة عند غیرهم فیلزم من ذلک الحاجة ویلزم من الحاجة الفقر وهذا خلاف صفات الإله الذی هو غنی مطلق، ومن جهة أخری لو قلنا بتعدد الآلهة للزم وجود الفواصل بینهم وهذا یؤدی بدوره إلی تعدد القدماء إذ إن الإله یتصف بالقدم فیلزم أن یکون الفاصل بینه وبین الإله الآخر قدیماً أیضا فیتعدد القدماء ویتسلسل الفواصل وحیث إن التسلسل باطل کما هو ثابت فی محله إذن یلزم من ذلک عدم التعدد ومن عدم التعدد یلزم القول بالوحدانیة.

ویؤید ما تقدم من بیان ما جاء فی القرآن الکریم من آیات کریمة نذکرها کما یلی:

1__ قال الله تبارک وتعالی:

(وَإِلَهُکُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِیمُ) (3).

2__ قال الباری عزّ وجل:

(وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَیْنِ اثْنَیْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِیَّایَ فَارْهَبُونِ) (4).


1- سورة الإسراء، الآیة: 42.
2- سورة الأنبیاء، الآیة: 22.
3- سورة البقرة، الآیة: 163.
4- سورة النحل، الآیة: 51.

ص: 76

3__ قال الله سبحانه وتعالی:

(فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَکُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِینَ) (1).

4__ قال الله تبارک وتعالی:

(لَوْ کَانَ فِیهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا یَصِفُونَ) (2).

5__ قال الله عزّ وجل:

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (3).

کما یؤکد ذلک ما ورد فی أحادیث أهل البیت علیهم السلام وهی کما یلی:

1__ عن إسحاق بن غالب، (عن أبی عبد الله علیه السلام، عن أبیه علیه السلام قال:

«قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فی بعض خطبه:

الحمد لله الذی کان فی أوّلیّته وَحْدانیّاً، وفی أزلیّته متعظّماً بالإلهیّة، متکبّراً بکبریائه وجبروته ابتدأ ما ابتدع، وأنشأ ما خلق علی غیر مثالٍ کان سبق بشیءٍ ممّا خلق، ربّنا القدیم بلطف ربوبیّته وبعلم خُبره فتق وبإحکام قدرته خلق جمیع ما خلق، وبنور الإصباح فلق، فلا مبدّل لخلقه، ولا مغیّر لصنعه، ولا معقّب لحکمه، ولا رادّ لأمره، ولا مستراح عن دعوته ولا زوال لمُلکه، ولا انقطاع لمدّته، وهو الکَیْنون أوّلاً والدَیموم أبداً، المحتجب بنوره دون خلقه فی الأفق الطامح، والعزّ الشامخ والملک الباذخ، فوق کلّ شیءٍ علا، ومن کلّ شیءٍ دنا، فتجلّی لخلقه من غیر أن یکون یُری، وهو بالمنظر الأعلی، فأحبّ الاختصاص


1- سورة الشعراء، الآیة: 213.
2- سورة الأنبیاء، الآیة: 22.
3- سورة التوحید، الآیة: 1.

ص: 77

بالتوحید إذ احتجب بنوره، وسما فی علوّه، واستتر عن خلقه، وبعث إلیهم الرسل لتکون له الحجّة البالغة علی خلقه ویکون رسله إلیهم شهداء علیهم، وابتعث فیهم النبییّن مبشّرین ومنذرین لیهلک من هلک عن بیّنة ویحیی من حیّ عن بیّنة، ولیعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه فیعرفوه بربوبیّته بعد ما أنکروا ویوحّدوه بالإلهیّة بعد ما عضدوا»)(1).

2__ وصیّة من الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام لولده الإمام الحسن علیه السلام عند إنصرافه من صفّین، وقد جاء فیها:

«... واعلم یا بنیّ! أنّه لو کان لربّک شریک لأتَتْک رسله، ولرأیت آثار ملکه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته.

ولکنّه إله واحد کما وصف نفسه، لا یضادّه فی ملکه أحد، ولا یزول أبداً، أوّل قبل الأشیاء بلا أوّلیة، وآخر بعد الأشیاء بلا نهایة...»(2))(3).

3__ حدّثنا أبی؛ وعبد الواحد بن محمّد بن عَبْدوس العطّار رحمهما الله، قالا: حدّثنا علیّ بن محمّد بن قُتَیبة، عن الفضل بن شاذان، عن محمّد بن أبی عمیر، قال: (دخلت علی سیّدی موسی بن جعفر علیه السلام فقلت له: یا بن رسول الله علّمنی التوحید فقال __ علیه السلام __:

«یا أبا أحمد لا تتجاوز فی التوحید ما ذکره الله تعالی ذکره فی کتابه فتهلک واعلم أنّ الله تعالی واحد، أحد، صمد، لم یلد فیورث، ولم یولد فیشارک، ولم یتّخذ صاحبة ولا ولداً ولا شریکاً، وإنّه الحیّ الّذی لا یموت، والقادر الّذی لا یعجَز، والقاهر الّذی لا یغلب، والحلیم الّذی لا یعجل، والدائم الّذی لا یَبید، والباقی


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص45 __ 46، ح4.
2- نهج البلاغة: قسم الرسائل، ص49، الوصیة رقم 31.
3- العقائد الحقّة للسید علی الحسینی الصدر: ص48، ح2.

ص: 78

الّذی لا یَفْنی، والثابت الّذی لا یزول، والغنیّ الّذی لا یفتقر، والعزیز الّذی لا یذلّ، والعالم الّذی لا یجهل، والعدل الّذی لا یجور، والجواد الّذی لا یبخل، وإنّه لا تقدّره العقول، ولا تقع علیه الأوهام، ولا تحیط به الأقطار، ولا یحویه مکان، ولا تدرکه الأبصار وهو یدرک الأبصار وهو اللطیف الخبیر، ولیس کمثله شیء وهو السمیع البصیر (ما یکون من نجوی ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادهم ولا أدنی من ذلک ولا أکثر إلاّ هو معهم أینما کانوا) وهو الأوّل الّذی لا شیء قبله، والآخر الّذی لا شیء بعده، وهو القدیم وما سواه مخلوق محدث، تعالی عن صفات المخلوقین علوّاً کبیراً»)(1).

4__ عن أبی هاشم الجعفری، قال: سألت أبا جعفر الثانی علیه السلام ما معنی الواحد؟ قال __ علیه السلام __:

«الّذی اجتماع الألسن علیه بالتوحید، کما قال الله عزّ وجلّ:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَیَقُولُنَّ اللَّهُ) (2)»(3).

5__ حدّثنا محمّد بن إبراهیم بن إسحاق الطالقانی رضی الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن سعید بن یحیی البُزُوری، قال: حدّثنا إبراهیم بن الهیثم البلدیّ، قال: حدّثنا أبی، عن المعافی بن عمران، عن إسرائیل، عن المقدام بن شُرَیْح بن هانئ، عن أبیه، قال: (إنّ أعرابیّاً قام یوم الجمل إلی أمیر المؤمنین علیه السلام، فقال: یا أمیر المؤمنین أتقول إنّ الله واحد؟ قال: فحمل الناس علیه، قالوا: یا أعرابی أما تری ما فیه أمیر المؤمنین من تقسّم القلب، فقال أمیر المؤمنین علیه السلام:


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص74، ح32.
2- سورة لقمان، الآیة: 25.
3- کتاب التوحید للصدوق: ص80، ح2.

ص: 79

«دعوه، فإنّ الّذی یریده الأعرابی هو الّذی نریده من القوم».

ثمّ قال __ علیه السلام __:

«یا أعرابی إنّ القول فی أنّ الله واحد علی أربعة أقسام: فوجهان منها لا یجوزان علی الله عزّ وجلّ، ووجهان یثبتان فیه، فأمّا اللذان لا یجوزان علیه، فقول القائل: واحد یقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا یجوز، لأنّ مالا ثانی له لا یدخل فی باب الأعداد، أما تری أنّه کفر من قال: ثالث ثلاثة، وقول القائل: هو أحد من الناس، یرید به النوع من الجنس، فهذا ما لا یجوز علیه لأنّه تشبیه، وجلّ ربّنا عن ذلک وتعالی، وأمّا اللذان الوجهان یثبتان فیه فقول القائل: (هو واحد لیس له فی الأشیاء شبه، کذلک ربّنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجل أحدی المعنی، یعنی به أنّه لا ینقسم فی وجوه ولا عقل ولا وهم کذلک ربّنا عزّ وجل)»)(1).

معنی الجبروت

جاء المعنی اللغوی للجبروت بمعنی القهر(2)، والقهر یعنی الغلبة، والقهار اسم من أسماء الله الحسنی: الغالب لا یحد غلبته شیء(3)، والتأمل فی هذه المعانی اللغویة یقودنا إلی معرفة أن الله تعالی غالب مهیمن له السلطة المطلقة لا ند ولا ضد له فی ذلک، إذ لا معنی أن یکون قهاراً ولقاهریته حدود أو یکون ذا جبروت ولجبروته انقطاع وتقهقر بجبروت آخر وقاهریة أخری، وحیث إننا نعلم أن القاهر صفة یمکن انطباقها علی المخلوق فیشعر ذلک باشتراک الخالق والمخلوق فی صفة القاهریة إلا أن القرآن الکریم نفی هذا الشعور کما فی قوله تعالی:


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص81، ح3.
2- المعجم الوسیط: ص105.
3- المعجم الوسیط: ص764.

ص: 80

(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِیَاءَ لَا یَمْلِکُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ یَسْتَوِی الْأَعْمَی وَالْبَصِیرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِی الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَکَاءَ خَلَقُوا کَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَیْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ کُلِّ شَیْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (1).

وقوله سبحانه وتعالی:

(وَآَخَرِینَ مُقَرَّنِینَ فِی الْأَصْفَادِ) (2).

وغیرها من الآیات الکریمة الأخری التی تؤکد أن الله تعالی هو قاهر کل قاهر ومتسلط علی جمیع القاهرین وقاطع لقاهریة کل قاهر فلذا وصف بصفة المبالغة (القهّار) التی تقدم معناها فی أول البحث، کما أن الآیات التی تشیر إلی فقر الموجودات وحاجتها تؤکد أن هذه القاهریة التی یتصف بها الموجود هی قاهریة غیر حقیقیة لأنها ناشئة من أقدار الله تعالی وتمکینه لهذا المخلوق القاهر، أی أن صفة القاهریة فی المخلوق جاءت من غیره ولیس بالاستقلال بذاته، وهذا ما أشارت إلیه الآیة الکریمة:

(یَا أَیُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَی اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ) (3).

وقال سبحانه وتعالی:

(هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَمِنْکُمْ مَنْ یَبْخَلُ وَمَنْ یَبْخَلْ فَإِنَّمَا یَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِیُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا یَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَیْرَکُمْ ثُمَّ لَا یَکُونُوا أَمْثَالَکُمْ) (4).


1- سورة الرعد، الآیة: 16.
2- سورة ص، الآیة: 38.
3- سورة فاطر، الآیة: 15.
4- سورة محمد، الآیة: 38.

ص: 81

بل أن الآیات الکریمة تبیّن أن هذا الإنسان القاهر یحتاج إلی ربه فی قاهریته حدوثا واستمراریة کما فی قوله تعالی:

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَیُّ الْقَیُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِی یَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ یَعْلَمُ مَا بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا یُحِیطُونَ بِشَیْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا یَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِیُّ الْعَظِیمُ)(1).

وقال الباری عزّ وجل:

(وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَیِّ الْقَیُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) (2).

فمعنی (القیوم) فی الآیتین هو القائم بذاته والمقوّم لغیره، فهو تعالی الذی أوجد الأشیاء ودبرها وأدام بقاءها.

(وقد أثبت الله تعالی أصل القیام بأمور خلقه لنفسه فی کلمه حیث قال تعالی:

(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَی کُلِّ نَفْسٍ بِمَا کَسَبَتْ) (3).

وقال تعالی __ وهو أشمل من الآیة السابقة __:

(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِکَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ) (4).

فأفاد أنه قائم علی الموجودات بالعدل فلا یعطی ولا یمنع شیئاً فی الوجود (ولیس الوجود إلاّ الإعطاء والمنع) إلاّ بالعدل بإعطاء کل شیء ما یستحقه ثم بین أن


1- سورة البقرة، الآیة: 255.
2- سورة طه، الآیة: 111.
3- سورة الرعد، الآیة: 33.
4- سورة آل عمران، الآیة: 18.

ص: 82

هذا القیام بالعدل مقتضی اسمیه الکریمین العزیز الحکیم، فبعزته یقوم علی کل شیء وبحکمته یعدل فیه.

وبالجملة لما کان تعالی هو المبدأ الذی یبتدئ منه وجود کل شیء وأوصافه وآثاره لا مبدأ سواه إلاّ وهو ینتهی إلیه، فهو القائم علی کل شیء من کل جهة بحقیقة القیام الذی لا یشوبه فتور وخلل، ولیس ذلک لغیره قط إلاّ بإذنه بوجه، فلیس له تعالی إلاّ القیام من غیر ضعف وفتور، ولیس لغیره إلاّ أن یقوم به، فهناک حصران: حصر القیام علیه، وحصره علی القیام، وأول الحصرین هو الذی یدل علیه کون القیوم فی الآیة خبرا بعد خبر لله (الله القیوم)، والحصر الثانی هو الذی تدل علیه الجملة التالیة أعنی قوله:

(سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) (1))(2).

فیظهر مما تقدم أن القاهریة الحقیقیة صفة لله تعالی وحده لا شریک له، أی أن الجبروت منحصر به تعالی قد استخلصه لنفسه، وما یؤید ذلک أیضا عجز المخلوقات ومحدودیتها وفناؤها، کما فی قوله تعالی:

(کُلُّ مَنْ عَلَیْهَا فَانٍ) (3).

المشیئة والإرادة

__ وقوله علیه السلام:

(وأمضَی المَشِیئَةَ والإرادَةَ والقُدرَةَ العِلمَ بما هُوَ کائِنٌ).

خلق الله تعالی الخلق لغایة ذکرها فی کتابه الکریم کما فی قوله عز وجل:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ) (4).


1- سورة البقرة، الآیة: 255.
2- تفسیر المیزان للسید الطباطبائی: ج2، ص335.
3- سورة الرحمن، الآیة: 26.
4- سورة الذاریات، الآیة: 56.

ص: 83

ودبر شؤون خلقه ونهج لهم المناهج وشرع لهم الشرائع وأغدق علیهم البرکات بإرادته ومشیئته وبقدرته وعلمه، ولکی نقف علی معنی قول الإمام الحسین علیه السلام (وأمضَی المَشِیئَةَ والإرادَةَ والقُدرَةَ العِلمَ بما هُوَ کائِنٌ) لابد من معرفة معانی هذه المفردات ومفاهیمها.

الإمضاء فی اللغة: أمض الحکم والأمر: أنفذه(1).

الإرادة والمشیئة: کلمتان لمعنی واحد کما ورد فی المعجم الوسیط(2).

القدرة: الطاقة: القوة علی الشیء والتمکن منه(3).

العلم: إدراک الشیء بحقیقته و__ الیقین __ نور یقذفه الله فی قلب من یحب(4).

ولبیان المعنی التام لقوله علیه السلام نقول:

ثبت فی محله أن الله تعالی مرید والإرادة من صفاته إلا أن هذه الإرادة تختلف عن الإرادة فی الإنسان لأنه تعالی لیس کمثله شیء ولکی یتضح الفرق بین إرادة الإنسان وبین إرادة الله تعالی لابد من استعراض الأقوال فی معنی الإرادة فی الإنسان قبل ذلک.

الإرادة: کیفیة نفسانیة تشتمل علیها النفس البشریة کغیرها من الکیفیات النفسانیة والأقوال فیها ما یلی:

1__ یری المعتزلة أن الإرادة هی اعتقاد النفع، ویلاحظ علی هذا القول عدم تمامیته لأن مجرد الاعتقاد بالنفع لا یکفی أن یکون داعیا للفعل لما نلاحظ من کثرة من یعتقد النفع ولا یریده.

2__ وهناک قول آخر بأن الإرادة شوق نفسانی یقع فی النفس بعد الاعتقاد بالنفع،


1- المعجم الوسیط: ص875.
2- المعجم الوسیط: ص502.
3- المعجم الوسیط: ص718.
4- المعجم الوسیط: ص624.

ص: 84

وهذا القول لا یمکن الالتزام به لأننا نری من یرید شیئا ویحققه دون أن یکون لدیه شوق إزاءه.

3__ وقول ثالث یشیر إلی أن الإرادة کیفیة نفسانیة ولکن لیست هی الاعتقاد فقط أو هی الشوق کما تقدم بل هی القصد والعزم(1).

وما ورد من الأقوال فی تفسیر الإرادة لا یمکن انطباقه علی إرادة الله تعالی لتنزهه عن الکیفیات النفسانیة حیث إنها من صفات الممکن لا من صفات الواجب سبحانه ولکی یتضح الأمر نقول ما یلی:

لو قلنا إن الإرادة هی مجرد الاعتقاد بالنفع للزم من هذا القول أن الإرادة هی العلم والقطع بالنفع والحال أننا نجد أن هناک شیئا یدفعنا إلی الفعل لیس هو العلم بالنفع فقط، ونجد کذلک أننا نعتقد بالنفع ولکن لا نترک إزاء تحصیله لعدم وجود إرادة لذلک وتفسیر الإرادة بالشوق محال علی الله تعالی لمعرفتنا أن الشوق من مقولة الانفعال التی تعالی الله عنها، وأمّا القول الثالث بأنها قصد وعزم یلزم منه الحدوث بعد العدم ویلزم من هذا التغییر فی الذات الإلهیة المقدسة التی تنزهت عن صفات الممکن.

حقیقة الإرادة الإلهیة

بعد أن اتضح أن الإرادة بمعانیها التی تقدمت لا تنطبق علی إرادة الله تعالی صار لابد لنا من بیان حقیقة الإرادة الإلهیة التی لا تشبه إرادة المخلوق فنقول:

وردت أقوال عدیدة لأهل العلم فی معنی الإرادة نذکرها باختصار دفعاً للتوسع:

ألف: إرادته سبحانه علمه بالنظام الأصلح:

أی أن علمه بالنظام الأتم والأکمل هو عین إرادته فیلزم من هذا أن تکون الإرادة هی عین العلم بالنظام ولیس شیئا غیره وهذا العلم هو الداعی للفعل لا شیء آخر.


1- الإلهیات للشیخ جعفر السبحانی: ص166.

ص: 85

باء: إرادته سبحانه ابتهاجه بفعله:

أی أنه تعالی خیر محض فهو مبتهج بذاته ولأنه کذلک فهو مبتهج فی مرحلة الفعل لأنه من أحب شیئاً أحب آثاره ولوازمه.

جیم: إرادته سبحانه إعمال القدرة والسلطة:

المقصود من هذا أن إعمال القدرة والسلطة علی خلقه هی بعینها إرادته.

دال: إرادته سبحانه نسبة تمامیة السبب إلی الفعل:

المقصود من هذا هو أن الفعل یکون مراداً له تعالی إذا اکتملت علله ومقتضیاته(1).

هذه الأقوال هی أقوال الفریق الأول وما یراه الفریق الثانی فهو: (أن الإرادة من الصفات الذاتیة وتجری علیه سبحانه مع تجردها من صفات النقص والإمکان کالحدوث والطروء والتدرج... الخ)(2).

(ومعنی کونه مریداً أی فاعلاً مختاراً فی مقابل کونه فاعلاً مضطراً)(3).

وأمّا لسان الروایات فإن إرادته تعالی هی فعله لیس إلاّ کما دلّت علی ذلک الأحادیث الشریفة:

ألف: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الولید، قال: حدّثنا الحسین بن أبان، عن الحسین بن سعید، عن النضر بن سوید، عن عاصم بن حُمَیْد، عن أبی عبد الله علیه السلام قال: (قلت له: لم یزل الله مریداً؟ فقال _ علیه السلام __:

«إنّ المرید لا یکون إلا لمرادٍ معه، بل لم یزل عالماً قادراً ثمّ أراد»)(4).


1- کتاب الإلهیات للشیخ جعفر السبحانی: ص168 __ 173.
2- کتاب الإلهیات، جعفر السبحانی: ص174.
3- المصدر السابق.
4- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص141، ح15.

ص: 86

باء: حدّثنا الحسین بن أحمد بن إدریس، عن أبیه، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن یحیی، قال: (قلت لأبی الحسن علیه السلام: أخبرنی عن الإرادة من الله ومن المخلوق، فقال __ علیه السلام __:

«الإرادة من المخلوق الضمیر وما یبدو له بعد ذلک من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غیر ذلک لأنّه لا یروّی، ولا یهمّ، ولا یتفکّر، وهذه الصفات منفیّة عنه، وهی من صفات الخلق، فإرادة الله هی الفعل لا غیر ذلک یقول له: کن فیکون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفکّر، ولا کیفَ لذلک کما أنّه بلا کیفٍ»)(1).

أسئلة مهمة فی الإرادة

السؤال: ما هو الفرق بین إرادة العبد وإرادة الله تعالی؟

الجواب:

1__ إرادة العبد یسبقها تفکیر وترویّ وهم، وإرادة الله تعالی منزهة عن ذلک بل هی فعله.

2__ إرادة العبد سابقة علی الفعل، وإرادة الله تعالی فی مقام الفعل هی عین الفعل.

وهذا ما تؤکد الروایة الشریفة:

قال أبو الحسن علیه السلام:

«الإرادة من المخلوق الضمیر وما یبدو له بعد ذلک من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجلّ فإرادته إحداثه لا غیر ذلک لأنّه لا یروّی، ولا یهمّ، ولا یتفکّر، وهذه


1- کتاب التوحید للصدوق: ص142، ح17.

ص: 87

الصفات منفیّة عنه، وهی من صفات الخلق، فإرادة الله هی الفعل لا غیر ذلک یقول له: کن فیکون، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفکّر، ولا کیفَ لذلک کما أنّه بلا کیفٍ»(1).

السؤال: هل أن إرادة الله تعالی تلغی إرادة العبد واختیاره؟

الجواب: أن إرادة الله تعالی لا تلغی إرادة العبد ولا تمنع اختیاره وللتوضیح أقول:

إنه تعالی جعل العبد مستطیعا فأمره فیما أمره ونهاه عما لیس فوق طاقته وهذا ما أشارت له الروایات الشریفة:

عن عبید بن زرارة، قال: حدّثنی حمزة بن حُمران، قال: (سألت أبا عبد الله علیه السلام عن الاستطاعة فلم یجبنی، فدخلت علیه دخلة أخری فقلت: أصلحک الله إنّه قد وقع فی قلبی منها شیء لا یخرجه إلاّ شیء أسمعه منک.

قال __ علیه السلام __:

«فإنّه لا یضرّک ما کان فی قلبک».

قلت: أصلحک الله فإنّی أقول: إنّ الله تبارک وتعالی لم یکلّف العباد إلاّ ما یستطیعون وإلاّ ما یطیقون، فإنّهم لا یصنعون شیئاً من ذلک إلاّ بإرادة الله ومشیئته وقضائه وقَدَره؛ قال __ علیه السلام __:

«هذا دین الله الّذی أنا علیه وآبائی أو کما قال»)(2).

کما أن العدل الإلهی یقتضی أن یکون المکلف مستطیعا لما کلف به وإلاّ یلزم التکلیف بما لا یطلق فیلزم من ذلک الظلم، والله تعالی عادل لا یجور ولا یظلم.


1- کتاب التوحید: ص142، ح17.
2- کتاب التوحید للصدوق: ص337، ح3.

ص: 88

قال الله تبارک وتعالی:

(إِنَّ اللَّهَ لَا یَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَکُ حَسَنَةً یُضَاعِفْهَا وَیُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِیمًا) (1).

وقال تعالی:

(ذَلِکَ بِمَا قَدَّمَتْ أَیْدِیکُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ) (2).

السؤال: کیف نفسّر ما یصیب العبد من الأذی هل بإرادة الله تعالی أم بإرادة العبد؟

الجواب:

هناک أسباب ودواعٍ لوقوع الأذی علی العبد نذکرها کالآتی:

1__ قد یصیب العبد الأذی بسبب سوء فعله فیجزی بذلک کما صرحت الآیات والروایات کقوله تعالی:

(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِینَ یَکْسِبُونَ الْإِثْمَ سَیُجْزَوْنَ بِمَا کَانُوا یَقْتَرِفُونَ)(3).

وقوله تعالی:

(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَی عَلَی الْهُدَی فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ) (4).


1- سورة النساء، الآیة: 40.
2- سورة الأنفال، الآیة: 51.
3- سورة الأنعام، الآیة: 120.
4- سورة فصلت، الآیة: 17.

ص: 89

وقال تعالی:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا کَسَبَتْ أَیْدِی النَّاسِ لِیُذِیقَهُمْ بَعْضَ الَّذِی عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ یَرْجِعُونَ) (1).

وقال الباری عزّ وجل فی سورة الشوری:

(وَمَا أَصَابَکُمْ مِنْ مُصِیبَةٍ فَبِمَا کَسَبَتْ أَیْدِیکُمْ وَیَعْفُو عَنْ کَثِیرٍ) (2).

وهناک الکثیر من الآیات التی تشیر إلی أن بعض الأذی التی یصیب الإنسان هو بسبب فعله السیئ، وهذا لا یخرج عن إرادة الله تعالی.

وهناک الکثیر من الروایات التی تؤکد أن بعض الآلام أو الآثار المؤذیة هی بسبب سوء فعل الإنسان کما فی الروایات الآتیة:

__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«أوحی الله تعالی إلی أیوب هل تدری ما ذنبک إلیّ حین أصابک البلاء؟ قال: لا.

قال: إنّک دخلت علی فرعون فداهنت فی کلمتین»(3).

__ وعنه صلی الله علیه وآله وسلم:

«لا یجنی علی المرء إلا یده»(4).

2__ هناک بعض الأذی قد یصیب العبد دون أن یکون لإرادته دخل فی ذلک، کإصابته بمرض دون تقصیر منه أو غیر ذلک من الأمثلة الکثیرة، بل قد یتعرض العبد لأنواع من الألم لا یتحملها إلا من صبر واحتسب، وهذا یتم بلحاظین:


1- سورة الروم، الآیة: 41.
2- سورة الشوری، الآیة: 30.
3- الدعات للراوندی: 123/304. أنظر المداهنة: باب 1275. میزان الحکمة: ج1، ص400، ح1912.
4- نور الثقلین: 4/209/77. میزان الحکمة: ج1، ص402، ح1913.

ص: 90

ألف: إمّا أن ذلک الأذی ابتلاء للعبد وإن کان تعالی عالما بما یؤول إلیه الأمر إلاّ أن ذلک الابتلاء لکی تکون الحجة البالغة لله تعالی علی الناس کما فی قوله تعالی:

(الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیَاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِیزُ الْغَفُورُ) (1).

وقوله تعالی:

(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاکُمْ أَجْمَعِینَ) (2).

وورد أیضا فی الروایات الشریفة ما یشیر إلی ذلک کما فی قول أبی عبد الله علیه السلام:

«ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فیه المنّ والابتلاء»(3).

وجاء فی کتاب التوحید أیضا عن علی بن إبراهیم بن هشان، عن محمد بن عیسی بن عبید، عن یونس بن عبد الرحمن، عن حمزة بن محمد الطیّار، (عن أبی عبد الله علیه السلام:

«ما من قبض ولا بسط إلاّ ولله فیه مشیّة وقضاء وابتلاء»(4).

ولقد جاء هذا الابتلاء لکی یقع ما یعلمه الله تعالی من العبد وباختیاره فیجزئ کل عامل بعمله ولا شک أن هذا الابتلاء یصنع فئة مؤمنة صابرة تکون قدوة لغیرها کما یحکی ذلک القرآن الکریم فی قصة نبی الله أیوب علیه السلام.

باء: قد یصاب العبد بأذی وآلام لا لذنب اقترفه ولا للابتلاء والامتحان بل لکی ینال درجة ورتبة عالیة عند ربه کما حصل ذلک للإمام الحسین علیه السلام حیث


1- سورة الملک، الآیة: 2.
2- سورة الأنعام، الآیة: 149.
3- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص344، باب الابتلاء والاختیار، ح1.
4- التوحید للصدوق: ص344 __ 345، ح2.

ص: 91

أصابه من الألم والأذی ما لا یستطیع أحد تحمله إلاّ المعصوم لکی ینال درجة ادخرها الله تعالی له کما فی حدیث جده المصطفی صلی الله علیه وآله وسلم:

«حبیبی یا حسین إن أباک وأمک وأخاک قدموا علیّ وهم مشتاقون إلیک ، وإن لک فی الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة»(1).

وهذا ما تؤکده الروایات الشریفة کما فی قول هشام بن سالم عن أبی عبد الله علیه السلام أنه قال:

«إن أشد الناس بلاءً الأنبیاء، ثم الذین یلونهم ثم الأمثل فالأمثل».

وروایة سلمان بن خالد عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:

«إنه لیکون للعبد منزلة عند الله فما ینالها إلا بإحدی خصلتین، إما بذهاب ماله أوببلیة فی جسده»(2).

فیظهر من هاتین الروایتین وغیرهما أن هذا البلاء هو لطف إلهی یمنّ به الله تعالی علی عباده لیوصلهم إلی مقاماتهم المحمودة السامیة.

وللبلایا فوائد کثیرة منها:

ألف: أن تکون المصائب دافعاً لتحرک القابلیات ونهوض الهمم.

باء: أن تکون المصائب هزة لإیقاظ الغافلین المنغمسین فی لذائذ الدنیا لکی یرجعوا إلی بارئهم الحق سبحانه.

جیم: أن تکون المصائب سببا فی معرفة النعم وشکرها وتعظیمها کالعافیة لا تعرف قیمتها إلا بعد الإصابة بالمرض وهکذا.

وخلاصة القول: إن أفعال العباد أمر بین الأمرین بین الجبر والتفویض الباطلین


1- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج44، ص328.
2- الکافی للکلینی: ج2، ص257، ح23؛ وسائل الشیعة: ج3، ص262، ح3587.

ص: 92

أی أن الله تعالی جعل الاختیار لعباده فی الفعل والترک مع قدرته علی منعهم عما یختارون وعلی جبرهم فیما یترکون، کما أنه أقدرهم علی أفعالهم ولکن حد لهم الحدود ونهاهم عن القبائح، وبناء علی هذا فإن إرادة العبد فی طول إرادة الله تعالی لا فی قبالها.

وأمّا إرادته فی الطاعات فهی الأمر بها والرضا لها والمعاونة علیها، وإرادته فی المعاصی النهی عنها والسخط لها والخذلان علیها.

قدرة الله تعالی
اشارة

تعریف القدرة: هی الطاقة، القوة علی الشیء والتمکن منه(1).

القدیر: ذو القدرة، وهو الفاعل لما یشاء علی قدر ما تقتضی الحکمة لا زائداً علیه ولا ناقصاً عنه، ولذلک لا یوصف به إلاّ الله تعالی.

تعریفها اصطلاحا: هی المکنة علی الفعل أو الترک، مع الاختیار والإرادة(2).

وهناک تعاریف أخری لا تخرج عما ذکرناه لا حاجة لذکرها.

وإن القدرة التی یتصف بها الحق سبحانه لابد أن تلازم الاختیار وإلاّ انقلب القادر إلی موجَب أی مجبور علی الفعل أو مجبور علی الترک ولکی یتضح معنی القادر ومعنی الموجب لابد من ذکر الفارق بینهما:

ألف: للقادر أن یفعل إذا شاء ذلک، وله أن یترک إذا شاء ذلک فی آن واحد وبالنسبة لشیء واحد، وأمّا الموجَب لیس له أن یفعل إذا وجب علیه أن یترک، ولیس له أن یترک إذا وجب علیه أن یفعل.

باء: للقادر العلم بما یقدم علیه قبل الإقدام وأثناءه، ولیس للموجب ذلک.


1- المعجم الوسیط: ص718.
2- بدایة المعرفة: ص101.

ص: 93

جیم: فعل القادر یجوز أن یتأخر عن فاعله وجوداً، ولیس للموجب ذلک حیث إن فعله لا ینفک عنه کالإحراق بالنسبة للنار.

وحیث إن من صفاته تعالی أنه قدیر لابد لنا من معرفة الدلیل علی ذلک، ومعرفة صحة هذه القدرة، وهل هی من صفات الذات أم الفعل؟ وهذا ما سنتعرض له فی بحثنا هذا بحسب الحاجة لذلک فنقول:

1__ أمّا بالنسبة للدلیل علی قدرته تعالی فلدینا دلیل عقلی وآخر نقلی نوردهما کالآتی:

__ الدلیل العقلی وهو کما یلی:

ألف: دلیل الفطرة

تشهد الفطرة السلیمة علی أن هناک قدرة علیا نلجأ إلیها عند وقوعنا فی شدة أو أزمة لاسیما عند نفاد الأسباب أو فقدانها، وهذا ما تلمسه النفس البشریة دون تعلیم أو توجیه، فلذا نجد أن هناک میلاً وانجذابا فی النفس تجاه قوة قاهرة تستطیع إنقاذنا من الهلکة کما فی حدیث الإمام الصادق علیه السلام مع رجل یبحث عن وجود الله تعالی(1).

قال رجل: (یا ابن رسول الله دُلنی علی الله ما هو؟ فقد أکثر علیّ المجادلون وحیّرونی، فقال الإمام علیه السلام:

«یا عبد الله هل رکبتَ سفینة قطّ؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل کُسرتْ بک حیث لا سفینة تنجّیک ولا سباحة تغنیک؟».


1- الفوائد البهیة: ص88؛ لیل رکوب السفینة فی ص65 من الکتاب.

ص: 94

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل تعلّق قلبُک هنالک أنّ شیئاً من الأشیاء قادرٌ علی أن یخلّصک من ورطتک؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فذلک الشیء هو الله القادر علی الإنجاء حیث لا منجی وعلی الإغاثة حیث لا مغیث»)(1).

باء: دلیل النظام فی الخلقة

یشیر هذا الدلیل إلی أن لهذا الوجود خالقا قادراً مختاراً استطاع أن یوجده بهذه الهیئة وبهذا الجمال من حیث الدقة والتنظیم والتناسب والإبداع.

قال الإمام أمیر المؤمنین فی خطبة له:

«أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء، بلا رویة أجالها،  ولا تجربة استفادها، ولا حرکة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فیها، أحال الأشیاء لأوقاتها، ولأم بین مختلفاتها، وغرز غرائزها وألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محیطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها، ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشق الارجاء وسکائک الهواء، فأجری فیها ماء متلاطما تیاره متراکما زخاره، حمله علی متن الریح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها علی شده، وقرنها إلی حده، الهواء من تحتها فتیق، والماء من فوقها دفیق، ثم أنشأ سبحانه ریحا اعتقم مهبها وأدام مربها، وأعصف مجراها وأبعد منشاها، فأمرها بتصفیق الماء الزخار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء، وعصفت به عصفها بالفضاء، ترد أوله إلی آخره، وساجیه إلی


1- الفوائد البهیة فی شرح عقائد الإمامیة، الشیخ محمد جمیل: ص88.

ص: 95

مائره، حتی عب عبابه، ورمی بالزبد رکامه فرفعه فی هواء منفتق، وجو منفهق، فسوی منه سبع سماوات جعل سفلاهن موجا مکفوفا وعلیاهن سقفا محفوظا، وسمکا مرفوعا، بغیر عمد یدعمها، ولا دسار ینظمها، ثم زینها بزینة الکواکب، وضیاء الثواقب، وأجری فیها سراجا مستطیرا، وقمرا منیرا، فی فلک دائر، وسقف سائر، ورقیم مائر»(1).

جیم: قدرة المخلوق دلیل علی قدرة الخالق

إننا من خلال معرفتنا بأن المخلوقات الحیة قادرة والقدرة کمال لها، نعرف أن مفیض هذا الکمال لابد أن یکون واجداً له غیر فاقد لأن فاقد الشیء لا یمکن أن یعطیه، وما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام:

«کیف احتجب عنک من أراک قدرته فی نفسک»(2).

فیه إشارة صریحة إلی قدرة الله تعالی التی تتجلی فی هذه النفس البشریة من خلال جمال هذه الخلقة ومن خلال القدرة التی أودعت فیها.

الدلیل النقلی علی وجود القدرة الإلهیة:

الآیات الکریمة الآتیة تشیر إلی وجود القدرة الإلهیة:

قوله تعالی:

(أَوَلَیْسَ الَّذِی خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَی أَنْ یَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَی وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِیمُ) (3).


1- نهج البلاغة، خطب الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام: الخطبة الأولی، ص16 __ 18.
2- التوحید للصدوق: ص123.
3- سورة یس، الآیة: 81.

ص: 96

وقال سبحانه وتعالی:

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْکَنَّاهُ فِی الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَی ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ)(1).

وقوله عزّ وجلّ:

(فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (2).

وقال الله تبارک وتعالی:

(یَکَادُ الْبَرْقُ یَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ کُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِیهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَیْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ) (3).

وقوله سبحانه وتعالی:

(أَوْ کَالَّذِی مَرَّ عَلَی قَرْیَةٍ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَی عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّی یُحْیِی هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ کَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ یَوْمًا أَوْ بَعْضَ یَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَی طَعَامِکَ وَشَرَابِکَ لَمْ یَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَی حِمَارِکَ وَلِنَجْعَلَکَ آَیَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَی الْعِظَامِ کَیْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَکْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ) (4).

وغیرها من الآیات الکثیرة.

ألف: ورد عن الإمام الصادق علیه السلام إذ یقول:

«لم یزل الله عزّ وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم والسمع ذاته ولا مسموع والبصر ذاته


1- سورة المؤمنون، الآیة: 18.
2- سورة المعارج، الآیة: 40.
3- سورة البقرة، الآیة: 20.
4- سورة البقرة، الآیة: 259.

ص: 97

ولا مبصر والقدرة ذاته ولا مقدور»(1).

باء: قیل لأمیر المؤمنین علیه السلام، هل یقدر ربّک أن یدخل الدنیا فی بیضة من غیر أن یصغر الدنیا أو یکبّر البیضة؟ فقال علیه السلام:

«إنّ الله تبارک وتعالی لا ینسب إلی العجز»(2).

وفی روایة أخری قال علیه السلام:

«ویلک، إنّ الله لا یوصف بالعجز ومن أقدر ممّن یلطّف الأرض ویعظّم البیضة»(3).

وهناک أحادیث کثیرة تدل علی قدرة الله تعالی راجع کتاب التوحید باب القدرة.

2__ أمّا بالنسبة إلی سعة هذه القدرة نقول:

حکم العقل السلیم بأن واجب الوجود له الصفات الکمالیة ومن صفاته الکمالیة أن یکون قادراً قدرة لا حد لها ولا نهایة وإلا یلزم النقص والعجز والانقلاب إلی ممکن فقیر محتاج، ولذا یجب الإذعان بعموم قدرته سبحانه وسعتها لکل ما هو ممکن، وهذا ما أیدته الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة المتقدمة، ولا بأس بالإشارة إلی غیرها من الآیات والروایات کقوله تعالی:

(وَکَانَ اللَّهُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرًا) (4).

وقوله تعالی:

(وَکَانَ اللَّهُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ مُقْتَدِرًا) (5).


1- کتاب الکافی للکلینی: ج1، ص128، ح1.
2- کتاب التوحید للصدوق: ص126، ح9.
3- کتاب التوحید للصدوق: ص126، ح10.
4- سورة الأحزاب، الآیة: 27.
5- سورة الکهف، الآیة: 45.

ص: 98

وقال سبحانه وتعالی:

(وَمَا کَانَ اللَّهُ لِیُعْجِزَهُ مِنْ شَیْءٍ فِی السَّمَاوَاتِ وَلَا فِی الْأَرْضِ إِنَّهُ کَانَ عَلِیمًا قَدِیرًا)(1).

وکقول الإمام الصادق علیه السلام:

«والأشیاء له سواء علما وقدرة وسلطانا وملکا وإحاطة»(2).

وقول الإمام موسی بن جعفر علیه السلام:

«هو القادر الذی لا یعجز»(3).

3__ أمّا بالنسبة إلی قدرته هل هی من صفات الذات أم الفعل؟ فنقول:

اجتمعت کلمة الإلهیین علی أن القدرة من صفات الله تعالی الذاتیة الکمالیة کالعلم والحیاة ولا یختلف اثنان علی ذلک، ولا بأس بتوضیح بسیط لهذا، فنقول: یحکم العقل السلیم باستحالة أن یصنع الصانع هذا الکون دون أن یتصف بالقدرة، ویحکم کذلک بأن العجز نقص، ومحال أن یتصف به واجب الوجود لوجوب کماله، فیلزم من هذا أن القدرة صفة کمالیة ذاتیة، ومما یؤید قولنا لهذا ما ورد عن أهل بیت العصمة علیهم السلام کقول الإمام أبی جعفر علیه السلام:

عن علی بن أبی حمزة، عن أبی بصیر قال: (جاء رجل إلی أبی جعفر علیه السلام فقال له: یا أبا جعفر أخبرنی عن ربّک متی کان؟ فقال:

«ویلک، إنّما یقال لشیء لم یکن فکان: متی کان، إنّ ربّی تبارک وتعالی کان لم یزل حیّاً بلا کیف، ولم یکن له کان ولا کان


1- سورة فاطر، الآیة: 44.
2- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص129.
3- کتاب التوحید للصدوق: ص17.

ص: 99

لکونه کیف، ولا کان له أین، ولا کان فی شیء، ولا کان علی شیء، ولا ابتدع لکونه مکاناً ولا قوی بعد ما کوّن شیئاً، ولاکان ضعیفاً قبل أن یکوّن شیئاً، ولا کان مستوحشاً قبل أن یبتدع شیئاً، ولا یشبه شیئاً مکوِّناً، ولا کان خِلْواً من [القدرة علی] المُلک قبل إنشائه، ولا یکون منه خلواً بعد ذهابه، لم یزل حیّاً بلا حیاة، وملکاً قادراً قبل أن ینشئ شیئاً، ومَلِکاً جبّاراً بعد إنشائه للکون، فلیس لکونه کیف، ولا له أین، ولا له حدّ، ولا یعرف بشیء یشبهه، ولا یَهْرَم لطول البقاء، ولا یَصْعَق لشیء، ولا یُخوفه شیء، تصعق الأشیاء کلّها من خیفته، کان حیّاً بلا حیاةٍ عاریةٍ ولاکونٍ موصوف، ولا کیفٍ محدود، ولا أثر مقفوّ ولا مکان جاوَر شیئاً، بل حیّ یعرف، ومَلِک لم یزل له القدرة والمُلْک، أنشأ ما شاء کیف شاء بمشیّته، لا یحدّ ولا یبعّض، ولا یفنی، کان أوّلاً بلا کیف، ویکون آخراً بلا أین، وکلّ شیء هالک إلاّ وجهه، له الخلق والأمر تبارک الله ربّ العالمین، ویلک أیّها السائل، إنّ ربّی لا تغشّاه الأوهام، ولا تنزل به الشبهات، ولا یجار من شیء ولا یجاوره شیء ولا تنزل به الأحداث، ولا یسأل عن شیء یفعله، ولا یقع علی شیء، ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ما فی السموات وما فی الأرض وما بینهما وما تحت الثری»)(1).

وقول الإمام الرضا علیه السلام، عن محمد بن إسماعیل البرمکی قال: حدّثنا الحسین بن الحسن قال: (حدّثنا محمّد بن عیسی، عن محمد بن عرفة، قال: قلت للرضا علیه السلام خلق الله الأشیاء بالقدرة أم بغیر القدرة؟ فقال __ علیه السلام __:

«لا یجوز أن یکون خلق الأشیاء بالقدرة لأنّک إذا قلت: خلق الأشیاء بالقدرة فکأنّک قد جعلت القدرة شیئاً غیره، وجعلتها آلة له بها خلق الأشیاء،


1- کتاب التوحید للشیخ الصدوق: ص168 __ 169، ح2.

ص: 100

وهذا شرک، وإذا قلت: خلق الأشیاء بقدرة فإنّما تصفه أنّه جعلها باقتدار علیها وقدرة، ولکن لیس هو بضعیف ولا عاجز ولا محتاج إلی غیره»)(1).

أسئلة فی القدرة

بعد أن عرفنا أن قدرته من صفات الذات وهی عین ذاته، کما عرفنا أن الذات الإلهیة ذات لا نقص فیها ولا عجز ووقفنا علی سعة قدرته صار لابد أن نسمع أسئلة السائلین ونجیب علیها إضافة لما تقدم:

السؤال: هل یقدر الله تعالی أن یخلق مثله؟

الجواب: المثل إمّا یکون واجباً أیضا أو ممکنا، فإن کان واجبا یلزم اجتماع الضدین لأن ما فرضناه واجباً لابد أن یکون قدیما وهذا المثل مخلوق فهو حادث فیلزم أن یکون هذا المثل واجبا وحادثاً فی آن واحد ویتفرع علی هذا أن یکون واجباً وممکناً لأنه خلق من قبل غیره، فإذن المثل محال والمحال باطل لیس بشیء والله تعالی تتعلق قدرته بالأشیاء.

السؤال: هل أنه تعالی قادر علی أن یدخل الدنیا فی البیضة دون أن تکبر البیضة وأن نصغر الدنیا؟

الجواب: یلزم من هذا القول أن یکون الظرف الکبیر فی مظروف صغیر، وهذا مرفوض بالبداهة لأن العقل السلیم یحکم ببداهة وجوب کبر الظرف عن المظروف لکی یتحقق الاحتواء، ویلزم أیضا أن یکون المظروف الکبیر فی داخل الظرف الصغیر فیحصل اجتماع النقیضین، أی یکون المظروف الکبیر صغیراً فی آن واحد، ویکون الظرف الصغیر کبیراً فی آن واحد وهذا محال وقد تقدم عدم تعلق قدرة الله تعالی بما هو محال لبطلانه وعدم شیئیته.


1- کتاب التوحید للصدوق: ص126، ح12.

ص: 101

السؤال: هل لله القدرة علی إیجاد شیء لا یقدر علی إفنائه؟

الجواب: أیضا هذا من المحال لأن کل ممکن حادث وهو قابل للفناء، فکیف یکون حادثا ممکناً قابلاً للفناء وغیر قابل للفناء، ویلزم من عدم فنائه انقلابه إلی واجب فیلزم المحال من ذلک.

وهناک الکثیر من الأسئلة التی یجاب عنها بهذه الطریقة الواضحة.

__ وقوله علیه السلام:

(لا تَتَداولُهُ الأُمورُ، ولا تَجرِی عَلَیهِ الأحْوالُ، ولا تَنزِلُ عَلَیهِ الأحْداثُ، ولا یَقدِرُ الواصِفُونَ کُنْهَ عَظَمَتِه).

لا یکون الواجب إلاّ کاملا ولا کمال إلاّ ینفی النقص عمن اتصف بالکمال وعلی هذا نقول:

لا یلیق بالإله الذی خلق ودبر وربی إلاّ أن یکون واجداً لصفات الکمال ومنزّهاً عن کل نقص وقبیح، ومما یجب أن ینزه عنه تعالی هو أن لا یکون محتاجا إلی الغیر لا فی ذاته ولا فی صفاته، ولا یحتاج إلی المکان والزمان والکیفیة والأدوات والآلات، فهو الغنی المطلق والحق المبین لاحتیاج کل ما سواه إلیه واستغنائه عن کل شیء، فالکمال ذاته وبالغنی ألوهیته وربوبیته وتدبیره، وحیث إن واجب الوجود غنی کامل له الصفات العلیا والأسماء الحسنی فهو منزه عن الأجزاء والترکیب لما فیها من نقص وفقر وحاجة، ومنزه عن کونه محلاً للتغییرات والحوادث کالنوم والیقظة أو الحرکة والسکون أو القیام والقعود أو الکهولة والصبا أو الشباب والشیب أو القوة والضعف أو النشاط والکسل أوالفرح والحزن أو الرضا والسخط لما فی ذلک من نقص وقبح وعجز وحاجة وفقر وحدوث، ومنزه عن الحلول والاتحاد فلا یحل بغیره ولا یتحد به لما فی ذلک من حاجة إلی المحل وافتقار إلی الغیر، ومنزه عن الجسم والجسمانیة والأبعاد والکثافات والحجم

ص: 102

والکتلة والخفة والثقل والطول والعرض والعمق والسطح.

فکیف یکون محتاجا وذاته الغنی؟ وکیف یکون مرکبا، والترکیب نقص؟ وکیف یکون محلاً للحوادث وهو الله الذی لا إله إلا هو الحی القیوم الذی لا تأخذه سنة ولا نوم؟ وکیف یکون فی محل ومکان والمحل والمکان من خلقه وهو بکل شیء محیط؟ وکیف یکون له عمرٌ وسن وهو الذی خلق الزمان؟ وکیف یتحد بغیره ولا غیر فی الوجود سواه؟ وکیف یتحد مع غیره وهو لا شریک له فی الوجود ولا مثیل ولا ند ولا ضد ولا منازع ولا شبیه؟ وکیف یکون جسما والجسم حادث تعتریه التغیرات وتحده الحدود وتراه العیون؟ فلا وصف له إلاّ ما وصف به نفسه ولا إحاطة بکنهه ولا علم بذاته إلاّ إحاطته وعلمه فتعالی الله عن کل صفة صفته وسمی ربنا عن المربوب وتجلی عن المخلوقات.

وما ورد علی لسان أمیر المؤمنین علیه السلام خیر ما یدل علی جلال الله تعالی وعلوه عن صفات الخلق کقوله:

«أول الدین معرفته، وکمال معرفته التصدیق به، وکمال التصدیق به توحیده، وکمال توحیده الإخلاص له، وکمال الإخلاص له نفی الصفات عنه لشهادة کل صفة أنها غیر الموصوف، وشهادة کل موصوف أنه غیر الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إلیه فقد حده، ومن حده فقد عده، ومن قال فیم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلی منه، کائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع کل شیء لا بمقارنة، وغیر کل شیء لا بمزایلة، فاعل لا بمعنی الحرکات والآلة، بصیر إذ لا منظور إلیه من خلقه، متوحد إذ لا سکن یستأنس به ولا یستوحش لفقده، أنشأ الخلق إنشاء، وابتدأه ابتداء بلا رویة أجالها ولا تجربة استفادها

ص: 103

ولا حرکة أحدثها ولا همامة نفس اضطرب فهیا، أحال الأشیاء لأوقاتها ولاءم بین مختلفاتها وغرز غرائزها وألزمها أشباحها، عالماً بها قبل ابتدائها، محیطاً بحدودها وانتهائها عارفاً بقرائنها وأحنائها»)(1).

 __ وقوله علیه السلام:

(لا یَخطُرُ عَلی القُلُوبِ مَبلَغُ جَبَروتِهِ، لأنَّه لَیسَ لَهُ فی الأشْیاءِ عَدِیلٌ).

اعلم أن المخلوق لا قدرة له ولا سبیل إلی معرفة کنه الخالق ولا علم ولا إحاطة بحقیقته جل شأنه لاستحالة إحاطة المحدود باللامحدود والممکن بالواجب، ولجلاله تعالی عن أن یحد أو یحاط به، وهذا ما أکده قوله تعالی:

(وَلَا یُحِیطُونَ بِهِ عِلْمًا) (2).

وقوله تعالی:

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (3).

کما أن الروایات کثیرة فی هذا المضمون کقول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«اللهُ مَعْناهُ المَعْبُودُ الّذِی یَأْلَهُ فِیْهِ الْخَلْقُ وَیُؤْلَهُ إلَیْهِ، وَاللهُ هُوَ المَسْتُورُ عَنْ دَرْکِ الأبْصَارِ، المَحْجُوبُ عَنِ الأوْهَامِ وَالخَطَرَاتِ»(4).

وقال الإمام الباقر علیه السلام:

«اللهُ مَعْنَاهُ المَعْبُودُ الّذِی ألِهَ الخَلْقُ عَنْ دَرْکِ مَاهِیَّتِهِ والإحَاطَةِ بِکَیْفِیَّتِهِ»(5).


1- حق الیقین، السید عبد الله شبر: ص67.
2- سورة طه، الآیة: 110.
3- سورة الأنعام، الآیة: 91.
4- میزان الحکمة، محمد الریشهری: ج1، ص124، ح658.
5- میزان الحکمة، الریشهری: ج1، ص124، ح689.

ص: 104

ومما أشار إلیه الإمام الحسین علیه السلام هو بیان علة عدم الإحاطة به تعالی والوقوف علی کنه ذاته، فقال علیه السلام:

«لأن لیس له فی الأشیاء عدیل».

وکأنما أراد الإمام علیه السلام أن یقول أمراً وهو أن بعض التصورات والأفکار التی تجول فی ذهن الإنسان منتزعة من الوجودات الخارجیة کمعرفتنا مثلاً للشجرة التی وقع علیها الحس، أو کمعرفتنا للأرض والسماء، وأمّا ما لیس له وجودٌ مرئیٌ فلا یمکن تصوره ووصفه، وحیث إن الله تعالی لیس له فی الأشیاء مثیل لا نستطیع تصوره أو وصفه إلاّ بما وصف به نفسه تعالی، ویمکن تفسیر قوله علیه السلام لأن لیس له فی الأشیاء عدیل أی لا یوجد من له القدرة والإحاطة بغایة جبروته لأن لا شبیه ولا عدیل لجبروته حتی نستطیع أن نقف علی جبروت الله تعالی ونعرف کنهه، کما أن الإمام علیه السلام ینفی أن یکون لله تعالی شبیه أو مثل فکیف نستطیع من خلال معرفة الشبیه أن نعرف الأصل وهو الله تعالی کنه ذات الله تعالی ممتنعة علی مخلوقاته لمحدودیة المخلوق وتناهیه، ولإحاطة الخالق وکبره عن أن یوصف وخیر من أشار إلی ذلک الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله،

ورد فی التوحید (عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی خطبة الوسیلة:

«الحمد لله الذی أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول عن أن تتخیل ذاته فی امتناعها من الشبه والشکل، بل هو الذی لم یتفاوت فی ذاته ولم یتبعض بتجزیة العدد فی کماله، فارق الأشیاء لا علی اختلاف الأمکان، وتمکن منها لا علی الممازجة، وعلم بها لا بأداة لا یکون العلم إلا بها ولیس بینه وبین معلومه علم غیره، إن قیل کان فعلی تأویل أزلیة الوجود وإن قیل لم یزل، فعلی تأویل نفی العدم»(1).


1- حق الیقین: ص66.

ص: 105

وقال علیه السلام:

«لم تحط به الأوهام بل تجلی لها بها، وبها امتنع منها وإلیها حاکمها، لیس بذی کبر امتدت به النهایات فکبرته تجسیماً، ولا بذی عظم تناهت به الغایات فعظمته تجسیداً، بل کبر شأناً وعظم سلطاناً».

__ وقوله علیه السلام:

«لا تُدرِکُهُ العُلَماءُ بِأَلبابِها، ولا أهلُ التَّفکِیرِ بِتَفکِیرِهِمْ إلاّ بِالتَّحقِیقِ(1) إیقاناً بِالغَیبِ».

أشار الإمام الحسین علیه السلام بقوله هذا إلی قصور إدراک العلماء فضلاً عن غیرهم، وعجز عقولهم مع ما لهم من العلم والمعرفة وقوة الملاحظة وتوقد الذهن وسعة الفطنة، وعجز الألباب وحیرة الفکر فی ذات الله تعالی وکنهه ناشئ من امتناعه علی الألباب لوجوب وجوده، ومحدودیة الألباب لأنها ممکنه، فلذا نهانا أمیر المؤمنین علیه السلام من الخوض فی هذا الأمر بقوله:

«لا تقدر عظمة الله علی قدر عقلک فتکون من الهالکین».

وأکد الإمام علیه السلام أن إدراک وجود الله تعالی وعظمته تتم من خلال الآثار والصفات التی تجلّت فی عالم الوجود، ویحصل الیقین بوجوده تعالی وعظمته من خلال الأخبار التی وردت علی لسان خاتم الأنبیاء صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته الطاهرین سلام الله علیهم أجمعین وهو من الإیمان بالغیب.

ومما یؤکد عجز العلماء والمفکرین فی إدراک الحق سبحانه قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«محرم علی بوارع ثاقبات الفطن تحدیده، وعوامق ناقبات الفکر تکییفه، وعلی


1- اللّبُّ: العقل. والتحقیق: التصدیق.

ص: 106

غوائص سابحات النظر تصویره، لا تحویه الأماکن لعظمته، ولا تذرعه المقادیر لجلاله، ولا تقطعه المقاییس لکبریائه، ممتنع عن الأوهام أن تکتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تمثله، قد یئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الإشارة إلیه بالاکتناه بحارة العلوم، ورجعت بالصغر عن السمو إلی وصف قدرته لطائف الخصوم.

واحد لا من عدد ودائم لا بأمد وقائم لا بعمد، لیس بجنس فتعادله الأجناس، ولا بشبح فتعارضه الأشباح، ولا کالأشیاء فتقع علیه الصفات، قد ضلت العقول فی أمواج تیار إدراکه، وتحیرت الأوهام عن إحاطة ذکر أزلیته، وحصرت الأفهام عن استشعار وصف قدرته، وغرقت الأذهان فی لجج أفلاک ملکوته، مقتدر بالآلاء وممتنع بالکبریاء ومتملک علی الأشیاء، فلا دهر یخلقه ولا وصف یحیط به، قد خضعت له ثوابت الصعاب فی محل تخوم قرارها، وأذعنت له رواصن الأسباب فی منتهی شواهق أقطارها، مستشهد بکلیة الأجناس علی ربوبیته، ویعجزها علی قدرته، وبفطورها علی قدمته، وبزوالها علی بقائه، فلا لها محیص عن إدراکه إیاها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع عن قدرته علیها، کفی باتقان الصنع لها آیة وبمرکب الطبع علیها دلالة وبحدوث الفطر علیها قدمه وبإحکام الصنعة لها عبره، فلا إلیه حد منسوب ولا له مثل مضروب ولا شیء عنه بمحجوب، تعالی عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علواً کبیراً»(1).

__ وقوله علیه السلام:

«لأّنَّهُ لا یُوصَفُ بِشَیءٍ مِن صَفاتِ المَخلوُقِینَ».


1- حق الیقین، السید عبد الله شبر: ص66 __ 67، الباب الثالث: معرفة الذات والصفات.

ص: 107

ثبت فی محله أن فی الوجود واجب الوجود وممکن الوجود، وثبت أن الواجب هو عین الغنی، والممکن عین الفقر والحاجة, وثبت أیضا أن الواجب یتصف بکل صفات الکمال ومنزه عن کل نقص وقبح، بینما یتصف الممکن بالنقص والحاجة، ولکی یتضح قول الإمام الحسین علیه نقول:

یتصف المخلوق بصفات حسنة وکاملة بالنسبة إلیه إلاّ أنها نقص وقبح وفقر بالنسبة لخالقه، فلو قلنا إن المخلوق یتصف بصفة العلم أو القدرة أو الإدرک فهی صفات کمال بالنسبة للمخلوق ولکن هذه الصفات لو نسبناها إلی الله تعالی بحدودها ومقدارها وشروطها لصارت نقصا وحاجة، لأنه تعالی سیکون عالما بعلم محدود وقادراً بقدرة محدودة ومدرکاً بإدراک محدود وهکذا، فلذا لا یصح أن یوصف بصفات المخلوقین، ومحال أن یکون کالمخلوق لأن (لیس کمثله شیء)، کما أنه تعالی منزه عن کل صفات المخلوقین من الترکیب والمکان والزمان والحدوث والاتحاد والفناء... الخ.

وقد تقدم الکلام فی ذلک.

ولکی لا یقع الإنسان فی محذور التشبیه الذی حذر منه الإمام الحسین علیه السلام نورد بعض فقرات الأدعیة التی جاءت علی لسان أمیر المؤمنین علیه السلام التی تؤکد أن ذات الله تعالی لا یحیط بها العالم أو المفکر فضلاً عن عامة الناس، فلقد ورد فی دعاء المشلول المروی عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«یا من لا یعلم ما هو ولا کیف هو ولا أین هو ولا حیث هو إلاّ هو».

وفی دعاء الإمام السجاد علیه السلام دلیل واضح علی عجز المخلوق فی معرفة الله تعالی کقوله:

«ولم تجعل للخلق طریقا إلی معرفتک إلاّ بالعجز عن معرفتک»(1).


1- مفاتیح الجنان: مناجاة العارفین.

ص: 108

(وهو الواحد الصمد)
معنی الواحد

کل شیء یدل علی وحدانیته کما دل علی وجوده، وکل جارحة تشهد علی أن خالقها واحد ومدبرها واحد وفانیها واحد، فالقلب یتوجه إلی الله تعالی عندما یلم به الخطر، والضمیر یفزع إلیه عندما یضطر إلی حاجته، والوجدان لا یستعین ولا یستغیث إلا به تعالی، وهذا مما یکشف عن أن القلب والعقل لا یعرفان إلا هو تعالی بالفطرة قبل الدلیل، ولکی یتضح ما تقدم ننقل محاورة الإمام الصادق علیه السلام مع رجل سأله عن الدلالة علی الله تعالی:

قال رجل: (یا بن رسول الله دُلنی علی الله ما هو؟ فقد أکثر علیّ المجادلون وحیّرونی، فقال الإمام علیه السلام:

«یا عبد الله هل رکبتَ سفینة قطّ؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل کُسرتْ بک حیث لا سفینة تنجّیک ولا سباحة تغنیک؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فهل تعلّق قلبُک هنالک أنّ شیئاً من الأشیاء قادرٌ علی أن یخلّصک من ورطتک؟».

قال: نعم، فقال علیه السلام:

«فذلک الشیء هو الله القادر علی الإنجاء حیث لا منجی وعلی الإغاثة حیث لا مغیث»)(1).


1- الفوائد البهیة فی شرح عقائد الإمامیة، الشیخ محمد جمیل: ص88.

ص: 109

فبعد هذه المحاورة یتضح لنا أن الإمام الصادق علیه السلام أشار إلی وحدانیة الله تعالی فضلاً عن وجوده فی قوله (فهل تعلق قلبک هنالک أن شیئا من الأشیاء قادر علی أن یخلصک من ورطتک)؟

فقوله (أن شیئا) وقوله (قادر) فیه دلالة علی وحدانیة الله تعالی لأن الإمام علیه السلام لو کان یعتقد أن مع الله تعالی إلها آخر لما قال للرجل (أن شیئا) و(قادر) بصیغة المفرد، فمن هذا یتضح أن وحدانیة الله تعالی ترتکز فی فطرة الإنسان وهذا ما أکده الرجل بقوله (نعم) أی أن قلبی تعلق بشیء واحد وقادر واحد ولم یقل (کلا) لقد تعلق قلبی بأکثر من شیء.

فبهذه المقدمة تبین من خلال الفطرة أن الله تعالی واحد لا شریک له، وأمّا ما دل علی وحدانیته فی مقام الذات والصفات والأفعال فلقد تقدم الحدیث عن ذلک فی بحثنا (استخلص الوحدانیة والجبروت).

معنی الصمد

وأمّا عن قوله علیه السلام (الصمد) نقول:

الصمد فی اللغة: المقصود لقضاء الحاجات، اسم من أسماء الله الحسنی، ویقال شیء صمد: مصمت لا جوف له(1).

الصمد فی الاصطلاح: السید المعظم الذی یصمد إلیه فی الحوائج، أی یقصد، وقیل: هو السید الذی ینتهی إلیه السؤدد(2).

بعد التأمل فیما سبق من الآیات التی تطرقنا فیها إلی بیان صفات واجب الوجود یظهر لنا جلیاً أن اسم الصمد اسم لا یلیق إلا بالغنی المطلق والعالم والقادر


1- المعجم الوسیط: ص522.
2- مجمع البیان: ج10، ص544.

ص: 110

المطلق وهذا لا یصدق إلاّ علی الله الواحد الأحد الفرد الصمد، فلا شک أن الله تعالی هو الذی برأ الخلق وأوجد کل ذی وجود بعلمه وقدرته، وهو الذی أعطی کل خلقه حاجته وأدام فیضه علی خلقه فلذا استحق أن یکون مقصوداً فی الحاجات، لأنه تعالی الغنی المطلق فهو یقصد ولا یقصد أحدا لافتقار کل ما سواه إلیه فلذا أورد قوله تعالی:

(وَأَنَّ إِلَی رَبِّکَ الْمُنْتَهَی) (1).

وإذا تأملنا المعنی اللغوی للصمد الذی هو مصمت لا جوف له، یظهر لنا عدم حاجته للأکل والشرب والنوم کما أنه لم یلد ولم یولد، وما ورد عن أهل البیت علیهم السلام فی تفسیر الصمد یدلنا علی معانی کثیرة نذکرها للفائدة الکبیرة.

قال الإمام الباقر علیه السلام:

«حدّثنی أبی زین العابدین علیه السلام، عن أبیه الحسین بن علی علیهما السلام أنه قال: (الصمد) الذی قد انتهی سؤدده، والصمد: الدائم الذی لم یزل ولا یزال، والصمد: الذی لا جوف له، والصمد: الذی لا یأکل ولا یشرب، والصمد: الذی لا ینام».

وقال أیضا علیه السلام:

«والصمد: السید المطاع الذی لیس فوقه آمر ولا ناه».

وسُئل الإمام علی بن الحسین زین العابدین علیه السلام عن (الصمد) فقال:

«الصمد: الذی لا شریک له ولا یؤوده حفظ شیء، ولا یعزب عنه شیء».

وقال علیه السلام:

«الصمد: الذی إذا أراد شیئاً أن یقول له کن فیکون، والصمد: الذی أبدع


1- سورة النجم، الآیة: 42.

ص: 111

الأشیاء، فخلقها أضدادا وأصنافا، وأشکالا وأزواجا، وتفرد بالوحدة بلا ضد، ولا شکل، ولا مثل، ولا ند».

قال وهب بن وهب: وحدثنی الصادق جعفر بن محمد علیه السلام عن أبیه الباقر علیه السلام، عن أبیه علیه السلام، أن أهل البصرة کتبوا إلی الحسین بن علی علیه السلام یسألونه عن الصمد، فکتب إلیهم:

«بسم الله الرحمن الرحیم، أمّا بعد: فلا تخوضوا فی القرآن، ولا تجادلوا فیه، ولا تتکلموا فیه بغیر علم، فقد سمعت جدی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم یقول: من قال فی القرآن بغیر علم فلیتبوأ مقعده من النار، وإن الله قد فسر سبحانه الصمد.

 فقال:

(لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُولَدْ (3) وَلَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُوًا أَحَدٌ) (1)»)(2).

(ما تَصَوَّرَ فی الأوهام فهو خلافه)

التصوّر فی اللغة: (تصوّر: تکونت له صورة وشکل __ والشیء __ تخیله واستحضر صورته فی ذهنه.

التصوّر فی علم النفس: استحضار صورة شیء محسوس فی العقل دون التصرف فیه.

التصوّر عند المناطقه: إدراک المفرد: أی معنی الماهیة من غیر أن یحکم علیها بنفی أو إثبات)(3).


1- سورة الإخلاص، الآیتان: 3 و4.
2- تفسیر مجمع البیان، الطبرسی: ج10، ص550.
3- المعجم الوسیط: ص528.

ص: 112

التصوّریة فی الفلسفة: المذهب القائل بأن الکلیات لا توجد إلا فی الذهن وهو یقابل مذهبی الواقعیة والأسمیة.

الوهم: ما یقع فی الذهن من الخاطر، وهم الشیء دار فی خاطره، توهّم الشیء: ظنه __ وتمثله وتخیله کان فی الوجود أو لم یکن(1).

التصور والتصدیق

التصور: هو علمک بالشیء دون أن تجزم أو تعتقد بمطابقة علمک للواقع.

التصدیق: هو علمک بالشیء مع مطابقة ذلک للواقع مما یدفع النفس للإذعان والتصدیق بالمطابقة.

ولکی یتضح المطلب نقول: إذا حصل فی ذهنک علم بشیء دون أن تصل إلی حد الجزم والاعتقاد به فهذا یسمی تصوراً مجرداً، وإذا قمت بالبرهنة والاستدلال علی ثبوته أو نفیه وحصل لک جزم واعتقاد بذلک فهذا یسمی تصدیقاً ولکی یکون المطلب أوضح نضرب مثلا لذلک:

(لو قلت لک أن قبة الإمام الحسین علیه السلام بیضویة الشکل مذهبة بذهب خالص حصل عندک تصور عما أخبرتک به، ولما ذهبت وتحققت من الخبر وثبت لک صحة ما قلت حصل لک تصدیق لمطابقة الخبر للواقع).

فالتصور مجرد علمک بشیء دون أن یستتبع ذلک التصور جزم واعتقاد، والتصدیق هو ترجیح أحد طرفی الخبر مع نفی احتمال الطرف الآخر وهذا هو (الیقین) أو مع وجود احتمال ضعیف للطرف الآخر وهذا یسمی (الظن) وهذا ما ینقسم إلیه التصدیق علی بعض الآراء.


1- المعجم الوسیط: ص1060.

ص: 113

الوهمیات

وهی القضایا الوهمیة الصرفة، وهی قضایا کاذبة(1)، ولکی نقف علی هذا المطلب نحتاج إلی مقدمة فنقول:

أخرج الله تعالی الإنسان من بطن أمه وهو لا یعلم شیئاً، إلا أنه یملک حواساً ظاهره کحاسة السمع والبصر والذوق واللمس فیستخدم هذه الحواس فی بیئته فیحس بالأشیاء ویتأثر بها ویحصل عنده علم نتیجة استخدامه لهذه الحواس، ویسمی (العلم الحسی) وهو أول درجات العلم وهذا ما یؤکده الله سبحانه وتعالی:

(وَاللَّهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَیْئًا وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ) (2).

ثم یحفظ هذه الصورة التی أدرکها بالحس فی ذهنه فینسب بعضها إلی بعض کقوله (هذا أطول من ذاک) أو یؤلف بعضها مع بعض فتکون عنده صوراً لا واقع لها فی الخارج، فهذا الحفظ أو التألیف یسمی (العلم الخیالی) ثم یتجاوز إدراک المحسوسات إلی إدراک أمور لیست هی من جنس المحسوسات کحبّ الغیر له وحبه لغیره أو بغض الغیر له أو بغضه لغیره وهذا یسمی (بالعلم الوهمی) یحصل علیه الإنسان بقوة الوهم.

للوهم معنیان تارة یراد منه ما یقابل الظن وهو: أن تحتمل مضمون الخبر أو عدمه مع ترجیح الطرف الآخر، وأخری: یراد منه تصویر الأمور غیر المحسوسة تصویراً محسوساً فترتکز هذه الصور فی ذهنه حتی تستفحل وتتحول إلی قضایا ثابتة فی النفس لا یمکن رفضها حتّی مع قیام البرهان علی خلافها وقد تتحول إلی معتقدات یصعب زوالها، ولکی نوضح هذا الأمر بالمثال نقول: نجد الإنسان لا یقبل الاجتماع مع میت


1- منطق المظفر: ج3.
2- سورة النحل، الآیة: 78.

ص: 114

فی مکان مظلم رغم علمه أنه جماد لا یتحرک ولا یضر ولا ینفع، وإذا کان خوفه ناشئاً من عودة الحیاة إلی هذا المیت فالعقل یحکم بأنه سیرجع إنساناً سویا لا سیما إذا کان من الأحبة، ولکن الوهم والقوة الواهمة ترفض حکم العقل وتجعل صاحبها فی خوف دائم من المیت.

فالوهم تابع للحس ومنقاد له ولذا یطبق أحکام المحسوسات علی غیر المحسوس أیضا کتوهمه بأن الله تعالی فی مکان عالٍ وله هیئة کبیرة وإلخ من التوهمات فیقع فی التجسیم والتشبیه وهذا ما أشار إلیه الإمام الحسین علیه السلام بقوله أعلاه.

__ وقوله علیه السلام:

«لَیسَ بَربٌّ مَنْ طُرِحَ تَحْتَ البَلاغِ، وَمَعْبُودٍ مَن وجِدَ فی هواءٍ أو غَیرِ هَواءٍ».

من خلال معرفتنا لعظمة الله تعالی وغناه وتنزهه عن الحدود المکانیة والزمانیة یتضح لنا قول الإمام الحسین علیه السلام المتقدم ونراه یؤکد فیه أن الرب الذی یدبر شؤون مخلوقاته ویدیر أمر الممکنات لا یمکن أن یخضع للحدود، ولا یمکن أن یحده مکان أو یحیط به شیء مهما کانت سعته حتی لو کان هواءً أو غیره ممن هو أوسع من الهواء وأکثر مرونة منه، ولا یستحق المحدود والمتناهی العبودیة لانتفاء صفات المعبود فیه، إذ إننا نعلم أن من یستحق أن یعبد هو من لا شریک ولا ند ولا مثیل ولا شبیه ولا حاجة ولا کتلة ولا حجم ولا کثافة ولا وزن ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا صورة ولا جسم له بل ولا صفة من صفات العباد الکمالیة وغیرها، لأنه لیس کمثله شیء وتعالی من أن یحاط بأرض أو سماء أو ماء أو هواء، وما ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی نهج البلاغة بقوله:

«قد علم السرائر وخیر الضمائر وله الإحاطة بکل شیء».

یؤکد هذا المعنی بل یترجم قوله تعالی:

ص: 115

(وَلِلَّهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَکَانَ اللَّهُ بِکُلِّ شَیْءٍ مُحِیطًا) (1).

__ وقوله علیه السلام:

«هُوَ فی الأشْیاءِ کائِنٌ لا کَینُونَةَ مَحظُورٍ بِها عَلَیهِ، وَمِنَ الأَشْیاءِ بائنٌ لا بَینُونَةَ غائبٍ عَنها».

تبین مما تقدم جلالة الله تعالی عن صفات الأجسام وقوانینها وآثارها فلذا لا یمکن أن نفسر قول الإمام الحسین علیه السلام بتفسیر یوحی بالجسمیة والمحدودیة والمادیة، بل لابد من بیان لقوله علیه السلام یؤکد نزاهة الله تعالی عن کل صفة من صفات المخلوقین وهذا ما سنتعرض له فنقول:

لا یصح أن نفسر قول الإمام علیه السلام (فی الأشیاء) بالدخول، وقوله (من الأشیاء) بالخروج لأنهما من صفات الأجسام وهو تعالی لیس بجسم، فضلا عن غناه المطلق عن کل شیء، فلو دخل فی الأشیاء کدخول الأجسام فی بعضها لزم افتقاره إلی المکان والمحدودیة وهذا من صفات الممکن وقد ثبت أنه تعالی واجب الوجود غنی مطلق، وکذلک لو قلنا بدخوله فی الأشیاء کدخول الأجسام یلزم من قولنا هذا وصفه بالنقص لأن الدخول إما أن یکون کاملاً له أو لا؟ فعلی الأول یلزم وصفه بنقص سابق فأراد أن یستکمل بالدخول، وعلی الثانی: یکون الدخول نقصا بذاته یتصف به الحق سبحانه وعلی الفرضین یقع التجسیم والوصف القبیح تعالی الله عن ذلک علواً کبیراً، فلذا لابد من تفسیر قول الإمام علیه السلام بأنه سبحانه هو القیوم المحیط بکل شیء، وهذه الإحاطة التی یحیط الأشیاء بها هی إحاطة تامة للظاهر والباطن علی حد سواء، وهذا المعنی ورد فی أقوال أمیر المؤمنین علیه السلم فی أکثر من خطبة کما فی قوله علیه السلام:


1- سورة النساء، الآیة: 126.

ص: 116

«لیس فی الأشیاء بوالج ولا عنها بخارج»(1).

ولنزاهته تعالی عن الحدود والحلول والعجز نجد سید الموحدین علیه السلام یصفه فی خطبة أخری فیقول:

«لم یحلل فی الأشیاء فیقال هو فیها کائن، ولم ینأ عنها فیقال هو منها بائن»(2).

ولکی لا یفسر قربه وبُعده تعالی تفسیراً مادیاً بوجب التشبیه یقول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«لم یقرب من الأشیاء بالتصاق، ولم یبعد عنها بافتراق»(3).

وهکذا دیدن أهل البیت علیهم السلام فی وصفهم لخالقهم وربهم ومعبودهم، لا یختلف أمیر المؤمنین علیه السلام مع ولده الإمام الحسین علیه السلام ولا الإمام الحسین مع ذریته الأئمة المعصومین علیهم السلام فی وصفهم لله تعالی وتنزیهه وتسبیحه عما لا یلیق بکماله سبحانه، ومن ضمن هذه الروایات:

عن أحمد بن محمد بن خالد البرقی، عن أبیه، عن النضر بن سوید، عن یحیی الحلبی، عن ابن مسکان، عن زرارة بن أعین قال: (سمعت أبا عبد الله علیه السلام یقول:

«إنّ الله خلو من خلقه وخلقه خلو منه، وکل ما وقع علیه اسم شیء ما خلا الله فهو مخلوق والله خالق کل شیء، تبارک الذی:

(فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا یَذْرَؤُکُمْ فِیهِ لَیْسَ کَمِثْلِهِ شَیْءٌ وَهُوَ السَّمِیعُ الْبَصِیرُ) (4))(5).


1- نهج البلاغة: الخطبة 185.
2- نهج البلاغة: الخطبة 64.
3- نهج البلاغة: الخطبة 162.
4- سورة الشوری، الآیة: 11.
5- أصول الکافی: ج1، ص48 __ 49، ح4.

ص: 117

عن علی بن إبراهیم عن أبیه، عن أبی عمیر عن علی بن عطیة عن ثیثمة (عن أبی جعفر علیه السلام قال:

«إنّ الله خلو من خلقه، وخلقه خلو منه، وکل ما وقع علیه اسم شیء ما خلا الله تعالی فهو مخلوق والله خالق کل شیء»)(1).

__ وقوله علیه السلام:

(لَیسَ بِقادِرٍ مَن قارَنَهُ ضِدٌّ أوْ ساواهُ نِدٌّ).

أشار الإمام علیه السلام إلی حدود قدرة من له ضد، إذ إن کل ضدین یدفع أحدهما الآخر لتساوی قدرتهما ومحدودیتهما إزاء بعضهما البعض، ولذا لا یعد قادراً حقیقا من اتصف بالعجز أمام من هو ضده أو نده، وحیث إن الله تعالی قادر مطلق لا یعجزه شیء بل هو علی کل شیء قدیر لزم من هذا أن لا ضد ولا ند له.

__ وقوله علیه السلام:

(لَیسَ عَن الدَّهرِ قِدَمُهُ ولا بِالنّاحِیةِ أمَمُهُ، احتَجبَ عَنِ العُقُولِ کَمَا احتَجَبَ عَنِ الأبصار، وعَمَّنْ فی السَّماءِ احِتجابُهُ کَمَنْ فی الأرضِ، قُربُهُ کَرامَتُهُ وبُعده إهانَتُهُ، لا تُحلّهُ (فی) ولا تُوَقِّتُهُ (إذ) ولا تُؤامِرُهُ (إنْ)، عُلُوُّهُ مِنْ غَیرِ تَوَقُّلٍ، وَمَجِیئُهُ مِنْ غَیرِ تَنَقُّلٍ، یُوجِدُ المفقُودَ ویُفْقِدُ المَوجُودَ، ولا تَجتمِعُ لِغَیرِهِ الصِّفَتانِ فی وَقتٍ).

فی هذا المقطع الشریف یشیر الإمام الحسین علیه السلام إلی مجموعة أبحاث عقائدیة نتعرض لها باختصار:

قوله علیه السلام (لَیسَ عَن الدَّهرِ قِدَمُهُ ولا بِالنّاحِیةِ أمَمُهُ).

یشیر الإمام علیه السلام إلی صفة من صفات الله تعالی ألا وهی أزلیته وقدمه، فلقد أجمع أهل الإیمان والعلم علی نزاهة الله تعالی عن الزمان واتسامه فلا یصح


1- أصول الکافی: ج1، ص49، ح5.

ص: 118

توصیفه بالماضی أو الحاضر أو المستقبل لأنه هو خالق الزمان بل هو محیط بالزمان، فلذا لا یجوز تفسیر قدمه بمعنی وجود فی الماضی وإنما یفسر قدمه تعالی بأنه وجود غیر مسبوق بعدم لأنه واجب الوجود، وکذلک فهو تعالی منزه عن المکان والجهة لأنه هو خالق المکان والنواحی والجهات بل هو محیط بالمکان وجهاته.

وهکذا، وبناء علی ما تقدم یظهر أن الصورة أو المفهوم الذی یحصل فی ذهن الإنسان عن الله تعالی لیس إلا وهم مخالف للحقیقة.

ص: 119

الخطبة الثانیة: وفیها یوصی بتقوی الله، وینذر من عقابه

اشارة

ص: 120

ص: 121

نص الخطبة

اشارة

«أُوصیکم بِتَقوَی اللهِ، وأُحذِّرُکُمْ أیّامَهُ، وأرفَعُ لکُم أعلامَهُ، فَکَأَنَّ المَخُوفَ قَد أفِدَ بِمَهُولِ وُرودِه، ونکیرِ حُلولِه، وبَشِعِ مَذاقِهِ، فَاعتَلَقَ مُهَجَکم(1)، وحالَ بَیْنَ العَمَلِ وبَینَکم، فَبادِروا بِصِحَّةِ الأجسامِ فی مُدَّةِ الأعمارِ، کَأَنَّکُمِ بِبَغَتاتِ طَوارِقِه(2) فَتَنْقُلُکُم مِنْ ظَهرِ الأرضِ إلی بَطنِها، ومِنْ عُلوِها إلی سُفُلِها، ومِنْ أُنسِها إلی وَحشَتها، َمِنْ رَوحِها وضَوئِها إلی ظُلمَتِها، ومِنْ سَعَتِها إلی ضِیقِها، حیثُ لا یزارُ حَمیمٌ ولا یُعادُ سَقیمٌ ولا یُجابُ صَرِیخٌ، أعانَنَا اللهُ وإیّاکم علی أهْوالِ ذلِکَ الیَومِ، ونَجّانا وإیّاکُم مِنْ عِقابِهِ، وأوجَبَ لَنا وَلَکُم الجَزِیلَ مِنْ ثَوابِهِ.

عبادَ اللهِ فَلَوْ کانَ ذلِکَ قَصْرَ مَرماکُم ومَدی مَظْعَنِکُمْ(3) کانَ حَسْبُ العامِلِ شُغلاً یَستَفرغْ عَلَیهِ أحزانَهُ، ویَذهَلُهُ عَن دُنیاهُ، ویُکثِرُ نَصَبَهُ لِطَلَبِ الخَلاصِ مِنه، فکیفَ وَهُوَ بَعدَ ذلِکَ مُرتَهِنٌ بِاکتِسابِه، مُستَوقِفٌ علی حِسابِه، لا وَزِیرَ لَهُ یَمْنَعُه ولا ظَهِیرَ عَنهُ یَدفَعُهُ، ویَوْمَئِذٍ لا یَنْفَعُ نَفْساً إیمانُها لَمْ تَکنُ آمَنَتْ مِنْ قَبلُ أو کَسَبَتْ فی إیمانِها خَیراً، قُلِ انتَظِروا إنّا مُنْتَظِروُن. 


1- أفِدَ: دنا وقرب. والمهول: المخیف. بشع: صار طعمه کریها. واعتلقه وبه: أحبه حبا شدیدا. والمهج: جمع مهجة: دم القلب والمراد نفس القلب.
2- البغتات: جمع بغتة أی فجأة.
3- الجزیل: الکثیر العظیم من کل شیء. والقصر: الغایة. والمرمی: ما ترمی إلیه السهام. والمدی: المسافة والغایة. والمظعن: المسیر.

ص: 122

أُوصیکُمْ بِتَقْوَی اللهِ فَإنَّ اللهَ قَد ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقاهُ أنْ یُحَوِّلَهُ عَمّا یَکرَهُ إلی ما یُحِبُّ ویَرزُقَهُ مِنْ حَیثُ لا یَحتَسِبُ، فَإیّاکَ أن تَکوُنَ مِمَّن یَخافُ عَلَی العِبادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَیَأمَنُ العُقَوبَةَ مِنْ ذَنبِه، فَإنَّ اللهَ تَبارَکَ وَتَعالی لا یُخدَعُ عَن جَنَّتِهِ ولا یُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِه إنْ شاءَ اللهُ».

المعنی العام

(أُوصیکم بِتَقوَی اللهِ، وأُحذِّرُکُمْ أیّامَهُ، وأرفَعُ لکُم أعلامَهُ، فَکَأَنَّ المَخُوفَ قَد أفِدَ بِمَهُولِ وُرودِه، ونکیرِ حُلولِه، وبَشِعِ مَذاقِهِ، فَاعتَلَقَ مُهَجَکم، وحالَ بَیْنَ العَمَلِ وبَینَکم).

أطلب منکم الالتزام بالخشیة والخوف من الله تعالی، وأخوفکم وأطلب منکم التحرز من أیام الله تعالی التی تحدث عنها فی القرآن الکریم (یوم کألف سنة... الخ) (یوم التلاق...) وارفع لکم ما تهتدون به من هدی الله تعالی، فکأن الأمر الذی تخشونه قد دنا وقرب إلیکم بفزع ورعب وروده، وصعوبة نزوله، وکریه طعمه، فتعلق بقلوبکم تعلقاً شدیدا، وصار مانعا بینکم وبین العمل.

(فَبادِروا بِصِحَّةِ الأجسامِ فی مُدَّةِ الأعمارِ، کَأَنَّکُمِ بِبَغَتاتِ طَوارِقِه فَتَنْقُلُکُم مِنْ ظَهرِ الأرضِ إلی بَطنِها، ومِنْ عُلوِها إلی سُفُلِها، ومِنْ أُنسِها إلی وَحشَتها، َمِنْ رَوحِها وضَوئِها إلی ظُلمَتِها، ومِنْ سَعَتِها إلی ضِیقِها).

أسرعوا وعجلوا إلی اغتنام الصحة قبل السقم فی طاعة الله تعالی، وأنتم علی وشک أن تفاجئکم الدواهی التی تأتی لیلا فتحولکم من علی سطح الأرض إلی جوفها وباطنها، ومن ارتفاعها إلی أدنی نقطة فیها، ومن ما هو لطیف ومسر للنفس إلی ما هو ضد ذلک من النفور والکدورة، ومن الراحة والسعة وطیبة العیش إلی ذهاب نورها

ص: 123

وشدتها، ومن رحابتها ویسارها إلی شدتها.

(حیثُ لا یزارُ حَمیمٌ ولا یُعادُ سَقیمٌ ولا یُجابُ صَرِیخٌ).

یشیر الإمام علی علیه السلام إلی أن هذا المکان لا یحصل فیه اللقاء بین الأحبة ولا یفحص المریض ولا یطمئن علی صحة ولا یغاث ا لمستغیث.

(أعانَنَا اللهُ وإیّاکم علی أهْوالِ ذلِکَ الیَومِ، ونَجّانا وإیّاکُم مِنْ عِقابِهِ، وأوجَبَ لَنا وَلَکُم الجَزِیلَ مِنْ ثَوابِهِ).

ساعدنا الله تعالی وإیاکم علی رعب وخوف ذلک الیوم الذی هو یوم القیامة، وخلصنا الله وإیاکم من أذاه وآلامه، وجعل لنا ولکم الکثیر العظیم من العطاء وحسن الجزاء.

(عبادَ اللهِ فَلَوْ کانَ ذلِکَ قَصْرَ مَرماکُم ومَدی مَظْعَنِکُمْ کانَ حَسْبُ العامِلِ شُغلاً یَستَفرغْ عَلَیهِ أحزانَهُ، ویَذهَلُهُ عَن دُنیاهُ، ویُکثِرُ نَصَبَهُ لِطَلَبِ الخَلاصِ مِنه، فکیفَ وَهُوَ بَعدَ ذلِکَ مُرتَهِنٌ بِاکتِسابِه، مُستَوقِفٌ علی حِسابِه، لا وَزِیرَ لَهُ یَمْنَعُه ولا ظَهِیرَ عَنهُ یَدفَعُهُ، ویَوْمَئِذٍ لا یَنْفَعُ نَفْساً إیمانُها لَمْ تَکنُ آمَنَتْ مِنْ قَبلُ أو کَسَبَتْ فی إیمانِها خَیراً، قُلِ انتَظِروا إنّا مُنْتَظِروُن).

یوجه الإمام علیه السلام نداءه إلی من هو مؤمن عابد لربه فیقول لو کان ذلک الأمر الذی سبق بیانه هو غایة هدفکم ومسافة وغایة مسیرکم کان کافیا لیشغل العامل منکم فی طاعة الله تعالی وکافیا لصب تمام غمه وهمه علیه، وکافیا لیشغله ویغفله عن زبارج الدنیا وزخارفها، ویکثر تعبه لنیل النجاة من أهوال ذلک الیوم، فکیف لا یذهل ویهتم بذلک الیوم الذی سیکون فیه حیث لا معین فیعینه ولا حامل لثقله أحد، ولا دافع عنه البلاء، وفی هذا الیوم لا یفید نفس إیمانها وهی لم تکن مؤمنة فی الدنیا وغیر عاملة فی طاعة ربها، فقل ترقبوا ونحن معکم نرقب.

ص: 124

(أُوصیکُمْ بِتَقْوَی اللهِ فَإنَّ اللهَ قَد ضَمِنَ لِمَنِ اتَّقاهُ أنْ یُحَوِّلَهُ عَمّا یَکرَهُ إلی ما یُحِبُّ ویَرزُقَهُ مِنْ حَیثُ لا یَحتَسِبُ، فَإیّاکَ أن تَکوُنَ مِمَّن یَخافُ عَلَی العِبادِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَیَأمَنُ العُقَوبَةَ مِنْ ذَنبِه، فَإنَّ اللهَ تَبارَکَ وَتَعالی لا یُخدَعُ عَن جَنَّتِهِ ولا یُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِه إنْ شاءَ اللهُ).

تقدم فی بدایة الخطبة بیان قوله أوصیکم بتقوی الله، ویشیر الإمام الحسین بن علی علیهما السلام إلی أن الله تعالی تکفل لکل من یخافه ویخشاه أن ینقله عنما لا یریده وینفر منه إلی ما یرغبه ویحبه ثم یأتی برزقه من غیر الأسباب التی سعی فیها ومن حیث لا یحتمل، ثم یرشد الإمام علیه السلام أن تکون من الناس الذین یخشون علی مصر غیرهم بسبب ذنوبهم ولا یخافون علی مصایرهم وهم فی اطمئنان من نزول العقوبة علیهم مع وقوع الذنب منهم، ویقول الإمام علیه السلام إن الله تبارک وتعالی لا تخفی علیه الحیل ولا یستطیع أحد أن یمکر فیظهر مرة ویخفی مرة أخری لینال جنة الله تعالی فإن ذلک لا ینال إلا بالطاعة الخالصة.

بحث أخلاقی
التقوی میزان القرب الإلهی

کل ما یخرج من فم العصمة والطهارة لابد أن یکون مهما ومعصوما ولا یخالف العقل أو الشرع، ومما أکد علیه الإمام السبط علیه السلام فی خطبته الثانیة هو التمسک بهذا الأمر المهم الذی یعد میزانا لقرب العبد من مولاه وعلامة علی أفضلیته علی غیره ممن لم یتحلی به ألا وهو (التقوی).

التقوی لغة: هو الحذر الخوف والتجنب.

ص: 125

الخشیة والخوف وتقوی الله: خشیة وامتثال أوامره واجتناب نواهیه(1).

التقوی اصطلاحا: هو الامتثال لأمر الله تعالی والانتهاء عن نهیه خوفا منه وتجنبا لغضبه وعقوبته.

لهذه الصفة دلالات تدل علی من یتصف بها، کما أن لها آثاراً عظیمة تنعکس علی نفس صاحبها انعکاسا هو بأمس الحاجة إلیه فی الدنیا والآخرة فلذا نجد أن الإمام الحسین علیه السلام یقتفی أثر العِدل الأکبر (القرآن الکریم) فی الحرص علی الوصیة بهذه الصفة المهمة، ولکی نقف علی ما جاء فی الکتاب الکریم ونطلع علی لطف المولی جل وعلا بعباده لابد لنا من التأمل فی قوله تعالی:

(وَلِلَّهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّیْنَا الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتَابَ مِنْ قَبْلِکُمْ وَإِیَّاکُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَکْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَکَانَ اللَّهُ غَنِیًّا حَمِیدًا) (2).

وما کان هذا الأمر الإلهی بالتقوی إلا لکی ینتفع العبد بآثارها ویکسب السند المنیع والملجأ الحصین وینال البرکات فی الدنیا والرضا والشکر الإلهی فی الآخرة.

فإن التقوی هی خیر الوصایا وأفضل العواقب کما ورد ذلک علی لسان إمام المتقین علیه السلام بقوله:

«أُوصِیکُم عِبادَ اللهِ بتَقوَی اللهِ؛ فإنّها خَیرُ ما تَواصَی العِبادُ بِه، وخَیرُ عَواقِبِ الأُمورِ عِنْدَ اللهِ»(3).


1- المعجم الوسیط: ص1052.
2- سورة النساء، الآیة: 131.
3- میزان الحکمة: ج11، ص4810، ح22346.

ص: 126

ولأهمیة الوصیة بالتقوی حرص أمیر المؤمنین علیه السلام وأهل بیته الکرام علیهم السلام علی افتتاح خطبهم وکتبهم ورسائلهم بالوصیة بالتقوی وهذا ما تؤکده النصوص الآتیة:

1__ قال علیه السلام:

«أُوصِیکُم عِبادَ اللهِ بتَقوَی اللهِ الّذی ضَرَبَ الأمثالَ، ووَقَّتَ لَکُمُ الآجالَ»(1).

2__ قال علیه السلام:

«أُوصِیکَ بتَقوَی اللهِ __ أی بُنَیَّ __ ولُزومِ أمرِهِ، وعِمارَةِ قَلبِکَ بِذکرِهِ»(2).

3__ قال علیه السلام:

«أُوصِیکم عِبادَ اللهِ بتَقوَی اللهِ الّذی ألبَسَکُمْ الرِّیاشَ، وأسبَغَ علَیکُمُ المَعَاشَ»(3).

4__ عنه علیه السلام:

«أُوصِیکم عِبادَ اللهِ بتَقوَی اللهِ، وأُحَذِّرُکُم أهلَ النِّفَاقِ»(4).

5__ عنه علیه السلام:

«أُوصِیکُم عِبادَ اللهِ بتَقوَی اللهِ، وأُحَذِّرُکُم الدُّنیا»(5).

وهناک المزید من هذه الوصایا ترکناها للاختصار.


1- میزان الحکمة: ج11، ص4810، ح22347.
2- نهج البلاغة: الخطبة 31. میزان الحکمة: ج11، ص4811، ح22349.
3- نهج البلاغة: الخطبة 182. میزان الحکمة: ج11، ص4811، ح22350.
4- نهج البلاغة: الخطبة 194. میزان الحکمة: ج11، ص4811، ح22351.
5- نهج البلاغة: الخطبة 196. میزان الحکمة: ج11، ص4811، ح22353.

ص: 127

آثار التقوی فی الدنیا

نذکر هذه الآثار وفق هذا التبویب لتسهیل حفظها من قبل القارئ، فلذا تجنبنا شرحها ولکی لا ندخل فی الإسهاب والإطالة وإلا فإن لکل أثر من آثارها شرحاً طویلاً یحتاج إلی صفحات کثیرة.

1__ إنها تورث البرکة کما فی قوله تعالی:

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَی آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَیْهِمْ بَرَکَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَکِنْ کَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا کَانُوا یَکْسِبُونَ) (1).

2__ إنها تورث الفلاح کما فی قوله تعالی:

(ذَلِکَ الْکِتَابُ لَا رَیْبَ فِیهِ هُدًی لِلْمُتَّقِینَ (2) الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِالْغَیْبِ وَیُقِیمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَیْکَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِکَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ یُوقِنُونَ (4) أُولَئِکَ عَلَی هُدًی مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2).

3__ إنها تشبه بأخلاق الأنبیاء کما ورد فی قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«علَیکَ بالتُّقی؛ فإنَّه خُلقُ الأنبیاءِ»(3).

4__ إنها تورث خیر الدنیا والآخرة کما ورد فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن رُزِقَ تُقیً فَقَد رُزِقَ خَیرَ الدُّنیا والآخِرَةِ»(4).


1- سورة الأعراف، الآیة: 96.
2- سورة البقرة، الآیات: 2 __ 5.
3- غرر الحکم: 6086. میزان الحکمة: ج11، ص4808، ح22331.
4- کنز العمّال: 5641. میزان الحکمة: ج11، ص4808، ح22332.

ص: 128

5__ إنها سبب فی دفع الهلاک وحفظ ما یزرع العبد من زرع معنوی أو مادی، کما ورد فی قوله علیه السلام:

«لا یَهلِکُ علَی التَّقوی سِنخُ أصلٍ، ولا یَظمَأُ علَیها زَرعُ قَومٍ»(1).

6__ إنها سبب فی نجاة الهاربین من الظلم، وسبب فی نیل المطالب، وسبب فی النصر علی الأعداء الظالمین کما أنها حرز وعز لمن یتحلی بها وهذا ما أکده أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«إنّ التَّقوی أفضَلُ کَنزٍ، وأحرَزُ حِرزٍ، وأعَزُّ عِزٍّ، فیهِ نَجاةُ کُلِّ هارِبٍ، ودَرکُ کُلِّ طالِبٍ، وظَفَرُ کُلِّ غالِبٍ»(2).

7__ إنها سلامة من الخسارة والتلف وهذا ما أشار إلیه الإمام أبو جعفر علیه السلام لسعد الخیر:

«أُوصِیکَ بِتَوَی اللهِ؛ فإنّ فیها السَّلامَةَ مِن التَّلَفِ والغَنیمَةَ فی المُنقَلَبِ»(3).

8__ إنها حرز وصیانة من إغواء الفجار وقوة لحفظ النفس أمام إغراء الشهوات واللذات، وحرز من الضلال ولذا قال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إنّ مَن فَارقَ التَّقوی أُغرِیَ باللَّذّاتِ والشَّهواتِ، ووَقَعَ فی تِیهِ السَّیِّئاتِ، ولَزِمَهُ کَبیرُ التَّبِعاتِ»(4).

9__ إنها تدفع وساوس الشیطان وتفتح البصیرة والبصر کما فی قوله تعالی:

(إِنَّ الَّذِینَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّیْطَانِ تَذَکَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (5).


1- نهج البلاغة: الخطبة 16. میزان الحکمة: ج11، ص4809، ح22336.
2- بحار الأنوار: ج77، ص374، ح36. میزان الحکمة: ج11، ص4809، ح22338.
3- الکافی: ج8، ص52، ح16. میزان الحکمة: ج11، ص4809، ح22339.
4- غرر الحکم: 3625. میزان الحکمة: ج11، ص4809، ح22342.
5- سورة الأعراف، الآیة: 201.

ص: 129

10__ إنها تکسب صاحبها الشرف کما فی قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«التَّقوی ظاهِرهُ شَرَفُ الدُّنیا، وباطِنهُ شَرَفُ الآخِرَةِ»(1).

11__ إنها توجب الغنی والعز والأنس کما جاء عن الإمام الصادق علیه السلام:

«ما نَقَلَ اللهُ عَزَّ وجلَّ عَبداً مِن ذُلِّ المَعاصی إلی عِزِّ التَّقوی إلاّ أغناهُ مِن غَیرِ مالٍ، وأعَزهُ مِن غَیرِ عَشیرَةٍ، وآنَسَهُ مِن غَیرِ بَشَرٍ»(2).

12__ إنها شفاء لأمراض القلوب والأجساد معاً، ونور للعقول، وطهارة للنفوس، وهذا ما أرشد إلیه الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إنَّ تَقوَی اللهِ دَواءُ دَاءِقُلوبِکُم، وبَصَرُ عَمی أفئدتِکُم، وشِفاءُ مَرَضِ أجسادِکُم، وصَلاحُ فَسادِ صُدورِکُم، وطَهورُ دَنَسِ أنفُسِکُم، وجَلاءُ عَشا أبصارِکُمِ، وأمنُ فَزَعِ جَأشِکُم، وضِیاءُ سَوادِ ظُلمَتِکُم»(3).

13__ هی خلاص من المآزق والشدائد، وهی سبب فی تحصیل الأرزاق من حیث لا نحتسب کما فی قوله تعالی:

(وَیَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لَا یَحْتَسِبُ وَمَنْ یَتَوَکَّلْ عَلَی اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْءٍ قَدْرًا) (4).

14__ هی نجاة من الفتن وخلاص من الحیرة کما ورد عن إمام المتقین أمیر المؤمنین علی علیه السلام:

«اعلَموا أنّهُ (وَمَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) مِن الفِتَنِ، ونُوراً مِن الظُّلَمِ»(5).


1- غرر الحکم: 1990. میزان الحکمة: ج11، ص4818، ح22405.
2- بحار الأنوار: ج70، ص282، ح1. میزان الحکمة: ج11، ص4818، ح22409.
3- غرر الحکم: 5154. میزان الحکمة: ج11، ص4819، ح22411.
4- سورة الطلاق، الآیة: 3.
5- نهج البلاغة: الخطبة 183. میزان الحکمة: ج11، ص4823، ح22436.

ص: 130

15__ هی سبب فی کشف الهموم کما ورد عن إمام المتقین أمیر المؤمنین علی علیه السلام:

«مَنِ اتَقی اللهَ سبحانَهُ جَعَلَ لَهُ مَن کُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، ومِن کُلِّ ضِیقٍ مَخرَجاً»(1).

آثار التقوی فی الآخرة

لاشک فی أن للتقوی آثاراً عظیمة لا یستغنی عنها عباد الله تعالی بشیء سواها ومن هذه الآثار:

1__ إنها توجب شکر المولی عز وجل لعبده فی آخرته کما فی قوله تعالی:

(وَلَقَدْ نَصَرَکُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ) (2).

2__ إنها توجب رحمة المولی عز وجل بعبده کما فی قوله تعالی:

(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَکُمْ ذِکْرٌ مِنْ رَبِّکُمْ عَلَی رَجُلٍ مِنْکُمْ لِیُنْذِرَکُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ) (3).

3__ إنها توجب الفوز فی الآخرة، کما قال الإمام أمیر المؤمنین علی علیه السلام:

«التَّقوی غایَةٌ لا یَهلِکُ مَنِ اتَّبَعَها، ولا یَندَمُ مَن عَمِلَ بِها؛ لأنّ بالتَّقوی فازَ الفائزونَ، وبالمَعصِیَةِ خَسِرَ الخاسِرونَ»(4).

4__ إنها توجب تقربک من الله تعالی وتحتفظ من العذاب، حیث قال أمیر المؤمنین علی علیه السلام:


1- غرر الحکم: 8847. میزان الحکمة: ج11، ص4822، ح22431.
2- سورة آل عمران، الآیة: 123.
3- سورة الأعراف، الآیة: 63.
4- کنز العمال: 44216. میزان الحکمة: ج11، ص4809، ح22340.

ص: 131

«التَّقوی آکَدُ سَبَبٍ بَینَکَ وبینَ اللهِ إن أخَذتَ بِه، وجُنَّةٌ مِن عَذابٍ ألِیمٍ»(1).

5__ إنها سبب فی قبول الأعمال کما فی قوله تعالی:

(وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّکَ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ) (2).

6__ إنها تسدد العبد فی دنیاه فیکون من الفائزین فی أخراه، وهی کنز مذخور لیوم الفقر والفاقة، یوم القیامة کما ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إنّ تَقوَی اللهِ مِفتاحُ سَدادٍ، وذَخیرَةُ مَعادٍ»(3).

7__ إنها توجب التنعم فی الجنان والأنهار بل هی سبب فی قرب العبد من ربه کما فی قوله تعالی:

(إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِیکٍ مُقْتَدِرٍ) (4).

التقوی ضرورة لابد منها

إذا لم یتلبس الإنسان بالتقوی صار إنساناً میتاً بحسب الباطن والمعنی، وإذا سلب الإنسان وصف الحیاة خرج عن عنوان الإنسانیة، فیصبح مخلوقاً مسخاً ینافس الوحوش والأنعام فی صفاتها، فیغدو لا یهمه إلا ما یهم البهائم من طعام وشراب وتناسل بل قد یصل إلی أسوأ من ذلک فتتحول وداعته وألفته إلی غلظة ووحشیة یفوق بها وحشیة الوحوش الأخری.

أمّا عدم إمکان وصف فاقد التقوی بالحی لقول أمیر المؤمنین علیه السلام:


1- غرر الحکم: 2079. میزان الحکمة: ج11، ص4819، ح22414.
2- سورة المائدة، الآیة: 27.
3- نهج البلاغة: الخطبة 230. میزان الحکمة: ج11، ص4815، ح22386.
4- سورة القمر، الآیتان: 54 و55.

ص: 132

«لا حیاة إلا بالدین، ولا موت إلا بجود الیقین»(1).

وأمّا النبی صلی الله علیه وآله وسلم فیصرح بأن بعض الناس تراهم إحیاء بحسب الظاهر والمادة إلا أنهم أموات کما فی قوله علیه السلام:

«لیس من مات واستراح بمیت، إنما المیت میت الأحیاء»(2).

وهناک من اتصف بصفة الکذب التی تجانب التقوی فصار میتا بنظر الإمام علی علیه السلام وهذا ما جاء فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«الکذاب والمیت سواء، فإن فضیلة الحی علی المیت الثقة به، فإذا لم یوثق بکلامه فقد بطلت حیاته»(3).

أمّا کون الإنسان الذی سلب الحیاة بسبب ترکه للتقوی لیس بإنسان بل هو حیوان فی باطنه لقول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حیوان، لا یعرف باب الهدی فیتجه ولا باب العمی فیصد عنه وذلک میت الأحیاء»(4).

وأمّا انقلابه إلی بهیمة همها علفها وشرابها وتناسلها بل تحوله إلی وحش کاسر یفوق الوحوش البریة یرشد إلیه قوله تعالی:

(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَکْثَرَهُمْ یَسْمَعُونَ أَوْ یَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا کَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِیلًا)(5).


1- میزان الحکمة: ج11، ص922.
2- بحار الأنوار: ج79، ص175، ح13.
3- شرح أصول الکافی، محمد صالح المازندرانی: ج1، ص184.
4- میزان الحکمة، ج3، ص2082، ح2867
5- سورة الفرقان، الآیة: 44.

ص: 133

ولکی لا یصل الإنسان العاقل إلی هذه المرتبة الخسیسة ولکی یعیش حیاة حقیقیة ویبقی محافظاً علی خلقته وصفته الإنسانیة لابد له من التلبس بالتقوی التی هی الإیمان القلبی والعمل الصالح الذی هو روح الدین الحنیف.

وبعد التأمل فی آثار التقوی دنیویا وأخرویا أصبحت التقوی ضرورة لا غنی عنها بل هی الحیاة والسعادة والنجاة والشفاء والفلاح والحصانة والحرز والغنی والعز والشرف والأنس، وأخرویا هی الشکر والرحمة والقرب الإلهی وهی الفوز والکنز المذخور لیوم القیامة.

رفع التوهم
اشارة

عندما یعمل العبد عملاً صحیحا من حیث المقدمات والأجزاء والشروط الفقهیة یقع فی توهم أن هذا العمل سیقربه من الله تعالی ویغفل عن الشرط الذی یجعل العمل مقبولاً ومقربا من الله تعالی، ولذا نجد أن القرآن الکریم یبین بوضوح هذه الصورة فی قوله تعالی:

(وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ ابْنَیْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّکَ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ) (1).

فالله تعالی لا یقبل العمل إلا من المتقی الذی لا یهمه تمام العمل وصحته فحسب بل الذی یهمه قبول العمل ولذا أکد النبی صلی الله علیه وآله وسلم هذا المعنی فی وصیته لأبی ذر:

«یا أبا ذرٍّ، کُن لِلعَمَلِ بالتَّقوی أشَدَّ اهتِماماً مِنکَ بالعَمَلِ»(2).


1- سورة المائدة، الآیة: 27.
2- کنز العمال: 8501. میزان الحکمة: ج11، ص4820، ح22418.

ص: 134

وصرح أمیر المؤمنین علیه السلام أن صفتی التقی والإخلاص سر قبول الأعمال بقوله:

«صِفَتانِ لا یَقبَلُ اللهُ سبحانهُ الأعمالَ إلاّ بِهِما: التُّقی والإخلاصُ»(1).

وهناک دور آخر للتقوی ألا وهو حفظ العمل الصالح من النقصان أو الزوال وهذا ما أشار إلیه الإمام علیه السلام بقوله:

«جِدُّو واجتَهِدوا، وإن لَم تَعمَلوا فلا تَعصُوا؛ فإنَّ مَن یَبنی ولا یَهدِمُ یَرتَفِعُ بِناؤهُ وإن کانَ یَسیراً، وإنَّ مَن یَبنی ویَهدِمُ یوُشِکُ أن لا یَرتَفِعَ بِناؤهُ»(2).

بل ینظر للعمل القلیل المقبول بأنه عمل کثیر یرفع بناء العامل کما تقدم فی الحدیث، ویؤکد ذلک قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«لا یَقِلُّ عَمَلٌ مَع تَقوی، وکَیفَ یَقِلُّ ما یُتَقَبَّلُ؟!»(3).

وبمعرفة هذه النکتة العلمیة یرتفع التوهم الذی یحصل لکثیر من المؤمنین لاسیما من یهمه قبول العمل ومن لا یعرف ذلک أو لا یهتم بقبول العمل فلا فائدة من عمله الصحیح وهذا ما رد به السید الخوئی قدس سره الشریف علی أحد السائلین عن الحج وقبوله

مسألة: منزلة المتقین وصفاتهم

إن للمتقین منزلة عظیمة ورتبة عالیة عند الله سبحانه وتعالی وکما أن لهم منزلة ورتبة شریفة عند أهل الدنیا، وبمجرد الوقوف علی الآیات الکریمة التی وردت لبیان منزلتهم ومقامهم یغنینا عن الشرح والإطالة وهی کما یلی:


1- غرر الحکم: 5887. میزان الحکمة: ج11، ص4821، ح22422.
2- بحار الأنوار: ج70، ص286، ح8. میزان الحکمة: ج11، ص4821، ح22424.
3- الکافی: ج2، ص75، ح5. میزان الحکمة: ج11، ص4820، ح22421.

ص: 135

1__ المتقی ولی لله تعالی کما فی قوله:

(وَمَا لَهُمْ أَلَّا یُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ یَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا کَانُوا أَوْلِیَاءَهُ إِنْ أَوْلِیَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَکِنَّ أَکْثَرَهُمْ لَا یَعْلَمُونَ) (1).

(وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَی اللَّهِ إِنِّی آَتِیکُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِینٍ) (2).

2__ الله تعالی ناصرهم وسندهم کما فی قوله تعالی:

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَی عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَی عَلَیْکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ) (3).

3__ المتقون محبوبون لله تعالی:

(بَلَی مَنْ أَوْفَی بِعَهْدِهِ وَاتَّقَی فَإِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُتَّقِینَ) (4).

4__ حسن العاقبة للمتقین کما فی قوله تعالی:

(تِلْکَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَیْبِ نُوحِیهَا إِلَیْکَ مَا کُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُکَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِینَ) (5).

(هَذَا ذِکْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِینَ لَحُسْنَ مَآَبٍ) (6).

5__ بأنهم سکان الجنة کما فی قوله تعالی:


1- سورة الأنفال، الآیة: 34.
2- سورة الدخان، الآیة: 19.
3- سورة البقرة، الآیة: 194.
4- سورة آل عمران، الآیة: 76.
5- سورة هود، الآیة: 49.
6- سورة ص، الآیة: 49.

ص: 136

(إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی جَنَّاتٍ وَعُیُونٍ) (1).

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِینَ) (2).

(إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی جَنَّاتٍ وَعُیُونٍ) (3).

(إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی جَنَّاتٍ وَنَعِیمٍ) (4).

6__ إنهم فی مقام أمین کما فی قوله تعالی:

(إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی مَقَامٍ أَمِینٍ) (5).

7__ هم أهل الهدی کما فی قوله تعالی:

(أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِی لَکُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِینَ) (6).

8__ هم أهل القرآن کما فی قوله تعالی:

(هَذَا بَیَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًی وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِینَ) (7).

9__ هم الوارثون کما فی قوله تعالی:

(قَالَ مُوسَی لِقَوْمِهِ اسْتَعِینُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ یُورِثُهَا مَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِینَ) (8).


1- سورة الحجر، الآیة: 45.
2- سورة الشعراء، الآیة: 90.
3- سورة الذاریات، الآیة: 15.
4- سورة الطور، الآیة: 17.
5- سورة الدخان، الآیة: 51.
6- سورة الزمر، الآیة: 57.
7- سورة آل عمران، الآیة: 138.
8- سورة الأعراف، الآیة: 128.

ص: 137

10__ هم وفد الرحمن کما فی قوله تعالی:

(یَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِینَ إِلَی الرَّحْمَنِ وَفْدًا) (1).

11__ هم أهل الصدق کما فی قوله تعالی:

(وَالَّذِی جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِکَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (2).

ولرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته المعصومین علیهم السلام وصف رائع للمتقین وبیان یأخذ شفاف القلوب القلوب وتوقظ به العقول وتقر به الأعین وتسر به النفوس:

1__ إن المتقین عباد ملکوا شهواتهم ولم یرزحوا تحت عبودیتها وعاشوا أحراراً فصارت لهم السیادة علیها وبذلوا أنفسهم وآثروا غیرهم علیها فجادوا ومن جاد ساد فلذا ورد عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم:

«المُتَّقونَ سادَةٌ، والفُقَهاءُ قادَةٌ، والجُلوسُ إلَیهِم عِبادَةٌ»(3).

وعنه صلی الله علیه وآله وسلم:

«المُتَّقونَ سادَةٌ، العُلَماءُ والفُقَهاءُ قادَةٌ، أُخِذَ علَیهِم أداءُ مَواثِیقِ العِلمِ والجُلوسُ إلَیهِم بَرَکةٌ، والنَّظَرُ إلَیهِم نُورٌ»(4).

2__ من أخلاق المتقین قناعتهم بما رزقهم الله تعالی فاستشعروا الغنی واتصفوا به، وتجنبوا أن یعیشوا حیاة الباذخین بإسراف وترف فوق حد الضرورة، وعشرتهم ملیئة بالفوائد والبرکة والطهارة وهذا ما یؤکده الإمام الباقر علیه السلام:


1- سورة مریم، الآیة: 85.
2- سورة الزمر، الآیة: 33.
3- أمالی الطوسی: ص225، ح392. میزان الحکمة: ج11، ص4823، ح22437.
4- کنز العمال: 5653. میزان الحکمة: ج11، ص4832، ح22438.

ص: 138

«أنّ أهلَ التَّقوی هُمُ الأغنِیاءُ، أغناهُمُ القَلیلُ مِن الدُّنیا، فَمَؤونَتُهُم یَسیرَةٌ، إن نَسِیتَ الخَیرَ ذَکَّروکَ، وإن عَمِلت بهِ أعانُوکَ، أخَّرُوا شَهَواتِهِم ولَذّاتِهِم خَلفَهُم، وقَدَّمُوا طاعَةَ رَبِّهِم أمامَهُم، ونَظَروا إلی سَبیلِ الخَیرِ وإلی وَلایَةِ أحِبّاءِ اللهِ فأحِبُّوهُم، وتَولَّوهُم واتَّبَعُوهُم»(1).

3__ ورد عن الإمام الباقر علیه السلام أن أمیر المؤمنین علیه السلام کان یصفهم بصفات یحبها أهل الأرض وأهل السماء ویطمئن إلیهم کل من یعاشرهم لصدقهم وأمانتهم ووفائهم ولذا جاء عنه علیه السلام:

«کانَ أمیرُ المؤمنینَ علیه السلام یقولُ: إنّ لأِهلِ التَّقوی عَلاماتٍ یُعرَفونَ بِها: صِدقُ الحَدیثِ، وأداءُ الأمانَةِ، والوَفاءُ بالعَهدِ... وقِلَّةُ المُؤاتاةِ لِلنِّساءِ، وبَذلُ المَعرُوفِ، وحُسنُ الخُلقِ، وسَعَةُ الحِلمِ، واتِّباعُ العِلمِ فیما یُقَرِّبُ إلَی اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»(2).

4__ لا تفارق التقوی الإخلاص فإذا اتصف أحد بها لابد من الاتصاف به، کما لا یعیش المتقی حیاة الآملین بآمال الدنیا وأمنیاتها فیؤخذ بطوی الأمل ویغفل عن الأجل، ومن صفاته النباهة والفطنة فلا تفوته فرصة خیر إلا واغتنمها شعوراً منه بقرب الأجل فلذا ذکر الإمام الباقر علیه السلام ذلک بقوله:

«لِلمُتَّقی ثَلاث عَلاماتٍ: إخلاصُ العَمَلِ، وقِصَرُ الأمَلِ، واغتِنامُ المَهَلِ»(3).

5__ وما ذکره أمیر المؤمنین علیه السلام من صفاتهم فی خطبته التی ألقاها تلبیة لرغبة أحد أصحابه الذی ألح علیه فیها وهی المشهورة باسم هذا الرجل وهو (همام) فیها الکثیر من صفاتهم الرائعة ولذا نذکر بعض المقتطفات تجنباً للإطالة:


1- بحار الأنوار: ج67، ص166، ح2. میزان الحکمة: ج11، ص4825، ح22442.
2- الخصال: ص483، ح56. میزان الحکمة: ج11، ص4825، ح22444.
3- غرر الحکم: 7370. میزان الحکمة: ج11، ص4825، ح22445.

ص: 139

«فالمُتَّقونَ فیها هُم أهلُ الفَضائلِ: مَنطِقُهُمُ الصَّوابُ، ومَلبَسُهُمُ الاقتِصادُ، ومَشیُهُمُ التَّواضُعُ، غَضُّوا أبصارَهُم عَمّا حَرَّمَ علَیهِم، ووَقَفوا أسماعَهُم علَی العِلمِ النّافِعِ لَهُم، نُزِّلَت أنفُسُهُم مِنهُم فی البَلاءِ کالّتی نُزِّلَت فی الرَّخاءِ، ولَولا الأجَلُ الّذی کَتَبَ اللهُ علَیهم(1) لَم تَستَقِرَّ أرواحُهُم فی أجسادِهِم طَرفَةَ عَینٍ؛ شَوقاً إلَی الثَّوابِ، وخَوفاً مِن العِقابِ.

عَظُمَ الخالِقُ فی أنفُسِهِم فصَغُرَ ما دُونَهُ فی أعیُنِهِم، فَهُم والجَنَّةُ کَمَن قَد رَآها فَهُم فِیها مُنَعَّمونَ، وهُم والنّارُ کَمَن قَد رَآها فَهُم فِیها مُعّذَّبونَ، قُلوبُهُم مَحزونَةً، وشُرورُهُم مَأمونَةٌ، وأجسادُهُم نَحیفَةٌ، وحاجاتُهُم خَفیفَةٌ، وأنفُسُهُم عَفیفَةٌ، صَبَروا أیّاماً قَصیرَةً أعقَبَتهُم راحَةً طَویلَةً، تِجارَةٌ مَربِحَةٌ یَسَّرَها لَهُم رَبُّهم، أرادَتهُمُ الدُّنیا فَلم یُریدوها، وأسَرَتهُم فَفَدَوا أنفُسَهُم مِنها.

فمِن عَلامَةِ أحَدِهِم أنَّکَ تَری لَهُ قُوَّةً فی دِینٍ، وحَزماً فی لِینٍ، وإیماناً فی یَقینٍ، وحِرصاً فی عِلمٍ، وعِلماً فی حِلمٍ، وقَصداً فی غِنی، وخُشوعاً فی عِبادَةٍ، وتَجَمُّلاً فی فاقَةٍ، وصَبراً فی شِدَّةٍ، وطَلَباً فی حَلالٍ، ونَشاطاً فی هُدیً، وتَحَرُّجاً عَن طَمَعٍ، یَعمَلُ الأعمالَ الصّالِحَةَ وهُو علی وَجَلٍ، یُمسی وَهَمُّهُ الشُّکرُ، ویُصبِحُ وَهَمُّهُ الذِّکرُ، یَبِیتُ حَذِراً، ویُصبِحُ فَرِحاً؛ حَذِراً لِما حُذِّرَ مِن الغَفلَةِ، وفَرِحاً بما أصابَ مِن الفَضلِ والرَّحمَةِ»(2).

الطرق الموصلة إلی التقوی

هذه الرتبة العالیة الشریفة التی یطمع فیها کل العقلاء لن ینالها أحد إلا من خلال التمسک بمنهجیة مرسومة من قبل الشارع المقدس ولذا نری أن نبوّب هذه الطرق لتسهل معرفتها والأخذ بها:


1- ورد فی نهج البلاغة: الذی کُتب لهم.
2- میزان الحکمة: ج11، ص4826 __ 4827.

ص: 140

1__ الالتزام بالاستقامة فی کل مفردات الحیاة قولاً وعملاً والابتعاد عن الأفکار والطرق المنحرفة التی تبتعد بصاحبها عن القرب الإلهی وعن رتبة المتقین وهذا ما نلمسه فی قوله تعالی:

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِی مُسْتَقِیمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذَلِکُمْ وَصَّاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ) (1).

2__ التمسک بالدین الإسلامی الحنیف والتلبس بواجباته والانتهاء عن نواهیه فلذا ورد فی الحدیث الشریف عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«التَّقوی ثَمَرَةُ الدِّینِ، وأمارَةُ الیَقینِ»(2).

3__ أن یصوم صوماً حقیقیا، ویبتعد عن کل ما یفسد الصوم سواء کان علی مستوی الجوارح أو الابتعاد عن المفطرات الفقهیة وهذا ما تریده الآیة الشریفة کما فی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الصِّیَامُ کَمَا کُتِبَ عَلَی الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ)(3).

4__ أن یحتاط العبد من الوقوع فی الشبهات فضلاً عن الحرام الصریح والباطل الواضح وهذا ما أرشدنا إلیه الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«إنَّ المُتَّقینَ الّذینَ یَتَّقونَ اللهَ مِن الشّیءِ الّذی لا یُتَّقی مِنهُ خَوفاً مِن الدُّخولِ فی الشُّبهَةِ»(4).


1- سورة الأنعام، الآیة: 153.
2- غرر الحکم: 1714. میزان الحکمة: ج11، ص4828، ح22447.
3- سورة البقرة، الآیة: 183.
4- تنبیه الخواطر: ج2، ص62. میزان الحکمة: ج11، ص4829، ح22449.

ص: 141

5__ لابد للعبد الذی یطمع أن یکون من المتقین أن یحاسب ویراقب نفسه ویتأکد من حلیة ضروریاته، وهو الذی صرح به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فی وصیّته لأبی ذر:

«یا أبا ذرٍّ، لا یکونُ الرّجُلُ مِن المُتَّقینَ حتّی یُحاسِبَ نفسَهُ أشَدَّ مِن مُحاسَبَةِ الشَّریکِ لِشَریکِهِ، فیَعلَمَ مِن أینَ مَطعَمُهُ، ومِن أینَ مَشرَبُهُ، ومِن أینَ مَلبَسُهُ؟ أمِن حِلٍّ ذلکَ، أم مِن حَرامٍ؟»(1).

ما یمنع التقوی

کما أن للتقوی وسائلا یصل بها الإنسان إلی رتبة المتقین التی هی رتبة الأنبیاء والأولیاء والعباد الصالحین کذلک هناک ما یمنع الاتصاف بهذه الصفة وما یحول بین المرء وبین هذه الرتبة ونذکرها علی النحو الآتی:

1__ إذا انغمس الإنسان فی زخرف الدنیا وانبهر بزبرجدها یتعلق قلبه بها ویعشقها إلی درجة الوله، فیستولی علیه حب الدنیا فیغلق الباب بوجه التقوی فلا تستطیع الدخول إلی هذا القلب المغرور فضلاً عن الاستقرار فیه، وهذا یتضح من قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«حَرامٌ علی کُلِّ قَلبٍ مُتَوَلِّهٍ بالدُّنیا أن تَسکُنَهُ التَّقوی»(2).

2__ لا ینسجم بل لا یصح أن یکون المتقی طامعاً بما فی أیدی الناس من حطام الدنیا وقذارتها، ولا یکون المتقی خالیا من الحیاء فلذا قال الإمام العسکری علیه السلام:

«مَن لَم یَتَّقِ وُجوهَ النّاسِ لَم یَتَّقِ اللهَ»(3).


1- کنز العمال: 8501. میزان الحکمة: ج11، ص4829، ح22450.
2- غرر الحکم: 4904. میزان الحکمة: ج11، ص4829، ح22453.
3- بحار الأنوار: ج78، ص377، ح3. میزان الحکمة: ج11، ص4829، ح22454.

ص: 142

3__ إذا أراد العبد أن یتصف بالتقوی وأن یلمس آثارها وفوائدها لابد له من حفظ لسانه عما حرم الله تعالی، ولأهمیة هذا الشرط نجد الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام یقسم بالله تعالی فیقول:

«واللهِ، ما أری عَبداً یَتَّقی تَقویً تَنفَعُهُ حتّی یَخزِنَ لِسانَهُ»(1).

4__ هناک إحدی الصفات الذمیمة التی لا تلیق بالمؤمن، بل قد تبعده عن طاعة الله تعالی حذر منها الإمام المعصوم بقوله:

«ولا یَستَطیعُ أن یَتَّقِیَ اللهَ مَن خاصَمَ»(2).

أسئلة مهمة

نعلم أن الصفات الحسنة والفضائل الکریمة لها درجات متفاوتة بحسب من یتصف بها، فلذا نجد أن من الناس من له رتبة المتقین إلا أنه لا یمکن أن یکون فی رتبة إمام المتقین علیه السلام ولذا نری من المهم أن نطرح هذه الأسئلة لکی نجیب علیها بأجوبة أهل بیت العصمة علیهم السلام.

السؤال: ما هو معنی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(3).

فکیف نتقی الله حق تقاته؟

الجواب: ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ: أن یُطاعَ فلا یُعصی، وأن یُذکَرَ فلا یُنسی»(4).


1- نهج البلاغة: الخطة 176. میزان الحکمة: ج11، ص4830، ح22455.
2- نهج البلاغة: الخطبة 298. میزان الحکمة: ج11، ص4830، ح22456.
3- سورة آل عمران، الآیة: 102.
4- الدرّ المنثور: ج2، ص282. میزان الحکمة: ج11، ص4830، ح22457.

ص: 143

وقد أضاف الإمام الصادق علیه السلام علی قول جده صلی الله علیه وآله وسلم (ویُشکر فلا یُکفر).

ولکی نقف علی نوع هذه التقوی نعرض هذه الأحادیث الشریفة لتبین لنا کیفیتها وهی کما روی علیه السلام:

«اتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ تَقِیَّةَ ذِی لُبٍّ شَغَلَ التَّفکُّرَ قَلبَهُ، وأنصَبَ الخَوفُ بَدَنَهُ، وأسهَرَ التَّهَجُّدُ غِرارَ نَومِهِ، وأظمَأَ الرَّجاءُ هَواجِزَ یَومِهِ، وظَلَفَ الزُّهدُ شَهَواتِهِ»(1).

وقال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«اتَّقُوا الله َ عِبادَ اللهِ تَقِیَّةَ مَن شَغَلَ بِالفِکرِ قَلبَهُ، وأوجَفَ الذِّکرَ بِلسانِهِ، وقَدَّمَ الخَوفَ لأمانِهِ»(2).

السؤال: ما هو تفسیر التقوی فی نظر أهل البیت علیهم السلام؟

الجواب:

التقوی أن تجتنب الحرام وتعصم نفسک من الوقوع فیه وهذا ظاهر فی قولهم علیهم السلام:

«التَّقوی اجتِنابُ»(3).

«بالتَّقوی قُرِنَتِ العِصمَةُ»(4).

«التَّقوی أن یَتَّقِیَ المَرءُ کُلَّ ما یُؤثِمُهُ»(5).


1- نهج البلاغة: الخطبة 83. میزان الحکمة: ج11، ص4831، ح22464.
2- غرر الحکم: 6600. میزان الحکمة: ج11، ص4831، ح22467.
3- غرر الحکم: 188. میزان الحکمة: ج11، ص4831، ح22468.
4- غرر الحکم: 4316. میزان الحکمة: ج11، ص4831، ح22469.
5- غرر الحکم: 1871. میزان الحکمة: ج11، ص4832، ح22471.

ص: 144

بحث أخلاقی
النصیحة علامة المحب

إذا أحب الإنسان غیره لابد أن یکون ناصحا معه أو له لکی یؤکد حبه له وإلاّ یلزم من خلاف ذلک عدم صدق المدعی، فلذا خاطب القرآن الکریم الناس بلسان أحد أنبیاء الله تعالی بأنه من الناصحین لهم لما جاء لهم من رسالات الله تعالی التی تقودهم إلی کمالهم ومصالحهم وهذا ما صرح به القرآن الکریم فی قوله تعالی:

(أُبَلِّغُکُمْ رِسَالَاتِ رَبِّی وَأَنْصَحُ لَکُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (1).

(أُبَلِّغُکُمْ رِسَالَاتِ رَبِّی وَأَنَا لَکُمْ نَاصِحٌ أَمِینٌ) (2).

ولابد لنا من الوقوف علی معنی النصیحة لکی یتسنی لنا معرفة أهمیتها فنقول:

النصیحة لغة: هی الخالص من العمل، ناصح مناصحة (نصح نفسه بالتوبة: أخلصها، نصح الشیء نصحاً: خلص.

النصیحة اصطلاحاً: أن تخلص الإرشاد من یستحقه.

ولکی لا یلتبس المعنی علی البعض عندما یقرأ (نصح لله، النصیحة لله ولرسوله .... الخ) فنقول:

المراد هنا نصح معه: أی أخلص معه فی طاعته وانقیاده وامتثال أوامره والانتهاء عن نواهیه.

وأمّا النصیحة للمسلمین هی الإخلاص فی الإرشاد أو فی التعامل معهم.

فإذا وزنا سلوک الإنسان مع ربه ومع أخیه المؤمن نجد أن هذا الإخلاص فی فعله


1- سورة الأعراف، الآیة: 62.
2- سورة الأعراف، الآیة: 68.

ص: 145

وقوله ما هو إلا دلالة علی حبه لربه أو لأخیه، فمن کان محباً کان ناصحاً ومن کان ناصحاً کان محباً ولذا ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«ما أخلَصَ المَوَدَّة مَن لَم یَنصَحْ»(1).

وإذا أراد الإنسان أن ینال محبة الطرف الآخر فما علیه إلا أن یکون ناصحاً له فی کل ما تصح فیه النصیحة، وهذا ما أکده أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«النَّصیحَةُ تُثمِرُ الوُدِّ»(2).

النصیحة لمن؟

بعد أن عرفنا النصیحة وعرفنا دلالاتها علی المحبة، بل وتثمر المحبة أیضا، صار لابد من معرفة من له الحق علینا فی النصیحة، وهذا ما سنقدمه فی العرض الآتی:

1__ النصیحة لله تعالی:

قلنا إن النصیحة لله تعالی هی الإخلاص له فی الطاعة والانقیاد، وإتیان ما یحب واجتناب ما یکره، وهذه النصیحة لا تعود علی الله تعالی بالنفع والفائدة لغناه عن طاعة من أطاعه، إلا أننا نجد أن الله تعالی یؤکد علی هذه النصیحة بل یجعلها من أحب العبادات إلیه تعالی کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أحَبُّ مَا تَعَبَّدَ لی بِهِ عَبدی، النُّصحُ لی»(3).

وما هذا التأکید إلا لکی ینتفع العبد الناصح بذلک فإن دل علی شیء فإنما یدل علی لطف الله تعالی ورحمته بعباده.


1- مستدرک الوسائل، المیرزا النوری: ج12، ص433، ح14540. میزان الحکمة: ج10، ص4323، ح20137. غرر الحکم: ح9580.
2- غرر الحکم: 844. میزان الحکمة: ج10، ص4323، ح20143.
3- الترغیب والترهیب: ج2، ص577، ح16. میزان الحکمة: ج10، ص4322، ح20131.

ص: 146

2__ النصیحة لرسوله صلی الله علیه وآله وسلم:

ومعنی النصیحة لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو الالتزام بشریعته بعد الإیمان به والتصدیق بما جاء به من عند الله العظیم، والحفاظ علی دینه والدفاع عن بیضة هذا الدین، والمودة والمولاة لآله الطاهرین علیهم السلام والسیر بهداهم، وهذا ما أشار إلیه الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن یَضْمَنُ لی خَمساً أضمَن لَهُ الجَنَّةَ: النَّصیحَة للهِ عَزَّ وجَلَّ، والنَّصیحَة لرَسولِهِ، والنَّصیحَةُ لِکتابِ اللهِ، والنَّصیحَةُ لدِینِ اللهِ، والنَّصیحَةُ لجَماعَةِ المُسلِمینَ»(1).

3__ النصیحة لکتاب الله تعالی:

وهذا یتجسد فی تلاوته والالتزام بأحکامه وعدم هجره تلاوة وعملا، والتدبر فیه والتبرک بالنظر إلیه، وتطهیر الألسن والنفوس بآیاته وعبره وحکمه وأمثاله وقصصه.

وهذا أیضا ورد فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«والنَّصیحَةُ لِکتابِ اللهِ، والنَّصیحَةُ لدِینِ اللهِ، والنَّصیحَةُ لجَماعَةِ المُسلِمینَ»(2).

4__ النصیحة للإمام بالحق:

التولی للإمام ولأولیائه والتبری من أعدائه، والاقتداء بهدیه وسمته، والإقرار بحجته والدفاع عنه والاستشهاد بین یدیه إذا استلزم الأمر ذلک هو عین النصیحة له، ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن لا یَهتَمَّ بأمرِ المُسلِمینَ فلَیسَ مِنهُم، ومَن لَم یُصبِحْ ویُمسِ ناصِحاً للهِ ولرَسولِهِ ولکِتابِهِ ولإمامِه ولعامَّةِ المسلِمینَ فلَیسَ مِنهُم»(3).


1- مشکاة الأنوار: ص310.
2- میزان الحکمة: ج10، ص4322، ح20135.
3- الترغیب والترهیب: ج2، ص577، ح17. میزان الحکمة: ج10، ص4322، ح20132.

ص: 147

5__ النصیحة لعامة المسلمین:

مؤازرتهم ومعاونتهم وإرشادهم ومعاشرتهم بالمعروف والاهتمام بأمرهم والدفاع عن مظلومهم هو ما أرشد إلیه الحدیث الوارد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«والنَّصیحَةُ لجَماعَةِ المُسلِمینَ».

فوائد
اشارة

إذا وجدت فی شخص بعض هذه الصفات التی سنذکرها الآن فخذ بنصیحته إذا قدمها إلیک وهی:

ألف: إذا أراد أن یحکم بین طرفین لا یحکم إلا بالحق دون أن یتأثر بنسب أو مال أو رابطة معینة کالدیانة أو المذهبیة أو الوطنیة.

باء: إذا کان لغیره علیه حقٌ لا یتوانی فی إعطائه من نفسه.

جیم: لا یرضی لنفسه شیئا دون غیره ولا یرضی لغیره إلا ما یرضاه لنفسه.

دال: لا یبغی ولا یظلم ولا یتجاوز حدود الله تعالی.

هذه الصفات ذکرها رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«أمّا علامَةُ النّاصِحِ فأربَعةٌ: یَقضی بالحَقِّ، ویُعطی الحَقِّ، ویُعطی الحَقَّ مِن نَفسِهِ، ویَرضی للنّاسِ ما یَرضاهُ لنَفسِهِ، ولا یَعتدی علی أحَدٍ»(1).

__ لا تنتظر من البخیل اللئیم والحاسد البغیض نصیحة ولا تعاتبهم علی ذلک لعدم فائدة العتاب معهم، فإن هذین الصنفین من الناس لا یحرکهما إلا الطمع أو الخوف وهذا ما أکده أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:


1- تحف العقول: ص20. میزان الحکمة: ج10، ص4324، ح20155.

ص: 148

«لاَ یَنصَحُ اللَّئیمُ أحَداً إلاّ عن رَغبَةٍ أو رَهبَةٍ، فإذا زالَتِ الرَّغبَةُ والرَّهبَةُ عادَ إلی جَوهَرِهِ»(1).

وأشار إلی الصنف الثانی (الحاسد) إمامنا الصادق علیه السلام بقوله:

«النَّصیحَةُ مِن الحاسِدِ مُحالٌ»(2).

__ قد یتلبس بعض السعادة النمامین والمفرقین بین الناس بلباس الناصحین وهم أکثر الناس غشاً فاحذرهم وهذا هو معنی قول أمیر المؤمنین علیه السلام فی کتابه وعهده لمالک الأشتر رضی الله عنه فجاء:

«ولا تَعجَلَنَّ إلی تَصدیقِ ساعٍ، فإنَّ السّاعیَ غاشٌّ وإن تَشَبَّهَ بالنّاصِحینَ»(3).

__ لا تنسی نفسک

تقدم الکلام أن النصیحة الحقة التی لا غش فیها ولا تلکأ ولا غایة فاسدة هی ما کانت لله تعالی ولرسوله ولکتابه وللإمام الحق ولعامة المسلمین، ولکی تصدر النصیحة من العبد لما ذکرنا لابد أن یکون صاحب النصیحة ذا نفس مؤمنة مطیعة منقادة لله تعالی ولرسوله وهذا لا یتم إلا من رجل ینصح نفسه قبل غیره کما صرح بذلک أمیر المؤمنین بقوله:

«مَن نَصَحَ نَفسَهُ کانَ جَدیراً بِنُصحِ غَیرِهِ، مَن غَشَّ نَفسَهُ کانَ أغَشَّ لِغَیرِهِ»(4).

ولکی یتضح هذا الترابط بین النصیحة وبین العبد المطیع لربه نذکر قول الإمام


1- غرر الحکم: ص10910. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20158.
2- بحار الأنوار: ج78، ص194، ح9. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20157.
3- نهج البلاغة: الکتاب 31. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20161.
4- غرر الحکم: 9043، 9044. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20165.

ص: 149

أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إنّ أنصَحَ النّاسِ أنصَحُهُم لِنَفسِهِ، وأطوَعُهُم لِرَبِّهِ»(1).

فمن أراد أن یکون ناصحاً لنفسه لابد أن یکون من المطیعین، فالمطیع هو الناصح الحقیقی والعاصی هو الغاش لنفسه کما ورد فی قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إنّ أنصَحَ النّاسِ لِنَفسِهِ أطوَعُهُم لِرَبِّهِ، وإنّ أغَشَّهُم لِنفسِهِ أعصاهُم لِرَبِّهِ»(2).

ومن کان ناصحاً لله تعالی ولرسوله ولنفسه رزقه الله تعالی القناعة والرضا بما ناله من هذه الدنیا الفانیة، ورزقه فی الآخرة برضوان ینجیه من عذابها ولذا ذکر الإمام الصادق علیه السلام قوله هذا:

«ما ناصَحَ اللهَ عبدٌ مُسلِمٌ فی نَفسِهِ، فأعطَی الحَقَّ مِنها وأخَذَ الحَقَّ لَها، إلاّ أُعطِیَ خَصلَتَینِ: رِزقاً مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ یَقنَعُ بهِ ورِضیً عنِ اللهِ یُنجیهِ»(3).

__ أسئلة مهمة

السؤال: من هو الذی لا ینتفع بالنصیحة؟

الجواب: ذکر الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام أصنافاً من الناس لا تهمهم النصیحة ولا ینتفعوا بها:

ألف: الفاسد الذی یلتذ بفضیحته ولا یهتم بما قیل فیه وهذا ما أشار إلیه الإمام علیه السلام بقوله:

«کیفَ یَنتَفِعُ بالنَّصیحَةِ مَن یَلتَذُّ بالفَضیحَةِ»(4).


1- غرر الحکم: 3515. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20162.
2- نهج البلاغة: الخطبة 86. میزان الحکمة: ج10، ص4325، ح20163.
3- الخصال: 46 __ 47. میزان الحکمة: ج10، ص4325 __ 4326، ح20166.
4- غرر الحکم: 7008. میزان الحکمة: ج10، ص4326، ح20169.

ص: 150

باء: من لا عقد له سواء کان مجنوناً أو أحمقَ أو جاهلاً جهلا مرکبا، فلذا قال الإمام السجاد علیه السلام عن الأحمق الذی لا یهتم بالنصیحة:

«إن تکلم فضحه حمقه، وإن سکت قصر به عیه، وإن عمل أفسد، وان استرعی أضاع، لأعلمه من نفسه یغنیه، ولا علم غیره ینفعه، ولا یطیع ناصحه، ولا یستریح مقارنه، تود أمه أنها ثکلته، وامرأته أنها فقدته، وجاره بعد داره، وجلیسه الوحدة من مجالسته، إن کان أصغر من فی المجلس أعی من فوقه، وإن کان أکبرهم أفسد من دونه»(1).

وتکلم الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام یصف الجاهل بالجهل المرکب الذی لا یقبل قولاً ولا موعظة ولا نصیحة فقال:

«إن الجاهل من عدّ نفسه بما جهل من معرفة العلم عالماً وبرأیه مکتفیا فما یزال من العلماء مباعداً وعلیهم زاریا ولمن خالفه مخطّئاً ولمن لم یعرف من الأمور مضلّلاً وإذا ورد علیه من الأمر ما لا یعرفه أنکره وکذّب به وقال بجهالته: ما أعرف هذا، وما أراه کان، وما أظن أن یکون، وإنی کان، ولا أعرف ذلک لثقته برأیه وقلّة معرفته بجهالته»(2).

السؤال: ممن نأخذ النصیحة؟

الجواب: نصحنا الإمام علیه السلام أن نأخذها مما یلی:

ألف: إن أفضل ناصح وأکمل نصیحة هی نصیحة الله تعالی لعبده فلذا قال أمیر المؤمنین علیه السلام:

«أیُّها النّاسُ، إنَّهُ مَنِ استَنصَحَ اللهَ وُفِّقَ»(3).


1- الأمالی للشیخ الطوسی: ص614، ح1268/4.
2- الآداب والأخلاق الإسلامی لعبد الله الهاشمی: ص695.
3- نهج البلاغة: الخطبة 147. میزان الحکمة: ج10، ص4326، ح20172.

ص: 151

باء: وأن کتاب الله تعالی القرآن الکریم هو خیر ناصح لا یغش ویظل وهذا ما أکده أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«اتّعِظوا بمَواعِظِ اللهِ، واقبَلوا نَصیحَةَ اللهِ... واعلَموا أنّ هذا القرآنَ هُو النّاصِحُ الّذی لا یَغُشُّ... واستَنصِحوه علی أنفُسِکُم، واتَّهِموا علَیهِ آراءکُم، واستَغِشُّوا فیهِ أهواءکُم»(1).

جیم: هناک من یمنّ علینا بمبادرة منه فیهب لنا نصیحته لنتدبرها بعقولنا ثم نعمل بها بعد التأکد من صوابها وهذا ما أشار إلیه مولی المتقین علیه السلام بقوله:

«اِسمَعوا النَّصیحَةَ مِمَّن أهداها إلَیکُم، واعقِلوها علی أنفُسِکُم»(2).

ورد أیضا عن أمیر المؤمنین علیه السلام أن:

«لا تأخذ النصیحة ممن لا عقل له ولا أصل.... الخ».

السؤال: ما هی آثار قبول النصیحة أو عدم قبولها؟

الجواب: ألف/ إن لقبول النصیحة آثارا جمیلة أوردها أمیر المؤمنین علیه السلام بالأحادیث الآتیة:

1__ قال الإمام علی علیه السلام:

«مَن نَصَحَکَ فَقَد أنجَدکَ»(3).

2__ وعنه علیه السلام:

«مَن قَبِلَ النَّصیحَةَ أمِنَ مِن الفَضیحَةِ»(4).


1- نهج البلاغة: الخطبة 176. میزان الحکمة: ج10، ص4326، ح20171.
2- غرر الحکم: 2494. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20174.
3- غرر الحکم: 7767. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20181.
4- غرر الحکم: 8344. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20182.

ص: 152

3__ وعنه علیه السلام:

«مِن أکبَرِ التَّوفیقِ الأخذُ بالنَّصیحَةِ»(1).

4__ وعنه علیه السلام:

«مَن أقبَلَ علّی النَّصیحِ أعرَضَ عنِ القَبیحِ، مَنِ استَغَشَّ النَّصیحَ غَشِیَةُ القَبیحُ»(2).

__ وقفة وتأمل

لنتأمل فی هذه الدرر التی فاض بها علینا سید الأوصیاء علیه السلام فنجده یؤکد علی قبول نصیحة الناصح لما فیها من نجاة وخلاص من براثن الشیطان وعثرات النفس، ولما فیها من دفع للفضیحة بین الناس التی ستلحق الضرر الکبیر بسمعتنا ومنزلتنا فی الدنیا وتحجب عنا رضا ربنا ورضوانه فی الآخرة.

باء/ ومن ترک التمسک بالنصیحة ظل وهوی، وأدخل السرور علی أعدائه والحزن علی أحبائه، فلذا قال أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَن خالَفَ النُّصحَ هَلَکَ»(3).

وعنه علیه السلام:

«مَن عَصی نَصیحَهُ نَصَرَ ضِدَّهُ»(4).

وعنه علیه السلام:

«مَن أعرَضَ عَن نَصیحَةِ النّاصِحِ أُحرِقَ بِمَکیدَةِ الکاشِحِ»(5).


1- غرر الحکم: 9305. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20183.
2- غرر الحکم: 8683. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20185.
3- غرر الحکم: 7743. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20179.
4- غرر الحکم: 8355. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20180.
5- غرر الحکم: 8697. میزان الحکمة: ج10، ص4327، ح20186.

ص: 153

بحث عقائدی
الحیاة البرزخیة

بعد أن أوصی الإمام الحسین علیه السلام بالتقوی وحذر الناس من أیام الله تعالی نحا بخطبته علی بیان نزول ریب المنون ومرارته واستیلائه علی مهج القلوب ووقوفه حاجبا بین العمل وبین صاحبه فینقطع العبد عن الدنیا لیبدأ یومه الأول فی آخرته فیأخذ بقوانین النشأة الأخری، وأدلی مراحل هذه النشأة هی الحیاة البرزخیة.

قبل أن نخوض فی تفصیلات هذه الحیاة لابد لنا من معرفة البرزخ لغة واصطلاحاً.

البرزخ فی اللغة: الحاجز بین شیئین(1).

البرزخ فی الاصطلاح: جاء عن الجرجانی(2)، البرزخ: هو العالم المشهور بین عالم المعانی المجردة والأجسام المادیة، وعرفه أهل البیت علیهم السلام بأنه أمر بین أمرین کما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام:

ورد فی تفسیر نور الثقلین عن علی بن إبراهیم: البَرْزَخُ هُو أمرٌ بَینَ أمرَینِ، وهُو الثَّوابُ والعِقابُ بین الدُّنیا والآخِرَةِ، وهُو قولُ الصّادقِ علیه السلام:

«واللهِ، ما أخافُ علَیکُم إلاّ البَرزَخَ»(3).

وحدده الإمام الصادق علیه السلام بکلام صریح بقوله:

«والله، أتَخَوَّفُ علَیکُم فی البَرزَخِ!

قلتُ: وما البَرْزخُ؟ فقالَ:

القَبرُ، مُنذُ حینِ مَوتِهِ إلی یومِ القیامةِ».


1- المعجم الوسیط: ص49.
2- التعریفات للجرجانی: ص31.
3- تفسیر نور الثقلین: ج3، ص553، ح120. میزان الحکمة: ج1، ص336، ح1681.

ص: 154

أحوال البرزخ

تقدم الحدیث أن البرزخ هو ما سیکون علیه العبد فی القبر الذی یضمه منذ موته إلی حین نشوره وقیامته، فإذا نزل العبد فی ذلک المکان الموحش المظلم الضیق انقطع عن عالم الدنیا وما فیها من الأحبة والأموال والمناصب والعناوین الوقتیة والجاه العریض، فیصرح دون أن یسمعه أحد، وینادی فلا یجیبه مجیب، فتبدأ أحوال القبر من ضمة القبر إذ إن القبر یضم صاحبه إذا کان عاصیا ضمة فتتلاقی أضلاعه کما ورد ذلک فی الروایات الشریفة فلقد جاء فی کتاب الأمالی للشیخ الصدوق عن الإمام الصادق علیه السلام قال:

«أتی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فقیل له: إن سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وقام أصحابه معه.

فأمر بغسل سعد وهو قائم علی عضادة الباب، فلما أن حنط وکفن وحمل علی سریره تبعه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بلا حذاء ولا رداء.

ثم کان یأخذ یمنة السریر مرة ویسرة السریر مرة حتی انتهی به إلی القبر، فنزل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم حتی لحده وسوی اللبن علیه، وجعل یقول: ناولونی حجراً، ناولونی تراباً رطباً یسد به ما بین اللبن.

فلما أن فرغ وحثا التراب علیه وسوی قبره، قال رسول الله صلی الله علیه وآله: إنی لأعلم أنه سیبلی ویصل البلی إلیه؛ ولکن الله یحب عبداً إذا عمل عملا أحکمه، فلما أن سوی التربة علیه قالت أم سعد: یا سعد هنیئاً لک الجنة، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: یا أم سعد! مه، لا تجزمی علی ربک، فإن سعداً قد أصابته ضمة.

قال: فرجع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم ورجع الناس؛ فقالوا له: یا رسول الله

ص: 155

لقد رأیناک صنعت علی سعد ما لم تصنعه علی أحد، إنک تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء، فقال صلی الله علیه وآله وسلم إن الملائکة کانت بلا رداء ولا حذاء فتأسیت بها.

فقالوا: وکنت تأخذ یمنة السریر مرة ویسرة السریر مرة، قال: کانت یدی فی ید جبرئیل آخذ حیث یأخذ، قالوا: أمرت بغسله وصلیت علی جنازته ولحدته فی قبره ثم قلت: إن سعداً قد أصابته ضمة! قال: فقال صلی الله علیه وآله وسلم: نعم إنه کان فی خلقه مع أهله سوء»(1).

فإن هذه الضمة التی تصیب المیت هی تطهیر له لکی یخرج إلی القیامة نظیفا من بعض الذنوب کما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام، عن آبائه علیهم السلام، عن علی علیه السلام قال:

«قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: ضغطة القبر للمؤمن کفارة لما کان من تضییع النعم»(2).

ثم یلی ضمة القبر سؤال منکر ونکیر فیسألان العبد أسئلة عدیدة فیکون بعدها إمّا فائزا أو هو من الخاسرین نتیجة لأجوبته  وهذا ما ذکره لنا صاحب الأمالی فقال:

عن موسی بن جعفر، عن أبیه علیهما السلام قال:

«إذا مات المؤمن شیعه سبعون ألف ملک إلی قبره، فإذا أدخل قبره أتاه منکر ونکیر فیقعدانه ویقولان له: من ربک؟ وما دینک؟ ومن نبیک؟ فیقول: ربی الله، ومحمد نبیی، والإسلام دینی، فیفسحان له فی قبره مد بصره، ویأتیانه بالطعام من الجنة، ویدخلان علیه الروح والریحان، وذلک قوله عزّ وجل: 


1- تسلیة الفؤاد فی بیان الموت والمعاد، السید عبد الله شبر: ص85 __ 86.
2- تسلیة الفؤاد لعبد الله شبر: ص86.

ص: 156

(فَأَمَّا إِنْ کَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِینَ (88) فَرَوْحٌ وَرَیْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِیمٍ) (1).

یعنی فی قبره.

(وَجَنَّةُ نَعِیمٍ) (2).

یعنی فی الآخرة.

ثم قال علیه السلام:

إذا مات الکافر شیعه سبعون ألفاً من الزبانیة إلی قبره، وإنه لیناشد حاملیه بصوت یسمعه کل شیء إلا الثقلان ویقول: لو أن لی کرة فأکون من المؤمنین، ویقول: ارجعون لعلی أعمل صالحاً فیما ترکت، فتجیبه الزبانیة: کلا إنها کلمة أنت قائلها، وینادیهم ملک: لو رد لعاد لما نهی عنه، فإذا أدخل قبره وفارقه الناس أتاه منکر ونکیر فی أهول صورة؛ فیقیمانه ثم یقولان له: من ربک؟ وما دینک؟ ومن نبیک؟ فیتلجلج لسانه ولا یقدر علی الجواب، فیضربانه ضربة من عذاب الله یذعر لها کل شیء، ثم یقولان له:

من ربک؟ وما دینک؟ ومن نبیک؟ فیقول: لا أدری، فیقولان له: لا دریت ولا هدیت ولا أفلحت، ثم یفتحان له باباً إلی النار وینزلان إلیه الحمیم من جهنم وذلک قول الله عزّ وجل:

(وَأَمَّا إِنْ کَانَ مِنَ الْمُکَذِّبِینَ الضَّالِّینَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِیمٍ) (3).

یعنی فی القبر.

(وَتَصْلِیَةُ جَحِیمٍ) (4).


1- سورة الواقعة، الآیتان: 88 و89.
2- سورة الواقعة، الآیة: 89.
3- سورة الواقعة، الآیتان: 92 و93.
4- سورة الواقعة، الآیة: 94.

ص: 157

یعنی فی الآخرة»(1).

هذه الحالة التی یمر فیها المیت هی مرحلة سابقة لمرحلة البرزخ، أی عندما یودّع الإنسان هذه الدنیا وینتقل إلی عالم الآخرة یکون فی یومه الآخر من أیام الدنیا والأول من أیام الآخرة فیتجسم له ما کان مهتما به أشد الاهتمام ألا وهو المال والأولاد والعمل فعندها تحصل المحاورة التی تزلزل القلوب وتدمع العیون ویطیر لها اللب، وهذا ما جاء عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی الکافی مسنداً عن سوید بن غفلة قال: قال أمیر المؤمنین صلوات الله علیه:

«إن ابن آدم إذا کان فی آخر یوم من أیام الدنیا وأول یوم من أیام الآخرة مثل له ماله وولده وعمله فیلتفت إلی ماله فیقول: والله إنی کنت علیک حریصاً شحیحاً فما لی عندک؟ فیقول: خذ منی کفنک.

قال: فیلتفت إلی ولده فیقول: والله إنی کنت لکم محباً وإنی کنت علیکم محامیاً فماذا لی عندکم؟ فیقولون: نؤدیک إلی حفرتک نواریک فیها.

قال: فیلتفت إلی عمله فیقول: والله إنی کنت فیک لزاهداً وإن کنت علی لثقیلا فماذا لی عندک، فیقول: أنا قرینک فی قبرک ویوم نشرک حتی أعرض أنا وأنت علی ربک.

قال: فإن کان لله ولیاً أتاه أطیب الناس ریحاً وأحسنهم منظراً وأحسنهم ریاشاً، فقال: أبشر بروح وریحان وجنة نعیم ومقدمک خیر مقدم، فیقول له: من أنت؟ فیقول: أنا عملک الصالح ارتحل من الدنیا إلی الجنة وإنه لیعرف غاسله ویناشد حامله أن یعجله»(2).


1- أمالی الصدوق: ص174. تسلیة الفؤاد، لعبد الله شبر: ص87 __ 88.
2- الکافی: ج3، ص231. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص89 __ 90.

ص: 158

ففی هذه الروایة یکون العمل مجملا لصاحبه.

وهناک ما یدل علی تجسم الأعمال تفصیلیا، أی أن الصلاة تتجسم بصورة والصوم بصورة أخری والزکاة بصورة ثالثة وهکذا فلذا ذکر فی المحاسن عن أبی بصیر عن أحدهما علیهما السلام قال:

«إذا مات العبد المؤمن دخلت معه فی قبره ست صور، فیهن صورة أحسنهن وجهاً، وأبهاهن هیئة، وأطیبهن ریحاً وأنظفهن صورة، قال: فتقف صورة عن یمینه وأخری عن یساره وأخری بین یدیه وأخری خلفه وأخری عند رجله، وتقف التی هی أحسنهن فوق رأسه، فإن أتی عن یمینه منعته التی عن یمینه، ثم کذلک إلی أن یؤتی من الجهات الست، قال: فتقول أحسنهن صورة: من أنتم جزاکم الله عنی خیراً؟ فتقول التی عن یمین العبد: أنا الصلاة، وتقول التی عن یساره، أنا الزکاة، وتقول التی بین یدیه: أنا الصیام وتقول التی خلفه: أنا الحج والعمرة، وتقول التی عند رجلیه: أنا بر من وصلت من إخوانک، ثم یقلن: من أنت، فأنت أحسننا وجهاً وأطیبنا ریحاً وأبهانا هیئة؟ فتقول: أنا الولایة لآل محمد صلوات الله علیهم أجمعین»(1).

عندما تقرأ الروایات التی تتحدث عن أحوال البرزخ تقف مذهولا فهناک روایة تشیر إلی أن المؤمن مهما بلغ إیمانه ودرجته لابد له من ضمة القبر لمعصیة لم یتب منها وهذا ما حصل لسعد بن معاذ کما جاء فی الروایة السابقة الذکر ففی هذه الروایة نجد أن سعداً شیعته الملائکة وعلی رأسهم جبرئیل علیه السلام وحمله سید الکائنات صلی الله علیه وآله وسلم علی عاتقه الشریف وتولی أمر تنزیله فی القبر ووضعه فی محلودة قبره وسوی علیه التراب بیده الشریفة إلا أنه لم ینجُ من ضمة القبر بسبب غلظة مع أهله.


1- المحاسن: ص288. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص93.

ص: 159

أسئلة مهمة

السؤال: هل هناک من ینجو من ضغطة القبر؟

الجواب: ورد فی الروایات أن الناجین من ضغطة القبر قلیلون جداً وهذا ما أکده الإمام الصادق علیه السلام فی الکافی عن أبی بصیر قال: قلت لأبی عبد الله علیه السلام:

أیفلت من ضغطة القبر أحد؟، قال، فقال علیه السلام:

«نعوذ بالله منها، ما أقل من یفلت من ضغطة القبر، إن رقیة لما قتلها عثمان وقف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علی قبرها، فرفع رأسه إل السماء فدمعت عیناه وقال للناس:

إنی ذکرت هذه وما لقیت فرققت لها واستوهبتها من ضمة القبر، قال: فقال اللهم هب لی رقیة من ضمة القبر؛ فوهبها الله له»(1).

وهم کالآتی:

ألف: من شفع فیهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أو أحد الأئمة علیهم السلام کما فی تکملة الروایة السابقة فیقول:

إن رقیة لما قتلها عثمان وقف رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علی قبرها، فرفع رأسه إلی السماء فدمعت عیناه وقال للناس:

إنی ذکرت هذه وما لقیت فرفقت لها واستوهبتها من ضمة القبر، قال: فقال اللهم هب لی رقیة من ضمة القبر؛ فوهبها الله له»(2).

باء: من مات فی وقت شریف من أیام الأسبوع وهو یوم الجمعة ینجو من هذه


1- الکافی: ج3، ص263. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص94.
2- الکافی: ج3، ص263. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص94 __ 95.

ص: 160

الضغطة المخیفة کما فی الروایة الآتیة، فی محاسن البرقی عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:

«من مات یوم الجمعة کتب الله له براءة من ضغطة القبر»(1).

بل فی روایة أخری هناک توسعة فی الوقت مما أشارت إلیه الروایة السابقة وهذا ما أشارت إلیه الروایة:

«من مات ما بین زوال الشمس یوم الخمیس إلی زوال الشمس من یوم الجمعة من المؤمنین أعاذه الله من ضغطة القبر»(2).

وفی روایة ثالثة أن للیلة الجمعة أو یومها دوراً کبیراً فی رفع عذاب القبر کله بما فیه ضغطة القبر وهذا ما ذکره الإمام أبو جعفر علیه السلام بقوله:

«بلغنی أن النبی قال: من مات یوم الجمعة أو لیلة الجمعة دفع عنه عذاب القبر»

جیم: وسنذکر بعض الأعمال التی تساعد علی النجاة من ضغطة القبر وهی کما یلی:

(الأول: رُوی عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال:

«مَنْ قرأ سورة النساء فی کل جمعة أومِنَ مِنْ ضغطة القبر»(3).

الثانی: رُوی:

«مَنْ أدْمَنَ قراءة (حم) الزخرف آمنه الله فی قبرهِ منْ هَوامِّ الأرض وضغطة القبر»(4).

الثالث: رُوی:


1- المحاسن: ص58. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص91 __ 92.
2- أمالی الصدوق: ص169، تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص86.
3- ثواب الأعمال للصدوق: ص131. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص62.
4- ثواب الأعمال للصدوق: ص141. نقله فی البحار: ج87، ص2، ح3.

ص: 161

«مَنْ قرأ سورة (ن) والقلم فی فریضة أو نافلة... أعاذه الله إذا مات مِنْ ضمة القبر»(1).

الرابع: رُوی عن الإمام الصادق علیه السلام:

«مَنْ مات ما بین زوال الشمس من یوم الخمیس إلی زوال الشمس من یوم الجمعة أعاذه الله مِنْ ضغطة القبر»(2).

الخامس: رُوی عن الإمام الرضا علیه السلام أنهّ قال:

«علیکم بصلاة اللیل، فما من عبد یقوم آخر اللیل فیصلی ثمان رکعات، ورکعتی الشفع، ورکعة الوتر، واستغفر الله فی قنوته سبعین مرّةً إلاّ أجیر مِنْ عذاب القبر ومِن عذاب النار، ومُدَّ فی عمره، ووسع علیه فی معیشته»(3).

السادس: روی عن الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن قرأ ألهاکم التکاثر عند النوم وقی مِنْ فتنة القبر»(4).

السابع: قراءة دعاء:

(أعددتُ لکل هول لا إله إلا الله...).

الثامن: الدفن فی النجف الأشرف، فمن خواص هذه التربة الشریفة أنّها تُسقط عذاب القبر وحساب منکر ونکیر عَنْ مَنْ یدفن فیها(5).

التاسع: من الأمور النافعة لرفع عذاب القبر وضع جریدتین رطبتین مع المیت.


1- ثواب الأعمال: ص147. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص63.
2- الأمالی للصدوق: ص231. بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج6، ص221، ح17.
3- روضة الواعظین للنیسابوری: ج2، ص320. بحار الأنوار: ج87، ص161.
4- ثواب الأعمال للصدوق: ص153. بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج76، ص200، ح14.
5- إرشاد القلوب للشیخ الدیلمی: ص439. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص64.

ص: 162

وروی: أنه یتجافی عنه العذاب ما دامت رطبة.

وروی أیضا:

(مر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم علی قبر یُعَذَّب صاحبه، فدعا بجریدة فشقها نصفین، فجعل واحدةً عند رأسه، والأخری عند رجلیه، وأنّه قیل له: لم وضعتها؟ فقال صلی الله علیه وآله وسلم:

«إنّه یخفف عنه العذاب ما کانتا خضراوین»(1).

ومن النافع أیضاً صبّ الماء علی القبر لما ورد أن العذاب یرفع عن المیت ما دام القبر رطباً(2).

العاشر: فی أول یوم من رجب.

(تصلّی عشر رکعات تقرأ فی کل رکعة فاتحة الکتاب مرّة، وقل هو الله أحد ثلاث مرات... وقاک الله فتنة القبر وعذاب یوم القیامة)(3).

(ویصلی فی اللیلة الأولی من رجب بعد صلاة المغرب عشرین رکعة بالحمد والتوحید، فإنّها نافعة فی رفع عذاب القبر)(4).

الحادی عشر: أن تصوم أربعة أیّام من شهر رجب(5).

وکذلک صوم اثنی عشر یوماً من شعبان(6).

الثانی عشر: ومن الأمور الموجبة للنجاة من عذاب القبر قراءة سورة الملک فوق


1- الفقیه: ج1، ص144، ح402. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص66.
2- الکافی: ج3، ص200، ح6.
3- الإقبال لابن طاوس: ص637.
4- الإقبال لابن طاوس: ص629.
5- ثواب الأعمال للصدوق: ص79. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص67.
6- ثواب الأعمال للصدوق: ص87. الأمالی للصدوق: ص30.

ص: 163

قبر المیت کما روی ذلک القطب الراوندی عن ابن عباس قال:

(إن رجلا ضرب خباءه علی قبر ولم یعلم أنّه قبر، فقرأ تبارک الذی بیده الملک، فسمع صائحاً یقول: هی المنجیة.

فذکر ذلک لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم، فقال:

«هی المنجیة من عذاب القبر»(1).

وروی الشیخ الکلینی عن الإمام محمد الباقر علیه السلام أنه قال:

«سورة الملک هی المانعة تمنع من عذاب القبر»(2).

الثالث عشر: فی دعوات الراوندی نقل عن الرسول صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال:

«ما من أحد یقول عند قبر میت إذا دفن ثلاث مرّات: (اللهم إنّی أسألُکَ بحق محمدٍ وآل محمدٍ أنْ لا تُعَذِّبَ هذا المَیِتَ) إلاّ دفع الله عنه العذاب إلی یوم ینفخ فی الصور»(3).

الرابع عشر: روی الشیخ الطوسی فی (مصباح المتهجد) عن الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال:

«مَنْ صَلّی لیلة الجمعة رکعتین یقرأ فیهما بفاتحة الکتاب وإذا زلزلت الأرض زلزالها خمس عشرة مرّة آمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال یوم القیامة»(4).

الخامس عشر: ومن النافع فعله لرفع عذاب القبر صلاة ثلاثین رکعة فی لیلة


1- الدعوات للقطب الراوندی: ص279، ح817.س
2- الکافی: ج2، ص633، ح26. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص68.
3- الدعوات للقطب الراوندی: ص270، ح770. بحار الأنوار: ج82، ص54، ح43.
4- مصباح المتهجد: ص228.

ص: 164

النصف مِن رجب یقرأ فی کل رکعة الحمد مرّة والتوحید عشر مرّات(1).

وکذلک فی اللیلة السادسة عشرة(2) واللیلة السابعة عشرة(3) من رجب.

وکذلک أن یصلی فی اللیلة الأولی مِنْ شعبان مائة رکعة بالحمد والتوحید، وبعد أن یفرغ من الصلاة یقرأ التوحید خمسین مرّة(4).

وکذلک یصلی فی اللیلة الرابعة والعشرین من شعبان رکعتین یقرأ فی کل رکعة الحمد مرّة، وإذا جاء نصر الله عشر مرات(5).

وورد لیوم النصف من رجب صلاة خمسین رکعة بالحمد والتوحید والفلق والناس، فإنّها نافعة لرفع عذاب القبر(6).

ومثلها صلاة مائة رکعة لیلة عاشوراء(7))(8).

السؤال: هل یعذب المصلوب عذاب القبر لاسیما ضغطة القبر؟

الجواب: أجاب علی ذلک الإمام الصادق علیه السلام بقوله:

روی علی بن إبراهیم، عن محمد بن عیسی، عن یونس قال: سألته عن المصلوب یعذب عذاب القبر؟ قال: فقال:

«نعم إن الله عز وجل یأمر الهواء أن یضغطه»(9).


1- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص652.
2- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص664.
3- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص665.
4- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص683.منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص69.
5- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص722.
6- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص658. منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص70.
7- إقبال الأعمال لابن طاوس: ص555 __ 556.
8- منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص62 __ 70.
9- الکافی للکلینی: ج3، ص241، برقم 4728 __ 16.

ص: 165

وفی روایة أخری، سئل أبو عبد الله علیه السلام عن المصلوب یصیبه عذاب القبر فقال:

«إن رب الأرض هو رب الهواء فیوحی الله عز وجل إلی الهواء فیضغطه ضغطة أشد من ضغطة القبر»(1).

ویستشف من هذه الروایة أن المیت یتعذب بعذاب القبر وإن لم یکن له قبر ترابی بحسب الظاهر، ولا یقتصر العذاب علی ضغطة القبر بل یتعداه إلی غیره بدلیل أن السائل الذی سأل الإمام علیه السلام عن عذاب القبر مطلقاً فلم ینفِ الإمام علیهم السلام العذاب عن المیت المصلوب وإنما أشار إلی الضغطة من باب ذکر مصداق من مصادیق العذاب، أو لعل الإمام علیه السلام دفع إشکالاً مقدراً فی ذهن السائل وهو (کیف یضغط المصلوب ولم یکن له قبر من تراب) فرد علیه بأنه یضغط بالهواء.

السؤال: من هو الذی یتعرض لسؤال منکر ونکیر، أجمیع الناس یسألون أم هناک فئة دون أخری؟

الجواب: هناک ثلاثة أصناف من الناس، صنف محض الإیمان محضاً أی کان مؤمناً فی أعلی درجات الإیمان وأرقی رتب المؤمنین، وصنف آخر محض الکفر، وصنف ثالث هو الصنف الذی بین هؤلاء وأولئک، وکذلک الحال مع المستضعفین والبلهاء والأطفال وأبناء المسلمین الذین لم یبلغوا سن الرشد.

فلذا لا یُسأل إلا الصنف الأول والثانی فقط ولُغی عن الصنف الثالث وهذا ما أکدته الکثیر من الروایات کما فی قول الإمام الصادق علیه السلام:

ورد فی الکافی عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله علیه السلام:

«لا یسأل فی القبر إلا من محض الإیمان محضاً أو محض الکفر محضاً»(2).


1- المصدر السابق: برقم 4729 __ 17.
2- الکافی: ج3، ص236. تسلیة الفؤاد، السید عبد الله شبر: ص101.

ص: 166

وعن أبی بکر الحضرمی قال: قال أبو عبد الله علیه السلام:

«لا یسأل فی القبر إلا من محض الإیمان محضاً أو محض الکفر محضاً، والآخرون یلهون عنهم»(1).

وعن ابن بکیر عن أبی جعفر علیه السلام، وعن عبد الله بن سنان، عن أبی عبد الله علیه السلام قالا:

«إنما یسأل فی قبره من محض الإیمان محضاً أو الکفر محضاً، وأمّا ما سوی ذلک فیلهی عنهم»(2).

وعن أبی بکر الحضرمی قال: (قلت لأبی جعفر علیه السلام: من المسؤولون فی قبورهم؟ قال:

«من محض الإیمان ومن محض الکفر».

قال: قلت: فبقیة هذا الخلق؟ قال:

«یلهی والله عنهم ما یعبأ بهم»)(3).

وینسجم هذا القول مع قوله تعالی:

(وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا یُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا یَتُوبُ عَلَیْهِمْ وَاللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ) (4).

السؤال: هل أن أرواح المؤمنین والکفار تزور أهلها بعد الموت؟

الجواب: ورد فی الکافی أن المؤمنین والکفار علی حد سواء یزورون أهلهم فی أوقات معینة وبصورة العصفور أو أقل منه فیرون أهلهم، فأمّا المؤمنون یرجعون فی فرح


1- الکافی: ج3، ص235.
2- المصدر السابق.
3- الکافی: ج3، ص237. تسلیة الفؤاد، السید عبد الله شبر: ص101 __ 102.
4- سورة التوبة، الآیة: 106.

ص: 167

وسرور لما رأوا من حسن حال دین أهلهم، وأما الکفار فإنهم یرون أهلهم ویرجعون إمّا بحسرة عندما یرون أن أهلهم یعملون بالصالحات وإما فی حزن عندما یرونهم بشر وحاجة، ویزور الأموات أهلیهم عند زوال الشمس، ولکن المؤمنین یؤذن لهم بالزیارة أکثر من مرة فی الأسبوع وعلی قدر فضلهم وهذا ما أشارت إلیه الروایات الآتیة:

روی ثقة الإسلام فی الکافی بإسناده (عن الصادق علیه السلام قال:

«إنّ المؤمن لیزور أهله فیری ما یحب ویستر عنه ما یکره، وإن الکافر لیزور أهله فیری ما یکره ویستر عنه ما یحب.

قال:

ومنهم من یزور کل جمعة، ومنهم من یزور علی قدر عمله»(1).

وعن أبی بصیر، عن الصادق علیه السلام قال:

«ما من مؤمن ولا کافر إلا وهو یأتی أهله عند زوال الشمس، فإذا رأی أهله یعملون بالصالحات حمد الله علی ذلک، وإذا رأی الکافر أهله یعملون بالصالحات کانت علیه حسرة»(2).

وعن إسحاق بن عمار، عن أبی الحسن الأول علیه السلام قال: سألته عن المیت یزور أهله؟ فقال:

«نعم.

فقلت: فی کم یزور؟ قال:

فی الجمعة وفی الشهر وفی السنة علی قدر منزلته.

فقلت: فی أی صورة یأتیهم، قال:


1- الکافی: ج3، ص230.
2- المصدر السابق.

ص: 168

فی صورة طائر لطیف یسقط علی دارهم ویشرف علیهم فإن رآهم بخیر فرح وإن رآهم بشر وحاجة وحزن اغتم»(1).

وعن عبد الرحیم القصیر قال: قلت له: المؤمن یزور أهله؟ قال:

«نعم، یستأذن ربه فیأذن له فیبعث معه ملکین فیأتیهم فی بعض صور الطیر یقع فی داره ینظر إلیهم ویسمع کلامهم»(2).

عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبی الحسن علیه السلام: یزور المؤمن أهله؟ فقال:

«نعم.

فقلت: فی کم؟ قال:

علی قدر فضائلهم، منهم من یزور فی کل یوم؛ ومنهم من یزور فی کل یومین، ومنهم من یزور فی کل ثلاثة أیام.

قال: ثم رأیت فی مجری کلامه یقول:

أدناهم منزلة یزور کل جمعة.

قال: قلت فی أی ساعة؟ قال:

عند زوال الشمس ومثل ذلک.

قال: قلت فی أی صورة؟ قال:

فی صورة العصفور وأصغر من ذلک، ویبعث الله عز وجل معه ملکاً فیریه ما یسره ویستر عنه ما یکره، فیری ما یسره ویرجع إلی قرة عین»(3)).


1- المصدر السابق.
2- المصدر السابق.
3- الکافی: ج3، ص231. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص114 __ 115.

ص: 169

تذکیر

لا أظن أن القارئ الکریم قد یغفل عن تکلیفه بعدما قرأ هذه الروایات إلا أن الذکری تنفع المؤمنین.

فأقول:

1__ لیجتهد المؤمن فی إدخال السرور علی روح أمواته من خلال طاعته لله تعالی وتلبسه بالإیمان والعمل الصالح فی آناء اللیل وأطراف النهار ولیکون سببا فی إدخال السرور علی المؤمن وینال بذلک ثواب من أدخل السرور علی المؤمنین.

2__ لا ینسی المؤمن أن یتحف أمواته بشیء من الثواب لیرجع المیت إلی قبره بهدیته فرحاً کما ورد فی الروایة الشریفة:

جاء عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم:

«ما تصدرت لمیت فیأخذها ملک فی طبق من نور ساطع ضوؤها یبلغ سبع سماوات ثم یقوم علی شفیر الخندق (القبر) فنادی:

السلام علیکم یا أهل القبور، أهلکم أهدوا إلیکم بهذه الهدیة فیأخذها ویدخل بها فی قبره فتوسع علیه مضاجعة»(1).

کما روی بسند صحیح عن الإمام الصادق علیه السلام:

(قال الراوی: قلت لأبی عبد الله علیه السلام: یصلّی عن المیت؟ فقال:

«نعم حتی أنه لیکون فی ضیق فیوسع الله علیه ذلک الضیق، ثم یؤتی فیقال له: خفف عنک هذا الضیق بصلاة فلان أخیک عنک».

قال: فقلت له: فأشرکُ بین رجلین فی رکعتین؟ قال:

«نعم...». 


1- منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص73.

ص: 170

ثم قال علیه السلام:

«إن المیت لیفرح بالترحم علیه والإستغفار له کما یفرح الحی بالهدیة تهدی إلیه»)(1).

3__ لا یتوهم المؤمن بأن الثواب الذی یهدیه إلی المیت هو ناشئ عن إطعام الطعام أو الصدقة المادیة فقط، وإنما هناک أنواع کثیرة من الثواب تأتی من جراء أعمال سهلة لا مؤنة فیها کإهداء ثواب (الصلوات علی محمد وآله) وزیارة الأئمة المعصومین علیهم السلام أو تلاوة القرآن أو الکلمة الطیبة مع الناس بل کل أعمال البر والخیر والمعروف یمکن إهداء ثوابها إلی الموتی.

4__ رکعتان خفیفتان أحب إلی المیت من البکاء والنوح علیه کما ورد ذلک عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: مرّ النبی صلی الله علیه وآله وسلم بقبر دفن فیه بالأمس إنسان وأهله یبکون فقال:

«رکعتان خفیفتان مما تحتقرون أحب إلی صاحب هذا القبر من دنیاکم کلها»(2).

السؤال: ما هی المعاصی التی توجب عذاب القبر؟

الجواب:

ذکرت الروایات مجموعة من المعاصی توجب عذاب القبر للمؤمن، کالنمیمة وسوء الخلق مع الأهل وعدم النزه من البول.... الخ، وهذا ما تدلنا علیه الروایات الآتیة:


1- منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص74؛ من لا یحضره الفقیه: ج1، ص183، وفیه بدل ثم قال: فقال.... .
2- تنبیه الخواطر: ج2، ص225.

ص: 171

1__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه»(1).

2__ عن الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام:

«عذاب القبر یکون من النمیمة والبول وعزب الرجل عن أهله»(2).

السؤال: ما هی الأعمال التی تدفع هول منکر ونکیر؟

الجواب: جاء فی الروایات أن الصورة التی یأتی فیها الملکان لصورة مهولة مرعبة ترتعد منها الفرائص وتخرس الألسن وتشبح العیون خائفة ویطیر لها اللب، وهذا ما یصفه النبی صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«إذا أقبر المیت أتاه ملکان أسودان أزرقان، یقال لأحدهما منکر وللآخر نکیر یقولان: ما کنت تقول فی هذا الرجل؟ فإن کان مؤمنا فیقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فیقولان: قد کنا نعلم أنک تقول هذا، ثم یفسح فی قبره سبعون ذراعا فی سبعین ذراعا، ثم ینور له فیه، ثم یقال له: نم، فیقول: أرجع إلی أهلی فأخبرهم؟ فیقولان: نم کنومة العروس الذی لا یوقظه إلا أحب أهله، حتی یبعثه الله من مضجعة ذلک، وإن کان منافقا قال: سمعت الناس یقولون فقلت مثله، لا أدری!

فیقولان: قد کنا نعلم أنک تقول ذلک، فیقال للأرض: التئمی علیه، فتلتئم علیه فتختلف أضلاعه، فلا یزال فیه معذبا حتی یبعثه الله من مضجعه ذلک»(3).

وروی عن أمیر المؤمنین علیه السلام قوله:


1- بحار الأنوار: ج6، ص275. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص108.
2- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج72، ص265، ح10.
3- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج6، ص276. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص110.

ص: 172

«فإذا أدخل قبره أتاه ملکا القبر یجران أشعارهما ویخدان الأرض بأقدامهما، أصواتهما کالرعد القاصف، وأبصارهما کالبرق الخاطف فیقولان له: من ربک؟ وما دینک؟ ومن نبیک؟ فیقول: 

الله ربی ودینی الإسلام، ونبیی محمد (صلی الله علیه وآله)، فیقولان له:

ثبتک الله فیما تحب وترضی، وهو قول الله عز وجل:

(یُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِینَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِی الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَفِی الْآَخِرَةِ) (1).

ثم یفسحان له فی قبره مد بصره ثم یفتحان له بابا إلی الجنة، ثم یقولان له: نم قریر العین، نوم الشاب الناعم، فإن الله عز وجل یقول:

(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ یَوْمَئِذٍ خَیْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِیلًا) (2).

قال : وإن کان لربه عدوا فإنه یأتیه أقبح من خلق الله زیا ورؤیا وأنتنه ریحا فیقول له: أبشر بنزل من حمیم وتصلیة جحیم وإنه لیعرف غاسله ویناشد حملته أن یحبسوه فإذا أدخل القبر أتاه ممتحنا القبر فألقیا عنه أکفانه ثم یقولان له: من ربک وما دینک؟ ومن نبیک؟،فیقول: لا أدری فیقولان: لا دریت ولا هدیت، فیضربان یافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق الله عز وجل من دابة إلا وتذعر لها ما خلا الثقلین ثم یفتحان له بابا إلی النار.

ثم یقولان له: نم بشر حال فیه من الضیق مثل ما فیه القنا من الزج حتی أن دماغه لیخرج من بین ظفره ولحمه ویسلط الله علیه حیات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه حتی یبعثه الله من قبره وإنه لیتمنی قیام الساعة فیما هو فیه من الشر»(3).


1- سورة إبراهیم، الآیة: 27.
2- سورة الفرقان، الآیة: 24.
3- الکافی للشیخ الکلینی: ج3، ص233، 4708__1. تسلیة الفؤاد، عبد الله شبر: ص90.

ص: 173

فبعد أن اطلعت علی وصف الملکین وهولهما لابد من الاطلاع علی الأعمال التی تنجی منهما ومن سؤالهما وهی کما یلی:

1__ أن یلقن المیت بعد دفنه من قبل أحد أقربائه الشهادتین والعقائد الحقة والولایة لأهل البیت علیهم السلام والاعتراف بإمامتهم والإقرار بالغیب.

2__ أداء الصلاة والزکاة والصبر بأنواعه تدافع عن صاحبها أشد الدفاع مع منکر ونکیر.

3__ صیام شهر شعبان بل من صام تسعة أیام منه عطف علیه منکر ونکیر.

4__ إحیاء لیلة الثلاث والعشرین من شهر رمضان بالعبادة والصلاة مئة رکعة فیها.

5__ الدفن فی تربة النجف(1).


1- منازل الآخرة للشیخ عباس القمی: ص70 __ 75.

ص: 174

ص: 175

الخطبة الثالثة: فی مکارم الأخلاق

اشارة

ص: 176

ص: 177

نص الخطبة

اشارة

«یا أیُّهَا النّاسُ، نافِسُوا فی الْمَکارِمِ، وَسارِعُوا فی المَغانِمِ، وَلا تَحْتَسِبُوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تُعَجِّلوا، وَاکْسِبُوا الْحَمْدَ بِالنُّجْحِ، وَلا تَکْتَسِبُوا بِالْمَطَلِ ذمّاً: فَمَهْما یَکُنْ لأحَدٍ عِنْدَ صَنیعَة(1) لهُ رَأی أنَّهُ لا یَقُومُ بِشُکرِها فَاللهُ لَهُ بِمُکافأتِهِ، فَإنَّهُ أجزَلُ عَطاءً وَأَعْظَمُ أجْراً.

وَاعْلَمُوا أنَّ حَوائِجَ النّاسِ إلَیْکُمْ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَیْکُمْ، فَلا تَملّوا النِّعَمَ فَتَحُورَ نِقَماً.

وَاعْلَمُوا أنَّ المَعروُفَ مُکْسِبٌ حَمْداً، وَمُعقِبٌ أَجْراً، فَلَوْ رَأَیْتُمْ الْمَعْرُوفَ رَجُلاً رَأیْتُمُوهُ حَسَناً جَمِیلاً یَسُرُّ النّاظِرینَ، وَلَوْ رَأیْتُمُ اللَّؤمَ رَأیْتُمُوهُ سَمِجاً مُشَوَّهاً تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وتُغَضُّ دُونَهُ الأبْصارُ.

أیُّها النّاسُ مَنْ جادَ سادَ، وَمَنْ بَخِلَ رُذِلَ، وَإنَّ أجْوَدَ النّاسِ مَنْ أعْطی مَنْ لاَ یَرْجُوهُ، وَإنَّ أعْف النّاسِ مَنْ عَفا عَنْ قُدْرَةٍ، وَإنَّ أوْصَلَ النّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَالأصُولُ عَلی مَغارِسِها بِفُروعِها تَسْمُو، فَمَنْ تَعَجَّلَ لأَخیه خَیْراً وَجَدَهُ إذا قَدِمَ عَلَیْهِ غَداً، وَمَنْ أرادَ الله تَبارَکَ وَتَعالی


1- المطل: تأجیل موعد الوفاء بحقه مرة بعد أخری. والصنیعة: کل ما عمل من خیر أو إحسان.

ص: 178

بِالصَّنیعَةِ إلی أخیهِ کافَأه بِها فی وَقْتِ حاجَتِهِ، وَصَرَفَ عَنْهُ مِنْ بَلاءِ الدُّنْیا ما هُوَ أکْثَرُ مِنْهُ، وَمَنْ نَفَّسَ کُرْبَةَ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ کُرَبَ الدُّنْیا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ أحسَنَ أحْسَنَ اللهُ إلَیْهِ، وَاللهُ یُحِبُّ المُحْسِنینَ».

المعنی العام

(یا أیُّهَا النّاسُ، نافِسُوا فی الْمَکارِمِ، وَسارِعُوا فی المَغانِمِ، وَلا تَحْتَسِبُوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تُعَجِّلوا، وَاکْسِبُوا الْحَمْدَ بِالنُّجْحِ، وَلا تَکْتَسِبُوا بِالْمَطَلِ ذمّاً: فَمَهْما یَکُنْ لأحَدٍ عِنْدَ صَنیعَة لهُ رَأی أنَّهُ لا یَقُومُ بِشُکرِها فَاللهُ لَهُ بِمُکافأتِهِ، فَإنَّهُ أجزَلُ عَطاءً وَأَعْظَمُ أجْراً.).

أیها الناس تسابقوا وتباروا فی فعل الخیرات، وعجلوا فی تحصیل الربح والنفع، ولا تکشفوا بمعروف لم تسارعوا فی فعله، واطلبوا واربحوا الثناء الجمیل بالنجاح والفوز، ولا تطلبوا بتأخیر فعل المعروف الملامة والإعایة، وإذا عمل أحد العباد خیرا ومعروفا لأخیه دون أن ینال شکرا منه، فالله تعالی هو ا لذی یجزیه ویشکره، فهو کثیر وعظیم النوال والثواب لمن شاء.

(وَاعْلَمُوا أنَّ حَوائِجَ النّاسِ إلَیْکُمْ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَیْکُمْ، فَلا تَملّوا النِّعَمَ فَتَحُورَ نِقَماً).

أی علیکم أن تعرفوا وتتیقنوا أن طلبات وضروریات الناس وافتقارهم إلیکم من منن الله وفضله علیکم، فلا تسأموا ولا تضجروا هذه النعم فترجع بلاء وعقوبة.

(وَاعْلَمُوا أنَّ المَعروُفَ مُکْسِبٌ حَمْداً، وَمُعقِبٌ أَجْراً، فَلَوْ رَأَیْتُمْ الْمَعْرُوفَ رَجُلاً رَأیْتُمُوهُ حَسَناً جَمِیلاً یَسُرُّ النّاظِرینَ، وَلَوْ رَأیْتُمُ اللَّؤمَ رَأیْتُمُوهُ سَمِجاً مُشَوَّهاً تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وتُغَضُّ دُونَهُ الأبْصارُ). 

ص: 179

أدرکوا وتیقنوا أن العمل الحسن یورث الثناء والشکر، وتارک ثوابا، فلو تمثل عمل الخیر بهیئة رجل لکان رجلا ذا هیئة بهیة تدخل الفرح علی من یراها، ولو شاهدتم الشمة والدناء لشاهدتم رجلا قبیحا غیر سوی تعرض عنه القلوب وتترکه، وتکف عنه العیون.

(أیُّها النّاسُ مَنْ جادَ سادَ، وَمَنْ بَخِلَ رُذِلَ، وَإنَّ أجْوَدَ النّاسِ مَنْ أعْطی مَنْ لاَ یَرْجُوهُ، وَإنَّ أعْف النّاسِ مَنْ عَفا عَنْ قُدْرَةٍ، وَإنَّ أوْصَلَ النّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَالأصُولُ عَلی مَغارِسِها بِفُروعِها تَسْمُو، فَمَنْ تَعَجَّلَ لأَخیه خَیْراً وَجَدَهُ إذا قَدِمَ عَلَیْهِ غَداً، وَمَنْ أرادَ الله تَبارَکَ وَتَعالی بِالصَّنیعَةِ إلی أخیهِ کافَأه بِها فی وَقْتِ حاجَتِهِ، وَصَرَفَ عَنْهُ مِنْ بَلاءِ الدُّنْیا ما هُوَ أکْثَرُ مِنْهُ، وَمَنْ نَفَّسَ کُرْبَةَ مُؤْمِنٍ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ کُرَبَ الدُّنْیا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ أحسَنَ أحْسَنَ اللهُ إلَیْهِ، وَاللهُ یُحِبُّ المُحْسِنینَ).

أیها الناس من اختار أو أتی بالحسن من القول والعمل صار من أهل الشرف والمجد، ومن شح وقتر صار ردیئا غیر فاضل، وإن أکرم الناس وأسخاهم من بذل إلی من لا ینتظر منه جزاءً ولا شکورا، وإن من أکثر الناس مسامحة وصفحا من صفح عن قدرة واستطاعة، وإن من أرحم الناس وأعطفهم من ترحم وتعطف علی قاطع الرحم وعاقها وهاجرها، والمنابت حسب الأرض التی غرست فیها فهی ترتفع وتعلو إذا کان المغرس طیبا، فمن بادر لصنع المعروف وأسداه إلی أخیه یجد أن هذا الصنیع محفوظ له عند أخیه، ومن کان صنیعه لوجه الله تعالی سیدخرها له عند حاجته إلیها، ویرد عنه من آلام الدنیا وهمومها، ومن لطف أو فرج مشقة أو حزناً أو همّاً عن أخیه المؤمن وسع الله علیه کل شدة فی الدنیا والآخرة، ومن فعل معروفا یجزیه الله تعالی والله یحب أهل الإحسان.

ص: 180

بحث أخلاقی
صنع المعروف

لابد للتعایش الإنسانی الناجح من طریقة راقیة مؤطرة بإرشاد الشریعة وتعالمیها ومزیّنة بجمال العرف وحسنه، وملیئة بأریحیة المجتمع وتآلفه، ولا شک فی أن الجامع لکل هذه الشروط هو المعروف الذی یمثل الجمال والعدل والإحسان والحق والإیثار، فلذا نجد الآیات الشریفة تؤکد علی هذا المعنی الشریف فی کل مفردات الحیاة، بل الظاهر من النصوص القرآنیة الکریمة والأحادیث الشریفة أن الحیاة معروف والمعروف هو الحیاة الحقیقیة __ والتی __ بخلافها لا یکون الإنسان إنسانا، لا نقصد بالمعروف وهو الإحسان فقط دون المعانی الأخری التی سبق ذکرها بل هو المعروف الذی جمع کل المعانی العالیة، ولکی نطمئن من صحة ما تقدم لابد أن نقف علی المعنی اللغوی والاصطلاحی للمعروف.

المعروف فی اللغة: هو الخیر، الإحسان(1)، المعروف: اسم لکل فعل یعرف حسنه بالعقل أو الشرع: وهو خلاف المنکر، هو الصنیعة التی یسدیها المرء إلی غیره(2).

المعروف فی الاصطلاح: هو کل خیر وکل فعل حسن عقلا وشرعا.

تناولت الآیات الکریمة هذه الکلمة فی مواضع عدیدة تشیر من خلالها إلی القول الطیب والفعل الحسن کما فی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الْقِصَاصُ فِی الْقَتْلَی الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَی بِالْأُنْثَی فَمَنْ عُفِیَ لَهُ مِنْ أَخِیهِ شَیْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَیْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِکَ تَخْفِیفٌ مِنْ رَبِّکُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَی بَعْدَ ذَلِکَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِیمٌ) (3).


1- المنجد النجدی: ص
2- المعجم الوسیط: ص595.
3- سورة البقرة، الآیة: 178.

ص: 181

وقال تعالی:

(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاکٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا یَحِلُّ لَکُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَیْتُمُوهُنَّ شَیْئًا إِلَّا أَنْ یَخَافَا أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَیْهِمَا فِیمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْکَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ یَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1).

وقال سبحانه وتعالی:

(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَی الْمُتَّقِینَ) (2).

وفی قوله عزّ وجل:

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَیْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ یَتْبَعُهَا أَذًی وَاللَّهُ غَنِیٌّ حَلِیمٌ) (3).

وقال الله سبحانه وتعالی فی سورة النساء:

(وَابْتَلُوا الْیَتَامَی حَتَّی إِذَا بَلَغُوا النِّکَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَیْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْکُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ یَکْبَرُوا وَمَنْ کَانَ غَنِیًّا فَلْیَسْتَعْفِفْ وَمَنْ کَانَ فَقِیرًا فَلْیَأْکُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَیْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَیْهِمْ وَکَفَی بِاللَّهِ حَسِیبًا) (4).

وقال عزّ وجل:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا لَا یَحِلُّ لَکُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ کَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَیْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ یَأْتِینَ بِفَاحِشَةٍ مُبَیِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ


1- سورة البقرة، الآیة: 229.
2- سورة البقرة، الآیة: 241.
3- سورة البقرة، الآیة: 263.
4- سورة النساء، الآیة: 6.

ص: 182

کَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَی أَنْ تَکْرَهُوا شَیْئًا وَیَجْعَلَ اللَّهُ فِیهِ خَیْرًا کَثِیرًا) (1).

وقال الباری عزّ وجل فی سورة الممتحنة:

(یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِذَا جَاءَکَ الْمُؤْمِنَاتُ یُبَایِعْنَکَ عَلَی أَنْ لَا یُشْرِکْنَ بِاللَّهِ شَیْئًا وَلَا یَسْرِقْنَ وَلَا یَزْنِینَ وَلَا یَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا یَأْتِینَ بِبُهْتَانٍ یَفْتَرِینَهُ بَیْنَ أَیْدِیهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا یَعْصِینَکَ فِی مَعْرُوفٍ فَبَایِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ) (2).

وقال سبحانه وتعالی فی سورة آل عمران:

(کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْکِتَابِ لَکَانَ خَیْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَکْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (3).

وحثت الأحادیث الشریفة علی فعل المعروف من خلال وصفها له بصفات عدیدة، فتارة یصفه الحدیث أنه عین السیادة کما فی قول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«المَعروفُ سِیادةٌ»(4).

وأخری هو الحسب کما فی قوله علیه السلام:

«المَعروفُ حَسَبٌ»(5).


1- سورة النساء، الآیة: 19.
2- سورة الممتحنة، الآیة: 12.
3- سورة آل عمران، الآیة: 110.
4- غرر الحکم: ص32. میزان الحکمة: ج6، ص2558، ح12590.
5- غرر الحکم: ص80. میزان الحکمة: ج6، ص2558، ح12592.

ص: 183

وفی ثالثة هو وسیلة لتحصیل المدح والثناء فی الدنیا والثواب والجزاء الحسن فی الآخرة وهذا ما أشار إلیه الإمام الحسین علیه السلام بقوله:

«اعلَموا أنَّ المَعروفَ مُکِسبٌ حَمداً، ومُعقِبُ أجراً، فلَو رَأیْتُمُ المَعروفَ رَجُلاً لَرَأیتُموهُ حَسَناً جَمیلاً یَسُرُّ النّاظِرینَ ویَفوقُ العالَمینَ، ولَو رَأیتُمُ اللُّؤمَ رَأیتُموهُ سمجحاً قَبیحاً مُشَوَّهاً تَنفِرُ مِنهُ القُلوبُ وتُغَضُّ دُونَهُ الأبصارُ»(1).

بل أن الإمام الصادق علیه السلام لا یری شیئا أفضل من المعروف إلا الأجر الإلهی بقوله:

«رَأیتُ المَعروفَ کَاسمِهِ، ولَیسَ شِیءٌ أفضَلَ مِنَ المَعروفِ إلاّ ثَوابُهُ وذلکَ یُرادُ مِنهُ»(2).

ولأهمیة المعروف للفرد والمجتمع معا نجد أمیر المؤمنین علیه السلام یدعونا إلی صنعه ولو ببذل أقصی الجهود بقوله:

«اصطَنِعوا المَعروفَ بِما قَدَرتُم عَلَی اصطِناعِه»(3).

ویقول الإمام الجواد علیه السلام بأن الذین یصنعون المعروف هم أول من یستفید من هذا المعروف بقوله:

«أهلُ المَعروفِ إلَی اصطِناعِه أحوَجُ مِن أهلِ الحاجَةِ إلَیهِ؛ لأِنَّ لَهُم أجرَهُ وفَخرَهُ، فمَهما اصطَنَعَ الرَّجُلُ مِن مَعروفٍ فإنَّما یَبدأ فیهِ بِنَفسِهِ، فلا یَطلُبَنَّ شُکرَ ما صَنَعَ إلی نَفسِهِ مِن غَیرِهِ»(4).


1- مستدرک الوسائل: ج12، ص343، ح14242. میزان الحکمة: ج6، ص2558، ح12595.
2- الکافی: ج4، ص26، ح3. میزان الحکمة: ج6، ص2559، ح12596.
3- الخصال: ص617، ح10. میزان الحکمة: ج6، ص2559، ح12600.
4- کشف الغمّة: ج3، ص137. میزان الحکمة: ج6، ص2559، ح12603.

ص: 184

لمن یبذل المعروف؟

بعد أن عرفنا أن المعروف جمیل بذاته ینبغی أن نعلم أن بذله أجمل لما فیه من تجلی صور الرحمة والحنو والرأفة والمروءة، فلذا جاءت الروایات الشریفة تحث علی بذله إلی البر والفاجر من الناس، بل وصلت بحثها علی بذله إلی الحیوانات.

إن فعل المعروف خیر، وکل ما هو خیر لا یصح البخل به علی إنسان دون آخر، فلذا صارت فضیلته فوق کل فضیلة وجزاؤه فوق کل جزاء، وهذا ما أشار إلیه مولی الموحدین بقوله علیه السلام:

«ابذُلْ مَعروفَکَ لِلنّاسِ کافَّةً؛ فإنَّ فَضیلَةَ فِعلِ المَعروفِ لا یَعدِلُها عِندَ اللهِ سُبحانَهُ شِیءٌ»(1).

ولکی نطلع بدقة علی ما حثت علیه الروایات الشریفة نذکرها علی النحو الآتی:

1__ حث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم المسلمین علی فعل المعروف إلی العالمین دون أن یمیزوا بین من یستحق ومن لا یستحق بقوله:

«رَاسُ العَقلِ بَعدَ الدِّینِ التَّوَدُّدُ إلَی النّاسِ، واصطِناعُ الخَیرِ إلی کُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ»(2).

وعند تأمل هذا الحدیث الشریف نستنتج منه ما یلی:

ألف: إن المعروف لا یقتصر علی بذل المال أو ما هو مادی فقط بل یتعداه إلی الخلق الحسن والقول الطیب وهذا ما أشار إلیه قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«رأس العقل بعد الدین التودد إلی الناس».

باء: بما أن الخیر فعل حسن لا ضرر فیه یحتاجه کل مخلوق فی حیاته، صار بذله


1- غرر الحکم: 2470. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12623.
2- بحار الأنوار: ج74، ص401، ح44. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12624.

ص: 185

جمیلاً إلی الإنسان الصالح والطالح علی السواء کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«واصطناع الخیر إلی کل برّ وفاجر».

ولکی لا یقع المؤمن فی التباس من أمره فیقول کیف أصنع الخیر للفاجر وهو فاجر عاصی لله تعالی؟

فأقول: ورد من جهة أخری، إذا علمت بأن معروفک سیکون عوناً علی الإثم ویستعین به الفاجر علی معصیة الله تعالی لا یصح لک أن تعینه علی ذلک لقوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْیَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّینَ الْبَیْتَ الْحَرَامَ یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوکُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَی الْبِرِّ وَالتَّقْوَی وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ) (1).

2__ حث أهل بیت العصمة  علیهم السلام  علی بذل المعروف إلی الحیوانات أیضا، مما یدل علی سعة رحمة الله تعالی، ورعایته لمخلوقاته فلذا ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی وصیته لمن یستعمله علی الصدقات:

«ثُمَّ احدُرْ(2) إلَینا ما اجتَمَعَ عِندَکَ نُصَیِّرُهُ حَیثُ أمَرَ اللهُ بِهِ فإذا أخَذَها أمینُکَ فأوعِزْ إلَیهِ ألاّ یَحولَ بَیْنَ ناقَةٍ وبَینَ فَصیلِها(3)، ولا یَمْصُر(4) لَبَنَها فیَضُرَّ ذلکَ بِوَلَدِها، ولا یجهَدَنَّها رُکوباً، ولْیَعْدِل بَینَ صَواحِباتِها فی ذلکَ وبَینَها، ولْیُرَفِّهْ عَلَی اللاغِبِ(5)


1- سورة المائدة الآیة: 2.
2- أی سُق إلینا سریعاً.
3- فصیل الناقة: ولدها وهو رضیع.
4- مَصْر اللبن: حلب ما فی الضرع جمعیه.
5- أی لِیُرِیح ما ألغِب أی أعیاه التعب.

ص: 186

ولْیَستَأْنِ(1) بالنَّقِبِ(2) والظّالِعِ(3)، ولْیُورِدْها ما تَمُرُّ بِهِ مِنَ الغُدُرِ(4)، ولا یَعدِلْ بِها عَن نَبتِ الأرضِ إلی جَوادِّ الطُرُقِ(5)، ولْیُرَوِّحْها فی السّاعاتِ، ولْیُمهِلْها عِندَ النِّطافِ(6) والأعشابِ، حتّی تَأتیَنا بإذنِ اللهِ بُدَّناً(7) مُنْقِیاتٍ(8) غَیرَ مُتعَباتٍ ولا مَجْهُودَاتٍ(9)»(10).

إشکال وتوجیه

سبق أن بینا أن الأحادیث الشریفة السابقة تحث المؤمن علی فعل المعروف لجمیع الناس برهم وفاجرهم، وسواء کان من أهل المعروف أو لم یکن کذلک کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«اصطَنِعِ الخَیرَ إلی مَن هُوَ أهلُهُ، وإلی مَن هُوَ غَیرُ أهلِهِ، فإن لَم تُصِبْ مَن هُوَ أهلُهُ فأنتَ أهلُهُ»(11).

إلا أننا نجد فی مکان آخر أحادیث تحت عنوان ترک بذل المعروف إلی من لا یستحقه وهی کما یلی:

1__ قال الإمام علی علیه السلام:


1- لیستأنِ: أی یَرفق، من الأناة بمعنی الرِّفق.
2- النَّقِب __ بفتح فکسر __ ما نَقِبَ خفّه __ کفَرِح __: أی تخرّق.
3- ظَلَعَ البعیرُ: غمز فی مشیته.
4- الغُدُر __ جمع غدیر __: ما غادره السیل من المیاه.
5- أی الطرق التی لا مرعی فیها.
6- النِّطاف __ جمع نُطفة __: المیاه القلیلة، أی یجعل لها مُهلة لتشرب وتأکل.
7- البُدَّن __ بضم الباء وتشدید الدال __: السمینة.
8- المُنقِیات: اسم فاعل من أنقت الإبل إذا سَمِنَت.
9- مجهودات: بلغ منها الجَهد والعناء مبلغاً  عظیماً.
10- نهج البلاغة: الکتاب 25. میزان الحکمة: ج6، ص2563 __ 2564، ح12632.
11- عیون أخبار الرضا علیه السلام: ج2، ص35، ص76. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12626.

ص: 187

«لا تَصلُحُ الصَّنیعَةُ إلاّ عِندَ ذی حَسَبٍ أو دِینٍ»(1).

2__ قال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«لَیسَ لِواضِعِ المَعروفِ فی غَیرِ حَقِّهِ وعِندَ غَیرِ أهلِهِ مِنَ الحَظِّ فیما أتی إلاّ مَحمَدَةُ اللّئامِ، وثَناءُ الأشرار. ومَقالَةُ الجُهّالِ ما دامَ مَنعِماً عَلَیهِم: ما أجوَدَ یَدَهُ! وهوَ عَن ذاتِ اللهِ بَخیلٌ»(2).

3__ وقال الإمام الصادق علیه السلام:

«أوحَی اللهُ تَعالی إلی موسی علیه السلام: کما تَدینُ تُدانُ، وکما تَعمَلً کذلک تُجزی، مَن یَصنَعِ المَعروفَ إلَی أمرِئِ السَّوءِ یُجزی شَرّاً»(3).

4__ ورد فی الأمالی للمفید عن کَعب الأحبار:

مَن صَنَعَ مَعروفاً إلی أحمَقَ فَهِیَ خَطیئَةٌ تُکتَبُ عَلَیهِ(4).

5__ قال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«ظَلَمَ المَعروفَ مَن وَضَعَهُ فی غَیرِ أهلِهِ»(5).

6__ عن الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام قال:

«مَن أسدی مَعروفاً إلی غَیرِ أهلِهِ ظَلَمَ مَعروفَهُ»(6).

وبعد تأمل هذین النوعین من الأحادیث الشریفة نلمس تناقضا ظاهراً بینهما،


1- الخصال: ص620، ح10.
2- نهج البلاغة: الخطبة 142. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید المعتزلی: ج9، ص74. میزان الحکمة: ج6، ص2566، ح12643.
3- بحار الأنوار: ج74، ص412، ح26. میزان الحکمة: ج6، ص2566، ح12644.
4- أمالی المفید: 137، ح7. میزان الحکمة: ج6، ص2566، ح12645.
5- غرر الحکم: 6063. میزان الحکمة: ج6، ص2566، ح12650.
6- غرر الحکم: 8547. میزان الحکمة: ج6، ص2566، ح12651.

ص: 188

ولکی لا یقع القارئ الکریم فی التباس بین الحث علی بذل المعروف وبین النهی عن ذلک لابد من توجیه الأحادیث التی حثت علی ترک بذل المعروف وتبدأ کما یلی:

ألف: لا تنهی الأحادیث عن فعل المعروف إلی غیر أهله وإنما ترشد إلی ذلک من باب النهی الإرشادی.

باء: ترید الأحادیث أن تبیّن أن الباذل للمعروف إلی غیر أهله لا ینتظر منهم جزاءً ولا شکورا، ولذا فلیکن بذله للمعروف لله تعالی ولجمال وحسن البذل.

جیم: تشیر الأحادیث إلی ترک بذل المعروف لمن کان مجربا بنکران الجمیل أو من لا یشکر المعروف بدلیل القول الذی ورد فی الحدیث أعلاه وهو:

قال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«لَیسَ لِواضِعِ المَعروفِ فی غَیرِ حَقِّهِ وعِندَ غَیرِ أهلِهِ مِنَ الحَظِّ فیما أتی إلاّ مَحمَدَةُ اللّئامِ، وثَناءُ الأشرار. ومَقالَةُ الجُهّالِ ما دامَ مَنعِماً عَلَیهِم: ما أجوَدَ یَدَهُ! وهوَ عَن ذاتِ اللهِ بَخیلٌ».

دال: وردت أحادیث تتضمن إرشادات تنهی عن صنف اتصف بالحمق دون غیره من الصفات.

خلاصة القول:

1__ إن بذل المعروف لأهله أی لمن یفعل المعروف من باب رد الجمیل، ولغیر أهله الذین یحبون فعل المعروف ولکن لا یستطیعون ذلک.

2__ إذا فعلت المعروف لا تنتظر من أحد جزاءً ولا شکورا.

3__ إن بعض أنواع المعروف کبذل الحکمة لا تضعها إلا عند أهلها، وأمّا مایصدر منک من خیر دون أن یترتب علیه ضرر فابذله لمن شأت.

ص: 189

آثار فعل المعروف

وردت الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة بکثرة مبینة الآثار الطیبة لفعل المعروف سواء کان ذلک فی الحیاة الدنیا أو فی الآخرة ولکی یتضح الموضوع أکثر نبوّب هذه الآثار کالآتی:

__ الآثار فی الدنیا __

1__ لکی تنال الجاه وتحظی بالتقدم علی الغیر وتنال الطاعة والاحترام لابد لک من فعل المعروف، وهذا ما أکده الحدیث الشریف عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«المعروف سیادة».

وقول الإمام الصادق علیه السلام:

«عَجِبتُ مِمَّن یَشتَری المَمالیکَ بِمالِهِ، کَیفَ لا یَشتَری الأحرارَ بِمَعروفِه فَیملِکَهُم»(1).

2__ ضمن الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام لفاعل المعروف ربحا ونماءً نتیجة بذله للمعروف بقوله علیه السلام:

«إنما المعروف زرع من أنمی الزرع، وکنز من أفضل الکنوز»(2).

3__ بذل المعروف یحافظ علی النعم ویدفع عنها خطر السلب فیکون مصداقاً للدعاء الشریف: (اللهم أعوذ بک من الذنوب التی تسلب النعم).

وهذا ما أشار إلیه الإمام الصادق علیه السلام بقوله:

«المعروف زکاة النعم، وما أدیت زکاته فهو مأمون السلب»(3).


1- تحف العقول: ص204. میزان الحکمة: ج6، ص2559، ح12602.
2- جامع أحادیث الشیعة، السید البروجردی: ج14، ص476، ح3144(15).
3- میزان الحکمة: ج3، ص1931.

ص: 190

4__ بذل المعروف یؤدی إلی أن ینال فاعله شکراً ومدحاً من أناس لم یصبهم هذا المعروف، ولکن لحبهم وإنصافهم یشکرون الباذل للمعروف، وهذا ما نستشفعه من قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«فإنه قد یشکرک علیه من یسمع منک فیه»(1).

5__ فعل المعروف یرد علی صاحبه بکل ما هو جمیل فلذا ورد عن الإمام علی علیه السلام:

«مَن عامَلَ النّاسَ بِالجَمیلِ کافَؤوهُ بِهِ»(2).

6__ یفضل باذل المعروف بکثرة علی غیره ممن لم یفعل المعروف، ویقر له جمیع الناس بالأفضلیة کما فی قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَن کَثُرَ جَمیلُهُ أجمَعَ النّاسُ عَلی تَفضیلِهِ»(3).

7__ من أراد أن ینال قاعدة جماهیریة، وتتسع سمعته الحسنة فما علیه إلا أن یکثر من بذل المعروف مع جمیع الناس ولا یقتصر فعله علی فئة دون أخری أو شخص دون آخر وهذا لعله المراد من قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَن کَثُرَت عَوارِفُهُ کَثُرَت مَعارِفُهُ»(4).

الآثار فی الآخرة

1__ إذا بذل المعروف للمؤمن ینقذ باذله من الدخول إلی نار جهنم کما ورد فی الحدیث الشریف عن الإمام الصادق علیه السلام:


1- میزان الحکمة: ج3، ص1930.
2- غرر الحکم: 8716. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12619.
3- غرر الحکم: 8407. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12620.
4- غرر الحکم: 8164. میزان الحکمة: ج6، ص2562، ح12621.

ص: 191

«إنَّ المُؤمِنَ مِنکمُ یَومَ القِیامَةِ لَیُمَرُّ عَلَیهِ بِالرَّجُلِ وقَد أمِرَ بِهِ إلَی النّارِ، فیَقولُ لَهُ: یا فُلانُ أغِثْنی، فقَد کُنتُ أصنَعُ إلَیکَ المَعروفَ فی الدّنیا، فیَقولُ المُؤمِنُ لِلمَلَکِ: خَلِّ سَبیلَهُ فیَأمُرُ اللهُ المَلَکَ أن أجِزْ قَولَ المُؤمِنِ، فیُخَلّی المَلَکُ سَبیلَهُ»(1).

2__ أمرنا الله سبحانه بالاستعداد للموت والتزود بالبضاعة الحسنة للمعاد یوم لا ینفع مال ولا بنون، فلذا لابد من صنع المعروف لخلق الله تعالی لکی نذهب بزاد نافع وهذا ما یشیر إلیه الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«عَلَیکُم بِصَنائعِ المَعروفِ؛ فإنَّها نِعمَ الزّادِ إلَی المَعادِ»(2).

3__ وعد الله تعالی المؤمنین العاملین بالجنة، وخلق الله تعالی لهذه الجنة أبواباً وجعل بعضاً من هذه الأبواب باسم بعض المؤمنین کباب الریان للصائمین وباب المعروف لأهل المعروف کما ورد ذلک فی الحدیث الشریف عن أبی هاشم: (سَمِعت أبا محمد یقول:

«إنَّ فی الجَنَّةِ باباً یُقالُ لَهُ: المَعروفُ، لا یَدخُلُهُ إلاّ أهلُ المَعروفِ.

فحَمِدتُ اللهَ تَعالی فی نَفسی وفَرِحتُ مِمّا أتَکَلَّفُهُ مَن حَوائِجِ النّاسِ، فنَظَرَ إلیَّ أبو مُحَمَّدٍ علیه السلام فقالَ:

نَعَم قَد عَمِلت ما أنتَ عَلَیهِ؛ وإنَّ أهلَ المَعروفِ فی الدّنیا أهلُ المَعروفِ فی الآخِرَةِ، جَعَلَکَ اللهُ مِنهُم یا أبا هاشمٍ ورَحِمَکَ»(3))(4).

4__ الباذل للمعروف ولو بقی الماء ورعایة الخلق لاسیما العجماوات (الحیوانات) سیجعله الله تعالی تحت ظله الذی لا یستغنی عنه أحد فی یوم شدید لا ظل فیه کما ورد


1- المحاسن: ج1، ص294، ح589. میزان الحکمة: ج6، ص2560، ح12609.
2- غرر الحکم: 6166. میزان الحکمة: ج6، ص2560، ح12610.
3- المناقب لابن شهر آشوب: ج4، ص432.
4- میزان الحکمة: ج6، ص2561، ح12617.

ص: 192

فی الحدیث الشریف عن الإمام الباقر علیه السلام:

«إنَّ اللهَ تَبارَکَ وتَعالی یُحِبُّ إبرادَ الکَبدِ الحَرّی، ومَن سَقی کَبداً حَرّی مِن بَهیمَةٍ أو غَیرِها أظَلَّهُ اللهُ یَومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلُّهُ»(1).

5__ لا یحتاج أهل المعروف إلی حسناتهم یوم القیامة لاستغنائهم عنها بفضل الله تعالی ومنّه، وسیتبرعون بها إلی من هو بحاجة إلیها کما جاء ذلک فی حدیث الإمام الصادق علیه السلام:

«أهلُ المَعروفِ فی الدّنیا هُم أهلُ المَعروفِ فی الآخِرَةِ؛ لأِنَّهُم فی الآخِرَةِ تَرجَحُ لَهُمُ الحَسَناتُ، فیَجودونَ بِها عَلی أهلِ المَعاصی»(2).

فوائد

1__ لا یمنعک من فعل المعروف وبذله إلی خلق الله تعالی الناکرون والجاحدون فإنک تبذله لله تعالی وهو الذی یشکرک علیه وهذا ما صرح به أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«فَلا یُزَهِّدَنَّکَ فی المَعروفِ کُفرُ مَن کَفَرَهُ، ولا جُحودُ مَن جَحَدَهُ؛ فإنَّهُ قَد یَشکُرُکَ عَلَیهِ مَن یَسمَعُ مِنکَ فیهِ»(3).

2__ أنت لمعروفک أحوج من أهل الحاجة إلیه کما فیه ثواب کبیر وذکر دائم وسمعة حسنة.

3__ لا تتردد فی أن تکون وسیلة لإیصال الخیر إلی الآخرین وإن لم تکن أنت باذله، فإن لک کأجر الباذل کما أکد ذلک الإمام الصادق علیه السلام بقوله:


1- الکافی: ج8، ص58، ح6. میزان الحکمة: ج6، ص2563، ح12631.
2- أمالی الطوسی: ص304، ح610. میزان الحکمة: ج6، ص2561، ح12615.
3- مستدرک الوسائل: ج12، ص340، ح14229. میزان الحکمة: ج6، ص2559، ح12597.

ص: 193

«لو جَرَی المَعروفُ عَلی ثَمانینَ کَفّاً لأجِروا کُلُّهُم فیهِ، مِن غَیرِ أن یُنقَصَ صاحِبُهُ مِن أجرِهِ شَیئاً»(1).

4__ لا تعطِ الخیر ناقصا ولا تفعل المعروف إلاّ بتمامه إذا کنت قادراً علی ذلک وهذا ما أشار إلیه الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«استتمام المعروف أفضل من ابتدائه»(2).

وما أرشدنا إلیه وصیه الأول أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«جمال المعروف إتمامه»(3).

5__ إذا وفقت لبذل المعروف علیک الالتزام بخواصه الثلاث التی تجعله معروفا کاملاً نافعاً فی الدنیا والآخرة، فلابد حینئذ من استقلاله (تصغیره)، وکتمه وسریته، والإسراع به إلی من هو بحاجة إلیه وکن لقول أمامک الصادق علیه السلام مطبقا إذ یقول:

«رأیتُ المَعروفَ لا یَصلُحُ إلاّ بِثَلاثِ خِصالٍ: تَصغیرِهِ، وتَستیرِهِ، وتَعجیلِهِ؛ فإنَّکَ إذا صَغَّرتَهُ عَظَّمتَهُ عِندَ مَن تَصنَعُهُ إلَیهِ، وإذا سَتَرتَهُ تَمَّمتَهُ، وإذا عَجَّلتَهُ هَنَّأتَهُ، وإن کانَ غَیرَ ذلکَ سَخَّفتَهُ ونَکَّدتَهُ»(4).

6__ أن تأتی متأخراً خیرٌ من أن لا تأتی، وأن تبذل المعروف وإن کان قلیلا فهو نافع لاسیما فی وقت الحاجة إلیه فلذا قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«لا تُحَقِّرَنَّ شَیئاً مِنَ المَعروفِ، ولَو أن تَلقی أخاکَ ووَجهُکَ مَبسوطٌ إلَیهِ»(5).


1- الکافی: ج2، ص18، ح2. میزان الحکمة: ج6، ص2565، ح12638.
2- میزان الحکمة: ج3، ص1936، ح2679.
3- میزان الحکمة: ج3، ص1936، ح2679.
4- الکافی: ج4، ص30، ح1. میزان الحکمة: ج6، ص2567، ح12662.
5- کنز الفوائد للکراجکی: ج1، ص212. میزان الحکمة: ج6، ص2568، ح12665.

ص: 194

7__ إذا أردت أن تعلم أنک مقبولا عند الله تعالی وأن معروفک سیجلب لک الثواب الجزیل، أنظر إلی موضعه فإذا أصاب معروفک مواضعه فهو لا شک من الأعمال المقبولة عند الله تعالی وهذا ما أراد الإمام الصادق علیه السلام قوله:

لما سئل عن علامة قبول العبد عند الله __:

«عَلامَةُ قَبولِ العَبدِ عِندَ اللهِ أن یُصیبَ بِمَعروفِهِ مَواضِعَهُ، فإن لَم یَکُن کذلکَ فلَیسَ کذلکَ»(1).

صفات أهل الفضل

ورد فی مواقع متعددة من القرآن الکریم ما یشیر إلی الأفضلیة والتفاضل کما فی قوله تعالی:

(انْظُرْ کَیْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَی بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَکْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَکْبَرُ تَفْضِیلًا) (2).

وقوله تعالی:

(تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَی بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ کَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَیْنَا عِیسَی ابْنَ مَرْیَمَ الْبَیِّنَاتِ وَأَیَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِینَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَیِّنَاتُ وَلَکِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ کَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَکِنَّ اللَّهَ یَفْعَلُ مَا یُرِیدُ) (3).

وقوله تعالی:

(وَإِسْمَاعِیلَ وَالْیَسَعَ وَیُونُسَ وَلُوطًا وَکُلًّا فَضَّلْنَا عَلَی الْعَالَمِینَ) (4).


1- بحار الأنوار: ج74، ص419، ح47. میزان الحکمة: ج6، ص2568، ح12667.
2- سورة الإسراء، الآیة: 21.
3- سورة البقرة، الآیة: 253.
4- سورة الأنعام، الآیة: 86.

ص: 195

وما جاءت الآیات الکریمة إلا لتبین أن هناک رجحات لشخص علی آخر هی سر التفاضل بین الأنبیاء والمرسلین.

فالفضیلة کما جاء فی اللغة هی الدرجة الرفیعة فی حسن الخلق(1).

وتفاضل القوم: تنافسوا فی الفضل أی فیما هو رفیع وشریف وعالٍ.

حث الأئمة الأطهار علیهم السلام علی التحلی بالفضائل لما لها من آثار وفوائد عالیة وهذا ما نلمسه فی قول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«فخر المرء بفضله لا بأصله»(2).

ولکی نطّلع علی صفات أهل الفضل لابد من الوقوف علی موجبات الفضیلة التی تعد سلما للرفعة والعلو:

1__ الإیثار الذی هو تقدیم مصلحة الغیر علی مصلحة النفس یوجب الفضیلة لقول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«من آثر علی نفسه استحق اسم الفضیلة»(3).

2__ عدم العجب بالنفس وعدم الترفع علی الآخر مما یجعل المرء فاضلا کما فی قول الإمام علی علیه السلام:

«کفی بالمرء فضیلة أن یُنقّص نفسه»(4).

3__ الصفح والتسامح والعفو عند القدرة صفات أهل الفضل کما ورد عنه علیه السلام:

«الفضل أنک إذا قدرت عفوت»(5).


1- المعجم الوسیط: ص693.
2- جامع أحادیث أهل البیت علیهم السلام، الشیخ هادی النجفی: ج8، ص475، ح10453.
3- میزان الحکمة: ج1، ص18، ح4 منزلة الإیثار.
4- میزان الحکمة: ج3، ص2433، ح3212 ما به فضیلة الإنسان.
5- المصدر السابق.

ص: 196

4__ الإحسان والابتداء به یقود إلی الفضل کما فی قوله علیه السلام:

«الفضل مع الإحسان»(1).

5__ الورع والطاعة والانقیاد لله تعالی تجسد التقوی فی صاحبها فیکسب بذلک أن یکون من أهل الفضل کما فی وصف أمیر المؤمنین علیه السلام للمتقین:

«فالمتقون فیها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد»(2).

وهناک کثیر من الفضائل التی تصبغ صاحبها بالفضیلة کالمروءة وبث المعروف والإحسان وأداء المفروضات والنوافل والابتعاد عن الشبهات وهذا ما أشارت إلیه مجموعة من الأحادیث الشریفة ترکناها للاختصار، ومن شاء الإطلاع علیها فلیطلبها من مظانها(3).

وما جاء عن النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم یبیّن منزلة أهل الفضل ومقامهم فی یوم القیامة کما یبیّن الأعمال التی جعلتهم هکذا کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«إذا جُمِعَ الخلائقُ یَومَ القِیامَةِ نادی مُنادٍ: أینَ أهلُ الفَضلِ؟ فَیَقومُ أُناسٌ وهُم یَسِیرٌ فَیَنطَلِقُونَ سِراعاً إلَی الجَنَّةِ، فَتَلَقّاهُم المَلائکةُ فیَقولونَ: إنّا نَراکُم سِراعاً إلَی الجَنَّةِ! فیَقولونَ: نَحنُ أهلُ الفَضلِ، فیقولونَ: ما کانَ فَضلُکُم؟ فیقولونَ: کُنّا إذا ظُلِمنا غَفَرنا، وإذا أُسِیءَ إلَینا عَفَونا، وإذا جُهِلَ علَینا حَلُمنا، فیقالُ لَهُم: ادخُلُوا الجَنَّةَ فَنِعمَ أجرُ العامِلینَ»(4).


1- المصدر السابق.
2- میزان الحکمة: ج3، ص2433، ح3212 أفضل الفضائل.
3- میزان الحکمة: ج8، ص3218 __ 3219.
4- تنبیه الخواطر: ج1، ص124. میزان الحکمة: ج8، ص3219 __ 3220، ح15963.

ص: 197

الخطبة الرابعة: فی مکارم الأخلاق

اشارة

ص: 198

ص: 199

نص الخطبة

اشارة

(إنَّ الحِلْمَ زینَةٌ، وَالوَفاءَ مُرُوءَةٌ، والصِّلَةَ نِعْمَةٌ، والاسْتِکْبارَ صَلَفٌ، والْعَجَلَةَ سَفَهٌ، وَالسَفَهَ ضَعْفٌ، وَالغُلُوَّ وَرْطَةٌ، وَمُجالَسَةَ أهْلِ الدَّناءَةِ شَرٌّ، وَمُجالَسَةَ أهلِ الفِسْقِ رِیبَةٌ).

إن الأناة وضبط النفس وکظم الغضب حسن وجمال، والصدق بالوعد والعدد کمال الرجولة، والرحمة والتواصل وعدم الهجران منّة وفضل من الله تعالی، والتعالی والتعاظم وعدم قبول الحق عجب وتکبر، والتسرع خفة وطیش وجهل، وهذه الخفة والطیش هی قلة فطنة وضعف فؤاد، وتجاوز الحد والإفراط أمر یتعسر النجاة منه، والقعود مع الأراذل والاختلاط بهم سوء وفساد ومغالطة، والقعود مع أهل العصیان تهمة وظن وشک.

بحث أخلاقی
مکارم الأخلاق شیمة المؤمنین

منذ أن وطئ الإنسان بقدمیه تراب هذه الأرض وطئها وهو مزودٌ بالأخلاق الفاضلة وعارفٌ للأخلاق الفاسدة ومأمورٌ من قبل الله تعالی بالتحلی بکلّ الفضائل لکی یصل إلی غایته التی خلق من أجلها ألا وهی عبادة الله سبحانه وتعالی کما فی قوله تعالی:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ) (1).


1- سورة الذاریات، الآیة: 56.

ص: 200

فصارت مکارم الأخلاق من لوازم الحیاة الصحیحة علی الأرض ومن لوازم الأمم التی تنشد الرفعة والطهارة، فأخذت الشرائع السماویة کمال الإنسان غایة لها وبدأ الأنبیاء علیهم السلام بالإرشاد والتربیة والتزکیة لهذه النفوس الجامحة التی تمیل بطبعها للراحة الدعة، وتوالت الأنبیاء علیهم السلام علی قیادة البشریة إلی الکمال حتی وصلت إلی خاتمها وسید رسلها محمد بن عبد الله صلی الله علیه وآله وسلم الذی صرح بکلمته الخالدة:

«إنما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق»(1).

وورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«حُسنُ الخُلقِ مِن أفضَلِ القِسَمِ وأحْسَنِ الشِیَمْ»(2).

ولکی نقف علی معنی الأخلاق وحسنها وما یترتب علیها لابد من الحدیث عن العنوانین المختلفة فی ذلک.

الخلق وعاء الدین

تقدم بیان علاقة الدین بالأخلاق الفاضلة، وعرفنا حرص الأنبیاء علیهم السلام علی تزوید أممهم بالمکارم والسمو ولکی یتضح العنوان لابد من معرفة مفهومه فی اللغة والاصطلاح:

الخلق فی اللغة: حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خیر أو شر من غیر حاجة إلی فکر أو رویة، ومجموعها أخلاق(3).

الخلق فی الاصطلاح: سلوک یسلکه الإنسان فی میدان الفضائل أو الرذائل


1- میزان الحکمة: ج1، ص804، ح1111.
2- غرر الحکم: 4842. میزان الحکمة: ج3، ص1073، ح5000.
3- المعجم الوسیط: ص252.

ص: 201

ویصبغ صاحبه بالحسن أو القبح.

والسلوک أو الحال الذی یتصف به الإنسان له ثلاث مراتب:

المرتبة الأولی: هی الاتصاف بصفة علی وجه السرعة وفقدانها بذات السرعة وهذا ما یسمی (بالحال) کما فی حمرة الخجل أو صفرة الوجل التی تحصل للمرء عند وجود السبب لها وترتفع بارتفاعه.

المرتبة الثانیة: هی الاتصاف بصفة ما ببطء وتکرار حتی ترسخ فی النفس إلی درجة (الملکة) فتصدر عن صاحبها بسهولة وسرعة دون تأمل أو رویة.

المرتبة الثالثة: هی اتصاف الإنسان بصفة وصلت إلی حد (الاتحاد) مع ذاته ولا تزول إلا بزوال الذات.

فالحالة الأولی لا یمکن أن نطلق علیها بأنها خلق لسرعة الاتصاف بها وسرعة زوالها، وأمّا الحالة الثانیة والثالثة هی المعنیّة بذلک وهی التی یصدق علیها بأنها (خلق) فالاتصاف بالخلق الفاضل هو الدین أو من الدین وهذا ما أکده النبی صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«جاءَ رجُلٌ إلی رسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم مِن بَینِ یَدیهِ فقالَ: یا رسولَ اللهِ، ما الدِّینُ؟ فقالَ:

حُسنُ الخُلقِ.

ثُمَّ أتاهُ عن یَمینِهِ فقالَ: ما الدِّینُ؟ فقالَ:

حُسنُ الخُلقِ.

ثُمَّ أتاهُ مِن قِبَلِ شِمالِهِ فقالَ: ما الدِّینُ؟ فقالَ:

حُسنُ الخُلقِ.

ثُمَّ أتاهُ مِن وَرائهِ فقالَ: ما الدِّینُ؟ فالْتَفَتَ إلَیهِ وقالَ:

ص: 202

أمَا تَفْقَهُ؟! الدِّینُ هُو أنْ لا تَغْضَبَ»(1).

فلذا صار الخلق وعاءً ومکانا مناسبا للدین وهذا ما اتصف به النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم الذی أفاض الله تعالی علیه نعمة النبوة وحباه بالوحی دون غیره لخلقه الرفیع الذی وصل إلی درجة أن ینال مدح الله تعالی وثناء المولی علی العبد بقوله:

(وَإِنَّکَ لَعَلی خُلُقٍ عَظِیمٍ) (2).

مکارم الأخلاق فی نظر أهل البیت علیهم السلام

مکارم الأخلاق هبة یهدیها الله تعالی لخلقه ترتفع بصاحبها إلی الدرجات العلیا والمراتب الرفیعة، وهی درع واقیة ضد الآثام والدنس فلذا أکثر أهل البیت علیهم السلام من الحث علیها بأنواعه الآتیة:

1__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«عَلَیکُم بمَکارِمِ الأخْلاقِ، فإنّ اللهَ عزّ وجلّ بَعثَنی بها، وإنَّ مِن مَکارِمِ الأخْلاقِ أنْ یَعْفُوَ الرّجُلُ عَمَّنْ ظَلمَهُ، ویُعْطیَ مَن حَرمَهُ، ویَصِلَ مَن قَطعَهُ، وأنْ یَعودَ مَن لا یَعودُهُ»(3).

2__ وعنه صلی الله علیه وآله وسلم:

«جَعلَ اللهُ سُبحانَهُ مَکارِمَ الأخْلاقِ صِلَةً بَینَهُ وبَینَ عِبادِهِ، فحَسْبُ أحَدِکُم أنْ یَتَمسّکَ بخُلقٍ مُتَّصِلٍ باللهِ»(4).


1- تنبیه الخواطر: ص89. میزان الحکمة: ج3، ص1076، ح5030.
2- سورة القلم، الآیة: 4.
3- أمالی الطوسی: ص478، ح1042. میزان الحکمة: ج3، ص1081 __ 1082، ح5061.س
4- تنبیه الخواطر: ج2، ص122. میزان الحکمة: ج3، ص1082، ح5063.

ص: 203

3__ وعن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«فَهَبْ أنّهُ لا ثَوابَ یُرجی ولا عِقابَ یُتَّقی، أفَتَزْهَدونَ فی مَکارِمِ الأخْلاقِ؟!»(1).

4__ وعن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال:

«ثابِروا علی اقْتِناءِ المَکارِمِ»(2).

وهناک الکثیر من الأحادیث التی حثت البشریة علی التحلی بهذه المکارم التی لا غنی عنها لعاقل متبصر ولا لأمة تنشد الحیاة الحقیقیة، ولکی یتضح الأمر ویسعی المرء لنیل هذه المکارم لابد من الاطلاع علیها ومعرفتها، فلقد ورد عن الإمام الصادق علیه السلام حدیثان جمع فیهما أغلب مکارم الأخلاق وهما کما یلی:

1__ قال الإمام الصادق علیه السلام:

«إنّ اللهَ تبارکَ وتعالی خَصَّ رسولَ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم بمَکارِمِ الأخْلاقِ، فامْتَحِنوا أنفسَکُم؛ فإن کانتْ فِیکُم فاحْمَدوا اللهَ عزّ وجلّ وارغَبوا إلَیهِ فی الزّیادَةِ مِنها.

فذکَرَها عَشرَةٌ:الیَقینُ، والقَناعَةُ، والصَّبرُ، والشُّکرُ، والحِلْمُ، وحُسنُ الخُلقِ، والسَّخاءُ، والغَیرَةُ، والشَّجاعَةُ، والمُروءَةُ»(3).

2__ وعنه علیه السلام:

«المَکاِمُ عَشْرٌ، فإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تکونَ فیکَ فَلْتَکُنْ، فإنّها تَکونُ فی الرّجُلِ ولا تکونُ فی ولدِهِ، وتکونُ فی ولدِهِ ولا تکونُ فی أبیهِ، وتکونُ فی العَبدِ ولا تکونُ فی الحُرِّ: صِدْقُ البَأسِ، وصِدْقُ اللِّسانِ، وأداءُ الأمانَةِ، وصِلَةُ


1- غرر الحکم: 6278. میزان الحکمة: ج3، ص1081، ح5060.
2- غرر الحکم: 4712. میزان الحکمة: ج3، ص1079، ح5046.
3- أمالی الصدوق: ص184، ح8. میزان الحکمة: ج3، ص1080، ح5052.

ص: 204

الرَّحِمِ، وإقْراءُ الضَّیفِ، وإطْعامُ السّائلِ، والمُکافأةُ علی الصَنائِعِ، والتَّذَمُّمُ للجارِ، والتّذَمُمُ للصاحِبِ، ورأسُهُنَّ الحَیاءُ»(1).

وعند التأمل فی هذین الحدیثین نجد الإمام علیه السلام یحث علی رفض الشک باطناً وظاهراً، والرضا بما قسم الله تعالی، والتحلی بعدم الجزع ونبذ الجزع ونبذ الشعور بالملل لاسیما فی الطاعات، والعرفان بالجمیل ومکافأة المنعم، والتحلی بضبط النفس عند الغضب، والعشرة بالمعروف والتلبس بالآداب الجمیلة، والکرم والبذل ابتداءً أو عند السؤال، والحرص علی الدین والمعرض والمقدسات، ورد العادی والثبات له، والفتوة والشیمة، وقول الحقیقة، والحفاظ علی أمانات الناس وإرجاعها، والتواصل مع القربی، وإکرام الضیف وحسن الجوار، والخجل من الله تعالی ومن الناس عند الإقدام علی ما یخدش الحیاء.

کما أن هناک صفات أخری عدّها الأئمة علیهم السلام من مکارم الأخلاق کالعفو عن الظالم، ومواساة الرجل أخاه فی ماله، وذکر الله تعالی کثیرا.

__ نصائح

1__ هناک تلازم بین الخلق الحسن والعقل، وبین الخلق السیئ والجهل وهذا ما یحث علی طلب الالهی لبناء (کما هو فی الأصل)

العقل وکماله لکی یتصف صاحبه بالخلق الحسن فلذا نجد أمیر المؤمنین علیه السلام یؤکد علی ذلک بقوله:

«الخُلقُ المَحمودُ مِن ثِمارِ العقلِ، الخُلقُ المَذمومُ مِن ثِمارِ الجَهلِ»(2).

2__ إذا کانت صورة المؤمن جمیلة فلیحافظ علی جمالها بحسن الخلق، یقولون


1- الخصال: ص431، ح11.
2- غرر الحکم: 1280 __1281. میزان الحکمة: ج3، ص1072، ح4993.

ص: 205

جمیلا فی الظاهر والباطن کما ورد ذلک فی سفینة البحار عن جریر بن عبد الله قال: قالَ لی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«إنّکَ امْرءٌ قَد أحْسَنَ اللهُ خَلْقَکَ فأحْسِنْ خُلقَکَ»(1).

3__ إذا ادعی شخص الإیمان فانظر إلی ما یستند علیه هذا لإیمان فإن کان له خلق حسن فنعم السند وإلا فلا، وهذا أشار إلیه الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«لَمّا خَلقَ اللهُ تعالی الإیمانَ قالَ: اللّهُمَّ قَوِّنی، فَقَوّاهُ بحُسنِ الخُلقِ والسَّخاءِ ولَمّا خَلقَ اللهُ الکُفرَ قالَ: أللّهُمَّ قَوِّنی، فَقَوّاهُ بالبُخلِ وسُوءِ الخُلقِ»(2).

4__ إذا رغبت فی ثواب القائمین والصائمین علیک بالخلق الحسن لتنال درجتهم وهذا ما أشار إلیه نبی الرحمة صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن حَسَّنَ خُلقَهُ بَلّغَهُ اللهُ درَجَةَ الصّائمِ القائمِ»(3).

5__ إذا ضعفت نفسک عن العبادة ولم تتوفر لک مستلزماتها کصحة البدن وعدم الغفلة والنشاط البدنی والإقبال القلبی، لیس لک دواء لدائک إلاّ حسن الخلق فلذا اسمع قول سید المرسلین فی ذلک إذ یقول:

«إنّ العَبدَ لَیَبلُغُ بحُسنِ خُلقِهِ عَظیمَ دَرَجاتِ الآخِرَةِ وشَرَفَ المَنازِل، وإنَّهُ لَضَعیفُ العِبادَةِ»(4).

6__ إذا أردت لمیزانک أن یکون ثقیلا یوم توضع الموازین علیک بالتحلی بالخلق الحسن، وهذا ما صرح به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«ما مِن شَیءٍ أثقَلُ ما یُوضَعُ فی المِیزانِ مِن خُلقٍ حَسنٍ»(5).


1- سفینة البحار: ج1، ص410. میزان الحکمة: ج3، ص1073، ح4998.
2- المحجّة البیضاء: ج5، ص90. میزان الحکمة: ج3، ص1072، ح4986.
3- عیون أخبار الرضا علیه السلام: ج2، ص71، ح328. میزان الحکمة: ج3، ص1074، ح5009.
4- المحجّة البیضاء: ج5، ص93. میزان الحکمة: ج3، ص1074، ح5010.
5- میزان الحکمة: ج3، ص1074، ح5016. بحار الأنوار: ج71، ص383، ح17.

ص: 206

أسئلة مهمة

السؤال الأول: ما هی الصفات التی اتصف بها النبی صلی الله علیه وآله وسلم لکی ینال المدح الإلهی بقوله تعالی (وإنک لعلی خلق عظیم)؟.

الجواب: کان خلق رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم هو الانقیاد والطاعة والعبودیة التامة لربه سبحانه، وهذا ما ذکره الإمام الباقر علیه السلام فی قوله تعالی:

(وَإِنَّکَ لَعَلی خُلُقٍ عَظِیمٍ) (1).

«هو الإسلامُ»(2).

وکان خلقه القرآن کما ذکر ذلک الحسن البصری وقبله عائشة.

السؤال الثانی: من هو الذی سیجلس قریبا من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم یوم القیامة ویکون محبوباً إلیه؟

الجواب: هذا ما أجاب عنه النبی صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«إنّ أحَبَکُم إلَیَّ وأقرَبَکُم مِنّی یَومَ القِیامَةِ مَجلِساً أحْسَنُکُم خُلقاً وأشَدُّکُم تَواضُعاً»(3).

السؤال الثالث: ما هو تفسیر حسن الخلق؟

الجواب: 1__ أن تکون متواضعا لطیفا ذا رفق ورحمة، وأن لا تتکلم إلا بما یرضی الله تعالی ولیقع کلامک فی قلوب مستمعیک، وأن تعلو وجهک طلاقة وسماحة، فإن هذه الصفات هی التی یتجسد فیها حسن الخلق کما أخبر بذلک الإمام الصادق علیه السلام لَمّا سُئلَ عن حَدّ حُسنِ الخُلقِ قال:


1- سورة القلم، الآیة: 4.
2- معانی الأخبار: ص188، ح1. میزان الحکمة: ج3، ص1075، ح5019.
3- بحار الأنوار: ج71، ص385، ح26.

ص: 207

«تَلینُ جانِبَکَ، وتُطیِّبُ کلامَکَ، وتَلْقی أخاکَ ببِشْرٍ حَسَنٍ»(1).

2__ الرضا بعطاء الله تعالی والقناعة به، وعدم الغضب والانفعال عند عدم الحصول علی الدنیا، هکذا فسر الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم حسن الخلق بقوله:

«إنّما تفسیرُ حُسنِ الخُلقِ: ما أصابَ الدُّنیا یَرْضی، وإنْ لَم یُصِبْهُ لَم یَسْخَطْ»(2).

3__ التنزه عن المعاصی وترک الانغماس فیها، والسعی فی طلب الرزق الحلال الطیب، وإکرام الزوجة والأولاد أو من تجب علیک إعالته، هذا مما عدّه أمیر المؤمنین من حسن الخلق بقوله:

«حُسنُ الخُلقِ فی ثَلاثٍ: اجْتِنابُ المَحارِمِ، وطَلَبُ الحَلالِ، والتَّوَسُّعُ علی العِیالِ»(3).

السؤال الرابع: ما هو الممیز بین الفضائل والرذائل؟

الجواب: عدم الإفراط أو التفریط هو الذی یسبغ الأفعال والأقوال بالصیغة الحسنة، وبعکسه یقع القبح وتتشوه الصورة، ولا بأس أن نبین ذلک من خلال المثال:

إذا أردت أن تنفق فإن زاد عن حده فهو إسراف وإن قصر عن حده فهو بخل، وهکذا تجری القاعدة فی الأمور الأخری، وخیر ما یؤکد ذلک قول الإمام العسکری علیه السلام إذ یقول:

«إنّ للسَّخاءِ مِقْداراً فإنْ زادَ علَیهِ فهُو سَرَفٌ، وللحَزْمِ مِقْداراً فإنْ زادَ عَلَیهِ فهُو جُبْنٌ، وللاقْتِصادِ مِقْداراً فإنْ زادَ علیه فهُو بُخْلٌ، وللشَّجاعَةِ مِقْداراً فإنْ زادَ علَیهِ فهُو تَهوُّرٌ»(4).


1- معانی الأخبار: ص253، ح1. میزان الحکمة: ج3، ص1076، ح5027.
2- کنز العمّال: 5229. میزان الحکمة: ج3، ص1076، ح5028.
3- بحار الأنوار: ج71، ص394، ح63. میزان الحکمة: ج3، ص1076، ح5029.
4- بحار الأنوار: 69، ص407، ح115.

ص: 208

السؤال الخامس: کیف نحکم علی من نعاشر؟

الجواب: 1__ ینصح أمیر المؤمنین علیه السلام من یرید أن یکوّن رأیاً عن صاحبه أن ینظر إلی أفعاله وصفاته فإن وجد صفة جیدة فلینظر إلی الصفات الأخری هل ستکون بجانبها وهذا ما أشار إلیه الإمام علیه السلام بقوله:

«إذا کانَ فی رَجُلٍ خَلّةٌ رائقَةٌ فانْتَظِروا أخَواتِها»(1).

2__ إذا لمست بخلاً وسوء خلق من صاحبک فاحکم ببعده عن الإیمان، وذلک ما صرح به رسول الإنسانیة صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«خَصْلَتانِ لا تجْتَمعانِ فی مؤمنٍ: البُخلُ وسُوءُ الخُلقِ»(2).

ثمرات حسن الخلق
اشارة

ما حثت الشرائع وما صدع الأنبیاء علیهم السلام بحسن الخلق إلا لما فیه من فوائد جمة علی مستوی الدنیا والآخرة، ولقد تقدم بیان ثماره فی الآخرة فی أحادیث متفرقة: کبلوغ صاحب الخلق الحسن درجة الصائمین والقائمین، والقرب من رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم مجلسا یوم القیامة، وثقل المیزان بالحسنات والثواب الجزیل.

وأمّا ثماره فی الدنیا فهی کالآتی:

1__ ینال صاحبه سعة فی رزقه ویکثر أصدقاؤه کما قال ذلک الإمام علی علیه السلام:

«حُسنُ الخُلقِ یَزیدُ فی الرِّزقِ، ویُؤْنِسُ الرِّفاقَ»(3).


1- نهج البلاغة: الحکمة 445. میزان الحکمة: ج3، ص1088، ح5123.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج6، ص337. میزان الحکمة: ج3، ص1085، ح5097.
3- غرر الحکم: 4856. میزان الحکمة: ج3، ص1083، ح5076.

ص: 209

2__ قالوا إن دار الظالم خراب، وأقول إن دار سیئ الخلق مثله، ولکن دار من حسن خلقه عامرة بأهلها وبنائها، وعمر سیئ الخلق قصیر مبتور، وعمر حسن الخلق طویل فی طاعة الله تعالی، ولذا نجد الإمام الصادق علیه السلام یقول:

«إنَّ البِرَّ وحُسنَ الخُلقِ یَعْمُرانِ الدِّیارَ، ویَزیدانِ فی الأعْمارِ»(1).

3__ إذا سر العاقل أن یکون محبوبا ومحترما عند الناس، فما علیه إلا أن یکون ملتزما بحسن الخلق، فإن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم یقول:

«حُسنُ الخُلقِ یُثَبِّتُ المَودَّةَ»(2).

__ سوء الخلق فی نظر أهل البیت علیهم السلام

تقدم الکلام عن حسن الخلق ومکارمه فی نظر أهل البیت علیهم السلام فکان کلاما یسر العقول ویشنف الأسماع ویقوی القلوب ویبعث علی التنافس فی المکارم، فحسن الخلق طیب یتعطر به المؤمنون، وتاج یتزین به العقلاء، ودرع یتوقی بها مجاهدوا النفوس، ووسیلة یتقرب بها المتقربون، وجلباب یتجلبب به أهل الحیاء، ودرجة یرتقی بها أهل العلو والرفعة، وفضل یمنّ به المحسنون، وعدل یحکم به الحاکمون، وبر یبذله أهل المعروف، ورضا تقنع به النفوس، واطمئنان تتحلی به القلوب، وأنس یأنس به الأصحاب.

وأمّا سوء الخلق! مرض یصیب الجاهلین، ونتانة یفر منها أهل الذوق، ودناءة للنفوس، وتسافل فی الدرجات، وفساد للعمل الصالح، وقرین مانع للخیر، ووحشة للأهل والأحباب، وحاجب عن التوبة، وغم لا ینجلی، وهم لا ینکشف، وعذاب لا یزول إلا بزوال صاحبه، ونکد للعیش، وبعد عن الله تعالی، وجفوة للدین، ومخالفة لسید المرسلین صلی الله علیه وآله وسلم، وترک لسیرة المعصومین علیهم السلام وسبیل إلی النار.


1- بحار الأنوار: ج71، ص395، ح73. میزان الحکمة: ج3، ص1083، ح5077.
2- بحار الأنوار: ج77، ص148، ح71. میزان الحکمة: ج3، ص1084، ح5080.

ص: 210

آثار سوء الخلق
اشارة

بعد هذا الوصف الذی وصف أهل البیت علیهم السلام فیه سوء الخلق نجد أنفسنا فی غنی عن ذکر آثاره ولکن لیطمئن قلب القارئ بذکر بعض أحادیث أهل بیت العصمة علیهم السلام الذین حذروا من سوء الخلق وبینّوا سوء عواقبه:

1__ ورد عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم:

«إنّ العَبدَ لَیَبلُغُ من سُوءِ خُلقِهِ أسْفَلَ دَرَکِ جَهنَّمَ»(1).

2__ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«ألا أُخبِرُکُم بأبعَدِکُم مِنّی شَبَهاً؟

قالوا: بلی یا رسولَ اللهِ، قال:

الفاحِشُ المُتَفَحِّشُ البَذیءُ، البَخیلُ، المُخْتالُ، الحَقودُ، الحَسودُ، القاسِی القَلبَ، البَعیدُ مِن کُلِّ خَیرٍ یُرجی، غَیرُ المَأمونِ مِن کُلِّ شَرٍّ یُتَّقی»(2).

3__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنّه قال:

«الخُلقُ السَّیِّئُ یُفسِدُ العَملَ کما یُفسِدُ الخَلُّ العسَلَ»(3).

4__ ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَن ساءَ خُلقُهُ أعْوَزَهُ الصَّدیقُ والرَّفیقُ»(4).

وقال علیه السلام:

«مَن ساءَ خُلقُهُ ضاقَ رِزْقُهُ»(5).


1- المحجّة البیضاء: ج5، ص93. میزان الحکمة: ج3، ص1086، ح5101.
2- الکافی: ج2، 291، ح9. میزان الحکمة: ج3، ص1086 __ 1087، ح5110.
3- الکافی: ج2، 321، ح1. میزان الحکمة: ج3، ص1084، ح5086.
4- غرر الحکم: 9187. میزان الحکمة: ج3، ص1086، ح5105.
5- غرر الحکم: 8023. میزان الحکمة: ج3، ص1086، ح5106.

ص: 211

5__ ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«سُوءُ الخُلقِ شَرُّ قَرینٍ»(1).

وعنه علیه السلام:

«سُوءُ الخُلقِ نَکَدُ العَیْشِ وعذابُ النَّفْسِ»(2).

وقال علیه السلام أیضا:

«سُوءُ الخُلقِ یُوحِشُ النَّفسَ، ویَرفَعُ الأُنْسَ»(3).

6__ ورد عن الإمام الصادق علیه السلام:

«مَن ساءَ خُلقُهُ عَذّبَ نَفْسَهُ»(4).

__ الحلم

أشار الإمام الحسین علیه السلام إلی صفة لا غنی عنها فی الحیاة الدنیا لاسیما عند معاشرة اللؤماء والجاهلین، فهذه الصفة تظهر بتمامها فی اسم الحلیم الذی هو من أسماء الله تعالی الحسنی، إلا أن تفسیر هذه الصفة التی یتصف بها الله تعالی غیر تفسیرها عندما یتصف بها العبد، ولکی یتضح الأمر بدرجة أکثر لابد من التعرض لمعرفة مفهوم الحلم لغة واصطلاحا.

الحلم فی اللغة: هو ترک العجلة، الصفح والستر، هو الأناة وضبط النفس، حَلُم: تأنی وسکن عند غضب أو مکروه مع قدرة وقوة(5).


1- غرر الحکم: 5567. میزان الحکمة: ج3، ص1085، ح5089.
2- غرر الحکم: 5639. میزان الحکمة: ج3، ص1085، ح5090.
3- غرر الحکم: 5640. میزان الحکمة: ج3، ص1085، ح5091.
4- بحار الأنوار: 78، ص246، ح62. میزان الحکمة: ج3، ص1086، ح5102.
5- المعجم الوسیط: ص194.

ص: 212

الحلم فی الاصطلاح: هو السیطرة علی النفس عند هیجان الغضب وضبطها عن الانتقام مع القدرة علیه دون أن یستلزم ذلک الذل والهوان.

وصف أهل البیت علیهم السلام الحلم بأنه من الفضائل التی یتجمل به صاحبه، ویتخذ منه واقیاً من الإصابة بالبلایا والعواقب الوخیمة، بل هو من لوازم الإیمان وکمال العقول، وهو علامة الاتزان، وسبب تکوّن العشیرة، ودلالة علی عبادة صاحبه، ووسیلة لسیادته علی غیره، وطریقة للانتصار علی العدو، ورد للسفیه، ومدعاة للسلم.

بحث عقائدی
غضب وحلم الله تعالی

تقدم الکلام عن أن الحلم هو الأناة وضبط النفس والسکن عند الغضب، فلذا ورد فی الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة ما یصرح بأن الله سبحانه یتصف بالحلم ویتسمی بالحلیم کما فی قوله تعالی:

(وَلَا جُنَاحَ عَلَیْکُمْ فِیمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَکْنَنْتُمْ فِی أَنْفُسِکُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّکُمْ سَتَذْکُرُونَهُنَّ وَلَکِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّکَاحِ حَتَّی یَبْلُغَ الْکِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یَعْلَمُ مَا فِی أَنْفُسِکُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِیمٌ) (1).

وفی قوله تعالی:

(إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا یُضَاعِفْهُ لَکُمْ وَیَغْفِرْ لَکُمْ وَاللَّهُ شَکُورٌ حَلِیمٌ)(2).


1- سورة البقرة، الآیة: 235.
2- سورة التغابن، الآیة: 17.

ص: 213

وهناک الکثیر من الآیات الأخری التی تصرح بذلک، کما ورد أیضا فی الأحادیث الشریفة، عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم، من دعائه فی یوم الأحزاب:

«إلهی أنت الحلیم الذی لا یجهل»(1).

وورد أیضا عن الإمام الکاظم علیه السلام فی صفة الله تعالی قوله:

«الحلیم الذی لا یعجل»(2).

ومما لا شک فیه أن الاتصاف بالحلم لا یأتی إلا بعد غضب یعتری الساکن فیهیج بسببه فیبادر إلی رد فعل عنیف أو یحاول ضبط نفسه والسیطرة علی سلوکه، فیلزم من ذلک حدوث تغیر فی حاله، ولکن لا تجری هذه التغیرات فی الله سبحانه لاستحالة قیام الحوادث وطرئها علی ذاته سبحانه لأنه واجب الوجود، ولکی یتضح الأمر جلیا لابد من الوقوف علی معنی الغضب الإلهی سوالحلم الإلهی.

قبل الاطلاع علی معنی الغضب الإلهی لابد أن نعرف أن الله تعالی یغضب علی عباده العصاة کما ورد ذلک فی کثیر من الآیات الشریفة کما فی قوله تعالی:

(ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّةُ أَیْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الْمَسْکَنَةُ ذَلِکَ بِأَنَّهُمْ کَانُوا یَکْفُرُونَ بِآَیَاتِ اللَّهِ وَیَقْتُلُونَ الْأَنْبِیَاءَ بِغَیْرِ حَقٍّ ذَلِکَ بِمَا عَصَوْا وَکَانُوا یَعْتَدُونَ) (3).

وفی قوله تعالی:

(وَمَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِیهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَیْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِیمًا) (4).


1- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج91، ص212، ح7.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة، محمد الریشهری: ج4، ص152، ح4443.
3- سورة آل عمران، الآیة: 112.
4- سورة النساء، الآیة: 93.

ص: 214

وقوله تعالی:

(کُلُوا مِنْ طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبِی وَمَنْ یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوَی) (1).

وهناک الکثیر من الآیات الأخری التی تصرح بذلک فراجع.

ورد فی الحدیث الشریف عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم ما یؤکد ذلک کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم لما سأله رجل: أُحِبُّ أن أکُونَ آمِناً مِن سَخَطِ اللهِ __ قال:

«لا تَغضَبْ علی أحَدٍ تَأمَنْ غَضَبَ اللهِ وسَخَطَهُ»(2).

وورد عن الإمام الباقر علیه السلام أن الغضب  مذکور فی التوراة أیضا کما فی قوله علیه السلام:

«مَکتوبٌ فی التَّوراةِ...: یا موسی، أمسِکْ غَضَبَکَ عَمَّن مَلَّکتُکَ علَیهِ، أکُفَّ عنکَ غَضَبِی»(3).

وما ذکره السید المسیح علیه السلام یؤکد أن الأدیان السماویة تشیر إلی أن الله تعالی یغضب ویحل غضبه علی من یستحقه کما فی قوله علیه السلام:

(لَمّا سألَهُ الحَوارِیُّونَ: أیُّ الأشیاءِ أشَدُّ؟__: أشَدُّ الأشیاءِ غَضَبُ اللهِ.

قالوا: فیما یُتَّقی غَضَبُ اللهِ؟، قال: بأن لا تَغضَبُوا)(4).

بعد أن عرفنا بموجب الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة أن الله تعالی یغضب


1- سورة طه، الآیة: 81.
2- کنز العمّال: 44154. میزان الحکمة: ج7، ص3009، ح15052.
3- الکافی: ج2، ص303، ح7. میزان الحکمة: ج7، ص3008، ح15050.
4- مشکاة الأنوار: ص219. میزان الحکمة: ج7، ص3008، ح15051.

ص: 215

علی من یستحق الغضب وینزل غضبه علی ذلک العاصی المستحق لهذا الغضب وعرفنا من خلال الآیات التی تقدم ذکرها فی ذکر صفة الحلم بأنه تعالی یتصف بالحلم ویصف نفسه سبحانه بالحلیم، فبعد هذا صار من الضروری أن نعرف المعنی الحقیقی لغضب الله تعالی وحلمه علی عباده فنقول:

عرف أهل اللغة الغضب بأنه: البغض وحب الانتقام من المبغوض(1).

وجاء فی المعجم الوسیط، غضب علیه غضبا: سخط علیه وأراد الانتقام منه، الغضب: استجابة لانفعال تتمیز بالمیل إلی الاعتداء(2).

الغضب فی الاصطلاح: هو هیاج یعتری الإنسان یدفعه إلی رد فعل عنیف.

ولو تأملنا ما تقدم من معان للغضب لا نجدها تصلح للإنطباق علی الغضب الإلهی لما فیها من فساد عقائدی فلم یبقَ لنا إلا أن نطرق باب أهل بیت العصمة علیهم السلام لیعرفونا المعنی الحقیقی لغضب الله تعالی.

لقد ورد من محاورة بین رجل یدعی (عمرو بن عبید) والإمام الصادق علیه السلام فی ذلک وهی کالآتی:

قال عمرو بن عبید: أخبرنی (جعلت فداک) عن قوله جل ذکره:

(وَمَنْ یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوَی) (3).

ما غضب الله؟

فقال أبو جعفر علیه السلام:

«غضب الله عقابه یا عمرو، ومن ظن أن الله یغیره شیء فقد کفر».


1- المنجد الأبجدی: ص737.
2- المعجم الوسیط: ص654.
3- سورة طه، الآیة: 81.

ص: 216

وورد فی توحید الصدوق: (أن أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا الحسن بن علی السکری، قال: حدثنا محمد بن زکریا الجوهری، عن جعفر بن عمارة، عن أبیه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد علیه السلام فقلت له: یابن رسول الله أخبرنی عن الله عز وجل هل له رضا وسخط؟ فقال:

«نعم ولیس ذلک علی ما یوجد فی المخلوقین ولکن غضب الله عقابه، ورضاه ثوابه»)(1).

وعند التأمل فی هذین الحدیثین الشریفین یتضح لنا المعنی الحقیقی ل_(غضب الله تعالی) ولیس هو إلا عقابه أو عذابه ولیس ثورة وهیاجاً وتغییراً لاستحالة ذلک فی الذات الإلهیة.

وأمّا المعنی الحقیقی لحلم الله تعالی هو الغض عن معاصی العباد، وأنه لا یعجل فی مؤاخذتهم، بل یمهل ولا یهمل أی یرجئ العقوبة إلی حین آخر بحکمته، وهذا ما أکده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«أوصی الله عز وجل إلی أخی العزیز.. لا تأمن مکری حتی تدخل جنتی، فاهتز عزیز یبکی، فأوصی الله إلیه لا تبک یا عزیز، فإن عصیتنی بجهلک غفرت لک بحلمی، لأنی کریم لا أعجل بالعقوبة علی عبادی وأنا أرحم الراحمین»(2).

خلاصة الکلام: أن الغضب الإلهی هو العقاب والعذاب ولیس هیاجا أو فورة دم تعالی الله عن ذلک علوا کبیرا، وأمّا الحلم فهو تأخیر العقوبة وإرجاؤها إلی حین ولیس سکنا وهدوءاً وضبط نفس لاستحالة اتصافه بذلک لأنه تعالی لیس محلا لطروء الحوادث أو التغیر.


1- کتاب التوحید للصدوق: ص170.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج2، ص151.

ص: 217

الحلم فی نظر أهل البیت علیهم السلام
اشارة

الحلم هذه الصفة التی لا یستغنی عنها العقلاء فسرها أهل البیت علیهم السلام بأنها الربط الشدید لفوهة النفس لکی لا یخرج غضبها والسیطرة والاستیلاء علی القلب عندما تعصف به فورة الدم ولذلک قال الإمام الحسن علیه السلام وقد سئل عن الحلم:

«کظم الغیظ وملک النفس»(1).

ویری الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام الحلم بأنه القدرة علی الاحتمال بقوله:

«کمال العلم الحلم، وکمال الحلم کثرة الاحتمال والکظم»(2).

بل یدعو الإمام إلی أن یترجم الحلیم حلمه إلی تجلد وسکوت کما فی قوله علیه السلام:

«الحلم کالصبر والصمت»(3).

ویشیر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلی زاویة أخری لیعرف لنا الحلم بالعشرة الهادئة التی یضطر إلیها الإنسان عند ابتلائه بلئیم أو أحمق أو سیئ العشرة ولذا نجده یقول صلی الله علیه وآله وسلم:

«لَیسَ بِحَلیمٍ مَن لَم یُعاشِرْ بالمَعروفِ مَن لابُدَّ لَهُ مِن مُعاشَرَتِهِ حَتّی یَجعَلَ اللهُ لَهُ مِن ذلک مَخرَجاً»(4).

ویری الإمام الباقر علیه السلام أن دفع الشر والضرر من أفراد الحلم الذی یحتاج عند الابتلاء بذلک کما فی قوله علیه السلام:

«لَیسَ الحَلیمُ الّذی لا یَتّقی أحَداً فی مکانِ التَّقوی»(5).


1- تحف العقول لابن شعبة الحرانی: ص225.
2- موسوعة العقائد الإسلامیة: ج2، ص412، 2913.
3- المصدر السابق.
4- کنز العمّال: 5815. میزان الحکمة: ج2، ص910، ح4348.
5- الکافی: ج8، ص55، ح16. میزان الحکمة: ج2، ص910، ح4350.

ص: 218

__ آثار الحلم

لا شک أن لکل فضیلة یتصف بها الإنسان من ثمرات دنیویة وأخرویة جزاءً لما اتصف به ومن تلک الفضائل فضیلة الحلم التی تعود علی صاحبها بثمرات لا غنی عنها لمن أراد الرفعة والمودة کما یلی:

1__ التحلی بالحلم یوجب السیادة والتقدم علی الآخرین کما جاء ذلک علی لسان أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«مَنْ حَلُمَ سادَ»(1).

2__ ومن ینشد السلامة والابتعاد عن الدخول فی الاختلافات التی توقع الضرر فلیتصف بالحلم عند تعامله مع الآخرین کما دل علی ذلک قول إمام الموحدین علیه السلام:

«السِّلْمُ ثمرة الحلمِ»(2).

3__ إذا دخل المرء فی أزمة مع غیره إلی درجة العداء وکان راغبا فی الانتصار علیه فلیتحلی بالحلم لینال مبتغاه کما أشار إلی ذلک أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«مَن حَلُمَ عن عَدُوِّهِ ظَفِرَ بهِ»(3).

4__ ومن أراد الأمان والاطمئنان فی الآخرة من غضب الله تعالی فلیلتزم بالحلم عندما یغضب فی الدنیا وهذا ما أکده إمام المتقین علیه السلام بقوله:

«الحِلمُ عِندَ شِدَّةِ الغَضَبِ یُؤمِنُ غَضَبَ الجَبّارِ»(4).


1- بحار الأنوار: ج77، ص208، ح1. میزان الحکمة: ج2، ص909، ح4334.
2- غرر الحکم: 901. میزان الحکمة: ج2، ص909، ح4335.
3- کنز الفوائد: ج1، ص319. میزان الحکمة: ج2، ص909، ح4338.
4- غرر الحکم: 1776. میزان الحکمة: ج2، ص910، ح4346.

ص: 219

__ أسئلة مهمة

السؤال: إذا کنت معتادا علی الغضب ولم أستطع أن أملک نفسی فما هو العلاج؟

الجواب: ینصح الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام بتدریب النفس علی الحلم حتی یصل صاحبها إلی الاتصاف بالحلم وهذا ما صرح به الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«إنْ لَم تَکُن حَلیماً فَتَحَلَّمْ؛ فإنَّهُ قَلَّ مَن تَشبَّهَ بقَومٍ إلاّ أوْشَکَ أنْ یکونَ مِنهُم»(1).

السؤال: وصف القرآن الکریم إبراهیم بأنه حلیم فی قوله تعالی:

(إِنَّ إِبْرَاهِیمَ لَحَلِیمٌ أَوَّاهٌ مُنِیبٌ) (2).

ووصف الله تعالی بأنه حلیم أیضا فی قوله تعالی:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِیمٌ) (3).

فکیف یصح تسمیة إبراهیم علیه السلام باسم من الأسماء الحسنی المختصة بالله تعالی؟

الجواب: 1__ إن الله تعالی متصف بالحلم بمعنی تأخیر العقوبة دون حدوث انفعال فی ذاته المقدسة، بینما یتصف إبراهیم علیه السلام بالحلم بعد حدوث انفعال فی ذاته.

2__ الله تعالی حلیم بالاستقلال دون تعلم أو تربیة تلقاهما من أحد، وأمّا إبراهیم علیه السلام فهو حلیم بتأدیب الله تعالی له.


1- نهج البلاغة: الحکمة 207. میزان الحکمة: ج2، ص907، ح4318.
2- سورة هود، الآیة: 75.
3- سورة البقرة، الآیة: 235.

ص: 220

السؤال: کیف نمیّز بین الحلیم والجبان؟

الجواب: إذا اقترن السکون وضبط النفس بالقدرة علی الرد والانتقام فصاحبه حلیم وإذا فقد القدرة علی الرد فهو عجز وجبن وذل.

السؤال: ورد فی القرآن الکریم قوله تعالی:

(وَاللَّهُ عَلِیمٌ حَکِیمٌ) (1).

فهل هناک علاقة بین العلم والحلم؟

الجواب: لا نستطیع أن نتصور عالماً لا یتحلی بالفضائل لاسیما بفضیلة الحلم لما لهذه الفضیلة من أهمیة فی حیاة العلماء الذین أخذوا علی أنفسهم تعلیم الجاهلین والصبر علی إرشادهم وتحمل نزفهم وهذا لا یتم إلا بالتحلی بصفة الحلم، وما جاء عن أهل البیت علیهم السلام ما أکد هذا المعنی کقول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«والّذی نَفْسی بِیَدِهِ، ما جُمِعَ شَیءٌ إلی شَیءٍ أفضَلَ مِن حِلمٍ إلی عِلمٍ»(2).

وقول أمیر المؤمنین علیه السلام الذی یشیر إلی أن العلم لا یعطی فائدة ترجی إلا إذا ازدوج مع الحلم کما فی هذا الحدیث الشریف:

«لَن یُثْمِرَ العِلمُ حتّی یُقارِنَهُ الحِلمُ»(3).

وأکد الإمام الباقر علیه السلام أن اللباس الذی یلبسه العلماء هو الحلم فلذلک یقول:

«الحِلمُ لِباسُ العالِمِ، فلا تَعْرَیَنَّ مِنهُ»(4).


1- سورة النساء، الآیة: 12.
2- کنز العمال: 5829. میزان الحکمة: ج2، ص911، ح4362.
3- غرر الحکم: ص7411. میزان الحکمة: ج2، ص911، ح4358.
4- الکافی: ج8، ص55، ح16. میزان الحکمة: ج2، ص911، ح4356.

ص: 221

__ الوفاء

الوفاء فضیلة وعلامة تدل علی أن صاحبها من أهل المعروف والرفعة والعلو لما فیها من آثار حمیدة فی الدنیا والآخرة، والاتصاف بالوفاء یتم عن نفس عزیزة تحترم عهودها وأقوالها وعقودها وشروطها، وهی لباس المؤمنین قبل غیرهم فلذا نجد القرآن الکریم فی آیات متعددة أکد علی ضرورة الاتصاف بالوفاء بل أمر بذلک کما فی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَکُمْ بَهِیمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا یُتْلَی عَلَیْکُمْ غَیْرَ مُحِلِّی الصَّیْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ یَحْکُمُ مَا یُرِیدُ) (1).

وقوله تعالی:

(وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْیَتِیمِ إِلَّا بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ حَتَّی یَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ کَانَ مَسْئُولًا) (2).

ولکی یطّلع القارئ الکریم علی مفهوم الوفاء لابد من معرفة معنی الوفاء لغة واصطلاحاً:

الوفاء فی اللغة: وفی فلان نذره: آداه، وفی بعهده: عمل به، وفی فلانا حقه: أوفاه إیاه(3).

الوفاء فی الاصطلاح: هو حفظ العهد وعدم نقضه، والالتزام بالوعد وتحقیقه وامضاء العقود وعدم الرجوع فیها دون مسوّغ.

إذن الوفاء وسیلة لدرء صفة الغدر القبیحة، وعلامة علی إیمان المؤمن، وردع


1- سورة المائدة، الآیة: 1.
2- سورة الإسراء، الآیة: 34.
3- المعجم الوسیط: ص1047.

ص: 222

لدفع الازدراء والانتقاص، وجمال یزین الأخوّة، ورفعة بین الناس، وأحد الأسس الدینیة، ورکن من الأرکان الأخلاقیة، وعنوان للمودّة، وقرین للصدق.

لقد حثت الشریعة الإسلامیة علی ضرورة الوفاء بالعهد والعقد والشرط والوعد، وأشارت الأحادیث الشریفة إلی هذه الفضیلة وسموها کما فی الأحادیث الآتیة:

1__ قال الإمام علی علیه السلام:

«الکَرَمُ فَضلٌ، الوَفاءُ نُبلٌ»(1).

2__ وعنه علیه السلام:

«الوَفاءُ تَوأمُ الصِّدقِ»(2).

3__ وعنه علیه السلام:

«بِحُسنِ الوفاءِ یُعرَفُ الأبرارُ»(3).

وهناک بعض الأحادیث التی تشیر إلی منزلة صاحب هذه الفضیلة کما فی قول رسول الله  صلی الله علیه وآله وسلم:

«أقرَبُکُم غَداً مِنّی فی المَوقِفِ أصدَقُکُم لِلحَدیثِ، وأدَّاکُم لِلأمانَةِ، وأوفاکُم بالعَهدِ، وأحسَنُکُم خُلقاً، وأقرَبُکُم مِن النّاسِ»(4).

وحدیث آخر یصرح أن الوفاء سببٌ فی جعل صاحبه من المصطفین عند الله تعالی وعند الناس کما فی قوله أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَنْ أحْسَنَ الوَفَاءَ اسْتَحَقَّ الاصْطِفَاءَ»(5).


1- غرر الحکم: 13. میزان الحکمة: ج11، ص4796، ح22276.
2- غرر الحکم: 271. میزان الحکمة: ج11، ص4796، ح22274.
3- غرر الحکم: 4331. میزان الحکمة: ج11، ص4797، ح22281.
4- بحار الأنوار: ج75، ص94، ح12. میزان الحکمة: ج11، ص4795 __ 4796، ح22263.
5- غرر الحکم: 8690. میزان الحکمة: ج11، ص4797، ح22283.

ص: 223

__ سؤال مهم

السؤال: إذا لزم من الوفاء تفویت مصلحة ما، فهل یجوز لنا ترکه؟

الجواب: لا یجوز ذلک أخلاقیا وفقهیا حسب ما ورد عن العلماء الأعلام.

وقفة
اشارة

أخبرنا القرآن الکریم أن الله تعالی لا یخلف المیعاد کما جاء فی قوله تعالی:

(إِنَّ اللَّهَ لَا یُخْلِفُ الْمِیعَادَ) (1).

وقوله تعالی:

(رَبَّنَا إِنَّکَ جَامِعُ النَّاسِ لِیَوْمٍ لَا رَیْبَ فِیهِ إِنَّ اللَّهَ لَا یُخْلِفُ الْمِیعَادَ) (2).

وسیفی لمن وعده بالثواب علی عمله الصالح وهذا ما وهذا ما صرح به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن وَعَدَهُ اللهُ علی عَمَلٍ ثَواباً فهُو مُنجِزُهُ لَهُ، ومَن أوعَدَهُ علی عَمَلٍ عِقاباً فهُو فِیهِ بالخِیارِ»(3).

وأکد هذا القول أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«أفِیضُوا فی ذِکرِ اللهِ فإنَّهُ أحسَنُ الذِکرِ، وارغَبوا فیما وَعَدَ المُتَّقینَ فإنَّ وَعدَهُ أصدَقُ الوَعدِ»(4).

وما هذا الالتزام بتحقیق الوعد إلا وفاء لما وعدنا به، وفی هذه الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة تربیة لنا علی ضرورة الوفاء بالوعد، إن الوعد دین فی ذمة صاحبه،


1- سورة الرعد، الآیة: 31.
2- سورة آل عمران، الآیة: 9.
3- التوحید: ص406، ح3. میزان الحکمة: ج11، ص4734، ح21949.
4- نهج البلاغة: الخطبة 110. میزان الحکمة: ج11، ص4734، ح21951.

ص: 224

وحق یجب الوفاء به کما أمر بذلک رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«العدة دین ویل لمن وعد ثم أخلف، ویل لمن وعد ثم أخلف ویل لمن وعد ثم أخلف».

وما هذا التشدید علی الوفاء بالوعد إلا علامة علی سمو ورفعة الأخلاق الإسلامیة.

ولکی نری عظمة الإسلام من خلال هذه الفضیلة لابد أن نطلع علی ما قاله أئمة المسلمین علیهم السلام بالحق فهذا أمیر المؤمنین علیه السلام یصور لنا حاله عند إعطائه وعداً لأحد الناس بقوله:

«ما باتَ لِرجُلٍ عِندی مَوعِدٌ قَطُّ فباتَ یَتَمَلْمَلُ علی فِراشِهِ لِیَغدوَ بالظَّفَرِ بحاجَتِهِ، أشَدَّ مِن تَمَلمُلی علی فِراشی حِرصاً علَی الخُروجِ إلَیهِ مِن دَینِ عِدَتِهِ، وخَوفاً مِن عائقٍ یُوجِبُ الخُلفَ؛ فإنّ خُلفَ الوَعدِ لَیسَ مِن أخلاقِ الکِرامِ»(1).

ونردف قول أمیر المؤمنین علیه السلام بقول الإمام الصادق علیه السلام الذی ینقل لنا ما أصاب رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من جراء التزامه بوعد قطعه لرجل فیقول:

«إنّ رسولَ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم واعَدَ رجُلاً إلَی الصَّخرَةِ فقالَ: أنا لکَ ها هُنا حتّی تَأتیَ، قالَ: فاشتَدَّتِ الشَّمسُ علَیهِ.

فقالَ لَهُ أصحابُهُ: یا رسولَ اللهِ، لو أنَّکَ تَحَوَّلتَ إلَی الظِّلِّ! قالَ:

وَعَدتُهُ إلی هاهُنا وإن لَم یَجِئْ کانَ مِنهُ المَحشَرُ»(2).

فیتضح مما تقدم ضرورة الالتزام بالوعد والوفاء به حتی لو لحق بصاحبه الضرر.


1- غرر الحکم: 9692. میزان الحکمة: ج11، ص4735، ح21959.
2- مکارم الأخلاق: ج1، ص64، ح63. میزان الحکمة: ج11، ص4736، ح21971.س

ص: 225

__ نصیحة معصومیة

یعلم أهل بیت العصمة علیهم السلام أن بعض الناس قد یخلف الوعد ویترک الوفاء به اضطرارا دون إرادته بسبب عدم قدرته علی إنجاز الوعد فلذا أکدوا علی ترک الوعد عند العلم بعدم القدرة علی الوفاء به کما فی الأحادیث الآتیة:

قال الإمام علی علیه السلام:

«لا تَعِدَنَّ عِدَةً لا تَثِقُ مِن نَفسِکَ بإنجازِها»(1).

وقال الإمام الصادق علیه السلام:

«لا تَعِدَنَّ أخاکَ وَعداً لَیسَ فی یَدِکَ وَفاؤُهُ»(2).

وعن الإمام الکاظم علیه السلام قال لِرجلٍ قالَ لَهُ: عِدْنی __:

«کَیفَ أعِدُکَ وأنا لِما لا أرجو أرجی مِنّی لِما أرجو؟!»(3).

الاستکبار
اشارة

هذه الصفة من الصفات العجیبة إذ إنها رذیلة من جهة وکمال من جهة أخری، فهی رذیلة بلحاظ العبد وکمال بلحاظ المولی جل وعلا، فالکبر رداء الله تعالی فلا یحق لغیره منزاعته رداءه والتشبه به، بل أن العبد بذاته الفقیرة المحتاجة لا یلیق به أن یکون مستکبرا، فإن فعل ذلک فهو ناشئ من جهله وحماقته، وهذا ما فعله إبلیس فاستحق علی أثره الطرد والتصغیر کما فی قوله تعالی:

(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا یَکُونُ لَکَ أَنْ تَتَکَبَّرَ فِیهَا فَاخْرُجْ إِنَّکَ مِنَ الصَّاغِرِینَ)(4).


1- غرر الحکم: 10297. میزان الحکمة: ج11، ص4737، ح21973.سس
2- بحار الأنوار: ج78، ص250، ح94. میزان الحکمة: ج11، ص4737، ح21974.
3- کتاب الفقیه: ج3، ص165، ح3610. میزان الحکمة: ج11، ص4737، ح21975.
4- سورة الأعراف، الآیة: 13.

ص: 226

ولذا لابد من معرفة هذه الصفة الذهبیة لغة واصطلاحا:

استکبر فی اللغة: امتنع عن قبول الحق معاندة وتکبرا، والکبر: العظمة والتجبر(1).

الاستکبار فی الاصطلاح: هو التعالی علی الآخرین وإعطاء قدرٍ لنفسه فوق قدر الغیر.

فالتکبر خلق إبلیس الذی کان سببا فی طرده من رحمة الله تعالی، فلا یصح لعاقل أن یتصف بهذه الصفة الذمیمة لما لها من عاقبة وخیمة وهذا ما أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«إیّاکَ والکِبَر؛ فإنّهُ أعظَمُ الذُّنوبِ وألأمُ العُیوبِ، وهُو حِلیَةُ إبلیسَ»(2).

وهذه الصفة الذمیمة لها آثار وخیمة ندرجها کما یلی:

1__ التکبر یوجب ضیاع الأعمال الصالحة کما فی قول سید المتقین علیه السلام:

«فاعتَبِرُوا بما کانَ مِن فِعلِ اللهِ بإبلیسَ، إذ أحبَطَ عَمَلَهُ الطَّویلَ وجَهدَهُ الجَهیدَ... عن کِبْرِ ساعَةٍ واحِدَةٍ! فَمن ذا بَعدَ إبلیسَ یَسلَمُ علَی اللهِ بمثلِ مَعصیَتِهِ؟!»(3).

2__ التکبر یوجب نقصان العقل کما فی قول الإمام الباقر علیه السلام:

«ما دَخَلَ قَلبَ امرِئٍ شیءٌ مِن الکِبرِ إلاّ نَقَصَ مِن عَقلِهِ مِثلُ ما دَخَلَهُ مِن ذلکَ، قَلَّ ذلک أو کَثُرَ»(4).

3__ عاقبة التکبر ویکتب صاحبه فی سجل الطغاة الظلمة کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:


1- لسان العرب: ج5، ص126.
2- غرر الحکم: 2652. میزان الحکمة: ج8، ص3508، ح17206.
3- نهج البلاغة: الخطبة 192. میزان الحکمة: ج8، ص3508، ح17208.
4- بحار الأنوار: ج78، ص186، ح163. میزان الحکمة: ج8، ص3509، ح17214.

ص: 227

«لا یَزالُ الرجُلُ یَتکَبَّرُ ویَذهَبُ بنَفسِهِ حتّی یُکتَبَ فی الجَبّارِینَ، فَیُصِیبُهُ ما أصابَهُم»(1).

4__ یُبعد صاحبه عن دار النعیم کما جاء عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«یا أبا ذَرٍّ، مَن ماتَ وفی قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن کِبرٍ لم یَجِدْ رائحَةَ الجَنَّةِ إلاّ أن یَتوبَ قبلَ ذلکَ»(2).

__ فوائد

عند تأمل الأحادیث الشریفة التی وردت عن أهل البیت علیهم السلام تظهر لنا بعض الفوائد العلمیة فیما یرتبط بالتکبر وهی کما یلی:

1__ إن التکبر صفة قد تصیب حتی الفقیر المعدم إذا کان ذا قلب خالٍ من الخیر کما صرح بذلک الإمام الصادق علیه السلام:

«الکِبرُ قد یکونُ فی شِرارِ الناسِ مِن کُلِّ جِنسٍ.. إنَّ رسولَ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم مَرَّ فی بَعضِ طُرُقِ المَدینَةِ، وسَوداءُ تَلقُطُ السرقِینَ، فقیلَ لها: تَنَحِّی عن طریقِ رَسولِ اللهِ، فقالَت: إنّ الطَّریقَ لمَعرضُ، فَهَمَّ بها بعضُ القَومِ أن یَتَناوَلَها، فقالَ رسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم: دَعُوها، فإنَّها جَبّارَةٌ»(3).

2__ قد یکون تباعد بعض الناس عمن تباعد عنه تکبرا ولکن هناک من یتباعد عمن هو متباعد عنه احتراما لنفسه ورفعا لها عن الابتذال کما أشار إلیه الإمام علی علیه السلام فی قوله فی صِفةِ المُتَّقینَ __:


1- کنز العمّال: 7749. میزان الحکمة: ج8، ص3509، ح17221.
2- بحار الأنوار: ج77، ص90، ح3. میزان الحکمة: ج8، ص3511 __ 3512، ح17233.
3- بحار الأنوار: ج73، ص209، ح2. میزان الحکمة: ج8، ص3508، ح17213.

ص: 228

«بُعدُهُ عمَّن تَباعَدَ عَنهُ زُهدٌ ونَزاهَةٌ، ودُنُوُّهُ مِمَّن دَنا مِنهُ لِینٌ ورَحمَةٌ، لیسَ تَباعُدُهُ بکِبرٍ وعَظَمةٍ، ولا دُنُوُّهُ بمَکرٍ وخَدیعَةٍ»(1).

3__ لم یسمح الله تعالی لأحد بالتکبر لأن الکبریاء لباسه وحده الذی لا یلیق إلا به سبحانه کما فی قول إمام المتقین علیه السلام:

«الحَمدُ للهِ الذی لَبِسَ العِزَّ والکِبریاءَ، واختارَهُما لنَفسِهِ دونَ خَلقِهِ، وجَعَلَهُما حِمًی وحَرَماً علی غیرِهِ واصطَفاهُما لِجَلالِهِ»(2).

4__ إذا کان قلب المرء عارفا بالله تعالی ولکنه محبٌ للجمال فیتظاهر به فلیس هذا من التکبر بشیء وهذا ما دل علیه قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«لا یَدخُلُ الجَنَّةَ مَن کانَ فی قَلبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن کِبرٍ، فقالَ رَجلٌ: إنّ الرجُلَ یُحِبُّ أن یکونَ ثَوبُهُ حَسَناً ونَعلُهُ حَسَنةً! قالَ: إنَّ اللهَ جَمیلٌ یُحِبُّ الجَمالَ، الکِبرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ»(3).

5__ إن للکبر ظاهراً وباطناً فأمّا الظاهر ما ظهر علی الجوارح وأمّا الباطن ما کان فی قلبه أنه یری نفسه فوق الغیر.

6__ کل متکبر لا یتکبر إلا بسبب شعوره بالنقص کما دل علی ذلک قول الإمام الصادق علیه السلام:

«مَا مِن رَجُلٍ تَکَبَّرَ أو تَجَبَّرَ إلا لِذِلَّةٍ وَجَدَها فی نفسِهِ»(4).


1- نهج البلاغة: الخطبة 193. میزان الحکمة: ج8، ص3510، ح17222.
2- نهج البلاغة: الخطبة 192. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج13، ص127. میزان الحکمة: ج8، ص3510، ح17227.
3- الترغیب والترهیب: ج3، ص567، ح31. میزان الحکمة: ج8، ص3512، ح17234.
4- الکافی: ج2، ص312، ح17. میزان الحکمة: ج8، ص3517، ح17262.

ص: 229

7__ من أراد معالجة هذه الصفة الذمیمة فعلیه أن ینظر إلی عظمة الله تعالی ویحقر نفسه أمام عظمة ربه بالطاعات والعبادات کما أرشد إلی ذلک الإمام الحسن علیه السلام بقوله:

«لا یَنبغی لِمَن عَرَفَ عَظَمَةَ اللهِ أن یَتَعاظَمَ، فإنّ رِفعَةَ الذینَ یَعلَمونَ عَظَمَةَ اللهِ أن یَتَواضَعُوا، و(عِزَّ) الذینَ یَعرِفُونَ ما جَلالُ اللهِ أن یَتَذَلَّلُوا (لَهُ)»(1).

8__ ومن معالجة الکبر ممارسة الحاجات بالید دون الاعتماد علی خادم أو غلام أو أحد أفراد الأسرة فإن ذلک مما یخرج الکبر من النفس وهذا ما نص علیه رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«مَن حَلَبَ شاتَهُ ورَقَعَ قَمیصَهُ وخَصَفَ نَعلَهُ وواکَلَ خادِمَهُ وحَمَلَ مِن سُوقِهِ، فَقَد بَرِئَ مِن الکِبرِ»(2).

9__ إذا أردت العلو والرفعة فعلیک بالتواضع هذا ما أمر به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن تَواضَعَ للهِ دَرجَةً یَرفَعْهُ اللهُ دَرَجَةً حتّی یَجعَلَهُ اللهُ فی أعلی عِلِّیِّینَ، ومَن تکبَّرَ علَی اللهِ دَرَجَةً یَضَعْهُ اللهُ دَرجَةً حتّی یَجعَلَهُ فی أسفلِ سافِلینَ»(3).

10__ تذکر أن المتکبر لا یحشر کما یحشر الناس بل سیکون أصغر شیء حتی یسحق بأقدام أهل المحشر کما ورد ذلک فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«یُحشَرُ الجَبّارُونَ المُتَکَبِّرُونَ یَومَ القِیامَةِ فی صُوَرِ الذَّرِّ، یَطَؤهُم الناسُ لِهَوانِهِم علَی اللهِ تعالی»(4).


1- بحار الأنوار: ج78، ص104، ح3.
2- کنز العمال: 7794. میزان الحکمة: ج8، ص3520، ح17277.
3- الترغیب والترهیب: ج3، ص560، ح6. میزان الحکمة: ج8، ص3523، ح17300.
4- المحجّة البیضاء: ج6، ص215. میزان الحکمة: ج8، ص3523، ح17302.

ص: 230

__ السفه

کل جمیل فی باطنه یرغب أن یکون ذا ظاهر جمیل أیضا فیسعی لنیل الفضائل ویجاهد نفسه لیتحلی بها، ومن هذه الفضائل التی یتمنی المرء التحلی بها الوقار والاتزان والتعقل وهذه الفضائل لا تجتمع مع السفه فی حال من الأحوال لاسیما إذا عرفنا أن السفه کما ورد فی کتب اللغة:

الخفة والطیش والجهل وعدم الحلم ورداءة الخلق(1).

وأمّا ما اصطلح علیه فالسفه: هو سلوک بعید عن العقل والعلم والاحترام یسقط صاحبه من أعین الناس، فلذلک صار سببا فی نفرة الأصدقاء والأحبة کما قال أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إیّاکّ والسَّفَهَ؛ فإنّهُ یُوحِشُ الرِّفاقَ»(2).

بل قد یکون مدعاة لشتم صاحبه وإلحاق الضرر به کما قال أمیر المؤمنین علیه السلام:

«السَّفَهُ مِفتاحُ السِّبابِ»(3).

وفی قول آخر:

«السَّفَهُ یَجلِبُ الشرَّ»(4).

بل للسفه آثار وخیمة تدعو العاقل للهروب من هذه الصفة القبیحة.


1- المعجم الوسیط: ص343. المنجد الأبجدی: ص552.
2- غرر الحکم: 2655. میزان الحکمة: ج4، ص1754، ح8642.
3- غرر الحکم: 313. میزان الحکمة: ج4، ص1754، ح8643.
4- غرر الحکم: 834. میزان الحکمة: ج4، ص1754، ح8644.

ص: 231

أسئلة مهمة

السؤال: ما هو معنی  السفه فی نظر أهل البیت علیهم السلام؟.

الجواب: وصف أهل البیت علیهم السلام بعض الناس الذین یسلکون سلوکا مشینا من خلال معاشرة الوضیع والدونی، أو من یرتکب جریمة شرب المسکر کما فی قول الإمامین الحسن والباقر علیهما السلام إذ یقول الإمام الحسن علیه السلام، لما سئل عن السفه:

«اتِّباعُ الدُّناةِ ومُصاحَبَةُ الغُواةِ»(1).

وقال الإمام الباقر علیه السلام فی قوله تعالی:

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَکُمُ (2).

«کُلُّ مَن یَشرَبُ المُسکِرَ فَهُوَ سَفِیهٌ»(3).

السؤال: ما هی علامة السفیه؟.

الجواب: للسفیه علامات یعرف من خلالها وهی کما یلی:

1__ یتجاوز علی من هو أقل رتبة أو مقاما، وینقاد ویطیع لمن هو أعلی منه رتبة ومقاما کما فی قول الإمام الصادق علیه السلام:

«إنَّ السَّفَهَ خُلقٌ لَئِیمٌ،یَستَطِیلُ علی مَن (هو) دُونَهُ، ویَخْضَعُ لِمَن (هو) فَوقَهُ»(4).

2__ السفیه من یبذر الأموال ویجهل التصرف بها کما دل علی ذلک قول الإمام أبی عبد الله علیه السلام عندما سأله سنان: وما السَّفیهُ؟


1- بحار الأنوار: ج78، ص104، ح2. میزان الحکمة: ج4، ص1755، ح8653.
2- سورة النساء، الآیة: 5.
3- تفسیر العیّاشی: ج1، ص220، ح22. میزان الحکمة: ج4، ص1755، ح8654.
4- الکافی: ج2، ص322، ح1. میزان الحکمة: ج4، ص1755، ح8655.

ص: 232

فقال علیه السلام:

«الذی یَشتَرِی الدِّرهَمَ بِأضعافِهِ»(1).

السؤال: کیف نتعامل مع السفیه؟.

الجواب: هناک مجموعة إرشادات وآداب للتعامل مع السفیه صدرت عن أهل البیت علیهم السلام وهی کالآتی:

1__ قابل السفیه بسعة الصدر وعدم الوقوع فی الغضب کما قال الإمام علی علیه السلام:

«مَن غاظَکَ بِقُبحِ السَّفَةِ عَلَیْکَ، فَغِظهُ بِحُسنِ الحِلمِ عَنهُ»(2).

2__ ترک الرد علی مخاطبة السفیه وترک العتب معه لما فیه من ضرر کبیر، وهذا ما أشار إلیه الإمام علی علیه السلام:

«مَن عَذَلَ سَفیهاً فقد عَرَّضَ للسَّبِّ نَفسَهُ»(3).

بحث عقائدی
__ الغلو

الغلو انحراف عقائدی وزلل أخلاقی یذهب بصاحبه إلی حیث الابتعاد عن الإنصاف ومجانبة الحقیقة، بل یسلک بقلب من ابتلی به فی طریق الدنس والقذارة ویسیر بعقل المتوهم فی طریق الاعوجاج والتعثر، فلذا نجد القرآن الکریم حذر أهل الکتاب من هذا البلاء الفاقر للعقل والدین بقوله تعالی:

(یَا أَهْلَ الْکِتَابِ لَا تَغْلُوا فِی دِینِکُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَی اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا


1- تهذیب الأحکام: ج9، ص182، ح731. میزان الحکمة: ج4، ص1755، ح8656.
2- غرر الحکم: 8620. میزان الحکمة: ج4، ص1755، ح8658.
3- غرر الحکم: 9171. میزان الحکمة: ج4، ص1756، ح8660.

ص: 233

الْمَسِیحُ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَکَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَی مَرْیَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَیْرًا لَکُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ یَکُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الْأَرْضِ وَکَفَی بِاللَّهِ وَکِیلًا) (1).

أی لا تضعوا عیسی بن مریم فوق ما وضعه ربه ولا تصفوه بغیر ما وصفه فإن فعلکم هذا خلاف الدین الذی أراده الله تعالی لکم، فجعلکم المسیح علیه السلام إلها یعبد مع الله تعالی هو عین الزیغ لاسیما وأنتم تعلمون أن المسیح علیه السلام بشر محتاج یأکل الطعام ویمشی فی الأسواق فکیف یرتقی إلی الغنی المطلق وهذا المعنی أکده القرآن الکریم بقوله تعالی:

(مَا کَانَ لِبَشَرٍ أَنْ یُؤْتِیَهُ اللَّهُ الْکِتَابَ وَالْحُکْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ یَقُولَ لِلنَّاسِ کُونُوا عِبَادًا لِی مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَکِنْ کُونُوا رَبَّانِیِّینَ بِمَا کُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْکِتَابَ وَبِمَا کُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا یَأْمُرَکُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِکَةَ وَالنَّبِیِّینَ أَرْبَابًا أَیَأْمُرُکُمْ بِالْکُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (2).

الإمام الحسین علیه السلام یحذر من الغلو

وصف الإمام الحسین علیه السلام الغلو بأنه مشکلة عویصة لا حل لها إلا بالتخلص من أسبابه فلذا نجده علیه السلام یقول:

«والغلوّ ورطة».

ولکی یتضح لنا معنی قول الإمام علیه السلام لابد من معرفة مفهوم الغلو لغة واصطلاحا:


1- سورة النساء، الآیة: 171.
2- سورة آل عمران، الآیتان: 79 و80.

ص: 234

الغلو لغة: الزیادة والارتفاع ومجاوزة الحد، وغلو المرء فی الدین تشدد وجاوز الحد وأفرط(1).

الغلو اصطلاحا: تجاوز الحد الذی بینته الشریعة وفرضه العقل فی العقائد والتکالیف الدینیة.

فالغلو یجعل العقیدة فاسدة ویخیب أمل صاحبه إذ یتوهم أنه ینال القرب الإلهی من خلال اعتقاده بهذه الطریقة، ولأن الاعتقاد أو التخلق بصفة ما لابد أن یکون بعیدا عن الإفراط والتفریط جاءت الأحادیث الشریفة تتری لتبیّن انحراف المرء الذی یغالی فی عقیدته أو فی أخلاقه کما ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«رَجُلانِ لا تَنالُهُما شَفاعَتی: صاحِبُ سُلطانٍ عَسوفٌ غَشومٌ، وغالٍ فی الدِّینِ مارِقٌ»(2).

ثم رکزت الأحادیث التی صدرت عن النبی وأهل بیته الکرام صلوات الله علیهم علی الغلو کونه خروجاً عن الجادة المستقیمة والرأی الصائب، بل هو ابتعاد عن الإسلام کما صرح بذلک رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«صِنْفَانِ مِن أمَّتِی لاَ نَصِیبَ لَهُمَا فی الإسْلاَمِ: الغُلاَةُ وَالقَدَرِیَّةُ»(3).

__ الشیعة براء من الغلو

اتهم الکثیرون الشیعة بأنهم یغالون فی عقیدتهم بإمامة أهل البیت علیهم السلام وبدأوا بإطلاق الأحکام الجائرة علیهم فتارة یصفونهم بالکفر وأخری بالیهود وثالثة بالشرک کما جاء ذلک فی بعض کتب القوم کقول:


1- المعجم الوسیط: ص66.
2- بحار الأنوار: ج25، ص269، ح13. میزان الحکمة: ج7، ص3042، ح15250.
3- بحار الأنوار: ج25، ص270، ح14. میزان الحکمة: ج7، ص3042، ح15251.

ص: 235

الدکتور الشعیبی (وأول هذه الفکرة __ فکرة الغلو __ نادی بها أصحاب حجر بن عدی الذین قتلوا صبرا بسبب تکفیرهم للخلیفة عثمان، وامتناعهم عن البراءة من الإمام علی علیه السلام. ویقول صاحب الملل (والغلاة من الشیعة مذهبهم الحلول)(1).

إلا أن الشیعة براء من ذلک، بل أنهم ملتزمون بأوامر أهل البیت علیهم السلام التی تنهی عن الغلو وتصف المغالین بالکفر کما ورد عن الإمام الرضا علیه السلام:

«الغلاة کفار والمفوضة مشرکون...»(2).

__ سؤال مهم

السؤال: هناک روایات فی کتب معینة تصوّر أمیر المؤمنین علیه السلام بأنه یمارس دور الإله سبحانه کالتصویر فی الأرحام أو توزیع الأرزاق أو غیر ذلک مما هو معروف بالصفات الأفعالیة، فما هو قولکم؟

الجواب: رد أهل البیت علیهم السلام علی من یقول مثل ذلک القول بالأحادیث الآتیة:

1__ عن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال:

«یَهلِکُ فِیَّ رَجُلانِ: مُحِبٌّ مُفرِطٌ یُقَرِّظُنی بما لیسَ لی، ومُبغِضٌ یَحمِلُهُ شَنَآنی علی أن یَبهَتَنی»(3).

2__ عن الإمام الرضا علیه السلام أنه قال:

«مَن تَجاوَزَ بأمیرِ المؤمنینَ علیه السلام العُبودیَّةَ فهُو مِن المَغضوبِ علَیهِم ومِنَ الضالِّینَ»(4).


1- الملل والنحل، الشهرستانی: ج1، ص108.
2- عیون أخبار الرضا للصدوق: ج1، ص219، ح4.
3- بحار الأنوار: ج25، ص285، ح37. میزان الحکمة: ج7، ص3043، ح15256.
4- بحار الأنوار: ج25، ح274، ح20. میزان الحکمة: ج7، ص3044، ح15265.

ص: 236

3__ وعن الإمام الصادق علیه السلام عندما سأله أبو بصیر، قال: عن أبی بصیر قال: قلتُ لأبی عبدِ اللهِ علَیهِ الصَّلاةُ والسلامُ: إنّهم یقولونَ! قال علیه السلام:

«وما یَقولونَ؟».

قلتُ: یقولونَ: یَعلَمُ قَطْرَ المَطَرِ، وعَدَدَ النُّجومِ ووَرَقَ الشَّجَرِ، ووَزنَ ما فی البَحرِ، وعَددَ التُّرابِ، فَرَفَعَ یَدَهُ إلَی السَّماءِ وقالَ علیه السلام:

«سبحانَ اللهِ سبحانَ اللهِ، لا واللهِ ما یَعلمُ هذا إلاّ اللهُ»)(1).

إلا أننا نری أن فضل أهل البیت علیهم السلام لا یدانیه فضل بعد جدهم المصطفی صلی الله علیه وآله وسلم فلذلک قالوا بعض الأحادیث التی تخرج الإنسان عن حد الإفراط والتفریط کقول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إیّاکُم والغُلُوَّ فِینا، قُولُوا إنّا عَبِیدٌ مَربُوبُونَ، وقُولوا فی فَضلِنا ما شِئتُم»(2).

وقوله علیه السلام:

«لا تَتَجاوَزوا بنا العُبودِیَّةَ ثُمّ قُولوا ما شِئتُم ولن تَبلُغُوا، وإیّاکُم والغُلُوَّ کَغُلُوِّ النَّصاری؛ فإنّی بَریءٌ مِن الغالِینَ»(3).

وقول الإمام المهدی علیه السلام لمحمّد بن هلالٍ الکرخی:

«یا محمّدُ بنَ علیٍّ، تعالَی اللهُ عَزَّ وجلَّ عمّا یَصِفُونَ، سبحانَهُ وبِحَمدِهِ، لیسَ نَحنُ شُرَکاءَهُ فی عِلمِهِ، ولا فی قُدرَتِهِ»(4).

هذا الحدیث الشریف یؤکد عدم جواز القول بألوهیة أهل البیت علیهم السلام أو أداء أفعال الله تعالی.


1- بحار الأنوار: ج25، ص294، 52. میزان الحکمة: ج7، ص3045، ح15271.
2- الخصال: ص614، ح10. میزان الحکمة: ج7، ص3045، ح15267.
3- بحار الأنوار: ج25، ص274، ح20. میزان الحکمة: ج7، ص3045، ح15268.
4- بحار الأنوار: ج25، ص266، ح9. میزان الحکمة: ج7، ص3045، ح15273.

ص: 237

بحث أخلاقی
الفِسق
اشارة

ورد ذکر هذه الدنیة فی الکتاب الکریم بأنها ارتکاب المنکر وفعل المحرمات وتجاوز الحدود وترک حکم الحق سبحانه وظلم العباد وإفساد البلاد وإنکار الکتب السماویة وعدم الإیمان بالأنبیاء والرسل، ولکی نقف علی بعض الآیات الکریمة التی ذکر فیها الفسق وصفا لعمل الحرام وذم الغاسقین لانحرافهم عن الشریعة الحقة فلابد أن نبوّب هذه الآیة الکریمة کالآتی:

1__ ذکر الفسق وصفا لفعل الحرام کما فی قوله تعالی:

(حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَیْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّیَةُ وَالنَّطِیحَةُ وَمَا أَکَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَکَّیْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَی النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِکُمْ فِسْقٌ الْیَوْمَ یَئِسَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ دِینِکُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِینًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِی مَخْمَصَةٍ غَیْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ) (1).

2__ ذکر الفسق وصفا لآکلی اللحم غیر المذکی کما فی قوله تعالی:

(وَلَا تَأْکُلُوا مِمَّا لَمْ یُذْکَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَیْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّیَاطِینَ لَیُوحُونَ إِلَی أَوْلِیَائِهِمْ لِیُجَادِلُوکُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّکُمْ لَمُشْرِکُونَ) (2).

3__ ذکر الفسق وصفا للقذارات والنجاسات التی یجب التنزه عنها کما فی قوله تعالی:

(قُلْ لَا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا عَلَی طَاعِمٍ یَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ یَکُونَ مَیْتَةً أَوْ دَمًا


1- سورة المائدة، الآیة: 3.
2- سورة الأنعام، الآیة: 121.

ص: 238

مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِیرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَیْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَیْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّکَ غَفُورٌ رَحِیمٌ)(1).

4__ ذکر الفسق وصفا للذین لم یؤمنوا بما جاء به رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم کما فی قوله تعالی:

(وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَیْکَ آَیَاتٍ بَیِّنَاتٍ وَمَا یَکْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ)(2).

5__ ذکر الفسق وصفا للذین لم یحکموا بالشریعة الإسلامیة کما فی قوله تعالی:

(وَلْیَحْکُمْ أَهْلُ الْإِنْجِیلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِیهِ وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(3).

6__ ذکر الفسق وصفا للمنافقین فی قوله تعالی:

(کَیْفَ وَإِنْ یَظْهَرُوا عَلَیْکُمْ لَا یَرْقُبُوا فِیکُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً یُرْضُونَکُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَی قُلُوبُهُمْ وَأَکْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)(4).

وقال الله عزّ وجل:

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمُنْکَرِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَیَقْبِضُونَ أَیْدِیَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِیَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِینَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(5).

7__ ذکر الفسق وصفا للذین لم یؤمنوا بالله ورسوله فی قوله تعالی:


1- سورة الأنعام، الآیة: 145.                                   
2- سورة البقرة، الآیة: 99.
3- سورة المائدة، الآیة: 47.
4- سورة التوبة، الآیة: 8.
5- سورة التوبة، الآیة: 67.

ص: 239

(وَلَا تُصَلِّ عَلَی أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَی قَبْرِهِ إِنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)(1).

وهناک الکثیر من الآیات الکریمة التی یضیق بذکرها المقام ترکناها للاختصار.

__ الفسق والفاسق فی نظر أهل البیت علیهم السلام

الحدیث عن الفسق والفاسقین فی القرآن الکریم کثیر بعدد الفاسقین فی الأرض إلا أننا نرید أن نطلع علی حدیث العدل الثانی للقرآن ألا وهم أهل بیت العصمة والطهارة علیهم السلام، فلقد جاء عن الإمام الصادق علیه السلام بیانٌ لمفهوم الفسق وتوضیحٌ لصفة الفاسق کما فی قوله علیه السلام:

«ومَعنَی الفِسقِ: فَکُلُّ مَعصیَةٍ مِنَ المَعاصِی الکِبارِ فَعَلَها فاعِلٌ، أو دَخَلَ فیها داخِلٌ بِجِهَةِ اللذَّةِ والشَّهوَةِ والشَّوقِ الغالِبِ، فهُو فِسقٌ وفاعِلُهُ فاسِقٌ خارِجٌ مِن الإیمان بجِهَةِ الفِسقِ، فإن دامَ فی ذلکَ حتّی یَدخُلَ فی حَدِّ التَّهاوُنِ والاستِخفافِ، فقد وَجَبَ أن یکونَ بِتَهاوُنِهِ واستِخفافِهِ کافِراً»(2).

وورد عن النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم قول یدل علی الفاسق ویشیر إلیه، فهو الإنسان الذی یلهو بما حرم الله تعالی والذی یتعاطی الکلام المحرم کالغناء أوالخوض فی الباطل، والذی یتجاوز حدود الله تعالی ویعتدی علی عباده ظلما وطغیانا، والذی یکیل التهم الباطلة لغیره کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«أمّا علامَةُ الفاسِقِ فأربَعةٌ: اللهوُ واللغوُ والعُدوانُ والبُهتانُ»(3).

وحذر أمیر المؤمنین علیه السلام من الانقیاد والامتثال لأوامر المتکبرین وإن کانوا


1- سورة التوبة، الآیة: 84.
2- بحار الأنوار: ج68، ص278، ح31. میزان الحکمة: ج8، ص3210، ح15913.
3- تحف العقول: ص22. میزان الحکمة: ج8، ص3211، ح15914.

ص: 240

من سادة وقادة القوم لما فی ذلک من أثر سیئ کما فی قوله علیه السلام:

«ألا فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن طاعَةِ ساداتِکُم وکُبَرائکُمُ الذینَ تَکَبَّروا عَن حَسَبِهِم، وتَرَفَّعُوا فَوقَ نَسَبِهِم... فإنَّهُم قَواعِدُ أساسِ العَصبیَّةِ، ودَعائمُ أرکانِ الفِتنَةِ... وهُم أساسُ الفُسُوقِ، وأحلاسُ العُقوقِ»(1).

ووصف الإمام علی علیه السلام الفاسق بأنه یفعل الحرام برغبة ومحبة دون نفور وتردد بل یبقی ملازما للحرام حتی یصیبه الوهن وتعطله الشیخوخة کما قال علیه السلام:

«آثَرُوا عاجِلاً وأخَّروا آجِلاً، وتَرَکُوا صافِیاً وشَرِبُوا آجِناً، کَأنِّی أنظُرُ إلی فاسِقِهم وقد صَحِبَ المُنکَرَ فَألِفَهُ، وبَسِئَ بهِ ووافَقَهُ، حتّی شابَت علَیهِ مَفارِقُهُ، وصُبِغَت بهِ خلائقُهُ»(2).

__ آثار الفسق

عند تأمل الآیات الکریمة فی القرآن الکریم نقف علی العواقب السیئة للفسق، وهی کما یلی:

1__ الفسق یوجب هلاک الأمم وعذاب الدنیا قبل الآخرة کما فی قوله تعالی:

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِکَ قَرْیَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِیهَا فَفَسَقُوا فِیهَا فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِیرًا)(3).

2__ الفسق یوجب الدخول فی جهنم کما فی قوله تعالی:

(وَأَمَّا الَّذِینَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ کُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ یَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِیدُوا فِیهَا وَقِیلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِی کُنْتُمْ بِهِ تُکَذِّبُونَ)(4).


1- نهج البلاغة: الخطبة 192. میزان الحکمة: ج8، ص3211، ح15915.
2- نهج البلاغة: الخطبة 144. میزان الحکمة: ج8، ص3211، ح15916.
3- سورة الإسراء، الآیة: 16.
4- سورة السجدة، الآیة: 20.

ص: 241

3__ الفسق یوجب العذاب الشدید الذی یجعل الطغاة والجبابرة أذلاء کما فی قوله تعالی:

(وَیَوْمَ یُعْرَضُ الَّذِینَ کَفَرُوا عَلَی النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَیِّبَاتِکُمْ فِی حَیَاتِکُمُ الدُّنْیَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْیَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا کُنْتُمْ تَسْتَکْبِرُونَ فِی الْأَرْضِ بِغَیْرِ الْحَقِّ وَبِمَا کُنْتُمْ تَفْسُقُونَ)(1).

4__ الفسق یوجب سقوط العذاب من السماء علی الفاسقین کما فی قوله تعالی:

(فَبَدَّلَ الَّذِینَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَیْرَ الَّذِی قِیلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَی الَّذِینَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا کَانُوا یَفْسُقُونَ)(2).

5__ الفسق یوجب عدم الثقة بصاحبه کما فی قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَکُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَی مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِینَ)(3).

6__ الفسق یوجب الضلال وعدم الهدایة والإیمان کما فی قوله تعالی:

(إِنَّ اللَّهَ لَا یَسْتَحْیِی أَنْ یَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِینَ آَمَنُوا فَیَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِینَ کَفَرُوا فَیَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا یُضِلُّ بِهِ کَثِیرًا وَیَهْدِی بِهِ کَثِیرًا وَمَا یُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِینَ)(4).

وقوله تعالی:

(ذَلِکَ أَدْنَی أَنْ یَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَی وَجْهِهَا أَوْ یَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَیْمَانٌ بَعْدَ أَیْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ


1- سورة الأحقاف، الآیة: 20.
2- سورة البقرة، الآیة: 59.
3- سورة الحجرات، الآیة: 6.
4- سورة البقرة، الآیة: 26.

ص: 242

وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ)(1).

7__ الفسق یوجب عدم قبول الأعمال کما فی قوله تعالی:

(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ کَرْهًا لَنْ یُتَقَبَّلَ مِنْکُمْ إِنَّکُمْ کُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِینَ)(2).

8__ الفسق یوجب عدم رضی الله تعالی عن الفاسقین:

(یَحْلِفُونَ لَکُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا یَرْضَی عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِینَ)(3).

9__ یکون الفاسق بمنزلة فرعون وقومه کما فی قوله تعالی:

(اسْلُکْ یَدَکَ فِی جَیْبِکَ تَخْرُجْ بَیْضَاء مِنْ غَیْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَیْکَ جَنَاحَکَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِکَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّکَ إِلَی فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ کَانُوا قَوْمًا فَاسِقِینَ)(4).

10__ الفسق یوجب الخزی یوم القیامة کما فی قوله تعالی:

(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِینَةٍ أَوْ تَرَکْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَی أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِیُخْزِیَ الْفَاسِقِینَ)(5).

11__ الفسق یوجب زیغ القلوب وانحرافها عن الحق کما فی قوله تعالی:

(وَإِذْ قَالَ مُوسَی لِقَوْمِهِ یَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِی وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّی رَسُولُ اللَّهِ إِلَیْکُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ)(6).


1- سورة المائدة، الآیة: 108.
2- سورة التوبة، الآیة: 53.
3- سورة التوبة، الآیة: 96.
4- سورة القصص، الآیة: 32.
5- سورة الحشر، الآیة: 5.
6- سورة الصف، الآیة: 5.

ص: 243

الخطبة الخامسة: وفیها یذمّ الدّنیا ویحذّر منها

اشارة

ص: 244

ص: 245

خطبها غداة الیوم الذی استشهد فیه، حمدَ الله تعالی وأثنی علیه، ثم قال:

نص الخطبة

اشارة

(یا عِبَادَ اللهِ، اتّقُوا اللهَ، وکُونُوا مِن الدُّنْیا عَلی حَذَرٍ، فإنَّ الدُّنْیا لو بقِیَتْ عَلی أحَدٍ أو بَقی علیها أحَدٌ لَکانَتِ الأنْبیاءُ أحَقَّ بالبَقاِء، وَأوْلَی بالرِّضاء، وَأرْضی بالقَضاءِ؛ غیرَ أنَّ الله تعالی خَلَقَ الدُّنیا للفَناءِ، فَجَدیدُها بالٍ، وَنَعِیمُها مُضْمَحِلٌّ، وَسُرُورُها مُکْفَهرٌّ، والمَنْزِلُ تَلْعَةٌ، والدَّارُ قُلْعَة، فَتَزَوَّدُوا فإنَّ خیرَ الزادِ التَّقْوَی، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلّکُمْ تُفْلِحُون).

المعنی العام

یا أیها الخاضعون والمنقادون والمملوکون لله تعالی، اخشوا الله تعالی، کونوا من الدنیا متیقظین ومحترزین، إن الدنیا لو دامت وثبتت لأحد أو دام وثبت علیها أحد لکانت مجموعة الأنبیاء أحق من غیرهم بالدوام والخلود، وأجدر بالقبول والاختیار، وأشد قبولا بالحکم، إلا أن الله تعالی صنع الدنیا وأبدعها للانتهاء والإبادة، فالحدیث أو الطری من الدنیا یصبح قدیما وعتیقا ویعفی علیه الزمن، وطبب عیشها ورفاهیتها قلیل متلاشٍ، وفرصها منقبض کالح لا یری فیه أثر بشر ومکان النزول عمیق مخیف والدار دار ارتحال وعدم استقرار، اتخذوا زاداً لمعادکم وأن أفضل الزاد هی خشیة الله تعالی وطاعته، وبهذا الزاد تصلون إلی الفوز والنجاح.

ص: 246

بحث أخلاقی
ذم الدنیا

عندما نتأمل الآیات الکریمة والأحادیث الشریفة نشعر بأن لسانها لسان ذم واستصغار، ونلمس فی کثرتها شدة التحذیر من الاغترار بها والانتماء فی شهواتها والافتتان بزبرجدها، فهذه الدنیا لا تساوی عند الله تعالی جزءً من مخلوق ضعیف کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«لو أنّ الدنیا کانَت تَعدِلُ عند اللهِ عَزَّ وجلَّ جَناحَ بَعوضَةٍ ما سَقَی الکافِرَ والفاجرَ مِنها شَربَةً مِن ماءٍ»(1).

فلذا یتوجب علی العقلاء أن یحتقروا هذه الدنیا الدنیة التی صارت میدانا لمعصیة المولی المنعم جل ذکره والتی قطع فی حبها رأس نبی الله یحیی بن زکریا علیه السلام ورأس سید شباب أهل الجنة علیه السلام فداروا به فی البلدان، ولهذه الدنیا المذمومة مجموعة خصائص تمیزها عن الدنیا المباحة التی لا ینالها لسان الذم والتحذیر وهی کما یلی:

1__ إذا کانت توجب الاغترار.

2__ إذا کانت توجب الخسران.

3__ إذا کانت توجب الخروج عن سلوک العقلاء.

4__ إذا کانت توجب عدم الصفاء والاستقرار.

5__ إذا کانت توجب الشر والباطل.

6__ إذا کانت توجب الذل والهوان.


1- أمالی الطوسی: ص531، ح1162. میزان الحکمة: ج3، ص1224، ح5954.

ص: 247

وهناک الکثیر من الخصائص أو الآثار السلبیة التی تمتاز بها الدنیا المذمومة فلذا جاءت الأحادیث الشریفة تتری لتبین سوء عاقبة من یتعلق بزخارفها وزبرجدها کما ورد عن أهل بیت العصمة علیهم السلام:

__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال:

«حُبُّ الدُّنیا أصلُ کل مَعصِیَة وَأوّلُ کُل ذَنب»(1).

__ وعن الإمام علی علیه السلام أنه قال:

«إنّ الدُّنیا لمُفسِدَة الدّینِ ومُسلّبةُ الیَقینِ، وإنّها لَرأسُ الفِتَنِ وأصلُ المِحَنْ»(2).

__ وعن الإمام زین العابدین علیه السلام قال:

«ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله صلی الله علیه وآله وسلم أفضل من بغض الدنیا، فإن لذلک لشعبا کثیرة، وللمعاصی شعب، فأول ما عُصی الله به الکبر معصیة إبلیس حین:

(أَبَی وَاسْتَکْبَرَ وَکَانَ مِنَ الْکَافِرِینَ)(3).

ثم الحرص وهی معصیة آدم وحوا علیهما السلام حین قال الله عزّ وجل لهما:

(وَکُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَیْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَکُونَا مِنَ الظَّالِمِینَ)(4).

فأخذا ما لا حاجة بهما إلیه، فدخل ذلک علی ذریتهما إلی یوم القیامة، وذلک أن أکثر ما یطلب ابن آدم ما لا حاجة به إلیه.

ثم الحسد وهی معصیة ابن آدم حیث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلک حب


1- تنبیه الخواطر: ج2، ص122. میزان الحکمة: ج2، ص896، برقم 1221، حب الدنیا رأس کل خطیئة.
2- غرر الحکم: 4870. میزان الحکمة: ج2، ص896، برقم 1221، حب الدنیا رأس کل خطیئة.
3- سورة البقرة، الآیة: 34.
4- سورة البقرة، الآیة: 35.

ص: 248

النساء، وحب الدنیا، وحب الریاسة، وحب الراحة، وحب الکلام، وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن کلهن فی حب الدنیا فقالت الأنبیاء والعلماء بعد معرفة ذلک: حب الدنیا رأس کل خطیئة، والدنیا دنیاءان دنیا بلاغ ودنیا ملعونة»(1).

__ وعن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:

«إن أول ما عُصی الله به ست: حب الدنیا، وحب الریاسة، وحب الطعام، وحب النساء، وحب النوم، وحب الراحة»(2).

أسئلة مهمة
اشارة

السؤال: هل أن بغض الدنیا یعنی عدم جواز التمتع بلذائذها؟

الجواب: کلا: إن بغض الدنیا یختص بالدنیا التی تکون سببا للوقوع فی الحرام، وکذلک یعنی بغضا للذاتها التی حرمها الله تعالی وهذا ما أشارت إلیه الآیات الکریمة التالیة:

قال الله تبارک وتعالی:

(زُیِّنَ لِلَّذِینَ کَفَرُوا الْحَیَاةُ الدُّنْیَا وَیَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِینَ آَمَنُوا وَالَّذِینَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ وَاللَّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشَاءُ بِغَیْرِ حِسَابٍ)(3).

وقال سبحانه وتعالی:

(زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِینَ وَالْقَنَاطِیرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ


1- بحار الأنوار للعلامة المجلسی: ج7، ص19، ح9.
2- المحاسن للبرقی: ج1، ص295، ح459.
3- سورة البقرة، الآیة: 212.

ص: 249

الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَیْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِکَ مَتَاعُ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ)(1).

وقال عزّ وجل:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَتَبَیَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَی إِلَیْکُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ کَثِیرَةٌ کَذَلِکَ کُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَیْکُمْ فَتَبَیَّنُوا إِنَّ اللَّهَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرًا)(2).

وقال تبارک وتعالی:

(وَمَا الْحَیَاةُ الدُّنْیَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)(3).

وهناک الکثیر من الآیات التی یستشعر منها ذم الدنیا.

السؤال: متی یجوز حب الدنیا؟

الجواب: عندما تکون وسیلة للقرب الإلهی، وتکون میداناً للعمل الصالح، وهذا ما تشیر إلیه الآیات الکریمة والروایات الآتیة:

قال تعالی:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَی وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیَاةً طَیِّبَةً وَلَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ


1- سورة آل عمران، الآیة: 14.
2- سورة النساء، الآیة: 94.
3- سورة الأنعام، الآیة: 32.

ص: 250

بِاللَّهِ مِنَ الشَّیْطَانِ الرَّجِیمِ (98) إِنَّهُ لَیْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَی الَّذِینَ آَمَنُوا وَعَلَی رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُونَ)(1).

2__ وردت أحادیث شریفة تؤکد أن الدنیا مزرعة الآخرة کما فی قول الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«الدنیا مَزرَعةُ الآخِرَةِ»(2).

وورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«بالدنیا تُحرَزُ الآخِرَةُ»(3).

إن الدنیا المبغوضة هی التی تمنع الإنسان عن بلوغ درجة الکمال وذلک من خلال حبها والتعلق بها إلی درجة نسیان الآخرة، وهذا ما ورد فی الأحادیث الشریفة الآتیة:

__ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«إنّهُ ما سَکَنَ حبُّ الدنیا قلبَ عبدٍ إلاّ الْتاطَ فیها بثلاث: شُغلٍ لا یَنفَدُ عَناؤهُ، وفَقرٍ لا یُدرِکُ غِناهُ، وأمَلٍ لا یُنالُ مُنتَهاهُ»(4).

__ وعن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:

«مَن تَعَلَّقَ قلبُهُ بالدنیا تَعَلَّقَ قلبُهُ بثلاثِ خصالٍ: هَمٍّ لا یَفنی، وأمَلٍ لا یُدرَکُ، ورجاءٍ لا یُنالُ»(5).

__ وعن الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام قال:


1- سورة النحل، الآیات: 97 و98 و99.
2- عوالی اللآلی: ج1، ص267، ح66. میزان الحکمة: ج3، ص1193، ح5747.
3- نهج البلاغة: الخطبة 156. میزان الحکمة: ج3، ص1193، ح5746.
4- بحار الأنوار: ج77، ص188، ح38. میزان الحکمة: ج3، ص1203، ح5833.
5- الکافی: ج2، ص320، ح17. میزان الحکمة: ج3، ص1203، ح5831.

ص: 251

«مَن کانت الدنیا هِمَّتَهُ اشتَدَّتْ حَسرَتُهُ عِند فِراقِها»(1).

__ التمتع بلذائذ الدنیا لیس حراما إذا کان مما یصلح شأن العبد بل لا یعد حبا للدنیا بدلیل قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«لَیْسَ مِن حُبِّ الدنیا طَلَبُ ما یُصْلِحُکَ»(2).

ویظهر من الروایات الشریفة أن هناک شروطا تجعل التمتع بلذائذ الدنیا مقبولاً عند أهل البیت علهیم السلام بدلیل قول الإمام الکاظم علیه السلام:

«اجعَلوا لأِنفُسِکُم حظّاً مِن الدنیا بِإعطائها ماتَشتَهی مِن الحلالِ وما لا یَثلِمُ المُروّةَ وما لا سَرَفَ فیهِ، واستَعِینوا بذلکَ علی أمورِ الدِّینِ، فإنّهُ رُوِیَ: لیسَ مِنّا مَن تَرَکَ دُنیاهُ لِدینِه، أو تَرَکَ دِینَهُ لِدُنیاهُ»(3).

1__ أن لا تتجاوز الضرورة والحاجة، بدلیل قول الإمام الکاظم علیه السلام:

«لیسَ مِنّا مَن تَرَکَ دُنیاهُ لِدینِه، أو تَرَکَ دِینَهُ لِدُنیاهُ». 

2__ أن لا تسبب ضررا لصاحبها أو لغیره، بدلیل وصیة لقمان الحکیم لابنه:

(یا بُنَیَّ، لا تَدخُلْ فی الدنیا دُخولاً یَضُرُّ بآخِرَتِکَ، ولا تَترُکْها تَرْکاً تکونُ کَلاًّ عَلَی النَاسِ)(4).

السؤال: لماذا أکد أهل بیت العصمة علیهم السلام علی ضرورة ترک ما تجاوز الحاجة من الدنیا؟

الجواب: لا یشک عاقل أن لنفسه علیه حقا ینبغی أن یعطیها إیاه، فإذا أعطی


1- بحار الأنوار: ج71، ص181، ح34. میزان الحکمة: ج3، ص1203، ح5835.
2- کنز العمال: 5439. میزان الحکمة: ج3، ص1202، ح5824.
3- بحار الأنوار: ج78، ص321، ح18. میزان الحکمة: ج3، ص1231، ح6002.
4- بحار الأنوار: ج73، ص124، ح112. میزان الحکمة: ج3، ص1231، ح6004.

ص: 252

نفسه حقها سلم من الدخول فی عنوان الظالمین بل دخل فی ربقة المنصفین ونجا من مکائد الشیطان، ولکی یتضح الأمر حلیا نقف علی أحادیث أهل البیت علیهم السلام لیعرفونا أسباب تأکیدهم علی ذلک:

1__ یؤکد أمیر المؤمنین علیه السلام علی أن ما زاد عن الحاجة فی هذه الدنیا لیس من نصیب صاحبه کما فی قوله علیه السلام لرجلٍ شکا إلیه الحاجةَ:

«اِعلَم أنّ کلَّ شیءٍ تُصیبُهُ مِن الدنیا فوقَ قُوتِکَ فإنّما أنتَ فیهِ خازنٌ لِغَیرِکَ»(1).

2__ إن الاهتمام بتحصیل ما هو فائض عن الحاجة یؤدی إلی خسران العمر ودنو الأجل کما فی قول الإمام علی علیه السلام:

«هَؤلاءِ أنبیاءُ اللهِ وأصفیاؤُهُ تَنَزَّهوا عنِ الدنیا... ثُمَّ اقتَصَّ الصالحونَ آثارَهُم... وأنزَلُوا الدنیا مِن أنفسِهِم کالمِیتَةِ التی لا یَحِلُّ لأِحَدٍ أن یَشبَعَ منها إلاّ فی حال الضرورة إلَیها، وأکَلُوا مِنها بقَدرِ ما أبقَی لَهُم النَّفسَ وأمسَکَ الرُّوحَ، وجَعَلُوها بمنزلةِ الجِیفةِ التی اشتَدَّ نَتنُها، فَکُلُّ مَن مَرَّ بها أمسَکَ علی فِیهِ، فَهُم یَتَبَلَّغُونَ بأدنَی البلاغِ...»(2).

3__ الاکتفاء بالضرورة مما ینجی من شدة العذاب کما صرح بذلک رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«فِرُّوا مِن فُضولِ الدنیا کما تَفِرُّونَ مِن الحرامِ، وهَوِّنوا علی أنفسِکُم الدنیا کما تُهَوِّنُونَ الجیفةَ، وتُوبُوا إلی اللهِ مِن فُضولِ الدنیا وسیّئاتِ أعمالِکُم، تَنجُوا مِن شِدَّةِ العذابِ»(3).


1- بحار الأنوار: ج73، ص90، ح61. میزان الحکمة: ج3، ص1195، ح5760.
2- بحار الأنوار: ج73، ص110، ح109، میزان الحکمة: ج3، ص1196، ح5769.
3- مستدرک الوسائل: ج12، ص54، ح13496. میزان الحکمة: ج3، ص1197، ح5775.

ص: 253

السؤال: ما هو المراد من الزهد فی الدنیا؟

الجواب: قبل الخوض فی جواب هذا السؤال الذی یصلح أن یکون کتابا خاصا بالزهد، لابد أن أوضح أمراً فی غایة الأهمیة فأقول:

لا شک أننا نحب درجة الزاهدین ونتمنی منزلتهم فی الآخرة، وقد یبادر بعضنا للإتصاف بالزهد ولکن دون جدوی، لأن مجرد حب درجة الزاهدین وتمنیها لا یفی بالغرض بل لابد من مجاهدة النفس وتخلیصها من علائق الدنیا وحبائلها قولا وفعلا، وأود أن أضیف أیضا أن التکلم عن الزهد والزاهدین دون التلبس به عملیا أمر مخجل جدا إلا إذا قصدنا تحصیل الثواب من تذکیر المؤمنین به وحثهم علیه من باب حب لغیرک ما تحب لنفسک.

بعد هذه المقدمة البسیطة والصادقة والصریحة نعطف البحث إلی معنی الزهد فی نظر أهل بیت العصمة والطهارة علیه السلام فأقول:

1__ الزهد هو الثقة بالله تعالی والرغبة فی عطایاه کما ورد ذلک فی حدیث رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«الزَّهادَةُ فی الدُّنیا لَیسَت بِتَحرِیمِ الحَلالِ ولا إضاعَةِ المالِ، ولکنَّ الزَّهادَةَ فی الدنیا أن لا تکونَ بما فی یَدَیکَ أوثَقَ مِنکَ بما فی یَدِ اللهِ، وأن تکونَ فی ثَوابِ المُصیبَةِ إذا أنتَ أصِبتَ بها أرغَب مِنکَ فیها لو أنَّها أُبقِیَتْ لَکَ»(1).

2__ الزهد هو أن  لا نتعامل مع مفردات الحیاة الدنیا کما یتعامل معها أهل الدنیا فلا تفرح إلی درجة البطر بما نناله منها ولا نحزن إلی درجة الجزع لما فقدناه منها وهذا ما أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«الزُّهدُ کُلُّهُ فی کَلِمَتَینِ مِنَ القُرآنِ، قالَ اللهُ تعالی: 


1- کنز العمال: 6059. میزان الحکمة: ج4، ص1567، ح7703.

ص: 254

(لِکَیْلَا تَأْسَوْا عَلَی مَا فَاتَکُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاکُمْ)(1).

فَمَن لم یَأسَ عَلَی الماضِی ولم یَفرَحْ بالآتی فهُو الزاهِدُ»(2).

3__ الزهد هو أن نعیش ذکر الموت دائما، ولا نغرق فی الأمانی والطموحات التی تنسینا زیارة ملک الموت المفاجئة لنا، وأن نؤدی حقوق الله تعالی من خلال الابتعاد عن المعاصی وأداء الواجبات أما خوفا أو طمعا أو شکراً وهذا ما صرح به الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«الزُّهدُ فی الدنیا قَصرُ الأمَلِ، وشُکرُ کُلِّ نِعمَةٍ، والوَرَعُ عن کُلِّ ما حَرَّمَ اللهُ»(3).

4__ الزهد هو التنزه عن حب الظهور والمدح، وعدم الانشغال عن الکمال وتزکیة النفس من أوساخ الدنیا وهجر کل ما هو لعب ولهو وزینة وتفاخر وتکاثر، وترفع عن الشهوات المحرمة وهذا ما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام:

«الزُّهدُ مِفتاحُ بابِ الآخِرَةِ، والبَراءَةِ مِنَ النّارِ، وهُو تَرکُکَ کُلَّ شیءٍ یَشغَلُکَ عنِ اللهِ، مِن غَیرِ تَأسُّفٍ علی فَوتِها، ولا إعجابٍ فی تَرکِها، ولا انتِظارِ فَرَجٍ مِنها، ولا طَلَبِ مَحمَدَةٍ علَیها، ولا عِوَضٍ مِنها، بل تَری فَوتَها راحَةً وکَونَها آفَةً، وتکونُ أبداً هارِباً مِنَ الآفَةِ، مُعتَصِماً بِالرّاحَةِ»(4).

السؤال: ما هو مراد القرآن الکریم (اعلموا إنما الحیاة الدنیا لهو ولعب وزینة وتفاخر بینکم)؟


1- سورة الحدید، الآیة: 23.
2- بحار الأنوار: ج78، ص70، ح27. میزان الحکمة: ج4، ص1566، ح7695.
3- تحف العقول: ص58. میزان الحکمة: ج4، ص1567، ح7700.
4- بحار الأنوار: ج70، ص315، ح20.

ص: 255

الجواب: لا نرید أن نفسر هذه الآیة الکریمة ولکن لنا أن نقول ما یلی:

إن الله تعالی حکیم خلق الخلق لغرض وهدف سام کما فی قوله تعالی:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ)(1).

فیعلم من هذه الآیة الکریمة سر وجود الإنسان علی هذه الأرض، إذ وجد الإنسان لکی یصل إلی کماله وقربه الإلهی وهذا لا یتم إلا من خلال ما شرعه الله تعالی من شرائع،، ونهجه من مناهج، وسنه من سنن، فالالتزام بهذا کله یؤدی إلی الغایة السامیة ویحقق الغرض الحکیم، فإذا اتضح هذا یتضح أن الابتعاد عن الشرائع والسنن والاشتغال بغیرها هو عین اللهو واللعب لخلوه من الغرض والنفع الحقیقی فیکون مثل المنشغل بأمور الدنیا کمثل الطفل الذی یلعب مع أقرانه لمجرد التسلیة واللعب ثم یرجع بعدها إلی بیته یبحث عمّا ینفعه من طعام وشراب ومأوی، فإذن یمکن أن نُسمی الأفعال الخالیة من الأغراض السامیة والأهداف النبیلة لعبا، ونطلق علی کل ما یشغلنا عما خلقنا لأجله بأنه لهو، ونعدّ ما نتظاهر به من صلاح وحب للخیر دون أن یکون له وجود فی باطننا زینة، ویلزم من تباهینا فی الأحساب والأنساب والثروة والمناصب دون التقوی تفاخر لا قیمة له عند الله تعالی.

فلذا ینبغی للعقلاء أن یجعلوا لأفعالهم أغراضا نبیلة ترضی الله تعالی وتقربهم إلیه لکی لا ینطبق علیهم عنوان اللاعبین، وأن ینتبهوا إلی ذکر الله تعالی فلا یشغلهم تجارة ولا بیع ولا أولاد عن ذلک فیخرجوا عن مصداق أهل اللهو، وأن یطابق ظاهرهم باطنهم فی الصلاح فتکون زینتهم أخرویة ولیست زینة دنیویة، وأن یبتعدوا عن التعالی بالقشور کالأحساب والشهرة والمال والمناصب ویتحلوا بالتقوی فینالوا الکرامة الإلهیة.


1- سورة الذاریات، الآیة: 56.

ص: 256

السؤال: کیف نفسر عبادة الناس للدنیا وما هی صفات عبید الدنیا؟

الجواب: الإنسان مفطور علی الإسلام والتسلیم والانقیاد لله تعالی، فإذا صان فطرته وحفظها من الانحراف دامت سلامتها وظل عبداً صالحا، وإذا تغیرت هذه الفطرة بالأفکار السقیمة وعصفت بها وساوس الشیطان وغلبة الهوی صار صاحبها عبداً للدنیا دون الله تعالی ولذا ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام قوله:

«مَن أحَبَّ الدِّینارَ والدِّرهَمَ فهو عَبدُ الدُّنیا»(1).

وورد عنه أیضا قوله علیه السلام:

«قد خَرقَتِ الشَّهَواتُ عقلَهُ، وأماتَتِ الدنیا قَلبَهُ، ووَلَهَتْ علَیها نَفسُهُ فهو عَبدٌ لها ولِمَنْ فی یَدَیهِ شیءٌ مِنها، حیثُما زالَتْ زالَ إلَیها، وحیثُما أقبَلَتْ أقبَلَ عَلَیها»(2).

وأمّا صفات عبید الدنیا فقد جاء فی حدیث المعراج بیان ذلک:

(أهلُ الدنیا مَن کَثُرَ أکلُهُ وضِحکُهُ ونَومُهُ وغَضَبُهُ، قلیلُ الرِّضا، لا یَعتَذِرُ إلی مَن أساءَ إلَیهِ، ولا یَقبَلُ مَعذِرَةَ مَنِ اعتَذَرَ إلَیهِ، کَسلانُ عِندَ الطاعَةِ، شُجاعٌ عِندَ المَعصِیَةِ، أمَلُهُ بعیدٌ، وأجلُهُ قریبٌ، لا یُحاسِبُ نفسَهُ، قلیلُ المَنفَعَةِ، کثیرُ الکلامِ، قلیلُ الخَوفِ، کثیرُ الفَرَحِ عِندَ الطَّعامِ.

وإنَّ أهلَ الدنیا لا یَشکُرُونَ عِندَ الرِّخاءِ، ولا یَصبِرُونَ عِندَ البلاءِ، کثیرُ الناسِ عِندَهُم قلیلٌ، یَحمَدُونَ أنفسَهُم بما لا یَفعَلونَ، ویَدَّعونَ بما لَیس لَهُم، ویَتَکَلَّمونَ بما یَتَمَنَّونَ، ویَذکُرونَ مَساویَ الناسِ ویُخفُونَ حَسَناتِهِم.

قالَ: یا ربِّ هَل یکونُ سِوَی هذا العَیبِ فی أهلِ الدنیا؟ قالَ: یا أحمدُ، إنَّ عَیبَ أهلِ الدنیا کثیرٌ، فیهِمُ الجَهلُ والحُمقُ، لا یَتواضَعونَ لِمَن یَتَعَلَّمونَ مِنهُ، وهُم عِندَ


1- الخصال: ص113، ح91. میزان الحکمة: ج3، ص1220، ح5926.
2- نهج البلاغة: الخطبة 109. میزان الحکمة: ج3، ص1220، ح5929.

ص: 257

أنفُسِهِم عُقَلاءُ وعِندَ العارِفینَ حُمَقاءُ)(1).

السؤال: ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«الدنیا سجن المؤمن وجنة الکافر»(2).

کیف صارت کذلک؟

الجواب: ذکر العلماء عدة أوجه لتفسیر هذا الحدیث الشریف وهی کما یلی:

عن المحدث الحر العاملی (عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم قال:

«الدنیا سجن المؤمن وجنة الکافر».

وهذا الحدیث مستفیض من طرق العامة والخاصة، والإشکال فیه: أن کثیراً من المؤمنین حالهم فی الدنیا فی نهایة الاستقامة والسعة؛ وکثیرتً من الکفار حالهم فی الدنیا فی نهایة الضیق والعسر؛ ویمکن دفع هذا الإشکال بوجوه.

الأول: إن المؤمن وإن کان حاله فی الدنیا فی سعة ویسر إلا أنه بالنسبة إلی حاله فی الآخرة ومحله فیها سجن فی الدنیا والکافر بعکس ذلک، وهذا الجواب مروی عن أبی محمد الحسن علیه السلام حین اعترض علیه الیهودی فأجابه بهذا الجواب.

الثانی: أن یکون محمولا علی الأغلبیة بالنسبة إلی جمیع المؤمنین وجمیع الکفار والبناء علی الغالب جائز فی سائر المقامات.

الثالث: إن المؤمن فی الدنیا لما کان لم یزل فی ملاحظة الطاعات والاتیان بالواجبات والمستحبات فی جمیع الأوقات وفی اجتناب المحرمات والمکروهات ولم یزل یتأمل فی العواقب، ویتذکر النار والحساب والعقاب، فهو من حیث ملاحظة هذه الأمور وعدم مفارقته لها فی سجن.


1- بحار الأنوار: ج77، ص23، ح6. میزان الحکمة: ج3، ص1220 __ 1221، ح5930.
2- دعائم الإسلام، القاضی النعمان المغربی: ج1، ص47.

ص: 258

والکافر لما کان دائماً فی الانهماک فی المعاصی واللذات ولا یخطر بباله جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب فالدنیا جنّة له.

الرابع: أن یکون المراد الدنیا سجن للمؤمن الکامل فی الإیمان وجنة للکافر الکامل فی الکفر، کما روی أن أشد الناس بلاء فی الدنیا الأنبیاء ثم الأوصیاء ثم الأمثل فالأمثل.

الخامس: أن یکون خبراً بمعنی الأمر أی ینبغی للمؤمن أن یجعل الدنیا علی نفسه بمنزلة السجن کما أن المحبوس فی السجن لا یرید تناول ما زاد علی أقل الکفایة کسد الرمق وفکره مصروف إلی أسباب الخروج، وهذا المعنی فی بقیة الحدیث لا یخلو عن بُعد، ویمکن أن یوجه بأنه بالنسبة إلی الکافر علی وجه التهدید والوعید کقوله تعالی:

(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)(1).

أو المعنی: یحق للکافر أن یتخذ الدنیا جنة له فإنه لیس له فی الآخرة نصیب إلا العذاب والعقاب.

السادس: أن یکون المعنی أن المؤمن یعدّ الدنیا علی نفسه سجنا فلا یرغب إلیها ولا یمیل إلی لذاتها ویخشی من غوائلها وإن کان متنعما فیها ظاهراً والکافر بعکس ذلک)(2).

ویمکن لنا أن نضیف وجها آخر بلحاظ الزمان إذ إن السجن یتصف بفترة زمنیة معینة ثم تنتهی فیتحرر صاحبه من قیوده فکذلک الدنیا لابد لها من نهایة فیتحرر صاحبها مِن وطأة شهواتها ولذائذها الفانیة فیذهب إلی دار لا لغو فیها ولا تأثیم، وإن کان کافرا فلا یغتر بجنته فهو خارج منها إلی الآخرة حیث العذاب والألم الشدید.


1- سورة فصلت، الآیة: 40.
2- مصابیح الأنوار، السید عبد الله شبر: ج2، ص23 __ 24.

ص: 259

__ نصیحة معصومیة

وردت الکثیر من الأحادیث الشریفة التی تبیّن أن الدنیا ملعونة وذو عاقبة وخیمة إذا اتخذها الإنسان هماً دون الآخرة وهی کما یلی:

1__ عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال:

«مَن أصبَحَ والدنیا أکبَرُ همِّه فَلَیسَ مِنَ اللهِ فی شیءٍ وألزَمَ قلبَهُ أربَعَ خِصالٍ: هَمّاً لا یَنقَطِعُ عَنهُ أبداً، وشُغلاً لا یَنفَرِجُ مِنهُ أبداً، وفَقراً لا یَبلُغُ غِناهُ أبداً، وأملاً لا یبلُغُ مُنتَهاهُ أبداً».(1)

وعن الإمام الصادق علیه السلام قال:

«مَن أصبَحَ وأمسی والدنیا أکبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ تعالی الفَقرَ بینَ عَینَیهِ وشتّتَ أمرَهُ ولم یَنَلْ مِن الدنیا إلاّ ما قَسَمَ اللهُ له، ومَن أصبَحَ وأمسی والآخرةُ أکبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللهُ تعالی الغِنی فی قلبِهِ وجَمَعَ لَهُ أمرَهُ»(2).

2__ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«الدنیا ملعونةٌ وملعونٌ ما فیها، إلاّ ما ابتُغِیَ به وَجه اللهِ عَزَّ وجلَّ»(3).

وعن الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«ألا إنَّ الدنیا دارُ لا یُسلَمُ منها إلاّ فیها (بالزُّهدِ)، ولا یُنْجی بشیءٍ کانَ لها، ابتُلِیَ الناسُ بِها فِتنةً فما أخَذُوهُ منها لها اُخِرجوا مِنه وحوسِبوا علَیهِ، وما أخَذُوهُ مِنها لِغَیرِها قَدِموا علَیهِ وأقاموا فیهِ»(4).

وعن الإمام الصادق علیه السلام __ فی زیارة الحسین علیه السلام عند الوَداع __ قال:


1- تنبیه الخواطر: ج1، ص130. میزان الحکمة: ج3، ص1222، ح5942.
2- الکافی: ج2، ص319، ح15. میزان الحکمة: ج3، ص1222، ح5939.
3- کنز العمال: 6088. میزان الحکمة: ج3، ص1194، ح5755.
4- نهج البلاغة: الخطبة 63. میزان الحکمة: ج3، ص1194، 5758.

ص: 260

«ولا تَشغَلْنی عن ذِکرِکَ بِإِکثارٍ عَلَیَّ مِن الدنیا تُلهینِی عجائبُ بَهجَتِها وتَفْتِنِّی زهراتُ زینتِها، ولا بِإِقلالٍ یُضِرُّ بعَمَلِی کَدُّهُ ویَملأُ صَدری هَمُّهُ، أعطِنی مِن ذلکَ غِنیً عن أشرارِ خلقِکَ، وبَلاغاً أنالُ بهِ رِضاک»(1).

وعن الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال:

«فَارفِضِ الدنیا، فإنّ حُبَّ الدنیا یُعمِی ویُصِمُّ ویُبکِمُ ویُذِلُّ الرِّقابَ»(2).

وعنه علیه السلام قال:

«حُبُّ الدنیا یُفسِدُ العقلَ، ویُصِمُّ(3) القلبَ عن سَماعِ الحکمةِ، ویوجِبُ ألیمَ العِقابِ»(4).

3__ حبها یورث البعد عن الله تعالی ویحرم القلب اللذات المعنویة کما جاء فی حدیث المعراج:

(قال الله تبارک وتعالی: یا أحمدُ، لو صَلَّی العبدُ صلاةَ أهلِ السماءِ والأرضِ، ویصومُ صیامَ أهلِ السماءِ والأرضِ، ویَطوِی عنِ الطَّعامِ مِثلَ الملائکةِ، ولَبِسَ لباسَ العابِدینَ، ثُمَّ أری فی قلبِهِ مِن حُبِّ الدنیا ذَرَّةً، أو سُمْعَتِها، أو رئاسَتِها، أو صِیتِها، أو زِینَتِها، لا یُجاوِرُنی فی دَارِی، ولأَنزِعَنَّ مِن قلبِهِ مَحَبَّتی (ولأُظلِمَنَّ قلبَهُ حتّی یَنسانِی، ولا اُذِقُهُ حَلاوَةَ مَحَبَّتی))(5).

4__ یحذر أهل البیت علیهم السلام العقلاء من الاغترار بالدنیا لما فی ذلک من آثار وعواقب وخیمة کما فی قوله علیه السلام:


1- بحار الأنوار: ج101، ص281، ح1. میزان الحکمة: ج3، ص1194، ح5759.
2- الکافی: ج2، ص136، ح23. میزان الحکمة: ج3، ص1202، ح5826.
3- فی المصدر (ویُهِمُّ) والصحیح ما أثبتناه کما فی طبعة النجف وبیروت.
4- غرر الحکم: 4878. میزان الحکمة: ج3، ص1202، ح5827.
5- مستدرک الوسائل: ج12، ص36، ح13446. میزان الحکمة: ج3، ص1204، ح5845.

ص: 261

          «أُحَذّرَکُمُ الدنیا، فإنّها دارُ شُخُوصٍ، ومَحَلَّةُ تَنغِیصٍ، ساکِنُها ظاعِنٌ، وقاطِنُها بائنٌ»(1).

وعنه علیه السلام قال:

«احذَرُوا الدنیا فإنَّ فی حلالِها حِساب_(_اً)، وفی حَرامِها عقاب_(_اً)، وأوّلُها عَناءٌ، وآخِرُها فَناءٌ»(2).

وعن الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام أیضا:

«احذَروا الدنیا الحَذَرَ کُلَّهُ، وضَعُوا عَنکُم ثِقْلَ هُمُومِها لِما تَیَقَّنتُم لِوَشْکِ زَوالِها، وکونوا أسَرَّ ما تَکونونَ فیها، أحذَرَ ما تَکونُونَ لَها»(3).

وهناک الکثیر من الأحادیث فی هذا الباب فراجع.

5__ للجهل آثار وخیمة تفسد الدنیا وتوجب عذاب الآخرة ومن هذه الآثار الاغترار بالدنیا کما ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«الرُّکونُ إلی الدنیا مَع ما یُعایَنُ مِن سُوءِ تَقَلُّبِها جَهلٌ»(4).

6__ یبرئ الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام الدنیا من مسؤولیة الاغترار بها ویلقی اللوم علی المغرور فیها بقوله:

«حَقّاً أقولُ: ما الدنیا غَرَّتکَ، ولکنْ بها اغتَرَرتَ، ولقَد کاشَفَتکَ العِظاتِ وآذَنَتکَ عَلی سَواءٍ، ولَهِیَ بما تَعِدُکَ مِن نُزولِ البلاءِ بِجِسمِکَ والنَّقضِ (النَقص) فی قُوَّتِکَ أصدَقُ وأوفَی مِن أن تَکْذِبَکَ أو تَغُرَّکَ»(5).


1- نهج البلاغة: الخطبة 196. میزان الحکمة: ج3، ص1210، ح5867.
2- بحار الأنوار: ج78، ص23، ح88. میزان الحکمة: ج3، ص1210، ح5869.
3- بحار الأنوار: ج73، ص109، ح109. میزان الحکمة: ج3، ص1210، ح5872.
4- غرر الحکم: 2037. میزان الحکمة: ج3، ص1214، ح5895.
5- نهج البلاغة: الخطبة 223. میزان الحکمة: ج3، ص1215، ح5902.

ص: 262

7__ یرشد الإمام علی علیه السلام أهل النظر الثاقب والنباهة والکیاسة إلی ضرورة التحلی بصفات الزاهدین عندما ینظرون إلی الدنیا فیقول:

«أُوصِیکُم بالرَّفضِ لهذِهِ الدنیا التارِکَةِ لَکُم، وإن لَم تُحِبُّوا تَرْکَها... فلا تَنافَسُوا فی عِزِّ الدنیا وفَخرِها، ولا تَعجَبُوا بزینَتِها ونعیمِها، ولا تَجزَعوا مِن ضَرَّائها وبُؤسِها، فإنّ عِزَّها وفَخرَها إلی انقِطاعٍ، وإنَّ زینَتَها ونعیمَها إلی زوالٍ، وضَرّاءَها وبُؤسَها إلی نَفادٍ (نفاذٍ)»(1).

8__ حقّر رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم الدنیا فینبغی الاقتداء به فی رؤیته الحکیمة لندة القذارة لاسیما بعد الاطلاع علی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«یا بنَ جُندَبٍ، إن أحبَبتَ أن تُجاوِرَ الجلیلَ فی دارِهِ وتَسکُنَ الفِردَوسَ فی جِوارِهِ فلتَهُنْ عَلَیکَ الدنیا»(2).

9__ نهی النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم عن تعظیم الآخرین لما لدیهم من مال أو جاه أو منصب طمعا فیما لا یهم بل لابد أن یکون التوقیر والتعظیم للتقوی والأخوة فی الله تعالی فلذا ورد عنه صلی الله علیه وآله وسلم:

«مَن عَظَّمَ صاحِبَ دنیا وأحَبَّهُ لِطَمَعِ دُنیاهُ سَخِطَ اللهُ علَیهِ»(3).

10__ أکد أهل البیت علیهم السلام علی الصبر عندما یصاب المرء بما یلاقیه من ألم الدنیا فإنه قد خور له فی الآخرة وهذا ما یدل علیه قول أمیر المؤمنین علیه السلام إذ یقول:

«مَرارَةُ الدنیا حَلاَوَةُ الآخِرَةِ»(4).


1- نهج البلاغة: الخطبة 99. میزان الحکمة: ج3، ص1217، ح5915.
2- بحار الأنوار: ج78، ص282، ح1. میزان الحکمة: ج3، ص1225، ح5964.
3- بحار الأنوار: ج76، ص360، ح30. میزان الحکمة: ج3، ص1226، ح5965.
4- غرر الحکم: 9793. میزان الحکمة: ج3، ص1227، ح5983.

ص: 263

صور حواریة ومواعظ

خلق الله تعالی الخلق وهو غنی عن طاعتهم ومنیع عن ضرر معصیتهم لما یتصف به من صفات الألوهیة إلا أنه سبحانه لم یدع خلقه هملاً دون إرشاد وشریعة ومنهاج بل سن لهم السنن ونهج لهم المناهج لیصلوا إلی کمالهم، ومما أرشد إلیه مدبر الأمور وخالق الخلق سبحانه أن نزهد فی هذه الدنیا الدنیة ونرفض زخرفها ونبتعد عن زبرجها وهذا ما التزم به سادة الخلق وقادة العباد محمد وآله الأطهار صلوات الله علیهم وسلم تسلیما کثیرا الصورة الأولی فعندما نتأمل هذه الصورة الرائعة التی نقلها عمر بن الخطاب بقوله:

(استَأذَنتُ علی رسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم فَدَخَلتُ عَلیهِ فی مَشرَبةِ أُمِّ إبراهیمَ، وإنّهُ لَمُضطَجِعٌ علی خَصْفَةٍ وإنّ بَعضَهُ علی التُّرابِ وتَحتَ رأسِهِ وِسادةٌ مَحشُوَّةٌ لِیفاً، فسَلَّمتُ علَیهِ ثُمَّ جَلَستُ فقُلتُ: یا رسولَ اللهِ، أنتَ نبیُّ اللهِ وصَفوتُهُ وخِیرَتُهُ من خَلقِهِ، وکِسری وقیصرُ علی سُرُرِ الذَّهبِ وفُرُشِ الدِّیباجِ والحریرِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم:

«أولئکَ قومٌ عُجِّلَت طَیِّباتُهُم وهِی وَشیکَةُ الانقِطاعِ، وإنّما أُخِّرَت لنا طَیِّباتُنا»)(1).

نجد عبرا ومواعظ تسر القلوب وتقر بها الأعین وهی کالآتی:

1__ إن اضطجاع النبی الکریم صلی الله علیه وآله وسلم (علی خصفة) أی فراش من سعف النخیل دون أن یکون علیها شیء یحمی جسده الشریف من غظلتها دلیل علی تجسد التواضع فی هذا الوجود المقدس، وبرهان علی افتخار الزهد إذ صار لباسا لرسول الله صلی الله علیه وآله وسلم.

2__ وقول عمر (وإن بعضه علی التراب...) یشیر إلی علاقة المقدسین بأصلهم إذ


1- مجمع البیان: ج9، ص133. میزان الحکمة: ج3، ص1228، ح5990.

ص: 264

یرون أن أجسادهم من التراب وعلی التراب وإلی التراب رغم أن أرواحهم فی علیین، فلا یرون ترفعا عن التراب ولا یشعرون بالتقذر منه کما یفعل المتکبرون الجهلة ذلک.

3__ وقوله (وتحت رأسه وسادة محشوة لیفا) ألا یدل ذلک علی عدم استخدام النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم لولایته التکوینیة فی مثل هذه الأمور التافهة؟ وإلا لو شاء لتصرف بهذه الوسادة وجعلها من حریر ودیباج دون تعب أو نصب إلا أنه آثر أن یعیش وفق الأسباب والمسببات، ولعله أراد أن یعطی رسالة لعمر أو لغیره بأن الدنیا لا تستحق أن تکون هما نعیشه کل یوم، ولا تستحق أن یعصی الله تعالی لأجلها.

4__ وردّ النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم علی عمر بقوله (أولئک قوم عجلت طیباتهم وهی وشیکة الانقطاع، وإنما أخرت لنا طیباتنا) فیه الکثیر من الحکم والمواعظ:

منها: أن من أخذ نصیبه فی الدنیا لیس له نصیب فی الآخرة.

منها: أن العباد الصالحین لا یتأملوا من الدنیا راحة وسعادة لخلانهم معها ولأنهم لم یتخذوها أماً لهم کما أنها لم تعتبرهم أولادا لها.

منها: أن الدنیا بما فیها من اللذائذ والحلاوة لابد أن تنتهی فی یوم ما فیلاقی أولادها ما ینغصم ویذیقهم المرارة بدل الحلاوة التی یتلذذون بها.

منها: أن الطیبات الفانیة لیست لذیذة وإنما اللذة فی الطیبات الباقیة.

الصورة الثانیة

فاطمة الزهراء علیها السلام وما أدراک ما فاطمة هی بضعة النبی المصطفی وروحه التی بین جنبیه وهی لحمه ودمه وجزء لا یتجزأ منه فلذا نجدها لا تختلف عن أبیها بصفة من صفاته، فلقد جاء عن جابر بن عبد الله الأنصاری رضی الله عنه أنه قال:

ص: 265

(رَأی النبیُّ صلی الله علیه وآله وسلم فاطمةَ علیها الصلاة والسلام وعلَیها کِساءٌ مِن أجلّةِ الإبلِ وهی تَطحَنُ بِیدَیها وتُرضِعُ ولدَها، فَدَمَعَتْ عَینا رسولِ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم فقالَ:

«یا بِنتاهُ، تَعجَّلی مَرارَةَ الدنیا بحَلاوَةِ الآخرةِ».

فقالت:

«یا رسولَ اللهِ، الحَمدُ للهِ علی نَعمائِه والشکرُ للهِ علی آلائهِ».

فأنزَلَ اللهُ:

(وَلَسَوْفَ یُعْطِیکَ رَبُّکَ فَتَرْضَی)(1))(2).

أرجو إعادة القراءة لهذه الروایة وأرجو أن تتصورها فی خیالک لتدمع عیناک کما دمعت عین الرسول الکریم صلی الله علیه وآله وسلم وبعد تأمل هذه الصورة تخرج بالمواعظ التالیة:

منها: فاطمة سیدة نساء العالمین تلبس کساءً من أحلّة الإبل لتعطی رسالة لکل النساء الواعیات أن لا یلهثن وراء الأزیاء والمودیلات، وأن لا یکلفن أزواجهن فوق طاقتهم لکی یلبسن ما غلا ثمنه، فالبساطة فی العیش لا تعد نقصا کما لا یحق لأحد أن یسخر من صاحبه لاسیما فی مجتمع النساء.

منها: أن هذه السیدة الکبری والصدیقة الطاهرة هی بنت سید الکائنات وزوجة سید الأوصیاء وأم سیدی شباب أهل الجنة ومع ذلک تطحن بیدیها لأسرتها وتعین بعلها علی شظف العیش، وتقول لنا لابد من التکافل بین الرجل والمرأة لتسیر الحیاة الزوجیة بهدوء وطمأنینة وسعادة، وتقول للنساء لا تبحثن عن الشأنیة مع أزواجکن


1- سورة الضحی، الآیة: 5.
2- نور الثقلین: ج5، ص594، ح10، أنظر أیضا: ص595، ح11. میزان الحکمة: ج3، ص1228، ح5991.

ص: 266

طالما رضیتن بهم أزواجا، فأنا بنت سید الکائنات وخاتم الأنبیاء والرسل ولا أستنکف من العمل فی بیتی وخدمة أسرتی.

منها: عند رضاعتها ولدها ترشدنا إلی ضرورة رضاعة الأم لولدها لما فی ذلک من فائدة صحیة لهذا الولید إذ إن حلیب الأم یغذی الولد مادیا ومعنویا، وتبیّن بأن هذه الرضاعة لهذا الطفل الصغیر عمل صالح تنال الأم به ثواب الله عز وجل.

منها: قول رسول الله لابنته (یابنتاه تعجلی مرارة الدنیا بحلاوة الآخرة) لا یختلف عما بینه فی الصورة الأولی من أن الدنیا فانیة ومرارتها منتهیة والآخرة باقیة وحلاوتها ولذتها دائمة.

منها: وقولها علیها السلام (یا رسول الله الحمد لله علی نعمائه، والشکر لله علی آلائه....) دلیل علی الرضا التام بعطاء الله تعالی، وتصریح بأن هذه البساطة من العیش هی نعمة إلهیة تحتاج إلی شکر المنعم علیها، کما أنها أکدت علی عدم جواز التبرم من هذه الحیاة البسیطة.

الصورة الثالثة

عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم (عندما سأله یزید بن سلام: لما سُمّیَت الدنیا دُنیا؟ قال:

«لأنّ الدنیا دَنِیَّةٌ خُلِقَت مِن دُونِ الآخِرةِ، ولو خُلِقَت مع الآخِرَةِ لم یَفنَ أهلُها کما لا یَفنی أهلُ الآخرةِ».

قال: فأخبِرنی لِمَ سُمّیَتِ الآخرةُ آخرة؟ قال صلی الله علیه وآله وسلم:

«لأنّها متأخِّرةٌ تَجِیءُ من بعدِ الدنیا، لا توصَفُ سِنینُها، ولا تُحصی أیّامُها، ولا یموتُ سُکّانُها»)(1).


1- بحار الأنوار: ج57، ص356، ح2. میزان الحکمة: ج3، ص1192، ح5740.

ص: 267

هذه الصورة تبین مرتبة الدنیا وکونها فانیة بحلوها أو بمرها فإذا کانت حلوة بحسب الظاهر فلا تبطر فیها فتکون سببا لدخولک النار، وإن کانت مرة فاغتنم مرارتها لتکون سببا فی دخولک الجنة.

الصورة الرابعة

عن الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام (عندما رأی جابر بن عبد الله، وقد تنفّسَ الصُعَداء فقال:

«یا جابرُ، عَلاَمَ تَنفُّسًکَ؟ أعَلَی الدنیا؟!».

فقال جابرُ: نعم، فقالَ له الإمام علیه السلام:

«یا جابرُ، مَلاَذُّ الدنیا سَبعةٌ: المأکولُ، والمَشروبُ، والمَلبوسُ، والمَنکوحُ والمَرکوبُ، والمَشمومُ، والمَسمُوعُ.

فَألَذُّ المَأکولاتِ العَسَلُ وهو بَصقٌ من ذُبابةٍ، وأحْلَی المَشروباتِ الماءُ وکَفَی بإباحَتِهِ وسِباحَتِهِ عَلَی وَجهِ الأرضِ، وأعلَی المَلبوساتِ الدِّیباجُ وهُوَ مِن لُعابُ دُودَةٍ، وأعلَی المَنکوحاتِ النِّساءُ وهو مَبالٌ فی مَبالٍ ومِثالٌ لِمثالٍ، وإنَّما یُرادُ أحسَنُ ما فی المرأةِ لأِقبَحَ ما فیها، وأعلَی المَرکوباتِ الخَیلُ وهُو قواتِلُ، وأجَلُّ المَشموماتِ المِسْکُ وهو دَمٌ مِن سُرَّةِ دابّةٍ، وأجَلُّ المَسموعاتِ الغِناءً والتَّرنُّمُ وهو إثمٌ، فما هذِهِ صِفَتهُ لَم یَتَنَفَّس علَیهِ عاقِلٌ».

قال جابر بن عبد الله: فو الله ما خطرت الدنیا بعدها علی قلبی)(1).

أراد الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام أن یوصل لنا رسالة واضحة عن أصل لذائذ هذه الدنیا التی یتنافس بل یتقاتل علیها أهلها، فأکد أن هذه اللذائذ التی ترونها جمیلة فهی کخضراء الدمن فی منبت السوء فلا یغتر أحد بها ولا یتهافت عاقل علی نیلها.


1- بحار الأنوار: ج78، ص11، ح69. میزان الحکمة: ج3، ص1209، ح5863.

ص: 268

الصورة الخامسة

عن سُوَید بن غفلة قال: (دخلت علی أمیر المؤمنین علیه السلام بعدَما بُویِعَ بالخلافةِ وهو جالسٌ علی حَصیرٍ صغیرٍ ولَیس فی البیتِ غَیرُهُ، فقلتُ: یا أمیرَ المؤمنینَ، بیدِکَ بیتُ المالِ ولَستُ أری فی بیتِکَ شیئاً ممّا یَحتاجُ إلَیهِ البیتُ؟! فقالَ علیه السلام:

«یا بنَ غَفلةَ، إنّ اللَّبیبَ لا یَتَأثَّثُ فی دارِ النُّقلَةِ، ولَنا دارُ أمْنٍ قد نَقَلْنا إلیها خیرَ مَتاعِنا، وإنّا عن قلیلٍ إلَیها صائرونَ»)(1).

یا لها من صورة ملیئة بالعبر والمواعظ، فإذا تأملها العاقل لابد أن یری ما یلی:

1__ إن المنصب هو خدمة للناس ولیس وسیلة للثراء والرفاه والاستحواذ.

2__ الإمام علیه السلام لم یضع فی البیت ما هو ضروری فضلا عن الکمالیات.

3__ یتعامل الإمام علیه السلام مع الدنیا تحت عنوان (نجا المخفون) فلم یثقل نفسه بحطام الدنیا ولم یملأ بیته من زبرجدها.

4__ یشیر بقوله (وإنا عن قلیل إلیها صائرون) إلی فناء الدنیا وقلة مدتها.

بحث عقائدی
الرضا بقضاء الله تعالی

من نعم الله تعالی أن منحنا عقلا نزن به الأشیاء ونمیّز به بین الحق والباطل ونستدل من خلاله علی الخیر فنفعله وعلی الشر فتجتنبه، وبهذه النعمة الإلهیة التی لا تضاهیها نعمة إلا الإیمان نعرف أن الله تعالی هو خالقنا ومدبر أمرنا ورحیم بنا أرحم من أمهاتنا بل أرحم من أنفسنا بأنفسنا، وهو الحکیم الذی لا خطأ ولا خلل فی فعله، وهو العادل الذی لا یجورد فی قضائه، المعصوم الذی لا یخطأ فی تقدیره، والعالم المحیط


1- بحار الأنوار: ج70، ص321، ح38. میزان الحکمة: ج3، ص1219، ح5924.س

ص: 269

بکل شیء فلا یفوته شیء، یعلم بما ینفعنا وما یضرنا وما یصلحنا وما یفسدنا، والقادر المطلق الذی یفعل ما یشاء وهو علی کل شیء قدیر، فإذا عرفنا ذلک وأیقنت به أنفسنا وأقرت به عقولنا لابد لنا من التسلیم والانقیاد له والتوکل علیه فی جمیع ما یهمنا والرضا والقبول بکل ما یقضی ویقدر، إذ إن عدم الرضا بقضائه وقدره یدل علی جهلنا وعدم معرفتنا به ونقصان توحیدنا.

أسئلة مهمة
اشارة

السؤال: ما هو الرضا الذی ینبغی أن نعیشه فی حیاتنا؟

الجواب: الرضا: هو القبول بل التسلیم والانقیاد وعدم الاعتراض علی ما یقضی سبحانه ویقدر.

السؤال: ما هی فوائد وثمرات الرضا؟

الجواب: للرضا مجموعة من الآثار والفوائد والثمرات وهی کما یلی:

1__ یوجب القرب الإلهی کما ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«إذا أحَبَّ اللهُ عَبداً ابتَلاهُ، فإن صَبَرَ اجتَباهُ، وإن رَضِیَ اصطَفاهُ»(1).

2__ یوجب الأجر العظیم فی یوم لا ینفع فیه مال لا بنون وهذا ما أکده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«أَعْطُوا اللهَ الرِّضا مِن قُلوبِکُم تَظفَرُوا بثَوابِ اللهِ تعالی یومَ فَقرِکُم والإفلاسِ»(2).

3__ یوجب القناعة والشعور بالکفایة کما ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:


1- بحار الأنوار: ج82، ص142، ح26. میزان الحکمة: ج4، ص1476، ح7306.
2- مستدرک الوسائل: ج2، ص412، ح2331. میزان الحکمة: ج4، ص1476 __ 1477، 7307.

ص: 270

«مَن رَضِیَ مِن الدنیا بما یَکفِیهِ کانَ أیسَرُ ما فیها یَکفِیهِ»(1).

4__ یوجب استجابة الدعاء وتحقیق ما نتمنی کما ورد ذلک عن الإمام الحسن علیه السلام:

«أنا الضّامِنُ لِمَن لا یَهجِسُ فی قَلبِهِ إلاّ الرِّضا أن یَدعُوَ اللهَ فَیُستَجابَ لَهُ»(2).

5__ یوجب الشعور بالغنی والتنزه عما فی أیدی الناس کما قال الإمام الصادق علیه السلام:

«ارْضَ بِما قَسَمَ اللهُ لکَ تَکُنْ غَنِیّاً »(3).

6__ یوجب الشعور بالاطمئنان والراحة کما ورد فی الحدیث الشریف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق علیهما السلام:

«الرَّوحُ والرّاحَةُ فی الرِّضا والیَقینِ، والهَمُّ والحُزْنُ فی الشَّکِّ والسّخَطِ»(4).

7__ یمنع وقوع الحزن ویرفعه عن صاحبه کما ورد عن الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام:

«مَن رَضِیَ برِزقِ اللهِ، لَم یَحزَن علی ما فاتَهُ»(5).

وعنه علیه السلام أنه قال:

«الرِّضا یَنفِی الحُزْنَ»(6).

السؤال: ما هی الآثار السلبیة والنتائج الوخیمة لعدم الرضا؟


1- بحار الأنوار: ج77، ص169، ح6. میزان الحکمة: ج4، ص1477، ح7311.
2- بحار الأنوار: ج71، ص159، ح75. میزان الحکمة: ج4، ص1477، ح7308.
3- بحار الأنوار: ج69، ص368، ح4. میزان الحکمة: ج4، ص1477، ح7312.
4- بحار الأنوار: ج71، ص159، ح75. میزان الحکمة: ج4، ص1477، ح7316.
5- نهج البلاغة: الحکمة 349. میزان الحکمة: ج4، ص1478، ح7319.
6- غرر الحکم: 410. میزان الحکمة: ج4، ص1478، ح7320.

ص: 271

الجواب:

1__ من لم یرض بما أعطاه الله تعالی وقع فی فخ الشک ونسب الظلم إلی الله تعالی کما أکد ذلک الإمام الصادق علیه السلام بقوله:

«مَن لم یَرضَ بما قَسَمَ اللهُ عَزَّ وجلَّ، اتّهَمَ اللهَ تعالی فی قَضائهِ»(1).

2__ یؤدی عدم الرضا إلی صیرورة الأعمال هباء منثورا کما جاء عن الإمام الصادق علیه السلام فی قوله:

«مَن رَضِیَ القَضاءَ أتی علَیهِ القَضاءُ وهُو مَأجُورٌ ومَن سَخِطَ القَضاءَ أتی علَیهِ القَضاءُ وأحبَطَ اللهُ أجرَهُ»(2).

السؤال: هل أن الرضا یعنی ترک السعی فی الأسباب؟

الجواب: لا یقول بذلک أحد بل أن القول علی خلاف ذلک، إذ یحثنا الشرع علی السعی والسبب فی الأسباب کما فی قوله تعالی:

(هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِی مَنَاکِبِهَا وَکُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَیْهِ النُّشُورُ)(3).

وقوله عزّ وجل:

(إِنَّا مَکَّنَّا لَهُ فِی الْأَرْضِ وَآَتَیْنَاهُ مِنْ کُلِّ شَیْءٍ سَبَبًا)(4).

وما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام صریح فی التسبب کما فی قوله علیه السلام:


1- بحار الأنوار: ج78، ص202، ح33. میزان الحکمة: ج4، ص1478، ح7324.
2- بحار الأنوار: ج71، ص139، ح26. میزان الحکمة: ج4، ص1478، ح7325.
3- سورة الملک، الآیة: 15.
4- سورة الکهف، الآیة: 84.

ص: 272

«أبَی اللهُ أن یُجرِیَ الأشیاءَ إلاّ بِأسبابٍ، فَجَعَلَ لِکُلِّ شَیءٍ سَبَباً وجَعَلَ لِکُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً، وجَعَلَ لِکُلِّ شَرْحٍ عِلْماً، وجَعَلَ لِکُلِّ عِلمٍ باباً ناطِقاً، عَرَفَهُ مَن عَرَفَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ، ذاکَ رسولُ اللهِ صلی الله علیه وآله وسلم ونَحنُ»(1).

فإذا عرفنا هذا یتبین لنا أن الرضا هو التسلیم والقبول بکل ما یصیبنا بعد أن نؤدی تکلیفنا الشرعی ألا وهو السعی فی الأسباب الشرعیة المقبولة عند الله تعالی دون أسباب الشیطان، ولا شک فی الفرق بین سبل وأسباب الله تعالی وبین سبل وأسباب غیره المعوّجة المفضیة إلی عاقبة سیئة.

السؤال: کیف نمیّز بین سبل الله تعالی وأسبابه وبین سبل وأسباب غیره؟

الجواب: هذا أمر بدیهی لا لبس فیه، فکل ما هو موافق للشرع فهو سبب وسبیل إلهی وکل ما هو مخالف للشرع فهو غیر ذلک.

السؤال: کیف نمیّز أن المکروه الذی أصابنا من الله تعالی أو من غیره؟

الجواب: فی مقام الجواب عن هذا السؤال لابد من الوقوف علی ما یأتی:

1__ إذا أصابنا مکروه دون أن نتسبب به، کوقوع زلزال أو غیره من الکوارث فهو من الله تعالی ولا یرید به إلا نفعنا فلذا لا یحمد علی مکروه سواه.

2__ إذا أصابنا مکروه بسبب جئناه، فهو منّا والله تعالی بریء منه کما فی کثیر من الأسباب التی تؤدی إلی عواقب وخیمة فلذا قال أمیر المؤمنین علیه السلام:

«سَبَبُ فَسَادِ الیَقِینِ الطَّمَعُ»(2).

وقال علیه السلام:


1- الکافی: ج1، ص183، 7. میزان الحکمة: ج4، ص1652، ح8166.
2- غرر الحکم: 5513. میزان الحکمة: ج4، ص1652، ح8172.

ص: 273

«سَبَبُ فَسَادِ العَقْلِ الهَوی»(1).

وعنه علیه السلام:

«سَبَبُ الفِتَنِ الحِقْدُ»(2).

وقال علیه السلام:

«سَبَبُ الشَّحْنَاءِ کَثْرَةُ المِرَاءِ»(3).

وعنه علیه السلام أیضا:

«سَبَبُ الفَقْرِ الإِسْرَافُ»(4).

وقال علیه السلام:

«سَبَبُ الفِرْقَةِ الإِخْتِلاَفُ»(5).

وقال علیه السلام أیضا:

«سَبَبُ الفُجُورِ الخَلْوةُ»(6).

وعنه علیه السلام:

«سَبَبُ زَوَالِ النِّعَمِ الکُفْرانُ»(7).

وقال علیه السلام:

«سَبَبُ الهَلاَکِ الشِّرکُ»(8).


1- غرر الحکم: 5515. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8174.
2- غرر الحکم: 5522. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8181.
3- غرر الحکم: 5524. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8183.
4- غرر الحکم: 5529. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8188.
5- غرر الحکم: 5530. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8189.
6- غرر الحکم: 5532. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8192.
7- غرر الحکم: 5517. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8176.
8- غرر الحکم: 5541. میزان الحکمة: ج4، ص1653، ح8198.

ص: 274

__ نصیحة یجب أن تسمعها

إذا ادعی أحد أنه عبد لله تعالی یجب أن یصدق المدعی بالتلبس بثوب العبودیة وألا یلزم من دعواه الکذب والنفاق، ولیعلم العبد أن المولی لا یرید له إلا الخیر ولا راد لما یرید، وعلیه أن یعرف أن السبل غیر سبیل الله تعالی تؤدی إلی الفشل والتبع وعدم الاطمئنان بل قد تؤدی إلی ذل فی الدنیا، وحبط الأعمال وحرمان الثواب ووقوع الخزی والعذاب فی الآخرة، وهذا ما یمکن استنباطه من حدیث الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام إذ یقول:

«أوحی الله تعالی إلی داود علیه السلام: یا داود تُرِیدُ وأُرِیدُ، ولا یکونُ إلاّ مَا أُرِیدُ، فإن أسلَمتَ بِما أرید أعطَیْتُکَ ما تُرِید، وإن لَم تُسلِمْ لِما أرِیدُ أتعَبتُکَ فیما تُرِیدُ، ثُمَّ لا یکونُ إلاّ ما أُرِیدُ»(1).

__ التزود بالأعمال الصالحة

قرن الإیمان بالله تعالی وبأنبیائه ورسله وملائکته والیوم الآخر بالعمل الصالح ولولا هذا العمل الصالح لما صح أن یقال للإیمان إیمان لأن الإیمان هو العمل قبل کل شیء وهذا ما أکدته المحاورة بین الإمام الصادق علیه السلام والزبیری إذ سأله (عن أفضَل الأعمال عند الله: ما لا یقبل الله شیئا إلا به، قلت: وما هو؟ قال علیه السلام:

«الإیمانُ بِاللهِ الّذی لا إلهَ إلاّ هُوَ، أعلَی الأعمالِ دَرَجَةً وأشرَفُها مَنزِلَةً وأسناها حَظّاً».

قال، قلت: ألا تُخبرُنی عن الإیمان، أقولٌ هوَ وعملٌ، أم قولٌ بلا عمل؟ فقال علیه السلام:


1- التوحید للصدوق: ص337. میزان الحکمة: ج4، ص1478، ح7327.

ص: 275

«الإیمانُ عَمَلٌ کُلُّهُ، والقَولُ بَعضُ ذلِکَ العَمَلِ»)(1).

فمن هذا اتضح أن الإیمان والعمل متحدان لا ینفک أحدهما عن الآخر وإلا لفسدا وفقدا عنوانهما الحقیقی، وعند إحصاء وتأمل الآیات الکریمة التی ورد فیها الإیمان مقروناً بالعمل الصالح یظهر لنا مدی أهمیة العمل الصالح ونتیقن أن الإیمان لا فائدة فیه بل لا یتقوم إلا بالعمل الصالح، فلذا جاءت موعظة الإمام الحسین علیه السلام فی خطبة:

«فتزودوا فإن خیر الزاد التقوی».

وتتالت الأحادیث الشریفة التی تؤکد علی أهمیة القول الصالح وعلی دوره فی حیاة الإنسان وآخرته، إذ إن الإیمان والعمل الصالح بمثابة الجناحین اللذین یعرج بهما المؤمن إلی لقاء الله تعالی.

__ العمل مفتاح السعادة

کلنا ینشد السعادة ویعمل لنیلها، وکلنا یتمنی الحیاة الطیبة الخالیة من الهم والغم والحزن، إلا أن ذلک لا ینال إلا بالعمل الصالح المقرون بالإیمان التام المبنی علی العلم والمعرفة، فمن رام الدرجات الرفیعة وحلم بالسعادة الدنیویة فلیؤمن ویعمل صالحا، ومن رغب بما عند الله تعالی من الرضا والرضوان والفوز بالجنان فلیؤمن ویعمل صالحا، وهذا ما أشارت إلیه الآیة الکریمة فی قوله تعالی:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَی وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیَاةً طَیِّبَةً وَلَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ)(2).


1- الکافی: ج2، ص33، ح1. میزان الحکمة: ج7، ص2826، ح14328.
2- سورة النحل، الآیة: 97.

ص: 276

وصرحت به الآیة الأخری فی قوله تعالی:

(وَمَنْ یَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِکَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا)(1).

ولکی یتضح لنا کیف یکون العمل الصالح مفتاحا للسعادة لابد من الوقوف علی آثاره الدنیویة والأخرویة.

آثار وثمرات العمل الصالح فی الدنیا
اشارة

1__ العمل الصالح یوجب الرفعة والدرجة الراقیة التی تجعل صاحبها سیداً فی الدنیا والآخرة، کما أکد ذلک أمیر المؤمنین بقوله:

«الشَّرَفُ عِندَ اللهِ سُبحانَهُ بِحُسنِ الأعمالِ، لا بحُسنِ الأقوالِ»(2).

2__ یصل بک العمل الصالح إلی هدفک السامی کما فی قول الإمام علی علیه السلام:

«العِلْمُ یُرْشِدُکَ، وَالعَمَلُ یَبْلُغُ بِکَ الغایَةَ»(3).

3__ یوجب مدح الناس وثناءهم کما صرح بذلک سید المتقین وأمیر المؤمنین بقوله:

«إنَّما یُسْتَدَلُّ عَلَی الصّالِحینَ بِما یُجْرِی اللهُ لَهُم عَلی ألسُنِ عِبادِهِ، فَلْیَکُنْ أحَبَّ الذَّخائِرَ إلَیکَ ذَخِیرَةُ العَمَلِ الصّالِحِ»(4).

4__ للعمل الصالح أثر صالح علی عامله وعلی ذریته، وحفظ له ولمن حوله من الناس کما بیّن ذلک الإمام الصادق علیه السلام بقوله:


1- سورة طه، الآیة: 75.
2- غرر الحکم: 1924. میزان الحکمة: ج7، ص2816، ح14260.
3- غرر الحکم: 2060. میزان الحکمة: ج7، ص2816، ح14261.
4- نهج البلاغة: الکتاب 53. میزان الحکمة: ج7، ص2817، ح14277.

ص: 277

«إنَّ اللهَ لَیُصْلِحُ بِصَلاَحِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ وُلْدَهُ، وَوُلْدَ وُلْدِهِ، وَیَحْفَظُهُ فی دُوَیْرَتِهِ، ودُوَیْراتٍ حَوْلَهُ، فَلاَ یَزالونَ فی حِفْظِ اللهِ لِکَرامَتِهِ عَلَی اللهِ، ثُمَّ ذَکَرَ الغُلاَمَیْنِ، فَقالَ:

(وَکَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)(1).

ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ شَکَرَ صَلاَحَ أبَوَیْهِما لَهُما؟!»(2).

5__ العمل الصالح یوجب القوة فی البدن والنفس کما فی قول أمیر المؤمنین علیه السلام:

«مَنْ یَعْمَلْ یَزْدَدُ قُوَّةً، مَنْ یُقَصَِّرْ فی العَمَلِ یَزْدَدْ فَتْرَةً»(3).

6__ العمل الصالح یؤدی أن یصلح الله دین العبد کما فی قول الإمام الصادق علیه السلام:

«مَنْ عَمِلَ لِدینِهِ کَفاهُ الله أَمْرَ دُنْیاهُ»(4).

__ آثار العمل الصالح فی الآخرة

1__ به ینال ما عند الله تعالی من الأجر کما فی قول الإمام علی علیه السلام:

«بِالْعَمَلِ یَحْصُلُ الثَّوَابُ لاَ بِالْکَسَلِ»(5).

2__ من خلال العمل الصالح نشعر بقیمة العلم ونلمس فائدته وهذا ما أشار إلیه الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:


1- سورة الکهف، الآیة: 82.
2- تفسیر العیّاشی: ج2، ص337، ح63. میزان الحکمة: ج7، ص2833، ح14370.
3- غرر الحکم: 7990 __ 7991. میزان الحکمة: ج7، ص2716، ح14259.
4- نهج البلاغة: الحکمة 423. میزان الحکمة: ج7، ص2834، ح14380.
5- غرر الحکم: 4295. میزان الحکمة: ج7، ص2816، ح14262.

ص: 278

«بِحُسْنِ الْعَمَلِ تُجْنی ثَمَرَةُ الْعِلْمِ لاَ بِحُسْنِ الْقَوْلِ»(1).

3__ یرفد صاحبه بالنعم الوفیرة کما فی قول الإمام الصادق علیه السلام:

«اعمَلوا قَلیلاً تنعَمُوا کَثیراً»(2).

4__ یوجب حب الله تعالی ومن أحب الله فلا خوف علیه ولا یحزن من شیء وهو ما ذکره الإمام زین العابدین بقوله:

«إنَّ أَحَبَّکُمْ إلی اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أحْسَنُکُمْ عَمَلاً، وإنَّ أعظَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ عَمَلاً أعْظَمُکُمْ فیما عِنْدَ اللهِ رَغْبَةً».

5__ العمل الصالح یهیئ لصاحبه المکان المریح والحیاة الهنیئة کما ذکر ذلک الإمام الباقر علیه السلام بقوله:

«إنَّ العَمَلَ الصّالِحَ یَذْهَبُ إلی الجَنَّةِ فَیُمَهِّدُ لِصاحِبِهِ کَما یَبْعَثُ الرَّجُلُ غُلاَمَهُ فَیَفْرُشُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ:

(مَن کَفَرَ فَعَلَیْهِ کُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ یَمْهَدُونَ)(3)»(4).

6__ یرفد صاحبه بالثواب بعد وفاته وهذا ما أکدته الأحادیث الکثیرة کقول النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«سَبْعَةُ أسْبابٍ یُکْتَبُ لِلْعَبْدِ ثَوابُها بَعْدَ وَفاتِهِ: رَجُلٌ غَرَسَ نَخْلاً، أو حَفَرَ بِئْراً، أو أجْری نَهْراً، أو بَنی مَسْجِداً، أو کَتَبَ مُصْحَفاً، أو وَرَّثَ عِلْماً، أو خَلَّفَ وَلَداً صالِحاً یَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ وَفاتِهِ»(5)


1- غرر الحکم: 4296. میزان الحکمة: ج7، ص2817، ح14268.
2- تنبیه الخواطر: ج2، ص183. میزان الحکمة: ج7، ص2817، ح14272.
3- سورة الروم، الآیة: 44.
4- بحار الأنوار: ج71، ص185، 46. میزان الحکمة: ج7، ص2821، ح14286.
5- تنبیه الخواطر: ج2، ص110. میزان الحکمة: ج7، ص2821 __ 2822، ح14288.

ص: 279

__ نصائح

1__ لا تنال الآخرة ولا ینجو العبد إلا بالعمل الصالح وإن کان ذا مال ومنصب کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«إنّ لأِحَدِکُمْ ثَلاَثَةَ أخِلاّءَ: مِنْهُمْ مَنْ یُمَتِّعُهُ بِما سَألَهُ فَذلِکَ مالُهُ، ومِنْهُم خَلیلٌ یَنطَلِقُ مَعَهُ حَتّی یَلِجَ القَبْرَ ولاَ یُعْطِیَهُ شَیْئاً ولاَ یَصْحَبُهُ بَعْدَ ذلِکَ فأولئِکَ قَریبُهُ، ومِنْهُمْ خَلیلُ یَقولُ: وَاللهِ أنا ذاهِبٌ مَعَکَ حَیثُ ذَهَبْتَ ولَسْتُ مُفارِقَکَ! فذلِکَ عَمَلُهُ، إنْ کانَ خَیراً وإنْ کانَ شَرّاً»(1).

أو کان ذا نسب وحسب وهذا بعینه ما ذکره الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

»مَنْ أبْطأ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ یُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ (حَسَبُه)»(2).

2__ ضرورة الاستمرار علی عمل الخیر وإن کان قلیلا لما فی ذلک من أجر عظیم وفائدة کبری، هذا ما ذکرته الأحادیث الشریفة عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«المُداوَمَةُ عَلَی العَمَلِ فی اتِّباعِ الآثارِ والسُّنَنِ وإنْ قَلَّ، أرْضی للهِ وأنفَعُ عِنْدَهُ فی العاقِبَةِ مِنَ الاجْتِهادِ فی البِدَعِ واتٍّباعِ الأهْواءِ»(3).

وعن أمیر المؤمنین علیه السلام أنه قال:

«المُداوَمَةُ المُداوَمَة! فإنَّ اللهَ لَمْ یَجْعَلْ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنینَ غایَةً إلاّ الْمَوْتَ»(4)


1- کنز العمال: 42759. میزان الحکمة: ج7، ص2821، ح14284.
2- نهج البلاغة: الحکمة 23، 389. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید المعتزلی: ج18، ص134. میزان الحکمة: ج7، ص2816، ح14263.
3- الکافی: ج8، ص8، ح1. میزان الحکمة: ج7، ص2822، ح14293.
4- مستدرک الوسائل: ج1، ص130، ح177. میزان الحکمة: ج7، ص2822، ح14292.

ص: 280

وعن الإمام الباقر علیه السلام بقوله:

«أحَبُّ الأعْمالِ إلی اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ما داوَمَ عَلَیْهِ العَبْدُ، وَإنْ قَلَّ»(1).

3__ للمداومة علی فعل الخیر آثار حسنة یحتاجها الفرد والمجتمع هذا ما أکده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم بقوله:

«أمّا المُداوَمَةُ عَلی الخَیْرِ فَیَتَشَعَّبُ مِنْهُ: تَرْکُ الفَواحِشِ، والبُعْدُ مِنَ الطَّیْشِ، والتَّحَرُّجُ، وَالیَقینُ، وَحُبُّ النَّجاةِ، وطاعَةُ الرَّحْمنِ، وتَعْظیمُ البُرْهانِ، وَاجْتِنابُ الشَّیْطانِ، وَالإجابَةُ لِلْعَدْلِ، وَقَوْلُ الحَقِّ، فَهذا ما أصابَ العاقِلَ بِمُداوَمَةِ الخَیْرِ»(2).

4__ العمل الصالح القلیل أفضل من العمل الکثیر الذی لا تطیقه النفس وتمل منه القلوب فلذا أرشدنا رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم إلی ذلک بقوله:

«إنَّ النَّفْسَ مَلولة، وإنَّ أحَدَکُم لا یَدری ما قَدْرُ المُدَّةِ، فَلْیَنظُرْ مِنَ العِبادَةِ ما یُطیقُ، ثُمَّ لِیُداوِمْ عَلَیْهِ، فإنَّ أحَبَّ الأعْمالِ إلَی اللهِ ما دیمَ عَلَیْهِ وإنْ قَلَّ»(3).

5_ انتبه إلی عملک وأحرص أن تکون له عاقبة حسنة ولذة دائمة، وهذا ما نبهنا إلیه أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«شَتّانَ ما بَیْنَ عَمَلَیْنِ: عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وَتَبْقی تَبِعَتُهُ، وَعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤونَتُهُ وَیَبْقی أجْرُهُ»(4)


1- بحار الأنوار: ج71، ص219، ح25. میزان الحکمة: ج7، ص2822، ح14295.
2- تحف العقول: ص17. میزان الحکمة: ج7، ص2824، ح14306.
3- کنز العمال: 5312. میزان الحکمة: ج7، ص2824، ح14307.
4- نهج البلاغة: الحکمة 121. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج18، ص310. میزان الحکمة: ج7، ص2834، ح14375.

ص: 281

__ أسئلة مهمة

السؤال: لمَ نری أن الجزاء علی العمل أکبر وأضخم من العمل؟

الجواب: هناک بحث فی بیان مدی الترابط بین العمل والجزاء وملخصه:

قبل بیان هذا الترابط لابد من توضیح السؤال أو الإشکال الوارد علی العدل الإلهی ثم یتسنی لنا الجواب عنه.

الإشکال: إن الجزاء الأخروی فی مقام العقاب لا یتناسب مع ا لذنب الذی یصدر عن العبد وهذا یدل علی عدم عدل الله سبحانه وتعالی عن ذلک علواً کبیراً، فمثلا:

لو عبث إنسان فی طریق العامة وأحدث فیه ما یعیبه لابد له من عقوبة جزاءً لما فعل، إلا أن هذه العقوبة خروج عن العدالة ومخالفة لها.

وهکذا لو صدرت عن الإنسان غیبة مثلا فمات دون أن یتوب عنها لابد أن تکون لها عقوبة ولکن هذه العقوبة لابد أن تتناسب مع الفعل الحرام، إلا أننا نری أن عقوبة فاعل الغیبة هی أن یکون طعاما لکلاب النار، ألیس هذه العقوبة قاسیة وشدیدة، ومن هذا المنطلق نری أن العقوبة لا تناسب الذنب وهذا ما یخالف العدل الإلهی؟

الجواب: ورد الجواب عند أهل الاختصاص من خلال هذه المقدمات وهی کما یلی:

1__ إن الآخرة عالم لا یشبه عالم الدنیا فی کثیر من قوانینه، وعلی سبیل المثال:

ألف: فی عالم الدنیا یحصل التغییر والانتقال من مرحلة إلی أخری کالإنسان یبدأ طفلاً رضیعا ثم یکون صبیا ثم یصبح شابا ثم یعرّج علی الکهولة فالشیخوخة، أمّا فی عالم الآخرة لا طفولة ولا کهولة ولا شیخوخة بل لا موت ولا فناء.

ص: 282

باء: هذا العالم هو عالم الزراعة والآخرة عالم الحصاد وتحصیل الثمار، أی أن العمل هنا دون حساب، وهناک الحساب والجزاء فقط، کما ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام:

«فَإنَّ الیَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسابٌ، وإنَّ غَداً حِسابٌ وَلاَ عَملٌ»(1).

جیم: فی هذا العالم تستطیع أن تصحح الخطأ وتتوب عن الذنوب أمّا فی الآخرة لیس لک الحق فی ذلک.

2__ إننا نؤمن أن ما یفعله الإنسان هنا هو الذی یحدد نوع المصیر هناک وهذا ما أکده رسولنا الکریم صلی الله علیه وآله وسلم بهذه الأحادیث الشریفة التی لو تأملها المنصف یجد الجواب علی سؤاله والحل لإشکاله وهی کما یلی:

جاء فی حدیث عن الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال:

«لَمّا دَخَلْتُ الجَتَّةَ فی لَیْلَةِ المِعْراجِ شاهَدْتُ مَلاَئِکَةً یَبْنُونَ بُیوتاً: بَعْضٌ مِنْ ذَهَبٍ وَآخَرٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَأحْیانأً یَتَوَقَّفونَ عَنِ العَمَلِ، فَسألتُهُمْ لِماذا تَعْمَلونَ أحْیاناً وَتَقِفونَ عَنِ العَمَلِ أحْیاناً؟ فأجابوا، حَتّی تَصِلَنا إمْداداتُ صاحِبِ البِناءِ.

فسألتُ وَما تَقْصُدونَ بالإمْدادات؟ قالوا: ذِکْرُ المُؤمِنِ فی الدُنْیا قولُ سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ ولاَ إلهَ إلاّ اللهُ وَاللهُ أکبرْ.

فَفی کُلِّ وَقْتٍ یَقولُ نَحْنُ نَبنی وفی کُلِّ وَقْتٍ یَتَوَقَّفُ نَحْنُ أیْضاً نَتَوَقَّفُ»(2).

وجاء فی حدیث آخر عن الرسول الکریم صلی الله علیه وآله وسلم:

«کُلُّ مَنْ یَقُولُ سُبْحانَ اللهِ یُغْرِسُ اللهُ لَهُ فی الجَنَّةِ شَجَرَةً، وکُلُّ مَنْ یَقولُ الحَمْدُ


1- موسوعة الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام فی الکتاب والسنة والتاریخ، محمد الریشهری: ج4، ص122، ح1351.
2- وسائل الشیعة: ج4، ص1208. العدل الإلهی، الشهید مرتضی المطهری: ص254.

ص: 283

للهِ یُغْرِسُ اللهُ لَهُ فی الجَنَّةِ شِجَرَةُ، وکُلُّ مَن یَقولُ لاَ إلهَ إلاّ اللهُ یُغْرِسُ لَهُ اللهُ شَجَرَةً فی الجَنَّةِ، وکُلُّ مَنْ یَقولُ اللهُ أکْبَرُ یُغْرِسُ اللهُ لَهُ شَجَرَةً فی الجَنَّةِ.

فقال لَهُ رَجُلٌ مِن قُرَیْشٍ: إذَنْ أشْجارُنا فی الجَنَّةِ کَثیرَة، فأجابَ النَّبی صلی الله علیه وآله وسلم:

نَعَمْ، وَلکِنْ حاذِروا أن تَبْعَثوا إلَیها ناراً تُحْرِقُها عَنْ بَکْرَةِ أبیها، وکَما قالَ اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَکُمْ)(1))(2).

مما تقدم نخلص إلی جواب وهو أن الأعمال تتجسم فی الآخرة وکما یدل علی ذلک قوله تعالی:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا لَا تَأْکُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ).

وقوله تعالی:

(وَوُضِعَ الْکِتَابُ فَتَرَی الْمُجْرِمِینَ مُشْفِقِینَ مِمَّا فِیهِ وَیَقُولُونَ یَا وَیْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْکِتَابِ لَا یُغَادِرُ صَغِیرَةً وَلَا کَبِیرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا یَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَدًا)(3).

وهناک إضافة إلی ما تقدم من الجزاء هو أثر للعمل فلا یقال لماذا لا یتناسب الأثر مع العمل القبیح فمثلا: لو شرب رجل سما فی خمس دقائق وبسهولة ودون أن یؤذی أحدا فإنه یموت فلا یقال لماذا مات؟


1- سورة محمد، الآیة: 33.
2- العدل الإلهی للشهید مرتضی المطهری: ص254.
3- سورة الکهف، الآیة: 49.

ص: 284

وإذا زنی أحد وأصیب بمرض زهری مدی حیاته فلا یقال لماذا لا یوجد تناسب بین الفعل الذی لم یستغرق إلا ساعة وبین نتیجة الفعل التی امتدت طوال عمر الفاعل، فإن هذه آثار لتلک الأعمال وهکذا فی الآخرة فإن للأفعال آثارا لا تناسب الفعل.

السؤال: ما هی العوامل التی تساعد علی قبول الأعمال؟

الجواب: ذکرت الأحادیث الشریفة خصالاً کثیرة ینبغی أن یتصف بها العامل لکی یقبل عمله وهی کما یلی:

1__ التقوی: ینبغی أن یتصف العامل بالتقوی والتلبس بالطاعات لأن الله تعالی لا یتقبل إلا من المتقین کما فی قوله تعالی:

(إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ)(1).

وأکد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فی وصیته للصحابی الجلیل أبی ذر رضی الله عنه علی أن التقوی سبب فی قبول العمل وإن کان قلیلا:

«یا أبا ذرٍّ، کُنْ بِالعَمَلِ بِالتَّقْوی أشَدَّ اهتِماماً مِنْکَ بِالعَمَلِ؛ فَإنَّهُ لاَ یَقِلُّ عَمَلٌ بِالتَّقْوی، وکَیفَ یَقِلُّ عَمَلٌ یُتَقَبَّلُ؟! یَقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِینَ))(2).

2__ العقل: هو الملاک الذی یمتاز به المکلف عن غیره والمیزان الذی توزن به الأمور، والقوة التی تدرک بها العلوم والأشیاء فلذا ورد عن الإمام الکاظم علیه السلام:

«قَلیلُ العَمَلِ مِنَ العاقِلِ مَقْبولٌ مُضاعَفٌ، وَکَثیرُ العَمَلِ مِنْ أهلِ الهَوی وَالجَهْلِ مَردودٌ»(3)


1- سورة المائدة، الآیة: 27.
2- مکارم الأخلاق: ج2، ص375، ح2661. میزان الحکمة: ج7، ص2827، ح14333.
3- تحف العقول: ص387. میزان الحکمة: ج7، ص2827، ح14334.

ص: 285

3__ الإخلاص: کل عمل لا یتصف بالإخلاص فهو ریاء ومردود علی صاحبه لأنه لم یرد به وجه الله تعالی یکله إلی من عمل له فإذا کان عمله لسمعة بین الناس أو تحصیل فائدة منهم فلیأخذ أجره ممن عمل له وهذا ما أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«إنَّکَ لَنْ یُتَقَبَّلَ مِنْ عَمَلِکَ إلاّ ما أَخْلَصْتَ فیهِ»(1).

السؤال: ما هی الموانع التی تمنع قبول الأعمال؟

الجواب: تقدم ذکر العوامل التی تساعد علی قبول الأعمال والآن لابد أن نحذر المؤمنین من موانع قبول الأعمال وهی کما یلی:

1__ عدم الاتصاف بالورع عن المعاصی وافتقاد العامل للخلق الحسن الذی یعاشر به الناس وسرعة الانفعال والغضب هی ما تمنع قبول الأعمال کما فی قول الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم:

«ثَلاثٌ مَنْ لَم تَکُنْ فیهِ لَمْ یَقُمْ لَهُ عَمَلٌ: وَرَعٌ یَحْجُزُهُ عَنِ مَعاصی اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخُلْقٌ یُداری بِهِ النّاسَ، وَحِلْمٌ یَرُدُّ بِهِ جهلَ الجاهِلِ»(2).

2__ الاختلال فی العقائد وانکار أصول الدین سبب مهم فی منع قبول العمل، سوء الخلق مع الوالدین والتقصیر معهما حاجبا لمنع العمل، والخیانة والهروب عند الجهاد مانع ثالث بمنع قبول الأعمال کما فی قول رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«ثَلاَثَةٌ لاَ یَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ: الشِّرکُ بِاللهِ، وعُقوقُ الوالِدَینِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحَفِ»(3)


1- غرر الحکم: 3787. میزان الحکمة: ج7، ص2828، ح14335.
2- الخصال: ص125، ح121. میزان الحکمة: ج7، ص2828، ح14337.
3- کنز العمال: 43824، 43937. میزان الحکمة: ج7، ص2828، ح14341.

ص: 286

3__ إطلاق اللسان فیما حرم الله تعالی من الغیبة والنمیمة والفحش بالقول والبذاءة والغناء وقذف المؤمنین وهجائهم والسخریة والاستهزاء بهم وغیر ذلک من زلات اللسان لهو من أکبر الموانع لقبول العمل بل هو ینسف العمل نسفا کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم:

«ما عَمِلَ مَنْ لَمْ یَحْفَظْ لِسانَهُ»(1).

وکما فی قول الإمام الصادق علیه السلام لعَبّاد بن کثیر البصری الصوفی:

«وَیْحَکَ یا عَبّادُ! غَرَّکَ أنْ عَفَّ بَطْنُکَ وَفَرْجُکَ؟! إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ یَقولُ فی کِتابِهِ:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِیدًا (70) یُصْلِحْ لَکُمْ أَعْمَالَکُمْ)(2).

اعْلَمْ أنَّهُ لاَ یَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْکَ شَیْئاً حَتّی تَقولَ قَولاً عَدْلاً»(3).

4__ إخفاء الحقد والضغائن فی القلب علی المؤمنین سبب آخر یمنع قبول الأعمال کما ورد ذلک عن الإمام الصادق علیه السلام بقوله:

«لاَ یَقْبَلُ اللهُ مِنْ مُؤْمِنٍ عَمَلاً وَهُوَ مُضْمِرٌ عَلی أخِیْهِ المُؤْمِنِ سُوءاً»(4).

5__ الاستمرار علی المعصیة بإصرار یعد من الکبائر التی لا یقبل معها أی طاعة کما ورد ذلک عن الإمام الصادق علیه السلام:

(لاَ وَاللهِ لاَ یَقْبَلُ اللهُ شَیْئاً مِنْ طَاعَتِهِ عَلی الإصْرارِ عَلی شَیْءٍ مِنْ مَعاصیهِ»(5).

السؤال: کیف نشخص العمل السیئ عند إلتباس الحق بالباطل؟


1- بحار الأنوار: ج77، ص85. میزان الحکمة: ج7، ص2828، ح14342.
2- سورة الأحزاب، الآیتان: 70 و71.
3- الکافی: ج8، ص107، ح81. میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14343.
4- الکافی: ج2، ص361، ح8. میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14347.
5- الکافی: ج2، ص288، ح3. میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14346.

ص: 287

الجواب:

لاشک أن الأعمال الصالحة معروفة واضحة وکذلک الأعمال السیئة إلاّ أن هناک میزانا نوزن به العمل نعرف من خلاله قبح العمل أو حسنه، ویمکن تلخیص ذلک من خلال هذه النقاط المهمة:

1__ إذا کان العمل مخجلا یستحی منه فهو قبیح، کما هو فی قول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یُعْمَلُ بِهِ فی السِّرِّ، ویُسْتَحی مِنْهُ فی العَلاَنیَّةِ»(1).

2__ إذا کان العمل یدعو للاعتذار فهو قبیح، کما ورد فی قول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ إذا سُئِلَ عَنْهُ صاحِبُهُ أنْکَرَهُ أوِ اعْتَذَرَ مِنْهُ»(2).

3__ إذا کان العمل مما ینکره صاحبه فهو قبیح، حیث قال الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام:

«إیّاکَ وَکُلَّ عَمَلٍ إذا ذُکِرَ لِصاحِبِهِ أنْکَرَهُ»(3).

4__ إذا کان العمل سببا فی تفرق الناس عنک أو یحط من مقامک، أو یوقع علیک ضرراً فی الدنیا وإثما فی الآخرة، حیث ورد فی قول الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام:

«إیّاکَ وَکُلَّ عَمَلٍ یُنَفِّرُ عَنْکَ حُرّاً، أو یُذِلَّ لَکَ قَدْراً، یَجْلِبُ عَلَیْکَ شَرّاً، أو تَحْمِلُ بِهِ إلَی القِیامَةِ وِزْراً»(4)


1- نهج البلاغة: الکتاب 69. میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14356.
2- میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14357.
3- بحار الأنوار: ج71، ص369، ح19. میزان الحکمة: ج7، ص2829، ح14358.
4- غرر الحکم: 2727. میزان الحکمة: ج7، ص2831، ح14359.

ص: 288

__ نصائح ضروریة

دأب الرسول الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم وأهل بیته الأطهار علیهم السلام علی إسداء النصائح إلی المؤمنین وإرشاد الأمة إلی طریق السعادة الدنیویة والأخرویة، ومما یدخل تحت هذا العنوان ما ورد عنهم (صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین) من أحادیث تعد من نعم الله تعالی علینا وهی کما یلی:

1__ أوصی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم أصحابه بالتمسک بالعلم واتخاذه فی کل عمل یریدون عمله کما فی قوله صلی الله علیه وآله وسلم فی وصیته لابن مسعود:

«یا بْنَ مَسْعودٍ، إذا عَمِلْتَ عَمَلاً فَاعْمَلْ بِعِلْمٍ وَعَقْلٍ، وإیّاکَ وأن تَعْمَلَ عَمَلاً بِغَیْرِ تَدَ بُّرٍ وعِلْمٍ؛ فإنَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ یَقولُ:

(وَلَا تَکُونُوا کَالَّتِی نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْکَاثًا)(1)»(2).

2__ علی کل من یعمل عملا لابد أن یضع نصب عینیه الثواب والعقاب لکی تستقیم أعماله وتکون عند الله تعالی مرضیة مقبولة کما أکد ذلک أمیر المؤمنین علیه السلام بقوله:

«اعْمَلْ عَمَلَ مَنْ یَعْلَمُ أنَّ اللهَ مَجازیهِ بِإساءَتِهِ وإحْسانِهِ»(3)


1- سورة النحل، الآیة: 92.
2- مکارم الأخلاق: ج3، ص361، ح2660. میزان الحکمة: ج7، ص2831، ح14360.
3- غرر الحکم: 2352. میزان الحکمة: ج7، ص2831، ح14361.

ص: 289

الخطبة السادسة: وفیها یُذکّر بفضائل أهل البیت علیهم السلام ویأمر باتّباعهم

اشارة

ص: 290

ص: 291

حمدَ الله وأثنی علیه، وصلّی علی النّبی فقال:

نص الخطبة

اشارة

(نَحْنُ حِزْبُ الله الْغالِبُونَ، وَعِتْرَةُ رَسُولِ الله صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلهِ وَسَلّم الأَقْرَبُونَ، وَأهْلُ بَیْتِهِ الطَّیِّبونَ، وَأحَدُ الثَّقَلَینِ الَّذَیْنِ جَعَلْنا رَسُولُ اللهِ صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلهِ وَسَلّم ثانِیَ کِتابِ اللهِ تَبارَکَ وَتَعالی، الّذی فیهِ تَفْصِیلُ کُلِّ شَیءٍ، لا یَأتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَیْنَ یَدَیْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَیْنا فی تَفْسیرِهِ، لا یُبْطِئُنا تَأْوِیلُهُ، بَلْ نَتَّبعُ حَقائِقَهُ، فَأَطیعُونا فَإِنَّ طاعَتَنا مَفْرُوضَةٌ، أنْ کانَتْ بطاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مَقْرُونَةٌ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجلَّ:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(1).

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَی الرَّسُولِ وَإِلَی أُولِی الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَیْکُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّیْطَانَ إِلَّا قَلِیلًا)(2).

وَأحَذِّرُکُمْ الْإِصْغَاءَ إِلی هَتُوفِ الشَّیْطانِ بِکُمْ فَإِنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُبینٌ، فَتَکُونُوا


1- سورة النساء، الآیة: 59.
2- سورة النساء، الآیة: 83.

ص: 292

کَأوْلِیائِهِ الَّذینَ قالَ لَهُمْ:

(لَا غَالِبَ لَکُمُ الْیَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّی جَارٌ لَکُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَکَصَ عَلَی عَقِبَیْهِ وَقَالَ إِنِّی بَرِیءٌ مِنْکُمْ)(1).

فَتُلْقُوْنَ لِلسُّیُوفِ ضَرْباً، وَلِلرِّماحِ وِرْداً، وَلِلْعُمُدِ حَطْماً، وَلِلسِّهامِ غَرَضاً، ثُمّ لا یُقْبَلُ مِنْ نَفْسٍ إیمانُها لَمْ تَکُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ کَسَبَتْ فی إیمانِها خَیْراً).

(نَحْنُ حِزْبُ الله الْغالِبُونَ، وَعِتْرَةُ رَسُولِ الله صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلهِ وَسَلّم الأَقْرَبُونَ، وَأهْلُ بَیْتِهِ الطَّیِّبونَ، وَأحَدُ الثَّقَلَینِ الَّذَیْنِ جَعَلْنا رَسُولُ اللهِ صَلّی اللهُ عَلَیهِ وَآلهِ وَسَلّم ثانِیَ کِتابِ اللهِ تَبارَکَ وَتَعالی، الّذی فیهِ تَفْصِیلُ کُلِّ شَیءٍ، لا یَأتِیهِ الْباطِلُ مِنْ بَیْنَ یَدَیْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَیْنا فی تَفْسیرِهِ، لا یُبْطِئُنا تَأْوِیلُهُ، بَلْ نَتَّبعُ حَقائِقَهُ، فَأَطیعُونا فَإِنَّ طاعَتَنا مَفْرُوضَةٌ، أنْ کانَتْ بطاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ مَقْرُونَةٌ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجلَّ: 

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:

(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَی الرَّسُولِ وَإِلَی أُولِی الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَیْکُمْ...).

یشیر بضمیر الجمع إلی أهل بیت النبی صلی الله علیه وآله وسلم ویعرفهم بأنهم الجماعة القویة الصلبة القاهرة والفائزة التی ترتبط بالله تعالی، ونسل رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وعشیرته الأقربون، وأهل بیته الأزکیاء الطاهرون أو أحد الشیئین


1- سورة الأنفال، الآیة: 48.

ص: 293

العظیمین النفیسین الّذین جعلهم رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم فی الجهة المقابلة للقرآن الکریم، هذا الکتاب الذی فیه بیان أجزاء کل شیء، لا یأتیه الباطل أی لا یقع منه ما یخالف الحق أو ما یخالف الصحیح من أمامه أو من وراء ظهره، والمعتمد علینا فی توضیح وشرح القرآن الکریم، ولا یتأخر علینا إرجاعه إلی أصله وحقیقته وباطنه، بل نطلب خالصه وکنهه، فانقادوا لنا فإن الانقیاد لنا أمر واجب من الله تعالی، لأن طاعتنا ملازمة ومصاحبة لطاعة الله تعالی ورسوله صلی الله علیه وآله وسلم ، قال الله عز وجل:

(یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ وَأُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (1).

(وَأحَذِّرُکُمْ الْإِصْغَاءَ إِلی هَتُوفِ الشَّیْطانِ بِکُمْ فَإِنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُبینٌ، فَتَکُونُوا کَأوْلِیائِهِ الَّذینَ قالَ لَهُمْ:

(لَا غَالِبَ لَکُمُ الْیَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّی جَارٌ لَکُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَکَصَ عَلَی عَقِبَیْهِ وَقَالَ إِنِّی بَرِیءٌ مِنْکُمْ) (2).

فَتُلْقُوْنَ لِلسُّیُوفِ ضَرْباً، وَلِلرِّماحِ وِرْداً، وَلِلْعُمُدِ حَطْماً، وَلِلسِّهامِ غَرَضاً، ثُمَ لا یَقْبَلُ مِنْ نَفْسٍ إیمانُها لَمْ تَکُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ کَسَبَتْ فی إیمانِها خَیْراً).

وأخوفکم من الاستماع إلی صیاح الشیطان بکم فإنه لکم عدو ظاهر، فإذا استمتعتم إلی هتوفه ستکونوا کأتباعه فتطرحون للسیوف الصوارم لتصیبکم، وتکونون مکانا لدخول الرماح، مکانا لتحطم وتکسر الأعمدة، وهدفا لرمی السهام، ثم بعد ذلک لا یرضی عنکم إذا لم تکونوا مؤمنین قبل هذا الیوم أو أنکم مؤمنون غیر عاملین بالخیر والمعروف.


1- سورة النساء، الآیة: 59.
2- سورة الأنفال، الآیة: 48.

ص: 294

__ فضل أهل البیت علیهم السلام

تختلف مقامات البشر ورتبهم تبعا لاختلاف ذواتهم من حیث الخصائص والصفات الذاتیة والمؤهلات النفسیة، وحیث إن بعض هذه الصفات والمؤهلات ما هو ظاهر فیعرف بها صاحبها، وبعضا منها یبقی باطنا فلا یحیط بها إلاّ خالقها سبحانه، ولذا صار المدح دلیلا علی مقام الممدوح وعلو رتبته، والذم دلیلا علی دنو رتبته وتسافله، إلاّ أننا نواجه سؤالا مهما فی طرحنا هذا وهو: مَنْ له الحق فی تقییم البشر وإعطائهم الرتبة التی تناسب خصائصهم ومؤهلاتهم؟ ومن البدیهی أن یکون الجواب کالآتی:

أن من له القدرة علی معرفة الخصائص والمؤهلات معرفة تامة دون الوقوع فی الاشتباه أو الالتباس هو صاحب الحق فی تقییم هؤلاء، وهذا لا ینطبق إلاّ علی المعصوم فی الرؤیا والتقییم، وهذا لا یکون إلا ممن له إحاطة تامة بهؤلاء البشر وهو لیس إلاّ خالقهم سبحانه بناء علی أن العلّة عالمة بمعلولها.

فإذا تبین أن الله تعالی هو من له الحق فی تقییم خلقه یلزم منه أن ما صدر من مدح إلهی فی حق فرد أو مجموعة هو المعیار فی تقدیم وتفضیل هذا الفرد أو هذه المجموعة علی غیرهم وهذا ما صرح به القرآن الکریم فی قوله تعالی:

(وَإِنَّکَ لَعَلی خُلُقٍ عَظِیمٍ)(1).

فهو مدح إلهی صریح لفرد من أفراد البشر وهو الخاتم صلی الله علیه وآله وسلم کما مدح غیره من الأنبیاء فی آیات کثیرة، وقوله تعالی:

(إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا)(2).


1- سورة القلم، الآیة: 4.
2- سورة الأحزاب، الآیة: 33.

ص: 295

هو أیضا مدح صریح لمجموعة من الأفراد وهم أهل بیت النبی صلی الله علیه وآله وسلم ولهذا صار لأهل بیت العصمة علیهم السلام فضل علی غیرهم فضلهم الله تعالی به، وهناک أحادیث کثیرة وردت عن النبی صلی الله علیه وآله وسلم الذی لا ینطق عن الهوی إن هو إلا وحی یوحی، فنقف علیها لیتضح فضلهم وحقهم صلوات الله وسلامه علیهم أجمعین علی الناس.

__ فضلهم فی القرآن الکریم

وردت الآیات الکریمة الکثیرة التی تبین فضل أهل البیت علیهم السلام عن طریق مصادر أهل السنة وهی کما یلی:

1__ آیة تبین طهارة وعصمة أهل البیت علیهم السلام کما فی قوله تعالی:

(إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا).

ورد فی صحیح مسلم (فی کتاب فضائل الصحابة، فی باب فضائل أهل بیت النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم بسنده عن صفیة بنت شیبة قالت:

قالت عائشة: خرج رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم غداة وعلیه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علی فأدخله ثم جاء الحسین فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علی فأدخله ثم قال:

«إنّما یرید الله لیذهب عنکم الرجس ویطهرکم تطهیراً»)(1)


1- فضائل الخمسة: ج1، ص270. (أقول) ورواه الحاکم أیضا فی مستدرک الصحیحین: ج3، ص147، وقال: هذا حدیث صحیح علی شرط الشیخین. ورواه البیهقی أیضا فی سننه: ج2، ص149. ورواه ابن جریر أیضاً فی تفسیره: ج22، ص5، عن عائشة. وذکره السیوطی أیضا فی الدر المنثور فی تفسیر آیة التطهیر فی سورة الأحزاب وقال: أخرجه ابن أبی شیبة وأحمد وابن أبی حاتم، وذکره الزمخشری فی الکشاف فی تفسیر آیة المباهلة بمناسبة وهکذا الفخر الرازی، وقال: واعلم أن هذه الروایة کالمتفق علی صحتها بین أهل التفسیر والحدیث (انتهی).

ص: 296

وجاء فی سنن الترمذی (روی بسنده عن عمرو بن أبی سلمة ربیب النبی صلی الله علیه __ وآله وسلم قال: لمّا نزلت هذه الآیة علی النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم:

(إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا) (1).

فی بیت أم سلمة فدعا فاطمة وحسناً وحسیناً فجللهم بکساء وعلی علیه السلام خلف ظهره فجللهم بکساء ثم قال:

«اللهم هؤلاء أهل بیتی فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهیرا».

قالت أم سلمة: وأنا معهم یا نبی الله؟ قال:

«أنت علی مکانک وأنت علی خیر»)(2).

2__ آیة المباهلة التی تبین عصمة أهل البیت علیهم السلام علی النصاری فضلا عن الأمة الإسلامیة کما فی قوله تعالی:

(فَمَنْ حَاجَّکَ فِیهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَکُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَکُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَکُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَی الْکَاذِبِینَ)(3).

ورد فی سنن الترمذی (روی بسنده عن عامر بن سعد بن أبی وقاص، عن أبیه، قال: لمّا أنزل الله هذه الآیة (ندع أبناءنا وأبناءکم) دعا رسول الله صلی الله علیه __ وآله


1- سورة الأحزاب، الآیة: 33.
2- فضائل الخمسة: ج1، ص271. سنن الترمذی: ج2، ص209. (أقول) ورواه أیضا فی: ج2، ص308، ثم قال: وفی الباب عن أم سلمة ومعقل بن یسار وأبی الحمراء وأنس. ورواه الطحاوی أیضا فی مشکل الآثار: ج1، ص335. ورواه ابن الأثیر الجزری أیضاً فی أسد الغابة: ج2، ص12. ورواه ابن جریر الطبری أیضاً فی تفسیره: ج22، ص6 __ 7، وقال عم أم سلمة.
3- سورة آل عمران، الآیة: 61.

ص: 297

__ وسلم علیاً وفاطمة وحسناً وحسیناً فقال:

«اللهم هؤلاء أهلی»)(1).

وروی الزمخشری فی الکشاف والفخر الرازی فی تفسیره الکبیر، فی ذیل تفسیر آیة المباهلة فی سورة آل عمران، والشبلنجی فی نور الأبصار واللفظ للأخیر قال:

قال المفسرون: لمّا قرأ رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم هذه الآیة علی وفد نجران ودعاهم إلی المباهلة قالوا: حتی نرجع وننظر فی أمرنا ثم نأتیک غداً فلما خلا بعضهم ببعض قالوا للعاقب __ وکان کبیرهم وصاحب رأیهم __ ما تری یا عبد المسیح؟ قال: لقد عرفتم یا معشر النصاری أن محمداً نبی مرسل ولئن فعلتم ذلک لنهلکن (وفی روایة) قال لهم: والله ما لاعن قوم قط نبیاً إلا هلکوا عن آخرهم، فإن أبیتم إلا الإقامة علی ما أنتم علیه من القول فی صاحبکم فودعوا الرجل وانصرفوا إلی بلادکم، فأتوا رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم وقد احتضن الحسن علیه السلام وأخذ بید الحسین علیه السلام وفاطمة علیها السلام تمشی خلفه، وعلی علیه السلام یمشی خلفها، والنبی صلی الله علیه __ وأله __ وسلم یقول لهم:

«إذا دعوت فأمنوا».

فلما رآهم أسقف نجران قال: یا معشر النصاری إنی لأری وجوهاً لو سألوا الله أن یزیل جبلا من مکانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلکوا ولا یبقی علی وجه الأرض نصرانی إلی یوم القیامة، فقالوا: یا أبا القاسم قد رأینا أن لا نباهلک وأن نترکک علی دینک وتترکنا علی دیننا، فقال لهم رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم:

«فإن أبیتم المباهلة فأسلموا یکن لکم ما للمسلم وعلیکم ما علیهم» 


1- فضائل الخمسة: ج1، ص291. سنن الترمذی: ج2، ص166. (أقول) ورواه الحاکم أیضا فی مستدرک الصحیحین: ج3، ص150، وقال: هذا حدیث صحیح علی شرط الشیخین. ورواه البیهقی أیضا فی سننه: ج7، ص63.

ص: 298

فأبوا ذلک فقال:

«إنی أنابذکم».

فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولکنا نصالحک علی أن لا تغزونا ولا تخیفنا ولا تردنا عن دیننا، وأن نؤدی إلیک فی کل سنة ألفی حلة، ألفاً فی صفر وألفاً فی رجب (قال: وزاد فی روایة) وثلاثاً وثلاثین درعاً عادیة وثلاثةً وثلاثین بعیراً وأربعةً وثلاثین فرساً غازیة فصالحهم رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم علی ذلک، وقال:

«والذی نفسی بیده إن العذاب تدلی علی أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازیر ولاضطرم علیهم الوادی ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله حتی الطیر علی الشجر، وما حال الحول علی النصاری کلهم حتی هلکوا».

(قال) أخرجه الخازن وغیره)(1).

3__ سورة هل أتی تبین مقام ورتبة أهل البیت علیهم السلام عند ربهم کما فی:

(وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَی حُبِّهِ مِسْکِینًا وَیَتِیمًا وَأَسِیرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِیدُ مِنْکُمْ جَزَاءً وَلَا شُکُورًا)(2).

ورد فی أسد الغابة لابن الأثیر الجزری (فی ترجمة فضة النوبیة، روی بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فی قوله تعالی:

(یُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَیَخَافُونَ یَوْمًا کَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِیرًا (7) وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَی حُبِّهِ مِسْکِینًا وَیَتِیمًا وَأَسِیرًا)(3).

قال: مرض الحسن والحسین علیهما السلام فعادهما جدهما رسول الله صلی الله


1- فضائل الخمسة: ج1، ص291 __ 292. نور الأبصار، الشبلنجی: ص100.
2- سورة الإنسان، الآیتان: 8 و9.
3- سورة الإنسان، الآیتان: 7 و8.

ص: 299

علیه __ وآله __ وسلم وعادهما عامة العرب، فقالوا: یا أبا الحسن لو نذرت علی ولدک نذراً، فقال علی علیه السلام:

«إن برئا مما بهما صمت لله عزّ وجل ثلاثة أیام شکراً».

وقالت فاطمة علیها السلام کذلک، وقالت جاریة __ یقال لها فضة نوبیة __ إن برئا سیدای صمت لله عزّ وجل شکراً فألب الغلامان العافیة ولیس عند آل محمد قلیل ولا کثیر.

فانطلق علی علیه السلام إلی شمعون الخیبری فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعیر فجاء بها فوضعها فقامت فاطمة علیها السلام إلی صاع فطحنته واختبزته وصلی علی علیه السلام مع رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم ثم أتی المنزل فوضع الطعام بین یدیه إذ أتاهم مسکین فوقف بالباب فقال: السلام علیکم أهل بیت محمد، مسکین من أولاد المسلمین أطعمونی أطعمکم الله عزّ وجل علی موائد الجنة، فسمعه علی علیه السلام فأمرهم فأعطوه الطعام ومکثوا یومهم ولیلتهم لم یذوقوا إلاّ الماء.

فلما کان الیوم الثانی قامت فاطمة علیها السلام إلی صاع وخبزته وصلی علی علیه السلام مع النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم ووضع الطعام بین یدیه إذ أتاهم یتیم فوقف بالباب وقال: السلام علیکم أهل بیت محمد یتیم بالباب من أولاد المهاجرین استشهد والدی أطعمونی فأعطوه الطعام فمکثوا یومین لم یذوقوا إلا الماء.

فلما کان الیوم الثالث قامت فاطمة علیها السلام إلی الصاع الباقی فطحنته واختبزته فصلی علی علیه السلام مع النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم ووضع الطعام بین یدیه إذ أتاهم أسیر فوقف بالباب وقال: السلام علیکم أهل بیت النبوة تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا، أطعمونی فإنی أسیر فأعطوه الطعام ومکثوا ثلاثة أیام ولیالیها لم یذوقوا إلا الماء، فأتاهم رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم فرأی ما

ص: 300

بهم من الجوع فأنزل الله تعالی:

(هَلْ أَتَی عَلَی الْإِنْسَانِ حِینٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ یَکُنْ شَیْئًا مَذْکُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِیهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِیعًا بَصِیرًا (2) إِنَّا هَدَیْنَاهُ السَّبِیلَ إِمَّا شَاکِرًا وَإِمَّا کَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْکَافِرِینَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِیرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ یَشْرَبُونَ مِنْ کَأْسٍ کَانَ مِزَاجُهَا کَافُورًا (5) عَیْنًا یَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ یُفَجِّرُونَهَا تَفْجِیرًا (6) یُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَیَخَافُونَ یَوْمًا کَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِیرًا (7) وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَی حُبِّهِ مِسْکِینًا وَیَتِیمًا وَأَسِیرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُکُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِیدُ مِنْکُمْ جَزَاءً وَلَا شُکُورًا)(1).

ثم قال: أخرجها أبو موسی)(2).

وذکر الواحدی فی أسباب النزول (فی بیان نزول قوله تعالی:

(وَیُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَی حُبِّهِ مِسْکِینًا وَیَتِیمًا وَأَسِیرًا).

فی سورة هل أتی قال: قال عطاء عن ابن عباس، وذلک أن علی بن أبی طالب علیه السلام نوبة آجر نفسه یسقی نخلاً بشیء من شعیر لیلة حتی أصبح وقبض الشعیر وطحن ثلثه فجعلوا منه شیئا لیأکلوه یقال له الحریرة فلما تم إنضاجه أتی مسکین فأخرجوا إلیه الطعام، ثم عمل الثلث الثانی فلما تم إنضاجه أتی یتیم فسأله فأطعموه إیاه، ثم عمل الثلث الباقی فلما تم إنضاجه أتی أسیر من المشرکین فأطعموه وطووا، یومهم ذلک، فأنزلت فیه هذه الآیة)(3).


1- سورة الإنسان، الآیات: 1 إلی 9.
2- فضائل الخمسة للسید مرتضی الفیروز آبادی: ص301 __ 302. أسد الغابة لابن أثیر: ج5، ص530.
3- فضائل الخمسة للسید مرتضی الفیروز آبادی: ج1، ص302 __ 303. أسباب النزول، الواحدی: ص331. (أقول) وذکره المحب الطبری أیضاً فی الریاض النضرة: ج2، ص227، وقال فیه: یقال له الحریرة دقیق بلا دهن وقال: هذا قول الحسن وقتادة إن الأسیر کان من المشرکین، وقال سعید ابن جبیر: الأسیر المحبوس من أهل القبلة. وذکره أیضا فی ذخائره: ص102.

ص: 301

4__ آیة المودة التی دعا الله تعالی فیها الأمة الإسلامیة إلی محبة واحترام أهل البیت علیهم السلام، یفهم من هذه الآیة الکریمة ما لهؤلاء الأطهار علیهم السلام من منزلة عند الله تعالی وعند رسوله صلی الله علیه وآله وسلم:

(قُلْ لَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِی الْقُرْبَی وَمَنْ یَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِیهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَکُورٌ)(1).

ورد فی تفسیر ابن جریر الطبری:

(روی بسنده عن أبی إسحاق قال: سألت عمرة بن شعیب عن قول الله عزّ وجل:

(قُلْ لَا أَسْأَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِی الْقُرْبَی).

قال: قربی النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم)(2).

ورد عن السیوطی فی الدر المنثور (وأخرج ابن مردویه من طریق ابن المبارک عن ابن عباس فی قوله: (إلا المودة فی القربی) قال __ رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم __:

«تحفظونی فی قرابتی»)(3).

ورد أیضا عن السیوطی فی الدر المنثور (وأخرج أبو نعیم والدیلمی عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلی الله علیه __ وآله __ وسلم:

«(لا أسألکم علیه أجراً إلا المودة فی القربی) أن تحفظونی فی أهل بیتی وتودوهم بی)»(4)


1- سورة الشوری، الآیة: 23.
2- فضائل الخمسة، السید مرتضی الفیروز آبادی: ج1، ص306. تفسیر الطبری: ج25، ص17.
3- فضائل الخمسة، السید مرتضی الفیروز آبادی: ج1، ص307. الدر المنثور للسیوطی.
4- المصدر السابق.

ص: 302

__ فضلهم علیهم السلام فی السنة النبویة

بعد أن بیّنا فضلهم علیهم السلام فی القرآن الکریم عن طریق مصادر أهل السنة صار من المناسب أن نقرن ذلک الذی بینا ببیان ما جاء فی فضلهم علیهم السلام علی لسان النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم وعن ذات الطریق لیکون حجة لنا علی غیرنا وهو کالآتی:

1__ حدیث الثقلین الذی یصرح بفضل أهل البیت علیهم السلام ودورهم فی قیادة الأمة ویبین حاجتها لهم کحاجتها لکتاب الله تعالی کما ورد ذلک فی سنن الترمذی:

(حَدَّثَنَا عَلِیُّ بْنُ الْمُنْذِرِ __ کُوفِیٌّ __ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَیْلٍ، قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَطِیَّةَ عَنْ أَبِی سَعِیدٍ وَالأَعْمَشُ عَنْ حَبِیبِ بْنِ أَبِی ثَابِتٍ عَنْ زَیْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ __ صلی الله علیه __ وآله __ وسلم __:

«إِنِّی تَارِکٌ فِیکُمْ مَا إِنْ تَمَسَّکْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِی أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ کِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَی الأَرْضِ وَعِتْرَتِی أَهْلُ بَیْتِی وَلَنْ یَتَفَرَّقَا حَتَّی یَرِدَا عَلَیَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا کَیْفَ تَخْلُفُونِی فِیهِمَا».

قَالَ هَذَا حَدِیثٌ حَسَنٌ غَرِیبٌ)(1).

2__ وما ذکره صاحب مستدرک الصحیحین فیه بیان أن أهل البیت علیهم السلام هم المراجع الذی ترجع إلیه الأمة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم: وهم الذین یرفعون الاختلاف الذی یقع فیها:

(عن سلیمان الأعمش قال: ثنا حبیب بن أبی ثابت، عن أبی الطفیل، عن زید بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم من حجة الوداع ونزل


1- سنن الترمذی: ج13، ص409، ح4157.

ص: 303

غدیر خم أمر بدوحات فقمن، فقال:

«کأنی قد دعیت فأجبت، إنی قد ترکت فیکم الثقلین: أحدهما أکبر من الآخر، کتاب الله تعالی، وعترتی، فانظروا کیف تخلفونی فیهما، فإنهما لن یتفرقا حتی یردا علی الحوض»)(1).

3__ الروایات التی تذکر أن نسب أهل البیت علیهم السلام وحسبهم فوق کل نسب وحسب وأفضل من کل نسب وحسب فی الدنیا والآخرة کثیرة نذکر منها:

جاس فی الجامع الصغیر للسیوطی:

«کل نسب وصهر ینقطع یوم القیامة إلا نسبی وصهری»(2).

وجاء فی مسند أحمد: (عَنْ عُبَیْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِی رَافِعٍ عَنِ الْمِسْوَرِ قَالَ: بَعَثَ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ إِلَی الْمِسْوَرِ یَخْطُبُ بِنْتًا لَهُ قَالَ لَهُ تُوَافِینِی فِی الْعَتَمَةِ فَلَقِیَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ الْمِسْوَرُ فَقَالَ مَا مِنْ سَبَبٍ وَلا نَسَبٍ وَلاَ صِهْرٍ أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ نَسَبِکُمْ وَصِهْرِکُمْ وَلَکِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ __ وآله __ وَسَلَّمَ قَالَ:

«فَاطِمَةُ شُجْنَةٌ مِنِّی یَبْسُطُنِی مَا بَسَطَهَا وَیَقْبِضُنِی مَا قَبَضَهَا وَإِنَّهُ یَنْقَطِعُ یَوْمَ الْقِیَامَةِ الأَنْسَابُ وَالأَسْبَابُ إِلاّ نَسَبِی وَسَبَبِی».

وَتَحْتَکَ ابْنَتُهَا وَلَوْ زَوَّجْتُکَ قَبَضَهَا ذَلِکَ فَذَهَبَ عَاذِرًا لَهُ)(3).

4__ هناک روایات متفرقة تشیر إلی فضائل متعددة یقف المرء مذهولا أمامها وهی کالآتی:


1- المستدرک علی الصحیحین للنیسابوری: ج10، ص377، ح4553، وج11، ص18، ح4694، باختلاف بسیط (إنی تارک فیکم الثقلین، کتاب الله، وأهل بیتی، وإنما لن یفترقا حتی یردا علیّ الحوض).
2- الجامع الصغیر لجلال الدین السیوطی: ج2، ص288، ح6361.
3- مسند أحمد بن حنبل: ج38، ص392، ح18167.

ص: 304

عن النبی صلی الله علیه __ وآله __ وسلم:

«یا أیها الناس إنی فرط لکم وإنکم واردون علیَّ الحوضَ حوض أعرض ما بین صنعاء وبصری فیه عدد النجوم قدحان من فضة وإنی سائلکم حین تردون علی عن الثقلین فانظروا کیف تخلفونی فیهما الثقل الأکبر کتاب الله سبب طرفه بید الله وطرفه بأیدیکم فاستمسکوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا عترتی أهل بیتی فإنه قد نبأنی اللطیف الخبیر أنهما لن یفترقا حتی یردا علیَّ الحوضَ».

الطبرانی ، وأبو نعیم فی الحلیة ، والخطیب عن أبی الطفیل عن حذیفة بن أسید)(1).

وجاء فی مسند أحمد بن حنبل: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِیُّ عَنْ شَدَّادٍ أَبِی عَمَّارٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَی وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَذَکَرُوا عَلِیًّا فَلَمَّا قَامُوا قَالَ لِی أَلا أُخْبِرُکَ بِمَا رَأَیْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ __ وآله __ وَسَلَّمَ قُلْتُ بَلَی قَالَ أَتَیْتُ فَاطِمَةَ رَضِیَ اللَّهُ تَعَالَی عَنْهَا أَسْأَلُهَا عَنْ عَلِیٍّ قَالَتْ:

«تَوَجَّهَ إِلَی رَسُولِ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ __ وآله __ وَسَلَّمَ».

فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حَتَّی جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیْهِ __ وآله __ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ عَلِیٌّ وَحَسَنٌ وَحُسَیْنٌ رَضِیَ اللَّهُ تَعَالَی عَنْهُمْ آخِذٌ کُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِیَدِهِ حَتَّی دَخَلَ فَأَدْنَی عَلِیًّا وَفَاطِمَةَ فَأَجْلَسَهُمَا بَیْنَ یَدَیْهِ وَأَجْلَسَ حَسَنًا وَحُسَیْنًا کُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَی فَخِذِهِ ثُمَّ لَفَّ عَلَیْهِمْ ثَوْبَهُ أَوْ قَالَ کِسَاءً ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآیَةَ:

(إِنَّمَا یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیرًا)(2).

وَقَالَ:


1- الجامع الکبیر للسیوطی: ج1، ص26788، ح677.
2- سورة الأحزاب، الآیة: 33.

ص: 305

«اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أَهْلُ بَیْتِی وَأَهْلُ بَیْتِی أَحَقُّ»)(1).

نکتفی بهذا المقدار لعلمنا أنه کاف لکل ذی لب، علما أن هناک فضائل لا یحیط بها أحد من الناس إلا الراسخون فی العلم.

__ بحث عقائدی
__ العدل الثانی

الحدیث عن القرآن والوقوف علی حقائقه وبواطنه لا یتسنی إلا للمعصوم الذی سدده الله تعالی لیکون حجة علی الناس، وهذا أمر لا جدال فیه کما فی القرآن الکریم من غرائب وعجائب وعلوم وحکم عبر وأمثال محکم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وبلاغة وبیان وفصاحة وتحدی وانتصار وغیب وشهود وأدب وأخلاق وعقائد وسنن، ولخص کل ذلک أمیر المؤمنین علیه السلام بوصفه للقرآن عندما قال:

«ترد علی أحدهم القضیة فی حکم من الأحکام، فیحکم فیها برأیه، ثم ترد تلک القضیة بعینها علی غیره، فیحکم فیها بخلاف قوله، ثم یجتمع القضاة بذلک عند الإمام الذی استقضاهم، فیصوب آراءهم جمیعا وإلههم واحد، ونبیهم  واحد، وکتابهم واحد. أفأمرهم الله بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله سبحانه دیناً ناقصا فاستعان بهم علی إتمامه، أم کانوا شرکاء له، فلهم أن یقولوا وعلیه أن یرضی، أم أنزل الله سبحانه دینا تاما فقصر الرسول صلی الله علیه وآله وسلم عن تبلیغه وأدائه، والله سبحانه یقول:

(مَا فَرَّطْنَا فِی الْکِتَابِ مِنْ شَیْءٍ)(2).


1- مسند أحمد بن حنبل: ج34، ص350، ح16374.
2- سورة الأنعام، الآیة: 38.

ص: 306

وفیه تبیان کل شیء، وذکر أن الکتاب یصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فیه، فقال سبحانه وتعالی:

(وَلَوْ کَانَ مِنْ عِنْدِ غَیْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اخْتِلَافًا کَثِیرًا)(1).

وإن القرآن ظاهره أنیق وباطنه عمیق»(2).

ولابد أن یکون القرآن الکریم هکذا لکی یصلح أن یکون منهاجاً البشر إلی الکمال والفوز والسعادة فی الدنیا والآخرة.

ولکی نسلط الضوء علی وصف القرآن الکریم لابد أن نطّلع علی أقوال محمد وآل محمد صلوات الله علیهم فی وصف کتاب الله العظیم:

1__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم لمّا قیل له: أمَّتُکَ سَتُفتَنُ: ما المَخرَجُ مِن ذلک، قال:

«کِتابُ اللهِ العَزیزُ، الذی لاَ یَأتیهِ الباطِلُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزیلٌ مِنْ حَکیمٍ حَمیدٍ، مَنِ ابْتَغی العِلْمَ فی غَیْرِهِ أضَلَّهُ اللهُ»(3).

2__ عن أمیر المؤمنین علیه السلام فی صفة القرآن قال:

«جَعَلَهُ اللهُ ریّاً لِعَطَشِ العُلَماءِ، وَرَبیعاً لِقُلوبِ الفُقَهاءِ، وَمَحاجّ لِطُرُقِ الصُّلَحاءِ، وَدَواءً لیسَ بَعْدَهُ داءٌ، ونوراً لیسَ مَعَهُ ظَلمَةٌ»(4).

وعنه علیه السلام أیضا:

«اعْلَموا أنَّ هذا القرآنَ هُوَ النّاصِحُ الذی لاَ یَغُشُّ، والهادی الذی لاَ یَضِلُّ،


1- سورة النساء، الآیة: 82.
2- نهج البلاغة، الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام: ج1، ص54 __ 55، ح18.
3- تفسیر العیاشی: ج1، ص6، ح11. میزان الحکمة: ج8، ص3325، ح16411.
4- نهج البلاغة: الخطبة 198. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج10، ص199. میزان الحکمة: ج8، ص3325، ح16412.

ص: 307

والمُحَدِّثُ الذی لاَ یَکْذِبُ، وما جالَسَ هذا القرآنَ أحَدٌ إلاّ قامَ عَنْهُ بِزِیادَةٍ أو نُقْصانٍ، زیادَةٍ فی هُدًی، أو نُقْصانٍ مِن عَمًی»(1).

3__ عن الإمام الحسن علیه السلام قال:

«إنّ هذا القرآنَ فیهِ مَصابیحُ النُّورِ وشِفاءُ الصُّدورِ، فَلْیَجلُ جالٍ بِضَوئِهِ، ولیُلجمِ الصِّفَةَ قَلبَهُ فإنَّ التَّفکیرَ حَیاةُ القَلبِ البَصیرِ کما یَمشی المُستَنیرُ فی الظُّلُماتِ بالنّورِ»(2).

4__ عن الإمام الصادق علیه السلام لمّا سُئل: ما بالُ القرآن لا یَزدادُ عَلی النَّشرِ والدَّرس إلاّ غَضاضَةً؟، قال:

«لأنَّ اللهَ تَبارَکَ وَتَعالی لَمْ یَجْعَلْهُ لِزَمانٍ دونَ زَمانٍ، ولاَ لِناسٍ دونَ ناسٍ، فَهُوَ فی کُلِّ زَمانٍ جَدیدٌ، وعِنْدَ کُلِّ قَوْمٍ غَضٌّ إلی یَومِ القِیامَةِ»(3).

5__ عن الإمام الرضا علیه السلام فی صفة القرآن قال:

«هُوَ حَبْلُ اللهِ المَتینُ، وَعُرْوَتُهُ الوُثْقی، وَطَریقَتُهُ المُثلی، المُؤَدِّی إلَی الجَنَّةِ، والمُنجی مِنَ النّارِ، لاَ یَخْلُقُ عَلی الأزْمِنَةِ، ولاَ یَغِثّ علی الألْسِنَةِ، لأنَّهُ لَمْ یُجْعَلْ لِزَمانٍ دونَ زَمانٍ، بَلْ جُعِلَ دَلیلَ البُرْهانِ، والحُجَّةَ عَلی کُلِّ إنسانٍ، لاَ یَأتیهِ الباطِلُ مِنْ بَیْنَ یَدَیْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزیلٌ مِنْ حَکیمٍ حَمیدٍ»(4).

بعد أن عرفنا وصف القرآن عن أهله صار تأکید النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم علی التمسک به هادیاً ولازما للأمة التی تبغی النجاة فی الدنیا والسعادة فی الآخرة.


1- نهج البلاغة: الخطبة 176. شرح نهج البلاغة لابن أبی الحدید: ج10، ص18. میزان الحکمة: ج8، ص3325 __ 3326، ح16413.
2- کشف الغمّة: ج2، ص199. میزان الحکمة: ج8، ص3329 __ 3330، ح16438.
3- بحار الأنوار: ج92، ص15، ح8 وح9. میزان الحکمة: ج8، ص3328، ح16435.س
4- عیون أخبار الرضا علیه السلام: ج2، ص130، ح9. میزان الحکمة: ج8، ص3329، ح16436.

ص: 308

ولکی نصل إلی معرفة من له القدرة علی فهم القرآن الکریم لابد أن نقف علی حقیقتهم:

1__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال:

«ما أنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ آیَةً إلاّ لَها ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وکُلُّ حَرْفٍ حَدٌّ، وکُلُّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ»(1).

2__ عن الإمام زینُ العابدین علیه السلام قال:

«کِتابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ علی أرْبَعَةِ أشْیاءَ: عَلی العِبارَةِ، وَالإشارَةِ، واللَّطائِفِ، وَالحَقائِقِ، فَالعِبارَةُ لِلْعَوامِّ، وَالإشارَةُ لِلْخَواصِّ، واللَّطائِفُ لِلأَوْلِیاءِ، وَالحَقائِقُ لِلأَنْبِیاءِ»(2).

3__ عن الإمام الباقر علیه السلام قال:

«إنَّ لِلْقُرآنِ بَطْناً، ولِلْبَطْنِ بَطْناً، ولَهُ ظَهْرٌ، ولِلظَّهْرِ ظَهْرٌ... وَلَیْسَ شیءٌ أبْعَدَ مِنْ عُقولِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسیرِ القرآنِ، إنَّ الآیَةَ لَتَکُونُ أوَّلُها فی شَیء وَآخِرُها فی شیءٍ، وهُوَ کَلامٌ مُ_تَّصِلٌ یَتَصرَّفُ عَلی وُجوهٍ»(3).

وبعد معرفة حقیقته اتضح لنا نهی رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم وآله الطاهرین علیهم السلام عن تفسیر القرآن الکریم بالفهم الخاص والرأی والجهل کما فی قولهم (صلوات الله علیهم).

1__ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«قالَ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ: ما آمَنَ بی مَنْ فَسَّرَ بِرَأیِهِ کَلامی»(4)


1- کنز العمال: 2461. میزان الحکمة: ج8، ص3349، ح16570.
2- بحار الأنوار: ج92، ص20، ح18. میزان الحکمة: ج8، ص3349، ح16571.
3- بحار الأنوار: ج92، ص95، ص48. میزان الحکمة: ج8، ص3349، ح16572.
4- بحار الأنوار: ج92، ص107، ح1. میزان الحکمة: ج8، ص3349، ح16575.

ص: 309

2__ عن رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم قال:

«مَنْ قالَ فی القرآنِ بِغَیْرِ عِلْمٍ فَلْیَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»(1).

3__ عن النبی الأکرم صلی الله علیه وآله وسلم أنه قال:

«مَنْ تَکَلَّمَ فی القُرآنِ بِرَأیْهِ فَأَصابَ فَقَدْ أخْطَأَ»(2).

4__ قال رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم:

«أکْثَرُ ما أخافُ علی أُمَّتِی مِنْ بَعْدی رَجُلٌ یَتَأوَّلُ القُرْآنَ یَضَعُهُ عَلی غَیْرِ مَواضِعِهِ»(3).

5__ عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال:

«مَنْ فَسَّر القُرآنَ بِرَأْیِهِ فَأَصابَ لَمْ یُؤْجَرْ، وَإنْ أخْطَأَ کانَ إثْمُهُ عَلَیْهِ»(4).

6__ قال الإمام الباقر علیه السلام لِقَتادةَ بنِ دِعامة:

«یا قَتادَةُ، أنْتَ فَقیهُ أهْلِ البَصْرَةِ؟».