البداء آیة عظمة اللّه: دراسة تحلیلیّة فی علم اللّه تعالی وقدرته والبداء

اشارة

سرشناسه : علم الهدی ، محمدباقر ، 1341 - 1389

عنوان ونام پدیدآور: البداء آیة عظمة اللّه: دراسة تحلیلیّة فی علم اللّه تعالی وقدرته والبداء/محاضرات الشیخ محمّدباقر علم الهدی ؛ السیّدعلیّ الرضویّ .

مشخصات نشر : مشهد ، ولایت ، 1390 .

مشخصات ظاهری : 336ص .

فروست : سلسلة الدروس المعارفیة .

شابک : 5 - 39 - 6172 - 964 - 978

وضعیت فهرست نویسی : فیپا

یادداشت : عربی .

یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس و همچنین از ص315 - 322 .

موضوع : بداء

موضوع : خدا - - علم لا یتناهی

موضوع : خدا - قدرت لا یتناهی

شناسه افزوده : رضوی ، سید علی ، 1356

رده بندی کنگره : 1390 4 ب 83 ع / 44 / 218 BP

رده بندی دیویی : 42/297

شماره کتابشناسی ملی : 2608465

البداء آیة عظمة اللّه

محاضرات العلاّمة الشیخ محمّدباقر علم الهدی

تقریر : السیّد علیّ الرضویّ

الناشر : منشورات الولایة

الطبعة الأولی 1433ه.ق (1390)

الکمیّة : 1000 نسخة

المطبعة : شرکة الطباعة والنشر التابعة للآستانة الرضویّة المقدّسة

الشابک : 5 - 39 - 6172 - 964 - 978

المرکز التوزیع : شارع خسروی نو - سوق الکبیر لبیع السجّاد - منشورات الولایة

الهاتف : 2221317 - 0511

النقّال : 09151576003

web-site:www.velayatpub.ir

Email: velayatpub@info.ir

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ * الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ *

مالِکِ یَوْمِ الدِّینِ * إِیِّاکَ نَعْبُدُ وَإِیَّاکَ نَسْتَعِینُ *

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیمَ *

صِرَاطَ الَّذِینَ أَ نْعَمْتَ عَلَیْهِمْ غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ وَلاَ الضَّآ لِّینَ *

الفاتحة علی روح المرحوم

الحاج فائق زید الکاظمیّ رحمة اللّه علیه

ص: 2

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا الْمُرْتَضَى الْإِمَامِ التَّقِيِّ النَّقِيِ وَ حُجَّتِكَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ وَ مَنْ تَحْتَ الثَّرَى الصِّدِّيقِ الشَّهِيدِ صَلاَةً كَثِيرَةً تَامَّةً زَاكِيَةً مُتَوَاصِلَةً مُتَوَاتِرَةً مُتَرَادِفَةً كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِكَ.

ص: 3

اللَّهُمَّ کُنْ لِوَلِیِّکَ الحُجَهِ بنِ الحَسَن. صَلَواتُکَ علَیهِ و عَلی آبائِهِ فِی هَذِهِ السَّاعَهِ وَ فِی کُلِّ سَاعَهٍ وَلِیّاً وَ حَافِظاً وَ قَائِداً وَ نَاصِراً وَ دَلِیلًا وَ عَیْناًحَتَّى تُسْکِنَهُ أَرْضَکَ طَوْعاً وَ تُمَتعَهُ فِیهَا طَوِیلا

ص: 4

سلسلة الدروس المعارفیّة

البداء

آیة عظمة اللّه

دراسة تحلیلیّة فی علم اللّه تعالی وقدرته والبداء

محاضرات العلاّمة الشیخ محمّد باقر علم الهدی

السیّد علیّ الرضویّ

ص: 5

سرشناسه : علم الهدی ، محمدباقر ، 1341 - 1389

عنوان ونام پدیدآور: البداء آیة عظمة اللّه: دراسة تحلیلیّة فی علم اللّه تعالی وقدرته والبداء/محاضرات الشیخ محمّدباقر علم الهدی ؛ السیّدعلیّ الرضویّ .

مشخصات نشر : مشهد ، ولایت ، 1390 .

مشخصات ظاهری : 336ص .

فروست : سلسلة الدروس المعارفیة .

شابک : 5 - 39 - 6172 - 964 - 978

وضعیت فهرست نویسی : فیپا

یادداشت : عربی .

یادداشت : کتابنامه به صورت زیرنویس و همچنین از ص315 - 322 .

موضوع : بداء

موضوع : خدا - - علم لا یتناهی

موضوع : خدا - قدرت لا یتناهی

شناسه افزوده : رضوی ، سید علی ، 1356

رده بندی کنگره : 1390 4 ب 83 ع / 44 / 218 BP

رده بندی دیویی : 42/297

شماره کتابشناسی ملی : 2608465

البداء آیة عظمة اللّه

محاضرات العلاّمة الشیخ محمّدباقر علم الهدی

تقریر : السیّد علیّ الرضویّ

الناشر : منشورات الولایة

الطبعة الأولی 1433ه.ق (1390)

الکمیّة : 1000 نسخة

المطبعة : شرکة الطباعة والنشر التابعة للآستانة الرضویّة المقدّسة

الشابک : 5 - 39 - 6172 - 964 - 978

المرکز التوزیع : شارع خسروی نو - سوق الکبیر لبیع السجّاد - منشورات الولایة

الهاتف : 2221317 - 0511

النقّال : 09151576003

web-site:www.velayatpub.ir

Email: velayatpub@info.ir

ص: 6

شكر وتقدير :

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين ، لا سيّما بقيّة اللّه في الأرضين الإمام الحجّة بن الحسن ، فداه أرواح العالمين ، واللّعن الدائم على أعدائهم أجمعين .

أمّا بعد ، فهذه حصيلة أبحاث شيخنا العلّامة محمّد باقر علم الهدى ، حفظه الباري تعالى ورعاه في بحث «البداء» وما يتعلّق به .

ولمّا كانت هذه المباحث من أهمّ المباحث المعارفيّة ، أحببت أن أجمعها في كتاب يحتوي على أهمّ أُمورها ، فجمعتها تذكرة لنفسي ولغيري ، وللّه تعالى الحمد والمنّة على توفيقه الحسن الجميل ، ولأستاذنا خالص الشكر ، وعلى اللّه أجره .

هذا ، وينبغي أن أُشير إلى أنّ هذا الكتاب يحتوي على بعض ما استوحيته من بيانات سيّدنا الأُستاذ آية اللّه عليّ رضا القدّوسي قدس سره ، وكذا إفادات شيخنا الأُستاذ العالم الربّانيّ الميرزا جلال المرواريد حفظه اللّه تعالى ورعاه . فلا يسعني إلّاأن أسأل الباري تعالى أن يتقبّل منهما صالح أعمالهما ، وأن يحشرهما مع محمّد وآله الطاهرين صلواته عليهم أجمعين ، وأن يتقبّل منّي هذا العمل ببركتهم ، إنّه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

ص: 7

وينبغي أن أتقدّم بالشكر الجزيل لشيخي وأُستاذي سماحة الشيخ كاظم الخراسانيّ حيث عرّفني بهذه الثلّة الطيّبة من العلماء الأبرار وبذل وقتاً كثيراً في بيان المعارف الإلهيّة وتصحيح كتابي «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» و «سدّ المفرّ على منكر عالم الذرّ» .

وكذا أشكر سماحة السيّد العمّ جواد الرضويّ على تصحيحه هذا الكتاب وبعض الكتب الأخرى .

مشهد المقدّسة

عليّ الرضويّ

16/صفر الخير/1430

ص: 8

الفصل الأوّل : أهمّية البداء

يظهر من الأدلّة أنّ معرفة البداء من أهمّ المعارف الإلهيّة وأشرفها ، بحيث إنّ اللّه تعالى ما كان ليبعث نبيّاً إلّابعد الإقرار بالبداء له وأنّه تعالى يمحو ما يشاء ويثبت .

والظاهر أنّ الوجه في أهمّية الإعتقاد به أنّه يرجع إلى الإعتقاد بسعة علم اللّه تعالى وسعة قدرته وسعة مالكيّته ، فعدم الإعتقاد به يوجب الخلل في المعرفة إمّا من ناحية الشبهة في علمه تعالى والذهاب إلى أنّ اللّه تعالى خلق ما علم وما لم يخلقه إنّما لم يخلقه لجهله به وإمّا من جهة دخول الشبهة عليه في سعة قدرته تعالى على أن يفعل ما يريد ، وإمّا من جهة التشكيك في سعة مالكيّة اللّه تعالى . ولذا يكون إنكار البداء إنكار ركن أصيل من أركان المعرفة .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

قد تبيّن ممّا أوردنا من الآيات والروايات أنّه تعالى مالك وقادر بذاته للفعل وضدّه ونقيضه في مرتبة ذاته ، فيمتنع صدور الفعل عنه إيجاباً من دون إعمالٍ لمالكيّته وقادريّته .

وحيث إنّه سبحانه حكيم لا يختار إلّاما كان مطابقاً للحكمة ، فلا محالة يختار الأفعال الحكيمة ، وبديهيّ أنّ كون الفعل مطابقاً للحكمة ، ليس علّة لإيجاده ، بل القدرة حاكمة عليها ، فيفعل ما يفعل عن اقتدار وسلطانه .

وحيث إنّه لا إيجاب عليه تعالى في ما يختاره ويفعله ، فله سبحانه تبديل ما قدّره أوّلاً بتقدير جديد بما كان مطابقاً للحكمة أيضاً عن

ص: 9

سلطانه ومالكيّته . وهذا هو سرّ البداء ومنشؤه . أمّا إذا كان صدور الفعل إيجاباً عليه تعالى ، فلا يكون له تعالى قدرة ولا مالكيّة ولا مشيّة ولا إرادة . فعليه لا يكون تعالى قادراً ومالكاً على الإطلاق ، فيبطل توحيده تعالى بالقدرة والمالكيّة .

ومن هنا يعلم أنّ إنكار البداء الذي هو آية كونه سبحانه قادراً ومالكاً ، إنكار لعين القدرة والمالكيّة . فما عُظّم اللّه بمثل البداء . وهو سبحانه يَمْلِك من الأنام ما يشاء ولا يملكون منه إلّاما يريد .

وحيث إنّ معرفة البداء ونيل أسراره وأغواره والتسليم في قباله عبادة ذاتيّة ، فما عبد اللّه بشيء بمثل البداء . ومن هنا يُعلم أيضاً شأنه وموقعه في معرفته تعالى وتوحيده أنّه ما تنبّأ نبيّ إلّاأن يقرّ بالبداء (1) . انتهى كلامه رفع مقامه

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام : ما بعث اللّه عزّ وجلّ نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبوديّة ، وخلع الأنداد ، وأنّ اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء (2) .

عن الإمام الرضا عليه السلام : ما بعث اللّه نبيّاً قطّ إلّابتحريم الخمر ، وأن يقرّ له بالبداء (3) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام : ما بعث اللّه نبيّاً قطّ حتّى يأخذ عليه ثلاثاً : الإقرار للّه بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأنّ اللّه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء (4) .

عن مرازم بن حكيم قال : سمعت الإمام أبا عبد اللّه عليه السلام يقول : ما تنبّأ نبيّ قطّ حتّى يقرّ للّه بخمس خصال : بالبداء والمشيئة والسجود والعبوديّة والطاعة (5) . .

ص: 10


1- . توحيد الإماميّة : 392 - 393 .
2- . بحارالأنوار : 108/4 ، التوحيد : 333 .
3- . بحارالأنوار : 108/4 ، التوحيد : 331 .
4- . بحارالأنوار : 108/4 ، المحاسن : 233/1 .
5- . الكافي : 148/1 .

أقول : لعلّ المراد من المشيّة في المقام حدوثها في قبال من ذهب إلى المشيّة الأزليّة ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه المنتجبون .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : إنّ عبد المطّلب أوّل من قال بالبداء ، يبعث يوم القيامة أمّة وحده ، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء (1) .

أفاد العلّامة المجلسيّ قدس سره في قوله عليه السلام : «أوّل من قال بالبداء» : «أي من قومه بني إسماعيل أو من غير الأنبياء» (2) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام : ما عظّم اللّه بمثل البداء (3) .

عن زرارة بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال : ما عبد اللّه بشيء مثل البداء (4) .

بيان : العبوديّة لغة بمعنى منتهى الخضوع للمعبود بحيث لا ينبغي إلّاللمالك ، أو هي عبارة عن منتهى الخضوع للمعبود مع الإعتقاد بمالكيّته للعابد ، ومن اعتقد بالبداء وأنّ اللّه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء ، يكون في منتهى الخضوع للّه تعالى . .

ص: 11


1- . الكافي : 447/1 .
2- . مرآة العقول : 237/5 .
3- . الكافي : 146/1 .
4- . الكافي : 146/1 .

ص: 12

الفصل الثاني : الوجه في البداء

اشارة

الظاهر أنّ الوجه في وقوع البداء للّه تعالى هو إظهار سلطانه لعباده ، فتزداد بذلك معرفتهم به تعالى وأنّه على كلّ شيء قدير ، فإنّ معرفة إحاطة اللّه تعالى بخليقته بحيث له أن يفني من يشاء منهم ، وله أن يبقي من يشاء ، وله أن يزيد في الخلق ما يشاء أو ينقص ، ليزيد معرفة العارف باللّه تعالى ، فيعرف ربّه بالسلطنة التامّة على خلقه ، وأنّه في قبضته ، يفعل به ما شاء ، ولذا يخشاه ويخافه مع أنّه لا يشكّ بعدالة الباري تعالى فإنّ العباد لا يخافون إلّاالعدل منه كما ورد في الدعاء «و من كلّ عدلك مهربي» (1) ، ويرجوه بلا نهاية لمعرفة قدرته على الرحمة المطابقة للحكمة ، وأنّ الفضل يليق بربوبيّته ، فيبقى العارف باللّه بين الخوف والرجاء أبداً ، فيظلّ مراقباً لنفسه يلومها على التجرّي على مالكها ، ويوبّخها على انتهاك حدوده ، ويحمد اللّه الخالق على التوفيقات التي ساعدته على الحسنات ، ويرجوه لأن يعفو عن ذنبه .

وبكلمة واضحة ، يعلم أنّ اللّه تعالى مبسوط اليدين ، إن شاء أخذ أخذ عزيز مقتدر وهو عدل ، وإن شاء يرحم ويعفو وهو فضل ، فإنّ اللّه تعالى كلّ يوم هو في شأن ، وإنّه يفعل ما يشاء ، ويرحم من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، ويعذّب من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، لا يسئل عن فعله وهم يسئلون ، لأنّ أفعاله إمّا عدل أو فضل ، وحُسْن كلاهما ذاتيّ ، لا يعلّل بعلّة حتّى يُسأل عن وجه فعله تعالى .

لا يقال : أنّه لا يمكن لنا الإطّلاع على وقوع البداء للّه تعالى فلا يكون معرفة البداء ممّا يزيد في معرفة العبد ، إذ البداء فعل إلهيّ ولا يمكن للمخلوق الإطّلاع عليه .

ص: 13


1- . الإقبال : 345 .

لأنّه يقال : يمكن معرفة البداء عبر أمرين :

الأمر الأوّل :

رؤية آثار التقدير الأوّل ثمّ رؤية التقدير الثاني كما حصل لقوم يونس عليه السلام حيث رأوا آثار العذاب ثمّ أدركتهم الرحمة الإلهيّة ، وكما يحصل لكثير منّا في كثير من الأحيان عند الإتيان ببعض الصالحات المؤثّرة في التقديرات الإلهيّة كصلة الرحم والصدقة وزيارة سيّد الشهداء عليه السلام ، فإنّا قد نرى آثار التقدير الأوّل باقتراب البلاء منّا إلّاأنّه يحجبه عنّا التقدير الجديد الثاني فنشكر اللّه تعالى على رفعه البلاء .

وكذا الأمر في جانب تقدير البلاء بعد إتيان ما يستلزم ذلك ، فإنّه قد يكون الواحد منّا ماضياً في حياة سعيدة ، إلّاأنّه يرتكب فيها بعض المحرّمات فتتبدّل حياته إلى حياة تعيسة ، فيعرف بذلك أنّ التقدير الثاني إنّما هو لأجل أفعاله القبيحة كما هو صريح قوله تعالى «إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (1) فإنّ تغيير النعمة ليس إلّالأجل الأعمال القبيحة الصادرة عن اختيار الإنسان .

الأمر الثاني :

إخبار الأنبياء والأولياء عليهم السلام بإمكان التغيير في التقديرات الإلهيّة بل وقوع التغيير في بعضها ، ومعرفة ذلك من الأنبياء الذين ثبت صدقهم يكفي في حصول حالة الخوف والرجاء عند المؤمن .

أمّا الكلام حول البداء عن علم وقدرة وحكمة وإمكان التغيير في التقديرات ، فسيأتي في غضون البحث إن شاء اللّه تعالى ، فانتظر .

ص: 14


1- . الرّعد : 11 .

الفصل الثالث : إجمال معنى البداء

وهو يتوقّف على بيان أمور :

قد ثبت بالأدلّة أنّ للّه تعالى البداء في ما شاء وكيف شاء ، فإنّه لا حدّ لعلمه تعالى - لعلمه بالكائنات واللّاكائنات والتقديريّات بما لا يتناهى - ولا حدّ لقدرته - فإنّه على كلّ شيء قدير - ولا حدّ لحكمته - فإنّ الحكمة كما عرفت لا تنحصر بحسب الغالب في صورة واحدة - ولذا له أن يمحو ما كان - مع أنّ التقدير الأوّل كان تقديراً حكيماً - وأن يثبت بعده ما شاء لكمال ذاته وكونه تعالى ذا رأي وبداء .

والإلتزام بما ذكرناه لا يوجب إثبات الجهل في حقّه تعالى لأنّ اللّه تعالى عالم أزلاً ، فهو عالم بهذا الكون ونقيض هذا الكون وأمثال هذا الكون بما لا يتناهى ، وهو عالم بصور حكيمة لا متناهية للأكوان اللّامتناهية . فكما أنّه عالم بهذا الكون عالم أيضاً بكون آخر ذي حكمة ، فليس خلق هذا الكون من دون سائرها لعدم قدرته تعالى على خلقها بل هي متساوية بالنسبة إلى قدرته ، ولذا لابدّ لها من المرجّح :

والمرجّح هو رأيه وبداؤه ، كما أنّ ترجيح خلق هذا الكيان على سائر الأكوان ليس بعد وجود مصلحة فيه دون ما لم يختره ، بل لرأيه وبدائه الواقع على هذا الكون دون سائر الأكوان .

و بعبارة أخرى : إنّ علم اللّه تعالى لا حدّ له أبداً فإنّه عالم بهذا الكون ولا كونه ، وهو عالم بأكوان متساوية في الحكمة ، وبأكوان فاقدة للحكمة وهكذا ، بل هو عالم بالتقديريّات والممتنعات أيضاً فإنّه يعلم أنّ وجود إلهين يوجب الفساد في الكون

ص: 15

كما قال سبحانه : «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا» (1) ولمّا كانت الأكوان الحكيمة وغيرها متساوية بالنسبة إلى قدرته تعالى وكان اللّه تعالى قادراً على ما يريد ، ولمّا كان تعالى عالماً بأكوان متساوية في أصل الحكمة ، لا بدّ لثبوت أحدها من التعيين ، فإنّ الشيء لا بدّ من تعيينه كي يقع في الخارج ، ولذا لابدّ من رأيه وبدائه المرجّح لأحد الأكوان التي علمها اللّه تعالى بالعلم بلا معلوم فتحقّق أحد تلك الأنظمة الحكيمة المعلومة للّه تعالى بالعلم بلا معلوم متوقّف على رأيه وبدائه المرجّح لأحدها .

ولمّا كانت حكيمة ، لا يسئل عن علّة اختياره لأحدها دون غيره ، فإنّ الإعتراض لا يجوز على الفعل الحكيم ، والحكمة غير منحصرة في واحد منها واختيار الحكيم من سائر الأنظمة الحكيمة فعل حكيم لا يسئل فاعله عنه ، ولذا قال تعالى : «لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ » (2) .

وورد في دعاء أبي حمزة المروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام «ترحم من تشاء بما تشاء كيف تشاء وتعذّب من تشاء بما تشاء كيف تشاء» فإنّ العفو عن المذنبين فضل وهو فعل حكيم ، كما أنّ تعذيبهم بسبب أفعالهم الإختياريّة عدل وهو فعل حكيم أيضاً ، ولذا لا يسئل عن فعله أبداً سواء كان فضلاً ورحمة أم نقمة وعذاباً .

و بعبارة ثالثة فيها توضيح للمطلب : معرفة البداء الذي هو آية عظمة الربّ تعالى يتوقّف على أمور :

الأوّل : معرفة أنّ علمه تعالى علمان : علم مكفوف وعلم مبذول . والظاهر أنّ المراد من العلم المكفوف هو العلم الذي لا حدّ له ولا نهاية له أبداً فإنّه تعالى علم كلّه وقدرة كلّه ، وإنّه تعالى عالم أزلاً وعلمه تعالى كشف للمعلوم قبل وقوعه ، فعلمه تعالى علم بلا معلوم وكان اللّه تعالى عالماً بهذا النظام الذي خلقه قبل خلقه ، كما كان تعالى عالماً بنقيضه ولا وقوعه ، وهو تعالى عالم بأنظمة كونيّة بلا نهاية . .

ص: 16


1- . الأنبياء : 22 .
2- . الأنبياء : 23 .

و أمّا العلم المحمول فهو العلم الذي حمّله رسله وأنبياءه وأولياءه وملائكته ، فإنّه لمّا كان تعالى عالماً بأنظمة كونيّة متعدّدة بلا معلوم ولمّا تعلّقت مشيّته تعالى بخلق الخلق ، يكون تحميل أوليائه العلم تعييناً لأحد تلك الأنظمة اللامتناهية المعلومة للّه تعالى بالعلم بلا معلوم (أو آية لما تعلّق به رأيه القدّوس) .

فالعلم المحمول هو آية رأي اللّه تعالى لتعيين أحد الأنظمة المعلومة له كي يخلق هذا النظام دون سائرها . والظاهر من الأخبار أنّ هذا العلم مسمّى بالمشيّة أيضاً ، ولذا يكون العالم به حاملاً لمشيّة اللّه تعالى . وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى .

وهذا العلم علم بلا معلوم أيضاً لأنّه إنباء بما سيفعله في الخارج مستقبلاً .

الثاني : معرفة عدم انحصار الحكمة في نظام واحد بل إنّه تعالى عالم بأنظمة لا متناهية حكيمة كما أنّه تعالى عالم بأنظمة لا متناهية غير حكيمة أيضاً . وبما أنّه تعالى حكيم لا يختار الفعل الغير حكيم إلّاأنّه تعالى له أن يختار من بين الأنظمة الحكيمة اللامتناهية نظاماً للخلق ، فإنّه تعالى علم كلّه وعالم بجميع الأنظمة اللامتناهية بالعلم بلا معلوم ، وتحقّق شيء منها دون سائرها يحتاج إلى تعيين ، والمعيّن هو رأيه القدّوس المستند إلى كمال ذاته .

وبما أنّ الأنظمة التي يختار من بينها كلّها حكيمة ، لا يسئل عن علّة اختياره لأحدها دون غيرها ، ذلك أنّ جميعها مطابقة للحكمة ، ولذا قال تعالى : «لا يسئل عمّا يفعل وهم يسألون» .

الثالث : معرفة قدرته تعالى ، فإنّه تعالى على كلّ شيء قدير فما لم يكن وقوعه مستحيلاً في الخارج مقدور للّه تعالى ، فقدرته تعالى على جميع الأنظمة اللامتناهية المعلومة له تعالى بالعلم بلا معلوم توجب مساواة جميعهم بالنسبة إليه تعالى ، فله أن يفعل وله أن لا يفعل ، ولا ملزم لأحد الأطراف ، فإنّ له تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

نعم ، إنّه تعالى لا يفعل القبيح عن قدرة ولذا يسبّح ويمجّد فإنّه تعالى وإن كان

ص: 17

قادراً على الظلم إلّاأنّه لا يظلم أحداً ، بل إنّه تعالى لا يحتاج إلى الظلم كما ورد في الدعاء «إنّما يحتاج إلى الظلم الضعيف واللّه أقهر من ذلك» (1) فإنّ من كان قادراً على إيجاد مقاصده من طريق العدل ، لا يظلم أبداً .

الرابع : أنّه لابدّ لتحقّق الشيء في الخارج من مضيّه في سبع مراحل كما ورد في الخبر :

عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام : لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلّا بسبع : بقضاء وقدر وإرادة ومشيّة وكتاب وأجل وإذن . فمن زعم غير هذا ، فقد كذب على اللّه أو ردّ على اللّه عزّوجلّ (2) .

وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء اللّه تعالى .

الخامس : بعد ما عرفت أنّ اللّه تعالى عالم بأنظمة لا متناهية بالعلم بلا معلوم وأنّه تعالى قادر عليها فهي في قبال قدرته سواء ويكون المخصّص لأحد تلك الأنظمة رأيه وبدائه القدّوس ، فالمعيّن لأحدها دون سائرها هو رأيه تعالى المستند إلى كمال ذاته فإنّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا يحقّ لأحد الإعتراض عليه أبداً .

وهل يجوز للمخلوق الضعيف أن يعترض على الربّ الجليل السلطان القدّوس العالم القادر العدل الحكيم ؟ أو لم يكن فعله تعالى مطابقاً للحكمة ؟ أو لم يكن فعله عدلاً أو فضلاً وكلاهما حسن في غاية الحسن ؟ فإن خلق ، يكون ذلك مستنداً إلى الفضل ، وإن لم يخلق يكون ذلك مستنداً إلى العدل ، فأيّ وجه للإعتراض عليه ؟ جلّت ساحة قدسه عن إعتراض الجاهلين فإنّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ويرحم من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، ويعذّب من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، ولا يسئل عن فعله وهم يسئلون .

بل إنّ أصل الخلق مبنيّ على التفضّل كما ورد في الدعاء «بنيت أفعالك على .

ص: 18


1- . بحارالأنوار : 53/5 ، الصحيفة السجاديّة : 240 .
2- . الكافي : 149/1 .

التفضّل» (1) ولذا ورد في الأخبار أنّه تعالى كان ولم يكن معه شيء ثمّ خلق الخلق فهو أزليّ ، وكان ولم يكن معه شيء بوجه من الوجوه ثمّ خلق الخلق فأصل الخلق مؤسّس على التفضّل . ولذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام : أنّ أوّل النعم هي نعمة الخلق «أن خلقني جلّ ثناؤه ولم أك شيئاً مذكوراً» (2) .

ومن هنا ، يكون السؤال عن علّة تعلّق رأيه القدّوس بخلق هذا النظام دون سائر الأنظمة من أفحش الأغلاط ، لأنّ هذا النظام حكيم كسائرها والمرجّح له هو رأيه القدّوس المستند إلى كمال ذاته تعالى ، فهو ذا رأي وذا بداء وذا قدرة . هذا بالنسبة إلى ترجيح أحد الأنظمة اللامتناهية الحكيمة على سائرها .

وأمّا بالنسبة إلى البداء في النظام الكائن الحكيم ، فأمره يعرف ممّا ذكرناه ، فإنّ اللّه تعالى - وإن تعلّقت مشيّته بوجود شيء وأراده وقدّره وقضاه - إلّاأنّ له أن يبدو له قبل تحقّق الشيء في الخارج ، فإنّ الأمر - وإن أُبرم إبراماً - لا يوجب الحكم على اللّه تعالى بلزوم إتيانه ، لأنّه تعالى قادر على تغيير مشيّته قبل وقوع القضاء بالإمضاء ، والحكمة لا تنحصر في أمر واحد كي يلتزم به تعالى ، بل هو تعالى عالم بأُمور وتقديرات حكيمة في شيء واحد بما لا يعلمه إلّاهو .

و لمّا كان التغيير في العلم المحمول لا يمسّ علمه المكفوف بسوء - إذ أنّه مقدّس عن كلّ تغيير فإنّه كشف للأنظمة اللامتناهية الحكيمة ونقيضها فإنّه تعالى كما هو عالم بهذا النظام عالم بغيره ونقيضه أيضاً - لا يكون التغيير في المشيّة مضرّاً بالعلم المكفوف ، وإن كان العلم الربّاني ورأيه القدّوس منشأً للتغيير كما ورد في الخبر «من ذلك يكون البداء» (3) فتدبّر جيّداً .

ثمّ إنّه لا شكّ أنّ اللّه تعالى لا يفعل القبيح ، فلا يصدر منه الظلم أبداً مع أنّه قادر على ذلك ، وهذا هو وجه تسبيحه وتمجيده تعالى فإنّه يسبّح ويمجّد على عدم .

ص: 19


1- . الإقبال : 248 .
2- . بحارالأنوار : 21/67 ، أمالى الطوسي : 490 .
3- . بحارالأنوار : 95/4 و 109 ، بصائر الدرجات : 110 .

الظلم كما قال تعالى : «وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ» (1) ولذا يكون الخوف من اللّه تعالى خوفاً من عدله وقسطه كما ورد في الدعاء «من كلّ عدلك مهربي» (2) ولكنّ الكلام يدور حول مصداق الظلم والعدل . فقد يخفى على العاقل ذلك فلا يعلمه ولا يمكن أن يتذكّر إلّاعبر تعليم المعلّم الإلهي المعصوم وتذكير المذكّر ، فقد يتّفق أن يجهله العاقل أو يغفل عن ذلك كما حصل لموسى عليه السلام في قصّته مع العالم ، فظنّ أنّ قتل الغلام بغير نفس من مصاديق الظلم ، ولذا اعترض عليه وكم لذلك من نظير .

و لا ريب أنّ المحال وقوعه عقلاً لا يمكن صدوره منه تعالى ، وليس هذا لنقص في قدرة اللّه تعالى بل هو لامتناع وقوع الشيء ذاتاً . فعدم إمكان خلق إله وربّ آخر ليس لنقص في قدرة اللّه تعالى بل لامتناع ذلك ذاتاً ، فإنّ المخلوق لا يمكن أن يكون ربّاً لفقره الذاتيّ واحتياجه إلى الغير في ذاته .

قال شيخنا الأُستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره :

القدرة إنّما تتعلّق بشيء ممكن في ذاته دون الممتنع ، كالجمع بين النقيضين ، وليس ذلك نقصاً فيها ، بل النقص في المتعلّق وهو امتناعه ذاتاً ، وهذا هو المراد من رواية ابن أُذينة عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال : قيل لأميرالمؤمنين عليه السلام : هل يقدر ربّك أن يدخل الدنيا في بيضة ، من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة ؟

قال : إنّ اللّه تعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون (3) .

وفي روايات أُخر أوردها في البحار جوابان آخران مرجعهما إلى بيان أنّ ما يمكن في مورد السؤال أمرين : أحدهما أن يصغّر الكبير أو يكبّر البيضة ، والثاني انطباع صورة الكبير في عدسة العين ، أو إحاطة الشعاع الذي قاعدته في العدسة على الكبير ، على أحد القولين في .

ص: 20


1- . فصّلت : 46 .
2- . بحارالأنوار : 222/95 ، الإقبال : 345 .
3- . التوحيد للصدوق : 130 ح9 .

كيفيّة الإبصار ، وأنّ اللّه تعالى قادر عليهما جميعاً . وعدم التصريح فيهما بعدم تعلّق القدرة بالمحال - كما صرّح به أميرالمؤمنين عليه السلام في الرواية المتقدّمة وبيّنه الإمام الصادق عليه السلام لعمر بن أُذينة - لعلّه إمّا لكون السائل معانداً ، فيتشبّث بقوله : الذي سألتني لا يكون لإثبات قصور القدرة وعجزه تعالى ، أو لكونه قاصر الفهم فيتوهّم ذلك من كلام الإمام عليه السلام (1).

و هنا أيضاً قد يتّفق أن يظنّ العاقل بأنّ أمراً من الأُمور من الممتنعات ، إلّاأنّه ليس كذلك ، ولذا لا يمكن الإستغناء في كشف الممتنعات عن تذكير المذكّرين وتعليم المعلّمين فيمكن أن يظنّ العاقل عدم إمكان سلب الحرارة من النار إلّاأنّ العارف بعلوم أهل البيت عليهم السلام يعرف إمكان ذلك لأنّ الإحراق ليس ذاتيّاً للنار بل هو من الأعراض ، ويمكن سلب الأعراض عن الجواهر فإنّ الأدلّة قد دلّت على أنّ مادّة جميع الكائنات واحدة وهي مسمّاة بالماء والإختلاف الحاصل بين الأشياء ليس ذاتيّاً بل هو من الأعراض كما بيّن ذلك عالم آل محمّد الإمام الرضا عليه السلام «خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة» (2) ومن أتقن هذا الأمر لا يصعب عليه تحمّل ما دلّ من الأدلّة على تبديل النار إلى برد وسلام كما في قصّة إبراهيم عليه السلام وعلى ولادة الإنسان من دون أب كما في عيسى النبي عليه السلام وغيرهما من الأمثلة الواردة في الكتاب والسنّة .

وغير خفيّ أنّ أفعال اللّه تعالى حسنة وحكيمة دائماً ، فلا يصدر منه القبيح والعبث أبداً فكلّ أفعاله حميدة وكلّ مشيّته حكيمة ، بل إنّ أفعاله تعالى مبنيّة على التفضّل كما ورد في الدعاء «بنيت أفعالك على التفضّل» (3) والتفضّل حسن بحكم .

ص: 21


1- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 141 - 142 .
2- . بحارالأنوار : 311/10 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 168/1 ، التوحيد : 429 .
3- . الاقبال : 248 .

العقل ، ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ أفعاله الحكيمة لا تنحصر في صورة واحدة بل قد يكون للشيء الواحد حِكَم لا متناهية كما لو أراد اللّه تعالى أن يعيش زيد لمدّة عشرة أعوام فإنّ ذلك فعل حكيم وكذا لو أراد أن يعيش لمدّة خمسين عاماً أو أقل أو أكثر من ذلك لأنّ ذلك مبتن على الفضل والجود وكلّ ذلك حكيم .

بل الحكمة قد تكون في طرفي الفعل والترك ، فإذا عصى العبد ربّه فللربّ تعالى أن يؤاخذه فإنّ ذلك عدل ومطابق للحكمة ، كما أنّ له أن لا يؤاخذه ويعفو عنه فإنّ ذلك فضل ومطابق للحكمة أيضاً .

و من الواضح أنّ الآثار التي نراها في حياتنا اليوميّة كالريّ لمن شرب الماء ، والشبع لمن أكل الطعام ، والإحراق للنار وما أشبه وكذا الآثار المترتّبة على الأفعال الحسنة كالإطمئنان بذكر اللّه تعالى كما قال تعالى : «أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (1) والآثار المترتّبة على الأعمال السيّئة كموت الفجأة المترتّب على الزنا كما ورد في الخبر «إذا كثر الزنا كثر موت الفجأة» (2) جميعها جعليّة ومرهونة بإرادة اللّه تعالى ، ولا عليّة في التكوين ولا في التشريع بل للّه تعالى أن يوقف كلّ أثر متى شاء ، فله أن يسلب الحرارة من النار ، ويوقف تأثير الزنا في موت الفجأة ... وهكذا .

ثمّ إنّه وإن كان من اللازم على الإنسان أن يمضي وفقاً للآثار الجعليّة الإلهيّة فعليه أن يعود الطبيب إذا مرض مثلاً ، إلّاأنّه يجب الإعتقاد بأنّ هذه الآثار آثار جعليّة وللّه تعالى أن يفصل كلّ أثر عن المؤثّر فعودة الطبيب واستعمال دوائه - حتى الدواء الصائب - لا يؤثّر إلّاأن يشاء اللّه تعالى .

إذا عرفت ذلك ، يتّضح لك معنى البداء وآثاره فتعرف مدى سلطنة اللّه تعالى وأنّها غير متناهية ولا حدّ ولا حصر لمالكيّته وأنّه يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره ، فلا حصر لمالكيّته تعالى لا من حيث الحكمة - فإنّها غير منحصرة في أمر واحد - ولا من حيث العلم - فإنّه تعالى عالم بأنظمة لا متناهية بالعلم بلا معلوم - ولا .

ص: 22


1- . الرّعد : 28 .
2- . بحارالأنوار : 27/76 ، المحاسن : 107/1 .

من حيث الآثار للأشياء - فإنّها رهن إرادة اللّه تعالى - ولذا يكون العارف بمعنى البداء خائفاً راجياً .

هذا إجمال معنى البداء . ولأجل أهميّة الموضوع لابدّ من بيان أدلّته بالتّفصيل .

ص: 23

ص: 24

الفصل الرابع : معرفة علم اللّه تعالى

اشارة

الظاهر من الأخبار أنّ للّه تعالى علمين : علم مكفوف لا يعلمه إلّاهو ، وعلم محمول علّمه رسله وأنبياءه وأولياءه وملائكته .

عن الإمام جعفر بن محمّد عن أبيه عليه السلام قال : إن للّه علماً خاصّاً وعلماً عامّاً . فأمّا العلم الخاصّ فالعلم الذي لم يَطَّلع عليه ملائكته المقربين وأنبياءه المرسلين . وأمّا علمه العامّ فإنّه علمه الذي أطلع عليه ملائكته المقرّبين وأنبياءه المرسلين ، وقد وقع إلينا من رسول اللّه صلى الله عليه و آله (1).

أقول : الظاهر أنّ عدم اطّلاع أحد على العلم الخاصّ إنّما هو لأجل أنّ ذلك العلم مختصّ به ، وهو عين ذاته القدّوس .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ للّه علمين : علماً مبذولاً وعلماً مكفوفاً . فأمّا المبذول فإنّه ليس من شيء يعلمه الملائكة والرسل إلّانحن نعلمه . وأمّا المكفوف فهو الذي عند اللّه في أمّ الكتاب (2) .

أقول : المراد من العلم المكفوف هو علمه الذاتيّ المحيط بكلّ شيء .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ للّه لَعلماً لا يعلمه غيره ، وعلماً يعلمه ملائكته المقرّبون وأنبياؤه المرسلون ونحن نعلمه (3) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : إنّ للّه علماً يعلمه ملائكته وأنبياؤه ورسله ، ألا

ص: 25


1- . بحارالأنوار : 85/4 ، التوحيد : 138 .
2- . بحارالأنوار : 89/4 ، بصائر الدرجات : 111 .
3- . بحارالأنوار : 86/4 ، التوحيد : 138 .

ونحن نعلمه ، وللّه علم لا يعلمه ملائكته وأنبياؤه ورسله (1) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : إنّ للّه علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو ، من ذلك يكون البداء ، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه (2) .

بيان : الظاهر أنّ المراد من العلم المخزون هو العلم الذاتيّ ولذا لا يعلمه أحد لعدم تناهيه ، فإنّ المخلوق المحدود لا يمكن أن يكون علمه غير متناه أبداً وهذا العلم هو المنشأ للبداء ، فإنّه تعالى لعلمه بالكائنات ونقائضها والأنظمة اللامتناهية الحكيمة ، له أن يبدو له عن علم فيمحو ما كان ويثبت ما لم يكن .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه عليّ النمازيّ الشاهروديّ قدس سره ما هذا نصّه :

لعلّ المراد بالعلم المكنون المخزون الذي لا يعلمه إلّاهو ، هو العلم الذي عين ذاته القدّوس المقدّس المنزّه عن الحدّ والتعيّن والمعلوم والعليّة فمنه البداء ، والرأي في العلم المبذول إلى ملائكته وأنبيائه وأوليائه في غير المحتوم منه ، فإنّ في هذا العلم المبذول أموراً محتومة جائية لا محالة ، ومنه أمور موقوفة يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء (3) . انتهى كلامه .

و أمّا ما أفاده سيّد الفقهاء والمجتهدين المحقّق الخوئيّ قدس سره - على ما في التقريرات - من إرجاع العلم المخزون المكنون إلى قضائه ، فلا يمكن المساعدة عليه بوجه فإنّه من الواضح أنّ القضاء والقدر من أفعاله تعالى ولا يصحّ إطلاق القضاء والقدر على العلم المخزون المكنون بالضرورة ، فلاحظ العبارات التالية :

أفاد قدس سره : قضاؤه تعالى الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه حتّى نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله وهو العلم المخزون الذي استأثر به لنفسه ، المعبّر عنه باللّوح المحفوظ تارة وبأمّ الكتاب تارة أخرى . ولاريب أنّ البداء .

ص: 26


1- . بحارالأنوار : 89/4 ، بصائر الدرجات : 112 .
2- . الكافي : 147/1 .
3- . مستدرك سفينة البحار : 291/1 .

يستحيل أن يقع فيه . كيف يتصوّر فيه البداء وإنّ اللّه سبحانه عالم بجميع الأشياء بشتّى ألوانها منذ الأزل لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة لا في الأرض ولا في السماء ، ومن هنا قد ورد في روايات كثيرة أنّ البداء إنّما ينشأ من هذا العلم لا أنّه يقع فيه (1) .

وأفاد قدس سره : أنّ اللّه سبحانه عالم بالأشياء بشتّى أنواعها وأشكالها منذ الأزل وأنّ لها بجميع أشكالها تعييناً علميّاً في علم اللّه الأزليّ ، ويعبّر عن هذا التعيين بتقدير اللّه مرّة وبقضائه مرّة أخرى . ومن ناحية ثالثة إنّ علمه تعالى بالأشياء منذ الأزل لا يوجب سلب قدرة اللّه تعالى واختياره عنها ، ضرورة أنّ حقيقة العلم بشيء الكشف عنه على واقعه الموضوعيّ من دون أن يوجب حدوث شيء فيه ، فالعلم الأزليّ بالأشياء هو كشفها لديه تعالى على واقعها من الإناطة بمشيئة اللّه واختياره فلا يزيد انكشاف الشيء على واقع ذلك الشيء (2) . انتهى كلامه رفع مقامه .

و يرد على هذا الكلام : أنّ العلم غير الفعل فإنّ الفعل حادث والقضاء والقدر من أفعال اللّه تعالى ولا يصحّ إطلاق العلم عليهما .

ويحتمل أن يكون مراده قدس سره من القضاء هو العلم غير المحمول ، وبناء على ذلك لا يرد عليه ما أوردناه ، إلّاأنّه لا وجه لإطلاق القضاء على العلم غير المحمول إذ القضاء فعله تعالى القدّوس وشتّان ما بينه وبين العلم غير المحمول .

ثمّ إنّه لم يتّضح لنا مراده قدس سره من قوله : «إنّ اللّه سبحانه عالم ... وبقضائه مرّة أُخرى» هل يريد قدس سره بذلك أنّ اللّه تعالى عالم بجميع الأنظمة اللامتناهية بالعلم بلا معلوم . فإن كان كذلك فمتين جداً ، إلّاأنّ علمه غير المحمول غير معيّن بوجه من .

ص: 27


1- . محاضرات في أصول الفقه : 335/5 (499/46) .
2- . محاضرات في أصول الفقه : 334/5 (497/46) .

الوجوه - كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى - .

أو يريد قدس سره بذلك أنّه تعالى عالم أزلاً بما يقع في الخارج زماناً كان كذلك ، فيرد عليه أنّه تعالى عالم بما لا يكون أيضاً وبما لا يريده ، كما أنّه لابدّ من التنبّه إلى أنّ العلم بالشيء قبل كونه ، يختلف عن تقديره وإمضاء وقوعه في الخارج - كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى - .

نعم ما أفاده قدس سره بأنّ علمه الأزليّ بالأشياء لا يوجب سلب القدرة والإختيار منه متين جدّاً ، إلّاأنّ الكلام يدور حول أنّ العلم الإلهيّ ليس قضاءً وتقديراً بل هو المنشأ للقضاء والقدر ولذا لا يكون بداؤه إلّاعن علم .

عن الفضيل بن يسار قال : سمعت الإمام أبا جعفر عليه السلام يقول : العلم علمان : فعلم عند اللّه مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، وعلم علّمه ملائكته ورسله . فما علّمه ملائكته ورسله ، فإنّه سيكون لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء (1) .

أقول : الظاهر من هذا الخبر أنّ العلم المخزون عنده هو المنشأ للبداء ، فبذلك العلم يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويثبت ما يشاء .

و أمّا العلم المحمول فإنّه تعالى لا يغيّره كي لا يكذّب رسله وأولياءه وملائكته .

ومقتضى الجمع بين هذا الخبر وأمثاله مع ما دلّ على تغيير ما أنبأه أنبياءه وملائكته - كما ستعرف - هو أنّ التغيير لا يقع على المحتوم منه الذي أخبرهم بحتميّته لا ما أخبرهم به مطلقاً ، واللّه تعالى العالم . فلاحظ الخبر الآتي :

الحسن بن محمد النوفلي يقول : قال الإمام الرضا عليه السلام لسليمان المروزي : وما أنكرتَ من البداء - يا سليمان - واللّه عزّ وجلّ يقول : «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً » (2) ويقول عزّ وجلّ : «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » (3) ويقول : .

ص: 28


1- . الكافي : 147/1 .
2- . مريم : 67 .
3- . الروم : 27 .

«بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (1) ويقول عزّ وجلّ : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» (2) ويقول : «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» (3) ويقول عزّ وجلّ : «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» (4) ويقول عزّوجلّ : «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ» (5) ؟

قال سليمان : هل رويت فيه شيئاً عن آبائك ؟

قال : نعم ؛ رويت عن أبي عبداللّه صلوات اللّه عليه أنّه قال : إن للّه عزّ وجلّ عِلْمَين :

علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّاهو ، من ذلك يكون البداء ، وعلماً علّمه ملائكته ورُسُله فالعلماء من أهل بيت نبيّه يعلمونه .

قال سليمان : أُحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّ وجلّ .

قال صلوات اللّه عليه : قول اللّه عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه و آله : «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» (6) أراد هلاكهم ، ثمّ بدا للّه تعالى فقال : «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (7) .

قال سليمان : زدني جُعلت فداك .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّ من أنبيائه أن أخبر فلان الملك أني مُتوفّيه إلى كذا وكذا ، فأتاه ذلك النبيّ فأخبره فدعا اللّه الملك وهو على سريره حتّى سقط من السرير فقال : يا ربّ ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيتُ في أجله ، وزدتُ في عمره خمس عشرة سنةٍ ، فقال ذلك النبيّ : يا ربّ ، إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : إنّما أنت عبدٌ مأمورٌ فأبلغه ذلك ، واللّهُ لا يُسئل عمّا يفعل . .

ص: 29


1- . البقرة : 117 ، الأنعام : 101 .
2- . فاطر : 1 .
3- . البقرة : 117 ، الأنعام : 101 .
4- . التوبة : 106 .
5- . فاطر : 11 .
6- . الصافات : 174 .
7- . الذاريات : 54 - 55 .

ثمّ التفت إلى سليمان فقال : أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب .

قال : أعوذ باللّه من ذلك ، وما قالت اليهود ؟

قال : قالت : «يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ» يعنون أنّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يُحدث شيئاً ، فقال اللّه عز وجل : «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا» (1) ولقد سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر صلوات اللّه عليهما عن البداء ، فقال : وما يُنكر الناس من البداء وأن يَقِفَ اللّه قوما يُرجئهم لأمره .

قال سليمان : ألا تُخبرني عن «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (2) في أيّ شيء أُنزلت ؟

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، ليلة القدر يُقدّر اللّه عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياةٍ أو موتٍ أو خيرٍ أو شرٍّ أو رزقٍ ، فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم .

قال سليمان : الآن قد فهمتُ جُعلت فداك ، فزدني .

قال صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، إنّ من الأُمور أُموراً موقوفة عند اللّه تبارك وتعالى يُقدّم منها ما يشاء . يا سليمان ، إنّ علياً صلوات اللّه عليه كان يقول : العلم علمان : فعلمٌ علّمه اللّه ملائكته ورُسُله ، فما علّمه ملائكته ورُسُله فإنّه يكون ولا يُكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رُسُله ، وعلمٌ عنده مخزون لم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه يُقدّم منه ما يشاء ، ويُؤخّر منه ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويُثبت ما يشاء .

قال سليمان للمأمون : يا أمير المؤمنين ، لا أُنكر بعد يومي هذا البداء ولا أُكذّب به إن شاء اللّه (3) .

بيان : هذا الخبر الشريف صريح في وقوع البداء فيما أعلمه اللّه تعالى أنبياءه وأولياءه فإنّ اللّه تعالى قدّر العذاب على مناوئي الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله إلّاأنّه تعالى بدا له ولم ينزل عليهم العذاب ، وكذا الأمر بالنسبة إلى السلطان الذي نبأه النبي عليه السلام .

ص: 30


1- . المائدة : 64 .
2- . القدر : 1 .
3- . بحارالأنوار : 329/10 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 182/1 ، التوحيد : 444 .

بالموت .

و أمّا توضيح الخبر الشريف برمّته ، فسيأتي إن شاء اللّه تعالى . فانتظر .

ويحتمل أن يكون المراد من عدم تغيير القضاء بعد إخبار الأنبياء عليهم السلام هو عدم التغيير بحسب الغالب لا مطلقاً واللّه تعالى العالم .

فاتّضح بذلك ثبوت علمين للّه تعالى أحدهما علم مختصّ به وهو العلم المكفوف المخزون عنده الذي لا يعلمه إلّاهو وهو الذي ينشأ منه البداء ، وعلم محمول حمّله أنبياءه وأولياءه وملائكته ، وهذا العلم لا يقع فيه البداء إذا كان من الحتميّات الذي أخبر بعدم وقوع البداء فيها لا مطلقاً أو عدم وقوع البداء فيه بحسب الغالب .

ص: 31

ص: 32

العلم المخزون

اشارة

قد عرفت أنّ العلم المخزون هو العلم الذاتيّ الإلهيّ الذي لم يطلع عليه رسله وأنبياءه وأولياءه وملائكته . والظاهر أنّ عدم اطّلاعهم عليه إنّما هو لأجل أنّه عين ذاته فإنّه علم كلّه وهذا العلم لا تناهي له أبداً فإنّه كشف للأنظمة اللامتناهية . فاللّه تعالى عالم بما لا يتناهى ويدلّ على ما ذكرنا - من سعة علمه تعالى وعدم تناهي علمه الذاتي - العقل ، فإنّه يكشف لنا عدم محدوديّته ، فإنّ المحدوديّة من خصوصيّات المخلوق وهو منزّه عنها .

ويظهر لنا بنور العقل عدم إمكان الإحاطة على علمه الذاتيّ لاستحالة إحاطة المحدود والمتناهي على غير المحدود وغير المتناهي . وأمّا الأدلّة النقليّة المرشدة إلى ما يستكشفه العقل ، فهي كثيرة ، نذكر بعضها :

العلم المخزون في الآيات :

الآية الأولى :

قال اللّه تعالى : «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً » (1) .

أقول : الظاهر أنّ الوجه في قبول توبتهم هو علمه تعالى وقدرته بإصلاح ما فات منهم كما ورد في الدعاء «يا رادّ ما قد فات» (2) فإنّ التوبة غير لازمة عليه تعالى بل له أن يعفو بمقتضى فضله كما أنّ له أن يؤاخذ بمقتضى عدله ، وبما أنّه تعالى عالم بكلا

ص: 33


1- . النساء : 17 .
2- . بحارالأنوار : 400/92 ، مهج الدعوات : 154 .

الأمرين يكون المخصّص لأحدهما رأيه القدّوس المستند إلى كمال ذاته .

الآية الثانية :

وقال تعالى : «وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيماً » (1) .

بيان : الظاهر أنّ السؤال من فضل اللّه تعالى مقتض لإجابته تعالى ، فإنّه تعالى عالم بكلّ شيء ويستطيع أن يجيب دعوة الداعين ، فمن دعاه سمعه وكان باستطاعته أن يجيبه بمقتضى فضله كما أنّ له تعالى أن لا يجيبه عدلاً .

والحاصل أنّه لمّا كان اللّه تعالى عالماً بجميع الأُمور كائنها وغير كائنها ، وقادراً على فعل ما يريد ولم يكن لفضله وجوده حدّ وكان السؤال منه تعالى عبوديّة تقتضي الإجابة ، فلذا يكون للّه تعالى الرأي في الإجابة أو عدمها .

الآية الثالثة :

وقال تعالى : «ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّهِ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً » (2) .

أقول : الظاهر من الآية المباركة أنّ عدم حصر الكفّارة في تحرير الرقبة واتّساعها إلى الصيام لمدّة شهرين متتابعين يدلّ على سعة علمه تعالى وحكمته ، فإنّه تعالى لمّا كان عالماً بأُمور حكيمة إلى ما لا يتناهى ، له أن يجعل واجباً مترتّباً على عدم إمكان إتيان الواجب الآخر ، وهذا يدلّ على سعة علمه تعالى .

الآية الرابعة :

وقال تعالى : «يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَ إِنْ

ص: 34


1- . النساء : 32 .
2- . النساء : 92 .

تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً» (1) .

بيان : الظاهر من الآية المباركة هو أنّ كفر الكافرين لا يوجب انسداد الطريق على اللّه تعالى ، فإنّه تعالى قادر على خلق أُناس مؤمنين باختيارهم فإنّه لا حدّ لعلمه تعالى ، كما أنّه لا حدّ لحكمته وقدرته كما قال تعالى : «يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ* إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ » (2) فإنّ إذهاب الخلق والإتيان بخلق جديد مؤمنين به تعالى ، غير عزيز على اللّه تعالى لسعة علمه وحكمته وقدرته .

الآية الخامسة :

وقال تعالى : «أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ ءٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً » (3) .

أقول : الظاهر من الآية المباركة أنّها في مقام تهديد من لا يؤمن باللّه تعالى فحذّرتهم بما فعل اللّه تعالى بالسابقين عليهم من الكفّار - مع أنّهم كانوا أشدّ قوّة من الحاضرين - وتعذيبهم مع أنّ تعذيب هؤلاء بمكان من الإمكان وهو رهن لمشيّة اللّه تعالى ورأيه وبدائه ، فلو شاء أن يعذّبهم لفعل ، ولا يسئل عن فعله وهم يسئلون .

الآية السادسة :

وقال تعالى : «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَ لِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ كانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً » (4) .

بيان : الظاهر من هذه الآية المباركة أنّ اللّه تعالى أنزل السكينة على قلوب المؤمنين في الحرب ، وأنّ المراد بالسكينة هي معرفة الربّ به تعالى فإنّه يوجب الطمأنينة والسكينة . وقد ورد في الأخبار أنّه الإيمان فلاحظ :

ص: 35


1- . النساء : 170 .
2- . فاطر : 15 - 17 .
3- . فاطر : 44 .
4- . الفتح : 4 .

عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ «أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ » (1) قال : هو الإيمان . قال : وسألته عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» (2) قال : هو الإيمان (3) .

وعن حفص بن البختريّ وهشام بن سالم وغيرهما عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ : «أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» قال : هو الإيمان (4) .

ومن الواضح أنّ الإيمان النازل من قبل اللّه تعالى ليس الإيمان الصادر من العبد ، بل هو ما يستوجب بعده الإيمان وهو المعرفة .

ومضافاً إلى ذلك فإنّ له تعالى جنود السماوات والأرض وهو العليم الحكيم ، فله أن ينزلهم نقمةً على الكافرين ورحمةً للمؤمنين وله أن يمحّص المؤمنين بالقتال من دون الجنود ، واللّه تعالى العالم .

الآية السابعة :

وقال تعالى : «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (5) .

عن تفسير القمي محمد بن جعفر عن محمد بن أحمد بن محمد بن السياري عن فلان قال : خرج عن أبي الحسن عليه السلام قال: إنّ اللّه جعل قلوب الأئمة مورداً لإرادته فإذا شاء اللّه شيئاً شاءوه وهو قوله «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (6) .

قال العلّامة المجلسيّ قدس سره :

هذا أحسن التوجيهات في تلك الآيات بأن تكون مخصوصة بالأئمة عليهم السلام على وجهين : أحدهما أنّهم عليهم السلام صاروا ربّانيّين خالين عن مراداتهم وإرادتهم فلا تتعلّق مشيّتهم إلّابما علموا أنّ اللّه تعالى يشاؤه . وثانيهما معنى أرفع وأدقّ من ذلك وهو أنّهم لمّا صيّروا

ص: 36


1- . الفتح : 4 .
2- . المجادلة : 22 .
3- . الكافي : 15/2 ح1 .
4- . الكافي : 15/2 ح4 .
5- . التكوير : 29 .
6- . بحارالأنوار : 305/24 ح4 ، تفسير القمّيّ : 409/2 .

أنفسهم كذلك صاروا بحيث ربّهم الشائيّ لهم والمريد لهم ، فلا يفعلون شيئا إلّابما يفيض اللّه سبحانه عليهم من مشيّته وإرادته ، وهذا أحد معاني قوله تعالى « كنت سمعه وبصره ويده ولسانه» وسيأتي بسط القول في ذلك في كتاب مكارم الأخلاق إن شاء اللّه تعالى ؛ انتهى كلامه رفع مقامه (1).

أقول: سنبيّن المستفاد من كلام العلاّمة المجلسيّ قدس سره في بيان الخبر الشريف إن شاء اللّه تعالى وبناء على ما أفاده يتبيّن شدّة عبوديّة أئمة الهدى عليهم السلام بحيث صاروا لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى - بناء على الإحتمال الأوّل المذكور في كلامه - أو لا يريدون شيئاً أبداً في قبال إرادة الربّ تعالى ، بل أصبحوا محلّاً لإرادة اللّه تعالى فمشيّتهم مشيّة اللّه فما لم يرد اللّه تعالى شيئاً لا يريدونه وما لم يشأ اللّه تعالى شيئاً لا تكون لهم مشيّة - بناء على الإحتمال الثاني المذكور في كلامه - .

ويناسب المقام البحث في مفاد الآية المباركة فإنّها من الآيات التي وقعت محطّاً للآراء المختلفة من قبل المفسّرين وإليك تفصيل الكلام .

الظاهر من الآية المباركة هو إثبات المشيّة للخلق بمشيّة من اللّه تعالى فالإستثناء من النفي إثبات للشيء ، فالخلائق لا يشاؤون إلّاأن يشاء اللّه تعالى ، ومعنى ذلك أنّهم لا يستطيعون المشيّة المتقوّمة بنور القدرة إلّاأن يشاء اللّه تعالى لهم أن يصيروا قادرين على المشيّة والرأي ، وبناء على ذلك تكون الآية المباركة من الآيات النافية للتفويض لا المثبة للجبر - كما توهّمه الفلاسفة - فإنّ متعلّق مشيّة اللّه تعالى هو صيرورة العبد ذا مشيّة وليس متعلّقه ما شاءه العبد فإنّ ذلك يستلزم تعلّق مشيّتان بأمر واحد وهو محال ، هذا بحسب ظاهر الآية المباركة وتفصيل الكلام حول ذلك في تقريرات أبحاثنا «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» فراجع .

و أمّا بحسب الأخبار فهناك معان للآية المباركة : .

ص: 37


1- . بحارالأنوار : 306/24 .

المعنى الأوّل:

إثبات المشيّة للّه تعالى دون الناس فلاحظ :

عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» قال : يعني جبرئيل .

قلت : قوله «مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» ؟

قال : يعني رسول اللّه صلى الله عليه و آله هو المطاع عند ربّه الأمين يوم القيامة .

قلت : قوله «وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» ؟

قال : يعني النبي صلى الله عليه و آله ما هو بمجنون في نصبه أميرالمؤمنين عليه السلام عَلَماً للناس .

قلت : قوله «وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» ؟

قال : وما هو تبارك وتعالى على نبيّه بغيبه بضنين عليه .

قلت : «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» ؟

قال : يعني الكهنة الذين كانوا في قريش فنسب كلامهم إلى كلام الشياطين الذين كانوا معهم يتكلّمون على ألسنتهم ، فقال «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» مثل أولئك .

قلت : قوله «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» ؟

قال : أين تذهبون في عليّ عليه السلام يعني ولايته ، أين تفرّون منها «إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » لمن أخذ اللّه ميثاقه على ولايته .

قلت : قوله «لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» ؟

قال : أن يستقيم في طاعة عليّ عليه السلام والأئمة من بعده .

قلت : قوله «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (1) ؟

قال : لأنّ المشيّة إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس (2) .

أقول: قوله عليه السلام «لأنّ المشيّة إليه تبارك وتعالى لا إلى الناس» يحتمل أُموراً :

1 - أنّ المشيّة إلى اللّه تعالى فهو الذي يشاء ما يريد فإذا شاء لعباده أن يكونوا .

ص: 38


1- . التكوير : 20 - 29 .
2- . بحارالأنوار : 248/9 ، تفسير القمّيّ : 408/2 .

مختارين نفذت مشيّته في ذلك.

2 - أنّ المشيّة إليه تعالى في اختيار أميرالمؤمنين عليه السلام خليفةً له على الأرض.

3 - أنّ المشيّة إليه تعالى فله أن يجعل من يشاء مستقيماً على ولاية أميرالمؤمنين عليه السلام بتوفيقه إيّاه وإلقاء محبّة وليّه في قلبه .

4 - أنّ المشيّة إليه مطلقاً فله أن يختار أميرالمؤمنين عليه السلام خليفته وله أن يلقي محبّة أميرالمؤمنين وولايته في قلب من يشاء وهو الأقوى لإطلاق الآية المباركة وإطلاق كلام الإمام عليه السلام .

وهل الخبر ورد لتفسير الآية المباركة أو لتأويلها احتمالان : أقربهما الأوّل ، لعدم ورود خبر - على حسب تتبّعنا - يقرّ الظهور البدويّ للآية المباركة فليست الإستقامة مطلقاً مرادة في الآية ، بل الإستقامة على ولاية ولي اللّه عليه السلام هي المرادة وهكذا .

المعنى الثاني:

إثبات وساطة أهل البيت عليهم السلام في وقوع المشيّة الإلهية على الكائنات .

عن محمّد بن عبداللّه بن جعفر عن محمّد بن أحمد الأنصاري قال : وجّه قوم من المفوّضة والمقصّرة كامل بن إبراهيم المدنيّ إلى أبي محمّد عليه السلام ، قال كامل : فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنّة إلّامن عرف معرفتي وقال بمقالتي ، قال : فلمّا دخلت على سيّدي أبي محمّد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه فقلت في نفسي : وليّ اللّه وحجّته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله !

فقال متبسّماً : يا كامل ، وحسر عن ذراعيه فإذا مسْح أسود خشن على جلده ، فقال :

هذا للّه وهذا لكم .

فسلّمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي : يا كامل بن إبراهيم .

فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت : لبّيك يا سيّدي .

فقال : جئت إلى وليّ اللّه وحجّته وبابه تسأله هل يدخل الجنّة إلّامن عرف معرفتك

ص: 39

وقال بمقالتك ؟

فقلت : إي واللّه .

قال : إذن واللّه يقلّ داخلها واللّه إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيّة .

قلت : يا سيّدي ومن هم ؟

قال : قوم من حبّهم لعليّ يحلفون بحقّه ولا يدرون ما حقّه وفضله .

ثمّ سكت عليه السلام عنّي ساعة ثمّ قال : وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة ، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية اللّه فإذا شاء شئنا واللّه يقول : «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ» ثمّ رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه .

فنظر إليّ أبومحمّد عليه السلام متبسّماً فقال : يا كامل ، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي .

فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك .

قال أبونعيم فلقيت كاملاً فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به (1) .

أقول: بيّن الإمام عليه السلام بطلان التفويض في التصرّف في الكائنات لاستلزامه خروج المخلوق عن المخلوقيّة ، فمن قام بذاته واستقلّ عن الغنيّ بالذات يكون غنيّاً غير مفتقر إلى الغنيّ ، وهذا هو الشرك بعينه . ثمّ صرّح بأبي هو وأُمّي أنّ قلوب الأئمّة عليهم السلام أوعية لمشية اللّه تعالى فإذا شاء اللّه شاؤوا فهم الوسائط في وقوع مشيّة اللّه تعالى على الكائنات .

محمّد بن جعفر عن محمّد بن أحمد بن محمّد بن السيّاري عن فلان قال : خرج عن أبي الحسن عليه السلام قال : إنّ اللّه جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته فإذا شاء اللّه شيئاً شاءوه وهو قوله «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (2) .

أقول: الخبر الشريف ظاهر في وساطة أئمّة الهدى عليهم السلام في جريان مشيّة اللّه .

ص: 40


1- . بحارالأنوار : 50/52 ، الغيبة للشيخ الطوسي : 246 .
2- . بحارالأنوار : 305/24 ح4 و 372/25 ح23 ، تفسير القمّيّ : 409/2 ، بصائر الدرجات : 517 .

تعالى على الكائنات فهم مورد إرادة الربّ تعالى ووكر مشيّته كما ورد في زيارة سيّدالشهداء عليه السلام «إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم» (1) .

المعنى الثالث :

التفويض في الدين :

عن محمّد بن سنان قال : كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال : يا محمّد إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفرّداً بوحدانيّته ثمّ خلق محمّداً وعليّاً وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثمّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض أمورها إليهم فهم يحلّون ما يشاءون ويحرّمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلَّا أن يشاء اللّه تبارك وتعالى ، ثمّ قال : يا محمّد هذه الديانة التي من تقدّمها مرق ومن تخلّف عنها محق ومن لزمها لحق خذها إليك يا محمّد (2) .

أقول: الظاهر من الخبر الشريف ثبوت التفويض لهم في أمر الدين فلهم أن يحلّلوا ما شاؤوا ويحرّموا ما شاؤوا (في ما لا يكون للّه تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله فيه أمر إلزامي أو نهي تحريمي) .

نعم ليس في الخبر الشريف ذكراً للآية المباركة بالخصوص فلا يمكن الجزم بأنّ قوله عليه السلام : «ولن يشاءوا إلّاأن يشاء اللّه تبارك وتعالى» تفسير للآية المباركة بالخصوص وإن كان من اللّازم على الفقيه الإلتزام بمنشائية القرآن الكريم لكلمات المعصومين عليهم السلام لورود الأخبار في ذلك .

قال أبو عبد اللّه عليه السلام : يا مفضّل إنّ اللّه خلقنا من نوره وخلق شيعتنا منّا وسائر الخلق في النار . بنا يطاع اللّه وبنا يعصى . يا مفضّل سبقت عزيمة من اللّه أنّه لا يتقبّل من أحد إلّابنا ولا يعذّب أحداً إلّابنا فنحن باب اللّه وحجّته وأمناؤه على خلقه وخزّانه في سمائه وأرضه حلّلنا عن اللّه وحرّمنا عن اللّه لا نحتجب عن اللّه إذا شئنا وهو قوله تعالى : «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ» وهو قوله صلى الله عليه و آله : إنّ اللّه جعل قلب وليّه وكراً .

ص: 41


1- . الكافي : 577/4 .
2- . بحارالأنوار : 195/54 ، الكافي : 441/1 .

لإرادته فإذا شاء اللّه شئنا (1) .

أقول: هناك احتمالان في الخبر الشريف :

1 - أن يكون مراد الإمام عليه السلام أنّ الأئمة عليهم السلام خزّان اللّه تعالى في سمائه وأرضه ، والخازن هو العارف بمواقع رضى المولى وسخطه ، فإن أجازه المولى في التصرّف في الأُمور يكون تصرّفه تصرّفاً بإذن المولى فتحليله تحليل عن المولى وتحريمه تحريم بإذنه ، ولذا لا يحتجب هذا الخازن بمشيّته عن المولى ذلك أنّ مشيّته موافقة لرضى المولى أبداً وهذا هو قوله تعالى «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ» أي مشيّتهم مشيّة اللّه تعالى .

2 - أن يكون قوله عليه السلام «لا نحتجب عن اللّه إذا شئنا» مستئنفاً وغير مرتبط بالسابق ويكون قوله عليه السلام «و هو قوله تعالى» وكذا قوله عليه السلام «وهو قوله صلى الله عليه و آله » مبيّناً للمراد من «لا نحتجب عن اللّه إذا شئنا» ، وبناء على ذلك يكون المعنى عين المعنى الثاني الذي ذكرناه وليس معنى على حده ولعلّ هذا الوجه أظهر من الأوّل واللّه تعالى العالم .

المعنى الرابع :

بيان عبوديّة أهل البيت عليهم السلام بحيث لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى .

هذا المعنى هو الإحتمال الأوّل من الإحتمالين المذكورين في كلام العلاّمة المجلسيّ قدس سره حيث قال : «أنّهم عليهم السلام صاروا ربّانيّين خالين عن مراداتهم وإرادتهم فلا تتعلّق مشيّتهم إلّابما علموا أنّ اللّه تعالى يشاؤه» والظاهر أنّ مراده هو أنّ الآية المباركة في مقام بيان عبوديّة أهل البيت عليهم السلام بحيث انسلخوا عن جميع مراداتهم فلا آمال لهم أبداً ، وعن جميع إراداتهم الناشئة بسبب الآمال والمرادات فلا يريدون إلّا ما أراده اللّه تعالى ، كما هو ظاهر قوله عليه السلام «العاملون بإرادته» وقوله عليه السلام «لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون» فبناء على هذا الإحتمال يكون للأئمّة عليهم السلام إرادة تابعة لإرادة الربّ تعالى . .

ص: 42


1- . بحارالأنوار : 256/26 ، تفسير فرات بن إبراهيم : 529 .

و بناء على ذلك لا يستشكل عليه قدس سره بأنّه كيف يمكن خلوّهم عليهم السلام عن الإرادة .

المعنى الخامس :

نفي الإرادة لأئمّة الهدى عليهم السلام وصيرورتهم مظهراً لمشيّة اللّه تعالى .

هذا هو الإحتمال الثاني المذكور في بيان العلاّمة المجلسيّ قدس سره حيث قال «وثانيهما معنى أرفع وأدقّ من ذلك وهو أنّهم لمّا صيّروا أنفسهم كذلك صاروا بحيث ربّهم الشائيّ لهم والمريد لهم فلا يفعلون شيئاً إلّابما يفيض اللّه سبحانه عليهم من مشيّته وإرادته وهذا أحد معاني قوله تعالى : كنت سمعه وبصره ويده ولسانه» وبناء على هذا الإحتمال لا يكون للأئمّة عليهم السلام إرادة حتّى في طول إرادة اللّه تعالى بل إنّهم صاروا بمنزلة من القرب للربّ القدوّس بحيث أصبحت مشيّة اللّه تعالى ظاهرة فيهم وأصبحوا دليلاً على إرادته كما ورد في زيارة آل يس «ودليل إرادته» (1) .

والفرق بين الوجهين المذكورين هو أنّهم عليهم السلام لا يريدون بعد إرادته تعالى ما يخالفها بل يريدون ما يريده هذا بحسب الوجه الأوّل ، وأمّا في الوجه الثاني فإنّهم لا إرادة لهم حتّى بعد إرادة الربّ تعالى ولذا يكونون مظهراً لإرادة الربّ تعالى نظير الأعضاء والجوارح التابعة لأوامر الروح .

ويمكن توضيح الفرق بين الوجهين ببيان مثال وهو أنّه لو فرضنا عبداً مطيعاً لمولاه فيقال له ماذا تروم فعله في يوم غد فيجيب تارة بأنّي أُريد أن أفعل ما لا ينافي أوامر مولاي وأُخرى يجيب بأنّي لا أُريد شيئاً حتّى يأمرني مولاي به فتقع إرادتي تابعة لأمر مولاي ، ففي الفرض الأوّل لا يريد العبد ما يخالف أمر المولى ولكن في الفرض الثاني لا يريد إلّاما أراده .

هذا وقد أفاد آية اللّه السيّد عليّ رضا القدّوسي قدس سره في ذلك بأنّه لا يمكن إسناد جميع أفعال أئمّة الهدى عليهم السلام إلى اللّه تعالى ذلك أنّه في أفعالهم ما لا يليق بجلال .

ص: 43


1- . بحارالأنوار : 171/53 ، الاحتجاج : 492/2 .

الربّ تعالى كالأكل والشرب وغيرهما إلّاأنّ الأفعال الصادرة عنهم بما أنّهم خلفاء للّه تعالى وبما أنّه تعالى جعلهم الوسطاء بينه وبين خلقه تستند إليه تعالى وهو كلام متين .

والفرق بين ما أفاده قدس سره والمعنى الثاني هو ثبوت الوساطة لهم في جميع الأُمور مع تبعيّة إرادتهم لإرادة الربّ تعالى في المعنى الثاني فالمعنى الثاني جامع بين المعنى الرابع والمعنى الخامس .

لا يقال: كيف يعقل أن لا يكون للّه تعالى مشيّة بالنسبة إلى شيء من الأشياء ؟

لأنّه يقال : إنّ اللّه تعالى وإن كان عالماً بجميع الأُمور أزلاً وأبداً وكان عالماً بالشيء أن لو كان كيف كان يكون ، وكان عالماً بجميع أطوار الشيء الواحد إلى ما لا نهاية له إلّا أنّ المشيّة من صفات الفعل وهي حادثة بخلاف العلم الذي هو عين ذاته القدّوس فهو عالم أزلاً وأبداً ، وبما أنّ المشيّة من صفات الفعل يكون لها البدأ والحدوث ، ومن عرف معنى هذه الكلمات المجملات يعرف معنى البداء الذي ما عظّم اللّه بشيء مثله فإنّه تعالى وإن كان عالماً بالشيء قبل كونه بأنحاء مختلفة - فإنّه عالم بالإنسان ذي الرأس الواحد ويستطيع خلقه كما أنّه عالم بالإنسان ذي الرؤوس المتعدّدة ويستطيع خلقه - إلّاأنّ اختيار أحدهما متوقّف على رأيه ومشيّته - فله أن يخلق الإنسان الأوّل أو الإنسان الثاني فرأيه تعالى بخلق أيّهما شاء ليس أزليّاً كما هو واضح - ، لاستلزام ذلك ثبوت الشيء معه أزلاً أو ثبوت وعاء للمشيّة معه أزلاً على الأقلّ وهو خلف واضح ، ولذا لابدّ أن تكون هناك أُمور لم يبدُ للّه تعالى فيها شيء بعدُ، فإذا نشأ له الرأي فيها ثبتت في قلب المعصوم عليه السلام وقبل ذلك لم يكن رأيه متعلّقاً بشيء كي يثبت في قلب المعصوم وبعد الثبوت لا ملزم لتحقّقها إلّااستمرار رأيه بتحقّهها وله أن يبدو له فيما شاءه أوّلاً قبل تحقّقه وتبديل المشيّة الأولى بأُخرى حادثة بعدها ، إلّاإذا وقع القضاء بالإمضاء وتحقّق الشيء خارجاً فحينئذ لا بداء لانتفاء الموضوع الأوّل.

ص: 44

إذا عرفت ذلك نقول : معنى صيرورة الأئمّة عليهم السلام وكراً لمشيّة اللّه تعالى هو أنّهم وعاء مشيّته ومظهراً لها، فبهم تنفذ مشيّته تعالى في الكائنات وبهم يعرف رأي اللّه تعالى ومشيّته ، وبما أنّ المشيّة حادثة لا يكون ثبتاً في قلب المعصوم عليه السلام عند عدم تعلّق رأيه تعالى بشيء وعند تحقّقه يثبت ذلك في قلب المعصوم عليه السلام ومن هنا ذكر الأئمّة عليهم السلام أنّه لولا آية في كتابه تعالى لأنبئناكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة فلاحظ:

عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال : لولا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة وهي هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (1) . (2)

عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول : لولا آية في كتاب اللّه لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة . فقلت : أيّة آية ؟ قال : قول اللّه : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (3) .

روي عن حارثة بن قدامة قال : حدّثني سلمان قال : حدثني عمار وقال : أخبرك عجباً .

قلت : حدّثني يا عمار .

قال : نعم شهدت عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد ولج على فاطمة عليها السلام فلمّا أبصرت به نادت ادن لأحدّثك بما كان وبما هو كائن وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة .

قال عمار : فرأيت أميرالمؤمنين عليه السلام يرجع القهقرى فرجعت برجوعه إذ دخل على النبي صلى الله عليه و آله فقال له : ادن يا أبا الحسن فدنا ، فلمّا اطمأنّ به المجلس قال له : تحدّثني أم أحدّثك ؟ .

ص: 45


1- . الرعد : 39 .
2- . بحارالأنوار : 97/4 ، الاحتجاج : 258/1 .
3- . بحارالأنوار : 118/4 ، تفسير العيّاشيّ : 215/2 .

قال : الحديث منك أحسن يا رسول اللّه .

فقال : كأنّي بك وقد دخلت على فاطمة وقالت لك كيت وكيت فرجعت .

فقال عليّ عليه السلام : نور فاطمة من نورنا ؟

فقال عليه السلام : أَوَلا تعلم ؟

فسجد عليّ شكراً للّه تعالى .

قال عمار : فخرج أميرالمؤمنين عليه السلام وخرجت بخروجه فولج على فاطمة عليها السلام وولجت معه ، فقالت : كأنّك رجعت إلى أبي صلى الله عليه و آله فأخبرته بما قلته لك .

قال : كان كذلك يا فاطمة .

فقالت : اعلم يا أباالحسن أنّ اللّه تعالى خلق نوري وكان يسبّح اللّه جلّ جلاله ثمّ أودعه شجرة من شجر الجنة فأضاءت فلمّا دخل أبي الجنة أوحى اللّه تعالى إليه إلهاماً أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك ففعل فأودعني اللّه سبحانه صلب أبي صلى الله عليه و آله ، ثمّ أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني وأنا من ذلك النور أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن يا أبا الحسن ، المؤمن ينظر بنور اللّه تعالى (1) .

أقول: قولها عليها السلام «أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن» الظاهر أنّ المراد من قولها عليها السلام «ما لم يكن» هو خصوص ما كان مقدّراً سابقاً بتقدير ثمّ بدا للّه تعالى فيه فأبدل تقديره الأوّل بتقدير ثان ، كما إذا كان مقدّراً لشخص أن يعيش خمسون عاماً ثمّ تصدّق فزاده اللّه تعالى عشرة أعوام فعاش ستون عاماً ، ففاطمة الزهراء عليها السلام تشير إلى أنّها عالمة بالتقدير الأوّل الممحوّ أيضاً كما أنّها عالمة بالتقدير الثاني الذي وقع وكان .

لا يقال : كيف يمكن أن نلتزم بعلمه بتصدّق زيد وعدم علمه بإطالة عمره لأجل التصدّق ؟

لأنّه يقال : مآل هذا السؤال هو أنّه كيف يمكن أن نلتزم بعلمه تعالى بتصدّق زيد .

ص: 46


1- . بحارالأنوار : 8/43 ، عيون المعجزات : 47 .

وعدم علمه تعالى بتعلّق مشيّته بإطالة عمره ، ولذا يكون الجواب بأنّه مآل السؤال عن عدم علمه هو عدم رأيه إذ اللّه تعالى عالم بزيد وعالم بتصدّقه كما أنّه عالم بزيادة عمره بمعنى أنّه تعالى يعلم ذلك ويستطيع أن يزيد عمره كما أنّه يستطيع أن لا يزيده . فإنّه تعالى وإن كان عالماً بتصدّق زيد مثلاً بمعنى أنّه قدّر أن يكون زيداً قادراً على التصدّق ووفّقه لذلك ، إلّاأنّه من الممكن أن تكون الإجابة مرجَئة ، فليس التصدّق علّة تامّة لإطالة العمر بل السبب الوحيد في الإطالة هو تعلّق رأيه القدّوس بطول العمر وبذلك تعرف أنّه هناك ثلاثة تقديرات في المقام :

1 - تقديره تعالى لعمر زيد .

2 - تقديره تعالى لتوفيقه لإعطائه الصدقة عن قدرة واختيار .

3 - تقديره تعالى لإطالة العمر .

ولا مانع أصلاً من تحقّق الأوّل دون الثاني أو تحقّق الأولين دون الثالث .

ثمّ إنّه ما يوضح كمال عبوديّة المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام هو أنّ اللّه تعالى وكّل إليهم كثيراً من الأُمور وأوجب نجح جميع طلباتهم ومع ذلك لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى فإنّهم قادرون ومجازون في إطالة عمر المصّدق على المسكين إلّاأنّهم مع ذلك لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى فلاحظ :

قال الإمام زين العابدين عليه السلام إلى أن قال: إنّ أولياء اللّه صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم فجازاهم اللّه عزّ وجلّ بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم لكنّهم مع ذلك لا يريدون منه إلّاما يريده لهم الخبر (1) .

ولابدّ لنا من ضرب مثَل يقرّب المطلب وهو: هب أنّ أبا شفيقاً على ولده أخذه إلى المعلّم الحاذق لتربيته وأجاز الأُستاذَ في أن يفعل ما يصبّ في مصلحة الولد - من التشديد عليه أو الرخاء والوعد والوعيد - إلّاأنّ الأُستاذ - مع كونه مجازاً - لا يفعل شيئاً إلّاأن يستأذن والد الطفل ، فمثَل أهل البيت عليهم السلام مثَل الأُستاذ المجاز في .

ص: 47


1- . بحارالأنوار : 22/46 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 453 .

تربية الطفل إلّاأنّهم لا يفعلون شيئاً إلّابإذنه تعالى وهذا غاية الخضوع والخشوع .

وهنا ينبري سؤال آخر وهو إذا كان أئمّة الهدى عليهم السلام بهذه المثابة من العبوديّة بحيث صاروا محلّاً للإرادة الربّانيّة وموطناً لمشيّته فلا يريدون إلّاما يريده اللّه تعالى كيف علّقت بعض الأخبار مشيّة اللّه تعالى على مشيّتهم ؟

قال سيّدالشهداء عليه السلام في خطبته الشهيرة إلى أن قال: رضى اللّه رضانا أهل البيت الخطبة (1).

وعن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم فتتعلق بقائمة من قوائم العرش فتقول يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي . قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : فيحكم لابنتي وربّ الكعبة وإنّ اللّه عزّ وجلّ يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها (2) .

وفي زيارة الجامعة : يا أولياء اللّه إنّ بيني وبين اللّه عزّوجلّ ذنوباً لا يأتي عليها إلّا رضاكم (3) .

و حلّ المشكلة هو أنّه تعالى أدّب نبيّه فأحسن تأديبه فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» (4) وأدّب نبيّه الأوصياء فأحسن تأديبهم كما ورد في الخبر عنه صلى الله عليه و آله «عليّ أديبي» (5) ثمّ فوّض إليهم أمر الدين والدنيا فهم عالمون بمواضع رضا اللّه تعالى وسخطه ، ولذا لا يرضون إلّاعمّن يعلمون أنّ اللّه تعالى يرضى عنه ولا يسخطون إلّاعمّن يعلمون أنّ اللّه تعالى يسخط عليه ففي الحقيقة مشيّتهم تنبيء عن مشيّته تعالى .

والإنصاف أنّ ذلك وإن كان حقّاً إلّاأنّه ليس حلّاً للمشكلة إذ الكلام يدور حول .

ص: 48


1- . بحارالأنوار : 366/44 .
2- . بحارالأنوار : 220/43 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 26/2 .
3- . بحارالأنوار : 133/99 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 277/2 .
4- . بحارالأنوار : 382/68 عن معاني الأخبار .
5- . بحارالأنوار : 231/16 .

خلوّ ذواتهم المقدّسة عن مشيّة سوى مشيّته تعالى أو تبعيّة مشيّتهم لمشيّته تعالى وعليه يكون ابتداء المشيّة منهم عليهم السلام غير متلائم مع خلوّ ذواتهم المقدّسة عن مشيّة سوى مشيّة اللّه تعالى أو تبعيّة مشيّتهم لمشيّته تعالى .

وعليه لابدّ من البحث عن المندوحة في حلّ المشكلة فنقول: أمّا قولهم عليهم السلام «رضى اللّه رضانا أهل البيت» (1) وكذا «إنّ لي ذنوبا لا يأتي عليها إلّارضاكم» (2)فيحتمل أن يكون المراد منهما وأمثالهما كاشفيّة رضاهم لرضى اللّه تعالى ولكنّه بعيد عن ظاهر الكلام فإنّ كلام سيّدالشهداء عليه السلام ظاهر في تبعيّة رضاه تعالى لرضاهم وعليه لا يكون هذا الإحتمال مجدياً في حلّ المشكلة بالنسبة إلى هذه الطائفة من الأخبار ناهيك عن قوله صلى الله عليه و آله في حقّ ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام «إن اللّه عزّوجلّ يغضب لغضبها ويرضى لرضاها» (3) .

والذي يخطر بالبال هو أنّ أهل البيت عليهم السلام وإن كانوا لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى إلّاأنّ من جملة ما أراده اللّه تعالى هو إعطائهم الولاية التكوينيّة ، بل الولاية على التكوين وبها أصبحوا قادرين على نجح جميع مطالبهم إلّاأنّهم لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى ويوقفون أنفسهم على مشيّته تعالى ، ومع ذلك إن اقتضى الأمر بيان مقام خليفة الرحمن والحجّة على أهل الزمان رفعوا طرفاً عن شمس ولايتهم ليتبيّن للكائنات مقام خليفة اللّه عليه السلام فينساقوا إليه كي يحظوا بالسعادة الأبديّة فلاحظ :

عن محمّد بن مسلم الثقفي قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : لفاطمة عليها السلام وقفة على باب جهنّم ، فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كلّ رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبّاً فتقول : إلهي وسيّدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولّاني وتولّى ذريّتي من النار ووعدك الحقّ وأنت لا تخلف الميعاد . .

ص: 49


1- . بحارالأنوار : 366/44 .
2- . الزيارة الجامعة الكبيرة .
3- . بحارالأنوار : 62/27 .

فيقول اللّه عزّ وجلّ : صدقت يا فاطمة إنّي سمّيتك فاطمة وفطمت بك من أحبّك وتولّاك وأحبّ ذريتك وتولّاهم من النار ووعدي الحقّ وأنا لا أخلف الميعاد وإنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفّعك وليتبيّن ملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك منّي ومكانتك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمناً فخذي بيده وأدخليه الجنّة (1) .

قال صلى الله عليه و آله : أدّبني ربّي فأحسن تأديبي (2) .

عن أبي إسحاق النَّحويّ قال : دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام فسمعته يقول : إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ أدَّب نبيَّه على محبَّته فقال : «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» (3) ثمَّ فوَّض إليه فقال عزَّ وجلَّ : «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (4) وقال عزَّ وجلَّ : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ» (5) قال ثمَّ قال : وإنّ نبيّ اللّه فوّض إلى عليّ وائتمنه فسلَّمتم وجحد النَّاس فو اللّه لنحبُّكم أن تقولوا إذا قلنا وأن تصمتوا إذا صمتنا ونحن فيما بينكم وبين اللّه عزَّ وجلَّ ، ما جعل اللّه لِأحدٍ خيراً فِي خِلافِ أمرنا (6) .

وبعبارة أُخرى إنّ أهل البيت عليهم السلام يرون شرفهم وعزّتهم في العبوديّة والإنصياع إلى الربّ المتعال كما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام : إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً أنت كما أحب فاجعلني كما تحب (7) .

عن الزُّهريّ قال : دخلت مع عليّ بن الحسين عليه السلام على عبدالملك بن مروان قال :

فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السُّجود بين عيني عليّ بن الحسين عليه السلام فقال : يا أبا محمَّدٍ لقد بيّن عليك الاجتهاد ولقد سبق لك من اللّه الحسنى وأنت بضعةٌ من رسول اللّه صلى الله عليه و آله قريب النسب وكيد السبب وإنَّك لذو فضلٍ عظيمٍ على أهل بيتك وذوي عصرك .

ص: 50


1- . بحارالأنوار : 14/43 ح11 ، علل الشرايع : 179/1 .
2- . بحارالأنوار : 382/68 عن معاني الأخبار .
3- . القلم : 4 .
4- . الحشر : 7 .
5- . الحشر : 7 .
6- . الكافي : 265/1 .
7- . بحارالأنوار : 402/74 ، الخصال : 420/2 .

ولقد أوتيت من الفضل والعلم والدين والورع ما لم يؤته أحدٌ مثلك ولا قبلك إلّامن مضى من سلفك وأقبل يثني عليه ويطريه قال فقال عليُّ بن الحسين عليه السلام : كلُّ ما ذكرته ووصفته من فضل اللّه سبحانه وتأييده وتوفيقه فأين شكره على ما أنعم يا أميرالمؤمنين كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقف في الصلاة حتَّى تَرِمَ قدماه ويظمأ في الصيام حتَّى يعصب فوه فقيل له يا رسول اللّه ألم يغفر اللّه لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر فيقول صلى الله عليه و آله أفلا أكون عبداً شكوراً الحمد للّه على ما أولى وأبلى وله الحمد في الآخرة والأولى واللّه لو تقطَّعت أعضائي وسالت مقْلتاي على صدري لن أقوم للّه جلَّ جلاله بشكر عشر العشير من نعمةٍ واحدةٍ من جميع نعمه التي لا يحصيها العادُّون ولا يبلغ حدَّ نعمةٍ منها عليَّ جميع حمد الحامدين ، لا واللّه أو يراني اللّه لا يشغلني شيءٌ عن شكره وذكره في ليلٍ ولا نهارٍ ولا سرٍّ ولا علانيةٍ ولولا أنَّ لأهلي عليَّ حقّاً ولِسائِرِ النَّاسِ مِن خاصِّهِم وعامِّهِم عليَّ حقوقاً لا يسعني إلّاالقيام بها حسب الوسع والطاقة حتَّى أؤدّيها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى اللّه ثمَّ لم أرددهما حتَّى يقضي اللّه على نفسي وهو خير الحاكمين وبكى عليه السلام وبكى عبدالملك الخبر (1) .

ومن الواضح أنّ الاستفادة من القدرة التي وهبها اللّه تعالى إيّاهم - لبيان مقام خليفة اللّه كي ينصاع الخلائق إليه ويحظوا بالسعادة - لا ينافي خلوّهم عن مشيّة سوى مشيّته تعالى أو وقوف إرادتهم على إرادته ، فإنّ الظاهر أنّهم أخلوا أنفسهم من مشيّة في قبال مشيّته تعالى ولم يريدوا ما ينافي رضاه وقربه .

و بعبارة ثالثة : إنّ أهل البيت عليهم السلام وإن كانوا - بحسب مقام قربهم من اللّه تعالى ومعرفتهم به - لا يحبّون أن يكبروا في أعين الناس ولذا كانوا يتواضعون حتّى لأحقر الخليقة - كما يستأنس ذلك من الصلوات المرويّة عن الإمام العسكري روحي فداه حيث إنّه لمّا وصل إلى الصلاة على نفسه صعب عليه الأمر في بيانه إلّاأنّه قال عليه السلام ما حاصله بأنّ من الواجب علينا بيان مقاماتنا للناس فلاحظ : .

ص: 51


1- . مستدرك الوسائل : 125/1 .

قال أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد اليمنيّ قال : فلمّا انتهيت إلى الصلاة عليه أمسك فقلت له في ذلك ، فقال : لولا أنّه دين أمرنا اللّه أن نبلغه ونؤديه إلى أهله لأحببت الإمساك ولكنّه الدين اكتبه : الصلاة على الحسن بن عليّ العسكريّ عليهما السلام : اللّهمّ صلّ على الحسن بن عليّ الهادي البرّ التقيّ الصادق الوفيّ النور المضيء خازن علمك والمذكّر بتوحيدك ووليّ أمرك وخلف أئمّة الدين الهداة الراشدين والحجّة على أهل الدنيا فصلّ عليه يا ربّ أفضل ما صليت على أحد من أصفيائك وحججك على خلقك وأولاد رسلك يا إله العالمين (1) .

إلّاأنّ صدور مشيّة منهم في مقام إعلاء مقام خليفة اللّه كي يتّبعه من كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد لا ينقض خلوّهم عن مشيّة سوى مشيّته تعالى أو تبعيّة مشيّتهم لمشيّته تعالى وعليه تكون الأخبار الدالّة على خلوّهم عن مشيّة سوى مشيّته أو تبعيّة مشيّتهم لمشيّته تعالى منصرفة عن هذه الموارد قطعاً .

وروح الكلام أنّ صدور مشيّة منهم عليهم السلام في مقام بيان مقام خليفة اللّه لغرض انسياق الخلائق إليه للحصول على السعادة بعد أن كان في مشيّة اللّه تعالى أن الولاية لهم لا ينافي خلوّهم عن مشيّة اللّه تعالى ، فإنّ المشيّة الصادرة منهم مشيّة اللّه تعالى أوّلاً ومشيّته آخراً وله الحمد كما هو أهله .

إذا عرفت ذلك يتضّح لك شأن عبوديّة أهل البيت عليهم السلام فمع أنّهم قادرون على ما يريدون بإذن اللّه تعالى إلّاأنّهم لا يريدون إلّاما أراده اللّه تعالى ، بل يكونون دائماً في غاية الخضوع والخشوع للربّ المتعال ، فإنّ معنى العبوديّة إمّا تكون بمعنى «غاية التذلّل مع الإعتقاد بمالكية المعبود» أو بمعنى «غاية التذلّل والخضوع للمعبود بحيث لا ينبغي ذاك الخضوع إلّاللمالك» فالعبد يعرف ربوبيّة الربّ تعالى كما أنّه يعرف فقر نفسه الذاتيّ وعجزه .

فالعبد الحقيقي طوع لأمر مولاه ، فهو كالميّت في يد الغسّال لا يتحرّك إلّإ؛ .

ص: 52


1- . بحارالأنوار : 78/91 ، جمال الأسبوع : 492 .

بتحريكه ، ولذا ترى أنّ أولياء اللّه تعالى وأنبيائه كانوا أخضع الناس للّه تعالى ، فإنّ أمرهم ربّهم بأمر أطاعوه وقد ورد في الأخبار أنّ السرّ في صيرورة أُولي العزم من الرسل أُولي عزم هو أنّهم آمنوا بالدرجات العالية من مقامات أئمّة الهدى عليهم السلام (1)ومن الواضح أنّ إطاعة اللّه تعالى في أمره بالتواضع للرسول وآله عليهم السلام ينبيء عن شدّة عبوديّتهم .

هذا ومن أراد أن يعرف شدّة عبوديّة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله فليراجع القرآن الكريم فلاحظ هذه الآيات المباركات :

«وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (2) .

«وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » (3) .

«قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللّهُ وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » (4) .

«قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ » (5) .

«ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ .

ص: 53


1- . عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله اللّه عزّ وجلّ : «وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» (طه : 115) قال : عهد إليه في محمّد والأئمة من بعده فترك ، ولم يكن له عزم فيهم أنّهم هكذا ، وإنّما سمّي أولوا العزم لأنّهم عهد إليهم في محمّد والأوصياء من بعده والمهديّ وسيرته فأجمع عزمهم أنّ ذلك كذلك والإقرار به . (بحارالأنوار : 35/11 ح11 ، علل الشرايع : 122/1) . عن عبد العظيم الحسني قال : سمعت علي بن محمد العسكري عليه السلام يقول : إنّما اتخذ اللّه عزّ وجلّ إبراهيم خليلا لكثرة صلواته على محمّد وأهل بيته صلوات اللّه عليه وآله . (بحارالأنوار : 4/12 ح9 ، علل الشرايع : 34/1)
2- . المعارج : 44 - 46 .
3- . يونس : 25 .
4- . الأعراف : 188 .
5- . يونس : 49 .

لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» (1) .

«قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَ ما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ » (2) .

«أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » (3) .

وغير ذلك من الآيات المباركات .

فإنّ هذه الآيات المباركات تجعل الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في عداد سائر الخلائق من حيث المخلوقيّة إلّاأنّه صلى الله عليه و آله لم يكفّ عن تلاوتها على الناس فهذه هي منتهى العبوديّة كما لا يخفى ، هذا مع ملاحظة سعة ملكيّته بحيث أصبح الكون طوعاً لأمره بإذن اللّه تعالى فمع أنّ الرسول وآله عليهم السلام «ساسة العباد» (4) إلّاأنّهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

الآية الثامنة :

وقال تعالى : «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» (5) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ» فقال :

الغيب ما لم يكن والشهادة ما قد كان (6) .

أقول : يحتمل في «ما لم يكن» أمران :

1 - أن يكون المراد منه هو الشيء الذي لم يتعلّق رأي اللّه تعالى به ، فهو تعالى عالم به أيضاً كما أنّه تعالى عالم بالشهادة .

2 - أن يكون المراد منه ما لم يكن في السابق ، أي ما كان مقدّراً ثمّ وقع عليه البداء

ص: 54


1- . التوبة : 113 .
2- . الأحقاف : 9 .
3- . الأحقاف : 8 .
4- . الزيارة الجامعة الكبيرة .
5- . الأنعام : 73 ؛ التوبة : 94 و 105 ؛ الرعد : 9 ؛ المؤمنون : 92 ؛ السجدة : 6 ؛ الزمر : 46 ؛ الحشر : 22 ؛ الجمعة : 8 ؛ التغابن : 18 ؛ الجنّ : 26 .
6- . بحارالأنوار : 80/4 ، معاني الأخبار : 146 .

فمحي وأثبت التقدير الثاني ، فإنّه تعالى عالم بذلك أيضاً .

إذا عرفت ذلك نقول : بناء على كلا الإحتمالين ، تكون الآية المباركة من الأدلّة الدالّة على العلم غير المحمول .

أمّا بناء على الإحتمال الأوّل ، فواضح .

و أمّا بناء على الإحتمال الثاني ، فلأنّه عالم بما لم يكن (بالتقدير الأوّل) بالعلم الذاتيّ غير المحمول وغير المتعيّن ، فإنّه تعالى عالم به بالعلم المخزون المكنون ، واللّه تعالى العالم .

الآية التاسعة :

وقال تعالى : «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (1) .

عن الحسين بن بشار عن الإمام أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال : سألته أيعلم اللّه الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلّاما يكون ؟

فقال : إنّ اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء . قال عزّ وجلّ : «إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » وقال لأهل النار : «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » (2) فقد علم عزّ وجلّ أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه وقال للملائكة لمّا قالوا « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » (3) فلم يزل اللّه عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها فتبارك ربّنا وتعالى علوّاً كبيراً خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربّنا عليماً سميعاً بصيراً (4) .

أقول : الظاهر من استدلال الإمام عليه السلام بالآية المباركة أنّ اللّه تعالى لعلمه بمآل العباد وأعمالهم بالعلم بلا معلوم يعرف الأشياء قبل حدوثها ، ولذا يتمّ الإستنساخ

ص: 55


1- . الجاثية : 29 .
2- . الأنعام : 28 .
3- . البقرة : 30 .
4- . بحارالأنوار : 78/4 ، التوحيد : 136 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 118/1 .

قبل أن يعملها العاملون . ولكن يبدو لي أنّ المراد من العلم في خصوص المقام هو العلم المحمول إذ اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل حدوثها بالعلم بلا معلوم ، وأمّا خصوص صدور أعمال العباد عنهم فإنّه وإن كان مكشوفاً للّه تعالى بالعلم المخزون إلّا أنّ أخْذ قيد صدورها في المقام يؤيّد كون العلم الملحوظ هنا هو العلم المحمول ، إذ العلم المكفوف لا تعيّن فيه أصلاً .

نعم ، يكون صدورها عنهم بالإرادة والاختيار ، وعلمه المحمول تابع ولا يلزم الجبر كما قرّر في محلّه ويشهد على ذلك الخبر الآتي ، فلاحظ :

عن عبد الرحمن القصير عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : سألته عن «ن وَ الْقَلَمِ » (1) ، قال : إنّ اللّه خلق القلم من شجرة في الجنّة يقال لها الخلد ، ثمّ قال لنهر في الجنّة كن مداداً فجمد النهر وكان أشدّ بياضاً من الثلج وأحلى من الشهد ، ثم قال للقلم :

اكتب قال : وما أكتب يا ربّ ؟ قال : اكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة . فكتب القلم في رقّ أشدّ بياضاً من الفضّة وأصفى من الياقوت ، ثمّ طواه فجعله في ركن العرش ، ثمّ ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ولا ينطق أبداً ، فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلّها ، أو لستم عُربا فكيف لا تعرفون معنى الكلام ، وأحدكم يقول لصاحبه انسخ ذلك الكتاب ، أو ليس إنّما ينسخ من كتاب أخذ من الأصل وهو قوله «إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » (2) .

فإنّ الظاهر منه هو أنّ الإستنساخ كان واقعاً ممّا كتبه القلم ، فالملائكة يكتبون الأعمال التي قدّرها اللّه تعالى على العباد في السابق . فبعد صدور الأعمال من العباد ، يكتبونها لا عن أعمالهم في الخارج بل عمّا أملاه اللّه تعالى للقلم سابقاً كما ورد في الخبر «و على ما سطر في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون خلاف ما علم منهم ولا غيره يريدون» (3) . .

ص: 56


1- . القلم : 1 .
2- . تفسير القمّى : 379/2 .
3- . التوحيد : 47 .

هذا كلّه بحسب هذا الخبر وهناك خبر آخر يدلّ على أنّ الإستنساخ يكون من العمل ، والذي يخطر بالبال أنّ هذا الخبر يساعده ظاهر الآية المباركة كما أشار الإمام عليه السلام على ذلك بقوله : «أو لستم عُرباً» فيحتمل أن يكون الخبر الآخر مشيراً إلى بطن الآية واللّه تعالى العالم .

نعم ، إنّ اللّه تعالى علم أنّهم سيفعلونها عن قدرة واختيار ، ولذا لا يضرّ العلم باختيارهم فهم من حيث أنّهم تحمّلوا نور القدرة مختارون لما يشاؤون ، والعلم المحمول تابع لا متبوع وتفصيل الكلام حول شبهة الجبر ونقضها في كتابنا «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» ، فراجع .

فتحصّل أنّ الظاهر من الآية المباركة أنّها تشير إلى العلم المحمول ، وقد استدلّ الإمام عليه السلام بها على علمه تعالى بالأشياء قبل كونها ، وبذلك يتّضح أنّ العلم المحمول أيضاً علم بلا معلوم .

وبناء على ما استظهرناه من الآية المباركة ، لا تكون هذه من الآيات الدالّة على علمه المكفوف إلّاباعتبار أنّ العلم المحمول متقوّم بالعلم المخزون المكنون ، ولعلّ الإمام عليه السلام كان بصدد بيان علمه الأزليّ غير المحمول لدلالة قوله عليه السلام «فلم يزل اللّه عزّ وجلّ علمه سابقاً للأشياء قديماً قبل أن يخلقها فتبارك ربّنا وتعالى علواً كبيراً» على أنّ اللّه تعالى عالم بالأشياء قديماً وقبل خلق الخلائق إلّاأنّه لمّا كان معرفة علمه المكنون المخزون ممّا يصعب على الرواة ، لذا استدلّ على علمه تعالى بالأشياء قبل كونها بالعلم المحمول ، فإنّ وجدان كون علمه تعالى بلا حصر ولا حدّ ولا تعيّن ، وأّنه تعالى عالم بالأنظمة اللامتناهية أزلاً بالعلم بلا معلوم ممّا لا يمكن إلّالمن استنار قلبه بأنوار معارف أهل البيت عليهم السلام .

وبما أنّ منشأ العلم المحمول هو العلم الأزليّ المخزون المكنون الذي لا يطّلع عليه أحد ، يكون علمه تعالى بالأشياء قبل كونها بالعلم المكفوف بطريق أولى ، واللّه تعالى العالم .

ص: 57

و من المحتمل أن يكون وجه الإستشهاد بقوله تعالى «إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ» الآية على العلم بلا معلوم في خبر الإمام الرضا عليه السلام هو أنّها تدلّ على الإستنساخ ، فلابدّ من أن يكون هناك أصل يستنسخ منه وهو ما يدلّ عليه الخبر الوارد في تفسير القمّي ، ولا يتصوّر ، ولا يعقل وجود ذلك الأصل إلّامن جهة العلم بلا معلوم كما هو واضح .

وعلى أيّ تقدير ، فإنّ دلالة الآية المباركة على العلم بلا معلوم ليست إلّامن جهة دلالتها على أصل يكون الإستنساخ منه وهو لا يتصوّر إلّامن جهة العلم بلا معلوم فلا تنافي بين الخبرين . واللّه تعالى العالم وأولياؤه بحقائق كلامه .

و أمّا استشهاده على علمه تعالى قبل الأشياء بقوله تعالى «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » (1) فهو لأجل دلالة الآية المباركة على أنّ اللّه تعالى مع أنّه لا يعيد الكفّار إلى دار الدنيا إلّاأنّه عالم بأنّه إن ردّهم إلى دار الدنيا سيعودون إلى كفرهم القديم .

فهده الآية المباركة آية علمه بجميع التقديريّات ، فإنّه عالم بأنّه إن قدّر لزيد أن يعيش كذا من العمر كيف سيكون عمله ، ولذا ورد في الدعاء «فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك» (2) فإنّه تعالى عالم بأنّ عمر الإنسان سيكون مرتعاً للشيطان في المستقبل أو سبباً لنيل المكارم والفضائل .

و أمّا استشهاده عليه السلام بقوله تعالى «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (3) الآية فهو لأجل علمه تعالى بشرف الخليفة وإطاعته له تعالى ، وهذا هو ما جهله الملائكة ، فصار جهلهم سبباً للإعتراض على اللّه تعالى . وبما أنّ اللّه تعالى عالم بمآل الخليفة في المستقبل ، يكون علمه تعالى بحاله علماً بلا معلوم وقبل وقوع الشيء .

الآية العاشرة :

وقال تعالى : «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ » (4) .

ص: 58


1- . الأنعام : 28 .
2- . بحارالأنوار : 62/70 ، الصحيفة السجادية : 94 .
3- . البقرة : 30 .
4- . الأنبياء : 22 .
الآية الحادية عشرة :

وقال تعالى : «مَا اتَّخَذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ » (1) .

عن فتح بن يزيد الجرجاني عن الإمام أبي الحسن عليه السلام قال : قلت له : يعلم القديم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ؟

قال : ويحك ، إنّ مسألتك لصعبة ، أما سمعت اللّه يقول «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا » وقوله «وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» وقال يحكي قول أهل النار «أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ » وقال «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» فقد علم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ، الخبر (2) .

بيان : فيظهر من هذا الخبر الشريف أنّ اللّه تعالى عالم بالأشياء الممتنعة أيضاً ، فإنّه تعالى عالم بأنّ وجود إلهين يوجب الفساد في العالم وأنّه تعالى عالم بالتقديريّات أيضاً ، كما مرّ .

العلم المخزون في الأخبار :

فعن ابن مسكان عن أبي بصير قال : سمعت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام يقول : لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربّنا ، والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور ، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصر ، والقدرة على المقدور .

قال : قلت : فلم يزل اللّه متكلّماً ؟

قال : إنّ الكلام صفة محدثة ليست بأزليّة ، كان اللّه عزّ وجلّ ولا متكلّم (3) .

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ دلالة واضحة على علمه تعالى المستغني عن

ص: 59


1- . المؤمنون : 91 .
2- . بحارالأنوار : 82/4 ، التوحيد : 64 .
3- . بحارالأنوار : 71/4 ح18 ، التوحيد : 139 .

وجود المعلوم ، فإنّه تعالى عالم ولا معلوم والعلم ذاته تعالى . وبعدما خلق المعلوم يقع العلم على ما كان معلوماً بالعلم بلا معلوم ، وهكذا الأمر بالنسبة إلى السمع والبصر والقدرة .

أفاد شيخنا الأستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره :

قوله عليه السلام : «وقع العلم على المعلوم» أي وقع العلم على ما كان كاشفاً عنه قبل وجوده (1) ؛ انتهى كلامه رفع مقامه .

ومن الواضح أنّ العلم الذاتيّ هو العلم المكفوف المخزون الذي لا يمكن أن يطّلع عليه أحد لسبوحيّته وعدم حصره ، بل علمه تعالى كشف وعيان لجميع الأنظمة اللامتناهية ونقائضها بالعلم بلا معلوم .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام أجاب على سؤال الرواي بالنسبة إلى الكلام ، وأنّه تعالى هل كان متكلّماً أم لا ، بأنّ الكلام صفة محدثة ، فكان اللّه تعالى ولا متكلّم .

عن جعفر بن محمّد الأشعريّ عن فتح بن يزيد الجرجانيّ قال : كتبت إلى الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام أسأله عن شيء من التوحيد فكتب إليّ بخطّه - قال جعفر : وإنّ فتحاً أخرج إليّ الكتاب فقرأته بخطّ أبي الحسن عليه السلام - :بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الملهم عباده الحمد ، وفاطرهم على معرفة ربوبيّته الدالّ على وجوده بخلقه ، وبحدوث خلقه على أزليّته ، وباشتباههم على أن لا شبه له ، المستشهد بآياته على قدرته ، الممتنع من الصفات ذاته ، ومن الأبصار رؤيته ، ومن الأوهام الإحاطة به ، لا أمد لكونه ، ولا غاية لبقائه ، لا تشمله المشاعر ، ولا تحجبه الحجاب ، فالحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم ، ولإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته ، ولافتراق الصانع والمصنوع ، والربّ والمربوب ، والحادّ والمحدود ، أحد لا بتأويل عدد ، الخالق لا بمعنى حركة ، السميع لا بأداة ، البصير لا بتفريق آلة ، الشاهد لا بمماسّة ، البائن لا ببراح مسافة ، الباطن لا باجتنان ، الظاهر لا بمحاذ ، الذي قد حسرت .

ص: 60


1- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 138 .

دون كنهه نوافذ الأبصار ، وأقمع وجوده جوائل الأوهام ، أوّل الديانة معرفته ، وكمال المعرفة توحيده ، وكمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف وشهادة الموصوف أنّه غير الصفة وشهادتهما جميعاً على أنفسهما بالبَيْنَة ، الممتنع منها الأزل . فمن وصف اللّه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله ، ومن قال كيف فقد استوصفه ، ومن قال علامَ فقد حمله ، ومن قال أين فقد أخلى منه ، ومن قال إلامَ فقد وقّته ، عالم إذ لا معلوم ، وخالق إذ لا مخلوق ، وربّ إذ لا مربوب ، وإله إذ لا مألوه ، وكذلك يوصف ربّنا ، وهو فوق ما يصفه الواصفون (1) .

قوله عليه السلام «عالم إذ لا معلوم» صريح في ثبوت العلم بلا معلوم له تعالى فإنّه تعالى عالم قبل المعلوم ، وخالق إذ لا مخلوق ، وربّ إذ لا مربوب ، وإله إذ لا مألوه ، ومن الواضح أنّ ثبوت العلم له تعالى قبل المعلوم يشير إلى علمه الذاتيّ القدّوس .

حدّثني محمّد بن يحيى بن عمر بن عليّ بن أبي طالب قال : سمعت الإمام أباالحسن الرضا عليه السلام يتكلّم بهذا الكلام عند المأمون في التوحيد إلى قال عليه السلام : له معنى الربوبيّة إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهيّة إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئيّة ، الخبر (2) .

الظاهر أنّ المراد من الربوبيّة هو المدبّريّة وللّه تعالى معنى المدبّريّة ولا مربوب ، فالربّ تعالى ربّ إذ لا مربوب ، وكذا الأمر بالنسبة الى الخلق فإنّه تعالى ليس مذ خلق الخلق استحقّ معنى الخالقيّة بل له معنى الخالقيّة قبل أن يخلق الخلق فكمال الخالقيّة ثابت للّه تعالى وإن لم يخلق وليست الخالقيّة قوّة تصل إلى الفعليّة بعد الخلق .

و أمّا الإلهيّة فإنّه تعالى إله قبل خلق الخلق ، فإنّه سبّوح سواء كان هناك من يعرف .

ص: 61


1- . بحارالأنوار : 284/4 ، التوحيد : 56 .
2- . بحارالأنوار : 229/4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 149/1 ، التوحيد : 34 .

السبّوحيّة أم لم يكن من يعرفها .

و الظاهر أنّ المقصود من العلم هو الكشف ، ولمّا كان علمه تعالى الذاتيّ كشفاً للأنظمة اللامتناهية وجميع التقديريّات يكون له معنى العالم ولا معلوم وكذا الأمر بالنسبة إلى السمع ، فإنّ اللّه تعالى عالم بالمسموعات قبل حدوثها .

أفاد شيخنا الأستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في ذيل هذه الأخبار ونظائرها :

ظاهر عند أولي الألباب أنّ هذه الروايات سياقها سياق الإثبات والتمجيد ، أي، تمجيده تعالى بالألوهيّة والربوبيّة والعالميّة والقادريّة ، وتمجيده تعالى بتوحّده وتفردّه في هذه النعوت الكماليّة ، وتمجيده سبحانه بالتفرّد بتلك النعوت في الأزل : أي، إنّها ليست مكتسبة ومستفادة من ناحية وجود المربوبين والمألوهين والمعلومين والمقدورين . كما هو صريح قول مولانا أبي الحسن الرضا صلوات اللّه عليه حيث قال : له . . . حقيقة الإلهيّة إذ لا مألوه . . . وليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئيّة . فلا يجوز الإصغاء إلى القول بأنّ المراد في هذه الروايات نفي المعلومات والمقدورات وغيرها عن مرتبة الذات ، فيكون الكلام راجعاً إلى توحيد الذات وتقديساً لها عن وجود شيء معه في مرتبة الذات ، لأنّ سياقها أجنبي عن سياق التنزيه والتقديس في مرتبة الذات . ولكن حيث إنّ هذه الروايات مسوقة لتنزيهه تعالى وغناه عن المعلومات والمقدورات كي ينتزع من ناحية المعلومات والمقدورات حقيقة العلم والقدرة ، فلا محالة يستفاد منها بالملازمة البيّنة العقليّة عدم وجود شيء مع اللّه سبحانه من سنخ ما يعلم ويسمع ويبصر ويؤله ويربَّب في مرتبة الذات في الأزل . فتحصّل أنّ اللّه تعالى عالم وقادر بذاته من دون

ص: 62

افتقار إلى انتزاع العلم والقدرة من ناحية المعلوم والمقدور (1) ؛ انتهى كلامه رفع مقامه .

و حاصل كلامه رحمه اللّه تعالى أنّ هذه الأخبار ناظرة إلى تمجيده تعالى من ناحية عدم احتياجه إلى المعلوم والمقدور وغيرهما في كونه عالماً قادراً ، بل إنّه تعالى عالم بذاته وقادر بذاته ولا يحتاج إلى المعلوم والمقدور أبداً ، فهذه الكمالات ثابتة له تعالى قبل كون المعلوم والمقدور . وبما أنّها مسوقة لتنزيهه تعالى عن المعلومات والمقدورات ، فيستفاد منها عدم وجود شيء معه تعالى من سنخ المعلومات والمعقولات .

أقول : الأمر كما أفاده قدس سره إلّاأنّه لمّا كانت هذه الأخبار تتحدّث عن العلم الذاتيّ الإلهيّ ، تصير بذلك دالّة على العلم المخزون المكنون أيضاً .

عن ابن مسكان قال : سألت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام عن اللّه تبارك وتعالى أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان أم علمه عند ما خلقه وبعد ما خلقه ؟

فقال : تعالى اللّه ، بل لم يزل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه ، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه بالمكان (2) .

هذا الخبر الشريف صريح في أنّ العلم المكفوف لا يتأثر بالمتغيّرات فإنّه كشف للكائنات واللاكائنات والأنظمة اللامتناهية ، فكيف يتأثّر بالخلق ! فإنّ اللّه تعالى عالم بالمكان قبل خلق المكان ، وعالم بجميع الأشياء قبل خلقها ، وبعد أن خلقها لم يتأثّر علمه المكفوف بها ، فإنّ من الواضح أنّ علمه الذاتيّ أجلّ وأشرف من أن يتأثّر بشيء .

عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم قال : دخلت على الإمام أبي عبداللّه عليه السلام فقال لي : أتنعت اللّه ؟

قلت : نعم . .

ص: 63


1- . توحيد الإماميّة : 269 - 270 .
2- . بحارالأنوار : 85/4 ، التوحيد : 137 .

قال : هات .

فقلت : هو السميع البصير .

قال : هذه صفة يشترك فيها المخلوقون .

قلت : فكيف ننعته ؟

فقال : هو نور لا ظلمة فيه ، وحياة لا موت فيه ، وعلم لا جهل فيه ، وحقّ لا باطل فيه .

فخرجت من عنده وأنا أعلم الناس بالتوحيد (1) .

الظاهر أنّ نفي الظلمة والموت والجهل عنه يستلزم نفي المخلوقيّة وصفاتها عنه ، فإنّ المخلوق جاهل الذات وميّت الذات وظلمانيّ الذات . ولمّا كان تعالى نوراً لا ظلمة فيه وحياةً لا موت فيه وعلماً لا جهل فيه وحقّاً لا باطل فيه ، يكون منزّهاً عن الخلائق . ولذا قال الراوي «خرجت وأنا أعلم الناس بالتوحيد» إذ التوحيد هو تمييزه عن خلقه . فتأمّل جيّداً فإنّ ذلك باب من العلم ، فتحه الإمام عليه السلام لخاصّته جعلنا اللّه تعالى منهم .

هذا ودلالة الخبر الشريف على علمه تعالى الذاتيّ ممّا لا غبار عليه .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى كان ولا شيء غيره ، نوراً لا ظلام فيه ، وصادقاً لا كذب فيه ، وعالماً لا جهل فيه ، وحيّاً لا موت فيه ، وكذلك هو اليوم ، وكذلك لا يزال أبداً (2) .

الخبر الشريف صريح في أنّه تعالى علم لا جهل فيه قبل خلق الخلق وبعد خلق الخلق ، فخلقه وإيجاده الخلق لا يؤثّر في علمه ، فليس مذ خلق استحقّ معنى الخالقيّة .

والوجه في عدم تأثّر علمه تعالى بالخلائق ، هو سبوّحيّته عن التأثّر . ولمّا كان علمه تعالى كشفاً للأنظمة اللامتناهية أزلاً وأبداً بلا تعيّن في علمه القدّوس ، يكون .

ص: 64


1- . بحارالأنوار : 70/4 ، التوحيد : 146 .
2- . بحارالأنوار : 69/4 ، التوحيد : 140 .

ذلك دليلاً على عدم انحصار علمه بالنظام المخلوق .

عن أبي هاشم الجعفري قال : كنت عند الإمام أبي جعفر الثاني عليه السلام فسأله رجل فقال : أخبرني عن الربّ تبارك وتعالى ، أله أسماء وصفات في كتابه ؟ وهل أسماؤه وصفاته هي هو ؟

فقال أبوجعفر عليه السلام : إنّ لهذا الكلام وجهين : إن كنت تقول هي هو أنّه ذو عدد وكثرة ، فتعالى اللّه عن ذلك . وإن كنت تقول هذه الأسماء والصفات لم تزل ، فإنّما لم تزل محتمل معنيين : فإن قلت لم تزل عنده في علمه وهو يستحقّها ، فنعم . وإن كنت تقول لم يزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها ، فمعاذ اللّه أن يكون معه شيء غيره ، بل كان اللّه تعالى ذكره ولا خلق ، ثمّ خلقها وسيلة بينه وبين خلقه ، يتضرّعون بها إليه ، ويعبدونه ، وهي ذكره . وكان اللّه سبحانه ولا ذكر والمذكور بالذكر هو اللّه القديم الذي لم يزل ، والأسماء والصفات مخلوقات والمعنيّ بها هو اللّه الذي لا يليق به الإختلاف ولا الإيتلاف ، وإنّما يختلف ويأتلف المتجزّي ، ولا يقال له قليل ولا كثير ولكنّه القديم في ذاته لأنّ ما سوى الواحد متجزئ ، واللّه واحد لا متجزئ ولا متوهّم بالقلّة والكثرة ، وكلّ متجزئ أو متوهّم بالقلّة والكثرة فهو مخلوق دالّ على خالق له ، فقولك إنّ اللّه قدير خبّرت أنّه لا يعجزه شيء فنفيت بالكلمة العجز وجعلت العجز سواه ، وكذلك قولك عالم إنّما نفيت بالكلمة الجهل وجعلت الجهل سواه . فإذا أفنى اللّه الأشياء ، أفنى الصورة والهجاء والتقطيع فلا يزال من لم يزل عالماً .

فقال الرجل : فكيف سمّينا ربّنا سميعاً ؟

فقال : لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس ، وكذلك سمّيناه بصيراً لأنّه لا يخفى عليه ما يدرك بالأبصار من لون أو شخص أو غير ذلك ، ولم نصفه ببصر طرفة العين . وكذلك سمّيناه لطيفاً لعلمه بالشيء اللّطيف مثل البعوضة وما هو أخفى من ذلك وموضع المشي منها والعقل والشهوة للسفاد والحدب على أولادها ، وإقامة بعضها على بعض ، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال

ص: 65

والمفاوز والأودية والقفار ، فعلمنا بذلك أنّ خالقها لطيف بلا كيف إذ الكيفيّة للمخلوق المكيّف . وكذلك سمّينا ربّنا قويّاً بلا قوة البطش المعروف من الخلق ، ولو كان قوّته قوّة البطش المعروف من الخلق ، لوقع التشبيه واحتمل الزيادة ، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان ، وما كان ناقصاً كان غير قديم ، وما كان غير قديم كان عاجزاً ، فربّنا تبارك وتعالى لا شبه له ولا ضدّ ولا ندّ ولا كيفيّة ولا نهاية ولا تصاريف ، محرّم على القلوب أن تحتمله وعلى الأوهام أن تحدّه ، وعلى الضمائر أن تصوّره ، جلّ وعزّ عن أداة خلقه وسمات بريّته وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً (1) .

بيان : هذا الخبر الشريف من عيون أخبار أئمة الهدى عليهم السلام لاشتماله على معالم التوحيد وتبيينه دقائق معرفة اللّه تعالى ، ولا بدّ من الإشارة إلى بعض الجهات المذكورة فيه :

الجهة الأولى : أنّه لا ينبغي توهّم أنّ تعدّد أسمائه تعالى يستلزم التعدّد في ذاته فيسمع بغير ما يرى ويرى بغير ما يبطش بل إنّه تعالى إله واحد لا شريك له ولا نظير .

و هنا مسألة دقيقة لا بدّ من الإشارة إليها وهي أنّ الظاهر من عدم استلزام تعدّد الأسماء الدالّة على كمال في ذاته القدّوس على التعدّد في ذاته هو أنّ مآل جميع الكمالات هو كمال واحد ، وفي ذلك الكمال كلّ الكمالات . فمرجع خلقه هذا النظام بما فيه من دقّة وعظمة إلى علمه تعالى وقدرته على الخلق لا من شيء كيف شاء ، ومرجع قدرته تعالى على الإيجاد لا من شيء هو علمه تعالى بالإيجاد ، وهكذا فمرجع جميع الكمالات إلى القدرة والعلم والظاهر أنّ كمال القدرة يعود إلى العلم أيضاً .

وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا «النفحات الرضويّة» فإنّ أئمة الهدى عليهم السلام كانوا يصرّحون بأنّ جميع الكمالات ترجع إلى العلم ، ويشيرون إلى سعة قدرتهم ببيان سعة علمهم . وهذا يؤيّد ما أشرنا إليه ، وإليك بعض ما يدلّ على أنّ مآل كمال القدرة .

ص: 66


1- . بحارالأنوار : 153/4 ، الاحتجاج : 442/2 .

هو العلم :

عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك قول العالم «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » (1) قال : فقال : يا جابر ، إنّ اللّه جعل اسمه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً فكان عند العالم منها حرف واحد فانخسفت الأرض ما بينه وبين السرير حتّى التفّت القطعتان وحوّل من هذه على هذه وعندنا من اسم اللّه الأعظم اثنان وسبعون حرفاً وحرف في علم الغيب المكنون عنده (2) .

وعن أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ اسم اللّه الأعظم على اثنين وسبعين حرفاً وإنّما كان عند آصف كاتب سليمان عليه السلام وكان يوحى إليه حرف واحد ألف أو واو فتكلّم فانخرقت له الأرض حتّى التفّت فتناول السرير وإنّ عندنا من الاسم أحداً وسبعين حرفاً وحرف عند اللّه في غيبه (3) .

أقول : صريح الخبر أنّ ما كان عند آصف من العلم أعطاه القدرة على فعل ما فعل وبما أنّ الائمّة عليهم السلام لهم من العلم اثنان وسبعون حرفاً فتكون قدرتهم أوسع من قدرة آصف بما لا يعلمه إلّااللّه تعالى وأوليائه .

وقال أميرالمؤمنين عليه السلام في رواية طويل : يا سلمان ويا جندب ! قالا : لبّيك يا أميرالمؤمنين صلوات اللّه عليك . قال عليه السلام : أنا أُحيي وأُميت بإذن ربّي وأنا أُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم بإذن ربّي وأنا عالم بضمائر قلوبكم والأئمّة من أولادي يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا ، لأنّا كلّنا واحد أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد وكلّنا محمّد فلا تفرّقوا بيننا ، ونحن إذا شئنا شاء اللّه وإذا كرهنا كره اللّه ، الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيّتنا وما أعطانا اللّه ربّنا لأنّ من أنكر شيئاً ممّا أعطانا اللّه فقد أنكر قدرة اللّه عزّوجلّ ومشيّته فينا .

يا سلمان و يا جندب ! قالا : لبّيك يا أميرالمؤمنين صلوات اللّه عليك . قال عليه السلام : لقد .

ص: 67


1- . النمل : 40 .
2- . بحارالأنوار : 114/14 ، بصائر الدرجات : 209 .
3- . بحارالأنوار : 114/14 ، بصائر الدرجات : 210 .

أعطانا اللّه ربّنا ما هو أجلّ وأعظم وأعلى وأكبر من هذا كلّه ؟

قلنا : يا أميرالمؤمنين ما الذي أعطاكم ما هو أعظم وأجلّ من هذا كلّه ؟

قال : قد أعطانا ربّنا عزّوجلّ علمنا للإسم الأعظم الّذي لو شئنا خرقت السماوات والأرض والجنّة والنار ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ونغرب ونشرق وننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي اللّه عزّوجلّ ويطيعنا كلّ شيء حتّى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ والبحار والجنّة والنار أعطانا اللّه ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ونعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد اللّه المكرمون الذين «لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ » (1) وجعلنا معصومين مطهّرين وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين فنحن نقول «اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّهُ » (2) و «حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» (3) أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا اللّه من الفضل والإحسان .

يا سلمان ويا جندب ! فهذا معرفتي بالنورانيّة فتمسّك بها راشداً فإنّه لا يبلغ أحد من شيعتنا حدّ الاستبصار حتّى يعرفني بالنورانيّة فإذا عرفني بها كان مستبصراً بالغاً كاملاً قد خاض بحراً من العلم وارتقى درجة من الفضل واطّلع على سرّ من سرّ اللّه ومكنون خزائنه (4) .

أقول : يدلّ قوله عليه السلام على أنّ ما يملكونه من القدرة كلّه يكون بالاسم الأعظم فلاحظ قوله عليه السلام : «قد أعطانا ربّنا عزّوجلّ علمنا للاسم الأعظم الّذي لو شئنا خرقت السماوات والأرض والجنّة والنار ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ونغرب ونشرق وننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي اللّه عزّوجلّ ويطيعنا كلّ شيء حتّى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ والبحار .

ص: 68


1- . الأنبياء : 27 .
2- . الأعراف : 43 .
3- . الزمر : 71 .
4- . بحارالأنوار : 7/26 .

والجنّة والنار أعطانا اللّه ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به» .

وعن محمّد بن حمّاد عن أخيه أحمد بن حمّاد عن إبراهيم عن أبيه عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك أخبرني عن النبيّ صلى الله عليه و آله ورث النبيّين كلّهم ؟

قال : نعم .

قلت : من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه ؟

قال : ما بعث اللّه نبيّاً إلّاومحمّد صلى الله عليه و آله أعلم منه .

قال : قلت : إنّ عيسى بن مريم عليه السلام كان يحيى الموتى بإذن اللّه ؟

قال : صدقت وسليمان بن داود عليه السلام كان يفهم منطق الطير وكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقدر على هذه المنازل .

قال : فقال : إنّ سليمان بن داود عليه السلام قال للهدهد حين فقده وشكّ في أمره .

فقال : «فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » (1) وإنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والجنّ والإنس والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه وإنّ اللّه يقول في كتابه :

«وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (2) وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسيّر به الجبال وتقطع به البلدان وتحيا به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء وإنّ في كتاب اللّه لآيات ما يراد بها أمر إلّاأن يأذن اللّه به ؛ الخبر (3) .

أقول : دلالة الخبر على المدّعى واضحة فعلم القرآن كلّه عند الأئمّة عليهم السلام وبه تسيّر الجبال ويكلّم الموتى . فهذه الأدلّة تشير إلى رجوع كمال القدرة إلى كمال العلم في أهل البيت عليهم السلام وهي تؤيّد ما بيّنّاه من رجوع كمال القدرة في اللّه تعالى إلى كمال العلم . .

ص: 69


1- . النمل : 20 - 21 .
2- . الرعد : 31 .
3- . بحارالأنوار : 112/14 ، الكافي : 226/1 .

نعم ، الخلق مهما بلغ من الكمال لا يستطيع أن يعرف علم اللّه تعالى ولا يمكنه الإحاطة بسعته إذ لا حدّ له أبداً ، فإنّنا لا نستطيع أن نعرف شيئاً من علمه إلّاأنّه تعالى علم لا جهل فيه ، وإنّه لا يجهل شيئاً ، وإنّه بكلّ شيء عليم .

الجهة الثانية : عدم أزليّة الأسماء اللّفظيّة وكذا التكوينيّة ، فإنّ هذه الأسماء مخلوقة كسائر الخلائق وثبوت معاني الأسماء - كالعلم عند إطلاق العالم عليه - لا يستلزم أزليّة الأسماء كما هو واضح ، فإنّ ثبوتها معه يستلزم ثبوت شريك للّه تعالى إذ من الواضح بينونتها عنه تعالى وإنّما خلقها اللّه تعالى وسيلة بينه وبين خلقه ، والمعنيّ والمقصود بها هو اللّه الواحد الماجد الأزليّ الأبديّ .

ولمّا كانت الأسماء مخلوقة للّه تعالى ، له أن يفنيها وله أن يبقيها ، فحالها حال سائر المخلوقين حذو القذّة بالقذّة ، وبإفنائها لا يزول علمه تعالى ، بل يبقى عالماً فإنّه تعالى عالم أزلاً وهذا هو العلم المكفوف الذي لا حدّ له ولا نهاية .

الجهة الثالثة : إنّ إطلاق القدير والعليم عليه تعالى لا يستلزم الإحاطة بعلمه وقدرته تعالى بل إطلاق القدير عليه تعالى يوجب نفي العجز عنه ، وإطلاق العليم والعالم عليه يوجب نفي الجهل عنه وجعل الجهل سواه .

الجهة الرابعة : لمّا كان اللّه تعالى عالماً لا جهل فيه وحيّاً لا موت فيه وقديراً لا عجز فيه ، لا يكون المخلوق الذي هو عين العجز والجهل مخلوقاً من الحقيقة بحقيقة الشيئيّة ، وهذا يدلّ على أنّ الخلقة خلقة إبداعيّة وابتدائيّة ولا من شيء وليست من أُصول أزليّة ، إذ لا يشكّ العاقل بفقره واحتياجه الذاتيّ ، ولذا لا يُعقل أن يكون الضعيف بالذات مخلوقاً من القويّ بالذات .

الجهة الخامسة : إنّ إطلاق السميع والبصير عليه تعالى ليس كإطلاقه على المخلوق ، إذ المخلوق لا يشبهه في شيء من الصفات والكمالات ، ولذا يكون إطلاق السميع على اللّه تعالى من جهة علمه تعالى بالمسموع وهكذا الأمر بالنسبة لإطلاق البصير عليه تعالى .

ص: 70

عن الإمام أبي الحسن الرّضا عليه السلام قال : اعلم - علّمك اللّه الخير - أنّ اللّه تبارك وتعالى قديم ، والقدم صفته الّتي دلّت العاقل على أنّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديموميّته ، إلى أن قال عليه السلام : وإنّما سمّي اللّه تعالى بالعلم بغير علم حادث علم به الأشياء استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره والرّويّة فيما يخلق من خلقه ، ويفسد ما مضى ممّا أفنى من خلقه ممّا لو لم يحضره ذلك العلم ويغيبه كان جاهلاً ضعيفاً ، كما أنّا لو رأينا علماء الخلق إنّما سمّوا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا فيه جهلة وربّما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل ، وإنّما سمّي اللّه عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت ، الخبر (1) .

بيان : هذا الخبر الشريف صريح في افتراق إطلاق العالم على اللّه تعالى عن إطلاقه على الخلق ، فإنّ الخلق لم يثبت لهم علم أزلاً بل هم علماء بالعلم الحادث ، وأمّا اللّه تعالى فإنّه تعالى عالم لعدم جهله بشيء أزلاً ، فهو عالم أزلاً وأبداً ، ولا يفارقه العلم أبداً .

عن أبي عليّ القصّاب قال : كنت عند الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام فقلت : الحمد للّه منتهى علمه . فقال : لا تقل ذلك ، فإنّه ليس لعلمه منتهى (2) .

قال عبد اللّه بن يحيى كتبت إليه في دعاء : الحمد للّه منتهى علمه . فكتب : لا تقولنّ منتهى علمه ، فإنه ليس لعلمه منتهى ولكن قل : الحمد للّه منتهى رضاه (3) .

أقول : هذان الخبران صريحان في عدم تناهي علمه تعالى ، فإنّه عالم أزلاً بما لا يتناهى .

فتحصّل من هذه الأدلّة ثبوت العلم المكفوف للّه تعالى وهو العلم المخزون عنده الذي لا يطلّع عليه أحد لعدم تناهيه ، ومنه يكون البداء .

ولمّا كان تعالى عالماً أزلاً وأبداً بأنظمة لا تتناهى ونقيضها ، لا يوجب تغيير مشيّته .

ص: 71


1- . الكافي : 120/1 .
2- . وسائل الشيعة : 136/7 (آل البيت) .
3- . بحارالأنوار : 246/10 ، تحف العقول : 408 .

المخلوقة تغييراً في علمه القدّوس الذي هو عين ذاته تعالى وسيأتي توضيح ذلك .

هذا كلّه في المعارف الإلهيّة وأمّا في المعارف البشريّة فينحصر علمه تعالى بالنظام الأصلح وليس كشفاً لجميع الأنظمة اللامتناهية بما لا يتناهى وإليك نموذجاً من تلك العبارات :

قال الملّاصدرا : «ولمّا كانت ذاته البسيطة علماً بكيفيّة النظام الأتمّ - لما علمت في مباحث العلم الإلهي أنّ ذاته بذاته كلّ الأشياء الموجودة على الوجه الأشرف الأقدس لأنّها موجودة بوجود إلهيّ واجبيّ ومتصوّرة بصورة ربّانيّة رحمانيّة فيتبع ذاته العقليّة الواجبيّة فيضان الموجودات عنه على النظام التامّ المعقول عنده من معقوليّة ذاته ... أنّه عالم بكيفيّة نظام الخير في الوجود وإنّه واجب الفيضان عنه وعالم بأنّ هذه العالميّة يوجب أن يفيض عنها الوجود على الترتيب الذي يعقله خيراً ونظاماً ؛ انتهى كلامه (1) .

أقول : من الواضح أنّ كون ذاته بذاته كلّ الأشياء الموجودة واستتباع ذلك لفيضان الموجودات عنه على النظام التامّ يوجب لزوم صدور وتجلّى ذاته ، وهذا ينافي علمه بما لا يكون أو ما يمكن أن يكون ، فلابدّ من أن يكون كلّ ما في ذاته على وجه أبسَط ، وهذه المقالة الفاسدة المخالفة للعقل الصريح وضرورة جميع الأديان الإلهيّة لاستلزامها السنخيّة أو العينيّة بين الخالق والمخلوق وجوداً ، تنافي أيضاً سعة علمه تعالى لما لا يكون ولا يريد فتأمّل جيّداً .

ثمّ إنّ من الواضح أنّ القول بالفيضان والرشح ينافي الإختياريّة والفاعليّة عن قدرة فجلّت ساحة الربّ عن ذلك . .

ص: 72


1- . الأسفار : 332/6 .

العلم المحمول في الآيات

اشارة

فمنها قوله اللّه تعالى : «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ، إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » (1) .

عن سدير الصّيرفيّ قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (2) ؟

قال أبو جعفر عليه السلام : إنّ اللّه عزّ وجلّ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله ، فابتدع السّماوات والأرضين ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون أما تسمع لقوله تعالى «وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (3) .

فقال له حمران : أرأيت قوله جلّ ذكره «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً» ؟

فقال أبو جعفر عليه السلام : «إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» وكان واللّه محمّد ممّن ارتضاه .

وأمّا قوله : «عالِمُ الْغَيْبِ» فإنّ اللّه عزّ وجلّ عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيء ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه وقبل أن يُفْضِيَه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علم موقوف عنده ، إليه فيه المشيئة ، فيقضيه إذا أراد ويبدو له فيه فلا يمضيه . فأمّا العلم الّذي يقدّره اللّه عزّ وجلّ فيقضيه ويمضيه فهو العلم الّذي انتهى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ثمّ إلينا (4) .

يحتمل أن يكون المراد من علم الغيب في الآية هو العلم الذي قد يبدو للّه تعالى فيه بخلاف ما إذا أخبر به الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وكان من الميعاديّات أو ممّا لا يبدو للّه

ص: 73


1- . الجنّ : 26 - 27 .
2- . الأنعام : 101 .
3- . هود : 9 .
4- . الكافي : 256/1 .

تعالى فيه فإنّه يقضيه ويمضيه ولا ريب في دلالة الآية المباركة على العلم المحمول فإنّه تعالى حمّل رسوله الأكرم ذلك العلم وكذا أوصيائه .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في معنى الغيب :

و «الغيب» ما يقابل الشهادة . والمراد منه كل موجود خلقه اللّه سبحانه وتفرّد بعلمه لا يعلمه أحد غيره إلّامن اصطفاه من أنبيائه ورسله ويختاره بما شاء وأراد من الغيوب . قال تعالى : «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ، إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » . المراد من «الرصد» الذي يسلك من بين يديه ومن خلفه هو عصمة اللّه المانعة التي اصطفى اللّه أنبياءه ورسله بهذه الكرامة العظمى ، فعلم رسله وأنبياءه من الغيوب ما شاء وأراد ، وكذلك غير الأنبياء والرسل من الأوصياء والصدّيقين ، فجعل لهم أيضاً ارتباطاً بعالم الغيب يناديهم الملك المحدّث ويلقي إليهم شيئاً من الغيوب . وهذا يسمّى بالتحديث . قال تعالى : «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ » (1) . ومثل ما كلّم جبرئيل سيّدتنا الصديقة الطاهرة وأخبرها من أنباء الغيب وما يحدث من الحوادث في المستقبل ، وعليّ عليه السلام - وهو الصدّيق الأكبر - حاضر وجالس في المحفل يكتب جميع ما يلقيه جبرئيل . وهذه المكتوبات من مواريث بيت النبوّة والإمامة ومفاخر علومهم . وهذه هي المسمّاة بمصحف فاطمة . وهو الآن عند الإمام المنتظر المهديّ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف .

قوله تعالى : ويعلم ما في البرّ والبحر ... عطف على قوله : لا يعلمها .

وهذا القسم يسمّى بعالم الشهادة . والشهادة ما يقابل الغيب . وهو .

ص: 74


1- . آل عمران : 45 .

الذي يتمكّن الناس من العلم به . لا نقول : إنّ كلّ عين وحادثة في عالم الشهادة يعلمه ويتمكّن من العلم به جميع الناس ، بل نقول : إنّ الأعيان والحوادث الواقعة في أقطار الأرض ، وإن كانت غائبة عندنا ، إلّاأنّها شهادة عند قوم آخرين ، وبالعكس أيضاً .

نعم ، لا يبعد أن يكون في عالم الشهادة والبرّ والبحر أعيان وحوادث لا يتمكّن أحد من العلم بها أيضاً فتكون داخلة في الغيوب .

قال تعالى : «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ ، وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » (1) . «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ، وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَ رَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ »(2). « اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْ ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ »/ (3) . «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ » (4) . «يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ » (5) . «هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»(6).

هذه الآيات وما في معناها من الآيات محكمة الدلالة بنفوذ علمه تعالى بجميع ما سواه من دون فرق بين دقيقه وجليله ، وجزئياته وكلّيّاته . .

ص: 75


1- . النّمل : 74 و 75 .
2- (2) . سبأ : 2 و 3 .
3- . الرّعد : 8 و 9 .
4- . الحديد : 22 .
5- . المجادلة : 6 .
6- . الأحقاف : 8 .

وحيث إنّ كلّ غيب عنده شهادة وكلّ سرّ عنده علانية ، فلا غيب ولا سرّ بالنسبة إليه تعالى . والمراد من الغيب هو ما لم يكن ولم يوجد وكذلك الأعيان الموجودة التي حجب اللّه تعالى علمها عن عباده وما جرت سنّته الحكيمة بإفاضة العلم بها في ألسنة أوليائه ، مثل البرزخ والآخرة وما فيها من الحقائق .

واللّه سبحانه هو العالم بهذه الغيوب في عرض سواء ، سواء كان من الحوادث التي لما تكن أو من الجزئيات المنقضية المتبدّلة المتغيّرة ، أو التي تحمل كلّ أثنى وما تغيض الأرحام ، أو ما كان في معرض الزيادة والنقصان ، أو ما كان مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات والأرض يأت بها اللّه ويحصيها تعالى ، فهو سبحانه علم وعيان بالغيب بالمعاني التي ذكرناها وكذلك علم وشهادة بالمعدومات التي لن تكون أبداً ، أي الفرضيّات المستحيلة والممكنة التي ما جرت سنّته على إيجادها . انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

و منها قوله تعالى : «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ »(2).

عن أبي الربيع الشاميّ قال : سألت الإمام أباعبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ :

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» (3) ؟

قال : نزلت في ولاية عليّ عليه السلام .

قال : وسألته عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ؟ .

ص: 76


1- . توحيد الإمامية : 259 - 261 .
2- الأنعام : 59 .
3- . الأنفال : 24 .

قال فقال : «الورقة» السقط ، و «الحبّة» الولد ، و «ظلمات الأرض» الأرحام ، و «الرّطب» ما يحيى من النّاس ، و «اليابس» ما يقبض ، وكلّ ذلك في إمام مبين ؛ الخبر (1) .

عن أبي بصير قال : سألته عن قوله عزّ وجلّ «وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ؟

قال فقال : «الورقة» السقط ، و «الحبة» الولد ، و «ظلمات الأرض» الأرحام ، و «الرطب» ما يحيا ، و «اليابس» ما يغيض ، وكلّ في كتاب مبين (2) .

عن الحسين بن خالد قال : سألت أباعبداللّه عليه السلام عن قول اللّه : «ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » ؟

فقال : «الورق» السقط ، يسقط من بطن أمّه من قبل أن يهل الولد .

قال : فقلت : وقوله «ولا حبّة» ؟

قال : يعني الولد في بطن أمّه إذا أهل ويسقط من قبل الولادة .

قال : قلت : قوله «ولا رطب» ؟

قال : يعني المضغة إذا استكنت في الرحم قبل أن يتمّ خلقها قبل أن ينتقل .

قال : قوله «ولا يابس» ؟

قال : الولد التامّ .

قال : قلت : «في كتاب مبين» ؟

قال : في إمام مبين (3) .

عن المفضّل قال : دخلت على الإمام الصادق عليه السلام ذات يوم فقال لي : يا مفضّل هل عرفت محمّداً وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام كُنْه معرفتهم ؟

قلت : يا سيّدي وما كُنْه معرفتهم ؟ .

ص: 77


1- . الكافي : 248/8 .
2- . بحارالأنوار : 80/4 ، معاني الأخبار : 265 .
3- . بحارالأنوار : 90/4 ، تفسير العيّاشيّ : 136/1 .

قال : يا مفضّل من عرفهم كُنْه معرفتهم كان مؤمناً في السنام الأعلى .

قال : قلت : عرّفني ذلك يا سيّدي .

قال : يا مفضّل تعلم أنّهم علموا ما خلق اللّه عزّ وجلّ وذرأه وبرأه ، وأنّهم كلمة التقوى وخزّان السماوات والأرضين والجبال والرمال والبحار ، وعلموا كم في السماء من نجم وملك ، ووزن الجبال وكيل ماء البحار وأنهارها وعيونها وما تسقط من ورقة إلّاعلموها ، ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلّافي كتاب مبين ، وهو في علمهم وقد علموا ذلك .

فقلت : يا سيّدي قد علمت ذلك وأقررت به وآمنت .

قال : نعم يا مفضّل ، نعم يا مكرّم ، نعم يا محبور ، نعم يا طيّب ، طبت وطابت لك الجنّة ولكل مؤمن بها (1) .

بيان : الظاهر أنّ المراد من قوله تعالى «مفاتح الغيب» خزائن الغيب وهي كناية عن علمه تعالى ، فإنّ علمه تعالى واسع لا حدّ له ومفاتحه وخزائنه عنده يعطي من يشاء ويمنع من يشاء وهذا هو المراد من «عنده» فإنّه تعالى متفرّد بعلم الغيب الذي هو بمعنى العلم المخزون المكنون في المقام ظاهراً ، وأمر هذا العلم - من حيث العطاء والمنع - بيده وحده لا شريك له في ذلك .

ففي لسان العرب «و المفتح : الخزانة ، ولكلّ شيء مفتح ، ومفتح بالفتح والكسر ، من صنوف الأشياء» وفي مجمع البحرين «و عنده مفاتح الغيب» أي خزائنه ، جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن» .

نعم أفاد شيخنا الأُستاذ المحقّق آية اللّه محمّد باقر الملكيّ قدس سره أنّ المراد من المفاتح في المقام هو المدخل والمورد وإطلاق الباب على العلم غير عزيز في الأدلّة (2) . .

ص: 78


1- . بحارالأنوار : 116/26 عن مصباح الأنوار .
2- . توحيد الإماميّة : 258 .

ولكن الظاهر أنّ المراد من «المفاتح» في المقام هو الخزائن فإنّ لفظ «الخزائن» يتناسب مع حقيقة العلم ولا يعني ذلك أنّا ننكر إطلاق الباب على العلم ولكن الأنسب في المقام هو الخزائن واللّه تعالى العالم .

و كيفما كان ، فالظاهر من الآية المباركة أنّ أمر العلم بيد اللّه تعالى ، فله أن يعطي من شاء ما شاء من العلم ، وله أن يمنع من شاء من العلم .

هذا ومضافاً إلى علمه تعالى بالغيب وكينونة خزائنه عنده ، فإنّه تعالى عالم بالجزئيّات ممّا في البرّ والبحر وما تسقط من ورقة إلّايعلمها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلّافي كتاب مبين .

و الظاهر من الأخبار التي مرّت أنّ اللّه تعالى جعل العلم بكلّ مخلوق في السماء والأرض والسقط والجنين وحياة الأشخاص ومماتهم وغير ذلك في الكتاب المبين ، وجعل الكتاب المبين عند الإمام المبين (بحسب خبر المفضّل) فإنّ أئمة الهدى عليهم السلام يعلمون ما في السماء وما في الأرض وبهذا الاعتبار - أي باعتبار تحمّلهم للكتاب المبين - يصحّ إطلاق الكتاب المبين عليهم .

وأمّا الوجه في كونه عليه السلام «مبيناً» هو دلالة تحمّله للعلم الوهبي الإلهي على إمامته وولايته أو دلالة الأدلّة الكثيرة على إمامته وولايته ومنها تحمّله للعلم الوهبي الإلهيّ .

و منها قوله تعالى : «وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (1) .

عن الإمام أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال : قلت له : جعلت فداك أخبرني عن النبيّ صلى الله عليه و آله ورث النبيّين كلّهم ؟

قال : نعم .

قلت : من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه .

قال : ما بعث اللّه نبيّاً إلّاومحمّد صلى الله عليه و آله أعلم منه .

قال : قلت إنّ عيسى ابن مريم كان يحيي الموتى بإذن اللّه . .

ص: 79


1- . النّمل : 75 .

قال : صدقت ، وسليمان بن داود كان يفهم منطق الطّير ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقدر على هذه المنازل .

قال : فقال إنّ سليمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشك في أمره فقال : «ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ » حين فقده ، فغضب عليه فقال : «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ » (1) وإنّما غضب لأنّه كان يدلّه على الماء، فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والإنس والجنّ والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه ، وإنّ اللّه يقول في كتابه:

«وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (2) وقد ورثنا نحن هذاالقرآن الذي فيه ما تسيّر به الجبال وتقطّع به البلدان وتحيا به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء وإنّ في كتاب اللّه لآيات ما يراد بها أمر إلّاأن يأذن اللّه به مع ما قد يأذن اللّه ممّا كتبه الماضون جعله اللّه لنا في أمّ الكتاب . إنّ اللّه يقول : «وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » (3) ثمّ قال : «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» (4) فنحن الذين اصطفانا اللّه عزّوجلّ، وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كلّ شيء (5) .

أقول : يظهر من هذا الخبر الشريف سعة علم أهل البيت عليهم السلام ، وأنّهم ورثوا الكتاب المبين الذي فيه كلّ شيء ومن الواضح أنّ ما كتب في الكتاب هو العلم المحمول .

ومن جملة ما يدلّ على العلم المحمول ، الأخبار الدالّة على أنّ العرش علم قد حمّله اللّه تعالى بعض أوليائه ، وكذا الكرسيّ وقد ذكرها شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره فلا نأتي بها تفصيلاً إلّاأنّنا نذكر بعضها .

قال اللّه تعالى : «اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ .

ص: 80


1- . النمل : 20 - 21 .
2- . الرعد : 31 .
3- . النمل : 75 .
4- . فاطر : 32 .
5- . الكافي : 226/1 .

وَ ما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ » (1) .

عن حفص قال : سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ » ؟

قال : علمه (2) .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في أنّ المراد من الكرسيّ في هذه الآية المباركة هو العلم الإلهيّ .

عن الفضيل بن يسار قال : سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه جلّ وعزّ : «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ » ؟

فقال : يا فضيل كلّ شيء في الكرسيّ ، السماواتُ والأرضُ وكلُّ شيء في الكرسيّ (3) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

هذه الروايات تدلّ على ما استظهرناه من الآية الكريمة من أنّ المراد من الكرسيّ في الآية المباركة هو العلم الذي وسع السماوات والأرض وما فيهما . وهذا الكرسيّ الرفيع الوسيع محيط بما علم به من السماوات والأرض إحاطة عيان وانكشاف ، لا على نحو الانطباع والعلم الحصوليّ . وليس قوله تعالى : «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ» ولا الروايات الواردة في تفسيرها ، مسوقة لبيان كينونة الأشياء في الكرسيّ بنحو من أنحاء الوجود ، كما ذكرناه في البحث عن الكتاب المبين وتفسيره . والظاهر أنّ الآية الكريمة مسوقة لتمجيده تعالى بأنّ .

ص: 81


1- . البقرة : 255 .
2- . بحارالأنوار : 89/4 ، التوحيد : 327 .
3- . الكافي : 132/1 .

كرسيّه وسع السماوات والأرض ، والروايات مسوقة لبيان حقيقة الكرسىّ وأنّه علم محيط بالسماوات والأرض (1) . انتهى كلامه .

أقول : لا شكّ في دلالة حديث حفص في أنّ المراد من الكرسيّ هو العلم الإلهيّ إلّا أنّ استظهار ذلك من خبر الفضيل وأمثاله صعب لاحتمال أن يكون للكرسيّ إطلاقات عدّة في الآيات القرآنيّة ، فلاحظ الخبر الآتي :

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : جاءت زينب العطّارة الحولاء إلى نساء النبيّ صلى الله عليه و آله وبناته وكانت تبيع منهنّ العطر . فجاء النبيّ صلى الله عليه و آله وهي عندهنّ . فقال : إذا أتيتنا طابت بيوتنا .

فقالت : بيوتك بريحك أطيب يا رسول اللّه .

قال : إذا بعت فأحسني ولا تغشّي فإنّه أتقى وأبقى للمال .

فقالت : يا رسول اللّه ، ما أتيت بشيء من بيعي وإنّما أتيت أسألك عن عظمة اللّه عزّ وجلّ .

فقال : جلّ جلال اللّه ، سأحدّثك عن بعض ذلك . ثمّ قال : إنّ هذه الأرض بمن عليها عند التي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، وهاتان بمن فيهما ومن عليهما عند الّتي تحتها كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والثالثة حتّى انتهى إلى السابعة وتلا هذه الآية «خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (2) والسبع الأرضين بمن فيهنّ ومن عليهنّ على ظهر الديك كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والديك له جناحان جناح في المشرق وجناح في المغرب ورجلاه في التخوم والسبع والديك بمن فيه ومن عليه على الصخرة كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والصخرة بمن فيها ومن عليها على ظهر الحوت كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والسبع والديك والصخرة والحوت بمن فيه ومن عليه على البحر المظلم كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم على الهواء الذاهب كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر .

ص: 82


1- . توحيد الإماميّة : 299 .
2- . الطلاق : 12 .

المظلم والهواء على الثرى كحلقة ملقاة في فلاة قيّ ، ثمّ تلا هذه الآية «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى » (1) ثمّ انقطع الخبر عند الثرى والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء والثرى بمن فيه ومن عليه عند السماء الأولى كحلقة في فلاة قيّ ، وهذا كلّه وسماء الدنيا بمن عليها ومن فيها عند التي فوقها كحلقة في فلاة قيّ ، وهاتان السماءان ومن فيهما ومن عليهما عند التي فوقهما كحلقة في فلاة قيّ ، وهذه الثلاث بمن فيهنّ ومن عليهنّ عند الرابعة كحلقة في فلاة قيّ ، حتّى انتهى إلى السابعة وهنّ ومن فيهنّ ومن عليهنّ عند البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة في فلاة قيّ ، وهذه السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قيّ ، وتلا هذه الآية «وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ» (2) وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قيّ ، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قيّ ، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عند الكرسيّ كحلقة في فلاة قيّ ، ثمّ تلا هذه الآية «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ » (3) وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور والكرسيّ عند العرش كحلقة في فلاة قيّ ، وتلا هذه الآية «اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » (4) [ و في رواية الحسن ] الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب (5) .

فإنّ الظاهر من هذا الخبر الشريف أنّ الكرسيّ هو مادّي وقد أحاط بجميع الأشياء إلّا العرش إحاطة مكان ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه الصالحون .

ويشهد على تعدّد إطلاقات العرش والكرسيّ الخبر التالي ، فلاحظ :

عن المفضّل بن عمر قال : سألت الإمام أباعبداللّه عليه السلام عن العرش والكرسي ما .

ص: 83


1- . طه : 6 .
2- . النور : 43 .
3- . البقرة : 255 .
4- . طه : 5 .
5- . الكافي : 153/8 .

هما ؟

فقال : العرش في وجه هو جملة الخلق والكرسيّ وعاؤه ، وفي وجه آخر هو العلم الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه ورسله وحججه والكرسيّ هو العلم الذي لم يطلع عليه أحداً من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام (1).

فإنّ الظاهر منه أنّ للعرش إطلاقان :

أحدهما : جملة الخلق ويكون الكرسيّ حينئذ وعاءه ، وهذا كما ترى ظاهر في العرش غير العلميّ .

ثانيهما : العلم الذي أطلع اللّه تعالى عليه أنبياءه ورسله وحججه .

ويظهر من هذا الخبر الشريف أيضاً أنّ الكرسيّ قد يطلق على العلم المخزون المكنون الذي لم يطلع اللّه تعالى عليه أحداً من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السلام .

وكيفما كان ، لا يمكن استظهار الإحاطة العلميّة للكرسيّ على السماوات والأرض من أمثال قوله عليه السلام «كلّ شيء في الكرسيّ ، السماوات والأرض وكلّ شيء في الكرسيّ» (2)إذ من المحتمل أن يكون المراد من الإحاطة في خصوص هذا الخبر الشريف وأمثاله الإحاطة المكانيّة .

آيات العرش

قال اللّه تعالى : «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ » (3) .

و قال تعالى : «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » (4) .

ص: 84


1- . بحارالأنوار : 28/55 ، معاني الأخبار : 29 .
2- . الكافي : 132/1 ح3 .
3- . التوبة : 129 .
4- . يونس : 3 .

و قال تعالى : «اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» (1) .

و قال تعالى : «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ » (2) .

و قال تعالى : «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (3) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ » فقال : السماوات والأرض وما بينهما في الكرسيّ ، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره (4) .

أقول : الخبر الشريف صريح في أنّ العرش علم لا يستطيع أحد أن يقدّره .

عن حنان بن سدير قال : سألت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام عن العرش والكرسيّ فقال :

إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة ، له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حده .

فقوله «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» يقول الملك العظيم وقوله «اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» يقول على الملك احتوى ، وهذا ملك الكيفوفية في الأشياء ، ثمّ العرش في الوصل متفرّد من الكرسيّ لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب وهما جميعاً غيبان وهما في الغيب مقرونان ، لأنّ الكرسيّ هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلّها ، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحدّ والأين والمشيّة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء ، فهما في العلم بابان مقرونان لأنّ مُلك العرش سوى ملك الكرسيّ ، وعلمه أغيب من علم الكرسيّ ، فمن ذلك قال «رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» أي صفته أعظم من صفة الكرسي وهما في ذلك مقرونان .

قلت : جعلت فداك ، فلم صار في الفضل جار الكرسيّ ؟

قال : إنّه صار جاره لأنّ علم الكيفوفيّة فيه ، وفيه الظاهر من أبواب البداء وأينيّتها .

ص: 85


1- . طه : 5 .
2- . الأنبياء : 22 .
3- . المؤمنون : 86 .
4- . بحارالأنوار : 89/4 ، التوحيد : 327 .

وحدّ رتقها وفتقها ، فهذان جاران أحدهما حمل صاحبه في الصرف وبمثل صرف العلماء ويستدلّوا على صدق دعواهما لأنّه يختص برحمته من يشاء وهو القوي العزيز ، فمن اختلاف صفات العرش أنّه قال تبارك وتعالى «رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ» وهو وصف عرش الوحدانيّة ، لأنّ قوماً أشركوا كما قلت لك قال تبارك وتعالى «رَبُّ الْعَرْشِ» ربّ الوحدانيّة عمّا يصفون ، وقوماً وصفوه بِيَدَين فقالوا يد اللّه مغلولة وقوماً وصفوه بالرجلين فقالوا وضع رجله على صخرة بيت المقدس فمنها ارتقى إلى السماء ، وقوماً وصفوه بالأنامل فقالوا إنّ محمّداً صلى الله عليه و آله قال إنّي وجدت برد أنامله على قلبي ، فلمثل هذه الصفات قال «رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ» يقول ربّ المثل الأعلى عمّا به مثّلوه وللّه المثل الأعلى الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهّم فذلك المثل الأعلى ، ووصف الذين لم يؤتوا من اللّه فوائد العلم ، فوصفوا ربّهم بأدنى الأمثال وشبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به ، فلذلك قال وما أوتيتم من العلم إلّاقليلاً فليس له شبه ولا مثل ولا عدل وله الأسماء الحسنى التي لا يسمّى بها غيره وهي التي وصفها في الكتاب فقال «فَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ » (1) جهلاً بغير علم ، فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك ، وهو لا يعلم ويكفر به وهو يظنّ أنّه يحسن ، فلذلك قال «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ » فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها . يا حنان ، إنّ اللّه تبارك وتعالى أمر أن يتّخذ قوم أولياء فهم الذين أعطاهم اللّه الفضل وخصّهم بما لم يخصّ به غيرهم ، فأرسل محمّداً صلى الله عليه و آله فكان الدليل على اللّه بإذن اللّه عزّ وجلّ حتّى مضى دليلاً هادياً ، فقام من بعده وصيّه عليه السلام دليلاً هادياً على ما كان هو دلّ عليه من أمر ربّه من ظاهر علمه ، ثمّ الأئمّة الراشدون عليهم السلام (2).

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

قوله عليه السلام : «العرش في الوصل متفرّد من الكرسيّ لأنّها بابان من أكبر أبواب الغيوب وهما جميعاً غيبان وهما في الغيب مقرونان» . .

ص: 86


1- . الأعراف : 180 .
2- . التوحيد : 50 .

أقول : ذكر عليه السلام وجه تفرّد العرش من الكرسيّ ، أي افتراقه ، ووجه اقترانهما واشتراكهما أيضاً .

أما وجه اشتراكهما ، فإنّ العرش والكرسيّ كليهما من أكبر الغيوب وكليهما غيبان وفي الغيب مقرونان . أي: أنّ كلّاً منهما علم وعيان حقيقي يعلم بهما الغيب . وحيث إنّ ما علم بهما أمر حادث ، فلا محالة يكون العلم والإحاطة منقسماً بالمعلومات قبل مرتبة الوقوع وفي مرتبة كونها غيباً على الإطلاق ، ويكون العرش والكرسيّ بابين لهذه الغيوب ، وإن شئت فقل مفتاحين لها .

وأمّا وجه افتراقهما ، فإنّ ما علم بالكرسيّ هو الغيب الذي منه مطلع البدع والإيجاد وعالم الشهادة كلها . فالكرسيّ علم بعالم الشهادة قبل مرتبة إيجاده وفي مرتبة إيجاده أيضاً ، فهو محيط بعالم الشهادة فقط .

وأمّا العرش فهو محيط به وبما سواه من الأمور التي ليس الكرسيّ حاوياً وكاشفاً لها ، بل تكون هذه فضلاً وزيادةً للعرش . ويدلّ على ذلك قوله عليه السلام : «والعرش هو الباب الذي يوجد فيه علم الكيف ... فهما في العلم بابان مقرونان ، لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسيّ ، وعلمه أغيب من علم الكرسيّ» (1) . انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في أنّ المراد من العرش والكرسيّ هو العلم .

و أمّا ما دلّ صريحاً على أنّ المراد منها هو العلم المحمول :

قوله اللّه تعالى : «وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ » (2) .

و قوله تعالى : «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ .

ص: 87


1- . توحيد الإمامية : 303 - 304 .
2- . الحاقّة : 17 .

وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ» (1) .

فعن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرّة المحدّث أن أدخله على الإمام أبي الحسن الرّضا عليه السلام فاستأذنته ، فأذن لي ، فدخل فسأله عن الحلال والحرام ثمّ قال له :

أفتقرّ أنّ اللّه محمول ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : كلّ محمول مفعول به مضاف إلى غيره محتاج والمحمول اسم نقص في اللّفظ والحامل فاعل وهو في اللّفظ مدحة ، وكذلك قول القائل فوق وتحت وأعلى وأسفل ، وقد قال اللّه «وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها» (2) ولم يقل في كتبه إنّه المحمول بل قال إنّه الحامل في البرّ والبحر والممسك السّماوات والأرض أن تزولا ، والمحمول ما سوى اللّه ولم يسمع أحد آمن باللّه وعظمته قطّ قال في دعائه يا محمول .

قال أبو قرّة : فإنّه قال «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» وقال «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ » .

فقال أبو الحسن عليه السلام : العرش ليس هو اللّه والعرش اسم علم وقدرة وعرش فيه كلّ شيء ثمّ أضاف الحمل إلى غيره خلق من خلقه لأنّه استعبد خلقه بحمل عرشه وهم حملة علمه ، وخلقاً يسبّحون حول عرشه وهم يعملون بعلمه ، وملائكة يكتبون أعمال عباده ، واستعبد أهل الأرض بالطواف حول بيته ، واللّه على العرش استوى كما قال ، والعرش ومن يحمله ومن حول العرش واللّه الحامل لهم الحافظ لهم الممسك القائم على كلّ نفس وفوق كلّ شيء وعلى كلّ شيء ، ولا يقال محمول ولا أسفل قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللّفظ والمعنى .

قال أبو قرّة : فتكذّب بالرواية التي جاءت أنّ اللّه إذا غضب إنّما يعرف غضبه أنّ الملائكة الّذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم فيخرّون سجّداً فإذا ذهب الغضب خفّ ورجعوا إلى مواقفهم ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : أخبرني عن اللّه تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا .

ص: 88


1- . غافر : 7 .
2- . الأعراف : 180 .

هو غضبان عليه ، فمتى رضي وهو في صفتك لم يزل غضبان عليه وعلى أوليائه وعلى أتباعه . كيف تجترئ أن تصف ربّك بالتّغيير من حال إلى حال وأنّه يجري عليه ما يجري على المخلوقين . سبحانه وتعالى لم يزل مع الزائلين ، ولم يتغيّر مع المتغيّرين ، ولم يتبدّل مع المتبدّلين ، ومن دونه في يده وتدبيره ، وكلّهم إليه محتاج ، وهو غنيّ عمّن سواه (1) .

بيان : هذا الخبر الشريف صريح في أنّ العرش اسم علم وقدرة ، فهو صفة للعلم والقدرة وقد جمع هذا العرش كلّ شيء فإنّه كشف لكلّ شيء وقد حمّله اللّه تعالى خلقاً من خلقه واستعبدهم بذلك .

عن محمّد بن مسلم قال : سمعت الإمام أبا جعفر عليه السلام يقول : قول اللّه تعالى «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ» يعني محمّداً وعليّاً والحسن والحسين وإبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى صلوات اللّه عليهم أجمعين (2) .

أقول : من المحتمل أن يكون المراد من هذا الخبر الشريف بيان ل «من حوله» وهم الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وأميرالمؤمنين عليه السلام إلى آخر الخبر الشريف ، إلّاأنّ الخبر الآتي يبيّن أنّ المراد من الذين يحملون العرش هم الرسول وأوصياؤه ، فيكون هذا الخبر الشريف أيضاً دالّاً على المراد فلاحظ :

عن أبي جعفر عليه السلام في قوله «وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ » (3) يعني بني أمية ، «اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» يعني رسول اللّه صلى الله عليه و آله والأوصياء من بعده ، يحملون علم اللّه «وَ مَنْ حَوْلَهُ» يعني الملائكة ، «يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » أي شيعة آل محمّد «رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا » من ولاية فلان وفلان وبني أمية ، «وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ» أي ولاية ولي «وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ .

ص: 89


1- . الكافي : 130/1 .
2- . بحارالأنوار : 90/24 ، تأويل الآيات : 691 .
3- . غافر : 6 .

وَ ذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» يعني من تولى عليّاً عليه السلام فذلك صلاحهم ، «وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ » يعني يوم القيامة ، «وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» لمن نجّاه اللّه من هؤلاء يعني من ولاية فلان وفلان . ثم قال : «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» يعني بني أمية «يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ» يعني إلى ولاية عليّ عليه السلام «فَتَكْفُرُونَ» (1) .

وإن أبيت أن يكون الخبر الثاني مقوّماً لظهور الخبر الأوّل والتزمت بظهور الخبر الأوّل ببيان المراد من «لِمَنْ حَوْلَهُ» فلا ريب في ظهور الخبر الثاني بل نصّه في المراد .

عن أبي حمزة عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : حملة العرش - والعرش العلم - ثمانية أربعة منّا وأربعة ممّن شاء اللّه (2) .

عن أميرالمؤمنين عليه السلام إلى أن قال : فالّذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم اللّه علمه الخبر (3) .

فتحصّل من ذلك أنّ العرش والكرسيّ على حسب بعض الإطلاقات هما العلم المحمول الذي حمّله اللّه تعالى أولياؤه .

هذا ، وقد أفاد شيخنا الملكيّ قدس سره بأنّه لا يبعد أن تكون الصحف النوريّة - من العرش والكرسيّ والكتاب المبين والكتاب المكنون التي هي انكشاف حقيقي وعلم حمّله اللّه تعالى الحملة الكرام - هي مرتبة تعيّن واحد من الأنظمة المعلومة للّه تعالى بالعلم بلا معلوم فإحصاؤه تعالى كلّ شيء في إمام مبين عين تعيّن تحديده العلمي في مرتبة الإيجاد .

قال قدس سره ما هذا نصّه :

الآيات والأخبار التي أوردناها في البحث عن علمه تعالى ، قد دلّت وقامت على أنّ علمه تعالى بما سواه ليس على سبيل الحضور .

ص: 90


1- . بحارالأنوار : 210/24 ، تفسير القميّ : 255/2 .
2- . الكافي : 132/1 .
3- . الكافي : 129/1 .

بالصور ، ولا على سبيل الحصول بذيها ، ولا على سبيل الحكم بالجزئيات المتجدّدة المتصرّمة وغير ذلك ممّا ذكرنا هناك . بل هو تعالى علم وكشف وعيان بذاته لجميع ما سواه في عرض سواء في شدّة غير متناهية كليّاتها وجزئياتها ، أعيانها وحوادثها ، ولا معلوم خارجاً بوجه .

والذات المقدّسة والعلم الغيري المتناهي آبٍ عن التعيّن والتحديد بشيء من هذه الأنظمة . وإيجاد شيء منها ، لابدّ أن يكون عن تعيّن وتقدير خارجاً عن ذاته تعالى ، فيستحيل تحديد ذاته سبحانه بأنّه علم بالنظام الواحد الأحسن . فإنّه مع بطلانه مستلزم للتوالي الفاسدة الكثيرة .

فلا يبعد أن يقال : إنّ الصحف النورانيّة التي ذكرناها من العرش والكرسيّ والكتاب المبين والكتاب المكنون ، التي هي علم وانكشاف حقيقي وحمل اللّه تعالى ذلك العلم لعدّة خاصة من عباده المقرّبين ، هي مرتبة تعيّن واحد من هذه الأنظمة الحسنى .

وإحصاؤه تعالى كلّ شيء في إمام مبين ، عين تعيين الموجودات بهذا الكتاب وعين تعيينه وتحديده العلميّ في مرتبة الإيجاد . وقد عرفت ما عن الصادق عليه السلام أنّه قال : «إنّ العرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره» (1) . انتهى كلامه .

أقول : يمكن الإستشهاد والمساعدة على ما أفاده بما ورد من أنّ قلوب أئمّة الهدى عليهم السلام وكر لإرادة اللّه تعالى وأوعية لمشيّته . فلمّا كان المعلوم عنده بالعلم بلا معلوم غير متناه وكان ثبت المشيّة في قلوب المعصوم عليهم السلام إخباراً لما يريد أن يوقعه في الخارج ، يكون الثابت في قلوبهم الطاهرة تعيّناً لأحد تلك الأنظمة الحسنى .

ص: 91


1- . توحيد الإمامية : 311 - 312 .

لتوجد وتتحقّق في الخارج .

وبعبارة أخرى : إنّ العرش والكرسيّ والكتاب المبين والكتاب المكنون هو العلم المحمول بصريح الأخبار المباركة المفسّرة للآيات القرآنيّة ، فمن تحمّل هذا العلم يكون متحمّلاً لمشيّة اللّه تعالى ووكراً لإرادته . ومعنى ثبت ذلك في قلوبهم الطاهرة هو بيان ما يريد وقوعه في الخارج ، ولذا تكون تلك الصحف النوريّة تعيّناً لأحد الأنظمة الحسنى المعلومة للّه تعالى بالعلم بلا معلوم ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه الصالحون . وإليك بعض ما دلّ على أنّهم وكر لإرادة اللّه تعالى وأوعية لمشيّته :

ورد في زيارة مولانا الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام : إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم (1) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : لو أذن لنا أن نُعلم الناس حالنا عند اللّه ومنزلتنا منه لما احتملتم .

فقال له : في العلم ؟

فقال : العلم أيسر من ذلك . إنّ الإمام وكر لإرادة اللّه عزّ وجلّ لا يشاء إلّامن (2) يشاء اللّه (3) .

عن أبي نعيم محمّد بن أحمد الأنصاري قال : وجّه قوم من المفوّضة والمقصّرة كامل بن إبراهيم المدني إلى الإمام أبي محمّد عليه السلام . قال كامل : فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنة إلّامن عرف معرفتي وقال بمقالتي .

قال : فلمّا دخلت على سيدي أبي محمّد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه فقلت في نفسي : وليّ اللّه وحجّته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله !

فقال متبسّماً : يا كامل وحسر ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده ، فقال : هذا .

ص: 92


1- . الكافي : 577/4 .
2- . ورد «من» في بحارالأنوار والأنسب أن يكون «ما» .
3- . بحارالأنوار : 385/25 ، عن منهج التحقيق إلى سواء الطريق .

للّه ، وهذا لكم .

فسلّمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى . فجاءت الريح فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي : يا كامل بن إبراهيم ، فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت لبّيك يا سيدي .

فقال : جئت إلى وليّ اللّه وحجّته وبابه تسأله هل يدخل الجنّة إلّامن عرف معرفتك وقال بمقالتك ؟

فقلت : إي واللّه .

قال : إذن واللّه يقلّ داخلها واللّه إنّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيّة .

قلت : يا سيّدي ومن هم ؟

قال : قوم من حبّهم لعليّ عليه السلام يحلفون بحقّه ولا يدرون ما حقّه وفضله . ثمّ سكت صلوات اللّه عليه عنّي ساعة ، ثمّ قال : وجئت تسأله عن مقالة المفوّضة ، كذبوا ، بل قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه فإذا شاء شئنا واللّه يقول «وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ» . ثمّ رجع الستر إلى حالته ، فلم أستطع كشفه ، فنظر إليّ أبومحمّد عليه السلام متبسّماً فقال : يا كامل ، ما جلوسك قد أنبأك بحاجتك الحجّة من بعدي . فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك .

قال أبو نعيم : فلقيت كاملاً فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به (1) .

العلم المحمول في الروايات

اشارة

و أمّا ما دلّ من الأخبار على العلم المحمول فكثير ، وإليك بعضه :

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أخبر محمّداً صلى الله عليه و آله بما كان منذ كانت الدنيا وبما يكون إلى انقضاء الدنيا ، وأخبره بالمحتوم من ذلك واستثنى عليه فيما سواه (2) .

ص: 93


1- . بحارالأنوار : 336/25 ، الغيبة للشيخ الطوسيّ : 246 .
2- . الكافي : 148/1 .

أقول : لعلّ المراد من هذا الخبر الشريف - بعد دلالة الأدلّة الكثيرة على إنبائهم بما كان وما يكون من دون تفريق بين المحتوم وغيره بل إخبارهم بتحمّل الغير المحتوم من العلم أيضاً لدلالة قولهم عليهم السلام : «لولا آية في كتاب اللّه عزّوجلّ لأخبرتكم بما كان وما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة» (1) فإنّهم لو كانوا متحمّلين للمحتوم من العلم دون غيره لما كان وجه لعدم الإنباء بما كان وما يكون إلى يوم القيامة استناداً إلى إمكان البداء فيه بل كانوا ينبئون بما كان وما يكون إلى يوم القيامة لتحمّلهم للعلم المحتوم الذي لا بداء فيه - أنّ اللّه تعالى استثنى على الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله فيما سوى ذلك في إمكان البداء فيه ، لا في إنبائه به .

قال العلّامة المجلسيّ قدس سره في ذيل الخبر «قوله عليه السلام «و استثنى عليه» أي بأن قال إلّا بأن أُريد غيره أو أمحوه» (2) .

ويحتمل أن يكون المراد من المحتوم هو خصوص ما شيء وأُريد وقُدّر وقُضي ، وبناء على ذلك يكون المراد من «استثنى عليه فيما سواه» ما لم يُشأ ولم يُرَد والاحتمال الأوّل أقوى .

عن الحارث بن المغيرة وعدّة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد اللّه بن بشر الخثعميّ سمعوا أبا عبداللّه عليه السلام يقول : إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وأعلم ما في الجنّة ، وأعلم ما في النّار ، وأعلم ما كان وما يكون ، قال : ثمّ مكث هنيئة ، فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه ، فقال : علمت ذلك من كتاب اللّه عزّ وجلّ إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : «فيه تبيان كلّ شيء» (3) . (4)

قال أميرالمؤمنين عليه السلام إلى أن قال : علم الأنبياء في علمهم وسرّ الأوصياء في .

ص: 94


1- . بحارالأنوار : 117/10 ح1 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 341 ، التوحيد : 304 .
2- . مرآة العقول : 142/2 .
3- . الظاهر أنّ المراد من الآية هو قوله تعالى : «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ ءٍ» ولعلّ ما ورد في نصّ الخبر هو إمّا من غلط الراوي وإمّا من غلط النسّاخ .
4- . الكافي : 261/1 .

سرّهم وعزّ الأولياء في عزّهم كالقطرة في البحر والذرّة في القفر ، والسماوات والأرض عند الإمام كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها ويعلم برّها من فاجرها ورطبها ويابسها لأنّ اللّه علّم نبيّه علم ما كان وما يكون وورث ذلك السرّ المصون الأوصياء المنتجبون ، ومن أنكر ذلك فهو شقيّ ملعون يلعنه اللّه ويلعنه اللّاعنون وكيف يفرض اللّه على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماوات والأرض ؛ الخبر (1) .

حارثة بن قدامة قال : حدّثني سلمان قال : حدثني عمّار وقال أخبرك عجباً قلت :

حدّثني يا عمّار .

قال : نعم ، شهدت عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقد ولج على فاطمة عليها السلام ، فلمّا أَبْصَرَتْ به نادتْ : ادن لأحدّثك بما كان وبما هو كائن وبما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة .

قال عمار : فرأيت أميرالمؤمنين عليه السلام يرجع القهقرى فرجعت برجوعه إذ دخل على النبي صلى الله عليه و آله فقال له : ادن يا أبا الحسن ، فدنا . فلمّا اطمأنّ به المجلس قال له : تُحدّثني أم أُحدّثك ؟

قال : الحديث منك أحسن يا رسول اللّه .

فقال : كأنّي بك وقد دخلت على فاطمة وقالت لك كيت وكيت ، فرجعت .

فقال عليّ عليه السلام : نور فاطمة من نورنا ؟

فقال صلى الله عليه و آله : أو لا تعلم ؟!

فسجد عليّ شكراً للّه تعالى .

قال عمّار : فخرج أميرالمؤمنين عليه السلام وخرجت بخروجه فولج على فاطمة عليها السلام وولجت معه فقالت : كأنّك رجعت إلى أبي صلى الله عليه و آله فأخبرته بما قلته لك .

قال : كان كذلك يا فاطمة .

فقالت : اعلم يا أبا الحسن أنّ اللّه تعالى خلق نوري وكان يسبّح اللّه جلّ جلاله ، ثمّ .

ص: 95


1- . بحارالأنوار : 173/25 ، مشارق أنوار اليقين للبرسي : 187 .

أودعه شجرة من شجر الجنّة فأضاءت ، فلمّا دخل أبي الجنّة أوحى اللّه تعالى إليه إلهاماً أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدِرْها في لهواتك ففعل ، فأودعني اللّه سبحانه صلب أبي صلى الله عليه و آله ثمّ أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني ، وأنا من ذلك النور ، أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن ، يا أبا الحسن المؤمن ينظر بنور اللّه تعالى (1) .

أقول : مرّ الخبر ومرّ بيان شطر منه .

مراتب وقوع الشيء في الخارج

الظاهر من الأخبار أنّه لابدّ لوقوع الشيء في الخارج من مروره بمراتب ، وهي :

المشيّة والإرادة والقدر والقضاء ، وكلّ واحد من هذه المراتب فعل حادث من أفعال اللّه تعالى ، والظاهر منها أنّ المشيّة تكون بمعنى ابتداء الفعل والذكر الأوّل ، والإرادة تكون بمعنى الثبوت والعزيمة على ما شاءه ، والقدر هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء والآجال والأرزاق ، والقضاء هو المرتبة الأخيرة قبل وقوع الفعل ويكون الأقرب إلى الإمضاء .

ثمّ إنّ هذه المراتب قد تكون متداخلة زماناً مع تقدّم كلّ مرتبة على الثانية وقد تكون غير متداخلة زماناً بمعنى أنّ المشيّة في زمان والإرادة في آخر وهكذا ، أو يكون بعضها متداخلاً زماناً والآخر مفترقاً بحسب الزمان . والمهمّ أنّه ما دام لم يتحقّق القضاء بالإمضاء بوقوع العين في الخارج ، يمكن البداء . فمهما كان القضاء مبرماً ، لا يخرج عن حيطة قدرة اللّه تعالى الذي قضاه وجعله مبرماً ، ولذا قد يحدث البداء في طيّ أيّ لحظة شاء اللّه تعالى ، ولذا قد ورد في الدعاء «وقضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء» (2) فلا إلزام على اللّه تعالى من ناحية أفعاله الحكيمة ، أعني المشية والإرادة والقدر والقضاء ، بل يمكن أن يبدو له تعالى لعدم انحصار الحكمة في ما

ص: 96


1- . بحارالأنوار : 8/43 ، عيون المعجزات : 47 .
2- . بحارالأنوار : 55/99 .

شاءه وأراده وقدّره وقضاه .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره في بيان المشيّة والإرادة في المخلوق ما هذا نصّه :

وأمّا المشيئة والإرادة فحقيقتهما - كما في التقدير والقضاء على ما يظهر من بعض الروايات ويصدّقه الوجدان - أنّها هي الأفعال الصادرة عن الفاعل القادر الملتفت ، المتقدّمة على ما يصدر منه في الخارج ، إمّا تقدّماً رتبيّاً فقط ، كما في الأفعال الصادرة عنه متعاقبة ، مثل الكلمات المحسوسة المضبوطة المقدّرة ، الصادرة عن الخطيب العالم البليغ الماهر في التكلّم ، فإنّ كلّ كلمة صدرت منه وإن كانت مسبوقة بمشيئة التكلّم وإرادته وتقديره وقضائه ، لأنّه لو لم يشأها ولم يردها لم تصدر منه ، ولو لم يقدّرها لم تتقدّر بقدر معيّن ، ولو لم تكن بقضاء وعزم وجزم منه لم تتحقّق ولم تمض في الخارج ، إلّاأنّها لسرعة نفوذها ووقوعها تتداخل ، بل تكون جميعها فانية في الفعل الخارجي الصادر منه ، ولذا لا يتميّز ولا يتأخّر إحداها عن الأخرى ، بل لا يتأخّر متعلّقها وهو الفعل الخارجي أيضاً عنها زماناً ، بحيث لا يرى في الخارج إلّاالمتكلّم والكلام الصادر منه .

وإمّا تقدّماً زمانيّاً أيضاً ، بحيث يظهر ويتميّز إحداها عن الأُخرى ، وعن الفعل الصادر منّا ، وذلك فيما إذا تعلّقت المشيئة والإرادة بالفعل المتأخّر زماناً . مثلاً في الذهاب من مكان إلى مكان آخر نتصوّر أوّلاً ونهتمّ بأصل هذا الذهاب ، ويعبّر عن هذا بالذكر الأوّل ، وبالمشيئة . فإذا ثبتنا على هذه الفكرة والذكرة يعبّر عنها بالإرادة . ثمّ نقدّر الذهاب بأنّه في أيّ زمان ، ومن أيّ طريق ، وبأيّ وسيلة ، ويعبّر عنه بالتقدير . ثمّ نعزم على العمل ، ويعبّر عن هذا العزم بالقضاء . فإذا تمّت تلك الأُمور

ص: 97

نشرع في العمل ، ويعبّر عن هذا الشروع بالإمضاء أي الإجراء في الخارج .

والظاهر من الروايات ثبوت هذه الأُمور للّه تعالى وصدورها عنه على الترتيب المذكور ، ولكن لا بنحو ثبوتها وصدورها منّا ، بل هو كتابة وثبت إجماليّ ثمّ تفصيليّ في لوح ووعاء مخصوص لا نعرف حقيقته ولا كيفيّة كتابته ، إلّاأنّ مقتضى الدليل العقليّ والنقليّ أنه كسائر أفعاله لا يوجب تغييراً في ذاته تعالى شأنه (1) . انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : ما أفاده قدس سره متين وينبغي التأكيد على أنّ المشيّة والإرادة والقدر والقضاء في المخلوق تختلف عمّا في الخالق ، فإنّ اللّه تعالى كما أنّه لا يكيّف ، ففعله الحكيم أيضاً لا يكيّف ، فلا تغفل .

قال شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

ولا يخفى أنّ ما ذكر في هذه الروايات في بيان حقيقة المشيّة والإرادة والقدر والقضاء - كما أشرنا إليه سابقاً - إنّما هو راجع إلى مراتب تعيّنات الفعل وأنّ كلّها حقائق قرآنيّة وردت في مورد كلّ واحد منها آيات محكمة صريحة .

والفعل المُشاء المراد المقدّر المقضيّ بإذن وأجل وكتاب منزّه ومقدّس عن جميع الكيفيّات الطارئة على الإرادات البشريّة . كما قال مولانا موسى بن جعفر عليهما السلام في الرواية المتقدّمة : «وأمّا من اللّه .

فإرادته إحداثه لا غير ذلك . لأنّه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر وهذه الصفات منفيّة عنه وهي من صفات الخلق . وإرادته الفعل لا غير ذلك .

يقول : كن ، فيكون ، بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا تفكّر . ولا كيف لذلك ، .

ص: 98


1- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 164 - 165 .

كما أنّه لا كيف له» (1) . (2) انتهى كلامه رفع مقامه .

أقول : أمّا أصل تعدّد هذه المراتب ، فالظاهر من الأخبار أنّه أمر لابدّ منه . فمن زعم أنّه يستطيع على نقض واحدة منها ، فقد كذب على اللّه ورسوله إذ لابدّ لتحقّق الشيء من المشيّة وهي الذكر الأوّل والثبوت على ما شاءه أوّلاً وتقدير ما يرتبط به من الطول والعرض والآجال والأرزاق وقضائه بتحقّق الشيء خارجاً وإمضاء ذلك القضاء .

و أمّا وقوع التراخي بين المراتب زماناً ، فلعلّه لأجل بيان مالكيّته تعالى وأنّه بكلّ شيء محيط . فالعارفون باللّه تعالى يتذكّرون بربوبيّته ومدبّريّته عند رؤيتهم هذه المراتب ويرون ويشاهدون كمال قدرته عند عروض شيء منها إلى التغيير والبداء ، فتزداد معرفتهم باللّه تعالى وتنقطع حجّة من ذهب باطلاً إلى فراغ اللّه تعالى من الأمر وإليك بعض ما يدلّ على مراتب تحقّق الشيء في الخارج من الأخبار :

عن يونس قال : قال الرضا عليه السلام : يا يونس لا تقل بقول القدريّة ، فإنّ القدريّة لم يقولوا بقول أهل الجنّة ولا بقول أهل النار ولا بقول إبليس . فإنّ أهل الجنّة قالوا «اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللّهُ » (3) ولم يقولوا بقول أهل النار فإنّ أهل النار قالوا «رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا» (4) وقال إبليس «رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي» (5) .

فقلت : يا سيّدي ، واللّه ما أقول بقولهم ولكنّي أقول : لا يكون إلّاما شاء اللّه وقضى وقدّر .

فقال : ليس هكذا يا يونس ، ولكن لا يكون إلّاما شاء اللّه وأراد وقدّر وقضى . أتدري ما المشيّة يا يونس ؟

قلت : لا . .

ص: 99


1- . الكافي : 109/1 .
2- . توحيد الإمامية : 318 - 319 .
3- . الأعراف : 43 .
4- . المؤمنون : 106 .
5- . الحجر : 39 .

قال : هو الذكر الأوّل . وتدري ما الإرادة ؟

قلت : لا .

قال : العزيمة على ما شاء . وتدري ما التقدير ؟

قلت : لا .

قال : هو وضع الحدود من الآجال والأرزاق والبقاء والفناء . وتدري ما القضاء ؟

قلت : لا .

قال : هو إقامة العين ولا يكون إلّاما شاء اللّه في الذكر الأوّل (1) .

أقول : لعلّ الإمام عليه السلام فسّر القضاء بإقامة العين لأجل قربه من الإقامة خارجاً ، وإلّا فإنّ القضاء قد يكون مبرماً ومع ذلك لا يقع خارجاً لعروض البداء عليه كما عرفت واللّه تعالى العالم .

و أمّا قوله عليه السلام «ولا يكون إلّاما شاء اللّه في الذكر الأوّل» لعلّ المراد منه بيان أنّ الشيء لا يصل الى مرتبة القضاء إلّاإذا شيءَ وجوده في مرتبة المشيّة ، واللّه تعالى العالم .

عن يونس عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : قلت : لا يكون إلّاما شاء اللّه وأراد وقدّر وقضى .

قلت : فما معنى شاء ؟

قال : ابتداء الفعل .

قلت : فما معنى أراد ؟

قال : الثبوت عليه .

قلت : فما معنى قدّر ؟

قال : تقدير الشيء من طوله وعرضه .

قلت : فما معنى قضى ؟ .

ص: 100


1- . بحارالأنوار : 116/5 ، تفسير القمّيّ : 24/1 .

قال : إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّ له (1) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره :

«لعلّ المراد بقوله «إذا قضى أمضاه» القضاء المقارن للإمضاء ، أي الإيجاد أو المراد مسبوقيّة الإمضاء بالقضاء» (2) .

عن المعلّى قال : سئل العالم عليه السلام كيف عَلِمَ اللّه ؟

قال : عَلِمَ وشاءَ وأرادَ وقدّرَ وقضى وأمضى ، فأمضى ما قضى وقضى ما قدّر وقدّر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيّة ، وبمشيّته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء . فالعلم متقدّم على المشيّة ، والمشيّة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء ، فللّه تبارك وتعالى البداء فيما عَلِمَ متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء ، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء ، فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيّة في المُشاء قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً وقياماً ، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذي لون وريح ووزن وكيل وما دبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء ، واللّه يفعل ما يشاء وبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، وبالمشيّة عرّف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها ، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرّف أوّلها وآخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلّهم عليها ، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها ذلك تقدير العزيز العليم (3) .

أقول : هذا الخبر الشريف من عيون الأخبار في باب البداء ، وإليك بيان بعض .

ص: 101


1- . بحارالأنوار : 122/5 ، المحاسن : 244/1 .
2- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 166 .
3- . بحارالأنوار : 102/5 ، التوحيد : 334 .

مقاطعه :

قوله عليه السلام «فبعلمه كانت المشيّة» يدلّ على أنّ العلم هو المنشأ للمشيّة فمشيّته لا تكون إلّاعن علم ، كما أنّه يدلّ على أنّ العلم ليس هو المشيّة .

قوله عليه السلام : «فللّه تبارك وتعالى البداء فيما عَلِمَ متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء» يدلّ على أنّ البداء قد يقع على الشيء في مرتبة المشيّة ، وقد يقع عليه في مرتبة الإرادة ، وهكذا .

قوله عليه السلام «فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء» لوقوع الشيء في الخارج فينتفي موضوع البداء في ذلك الشيء . نعم ، له أن يفني أو يغيّر ما وقع خارجاً بتقدير جديد ، ولعلّ قوله عليه السلام «فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء واللّه يفعل ما يشاء» يشير إلى إمكان تبديل الشيء بعد وقوعه مع أنّ موضوع المشيّة السابق يكون قد انتفى .

قوله عليه السلام «فالعلم بالمعلوم قبل كونه» يدلّ على العلم بلا معلوم ، فالعلم بالكائن قبل كونه هو العلم بلا معلوم .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال : لا يكون شيء في الأرض ولا في السّماء إلّا بهذه الخصال السّبع : بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتاب وأجل ، فمن زعم أنّه يَقْدِر على نقض واحدة ، فقد كفر (1) .

عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال : لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلّابسبع : بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن ، فمن زعم غير هذا فقد كذب على اللّه أو ردّ على اللّه عزّ وجلّ (2) .

أقول : لعلّ الوجه في ذكر المشيّة والإرادة والقدر والقضاء في بعض الأخبار دون الثلاثة الأخيرة هو دخول الثلاثة في بعض الأُمور الأربعة ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه الصالحون عليهم السلام . .

ص: 102


1- . الكافي : 149/1 .
2- . الكافي : 149/1 .

تنبيهان :

الأوّل : إنّ المشيّة قد تطلق على المرتبة الأُولى كما أنّ الإرادة قد تطلق على المرتبة الثانية من مراتب تحقّق الشيء - كما هو ظاهر الأخبار التي مرّت - وقد يطلقان على رأي اللّه تعالى كما في قوله تعالى «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (1) فالظاهر أنّه ليس المراد من الإرادة في الآية المباركة المرتبة الثانية من المراتب النوريّة المذكورة في الأخبار الماضية ، بل المراد منه هو رأيه القدّوس (و قد بيّنا ذلك بمزيد من التفصيل في كتابنا «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» وكذا كتابنا «سدّ المفرّ على منكر عالم الذرّ» فراجع) .

وبضميمة هذا إلى ما أشرنا إليه من أنّ المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام هم أوعية مشيّة اللّه تعالى ، يتّضح لك أنّه ليس المراد من الأوعية لمشيّة اللّه أو الوكر لإرادته هو خصوص المشيّة والإرادة المذكورَيْن في الأخبار للمراتب النوريّة لتحقّق الشيء في الخارج ، بل الظاهر أنّ المراد منهما في المقام هو الرأي الإلهيّ ، فيشمل مرتبة التقدير والقضاء أيضاً ، فتأمّل جيّداً .

الثاني : يظهر من قوله عليه السلام «وقضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء» (2) أنّ القضاء قد يكون مبرماً وقد لا يكون ، فمرحلة القضاء لها دائرة وسيعة ويحتمل أن يكون الأمر بالنسبة إلى المشيّة والإرادة والقدر كذلك واللّه تعالى العالم . .

ص: 103


1- . يس : 82 .
2- . بحارالأنوار : 55/99 .

ص: 104

الفصل الخامس : الإرادة محدثة وغير أزليّة

اشارة

بعد ما عرفت أنّ علم اللّه تعالى المكفوف لا تعيّن فيه بل هو كشف لجميع الأنظمة اللامتناهية بلا معلوم ، يتّضح لك أنّه لابدّ لتعيّن أحد تلك الأنظمة من مرجّح ، والمرجّح لذلك هو رأيه القدّوس ، وبداؤه المستند إلى كمال ذاته ، وحريّته المطلقة في أن يشاء ما يريد ويفعل ما يشاء .

وهذه الإرادة لابدّ وأن تكون محدثة ، وإلّا فيستلزم أزليّة المراد وهو باطل قطعاً ، فإنّه تعالى واحد متوحّد أزلاً ولا يشابهه أحد في أزليّته ، فكان اللّه تعالى ولم يكن معه شيء ، ثمّ بدا له ، فخلق الخلق . وقد دلّت الأدلّة الكثيرة على أنّ الإرادة محدثة ، وقد تعرّضنا لهذا البحث في كتابنا «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» . وإليك بعضها :

عن عاصم بن حميد عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : قلت له : لم يزل اللّه مريداً فقال : إنّ المريد لا يكون إلّالمراد معه بل لم يزل عالماً قادراً ثم أراد (1) .

هذا الخبر الشريف صريح في عدم أزليّة الإرادة بل إنّها محدثة فإنّه تعالى لم يزل عالماً ثمّ أراد .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : المشيّة محدثة (2) .

عن صفوان بن يحيى قال : قلت للإمام أبي الحسن عليه السلام : أخبرني عن الإرادة من اللّه عزّ وجلّ ومن الخلق ؟

فقال : الإرادة من المخلوق الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من اللّه

ص: 105


1- . بحارالأنوار : 38/54 ، التوحيد : 146 .
2- . بحارالأنوار : 122/5 ، المحاسن : 245/1 .

عزّوجلّ فإرادته إحداثه لا غير ذلك ، لأنّه لا يروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفيّة عنه وهي من صفات الخلق ، فإرادة اللّه هي الفعل لا غير ذلك ، يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق بلسان ولا همّة ولا تفكّر ولا كيف لذلك ، كما أنّه بلا كيف (1) .

هذا الخبر الشريف وإن كان مسوقاً لبيان امتياز إرادة اللّه تعالى عن إرادة الخلق ، إلّا أنّه يستفاد منه عدم أزليّة الإرادة أيضاً ، حيث إنّه تعالى إن أراد فعل شيء لا يهمّ ولا يروّي ، بل يحدثه إحداثاً .

عن بكير بن أعين قال : قلت للإمام أبي عبداللّه عليه السلام : علم اللّه ومشيّته هما مختلفان أم متّفقان ؟

فقال : العلم ليس هو المشيّة ألا ترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء اللّه ولا تقول سأفعل كذا إن علم اللّه . فقولك إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء ، وعلم اللّه سابق للمشيّة (2) .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في افتراق العلم عن الإرادة فإنّ العلم عين ذاته تعالى بخلاف الإرادة التي هي من أفعاله ومحدثة .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : خلق اللّه المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة (3) .

أقول : الظاهر أنّ المراد من خلق المشيّة بنفسها هو خلقها قبل الأشياء ، ثمّ خلق الأشياء بها . ويشهد على ذلك الخبر الآتي .

قال الإمام أبوعبداللّه عليه السلام : خلق اللّه المشيّة قبل الأشياء ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة (4) . .

ص: 106


1- . بحارالأنوار : 137/4 ، التوحيد : 147 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 119/1 .
2- . بحارالأنوار : 144/4 ، التوحيد : 146 .
3- . بحارالأنوار : 56/54 ، التوحيد : 147 .
4- . التّوحيد : 55 .

وكيفما كان ، فالخبر الشريف صريح في حدوث المشيّة لدلالة مادّة «الخلق» على الحدوث .

قال الإمام الرضا عليه السلام : المشيّة والإرادة من صفات الأفعال . فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائيّاً ، فليس بموحّد (1) .

أقول : من الواضح أنّ المشيّة لا تكون إلّامع المشيء ومتعلّقها ، فإذا كان تعالى لم يزل شائيّاً سيكون متعلّق المشيّة أزليّاً مثله ، وهذا يستلزم الشرك .

عن عبداللّه بن سليمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : سمعته يقول : إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه واللّه يزيد في الخلق ما يشاء (2) .

مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي

مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي (3)

وفي التوحيد والعيون مسنداً عن الحسن بن محمد النوفلي يقول : قدم سليمان المروزي متكلّم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله ، ثمّ قال له : إن ابن عمي عليّ بن موسى قدم عليَّ من الحجاز وهو يُحبّ الكلام وأصحابه ، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته .

فقال سليمان : يا أمير المؤمنين إنّي أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم فينتقص عند القوم إذا كلّمني ولا يجوز الاستقصاء عليه .

قال المأمون : إنّما وجّهت إليك لمعرفتي بقوّتك ، وليس مرادي إلّاأن تقطعه عن حُجّةٍ واحدةٍ فقط .

فقال سليمان : حسبك يا أمير المؤمنين ، اجمع بيني وبينه وخلّني وإيّاه وألزمْ .

فوجّه المأمون إلى الرضا صلوات اللّه عليه ، فقال : إنّه قدم علينا رجلٌ من أهل مرو

ص: 107


1- . التّوحيد : 55 .
2- . بحارالأنوار : 111/5 ، التوحيد : 364 .
3- . ينبغي التنبيه على أنّ شرح هذا الخبر ممّا لاح بالبال ولم نوفّق لعرضه على شيخنا الأستاذ قدس سره وإن كان في طيّه استفادات من كلامه في مجلس الدرس ؛ عليّ الرضويّ .

وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام ، فإن خفّ عليك أن تتجشّم المصير إلينا فعلت .

فنهض صلوات اللّه عليه للوضوء وقال لنا : «تقدّموني» ، وعمران الصابي معنا ، فصرنا إلى الباب ، فأخذ ياسر وخالد بيديّ فأدخلاني على المأمون ، فلمّا سلّمت قال :

أين أخي أبو الحسن أبقاه اللّه ؟

قلت : خلّفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدّم ، ثمّ قلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ عمران مولاك معي وهو بالباب .

فقال : من عمران ؟

قلت : الصابي الذي أسلم على يديك .

قال : فليدخل ، فدخل فرحّب به المأمون ، ثمّ قال له : يا عمران ، لم تمت حتّى صرت من بني هاشم ؟

قال : الحمد للّه الذي شرّفني بكم يا أمير المؤمنين .

فقال له المأمون : يا عمران ، هذا سليمان المروزي متكلّم خراسان .

قال عمران : يا أمير المؤمنين ، إنّه يزعم أنّه واحد خراسان في النظر ويُنكر البداء ؟

قال : فلِمَ لا تُناظره ؟

قال عمران : ذاك إليه .

فدخل الرضا صلوات اللّه عليه فقال : في أيّ شيء كنتم ؟

قال عمران : يا ابن رسول اللّه ، هذا سليمان المروزي .

فقال سليمان : أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه ؟

قال عمران : قد رضيتُ بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحُجّةٍ أحتجّ بها على نُظرائي من أهل النظر .

قال المأمون : يا أبا الحسن ، ما تقول فيما تشاجرا فيه ؟

قال عليه السلام : وما أنكرتَ من البداء - يا سليمان - واللّه عزّ وجلّ يقول : «أَ وَ لا يَذْكُرُ

ص: 108

اَلْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» (1) ويقول عزّ وجلّ : «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» (2) ويقول : «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (3) ويقول عزّ وجلّ : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» (4) ويقول : «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» (5) ويقول عزّ وجلّ : «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» (6) ويقول عزّوجلّ : «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ» (7) ؟

أقول : وجه دلالة الآية الأُولى إلى الثالثة وكذا الخامسة على البداء هو أنّ الخلق لا من شيء يدلّ على نشوء الرأي والبداء ، فالإنسان لم يكن ثمّ كان بإرادة من اللّه تعالى في كينونته وهذا هو البداء .

وأمّا دلالة الآية الرابعة على البداء هو الزيادة في الخلق فإنّه تعالى خلق الشيء ثمّ زاد فيه وهذا هو البداء .

وأمّا الوجه في دلالة الآية السادسة على البداء هو إرجاء أمر أُناس إلى اللّه تعالى في تعذيبهم أو العفو عنهم فإن عذّبهم فبعدله وهو مطابق للحكمة وإن عفا عنهم فبفضله وهو مطابق للحكمة أيضاً وترجيح أحد الطرفين على الآخر منوط برأيه القدّوس وإنّه تعالى لا يُسأل عن فعله وهم يُسألون .

وأمّا الوجه في دلالة الآية الأخيرة فهو بيان أنّ زيادة عمر شخص أو نقصانه لا يكون إلّابكتابته في كتاب ولا شكّ أنّ أمر الكتاب بيده تعالى فهو الذي يشاء الزيادة والنقصان وهذا هو البداء .

قال سليمان : هل رويت فيه شيئاً عن آبائك ؟

قال : نعم ؛ رويت عن أبي عبداللّه صلوات اللّه عليه أنّه قال : إن للّه عزّ وجلّ عِلْمَين : .

ص: 109


1- . مريم : 67 .
2- . الروم : 27 .
3- . البقرة : 117 ، الأنعام : 101 .
4- . فاطر : 1 .
5- . السجدة : 7 .
6- . التوبة : 106 .
7- . فاطر : 11 .

علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّاهو ، من ذلك يكون البداء ، وعلماً علّمه ملائكته ورُسُله فالعلماء من أهل بيت نبيّه يعلمونه .

قال سليمان : أُحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّ وجلّ .

قال صلوات اللّه عليه : قول اللّه عزّ وجلّ لنبيّه صلى الله عليه و آله : «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» أراد هلاكهم ، ثمّ بدا للّه تعالى فقال : «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (1) .

قال سليمان : زدني جُعلت فداك .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : لقد أخبرني أبي عن آبائه أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّ من أنبيائه أن أخبر فلان الملك أنّي مُتوفّيه إلى كذا وكذا ، فأتاه ذلك النبيّ فأخبره فدعا اللّه الملك وهو على سريره حتّى سقط من السرير فقال : يا ربّ ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيتُ في أجله ، وزدتُ في عمره خمس عشرة سنةٍ ، فقال ذلك النبيّ : يا ربّ ، إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : إنّما أنت عبدٌ مأمورٌ فأبلغه ذلك ، واللّهُ لا يُسئل عمّا يفعل .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ للّه تعالى علمين وأنّ البداء لا يكون إلّامن العلم المخزون المكنون فإنّه تعالى عالم بأنظمة كونيّة لا متناهية قبل كيانها وهذا هو العلم بلا معلوم والبداء لا يكون إلّامن ذلك ثمّ أشار إلى مصاديق للبداء فإنّه تعالى أراد أن يعذّب قوم الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله إلّاأنّه بدا له عن علم ولم يعذّبهم ، وأراد أنّ يعذّب قوم يونس حتّى أنّهم رأوا مقدّمات العذاب إلّاأنّه لم يفعل ذلك ، وأراد أن يقضي على الملك بالموت ولكنّه أنسأ أجله لدعائه وطلبه من اللّه تعالى .

ثمّ التفت إلى سليمان فقال : أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب .

قال : أعوذ باللّه من ذلك ، وما قالت اليهود ؟

قال : قالت : «يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ» يعنون أنّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يُحدث شيئاً ، .

ص: 110


1- . الذاريات : 54 - 55 .

فقال اللّه عز وجل : «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا» (1) ولقد سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر صلوات اللّه عليهما عن البداء ، فقال : وما يُنكر الناس من البداء وأن يَقِفَ اللّه قوما يُرجئهم لأمره .

قال سليمان : ألا تُخبرني عن «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (2) في أيّ شيء أُنزلت ؟

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، ليلة القدر يُقدّر اللّه عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياةٍ أو موتٍ أو خيرٍ أو شرٍّ أو رزقٍ ، فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم .

قال سليمان : الآن قد فهمتُ جُعلت فداك ، فزدني .

قال صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، إنّ من الأُمور أُموراً موقوفة عند اللّه تبارك وتعالى يُقدّم منها ما يشاء . يا سليمان ، إنّ علياً صلوات اللّه عليه كان يقول : العلم علمان : فعلمٌ علّمه اللّه ملائكته ورُسُله ، فما علّمه ملائكته ورُسُله فإنّه يكون ولا يُكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رُسُله ، وعلمٌ عنده مخزون لم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه يُقدّم منه ما يشاء ، ويُؤخّر منه ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويُثبت ما يشاء .

قال سليمان للمأمون : يا أمير المؤمنين ، لا أُنكر بعد يومي هذا البداء ولا أُكذّب به إن شاء اللّه .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ المراد من نسبة اليهود لعنهم اللّه الربّ تعالى بانغلال اليد هو أنّه تعالى قد فرغ من الأمر فلا يحدث فيه شيئاً وهذا هو إنكار البداء من قبلهم فردّ اللّه تعالى قولهم بأنّه مبسوط اليدين ينفق كيف يشاء .

ثمّ بيّن أنّ اللّه تعالى يُقدّر في ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة من حياةٍ أو موتٍ أو خيرٍ أو شرٍّ أو رزقٍ ، فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم ولعلّ المراد من حتميّته هو وقوعه بحسب الغالب وإلّا فقد وردت الأخبار بوقوع البداء في المقدّرات الإلهيّة مطلقاً ومنها ما قدّره في تلك الليلة وسيأتي بيان ذلك في فصل «موارد .

ص: 111


1- . المائدة : 64 .
2- . القدر : 1 .

البداء» .

ثمّ بيّن أنّ من الأُمور أُموراً موقوفة عنده تعالى يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر منها ما يشاء وهو العلم المخزون الذي منه يكون البداء بتأخير أمر أو تقديمه ، ومن الأُمور أُموراً مبيّنة للملائكة والرسل وهي التي تكون ولا يكذّب اللّه تعالى رسله ولعلّ المراد منها خصوص الحتميّات التي لا بداء فيها أو فيما كان التغيير في المشيّة يوجب تكذيب الرسل والملائكة فبانتفاء المحذور ينتفي الإلتزام بلزوم كينونتها .

إلى هنا كان الكلام حول البداء ومن هنا فصاعداً ينتقل إلى الإرادة في اللّه تعالى وأنّها من صفات الفعل لا من صفات الذات ويحتمل أن يكون استفسار سليمان عن الإرادة والتزامه بكونها أزليّة هو أنّ إنكار البشر للبداء لم ينشأ إلّامن التزامهم بالإرادة الأزليّة فإذا كانت الإرادة أزليّة لا يبقى معنى للبداء الذي هو بمعنى نشوء الرأى والحدوث .

فقال المأمون : يا سليمان ، سل أبا الحسن عمّا بدا لك ، وعليك بحُسْن الاستماع والإنصاف .

قال سليمان : يا سيّدي ، أسألك ؟

قال الرضا صلوات اللّه عليه : سل عمّا بدا لك .

قال : ما تقول فيمن جعل الإرادة اسماً وصفةً مثل حيّ وسميع وبصير وقدير ؟

قال الرضا صلوات اللّه عليه : إنّما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنّه شاء وأراد ، ولم تقولوا حدثت واختلفت لأنّه سميع بصير ، فهذا دليل على أنّها ليست بمثل سميع ولا بصير ولا قدير .

أقول : بيّن عليه السلام شاهداً على اختلاف الإرادة عن الكمالات الذاتيّة فحدوث الأشياء إنّما هو لأجل الإرادة ، لا لأجل كونه تعالى سميعاً بصيراً ، وهذا يدلّ على حدوث الإرادة فالشيء الحادث لا يكون إلّالأجل الإرادة فالإرادة تكون حادثة لا محالة بخلاف اتّصافه بكونه سمعياً بصيراً فإنّه سميع بصير سواء كان الحادث أم لم

ص: 112

يكن .

قال سليمان : فإنّه لم يزل مُريداً .

قال صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، فإرادته غيره ؟

قال : نعم .

قال : فقد أثبتّ معه شيئاً غيره لم يزل .

قال سليمان : ما أثبتُّ .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : أهي مُحدثة ؟

قال سليمان : لا ما هي محدثة .

فصاح به المأمون وقال : يا سليمان ، مثله يُعايا أو يكابر ؟! عليك بالإنصاف ، أما ترى من حولك من أهل النظر . ثمّ قال : كلّمه يا أبا الحسن فإنّه مُتكلّم خراسان ، فأعاد عليه المسألة فقال : هي محدثة يا سليمان ، فإنّ الشيء إذا لم يكن أزليّاً كان محدثاً ، وإذا لم يكن محدثاً كان أزليّاً ؟

قال سليمان : إرادته منه كما أنّ سمعه منه وبصره منه وعلمه منه .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فإرادته نفسه ؟

قال : لا .

قال صلوات اللّه عليه : فليس المريد مثل السميع والبصير .

قال سليمان : إنما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : ما معنى أراد نفسه ؟ أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حيّاً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً ؟

قال : نعم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : أفبإرادته كان ذلك ؟

قال سليمان : لا .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فليس لقولك «أراد أن يكون حيّاً سميعاً بصيراً» معنى

ص: 113

إذا لم يكن ذلك بإرادته .

قال سليمان : بلى ، قد كان ذلك بإرادته .

فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضا صلوات اللّه عليه ثمّ قال لهم : ارفقوا بمتكلّم خراسان ! يا سليمان ، فقد حال عندكم عن حالةٍ وتغيّر عنها وهذا ممّا لا يوصف اللّه عزّ وجلّ به . فانقطع .

أقول : أشار عليه السلام إلى أنّ الإلتزام بكونه مريداً أزلاً يوجب صيرورة الإرادة نفس اللّه تعالى أو صيرورتها شيئاً آخر معه وكلا الأمرين ممّا لا يمكن المصير إليه ثمّ بيّن عليه السلام أنّ الإرادة محدثة ، فإنّ الشيء إذا لم يكن أزليّاً كان محدثاً ، وإذا لم يكن محدثاً كان أزليّاً ولابدّ من المصير إلى أنّها محدثة .

وأمّا سليمان لمّا رأى الطرق منغلقة في وجهه ولا يمكنه الإلتزام بأزليّة الإرادة سعى للخروج من ورطته بطرح الفرضيّة الأُخرى وهي كونه تعالى مريداً لسمعه وبصره وحياته ولمّا سأله الإمام عليه السلام عن ذلك التفت إلى لوازمه الفاسدة وأنكر ما قاله أوّلاً .

ثم قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، أسألك مسألة ؟

قال : سل جُعلت فداك .

قال : أخبرني عنك وعن أصحابك تُكلّمون الناس بما يفقهون ويعرفون أو بما لا يفقهون ولا يعرفون ؟

قال : بل بما يفقهون ويعلمون .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فالذي يعلم الناس أنّ المُريد غير الإرادة ، وأنّ المُريد قبل الإرادة ، وأنّ الفاعل قبل المفعول ، وهذا يُبطل قولكم : أنّ الإرادة والمُريد شيء واحد .

قال : جُعلت فداك ، ليس ذاك منه على ما يعرف الناس ، ولا على ما يفقهون .

قال صلوات اللّه عليه : فأراكم ادّعيتم علم ذلك بلا معرفة ، وقلتم : الإرادة كالسمع

ص: 114

والبصر ، وإذاً كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل ؟ فلم يُحِرْ جواباً .

ثم قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، هل يعلم اللّه عزّ وجلّ جميع ما في الجنّة والنار ؟

قال سليمان : نعم .

قال : أفيكون ما علم اللّه عزّ وجلّ أنّه يكون من ذلك ؟

قال : نعم .

قال : فإذا كان حتّى لا يبقى منه شيء إلّاكان ، أيزيدهم أو يطويه عنهم ؟

قال سليمان : بل يزيدهم .

قال : فأراه في قولك «قد زادهم» ما لم يكن في علمه أنّه يكون .

قال : جُعلت فداك فالمزيد ، لا غاية له .

قال صلوات اللّه عليه : فليس يُحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك ، وإذا لم يُحط علمُه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً .

قال سليمان : إنّما قلت «لا يعلمه» لأنّه لا غاية لهذا ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ وصفهما بالخلود وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : ليس علمه بذلك بمُوجبٍ لانقطاعه عنهم ، لأنّه قد يعلم ذلك ثمّ يزيدهم ثمّ لا يقطعه عنهم ، وكذلك قال اللّه عزّ وجلّ في كتابه : «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ » (1) وقال عزّ وجلّ لأهل الجنة : «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (2) وقال عزّ وجلّ : «وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ» (3) فهو جلّ وعزّ يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة ، أرأيت ما أكل أهل الجنّة وما شربوا أليس يخلف مكانه ؟ .

ص: 115


1- . النساء : 56 .
2- . هود : 108 .
3- . الواقعة : 32 - 33 .

قال : بلى .

قال : أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه ؟

قال سليمان : لا .

قال : فكذلك كلّ ما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم .

قال سليمان : بل يقطعه عنهم ولا يزيدهم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : إذاً يَبيد ما فيهما ، وهذا - يا سليمان - إبطال الخلود وخلاف الكتاب ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ» (1) ويقول عزّ وجلّ : «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» (2) ويقول عزّ وجلّ : «وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ» (3) ويقول عزّ وجلّ : «خالِدِينَ فِيها أَبَداً» (4) ويقول عزّ وجلّ : «وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ» (5) فلم يحر جواباً .

أقول : إنّ الإمام عليه السلام سأل سليمان عن علمه تعالى بجميع ما في الجنّة والنار فأقرّ سليمان بذلك ثمّ سأله عن امكان الإزدياد في ما يكون في الجنّة والنار بعد أن كان تعالى عالماً بما يكون فيها أو أنّه تعالى يطويه عنهم فتنتهي الجنّة والنار ويذهب الخلود سدى فأجاب سليمان بأنّه تعالى يزيد فيهما فقال له الإمام عليه السلام أنّه يلزم من ذلك أن يحدث ما لا يكون في علمه تعالى وإليك توضيح ذلك :

كان المدّعى أنّه تعالى يعلم ما يكون في الجنّة والنار وإذا كان كذلك فيكون سبحانه عالماً بالزيادة أيضاً فالزيادة تكون معلومة له تعالى ولعلّ الإمام عليه السلام أراد الإشارة إلى عدم انتهاء علمه تعالى وأنّه عالم إذ لا معلوم وكلّ ما يريده يكون تعالى عالماً به بنحو العلم بلا معلوم ولذا جادله بالتي هي أحسن كي يلزمه الإقرار بذلك . .

ص: 116


1- . سورة ق : 35 .
2- . هود : 108 .
3- . الحجر : 47 .
4- . النساء : 57 و122 و169 ؛ المائدة : 119 ؛ التوبة : 22 و100 ؛ الأحزاب : 65 ؛ التغابن : 9 ؛ الطلاق : 11 ؛ الجن : 23 ؛ البيّنة : 8 .
5- . الواقعة : 32 - 33 .

ثمّ إنّ سليمان أراد التهرّب من الإشكال الوارد عليه (نفي العلم عنه تعالى فيما يزيده) فقال إنّ المزيد لا غاية له وبذلك سعى لبيان أنّ عدم تعلّق العلم بالمزيد إنّما هو لأجل عدم تناهي المزيد وهذا نفي منه لعلمه تعالى بالمزيد لأجل عدم الغاية له فقال له الإمام عليه السلام : بأنّ لازم ذلك عدم علمه بما يكون فيهما إذ يلازم الجهل بالغاية الجهل في ما يكون فيهما واللّه تعالى متعال عن ذلك ، فقال سليمان : أنّهم كرهوا أن يجعلوا لهما انقطاعاً إذ ذلك يستلزم نفي الخلود ووصفه تعالى بخلودهما أوجب الإلتزام بنفي علمه تعالى بغايتهما فأجابه الإمام عليه السلام أن قد يعلم بما فيهما ومع ذلك يزيدهما والظاهر أنّ المراد من ذلك هو أنّه تعالى يعلم ما فيهما إذ هو مقدّر كما أنّ أصل الخلود من المقدّرات ولكن مع ذلك يزيدهما إذ هو مبسوط اليدين وهو عالم بأنظمة لا تناهي لها وكلّها حكيمة فيزيد فيهما ما يشاء وإن لم يشأه الآن .

ثمّ استشهد الإمام عليه السلام بآي من الذكر الحكيم تدلّ على علمه تعالى بالخلود وبما يجري فإنّه عالم بنضج جلودهم وأنّه تعالى يبدّلها وقد قدّر ذلك ثمّ بيّن عليه السلام أنّه تعالى يعلم أنّه يخلف على أهل الجنّة ما نفذ بسبب الأكل والشرب وإنكار ذلك موجب للإنقطاع وعدم الخلود وردّ الآيات المباركة الدالّة على الخلود .

ويبقى هنا سؤال وهو ما الوجه في نقل الإمام عليه السلام البحث من الإرادة إلى العلم الإلهيّ ؟

الظاهر أنّ الوجه فيه هو بيان علمه تعالى السابق للمعلوم وبذلك يثبت حدوث الإرادة إذ إنّه تعالى عالم ولا مريد ومن ذلك العلم يكون البداء والزيادة فلو كانت الإرادة أزليّة لا يبقى معنى لانفصال العلم عنها والزيادة دليل على الإنفصال بينهما وبذلك يبطل القول بأزليّة الإرادة وإذا ثبت حدوثها لا يمكن أن تكون من الكمالات الذاتيّة واللّه تعالى العالم وأوليائه عليهم السلام بحقيقة كلامهم .

ثمّ قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، ألا تُخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل ؟

ص: 117

قال : بلى هي فعل .

قال : فهي مُحدثة لأنّ الفعل كلّه مُحدَث .

قال : ليست بفعل .

قال : فمعه غيره لم يزل ؟

قال سليمان : الإرادة هي الإنشاء .

قال : يا سليمان ، هذا الذي ادّعيتموه على ضرارٍ وأصحابه من قولهم : إنّ كلّ ما خلق اللّه عزّ وجلّ في سماءٍ أو أرضٍ أو بحرٍ أو برٍّ من كلبٍ أو خنزيرٍ أو قردٍ أو إنسانٍ أو دابّةٍ إرادة اللّه عزّ وجلّ ، وإنّ إرادة اللّه عزّ وجلّ تحيا وتموت وتذهب وتأكل وتشرب وتنكح وتلد وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر وتُشرك فتبرأ منها وتُعاديها وهذا حدّها .

أقول : لعلّ المراد من كلامه عليه السلام أنّ القول بأنّ الإرادة هي الإنشاء يضاهي قول من ذهب إلى أنّها شيء مع اللّه تعالى وهو قول ضرار وأصحابه وبناء على ذلك يكون المراد من الإنشاء في كلام سليمان خصوص المُنشأ فالإرادة هي المُنشأ واللّه تعالى العالم .

قال سليمان : إنّها كالسمع والبصر والعلم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : قد رجعت إلى هذا ثانيةً فأخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع ؟

قال سليمان : لا .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فكيف نفيتموه فمرّة قلتم لم يُرد ، ومرّة قلتم أراد ، وليست بمفعول له ؟

قال سليمان : إنّما ذلك كقولنا مرّة علم ومرّة لم يعلم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : ليس ذلك سواءً ، لأنّ نفي المعلوم ليس بنفي العلم ، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون ، لأنّ الشيء إذا لم يُرَدْ لم تكن إرادة ، وقد يكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم ، بمنزلة البصر ؛ فقد يكون الإنسان بصيراً وإن لم يكن

ص: 118

المُبْصَر ، ويكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم .

قال سليمان : إنّها مصنوعة .

قال صلوات اللّه عليه : فهي مُحدَثة ليست كالسمع والبصر ، لأنّ السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة .

أقول : يستفاد من كلامه عليه السلام أنّ القول بكون الإرادة مثل السمع والبصر يستلزم جريان جميع صفاتهما عليها ولا يمكن الإلتزام بذلك إذ قد تنفى الإرادة دون السمع والبصر والعلم فإنّ اللّه تعالى عالم إذ لا معلوم وسميع إذ لا مسموع وبصير إذ لا مبصر بخلاف الإرادة التي لا تكون إلّامع المراد .

قال سليمان : إنّها صفة من صفاته لم تزل .

قال : فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل ، لأنّ صفته لم تزل .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ القول بأزليّة الإرادة وأنّها صفة من صفاته يستلزم أزليّة الإنسان مثلاً إذ الإنسان لا يكون إلّابالإرادة .

قال سليمان : لا لأنّه لم يفعلها .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا خراسانيّ ، ما أكثر غلطك ! أفليس بإرادته وقوله تَكَوُّنُ الأشياء ؟!

قال سليمان : لا .

قال : فإذا لم تكن بإرادته ولا مشيّته ولا أمره ولا بالمباشرة ، فكيف يُكوَّنُ ذلك ؟! تعالى اللّه عن ذلك . فلم يحر جواباً .

ثمّ قال الرضا صلوات اللّه عليه : ألا تُخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ : «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها » (1) يعني بذلك أنّه يُحدث إرادة ؟

قال له : نعم .

قال : فإذا أحدث إرادة كان قولك «إنّ الإرادة هي هو أم شيء منه» باطلاً ، لأنّه لا .

ص: 119


1- . الإسراء : 16 .

يكون أن يُحدث نفسه ولا يتغيّر عن حاله ، تعالى اللّه عن ذلك .

قال سليمان : إنّه لم يكن عنى بذلك أنّه يحدث إرادة .

قال : فما عنى به ؟

قال : عنى فعل الشيء .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : ويلك ! كم تُردّد هذه المسألة وقد أخبرتك أنّ الإرادة مُحدَثة ، لأنّ فعل الشيء مُحدَث .

قال : فليس لها معنى .

أقول : يستفاد من كلامه عليه السلام واستشهاده بالآية المباركة أنّ اللّه تعالى لم يرد إهلاكهم ولكنّه إذا أراد إهلاكهم فعل ولا معنى لأن تكون الإرادة ذاته إذ الانقطاع لا معنى له في الذات فإنّه تعالى حقّ والإرادة لم تكن ثمّ كانت وهذا دليل على عدم أزليّة الإرادة وأنّها فعل والفعل حادث .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : قد وصف نفسه عندكم حتّى وصفها بالإرادة بما لا معنى له ، فإذا لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم «إنّ اللّه لم يزل مريداً» .

قال سليمان : إنّما عنيتُ أنّها فعلٌ من اللّه لم يزل .

قال : ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً وحديثاً وقديماً في حالةٍ واحدةٍ ؟! فلم يُحر جواباً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : لا بأس أتْمِمْ مسألتك .

قال سليمان : قلت إنّ الإرادة صفة من صفاته .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : كم تُردّد عليّ أنّها صفة من صفاته ، وصفته محدثة أو لم تزل ؟

قال سليمان : محدثة .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : اللّه أكبر ، فالإرادة محدثة وإن كانت صفةً من صفاته لم تزل . فلم يُرِد شيئاً .

ص: 120

قال الرضا صلوات اللّه عليه : إنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً .

قال سليمان : ليس الأشياء إرادةً ولم يُرد شيئاً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : وسوست يا سليمان ، فقد فعل وخلق ما لم يُرد خلقه ولا فعله ، وهذه صفة من لا يدري ما فعل ، تعالى اللّه عن ذلك .

قال سليمان : يا سيّدي ، فقد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم .

قال المأمون : ويلك يا سليمان ! كم هذا الغلط والتردّد ، اقطع هذا وخُذ في غيره ؛ إذ لست تقوى على غير هذا الردّ .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : دعه يا أمير المؤمنين ، لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حُجّةً ، تكلّم يا سليمان .

قال : قد أخبرتك أنّها كالسمع والبصر والعلم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : لا بأس ، أخبرني عن معنى هذا ، أمعنى واحد أو معان مختلفة ؟

قال سليمان : بل معنى واحد .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فمعنى الإرادات كلّها معنى واحد ؟

قال سليمان : نعم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فإن كان معناها معنىً واحداً كانت إرادة القيام وإرادة القعود وإرادة الحياة وإرادة الموت إذا كانت إرادته واحدة لم يتقدّم بعضها بعضاً ، ولم يُخالف بعضها بعضاً ، وكان شيئاً واحداً .

قال سليمان : إنّ معناها مختلف .

قال صلوات اللّه عليه : فأخبرني عن المُريد أهو الإرادة أو غيرها ؟

قال سليمان : بل هو الإرادة .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فالمُريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة ؟

قال : يا سيّدي ، ليس الإرادة المريد .

ص: 121

قال صلوات اللّه عليه : فالإرادة محدثة وإلّا فمعه غيره ، افهم وزد في مسألتك ؟

أقول : يستفاد من كلامه عليه السلام أنّ الإلتزام بأزليّة الإرادة ممّا لا يمكن المصير إليه إذ لا شكّ في أنّ هناك إرادة لخلق الإنسان وإرادة لخلق الحيوان فالقول بأنّ الإرادة واحدة يستلزم القول بأنّ إرادة القيام نفس إرادة القعود وهكذا والقول بأنّها مختلفة مع افتراض وحدتها مع الذات الإلهيّة يستلزم القول بأنّ الباري تعالى شأنه يختلف باختلاف الإرادات لاختلاف المراد في الخارج وكلاهما باطل .

قال سليمان : فإنّها اسم من أسمائه .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : هل سمّى نفسه بذلك ؟

قال سليمان : لا لم يُسمّ نفسه بذلك .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فليس لك أن تُسمّيه بما لم يُسمّ به نفسه .

أقول : يستفاد من كلامه عليه السلام حرمة تسميته تعالى بما لم يسمّ به نفسه بل لابدّ من الإقتصار على الأسماء التي سمّى بها نفسه .

قال : قد وصف نفسه بأنّه مريد .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : ليس صفته نفسه أنّه مريد إخباراً عن أنّه إرادة ، ولا إخباراً عن أنّ الإرادة اسمٌ من أسمائه .

قال سليمان : لأنّ إرادته علمه .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا جاهل فإذا علم الشيء فقد أراده ؟

قال سليمان : أجل .

قال صلوات اللّه عليه : فإذا لم يُرِدْه لم يعلمه ؟

قال سليمان : أجل .

قال صلوات اللّه عليه : من أين قلت ذلك ؟ وما الدليل على أنّ إرادته علمه ؟ وقد يعلم ما لا يُريده أبداً ، وذلك قوله عزّ وجلّ : «وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» (1) .

ص: 122


1- . الإسراء : 86 .

فهو يعلم كيف يذهب به ولا يذهب به أبداً .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ اللّه تعالى مع أنّه عالم بالشيء إلّاأنّه لا يريده فإنّه عالم بكيفيّة إذهاب الوحي من قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله إلّاأنّه لا يفعل ذلك أبداً وهذا خير شاهد على اختلاف الإرادة مع العلم .

قال سليمان : لأنّه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : هذا قول اليهود ، فكيف قال اللّه عزّ وجلّ : «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » (1) .

أقول : بيّن الإمام عليه السلام أنّ اللّه تعالى وعد بالإجابة للداعين وهذا دليل على أنّه تعالى لم يفرغ من الأمر بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء .

قال سليمان : إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه .

قال صلوات اللّه عليه : أفَيَعِدُ ما لا يفي به ؟ فكيف قال عزّ وجلّ : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ » (2) وقال عزّ وجلّ : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (3) وقد فرغ من الأمر ؟ فلم يُحر جواباً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا سليمان ، هل يعلم أنّ إنساناً يكون ولا يُريد أن يخلق إنساناً أبداً ، وأنّ إنساناً يموت اليوم ولا يُريد أن يموت اليوم .

قال سليمان : نعم .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : فيعلم أنّه يكون ما يُريد أن يكون أو يعلم أنّه يكون ما لا يُريد أن يكون ؟

قال : يعلم أنّهما يكونان جميعاً .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : إذن يعلم أنّ إنساناً حيّ ميّت قائم قاعد أعمى بصير في حالٍ واحدةٍ ، وهذا هو المحال . .

ص: 123


1- . غافر : 60 .
2- . فاطر : 1 .
3- . الرعد : 39 .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ لازم القول بأنّ الإرادة نفس العلم نفي العلم عمّا لم يكن ولذا سعى سليمان للتهرّب من الإشكال ولكنّه لم يستطع إذ القول بأنّه تعالى يعلم ما يريد أن يكون ويعلم أنّه يكون ما لا يريد يستلزم المحال وهو كون الإنسان ميّت حيّ في آنٍ واحد وأمّا القول بأنّه إنّما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون فيرد عليه أنّ ذلك تحديد لعلمه تعالى إذ يستلزم نسبة الجهل إليه في ما لا يريد أن يكون .

قال : جُعلت فداك ، فإنّه يعلم أنّه يكون أحدهما دون الآخر .

قال صلوات اللّه عليه : لا بأس ، فأيّهما يكون ؟ الذي أراد أن يكون أو الذي لم يُرد أن يكون ؟

قال سليمان : الذي أراد أن يكون .

فضحك الرضا صلوات اللّه عليه والمأمون وأصحاب المقالات .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : غلطت وتركت قولك «إنّه يعلم أن إنساناً يموت اليوم وهو لا يُريد أن يموت اليوم ، وإنّه يخلق خلقاً وهو لا يريد أن يخلقهم» فإذا لم يجز العلم عندكم بما لم يُرد أن يكون فإنّما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون .

قال سليمان : فإنّما قولي «إنّ الإرادة ليست هو ولا غيره» .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : يا جاهل ، إذا قلت «ليست هو» فقد جعلتها غيره ، وإذا قلت «ليست هي غيره» فقد جعلتها هو .

قال سليمان : فهو يعلم كيف يصنع الشيء ؟

قال صلوات اللّه عليه : نعم .

قال سليمان : فإنّ ذلك إثبات للشيء .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : أَحَلْتَ ، لأنّ الرجل قد يُحسن البناء وإن لم يَبْنِ ، ويُحْسن الخياطة وإن لم يَخِطْ ، ويُحْسِن صُنعةَ الشيء وإن لم يصنعه أبدا» .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ العلم ثابت وإن يكن المعلوم فالعلم بصنع الشيء لا يوجب كون الشيء كما أنّ الخيّاط عالم بالخياطة وإن لم يخط .

ص: 124

ثمّ قال له : يا سليمان ، هل يعلم أنّه واحد لا شيء معه ؟

قال : نعم .

قال : أفيكون ذلك إثباتاً للشيء ؟

أقول : بيّن عليه السلام أنّ العلم بهذه الحقيقة وهي كونه واحداً لا يوجب كون شيء معه كذلك العلم بصنع الشيء لا يوجب كون الشيء أزلاً معه .

قال سليمان : ليس يعلم أنّه واحد لا شيء معه .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : أفتعلم أنت ذاك ؟

قال : نعم .

قال : فأنت - يا سليمان - أعلم منه إذاً ؟

قال سليمان : المسألة مُحالٌ .

قال : محال عندك أنّه واحد لا شيء معه ، وأنّه سميع بصير حكيم عليم قادر ؟

قال : نعم .

قال صلوات اللّه عليه : فكيف أخبر اللّه عزّ وجلّ أنّه واحد حيّ سميع بصير عليم خبير وهو لا يعلم ذلك ؟! وهذا ردّ ما قال وتكذيبه ، تعالى اللّه عن ذلك .

ثمّ قال الرضا صلوات اللّه عليه : فكيف يُريد صُنعَ ما لا يدري صُنعه ولا ما هو ؟ وإذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنّما هو مُتحيّر ، تعالى اللّه عن ذلك .

أقول : بيّن عليه السلام أنّ العلم لابدّ أن يكون قبل الإرادة ولولا ذلك لتحيّر الصانع لفقدانه العلم بالصنع وقبول أنّ العلم قبل الإرادة مستلزم لقبول حدوثها وأنّها غير أزليّة .

قال سليمان : فإنّ الإرادة القدرة .

قال الرضا صلوات اللّه عليه : وهو عزّ وجلّ يقدر على ما لا يُريده أبداً ، ولا بدّ من ذلك ، لأنّه قال تبارك وتعالى : «وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» (1) فلو كانت .

ص: 125


1- . الإسراء : 86 .

الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته . فانقطع سليمان ، قال المأمون عند ذلك : يا سليمان ، هذا أعلم هاشمي ! ثمّ تفرق القوم (1) .

أقول : وحاصل ما بيّنه الإمام عليه السلام أمور :

الأمر الأوّل : استدلّ الإمام الرضا عليه السلام بآي كثيرة من الذكر الحكيم على البداء فإنّ كلّ ما دلّ على الإبداع والخلق والزيادة في الخلق والإبتداء والإرجاء لأمر اللّه تعالى وتقدير عمر العباد والأمر بالدعاء والإزراء على اليهود الذين ذهبوا الى أنّ اللّه تعالى قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، كلّ ذلك يدلّ على البداء وتعليق الأُمور على رأيه القدّوس فإنّ له تعالى أن يفعل ما يشاء ويزيد في الخلق ما يريد .

الأمر الثاني : استدلّ عليه السلام بأخبار تدلّ على وقوع البداء في الخلق وتغيير التقدير الأوّل وتبديله بتقدير جديد .

الأمر الثالث : استدلّ الإمام على عدم أزليّة الإرادة بأمور :

1 . اختلاف الإرادة عن السمع والبصر فإنّه يصحّ أن يقال حدثت الأشياء لأنّه تعالى شاء وأراد ، ولا يصحّ أن يقال حدثت لأنّه تعالى سميع وبصير ، فهذا الإختلاف في التعبير دليل على اختلاف الإرادة مع السمع والبصر في الحقيقة .

2 . إثبات الإرادة معه تعالى يوجب إثبات الغير معه . والظاهر أنّ إثبات الغير معه هو إمّا باعتبار أنّ الإرادة لا تكون إلّالمراد معها فيكون المراد غير اللّه تعالى ومعه ، وإمّا باعتبار أنّ مغايرة الإرادة نفسها مع المريد ممّا لا غبار عليه فكونها معه تعالى يوجب كون الغير معه .

3 . الإرادة فعل ، والفعل لا يمكن أن يكون أزليّاً لوضوح حدوثه .

4 . الإرادة غير العلم ، والشاهد على ذلك أنّه تعالى يعلم ما لا يريده .

5 . المريد يكون قبل الإرادة دائماً ، ولذا يكون التباين بين المريد والإرادة من الواضحات . .

ص: 126


1- . بحارالأنوار : 329/10 - 338 ، التوحيد : 441 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 179/1 .

ولمّا كان افتراق العلم من المشيّة من الواضحات - بحسب العقل والنقل - ذهب كبار فقهائنا إلى ذلك وبيّنوه ، واستدلّوا عليه بالأدلّة ، وأبطلوا ما نسجَتْهُ أفكار علماء البشر ، وزيّفوا ما ذهبوا إليه من اتّحاد الإرادة مع العلم . وإليك بعض كلماتهم في ذلك :

أفاد سيّد الفقهاء والمجتهدين المحقّق الخوئيّ قدس سره في نقد كلام شيخه الإصفهاني قدس سره :

وأمّا النقطة الثانية «إرادته تعالى صفة ذاتيّة له» : فهي خاطئة جداً .

والسبب في ذلك :

أوّلاً : ما تقدّم من أنّ الإرادة بمعنى الشوق المؤكّد لا تعقل في ذاته تعالى . هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى : قد سبق أنّ تفسير الإرادة بصفة الرضا والإبتهاج تفسير خاطئ لا واقع له .

ومن ناحية ثالثة : أنّا لا نتصوّر لإرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة .

وثانياً : قد دلّت الروايات الكثيرة على أنّ إرادته تعالى فعله ، كما نصّ به قوله سبحانه : «إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (1) . وليس في شيء من هذه الروايات إيماء ، فضلاً عن الدلالة على أنّ له تعالى إرادة ذاتيّة أيضاً ، بل فيها ما يدلّ على نفي كون إرادته سبحانه ذاتيّة ، كصحيحة عاصم بن حميد ، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : قلت : لم يزل اللّه مريداً ؟

قال : «إنّ المريد لا يكون إلّالمراد معه ، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد» . .

ص: 127


1- . يس : 82 .

ورواية الجعفريّ قال : قال الرضا عليه السلام : «المشيئة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد» . فهاتان الروايتان تنصّان على نفي الإرادة الذاتيّة عنه سبحانه .

ثمّ إنّ سلطنته تعالى حيث كانت تامّة من كافّة الجهات والنّواحي ولا يتصوّر النقص فيها أبداً ، فبطبيعة الحال يتحقّق الفعل في الخارج ، ويوجد بصرف إعمالها من دون توقّفه على أيّة مقدّمة أخرى خارجة عن ذاته تعالى ، كما هو مقتضى قوله سبحانه : «إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . وقد عبّر عن هذا المعنى في الروايات تارة بالمشيئة ، وتارة أخرى بالإحداث والفعل .

أمّا الأوّل : كما في صحيحة محمّد بن مسلم ، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «المشيئة محدثة» . وصحيحة عمر بن أذينة ، عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «خلق اللّه المشيئة بنفسها ، ثمّ خلق الأشياء بالمشيئة» . ومن الطبيعي أنّ المراد بالمشيئة : هو إعمال القدرة والسلطنة ، حيث إنّها مخلوقة بنفسها ، لا بإعمال قدرة أخرى . وإلّا لذهب إلى ما لا نهاية له .

وأمّا الثاني : كما في صحيحة صفوان بن يحيى ، قال عليه السلام : «الإرادة من الخلق الضمير ، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك ، لأنّه لا يروّي ، ولا يهمّ ، ولا يتفكّر ، وهذه الصفات منفية عنه ، وهي صفات الخلق ، فإرادة اللّه الفعل لا غير ذلك ، يقول له : كن فيكون ، بلا لفظ ، ولا نطق بلسان ، ولا همّة ، ولا تفكّر ، ولا كيف لذلك ، كما أنّه لا كيف له» . فهذه الصحيحة تنصّ على أنّ إرادته تعالى هي أمره التكوينيّ (1) .

وتعرّض شيخنا المحقّق آية اللّه محمّدباقر الملكيّ قدس سره بعد ذكر الأخبار الدالّة على .

ص: 128


1- . محاضرات في أصول الفقه : 377/1 - 379 .

المطلب :

هذه الروايات الشريفة ناصّة على أنّ المشيّة والإرادة والقدر والقضاء فعل للّه سبحانه وأنّها غير ذاته وغير علمه تعالى . فلا يجوز أن يقال : إنّه تعالى لم يزل مريداً شائياً كما يقال : إنّ اللّه تعالى لم يزل حيّاً عالماً قادراً . انتهى ما أردنا نقله (1) .

وأفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه الشيخ عليّ النمازيّ قدس سره :

مقتضى المعارف الحقّة الإلهيّة ، أنّ مشيّته تعالى وإرادته من صفات الفعل ، لا من صفات الذات ، فلا يكون مثل العلم والقدرة ، فهو تعالى لم يزل عالماً قادراً ، ولا يجوز أن يقال : إنّه تعالى لم يزل شائياً مريداً ، فإنّه قال الرضا صلوات اللّه وسلامه عليه : المشيّة والإرادة من صفات الأفعال ، فمن زعم أنّ اللّه لم يزل مريداً شائياً فليس بموحّد ، كما تقدم في «رود» . ونزيدك عليه من الآيات :

قال تعالى : «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً » (2) فيدلّ على أنّه إن لم يشأ لم يذهب . والقدرة والعلم على الإذهاب وعدمه متساوية ، وهما ثابتان للذات ، والإذهاب معلّق على المشيئة ، فنقول : إن شاء أذهب ، ولا يصحّ أن يقال : إن علم وقدر أذهب ، فهذا دليل الفرق كما هو واضح .

وقال تعالى : «وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ» (3) .

وقال تعالى : «وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ» (4) .

وقال تعالى : «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» (5) . .

ص: 129


1- . توحيد الإماميّة : 318 .
2- . النّساء : 133 .
3- . يس : 66 .
4- . يس : 67 .
5- . الأنعام : 149 .

وقال تعالى : «وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ» (1) .

وقال تعالى : «وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (2) .

وقال تعالى : «وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ » (3) .

وقال تعالى : «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّهُ» (4) .

وقال تعالى : «وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها» (5) .

وقال تعالى : « لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً » (6) .

وقال تعالى : «وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» (7) .

إلى غير ذلك من الآيات الشريفة .

وصريح هذه الآيات أنّ الطمس ، والمسخ ، والهداية ، والإرادة ، والإذهاب ، والتسليط ، ودخول المسجد الحرام ، والرفع ، والإنزال ، والإيمان كلّها مشروط على مشيّته تبارك وتعالى ، ولا يتحقّق المشروط إلّاعند شرطه ، فإن شاء يتحقّق وإلّا فلا .

فالشرط في ذلك كلّه هو المشيّة والإرادة لا العلم والقدرة والحياة مثلاً ، والعلم والقدرة ثابتان قبل المشيّة ونسبة العلم والقدرة إلى هذه الأفعال ونقائضها متساوية ، فبمشيّته تعالى يختار هذه الأفعال مثلاً ، وإن لم يشأ لم يختر ، كما قال تعالى : «وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ » (8) فإنّ الحيّ القيّوم له العلم والقدرة على إذهاب ما أوحى وكيفيّة الإذهاب وعدمه ، فالعلم والقدرة ثابتان على شيء لا يكون أبداً ، .

ص: 130


1- . سورة محمّد : 30 .
2- . البقرة : 20 .
3- . النساء : 90 .
4- . الفتح : 27 .
5- . الأعراف : 176 .
6- . فصّلت : 14 .
7- . يونس : 99 .
8- . الإسراء : 86 .

فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون ، كما هو صريح الروايات المباركات .

وبعبارة أخرى نقول : هو تعالى إن شاء طمس ومسخ وهدى وأرى وأذهب وسلّط ، ورفع وأنزل ، وهكذا . ولا يصحّ أن نقول : هو تعالى إن علم وقدر طمس ومسخ ، وهدى وأرى وأذهب وسلّط وهكذا ، فهذا دليل واضح على الفرق .

وأيضاً يصحّ أن يقال : إنّ اللّه بكلّ شيء عليم قدير ، ولا يصحّ أن يقال : إنّ اللّه شاء مريد لكلّ شيء كما هو واضح . فيقال : المشيّة والشيء بالمعنى المصدري فعل اللّه تعالى ، وبالمعنى الإسم المصدري الحاصل من المصدر الكائنات المكونة بالمشيّة ، فالأوّل سبب وعلة للثاني ، فإطلاق اسم السبب على المسبّب كإطلاق الخلق على المخلوق ، وبالجملة تحقق الثاني لا يمكن إلّابالأوّل .

وبعبارة أخرى ، واقعيّة الأشياء وحقيقتها ليست إلّاالتحقق بالمشيّة ، فمشيء الشيء ومنشئه هو اللّه تعالى بمشيّته التي ليست إلّا بكمال ذاته القدّوس ، ولا يؤثّر فيه شيء .

فممّا ذكرنا ظهر معنى الحديث الشريف : خلق اللّه الأشياء بالمشيّة وخلق المشيّة بنفسها ، يعني خلق اللّه الأشياء - جمع الشيء بمعنى اسم المصدر - بالمشيّة والمشيّة بالمعنى المصدري ، فعل اللّه محدثة ليست بقديم وهي مجعولة بنفسها ليس لتحقّقها مشيّة أخرى إذاً لتسلسلت ، فيكون مخلوقيّة المشيّة بنفس ذاته القدوس وبكمال ذاته الأعلى ، لا مدخليّة لتحقّقها أمر آخر غير الربّ تعالى وتقدّس .

وحيث أنّ العلم والقدرة على الواقعيّة واللاواقعيّة سواء ولا حدّ ولا تعيّن ولا حصر بنظام خاصّ ، بل له العلم والقدرة على النظامات غير

ص: 131

المتناهية بالأطوار غير المتناهية والتقديرات والقبائح . مثلاً يعلم كيف يظلم إن أراد الظلم ويقدر عليه ، لكن لا يريد ظلماً أبداً ولهذا يحمد .

فلا يمكن تحقّق نظام إلّابالرأي والمشيّة وهو المخصّص لطرفي الفعل والترك ، فلابدّ من المشيّة فلو فرض كون المشيّة والإرادة من صفات الذات يلزم الشرك لأنّ المشيّة والإرادة لا تنفكّان عن المشاء والمراد فيكون معه مراداً ومشاءً لم يزل كما نبّه عليه الإمام الصادق عليه السلام في ما تقدّم في «رود» .

فظهر بحمد اللّه تعالى أنّ المشيّة محدثة ، كما قاله الإمام الصادق عليه السلام في الصحيح المروي في الكافي ، والتوحيد ، والمحاسن .

وفي الكافي والتوحيد ، عن بكير بن أعين قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام :

علم اللّه ومشيّته هما مختلفان أو متفقان ؟ فقال : العلم ليس هو المشيّة ، ألا ترى أنّك تقول : سأفعل كذا إن شاء اللّه ، ولا تقول : سأفعل كذا إن علم اللّه ، فقولك إن شاء اللّه دليل على أنّه لم يشأ ، فإذا شاء كان الذي شاء كما شاء ، وعلم اللّه سابق المشيّة . وغير ذلك من الروايات المذكورة في «رود» فراجع إليه .

وآية انفكاك المشيّة عن العلم إنّا نجد من أنفسنا العلم والقدرة على أشياء وأمور لا نشائها ولا نريدها . مثلاً لنا العلم والقدرة على قطع العبادة وقاطعها ولا نشائه ولا نريده ، ولنا العلم والقدرة على الكفر والريب والشكّ في اللّه وكذا الرياء في العبادة ولا نشاء شيئاً من ذلك إن شاء اللّه تعالى كما لا يخفى . انتهى ما أردنا نقله (1) .

و الحاصل : إنّ افتراق إرادته تعالى ومشيّته -بحسب المعارف الإلهيّة -عن العلم والقدرة ممّا لا غبار عليه ، وإنكار ذلك إنّما هو لقلّة المعرفة أو جحود الحقّ وإنكاره بعد وضوحه . .

ص: 132


1- . مستدرك سفينة البحار : 96/6 - 99 .

الفصل السادس : قدرة اللّه تعالى

اشارة

إنّ القدرة كمال وجودي فليس المراد من قدرته تعالى عدم العجز ، ولابدّ من الإقرار بقدرة اللّه تعالى ، فإنّه قادر بذاته بلا حدّ ولا نهاية فهو على كلّ شيء قدير ، ولا يستعصي عليه أمر أبداً ، وله السلطنة التامّة على ما يعلمه بالعلم بلا معلوم . وقد نبّه القرآن الكريم في آيات كثيرة على سعة قدرته وبكلمة جامعة وهي «وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) ونحوها .

والظاهر أنّ المراد من القدرة هو الإستيلاء التامّ على طرفي الفعل والترك بلا ملزم لاختيار أحدهما دون الآخر ، فهو مستول عليهما . فكما له أن يختار طرف الفعل ، له أن يختار طرف الترك أيضاً . وكما له أن يبقي الشيء على ما هو عليه ، له أن يزيد فيه ما شاء أو ينقص ، وله أن يعدِمه ، ولذا هدّد الكافرين والمعاندين في آيٍ من الذكر الحكيم بإذهابهم وإتيان خلق جديد ليسوا له بعاصين وهو على ما يشاء قدير .

إذا عرفت ذلك ، يتّضح لك أنّ عدم خلقه ما لا يشاء خلقه ليس لأجل عروض شبهة عليه في خلق ما لم يخلق ، إنّما هو لمالكيّته للرأي في أن يخلق ما يشاء وأن لا يخلق ما يشاء ، فليس عدم الخلق مسبّباً عن عدم القدرة أو عدم العلم به ، بل إنّه وليد حرّيته وسعة مالكيّته وعدم الملزم عليه في طرف دون آخر ، ولذا ترى أنّه تعالى يهدّد بإنزال العذاب ويعد بالرحمة بعد عدم تعلّق المشيّة بهما .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في بيان قوله عليه السلام :

«علم ما خلق وخلق ما علم ، لا بالتفكّر ولا بعلم حادث أصاب ما

ص: 133


1- . المائدة : 120 ، هود : 4 ، الرّوم : 50 ، الشّورى : 9 ، الحديد : 2 ، التغابن : 1 ، الملك : 1 .

خلق ، ولا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق ، لكن قضاء مبرم وعلم محكم وأمر متقن» (1) الظاهر أنّ ما لم يخلق ليس بقصور العالم عنه ولا شبهة دخلت عليه في خلقه لكن قضاء مبرم وعلم محكم ، فلا ينحصر علمه تعالى بما خلق بل هو عالم بما لن يخلقه أبداً (2) . انتهى كلامه رفع مقامه .

فمن تأمّل في آيات اللّه تعالى الدالّة عليه بدلالته ، يرى آثار قدرة اللّه تعالى ويجد هذا المعنى وهو أنّه «عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» وأنّه تعالى لا يعجزه شيء في السماء والأرض .

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة جدّاً تصرّح بهذه الحقيقة الهامّة ، نشير إلى بعضها :

قال اللّه تعالى : «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

يظهر من هذه الآية المباركة سعة قدرة اللّه تعالى على أن يذهب بسمع السامعين وبصر الناظرين ، فإنّه تعالى على كلّ شيء قدير . ولعلّ المراد من الإذهاب بالسمع هو إذهابه بسبب صوت الرعد ، والمراد من إذهاب البصر هو إذهابه بسبب نور البرق . واللّه تعالى العالم .

وقال تعالى : «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (4) .

يظهر من هذه الآية المباركة قدرة اللّه تعالى على إتيان آية عظيمة مكان آية أخرى كان قد ذهب بها ، فإنّه تعالى على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ .

ص: 134


1- . الكافي : 134/1 .
2- . توحيد الإماميّة : 268 .
3- . البقرة : 20 .
4- . البقرة : 106 .

جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» (1) .

الظاهر من هذه الآية المباركة هو بيان قدرة اللّه تعالى على جمع الشتات وإحياء الأجسام الباليات التي أسفت بها الريح في مكان سحيق أو أخذتها البحار إلى أعماقها ، فإنّه تعالى على كلّ شيء قدير . وبناء على ذلك ، يتبيّن أنّ إنكار المعاد يرجع إلى إنكار قدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى وإعادتهم كما بيّناه في بحث المعاد .

وقال تعالى : «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (2) .

يظهر من هذه الآية المباركة سعة قدرته تعالى ، فإنّه قادر على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاماً نخرة ، وقادر على إبقاء الطعام طازجاً لمدّة مائة عام . فسبحانه من إله ما أقدره .

وقال تعالى : «لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

أقول : هذه الآية المباركة تدلّ على مالكيّة اللّه تعالى لما في السماوات والأرض .

والمالك على الإطلاق يعلم ما يبدو في النفوس وما تخفيه ويحاسب على الأفعال القلبيّة المبدوّة منها والمخفيّة ، ولكن مع ذلك له أن يعفو عمّن يشاء فإنّ العفو فضل وحسن جميل ، كما أنّ له أن يعذّب من يشاء فإنّ العذاب على الفعل الإختياري بعد إتمام الحجّة عدل وحسن ، وهو على كلّ شيء قدير ولا ملزم له لطرف العفو أو .

ص: 135


1- . البقرة : 148 .
2- . البقرة : 259 .
3- . البقرة : 284 .

لطرف العدل بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فيرحم من يشاء بما يشاء كيف يشاء ويعذّب من يشاء بما يشاء كيف يشاء لا يسئل عن فعله ولا ينازع في أمره .

فلو عفى عن المذنبين كان العفو فضلاً ورحمة ، ولو عذّب المذنبين على ذنب واحد بجميع أنواع العذاب وإن خلّده في جهنّم ، كان عدلاً . وحسن كليهما عقليّ ذاتيّ ولا وجه للسؤال عنه .

وقال تعالى : «قُلِ اللّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) .

الظاهر من هذه الآية المباركة أنّ الخير كلّه بيده تعالى ، فيستطيع أن يعزّ من يشاء من عباده ويستطيع أن يذلّ الجبابرة ، ويستطيع أن يؤت الملك من يشاء وينزعه ممّن يشاء ، فإنّه على كلّ شيء قدير ، فجميع الأُمور رهينة لإرادة اللّه تعالى ومشيّته ، ومشيّته تستند إلى كماله الذاتيّ وكونه تعالى قادراً وذا رأي وبداء .

وقال تعالى : «وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» (2) .

ظاهر أنّ هذه الآية المباركة مسوقة لتمجيد اللّه تعالى ، وأنّ له ملك السماوات والأرض وأنّه على كلّ شيء قدير فلا يعجزه شيء أبداً .

وقال تعالى : «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

الآية المباركة صريحة في كفر من قال بأُلوهيّة المسيح ابن مريم ، فكيف بمن ادّعى أنّ كلّ شيء مظهر من مظاهر الحيّ القيّوم .

وبما أنّ اللّه تعالى هو الربّ دون غيره له أن يهلك المسيح وأُمّه ومن في الأرض جميعاً فهو مالك لجميع ما في السماوات والأرض ، وهو قادر على إهلاكهم ، وله أن .

ص: 136


1- . آل عمران : 26 .
2- . آل عمران : 189 .
3- . المائدة : 17 .

يخلق ما يشاء فلا ملزم لطرف دون آخر ، بل هو قادر على كلّ شيء بلا نهاية وبلا حدّ لقدرته .

وقال تعالى : «يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَ لا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَ نَذِيرٌ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) .

تدلّ الآية المباركة على أنّ اللّه تعالى قادر على بعث من يشاء من الأنبياء وهو فعل حكيم وحسن ، وقادر على أن لا يبعث رسولاً لكي يبقى الناس في الضلالة ، ولا ضير في ذلك بعد ما كان أصل الخلقة فضلاً عظيماً لا يستحقّه أحد فلا ملزم له لطرف دون آخر واختيار أيّ واحد منهما شاء مرهون بإرادته تعالى .

وقال تعالى : «وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (2) .

صريح الآية المباركة يدلّ على أّن اللّه تعالى قادر على أن يمسّ عباده الضرّ بمقتضى العدل والحكمة ، فإنّه لا ملزم له على الإنعام عليهم كما له أن يمسّهم بالخير بمقتضى الفضل وهو على كلّ شيء قدير ، فلا موجب عليه في اختيار طرف دون آخر .

وقال تعالى : «إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

هذه الآية المباركة صريحة في إمكان تبديل الذين لا يريدون النفر بغيرهم ولا يستطيع الطغاة أن يضرّوا اللّه تعالى شيئاً ، وله الأمر في أن يبقيهم ويركسهم في الكفر أو أن يفنيهم ويستبدل بهم من هو خير منهم ، وهو على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «وَ لِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما أَمْرُ السّاعَةِ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (4) . .

ص: 137


1- . المائدة : 19 .
2- . الأنعام : 17 .
3- . التّوبة : 39 .
4- . النّحل : 77 .

تصرّح الآية المباركة بمالكيّة الربّ تعالى للغيب ، وأنّ أمر الساعة ليس إلّاكلمح بالبصر أو هو أقرب وأنّه على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) .

الآية المباركة صريحة في قدرته تعالى على إحياء الموتى وأنّه تعالى على كلّ شيء قدير ، فلا يؤوده شيء في السماوات والأرض .

وقال تعالى : «وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (2) .

الآية المباركة صريحة في قدرته تعالى على خلق ما يشاء كيف يشاء ولا ملزم لخلق شيء بصورة خاصّة ، بل له الأمر وهو على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

الآية المباركة صريحة في التذكير بأنّ الذي يكون قادراً على بدء الخلق يكون قادراً على إنشاء النشأة الآخرة بطريق أولى ، و هو على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «اَلْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (4) .

يظهر من هذه الآية المباركة أنّ للّه تعالى أن يزيد في الخلق ما يشاء ، فيخلق ملكاً ذا أجنحة أكثر ممّا ذكره في الآية فإنّه على كلّ شيء قدير .

وقال تعالى : «اَللّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عِلْماً » (5) .

الآية المباركة مسوقة للتذكير بسعة علمه وقدرته على الإطلاق . فمن يرى خلق .

ص: 138


1- . الحجّ : 6 .
2- . النّور : 45 .
3- . العنكبوت : 20 .
4- . فاطر : 1 .
5- . الطّلاق : 12 .

السماوات والأرض ويتدبّر فيهما ، يعلم أنّ اللّه تعالى على كلّ شيء قدير وأنّه تعالى قد أحاط بكلّ شيء علماً .

وقال تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) .

يظهر من هذه الآية المباركة أنّ إعطاء النور وإتمامه وتكفير السيّئات ودخول الجنّة والغفران ، منوط بمشية اللّه تعالى وهو قادر على ذلك .

وقال تعالى : «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً» (2) .

الآية المباركة صريحة في قدرة اللّه تعالى المطلقة على إذهاب الناس جميعاً واستبدالهم بآخرين ، فإذهابهم والإتيان بغيرهم وكذا إبقاؤهم مستند إلى قدرة اللّه تعالى فهو بالنسبة إلى قدرته سواء ، أيّهما شاء فعل .

وقال تعالى : «يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» (3) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

قوله تعالى : «يا أَيُّهَا النّاسُ ... اَلْحَمِيدُ » الظاهر أنّه مسوق لتمجيده تعالى نفسه وإبراز الغنى عن جميع الناس وبالمآل عن جميع ما سواه .

أي : إنّه سبحانه غني عن خلقه في جميع نعوته الذاتيّة وأفعاله . وما سواه من خلقه مركوزون في حاق الفقر ، وواقفون بحسب ذواتهم وشؤونهم وأحوالهم في متن الإحتياج والذلّة .

قوله تعالى : «الحميد» فعيل بمعنى المفعول . والحمد هو الثناء على الجميل . وهو تعالى محمود من حيث ذاته ونعوته وأفعاله . ولا يكون .

ص: 139


1- . التّحريم : 8 .
2- . النّساء : 133 .
3- . فاطر : 15 .

شيء حميداً إلّاأن يكون منزّها على الإطلاق من جميع النقائص والعيوب ، ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً ، وكذلك واجداً لجميع شؤون الجلال والكمال . فهو سبحانه حميد على الإطلاق . وأكثر استعمال هذا الاسم الكريم في مورد التقديس والتنزيه .

وقد يطلق في موارد التمجيد لبيان عظمته تعالى وكبريائه وجلاله .

وفي موارد استعماله في التقديس ، غير آبٍ بحسب إطلاقه عن التمجيد . وكذلك في موارد استعماله في التمجيد غير آبٍ عن التقديس .

فالحاصل أنّه سبحانه أثنى على نفسه بالغنى عن خلقه ، وقدّس نفسه من حيث ذاته وصفاته وأفعاله عن كلّ ما يشينه ويعيبه .

قال مولانا زين العابدين عليه السلام في الصحيفة المباركة السجاديّة في دعائه في طلب الحوائج : «تمدّحت بالغناء عن خلقك ، وأنت أهل الغنى عنهم . ونسبتهم إلى الفقر ، وهم أهل الفقر إليك» .

فالظاهر أنّ الآية المباركة في مورد التعليل لقوله تعالى : «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » وقوله تعالى : «وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» .

فالمعنى : إنّ اللّه غني عنكم فلا إيجاب عليه بوجه في ابتداء إيجادكم ولا في إدامته . فيحمد تعالى على فضله عليكم في إيجادكم ابتداءً .

ويحمد أيضاً لو ذهب بكم بعدله وأتى بخلق جديد . ولا يعجزه تعالى ذلك ولا يمتنع عليه .

فمفاد الآية الكريمة عدم إيجاب الخلق عليه تعالى ابتداءً وإدامة مع فعليّة قدرته على الإيجاد والإبقاء . وتفيد أيضاً عدم تحديد علمه وقدرته بالخلق الموجود والنظام الأصلح .

وقوله تعالى : «وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» إبطال للتأويل الباطل من أنّ القضية الشرطية - إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل - صادقة وإن

ص: 140

لم يفعل أزلاً وأبداً . وهذه الآية المباركة ثناء منه على نفسه بعدم العجز عن إذهاب الخلق وتبديله بخلق جديد . قال تعالى : «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ » .

بيان : الخطاب لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وبواسطته لكلّ من هو أهل النظر في آياته تعالى وخلقه وأهل لأن يدري ويشهد أنّ هذا الخلق المشهود المعلوم خلق للّه .

والآية الكريمة تشبه قوله تعالى : «هذا خَلْقُ اللّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . قوله تعالى : «بِالْحَقِّ» وهو ما يقابل الباطل من فعل أو قول . فأفعاله تعالى حقّ لا باطل ولا لغو ولا عبث .

وقد خلق العالم لغرض وغاية حكمية أرادها . وقد أتقن صنعه وأحكم نظمه ووضع كلّ شيء في موضعه من دون أن يجازف في شيء منه بالعناية الربوبيّة .

قال الطبرسي : «بِالْحَقِّ» بالحكمة والغرض الصحيح ، ولم يخلقهما عبثاً ولا شهوة . وقرء : خالق السماوات والأرض . إن يشأ يذهبكم ، أي:

يعدمكم ويخلق مكانكم خلقاً آخرين ، وما ذلك على اللّه بممتنع متعذّر ، بل هو عليه هيّن يسير لأنّه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور . وقوله تعالى : «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ...» في مورد التعليل والإحتجاج على فعليّة قدرته تعالى على إذهاب هذا الخلق وإتيان خلق جديد آخر مكانه ، فإنّ حكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز سواء . فقدرته تعالى على الخلق الموجود المشهود ، حجّة قاطعة واحتجاج على فعليّة قدرته تعالى في مرتبة الفعل ومرتبة وجود الخلق

ص: 141

المشهود على ضدّه ونقيضه ، أي: على إذهابه وإتيان خلق آخر .

وفي قوله تعالى : «وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» دلالة واضحة على فعليّة قدرته في مرتبة ذاته بما كان وبما يكون قبل كونه .

وقوله تعالى : «وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» تنزيه وتقديس للّه سبحانه عن العجز . وفيه إبطال ما يمكن أن يتوهّم من أنّ القدرة عبارة عن تأثير العلم في صدور الموجودات عنه تعالى في الأزل على نحو الإيجاب ، واستحالة تخلف الأثر عن الذات . انتهى كلامه (1) .

وقال أيضاً : فقد تحصّل ممّا ذكرناه في المقام أنّ ثناءه تعالى على نفسه بكونه غنيّاً على الإطلاق وبكونه حميداً على الإطلاق في ما يفعل ويترك ، وأنّه تعالى لا إيجاب عليه في إدامة حياتهم وإبقاء ذواتهم ، وأنّه سبحانه إن شاء إذهابهم ، لغناه عنهم كان حميداً في ذلك . ولو أتى بخلق جديد ، كان على فضله عليهم حميداً أيضاً .

وهذا البرهان الجليّ الواضح لا يختصّ بالمخاطبين في الآية فقط ، بل هو جار وسار في جميع سننه تعالى بلا استثناء شيء منها بالنسبة إلى جميع الموجودات ، إلّاما وعده في لسان رسله بالسعادة والكرامة لقوم أو لشخص . فإنّه سبحانه صادق القول ونافذ العدة ، فلا يخلف الميعاد البتة . انتهى كلامه رفع مقامه (2) .

وقال تعالى : «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً» (3) .

الظاهر من هذه الآية المباركة أنّه تعالى قادر على العفو والغفران فلا يستعصي عليه ذلك .

وقال تعالى : «أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى .

ص: 142


1- . توحيد الإمامية : 323 -326 .
2- . توحيد الإماميّة : 328 .
3- . النّساء : 149 .

وَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ» (1) .

الآية المباركة صريحة في بيان قدرة اللّه تعالى على خلق مثل هذا الخلق ، فليس هذا الخلق منتهى قدرته تعالى إذ لا منتهى ولا حدّ لقدرته فإنّه على كلّ شيء قدير .

فتحصّل من هذه الآيات المباركات أنّه تعالى على كلّ شيء قدير ولا يستعصي عليه شيء يريده ، بل يفعله بلا أدنى صعوبة عليه .

وأمّا الروايات فكثيرة جدّاً ومتفرّقة في أبواب شتّى ، وإليك بعضها :

منها ما عن الفضيل بن يسار قال : سمعت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام يقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يوصف .

قال : وقال زرارة : قال أبو جعفر عليه السلام : إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يوصف بعجز وكيف يوصف وقد قال في كتابه «وَ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (2) فلا يوصف بقدرة إلّاكان أعظم من ذلك (3) .

هذا الخبر الشريف صريح في عدم اتّصافه تعالى بأيّ نوع من أنواع العجز ، فهو قادر إطلاقاً بلا منازع ولا يوصف تعالى بقدرة إلّاكان أعظم منها .

و منها ما عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك ، ومن أنكر قدرته فهو كافر (4) .

أقول : إنكار القدرة هو إنكار كونه تعالى على كلّ شيء قدير فإن التزم أحد بعدم إمكان خلق عالم ونظام غير النظام الفعلي ، فهو كافر باللّه تعالى . ومن أنكر نفوذ قدرته فيما يريده تعالى ، فهو كافر .

و منها ما عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : لمّا صعد موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام إلى الطور ، فناجى ربّه عزّ وجلّ قال : يا ربّ أرني خزائنك قال : يا موسى إنّما .

ص: 143


1- . يس : 81 .
2- . الأنعام : 91 .
3- . بحارالأنوار : 142/4 ، التوحيد : 127 .
4- . بحارالأنوار : 299/3 ، التوحيد : 76 .

خزائني إذا أردت شيئاً أن أقول له كن فيكون (1) .

يدلّ الخبر على أنّ خزائن اللّه تعالى قدرته على ما يشاء ، فإن أراد شيئاً سيكون ذلك الشيء بلا أدنى ريب ، كما اتّضح ذلك من الآيات المباركات الدالّة على أنّه تعالى على كلّ شيء قدير وأنّه يفعل ما يشاء .

نعم ، إنّ المستحيل لا يكون وهذا ليس نقصاً في قدرته تعالى ، ولذا لا يفعل اللّه تعالى المستحيل الواقعي ولكن مع ذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المستحيل الواقعي لا يكون لا ما ظنناه مستحيلاً ، فاجتماع النقيضين مستحيل وهو لا يكون ولكن قد نظنّ أنّ الشيئين متناقضان إلّاأنّهما ليسا كذلك ، كما في قصّة إخماد حرارة النار التي أُلقي فيها خليل اللّه إبراهيم عليه السلام ، فإنّ الحرارة ليست ذاتيّة للنار ، ولذا لا امتناع عقلاً في انفصالها عن النار . فالتفت لهذا الأمر كي لا تحدّد قدرة اللّه تعالى بحسب عقلك ، فتكون من الغاوين .

عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال :

قلت له : يا ابن رسول اللّه ، لم خلق اللّه عزّ وجلّ الخلق على أنواع شتّى ولم يخلقه نوعاً واحداً ؟

فقال : لئلّا يقع في الأوهام أنّه عاجز فلا تقع صورة في وهم ملحد إلّاوقد خلق اللّه عزّ وجلّ عليها خلقاً ولا يقول قائل هل يقدر اللّه عزّ وجلّ على أن يخلق على صورة كذا وكذا إلّاوجد ذلك في خلقه تبارك وتعالى فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنّه على كلّ شيءٍ قدير (2) .

ثمّ إنّ شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره أفاد في خاتمة بحث قدرة اللّه ما لا يخلو عن فائدة . وإليك نصّ عبارته :

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الآيات الكريمة والروايات المباركة .

ص: 144


1- . بحارالأنوار : 135/4 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 511 .
2- . عيون أخبار الرضا عليه السلام : 75/2 ح1 .

تدلّ بحيث لا دافع لدلالتها ، على إطلاق قدرته تعالى وعدم تحديدها بالنظام الواحد الأصلح فيكون تبديل قوم مكان قوم آخرين على مذهب أرباب الشرائع من الشؤون الجديدة التي يبتدئ بها . فإنّه تعالى كل يوم في شأن حادث بالحقيقة ، يضع المستكبرين ، ويرفع المستضعفين ، ويهلك ملوكاً ، ويستخلف آخرين . ولا فرق في ذلك بين أجزاء النظام قليلها وكثيرها . فقد خلق السماوات والأرض بالحقّ لغرض وغاية حكيمة أرادها . فلو بدّل شيئاً من أجزائها وأشخاصها ، فهو أيضاً لغرض وغاية أرادها منزّهاً ومقدّساً عن الباطل واللّغو والعبث (1) . انتهى كلامه رفع مقامه .

إذا عرفت ذلك يتّضح لك أنّ اللّه تعالى على كلّ شيء قدير ولا يصعب عليه شيء فهو لما يشاء قدير وله المالكيّة التامّة على الكائنات فما شاء منها أبقى وما شاء أفنى كما أنّ له القدرة على اللاكائنات فما شاء أن يخلق ممّا علمه بالعلم بلا معلوم خلق وما لم يشأ لم يخلق كما أنّ عموم قدرته يقتضي إمكان إعطاء الملكيّة لمن يشاء من عباده . .

ص: 145


1- . توحيد الإماميّة : 331 .

ص: 146

آيات المشيّة

وممّا يدلّ على سعة قدرته تعالى ونفوذ أمره ، ما دلّ من الآيات على أنّه يفعل ما يشاء ، وإليك بعض تلك الأدلّة :

1 - «أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ » (1) .

فإنّ الظاهر منها هو أنّ للّه تعالى أن يشاء تعذيبهم بذنوبهم عدلاً ، كما أنّ له أن يترحّم عليهم فيعاملهم بفضله.

2 - «وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ» (2) .

الظاهر منها هو أنّ اللّه تعالى له أن يطمس على قلوبهم ، كما أنّ له أن لا يطمس ، وهذا يدلّ على أنّ الفعلين - أعني معاملتهم بالفضل ومعاملتهم بالعدل - حكيمان حسنان في غاية الحسن والحكمة.

3 - «وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ» (3) .

الظاهر منها أنّه تعالى لو شاء لمسخهم بحيث لا يستطيعون المضيّ ، ولا يرجعون إلى حالتهم الأُولى .

4 - «لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ» (4) .

5 - «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ

ص: 147


1- . الأعراف : 100 .
2- . يس : 66 .
3- . يس : 67 .
4- . الواقعة : 65 .

عَلِيمٌ» (1) .

6 - «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ » (2) .

أقول: الظاهر منها أنّ رفع الدرجات متوقّف على مشيّة اللّه تعالى . فكما أنّ رفعه متوقّف على مشيّته وهو حكيم ، كذلك عدم الرفع.

7 - «حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » (3) .

8 - «ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ» (4) .

أقول: الظاهر من هاتين الآيتين هو أنّ النجاة ليس بواجب عليه تعالى بل الأمر له إن شاء أنجى وإن شاء ترك . نعم ، لمّا وعد النجاة لعدّة مخصوصة لا يخلف الميعاد ، ولذا قال تعالى «ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ».

9 - «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (5) .

الآية المباركة صريحة في أنّ الهداية بيد اللّه تعالى يهدي من يشاء ، فليست الهداية واجبة عليه وله المالكيّة المطلقة الذاتيّة.

10 - «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (6) .

يظهر من الآية المباركة أنّ إنزال آية تظلّ الأعناق لها خاضعة بمكان من الإمكان وهي رهن لمشيّته تعالى.

11 - «أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ .

ص: 148


1- . الأنعام : 83 .
2- . يوسف : 76 .
3- . يوسف : 110 .
4- . الأنبياء : 9 .
5- . الشورى : 52 .
6- . الشعراء : 4 .

اَلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» (1) .

الظاهر من هذه الآية المباركة هو أنّ للّه تعالى أن يشاء في خسف الأرض وإسقاط السماء كسفاً ، وله أن لا يشاء ذلك.

12 - «وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ» (2) .

الظاهر من هذه الآية المباركة أنّ للّه تعالى أن يشاء في إغراق القوم بحيث لا يكون لهم صريخ ولا هم ينقذون.

ثمّ لا بدّ من الإشارة إلى أنّ بعض ما مضى من الآيات المباركات كان بصيغة الجمع ، وقد ذكرنا في أبحاثنا أنّه قد وردت أخبار تدلّ على أنّ ما ورد بصيغة الجمع في الآيات يكون المراد منه الرسول وآله عليهم السلام ، وبذلك تعرف مدى شرفهم فإنّهم عليهم السلام وكر لمشيّته تعالى ومورد لإرادته ، كما أنّه تعالى قد أذن لهم التصرّف في بعض الأُمور من غير أن يكونوا مستقلّين في الأمر ، فتأمّل جيّداً.

و لا يخفى أنّ الآيات الدالّة على قدرة اللّه تعالى بفعل ما يشاء كثيرة جدّاً ولا يمكننا ذكرها في هذا الوجيز ، إلّاأنّا نشير إلى بعضها من غير شرح لها لوضوح دلالتها على المراد . فلاحظ :

«بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَ لِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ » (3) .

«ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (4) .

«سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (5) . .

ص: 149


1- . يس : 9 .
2- . يس : 43 .
3- . البقرة : 90 .
4- . البقرة : 105 .
5- . البقرة : 142 .

«زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ اللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » (1) .

«كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » (2) .

«وَ قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » (3) .

«فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَ آتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » (4) .

«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » (5) .

«يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ » (6) .

«لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَ لكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ ما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللّهِ وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ » (7) .

«لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (8) . .

ص: 150


1- . البقرة : 212 .
2- . البقرة : 213 .
3- . البقرة : 247 .
4- . البقرة : 251 .
5- . البقرة : 261 .
6- . البقرة : 269 .
7- . البقرة : 272 .
8- . البقرة : 284 .

«هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (1) .

«قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ أُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَ اللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » (2) .

«فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » (3) .

«قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » (4) .

«قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » (5) .

«ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ » (6) .

«إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً » (7) .

«أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً» (8) .

«إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً » (9) .

«لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ .

ص: 151


1- . آل عمران : 6 .
2- . آل عمران : 13 .
3- . آل عمران : 37 .
4- . آل عمران : 40 .
5- . آل عمران : 41 .
6- . آل عمران : 179 .
7- . النساء : 48 .
8- . النساء : 49 .
9- . النساء : 116 .

يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (1) .

«وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللّهِ وَ أَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ » (2) .

«أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » (4) .

«وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ » (5) .

«وَ حاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللّهِ وَ قَدْ هَدانِ وَ لا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْ ءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ » (6) .

«ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » (7) .

«وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ ءٍ قُبُلاً ما كانُوا .

ص: 152


1- . المائدة : 17 .
2- . المائدة : 18 .
3- . المائدة : 40 .
4- . المائدة : 54 .
5- . المائدة : 64 .
6- . الأنعام : 80 .
7- . الأنعام : 88 .

لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ» (1) .

«وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ » (2) .

«قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللّهُ مِنْها وَ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْ ءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ » (3) .

«قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » (4) .

«وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (5) .

«ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (6) .

«وَ اللّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (7) .

«وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » (8) .

«وَ كَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ » (9) .

«اَللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ » (10) .

«وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ .

ص: 153


1- . الأنعام : 111 .
2- . الأنعام : 133 .
3- . الأعراف : 89 .
4- . الأعراف : 128 .
5- . التوبة : 15 .
6- . التوبة : 27 .
7- . يونس : 25 .
8- . يونس : 107 .
9- . يوسف : 21 .
10- . الرّعد : 26 .

مَنْ أَنابَ» (1) .

«وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللّهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَ لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ » (2) .

«يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (3) .

«وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » (4) .

«قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَ عَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » (5) .

«وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » (6) .

«إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً» (7) .

«إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » (8) .

«أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَ مَنْ يُهِنِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ » (9) .

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَ لكِنَّ اللّهَ يُزَكِّي .

ص: 154


1- . الرّعد : 27 .
2- . الرّعد : 31 .
3- . الرّعد : 39 .
4- . إبراهيم : 4 .
5- . إبراهيم : 11 .
6- . النّحل : 93 .
7- . الإسراء : 30 .
8- . الكهف : 24 .
9- . الحجّ : 18 .

مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (1) .

«اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ » (2) .

«لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » (3) .

«أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ » (4) .

«وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (5) .

«لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (6) .

«إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (7) .

«وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللّهِ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ» (8) .

«وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ » (9) .

«يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ» (10) . .

ص: 155


1- . النّور : 21 .
2- . النّور : 35 .
3- . النّور : 38 .
4- . النّور : 43 .
5- . النّور : 45 .
6- . النّور : 46 .
7- . القصص : 56 .
8- . القصص : 68 .
9- . القصص : 82 .
10- . العنكبوت : 21 .

«اَللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ» (1) .

«بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» (2) .

«أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (3) .

«اَللّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ » (4) .

«اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ » (5) .

«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (6) .

«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَهُ وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » (7) .

«اَلْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (8) .

«أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ » (9) .

«وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لاَ الْأَمْواتُ إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ » (10) .

«اَللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللّهِ ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ .

ص: 156


1- . العنكبوت : 62 .
2- . الرّوم : 5 .
3- . الرّوم : 37 .
4- . الرّوم : 48 .
5- . الرّوم : 54 .
6- . سبأ : 36 .
7- . سبأ : 39 .
8- . فاطر : 1 .
9- . فاطر : 8 .
10- . فاطر : 22 .

هادٍ» (1) .

«أَ وَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (2) .

«رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ » (3) .

«وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ » (4) .

«لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ»(5).

«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ » (6) .

«اَللّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» (7) .

«وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ » (8) .

«لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ، وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » (9) .

«فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَ لَوْ يَشاءُ اللّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ .

ص: 157


1- . الزّمر : 23 .
2- . الزّمر : 52 .
3- . غافر : 15 .
4- . الشّورى : 8 .
5- الشّورى : 12 .
6- . الشّورى : 13 .
7- . الشّورى : 19 .
8- . الشّورى : 27 .
9- . الشّورى : 49 - 51 .

بِبَعْضٍ وَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ» (1) .

«وَ لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً » (2) .

«هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً » (3) .

«وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى » (4) .

«سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (5) .

«لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (6) .

«وَ ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ وَ لكِنَّ اللّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (7) .

«ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (8) .

«وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ وَ ما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ » (9) . .

ص: 158


1- . محمّد صلى الله عليه و آله : 4 .
2- . الفتح : 14 .
3- . الفتح : 25 .
4- . النّجم : 26 .
5- . الحديد : 21 .
6- . الحديد : 29 .
7- . الحشر : 6 .
8- . الجمعة : 4 .
9- . المدثّر : 31 .

«وَ ما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ» (1) .

«يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» (2) .

والحاصل من جميع هذه الآيات هو عدّة أُمور:

1 - الفضل بيده تعالى ينزل منه ما يشاء على من يشاء.

2 - الرحمة بيده تعالى يختصّ بها من يشاء.

3 - الهداية بيده تعالى يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء.

4 - الرزق بيده تعالى يرزق من يشاء ويقتر الرزق على من يشاء.

5 - العلم والحكمة بيده تعالى يؤتيهما من يشاء ويمنعهما من يشاء.

6 - مضاعفة الحسنات بيده تعالى فيضاعف لمن يشاء.

7 - له أن يعفو عمّن يشاء ويعذّب من يشاء بسبب ذنوبه التي اقترفها بالقدرة الوهبيّة الإلهيّة.

8 - له أن يؤيّد بنصره من يشاء.

9 - له أن يجتبي من رسله من يشاء.

10 - إنّ أمر التزكية بيده تعالى فيزكّي من يشاء.

11 - الإنفاق بيده تعالى ينفق ما يشاء.

12 - إفناء الخلق وإعدامهم بيده تعالى «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ ».

13 - الأرض للّه تعالى يورثها من يشاء.

14 - الرحمة بيده تعالى فيرحم من يشاء.

15 - المحو والإثبات للتقديرات بيده تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب.

16 - الهداية للنور بيده تعالى «يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ». .

ص: 159


1- . المدثّر : 56 .
2- . الإنسان : 31 .

17 - المطر بيده تعالى «يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ».

18 - الإسماع والإفهام بيده تعالى «إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ».

19 - له أن يهب لمن يشاء ذكوراً ويهب لمن يشاء إناثاً ويجعل من يشاء عقيماً.

20 - له أن يأذن في شفاعة الشافعين.

21 - الذكر بيده تعالى «وَ ما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ».

إلى غير ذلك من الاًمور المهمّة المذكورة في هذه الآيات المباركات.

إذا أتقنت ما ذكرناه ، تعرف الأُمور المترتّبة على هذه المعارف الشامخة . وإليك بعضها:

الأمر الأوّل: أنّ للّه تعالى الحريّة التامّة في أن يختار ما يشاء ، فلا حدّ لمختاريّته تعالى ، فإنّه تعالى يختار ما يشاء عن علم وقدرة ولا يختار ما لا يشاؤه عن علم وقدرة . فالإلتزام بنظام العليّة والمعلوليّة المذكورة في كلمات العلماء البشريّين ، هو إثبات للنقص في الخالق ، جلّت ساحة قدسه عن ذلك.

الأمر الثاني: أنّ اللّه تعالى غير مجبور في اختيار نظامٍ واحدٍ ، بل له أن يختار ما يشاء لعدم انحصار الحكمة في أمر واحد ، فحصر مختار اللّه تعالى في نظام واحد إنكار لسعة علمه تعالى وسعة حكمته وسعة قدرته .

الأمر الثالث: من تتبّع هذه الآيات المباركات يجد هذا المعنى وهو «أنّ للّه تعالى أن يعامل الخلق بعدله كما أنّ له أن يعاملهم بفضله» فإن هداهم وغفر لهم خطاياهم ورزقهم ورحمهم وتفضّل عليهم وأحسن إليهم يكون ذلك فضلاً ، وإن عذّبهم بسبب ذنوبهم ومنعهم سيبه وأفناهم وغير ذلك من الأُمور المذكورة في الآيات يكون ذلك عين العدل . فالأمر إليه ، يعامل من يشاء بعدله ، ويعامل من يشاء بفضله.

الأمر الرابع: من عرف الأمر الثالث يبزغ نور الخوف والرجاء في قلبه ، فيخاف اللّه تعالى لعدله ، ويرجوه لكرمه وجوده .

ص: 160

الفصل السابع : البداء

اشارة

البداء لغة بمعنى نشوء الرأي كما في القاموس «بدا له في الأمر بدوّاً وبداءً نشأ له فيه رأي» ، وفي المنجد بدا له في أمر : «خطر له فيه رأي» ولذا لا يكون البداء بمعنى الظهور في قبال الخفاء ، بل يكون بمعنى حدوث الرأي .

والظاهر من الأدلّة أنّ البداء هو نشوء الرأي للّه تعالى مطلقاً سواءً كان هذا الرأي بعد رأي آخر أو كان ابتداءً ، كما يلاحظ ذلك من الخبر الشريف :

جابر بن يزيد الجعفي قال : قال الإمام أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام : يا جابر ، كان اللّه ولا شيء غيره ولا معلوم ولا مجهول . فأوّل ما ابتدأ من خلق خلقه أن خلق محمّداً صلى الله عليه و آله وخلقنا أهل البيت معه من نوره وعظمته . فأوقفنا أظلّة خضراء بين يديه حيث لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر ، يفصل نورنا من نور ربّنا كشعاع الشمس من الشمس ، نسبّح اللّه تعالى ونقدّسه ونحمده ونعبده حقّ عبادته ، ثمّ بدا للّه تعالى عزّ وجلّ أن يخلق المكان فخلقه ، وكتب على المكان : لا إله إلّا اللّه ، محمّد رسول اللّه ، عليّ أميرالمؤمنين ووصيّه ، به أيّدته ونصرته ؛ الخبر (1) .

فإنّ اللّه تعالى بدا له في خلق المكان بعد أن لم يكن له رأي في خلقه .

ثمّ إنّ المراد منه في الأدلّة هو أنّ للّه تعالى أن يحدث له الرأي ابتداءً بخلق ما لم يكن بوجه من الوجوه ، وذلك بأن يشاءه ويريده ويقدّره ويقضيه ويمضيه كي يقع في الخارج ، فإنّ ذلك بداءً وابتداءً بلا سبق مثال وسبق شيئيّة لما أراده . وله تعالى أن يبدو له في إحدى تلك المراحل فلا يمضي ما شاءه أو لا يمضيه في مرحلة المشيّة

ص: 161


1- . بحارالأنوار : 17/25 عن كتاب رياض الجنان لفضل اللّه بن محمود الفارسيّ .

وما بعدها من المراحل ، فليس مشيّة الشيء وإرادته وتقديره وقضاؤه ممّا يجبره على إحداث الشيء خارجاً ، بل له تعالى أن يغيّر ما شاءه وأراده وقدّره وقضاه ما لم يقع في الخارج ، فإنّه تعالى مبسوط اليدين وقادر على ما يشاء ، فإن شاء تغيير مشيّته الأُولى فعل ، وإن شاء إمضاءها فعل ، لا يسئل عن فعله أبداً .

قال شيخنا الأُستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره ما هذا نصّه :

والظاهر أنّ المراد منه (أي من البداء) في الآيات والرّوايات المباركات أنّ اللّه تعالى وإن خلق الأشياء بمشيّته وإرادته ، وقدّرها إلى يوم القيامة بل قضى بها وكتبها ، ولكنّه مع ذلك لم يفرغ من الأمر ، بل له الرأي والمشيئة في المحو والإثبات ، والزيادة والنقص ، والتقديم والتأخير ، والتغيير والتبديل ، وأنّها ليست عن الجهل ، بل عن علم بما كان كما كان ، وبما يكون كما يكون (1) .

وأفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه عليّ النمازيّ الشاهروديّ قدس سره ما هذا نصّه :

ثمّ إنّه تعالى عيّن ما أراد خلقه إلى يوم القيامة بمشيّته وإرادته غير الأزلية وتقديره وقضائه . وكتب جميع ذلك قبل الخلق ، وجعل علم ذلك الكتاب عند رسوله وخلفائه .

وحيث إنّ ذلك كلّه كان برأيه وأمره من غير وجوب ، يكون له الأمر والرأي في إنفاذ ما أراد وقدّر وقضى ، أو تغييره وتبديله ومحوه وإثباته على ما يشاء قبل كيانه الخارجيّ ، ولذلك كان خلفاؤه يقولون :

لولا آية في كتاب اللّه لأخبرناكم بما يكون إلى يوم القيامة وهي قوله :

«يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» (2) ، كما تقدّم (3) .

ومعرفة البداء الذي هو آية عظمة اللّه تعالى تتوقّف على أُمور : .

ص: 162


1- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 195 .
2- . الرعد : 39 .
3- . مستدرك سفينة البحار : 298/1 .

1 - معرفة علمه والإقرار بسعة علمه تعالى وأنّه عالم إذ لا معلوم ، وعالم بجميع الأنظمة اللامتناهية الحكيمة وجميع الأنظمة غير الحكيمة .

2 - معرفة قدرته تعالى على خلق ما يشاء ممّا علمه بالعلم بلا معلوم . نعم إنّه تعالى لا يفعل الفعل غير الحكيم عن قدرة ولذا يمجّد .

3 - معرفة أنّ المعيِّن لأحد تلك الأنظمة هو رأيه القدّوس وبدائه .

4 - معرفة أنّ لتحقّق الشيء مراحل - بحسب الأخبار - فلا يكون شيء في السماء والأرض إلّابعد مضيّ هذه المراحل ، فلاحظ الأخبار التالية :

عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال : لا يكون شيء في السماوات ولا في الأرض إلّابسبع : بقضاء وقدر وإرادة ومشيئة وكتاب وأجل وإذن . فمن زعم غير هذا ، فقد كذب على اللّه أو ردّ على اللّه عزّ وجلّ (1) .

عن معلّى بن محمّد قال : سئل العالم عليه السلام : كيف علم اللّه ؟

قال : عَلِم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى ، فأمضى ما قضى وقضى ما قدّر وقدّر ما أراد . فبعلمه كانت المشيئة ، وبمشيئته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التّقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء . والعلم متقدّم على المشيئة ، والمشيئة ثانية ، والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء ، فللّه تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء . فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء ، فالعلم في المعلوم قبل كونه ، والمشيئة في المنشإ قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً ، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام المدركات بالحواسّ من ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دبّ ودرج من إنس وجنّ وطير وسباع وغير ذلك ممّا يدرك بالحواسّ ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء . واللّه يفعل ما يشاء ، فبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، وبالمشيئة عرّف صفاتها وحدودها .

ص: 163


1- . الكافي : 149/1 .

وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها ، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرّف أوّلها وآخرها ، وبالقضاء أبان للنّاس أماكنها ودلّهم عليها ، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وذلك تقدير العزيز العليم (1) .

ولمّا كان لتحقّق الشيء مراحل فلا يقع الشيء خارجاً إلّابعد مضيّ هذه المراحل وللّه تعالى البداء قبل وقوع القضاء بالإمضاء ، ففي مرحلة المشيّة ، للّه تعالى أن يبدو له ويبدل مشيّته بمشيّة أُخرى وفي مرحلة الإرادة والتقدير وغيرهما كذلك ، فلا ملزم على اللّه تعالى في تحقيق ما شاءه أوّلاً بل له البداء فيما شاء حتّى وإن كان القضاء مبرماً كما ورد في الدعاء «الدعاء يردّ القضاء وقد أبرم إبراما» (2) وورد أيضاً «وقضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء» (3) فهو تعالى يفعل ما يشاء . وبما أنّ الحكمة غير منحصرة في تقدير خاصّ ، يكون فعله حكيماً دائماً لعدم انحصار الحكمة كما عرفت .

نعم ، إذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء لانتفاء موضوعه ، فإنّ الشيء قد تحقّق في الخارج وبعد ذلك يكون ما شاء أيضاً حيث إنّه تعالى قادر على إفناء المتحقّق في الخارج وتبديله بشيء آخر كما ورد في الآية المباركة «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ » (4) .

لا يقال : أنّ اللّه تعالى عالم بمشيّته ولذا يعلم ما سيحدث في الخارج أخيراً ولذا لا يكون البداء بمعنى نشوء الرأي ، بل يكون بمعنى الظهور بعد الخفاء .

لأنّه يقال : أنّ علمه تعالى بالشيء قبل كونه كعلمه به بعد كونه ، فتحقّق الشيء وعدمه لا يؤثّر في علم اللّه تعالى فإنّ العلم غير المحمول لا يتأثر بالخارج أبداً .

وأمّا العلم المحمول فهو نفس التقدير والثبت في قلب المعصوم عليه السلام ، وهذا الثبت يمكن أن يُمحى بمشيّة أُخرى ولا ضير في ذلك . .

ص: 164


1- . الكافي : 148/1 .
2- . بحارالأنوار : 228/59 ، طبّ الأئمّة : 68 .
3- . بحارالأنوار : 55/99 .
4- . فاطر : 16 .

توضيح المطلب : إنّ الفلاسفة عرّفوا العلم بانطباع صور الأشياء في النفس المجردة عن المادة أو قبول النفس تلك الصور ، وقسّموا العلم إلى العلم الحضوريّ والعلم الحصوليّ ، وعرّفوا الحضوريّ بحضور المعلول عند علّته أو وجود المعلوم عند العالم ، ولذا لا يكون العلم عندهم إلّامن الصفات ذوي الإضافة فلا تحقّق للعلم إلّا بوجود المعلوم ، هذا بخلاف ما استفدناه من الأدلّة من أنّ العلم حقيقة نوريّة خارجة عن ذواتنا يفيضه اللّه تعالى على ذواتنا تارة فتصبح عالمة ، ويقبضها أُخرى فترجع النفس إلى جهلها الذاتيّ .

وهذا النور لا يحتاج في كشفه إلى وجود المعلوم بمعنى أنّه يكشف المعلوم قبل واقعيّته فيكشف الشيء الذي لا تحقّق له بنحو من الأنحاء أن لو كان كيف كان يكون (أي يكشف التقديريّات مع أنّها لا تحقّق لها بوجه من الوجوه) وكذلك يكشف الأُمور الماضية مع أنّها قد تصرّمت بتصرّم الزمان ، ويكشف المستقبل مع أنّه لم يأت بعد ، ويكشف العدم المضاف في ظرف واقعيّته فيكشف كذب لا واقعيّتكم مثلاً ويكشف العدم المضاف في ظرف واقعية نقيضه كما في كشفه كذب وجود المتناقضين ، ولذا يحكم العاقل بامتناع ذلك وكذبه مع أنّ النقيضين لا يجتمعان في الخارج .

وواضح أنّ الحكم متأخّر رتبة عن العلم وإلّا (أي إن كان العلم لا يكشف إلّا المعلوم) لزم اجتماع النقيضين في الخارج لتوقّف الحكم بالإمتناع على الوقوع خارجاً ، وهذا بخلاف مذهب الفلاسفة المنكرين للعلم بلا معلوم .

وقد وجّهوا أقوالهم بتوجيهات أبرد من الثلج فقالوا إنّ كشف العلم للمعدوم ليس إلّا من جهة كون المعدوم له حظّ من الوجود ، فالمعدومات لها حظّ من الوجود ولذا يكشفها العلم ولكن لا يخفى ما فيه ، حيث إنّ الوجود يناقض العدم . فإذا كانت المعدومات موجودة ، فإنّها لا تكون معدومة بالضرورة ، فهذا التوجيه أشبه شيء بالتعمية .

والدليل على ما ذكرنا هو الوجدان الشاهد بكون العلم يكشف المعلومات

ص: 165

واللامعلومات والموجودات واللاموجودات ، بل لو لا العلم الكاشف للمعلوم قبل تحققّه لما استطاع المهندس أن يبني البناء لأنّ بناء البناية يجب أن يستند إلى العلم وإلّا للزم القول بأنّ البنّاء لا علم له بالبناء ، فبناء هذه البنايات الناطاحت للسحاب لا يستند إلى العلم لأنّ العلم لا يكشفها إلّابعد تحققّها ، وهذا ممّا تضحك منه الثكلى !

والحاصل إنّ علم البنّاء القدير بالبناء غير المبنيّ وتقديره البناء على أنحاء مختلفه بل إمكان تبديل خارطة البناء إلى أنحاء متعدّدة قبل تحقّق البناء ، خير شاهد على العلم بلا معلوم .

ممّا ذكرنا ينفتح باب فهم البداء . فالمهندس الحاذق يستطيع أن يرسم خرائط متعدّدة وقبل أن يشرع بالبناء له أن يبدّل الخارطة إلى أنحاء كثيرة فإنّه عالم برسم خرائط متعدّدة على حسب سعة علمه إذ إنّه يعلم كيفيّة بناء البيت ذي الطابق الواحد ويعلم كيفيّة بناء العمارة ذات الطوابق الكثيرة . وقبل شروعه بالبناء ، عليه أن يرسم خارطة البناء ويعيّن علمه بمعلوم وتقدير واحد كي يبنيه . وبعد رسم الخارطة ، له أن يبدلها بأُخرى ، وهكذا إلى أن يقع المعلوم خارجاً فلا بداء حينئذ ، هذا بالنسبة إلى العلم بلا معلوم في المخلوق وإمكان البداء بالنسبة إلى الإنسان .

وأمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فإنّه عالم لا يجهل ، فعلمه بالمعلومات قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، فوجود المعلوم لا يغيّر علم اللّه تعالى كما أنّ عدمه لا يحدّده ، فإنّه عالم بجميع المخلوقات واللامخلوقات (الذي ليس لها تقرّر في مكان) بصور غير متناهية .

وبعبارة أخرى : لا يعقل أخذ الزمان في علمه تعالى فإنّه من أفحش الأغلاط لأنّه محيط بالزّمان والزمانيّات ولا يحيط الزمان به ، ولا تعيّن في علمه الذاتيّ لأنّ التعيّن بالمشيّة ورتبة العلم متقدّمة عليها كما ورد في الخبر «لم يزل اللّه عزّ وجلّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم» (1) وفي آخر «كان ربّاً إذ لا مربوب وإلهاً إذ لا مألوه وعالماً إذ لا معلوم .

ص: 166


1- . بحارالأنوار : 161/54 ، الكافي : 107/1 .

وسميعاً إذ لا مسموع» (1) بل إنّه يعلم التقديريّات أيضاً كما في قوله تعالى «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» (2) ففي البحار «عن الحسين بن بشار عن الإمام أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال : سألته ؛ أيعلم اللّه الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم إلّاما يكون ؟

فقال : إنّ اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء . قال عزّ وجلّ «إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » (3) وقال لأهل النار «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (4) فقد علم عزّ وجلّ أنّه لو ردّهم لعادوا لما نهوا عنه» (5) بل إنّه تعالى علم كلّه وقدرة كلّه كما في قول الإمام الباقر عليه السلام «إنّ اللّه نور لا ظلمة فيه وعلم لا جهل فيه وحياة لا موت فيه» (6) .

وهذا يدلّ على أنّه كشف للمعلومات واللامعلومات في شدّة غير متناهية ، بل إنّه تعالى عالم بالمستحيلات كما يلوح من قوله تعالى «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا » (7) ولذا (أي لعلمه بالمعلومات واللامعلومات والكون واللاكون ولعلمه بالتقديريّات والمستحيلات) لابدّ من أن يكون له الرأي والإرادة في خلق أحد العوالم .

توضيح ذلك : إنّ للّه تعالى علمين : علم محمول وعلم مخزون مكنون كما ورد «عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال : إن للّه عزّ وجلّ علمين علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّا هو من ذلك يكون البدا ، وعلماً علّمه ملائكته ورسله فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه» (8) . .

ص: 167


1- . بحارالأنوار : 165/54 ، الكافي : 138/1 .
2- . الأنعام : 28 .
3- . الجاثية : 29 .
4- . الأنعام : 28 .
5- . بحارالأنوار : 78/4 ، التوحيد : 136 .
6- . بحارالأنوار : 84/4 ، التوحيد : 138 .
7- . الأنبياء : 22 .
8- . بحارالأنوار : 95/4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 179/1 .

«وعن أميرالمؤمنين عليه السلام : إنّ للّه علمين علم استأثر به في غيبه فلم يطلع عليه نبيّاً من أنبيائه ولا ملكاً من ملائكته وذلك قول اللّه تعالى «إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ » (1) وله علم قد أطلع عليه ملائكته . فما أطلع عليه ملائكته فقد أطلع عليه محمّداً وآله ، وما أطلع عليه محمّداً وآله فقد أطلعني عليه . يعلمه الكبير منّا والصغير إلى أن تقوم الساعة» (2) .

والظاهر أنّ العلم المخزون هو علمه الذاتيّ - الذي لا تعيّن فيه ولا حدّ له - وغير المحدود بنظام دون نظام ، والعلم المحمول هو العلم الذي حمّله الملائكة والأنبياء والأئمة صلوات اللّه عليهم . ولابدّ للتعيّن من تعيينه المعلوم بالرأي .

وواضح أنّ علمه الذاتيّ المعبّر عنه بالعلم المكفوف الذي لا نهاية له آب عن التعيّن ، ولذا يكون تعيّن المعلوم بتحميل العلم قلب الرسول والإمام كما هو ظاهر العبارة الواردة في زيارة سيّدالشهداء عليه السلام : «إرادة الربّ في مقادير أُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم» (3) وكما هو ظاهر قولهم عليهم السلام «إنّ اللّه جعل قلب وليّه وكراً لإرادته فإذا شاء اللّه شئنا» (4) وكما يدلّ عليه قول الحجّة عليه السلام «قلوبنا أوعية لمشيّة اللّه فإذا شاء اللّه شئنا» (5) فقلوب أهل البيت ألواح لمحو التقديرات وإثباتها فكلّما أراد اللّه تعالى تعيينه من تلك الأنظمة اللامتناهية لابدّ له من التعيّن العلميّ .

والتعيّن يكون بتحميل الإمام علمه . فتعيين أحد تلك الأنظمة اللامتناهية يكون بتحميله الإمام الذي هو الكتاب المبين الذي أحصى اللّه تعالى فيه علم كلّ شيء .

وقبل أن يتحقّق الشيء في الخارج (أي بعد تعيّنه العلميّ وقبل تحقّقه في الخارج) .

ص: 168


1- . لقمان : 34 .
2- . بحارالأنوار : 102/26 ، بصائر الدرجات : 111 .
3- . بحارالأنوار : 153/98 ، كامل الزيارات : 200 .
4- . بحارالأنوار : 256/26 ، تفسير فرات الكوفي : 529 .
5- . بحارالأنوار : 337/25 ، الغيبة للشيخ الطوسي : 246 .

للّه تعالى أن يمحو منه ما يشاء ويثبت منه ما يشاء وله أن يمحوه بأجمعه ويثبت شيئاً آخر بدلاً منه . كما أنّ له أن يمضيه . فإذا بدا للّه تعالى في إبداله أو تقديمه وتأخيره فعل ذلك بالعلم المكفوف ، ولذا لا يبدو للّه تعالى من جهل ومن زعم ذلك فقد كفر ، لأنّ اللّه تعالى كشف وعيان بذاته لجميع ما سواه في عرض واحد سواء ، المقدّر منه أو غير المقدّر . فإذا بدا له في شيء ، غيّره بعلمه اللامتناهي وأبدل المقدّر بآخر معلوم بالعلم المكفوف ، ولذا قلنا أنّه تعالى لا يبدو له من جهل .

إن قلت : هل كان يعلم اللّه تعالى أنّ الشيء الكذائي سيقع لا محالة أم لا ؟

قلت : أنّ اللّه تعالى عالم بالأشياء قبل تحقّقها وعالم بالأنظمة المختلفة الحسنى في شدّة غير متناهية . فإن كان المراد من السؤال أنّه هل يعلم اللّه تعالى المقدّر ؟ قلنا إنّه تعالى يعلم الغير مقدّر أيضاً . وإن كان المراد من السؤال هل يعلم وقوعه ؟ قلنا مآل ذلك إلى التقدير ، فإنّ الشيء ما لم يقدّر لم يوجد . فسؤالكم يعود إلى الصورة التالية :

هل قدّر تعالى وقوع الحدث الكذائيّ ؟ والجواب واضح لأنّ اللّه تعالى قدّره ، ولكن له أن يبدّله بتقدير آخر .

وقد أجاب عن السؤال التالي بعض مشايخنا العظام أعلى اللّه مقامهم بأنّ أخذ الزمان في علمه غلط واضح ، لأنّه تعالى محيط بالزمان والمكان فلا يصحّ أن يقال بأنّه هل كان يعلم وقوع الشيء خارجاً . ولعلّه استفاد ذلك من قوله عليه السلام «كان اللّه ولا شيء غيره ولم يزل اللّه عالما بما كون فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد ما كونه» (1) فالزمان لا يؤثّر في علم اللّه تعالى .

وبعبارة أُخرى : لابدّ من التفريق بين العلم غير المحمول والعلم المحمول ، فإنّ الأوّل منهما كشف لما كان وما هو كائن وما لم يكن ، بل هو كشف لجميع التقديريّات بشدّة غير متناهية فلا حدّ ولا حصر لهذا العلم ، وأمّا الثاني فهو التقدير بعينه ويمكن أن يتبدّل التقدير الأوّل بتقدير ثانٍ فإنّ ذلك لا يضرّ بعلمه تعالى بل هو دليل على .

ص: 169


1- . بحارالأنوار : 86/4 ح23 و 161/54 ح97 ، التوحيد : 145 .

سعة قدرته ونفوذ أمره وسعة علمه تعالى ، فتأمّل جيّداً .

إن قلت : لماذا لم يقدّر التقدير الثاني من أوّل الأمر ؟

قلت : لحِكَم قد تخفى علينا بعضها ولكن لا يخفى أنّ في ذلك (أي تبديل التقدير الأوّل بثانٍ) إظهاراً لسلطانه ومملكته وأنّه تعالى غير مغلول اليد بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ويقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، فيوجب ذلك الخوف والرجاء ، فالجميع (حتّى أقرب المقرّبين) يقفون بين يديه موقف العبد الذليل لأنّ له أن يعزّ منهم من يشاء ويذلّ منهم من يشاء . فالجاني المذنب لا يعدم رجاءه ، والمحسن المؤمن لا يأمن سخطه .

ولعلّ هذا هو السرّ في بكاء الأئمّة عليهم السلام وتضرّعاتهم العجيبة لأنّهم كانوا يجدون عدم محدوديّة قدرته تعالى ، ولذا ورد في الخبر بأنّه «ما عظّم اللّه عزّ وجلّ بمثل البداء» (1) ، ولولا البداء لما بقي للدعاء وجه لأنّه يؤول إلى الفراغ من الأمر وعدم إمكان تبديله ، فالسعيد تبقى سعادته والشقي لا يسعد أبداً ، وهذا مخالف لضرورة الأديان الإلهيّة القائمة على الدعاء والتضّرع والسؤال من الربّ تعالى .

وقد ورد في الدعاء «وإن كنت عندك في أُمّ الكتاب شقيّاً فاجعلني سعيداً» (2) أي امح شقاوتي المقدّرة واكتب لي السعادة . فتأمّل في ما ذكرنا كي تنفتح لك آفاق معرفة الربّ تعالى ومعرفة كمالاته .

والحاصل : إنّ من حِكَم البداء وقوف العبد مقام الخائف الراجي وهو الموجب لتزكية النفس ورفعتها .

ومنها أيضاً الإعتقاد بتأثير أعماله وأفعاله الإختياريّة في سعادته الدنيويّة والأُخرويّة وشقاوتها .

فتحصّل من ذلك إمكان تبديل التقدير الأوّل وعدم إخلال ذلك بشيء من .

ص: 170


1- . بحارالأنوار : 107/4 ، التوحيد : 333 .
2- . بحارالأنوار : 146/83 و 267 و 99/84 ، مصباح المتهجّد : 83 .

كمالات الربّ تعالى ، بل عدم الإعتقاد بإمكان ذلك يوجب النقص في كمالات الربّ تعالى لاستلزامه عدم القدرة على تبديل ما كان وهذا كما ترى عين النقص .

نعم ، البداء لا يقع مخالفاً للحكمة أو على المستحيل إلّاأنّ الحكمة لا تنحصر في مصداق واحد بل قد يكون لها مصاديق متعدّدة - وجميع أفعاله تعالى تدور مدار العدل والفضل - كما أنّ المستحيل الواقعيّ لا يقع وهذا واضح ، إلّاأنّه قد يغفل العاقل فيظنّ الممكن مستحيلاً والمستحيل ممكناً ، كما عرفت .

هذا ولابدّ من الإشارة إلى أنّ النسخ يكون من سنخ البداء إلّاأنّه يقع على الأحكام فينسخ الحكم الأوّل ويبدّل بحكم جديد ، وهذا لا يضرّ بملاكات الأحكام فإنّه كما يكون للحكم الأوّل ملاك كذلك يكون للحكم الثاني أيضاً ؛ وبعبارة أُخرى الحكمة والملاك لا ينحصران في حكم واحد بل قد يتعدّدان ، ولذا لا ضير في الإلتزام بالنسخ حقيقة في الأحكام .

أفاد شيخنا المحقّق آية اللّه محمّدباقر الملكيّ قدس سره :

قوله تعالى : «ما ننسخ»

قال في لسان العرب 61/3 : النسخ : إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه ... ابن الأعرابي : النسخ تبديل الشيء من الشيء وهو غيره .

ونسخ الآية بالآية : إزالة مثل حكمها . والنسخ : نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو ... الفراء وأبو سعيد : مسخه اللّه قرداً ونسخه قرداً بمعنى واحد .

أقول : كلّ واحد من المعاني المذكورة قد استعمل فيها لفظ النسخ ولا يهمّنا تحقيق أنّ ذلك بحسب الوضع أو بضرب من العناية .

والظاهر أنّ الأصل المأخوذ في الموارد المذكورة كلّها من المعاني اللّغويّة واتّسع استعمال اللّفظ فيها بالعناية المأخوذة في الموضوع له ، فعلى عهدة الفقيه تعيين المعنى المراد في كلّ واحد من الموارد

ص: 171

بحسب القرائن . قال تعالى :

«وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » (1) .

و «هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (2) .

و «وَ لَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَ فِي نُسْخَتِها هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » (3) .

قوله تعالى : «من آية» أي : من علامة . والآية مطلقة تشمل كلّ ما يصدق عليه العلامة سواء كانت تشريعيّةً أو تكوينيّةً ، فالتشريعيّة مثل الآية الدالّة على حكم من الأحكام فتكون حاكية عن جعله وثبوته ، والتكوينيّة مثل ما يدلّ على وجود الصانع أو على شيء من نعوته وأسمائه جلّ ثناؤه من الأعيان .

ويظهر من آلاء الرحمن : 114 ، أنّ المراد من الآية في المقام هو ما في الكتب الإلهيّة السابقة لإطلاق الآية والآيات عليها في عدّة من آيات القرآن الكريم ، قال تعالى : «لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ » (4) وغيرها من الآيات .

أقول : إطلاق الآية والآيات على تلك الكتب لا يوجب تقييد الآية بها ولا انحصارها فيها . ولعلّ منشأ هذا أنّه زعم جواز نسخ حكم من أحكام الشرائع السابقة بالقرآن وعدم جواز نسخ شيء من أحكام القرآن بالقرآن . ولا دليل على هذا ، فإنّ الدّين الّذي اختاره وارتضاه سبحانه لأنبيائه هو الإسلام . قال تعالى : .

ص: 172


1- . الحجّ : 52 .
2- . الجاثية : 29 .
3- . الأعراف : 154 .
4- . آل عمران : 113 .

«لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» (1) .

و «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الْإِسْلامُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » (2) .

فالدّين الذي جاء به الأنبياء الكرام واحد ، غير أنّ اللّه سبحانه جعل لكلّ واحدٍ من أنبيائه شرعة ومنهاجاً . قال تعالى :

«لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» (3) .

فليس نسخ حكم في الشريعة السابقة بشيء من أحكام الشريعة اللّاحقة إلّاكنسخ حكم في الشريعة الواحدة بشيء من تلك الشريعة بعينها .

قوله تعالى : «أو ننسها»

أقول : هذا عطف على قوله : «ننسخ» ومجزوم بما جزم به المعطوف عليه . وهو من باب الإفعال بمعنى الإذهاب من الذكر والحفظ ، وإنساء الآية إذهابها من الذكر وجعلها نسياً منسيّاً بين الناس بحيث لا يذكرها ولا يعرفها أحد من الناس .

وليس في الآية الكريمة ما يدلّ على إنسائه تعالى شيئاً من آياته عن ذكر النبيّ وحفظه ، وليس سياق الآية الكريمة في بيان شيء من ذلك ، وإنّما الظاهر منها بيان مالكيّته تعالى ملكاً تكوينيّاً وتشريعيّاً على الإطلاق ونفوذ قدرته وسلطانه فيما يملكه ويتصرّفه ويحكم بما يشاء ويريد ، طبق الحكمة البالغة والتدبير العلمي على ما سيأتي توضيحه في ذيل الآية إن شاء اللّه . هذا أوّلاً ؛

وثانياً ، إنّ هذه الآية الكريمة في سورة البقرة وهي مدنيّة . وقوله .

ص: 173


1- . البقرة : 136 .
2- . آل عمران : 19 .
3- . المائدة : 48 .

تعالى : «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ، إِلاّ ما شاءَ اللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى ، وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى » (1) ، في سورة الأعلى وهي نازلة بمكّة في أوائل أمره صلى الله عليه و آله ، وهذا صريح في أنّ قراءته صلى الله عليه و آله إنّما هي باللّه وبفعله تعالى وبعنايته الخاصّة به صلى الله عليه و آله وهو بقرينة قوله تعالى : «لا تنسى» الّذي هو صريح في نفي النسيان عنه صلى الله عليه و آله على نحو الإستمرار والدوام ، يدلّ على إفاضته تعالى العلم بالقراءة وبذكرها وحفظها إليه صلى الله عليه و آله .

فإن قلت : فما تقول في الإستثناء بقوله : «إلّا ما شاء اللّه» أي : إلّاما شاء اللّه أن لا يقرئه تعالى وينسى ؟

قلت : الآية الكريمة في سياق الإمتنان والحنان على رسول اللّه صلى الله عليه و آله والإستثناء بالوجه المذكور خلاف صريح السياق . وصريح في تنزيل الأمر منزلة الأمور العادية وتنزيل شخص رسول اللّه صلى الله عليه و آله منزلة الأشخاص العادية ، بل العناية في هذا الإستثناء هو أنّه سبحانه ليس مغلول اليد ، وأنّ كرامته تعالى على رسوله كانت قبل مرتبة العطاء أو في مرتبة فعليّة العطاء ، ليست على نحو الإيجاب عليه تعالى بل هي تفضّل منه تعالى عليه صلى الله عليه و آله .

فإن قلت : إنّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الآية من عصمته صلى الله عليه و آله عن النسيان ، إنّما هو بعد نزول سورة الأعلى فلا تشمل قبل نزولها .

قلت : كلّا ، إنّ الآية الكريمة ليست في مقام الإخبار عمّا يفعل على رسوله من الكرامة في المستقبل . وليست أيضاً في مقام الميعاد له صلى الله عليه و آله من صيانته وعصمته بإفاضته تعالى العلم الذي عبّر عنه بروح القدس عليه صلى الله عليه و آله وبيان تيسيره لليسرى . وواضح أنّ الأفعال المذكورة في مرحلة الإمتنان سواء كانت بلفظ الماضي أو المضارع يراد بها تحقّق .

ص: 174


1- . الأعلى : 6 - 8 .

الفعل من غير تقييد بالزّمان وجريانه على نحو الإستمرار والدوام ، فالماضي مثل قوله تعالى :

«إِذْ قالَ اللّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ » (1) .

والمضارع مثل قوله تعالى :

«اَللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » (2) .

و «إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً » (3) .

وحيث إنّ الفعل المذكور في مقام الإمتنان ، يراد به تحقّق الفعل فقط من دون عناية إلى الزمان ، فإذا دخلت عليه السين تفيد تأكيد هذا المعنى .

هذا كلّه على قراءة «نُنْسِها» - من باب الإفعال من نَسِيَ يَنْسَى - وأمّا على قراءة «نَنْسَئْهَا» بإثبات الهمزة في آخرها ، كما قال في التبيان 392/1 : «وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «نَنْسَأْها» - بفتح النون والسين إثبات الهمزة الساكنة بعد السين -» فمعناها التأخير أي : تأخير الآية المنسوخة عن الوقت المضروب له قليلاً أو كثيراً ثمّ إذا شاء نسخه .

قد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الآية الكريمة مطلقة تشمل جميع ما تمسّ عليه يد الخلقة والجعل من الأعيان والآيات التكوينيّة أو الأحكام التشريعيّة المجعولة . وكذلك مطلقة بالنسبة إلى الآيات المنسيّة سواء كانت المنسيّة تكوينيّةً أو تشريعيّة . .

ص: 175


1- . المائدة : 110 .
2- . البقرة : 257 .
3- . الأحزاب : 56 .

وقوله تعالى : «نأت بخير منها أو مثلها» جواب للشرط المذكور في صدر الآية ومجزوم بما جزم به الشرط .

قال ابن هشام في المغني 398/1 في البحث عن معانى ما : النوع الثاني ، الشرطيّة وهي نوعان : غير زمانيّة ، نحو : « وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ » (1) و «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ...» .

فالمعنى : نأتي بشيء خير في الحكمة والمصلحة من المنسوخ والمنسيّ أو نأتي بشيء خير من جنس المنسوخ ومن سنخه بناءً على تجريد أفعل من التفاضل .

وقوله تعالى : «أَوْ مِثْلِها» : أي ما تشابه المنسوخ والمنسيّ ويساويهما في الحكمة والمصلحة .

ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من الإطلاق ، إطلاق بدلي . أي : من الآيات ما يجوز ويمكن أن يكون منسوخاً أو منسيّاً . وهذا الإطلاق في معرض التقييد لأنّ من آياته ، ما لا يجزي فيه النسخ والنسيان مثل الأحكام الثابتة ؛ كوجوب التقوى وتحريم الفجور . فعلى عُهدة المفسّر والفقيه ، الفحص والطلب عن المخصّصات والمقيّدات المتّصلة والمنفصلة والتفقّه فيها من الكتاب والسنّة وكذلك المقيّدات العقليّة والتدبّر والتأمّل فيها .

ثمّ إنّه لا دليل ولا ظهور في الآية الكريمة على كون الناسخ في طول المنسوخ والمنسيّ ومقيّداً بزمان بعد زمان المنسوخ ومشروطاً لنسخه ، بل الآية الكريمة مطلقة من هذا الحيث أيضاً .

ومن الممكن - بحسب الواقع والثبوت - أن تكون للآية المنسوخة والمنسيّة أمثال ونظائر في عرضها أيضاً متساوياً بعضها في الحكمة .

ص: 176


1- . البقرة : 197 .

والمصلحة مع بعض آخر ، فله تعالى أن يأتي بواحدة أخرى بعد رفع الأولى . والكلام في تخصيص كلّ منها بزمان دون زمان مثل الكلام في اختيار الأمور المترجّحة المتساوية ، ولا دليل على انحصار المثل بأن يكون في طول المنسوخ منحصراً بفرد واحد ، فالمعتمد في ذلك هو ظهور الآية وإطلاقها .

ثمّ إنّه لا دليل على أنّ هذا التبديل والتحويل والإتيان بالخير والمثل بدل المنسوخ والمنسيّ مستند إلى المشيئة الأزليّة كي يكون الإتيان بالمثل إظهاراً وإبرازاً لزوال المنسوخ والمنسيّ وانمحاءً بانتهاء أمدها ، لأنّه على هذا لا يكون الإتيان بالناسخ شروعاً وابتداءً في الناسخ بدل المنسوخ والمنسيّ بل يكون إيجاداً لما كان ثابتاً في الأزل بالمشيئة الأزليّة . فعلى هذا لا يكون النسخ بمعنى التغيير والإزالة والإبطال بل يكون معناه إظهاراً لزوال عين أو حكم ، وكذلك لا يكون هناك إتيان شيء لم يكن ، بل هو إيجاد لما كان ثابتاً في الأزل ، وهذا عين الإلتزام بمقالة اليهود .

فإن قلت : إنّ المقطوع من الكتاب والسنّة أنّ الحوادث الجارية في العالم كلّها لابدّ أن تكون عن تقدير سابق .

قلت : نعم ، لابدّ في كلّ حادثة من مشيئة وإرادة وقدر وقضاءٍ سابق ، إلّاأنّ المقطوع من الكتاب والسنّة أنّ هذه الحقائق كلّها حادثة بالحدوث الحقيقيّ لم يكن بوجهٍ ثمّ كان ، فالنسخ المسبوق بها لا يكون إلّا حادثاً بالحقيقة لأنّه جارٍ عن مشيئة وإرادة وقدر وقضاءٍ حادث مملوك للّه سبحانه بالمالكيّة الذاتيّة ، فيشاء سبحانه من جهة أنّه مالك لمشيئته ، وهكذا في إرادته وقدره وقضائه .

قوله تعالى : «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» .

ص: 177

أقول : الإستفهام تقريريّ . وواضح أنّ الجواب إقرار وإثبات أي :

نعلم ونشهد على أنّه تعالى على كلّ شيء قدير . وهذه الجملة المباركة في مرحلة التعليل لما تقدّم في صدر الآية من جواز نسخ آية وإذهابها أو تأخيرها عن الوقت المضروب عليها وإتيان آية خير من المنسوخة والمنسيّة أو مثلها . وهذه الجملة تقرير لسعة اقتداره تعالى على التبديل والتحويل بإزالة آية ومحوها وإثبات آية أخرى مكانها .

وفيها احتجاج على إبطال قول اليهود : إنّ الحوادث تجري طبق النظام المقدّر المقضيّ في الأزل ، وليس المراد إلّاإجراء ما كان مكتوباً في الأزل طبق ما كتب لا يقدر على تحويل شيء ممّا في هذا الكتاب ولا يقدر على كتابة جديدة لم تكتب في الكتاب الأزلي .

قوله تعالى : «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» .

هذا تعليل آخر لما تقدّم في صدر الآية الكريمة من جواز إزالة آية وإثبات آية أخرى مكانها . والفرق بين هذا وسابقه ، أنّ السابق لبيان سعة اقتداره تكويناً على تبديل آية مكان آية سواء كانت تكوينيّة أو تشريعيّة واستحالة أن يمتنع عليه تعالى شيء من ذلك بخلاف هذا ، فإنّ هذا تذكرة وتثبيت لشمول مالكيّته تعالى لكلّ شيء ملكاً حقيقيّاً ذاتيّاً تشريعيّاً وتكوينيّاً وليس تصرّفه سبحانه في جميع السماوات والأرض وما فيها ومن فيها إلّاتصرّف ذي حقّ في حقّه ، فيفعل تعالى ما يشاء ويحكم ما يريد في نظام التكوين والتشريع طبق المصلحة والحكمة.

وقوله تعالى : «ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ» .

بمنزلة التقريع على عموم قدرته وملكه تعالى وشمولها لجميع من سواه وما سواه سبحانه . والظاهر أنّ المراد من الوليّ والنصير ، من له

ص: 178

الولاية الحقّة تكويناً وتشريعاً في القيام بأمرهم وإصلاح شؤونهم في دينهم ودنياهم وينصرهم على ذلك .

والخطاب في قوله : «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ...» و «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ ... » و «ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ...» ليس خطاباً مولويّاً كي يسأل عن وجه تخصيص الخطاب في الأوّلين برسول اللّه صلى الله عليه و آله وعن وجه تعميمه بالمؤمنين بالثالث ، فإنّ الخطاب في الموارد الثلاثة للتنبيه والتذكير بحقيقة تكوينيّة ، إلّاأنّ في الأوّلين تشريفاً خاصّاً برسول اللّه صلى الله عليه و آله حيث جعله صلى الله عليه و آله شاهداً على سعة اقتداره وشمول ملكه على كلّ شيء ، وشاهداً على بطلان مقالة اليهود ومن يتبعهم . وفي الخطاب إبراز العطوفة والحنان عليهم بأنّه وليّهم وناصرهم (1) .

أقول : ومن ذلك يظهر ما في كلام المحقّق الخوئيّ قدس سره من أنّ المراد من النسخ هو انتهاء أمد الحكم بحيث لا تكون مصلحة بعد انتهائه ، فالحكم مقيّد بزمن خاصّ وهو معلوم للّه تعالى ومجهول للناس ولا يكون ارتفاعه إلّابعد ذلك الزمان لحلول أجله الواقعيّ الذي أنيط به ولذا لا يكون المراد من النسخ رفع الحكم الثابت في الواقع ، فالخصوصيّات - كالزمان - دخيلة في استمرار الحكم وعدمه هذا بحسب مقام الثبوت وأمّا بحسب مقام الإثبات فيكون الناسخ بمنزلة الخاصّ المنفصل الكاشف لعدم الإرادة الجديّة لاستمرار الحكم لما بعد انتهاء زمنه وبهذا الكلام سعى قدس سره لرفع الشبهة التي أوردها اليهود على القول بالنسخ (2) . والوجه في ذلك هو أنّ المصلحة لا تنحصر في أمر واحد ، بل قد يكون للشيء الواحد مصالح متعدّدة في عرض سواء فله تعالى الاتيان بواحدة بعد رفع الأولى فلا يكون الناسخ في طول المنسوخ ومقيّداً بزمان بعد زمانه ، فليس النسخ بمعنى رفع أمر ثابت في الشريعة بارتفاع أمده وزمانه . .

ص: 179


1- . مناهج البيان : 300/1 - 306 .
2- . محاضرات في أصول الفقه : 494/4 - 495 .

ص: 180

أدلّة البداء في الآيات

الآية الأُولى :

«وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً وَ ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ، يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (1) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال في هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» قال :

فقال : وهل يُمحى إلّاما كان ثابتاً وهل يثبت إلّاما لم يكن (2) .

عن جميل بن دراج عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام في قوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال : هل يثبت إلّاما لم يكن وهل يمحو إلّاما كان (3) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام : يا ذا المنّ لا منّ عليك ، يا ذا الطول لا إله إلّاأنت ، ظهر اللّاجئين ، ومأمن الخائفين ، وجار المستجيرين ، إن كان عندك في أمّ الكتاب أنّي شقيّ أو محروم أو مقتَّر عليّ رزقي فامح من أمّ الكتاب شقائي وحرماني وإقتار رزقي ، واكتبني عندك سعيداً موفّقاً للخير موسّعاً عليّ رزقك فإنّك قلت في كتابك المنزل على نبيّك المرسل صلواتك عليه وآله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» وقلت «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ ءٍ» (4) وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الرّاحمين وصلّى اللّه على محمّد وآل محمّد ، وادع بما بدا لك . فإذا فرغت من الدّعاء فاسجد وقل في سجودك : اللّهمّ أغنني بالعلم وزيّنّي بالحلم وكرّمني بالتّقوى وجمّلني بالعافية يا وليّ

ص: 181


1- . الرّعد : 38 و 39 .
2- . الكافي : 146/1 .
3- . بحارالأنوار : 118/4 ح53 ، تفسير العيّاشيّ : 216/2 .
4- . الأعراف : 156 .

العافية عفوك عفوك من النّار (1) .

قال أبو هاشم الجعفري : سأل محمد بن صالح الأرمني الإمام أبا محمّد عليه السلام عن قوله تعالى : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» فقال : هل يمحو إلّاما كان وهل يثبت إلّاما لم يكن .

فقلت في نفسي : هذا خلاف قول هشام بن الحكم إنّه لا يعلم بالشيء حتّى يكون .

فنظر إليّ فقال : تعالى الجبّار الحاكم العالم بالأشياء قبل كونها .

قلت : أشهد أنّك حجة اللّه (2) .

أقول : يظهر من هذه الأخبار أنّ المحو يكون حقيقيّاً فإنّه تعالى يمحو ما كان مثبتاً حقيقة ويبدله بمشيّة جديدة لم تكن سابقاً ، ولذا لا تتلاءم هذه الأدلّة مع كون البداء بمعنى «الإبداء» فإنّ ذلك هو إظهار ما خفي ، لا نشوء الرأي الذي هو ظاهر هذه الأدلّة .

عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (3) .

الظاهر أنّ عدم الإنباء بما يكون إلى يوم القيامة إنّما هو لأجل إمكان تغيير ما كان مقدّراً ، وإلّا فإنّ الإمام عليه السلام يعلم المقدّرات بإذن اللّه تعالى .

عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام قال : قال عليّ بن الحسين وعليّ بن أبي طالب قبله ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد عليه السلام : كيف لنا بالحديث مع هذه الآية «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » . فأمّا من قال بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلّابعد كونه ، فقد كفر وخرج عن التوحيد (4) . .

ص: 182


1- . تهذيب الأحكام : 72/5 .
2- . بحارالأنوار : 90/4 ، الخرائج والجرائح : 689/2 .
3- . بحارالأنوار : 97/4 ، التوحيد : 304 ، الإحتجاج : 258/1 .
4- . بحارالأنوار : 115/4 ، الغيبة للشيخ الطوسيّ : 430 .

الظاهر أنّ الوجه في عدم التحديث هو إمكان محو ما كان مثبتاً في قلوبهم الطاهرة وإثبات ما لم يكن ، فإنّه تعالى كلّ يوم هو في شأن .

نعم ، من الأُمور ما يكون محتوماً ولا تغيير فيه لا لأجل عدم إمكانه ، بل لأجل بعض الحكم والمصالح .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بيّن بأنّ علمه تعالى سابق للمعلوم وليس العلم بعد وجود المعلوم ، فإنّ القائل بثبوت العلم للّه تعالى بعد وجود المعلوم لا قبله ، كافر إذ كلامه يستلزم انفصال العلم عنه تعالى فإنّه تعالى علم كلّه وعالم بجميع التقديريّات أزلاً أبداً ، وعموم هذا الكلام - أعني علمه تعالى للمعلوم قبل كونه - يدلّ على أنّ البداء لا يكون عن جهل . وسيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه تعالى .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول : لو لا آية في كتاب اللّه لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة .

فقلت : أيّة آية ؟

قال عليه السلام : قول اللّه «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (1) .

عن الأصبغ بن نباتة قال : لمّا جلس عليّ عليه السلام في الخلافة وبايعه الناس ، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، لابساً بردة رسول اللّه ، متنعّلاً نعل رسول اللّه ، متقلّداً سيف رسول اللّه ، فصعد المنبر فجلس عليه متمكّناً ، ثمّ شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثمّ قال : يا معاشر الناس ، سلوني قبل أن تفقدوني ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، هذا ما زقّني رسول اللّه صلى الله عليه و آله زقّاً زقّاً . سلوني ، فإنّ عندي علم الأولين والآخرين أما واللّه لو ثُنّيت لي وسادة فجلست عليها ، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول صدق عليّ ما .

ص: 183


1- . بحارالأنوار : 118/4 ، تفسير العيّاشيّ : 215/2 .

كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ ، وأنتم تتلون القرآن ليلاً ونهاراً ، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه ، ولولا آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان وما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ؛ الخطبة (1) .

عن العلاء عن محمّد قال : سئل أبو جعفر عليه السلام عن ليلة القدر ، فقال : تنزل فيها الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة وما يصيب العباد فيها ، قال وأمر موقوف للّه تعالى فيه المشيئة يقدّم منه ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، وهو قوله تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (2) .

أقول : يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ الملائكة تنزل الى سماء الدنيا فتكتب ما هو كائن في أمر السنة - أي ما يُكتب لهذه السنة وأنّها سنة مطر وهطل أو سنة جفاف وجدب مثلاً - وكذا تكتب ما يصيب العباد ، إلّاأن في هذه المكتوبات أُموراً موقوفة للّه تعالى فله أن يؤخّر منها ما شاء وله أن يقدّم منها ما شاء - كتقديم أجل زيد لقطعه الرحم ، أو إنسائه وتأخيره لصلته الرحم - فليست جميع الأُمور من المحتومات بل منها ما يكون موقوفاً على مشيّة اللّه تعالى .

ثمّ اعلم أنّ عدم التغيير في غير الموقوف ليس لأجل عدم إمكانه بمعنى خروجه عن قدرة اللّه تعالى ، كيف واللّه تعالى على كلّ شيء قدير ، بل عدم تغييره لأجل بعض الحِكَم والمصالح كاستلزام التغيير لخلف الوعد إن كان منجّزاً أو القبيح كالظلم ، وهكذا ، فلا تغفل .

عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام : إن اللّه عزّ وجلّ عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، قال : فمرّ بآدم اسم داود النبي ، فإذا عمره في العالم أربعون سنة . .

ص: 184


1- . بحارالأنوار : 117/10 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 341 ، التوحيد : 304 .
2- . بحارالأنوار : 102/4 ، الأمالي للشيخ الطوسي : 60 .

فقال آدم : يا ربّ ، ما أقلّ عمر داود وما أكثر عمري . يا ربّ ، إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة أتثبت ذلك له ؟

قال نعم يا آدم .

قال : فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة فأنفِذْ ذلك له وأثبِتْها له عندك واطرحها من عمري .

قال أبو جعفر عليه السلام : فأثبت اللّه عزّ وجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة وكانت له عند اللّه مثبتة فذلك قول اللّه عزّ وجلّ : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ، قال :

فمحا اللّه ما كان عنده مثبتاً لآدم وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتاً . قال فمضى عمر آدم فهبط ملك الموت لقبض روحه . فقال له آدم : يا ملك الموت إنّه قد بقي من عمري ثلاثون سنة .

فقال له ملك الموت : يا آدم ألم تجعلها لابنك داود النبيّ وطرحتها من عمرك حين عرض عليك أسماء الأنبياء من ذريّتك وقد عرضت عليك أعمارهم وأنت يومئذ بوادي الدخياء ؟

قال : فقال له آدم : ما أذكر هذا .

قال : فقال له ملك الموت : يا آدم لا تجحد ، ألم تسأل اللّه عزّ وجلّ أن يثبتها لداود ويمحوها من عمرك ، فأثبتها لداود في الزبور ومحاها من عمرك في الذكر ؟

قال آدم : حتّى أعلم ذلك .

قال أبو جعفر عليه السلام : وكان آدم صادقاً لم يذكر ولم يجحد ، فمن ذلك اليوم أمر اللّه تبارك وتعالى العباد أن يكتبوا بينهم إذا تداينوا وتعاملوا إلى أجل مسمّى لنسيان آدم وجحوده ما جعل على نفسه (1) .

بيان : هذا الخبر الشريف صريح في تغيير التقدير الأوّل حقيقة وهذا هو المراد من البداء الوارد في الأدلّة ، فإنّ آدم عليه السلام وهب لابنه داود بعض عمره وأثبت اللّه تعالى .

ص: 185


1- . بحارالأنوار : 102/4 ، علل الشرائع : 553/2 .

ذلك لداود ونقص من عمر آدم عليه السلام . وقد استدلّ الإمام الباقر عليه السلام بهذه القضيّة على معنى البداء وأنّه تغيير للتقدير السابق حقيقة وليس إبداءً وإظهاراً لتقدير مخفيّ عن الخلائق .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال في قول اللّه عزّ وجلّ : «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ » ، لم يعنوا أنّه هكذا ولكنّهم قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال اللّه جلّ جلاله تكذيباً لقولهم : «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » ألم تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (1) .

أقول : استدلّ الإمام عليه السلام على بسط يد اللّه تعالى في التقديرات بقوله تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (2) فإنّه تعالى مبسوط اليدين لا يلجئه أمر إلى اختيار أحد الطرفين دون الآخر ، فله أن يمضي في البريّة عدله كما له أن يترحّم عليهم ويستعمل فيهم يد الفضل كما ستعرف إن شاء اللّه تعالى ذلك عند التعرّض للمراد من «اليدان» في الآية المباركة .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام في هذه الآية «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ» قال : فقال :

وهل يمحو اللّه ما كان وهل يثبت إلّاما لم يكن (3) .

عن أبي حمزة الثمالي قال : قلت للإمام أبي جعفر عليه السلام : إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول إلى السبعين بلاء وكان يقول بعد البلاء رخاء وقد مضت السبعون ولم نر رخاء .

فقال أبو جعفر عليه السلام : يا ثابت ، إنّ اللّه تعالى كان وقّت هذا الأمر في السبعين ، فلمّا قتل الحسين اشتدّ غضب اللّه على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة سنة ، فحدّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السرّ ، فأخّره اللّه ولم يجعل له بعد ذلك وقتاً عندنا و «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» . .

ص: 186


1- . بحارالأنوار : 104/4 ، التوحيد : 167 ، معاني الأخبار : 18 .
2- . الرّعد : 39 .
3- . بحارالأنوار : 108/4 ، التوحيد : 333 .

قال أبو حمزة : وقلت ذلك لأبي عبد اللّه عليه السلام ، فقال : قد كان ذلك (1) .

بيان : لعلّ المراد من السبعين هو سنة سبعين للهجرة وقد جعل اللّه بعد تلك السنة الفرج للشيعة ، ولكن لمّا قتل سيد الشهداء عليه السلام أنسأ اللّه زمن الفرج ، وبعدما أذاع الشيعة السرّ ، أخرّه اللّه تعالى ولم يجعل للفرج وقتاً عند أئمة الهدى عليهم السلام . ولعلّ المراد من عدم توقيت الأمر عندهم هو كونه من العلم المخزون الذي لا تعيّن فيه فليس للّه تعالى تقدير في ذلك وهو مرجأ لأمر اللّه تعالى . وقريب من هذا الخبر رواية عمرو بن الحمق رضوان اللّه تعالى عليه ، فلاحظ :

عن عمرو بن الحمق قال : دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام حين ضرب على قرنه فقال لي : يا عمرو إنّي مفارقكم . ثمّ قال سنة السبعين فيها بلاء ، قالها ثلاثاً .

فقلت : فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأغمي عليه فبكت أمّ كلثوم فأفاق ، فقال :

يا أمّ كلثوم لا تؤذيني فإنّك لو قد ترين ما أرى لم تبكي . إنّ الملائكة في السماوات السبع بعضهم خلف بعض والنبيّون خلفهم وهذا محمّد صلى الله عليه و آله آخذ بيدي يقول : انطلق يا عليّ فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه .

فقلت : بأبي أنت وأمّي قلت إلى السبعين بلاء فهل بعد السبعين رخاء ؟

قال : نعم يا عمرو ، إنّ بعد البلاء رخاء ، «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (2) .

عن محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قوله «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » ، قال : الناسخ ما حوّل وما ينسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعدُ كقوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ، قال : فيفعل اللّه ما يشاء ويحوّل ما يشاء مثل قوم يونس إذا بدا له فرحمهم ومثل قوله «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» ، قال : .

ص: 187


1- . بحارالأنوار : 114/4 ح39 ، الغيبة للشيخ الطوسي : 428 .
2- . بحارالأنوار : 119/4 ، تفسير العيّاشيّ : 217/2 .

أدركهم رحمته (1) .

أقول : بيّن الإمام عليه السلام أنّ الناسخ هو ما حوّل أي بدّل التقدير الأوّل بتقدير ثانٍ .

وأمّا قوله تعالى «أَوْ نُنْسِها» فقد بيّن الإمام عليه السلام بأنّ «ما ينسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعدُ» ، ولعلّ المراد من ذلك أنّه يمحو التقدير الأوّل ولا يقدّر تقديراً جديداً بل يضعه في غيبه بلا حدّ ولا تعيّن ولا رأي إلى أن يحدث بعد ذلك أمراً ، فتأمّل جيّداً .

ولعلّ ما روي عن أبي حمزة عن الإمام أبي جعفر عليه السلام يشير إلى ذلك إذ ورد فيه أنّه لم يجعل اللّه تعالى له بعد ذلك وقتاً عند الأئمّة عليهم السلام ، فراجع .

وبناء على ذلك تكون هذه الآية المباركة نظير قوله تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (2) فمفاد آية النسخ والإنساء يضاهي مفاد آية المحو والإثبات .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بيّن بأنّ اللّه تعالى بدا له في قوم يونس فرحمهم ، وكذا الأمر بالنسبة إلى أمر أُمّة الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله حيث أدركتهم رحمة اللّه تعالى ، فالتبديل تبديل حقيقي وهذا هو البداء المشار إليه في الآيات والأخبار .

عن حمران قال : سألت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .

فقال : يا حمران ، إنّه إذا كان ليلة القدر ونزلت الملائكة الكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يقضى في تلك السنة من أمر ، فإذا أراد اللّه أن يقدّم شيئاً أو يؤخره أو ينقص منه أو يزيد ، أمر الملك فمحا ما شاء ثم أثبت الذي أراد .

قال : فقلت له : عند ذلك فكلّ شيء يكون فهو عند اللّه في كتاب ؟

قال عليه السلام : نعم .

فقلت : فيكون كذا وكذا ثمّ كذا وكذا حتّى ينتهي إلى آخره ؟ .

ص: 188


1- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 55/1 .
2- . الرّعد : 39 .

قال عليه السلام : نعم .

قلت : فأي شيء يكون بيده بعده ؟

قال عليه السلام : سبحان اللّه ، ثمّ يحدث اللّه أيضاً ما شاء تبارك وتعالى (1) .

أقول : يدلّ الخبر الشريف على كتابة ما قضاه اللّه تعالى في السنة ، وله تعالى أن يقدّم منه ما شاء ويؤخّر منه ما شاء وإمحاء ما شاء وإثبات الذي أراد ممّا لم يكن مكتوباً .

ثمّ إنّ الرواي قد عجب من ذلك ولذا سأل أنّه يتبدّل التقدير الذي كان بتقدير جديد ، فأجابه الإمام بنعم . ولمّا سأل عن تبديل التّقدير الثاني وإمكانه ، أجابه الإمام عليه السلام بأنّه تعالى يحدث بعد ذلك ما يشاء فإنّه مبسوط اليدين .

عن أبي الجارود عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ اللّه إذا أراد فناء قوم أمر الفلك فأسرع الدور بهم فكان ما يريد من النقصان ، فإذا أراد اللّه بقاء قوم أمر الفلك فأبطأ الدور بهم فكان ما يريد من الزيادة ، فلا تنكروا ، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب (2) .

أقول : لعلّ الإمام عليه السلام كان في مقام بيان نوع من الزيادة والنقصان لا أنّ الزيادة هي البط ء في دوران الفلك فقط ، والنقصان هو السرعة في دورانه . واللّه تعالى العالم .

عن ابن سنان عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام يقول : إنّ اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أمّ الكتاب . وقال : فكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلّاوقد كان في علمه ، إنّ اللّه لا يبدو له من جهل (3) .

هذا الخبر الشريف صريح في تماميّة قدرة اللّه تعالى على فعل ما يشاء فلا حدّ .

ص: 189


1- . بحارالأنوار : 119/4 ، تفسير العيّاشيّ : 216/2 .
2- . بحارالأنوار : 120/4 ، تفسير العيّاشيّ : 218/2 .
3- . بحارالأنوار : 121/4 ، تفسير العيّاشيّ : 218/2 .

لقدرته ، بل له الأمر من قبل التقدير وله الأمر من بعده يفعل ما يشاء .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بيّن بأنّ البداء لا يكون إلّاعن علم ، والظاهر - كما عرفت سابقاً - أنّ كينونة الشيء في علمه قبل البداء هو نظير كينونة سائر المعلومات اللامتناهية بالعلم بلا معلوم ، فلا رجحان للشيء المبدوّ - قبل البداء - على سائر المعلومات بالعلم بلا معلوم ، فإنّه مكشوف له تعالى كمكشوفيّة سائر الأُمور .

وبعبارة أُخرى : إنّ هذا الخبر الشريف لا يدلّ على معلوميّة المبدوّ قبل البداء بمعنى تقديره قبل تقديره ، فإنّه لا معنى لأن يكون التقدير - الذي هو فعل من أفعاله تعالى - مقدّراً ، بل المراد بيان أنّ اللّه تعالى عالم إذ لا معلوم وأنّ البداء لا يكون إلّا عن علم ، والمراد من العلم هنا هو العلم المخزون الذي لا يعلمه إلّاهو وهو العلم الذي لا حدّ له ولا حصر ولا كيف له .

عن أبي ميثم بن أبي يحيى عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام قال : ما من مولود يولد إلّاوإبليس من الأبالسة بحضرته ، فإنّ علم اللّه أنّه من شيعتنا حجبه من ذلك الشيطان ، وإن لم يكن من شيعتنا أثبت الشيطان إصبعه السبابة في دبره فكان مأبوناً ، فإن كان امرأة أثبت في فرجها فكانت فاجرة ، فعند ذلك يبكي الصبي بكاءً شديداً إذا هو خرج من بطن أمّه ، واللّه بعد ذلك يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب (1) .

هذا الخبر الشريف صريح في إمكان تبديل شقاوة الجنين ، وأنّ اللّه تعالى يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أُمّ الكتاب .

عن عمار بن موسى عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام سئل عن قول اللّه «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال : إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء ويثبت ، فمن ذلك الذي يرد الدعاء القضاء ، وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يُردّ به القضاء حتّى إذا صار إلى أمّ الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً (2) . .

ص: 190


1- . بحارالأنوار : 121/4 ، تفسير العيّاشيّ : 218/2 .
2- . بحارالأنوار : 121/4 ، تفسير العيّاشيّ : 218/2 .

أقول : الظاهر من هذا الخبر الشريف أنّ المراد من «أُمّ الكتاب» هو الكتاب الذي يمحا به ويثبت به ، فيكون هو الأصل للمحو والإثبات . وممّا هو مكتوب في ذلك الكتاب الدعاء الذي به يردّ اللّه تعالى القضاء وإن ابرم إبراماً ، كما ورد في الدعاء الوارد بعد زيارة الإمام الرضا عليه السلام «وقضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء» .

فالدعاء قد يردّ القضاء ولكن هناك دعاءً مكتوباً عليه أنّه يردّ القضاء كما هو ظاهر قوله عليه السلام «وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يردّ به القضاء» (1) .

نعم ، إذا صار القضاء إلى أُمّ الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً ، ولعلّ المراد من صيرورته إلى أُمّ الكتاب هو صيرورته من المحتوم الذي لا بداء فيه أو وقوعه في الخارج كما ورد في الخبر «فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء» (2) فإذا كان الإحتمال الأوّل هو المراد من الخبر الشريف يكون عدم تغييره غالبيّاً لا دائميّاً ، فإنّ من الأدلّة ما يدلّ على تبديل القضاء وإن وصل إلى أُمّ الكتاب ، فلاحظ الدعاء التالي :

يا ذا المن لا منّ عليك يا ذا الطول لا إله إلا أنت يا أمان الخائفين وظهر اللاجئين وجار المستجيرين ، إن كان في أم الكتاب عندك أنّي شقي أو محروم أو مقترّ عليّ رزقي ، فامح من أمّ الكتاب شقائي وحرماني وإقتار رزقي واكتبني عندك سعيداً موفّقاً للخير موسّعاً عليّ في رزقي ، فإنّك قلت في كتابك المنزل على نبيّك المرسل صلى الله عليه و آله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (3) .

وإن كان الإحتمال الثاني هو المراد من الخبر الشريف يكون اللّه تعالى قادراً على ردّ ما فات بتقدير جديد كما ورد في الدعاء «يا رادّ ما قد فات» (4) وكما ورد في الآية المباركة «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » (5) فإنّ اللّه تعالى قد يعصم العبد من .

ص: 191


1- . بحارالأنوار : 121/4 و 141/5 .
2- . بحارالأنوار : 102/5 ، التوحيد : 334 .
3- . بحارالأنوار : 6/87 ، جمال الاسبوع : 383 ، مصباح المتهجد : 357 .
4- . بحارالأنوار : 399/92 و 402/95 ، مهج الدعوات : 154 .
5- . الفرقان : 70 .

الذنب ويوفّقه للصالحات ، وقد يبدّل سيّئاته الصادرة منه سابقاً حسنات وهذا دليل على كمال قدرته تعالى . فسبحانه من إله ما أقدره ولا يكون بعد ذلك إلّاما شاء وأراد ، واللّه تعالى العالم .

عن الحسين بن زيد بن عليّ عن الإمام جعفر بن محمّد عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : إنّ المرء ليصل رحمه وما بقي من عمره إلّاثلاث سنين فيمدّها اللّه إلى ثلاث وثلاثين سنة . وإنّ المرء ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة فيقصّرها اللّه إلى ثلاث سنين أو أدنى .

قال الحسين : وكان جعفر يتلو هذه الآية «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (1) .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في تبديل التقدير ونشوء الرأي الجديد بالنسبة إلى عمر القاطع للرحم وهو المراد من البداء في الأدلّة .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام أنه سئل عن قول اللّه «اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ » قال : كتبها لهم ثمّ محاها ثمّ كتبها لأبنائهم فدخلوها واللّه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب (2) .

يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ اللّه تعالى كتب لهم دخول الأرض المقدّسة حقيقة ثمّ محاه ، ثمّ كتب لأبناهم دخولها فدخلوها .

جماعة عن المفضل عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي عن أبيه عن عمّه عبدالوهاب بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال : بعث أبو جعفر المنصور إلى الإمام أبي عبداللّه جعفر بن محمّد عليه السلام وأمر بفرش فطرحت له إلى جانبه فأجلسه عليها ، ثمّ قال :

عليّ بمحمّد ، عليّ بالمهديّ ، يقول ذلك مراراً .

فقيل له : الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين ، ما يحبسه إلّاأنه يتبخر . فما لبث أن .

ص: 192


1- . بحارالأنوار : 121/4 ، تفسير العيّاشيّ : 220/2 .
2- . بحارالأنوار : 181/13 ، تفسير العيّاشيّ : 304/1 .

وافى وقد سبقته رائحته ، فأقبل المنصور على جعفر عليه السلام فقال : يا أبا عبداللّه ، حديث حدثتنيه في صلة الرحم أذكره يسمعه المهدي .

قال : نعم ، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها اللّه عزّ وجلّ ثلاثين سنة ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيرها اللّه ثلاث سنين ، ثمّ تلا عليه السلام : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » .

قال : هذا حسن يا أبا عبداللّه وليس إيّاه أردت .

قال أبو عبداللّه : نعم ، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار .

قال : هذا حسن يا أبا عبداللّه وليس هذا أردت .

فقال أبو عبداللّه : نعم ، حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السلام قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : صلة الرحم تهوّن الحساب وتقي ميتة السوء .

قال المنصور : نعم ، هذا أردت (1) .

قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : من صلّى ليلة الخميس ستّ ركعات يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي وقل يا أيها الكافرون مرّة مرّة وقل هو اللّه أحد ثلاث مرّات فإذا سلّم قرأ آية الكرسي ثلاث مرّات ، فإن كان مكتوباً عند اللّه شقيّاً بعث اللّه ملكاً ليمحو شقوته ويكتب مكانه سعادته ، وذلك قوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (2) .

ورد في أعمال ليلة النصف من شعبان صلاة بكيفيّة خاصّة ، وقال راوي الحديث بعد روايتها ولقد حدّثني ثلاثون من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه من صلّى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر اللّه إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة .

ص: 193


1- . بحارالأنوار : 163/47 ، الأمالي للشيخ الطوسي : 480 .
2- . بحارالأنوار : 309/87 ، جمال الاسبوع : 98 .

ثمّ لو كان شقيّاً فطلب السعادة لأسعده اللّه «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ولو كان والداه من أهل النار ودعا لهما أخرجا من النار بعد أن لا يشركا باللّه شيئاً . ومن صلّى هذه الصلاة قضى اللّه له كلّ حاجة طلب ، وأعدّ له في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت . والذي بعثني بالحق نبيّاً ، من صلّى هذه الصلاة يريد بها وجه اللّه تعالى ، جعل اللّه له نصيباً في أجر جميع من عبد اللّه تلك الليلة ويأمر الكرام الكاتبين أن يكتبوا له الحسنات ويمحوا عنه السيئات حتى لا يبقى له سيئة ، ولا يخرج من الدنيا حتّى يرى منزله من الجنّة ، ويبعث اللّه إليه ملائكة يصافحونه ويسلّمون عليه ، ويخرج يوم القيامة مع الكرام البررة ، فإن مات قبل الحول مات شهيداً ويشفع في سبعين ألفاً من الموحّدين ، فلا يضعف عن القيام تلك الليلة إلّاشقيّ (1) .

فتحصّل من جميع ذلك أنّ الأمور وإن كانت مكتوبة مقدرّة إلّاأنّ اللّه تعالى بعد كتابتها قادر على محوها أو تقديمها وتأخيرها ، كما أنّه تعالى قادر على كتابتها وثبتها بعد أن لم تكن . فقدرته تعالى غير محدودة بالمقدّر وهذا هو المراد من قوله تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (2) .

و قد أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا لفظه :

بيان : قد ذكرنا غير مرّة أنّ بالمشيّة يتعيّن كلّ ما يحدثه تعالى .

ومتعلّق المحو في هذه الآية الكريمة هو المشاء . فيمكن أن يقال : إنّ اللّه سبحانه يمحو ما يشاء من تلك المكتوبات التي كتبت بحسب المشيّة الأولى .

وبعبارة أخرى : يمحو المشيّة الأولى بالمشيّة الثانية من حيث أجزائها وأبعاضها . ويجوز أن يقال : يمحو ما شاءه أولاً بالمشيئة الثانية . وإطلاق الآية يشمل كلا الوجهين ومآل الوجهين إلى أمر واحد . .

ص: 194


1- . بحارالأنوار : 414/95 ، الإقبال : 700 .
2- . الرّعد : 39 .

فإنّ محو شيء من مكتوبات المشيّة الأولى أو محو المشيّة الأولى من وادٍ واحد .

قوله تعالى : ويثبت ، أي: يثبت بالمشيّة الجديدة ما لم يكن بوجه أصلاً ولم يشأه ولم يكتبه بالمشيئة الأولى في هذه الصحيفة المباركة النوريّة الإلهيّة .

فالمتحصّل في معنى الآية الكريمة محو ما قد كان ثابتاً ومكتوباً بالمشيّة الأولى وإثبات ما لم يكن . والآية الكريمة بإطلاقها شاملة لمحو ما كان ثابتاً في مرتبة المشيّة أو الإرادة أو القدر أو القضاء . (1) .

وقال قدس سره : فإن قلت : يمكن تطبيق الآية الكريمة والروايات الواردة في تفسيرها على أنّ الأعيان والحوادث المشهودة كلّها مكتوب ومشاء بالمشيّة الأزليّة التي هي علمه تعالى ، ولا يعقل التغيير والتبديل في ما علم بعلمه تعالى وفي ما يشاء بمشيّته وإرادته وقدره وقضائه ، وقد فرغ من تنظيم أمر العالم وتدبيره بمشيّته في الأزل ، وحكم بكلّ شيء ما يخصّه ويقتضيه من الحكم الثابت على قدر مقدّر . ويستحيل التغيير والتبديل في شيء منها ، فالحوادث كلّها تجري طبق الأحكام التي سطرت في الكتاب ، والفاعل في هذه الحوادث المكتوبة المنظّمة هو اللّه سبحانه ، يأتي بالليل بعد النهار وبالموت بعد الحياة ، فيصحّ ويصدق أن يقال : إنّه يمحو بحكمه الثاني حكمه الأوّل . والآية الكريمة والروايات المذكورة لا تتأبّى عن هذا التفسير .

قلت : هذا ليس تفسيراً للآية ، بل مغالطة لإغفال المحصّلين .

والإشكال فيه من وجوه :

1 - إنّه مبتن على كونه تعالى فاعلاً عنائياً أو رضائياً . وهو خلاف .

ص: 195


1- . توحيد الإماميّة : 349 - 350 .

ما قدّمناه سابقاً من أنّه تعالى فاعل بالإنشاء والإبداء والإيجاد عن الاقتدار والمالكيّة .

2 - إنّه مبتن على كون مشيّته تعالى بعينها علمه سبحانه وأنّه تعالى شاء كلّ شيء بالمشيّة الأزليّة ، وهو أيضاً خلاف ما قدّمناه من البراهين على استحالة أزليّة المشيّة وقدم العالم .

3 - قد ثبت بالتحقيق أنّ مشيّته تعالى هو فعله سبحانه ، وهو عين تعيّن النظام الحكيم بالعلم الحادث الذي علّمه أنبياءه ورسله وملائكته ، ونسبته إلى علمه تعالى نسبة المتناهي إلى غير المتناهي . وليس علمه تعالى عين مشيّته التي هو نظم عالم الخلق وإحكامه وتدبيره . وتطبيق علمه سبحانه على المشيّة جزاف من القول لا دليل له . وهو التزام بقدم العالم ونفي مالكيته تعالى على الفعل والترك ، والتزام بأزليّة الفعل ، وهو خلاف البراهين الإلهية على ما قدّمنا تفصيلها في بحث المشيّة والإرادة ، وخلاف ضرورة الأديان ، فكيف يكون أصلاً وملاكاً لتفسير الآية وحملها بالمشية الأزلية الموهومة ؟!

4 - إنّ تفسير الآية وحملها على الحوادث المكتوبة في الأزل ليس محواً ولا إثباتاً بالحقيقة ، بل هو انمحاء ومعلول ومستند إلى المشيّة الأزليّة ، وتصرّم وانقضاء لأجل مكتوب ، وإبراز وإظهار لما كان ثابتاً ومكتوباً في الأزل .

وقد استدلّ مولانا الصادق عليه السلام على بطلان هذه الفرضيّة بهذه الآية في قوله : «هل يمحي إلّاما كان ثابتاً ؟! وهل يثبت إلّاما لم يكن ؟!» أي : إنّه تعالى يمحو ما كان ثابتاً بالحقيقة ويثبت ما هو أمر حادث جديد ابتدائيّ بالحقيقة ولم يكن بوجه أصلاً .

فثبت ممّا ذكرنا أنّ الآية الكريمة صريحة في أنّ المحو حقيقيّ

ص: 196

ومتعلّقه الأمر الموجود الثابت - لولا المحو - سواء كان في الأعيان أو الحوادث ، وكذلك صريحة في إثبات ما لم يكن بوجه أصلاً ، لا إبراز وإظهار لما أثبته في الأزل ، وصريح الروايات أنّ من ذلك تقديم ما كان مؤخّراً وتأخير ما كان مقدّماً .

إن قلت : بناءً على القول بالمشيّة الحادثة ، يلزم أن لا يكون للعالم صورة ثابتة ونظم عنده سبحانه ويكون أمر الخلقة على مجازفة من غير تقدير وتدبير .

قلت : إنّ جميع ما خلقه تعالى متعيّن بالمشيّة الحادثة ومشاء ومراد ومقدّر بتقدير العليم الحكيم ، وهذا فعله تعالى المتعيّن . والمشيّة الثانية هي تعيّن ما يخلقه من خلق جديد أو محو ما كان ثابتاً بالمشيّة الأولى . وكلتا المشيّتين الحادثتين موافقتان للحكمة والمصلحة بالعلم الحادث الذي أفاضه على أنبيائه ورسله وملائكته . انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

الآية الثانية :

«اَلْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (2) .

عن زرارة عن عبد اللّه بن سليمان عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : سمعته يقول :

إنّ القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه واللّه يزيد في الخلق ما يشاء (3) .

قال العلّامة المجلسيّ قدس سره في ذيل هذه الرواية :

خلقان من خلق اللّه بضمّ الخاء ، أي صفتان من صفات اللّه أو بفتحها أي هما نوعان من خلق الأشياء ، وتقديرها في الألواح السماويّة وله

ص: 197


1- . توحيد الإمامية : 353 - 355 .
2- . فاطر : 1 .
3- . بحارالأنوار : 111/5 ح36 ، التوحيد : 364 .

البداء فيها قبل الإيجاد فذلك قوله «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» ، أو المعنى أنّهما مرتبتان من مراتب خلق الأشياء فإنّها تتدرّج في الخلق إلى أن تظهر في الوجود العيني (1) .

عن الإمام الرضا عليه السلام في مناظرته مع سليمان المروزي : فالمريد عندكم مختلف إذ كان هو الإرادة .

قال : يا سيّدي ، ليس الإرادة المريد .

قال : فالإرادة محدثة وإلّا فمعه غيره ، إفهم وزد في مسألتك .

قال سليمان : فإنّها اسم من أسمائه .

قال الرضا عليه السلام : هل سمّى نفسه بذلك ؟

قال سليمان : لا ، لم يسمّ نفسه بذلك .

قال الرضا عليه السلام : فليس لك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه .

قال : قد وصف نفسه بأنّه مريد .

قال الرضا عليه السلام : ليس صفته نفسه أنّه مريد إخباراً عن أنّه إرادة ولا إخباراً عن أنّ الإرادة اسم من أسمائه .

قال سليمان : لأنّ إرادته علمه .

قال الرضا عليه السلام : يا جاهل ، فإذا علم الشيء فقد أراده .

قال سليمان : أجل .

قال : فإذا لم يرده لم يعلمه .

قال سليمان : أجل .

قال : من أين قلت ذاك وما الدليل على أنّ إرادته علمه وقد يعلم ما لا يريده أبداً وذلك قوله عزّ وجلّ : «وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» فهو يعلم كيف يذهب به ولا يذهب به أبدا ؟ .

ص: 198


1- . بحارالأنوار : 112/5 .

قال سليمان : لأنّه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً .

قال الرضا عليه السلام : هذا قول اليهود ، فكيف قال «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» .

قال سليمان : إنّما عنى بذلك أنّه قادر عليه .

قال : أفيعد ما لا يفي به فكيف ؟

قال : «يزيد في الخلق ما يشاء »وقال عزّ وجلّ : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » وقد فرغ من الأمر . فلم يحر جواباً (1) .

أقول : يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ قوله تعالى «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» هي الزيادة على التقدير السابق ، ولذا تكون هذه الآية المباركة من الأدلّة الدالّة على البداء .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام : أجري القلم في محبّة اللّه . فمن أصفاه اللّه بالرضا فقد أكرمه ، ومن ابتلاه بالسخط فقد أهانه ، والرضا والسخط خلقان من خلق اللّه ، واللّه يزيد في الخلق ما يشاء (2) .

أقول : الرضا والسخط في الخالق المتعال ليسا من الصفات الجارية في المخلوق ، فليس الرضا فيه حالة نفسانيّة وكذا السخط ، بل هما من صفات الفعل ولذا يكونان خلقين من خلقه تعالى ، فإنّ رضاه جنّته وغضبه ناره وهاتان الصفتان يقبلان الزيادة فقد يزيد رضاه تعالى عن المؤمن بسبب أعماله الصالحه فيكافأه بجنّة أوسع وأجمل ، وقد يزيد غضبه على الكافر والناصب فيرديه في أسفل سافلين من درجات جهنّم أعاذنا اللّه منها ومن كلّ سوء ببركة وليّه الأعظم الإمام الحجّة بن الحسن العسكريّ روحي فداه .

فتحصّل من ذلك أنّ المراد من قوله تعالى «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» هو الزيادة على التقدير الأوّل ولذا يكون في الحقيقة تقديراً ثانياً وجديداً غير التقدير الأوّل ، .

ص: 199


1- . بحارالأنوار : 336/10 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 189/1 .
2- . بحارالأنوار : 159/68 ، مشكاة الأنوار : 34 .

وهذا هو المراد من البداء وسعة مالكيّة اللّه تعالى .

الآية الثالثة :

«وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ » (1) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في ذيل الآية المباركة ما هذا نصّه :

قال ابن منظور : «ابن الأعرابي : اليد : النعمة . واليد : القوة . واليد :

القدرة . واليد : الملك . واليد : السلطان ...» .

أقول : اليد بمعنى القدرة والنعمة والمالكيّة فيما نسب إليه تعالى كثير في القرآن الكريم .

روى الصدوق مسنداً عن محمّد بن مسلم قال : سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت : قوله عزّ وجلّ : «يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» ؟

فقال : اليد في كلام العرب القوّة والنعمة . قال : «وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ » . وقال : «وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ» ، أي: بقوّة ...

الرواية الشريفة تصرّح بما يدلّ عليه ظاهر الآيتين من أنّ المراد باليد فيهما هي قدرته تعالى التي بنى بها السماء وخلق بها آدم من التراب . قال تعالى : «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» .

و «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ ءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .

أقول : اليد في الآيتين الشريفتين بمعنى الملك . وواضح أنّ المالكية بالتكوين لا تنفكّ عن القدرة وكذا العكس . إذا تقرّر ذلك فنقول : هذا

ص: 200


1- . المائدة : 64 .

القول من اليهود من سوء صنيعهم وديدنهم بالنسبة إلى ساحته سبحانه ، إمّا لجهلهم بنعوته وكمالاته وتوحيده أو بلجاجهم ، كما قال تعالى : «وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ » (1) «قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ» (2) . فكذّبهم سبحانه وقال : «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ...» وهذا إمّا إخبار عن حلول نقمته تعالى وسطواته عليهم أو دعاء عليهم بالخزي والهوان .

وواضح أنّ دعاءه تعالى على قوم ليس كدعاء أحد على أحد حتّى ينتظر استجابته ، بل هو عين قضائه الحكيم وأخذه تعالى إيّاهم أخذ عزيز مقتدر . وفي قوله : «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ» إضراب عن الجواب بمثل ما قالوا ، وهو كناية وتعبير عن سلطانه واقتداره المطلق وبسط يديه بجميع الأفعال المناسبة لشؤونه تعالى في خلق العالم وتقديره ، فيجب الإذعان والإعتقاد على ذلك . فيكون قوله تعالى : «يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » من المصاديق الخفيّة لهذا الإطلاق . ويكون قولهم بكونه تعالى قد فرغ من الأمر جزافاً من القول ونسبة خرافيّة .

والظاهر أنّ تكذيب أئمّة أهل البيت صلوات اللّه عليهم اليهود في قولهم : «قد فرغ من الأمر» ، مستند لهذا الإطلاق . انتهى كلامه رفع مقامه (3) .

قال الإمام الرضا عليه السلام في مناظرته مع سليمان المروزيّ : لقد أخبرني أبي عن آبائه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال : إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّ من أنبيائه أن أخبر فلان الملك إنّي متوفيه إلى كذا وكذا . فأتاه ذلك النبيّ فأخبره فدعا اللّه الملك وهو على سريره .

ص: 201


1- . البقرة : 55 .
2- . المائدة : 24 .
3- . توحيد الإمامية : 362 - 364 .

حتّى سقط من السرير وقال : يا ربّ ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري . فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى ذلك النبيّ أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت أجله وزدت في عمره خمس عشرة سنة .

فقال ذلك النبيّ : يا ربّ إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ . فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه : إنّما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك واللّه لا يسئل عمّا يفعل . ثمّ التفت إلى سليمان فقال له :

أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب .

قال : أعوذ باللّه من ذلك وما قالت اليهود ؟

قال عليه السلام : قالت اليهود «يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ» يعنون أنّ اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً فقال اللّه عزّوجلّ : «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا» ولقد سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفر عليه السلام عن البداء ، فقال : وما ينكر الناس من البداء وأن يقف اللّه قوماً يرجئهم لأمره .

قال سليمان : ألا تخبرني عن إنّا أنزلناه في ليلة القدر في أي شيء أنزلت ؟

قال عليه السلام : يا سليمان ، ليلة القدر يقدّر اللّه عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم .

قال سليمان : الآن قد فهمت ، جعلت فداك فزدني .

قال عليه السلام : يا سليمان ، إنّ من الأمور أموراً موقوفة عند اللّه تبارك وتعالى يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء . يا سليمان ، إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول : العلم علمان ، فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله فما علّمه ملائكته ورسله فإنّه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ويثبت ما يشاء .

قال سليمان للمأمون : يا أمير المؤمنين ، لا أنكر بعد يومي هذا البداء ولا أكذب به إن شاء اللّه ؛ الخبر (1) . .

ص: 202


1- . بحارالأنوار : 95/4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 182/1 .

أقول : من الواضح أنّ اللّه تعالى كان قد قدّر على الملك الهلاك إلّاأنّه تعالى بدّل التقدير الأوّل بتقدير جديد وأنسأ أجله لدعائه وتضرّعه ، فإخبار النبيّ عليه السلام الملك بالهلاك لم يكن كذباً بل كان إخباراً بالتقدير الأوّل الحقيقي .

وغير خفيّ أنّ شأن النبوّة أعلى من أن لا يعرف النبيّ هذا الأمر ، فإنّ الأنبياء مبعوثون على التصديق بالبداء كما في الأخبار ، ولذا لا بدّ من حمل كلام النبيّ عليه السلام على تكذيب قومه له لا أن يكون كلامه كذباً في الوهلة الأُولى أو يكون المراد من العبارة أنّه عليه السلام لم يكذّب قطّ ، وبهذا الإخبار سيكذّبه من لا معرفة له بأمر البداء وحقيقته .

وأمّا الوجه في عدم جواز الإعتراض على اللّه تعالى في أفعاله فهو أنّ أفعاله حكيمة دائماً فإنساؤه أجل الملك فضل مطابق للحكمة كما أنّ عدم الإستجابة له عدل مطابق للحكمة ، فلا يجوز عقلاً الإعتراض على الحكيم .

وأمّا المراد من الآية المباركة «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ» فهو كما بيّن الإمام الرضا عليه السلام أنّ مرادهم هو الفراغ من الأمر وعدم قدرته على تغيير ما قدرّه وقضاه ، وهذا نقص لا بدّ من تنزيه اللّه القادر على الإطلاق منه فإنّه تعالى مبسوط اليدين ، له أن يتعامل مع خلقه بفضله كما أنّ له أن يتعامل معهم بعدله ، ولذا يكون المؤمن بين الخوف والرجاء دائماً فإنّه يرجو اللّه تعالى لسعة رحمته ويخافه لعدله كما ورد في الدعاء «ومن كلّ عدلك مهربي» (1) .

ثمّ إنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الظاهر من هذه الآية المباركة والأخبار الواردة في تفسيرها هو أنّ اليهود ملعونون لاعتقادهم بفراغ اللّه تعالى من الأمر ، فكأنّهم ذهبوا إلى استناد الأفعال الإلهيّة إليه في بدء الأمر وقدرته تعالى على الفعل والترك في أوّل الخلق والتقدير ، إلّاأنّهم أنكروا قدرته تعالى على تغيير ما قدّره أوّلاً فصاروا بذلك كفّاراً . .

ص: 203


1- . بحارالأنوار : 222/95 ، الإقبال : 345 .

وأمّا العوامّ من الناس فيزعمون عدم إمكان تغيير التقديرات لا لأجل عدم القدرة على ذلك بل لأجل توهّمهم محدوديّة حكمته تعالى وأنّ الحكمة منحصرة في تقدير واحد وهذا هو عين الجهل بسعة علمه تعالى ، ولا بدّ من تذكيرهم بسعة علمه تعالى وعدم انحصار الحكمة في تقدير واحد كما عرفت ذلك سابقاً عند التعرّض لما دلّ على سعة علمه تعالى وقدرته .

هذا ، ولكنّ المدّعين للعلم من البشر ، فقد ذهبوا إلى الإرادة الأزلّية وبذلك أنكروا قدرة اللّه تعالى وأثبتوا له الشريك معه أزلاً لعدم انفكاك المعلول عن علّته التامّة ، وذهبوا إلى أنّ العلم بالنظام الأصلح هو العلّة للخلقة وبذلك أنكروا سعة علمه تعالى فكلامهم يخالف ما صرّحت به الآيات والأخبار ومذهبهم أفحش بمراتب عديدة من مذهب اليهود الذين ذهبوا إلى انغلال قدرة اللّه تعالى .

قال صدرالدين الشيرازيّ :

وأمّا القدرة الأزليّة فليست كما زعموه وجلّت وتقدّست عمّا اعتقدوه في حقّها ، لأنّها عين الإرادة وعين الداعي الذي هو علمه تعالى بالكلّ على الوجه الأتمّ الأعلى ، فهو تعالى بنفسه قادر مريد خالق لما يشاء كيف يشاء فاعل لما يريد كيف يريد فكان خالقاً لم يزل ولا يزال ، فاعلاً للعالم كما يعلم في الآباد والآزال ، فيكون الخلق قديماً والمخلوق حادثاً والعلم قديماً والملعوم متجدداً ، وكذا الإرادة والإفاضة والرازقيّة كلّها مستمرة أزليّة ، لكن المرادات والمفاضات والأرزاق حادثة متجددة «وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً» (1) . (2)

وقال أيضاً :

إنّ الحقّ الحريّ بالتحقيق والتحصيل - لمن رفض العصبيّة وترك التقليد وطرد الطاغوت ورجع إلى درك الحكمة وانخرط في حزب .

ص: 204


1- . الأحزاب : 62 .
2- . أسرار الآيات : 72 .

الملكوت وأولياء الحقيقة - أن يعلم أنّ الفرق بين القادر المختار وبين الفاعل الموجب ، ليس على سبيل ما كان لاجّاً عليه أكثر المحتجبين عن إدراك الحقائق بأغشية التقليد للآباء والمشايخ ، لأنّ اللّه سبحانه إذا كان هو الفاعل لما يشاء كانت إرادته واجبة الوجود كذاته لأنّها عين ذاته الأحديّة وقد مرّ أنّ واجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات فلم تكن تلك الإرادة قصداً إلى التكوين سيّما التكوين المطلق أو التكوين الأوّل لأقرب المجعولات إليه وأشرف الكوائن منه لأنّ القصد إلى الشيء يمتنع بقاؤه بعد حصول ذلك الشيء المقصود .

فثبت أنّ إرادة اللّه سبحانه ليست عبارة عن القصد بل الحقّ في معنى كونه مريداً أنّه سبحانه وتعالى يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود في الكلّ من ذاته وأنّه كيف يكون وذلك النظام يكون لا محالة كائناً ومستفيضاً وهو غير مناف لذات المبدأ الأوّل جلّ اسمه لأنّ ذاته كلّ الخيرات الوجوديّة كما مرّ مراراً أنّ البسيط الحقّ كلّ الأشياء الوجوديّة فالنظام الأكمل الكونيّ الإمكانيّ تابع للنظام الأشرف الواجبيّ الحقيّ وهو عين العلم والإرادة ، فعلم المبدإ بفيضان الأشياء عنه وأنّه غير مناف لذاته هو إرادته لذلك ورضاه فهذه هي الإرادة الخالية عن النقص والإمكان وهي تنافي تفسير القدرة بصحّة الفعل والترك لا كما توهّمه بعض من لا إمعان له في الحكمة والعرفان .

ثمّ إنّك إذا حقّقت حكمت بأنّ الفرق بين المريد وغير المريد سواء كان في حقّنا أو في حقّ الباري هو ما أشرنا إليه فإنّ إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لم تكن صالحة لرجحان أحد ذينك الطرفين على الآخر ، وإذا صارت إلى حدّ الوجوب لزم منه الوقوع ، فإذن الإرادة الجازمة حقّاً أنّما يتحقّق عند اللّه وهناك قد

ص: 205

صارت موجبة للفعل وجوباً ذاتيّاً أزليّاً وأمّا في غيره فلا يخلو عن شوب الإمكان والقصور والفتور ولا ضرورة فيه إلّاضرورة بالغير ومادام الذات أو الوصف لا الضرورة الأزليّة فإذن ما يقال من أنّ الفرق بين الموجب والمختار أنّ المختار ما يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل والموجب ما لا يمكنه أن لا يفعل كلام باطل - لأنّك قد علمت أن الإرادة متى كانت متساوية لم تكن جازمة وهناك يمتنع حدوث المراد إلّا عند من نفى العليّة والمعلوليّة بين الأشياء كالأشاعرة ومتى ترجح أحد طرفيها على الآخر صارت موجبة للفعل ولا يبقى حينئذ بينها وبين سائر الموجبات فرق من هذه الجهة بل الفرق ما ذكرناه أنّ المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل غير المنافي عنه وغير المريد هو الذي لا يكون عالماً بما يصدر عنه كالقوى الطبيعيّة وإن كان الشعور حاصلاً لكن الفعل لا يكون ملائماً بل منافراً مثل الملجأ على الفعل فإنّ الفعل لا يكون مراداً له .

وممّا يدلّ على ما ذكرناه من أنّه ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل أنّ اللّه إذا علم أنّه يفعل الفعل الفلانيّ في الوقت الفلانيّ فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلاً وذلك محال والمؤدي إلى المحال محال ، فعدم وقوع ذلك الفعل محال فوقوعه واجب لاستحالة خروجه من طرفي النقيض مع أنّ اللّه مريد له وقادر عليه .

فظهر وتبيّن أن إمكان اللاكون وصحة الترك ليس شرطاً - لكون الفعل مقدوراً عليه أو مراداً وظهر أوضح الظهور أنّ مدار القادريّة على كون المشيّة سبباً لصدور الفعل أو الترك وأنّ القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل وإن وجبت المشيّة وجوباً ذاتيّاً أو غيريّاً

ص: 206

وامتنعت اللامشيّة امتناعاً ذاتيّاً أو غيريّاً . ومن توهّم أنّه لابدّ في كون الفاعل قادراً أن يقع منه اللامشيّة وقتاً ما - أو صحّ وقوعها أخطأ وخلط ولم يعلم بأنّ الفاعل إنّما يكون فاعلاً بالفعل حال صدور الفعل عنه وفي تلك الحالة يستحيل أن يصدق عليه أنّه شاء أن لا يفعل فلم يفعل فعلم أنّ صحّة وصفه بالفاعليّة ليست لأجل صدق هذه الحمليّة بل لصدق تلك الشرطيّة والواجب سبحانه يصدق عليه أنّه لو شاء أن لا يفعل فإنّه لا يفعل - وإن كان ذلك المفروض محالاً وتلك الحمليّة كاذبة كما في قولك لو لم يكن الصانع موجوداً لم يكن العالم موجوداً لما بينّا أنّ مشيّة اللّه عين ذاته فإذن كما ليس يضرّ صدق تلك الشرطيّة عدم وقوع المقدّم فكذا ليس يضرّه عدم إمكان وقوعه فليس لأحد أن يقول إنّا لا نعتبر في كون الفاعل قادراً مشيّة أن لا يفعل بل نعتبر فيه كونه بحيث يمكن في حقّه مشيّة أن لا يفعل والفاعل حال كونه فاعلاً وإن كذب عليه أنّه شاء أن لا يفعل لكنّه لا يكذب أنّه من شأنه أن لا يفعل دائماً ، وإنّا اعتبرنا هذا القيد حتّى يتميّز عن العلل الموجبة لأنّا نقول قد سبق أنّ الجهات التي بها يصير الفاعل فاعلاً بالفاعليّة التامّة يستحيل أن يحصل ولا يترتّب عليه الفعل فإذن الفاعل عندما يستجمع الجهات التي باعتبارها يكون مؤثّراً في الفعل لا يصدق عليه أنّه من شأنه أن لا يفعل بل يكذب عليه ذلك وأمّا سبيل التمييز بين المختار والموجب فليس كما توهّموه بل كما مرّ من مدخليّة العلم والمشيّة في الفاعليّة والتأثير وعدم مدخليتهما فهذا نصاب التحصيل والتدقيق وستعلم أنّ ما سوى اللّه من المختارين مضطرّ في اختياره مجبور في إرادته ؛ انتهى كلامه (1) . .

ص: 207


1- . الحكمة المتعالية : 315/8 - 320 .

أقول : تعرّضنا لهذه العبارات وأمثالها وبينّا وجه النظر فيها وضعفها في مبحث الجبر والتفويض فمن أراد فليراجع (1) .

وأمّا قول العالم عليه السلام «و ما ينكر الناس من البداء وأن يقف اللّه قوماً يرجئهم لأمره» فيدلّ دلالة واضحة على إرجاء أمر بعض الناس لأمر اللّه تعالى فهم ممّن ينظر في أمرهم فيما بعد وليس هذا الإرجاء لأجل عدم قدرته تعالى على تقدير ما يريده لهم ، إنّما هو لأجل تبيين تدبيره تعالى لكلّ قضيّة قضيّة وأنّه تعالى مبسوط اليدين ينفق كيف يشاء وهو تعالى لا يسأل عن فعله وهم يسألون .

وأمّا تبيين عالم آل محمّد عليهم السلام ل «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (2) فيدلّ على أنّ اللّه تعالى يقدّر في ليلة القدر أُمور السنة ، فالتقديرات الإلهيّة لكلّ سنة ليست من المحتومات قبل ليلة القدر أو لا يوجد تقدير بالنسبة لأُمور السنة قبل ليلة القدر .

وأمّا الأُمور الموقوفة ، فقد عرفت أمرها وأنّها ممّا لم يقدّر اللّه تعالى فيها شيئاً بالخصوص فهي موقوفة على أمره تعالى ، وله أن يقدّم منها ما شاء ويؤخّر منها ما شاء . ومنشأ هذا التقديم والتأخير والمحو والإثبات هو مالكيّته تعالى للرأي وسعة علمه ، فإنّ علمه علمان . علم مخزون وعلم محمول ، ومن المخزون يكون البداء .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال في قول اللّه عزّ وجلّ «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ » : لم يعنوا أنّه هكذا ، ولكنّهم قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال اللّه جلّ جلاله تكذيباً لقولهم «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » ألم تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (3) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام في قول اللّه تعالى «وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ» فقال : .

ص: 208


1- . سدّ المفرّ على القائل بالقدر : 109 .
2- . القدر : 1 .
3- . بحارالأنوار : 104/4 ، التوحيد : 167 ، معاني الأخبار : 18 .

كانوا يقولون قد فرغ من الأمر (1) .

عن يعقوب بن شعيب قال : سألت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه «قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ » قال : فقال : ليس كذا وقال بيده إلى عنقه ولكنّه قال : قد فرغ من الأشياء وفي رواية أخرى عنه قولهم فرغ من الأمر (2) .

فتحصّل من ذلك أنّ اللّه تعالى لم يفرغ من الأمر بل هو مبسوط اليدين ، له أن يقدّم ما شاء وله أن يؤخّر ما شاء ، وله أن يمحو ما شاء وله أن يثبت ما شاء ، وله أن يعامل العبد بعدله وله أن يعامله بفضله ، وكلاهما حسن في غاية الحسن . فلاحظ الخبر التالي :

قال الإمام الصادق عليه السلام : إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنّك قصدت باب بيت ملك عظيم لا يطأ بساطه إلّاالمطهّرون ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلّاالصدّيقون ، وهب القدوم إلى بساط خدمة الملك فإنّك على خطر عظيم إن غفلت هيبة الملك . واعلم أنّه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك ، فإن عطف عليك برحمته وفضله قبل منك يسير الطاعة وآجرك عليها ثواباً كثيراً ، وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك حجبك وردّ طاعتك وإن كثرت وهو فعّال لما يريد ، واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه فإنّك قد توجّهت للعبادة له والمؤانسة ، وأعرض أسرارك عليه ولتعلم أنّه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم ، وكن كأفقر عباده بين يديه ، وأخل قلبك عن كلّ شاغل يحجبك عن ربّك فإنّه لا يقبل إلّاالأطهر والأخلص . وانظر من أيّ ديوان يخرج اسمك فإن ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجابته ، فقد صلحت لخدمته ، فادخل فلك الأمن والأمان ، وإلّا فقف وقوف مضطرّ قد انقطع عنه الحيل وقصّر عنه الأمل وقضى عليه الأجل . فإذا علم اللّه عزّ وجلّ من قلبك صدق الإلتجاء إليه ، نظر إليك بعين الرحمة .

ص: 209


1- . بحارالأنوار : 113/4 ، الأمالي للشيخ الطوسي : 661 .
2- . بحارالأنوار : 117/4 ، تفسير العيّاشيّ : 330/1 .

والرأفة والعطف ووفّقك لما يحبّ ويرضى . فإنّه كريم يحبّ الكرامة لعباده المضطرّين إليه ، المحترقين على بابه لطلب مرضاته . قال اللّه عزّ وجلّ «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ » (1) الآية (2) .

الآية الرابعة :

«غُلِبَتِ الرُّومُ ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ » (3) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في ذيل الآية المباركة ما حاصله : أنّ الروم غلبت من قبل الفارس وقد أخبر اللّه تعالى بما سيكون وهو غلبة الروم على الفارس والظاهر أنّ الضمائر في قوله تعالى «هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» راجعة إلى الروم فهم من بعد مغلوبيّتهم سيغلبون الفرس .

وأمّا قوله تعالى «لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» فهو تمجيد في حدّ نفسه ، فله تعالى أن يقضي بعد الأمر الأوّل كما كان له أن يقضي الأمر الأوّل . والظاهر أنّ لهذه الجملة رابطة بسابقتها فهي تدلّ على مالكيّة اللّه تعالى للأمر قبل بلوغ أجله فله أن ينصر الروم قبل بلوغ الأجل وله أن ينصرهم بعده ، فليس الوعد بالنصر وعداً مطلقاً لا يقبل التغيير بل هو وعد مشروط بإرادته بنفوذ الأمر الأوّل أو تبديله بأمر آخر . هذا حاصل كلام شيخنا الأُستاذ رحمه اللّه تعالى (4) .

أقول : ما أفاده في ظاهر الآية المباركة متين جدّاً ولا غبار عليه ، إلّاأنّ لهذه الآية المباركة تأويلاً من أئمّة الهدى عليهم السلام وهو أنّ النصر المكتوب بحسب باطن الآية المباركة ثابت للمؤمنين فهم الذين سينتصرون على الفرس مضافاً على انتصار الروم عليهم . فلاحظ :

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول اللّه : «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى

ص: 210


1- . النمل : 62 .
2- . بحارالأنوار : 373/80 ، مصباح الشريعة : 130 .
3- . الرّوم : 2 - 4 .
4- . توحيد الإماميّة : 371 - 372 .

اَلْأَرْضِ » قال : يا أبا عبيدة ، إنّ لهذا تأويلاً لا يعلمه إلّااللّه والراسخون في العلم من الأئمّة . إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا هاجر إلى المدينة وقد ظهر الإسلام ، كتب إلى ملك الروم كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام وكتب إلى ملك فارس كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام . فأمّا ملك الروم فإنّه عظّم كتاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأكرم رسوله ، وأمّا ملك فارس فإنّه مزّق كتابه واستخفّ برسول رسول اللّه صلى الله عليه و آله . وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم ، وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس ، وكانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس . فلمّا غلب ملك فارس ملك الروم ، بكى لذلك المسلمون واغتّموا فأنزل اللّه «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ» يعني غلبتها فارس في أدنى الأرض وهي الشامات وما حولها ، ثمّ قال : وفارس من بعد غلبهم الروم سيغلبون في بضع سنين ، قوله للّه الأمر من قبل أن يأمر ، ومن بعد أن يقضي بما يشاء ، قوله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ينصر من يشاء .

قلت : أليس اللّه يقول في بضع سنين وقد مضى للمسلمين سنون كثيرة مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وفي إمارة أبي بكر وإنّما غلب المؤمنون فارس في إمارة عمر ؟

فقال عليه السلام : ألم أقل لك إنّ لهذا تأويلاً وتفسيراً . والقرآن يا أبا عبيدة ناسخ ومنسوخ ، أما تسمع قوله «للّه الأمر من قبل ومن بعد »، يعني إليه المشيئة في القول أن يؤخّر ما قدّم ويقدّم ما أخّر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين ، وذلك قوله «وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ» (1) .

وكيفما كان ، فلا خفاء في دلالة الآية المباركة على البداء وكون الأمر ممّا للّه تعالى فيه التقديم والتأخير وهذا هو المراد من البداء .

قال أبو هاشم : سأل محمّد بن صالح الإمام أبا محمّد عليه السلام عن قوله تعالى «لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ » فقال عليه السلام : له الأمر من قبل أن يأمر به ، وله الأمر من بعد أن يأمر به بما يشاء . .

ص: 211


1- . بحارالأنوار : 100/4 ، تفسير القمّيّ : 152/2 .

فقلت في نفسي : هذا قول اللّه «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» فأقبل عليّ فقال : هو كما أسررت في نفسك ، «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .

قلت : أشهد أنّك حجّة اللّه وابن حجّته في خلقه (1) .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في أنّ الأمر بيد اللّه تعالى قبل أن يأمر به وبعده ، فلا محدوديّة لنفوذ أوامره من ناحية أمره السابق ، بل له الأمر بما يشاء بعد المشيّة الأُولى .

فتحصّل من ذلك أنّ الآية المباركة تنصّ على عدم محدويّة نفوذ مشيّة اللّه تعالى في الأُمور من ناحية أمره الأوّل ، بل له أن يبدّله ويأتي بأمر جديد ، وله أن يقدّم منه ما شاء ويؤخّر منه ما شاء .

الآية الخامسة :

« خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ » (2) .

سمع الحسن بن محمّد النوفليّ يقول : قال الرضا عليه السلام لسليمان المروزيّ : ما أنكرت من البداء يا سليمان ، واللّه عزّ وجلّ يقول : «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً » ، ويقول عزّ وجلّ : «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ» ، ويقول : «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ » ، ويقول عزّ وجلّ : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» ، ويقول : «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ » ، ويقول عزّ وجلّ : «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ » ، ويقول عزّ وجلّ : «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ» .

قال سليمان : هل رويت فيه عن آبائك شيئاً ؟

قال : نعم رويت عن أبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال : إنّ للّه عزّ وجلّ علمين علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّاهو من ذلك يكون البداء ، وعلماً علّمه ملائكته ورسله

ص: 212


1- . بحارالأنوار : 115/4 ، الخرائج والجرائح : 686/2 .
2- . فاطر : 11 .

فالعلماء من أهل بيت نبيّك يعلمونه .

قال سليمان : أحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّ وجلّ قال : قول اللّه عزّ وجلّ لنبيّه «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» ، أراد إهلاكهم ثمّ بدا ، فقال : «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » ؛ الخبر (1) .

أقول : لقد استدلّ الإمام الرضا عليه السلام على البداء بالآية التي ذكرناها والظاهر أنّ وجه الاستدلال بها هو أنّ نقص العمر لا يكون إلّافي كتاب ، والظاهر أنّ المراد منه هو أنّ نقص العمر لا يكون إلّابكتب منه تعالى ومشيّة حادثة جديدة فإنّ الظاهر من النقص هو تبديل التقدير الأوّل بتقدير ثان جديد ، ولذا يكون الإستدلال بهذه الآية المباركة على البداء من جهة تبديل التقدير الأوّل بتقدير جديد .

قال شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

قوله تعالى : «وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ» بيان لعموم علمه تعالى وشموله لجميع الحوادث الجارية في العالم وأنّه لا يقع شيء في الأرض ولا في السماء إلّابعلمه ، ومنها ابتداء حمل الإناث ما في أرحامهنّ من الأولاد .

وقوله تعالى : «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ...» ، «ما» فيه للنفي و «من» تأكيد للنفي . أي: جميع الآجال والأعمار التي كتبها سبحانه على كلّ أحد لا تنقضي سنينه ولا شهوره ولا أيّامه ولا ساعاته ولا لحظاته وآناته إلّا بعلمه .

وكذلك لو شاء وأراد وقدّر انتقاص عمر أحد ، لابدّ أن يكون بمشيّة وإرادة وقدر جديد وكتاب وأجل ، لأنّ لكلّ أجل وحادثة جديدة كتاباً جديداً .

إن قلت : قوله : «ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ...» معناه إجراء ما كان على ما .

ص: 213


1- . بحارالأنوار : 95/4 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام : 179/1 .

كان مكتوباً في الأزل من دون تغيير وتبديل . والمراد من مدّ العمر ونقصه هو المدّ والنقص الواجب بالأسباب الواجبة المكتوبة في الأزل أيضاً .

قلت : هذا تأويل بارد . إذ ليس في الكتاب الأزليّ نقص ولا زيادة بالحقيقة ، بل النقص والزيادة إنّما يتصوّر في كتاب حادث بالحقيقة .

فإن قلت : أليس سياق الآية الكريمة من أوّلها إلى آخرها لبيان نفوذ علمه تعالى وشموله على هذه السنة المباركة وإجرائها طبق علمه تعالى ؟

قلت : نعم ، لا كلام في ذلك . إنّما الكلام في أنّ هذه التقدير وغيره من التقادير كلّها ليس تقديراً واحداً أزليّاً لا يتغيّر ولا يتبدّل . والآية المبحوثة عنها لا تدلّ على شيء من ذلك ، بل الآية تدلّ على أنّ هذه السنّة المباركة - مثل سائر سننه تعالى - لا تكون إلّابتقدير حادث . أي:

ما يعمّر أحد من الناس إلّاكان عمره مقدّراً ، ولا ينقص إلّابتقدير حادث لم يكن أصلاً . وكلا التقديرين في كتاب حادث .

واستحالة التغيير والتبديل في هذا الكتاب ، إنّما هو بناء على ما قيل :

إنّ المشيّة والإرادة عين العلم الثابت الأزليّ . وقد تقدّم الكلام في ذلك في الأبحاث السابقة . فله تعالى التغيير والتبديل فيما شاء وأراد وقدّر وقضى طبق حكمته وعدله وفضله . انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

الآية السادسة :

«أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً» (2) .

أقول : قد مرّ استدلال الإمام الرضا عليه السلام بهذه الآية المباركة في خبر سليمان المروزي . والظاهر أنّ وجه الإستدلال بها هو أنّ البداء لغة بمعنى نشوء الرأي سواء

ص: 214


1- . توحيد الإمامية : 385 - 386 .
2- . مريم : 67 .

كان هذا الرأي بعد رأي سابق في قضيّة واحدة أم رأي جديد في قضيّة جديدة ولذا يكون كلّ ما دلّ على الإبتداء والإبداع ممّا يدلّ على البداء وهذه الآية المباركة تدلّ على ابتداء خلق الإنسان ، ولذا تكون دالّة على البداء بمعنى نشوء الرأي في القضيّة الجديدة ، واللّه تعالى العالم .

قال شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

عدّة من الآيات التي فيها تصريح بأنّ أمره تعالى كلّه إبداعيّ وإبدائيّ . قال تعالى : «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » . «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» . «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ » . «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ » .

بيان : قال ابن منظور : «قال الجوهري : بدا له في الأمر بداءً - ممدودة - أي: نشأ له فيه رأي» . وقال أيضاً : «في أسماء اللّه عزّ وجلّ المبدئ : هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال» .

وقال أيضاً : «بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه : أنشأه وبدأه ... وأبدعت الشيء اخترعته لا على مثال . والبديع من أسماء اللّه تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها . وهو البديع الأوّل قبل كلّ شيء» .

أقول : الآيات الكريمة صريحة في أنّ اللّه سبحانه خلق السماوات والأرض وجميع ما سواه من الخلق مبتدئاً ومبتدعاً به . ومعنى ابتدائه وابتداعه الخلق هو شروعه تعالى في ما لم يكن أصلاً . وخلقه تعالى واختراعه وإنشاؤه الخلق لا يكون إلّاعن قدرة ومالكية ذاتيّة في مرتبة متقدّمة على الفعل وضدّه ونقيضه من دون إيجاب وإلزام عليه تعالى . فله سبحانه أن يفعل ويترك ، وأن يبقي ويفني ، وأن يبدله بمثله ، أو يغيّر بعض أجزاء النظام الموجود ويأتي بأجزاء نظام آخر .

ص: 215

وبالجملة هو سبحانه بمالكيّته الذاتيّة بجميع الأنظمة الحسنى غير المتناهية التي يكشف عنها علمه ، له أن يأتي بواحد منها ثمّ يبدّله بالنظام الآخر . انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

الآية السابعة :

« هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » (2) .

الآية الثامنة :

«بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» (3) .

الآية التاسعة :

«وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» (4) .

أقول : هذه الآيات المباركة ممّا استدلّ بها الإمام الرضا عليه السلام على البداء ، وقد اتّضح ممّا ذكرناه في بيان الآية السادسة وجه الاستدلال في هذه الآيات .

الآية العاشرة :

«يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ» (5) .

أقول : قد مرّ استدلال الأمام الرضا عليه السلام بهذه الآية المباركة على البداء ، والوجه فيه هو أنّ الزيادة في الخلق تدلّ على تغيير التقدير والمشيّة وهذا يكون ناتجاً عن نشوء الرأي بتغيير ما قدّره أوّلاً .

إذا عرفت ذلك ، يتّضح لك أنّ ما دلّ على قدرته تعالى على إذهاب ما كان وإتيان ما لم يكن هو من الأدلّة الدالّة على البداء ، فلاحظ :

الآية الحادية عشرة :

«وَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ

ص: 216


1- . توحيد الإمامية : 386 - 387 .
2- . الرّوم : 27 .
3- . البقرة : 117 ، الأنعام : 101 .
4- . السّجدة : 7 .
5- . فاطر : 1 .

وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً» (1) .

الآية الثانية عشرة :

«إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» (2) .

الآية الثالثة عشرة :

«إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (3) .

حيث إنّ الإذهاب يكون ناتجاً عن مشيّة جديدة وكذا الإتيان ، فتكون هذه الطائفة من الآيات المباركات دالّة على البداء كما استدلّ بها شيخنا المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره في كتابه توحيد الإماميّة (ص 384) فراجع .

الآية الرابعة عشرة :

«وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (4) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ» قال :

قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة ومثل جعفر وأشباههما من المؤمنين ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام فوحّدوا اللّه وتركوا الشرك ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار ، فهم على تلك الحال إمّا أن يعذبهم وإمّا يتوب عليهم (5) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام في قول اللّه «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ» قال : هم قوم من المشركين أصابوا دماً من المسلمين ثمّ أسلموا ، فهم المرجون لأمر اللّه (6) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : سألته بين الإيمان والكفر منزلة ، فقال : نعم ومنازل لو يجحد شيئاً منها أكبّه اللّه في النار ، بينهما «آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ» ، وبينهما

ص: 217


1- . النّساء : 132 و 133 .
2- . إبراهيم : 19 .
3- . فاطر : 16 - 17 .
4- . التّوبة : 106 .
5- . بحارالأنوار : 113/20 ، الكافي : 407/2 .
6- . بحارالأنوار : 165/69 ، تفسير العيّاشيّ : 110/2 .

المستضعفون ، وبينهما «آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً » وبينهما قوله «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ » (1) .

أقول : يظهر من هذه الآية المباركة - بقرينة الأخبار - أنّ من أسلم من غير عرفان لمعنى الإيمان في قلبه بعد أن تلوّثت يداه بدماء المسلمين يكون حاله مرجوّاً لأمر اللّه تعالى ، إمّا أن يعذّبه وإمّا أن يتوب عليه فاللّه تعالى لم يشأ تعذيبه ولا رحمته بعد ، مع أنّه تعالى عليم حكيم فليس عدم المشيّة منه تعالى مستنداً إلى عدم العلم - كما في المخلوق بحسب الغالب - بل هو مستند إلى مالكيّته للرأي وكون التعذيب عدلاً والرحمة فضلاً ، فله أن يختار الأوّل وله أن يختار الثاني .

ولعلّ عدم اختيار شيء منهما فعلاً لأجل إرائة الخلق العارفين به تدبيره لجميع الأُمور صغيرها وكبيرها ، أو وقوف العبد المرتكب لهذا الذنب مقام الخائف الراجي ، أو شيئاً آخر .

وكيفما كان ، فالاستدلال بهذه الآية المباركة على البداء وكونه تعالى ذا قدرة ومشيّة وكونه تعالى مالكاً على الإطلاق ممّا لا غبار عليه كما استدلّ به الإمام الرضا عليه السلام في خبر المروزي المذكور سابقاً والحمد للّه .

الآية الخامسة عشرة :

«هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» (2) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

الآية صريحة في عنايته تعالى إلى الأجل في حياة الإنسان ومقدار عمره بحسب أيّامه وساعاته ولحظاته . وظاهر الآية أنّ هناك أجلين :

أجل مسمّى ، وأجل غير مسمّى . والظاهر أنّ المراد من تسمية الأجل هو تعيينه بحدوده بحسب الواقع ، ثمّ تعليمه وإلقاؤه إلى حملة العلم

ص: 218


1- . بحارالأنوار : 166/69 ، تفسير العيّاشيّ : 111/2 .
2- . الأنعام : 2 .

من الملائكة المقرّبين والأنبياء والصدّيقين عليهم السلام . وليس المراد من التسمية تسميته تعالى لنفسه ، إذ لا محصّل لذلك بعد مشيّته تعالى وإرادته وقدره وقضائه .

وواضح عند أولي الألباب والإنصاف أنّ هذين الأجلين متقابلان متضادّان . فغير المسمّى هو الأجل الذي قضاه تعالى على شيء بأنّه مؤجّل ولما يتعيّن بعد . والمسمّى هو الذي عيّنه تعالى بحدوده وألقاه وسمّاه إلى حملة العلم . والأوّل موقوف مرجئ . والثاني مسمّى ومتعيّن . وبالجملة الفرق بينهما بحسب الواقع بالتسمية وعدمها .

انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ «قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » قال : هما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف (2) .

أقول : لعلّ المراد من المحتوم هو الذي لا يتغيّر في قبال الأجل الموقوف الذي يكون قابلاً للتغيير ، فيكون مفاد هذا الخبر الشريف نفس مفاد الأخبار الأربعة الآتية ، فلاحظ :

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام في قوله «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» قال :

الأجل الذي غير مسمّى موقوف يقدّم منه ما شاء ويؤخّر منه ما شاء ، وأمّا الأجل المسمّى فهو الذي ينزل ممّا يريد أن يكون من ليلة القدر إلى مثلها من قابل ، فذلك قول اللّه «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ» (3) .

عن حمران قال : سألت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » قال : فقال : هما أجلان أجل موقوف يصنع اللّه ما يشاء وأجل محتوم . وفي رواية حمران عنه : أمّا الأجل الذي غير مسمّى عنده فهو أجل موقوف يقدّم فيه ما يشاء .

ص: 219


1- . توحيد الإماميّة : 367 .
2- . الكافي : 147/1 .
3- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 354/1 .

ويؤخّر فيه ما يشاء ، وأمّا الأجل المسمّى هو الذي يسمّى في ليلة القدر (1) .

عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام في قوله تعالى «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » قال : إنّهما أجلان أجل محتوم وأجل موقوف .

قال له حمران : ما المحتوم ؟

قال : الذي لا يكون غيره .

قال : وما الموقوف ؟

قال : هو الذي للّه فيه المشية .

قال حمران : إنّي لأرجو أن يكون أجل السفيانيّ من الموقوف .

فقال أبو جعفر عليه السلام : لا واللّه ، إنّه من المحتوم (2) .

عن حمران عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : سألته عن قول اللّه «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » .

قال : المسمّى ما سمّي لملك الموت في تلك الليلة ، وهو الذي قال اللّه : إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وهو الذي سمّي لملك الموت في ليلة القدر ، والآخر له فيه المشيئة إن شاء قدّمه وإن شاء أخّره (3) .

والحاصل من هذه الأخبار أنّ الأجل أجلان :

الأوّل : الأجل المسمّى وهو المحتوم الذي إن جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .

الثاني : الأجل غير المسمّى وهو الموقوف يقدّم منه ما يشاء ويأخّر منه ما يشاء .

وأمّا الخبران الآتيان فقد ذكر فيهما أنّ المسمّى هو المسمّى عنده لا عند ملك .

ص: 220


1- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 355/1 .
2- . بحارالأنوار : 249/52 ، الغيبة للشيخ النعمانيّ : 301 .
3- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 354/1 .

الموت أو الأنبياء والأوصياء عليهم السلام . وقد ذهب بعض المحقّقين من أساتذتنا (1) إلى لزوم إيكال علم مثل هذه الأخبار إلى اللّه تعالى وأوليائه عليهم السلام :

عن حصين عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام في قوله «ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» قال : ثمّ قال أبو عبداللّه عليه السلام : الأجل الأوّل هو ما نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء ، والأجل المسمّى عنده هو الذي ستره اللّه عن الخلائق (2) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : الأجل المقضي هو المحتوم الذي قضاه اللّه وحتمه ، والمسمّى هو الذي فيه البداء يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير (3) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : ما من عبد إلّاوضرب اللّه له أجلين أدنى وأقصى .

فإن وصل رحمه في اللّه عزّ وجلّ ، مدّ اللّه له إلى الأجل الأقصى . وإن عقّ وظلم ، أعطي الأدنى ، وهو قوله تعالى «قَضى أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى» (4) .

يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ الأجلين معلومان مقدّران إلّاأنّ اللّه تعالى أوقف تعيين أحدهما على الآخر على فعل العبد ، فإن وصل رحمه مدّ في عمره ، وإن عقّ أعطاه الأدنى .

لا يقال : أنّ اللّه تعالى عالم بما سيفعله العبد في الخارج ، ولذا لابدّ وأن يكون التقدير معيّناً .

لأنّه يقال : أنّ العبد لا يفعل الأفعال الصالحة عن قدرة وإرادة إلّاإذا وفّقه اللّه تعالى لها فيفعلها عن قدرة وإرادة كما تحدّثنا حوله في كتابنا «سدّ المفرّ على القائل بالقدر» . ومن الواضح أنّ التوفيق هو فضل إلهيّ وعدم التوفيق هو عين العدل ولا يتعيّن على اللّه تعالى اختيار أحدهما دون الآخر ، لأنّ له تعالى أن يختار مقتضى .

ص: 221


1- . توحيد الإماميّة : 370 .
2- . بحارالأنوار : 117/4 ، تفسير العيّاشيّ : 355/1 .
3- . بحارالأنوار : 139/5 ، تفسير القمّيّ : 194/1 .
4- . مستدرك الوسائل : 249/11 .

العدل ، كما أنّ له أن يختار مقتضى الفضل ، فتأمّل جيّداً .

فتحصّل من ذلك أنّ الآية المباركة تدلّ على البداء ووجه الدلالة فيها هو أنّ الأجل أجلان ؛ أحدهما مسمّى لملك الموت وهو مقدّر والآخر غير مسمّى وفيه يكون التقديم والتأخير ، هذا بحسب الطائفة الأُولى من الأخبار . وأمّا بحسب الخبر الأخير فالظاهر منها أنّ تعيين الأجل الأقل موقوف على مشيّة اللّه تعالى فليس هناك تعيين لأحدهما على الآخر بل التعيين واقع في حدّ الأقلّ وحدّ الأكثر من الأجلين .

وأمّا ما دلّ على أنّ المسمّى هو المسمّى عنده لا عند الخلائق فهي وإن كانت تخالف الطائفة الأُولى من حيث بيان المسمّى إلّاأنّها توافقها في الدلالة على البداء .

وكيفما كان ، فلا شك في دلالة الآية المباركة على البداء من حيث تعليق أُمور على إرادة اللّه تعالى ورأيه ، وهذا هو المراد من البداء .

وهناك آيات أُخرى قريبة من مضمون هذه الآية المباركة وقد تعرّض لذكرها شيخنا الأُستاذ المحقّق في كتاب «توحيد الإماميّة» عند التعرّض لهذه الآية المباركة في بحث البداء ، فراجع .

الآية السادسة عشرة :

«إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ، سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ » (1) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

القدر - بفتح الدال وسكونها - بمعنى واحد . وهو بحسب ما يدلّ عليه الكتاب والسنّة تعيين حدود الأمر المُشاء والمراد من جميع الجهات . وقد تقدّم في البحث عن المشيّة والإرادة والقدر عن الرضا صلوات اللّه عليه أنّ القدر هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء وأنّه هو وضع الحدود من الآجال والأرزاق والبقاء والفناء (2) .

ص: 222


1- . سورة القدر .
2- . توحيد الإمامية : 355 .

وقال أيضاً : وقوله تعالى : «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» الظاهر أنّ «من» متعلّق بقوله : «تنزّل» . ولا يستقيم المعنى إلّاأن يكون «من» بمعنى «الباء» كما في قوله تعالى : «يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ» (1) . فالمعنى : تنزّل الملائكة والروح بجميع الأمور المقدّرة في هذه الليلة المباركة . انتهى كلامه (2) .

عن محمّد بن جمهور عن موسى بن بكر عن زرارة عن حمران قال : سألت أبا عبداللّه عليه السلام عمّا يفرق في ليلة القدر ، هل هو ما يقدّر اللّه فيها ؟

قال عليه السلام : لا توصف قدرة اللّه إلّاأنّه قال «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (3) فكيف يكون حكيماً إلّاما فرّق ، ولا توصف قدرة اللّه سبحانه لأنّه يحدث ما يشاء . وأمّا قوله «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ » يعني فاطمة عليها السلام ، وقوله «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها» والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد عليهم السلام ، والروح روح القدس وهو في فاطمة عليها السلام ، «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ» يقول من كلّ أمر مسلّمة «حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ » يعني حتّى يقوم القائم عليه السلام (4).

قوله عليه السلام : «فكيف يكون حكيماً إلّاما فرّق» لعلّ المراد منه هو أنّه لمّا كانت الأُمور حكيمة وغير حكيمة ولمّا كان تعالى لا يفعل إلّاالحكيم ، لابدّ وأن يكون ما فرّقه حكيماً .

قوله عليه السلام : «لا توصف قدرة اللّه سبحانه لأنّه يحدث ما يشاء» يدلّ على أنّ قدرة اللّه تعالى لا توصف بحدّ ، فإنّه يحدث ما يشاء بالمشيّة الحادثة ، فلا يجوز إنكار قدرته تعالى على المشيّة الحادثة التي لا سبق لها ، فإنّ ذلك وصف له بما لم يوصف به نفسه .

قوله عليه السلام : «يعني فاطمة وهو في فاطمة عليها السلام » فالظاهر منه أنّ فاطمة عليها السلام هي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر ولم يوضّح الإمام عليه السلام المراد من أفضليّة فاطمة عليها السلام .

ص: 223


1- . الشورى : 45 .
2- . توحيد الإماميّة : 356 .
3- . الدخان : 4 .
4- . بحارالأنوار : 97/25 ، تأويل الآيات : 791 .

على ألف شهر ، وأمّا الملائكة فهم المؤمنون الذين يملكون ويحملون علم آل محمّد عليهم السلام ، والروح هو روح القدس ، والضمير في «فيها» يعود إلى فاطمة عليها السلام .

وأمّا قوله عليه السلام : «من كلّ أمر سلام» فيحتمل فيه أمران :

1 - أنّ فاطمة عليها السلام مسلّمة من كلّ أمر إلى قيام القائم عجّل اللّه فرجه الشريف ، ولا يعني ذلك أنّها غير مسلّمة بعد ذلك كما في قوله صلى الله عليه و آله في حديث الثقلين «حتّى يردا عليّ الحوض» (1) .

2 - أن تكون الجملة استئنافيّة ، فليلة القدر مسلّمة من كلّ أمر إلى قيام القائم عليه السلام ، والأوّل أظهر .

والظاهر أنّ هذا البيان من الإمام عليه السلام بالنسبة إلى فاطمة الزهراء عليها السلام يناسب التأويل والبطن لا الظاهر ، واللّه تعالى العالم .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه «تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها» قال : تنزّل فيها الملائكة والكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون في السنة من أمره وما يصيب العباد ، والأمر عنده موقوف له فيه المشية فيقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء «و يمحوا اللّه ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب » (2).

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ على إمكان تبديل ما كتبه اللّه تعالى في ليلة القدر ، وهذا هو المراد من البداء .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام أنّ ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان هي ليلة الجهني ، فيها يفرق كلّ أمر حكيم ، وفيها تثبت البلايا والمنايا والآجال والأرزاق والقضايا وجميع ما يحدث اللّه فيها إلى مثلها من الحول . فطوبى لعبد أحياها راكعاً وساجداً ومثّل خطاياه بين عينيه ويبكي عليها ، فإذا فعل ذلك رجوت أن لا يخيب إن شاء اللّه . وقال : يأمر اللّه ملكاً ينادي في كلّ يومٍ من شهر رمضان في الهواء : أبشروا عبادي ، فقد وهبت لكم ذنوبكم السالفة وشفّعت بعضكم في بعض في ليلة القدر إلّامن .

ص: 224


1- . الكافي : 209/1 .
2- . بحارالأنوار : 9/94 ، دعائم الإسلام : 281/1 .

أفطر على مسكر أو حَقَد على أخيه المسلم (1) .

عن عبد اللّه بن مسكان عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إذا كان ليلة القدر ، نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة . فإذا أراد اللّه أن يقدّم شيئاً أو يؤخّره أو ينقص شيئاً ، أمر الملك أن يمحوا ما يشاء ، ثمّ أثبت الذي أراد .

قلت : وكلّ شيء هو عند اللّه مثبت في كتاب ؟

قال : نعم .

قلت : فأيّ شيء يكون بعده ؟

قال : سبحان اللّه ، ثمّ يحدث اللّه أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى (2) .

بيان : هذا الخبر الشريف صريح في إمكان تغيير القضاء الإلهيّ ، فإنّه تعالى يحدث ما يشاء .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : إنّ ليلة القدر يكتب ما يكون منها في السّنة إلى مثلها من خير أو شرّ أو موت أو حياة أو مطر ، ويكتب فيها وفد الحاجّ ثمّ يفضى ذلك إلى أهل الأرض .

فقلت : إلى مَنْ مِنْ أهل الأرض ؟

فقال : إلى من ترى (3) .

عن داود بن فرقد قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ «إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ » قال : ينزل فيها ما يكون من السّنة من موت أو مولود .

قلت له : إلى من ؟

فقال : إلى من عسى أن يكون . إنّ النّاس في تلك الليلة في صلاة ودعاء ومسألة .

ص: 225


1- . بحارالأنوار : 4/94 ، الدعوات : 207 .
2- . بحارالأنوار : 99/4 ، تفسير القمّيّ : 366/1 .
3- . مستدرك الوسائل : 462/22 .

وصاحب هذا الأمر في شغل تنزّل الملائكة إليه بأمور السنة من غروب الشمس إلى طلوعها من كلّ أمر سلام ، هي له إلى أن يطلع الفجر (1) .

عن الإمام الصادق عليه السلام قال : في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التّقدير ، وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء ، وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام ما يكون في السّنة إلى مثلها ، وللّه عزّ وجلّ أن يفعل ما يشاء في خلقه (2) .

أقول : يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ الأمر وإن كان مبرماً إلّاأنّ اللّه تعالى قادر على تبديله وتغييره .

و في أدعية الإمام السجّاد عليه السلام : ثمّ فضّل ليلة واحدة من لياليه [ على ليالي ] ألف شهر وسمّاها ليلة القدر تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام دائم البركة إلى طلوع الفجر على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائها (3) .

فتحصّل من ذلك أّن هذه السورة المباركة تدلّ على إنزال التقديرات الإلهيّة من موت الخلائق وحياتهم ورزقهم ومعاشهم وغير ذلك على وليّ الأمر عليه السلام ، وبعد التقدير لا يكون الأمر بتّياً على اللّه تعالى بل له أن يبدّل ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويقدّم ما يشاء ، إلّافي مسألة الرزق فإنّ بعض الأخبار تدلّ على أنّ ما يقدّر في ليلة الثالثة والعشرين من الحتميّات التي لا يبدو للّه تعالى فيها وسيأتيك البحث في فصل «موارد البداء» .

الآية السابعة عشرة :

«إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» (4) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

يعني إنّه يتعيّن ويتشخّص حدود الأمر الحكيم من جميع جهاته وجزئياته في هذه الليلة المباركة ، وهذا من مصاديق التقدير المذكور

ص: 226


1- . مستدرك الوسائل : 462/22 .
2- . من لا يحضره الفقيه : 156/2 .
3- . إقبال الأعمال : 42 .
4- . الدّخان : 3 و 4 .

في قوله تعالى : «لَيْلَةِ الْقَدْرِ» .

قوله تعالى : «أَمْرٍ حَكِيمٍ» . أقول : الإحكام في الأمور هو تدبيره على وجه صحيح دقيق مطابقاً للحكمة والمصلحة . مثلاً : الإحكام في أمر البناء ، هو عدم تخلّل نقص وعيب في شؤونه اللّازمة وعدم تخلّل ضعف ووهن في أمره . والإحكام في الكلام ، هو إتقانه على وجه صحيح مطابقاً لمقاصد المتكلّم ومراميه في إفادته وإفهامه . والآية الكريمة صريحة في أنّ هذا التقدير والتفريق إنّما هو بحسب أمره تعالى وحكمه النافذ . انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : قال اللّه عزّ وجلّ في ليلة القدر : «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » يقول ينزّل فيها كلّ أمر حكيم ، والمحكم ليس بشيئين إنّما هو شيء واحد ، فمن حكم بما ليس فيه اختلاف ، فحكمه من حكم اللّه عزّ وجلّ ، ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنّه مصيب ، فقد حكم بحكم الطاغوت ، إنّه لينزل في ليلة القدر إلى وليّ الأمر تفسير الأمور سنةً سنةً يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا ، وفي أمر الناس بكذا وكذا ، وإنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كلّ يوم علم اللّه عزّ ذكره الخاصّ والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ، ثمّ قرأ : «وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » (2) . (3)

أقول : الخبر الشريف صريح في حدوث العلم للإمام عليه السلام في كلّ يوم . والظاهر أنّ من هذا العلم الحادث هو التقديرات الإلهيّة والبدائيّات ، فمع أنّه تعالى قدّر الأُمور وفرّقها ، إلّاأنّ له أن يبدلها ويؤخّرها ويفعل ما يشاء فلا تحديد له تعالى من ناحية تقديره ، كما أنّه لا تحديد له من ناحية العلم لعدم محدوديّة علمه تعالى بهذا النظام .

ص: 227


1- . توحيد الإماميّة : 359 .
2- . لقمان : 27 .
3- . بحارالأنوار : 79/25 ، الكافي : 248/1 .

كما عرفت ، ولذا يكون لأئمّة الهدى عليهم السلام العلم الجديد الحادث في كلّ يوم ، فتأمّل جيّدا .

الآية السابعة عشرة :

«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» (1) .

أقول : سيأتي توضيح الآية المباركة قريباً ، فانتظر .

الآية التاسعة عشرة :

«فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » (2) .

عن أبي بصير عن الإمام أبي جعفر والإمام أبي عبداللّه عليه السلام أنّهما قالا : إنّ النّاس لمّا كذّبوا برسول اللّه صلى الله عليه و آله ، همّ اللّه تبارك وتعالى بهلاك أهل الأرض إلّاعليّاً فما سواه بقوله «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» ، ثمّ بدا له ، فرحم المؤمنين ، ثمّ قال لنبيّه صلى الله عليه و آله :

«وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» (3) . (4)

عن أبي بصير عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى قال لنبيّه :

«فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» أراد أن يعذّب أهل الأرض ، ثمّ بدا للّه فنزلت الرحمة فقال :

« يُذْكَرَ » يا محمّد «فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» فرجعت من قابل .

فقلت لأبي عبداللّه عليه السلام : جعلت فداك ، إنّي حدّثت أصحابنا فقالوا بدا للّه ما لم يكن في علمه .

قال : فقال أبو عبداللّه عليه السلام : إنّ للّه علمين : علم عنده لم يطلع عليه أحداً من خلقه ، وعلم نبذه إلى ملائكته ورسله فما نبذه إلى ملائكته فقد انتهى إلينا (5) .

عن محمّد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قوله «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها

ص: 228


1- . الذّاريات : 54 .
2- . يونس : 98 .
3- . الذاريات : 55 .
4- . الكافي : 103/8 .
5- . بحارالأنوار : 110/4 ، بصائر الدرجات : 110 .

نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» (1) قال : الناسخ ما حوّل ، وما ينسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعد كقوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ، قال : فيفعل اللّه ما يشاء ويحوّل ما يشاء مثل قوم يونس إذا بدا له فرحمهم ومثل قوله «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» ، قال :

أدركهم رحمته (2) .

أقول : من الواضح أنّ اللّه تعالى أراد أن يعذّب القوم بتكذيبهم وقد أنبأ عن هذه الإرادة وأخبر رسوله صلى الله عليه و آله بتركهم ، ولكن بدا له ، فرحمهم كما في قصّة قوم يونس حيث إنّه تعالى شاء تعذيبهم إلّاأنّه بدا له فرحمهم . فهاتان الآيتان دالّتان على تبديل مشيّة اللّه تعالى لسعة علمه وقدرته ، وهذا هو المراد من البداء .

الآية العشرون :

«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ » (3) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قوله : «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » قال : الناسخ ما حوّل ، وما ينسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعد كقوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » قال : فيفعل اللّه ما يشاء ويحوّل ما يشاء مثل قوم يونس إذا بدا له فرحمهم ومثل قوله «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ» قال : أدركهم رحمته (4) .

أقول : هذه الآية المباركة من الآيات الدالّة على البداء فإنّ تبديل آية مكان آية أُخرى دليل على تبديل المشيّة ، ولذا قال الإمام الباقر عليه السلام أنّها تضاهي قوله تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بيّن المراد من التحويل وهو تبديل المشيّة حقيقة كما في قصّة قوم يونس الذين غضب اللّه تعالى عليهم ثمّ رحمهم وكما في قصّة أمّة الرسول

ص: 229


1- . البقرة : 106 .
2- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 55/1 .
3- . البقرة : 106 .
4- . بحارالأنوار : 116/4 ، تفسير العيّاشيّ : 55/1 .

الأكرم صلى الله عليه و آله (1)حيث أنّه بدا له تعالى فيهم فرحمهم بعد ما كان يريد إهلاكهم .

قوله عليه السلام : «الناسخ ما حوّل» الظاهر أنّ المراد منه بيان حقيقة النسخ فإنّه بمعنى التحويل والتبديل ولذا يكون الناسخ هو المحوّل .

قوله عليه السلام : «وما ينسيها مثل الغيب الذي لم يكن بعد» فلعلّ المراد منه أنّه تعالى ينسي هذه الآية المباركة بحيث تصبح من الغيب الذي هو من العلم المخزون كما عرفت سابقاً ، فيكون ذلك كناية عن تغيير التقدير فيها ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه المنتجبون .

هذا وقد مرّ سابقاً ما أفاده شيخنا الأستاذ آية اللّه محمّد باقر الملكيّ في المراد من الآية في تفسيره «مناهج البيان» وقريب منه ما في كتابه «توحيد الإماميّة : 376 - 383» فراجع .

الآية الحادية والعشرون :

«يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » (2) .

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال : إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال : قال اللّه تعالى : «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» . فإنّ من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين (3) .

الظاهر من الخبر الشريف أنّ اللّه تعالى كلّ يوم هو في شأن جديد لم يكن فيه قبل ذلك وهذا يدلّ على مشيّته المحدثة الجديدة فإنّ من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرّج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين ولذا تكون الآية المباركة من الآيات الدالّة على البداء .

وهناك آيات كثيرة تدلّ على أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء وهي بإطلاقها تدلّ على إمكان تغيير المشيّة الأُولى وإليك بعضها :

ص: 230


1- . بحارالأنوار : 116/4 وقد مرّ الخبر المبارك .
2- . الرحمن : 29 .
3- . البرهان : 267/4 .

قال اللّه تعالى : «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (1) .

وقال تعالى : «وَ لا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ » (2) .

وقال تعالى : «لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْ ءٍ مِنْ فَضْلِ اللّهِ وَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » (3) .

وقال تعالى : «يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ » (4) .

أدلّة البداء في الأخبار

اشارة

أمّا الأخبار الواردة في مسألة البداء بالمعنى الّذي ذكرناه - نشوء الرأى - فهي فوق التواتر ، وقد مضى بعضها في تفسير الآيات ومرّ شرحها وبيانها ، ونشير إلى بعضها الآخر . ومن أراد الإستقصاء فعليه التتبّع التّام مع الدقّة في مفادها .

عن سليمان الطلحي قال : قلت للإمام أبي جعفر عليه السلام أخبرني عمّا أخبرت به الرسل عن ربّها وأنهت ذلك إلى قومها أيكون للّه البداء فيه ؟

قال : أما إنّي لا أقول لك إنّه يفعل ولكن إن شاء فعل (5) .

أقول : لعلّ الراوي ظنّ أنّه لا بدّ من البداء له فأجابه الإمام عليه السلام أنّ ذلك إلى مشيّته إن شاء كان وإلّا لم يكن . إذ روح البداء هو إمكان التغيير لا وقوعه ، ولذا لا معنى للإخبار بوقوع البداء حتماً ، فتأمّل جيّداً .

عن الفضل بن أبي قرة قال : سمعت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام يقول : أوحى اللّه إلى إبراهيم أنّه سيولد لك . فقال لسارة فقالت : أألد وأنا عجوز ؟

ص: 231


1- . البقرة : 105 .
2- . آل عمران : 73 .
3- . الحديد : 29 .
4- . ابراهيم : 27 .
5- . بحارالأنوار : 122/4 ، الأصول الستّة عشر : 110 .

فأوحى اللّه إليه : أنّها ستلد ويعذّب أولادها أربعمائة سنة بردّها الكلام عليّ .

قال : فلمّا طال على بني إسرائيل العذاب ، ضجّوا وبكوا إلى اللّه أربعين صباحاً فأوحى اللّه إلى موسى وهارون يخلّصهم من فرعون فحطّ عنهم سبعين ومائة سنة .

قال : وقال أبو عبداللّه عليه السلام : هكذا أنتم لو فعلتم لفرج اللّه عنّا ، فأمّا إذا لم تكونوا ، فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه (1) .

هذا الخبر الشريف صريح في وقوع البداء في الأُمم السابقة وإمكان وقوعه لهذه الأُمّة فمن دعا اللّه تعالى ردّ اللّه عنه البلاء ، فلو توجّهت أُمّة برمّتها إلى اللّه تعالى لرفع اللّه العذاب عن تلك الأُمّة ولأصبح الفرج كلّياً .

عن الفضيل قال : سمعت الإمام أبا جعفر عليه السلام يقول : من الأمور أمور محتومة جائية لا محالة ، ومن الأمور أمر موقوفة عند اللّه يقدّم منها ما يشاء ويمحو منها ما يشاء يثبت منها ما يشاء ، لم يطلع على ذلك أحداً يعني الموقوفة ، فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته (2) .

الظاهر أنّ المراد من قوله عليه السلام «ما جاءت به الرسل» هو ما جاءت به على وجه الحتم أو إذا كان من الميعاديّات لا مطلقاً لإمكان وقوع البداء في غير المحتوم كما لا يخفى .

قال رجل للإمام أبي جعفر عليه السلام : يا ابن رسول اللّه ، لا تغضب عليّ .

قال : لماذا ؟

قال : لما أريد أن أسألك عنه .

قال : قل .

قال : ولا تغضب .

قال : ولا أغضب . .

ص: 232


1- . بحارالأنوار : 118/4 ، تفسير العيّاشيّ : 154/2 .
2- . بحارالأنوار : 119/4 ، تفسير العيّاشيّ : 217/2 .

قال : أرأيت قولك في ليلة القدر وتنزّل الملائكة والرّوح فيها إلى الأوصياء يأتونهم بأمر لم يكن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد علمه أو يأتونهم بأمر كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يعلمه وقد علمت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله مات وليس من علمه شيء إلّاوعليّ عليه السلام له واع ؟

قال أبو جعفر عليه السلام : ما لي ولك أيّها الرّجل ومن أدخلك عليّ ؟

قال : أدخلني عليك القضاء لطلب الدّين .

قال : فافهم ما أقول لك . إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا أسري به لم يهبط حتّى أعلمه اللّه جلّ ذكره علم ما قد كان وما سيكون وكان كثير من علمه ذلك جُمَلاً يأتي تفسيرها في ليلة القدر وكذلك كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام قد علم جُمَل العلم ويأتي تفسيره في ليالي القدر كما كان مع رسول اللّه صلى الله عليه و آله .

قال السّائل : وما كان في الجُمَل تفسير ؟

قال : بلى ، ولكنّه إنّما يأتي بالأمر من اللّه تعالى في ليالي القدر إلى النبيّ وإلى الأوصياء افعل كذا وكذا لأمر قد كانوا علموه أُمروا كيف يعملون فيه .

قلت : فسّر لي هذا .

قال : لم يمت رسول اللّه صلى الله عليه و آله إلّاحافظاً لجُمْلة العلم وتفسيره .

قلت : فالذي كان يأتيه في ليالي القدر علم ما هو ؟

قال : الأمر واليسر فيما كان قد علم .

قال السّائل : فما يحدث لهم في ليالي القدر علم سوى ما علموا ؟

قال : هذا ممّا أمروا بكتمانه ولا يعلم تفسير ما سألت عنه إلّااللّه عزّ وجلّ .

قال السّائل : فهل يعلم الأوصياء ما لا يعلم الأنبياء ؟

قال : لا ، وكيف يعلم وصيّ غير علم ما أوصي إليه .

قال السّائل : فهل يسعنا أن نقول إنّ أحداً من الوصاة يعلم ما لا يعلم الآخر ؟

قال : لا ، لم يمت نبيّ إلّاوعلمه في جوف وصيّه وإنّما تنزّل الملائكة والرّوح في ليلة القدر بالحكم الّذي يحكم به بين العباد .

ص: 233

قال السّائل : وما كانوا علموا ذلك الحكم ؟

قال : بلى ، قد علموه ولكنّهم لا يستطيعون إمضاء شيء منه حتّى يؤمروا في ليالي القدر كيف يصنعون إلى السّنة المقبلة .

قال السّائل : يا أبا جعفر لا أستطيع إنكار هذا ؟

قال أبو جعفر عليه السلام : من أنكره فليس منّا .

قال السّائل : يا أبا جعفر أرأيت النّبيّ صلى الله عليه و آله هل كان يأتيه في ليالي القدر شيء لم يكن علمه ؟

قال : لا يحلّ لك أن تسأل عن هذا . أمّا علم ما كان وما سيكون فليس يموت نبيّ ولا وصيّ إلّاوالوصيّ الّذي بعده يعلمه ، أمّا هذا العلم الّذي تسأل عنه فإنّ اللّه عزّ وجلّ أبى أن يُطْلِع الأوصياء عليه إلّاأنفسهم .

قال السّائل : يا ابن رسول اللّه ، كيف أعرف أنّ ليلة القدر تكون في كلّ سنة ؟

قال : إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدّخان في كلّ ليلة مائة مرّة ، فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين ، فإنّك ناظر إلى تصديق الّذي سألت عنه (1) .

أقول : لقد صعب على السائل الذي دخل على الإمام عليه السلام من غير إذن - كما هو ظاهر الخبر الشريف - معرفة ازدياد علم الرسول وآله عليهم السلام ، فلذا سأل الإمام عن ذلك وكرّر سؤاله فلم يجبه الإمام عليه السلام عن هذا السؤال وقال بأنّ علم ذلك مختصّ بالأوصياء عليهم السلام .

ثمّ إنّ الإمام عليه السلام أجاب عن هذا القسم من مسألة الراوي وهي أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وإن كان يعلم ما كان وما سيكون الى يوم القيامة إلّاأنّه كان يعلم ذلك جُمَلاً ، وتفصيله ينزل عليه وعلى الأوصياء في ليلة القدر ، ولذا يزداد علمهم .

عن ضريس الكناسيّ قال : كنت عند الإمام أبي عبداللّه عليه السلام وعنده أبو بصير ، فقال أبو عبداللّه عليه السلام : إنّ داود ورث علم الأنبياء ، وإنّ سليمان ورث داود ، وإنّ محمّداً صلى الله عليه و آله .

ص: 234


1- . الكافي : 251/1 .

ورث سليمان ، وإنّا ورثنا محمّداً صلى الله عليه و آله ، وإنّ عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى .

فقال أبو بصير : إنّ هذا لهو العلم .

فقال الإمام : يا أبا محمّد ، ليس هذا هو العلم ، إنّما العلم ما يحدث بالليل والنّهار يوماً بيوم وساعةً بساعة (1) .

بيان : العلم الحادث بالليل والنهار هو العلم بالبدائيّات ، فإنّه تعالى كلّ يوم هو في شأن ، وبما أنّ قلوب الأئمة عليهم السلام وكر مشيّته تعالى ، يكون حدوث المشيّة له تعالى موجباً لازدياد علمهم عليهم السلام .

عن أبي بصير قال : دخلت على الإمام أبي عبداللّه عليه السلام فقلت له : جعلت فداك ، إنّي أسألك عن مسألة هاهنا أحد يسمع كلامي ؟

قال : فرفع أبو عبد اللّه عليه السلام ستراً بينه وبين بيت آخر فاطّلع فيه ثمّ قال : يا أبا محمّد ، سل عمّا بدا لك .

قال : قلت : جعلت فداك ، إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله علّم عليّاً عليه السلام باباً يفتح له منه ألف باب .

قال : فقال : يا أبا محمّد ، علّم رسول اللّه صلى الله عليه و آله عليّاً عليه السلام ألف باب ، يفتح من كلّ باب ألف باب .

قال : قلت : هذا واللّه العلم .

قال : فنكت ساعة في الأرض ثمّ قال : إنّه لعلم ، وما هو بذاك .

قال : ثمّ قال : يا أبا محمّد ، وإنّ عندنا الجامعة ، وما يدريهم ما الجامعة ؟

قال : قلت : جعلت فداك ، وما الجامعة ؟

قال : صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللّه صلى الله عليه و آله وإملائه ، من فلق فيه ، وخطّ عليّ بيمينه ، فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شيء يحتاج النّاس إليه حتّى الأرش في الخدش ، وضرب بيده إليّ فقال : تأذن لي يا أبا محمّد ؟ .

ص: 235


1- . الكافي : 225/1 .

قال : قلت : جعلت فداك ، إنّما أنا لك فاصنع ما شئت .

قال : فغمزني بيده وقال : حتّى أرش هذا كأنّه مغضب .

قال : قلت : هذا واللّه العلم .

قال : إنّه لعلم ، وليس بذاك . ثمّ سكت ساعة ثمّ قال : وإنّ عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟

قال : قلت : وما الجفر ؟

قال : وعاء من أدم فيه علم النّبيّين والوصيّين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل .

قال : قلت : إنّ هذا هو العلم .

قال : إنّه لعلم ، وليس بذاك ثمّ سكت ساعة ثمّ قال : وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام ، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام ؟

قال : قلت : وما مصحف فاطمة عليها السلام ؟

قال : مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ، واللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد .

قال : قلت : هذا واللّه العلم .

قال : إنّه لعلم ، وما هو بذاك ثمّ سكت ساعة ثمّ قال : إنّ عندنا علم ما كان وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم السّاعة .

قال : قلت : جعلت فداك هذا واللّه هو العلم .

قال : إنّه لعلم ، وليس بذاك .

قال : قلت : جعلت فداك ، فأيّ شيء العلم ؟

قال : ما يحدث باللّيل والنّهار ، الأمر من بعد الأمر ، والشّيء بعد الشّيء إلى يوم القيامة (1) . .

ص: 236


1- . الكافي : 238/1 .

قوله عليه السلام «إنّه لعلم وليس بذاك» فيه إشارة إلى شرف علم ما يحدث بالليل والنهار وهو علم البدائيّات الذي يحدث للّه تعالى فيها البداء ، فيكون قلب الإمام عليه السلام مهبطاً لمشيّة اللّه تعالى .

عن إسحاق بن عمّار عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : في تسع عشرة من شهر رمضان يلتقي الجمعان .

قلت : ما معنى قوله يلتقي الجمعان ؟

قال : يجمع فيها ما يريد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه (1) .

أقول : لعلّ المراد من ذلك هو أنّ إبرام قضائه يكون في تلك الليلة ، كما هو ظاهر الخبر الآتي ، فلاحظ :

عن الإمام أبي عبد اللّه عليه السلام قال : في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التّقدير ، وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء ، وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام ما يكون في السّنة إلى مثلها ، للّه جلّ ثناؤه يفعل ما يشاء في خلقه (2) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ للّه تبارك وتعالى علمين : علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه ، وعلماً استأثر به ، فإذا بدا للّه في شيء منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمّة الذين كانوا من قبلنا (3) .

قوله عليه السلام «فإذا بدا للّه في شيء منه أعلمنا ذلك» أي إذا نشأ له تعالى رأي بإثبات شيء من علمه المستأثر ، أعلمنا به .

عن أبي بصير عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها » (4) قال : إنّ عند اللّه كتباً موقوفة يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ، فإذا كان ليلة القدر .

ص: 237


1- . بحارالأنوار : 1/94 ، تفسير العيّاشيّ : 64/2 .
2- . الكافي : 160/4 .
3- . الكافي : 255/1 .
4- . المنافقون : 11 .

أنزل فيها كلّ شيء يكون إلى مثلها ، فذلك قوله «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اللّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها» إذا أنزله وكَتَبَه كتّاب السماوات وهو الذي لا يؤخّره (1) .

أقول : يظهر من ذلك أنّ ما كتبه كتّاب السماوات والأرض في ليلة القدر وأنزله ، يكون من المبرم الذي لا يؤخّره .

عن إسحاق بن عمار عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : كان في بني إسرائيل نبيّ وعده اللّه أن ينصره إلى خمس عشرة ليلة . فأخبر بذلك قومه فقالوا : واللّه إذا كان ليفعلنّ وليفعلنّ ، فأخّره اللّه إلى خمس عشرة سنة وكان فيهم من وعده اللّه النصرة إلى خمس عشرة سنة ، فأخبر بذلك النبيّ قومه فقالوا : ما شاء اللّه . فعجّله اللّه لهم في خمس عشرة ليلة (2) .

أقول : هذا الخبر الشريف صريح في أنّ اللّه تعالى قد يغيّر رأيه القدّوس ومشيّته بأدنى الأُمور ، فينبغي للمؤمن العارف باللّه تعالى أن تشتدّ مراقبته لنفسه وأفعاله ، واللّه وليّ التوفيق .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : بينا داود على نبيّنا وآله وعليه السلام جالس وعنده شابّ رثّ الهيئة يكثر الجلوس عنده ويطيل الصمت إذ أتاه ملك الموت فسلّم عليه وأحدّ ملك الموت النظر إلى الشاب .

فقال داود على نبينا وآله وعليه السلام : نظرت إلى هذا .

فقال : نعم ، إنّي أمرت بقبض روحه إلى سبعة أيّام في هذا الموضع .

فرحمه داود فقال : يا شابّ ، هل لك امرأة ؟

قال : لا ، وما تزوّجت قطّ .

قال داود : فأت فلاناً رجلاً كان عظيم القدر في بني إسرائيل فقل له : إنّ داود يأمرك أن تزوّجني ابنتك وتدخلها الليلة وخذ من النفقة ما تحتاج إليه وكن عندها ، فإذا مضت .

ص: 238


1- . بحارالأنوار : 139/5 ، تفسير القمّيّ : 370/2 .
2- . بحارالأنوار : 112/4 ، الإمامة والتبصرة : 194 .

سبعة أيّام فوافني في هذا الموضع .

فمضى الشابّ برسالة داود على نبيّنا وآله وعليه السلام فزوّجه الرجل ابنته وأدخلوها عليه وأقام عندها سبعة أيّام ثمّ وافى داود يوم الثامن . فقال له داود : يا شابّ ، كيف رأيت ما كنت فيه ؟

قال : ما كنت في نعمه ولا سرور قطّ أعظم ممّا كنت فيه .

قال داود : اجلس ، فجلس وداود ينتظر أن يقبض روحه . فلمّا طال ، قال : انصرف إلى منزلك فكن مع أهلك ، فإذا كان يوم الثامن فوافني هاهنا .

فمضى الشابّ ثمّ وافاه يوم الثامن وجلس عنده ، ثمّ انصرف أسبوعاً آخر ، ثمّ أتاه وجلس فجاء ملك الموت داود فقال داود صلوات اللّه عليه : ألست حدّثتني بأنّك أمرت بقبض روح هذا الشاب إلى سبعة أيام ؟

قال : بلى .

فقال : قد مضت ثمانية وثمانية وثمانية .

قال : يا داود ، إنّ اللّه تعالى رحمه برحمتك له ، فأخّر في أجله ثلاثين سنة (1) .

أقول : من الواضح أنّ مشيّة اللّه تعالى تعلّقت بموت الغلام ولكنّه تعالى كلّ يوم هو في شأن ، فبدّل مشيّته بأُخرى وأنسأ في أجل الشابّ .

عن أبي بصير قال : قلت له : ألهذا الأمر أمد تريح إليه أبداننا وننتهي إليه ؟

قال : بلى ، ولكنكم أذعتم فزاد اللّه فيه (2) .

يظهر من هذا الخبر الشريف ازدياد أمد البلاء بسبب إذاعة السرّ ، ويظهر منه أنّ الرخاء مكتوب للشيعة ومقدّر معلوم الأجل .

روي أن الإمام الصادق عليه السلام قال : ما بدا للّه بداء كما بدا له في إسماعيل أبي إذ أمر .

ص: 239


1- . بحارالأنوار : 111/4 ، القصص للجزائري : 349 .
2- . بحارالأنوار : 113/4 ، الغيبة للشيخ الطوسي : 431 .

أباه بذبحه ، ثمّ فداه بذبح عظيم (1) .

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ على أنّ اللّه تعالى شاء ذبح إسماعيل عليه السلام على يد أبيه إبراهيم عليه السلام ، إلّاأنّه تعالى بدا له ففداه بذبح عظيم ، فلا يصحّ ما احتمله أو ذكره بعض الأعاظم قدس سرهم من أنّه عليه السلام كان مأموراً بمقدّمات الذبح .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : سألته عن القائم عليه السلام فقال : كذب الوقّاتون ، إنّا أهل بيت لا نوقّت (2) .

أقول : لعلّ عدم التوقيت ناش من عدم التقدير في الوقت فإنّ قلوب الأئمة عليهم السلام وكر لمشيّته تعالى ، ومع ذلك لا يوقّتون وهذا يشير إلى عدم التقدير بالنسبة إلى وقت ظهور القائم عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف . واللّه تعالى العالم وأولياؤه الصالحون .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : قلت : لهذا الأمر وقت ؟

فقال : كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون ، كذب الوقّاتون . إنّ موسى عليه السلام لمّا خرج وافداً إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوماً ، فلمّا زاده اللّه على الثلاثين عشراً ، قال قومه قد أخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا ، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على ما حدّثناكم به ، فقولوا صدق اللّه وإذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به ، فقولوا صدق اللّه ، تؤجروا مرّتين (3) .

أقول : لعلّ الوجه في الأجر مرّتين هو التصديق بالمشيّتين ، أعني الأُولى التي عرض عليها البداء ، والثانية الجديدة .

عن حبيب السجستانيّ قال : سمعت الإمام أبا جعفر عليه السلام يقول : إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا أخرج ذريّة بني آدم من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبيّة له وبالنبوّة لكلّ نبيّ ، فكان أوّل من أخذ له عليهم الميثاق بنبوّته ، محمّد بن عبداللّه صلى الله عليه و آله ، ثمّ قال اللّه عزّ وجلّ لآدم : انظر ما ذا ترى ؟ .

ص: 240


1- . بحارالأنوار : 109/4 ، التوحيد : 336 .
2- . الكافي : 368/1 .
3- . الكافي : 368/1 .

قال : فنظر آدم عليه السلام إلى ذريّته وهم ذرّ قد ملأوا السماء .

قال آدم عليه السلام : يا ربّ ما أكثر ذريّتي ولأمر ما خلقتهم ؟ فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم ؟

قال اللّه عزّ وجلّ : يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً ويؤمنون برسلي ويتبعونهم .

قال آدم : يا ربّ ، فما لي أرى بعض الذرّ أعظم من بعض وبعضهم له نور كثير وبعضهم له نور قليل وبعضهم ليس له نور أصلاً .

فقال اللّه عزّ وجلّ : وكذلك خلقتهم لأبلوهم في كل حالاتهم .

قال آدم عليه السلام : يا ربّ ، فتأذن لي في الكلام فأتكلّم .

قال اللّه عزّ وجلّ تكلّم ، فإنّ روحك من روحي وطبيعتك خلاف كينونتي .

قال آدم عليه السلام : فلو كنت خلقتهم على مثال واحد وقدر واحد وطبيعة واحدة وجبلة واحدة وألوان واحدة وأعمار واحدة وأرزاق سواء ، لم يبغ بعضهم على بعض ولم يك بينهم تحاسد ولا تباغض ولا اختلاف في شيء من الأشياء .

قال اللّه عزّ وجلّ : يا آدم ، بروحي نطقت وبضعف طبيعتك تكلّمت ما لا علم لك به ، وأنا الخالق العليم ، بعلمي خالفت بين خلقهم ، وبمشيّتي يمضي فيهم أمري ، وإلى تدبيري وتقديري صائرون ، ولا تبديل لخلقي . إنّما خلقت الجنّ والإنس ليعبدوني ، وخلقت الجنّة لمن عبدني فأطاعني منهم وأتبع رسلي ولا أبالي ، وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني ولم يتبع رسلي ولا أبالي ، وخلقتك وخلقت ذريّتك من غير فاقة بي إليك وإليهم وإنّما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيّكم أحسن عملاً في دار الدنيا في حياتكم وقبل مماتكم ، فلذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت والطاعة والمعصية والجنّة والنار ، وكذلك أردت في تقديري وتدبيري وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم ، فجعلت منهم الشقيّ والسعيد والبصير والأعمى والقصير والطويل والجميل والدميم والعالم والجاهل والغنيّ والفقير والمطيع والعاصي والصحيح والسقيم ومن به الزمانة

ص: 241

ومن لا عاهة به ، فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته ، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي ، وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني ، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني ، وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته ، فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السرّاء والضرّاء وفي ما أعافيهم وفي ما أبتليهم وفي ما أعطيهم وفي ما أمنعهم ، وأنا اللّه الملك القادر ، ولي أن أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت ، ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت وأقدّم من ذلك ما أخّرت وأؤخر من ذلك ما قدّمت ، وأنا اللّه الفعال لما أريد لا أسأل عمّا أفعل وأنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون (1) .

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ على البداء من ناحيتين :

الأُولى : الدعاء حيث إنّ اللّه تعالى ندبهم للدعاء كي يغني الفقير مثلاً .

الثانية : إنّ اللّه تعالى لم يقدّر تلك التقديرات - الفقر لشخص والغنى لآخر والعلم لرجل والجهل لثانٍ وهكذا - على نحو الحتم بل شرط على نفسه فيها البداء ، فله أن يغيّر ما شاء كيف شاء أنّى شاء .

عن جابر الجعفيّ عن الإمام أبي جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام في خبر طويل قال اللّه تبارك وتعالى للملائكة : «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ » (2) .

قال : وكان ذلك من اللّه تقدمه في آدم قبل أن يخلقه واحتجاجاً منه عليهم .

قال : فاغترف ربّنا تبارك وتعالى غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات وكلتا يديه يمين فصلصلها في كفّه فجمدت ، فقال لها منك أخلق النبيّين والمرسلين وعبادي الصالحين والأئمّة المهتدين والدعاة إلى الجنّة وأتباعهم إلى يوم الدين ولا أُبالي ولا أُسأل عمّا أفعل وهم يسئلون . ثمّ اغترف غرفة أخرى من الماء المالح الأجاج فصلصلها .

ص: 242


1- . بحارالأنوار : 116/64 ، الكافي : 8/2 .
2- . الحجر : 28 - 29 .

في كفّه فجمدت ثمّ قال لها منك أخلق الجبّارين والفراعنة والعتاة وإخوان الشياطين والدعاة إلى النار إلى يوم القيامة وأشياعهم ولا أبالي ولا أُسأل عما أفعل وهم يسئلون .

قال وشرط في ذلك البداء فيهم ولم يشترط في أصحاب اليمين البداء ، ثمّ خلط المائين جميعاً في كفّه فصلصلهما ، ثمّ كفاهما قدّام عرشه وهما سلالة من طين ، الخبر (1) .

أقول : اشتراط البداء على نفسه للكافرين من كمال رحمته ورأفته ، وعدم اشتراطه على نفسه للمؤمنين رحمة إثر رحمة ، وفي الحقيقة يكون هذا من الفضل .

ثمّ اعلم أنّنا بيّنا هذا الخبر ونظائره في كتابنا «سدّ المفرّ على منكر عالم الذرّ» ، فراجع .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال : إنّ اللّه لم يدع شيئاً كان أو يكون إلّاكتبه في كتاب فهو موضوع بين يديه ينظر إليه ، فما شاء منه قدّم ، وما شاء منه أخّر ، وما شاء منه محا ، وما شاء منه كان ، وما لم يشأ لم يكن (2) .

أقول : التقديم والتأخير واضحان كما في تقديم أجل شخص أو تأخيره ، والمحو هو محو التقدير كمن قدّر عليه الفقر ثمّ تصدّق ، فمحا اللّه عنه الفقر وكتب له الغنى .

و أمّا قوله عليه السلام «وما لم يشأ لم يكن» فالظاهر أنّه تأكيد لقوله عليه السلام «ما شاء منه محا» .

ومن المحتمل قويّاً أن يكون المراد منه أنّ تحقّق كلّ شيء موقوف على مشيّة اللّه تعالى ، واللّه تعالى العالم وأولياؤه الصالحون .

عن المعلّى قال : سئل العالم عليه السلام كيف علم اللّه ؟

قال : عَلِم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى ، فأمضى ما قضى ، وقضى ما قدّر ، وقدّر ما أراد ، فبعلمه كانت المشيّة ، وبمشيّته كانت الإرادة ، وبإرادته كان التقدير ، وبتقديره كان القضاء ، وبقضائه كان الإمضاء ، فالعلم متقدّم على المشيّة والمشية ثانية والإرادة ثالثة ، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء فللّه تبارك وتعالى البداء في ما علم متى شاء .

ص: 243


1- . بحارالأنوار : 237/5 ، تفسير القمّيّ : 36/1 .
2- . بحارالأنوار : 118/4 ، تفسير العيّاشيّ : 215/2 .

وفي ما أراد لتقدير الأشياء . فإذا وقع القضاء بالإمضاء ، فلا بداء ، فالعلم بالمعلوم قبل كونه ، والمشيّة في المشاء قبل عينه ، والإرادة في المراد قبل قيامه ، والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً وقياماً ، والقضاء بالإمضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الأجسام ، المدركات بالحواس من ذي لون وريح ووزن وكَيْل وما دب ودرج من إنس وجن وطير وسباع وغير ذلك ممّا يدرك بالحواس ، فللّه تبارك وتعالى فيه البداء ممّا لا عين له ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء . واللّه يفعل ما يشاء وبالعلم علم الأشياء قبل كونها ، وبالمشيّة عرّف صفاتها وحدودها وأنشأها قبل إظهارها ، وبالإرادة ميّز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها ، وبالتقدير قدّر أقواتها وعرّف أّولها وآخرها ، وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلّهم عليها ، وبالإمضاء شرح عِلَلها وأبان أمرها ، ذلك تقدير العزيز العليم (1) .

بيان : هذا الخبر الشريف من عيون الأخبار التي قد ورد فيها إمكان وقوع البداء ومعناه ، وأنّ البداء لا يكون إلّاعن علم ، ومحلّ البداء ما لم يتحقّق القضاء بالإمضاء خارجاً ، فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء لانتفاء موضوعه فإنّ المشيّة قد تمّت خارجاً فلا معنى لتبديلها إلّاأنّه تعالى قادر على تبديل الواقع الخارجي بمشيّة أُخرى كإعدام ما وقع في الخارج .

حديث التردّد

عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام يقول : قال اللّه تبارك وتعالى : ما تردّدت عن شيء أنا فاعله كتردّدي عن المؤمن ، فإنّي أحبّ لقاءه ويكره الموت فأزويه عنه ، ولو لم يكن في الأرض إلّامؤمن واحد لاكتفيت به عن جميع خلقي ، وجعلت له من إيمانه أنساً لا يحتاج معه إلى أحد (2) .

ص: 244


1- . بحارالأنوار : 102/5 ، التوحيد : 334 .
2- . بحارالأنوار : 160/6 ، المحاسن : 159/1 .

عن محمّد الحلبي قال : قال الإمام أبو عبداللّه عليه السلام : قال اللّه تبارك وتعالى : ليأذن بحرب منّي مستذلُّ عبدي المؤمن ، وما تردّدت عن شيء كتردّدي في موت المؤمن إنّي لأحبّ لقاءه ويكره الموت فأصرفه عنه ، وإنّه ليدعوني في أمر فأستجيب له لما هو خير له ، ولو لم يكن في الدنيا إلّاواحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت به عن جميع خلقي ولجعلت له من إيمانه أنساً لا يستوحش فيه إلى أحد (1) .

عن أنس عن النبي صلى الله عليه و آله عن جبرئيل عليه السلام قال : قال اللّه تبارك وتعالى : من أهان لي وليّاً فقد بارزني بالمحاربة ، وما تردّدت في شيء أنا فاعله مثل تردّدى في قبض نفس المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ولابدّ له منه ، وما يتقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يبتهل إليّ حتّى أحبّه ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً وموئلاً ، إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته . وإنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفّه عنه لئلّا يدخله عجب فيفسده ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لم يصلح إيمانه إلّابالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّابالغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالسقم ولو صحّحت جسمه لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّابالصحّة ولو أسقمته لأفسده ذلك . إنّي أدبّر عبادي بعلمي بقلوبهم فإنّي عليم خبير (2) .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

تردّده تعالى في قبض عبده المؤمن الذي قدّر أجله ، عبارة عن ردّ ما قدّره أوّلاً وتوقّفه وتأخيره في قبضه . فإنّه سبحانه قادر ومالك على إمضاء ما قدّره ، وكذلك قادر على تأخيره وصرف الموت عنه . فإنّ التردّد من باب التفعّل بمعنى قبول ردّ ما كتبه أوّلاً . ضرورة أنّ الأفعال .

ص: 245


1- . بحارالأنوار : 160/6 ، المحاسن : 160/1 .
2- . علل الشرائع : 12/1 .

والأوصاف والنعوت إذا نسبت إليه تعالى ، لابدّ أن تكون على سبيل الإشتراك اللفظيّ بالتباين الصفتيّ ؛ انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

أقول : ما أفاده متين جدّاً ويحتمل أن يكون المراد من التردّد في المقام هو أن يفعل فعل المتردّد لأجل عدم تناهي علمه تعالى وشدّة مالكيّته تعالى ومختاريّته فتأمّل جيّداً .

ولابدّ من الإشارة إلى جهات هامّة في فهم هذا الخبر الشريف :

الجهة الأُولى : إنّ قوله تعالى في الحديث القدسيّ «ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي ...» يدلّ على كثرة وقوع البداء في أمر موت المؤمن ، فإنّه تعالى لم يبدو له في شيء كما يبدو له في أمر موت المؤمن .

الجهة الثانية : الظاهر أنّ اللّه تعالى مع أنّه يحبّ لقاء المؤمن إلّاأنّه لمّا كان المؤمن كارهاً للموت ، أنسأ اللّه تعالى أجل المؤمن مرّة بعد مرّة كي يرضي عبده . والظاهر أنّ لقاء اللّه تعالى هو معرفته تعالى به معرفة شهوديّة عبّر عنها في الأخبار بالمعاينة والوصل واللقاء ، وهذه المعرفة توجب الإنقطاع إلى اللّه تعالى والأُنس به فيكون تعالى بعد تعريفه نفسه لعبده المؤمن أنيسه وصديقه ورفيقه وجليسه كما ورد في الخبر «أنا جليس من ذكرني» (2) . ولقاء المؤمن ربّه لا ينفع الربّ تعالى ، فإنّه غنيّ عن العالمين ، إلّاأنّه ينفع المؤمن . ولمّا كان المؤمن حبيب اللّه تعالى ، أحبّ اللّه تعالى لقاءه كي ينتفع المؤمن من هذا اللقاء . وبما أنّ بالموت تنقطع العلائق الدنيويّة يتفرّغ العبد المؤمن عن الإشتغال بغيره تعالى تتجلّى المعرفة الفطريّة ، ولذا عبّر عن الموت بلقاء اللّه ، هذا هو معنى لقاء اللّه تعالى .

والظاهر من هذه الأخبار المباركة حبّ اللّه تعالى للقاء المؤمن والمراد من حبّ اللقاء في المقام أنّه تعالى يفعل فعل المحبّ ، فيعرّف نفسه لعبده المؤمن فيعاين العبد ربّه بقلبه ويأنس به ويناجيه ويدعوه وينعم بنور المعرفة كما هو صريح الأدلّة .

ص: 246


1- . توحيد الإماميّة : 399 .
2- . بحارالأنوار : 329/3 ، التوحيد : 183 .

الدالّة على مخاطبة اللّه تعالى لعباده في الآخرة ، ولعلّ اطلاق لقاء اللّه على الموت من هذا الباب .

وأفاد الشيخ الطبرسيّ كما عن العلّامة المجلسيّ في كون المراد من لقاء اللّه هو لقاء رحمته (1) .

الجهة الثالثة : الوجه في تردّده تعالى في قبض روح المؤمن بل كثرة التردّد هو كمال مختاريّة اللّه تعالى وكمال علمه وقدرته وحكمته ، فإنّه تعالى - وإن كان لا يفعل إلّا الحسن - إلّاأنّ الحسن غير منحصر في فرد واحد ، فأيّ طرف اختار كان حسناً لكونه عدلاً ، أو لكونه فضلاً ، ولذا يبدو له تعالى في شيء واحد عدّة مرّات . وروح الكلام هنا أنّ اللّه تعالى عالم بالعلم بلا معلوم بصور متعدّدة لا يعلم عددها إلّاهو بالنسبة إلى عمر المؤمن ، فهو يختار منها ما شاء ، وكلّ ما اختاره لا يكون إلّاحسناً حكيماً ، فوجه البداء هو كمال مالكيّته وقدرته وعلمه ومختاريّته .

الجهة الرابعة : إنّ صرف كراهة العبد للموت لا توجب صيرورة قبض روحه قبيحاً ، بل للّه تعالى أن يقبض روح عبده المؤمن وإن كان المؤمن كارهاً للموت ، إلّا أنّه تعالى لشدّة رأفته بعبده المؤمن لا يقبض روحه إلّابعد رضاه بترك الدنيا ، فلاحظ هذا الخبر الشريف :

عن ابن أبي يعفور قال : سمعت أباعبداللّه عليه السلام يقول : قال اللّه عزّ وجلّ : إنّ العبد من عبيدي المؤمنين ليذنب الذنب العظيم ممّا يستوجب به عقوبتي في الدنيا والآخرة فأنظر له فيما فيه صلاحه في آخرته فأعجّل له العقوبة عليه في الدنيا لأجازيه بذلك الذنب ، وأقدّر عقوبة ذلك الذنب وأقضيه وأتركه عليه موقوفاً غير ممضى ولي في إمضائه المشيئة وما يعلم عبدي به فأتردّد في ذلك مراراً على إمضائه ، ثمّ أمسك عنه فلا أمضيه كراهة لمساءته وحيداً عن إدخال المكروه عليه ، فأتطوّل عليه بالعفو عنه والصفح ، محبّة لمكافاته لكثير نوافله التي يتقرب بها إليّ في ليله ونهاره فأصرف ذلك .

ص: 247


1- . بحارالأنوار : 281/69 .

البلاء عنه وقد قدّرته وقضيته وتركته موقوفاً ولي في إمضائه المشيئة ، ثمّ أكتب له عظيم أجر نزول ذلك البلاء وأدّخره وأوفّر له أجره ولم يشعر به ولم يصل إليه أذاه وأنا اللّه الكريم الرؤوف الرحيم (1) .

أقول : هذا الحديث يدلّ على شدّة عطفه تعالى بعبده المؤمن . قوله تعالى :

«فأتردّد في ذلك مراراً على إمضائه ثمّ أمسك عنه فلا أمضيه» أي إنّه تعالى يمضيه ثمّ يعود عن الإمضاء لعدّة مرّات حتّى لا يمضيه أخيراً ويرحم عبده .

قال الإمام عليه السلام : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله : لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة لا يتيقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له ، وذلك أنّ ملك الموت يرد على المؤمن وهو في شدّة علّته وعظيم ضيق صدره بما يخلّفه من أمواله وعياله ، وما هو عليه من اضطراب أحواله في معاميله وعياله ، وقد بقيت في نفسه حزازتها واقتطع دون أمانيه فلم ينلها . فيقول له ملك الموت : ما لك تتجرّع غصصك ؟

فيقول : لاضطراب أحوالي واقتطاعي دون آمالي .

فيقول له ملك الموت : وهل يجزع عاقل من فقد درهم زائف قد اعتاض عنه بألف ألف ضعف الدنيا ؟

فيقول : لا .

فيقول له ملك الموت : فانظر فوقك ، فينظر فيرى درجات الجنان وقصورها التي تقصر دونها الأمانيّ ، فيقول له ملك الموت : تلك منازلك ونعمك وأموالك وأهلك وعيالك ومن كان من أهلك هاهنا وذريّتك صالحاً فهم هناك معك أفترضى به بدلاً ممّا هاهنا ؟

فيقول : بلى واللّه .

ثمّ يقول له : انظر ، فينظر فيرى محمّداً وعليّاً والطيّبين من آلهما في أعلى عليّين .

ص: 248


1- . الكافي : 449/2 ح1 .

فيقول له : أو لا تراهم هؤلاء ساداتك وأئمّتك هم هناك جُلّاسك وآناسك أفما ترضى بهم بدلاً ممّا تفارق هاهنا ؟

فيقول : بلى وربّي . فذلك ما قال اللّه تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا » (1) فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها ، ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري والعيال والأموال فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلاً منهم ، وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون ، هذه منازلكم وهؤلاء ساداتكم آناسكم وجلّاسكم ، نحن أولياؤكم في الحياة الدّنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفور رحيم (2) .

نعم ، له تعالى أن يبدو له فينسأ أجل المؤمن ، وهذا الخبر الشريف يشير إلى أنّ اللّه تعالى يبدو له في أمر أجل المؤمن . .

ص: 249


1- . فصّلت : 30 .
2- . بحارالأنوار : 26/24 ، تفسير الإمام العسكريّ : 239 .

ص: 250

الفصل الثامن : البداء عن علم

قد عرفت بما ذكرناه في بحث العلم وبحث البداء أنّ البداء لا يكون إلّاعن علم ، فإنّ البداء الذي هو بمعنى نشوء الرأي يكون منشأه سعة علمه بلا معلوم فإنّه تعالى عالم بجميع الأنظمة اللامتناهية بالعلم بلا معلوم ، فيختار واحداً منها ويعيّنه ، وله أن يبدّل ما اختاره قبل وقوعه في الخارج ، وله أن يمضي مشيّته الأُولى ، كما أنّ له أن يبقي أصل النظام ويغيّر بعض الخصوصيّات فيه فإنّه بكلّ شيء عليم وهو على كلّ شيء قدير .

نعم ، قد يكون البداء ناشئاً من الجهل وهو البداء في المخلوق فإنّه قد يهمّ بالإقدام على أمر ثمّ يتبيّن له بعض ما خفي عليه فيبدو له ويكفّ عن الإقدام ، إلّاأنّ البداء في اللّه تعالى لا يكون إلّاعن كمال العلم والقدرة فإنّه تعالى علم كلّه وقدرة كلّه ولا نهاية لعلمه وقدرته ، فتكون له المالكيّة على الخلق وعلى عدمه وعلى الإيجاد وعلى الإعدام ، وهو متصرّف في كائناته كيف يشاء ، وهو مبسوط اليدين فله أن يعاملهم بفضله فيحمد ويشكر ، وله أن يعاملهم بعدله فيمجّد ويسبّح .

وهذا - أي سعة علمه وقدرته - هو معنى قوله تعالى «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (1) فيعفو عمّن يشاء ويعذّب من يشاء مع أنّ كليهما كانا يستحقّان التعذيب ، إلّاأنّ له تعالى أن يعفو عن أحدهما فيكون ذلك فضلاً ويعذّب الآخر فيكون ذلك عدلاً ، والمرجّح هو رأيه ومشيّته فإنّه يرحم من يشاء بما يشاء كيف يشاء ، ويعذّب من يشاء بما يشاء كيف يشاء لا يسأل عن فعله وهم يسألون .

ص: 251


1- . الرحمن : 29 .

أفاد شيخنا الأُستاذ آية اللّه المحقّق محمّد باقر الملكيّ قدس سره ما هذا نصّه :

الروايات المباركة صريحة في أنّ البداء منه تعالى لا يكون إلّاعن علم . ضرورة أنّ البداء هو تبديل التقدير الأوّل بالتقدير الثاني منه تعالى . وحيث إنّ كلا التقديرين لا يكون إلّاعن مشيّة وإرادة وقدر وقضاء ، وكلّ ذلك من أفعاله تعالى الحكيمة الحسنة المستندة إلى علمه تعالى ، فعلى هذا ، فانّ ما نسب إلى الشيعة الإمامية من أنّهم قائلون بالبداء فيه تعالى عن جهل ، خرافة واضحة وافتراء مبين . فنعم الحكم اللّه !

والبداء بهذا المعنى الذي تتلقّى الشيعة عن أئمتهم المعصومين من مفاخر علوم القرآن ، وهو آية مجده وكبريائه وقدرته ومالكيته تعالى رغماً على قول من يقول : يد اللّه مغلولة وقد فرغ من الأمر ؛ انتهى كلامه رفع مقامه (1) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : ما بدا للّه في شيء إلّاكان في علمه قبل أن يبدو له (2) .

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ على أنّ البداء لا يكون إلّاعن علم وليس المراد منه أنّه تعالى كان عالماً بما سيختاره لرجوع ذلك إلى الإختيار نفسه ، فعلمه بما يختاره هو عين الإختيار كما عرفت سابقاً .

عن أبي بصير عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ للّه علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّاهو من ذلك يكون البداء ، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، فنحن نعلمه (3) .

سأل حمران الإمام أبا جعفر عليه السلام عن قوله تعالى «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ .

ص: 252


1- . توحيد الإماميّة : 394 .
2- . الكافي : 148/1 .
3- . الكافي : 147/1 .

أَحَداً » فقال له أبو جعفر عليه السلام : «إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » (1) وكان واللّه محمّد ممّن ارتضاه . وأمّا قوله «عالِمُ الْغَيْبِ» فإنّ اللّه تبارك وتعالى عالم بما غاب عن خلقه بما يقدّر من شيء ويقضيه في علمه ، فذلك - يا حمران - علم موقوف عنده إليه ، فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه . فأمّا العلم الذي يقدّره اللّه ويقضيه ويمضيه ، فهو العلم الذي انتهى إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله ثمّ إلينا .

وحدّثنا عبد اللّه بن محمّد عن ابن محبوب بهذا الإسناد وزاد فيه فما يقدر من شيء ويقضيه في علمه أن يخلقه وقبل أن يقضيه إلى ملائكته ، فذلك - يا حمران - علم موقوف عنده غير مقضي لا يعلمه غيره ، إليه فيه المشيئة فيقضيه إذا أراد ... إلى آخر الحديث (2) .

بيان : يظهر من هذا الخبر الشريف أنّ سعة علمه تعالى هو المنشأ للبداء . فبما أنّه تعالى علم لا جهل فيه ، له أن يبدو له ، ولا يكون البداء إلّاعن علم .

عن الإمام أبي عبداللّه الصادق عليه السلام قال : من زعم أنّ اللّه يبدو له في شيء اليوم لم يعلمه أمس فابرءوا منه (3) .

فاتّضح بما ذكرناه زيف ما رُميَ الشيعة بأنّهم يلتزمون بالجهل في اللّه تعالى ، ذلك أنّ الشيعة اتّبعوا أئمّتهم عليهم السلام في عقائدهم ، وعرفوا ما بيّنه الهداة الراشدون ، فاقتفوا آثارهم عن علم ومعرفة واستيقنوا بما بيّنوه فللّه الحمد أوّلاً وآخراً .

ومن هنا نرى أنّ فقهاء الشيعة أبطلوا القول بكون البداء في اللّه تعالى بمعنى الظهور بعد الخفاء لاستلزامه الجهل في اللّه تعالى وإليك بعض كلامهم قدّس اللّه أسرارهم :

قال السيّد المرتضى قدس سره : .

ص: 253


1- . الجنّ : 26 - 27 .
2- . بحارالأنوار : 110/4 ، بصائر الدرجات : 113 .
3- . كمال الدين : 69/1 .

البداء في لغة العرب هو الظهور من قوله : «بدا الشيء : إذا ظهر وبان ، والمتكلّمون تعرّفوا في ما بينهم أن يسمّوا ما يقتضي هذا البداء باسمه ، فقالوا : إذا أمر اللّه تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معيّن ومكلّف واحد ، ثمّ نهى عنه ، فهو بداء ، والبداء على ما حدّدناه لا يجوز على اللّه تعالى لأنّه علم بنفسه ، ولا يجوز له أن يتجدّد كونه عالماً ، ولا أن يظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهراً .

وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علماً ، ولا تقتضي قطعاً بإضافة البداء إلى اللّه ، وحملها محقّقو أصحابنا على أنّ المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع ولا خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع (1) .

أقول: أنكر السيّد المرتضى قدس سره البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء في اللّه تعالى لاستلزامه الجهل فيه عزّ وجلّ.

نعم لا يمكن المساعدة على ما بيّنه من أنّ الأخبار التي دلّت على البداء ليست إلّا أخبار آحاد لما عرفت من دلالة الآيات على البداء مضافاً إلى الأخبار المتواترة بالتواتر المعنويّ ولكن لا على البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء بل على البداء بمعنى الظهور بعد العدم ونشوء الرأي ، و ذلك لا يوجب نسبة الجهل إلى اللّه تعالى كما عرفت سابقاً من أنّ للّه تعالى علمين ، علم محمول وعلم غير محمول ومن العلم غير المحمول يكون البداء وفي المحمول يقع البداء ، فلمّا كان اللّه تعالى عالماً بأنظمة لا متناهية يكون رأيه معيّناً لوقوع أحد تلك الأنظمة وله أن يغيّر ما شاء في النظام الذي خلقه لعلمه بذلك ، فإن شاء تقدير ثلاثين عاماً لزيد فعل وله أن يزيد في ذلك أو ينقص فيه لعمله بذلك ، و هذا لا يوجب نسبة الجهل إلى اللّه تعالى كما هو واضح و قد مرّ تفصيل ذلك ولا يحتاج إلى الإعادة .

وقال الشيخ الطوسيّ قدس سره : .

ص: 254


1- . رسائل الشريف المرتضى : 117 مسألة 5 ، المسألة الرازيّة .

البداء حقيقة في الظهور ، ولذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، وبدا لنا وجه الرأي وقال اللّه تعالى: «وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا» (1) و «وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا» (2) .

فأمّا إذا أُضيفت هذه اللفظة إلى اللّه تعالى ، فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز ؛ فأمّا ما يجوز من ذلك ، فهو ما إذا أفاد النسخ بعينه ، ويكون إطلاق ذلك عليه ضرباً من التوسّع ، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين عليهما السلام من الأخبار المتضمّنة لإضافة البداء إلى اللّه ، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن .

ووجه إطلاق ذلك فيه تعالى ، هو أنّه إذا كان منه ما يدلّ على النسخ ، يظهر به للمكلّفين ما لم يكن ظاهراً ، ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلاً لهم ، أطلق على ذلك لفظ البداء (3) .

أقول: كلامه قدس سره واضح في عدم جواز نسبة الجهل إلى اللّه تعالى وأنّ البداء بمعنى الظهور بعد الخفاء لا يكون بالنسبة إليه تعالى .

نعم تفسير البداء بالإبداء ممّا لا يمكن المساعدة عليه لكونه خلاف ظاهر الآيات والأخبار الدالّة على البداء حقيقة ولكن لا بمعنى الظهور بعد الخفاء بل بمعنى نشوء الرأي وسيأتيك الردّ على تفسير البداء بالإبداء.

وقال العلّامة السيّد عبداللّه شبّر قدس سره :

للبداء معان ، بعضها يجوز عليه ، وبعضها يمتنع ، وهو بالفتح والمدّ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه ، وحصول العلم به بعد الجهل ، واتّفقت الأُمّة على امتناع ذلك على اللّه سبحانه إلّامن لا يعتدّ به ، ومن نسب إلى الإماميّة فقد افترى عليهم كذباً ، والإماميّة براء .

ص: 255


1- . الجاثية : 33 .
2- . الزمر : 48 .
3- . عدة الأُصول : 29/2 ، ولاحظ كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : 263 .

منه ، وقد يطلق على النسخ ، وعلى القضاء المجدّد ، وعلى مطلق الظهور ، وعلى غير ذلك من المعاني (1) .

وقال العلّامة المجلسيّ قدس سره :

إعلم أنّه لمّا كان البداء ممدوداً في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن ، يقال : بدى الأمر بدواً : ظهر ، وبدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهريّ وغيره ، فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحقّ تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله ، وهذا محال . ولذا شنّع كثير من المخالفين على الإماميّة في ذلك نظراً إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم ، حتّى إنّ الناصبيّ المتعصّب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب «المحصّل» حاكياً عن سليمان بن جرير أنّ أئمّة الرافضة وصفوا القول بالبداء لشيعتهم ، فإذا قالوا أنّه سيكون لهم أمر ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا : بدا للّه تعالى فيه (إلى أن قال بعد نقل كلام الفخر الرازي ونقده) ولا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى به عليهم ، مع أنّ كتب الإماميّة المتقدّمين عليه - كالصدوق والشيخ والمرتضى وغيرهم رضوان اللّه عليهم - مشحونة بالتبرّي عن ذلك (2) .

أقول: كلامه قدس سره صريح في نفي الجهل عن اللّه تعالى ولكن لا يمكن المساعدة على ما بيّنه من نفي البداء بمعنى الظهور بعد العدم ونشوء الرأي . إذ البداء بالمعنى الذي ذكرناه لا يوجب تغيير علمه تعالى إنّما هو تغيير في الإرادة والمشيّة ، فالتغيير لا يكون في العلم المخزون إنّما يكون في العلم المحمول وهذا لا يوجب نسبة الجهل إلى اللّه تعالى بل يوجب الإقرار بسعة علمه وإحاطة قدرته وكونه ذا رأي ومشيّة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . .

ص: 256


1- . مصابيح الأنوار : 33/1 .
2- . مرآة العقول : 123/2 و 126 .

وأمّا قول الرازي فبعيد عن التحقيق ولا ينمّ منه إلّاالنصب والعداء لأئمّة الهدى عليهم السلام ، إذ البداء لا يقع في أصول الدين وأصول المذهب كما أنّه لا يقع في الأمور التي أخبر أئمّة الهدى عليهم السلام بأنّها ممّا لا يبدو للّه تعالى فيها ، أو في الأمور التي يستلزم من تغييرها تكذيب اللّه تعالى وتكذيب رسله وأوليائه ، وقد بُيّنت هذه الأمور في أحاديث أئمّة الهدى عليهم السلام وسيأتي الكلام عن ذلك في فصل موارد البداء .

ص: 257

ص: 258

الفصل التاسع : آثار الإعتقاد بالبداء

إذا عرفت ما ذكرناه لك في هذه الأوراق يتّضح لك الوجه في أهمّية البداء الذي لم يكن اللّه تعالى ليبعث نبيّاً من أنبيائه إلّابعد الإقرار بالبداء ، فإنّ الإقرار به من أركان النبوّة . فإنّ البداء بالمعنى الذي جاءت به الآيات والأخبار يوجب انفتاح باب الدعاء والمسألة ، ويوجب الخوف والرجاء الحقيقيّين من اللّه تعالى ، ولذا يكون العارف بالبداء خائفاً راجياً يخافه لذنبه الذي ارتكبه ، فيخشى عدل اللّه تعالى ويرجوه لكرمه وعفوه .

ولولا البداء لما كان معنى للدعاء والإستجابة والخوف والرجاء معاً ، كما أنّ معرفة البداء توجب الإستزادة من الأعمال الصالحة لما يرى العبد من التأثيرات فيها ، وتوجب مراقبة النفس من ارتكاب المحارم ، فلاحظ الأدلّة التالية :

قال اللّه تعالى : «وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ » (1) .

أقول : الظاهر من الآية المباركة أنّ اللّه تعالى يستجيب للداعين عند دعائهم أو بعده ، لا أنّه يظهر استجابته الأزلّية سابقاً عند الدعاء .

عن بسطام الزّيّات عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ الدّعاء يردّ القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم إبراماً (2) .

عن حمّاد بن عثمان قال : سمعته يقول : إنّ الدّعاء يردّ القضاء ينقضه كما ينقض

ص: 259


1- . غافر : 60 .
2- . الكافي : 469/2 .

السلك وقد أبرم إبراماً (1) .

عن عبداللّه بن سنان قال : سمعت الإمام أبا عبداللّه عليه السلام يقول : الدعاء يردّ القضاء بعد ما أبرم إبراماً ، فأكثر من الدّعاء فإنّه مفتاح كلّ رحمة ونجاح كلّ حاجة ، ولا ينال ما عند اللّه عزّ وجلّ إلّابالدّعاء ، وإنّه ليس باب يكثر قرعه إلّايوشك أن يفتح لصاحبه (2) .

عن الإمام أبي عبداللّه عليه السلام قال : إنّ الدعاء يردّ القضاء وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق (3) .

ورد في الدعاء بعد زيارة الإمام الرضا عليه السلام : أسألك بالقدرة النافذة في جميع الأشياء وقضائك المبرم الذي تحجبه بأيسر الدعاء (4) .

أقول : هذه الأدلّة واضحة المراد في أنّ الدعاء يردّ القضاء الحقيقيّ ، فليس هناك إبداء بل هو بداء حقيقة .

قال أميرالمؤمنين عليه السلام : الرجاء للخالق سبحانه أقوى من الخوف ، لأنّك تخافه لذنبك وترجوه لجوده ، فالخوف لك والرجاء له (5) .

أقول : هذا الخبر الشريف يدلّ على وجود الخوف والرجاء في قلب المؤمن ، وأنّ الخوف هو بسبب القبائح التي ارتكبها ، والرجاء هو لأجل الرحمة الإلهيّة . وأنّ من كان في قلبه الخوف والرجاء ، سيرحمه اللّه تعالى ، فإنّ كرمه يجلّ عن مجازاة المقصّرين .

قال اللّه تعالى : «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » (6) .

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام في قول اللّه عزّ وجلّ «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ» قال : .

ص: 260


1- . الكافي : 469/2 .
2- . الكافي : 470/2 .
3- . بحارالأنوار : 349/70 ، قرب الإسناد : 16 .
4- . بحارالأنوار : 55/99 .
5- . شرح نهج البلاغة : 319/20 .
6- . التّوبة : 106 .

قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ، ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام فوحّدوا اللّه وتركوا الشّرك ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنّة ، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النّار ، فهم على تلك الحال إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم (1) .

أقول : قد مرّ دلالة الآية المباركة على البداء . وبيانها الموجب لذكرها ثانياً في المقام هو أنّها تدلّ على أنّ بعض الناس سيكونون في حال الخوف والرجاء إلى أن يشإ اللّه تعالى لهم الرحمة أو العذاب .

أفاد سيّد الفقهاء والمجتهدين المحقّق الخوئيّ قدس سره في بيان آثار البداء :

أنّ القول بالبداء يوجب توجّه العبد إلى اللّه تعالى وتضرّعه إليه وطلبه إجابة دعائه وقضاء حوائجه ومهمّاته وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية .

كلّ ذلك إنّما نشأ من الإعتقاد بالبداء وبأنّ عالم المحو والإثبات بيده تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» (2) .

وهذا بخلاف القول بإنكار البداء وأنّ كلّ ما جرى به قلم التقدير لا يمكن أن يتغيّر وأنّه كائن لا محالة ، حيث إنّ لازمه أنّ المعتقد بهذه العقيدة مأيوس عن إجابة دعائه وقضاء حوائجه ، فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه لا يخلو من أن يجري قلم التقدير بإيجاده أو لا يجري ، فعلى الأوّل فهو موجود لا محالة ، وعلى الثاني لن يوجد أبداً ولن ينفعه الدعاء والتضرّع والتوسّل حيث يعلم بأنّ تقديره لن يتغير أبداً .

ومن الطبيعي أنّ العبد إذا يئس من إجابة دعائه وأنّه لا يؤثر في تقديره تعالى أصلاً ، ترك التضرّع والدعاء له تعالى ، لعدم فائدة في ذلك . .

ص: 261


1- . الكافي : 407/2 .
2- . الرعد : 39 .

وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين عليهم السلام أنّها تزيد في العمر والرزق وغير ذلك ممّا يطلبه العبد ، ولأجل هذا السرّ قد ورد في الروايات الكثيرة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام الاهتمام بشأن البداء (1) .

وأفاد شيخنا الأستاذ آية اللّه الميرزا حسن عليّ المرواريد قدس سره في بيان آثار البداء :

وعرفانُ العبدِ هذا الكمالِ له تعالى ، يفتح عليه باب الرجاء ، والخوف ، والدعاء ، والإنابة ، والمواظبة على الطاعة ، وترك المعصية ، والتوبة ، وابتغاء الوسيلة ، والإجتهاد في العبادة ، والتضرّع إليه تعالى شأنه ، وصلة الأرحام والصدقة ، وغيرها (2) . .

ص: 262


1- . محاضرات في أصول الفقه : 506/4 .
2- . تنبيهات حول المبدأ والمعاد : 202 .

الفصل العاشر : البداء ليس هو الإبداء

قد ذهب بعض الأعلام إلى أنّ البداء على الحقيقة لا يعقل في اللّه تعالى لاستلزامه الجهل في ذاته القدّوس وهو باطل عقلاً ، ولذا لابدّ من أن يكون المراد من البداء هو الإبداء تنزيلاً ، فلاحظ العبارات التالية :

أفاد سيّد الفقهاء والمجتهدين المحقّق الخوئيّ قدس سره ما هذا نصّه :

(البداء) قد التزم الشيعة بالبداء في التكوينيّات وخالف في ذلك العامّة وقالوا باستحالة البداء فيها لاستلزامه الجهل على الحكيم تعالى : ومن هنا نسبوا إلى الشيعة ما هم براء منه وهو تجويز الجهل عليه تعالى باعتبار التزامهم بالبداء .

ولكن ، من الواضح أنّهم لم يحسنوا في فهم ما هو مراد الشيعة من البداء ، ولم يتأمّلوا في كلماتهم حول هذا الموضوع وإلّا لما نسبوا إليهم هذا الإفتراء الصريح والكذب البين .

وممّن نسب ذلك إلى الشيعة ، الفخر الرازي في تفسيره الكبير عند تفسير قوله تعالى : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» قال :

«قالت الرافضة : البداء جائز على اللّه تعالى وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده» وهذا كما ترى كذب صريح على الشيعة ، وكيف كان ، فلا يلزم من الإلتزام بالبداء الجهل عليه تعالى ، كيف فإنّ الشيعة ملتزمون به ، فمع ذلك يقولون باستحالة الجهل عليه سبحانه وتعالى .

ص: 263

وقد ورد في بعض الروايات أنّ من زعم أنّ اللّه عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه ، وفي بعضها الآخر فأمّا من قال بأنّ اللّه تعالى لا يعلم الشيء إلّابعد كونه ، فقد كفر وخرج عن التوحيد .

وقد اتّفقت كلمة الشيعة الإمامية على أنّ اللّه تعالى لم يزل عالماً قبل أن يخلق الخلق بشتّى أنواعه بمقتضى الحكم العقل الفطري وطبقاً للكتاب والسنّة .

بيان ذلك أنّه لا شبهة في أنّ العالم بشتّى ألوانه وأشكاله تحت قدرة اللّه تعالى وسلطانه المطلق ، وأنّ وجود أيّ ممكن من الممكنات فيه منوط بمشيئته تعالى وإعمال قدرته ، فإن شاء أوجده ، وإن لم يشأ لم يوجده ، هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى إنّ اللّه سبحانه عالم بالأشياء بشتّى أنواعها وأشكالها منذ الأزل ، وإنّ لها بجميع أشكالها تعييناً علميّاً في علم اللّه الأزليّ ويعبّر عن هذا التعيين بتقدير اللّه مرّة وبقضائه مرّة أخرى .

ومن ناحية ثالثة إنّ علمه تعالى بالأشياء منذ الأزل لا يوجب سلب قدرة اللّه تعالى واختياره عنها ، ضرورة أنّ حقيقة العلم بشيء ، الكشف عنه على واقعه الموضوعيّ من دون أن يوجب حدوث شيء فيه . فالعلم الأزليّ بالأشياء هو كشفها لديه تعالى على واقعها من الإناطة بمشيئة اللّه واختياره ، فلا يزيد انكشاف الشيء على واقع ذلك الشيء . وقد فصّلنا الحديث من هذه الناحية في مبحث الجبر والتفويض بشكل موسّع .

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي الثلاث هي أنّ معنى تقدير اللّه تعالى للأشياء وقضائه بها أنّ الأشياء بجميع ضروبها كانت متعيّنة في العلم الإلهي منذ الأزل على ما هي عليه من أنّ وجودها معلّق على

ص: 264

أن تتعلّق المشيئة الإلهية بها حسب اقتضاء الحكم والمصالح التي تختلف باختلاف الظروف والتي يحيط بها العلم الإلهي .

ومن ضوء هذا البيان يظهر بطلان ما ذهب إليه اليهود من أنّ قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل ، استحال أن تتعلّق المشيئة الإلهيّة بخلافه .

ومن هنا قالوا يد اللّه مغلولة عن القبض والبسط والأخذ والإعطاء ، ووجه الظهور ما عرفت من أنّ قلم التقدير والقضاء لا يزاحم قدرة اللّه تعالى على الأشياء حين إيجادها حيث إنّه تعلّق بها على واقعها الموضوعيّ من الإناطة بالمشيئة والإختيار ، فكيف ينافيها ؟!

ومن الغريب جدّاً أنّهم (لعنهم اللّه) التزموا بسلب القدرة من اللّه ولم يلتزموا بسلب القدرة عن العبد مع أنّ الملاك في كليهما واحد - وهو العلم الأزليّ - فإنّه كما تعلّق بأفعاله تعالى كذلك تعلّق بأفعال العبيد .

فالنتيجة إنّهم التزموا بحفظ القدرة لأنفسهم وأنّ قلم التقدير والقضاء لا ينافيها ، وسلب القدرة عن اللّه تعالى وأنّ قلم التقدير والقضاء ينافيها ، وهذا كما ترى .

وبعد ذلك نقول : إنّ المستفاد من نصوص الباب أنّ القضاء الإلهي على ثلاثة أنواع :

الأول : قضاؤه تعالى الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه حتى نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله وهو العلم المخزون الذي استأثر به لنفسه المعبّر عنه باللوح المحفوظ تارةً وبأمّ الكتاب تارةً أخرى .

ولا ريب أنّ البداء يستحيل أن يقع فيه كيف يتصوّر فيه البداء وأنّ اللّه سبحانه عالم بجميع الأشياء بشتّى ألوانها منذ الأزل لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة لا في الأرض ولا في السماء ، ومن هنا قد ورد في

ص: 265

روايات كثيرة أنّ البداء إنّما ينشأ من هذا العلم لا أنّه يقع فيه :

منها : ما رواه الصدوق باسناده عن الحسن بن محمّد النوالي أنّ الرضا عليه السلام قال لسليمان المروزيّ : رويت عن أبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال : «إنّ للّه عزّ وجلّ علمين : علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلّاهو من ذلك يكون البداء ، وعلماً علّمه ملائكته ورسله فالعلماء من أهل بيت نبيّك يعلمونه» .

ومنها : ما عن بصائر الدرجات بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «إنّ للّه علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّاهو من ذلك يكون البداء ، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ونحن نعلمه» .

الثاني : قضاء الذي أخبر نبيّه وملائكته بأنّه سوف يقع حتماً ، ولا شبهة في أنّ هذا القسم أيضاً لا يقع فيه البداء ، ضرورة أنّ اللّه تعالى لا يكذّب نفسه ورسله وملائكته وأولياءه ، فلا فرق بينه وبين القسم الأوّل من هذه الناحية . نعم يفترق عنه من ناحية أخرى وهي أنّ هذا القسم لا ينشأ منه البداء دون القسم الأول .

وتدلّ على ذلك عدّة روايات :

منها : قوله عليه السلام في الرواية المتقدّمة عن الصدوق أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول : «العلم علمان فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله فما علّمه ملائكته ورسله فإنّه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء» .

ومنها : ما روى العيّاشي عن الفضيل قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : من الأمور أمور محتومة جائيّة لا محالة ، ومن الأمور أمور موقوفة عند اللّه يقدّم منها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، لم

ص: 266

يطلع على ذلك أحداً - يعني الموقوفة - فأمّا ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذّب نفسه ولا نبيّه ولا ملائكته .

الثالث : قضاء اللّه الذي أخبر نبيّه وملائكته بوقوعه في الخارج لا بنحو الحتم بل معلّقاً على أن لا تتعلّق مشيئة اللّه على خلافه . وفي هذا القسم يقع البداء عنه بعالم المحو والإثبات وإليه أشار بقوله «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » ، «لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ» . وقد دلّت على ذلك عدّة نصوص .

منها : ما في تفسير عليّ بن إبراهيم عن عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : «إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى السماء الدنيا ، فيكتبون ما يكون من قضاء اللّه تعالى في تلك السنة ، فإذا أراد اللّه أن يقدّم شيئاً أو يؤخّره أو ينقص شيئاً ، أمر الملك أن يمحو ما يشاء ثمّ أثبت الذي أراده .

قلت : وكلّ شيء هو عند اللّه مثبت في كتاب اللّه ؟

قال : نعم .

قلت : فأيّ شيء يكون بعده ؟

قال : سبحان اللّه ، ثمّ يحدث اللّه أيضاً ما يشاء تبارك وتعالى .

ومنها : ما في تفسيره أيضاً عن عبداللّه بن مسكان عن أبي جعفر وأبي عبداللّه وأبي الحسن عليهم السلام عند تفسير قوله تعالى : «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ » أي يقدّر اللّه كلّ أمر من الحقّ ومن الباطل وما يكون في تلك السنة ، وله فيه البداء والمشيئة ، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض ، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء» .

ومنها : ما في الإحتجاج عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال : «لولا آية في

ص: 267

كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهي هذه الآية : «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» ومثله ما عن الصدوق في الأمالي والتوحيد عن أميرالمؤمنين عليه السلام .

ومنها : ما في تفسير العياشي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال :

«كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول : لولا آية في كتاب اللّه لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة .

فقلت : أيّة آية ؟

قال : قول اللّه «يَمْحُوا اللّهُ» الخ» .

ومنها : ما في قرب الإسناد عن البزنطي عن الرضا عليه السلام قال : قال أبو عبد اللّه وأبو جعفر وعليّ بن الحسين والحسين بن عليّ وعليّ بن أبي طالب عليهم السلام «لولا آية في كتاب اللّه لحدّثناكم بما يكون إلى أن تقوم الساعة ، «يَمْحُوا اللّهُ» الخ» .

ومنها : ما عن العيّاشي عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السلام يقول : «إنّ اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده أمّ الكتاب . وقال : فكلّ أمر يريد اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له إلّاوقد كان في علمه ، إنّ اللّه لا يبدو له من جهل» .

ومنها ما رواه عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السلام سئل عن قول اللّه : «يَمْحُوا اللّهُ» الخ . قال : «إنّ ذلك الكتاب كتاب يمحو اللّه ما يشاء ويثبت ، فمن ذلك الذي يردّ الدعاء القضاء وذلك الدعاء مكتوب عليه الذي يُرَدُّ به القضاء حتّى إذا صار إلى أمّ الكتاب لم يغن الدعاء فيه شيئاً» وغيرها من الروايات الدالّة على ذلك .

فالنتيجة على ضوء هذه الروايات هي أنّ البداء يستحيل أن يقع في القسم الأوّل من القضاء المعبّر عنه باللّوح المحفوظ وبأمّ الكتاب

ص: 268

والعلم المخزون عند اللّه ، بداهة أنّه كيف يتصوّر البداء فيه وأنّ اللّه سبحانه عالم بكنه جميع الأشياء بشتّى ألوانها منذ الأزل لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء . نعم هذا العلم منشأ لوقوع البداء يعني أنّ انسداد باب هذا العلم لغيره تعالى حتّى الأنبياء والأوصياء والملائكة أوجب وقوع البداء في بعض إخباراتهم .

وكذا الحال في القسم الثاني من القضاء نظراً إلى أنّ العقل يستقلّ باستحالة تكذيب اللّه تعالى نفسه أو أنبيائه .

وأمّا القسم الثالث فهو مورد لوقوع البداء ولا يلزم من الإلتزام بالبداء فيه أي محذور كنسبة الجهل إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ولا ما ينافي عظمته وجلاله ، ولا الكذب حيث إنّ إخباره تعالى بهذا القضاء لنبيّه أو وليّه ليس على نحو الجزم والبتّ ، بل هو معلّق بعدم مشيئته بخلافه ، فإذا تعلّقت المشيئة على الخلاف لم يلزم الكذب ، فإنّ ملاك صدق هذه القضيّة وكذبها إنّما هو بصدق الملازمة وكذبها ، والمفروض أنّ الملازمة صادقة وهي وقوعه لو لم تتعلق المشيئة الإلهية على خلافه . مثلاً ، أنّ اللّه تعالى يعلم بأنّ زيداً سوف يموت في الوقت الفلاني ويعلم بأنّ موته فيه معلّق على عدم اعطائه الصدقة أو ما شاكلها ، ويعلم بأنّه يعطي الصدقة فلا يموت فيه ، فها هنا قضيّتان شرطيّتان ففي إحداهما : قد علّق موته في الوقت الفلاني بعدم تصدّقه أو نحوه ، وفي الأخرى قد علّق عدم موته فيه على تصدّقه أو نحوه .

ونتيجة ذلك أنّ المشيئة الإلهيّة في القضيّة الأولى قد تعلّقت بموته إذا لم يتصدّق ، وفي القضيّة الثانية قد تعلّقت بعدم موته وبقائه حيّاً إذا تصدّق

ومن الواضح أنّ إخباره تعالى بالقضيّة الأولى ليس كذباً ، فإنّ

ص: 269

المناط في صدق القضيّة الشرطيّة وكذبها هو صدق الملازمة بين الجزاء والشرط وكذبها لا بصدق طرفيها ، بل لا يضرّ استحالة وقوع طرفيها في صدقها . فعلمه تعالى بعدم وقوع الطرفين هنا لا يضرّ بصدق إخباره بالملازمة بينهما ، وكذا لا محذور في إخبار النبي أو الوصي بموته في هذا الوقت معلّقاً بتعلّق المشيئة الإلهيّة به ، فإنّ جريان البداء فيه لا يوجب كون الخبر الذي أخبر به المعصوم كاذباً لفرض أنّ المعصوم لم يخبر بوقوعه على سبيل الحتم والجزم ومن دون تعليق ، وإنّما أخبر به معلّقاً على أن تتعلّق المشيئة الإلهية به ، أو أن لا تتعلّق بخلافه .

ومن الواضح أنّ صدق هذا الخبر وكذبه إنّما يدوران مدار صدق الملازمة بين هذين الطرفين وكذبها ، لا وقوعهما في الخارج وعدم وقوعهما فيه .

فالنتيجة - في نهاية المطاف - هي أنّه لا مانع من الإلتزام بوقوع البداء في بعض إخبارات المعصومين عليهم السلام في الأمور التكوينيّة ولا يلزم منه محذور لا بالإضافة إلى ذاته سبحانه وتعالى ولا بالإضافة إليهم عليهم السلام .

وقد تحصّل ممّا ذكرناه أنّ نتيجة البداء الذي تقول به الشيعة الإماميّة وتعتقد به هي الإعتراف الصريح بأنّ العالم بأجمعه تحت سلطان اللّه وقدرته حدوثاً وبقاءً ، وأنّ مشيئة اللّه تعالى نافذة في جميع الأشياء ، وأنّها بشتّى ألوانها بأعمال قدرته واختياره . وقد تقدّم الحديث من هذه الناحية في ضمن نقد نظريّتي الجبر والتفويض ، هذا من ناحية .

ومن ناحية أخرى ، أنّ في الإعتقاد بالبداء يتّضح نقطة الفرق بين

ص: 270

العلم الإلهي وعلم غيره ، فإنّ غيره وإن كان نبيّاً أو وصيّاً كنبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله لا يمكن أن يحيط بجميع ما أحاط به علمه تعالى وإن كان عالماً بتعليم اللّه إيّاه بجميع عوالم الممكنات ، إلّاأنّه لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون المعبّر عنه باللّوح المحفوظ وبأمّ الكتاب حيث أنّه لا يعلم بمشيئة اللّه تعالى لوجود شيء أو عدم مشيئته إلّاحيث يخبره اللّه تعالى به على نحو الحتم .

ومن ناحية ثالثة إنّ القول بالبداء يوجب توجّه العبد إلى اللّه تعالى وتضرّعه إليه وطلبه إجابة دعائه وقضاء حوائجه ومهمّاته وتوفيقه للطّاعة وإبعاده عن المعصية ، كلّ ذلك إنّما نشأ من الإعتقاد بالبداء وبأنّ عالم المحو والاثبات بيده تعالى «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » (1) .

وهذا بخلاف القول بإنكار البداء ، وأنّ كلّ ما جرى به قلم التقدير لا يمكن أن يتغيّر وأنّه كائن لا محالة ، حيث إنّ لازمه أنّ المعتقد بهذه العقيدة مأيوس عن إجابة دعائه وقضاء حوائجه ، فإنّ ما يطلبه العبد من ربّه لا يخلو من أن يجري قلم التقدير بايجاده أو لا يجري . فعلى الأوّل فهو موجود لا محالة ، وعلى الثاني لن يوجد أبداً ولن ينفعه الدعاء والتضرّع والتوسّل حيث يعلم بأنّ تقديره لن يتغيّر أبداً .

ومن الطبيعي أنّ العبد إذا يئس من إجابة دعائه وأنّه لا يؤثّر في تقديره تعالى أصلاً ، ترك التضرّع والدعاء له تعالى ، لعدم فائدة في ذلك .

وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين عليهم السلام أنّها تزيد في العمر والرزق وغير ذلك ممّا يطلبه .

ص: 271


1- . الرعد : 39 .

العبد . ولأجل هذا السرّ قد ورد في الروايات الكثيرة عن الأئمّة الأطهار عليهم السلام الاهتمام بشأن البداء :

منها : ما رواه الصدوق في كتاب التوحيد باسناده عن أحدهما عليهما السلام قال : «ما عبد اللّه عزّوجلّ بشيء مثل البداء» .

ومنها : ما رواه بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال :

«ما عظّم اللّه عزّوجلّ بمثل البداء» .

ومنها : ما رواه بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال : «ما بعث اللّه عزّوجلّ نبيّاً حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبوديّة ، وخلع الانداد ، وأنّ اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء» . وقد ورد أيضاً في الروايات الكثيرة من طرق أهل السنّة أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القدر .

والنكتة في هذا الإهتمام : هو أنّ القول بعدم البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأنّ اللّه تعالى غير قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، حيث إنّه مخالف لصريح الكتاب والسنّة وحكم العقل الفطري كما عرفت . ومن المعلوم أنّ ذلك يوجب يأس العبد من إجابة دعائه ، وهو يوجب تركه وعدم توجهه إلى ربّه في قضاء مهمّاته وطلباته .

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية :

الأولى : أنّ ما عن العامّة من نسبة تجويز الجهل عليه سبحانه وتعالى إلى الشيعة باعتبار التزامهم بالبداء ، فقد عرفت أنّه افتراء صريح عليهم وأنّ الإلتزام بالبداء لا يستلزم ذلك ، بل هو تعظيم وإجلال لذاته تعالى وتقدّس .

الثانية : أنّ العالم بأجمعه وبشتّى أشكاله تحت سلطان اللّه تعالى

ص: 272

وقدرته كما أنّه تعالى عالم به بجميع أشكاله منذ الأزل . وقد عرفت أنّ هذا العلم لا ينافي ولا يزاحم قدرته واختياره . ومن هنا قلنا أنّ ما ذهب إليه اليهود من أنّ قلم التقدير والقضاء إذا جرى على الأشياء في الأزل استحال أن تتعلّق المشيئة الإلهية بخلافه ، خاطئ جدّاً ولا واقع موضوعي له أصلاً ، فإنّ قلم التقدير والقضاء لا ينافي قدرته ولا يزاحم اختياره .

الثالثة : أنّ قضاءه تعالى على ثلاثة أنواع :

1 - قضاؤه الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه .

2 - قضاؤه الذي أطلع بوقوعه أنبياءه وملائكته على سبيل الحتم والجزم .

3 - قضاؤه الذي أطلع بوقوعه أنبياءه وملائكته معلّقاً على أن لا تتعلّق مشيئته على خلافه ، ولا يعقل جريان البداء في القضاء الأوّل والثاني وإنّما يكون ظرف جريانه هو الثالث ، وهذا التقسيم قد ثبت على ضوء الروايات وحكم العقل الفطري .

الرابعة : أنّه لا يلزم من الإلتزام بالبداء أي محذور كتجويز الجهل عليه سبحانه أو ما ينافي عظمته وإجلاله أو الكذب ، بل في الإعتقاد به تعظيم لسلطانه وإجلال لقدرته ، كما لا يلزم منه محذور بالإضافة إلى أنبيائه وملائكته ، بل فيه امتياز علم الخالق عن علم المخلوق .

الخامسة : أنّ حقيقة البداء عند الشيعة الإمامية هي بمعني الإبداء أو الإظهار ، وإطلاق لفظ البداء عليه مبنيّ على التنزيل وبعلاقة المشاكلة .

السادسة : أنّ فائدة الإعتقاد بالبداء هي الإعتراف الصريح بأنّ العالم بأجمعه تحت سلطان اللّه وقدرته «يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » وتوجّه العبد إلى اللّه تعالى وتضرّعه إليه في قضاء حوائجه

ص: 273

ومهمّاته وعدم يأسه من ذلك ، وهذا بخلاف القول بإنكار البداء ، فإنّه يوجب يأس العبد ولا يرى فائدة في التضرّع والدعاء ، وهذا هو السرّ في اهتمام الأئمة عليهم السلام بشأن البداء في الروايات الكثيرة . انتهى ما أردنا نقله (1) .

محصّل كلامه قدس سره : أنّ اللّه تعالى عالم بشتّى أنواع الأشياء أزلاً ويعبّر عن هذا التعيين العلميّ بتقديره تعالى مرّة وقضائه أُخرى .

ثمّ إنّ علمه تعالى أزلاً لا يوجب سلب القدرة عنه ضرورة أنّ حقيقة العلم هو الكشف عن الشيء من دون اسلتزام حدوث شيء فيه فلا تنافي بين العلم والقدرة .

ولذا لا وجه لما ذهب اليه اليهود من أنّ يد اللّه تعالى مغلولة لأنّ التقدير لا يزاحم القدرة الإلهيّة ، فإنّ اللّه تعالى عالم بأنّه قدّر ما قدّر عن علم وقدرة .

ثمّ بيّن قدس سره بأنّ القضاء الإلهيّ على ثلاثة أنواع :

1 - قضاؤه الذي لم يطلع عليه أحداً من خلقه وهو العلم المخزون ، ولا يتصوّر في ذلك البداء لأنّه تعالى عالم بجميع الأشياء بشتّى ألوانها منذ الأزل .

2 - قضاؤه الذي أخبر نبيّه وملائكته به بأنّه سيكون حتماً ، وهذا أيضاً لا يقع فيه البداء ضرورة أنّه تعالى لا يكذّب نفسه ولا رسله .

3 - قضاؤه الذي أخبر به نبيّه وملائكته به لا على نحو الحتم ، وهذا ممّا يقع فيه البداء .

فالظاهر من هذه العبارات أُمور :

الأوّل : أنّه قدس سره ذهب إلى أنّ العلم المخزون المكنون هو القضاء الإلهي وهو المنشأ للبداء في القسم الثالث من القضائيّات ، فلا يعقل أن يقع فيه البداء .

الثاني : أنّ اليهود ذهبوا إلى انغلال يد اللّه تعالى وإنّه تعالى مجبور في أفعاله مع التزامهم بالإختيار في أفعالهم ، وردّ ذلك بأنّ العلم لا يغيّر من الواقع الموضوعيّ ، .

ص: 274


1- . محاضرات في أصول الفقه تقرير بحث المحقّق الخوئيّ : 496/4 - 509 .

فإنّ العلم كشف للحقائق واللّه تعالى يعلم أنّه يفعل ما يفعل عن قدرة واختيار .

الثالث : أنّ البداء عند الشيعة ليس إلّابمعنى الإبداء والإظهار ، ولذا لا يستلزم الجهل في حقّه تعالى .

وقد التزم بما بيّنه من أنّ البداء بمعنى الإبداء تلميذه آية اللّه السيّد تقيّ القمّيّ حفظه اللّه وإليك نصّ عباراته :

إنّ جميع الأمور معلومة عند ذاته المقدّسة والمعلوم عنده قسمان :

قسم في اللّوح المحفوظ ، وقسم في لوح المحو والإثبات . والذي يكون في اللّوح المحفوظ لا يتغيّر ولا يتبدّل ، وأمّا القسم الثاني فهو قابل التغيّر والتبدّل .

والبداء - في الحقيقة - هو الإبداء وإظهار ما كان مستوراً . مثلاً قد قدّر أن يعمر زيد خمسين سنة بشرط عدم صلته لرحمه ، وأمّا إذا وصل رحمه يزيد في عمره ثلاثين سنة ، فمعنى البداء إظهار ما كان مجهولاً .

وببيان واضح : كان المقدّر أن يعمّر خمسين ثمّ يبدو ويظهر أنّ عمره ثمانون ، وبهذا المعنى لا يتوجّه الإشكال . والشيعة قائلون بالبداء بهذا المعنى ولا يلزم منه استناد الجهل إلى ذاته المقدّسة ، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً . انتهى ما أردنا نقله (1) .

أقول : أمّا ما أفاده من أنّ المراد من العلم المخزون هو التقدير الإلهيّ والقضاء ، فلا يمكن الإلتزام به لافتراق العلم عن التقدير . فالعلم ليس هو التقدير والقضاء ، فإنّهما من صفات الأفعال وقد مرّت الإشارة إليه ، فراجع .

وأمّا ما أفاده من عطف كلام اليهود إلى إنكار قدرة اللّه تعالى واختياره ، فلا يمكن المساعدة عليه إذ الظاهر من كلامهم هو إنكار القدرة على التغيير والتبديل وأنّ يده .

ص: 275


1- . آراؤنا : 388/1 .

تعالى مغلولة بالنسبة إلى التغييرات لا بالنسبة إلى أصل الخلقة .

وبعبارة أُخرى : إنّ الظاهر من كلام اليهود هو إنكار القدرة على التغيير لا القدرة في أصل الخلق فلا يعود كلامهم إلى إنكار الإختيار ، فتأمّل جيّداً .

وأمّا ما أفاده من أنّ البداء إنّما هو بمعنى الإبداء فلا يتوافق مع المستفاد من الآيات والأخبار . ويرد عليه أُمور :

1 - البداء لغة ليس بمعنى الإبداء إنّما هو بمعنى الحدوث بعد العدم .

2 - الظاهر من الأدلّة بل صريحها وقوع التغيير في المشيّة الإلهيّة حقيقة ، وهذا وإن كان لا ينافي ما ذكره حيث إنّه التزم بوقوع التغيير في القضاء بالمعنى الثالث ، ولكن ليس ذلك تغييراً للمشيّة بمعنى التقدير الحقيقيّ .

3 - إنّ الآثار المترتّبة على البداء الثابت بالأدلّة تنعدم إذا فسّرنا البداء بالإبداء . فإذا كانت التقديرات كلّها مقدّرة من الأزل ، لا تحصل للعبد حالة الخوف أو الرجاء ، فإنّه إمّا معذّب لا محالة وإمّا مرحوم لا محالة ، فلا معنى للخوف والرجاء فليذهب وينام إمّا حزيناً كئيباً وإمّا قرير العين ، فلا بداء إنّما هو إبداء حقيقة !!

والظاهر أنّ الوجه في تفسير البداء بالإبداء هو التفصّي من نسبة الجهل إلى اللّه تعالى وقد عرفت أنّ ذلك لا يكون حتّى وإن التزمنا بالبداء بالمعنى اللّغوي فإنّ اللّه تعالى عالم أزلاً بجميع الأنظمة اللامتناهية الحسنى وغير الحسنى وتقدير نظام من بين الأنظمة الحسنى متوقّف على رأيه ومشيّته . وبعد التقدير له تعالى أن يبدّل ما شاء بما شاء لعلمه تعالى بالمشاء وغيره ، فليس علمه تعالى محدوداً بما شاءه بل هو عالم بما لا يشاؤه أبداً ، وعالم بجميع الأنظمة اللامتناهية التي فيها أنظمة حكيمة بما لا يحصيه إلّاعلمه . فالتغيير في المشيّة وإن كان حقيقيّاً ، لا يوجب نسبة الجهل إلى اللّه تبارك وتعالى .

وأمّا علمه بما سيغيّره ، فقد عرفت أنّ ذلك يرجع إلى تقديره وله أن لا يقدّر شيئاً

ص: 276

فيرجئه إلى أن يشاء كما هو صريح الآية المباركة «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ» (1) فيمكن أن تكون هناك أمور لم يقدّر اللّه تعالى فيها شيئاً بالخصوص بل تبقى معلّقة على مشيّته وإرادته . وهذا لا يوجب الجهل فيه تعالى لأنّه تعالى كما هو عالم بطرف الرحمة عالم بطرف الغضب والعدل أيضاً . وأمّا اختياره لأحد الأطراف ، فيرجع إلى رأيه القدّوس ولا دخل له بعلمه ، وأمّا علمه بما يختاره فمآله إلى اختياره لأحد الأطراف ، فتأمّل جيّداً .

ولذا نرى أنّ أستاذه المحقّق النائينى قدس سره أقرّ بأصل البداء لدلالة الأدلّة عليه ولكن أرجع علمه إلى أهله (2) . فلو كان البداء بمعنى الإبداء لكان الأمر سهلاً غاية السهولة ولا يكون عليه غبار أبداً ، كما أنّ تلميذه المحقّق الروحاني قدس سره لم يرتض ما ذكروه في المقام لعدم قناعته بما ذكر من الحلول ، وأوكل علمه إلى أهله (3) .

والذي يهوّن الخطب في المقام هو أنّه ليس مراد الأعلام رحمهم اللّه تعالى إنكار البداء الوارد في الكتاب والسنّة قطعاً ، كيف وهم مأمونون على دين الناس ودنياهم وأجهدوا أنفسهم بل أوقفوها لخدمة الدين ولذا التزموا بجميع الآثار المترتّبة على البداء الحقيقيّ كما هو ملحوظ من كلمات المحقّق الخوئيّ قدس سره فإنّه التزم بالدعاء وحصول الخوف والرجاء ، إنّما أخطأوا في التخريج الفنّيّ للمسألة . والعصمة لأهلها والحمد للّه ربّ العالمين . .

ص: 277


1- . التوبة : 106 .
2- . أجود التقريرات : 513/1 .
3- . منتقى الأصول : 404/3 .

ص: 278

الفصل الحادي عشر : كلمات العلماء البشريّين في فاعليّة اللّه تعالى والبداء

تمهيد :

(1) تمهيد :

إذا كانت يد العلم البشريّ هي أقصر وأعجز من تناول كنه الحقائق الماديّة على حقيقتها - اعترافاً من كبارهم وإذعاناً من خبرائهم في العلوم التجربيّة والحسيّة - فإنّها بالنسبة إلى نيل الغيب والعلوم الممنوعة عن الحسّ أعجز وأقصر ، بل حقّ القول أنّ البشر لا سبيل له من ذات نفسه إلى إدراك الحقائق الغيبيّة بشكل عامّ ، والعلوم والمعارف الإلهيّة بشكل خاص .

والطريق الوحيد الذي يستطيع سوق الإنسان بين أطناب حجب الجهل إلى عالم الغيب هو طريق الوحي الذي ينطق عن اللّه سبحانه وتعالى وينبئ عمّا وراء حجاب الغيب ، أمّا محاولة الإستغناء عنه فلا يزيد صاحبه إلّاحيرة ومتاهة وإلّا ظلمة وجهلاً وعمى .

من هنا كان الإنفصال عن معارف القرآن و علوم حملته عليهم السلام أو محاولة تفسير القرآن وكلام حَمَلَته عليهم السلام بالأفكار البشريّة الدخيلة أو الممزوجة بأفكار علماء اليونان أو الهند ، كان ذلك سبباً أصيلاً في الانحراف عن الحقّ ومزاولة الحقيقة ، ومهما كان الابتعاد أكثر أو السعي لفهم كلام اللّه تعالى وكلام حَمَلَة القرآن عليهم السلام بالفكر المشوب بالأسس الإغريقيّة أشدّ كان الانحراف أعظم وأكثر والمصيبة أدهى وأمرّ . ولأجل هذا نرى أنّ علماء البشر ما استطاعوا الوصول إلى الحقائق في الدين ووقعوا في شبهات

ص: 279


1- . هذا الفصل كُتب بعد وفاة شيخنا العلّامة علم الهدى قدس سره فلم نوفّق لعرضه عليه ، وسعينا لإيراد الإشكالات على كلمات العلماء البشريّين بنفس الطريقة التي تعلّمناها من الأستاذ ؛ عليّ الرضويّ .

ما قدروا على الخروج منها بالفكر البشريّ كشبهة التشبيه بين اللّه تعالى وخلقه في مبحث التوحيد وشبهة الجبر في بحث الإرادة وشبهة المعاد الروحانيّ في بحث المعاد وغيرها من الشبهات في مباحث أصول الاعتقاد .

قدرة اللّه حقيقة لا خيال :

من ضمن الشبهات التي وقعوا فيها هي سلب الإختيار بمعناه الحقيقيّ عن اللّه تعالى ، فذهبوا إلى أنّه تعالى فاعل بالرضا أو العناية أو التجلّي أو العشق أو القسر وغير ذلك من الأقوال التي ستقف على أشهرها ويرد على كلّ واحد منها ما لا يخفى على المطّلع على المعارف الإلهيّة المستوحاة من الكتاب والسنّة والعقل .

ولا يهمّنا التعرّض لجميع الأقوال ههنا إذ في ذلك خروج عن محطّ الكلام ولكن ما يسع البحث طرحه هو أنّ من ذهب إلى كون فاعليّة اللّه تعالى بالرضا أو التجلّي أو غيرها من أنواع الفاعليّات المطروحة في كلام علماء البشر ينكر اختياريّة اللّه تعالى وإن كان من حيث لا يشعر ، والمنكر لمختاريّة اللّه تعالى لا يستطيع أن يلتزم بالبداء ، إذ البداء وقدرة اللّه تعالى على تغيير ما شائه وأراده وقدّره وقضاه وأمضاه فرع لثبوت قدرته على أن يشاء وأن لا يشاء حقيقةً لا لفظاً ، وإنكار قدرته تعالى على أن لا يشاء في صورة تماميّة فاعليّته هو عين إنكار مختاريّته تعالى في أصل الفعل فضلاً عن تغييره . فلا يتمكّن من أسّس فكره على المباني البشريّة من قبول البداء الوارد في الكتاب والسنّة للتعارض البيّن بين ما جاء فيهما مع الأفكار المستوحاة من العلوم الإغريقيّة القديمة .

وبما أنّ البداء كما عرفت مؤسّس على مسألة علمه تعالى وقدرته ، وأنّ البشر تخبط في البداء لجورهم عن قول الحقّ في العلم والقدرة ، لزم الإشارة إلى بعض ما ذكروا في العلم الإلهيّ وفاعليّته تعالى وما يترتّب على مبانيهم من مفاسد وإشكالات ، ثمّ بيان مقالتهم في البداء .

ص: 280

قال صدر الدين الشيرازيّ :

لا شبهة في أنّ واجب الوجود تامّ الحقيقة وفوق التمام وكذا لضرب من ملائكته المقرّبين والعقول القادسين تامّة الذوات متصلّة الهويّات بهويّة الواحد الحقّ فلا يفعلون ما يفعلون لأجل غرض في ما دونهم من أحوال هذا العالم وبالجملة العلل العالية لا يجوز أن يكون صدور الأفعال منها لأغراض وغايات تعود إليها من فعلها ولم تكن حاصلة قبل الفعل وإلّا لم تكن تامّة كاملة الذات بل ناقصة مستفيدة الكمال من جهة معلولاتها وهذا ممتنع جدّاً فثبت أنّها لا يهمها في فعلها شيء ولا يدعوها داع ولا يتعرّض على ذواتها إيثار طار ولا إرادة زائدة إلّاالاقتداء بالخير الأقصى والنور الأتمّ الأعلى .

وأمّا الواحد الحقّ فليس فوقه غاية ينظر إليها في إفاضة الخير وبثّ الرحمة العامة - ومع ذلك فإنّا نشاهد في موجودات هذا العالم وأجزاء النظام وأفراد الأكوان سيّما في النبات والحيوان بل في كليات الأعيان من الأفلاك والأركان من حسن التدبير وجودة الترتيب ورعاية المصالح والمنافع وإبداع القوى والأسباب الملائمة للأغراض الدافعة للآفات والمفسدات ما نقضي به آخر العجب ولا يسع لأحد أن ينكر الآثار العجيبة في جزئيّات الأكوان فكيف في كليّاتها كما سنذكر أنموذجاً منها وتلك الجزئيّات مثل مصالح ومنافع روعيت في بعض النباتات كالنخل والعنب وبعض الحيوانات العجم الحقيرة - كالنحل والعنكبوت ممّا ليس يصدر ذلك على وجه الاتفاق من غير تدبير سابق وحكم مطابق ومصلحة مرعية وحكمة مرضية .

فإذن يجب أن يعلم أنّ العناية كما مرّ هي كون الأوّل تعالى عالماً لذاته بما عليه الوجود في النظام الأتمّ والخير الأعظم وعلّة لذاته للخير

ص: 281

والكمال بحسب أقصى ما يمكن وراضياً به على النحو المذكور وهذه المعاني الثلاثة التي يجمعها معنى العناية من العلم والعلية والرضا كلّها عين ذاته بمعنى أنّ ذاته عين العلم بنظام الخير وعين السبب التامّ له وعين الرضا به وهو المشيّة الأزليّة فذاته بذاته صورة بنظام الخير على وجه أعلى وأشرف لأنّه الوجود الحقّ الذي لا غاية له ولا حدّ في الكمال وراءه فإذا كان كذلك فيعقل نظام الخير على الوجه الأبلغ في النظام والأتمّ بحسب الإمكان فيفيض عنه ما يعقله نظاماً وخيراً على الوجه المذكور الذي عقله فيضاناً وصدوراً متأدّياً إلى غاية النظام وصورة التمام على أتمّ تأدية .

فهذا هو معنى العناية الخالية عن الشين والنقص ومن اعتقد غير هذا - من القائلين بالاتفاق المنسوب إلى بعض القدماء والقائلين بالإرادة الخالية عن الحكمة والعناية المنسوبة إلى الشيخ الأشعريّ والقائلين بالفرض السفلى العائد إلى الخلق - قد ضلّوا ضلالاً بعيداً حيث جهلوا تنزيه اللّه تعالى وتوحيده وما قدروا اللّه حقّ قدره (1) .

وقال أيضاً :

فهو إمّا فاعل بالعناية أو بالرضا - وعلى أيّ الوجهين فهو فاعل بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا بالإيجاب كما توهّمه الجماهير من الناس فإنّ صحّة الشرطيّة غير متعلّقة بصدق شيء من مقدمها وتاليها بل وجوبه أو كذبه بل امتناعه إلّاأنّ الحق هو الأوّل منهما - فإنّ فاعل الكلّ كما سيجيء يعلم الكل قبل وجودها بعلم هو عين ذاته فيكون علمه بالأشياء الذي هو عين ذاته منشأ لوجودها .

ص: 282


1- . الحكمة المتعالية فى الأسفار العقلية الأربعة : 55/3 .

فيكون فاعلاً بالعناية (1) .

و قال أيضاً :

الفاعل على ستّة أصناف :

الأوّل فاعل بالطبع ، وهو الذي يصدر عنه فعل بلا شعور منه وإرادة ويكون فعله ملائماً لطبعه .

والثاني فاعل بالقسر ، وهو الذي يصدر عنه فعل بلا شعور منه وإرادة ، ويكون فعله على خلاف مقتضى طبعه الأصلي .

والثالث فاعل بالجبر ، وهو الذي يصدر عنه فعله بلا اختياره ، بعد أن يكون من شأنه اختيار ذلك الفعل وعدمه .

وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في كونها غير مختارة في فعلها .

والرابع فاعل بالقصد ، وهو الذي يصدر عنه الفعل مسبوقاً بإرادته المسبوقة بعلمه المتعلق بغرضه من ذلك الفعل ، ويكون نسبة أصل قدرته وقوته من دون انضمام الدواعي أو الصوارف إليفعله وتركه واحدة .

الخامس فاعل بالعناية ، وهو الذي يتبع فعله علمه بوجه الخير فيه بحسب نفس الأمر ، ويكون علمه بوجه الخير في الفعل كافياً لصدوره عنه من غير قصد زائد على العلم .

السادس فاعل بالرضا ، وهو الذي يكون علمه بذاته الذي هو عين ذاته سبباً لوجود الأشياء ، ونفس معلومية الأشياء له نفس وجودها عنه بلا اختلاف .

وإضافة عالميته بالأشياء هي بعينها إضافة فاعليته لها بلا تفاوت .

وهذه الثلاثة الأخيرة مشتركة في كونها يفعل بالاختيار . .

ص: 283


1- . الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : 225/2 .

فذهب جمع من الطباعيّة والدهريّة خذلهم اللّه تعالى إلى أنّ الواجب تعالى فاعل بالطبع .

وجمهور الكلاميّين إلى أنّه فاعل بالقصد .

والشيخ الرئيس ومتابعوه إلى أنّ فاعليته للأشياء الخارجيّة بالعناية وللصور العلمية الحاصلة في ذاته بالرضا .

وصاحب الإشراق إلى أنّه فاعل بالمعنى الأخير .

إذا تمهّد هذا فنقول :

لا يخفى عليك ، بعد أن أخذت الأصول السالفة بيدك ، أنّ الواجب تعالى لا يجوز اتصافه بالفاعلية بالوجوه الثلاثة الأول ، وأنّ ذاته أرفع من أن يكون فاعلاً بالمعنى الرابع لاستلزامه التكثر بل التجسم .

وسيتضح لك زيادة إيضاح . فهو إمّا فاعل بالعناية أو بالرضا . وعلى أنّ التقديرين فهو فاعل بالاختيار لا بالإيجاب ، كما سبق . إلّاأنّ الحق هو الأوّل منهما .

فإنّ الأوّل تعالى كما حقّقناه يعلم الأشياء قبل وجودها بعلم هو عين ذاته ، فيكون علمه بالأشياء الذي هو عين ذاته منشأ لوجودها ، فيكون فاعلاً بالعناية . واللّه أعلم (1) .

وقال أيضاً :

فصل في إرادته تعالى :

الإرادة فينا شوق متأكّد يحصل عقيب داع هو تصور الشيء الملائم ، تصوراً علمياً أو ظنياً أو تخيلياً ، موجب لتحريك الأعضاء الآلية لأجل تحصيل ذلك الشيء .

وفي الواجب تعالى ، لبراءته عن الكثرة والنقص ولكونه تامّاً وفوق .

ص: 284


1- . المبدأ والمعاد : 233 .

التمام ، تكون عين الداعي ، وهو نفس علمه الذي هو عين ذاته بنظام الخير في نفس الأمر المقتضي له . لأنّه لما علم ذاته الذي هو أجل الأشياء بأجل علم يكون مبتهجاً بذاته أشدّ الابتهاج ، ومن ابتهج بشيء ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشيء من أجل أنّه يصدر عن ذلك الشيء (1) .

وقال أيضاً :

وخامسها : أنّ الفاعل إمّا بالطبع وإمّا بالقسر وإمّا بالتسخير وإمّا بالجبر وإمّا بالقصد وإمّا بالرضا وإمّا بالعناية وإمّا بالتجلي .

وفاعليّة الأوّل سبحانه بالطبع عند الدهرية وبالداعي عند بعض المتكلّمين وبالقصد عند أكثر المتكلّمين وبالرضا عند الإشراقيين وبالعناية عند المشائيين وبالتجلي عند أهل اللّه لكلٍّ وجهةٌ هو مُولِّيها (2) .

وقال السبزواريّ في منظومته :

بأن يكون عين علمه بذاته الذي هو عين ذاته وذلك هو العلم الإجمالي بالفعل في عين الكشف التفصيليّ فهو الفاعل بالتجلي (3) .

وقال ابن سينا :

فإذا عرفت هذا فتعرف انّ فعل اللّه تعالى صادر عن العلم الذي لا يشوبه جهل ولا تغيّر وكلّ فعل صادر عن العلم بنظام الأشياء وكمالاتها عن أحسن ما يكون فذلك يكون بإرادة فإذا هو من ذاته عالم بوجود الأشياء الصادرة عنه على أحسن النظام والكمال (4) .

أقول : يظهر من مجموع كلام الملّا صدرا في فاعليّة اللّه تعالى أنّه فاعل بالعناية - .

ص: 285


1- . المبدأ والمعاد : 234 .
2- . الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية : 52 .
3- . شرح المنظومة : 409/2 .
4- . رسائل ابن سينا : 250 .

بحسب الأسفار والمراد من ذلك هو أنّ ذاته - التي هي عين العلم بالنظام الأحسن - السبب الوحيد والتامّ في صدور أفعاله ، فذاته التي هي العلم سبب في صدور فعله وهذا هو المسمّى بالمشيّة الأزليّة عنده ، فتعقّله بنظام الخير هو السبب في إفاضة ما يتعقّله عن ذاته ، فالموجودات مترشّحة من وجوده بمجرّد تعقّله لها والوجود الحقّ هو الأتمّ الأبلغ .

ويرد عليه أمور :

أوّلاً : لازم كلامه بل صريحه اتّحاد العلم والمشيّة وهو واضح البطلان كما مرّ في فصل «الإرادة محدثة وغير أزليّة» . قال: (ونفس معلوميّة الأشياء له نفس وجودها عنه بلا اختلاف) .

ثانياً : لازم ذلك أزليّة الكائنات لعدم انفكاك المشاء عن المشيّة ، وإنكار الحدوث الزماني للعالم ، وهو من ضروريّات الأديان السماويّة .

ثالثاً : لازم القول بكون فاعليّته فاعليّة بالرضا أو العناية صدور الفعل عنه لا محالة ، إذ الفاعليّة التامّة توجب صدور الفعل بحيث يستحيل عدم صدوره وليس هذا إلّاالجبر وفقدان الاختيار .

لا يقال: المناط في اختياريّة الفعل هو تصدّره بالإرادة ، والإرادة موجودة في المقام .

لأنّه يقال : المناط في اختياريّة الفعل وإن كان كذلك إلّاأنّ الكلام حول الإرادة وتفسيرها وكذا القدرة ومعناها ، فإن فُسّرت القدرة بالسلطنة على طرفي الفعل والترك بحيث إن شاء القادر فعل وإن شاء ترك وكانت الإرادة بمعنى ترجيح أحد طرفي الفعل أو الترك كان الفعل اختياريّاً وإلّا فلا يكون كذلك بل يكون جبريّاً ، والتلاعب بالألفاظ وتغييرها عن حقيقتها ومقاصدها واستعمالها من دون تعبير بها عن المرادات الحقيقيّة الدالّة عليها لا يجدي في خروج الفعل عن القسريّة واللّااختياريّة ، فهل يلتزم علماء البشر بقدرته تعالى على عدم خلق الخلائق ؟! أم

ص: 286

أنّهم يذهبون إلى ضرورة صدور الأفعال عنه لتماميّة فاعليّته وما كان تامّاً من حيث الفاعليّة لابدّ أن يصدر منه المفعول ؟ ومرّ مذهب الملّا صدرا في بيان المناط في اختياريّة الفعل في اللّه تعالى وإليك نصّ العبارة «فهو فاعل بالاختيار بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل لا بالإيجاب كما توهمه الجماهير من الناس فإن صحّة الشرطيّة غير متعلّقة بصدق شيء من مقدّمها وتاليها بل وجوبه أو كذبه بل امتناعه» وهذا القول ليس إلّاجبر بتعابير توهم الاختيار ، إذ عطف الكلام على بيان المناط في صدق الشرطيّة وأنّه يصدق وإن لم يثبت التالي بل حتّى لو امتنع يدلّ على سعيه بالتفصّي عن نسبة الجبر واقعاً إلى اللّه تعالى بألفاظ منطقيّة فنسأل ثانية : هل يستطيع اللّه تعالى القادر أن يشأ الترك أم لا ؟ ومن الواضح أنّ من ذهب إلى كون فاعليّته بنحو الفيضان والرشح حين تمامها لا يمكنه الإلتزام بكونه قادراً على عدم الخلق في صورة تماميّة الفاعليّة وليس هذا إلّاالجبر بعينه وسلب الاختيار من الخالق المتعال على نحو الحقيقة !

وسبحانه من قائل : «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً » (1) .

وجَلَّ من قادر : «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» (2) .

رابعاً : كون ذاته صورة لنظام الخير على وجه أعلى يستلزم كون الكائنات مرايا لذاته وهذا القول هو القول بوحدة الوجود والموجود وبطلانه ممّا لا يحتاج إلى بيان ، إذ كيف يمكن الإلتزام بكون المخلوق الضعيف العاجز الجاهل القائم بالغير عين الخالق المتعالي عن صفة المخلوق القادر ذاتاً العالم ذاتاً والقيّوم ذاتاً ؟ أم كيف يمكن الإلتزام بأنّ المخلوق ليس إلّامرتبة نازلة من الحقّ المتعال فسنخ وجوده ليس إلّا من سنخ وجود اللّه ؟! تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، وهل ذلك إلّاتشبيهاً بين اللّه تعالى وخلقه ؟ .

ص: 287


1- . النساء : 133 .
2- . إبراهيم : 19 .

لا يقال : المخلوق ليس إلّاالماهيّات وهي أعدام ما شمّت رائحة الوجود ولا يقع تشبيها بين الماهيّات و ربّ الأرباب .

لأنّه يقال : المخلوقات حقائق متبائنة لها واقعيّة باللّه تعالى فإنّه أراد أن تكون لا من شيء كان قبلها وبلا احتذاء أمثلة امتثلها فليست المخلوقات إلّاواقعيّات بالغير القائم بذاته والقيّوم لها .

ثمّ لو سلّمنا لكونها ماهيّات ما شمّت رائحة الوجود فنقول : إنّ التشبيه يقع حينئذ بين وجوده تعالى ووجودها ، فلو كان وجودها من سنخ وجوده تعالى لزم التشبيه الباطل بضرورة العقل وبضرورة الآيات الكثيرة جدّاً والأخبار المتواترة لفظاً ومعنى ، ولو كان وجوده متجليّاً بوجودها فليس في الدار غيره ديّار وكلّ شيء ما خلا اللّه باطل فيكون الأمر أدهى وأمرّ لاستلزام القول بذلك العينيّة بين الخالق المتعال وجميع خلقه إذ لازمه كونه تعالى عين جميع الكائنات وجوداً من الناحية الجمعيّة فإن لوحظت جميعها بلحاظ المجموع كان اللّه تعالى وإن لوحظت فرداً فرداً كانت تجليّاً من تجليّاته ورشحة من رشحاته ، وهل هذا يتلائم مع معارف القرآن وروح الشريعة والآيات المحكمة والروايات المتواترة والعقل الذي هو حجّة الملك العلّام ؟!

خامساً : القول بكون الكون مخلوقاً وفقاً للنظام الأصلح العلميّ وكون العلم ذات اللّه تعالى ولابدّية صدور المعقول المعلوم يوجب نسبة الجهل إليه تعالى فيما لم يخلقه وهو واضح البطلان فإنّ اللّه تعالى عالم بما خلق وعالم بما لم يخلق إنّ علمه تعالى بما كان وعلمه بما لم يكن على حدّ سواء، فخلقه للخلق لا يوجب جهله تعالى بما لم يخلق ولعمري هذا من أصول الدين ولا يمكن لمؤمن عارف باللّه إنكاره !

سادساً : إنّ اللّه تعالى عالم ذاتاً والمراد من علمه ليس إلّاالكشف بلا نهاية ولا حدّ ، وأمّا المعلوميّة والمعقوليّة فخلاف ذاته التي حقيقتها عين العلم ، فكيف سوّغت لصدر الدين نفسه أن يعبّر عن علمه بذاته ب «المعقوليّة» فهل هذا إلّاتنزيلاً

ص: 288

للقدّوس عن قدسه وعلوّه وتشبيهاً للمخلوق بالخالق ؟

سابعاً : إنّ القول بالفاعليّة بالعناية مستلزم لارتسام صور المخلوقات في الذات الأحديّة وهو يوجب عروض الأعراض على ذاته ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً .

ثامناً : إنّ القول بالفاعليّة بالعناية يستلزم جهل اللّه تعالى في مرتبة ذاته .

تاسعاً : إنّ القول بالفاعليّة بالرضا يستلزم نفي علمه التفصيليّ بالمخلوقات قبل الخلقة بل يستلزم نفي علمه التفصيليّ عند الخلقة .

عاشراً : إنّ القول بالفاعليّة بالقصد - بالوجه الذي ذهبت إليه الأشاعرة - يوجب نفي الحكمة في أفعاله تعالى كما أنّ القول به - بالوجه الذي ذهبت إليه المعتزلة - يوجب عدم تماميّة الذات و استكمالها بالغير .

هذا ، ولابدّ أن ننوّه بأنّنا استفدنا الإشكال الثامن والتاسع والعاشر من كلمات شيخنا الأستاذ آية اللّه الميرزا جواد الطهرانيّ قدس سره ، وله كلام في حقيقة فاعليّة اللّه تعالى ننقله لما فيه من الفائدة .

بلكه حقّ در مقام تعبير از فاعليّت و خالقيّت حقّ متعال همان است كه خود ذات مقدّسش بدان خود را بر حسب كلمات وارده از مجارى وحى توصيف فرموده كه آن فاعليّت و خالقيّت بالقدرة و بالمشية است . و چون قدرت عين ذات او و ذات او غير متناهى است ، پس فاعليّت او به قدرت ذاتيّۀ غير متناهيه است .

فالمراد من قدرته تعالى هو كون ذاته تعالى بحيث إن شاء ما شاء - سواء كان من شيء أو لا مِن شيء وسواء كان شيئاً واحداً أو أشياء كثيرة ولو في رتبة واحدة - فعل وإن لم يشأ لم يفعل . فكان تعالى بذاته قادراً حقيقة على ابتداع كلّ شيء فليست فاعليّته كفاعليّة سائر الأشياء فإنّه ليس كمثله شيء ، وأيضاً هذا النحو من الفاعليّة والقدرة من الكمال بالضرورة فلو لم تكن ذاته المقدّسة كذلك يلزم نقصه ،

ص: 289

تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ، كما أنّ الفطرة السليمة الأوّليّة على معرفته تعالى كذلك أيضاً .

إن قلت : مقتضى قاعدة «الواحد لا يصدر عنه إلّاالواحد» أنّه يمتنع صدور شيء واحد مركّب عن الذات البسيطة فضلاً عن صدور أشياء كثيرة في رتبة واحدة .

قلنا : هذه القاعدة تجري عقلاً فيما إذا كان الفاعل فاعليّته بنحو الفيضان والترشُّح أو التنزُّل وحيث أنّ ذاته تعالى وإن كانت بسيطة من جميع الجهات ولكن حيث أنّ فاعليّته ليست بنحو الفيضان والتنزُّل بل بنحو الإبداع لا من شيء فلا يمتنع منه ايجاد المركّب أو الأشياء الكثيرة كائنة ما كانت في رتبة واحدة . فإنّ الفطرة والعقل كما أشرنا حاكمان بأنّ وجوداً يكون قادراً على ابداع الحقائق والأشياء لا من شيء أشرف وأكمل من موجود يكون فاعليّته وقادريّته بعين فيّاضيّته من ذاته ، وهذا النحو من الفاعليّة هو من كمالاته وخصائص ذاته تعالى شأنه وليس كمثله شيءٌ والذين قالوا على خلافه ما قدروا اللّه حقّ قدره وانقدح أيضاً ممّا قلناه أنّ عدم جريان قاعدة الواحد ...

الخ في مورد ذاته تعالى وخروجه عنها يكون من باب الخروج الموضوعيّ والتخصّص ، لا الخروج الحكميّ والتخصيص في حكم عقليّ فلا مجال لتوهُّم هذا الإشكال أيضاً .

قال اللّه تعالى : «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ» (1) .

«إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ» (2) .

«يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ» (3) . .

ص: 290


1- . آل عمران : 6 .
2- . الشعراء : 4 .
3- . الروم : 54 .

«قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ » (1) .

«يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ قَدِيرٌ» (2) .

«إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وَ ما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ» (3) .

«وَ إِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَ لا هُمْ يُنْقَذُونَ* إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَ مَتاعاً إِلى حِينٍ » (4) .

«وَ لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ* وَ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ » (5) .

«يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ » (6) .

«أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ » (7) .

«إِنّا لَقادِرُونَ* عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» (8) .

«أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً* أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى* ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى* أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى » (9) .

«أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ » (10) .

«وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلى .

ص: 291


1- . سبأ : 36 .
2- . فاطر : 1 .
3- . إبراهيم : 19 - 20 .
4- . يس : 43 - 44 .
5- . يس : 66 - 67 .
6- . الشورى : 49 - 50 .
7- . يس : 81 .
8- . المعارج : 40 - 41 .
9- . القيامة : 36 - 40 .
10- . القيامة : 3 - 4 .

جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ» (1) .

وفي الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : خلق اللّه المشيّة بنفسها ثُمّ خلق الأشياء بالمشيّة (2) .

وفي الإحتجاج عن موسى بن جعفر عليه السلام في حديث : وكلّ شيء سواه مخلوق وإنّما تكون الأشياء بإرادته ومشيّته من غير كلام ولا تردّد في نفس ولا نطق بلسان (3) .

وفي التوحيد مسنداً عن الصادق عليه السلام قال - في الربوبية العظمى والإلهيّة الكبرى - : لا يكوّن الشيء لا من شيء إلّااللّه ، ولا ينقل الشيء من جوهريّته إلى جوهر آخر إلّااللّه ، ولا ينقل الشيء من الوجود إلى العدم إلّااللّه (4) .

وفي الوافي عن الصدوق عن الصادق عن الباقر عن أبيه عليه السلام : أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّ عليه السلام يسألونه عن الصمد ، فكتب عليه السلام إليهم :بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد فلا تخوضوا في القرآن ولا تجادلوا فيه ولا تتكلّموا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول : من قال في القرآن بغير علم فليتبوّء مقعده من النار وأنّ اللّه سبحانه قد فسّر الصمد فقال : اللّه أحد . اللّه الصمد ، ثمّ فسره فقال : لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، «لم يلد» لم يخرج منه شيء كثيف كالولد وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ، ولا شيءٌ لطيف كالنفس ، ولا تنشعب منه البدوات كالسنة والنوم والخطرة والوهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء والرغبة .

ص: 292


1- . الشورى : 29 .
2- . الكافي : 110/1 الارادة أنّها من صفات الفعل ... كتاب التوحيد .
3- . الإحتجاج : 385/2 احتجاج موسى بن جعفر عليهما السلام .
4- . التوحيد : 68 باب التوحيد ونفي التشبيه .

والسامة والجوع والشبع تعالى عن أن يخرج منه شيءٌ ، وأن يتولّد منه شيءٌ كثيف أو لطيف ، «ولم يولد» لم يتولّد من شيء ولم يخرج من شيءٍ كما يخرج الأشياءُ الكثيفة من عناصرها كالشيء من الشيء ، والدابّة من الدابّة والنبات من الأرض والماء من الينابيع والثمار من الأشجار ، ولا كما يخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين ، والسمع من الأُذُن ، والشمّ من الأنف والذوق من الفم ، والكلام من اللسان ، والمعرفة والتميز من القلب ، وكالنار من الحجر ، لا بل هو اللّه الصمد الذي لا من شيء ولا في شيءٍ ولا على شيء ، مبدع الأشياء وخالقها ومنشئُ الأشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيّته ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه ، فذلكم اللّه الصمد الذي لم يلد ولم يولد ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ولم يكن له كفواً أحد (1) .

وفي الكافي عن عليّ عليه السلام في خطبة : الحمد للّه الواحد الأحد الصمد المتفرّد الذي لا من شيءٍ كان ولا من شيء خلق ما كان ، قدرةٌ بان بها من الأشياء وبانت الأشياء منه - إلى أن قال - : ولا يتكأّده صنع شيء كان ، إنّما قال لما شاء كن فكان ، ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ولا تعب ولا نصب وكلّ صانع شيء فمن شيءٍ صنع ، واللّه لا من شيء صنع ما خلق (2) . انتهى ما أردنا نقله (3) .

فتحصّل من جميع ذلك بطلان ما ذهب إليه علماء البشر في فاعليّة اللّه تعالى وأنّه مستلزم لما لا يمكن للخبير الالتزام به ، وبناء على مبناهم لا يمكن التصديق بالبداء الذي نادى به القرآن الكريم وحملته عليهم السلام . .

ص: 293


1- . الوافي : 366/1 باب النسبة وتفسير سورة التوحيد .
2- . الكافي 1 : 134 باب جوامع التوحيد .
3- . ميزان المطالب : 211 - 215 .

البداء في الحكمة البشريّة

تمّ الكلام إلى هنا عن الفاعليّة ومعناها بلسان صدر الدين الشيرازيّ والمآخذ التي يؤخذ عليه بصورة مقتض