التوحيد عند الشيخ ابن تيميه

اشارة

سرشناسه : حيدري ، سيدكمال

عنوان و نام پديدآور : التوحيد عند الشيخ ابن تيميه/ السيدكمال الحيدري؛ بقلم خليل العاملي.

مشخصات نشر : تهران: نشر مشعر ‫، 1391.

مشخصات ظاهري : ‫529 ص.

شابك : ‫ 978-964-540-424-4

وضعيت فهرست نويسي : فيپا

يادداشت : عربي.

يادداشت : كتابنامه: ص. [489] - 514؛ همچنين به صورت زيرنويس.

موضوع : ابن تيميه، احمدبن عبدالحليم، ‫ 728-661ق. -- نظريه درباره توحيد

موضوع : توحيد -- ديدگاه وهابيه

موضوع : توحيد

موضوع : وهابيه -- دفاعيه ها و رديه ها

موضوع : شيعه -- دفاعيه ها و رديه ها

شناسه افزوده : عاملي ، خليل رزق

رده بندي كنگره : ‫BP201/65 /‮الف 17 ‫ ح9 1391

رده بندي ديويي : ‫ 297/6924

شماره كتابشناسي ملي : 3052371

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

ص: 5

مقدمات تمهيدية

اشارة

1. مكانة التوحيد في الفكر الديني

2. أقسام التوحيد الذاتي

3. اتجاهات في معرفة الله تعالى

4. معرفة الصفات الإلهية وموقف المدارس الإسلامية

ص: 6

ص: 7

(١) مكانة التوحيد في الفكر الديني

اشارة

أهمّية التوحيد

فطرة التوحيد

الكمال والمعرفة التوحيدية

فضيلة المعرفة التوحيدية

حقيقة التوحيد والمراد منه وأقسامه

أساس المعرفة التوحيدية

ص: 8

ص: 9

أهمية التوحيد

التوحيد، من صفات الله تعالى. وهو صفة سلبيّة، بمعنى «نفي الشريك» . وهو مقدّم على الصفات الأخرى, فهو الأصل الأوّل من أصول الدين.

ولذا كان الاهتمام الدينيّ منصبّاً على التوحيد، وليس على إثبات وجود الله تعالى. فما خلا شرذمة من الناس - هم الملاحدة - ليس هناك من لديه شكّ في وجود الله سبحانه وتعالى.

إنّ الإنسانية لا تعيش مشكلة إلحاد على المستوى النظري ليكون هناك ما يسوّغ تركيز الجهود على إثبات وجود الله سبحانه, فالواقع الإنساني كان ولا يزال يعيش الإيمان بالله, والموكب البشري متّجه صوب الإيمان دائماً.

وإذا كانت البشريّة تعيش مشكلة على هذا الصعيد منذ فجر وجودها حتّى قيام الساعة, فإنّما هي في مجال التوحيد ونفي الشريك, والشرك يسري - ولو بشكل خفيّ - حتى في كثير من المؤمنين؛ قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (يوسف: 1٠6 . لذلك لخّص الإمام علي بن أبي طالب (ع) كلّ القضية بقوله:

«وكمال التصديق به توحيده» (1).

وعند العودة إلى القرآن الكريم نراه يُعنى بالتوحيد ويؤكّده في نفسه وفي آثاره التربويّة والنفسيّة والاجتماعية بما لا يوازي تأكيده وعنايته بأيّ موضوع عقَدي آخر, إلَّا المعاد الذي يؤكّده ويُعنى به في نفسه وما يترتّب عليه من آثار تربويّة واجتماعيّة بما يفوق تأكيده وتركيزه على التوحيد.


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1.

ص: 10

وإذا ما أشرفنا على المسألة من جهتها الأخرى حيث يقابِل الشركُ التوحيدَ, ستبرز تجلّيات وآثار أخرى للتوحيد في الحياة العمليّة.

يحسب الإنسان نفسه موحِّداً, بيد أنّه في الواقع مشرك, يتحرّك تحرّكاً شركياً, وكلّ ما هناك هو الاختلاف في مصداق الشرك, فبعض مصاديقه واضح وبعضها خفيّ, وبعضها ملتبس, وقد تظافرت الأحاديث في أنّ الشرك ينقسم إلى جليّ وخفيّ, وأنّه أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء! لذلك لا ينبغي أن ينحصر تصوّر الشرك في أذهاننا على مصداقه الواضح الذي ينصرف إلى عبادة الأصنام, وإلا فهل الذي يتّجه إلى الصنم ويتوسّل إليه هو وحده المشرك, أمّا الذي يتّجه إلى عبادة المال أو إلى عبادة هواه وإطاعته فهو موّحد؟ !

لابدَّ من العودة إلى كتاب الله لننظر الحدود التي يرسمها بين التوحيد والشرك؛ يقول تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (الجاثية: 23 , وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (القصص: 50) .

ثمَّ يأتي النهي عن اتّباع الهوى: فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى (النساء: 35 , وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ (الكهف: 28) .

قد يتساءل بعض الناس عن فائدة هذا البعد, وهل هناك مشكلة تعود على الإنسان إذا ما جهل مراتب الشرك؟ نقول: أجل, هناك مشكلة تنبع من قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (النساء: 48 .

فطرة التوحيد

المنهج القرآني في التوحيد يتجنّب البحث - كما أسلفنا - في إثبات وجود الله, ويتناول موضوعه في زاوية توحيد وجوده وألوهيّته وربوبيّته وغيرها من مراتب التوحيد؛ ومغزى ذلك أنّ القرآن يتعامل مع وجود الله كأمرٍ ثابتٍ

ص: 11

جُبل عليه الإنسان, مودع في فطرته فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (الروم: 3٠) .

والأحاديث متظافرةٌ في تفسير الفطرة بالتوحيد.

* عن هشام بن سالم, قال: «قلت للإمام الصادق (ع) : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ؟ قال: التوحيد » الكافي: ج2 ص12, كتاب الإيمان والكفر, باب فطرة الخلق على التوحيد, ح1. .

* عن زرارة, قال: «قلت لأبي جعفر الباقر (ع) : أصلحك الله, قول الله عزّ وجلّ في كتابه فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا قال (ع) : فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفته أنّه ربّهم . قلت: وخاطبوه؟ فطأطأ رأسه, ثمَّ قال: لولا ذلك لم يعلموا مَن ربّهم ولا مَن رازقهم » توحيد الصدوق: ص33٠, باب فطرة الله عزّ وجلّ الخلق على التوحيد, ح8. .

وقول الإمام (ع) : « عند الميثاق » إشارة إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (الأعراف: 172 .

* قال زرارة: «سألت أبا جعفر الباقر (ع) عن قول الله عزّ وجلّ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال (ع) : أخرج من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذرّ, فعرّفهم وأراهم صُنعه, ولولا ذلك لم يعرف أحدٌ ربّه » الكافي: ج2 ص13, ح2. .

* وهذا ما ورد عن الإمام الصادق (ع) في ظلال هذه الآية أيضاً حيث قال

: «فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه, ولولا ذلك لم يدرِ أحدٌ مَن خالقه ورازقه» تفسير القمّي: ج1 ص248. .

ص: 12

وإذا كان كلّ إنسان مولوداً على الفطرة - كما عن رسول الله (ص) :

«كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني: المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه» (1)- إذن فكلّ إنسان مولود على التوحيد؛ لأنّ الفطرة هي التوحيد ومعرفة الله سبحانه.

وهكذا صار الأصل الأوّل من أصول الدين توحيد وجود الله تعالى لا إثبات وجوده.

الكمال والمعرفة التوحيدية

هناك صلة بين الكمال والمعرفة التوحيديّة. فالإنسان مشدود في حركته الحياتيّة إلى كماله, وثَمَّ نقطة يلتقي عندها الكمال بالتوحيد ينبغي معرفتها.

لقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى أنّ كلّ شيءٍ مسخّرٌ لأجل الإنسان؛ قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ (الجاثية: 13 , وحتى الملائكة مسخّرة لتدبير أمور الإنسان فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (النازعات: 5) , فيما تقوم به وفاقاً لدورها في إنزال الوحي والرزق وغير ذلك. ما تهدف إليه حركة التسخير هذه هو أن يتحرّك الإنسان صوب كماله النهائي.

وعندما نأتي إلى القرآن لنستنطقه عن هدف الخلق, يواجهنا قول الله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56 . وهذه العبارة لا تمثّل الهدف النهائي لوجود الخلق وإنّما هي وسيلة فقط لبلوغ الكمال النهائي المتمثّل في اليقين بالله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر: 99) .

والذروة في هذا اليقين هو ما بلغه أنبياء الله العظام على هذا الخطّ, حيث يصف القرآن الكريم مقام خليل الرحمن بقوله: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (الأنعام: 75 .


1- الكافي: ج2 ص13، باب فطرة الخلق على التوحيد، ح4.

ص: 13

فكلّ شيءٍ إذن مسخّرٌ للإنسان كي يبلغ كمالَه, وكمالُ الإنسان في معرفة الله, وبلوغِ اليقين بهذه المعرفة.

وهنا يلتقي الكمالُ بالمعرفة التوحيديّة وفقَ مسارٍ يرسمُ الإمامُ أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (ع) خطواتهِ بدقّةٍ في قوله:

«أوّل الدين معرفتهُ, وكمالُ معرفته التصديقُ به, وكمالُ التصديقِ به توحيدُه, وكمالُ توحيده الإخلاصُ له, وكمالُ الإخلاص له نفيُ الصفات عنه» (1).

فضيلة المعرفة التوحيدية

قبل الدخول في تفاصيل البحث العلمي للتوحيد وأنواعه ومقوّمات كلّ نوع, نمرّ على إضمامةٍ من الأحاديث الشريفة في هذا المجال؛ لما تحدثِه لدى الإنسان الموحِّد من شحنة مكثّفة من الأحساس التوحيدي ترشد لمكانة الموحّدين, وتمهّد السبيل للبحث العملي, بما تحدثه من انشراح في النفوس والصدور.

في الأحاديث الشريفة تركيز كبير على ثواب الموحّدين يقوم على أساس ما يحمله الموحِّدون من معرفة توحيديّة. فإذا ما أجَلْنا الطرف في كتابٍ واحدٍ من كتب أحد علمائنا المحدّثين وهو أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين المشهور بالصدوق (ت: 381ه-) نراه يفرد في كتابه النفيس «التوحيد» باباً بعنوان «ثواب الموحِّدين» يسرد فيه عدداً كبيراً من الأحاديث تصل إلى خمسة وثلاثين حديثاً, منها:

* عن أبي سعيد الخدريّ, قال: «قال رسول الله (ص) :

ما قلت ولا قال القائلون قبلي مثل لا إله إلَّا الله» (2).


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1.
2- توحيد الصدوق: ص18.

ص: 14

* وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) , عن آبائه (ع) قال: «قال رسول الله (ص) :

خير العبادة قول لا إله إلَّا الله» (1).

وعن النبيّ (ص) :

«الاستغفار وقول لا إله إلَّا الله خير العبادة» (2).

وفيه إشارة إلى قول الله سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إله إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (محمّد: 1٩) .

وفي السياق ذاته ما ورد عن جابر بن عبد الله, عن النبي (ص) أنّه قال: « الموجبتان؛ مَن مات يشهد أن لا إله إلَّا الله [وحده لا شريك له] دخل الجنّة, ومن مات يشرك بالله دخل النار » (3).

والمقصود من الموجبة في الحديث هو ما يوجب دخول الجنّة وما يوجب دخول النار. فالتوحيد يوجب دخول الجنّة, ولكن ليس مطلق التوحيد بل التوحيد بشرطه وشروطه, والشرك يوجب دخول النار إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء: 48 .

وفي ما يكون قيداً لكلمة التوحيد لكي يستوجب صاحبها الجنّة, جاء عن رسول الله (ص) قوله

: «إنّ لا إله إلَّا الله كلمة عظيمة كريمة على الله عزّ وجلّ، من قالها مخلصاً استوجبَ الجنّة» (4).

فليست هذه الكلمة تستوجب الجنّة مطلقاً, وإنّما تستوجبها لصاحبها مع الإخلاص, وكما قال الإمام علي (ع

) : «وكمال توحيده الإخلاص له, وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه» .


1- المصدر نفسه: ص18.
2- الأصول من الكافي: ج2 ص5٠5.
3- توحيد الصدوق: ص2٠.
4- بحار الأنوار: ج3 ص5، الباب الثالث، ح13.

ص: 15

أمّا من يقولها كاذباً غير مخلص, فالحديث يشير في تتمّته إلى أنّ جزاءَه بها في هذه الدنيا أن تعصم ماله ودمه فقط, ولا شيء له في الآخرة إلَّا الخزي والنار:

«ومن قالها كاذباً عصمت ماله ودمه, وكان مصيره إلى النار» (1).

وبذلك يتّضح أنّ ما يُرجى في كلمة التوحيد من ثواب للموحّدين ليس مطلق اللقلقة والذكر اللساني - وإن كان للذكر اللساني ثوابه في حال توافر شروطه - بل أن تقترن بشروطها, وأهمّها أن يقولها الناطق بها بإخلاص, وللإخلاص حدوده في المعرفة والنفس والسلوك كما بيّنت الآيات والروايات كما مرّ.

* عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

«من قال لا إله إلَّا الله مخلصاً دخل الجنّة, وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلَّا الله عمّا حرّم الله عزّ وجلّ» (2).

وما يمكن المصير إليه أنّ التوحيد هو الأساس الذي به يتميّز أهل الجنّة من أهل النار.

حقيقة التوحيد والمراد منه وأقسامه

في ضوء الأحاديث المتقدمة يتساءل الباحث عن المراد بالتوحيد, والمطلوب منه, وبمَ يوحّد الله سبحانه؟

نسعى إلى تقريب صورة المسألة من خلال مثال نستمدّه من الإنسان نفسه كموجود طبيعيّ. إذا ما قمنا بعملية تحليل للمركّب الذي يُطلَق عليه «الإنسان» وجدناه يتألّف من «ذات وصفات وأفعال» , فلهذا الموجود ذات وهوية, وله صفات, كما أنّ له أفعالاً. أمّا الذات أو الهوية فالمقصود منها هو


1- توحيد الصدوق: ص23.
2- المصدر نفسه: ص27.

ص: 16

ما يتميّز به الإنسان عن غيره, فلو دخلنا بعملية مقارنة بين الإنسان والموجودات الأخرى لرأينا أنّ هناك عدداً من العناصر المشتركة بينهما, كما أنّ هناك أمراً يميّز الإنسان عن بقيّة الموجودات. لو بدأنا بعنصر الجسميّة وأن الإنسان جسم من الأجسام, لرأينا أنّ هذا ليس ممّا يختص بالإنسان, بل هو عنصر مشترك بين جميع الموجودات الماديّة. فما من موجود مادّي إلَّا وله جسم, وله طول وعرض وعمق ونحو ذلك. ولو لاحظنا في عمليّة المقارنة عنصر النموّ لرأيناه لا يختصّ بالإنسان وحده, بل هو عنصر مشترك موجود في الحيوان والنبات أيضاً.

كذا الحال لو انطلقنا من عنصر التحرّك الإرادي، فيما يقال عن الإنسان - في المنطق - من أنّه جسم حسّاس متحرّك بالإرادة, فإنّ هذا أيضاً لا يختصّ بالإنسان وحده بل الحيوانات هي الأخرى موجودات متحرّكة بتحرّك إراديّ؛ لذلك راح المناطقة والفلاسفة يبحثون عمّا يميّز الإنسان عن غيره فيما وراء هذه العناصر المشتركة, فاستقرّوا على النطق عندما ذكروا في حقيقة الإنسان أنّه حيوان ناطق.

ومع اختلافهم في تحديد المراد من النطق؛ أهو القابلية على التكلّم والحديث, أم القابليّة على إدراك المفاهيم الكليّة؟ بعبارة أخرى: أهو أمرٌ مرتبط بنطق الإنسان وتكلّمه اللساني, أم بتعقّله وإدراكه؟ بغضّ النظر عن هذا كلّه, وسواء كان المراد هذا أو ذاك, فقد اتّفقوا على أنّ ما يميّز الإنسانَ عن غيره من الموجودات - كالحجر والشجر والبقر والغنم والسماء والأرض - لا يتمثّل في عناصره الجسميّة أو النموّ أو الحركة الإراديّة ونحو ذلك, وإنّما يكمن بتلك الحقيقة التي أطلقوا عليها خاصّة النُّطق.

هذه الحقيقة التي تميِّز الإنسان عن غيره هي التي يعبَّر عنها بهويّة الإنسان

ص: 17

وذاته, ومن أهمّ خصائصها أنّها لو أخذت من الإنسان وسُلبت عنه لما بقي إنساناً؛ لأنّ إنسانيته متقوّمة بها.

يمكن توضيح المسألة بالماء, فحقيقة الماء أنّه مركّب من عنصرين هما الأوكسجين والهيدروجين, ولو سُلب منه أحد هذين العنصرين لما بقي ماء, ومعنى ذلك أنّ حقيقة الماء مركّبة من هذين العنصرين, كذلك حقيقة الإنسان وهويّته فهي أيضاً قائمة ومختصّة بالخصلة التي يعبِّر عنها المناطقة ب- «الناطقيّة» ، وهذه الخصوصيّة هي التي يعبَّر عنها ب- «الذات» . ثمَّ في مقابل الذات أمر آخر يعبَّر عنه بالصفات. فلو أخذنا الهويّة الإنسانيّة كمثال, فإنَّ لها مجموعة من الصفات, فتارةً يكون الإنسان عالماً, وأخرى لا يكون, وتارةً يكون شجاعاً وأخرى لا يكون, وتارة يكون رحيماً وأخرى لا يكون, وهكذا. يعبَّر عن هذه الخصال بصفات الإنسان, والفرق بين الذات والصفة أنّ الذات إذا فقدت تلك الحقيقة المقوِّمة لها فلن تبقى بل تتغيّر وتفقد هويّتها, بخلاف الصفة؛ فالإنسان إنسان سواء كان عالماً أم لم يكن.

الأمر نفسه ينطبق على مثال الماء, فالبرودة والحرارة هما صفتان من صفاته, إذ قد يبرد الماء وقد يكون حارّاً, ولكن لو ارتفعت الحرارة والبرودة فلا ترتفع حقيقة المائية عن الماء؛ لأنّها متقوّمة بشيء آخر, وهذا معناه أنّ الصفة شيء غير الذات.

وهذه المقولة تصحّ مادام الحديث يدور حول الموجودات الممكنة الحادثة, أمّا في الواجب سبحانه فإنّ صفاته عين ذاته.

إذن الصفة هي عبارة عن تلك الهيئات والأمور التي قد توصف بها ذات من الذوات وقد لا توصف. وفرق الصفة عن الذات أنّ الصفة سواءٌ كانت موجودة أو رُفعت تبقى الذات على حالها, أي تبقى للموجود هويّته بما هي

ص: 18

عليه دون أن يطرأ عليها تغيير.

لكن هناك نسق ثالث يدخل في تركيبة الإنسان بالإضافة إلى الذات والصفات. فعلاوة على أنّ الإنسان حيوان ناطق من صفاته أنّه عالم, جاهل, شجاع, جبان, بخيل, جواد, رحيم, قاسٍ وما إلى ذلك, فإنَّ له أفعالاً تُنسب إليه كالقيام والجلوس والنوم واليقظة والأكل والشرب ونحوها. وبذلك ينتهي المركّب الإنساني إلى ذات وصفات وأفعال.

في ضوء هذه المقدّمة يتبيّن أنّ الحديث عندما يجري عن توحيد الله سبحانه فهو تارة يدور عن الوحدة الذاتية التي تقع فيها الوحدة كصفة للذات, بما يعني أنّ ذاته واحدة, وثانية عن التوحيد الصفاتي بما يدلّ على أنّ صفاته واحدة, وثالثة عن الأفعال بما يفيد أنّ أفعاله واحدة, وأنّ كلّ ما في الوجود إن هو إلَّا فعله, وهو ما يُصطلح عليه بالتوحيد الأفعالي.

وبناءً على ذلك فإنَّ عقيدة التوحيد هي إيمان الموحِّد بتوحيد الله الذاتي والصفاتي والأفعالي؛ وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذه المراتب التوحيديّة الثلاث.

وممّا جاء في الروايات في الدلالة على هذه المراتب ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنّه قال:

«جاء جبرائيل إلى رسول الله (ص) ,

فقال: يا محمّد طوبى لمن قال من أمّتك: لا إله إلَّا الله وحده وحده وحده» (1). فمع أنّه من المحتمل أن يكون تكرار «وحده, وحده, وحده» قد جاء لغرض التأكيد, لكن يُحتمل - والله العالم - أن يكون في الرواية إشارة إلى التوحيد في مراتبه الثلاث, أي وحده ذاتاً, ووحده صفةً, ووحده فعلاً, ومن ثمَّ تكون قد استوعبت التوحيد الذاتي والصفاتي والأفعالي.


1- توحيد الصدوق: ص21.

ص: 19

ومن الأمور المهمّة التي تجدر الإشارة إليها في مسألة التوحيد, تحديد موقع التوحيد في التصنيف المألوف للصفات.

توجد تقسيمات متعدّدة لصفات الله سبحانه؛ منها أن تقسَّم إلى جماليّة وجلاليّة, أو بتعبيرٍ آخر: إلى صفات ثبوتيّة تَثْبُت لله, وأخرى سلبيّة يُنَزّه عنها سبحانه, ومن الواضح أنّ التوحيد يدخل في عِداد الصفات السلبيّة التي تعني نفي الشريك عن الله, وذلك على غرار نفي الجهل عنه وتنزيهه عن الجسميّة ونحو ذلك من الصفات السلبيّة.

وفي هذا السياق, ربما كان في قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (الرحمن: 27 , إشارةٌ إلى هذين النوعين من الصفات, حيث «الإكرام» إشارة إلى الصفات الثبوتيّة، و «الجلال» إشارة إلى الصفات السلبية, والله أعلم.

وتجدر الإشارة إلى وجود علاقة ترابطيّة محكمة بين مراتب التوحيد الثلاث, فإذا ما ثبت التوحيد الذاتي فسوف يثبت التوحيد الصفاتي والتوحيد الأفعالي, وإنّ ما يتشعّب على التوحيد الأفعالي من فروع وبحوث تفصيليّة يرجع أساسه إلى التوحيد الذاتي.

أساس المعرفة التوحيدية

إن الأصل الذي تقوم عليه معارف التوحيد هو تحديد المراد من توحيده سبحانه, وفهم معنى الوحدة والواحد فيما تشير إليه الآيات مثل قوله تعالى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ (المائدة: 73 , وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرعد: 16) , وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( ص: 65 .

فما لم يتمّ فهم مسألة الواحد لا تتيسَّر عملية فهم بقيّة معارف التوحيد,

ص: 20

فالخالقيّة والمعبوديّة والرازقيّة وكلّ الأسماء الحسنى التي وردت في القرآن يتعذّر فهمها حال إغفال تلك المسألة.

والمراد من الوحدة التي هي أساس المعرفة التوحيديّة الوحدة في معتقدنا وقولنا: «إنّ الله واحد» , والواحد قد يكون واحداً حقيقياً وقد لا يكون, والواحد الحقيقي قد تكون وحدته حقّه وقد لا تكون.

ولأنّ طبيعة البحث في التوحيد تفرض على الباحث فهم المراد من «الواحد» كان لابدَّ من توضيح المسألة بشيءٍ من الإجمال الذي نترك فيه التفصيل إلى الكتب المختصّة, فنقول: لقد قسّموا الوحدة إلى وحدة غير عدديّة وهي الوحدة الحقّة الحقيقية والتي هي عين الذات لا صفة زائدة عليها, وفي حال وصف الله تعالى بالواحد فيكون المراد من الواحد هو هذا المعنى, وإلى وحدة عدديّة تقع في قبال الوحدة الحقّة الحقيقية غير العدديّة, وهي الوحدة التي إذا انضمّ إليها شيء آخر صارت اثنين, وإذا انضمّ إلى الاثنين شيء صارا ثلاثة وهكذا, ومن أهمّ خصائص الوحدة العددية: المحدودية والانتهاء (1), فما لم ينتهِ الأوّل لا تصل النوبة إلى الثاني, فلا يقال للكتاب ثانٍ إلَّا عندما ينتهي الأوّل, أمّا لو كان هناك كتاب لا نهاية له فلا يكون ثمَّ مجال لكتابٍ ثانٍ، فمتى انتهى الأوّل ليكون هناك ثانٍ؟ لذلك جاء في كلام الإمام علي ما يربط بين الحدّ والعدّ, فإذا ما حُدَّ الشيء فسيتعدّد, أي يقبل الثاني والثالث؛ قال (ع) :

«ومن وَصَفه فقد حدّه, ومن حدّه فقد عدّه» (2).

على الأساس نفسه رفض الإمام (ع) منطق الوحدة العدديّة؛ إذ لا يجوز أن يوصف الله سبحانه وتعالى بالوحدة العدديّة؛ وذلك حيث يقول (ع) في


1- سيأتي معنا لاحقاً في مبحث «الحدّ» تفسير أشمل لمعنى هذه الوحدة.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 152.

ص: 21

جواب من سأله يوم الجمل: أتقول أن الله واحد؟ «

فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد, فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد» (1).

فمفتاح المعرفة التوحيديّة هو الاعتقاد والتمييز بين معاني الوحدة, وتحديد المراد من وحدة الله عزّ وجلّ. وخير شاهدٍ على ما نقول ما وقع فيه أصحاب القول بالحدّ لله سبحانه وتعالى, لأنّه كما سيأتي معنا في هذه الأبحاث, أن القائلين بالوحدة العدديّة وصل بهم الأمر إلى القول بإثبات الحدّ لله عزّ وجلّ, تعالى الله عن ذلك علّواً كبيراً.


1- توحيد الصدوق: ص(٨)3 - 84.

ص: 22

ص: 23

(٢) أقسام التوحيد الذاتي

اشارة

أقسام التوحيد بين المدارس الإسلامية

المنكرون للتقسيم الثلاثي للتوحيد

الخلط بين أقسام التوحيد

الأساس في أقسام التوحيد

ص: 24

ص: 25

في ضوء ما تقدّم تبيّن لنا أنّ التوحيد ينقسم إلى أقسام ثلاثة وهي:

أوّلاً : التوحيد الذاتي , وهو الذي تقع فيه الوحدة كصفة للذات, بما يعني أنّ ذاته واحدة.

ثانياً : التوحيد الصفاتي , بما يشير ويدلّ على أن صفاته واحدة.

ثالثاً : التوحيد الأفعالي , بما يفيد أن أفعاله واحدة, وأنّ كلّ ما في الوجود إن هو إلَّا فعله.

وتدور عقيدة التوحيد حول إيمان الموحِّد بتوحيد الله الذاتي والصفاتي والأفعالي.

وعندما نصل إلى التوحيد الذاتي يواجهنا البحث الكلامي والفلسفي بتناول الموضوع من خلال بُعدين ينقسم إليهما التوحيد الذاتي وهما:

أوّلاً : التوحيد الواحدي .

ثانياً : التوحيد الأحدي .

وقد استخدم القرآن الكريم في آياته هذين البعدين, كما في قوله تعالى: إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (البقرة: 163 , وقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ (التوبة: 84) .

أمّا الجهة التي يتركزّ عليها تمييز المتكلّمين بين الواحد والأحد فتتمثّل بطبيعة الذات الإلهيّة ومعرفة هل لهذه الصفات ثانٍ أو شريك أو شبيه, كما لو فرضنا أن لعليّ شبيهاً ونظيراً في الإنسانية هو زيد.

هل لله سبحانه شبيهٌ ونظير؟ إنّ مهمّة النفي في هذه المقولة هي التي ينهض بها التوحيد الواحدي, فوظيفة هذا القسم من التوحيد نفي الثاني

ص: 26

والنظير والمثيل والشبيه والشريك.

أمّا التوحيد الأحدي, فيتحرّك باتجاهٍ آخر, مفاده البحث في الذات الإلهيّة نفسها, أهي بسيطةٌ أم مركّبة؟

فالتوحيد الذاتي الواحدي يرجع إلى نفي الثاني لله سبحانه وتعالى, ونفي الوحدة العدديّة ويترتّب عليه نتائج ذكرها المتكلّمون ومن أهمّها: عدم تناهي الحقّ سبحانه وتعالى, وإثبات أزليّته وأبديّته, وإثبات كونه هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن, ونفي التثليث, أمّا التوحيد الذاتي الأحدي فمعناه نفي التركيب وإثبات بساطة الحقّ سبحانه.

أقسام التوحيد بين المدارس الإسلامية

وقع الخلاف بين المدارس والمذاهب الإسلاميّة في أقسام التوحيد، وهل له قسمٌ واحدٌ أم أقسامٌ متعدّدة.

ذهب علماء مدرسة أهل البيت (ع) إلى أنّ التوحيد ينقسم إلى التوحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي والتوحيد الأفعالي، والتوحيد الذاتي على نحوين هما توحيد الأحديّة وتوحيد الواحديّة.

وذهب غيرهم إلى تقسيم آخر فقسّموه إلى توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة أو توحيد العبادة، ولم يجعلوا توحيد الذات قسماً من هذه الأقسام.

وهذا التقسيم لم يرِد بشكله الواضح والصريح في القرآن الكريم، ولا في رواية معتبرة عن النبيّ الأكرم (ص) ، بل هو بحثٌ اجتهادي استقرائيّ.

وقد ذُكر هذا التقسيم في كلمات جملة من الباحثين، كما في كتاب (تحقيق العبوديّة بمعرفة الأسماء والصفات) وفيه:

(المطلب الثالث: أقسام التوحيد عند أهل السنّة والجماعة. . . .

ص: 27

ولهذا قسّم العلماء التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة.

أوّلاً : توحيد الربوبيّة : وهو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وسائر أنواع التصريف والتدبير لملكوت السماوات والأرض، وإفراده بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب. . . .

ثانياً : توحيد الألوهيّة : ويسمّى توحيد العبادة: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا يُعبَد غيره، ولا يدعى سواه، ولا يستغاث إلّا به، ولا يُنذر ولا يُذبح ولا يُنحَر إلّا له.

ثالثاً : توحيد الأسماء والصفات : وهو وصف الله تعالى وتسميته بما وصف وسمّى به نفسه، وبما وصفه وسمّاه به رسوله (ص) في الأحاديث الصحيحة، وإثبات ذلك له من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) (1).

وقسّم ابن قيّم الجوزيّة التوحيد إلى قسمين: التوحيد النظري والتوحيد العملي، وذكر ذلك في كتاب (مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ، فقال: (التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمّى الأوّل: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي؛ لتعلّق الأوّل بالإخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة. وهذا الثاني أيضاً نوعان: توحيد في الربوبيّة، وتوحيد في الإلهيّة، فهذه ثلاثة أنواع) (2).

فكلام ابن قيم وتقسيمه التوحيد إلى قسمين، يكشف عن كون هذه القضيّة غير منصوصة، وإنّما هي مجرّد اجتهادات.


1- تحقيق العبوديّة بمعرفة الأسماء والصفات: ص1٠5.
2- مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين: ج1 ص24-25.

ص: 28

ولكون هذه التقسيمات متّفقاً عليها عند أهل السنّة والجماعة، يقول عبد الرحيم السُّلميّ في كتابه (حقيقة التوحيد بين أهل السنّة والمتكلِّمين) :

(. . . وهذه المعاني - أي أقسام التوحيد - متّفقٌ على حقيقتها عند أهل السنّة والجماعة، وأدلّتها مستفيضة في القرآن والسنّة وحياة الرسول (ص) العمليّة.

وقد عبّر عن هذه المعاني أهل السنّة والجماعة بذكرهم لأقسام التوحيد، وقد اختلف تقسيمهم لهذه المعاني؛ لا لاختلافهم في التوحيد نفسه، ولكن ذلك يعود لأمرين:

أحدهما : اختلافهم في زاوية التقسيم وجهته، فمن نظر إلى التوحيد من جهة العبد قسّمه إلى: علمي وعملي، ومن نظر إليه من جهة الله تعالى قسّمه إلى: الربوبيّة والألوهيّة والأسماء والصفات.

وهذا لا يعتبر اختلافاً معنويّاً بل هو اختلاف تنوّع وليس اختلاف تضادّ.

الثاني : اختلافهم في التعبير اللفظي عن المعنى الصحيح كما يعبِّر بعضهم عن التوحيد العلمي ب-: توحيد في العلم والاعتقاد، أو التوحيد في العلم والاعتقاد، أو التوحيد القولي، أو التوحيد الاعتقادي. . . ونحو ذلك.

وكما يعبّر بعضهم عن التوحيد العملي ب-: توحيد القصد والطلب، أو التوحيد القصدي الطلبي، والتوحيد في العمل، أو التوحيد الفعلي. . . .

وهذه التعبيرات المختلفة ليست متباينة بل هي متوافقة. . . .

والمشهور عند أهل العلم أنّهم يقسّمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وهي: توحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين وهما: توحيد المعرفة والإثبات وتوحيد القصد والطلب) (1).

ويبقى السؤال عن الذي ذكر هذا التقسيم الثلاثي لأوّل مرّة، وهناك


1- حقيقة التوحيد بين أهل السنّة والمتكلّمين: ص(٨)7-88.

ص: 29

أبحاث مفصّلة في هذا المجال لسنا بصدد الدخول فيها، وتكفي الإشارة إلى ما ذكره صاحب كتاب (القول السديد في الردّ على من أنكر تقسيم التوحيد) عبد الرزّاق بن عبد المحسن البدر، حيث كتب هذا الكتاب ردّاً على حسن بن علي السقّاف مؤلّف كتاب (التنديد بمَن عدّد التوحيد، وإبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلاميّة) ، فهو بعد أن يذكر أنّ عقيدة التثليث عقيدة نصرانيّة فاسدة حكم الله في القرآن على أهلها بالكفر، وأنّ صاحب كتاب التنديد حكم على عامّة المسلمين الموحّدين لله في ربوبيّته وأسمائه وصفاته وألوهيّته بأنّهم ثلّثوا في عقيدتهم، فهو ينكر على الكاتب ربطه بين تقسيم التوحيد إلى أقسام ثلاثة وعقيدة التثليث المنحرفة، ثمّ ينقل عن الكاتب قوله: (. . . وخصوصاً أنّ هذا التقسيم لا يُعرف عند السلف البتّة، وإنّما اختُرع هذا التقسم وانتشر بعد القرن السابع الهجري [أي بعد ابن تيميّة]. . . ولم يذكر الله تعالى في كتابه ولا النبيّ (ص) في سنّته أنّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ربوبيّة وتوحيد ألوهيّة وتوحيد أسماء وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحدٌ من الصحابة، بل ولا أحدٌ من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح - رضي الله عن الجميع - بل إنّ هذا التقسيم بدعة خلفيّة مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري؛ أي بعد زمن النبيّ (ص) بنحو ثمانمائة سنة، ولم يقل بهذا التقسيم أحدٌ من قبل. . . ابن تيميّة الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة. . .) (1).

ثمّ يُشير عبد الرزّاق بن عبد المحسن البدر إلى (أنّ الأدلّة من الكتاب والسنّة على هذا التقسيم كثيرةٌ لا تحصر، يعرفها من لديه أدنى إلمام بنصوص


1- القول السديد في الردّ على من أنكر تقسيم التوحيد: ص13.

ص: 30

الكتاب والسنّة. . .) (1).

قد يقول قائل : إذا كان هذا التقسيم مورداً للنقض والإبرام بهذه الطريقة، فلماذا نرتّب أبحاثنا على هذا التقسيم؟

الجواب : إنّ محور هذه الأبحاث هو ما يقوله ابن تيميّة وأتباعه، وهو المنظّر الأساس لمثل هذه العقائد، فاستوجبت مناقشته أن نذكر مبانيه التي على أساسها تجري هذه المناقشة وهذه الأبحاث.

المنكرون للتقسيم الثلاثي للتوحيد

في مقابل من ادّعى إجماع علماء السنّة على الاتّفاق على تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة المتقدّمة، نجد مَن أنكر هذا الاتّفاق واعتبره مخالفاً لعقيدة أهل السنّة والجماعة.

وهذا ما أشار إليه حسن بن علي السقّاف الشافعي في كتابه (التنديد بمَن عدّد التوحيد) ، وحاول في هذا الكتاب إثبات إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهيّة وتوحيد ربوبيّة وتوحيد أسماء وصفات، والقول بأنّ هذا التقسيم لا يُعرف عند السلف البتّة، وأنّه اختُرع وانتشر بعد القرن السابع الهجري، وممّا قاله:

(فاعلم: أنّ تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة تقسيمٌ غير صحيح، تكلّم به بعض متأخّري المصنّفين منهم صاحب شرح العقيدة الطحاويّة ابن أبي العزّ المنسوب للحنفيّة خطأً، الذي ردّ على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي أثناء شرحه على كتابه - متن الطحاويّة - في التوحيد، فزيّف ابن أبي العزّ بعض كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي، وظهر


1- المصدر نفسه: ص3٠ -31.

ص: 31

بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح، فخالف صريح الكتاب والسنّة والإجماع وعقيدة أهل السنّة والجماعة الوارد في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي) (1).

ثمّ استعرض السقّاف الأدلّة على عدم صحّة هذا التقسيم من خلال مجموعة من الآيات القرآنيّة، وبعثة النبيّ محمّد (ص) القائمة على أساس كلمة التوحيد (لا إله إلّا الله محمّد رسول الله) .

ثمّ قال بعد ذلك: (فمن هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتّضح وضوحاً جليّاً أنّ الله سبحانه بيّن لنا أنّ التوحيد هو «لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» ، ولم يذكر الله تعالى في كتابه، ولا النبيّ (ص) في سنّته: أنّ التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ربوبيّة وتوحيد ألوهيّة وتوحيد أسماء وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحدٌ من الصحابة، ولا من التابعين، بل ولا أحدٌ من السلف الصالح رضي الله عن الجميع، بل إنّ هذا التقسيم بدعة خلفيّة مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري، أي بعد زمن النبيّ (ص) بنحو ثمانمائة سنة، ولم يقل بهذا التقسيم أحدٌ من قبل) (2).

ويشير المؤلّف إلى الأسباب التي دَعَت البعض إلى مثل هذا التقسيم والغاية من وراء ذلك، ويضع في أولويّات هذه الأسباب تكفير المسلمين بدعوى أنّهم وحّدوا توحيد ربوبيّة ولم يوحّدوا توحيد ألوهيّة، فقال: (والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج هذا التقسيم بالكفّار، بل تكفيرهم بدعوى أنّهم وحّدوا توحيد ربوبيّة كسائر الكفّار بزعمهم! ! ولم يوحّدوا توحيد ألوهيّة - وهو توحيد


1- التنديد بمَن عدّد التوحيد: ص6-7.
2- المصدر نفسه: ص(٨).

ص: 32

العبادة الذي يدّعونه - وبذلك كفّروا المتوسّلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالأولياء، وكفّروا أيضاً كثيراً ممّن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحقّ على خلافها، وكلّ ذلك سببه الحرّاني، وعلى ذلك سار شارح الطحاويّة ابن أبي العزّ الملقّب بالحنفي فخالف الإمام الحافظ الطحاوي الحنفي في عقيدته في مواضع عديدة!) (1).

فهذا كلامٌ صريح في الاتّجاه العامّ الذي سلكه البعض في تكفير مخالفيهم لأدنى مسألة، وكان السقّاف صريحاً وواضحاً في كلامه في اعتبار المصدر الأساس لوضع أُسس التكفير لكلّ مخالف في الرأي هو الحرّاني (أي ابن تيميّة) .

وما هو المهمّ في هذا الكتاب هو الإشارة إلى المخالفات الصريحة للإمام الطحاوي حيث شيّدت مدرسة ابن تيميّة أركانها على أقوال نسبتها لأئمّة كبار، وكان من بينها العقيدة الطحاويّة التي نالت اهتماماً كبيراً لدى علماء هذه المدرسة، ولكنّ السقّاف فنّد هذه الادّعاءات المنسوبة إلى الإمام الطحاوي والتي منها: أنّ صاحب المتن الطحاوي ينفي الحدّ عن الله سبحانه، والشارح يردّ عليه فيثبت الحدّ! ومنها أنّ صاحب المتن ينفي الجهة وينزّه الله سبحانه أن يُوصف بها، والشارح يردّ عليه فيثبتها! حتّى قال العلاّمة علي القاري عن شارحها ابن أبي العزّ في شرح الفقه الأكبر - ص172 - بأنّه: (صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من المبتدعة) (2).

ومن جملة الأدلّة التي ذكرها السقّاف على إبطال هذا التقسيم:

(أوّلاً: لا يُعرف في الشرع إطلاق اسم موحّد على من كفر ولو بجزء من


1- المصدر نفسه: ص٩.
2- المصدر نفسه: ص٩.

ص: 33

العقيدة الإسلاميّة؛ وذلك بنصّ الكتاب والسنّة، بل لا يجوز أن نقوّل الشرع ما لم يقل ولم يرد. . . .

رابعاً: ابن تيميّة الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهيّة وربوبيّة يقول إنّ المشركين كانوا يقرّون بتوحيد الربوبيّة دون توحيد ألوهيّة، وأنّ المسلمين الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحّدوا ربوبيّة ولم يوحّدوا ألوهيّة، فهو يكفّرهم بذلك، وهذا مراده من هذا التقسيم. . .) (1).

الخلط بين أقسام التوحيد

إذا كان التوحيد على مستوى الأسماء والصفات يقابله الشرك على مستوى الأسماء والصفات، فهنا ينبغي عدم الخلط في مفهومي التوحيد والشرك، إذ لا ينبغي اعتبار المشرك على مستوى العبادة مشركاً على مستوى الأسماء والصفات، وهكذا إذا كان مشركاً في التدبير لا يمكن تصنيفه ضمن المشركين في العبادة.

وهذا ما يشير إليه بشكل واضح وصريح ابن باز في (مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة) حيث يقول: (وعند التفصيل تكون أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة وتوحيد الأسماء والصفات. . . وهذا في الجملة أقرَّ به المشركون، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ .

(الزخرف: 87 . . . فهم معترفون بهذه الأمور، لكنّهم لم يستفيدوا من هذا الإقرار في توحيد الله بالعبادة، وإخلاصها له سبحانه. . .) (2).

فهذا التقسيم إنّما نذكره وفقاً لما أسّس عليه ابن تيميّة وأتباعه نظريّاتهم ومنهجهم في عقيدة التوحيد.


1- المصدر نفسه: ص1٠-13.
2- مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة: ج1 ص34 التوحيد وما يلحق به.

ص: 34

وكون هؤلاء يتحدّثون في التوحيد، ويعتبرون أنفسهم أبطاله نجدهم يخلطون خلطاً شديداً في أقسام التوحيد، ولم يميّزوا بينها، وكان من نتائج ذلك اتّهامهم لغيرهم بالشرك والإلحاد، وهذا ما حصل لمَن أسموه شيخ الإسلام المجدّد محمّد بن عبد الوهّاب في كتابه (كتاب التوحيد الذي هو حقّ الله على العبيد) والذي كتب فيه أتباعه شروحاً متعدّدة، ولكن محمّد بن عبد الوهّاب - رغم اعتبارهم إيّاه مجدّد ومُحيي التوحيد - خلط بين هذه الأقسام وكأنّه لم يقرأ كتاباً واحداً في التوحيد، ونكتشف ذلك من خلال العناوين والأبواب التي وضعها للكتاب، فقال على سبيل المثال: (فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب، من حقّق التوحيد دخل الجنّة بغير حساب، الخوف من الشرك) ولا رابط بين هذه الأبحاث. وذكر أيضاً (الدعاء إلى شهادة لا إله إلّا الله، تفسير التوحيد) حيث جعله في الباب الخامس، مع أنّ تفسير التوحيد لابدّ أن يكون في الباب الأوّل. ثمّ ذكر (من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء ودفعه) (1)، فقد خلط بين أبحاث التوحيد خلطاً عجيباً غريباً.

وممّا ذكره أيضاً: (من تبرّك بشجر أو حجر ونحوهما، ما جاء في الذبح لغير الله) فما علاقة هذين الأمرين والبحثين ببعضهما.

وأيضاً: (باب ما جاء في الذبح لغير الله، باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله، باب من الشرك النذر لغير الله، من الشرك الاستعانة بغير الله، من الشرك بغير الله ما جاء في التغليظ فيمن عبدَ الله عند قبر رجلٍ صالح فكيف إذا عبده) (2)إلى غير ذلك ممّا فيه خلطٌ واضح وفوضى تكشف عن الجهل وعدم المعرفة بالتوحيد.


1- كتاب التوحيد الذي هو حقّ الله على العبيد: ص12.
2- المصدر نفسه.

ص: 35

ولذا فإنّ هذا الكتاب - وبغضّ النظر عن مضمونه من حيث الصحّة وعدمها - لا قيمة له من الناحية العلميّة والمنهجيّة والفنيّة.

ومن الذين ذكروا أقسام التوحيد: الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في كتاب: (القول المفيد على كتاب التوحيد) .

فقد عرّف العثيمين التوحيد بقوله: (تعريف التوحيد: في اللغة: مشتقّ من وحّد الشيء إذا جعله واحداً، فهو مصدر وحّد يوحّد، أي جعل الشيء واحداً. وفي الشرع: إفراد الله سبحانه بما يختصّ به من الربوبيّة، والألوهيّة والأسماء والصفات.

أقسامه : ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

1. توحيد الربوبيّة.

2. توحيد الألوهيّة.

3. توحيد الأسماء والصفات) (1).

ثمّ عرّف هذه الأقسام بما مختصره:

(توحيد الربوبيّة : هو إفراد الله عزّ وجلّ بالخلق، والملك، والتدبير. . . وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بُعث فيهم الرسول

(ص) . . . وأنكر توحيد الربوبيّة على سبيل التشريك المجوس حيث قالوا: إنّ للعالم خالِقَين. .

وتوحيد الألوهيّة : ويقال له توحيد العبادة باعتبارين؛ فباعتبار إضافته إلى الله يسمّى: توحيد الألوهيّة، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمّى توحيد العبادة، وهو إفراد الله عزّ وجلّ بالعبادة. . . .

توحيد الأسماء والصفات : وهو إفراد الله عزّ وجلّ بما له من الأسماء


1- القول المفيد على كتاب التوحيد: ج1 ص5-12.

ص: 36

والصفات. . .) (1).

ثمّ بيّن موقع هذا التوحيد بقوله: (وهذا القسم من التوحيد هو الذي ضلّت فيه بعض الأمّة الإسلاميّة وانقسموا فيه إلى فِرق كثيرة، فمنهم سلك مسلك التعطيل فعطّل ونفى الصفات زاعماً أنّه مُنزِّهٌ لله، وقد ضلّ؛ لأنّ المنزّه حقيقةً هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب وينزّه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلاً. . .) (2).

وأيضاً الشيخ العثيمين في شرح العقيدة السفارينيّة حيث قال: (واعلم أنّ أقسام التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبيّة، وتوحيد الألوهيّة، وتوحيد الأسماء والصفات، فأمّا توحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة فلم يختلف فيه أهل القبلة؛ يعني لم يختلف فيه المسلمون. . . وأمّا توحيد الأسماء والصفات فهو الذي اختلف فيه أهل القبلة، أي اختلف فيه المنتسبون إلى الإسلام اختلافاً يمكن أن نقول: إنّه على ستّة أوجه في إجراء النصوص) (3).

الأساس في أقسام التوحيد

اتّفقت كلمات القائلين بهذا التقسيم الثلاثي - توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة والعبادة - على أنّ الأصل والأساس في هذه الأقسام الثلاثة هو توحيد الأسماء والصفات، ويتفرّع عنه توحيد الربوبيّة، ويتفرّع عنهما توحيد الألوهيّة والعبادة.

فإذا كان هناك توحيد حقيقي على مستوى الأسماء والصفات، فهذا ينعكس إيجاباً على توحيد الربوبيّة وكذلك على توحيد العبادة، وهكذا


1- القول المفيد: ج1 ص5-12.
2- المصدر نفسه.
3- شرح العقيدة السفارينيّة: ص٩.

ص: 37

العكس، فإذا ما كان هناك انحراف في الفهم التوحيدي على مستوى الأسماء والصفات فسينعكس ذلك سلباً على الربوبيّة والعبادة.

من هنا كانت الحاجة عند الحديث عن التوحيد الربوبي أو التوحيد العبادي، الالتفات إلى الأصل في ذلك وهو التوحيد الأسمائي والصفاتي؛ إذ لا يمكن التفكيك والتجزئة بين هذه الأقسام وأساسها.

ونحن نجد في كثيرٍ من الكتب التي تعرّضت لمسألة التوحيد في العبادة أنّها مبتورة وناقصة لأنّها لم تنظر إلى التوحيد الأسمائي والصفاتي.

ومن الذين صرّحوا بهذه الحقيقة ابن تيميّة في كتابه (الفتاوى الحمويَّة الكبرى) وفيها سؤال وجواب.

أمّا السؤال: سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة في سنة كذا، فقال السائل: ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 5 ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ (فصّلت: 11) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات كقوله (ص) :

(إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) ، وقوله:

(يضع الجبّار قدمه في النار) إلى غير ذلك من الأحاديث. . . ؟

وفي الجواب يقول: (. . . فإنّ معرفة هذا أصل الدِّين وأساس الهداية وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصّلته النفوس وأدركته العقول) (1).

فإذن أصل الدِّين إنّما هو في الأسماء والصفات وليس في التدبير والعبادة.

وأيضاً أشار إلى ذلك ابن قيّم الجوزيّة في كتاب (الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطِّلة) حيث يقول: (وجعل مفتاح دعوتهم - أي دعوة الأنبياء - وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها، وإنّ الخوف والرجاء والمحبّة والطاعة


1- الفتاوى الحمويّة الكبرى: ص175.

ص: 38

والعبوديّة تابعة لمعرف المرجوّ، المخوف، المحبوب، المطاع، المعبود) (1).

وعلى هذا: فكلّ من يحاول التصوير بأنّ التوحيد ينحصر في العبادة، وأنّ أتباع مدرسة أهل البيت (ع) لا يوجد عندهم توحيد، فهو مخطئ، ومن هنا كان البحث مع ابن تيميّة وأتباعه في أصل التوحيد وفقاً لاعتقاداتهم والذي هو توحيد الأسماء والصفات.

ثمّ يقول ابن قيم: (فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثمّ يتبع ذلك أصلان آخران) (2).

وأيضاً إلى ذلك أشار الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في كتاب (القواعد المُثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) حيث يقول: (منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدِّين، وتوحيد الله به أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة وتوحيد الأسماء والصفات، فمنزلته في الدِّين عالية وأهميّته عظيمة ولا يمكن أحداً أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتّى يكون على علم بأسماء الله وصفاته. . . وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة) (3).

لأجل ذلك كانت دعوتنا في هذه الأبحاث إلى المعرفة الحقيقيّة بالإله الواحد الأحد، فمعرفته سبحانه وتعالى أساسها في توحيد الله عزّ وجلّ، والتي إذا وقع فيها خللٌ فكلّ الأعمال تصبح لا قيمة لها، والعبادة إنّما تكون ذات قيمة عند الله تعالى إذا كانت على أساس المعرفة الصحيحة.

وهذا ما أشارت إليه فوز بنت عبد اللطيف الكردي في (تحقيق العبوديّة


1- الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطِّلة: ج1 ص15٠-151.
2- المصدر نفسه: ص151.
3- القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: ص17.

ص: 39

بمعرفة الأسماء والصفات) حيث قالت بعد النصّ الذي نقلناه سابقاً: (فالتوحيد أساس الدِّين، وأساس التوحيد توحيد الأسماء والصفات) (1).

وهذا هو الكلام الصحيح، والذي لا إشكال فيه؛ لأنّ كلّ المراتب اللاحقة إنّما تقوم وتنبني على هذه المرتبة، ومن جهل الله تعالى ستقع عبادته على مجهول، كأولئك الذين قالوا بأنّ الله تعالى له يدٌ ولكن لا كالأيدي؛ لأنّهم إن قالوا بأنّ اليد هي الجارحة فهذا توحيد التجسيم، وإن قالوا بأنّ اليد مجهولة لا نعرفها، كانوا جاهلين به تعالى، فكيف يعبدون من لا يعرفونه؟

ولذا تتابع فوز الكردي قولها: (ومن عرف أسماء الله وصفاته عرف إلهاً حقّاً، خالقاً رازقاً، ربّاً مُنعِماً. . . فلا يتصوّر الإيمان بمجهول، فكيف بمعدوم، سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

والخطر الحقيقي الذي يتهدّد العبادة الناشئة عن غير معرفة بالله تعالى هي أنّ العابد إذا جهل معبوده فقد يتقرّب إليه بما يبغض، أو يبغض شيئاً يحبّه، وكيف يستجيب المرء في العبادة لما يحبّه تعالى أو يكرهه، ولما يريده أو ينهى عنه وهو لا يعرف مولاه الحقيقي؟) (2).

وفي أحاديث أئمّة أهل البيت (ع) ما يُشير إلى ضرورة هذه المعرفة، كما في الحديث المرويّ عن الإمام الصادق (ع) : «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، فلا تزيده سرعة السير إلّا بُعداً» (3).

وقد يحسب الإنسان أنّه يُحسن صنعاً ولكنّه يكون من الخاسرين كما قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا


1- تحقيق العبوديّة بمعرفة الأسماء والصفات: ص63.
2- المصدر نفسه: ص(٨)٩.
3- تحف العقول عن آل الرسول: ص362.

ص: 40

وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا (الكهف: 1٠3-1٠4 .

والملفت أنّ الآية أشارت إلى الأخسرين في العمل، لأنّ العقيدة كانت باطلة، والتوحيد كان مختلاًّ، وهل تنفع الصلاة أو الصوم في مثل ذلك؟

فدعوتنا تتمثّل في ضرورة جعل الأساس في هذا الدِّين ونظامه معرفة الله تعالى، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع

) : «أوّل الدِّين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده» (1)

.

فمن هنا ينبغي أن يبدأ الإنسان، وكلّ ما عدا ذلك يتفرّع عن هذا الأصل، ولذا قال الله تعالى في محكم كتابه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورا (الفرقان: 23 . فهذا العمل لم يكن باطلاً في أساسه لأنّه عبارة عن صلاة وصوم وعبادة في ظاهرها تامّة الشروط، ولكن مثل هؤلاء بنوا أعمالهم على أساس مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ (الأنعام: ٩1، والحجّ: 74، والزمر: 67 وما عرفوا الله حقّ معرفته، فقالوا مثل قول البعض: وجه لا كالوجوه، وجالس، ومستقرّ، وشاب أمرد، وله يدٌ وقدَم. . وما شاكل ذلك، ولكنّهم حتّى يتخلّصوا من مشكلة التجسيم والتشبيه قالوا: (لا كالوجوه، ولا كالأيدي، ولا. . .) .

ومن هنا نجد أنّ الكثير من العلماء في مدرسة الصحابة استنكروا هذه الأقوال - كما سيأتي - واعتبروا أنّ فيها تهافتاً.

ومرتكزات مدرسة أئمّة أهل البيت (ع) قامت على أساس أنّ الأصل هو المعرفة وليس العبادة، وليس كما يتوهّم البعض أنّه ورد في القرآن الكريم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56 لأنّه يقول في آية أخرى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر: 99) فغاية العبادة هي اليقين


1- نهج البلاغة، الخطبة الأُولى.

ص: 41

والمعرفة.

ومن الأحاديث التي أشارت إلى ذلك في أقوال أهل البيت (ع) نذكر:

أوّلاً : ما ورد في كتاب (علل الشرائع) للشيخ الصدوق، المتوفّى سنة 381ه-، عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: «خرج الحسين بن علي على أصحابه فقال

: أيّها الناس إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة مَن سواه» (1)

.

ثانياً : ما ورد في (بحار الأنوار) للعلاّمة المجلسي حول جواب للإمام الرضا (ع) عن سؤال يمكن أن يخطر في ذهن البعض حول السبب في تسمية الله عزّ وجلّ لنفسه بالأسماء الحسنى والتي ندعوه من خلالها.

عن محمّد بن سنان، قال: «سألت أبا الحسن الرِّضا (ع) . . . قال:

فليس يحتاج إلى أن يسمّي نفسه، ولكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره يدعوه بها، لأنّه إذا لم يُدعَ باسمه لم يُعرَف» (2)

ثالثاً : ما ورد في كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق:

«قيل للإمام أبي الحسن الرِّضا (ع) : يا أبا الحسن اصعد المنبر وانصب لنا علماً نعبد الله عليه، فصعد (ع) المنبر فقعد مليّاً لا يتكلّم مُطرقاً، ثمّ قال

: أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده. . . فليس الله عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إيّاه وحّد مَن اكتنههُ، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا به صدّق مَن نهّاه» (3) .


1- علل الشرائع: ج1 ص٩، باب علّة خلق الخلق واختلاف أحوالهم، ح1.
2- بحار الأنوار: ج4 ص(٨)8، ح26.
3- المصدر نفسه: ج4 ص228، ح4٠.

ص: 42

ص: 43

(٣) اتجاهات في معرفة الله تعالى

اشارة

أقوال وكلمات المجسّمة

فتاوى التكفير في مسألة التجسيم

أتباع ابن تيمية والخلاف مع ابن حجر

ص: 44

ص: 45

أشار القرآن الكريم إلى الهدف من خلق الإنسان حيث قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56 ، فكمال إنسانيّة الإنسان لا تتحقّق إلّا بالعبادة لله سبحانه وتعالى، وما لم يكن الإنسان عابداً لله تعالى، فسيبقى في مرحلة البهيميّة. ولن يتمكّن من الوصول إلى مقام الإنسانيّة إلّا بأن يحقّق مقام العبوديّة.

وأوّل وصف نجده في القرآن الكريم للأنبياء (ع) ، والمقدّم على جميع صفاتهم ومقاماتهم وفضائلهم هو كونهم عباداً لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال في الرسول الأكرم (ص) : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (الإسراء: 1) ، ولم يقُل ب- «رسوله» أو «إمام الأوّلين والآخرين» ، أو «خاتم الأنبياء والمرسلين» ، لأنّه (ص) إنّما وصل إلى كلّ هذه المقامات والفضائل بالعبوديّة.

ولذا نحن أيضاً نقول - في تشهّد الصلاة -: (وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله) ، فمن العبوديّة وصل (ص) إلى مقام الرسالة والخاتميّة.

إذن فحقيقة الإنسانيّة لا يصل إليها الإنسان، ولا يستحقّ أن يكون خليفة الله في أرضه إلّا إذا كان قد وصل إلى مقام العبوديّة.

لكنّ هذه العبوديّة لا تُعطي أُكلها وثمارها في الدُّنيا والآخرة إلّا بمعرفة الله سبحانه وتعالى، ولو عبدَ الإنسانُ إلهاً لا يعرفه فسيكون كما قال الإمام الصادق (ع) :

«العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، لا تزيده سرعة السير إلّا بُعداً» (1) لأنّه يسير على غير هدىً، ولن يزيده السير إلّا بُعداً وضلالاً.

ولكي تكون العبادة موصلة إلى الله وإلى مقام القُرب الإلهي، لابدّ من


1- توحيد الصدوق: ج1 ص5.

ص: 46

معرفة الله سبحانه وتعالى، ولذا قال الإمام عليّ (ع) :

«أوّل الدِّين معرفته» ، فالمعرفة هي المقدّمة الأساسيّة للعبادة، وما لم تتحقّق المعرفة فلا معنى للعبادة. وكلّما ازداد الإنسان معرفةً بالله تعالى كانت عبادته أكثر قيمةً عند الله تعالى.

وكمثال على ذلك ما يقوله القرآن الكريم: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة: 2٩1 .

ففي هذه الآية إشارة إلى مقامات أربعة:

الأوّل : يشير القرآن في بعض آياته إلى أصل كلّي وهو أنّ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، فالله يعطي للبعض في مقابل الحسنة عشر أمثالها.

الثاني : أنّه في هذه الآية لا يعطي مقابل الحسنة عشر أمثالها، بل يضاعفها إلى سبعمائة ضعف.

الثالث : هو مقام وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ، فالله تعالى يضاعف السبعمائة، ولكن ليس للكلّ، بل لأولئك الذين يستحقّون ذلك.

والسبب أنّ فعل الله تعالى قائم على أساس الحكمة لا على الجزاف والعبثيّة، فهو يضاعف لمن يستحقّ، والمستحقّ هو من عرف الله حقّ معرفته، وقدرَ الله حقّ قدره.

الرابع : مقام وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ فإنّه تعالى يعطي البعض على قدر سعة رحمته، والآية لم تقل: والله واسعٌ حكيم، أو واسعٌ عزيز، أو غفور، بل قالت «واسعٌ عليم» وسبب مجيء لفظة «عليم» هو الإشارة إلى أنّ البعض يستحقّ العشرة، أو السبعمائة، أو مضاعفة السبعمائة، أو يستحقّ بغير حساب، ومرجع ذلك كلّه إلى قدر معرفة الله سبحانه وتعالى.

ص: 47

فمن أراد أن يرفع عمله وعبادته، لا يرفعه من خلال البُعد الكمّي، بل من خلال البُعد الكيفي، ويتحصّل ذلك برفع درجة المعرفة بالله سبحانه وتعالى.

ومن هذه المقدّمة يتّضح لنا أصلان:

الأصل الأوّل : أنّ الهدف من خلق الإنسان هو العبادة.

الأصل الثاني : أنّ هذه العبادة لا يمكن أن توصل إلى الله وإلى مقام القُرب إلّا إذا كانت ناتجة عن معرفة الله تعالى.

وبناءً على ذلك، انبثق اتّجاهان أساسيّان في معرفة الله سبحانه وتعالى:

الاتّجاه الأوّل : هو الاتّجاه الذي اعتقد به غالبيّة علماء المسلمين، من علماء أهل السنّة، ومن الأشاعرة، ومن المعتزلة والإماميّة والصوفيّة، ومن الفلاسفة والمتكلِّمين، وهم الغالبية العظمى من جمهور المسلمين وعلمائهم.

الاتّجاه الثاني: وهو الذي ذهب إليه أقلّية من العلماء - والتعبير عنهم بالعلماء من باب المسامحة في التعبير - وبعض المتكلِّمين، وهؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، وإذا ما أردنا احتسابهم فلن يصلوا إلى الثلاثين.

ونقاشنا هنا ليس مع أصحاب الاتّجاه الأوّل بل مع أصحاب الاتّجاه الثاني.

فما الذي يقوله أصحاب هذا الاتّجاه في معرفة الله تعالى؟

يعتقد أصحاب الاتّجاه الثاني بأنّ جميع الصفات الواردة في القرآن الكريم لله تعالى، وكذلك الصفات الإلهيّة التي وردت في الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ (ص) ، والتي بظاهرها تُوحي بالتشبيه، أو بالتجسيم، ينبغي حملها على

ظاهرها، ونتج عن ذلك الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسم، وله مكان، وله حيّز، وله جهة، ويشار إليه بالإشارة الحسيّة، وأنّه سبحانه وتعالى

ص: 48

قاعد أو جالس في مكان ويُشار إليه، وأنّ له حركة ونزولاً، كما يتحرّك الإنسان، وأنّ من لوازم ذلك أنّه تعالى له ساق وله صورة وله وجه وعينان وأصابع، وأنّه يضع رجله على الأخرى، وأنّ الثوب الذي يلبسه إلى نصف قدميه، وأنّ حذاءه من ذهب.

وعندما وصلوا إلى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ (الشورى: 11) اضطرّوا إلى القول بأنّه جسمٌ لا كالأجسام، ويده لا كالأيادي، وحركته لا كالحركات. . . .

أقوال وكلمات المجسمة

اشارة

ما ذكرناه من معتقدات لأصحاب نظريّة الاتّجاه الثاني القائمة على أساس التجسيم ليس افتراءً أو ادّعاءً بلا مستندٍ أو دليل.

بل إنّ التأمّل في كلماتهم وما ذكروه في كتبهم يفيد أو يفضي إلى هذه النتيجة، ولهذا سيتركّز بحثنا على نقل كلمات هؤلاء، ليقف القارئ الكريم على حقيقة معتقداتهم المنافية لأصول القرآن الكريم والقواعد والأسس التي من أجلها كانت رسالة الإسلام.

الأوّل: ابن تيميّة

في معرض مناقشته لأصحاب الاتّجاه الأوّل القائلين بأنّ الله ليس بجسم، وليس له جهة، ولا يشار إليه. . . يقول: (وأمّا في النفي، فنفيتم عن الله تعالى أشياء لم ينطق بها كتابٌ ولا سُنّة، ولا إمام من أئمّة المسلمين، بل والعقل لا يقضي بذلك عند التحقيق، وقلتم إنّ العقل نفاها فخالفتم الشريعة بالبدعة. . . وخالفتم العقول الصريحة، وقلتم ليس هو بجسم ولا جوهر ولا متحيّز ولا في جهة. . .) (1).


1- بيان تلبيس الجهميّة في تأسيس بدعهم الكلاميّة: ج3 ص44-45.

ص: 49

فمن وجهة نظر ابن تيميّة الصريحة أنّ القول بأنّه سبحانه وتعالى ليس بجسم، هو قول لم ينطق به كتاب الله وسنّة رسوله (ص) ، ولا أيّ إمامٍ من أئمّة المسلمين، مع العلم بأنّ هذا الرأي يتناقض تماماً مع كتاب الله وسنّة النبيّ (ص) بالإضافة إلى مخالفته لجمهور علماء المسلمين.

ثمّ يترقّى ابن تيميّة أكثر ليعتبر ذلك مخالفاً للعقل الذي يرى بأنّه يمكن أن يكون الله تعالى جسماً، ولا محذور في ذلك.

ويضيف إلى ذلك كلّه ليجعل رأيه هو رأي الشريعة، ورأي غيره مخالفاً للشريعة، ويختم كلامه بأنّ هذا الرأي - المخالف لرأيه - بدعة! !

ولنأتي إلى تحديد معنى الجسم ليتّضح المراد من نسبة الجسميّة إلى الله تعالى؛ يقول محقّق كتاب بيان تلبيس الجهميّة الدكتور أحمد معاذ حقّي في تعريفه للجسم: (الجسم هو كلّ جوهر مادّي قابل للأبعاد الثلاثة؛ وهي الطول، والعرض، والعمق، ويتميّز بالثقل والامتداد، ويقابل الروح) (1).

ولهذا نرى في كلمات أصحاب هذا الاتّجاه أنّهم يقولون: بأنّ الله يجلس على الكرسي ويكون للكرسي أطيط، ولازم هذا الكلام أنّ له ثقلاً، وأنّ الملائكة عندما يُعصى الله تعالى يشعرون بثقله، وإلاّ فإنّه إذا لم يكن له مادّة، ولم يكن جسماً فمن أين سيأتي هذا الثقل! ومن أين جاء هذا الأطيط؟ !

ثمّ يشير الدكتور حقّي بعد ذلك إلى المصادر التي اعتمد عليها في تحديد المراد من الجسم، وهي: كشّاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، والتعريفات للجرجاني،

والمعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربيّة، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا.

ولكي يتخلّص أو يتهرّب ابن تيميّة من هذه الشبهة التي وقع فيها، يزعم أنّه: هو جسمٌ لا كالأجسام، فهو تعالى له جسم ولكن جسمه يختلف عن


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص15، الحاشية.

ص: 50

شكل الأجسام المتعارفة، وكأنّ القرآن الكريم لم ينزل بلسانٍ عربيٍّ مُبين؛ حتّى يأتي ابن تيميّة وأمثاله ليتأوّلوا آيات الكتاب حسب فهمهم الخاصّ.

وهذا الإنسان الذي ينسبون له العلم والمعرفة ويدّعون بأنّه شيخ الإسلام، ألا يعلم ويدري بأنّ الجسم إذا كان في محلٍّ معيّن لا يمكنه أن يكون في الوقت ذاته في محلٍّ آخر، وكيف يفهم معنى قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ (البقرة: 186 . فلو فرضنا شخصاً في المغرب وآخر في المشرق، وكان الله تعالى قريباً من الذي في المشرق، فبمقتضى كلام ابن تيميّة لا يمكن لله تعالى أن يكون قريباً من ذاك الذي في المغرب، فكيف يكون إذن قريباً من دعوة الدّاعي، وإذا ما دعاه إثنان أحدهما بعيدٌ عن الآخر، فلا يمكن أن يكون قريباً منهما معاً، ولهذا فسّر هؤلاء معنى القُرب بأنّ علمه محيطٌ بهما، وكيف ينسجم ذلك مع المعنى القرآني الصريح؟ !

ويتابع ابن تيميّة القول: (ولا يشار إليه بحسّ ولا يتميّز منه شيء من شيء، وعبّرتم عن ذلك بأنّه تعالى ليس بمنقسم ولا مركّب، وأنّه لا حَدّ له ولا غاية، تريدون بذلك أنّه يمتنع عليه أن يكون له حَدٌّ وقَدر أو يكون له قَدْر لا يتناهى وأمثال ذلك. . .) (1).

الثاني: ابن القيم الجوزية

وهو الذي حذا حذو سيّده ابن تيميّة في اعتبار كلّ من خالفه جهمياً ومعطّلاً ومؤوّلاً وفاسقاً. . . وما إلى ذلك، بأسلوبٍ بائس لا ينتمي إلى الأسلوب العلمي، بحيث إنّ كلّ من خالف رأيه فهو كافر وفاسق، وكأنّه


1- المصدر نفسه: ص45.

ص: 51

وحده وأمثاله أُعطوا الوكالة في التوحيد، ليكون هو الموحّد وغيره الكافر والمشرك، وهو منطق العاجز الضعيف.

يقول ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة) : (إنّ توحيد البعض. . . فهذا توحيدهم، وهذا إيمانهم بالرسل، ويقولون نحن ننزّهه عن الأعراض والأغراض، والأبعاض والحدود، والجهات، وحلول الحوادث، فيسمع المخدوع هذه الألفاظ، فيتوهّم منها أنّهم ينزّهون الله عمّا يفهم من معانيها عند الإطلاق من العيوب والنقائص والحاجة، فلا يشكّ أنّهم يمجّدونه ويعظّمونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ، فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل وتعطيل الربّ تعالى عمّا يستحقّ من كماله، فتنزيهه عن الأعراض هو جحد صفاته كسمعه، وبصره، وحياته، وعلمه، وكماله، وإرادته، فإنّ هذه أعراض لا تقوم إلّا بجسم) (1).

وتقرير كلامه: أنّ المنزّهة القائلين بأنّ الله تعالى لا تحلّ فيه الحوادث، وليس بمركّب من أجزاء، وليس له جهات، من يستمع إلى أقوالهم ويأخذ بها فهو مخدوع لأنّه يتصوّر بأنّهم يمجّدون الله ويعظّمونه، لأنّه بحسب رأي ابن القيم كلامهم ينطوي على الإلحاد.

والعجيب منه ومن ابن تيميّة وأمثالهما ممّن يعتقدون بأنّه لا يوجد

معصوم بعد النبيّ محمّد (ص) ، نراهم يعطون العصمة لأقوالهم وآرائهم، فمن وافقهم يكون مؤمناً، ومَن خالفهم يكون كافراً فاسقاً مُلحداً.

ومن ينزّه الله عن الجسميّة يعطّله عن كماله، ومن يقول بأنّه تعالى ليس متّصفاً بالأعراض (والأعراض زائدة على ذاته، أي زائدة على الجوهر) وليس محلاًّ للأعراض، فهو جاحد بصفات الله سبحانه وتعالى! ؟


1- الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة: ج3 ص٩34.

ص: 52

الثالث: الإمام الدارمي

له كتاب (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) ، والمريسي من أصحاب الاتّجاه الأوّل.

يقول الدارمي في كتابه: (فيُقال لك: أيّها المعارض، ما أبقيت غاية في نفي استواء العرش واستوائه إلى السماء إذ قلت: لا نقول إنّه على العرش وفي السماء بالأينيّة، ومن لم يعرف أنّ إلهه فوق عرشه، وفوق سماواته، فإنّما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إلهه في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إلهه في الأرض كان كعابد الوثن؛ لأنّ الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض) (1).

وتقرير كلامه: أنّه لابدّ من الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى مكانه في السماء، وكذلك بيته، وهو جالس فوق العرش وينزل إلى السماء، وليس إلى الأرض، وينبغي تحديده في تلك الجهة، وإلاّ إذا لم يكن معتقداً بذلك فهو يعبد الوثن.

الرابع: أبو إسماعيل الهروي

له كتاب (الأربعين في دلائل التوحيد) . إنّ ما ورد في هذا الكتاب هو عجائب وغرائب ما ذكره أصحاب هذا المنهج، ولأنّ كلّ ما ورد في الكتاب من أوّله إلى آخره هو موضع تأمّل، ويصلح شاهداً على ما نقوله، نقتصر هنا على إيراد عناوين الأبواب المذكورة فيه لكي يقف القارئ على المشهد الإجمالي لتصوّر هؤلاء لمعنى التوحيد، بل لتصوّرهم عن الله سبحانه وتعالى، والاطّلاع على هذه المعرفة التي يدّعون أنّها معرفة توحيديّة (2).

وأبواب الكتاب موزّعة على عناوين من خلالها يعرف القارئ رؤية


1- ردُّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد: ص٩5.
2- راجع كتاب الأربعين في دلائل التوحيد: الفهرست.

ص: 53

أصحاب هذا الاتّجاه، ومن هذه العناوين:

باب الدليل على أنّه تعالى في السماء، الدليل على أنّه على العرش، باب وضع الله قدمه على الكرسي - حيث يقولون بأنّ قدميه على الكرسي وعندما يمدّد رجليه تقعان على الكرسي -، باب إثبات الحدّ لله تعالى، باب إثبات الجهات لله، باب إثبات الوجه لله، باب إثبات الصورة له، باب إثبات العينين له، باب إثبات الخطّ له، باب إثبات الأصابع له، باب إثبات الضحك لله، باب إثبات القدم لله، باب الدليل على أنّ القدم هو الرِّجل، باب الهرولة لله. . . .

وفي جميع هذه الأبواب ينقل الروايات الدالّة عليها.

الخامس: القاضي الإمام أبو يعلى الفراء

هو صاحب كتاب (إبطال التأويلات لأخبار الصفات) . ينقل الفرّاء رواية وفيها: عن قتادة بن النُعمان، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول:

«إنّ الله لمّا فرغ من خلْقه - خلْق السماوات والأرض في ستّة أيّام -

استوى على عرشه، واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وقال إنّها لا تصلُحُ لبشر» .

ورواية أخرى فيها: سألت أين ربّنا؟

قال: «وهو على العرش العظيم متّكئٌ واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى» .

وقد اضطرّ محقّق الكتاب أبو عبد الله النجدي الى تضعيف كلّ الروايات التي أوردها الفرّاء، نظراً لاحتوائها على أبرز مصاديق التجسيم والتشبيه، بعد ذكر الفرّاء صحّة سندها، ومن ذلك ما قاله في تعقيبه على الرواية الثانية التي ذكرناها أعلاه: «قال أبو محمّد الخلاّل: هذا حديثٌ أسناده كلّهم ثقات، وهو مع ثقتهم على شرط الصحيحين» (1).


1- إبطال التأويلات لأخبار الصفات: ج1 ص187 و 17٩.

ص: 54

السادس: الشيخ محمّد بن صالح العثيمين

صاحب (شرح العقيدة الواسطيّة) ، وهو من المعاصرين، ومن مدرسة ابن تيميّة، يقول: (وأمّا أدلّة نفاة الرؤية العقليّة، فقالوا: لو كان الله يُرى، لزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله تعالى؛ لأنّه يستلزم التشبيه والتمثيل، والردّ عليهم: أنّه إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً؛ فليكن كذلك، لكنّنا نعلم علم اليقين أنّه لا يماثل أجسام المخلوقين) (1).

فهو يرى أنّه تعالى جسم ولكن لا كالأجسام، والسؤال للشيخ العثيمين: من يقول بأنّ هناك مماثلة في الأجسام؟ وهل برأيك أنّه تعالى له جسمٌ بطول سبعة آلاف متر، وعرض خمسة آلاف، وقدماه كلّ واحدةٍ ألف متر و. . . تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وإلاّ فما معنى القول بأنّه جسمٌ لا كالأجسام، وله أعين لا كالأعين و. . . فهذه كلّها خصائص الجسمية، ومؤدّى ذلك ثبوت التشبيه والجسميّة، وإذا لم يكن لها خصائص جسمية فالتسمية باطلة أوّلاً، وثانياً يثبت الجهل به تعالى، والنتيجة هي عدم العلم والمعرفة بالله تعالى.

السابع: اعتراضات أصحاب هذا المنهج على كتاب فتح الباري

ونعني به كتاب (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني. وفي هذا الكتاب أشار (ابن بطّال) أحد كبار شرّاح صحيح البخاري قبل ابن حجر العسقلاني إلى أنّ غرض البخاري الردّ في بعض أبواب الكتاب على أصحاب نظريّة التجسيم وتعلّقهم بالظواهر، وينقل ابن حجر أيضاً عنه أنّه كان بصدد إبطال نظريّة المجسّمة.


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ج1 ص458.

ص: 55

وعلى كلّ حال فقد ذكر ابن بطّال في شرحه لصحيح البخاري أموراً لا تتوافق مع أصحاب نظريّة التجسيم ليردّوا على ما ورد في كلمات البخاري وابن بطّال وابن حجر، وألّفوا في ذلك كتباً عديدة منها كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري) الذي وافق عليه جمعٌ غفير من أصحاب منهج التجسيم، ولا سيّما المعاصرين منهم من أمثال: الشيخ عبد العزيز بن باز المفتي العامّ ورئيس هيئة كبار العلماء في السعوديّة، و الشيخ صالح بن فوزان الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبار العلماء، والشيخ عبد الله بن سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء، والشيخ عبد الله بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى سابقاً، والشيخ عبد الله بن محمّد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا والمدرّس بالمسجد النبوي سابقاً.

فهؤلاء جميعاً كتبوا في مقدّمة الكتاب المذكور ما يدعم ويشيد بكلّ ما ورد فيه من مضامين.

ولأجل أن يقف القارئ الكريم على بعض ما ورد من اعتراضات لأهل التجسيم على كتاب فتح الباري، نشير إلى موارد عديدة من هذه الاعتراضات، ومنها:

المورد الأوّل : يقول ابن بطّال: (وقد تقرّر أنّ الله ليس بجسم فلا يحتاج إلى مكان يستقرّ فيه، فقد كان ولا مكان. . . ومعنى الارتفاع إليه اعتلاؤه مع تنزيهه عن المكان) (1).

وفي كلامه ردٌّ على من قال بأنّ الله يحتاج إلى مكان؛ لأنّ لازم ذلك أن يكون له جسم، وهو سبحانه موجودٌ قبل المكان، والمكان مخلوق من مخلوقاته.

وكما ذكرنا فإنّ ابن حجر وافق على هذا الكلام، ولم يبطله، ولكن ابن


1- فتح الباري: ج13 ص513، كتاب التوحيد، باب: 23، ح742٩- 7433.

ص: 56

بطّال لم يسلم من النقد الوارد في كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري) والمؤيّد من قبل العلماء الذين أوردنا أسماءهم، فكان التعليق على كلامه بما يلي:

(هذا النقل عن ابن بطّال - عفا الله عنه - فيه منكرات: منها نفي الجسميّة والاستقرار في مكان، عن الله، وهو نفي لم يرد في الكتاب والسُّنّة. . . ودعوى تنزيه الله عن المكان يرمي منها - أي ابن بطّال - نفي استواء الله على العرش، وهو ليس بسديد، بل الله مستوٍ على العرش حقيقةً كما ذكر الله وذكره رسوله (ص) من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل. . .) ، ففي نظرهم أنّ ابن بطّال وقع في الخطأ والذنب لنفيه الجسميّة والاستقرار لله في مكان، بل اعتبروه صاحب بدعة لأنّ نفيه لم يرِد في كتابٍ ولا سُنّة.

المورد الثاني : أورد في فتح الباري رواية منقولة عن البخاري وفيها:

(فيأتيهم الله في صورة، استدلّ ابن قتيبة بذكر الصورة على أنّ لله صورة لا كالصور، كما ثبت أنّه شيء لا كالأشياء وتعقّبوه. وقال ابن بطّال: تمسّك به

المجسّمة فأثبتوا لله صورة، ولا حجّة لهم فيه؛ لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلاً على معرفته، كما يسمّى الدليل والعلامة صورة، وكما تقول: صورة حديثك كذا، وصورة الأمر كذا، والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقةً. . .) (1).

وعلّق الشيخ علي بن عبد العزيز بن علي على هذا الكلام، ووافقه العلماء فقال: (. . . هذا تمحّل من ابن بطّال ونبزٌ لأهل السُّنّة والجماعة وللسلف الصالح بالجسميّة، لأنّهم يثبتون لله عزّ وجلّ صورة حقيقيّة تليق بجلاله


1- راجع هذه المطالب في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج13 ص526- 527، كتاب التوحيد، باب: 24، ح7434 و 7447.

ص: 57

وعظمته، لا تقتضي مماثلة صور المخلوقين البتّة، كما وصفه بذلك رسوله (ص) في هذا الحديث وغيره كحديث معاذ: رأيت ربّي في أحسن صورة. . .) (1).

ونحن نقول: إنّ هذا الحديث من المؤكّد أنّه كذبٌ على رسول الله (ص) .

المورد الثالث : يقول في فتح الباري تعليقاً على الاختلاف الموجود بين المجسّمة في قضيّة رؤية الله:

(فمنهم من يرى بأنّ الله يُرى يوم القيامة بالعين المجرّدة والباصرة، وبعضهم يقول بأنّه يُرى في جهة معيّنة إمّا في اليمين أو في اليسار، وإمّا في الأعلى أو في الأسفل. . . وبعضهم يقول بأنّه يرى لا في جهة هرباً من محذور التجسيم، يقول ابن بطّال: ذهب أهل السنّة وجمهور الأمّة إلى جواز رؤية الله في الآخرة. . . وما تمسّكوا به فاسد. . .) (2).

ويعلّق هؤلاء الأعلام في كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري) بقلم علي بن عبد العزيز بن علي، بعد العبارة المتقدّمة بالقول: (الحقّ أنّ الله عزّ وجلّ يُرى في الآخرة بالأبصار. . . ونفي الجهة في الرؤية باطل، إذ لا رؤية إلّا في جهة، وهو سبحانه يُرى وهو في علوّه، يرونه من فوقهم كما نرى الشمس والقمر من فوقنا، فالتشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي فافطن. ويراه المؤمنون بلا كيف) (3).

وهل يوجد تشبيه أكثر من هذا التشبيه؟ ! وهل تنحلّ المشكلة ونخرج من محذور التجسيم بمجرّد القول أنّه جسم لا كالأجسام ولا كالكيفيّات؟ ! .

فهؤلاء الذين ينادون بأعلى أصواتهم أنّهم أهل التوحيد، هل هذا هو


1- المصدر السابق.
2- المصدر السابق.
3- المصدر السابق.

ص: 58

توحيدهم؟ وهل هذا ما يدعون إليه؟ وهل هذا إلّا توحيد التجسيم، وتوحيد التشبيه، وتوحيد الصورة، وتوحيد المكان، والجهة، والاستلقاء، ووضع الرجل اليمنى على اليسرى؟ هل هذا هو معبودهم؟

المورد الرابع : قال ابن بطّال في فتح الباري: (تضمّنت ترجمة الباب أنّ الله ليس بجسم لأنّ الجسم مركّب من أشياء مؤلّفة) ويوافق ابن حجر على هذا الكلام ولا يردّه.

وفي تعليق علي بن عبد العزيز بتأييد كبار علماء المدرسة السلفيّة أو مدرسة ابن تيميّة أو أتباع محمّد بن عبد الوهّاب، يقول بعد أن يذكر كلام ابن بطّال: (هذا النفي للجسم عن الله نفيٌ محدثٌ بدعيٌّ لم تنطق به النصوص الشرعيّة، ولا يجوز استعماله في حقّه سبحانه) (1).

فبحسب رأي هؤلاء أنّ من نفى الجسميّة عن الله تعالى بهذه الطريقة فهو صاحب بدعة، وليس من حقّ أحد نفي هذه الجسميّة.

وعدم نفيهم للتركيب يستلزم أن يوجد له تعالى أجزاء، وهذا ينافي الغنى الذاتي! ! ونلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّنا وإن اقتصرنا على هذه الموارد، لكن ذلك من باب إيراد بعض الأمثلة، وإلّا فالكتاب يحتوي على مجموعة كبيرة من هذه الموارد التي لا حاجة لذكرها.

فتاوى التكفير في مسألة التجسيم

إنّ الأمانة العلميّة تقتضي من أصحاب الرأي والاجتهاد أن يحترموا الرأي الآخر واجتهاد من خالفهم، ولكنّنا مع الأسف الشديد نرى أنّ هذه المدرسة التي بدأت مع ابن تيميّة، وربما قبل ذلك، وترسّخت في زماننا على


1- المصدر نفسه، كتاب التوحيد، باب 1، ح7371 و 7375.

ص: 59

أيدي أتباع هذا المنهج الذي ينتمي في حقيقته إلى الهوى الأمويّ القائم على أساس إقصاء الآخر والقضاء عليه، نراهم يصرّحون بتكفير كلّ من خالفهم ولم يوافقهم في مسألة معرفة الله والتجسيم والتشبيه، ونسبتهم إلى البدع وإلى الكفر والارتداد، ولهذا نجدهم في فتاواهم يحكمون على من لا يتّفق معهم في توحيد الأسماء والصفات بأنّه مرتدّ وكافر. ولا تنحصر أحكامهم ضدّ الشيعة الإثني عشريّة فحسب، بل تشمل حتّى الأشاعرة؛ حيث يعتبرونهم بأنّهم ليسوا من أهل السنّة والجماعة، مع العلم بأنّ عموم المسلمين يتّبعون منهج أبي الحسن الأشعري، وكذلك الماتردية والمتكلّمين.

ومن الموارد التكفيريّة للمسلمين التي وردت في كلمات أتباع هذا المنهج نذكر:

المورد الأوّل : ورد في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء التي جمعها ورتّبها أحمد بن عبد الرزّاق الدويش في جواب عن هذا السؤال: (كيف الردّ على القائلين بأنّ الله في كلّ مكان، تعالى عن ذلك، وما هو حكم قائلها؟) . يقول في الجواب: (من اعتقد أنّ الله في كلّ مكان فهو من الحلوليّة ويرد عليه بما تقدّم. . . فإن انقاد لما دلّ عليه الكتاب والسُّنّة والإجماع، وإلّا فهو كافرٌ مرتدّ عن الإسلام) .

ثمّ قال: (على أنّ الله في جهة العلوّ وأنّه مستوٍ على عرشه بائن من خلقه، فإن إنقاد وإلّا فهو كافرٌ مرتدّ عن الإسلام) .

ووقّع على هذه الفتوى: عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، وعبد الرزّاق عفيفي، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز، لأنّ هؤلاء هم أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء (1).


1- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء: ج3 ص15٩-16٠، العقيدة - دفع شبهة الحلول - الفتوى رقم: 5213.

ص: 60

المورد الثاني : ورد في كتاب (مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيمين) : (أنّه سُئل فضيلة الشيخ عن قول بعض الناس: إذا سُئل أين الله؟ قال: الله في كلّ مكان، أو موجود، فهل هذه الإجابة صحيحة على إطلاقها؟

فأجاب: هذه إجابة باطلة لا على إطلاقها ولا تقييدها، فإذا سئل أين الله؟ فليقل في السماء. . . وأمّا من قال: «موجود» فقط، فهذا حيدٌ عن الجواب ومراوغة منه، وأمّا من قال: «إنّ الله في كلّ مكان» وأراد بذاته، فهذا كفر. . .) (1).

إذا كان هذا اجتهاده وفهمه للنصوص، فهل اجتهاده فقط حجّة، وهل هو معصوم عن الخطأ لمجرّد أنّه من أتباع ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب؟ ولماذا لا يكون فهم الآخرين أيضاً حجّة؟ ولماذا فهمه توحيد وفهم غيره شرك وكفر؟

المورد الثالث : صرّح أصحاب هذا المنهج التكفيري في (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء) بأنّ الذي يمثّل أهل السُّنّة والجماعة هو ابن تيميّة وأتباعه، وغيرهم ضالٌّ مضلّ.

فقد ورد سؤال في الكتاب: (يقول الناس: إنّ ابن تيميّة ليس من أهل السُّنّة والجماعة، وأنّه ضالٌّ مضلّ، وعليه ابن حجر وغيره. . . ، وهل قولهم صدقٌ أم لا؟) .

وفي الجواب: (إنّ الشيخ أحمد بن عبد الحليم بن تيميّة إمام من أئمّة أهل السُّنّة والجماعة، يدعو إلى الحقّ وإلى الطريق المستقيم، قد نصر الله به السُّنّة


1- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين: ج1 ص132-133، الفتوى: 55.

ص: 61

وقمع به أهل البدعة والزيغ، ومن حكم عليه بغير ذلك فهو المبتدع الضالّ المضلّ، قد عُميت عليهم الأنباء فظنّوا الحقّ باطلاً، والباطل حقّاً، يعرف ذلك من أنار الله بصيرته وقرأ كتبه وكتب خصومه وقارن بين سيرته وسيرتهم، وهذا خير شاهدٍ وفاصل بين الفريقين) .

ووقّع على هذه الفتوى جميع الأعلام، لأنّهم يرون أنّ من حقّهم أن يتّهموا الآخرين بالكفر والبدعة، وأنّهم أصحاب الحقوق الحصريّة في اتّباع الحقّ دون سواهم (1).

المورد الرابع : من الموارد التي اعتبر فيها أصحاب هذا المنهج أنّهم وحدهم يمثّلون أهل السُّنّة والجماعة ما ورد في كتاب (شرح العقيدة الواسطيّة) لمحمّد بن صالح العثيمين، وفيه: (فإذا سألنا: من هم أهل السنّة والجماعة؟ فنقول: هم المتمسّكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب، وهذا التعريف من شيخ الإسلام ابن تيميّة يقتضي أنّ الأشاعرة والماتريديّة ونحوهم ليسوا من أهل السُّنّة والجماعة لأنّ تمسّكهم مشوب بما أدخلوا فيه من البدع، وهذا هو الصحيح؛ أنّه لا يعدّ الأشاعرة والماتردية فيما ذهبوا إليه في أسماء الله وصفاته من أهل السنّة والجماعة) (2).

ولمجرّد أنّ الأشاعرة وغيرهم لم يقولوا بالتجسيم ولا بالتشبيه، ولم يقولوا بما قاله ابن تيميّة وأتباعه، صاروا من أهل البدع!

المورد الخامس : بالإضافة إلى التُّهَم السابقة من البدعة والكفر والارتداد، هناك تهمة أضافوها - وهي تهمة الشرك - لعموم علماء المسلمين ممّن خالفهم الرأي في الصفات.


1- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء: ج2 ص173، الفتوى رقم: ٩٠27.
2- شرح العقيدة الواسطيّة: ج2 ص372.

ص: 62

ومن ذلك ما ورد في كتاب (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والردّ على أهل الشرك والإلحاد) للدكتور صالح الفوزان، الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء في السعوديّة، يقول: (ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه، يقرأها المسلمون ويتدارسونها ويفهمون معناها ولا ينكرون منها شيئاً، وإنّما ينكرها المبتدعة من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة الذين ساروا على منهج مشركي قريش) (1).

وقد رتّبوا على ذلك أنّ من قال بأنّ الله في كلّ مكان، فالصلاة خلفه باطلة. وهذا ما ورد في (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء)

جمع وترتيب أحمد الدويش.

يقول في الفتوى رقم: 6825 (الصلاة خلف الحلوليّة) وهو سؤال عن صلاة الجماعة خلف من يعتقد بالحلوليّة، وأنّ الله في كلّ مكان، وفي الجواب يقول: (إنّهم كفّار ولا تجوز الصلاة خلفهم ولا تصحّ) (2).

فهؤلاء أضافوا إلى شروط إمام الجماعة شرطاً جديداً، وهو كونه من غير القائلين بالحلوليّة.

أتباع ابن تيمية والخلاف مع ابن حجر

يُعتبر ابن حجر في مبانيه الفكريّة من نفس المدرسة التي ابتدعها أصحاب المنهج السلفي، ولكنّه اختلف معهم في بعض المسائل كالتجسيم والتشبيه، وهذا ما دعاهم إلى التشنيع عليه وكَيْل الاتّهامات ضدّه.

وأيضاً لم يسلَم هؤلاء من تقريع ابن حجر في اعتباره أنّ الذي يمثّل أهل


1- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص144.
2- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء: ج7 ص361، رقم: 2.

ص: 63

السنّة والجماعة أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتردي. . . .

ففي كتاب (المنح المكيّة في شرح الهمزية) لشهاب الدِّين ابن حجر الهيتمي وفي ذيل هذا البيت من الشعر:

لم تخف بعدك الضلالة وفيها وارثو نور هديك العلماء

إلى أن يقول: (وهؤلاء العلماء الذين هم أهل السنّة والجماعة وهم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتردي. . . وذلك كما أخبرتنا به بقولك في

الأحاديث الصحيحة) (1).

ويتابع ابن حجر الهيتمي هجومه على ابن تيميّة وأتباعه في كتابه (الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم) المتضمّن لبحث قيّم حول قصد زيارة قبر النبيّ (ص) والردّ على ابن تيميّة الذي يحرّم مثل هذه الزيارة واعتبارها معصية، ويجب على الزائر أن يتمّ الصلاة.

يقول ابن حجر: (وأمّا تخيّل بعض المحرومين أنّ منع الزيارة أو السفر إليها من باب المحافظة على التوحيد وأنّ فعلها ممّا يؤدّي إلى الشرك، فهو تخيّلٌ باطل دالّ على غباوة متخيّله وخباله. . . فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق (2)على مشروعيّة الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيميّة من متأخّري الحنابلة منكرٌ لمشروعيّة ذلك كلّه كما رآه السبكي في خطّه وأطال [ابن تيميّة] في الاستدلال لذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر عنه الطِّباع، بل زعم حرمة السفر إليها إجماعاً، وأنّه لا تقصر فيها الصلاة، وأنّ جميع الأحاديث


1- المنح المكيّة في شرح الهمزية: ص664.
2- لأنّ ابن حجر يدّعي إجماع المسلمين على أنّ الزيارة أمرٌ مرغوبٌ به وحثّ الإسلام والنبيّ (ص) عليها، وادّعى الإجماع على ذلك.

ص: 64

الواردة فيها موضوعة وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه) .

كان هذا كلاماً للسبكي، ويعلّق عليه ابن حجر الهيتمي، فيقول: (قلت: مَن هو ابن تيميّة حتّى يُنظر إليه، أو يعوّل في شيء من أمور الدِّين عليه؟ وهل هو إلّا كما قال جماعة من الأئمّة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتّى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوصافه وغلطاته إلَّا عبدٌ أضلّه الله وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوّأه من قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان) (1).

وفي مقابل ذلك فقد حمل أتباع منهج ابن تيمية حملة شنيعة على ابن حجر ونعتوه بأوصافٍ مختلفة، ومن ذلك نذكر ما يلي:

الأوّل : يقول محمّد فؤاد عبد الباقي في مقدّمة تحقيقه لكتاب (هدي الساري مقدّمة فتح الباري) لابن حجر العسقلاني: (وقد أُوتي - أي ابن حجر (رحمه الله) - في كثرة بحوثه وتنوّعها وضخامة الكتاب وجلالة المهمّة، كما أنّه خفي عليه بعض مذهب أهل السنّة، في الصفات والقدر فقلّد غيره فوقع في ما وقع فيه، وأبرأ إلى الله أن أظنّ فيه أنّه قصد مخالفة الحقّ، ولم يتيسّر له من علماء السنّة والجماعة المحضة من ينشئه على العقيدة السلفيّة الصحيحة ويوقفه على وضوحها ودقائقها، وهذا قدر الله وما شاء فعل، والحمد لله، وبهذا أعلن أنّي لا أبيح أحداً اتّخذ من هذه التنبيهات مطعناً على الحافظ أو أنقص بها من دينه وقدره أو سخّرها سهماً في تكفيره أو تبديعه وما هي إلّا نصح للحافظ وكتابه) (2).

فلأنّ الحافظ ابن حجر خفي عليه بعض مذهب ابن تيميّة في الصفات، ولم يتوفّر له أحد علماء المذهب كمحمّد بن عبد الوهّاب حتّى يعلّمه


1- الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم: ص56.
2- هدى الساري مقدّمة فتح الباري: ص1٠٠.

ص: 65

ويرشده، يطعنون عليه ويتّهمونه، ومن هنا لا نستغرب اتّهاماتهم وهجومهم على أتباع مذهب أهل البيت (ع) .

ولم يقبلوا منه ردّه لبعض الأحاديث التي تفيد التجسيم، كالذي ورد في كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري) تعليقاً على ما قاله ابن حجر: (حديث عمر هذا يرد على من قال إنّ الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده، ومعاذ الله أن يكون لله جارحة) . وهنا يعلّق علي بن عبد العزيز بن علي وبموافقة الشيخ ابن باز بالقول: (نفي الجارحة عن الله من النفي المجمل الذي لم يرد به دليلٌ شرعي، والاستفصال فيه إن كان المراد بالجارحة كما للمخلوق نعم، وإن كان المراد بنفي الجارحة نفي اليد عن الله فكلامٌ باطل) (1). فالله تعالى بزعمه له يد حقيقيّة، ولهذا أنكر على ابن حجر نفي الجسميّة عنه تعالى.

الثاني : ورد في كتاب (مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة) والذي يتضمّن مجموعة من الاستفتاءات استفتي بها ابن باز وأمثاله، وقد جمعه ورتّبه وأشرف عليه الدكتور محمّد بن سعد الشويعر، وممّا جاء في بعض الإستفتاءات: (السؤال الرابع: سائلٌ يقول هناك من يحذّر من كتب الإمام النووي وابن حجر ويقول إنّهما ليسا من أهل السنّة والجماعة، فما الصحيح في ذلك؟) .

وفي الجواب يقول: (لهم أشياء غلطوا فيها في الصفات ليسوا فيها من أهل السنّة، وهم من أهل السنة فيما سلّموا فيه ولم يحرّفوه هم وأمثالهم ممّن غلط) (2).

فمن وافقهم في رؤيتهم التجسيميّة اعتبروه من أهل السنّة والجماعة، أمّا


1- التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري: ج3 ص584.
2- مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة: ج28 ص47.

ص: 66

من لم يوافقهم فحتى لو كان من كبار أعلامهم فعلى الفور يُعتبر ويُصنّف على أنّه من أهل البدعة والشرك والكفر.

الثالث : في كتاب (الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة) وهو إجابات الشيخ صالح بن فوزان عبد الله الفوزان، جمعه وعلّق عليه وخرّج

أحاديثه جمال بن فريحان الحارثي، وفيه سؤال لا يختصّ بابن حجر فقط، بل يتوسّع الأمر لمجموعة من الأعلام، وجاء في السؤال: (بعض الناس يبدّع بعض الأئمّة كابن حجر والنووي وابن حزم والشوكاني والبيهقي، فهل قولهم هذا صحيح؟)

والسؤال صريح عن كون هؤلاء من أهل البدعة أم لا؟ وفي الجواب: (لقد نبتت نابتة تدّعي السلفيّة. . . فأصبح همّهم التنقيب عن هفوات الأئمّة الكبار. . . نعم، لقد وقع ابن حجر والنووي في بعض أخطاء الأشعريّة، ونبّه على ذلك العلماء، وتعليقات الإمام ابن باز على فتح الباري معروفة مشهورة، ولكن لا نجعل من هذه الأخطاء مجالاً للتشهير بهم وابتداء المجالس بذمّهم) (1).

إذن تبيّن أنّ بعض السلفيّة كانوا يبدأون المجالس بذمّ أهل البدعة أمثال ابن حجر والنووي وابن حزم والشوكاني والبيهقي لأنّهم لم يتّفقوا مع ابن تيميّة في مسألة الصفات.

ثمّ قال في تتمّة الجواب: (مع أنّهم لم يكن ديدنهم البدعة بل إنّهم نصروا السنّة وحقّقوا. . . ومع هذا فإنّنا نقول وسبق أن قلنا إنّ الخطأ والمخالفة لا يُسكَت عنها بل تُبيّن حسب مقتضى الحال والمقام، ومع هذا فإنّ الترحّم على


1- الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة: ص2٠٠.

ص: 67

أهل البدع جائز ما داموا في دائرة الإسلام ولا دليل على المنع) .

وهنا نرى أنّ الترحّم على مثل هؤلاء جائز وإن كانوا من أهل البدع، أمّا عندما تصل القضيّة إلى أتباع أهل البيت (ع) فمجرّد اتّهامهم بأهل البدع لا يبقي مجالاً عندهم للترحّم عليهم.

ولم تقف القضيّة عند هذا الحدّ، بل إنّهم لم يوفّروا كبار علماء السلفيّة المحدثين من افتراءاتهم واتّهاماتهم لمجرّد الاختلاف معهم في مسألة الصفات في بعض الموارد، كالعلاّمة شعيب الأرناؤوط الموافق للإمام النووي، فقد اتُّهم بألف اتّهام من أتباع ابن تيميّة والسلفيّة، ففي كتاب (استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات) بقلم خالد بن عبد الرحمن بن حمد الشايع وتعليق الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المُفتي العامّ للمملكة العربيّة السعوديّة، يقول في مقدّمة هذا الكتاب عن الشيخ الأرنؤوط: (إنّ الشيخ شعيب الأرنؤوط قد قرّر في بعض تعليقاته عقيدة الأشاعرة في باب الأسماء والصفات. . .) ثمّ يقول: (إنّني في هذه الرسالة لم أُرد الاستقصاء بذكر جميع تلك الأخطاء. . .) (1).

والمتابعة الدقيقة لكلام الأرناؤوط تفيد أنّه لم يفعل شيئاً سوى أنّه خالف ابن تيميّة في بعض موارد الصفات.

وها هو العلاّمة الألباني أحد أعلام السلفيّة المحدثة يتابع على هذا المنوال ويقول عن علماء الأزهر المخالفين لمنهج ابن تيميّة: (إنّ راعية غنم في صدر الإسلام تعرف التوحيد، وكبار شيوخ الأزهر لا يعرفون ذلك) .

وبهذا يتّضح أنّ المدرسة السلفيّة ومدرسة ابن تيميّة ومن سار في هذا


1- استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات: ص٩-1٠.

ص: 68

الاتّجاه، ليس هو اتّجاه أهل السنّة والجماعة، وإلاّ هل يوجد شكّ أنّ مدرسة الأزهر وعلماءها هي مدرسة أهل السنّة والجماعة، ولهم ذلك التاريخ الطويل، وتلك الزعامة والريادة للعالم الإسلامي.

أمّا كلام الألباني المتقدّم ذكره فقد ورد في كتابه (سلسلة قضايا عقديّة، التوحيد أوّلاً يا دعاة الإسلام) حيث قال: (. . . ويقرب هذا حديث الجارية وهي راعية غنم، وهو مشهورٌ معروف - والشاهد في الحديث - حينما سألها رسول الله (ص) أين الله؟ قالت له: في السماء. . . لو سألت اليوم كبار شيوخ الأزهر مثلاً: أين الله؟ لقالوا لك: في كلّ مكان) (1).

فكبار علماء الأزهر بحسب هذا الكلام من المعتقدين بالحلوليّة، وإذا كانوا من أهل الحلوليّة فهم أهل البدعة والكفر من وجهة نظر الألباني.

والشاهد على ذلك ما ذكرناه سابقاً في فتاوى اللجنة الدائمة، في جواب عن سؤال (كيف الردّ على القائلين بأنّ الله في كلّ مكان، وما هو حكم قائلها؟) وفي الجواب: (من اعتقد أنّ الله في كلّ مكان فهو من الحلوليّة، فإن انقاد لما دلّ عليه الكتاب السنّة والإجماع وإلاّ فهو كافرٌ مرتدّ عن الإسلام) .

فالجارية إذن أعلم من كبار علماء الأزهر في مجال التوحيد، ولذا يتابع الألباني القول: (بينما الجارية أجابت بأنّه في السماء، وأقرّها النبيّ (ص) لأنّها أجابت على الفطرة، وكانت تعيش بما نسمّيه بتعبيرنا العصري بالسلفيّة، لم تتلوّث بأيّ بيئة سيّئة لأنّها تخرّجت من مدرسة الرسول (ص) . . .) .


1- التوحيد أوّلاً يا دعاة الإسلام: ص22.

ص: 69

(4) معرفة الصفات الإلهية وموقف المدارس الإسلامية منها

اشارة

معرفة الصفات ومدرسة التجسيم

الصفات الإلهية والمفاهيم المادّية

ثلاث اتجاهات في الصفات

المشبّهة

المعطّلة

إمكان المعرفة

ص: 70

ص: 71

معرفة الصفات ومدرسة التجسيم

معرفة الصفات ومدرسة التجسيم (1)

لقد نشبت معركة كبيرة في حياة المسلمين حول صفات الله سبحانه وتعالى أدّت إلى توزّعهم لمدارس واتّجاهات متعدّدة ربّما كان أشهرها الاتّجاه الاعتزالي والأشعري والإمامي، ومحلّ النزاع الأساسي بين هذه المدارس والاتّجاهات الكلاميّة المتعدّدة، هو: هل هناك صفة ذاتيّة لله تعالى؟

في الإجابة عن هذا السؤال يمكن رصد الاتّجاهات التالية:

الأوّل : اتّجاه أنكر اتّصاف الذات الإلهيّة بالصفات، وهم المعتزلة، فمذهب هؤلاء في صفة العلم كمثال: أنّ الله سبحانه ليس بعالم ولكن فعله فعل العالم، ومن ثمّ فهو (عالمٌ لا بعلم) .

إنّ الذي أدّى بالمعتزلة إلى هذا الطريق الوعر هو مشكلات علميّة لم يستطيعوا حلّها. فالبحث العقلي الذي سلكوه بلغ بهم هذه التخوم، مع أنّه كان فيهم من انتبه إلى عدم إمكان الالتزام بذلك وتجريد الذات الإلهيّة عن صفاتها.

لقد انتهى المعتزلة إلى نظريّة نيابة الذات عن الصفات، التي تعني أنّ الله تعالى لا يملك الصفة وإنّما ذاته سبحانه هي التي تقوم مقام الصفة.

الثاني : اتّجاه ذهب إلى أنّ لله سبحانه صفات ذات، لكنّها حادثة ليست قديمة. معنى ذلك في صفة العلم - كمثال - أنّ الله لم يكن عالماً ثمّ صار عالماً،


1- هذا البحث مقتطف من أبحاثنا في التوحيد، انظر التوحيد، بحوث تحليليّة في مراتبه ومعطياته، السيّد كمال الحيدري، بقلم جواد كسّار: ج1 ص161 وما بعدها.

ص: 72

وهذه نظريّة الكراميّة.

الثالث : لقد تقدّم النزاع النظري خطوة إلى الأمام مع هذا الاتّجاه بإثبات الصفات الذاتيّة لله سبحانه، لكن وقع الاختلاف هذه المرّة في أنّ هذه الصفات أهي شيء غير الموصوف أم هي عين ذاته؟

اختار فريق من علماء المسلمين أنّ صفات الله الذاتيّة هي شيء غير ذاته، لأنّ الصفة غير الموصوف، وهذه نظريّة الأشاعرة.

الرابع : هو الذي اختار إثبات الصفات الذاتيّة لله سحبانه وأنّ هذه الصفات هي عين الذات، وهذه نظريّة الشيعة الإماميّة الإثني عشريّة.

الصفات الإلهية والمفاهيم المادّية المحدودة

من الحقائق الثابتة التي أكّدتها مدرسة الشيعة الإماميّة: مسألتان أساسيّتان:

الأُولى : عدم إمكان معرفة الذات الإلهيّة بما هي هي، لأنّ اكتناه الذات أمرٌ غير معقول، كما يعبّر عن ذلك الأدب التوحيدي، بعكس الموجودات الإمكانيّة التي يمكن معرفة حقائقها على ما هي وإن كان متعسّراً، كما في حال الإنسان، والشجر، وغير ذلك.

الثانية : أنّ طريق معرفة الله سبحانه يمرّ عبر خيار وحيد هو الأسماء والصفات.

في ضوء ذلك سيبرز ضربٌ من الالتباس بين ما تفضي به الحقيقتان المذكورتان آنفاً وبين الإدراك الإنساني لهذه المفاهيم.

فأهمّ خصوصيّتين تتّسم بهما الصفات مثل الحياة والعلم والسمع، أنّها مستمدّة من مصداق مادّي، وأنّها محدودة، ومن ثمّ ستكون الإشكاليّة:

ص: 73

كيف يوصَف الله سبحانه بمثل هذه المفاهيم على محدوديّتها وما تحمله من خصائص ماديّة؟

يسوق باحث متخصّص بالقواعد الفلسفيّة في الفلسفة الإسلاميّة الكلامَ عن هذه الجهة بقوله: (الآن ينبثق هذا السؤال: إذا كانت ذات واجب الوجود المقدّسة لا تشترك مع أيّ شيء في أيّ أمرٍ من الأمور، فكيف يتمّ تفسير إطلاق المفاهيم العامّة بشأن ذات الحقّ تبارك وتعالى وسائر الموجودات الأُخر؟) (1).

أمّا السيّد محمّد حسين الطباطبائي فيطلّ على الإشكاليّة ذاتها في بحث تحليليّ يسوقه حول ظاهرة عبادة الأصنام في الحياة الانسانية. فالإنسان عاش منذ بداية الخليقة مطمئنّاً إلى الحسّ، قد ارتبط به برباط وثيق، وألِفَه كما يألَف أقرب الأشياء إليه.

لقد ألقت هذه النزعة الحسيّة العميقة في الإنسان ظِلالها على معقولاته حتّى تخطّت الدائرة الطبيعيّة حينما صار الإدراك الإنساني يقحم الحسّ فيما لا طريق للحسّ إليه مطلقاً.

يقول الطباطبائي في توضيح هذه الحالة: (إنّ مزاولة الإنسان للحسّ والمحسوس مدى حياته وانكبابه على المادّة وإخلاده إلى الأرض، عوَّده أن يمثّل كلّ ما يعقله ويتصوّره تمثيلاً حسيّاً، وإنْ كان ممّا لا طريق للحسّ والخيال إليه البتّة، كالكليّات والحقائق المنزّهة عن المادّة) (2).

ثمّ راح يعرض لآثار هذه النزعة الحسيّة وما تفضي إليه من خلط نظريّ ومشكلات عمليّة حتّى داخل نسق الثقافة التوحيديّة وفي صفوف الموحّدين


1- القواعد الفلسفيّة الكليّة في الفلسفة الإسلاميّة: ج3 ص461-462.
2- الميزان في تفسير القرآن: ج1٠ ص272.

ص: 74

وسلوكهم، كما يكشف عن ذلك تأريخ الأديان، حيث تُصَوِّر بعضُ أنساق هذه الثقافة القدرةَ الكائنة وراء هذا الوجود تصوّراً حسيّاً على شاكلة الإنسان ذاته، بيدَ أنّها أقدر وأعظم (1).

ثلاثة اتجاهات في الصفات

انكبّ الفكر التوحيدي على معالجة هذا الالتباس بتقديم عدد من الإجابات، بحيث يمكن فرز ثلاثة اتّجاهات كلاميّة ساهمت بتقديم تكييفات نظريّة حول إشكاليّة إطلاق المفاهيم الماديّة المحدودة إزاء الواجب سبحانه.

هذه الاتّجاهات هي:

الأوّل : المشبّهة، ويُطلق عليهم أيضاً المجسّمة والحشويّة وغير ذلك.

الثاني : المعطّلة.

الثالث : إمكان المعرفة بوجهٍ، لا من جميع الوجوه.

النظرية الأولى: المشبّهة

تتلخّص نظريّة المشبّهة في أنّ المفهوم يصدق على الواجب وعلى الممكن سواءً بسواء. فالله - في زعمهم - يسمع بأُذنين، ويُبصِر بعينين وهكذا؛ قياساً للواجب المطلق بالإنسان المحدود وتشبيهاً له به.

في الأدبيّات المختصّة بالملل والنحل، يُعرف هؤلاء بالمجسّمة والحشويّة.


1- من طريف ما يسوقه الطباطبائي في هذا المجال التصوّر النفسي - الذي يتخيّله بعض الموحّدين - لله؛ يقول: «كثيراً ما حكاه في نفسه بصورة إنسان فوق السماوات جالس على عرش الملك، يدبّر أمر العالم بالتفكّر، ويتمّمه بالإرادة والمشيئة والأمر والنهي، وقد صرّحت التوراة الموجودة بأنّ الله سبحانه كذلك، وأنّه تعالى خلق الإنسان على صورته. وظاهر الأناجيل أيضاً ذلك» . ينظر: الميزان: ج1٠ ص273.

ص: 75

يقول الشهرستاني عنهم: (أمّا مُشبِّهة الحشويّة فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدُّنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حَدّ الإخلاص) (1).

ثمّ يستفيض السبحاني في الحديث عنهم في موضعٍ آخر معزّزاً ما يذكره بنصوص مكثّفة من كتب الفِرق والملل والنحل، حيث يلخّص رؤيتهم في الصفات على نحوٍ أوضح بقوله: (وهو إجراؤها - الصفات - على الله سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس من دون أيّ تصرّف فيها. وهو قول المشبّهة) (2).

بعدئذٍ يكشف عن مكوّنات هذه النظريّة بعدد من النصوص التوضيحيّة؛ منها: (حكى الكعبي عن بعضهم أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدُّنيا، وأنّهم يزورونه ويزورهم.

وحُكي عن داود الجورابي أنّه قال: اعفوني عن الفرج واللّحية، واسألوني عمّا وراء ذلك. وقال: إنّ معبوده جسمٌ ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يدٍ ورِجل ورأس ولسان وعينان، وأُذنان، وهو مع ذلك جسمٌ لا كالأجسام، ولحمٌ لا كاللحوم، ودمٌ لا كالدِّماء. وكذلك سائر الصفات، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء.

وحُكي عنه أنّه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأنّ له وفرة سوداء وله شعر قطط!

وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقيّة وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها، أعني ما يُفهم عند


1- الملل والنحل، الشهرستاني: ج1 ص1٠5، نقلاً من السبحاني، المصدر السابق.
2- بحوث في الملل والنحل، دراسة موضوعيّة مقارنة للمذاهب الإسلاميّة: ج2 ص٩3.

ص: 76

إطلاق هذه الألفاظ على الأجسام. . . وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طِباع) (1).

مناقشة المشبهّة

تنطلق مناقشة هذا القول من مستويين عقليّ ونقليّ. يرتكز البُعد العقلي على مبدأ الوحدة غير العدديّة التي ثبتت للمولى سبحانه في التوحيد الذاتي. فمقتضى تلك الوحدة أنّ الله سبحانه لا يمكن أن يكون محدوداً، فضلاً عن أن يكون جسماً. وقد مرَّ البحث تفصيلاً.

أمّا من جهة الدليل النقلي الذي يناهض هذا الفهم، فثمَّ كثرة من الآيات والروايات التي تدحضه صراحةً، نظير قوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (الشورى: 11) ، وقوله: لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الأنعام: 1٠3 .

ومن الحديث الشريف قول الإمام عليّ (ع) :

«كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوْهامهم، وجزّأُوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم. وأشهد أنّ من ساواك بشيءٍ من خلقك فقد عدَل بك، والعادل بك كافر بما تنزّلتْ به مُحكماتُ آياتك، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك» (2).

لا يحتمل النصّ العلويّ التباساً في إشارته إلى التنزيل، كمثل قوله


1- بحوث في الملل والنحل: ج2 ص٩3-٩4. والنصوص في المتن نقلها المؤلّف عن: الملل والنحل، للشهرستاني: ج1 ص1٠5-1٠6.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٩1، ص126- 127.

ص: 77

سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وهو ضربٌ من البيان والتفصيل له.

يعكس نصّ علويّ آخر المعنى ذاته، حيث يصل إلى الملائكة وتنزيههم لله، فيقول:

«لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير، ولا يُجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدّونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر» (1).

في خطبةٍ له (ع) يتحدّث بها عن صفات الجلال، يقول

: «لا تقع الأوهام له على صفة، ولا تُعقدُ القلوبُ منه على كيفيّة، ولا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تحيط به الأبصار والقلوب» (2) .

هذا المعنى التنزيهي الرفيع يلتقي في الدلالة مع نصّ علويّ آخر يقول فيه الإمام أمير المؤمنين:

«وإنّك أنت الله الذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهبِّ فكرها مكيّفاً، ولا في رويّات خواطرها فتكون محدوداً مصرّفاً» (3) .

كما يقول (ع) :

«فتبارك الله الذي لا يبلغه بعدُ الهمم، ولا يناله حدْسُ الفِطَن» (4) .

وعنه أيضاً:

«لا تناله الأوهام فتقدّره، ولا تتوهّمه الفِطنُ فتصوّره، ولا تدركهُ الحواس فتحسّه، ولا تلمسُه الأيدي فتمسَّه، ولا يتغيّر بحال، ولا يتبدّل في الأحوال، ولا تبليه اللّيالي والأيّام، ولا يغيّره الضياء والظلام، ولا يُوصف بشيءٍ من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيريّة والأبعاض» (5) .


1- نهج البلاغة، الخطبة الأُولى، ص41-42.
2- نهج البلاغة، الخطبة الرقم: 85، ص115.
3- نهج البلاغة، الخطبة الرقم: ٩1، ص127.
4- نهج البلاغة، الخطبة الرقم: ٩4، ص138.
5- نهج البلاغة، الخطبة الرقم: 186، ص274.

ص: 78

من نصوصه في المجال ذاته قوله (ع) :

«هو الله الحقّ المبين، أحقّ وأبْيَن ممّا ترى العيون، لم تبلغْهُ العقول بتحديد فيكونَ مشبَّهاً، ولم تقع عليه الأوهامُ بتقدير فيكونَ ممثَّلاً» (1) .

كما يقول (ع) في تمثّل قوله سبحانه: لاَ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ :

«لم ينته إليك نظر، ولم يدركك بصر، أدركتَ الأبصار» (2) .

أخيراً نختم بنصّ علويّ يخبر فيه الإمام أنّ الله سبحانه لا يشبّه بخلقه ولا يُقاس بهم، حيث يقول (ع) :

«لا يُنظَر بعين، ولا يُحَدّ بأين، ولا يُوصف بالأزواج، ولا يَخلق بعلاج، ولا يُدرَك بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس» (3) .

يتبيّن من السياق أنّ نظريّة التشبيه والتجسيم تتعارض مع البراهين العقليّة، وأنّها غير معقولة في نفسها، كما أنّها تصطدم بجلاء مع النقل، باطلة في ضوء معاييره.

النظرية الثانية: المعطّلة

كردّ فعل فكريّ على نظريّة، المشبّهة انطلقت في أجواء المسلمين نظريّة تقف على الطرف المقابل، تؤمن بإثبات الصفات والأفعال، بيدَ أنّها تلوذ بتعطيل العقل الإنساني عن إدراكها ومعرفتها.

يؤمن أنصار هذه النظريّة بأنّ الله عالم، بيدَ أنّهم لا يتوغّلون في معرفة هذا العلم، بل لا يفكّرون فيه مطلقاً، إنّما يكتفون بتصوّر أوّلي يفيد إثبات الضدّ، ليكون معنى عالم أنّه غير جاهل. وهكذا بالنسبة للصفات الأخرى وما


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 155، ص217.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 16٠، ص225.
3- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 182، ص262.

ص: 79

يدخل في منظومة الفكر التوحيدي من معارف.

برز هذا المنحى واضحاً في الرعيل الأوّل من الصحابة والتابعين ومن اتّبعهم، وقد جاء نتيجةً طبيعيّة لتصوّر بثّته مؤسّسة الخلافة ودافعت عنه يقضي بغلق باب المعرفة والاكتفاء بالظواهر (1).

لكن خطّ أهل البيت (ع) لم يذعن لهذا التوجّه الذي رآه معارضاً مع نداء الوجدان ومتطلّبات العقل وروح الإسلام، ففجّر ينابيع الحكمة في هذا المضمار، وكان الإمام أمير المؤمنين رائد هذا الحقل وسيّده، حيث فتح أبواباً من المعرفة لولاه لظلّت مؤصدة أبد الآبدين.

كَلُمامَة عن هذه النظريّة وتصوّراتها في المعرفة التوحيديّة، يقول باحث معاصر: (فإذا كانت تلك [الطائفة المشبّهة] متهوّرة في تشبيهها ومفرطة في تجسيمها، فإنّا نجد في مقابلها طائفةً أخرى أرادت التحرّز عن وصمة التشبيه


1- ينظر في هذا المجال التحليل الذي قدّمه السيّد الطباطبائي لطبيعة الدوافع التي حملت مؤسّسة الخلافة إلى اعتماد هذا النهج بعد النبيّ (ص) عندما بادرت إلى غلق مجال البحث العلمي في شؤون الإسلام بالأخصّ الجانب العقدي، وفتحت المجال واسعاً أمام الفتوحات العسكريّة. كما يقول في تصوير الحالة العلميّة في ظلّ سياسة مؤسّسة الخلافة: (كان البحث المنطقي الحرّ في المسائل الاعتقاديّة يجرّ الويلات على مَن يجرؤ على ممارسته، ويكون سبباً في إنزال أشدّ العقوبات به، كما حصل لذلك الرجل الذي جرؤ وناقش الخليفة في مسألة، فما كان من الخليفة إلاّ أن أشبعه ضرباً بالسوط وبجريد النخل حتّى سالت الدماء من بدنه. وحصل في مجلس آخر أن تناول الخليفة معنى آية من آيات القرآن وأوضحه بما يُظهر معنى «الجبر» فاعترض عليه رجلٌ، فغضب الخليفة عليه حتّى همَّ بقتله، إلى أن أطفأ بعض الحضّار ثائرة الخليفة وغضبه) . ينظر: رسالة التشيّع في العالم المعاصر: ص111-112.

ص: 80

وعار التجسيم فوقعت في إسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله. . . فهذا مالك عندما سُئِل عن معنى قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

وقد نقل عن سفيان بن عيينة، أنّه قال: كلّ ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه) (1).

عندما يصل السيّد الطباطبائي في تفسيره إلى قوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (الأعراف: 54 يشير إلى هذا الاتّجاه الذي وطّد أركانه في حياة المسلمين منذ القرون الأولى، فيقول: (للناس في معنى العرش، بل في معنى قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ والآيات التي في هذا المساق مسالك مختلفة، فأكثر السلف على أنّها وما يشاكلها من الآيات من المتشابهات التي يجب أن يرجع علمها إلى الله سبحانه، وهؤلاء يرون البحث عن الحقائق الدينيّة والتطلّع إلى ما وراء ظواهر الكتاب والسُّنّة بدعة) .

ثمّ يشير إلى مجافاة منطق هؤلاء للعقل والدِّين، فيقول: (والعقل يخطّئهم في ذلك، والكتاب والسنّة لا يصدّقانهم، فآيات الكتاب تحرّض كلّ التحريض على التدبّر في آيات الله وبذْل الجُهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته بالتذكّر والتفكّر والنظر فيها والاحتجاج بالحجج العقليّة، ومتفرّقات السنّة المتواترة معنىً توافقها، ولا معنى للأمر بالمقدّمة، والنهي عن النتيجة) (2).


1- الإلهيّات: ج1 ص(٨)7. والنصّان عن مالك وسفيان أخذهما المؤلّف عن: الملل والنحل: ج1 ص٩3. الرسائل الكبرى، ابن تيميّة: ج1 ص32.
2- الميزان في تفسير القرآن: ج(٨) ص153.

ص: 81

يعود إلى هؤلاء تارةً أخرى، ليقول: (لم ينقل عن طبقة الصحابة بحثٌ حقيقيّ عن مثل العرش والكرسيّ وسائر الحقائق القرآنيّة، وحتّى أصول المعارف كمسائل التوحيد وما يلحق بها، بل كانوا لا يتعدّون الظواهر الدينيّة ويقفون عليها. وعلى ذلك جرى التابعون وقدماء المفسّرين) (1). ثمّ ينقل كلام مالك وسفيان.

بعد ذلك يذكر أنّ الباب المعرفيّ الوحيد الذي أمدَّ الأمّة بالعلم على هذا الصعيد، هو باب عليٍّ وآل عليّ: (فهذا نحو سلوكهم - السلف - في ذلك لم يورث منهم شيء إلّا ما يوجد في كلام الإمام عليّ بن أبي طالب والأئمّة من ولده بعده (ع)) (2).

ينتهي التحليل المُدعَم بالنصوص والشواهد التأريخيّة المكثّفة إلى أنّ نظريتي التشبيه والتعطيل كانتا تلقيان بظلال مكثّفة على أجواء السلف وتتقاسمان ثقافتهم التوحيديّة إلّا ما خرج بدليل، وهو قليل.

أكثر من ذلك، يمكن تلمّس آثار نظريّة التعطيل في نصوص فريق من محدّثي الإماميّة، وإنْ جاءت بلا هذا العنوان.

على سبيل المثال نقرأ للشيخ الصدوق (ت: 381ه-) بعد انتهائه من نقل روايات صفات الذات قوله: (قال محمّد بن علي مؤلِّف هذا الكتاب، رضي الله عنه: إذا وصفنا الله تبارك وتعالى بصفات الذات فإنّما ننفي عنه بكلّ صفة منها ضدّها، فمتى قلنا إنّه حيٌّ نفينا عنه ضدّ الحياة وهو الموت، ومتى قلنا إنّه عليمٌ نفينا عنه ضدّ العلم وهو الجهل) (3)إلى آخر ما يذكره من صفات.


1- الميزان في تفسير القرآن: ج(٨) ص161.
2- المصدر السابق: ص161.
3- توحيد الصدوق: ص148.

ص: 82

إنّ هذا النسق الذي يحصر المعرفة بنفي الضدّ يصبّ في اتّجاه نظريّة التعطيل. أجل، يمكن توجيه الكلام بصرفه إلى عدم معرفة المصداق، فلو كان المراد نفي معرفة المصداق دون المفهوم لكان الكلام صحيحاً جزماً، وإلاّ من غير المعقول القول بأنّ الإدراك الإنساني لا يفقه معنىً لمفاهيم العلم والحياة والسمع.

من معرفة هذا القول للشيخ الصدوق يبدو واضحاً أنّ السيّد الطباطبائي يكون قد عناه - على الأرجح - ومن يذهب إلى هذا المذهب عندما استعرض النظريّات الأربع التي تبلورت في فكر المسلمين إزاء الصفات الذاتيّة، ليعقبها بقوله: (ربما يظهر من بعضهم الميل إلى قولٍ آخر، وهو أنّ معنى إثبات الصفات نفي ما يقابلها، فمعنى إثبات الحياة والعلم والقدرة مثلاً: نفي الموت والجهل والعجز) (1).

ليقول بعد مناقشته: (بهذا يبطل أيضاً ما قيل: إنّ معنى الصفات الذاتيّة الثبوتيّة، سلب مقابلاتها) (2)مرتكزاً إلى أنّ هذا المعنى يلزم منه خلوّ الذات من الصفات الكماليّة، وهو مُحال.

مناقشة المعطّلة

بشأن مناقشة نظرية التعطيل، من الواضح أنّها تتناقض والوجدان الإنساني، فالإنسان يحكم بالوجدان بإمكان المعرفة، بل يعدّ التفكير المنطقي والبحث الحرّ بلوغاً إلى المعرفة من مكنونات الجبلّة الإنسانية، ومن جملة ما أودع الله من غرائز في النوع البشري.


1- نهاية الحكمة: ص185.
2- المصدر السابق: ص287.

ص: 83

أمّا لو انتقلنا إلى الآيات والروايات، فثمَّ منها كثير يتصادم مع هذا المنطق ويدحضه.

وفي القرآن الكريم عدد وافر من الآيات يذكر لله سبحانه الصفات والأسماء؛ من ذلك قوله سبحانه: سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَالأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الحديد: 1-3 . كذلك قوله تعالى : هُوَ اللهُ الَّذِي لا إله إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الَّذِي لا إله إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ الْمصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ (الحشر: 22-24 .

فهل من المعقول أن يذكر القرآن عشرات بل مئات الصفات والأسماء دون أن يكون لها معنىً؟ أو أن يكون المراد منها نفي مقابلها فقط؟ لو كان الثاني هو المقصود لأشار القرآن إليه ضرورة، ولأشارت إليه الروايات أيضاً.

هذا فيما تتحرّك النصوص الروائية في اتجاه مغاير لذلك المدلول. ففي الروايات التي تقدّمت عن الصفات كان يكفي الإمام - لو كان نفي المقابل هو المقصود - أن يقول: إن الله ليس بجاهل، وليس بعاجز، وليس بميّت ونحو ذلك، بدلاً من الصيغة التي جاءت بها فعلاً: «هو نور لا ظلمة فيه» ، «حياة لا موت فيه» ، «علم لا جهل فيه» .

أجل، ما لا يمكن معرفته هو الذات أو اكتناه الذات، والنهي الذي تضمّنه عدد من الروايات واقع على هذه المعرفة، لا على الصفات والأسماء.

ص: 84

إنّ عدم رعاية هذه الموازنة بين المعرفة المحالة والمعرفة الممكنة ساهم في بعض الالتباس الذي نشأ في هذا المجال.

يطالعنا نصّ للإمام عليّ بن أبي طالب يرسم الحدود بين المنطقتين المحالة والممكنة، بقوله (ع) :

«لم يُطلِع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته» (1).

كما أنّ هناك رواية مشهورة عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين السجّاد تتجاوز إمكان المعرفة إلى المعرفة التوحيدية العميقة. فعندما سُئل عن التوحيد، أجاب (ع) : «إن الله عزّ وجلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ والآيات من سورة الحديد إلى قوله وَهُوَ عَليمٌ بِذَاتِ الصُّدُور فمن رام وراء ذلك فقد هلك» (2).

ثَمَّ نصّ جليّ يبيّن بوضوح إمكان المعرفة، بيدَ أنّه يترسّم لها مساراً ضابطاً يقيّدها بين حدَّي التعطيل والتشبيه، فقد سُئل الإمام أبو جعفر الثاني (ع) : يجوز أن يقال لله إنّه شيء؟ قال:

«نعم، يخرجه من الحدّين: حدّ التعطيل وحدّ التشبيه» (3).

ولعلّ من أوضح الروايات في هذا الباب، وفي نفي مذهب التعطيل خصوصاً ما ذكره شيخنا الصدوق، ما ورد عن الإمام الرضا (ع) حيث قال:

«إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب، مذهب إثبات بتشبيه (وهم المجسّمة) ومذهب النفي (وهم المعطّلة) ومذهب إثبات بلا تشبيه. فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 4٩، ص(٨)8.
2- الأصول من الكافي: ج1 ص٩1، الحديث: 3.
3- الأصول من الكافي: ج1 ص(٨)2، الحديث: 2.

ص: 85

إثبات بلا تشبيه» (1).

المراد بالتعطيل: تعطيل الإدراك الإنساني عن التعاطي مع المعرفة التوحيدية، كما أشار إليه الشيخ المجلسي في تعليقه على الحديث بقوله: «حدّ التعطيل هو عدم إثبات الوجود والصفات الكمالية والفعلية والإضافية له تعالى، وحدّ التشبيه الحكم بالاشتراك مع الممكنات في حقيقة الصفات وعوارض الممكنات» (2).

في حوار بين الإمام الصادق وأحد الزنادقة في عصره يسعى السائل إلى غلق باب المعرفة التوحيدية عبر مداخل متعدّدة، منها احتجاجه بقدرات العقل الإنساني، وأنّ ما يكوّنه من صور إدراكية في هذا المجال لا تزيد على كونها أوهاماً، حيث يقول السائل: فإنّا لم نجد موهوماً إلّا مخلوقاً؟ قال أبو عبد الله (ع) :

«لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنّا مرتفعاً لأنّا لم نكلّف غير موهوم» .

يتلخّص منطق الإمام في الردّ أنّ الأمر لو كان كما صوّره السائل لارتفع التوحيد ومعرفة الله عنّا، والتالي باطل، فسيثبت بالدلالة الالتزامية أنّ التوحيد ومعرفة الله ليست مرتفعة.

ثم يوضّح له أنّ هذا تعطيل، والتعطيل يساوق إنكار الربوبية، فلابدّ من تحاشيه وتحاشي التشبيه معاً؛ يقول:

«لكن لابدّ من الخروج من جهة التعطيل والتشبيه، لأنّ من نفاه فقد أنكره ودفع ربوبيته وأبطله، ومن شبّهه بغيره فقد أثبته بصفة المخلوقين المصنوعين» (3) .


1- توحيد الصدوق: ص 1٠1، الحديث: 1٠.
2- مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول: ج1 ص284، الحديث: 2.
3- الأصول من الكافي: ج1 ص(٨)4-85، الحديث: 6.

ص: 86

كذلك ما ورد عن الإمام الصادق (ع) مع من دخل عليه وقال إنّه من محبّيه، فذكر له معرفة التوحيد كأوّل علامة على حبّ أهل البيت، حتّى قال (ع) في سياق ذلك: «ومن زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغَّر بالكبير، وما قدروا الله حقّ قدره» قيل له: فكيف السبيل إلى التوحيد؟ فأجاب (ع) :

«باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود» (1). وما أدلّ التعبير على إمكان المعرفة ومناهضة التعطيل.

نختم أخيراً بنصّ وجيز للإمام أمير المؤمنين حيث يقول (ع) في أوّل خطبة من خطب «نهج البلاغة» : «أوّل الدِّين معرفته» فلو لم تكن المعرفة ممكنة فلا معنى أن يعدَّها الإمام أوّل الدِّين (2).

إذن: المعرفة ممكنة، والاكتناه محال، وباب المعرفة مفتوح غير مسدود، إنّما تكمن الإشكاليّة في طبيعة التوفيق بين الإمكانيّة والكيفيّة، بالأخصّ وإنّ

مفاهيم الصفات مأخوذة من مصاديق مادّية محدودة في نطاق الإدراك الإنساني. هذا ما يضعنا على مشارف النظريّة الثالثة.

النظرية الثالثة: إمكان المعرفة

وقد يُطلق عليها نظريّة المعرفة الممكنة. تعبّر هذه النظريّة - بحسب اعتقادنا - عن موقف القرآن الكريم وأئمّة أهل البيت (ع) .

بديهيّ عندما تُبيّن هذه النظريّة موقفها بإمكان المعرفة، فلا تعني أنّ بمقدور الإدراك الإنساني أن يعرف الله سبحانه بتمام حقيقته وكُنهه فهذا مُحال، إنّما هدفها الأساسي أن تناهض النظريّة التعطيليّة التي تغلق باب


1- تحف العقول: ص326-327.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1، ص3٩.

ص: 87

المعرفة بتمامه لتحجب الإنسان عن واجب معرفة الله تعالى وتحرمه من عطاء التوحيد.

يحدّد بعض المحقّقين ثغور المعرفة الممكنة بأنّها معرفة الله بوجه، لا من جميع الوجوه، لأنّها إذا كانت من جميع الوجوه صارت اكتناهيّة، وهي ممتنعة، كما أنّها لو أسقطت الوجه الممكن لهَوتْ إلى التعطيل.

في تعقيبٍ على حديث الإمام الصادق (ع) مع الزنديق - حيث قول الإمام (ع) :

«لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنّا مرتفعاً» (1) - يقول الشعراني: «معنى الحديث، أنّا لم نكلَّف بعبادة شيء لم ندركه أصلاً بل بشيءٍ ندركه بوجه ونجهل حقيقته. وهذا نظير النفس فإنّ وجوده معلوم وإلاّ لم يكن فرق بين الحيّ والميّت، ولكن حقيقته مجهولة لأكثر الناس، وكثير من الأدوية نعرفها بخاصّتها في العلاج وآثارها ولا نعرف حقايقها، وكذلك نعرف الله بوجهٍ ولا نعرفه بكلّ الوجوه» (2).

التفكيك بين المفهوم والمصداق

من اللوازم المترتّبة على إيمان هذه النظريّة بإمكان المعرفة أن تتحمّل أعباء مواجهة إشكاليّة الكيفيّة؛ إذ كيف يكون بمقدور المفاهيم الإنسانيّة بطابعها المحدود المتلابس مع المادّة أن تكون أداة لمعرفة صفات المطلق وأسمائه؟


1- ينظر الحديث في: الأُصول من الكافي: ج1، ص(٨)3-85، الحديث: 6.
2- هو الميرزا أبو الحسن الشعراني من الأساتذة البارزين في الفلسفة، مارس مهامّه العلميّة في طهران، له تعليقة قيّمة على شرح أصول الكافي والروضة للمولى محمّد صالح المازندراني (ت: 1٠81 أو 1٠86ه-) . ينظر: الكافي: الأصول والروضة، شرح للمولى محمّد صالح المازندراني: ج3، ص٩4-٩5.

ص: 88

يتمثّل إنجاز هذه النظريّة علميّاً أنّها تؤمن بالاشتراك المعنوي للمفاهيم بين الممكن والواجب، بيدَ أنّها تميّز بينهما بالمصداق.

عندما تطلَق أوصاف العلم والقدرة والحياة وغيرها على الله سبحانه فإنّ معاني هذه المفاهيم واحدة بينه وبين الإنسان. ففي مقولة «الله عالم» و «عليّ عالم» يكون معنى العلم بينهما واحداً على سبيل الاشتراك المعنوي، لا أنّه في الله سبحانه بمعنىً وفي عليّ بمعنىً آخر.

أجل، ما يختلف هو المصداق، فأين التراب وربّ الأرباب!

المصداق في الإنسان: ممكن، فقير، محدود، مجسّم، لكنّه في الله سبحانه: مطلق، غير متناهٍ، واجب وغنيّ.

تعتقد هذه النظريّة أنّ هذا المسار القائم على التمييز بين المفهوم والمصداق هو الصراط السويّ في معرفة الصفات الذاتيّة، فالمفهوم مشترك معنويّ، بيدَ أنّ أحدهما غير الآخر في المصداق.

على هذا يوجد مشارك لله سبحانه من حيث المفهوم، لكنّه في المصداق لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ (الشورى: 11 .

لقد مرَّ التنظير لهذه الفكرة وصياغتها نظريّاً بعدد من المحطّات، منها ما قدّمته مدرسة الحكمة المتعالية على يد صدر الدِّين الشيرازي (ت: 1٠5٠ه-) ، أمّا من المعاصرين فقد تناولها السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت: 14٠2ه-) بفصلٍ مستقلّ من «نهاية الحكمة» عنوانه «أنّ الواجب بالذات لا مشارك له في شيء من المفاهيم من حيث المصداق» (1)، وقد عقّب عليه أحد الشرّاح بتعليقة تشير إلى التمييز المذكور بوضوح، حيث قال: (لأنّ


1- نهاية الحكمة: ص282-283.

ص: 89

بعض المفاهيم وإن كان مشتركاً بين الواجب والممكنات كالحياة والعلم والقدرة وغيرها، إلّا أنّ الممكنات تختلف عنه من حيث المصداق، فهذه الصفات مثلاً زائدة على ذوات الممكنات بخلافها في الواجب [فإنّها عين الذات]، مضافاً إلى أنّ للواجب من حقيقة هذه المفاهيم وأشباهها من المفاهيم الوجوديّة هو المرتبة الغير المتناهية في الشدّة والتي لا يخالطها نقص ولا عدم بخلاف الممكنات) .

ثمّ يختم بإشارة جميلة عندما يقول: فهذا الفصل كأنّه تفصيل لما أُجمل في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ (1).

إلى الحقيقة ذاتها أشار باحثٌ آخر، فبعد أن أوضح أنّ عدداً من المفاهيم العامّة تُطلَق على واجب الوجود وعلى غيره أيضاً، عادَ ليميّز بين

الاستخدامين، ثمّ انتهى للقول: (خلاصة الكلام في هذا الباب أنّ مفهوم الوجود وإن كان يعدّ مفهوماً واحداً، إلّا أنّ مصاديقه متفاوتة جدّاً ومختلفة. يمكن للتفاوت أو الاختلاف بين مصاديق مفهوم ما أن تمتدّ من حدود النقص حتّى الكمال المطلق. يطلَق على التفاوت والاختلاف: التشكيك في مراتب الوجود - بحسب لغة الاصطلاح - وهذا التشكيك يصدق على سائر المفاهيم العامّة أيضاً، فلمفهوم العلم والقدرة وجميع الصفات الكماليّة مراتب تشكيك كذلك) (2).

في هذا الضوء يتبيّن أنّ عناية البحث الفلسفي بدراسة الاشتراك المعنوي لهذه المفاهيم ليس أمراً اعتباطيّاً أو لمحض أن يكون أمراً نظريّاً تجريديّاً، بل لما


1- تعليقة على نهاية الحكمة: ص437.
2- القواعد الفلسفيّة العامّة في الفلسفة الإسلاميّة: ص462.

ص: 90

يترتّب عليه من آثار في حقل الإلهيّات بالمعنى الأخصّ. فلو آمنّا بالاشتراك اللّفظيّ بشأن هذه المفاهيم كما ينسب ذلك إلى بعض المتكلّمين لكانت الحصيلة انسداد باب المعرفة.

فالله يُطلَق عليه عالم، واللّفظ نفسه يُطلق على الممكن أيضاً، فالنتيجة بحسب مقولة الاشتراك اللفظيّ أنّ العالم في الممكن معلوم وفي الواجب مجهول بحيث نعرف اللّفظ ولا نعرف المراد منه ومعناه، وهذا هو التعطيل.

لهذا السبب نَسَب الحكيم السبزواري من لا يؤمن بالاشتراك المعنوي في الوجود إلى التعطيل، كلازمة لابدّ وأن تترتّب عليه، كما يدلّ عليه قوله:

وإنّ كلاًّ آية الجليل وخصمنا قد قال بالتعطيل (1)

سبقت الإشارة إلى أنّ السيّد الطباطبائي خصّص فصلاً للبحث ذاته وإن كان التعبير فيه يوحي بشيء من الإيهام، فعنوان الفصل هو: «أنّ الواجب بالذات لا مشارك له في شيء من المفاهيم من حيث المصداق» (2)والمقصود: لا مشارك له من حيث المصداق، كما يدلّ عليه قوله في الشرح: (وأمّا حمل بعض المفاهيم على الواجب بالذات وغيره - كالوجود المحمول باشتراكه المعنوي عليه وعلى غيره، مع الغضّ عن خصوصيّة المصداق، وكذا سائر صفات الواجب بمفاهيمها فحسب كالعلم والحياة والرحمة مع الغضّ عن الخصوصيّات الإمكانيّة - فليس من الاشتراك المبحوث عنه في شيء) (3).

بمعنى أنّ حمل تلك المفاهيم ليس من الاشتراك المصداقي، بل هذا هو


1- شرح غرر الفوائد: ص4.
2- نهاية الحكمة: ص282.
3- المصدر السابق: ص283.

ص: 91

الاشتراك المفهومي، وإلاّ فأحدهما بحسب المصداق واجب غنيّ والآخر ممكنٌ فقير.

ينبغي إذن التمييز جيّداً بين فضاء المفاهيم وعالم المصاديق، وربما كان أحد معاني إخراجه سبحانه من حدّي التعطيل والتشبيه وسلوك الصراط السويّ في المعرفة التوحيديّة أنّ المفهوم معلوم للإدراك البشري عبر الاشتراك المعنوي، والمصداق مجهول الكُنه.

لكن مع ذلك كلّه ثَمَّ تقييد في عالم المفاهيم ينبغي لنا مراعاته في الدائرة التوحيديّة.

ص: 92

ص: 93

أُصول وأركان الاتجاه التجسيمي

اشارة

أنّ الله تعالى له حَدّ

أنّ الله تعالى له حيّز وحجم وجهة

أنّ الله تعالى له جسم

أنّ الله تعالى له وزن وثقل

أنّ الله تعالى له صورة

ص: 94

ص: 95

الركن الأوّل: أنّ الله تعالى له حدّ

اشارة

تمهيد

المراد بالحدّ

الأقوال في مسألة الحدّ

هل التوقّف هو موقف الكتاب والسنّة؟

أسباب القول بالحدّ

الآثار المترتّبة على اثبات الحدّ لله تعالى

القائلون بالحدّ

ابن حنبل وحقيقة موقفه من الحدّ

الطحاوي ومخالفته لابن تيمية في إثبات الحدّ

ابن حجر العسقلاني ومخالفته لابن تيمية في إثبات الحدّ

المنكرون للحَدّ من أئمة السنّة

حكم المُنكرِين للحدّ عند مثبتيه

موقف أهل البيت (ع) من الحدّ

المسافة بين الله والخلق

ص: 96

ص: 97

تمهيد

بعد أن اتّضحت لنا أهمّ ملامح التجسيم في معرفة الله سبحانه وتعالى، لابدّ من التعريف بأهمّ أركان هذه المدرسة والأصول التي تستند إليها.

والأركان الأساسيّة لاتّجاه التجسيم والتشبيه هي كما يلي:

الركن الأوّل : أنّ الله محدود.

بمعنى أنّه سبحانه محدود، غير مطلق، وغير متناهٍ.

الركن الثاني : وهو ناتج عن القول الأوّل، حيث قالوا بأنّ المحدود له جهة وحيّز وحجم واستواء ونحو ذلك.

الركن الثالث : أنّ هذا المحدود الذي له حَدّ، جسم ولكن لا كالأجسام.

والمراد أنّه جسم يشبه الأجسام، ولكن تختلف بعض خصوصيّاته وكيفيّاته. فيكون الاختلاف في الكيفيّة لا في أصل الجسميّة، وبذلك قالوا بأنّه تعالى له حيّز وحجم.

الركن الرابع : أنّ هذا الجسم له وزن وثقل.

وهذا ما سيكون مورداً للبحث التفصيلي في ما ورد في الحديث الذي استدلّ به ابن تيميّة وأتباعه، وهو الحديث المعروف بحديث الأطيط: «وأنّ له أطيطاً كأطيط الرَّحل. . .» .

الركن الخامس : أنّ الله تعالى له صورة على شكل صورة آدمي، أو أنّ آدم على صورة الرحمن، فإمّا أنّهم يقولون بأنّ الله على صورة آدم، وهذا تشبيه الله بخلقه، أو أنّ آدم على صورة الله، فيكون من باب تشبيه المخلوق بالخالق، وفي النتيجة هناك تشبيه.

ص: 98

وليكن معلوماً أنّ نظريّة أكثر علماء المسلمين - بل الأعمّ الأغلب - تتّفق على أنّ الله سبحانه وتعالى ليس له حَدّ، وليس له جسم، وليس له شكل، وسيأتي بيان ذلك.

وتوصيف الله سبحانه وإثبات الحَدّ له، مسألة لا ترتبط بتوحيد الأسماء والصفات، ولا بتوحيد الربوبيّة، ولا بتوحيد الألوهيّة، بل هي مسألة مرتبطة بحقيقة الله تعالى، وبالتوحيد الذاتي، لا بالتوحيد الأسمائي والصفاتي.

وقد صرّح ابن تيميّة بهذا المعنى في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة) حيث يقول: (إنّ هذا الكلام الذي ذكره - المستشكل - إنّما يتوجّه لو قالوا إنّ له صفة هي «الحَدّ» ، كما توهّمه هذا الرادّ عليهم؛ وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل، فإنّ هذا الكلام لا حقيقة له، إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات - كما يوصف باليد والعلم - صفة معيّنة يقال لها «الحَدّ» ، وإنّما الحَدّ ما يتميّز. . .) (1).

إذن، الحَدّ ليس من التوحيد الصفاتي، وإنّما يرتبط بالتوحيد الذاتي.

وهذا الأصل والركن الأوّل في نظريّة المجسّمة (أنّ له حَدّاً) يعتبر الأرضيّة الأساسيّة للإيمان بأنّ الله له مكان. فبعد أن آمن أتباع هذه النظريّة بأنّ الله تعالى له حَدّ، التزموا بأنّ له مكاناً، ومكانه هو استواؤه على العرش وجلوسه عليه.

ما هو المراد من الحدّ؟

معنى الحَدّ للشيء: أنّ له انتهاءً. فلو وضعت يدك على جسم، ستجد أنّ له وجوداً في منطقة معيّنة، وإذا سرتَ ووصلت إلى نهايته يصبح هذا الجسم


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3، ص42.

ص: 99

معدوماً، فإذا أشرت إليه في مكان وجوده تقول بأنّه موجود، وإذا أشرت إليه في مكان عدم وجوده تقول بأنّه معدوم.

ومن قال بأنّ الله له حَدّ، يعني أنّه موجود في ظرفٍ، ومعدوم في ظرفٍ آخر، ولهذا زعم العثيمين - كما أشرنا سابقاً - أنّ من اعتقد بأنّ الله في الأرض فهو ضالّ، يريد: أنّ مكانه سبحانه في السماء، وأنّه ليس بموجود في الأرض، بل هو فيها معدوم.

فالقول بأنّه تعالى له حَدّ، من أهمّ محاور وأركان ومفاصل معرفة الله في الاتجاه التجسيمي.

ثمّ إنّنا إذا نظرنا إلى هذا الجسم سنجد له حدّاً ونهاية، ولكن ليس من جهة واحدة بل من جهات متعدّدة، فمن الأعلى له حَدّ، ومن اليمين، ومن الجنوب، ومن الشمال، ومن الأسفل، فهو - سبحانه - محدود عندهم من كلّ الجهات، ولهذا يعبّرون بأنّ الله محدود من جهاتٍ ستّ كأيّ جسمٍ مادّي آخر.

وبالتعبير الفلسفي: نأخذ مسألة الوجود والعدم، حيث إنّ من لوازم هذه النظريّة أن لا يكون الله سبحانه وجوداً محضاً، بل هو وجود مركّب، وتركيبه من الوجود والعدم، ففي ظرفٍ له وجود، وفي ظرفٍ آخر ليس له وجود.

ولتقريب الفكرة نبيّن المسألة بمثال: لو وضعتَ يدك على يوم الأحد، فإنّه في يوم السبت يكون معدوماً، وهكذا يوم الاثنين، ويوم الأحد موجود فقط في ظرفٍ زماني معيّن، وما قبله وما بعده يكون معدوماً.

وهؤلاء يعتقدون بأنّ الله سبحانه أيضاً كذلك، فقبله معدوم، وبعده معدوم، وهكذا أعلاه وأسفله. وهذا من اللوازم المهمّة لهذه النظريّة.

ومن لوازم كلامهم أنّ له سبحانه حجماً، وطولاً، وعرضاً، وعمقاً،

ص: 100

ووزناً، ولذا قالوا بأنّه عندما يجلس على كرسيه يكون للكرسي أطيط، ولا يبقى من الكرسي إلّا أربعة أصابع، وأنّ رسول الله (ص) ضمّ أصابعه. . . .

هذا هو الإله الذي تصوّره لنا مدرسة ابن تيميّة وأتباعه! !

وقال المثبتون لمسألة الحَدّ بأنّ معنى قولهم بأنّ لله حَدّاً يعني إثبات علوّه سبحانه وتعالى، وبينونته عن خلقه، واستوائه على عرشه.

نقل الدشتي عن عثمان الدارمي في كتاب النقض: (اتّفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أنّ الله في السماء، وحدّوه بذلك، إلّا المريسي الضالّ وأصحابه) (1).

الحدّ في اللغة

قال ابن الأثير في النهاية، في مادّة حَدّ: «ومنه الحديث في وصف القرآن لكلّ حرفٍ حَدّ أي نهاية، ومنتهى كلّ شيء حدّه» (2).

وقال ابن فارس أبو كريّا في (معجم المقاييس) في مادّة حَدّ: (الحاء والدال أصلان، الأوّل: المنع، والثاني: طرف الشيء، فالحَدّ: الحاجز بين شيئين. . .) (3).

وقال الزبيدي في (تاج العروس) في مادّة حدد: (الحَدّ: الفصل الحاجز بين شيئين لئلّا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلّا يتعدّى أحدهما على الآخر،

وجمعه حدود. وفصل ما بين كلّ شيئين حَدّ بينهما، والحَدّ: منتهى الشيء) (4).

وبحسب أتباع هذا المنهج فإنّ الله وجوده ينتهي عند مكان محدّد، ولهذا قال أمير المؤمنين (ع) : « ومَن حدّه فقد عدّه » لأنّه عندما ينتهي يبدأ الثاني، ثمّ


1- إثبات الحدّ لله تعالى: ص24.
2- النهاية في غريب الحديث: ص1٩3.
3- مقاييس اللغة: مادّة حَدّ: ج2 ص11.
4- تاج العروس من جواهر القاموس: ج(٨) ص(٨).

ص: 101

الثالث. . . فالله - حسب هذا المنطق - له ثان.

يقول ابن تيمية حول معنى الحَدّ: (وأمّا وصفه بالحَدّ والنهاية) (1)فيفسّر الحَدّ بالنهاية، ومنتهى الشيء، وكذلك الزاغوني أحد أعلام هذا الاتّجاه يقول في (الإيضاح في أصول الدِّين) : (وهذا بعينه هو الحَدّ والنهاية، وإضافة الحَدّ والغاية والنهاية إليه تعالى) . وفي عبارة أخرى يقول: (وهذا بعينه يعطي الحَدّ والنهاية لما ينتهي إليه) (2).

ونقل القائلون والمُثبتون للحدّ أقوال أهل اللغة في تعريفهم للحَدّ، كالذي ورد في كتاب (إثبات الحَدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس) للدشتي، يقول:

(قال الخليل: حَدّ: فصلُ ما بين كلّ شيئين حَدٌّ بينهما، ومُنتهى كلّ شيء حدُّه، وقال ابن فارس في معجم المقاييس «حَدّ» : الحاء والدّال أصلان: الأوّل المنع، والثاني طرف الشيء، فالحدّ الحاجز بين شيئين، وقال أبو القاسم التميمي الأصبهاني: حَدّ كلّ شيء موضع بينونته عن غيره، فكلّ موجود له حَدّ ينتهي إليه، ويميّزه عن غيره في صفته وقدره) (3)، وكلّ هذه المعاني تفيد أنّ ما له حَدّ له نهاية.

وهذا المضمون نفسه ذكره في الرسالة التي أوردها في آخر الكتاب بعنوان الملحق، وفيه الردّ على منكر الحَدّ من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة من كتابه بيان تلبيس الجهميّة أنّه كتب رسالة وكتاباً مستقلاً للإنكار على من


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص287.
2- الإيضاح في أصول الدين، الزاغوني: ج2 ص325.
3- إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس: ص23.

ص: 102

ينكر الحَدّ، ثمّ نقل فيها عبارة الدارمي في هذا المجال، حيث يقول: قال عثمان بن سعيد الدارمي وادّعى المعارض - أي المُنكِر للحَدّ - أنّه ليس له حَدّ ولا غاية ولا نهاية.

والكلام المنقول عن الدارمي ورد في كتاب (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) وفيه يقول:

( باب الحَدّ والعرش . قال أبو سعيد وادّعى المعارض، وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالالته. . .) .

إلى أن يقول: (فمن ادّعى أنّه ليس لله حَدّ فقد ردّ القرآن وادّعى أنّه لا شيء) .

ففي نظره هناك ملازمة عقليّة بين المحدوديّة وبين الموجوديّة، فمن هو موجود لابدّ أن يكون محدوداً، ولا فرق بين أن يكون واجباً أو ممكناً، أو خالقاً أو مخلوقاً.

لذلك يتابع الدارمي قوله: (وادّعى أنّه لا شيء؛ لأنّ الله وصف حَدّ مكانه في مواضع كثيرة من كتابه) (1).

وإذا كان المكان محدوداً، هل يمكن أن يكون الجالس والقاعد على مكان محدود غير محدود؟ هذا مُحال.

وحاصل كلام أهل اللغة في الحَدّ أنّه منتهى الشيء، وغايته، وطرفه، فحدّ النهار مثلاً ينتهي عند دخول الليل، فغاية النهار الليل حيث ينتهي عنده.

وقال جمعٌ من أهل اللغة: (بأنّ الحَدّ يمنع الشيء من الامتداد بعد حدّه) ، وهذا طبيعي جدّاً.


1- ردّ الإمام الدارمي على بشر المريسي: ص23-24.

ص: 103

الأقوال في مسألة الحدّ

القول الأوّل : أنّ الله سبحانه وتعالى محدود بحَدّ، وأنّه لو لم يُ-حَدّ لما كان موجوداً.

وفي الاصطلاح الفلسفي: جعل أصحاب هذا القول مساوقة في ذلك لا ملازمةً فقط؛ والمساوقة أعمق فلسفيّاً من الملازمة، لأنّه في الملازمة أحدهما غير الآخر، وفي المساوقة أحدهما عين الآخرمصداقاً؛ فقالوا إنّ الموجوديّة تساوق المحدوديّة له تعالى، لأنّهم لم يتعقّلوا وجوداً ليس له حَدّ، فالموجود يعني المحدود، سواء كان هذا الموجود هو الله تعالى القديم الواجب، أو كان وجود الممكنات الحادثة، وفي اعتقادهم يستحيل أن يكون الله موجوداً وليس له حَدّ ومنتهى وغاية ينتهي عندها.

وهذا ما ذكره الإمام الدارمي أحد أقطاب هذا الاتّجاه في كتابه (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد. . .) فقال في باب الحَدّ والعرش:

(قال أبو سعيد: وادّعى المعارض أيضاً - أي الذي ينفي أنّ الله له حَدّ - أنّه ليس لله حَدّ ولا غاية ولا نهاية، وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتقّ منه أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنّه سبق جهماً إليها أحد من العالمين.

فقال له قائل ممّن جاوره: قد علمت مرادك أيّها الأعجميّ، وتعني أنّ الله لا شيء؛ لأنّ الخلق كلّهم علموا أنّه ليس شيء يقع عليه إسم الشيء إلّا وله حَدّ وغاية وصفة. وأن لا شيء ليس له حدّ ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبداً موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حَدّ ولا غاية، وقولك «لا حَدّ له» يعني أنّه لا شيء) (1).


1- ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي: ص23.

ص: 104

ومن المفارقات العجيبة في هذا البحث محاولة الدشتي في كتابه (إثبات الحَدّ) الادّعاء بأنّ إجماع أهل السنّة قائم على إثبات الحَدّ لله تعالى، وهذا ما ذكره في المبحث الثاني من كتابه حيث قال: (أجمع أهل السنّة والجماعة على إطلاق لفظ «الحَدّ» لله تعالى، بمعنى إثبات علوّه سبحانه وتعالى، وبينونته عن خلقه، واستوائه على عرشه) . ونقل عن عُثمان الدّارمي قوله: (اتّفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أنّ الله في السماء وحَدّوه بذلك، إلّا المريسيّ الضالّ وأصحابه، حتّى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك) (1).

القول الثاني : ويقع في قِبال القول الأوّل مباشرةً، وهو القول بأنّه يستحيل أن يكون لله حَدّ، فمن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله، كما أشار أمير المؤمنين (ع) إلى ذلك في نهج البلاغة.

وفي كلمات الأئمّة المعصومين (ع) إشارات كثيرة إلى هذا الرأي، ومنها:

ما ورد عن الإمام عليّ (ع) :

«لا يُشمل بحَدٍّ ولا يُحسَب بعدٍّ، وإنّما تحُدّ الأدواتُ أنفسَها، وتشير الآلات إلى نظائرها. . . ولا يقال له حَدٌّ ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أنّ الأشياء تحويه فتُقِلُّه أو تَحويه» (2) .

وعنه (ع) :

«حَدّ الأشياء عند خلقه لها إبانةً لها في شبهها، لا تُقدِّره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات» (3) .

وعنه (ع) :

«ليس له حَدٌّ ينتهي إلى حدّه» (4) .

وعنه (ع) :

«لا يُدرك بوَهم، ولا يُقدَّر بفهم. . . ولا يُحدّ بأينٍ» (5) .


1- إثبات الحدّ لله تعالى: ص24.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 186.
3- المصدر نفسه، الخطبة رقم: 163.
4- المصدر نفسه، الخطبة الأُولى.
5- المصدر نفسه، الخطبة رقم: 182.

ص: 105

وعنه (ع) :

«فتبارك الله الذي لا يبلغه بُعدُ الهمم، ولا يناله غوص الفطن، وتعالى الذي ليس له وقتٌ معدود، ولا أجلٌ ممدود، ولا نعتٌ محدود» (1)

.

وعن الإمام الرضا (ع) :

«أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده نفي التحديد عنه؛ لشهادة العقول أنّ كلّ محدودٍ مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بمخلوق، والممتنع من الحدث هو القديم في الأزل» (2)

.

وفي علل الشرائع ينقل الشيخ الصدوق محاورة بين الإمام الرضا (ع) وأحد الزنادقة وفيها: يسأل الزنديق فيقول للإمام (ع) : لما احتجب الله؟ فقال (ع) :

إنّ الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فأمّا هو فلا يخفى عليه خافيةٌ في آنَاءِ الليل والنهار. . . إلى أن يقول:

قال: فحِدّه لي؟ قال (ع

) : إنّه لا يُحدّ ، قال: لِمَ؟ فقال (ع) :

لأنّ كلّ محدود متناهٍ إلى حَدّ، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل النقصان فهو غير محدود ولا متزائد ولا متجزٍّ ولا متوهّم» (3)

.

القول الثالث : وهو التوقّف في المسألة، بمعنى أن لا نقول بأنّ له حدّاً ولا نقول بأنّه ليس له حدّ.

وخلاصة الأقوال: الأوّل: أنّ الله له حَدّ. والثاني: أنّ الله ليس له حَدّ. والثالث: التوقّف في المسألة.

وقد أشار ابن تيميّة إلى هذه الأقوال في المسألة، ولا سيّما الرأي الثالث؛ قال في (بيان تلبيس الجهميّة) : (وأمّا وصفه بالحَدّ والنهاية، الذي تقول أنت إنّه


1- الكافي: ج1 ص136، باب جوامع التوحيد.
2- بحار الأنوار: ج4، ص228 ح4٠.
3- نقلاً عن بحار الأنوار: ج3 ص15، ح3.

ص: 106

معنى الجسم، فَهُم - أي العلماء - فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال: منهم من يُثبت ذلك، كما هو المنقول عن السلف والأئمّة. ومنهم من نفى ذلك. ومنهم من لا يتعرّض له بنفيٍ ولا إثبات) (1).

وكذلك الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في (شرح العقيدة السفارينية) أشار إلى ذلك فقال: (ولذلك اختلف كلام من تكلّم به - أي موضوع الحَدّ - من السلف فيه، هل الله يحدّ أو لا يحدّ، فمنهم من أنكر الحَدّ وقال: إنّه لا يجوز أن نقول إنّ الله محدود، بل يستحيل أن نقول إنّ الله محدود، ومنهم من قال: يجب أن نقول أنّ الله محدود وأنّ له حدّاً) .

وهنا حاول العثيمين القول بأنّ النزاع بين المثبتين والمُنكِرين نزاعٌ لفظي. وهذا غريبٌ منه؛ إذ كيف يمكن أن يكون النزاع بين النفي والإثبات نزاعاً لفظيّاً، فهما نقيضان، والنقيضان لا يمكن أن يكون بينهما نزاع لفظي، ولعلّ ذلك من ضيق الخناق على العلاّمة العثيمين، فاضطرّ لمثل هذا القول، ولذا قال: (ولكن يجب أن نعلم أنّ الخلاف يكاد يكون لفظيّاً، فالواجب السكوت عن ذلك، فلا يقال إنّه يُ-حَدّ، ولا أنّه لا يحدّ، وليس هناك ضرورة أن نقول

إنّه يحدّ أو لا يحدّ) (2)ويظهر من كلامه أنّه من القائلين بالتوقّف.

وهذا من غرائب العلّامة العثيمين! لأنّه عندما كان يصوّر معبوده ومعروفه وهو الحقّ سبحانه وتعالى، هل كان يتصوّره ويتوهّمه في ذهنه وعند العبادة محدوداً بحدّ أو كان يتصوّره بأنّه لا حَدّ له؟

فلا يعقل أن يكون متوقّفاً، وإلاّ لكان جاهلاً بالله سبحانه وتعالى، هذا أوّلاً .


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص72.
2- شرح العقيدة السفارينيّة: ص237.

ص: 107

وثانياً : إذا كان الأئمّة والسلف عرضوا لهذه المسألة، فهل يحقّ له أن يتوقّف فيما عرض له هؤلاء، وهذا معناه أنّه ليس تابعاً لأئمّة السلف.

وأيضاً من الذين نقلوا هذه الأقوال الزاغوني في تعليقة كتاب (الإيضاح في أصول الدِّين) وفي حاشية الكتاب حيث قال: (اختلف المتكلّمون في نسبة الحَدّ إلى الله تعالى، فنفاه الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم ممّن قال بنفي علوّ الله تعالى واستوائه على العرش، وأئمّة السلف على إثباته وهو قول أحمد وإسحاق بن إبراهيم والدارمي وابن المبارك وغيرهم، وقول ثالث قالوا بأنّه نحن من المتوقّفين، لا أن نثبت أنّ له حَدّاً، ولا نقول إنّه ليس له حَدّ) (1).

هل التوقف هو موقف الكتاب والسنة؟

حاول أصحاب الرأي الأوّل هرباً من بعض المحذورات الادّعاء بأنّ القول الثالث - أي القول بالتوقّف - سببه عدم ورود مسألة الحَدّ في الكتاب والسُّنّة وأنّه لم تطرح فيهما، فضلاً عن أنّه لم يؤثر في كلمات أصحاب النبيّ (ص) أنّهم تكلّموا فيها.

وقالوا بأنّ هذه المسألة بدأت على يد عبد الله بن المبارك، المتوفّى سنة 181ه-، كما قال الدشتي في كتابه (إثبات الحَدّ وبأنّه قاعد وجالس على عرشه) بأنّ أوّل من عرض لهذه المسألة عبد الله بن المبارك، يقول: (قلت: أوّل من صرّح بإثبات الحَدّ لله تعالى كما يذكر أهل السُّنّة هو عبد الله بن المبارك، ثمّ تتابع إجماع أهل السنّة من بعده على ذلك) (2).

ومن الذين قالوا بأنّ المسألة لم تكن مطروحة لا في الكتاب ولا في السنّة


1- الإيضاح في أصول الدِّين: ص325.
2- إثبات الحدّ لله تعالى: ص114.

ص: 108

العلاّمة العثيمين في كتابه (شرح العقيدة السفارينيّة) حيث قال: (وكلمة الحَدّ من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب ولا في السنّة، فليس في الكتاب أنّ الله يحدّ ولا أنّه لا يحدّ، ولا في السنّة أنّ الله يحدّ ولا أنّه لا يحدّ، فلا ضرورة أن نقول إنّه يحدّ أو لا يحدّ، ولو كان من الضروري أن نعتقد أنّ الله يحدّ أو لا يحدّ لبيّنه الله تعالى أو بيّنته السنّة، لأنّ الله تعالى يقول: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانا لِكُلِّ شَيْءٍ ) (1).

وهكذا الحال بالنسبة إلى ابن تيميّة في جوابه على من اعترض بأنّ مسألة الحَدّ لم ترد في الكتاب والسنّة، فلم يذكر أنّها وردت في كتاب أو سنّة. وإنّما ذكر فقط أسباب القول بالحدّ وأنّه لولا القول بالحَدّ لما تميّز الخالق عن المخلوق (2)، فهو إذن لم يستند إلى الكتاب والسنّة لطرح هذه المسألة، وإنّما استند إلى قضيّة عقليّة فقط.

ومن الذين أشاروا إلى ذلك أيضاً الإمام الدارمي في كتاب (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) في الحاشية يقول: (كلمة

الحَدّ لم ترد في الكتاب ولا السنّة، ونحن لا ننسب إلى الله صفة ولا لفظاً، إلّا ما ورد نصّاً عن الله ورسوله، مع أنّا لا نقول فيها بالرأي ولا القياس، وإنّما نردّ علم حقيقتها إلى الله) (3).

وهنا يُطرح على هؤلاء السؤال التالي: إذا كانت المسألة لم ترد في الكتاب ولا في السنّة، فلماذا هذا الإصرار من أصحاب هذا الاتّجاه لإثبات أنّ الله له حَدّ، ولماذا رتّبوا كلّ هذه النتائج الخطيرة على هذه المسألة؟


1- شرح العقيدة السفارينيّة: ص236، (رقم: 17 من السلسلة) .
2- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص42-43.
3- ردّ الإمام الدارمي على بشر العنيد: ص23.

ص: 109

هذا فضلاً عن القول بأنّه في اعتقادنا قد ورد ما يتنافى مع رأيهم في المسألة على لسان كبار صحابة النبيّ (ص) وبالخصوص الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) .

أسباب القول بالحدّ

هناك دوافع وأسباب أدّت إلى القول بالحَدّ، ومن جملة هذه الأسباب - بحسب أصحاب هذا الرأي - التمييز بين الخالق والمخلوق، وتحقيق التباين بين الخالق والمخلوقين.

وبتعبير أهل المنطق: يمكن تركيب قياس استثنائي على الشكل التالي:

لو لم يكن للحقّ تعالى حَدّ ونهاية ومنتهى، لكان حالّا ً في خلقه.

والحلول في خلقه مُحال وممتنع عقلاً.

فإذن لابدّ أن يكون له تعالى حَدّ.

فعن طريق الحَدّ يمتاز الخالق عن المخلوق، ولا نقع في الحلوليّة، وتثبت البينونة بين الخالق والمخلوق.

وهذا ما صرّح به أعلام القائلين بالحَدّ لله سبحانه وتعالى، ومنهم الإمام

الدارمي المتوفّى سنة 28٠ في كتابه (سلسلة عقائد السلف) وفيه يقول: (حدّثنا البزّاز البغدادي، حدّثنا علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنّه سئل بما نعرف ربّنا؟ قال: بأنّه فوق العرش، فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه، قال: قلت بحَدّ؟ قال: فبأيّ شيء إذن. . .) (1). وهذا كلامٌ صريح من الدارمي بأنّه إذا لم نفصله ولم نميّزه بحَدّ فلا تبقى بينونة بينه وبين خلقه.

ويقول ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) : (ويقولون إنّه لا يباين غيره،


1- الردّ على الجهميّة (سلسلة عقائد السلف) : رقم: 1، ص٩8.

ص: 110

بل إمّا أن يصفوه بصفة المعدوم فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا، أو يجعلوه حالّا ً في المخلوقات، أو وجود المخلوقات، فبيّن ابن المبارك أنّ الربّ تعالى على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحَدّ لأنّ الجهميّة كانوا يقولون: ليس له حَدّ، وما لا حدّ له لا يباين المخلوقات. . .) (1).

وابن تيميّة الذي ارتكز في ذهنه أنّ الله جسم يعتبر أنّ الله تعالى لابدّ أن يكون إمّا في داخل هذا العالم أو في خارج هذا العالم، وإلاّ إذا لم يكن كذلك فهو معدوم وغير موجود، وهذا من أهمّ آثار التجسيم.

أمّا الدشتي فقد علّل سبب ذكر أهل السنّة «الحَدّ» لله تعالى بقوله: (لمّا كانت الجهميّة ينفون عُلوّ الله تعالى على خلقه، واستواءه على عرشه، ويقولون: إنّ الله تعالى لا يُباين خلقه، وليس بينه وبينهم حَدٌّ، ولا يتميّز عنهم، أنكر عليهم أهل السنّة من السلف الصالح، واشتدّ نكيرهم عليهم، حتّى كفّروهم، وحذّروا منهم، وبيّنوا للناس أمرهم وتلبيسهم؛ قال ابن تيميّة في بيان تلبيس الجهميّة: «. . . لمّا كان الجهميّة يقولون ما مضمونه: إنّ الخالق لا يتميَّز عن الخلق، فيجحدون صفاته التي تميّز بها، ويجحدون قدره، حتّى يقول المعتزلة: إذا عرفوا أنّه حيٌّ، عالمٌ، قديرٌ، قد عرفنا حقيقته وماهيّته. ويقولون: إنّه لا يُباين غيره، بل إمّا أن يصفوه بصفة المعدوم فيقولون: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا كذا، ولا كذا، أو يجعلوه حالّا ً في المخلوقات، أو وجود المخلوقات. فبيّن ابن المبارك أنّ الربَّ سبحانه وتعالى على عرشه مُباينٌ لخلقهِ، مُنفصلٌ عنه، وذكر الحدّ، لأنّ الجهميّة كانوا يقولون: ليس له حَدّ، وما لا حَدَّ له لا يُباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم، لأنّ ذلك مستلزم للحَدّ.


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3، ص43.

ص: 111

فلمّا سألوا أمير المؤمنين في كلّ شيء عبد الله بن المبارك: بماذا نعرفه؟

قال: بأنّه فوق سماواته على عرشه، بائنٌ من خلقهِ.

فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهميّة، وبنفهيم له ينفون ملزومه الذي هو موجودٌ فوق العرش ومُباينته للمخلوقات. فقالوا له: بحدٍّ؟ قال: بحدٍّ») (1).

وخلاصة ما ذكره أنّ سبب القول بالحَدّ هو الردّ على الجهميّة، بينما نرى أنّ أصحاب القول بالحدّ فرّوا من محذور إلى آخر أكبر منه.

أمّا حسب المدرسة الإماميّة فإن الله تعالى: لا هو داخل العالم ولا هو خارج العالم، لأنّه ليس جزءاً من العالم حتّى يكون في داخله أو خارجه، بل هو سبحانه خالق العالم، وليس كمثله شيء، فيستحيل أن يكون داخلاً أو خارجاً. وهذا ليس لأنّه غير موجود، بل لأنّه ليس بجسم، فالجسم هو الذي يتّصف بكونه في الداخل أو الخارج.

ورد عن الإمام الرضا (ع) في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق أنّه قال:

«ولا ديانة إلّا بعد المعرفة، ولا معرفة إلّا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه - أي في الخلق - يمتنع في صانعه، لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه على خلقه. . .» (2).

أمّا المجسّمة فقد خالفوا ذلك كلّه، وهذا هو الفارق بين مدرسة أهل البيت (ع) التي تنزّه الخالق، ومدرسة ابن تيميّة وأتباعه التي تجعله مشابهاً لمخلوقاته.

وممّن صرّح بذلك أيضاً الشيخ العثيمين في (شرح العقيدة السفارينيّة) ؛


1- إثبات الحَدّ لله تعالى: ص28-2٩.
2- توحيد الصدوق: ص41.

ص: 112

إذ قال: (فمن قال إنّ الله محدود أراد أنّه بائنٌ من خلقه) (1).

وقد خلط العثيمين بين اللازم والملزوم، لأنّ من قال إنّ الله محدود لا يريد أن يثبت البينونة، بل يريد القول بأنّ الحَدّ له نهاية من أجل إثبات البينونة، فالحَدّ لا يعني البينونة، وفرق كبير، فإنّ اللازم شيء والملزوم شيء آخر. فالبينونة إذن من لوازم الحَدّ.

والحاصل: أنّ أتباع هذا المنهج تصوّروا أنّه لا طريق لإثبات البينونة بين الله وبين خلقه إلّا بالحَدّ، وأنّه إن لم يلتزموا بذلك سيكون سبحانه حالّا ً في خلقه، وحيث إنّه يستحيل أن يكون حالّا في خلقه، فإذن لابدّ من الالتزام بالحَدّ.

وقد وقع هؤلاء في اشتباه كبير، لأنّهم لو تأمّلوا وحقّقوا لما وصلوا إلى أنّ طريق المباينة والمزايلة لا يتحقّق إلّا بإثبات الحَدّ.

وممّا لا ريبَ فيه أنّ الحلوليّة باطلة، وهذا ما نطقت به كلمات أعلام

مدرسة أهل البيت (ع) سواء الفلاسفة منهم أو المتكلّمون أو الفقهاء، فكلّ هؤلاء لم يلتزموا القول بأنّه تعالى حالّ في الأشياء، ورغم ذلك لم يثبتوا له الحَدّ.

وهذا هو ما صرّح به الإمام أمير المؤمنين (ع) بكلماتٍ واضحة في نهج البلاغة بقوله:

«داخلٌ في الأشياء لا بالممازجة، وخارجٌ عنها لا بمزايلة» (2).

وفي كتاب التوحيد أيضاً:

«فلم يحلل فيها؛ فيُقال هو فيها كائن، ولم ينأَ عنها؛ فيُقال هو منها بائن» (3)


1- شرح العقيدة السفارينيّة: ص237.
2- توحيد الصدوق: ص43، الحاشية.
3- توحيد الصدوق: ص43.

ص: 113

فليست بينونته عن خلقه كبينونة المخلوقات عن بعضها، أو كبينونة كتابٍ عن كتابٍ آخر، حيث يبين أحدهما عن الآخر بحدّه الذي ينتهي عنده.

فمدرسة أهل البيت (ع) تعتقد بالبينونة بين الله تعالى وخلقه بشكلٍ قاطع، ومع ذلك لا يقولون بأنّ البينونة لا تتحقّق إلّا بالحَدّ، وإلاّ لصار (كمثله شيء) ، وهذا خلاف المبدأ القرآني لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ .

يقول الإمام عليّ الرضا (ع) : «

ومباينته إيّاهم مفارقته إنيّتهم» (1)

.

ويقول أيضاً:

«ولا في إبانته عن الخلق ضيم إلّا بامتناع الأزليّ أن يثنّى» (2)

.

ويبيّن الإمام عليّ (ع) حقيقة التمايز بين الخالق والمخلوق وعدم المشابهة بينهما بقوله:

«حدّ الأشياء كلّها عند خلقه إيّاها إبانة له في شبهها - فلا هي تشبهه ولا هو يشبهها - فلم يحلل فيها فيُقال هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيُقال هو منها بائن، داخل في الأشياء لا كدخول شيء في شيء، وبائن من الأشياء لا كمباينة شيء لشيء، سبحانه هو هكذا ولا هكذا غيره. . .» (3)

وبحسب كلمات الإمام علي (ع) وما ورد عنه في نهج البلاغة يمكن أيضاً استكشاف أسباب ومنشأ القول بإثبات الحَدّ بأنّه نتيجة طبيعيّة للجهل وعدم المعرفة الحقيقيّة بالله سبحانه وتعالى.

يقول الإمام علي (ع) في نهج البلاغة

: «أوّل الدِّين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه. . . فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه


1- المصدر نفسه: ص37.
2- المصدر نفسه: ص42.
3- المصدر نفسه: ص43، والكافي: ج1 ص214، ح2.

ص: 114

فقد جزّأه. . . ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه» (1)

.

فهؤلاء عندما جهلوا حقيقة الخالق أشاروا إليه، وأثبتوا له الحَدّ، وبذلك انهارَ لديهم عمود العقائد في الدِّين وهو توحيد الخالق، ولمّا كان توحيدهم غير صحيح لم يستطيعوا التعرّف على معنى النبوّة الحقيقي، لأنّ الرسول مُرسَل من قِبل المرسِل وهو الله، ومن لم يعرف المرسِل لم يعرف الرسول أو المرسَل، ومن لم يتعرّف على حقيقة الرسالة لم يتعرّف على الإمامة ولا على المعاد وحقيقته، وهكذا الحال بالنسبة إلى العدل.

ولذا يقول الإمام عليّ بن موسى الرِّضا (ع)

: «فليس اللهَ عرف من عرف بالتشبيه ذاته، ولا إيّاه وحّد مَن اكتنهه، ولا به صدّق من نهّاه، ولا إيّاه عنى من شبّهه، ولا له تذلّل مَن بعّضه، ولا إيّاه أراد من توهّمه. . . وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفطرة تَثبت حجّته» (2).

وهذا كلامٌ واضح وصريح في أنّ منشأ الإيمان بأنّ الله محدودٌ في ذاته، ومحدودٌ في صفاته، هو الجهل به سبحانه وتعالى.

الآثار المترتبة على اثبات الحدّ لله تعالى

قد يتبادر إلى بعض الأذهان أنّ الخلاف في مسألة الحَدّ لا طائل منه، فهي مسألة فرضيّة أو نظريّة لا ثمرة لها.

ولكن واقع القضيّة ليس كذلك؛ لأنّها من القضايا الهامّة التي يترتّب عليها آثار كبيرة، ولها انعكاسات خطيرة تتمثّل أوّلاً وبالذات بوجود طرفين - هما المُثبِت للحَدّ، والمُنكِر له - يكفّر كلّ واحدٍ منهما الآخر.


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1.
2- توحيد الصدوق: ص 37.

ص: 115

أمّا بالنسبة لمثبت الحَدّ فممّا تقدّم صار واضحاً لدينا كيفيّة تكفيره لمُنكِر الحَدّ، إذ اعتبر ذلك إنكاراً لوجوده سبحانه وتعالى، وأنّه صاحب بدعة وخارج عن الملّة، وهذا ما أشرنا إليه في كلام الدارمي في ردّه على بشر المريسي في قوله: (. . . ومن لم يعترف به - أي بالحَدّ - فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله) (1).

وأيضاً ما قاله الدشتي: (واحتجّوا في إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ بنصّ الكتاب والسنّة، وما قالوا في ذلك والآراء. . . فمن يُخالفهم ولا يقولُ ما قالوه

ولا يعتقد ما اعتقدوه، فهو مبتدع ضالٌّ مُضِلّ) (2).

وفي مقابل ذلك وقفت مدرسة أهل البيت (ع) موقفاً عنيفاً تجاه أصحاب القول بإثبات الحَدّ، وقالوا بأنّ من أثبت الحدّ لله فقد أبطل أزل الحقّ سبحانه، وروي عن أهل البيت (ع) : « ومَن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله » (3)وإذا بطلت أزليّته صار حادثاً، وإذا كان حادثاً فيكون ممكناً لا غنيّاً ولا واجباً.

وبهذا يتبيّن لنا حجم وأهميّة هذه المسألة، والآثار المترتّبة عليها، سواء لمن أثبتها أو لمن نفاها، لأنّها تعتبر الأساس لباقي المسائل المرتبطة بعلم التوحيد، سواء على مستوى توحيد الأسماء والصفات، أو على مستوى توحيد الربوبيّة، أو على مستوى توحيد العبوديّة، أو توحيد الأفعال، ونحو ذلك من الأقسام.


1- ردّ الإمام الدارمي على بشر المريسي: ص23-24.
2- إثبات الحدّ لله: ص1٠٠.
3- نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

ص: 116

القائلون بالحدّ

ليست قضيّة إثبات الحَدّ من القضايا التأريخيّة المرتبطة بالعلماء السابقين، وقد صرّح أصحاب هذا الرأي بأنّه لا يوجد فيها نصّ من الكتاب والسنّة، وقد أشرنا آنفاً إلى قولهم بأنّه لا يوجد لها أثرٌ إلّا في كلمات ابن المبارك.

ولم يمنع ذلك وقوع أصحاب هذا الرأي بالتهافت أو التناقض، ففي الوقت الذي ينفون وجود نصّ في المسألة يعودون إلى القول بوجود نصّ فيها، ومن الشواهد على ذلك ما ورد في كتاب عبد العزيز فيصل الراجحي (قمع الدجاجلة الطاعنين في معتقد أئمّة الإسلام الحنابلة) وهو ردّ على حسن بن فرحان المالكي في كتابه (قراءة في كتب العقائد) ؛ يقول: (بل صنّف الإمام محمود بن أبي القاسم بن بدران الدشتي جزءاً في ذلك سمّاه إثبات الحَدّ لله تعالى، وساق فيه ما ورد في الباب من أحاديث وآثار ومنها أثر ابن المبارك، فإذا عرفت ذلك علمت أنّه قد دلّ عليه الكتاب والسنّة الصحيحة، بل المتواترة وآثار السلف وإجماعهم في المسألة) (1).

وهذا اشتباه وغلط وقع فيه الكاتب، ويمكن توجيه كلامه الذي يتناقض مع قول كبار علماء هذا المنهج بعدم وجود نصّ في المسألة: بأنّ مراده من قوله: دلّ عليه، أي دلَّ على علوّه في مكان، ويستفاد من هذا التعبير القول بالحَدّ، ويكون الضمير في (عليه) ليس للحَدّ، وإنّما علوّ الله واستوائه على عرشه.

بعد هذه المقدّمة نشير إلى أقوال مجموعة من الأعلام القائلين بأنّ الله تعالى له حدّ، ومنهم:


1- قمع الدجاجلة: ص24٠.

ص: 117

الأوّل : ما ورد في كتاب (مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه) قال: (خلق الله سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العُليا والسماء الدُّنيا مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تبارك وتعالى على العرش، والكرسي موضع قدميه، فإن احتجّ مبتدع أو مخالف أو زنديق فقال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وهو معكم أينما كنتم، ما يكون من نجوى ثلاثة إلّا هو رابعهم، الرحمن على العرش استوى، ونحو ذلك من متشابه القرآن، فقُل: إنّما يعني بذلك العلم، لأنّ الله تبارك وتعالى على العرش. . . وهو بائنٌ من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حمَلَة يحملونه، وله حدّ. . .) (1).

فانظر وتأمّل في هذا المنطق الذي بمجرّد أن تختلف معه في الفكر والعقيدة يتّهمك مباشرةً بأنّك زنديق أو كافر أو مبتدع وخارج عن الملّة.

ومن أين له تفسير الآيات بأنّ المراد منها العلم، وهل هذا إلّا تأويل خلاف الظاهر للآيات، فقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16 صريحٌ وواضح، فالآية لم تقل علمنا أقرب، والضمير (هو) لا يشير إلى العلم.

الثاني : ما ورد في كتاب (الردّ على الجهميّة) للإمام أبي سعيد الدارمي في باب استواء الربّ تبارك وتعالى على العرش وارتفاعه إلى السماء، وفيه يردّ على من قال بأنّ الله في كلّ مكان، ويستدلّ بأدلّة واهية وضعيفة، ومن لوازم كلّ ما استدلّ به أن يكون الله تعالى محدوداً بحَدّ، وممّا يقوله:

(ولو كان على ما يدّعي هؤلاء الزائغة أنّه تحت الأرض وفوقها كما هو


1- مسائل الإمام ابن حنبل وابن راهويه، رواية حرب بن إسماعيل الكرماني: ص35٩.

ص: 118

على العرش فوق السماء السابعة، لقال جلّ ذكره في بعض الآيات: إنّا أطْلعناهُ إليك، ورفعناه إليك، وما أشبهه. وقال: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ (مريم: 64 و نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (الشعراء: 1٩3) . . . فظاهر القرآن وباطنه يدلّ على ما وصفناه من ذلك. . . فمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى الله الذي استوى على العرش فوق سماواته، وبانَ من خلقه، فإنّما يعبد غير الله، ولا يدري أين الله. . . ثمّ ما قد رُوي في قبض الأرواح، وصعود الملائكة بها إلى الله تعالى من السماء، وما ذكر رسول الله (ص) من قصّته حين أُسري به فَعُرِج به إلى سماء بعد سماء، حتّى انتهي به إلى السدرة التي ينتهي إليها علم الخلائق. . . ولو كان في كلّ مكان كما يزعم هؤلاء، ما كان للإسراء، والبراق، والمعراج، إذاً من معنى) (1).

الثالث : ما ورد في كتاب (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية) لابن بطّة العكبري الحنبلي، المتوفّى سنة 387 ه-، وفيه يقول: (قال حرب: قلت لإسحاق بن راهويه: العرش بحدّ؟ قال: نعم، وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائنٌ من خلقه بحَدّ) (2).

الرابع : ما ورد في كتاب (السنّة) للإمام أبي عبد الرحمن عبد الله ابن إمام أهل السنّة أحمد بن محمّد بن حنبل، المتوفّى سنة 2٩٠ه-، وفيه يقول: (وسمعت عبد الله - بن المبارك - يقول: نعرف ربّنا فوق سبع سماوات على العرش بائنٌ من خلقه بحَدّ) (3).


1- الردّ على الجهميّة: ص54-57.
2- الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: ج3 ص161.
3- السنّة: الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل: ج1 ص175.

ص: 119

الخامس : ما ورد في كتاب (درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) لابن تيميّة، وفيه: (قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك - وقيل له: كيف نعرف ربّنا؟ - قال: في السماء السابعة على عرشه بحَدّ، فقال أحمد: هكذا هو عندنا) (1).

السادس : ما ورد في كتاب (العلوّ للعليّ العظيم) للذهبي الشافعي

الأثري، المتوفّى سنة 748ه-، حيث يشير فيه إلى نفس المطلب (2).

السابع : ما ورد في كتاب (اجتماع الجيوش الإسلاميّة) للإمام ابن القيم، فقد ورد فيه أيضاً نفس المطلب، مع بيان موقف ابن القيم من بعض الفرق، فراجع (3).

الثامن : ما ورد في كتاب (إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس على عرشه) الذي صنّفه الدشتي المتوفّى سنة 665 ه-. وقد أحصى واستقرأ في الكتاب من صرّح بإثبات الحدّ لله تعالى من سنة 181ه- إلى وقتنا الحاضر.

وهم: عبد الله بن المبارك، الحميدي عبد الله بن الزبير، سعيد بن منصور، أحمد بن حنبل، إسحاق بن راهويه، حرب بن إسماعيل الكرماني، الأثرم بن محمّد بن هانئ، عثمان بن سعيد الدارمي، عبد الله بن أحمد بن حنبل، الخلاّل أبو بكر أحمد بن محمّد، أبو عبد الله بن بطّة العكبري، يحيى بن عمّار السجستاني، أبو القاسم ابن منده، أبو إسماعيل الأنصاري الهروي، أبو الحسن الجزري، القاضي أبو يعلى، أبو العلاء الهمداني، أبو القاسم التيمي،


1- درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: ج2 ص34.
2- العلوّ للعلي العظيم: ج2 ص1122.
3- اجتماع الجيوش الإسلاميّة: ص226.

ص: 120

ابن الزاغوني، الدشتي، وشيخ الإسلام ابن تيميّة، ابن القيم، ابن أبي العزّ الحنفي، يوسف بن عبد الهادي، الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي، الشيخ سليمان بن سحمان النجدي، الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ الفوزان (1).

ومجموع هؤلاء من المتقدّمين والمتأخّرين القائلين بإثبات الحَدّ لا يتجاوز عددهم الثمانية وعشرين.

وفي مقابلهم الآلاف من علماء مدرسة أهل السنّة لم يوافقوهم على رأيهم، فكيف يحقّ لهم أن يدلّسوا ويكذبوا على جمهور الأمّة ويوهموهم بأنّ هذا الرأي هو رأي أهل السنّة والجماعة! ؟

ولو اطّلع جمهور المسلمين على مثل هذه الحقيقة هل سيسكتون أم سيحاسبون من كذب عليهم وافترى وادّعى أنّه يمثِّل منهج أهل السنّة والجماعة؟

إذن هذه النظريّة (إثبات الحَدّ) بغضّ النظر عن مدرسة أهل البيت ليست نظريّة أهل السنة والجماعة، وإنّما ابتدأت بعبد الله بن المبارك، ثمّ جاءت إلى أن وصلت إلى البعض من قبيل الدارمي والزاغوني، إلى أن أحياها من جديد ابن تيميّة، ثمّ الاتجاه الوهّابي الذي يدّعي أنّه من أتباع ابن تيميّة. واستعملوا مختلف التعابير بحقّ من خالفهم، حتّى وصل الأمر بأحدهم إلى عنونة كتابه بعنوان (قمع الدجاجلة) - جمع دجّال - وهل هذا تعبيرٌ ينسجم مع تعابير أهل العلم ومَن يحترم نفسه؟


1- راجع إثبات الحدّ لله تعالى: ص31، المبحث الخامس (من صرّح من أهل العلم بإثبات الحدّ لله تعالى) .

ص: 121

ابن حنبل وحقيقة موقفه في الحدّ

اختلفت الأقوال في القول المنسوب لعبد الله بن المبارك، فكما نقل البعض - كما ذكرنا - القول بأنّه أوّل من نُسب إليه القول بإثبات الحَدّ لله تعالى، كذلك نقل البعض الآخر عدم صحّة هذه النسبة إليه.

وهكذا الحال بالنسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل، وقد نقلنا فيما سبق بعض كلماته التي يُثبت فيها رأيه بإثبات الحَدّ لله تعالى. إلّا أنّ هذه النسبة لم تكن

موضع إجماع حيث أشار البعض إلى عدم صحّة هذا الكلام.

إذن يوجد في الكلمات الواردة عن الإمام أحمد بن حنبل في مسألة الحَدّ وجهان:

الوجه الأوّل : ينفي الحدّ عن الله سبحانه وتعالى، وبهذا يتّفق مع جمهور المسلمين بمختلف اتّجاهاتهم.

الوجه الثاني : هو الرأي الذي يُنسب إليه وقوله بإثبات الحَدّ لله سبحانه. والشواهد على ذلك كثيرة منها:

ما ذكره الدشتي في كتاب (إثبات الحَدّ لله وأنّه جالسٌ وقاعد على عرشه) ، يقول: (وممّن ورد عنه النفي والإثبات سويّاً الإمام أحمد بن حنبل) (1).

وهذا ما أشار إليه ابن تيميّة في كتاب (درء تعارض العقل والنقل) ، وفيه يقول: (فقول أحمد: «إنّه ينظر إليهم ويكلّمهم كيف شاء وإذا شاء» ، وقوله: «هو على العرش كيف شاء وكما شاء» ، وقوله: «وهو على العرش بلا حَدّ كما قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كيف شاء» ، المشيئة إليه، والاستطاعة له، ليس كمثله شيء) (2).


1- إثبات الحَدّ لله وأنّه جالس. . . : ص25.
2- درء تعارض العقل والنقل: ج2 ص133.

ص: 122

فهنا ينقل ابن تيميّة عن ابن حنبل قوله بأنّه تعالى على العرش، ولكن ليس له حدّ، وفي موضعٍ آخر من الكتاب يقول: (. . . قلت لأحمد بن حنبل يحكى عن ابن المبارك، وقيل له كيف نعرف ربّنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحدّ، فقال أحمد: هكذا هو عندنا) (1).

وبهذا ينقل عنه الرأي الآخر الذي يثبت فيه الحدّ له تعالى.

وهذا ما أفسح المجال أمام جملة من الحنابلة، وممّن يهتمّون بكلمات ابن حنبل لإيجاد مخرَج له بالقول بالحَدّ أو عدمه.

ومن الشواهد أيضاً ما ذكره أبو يعلى الفرّاء المعروف بالتجسيم، وصاحب كتاب (إبطال التأويلات) ، ونحن ننقل كلامه عن الشيخ ابن تيميّة في كتابه (تلبيس الجهميّة) ، حيث يقول عندما يأتي على ذكر رأي أحمد بن حنبل:

(ثمّ قال - أي القاضي أبو يعلى -: ويجب أن يحمل اختلاف كلام أحمد في إثبات الحَدّ على اختلاف حالتين، فالموضع الذي قال: إنّه على العرش بحدّ معناه: أنّ ما حاذى العرش من ذاته هو حدٌّ له وجِهَةٌ له، والموضع الذي قال: هو على العرش بغير حدّ، معناه: ما عدا الجهة المُحاذية للعرش، وهي الفوق، والخلف والأمام واليمنة واليسرَة - فهذه كلّها ليس لها حَدّ - وكان الفرق بين جهة التحت المحاذية للعرش وبين غيرها ما ذكرنا أنّ جهة التحت تُحاذي العرش، بما قد ثبت من الدليل، والعرش محدود، فجاز أن يوصف ما حاذاه من الذات أنّه حدّ وجهة، وليس كذلك فيما عداه؛ لأنّه لا يحاذي ما هو محدود، بل هو مارّ - أي مستمرّ - في اليمنة، واليسرة، والفوق. . . إلى غير


1- المصدر نفسه، ج2 ص34.

ص: 123

نهاية، فلهذا لم يوصف واحد من ذلك بالحَدّ والجهة» (1).

وقبل ذكر ما نقله ابن تيميّة بعد ذلك عن القاضي أبو يعلى الفراء، نشير إلى أنّ مراد ابن تيميّة هو أنّ قول ابن حنبل بأنّ الله محدود صحيح، وقوله بأنّه غير محدود صحيح، وبيان ذلك بما يلي:

لو فرضنا أنّ وجود الله تعالى بهذا الجسم، فإنّ هذا الجسم له جهاتٌ ستّ، تحت، فوق، يمين، شمال، أمام، خلف. وعندما يقول ابن حنبل بأنّه محدود فمراده أو مقصوده أنّه محدود من جهة التحت لأنّه جالس على العرش، فمن هذه الجهة له نهاية، أما لو جئنا إلى سائر الجهات فهو غير متناهٍ، ولا حدّ له، فمن الأمام وجوده غير متناهٍ، وهكذا من الشرق و. . . فالله تعالى محدود ومتناهٍ من جهة واحدة، و غير متناهٍ من جهات خمس.

وبهذا جمع أبو يعلى الفراء بين كلمات أحمد بن حنبل الذي قال بأنّه تعالى محدود وغير محدود بحسب نقل ابن تيميّة.

إلّا أنّ ابن تيميّة لم يوافق على توجيه الفرّاء واعتبر أنّه مشتبه، وأنّ الصحيح هو أنّه تعالى محدود من جميع جهاته الستّ كأيّ جسم، وهذا ما صرّح به في نفس الكتاب (تلبيس الجهميّة) ، وفيه يقول: (وأمّا ما ذكره القاضي من إثبات الحَدّ من ناحية العرش فقط، فهذا قد اختُلف فيه كلامه، وهو قول طائفة من السنّة، والجمهور على خلافه، وهو الصواب) (2)أي أنّه محدودٌ من جميع الجهات.

وكذلك ذكر هذا المعنى وأشار إليه في موضعٍ آخر من الكتاب، قال: (ولو كان مراد أحمد الحَدّ من جهة العرش فقط لكان ذلك معلوماً لعباده،


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص24-25.
2- المصدر نفسه: ج3 ص737.

ص: 124

فإنّهم قد عرفوا أنّ حدّه من هذه الجهة - أي من التحت - هو العرش، فعُلم أنّ الحَدّ الذي لا يعلمونه مطلق لا يختصّ بجهة العرش) (1).

ومن الشواهد الأخرى على الاختلاف في النقل عن الإمام أحمد بن حنبل، ما ذكرناه من قول الدشتي: (وممّن ورد عنه النفي والإثبات سَويّاً:

الإمام أحمدبن حنبل) (2).

وتعليقاً على هذا الكلام من الدشتي جاء في كتاب إثبات الحَدّ تعليق آخر للشيخ ابن تيميّة منقولٌ عنه من كتاب تلبيس الجهميّة، بعد أن نقل كلام الإمام أحمد في نفي الحدّ، قال: (فهذا الكلام من الإمام أبي عبد الله أحمد يُبيّن أنّه نفى أنّ العباد يحدّون الله تعالى، أو صفاته بحدٍّ، أو يقدّرون ذلك بقدرٍ، أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك، وذلك لا يُنافي ما تقدّم من إثبات أنّه في نفسه له حَدٌّ يعلمه هو لا يعلمه غيره، أو أنّه هو يصف نفسه، وهكذا كلام سائر أئمّة السَّلف، يثبتون الحقائق، ويُنفون علم العباد بكنهها) (3).

وقال أيضاً في درء تعارض العقل والنقل: (فهذا مثاله ممّا نقل عن الأئمّة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبيّنوا أنّ ما أثبتوه له من الحَدّ لا يعلمه غيره، كما قال مالك وربيعة وغيرهما: «الإستواء معلوم، والكيف مجهول» ، فبيّن أنّ كيفيّة استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله الماجشون وغير واحدٍ من السَّلف والأئمّة ينفون علم الخلق بقدره وكيفيّته) (4).


1- المصدر نفسه: ج3 ص26.
2- إثبات الحدّ لله تعالى: ص25.
3- المصدر نفسه: ص25.
4- درء تعارض العقل والنقل: ج2 ص35.

ص: 125

الطحاوي ومخالفته لابن تيمية في إثبات الحدّ

سعى ابن تيميّة وأتباعه سعياً حثيثاً للادّعاء بأنّ نظريّته وقوله بإثبات الحَدّ لله تعالى هي نظريّة أهل السنّة والجماعة، وبالتالي رتّب نتائج خطيرة على ذلك، منها تكفير المخالف واتّهامه والافتراء عليه بالابتداع والشرك وما شابه ذلك.

ولنا هنا أن نسأل: هل هذه هي واقعاً نظريّة أهل السنّة؟ أم أنّ أقوال علمائهم تتنافى مع ما قاله ابن تيميّة، حيث نجد في موارد كثيرة كلمات لهم تنفي عن الله تعالى الحدود والجهات والأعضاء والأركان والمكان والحيّز والجسم.

والمؤيّدات والشواهد على هذا الاختلاف بين أهل السنّة وبين ابن تيميّة لا تُعدّ ولا تُحصى نكتفي ببعضها، وهي ما ورد في (شرح العقيدة الطحاويّة) تأليف الإمام القاضي محمّد بن أبي العزّ الدمشقي، حقّق الكتاب وعلّق عليه وخرّج أحاديثه وقدّم له الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط.

ويعتبر صاحب شرح العقيدة الطحاويّة واحداً من كبار أعلام مدرسة أهل السنّة والجماعة، وفيه يقول ابن الجوزي: (كان ثبتاً فقيهاً فهماً عاقلاً) (1).

وقال فيه الإمام الذهبي: (الإمام العلاّمة الحافظ الكبير) (2).

وقال ابن كثير: (الفقيه الحنفي صاحب التصانيف المفيدة والفوائد الغزيرة، وهو أحد الثقات الأثبات والحفّاظ الجهابذة) (3).


1- شرح العقيدة الطحاوية: ص33.
2- سير أعلام النبلاء: ج15 ص27.
3- البداية والنهاية: ج11 ص186.

ص: 126

وعن قيمة كتابه يقول المحقّقان التركي والأرناؤوط: (أمّا بعد، فقد ألّف الإمام أبو جعفر أحمد الطحاوي رسالة ضمّنها ما يحتاج المكلّف إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من أصول الدِّين كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوّة والمعاد في قضايا الاعتقاد ومسائله وما يمتّ إليها بسبب، على طريقة أهل السنّة والجماعة من السلف الصالح) (1).

ثمّ يقولان في موضعٍ آخر: (العقيدة الطحاويّة وهي أصل هذا الشرح، وقد حظيت بشهرة ونالت قبول أهل السنّة وإعجابهم على اختلاف مذاهبهم فتناولوها بالشرح والبيان) (2).

إذن ما ورد في رسالة الإمام الطحاوي هو نظريّة أهل السنّة والجماعة وأئمّة السلف.

يقول الطحاوي: (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء، لا تحويه الجهات كسائر المبتدعات) (3).

ابن حجر العسقلاني ومخالفته لابن تيمية في إثبات الحدّ

كما هو معلوم في هويّة ابن حجر وانتمائه العقائدي والفكري، فإنّه واحدٌ من الأعلام الذين خالفوا أصحاب نظريّة الحَدّ، ولم يوافق على ما قالوه، وبالتالي تنهدم أُسس ابن تيميّة الذي حاول وغيره الادّعاء بأنّ مسألة إثبات الحدّ من المسائل المتّفق عليها بين علماء أهل السنّة.

أمّا رأي العسقلاني، فقد ورد في تعليق الذهبي على قصّة إخراج ابن حبّان من سجستان بسبب إنكاره الحَدّ لله تعالى، إذ قال: (وقال هو - يعني


1- شرح العقيدة الطحاوية: ص7.
2- المصدر نفسه: ص35.
3- المصدر نفسه: ص211.

ص: 127

المثبت للحدّ، للنافي -: ساويت ربّك بالشيء المعدوم، إذ المعدوم لا حَدّ له) .

فقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان، مُعلِّقاً على قول الذهبي هذا: (قوله: «ساويتَ ربَّكَ بالشيء المعدوم، إذ المعدوم لا حَدّ له» ، نازلٌ - أي كلامٌ

ساقطٌ - فإنّا لا نُسلّم أنّ القول بعدم الحَدّ يُفضي إلى مساواته بالمعدوم بعد تحقيق وجوده) (1).

وقال ابن حجر مُعلِّقاً على قول الذهبي «بدت من ابن حبّان هفوة طعنوا فيه بها» : (إن أراد القصّة الأولى التي صدّر كلامه - أي إخراجه من سجستان بسبب إنكاره للحدّ - فليست هذه بهفوة، والحقّ أنّ الحقّ مع ابن حبّان فيها! !

وإن أراد الثانية - أي قول ابن حبّان: النبوّة والعلم - فقد اعتذر هو عنها أوّلاً، فكيف يحكم عليه بأنّه هفا؟ ! ماهذا إلّا تعصّبٌ زائدٌ على المتأوّلين! !

وابن حبّان قد كان صاحب فنون وذكاء مُفرط وحفظ واسع. . .) (2).

المنكرون للحدّ من أئمة السنة

تبيّن لنا من خلال أسباب القول بالحدّ لله تعالى لدى البعض أنّ هذا القول كان منشؤُه ما اشتهر عن الجهميّة إنكارهم الحدّ عن الله تعالى، ثمّ تلقّفها عنهم كثيرٌ ممّن تأثّر منهم؛ قال ابن تيميّة في بيان تلبيس الجهميّة: (هذه الصفات السلبيّة، وإبطال نقيضها، مثل قولهم: ليس فوق العالم، ولا هو داخل العالم، ولا خارجه، وليس في مكانٍ دون مكان، وليس بمتحيّز، ولا جوهر، ولا جسم، ولا له نهاية، ولا حَدّ، ونحو هذه العبارات، فإنّ هذه العبارات جميعها وما أشبهها لا تُؤثَرُ عن أحدٍ من الصحابة والتابعين، ولا


1- لسان الميزان: ج5 ص114.
2- المصدر نفسه، للتفصيل في هذا النقاش انظر إثبات الحدّ لله تعالى: ص48-4٩.

ص: 128

من أئمّة الدِّين المعروفين، ولا يروى بها حديثٌ عن رسول الله (ص) ، ولا توجد في شيء من كُتب الله المُنزلَة من عنده، بل هذه هي من أقوال الجهميّة، ومن الكلام الذي اتّفق السَّلف على ذمّه؛ لما أحدثه من أحدثه، فحيث ورد في كلام السلف ذمّ الجهميّة كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك، وحيث ورد عنهم ذمّ الكلام والمتكلِّمين كان أهل هذه العبارات داخلين في ذلك؛ فإنّ ذلك لمّا أحدثه المبتدعون كثر ذَمّ أئمّة الدِّين لهم، وكلامهم في ذلك كثير قد صُنِّفَ فيه مُصنّفات، حتّى إنّ أعيان هذه العبارات وأمثالها ذكرها السلف والأئمّة فيما أنكروه على الجهميّة وأهل الكلام المحدَث) (1).

إذن يعتبر ابن تيميّة بأنّ مسائل متعدّدة ومنها نفي الحَدّ لم تُؤثَر ولم ترِد في عبارات الصحابة والتابعين، ولم يُنقل فيها أحاديث عن النبيّ (ص) ، بل هي من أقوال الجهميّة، وأنّ أئمّة السّلف اتّفقوا على ذمّ كلام الجهميّة وما أبدعوه.

ولكن ماذا يفعل ابن تيميّة بطائفة كبيرة من علماء السّلف وأئمّة السُّنّة ممّن أنكروا إثبات الحَدّ لله تعالى.

والأعجب من ذلك أنّ هذا الإنكار الوارد عن علماء السنّة نقله الدشتي في كتابه إثبات الحدّ لله تعالى فقال:

«وممّن ذُكِرَ عنه نفي الحدّ لله تعالى من الجهميّة وغيرهم من الطوائف:

1. إمام الجهميّة: الجهم بن صفوان (128ه-) .

2. بِشر المريسيّ (218ه-) .

3. أحمد بن أبي دؤاد القاضي (24٠ه-) .


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج6 ص683.

ص: 129

4. أحمد بن الحسين البيهقي (468ه-) . أنكر الحدّ في كتابه (الأسماء والصفات) .

5. ابن حبّان (354ه-) . والذي بسبب إنكاره للحدّ أُخرج وطرد من سجستان.

6. الطحاوي (321ه-) . قال في عقيدته الطّحاويّة: (وتعالى عن الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، لا تحويه الجهات السِّت كسائر المبتدعات) .

7. الخطابي (388ه-) . أنكر الحَدّ لله تعالى في رسالته التي سمّاها: (الرسالة الناصحة) ، فقال: (ومن هذا الباب أنّ قوماً منهم زعموا أنّ لله حدّاً، وكان أعلى ما احتجّوا به في ذلك، حكاية عن ابن المبارك. . .) .

8. صاحب كتاب (البدء والتاريخ) المنسوب للمطهّر بن طاهر المقدسي (355ه-) .

٩. عياض (544ه-) .

1٠. وتبعه النووي كعادته في (شرح صحيح مسلم) .

11. عبد الوهّاب بن علي السُّبكي (771ه-) في كتابه (طبقات الشافعيّة) .

12. ابن حجر العسقلاني.

13. وقد زعم بعض المعاصرين من الروافض ممّن ينسب نفسه للحنبليّة والسلفيّة تدليساً في كتابه: (قراءة في العقائد) . . . وهذا من ضلاله وتلبيسه على الجُهّال والضُّلال أمثاله. . . .

14. ومنهم: السَّفّاريني قال في (دُرَّته) :

سُبحانه قد استوى كما وَرَد مِن غير كيفٍ قد تعالى أن يُحَدّ

ص: 130

. . . والسفاريني وإن كان يدّعي الحنبليّة والسنّة، إلّا أنّه أُخذت عليه مسائل في السنّة خالف فيها أهل السنّة، شأنه شأن كثير من المتأخّرين الذين لم

يأخذوا السنّة من المعِين الصافي من السلف الصالح، ومن تبعهم، وإنّما أكثروا القراءة في كتب الأشاعرة والكلام.

15. ومنهم: محمّد حامد الفقي - مؤسّس جمعية أنصار السنّة بمصر والسودان - في حاشية تحقيقه على (طبقات الحنابلة) .

16. ومنهم: شعيب الأرناؤوط في (مقدّمة ترتيب صحيح ابن حبّان) ، ج1، ص23-24» (1).

وفي مقدّمة التحقيق لكتاب إثبات الحَدّ لله تعالى ينقل محقّق الكتاب عن الألباني في كتابه: (مخطوطات دار الكتب الظاهريّة) أنّه قال في فهرست الكتاب عند ذكره لكتاب إثبات الحَدّ معلّقاً: (ليس فيه ما يشهد لذلك من الكتاب والسنّة) (2).

حكم المُنكرِين للحدّ عند مثبتيه

كما كفّر أصحاب مدرسة التجسيم كلّ من خالفهم في الرأي، كان حالهم في تكفيرهم لكلّ من أنكر الحدّ لله تعالى.

ونقل الدشتي في كتاب (إثبات الحدّ لله تعالى) حُكم من أنكر الحدّ لله تعالى، وموقف أهل السنّة منهم - بحسب دعواه - فقال:

«أنكر أئمّة أهل السنّة على الجهميّة نفيهم الحدّ لله تعالى، ومنهم:

1. قال عثمان الدارميّ في النقض على المريسي:

(من ادّعى أن ليس لله حدّ فقد ردّ القرآن، وادّعى أنّه لا شيء، لأنّ الله


1- انظر للتفصيل: إثبات الحَدّ لله تعالى: ص44-51.
2- المصدر نفسه: ص(٨).

ص: 131

وصف حدّ مكانه في مواضع كثيرة في كتابه فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 5 ، ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ (الملك: 16 ، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ (النحل: 50) . فهذا كلّه وما أشبهه شواهد ودلائل على الحدّ، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله، وجَحَد آياته) .

قلت: فنفي الحَدّ عند الدارمي يستلزم نفي عُلوّ الله على خَلقه واستوائه على عرشه، ونفي ذلك كفرٌ بإجماع المسلمين.

2. قال أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن منده:

(ولا دينَ لمَن لا يرى لله الحَدّ، لأنّه يُسقط من بينه وبين الله الحاجز، والحجاب، والإشارات، والخطاب) .

3. قال الدشتي: فمِن مذهب أصحاب الحديث الذين هم أهل السنّة وأئمّة المسلمين وعلماؤهم؛ يعتقدون ويشهدون أنّ من قال: (ليس لله حَدّ) يعني بذلك أنّ الله في كلّ مكان. . . فقد ارتدّ عن دين الإسلام، ولحق بالمشركين، وكفر بالله وآياته) .

وأمّا موقف بعض أهل السنّة ممّن أنكر الحدّ:

قال أبو إسماعيل الهروي في ذمّ الكلام: سألت يحيى بن عمّار عن أبي حاتم بن حبّان البُستي، قلت: رأيته؟

قال: كيف لم أره، ونحن أخرجناه من سجستان! كان له علمٌ كثير، ولم يكن له كبير دين، قدِم علينا، فأنكر الحدّ لله، فأخرجناه من سجستان.

ويحيى بن عمّار من الأئمّة، وأمّا ابن حبّان فهو من مُعطّلة الصِّفات كما هو ظاهر في كتابه الصحيح» (1).


1- إثبات الحدّ لله تعالى: ص42-44.

ص: 132

موقف أهل البيت (ع) من الحدّ

من البديهيّات الواضحة في مدرسة أئمّة أهل البيت (ع) أنّ الله عزّ وجلّ ليس له حدّ، ينتهي عنده، بل إنّ ذلك من ضروريّات مذهبهم المتمثّلة بالروايات الصادرة عنهم، والتي لا تحتاج إلى البحث السندي نظراً لتواترها اللفظي والمعنوي، ومن أنكر ذلك عليهم فقد خرج من المذهب، كما هو الحال في إنكار عصمتهم التي تقضي الخروج من المذهب وليس من الدِّين.

وهذه طائفة من الروايات الواردة في مسألة التجسيم والحدّ وما شاكل:

الرواية الأولى : رواها ثقة الإسلام الكليني في كتابه (الكافي) ، في ما ورد في كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف الله به نفسه وفيها:

«. . . فكتب بخطّ يده (ع

) : سبحان من لا يحدّ ولا يوصف، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، أو قال: البصير» (1)

.

الرواية الثانية: رواها أيضاً الكليني في (الكافي) ، في باب الحركة والانتقال وفيها: «عن أبي إبراهيم (الإمام الكاظم (ع)) ، قال: ذكر عنده قومٌ يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدُّنيا، فقال:

إنّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، وإنّما منظره في القُرب والبُعد سواء، لم يبعد منه قريب، ولم يقرُب منه بعيد، ولم يحتج إلى شيء، بل يُحتاج إليه. . . .

أمّا قول الواصفين: إنّه ينزل تبارك وتعالى، فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكلّ متحرّك محتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنَّ بالله الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حدٍّ تحدّونه بنقص أو زيادة أو تحريك أو تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فإنّ الله جلّ وعزّ عن


1- الكافي: ج1 ص146، ح5.

ص: 133

صفة الواصفين ونعت الناعتين وتوهّم المتوهّمين، وتوكّل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلّبك في الساجدين» (1)

.

الرواية الثالثة : رواها الشيخ الصدوق في كتاب (التوحيد) ، وفيها: «خطب أمير المؤمنين يوماً خطبة بعد العصر، فعجب الناس من حسن صفته وما ذكره من تعظيم الله جلّ جلاله، قال أبو إسحاق: قلت للحارث أما حفظتها؟ قال: قد كتبتها فأملاها علينا من كتابه، وممّا جاء فهيا

: الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد. . . والمتعالي على الخلق بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم، ليس له حَدّ ينتهي إلى حدّه. . .» (2).

الرواية الرابعة : أيضاً رواها الصدوق في كتاب (التوحيد) وفيها: عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال:

«بل هو الخالق للأشياء لا لحاجةٍ، فإذا كان لا لحاجة استحال الحدّ والكيف فيه، فافهم إن شاء الله تعالى» (3)

.

هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من روايات في مطاوي هذا البحث، وكذلك كلمات علماء الشيعة الإماميّة الذين كان موقفهم واضحاً في نفي الحدّ عن الله تعالى، وعدم موافقتهم بأيّ شكلٍ من الأشكال على هذا المُعتقَد الفاسد، والذي يتناقض مع وحدانيّة الله تعالى، وتنزيهه.

المسافة بين الله والخلق

كما اعتقد ابن تيميّة وأتباعه بتمايز الخالق عن مخلوقاته كتمايز بعضها عن


1- المصدر نفسه: ج1 ص(٨)2، ح1، باب الحركة والانتقال، والتوحيد للصدوق: ج1 ص311، ح1، باب 1٩ من كتاب التوحيد.
2- المصدر نفسه: ج1 ص2٠8، ح7.
3- المصدر نفسه: ج1 ص212، ح5، وكتاب التوحيد للصدوق: ج1 ص353، ح6.

ص: 134

بعض، فأثبتوا له الحَدّ، كذلك اعتقدوا بالتمايز بينه وبينهم بالمسافة والتباعد عنهم بذلك، فقالوا بوجود مسافة بين الله والمخلوقات.

وممّا يبيّن لنا حقيقة هذا المعتَقَد ما ورد في كتاب (التوحيد) للإمام ابن خزيمة المتوفّى سنة 311ه-، حيث أوضح لنا المسافة بين الخالق والمخلوقات فقال: «عن عبد الله قال: ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كلّ سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام - فإذا فرضنا أنّها سبع سماوات، فتكون المسافة ثلاث آلاف وخمسمائة - وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش. . .» (1).

والرواية المذكورة لا تبيّن لنا أنّ هذه المسافة هل التباعد فيها بالسنة الضوئيّة أم بغيرها؟

وعلى هذا الأساس قالوا بأنّ الله عزّ وجلّ له مكانٌ موجودٌ فيه، وهو ليس في مكانٍ آخر، فالله تعالى في مكان، والمكان الآخر يخلو منه.

فماذا يفعل هؤلاء بقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ (الحديد: 4 ؟

وقوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16 ؟

وقوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي. . . (البقرة: 186 ؟

وإلى هنا يتبيّن لنا نقطتان هامّتان:

الأولى : أنّ القائلين بشكل عام إنّ الله تعالى محدود بحدّ هم نسبة قليلة، ولا يتجاوز عددهم العشرين من علماء المسلمين، وليس هذا هو رأي أهل


1- كتاب التوحيد وإثبات صفات الربّ عزّ وجلّ: ج1 ص242.

ص: 135

السنّة، ولا رأي أئمّة السلف، وليس عليها إجماعٌ ولا اتّفاق، بل هي مسألة مُستحدَثة.

الثانية : أنّ القائلين بأنّه تعالى محدود هم على اتّجاهين:

الأوّل: أنّه محدود من جهة التحت فقط، أمّا من سائر الجهات فالله ليس محدوداً، كما نقلنا عن كلام ابن حنبل وأبي يعلى الفرّاء.

الثاني: أنّه تعالى محدود من جميع الجهات الستّ، وهذا ما اختاره ابن تيميّة ومن تبعه من المتأخّرين والمعاصرين.

ص: 136

ص: 137

الركن الثاني: أنّ الله تعالى له حيز وحجم وجهة

اشارة

التحيّز والحجم لله في رأي ابن تيمية

الجهة لله تعالى في رأي ابن تيمية

الثقل والوزن لله عند ابن تيمية

مكان الله تعالى

الاستواء على العرش في نظر المجسّمة

ابن تيمية وصفات الخالق والمخلوق

ص: 138

ص: 139

التحيز والحجم لله في رأي ابن تيمية

من الأمور التي تعتبر من مرتكزات فكر وعقيدة ابن تيميّة القول بالحيّز والحجم لله تعالى، والتحيّز أحد نتائج القول بأنّ الله محدود بجهاته الست، فهما متلازمان ولا ينفكّ أحدهما عن الآخر.

والمراد من التحيّز هو أنّ له تعالى حجماً يشغله، كالكتاب الذي له طولٌ وعرض وعمق، ويشغل حجماً معيّناً، فليس المقصود أنَّ الكتاب شيء والحجم شيء آخر، لأنّ الحيازة والتحيّز من ذات الشيء وحقيقته.

يقول ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) في مقام بيانه لمعنى التحيّز: (التحيّز: هو الحصول في الحيّز، والحيّز عند المتكلِّمين: هو الفراغ المتوهّم الذي يشغله شيء ممتدّ كالجسم أو غير ممتدّ كالجوهر الفرد) .

ثمّ بعد ذلك يشير إلى التلازم بين القول بالحَدّ والتحيّز فيقول في (بيان تلبيس الجهميّة) : (أتعني بالتحيّز ما هو من لوازم المتحيّز، وهي نهايته وحدّه الداخل في مسمّاه. . . فيُقال له بل يجب في سائر الذوات المتحيّزة، أن يكون لكلّ منها تحيّز يخصّه، وهو قدره - أي مقداره - ونهايته التي تحيط به) (1).

فيستحيل - وفقاً لابن تيميّة - أن تكون هناك ذات إلهيّة وليس لها حيّز خاصّ بها، لتتميّز عن الذوات الأخرى.

ثمّ يقول: (ويلزمه الحيّز الذي هو تقدير المكان، أو لا نسلّم أنّه ممتنع، والقدر الحيّز الداخل في مسمّى المتحيّز الذي هو من لوازمه - أي لوازم الحقّ


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3، ص15.

ص: 140

تعالى - أبلغ من صفاته الذاتيّة) . فهو لا يسلّم بأنّ الحيّز ممتنع عليه سبحانه، بل هو من الأمور الذاتيّة التي لا تنفكّ عنه، من قبيل الزوجيّة التي لا تنفكّ عن الأربعة، وكما أنّ من لوازم الجسم الحجم، كذلك من لوازم الحَدّ لله تعالى أن يكون له حيّز، والتحيّز لازم له تعالى أبلغ وأقوى من لزوم العلم له تعالى. ثمّ يقول بعد ذلك: (فإنّ كلّ موجود متحيّز بدون الحيّز الذي هو جوانبه) (1).

الجهة لله تعالى في رأي ابن تيمية

بعد أن ثبت في رأي ابن تيميّة وجود التحيّز والحيّز لله تعالى، فهل له تعالى جهة في رأيه؟ وإذا كان له جهة أفي كلّ الجهات هو، أم في جهةٍ معيّنة؟

يرى ابن تيميّة بأنّه من المستحيل أن لا يكون الله تعالى في جهة.

والمقصود من الجهة هي: أن يكون في الأعلى أو الأسفل أو الأمام. . . .

ويعرّف ابن تيميّة المقصود من الجهة في (بيان تلبيس الجهميّة) فيقول: (الجهة في الأصل هي الجانب والناحية، والموضع الذي تتوجّه إليه وتقصده، والجهة والحيّز متلازمان في الوجود؛ لأنّ كلّا ً منهما مقصد للمتحرّك الأيني - والمراد من الأين ما يُسأل به عن المكان - إلّا أنّ الحيز مقصد للمتحرّك بالحصول فيه، والجهة مقصد له بالوصول إليها والقُرب منها) (2).

وعن التلازم بين هذين الأمرين يقول ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) نقلاً عن القاضي أبو يعلى الفرّاء: (فاذا ثبت أنّه تعالى على العرش، فالعرش في جهة وهو على عرشه، وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك؛ لأنّ أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي


1- المصدر نفسه: ج3 ص7٩6 و 7٩8.
2- المصدر نفسه: ج3 ص14.

ص: 141

الاستواء على العرش، وأثبت أنّه في السماء، وكلّ من أثبت هذا أثبت الجهة. . . والدلالة عليه أنّ العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنصّ القرآن أنّه مستوٍ على العرش، فاقتضى أنّه في جهة، ولأنّ كلّ عاقل من مسلم وكافر إذا دعا الله تعالى فإنّما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء. . . .

واحتجّ ابن مندة على إثبات الجهة بأنّه لمّا نطق القرآن بأنّ الله تعالى على العرش، وأنّه في السماء، وجاءت السنّة بمثل ذلك، وبأنّ الجنّة مسكنه، وأنّه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في أنفسها، فدلّ على أنّه في مكان) (1).

ويقرّر ابن تيميّة جهة العلوّ لله تعالى في أكثر من موضع، ومنها ما ينقله المعلّق على كتاب إثبات الحَدّ وفيه: (والذي تقرّر في قلوب العامّة هو ما فطر الله عليه الخليقة من توجّهها إلى ربّها عند النوازل والشدائد والدعاء والرغبات إليه تعالى نحو العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يُسرة، من غير موقف وقّفهم عليه، ولكن فطرة الله التي فطرَ النّاس عليها، وما من مولودٍ إلّا وهو يولد على هذه الفطرة حتّى يُجَهِّمَهُ وينقله إلى التعطيل من يُقيَّضُ له. . .) (2).

فقوله: (والرغبات إليه تعالى نحو العلوّ) إشارة إلى وجود الله تعالى في جهة العلوّ.

أمّا عن مكان ومنطقة سكن الله عزّ وجلّ فهي في رأي ابن تيميّة السماء، وكأنّه تعالى بنى لنفسه قصراً في السماء مُحاطاً بحديقةٍ خضراء، ولذا قال: (وأنّه في السماء وجاءت السنّة بمثل ذلك، وبأنّ الجنّة مسكنه، وأنّه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في أنفسها، فدلّ على أنّه في مكان) (3).


1- المصدر نفسه: ج3 ص1٩-21.
2- إثبات الحَدّ لله تعالى: ص11٩.
3- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص21.

ص: 142

وبحسب التسلسل المنطقي للبحث، فإنّ إثبات الحَدّ لله تعالى يستلزم إثبات الحيّز له، وهذا بدوره يستلزم إثبات الجهة والناحية له تعالى، وإثبات الجهة يستلزم إثبات الموضع والمكان له عزّ وجلّ، وإلاّ لو لم يكن له موضع ومكان لكان معدوماً، كما جاء في تلبيس الجهميّة حيث يقول: (ولأنّ العوام لا يفرّقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضعٍ ما، وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم) (1).

وأكّد ابن تيميّة أيضاً على هذا المعنى في كتابه (شرح الرسالة التدمرية) بقوله: (ويُقال لمن قال إنّ الله تعالى في جهة: أتريد بذلك أنّ الله فوق العالم، أم تريد بالجهة شيئاً موجوداً فيكون الله تعالى داخلاً في المخلوقات؟ فإن أردت الأوّل فحقّ، وإنْ أردت الثاني فباطل) (2).

فهنا يصوّر عالم الإمكان وله سطح، ولا شيء فوقه، والله تعالى فوق هذا العالم، وسيأتي معنى القول منه بأنّ عرشه على سطح السماوات والأرض، والله مستقرّ فوقه.

ومن الذين سلكوا منهج ابن تيميّة في الإصرار على إثبات الجهة لله تعالى الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، فتاوى العقيدة) ، حيث قال في مناقشته واعتراضه على النافين للجهة لله تعالى: (وأمّا قولهم إنّ الله تعالى عن الجهات الستّ خالٍ، فهذا القول على عمومه باطل؛ لأنّه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له أعلم خلقه به وأشدّهم تعظيماً له، وهو رسوله محمّد (ص) ، من أنّه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلوّ، بل إنّ ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم، لأنّ الجهات الستّ هي


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص2٠.
2- شرح الرسالة التدمرية: ص2٠7، وفي بعض النسخ: ص٩7.

ص: 143

الفوق، والتحت، واليمين، والشمال، والخلف، والأمام، وما من شيءٍ موجود إلّا تتعلّق به نسبة إحدى هذه الجهات، وهذا أمرٌ معلوم ببداهة العقول، فإذا نفيت هذه الجهات عن الله لزم أن يكون معدوماً، والذهن وإنْ كان قد يفرض موجوداً خالياً من تعلّق هذه النسب به، لكن هذا شيء يفرضه الذهن ولا يوجد في الخارج، ونحن نؤمن ونرى لزاماً على كلّ مؤمن بالله أن يؤمن بعلوّه تعالى فوق خلقه، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنّة وإجماع السلف) (1)

وتابع الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب إمامه ابن تيميّة في مسألة إثبات الجهة كما جاء في كتاب (الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في الصِّفات) تأليف الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر، حيث يشير المؤلّف إلى نظريّة محمد بن عبد الوهّاب في الجهة فيقول: (ومن قال بأنّ الله ليس في جهة، قيل له: ما تريد بذلك؟ فإن أراد بذلك أنّه ليس فوق السماوات ربٌّ يُعبَد، ولا على العرش إلهٌ يُصلّى له ويُسجَد له، ومحمّد (ص) لم يُعرج به إلى الله، فهو معطّل) (2)

إذن نفس النظريّة التي آمنَ بها ابن تيميّة في إثبات المكان والجهة والحدّ ونحو ذلك يؤمن بها بشكلٍ صريح الشيح محمّد بن عبد الوهّاب وأتباعه في عصرنا الحاضر، ولا زالوا على إصرارهم في تكفير مَن خالفهم.

جاء في كتاب (الدرر السنيّة في الأجوبة النجديّة) جمع عبد الرحمن بن محمّد العاصمي النجدي الحنبلي، المتوفّى سنة 13٩2ه-: (وذكر النبيّ (ص) في معنى قول الله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ - الحديد: 3 - اللهُمَّ


1- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: ج1 ص13٠-131.
2- الفواكه العذاب في معتقد الشيخ محمّد بن عبد الوهاب في الصفات: ص٩5.

ص: 144

أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، فقوله: «فليس فوقك شيء» نصٌّ في أنّه تعالى فوق جميع المخلوقات، وهو الذي ورد عن الصحابة، والتابعين، من المفسّرين وغيرهم، في معنى قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى - طه: 5 - أنّ معنى استوى: استقرّ وارتفع وعلا، وكلّها بمعنى واحد، لا ينكر هذا إلّا جهمي زنديق. . . قاتلهم الله أنّى يؤفكون. . .) (1).

وقد خلط هذا الكاتب بين العلوّ والارتفاع؛ لأنّ معانيهما ليست واحدة، وعلى أيّ حال فإنّ الشاهد في قوله: لا ينكر هذا إلّا جهميّ زنديق، فتأمّل! .

الثقل والوزن لله عند ابن تيمية

وزاد ابن تيميّة على إثبات الجهة مسألة وجود الثقل لله تعالى عندما يجلس سبحانه على العرش، وأوّل من يشعر بهذا الثقل حَمَلَة العرش.

ينقل الدشتي في كتاب (إثبات الحَدّ) هذه الرواية: (إنّ الرحمن عزّ وجلّ سبحانه ليَثقُلُ على حملة العرش من أوّل النهار إذا قام المشركون حتّى إذا قام المسبّحون خُفِّف عن حَمَلَة العرش) (2)

وفي رواية أخرى ينقلها صاحب كتاب (السنّة) في قسم العقيدة، الإمام

أبو عبد الرحمن عبد الله ابن إمام أهل السنّة أحمد بن حنبل، المتوفّى سنة 2٩٠ه-، تحقيق الدكتور محمّد بن سعيد بن سالم القحطاني، ومع أنّ هذا الكتاب مشكوك فيه إلّا أنّ أصحاب المدرسة السلفيّة الحديثة يتقبّلونه.

وممّا جاء في الرواية: «

إنّ الرحمن يثقل على حملة العرش في أوّل النهار» (3)


1- الدرر السنيّة في الأجوبة النجديّة: ج3 ص218.
2- إثبات الحَدّ لله تعالى: ص164.
3- السنّة (قسم العقيدة) : ج2 ص455، الرواية رقم: 1٠26.

ص: 145

وفي حاشية الكتاب يعلّق الدكتور القحطاني على الحديث بالقول: (في سنده عبدة بنت خالد لم أقف لها على ترجمة) .

وحينما التفت إلى هذه الرواية ورأى فيها ما رأى وأنّها ليست مورد قبولٍ قال: (والذي أراه أنّ هذا كلامٌ في كيفيّة الصفة لا يدعمه دليلٌ صحيح، وما صحّ في كتاب الله وسنّة رسوله يُغنينا عن هذا) ؛ أي أنّنا لا نحتاج إلى القول بأنّ الله خفيفٌ أو ثقيل.

وممّا ينقله أيضاً عبد الله بن أحمد الحنبلي في كتابه مجموعة من الروايات التي يصحّحونها وفقاً لمعتقداتهم، كما في قوله تعالى: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ (المزمّل: 18 فيفسّرها بالقول (مثقلة به) أي: (أنّ السماء ثقيلة بسبب ثقل العرش، والعرش منصوب كالقبّة على السماوات، فيكون الثقل على السماوات فتنفطر) (1).

لكن المغالين في نظريّات ابن تيميّة لم يتقبّلوا ما قاله المحقّق للكتاب الدكتور القحطاني، ووقفوا له بالمرصاد.

ولذا فإنّه في كتاب (إثبات الحَدّ) الذي قدّم له وعلّق عليه أبو معاذ مسلط

بن بندر العتيبي، وعادل بن عبد الله آل حمدان، قال هذان المعلّقان بعد نقل كلام القحطاني: (قلت إن كان مراده إنكار ما دلّ عليه هذا الأثر من نسبة الثقل لله تعالى، فهو كلامٌ مردود مخالف لما عليه السلف الصالح، والحمد لله فقد أراحنا ونسب هذا القول إلى محض رأيه، أمّا ما دلّ عليه هذا الأثر من نسبة الثقل لله تعالى فقد شهدت له النصوص، وتواردت عليه عبارات السلف وأهل العلم من غير نكير ومن ذلك. . .) (2)ثمّ عدّدا أولئك الذين


1- المصدر نفسه: ج2 ص457.
2- إثبات الحدّ لله تعالى: ص164.

ص: 146

قبلوا أنّ لله صفة الثقل فقالا: (ومنهم ابن تيميّة في بيان تلبيس الجهميّة) .

وفي مراجعتنا لابن تيميّة نرى صحّة هذه النسبة إليه؛ يقول ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) : (أتى رجلٌ كعباً (1)وهو في نفر، فقال: «يا أبا إسحاق حدّثني عن الجبّار» . فأعظم القوم قوله، فقال كعب: «دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلّم، وإن كان عالماً ازداد علماً» ، ثمّ قال كعب: «أخبرك أنّ الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ، ثمّ جعل ما بين كلّ سمائين كما بين السماء الدُّنيا والأرض، وكشفهن مثل ذلك، وجعل بين كلّ أرضين كما بين السماء الدُّنيا والأرض. . . ثمّ رفع العرش فاستوى عليه، فما في السماوات سماء إلّا لها أطيط كأطيط الرّحل العُلافي أوّل ما يرتحل من ثُقل الجبّار فوقهنّ» ، وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب، فيحتمل أن يكون من علوم أهل الكتاب، ويحتمل أن يكون ممّا تلقّاه عن الصحابة، ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا دافعها ولا يصدّقها ولا يكذّبها، فهؤلاء الأئمّة المذكورة في إسناده هم من أجلّ الأئمّة، وقد حدّثوا به هم وغيرهم، ولم ينكروا ما فيه من قوله «من ثقل الجبّار فوقهنّ» ، فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدّثوا به على هذا الوجه) (2)

إلى هنا يتّضح نسبة هذا الرأي إلى ابن تيميّة. والعجيب الغريب أنّ بعض أعلام مدرسته لم يتحمّلوا مثل هذا الكلام، فأشاروا من بعيد إلى ضرورة عدم نفي وإثبات ما لا يوجد عند الله ورسوله، واعتبار النافي لذلك مبتدع. وهذا الكلام منهم يلازمه القول بأنّ ابن تيميّة مبتدع؛ لأنّه كان من الذين


1- هو كعب الأحبار اليهودي، والمعلّق على الكتاب ومحقّقه يقول في الصفحة (231 : «كعب تابعيّ مخضرم ثقة من أوعية العلم» .
2- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص267-268.

ص: 147

أثبتوا القول بمثل هذه القضايا، وكان عليه أن يتوقّف.

وما ذكرناه تؤيّده شواهد كثيرة منها ما ورد في (الدرر السنية في الأجوبة النجديّة) وفيه ينقل عن محمّد بن عبد الوهّاب قوله: (. . . وذلك أنّ مذهب الإمام أحمد، و غيره من السلف: أنّهم لا يتكلّمون في هذا النوع إلّا بما تكلّم الله به ورسوله، فما أثبته الله لنفسه، أو أثبته رسوله، أثبتوه؛ مثل: الفوقيّة، والاستواء، والكلام، والمجيء، وغير ذلك؛ وما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله، نفوه؛ مثل: المثل، والندّ، والسميّ، وغير ذلك.

وأمّا ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ولا نفيه؛ مثل: الجوهر، والجسم، والعرض، والجهة، وغير ذلك، لا يثبتونه، فمن نفاه. . . فهو عند أحمد والسلف مبتدع. . . والواجب عندهم: السكوت عن هذا النوع. . .) (1)

وكم يحتوي هذا الكلام على شبهات ومغالطات واتّهامات وأباطيل وافتراءات، ويكفينا من ذلك قوله بعدم جواز نفي الجسم والجهة عن الله، وأنّ النافي على حَدّ زعمه مبتدع! !

وفي كتاب أحد أعلامهم المعاصرين العلاّمة الهراس (فتاوى الأستاذ الدكتور العلاّمة محمّد خليل الهراس) في جواب عن سؤال: ما هو التفسير الصحيح لقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، يقول: (لا تفسير لقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى إلّا أنّه علا وارتفع، وكلّ ما قيل بخلاف ذلك فهو تفسيرٌ باطل، وتحريفٌ لكلام الله عزّ وجلّ) (2)

وبالملازمة فإنّ هذا الكلام يثبت أنّ ابن تيميّة وأتباعه فسّروا كلام الله بتفسيرٍ باطل ومحرَّف.


1- الدرر السنيّة في الأجوبة النجديّة: ج3 ص6.
2- فتاوى الأستاذ الدكتور العلّامة محمّد خليل الهراس: ص27.

ص: 148

مكان الله تعالى

اشارة

من لوازم القول بأنّه سبحانه وتعالى في جهة ويشغل حيّزاً وحجماً كونه موجوداً في مكانٍ معيّن، بل إنّه سبحانه وتعالى وفقاً لذلك بحاجة إلى مكان.

وفي روايات أهل السنّة أنّ له أماكن متعدّدة، وأحاديث الصحاح وغيرها تدلّنا على كون الله سبحانه وتعالى متحيّزاً في مكانٍ معيّن، منها: أنّ العبد إذا كان في الصلاة فإنّ مكانه تعالى إلى جهة القبلة وأمام العبد، وفي بعضها الآخر أنّ مكانه تعالى هو فوق العرش وقبل أن يخلق الله العرش كان مكانه تعالى في قطعة في السحاب.

وإذا أردنا متابعة ما ورد في الروايات حول مكان وجوده تعالى نرى أنّهم يقولون بأنّه موجودٌ في الأماكن التالية:

أ- الله في السماء

عن معاوية بن حكم السلمي أنّه سأل النبيّ (ص) عن أمَته فقال: «فأتيتُ رسول الله (ص) فقلت: يا رسول الله أفترى أعتقها - أي الجارية -؟ قال

(ص ) : ائتني بها. فأتيته بها، قال لها : أين الله؟ . قالت: في السماء. قال: مَن أنا؟ قالت: أنت رسول. قال (ص) : إعتقها فإنّها مؤمنة» (1).

ب- الله على العرش

عن ابن عبّاس بن عبد المطّلب قال: «كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله (ص) ، فمرّت به سحابة فنظر إليها، فقال: ما تسمّون هذه؟ قالوا:


1- صحيح مسلم: ج1 ص232، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: 7 (باب تحريم الكلام في الصلاة) ذيل ح33، وسنن أبي داود: ج1 ص382، كتاب الصلاة، باب تسميت العاطس في الصلاة، ذيل ح٩3٠.

ص: 149

السحاب. قال: والمزن؟ ! قالوا: والمزن. قال : والعنان؟ قالوا: والعنان. قال (ص) : هل تدرون ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري. قال: بعد ما بينهما إمّا واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثمّ السماء فوقها كذلك. حتّى عدّد سبع سماوات. ثمّ فوق السبعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهم العرش، بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثمّ الله تبارك وتعالى فوق ذلك! !» (1) .

عن جبير بن محمّد. . . عن جدّه، قال: «أتى رسول الله (ص) أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسقِ لنا، فإنّا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. قال (ص) :

ويحك أتدري ما تقول؟ وسبّح رسول الله (ص) ، فما زال يسبّح، حتّى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال:

ويحك أتدري ما الله! ! إنّ عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبّة عليه.

وإنّه ليئطّ به أطيط الرّحل بالراكب. . .» (2)

قال ابن بشّار في حديثه:

«إنّ الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته» ، وساق الحديث (3)

وعن ابن مسعود قال: بين السماء الدُّنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلّ سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا


1- سنن أبي داود: ج4 ص231، كتاب السنّة، باب في الجهميّة، ح4723.
2- هذا الحديث ورد بألفاظ متعدّدة، وهو المعروف بحديث الأطيط، وسيكون مورد بحث مفصّل في الأبحاث القادمة.
3- راجع المصدر المتقدّم: سنن أبي داود.

ص: 150

يخفى عليه شيء من أعمالكم (1)

ج- الله في السحاب

ابن زرين قال: «قلت: يا رسول الله، أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال (ص) :

كان في غماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ومن ثمّ خلق عرشه على الماء» (2)

والمستفاد من الأحاديث:

أ) أنّ الله متحيّز وله مكان، وقبل أن يخلق الخلق كان في ظلّة من الغمام.

ب) أنّ الله تعالى لمّا خلق الخلق استقرّ على عرشه وفوقه، وكان العرش يئطّ من ثقله تعالى كما يئطّ المركب من ثقل راكبه.

ج) أنّ لله تعالى أماكن متعدّدة يستقرّ فيها أنّى شاء. فمرّة تجده على

السحاب، وأخرى يعتلي العرش، وثالثة ينزل من العرش، وتارةً يستقرّ في جهة قبلة المصلّي، وأخرى يتوسّط بينهما - المصلّي والقبلة -.

د - علاوة على ما حكته لنا هذه الأحاديث من التجسيم والتشبيه فإنّها تذكر مسائل حول السماوات والعرش والكرسي، واستقرار العرش فوق الأوعال التي تفصل بين أظلاف كلّ منها وركبتها مسافة خمسمائة عام. . . وكلّ هذه الأشياء تستقرّ، كلّ ذلك على الماء.

وهذه الأمور ليست خفيّة على المطالع اللبيب المحقّق. وعليه أن يحكم على مثل هذه الأحاديث (3)


1- التوحيد (محمّد بن عبد الوهاب) : ص213.
2- سنن ابن ماجة: ج1، ص64، المقدّمة، باب: 13، فيما أنكرت الجهميّة، ح182.
3- انظر: أضواء على الصحيحين: ص155.

ص: 151

وإبن تيميّة وإن كان رائد التجسيم، ومن أصحاب القول بأنّه سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه، وعلى خلقه، كما ذكر ذلك في أكثر من موضع من كتبه، لكن ذلك لم يمنع من وجود هذه الآراء الباطلة والفاسدة في كتب الصحاح وأئمّة علماء أهل السنّة.

وقد حفلت هذه المصادر بالحديث عن مسألة مكان الله تعالى، ومن ذلك:

ما ينقله صاحب تفسير المنار عن أحمد بن حنبل في تفسيره لقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ، والتي تثبت عدم اختصاص المكانيّة لله عزّ وجلّ، وعدم خلوّ مكان منه تعالى، يقوم ابن حنبل بتأويل الآية بعلم الله، وأنّ المراد منها هو أنّ الله يعلم جميع الأعمال، ولا يخفى عليه شيء وليس المراد المعيّة (1)

وينقل الذهبي عن البيهقي قوله في تفسير أبي حنيفة لإحدى الروايات:

(لقد أصاب أبو حنيفة فيما نفى عن الله عزّ وجلّ من الكون في الأرض، وأصاب فيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع بأنّ الله تعالى في السماء) (2)

ويروي مالك بن أنس رواية عن ابن حنبل وفيها: « الله في السماء، وعلمه في كلّ مكان، ولا يخلو منه شيء » (3)

هذا فضلاً عن إجماعهم في تفسير آيات الاستواء بأنّ الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز، وهذا ما نقله الحافظ شمس الدِّين الذهبي الذي يرى القول بالمكان لله سبحانه وتعالى، ووضع كتابه (العلوّ للعليّ الغفّار) حيث يقول فيه: (إنّ المسلمين من أهل السنّة وأتباع الحديث مجمعون على أنّ الله عزّ وجلّ بذاته فوق العرش وأنّ أوّل من أنكر ذلك


1- تفسير المنار: ج٩ ص131.
2- العلوّ للعليّ الغفّار: ص12٠.
3- انظر شرح العقيدة الواسطيّة: ص4٠1.

ص: 152

الجعد بن درهم) .

ولكن كما علمنا من مطاوي هذه الأبحاث أنّ نسبة الإجماع إلى علماء أهل السنّة على هذا الرأي هو قولٌ غير صحيح، ويتنافى مع رأي الكثيرين منهم.

ولعلّ منشأ القول بالمكان لله سبحانه هو ما رواه بعض الرواة والحفّاظ في كتبهم عن أبي هريرة وأقرانه، وما ذكره بعض أرباب الصحاح في كتبهم.

مكان الله عند الشيعة

اعتمد الشيعة الإماميّة في إثباتهم لعقيدة التوحيد على مجموعة من الروايات تشكِّل الدعامة الأساسيّة لهذه العقيدة، والتي نذكر منها ما يتعلّق بنفي المكان عن الله تعالى:

عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال:

«إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصف بزمان ولا مكان، ولا حركة ولا انتقال ولا سكون، بل هو خالق

الزمان والمكان والحركة والسكون، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً» (1)

عن داود الرّقي قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزّ وجلّ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (هود: 7 قال (ع) : ما يقولون؟ قلت: إنّ العرش كان على الماء والربّ فوقه. فقال:

كذبوا، من زعم هذا فقد صيّر الله محمولاً، ووصفه بصفة المخلوق، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه. . .» (2)

في حديثٍ طويل للإمام الصادق (ع) يقول فيه:

«. . . والله خالق كلّ شيء، لا يُقاس بالقياس ولا يشبّه بالناس، لا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، قريبٌ في بُعده، بعيدٌ في قُربه، ذلك الله ربّنا، لا إله غيره، فمن أراد الله


1- بحار الأنوار: ج3 ص33٠، كتاب التوحيد، باب: 14 (نفي الزمان والمكان والحركة عن الله عزّ وجلّ) ح33.
2- توحيد الصدوق: ص1٠3، باب: 6 أنّه عزّ وجلّ ليس بجسم ولا صورة، ح1٩.

ص: 153

وأحبّه بهذه الصفة فهو من الموحّدين، ومن أحبّه بغير هذه الصفة فالله منه بريءٌ ونحنُ منه براء» (1)

.

وفي حديثٍ لأمير المؤمنين (ع) مع أحد أحبار اليهود، يقول (ع) :

«إنّ الله عزّ وجلّ أيّن الأين فلا أين له، وجلَّ من أن يحويه مكان، وهو في كلّ مكان بغير مماسّة ولا مجاورة، يحيط علماً بما فيها، ولا يخلو شيء من تدبيره. . .» (2)

وعن ثابت بن دينار، قال: «سألت زين العابدين عليّ بن الحسين (ع)

عن الله جلَّ جلاله هل يوصَف بمكان؟ فقال: تعالى الله عن ذلك. قلت: فلِما أسرى نبيّه محمّد (ص) إلى السماء؟ قال (ع) :

ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه.

قلت: فقول الله عزّ وجلّ: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ؟ قال:

ذاك رسول الله (ص) دنا من حجب النور فرأى ملكوت السماوات، ثمّ تدلّى، فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتّى ظنّ أنّه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى» (3)

.

الاستواء على العرش في نظر المجسمة

التزم أصحاب نظريّة الحَدّ والجهة والحيّز والموضع والمكان بتفسيرٍ خاصّ لمعنى قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى بما ينسجم مع معتقداتهم ومبانيهم الفكريّة، ودفعاً لبعض الشبهات فإنّنا لا نختلف معهم في أصل وثبوت الاستواء لله تعالى، وإنّما الكلام كلّ الكلام مع ابن تيميّة ومنهجه التجسيمي التشبيهي في معنى الاستواء وكيفيّته.


1- بحار الأنوار: ج3 ص311، كتاب التوحيد، باب: 14.
2- المصدر نفسه: ج3 ص3٠٩، باب: 14، ح2.
3- المصدر نفسه: ج3 ص314، ح8.

ص: 154

وقد نقل صاحب كتاب (إثبات الحدّ لله) عدّة معانٍ للاستواء تصل إلى أربعة أو خمسة، فقال: (تفسير الاستواء عند أهل السنّة الاستواء صفة ثابتة لله تعالى بالقرآن والسنّة، وقد أجمع السلف الصالح على إثباته، إنّما الكلام ما هو المراد من الاستواء) (1). ثمّ ذكر المعاني:

المعنى الأوّل : استوى بمعنى علا، فقوله (استوى على العرش) أي علا على العرش.

المعنى الثاني : ارتفع.

المعنى الثالث : صعد.

المعنى الرابع : استقرّ.

وقبل بيان المراد من هذه النظريّة نشير إلى معنى الاستقرار لغةً، لأنّ القرآن نزل بلسانٍ عربيّ مبين، فلابدّ أن نرجع في تفسيره إلى أهل اللغة.

قال صاحب كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) : (أفضل الأيّام يوم النحر، ثمّ يوم القرّ، هو الغد من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجّة، لأنّ الناس يقرّون فيه بمنى، أي يسكنون ويُقيمون ]فإذن معنى الاستقرار والإقامة والسكون في قِبال الحركة [. ومنه حديث ابن مسعود: قارّ الصلاة أي اسكنوا فيها ولا تتحرّكوا، ولا تعبثوا وهو تفاعل من القرار. . . وفيه حديث ابن عبّاس وذكر عليّاً وقال كالقرارة، القرارة المطمئنّ في الأرض تستقرّ فيها ماء المطر وجمعها القرار) (2).

فما هو الذي يختاره ابن تيميّة من بين هذه المعاني المتقدّمة؟

الجواب: إنّ ابن تيميّة يرى أنّ المراد من الاستواء الاستقرار، بمعنى


1- إثبات الحدّ لله: ص57.
2- النهاية في غريب الحديث والأثر: ج4 ص58، مادّة قرر.

ص: 155

الثبوت في المكان، فالله تعالى بنظر ابن تيميّة مستقرٌّ في مكانه باستثناء بعض الليالي التي ينزل بها إلى السماء الدُّنيا، ولازم ذلك أنّه كان مستقرّاً في مكان ويتحرّك منه، ومن هنا وقع في مشكلة كبيرة مفادها: أنّه يرى بأنّه تعالى مستقرّ على عرشه لا يعلوه شيء، وعندما ينزل عن عرشه إلى السماء الدُّنيا تعلوه السماء، وهذا تناقض، إذ كيف يمكن أن يعلوه شيء فوق وجوده وجسمه في مقابل قوله بأنّه مستقرّ على عرشه لا يعلوه شيء؟ ! !

أما كلمات وأقوال ابن تيميّة والدليل على أنّه يرى أنّ المراد من الاستواء

الاستقرار، فنذكر منها قوله في كتابه (مجموعة الفتاوى) : «وقال أهل السنّة في قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 5 الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز» (1)

وقد ذكرنا بأنّ الحقيقة في اللغة أنّ الاستواء هو السكون والاستقرار، مع الإشارة إلى أنّ ابن تيميّة لا يعتقد بوجود المجاز في اللغة، ولا في القرآن والسنّة، وبنظره كلّ الألفاظ فيها هي على نحو الحقيقة.

ثمّ تابع: «واستدلّوا بقول الله فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ (المؤمنون: 28 و بقوله: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ (الزخرف: 13) وبقوله: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ (هود: 44 . وقال عبد الله بن المبارك ومن تابعه من أهل العلم - وهم كثير -: إنّ معنى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ (يونس: 3) استقرّ» (2).

وعلى طريقته ينسب ابن تيميّة هذا القول إلى أهل السنّة، مع أنّ هذا الرأي لم يقل به أحدٌ من أهل السنّة.


1- مجموعة الفتاوى: ج5 ص3٠٩.
2- المصدر نفسه.

ص: 156

وقد حاول الألباني توجيه كلام ابن تيمية بأنّه لا يقول بأنّ المراد من الاستواء الاستقرار، وكأنّه لم يقرأ كلامه.

ولذا فإنّه في تحقيقه لكتاب (مختصر العلوّ للعليّ الغفّار) للحافظ شمس الدِّين الذهبي، يردّ على الإمام محمّد أبو زهرة الذي نسب إلى ابن تيميّة تفسير الاستواء بالاستقرار، فقال: (رويدك يا شيخ، فأنت تعلم أنّ ابن تيميّة لا يفسّر الاستواء بما ذكرت، وإنّما بالعلوّ، فلماذا أوهمت القرّاء خلاف الواقع. . . فأين رأيت ابن تيميّة يقول بالاستقرار على العرش، علماً بأنّه أمرٌ زائد على العلوّ، وهو ممّا لم يرد به الشرع. . .) (1)

ومراده أنّ الآية اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ لم يرد في الحديث ولا في اللغة دلالتها على الاستقرار، لأنّ الاستقرار أمرٌ زائد على العلوّ، وهذا ما لم يرد به الشرع.

ولأنّ هذه المحاولة الدفاعيّة من الألباني باءت بالفشل، نراه يقول في كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّئ في الأمّة) : (فأقول: إذا جرّدتم «الاستيلاء» من معنى المغالبة، فقد أبطلتم تأويلكم من أصله؛ لأنّ الاستيلاء يلازمه المغالبة عادةً كما يدلّ عليه البيت المشار إليه، فإذا كان لابدّ من التجريد تمسّكاً بالتنزيه، فهلاّ قلتم كما قال السلف: استوى: استعلى؛ ثمّ جرّدتم الاستعلاء في كلّ ما لا يليق بالله تعالى، كالمكان، والاستقرار، ونحو ذلك، لاسيّما وذلك غير لازم من الاستعلاء حتّى في المخلوق) (2).

أي لينظر أنّ قولنا بأنّ السماء مستعلية على الأرض وعالية عنها، لا يعني


1- مختصر العلوّ للعليّ الغفّار: ص41.
2- سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيّئ في الأُمّة: ج11 ص5٠6.

ص: 157

بالضرورة أنّ السماء مستقرّة على الأرض، فإذا لم تكن الملازمة بين الاستعلاء والاستقرار ثابتة في المخلوقات، فما بالك في الخالق، فإذن لا ملازمة بين الاستعلاء والاستقرار، لذا يقول: (فالسماء فوق الأرض ومستعلية عليها، ومع ذلك فهي غير مستقرّة عليها، ولا هي بحاجة إليها، فالله تعالى أولى بأن لا يلزم من استعلائه على المخلوقات كلّها استقراره عليها أو حاجته إليها سبحانه) أي إلى الاستقرار على المخلوقات، لأنّه إذا جعلناه مستقرّاً عليها فهو محتاج إلى ما استقرّ إليه (وهو الغنيّ عن العالمين) (1)

إلى هنا يتّضح لنا جليّاً أنّ توحيد ابن تيميّة ومن تبعه من الوهّابية وغيرهم ليس هو أعلى مراتب التوحيد وأصفى وأخلص مراتبه، بل هو أدناها مرتبةً؛ حيث حدّدوه بجهاتٍ ستّ، وأثبتوا له الجهة والحيّز والمكان والاستقرار على العرش، إلى درجة ما استطاع معها الألباني وغيره توجيه كلام ابن تيميّة أو الدفاع عنه.

ولم يكتف ابن تيميّة بتفسير الاستواء بالاستقرار، ولم يعتقد فقط بأنّ الله مستقرّ على عرشه، بل أضاف إلى ذلك القول بأنّه تعالى جالس وقاعد على العرش، وذلك إشارة منه إلى كيفيّة الاستقرار، لأنّ قولنا بأنّ فلاناً مستقرّ على المكان لا يتضمّن بيان كيفيّة الاستقرار، ولكن إضافة القول بأنّه جالس أو قاعد تدلّ على كيفيّة الاستقرار.

والاستقرار غير الجلوس والقعود كما ذكر الدشتي في (إثبات الحدّ) حيث ذكر بأنّ من معاني الاستواء الاستقرار، ومن معانيه الجلوس والقعود، فالجلوس فيه شيء إضافي (2)


1- المصدر السابق.
2- إثبات الحدّ لله تعالى: ص63.

ص: 158

ومن الشواهد على اعتقاد ابن تيميّة بالقعود والجلوس، ما ورد في كتابه (شرح حديث النزول) الذي يحاول فيه التوفيق بين كونه تعالى قبل النزول كان محيطاً بالسماوات والأرض، ولكنّه بعد النزول سوف تحيط به السماء والأرض، ولأجل حلّ هذه الإشكاليّة قال: (وإذا كان قعود الميّت في قبره ليس هو مثل قعود البدن، فما جاءت به الآثار عن النبيّ (ص) من لفظ «القعود» و «الجلوس» في حقّ الله تعالى؛ كحديث جعفر بن أبي طالب (1)( ، وحديث عمر بن الخطّاب (2)وغيرهما؛ أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد) (3)

فهو يريد لنا القول بأنّكم إذا تصوّرتم أنّ الميّت له جلوس وقعود لا كجلوسنا وقعودنا، فاقبلوا أنّ لله قعوداً وجلوساً لا كجلوس المخلوقين.

وهل هذه إلّا محاولة للفرار والتهرّب، وتلاعب في الألفاظ، التي مهما حاولوا تزويقها فإنّها لا محالة تدلّ على الجسميّة.

ويظهر أنّ من شرح كتب ابن تيميّة لم يفهم مراده بشكلٍ دقيق، كما حصل لبعض شرّاح كلام ابن تيميّة في (شرح العقيدة التدمريّة) وهو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك حيث يقول: (وقد فسَّر السَّلف الاستواء


1- حديث جعفر بن أبي طالب أخرجه الدارمي في الردّ على المريسي: ص73، ولفظه: «أنّ جعفر بن أبي طالب جاء إلى أسماء بنت عميس وهم بالحبشة يبكي، فقالت: ما شأنك؟ قال: رأيت فتى مترفاً من الحبشة شابّاً جسيماً، مرَّ على امرأة، فطرح دقيقاً كان معها فسفتهُ الريح، فقالت: أكلِك إلى يوم يَجْلِسُ الملك على الكرسي فيأخذ للمظلوم من الظالم» .
2- حديث عمر بن الخطّاب، أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنّة: ص7٩، ولفظه: «أنّ عمر بن الخطّاب قال: إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سُمع له أطيط كأطيط الرّحل الجديد» .
3- سؤال في حديث النزول وجوابه أو شرح حديث النزول: ص4٠٠.

ص: 159

ب- «العلوّ» و «الارتفاع» و «الاستقرار» و «الصعود» ، أما لفظ القعود فلم يذكر في الآثار المرويّة في تفسير الاستواء، وأمّا لفظ الجلوس، فقد ورد في بعض الآثار. . . وربما أطلق بعض الأئمّة هذا اللفظ أيضاً. . . وسياق كلام الشيخ يُشعر بأنّ الاستواء يتضمّن القعود، لكن الأولى التوقّف في إطلاق هذا اللّفظ إلّا أن يثبت) (1)

ومن الروايات التي نقلوها وتثبتوا فيها أنّ الله قاعد على عرشه:

ذكر الدشتي في (إثبات الحدّ) هذه الرواية: (عن ابن عمر قال: أتت امرأة إلى النبيّ (ص) فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنّة، فعظّم الربّ، وقال (ص) :

«إنّ كرسيّه فوق السماوات والأرض، وإنّه يقعد عليه - على الكرسي -

فما يفضل منه مقدار أربع أصابع . ثمّ قال بأصابعه يجمعها

: وإنّ له - للكرسيّ -

أطيطاً كأطيط الرَّحل الجديد إذا رُكِبَ» . ثمّ قال: هذا حديثٌ صحيح رواته على شرط البخاري ومسلم) (2)

وذكر الذهبي في كتابه: (العرش) هذه الرواية عن ابن عمر قال: «أتت النبيّ (ص) امرأة فقالت: ادعُ الله أن يُدخلني الجنّة، فعظّم الربّ، فقال:

إنّ كرسيّه فوق السماوات، وإنّه يقعد عليه فما يفضل منه إلّا أربعة أصابع» (3)

وذكر الدشتي أيضاً في (إثبات الحدّ) هذه الرواية: «. . . فقال النبيّ (ص) :

سبحان الله ، فما زال يسبّح حتّى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال:

ويحك! أتدري ما الله؟ إنّ شأنه أعظم من ذلك، لأنّه لا يُستَشفعُ بي على الله، إنّه لفوق سماواته على عرشه، وإنّه عليه لهكذا - وأشار وهب بيده مثل


1- شرح الرسالة التدمريّة أو العقيدة التدمريّة: ص282-283.
2- إثبات الحدّ لله تعالى: ص14٩.
3- العرش: ج2 ص116.

ص: 160

القُبّة عليه - وأشار أبو الأزهر أيضاً -

إنّه ليئِطُّ به أطيط الرّحل بالراكب» (1)

وتفسير هذه الرواية يتبيّن بما ذكره الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في كتابه (شرح أصول الإيمان) حيث يقول: (إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبّة، أي أشار بيديه كالقبّة لأنّ العرش هو سقف المخلوقات. فإذا كان هو كذلك، ففيه دليلٌ على عظمته، لأنّ المخلوقات على سعتها وامتدادها - بما في ذلك السماوات والأرض وما بينهما - كلّها سقفها العرش، فهو عرش متناهٍ في العظم) (2)

فالعرش متناهٍ؛ لأنّه في اعتقادهم أنّ الله محدود، ولازم ذلك أن يكون العرش متناهياً.

وفي (بيان تلبيس الجهميّة) يذكر ابن تيميّة هذه الرواية عن أُمّ الطفيل امرأة أُبيّ بن كعب: «. . . إنّها قالت: سمعت رسول الله (ص) يذكر أنّه

رأى ربّه في المنام في صورة شابّ موفَّر رجلاه في خضر - أي أرض خضراء - عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب» .

وفي رواية أخرى ينقل عن أمّ الطفيل أنّها: «. . . سمعت رسول الله (ص) يذكر أنّه رأى ربّه في المنام في أحسن صورة شاباً موفّراً رجلاه من خضر، عليه نعلان من ذهب، على وجهه فراش من ذهب. . .

رأيت ربّي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه في رجليه نعلان من ذهب» .

ثمّ يقول: (وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرّح فيه بأنّه رأى ذلك في المنام) (3)


1- إثبات الحدّ لله تعالى: ص138.
2- شرح أُصول الإيمان: ص177.
3- بيان تلبيس الجهميّة: ج7 ص1٩3.

ص: 161

ولعلّ البعض يستشكل هنا بما يلي: إنّ المجسّمة لم يصرّحوا بأنّ الله تعالى

جسم، بل أنتم نسبتم إليهم هذا الأمر، وإن كانوا قد وصفوه بأنّه له حيّز وله جهة وله موضع ومكان وهو محدود، ولكنّهم لم يقولوا بأنّه جسم صراحةً.

والجواب : إنّنا سنشير إلى الجواب التفصيلي عن هذا الإشكال في الأبحاث اللاحقة، ولكن من باب الإشارة نقول: بأنّ هؤلاء حاولوا مراراً وتكراراً الدفاع عن أنفسهم ونفي شبهة التجسيم عن أنفسهم، ولكنّهم مع ذلك لم يستطيعوا الفرار عن القول بأنّه جسم، وإن كانوا قد نفوا بعض المسائل مثل كونه تعالى جسماً مركّباً وما شابه ذلك.

وخير شاهد على ما نقول: قول الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في (شرح العقيدة الواسطيّة) : (قولكم إثبات الجهة يستلزم التجسيم، نحن نناقشكم في كلمة الجسم، ماهيّة الجسم الذي تنفّرون الناس عن إثبات صفات الله من أجله، أتريدون بالجسم الشيء المكوّن من أشياء مفتقرة بعضها إلى بعض لا يمكن أن يقوم إلّا باجتماع هذه الأجزاء) (1).

أي هذا الجسم المركّب من أجزاء والمركّب محتاج إلى أجزائه، فإنْ كان مقصودكم من الجسم هذا المعنى، فنقول بأنّ الله ليس مركّباً من أجزاء، وليس محتاجاً إلى أجزائه، فإن أردتم هذا فنحن لا نقرّه، ونقول إنّ الله ليس جسماً بهذا المعنى.

(ومن قال إنّ إثبات علوّه يستلزم هذا الجسم، فقوله مجرّد دعوى، ويكفينا أن نقول لا، أمّا إذا أردتم بالجسم الذات القائمة فنحن نقبل ذلك ولكن لا نسمّيه جسماً) (2)


1- شرح العقيدة الواسطية: ص144.
2- المصدر نفسه: ص145.

ص: 162

وبعد ذلك يقول: (وأمّا أدلّة نفاة الرؤية العقليّة، فقالوا لو كان الله يرى لزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله تعالى، لأنّه يستلزم التشبيه والتمثيل، والردّ عليهم: أنّه إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً فليكن كذلك) (1)أي لا محذور من ذلك، وهو هنا - بكلام صريح - لم ينف الجسميّة.

والتصريح الأوضح لأتباع هذا المنهج ورد في (شرح القصيدة النونيّة، المسمّاة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) للإمام ابن القيم الجوزية حيث يقول: (إنّ استواءه على العرش ليس كاستواء المخلوق على المخلوق، فلا يلزمه ما يلزمها، على أنّ ما ذكروه من اللوازم ليس كلّه فاسداً، كالحَدّ والتحيّز والصورة والإشارة الحسيّة، وادّعاؤهم أنّ هذا من لوازم الأجسام إن أرادوا تلك الأجسام الاصطلاحيّة التي هي مركّبة أو الهيولى والصورة فممنوع) (2)

أي أنّ هذا النوع من الجسم المركّب من الأجزاء، أو المركّب من المادّة أو الصورة بحسب اصطلاح الفلاسفة، أمّا الجسم من النوع الآخر فلا يمنعه، كما قال العلاّمة العثيمين.

ثمّ بعد ذلك يقول: «. . . ولكنّا مع ذلك لا نعقل موجوداً ليس في مكان ولا حيّز له ولا جهة ولا يشار إليه، ولا يوصف بقرب ولا بُعد ولا اتّصال ولا انفصال، إلى آخر ما ذكرتموه من نعوت هذا الموجود الذي تسمّونه مجرّداً، وهل من الضروري أن يكون وجود الربّ على هذا النحو الذي يقتضي نفي


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ص38٩.
2- شرح القصيدة النونيّة: ج1 ص177.

ص: 163

كلّ صفة محضة، وإلاّ لكان جسماً، أو ليس أحسن من ذلك وأقوم أن نثبت له

سبحانه وجوداً خاصّاً به وهو أكمل من هذه الموجودات الممكنة؟» (1).

وما ورد في كلمات هؤلاء نجد أصله وأساسه في كلام ابن تيميّة المؤسِّس لهذا المنهج، حيث يقول: (فمن قال بأنّ الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركّب: فهو مخطئ، ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله: فقد أصاب في نفيه) (2)لأنّه في نظره جسم، ولكن جسم بسيط غير مركّب.

ابن تيمية وصفات الخالق والمخلوق

تبيّن لنا ممّا تقدّم أنّ الله سبحانه وتعالى خارج عن الأشياء لا كخروج شيء عن شيء، وداخل في الأشياء لا كحلول أو دخول شيء في شيء، لأنّ ذلك الخروج وهذا الدخول، دخول شيء في شيء أو خروج شيء عن شيء، وهو من خواصّ الموجودات الممكنة المخلوقة لله سبحانه وتعالى.

وهنا قد يقول قائل : بأنّنا نُلزم أنفسنا بشيء وننكره على غيرنا، مثل إنكارنا على ابن تيميّة وأتباعه قولهم مثلاً: يد لا كالأيدي، ورجل لا كالأرجل، وجسم لا كالأجسام. . . إذ إنّه كما يمكن القول والاعتقاد بأنّ الله سميع، وبصير، وحيّ، وعالم، ومُريد، و. . . ، فإنّ السمع والبصر والحياة صفات لا كهذه الصفات، فسمعه ليس كسمع المخلوقات، وهكذا بصره وحياته وغيرهما من الصفات. فإذا صحَّ ذلك في هذه الصفات بأنّها موجودة في الخالق وتغاير صفات المخلوقين، فلماذا لا يصحّ القول بأنّ له سبحانه وتعالى يداً لا كهذه الأيدي، ورجلاً لا كهذه الأرجل، وأصابع لا كهذه


1- شرح القصيدة النونيّة: ج1 ص177.
2- شرح حديث النزول: ص237.

ص: 164

الأصابع، ووجهاً لا كهذه الوجوه؟

وهذا ما صرّح به ابن تيميّة وأتباعه في الكثير من المواضع، ومنها: ما ورد في (مجموعة الفتاوى) حيث قال: (فإذا قيل سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضائنا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا) (1)

ويقول الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في (الفواكه العذاب في معتقدات الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب في الصفات) : (فأمّا إثبات يدٍ ليست كالأيدي، ووجهٍ ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياةٍ ليست كغيرها من الحياة، وسمعٍ وبصرٍ ليس كالأسماع والأبصار) (2).

وهذا البيان هو أفضل ما يمكن أن نقرّب ونوجّه به نظريّة ابن تيميّة وأتباعه، وحاصلها أنّه كما أنتم تقولون في السمع والبصر بأنّه سمع لا كالأسماع، وبصرٌ لا كالأبصار، كذلك نحن نقول في اليد والرِّجل والوجه بأنّه يدٌ لا كالأيدي، ورجلٌ لا كالأرجل و. . . .

والجواب : إنّ مفاد كلمات وأقوال ابن تيميّة هو عدم التفريق بين الصفات الإلهيّة وصفات المخلوقين.

وهذا هو الاشتباه الكبير والخلط بين المفاهيم الذي وقع فيه ابن تيميّة حتّى اعتقد بأنّه كما يصحّ القول بأنّ سمعه تعالى لا كالأسماع، وبصره لا كالأبصار، كذلك يصحّ القول بأنّ له يداً لا كالأيدي، وجسماً لا كالأجسام، وهكذا. . . .


1- مجموعة الفتاوى: ابن تيميّة: ج5 ص212، وفي نسخ أُخرى: ج3 ص353.
2- الفواكه العذاب في معتقدات الشيخ محمّد بن عبد الوهاب: ص51.

ص: 165

ولتوضيح ذلك وبيان الاشتباه الذي وقع فيه ابن تيميّة نقول: إنّ المفاهيم التي تُطلق على الأشياء هي على ثلاثة أنحاء:

النحو الأوّل : المفاهيم المختصّة بالله تعالى، ولا يشاركه فيها أحد على الإطلاق، مثل القديم، فلا يوجد قديم إلّا الله تعالى، وباقي الموجودات حادثة، وواجب الوجود، الغنيّ، عالم الغيب، فلا يمكن لأحدٍ أن يكون عالماً بالغيب إلّا إذا أراد تعالى أن يطلع نبيّاً أو إماماً معصوماً على شيء من الغيب، وكذلك الحيّ القيّوم، و. . . .

النحو الثاني : المفاهيم المختصّة بالمخلوقات، ولا يصحّ أن تُطلق على الله بأيّ نحوٍ من الأنحاء، حتّى لو أضفنا إليها ألف قيدٍ وقيد، من قبيل الفقير، الحادث، الناقص، المخلوق، العاجز. والمفاهيم المختصّة هي التي بطبيعتها لا تملك قابليّة الصدق على واجب الوجود حتّى لو أضيف إليها ألف قيد، ولذا لو قلنا: (الله حادث لا كالحوادث) لا يصحّ. وهكذا هوحال (جسم لا كالأجسام) ولو أضفنا إليه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأنّه مفهومٌ مختصّ بالمخلوقات.

النحو الثالث : المفاهيم المشتركة، وهي التي فيها قابليّة الصدق على الواجب وعلى الحادث، وعلى الغنيّ والفقير، والكامل والناقص، مثل الوجود، فالله موجود والمخلوقات موجودة، كالسماء والأرض.

نعم، حتّى نميّز هذه الصفات نقول: وجود لا كهذه الوجودات، وسمع لا كهذه الأسماع، وبصرٌ لا كهذه الأبصار، وإرادة لا كهذه الإرادات، وهكذا. . . ، لأنّه من المؤكّد أنّ المفهوم بنفسه قابل للصدق على كلا الوجودين.

وبعد توضيح هذه الأنحاء الثلاثة للمفاهيم نأخذ مفهوم الجسم،

ص: 166

ومفهوم المكان، والحيّز، والجهة، واليد، والأصابع، والساق وغيرها، وننظر هل هي من المفاهيم المشتركة بين الواجب والممكن، أم هي من المفاهيم المختصّة؟

هنا وقع ابن تيميّة وأتباعه في الاشتباه حيث لم يميّزوا بين المفاهيم المختصّة بالله والمفاهيم المشتركة بينه سبحانه وبين مخلوقاته، فقالوا: إذا كان السمع مشتركاً، فليكن الأمر في اليد كذلك، وليكن الجسم أيضاً كذلك، وتحلّ المشكلة بالقول: جسمٌ لا كالأجسام، وهذا ما صرّح به الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في مجموع فتاواه حيث قال: (أليس للآدمي وجه، وللبعير وجه؟ اتّفقا في الاسم، لكن لم يتّفقا في الحقيقة؛ إذن لماذا لا تقول لله وجه ولا يماثل أوجه المخلوقين، ولله يد ولا تماثل أيدي المخلوقين؟) (1).

فأصحاب هذا المنهج لم يلتفتوا إلى الفرق بين كون هذه المفاهيم هي من المفاهيم المختصّة بالمخلوقين، وكونها من المفاهيم المشتركة بين الخالق والمخلوق.

ولكي نكشف عن عدم التفاتهم إلى هذا الفارق ننظر إلى تعريف الجسم بحسب ما جاء في (بيان تلبيس الجهميّة) حيث ذكر محقّق الكتاب تعريف الجسم بقوله: (الجسم هو كلّ جوهر مادّي، قابل للأبعاد الثلاثة، وهي الطول والعرض والعمق، ويتميّز بالثقل والامتداد) (2)


1- ومقصوده من الحقيقة الشكل والتخطيط والحجم، فكما للآدمي وجه كذلك للبعير، والاختلاف بينهما ليس في أصل الوجهيّة، بل يختلفان في الطول وفي القصر وفي الجمال والحجم، وهكذا الحال بيننا وبين الله عزّ وجلّ، فأصل الوجهيّة موجود ولكن الاختلاف في التفاصيل.
2- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص5.

ص: 167

وبناءً على هذا التعريف، فإنّ قولهم: الله جسم لا كالأجسام معناه حفظ خصوصيّة الجسميّة، ويكون الاختلاف في الحجم والصورة والشكل، وهذا عين التجسيم الذي يحاولون الفرار منه.

أمّا مع عدم حفظ خصوصيّة الجسميّة، فإنّ هذا يكون من قبيل استعمال اللفظ في غير ما وُضع له، ويكون استعمالاً مجازيّاً، بل استعمالاً خاطئاً؛ لأنّ المجازيّة تحتاج إلى قرينة، وإلى شيء مشترك، وهنا لا يوجد أيّ اشتراك بين ما يقولون عنه أنّه جسم وبين ما هو جسم حقيقةً.

وأمّا الجهة فيعرّفها بقوله إنّها (في الأصل هي الجانب والناحية، والموضع الذي تتوجّه إليه وتقصده) ، فإذا قلنا بأنّ الله تعالى في العلوّ يعني أنّه في جهة، وإذا أردنا تقديم شيء له لابدّ أن نصعد أربعة آلاف سنة أو ستّة آلاف سنة حتّى نصل إليه.

وأمّا عن التحيّز فيقول: (والجهة والحيّز متلازمان، فإذا كان للشيء جهة، كان له حيّزاً لأنّ كلاًّ منهما مقصد للمتحرّك الأيني) .

فإذا قلت - حسب اعتباراتهم - إنّ لله جهة لا كالجهات، فلا معنى لهذه الجملة لأنّها تصبح من قبيل القول: فقير لا كالفقراء، لأنّ هذا هو معنى الجهة.

ثمّ يقول أيضاً عن التحيّز: (هو الحصول في الحيّز، وهو الذي يشغله شيء ممتدّ كالجسم أو غير ممتدّ كالجوهر) (1)

ومعنى هذا أنّ هذه الألفاظ بطبيعتها لا تتحمّل أن تشمل ما ليس بجسم

حتّى لو أضفت إليها عبارة: بلا تكييف، ولا تحريف، ولا تأويل، ولا تشبيه و. . . .


1- المصدر السابق.

ص: 168

شواهد

وهناك شواهد كثيرة على أنّ أصحاب منهج ابن تيميّة يعتقدون ويصرّحون بأنّ هذه المفاهيم هي من المفاهيم المختصّة بالمخلوقين وليست من المفاهيم المشتركة، ومع ذلك يثبتونها لله تعالى.

هذا فضلاً عن كون البحث اللغوي يفيد بأنّ هذه المفاهيم هي من المفاهيم المختصّة. فعندما نرجع إلى لفظ اليد، فإنّ واضع اللغة العربيّة وضع لفظ اليد لهذه اليد الجارحة، وهكذا لفظ الأصبع، والقدم، والساق.

فمن الشواهد: ما يذكره الإمام محمّد أبو زهرة - أحد أعلام مدرسة الأزهر - في كتابه (ابن تيميّة: حياته وعصره، آراؤه وفقهه) عندما يناقش المجسّمة من أتباع ابن تيميّة يبني في نقاشه على كون هذه المدرسة تقوم على أساس الاعتقاد بأنّ هذه المفاهيم هي من المفاهيم المشتركة، فيقول: (وننتهي من هذا إلى أنّ ابن تيميّة يرى الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها ولكن بمعانٍ تليق بذاته الكريمة. وهنا نقف وقفة: إنّ هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيّة، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أُطلقت هذه الألفاظ على غيرها سواءٌ أكان معدوماً أم مجهولاً فإنّها قد استعملت في غير معناها، ولا تكون بحالٍ من الأحوال مستعملة في ظواهرها، بل تكون مؤوّلة، وعلى ذلك يكون ابن تيميّة قد فرَّ من التأويل ليقع في تأويلٍ آخر، وفرّ من التفسير المجازي ليقع في تفسيرٍ

مجازيّ آخر) (1)( ، ومع هذا فإنّ ابن تيميّة يتّهم الآخرين بالتأويل والمجاز!

ومن الشواهد أيضاً النصّ التالي الذي يرويه ابن تيميّة في كتابه (عرش


1- ابن تيميّة حياته وعصره - آراؤه وفقهه: ص233 و234.

ص: 169

الرحمن وما ورد فيه من الآيات والأحاديث) :

« وَالْأَرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (الزمر: 67 مطويّة في كفّه، يرمي بها كما يرمي الغلام بالكرة، وفي لفظٍ آخر:

يأخذ الجبّار سماواته وأرضه بيده فيجعلها في كفّه، ثمّ يقول بها هكذا كما تقول الصبيان بالكرة: أنا الله الواحد. وقال ابن عبّاس:

يقبض الله عليهما فما يُرى طرفاهما بيده. وفي لفظٍ آخر:

ما السماوات السبع، والأرضون السبع، وما فيهنَّ، وما بينهنَّ، بيد الرحمن إلّا كخردلة في يد أحدكم» (1)

فعندما يقول ابن تيميّة بأنّ الألفاظ تحمل على ظواهرها، لابدّ أن يقصد باليد الجارحة، وإلاّ فأيّ تمثيل هذا الذي يفرضه بقوله يدٌ لا كالأيدي، وأيّ علاقة للتمثيل بهذا المطلب؟

ثمّ يتابع فيقول: «وفي الصحيحين، عن عبد الله بن مسعود، قال: أتى النبيّ رجلٌ يهوديّ، فقال: يا محمّد إنّ الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع فيهزّهنّ، فيقول: أنا الملك، قال: فضحك النبيّ (ص) حتّى بدَت نواجذه تصديقاً لقول الحبر» .

فهل في رأي ابن تيميّة عندما يروي مثل هذه الروايات أنّ النبيّ (ص) كان يؤيّد اليهود والمشركين في اعتقاداتهم؟ !

والمعلّق على الكتاب يبدو منه أنّ هذه الرواية غير مقبولة لديه، لذا يقول:

(قوله تصديقاً، قال بعض شرّاح الصحيحين إنّ هذه زيادة من الراوي) فتأمّل.

وقد نقلنا سابقاً قول الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب الصريح في كون هذه الألفاظ تُحمَل على ظاهرها بقوله: (فأمّا إثبات يد ليست كالأيدي،


1- عرش الرحمن وما ورد فيه من الآيات والأحاديث: ج1 ص(٨)1-82.

ص: 170

ووجهٍ ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات) (1).

فهذه هي اعتقادات الشيخ ابن تيميّة، وهي دالّة على التجسيم الذي لا لبسَ فيه، أمّا مدرسة أهل البيت (ع) وعلماؤها، فقد حاربوا وأنكروا هذا المنهج، وميّزوا بين هذه المفاهيم والصِّفات، فالمفاهيم المختصّة بالمخلوقات نفوها عن الله سبحانه وتعالى، وقالوا هو سبحانه ليس بجسم، وليس بصورة، وليس له تحديد. . . وفي السمع والبصر قالوا: يسمع لا بأداة، ويُبصر لا بجارحة، لأنّ السمع والبصر من الصفات المشتركة.

يروي الشيخ الصدوق قول الإمام (ع) :

«سبحانه من لا يعلم أحد كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا يُحَدّ ولا يحسّ ولا يجسّ ولا يمسّ، ولا يحيط به شيء، لا جسم ولا صورة، ولا تخطيط ولا تحديد. . .» (2)

ومن المعلوم أنّ صفتي السمع والبصر هما من صفات الذات وليسا من صفات الفعل، وقد ذكرت الآيات القرآنيّة هاتين الصفتين في مواضع متعدّدة، منها قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الحجّ: 61) . وقوله تعالى: اللهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الحجّ: 75) . وقوله تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (لقمان: 28 .

وقام الإجماع بين علماء الشيعة على أنّ السمع والبصر من الصفات القطعيّة التي لا تحتاج إلى إثبات، بل فيهم مَن تخطّى ذلك ليفيد أنّ ضروري الدِّين كضروري العقل، بعد أن قرّر أنّهما من ضروريّات الدِّين.

على سبيل المثال يقول صدر الدِّين الشيرازي (المتوفّى: 1٠5٠ه-) في كتابه


1- الفواكه العذاب: ص51.
2- توحيد الصدوق: ب6 ص٩8، ح4.

ص: 171

(الأسفار) : (قد وردت في شريعتنا الحقّة، بل من ضروريّات هذا الدِّين المُبين المعلومة بالقرآن والحديث المتواتر والإجماع من الأمّة أنّ الباري سميعٌ بصير) (1).

ويعقّب السبزواري (ت: 128٩ه-) على نصّ الشيرازي بقوله:

(أو صار في هذه الأوان بحيث لا يحتاج إلى الدليل في إثباتهما له تعالى، لأنّ ضروريّ الدِّين كضروريّ العقل) (2)

وهذه القناعة ذاتها موجودة عند علماء أهل السنّة، فقد كتب الفخر الرازي (ت6٠6ه-) في كتاب (محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلِّمين) المعروف اختصاراً ب-(المحصّل) : (اتّفق المسلمون على أنّه تعالى سميعٌ بصير) (3)

فعلى مستوى الثبوت ليس هناك خلاف في كون هاتين الصفتين من صفات الله سبحانه وتعالى، وإنّما الكلام هو في تحديد متعلّق السمع والبصر وحاجة هاتين الصفتين إلى مُتَعَلَّق، حيث يحتاج السمع إلى مسموع، والبصر إلى مُبصَر، وإلاّ كيف يكون سبحانه سميعاً إذ لا مسموع، وبصيراً إذ لا مُبصر.

وإذا كانت هاتان الصفتان من الصفات المشتركة، فهل سمع الله تعالى وبصره مثل سمع الإنسان وبصره؟ وهل يحتاج إلى الآلة أو الأداة في ذلك؟

فلو أخذنا الإنسان كمثال لوجدنا أنّ السمع والبصر لا يتحقّقان في هذا الكائن إلّا من خلال الآلة والأداة، ومن ثمَّ فإنّ السؤال الذي يواجهنا هو: أيُشترط تحقّق الأداة والآلة أوّلاً كلّما تحقّق السمع والبصر، أم يمكن أن يُصار


1- الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة: ج6 ص421-422.
2- المصدر نفسه، هامش صفحة: 421.
3- ينظر: تلخيص المحصّل المعروف بنقد المحصل: ص287.

ص: 172

إلى صيغة أخرى بشأن السمع والبصر الإلهيّين؟

بالإضافة إلى ما سطّرته أقلام علماء الشيعة في الإجابة عن هذا السؤال يبقى ما صرّحت به النصوص الروائيّة هو المفصل الأساس في الجواب، والتي ذكرت بلغة قاطعة أنّ الله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن الآلات والأدوات والحواسّ، فهو سميعٌ لا بآلة، وبصيرٌ لا بحاسّة (1).


1- انظر: التوحيد، السيد كمال الحيدري: ج1 ص42

ص: 173

الركن الثالث: أنّ الله تعالى له جسم

اشارة

ابن تيمية وتجسيم الخالق

تاريخ التجسيم عند ابن تيمية

أصحاب التجسيم ومحاولات الدفاع

ردّ الشيخ عبده وابن الجوزي على المجسمة

الملازمة بين التشبيه والتجسيم

أبو زهرة ورأيه في المجسّمة

البداء بين الشيعة والسنة

موقع ابن تيمية من فرق التجسيم

موقف ابن تيمية من علماء أهل السنّة

زعم أن والد النبيّ (ص) في النار

الصفات الخبرية هل هي محكمة أم متشابه؟

بين التأويل وعدم الأخذ بالظاهر

الصفات الإلهية في مدرسة أهل البيت (ع)

هل الحدّ من الأوصاف المشتركة؟

التلازم بين المحدودية والمعدودية

مواقف علماء السنّة من نظريات ابن تيمية

ص: 174

ص: 175

بعد أن أثبتنا بأنّ الاتجاه الذي يتبنّاه ابن تيمية يقول بأنّ الله سبحانه وتعالى له حَدّ، وتبيّن لنا فساد هذا المعتَقَد بالأدلّة والبراهين، ندخل في بحثٍ جديد حول معتقدات هذا الاتّجاه وهو: أنّ أصحاب هذا الاتّجاه المثبت للحَدّ، هل يعتقدون بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسم؟

وليس هناك ملازمة بين القول بالحَدّ والقول بالجسميّة، لأنّ الشيء قد يكون محدوداً ولكنّه ليس من الأجسام.

إنَّ القائلين بالجسميّة لله عزّ وجلّ ينقسمون إلى فريقين:

الفريق الأوّل : هم القائلون بأنَّ الله تعالى جسمٌ كهذه الأجسام، وهؤلاء هم المشبّهة. فبالإضافة إلى كونهم مجسّمة هم أيضاً مشبّهة، لأنّهم شبّهوه بخلقه.

الفريق الثاني : الذين قالوا بأنّه جسم ولكن لا كالأجسام؛ فراراً من محذور التشبيه، ولكنّهم لم ينجوا من محذور التجسيم.

وبحثنا هو عن أصل الجسميّة بغضّ النظر عن كونه كالأجسام، أو ليس كالأجسام، ثمّ البحث عن معتقد ابن تيميّة وهل هو من أولئك القائلين بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسمٌ لا كالأجسام؟ وهل - بالإضافة إلى كونه من المجسّمة - هو من المشبّهة أيضاً، فإنّ بعض الباحثين قالوا بأنّ ابن تيميّة هو كذلك، كما نسب إليه ذلك أبو هشام الشريف صاحب كتاب (ابن تيمية ذلك الوهم الكبير) حيث يقول: (عقيدة ابن تيميّة هي عقيدة التجسيم والتشبيه» (1)

ولقد حاول أتباع ابن تيميّة من المعاصرين الدفاع عنه، فكتبوا الرسائل


1- ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير، مخالفاته لأهل السنّة. . . : ص23.

ص: 176

والكتب لكي يدفعوا شبهة التشبيه عنه فقط دون شبهة التجسيم، كما سنذكر لاحقاً ما ورد في كتاب (دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة: عرض ونقد) للدكتور عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن (1).

لهذا سنكون في هذه الفصل أمام جملة من الأبحاث، منها:

أوّلاً : هل تقتصر نظريّة ابن تيميّة على التجسيم، أم تشتمل على التشبيه أيضاً؟

ثانياً : ما هو المراد من الجسم الذي وقع النزاع فيه بين الاتّجاه المثبت للجسميّة لله عزّ وجلّ، والنافي لها؟

ثالثاً : هل اتّهام ابن تيميّة بالتجسيم والتشبيه صحيح، أم هو افتراءٌ عليه، ومن ثم هو بريءٌ من هذه التّهمة؟

رابعاً : ما هي أقوال علماء المسلمين بحقّ من آمن بالتجسيم والتشبيه؟ ومن آمنَ بالتجسيم بلا تشبيه؟ وما هو الحكم الذي أصدره علماء المذهب المالكي والحنبلي والشافعي والزيدي والصوفيّة والإماميّة. . . بحقّ هؤلاء؟

وهناك أبحاثٌ أخرى سنعرض لها إن شاء الله تعالى.

أمّا وجه ارتباط هذا البحث بابن تيميّة خاصّة، مع كون نظريّة التجسيم لا تختصّ به وحده، فذلك لعاملين أساسيّين:

الأوّل : أنّ الشيخ ابن تيميّة نظّم كلّ منظومته المعرفيّة والدينيّة على أساس هذه المسألة، وبناءً على ذلك ميّز المؤمن عن الكافر والمشرك، وقال عن فلان بأنّه صاحب بدعة، وفلان مشرك، وفلان كافر أو صاحب ضلالة، فضلاً عن باقي منظومته التي تدور وفقاً لهذا المدار، وسيأتي معنا لاحقاً قول ابن تيميّة إنّ النافي والمثبت للجسميّة كليهما مبتدع ضالّ، ولكنّه في آخر


1- انظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة، عرض ونقد: الرسالة رقم: 63.

ص: 177

المطاف صبَّ كلّ جهده العلمي لإثبات الجسميّة، فتناقض بذلك مع ما يدّعيه.

الثاني : أنّ هذا الفكر التجسيمي حاولت اتجاهاتٌ معاصرة أن تبني مشروعها الديني والفكري والعقائدي والسياسي بل والجهادي على أساسه، وقتلوا الناس، واعتدوا على الحُرمات، وانتهكوا القيم الدينيّة لجميع مَن خالفهم بحجّة أنّ أولئك أهل ضلال وبدعة، وأنّهم فقط من يمثّل خطّ أهل السنّة والجماعة.

وبالعودة إلى نقاط بحثنا الأساسي؛ هناك عدّة أمور لابدّ من التعرّض لها، وهي:

ابن تيمية ورأيه الصريح في التجسيم بحسب أقوال العلماء

والغرض من هذا الأمر دفع توهّم أو ادّعاء البعض أنّنا نفتري ونتّهم وننسب إلى ابن تيميّة ما لا يقوله. لقد أدرك كبار علماء المسلمين لا سيما السنّة أنّ بداية هذا الفكر المنحرف، والمؤسّس لهذا المشروع التهديمي لمعارف الدِّين الإسلامي هو ابن تيميّة، وهذه تصريحاتهم وأقوالهم:

(1) ما ورد في (تأريخ أبي الفداء المسمّى: المختصر في أخبار البشر) المتوفّى سنة 732ه-، حيث قال: (وفي هذه السنة. . . وفيها استدعي تقي الدِّين أحمد بن تيميّة من دمشق إلى مصر وعقد له مجلس وأمسك وأُودع الاعتقال بسبب عقيدته، فإنّه كان يقول بالتجسيم على ما هو منسوبٌ إلى ابن حنبل) (1)

والذين اعتقلوه وحبسوه لم يكونوا من علماء الشيعة، فضلاً عن الناقل


1- تأريخ أبي الفداء المسمّى المختصر في أخبار البشر: ج2 ص3٩2.

ص: 178

للخبر.

(2 ما ورد في كتاب (الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم) للإمام أحمد الهيتمي، المتوفّى سنة ٩73ه-، حيث يبدأ كلامه في مقدّمة الكتاب بالهجوم العنيف على ابن تيميّة قائلاً: (من هو ابن تيميّة حتّى يُنظر إليه، أو يعوّل في شيءٍ من أمور الدِّين عليه، وهل هو إلّا كما قال جماعة من الأئمّة الذي تعقّبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتّى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته، وهل هو إلّا عبدٌ أضلّه الله وأغواه وألبسهُ رداء الخزي وأرداه، وبوّأه من قوّة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له. . .) (1)

ولعلّ هذا التشدّد من الإمام الهيتمي على ابن تيميّة يعود لأسبابٍ ثلاثة بحسب ما يُفهم من كلامه، وهي:

السبب الأوّل : موقف ابن تيميّة من أهل بيت رسول الله (ص) ، وقد بيّن ذلك تفصيلاً صاحب كتاب (أخطاء ابن تيميّة في حقّ رسول الله وأهل بيته) السيّد الشريف الدكتور محمود السيّد صبيح، أحد كبار علماء أفريقيا، وكذلك في كتاب (المقالات السنيّة في كشف ضلالات أحمد بن تيميّة) .

السبب الثاني : مخالفات ابن تيميّة لأهل السنّة في التوحيد، وفي شخص النبيّ (ص) مع ادّعائه وأتباعه بأنّهم يعظّمون النبيّ (ص) .

ولكي يكون القارئ الكريم على بيِّنةٍ من الأمر، وتوضيحاً لنظرة ابن تيميّة لشخص الرسول الأكرم (ص) ننقل بعضاً ممّا يقوله في حقّ خاتم الأنبياء والمرسلين (ص) ؛ يقول في (مجموعة الفتاوى) : (بل أنكروا إذا كان مقصوده بالسفر مجرّد القبر - أي قبر النبيّ - من غير أن يقصد الصلاة في


1- الجوهر المنظّم في زيارة القبر المكرّم: ص57.

ص: 179

المسجد، وجعلوا هذا من السفر المنهيّ عنه. . . وتنازعوا حينئذٍ فيمن سافر لمجرّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين هل يقصر الصلاة؟ على قولين. . .) (1)ثمّ إنّه يعتبر أنّ القول الآخر هو أنّه لابدّ أن يتمّ الصلاة، لأنّ السفر سفر معصية.

فهل من مسلم عاقل يوافق على كون زيارة قبر النبيّ (ص) تدخل في إطار السفر المنهيّ عنه؟ !

وفي موضعٍ آخر يتحدّث عن مضمون الحديث: (لا تشدّ الرِّحال إلّا إلى ثلاث. . .) فيقول: (إنّه لو كان قبر نبيّنا يُزار كما تُزار القبور لكان أهل مدينته أحقّ الناس بذلك، كما أنّ أهل كلّ مدينةٍ أحقّ بزيارة من عندهم من الصالحين، فلمّا اتّفق السلف وأئمّة الدِّين على أنّ أهل مدينته لا يزورون قبره، بل ولا يقفون عنده للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا وإن لم يسمَّ هذا زيارة، بل يُكره لهم ذلك كما ذكر ذلك مالك وبيّن أنّ ذلك من البدع) .

ثمّ يتابع منكراته في (مجموعة الفتاوى) فيشير إلى عدم ضرورة السلام على النبيّ (ص) فيقول: (وأمّا إتيان القبر للسلام عليه، فقد استغنوا عنه بالسلام عليه في الصلاة) (2).

ويتابع الهيتمي قائلاً: (ومن هو ابن تيميّة حتّى يُنظَر إليه. . . وأمّا تخيّل بعض المحرومين أنّ منع الزيارة أو السفر إليها - إشارة إلى ابن تيميّة - من باب المحافظة على التوحيد، وأنّ فعلها ممّا يؤدّي إلى الشرك، فهو تخيّلٌ باطل دالّ على غباوة متخيّله وخباله) (3).


1- مجموعة الفتاوى: ج27 ص183-184.
2- مجموعة الفتاوى: ج27 ص221.
3- الجوهر المنظّم: ص57.

ص: 180

السبب الثالث : تجاوزات ابن تيميّة بحقّ الخالق كالقول بالتجسيم، حيث يتابع الإمام الهيتمي قوله بحقّ ابن تيميّة: (حتّى تجاوز - أي بعد تعدّيه على حرمات الرسول (ص) - إلى الجناب الأقدس المنزّه عن كلّ نقص والمستحقّ لكلّ كمال أنفس، فنسبَ إليه العظائم والكبائر، وخرق سجاف عظمته وكبرياء جلالته بما أظهره للعامّة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدّمين والمتأخّرين، حتّى قام عليه علماء عصره، وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، وخمدت تلك البدع، وزالت تلك الظلمات، ثمّ انتصر له أتباع. . .) (1).

(3 ما ورد في كتاب (ابن تيميّة: حياته وعصره، آراؤه وفقهه) للإمام محمّد أبو زهرة حيث قال: (هذا كلام ابن تيميّة بنصّه، ولا تتّسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسيّة بالأصابع والإقرار بأنّه في السماء، وأنّه يستوي على العرش، وبين التنزيه المطلق عن الجسميّة والمشابهة للحوادث) (2).

(4 ما ورد في كتاب (منهاج السنّة) لابن تيميّة، حيث نجد التصريح الواضح منه بذلك، فيقول:

(وقد يُراد بالجسم ما يشار إليه أو ما يُرى، أو ما تقوم به الصفات، والله تعالى يُرى في الآخرة، وتقوم به الصفات، ويشير إليه الناس عند الدّعاء بأيديهم وقلوبهم ووجوههم وأعينهم، فإنْ أراد - أي العلاّمة الحلّي - بقوله:

«ليس بجسم» هذا المعنى، قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللّفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول) (3).


1- المصدر نفسه.
2- ابن تيميّة، حياته وعصره آراؤه وفقهه: ص228.
3- منهاج السنة: ج2 ص135.

ص: 181

(5 ما ورد في كتاب (المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيميّة) للشيخ عبد الله الهروي نسبةً إلى هرر الواقعة في المنطقة الداخليّة من أفريقيا، فيقول: (المقالة الثالثة: قوله بالجسميّة، وأمّا قوله بالجسميّة في حقّ الله تعالى، فقد ذكر ذلك في كتابه شرح حديث النزول ونصّه - أي نصّ كلام ابن تيميّة في شرح الحديث - وأمّا الشرع فمعلوم أنّه لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمّة أنّ الله جسم، أو أنّ الله ليس بجسم، بل النفي والإثبات بدعة في الشرع) (1)

فهنا ابن تيميّة يصرّح بما لا يدَع مجالاً للشكّ بأنّ النفي للجسميّة عن الله بدعة في الشرع.

(6 ما ورد في مقدّمة كتاب (ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير) : (لقد اختصر التيميّة الوهّابية واختزلوا دين الإنسان في شخص ابن تيميّة، ومن بعده ابن عبد الوهّاب حتّى أنّك إذا طالعت كتبهم أو سمعت دروسهم وخطبهم لا تقرأ ولا تسمع إلّا «قال شيخ الإسلام» ، «قال ابن تيميّة» ، وكأنّ ابن تيميّة هذا صار رسولاً آخر للمسلمين لا يؤخذ الدِّين إلّا منه ولا تعتمد الأحكام إلّا بتقريره.

. . . والكلام على معتقد ابن تيميّة ومخالفاته ليس أمراً مبتدعاً ولا مستحدَثاً، بل إنّه قد ردّ عليه وانتقده الكثيرون في عصره وحتّى يوم الناس هذا، ومن هؤلاء نذكر الحافظ شمس الدِّين الذهبي، وابن جهبل الحلبي، وتقي الدِّين السبكي، وابنه تاج الدِّين، وابن شاكر الكتبي، والقاضي صفيّ الدِّين الهندي، وجلال الدِّين القزويني، وعلاء الدِّين البخاري، وكمال الدِّين ابن الزملكاني، والحافظ صلاح الدِّين العلائي، والحافظ ابن رجب الحنبلي،


1- المقالات السنيّة في كشف ضلالات ابن تيميّة: ص٩2.

ص: 182

وبدر الدِّين بن جماعة، وأبو حيّان الأندلسي المفسّر، وعفيف الدِّين اليافعي، والفرغاني الحنفي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن حجر الهيتمي، والإمام الحصني، والحافظ العراقي، والحافظ السخاوي، وزيد الدِّين المناوي، والجلال الدواني، ومحمّد بن علي بن علّان الصدّيقي، وملاّ علي القاري، والشهاب الخفاجي، والعلاّمة الزرقاني، والعلاّمة محمّد زاهد الكوثري. . . (1).

. . . وبعد، فإنّه لا عداوة بيننا وبين ابن تيميّة) (2)

ويقول في موضع آخر: (عقيدة ابن تيميّة هي عقيدة التجسيم والتشبيه) .

هذا ما يصل إليه الباحث في كلّ تحقيق يقوم به في تراث ابن تيميّة.

ومع كلّ هذا نجد أنصار ابن تيميّة يدافعون عنه، بل يؤلّفون المؤلّفات لدفع ما يسمّى بالشبهات عنه كما في كتاب (دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة، عرض ونقد) تأليف الدكتور عبد الله الغصن حيث يقول: (المطلب الأوّل: دعوى أنّ شيخ الإسلام مجسّم ومشبّه) .

ثمّ ينقل عشرات الكلمات لعلماء المسلمين الذين اتّهموه بالتجسيم فيقول: (فمنها رميه بأنّه مجسّم كما قال الحصني: والحاصل أنّه وأتباعه من الغلاة في التشبيه والتجسيم) (3).

فإذا كانت هذه مجرّد اتّهامات، لنا أن نسأل عن السبب في هذه العشرات من الكتب للدفاع عنه، وهل كلّ ما قاله هؤلاء الأعلام افتراءٌ عليه؟


1- وعشرات بل مئات علماء المسلمين من مختلف الاتّجاهات وقالوا بأنّ هذا الرجل صاحب بدعة. ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير: ص(٨).
2- ابن تيميّة ذلك الوهم الكبير، مخالفاته لأهل السنّة: ص6.
3- دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيميّة: ص13٩.

ص: 183

ثمّ يقول: (منها أنّ ابن تيميّة أثبت النزول. . . ومنها أنّه يشبّه) .

ثمّ ينقل عن أبي الحسن علي الدمشقي عن أبيه قوله: (كنّا جلوساً في صحن الجامع الأموي في مجلس ابن تيميّة فذكّر ووعظ، وتعرّض لآيات الاستواء، ثمّ قال: واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا، فوثب الناس عليه وثبةً واحدةً وأنزلوه عن الكرسي وبادروا إليه ضرباً باللكم والنعال) (1)وغير ذلك.

(7 ما ورد أيضاً في كلمات ابن تيميّة في (شرح حديث النزول) والذي حاول فيه الفرار من محذور التجسيم ولكنّه مع ذلك وقع ولم يستطع الفرار، فقال:

(فمن قال: إنّ الله جسم، وأراد بالجسم هذا المركّب، فهو مخطئ، ومن قصد نفي هذا التركيب عن الله: فقد أصاب في نفيه عن الله. . ولفظ التركيب قد يُراد به: أنّه ركّبه مُركّب أو أنّه كانت. . .) (2)

فابن تيميّة يعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى مركّب، ولكنّه لم يركّبه أحد، بل هو من الأزل مركّب، وقد ثبت في محلّه أنّ كلّ مركّب محتاج إلى أجزائه، فيثبت أنّ الله محتاج، فيكون حادثاً.

فهو لم ينفِ عن الله مطلق التركيب ولا أصله، بل نفى عنه تركيباً معيّناً.

(8 وهو ما نختاره أيضاً من كلمات وعبارات ابن تيميّة الواردة في (تلبيس الجهميّة في تأسيس بدعهم الكلاميّة) حيث يقول:

(إنّ لفظ الجسم والعرض والمتحيّز ونحو ذلك، ألفاظٌ إصطلاحيّة، وقد قدّمنا غير مرّة أنّ السلف والأئمّة لم يتكلّموا في ذلك في حقّ الله لا بنفيٍ ولا


1- المصدر نفسه: ص141.
2- شرح حديث النزول: ص237-238.

ص: 184

بإثبات، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك، وذمّوهم غاية الذمّ) (1)

فإلى هنا ابن تيميّة لا يثبت الجسم ولا ينفيه، فمن أين ننسب له القول بالجسميّة؟ هذا ما نثبته من تتمّة كلامه حيث يقول: (ولم يذمّ أحدٌ من السلف أحداً بأنّه مجسّم، ولا ذمّ المجسّمة، وإنّما ذمّوا الجهميّة النفاة لذلك وغيره، وذمّوا أيضاً المشبّهة. . . ومن أسباب ذمّهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحقّ، كما قال الإمام أحمد. . . لكن أيّ محذور في ذلك، وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمّة وأئمّتها أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً. فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل، بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرعٌ ولا عقلٌ، جهلٌ وضلال) (2)

ويقول في نفس الكتاب: (وإن أردت أنّهم وصفوه بالصفات الخبريّة، مثل: الوجه واليد، وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنّهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسماً، والجسم متبعّض ومتجزّئ، وإن لم يقولوا هو جسم، فيُقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام،

بل وسائر الملل وسلف الأمّة وأئمّتها) (3)

وأنّى لابن تيميّة أن ينسب ذلك لأئمّة السلف وعلمائهم، وكذلك تلامذته ومن هم على شاكلته الذين حذوا حذوه وصرّحوا بأنّ الله تعالى جسم، ومنهم الشيخ العثيمين في (شرح العقيدة الواسطيّة) حيث يقول:

(وأمّا أدلّة نفاة الرؤية العقليّة فقالوا لو كان الله يُرى لزم أن يكون جسماً،


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص372.
2- المصدر نفسه: ج1 ص373.
3- المصدر نفسه: ج1 ص251.

ص: 185

والجسم ممتنع على الله تعالى لأنّه يستلزم التشبيه، والردّ عليهم أنّه إن كان يلزم من رؤية الله تعالى أن يكون جسماً فليكن كذلك) (1)

ويقول أيضاً في الكتاب: (إن أردتم بأنّه ليس لله ذات تتّصف بالصفات اللازمة واللائقة بها، فقولكم باطل، وإن أردتم بالجسم الذي قلتم يمتنع أن يكون الله جسماً الجسم المركّب من العظام واللحم والدم وما أشبه ذلك، فهذا ممتنعٌ على الله) (2)

تاريخ التجسيم عند ابن تيمية

حاول بعض أتباع الشيخ ابن تيمية أن يوهموا الآخرين بأنّ ابن تيميّة كان في زمانه رافعاً لراية التوحيد الحقّ، وأنّه كان إماماً لأهل السنّة والجماعة، وأنّ هناك افتراءات عليه حصلت له بعد وفاته ومنها نسبة القول له بالتجسيم.

ولكنّنا عندما نرجع إلى تأريخ هذا الرجل نجد أنّه في زمانه كان متّهماً بالتجسيم والتشبيه، وسُجِنَ على هذا الأساس، ومن المصادر التاريخيّة التي

أشارت لذلك كتاب (تأريخ أبي الفداء، المسمّى: المختصر في أخبار البشر) تأليف الملك المؤيّد شاهنشاه بن أيّوب المتوفّى سنة 732ه-. وقد وردت ترجمة صاحب الكتاب في (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) لابن عماد الحنبلي الدمشقي، وفيه يقول عنه: (وفيها صاحب حماة الملك المؤيّد عماد الدِّين إسماعيل شاهنشاه أيّوب العالم العلاّمة المُفنّن، الشافعي السلطان، وذكر له الأسنوي في طبقاته ترجمة عظيمة، وقال: كان جامعاً لأشتات العلوم، أُعجوبة من أعاجيب الدُّنيا، ماهراً في الفقه، والتفسير، والنحو، وعلم


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ص38٩.
2- المصدر نفسه: ص321.

ص: 186

الميقات، والفلسفة، والمنطق، والطبّ، والعروض، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم، شاعراً، ماهراً، كريماً إلى الغاية، صنّف في كلّ علم تصنيفاً أو تصانيف. . .) (1)( وكان هذا المؤلِّف معاصراً لابن تيميّة، باعتبار أنّ وفاته كانت في سنة 732ه-.

يقول صاحب كتاب تاريخ أبي الفداء عن ابن تيميّة (وقد ذكرنا بعضه) :

(وفيها - أي في سنة 7٠6 ه- - استدعي تقيّ الدِّين أحمد بن تيميّة في دمشق إلى مصر وعقد له مجلس وأُمسك وأُودِع الاعتقال بسبب عقيدته فإنّه كان يقول بالتجسيم) (2)

ومثل هذا الشاهد ذكره من المعاصرين الإمام محمّد أبو زهرة، من كبار علماء الأزهر الشريف في كتابه (تأريخ المذاهب الإسلاميّة في السياسة والعقائد وتأريخ المذاهب الفقهيّة) حيث يقول: (وعلى ذلك يقرّر ابن تيميّة أنّ مذهب السلف هو إثبات كلّ ما جاء في القرآن الكريم من فوقيّة وتحتيّة

واستواء على العرش، ووجه ويد ومحبّة وبُغض، وما جاء في السنّة من ذلك أيضاً من غير تأويل، وبالظاهر الحرفي، فهل هذا هو مذهب السلف حقّاً؟ ونقول في الإجابة عن ذلك: لقد سبقه بهذا الحنابلة في القرن الرابع الهجري كما بيّنا، وادّعوا أنّ ذلك مذهب السلف، وناقشهم العلماء في ذلك الوقت، وأثبتوا أنّه يؤدّي إلى التشبيه والجسميّة لا محالة، وكيف لا يؤدّي إليهما والإشارة الحسيّة إليه جائزة، وقد تصدّى لهم الإمام الفقيه الحنبلي الخطيب ابن الجوزي. . .) (3)


1- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ج(٨) ص172.
2- تأريخ أبي الفداء المسمّى المختصر في أخبار البشر: ج2 ص3٩2.
3- تاريخ المذاهب الإسلاميّة في السياسة والعقائد وتأريخ المذاهب الفقهيّة: ص182، الفقرة رقم: 244.

ص: 187

وبالإضافة إلى تاريخ هذا الإنسان الذي سُجِنَ بسبب مخالفاته العقائديّة لأكثر أهل السنّة والجماعة، نجده أيضاً يحاول اختراع مسائل في التوحيد لأجل تمرير معتقداته وتكفير مخالفيه، يقول صاحب كتاب التنديد بمَن عدّد التوحيد عن ذلك: (وأمّا القسم الثالث من التوحيد وهو ما سمّوه بتوحيد الأسماء والصفات فقد أشار إليه وذكره ابن تيميّة في منهاج سنّته باسم: إثبات حقائق أسماء الله وصفاته. والمراد من هذا التقسيم إثبات التشبيه والتجسيم وبيان أنّه غير مذموم. . .) (1).

إذن دعوى أنّ هذه النظريّة هي نظريّة أهل السنّة والجماعة، ونظريّة السلف، هي دعوى باطلة.

أصحاب التجسيم ومحاولات الدفاع

هناك محاولات قام بها بعض أصحاب نظريّة التجسيم راموا من خلالها الدفاع عن أنفسهم بسبب ما ورد في أقوالهم، وهذا خير شاهد على وقوعهم في التشبيه والتجسيم، وإلاّ لماذا لم يدافع الأشاعرة عن أنفسهم في هذا المجال، وكذلك المعتزلة والصوفيّة والإماميّة، ولا يحتاجون إلى ذلك، والدليل واضح وهو أنّ ما قاله هؤلاء لا توجد فيه رائحة تشبيه أو تجسيم.

ومن هذه المحاولات نذكر:

المحاولة الأولى : وقد تقدّم الكلام عنها، وحاصلها: أنّهم قالوا: «إنّ الله جسم لا كالأجسام» ، فهل مرادهم أن ينفوا عن الله الجسميّة، أم مرادهم أن ينفوا عن الله أنّه لا يشابهه جسم وإن كان جسماً؟ فأيّ منهما مرادهم؟


1- التنديد بمَن عدّد التوحيد: ص1٩.

ص: 188

وبتعبير آخر: هل المراد نفي الشّبه فقط أم نفي أصل الجسميّة؟

فإن كان المراد نفي الجسميّة فليقولوا إذن بأنّه ليس بجسم، وبتعبير منطقي: اجعلوها سالبة بانتفاء الموضوع، وقولوا: ليس بجسم، كما قال بذلك أئمّة أهل البيت (ع) ، وإلاّ فصريح كلامهم هو إثبات أصل الجسميّة ونفي شَبَههِ بسائر الأجسام، وأنّ هذا الجسم لا يشبه جسماً آخر، فأصل الجسميّة وخصائصها ثابتان في كلامهم، وهم صرّحوا بأنّ قولهم (الله جسم) المراد منه اللفظ والمعنى، فيطلق عليه لفظ الجسم ومعنى الجسم أيضاً.

ومن الشواهد على ذلك ما ورد في كتاب (التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري) . فقد ورد في المتن: (قال إمام الحرمين في الرسالة النظاميّة: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر (1). فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصحّ من السنن، وذهب أئمّة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى) (2).

إذن فهم يطلقون اللفظ ولكن يقولون إنّ المعنى غير مرادٍ فيكون اللّفظ قد استعمل في غير ما وضع له، وهذا هو المجاز، وهذه نظريّة السلف.

لكن علي بن عبد العزيز يقول معلّقاً على هذه النظريّة: (نسبة تفويض معاني الصفات للسلف الصالح خطأ بالغ) أي أنّ نسبة هذا الكلام من إمام الحرمين للسلف غير صحيحة (وتجهيل لهم، وتقوّل عليهم بما لم يعتقدوه، وإنّما مذهبهم إثبات معاني الصفات وفهمها ومعرفتها، وتفويض كيفيّاتها فقط. . .) (3).


1- من قبيل استوى على العرش، وله يد ووجه. . . .
2- التنبيه على المخالفات العقديّة في فتح الباري: ج13 ص5٠1، كتاب التوحيد، باب: 22، ح7418 - 7428.
3- المصدر نفسه.

ص: 189

وتقرير كلامه: في قولنا - مثلاً - بأنّ الله له يد، أنّ لفظ اليد استعمل في معناه، واليد في اللّغة هي الجارحة، نعم نحن لا نعرف كيفيّة اليد هل هي بخمس أصابع أو عشر. . . هذه الكيفيّة فقط مجهولة، وإلاّ فإنّه تعالى له يد.

فهؤلاء لو لم يعتقدوا بالجسميّة أو باليد أو بالوجه. . . لقالوا إنَّه ليس بجسم، وليس له يد. لكنّهم صرّحوا أنّ اليد لفظاً ومعنىً موجودة لله تعالى، واختلفوا في الكيفيّة فقط.

وبهذا يثبت مدّعانا في أنّ هؤلاء قالوا صراحةً بالتجسيم، وإنّما نفوا أن يكون مشابهاً لأجسام الآخرين، ونفي التشبيه لا ينفي أصل الجسميّة.

المحاولة الثانية : عندما سمّي أصحاب هذا المنهج بالمجسّمة والمشبّهة قالوا: صحيح أنّ هذه الصفات تجري بظاهرها اللّفظي واللّغوي والمعنوي على الله تعالى، ولكن بقيدٍ هو: بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل ولا تعريف.

وإذا ما أردنا أن نضمّ هذه المحاولة إلى سابقتها، فمفاد زعمهم وقولهم يمكن تصويره على الشكل التالي: الله تعالى جسم لا كالأجسام، بلا تشبيه وبلا تعطيل وبلا تمثيل وبلا تكييف وبلا تحريف.

وصرّحوا في كلماتهم كثيراً بهذا الأمر، ومن ذلك ما ورد في كتاب (شرح الأصبهانيّة) وهو شرح عقيدة مختصرة لأبي عبد الله محمّد بن محمود بن محمّد بن عباد العجلي الأصبهاني الأشعري المتوفّى سنة 688 ه-، تأليف ابن تيميّة، وفيه يقول: (فالذي اتّفق عليه سلف الأمّة وأئمّتها: أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) (1)


1- شرح الأصبهانيّة: ص24-25.

ص: 190

المورد الثاني : ما ورد في كتاب (مجموعة الفتاوى) لابن تيميّة، حيث يقول: (فمذهب السلف إثبات الصفات وإجراؤها على ظاهرها - أي معانيها الأصليّة - ونفي الكيفيّة عنها لأنّ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. . .) (1).

المورد الثالث : ما ورد في (مجموع الفتاوى) لابن باز، حيث يقول:

(والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحيحة الدالّة على أسماء الله وصفاته مسلك أهل السنّة والجماعة، وهو الإيمان بها، واعتقاد صحّة ما دلّت عليه وإثباته له سبحانه على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهذا هو

المسلك الصحيح الذي سلكه السلف الصالح واتّفقوا عليه. . .) (2)

المورد الرابع : ما ورد في كتاب (فتاوى اللجنة الدائمة) وفيه: (بل يثبتون لله ما دلّت عليه حقيقة. . . ولا شكّ أنّ الحقّ مع السلف ومن تبعهم في إثبات معاني النصوص حقيقةً من غير تكييف ولا تمثيل له بخلقه ولا تأويل ولا تعطيل؛ لأنّ الأصل الحقيقة، ولا دليل على العدول عنها) (3).

والغريب أنّ كلّ هؤلاء يقولون: لا تمثيل ولا تكييف، ولكن لا أحد منهم يقول: ولا تجسيم. . . وهذا ما يكشف بالملازمة عن قولهم بالجسميّة.

المورد الخامس : ما ورد في كتاب (عقيدة السلف وأصحاب الحديث أو الرسالة في اعتقاد أهل السنّة وأصحاب الحديث والأئمّة) تأليف الإمام عبد الرحمن أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، المتوفّى سنة 44٩ه-.


1- مجموع الفتاوى: ج11 ص13٩.
2- مجموع فتاوى ومقالات لابن باز: ج1 ص137.
3- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة: ج3 ص17٩-18٠.

ص: 191

وفيه يقول: (التشبيه ينقسم إلى قسمين: تشبيه المخلوق بالخالق، كتشبيه النصارى عيسى بالله، وتشبيه المشركين أصنامهم بالله. والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق، كقول المشبّهة: لله يدٌ كأيدينا وسمعٌ كأسماعنا) . وبعد أن يتعرّض لتعريف التحريف اللّفظي والمعنوي يتابع القول: (وقد أعاذنا الله تعالى - أهل السنّة - من التحريف والتشبيه والتكييف. . .) (1).

فالفرق إذن بين المحاولتين: أنّ المحاولة الأولى لا تنفي الجسميّة، وإنّما تنفي التشبيه فقط. والمحاولة الثانية لا يوجد فيها بلا تجسيم، بل يوجد فيها (بلا تحريف وبلا تكييف وبلا تعطيل ولا تمثيل) .

وهذا يكشف عن أنّهم يؤمنون بالجسميّة، ولكن لا يشبّهون جسمه تعالى بأجسام المخلوقين، وأمّا أصل الجسميّة فيؤمنون بها.

وبهذا يتّضح أنّ هذه المحاولات فيها خلل؛ لكونها لا تنفي الجسميّة أوّلاً، ولأنّها تنفي الكيفيّة والمثليّة ثانياً.

الشيخ عبده وردّه على المجسمة

انتقد الشيخ محمّد عبده أحد كبار أعلام الأزهر نظريّة ابن تيميّة في الصفات؛ لما تؤدّي إليه من التجسيم والتشبيه، وفي حاشية كتاب (دفع شبهة التشبيه) للإمام عبد الرحمن أبي الحسن الجوزي، المتوفّى سنة 5٩7ه-، يعلّق الشيخ محمّد عبده في حاشيته على الكتاب فيما كتبه على العضديّة عند الكلام على حديث افتراق الأمّة، فيقول: (فإنْ قلت: إنّ كلام الله وكلام النبيّ (ص) مؤلَّف من الألفاظ العربيّة ومدلولاتها معلومة لدى أهل اللغة، فيجب الأخذ بحاقّ مدلول اللفظ كان ما كان [بمقتضى نزول القرآن بلسانٍ عربيٍّ


1- عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ص162-164.

ص: 192

مُبين] قلت لو التزمنا بهذا [أي بنظريّة أتباع ابن تيميّة الذين قالوا بأنّ الصفات في القرآن والروايات نحملها على ظاهرها بلا تصرّف في اللّفظ والمعنى وإلاّ للزم التأويل المرفوض] قلت: حينئذٍ لم يكن ناجياً إلّا طائفة المجسّمة) . ومراده أنّ الأمر لو كان كذلك، لكانت كلّ النظريّات والمدارس العقديّة والفكريّة مؤدّية إلى النار، وباطلة لما فيها من الشرك، وبالتالي فالموحّدون هم المجسّمة فقط.

ثمّ يتابع القول: (لم يكن ناجياً إلّا طائفة المجسّمة الظاهريّون القائلون بوجوب الأخذ بجميع النصوص وترك طريق الاستدلال رأساً، مع أنّه لا يخفى ما في آراء هذه الطائفة من الاختلال مع سلوكهم طريقاً ليس يفيد اليقين بوجه، فإنّ للتخاطبات مناسبات، فلا سبيل إلّا إلى الاستدلال حتّى ننقل ونؤوّل ما يبدي بظاهره نقصاً إلى ما يفيد الكمال) (1).

ابن الجوزي وردّه على المجسمة

يُعتبر ابن الجوزي أحد أعلام المذهب الحنبلي، ولكنّه أنكر على أتباع ابن تيميّة قولهم بالتجسيم والتشبيه، وحاول الدفاع عن الإمام أحمد بن حنبل الذي نسب إليه المجسّمة أُموراً هو بريءٌ منها، كما ادّعى ابن الجوزي.

يقول ابن الجوزي في كتابه (دفع شُبه التشبيه) : (ورأيت من أصحابنا - أي الحنابلة - من تكلّم في الأصول بما لا يصلح، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوامّ فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أنّ الله سبحانه خلق آدم (ع) على صورته فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواء لوجهه هي السبحات ويَدَين وأصابع وكفّاً


1- دفع شُبه التشبيه بأكفّ التنزيه: ص(٨)، الحاشية رقم: 2.

ص: 193

وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يَمسّ ويُمَسّ ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفّس، ثمّ إنّهم يرضون العوامّ بقولهم: لا كما يعقل) .

أي هذه ال-(لا) التي أضافوها إلى قولهم (لا كالأجسام) و (لا بتكييف) هي برأي ابن الجوزي لخداع العوامّ وللتعمية والتمويه.

ثمّ يتابع: (وقد تبعهم خلقٌ من العوامّ، وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وأتباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل، فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ثمّ قلتم في الأحاديث: تُحمل على ظاهرها، فظاهر القدم الجارحة) .

ثمّ يذكر شاهداً فيقول: (فإنّه لمّا قيل في عيسى: «روح الله» اعتقدت النصارى أنّ لله سبحانه وتعالى صفة هي روح ولجت فيه، ومن قال استوى بذاته المقدّسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيّات) .

ثمّ يتألّم ابن الجوزي من بعض علماء الحنابلة فيقول: (فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه، فقد كسيتم هذا المذهب شيئاً قبيحاً - وهو التجسيم - حتّى صار لا يقال عن حنبلي إلّا مجسّم) (1).

ومن كلام الجوزي وإنكاره على أتباع الحنابلة وعموم مدرسة ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب، يتبيّن لنا رأي علماء السنّة في التوحيد الذي شوّه حقيقته ابن تيميّة وأتباعه الذين يقومون في عصرنا الحاضر بتبديل المناهج الدراسيّة في المدارس وإدخال منهج التجسيم فيها.

ويتابع ابن الجوزي القول: (ثمّ زيّنتم مذهبكم أيضاً بالعصبيّة ليزيد بن


1- دفع شُبه التشبيه بأكفّ التنزيه الامام ابن الجوزي الحنبلي: ص٩7 إلى ص1٠2.

ص: 194

معاوية، وقد علمتم أنّ صاحب هذا المذهب أجاز لعنته. . .) (1).

هذه شهادة من ابن الجوزي نضعها بين يدي القارئ الكريم ليطّلع على حقيقة موقف علماء السنّة، ولا سيّما أئمّة الحنابلة من مدرسة التجسيم.

الملازمة بين التشبيه والتجسيم

من الأساليب المهمّة التي ابتدعها البعض في الدفاع عن ابن تيميّة ونفي القول بالتجسيم عنه: محاولة القول بأنّ منهج ابن تيميّة وأتباعه ينفي التشبيه أو التكييف والتمثيل عن الله، وهذا يتضمّن نفي التجسيم عنه تعالى.

وفي معرض الإجابة عن ذلك نشير إلى أنّنا سنكتفي بما قاله ابن تيميّة من عدم وجود ملازمة بين نفي التشبيه والتمثيل وبين نفي التجسيم - كما ذكرنا سابقاً - وبالتالي فليس كلّ من نفى التمثيل والتشبيه عنه سبحانه ينفي الجسميّة عنه، فقد ينفي البعض التشبيه والتمثيل ولكنّه يلتزم بالتجسيم.

ولكي لا نُتَّهم بأنّا نقتطع من كلام ابن تيميّة ما يتناسب مع هدفنا وغايتنا ننقل كلماته وكلمات أتباعه من موارد متعدّدة ومنها:

المورد الأوّل : ما ورد في كتاب (درء تعارض العقل والنقل) : (وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه، ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقامٌ آخر) (2)

ومفاد هذا الكلام أنّه من خلال عطف التفسير في قوله (التمثيل والتشبيه) يتبيّن أنّ المراد من التمثيل والتشبيه أمرٌ واحد، وثانياً: أنّه لا يتبادر إلى الذهن أنّ نفي التمثيل والتشبيه عن الله تعالى يلازم نفي الجسميّة، فالقول


1- المصدر نفسه: ص1٠2.
2- درء تعارض العقل والنقل: ج2 ص4٠5.

ص: 195

بأنّ الله تعالى ليس له مثيلٌ أو شبيه، لا يلزم منه أنّه ليس له جسم، ولكن جسم لا كالأجسام.

المورد الثاني : ما ورد في (شرح الأصبهانيّة) ضمن سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، وهو شرح عقيدة مختصرة لأبي عبد الله محمّد بن محمود بن محمّد بن عباد العجلي الأصبهاني الأشعري، المتوفّى سنة (688ه-) ، ومن تأليف ابن تيميّة، وفيه: (فالذي اتّفق عليه سلف الأمّة وأئمّتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل) (1).

والملاحظ هنا أنّه لا يضيف قيد (وبلا تجسيم) .

قد يقال : إنّ هذا لا يثبت عدم نفيه للتجسيم؟

والجواب : بل هو يثبت؛ لأنّه في مقام بيان عقيدته، وإذا صار في مقام البيان فلابدّ أن يذكر كلّ القيود التي يعتقد بها، وحيث إنّه لا يعتقد بالتعطيل ولا بالتكييف ولا بالتمثيل ولا بالتحريف فقد ذكرها، أمّا حيث أنّه يعتقد بالجسم - ولو بجسم لا كالأجسام - لم يشر إليها هنا.

وهذا من قبيل كون الرسول (ص) في مقام بيان حقيقة الصلاة، فقال: إنّ الصلاة لها هذه الأجزاء، والذي يبطلها هذه الموانع، فلا يمكن أن نقول إنّ هناك أجزاء أخرى لم يشِر إليها، لأنّه في مقام البيان، سواء كان الإطلاق حكمياً أو مقامياً.

المورد الثالث : ما ورد في (مجموعة الفتاوى) ، وفيها: (من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. . .) (2)


1- شرح الأصبهانيّة: ص34.
2- مجموعة الفتاوى: المجلّد 6، ج11، ص13٩.

ص: 196

المورد الرابع : ما ورد في (مجموعة فتاوى ومقالات متنوّعة) لابن باز، أحد أئمّة الوهّابية المعاصرين، يقول: (والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناه من الأحاديث الصحيحة الدالّة على أسماء الله وصفاته مسلك أهل السنّة، وهو الإيمان بها واعتقاد صحّة ما دلّت. . . من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل) (1). وكما تلاحظ لم يذكر: وبلا تجسيم.

المورد الخامس : ما ورد في (فتاوى نور على الدرب) للإمام ابن باز، وفيه يقول: (وإنّما يُمِرُّون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت بغير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. . .) (2)

وهذا إصرار منهم على أنّ الحقيقة هي ما نقلناه وأنّهم لم ينفوا الجسميّة، مع أنّهم يمكنهم التعبير بوضوح عن معتقدهم من خلال اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء في المملكة العربيّة السعوديّة، والتي تمثِّل الاتّجاه الوهّابي ومدرسة ابن تيميّة، وإصدار بيان واضح بكونهم لا يؤمنون بالتجسيم.

وهذا ما يدفعنا إلى الإعلان بوضوح: أنّه بمجرّد هذا الإعلان نكون على استعداد لطيّ صفحات هذا البحث وتأييد وتبنّي ما يقولونه حينئذٍ.

المورد السادس : في (فتاوى اللّجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء) جمع وترتيب أحمد بن عبد الرزّاق الدّويش، وبعد أن يشير إلى الصفات الخبريّة يقول: (ولا شكّ أنّ الحقّ مع السلف ومن تبعهم في إثبات معاني النصوص حقيقةً، من غير تكييفٍ ولا تمثيل له بخلقه ولا تأويل ولا تعطيل،


1- مجموعة فتاوى ومقالات متنوّعة: ج1 ص137.
2- فتاوى نور على الدرب: ج1 ص5٠.

ص: 197

لأنّ الأصل الحقيقة، ولا دليل على العدول عنها، فكان السلف بذلك أسعد بالدليل وبالله التوفيق. اللجنة الدائمة: عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزّاق العفيفي، وابن باز) (1)

أبو زهرة ورأيه في المجسمة

من الذين اعترضوا على القائلين بالتجسيم: الإمام محمّد أبو زهرة في كتابه (ابن تيميّة حياته وعصره) . يقول بعد أن ينقل نظريّة ابن تيميّة ويعمل على تقييمها لجهة عدم صلاحيّتها لدفع إشكاليّة التشبيه والتجسيم:

(وننتهي من هذا إلى أنّ ابن تيميّة يرى الألفاظ في اليد والنزول والقدم والوجه والاستواء على ظاهرها، ولكن بمعاني تليق بذاته الكريمة، وهنا نقف وقفة: إنّ هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيّة. . . وإذا أطلقت على غيرها سواءٌ أكان معلوماً أو مجهولاً فإنّها قد استعملت في غير معناها) (2)

فالإمام أبو زهرة يعتبر أنّ محاولة ابن تيميّة وقوله بأنّه تعالى جسم لا كالأجسام لا تجديه نفعاً في دفع شبهة التجسيم، والدليل على ذلك: أنّنا لو جئنا إلى أهل اللّغة لرأيناهم يقولون بأنّ الواضع عندما وضع مثل هذه الألفاظ فإنّما وضعها لمعانيها الحسيّة، فمثلاً يقول الراغب في مفرداته: (أصل الوجه الجارحة) وفي موضع آخر يقول: (اليد الأصل فيها الجارحة) (3)

وهذه الألفاظ لا تُطلق على وجه الحقيقة على سواها. فإطلاق الوجه على


1- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء: ج3 ص17٩-18٠.
2- ابن تيميّة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه: ص233.
3- المفردات، الراغب الأصفهاني، مادّة: الوجه، واليد.

ص: 198

غير الجارحة لا يكون حقيقيّاً، وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فيكون مجازاً.

ولو سألنا أتباع ابن تيميّة والمدرسة السلفيّة عن قولهم بأنّ لله وجهاً، هل مرادكم بالوجه: المعنى المتعارف له؟ فإن قالوا: وجه لا كالوجوه، فهذا

الوجه الذي هو لا كالوجوه معروفٌ أم لا؟ فإن قالوا: غير معروف، فهذا يعني أنّهم يجهلون الله تعالى، لأنّهم لم يعرفوا ما هو الوجه، وهكذا اليد. . . فهو مجهول، ومفاد ذلك أنّهم لم يعرفوا الله، وبالتالي تكون عبادتهم عن جهل لا عن معرفة.

وأمّا لو قالوا بأنّهم يعرفون ذلك الوجه، فيكون مرادهم منه الجارحة بحسب المعنى اللّغوي، فحينئذٍ يثبت التجسيم.

وبهذا تكون محاولات أتباع هذه المدرسة فاشلة وغير نافعة في دفع إشكاليّة التجسيم.

المجسمة وتكفيرهم لمخالفيهم

هناك نقاط اشتراك كثيرة بين جميع المدارس الإسلاميّة تشكِّل الإطار العامّ لاتّجاه المسلمين وتسالمهم على مجموعة من الأفكار والمعتقدات مع الاختلاف في بعض التفاصيل، كالأشاعرة، والمعتزلة، والاثني عشريّة، والصوفيّة و. . . .

وهذا الأمر لا ينطبق أبداً على مدرسة ابن تيميّة والإسلام الأموي الذي أسّس له رأس النفاق معاوية بن أبي سفيان، ومن جاء بعده، حيث هناك التقاطعات الواسعة النطاق التي لا مجال معها للتقريب والتوفيق بينها وبين سائر المدارس الإسلاميّة، وفي الآونة الأخيرة جرت محاولات حثيثة وجادّة

ص: 199

لتصوير مدرسة أهل البيت (ع) وأتباعهم بأنّهم الوحيدون الذين يكفِّرون جميع المسلمين، وبأنّ باقي المذاهب الإسلاميّة لا يوجد عندها شيء من هذا القبيل، وإنّما هذا من اختصاص مدرسة أهل البيت (ع) وعلمائها الذين يعتبرون سائر المسلمين كفّاراً مخلّدين في النار.

وهذا إنْ وجد عند بعض علماء الشيعة، لكنّه ليس مورد إجماع، فهو رأيٌ اجتهاديّ قابل للموافقة وقابل للمخالفة.

وللردّ على هذه المغالطة والشبهة كان لابدّ من استعراض بعض الموارد التي نتبيّن من خلالها أنّ المسألة على النقيض تماماً، وأنّ المدرسة التكفيريّة الوحيدة بين المسلمين هي مدرسة ومنهج ابن تيميّة وأتباعه، وللتدليل على ذلك نذكر الشواهد التالية:

الشاهد الأوّل : ما ورد في كتاب إثبات الحَدّ، للدشتي المتوفّى سنة 665ه-، وبذيله الردّ على منكر الحَدّ، يقول: (فمن زعم أنّ «الله على العرش استوى» على خلاف ما تقرّر في قلوب العامّة فقد كفر وارتدّ عن دين الإسلام) (1)

فأيّ عالم من علماء الإسلام قال على خلاف ما يعتقده العامّة القائلين بأنّ الله مستوٍ وجالس وقاعد على العرش، فقد كفر وارتدّ عن دين الإسلام، وهل العالم بنظرهم لابدّ أن يأخذ علمه من عوامّ الناس، وما يفهمونه.

ثمّ يقول في الحاشية: (قيل ليزيد بن هارون «2٠6ه-» : مَن الجهميّة؟ قال: من زعم أنّ «الرحمن على العرش استوى» على خلاف ما يقرّ في قلوب العامّة، فهو جهميّ. ورواه البخاري في «خلق أفعال العباد» وعبد الله بن


1- إثبات الحدّ لله عزّ وجلّ وبأنّه قاعد وجالس على عرشه: ص118.

ص: 200

أحمد في «السنّة» ، وانظر تعليق الذهبي في «العلوّ») (1)

الشاهد الثاني : قال ابن تيميّة: (والذي تقرّر في قلوب العامّة أنّ الله مستوٍ على العرش) (2)

وكلامهم واضح في أنّ من لم يعتقد بما يفهمه العامّة وما يفهمه أتباع هذا الاتجاه، فهو كافرٌ ومرتدّ عن الإسلام.

الشاهد الثالث : في فتاوى اللجنة الدائمة، قال في جواب عن سؤال حول الردّ على القائلين بأنّ «الله في كلّ مكان» تعالى عن ذلك وما حكم قائلها؟ فقال: (. . . من اعتقد أنّ الله في كلّ مكان فهو من الحلوليّة. ويرِد عليه ما تقدّم من الأدلّة على أنّ الله في جهة العلوّ. . . فإنْ انقاد لما دلَّ عليه الكتاب والسنّة والإجماع، وإلّا فهو كافرٌ مرتدّ عن الإسلام) (3)

ونحن نعلم أنّ جميع الأشاعرة، وكذلك المعتزلة والصوفيّة والإسماعيليّة وجميع الزيديّة، فضلاً عن الإماميّة، بمختلف اتّجاهاتهم يعتقدون أنّ الله لا يحويه مكان، فهؤلاء إذن كلّهم كفّار ومرتدّون! !

الشاهد الرابع : من الذين صرّحوا بهذا المعتقد صالح الفوزان، وهو من علمائهم المعاصرين، يقول في (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد) : (ونصوص الصفات. . . وإنّما ينكرها المبتدعة من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة الذين ساروا على منهج مشركي قريش) (4)

الشاهد الخامس : ما ورد في تفسير الشيخ العثيمين، القسم المتعلّق بسورة


1- المصدر نفسه: ص118-11٩.
2- المصدر نفسه: ص11٩.
3- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة: ج3 ص16٠.
4- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد: ص144.

ص: 201

الحجرات و ق والذاريات، حيث يقول كلاماً أوضح من كلّ الكلام المتقدّم: (واعلم أنّ من الضلّال من يقول إنّ الله معنا في أمكنتنا، وينكرون أنّ

الله في السماء عالياً، فهؤلاء أتوا داهيتين عظيمتين؛ الأولى: إنكار علوّ الله، الثانية: اعتقاد أنّه في الأرض. . . سبحان الله هل يعقل أن يعتقد عاقل فضلاً عن مؤمن أنّه إذا كان في المرحاض كان الله معه، أعوذ بالله. الذي يعتقد هذا أشهد بالله. أنّه كافر) (1)

لو افترضنا أنّ مثل هذا الكلام نُقل عن بعض علماء مدرسة أهل البيت (ع) فما الذي سيجري، وكيف ستكون ردّة فعلهم؟ وهل يوجد في كلمات علماء هذه المدرسة من المعاصرين من يكفِّر أحداً من المسلمين؟

أمّا إمامهم ومعلّمهم وأستاذهم ابن تيميّة فقد أسّس لهذا المنهج وتجاوز كلّ المراحل، فلم يكتفِ بكيل اتّهامات الشرك والكفر، بل أفتى بوجوب قتل الشيعة أينما وُجدوا. وهذا ما صرّح به ابن تيميّة في موارد متعدّدة ومنها ما نقله من بعض الروايات المكذوبة التي أوردها في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ، وفيه ينقل بعض الروايات، ومنها:

الرواية الأولى : يقول: «وفي السنّة من وجوه صحيحة عن يحيى بن عقيل. . . عن أبيه، عن جدّه يرفعه قال:

يجيء قوم قبل قيام الساعة يسمّون الرافضة براءٌ من الإسلام» .

فقد أخرج ابن تيميّة الشيعة من الإسلام، ومن العجيب إصراره على تسميتهم بالرافضة خلافاً لعلماء السنّة الآخرين، ولا سيّما علماء الأزهر.

الرواية الثانية : ينقلها عن الإمام عليّ (ع) وفيها: قال النبيّ (ص

) : «يا عليّ


1- تفسير القرآن الكريم، سلسلة مؤلّفات الشيخ محمّد بن صالح العثيمين، القسم المتعلّق بسورة الحجرات وق والذاريات.

ص: 202

أنت وشيعتك في الجنّة، وأنّ قوماً لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم، فإنّهم مشركون» .

الرواية الثالثة : أيضاً منسوبة للإمام عليّ (ع) : قال رسول الله (ص) :

«ألا أدلّك على عملٍ إن عملته كنت من أهل الجنّة، وإنّك من أهل الجنّة، إنّه سيكون بعدنا قومٌ لهم نبز يُقال لهم الرافضة فإن أدركتموهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» ، وقال عليّ: «سيكون بعدنا قومٌ ينتحلون مودّتنا، يكذبون علينا» (1)

متى ظهر القول بالتجسيم (محاولات للنيل من الشيعة)

حاول بعض المفترين والمكذّبين ممّن دأبَ على مخاصمة المذهب الإمامي الاثني عشري الادّعاء زوراً وبُهتاناً بأنّ هشام بن الحكم أوّل من قال بالتجسيم، وهشام متكلِّمٌ شيعي من تلاميذ الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) .

زعم ذلك المؤلّف الوهّابي ناصر القفاري في كتابه (أصول مذهب الشيعة الإماميّة) ؛ قال: (وقد حدّد شيخ الإسلام ابن تيميّة أوّل من توالى كبر هذه الفرية من هؤلاء فقال: وأوّل من عُرف في الإسلام أنّه قال إنّ الله جسم هو هشام بن الحكم) (2)

وقال أيضاً: (إذن تشبيه الله سبحانه بخلقه كان في اليهود وتسرّب إلى التشيّع، لأنّ التشيّع كان مأوى لكلّ من أراد الكيد للإسلام وأهله، وأوّل من تولّى كبره هشام بن الحكم، ثمّ تعدّى أثره إلى آخرين عُرفوا بكتب الفرق بمذاهب ضالّة غالية، ولكن شيوخ الاثني عشريّة يدافعون عن هؤلاء


1- الصارم المسلول على شاتم الرسول: ج3 ص1٠٩4.
2- أصول مذهب الشيعة الإمامية: ج1 ص52٩.

ص: 203

الضلاّل الذين استفاض خبر فتنتهم واستطال شرّهم، ويتكلّفون تأويل كلّ بائقةٍ منسوبة إليهم أو تكذيبها، حتّى قال المجلسي: ولعلّ المخالفين نسبوا إليهما هذين القولين معاندةً.

وأقول: أمّا إنكار بعض الشيعة لذلك فقد عهد منهم التكذيب بالحقائق الواضحات، والتصديق بالأكاذيب البيّنات، وأمّا دفاعهم عن هؤلاء الضلاّل فالشيء من معدنه لا يستغرب، فهم يدافعون عن أصحابهم، وقد تخصّص طغام منهم للدفاع عن شذّاذ الآفاق ومن استفاض شرّه وتناقل الناس أخبار مروقه وضلاله) (1)

ونحن لا نستغرب صدور مثل هذه الاتهامات التي لا تستند إلى أساس علمي، بل إلى ضغينة في الصدور، وحقد امتلأ في قلوب أمثال هؤلاء.

وكان من الجدير بهذا المؤلِّف أن ينقل الأمور كما هي وبتمامها، لا أن يرويها مبتورة ناقصة.

الشاهد على ما نقول: النصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت (ع) :

«التوحيد، أبي، عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان بن يحيى، عن عليّ بن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أنَّ الله جلَّ وعزّ جسمٌ صمديٌّ نوريٌّ، معرفته ضرورة، يمنّ بها على من يشاء من خلقه. فقال (ع) :

سبحان من لا يعلم كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ ولا يمسّ، ولا تدركه الحواسّ، ولا يحيط به شيء، لا جسم ولا صورة ولا تخطيط ولا تحديد (2)


1- المصدر نفسه: ج1 ص53٠-531.
2- توحيد الصدوق: ص٩8، باب: 6، ح4.

ص: 204

وفي رواية محمّد بن زياد قال: «سمعت يونس بن ظبيان يقول: دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له: إنّ هشام بن الحكم يقول قولاً عظيماً؛ إلّا أنّي أختصر لك منه أحرفاً؛ يزعم أنّ الله جسم لأنّ الأشياء شيئان: جسم، وفعل الجسم، فلا يجوز أن يكون الصانع بمعنى الفعل، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل. فقال أبو عبد الله (ع) :

ويله! أما علم أنّ الجسم محدودٌ متناهٍ، والصورة محدودةٌ متناهيةٌ، فإذا احتمل الحدّ احتمل الزيادة والنقصان، وإذا احتمل الزيادة والنقصان كان مخلوقاً.

قال: قلت: فما أقول؟ قال (ع) :

لا جسم ولا صورة، وهو مجسّم الأجسام، ومصوِّر الصور لم يتجزّأ أو لم يتناه، ولم يتزايد ولم يتناقص، لو كان كما يقول لم يكن بين الخالق والمخلوق فرق، ولا بين المنشئ والمنشأ، لكن هو المنشئ، فرق بين من جسّمه وصوّره وأنشأه، إذ كان لا يشبهه شيء، ولا يشبه هو شيئاً» (1)

قال المجلسي: (استدلّ (ع) على نفي جسميّته تعالى بأنّه لو كان جسماً لكان محدوداً بحدود متناهياً إليها؛ لاستحالة لا تناهي الأبعاد، وكلّ محتمل للحدّ قابل للانقسام بأجزاء متشاركة في الاسم والحَدّ، فله حقيقة كليّة غير متشخّصة بذاتها ولا موجودة بذاتها أو هو مركّب من أجزاء حال كلّ واحد منها ما ذكر فيكون مخلوقاً، أو بأنّ كلّ قابل للحدّ والنهاية قابلٌ للزيادة والنقصان لا يتأبّى عنهما في حدِّ ذاته، وإن استقرَّ على حدٍّ معيّن فإنّما استقرَّ عليه من جهة جاعل) .

ثمّ استدلّ (ع) بوجه آخر وهو (ما يحكم به الوجدان من كون الموجد أعلى شأناً وأرفع قدراً من الموجَد، وعدم المشابهة والمشاركة بينهما، وإلاّ


1- المصدر نفسه: ص٩7، باب 6، ح7.

ص: 205

فكيف يحتاج أحدهما إلى العلّة دون الآخر؟ وكيف صار هذا موجداً لهذا بدون العكس؟ ويحتمل أن يكون المراد عدم المشاركة والمشابهة فيما يوجب الاحتياج إلى العلّة فيحتاج إلى علّة أخرى) (1).

فاذا كان الأمر كذلك، نقول في الجواب:

أوّلاً : لقد تبيّن لنا ممّا سبق أنّ الكلام على فرض صحّة نسبته إلى الهشامين، وعلى فرض عدم قبول الخصم بما أورده المجلسي، فإنّ ما نُقِل عن الهشامين لا يمثِّل وجهة نظر ورأي الأئمّة المعصومين (ع) نظراً لعدم قبولهم الواضح بذلك.

ثانياً : إنّ ما ورد عن الشيعة هو ما تمسّك به الخصم من كلام الهشامين فقط، ولو ثبت أو ورد كلام عن غيرهما من الشيعة لأورده الخصم، وهو مع ذلك لم يورِد كلّ ما ورد عن المدرسة التي أسّس لها ابن تيميّة وتبعه جمهور كبير من علماء هذه المدرسة.

ثالثاً : أين هذا الاتّهام من اتّفاق علماء الشيعة وما نُقل عن أئمّتهم من نفي التجسيم وما يستتبعه من مسائل أنكرها الشيعة بالاتّفاق.

رابعاً : من الواضح لمن له أدنى اطّلاع أنّ مقولات التجسيم وأحاديثه ظهرت بعد النبيّ (ص) وأنّ أصلها يهود المدينة وكعب الأحبار، ثمّ ظهرت من بعض الصحابة بصورة أحاديث نبويّة، ثمّ تعصّب لها بعض إخواننا حتّى جعلوها مذهباً.

وقد اختصّت بروايتها وتصحيحها مصادر إخواننا أهل السنّة، ولم ترو

مصادرنا منها شيئاً، بل روت ردّ أهل البيت (ع) لها واستنكارهم إيّاها.

ولو أنّ هذا الكاتب قرأ صحيح البخاري وغيره من مصادر الحديث،


1- بحار الأنوار: ج3، ص2٠3 - 3٠3.

ص: 206

لَلَمس بيديه قبل عينيه أنّ مقولة التجسيم ظهرت في الناس في زمنٍ لم يكن فيه هشام بن الحكم قد وُلد.

فقد روت هذه المصادر حديث أطيط العرش وصريره وأزيزه من ثقل الله تعالى بروايات صحيحة.

ولن نذكر هذا الحديث ومصادره المتعدّدة؛ لما سيأتي من بحثٍ مفصّل حوله في البحوث القادمة، وسنكتفي برواية واحدة رواها الهيتمي في مجمع الزوائد وفيها: (1)() عن عمر بن الخطّاب أنّ امرأة أتت النبيّ (ص) فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنّة، فعظّم الربّ تبارك وتعالى وقال:

إنّ كرسيّه وسع السماوات والأرض، وإنَّ له أطيطاً كأطيط الرّحل الجديد إذا ركب من ثقله، رواه البزّار ورجاله رجال الصحيح) .

ورواه أيضاً السيوطي في الدرّ المنثور (2).

وكذلك البغدادي في تاريخ بغداد (3)

ويُلاحظ في الحديث نفسه والمرويّ عن طريق ابن عمر أنّه ورد فيه:

«إنّ الله عزّ وجلّ ملأ عرشه، يفضل منه كما يدور العرش أربعة أصابع، بأصابع الرحمن عزّ وجلّ» .

فعبد الله بن عمر جعل العرش أكبر من حجم الله بأربع أصابع بأصابع الله تعالى، وبما أنّ آدم في رواياتهم الصحيحة مخلوق على صورة الله تعالى وطوله ستّون ذراعاً وفي بعضها سبعون ذراعاً، فتكون إصبع معبودهم أكثر من متر.


1- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج1 ص(٨)3.
2- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: ج1 ص328.
3- تاريخ بغداد أو مدينة السلام: ج4 ص3٩.

ص: 207

والأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل: أصواتها وحنينها، أي إنّه ليعجز عن حمله لعظمته، إذ كان معلوماً أنّ أطيط الرّحل بالراكب إنّما يكون لقوّة ما فوقه وعجزه عن احتماله.

وقد اقترب الشيخ محمّد زاهد الكوثري وهو باحث من علماء الأزهر من الحقيقة عندما اعترف بأنّ جذور التشبيه والتجسيم إنّما هي من رواة إخواننا السنّة، ولكنّه حمّل مسؤوليّتها لمجسّمي التابعين ومن بعدهم، ولم يجرؤ على نسبة رواياتها إلى الصحابة. . . .

قال في مقدّمته لكتاب الأسماء والصفات للبيهقي: (للمحدّثين ورواة الأخبار منزلة عُليا عند جمهرة أهل العلم، لكن بينهم من تعدّى طوره وألّف فيما لا يحسنه، فأصبح مجلبة للعار لطائفته، بالغ الضرر لمن يسايره ويتقلّد رأيه! .

ومن هؤلاء غالب من ألّف منهم في صفات الله سبحانه، فدونك مرويّات حمّاد بن سلمة في الصفات تجدها تحتوي على كثيرٍ من الأخبار التالفة يتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنّه تزوّج نحو مائة امرأة من غير أن يولد له ولد منهنّ، وقد فعل هذا التزواج والتناكح في الرّجل فعله، بحيث أصبح في غير حديث ثابت البناني لا يميّز بين مرويّاته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه أمثال ربيبه ابن أبي العوجاء وربيبه الآخر زيد المدعوّ بابن حمّاد، بعد أن كان جليل القدر بين الرواة قويّاً في اللّغة، فضلَّ بمرويّاته الباطلة كثير من بسطاء الرواة.

ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة، وفي كتب الرِّجال، وإن حاول أُناس الدفاع عنه بدون جدوى، وشرع الله أحقّ بالدفاع من الدفاع عن شخص، ولا سيّما عند تراكب التّهم القاطعة لكلّ عذر. وفعلت مرويّات نعيم بن حمّاد أيضاً مثل

ص: 208

ذلك بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم كما وقع مثل ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان.

ويجد آثار الضرر الوبيل في مرويّاتهما في كتب الرّواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما هنالك، فدونك كتاب الاستقامة لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمّى السنّة لعبد الله وللخلاّل، ولأبي الشيخ، وللعسّال، ولأبي بكر بن عاصم، وللطبراني، والجامع، والسنّة والجماعة لحرب بن إسماعيل السيرجاني، والتوحيد لابن خزيمة ولابن منده، والصفات للحكم بن معبد الخزاعي، والنقض لعثمان بن سعيد الدارمي، والشريعة للآجري، والإبانة لأبي نصر السجزي، ولابن بطّة، ونقض التأويلات لأبي يعلى القاضي، وذمّ الكلام والفاروق لصاحب منازل السائرين. . . .

تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل في آنٍ واحد ولا سيّما النقض لعثمان بن سعيد الدارمي المجسِّم، فإنّه أوّل من اجترأ من المجسّمة بالقول أنّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته، فكيف على عرشٍ عظيم! !

وتابعه الشيخ الحراني - ابن تيميّة - في ذلك، كما تجد نصّ كلامه في «غوث العباد» المطبوع سنة (1)35(2)ه- بمطبعة الحلبي.

وكم لهذا السجزي من طامّات مثل إثبات الحركة له تعالى وغير ذلك!

وكم من كتب من هذا القبيل فيها من الأخبار الباطلة والآراء السافلة ما الله به عليم، فاتّسع الخرق بذلك على الراقع، وعظم الخطب إلى أن قام علماء

أُمناء برأب الصَّدع نظراً وروايةً، وكان من هؤلاء العلماء الخطابي، وأبو الحسن الطبري، وابن فورك، والحليمي، وأبو إسحاق الاسفرايني، والأستاذ عبد القاهر البغدادي، وغيرهم من السادة القادة الذين لا يحصون عدداً) (3)


1- راجع الوهّابية والتوحيد: ص62-71.
2- راجع الوهّابية والتوحيد: ص62-71.
3- راجع الوهّابية والتوحيد: ص62-71.

ص: 209

وهكذا يعترف المنصفون من علماء إخواننا السنّة بأنّ ما في صحاحهم من أحاديث الرؤية والتشبيه والتجسيم ترجع كلّها أو جلّها إلى حمّاد بن سلمة ونعيم بن حمّاد ومقاتل بن سليمان ووهب بن منبه، وأُستاذهم جميعاً كعب الأحبار!

ومن المفارقات العجيبة انتشار مذهب التجسيم على يد بعض الفئات الحاكمة والسلطات التي كان لها طابع مذهبي وسياسي معروف بتأييده للخطّ والمنهج الأموي والمعادي لأهل البيت (ع) ، حيث سعَت إلى دعمه وتقويته.

فقد قوي مذهب التجسيم في عصر السلاجقة على يد أبي المعالي الجويني النيشابوري المعروف بإمام الحرمين (ت 478ه-) الذي طرده أهل نيشابور منها، ثمّ تبنّاه السلاجقة وعيّنوه شيخاً في المدرسة النظاميّة ببغداد، فتبنّى في آخر عمره هذا المذهب بعد أن كان متأوّلاً.

ثمّ جاء الغزالي بعده فخالفه وأحدث موجة لمصلحة المتأوّلين، وإن كان الملاحظ أنّ الغزالي حاول إرضاء المجسّمة في عدد من تفسيراته.

وعلى كلّ حال، فقد تحوّل التجسيم إلى مذهب في الأمّة الإسلاميّة، وأصبح له دُعاة ومروّجون بل وقادة وعلماء يدافعون عنه.

وقد أشار الشهرستاني في الملل والنحل إلى كيفيّة تحوّل هذا المعتقد الفاسد إلى مذهب، والأسباب الكامنة وراء ذلك، فقال: (اعلم أنّ جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزليّة؛ من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزّة والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات خبريّة مثل اليدين والوجه ولا يؤوّلون ذلك، إلّا أنّهم يقولون هذه الصفات قد وردت في

ص: 210

الشرع فنسمّيها صفات خبريّة.

ولمّا كان المعتزلةُ ينفون الصفات والسلفُ يثبتون، سُمّي السلف صفاتيّةً، والمعتزلةُ معطّلة، فبالغَ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثين، واقتصر بعضهم على صفات دلّت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين؛ فمنهم من أوّله على وجهٍ يحتمل اللّفظ ذلك، ومنهم من توقّف في التأويل وقال عرفنا بمقتضى العقل أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك، إلّا أنّا لا نعرف معنى اللّفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، ومثل قوله: خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ، ومثل قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ إلى غير ذلك، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف ورد بالاعتقاد بأن لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً.

ثمّ إنّ جماعة من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لابدّ من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت، من غير تعرّض للتأويل ولا توقّف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود لا في كلّهم، بل في

القرّائين منهم؛ إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً تدلّ على ذلك) (1).

هذا النصّ من الشهرستاني (46٩- 548 يدلّ على أنّ المجسّمة أخذوا شكل مذهب ولكنّه كان محدوداً وطارئاً على علماء السنّة، وأنّهم ظهروا متأخّراً وتجاوزوا ما رسمه القدماء من تحريم تفسير آيات الصفات وأحاديثها، ففسّروها بظاهر اللّغة ووقعوا في التجسيم!


1- الملل والنحل للشهرستاني: ج1، ص٩3.

ص: 211

ولذلك شبّههم بالقرّائين اليهود الذين كان التشبيه فيهم خالصاً على حَدّ قوله، وهو يشير بذلك أنّ التجسيم في هؤلاء المسلمين كان مخلوطاً غير خالص، وذلك لخوفهم من المسلمين!

وشهادة الشهرستاني تتوافق مع شهادة ابن خلدون وغيره ممّن أرّخ لنشوء هذا المذهب، أو هذا الدِّين الذي آمن بماديّة الله تعالى! !

المراد من التجسيم والتشبيه في محلّ البحث

اشارة

مقصودنا من هذا الأمر تحرير محلّ النزاع لمعرفة المعنى المُراد من التشبيه والتجسيم، وذلك من أجل أن نكون مصيبين في توجيه النقد لمن قال بالتشبيه والتجسيم، وبالتالي الوقوف على مغالطات ابن تيميّة وأتباعه الذين حاولوا التلاعب بالألفاظ فراراً من الاتّهام الموجّه إليهم من قِبل طائفة كبيرة من علماء المسلمين.

فالتشبيه هو أن يُشَبَّه الله سبحانه وتعالى بمخلوقاته، كأن يقول قائل: إنّ الله له يد كيدي، أو له وجهٌ كوجهي، أو له استواء كاستوائي، أو له علمٌ كعلمي، وله جسمٌ كجسمي، وله صورةٌ كصورتي وما شابه ذلك، فكلّه يدخل في إطار التشبيه.

وهذا البحث يمكن الاطّلاع عليه بشكلٍ تفصيلي في كتاب (مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة منها) ، وهو رسالة دكتوراه في ثلاثة مجلّدات، تأليف جابر بن إدريس عليّ، يقول:

(التشبيه عند أهل السنّة هو: وصف الله بشيءٍ من خصائص المخلوقين، وذلك بأن يُثبت لله في ذاته أو صفاته وأفعاله من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من الصفات، مثل أن يُقال: إنّ يد الله مثل أيدي المخلوقين،

ص: 212

واستوائه كاستوائهم. . . أو يعطي لمخلوقٍ من خصائص الربّ تعالى التي لا يماثله فيها شيء من المخلوقات. . . فالتشبيه المنفي عن الله تعالى كما بيّن هؤلاء الأئمّة الأعلام في اصطلاح أهل السنّة يُطلق على وصف الله تعالى بشيءٍ من خصائص المخلوقين وصفاتهم الخاصّة بهم! ! والمشبّه عندهم هو: من مَثّل الله بخلقه، وقايس صفاته بصفات خلقه بحيث لم يفهم من صفات الله تعالى إلّا ما عند المخلوقين من الصفات، فحمل صفات الله على صفات المخلوقين، ويدخل في معنى التشبيه أيضاً وصف الله تعالى بصفات النقص الخاصّة بالمخلوق التي يتنزّه عنها الباري عزّ وجلّ، كوصفه بضدّ صفات الكمال كالسِنَة والنوم واللغوب والعجز ونحو ذلك. . .) (1)

وهذا المعنى الوارد للتشبيه هو ما اتُّهم به ابن تيميّة، وقد مرّ معنا أنّه في كتاب (دعاوى المناوئين) قال ابن تيميّة في المسجد الأموي في دمشق: (يستوي كاستوائي على العرش) ، وأنّه أيضاً أثبت لله تعالى صفة خالصة وخاصّة بالمخلوقين كالحَدّ وكذلك أنّه جسم.

ومن هنا أيضاً يتّضح السبب في اتّهام الإمام محمّد أبو زهرة لابن تيميّة القول بالتشبيه والتجسيم، وكذلك اتّهام أبو هاشم الشريف الذي قال عنه بأنّه مجسّم بل من غُلاة المشبّهة والمجسّمة.

أمّا التجسيم : فهو وصف الله سبحانه وتعالى بأنّه جسم، فمن قال ذلك فهو مجسّم حتّى ولو حاول التخلّص من لوازم هذا القول، بالقول إنّه جسمٌ لا كالأجسام.

وللجسميّة خصائص متعدّدة، وهي:


1- مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة منها: ج1 ص7٩-82.

ص: 213

أوّلاً: أنّ الجسم له أبعادٌ ثلاثة: الطول والعرض والعمق، وهي تمثِّل حجم الجسم، لأنّه إذا كان له طول وعرض بلا عمق فلا يوجد حينئذٍ حجم.

ثانياً : أنّ كلّ جسم له مكان يملأه.

ثالثاً : أنّ كلّ جسم له جهة يكون فيها.

رابعاً : أنّ كلّ جسم يشار إليه بالإشارة الحسيّة.

خامساً : أنّ كلّ جسم قابل للانقسام، فتقول مثلاً: يمينه غير يساره، وأعلاه غير أسفله، وأمامه غير خلفه. . . .

سادساً : أنّ له كثافة وثقلاً ووزناً.

وإذا فُقدت واحدة من هذه الخصائص فهو ليس بجسم، ويكون من باب الاستعمال المجازي، والمعلوم أنّ ابن تيميّة وأتباعه الوهّابية يصرّحون بأنّ هذه الصفات محمولة عليه على نحو الحقيقة، لا المجاز ولا الكناية ولا التأويل والتحريف ونحو ذلك.

وهناك الكثير من أعلام هذا المنهج فسّروا الجسم بما ذكرنا، منهم:

الأوّل : الحافظ ابن حزم الأندلسي الظاهري في كتابه (الإحكام في أصول

الأحكام) ، حيث يقول: (الجسم هو كلّ طويل عريض عميق، فإنّ الطول والعرض والعمق هي طبائع الجسم لو ارتفعت عنه ارتفعت عنه الجسميّة ضرورة ولم يكن جسماً، فكانت هذه العبارة مخبرة عن طبيعة الجسم ومميّزة له ممّا ليس بجسم) (1)

فلا يستطيع أحد أن يقول بأنّ الله جسم وفي نفس الوقت ليس له طول وعرض وعمق، وإلاّ لم يكن جسماً، ويكون إطلاق الجسميّة عليه بالمجاز،


1- الإحكام في أصول الأحكام: ج1 ص35-36.

ص: 214

وهذا خلاف تصريحاتهم القائلة بأنّه إطلاق حقيقي.

الثاني : ابن تيميّة في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة) حيث يقول: (الجسم كلّ جوهر مادّي قابل للأبعاد الثلاثة وهي الطول والعرض والعمق، ويتميّز بالثقل والامتداد، ويقابل الروح) (1)

فالله تعالى في نظر ابن تيميّة - وكما سيأتي مفصّلاً - له وزن، ووزنه يُقاس بالامتداد، ومع كونه جسم فله أيضاً روح! !

الجسم في كلمات اللغويين والفلاسفة

وفي معاجم اللغة والفلسفة وردت هذه التعريفات نفسها للجسم، وقد اخترنا بعضاً منها:

الأوّل : (المعجم الفلسفي للألفاظ العربيّة) لجميل صليبا، قال: (الجسم في بادئ النظر هو الجوهر الممتدّ القابل للأبعاد الثلاثة، وهو ذو شكل ووضع معيّن [أي له يمين ويسار وأعلى وأسفل] وله مكان إذا شغله منع غيره من التداخل فيه معه، ويطلق الجسم على الجسد وهو مقابل الروح) (2).

الثاني : (موسوعة اصطلاحات علم الكلام الإسلامي) للدكتور سميح دغيم، يقول: (قال أبو الهذيل: الجسم ما له يمين وشمال وظهر وبطن وأعلى وأسفل، وأقلّ ما يكون الجسم ستّة أجزاء أحدهما يمين والآخر شمال وأحدهما ظهر والآخر بطن، وأحدهما أعلى والآخر أسفل. . . الجسم هو الطويل العريض العميق. . . الجسم الذي سمّاه أهل اللّغة جسماً هو ما كان طويلاً عريضاً عميقاً ونحو ذلك) (3).


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص15.
2- المعجم الفلسفي للألفاظ العربيّة: ج1 ص4٠2.
3- سلسلة موسوعات المصطلحات العربيّة والإسلاميّة، موسوعة اصطلاحات علم الكلام الإسلامي: ج1 ص41٩.

ص: 215

الثالث : (موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم) لمحمّد علي التهانوي الذي قال نفس الكلام المتقدّم، فراجع (1)

الرابع : (التجسيم في الفكر الإسلامي) لصهيب السفّار، الذي قال في المبحث السادس في تعريف الجسم وبعض المصطلحات التي ترتبط به، وهو كتاب غير مطبوع، ولكنّه موجود على مواقع الانترنت، قال: (أمّا الجسم فهو المصطلح الذي خصّوا به أظهر هذه الموجودات الذي لا يخفى تمييزه على أحد بما يتّصف به من الحجميّة والثقل وشغل الفراغ، وهو الذي يقع تحت إدراك الحسّ وقوعاً، أي يُرى بالعين المجرّدة وبالإشارة الحسيّة) .

وفي المعجم الوسيط: الجسم: الجسد وكلّ ما له طول وعرض وعمق وكلّ شخص يدرك من الإنسان والحيوان والنبات، وعند الفلاسفة: كلّ جوهر مادّي يشغل حيّزاً ويتميّز بالثقل والامتداد ويقابل الروح، وقد عرّفه الجرجاني بأنّه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة الطول والعرض والعمق.

وهذه الصفات التي هي الحجميّة والثقل وشغل الفراغ هي التي يقع الجسم فيها تحت إدراك الحسّ، والتي قال عنها الإمام أبو زهرة بأنّه لا يمكن أن نتعقّل أنّه يقع تحت الإدراك الحسّي، ومع ذلك ينزّه عن الجسميّة.

ويتابع صهيب السفّار قائلاً: (فاختار المحقّقون من المتكلّمين في تعريف الجسم: هو المتحيّز بالذات، القابل للقسمة، والمراد بالقسمة في تعريف الجسم ما يعمّ القسمة الفعليّة والقسمة الوهميّة، فقسمة الكلّ إلى أجزاء إذا أوجبت انفصال هذه الأجزاء فهي قسمة فعليّة، وإن لم ينفصل ولم ينفكّ فهي


1- موسوعة كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: ج1 ص561.

ص: 216

قسمة عقليّة ووهميّة) (1)( ويصرّ ابن تيميّة على أنّ الله سبحانه وتعالى ينقسم بالقسمة الوهميّة، وينفي عنه تعالى القسمة الفعليّة، كما ستأتي الإشارة إليه.

فتحصّل إلى هنا بعد بيان خصائص الجسميّة: أنّ من اعتقد بالتجسيم، لابدّ أن يعتقد بهذه الخصائص، وبالتالي لو وضع ألف قيد وقيد، وقال: (جسم لا كالأجسام) لم يستطع الفرار من المحذور. نعم، قد يختلف هذا الجسم عن ذلك الجسم كما يختلف أيّ جسم عن آخر. وإلاّ فليكن إطلاق الجسم بالمجاز لا بالحقيقة، وهذا ما لم يلتزم به أتباع ابن تيميّة والاتجاه التجسيمي.

وبالرجوع إلى واحدٍ من أهمّ كتب ابن تيميّة يتبيّن لنا رؤية ونظريّة هذا الرجل بوضوح، حيث ينقل في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة في تأسيس بدعهم الكلاميّة) الرواية التالية:

(أتى رجلٌ كعباً - كعب الأحبار - وهو في نفرٍ، فقال: يا أبا إسحاق حدّثني عن الجبّار، فأعظم القوم قوله، فقال كعب: «دعوا الرجل فإن كان جاهلاً تعلّم، وإن كان عالماً ازداد علماً» ، ثمّ قال كعب: أخبرك أنّ الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ، ثمّ جعل ما بين كلّ سمائين كما بين السماء والأرض، وكثّفهن مثل ذلك، وجعل بين كلّ أرضين كما بين السماء والأرض. . . ثمّ رفع العرش فاستوى عليه، فما في السماوات سماء إلّا لها أطيط كأطيط الرّحل العُلا في أوّل ما يرتحل من ثقل الجبّار فوقهنّ) .

ثمّ يوجّه ابن تيميّة هذه الرواية التي لم تُنقل عن النبيّ (ص) فيقول: (وهذا الأثر وإن كان هو رواية كعب، فيحتمل أن يكون من علوم أهل


1- التجسيم في الفكر الإسلامي: ص13٩، المبحث السادس في تعريف الجسم.

ص: 217

الكتاب، ويحتمل أن يكون ممّا تلقّاه عن الصحابة (1). ورواية أهل الكتاب التي ليس عندنا شاهد هو لا دافعها، لا يصدّقها ولا يكذّبها، فهؤلاء الأئمّة المذكورة في إسناده هم من أجلّ الأئمّة، وقد حدّثوا به هم وغيرهم، ولم ينكروا ما فيه من قوله: «من ثقل الجبّار فوقهنّ» ، فلو كان هذا القول منكراً في دين الإسلام عندهم لم يحدّثوا به على هذا الوجه) (2).

ثمّ ينقل رواية أخرى، وهي الطامّة الكُبرى فيقول: (قال القاضي: وذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في تأريخه بإسناده: حدّثنا عن ابن مسعود وذكر فيه: فإنّ مقدار كلّ يوم من أيّامكم عنده 12 ساعة، فتُعرَض عليه أعمالكم بالأمس أوّل النهار اليوم فينظر فيه ثلاث ساعات، فيطلع منها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأوّل من يعلم غضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم، فيسبّحه الذين يحملون العرش) .

ثمّ يعلّق ابن تيميّة على الرواية فيقول: (إعلم أنّه غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره، فإنْ قيل يحمل على أنّه يخلق في العرش ثقلاً على كواهلهم (3)، وجعل لذلك أمارة لهم في بعض الأحوال، قيل: هذا غلط لأنّه يفضي أن يثقل عليهم بكفر المشركين، ويخفّف عنهم بطاعة المطيعين، وهذا لا يجوز؛ لما فيه مؤاخذة بفعل الخير؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته) (4).

وحمل الرواية على الظاهر بحسب ما يريد ابن تيميّة يفضي إلى ما يلي:


1- فإن قلت: فاحتمال أنّه من أهل الكتاب هذا، كيف تصحّحها؟ يقول: لا دليل عندنا على أنّ كلّ ما جاء من أهل الكتاب ليس بصحيح.
2- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص267 و 268.
3- أي لا أنّه ثقيل بل يخلق الثقل.
4- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص27٠.

ص: 218

أ. أنّ النهار عند الله تعالى 12 ساعة وليس 24 ساعة.

ب. أنّه تعالى يعيش في الزمان، وعنده ليلٌ ونهار.

ج. أنّه تعالى لا يعلم بأعمالنا اليوميّة إلّا عندما تعرضها الملائكة عليه.

د. أنّه تعالى يعيش كالملوك، وتأتيه التقارير عن أعمال العباد، ويخصّص ثلاث ساعات كلّ يوم من أيّامه للاطّلاع على تلك التقارير، وإذا لم تنته لديه يؤجّلها إلى اليوم الثاني.

ه-. أنّ الملائكة تكون أعلم منه سبحانه وتعالى، وهو يعلم بالواسطة.

و. أنّه تعالى له ثقلٌ ووزن.

ز. أنّ غضبه تعالى يزيد من وزنه حيث يصبح له ثقل من معاصي العباد، وهذا ما يشعر به حَمَلة العرش.

فهل هذا هو التوحيد الحقيقي لله سبحانه وتعالى الذي تنادي به هذه المدرسة؟ !

والرواية التالية منقولة في كتاب (العظمة) تأليف الشيخ الأصبهاني أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن جعفر بن حيان، المتوفّى سنة 36٩ه-، وينقلها عن ابن مسعود، وفيها: (إنّ ربّكم ليس عنده ليلٌ ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه، وإنّ مقدار كلّ يومٍ عنده ثنتا عشر ساعة، فيعرض عليه أعمالكم بالأمس أوّل النهار واليوم فيها ثلاث ساعات، فيطّلع فيها على ما يكره فيغضب كذلك، فأوّل من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش والملائكة المقرّبون وسائر الملائكة، فينفخ جبرئيل في العرش، فلا يبقى شيء إلا يسبّحه غير الثقلين، فيسبّحونه ثلاث ساعات حتّى يمتلئ الرحمن عزّ وجلّ رحمةً، فتلك ستّ ساعات، ثمّ يُؤتى بما في الأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات فيصوّركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلّا هو العزيز الحكيم، يخلق ما

ص: 219

يشاء، يهب لمن يشاء الذكور أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً، فتلك تسع ساعات، ثمّ ينظر في أرزاق الخلق ثلاث ساعات، فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وهو بكلّ شيء عليم فتلك ثنتا عشر ساعة. . .) (1).

ونحن هنا نناقش ابن تيميّة في قوله: (وليس في الخبر ما يمتنع بظاهره عن الله تعالى) حيث يذهب إلى تصحيح مضمون الرواية والتي من مضامينها أنّ الله سبحانه وتعالى لا يعلم أعمال العباد في وقتها، وإنّما يكون علمه بعد جهل. فهل هذه الرواية صحيحة؟

والجواب سنأخذه من أتباع مدرسة ابن تيميّة، حيث رأي المعلّق على كتاب (تلبيس الجهميّة) بأنّها رواية غير مقبولة، وقال: (وقال البيهقي في

الأسماء والصفات، عقب الحديث: هذا موقوف وراويه غير معروف. قلت: هذا الحديث بهذا السند ضعيف وقد ذكره المؤلّف من باب الشواهد) (2).

وكذلك محقّق كتاب (العظمة) حيث علّق على الرواية بما مضمونه: إنّ إسنادهما موقوف ومجهول، فابن تيميّة لم يناقش سند الرواية، ولو افترضنا صحّتها، فهل يمكن القبول بما جاء في مضمونها من أنّه تعالى يعلم أعمال العباد بعد جهل؟

ويقول محقّق كتاب (العظمة) : إنّ في متن الرواية غرابة حيث حدّد فيه الساعات. . . فكلّ ذلك يكفي لضعف الحديث وبطلانه.

وبعبارة أخرى هو يريد القول بأنّه حتّى لو كان الحديث صحيح السند، لكن المضمون لا يمكن القبول به بأيّ شكلٍ من الأشكال.


1- العظمة: ج2 ص47٩.
2- بيان تلبيس الجهميّة: ج3 ص226.

ص: 220

ونقاشنا ليس مع محقّق كتاب (العظمة) ولا مع محقّق كتاب (تلبيس الجهميّة) ، بل مع ابن تيميّة الذي لم يمنع مثل هذا الخبر ويحمله على الظاهر؛ لأنّه يصرّح بشكلٍ واضح باعتقاده بما يتّهم ويفتري به وبمثله على الشيعة.

فما هو هذا الأمر؟

علم الله تعالى بين ابن تيمية والشيعة

قلنا: بأنّ من نتائج الرواية المتقدّم ذكرها اعتقاد ابن تيميّة بأنّ علم الله تعالى بالعباد إنّما يكون بعد الجهل به، فإذا كان الأمر كذلك فإنّه ينسب إلى الشيعة الإماميّة في كتابه (منهاج السنّة في نقض كلام الشيعة القدريّة) قولهم بأنّ الشيعة يقولون بذلك، ويتحامل عليهم بسبب هذا المعتقد، وهذا الأمر من عجائبه وغرائبه التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

والمرجع الأساس لاتّهامه هو اعتقاد الشيعة بالبداء؛ يقول في منهاج السنّة: (. . . وكذلك هشام بن الحكم وزرارة بن أعين وأمثالهما ممّن يقول إنّه يعلم ما لم يكن عالماً به، ومعلوم أنّ هذا من أعظم النقائص في حقّ الربّ تعالى) (1).

فإذا كان هذا من أعظم النقائص ويتّهم به أجلاّء تلامذة الإمام الصادق (ع) فكيف يقول به هنا ولا يمنع من حمل الخبر على الظاهر؟

ويقول أيضاً في الكتاب نفسه: (وأيضاً فكثير من شيوخ الرافضة من يصف الله تعالى بالنقائص، فزرارة بن أعين وأمثاله يقولون يجوز البداء عليه، فإنّه يحكم بالشيء ثمّ يتبيّن له ما لم يكن علمه) .

وليس خافياً أنّ كبار علماء الوهّابية المعاصرين إنّما كفّروا الشيعة، وقالوا


1- منهاج السنّة: ج2، ص75.

ص: 221

بأنّهم أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام لأنّهم يؤمنون بالبداء.

والحقّ أنّ المؤمن بالبداء بالتفسير والمعنى المغاير لما يقول به الشيعة هو ابن تيميّة وهو البداء الباطل الذي يعني بأنّ الله تعالى علمه يكون بعد الجهل.

ثمّ ينقل عبارة أخرى وفيها: (. . . ثمّ يتبيّن له ما لم يكن عَلِمه فينتقض حكمه لما ظهر له من خطئه. . . إنّ أمثال هشام كان يقول يعلم ما لم يكن عالماً به، ومعلوم أنّ هذا من أعظم النقائص) (1)

وعند إجرائنا لمقارنة بسيطة بين ما يقوله الشيعة وما يقوله ابن تيمية، يتبيّن لنا بوضوح ما هو مراد كلا الطرفين، وأيّهما محقّ، وأيّهما يعظّم علم الله تعالى.

البداء في مصادر الفريقين

نشير أوّلاً إلى أنّ لفظ البداء ورد صريحاً في مصادر السنّة، وإلى أنّ هذا المصطلح غير مختصّ بالشيعة، ومن ذلك:

1. ما ورد في (صحيح البخاري) باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل، قال: إنّ أبا هريرة حدّثه أنّه سمع رسول الله (ص) يقول: « إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عزّ وجلّ أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً » (2).

وسيأتي معنا رواية عن الإمام الصادق (ع) يقول فيها: « ما بدا لله في شيء » .

2. ما ورد في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) يقول: (سمعت رسول الله (ص) يقول:

«إنّ أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابّة ضحىً، فأيّتهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها. . . وكان يقرأ الكتب وأظنّ أوّلها خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنّها كلّما غربت أتت تحت


1- المصدر نفسه: ج2 ص74.
2- نقلاً عن النهاية في غريب الحديث والأثر: ج1 ص1٠٩.

ص: 222

العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع حتّى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها. . .» إسناده صحيح على شرط الشيخين) (1)

هذا غيضٌ من فيض ممّا ورد في كتب وصحاح أهل السنّة، أمّا في مصادر الشيعة الإماميّة فننقل طائفتين من الروايات:

الطائفة الأولى: حول علم الله عزّ وجلّ.

الطائفة الثانية: ما ورد حول البداء في كلمات أئمّة أهل البيت (ع) .

أمّا الطائفة الأولى فنذكر بعض الروايات، ومنها:

1. ما ورد في نهج البلاغة عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنّه قال:

«إنّ الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم ونهارهم، لطف به خبراً وأحاط به علماً، أعضاؤكم شهوده، وجوارحكم جنوده، وضمائركم عيونه، وخلواتكم عيانه سبحانه وتعالى» (2).

2. ما ورد عنه أيضاً (ع) في كتاب (أصول الكافي) وهي رواية منقولة عن الإمام الباقر (ع) وفيها: سمعته يقول:

«كان الله ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه» (3)

3. رواية ورد في أوّلها: أنّه كتب إلى أبي الحسن الرِّضا (ع) يسأله عن الله عزّ وجلّ أكان يعلم الأشياء قبل خلق الأشياء، وكونها، أو لم يعلم ذلك حتّى خلقها وأراد خلقها؟ فوقّع بخطّه (ع) :

«لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعدما خلق


1- مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج11 ص46٩، الرواية: 6881.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1٩8.
3- الكافي: ج1 ص1٠7، ح2.

ص: 223

الأشياء، عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء» (1)

4. ورد في كتاب بحار الأنوار: قال: سألت الإمام أبا عبد الله الصادق (ع) عن الله تبارك وتعالى: أكان يعلم المكان قبل أن يخلق المكان، أم علمه عندما خلقه وبعدما خلقه؟ فقال

: «تعالى الله بل لم يزَل عالماً بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعدما كوّنه، وكذلك علمه بجميع الأشياء كعلمه

بالمكان» (2)

.

هذه الروايات وغيرها تظهر لنا عقيدة مدرسة أهل البيت (ع) واعتقادهم بأنّ الله يعلم كلّ شيء قبل خلقه، لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، لا أنّ أعمال العباد يعلمها بعد وقوعها، بل يعلمها قبل وقوعها (3)

الطائفة الثانية : تُولي أحاديث أهل البيت (ع) عناية كبيرة بموضوع البداء من حيث الإقرار بوجوده، وأهميّة الإيمان به، بالإضافة إلى معالجة ما يطرأ على بعض الأذهان من التباسات حول المسألة، ومن هذه الأحاديث نختار هذه الباقة:

1. عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال:

«من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس، فابرؤوا منه» (4)

2. ما رواه أبو بصير، عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال:

«إنّ لله علمين: علمٌ مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء، وعلمٌ علّمه


1- المصدر نفسه: ج1 ص1٠7، ح4.
2- بحار الأنوار: ج4 ص(٨)5، ح2٠.
3- للتفصيل في بحث علم الله تعالى، راجع: التوحيد، بحوث تحليليّة في مراتبه ومعطياته، السيّد كمال الحيدري: ج1 ص2٠5، العلم الذاتي.
4- بحار الأنوار: ج4 ص111، ح3٠.

ص: 224

ملائكته ورسله وأنبياءه فنحن نعلمه» (1)

3. عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال:

«إنّ الله لم يبدُ له من جهل» (2)

4. عن الإمام الصادق (ع) ، قال:

«إنّ الله يقدّم ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أمّ الكتاب » وقال: «

فكلّ أمرٍ يريده الله فهو في علمه قبل أن يضعه، ليس شيء يبدو له إلّا وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له من جهل» (3)

5. عن منصور بن حازم، قال: «سألت أبا عبد الله (ع) : هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال:

لا، مَن قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال:

بلى، قبل أن يخلق الخلق» (4)

ونلاحظ كيف أنّ هذه الروايات نظرت إلى معالجة ما يمكن أن يقع فيه البعض من الالتباس في نسبة الجهل إلى الله سبحانه وعدم العلم نتيجة الإيمان بالبداء، لذلك تصدّى الأئمّة (ع) لدرء هذه الشبهة ومعالجتها ببيانٍ واضح.

وهناك نمط آخر من الروايات ناظر إلى بُعدٍ آخر في المسألة، وهو ما يتعلّق بأهمّية الإيمان بالبداء في العقيدة الإسلاميّة، ومن ذلك:

1. عن هشام بن سالم، عن الصادق (ع) قال:

«ما عُظِّم الله بمثل البداء» (5)

2. عن مالك الجهنيّ، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

«لو علم


1- الكافي: ج1 ص247، ح8.
2- المصدر نفسه: ج1 ص148، ح1٠.
3- بحار الأنوار: ج4 ص121، ح63.
4- الكافي: ج1 ص148، ح11.
5- المصدر نفسه: ج1 ص146، ح1.

ص: 225

النّاس ما في القول بالبداء من الأجر، ما فتروا عن الكلام فيه» (1)

3. عن مرازم بن حكيم، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول

: «ما تنبّأ نبيّ قطّ حتّى يقرّ لله بخمس خصال: بالبداء والمشيئة والسجود والعبوديّة والطاعة» (2)

4. عن الريّان بن الصلت، قال: سمعت الرِّضا (ع) يقول:

«ما بعث الله نبيّاً إلّا بتحريم الخمر، وأن يقرّ لله بالبداء» (3).

وهكذا هي تعبيرات كلمات أئمّة أهل البيت (ع) البريئة من كلّ هذه الافتراءات التي تحامل عليهم بها أئمّة الضلال من أمثال عبد الرزّاق بن عفيفي بن عطيّة صاحب كتاب (فتاوى اللّجنة الدائمة للبحوث العلميّة والإفتاء) ، والذي حقّق كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للإمام الآمدي، حيث قال في تعليقته على الكتاب: (إعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله، وطعنهم في أفعاله وشرائعه بخفاء الغرض بين النسخ والبداء. . . ومن تبيّن أمر اليهود وحسد اليهود لمن جاء بعد موسى من الأنبياء وكيدهم لشرائع الإسلام، وتبيّن حال الرافضة ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم بإبطان الكفر وإظهار الإسلام، وأنّهم ورثوا مبادئهم عن اليهود، ونهجوا في الكيد للإسلام منهجهم - أي منهج اليهود - وتبيّن حال الرافضة علم أنّ ما قالوه من الزور والبُهتان - أي في مسألة البداء - إنّما كان


1- المصدر نفسه: ج1 ص148، ح12.
2- المصدر نفسه: ج1 ص148، ح13.
3- المصدر نفسه: ج1 ص148، ح15. لملاحظة أحاديث البداء بشكل عام يمكن النظر إلى: بحار الأنوار، ج4 ص٩2-122، باب البداء والنسخ، حيث استقصى المجلسي سبعين خبراً من مصادر متعدّدة، كذلك: الأُصول من الكافي، ج1 ص146- 14٩، باب البداء، حيث أورد خمسة عشر حديثاً.

ص: 226

عن قصد سيّئ وحسد للحقّ وأهله وعصبيّة ممقوتة دفعتهم إلى الدسّ والخداع وإعمال معاول الهدم سرّاً وعلناً للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين - اليهود والرافضة - ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السيّئ) (1).

قد يقول قائل: إنّ كلمة «بدا» الواردة في روايات السنّة لا يُراد منها نفس المعنى المستعمل والمقصود عند الشيعة، فلعلّ هذا اشتراك لفظي.

والجواب: لقد فهم الألباني والأرناؤوط من «بدا لله» الواردة في نصوص أهل السنّة نفس معنى البداء الوارد في نصوص الشيعة، والدليل على ذلك:

ما ورد في (صحيح الجامع الصغير) تأليف محمّد ناصر الألباني، حيث ينقل رواية جامع صحيح البخاري وفيها:

«أنّ ثلاثة نفر من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله. . .» .

ثمّ يعلّق عليها الألباني بالقول: (هذه رواية البخاري، وكأنّها رواية بالمعنى فإنّ البداء لله مستحيل، ولذا فسّرها ابن الأثير بقوله «أي قضى» . ويؤيّده رواية مسلم. وهي رواية للبخاري فهي أصحّ) (2)

علماً بأنّ قول الألباني ينمُّ عن جهلٍ كبير؛ لأنّ قوله إنّ الرواية منقولة بالمعنى يؤدّي إلى عدم وجود أيّ قيمة للكتاب لأنّه لم ينقل ألفاظ رسول الله (ص) ، وإذا لم ينقل الألفاظ فكيف يمكن الاعتماد عليه؟

وهكذا الحال مع العلاّمة شعيب الأرناؤوط في تعليقه على (مسند الإمام أحمد) حيث يقول: (قال السندي: قوله فإذا بدا هكذا في النسخ «بدا» من البدوّ، و «لله» جار ومجرور متعلّق به، أي ظهر له تعالى. . . قلت: والأقرب


1- الإحكام في أُصول الأحكام: ج2 ص136.
2- صحيح الجامع الصغير وزيادته الفتح الكبير: ج1 ص11، ح2٠52.

ص: 227

التأويل بلا تخطئة الرواية [لأنّ الرواية صحيحة السند، وهي في البخاري ومسند أحمد على شرط الشيخين] بعد ثبوتها والله أعلم) .

فلا ندري أيّ منهجٍ يعتمد هؤلاء، ففي موضع يقولون بأنّ العقل يقول بالاستحالة فلا يمكن القبول بظاهر الرواية ولابدّ من التأويل، وفي موضعٍ آخر يقولون نعمل بظواهر الآيات والروايات.

أمّا نحن في مدرسة أهل البيت (ع) فمنهجنا واضح في جميع الروايات، وفي أيّ صفة تُذكر لله عزّ وجلّ في آية أو رواية، فلابد أوّلاً للعقل أن يجوّزها ولا يحيلها. فمثلاً لو دلّت آية أو رواية على أنّ الله علم بعد جهل، فنقول هذا غير معقول، لأنّ الله تعالى لا يتّصف بالجهل الذي هو نقص، فننفي الرواية رأساً، وإن كانت صحيحة السند فلا قيمة لها، لأنّها تنسب النقص لله تعالى.

وفي مسألة الجسم نريد أن نصل إلى مثل هذه الحقيقة؛ وهي أنّ صفة الجسم هي نقص لله عزّ وجلّ كالجهل والعجز، ولهذا لم نوافق على مثل هذا الوصف، وقلنا بأنّ أيّ قول يرد فيه بأنّ الله جسم، فبمقتضى القاعدة العقليّة لابدّ من تأويل ظاهر هذا اللّفظ.

البداء بين الشيعة والسنة
اشارة

ينتهي بنا البحث في البداء بعد هذه المقدّمات إلى بيان المحاور التالية لتوضيح حقيقته عند السنّة والشيعة:

المحور الأوّل: حول معنى البداء في اللّغة

تلتقي معاجم اللغة في القديم والحديث على معنىً مشترك للبداء. فكلمة «بداء» مصدر الفعل الثلاثي «بدا» بمعنى ظهر. فقولهم: بدا الشيء يبدو بِدواً

ص: 228

وبَدواً وبداءً: ظهر. هذا ما ذكره ابن فارس (1)والأزهري (2)والزبيدي (3)والفيومي (4)وابن منظور (5)والجوهري (6).

وعن المعاجم الحديثة، جاء في المعجم الوسيط: «بدا بدواً وبداءً: ظهر. وبدا له في الأمر كذا: جدَّ له فيه رأي. البداء: ظهور الرأي بعد أن لم يكن، وأيضاً: استصواب شيء علم بعد أن لم يُعلم، وكذلك: بدا لي في هذا الأمر بداء: أي ظهر لي فيه رأيٌ آخر (7).

أمّا الراغب الأصفهاني (ت: 5٠2ه-) فقد ذكر في المفردات: (بدا الشيء بدْواً وبداءً: ظهر ظهوراً بيّناً، قال الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (الزمر: 47) ، وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا (الزمر: 4(٨)) ، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا (طه: 121) . وقد ورد المعنى في القرآن الكريم إحدى وثلاثين مرّة موزّعاً على ستّ عشرة سورة) (8).

من الواضح أنّ اللّغة تتّفق على معنىً واحد، بيدَ أنّ هناك اختلافاً في التطبيق والمصداق يأتي من ناحية اللام وربطها للظهور، فعندما يقال: «زيدٌ بدا له في الرأي» فمعناه: ظهر له ما كان مخفيّاً عنه، أمّا عندما يقال: «برز عليّ


1- معجم مقاييس اللّغة: ص212.
2- تهذيب اللغة: مادّة بدا.
3- تاج العروس، الزبيدي: ج1 ص31.
4- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: ج1 ص55.
5- لسان العرب: مادّة بدا.
6- الصحاح: ج6 ص227(٨).
7- المعجم الوسيط: ص44-45.
8- أُنظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ص147- 148.

ص: 229

فبدا له من الشجاعة» فمعناه: ظهر من شجاعته ما كان مخفيّاً عن الناس.

البداء بالاستخدام الأوّل الذي يعني ظهور الأمر بعد أن لم يكن، والعلم بعد أن لم يُعلم، أي العلم الذي يسبقه جهل، هو أمرٌ مستحيل على الله سبحانه، لا يلتزم به عاقل موحِّد مؤمن بالله، فضلاً عن عالم، فكيف بأئمّة أهل البيت (ع) وهم عِدل القرآن؟ !

إذن «فالبداء المنسوب إلى الله جلّ شأنه، إنّما هو بمعنى المثال الثاني، أي ظهر لله من المشيئة ما هو مخفيٌّ على الناس، وعلى خلاف ما يحسبون. هذا ما يقتضيه العقل» (1)( كما يصرّح بذلك العلاّمة محمّد جواد البلاغي.

المحور الثاني: حول البداء في أحاديث أهل البيت (ع)

ونكتفي بما ذكرناه سابقاً من روايات وأحاديث عن الأئمّة المعصومين (ع) والتي يمكن لنا في ضوئها تسجيل ما يلي:

أوّلاً : ليست روايات البداء خبراً واحداً، بل هي: «متكاثرة مستفيضة، فلا يُعبأ بما نُقل عن بعضهم أنّه خبرٌ واحد» (2)

بإزاء ذلك ليس المقصود منه المعنى الباطل الذي ينسب الجهل إلى الله سبحانه، لأنّ هذا ممّا يجزم العقل والنقل ببطلانه، بل له في القرآن الكريم وروايات أهل البيت (ع) معنىً آخر - كما تبيّن لنا -.

ثانياً : تُفيد النصوص الحديثيّة بدلالة واضحة لا تخطئها العين أنّ البداء عنصر مشترك في الإيمان الديني رافق نبوّات السماء جميعاً، لم تشذّ عنه نبوّة قطّ

منذ بعث الله آدم (ع) إلى خاتم النبيّين محمّد (ص) .


1- رسالتان في البداء: ص2٠.
2- الميزان في تفسير القرآن: ج11 ص381.

ص: 230

ثالثاً : تكشف النصوص بلغة صريحة لا يشوبها إلتباس عن حذر أئمّة أهل البيت (ع) ممّا ستلوكه ألسنة البعض في مخالفة البداء، فسعوا إلى توضيح الالتباس، ودرء الشبهة، واستئصال سوء الفهم من الجذور، هذا لو قُدِّر أنّ مناوءة البداء ترجع إلى سوء فهم والتباس في التلقّي فعلاً، وليس إلى غرض مبيّت وموقف مبنيّ على أساس اللجاجة والعناد! (1).

المحور الثالث: موقع البداء من العلم الإلهي

من الأمور المهمّة التي ذكرها علماء الشيعة في كلامهم عن علم الله سبحانه وتعالى أنّ الدليل العقلي والنقلي إلتقيا على أنّ الله سبحانه يعلم الأشياء قبل الإيجاد تفصيلاً قبل أن يوجدها، وهذا هو العلم التفصيلي بالأشياء في مقام الذات.

كما أنّه لا يشذّ عن علمه شيء في مقام العلم الفعلي، ولا تعزب عنه غائبة، بل كلّ شيء عنده في الكتاب المُبين الذي هو الكتاب المكنون واللّوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، إذ ما من شيء لا رطبٍ ولا يابس إلّا في كتابٍ مبين، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

وبإزاء ما أكّده الأئمّة (ع) من أنّ علمه سبحانه بالأشياء قبل الإيجاد في مقام الذات، ومع الإيجاد في الكتاب المُبين، كيف نوفّق بين هذه الحقيقة والبداء، بالأخصّ حين تؤخذ بنظر الاعتبار الأحاديث المستفيضة عنهم (صلوات الله عليهم) ليس في إثبات البداء وحسب، بل في أنّه من أفضل ما عُبِدَ الله به.

والجواب : إنّ من الضروري لتوضيح عدم التعارض بين ما ذُكر عن


1- التوحيد: السيّد كمال الحيدري: ج1 ص324.

ص: 231

علم الله تعالى بالأشياء والقول بالبداء تبيين المنطقة التي يحصل بها البداء.

فمن العلم الإلهي ما هو ذاتيّ بالأشياء قبل الإيجاد، والبداء لا يقع في هذا الضرب من العلم الذي هو عين الذات. ومن ثمّ لا مجال للتغيير فيه.

كما أنّ هناك العلم الفعلي الذي ينطوي على مراتب ومظاهر عدّة، الأولى منها يطلق عليها مرتبة الكتاب المُبين واللّوح المحفوظ (وغير ذلك) وهذه المرتبة لا يقع فيها البداء، وهي لا تحتمل التغيّر والزيادة والنقصان، وهي أُمّ الكتاب.

لكن هناك مرتبة أخرى من العلم الفعلي أطلق عليه القرآن الكريم لوح المحو والإثبات هي التي يقع فيها البداء، وهو يتمّ أيضاً في إطار ما هو موجود في أُمّ الكتاب وبما لا يشذّ عن نطاق السُنن المكنونة التي لا تحتمل التحويل والتبديل، وبذلك لا يستدعي البداء ولا يلازم التغيّر في العلم، وإنّما التغيير في مظاهر علمه الفعلي التي تنعكس فيها تقاديره.

المحور الرابع: هل يختصّ البداء بالشيعة؟

البداء بالمعنى الذي ذكرناه الذي لا يعني تغييراً في العلم والإرادة الإلهيّين، لا يختصّ بالشيعة وحدهم، فأحاديث الفريق الآخر مشحونة بروايات نبويّة تشير إلى الآجال المعلّقة وتأثير العمل في تغيير المصير، وبالإضافة إلى ما ذكرناه، نضيف بعض ما ورد في هذا المجال، ومنها:

1. عن السيوطي في (الدرّ المنثور) في ظلال قوله سبحانه: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (الرعد: 3٩) : عن عليّ رضي الله عنه أنّه سأل رسول الله (ص) عن هذه الآية فقال له: «

لأقرنَّ عينيك بتفسيرها، ولأقرنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف،

ص: 232

يحوّل الشقاء سعادة، ويزيد في العمر، ويَقِي مصارع السوء» (1)

2. وعنه أيضاً، عن ابن عبّاس، قال:

«لا ينفع الحذر من القدر، ولكنّ الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» (2)

3. عن ثوبان، عن رسول الله (ص) قال:

«لا يردّ القدر إلّا الدّعاء، ولا يزيد في العمر إلّا البرّ، وإنّ الرّجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه» (3)

بل ورد لفظ البداء في كتبهم كما ذكرنا في حديث النبيّ (ص) عن الأقرع والأبرص والأعمى.

في ضوء هذا الاشتراك المعنوي - بل حتّى اللّفظي كما في حديث الأقرع والأبرص والأعمى - تتبيّن دقّة الملاحظة التي أبداها علماء الشيعة وباحثوهم منذ القدم من أنّ النزاع حول البداء لفظيّ، وإلّا فالنصوص الروائيّة من الفريقين تؤكّد وجود ضربين من الأجل، كما هي مستفيضة في الكشف عن تأثير العمل في تغيير المصير.

يقول الشيخ المفيد (ت: 413ه-) في (أوائل المقالات) عندما يصل إلى البداء: (وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللّفظ دون سواه) (4)

ومن المعاصرين كرّر الملاحظة ذاتها السيّد الطباطبائي (ت: 14٠2ه-) عندما كتب: (والذي أحسب أنّ النزاع في ثبوت البداء كما يظهر من أحاديث


1- الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: ج4 ص661.
2- المصدر نفسه: ج4 ص661.
3- رواه ابن ماجه في سننه: ج1 ص35، ح٩٠، وج2 ص1334، ح4٠22، كما رواه الحاكم في المستدرك: ج1 ص4٩3.
4- أوائل المقالات في المذاهب المختارات: ص٩2-٩3.

ص: 233

أئمّة أهل البيت (ع) ونفيه كما يظهر من غيرهم، نزاعٌ لفظيّ. . . ومن الدليل على كون النزاع لفظيّاً استدلالهم على نفي البداء عنه تعالى بأنّه يستلزم التغيّر في علمه، مع أنّه لازم البداء بالمعنى الذي يفسّر به البداء فينا، لا البداء بالمعنى الذي يفسّره به الأخبار فيه تعالى) (1).

مع ذلك كلّه لم يسلم الشيعة من الغائلة والتّهم تُكال لهم دون تمحيصٍ وعلم منذ الصدر الأوّل حتّى الآن، من دون أن يكلّف المشنّعون أنفسهم عناء الفهم والإصغاء إلى الدليل.

ولا غرابة أن يقتفي الخلف آثار السلف ما دام الأمر يتعلّق بالشيعة، ذلك أنّ (كلّ شيء تطوّر إلّا الكتابة عن الشيعة، ولكلّ بدايةٍ نهاية إلّا الإفتراء على الشيعة، ولكلّ حكمٍ مصدره ودليله إلّا الأحكام على الشيعة) (2)كما يقول - بحقّ - المرحوم الشيخ محمّد جواد مغنية.

ونختم هذا البحث بشواهد من كلمات علماء أهل السنّة تتوافق مع ما ذكره علماء الشيعة في بيان حقيقة المعنى والمراد من البداء.

ورد في (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) للعسقلاني قوله: (بدا لله بتخفيف الدال المهملة بغير همز (3)، أي: سبق في علم الله فأراد إظهاره، وليس

المراد أنّه ظهر له بعد أن كان خافياً، لأنّ ذلك مُحال في حقّ الله تعالى) (4)


1- الميزان في تفسير القرآن: ج11 ص381-382.
2- ينظر النصّ في مقدّمة الشيخ محمّد جواد مغنية لكتاب عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى، تأليف: السيّد مرتضى العسكري: ج1 ص11.
3- وهذا احتراز منه عن إرادة البعض بتحريف اللفظ إلى بدأ الله، بحيث تتحوّل الجملة من الإضافة إلى كون الله فاعلاً.
4- فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ج6 ص613.

ص: 234

وأيضاً نفس هذا الكلام ورد في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للإمام العيني، حيث قال: (بدا لله؛ بتخفيف الدال المهملة بغير همزة، كذا ضبطه بعضهم. . . أي: سبق في علم الله فأراد إظهاره، وليس المراد أنّه ظهر له بعد أن كان خافياً، لأنّ ذلك مُحال في حقّ الله تعالى) (1).

وأمّا خاتمة البحث في كلام الشيعة فنذكر ما ورد في رسالة تحت عنوان (رسالتنا في البداء) تأليف العلّامة المجدّد البلاغي، وآية الله العظمى السيّد الخوئي، وهي من إعداد السيّد محمّد علي الحكيم، وفيها: (وأمّا البداء فهو بمعنى الظهور لغةً، مأخوذ من بدا يبدو بدواً وبدواً وبداءة وبَداءً وبُدؤًا، فيقال: فلان بدا له في الرأي، أي: ظهر له ما كان مخفيّاً عنه، وفلان برز فبدا له من الشجاعة ما كان مخفيّاً عن الناس، فمعنى بدا في المثالين واحد، فالبداء المنسوب إلى الله جلّ شأنه إنّما هذا المعنى الثاني، أي ظهر لله من المشيئة ما هو مخفيّ على الناس، وهذا ما يقتضيه العقل ويشهد له صريح الأحاديث، منها:

صحيح عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع) :

«ما بدا لله في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له» .

ورواية أخرى

: «إنّ الله لم يبدُ له من جهل» .

ورواية ثالثة: «هل يكون اليوم شيء لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال (ع) :

لا، من قال هذا فأخزاه الله ، قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال (ع) :

بلى، قبل أن يخلق الخلق» .

فأين ابن تيميّة وأتباعه من كلّ هذا؟ !


1- عمدة القارئ شرح صحيح البخاري: ج16 ص66.

ص: 235

موقع ابن تيمية من فرق التجسيم

اشارة

ذكرنا سابقاً بأنّه يوجد اتّجاهان في مسألة التجسيم:

الاتّجاه الأوّل : هو الاتّجاه العامّ لدى علماء المسلمين عامّة، والقائل بأنّ التجسيم والتشبيه من صفات النقص ولابدّ أن ينزّه الله تعالى عنها.

الاتّجاه الثاني : وهو اتّجاه التجسيم والتشبيه.

وأصحاب هذا الاتّجاه انقسموا إلى طوائف ثلاث:

الأولى : الطائفة التي قالت وصرّحت بالتجسيم والتشبيه.

الثانية : الطائفة التي قالت بالتجسيم ونفت التشبيه، وقد أجبنا على هذه الطائفة بأنّه لا يمكن الفصل بين التجسيم والتشبيه.

الثالثة : وهي الطائفة التي لم تثبت الجسميّة ولم تنفها، ولكنّها التزمت بصفات أدّت إلى التجسيم، واستدلّوا على قولهم بأنّه لم يرِد في الكتاب والسنّة لفظ الجسم، وبالتالي لم يرِد ما ينفي وما يثبت، ومع ذلك التزموا بلوازم التجسيم من قبيل: الجهة، والمكان، والتحيّز، والصعود والنزول. . . .

فأين موقع ابن تيميّة من هذه الطوائف؟

في الواقع أنّ ابن تيميّة يقف موقف المتردّد، فنجده تارةً مع الطائفة الثانية، وتارةً مع الطائفة الأولى. ومحلّ بحثنا هو بيان حقيقة موقف ورأي ابن تيميّة وتبيين موقعه الحقيقي، والذي هو القول بالتجسيم.

من هنا تجدر الإشارة إلى أنّ ابن تيميّة تدرّج في كلامه وخطا عدّة خطوات، فهو في الخطوة الأولى لم يثبت ولم ينفِ الجسميّة، وقد تعرّضنا إلى

ص: 236

ذلك فيما سبق.

ثمّ في الخطوة الثانية تصاعد في رأيه وقال بأنّ السلف الصالح وأئمّة المسلمين ذمّوا من نفى الجسميّة، دون أن يشير إلى أقوال الذامّين.

وهذا الرأي ورد بشكلٍ صريح في كتابه (بيان تلبيس الجهميّة) ، حيث يقول: (. . . وقالوا أيضاً: إنّ اليد والوجه لا تكون إلّا جسماً، فيد الله ووجهه كذلك، والموصوف بهذه الصفات لا يكون إلّا جسماً، فالله تعالى جسم لا كالأجسام. قالوا: وهذا ممّا لا يمكن النزاع فيه لكن أيّ محذور في ذلك، وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمّة وأئمّتها، أنّه ليس بجسم، وأنّ صفاته ليست أجساماً وأعراضاً؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل، بنفي ألفاظ لم ينفِ معناها شرع ولا عقل، جهلٌ وضلال) (1).

فهو يريد أن يثبت الجسميّة ولكن من دون تسميتها، وكلّ ذلك فقط من أجل مغالطة القارئ وإيهامه بأنّه لا يثبت الجسميّة.

ثمّ يترقّى ابن تيميّة في الخطوة الثالثة بعد أن لم ينفِ الجسميّة ليقول بأنّ كلّ من أنكر جسميّة الحقّ سبحانه وتعالى فهو مبتلى ببدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار، وبعد ذلك يقول بأنّه لو تنزّلنا وقلنا بأنّ إثبات الجسميّة أيضاً بدعة، كما أنّ نفي الجسميّة بدعة، لكن القول بالجسميّة بدعة أقلّ من بدعة نفي الجسمية، ثمّ يترقّى ليقول بأنّ القول بالجسميّة بدعة حسنة في مقابل النفي لكونها بدعة مذمومة، ثمّ يترقّى أكثر ليقول بأنّ إثبات الجسميّة لله هي أقرب للسنّة من نفي الجسميّة.

وكلّ ذلك قاله ابن تيميّة بكلامٍ صريح في (درء تعارض العقل والنقل) وهذا نصّه:


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص373.

ص: 237

(وقال لكم: «فليكن هذا لازماً للرؤية، وليكن هو جسماً» ، أو قال لكم: «أنا أقول إنّه جسمٌ. . .» لم يكن لكم أن تقولوا له: «أنت مبتدع في إثبات الجسميّة» ، فإنّه يقول لكم: «وأنتم مبتدعون في نفيه» ، فالبدعة في نفيه كالبدعة في إثباته، إن لم تكن أعظم، بل النافي أحقّ بالبدعة من المثبت، لأنّ المثبت أثبت ما أثبتته النصوص، وذكر هذا معاضدة للنصوص، وتأييداً لها، وموافقة لها. . . فإن قُدّر أنّه ابتدع في ذلك كانت بدعته أخفّ من بدعة من نفى ذلك نفياً عارَضَ به النصوص. . . قال الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة خالفت كتاباً أو سنّةً أو إجماعاً أو أثراً عن بعض أصحاب رسول الله (ص) فهذه بدعة ضلالة، وبدعة لم تخالف شيئاً من ذلك فهذه قد تكون حسنة، لقولة عمر: «نعمت البدعة هذه» ، هذا الكلام ونحوه رواه البيهقي بإسناده الصحيح في المدخل) (1).

فإذا كان الأمر كذلك فإنّنا نقول لابن تيميّة بأنّ الكثير من الأعمال التي يقوم بها المسلمون تعتبرها بدعة، مع أنّها لا تخالف كتاباً ولا سنّة، من قبيل زيارة القبور، والبكاء على الحسين (ع) ، وغيرها من الشعائر.

فمع اعتقادنا الجازم بأنّها ليست بدعة، ولكن وفقاً لقول ابن تيميّة لابدّ أن نلزمه بما ألزم به نفسه من أنّ البدعة بدعتان، ولعلّ هذه الأمور من البدعة الحسنة.

لا ندري من أين لابن تيميّة مثل هذه القاعدة، ومن أين جاء بها؟ فرغم تأكيده أنّ النصوص لا تثبت ولا تنفي، نراه يصرّ على اعتبار نفاة الجسميّة عن الله سبحانه وتعالى أهل بدعة وضلالة، حيث يزعم في نفس المصدر بأنّ نفاة الجسميّة ابتلوا ببدعة الضلالة، فيقول:


1- درء تعارض العقل والنقل: ج1 ص248-24٩.

ص: 238

(ومن المعلوم أنّ قول نفاة الرؤية «أي البصريّة» والصفات «أي العينيّة» والعلوّ على العرش، والقائلين بأنّ الله لم يتكلّم. . . ونفيهم ذلك لأنّ إثبات ذلك تجسيم، هو إلى مخالفة الكتاب والسنّة والإجماع السلفي والآثار أقربُ من قول مَنْ أثبت ذلك وقال - مع ذلك - ألفاظ يقول: إنّها توافق معنى الكتاب والسنّة، لا سيّما والنفاة متّفقون على أنّ ظواهر النصوص تجسيم عندهم، وليس عندهم بالنفي نصّ، فهم - أي النافون - معترفون بأنّ قولهم هو البدعة وقول منازعيهم أقربُ إلى السنّة) (1).

وإلى هنا تبيّن للقارئ الكريم بشكلٍ تفصيلي أنّ ابن تيميّة يعتقد بأنّ الله سبحانه جسم، وصفاته أعراض جسميّة، وإذا قال قائل بأنّ نفي الجسميّة بدعة وكذلك إثبات الجسميّة بدعة، فالجواب عنده أنّ بدعة القول بالجسميّة بدعة أخفّ من بدعة القول بنفي الجسميّة، بل هي بدعة حسنة.

ثمّ ينتقل ابن تيميّة إلى خطواته الأخيرة في تأكيده على التجسيم، وإنا وإن كنّا قد نقلنا سابقاً تصريحات وأقوالاً صادرة عنه تشير إلى ذلك، ولكنّنا هنا نودّ أن نبيّن استدلاله على هذه العقيدة من خلال تقسيمه للموجود الأعمّ من كونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، أو كونه خالقاً أو مخلوقاً، أو فقيراً أو غنيّاً، فهذا الموجود إمّا هو جسم أو قائم بالجسم، والله تعالى لا يمكن أن يكون قائماً بجسم لأنّه يكون محتاج إلى محلّه، فيثبت أنّه جسم.

يقول في (بيان تلبيس الجهميّة) : (ويقولون: «بل قامت القواطع العقليّة على نقيض هذا المطلوب، وأنّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلّا جسماً، وما لا يكون جسماً لا يكون إلّا معدوماً» ، ومن المعلوم أنّ هذا أقرب إلى الفطرة


1- المصدر نفسه: ج1 ص24٩.

ص: 239

والعقول من الأوّل) (1)

وحاصل كلامه أنّه ما من موجود إلّا وهو جسم، وما لا جسميّة له فهو معدوم، وإن قلت لابن تيميّة بأنّ لازم هذا الكلام أن يكون الله حادثاً، لأنّ كلّ جسم فهو حادث، سيقول لك: لا نوافق على أنّ كلّ ما هو جسم فهو حادث لأنّ الأجسام تنقسم إلى قسمين؛ فمنها حادث وهي المخلوقات، وقسم منها قديم وهو الله، فالله تعالى بحسب رأي ابن تيميّة جسمٌ قديم.

في تلبيس الجهميّة أيضاً: (فأقول: إذا كانت هذه الحجّة التي عارضتموني بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة، من غير أن تعيّن جسماً، أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه، بأنّه الجسم القديم هو الله سبحانه، كما يقوله المثبتون، وأنّ ذلك هو ملازم لقولنا إنّه موصوف وقائم بنفسه ونحو ذلك، فتكون هذه الحجّة التي عارضتم بها، دليلاً على أنّ الله تعالى جسم بالمعنى الذي ذكرتموه) (2).

ثمّ يقول في موضعٍ آخر من نفس الكتاب: (في الوجه العاشر: إذا كانت إحدى هاتين المقدّمتين الضروريّتين تستلزم أنّه مباين للعالم، والأخرى تستلزم أنّه جسم، فقد ثبت بموجب هاتين المقدّمتين صحّة قول القائلين بالجهة، وقول القائلين بأنّه جسم وكونه جسماً يستلزم القول بالجهة. . . وقول

القائلين بالجهة يستلزم أيضاً القول بالجسم كما تقولون أنتم) (3).

وفي كتاب (التسعينيّة) يعتبر ابن تيميّة أنّ نفي الجسميّة هو قول أهل الباطل، وينسب إلى البعض آراء لا يعتقدون بها حيث يقول:


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص35٩.
2- المصدر نفسه، ج1 ص4٠1.
3- المصدر نفسه، ج1 ص4٠2.

ص: 240

(قال أبو عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العبّاس: ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وتوحيد أهل الباطل: الخوض في الأعراض والأجسام) .

وهذا الكلام كما ترى هو لأبي عبد الرحمن، ولكن ابن تيميّة يعلّق عليه بالقول: (هذا موافق لما تقدّم، فبيّن - أبو عبد الرحمن - أنّ الخوض في الجسم والعرض ونفي ذلك، وجعل ذلك من التوحيد هو من قول أهل الباطل) (1).

وجملة (ونفي ذلك) يضيفها ابن تيميّة إلى كلام أبي عبد الرحمن وهي غير موجودة، لأنّه - أي ابن تيميّة - يريد أن يقول بأنّ نفي الجسميّة هو قول أهل الباطل ويجعل كلام أبي عبد الرحمن مستنداً لذلك.

وإذا كان نفي الجسميّة قول أهل الباطل، فما هو قول أهل الحقّ، أم أنّ إثبات الجسميّة أيضاً هو قول أهل الباطل؟ وهذا محال لأنّه يلزم منه ارتفاع النقيضين.

ومن هنا تجد أنّ ابن تيميّة لا يثبت ولا ينفي، ويتهرّب من ذلك بالقول فقط إنّ نفي الجسميّة هو قول أهل الباطل.

ثمّ يتابع القول: (وجعل ذلك من التوحيد هو من قول أهل الباطل، فكيف بمن جعله أصل الدِّين ]أي جعل نفي الجسميّة من أصل الدِّين [ كما

قال شيخ الإسلام - أي: أبو إسماعيل الهروي -) (2).

أولوية أبحاث التجسيم على غيرها من الأبحاث

قد يقال: ما هو السبب في طرحكم لمسألة التجسيم والحَدّ، مع أنّ هناك


1- التسعينيّة: ج3 ص78٩-7٩٠.
2- نفس المصدر.

ص: 241

مسائل ذات أولويّة أكثر وهي مورد نقاش دائم ومستمرّ، مثل مسألة التوسّل والشفاعة والاستغاثة وزيارة القبور، أفلم يكن من الأولى طرح هذه المسائل؟

والجواب : إنّ هذه المسائل وإن كان البعض يحاول إعطاءها مزيد أهمّية، لكنّها ليست بأهمّية مسائل التجسيم والحدّ والتحيّز والمكان بالنسبة إلى الله عزّ وجلّ، وذلك أنّ أصل الدِّين هو في معرفة توحيد الأسماء والصفات، وإذا لم تتمّ معرفة الله سبحانه وتعالى من خلال أسمائه وصفاته فلا قيمة لأيّ عبادة، ولا قيمة لأيّ توحيد آخر.

وهذه المسائل هي من قبيل الصلاة وكونها عمود الدِّين، وإن قُبلت قُبِل ما سواها، وإن ردّت رُدّ ما سواها، كذلك معرفة الله تعالى فإنّها الأصل في جميع المعارف الدينيّة، فإذا كانت المعرفة صحيحة فكلّ ما يترتّب عليها يكون صحيحاً، وهكذا العكس لو كانت باطلة.

وقد خرج الإمام الحسين (ع) يوماً إلى أصحابه فقال لهم:

«أيّها النّاس إنّ الله جلّ ذكره ما خلق الخلق إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة غيره» (1)

.

ومن تداعيات عدم المعرفة بالله وآثاره أنّ الإنسان قد يُشرِك بالله وهو لا يعلم أنّه مشرك، وعند ذلك يكون مصداقاً لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ (النساء: 48، و116 .

وهذا المعنى يؤكّد عليه ابن تيميّة نفسه وأتباعه، بل كلّ علماء المسلمين، ولذلك ننقل بعض ما ورد عنه لكي نؤكّد للقارئ الكريم ضرورة عدم


1- بحار الأنوار: ج5 ص312.

ص: 242

انشغاله بالقضايا الفرعيّة كالشفاعة والتوسّل والاستغاثة وصرف العنان إلى ما هو أهمّ من ذلك بكثير.

المورد الأوّل : يقول ابن تيميّة في كتاب (الفتاوى الحمويّة الكبرى) في سؤالٍ وجواب: (سأله سائل فقال السائل: ما قولكم في آيات الصفات كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 5 ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ (فصّلت: 11 . . . إلى غير ذلك من الأحاديث؟ وما قالت العلماء وأبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى.

فأجاب: فإنّ معرفة هذا - أي الأسماء والصفات - أصل الدِّين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب، وحصّلته النفوس، وأدركته العقول) (1).

المورد الثاني : يقول ابن قيم الجوزية في كتاب (الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة) : (وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم: معرفة المعبود سبحانه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تنبني مطالب الرسالة جميعها. . . فأساس دعوة الرسل «صلوات الله وسلامه عليهم» معرفة الله سبحانه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ثمّ يتبع ذلك أصلان عظيمان:

أحدهما: تعريف الطريق الموصلة إليه، وهي شريعته المتضمّنة لأمره ونهيه.

الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد. . .

وهذان الأصلان تابعان للأصل الأوّل وهو معرفة الله سبحانه وتعالى) (2)

المورد الثالث : ما يقوله أحد أعلام الوهّابية المعاصرين وهو الشيخ محمّد صالح العثيمين في كتاب (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) :


1- الفتاوى الحمويّة الكبرى: ص175-177.
2- الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة: ج1 ص15٠-151.

ص: 243

(وتوحيد الأسماء والصفات. . . فمنزلته في الدِّين عالية وأهمّيته عظيمة، ولا يمكن أحداً أن يعبد الله على الوجه الأكمل حتّى يكون على علمٍ بأسماء الله تعالى وصفاته، ليعبده على بصيرة. . . وهذا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء المسألة: أن تقدّم بين يدي مطلوبك من أسماء الله تعالى ما يكون مناسباً. . . ودعاء العبادة أن تتعبّد لله بمقتضى هذه الأسماء. . .) (1)

المورد الرابع : ما يقوله ابن باز في (مجموع فتاوى ومقالات متنوّعة) :

(هناك طائفة من المنتسبين للدعوة الإسلاميّة يرون عدم التحدّث عن توحيد الأسماء والصفات بحجّة أنّه يسبّب فرقة بين المسلمين ويشغلهم عن واجبهم وهو الجهاد الإسلامي، ما مدى صحّة تلك النظرة؟)

يقول ابن باز في الجواب: (هذه النظرة خاطئة. . . فالواجب على أهل العلم والإيمان أن ينشروا أسماءه وصفاته وأن يذكروها في خطبهم ومؤلّفاتهم ووعظهم وتذكيرهم؛ لأنّ الله سبحانه بها يُعرف وبها يُعبَد، فلا تجوز الغفلة عنها ولا الإعراض عن ذكرها بحجّة أنّ بعض العامّة قد يلتبس عليه الأمر، أو لأنّ بعض أهل البدع قد يشوّش على العامّة في ذلك، بل يجب كشف هذه الشبهة وإبطالها وبيان أنّ الواجب إثبات أسماء الله على الوجه اللائق بالله جلّ وعلا من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. . .) (2)

فمعرفة الله سبحانه ضروريّة وأساسيّة لدى جميع الفرق والمذاهب، ونحن نبحث في أسماء الله وصفاته، ومن صفاته كونه جسماً أو ليس بجسم، وعلى أساس القول بالجسميّة أو نفيها يترتّب الأثر الكبير للعبادة الصحيحة


1- شرح القواعد المُثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى: ص2٠-22.
2- مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، مصدر سابق.

ص: 244

والفاسدة.

وإننا في أبحاثنا هذه - كما يتلمّس القارئ الكريم - لا نتّهم ابن تيميّة على أساس جملة أو قول له في موردٍ معيّن، بل منهجنا في البحث هو متابعة أقواله في جميع ما كتبه أو ورد عنه، وذلك من أجل أن لا يجد أحد أيّة ثغرة والقول بأنّنا نقتطع ونجتزئ من كلماته ونجعل منها مبرّراً للتحامل عليه.

خلاصة نظرية ابن تيمية في التجسيم

بعد هذا العرض التفصيلي لما قاله ابن تيميّة في مسألة التجسيم يمكن إيجاز نظريّته وآرائه في هذه المسألة بنقاطٍ ثلاثة:

النقطة الأولى : يعتقد ابن تيميّة أنّ كلّ موجود إذا كان قائماً بنفسه فهو جسم، وإن لم يكن جسماً فهو معدوم، والله سبحانه وتعالى موجود قائم بنفسه لا بغيره لأنّه حيّ قيّوم، ومعنى القيّوم هو القائم بنفسه وبذاته والمقوّم لغيره. فالنتيجة هي أنّ الله سبحانه وتعالى جسم.

وهذا ما صرّح به ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) بقوله: (ومعلوم أنّ كون البارئ ليس جسماً، ليس هو ممّا تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدّمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدّمات بيّنة في الفطرة، بل بمقدّمات فيها خفاء وطول، وليست مقدّمات بيّنة، ولا متّفقاً على قبولها بين العقلاء. . . وأنّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلّا جسماً، وما لا يكون جسماً لا يكون إلّا معدوماً، ومن المعلوم أنّ هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأوّل) (1).

فإذن إثبات الجسميّة عنده أقرب إلى الفطرة والعقول من نفيها.

وكذلك يقول: (وإن أردت أنّهم وصفوه بالصفات الخبريّة، مثل: الوجه


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص35٩.

ص: 245

واليد، وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنّهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسماً، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام، بل وسائر أهل الملل وسلف الأمّة وأئمّتها. . .) (1).

ويقول أيضاً في نفس الكتاب: (وقالوا إنّ اليد والوجه لا تكون إلّا جسماً. . . قالوا وهذا ممّا لا يمكن النزاع فيه. . . وأنّ صفاته. . .) (2). وقد أشرنا إلى كلامه هذا سابقاً فراجع.

النقطة الثانية : أنّ ابن تيميّة يجيب عن إشكالٍ مفاده: بأنّ القول بأنّه جسم يفيد أنّه تعالى حادث، وإذا كان حادثاً لا يكون قديماً، وإذا بَطُل قدمه ثبت حدوثه وبطلت أزليّته ودوامه.

ويجيب بأنّنا لا نقبل أنّ كلّ جسم حادث، بل الأجسام تنقسم إلى قسمين: أجسام حادثة وهي السماوات والأرض وغيرها، وجسم قديم وهو الله سبحانه وتعالى.

وذكر ابن تيميّة هذا المعنى في كتاب (بيان تلبيس الجهميّة) فقال:

(وإنّما دلّت على قدِم ما هو جسم أو مستلزم لجسم، وهذا ممّا يمكنني التزامه، فإنّه من المعلوم أنّ طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل، لا يقولون بحدوث كلّ جسم. . . فأقول: إذا كانت هذه الحجّة التي عارضتموني بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة، من غير أن تعيّن جسماً، أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه، بأنّه الجسم القديم هو الله سبحانه، كما يقوله المثبتون. . .) (3)


1- المصدر نفسه: ج1، ص251.
2- المصدر نفسه: ج1، ص373.
3- المصدر نفسه: ج1، ص3٩٩-4٠1.

ص: 246

النقطة الثالثة : أنّ ابن تيميّة يصرّح في مواضع متعدّدة بأنّ إثبات الجسميّة بدعة وكذلك نفي الجسميّة، ولكنّه يخرج عن هذا المبدأ ويثبت الجسميّة بشكل واضح وصريح؛ يقول في (بيان تلبيس الجهميّة) : (إنّ لفظ الجسم والعرض والمتحيّز ونحو ذلك ألفاظ اصطلاحيّة، وقد قدّمنا غير مرّة أنّ السلف والأئمّة لم يتكلّموا في ذلك، في حقّ الله لا بنفي ولا إثبات، بل بدّعوا أهل الكلام بذلك وذمّوهم غاية الذمّ) (1).

وعندما التفت ابن تيميّة إلى ذلك مع كونه يثبت الجسميّة حاول حلّ هذه الإشكاليّة في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) من خلال الجواب بأنّه ليس كلّ بدعة ضلالة، فالبدعة على قسمين: بدعة ضلالة، وبدعة حسنة، وإثبات الجسميّة ليس بدعة ضلالة، بل بدعة حسنة.

وقد صرّح بهذا الكلام في الكتاب المذكور، وحيث إنّنا نقلنا كلامه فيما تقدّم لا نعيده، فراجع (2).

وهذا هو مبنى ومعتقد كلّ من تبع ابن تيميّة وأيّد منهجه، وعلى رأسهم أتباع محمّد بن عبد الوهّاب الذي يعتبر امتداداً لنهج ابن تيميّة كما يقول صاحب كتاب (السبائك الذهبيّة بشرح العقيدة الواسطيّة) : (والواقع أنّ دعوة الشيخ محمّد امتدادٌ لدعوة الشيخ ابن تيميّة وأثرة من آثارها. . . لا نزال نميّز بين أهل التوحيد والسنّة في محبّة ابن تيميّة، فمن كان يبغضه عرفنا أنّه ليس من أهل التوحيد ولا من أهل السنّة، ومن كان يحبّه عرفنا أنّه من أهل التوحيد والسنّة) (3).


1- المصدر نفسه: ج1 ص372.
2- درء تعارض العقل والنقل: ج1 ص248-24٩.
3- السبائك الذهبية: ص3٩.

ص: 247

وهؤلاء لم ينكروا هذا المعتقد من ابن تيميّة، بل حاولوا الدفاع عنه بكلّ الوسائل بعدما شاهدوا النقد الموجّه لهذه المنظومة العقديّة التي أسّسها ابن تيميّة في مسألة التشبيه والتجسيم، وخير شاهد على ذلك: كتاب (منهج شيخ الإسلام ابن تيميّة في تقريره عقيدة التوحيد) لإبراهيم بن محمّد بن عبد الله البريكان حيث يقول: (نسبة التشبيه والتجسيم لابن تيميّة، وهي من أعظم خصال النقد الموجّه لابن تيميّة، وذلك لأنّها موجّهة لاعتقاده في باب الصفات جملةً وتفصيلاً. . .) .

ثمّ يبدأ بالمناقشة والدفاع عنه، إلى أن يقول: (وفيما تقدّم تبيّن لنا أنّ هذه الدعوى - أي دعوى التشبيه والتجسيم - منقوضة من أصلها، وقد تتبّعت ما بين يديَّ من كتب ابن تيميّة فلم أظفر بكلمة واحدة لا نصّاً ولا ظاهراً تدلّ على التشبيه المذموم شرعاً) (1).

وفي الواقع أنّه من المؤسف أن يكتب بعضهم رسائل جامعيّة كالبريكان، وهو لا يستطيع التمييز بين التشبيه والتجسيم، وبدلاً من الدفاع عن ابن

تيميّة أوقع نفسه في محذورٍ آخر إذ ابتدع شبهةً أخرى عندما اعتبر أنّ هناك تشبيهاً مذموماً باعتبار أنّ ذلك يفيد أنّ هناك تشبيهاً ممدوحاً! !

ونحن نضع كلام ابن تيميّة في (درء تعارض العقل والنقل) الذي لا ينفي فيه التجسيم، ولا ينفي التشبيه الممدوح، وأيضاً يفرّق فيه بين مسألتي التشبيه والتجسيم، حيث يقول: (وفي الجملة: الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر، فإنّ الأوّل دلّ على نفيه الكتاب والسنّة وإجماع السلف والأئمّة، واستفاض عنهم الإنكار على


1- منهج شيخ الإسلام ابن تيميّة في تقرير عقيدة التوحيد: ج2 ص783.

ص: 248

المشبّهة، فأمّا الكلام في الجسم والجوهر ونفيهما أو إثباتهما بدعة ليس لها أصل) (1).

ولكي لا يقع القارئ في الالتباس نشير إلى أنّ ابن تيميّة حاول الفرار من محذور التشبيه بالقول بعدم وجود ملازمة بينهما، ولكن في الحقيقة والواقع سنثبت لاحقاً أنّه هناك ملازمة بين الأمرين، ولا يمكن التفكيك بينهما.

فالقول بالجسميّة ملازمٌ للعجز والحدوث، ومجرّد أن يثبت عند ابن تيميّة أنّ الله تعالى جسم حتّى بإضافة «لا كالأجسام» فهذا إثبات للتشبيه أيضاً.

وهذا ما أشار إليه ا لدكتور جابر بن إدريس في كتاب (مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة) حيث يقول: (ويدخل في معنى التشبيه أيضاً وصف الله تعالى بصفات النقص الخاصّة بالمخلوق) (2)( ، ومعنى ذلك أنّه إذا ثبت أنّ هناك صفة خاصّة بالمخلوق ونسبناها إلى الله تعالى، فلا يلزم منه فقط التجسيم بل يلزم التشبيه أيضاً.

ولا يكتفي ابن تيميّة بهذا القول بل ينسبه إلى جماهير أهل الإسلام، ويقول عنهم جميعاً بأنّهم من القائلين بالتجسيم، وهذه واحدة من أعظم هفواته بل افتراءاته على المذاهب الإسلاميّة التي سنرى لاحقاً أنّها تُنكر عليه نظريّاته وأقواله.

يقول ابن تيميّة في (بيان تلبيس الجهميّة) : (. . . وإن أردت أنّهم وصفوه بالصفات الخبريّة مثل الوجه واليد، وذلك يقتضي التجزئة أو التبعيض، أو أنّهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسماً، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة


1- درء تعارض العقل والنقل: ج2، ص4٠5.
2- مقالة التشبيه وموقف أهل السنّة منها: ج1، ص(٨)2.

ص: 249

بذلك، بل هو مذهب جماهير أهل الإسلام) (1).

ولكن علماء السنّة لم يرتضوا هذه النسبة، ونحن وإن كنّا سنشير إلى كلماتهم لاحقاً، لكنّنا نكتفي هنا بذكر مورد واحد من مواقف علماء السنّة، ولواحد من أئمّتهم المعاصرين، ومن مدرسة الأزهر الشريف، وذلك في كتاب (فتاوى الإمام عبد الحليم محمود) وفيه:

(والموقف - أي من الأسماء والصفات - الذي يقفه من أراد متابعة السلف الصالح إذن، تجاه كلمات الصورة واليد، والنزول، إنّما هو الإيمان بها مع التنزيه لله تعالى عن الجسميّة وتوابعها، وليس معنى ذلك أنّ هذه الألفاظ معطّلة عن المعنى، بل لها معنى يليق بجلال الله وعظمته، ممّا ليس بجسم، ولا عرض في جسم. . . هذا هو مذهب السلف في الصفات، وهو مذهب لا يثير جدلاً ولا خصومة، وليس من طبيعته ذلك، إنّه مذهب العبوديّة الصحيحة، وهو المذهب الذي يتمذهب به كلّ من عنده نزعة التديّن السليمة، وهو مذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن

حنبل والسلف الصالح، ومن الطبيعي أن يكون مذهب الفرقة الناجية) (2).

فلماذا يصدّق الناس ابن تيميّة في قوله بأنّ التجسيم مذهب جماهير الإسلام، ولا يُصدَّق الإمام عبد الحليم محمود؟ !

أتباع ابن تيمية ورأيهم في التجسيم

بحثنا في هذه الفقرة سنتناول فيه موقف أتباع مدرسة ابن تيميّة من القول بالتجسيم، لنرى أنّهم وافقوه على معتقداته أم لا؟


1- المصدر نفسه: ج2 ص783 - 78٩.
2- فتاوى الإمام عبد الحليم محمود: ج1 ص(٨)٩-٩٠.

ص: 250

عندما نراجع تراث علماء المسلمين نجد أنّ هناك مجموعة منهم آمنت بما آمن به ابن تيميّة، وهم بالتحديد تلامذته وأتباع المذهب الوهّابي الذين تبنّوا عمليّة الترويج لأفكاره في العالم الإسلامي بذريعة أنّه رأي أهل السنّة والجماعة.

أمّا عندما نرجع إلى سائر المدارس الإسلاميّة السنيّة، والمراكز الدينيّة التابعة لهذا المذهب، فلا نراها كذلك؛ كما هو حال علماء مصر والسودان وماليزيا وأندونيسيا والعراق وسائر دول الخليج إلى عُمان بمختلف اتّجاهاتهم ومدارسهم العقديّة والفقهيّة.

ومن أولئك الذين التزموا مباني ونظريّة ابن تيميّة في مسألة التجسيم نذكر الموارد التالية:

المورد الأوّل : ما ورد في كتاب (الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة) تصنيف ابن قيم الجوزية، حيث يقول بعد نقله لأقوال أصحاب نظريّة التجسيم وأقوال النفاة: (فلو كان خصومكم [أي خصوم المنزّهين لله عن الجسميّة] كما زعمتم - وحاشاهم - كانوا مشبّهة، ممثّلة، مجسّمة، لكانوا

أقلّ تنقّصاً لربّ العالمين، وكتابه، وأسمائه، وصفاته، منكم بكثير كثير. لو كان قولهم يقتضي التنقّص، فكيف وهو لا يقتضيه، ولو صرّحوا به فإنّهم يقولون نحن أثبتنا لله غاية الكمال، ونعوت الجلال، ووصفناه بكلّ صفة كمال، فإن لزم من هذا تجسيم أو تشبيه لم يكن هذا نقصاً، ولا عيباً، ولا ذمّاً، بوجهٍ من الوجوه، فإنّ لازم الحقّ حقّ) (1)

فانظروا إلى هذا الاستدلال العقيم والبائس من الناحية المنطقيّة


1- الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة: ج1 ص263.

ص: 251

والفلسفيّة، فمتى نستطيع القول بأنّ هذا اللازم حقّ لأنّ الملزوم حقّ؟ فهل إذا كان اللازم باطلاً وهو الجسميّة نكتشف منه بالكشف الإنّي أنّ الملزوم حقّ؟

وهل هذا إلّا منتهى الجهل وعدم المعرفة بالقواعد العقليّة والمنطقيّة، أو القواعد السليمة للتفكير؟

المورد الثاني : ما ورد في كتاب (شرح العقيدة الواسطيّة) لأحد أعلام الوهّابية المعاصرين الشيخ محمّد بن صالح العثيمين الذي يقول: «قوله اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، قوله استوى بمعنى: علا» .

ثمّ إنّه يصرّح بأنّ هذا العلوّ حسّي لا معنوي (والدليل على ذلك كلمة «على» ؛ لأنّ «على» لا تستعمل في استوى إلّا في إثبات العلوّ المادّي) .

ثمّ يعرّف لنا العرش بقوله: (هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات، ولا نعلم مادّة هذا العرش لأنّه لم يرِد عن النبيّ (ص) حديث صحيح يبيّن من أين خُلق هذا العرش) (1).

وهذا إقرارٌ صريح بأنّ العرش مخلوق مادّي، ولكنّنا نجهل طبيعة المادّة التي خُلق منها.

والسؤال الموجّه إلى العثيمين: قبل أن توجد السماوات والأرض هل كان هناك شيء قبل أو مع الله حتّى يخلق العرش منه؟

ومن هنا نجد أئمّة أهل البيت (ع) يعبّرون عن خلق الله تعالى للأشياء بالقول: إنّه لا من شيء خلق الأشياء، أو بقولهم: ابتدعها؛ لأنّ معنى البديع أنّه خلقها لا من مادّة سابقة، ولا على صورة سابقة.

ثمّ يقول العثيمين: (لكنّنا نعلم أنّه أكبر المخلوقات التي نعرفها) . والأكبريّة والأصغريّة هي وصف للأجسام، وإلاّ فما ليس بجسم لا يوصف


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ص317.

ص: 252

بذلك؛ مثل أن تقول: علم زيد أكبر من علم عمرو، لأنّ العلم صفة معنى لا صفة عين.

ثمّ يعرّف العرش بقوله: (وأصل العرش في اللغة: السرير الذي يختصّ به الملك، ومعلوم أنّ السرير الذي يختصّ به الملك يكون سريراً عظيماً ضخماً لا مثيل له. فإن سألت ما معنى الاستواء عندهم؟ فمعناه: العلوّ والاستقرار. . . فعندنا في هذا جوابٌ آخر، أن نقول: إنّ العلوّ نوعان: علوّ حسّي كاستوائنا على السرير، وعلوّ معنوي بمعنى السيطرة والغَلَبة، أمّا قولكم إنّه يلزم من تفسير الاستواء بالعلوّ، فجوابه كلّ شيء يلزم من كتاب الله وسنّة رسوله فهو حقّ، ويجب علينا أن نلتزم به. . . فإذا ثبت أنّه لازم فليكن ولا حرج علينا إذا قلنا به) (1).

ثمّ يناقش في معنى الجسم الممتنع وصف الله تعالى به فيقول: (إن أردتم بالجسم الذي قلتم يمتنع أن يكون الله جسماً، الجسم المركّب من العظام

واللّحم والدم وما أشبه ذلك، فهذا ممتنع على الله) (2).

ونسجّل على الشيخ العثيمين ملاحظتين:

الأولى : أنّ هذا الذي قاله لم يرِد فيه نفيٌ لا في كتابٍ ولا سنّة ولا من السلف، لذا لابدّ أن لا يتكلّم به وفقاً لمبانيه، ونحن عندما اعتقدنا وقلنا بأنّ الله ليس بجسم، قالوا لنا: أنتم أهل بدعة؛ لأنّ السلف الصالح لم يقل به. إذن فقولهم مشابه لقولنا في أنّ كليهما لم يقل به السلف الصالح، فلماذا نحن أهل بدعة وأنتم لستم كذلك؟

الثانية : كما قالوا بأنّ الله جسم لا كالأجسام، لماذا لا يلتزمون هنا بالقول


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ص32٠.
2- المصدر نفسه: ص321.

ص: 253

بأنّ الله لحمٌ لا كاللحوم، ودمٌ لا كالدِّماء وغير ذلك؟ !

ويتابع العثيمين: (وأمّا أدلّة نفاة الرؤية العقليّة، فقالوا: لو كان الله يُرى لزم أن يكون جسماً، والجسم ممتنع على الله لأنّه يلزم التشبيه والتمثيل، والردّ عليهم: إنّه إن كان يلزم من رؤية الله أن يكون جسماً فليكن ذلك، لكنّنا نعلم علم اليقين أنّه لا يماثل أجسام المخلوقين) (1).

فهل مثل هذا الكلام هو كلام من يفقه القرآن ويتدبّر معانيه، أم هو من كلام من قال فيهم القرآن: أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ؟ !

المورد الثالث: ما ورد في كتاب (الرياض النديّة على شرح العقيدة الطحاويّة) للإمام القاضي علي بن علي بن محمّد بن أبي العزّ الدمشقي، وتعليق الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبريل، وفيه يقول الشارح والمعلّق على الكتاب: (ثمّ ذكر أنّ الله تعالى فوق العرش، وأنّ العرش

يئطّ به أطيط الرَّحل، يعني أنّه تعالى فوق العرش) .

فالنتيجة هي أنّه تعالى محمول، ومحمول اسم مفعول، فيكون محتاجاً، وهذا من حيث الاستعمال اللّغوي يدلّ على النقص.

ويتابع المعلّق القول: (قرأت لبعض المبتدعين - وهم النافون للجسميّة - لمّا تكلّموا ونقلوا أثراً يخالف معتقداً على تفسير قوله تعالى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ فنقل عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: تكاد السماوات تتفطّر من ثقل الربّ تعالى، فكبرت هذه الكلمة عند هذا الجهمي، فقال من هيبته، أنظر كيف صرف هذا الأثر عن الظاهر وجعل المراد من الثقل الهيبة، لأنّه لا يدين بأنّ الله تعالى فوق السماوات، ولا يدين أنّ السماوات تتفطّر من


1- شرح العقيدة الواسطيّة: ص32٠.

ص: 254

ثقله، ويكذّب أيضاً ما ورد في الحديث أنّ العرش يئطّ به) (1)

وبعيداً عن كلّ البراهين العقليّة التي تتنافى مع هذا الكلام المتقدّم، لو جئنا إلى علماء الفيزياء وسألناهم عن الموجود الذي له وزن وثقل هل يمكن أن يكون أبديّاً، أزليّاً، صمديّاً، أحداً؟ فهل هؤلاء يقبلون أن لا يكون الله كذلك حتّى يصفوه بمثل هذه الأوصاف، وهل لمجرّد الاختلاف معهم يُتّهم الإنسان بأنّه جهميّ معطّل، ومكذّب للأحاديث؟

المورد الرابع : ما ورد في كتاب (جواب الاعتراضات المصريّة على الفتيا الحمويّة) والكتاب من تأليف ابن تيميّة ومن تحقيق محمّد عزيز شمس، وهذا الكتاب يعتبر من كتبه الأساسيّة، ولكنّه ناقص كما يقولون.

وقد ذكرنا فيما سبق أنّ الكتاب كان في أربعة مجلّدات، ويعدّ من المؤلّفات الكبار للشيخ، وقد أحال عليه في كتبه الأخرى، ويعتبر بيان تلبيس الجهميّة

تتمّة لمباحثه، وكتابٌ هذا شأنه لابدّ أن يكون من أهمّ مؤلّفاته في باب العقيدة وبيان مذهب السلف في الصفات.

يقول محقّق الكتاب: (وهو إن قال ظاهر النصوص أنّ صانع العالم متميّز عن المخلوقات بائن عنها، وأنّ ذاته وحقيقته فوق حقيقة المخلوقات وذواتها بحيث يرفع الناس أبصارهم وأيديهم إليه، تعرج الملائكة والروح إليه، وعرج بالرسول إليه وتصعد أرواح العباد، وأنّ الناس يمكن أن يروه يوم القيامة بأبصارهم فوق رؤوسهم، ويشيرون إليه بأبصارهم وأيديهم، وأنّه فوق الأمكنة كلّها، وأنّه خلق آدم بيديه اللّتين هما اليدان، وأنّه استوى فوق العرش فارتفع عليه وعلا عليه، وذاته فوق ذات العرش ونحو ذلك. . . وهو


1- الرياض النديّة على شرح العقيدة الطحاويّة: ج3 ص37-3٩.

ص: 255

إن قال. . . قلنا: هذا مسلّم. . .) (1)

فالمعلّق يسلّم جدلاً ومطلقاً، ولا يوجد عنده بحث في أنّه تعالى جسم أو ليس بجسم، ويثبت أنّه تعالى له مكان وجهة وأنّه في موضع معيّن.

المورد الخامس : ما ورد في كتاب (مجموع فتاوى الشيخ العثيمين) ، وفيه: (وسُئل: أيّهما الأولى: التعبير بالتمثيل، أم التعبير بالتشبيه؟ فأجاب قائلاً: التعبير بالتمثيل خيرٌ من التعبير بالتشبيه لوجوه ثلاثة. . والوجه الثاني: أنّ التشبيه لا يصحّ نفيه على الإطلاق، لأنّه ما من شيئين إلّا وبينهما قدرٌ مشترك) (2).

فهو يرى أنّ بيننا وبين الله يوجد قدرٌ مشترك، ومع كونه تعالى ليس كمثله شيء، إلّا أنّ المهمّ عند أصحاب التجسيم القول: بلا تمثيل وبلا تشبيه.

وإلى هنا ثبت لنا من كلمات هؤلاء أنّهم يقولون: نثبت اليد والإصبع والقدم والوجه والرِّجل والجلوس والقعود والقيام والثقل ولكن بلا تعطيل ولا تحريف وبلا تمثيل وبلا تكييف.

ولمراجعة هذه المصطلحات ومعرفة المراد منها يمكن الرجوع إلى كتاب (عقيدة السلف وأصحاب الحديث أو الرسالة في اعتقاد أهل السنّة وأصحاب الحديث والأئمّة) تأليف الإمام الصابوني؛ يقول في حاشية الكتاب: (التشبيه على قسمين؛ الأوّل: تشبيه المخلوق بالخالق. . . والثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق. . .) .

ثمّ يقول: (التحريف هو التأويل، والمراد بالتكييف تعيين كُنه الصفة، والمراد بالتعطيل جحد الصفات - أي إنكار الصفات الثابتة لله تعالى -) (3)


1- آثار شيخ الإسلام ابن تيميّة، رقم: 16، جواب الاعتراضات المصريّة على الفتيا الحمويّة لشيخ الإسلام ابن تيميّة: ص151.
2- مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: ج1 ص17٩.
3- عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ص162-163.

ص: 256

موقف ابن تيمية من علماء أهل السنة

اشارة

جرت محاولات حثيثة من أتباع ابن تيميّة لتصويره على أنّه يمثِّل الوجه الحقيقي لمدرسة الصحابة وأهل السنّة والجماعة، ولذلك أعطوه ألقاباً وتسميات للإعلاء من شأنه بين الناس، مثل شيخ الإسلام والعلّامة والإمام وغير ذلك.

وفي بعض الأحيان جعلوه الميزان الحقيقي للدِّين، فمن أحبّه كان على طريق أهل السنّة والجماعة، ومَن أبغضه لم يكن كذلك.

والسؤال المطروح هو: هل مدرسة ابن تيميّة مدرسة مستقلّة عن أهل السنّة، أم هي المدرسة ذاتها ولا تختلف عنها إلّا في بعض الأُمور؟

والجواب: إنّ الوهّابية وأتباعها عندما وجدوا أنّ العالم الإسلامي بعقيدته وفقهه يسير باتّجاه معاكس لاتّجاهاتهم ومعتقداتهم، حاولوا التسويق والترويج لابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب على أنّهما مدرسة أهل السنّة الحقيقيّة، وصوّروا الأمر على أنّهم أكثريّة المسلمين، ومن خالفهم الأقليّة، مع أنّ الأمر عكس ذلك تماماً.

وقد ذكرنا فيما سبق هذا التلاحم والترابط الموجود بين ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب، من خلال ما ذكره الشيخ عبد الله بن محمّد الغنيمان في كتاب (السبائك الذهبيّة بشرح العقيدة الواسطيّة) حيث يقول عن الرُّجلين:

(ولكن الناس سمّوه بذلك، ومثله مثل محمّد بن عبد الوهّاب ما كان يسمّي نفسه ذلك، وإنّما سمّي للأثر الذي قام به، والواقع أنّ دعوة الشيخ

ص: 257

محمّد امتدادٌ لدعوة الشيخ ابن تيميّة وأثرٌ من آثارها لأنّه تخرّج على كتبه. . .) (1).

فلماذا عندما نقول عن الوهّابية أنّهم أتباع ابن تيميّة يستنكرون بالقول: «بل نحن أتباع السلف الصالح» ، والحقّ أنّ محمّد بن عبد الوهّاب ما هو إلّا غرسة وبذرة ممّا زرعه ابن تيميّة في عقول المسلمين.

وقد انعكست طبيعة الاستياء من عدم انجرار عامّة المسلمين ولاسيّما أتباع المذاهب الأربعة وراء أفكار ابن تيميّة في كتب أتباعه، وأبدوا استنكارهم من التحاق المذاهب بالأشاعرة وغيرهم.

في واحدٍ من أهمّ كتبهم في هذا المجال وهو (نقض عقائد الأشاعرة والماتريديّة) يقول المؤلّف خالد بن علي المرضي الغامدي: (فهذا مصنَّف عظيم النفع وضعته لمسيس الحاجة إلى مثله لإخواني المسلمين من أهل السنّة. . . وموضوعه في بيان عقيدة الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، والماتريديّة أتباع أبي منصور الماتريدي، ومذهبهم في أركان الدِّين وأُصوله في أبواب الاعتقاد ومسائل التوحيد والعقيدة ومنهجهم في ذلك، وموقفهم من التوحيد والشهادتين وبيان تلبيسهم على المسلمين. . . وأمّا سبب تأليف هذا الكتاب انتشار هذا المذهب - أي الأشاعرة والماتريديّة - حتّى عمّ أكثر بلاد المسلمين، حتّى لا تكاد ترى حنفيّاً إلَّا ماتريديّاً ولا شافعيّاً ومالكيّاً إلَّا أشعريّاً. . . أصبح مذهب أهل السنّة والسلف مقصوراً عند كثير من هؤلاء في الحنابلة فقط، وأفضل من كتب في هؤلاء القوم شيخ الإسلام في كثيرٍ من مصنّفاته. . .) .

ثمّ يبيّن الغاية التي من أجلها صنّف الكتاب، وهي الجهل بحقيقة


1- السبائك الذهبية: ص3٩.

ص: 258

المذهب، وقال: (حتّى ظنّ الكثير أنّ المخالفات معهم يسيرة، وأدخل هذين المذهبين في أهل السنّة، وهذا كلامٌ باطل ودعوى كاذبة، إذ ليسوا من أهل السنّة، وأهل السنّة من كلّ مبتدع براء، وإن كان يطلق عليهم السنّة في مقابل الرافضة) (1)

تغاير المدرستين

ما تقدّم من كلامٍ للغامدي، يشير بوضوح إلى وجود تغاير وخلاف بين مدرسة ابن تيميّة ومدرسة الأشاعرة التي تمثّل معظم مسلمي أهل السنّة، وهو تغاير رسمته أقلام مدرسة ابن تيميّة وأتباعه، وجاهروا به، وصرّحوا في كلماتهم عن وجود تباعد بينهما، لذا لم يكن تعبيرنا عن ذلك مجرّد تهمة أو نسبة غير صحيحة، ولذلك نجد الموارد الكثيرة التي صرّح فيها أتباع ابن تيميّة عن هذا الأمر، ونحن نشير إلى بعضها:

المورد الأوّل : ما ورد في كتاب (تحكيم الناظر فيما جرى من الاختلاف بين أُمّة أبي القاسم) تأليف الشيخ صالح بن أحمد، يقول ابن باز في مقدّمة الكتاب: (أمّا بعد، فقد اطّلعت على هذه الرسالة المباركة الموسومة بتحكيم الناظر، لفضيلة الأخ في الله العلّامة الشيخ صالح بن أحمد نزيل المدينة المنوّرة، فقرأت أغلبها، فألفيتها رسالة قيّمة عظيمة الفائدة، قد اشتملت على إيضاح العقيدة السلفيّة والطريقة المحمّديّة والردّ على من خالفها. . .) (2)

ويتابع ابن باز نائب رئيس الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنوّرة حديثه عن الصفات، باعتبار أنّ الكتاب عبارة عن مناظرة بين نهج ابن تيميّة والوهّابية


1- نقض عقائد الأشاعرة والماتريديّة: ص75.
2- سلسلة من تراث العلماء، تحكيم الناظر فيما جرى من الاختلاف بين أُمّة أبي القاسم، راجع مقدّمة الكتاب.

ص: 259

وبين الأئمّة الأربعة ومذاهبها، فيقول: (وإذا قلت فيهما - أي في الصفات والتوسّل -: «قال الخلفي» ، أعني به أهل الحديث عدا النجديّين. وإذا قلت في الفروع: «قال السلفي» ، أعني به أهل الحديث فقط، وإذا قلت: «المقلِّد» أعني به أهل المذاهب الأربعة المذكورة آنفاً) (1)

ومن هنا يتّضح أنّ هناك فريقين: الأوّل: الوهّابية النجديّون، والطرف الآخر هم الخلفيون وأهل المذاهب الأربعة وكثير من الحنابلة عدا النجديّين.

المورد الثاني : هو من أوضح الموارد الدالّة على هذه الحقيقة، والذي أورده الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في (مجموع فتاواه ورسائله) ، وفيه: (سئل الشيخ قال: وهل تقسيم أهل السنّة إلى قسمين: مدرسة ابن تيميّة وتلاميذه، ومدرسة الأشاعرة والماتريديّة، تقسيمٌ صحيح؟ وما موقف المسلم من العلماء المؤوّلين؟ ]فيُجيب [: . . . فنقول: من المعلوم أنّ بين هاتين المدرستين اختلافاً بيِّناً في المنهاج فيما يتعلّق بأسماء الله وصفاته، فالمدرسة الأولى يقرّر معلّموها وجوب إبقاء النصوص على ظواهرها فيما يتعلّق بأسماء الله وصفاته، مع نفي ما يجب نفيه عن الله من التمثيل أو التكييف، والمدرسة الثانية يقرّر معلّموها وجوب صرف النصوص عن ظواهرها فيما يتعلّق بأسماء الله وصفاته، وهذان المنهجان متغايران تماماً، ويظهر تغايرهما بالمثال التالي: قال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (المائدة: 64 ، وقال تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ (ص: 75) ، فقد اختلف معلّمو المدرستين في المراد باليدين اللتين أثبتهما الله لنفسه، فقال أهل المدرسة الأولى يجب إبقاء معناهما على ظاهره، وإثبات يدين حقيقيّتين لله على وجه يليق به، وقال أهل المدرسة الثانية: يجب صرف معناهما عن ظاهره، ويحرم


1- المصدر نفسه: ج1 ص115.

ص: 260

إثبات يدين حقيقيّتين لله تعالى. ثمّ اختلفوا في المراد بهما هل هو القوّة، أو النعمة؟

وبهذا المثال يتبيّن أنّ منهاجَي أهل المدرستين مختلفان متغايران، ولا يمكن بعد هذا التغاير أن يجتمعا في وصف واحد، هو «أهل السنّة» ؛ إذ لابدّ أن يختصّ وصف أهل السنّة بأحدهما دون الآخر.

فلنحكم بينهما بالعدل، ولنعرضهما على ميزان القسط وهو كتاب الله وسنّة رسوله (ص) وكلام الصحابة، ومن تبعهم بإحسان من سلف الأمّة وأئمّتها. وليس في هذا الميزان ما يدلّ بأيّ وجهٍ من وجوه الدلالة: المطابقة، أو التضمّن، أو الالتزام صريحاً أو إشارةً على ما ذهب إليه أهل المدرسة الثانية، بل في هذا الميزان ما يدلّ دلالة صريحة أو ظاهرة أو إشاريّة على ما ذهب إليه أهل المدرسة الأولى، وعلى هذا فيتعيّن أن يكون وصف أهل السنّة خاصّاً بهم، لا يشاركهم فيه أهل المدرسة الثانية، لأنّ الحكم بمشاركتهم إيّاهم جورٌ وجمع بين الضدّين، والجور ممتنع شرعاً، والجمع بين الضدّين ممتنع عقلاً) (1).

والكلّ يعرف أنّ الشيخ العثيمين من كبار أعلام الوهّابية المعاصرين، وله آثار متعدّدة، وها هو يُعلن بصريح العبارة الاختلاف والتغاير التامّ بين مدرسة ابن تيميّة ومدرسة الأشاعرة، ومفاد هذا الكلام أنّ واحدة منهما على حقّ والثانية على باطل.

المورد الثالث : ما ورد في كتاب (تحكيم الناظر) أيضاً وفيه:

(الجلسة الأولى في بحث الصفات، قال السلفي: «صِف لنا ربّنا» ، قال


1- مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمّد بن صالح العثيمين: ج1 ص115-117.

ص: 261

الخلفي (1): «الله الحيّ القيّوم ليس بعرض ولا جسم ولا جوهر» ، قال السلفي: كلامك هذا يقتضي نفي الباري سبحانه وتعالى عن الوجود بالكليّة (2)، وإن لم تعتقد ذلك) (3).

بهذه الشواهد وغيرها يتبيّن لنا عمق الخلاف والتغاير بين المدرستين، وهي شاهد على اعتقاد أتباع ابن تيميّة في كونهم هم أهل السنّة فقط، أمّا الباقون فليسوا من أهل السنّة.

التمايز المعرفي بين المدرستين

وجود التمايز والاختلاف بين مدرسة ابن تيميّة ومدرسة أهل السنّة يفرض على الباحث الوقوف على معرفة أهل السنّة من خلال بُعدين أساسيّين هما: البُعد الفقهي، والثاني: البُعد العقائدي والإيماني.

ولعلّ هذين البُعدين يشكّلان الأساس المعرفي لكلّ مدرسةٍ ومنهجٍ من مناهجهم، وبالتالي يمكن الحكم على كلّ منهجٍ من خلال معرفة البُعد الذي يرتكز عليه.

وأمّا لناحية البُعد الفقهي، فمن المعلوم أنّ المدارس المعروفة والمشهورة في العالم الإسلامي - غير أتباع مدرسة أهل البيت (ع) - هي المدارس

الأربعة: المالكيّة والحنفيّة والشافعيّة والحنبليّة، إلى جانب مدارس أخرى مثل الزيديّة والأباضيّة فضلاً عن مدرسة الشيعة الإماميّة، وكلامنا هنا فقط في المدارس الفقهيّة السنيّة.


1- أي أتباع المذاهب الأربعة.
2- أي أنّك إذا نفيت الجسميّة نفيت الله سبحانه وتعالى.
3- تحكيم الناظر فيما جرى من الاختلاف بين أمّة أبي القاسم: ص26.

ص: 262

أمّا في البُعد العقائدي فهناك خلط والتباس حيث تُجعل هذه المدارس الأربعة في قِبال الأشاعرة مثلاً، والصحيح أنّ هذه المدارس من حيث الاعتقاد تنقسم إلى أشاعرة وماتريديّة وغير ذلك، فالأئمّة الأربعة تكلّموا في الأبحاث الفقهيّة، أمّا أتباعهم فلهم انتماؤهم العقائدي الذي لا علاقة له بالانتماء الفقهي، فأتباع ابن تيميّة والوهّابية في الفقه أتباع الحنابلة، وفي العقائد أتباع ابن تيميّة.

وواقع الحال يدلّ على أنّ أتباع ابن تيميّة هم القلّة بالنسبة إلى أتباع الأشاعرة والماتريديّة وغيرهم، وكلمات أعلامهم تدلّ على ذلك، ومنها ما ذكرناه في ما ورد في كتاب (نقض عقائد الأشاعرة والماتريديّة) للغامدي حيث يقول عن الأشاعرة وكثرتهم وأتباع ابن تيميّة وقلّتهم:

(فهذا مصنَّف عظيم النفع إن شاء الله، وأعدّه لمسيس الحاجة لمثله، وموضوعه في بيان عقيدة الأشاعرة أتباع الأشعري، والماتريديّة أتباع الماتريدي، ومذهبهم في أركان الإيمان وأصول الدِّين وأبواب الاعتقاد ومسائل التوحيد والعقيدة ومنهجهم في ذلك، وموقفهم من التوحيد والشهادتين. . . انتشر هذا المذهب حتّى عمَّ أكثر بلاد المسلمين حتّى لا تكاد ترى حنفيّاً إلّا ماتريديّاً ولا شافعيّاً ومالكيّاً إلَّا أشعريّاً، وأصبح مذهب أهل السنّة والسلف مقصوراً عند كثير من هؤلاء في الحنابلة، بل يرمى المذهب

الحقّ بالتجسيم والحشويّة لغربته وقلّة أتباعه) (1)

والعبارة الأخيرة: (لغربته وقلّة أتباعه) إقرارٌ بأنّ أتباع ابن تيميّة هم القلّة نسبةً لغيرهم.

وكذلك ما ورد في كتاب (الانحرافات العقائديّة والعلميّة في القرنين


1- نقض عقائد الأشاعرة والماتريديّة: ص5.

ص: 263

الثالث عشر والرابع عشر وآثارهما في حياة الأمّة) لعلي بن بخيت الزاهري، حيث يقول: (وتعتبر فرقتا الأشاعرة والماتريديّة من أكبر الفرق الإسلاميّة، من أعظم طوائف المتكلّمة، والتي لا تزال إلى اليوم تمثِّل نسبة كبيرة بين المسلمين) (1)

إلى هنا اتّضح لنا بشكل كبير أنّ أكثر المسلمين (السنّة) من أتباع المدارس الأربع وهي المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والحنابلة، وهؤلاء هم ما بين أشاعرة وماتريديّة. والسؤال هو: هل هؤلاء هم أهل السنّة أم لا؟

والجواب: إنّ جملة من الأعلام قالوا بأنّ أهل السنّة إنّما هم الأشاعرة والماتريديّة، ومنهم العلّامة المحقّق شهاب الدِّين ابن حجر الهيتمي الشافعي المتوفّى سنة ٩74ه-، في كتاب (المنح المكيّة في شرح الهمزيّة) حيث يقول:

(الذين هم أهل السنّة والجماعة وهم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي. . .) (2)

نظرة أتباع ابن تيمية للأشاعرة

إذا كان الأشاعرة وغيرهم من الفرق يمثّلون الجمهور الأكبر للمسلمين السنّة على مستوى وامتداد العالم الإسلامي، فما هي نظرة القلّة من المسلمين من أتباع ابن تيميّة إلى الأكثريّة العظمى والساحقة من المسلمين؟

هل يعتقدون أنّهم على حقّ؟

هل يرون أنّهم من الفرقة الناجية، أم أنّهم برأيهم أهل وعيد ومبتدعة؟


1- الانحرافات العقديّة والعلميّة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وآثارهما في حياة الأمّة: ج1 ص37.
2- المنح المكيّة في شرح الهمزيّة: ص664.

ص: 264

هذه جملة من كلمات ابن تيميّة وأتباعه بحقّ الأشاعرة، وكذلك بحقّ غيرهم من الفرق الإسلاميّة التي تختلف معهم في المباني والمعتقدات والأفكار:

أوّلاً : ما ورد في كتاب (الانحرافات العقديّة والعلميّة) للزهراني، يقول:

(وقد وصل الأمر بالأشاعرة في بعض الأحيان إلى محاربة عقيدة السلف والنيل من علمائها، واستعداء السلطة عليهم، كما فُعل بالحافظ عبد الغني المقدسي حين طردوه من البلد ومن قبله بأبي إسماعيل الهروي، والذي جرى منهم لشيخ الإسلام ابن تيميّة أمرٌ مشهور حيث تسبّبوا في نفيه وسجنه وحرق كتبه، وآذوه وأتباعه أشدّ الإيذاء، حتّى صار كثيرٌ منهم يخفي عقيدته حتّى لا تطوله أيدي هؤلاء المبتدعة من الأشاعرة وغيرهم، واستمرّ هؤلاء المتكلِّمة في نشر عقائدهم الكلاميّة، ومحاربة العقيدة الصحيحة، ومنع القراءة في كتب هذه العقيدة وعلمائها كابن تيميّة وغيره، وممّا يؤسف له أن كان للأزهر من هذه العداوة أوفر الحظّ والنصيب، حيث لم يكن لحاملي هذه العقيدة من العلماء فيه مكانٌ يُذكَر، ولم ترتفع راية هذه العقيدة على منبرهم يوماً من الأيّام) (1)

فمن رفع الراية ضدّ ابن تيميّة لم يكونوا من الشيعة، بل من رفعها عقائديّاً وفكريّاً وجاهر بالمحاربة هم علماء الأزهر، ومنعوهم من دخوله بأفكارهم.

ثانياً : ما ورد في (الهداية الربّانيّة في شرح العقيدة الطحاويّة) تأليف عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، حيث يقول:

(فهذه المسألة مسألة الكلام. . . وأن يتأمّل حينما يقرؤون في الكتب حتّى لا يلتبس عليه معتقد أهل السنّة والجماعة المأخوذ من نصوص الكتاب


1- الانحرافات العقديّة والعلميّة: ج1 ص37 - 38.

ص: 265

والسنّة، بخلاف مذهب المعتزلة والأشاعرة المبنيّ على الآراء والأهواء والشبهات) (1).

ثالثاً : ما ورد في كتاب (الردّ على المبتدعة) تصنيف ابن بداء الحنبلي، المتوفّى سنة (471ه-) ، ففي مقدّمة الكتاب يقول:

(قلت: وآل مندة فيهم حرصٌ على اتّباع السنّة والسلف الصالح، وشدّة الإنكار على من خالف السنّة أو مالَ إلى الأشاعرة أو غيرهم من أهل البدع) (2)

فعموم المسلمين ومن مالَ إلى الأشاعرة وغيرهم من أهل البدعة، ومن أهل الفسق، وذنبهم الوحيد أنّهم ليسوا على طريقة ابن تيميّة وأتباعه!

رابعاً : ما ورد في كتاب (فتاوى ورسائل الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ) جمع وترتيب وتحقيق محمّد بن عبد الرحمن بن قاسم، وفيه مسائل؛ منها حول جواز إمامة الأشاعرة وما شاكل ذلك، وفيه: (. . . ولكن أقلّ أحوالهم أشاعرة فهل تجوز إمامتهم، وهل تجوز الصلاة خلفهم؟ الجواب: لا يجوز تقديم مبتدع إماماً في الصلاة، وإن كان نصّ الوقف وشرطه كما ذكرته (3). وغير خافٍ عليك حكم إمامة الفاسق، فكيف بالمبتدع؟) (4).

خامساً : ما ورد في تصريحاتهم حول الروايات الدالّة على افتراق الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة ناجية، فهل الأشاعرة والماتريديّة داخلون


1- الهداية الربّانيّة في شرح العقيدة الطحاويّة: ج1 ص2٠2-2٠3.
2- الردّ على المبتدعة: ص12.
3- أي حتّى لو كان في صيغة الوقف أنّ الإمام ينبغي أن يكون أشعريّاً.
4- فتاوى ورسائل الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ: المجلّد الأوّل، ج2 ص2٩8، مسألة رقم: 685، إمامة الأشاعرة بالسنيّين.

ص: 266

في الوعيد الإلهي، وهل هم من الناجين يوم القيامة، أم أنّهم من أهل النار؟

ورد في كتاب (اللآلئ البهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة) لابن تيميّة، والشرح للشيخ صالح بن عبد العزيز محمّد إبراهيم آل الشيخ، قال:

(وقد غلط طائفة من أهل العلم من الحنابلة وغيرهم فقالوا: الفرقة الناجية عبارة عن ثلاث فئات: الأولى أهل الحديث، والثانية الأشاعرة، والثالثة الماتريديّة، كما قال ذلك السفاريني في لوامع الأنوار البهيّة وغيره من المتأخّرين: «اعلم أنّ أهل السنّة والجماعة ثلاث طوائف: أهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريديّة» . وهذا قولٌ باطل وغلط كبير، لأنّ الأشاعرة والماتريديّة من الفئات التي عليها الوعيد؛ لمخالفتهم أهل السنّة في منهج التلقّي وفي تقديم النصوص على العقل لأنّهم يقدّمون العقل على النصوص، وكذلك في الصفات وفي الإيمان وفي القدر وفي مسائل أُخر خالفوا السنّة، فليسوا من أهل السنّة والجماعة أتباع السلف الصالح، بل هم من المبتدعة الضلّال) (1)

وكيف لعاقلٍ أن يتصوّر أنّ من بين أكثر من مليار مسلم سيكون هناك ما نسبته واحد بالمئة من الناجين، والباقون إلى النار؟

حقّاً لقد كان الشيخ العثيمين شجاعاً وجريئاً عندما بيّن الواقع والحقائق التي أشرنا إليها سابقاً عندما قال في جوابٍ عن سؤال حول تقسيم أهل السنّة إلى قسمين بأنّه تقسيمٌ صحيح، وأنّ بين منهج ابن تيميّة وأتباعه اختلافاً بيّناً عن منهج الأشاعرة والماتريديّة، وأنّ الجمع بينهما هو جمعٌ بين الضدّين.


1- اللآلئ البهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة: ج2 ص661.

ص: 267

سادساً : ما ورد في كتاب (الدرر السنيّة في الأجوبة النجديّة) جمعها عبد الرحمن النجدي، المتوفّى سنة (13٩2ه-) ؛ يقول: (وهذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري، وصفوا ربّ العالمين بصفات المعدوم والجماد. . . فالأئمّة من أهل السنّة وأتباعهم لهم المصنّفات المعروفة في الردّ على هذه الطائفة - أي الأشاعرة - الكافرة المعاندة، كشفوا فيها كلّ شبهة لهم. . .) (1).

نظرة أتباع ابن تيمية لسائر الفِرق

تحدّثنا فيما سبق عن محاولة أتباع ابن تيميّة التأسيس لنظريّة أنّهم هم فقط أهل السنّة والجماعة، وأنّ باقي المسلمين بمختلف اتّجاهاتهم وعقائدهم ومبانيهم الفكريّة أهل بدعة وضلال.

وذكرنا أيضاً مقولاتهم بحقّ واحدة من أكبر الفرق الإسلاميّة وهي فرقة الأشاعرة، ولكنّهم لم يقتصروا في اتّهاماتهم على الأشاعرة فقط، بل تجاوزا إلى

اتّهام الماتريديّة والمعتزلة والصوفيّة فضلاً عن الشيعة الإثني عشريّة بمثل ذلك، وإن كان تركيزهم في الوقت الحاضر على الشيعة وعقائدهم.

وقد صرّح هؤلاء بأنّ الأشاعرة والمعتزلة على نهج المشركين، وأنّهم ملحدون، بل كفّارٌ معاندون.

وهذه هي التربية التي يربّي عليها هؤلاء أولادهم من الصِّغر، فلم يقتصروا على الأروقة العلميّة والجامعات والكتب، بل علّموا أطفالهم في مناهجهم الدراسيّة على مثل هذه التربية البائسة.

أمّا الموارد التي أشاروا فيها إلى مثل ذلك فهي كثيرة، منها:

المورد الأوّل : ما ورد في كتاب (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والردّ على


1- الدرر السنية في الأجوبة النجديّة: ج3 ص21٠-211.

ص: 268

أهل الشرك والإلحاد) بقلم الدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء، وعضو هيئة كبار العلماء، حيث ينسب التُّهم المتعدّدة لبعض الفِرق الإسلاميّة ومن هذه التهم؛ كما يقول:

(التهمة الأولى: «ونصوص الصفات من المحكم. . . وإنّما ينكرها المبتدعة من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة» . فالعنوان الأوّل الذي أعطوه لأكثر المسلمين هو أنّهم أهل بدعة.

التهمة الثانية: «الذين ساروا على منهج مشركي قريش» . وهذا هو العنوان الثاني وهو أنّهم أهل شرك في منهجهم.

التّهمة الثالثة: «الذين يكفرون بالرحمن ويلحدون في أسماء الله. . .») (1).

في هذه الكلمات نجد أنّه وصف الجهميّة والأشاعرة والمعتزلة بأنّهم مبتدعة، وأنّهم على منهج مشركي قريش، وأنّهم كفّار ملحدون.

المورد الثاني : كما أشرنا بأنّ هؤلاء تجاوزوا في اتّهاماتهم حدود الأروقة العلميّة إلى الأولاد والأطفال وأدخلوها إلى برامج التعليم في المدارس، ومن ذلك ما ورد في كتاب (التوحيد) الصفّ الأوّل ثانوي، منهج المملكة العربيّة السعوديّة، وزارة التربية والتعليم، وفيه:

(الذين ينكرون الأسماء والصفات ثلاثة أصناف: الجهميّة، المعتزلة الأشاعر، والماتريديّة ومن تبعهم. . . وأوّل من عرف عنه إنكار الأسماء والصفات بعض مشركي العرب. . . فكلّ من نفى عن الله ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله من أسمائه وصفاته فقد شارك المشركين في حالٍ من أحوالهم) (2)


1- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والردّ على أهل الشرك والإلحاد: ص144.
2- التوحيد، الصفّ الأوّل الثانوي: ص66، منهج المملكة العربيّة السعوديّة.

ص: 269

والعجيب أنّ كلّ علماء المسلمين لا ينفون هذه الصفات، وإنّما يختلفون مع بعضهم البعض في تفسير هذه الأسماء والصفات.

المورد الثالث : ما ورد في كتاب (سلسلة دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات، معتقد أهل السنّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات) للدكتور محمّد بن خليفة التميمي، حيث يقول: (فيُقال: المنتسبون للإسلام قسمان؛ القسم الأوّل: أهل السنّة، القسم الثاني: الرافضة، فيدخل هنا مع أهل السنّة بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة وغيرهم، وقد أدخلوا هنا لموافقة قولهم لقول السلف في مسألتي الخلافة والصحابة) (1)

فاعترافهم بالأشاعرة هو فقط لمجرّد الاتّفاق معهم في هاتين المسألتين «الخلافة والصحابة» وإلاّ فإنّ الأشاعرة حالهم حال الشيعة في سائر المسائل

العقائديّة وغيرها.

ابن تيمية واستدلالاته الواهنة على التجسيم
اشارة

لعلّنا نكون قد استفرغنا الحديث عن رأي ابن تيميّة في التجسيم، وكون نسبة هذا المعتقَد إليه لم يكن عن فراغ أو اتّهام بلا دليل، وحيث إنّه استدلّ في مواضع متفرّقة من كتبه على التجسيم بأدلّة واهنة وضعيفة، نشير إلى جملة من هذه الأدلّة التي ذكرها في كتبه، ومنها:

الاستدلال الأوّل: دليل الفطرة والعقل

صرّح ابن تيميّة أنّ إثبات الجسميّة هو أقرب إلى الفطرة والعقول، وأنّ نفي الجسميّة لا تثبته لا الفطرة ولا العقول ولا أيّ شيءٍ آخر، وهذا ما ورد


1- سلسلة دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات، معتقد أهل السنّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: ص54 - 55.

ص: 270

في كتاب (بيان تلبيس الجهميّة) حيث يقول:

(ومعلوم أنّ كون البارئ ليس جسماً ليس هو ممّا تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدّمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدّمات بيّنة في الفطرة، بل بمقدّمات فيها خفاء وطول، وليست مقدّمات بيّنة. . . ويقولون بل قامت القواطع العقليّة على نقيض هذا المطلوب، وأنّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلّا جسماً، وما لا يكون جسماً لا يكون إلّا معدوماً. ومن المعلوم أنّ هذا - أي إثبات الجسميّة - أقرب إلى الفطرة والعقول من الأوّل - الذي هو نفي الجسميّة -) (1)

الاستدلال الثاني: السنّة النبويّة

في النصّ المتقدّم يزعم ابن تيميّة أنّ التجسيم أقرب إلى الفطرة، ثمّ يدّعي

أيضاً أنّه أقرب إلى السنّة، وهذا ما ورد في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) حيث يقول: (على أنّ ظواهر النصوص تجسيم عندهم - عند من ينفي الجسميّة - وليس عندهم بالنفي نصّ، فهم معترفون بأنّ قولهم البدعة، وقول منازعيهم - المثبتين للتجسيم - أقرب إلى السنّة) (2).

الاستدلال الثالث: نفي الجسميّة يستلزم القول بحدوث الخالق

يؤسّس ابن تيمية قضيّة كليّة مفادها: أنّ كلّ من قال إنّ الأجسام جميعاً حادثة، يلزمه أن يقول إنّ الله حادث ولا نعلم من أين جاء بهذه الملازمة؟

هذا الكلام أورده في كتاب (بيان تلبيس الجهميّة) في مناقشته للرازي، بعد أن ينقل كلام الرازي كما يلي:


1- بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص35٩.
2- درء تعارض العقل والنقل: ج1 ص24٩.

ص: 271

(قال أبو عبد الله الرازي: التاسع: أنّ أهل التشبيه يقولون. . . قلت (1)(: والكلام على هذا الوجه) وهو من وجوه مناقشة المؤلّف للرازي. . . .

ويستمرّ إلى أن يقول المعلّق على كلام ابن تيميّة في نفس الكتاب: (الوجه الثامن في الردّ غاية إلزام الرازي لمثبتة العلوّ من حجّة الدهريّة) .

وهنا يقول ابن تيميّة: (من المعلوم أنّ طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل، لا يقولون بحدوث كلّ جسم، إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود، أو الموصوف، فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول بحدوث كلّ موجود وموصوف وقائم، وذلك يستلزم بأنّ الله تعالى محدث) (2).

ومن هنا اضطرّ ابن تيميّة في الصفحة التالية أن يقرّ ويعترف بوجود جسم قديم لأجل حلّ الإشكاليّة، وذلك في الوجه التاسع من ردّه على الرازي، فقال: (فأقول: إذا كانت هذه الحجّة التي عارضتموني بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة، من غير أن تعيّن جسماً، أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه، بأنّه الجسم القديم، هو الله سبحانه، كما يقوله المثبتون - للجسم -) (3)

وهذه المناقشة مع الرازي تفتح لنا باباً آخر للدخول إلى معرفة أو تأكيد ما قلناه سابقاً من أنّ ابن تيميّة وإن حاول مراراً الفرار من التجسيم، لكنّه كان يؤكّد على جوهر رأيه والذي ينفي فيه نحواً خاصّاً من الجسميّة من قبيل


1- وكلمة «قلت» هي لابن تيميّة كما يُفهم من عبارة محقّق الكتاب حيث يقول في هامش الكتاب: «مناقشة المؤلّف - أي ابن تيميّة - للرازي في دعواه وردّه عليه من وجوه» ، فيورد أحدها وثانيها وثالثها. . . إلى أن يصل إلى تاسعها، وهذه كلّها وجوه لابن تيميّة ردّاً على الرازي. بيان تلبيس الجهميّة: ج1 ص376-378.
2- المصدر نفسه: ج1 ص3٩٩.
3- المصدر نفسه: ج1 ص4٠1.

ص: 272

خصائص الجسميّة الحادثة، أمّا إذا كان هو جسماً وقديماً وليس حادثاً، ولا توجد فيه لوازم الحدوث فلا محذور عنده في ذلك.

وهذا ما أشار إليه في كلماته مثل ما ورد في (بيان تلبيس الجهميّة) حيث قال: (والذين قالوا إنّه جسم نوعان: أحدهما: وهو قول علمائهم [أي علماء التجسيم] إنّه جسم لا كالأجسام. . أمّا النوع الثاني: وهم الغالبيّة الذين يحكى عنهم أنّهم قالوا: هو لحمٌ وعظم ونحو ذلك. . .) (1)

وفي موردٍ آخر في (بيان تلبيس الجهميّة) يشير ابن تيميّة في مناقشته مع الرازي إلى رأيه الواضح في قبول التجسيم مع نفي بعض اللوازم، يقول: (الوجه الثالث والأربعون الذي قلتَ [أي الرازي] «إنّهم التزموا الأجزاء والأبعاض» (2): غايته أنّهم يثبتون ما هو الموصوف الذي تسمّيه جسماً، وأنّهم لا يجوّزون عليه ما يجوز على الأجسام من الفناء والآفات، ومضمون ذلك أنّه جسم يمتنع عليه أن يوصف بما توصف به سائر الأجسام، بل هو مختلف عنها في الحقيقة) (3).

إذن في أصل الجسميّة لا نقاش عند ابن تيميّة، ولكن الجسميّة هنا تختلف بأنّها لا يجوز عليها الفناء، ولا تقع عليها الآفات والأمراض، ومعنى ذلك أنّه جسمٌ لا كالأجسام.

ولذلك يشير إلى هذه الحقيقة بقوله: (وكذلك ما ذكرته من أنّهم يصرّحون متى ما تمسّكوا بآية أو خبر يوهم ظاهره شيئاً من الأعضاء والجوارح بأنّا نثبت هذا المعنى لله على خلاف ما هو ثابت للخلق، فأثبتوا لله


1- المصدر نفسه: ج1 ص283-284.
2- لأنّ الرازي يقول إنّ بعض الحنابلة قالوا بأنّه جسمٌ له أجزاء وأبعاض.
3- المصدر السابق: ج1 ص36٠.

ص: 273

وجهاً بخلاف وجوه الخلق ويداً بخلاف أيدي الخلق، فهذا الذي ذكرته غايته أنّهم يثبتون وجهاً ويدين مخالفاً لوجوه الخلق وأيديهم كما يُقال جسمٌ لا كالأجسام) .

فهو يُثبت الأعضاء والأجزاء ويثبت الصفات الخبريّة، ولكنّه تعالى له يدٌ لا كالأيدي، ورِجلٌ لا كالأرجل، وإصبعٌ لا كالأصابع، ووجهٌ لا كالوجوه. . . .

ثمّ بعد ذلك يشير ابن تيميّة إلى أنّ الحقّ تعالى فيه قدرٌ مشترك وهو «الجسميّة» وفيه قدرٌ يمتاز به، فكما أنّ كلّ الأجسام تشترك مع بعضها بنحوٍ من الاشتراك، ولكن لكلّ جسمٍ خصوصيّة يتميّز بها عن سائر الأجسام، هكذا الجسميّة بالنسبة لله تعالى، وكأنّه يريد القول - كما في علم المنطق - بأنّ الله تعالى له جنس وفصل، وجنسه هو الجسميّة، وله فصلٌ يميّز هذا الجنس عن باقي الأنواع الأخرى، ويصرّح بذلك بقوله: (الأجسام بينها قدرٌ مشترك - وهو جنس المقدار، كما يقولون ما يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه - وبينها قدرٌ مميّز - وهو حقيقة كلّ واحدٍ وخصوص ذاته التي امتاز بها عن غيره - كما يعلم أنّ الجبل والبحر مشتركان في أصل القدر، مع العلم بأنّ حقيقة الحجر ليست حقيقة الماء. . . بل هذا القول - أي أنّه تعالى له مختصّ ومشترك - الذي اتّفق عليه العقلاء من أهل الإثبات والنفي؛ اتّفقوا على أنّ الوهم والخيال لا يتصوّر موجوداً إلّا متحيّزاً أو قائماً بمتحيّز وهو الجسم وصفاته، ثمّ المثبتة - للجسميّة - قالوا: وهذا حقّ معلوم أيضاً، بالأدلّة العقليّة والشرعيّة، بل بالضرورة، وقال النفاة إنّه قد يعلم. . .) (1).

ويتابع في نفس الكتاب مناقشته للرازي قائلاً:

(وإن أردت أنّهم وصفوه بالصفات الخبريّة، مثل: الوجه واليد. . . وذلك


1- المصدر نفسه: ج1 ص363-365.

ص: 274

يقتضي التجزئة والتبعيض، أو أنّهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسماً، والجسم متبعّض ومتجزّئ، وإن لم يقولوا هو جسم. فيُقال له: [ردّاً على الرازي] لا اختصاص للحنابلة بذلك) (1). وهذه هي عادته في نسبة معتقداته إلى جمهور المسلمين.

مدرسة ابن تيمية وتكفير مخالفيهم

يقوم المنهج القرآني على حقيقة ثابتة وهي الدعوة إلى كلمة التوحيد، فإنّ ثمرة هذه الكلمة المباركة أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، ولم تقتصر دعوة القرآن الكريم على الدعوة إلى التوحيد بين الفِرق والاتّجاهات الإسلاميّة، بل تعدّاها إلى عموم أهل الكتاب الذين نختلف معهم في كثيرٍ من الحقائق، وإن كنّا نجد مشتركات بين جميع الشرائع.

يقول تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضا أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللهِ (آل عمران: 64 .

إذن توجد هناك مشتركات حتّى على مستوى الشرائع المتعدّدة، فما بالنا بالاتّجاهات والمدارس الفكريّة والمذاهب داخل الإسلام نفسه.

وإذا كانت هذه هي حقيقة المنهج القرآني، فإنّنا في مقابل ذلك نرى أنّ التوحيد الذي أسّس له النهج الأموي، ونظّر له ابن تيميّة وأتباعه من السلفيّة المحدثين قد أوصلهم إلى إيجاد الفرقة بين المسلمين، وليس إلى توحيد الكلمة، واتّهموا جميع المسلمين من مخالفيهم بمختلف الاتّهامات، وكفّروا جميع الفرق الإسلاميّة من الأشاعرة والصوفيّة والإماميّة وغيرهم،


1- المصدر نفسه: ج1 ص151.

ص: 275

وجعلوهم ضمن فرق الضلال والمبتدعة والفرق المشركة.

وفي متابعتنا لكلمات المعاصرين من أتباع ابن تيميّة نجدهم لا يختلفون عن أئمّتهم، ومن الشواهد على ذلك:

مزاعم الشيخ حمود بن عبد الله التويجري المتوفّى سنة (1413ه-) في كتابه (غربة الإسلام) حيث يقول: (وأمّا الطامّات في أكثر الأقطار الإسلاميّة ولاسيّما في العراق ومصر، فأمرٌ لا يضبطه الوصف، ولا تحيط به العبارة، وحسبك شرّاً من مصرين، وهما كالبحر المحيط لأنواع الشرك) وهذا ما يكشف عن اتّهامهم ليس للشيعة فحسب بل لأهل السنّة والجماعة في دولة مصر، فمعركتهم العقائديّة والفكريّة هي أيضاً مع السنّة.

ثمّ يقول: (لأنواع الشرك بالله تعالى في ربوبيّته وإلهيّته. . . وما ضمّ إلى ذلك أيضاً من أنواع البدع والضلالات والتصديق بالأكاذيب والخرافات والإصغاء إلى الجهالات والخزعبلات، وما ضمّ إليه من مزيد المشابهة لأعداء الله تعالى من اليهود والنصارى والمجوس. . . في كلّ أحوالهم واتّباع الشهوات، وأعني بهذا حال الأكثرين منهم، فأمّا أهل الإسلام الحقيقي فإنّهم نزرٌ قليل مستضعفون في الأرض. . . ونذكر هنا إشارة مختصرة عن محيطي الشرك بالله تعالى، ثمّ نتبعها بذكر ما شابهها في كثرة الأوثان وأمور الجاهليّة ليعرف الموحِّدون - أي أتباع ابن تيميّة - فأمّا العراق ففيه مشاهد كثيرة قد اتّخذت أوثاناً تُعبَد من دون الله، ويفعل عندها وبها أعظم ممّا كان أهل الجاهليّة يفعلونه عند اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى، فمنها مشهد علي ومشهد الحسين ومشهد العبّاس ومشهد موسى الكاظم ومشهد أبي حنيفة ومشهد معروف الكرخي ومشهد عبد القادر الجيلاني وغير ذلك من المشاهد والقبور التي عظمت الفتنة بها وأدرك بها عدوّ الله إبليس غرضه من هذه

ص: 276

الأمّة بعدما كان قد أيس من ذلك في أوّل الإسلام، وقد افتتن سنّة أهل العراق ورافضتهم بتلك المشاهد إلّا من شاء الله منهم، وأعادوا بها المجوسيّة وأحيوا بها معاهد اللات والعزّى ومناة ونحوها من معبودات أهل الجاهليّة، وافتتن بها أيضاً غيرهم في كثيرٍ من الأقطار الإسلاميّة، كالشام ومصر والمغرب وبلاد العجم والهند والبحرين والقطيف والإحساء وغير ذلك من الأمصار المتباعدة) (1)

ومن الشواهد أيضاً ما جاء في كتاب (نقض عقائد الأشاعرة والماتريديّة) تأليف خالد بن علي المرضي الغامدي أحد تلامذة الشيخ عبد العزيز بن باز،

والشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ محمّد العثيمين وجملة من أعلام المدرسة السلفيّة، والذي يقول عن الأشاعرة والماتريدية الذين يمثّلون الغالبيّة العظمى من المسلمين السنّة ما يلي: (وكلّ من يعتقد بعقيدة هذه الفرقة وينتسب إليها يسمّى أشعريّاً سواء كان شافعيّاً أو مالكيّاً وهو الغالب أو حنفيّاً أو حنبليّاً والماتريدية وأتباعه الحنفيّة وغير ذلك) (2).

فإذن هو هنا يعتبر أنّ جميع المسلمين تقريباً هم أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي.

ويشير إلى هذه الحقيقة في موضع آخر من الكتاب، ثمّ ينسب إليهم ما ينسبه من قوله: (تنبيه، اعتنيت بأقوال الصوفيّة ومخالفتهم في العقيدة في هذا الكتاب، وذلك لأنّ الصوفيّة كلّهم إمّا أشاعرة أو ماتريدية، ولا أعلم صوفيّاً من المعتزلة أو الخوارج، وقد يوجد من المنتسبين لأهل السنّة من هو على مذهب الصوفيّة متأثّراً بالقبوريّة - أي عبدة القبور - كما يوجد قبوريّة عند


1- غربة الإسلام: ج1، ص216 و217.
2- نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية: ص21.

ص: 277

المعتزلة والرافضة وغيرهم، إلّا أنّ التصوّف سمة لأكثر هاتين الفرقتين الأشاعرة والماتريديّة، كما أنّ أغلب الأشاعرة والماتريديّة على طريقة الصوفيّة، ويندر وجود أشعري أو ماتريدي ليس بصوفي أو سلم من جنايات القبوريّة) (1).

فكلامه صريحٌ في أنّ كلّ الصوفيّة قبوريّة - يعبدون القبور -، ثمّ يتكلّم عن المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة وكثير من الحنابلة - لأنّ بعض الحنابلة أتباع ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب - مضافاً إلى الصوفيّة.

فماذا يقول هذا الكاتب عن هؤلاء الذين يمثّلون غالبيّة أهل السُّنّة؟

يقول عنهم في موضع آخر من نفس الكتاب بعد أن يعترض على أهل العلم: (الذي جعلني أكتب هذا الكتاب أمور كثيرة: الأوّل الجهل بحقيقة هذا المذهب من كثير من طلبة العلم، حتّى ظنّ الكثير أنّ المخالفات، إمّا أنّها يسيرة أو محصورة في باب من أبواب الدِّين، بل وصل الأمر بالبعض أن جعل أهل السنّة ثلاث فرق: السلف والأشاعرة والماتريديّة، وأدخل هذين المذهبين - الأشاعرة والماتريدية - في أهل السنّة، وهذا كلامٌ باطل ودعوةٌ كاذبة، إذ ليسوا من أهل السنّة، وأهل السنّة من كلّ مبتدعٍ براء، وإن كان يطلق عليه السنّة في مقابل الرافضة الشيعة، إلّا أنّهم ليسوا من أهل السنّة الناجين من البدعة والمخالفة، وهذا ما سنبيّنه في هذا الكتاب) (2)

ولذا يقول بعد ذلك: (سادساً: أعقّب بعد ذلك بمذاهب أهل السنّة والجماعة وسلف الأمّة في المسألة وعقيدتهم في الباب مختصراً، وأذكر ما خالفوا به غيرهم من الفرق الضالّة مبتدئاً بالأشاعرة والماتريدية، وقد أُشير


1- المصدر نفسه: ص11.
2- المصدر نفسه: ص(٨).

ص: 278

لخلاف غيرهم خصوصاً خلاف المعتزلة والجهميّة) (1).

فهؤلاء إذن عندهم مبتدعة من الدرجة الأولى وهم الشيعة، ومبتدعة من الدرجة الثانية وهم أهل السنّة والجماعة، ويعنون بهم الأشاعرة والصوفيّة وغيرهم، وهم بنظرهم رأس الضلالة.

إذن وحسب تصريحاتهم فإنّهم أقلّ الأقليّة في العالم الإسلامي، وهذا ما ينصّ عليه صاحب الكتاب المذكور حيث يقول: (وأمّا سبب تأليف الكتاب فيأتي لأسبابٍ منها انتشار هذا المذهب حتّى عمّ أكثر بلاد المسلمين، حتّى لا تجد حنفيّاً إلّا ماتردياً ولا شافعيّاً ومالكيّاً إلّا أشعريّاً. . . وأصبح مذهب أهل السنّة والسلف مقصوراً عند كثير من هؤلاء في الحنابلة أو بعض الحنابلة) (2).

وحاصل ما يمكن استنتاجه من هذا الكلام أنّ هؤلاء المكفِّرين لأغلبيّة المسلمين هم - بحسب ما يقوله الكاتب المذكور - القلّة القليلة من المسلمين، ولكنّهم في الآونة الأخيرة حاولوا أن يُظهروا أنّ المعركة الفكريّة والعقديّة بين أهل السنّة والشيعة، مع أنّه لا توجد عندنا أيّ مشكلة مع عموم المسلمين، وإن كنّا لا نتّفق معهم في كل تفاصيل عقائدهم ومبانيهم الفكريّة والفقهيّة.

ونظراً لكون بعض الأشاعرة لم يوافقوا أصحاب المنهج السلفي على معتقداتهم في الصحابة نرى تحاملهم عليهم، وذلك كما ورد في كتاب (نقض عقائد الأشاعرة) لخالد الغامدي حيث يقول في هذا الشأن: (عقيدة الأشاعرة والماتريدية في الصحابة رضوان الله عليهم، متقدّمي الأشاعرة وأكثر متأخّريهم على مذهب أهل السنّة، وأمّا بعض المتأخّرين وعلى رأسهم


1- المصدر نفسه: ص12.
2- المصدر نفسه: ص٩.

ص: 279

الرازي وبعض المعاصرين فأبوا إلّا الهوان في تنقّصهم لبعض الصحابة ومقاربتهم للرافضة، أوّلاً طعنهم في معاوية وذمّهم وسبّهم وتفسيقهم وعدم تعديلهم حتّى زعموا أنّ عدالة الصحابة ليست عامّة لهم كلّهم، وإنّما لبعضهم، وأنّ بعضهم وقع في الفسق، وهذا في غاية الضلالة وإساءة الأدب مع الله ومع نبيّه بالتعرّض للصحابة الذين اصطفاهم الله لنبيّه. . . وتقدّم زعمهم أنّ عدالة الصحابة ليست عامّة وإنّما خاصّة، ولا يصحّ إطلاق أنّ الصحابة عدول، والذي عليه أهل السنّة أنّ الصحابة عدول كلّهم، وأنّ لهم منزلة لن يبلغها أحد، وكلّهم في الجنّة) (1)

فانظر إلى مبلغ دفاعهم عن معاوية بن أبي سفيان، وأمّا بقيّة الصحابة لا مشكلة فيهم، وهمّهم الأكبر هو عدم الطعن في معاوية وأمثاله.

ثمّ إنّهم ينظرون لعدالة كلّ صحابي، وأنّه في الجنّة حتّى ولو كان فاسقاً، شارباً للخمر. . . وهذا ليس كلامنا بل هو كلام أئمّتهم الكبار كالشيخ محمّد بن صالح العثيمين الذي يعترف بصدور المعاصي والكبائر من بعض الصحابة.

يقول العثيمين في (شرح العقيدة الواسطيّة) : (ولا شكّ أنّه حصل من بعضهم - الصحابة - سرقة وشرب خمر وقذف وزنا بإحصان وزنا بغير إحصان، لكن كلّ هذ الأشياء تكون مغفورة في جنب فضائل القوم ومحاسنهم) (2)

فالعجب كلّ العجب من هذا التناقض الصريح، إذ كيف يمكن الجمع بين الاعتراف بصدور مثل هذه الكبائر عنهم، ثمّ القول بأنّهم كلّهم في


1- المصدر نفسه: ص553.
2- شرح العقيدة الواسطيّة: ص623.

ص: 280

الجنّة؟ ! وكذلك اعتبارهم أفضل ممّن جاء من بعدهم، فهل هؤلاء وأمثالهم أفضل من أئمّة أهل البيت (ع) ؟ !

ثمّ يقول الغامدي: (إنّ الصحابة كلّهم عدول، وإنّهم أفضل ممّن بعدهم ولا يلحقهم في الفضل من بعدهم أحد، ولا يجوز ذمّهم وسبّهم) (1).

وهذه النظريّة لبعض الأشاعرة هي نظريّة أهل البيت (ع) التي لا تقول ولا تعتقد بعدالة جميع الصحابة، فلا تقبل بالموجبة الكليّة.

الزعم أن والد النبيّ (ص) في النار!

ومن الغريب أيضاً إصرار هؤلاء القوم على كون جميع الصحابة في الجنّة، وأبو سفيان رأس النفاق؛ لأنّه والد معاوية فهو في الجنّة، أمّا رسول الله (ص) فأبوه في النار في نظر هؤلاء، ولم يقولوا بأنّه مرجوّ لأمر الله، بل حكموا عليه وعلى والدته بأنّهما في النار.

وهذا الحكم الصادر عن الأمويّين بحقّ أبوي رسول الله (ص) ذكره عبد العزيز بن باز، مُفتي عام المملكة العربيّة السعوديّة في كتاب (فتاوى نور على الدرب) المتضمّن لأكثر من (22٠٠) فتوى، وفيه: يقول السائل: نعلم أنّ من كان من أهل الجاهليّة، أي قبل مبعث النبيّ (ص) فهو من أهل الفترة - أي معذور لأنّه لم تبلغه الحجّة - وسؤالي عن حكم أهل الفترة، لأنّي سمعت حديثاً عن رسول الله (ص) أنّه جاء رجلٌ فقال: أين أبي؟ فقال (ص) :

«في النار» فذهب الرجل يبكي، فناداه فقال له

: «إنّ أبي وأباك في النّار» . فهل هذا الحديث صحيح؟

يقول في الجواب: (الصحيح من أقوال العلماء أنّ أهل الفترة يُمتحنون


1- نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية: ص553.

ص: 281

يوم القيامة. . . وأمّا حديث «

إنّ أبي وأباك في النّار» فهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه، أنّ رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال:

«في النار» ، فلمّا ولّى دعاه، وقال له:

«إنّ أبي وأباك في النّار» ، واحتجّ العلماء بهذا على أنّ أبا النبيّ كان ممّن بلغته الدعوة وقامت عليه الحجّة فلهذا قال في النار، وهكذا لمّا استأذن ربّه أن يستغفر لأُمّه نهي عن ذلك. . .) (1)

وقد اجتمعت كلمات أصحاب منهج ابن تيميّة على مثل ذلك، ومنهم الألباني إمامهم في الحديث يقول في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) ، في ذيل الحديث (25٩2) : « إنّ أبي وأباك في النار » (واعلم أيّها الأخ المسلم أنّ بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبنّي ما فيها من الحكم بالكفر على والدَي الرسول (ص)) .

ثمّ يبيّن الألباني مضمون هذه الأحاديث في دلالتها على كفر والدي الرسول (ص) .

ولم يكتفِ هذا النهج الأموي بهذا القدر، وإنّما وسّع الدائرة، وقال بأنّ المراد من قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء: 5٩) ، وأنّ الذين تجب طاعتهم هم الحكّام وأُولي الأمر حتّى ولو كانوا من الفسَقَة، والفَجَرة، ومن شاربي الخمر. . . (2)

والسبب الذي دفعهم لهذا المعتقد هو أنّهم وجدوا أنّ كلّ حكّام بني أُميّة فسقة فجرة، وكذلك من جاء بعدهم، ففسّروا القرآن كما يحلو لهم.

وهذا المعتقد أيضاً صرّح به الشيخ العثيمين في (شرح العقيدة الواسطيّة) بالقول: (فأهل السنّة يخالفون أهل البدع تماماً، وكان الناس فيما سبق يجعلون


1- فتاوى نورٌ على الدرب: ج1 ص٩٠.
2- انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فِقهها وفوائدها: ج6، ص18٠.

ص: 282

على الحجّ أميراً، كما جعل النبيّ (ص) أبا بكر أميراً على الحجّ في العام التاسع من الهجرة، وما زال الناس على ذلك يجعلون للحجّ أميراً قائداً، فهم يرون إقامة الحجّ مع الأُمراء وإن كانوا فسّاقاً، حتّى وإن كانوا يشربون الخمر في الحجّ، لا يقولون هذا إمامٌ فاجر لا نقبل إمامته لأنّهم يرون أنّ طاعة وليّ الأمر واجبة وإن كان فاسقاً بشرط أن لا يخرجه فسقه إلى الكفر البواح إلّا إذا كفر كفراً صريحاً) .

ويقول أيضاً: (لكن أهل السنّة والجماعة (1)( حتّى مع هذا الأمر المستلزم لهذين. . . فالأمير إذا كان يشرب الخمر ويظلم الناس بأموالهم، نصلّي خلفه الجمعة وتصحّ الصلاة. . . حتّى أنّ أهل السنّة والجماعة يرون صحّة الجمعة خلف الأمير المبتدع إذا لم تصل بدعته إلى الكفر، فإن قلت: كيف نُصلّي خلف هؤلاء ونتابعهم في الحجّ والجهاد والجمع والأعياد وهم أهل فسق وفجور وشرب خمر حتّى في الحجّ. . .) (2)فيبرّر ذلك بالآية المتقدّمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. . . .

ثمّ يستعرض العثيمين مجموعة من الروايات ليؤيّد بها كلامه، وفقاً للمنطق السفياني الأموي.

ومن الموارد التي يتابع أصحاب هذا المنهج حملتهم على جميع الفرق الإسلاميّة، وليس على الشيعة الإماميّة وحدهم، ما جاء في كتاب (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) تأليف عبد الله بن محمّد الغنيمان، رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، حيث يقول: (وقد انتسب إلى الأشعري أكثر العالم الإسلامي من أتباع المذاهب الأربعة، وهم


1- وهذا من التدليس الواضح لأنّهم ليسوا أهل السنّة والجماعة بل هم أتباع ابن تيميّة.
2- شرح العقيدة الواسطيّة: ص657-65٩.

ص: 283

يعتمدون على تأويل نصوص الصفات تأويلاً يصل أحياناً إلى التحريف. . . وهنا لابدّ لعلماء الإسلام ورَثَة رسول الله (ص) ]وهم برأيه أتباع ابن تيميّة فقط [ من مقاومة هذه التيّارات الجارفة، على حسب ما تقتضيه الحال من مناظرات، أو بالتأليف، وبيان الحقّ بالبراهين العقليّة والنقليّة، وقد يصل الأمر أحياناً إلى شهر السلاح) (1)

ومن هذا القبيل ما ورد في كتاب (اللآلئ البهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة) وكتاب العقيدة الواسطيّة لابن تيميّة، والشارح هو الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمّد بن إبراهيم آل الشيخ، وفيه يقول: (وقد غلط من غلط في معنى أهل السنّة والجماعة، فأدخل في أهل السنّة والجماعة بعض الفرق الضالّة في المدح، كالأشاعرة والماتريدية، ومن أمثال من غلط من المتقدّمين السفاريني، في شرحه لوامع الأنوار البهيّة، فقال: اعلم أنّ أهل السنّة والجماعة ثلاث طوائف) (2)ومقصوده أنّهم: أهل الحديث والأثر، والأشاعرة، والماتريديّة.

فإذن من عيوب السفاريني - عند آل الشيخ - إدخاله للأشاعرة والماتريدية ضمن أهل السنّة والجماعة، لأنّ أهل السنّة والجماعة في نظره هم طائفة واحدة، وهم من اعتقد بأفكار ونهج ابن تيميّة.

ثمّ يقول: (قال - ابن تيميّة - صار المتمسّكون بالإسلام المحض الخاصّ عن الشوب هم أهل السنّة والجماعة، فأمّا أهل السنّة والجماعة فئة واحدة - وليس كما قال السفاريني - وفرقة واحدة وطائفة واحدة، وهم أهل الحديث، وهم أهل الأثر، وهم أتباع السلف الصالح، وهذا شبه إجماع من


1- شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري: ج1 ص1٩.
2- اللآلئ البهيّة في شرح العقيدة الواسطيّة: ج1 ص(٨)7.

ص: 284

السلف على أنّ أهل السنّة والجماعة هم أهل العلم وأهل الحديث وأهل الأثر وما شابه، وقد غلط طائفة من أهل العلم من الحنابلة فقالوا الفرقة الناجية عبارة عن ثلاث فئات، الأولى أهل الحديث، والثانية الأشاعرة، والثالثة الماتريدية، كما قال ذلك السفاريني، وهذا قولٌ باطل وغلط لأنّ الأشاعرة والماتريدية من الفئات التي عليها الوعيد) (1)

ومثل ذلك ما ورد في كتاب (الانحرافات العقديّة والعلميّة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريّين وآثارها في حياة الأمّة) تأليف علي بن بخيت الزهراني، يقول: (وتعتبر فرقتا الأشاعرة والماتريدية من أكثر الفرق الإسلاميّة، ومن أعظم طوائف المتكلِّمة، والتي لا تزال إلى اليوم تمثِّل نسبة كبيرة بين المسلمين، وقد وصل الأمر بالأشاعرة في بعض الأحيان إلى محاربة عقيدة السلف والنيل من علمائها، واستعداء السلطة عليهم، كما فُعِل بالحافظ عبد الغني المقدسي (2)حيث طردوه. . . والذي جرى منهم لشيخ الإسلام ابن تيميّة أمرٌ مشهور، حيث تسبّبوا في نفيه وسجنه وحرق كتبه، وآذوه وأتباعه أشدّ الإيذاء، حتّى صار كثير منهم يخفي عقيدته حتّى لا تطوله. . . ومحاربة العقيدة الصحيحة ومنع القراءة في كتب هذه العقيدة وعلمائها كابن تيميّة وغيره، وممّا يؤسف له أن كان للأزهر من هذه العداوة أوفر الحظّ والنصيب، حيث لم يكن لحاملي هذه العقيدة - أي عقيدة ابن تيميّة - من العلماء مكانٌ يُذكر، ولم ترتفع هذه العقيدة فوق منبره يوماً من الأيّام، لأنّ المتكلّمين ورثوه بعد زوال مؤسّسيه من العبيديّن - أي الفاطميّين - وعملوا على نشر مذهبهم


1- المصدر نفسه: ج1 ص66٠-661.
2- هو الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي، ولد سنة 541ه-، امتُحن غير مرّة بسبب عقيدته السلفيّة، ومات سنة 6٠٠ه-.

ص: 285

دون مذهب السلف) (1)

ومن الموارد الأخرى ما ورد في كتاب (فتاوى الأئمّة النجديّة من شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز) جمع وإعداد أبو يوسف مدحت بن حسن آل فراج.

فبعد أن يبيّن في الكتاب أنّ المعتزلة والأشاعرة هم تلاميذ الجهميّة، يقول: (المعطّلة وهؤلاء نفوا عن الله ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله من صفات الكمال زاعمين أنّ إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم، فهم على طرفي نقيض مع المشبّهة، ومذهب التعطيل مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلاّل الصابئين، وأوّل من حُفظ عنه مقالة التعطيل في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، وأخذ هذا المذهب الخبيث عنه الجهم بن صفوان، وإليه تُنسب الجهميّة، ثمّ انتقل هذا المذهب إلى المعتزلة والأشاعرة، وهذه أسانيد مذهبهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة) (2)

فهم كما نسبوا إلى الشيعة أخذ مذهبهم وعقيدتهم من عبد الله بن سبأ، ها هم يصرّحون بأنّ كلّ عقائد الفرق الإسلاميّة مأخوذة من اليهود والمشركين والصابئين.

والعجيب كما قلنا مراراً أنّ أصحاب المدرسة السلفيّة لا يصرّحون بمثل هذه الأفكار والمؤاخذات على الأشاعرة والمعتزلة من على المنابر وشاشات


1- الانحرافات العقديّة والعلميّة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريّين وآثارهما في حياة الأُمّة: ج1 ص68-6٩.
2- فتاوى الأئمّة النجديّة من شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهاب إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: ج1 ص514.

ص: 286

التلفزة، ولكن كتبهم تشهد على نظرتهم لأمثال هؤلاء.

وفي كتاب (الأشاعرة في ميزان أهل السنّة) الذي ينتقد فيه مؤلّفه فيصل الجاسم الأشاعرة، يقول: (ثم يقال كيف يدّعى ذلك في رجلٍ قضى أربعين سنة من عمره على الاعتزال ]أي أبا الحسن الأشعري [ ثمّ تاب في أواخر حياته ]باعتبار أنّه كان معتزليّاً كافراً ثمّ تاب [ وعاش في مرحلة التوبة ما يقرُب عشرين سنة تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً على اختلاف الروايات في مولده، كيف يكون مثل من كان هذا حاله إماماً للمسلمين؟ متى تعلّم العلم ورسخ فيه حتّى يُتّخذ إماماً دون أئمّة السنّة وأهل الحديث؟ هذا ضربٌ من المُحال بل من الجنون) (1).

فهل أتباع الأشاعرة في هذا العالم الإسلامي كلّهم مجانين؟ !

وإذا أردنا الانتقال إلى مواقفهم من الشيعة، فإنّهم اعتبروهم خنازير يُمسخون كما مُسخ اليهود من قبل، كما صرّح بذلك محمّد بن عبد الوهّاب في كتابه (رسالة في الردّ على الرافضة) حيث يقول: (ومنها (2): أنّ اليهود مسخوا قردة وخنازير وقد نقل أنّه وقع ذلك لبعض الرافضة في المدينة المنوّرة وغيرها، بل قد قيل: إنّه تُمسخ صورهم ووجوههم عند الموت، والله أعلم) (3).

هذا كلام إمام السلفيّة، والمجدّد لمعتقداتهم، والذي يوزِّعون وينشرون له كتابه المذكور في كلّ مكان في عصرنا الحاضر.

بيد أنَّ التأسيس النظري لمثل هذه المعتقدات لم يكن أمراً طارئاً في


1- الأشاعرة في ميزان أهل السنّة: ص746.
2- أي من مشابهة الشيعة الرافضة لليهود.
3- رسالة في الردّ على الرافضة: ص1٠6.

ص: 287

معتقدات هؤلاء؛ لأنّهم ورثوه عن إمام أئمّتهم الشيخ ابن تيميّة الذي يقول في كتابه (الاستقامة) : (فكلّما كثر البرّ والتقوى قوي الحسن والجمال، وكلّما

قوي الإثم والعدوان قوي القبح والشين حتّى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح، فكم ممّن لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاءه حتّى ظهر ذلك على صورته، ولهذا يظهر ذلك ظهوراً بيّناً عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت، فنرى وجوه أهل السنّة كلّما كبروا تكون أجمل، ووجوه أهل القبائح كلّما كبروا تكون أقبح، وهذا ظاهر لكلّ أحد فيمن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة من الترك ونحوهم، فإنّ الرافضي كلّما كبر قبح وجهه وعظم شينه، حتّى يقوى شبهه بالخنزير، وربما مُسخ خنزيراً وقرداً كما تواتر ذلك عنهم) (1)

وهذا كتابٌ آخر من كتبهم التدريسيّة الأكاديميّة وهو (شرح العقيدة الطحاويّة) للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك، من إعداد عبد الرحمن بن صالح السديس، حيث ينقل قول الإمام الطحاوي: (وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) ، ثمّ يقول الشارح البرّاك: (وقوله: «والأركان والأعضاء والأدوات. . .» لا حول ولا قوّة إلَّا بالله، عفا الله عن المؤلّف وغفر الله لنا وله، كيف ينفي الأعضاء عن الله سبحانه وتعالى) (2)

فالبرّاك يستغفر الله تعالى من تنزيه الله سبحانه وتعالى لأنّ الطحاوي نفى الأعضاء عنه سبحانه وتعالى!

فهل هذا هو المنطق العلمي في البحث؟ وهل هذه هي طريقة القرآن


1- الاستقامة، ابن تيميّة: ج1 ص365.
2- شرح العقيدة الطحاويّة: ص141.

ص: 288

الكريم في التحاور؟

ولماذا يعمل هذا المنهج على صرف الأنظار عن القضايا الأساسيّة للأُمّة، حيث نجدهم يخترعون أموراً على وسائلهم الإعلاميّة والفضائيّات لا واقع لها، مثل دفاعهم المزعوم عن زوج النبيّ (ص) السيّدة عائشة، وشنّوا الحملات الدعائيّة على من يتّهمها ويفتري عليها، وتاجروا بهذه المسألة، وادّعوا أنّ الشيعة ينسبون إليها بعض الافتراءات، والشيعة بريئون من ذلك كلّه.

أمّا مسألة الإفك التي تحدّث عنها القرآن الكريم وبرّأ عائشة - بحسب زعمهم - فنحن لا ندخل في نقاشها؛ لأنّ القرآن الكريم أمرنا بصريح العبارة بقوله تعالى: وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمْ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ. . . (النور: 16-17 .

وكأنّه تعالى يقول لنا: لا شأن لكم أنتم كمؤمنين وكمجتمع إسلامي بمثل هذه القضيّة، ولا ينبغي لكم الخوض في مثل هذا الحديث.

لكن الفضائيّات المأزومة والمنهزمة فكريّاً وعقائديّاً نشرت هذه القضيّة.

وقد توضّحت الغاية من وراء هذه الضجّة الإعلاميّة، وما كان إلّا المتاجرة والافتراء والاتّهام. نعم، كلّ ما في الأمر أنّ بعض علماء الشيعة أشاروا إلى هذه المسألة في مطاوي كتبهم في الوقت الذي تجد فيه آلاف الكتب لعلماء ومراجع الشيعة ضعّفوا مثل هذه الأحاديث وأسقطوها عن الاعتبار تنزيهاً وصوناً للنبيّ (ص) وأزواجه، لأنّ معتقدهم هو التعامل بكلّ احترام مع أُمّهات المؤمنين، رغم أن عائشة خرجت على الإمام أمير المؤمنين (ع) في معركة الجمل، وهل خرجت - كما يقول البعض - للإصلاح، وهي التي صرّحت بأنّها أحدثت بعد النبيّ (ص) وندمت وبكت إلى آخر عمرها لأجل ذلك، كما هو ثابت في محلّه وصرّح به الألباني في «سلسلة الأحاديث

ص: 289

الصحيحة» .

إذن كان الأجدر بهؤلاء عدم الحديث عن هذه القضيّة، ومثل هذه المسائل التي تسيء إلى أُمّهات المؤمنين، لأنّ الباطل يموت بموت ذكره، وإذا عادوا لمثله كانوا من أوضح مصاديق الآية: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النور: 1٩) .

ولماذا هذه المحاولات الدائمة والحثيثة لإبراز مدرسة أهل البيت (ع) وأتباعها أنّهم يمتلكون عقائد فاسدة مثل اعتقادهم أنّ كلّ من لا يؤمن بعصمة وإمامة أئمّة أهل البيت (ع) لا فرصة له للنجاة في الآخرة، وأنّه من أهل النار، وأنّه مخلّدٌ فيها، مع كون ذلك مخالفاً للاتّجاه العام لمعتقدات علماء هذه المدرسة، في الوقت الذي لا ينظرون فيه إلى كلمات أعلامهم الصريحة والواضحة في تكفير من خالفهم، وفي اتّهامه بالزندقة وما شاكل ذلك؟

وأين هم من أقوال أمثال السفاريني التي ذكرناها سابقاً بأنّه فرقة واحدة وطائفة واحدة وهم أهل الحديث وأتباع السلف الصالح، وأهل السنّة والجماعة هم الفرقة الناجية، ومضافاً إلى ذلك اعتبارهم أنّ بعض طائفة أهل العلم من الحنابلة قد اشتبهت فضلاً عن غير الحنابلة.

ومن الطبيعي أنّهم عندما يكفّرون الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية أن يعتبروا أنّ رأس الفرقة الهالكة هم الشيعة وأتباعهم! !

ص: 290

هل الصفات الخبرية محكمة أم متشابهة؟

اشارة

تنقسم الصفات الإلهيّة عموماً إلى صفات ذاتيّة وصفات فعليّة، والمراد من الصفات الذاتيّة: الصفات المختصّة بذات الله سبحانه وتعالى، من قبيل العلم، والقدرة، والسمع، والبصر ونحو ذلك.

أمّا الصفات الفعليّة، فهي تلك الصفات التي ترتبط بفعل الله سبحانه وتعالى، كالخلق، والإيجاد، والرزق، والإعطاء، والمنع، والإحياء، والإماتة، ونحوها.

ثمّ إنّ الصفات التي تتعلّق بالذات تنقسم إلى صفات ذاتيّة ثابتة من خلال العقل - بمعنى أنّ العقل هو الذي يثبتها لله تعالى، من قبيل الحياة، والوجود، والعلم، والقدرة - وصفات لا يدركها العقل - كما يدّعي البعض - فلا تثبت إلّا بالدليل النقلي؛ الأعمّ من أن يكون قرآنيّاً أو نصّاً نبويّاً.

ومن مصاديق ذلك الموارد التي نبحثها، ونعني بها الصفات الذاتيّة الخبريّة التي هي الوجه، والصورة، واليد، والأصابع، والجنب، والرِّجل، والقدَم، وهكذا العشرات من الصفات التي ذُكرت في كلمات القوم.

وليس مورد بحثنا أو نقاشنا مع ابن تيميّة في صفات العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والحياة، ونحو ذلك، ممّا قلنا بأنّه صفات ذاتيّة مختصّة بذات الله وقد أثبتها العقل.

إذن هناك جملة من الصفات الخبريّة وردت في القرآن الكريم وكذلك في النصوص الواردة عن النبيّ الأكرم (ص) ، وهي ممّا اتّفق عليه علماء المسلمين.

ص: 291

والكلام هو في تفسيرهم لهذه الصفات، ومعانيها، ومصاديقها، وهذا من أهمّ موارد الاختلاف بين الأشاعرة والشيعة الإماميّة و. . . وبين ابن تيميّة وأتباعه.

وعلى أساس المعتقد والرأي الذي تتبنّاه كلّ فرقة في موضوع الصفات يتبيّن لنا رأيها في التجسيم والحَدّ والحيّز وغير ذلك بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن الأُصول والمعارف القرآنيّة التي في ضوئها نفهم الصفات الخبريّة ومعانيها ومصاديقها: مسألة المحكم والمتشابه، وكون هذه الصفات الواردة في آيات الكتاب الكريم من الآيات المحكمة أم من الآيات المتشابهة.

ويقودنا ذلك إلى ضرورة معرفة آراء المذاهب الإسلاميّة في هذه المسألة، لاسيّما ابن تيميّة وأتباعه.

ومقصودنا من الصفات الخبريّة هي تلك الآيات التي ورد فيها ذكر اليد والوجه والصدر والمجيء وغير ذلك بالنسبة إلى الله تعالى - كما تقدّم -.

ضابط المحكم والمتشابه في القرآن

أمّا بالنسبة إلى المحكم والمتشابه، فالآيات القرآنيّة تنقسم إلى قسمين وفقاً لما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (آل عمران: 7 . ولم يرِد في القرآن بيان لكلّ آية أنّها محكمة أو متشابهة، وهذا ما أوجب وقوع الاختلاف في معنى الإحكام والتشابه إلى

ص: 292

أقوال متعدّدة، ثمّ في الإعابة على أهل الزيغ والهوى لاتّباعهم ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والتأويل، والذي نستفيد منه النهي عن اتّباع المتشابه، حيث اعتبرت الآيات ذلك طريقة أهل الزيغ. ولكن من الواضح أنّ المفهوم عرفاً من هذا التعبير بعد تلك القسمة الثنائيّة أنّ المقصودين بذلك هم الذين يختصّون باتّباع المتشابهات ويلتقطونها ويفصلونها عن المُحكمات ابتغاء الفتنة والمشاغبة وتشويش الأذهان من خلال ذلك التشابه.

وظاهر كلام الكثير ممّن فسّروا معنى المحكم والمتشابه أنّ تفسيرهم مبنيٌّ على أساس إرادة التشابه المفهومي من التشابه في الآية، إلّا أنّ هذا الافتراض بعيدٌ في نفسه - كما بيّنا في بحثنا عن معنى المحكم والمتشابه (1)- لنكتتين هما:

أوّلاً : تصريح القرآن نفسه بأنّ آياته إنّما نزلت بياناً وتبياناً وهدىً ونوراً بلسانٍ عربيٍّ مُبين، وهذا لا ينسجم مع فرض التشابه المفهومي والإجمال.

ثانياً : التعبير بالاتّباع في قوله تعالى: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ فإنّ الاتّباع لا معنى له إذا أُريد المتشابه المفهومي، إذ ذلك فرع وجود مدلول ظاهر يتعيّن فيه اللّفظ، ومع التشابه المفهومي لا مدلول ليتّبع، وهذا بخلاف ما لو أُريد التشابه المصداقي، بمعنى أنّهم يتّبعون الآيات التي مصاديقها الخارجيّة متشابهة لا تتناسب مع المصداق الواقعي الغيبي الذي ينطبق عليه مفهوم الآية، فمثلاً كلمة الصراط في اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أو العرش والكرسيّ في الآيات الأخرى مدلولها اللغوي واضح لا تشابه فيه، إلّا أنّ مصاديقها الخارجيّة سنخ مصاديق لا تنسجم أن تكون هي المقصودة في هذه الآيات، فمن في قلبه زيغ يتّبع مثل هذه الآيات ليطبّقها على مصاديقها الخارجيّة المتشابهة.


1- انظر: أُصول التفسير والتأويل، السيّد كمال الحيدري: ج1، بحث المحكم والمتشابه.

ص: 293

فالحقّ أنّ ظاهر الآية في سورة آل عمران هو إرادة التشابه المصداقي، بمعنى أنّ هناك أُناساً في قلوبهم زيغ فيتّبعون الآيات التي مصاديق مداليلها المفهوميّة في الخارج لا تنسجم مع واقع مصاديقها، لأنّ هذه من عالم الشهادة والمادّة وتلك من عالم الغيب، فيطبّقونها على المصاديق الخارجيّة الحسيّة باعتبار عدم معروفيّة تلك المصاديق الغيبيّة وعجز الذهن البشري عن إدراكها في هذه النشأة، ويحاولون بذلك إلقاء الشبهة والفتنة والبلبلة في الأذهان، وهذا مسلك عامّ في فهم وتفسير الآيات المتشابهة (1).

قال السيّد الطباطبائي: (وكيف كان، فهذا الاختلاف لم يولّده اختلاف النظر في مفهوم الكلمات أو الآيات - أي مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربي - فإنّما هو كلامٌ عربيّ مُبين لا يتوقّف في فهمه عربيّ ولا غيره ممّن هو عارفٌ باللّغة وأساليب الكلام العربي. وليس بين آيات القرآن آية واحدة ذات إغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها، كيف! وهو أفصح الكلام، ومن شرط الفصاحة خلوّ الكلام عن الإغلاق والتعقيد، حتّى أنّ الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها في غاية الوضوح من جهة المفهوم، وإنّما التشابه في المراد منها، وهو ظاهر.

وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الذي تنطبق عليه المفاهيم اللفظيّة من مفردها ومركّبها وفي المدلول التصوّري والتصديقي) (2)

وعلى سبيل المثال: إذا سمعنا ألفاظ الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وكذلك السماء والأرض واللوح والقلم والعرش


1- المصدر نفسه: ج1، بحث المحكم والمتشابه بتصرّف.
2- الميزان في تفسير القرآن: ج1 ص٩.

ص: 294

والكرسي وغير ذلك، كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات الماديّة لمفاهيمها.

(وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، ومن حقّنا ذلك، فإنّ الذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنّما هو الحاجة الاجتماعيّة إلى التفهيم والتفهّم، والاجتماع إنّما تعلّق به الإنسان ليستكمل به في الأفعال المتعلّقة بالمادّة ولواحقها، فوضعنا الألفاظ علائم لمسمّياتها التي نريد منها غايات وأغراضاً عائدة إلينا) (1).

هذه الحقائق التي أُشير إليها وإن كان كلّ واحدةٍ منها تنطوي على مفهوم واحد إلّا أنّها يمكن أن تكون مختلفة المصاديق، بعضها مادّي وبعضها مجرّد، فعندما يستخدم القرآن الكريم ألفاظ: الميزان والقلم والعرش والكرسي واللوح، فليس من الضروري أن تنطوي هذه المفاهيم على مصداق واحد هو المصداق المادّي، بل يمكن للمصداق أن يتنوّع وهو يمتدّ ليشمل بالإضافة إلى المصداق المتداول والمألوف في حياتنا الحسّية مصاديق أخرى فوق العالم المشهود.

في محلّ بحثنا، اعتبر ابن تيميّة أنّ جميع الآيات التي ورد فيها ذكر الصفات الخبريّة، هي كلّها من الآيات المحكمات، فقال بأنّ المحكمات هي آيات الصفات خاصّة، أعمّ من صفات الله سبحانه كالعليم والقدير والحكيم والخبير، وصفات أنبيائه كقوله في عيسى بن مريم (ع) : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ (النساء: 171) وما يشبه ذلك.

وقال في التفسير الكبير: (وأمّا إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله أو اعتقاد أنّ ذلك هو المتشابه الذي


1- المصدر نفسه: ج1 ص٩.

ص: 295

استأثر الله بعلم تأويله، كما يقول كلّ واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم، فإنّهم وإن أصابوا في كثيرٍ ممّا يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم. . .) (1)

ومن النتائج المترتّبة على هذا البحث: أنّ الآية إذا كانت محكمة فتبقى على ظاهرها ولا تحتاج إلى شيء، وإذا كانت متشابهة فمن أجل فهمها لابدّ من إرجاعها إلى المحكمات، ومن اتّبع المتشابهات دون إرجاعها إلى المحكمات كان هدفه ابتغاء الفتنة، ووقع في الزيغ.

وهذا ما ذهب إليه ابن تيميّة وأتباعه حيث قالوا: بأنّ الصفات المتعلّقة بمثل: القدَم، والرِّجل، والوجه، واليد، والصورة ونحو ذلك تعدّ من المحكمات لا من المتشابهات. وإذا كانت من المحكمات فلابدّ من حملها على الظاهر، والإيمان بها كما ورد في ظاهرها. فعندما تقول الآية: يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (الفتح: 1٠) نرجع إلى اللغة العربيّة وما تقوله في المراد من اليد، وحيث يُراد بها اليد الجارحة والعضو المخصوص، فنؤمن بها كذلك، ولا نُرجع ذلك إلى المحكم.

وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ هذه الصفات من المتشابهات التي لابدّ من إرجاعها إلى المحكمات، والنتيجة تخالف ما تقدّم بحيث أنّه لا يجوز الإيمان بها وفق الظاهر.

فالمحكم هو الذي يُراد به ظاهره ولا نرجعه إلى شيءٍ آخر.

والمتشابه هو الذي لا يُراد به ظاهره، ولفهمه لابدّ من الرجوع إلى المحكم.

فأوّل نتيجة تترتّب على كون الصفة محكمة - كما هو رأي ابن تيميّة - هي


1- التفسير الكبير: ج2 ص٩1.

ص: 296

أن يُراد منها حقيقتها، ولابدّ من إمرارها على ظاهرها.

وهكذا أصرّ ابن تيميّة وأتباعه على أنّ آيات الصفات الخبريّة من المحكمات - من غير إقامة أيّ دليل - لأجل إبقاء معانيها على ظواهرها.

فالبحث الأساسي إذن هو من الناحية العلميّة والمنهجيّة وأن نشخّص هذه الآيات في كونها من المحكمات لإبقائها على ظواهرها أم أنّها من المتشابهات.

ومن الذين ساروا على منهج ورأي ابن تيميّة في الصفات الخبريّة صالح الفوزان كما ورد في كتابه (الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد) ، حيث بعد ذكره للآية المباركة في سورة آل عمران، يقول: (ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه، يقرأها المسلمون ويتدارسونها ويفهمون معناها ولا ينكرون منها شيئاً، وإنّما ينكرها المبتدعة من الجهميّة والمعتزلة والأشاعرة الذين ساروا على منهج مشركي قريش) (1).

فدليله إذن هو قراءة وفهم المسلمين لها وعدم إنكار شيء منها، وبذلك يجزم كونها محكمة، وسنذكر لاحقاً أنّ عموم أعلام المسلمين السنّة بالإضافة إلى علماء مدرسة أهل البيت (ع) يقولون إنّ هذه الآيات المرتبطة بالصفات الخبريّة هي من المتشابهات.

ونحن نرى أنّه حتى الوهّابية تعتقد أيضاً - في باطنها وفي ارتكازاتها - أنّ هذه الآيات آيات متشابهة، وإن قالوا في الظاهر أنّها محكمة، وذلك بدليل تعقيبهم هذه الآيات المتكلِّمة عن الصفات الخبريّة بقولهم: «بلا تمثيل ولا تكييف» ، وإلَّا لو كانت محكمة فلماذا يذكرون مثل هذه القيود؟ فالآيات


1- الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والردّ على أهل الشرك والإلحاد: ص144.

ص: 297

المتشابهة هي التي تحتاج إلى مثل هذه القيود.

والأصل القرآني في مسائل الأسماء والصفات هي الآية المحكمة في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ، ومنها تُؤخذ كلّ هذه القيود.

والتفت علماء المسلمين إلى هذه الحقيقة بشكلٍ واضح وجليّ، ومنهم الإمام عبد الحليم محمود، أحد علماء الأزهر الشريف، فقال في فتاواه: (والموقف الذي يقفه من أراد متابعة السلف الصالح. . . إنّما هو الإيمان بها مع التنزيه لله تعالى عن الجسميّة وتوابعها. . . هذا هو مذهب السلف في الصفات، وهو مذهب لا يثير جدلاً ولا خصومة، وليس من طبيعته ذلك، إنّه مذهب العبوديّة الصحيحة، وهو المذهب الذي يتمذهب به كلّ من عنده نزعة التديّن السليمة، وهو مذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والسلف الصالح، ومن الطبيعي أن يكون مذهب الفرقة الناجية) (1).

ومنهم الآلوسي في (روح المعاني) حيث يقول: (وأنت تعلم أنّ طريقة كثير من الأعلام وأساطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقاً مع نفي التشبيه والتجسيم، منهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي ومحمد بن الحسن وسعد بن معاذ المروزي وعبد الله بن المبارك وأبو عائذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه ومحمّد بن إسماعيل البخاري والترمذي وأبو داود السجستاني. . . وقال البيضاوي في الطوالع: والأَولى اتّباع السلف في الإيمان بهذه الأشياء، يعني المتشابهات. . .) (2)


1- فتاوى الإمام عبد الحليم محمود: ج1 ص(٨)٩-٩٠.
2- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: ج16 ص22٩.

ص: 298

ومن الذين تبعوا ابن تيميّة في القول بأنّ الصفات الخبريّة من المحكمات العلّامة العثيمين في (شرح العقيدة السفارينيّة) فقال: (أمّا ظاهرها فهو المعنى اللائق بالله حقيقةً دون المجاز، فالمراد باليد حقيقة يد حقيقيّة، تأخذ وتتصرّف وتقبض وتبسط، وكذلك أيضاً المراد بالأصابع أصابع حقيقيّة، يأخذ الله بها ما أراد من خلقه. . . وهكذا بقيّة الصفات. . . فنحن نمرّها كما جاءت لفظاً ومعنىً لأنّها ألفاظ جاءت لمعانٍ، فمن نفى المعنى فإنّه لم يُمرّه) (1).

وأيضاً في كتاب (الفتاوى الحمويّة) يقول ابن تيميّة مؤكّداً رأيه: (فهذا كتاب الله من أوّله إلى آخره، وسنّة رسوله (ص) من أوّلها إلى آخرها، ثمّ عامّة كلام الصحابة والتابعين، ثمّ كلام سائر الأئمّة مملوءٌ بما هو إمّا نصّ وإمّا ظاهر في أنّ الله سبحانه فوق كلّ شيء، وعليّ - أو عالٍ - على كلّ شيء، وأنّه فوق العرش، وأنّه فوق السماء) (2)

ثمّ يشير إلى مجموعة من الآيات مثل إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (فاطر: 1 و إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيّ (آل عمران: 55 و ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ( الملك: 16) ، ويرى أنّ المراد من (في) معنى (على) يعني: على السماء، وهكذا ينقل عشرات الآيات.

إذن فابن تيميّة لم يذكر لنا دليلاً واحداً على أنّ هذه الصفات من المحكمات، وبعد أن عرفنا معنى المحكم والمتشابه لابدّ أن نشير إلى الملاك والضابط الذي على أساسه نقول إنَّ هذا محكم وهذا متشابه.

والضابط واضحٌ وجَليّ وإن كان يحتاج إلى بعض التأمّل:

فإذا كانت هناك صفة من الصفات قابلة الثبوت لله تعالى فهي صفة


1- شرح العقيدة السفارينيّة: ص1٠7.
2- الفتاوى الحمويّة الكبرى: ص1٩7.

ص: 299

محكمة، أمّا إذا كات الصفة غير قابلة لأن نثبتها، أو أن نصف الله تعالى بها، فهي صفة متشابهة.

وعندما ننظر إلى الآيات القرآنيّة والنصوص النبويّة ونريد أن نعرف كون الصفات الواردة فيها، هل هي محكمة أو متشابهة أصبح واضحاً لدينا ما هو المقياس والميزان في ذلك.

فإن ثبت كونها صفة كمال فتكون من المحكمات، وذلك مثل صفة العلم، أمّا إذا وجدنا فيها نقصاً فتكون من المتشابهات، كما لو وجدناها تنسب الجهل إلى الله تعالى، وهكذا لو نسبت إليه الحدوث.

ولو أخذنا مثال الجسميّة، فإنّ ابن تيميّة وفقاً لمبناه الصريح فإنّها صفة كمال لله تعالى، وإذا ما ورد في النصوص ما يثبت الجسميّة لله تعالى فهي من المحكمات لا من المتشابهات، وهكذا ما يلازم الجسميّة من قبيل المكان والحيّز والجهة ونحو ذلك، ولذلك يصل إلى تلك النتيجة التي مفادها أنّ الله سبحانه وتعالى له صورة الإنسانيّة كما سيأتي بيان ذلك في الكلام عن حديث

«خلق الله آدم على صورة الرحمن» .

فمن حقّنا إذن أن نسأل ابن تيميّة عن دليله في كون هذه الآيات من المحكمات لا من المتشابهات، والقرآن الكريم قسّم آياته إلى هذين القسمين، ولو كان الله تعالى قد كتب على صدر كلّ آية بأنّها مُحكمَة أو متشابهة لارتفع النزاع، ولكن ليس الأمر كذلك.

ينتقل ابن تيمية بعد ذلك إلى الروايات فيقول: (مثل قصّة معراج رسول الله إلى ربّه ونزول الملائكة من عند الله، وصعود الملائكة إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربّهم فيسألهم وهو أعلم بهم. . . والعرش فوق - أي فوق السماوات - والله فوق

ص: 300

عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه. . . إنّ الله لمّا خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش أنّ رحمتي سبقت غضبي، وقوله في الحديث الصحيح للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال:

إعتقها فإنّها مؤمنة) .

وهنا يأتي نفس الإيراد والسؤال بأنّه من قال إنّ هذه النصوص محكمة حتّى يُعمل بظاهرها؟

ثمّ يقول: (ثمّ ليس في كتاب الله ولا في سنّة الرسول، ولا عن أحد من سلف الأُمّة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمّة الدِّين حرف واحد يخالف ذلك، لا نصّاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط إنّ الله ليس في السماء) (1)

فلكون هذه الآيات من المحكمات في رأيه، لابدّ من العمل بظاهرها، مدّعياً أنّ القرآن الكريم والنصوص النبويّة تؤيّد مدّعاه، ثمّ يضيف إلى ذلك إجماع الأئمّة والعلماء على أنّ الله في السماء.

ويردّ هذا الإجماع ما ورد في كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني حيث يقول:

(ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود (2): «لا إله إلّا الله الذي في السماء» لم يكن مؤمناً، إلّا إن كان عاميّاً لا يفقه معنى التجسيم، فيكتفى منه بذلك كما في قصّة الجارية التي سألها النبيّ. . .) (3)( وقد مرّت هذه الرواية سابقاً.


1- الفتاوى الحمويّة الكبرى: ص1٩7.
2- وهذا دليلٌ على كون نظريّة التجسيم منشؤها اليهود.
3- فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج13 ص43٩.

ص: 301

موقف علماء السنة من آيات الصفات الخبرية

لم يوافق علماء السنّة على رأي ابن تيميّة في الصفات الخبريّة، بل ذهبوا أو توافقوا مع رأي مدرسة الإماميّة في كونها من الآيات المتشابهة، وهذا الأمر أحد أهمّ الشواهد على الاختلاف بين مدرسة ابن تيميّة ومدرسة علماء السنّة.

ومن الشواهد على ذلك:

أوّلاً : ما ورد في كتاب (ابن تيميّة) للإمام محمّد أبو زهرة، حيث قال

: (المتشابه والتأويل: إنّ الكلام في تأويل المتشابه له اتّصالٌ وثيق بالكلام في الصفات والوحدانيّة، فالكلام في أحدهما يلازمه الكلام في الآخر، والأساس في هذا الموضوع هو أنّ كلمة متشابه قد وردت في القرآن الكريم في مقابل آيات محكمات. . . وأنّ جمهور المفسّرين على أنّ الآيات المتشابهات في كتابه الكريم هي الآيات المتعلّقة بالصفات والأفعال المضافة إليه سبحانه وتعالى. . .) (1).

ثانياً : ما ورد في كتاب (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)

للإمام القرطبي، وهو غير صاحب كتاب التفسير المشهور، حيث يقول: (وكذلك قال في حديثٍ آخر: «وكلتا يديه يمين» نافياً لتوهّم النقص والقصور في حقّه تعالى، وكذلك كلّ ما أطلق على الله تعالى - أي الصفات الخبريّة - ممّا يدلّ على الجوارح والأعضاء، كالأعين، والأيدي، والجنب، والإصبع، وغير ذلك ممّا يلزمُ من ظاهره التجسيم الذي تدلُّ العقولُ بأوائلها على استحالته، فهي كلّها متأوّلة في حقّه؛ لاستحالة حملها على ظواهرها) (2)


1- ابن تيميّة حياته، عصره، آراؤه وفقهه: ص236.
2- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ج3 ص37-38.

ص: 302

ثالثاً : أيضاً ما أورده الإمام القرطبي في (المفهم لما أشكل) حيث قال: (قال رسول الله: إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه. . . فاحذروهم) . ثمّ يقول: رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ثمّ في الهامش يقول: (. . . يتّبعونه ويجمعونه طلباً للتشكيك في القرآن، وإضلالاً للعوامّ، كما فعلته الزنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسّمة، الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنّة ممّا يوهم ظاهره الجسميّة، حتّى اعتقدوا أنّ الباري تعالى جسمٌ مُجسَّم وصورةٌ مُصوَّرة ذات وجه، وعين، ويد، وجنب، ورجل، وإصبع، تعالى الله عن ذلك. . . فأمّا من يتّبع المتشابه، لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء تأويلاتها. . . فذلك مختلف في جوازه بناءً على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عُرف أنّ مذهبَ السلف ترك التعرّض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها) (1).

ونحن أيضاً نضمّ صوتنا إلى مثل هذه الأصوات لنقول: اتركوا التأويل، ولا تقولوا تُحَملُ هذه الآيات على ظواهرها، وهذا لا يعني رفضنا للتأويل،

بل لنقول بأنّنا نتنزّل عن مبدأ التأويل ولا نقبل الحمل على الظواهر بل هذه من المتشابهات التي لابدّ من إرجاعها إلى المحكمات.

رابعاً : ما ورد في كتاب (الجامع لأحكام القرآن) للمفسّر الإمام القرطبي، يقول: (قال شيخنا أبو العبّاس (رحمه الله) متّبعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه) (2)وهو يشير إلى كلام أُستاذه الذي ذكرناه في (المفهم) وينقل نفس العبارات، فلا نعيد.


1- المصدر نفسه: ج6 ص6٩7.
2- الجامع لأحكام القرآن: ج5 ص22.

ص: 303

خامساً : ما ورد في (شرح مختصر الروضة) لابن سعيد الطوفي، المتوفّى سنة 716ه-، قال: (وأمّا معنى المحكم فأجود ما قيل فيه: أنّ المحكم: المتّضح المعنى كالنصوص والظواهر. . . والمتشابه مقابله، وهو: غير المتّضح المعنى، فتشتبه بعض محتملاته ببعض للاشتراك. . . أو لظهور تشبيهٍ في صفات الله تعالى، كآيات الصفات وأخبارها، نحو وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ،

«يد الله ملأى لا تغيضها النفقة» ، «فيضع الجبّار قدمه» ، «فيظهر لهم في الصورة التي يعرفونها» ، «وخلق الله آدم على صورة الرحمن» ، ونحو ذلك ممّا هو كثير في الكتاب والسنّة، لأنّ هذا اشتبه المراد منه على الناس، فلذلك قال قومٌ بظاهره، فجسّموا وشبّهوا، وفرٌّ قومٌ من التشبيه فتأوّلوا وحرّفوا، فعطّلوا، وتوسّط قومٌ فسلَّموا وأمرُّوه كما جاء. . .) (1)

سادساً : ما ورد في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) للإمام العيني، المتوفّى 855 ه-، قال: (يتنزّل في باب التفعّل، وهذا من باب

المتشابهات، والأمر فيها قد عُلم، إمّا التفويض وإمّا التأويل بنزول ملك الرحمة، ومن القائلين. . . فعلى هذا الأساس وأمثاله، وليس في هذا الباب وأمثاله إلّا التسليم والتفويض إلى ما أراد الله من ذلك، فإنّ الأخذ بظاهره يؤدّي إلى التجسيم) (2).

ونحن لا نريد اتّهام ابن تيميّة بأنّه يتبنّى الأخذ بالظاهر، بل نحيل ذلك إلى الإمام أبي زهرة في كتابه (ابن تيميّة حياته وعصره. . .) الذي يقول: (وننتهي من هذا إلى أنّ ابن تيميّة يرى الألفاظ في اليد والنزول والقدَم


1- شرح مختصر الروضة: ج2 ص43-45.
2- عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ج7 ص2٩1.

ص: 304

والوجه والاستواء على ظاهرها. . . وهنا نقف وقفة: إنّ هذه الألفاظ وضعت في أصل معناها لهذه المعاني الحسيّة، ولا تطلق على وجه الحقيقة على سواها، وإذا أُطلقت على غيرها سواءٌ أكان معلوماً أم مجهولاً فإنّها قد استعملت في غير معناها) (1).

وهنا نوجّه السؤال إلى ابن تيميّة: إنّ اليد هل تطلق على يد الله حقيقةً أم مجازاً؟ فإن قال: حقيقةً، فهذا هو التجسيم، وإن قال مجازاً، فإذن ليس على الظاهر، وهذا ما نريد إثباته من كلام ابن تيميّة، وهنا تكمن مشكلتنا المنهجيّة مع ابن تيميّة وأتباعه.

لأنّه - ابن تيميّة - إمّا أن يقول بالمجاز والتأويل أو يلتزم بالتجسيم، ولا يوجد أمامه خيارٌ ثالث، إذ إنّها لا تكون بحالٍ من الأحوال مستعملة في ظواهرها، بل تكون مؤوّلة إذا لم يحملها على الحقيقة.

وعلى ذلك يكون ابن تيميّة قد فرَّ من التأويل ليقع في تأويلٍ آخر، وفرَّ من التفسير المجازي ليقع في تفسيرٍ مجازي آخر.

ولذلك فإنّ الإمام أبو زهرة يستشكل على ابن تيميّة بأنّه يحمل الصفات الخبريّة لله تعالى على حقائقها ويقول: جسمٌ لا كالأجسام، ولكنّه - أي ابن تيميّة - يعترض على أُولئك الذين يذكرون ملاذّ الجنّة ويصفونها على حقيقتها، يقول ليس المراد حقائق الجنّة، بل هي استعمالات مجازيّة، لذا يتابع ابن زهرة قائلاً:

(وفي الوقت الذي يغضب فيه الغضب الشديد، ويستنكر ذلك الاستنكار الشديد في من يحمل هذه الألفاظ ويرجعها إلى محكماتها - في الصفات الخبريّة - نراه يعتبر كلّ الأسماء الواردة في نعيم الجنّة مجازيّة) .


1- ابن تيميّة حياته آراؤه وعصره: ص233-234.

ص: 305

وهذا غريبٌ منه أن يقول بعدم وجود مجاز في القرآن في موضع، وفي موضع آخر يقول بوجود المجاز في القرآن، هذا مضافاً إلى التناقضات الأخرى الموجودة في كلماته.

سابعاً : ما ورد في (تفسير القرآن) لشيخ الإسلام المظفّر السمعاني، أحد أئمّة الشافعيّة، السلفيّ المنهج، حيث قال في ذيل الآية (3٠) من سورة (ق) : (وهذا الخبر - إشارة إلى الرواية:

لا تزال جهنّم تقول هل من مزيد حتّى يضع الجبّار فيها قدمه. . . - يؤيّد القول الثاني، والخبر من المتشابه. . .) (1)

ثامناً : ما ورد في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) بتعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط المعروف بكونه من أتباع منهج ابن تيميّة، ولكنّه لم يوافق على ما قاله في الصفات الخبريّة، فذهب إلى مخالفة ابن تيميّة، واعتقد: بأنّ الصفات الذاتيّة الخبريّة من المتشابهات: ( - قدمه وجاء رجله - هو من المتشابه) (2)

ولأجل ما قاله الأرنؤوط ومخالفته لمدرسة ابن تيميّة، كتبوا كتاباً للردّ عليه بعنوان (استدراك وتعقيب على الشيخ شعيب الأرنؤوط في تأويله بعض أحاديث الصفات) واعتبروه من المؤوّلة، وكتب فيه مؤلّفه خالد بن عبد الرحمن بن حمد الشايع، وبتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز ما يستنكر فيه على الأرنؤوط ما اختاره في الصفات.

علماء السنة بين التأويل وعدم الأخذ بالظاهر

نظراً لكون هذا البحث من المباحث التي تعتبر مفتاحاً من مفاتيح معرفة الصفات، والتمييز بين آراء علماء السنّة من جهة وعلماء الوهّابية وابن تيميّة


1- تفسير القرآن: ج5 ص245.
2- مسند الإمام أحمد: ج13 ص152، ذيل ح 7718.

ص: 306

من جهة أخرى، كان لابدّ من التفصيل أكثر في بيان حقيقة وموقف علماء السنّة من الصفات الخبريّة، وقد تبيّن لنا من الفقرة السابقة عدم موافقة هؤلاء على ما ذهب إليه ابن تيميّة، واعتبروا هذه الصفات من المتشابهات.

وهناك أيضاً مواقف أخرى لعلماء السنّة في مقابل ابن تيميّة حيث انقسم هؤلاء إلى فريقين:

الفريق الأوّل : هم الذين قالوا بإرجاع الصفات إلى المحكمات، وهذا مذهب جمهور المسلمين من المتكلّمين والفلاسفة والأشاعرة والمعتزلة - وهذا ما أشرنا إليه فيما تقدّم -.

الفريق الثاني : هم الذين قالوا بأنّ هذه الألفاظ أو الصفات لا يُراد بها ظاهرها، أو قالوا: لا نعلم ما هو المراد منها، ولذا ذهب بعضهم إلى التأويل.

أمّا الأدلّة والشواهد على وجود من قال بهذا القول - أي الفريق الثاني - فنذكر بعض الموارد، ومنها:

المورد الأوّل : ما ورد في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)

للإمام القرطبي (ت 656 ه-) ، حيث قال: (وقوله: «إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم الله فاحذروهم» يعني: يتّبعونه ويجمعونه طَلَباً للتشكيك في القرآن، وإضلالاً للعوامّ، كما فعلته الزنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسّمة؛ الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنّة ممّا يُوهِم ظاهِره الجسميّة، حتّى اعتقدوا أنّ الباري تعالى جسمٌ مُجسَّم، وصورةٌ مصوَّرة ذات وجه، وعين، ويدٍ، وجنبٍ، ورجلٍ، وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذَّر النبيّ (ص) عن سُلوك طريقهم. . . .

فأمّا من يتّبع المتشابه، لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء

ص: 307

تأويلاتها، وإيضاح معانيها، فذلك مختلفٌ في جوازه بناءً على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عُرِف من السلف (1)ترك التعرّض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة ظواهرها. ومذهب غيرهم: إبداء تأويلاتها، وحَمْلها على ما يصحّ حمْلُه في اللِّسان من غير قَطع مُتعيِّن محمل منها. . .) (2)

فكلام القرطبي صريح بأنّ مذهب السلف مخالف لما ادّعاه ابن تيميّة، وهو عدم الأخذ بظواهرها، أو اعتبارها من المتشابهات التي لابدّ من رجوعها إلى المُحكمات.

المورد الثاني : ما ورد في (عمدة القاري) للإمام العيني، والذي أوردنا كلامه سابقاً، وفيه: (وهذا من المتشابهات، والأمر فيها قد عُلِم، إمّا التفويض وإمّا التأويل بنزول ملك الرحمة. . . فعلى هذا الأساس وأمثاله، وليس في هذا الباب وأمثاله إلّا التسليم والتفويض إلى ما أراد الله من ذلك، فإنّ الأخذ بظاهره يؤدّي إلى التجسيم) (3)

فهو يشير إلى موقفين: إمّا التفويض وإمّا التأويل، ولكن الجميع يجزم بأنّه لا يُراد منها ظاهرهما، وبعضهم قال لا نعلم، ونُرجع علمها إلى الله فتوقّفوا، وبعضهم ذهب إلى التأويل.

المورد الثالث : ما ورد في (شرح صحيح مسلم) للإمام النووي الذي ذكر الحديث النبوي

«فيضع قدمه عليها. . .» ثمّ قال: (من مشاهير أحاديث الصفات، وقد سبق مرّات بيان اختلاف العلماء فيها، على مذهبين: أحدهما؛ وهو قول جمهور السلف وطائفة من المتكلِّمين: أنّه لا يتكلّم في تأويلها. . .


1- وهنا موضع الشاهد.
2- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ج6 ص6٩7-6٩8.
3- عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ج7 ص2٩1.

ص: 308

والثاني: قول جمهور المتكلِّمين أنّها تتأوّل. فأوّلوا) (1)

المورد الرابع : ما ورد في (إكمال المُعلم) للقاضي عياض، قال: (قال الإمام: هذا الحديث من مشاهير الأحاديث التي وقعت موهمة للتشبيه ولما نقله الأثبات، واشتهر عند الرواة، كلّف العلماء قديماً وحديثاً الكلام عليه والنظر في تأويله، فمنهم من حمل القدم على السابق المتقدّم، ويقال للمتقدّم: قدم. . . وإذا أمكن حمل الحديث على هذه التأويلات الصحيحة الجائزة على الله سبحانه لم يصحّ حمله على ما يقوله المجسّمة، من إفادته إثبات الجارحة لله - تعالى الله عن قولهم - وقد قام الدليل القاطع العقلي على استحالة ذلك عليه جلّ وعلا) (2)

المورد الخامس : ما ورد في (كشف المشكل من حديث الصحيحين)

لابن الجوزي قال: (وفي الحديث التاسع والتسعين: «

لا تزال جهنّم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتّى يضع ربُّ العزّة فيها قدَمهُ» (3)كان مَن تقدّم مِن السَّلَف يسكتون عند سماع هذه الأشياء ولا يفسّرونها، مع علمهم أنّ ذات الله تعالى لا تتبعّض، ولا يحويها مكان، ولا تُوصفُ بالتغيّر ولا بالانتقال. ومن صرفَ عن نفسه ما يوجب التشبيه وسكت عن تفسير ما يُضاف إلى الله عزّ وجلّ من هذه الأشياء فقد سلك طريق السَّلَف الصالح وسَلِمَ. . .) (4).


1- شرح صحيح مسلم: ج17 ص18٠.
2- شرح صحيح مسلم المسمّى إكمال المعلم بفوائد مسلم: ج(٨) ص378-37٩.
3- مراده من الحديث هو ما نقله أبو هريرة عن رسول الله (ص) أنّه قال: «تحاجّت الجنّة والنار، فقالت النار. . . فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع الله - تبارك وتعالى - رِجْلَهُ، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ. . .» .
4- كشف المشكل من حديث الصحيحين: ج3 ص242.

ص: 309

فقوله: (كان من تقدّم من السلف يسكتون عند. . .) نحيله إلى ابن تيميّة الذي لم يكن من جملة الساكتين - كما هو حال السلف - بل قال إنّها محمولة على ظاهرها.

وخلاصة ما تقدّم: أنّ الشيخ ابن تيميّة لا يُمثِّل أهل السنّة، ولا السلف من الأمّة، بل هو اتّجاهٌ يُقابل سلف هذه الأمّة وأهل السنّة، فضلاً عن الشيعة الإماميّة.

وكلّ ما نسبه إلى السلف وجمهور الأئمّة في مسألة الصفات الخبريّة محض افتراء لا أساس له من الصحّة، فتأمّل.

الصفات الإلهية والتجسيم في مدرسة أهل البيت

من المفارقات الخطيرة في مدرسة ابن تيميّة قولهم بأنّ كلّ الآيات القرآنيّة التي تحدّثت عن الصفات، والتي يعبّرون عنها بالصفات الخبريّة، هي آيات

محكمات وليست متشابهة. وهذا يتنافى مع صريح القرآن في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (آل عمران: 7 .

وفي الوقت الذي يقسّم القرآن الكريم آياته بنحو كلّي إلى آيات محكمة وآيات متشابهة، يصرّ ابن تيميّة وأتباعه على أنّ جميع الآيات التي تحدّثت عن اليد والوجه والمجيء. . . ونحو ذلك هي من المحكمات، كما يقول الدكتور الفوزان: (ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه) (1)

والسؤال المطروح على هؤلاء: من أين علمتم أنّ الآية التي تكلّمت عن يد الله هي آيةٌ محكمَة؟ وهل هناك دليلٌ من القرآن أم من السنّة أم من العقل


1- الإرشاد على صحيح الإعتقاد: ص144.

ص: 310

على ذلك؟

والجواب: إنّ هذه دعوى بلا دليل.

وهذا لا يعني أنّنا نقول بأنّها جميعها من المتشابهات، بل لابدّ من مراجعة القرآن لمعرفة ما يقوله عن صفات الحقّ سبحانه، وكلّ ذلك يبيّن لنا الأصول التي اعتمدها أهل البيت (ع) لمواجهة ما قاله أصحاب نظريّة التجسيم في الصفات الإلهيّة.

وبالعودة إلى القرآن نقف عند قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .

فهذه الآية بنظر علماء المسلمين قاطبةً أنّها من أحكم المحكمات القرآنيّة، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من علماء الاتّجاهات المتعدّدة.

فأمّا علماء اتّجاه التنزيه الذين لا يقبلون التجسيم والتشبيه فرأيهم واضح، وأمّا أصحاب اتّجاه التجسيم والتشبيه فقالوا: بلا تكييف ولا تحريم ولا تشبيه.

فإذن هناك إجماع بين علماء المسلمين على أنّ هذه الآية مُحكَمة.

وأمّا لناحية معنى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ فهو أنّ في هذا العالم لا يوجد عندنا تعدّد للخالق، وهو قوله تعالى: الواحد الأحد القهّار. . . وليس في دار التحقيق والوجود والشيئيّة إلّا الخالق والمخلوق، وهذا أصلٌ أساسي في فهم التوحيد الصفاتي والربوبي والعبادي.

فإذا كان في عالم التحقّق الوجودي لا يوجد إلّا الحقّ سبحانه وتعالى، ونحن نعلم أنّ الله هو الحقّ المبين، وكلّ ما في هذا العالم هي أفعال الحقّ سبحانه وتعالى وآياته، فقول القرآن الكريم بأنّه ليس كمثله شيء، يعني أنّ الله ليس مثل مخلوقاته، والمخلوقات ليست مثل الله، والضمير في مثله يعود إلى الحقّ تعالى.

ص: 311

وليس المقصود بالمثليّة هنا أنّه لا يوجد له مِثل فقط في الذات، بل أيضاً في الصفات وفي الأفعال، والمعنى الأوسع والأشمل أنّه ليس كمثل صفاته صفات المخلوقين، أو صفات الخلق ليست كصفات المخلوقين، وليست ذاته كذات المخلوقين، وليس فعله كفعل المخلوقين.

ولتوضيح التمايز وعدم المثليّة بين الخالق والمخلوق نضرب المثال التالي:

نحن البشر عندما نريد القيام بأيّ عملٍ، فإنّنا نحتاج إلى الأدوات والآلات، وإلى الزمان والمكان والحيّز والجهة، ويشار إلينا بالإشارة الحسيّة.

وهذه الأمور قطعاً لا تنطبق على الله تعالى وعلى فعله، وإلاّ لو وجد شيء منها للزم المثليّة.

فعندما نقول بأنّ هذا الكتاب يُباين ويتمايز عن هذا الكتاب، فبماذا

يتمايز؟ إنّه يتمايز بحجمه ومكانه وجهته و. . . .

وعندما نقول بتمايز الله تعالى عن مخلوقاته، لا نعني بهذا التمايز نفس المعنى الذي قلناه في مثال الكتاب، وإلاّ لكان تعالى مثل خلقه، وصار بالتالي مثله شيء.

وهذا ما اشتبه فيه أتباع مدرسة التجسيم حيث تصوّروا أنّ الله يتمايز عن خلقه كما يتمايز مخلوق عن مخلوق آخر، فوقعوا في شبهة أنّه تعالى له مكانٌ وجهة وعلوّ و. . . .

فالطريق الصحيح لمعرفة الله تنزيهه سبحانه وتعالى عن كلّ مخلوقاته، فإذا كان في المخلوق مكان فالحقّ ليس له مكان، وإذا كان في المخلوق زمان فالحقّ منزّه عن الزمان، وهكذا في سائر الأمور كالوجه والرِّجل والصور و. . . فهذه كلّها موجودة في المخلوقات، ولذا لابدّ من تنزيه الخالق عنها.

وقد التفت كبار علماء التفسير من القدامى والمعاصرين إلى هذا الأصل

ص: 312

المهمّ، فأشاروا إليه، كالعلّامة الشيخ محمّد طاهر بن عاشور التونسي في كتابه (التحرير والتنوير) ، حيث قال في ذيل الآية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ في سورة الشورى:

(ويلزم من ذلك أنّ كلّ ما يثبت للمخلوقات في محسوس ذواتها فهو منتفٍ عن ذات الله تعالى، وبذلك كانت هذه الآية أصلاً في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والحواسّ والأعضاء عند أهل التأويل) (1).

فالجوارح الموجودة في المخلوقات لابدّ من تنزيه الباري عزّ وجلّ عنها، وقد ذكرنا سابقاً بأنّ مدرسة ابن تيميّة والمجسّمة لا تنفي أصل الجارحة،

وإنّما تنفي كيفيّة الجارحة وتشبيه الجارحة، وفرق بين أصل الجارحة وكيفيّة الجارحة، فقول ابن تيميّة: «جسمٌ لا كالأجسام» مثلاً، معناه أنّه سبحانه مثله شيء.

ومن هذه المقدّمات ندخل إلى القاعدة التي أسّس لها أئمّة أهل البيت (ع) في هذا المجال، ومن ذلك ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا (ع) حيث يقول

: «لا ديانة إلّا بعد معرفة، ولا معرفة إلّا بإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه» . ثمّ يأخذ الإمام (ع) ببيان بعض المصاديق:

«لا تجري عليه الحركة والسكون - لأنّها من صفات المخلوقين -» (2).

إذن الأصل الذي يسير عليه أئمّة أهل البيت (ع) في معرفة الله، وفي صفات الله هو أنّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .


1- تفسير ابن عاشور التونسي: ج25، ذيل الآية المباركة في سورة الشورى.
2- بحار الأنوار: ج4 ص23٠، ح3.

ص: 313

الصفات الخاصة والمشتركة بين الخالق والمخلوق

ومن هذا الأصل المتقدّم يتفرّع السؤال التالي: هل الحَدّ والجهة والحيّز والمكان و. . . هي من الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوقات، أم من الصفات المختصّة؟

والجواب : الصفات على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل : صفات مختصّة بالله، ولا توجد عند غيره، مثل الغنى وكذلك الأزليّة والأبديّة.

القسم الثاني : صفات مشتركة بين الخالق والمخلوق، مثل العلم الذي

يصدق على الله وعلى مخلوقاته، وكذلك الوجود، والحياة، والحيّ. ولكن بمقتضى قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ لا يمكن أن نتصوّر أنّ هذه الحياة مثل تلك الحياة، فالحياة عند المخلوقين حياة إمكانيّة حادثة فقيرة، وعند الله حياة قديمة أزليّة غنيّة قائمة بالذات.

القسم الثالث : صفات مختصّة بالمخلوق، من قبيل صفة الحدوث، والحاجة، والعجز، والحاجة إلى الزمان والمكان والحيّز والجهة.

وبالنسبة إلى صفة الحَدّ ونحوها. . . يرى أصحاب الاتّجاه التجسيمي بأنّها من الصفات المشتركة، فكما أنّ المخلوقات محدودة، فالله أيضاً محدود، فجعلوها كصفة العلم.

أمّا مدرسة أهل البيت (ع) وكذلك أكثر علماء الإسلام، فاعتبروا أنّ الحَدّ من صفات المخلوقين، وليس من الصفات المشتركة.

وبالعودة إلى القاعدة التي ارتكز إليها أئمّة أهل البيت (ع) نشير إلى جملة من الروايات الدالّة على مبانيهم:

منها ما ورد في كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381ه-،

ص: 314

وفيها: أنّ أمير المؤمنين استنهض الناس في حرب معاوية، فلمّا حشد الناس قام خطيباً فقال:

«الحمد لله الواحد الأحد، الصمد المتفرّد، الذي لا من شيء كان، ولا من شيء خلق ما كان، قدرته بانَ بها من الأشياء وبانت الأشياء منه، فليست له صفة تنال، ولا حَدّ يضرب له الأمثال، كَلَّ دون صفاته تعبير اللّغات، وضلّ هنالك تصاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحالَ دون غيبه المكنون، حُجب من الغيوب، وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول، في لطيفات الأمور، فتبارك الله الذي لا يبلغه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، وتعالى الله الذي ليس له وقتٌ معدود، ولا أجَلٌ ممدود، ولا نعتٌ محدود، هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، حَدّ الأشياء كلّها عند خلقه إيّاها إبانةً لها من شبهه وإبانةً له من شبهها» (1)

ومنها ما ورد في أمالي الشيخ المفيد، عن الإمام الرضا (ع) قال في توحيد الله:

«أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله جلّ اسمه توحيده، ونظام توحيده نفي التحديد عنه؛ لشهادة العقول أنّ كلّ محدود مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً، الممتنع عن الحدث هو القديم في الأزل، فليس اللهَ عبدَ من نعت ذاته، ولا إياه وحّد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب مَن مثّله، ولا به صدّق من نهّاه» (2)

ومنها ما ذكره الشيخ محمّد عبده في شرحه لنهج البلاغة، فيما روي عن أمير المؤمنين (ع) قال:

«فالحدّ لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب» (3)


1- التوحيد: ص43.
2- الأمالي للمفيد: ص253.
3- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 163.

ص: 315

وهذا المعنى يُلمس بغزارة في نصوص الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) .

أيضاً من الشواهد الدالّة على هذا المعنى في نصوص أئمّة أهل البيت (ع) :

1. قال الإمام أمير المؤمنين (ع) متحدِّثاً عن الصفات الإلهيّة:

«السميع لا بأداة، والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسّة» (1)

2. من قولٍ للإمام عليّ (ع) في جواب سؤال ذعلب اليماني:

«صانع لا بجارحة. . . بصيرٌ لا يوصَف بالحاسّة» (2)

3. قوله (ع) في خطبة التوحيد، والتي قال عنها الشريف الرضيّ أنّها تجمع من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة:

«فاعلٌ لا باضطراب آلة. . . ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح والأعضاء. . . يُخبرُ بلا لسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ» (3)

4. في الواقعة المعروفة التي انبرى فيها ذعلب يسأل الإمام عليَّ بن أبي طالب (ع) : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ كان ممّا ردَّ عليه الإمام (ع) :

«كان ربّاً ولا مربوب، وإلهاً ولا مألوه، وعالماً إذ لا معلوم، وسميعاً إذ لا مسموع» (4)

5. عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول:

«لم يزل الله جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مُبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور» (5)


1- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 152.
2- المصدر نفسه، الخطبة رقم: 17٩.
3- المصدر نفسه، الخطبة رقم: 186.
4- بحار الأنوار: ج6 ص3٠5، كتاب التوحيد، أبواب أسمائه تعالى وحقائقها وصفاتها.
5- التوحيد، الصدوق: ص13٩، ح2، باب صفات الذات وصفات الأفعال.

ص: 316

6. عن الإمام الصادق (ع) قال:

«هو سميعٌ بصير، سميعٌ بغير جارحة، وبصيرٌ بغير آلة» (1)

7. في جواب الإمام الرِّضا (ع) على سؤال فتح بن يزيد الجرجاني، الذي قال فيه: فرّجت عنّي فرّج الله عنك، غير أنّك قلت: السميع البصير،

سميعٌ بإذن وبصيرٌ بعين؟ فقال (ع) :

«إنّه يسمع بما يبصر ويرى بما يسمع، بصيرٌ لا بعين مثل عين المخلوقين، وسميعٌ لا بسمعٍ مثل سمع السامعين» (2)

تنفي هذه النصوص الجوارح والأعضاء والحواسّ والأدوات والآلات على اختلاف فيما بينها في التعبير، وإنّما يحتاج إلى ذلك المخلوق، والخالق - جلّ جلاله - مُنزّهٌ عن ذلك كلّه.

وللسمع والبصر عند الإنسان مدىً محدود، فهناك حَدٌّ للبصر وما بعده عمىً، وهناك حَدّ للسمع وما وراءه صمم، أمّا بالنسبة إلى الله سبحانه فلا تصحّ الحدود ولا معنى للمديات، بحيث يكون للسمع مدىً ثمّ بعده اللا سمع، وللبصر حدّ وما بعده اللا بصر، ومبعث ذلك أنّ السمع والبصر الإلهيّين منزّهان عن الجارحة والأداة، غنيّان عنها، فهما قوّة مطلقة غير متناهية لأنّهما عين الذات أيضاً والذات غير متناهية.

عند هذه النقطة في تنزيه المولى - جلّ وعلا - عن الجارحة والآلة في السمع والبصر، التقت نصوص الفريقين من الشيعة والسنّة؛ طبعاً باستثناء مدرسة ابن تيميّة.

منها ما ذكره أبو حامد الغزالي (ت: 5٠5ه-) الذي قال عن السمع أثناء شرحه لأسماء الله الحسنى، ما نصّه: (السميع: هو الذي لا يعزب عن


1- المصدر نفسه: ص144، ح1٠، باب صفات الذات وصفات الأفعال.
2- بحار الأنوار: ج4 ص2٩2.

ص: 317

إدراكه مسموع وإن خفي، فيسمع السرّ والنجوى، بل ما هو أدقّ من ذلك وأخفى، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم، ودعاء الداعين فيستجيب لهم، ويسمع بغير أصمخة وآذان، كما يفعل بغير جارحة ويتكلّم بغير لسان، وسمعه منزّهٌ عن أن يتطرّق إليه الحدثان. ومهما نزّهت السميع عن تغيّر يعتريه عند حدوث المسموعات، وقدّسته عن أن يسمع بأذن أو بآلة وأداة، علمت أنّ السمع في حقّه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات، ومَن لم يدقّق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه، فخذ منه حذرك، ودقّق فيه نظرك) (1)

كما أشار إلى المعنى ذاته صدر الدِّين الشيرازي في (الأسفار) حين قال في حديثه عن السمع والبصر: إنّ هذا الإدراك (يحصل بغير آلة، وإن لم يحصل فينا؛ لقصورنا إلّا بآلة) (2)

ففي النصّ دلالة حاسمة على أنّ الآلة ليست من اللوازم الذاتيّة للسمع والبصر مطلقاً، وإنّما هي كذلك لبعض مراتب الوجود فقط.

وبعد بيان أنحاء المفاهيم، يتّضح الخلط الواضح الذي وقع فيه ابن تيميّة وأتباعه، ولاسيّما في المفاهيم المشتركة الصادقة على الحقّ سبحانه وتعالى وعلى المخلوقات، حيث إنّه لابدّ عند إطلاقها على الله تعالى من تجريدها من الخصوصيّات الموجودة عند الممكنات، وإطلاقها عليه تعالى بخصوصيّات تنسجم مع وجوب الواجب، والوجود الغنيّ المطلق، والأزلي، والسرمدي، ونحو ذلك من العناوين.


1- المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى: ص٩6.
2- الحكمة المتعالية: ج6 ص422، الموقف السادس في كونه تعالى سميعاً بصيراً.

ص: 318

هل الحد من الأوصاف المشتركة أم المختصة؟

إذا كانت المفاهيم على أنحاء ثلاثة، فهنا يأتي السؤال عن مفهوم الحَدّ، هل هو من المفاهيم المشتركة بين الخالق والمخلوقات، أم هو من المفاهيم والأوصاف المختصّة بالمخلوقات؟

من البديهيّات، بل من المسلّمات اليقينيّة أنّ صفة الحَدّ والمحدوديّة ومفهوم الحَدّ ليس من الصفات المختصّة بالله سبحانه وتعالى، لأنّ هذه الصفة موجودة في جميع المخلوقات، وهي محدودة بالوجدان، فهي إذن ليست مختصّة، فيدور أمرها بين كونها من الأوصاف المشتركة بين الله تعالى وبين خلقه - فكما أنّ المخلوقات محدودة، كذلك الخالق عزّ وجلّ - وبين أن تكون من الصفات المختصّة بالمخلوقين.

ترتكز مدرسة ابن تيميّة على الاعتقاد بأنّ مفهوم الحَدّ من المفاهيم والصفات المشتركة، كصفة الوجود، والحياة، والعلم وغير ذلك.

أمّا الاتّجاه العام لعلماء المسلمين المُنكرين للقول بإثبات الحَدّ لله تعالى، فيرى بأنّه من المفاهيم المختصّة بالمخلوقين، وهكذا هي نظريّة مدرسة أهل البيت (ع) التي ترى أنّه من المستحيل عقلاً بأن تكون هذه الصفة من الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوقين.

ومن هنا أنكر أتباع ابن تيميّة حتّى على علماء السنّة هذا الرأي، ففي (صحيح ابن حبّان) وفي مقدّمة التحقيق لشعيب الأرنؤوط قال: (وخاض - أي ابن حبّان - في أمرٍ كان البُعْدُ عن خوض لُجَجِهِ أسلَم لدينه ونفسه، فقد أنكر الحَدّ لله، وصرّح بذلك في مقدّمة كتابه «الثقات» ، فثارت ثائرة الذين أثبتوا لله الحَدّ، واستشاطوا غضباً، ولم تسترح نفوسهم إلّا حين رأوه مطروداً وحيداً يغادر بلدته سجستان، ويفتخر بطرده يحيى بن عمّار ذاك الواعظ في

ص: 319

سجستان حين سأله أبو إسماعيل الهروي: هل رأيت ابن حبّان؟ فيُجيبه منتفخاً مُتعظّماً رافعاً رأسه: وكيف لم أرَهُ، نحن أخرجناه من سجستان، ويعلِّل ابن عمّار سبب طرده، وأنّه تقرّب بذلك إلى الله، وانتصر بزعمه للدِّين. . . وفوق اتّهامه بالبدعة والزندقة، ذكره بعضهم في الكذّابين. . . فلا يسمع منه ما شذّ فيه، وليس من شأن ما هو شاذّ أن يثبت أمام الحقائق الساطعة - أي بقي ابن حبّان علماً - فهي التي تمكث في الأرض ويذهب الزَّبد جفاءً، فقد ظلّ ابن حبّان متألّقاً في حياته، بل وبعد وفاته، حتّى أنّ الناس كانوا يزورون قبره رغم أنف الحاسدين) (1).

ونحن هنا وحتّى لا يتّهمنا أحد، نشير إلى أنّ الغرض من هذه الأبحاث ليس موجّهاً باتّجاه المطالبة من أهل السنّة أن يتحوّلوا إلى التشيّع، لأنّنا نعتقد بأنّ من بحث وحقّق بمقدار من الجُهد ووصل إلى أمر معيّن في الاعتقاد أو الفقه، فيجوز له الاعتقاد به والتعبّد به كذلك، وسوف يكون معذوراً أمام الله سبحانه وتعالى، بل سيكون ناجياً يوم القيامة، ومُثاباً على علمه.

نعم، أولئك الذين خالفوا الحقّ والمنطق والبرهان وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى (محمّد: الآية 32 ، فهؤلاء سيؤاخذون ويحاسبون يوم القيامة.

ومرادنا من الرسول في الآية المباركة هو النبيّ الخاتم (ص) ، وإلّا إذا حملنا الرسول على البيّنة والحجّة وعلى كلّ زمان، فيكون معنى الآية: ما كنّا معذّبين حتّى نبعث بياناً وحجّة.

ويرى ابن حجر أنّ الحقّ مع ابن حبّان في إنكاره للحَدّ، ويقول: (قال الحاكم: وأبو حاتم. . . وكان يُحْسَد لفضله. . . إن أراد القصّة الأولى التي صدّر


1- صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان: ج1، ص23-26 (مقدّمة التحقيق) .

ص: 320

بها كلامه، فليست هذه بهفوة، والحقّ أنّ الحقّ مع ابن حبّان) (1)

وفي مدرسة أتباع أهل البيت (ع) ينقل أحد كبار أعلام هذه المدرسة الشيخ المفيد في كتابه (الأمالي) رواية عن الإمام الرضا (ع) حول توحيد الله سبحانه:

«أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله جلّ اسمه ونظام توحيده نفي التحديد عنه، لشهادة العقول أنّ كلّ محدودٍ مخلوق» (2)فالمسألة لديه من المسائل العقليّة، فضلاً عمّا جاء به النقل.

حاكمية العقل بكون مفهوم الحد من المفاهيم المختصة بالمخلوقين

من الأصول المنهجيّة والعلميّة في مباحث التوحيد: أنّ مسائل المعارف الدينيّة مصدرها الكثير من الآيات القرآنيّة والروايات الشريفة التي يستطيع العقل أن يدرك فيها النفي والإثبات، فيقول العقل بأنّها صحيحة أو غير صحيحة.

والله سبحانه وتعالى زوّد العقل بقدرات وإمكانيّات واسعة فأصبح المصدر الأساس لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى، مع كون القرآن لم يتعرّض لذلك، ومن لا يعتقد بوجود الله تعالى لا يمكن له الاعتقاد بوجود رسول من عنده ولا بكتاب مرسل من قِبله.

إذن أصل إثبات وجود الله تعالى أمرٌ عقليّ.

وهنا يُطرح السؤال التالي: إذا كان للعقل رأيٌ في مسألة معيّنة، ويستطيع أن يثبت فيها شيئاً أو أن ينفي فيها شيئاً، فهل نحتاج هنا إلى النقل؟ وحتّى لو جاء النقل على خلافه، فهل يعتمد عليه أم لا؟


1- لسان الميزان: ج7، ص5٠.
2- أمالي المفيد: ص253، ح4.

ص: 321

والجواب يحتاج إلى مقدّمة، حاصلها:

في علم الرياضيّات إذا سألنا العقل عن حاصل ضرب (2 (ع) 2 فسيقول (4 ، فلو قيل لنا مثلاً (5 ، فهنا نرفع اليد قطعاً عن هذه النتيجة، لأنّ إيماننا بأنّ النتيجة هي أربعة من الأمور القطعيّة التي حكمَ بها العقل.

والحال نفسه في الروايات، فلو جاءتنا رواية وكانت صحيحة السند ولكنّها خالفت أمراً قطعيّاً، فإنّنا نرفع اليد عن الرواية لأنّها أمر ظنيّ خالفت أمراً قطعيّاً، وهذا من قبيل إدراك العقل لعدم اجتماع الوجود والعدم، لأنّه اجتماعٌ للنقيضين، فمن المحال أن يكون الشيء في آنٍ واحد موجوداً وغير موجود، فلو جاءنا من يقول: جاءنا حديث باجتماع النقيضين، فلا يمكن القبول به.

ولذا نحن أيضاً في ما تقدّم ذكرنا في قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ (البقرة: 186 بأنّه إذا كان الله جسماً، فمع كونه قريباً من (أ) لا يستطيع أن يكون قريباً من (ب) ، فإذن هو موجودٌ غير جسماني، وإلاّ فلو دعاه شخصٌ في شمال الأرض، وآخر في جنوبها، لا يمكن له حينئذٍ أن يكون قريباً من هذا وهذا، في آنٍ واحد، وهذا يكشف عن أنّ وجود الله سبحانه وتعالى ليس وجوداً جسمانيّاً.

وكلّ مسألة عقليّة حكمَ فيها العقل بحكم، لا يمكن للنقل أن يعارضه فيها، وكذلك إذا نفى العقل القطعي - لا الظنّي - مسألة لا يمكن للنقل أن يحكم بخلافها، وهذا هو رأي المحقّقين، حتّى أولئك الذين عارضوا الفلاسفة وأشكلوا عليهم، وأبطلوا نظريّاتهم.

ومن هؤلاء ابن تيميّة نفسه الذي يصرّح في بعض المواضع بأنّه عند تصادم النقل مع العقل يسقط النقل، ويعتبر بأنّ الديانة المسيحيّة أو النصارى

ص: 322

الذين قالوا بأنّ الله ثالث ثلاثة إن قالوا بذلك معتمدين على النقل، فقولهم باطل لمعارضته للعقل، ففي كتابه (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح)

يقول: (ولا يميّزون - أي النصارى - بين ما يحيله العقل ويبطله، ويعلم أنّه ممتنع كالتثليث، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه، ولا يحكم فيه بنفيٍ ولا إثبات، وأنّ الرُّسل أخبرت بالنوع الثاني، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأوّل، فلم يفرّقوا - أي النصارى - بين محالات العقول ومحارات العقول، وقد ضاهوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولداً شريكاً) (1)

وصريح كلامه أنّ المسألة إذا كانت من المسائل العقليّة، فحكم العقل بالنفي والإثبات هو الحاكم، أمّا إذا كانت من المسائل التي لا يدركها العقل، من قبيل صلاة الصبح وأدائها ركعتين، فالعقل هنا لا يحكم بالنفي والإثبات، وليس له دورٌ هنا، وفي مسألة أنّ الله ثالث ثلاثة يستطيع العقل أن يحكم فيها، ولا دور هنا للنقل.

ويقول ابن تيميّة أيضاً في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) : (إمّا أن يريد ما أحدهما قطعي، فالقطعي هو المقدّم مطلقاً على الظنّي) (2)( عقليّاً كان أو غير عقلي.

وهنا لابدّ من توضيح قاعدة نستند إليها في مباحثنا؛ دفعاً لبعض التساؤلات حول ذكرنا للروايات من دون السند، وعدم بيان صحّة السند وضعفه، وهي: أنّه إذا كانت القضيّة عقليّة فلا نحتاج إلى دليل عقلي، وإذا ذكرنا إلى جانب الدليل العقلي رواية فليس ذلك إلّا من قبيل المؤيّد أو الشاهد، لأنّه لا حاجة لنا للنقل في الدليل العقلي.


1- الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح: ج3 ص185.
2- درء تعارض العقل والنقل: ج1 ص131.

ص: 323

بعد هذه المقدّمة نأتي إلى الجواب عن الدليل على أنّ المحدوديّة من

الصفات المختصّة بالمخلوق، وليست من الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوق، فنقول: إنّ مرادنا من القضيّة العقليّة هو القضيّة الوجدانيّة، فقولنا بأنّ كلّ موجود محدود، يعني أنّه موجود معدود وقابل للعدّ والحساب، وله حدّ، وإذا ما وضعنا موجوداً إلى جانب موجود آخر أصبح لدينا محدودان، وهكذا إذا أضفنا إليهما ثالثاً صاروا ثلاثة وهكذا إلى الأربعة والخمسة، وهذا هو العدّ الذي يعني انتهاء وجود الشيء، ومحدوديّة الشيء تكون بجعله قابلاً للعَدّ، سواء كان موجوداً أو أنّه سيوجد.

والروايات عندنا أثبتت هذه القاعدة العقليّة، ونذكر بعضها على سبيل الشاهد والمؤيّد على أنّ المحدوديّة تلازم المعدوديّة، ومنها:

1. ما ورد في (أصول الكافي) عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال:

«ولافترق الصانع من المصنوع، والحادّ من المحدود، والربّ من المربوب، الواحد بلا تأويل عدد. . فمن وصف الله فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه، ومَن عدّه فقد أبطل أزله. . .» (1)

2. وما ورد عنه (ع) :

«فالحدّ لخلقه مضروب، وإلى غيره منسوب» (2)

3. ما ورد أيضاً في كتاب (التوحيد) عن أمير المؤمنين (ع) وفيها: أنّ أعرابيّاً قام يوم الجَمَل وسأل الإمام أمير المؤمنين (ع) : أتقول أنّ الله واحد؟ فما كان من الناس إلّا أن حملوا عليه، متذرّعين بأنّ الساحة ساحة معركة وحرب، وقالوا: يا أعرابيّ، أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم النفس؟ فقال أمير المؤمنين (ع) :

«دَعوه، فإنّ الذي يريده الأعرابيّ هو الذي نريده من


1- الكافي: ج1 ص2٠5، ح5.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 163.

ص: 324

القوم؟ يا أعرابيّ، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام؛ فوجهان

منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه. فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل (واحد) يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة؟ وقول القائل (هو واحدٌ من الناس) يريد به النوع من الجنس، فهذا لا يجوز عليه لأنّه تشبيه، وجلَّ ربّنا عن ذلك وتعالى. وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: (هو واحدٌ ليس له في الأشياء شَبَه) ، كذلك الله ربّنا، وقول القائل: (إنّه أحديّ المعنى) ، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ» (1)

4. ومن الشواهد الأخرى ما ورد في نهج البلاغة من قوله (ع) :

«ومن أشار إليه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه» (2).

5. ومنها قوله (ع)

: «ومن وصفه فقد حدّه، ومَن حدّه فقد عدّه» (3)

وهذا الكلام يجري على الزمان أيضاً، فالله سبحانه خلق الزمان، فلا زمان له، لأنّه قبل أن يخلق الزمان لم يكن زمان فيتّصف به الله، لهذا قال (ع) :

«حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانةً له من شَبهها» .

فالعقل يحكم بالتلازم بين المحدوديّة والمعدوديّة، والروايات تؤيّد ذلك، أمّا المحذور في أن يكون الباري معدوداً، أو أن تكون وحدانيّته تعالى وحدة أعداد، فهو أنّ خصائص الوحدة العدديّة لا يمكن لمدرسة التوحيد، مدرسة أهل البيت (ع) أن توافق وتقبل بانطباقها على الباري عزّ وجلّ، لأنّ الآثار


1- التوحيد للصدوق: ص(٨)3 و84، وبحار الأنوار: ج3 ص2٠6.
2- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 1.
3- نهج البلاغة، الخطبة رقم: 151.

ص: 325

المترتّبة على القول بأنّ وحدة الخالق عزّ وجلّ وحدة عدديّة ينتج عنها الشرك بدلاً من التوحيد.

ولأنّ الاعتقاد بوحدانيّة الله عزّ وجلّ بالوحدة الحقّة الحقيقيّة من المباحث الأساسيّة والمهمّة في التوحيد، كان لابدّ من الإطلالة عليها وتمييز الوحدة الحقيقيّة عن الوحدة العدديّة، وهذا ما سنبحثه في الفقرة القادمة.

التلازم بين المحدودية والمعدودية
اشارة

من نتائج البحث المتقدّم: الوصول إلى واحدة من أهمّ الحقائق في عالم التوحيد والمعرفة، وهي التلازم بين المحدوديّة والمعدوديّة.

قد يقول قائل: ما هو المحذور من القول بالمعدوديّة، أو بعبارة أخرى: ما هو المحذور من القول بأنّ الله سبحانه وتعالى واحدٌ بالعدد.

وقد أشرنا أيضاً إلى أنّ مدرسة التوحيد الحقيقي المتمثّلة بأهل البيت (ع) لا يمكن لها أن توافق على مثل هذه الوحدة، ولكي تتّضح الأسباب الكامنة وراء عدم القبول بمثل هذا القول نحتاج إلى بيان عدّة أمور وصولاً إلى النتيجة المتوخّاة:

الأمر الأوّل: في معنى الوحدة

إنّ الأصل الذي تقوم عليه معارف التوحيد، والمنطلق لذلك كلّه هو تحديد المراد من الوحدة، لأنّه هو الأساس في فهم جميع معارف الدين؛ قال تعالى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ (المائدة: 73 ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرعد: 16) ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (ص: 65 .

فما لم يتمّ فهم مسألة الواحد لا تتيسّر عمليّة فهم بقيّة معارف التوحيد.

وحينما ننتقل إلى معنى الوحدة في قولنا: «إنّ الله واحد» نجد أنّ البحث

ص: 326

الفلسفي تناول الوحدة والكثرة بأقسام متعدّدة، فالواحد قد يكون واحداً حقيقيّاً وقد لا يكون، والواحد الحقيقي قد تكون وحدته حقّة وقد لا تكون.

وعند الرجوع إلى القرآن ثَمَّ آيات كثيرة تنسب الوحدة إلى الله وتصفه بها: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إله إِلاَّ هُوَ (البقرة: 163 .

فما طبيعة هذه الوحدة؟ أهي وحدة حقيقيّة، أم وحدة غير حقيقيّة؟

وإذا كانت حقيقيّة فهل هي وحدة حقيقيّة حقّة؟

هذه أسئلة تدخل الإجابة عنها في إطار معرفة التوحيد، والوحدة التي يقول بها ابن تيميّة وأتباعه وتمييز ما يقولونه في هذا المجال عن الوحدة التي قالت بها مدرسة أهل البيت (ع) .

قسّم العرفاء الوحدة إلى وحدة عدديّة ووحدة غير عدديّة. وبعبارة أدقّ: إلى وحدة عدديّة ووحدة حقّة حقيقيّة. فهي «حقّة» باعتبار أنّ للحقيقة أقساماً، وليس المراد أن يوصف الله بأيّ واحدةٍ من تلك الأقسام، بل المراد أن يوصف بالوحدة الحقّة الحقيقيّة التي هي عين الذات لا صفة زائدة عليها، فالصفة - في حال وصف الله بالوحدة - ليست شيئاً زائداً على الموصوف بل هي عين الموصوف.

الأمر الثاني: الفرق بين الوحدة العدديّة والوحدة الحقّة الحقيقيّة

يمكن توضيح الفارق بين الوحدة العدديّة والوحدة الحقّة الحقيقيّة من خلال ما يلي: الوحدة العدديّة هي التي إذا انضمَّ إليها شيء آخر صارت اثنين، وإذا انضمّ إلى الاثنين شيء صار ثلاثة. . . وهكذا.

ومن أهمّ خصائص الوحدة العدديّة المحدوديّة والانتهاء، فما لم ينته

الأوّل لا تصل النوبة إلى الثاني، فلا يقال للكتاب ثانٍ إلّا عندما ينتهي الأوّل،

ص: 327

أمّا لو كان هناك كتاب لا نهاية له فلا يكون ثمَّ مجال لكتاب ثانٍ، فمتى انتهى الأوّل ليكون هناك ثان؟

لذلك جاء في كلام الإمام عليّ (ع) ما يربط بين الحَدّ والعدّ، والتلازم بين المحدوديّة والعدديّة، فإذا ما حُدَّ الشيء فسيتعدّد، أي يقبل الثاني والثالث: «ومن أشار إليه فقد حدَّه، ومَن حدَّه فقد عدَّه» .

على الأساس نفسه رفض الإمام منطق الوحدة العدديّة؛ إذ لا يجوز أن يوصَف الله بالوحدة العدديّة، وذلك حيث يقول (ع) في جواب من سأله يوم الجمل: أتقول إنّ الله واحد؟ : « ف قول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد» .

وفي ضوء المنطق ذاته كفّر القرآن من يذهب إلى أنّ الله ثالث ثلاثة، كما استدلّ الإمام أمير المؤمنين للرجل بقوله : «أما ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة» (1)في إشارة إلى نظريّة النصارى كما حكاها القرآن الكريم، في قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ (المائدة: 73 حيث أمرهم أن ينتهوا عن هذا القول ويكفّوا عنه: وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرا لَكُمْ (النساء: 171) .

فالمراد من الوحدة الحقّة الحقيقيّة سنخ واحد لا نهاية له، لا يقبل الثاني.

فثمَّ فرقٌ كبير بين أن يقبل وجود الله وجود الثاني، ولكن لا يوجد ثان، وبين أن لا يقبل وجوده وجود الثاني أساساً.

يمكن أن نقرّب الصورة أكثر من خلال مثال من الألوان:

فلو صار الشيء أبيض، لا يمكن أن يكون أسود في الوقت ذاته بحيث

أنّ يجتمع البياض والسواد على شيء واحد. وعدم الإمكان هذا لا يقتصر


1- بحار الأنوار: ج3 ص2٠6-2٠7.

ص: 328

على اللحظة هذه بل يشمل الماضي ويسري إلى المستقبل، فمن المُحال أن يكون الشيء أبيض وأسود في آنٍ واحد لا فيما سبق ولا حاضراً ولا فيما سيأتي، وهذا ما يُطلق عليه في اللغة العلميّة باستحالة اجتماع الضدّين، كذلك حال الوجود والعدَم، فالشيء - كزيد مثلاً - لا يمكن أن يكون موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه، لا حاضراً ولا في الماضي، كما يستحيل أن يتحقّق هذا الأمر مستقبلاً.

وفي وحدانيّة الله سبحانه هل المراد أنّه لا يوجد له ثانٍ فعلاً؟ أم استحالة أن يكون له ثانٍ أصلاً. الاعتقاد الصحيح أن نؤمن - بصفتنا موحِّدين - باستحالة أن يكون لله ثانٍ. وهذا لا يتحقّق إلّا برفض أن تكون وحدته وحدة عدديّة، وإلاّ فلو كانت وحدته سبحانه عدديّة فإنّ من خواصّ هذه الوحدة التكرّر والإضافة. ومن ثمّ يمكن أن يقع التعدّد، فلا محذور من حيث الإمكان، وذلك بعكس الوحدة الحقّة الحقيقيّة التي لا تقبل الإضافة والتكرّر، لأنّ الواحد فيها سنخ واحد لا نهاية له، لئلاّ يقبل الثاني، ويكون له ثان.

الأمر الثالث: النتائج المترتّبة على الوحدة العدديّة
اشارة

النتيجة

أولى: المقهوريّة والفقدان للواحد بالعدد

فلو كانت وحدته سبحانه وحدة عدديّة لكانت مقهورة غير قاهرة، وهذا خلاف ما نطق به القرآن الكريم بقوله تعالى: وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (الرعد: 16 ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (ص: 65) وغيرها من الآيات.

وبيان الملازمة: أنّ مثل هذا الواحد (العددي) لو فرض بإزائه فرد آخر كانا إثنين، وصار مقهوراً بالحدّ الذي يَحُدُّه به الفرد الآخر، فمحدوديّة

ص: 329

الوجود هي التي تقهر الواحد العددي على أن يكون واحداً، وبانسلاب هذه الوحدة تتألّف كثرة عدديّة.

ولو صار الله سبحانه واحداً عدديّاً، أي موجوداً محدوداً منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات، لجاز للعقل أن يفترض له ثانياً بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الثاني جائز التحقّق في الخارج أم لا، ومن ثمّ صحّ عند العقل أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه وإن فُرض امتناعه في الواقع.

بيدَ أنّه سبحانه واحدٌ بحيث إنّه لا يُ-حَدّ بحدٍّ فيمكن فرض ثان له، وهذا هو معنى الآيات التي تنعته بالقهّارية بعد وصفه بالوحدة، إذ هي تدلّ على أنّ وحدته هي من النوع الذي لا يدَع مجالاً في أن يُفرض له ثانٍ مماثل بوجهٍ، فضلاً عن أن يظهر مثل هذا الثاني في الوجود ويكون له تحقّقٌ في الخارج.

يقول السيّد الطباطبائي في الاتّجاه الذي ينفي الوحدة العدديّة ويُثبت الوحدة القهّارة: «والقرآن ينفي في عالي تعاليمه الوحدة العدديّة عن الإله جلّ ذكره، فإنّ هذه الوحدة لا تتمّ إلّا بتمييز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمعدوديّة التي تقهره، والمقدريّة التي تغلبه، مثال ذلك: ماء الحوض إذا فرّقناه في آنيةٍ كثيرة، كان ماء كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الذي في الإناء الآخر، وإنّما صار ماءً واحداً يتميّز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه» (1)

فإذا ثبت أنّ الله سبحانه قاهر غير مقهور، وغالب لا يغلبه شيء مطلقاً، فلا تُتصوَّر في حقّه وحدة عدديّة ولا كثرة عدديّة. إذ يلازم الوحدة العدديّة المحدوديّة والمقهوريّة والفقدان، أمّا الوحدة الحقّة الحقيقيّة فيلازمها عدم المحدوديّة وعدم التناهي. وهذه من أهمّ صفات الله الثبوتيّة، التي تعني أن


1- الميزان في تفسير القرآن: ج6 ص(٨)8.

ص: 330

ليس لله حَدّ ولا نهاية.

وإذا ثبت عدم محدوديّته وعدم تناهيه تعالى، فهذا معناه أنّه: ما من كمال مفروض إلّا والواجب سبحانه واجدٌ له.

النتيجة الثانية: أنّه ليس بأزليّ ولا أبديّ

إنّ القول بوحدته سبحانه العدديّة يعني أنّ له ابتداءً وانتهاءً، بحيث يبدأ من نقطة معيّنة وينتهي عند نقطة بعينها أيضاً.

إنّ بين أيدينا مفهومين في هذا المجال هما مفهوم «الأزلي» و «السرمدي» . الأوّل يشير إلى طرف الابتداء، فيما يشير الثاني إلى طرف الانتهاء.

على ذلك إذا افترضنا أنّ للموجود بداية ونهاية، فهو ليس أزليّاً ولا سرمديّاً، لأنّه له من طرف البداية نقطة ابتداء لم يكن قبلها موجوداً، وله من طرف النهاية نقطة انتهاء لم يعد بعدها موجوداً.

بعبارة أخرى: إنّ هذا الموجود مسبوق في المقدَّم بحالة كان فيها معدوماً، ومن المؤخّر يلحق بحالة العدم، فالعدم يسبق وجوده ويليه. وهذه حالة عرفيّة من السهل ملاحظتها في الإنسان، فزيد مثلاً ولد في يوم معيّن لم يكن قبله موجوداً، وينتهي عمره في يوم محدّد لا يعود بعده موجوداً، وبذلك فوجوده يحدّ - في هذه الدُّنيا - بين الأجلين: الميلاد والوفاة. وهكذا شأن بقيّة الموجودات الحادثة التي تفتقر إلى الأزليّة قِدماً وإلى الأبديّة مستقبلاً.

لكن ليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الله سبحانه. فمهما توغّلنا من حيث الابتداء لا نصل إلى نقطة كانت ولم يكن الله فيها، كما لا نعثر من حيث الانتهاء على نقطة تكون ولا يكون الله فيها. والحديث عن الابتداء والانتهاء إنّما يكتسب معناه من خلال حركتنا وعلاقتنا بالزمان والمكان، حيث ننطلق من نقطة أو لحظة لنرجع إلى نقطة ولحظة وهكذا.

ص: 331

فإذا ثبت عدم محدوديّة الحقّ سبحانه، وفقاً لمبدأ الوحدة الحقّة الحقيقيّة لا الوحدة العدديّة، فستثبت أزليّته وأبديّته.

وهذا ما يفسّر لنا طبيعة الحوار الذي دار بين أمير المؤمنين (ع) والحبر اليهودي، عندما «جاء الحبر إلى الإمام (ع) وسأله: يا أمير المؤمنين متى كان ربّك؟ فقال له:

ثكلتك أُمّك ومتى لم يكن حتّى يقال متى كان؟ ! كان ربّي قبل القبل بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته، انقطعت الغايات عنده، فهو منتهى كلّ غاية.

فقال: يا أمير المؤمنين أفنبيٌّ أنت؟ !

فقال (ع) :

ويلك إنّما أنا عبدٌ من عبيد محمّد (ص)» (1)

النتيجة الثالثة: نفي التثليث

بديهي أنّ التثليث لم يكن من عقيدة السيّد المسيح (ع) وإنّما استحدث من بعده كما تثبت البحوث التحليليّة لتأريخ الشرائع. على أنّ التثليث نفسه فيما ذهبت إليه المسيحيّة من إيمان بالأصول (الأقانيم) الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، كان وما يزال عرضة لتفاسير متعدّدة.

من التفاسير المعروفة القراءة التي تذهب إلى أنّ لكلّ أصل من هذه الأصول (الأقانيم) الثلاثة وجوداً مستقلاًّ عن الآخر، بحيث يظهر كلّ

واحدٍ منها في تشخّص ووجود خاصّ به، ويكون لكلّ واحد منها أصلٌ مستقلّ وشخصيّة ولكن في رتبة واحدة. فهم ثلاثة في عين أنّهم واحد، وواحد في عين أنّهم ثلاثة.

بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الأمر معقولاً في نفسه أم لا، فهو يتلاءم مع


1- أُصول الكافي: ج1 ص(٨)٩-٩٠.

ص: 332

الوحدة العدديّة. فإذا ثبت أنّ الله سبحانه هو الأب والابن وروح القدس، وأنّ هؤلاء ثلاثة آلهة في عرض واحد وفي رتبة واحدة، فمعنى ذلك أنّ وحدة الله لابدّ أن تكون وحدة عدديّة، بينما برهن القرآن الكريم والأدلّة الروائيّة القطعيّة على أنّ وحدته سبحانه وحدة غير عدديّة، فيبطل التثليث وفق هذه القراءة.

بعبارة أخرى: عندما يقول القرآن الكريم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ (المائدة: 73 فقد كفّرهم لأنّهم أدخلوا الله تعالى في باب الأعداد، ومن الجليّ أنّ الآية لا تريد أنّ الله سبحانه يدخل في عددهم وفي وصفهم، ولا تفيد مماثلته لهم في تتميم العدد، لأنّ كلّ واحدٍ من هؤلاء شخص واحد جسمانيّ يكوّن بانضمامه إلى مثله الاثنين، وإلى مثليه الثلاثة، والله منزّهٌ عن الجسميّة.

ومن هنا لا يحقّ لنا القول بأنّه ثالث ثلاثة، أو رابع أربعة. . . نعم، القول بأنّ الله رابع الثلاثة يصحّ، لأنّ هذا يعني المعيّة لهم، ولذلك قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا (المجادلة: 7 . فما من نجوى إلّا والله يشارك أصحابها في العلم ويقارنهم في الإطّلاع على ما يتسارّون به لأنّه يماثلهم في تتميم العدد، فهو تعالى محيطٌ بهم، عالمٌ بنجواهم، لا أنّ له وجوداً

محدوداً يقبل العدّ بحيث يمكن أن يُفرض له ثانٍ وثالث وهكذا.

مواقف لعلماء السنة من نظريات ابن تيمية

نشير فيما يلي إلى جملة من كلمات علماء أهل السنّة ممّن خالفوا آراء ابن تيميّة ومعتقداته في إثبات الحَدّ والجهة والحيّز و. . . لله، وفي معنى الاستواء.

ص: 333

المورد الأوّل : للإمام الحافظ البيهقي، المتوفّى سنة (458ه-) في كتاب (أسماء الله وصفاته) ، حيث ينقل مجموعة من الروايات في ذيل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ومنها وما رواه عن ابن عبّاس، فيقول: (عن ابن عبّاس: ثمّ استوى على العرش: استقرّ على العرش، ويقال امتلأ به - أي العرش - ويقال قائم على العرش وهو السرير. . . فهذه الرواية منكرة. . . وكيف يجوز أن يكون مثل هذه الأقاويل صحيحة عن ابن عبّاس، ثمّ لا يرويها ولا بعضها أحدٌ من أصحابه الثقات الأثبات مع شدّة الحاجة إلى معرفتها، وما تفرّد به الكلبي وأمثاله يوجب الحَدّ والحَدّ يوجب الحدث - أي أن يكون محدثاً-) .

فالإمام البيهقي يجعل هناك ارتباطاً بين وجود الحَدّ للشيء وبين أن يكون حادثاً لا قديماً، ومن أوضح المباني لدى علماء المسلمين الملازمة بين الحدّ وبين الإمكان والحدوث. . . .

ثمّ يقول: (والحَدّ يوجب الحدث، لحاجة الحَدّ إلى حادّ خصّه به) (1)

وهذا ما ورد في كلمات أئمّة أهل البيت (ع) مثل قولهم: ( يا حادّ كلّ محدود ) فإذا وجدنا لشيء حدّاً يبرز هذا السؤال: لماذا هذا الحدّ (أ) وليس

الحَدّ (ب) ، ولماذا الحَدّ (ب) وليس الحَدّ (ج) . . . فمن هو الذي خصّه بهذا الحدّ دون الآخر، ولابدّ من مرجّح. . . يقول البيهقي بعد ذلك: (والباري قديم لم يزل) .

والمعلّق على الكتاب محمّد محبّ الدِّين أبو زيد يقول هنا: (ومن أثبت الحَدّ لله عزّ وجلّ وقصد به أنّه محصور ومحدود بشيء من الأمكنة فهو مبتدع


1- أسماء الله وصفاته: ج3 ص1٠41، 1٠44.

ص: 334

بل كافر) (1).

وهذا ليس اتّهاماً من الشيعة لابن تيميّة وأتباعه، بل هو من أهل السنّة والجماعة.

المورد الثاني : للإمام الشيخ سليم البشري أحد كبار أعلام مدرسة الصحابة وأئمّة الأزهر، حيث ينقل عنه المحدّث الفقيه الصوفي الشيخ سلامة القضاعي الشافعي في كتابه (فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان) فيقول: (ونختم هذا الفصل بذكر فتوى بهذا الموضوع صدرت من شيخ الإسلام بحقّ ورأس المحقّقين الأعلام أستاذ الأساتذة الشيخ سليم البشري تغمّده الله برحمته وأعلى في الفراديس درجاته، ونصّ السؤال. . . سألوه: ما قولكم دام فضلكم في رجلٍ من أهل العلم هنا الذين يوصفون بالتفّقه في الدِّين، تظاهر باعتقاد ثبوت جهة الفوقيّة لله سبحانه، ويدّعي أنّ ذلك مذهب السلف، وتبعه على ذلك البعض القليل من الناس، وجمهور أهل العلم ينكرون عليه، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد هو أنّه عثر على كتاب لابن تيميّة في إثبات الجهة للباري سبحانه، وليكن معلوماً أنّه

يعتقد الفوقيّة الذاتيّة، يعني أنّ ذاته سبحانه فوق العرش بمعنى ما قابل التحت، ويخطّئ العلماء وبالجملة هو مخطّئ لكلّ من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره) .

ثمّ يذكر جواب الإمام البشري فيقول: (الجواب: اعلم أيّدك الله بتوفيقه أنّ مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنيّون: أنّ الله تعالى منزّهٌ عن مشابهة الحوادث، مخالفٌ لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزّهه عن


1- المصدر نفسه: ص1٠45.

ص: 335

الجهة والمكان وهما من العالم. . . هذا وقد خذل الله أقواماً أغواهم الشيطان وأزلّهم اتّبعوا أهواءهم وتمسّكوا بها بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، واتّفقوا على أنّها جهة فوق، إلّا أنّهم افترقوا، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم، ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، فإن أثبتوا الجهة مع التنزيه فهم فسّاق، وإن لم يثبتوا الجهة مع التنزيه فهم كفّار، وهؤلاء ضلاّل فسّاق في عقيدتهم وإطلاقهم على الله ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أنّ فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير، سيّما من كان داعية أو مقتدى به. وممّن نسب إليه القول بالجهة من المتأخّرين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن في ضمن أُمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه وشنّع عليه معاصروه بل البعض منهم كفّروه ولقي من الذلّ والهوان ما لقي) (1).

المورد الثالث : للإمام القرطبي في كتاب (المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم) ، يقول: («أين» ظرف يُسأل به عن المكان، كما أنّ: «متى» ظرفٌ يُسأل به عن الزمان، وهو مبنيّ لما تضمّنه. . . وهو لا يصحّ إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة، إذ الله تعالى مُنزَّهٌ عن المكان كما هو منزّهٌ عن الزمان، بل هو خالق الزمان والمكان، ولم يزل موجوداً، ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما هو عليه كان، ولو كان قابلاً للمكان لكان مختصّاً به، ويحتاج إلى مخصّص، ولكان فيه إمّا متحرّكاً وإمّا ساكناً، وهما أمران حادثان، وما يتّصف بالحوادث حادث، على ما يُبْسَط الكلام فيه في علم الكلام) (2).


1- فرقان القرآن بين صفات الخالق وصفات الأكوان: ص72-73.
2- المفهم لما أشكلَ من تلخيص مسلم: ج2 ص143.

ص: 336

أصول المعارف الدينية وانحراف المجسمة عنها

من المحاور الأساسيّة التي تعتبر الحجر الأساس لكلّ المعارف التوحيديّة في القرآن الكريم، ذلك الأصل والأساس الذي أشرنا إليه فيما تقدّم حول تقسيم آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه.

ففي الآية السابعة من سورة آل عمران يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ، ولأجل عدم وقوع الإنسان في المتشابه لابدّ له من معرفة الضوابط والقواعد الصحيحة لمعرفة المحكم القرآني، وإلاّ لأصبح من أولئك الذين قالت فيهم تتمّة الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ .

فمن أخذ المتشابه القرآني وفصله أو عزله عن المحكم القرآني وقع في الزيغ، والزلل، والضلال، والانحراف، وما إلى ذلك.

وقد ذكرنا أنّ الفكر التجسيمي يقوم على أساس أنّ جميع الآيات القرآنيّة التي تكلّمت عن الصفات الخبرية هي آيات مُحكمة، ولم يقم أيّ دليل يثبت

هذا الادّعاء.

ثمّ إنّ القرآن الكريم اعتبر أنّ المحكمات من آياته ترجع إلى محكمٍ واحد أساسي وذلك في قوله تعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ، ومن الملاحظ أنّ النصّ القرآني لم يرِد بصيغة الجمع مثل «هنّ أمّهات الكتاب» ، وهذا إشارة إلى أنّ المحكمات من آيات الكتاب ترجع إلى محكمٍ واحد أساسي، وهذا المحكم هو الأصل الأساس للمعارف القرآنيّة في التوحيد، والوارد في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ .

وهذه الآية كما أشرنا هي أمّ المحكمات في الآيات القرآنيّة، ومن هذا

ص: 337

المنطلق ركّز أئمّة أهل البيت (ع) على التمييز بين صفات الخالق وصفات المخلوق.

وإنّ واحداً من الأسباب الأساسيّة للتجسيم هو عدم فهم هذا الأصل القرآني ومبدأ «ليس كمثله شيء» .

فقد ذهب أتباع ابن تيميّة إلى الآيات المتشابهة في القرآن الكريم، مثل ما ورد حول اليد والرِّجل والوجه والكرسي والعرش، وبدلاً من أن يُرجعوا هذه إلى أُمّ المحكمات القرآنيّة وهي قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وقفوا عند ظواهر هذه الآيات، فوقعوا في هذه المحاذير الكبيرة.

وليس هذا تحاملاً واتّهاماً منّا لأتباع هذا المنهج، بل إنّ كبار علماء مدرسة أهل السنّة قالوا بما نقول، ومن الذين صرّحوا بذلك:

الإمام القرطبي في كتابه (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. حيث قال: (وقوله:

«إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّاهم فاحذروهم» ، يعني يتّبعونه ويجمعونه طلباً للتشكيك في القرآن، وإضلالاً للعوامّ. . . أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلت المجسّمة) .

ثمّ يقول بأنّ هؤلاء من مصاديق الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ . . . فاعتمدوا ظواهر المتشابهات في القرآن فوقعوا في التجسيم.

قال القرطبي: (الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنّة ممّا يوهم ظاهره الجسميّة حتّى اعتقدوا أنّ الباري تعالى جسم مجسّم، وصورة مصوَّرة، ذات وجه، وعين، ويَد، وجنبٍ، ورجلٍ، وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذّر النبيّ عن سلوك طريقهم) (1)


1- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ج6 ص6٩5-6٩7.

ص: 338

ونفس هذا الكلام نقله تلميذه في (الجامع لأحكام القرآن والمبيِّن لما تضمّنه من السنّة وآي الفرقان) في ذيل هذه الآية، حيث ينقل الحديث المتقدّم ذكره عن عائشة ثمّ يقول: (متّبِعو المتشابه لا يخلو أن يتّبعوه ويجمعوه طلباً للتشكيك في القرآن وإضلال العوامّ، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلباً لاعتقاد ظواهر المتشابه؛ كما فعلته المجسّمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنّة ممّا يوهم ظاهره الجسميّة، حتّى اعتقدوا أنّ الباري تعالى جسمٌ مجسّم. . .) (1)

وقد يقول قائل: هذا اتّهام منكم لابن تيميّة وأتباعه من الوهّابية بأنّهم يقولون بالتجسيم، وهم في مقابل ذلك يصرّحون بأنّه جسم لا كالأجسام و. . .

إلاّ أنّ أقوال علماء أهل السنّة تدحض هذا القول بحيث إنّنا - وعلى سبيل المثال - نجد الإمام الحافظ أبا الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي المتوفّى سنة 5٩7ه- يعتبر أنّ أولئك الذين أخذوا بظواهر الآيات المتشابهة ولم يرجعوها إلى محكمات الآيات القرآنيّة قد شانوا المذهب الحنبلي وذهبوا إلى التجسيم الذي لا يرتضي به صاحب عقل.

وممّا قاله: (. . . فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب - أي الحنبلي - ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوامّ فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورةً ووجهاً زائداً على الذات وعينين وفماً ولهواتٍ وأضراس وأضواء لوجهه هي السبحات ويدين وأصابع وكفّاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر


1- الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمّنه من السنّة وآي القرآن: ج5 ص22، ذيل الآية المذكورة.

ص: 339

الرأس، وقالوا يجوز أن يَمسّ ويُمسّ ويدني العبد من ذاته، وقال بعضهم: ويتنفّس، ثمّ يرضون العوامّ بقولهم لا كما يعقل. وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسمّوها بالصفات تسميةً مبتدعةً لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى. . .) (1).


1- دفع شبه التشبيه بأكفّ التنزيه: ص٩٩ -1٠٠.

ص: 340

ص: 341

الركن الرابع: أن لله تعالى وزناً وثقلاً

اشارة

حديث الأطيط

موقف علماء المسلمين من حديث الأطيط

مدرسة ابن تيمية و حديث الأطيط

ثقل الله تعالى في مدرسة التجسيم

موقف علماء أهل السنّة من حديث الأطيط

أهل البيت ومقولة الثقل لله تعالى

ص: 342

ص: 343

حديث الأطيط

أحاديث الأطيط من الأحاديث المشهورة في كتب علماء المسلمين، وقبل الدخول في سرد هذه الأحاديث وبيان مضمونها، وما تشتمل عليه، وكذلك الخوض والبحث في سندها وتوجيهات العلماء لها، كان لابدّ من بيان المراد من الأطيط في مباحث اللغة العربيّة.

الأطيط في اللغة

1. قال الإمام الجزري ابن الأثير في كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) في مادّة (أطط) : (أطّت السماء وحقّ لها أن تئطّ، الأطيط صوت الأقتاب - التي تحمل على الجِمال - وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، أي أنّ كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتّى أطّت - أي صدر منها هذه الأصوات - هذا مثل، وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمّ أطيط) (1).

فالأطيط وفقاً لما تقدّم هو الصوت الخاصّ.

2. قال العلّامة أبو عبيد محمّد الهروي صاحب الأزهري: (وفي الحديث: له أطيط كأطيط الرحل . [والرحل هو ما يوضع على الجمال] وأطيط الإبل صوتها، يقال: لا أفعله ما أطّت الإبل) (2)

وفي هذا أيضاً دلالة على أنّ المراد من الأطيط هو الصوت الخاصّ الذي


1- النهاية في غريب الحديث والأثر: ص4٠، مادّة أطط.
2- الغريب في القرآن والحديث: : ج1 ص(٨)٠.

ص: 344

يخرج من الشيء إذا حُمِل عليه ما يُثقِلهُ، وإلاّ إذا لم يوضع عليه ما يثقله لا يصدر منه هذا الصوت.

3. قال الجوهري: (الأطيط: صوتُ الرحل والإبل من ثِقلِ أحمالها، يُقال: لا آتيك ما أطّت الإبلُ. وكذلك صوت الجوف من الخوى، وحنينُ الجذع) (1)

4. قال الزبيدي: (والأطيط: صوت الرَّحْلِ الجديد والإبل من ثقلها. وفي الصحاح: من ثِقلِ أحمالها. . . صوت الإبل هو الرُّغاء، وإنّما الأطيطُ: صوتُ أجوافها من الكِظَّةِ إذا شربت. والأطيط: صوت الظَّهرِ والأمعاء والجَوْف من شدّة الجوع) (2)

5. قال ابن منظور: (أطط: الأطيطُ نقيضُ صوت المَحامِل والرِّحال إذا ثقل عليها الرُّكبان، وأطَّ الرَّحلُ والنِّسْعُ يَئِطُ أطّاً وأطيطاً صَوّت، وكذلك كلّ شيء أشبه صوت الرّحل الجديد، وأطيطُ الإبل صوتُها، وأطّت الإبل. . . أنَّتْ تَعَباً أو حنيناً. . .) (3)

روايات الأطيط

وردت روايات حديث الأطيط في مصادر متعدّدة، منها:

1- ما ورد في جامع البيان في تأويل القرآن، المشهور بتفسير الطبري، في ذيل آية الكرسي قال:

(قال أبو جعفر: ما اختلف أهل التأويل في معنى «الكرسي» الذي أخبر


1- الصحاح في اللّغة: ج1 ص15، مادّة أطط.
2- تاج العروس: مادّة أطط.
3- لسان العرب: ج7 ص256. مادّة أطط.

ص: 345

الله تعالى ذكره في هذه الآية أنّه وسع السماوات والأرض.

فقال بعضهم: هو علم الله تعالى ذكره. . . .

وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين. ذكر من قال ذلك. . . قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرّحل. . . فإنّ السماوات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش، وهو موضع قدميه. . . .

وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه.

ذكر من قال ذلك: حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش.

قال أبو جعفر الطبري: ولكلّ قول من هذه الأقوال وجهٌ ومذهب، غير أنّ الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله (ص) ، وهو ما: . . . عن عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأةٌ النبيّ (ص) ، فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنّة! فعظّم الربّ تعالى ذكره، ثمّ قال

: إنّ كرسيّه وسع السماوات والأرض، وإنّه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع - ثمّ قال بأصابعه فجمعها -

وإنّ له أطيطاً كأطيط الرّحل الجديد، إذا ركب، من ثقله)