الشيع و النص

اشارة

التشيع و النص

مشخصات كتاب

سرشناسه : موسوي، جاسم هاتو

عنوان و نام پديدآور : التشيع و النص: دراسه تحقيقيه ناظره الشبهات .../ جاسم هاتو الموسوي.

مشخصات نشر : تهران: نشر مشعر، 1391.

مشخصات ظاهري : 335 ص.

شابك : 978-964-540-425-1

وضعيت فهرست نويسي : فيپا

يادداشت : عربي.

موضوع : شيعه -- دفاعيه ها و رديه ها -- احاديث اهل سنت

موضوع : وهابيه -- دفاعيه ها و رديه ها -- احاديث اهل سنت

موضوع : احاديث اهل سنت -- قرن 14

رده بندي كنگره : BP223/52/م84ت5 1391

رده بندي ديويي : 297/211

شماره كتابشناسي ملي : 3054298

ص:1

اشاره

ص:2

ص:3

ص:4

ص: 5 

مقدمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً الشيعة كلمة معروفة للجميع، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم، لكن في اصطلاح المسلمين تطلق على كلّ من اختار طريق آل الرسول عليهم السلام واتّبع منهجهم، وقد اختار لهم رسول الله (ص) هذا الاسم. وهم يستقون عقائدهم من سنّة النّبيّ وأهل بيته الكرام، إلّا أنّ بعض أصحاب الفكر السقيم بذلوا قصارى جهدهم ليصوّروا هذه الأفكار السليمة والعقائد الصحيحة بأنّها أفكار دخيلة غريبة قد جيء بها من أعداء الإسلام، متشبّثين بكلّ غث لإلصاق هذه الخرافات والأوهام بأتباع المنهج الحق. وقد شدّ مركز بحوث الحج حزام الهمّة بالتنسيق مع مركز الزهراء الإسلامي؛ لتحقيق هذه المسألة لتحقيق هذه المسألة وبحثها، حيث كلّف بذلك محققه الباحث في مجال العقيدة الأستاذ الدكتور السيّد جاسم هاتو الموسوي، فخرج هذا الأثر تحت عنوان (التشيّع والنصّ) ، الذي اعتمد فيه الباحث على أهم الأدلة المتقنة من مصادر السنّة وكتبهم المعتبرة لديهم وفق مبانيهم؛ ليبرهن على صدق مدّعى الشيعة الإمامية وإبطال دعوى المخالف.

ص:6 

وفي الختام لا يسع مركز بحوث الحج إلّا أن يتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لمدير مركز الزهراء الإسلامي ومحققه العزيز، سائلين المولى القدير أن يوفّق الجميع لما فيه مرضاته تعالى. إنّه ولي التوفيق قسم الكلام والمعارف مركز بحوث الحج

ص:٧ 

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيّنا أبي القاسم محمّد (ص) وعلى آله الطاهرين المعصومين. إنّ الخلاف والاختلاف والتباين سمات رافقت المجتمعات البشريّة منذ وجودها على وجه الأرض، ولم تأتِ بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام وإنزال الكتب والرسالات إلّا للحدّ من هذه الخلافات بين الأُمم وبيان ما اختلفوا فيه، إلّا أنّه رغم ذلك فقد اختلف أصحاب الديانات والكتب السماويّة أنفسهم من بعد ما جاءهم العلم.  ١  ولم تكن الأُمّة الإسلاميّة خارجةً عن هذه السُنّة التاريخيّة؛ فكان الخلاف ينشب بين أبنائها بين الفينة والأُخرى. وقد اقترنت تلك الخلافات في حُقبٍ من التاريخ الإسلامي بتبنّي البعض أفكاراً متطرّفةً وشاذّةً لا تعود على المسلمين بشيء سوى تعميق الخلاف أكثر فأكثر، وتأجيج النزاعات المذهبيّة والطائفيّة وتشديدها بينهم. وكان من بين روّاد هذا المضمار الشيخ المعروف بابن تَيمية الحَرّانيِّ، إذ كان له قصب السبق في ذلك بما جاء به من آراءٍ خرق فيها إجماعَ علماء المسلمين، وفتاوى اتّهم فيها الغالبيّة العظمى من أهل القبلة بالشرك

(1)


1- قال ابن تيمية: «وقد زيّن الشيطانُ لكثير من الناس سوءَ عملهم، واستزلّهم عن إخلاص الدين لربّهم إلى أنواعٍ من الشرك، فيقصدون بالسفر والزيارة رضى غير الله والرغبة إلى غيره، ويشدّون الرحال إمّا إلى قبر نبيٍّ أو صاحب أو صالح أو ما يظنون أنّه نبيّ. . .» ؛ اقتضاء الصراط، ص 45٧ . فزيارة قبر الرسول ص عند ابن تيمية غوايةٌ من الشيطان، وضرب من الشرك، حتّى ولو قصد بها مرضاةَ الله وثوابه! وقال: «الأحاديث المرويّة في زيارة قبره، كقوله: مَن زارَني وزارَ أبي إبراهيمَ الخليلَ في عامٍ واحد ضَمِنتُ لهُ عَلى اللهِ الجنّةَ ، و مَن زارَني بَعد مَماتي فَكَأنّما زارَني في حَياتي ، و مَن حَجّ ولم يزُرني فَقَد جَفاني ، ونحو هذه الأحاديث، كلّها مكذوبة موضوعة» ؛ اقتضاء الصراط، ص 4٠١ . فتعظيم قبر الرسول الخاتم ص عنده يؤدّي إلى الشرك، والصلاة عنده للتبرّك بدعة، وأحاديث زيارته مكذوبة وموضوعة! !

ص:8 

ومن هنا لم تجد تلك الفتاوى مكاناً لها في الأوساط العلميّة بادئ ذي بدء، فجوبهت تلك الآراء والأفكار بالرفض الشديد، ووقف بوجهها العلماء بمختلف انتماءاتهم؛ لما وجدوا فيها من خطورةٍ من حيث المحتوى والابتعاد عن روح النهج القويم، الأمر الذي يشكّل تهديداً جادّاً لوحدة المسلمين وتماسكهم. وقد انحسرت هذه الأفكار بعد أن ضُيّق على صاحبها، إلى أن انتهى به الأمر إلى السجن، حيث ق-ضى أجله فيه، وخَبَت أفكارُه. و بقيت كتب ابن تيمية وآثاره منزويةً يتداولها نفرٌ قليل، إلى أن أظهر محمّد بن عبدالوهّاب (سنة  ١١4٣ ه-) دعوتَه في (نجد) ، حيث غالى كثيراً وأفرط في تبنّي آراء ابن تيمية وبثّ فيها الحياة من جديد، وأخذ بالتهجّم على الذين لم يكونوا يوافقونه فى الرأي، فبسط نفوذ هذه الدعوة الجديدة على أغلب مناطق الجزيرة العربية بالقهر والغلبة وحرارة السيف، وتحت شعار التوحيد وتطهير المنطقة من مظاهر الشرك بالله تعالى في عبادته حسب زعمه، وقد عرفت باسم (الوهابيّة) ، و التي اشتدّت في هجمتها - منذ بداية ظهورها - على الشّيعة الإمامية؛ وذلك لما يتمتّعون به من رقيٍّ في المستوى الفكري والعلمي، وقدرة على التطوّر وإيجاد الحلول والإجابات على كلّ متطلّبات العصر، الأمر الذي ساهم في انتشاره في مختلف البلدان، فتقبّلته القلوب والعقول من دون إكراه أو إلجاء إليه؛ كيف لا وهو فكرٌ مبتنٍ على فكرِ أئمّة أهل البيت عليهم السلام من عترة النبي (ص) ، وطريقتهم في بيان الدين الحنيف التي تتماشى مع الفطرة الإنسانية السليمة، مع جلالة شأنهم، وسطوع برهانهم، وورعهم وتقواهم المشهور بل المتواتر.

ص:9

 فكان لأتباع أهل البيت عليهم السلام الغلبة الفكريّة على الجميع بلا استثناء، ولم يجد الأعداءُ وسيلةً لإيقاف هذا المدّ الشيعي إلّا باتّباع أساليب لا تنسجم مع روح الإسلام الذي عُرف بأنّه دينُ البرهان والدليل والحوار والكلم الطيّب والجدال بالتي هي أحسن، فجنّدوا كلَّ طاقاتهم لزرع الحقد والعداوة والكراهية في قلوب الأجيال عبر مختلف طرق التبليغ؛ ابتداءً بالخطب والمحاضرات، ونشر الكرّاسات والكتب والمجلّات، ثمّ مع مرور الزمان و تطوّر وسائل الإعلام قاموا أيضاً بتسخير وسائل الإعلام المسموعة و المرئية، ومواقع الإنترنيت، وغيرها. بل عمدوا إلى إدخال كتب العقائد الخلافيّة في المناهج الدراسيّة، وإنشاء المعاهد والجامعات لتربية أصحاب الفكر المتشدّد والمتطرّف، حتّى تخرّجت منها جماعة من الكتّاب لم ترقب لأحدٍ ذمّةً ولم تراعِ حرمة؛ كإحسان إلهي ظهير، وإبراهيم الجبهان، وناصر بن عبدالله بن علي القفاري، وعلي السالوس، وغيرهم كثير. وقد اتّسمت كتاباتُهم بشكل عامّ باللاموضوعيّة، والشدّة، والتهجّم السافر على الآخرين، وعدم الإنصاف، والابتعاد عن منهج البحث العلمى في المسائل الخلافيّة، ومن المعلوم أنّ أهمّ العناصر التي يجب الالتزام بها من قِبَل الباحث في الفكر العقائدي المقارَن، هي مراعاة الأمانة العلميّة في النقل والضبط والبيان، والورع، وأداء الحقّ واتّباعه، كما قال سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» (الزمر:  ١٨ ) وينبغي النظر إلى المسائل الاتّفاقية بعين الاعتبار والأهمّية، فإنّ نقاط الاشتراك والالتقاء في الأُصول والفروع لدى المسلمين هى أكثر من نقاط الاختلاف والافتراق، وهذه الأُمور المشتركة بمثابة القاعدة الثابتة التي ينطلق المرء منها في المعرفة الدينية الإسلاميّة. كما لابدّ من الإنصاف والتزام الموضوعيّة في التعامل مع المسائل الخلافيّة الموجودة بين أئمّة المذاهب الإسلاميّة، فالخلاف مسألة طبيعيّة، وهو ميزة البحث الفكري، بل

ص:10

 لا يخلو منه حتّى أصحاب المذهب الواحد؛ سواء في الفقه أو الاعتقادات، كما نجد ذلك لدى أئمّة أهل السُنّة أنفسهم. كما أنّ من الظلم والإجحاف الاعتمادَ على المصادر الثانوية وغير المعتمدة لدى الطرف الآخر فى بيان مذهبه أو الردّ عليه، أو الاحتجاج بالقضايا الخلافيّة غير المسلَّم بها عنده، بل لابدّ من الرجوع إلى أُمّهات المصادر المعتمده لديه والاحتجاج عليه وفق متبنّياته. قال ابن حزم: «لا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا؛ فهم لا يصدّقونها، ولا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم؛ فنحن لا نصدّقها، وإنّما يجب أن يحتجّ الخصوم بعضُهم على بعض بما يصدّقه الذي تُقام عليه الحجّة به، سواء صدّقه المحتجّ أو لم يصدّقه؛ لأنّ من صدّق بشيء لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الض-روري، فيصير الخصم يومئذٍ مكابراً منقطعاً إن ثبت على ما كان عليه» (1) ويجدر بالباحث الإسلامي أن يكون هدفه من وراء طرح كلّ مسألة علميّة هو طلب الحقّ والحقيقة، لا أن يرِد البحث وهو محمّل بالقَناعات والأحكام المسبَقة المسلّمة لديه من دون أن يكون له الاستعداد لرفع اليد عنها «وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (سبأ:  ٢4 ) ولا ريب في أنّ العلماء هم مصدر الخير والسعادة لكلّ أُمّة، فيجب على علماء المسلمين جميعاً السعي لما فيه خير الأُمّة وصلاحها، ولا يمكن أن يحصل ذلك إلّا من خلال البحث العلمي الحرّ والموضوعي، مع سعة الصدر، والانفتاح، والابتعاد عن العصبيّة في الحوار، والتأدّب بالآداب الإسلاميّة، والتمسّك بالقيم الأخلاقيّة. ونحن بدورنا سنضع كلّ ذلك نصب أعيننا إن شاء الله تعالى، ونوظّف كلّ أدوات


1- الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، ج 4 ، ص ٧٨ .

ص:11

البحث العلمي والاستدلال المنطقي المتين، متّبعين اُسلوب المناظرة العلميّة والمجادلة بالتي هي أحسن. وننوه هنا إلى أنّ هذا البحث مستّل من كتابنا (الردّ الكبير) ، وقد شارك فيه مجموعة من الباحثين بابحاث مميزة وقعت ضمن طيات هذا البحث، وسننبه عليها في الهامش في موقعها، سائلين المولى العليّ القدير أنْ يوفّقنا لما فيه مرضاته تعالى.

ص:12

ص:13 

المدخل

يرتبط ظهور التشيّع لآل البيت عليهم السلام ارتباطاً وثيقاً بمسألة النصّ على أميرالمؤمنين عليه السلام كخليفةٍ لرسول الله (ص) ووصيّاً له، فمن أراد الوقوف على تاريخ ظهور المذهب الشيعي ينبغي له أن يحقّق فى عقيدة النصّ والوصيّة، وتاريخ ظهورهما بين المسلمين. والمشهور أنّ هناك عدداً من كبار الصحابة؛ كالمقداد وسلمان وعمّار وأبي ذرّ رضي الله تعالى عنهم، كانوا يعتقدون بالنصّ والوصيّة. ولم يكن هذا الاعتقاد وليد الأحداث المؤسفة التي حصلت بعد رحيل رسول الله (ص) ، وإنّما هو حاصل ما سمعوه ووعوه من الرسول الأكرم (ص) . وكانت نتيجة ذلك هى أنّ النواة الأُولى للتشيّع نشأت على عهد النبي (ص) من دون أن ترتدي لباس التمذهب، وإنّما توشّحت ذلك بعد رحيل رسول الله (ص) ، مقابل الجماعة التي تمذهبت لأصحاب السقيفة، وهذا الأمر من الوضوح بدرجة بحيث أقرّ به حتّى بعض كتّاب الوهابيّة ممّن عُرفوا بتعنّتهم تجاه مذهب أهل البيت عليهم السلام؛ كالدكتور علي السالوس وأضرابه. يقول هذا الكاتب المعاصر ضمن كلامه عن امتناع بعض الصحابة عن بيعة أبي بكر: «والمشهور أنّ هؤلاء لم يبايعوا؛ لأنّهم يرون أنّ الإمامة ليست في قريش بصفة عامّة، وإنّما هي في أهل بيت النبوّة، وللإمام عليٍّ بصفة خاصة، وهؤلاء قلّة يذكر لنا التاريخُ منهم بعضَ الصحابة من غير بني هاشم؛ كالمقداد بن الأسود، وسلمان

ص:14

الفارسيّ، وأبي ذرّ الغفاري رضي الله تعالى عنهم أجمعين» (1)

لكن من الغريب جدّاً إصرار بعضِهم على ربط التشيّع بعبدالله بن سبأ، وإرسال ذلك إرسال المسلّمات(2)، بلا دليل أو برهان، وإنّما سائقهم فيه الهوى. والأغرب من ذلك دعوى أنّ عقيدة الوصيّة هي من مخترعات ابن سبأ أيضاً!  (3)

ولا قيمة لمثل هذه الترّهات والخزعبلات، وليست هي إلّا استخفاف بعقل المخاطب، فلا إجحاف لو تسائل هنا:

ما هو المقصود من تأسيس ابن سبأ للتشيّع؟ ! وما هو المقصود من اختراعه لمسألة الوصيّة؟

فهل أنّ المراد من تأسيس ابن سبأ للتشيّع هو كونه مخترعاً للنصّ على أميرالمؤمنين عليه السلام بأيّ لفظ كان، سواء بلفظ الوصيّة أو ما يؤدّي معناه؛ كأن يقول (ص) : «خليفتي من بعدي» أو «وليّكم» أو ما شاكل «هو فلان» مثلاً؟

أم أنّ المراد من تأسيس ابن سبأ للتشيّع هو كونه مخترعاً للنصّ على أمير المؤمنين عليه السلام بخصوص لفظ الوصيّة؟

ومن الواضح أنّ هذين مستويان من البحث في الوصيّة، يتعلّق أحدهما بمعنى

الوصيّة وأنّ المقصود منها هو النصّ على الخليفة بعد رسول الله (ص) ولو بلفظ آخر غير


1- مع الاثني عشريّة في الأُصول والفروع، د. علي السالوس، ج ١ ، صص ٢٩  و  ٣٠ .
2- قال إحسان إلهي ظهير: «وأمّا إنكار عبدالله بن سبأ اليهوديّ فليس إلّا إنكارٌ للحقيقة الساطعة كالشمس الطالعة في منتصف نهارها، ولم يوجد في المتقدّمين أحدٌ من أنكر وجوده، وما أدري أيّهم أكثر علماً وإلماماً بالحقائق؟ المتقدّمون أو المتأخّرون، [الخائفون المذعورون] من والدٍ وَلَدَهم، ومؤسّسٍ أوجدَهُم، فنحن ندعو القوم ونتحدّاهم أن يُثبتوا واحداً من المتقدّمين منهم، لا منّا، من ينكر وجوده، ويعدّه من الخيال والوهم» ، الشيعة وأهل البيت، هامش، صص ١١5  -  ١٢4 .
3- كثيراً ما ردّد كتّاب الوهابيّة هذه المقولة لاسيما المعاصرين منهم؛ كإحسان الهي، وعلي السالوس وأضرابهما، قال اللفظ للسالوس : «عبد الله بن سبأ كان يهوديّاً ثمّ أعلن إسلامه، ووالى عليّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه- وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول ص في أبى الحسن مثل ذلك، وهو صاحب فكرة أنّ عليّاً هو وصىّ النبيّ صلى الله عليه وسلم» ؛ مع الاثني عشرية في الأُصول والفروع، ج ١ ، ص ٩ .

ص:15

لفظ الوصيّة، ويتعلّق الآخر بخصوص هذا اللفظ بمعنى النصّ على خليفة رسول الله (ص) بلفظ الوصيّة. أمّا المستوى الأوّل (النصّ على الخليفة بعد رسول الله (ص) بغير لفظ الوصيّة) فقد وقع البحث فيه بشكل موسّع من قبل علماء الإماميّة، حيث ذكروا أدلّتهم على ذلك، والتي كانت من جملتها نصوص القرآن الكريم والسنّة النبويّة المطهّرة، وقد وقع هناك نقض وإبرام في دلالة هذه النصوص بين علماء السنّة والإماميّة، لكنّنا لم نجد منهم من زعم أنّ هذه النصوص من مخترعات ابن سبأ، كما سيأتي ذكر بعضها في الأبحاث القادمة إن شاء الله تعالى.

وأمّا المستوى الثاني (النصّ على الخليفة بعد رسول الله (ص) بلفظ الوصيّة) فقد وقع البحث فيه أيضاً بشكل موسّع من قبل علماء الإماميّة، حيث ذكروا تلك النصوص النبويّة الواردة بخصوص لفظ الوصيّة، وبحثوا فى أسانيدها وطرقها ودلالاتها، ووقع لعلماء السنّة فيها كلام إلّا أنّهم لم ينسبوا ببنت شفة على أنّ هذه النصوص هى من مخترعات ابن سبأ. ومن هنا فدعوى أنّ هذه النصوص من مخترعاته لا تصمد أمام البحث العلمي، كما سيأتي بيان ذلك أيضاً إن شاء الله تعالى.

وقد وقع الخلط الواضح بين ما جاء في أنّ ابن سبأ هو من اخترع الوصيّة، وبين ما ورد في شخصيّته وما نُسب إليه من أدوارٍ لعبها في التاريخ الإسلامي. وقد استغلّ إحسان ظهير وأضرابه ذلك، فحاولوا أن يغالطوا ويوجدوا الربط بين وجوده كشخصيّة حقيقية لها حضور خارجي قد عاصرت ثلّة من الصحابة، وبين كونه مخترعاً لعقيدة الوصيّة وبعض المعتقدات الأُخرى التي اُدّعي بأنّه هو من أوجدها وروّج لها، فكلّما ورد ذكر ابن سبأ، فإذن هو من اخترع الوصيّة، والحال أنّه لا رَبط بين المسألتين، فمجرّد ثبوته لا علاقة له بالوصيّة كما هو واضح.

ولكي تتّضح حقيقة الأمر في ذينك المستويين، وما وقع من الخلط بين ما جاء في أنّ

ابن سبأ كمبدع للوصيّة وبين ما ورد في شخصيّته، سنبحث المسألة بشكل مختصر ضمن

ص:16

 عدّة فصول، مع مراعاتنا للاختصار بحسب ما يقتضيه المقام، وذلك على النحو الآتي: الفصل الأوّل: أحاديث النصّ بلفظ الوصيّة في روايات أهل السنّة. الفصل الثاني: الوصيّة في مرويّات عبدالله بن سبأ وحقيقة هذه الشخصيّة. الفصل الثالث: أحاديث النصّ بغير لفظ الوصيّة في روايات السنّة. الفصل الرابع: علاقة النصّ بنشوء الفِرق وتاريخ ظهور التشيّع. الفصل الخامس: الفِرقة الناجية.

ص:17 

الفصل الأوّل: أحاديث النصّ بلفظ الوصيّة في روايات أهل السنّة

اشاره

ص:18

ص:19 

تمهيد

اشارة

أخرج كبارُ محدّثي أهل السنّة وحفّاظهم روايات النصّ على الخلافة بلفظ الوصيّة، بشكل تفرغ معه مقولة اختراع ابن سبأ للقول بالوصيّة من محتواها، وتصبح لا قيمة علميّة لها؛ لأنّ الوصيّة وردت على لسان رسول الله (ص) وكبار الصحابة حتّى قبل دخول ابن سبأ في الإسلام! وهذه إشارة إلى بعض الروايات التي جاء فيها لفظ الوصيّة للإمام عليّ عليه السلام من قبل النبيّ (ص) من كتب أهل السنّة، وإلّا فكتب الشيعة الإماميّة مليئة بالروايات الصحيحة في ذلك، إلّا أنّه لا حاجة لذكرها، خصوصاً ونحن بصدد الاحتجاج على المخالف، وأمّا التفصيل فله مقام آخر:

١ - حديث عائشة

أخرج البخاريّ في صحيحه من طريق الأسود بن يزيد، قال: «ذُكر عند عائشة أنّ النبيّ (ص) أوصى إلى عَليّ، فقالت: من قاله؟ لقد رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإنّي لمُسنِدتُه إلى صدري، فدعا بالطّست، فانخنث (1) ، فمات، فما شعرت، فكيف أوصى إلى عليّ؟ !»(2). وأخرجه البخاري أيضاً ومسلم في صحيحيهما من طريق الأسود أيضاً، بلفظ:


1- أى: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت؛ يقال: ثَنيت السقاء؛ إذا ثَنيَت فمه. اُنظر: النهاية، ابن اثير، ج ٢ ، ص  ٨٢  خنث .
2- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٨6 ؛ صحيح مسلم، ج 5 ، ص ٧5 .

ص:٢٠ 

«ذكروا عند عائشة أنّ عليّاً رضى الله عنه كان وصيّاً، فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندتُه إلى صدري - أو قالت: حجري - فدعا بالطّست، فلقد انخَنَثَ في حجري، فما شعرت أنّه قد مات، فمتى أوصى إليه؟ !»(1). وأخرجه النسائي في مسنده من طريق الأسود أيضاً، بلفظ: «عن عائشة، قالت: يقولون: إنّ رسول الله (ص) أوصى إلى عليّ رضى الله عنه، لقد دعا بالطّستِ ليبولَ فيها، فَانخنَثَت نفسه (ص) وما أشعر، فإلى من أوصى؟ !»(2) ولا شبهة لأحدٍ من أهل السنّة في سند هذه الرواية بألفاظها المتعدّدة، وهي صريحة الدلالة على أنّ مسألة الوصيّة لأمير المؤمنين عليه السلام كانت معروفة عند الصحابة، وكانوا يتداولونها في مجالسهم ومنتدياتهم، وكأنّها أمر مفروغ من وجوده. فهل لقّن ابنُ سبأ أيضاً هؤلاء الصحابة الذين ذكروا عند عائشة أن أميرالمؤمنين عليه السلام هو الوصيّ؟ ! وعدم اطّلاع عائشة على الوصيّة لا يقدح بالأمر؛ إذ ليس من الضروريّ أن يوصي رسول الله (ص) بحضورها وفي حجرها! وهو في آخر لحظات حياته الش-ريفة، بعد أن أوصى (ص) بحضور أصحابه. مضافاً إلى أنّ هذا الموقف لعائشة من وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ليس ببعيد منها؛ لأنّها لا تطيب نفساً بالإمام عليه السلام، وموقفها منه معروف. فقد أخرج أحمد بن حنبل (ت/ ٢4١ ه) في مسنده، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن عائشة، قالت:

«لمّا مرض رسولُ الله (ص) في بيت ميمونةَ، فَاستأذنَ نساءَه أن يُمرَّضَ في بَيتي فأذَِّ

له، فخرجَ رسولُ الله (ص) معتمِداً على العبّاسِ وعلى رجلٍ آخر، ورِجلاه تَخطّان في


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٨6 ؛ صحيح مسلم، ج 5 ، ص ٧5 .
2- السنن الكبرى، النسائي، ج 4 ، صص ١٠١  و  ١٠٢ ؛ وأخرجه في سننه، ج ١ ، صص ٣٢  و  ٣٣ ؛ ج 6 ، صص ٢4٠  و  ٢4١ .

ص:21

الأرض. وقال عُبيدُ الله: فقال ابنُ عباس: أتدري من ذلك الرجل؟ هو علىّ بن أبي طالبٍ، ولكنّ عائشةَ لا تطيب لها نفساً»(1). وأخرجه الصنعاني (ت/ ٢١١ ه) في مصنّفه، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، أنّ عائشة أخبرته قالت: «أوّل ما اشتكى رسولُ الله (ص) في بيت ميمونةَ، فَاستأذنَ أزواجَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ له، قالت: فخرج ويدٌ له على الفضل بن عبّاس، ويدٌ أُخرى على يدِ رجلٍ آخرَ، وهو يَخطّ برجلَيه في الأرض. فقال عُبيد الله: فحدّثت به ابنَ عبّاس، فقال: أتدري من الرجلُ الذي لم تُسمِّ عائشةُ؟ هو عليُّ بن أبي طالبٍ، ولكنّ عائشة لا تطيب لها نفساً»(2). وأخرج الطبريّ (ت/ ٣١٠ ه) في تاريخه من طريق ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشة، قالت: «فخرج رسولُ الله (ص) بين رجُلين من أهله: أحدهما الفضل بن العبّاس، ورجل آخر، تخطّ قدماهُ الأرضَ، عاصباً رأسَه، حتّى دخل بيتي. قال عبيدُ الله: فحدّثتُ هذا الحديثَ عنها عبدالله بن عبّاس، فقال: هل تدرى من الرجلُ؟ قلت: لا، قال: عليّ بن أبي طالبٍ، ولكنّها كانت لا تقدرُ على أن تذكرَه بخَيرٍ»(3). والحديث أخرجه البخاريّ في صحيحه من طريق معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبدالله، أنّ عائشة قالت: «لمّا ثقل النبيّ (ص) واشتدّ وجعُه، استأذنَ أزواجَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فأذِنَّ له، فخرج بين رجلين تخطّ رِجلاهُ الأرضَ، وكان بين العبّاس ورجل آخر. قال


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، ص ٣4 .
2- المصنّف، عبد الرزاق الصنعاني، ج 5 ، ص 4٣٠ .
3- تاريخ الطبري، ج ٢ ، ص 4٣٣ .

ص:22

عبيدُالله بن عبدالله: فذكرتُ ذلك لابن عبّاس ما قالت عائشةُ، فقال لي: وهل تدرى من الرجلُ الذي لم تُسمِّ عائشةُ؟ قلت: لا، قال: هو عليُّ بن أبي طالب»(1).

وعلى الرغم من حذف البخاريّ لما ورد في الذيل من قول ابن عبّاس: «عائشة لاتطيب لها نفساً» أو ما في معناه من الألفاظ الأُخرى، لكنّ ذلك لا يؤثّر في الأمر شيئاً؛ إذ إنّ قولها: «بين العبّاس ورجل آخر» ، وقول ابن عبّاس: «هو عليّ بن أبي طالب» ، واضحة الدلالة على أنّها لا تطيب نفساً لذكر الإمام عليه السلام.

قال ابن حجر في شرح رواية البخاريّ في صحيحه (لمّا وقف الزبيرُ يومَ الجمل) :

«يريد الوقعةَ المشهورةَ التي كانت بين عليّ بن أبي طالب ومن معه، وبين عائشة رضي الله عنها ومن معها؛ ومن جملتهم الزبير، ونُسبت الوقعةُ إلى الجمل؛ لأنّ يعلى بن أُميّة - الصحابي المشهور - كان معهم فأركب عائشةَ على جمل عظيم اشتراه بمائَة دينار، وقيل: ثمانين، وقيل: أكثر من ذلك، فوقفت به في الصفّ، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتّى عُقر الجمل، فوقعت عليهم الهزيمة»(2).

فتأمّل في قوله: «فوقفت به في الصفّ، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتّى عُقر الجمل، فوقعت عليهم الهزيمة» ، وهل يستطيع أحدٌ بعد هذا أن يشكّ في أنّ عائشة كانت لا تطيب لها نفساً للإمام عليه السلام؟ !

٢ - حديث أمير المؤمنين عليه السلام

(3)

أخرج الطبريّ من طريق ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن

إسحاق، عن عبد الغفّار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، عن عبدالله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب، وفيه:


1- صحيح البخاري، ج ١ ، ص ١6٢ . ج ٣ ، ص ١٣5 . ج 5 ، صص ١٣٩  و  ١4٠ .
2- فتح الباري، ابن حجر، ج 6 ، ص ١6٠ .
3- أحاديث الوصيّة مستّلة من كتابنا الردّ الكبير وقد تكبّد عناء تصحيح طرقها هناك سماحة الباحث المحقق السيّد حاتم البخاتى بإشراف السيّد العلاّمة الدكتور محمّد حسين القزوينى.

ص:23 

أنّ رسولَ الله (ص) قال لعشيرته بعد نزول قوله تعالى: «َ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (الشعراء:  ٢١4 ) : (فأيّكم يُوازِرُني على هذا الأمرِ على أن يكونَ أخي ووَصيّي وخَليفتي فيكُم؟) قال: فأحجَم القومُ عنها جَميعاً، وقلتُ: - وإنّي لأَحدَثُهم سِنّاً، وأرمَصُهم عيناً، وأعظمُهم بطناً، وأحمَشُهم ساقاً -: أنا يا نَبيَّ اللهِ أكونُ وزيرَك عليه. فأخَذَ برَقَبَتي، ثمّ قال: (إنّ هذا أخي ووَصيّي وخليفَتي فيكُم، فَاسمَعوا لهُ وأطيعوا)(1).

ورجال سند الحديث كلّهم من الثقات عند محدّثى أهل السنّة و أئمّتهم:

فأمّا ابن حميد (ت/  ٢4٨ ه) فهو أبو عبدالله محمّد بن حميد بن حيّان الرازي، وقد وثّقه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، وغيرهم(2).

وأمّا سلمة (ت/ بعد  ١٩٠ ه) فهو ابن الفضل الأبرش الأنصاري، روى له أبوداود والترمذي وابن ماجة في التفسير، وقد وثّقه ابن معين، ومحمّد بن سعد، وأبوداود، وغيرهم(3).

وأمّا محمّد بن إسحاق (ت/ ١5٠ ه) فهو صاحب السيرة المعروفة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقد اشتهر بالوثاقة والعلم إلى حدّ لا يسمع معها جرحه(4).

وقد أمسك عن الاحتجاج برواياته نفر من العلماء بحجّة تشيّعه، ورميه بالقدر، والتدليس، لكنّ الصدق عنه غير مدفوع، قال الذهبي: «وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابنِ إسحاق غيرُ واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيّعه، ونُسب إلى القدر،

ويدلّس في حديثه، فأمّا الصدق فليس بمدفوعٍ عنه» ، ثمّ قال عَقِبَه:

«وقال البخاريّ: رأيت عليّ بن عبدالله يحتجّ بحديث ابن إسحاق، وذكر عن سفيان أنّه ما رأى أحداً


1- تاريخ الطبري، ج ٢ ، صص 6٢  و  6٣ .
2- تهذيب الكمال، المزي، ج ٢5 ، صص ١٠٠  و  ١٠١ ؛ تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، ج ٩ ، ص ١١5 .
3- اُنظر: تهذيب التهذيب، ج 4 ، صص ١٣5  و  ١٣6 .
4- اُنظر: تهذيب التهذيب، ج ٩ ، ص ٣6 ؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج ٧ ، صص ٣٣  -  ٣٧ .

ص:24

يتّهمُه»(1).

وأمّا عبد الغفّار، فهو أبو مريم الكوفي عبد الغفّار بن قاسم بن قيس الأنصاري، روى عنه شعبة، ويحيى بن سعيد، وآخرون.

قال ابن حجر عن شعبة: «لم أرَ أحفظَ منه. . . وكان ذا اعتناء بالعلم وبالرجال»(2).

وقال ابن عديّ: «سمعت أحمدَ بن محمّد بن سعيد(3)يُثني على أبي مريم ويطريه، وتجاوَزَ الحدَّ في مدحه حتّى قال: لو انتشر علمُ أبي مريم وخرج حديثُه لم يحتجِ الناسُ إلى شعبةَ. . . لعبد الغفّار بن قاسمٍ أحاديثُ صالحة»(4). ومن ضعّفه منهم فلرأيه لا لحديثه، قال العقيلي، عن أحمد بن حنبل بأنّه سُئل عن أبي مريم من أين جاء ضَعفُه؟ من قِبَل رأيِهِ أو مِن قِبَل حديثِهِ؟ قال: «من قِبَل رأيه» ، ثمّ قال: «وقد حدّث ببلايا في عثمان»(5). وقال ابن أبي حاتم، عن أحمد بن حنبل أيضاً: «ليس بثقة؛ كان يُحدّث ببلايا في عثمان»(6)، وقال: «هو متروك الحديث، كان من رؤساء الشيعة»(7).


1- سير أعلام النبلاء، الذهبى، ج ٧ ، صص ٣٣  -  ٣٧ .
2- لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني، ج 4 ، ص 4٢ .
3- هو ابن عقدة، وله مكانة مميّزة بين علماء الحديث والحفّاظ ونقّاد الرجال، قال الذهبي في ترجمته: «حافظ العصر، والمحدّث البحر. . . وكان إليه المنتهى في قوّة الحفظ وكثرة الحديث» [تذكرة الحفّاظ، ج ٣ ، ص ٨٣٩ ]» . وقال ابن حجر، عن أبي عليّ الحافظ: «ما رأيت أحداً أحفظ لحديث الكوفيّين من أبي العباس ابن عقدة، فقيل له: ما يقول له بعض الناس فيه؟ فقال: لا يشتغل بمثل هذا، أبو العبّاس إمام، حافظ، محلّه محلّ من يسأل عن التابعين وأتباعهم، فلا يسأل عنه أحد من الناس» [ابن حجر، لسان الميزان، ج ١ ، ص ٢65 ]. وقال ابن عديّ: «كان صاحب معرفة وحفظ، ومقدّم في هذه الصناعة. . . ولم أجد بُدّاً من ذكره؛ لأنّي شرطت في أوّل كتابي هذا أن أذكر فيه كلّ من تكلّم فيه متكلّم، ولا أُحابي، ولولا ذلك لم أذكره؛ للّذي كان فيه من الفضل والمعرفة» [الكامل، ج ١ ، ص ٢٠6 ]. وتعقّبه ابن حجر بقوله: «ثمّ لم يسق له ابن عدي شيئاً منكراً» [لسان الميزان، ابن حجر، ج ١ ، ص ٢٣6 ].
4- الكامل في ضعفاء الرجال، ابن عدي، ج 5 ، صص ٣٢٧  و  ٣٢٨ .
5- ضعفاء العقيلي، ج ٣ ، ص ١٠٢ ؛ ميزان الاعتدال، الذهبى، ج ٢ ، ص 64٠ .
6- الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم الرازى، ج 6 ، ص 54 .
7- المصدر نفسه.

ص:25

ومن هنا يتّضح أنّ تضعيفَهم لأبي مريم إنّما هو بسبب رأيه وعقيدته، وخصوصاً وقوعه في عثمان، وإلّا فهو ثقة في نفسه. ولهذا لم تشفع لابن عقدة مكانتُه العلميّةُ عندما أطرى على أبي مريم، فاتُّهم بالتشيّع، وأنّه إنّما مال له بسبب ذلك (1). وأمّا المنهال بن عمرو، فقد روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقد وثّقه يحيى بن معين، والنسائي، والعجلي، وغيرهم(2). وأمّا عبدالله بن الحارث بن نوفل، فقد روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقد وثّقه ابن معين، والنسائي، وغيرهما(3)، وقال ابن عبد البرّ: «أجمعوا على أنّه ثقة»(4). وأخرجه ابن عساكر من طريق أبي البركات عمر بن إبراهيم الزيدي العلوي بالكوفة، أنا أبو الفرج محمّد بن أحمد بن علّان الشاهد، أنا محمّد بن جعفر بن محمّد بن الحسين، أنا أبو عبدالله محمّد بن القاسم بن زكريّا المحاربي، نا عبّاد بن يعقوب، نا عبدالله بن عبد القدّوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبّاد بن عبدالله، عن عليّ بن أبي طالب، وفيه أنّ رسول الله (ص) قال لعشيرته بعد نزول الآية الكريمة الآنفة: «(أيُّكُم يَقضي دَيني ويَكونُ خَليفَتي ووَصِيّي مِن بَعدي؟) قال: فَسَكَتَ العَبّاسُ مَخافَةَ أن يُحيطَ ذلكَ بِمالِهِ، فَأَعادَ رَسولُ الله (ص) الكلامَ، فَسَكَتَ القَومُ وسَكَتَ العَبّاسُ مَخافَةَ أن يُحيطَ ذَلِكَ بمالِهِ، فَأَعادَ رَسُول الله (ص) الكَلامَ الثّالِثَةَ، قالَ: وإنّي يَومَئِذٍ لَأَسوَأُهُم هَيئَةً، إنّي يَومَئِذٍ لَأَحمَشُ السّاقَين، أعمَشُ العَينَينِ، ضَخمُ البَطنِ، فَقُلتُ: أنا يا


1- الكامل في ضعفاء الرجال، ج 5 ، ص ٣٧٢ .
2- تهذيب الكمال، ج ٢٨ ، ص 5٧٠ ؛ تقريب التهذيب، ابن حجر، ج ٢ ، ص ٢١6 ؛ الكاشف، الذهبي، ج ٢ ، ص ٢٩٨ .
3- اُنظر: تهذيب التهذيب، ج 5 ، ص ١5٨ .
4- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 4٨5 .

ص:٢6

رَسولَ الله، قال: (أنتَ يا عَلِيُّ، أنتَ يا عَلِيُّ)»(1)

ورجال السند ثقات عندهم:

فأمّا أبو البركات عمر بن إبراهيم (ت/  5٣٩ ه) فقد ترجمه الذهبي وقال: «الشيخ العلّامة المقرئ النحوي، عالم الكوفة، خيّر ديّن. صلّى عليه ثلاثون ألفاً. . . قال السمعاني: شيخ كبير، له معرفة بالفقه واللغة والتفسير والنحو»(2). وقال ابن عساكر: «كتبت عنه بالكوفة، وهو أورع علويّ لقيته»(3)، وقال ابن النجار عن أبي الحسن بن المقدّس: «كان من عقلاء الرجال، حسن الرأي في الصحابة، مُثنياً عليهم، متبرّئاً ممّن تبرّأ منهم»(4). وأمّا أبو الفرج محمّد بن أحمد بن علّان الشاهد (ت/  446 ) فقد ترجمه الذهبي أيضاً وقال: «الشيخ، المسند، الثقة»(5) وأمّا محمّد بن جعفر بن محمّد بن الحسين (ت/  4٠٢ ) ، فقد ترجمه الذهبي أيضاً وقال: «الإمام، المقرئ، المعمّر، المسند»(6) وأمّا أبو عبدالله محمّد بن قاسم بن زكريّا المحاربي (ت/  ٣٢٠ ) فقد ترجمه الذهبي أيضاً وقال: «الشيخ، المحدّث، المعمّر»(7)

ومن ضعّفه منهم فلرأيه وعقيدته، قال الذهبي: «تكلّم فيه، وقيل: كان يؤمن بالرجعة. . . حدّث عنه الدارقطني» (8)

فإذن إنّما ضُعّف لما قيل من أنّه كان يؤمن بالرجعة، مع عدم ثبوت ذلك كما يشهد له قوله: «قيل» ، وعلى فرض ثبوته فلا يقدح فيه؛ ولذا روى عنه الدارقطني، ومن هنا


1- تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 4٢ ، صص 4٧  و  4٨ .
2- سير أعلام النبلاء، ج ٢٠ ، صص ١45  و  ١46 .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٣ ، ص 54٣ .
4- ذيل تاريخ بغداد، ابن النجار، ج 5 ، صص ٩  و  ١٠ .
5- سير أعلام النبلاء، ج ١٨ ، ص 45١ .
6- المصدر نفسه، ج ١٧ ، ص ١٠٠ .
7- سير أعلام النبلاء، ج ١5 ، ص ٧٣ .
8- ميزان الاعتدال، ج 4 ، ص ١4 .

ص:27

فلا وجه لذكره في الضعفاء والمجروحين.

وأمّا عباد بن يعقوب الرواجني (ت/ ٢5٠ ه) فقد وثّقه الذهبي، وأبو حاتم كما حكى عنه ذلك الذهبي، وابن خزيمة، وغيرهم(1).

وأمّا عبدالله بن عبد القدّوس، فقد وثّقه البخاري، وابن حبّان، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم (2)، وقال الهيثمي في الزوائد: «فيه كلام، وقد وثّق» (3).

ومن تتبّع أقوال الجارحين له يجد أنّ سببها هو أنّ عامّة ما يرويه في فضائل أهل البيت عليهم السلام.

وأمّا الأعمش، فهو سليمان بن مهران الأعمش الأسدي الكاهلي (ت/ ١4٨ ه) ، روى له الستّة، وقد وثّقه ابن معين، والنسائي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والعجلي، وابن حبّان، وغيرهم(4).

وأمّا المنهال بن عمرو، فقد تقدّم الكلام عنه فلاحظ.

وأمّا عبّاد بن عبدالله الأسدي، فقد روى له النسائي(5)، ووثّقه العجلي، وابن حبان(6)، وأخرج له ابن أبي حاتم في تفسيره(7)، وصحّح له الحاكمُ أحاديثَ في مستدركه(8).


1- انظر: الكاشف، ج ١ ، صص 5٣٢  و  5٣٣ ؛ سير أعلام النبلاء، ج ١١ ، صص 5٣6  -  5٣٨ ؛ تقريب التهذيب، ج ١ ، صص 46٩  و  4٧٠ ؛ خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، الخزرجي، ص ١٨٧ . وعن عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، قال: «سئل أبي عنه فقال: كوفي شيخ» . [الجرح والتعديل، ج 6 ، ص ٨٨ ].
2- تهذيب التهذيب، ج 5 ، ص ٢65 ؛ تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 5١٠ .
3- مجمع الزوائد، الهيثمي، ج ٣ ، ص ١5 .
4- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ٣٩٢ ؛ الكاشف، ج ١ ، ص 464 ؛ معرفة الثقات، العجلي، ج ١ ، ص 4٣٢ ؛ الثقات، ابن حبّان، ج 4 ، ص ٣٠٢ ؛ تاريخ أسماء الثقات، عمر بن شاهين، ص ١4 .
5- اُنظر:تهذيب الكمال، ج ١4 ، ص ١٣٩ .
6- معرفة الثقات، ج ٢ ، ص ١٧ ؛ الثقات، ج 5 ، ص ١4١ .
7- تفسير ابن أبي حاتم الرازى، ج ١ ، ص 45 .
8- المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج ٣ ، صص ١١٢ ،  ١٢٩ و  ١٣٠ .

ص:٢٨

وأخرجه ابن عساكر أيضاً من طريق أبي رافع، عن أبيه، قال:

«جمع رسولُ الله (ص) وُلدَ بني عبد المطّلب وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، وإن كان منهم لَمَن يأكلُ الجذعة(1)ويشربُ الفرق(2)من اللَّبن، فقال لهم: (يا بَني عبدِ المُطّلب، إنّ اللهَ لم يَبعث رَسولاً إلّا جعلَ له من أهلهِ أخاً ووَزيراً ووارِثاً ووصيّاً، ومُنجزاً لعِداته، وقاضِياً لدَينه، فمن منكُم يُتابِعني على أن يكونَ أخي ووزيري ووصِيّي، ويُنجز عداتي، وقاضي دَيني؟) فقامَ إليه عليُّ بن أبي طالبٍ، وهو يومَئذٍ أصغرُهم، فقال له: (اجلِس. . . فلمّا كان في اليومِ الثاني أعاد عليهم القولَ، ثمّ قال: (يا بَني عبدِ المطّلب كونوا في الإسلام رُؤوساً ولا تكونوا أذناباً، فمَن منكم يبايعُني على أن يكونَ أخي ووزيري ووصيّي، وقاضي دَيني، ومنجزُ عِداتي؟) فقامَ إليه عليُّ بن أبي طالبٍ، فقال: (اجلس) . فلمّا كان اليومُ الثالثُ أعاد عليهم القولَ، فقامَ عليُّ بن أبي طالبٍ فبايَعَه بينهُم. . .»  (3)

وأخرجه ابن عساكر من طريق أبي رافع أيضاً، وفيه:

«كنتُ قاعداً بعدَما بايعَ الناسُ أبا بكرٍ، فسمِعت أبا بكرٍ يقولُ للعبّاس: أنشُدُك اللهَ! هل تعلم أنّ رسولَ الله (ص) جمَعَ بني عبدِ المطّلب وأولادَهم وأنت فيهم، وجمعكُم دونَ قريش، فقال: (يا بني عبدِ المطّلب! إنّه لم يبعثِ اللهُ نبيّاً إلّا جعلَ له من أهلهِ أخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفةً في أهله، فمن يقوم منكم يبايعُني على أن يكون أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي في أهلي؟) فلم يقُم منكم أحدٌ. فقال: (يا بَني عبدِ المطّلب، كونوا في الإسلام رُؤوساً ولا تكونوا أذناباً، والله! لَيقومَنّ قائمُكُم أو لَتكونَنّ في غيركُم، ثمّ لَتندَمُنَّ، فقام عليٌّ من بَينكم، فبايعُه على ما شرطَ له ودَعاه إليه. أتعلمُ هذا له من رسولِ الله (ص) ؟ قالَ: نَعَم» (4)


1- الجذع: من أستان الدوابّ، وهو ما كان منها مشابّاً فتيّاً، فهو من الإبل مادخل فى السنة الخامسة، ومن البقر و المعز مادخل فى السنة الثانية، ومن الضأن ماتمّت له سنة. النهاية، ابن الأثير، ج  ١ ، ص  ٢5١  جذع .
2- الفَرَق: مِكيال يَسَعُ ستّة عشر رطلاً؛ وهى اثناعشر مُدّاً. النهاية، ابن الأثير، ج  ٣ ، ص  4٣٧  فرق .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، صص 4٩  و  5٠ .
4- المصدر نفسه، ص 5٠ .

ص:٢٩ 

 ٣ - حديث أبي سعيد ٍالخدري

أخرج الطبرانيُّ في المعجم الكبير عن محمّد بن عبدالله الحضرمي، ثنا إبراهيم بن الحسن الثعلبي، ثنا يحيى بن يعلى، عن ناصح بن عبدالله، عن سماك بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان، قال:

«قلتُ: يا رسولَ الله، لِكلّ نبيٍّ وصيٌّ، فمن وصيُّك؟ فسكتَ عنّي، فلمّا كان بعدُ رآني فقال: (يا سلمانُ) ، فأسرعتُ إليه، قلتُ: لَبّيكَ، قال: (تعلمُ من وصيُّ موسى؟) قلتُ: نعم، يوشَعُ بن نون، قال: (لِمَ؟) قلتُ: لأنّه كان أعلمَهُم، قال: فإنّ وصِيّي، وموضعَ سِرّي، وخيرَ من أتركُ بعدي، وينجزُ عِدَتي، ويقض-ي ديني: عليُّ بن أبي طالب)» .

قال أبو القاسم: قوله: «وصِيّي» يعني أنّه أوصاه في أهله لابالخلافة، وقوله: «خَير من أتركُ بَعدي» يعني من أهل بيته (ص)(1).

وأخرجه أحمد بن حنبل في (فضائل الصحابة) ، بسنده إلى أنس بن مالك، وفيه:

«قُلنا لسلمانَ: سَلِ النبيّ (ص) مَن وَصيُّهُ؟ فقال له سلمانُ: يا رسولَ الله، مَن وصيُّك؟ قال: (يا سلمان، مَن كان وصيُّ موسى؟) قالَ: يوشَعُ بنُ نونَ، قال: (فإنّ وصِيّي، ووارثي، يَقضي دَيني، ويُنجز مَوعودي: عليُّ بن أبي طالب)»(2).

ورجال السند من الثقات:

فأمّا محمّد بن عبدالله الحَضرميّ، فهو المعروف بالمُطَيَّن(3)، وقد وثّقه ابنُ أبي حاتم، والدار قطني، والذهبي، والهيثمي في الزوائد، وغيرهم(4)، ونعته عمرو بن أبي عاصم


1- المعجم الكبير، الطبرانى، ج 6 ، ص ٢٢١ .
2- فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، ج ٢ ، ص 6١5 .
3- قال السمعانى: لقّب بالمطيَّن لأنّ أبانعيم الفضل بن دكين الملائى مرّ عليه وهو يلعب مع الصبيان بالطين وقد طيّنوه، فقال له: يا مطيّن، آن لك أن تسمع الحديث. و كان من ثقات الكوفيّين. [الأنساب، السمعانى، ص ٣٣٠ ].
4- الجرح والتعديل، ج ٧ ، ص ٢٩٨ ؛ تذكرة الحفاظ، الذهبي، ج ٢ ، ص 66٢ ؛ مجمع الزوائد، ج 6 ، ص ١٠4 .

ص:٣٠

 بالحافظ (1)، وصحّح له الحاكم أحاديثَ في المستدرك، ووافقه عليه الذهبي في التلخيص(2).

وأمّا إبراهيم بن الحسن الثعلبي، فقد نعته أبو حاتم بالشيخ(3)، وذكره ابن حبّان في الثقات(4).

وأمّا يحيى بن يعلى الأسلميّ، فقد روى له البخاري في المفرد، والترمذي في سننه، وابن أبي شيبة في مصنّفه، وابن أبي حاتم في تفسيره الذي قال عن رواياته فيه: «فتحرّيت إخراج ذلك بأصحّ الأخبار أسناداً، وأشبهها متناً»(5)، وابن حبّان في صحيحه الذي قال عن سبب تأليفه له: «وإنّي لمّا رأيتُ الأخبار طرقها كثرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلّت. . . فتدبّرت الصحاح لأُسهّلَ حفظَها على المتعلّمين، وأمعنت الفكر فيها؛ لئلّا

يصعبَ وعيُها على المقتبِسين»(6)، وصحّح له الحاكمُ في مستدركه(7).

ومن ضعّفه منهم فليس لعدالته أو صدقه، وإنّما لرأيه وعقيدته؛ قال ابن حجر في التهذيب: «قال عبدالله الدورقي عن يحيى بن معين: ليس بش-يء، وقال البخاري: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: كوفيٌّ من الشيعة»(8).

فهذه الألفاظ لا تطعن فيه من جهة عدالته أو صدقه، وإنّما من جهة عقيدته وتشيّعه كما في كلام ابن عديّ.


1- السنّة، ابن أبي عاصم، ص ٣١٧ .
2- اُنظر: المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص 4١  و 56٠  و ج 4 ، ص ٣١٩ ، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
3- الجرح والتعديل، ج ٢ ، ص ٩٢ .
4- الثقات، ج ٨ ، ص ٨٠ .
5- تفسير ابن أبي حاتم، ج ١ ، ص ١4 .
6- صحيح ابن حبّان، ج ١ ، صص ١٠٢  و  ١٠٣ .
7- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢٨ ، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
8- تهذيب التهذيب، ج ١١ ، ص ٢66 .

ص:٣١

ويعدّ تمحور روايات الراوي حول فضائل أهل البيت عليهم السلام وولايتهم سبباً كافياً عندهم في تضعيفه وردّ أحاديثه! ! حتّى لو كان كيحيى بن يعلى الذي روى عن كبار الرواة والمحدّثين؛ كإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعثمان بن الأسود، وفطر بن خليفة، ويونس بن خباب، و «خلقٌ» على حدّ تعبير ابن حجر في التهذيب(1). وروى عنه عدد كبير من أجلّة الرواة؛ كأبي بكر بن أبي شيبة، وقتيبة بن سعيد، وأبي هشام الرفاعي، وإسماعيل بن أبان الورّاق، وجبارة بن المغلّس، والوليد بن حمّاد، وأبي نعيم الطحّان، وعباد بن يعقوب الرواجني، وغيرهم(2).

فهذا الدور المميّز للسلمي في الحديث لم يشفع له أمام رواياته لفضائل أهل البيت عليهم السلام وولايتهم.

وأمّا ناصح بن عبدالله، فقد روى عنه الثقات من كبار العلماء والحفّاظ؛ كأبي حنيفة النعمان، وإسماعيل بن عمرو البجلي، وعبدالله بن صالح العجلي، وغيرهم (3)، وكان

من العابدين، قال الذهبي: «ذكره الحسن بن صالح، فقال: رجل صالح، نعم الرجل»(4)، وقال ابن حبّان: «كان شيخاً صالحاً»(5).

ومن ضعّفه منهم لم يطعن في عدالته أو صدقه أو سوء حفظه أو غيرها من ألفاظ القدح التي تضرّ برواية الراوي من جهة صحّة نقله، وإنّما تراوحت ألفاظهم بين: «منكر الحديث» و «ليس بشي» ، و «ذاهب الحديث» ، و «ليس بالقويّ» ، و «يأتي بالشيء على التوهّم»(6).

وأحاديثه التي رموها بالنكارة هي ما رواه عن سماك، عن جابر بن سمرة، في


1- تهذيب التهذيب، ج ١١ ، ص ٢66 
2- المصدر نفسه.
3- المصدر نفسه، ج ١٠ ، ص ٣5٨ .
4- ميزان الاعتدال، ج 4 ، ص ٢4٠ .
5- كتاب المجروحين، ابن حبّان، ج ٣ ، ص 54 .
6- تهذيب التهذيب، ج ١٠ ، ص ٣5٩ .

ص:32

 فضائل أهل البيت عليهم السلام ومناقبهم وولايتهم. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: «سألت أبى عن ناصح بن عبدالله الحائك؟ فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، عنده عن سماك [بن حرب] عن جابر بن سمرة مسنداتٌ في الفضائل كلّها منكرات؛ كأنه لا يعرف سماك غير جابر»(1).

فرواية أبى حنيفة وغيره عن ناصح، وكونه من الصالحين، لم يشفعا له أمام القوم عن الإمساك عن قدحه بعد روايته لفضائل أهل البيت عليهم السلام؛ ولا قيمة لهذا القدح بعد الوقوف على سببه.

وأمّا سماك بن حرب الذهلي (ت/  ١٢٣ ) ، فقد وثّقه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، والذهبي، وابن عديّ، وآخرون(2).

4-حديث أبي أيّوب الأنصاري

اشارة

أخرج الطبراني في الكبير من طريق محمّد بن عبدالله الحض-رمي، ثنا محمّد بن مرزوق، ثنا حسين الأشقر، ثنا قيس، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن أبي أيّوب الأنصاري، أنّ رسول الله (ص) قال لفاطمة عليها السلام:

«أما عَلمتِ أنّ الله عزّوجلّ اطّلعَ إلى أهل الأرض فاختار منهم أباك فبعَثُه نبيّاً، ثمّ اطّلعَ الثانيةَ فاختار بعلك، فأوحى إليَّ فأنكحتُه واتّخذتُه وصيّاً»(3).

ورجال سند الحديث من الثقات:

فأمّا محمّد بن عبدالله الحضرمي، فتقدّم ذكره.

وأمّا مّحمد بن مرزوق (ت/  ٢4٨ ) فقد روى له مسلم والترمذي وابن ماجة(4)،


1- الجرح والتعديل، ج ٨ ، ص 5٠٣ .
2- تهذيب الكمال، ج ١٢ ، ص ١١5 ؛ الكامل في الضعفاء، ج ٣ ، ص 46٢ ؛ سير أعلام النبلاء، ج 5 ، صص ٢45  -  ٢4٩ .
3- المعجم الكبير، ج 4 ، ص ١٧١ .
4- تقريب التهذيب، ج ٢ ، ص ١٣٠ .

ص:33

ووثّقه أبو حاتم (1)، وذكره ابن حباّن في الثقات(2)، وقال الحافظ ابن حجر: «صدوق له أوهام»(3).

وأمّا حسين الأشقر الفزاري (ت/  ٢٠٨ ) فقد روى له النسائي من الستّة، وعنه أحمد بن عبدة الضبّي، وأحمد بن حنبل، وابن معين، والفلّاس، وابن سعد، ومحمّد بن خلف الحدادي، وغيرُهم(4). قال ابن حجر عن ابن الجنيد: «سمعت ابنَ معين ذكَرَ الأشقرَ فقال: كان من الشيعة الغالية. قلتُ: فكيف حديثُه؟ قال: لا بأس به. قلت:

صَدوقٌ؟ قال: نعم، كتبتُ عنه»(5)، وقال في موضع آخر:

«صَدوقٌ يَهِمُ»(6).

ذكره ابن حبّان في الثقات(7)، وصحّح له الحاكم في مستدركه(8)، ووافقه الذهبي

في مورد فقال: «الأشقر وُثّق» ، وخالَفه في موردٍ آخرَ حَكَمَ بكِذبِ الحديث وأنّه من الموضوعات!

والمتأمّل في الموردين يقف على سبب إزدواجيّة الذهبي فيهما؛ فالحديث الذي وافق الحاكمَ فيه هو ما أخرجه الحاكمُ من طريق حسين الأشقر، ثنا جعفر بن زياد الأحمر، عن مخول، عن منذر الثوري، عن أُمّ سلمةَ رضي الله عنها:

«إنّ النبيَّ (ص) كان إذا غضب لم يَجترئ أحدٌ منّا يكلّمه غيرَ عليِّ بن أبي طالبٍ» .

ثمّ قال الحاكمُ: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ، وتعقّبه الذهبيّ بقوله: «الأشقر وُثّق، وقد اتّهمه ابنُ عديّ، وجعفرٌ تكلّمَ فيه»(9).


1- الجرح والتعديل، ج ٨ ، ص ٩٠ .
2- الثقات، ج ٩ ، ص ١٢5 .
3- تقريب التهذيب، ابن حجر، ج ٢ ، ص ١٣٠ .
4- اُنظر: تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص ٢٩١ .
5- المصدر نفسه.
6- تقريب التهذيب، ج ٢ ، ص ٢١4 .
7- الثقات، ج ٨ ، ص ١٨4 .
8- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٠ .
9- المصدر نفسه، ج ٣ ، ص ١4١  ذكر إسلام أمير المؤمنين عليّ رضي الله تعالى عنه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.

ص:٣4

والحديث الذي خالف الحاكم فيه وحكم بأنّه كذب وموضوع، هو ما أخرجه الحاكمُ من طريق حسين بن حسن الأشقر، ثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبدالله الأسدي، عن عليٍّ:

« «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍٍ» (الرعد:  ٧ ) قال عليٌّ: رسولُ اللهِ (ص) المنذرُ، وأنَا الهادي» .

ثمّ قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، وتعقّبه الذهبي بقوله: «بل كذب، قبَّحَ اللهُ واضعَهُ» (1).

فهذه الإزدواجيّة في توثيق الأشقر ناظرةٌ لمرويّاته لا إلى شخصه؛ إذ لم يُتّهم في وثاقته أو عدالته. قال الحافظ ابنُ حجرٍ، عن أحمد بن محمّد بن هانئ: «قلت لأبي عبدالله - يعني ابن حنبل -: تُحدّث عن حسين الأشقرِ؟ قال: لم يكن عندي ممن

يكذب»(2).

وإنّما تهمته هو أنّ جُلَّ مرويّاته في فضائل أهل البيت عليهم السلام، مما لا يتحمّلها الذهبي وأضرابهُ؛ كالحديث الآنف في تفسير قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» (الرعد:  ٧ ) ، فرمَوهُ لذلك بأنه يروي المناكيرَ والبلايا(3).

وأمّا قيس بن الربيع الأسدي (ت/ بعد  ١6٠ ) فقد روى له الترمذي، وابنُ ماجة، وأبو داود، ووثّقه الثوري، وشعبة، وأبو حاتم، والذهبي، وغيرهم. قال الذهبي: «أحدُ أوعيةِ العلم، صدوق في نفسه. . . كان شعبة يثني عليه، وقال أبو حاتم: محلّه الصدق»(4).

وقال ابن حجر: «قال عبيد الله بن معاذ عن أبيه: سمعت يحيى بن سعيد ينقص


1- المصدر نفسه، ج ٣ ، ص ١4٠  ذكر إسلام أمير المؤمنين عليّ رضي الله تعالى عنه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
2- تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص ٢٩١ 
3- اُنظر: تهذيب الكمال، ج 6 ، ص ٣66 
4- ميزان الاعتدال، ج ٣ ، ص ٣٩٣ .

ص:٣5

قيساً عند شعبة، فزجره ونهاه. وقال عفّانُ: وقلت ليحيى بن سعيد: هل سمعت من سفيان يقول فيه يغلّطه أو يتكلّم فيه بشيء؟ قال: لا، قلت ليحيى: أفتتّهمه بكذب؟ قال: لا، قال عفّان: فما جاء فيه بحُجّة. وقال حاتم بن الليث الجوهري عن عفّانَ: قيسٌ ثقةٌ، يوثّقه الثوري وشعبة. وعن أبي الوليد: كان قيسٌ ثقةً حسنَ الحديث. وقال عمرو بن عليّ: قلت لأبي الوليد: ما رأيت أحداً أحسن رأياً منك في قيس! قال: إنّه كان ممّن يخاف الله. . . قال ابن حبّان: تتبّعت حديثَه فرأيته صادقاً إلّا أنّه لمّا كبر ساء حفظُه، فيدخل عليه ابنه فيحدّث منه ثقةً به، فوقعت المناكير في روايته فاستحق المجانبة. . . وكان شعبة يروي عنه، وكان معروفاً بالحديث صدوقاً، ويقال: إنّ ابنه أفسد عليه كتبَه بآخره، فترك الناسُ حديثه. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان صدوقاً، ولكن اضطرب عليه بعض حديثه. . . وقال ابن خزيمة: سمعت محمّد بن يحيى يقول: سمعت أبا الوليد يقول: كتبت عن قيس بن الربيع ستّة آلاف حديث هي أحبّ إليّ من

ستّة آلاف دينار»(1).

ومن خلال التأمّل في كلماتهم في قيس يتّضح أنّه كان صدوقاً في نفسه، ولا يُعرف عنه الكذب، وكان من أوعيَة العلم. وقدحُ بعضِهم فيه إمّا مُبهم غيرُ مف-سَّر، أو من جهة تشيّعه، أو ما قيل من تصرّف ابنه في رواياته، وما شاكل ذلك.

وأمّا الأعمش، فقد تقدّم توثيقُه.

وأمّا عباية بن ربعي الأسدي، فقد ذكره ابن حبّان في الثقات(2)، وقال أبو حاتم: «شيخ»(3)، وصحّح له الحاكم في مستدركه، ووافقه الذهبي في التلخيص(4).

وتضعيف العقيلي له لا وجه له، ولا يُلتفت إليه؛ لأنّه متعسّف في التضعيف، وقد وبّخه الذهبي على ذلك، قال: «أفما لك عقل يا عقيلي؟ أتدري فيمن تتكلّم؟ وإنّما


1- تهذيب التهذيب، ج ٨ ، صص ٣5٠  -  ٣5٣ .
2- الثقات، ج 5 ، ص ٢٨١ .
3- الجرح والتعديل، ج ٧ ، ص ٢٩ 
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٢ ، ص ١4١ ، كتاب قسم الفيء، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.

ص:٣6

 تبعناك في ذكر هذا النمط لنذبّ عنهم، ولنزيّف ما قيل فيهم، كأنّك لا تدرى أنّ كلّ واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات! بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك»(1)

وبهذا يتّضح أنّ رجال سند الحديث من الثقات، وما قيل في بعضهم لم يكن من جهة أنفسهم؛ كالعدالة، أو الصدق، أو الحفظ، أو غير ذلك من الأُمور التي تؤثّر في الاحتجاج بمرويّاتهم.

وأخرجه الطبراني أيضاً في الكبير والأوسط من طريق عليّ بن عليّ المكّي الهلالي، عن أبيه، قال:

«دخلتُ على رسول اللّه (ص) في شكاتِه التي قُبض فيها، فإذا فاطمةُ عند رأسِه، قال: فبَكت حتّى ارتفعَ صوتُها، فرفع رسولُ اللّه (ص) طرفَهُ إليها، فقال:

(حَبيبتي فاطمة، ما الّذي يُبكيكِ؟) قالت: أخشى الضّيعةَ من بعدِكَ، قال:

(يا حَبيبتي، أما علمتِ أنّ اللّهَ اطّلعَ على الأرضِ اطّلاعةً فَاختار منها أباكِ، فبعثهُ برسالتِه، ثمّ اطَّلعَ على الأرضِ اطِّلاعةً، فَاختار منها بعلَكِ، وأوحى إليَّ أن أُنكِحَكِ إيّاهُ؟ ! يا فاطمةُ، ونحن أهلُ بيتٍ قد أعطانا اللهُ سبعَ خصالٍ لم يُعطِ أحداً قَبلنا، ولا تُعطى أحدٌ بعدَنا: أنا خاتمُ النبيّين، وأكرمُ النبيّين على اللّهِ، وأحَبُّ المخلوقينَ إلى اللّهِ، وأنا أبوكِ، ووصيّي خيرُ الأوصياء، وأحبُّهم إلى اللّه، وهو بعلُكِ. . .»(2)

وأخرجهُ ابنُ عساكر في تاريخه أيضاً (3).

5-حديث بريدة

أخرج ابن عساكرَ من طريق أبي القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن


1- ميزان الاعتدال، ج ٣ ، ص ١4٠ .
2- المعجم الكبير، ج ٣ ، ص 5٧ ، بقية أخبار الحسن بن عليّ رضي الله عنهما؛ المعجم الأوسط، الطبرانى، ج 6 ، ص ٣٢٧ .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ١٣٠ .

ص:٣٧

النّقور، أنا أبو القاسم عيسى بن علي، أنا أبو القاسم البغوي، نامحمّد بن حميد الرازي، نا عليّ بن مجاهد، نا محمّد بن إسحاق، عن شريك بن عبدالله، عن أبي ربيعة الإيادي، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال:

«قال النبيُّ (ص) :

(إنَّ لكُلِّ نبيٍّ وصِيّاً ووارِثاً، وإنَّ عَلِيّاً وَصِيّي ووارِثي)»(1).

ورجال سند الحديث من الثقات:

فأمّا أبو القاسم بن السمرقندي، فهو إسماعيل بن أحمد، وهو من كبار الحفّاظ، وقد وثّقه الذهبي وغيرُه(2).

وأمّا أبو الحسين بن النّقور، فهو أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن النّقور، وقد

وثّقه الخطيب البغدادي والذهبي وآخرون(3).

وأمّا أبو القاسم عيسى بن عليّ بن الجرّاح الوزير، فقد ترجمه الخطيبُ وقال: «سمع أبا القاسم عبدالله بن محمّد البغوي. . . وكان ثبت السماع، صحيح الكتاب»(4).

وترجمه الذهبي أيضاً وقال: «عيسى بن عليّ بن الجرّاح الوزير، أبو القاسم، أملى مجالسَ عن البغوي وطبقته، ووقع من عواليه، وسماعاته صحيحة. وقال ابنُ أبي الفوارس: كان يُرمى بشيء من رأي الفلاسفة. قلت: لم يصحّ ذا عنه»(5).

وأمّا القاسم البغوي فهو عبدالله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي، وقد وثّقه الذهبي، والدار قطني، والخطيب، وآخرون(6).

وأمّا محمّد بن حميد الرازي، فقد تقدّم ذِكرُه.


1- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٣٩٢ .
2- اُنظر: سير أعلام النبلاء، ج ٢٠ ، ص ٢٩ ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٨ ، ص  ٣5٧ .
3- انظر: تاريخ بغداد، ج 5 ، ص ١46 ؛ سير اعلام النبلاء، ج ١٨ ، ص ٣٧٢ ؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج ١٠ ، ص ١٠٧ .
4- تاريخ بغداد، ج ١١ ، ص ١٧٩ .
5- ميزان الاعتدال، ج ٣ ، ص ٣١٨ .
6- اُنظر: المصدر نفسه، ج ٢ ، ص 4٩٢ .

ص:٣٨

 وأمّا عليّ بن مجاهد بن مسلم بن الكابلي، فقد وثّقه جماعة، منهم: أحمد، يراجع يحيى بن معين، والترمذي، قال ابن حجر: «قال أبو داود، عن أحمد: كتبتُ عنه، ما أرى به بأساً. وقال ابن حبّان، عن ابن معين: رأيته على باب هشيم، ولم أكتب عنه شيئاً، ما أرى به بأساً. . . وقال الترمذي في جامعه: حدّثنا محمّد بن حميد الرازي، ثنا جرير، قال: حدّثنيه عليّ بن مجاهد، وهو عندي ثقة، عن ثعلبة، عن الزهري. . . ذكره ابن حبّان في الثقات» (1).

ومن قال فيه ابن معين: «ليس به بأس» فهو ثقة؛ قال الخطيب البغدادي، عن أبي خيثمة: «قلت ليحيى بن معين: إنّك تقول: فلان ليس به بأس، وفلان ضعيف،

قال: إذا قلت لك: «ليس به بأس» فهو ثقة»(2).

وقال الذهبى: «عليّ بن مجاهد الكابلي، أبو مجاهد الرازي، قاضي الري، عن حجّاج بن أرطاة، ومسعر، وابن إسحاق، وعنه أحمد، وزياد بن أيّوب، وجماعة، كذّبه يحيى بن الضريس، ووثّقه غيره»(3).

وتضعيف بعضهم له لا يؤثّر على الاحتجاج بمرويّاته؛ إذ إنّ الاختلاف في قدح الراوي وتوثيقه تضعه في مرتبة الحسن، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار توثيق ابن معين وأبي داود والترمذي له.

وأمّا محمّد بن إسحاق، فهو صاحب السيرة المعروفة، وقد تقدّم توثيقه.

وأمّا شريك بن عبدالله، فهو أبو عبدالله النخعي، فقد روى له مسلم والبخاري تعليقاً، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقد وثّقه محمّد بن سعد، وابن معين، والعجلي، وابن حبّان، وآخرون(4).


1- تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٣٣٠ 
2- الكفاية في علم الدراية، الخطيب البغدادي، ص ٣٩ 
3- الكاشف، ج ٢ ، ص 46 .
4- الطبقات الكبرى، محمّد بن سعد، ج 6 ، ص ٣٧٨ ؛ تهذيب التهذيب، ج 4 ، ص ٢٩4 ؛ معرفة الثقات، ج ١ ، ص ١١٩ ؛ الثقات، ج ١6 ، ص 444 .

ص:٣٩

 وأمّا أبو ربيعة الإياديّ، فهو عمر بن أبي ربيعة، وثّقه ابن معين، والمناوي، والحافظ ابن حجر (1).

وحسّن حديثَه الترمذيُّ في سننه(2)، وصحّح له الحاكم في مستدركه، ووافقه الذهبي في بعضها(3).

وتضعيف أبى حاتم له - فيما نقل عنه - بأنّه منكَر الحديث، غيرُ مفسَّر، ولا يؤثّر في الاحتجاج بمرويّاته مع ما تقدّم من توثيقه، ولعلّ السبب في حكمه بذلك هو روايته

لفضائل الإمام علىّ عليه السلام.

وأمّا عبدالله بن بريدة بن حصيب الأسلمي، فمتّفق على الاحتجاج به(4).

والحديث أخرجه ابن عساكر نفسُه بسنده إلى يوسف بن عاصم الرازي، عن محمّد بن حميد الرازي(5).

6-حديث أنس بن مالك

أخرج أبو نعيم من طريق محمّد بن أحمد بن عليّ، ثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا إبراهيم بن محمّد بن ميمون، ثنا عليّ بن عيّاش، عن الحارث بن حصيرة، عن القاسم بن جندب، عن أنس بن مالك، قال:

«قال رسولُ الله (ص) : (يا أنسُ، اُسكُب لي وضوءاً) ، ثمّ قام فصلّى ركعتين، ثمّ قال:

(يا أنسُ، أوّلُ من يدخُلُ علَيكَ من هذا البابِ أميرُ المُؤمنينَ، وَسيِّدُ المُسلِمينَ، وقائِدُ الغُرِّ المُحَجّلينَ، وخاتَمُ الوَصيّينَ) ، قالَ أنس: قلت: اللّهمّ اجعلهُ رجلاً من الأنصار،


1- اُنظر: الجرح والتعديل، ج 6 ، ص ١٠٩ ؛ فيض القدير، المناوي، ج ٢ ، ص ٢٧١ ؛ تقريب التهذيب، ج ٢ ، ص ٣٩٧ .
2- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٢٩٩ 
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٨ ؛ ج ٢ ، ص ٢١٢ ، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
4- اُنظر: تذكرة الحفاظ، ج ١ ، ص ١٠٢ ؛ ميزان الاعتدال، ج ٢ ، ص ٣٩6 ؛ تهذيب التهذيب، ج 5 ، ص ١٣٨ ؛ الثقات، ج 5 ، ص ١6
5- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢  صص ٣٩١  و  ٣٩٢ 

ص:40

 وكتمتُه، إذ جاء عليّ، فقال: (من هذا يا أنسُ؟) فقلت: عليٌّ، فقام مستبشِ-راً، فَاعتنقه، ثمّ جعل يمسح عن وجهه بوجهه، ويمسحُ عرقَ عليّ بوَجههِ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، لَقَد رَأيتُكَ صَنَعتَ شَيئاً ما صَنَعتَ بي قَبلُ؟ قال:

(وما يَمنعُني وأنتَ تُؤَدي عنّي، وتُسمِعُهم صَوتي، وتُبيّن لهُم ما اختَلفوا فيه بَعدي)»(1).

وأخرجه من طريق جابر الجعفي، عن أبي الطفيل، عن أنس، نحوه(2).

وسند الحديث جيّد:

فأمّا محمّد بن أحمد بن عليّ، فهو محمّد بن أحمد بن عليّ بن مخلد الجوهري المعروف

بابن محرم، قال الحافظ ابن حجر: «محمّد بن أحمد بن عليّ المحرم، من كبار شيوخ أبي نعيم الحافظ. . . قال البرقاني: لا بأس به. . . قلت: وكان فقيهاً من تلامذة ابن جرير»(3).

وقال الذهبي:

«الإمام المُفتي المعمّر، أبو عبدالله محمّد بن أحمد بن عليّ بن مخلد البغدادي الجوهري المحتسب، عُرف بابن محرم، من أعيان تلامذة ابن جرير. . . قال الدارقطني: لا بأس به»(4).

وأمّا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة فقد قال الحافظ ابن حجر في ترجمته: «كان عالماً بصيراً بالحديث والرجال، له تواليف مفيدة، وثّقهُ صالح جزرة، وقال ابن عديّ: لم أرَ له حديثا منكراً. . . قال الخطيب: له تاريخ كبير، وله معرفة وفهم. . . وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كتب عنه أصحابنا. . . وقال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سُئل عنه صالح بن محمّد فقال: ثقة»(5).

وقال الذهبي:

«الحافظ البارع، محدّث الكوفة»(6).


1- حلية الأولياء، أبونعيم، ج ١ ، صص 6٣  و  64 
2- المصدر نفسه
3- لسان الميزان، ج 5 ، ص 5١ 
4- سير أعلام النبلاء، ج ١6 ، صص 6٠  و  6١ 
5- لسان الميزان، ج 5 ، ص ٢٨٠ 
6- تذكرة الحفاظ، ج ٢ ، ص 66١ .

ص:4١

وامّا إبراهيم بن محمّد بن ميمون الكوفي، فقد ذكره ابن حبّان في الثقات(1)، وأبوحاتم في (الجرح والتعديل) ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً(2). ومن ضعّفه منهم فلرأيه وعقيدته، لا لعدالته وصدقه، فقد ترجمه الذهبي في (ميزان الاعتدال) وقال: «من أجلاد الشيعة، روى عن عليّ بن عابس خبراً عجيباً»(3)، وهو حديث أنس الآنف(4). فإذن؛ تشيّعه وهذا الحديث هو السبب في تحامُل الذهبيِّ وأضرابِه عليه، ورميِهم له بالنكارة في الحديث؟ ! وأمّا عليّ بن عياش، فقد روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال الحافظ ابن حجر: «ثقة ثبت»(5) وأمّا الحارث بن حصيرة، فقد روى له البخاري في الأدب المفرد، والنسائي. قال الحافظ ابن حجر: «صدوق يخطئ ورُمي بالرفض»(6)، وقال في موضع آخر: «قال جرير: شيخ، طويل السكوت، يصرّ على أمر عظيم، رواها مسلم في مقدّمة صحيحه عن جرير. وقال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة، وقال ابن معين: خشبيّ، ثقة. ينسبونه إلى خشبة زيد بن عليّ التي صُلب عليها. وقال النسائي: ثقة. . . وقال ابن عديّ: عامّة روايات الكوفيّين عنه في فضائل أهل البيت، وإذا روى عنه البصريّون فرواياتُهم أحاديث متفرّقةٌ، وهو أحد من يُعدّ من المحترقين بالكوفة في التشيّع، وعلى ضعفه يُكتب حديثُه. قلت: علّق البخاريُّ أثراً لِعليّ في المزارعة، وهو من رواية هذا، ذكرته في ترجمة عمرو بن صليع. وقال الدارقطني: شيخ للشيعة، يغلو في


1- الثقات، ج ٨ ، ص ٧4 .
2- الجرح والتعديل، ج ٢ ، ص ١٢٨ .
3- ميزان الاعتدال، ج ١ ، ص 6٣ .
4- اُنظر: لسان الميزان، ج ١ ، ص ١٠٧ .
5- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 4٠4 .
6- المصدر نفسه، ص ١45 .

ص:42

التشيّع. وقال الآجري، عن أبي داود: شيعيٌّ صدوق. ووثّقه العجليّ وابنُ نمير. وقال العقيليّ: له غيرُ حديثٍ منكَرٍ لا يتابَع عليه، منها: حديث أبي ذرّ في ابن صياد. . . وذكره ابن حبّان في الثقات»(1)

وأمّا جابر الجعفي، فهو ابن يزيد بن الحارث، روى له أبو داود، والترمذي. ترجمه الذهبي وقال: «جابر بن يزيد [د، ت، ق] بن الحارث الجعفي الكوفي، أحد علماء الشيعة، له عن أبي الطفيل والشعبي وخلق، وعنه شعبة، وأبو عوانة، وعدّة، قال ابن مهدي عن سفيان: كان جابر الجعفي ورعاً في الحديث، ما رأيت أورعَ منه في الحديث. وقال شعبة: صدوق. وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: "أخبرنا، وحدّثنا، وسمعت" فهو من أوثق الناس. وقال وكيع: ما شككتم في شيءٍ فلا تشكّوا أنّ جابراً الجعفيّ ثقة. وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: قال سفيان الثوريّ لشعبة: لئن تكلّمت في جابرٍ الجعفيِّ لأتكلّمنّ فيك»(2)

وقد ضعّفه جماعةٌ من جهة رأيه وعقيدته، قال الزركلي: «جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبدالله: تابعي، من فقهاء الشيعة، من أهل الكوفة، أثنى عليه بعض رجال الحديث، واتّهمه آخرون بالقول بالرجعة، وكان واسعَ الرواية، غزيرَ العلم بالدين»(3) لكنّ كونَه من رجالِ ثلاثةٍ من الكتبِ الستَّة، ومن مشايخ أئمّةٍ كالثوريِّ وشعبةَ وأبي عوانة، وتوثيقَهم له بتلك الألفاظ القويّة؛ يرفعُ أيَّ شبهة عن صحّة الاحتجاج بمروياته، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ تضعيفهم له كان من جهة رأيه. وأمّا أبو الطفيل، فتقدّم توثيقُه ضمن الكلام عن حديث الغدير.


1- تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص ١٢١ .
2- ميزان الاعتدال، ج ١ ، ص ٣٧٩ .
3- الأعلام، الزركلي، ج ٢ ، ص ١٠5 .

ص:4٣ 

حاصل الكلام في أحاديث الوصيّة

يتّضح من خلال ما تقدّم أنّ أحاديث الوصيّة قد رواها أمير المؤمنين عليه السلام، وعائشة، وثلّة من أكابر الصحابة؛ كأبي سعيد الخدري، وأبي أيّوب الأنصاري، وبريدة، وأنس بن مالك. ومقتضى القاعدة أنّ الحديثَ إذا تعدّدت طرقُه يصحّ الاحتجاج به فيما لو كان هناك كلاماً في الأسانيد، فكيف إذا كانت الأسانيد صحيحة؟ ! وعليه، فمفهوم الوصيّة من المفاهيم الإسلامية الأصيلة التي جاءت على لسان النبّي الكريم (ص) ، وتناقلها كثير من الصحابة منذ الإطلالة الأُولى لنور الإسلام وعهده الأوّل المبارك، وممّا يؤيّد ذلك هو وقوعُها كثيراً في خطَب أهل البيت عليهم السلام واحتجاجاتهم؛ فقد أخرج الحاكم في المستدرك من طريق عمر بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسن، قال: «خطبَ الحسنُ بنُ عليٍّ النّاسَ حينَ قتُل عليٌّ، فحَمدِ اللهَ وأثنى عَليه. . . ثمّ قال: أيّها النّاسُ! مَن عَرَفنِي فقَد عَرَفني، و من لم يعرِفني فأنَا الحسنُ بنُ عليٍّ، وأنَا ابنُ النّبيّ، وأنَا ابنُ الوصِيِّ. . .»(1) وأخرجه الطبراني من طريق أبي الطفيل، قال: «خطبَ الحسنُ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فحَمدِ اللهَ وأثنى عَليه، وذكَرَ أميرَ المؤمنين عليًّا رضيَ اللهُ عنهُ خاتَمَ الأوصياءِ، ووصىَّ خاتَم الأنبياء، وأمينَ الصّدّيقينَ والشُّهداءِ»(2) وروى الطّبري في تاريخه عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال مخاطباً جيش يزيد يوم عاشوراء: «ألَستُ ابنَ بنتِ نبيّكم (ص) ، وابنَ وَصيّه، وَابنِ عمّه، وأوّل المُؤمنين بالله، والمُصدِّقِ


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٨٨ .
2- المعجم الأوسط، ج ٢ ، ص ٣٣6 .

ص:44

لرَسولهِ بما جاءَ به من عندِ ربِّه؟ !»(1) ويؤيّد ذلك أيضاً اشتهار (الوصيّ) بين المسلمين كلقب للإمام عليه السلام، قال ابن منظور: «وقيل لعليّ عليه السلام: وصِيٌّ»(2)، وقال الزبيدي: «والوصيّ - كغَنِيّ -: لقب عليٍّ رضي اللّه تعالى عنه»(3) وقال المبرّد في (الكامل) : «قوله  (4) : "الوصيّ" فهذا شيء كانوا يقولونه ويُكثرون فيه»(5) وجاء لفظ "الوصيّ" لقباً لأمير المؤمنين عليه السلام في بعض أشعار حسّان بن ثابت، قال: ألستَ أخاه في الهدى ووصيَّه وأعلمَ منهُم بالكتابِ والسُّننِ (6)  ومعه يتّضح سفاهةَ أنّ القول بالوصيّة من مخترعات شخصيّة يهوديّة نكرة غيرِ واضحة المعالم كما سيأتي البحث عنها لاحقاً.


1- تاريخ الطبري، ج 4 ، ص ٣٢٢ .
2- لسان العرب، ابن منظور، ج ١5 ، ص ٣٩4 .
3- تاج العروس، الزبيدي، ج ٢٠ ، ص ٢٩٧ .
4- الكميت، الشاعر المعروف، وقد قال أبياتاً يذكر فيها الوصيّ كلقب للإمام.
5- الكامل في اللغة، محمّد بن يزيد المبرد، ج ٣ ، ص ١١٢4 .
6- الموفقيّات، الزبير بن بكار، ص 4٧٧ .

ص:45

الفصل الثاني: الوصيّة في مرويّات عبدالله بن سبأ وحقيقة هذه الشخصيّة

اشارة

ص:46

ص:47

تمهيد

لاقت بعضُ المسائل التاريخيّة هوىً في نفوس البعض، فوقعت موقع الرضا منهم، واكتسبت بمرور الوقت صفة الجزم والقطعيّة، وأصبح المَساسُ بها خطّاً أحمر يؤدّي إلى اتّهام من يقترب منها بشتّى التهم، بينما تجد أنّ العديد من هذه المسائل إمّا أنّها لاأساس واقعيّاً لها، أو أنّها ضخّمت أكثر من حجمها بمراتب، حتّى غدا مجرّد التعرّض لها بالتحقيق والبحث الموضوعي موبقةً توجب التوبيخ! ومن جملة هذه المسائل التي شُوّهت وسُلبت الموضوعيّة عن مباحثها هي نسبة القول بالوصيّة إلى ابن سبأ، حتّى أصبح مخترعَها ومحدِثَها، بالرغم من قوّة الروايات الكثيرة الواردة فيها على لسان رسول الله (ص) وبعض كبار أصحابه، كما تقدّم نقل بعضها في الفصل الأوّل، وسنتتّبع في هذا الفصل ما يدّعى من مرويّات الوصيّة على لسان ابن سبأ، ونناقش أسانيدها ومحتواها، وحقيقة هذه الشخصيّة؛ ليتّضح الأمرُ في المسألة.

اختراع ابن سبأ للوصيّة في المرويّات الشيعيّة

اشارة

إنّ المتأمّل بإنصاف في المصادر الشيعيّة يجد بوضوح تامّ أنّها خالية من أيّ رواية ولو ضعيفة السند أو مرسلة في أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة. لكنّ البعض سعى بشتّى السبل إلى أن يُبقي على هذه المقولة، فحاول أن يخلط بين دعوى أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة ودعوى ثبوت أصل شخصيّة ابن سبأ، ليموّه على القارئ بأنّ

ص:48

كلّ ما يرد في عبدالله بن سبأ في كتب الشيعة ومصادرها يدعم فكرة أنّه مخترع القول بالوصيّة، والحال - كما أسلفنا - أنّ المصادر الشيعيّة ليس فيها رواية واحدة ولو مرسلة أو ضعيفة السند تدلّ على أنّه مخترع عقيدة الوصيّة. نعم، هناك عدّة روايات - بعضها صحيحة السند - تتحدّث عن شخصيّة ابن سبأ دون أن تتطرّق من قريب أو من بعيد لمسألة اختراعه المزعوم للوصيّة. وبعبارة أُخرى أكثر وضوحاً نقول: لا توجد رواية شيعيّة - ولو ضعيفة السند، أو مرسلة - في تأييد دعوى اختراع ابن سبأ للقول بالوصيّة. نعم هناك مجموعة من الروايات الشيعيّة وردت في شخصيّة ابن سبأ، دلَّ بعضها على وجود رجل اسمه (عبدالله بن سبأ) كان معاصراً لأمير المؤمنين عليه السلام، وكان يتردّد عليه عليه السلام بين الحين والآخر يسأله عن بعض الأُمور، دون أن تشير إلى أيّ تفصيل آخر، وبعض آخر دلَّ على انحراف ابن سبأ وغلوّه في أمير المؤمنين عليه السلام حتى ادَّعى أُلوهيّته عليه السلام، فأحرقه الإمام عليه السلام بالنار. وستأتي الإشارة لهذه المجموعة من الروايات لاحقاً ضمن الكلام عن شخصية ابن سبأ.

دعوى اختراع ابن سبأ للوصيّة فيما نقله النوبختي والقمّي والكشّي

حكى النوبختي والقمّي والكشّي عند حديثهم حول السبئيّة عن (جماعة من أهل العلم) من أنّ ابن سبأ كان يقول بالوصيّة، وأنّه أوّل من شهر (أو شهد) بالقول بفرض إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. . . وادّعَوا أنّ مقولة هذه الجماعة هي من جملة الأسباب وراء قول من خالف الشيعة بأنّ أصل الرفض مأخوذ من اليهوديّة. لكنّ بعض المخالفين للشيعة أصرّوا على هذه المقولة من دون دليل أو توجيه معقول، وتمادى بعضهم - كإحسان ظهير - وغالط بربط وجود التشيّع بوجود ابن سبأ كما تقدّم(1)، ومع أنّ مثل هذه السفاسف كثيرة في كلامه، لكن كى تتّضح حقيقة الحال


1- الشيعة وأهل البيت، هامش، ص ١١5 .

ص:49

ننقل نصَّ عبارة النوبختي والقمّي والكشّي على التوالي في المقام، ثمَّ نورد ما يمكن أن يقال فيه:

قال النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) : «حكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي عليه السلام: أنّ عبدالله بن سبأ كان يهوديّاً، فأسلم ووالى عليّاً عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديّته في يوشع بن نون بعد موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي (ص) في عليّ عليه السلام بمثل ذلك، وهو أوّل من شهر القول بفرض إمامة عليّ عليه السلام، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه. فمن هناك قال من خالف الشيعة: إنّ أصل الرفض مأخوذٌ من اليهوديّة»(1)

وأمّا القمّي في كتابه (المقالات والفرق) فقال: «حكى جماعة من أهل العلم أنّ عبدالله بن سبأ كان يهوديّاً، فأسلم ووالى عليّاً عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديّته في يوشع بن نون وصيّ موسى عليه السلام بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (ص) في عليّ عليه السلام بمثل ذلك، وهو أوّل من شهد بالقول بفرض إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم. فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: إنّ أصل الرفض مأخوذ من اليهوديّة»(2).

وحكى الشيخ الطوسي عن الك-شّي، أنّه قال: «وذكر بعض أهل العلم: أنّ عبدالله بن سبأ كان يهوديّاً فأسلم ووالى عليّاً عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديّته في يوشع بن نون وصيّ موسى بالغلوّ، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (ص) في علي عليه السلام مثل ذلك، وكان أوّل من شهر بالقول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيّع والرّفض مأخوذ من اليهوديّة»(3)


1- فرق الشيعة، أبو الحسن النوبختي، ص ٢٢ .
2- المقالات والفرق، سعد بن عبدالله القمي، ص ٢٠ .
3- اختيار معرفة الرجال، الكشى، ج ١ ، ص ٣٢4 .

ص:50

المناقشة

اشارة

تقدم آنفاً ذكرُ ما أوردَه النوبختي والقمّي والكشّي في المقام، وهو لا يدلّ على ما زُعم في باب الاعتقاد بالوصيّة من اختراع ابن سبأ لهذه العقيدة؛ وذلك من وجهين:

الأوّل: إنّ هذا القول المنقول هو حكاية عن جماعة مجهولة من غير الشيعة

إنّ هذا القول المحكّي المستشهَد به فيما تقدّم ليس للنوبختي أو القمّي أو الك-شّي، وإنّما نقلوه على نحو الحكاية عن (جماعة من أهل العلم) من غير الشيعة، بدليل قولهم -النوبختي والقمّي والكشّي - بعد ذلك: «فمن هاهنا قال مَن خالف الشيعة: إن أصل الرفض مأخوذٌ من اليهوديّة» ، فهذا التوجيه لا ينسجم أبداً مع كون هذه الجماعة من الشيعة، وإلّا فكيف يجوز لشيعيّ أو غيره أن يُسفّه عقيدته بهذا الشكل؟ ! فلابدّ إذن أن تكون التهمة من خارجهم.

وأمّا جملة: «من أصحاب علي عليه السلام» فلم ترد إلّا في عبارة النوبختي؛ وهي لا تدلّ على أنّ هؤلاء الجماعة من الشيعة إطلاقاً؛ إذ إنّ هذا التعبير يطلق على غيرهم أيضاً، مضافاً إلى أنّ بعض علماء الشيعة يطلقون لفظ "الأصحاب" على كلّ من روى عن الأئمّة عليهم السلام؛ مؤمناً كان أو منافقاً، إماميّاً كان أو غيره؛ ولهذا عدّوا زياد بن أبيه وابنه عبيدالله وبعض الخوارج ممّن روى عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعدّوا المنصور الدوانيقي من أصحاب الصادق عليه السلام(1)؛ وعليه فعدّ الرجل من أصحاب علي عليه السلام لا يعني كونه شيعيّاً بالضرورة، وهذا واضح.

الثاني: إنّ هذا القول لا يدلّ على أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة

إنّ ما حكاه النوبختي وغيره عن (جماعة من أهل العلم) لا يدلّ على أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة وأنّه أوّل من ابتدعها، وإنّما غاية ما تدلّ عليه هو أنّه بعد إسلامه


1- اُنظر: رجال الشيخ الطوسي، ص ٩ .

ص:51

آمن بما آمنت به الشيعة من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنّه هو الوصيّ والخليفة بعد رسول الله (ص) .

غير أنّ ابن سبأ يعتبر بحسب هذا النصّ - الذي حكاه النوبختي وغيره - أوّلَ من أخذ يُظهر ويُجاهر بعقيدته في أمير المؤمنين عليه السلام بشكل علنيّ وحادّ، مستعملاً أُسلوباً وطريقة غريبة على ما اعتاده المجتمع الإسلامي بعد مض-يّ خمس وع-شرين سنة من التقيّة والخوف.

قال الأشعري القمّي: «كان أوّلَ من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرّأ منهم، وادّعى أنّ عليّاً عليه السلام أمَرَه بذلك، وأنّ التقيّة لا تجوز ولاتحلّ»(1)

وقال النوبختي: «فقال في إسلامه بعد وفاة النبي (ص) في عليّ عليه السلام بمثل ذلك، وهو أوّل من شهر [شهد] القول بفرض إمامة عليّ عليه السلام» .

ويشهد لهذا أيضاً استعمال «شهر» ، و «أظهر» ، و «كاشف» في ذيل الحكاية، والتي تعكس كلّها معنى الإظهار والمكاشفة، فإنّ «شهر» من الظهور، قال الفراهيدي في كتابه (العين) : «الشهرة: ظهور الشيء في شنعة حتى يشهره الناس. . .»(2)، وأين هذا المعنى من القول بأنّه أوّل من قال بالوصيّة؟

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ المنقول عن هؤلاء الجماعة من أهل العلم مخالف للثابت بالضرورة لدى الشيعة وعليه إجماع علمائهم، فهل يعارض هذا بمثل ذلك القول المنقول مرسلاً على نحو الحكاية عن جماعة مجهولين؟ !

اختراع ابن سبأ للوصيّة في المرويّات السنيّة

اشارة

لعلّ الأسلوب الأنسب للباحث في روايات أهل السنّة ومصادرهم التاريخيّة عن شخصيّة عبدالله بن سبأ وعن دوره في بعض الأحداث في التاريخ الإسلامي ودوره في


1- المقالات والفرق، ص ٢٠ 
2- كتاب العين، الفراهيدى، ج ٣ ، ص 4٠٠ ؛ لسان العرب، ج ١ ، ص ٢46 

ص:52

إرساء القول بالوصيّة، هو أن يتناول تلك الأخبار والمصادر التي ذكرت ابن سبأ بشكل عامّ بالتحقيق الموضوعي بعد فهرستها إلى مجموعتين: إحداها: تشتمل على الأخبار التي تبيّن دورَه في إرساء القول بالوصيّة، والأُخرى: تتضمّن الروايات التي تبيّن أصل وجود هذه الشخصيّة وبعض جوانبها، وما قام به من دور في بعض الأحداث التاريخية الإسلاميّة، وبالخصوص دوره في فتنة عثمان بن عفان؛ وذلك حتّى لا يقع الخلط والالتباس بين هاتين المجموعتين وت-تسرّب روايات إحداهما إلى الأُخرى، كما وقع ذلك عند بعض الباحثين عن قصد، أو من دون قصد؛ لإثبات أنّ مسألة الوصيّة مرتبطة بوجود ابن سبأ.

ومن هنا سيقع البحث هنا في المجموعة الأُولى، وأمّا روايات المجموعة الثانية فسنرجئها للبحث عن حقيقة شخصية ابن سبأ القادم إن شاء الله تعالى.

الأخبار السنّية الواردة في بيان دور ابن سبأ في إرساء القول بالوصيّة

لواستقصينا الأخبار التي أوردها محدّثو السنّة وحفّاظهم حول دور ابن سبأ في إرساء القول بالوصيّة لوجدناها كلّها تنتهي إلى سيف بن عمر، وقد أخرجها عنه الطبري في تاريخه حيث ذكر فيه أحوال ابن سبأ بشيء من التفصيل، فقال:

«فيما كتب به إلىّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقع-سي، قال: كان عبدالله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء، أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتَهم، فبدأ بالحجاز ثمّ البصرة ثمّ الكوفة ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم،

فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أنّ عيسى يرجع ويكذّب بأنّ محمّداً يرجع! وقد قال الله عزّ وجلّ: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» فمحمّدٌ أحقّ بالرجوع من عيسى. قال: فقُبل ذلك عنه، ووَضَع لهم (الرَّجعة) فتكلّموا فيها.

ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألفُ نبيّ، ولكلّ نبيٍّ وصىٌّ، وكان عليٌّ وصيَّ محمّد.

ص:53

ثمّ قال: محمّدٌ خاتم الأنبياء، وعليٌّ خاتم الأوصياء. ثّم قال بعد ذلك: (من أظلمُ ممّن لم يُجزِ وصيَّةَ رسولِ الله (ص) ، ووثب علي وصيّ رسول الله (ص) ، وتناول أمر الأُمّة؟ ! ثمّ قال لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصيّ رسول الله (ص) ، فانهضوا في هذا الأمر، فحرِّكوه، وَابدأوا بالطعن على أُمرائكم، وأظهروا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهُم إلى هذا الأمر) .

فبثّ دعاتَه، وكاتب من كان استفسد في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهلُ كلّ م-صرٍ منهم إلى م-صرٍ آخرَ بما يصنعون، فيقرأه أُولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتّى تناولوا بذلك المدينةَ، وأوسعوا الأرضَ إذاعةً، وهم يريدون غير ما يُظهرون، ويُسرّون غير ما يبدون، فيقول أهل كلّ مصرٍ: إنّا لَفي عافيةٍ ممّا ابتُلى به هؤلاء، إلّا أهل المدينة، فإنّهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنّا لفي عافية ممّا فيه الناس.

وجامعهُ محمّدٌ وطلحةُ من هذا المكان، قالوا:

فأتوا عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلّا السّلامة، قالوا: فإنّا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم. قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ! قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممّن تثق بهم إلى الأمصار حتّى يرجعوا إليك بأخبارهم.

فدعا محمّدَ بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أُسامةَ بن زيد إلى الب-صرة،

وأرسل عمّارَ بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبدالله بن عمر إلى الشام، وفرّقَ رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمّار، فقالوا: أيّها الناس! ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكره أعلام المسلمين، ولا عوامّهم. وقالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين، إلّا أنّ أُمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم.

ص:54

واستبطأ الناس عمّاراً، حتّى ظنّوا أنّه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلّا كتاب من عبدالله ابن سعد بن أبي سرح يخبرهم أنّ عمّارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه؛ منهم عبدالله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر. . .»(1)

المناقشة

كى تتّضح الصورة في الخبر الآنف، سنعرضه على ميزان البحث الموضوعي من حيث السند والمحتوى؛ وذلك للوقوف على مقدار صلاحيّته للاحتجاج به والاستناد إليه في تثبيت المادّة العقائدية والتاريخية.

سند الحديث

إنّ سند هذا الحديث في غاية الضعف؛ لأنّ فيه:

 ١ - شعيب بن إبراهيم، وهو مجهول، قال عنه الذهبي: «راويةُ كتبِ سيفٍ عنه، فيه جهالة»(2)، وكذا ابن حجر في لسان الميزان(3)، وقال ابن عديّ في الكامل: «وشعيب بن إبراهيم هذا له أحاديث وأخبار، وهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة، وفيه بعض النكرة؛ لأنّ في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف»(4)

 ٢ - سيف بن عمر، وهو ضعيف، قال المزّي في (تهذيب الكمال) : «قال عبّاس الدوري، عن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو جعفر الح-ضرمي، عن يحيى بن معين: فَلسٌ خيرٌ منه. وقال أبو حاتم: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي. وقال أبو داود: ليس بش-يء. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وقال


1- تاريخ الطبري، ج ٣ ، صص ٣٧٨  و  ٣٧٩ .
2- ميزان الاعتدال، ج ٢ ، ص ٢٧5 .
3- لسان الميزان، ج ٣ ، ص ١45 .
4- الكامل، ج 4 ، ص 4 .

ص:55

أبوأحمد بن عديّ: بعض أحاديثه مشهورة، وعامّتها منكرة لم يتابَع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. وقال أبو حاتم بن حبّان: يروي الموضوعات عن الأثبات. قال: وقالوا: إنّه كان يضع الحديث»(1) وأمّا ما قد يقال من أنّ سيفاً إنّما ضُعّف في الرواية، وإلّا فهو عمدة في التاريخ(2)، وكان أخباريّاً عارفاً(3)، فجوابه هو أنّ منهج علماء المدرسة التي ينتمي إليها إحسان ظهير قائمٌ على أساس إعمال منهج الحديث في التعامل مع النصّ التاريخي، ومن هنا ضعّفوا وفق هذه القاعدة كثيراً من المؤرّخين؛ كالواقدي والكلبي وأبي مخنف، فعلى الرغم من كون هؤلاء من كبار المؤرّخين إلّا أنّ نقولاتهم في التاريخ لم تُقبل؛ لما ورد فيهم من تضعيف في الرواية(4)

قال الباحث المعاصر حسن فرحان: «بعض الألفاظ مثل "عمدة في التاريخ" قد لايراد بها التوثيق، فقد أطلقها الحافظ ابن حجر على سيف بن عمر وعلى ابن الكلبي وغيرهما من كبار المتروكين، وغاية ما يريد منها الحافظ كون هذا من كبار المؤرّخين من حيث جمع مادة التاريخ والاهتمام بها وكتابتها، لا أنّه ثقة؛ ولذلك نجد الحافظ نفسه

يضعّف سيفاً في روايات تاريخيّة، ويضعّف الكلبي وقد سمّاه "عمدة النسّابين"»(5)

وقال في موضع آخر: «هناك لفظان موهمان يتّكئ عليهما بعضُ موثّقي سيف بن عمر. . . ألا وهما قول الذهبي: "كان أخباريّاً عارفاً" وقول الحافظ ابن حجر: "عمدة في التاريخ" وحقيقة أنّ الذهبي قد قال تلك الكلمة في رواة كذابين غير سيف، فهو يكثر من قوله: "أديب عارف"، أو: "نسّابة عارف" أو: "أخباريّ عارف" مع أنّ الذهبي نفسه يصفهم بالكذب والضعف في مواطن أخرى! والدليل على ذلك أنّه


1- تهذيب الكمال، ج ١٢ ، صص ٣٢6  و  ٣٢٧ .
2- اُنظر: تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 4٠٨ .
3- اُنظر: ميزان الاعتدال، ج ٢ ، ص ٢55 .
4- اُنظر: تهذيب الكمال، ج ٢6 ، صص ١٨٠  -  ١٩5 .
5- نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي، حسن فرهان، ص 6٠ .

ص:56

ضعّف سيفاً في أكثر من مكان من كتبه، فهذا اللفظ الموهم لا يقدّمه على التضعيفات الصريحة إلّا مكابر.

كذلك الحافظ ابن حجر نجده يردّ روايات لسيف تاريخيّة بحتة في الإصابة وغيرها، فمراد الحافظ - والله أعلم - أنّ سيفاً يُعتبر شيخاً في التاريخ مثلما كان الكلبي شيخاً في الأنساب، مع أنّ الاثنين ضعيفان جرّب عليهما الكذب.

ثمّ لو افترضنا أنّ الحافظ يثق في سيف بن عمر، فماذا نفعل ب-عشرات المحدّثين الآخرين الذين سَبَروا روايات سيف بن عمر وكانوا أقرب ل-عصره من الحافظ ابن حجر؟ ! وهم أعلم وأدرى به من المتأخّرين! ثمّ وجدنا أقوالهم وأحكامهم - بعد الدراسة والمقارنة - صحيحة، وهي أنّ سيفاً متروك كذّاب لا يعتمد عليه؛ لا في الأحاديث ولا في التاريخ! بل يكفي مقارنة رواياته مع بعضها لنجد التناقضات الكبيرة، فكيف بمقارنتها مع روايات المؤرّخين الآخرين! وكيف بمخالفتها لمتون الأحاديث الصحيحة؟ !»(1)

مضمون الحديث

إنّ محتوى الحديث لا يرقى لمستوى الاحتجاج به؛ لوجود التهافت والاضطراب

والارتباك الواضح بين فقراته، مما يشهد على وضعه؛ إذ نجد الراوي يصوّر في البداية حركة ابن سبأ الشديدة حيث استطاع أن يحدث ثورة ويدسّ دعاته في أغلب الأمصار التي تعجّ بالصحابة وأغلب التابعين، بل ويؤلّب الناس على عثمان.

ثمّ ينقل مشهداً آخر عن دار الخلافة، فيصوّر الخليفة عثمان وكأنّه غير مطّلع بشكل كلّي على حركة ابن سبأ.

ثمّ يعود وينقل صورة ثالثة، وهي استمالة قوم من م-صر لعمّار الذي بعثه عثمان لتَقصّي الوضعَ فيها، ممّا دفع عبدالله بن سعد بن أبي سرح والي عثمان على م-صر إلى


1- نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي، صص ٨4  و  ٨5 .

ص:57

مكاتبة الخليفة بشكل سريع ليُطلعه على هذا التصرّف من عمّار.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لو كان لعثمان ولاة على الأمصار، ولهم عيونهم عليها التي تأتيهم بالأخبار عن كلّ صغيرة وكبيرة، ويكاتبونه فيها بهذه ال-سرعة؛ بحيث أطلعوه على ما قام به أهلُ مصر من استمالة مبعوثه إليهم عمّار خلال سفره القصير، وبأمر من الخليفة نفسه، فكيف لم يخبروه بتحرّكات ابن سبأ التي كانت بتلك الضخامة التي صوّرها الراوي في المشهد الأوّل، لاسيما وأنّه كان يؤلّب الناس على عثمان ويدعو للثورة عليه؟ !

ثمّ كيف استطاع هذا اليهوديّ أن يُحدث هذا الشرح في المجتمع الإسلامي، ويؤثّر على ثلّة من كبار الصحابة ممّن أقاموا الدين وتحمّلوا ألوان العذاب وضربوا المثال الأسمى في الصلابة والإيمان والصبر و. . . حتّى قلب الأوضاعَ في عاصمة الخلافة بشكل أدّى إلى مقتل عثمان بذلك الشكل؟ !

حقيقة عبدالله بن سبأ

إنّ أصل النزاع في قضيّة عبدالله بن سبأ هو إعطاؤه ذلك الحجم والدور المبالغ فيه في تأليب الوضع والتأثير على الواقع الإسلامي، والقدرة العجيبة على خلق الأفكار

وتسويقها بتلك السرعة الكبيرة داخل المجتمع الإسلامي، وتأسيس عقائد جديدة انطلت على عدد من كبار الصحابة وثلّة كبيرة من المسلمين.

فهذا هو أصل الخلاف، وإلّا فإثبات أو نفي وجود ابن سبأ ليس بتلك الأهمّية، غير أنّ البعض حاول من خلال ذكر عدد من العلماء المثبتين لوجود ابن سبأ أن يوهم أنّ هؤلاء يقولون بذلك الدور المضخّم له، والحال أنّهم أثبتوا أصل وجوده فقط، وأمّا ذلك الدور المبالغ فيه له فقد اقتصر على رواية سيف بن عمر التي أخرجها الطبري في تاريخه كما تقدّم.

ص:58

الخلاف في شخصيّة ابن سبأ

اشارة

شغلت شخصيّة عبدالله بن سبأ وما نُسب إليه من بعض الأُمور مساحةً واسعة من كتابات مفكّري المسلمين وعلمائهم، ولشدّة غموض هذه الشخصيّة فقد سرى حولها الخلاف والاختلاف بينهم في مختلف جوانبها، حيث اختلف في أصل وجوده، وفي تحديد هويّته، وفي تاريخ ظهوره، وفي حجم الدور الذي لعبه في بعض وقائع التاريخ الإسلامي، وفي مصيره وما آل إليه أمرُه.

وسنشير في هذا المختصر لبعض من ذلك الخلاف والاختلاف الموجود في مختلف الجوانب في مسألة ابن سبأ بما يسعه المقام؛ ليقف القارئ على مقدار العجز، ومدى الابتعاد عن الموضوعيّة في قول من نسب التشيّع لمثل هذه الشخصيّة الغامضة المختلَف فيها بهذا المستوى.

أوّلا: الخلاف في أصل وجود ابن سبأ
اشارة

اختلف علماءُ المسلمين في أصل وجود ابن سبأ، فأثبته بعضهم ونفاه البعض الآخر، وهذا ذكرٌ لبعض المثبِتين والنافين من الطائفتين:

١-علماء السنّة الذين أنكروا وجود ابن سبأ

أ - الدكتور طه حسين، قال: «إنّ أمر السبئيّة وصاحبهم ابن السوداء إنّما كان متكلّفاً منحولاً قد اخترع بآخره حين كان الجدال بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية، أراد خصوم الشيعة أن يُدخلوا في أُصول هذا المذهب ع-نصراً يهوديّاً؛ إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم»(1)

ب - الدكتور علي سامي النشّار، قال: «ومن المحتمل أن تكون شخصيّة عبدالله بن سبأ شخصيّة موضوعة، أو أنّها رمزت إلى شخصيّة ابن ياسر، ومن المحتمل أن يكون


1- عليّ وبنوه، طه حسين، ج ٢ ، ص ٢4 .

ص:59

عبدالله بن سبأ هو مجرّد تغليف لاسم عمّار بن ياسر»(1)

ج - الدكتور حامد حفني داود، قال: «ولعلّ أعظم هذه الأخطاء التاريخيّة التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغُمّ عليهم أمرُها، فلم يفقهوها ويفطنوا إليها، هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة حين لفّقوا عليهم قصّة عبدالله بن سبأ فيما لفّقوه من قصص. . .»(2)

د - الدكتور محمّد كامل حسين، قال:

«فقصّة ابن سبأ في مصر وأنّه بثّ آراء التشيّع بين المصريّين، هي أقرب إلى الخرافات منها إلى أيّ شيء آخر»(3)

ه - عبد العزيز الهلابي، قال: «إنّ ابن سبأ شخصيّة وهميّة لم يكن لها وجود، فإن وُجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكّد أنّه لم يقم بالدور الذي أسنده إليه سيفٌ وأصحابُ كتب الفرق، لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة. . . إنّ إغفال هؤلاء المؤرّخين لهذا الرجل الذي كان له هذا الدور الكبير في أحداث الفتنة، وفي تغيير وجه التاريخ الإسلامي، دليلٌ على أنّ الرجل مكذوب مختلق من ع-صر متأخّر

من عصر أُولئك المؤرّخين المذكورين وغيرهم»(4)

وقد ذكر بعض الباحثين أسماءً أُخرى من المنكِرين لوجود شخصيّة ابن سبأ؛ منهم: الدكتور جواد علي، والدكتور محمّد عمارة، و الدكتور عبدالله السامرّائي، وآخرون(5)

2-علماء الشيعة الذين أنكروا وجود ابن سبأ

أ - الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، قال: «ليس من البعيد رأي القائل: إنّ عبدالله بن سبأ، ومجنون بني عامر، وأبي هلال، وأمثال هؤلاء الرجال أو الأبطال كلّها


1- نشأة الفكر الفلسفي، ج ٢ ، ص ٣٩ .
2- نقلاً عن مقدّمة كتاب عبدالله بن سبأ ، السيد مرتضى العسكري، ج ١ ، ص ١٧ .
3- في أدب مصر الفاطميّة، ص  ٧ .
4- عبدالله بن سبأ دراسة للروايات التاريخيّة عن دوره في الفتنة ، ص ٧٣ .
5- اُنظر: صدق النبأ في بيان حقيقة عبدالله بن سبأ، أبو عبدالله الذهبي، ج ١ ، صص ٢6  -  ٢٨ .

ص:60

أحاديث خرافة وضعها القصّاصون وأرباب السمر والمجون. . .»(1) ب - السيّد مرتضى العسكري، فقد ألّف كتابه (عبدالله بن سبأ) لإثبات عدم وجود هذه الشخصيّة، وأنّها أُسطورة وخرافة اختلقها سيف بن عمر(2)

ج - محمّد جواد مغنيّة، قال: «فلقد اختلق سيفٌ لرسول الله (ص) أصحاباً لا وجود لهم. . . كما ابتدع رجالاً من التابعين وغير التابعين، ووضع على لسانهم الأخبار والأحاديث، من هؤلاء بطلٌ اختلق شخصيّته، واختلق اسمه، واختلق قضايا ربطها به، هذا البطل الأُسطوري هو: عبدالله بن سبأ، الذي اعتمد عليه كلّ من نَسب إلى الشيعة ما ليس لهم به علم، وتكلّم عنهم جهلاً وخطأً ونفاقاً وافتراءً. . .»(3)

د - السيّد الخوئي، قال:

«إنّ أُسطورة عبدالله بن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلقة اختلقها سيفُ بن عمر الوضّاع الكذّاب. . .»(4)

ه- السيّد العلّامة الطباطبائي، قال بعد أن نقل رواية سيف وشعيب وتأثير ابن السوداء على أبي ذرّ ودفعه إلى المشادّة مع معاوية: «وهذان اللذان روى عنهما الحديث، وعنهما يروى جلّ قصص عثمان؛ أعني شعيباً وسيفاً، هما من الكذّابين الوضّاعين المشهورين، ذكرهما علماءُ الرجال وقدحوا فيهما، والذي اختلقاه من حديث ابن السوداء، وهو الذي سمّوه عبدالله بن سبأ، وإليهما ينتهي حديثه، من الأحاديث الموضوعة، وقد قطع المحقّقون من أصحاب البحث أخيراً أنّ ابن السوداء هذا من الموضوعات الخرافيّة التي لا أصل لها. . .»(5) وأمّا العلماء المثبتون لوجود ابن سبأ، فمن السنّة: الجوزجاني في أحوال


1- أصل الشيعة وأُصولها، صص ١٧٩  -  ١٨١ .
2- اُنظر: عبدالله بن سبأ، قال: «أوردنا في صدر الجزء الأوّل من هذا الكتاب موجز أُسطورة ابن سبأ المختلَق الذي زعم مختلقه سيف. . .» ، ج ٢ ، ص ٢١٩ .
3- نقلاً عن مقدّمة كتاب عبدالله بن سبأ السيّد مرتضى العسكري، ج ١ ، ص ١٢ .
4- معجم رجال الحديث، الخوئي، ج ١١ ، ص ٢٠٧ .
5- الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج ٩ ، ص ٢6٠ .

ص:61

الرجال(1)، وابن قتيبة في المعارف(2)، والبلاذري في أنساب الأشراف(3)، والطبري في تاريخه(4)، وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين(5)، وابن حزم في الفصل في الملل والنحل(6)، والشهرستاني في الملل والنحل(7)، وابن عساكر في تاريخه(8)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى(9)، وغيرهم.

ومن الشيعة: النوبختي في فرق الشيعة(10)، والأشعري القمّي في المقالات والفرق(11)، والكشّي والشيخ الطوسي في رجالهما(12)، والعلّامة الحلّي في خلاصة

الأقوال(13)، وغيرهم.

والحاصل: إنّ هناك تناقضاً بين أقوال العلماء والمفكّرين في أصل وجود هذه الشخصيّة، فلم يتّفقوا على أصل وجودها، وإنّما العلماء مختلفون فيها بين ناف ومثبت، ممّا يدلّ دلالة واضحة على وجود مخترعات كثيرة اخترعت من قبل البعض لأغراض خاصّة ونُسبت لهذه الشخصيّة المبهمة.

ثانياً: الخلاف في تحديد هويّة ابن سبأ

اشارة

اختلف العلماء والمؤرّخون في تحديد هويّة ابن سبأ بشكل كبير، حيث اختلفوا في


1- اُنظر: أحوال الرجال، الجوزجاني، ص ٣٨ .
2- اُنظر: المعارف، ابن قتيبة، ص ٢6٧ .
3- اُنظر: أنساب الأشراف، البلاذري، ج ٣ ، ص ٣٨٢ .
4- اُنظر: تاريخ الطبري، ج 4 ، صص ٢٨٣ ،  ٣٢6 ،  ٣٣١ ،  ٣4٠ ،  ٣4٩ ،  ٣٩٨ ،  4٩٣ ،  4٩4 ،  5٠5 .
5- اُنظر: مقالات الإسلاميّين، أبوالحسن الأشعري، ج ١ ، ص ٨5 .
6- اُنظر: الفصل في الملل والنحل، ج 4 ، ص ١٨6 .
7- اُنظر: الملل والنحل، الشهرستاني، ج ٢ ، ص ١١6 و  ١55 .
8- اُنظر: تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٣ .
9- اُنظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 4 ، ص 4٣5  و ج ٢٨ ، ص 4٨٣ .
10- اُنظر: فرق الشيعة، ص ٢١ .
11- اُنظر: المقالات والفرق، ص ٢٠ .
12- اُنظر: اختيار معرفة الرجال، الشيخ الطوسي، ج ١ ، ص ٣٣٣ ؛ رجال الشيخ الطوسي، ص ٧5 .
13- اُنظر: خلاصة الأقوال، العلّامة الحلّي، ص ٣٧٢ .

ص:62

شخصيّته وبلده وقبيلته، وفي نسبته إلى أبيه، وفي نسبته إلى أُمّه، وفي ديانته قبل الإسلام، وهذا الاختلاف أوجد عقبات كثيرة أمام الباحث عن ابن سبأ بحيث يصعب عليه تحديد هويّته بشكل واضح أو أن يجزم بشخصيته بشكل أكيد وثابت، وهذه إشارة لبعض تلك الخلافات في المقام:

1-الاختلاف في شخصيّة ابن سبأ

اُختلف في شخصيّة ابن سبأ، فهل هو شخص واحد يطلق عليه تارةً ابن سبأ وتارة ابن السوداء، أم هما شخصيّتان مختلفتان؟

فقد عدّهما جماعة شخصيّتين؛ منهم: ابن عبد ربّه، والأسفراييني، والبغدادي. قال ابن عبد ربّه: «. . . منهم عبدالله بن سبأ نفاه إلى ساباط، وعبدالله بن السوداء نفاه إلى الخازر»(1)

وقال الأسفراييني: «ووافق ابنُ السوداء عبدالله بن سبأ بعد وفاة عليٍّ في مقالته

هذه»(2)

وقال البغدادي: «فلمّا خَشِي عليٌّ من قتل ابن السوداء وابن سبأ الفتنةَ نفاهما إلى المدائن»(3)

وعدّهما جماعةٌ شخصيةً واحدة؛ منهم: الطبري، والذهبي، والمقريزي، وابن عساكر، قال (واللفظ للمقريزي) : «عبدالله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء»(4)

2-الاختلاف في قبيلة ابن سبأ

اُختلف في القبيلة التي ينسب إليها ابن سبأ، حيث ذكروا فيها عدّة أقوال، أهمّها:


1- العقد الفريد، ابن عبد ربّه، ج ٢ ، ص ٢4١ .
2- التبصير في الدين، الأسفراييني، ص ١٠٨ .
3- الفرق بين الفرق، ص ٢٣5 .
4- الخطط المقريزية، ج ٢ ، ص ٣56 ؛ وانظر: تاريخ الطبري، ج 4 ، صص ٣٢6  و  ٣٢٧ ؛ تاريخ الإسلام، الذهبي، ج ٢ ، ص ١٢٢ ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٨ .

ص:63

القول الأوّل: إنّ ابن سبأ من قبيلة حِميَر. وهذا القول لعدّة؛ منهم ابن حزم، قال: «القسم الثاني من فرق الغالية يقولون بالإلهيّة لغير الله عزّ وجلّ، فأوّلهم قوم من أصحاب عبدالله بن سبأ الحميري»(1). القول الثاني: إنّ ابن سبأ من قبيلة همدان. وهذا القول لجماعة؛ منهم البلاذري، والأشعري القمّي(2). القول الثالث: إنّ ابن سبأ من السبأيّين الذين ورد ذكرُهم في القرآن الكريم، وإنّ يعرب بن قحطان ولد يشجب، وولد ليشجبَ "سبأ"، واسم سبأ هذا عبدُ شمس، و قد مَلكَ اليمنَ بعد أبيه، و أكثَرَ من الغزو والسبي، فسُمّي "سبأ" وغلب عليه حتّى لم يسمَّ به غيرُه، ثم أُطلق الاسم على بنيه(3).

3-الاختلاف في بلد ابن سبأ اُختلف في البلد الذي ينسب إليه ابن سبأ، حيث ذكروا فيه عدّة أقوال؛ أهمّها: القول الأوّل: إنّ ابن سبأ من أهل الحيرة. وهذا القول لجماعة؛ منهم عبد القاهر البغدادي، قال: «إنّ عبدالله بن السوداء كان يعين السبأيّة على قولها، وكان أصله من يهود الحيرة، فأظهر الإسلام»§الفرق بين الفرق، ص ٢٣5 .§. القول الثاني: إنّ ابن سبأ من اليمن. وهذا القول لجماعة؛ منهم الطبري، قال: «كان عبدالله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء»§تاريخ الطبري، ج 4 ، ص ٣4٠ .§. ومنهم أيضاً ابن عساكر، قال: «عبدالله بن سبأ الذي يُنسب إليه السبئيّة. . . أصله من أهل اليمن، كان يهوديّاً»§تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٣ .§.

1- الفصل في الملل والأهواء، ج 5 ، ص 46 .
2- اُنظر: أنساب الأشراف، ج 5 ، ص ٢4٠ ؛ المقالات والفرق، ص ٢٠ .
3- اُنظر: قلائد الجمان، القلقشندي، ص ٣٩ .

ص:64

القول الثالث: إنّ ابن سبأ أصله من الروم. وهذا القول لابن كثير في البداية والنهاية، قال: «وكان أصله روميّاً فأظهر الإسلام، وأحدث بدعاً قوليّة وفعليّة»(1).

4-الاختلاف في نسبة ابن سبأ إلى أبيه اُختلف في نسبة ابن سبأ لأبيه، حيث ذكروا فيها عدّة أقوال؛ أهمّها: القول الأوّل : إنّ ابن سبأ يُنسب من جهة أبيه إلى "وهب". وهذا القول لجماعة؛ منهم؛ البلاذري§اُنظر: أنساب الأشراف، ج 5 ، ص ٢4٠ .§، والأشعري القمّي§اُنظر: المقالات والفرق، ص ٢٠ .§، والذهبي§اُنظر: المشتبه في الرجال، الذهبي، ج ١ ، ص ٣46 .§، والمقريزي§اُنظر: الخطط المقريزية، المقريزي، ج ٢ ، ص ٣56 .§. القول الثاني: إنّ ابن سبأ يُنسب من جهة أبيه إلى "حرب". وهذا القول لجماعة؛ منهم الجاحظ، قال أثناء نقله خبر زحر بن قيس: «قدمتُ المدائن بعدما ضُرب عليُّ بن أبي طالب كرّم الله وجهَه، فلقيني ابنُ السوداء، «وهو ابن حرب. . .»§البيان والتبيين، الجاحظ، ج ٣ ، ص ٨١ .§. القول الثالث: إنّ ابن سبأ ينسب من جهة أبيه إلى "سبأ". وهذا القول لجماعة؛ منهم: ابن قتيبة§المعارف، ابن قتيبة، ص 6٢٢ .§، وأبو الحسن الأشعري§مقالات الإسلاميين، ج ١ ، ص ٨6 .§، والشهرستاني§الملل والنحل، ج ١ ، ص ١٧4 .§، وابن حجر§لسان الميزان، ج ٣ ، ص ٢٩٠ .§. والحاصل: إنّ هذا الخلاف والتضارب الشديد في تحديد هويّة هذه الشخصيّة بين علماء التاريخ والفرق والرجال، يشهد على عدم إتقان صناعة دور هذه الشخصيّة.

1- البداية والنهاية، ابن كثير، ج ٧ ، ص ١٩٠ .

ص:65

ثالثاً: الخلاف في تاريخ ظهور ابن سبأ وإسلامه

اختلفت روايات سيف بن عمر التي أخرجها الطبري في تاريخ ظهور ابن سبأ بين المسلمين، وإليك بعض تلك الأقوال التي أشارت إليها روايات سيف: القول الأوّل: إنّ ابن سبأ أسلم في الب-صرة في سنة ( ٣4 ) ، وابتدأت حركته بالظهور منها وامتدّت إلى الكوفة ثمّ م-صر، ثمّ توسّعت بعد ذلك لتشمل سائر الأمصار. أخرج الطبري في أحداث سنة ( ٣4 ) : عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد ال-فقعسي، قال: «فلمّا قدم ابن السوداء نزل عليه [يعني على حكيم بن جبلة] واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرّح، فقبلوا منه واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر فسأله: ما أنت؟ فأخبره أنّه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، أُخرج عنّي. فخرج حتّى أتى الكوفة، فأُخرج منها، فاستقرّ بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم»(1). القول الثاني: إنّ ابن سبأ أسلم في سنة ( ٣5 ه) وابتدأت حركته بالظهور في الحجاز، ثمّ انتقلت إلى الكوفة وبعدها إلى الشام ثمّ مصر فسائر الأمصار. أخرج الطبري في أحداث سنة ( ٣5 ) : عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد ال-فقعسي، قال: «كان عبدالله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثمّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم ال-بصرة، ثمّ الكوفة، ثمّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتّى أتى مصر فاعتمر فيهم. . .»(2). القول الثالث: إنّ ابن سبأ كان في سنة ( ٣٠ ه) من المسلمين، وأنّه استطاع أن يؤثّر آنذاك على كبار الصحابة؛ كأبي ذرّ، وإنّ بوادر دعوته بدأت من الشام، قال الطبري:


1- تاريخ الطبري، ج ٣ ، ص ٣6٨ .
2- المصدر نفسه، صص ٣٧٨  و  ٣٧٩ .

ص:66  

«وفي هذه السنة، - أعني سنة ( ٣٠ ) - كان ما ذكر من أمر أبي ذرّ ومعاوية، وإشخاص معاويةَ إيّاه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب إشخاصه إيّاه منها إليها أُمورٌ كثيرة كرهت ذكر أكثرها. فأمّا العاذرون معاويةَ في ذلك فإنّهم ذكروا في ذلك قصّةً كتبَ إليّ بها إلىّ الس-َّريُّ، يذكر أن شعيباً حدّثه عن سيف، عن عطيّة، عن يزيد الفقعسي، قال: لمّا ورد ابنُ السوداء الشام لقى أبا ذرّ، فقال: يا أبا ذرّ، ألا تعجب إلى معاوية يقول: المال مالُ الله ألا إن كان كل شيء لله، كأنّه يريد أن يحتجنه  ١ دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين! فأتاه أبو ذرّ فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّى مالَ المسلمين مالَ الله. . .»(1). فظاهر هذا الخبر أنّ ابن سبأ كان مسلماً، وأنّه كان له تأثير على كبار الصحابة كأبي ذرّ، فضلاً عن غيرهم من عموم الناس، وأنّه بدأ التخطيط والتحريك لصالح دعوته في الشام. والحاصل: إنّ هناك تبايناً واضحاً في هذه الأقوال التي ت-شرح إسلام هذه الشخصيّة وتاريخ ظهورها بين المسلمين، ممّا يقوّي في النفس أنّ جُلّ هذه المقولات هي موضوعة ومفتراة.

رابعاً: الخلاف في حجم الدور الذي لعبه ابن سبأ في التاريخ الإسلامي

اشارة

اختُلف أيضاً في حجم شخصيّة ابن سبأ والدور الذي قام به في بعض أحداث التاريخ الإسلامي، وإليك إشارة مقتضبة لهذا الخلاف في أقوال الفريقين:

أقوال علماء السنّة
اشارة

من خلال التتبّع في النصوص السنّية يمكن رصد القولين التاليين في المقام:  


1- المصدر نفسه، ج ٣ ، صص ٣٣5  و  ٣٣6 .

ص:67

القول الاول:

وهو القول المنقول بروايات سيف بن عمر، وفيه تضخيم لشخصيّة ابن سبأ، ومبالغة في دوره في بعض الأحداث الإسلاميّة، وفي تأثيره على الواقع الاجتماعي والسياسي وحتّى العقائدي للمسلمين، وقد ذكرنا فيما مضى هذه النصوص فلا نعيدها هنا، وقد تقدّمت الإشارة أيضاً إلى بعض أقوال حفّاظ الحديث وعلماء الجرح والتعديل في تضعيف سيف بن عمر؛ بل اتّفقت كلمتُهم على تضعيفه؛ ولذا لا يمكن التعويل عليه في إثبات شيء أو نفيه، وبالخصوص الأمور العقائدية؛ لأهمّيتها البالغة وشدّة العناية بها من قبل علماء العقيدةوغيرهم.

القول الثاني:

وهو القول المنقول عن طريقٍ آخر غير طريق سيف بن عمر، وليس فيه دورٌ يذكر لابن سبأ غير أنّه من الكذّابين الذين كذبوا على الله تعالى ورسوله الكريم (ص) وأنّه من الغُلاة الذين غلَوا في أمير المؤمنين عليه السلام، وإليك هذه الأحاديث:  ١ - ما أخرجه أبو يعلى الموصلي (في مسنده) بسنده عن أبي الجلاس، أنّه سمع أميرالمؤمنين عليه السلام يقول لعبدالله السبائي: «وَيلَكَ! وَاللهِ ما أفض-ى إلَيَّ بِش-َيءٍ كَتَمَهُ أحَداً مِنَ النّاسِ» ، و سُمع يقول له أيضاً : «إنّ بَينَ يَدَي السّاعَةِ ثَلاثينَ كَذّاباً، وإنَّكَ لَأَحَدُهُم»(1).  ٢ - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه، بسنده عن عمّار الدهني، أنّه سمع أبا الطفيل يقول: «رأيتُ المسيّب بن نجبة أتى به مُلَبِّبَه - يعني ابن السوداء - وعليٌّ على المنبر، فقال عليٌّ: (ما شَأنُهُ؟) فقال: يكذب على الله وعلى رسوله» (2).  ٣ - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أيضاً، بسنده عن سلمة، أنّه سمع أبا الزعراء


1- مسند ابي يعلى الموصلي، ج ١ ، صص ٣4٩  و  ٣5٠ .
2- تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٧ .

ص:68

يحدّث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «ما لي وما لِهذا الحميت(1) الأَسوَدِ؟ !»(2).  4 - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أيضاً، قال: أخبرنا أبو محمّد بن طاووس، وأبويعلى حمزة بن الحسن بن المفرج، قالا: أنا أبوالقاسم بن أبي العلاء، أنا أبومحمّدبن أبي نصر، أنا خيثمة بن سليمان، نا أحمد بن زهير بن حرب، نا عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، قال: قال عليُّ بن أبي طالب عليه السلام: «(ما لي ولِهذَا الحميتِ الأَسوَدِ؟ !) يعني عبدالله بن سبأ، وكان يقعُ في أبي بكر وعمر»(3).  5 - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أيضاً، بسنده عن حجيّة بن عديّ الكندي، أنّه رأى أميرَ المؤمنين عليه السلام على المنبر وهو يقول: «مَن يَعذِرُني مِن هَذا الحميت الأَسوَدِ الَّذي يَكذِبُ عَلى الله ورَسولِهِ؟ - يعني ابنَ السوداء- لَولا أن لا يَزالُ يَخرُجُ عَلَيَّ عِصابَةٌ ينعى عَليَّ دَمهُ كَما ادُّعِيَت عَلَيَّ دِماءُ أهلِ النَّهرِ، لَجَعَلتُ مِنهُم رُكاماً»(4). فهذه جلّ الروايات التي ذكرناها من غير طريق سيف بن عمر، والتي ورد فيها ذكر عبدالله بن سبأ. يرد عليها بشكل عامّ - بعد غَضّ النظر عن إسنادها، وعدم وضوح كون المراد فيها عبدالله بن سبأ - أنّ دلالتها لا تتعدّى عن كون هناك رجل معاصر لأميرالمؤمنين عليه السلام اسمه عبدالله بن سبأ، وكان ممّن يكذب على الله تعالى ورسوله الكريم (ص) .

أقوال علماء الشيعة

إنّ الروايات الشيعيّة التي وردت في شخصيّة ابن سبأ يدلّ بعضها على وجود رجل اسمه عبدالله بن سبأ كان معاصراً لأمير المؤمنين عليه السلام، وكان يتردّد على الإمام عليه السلام


1- الحميت: إناءٌ للسمن أو الزيت، اُنظر لسان العرب، ج  ٢ ، ص  ٢5  حمت .
2- المصدر نفسه، ج ٢٩ ، ص ٧ .
3- المصدر نفسه، صص ٧  و  ٨ .
4- المصدر نفسه، ص ٨ .

ص:69

بين الحين والآخر، ويسأله عن بعض الأُمور، دون أن تشير إلى أيّ تفصيل آخر، ويدلَّ بعضها الآخر على انحراف ابن سبأ وغلّوه في أمير المؤمنين عليه السلام حتّى ادَّعى إلوهيّته عليه السلام، فأحرقَه الإمام عليه السلام بالنار، وإليك هذه الروايات:  ١ - ما رواه الشيخ الصدوق والطوسي، بإسنادهما عن أبي بصير، عن الإمام أبي عبدالله الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: «(إذا فَرَغَ أحدُكُم مِنَ الصَّلاةِ فَليَرفَع يَدَيهِ إلى السَّماء وَليَنصَب فِي الدُّعاءِ) ، فقال ابنُ سَبأ: يا أمير المؤمنين، أليس اللهُ في كلّ مكان؟ قال: (بَلى) ، قال: فلم يرفعُ يديه إلى السماء؟ فقال: (أوَ ما تَقرَأُ: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» ، فَمِن أينَ يُطلَبُ الرِّزقُ إلّا مِن موضِعِ الرِّزقِ؟ ومَوضِعُ الرِّزقِ وما وَعَدَ اللهُ السّماءُ)»(1).  ٢ - ما رواه الكشّي في رجاله، بسنده عن عبدالله بن سنان، عن أبيه، أنّ الإمام أباجعفر الباقر عليه السلام قال: «إنّ عبدالله بنَ سَبَأ كانَ يُدَّعِى النُّبُوَّةَ، ويَزعُمُ أنَّ أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلام هُوَ اللهُ - تعالى عن ذلك -، فَبَلَغَ ذلِكَ أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلام فَدَعاهُ وسَأَلهُ، فَأَقَرَّ بِذلِكَ وقال: نَعَم أنتَ هُوَ، وقَد كان أُلقِيَ في روعي أنَّكَ أنتَ اللهُ وأنّي نَبيِ ٌّ، فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام: (وَيلَكَ قَد سَخِرَ مِنكَ الشَّيطانُ فَارجِع عَن هذا - ثَكَلَتكَ أُمُّكُ وتُب) ، فَأَبى فَحَبَسَهُ أيّاماً فَلَم يَتُب، فَأَحرَقَهُ بالنّار وقالَ: إنَّ الشَّيطانَ استَهواهُ، فَكانَ يَأتيهِ ويُلقي في روعه ذلِكَ)»(2).  ٣ - ما رواه الكشّي في رجاله، أيضاً بسنده عن عبدالله [بن سنان]، إنّ الإمام أباعبدالله الصادق عليه السلام قال: «إنا أهلُ بَيتٍ صِدّيقونَ، لا نَخلو مِن كَذّابٍ يَكذِبُ عَلَينا ويُسقِطُ صِدقَنا بِكِذبِهِ عَلَينا عِندَ النّاس. كان رسولُ الله (ص) أصدَقَ النّاسِ لَهجَةً وأصدَقَ البَرِيَّةِ، وكانَ مُسيلَمةُ يَكذِبُ عَلَيه، وكانَ أميرُ المؤمنينَ عليه السلام أصدَقَ مَن بَرَأ اللهُ بَعدَ رَسولِ اللهِ، وكان الّذي  


1- علل الشرائع، الصدوق، ج ٢ ، ص ٣44 . تهذيب الأحكام، الطوسي، ج ٢ ، ص ٣٢٢ .
2- اختيار معرفة الرجال، الكشي، ج ١ ، ص ٣٢٣ .

ص:70

يَكذِبُ عَليهِ ويَعمَلُ في تَكذيبِ صِدقِهِ ويفتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ عبدالله بنُ سَبَاءٍ»  ١ .  4 - ما رواه الكشّي في رجاله أيضاً، بسنده عن هشام بن سالم، أنّه سمع الإمام أباعبدالله الصادق عليه السلام يقول وهو يحدّث أصحابه بحديث عبدالله بن سبأ وما ادّعى من الربوبيّة في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال: «إنَّهُ لَمّا ادَّعى ذلِكَ فيهِ استَتابَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام فَأبى أن يَتوبَ، فَأحرَقَهُ بِالنّارِ»  ٢ .  5  - ما رواه الكشّي في رجاله أيضاً، بسنده عن أبان بن عثمان، أنّه سمع الإمام أباعبدالله عليه السلام يقول: «لَعَنَ اللهُ عبدالله بنَ سَبَاءٍ، إنّهُ ادّعى الرّبوبيّةَ في أميرِ المؤمِنينَ عليه السلام، وكانَ -وَالله - أميرُالمُؤمِنينَ عليه السلام عَبداً لله طائِعاً، الويلُ لِمَن كَذَبَ عَلَينا. وإنَّ قُوماً يقولونَ فينا ما لانَقولُهُ في أنفُسِنا، نَبرَأُ إلى الله مِنهُم، نَبرَأُ إلى الله مِنهُم»  ٣ .  6 - روى الكشّي في رجاله أيضاً بسنده عن أبي حمزة الثمالي، أنّ الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام قال: «لَعَنَ اللهُ مَن كَذَبَ عَلَينا، إنّي ذَكَرتُ عبدالله بنَ سَبأ فَقامَت كلُّ شَعرَةٍ في جَسَدي! لَقَدِ ادّعى أمراً عَظيماً ما لَهُ لَعَنهُ اللهُ! كانَ عَليٌّ عليه السلام - والله - عَبداً للهِ صالِحاً، أخو رسولِ الله، ما نالَ الكَرامةَ مِن الله إلّا بطاعَتِهِ لله ولِرَسولِه، وما نالَ رسولُ اللهِ (ص) الكَرامَةَ منَ الله إلّا بطاعَتِه لله»  4 . والحاصل: إنَ ّ هذه هي جُلّ الروايات المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في المصادر الشيعيّة التي ورد فيها ذكر عبدالله بن سبأ. ويرِد عليها بشكل عامّ - مع غضّ النظر عن أسنادها - عدمُ دلالتها على أكثر من  ١ ) اختيار معرفة الرجال، ج ١ ، ص ٣٢4 .

 ٢ ) المصدر نفسه، ص ٣٢٣ .

 ٣ ) المصدر نفسه، ص ٣٢4 .

 4 ) المصدر نفسه.

ص:71

وجود رجلٍ اسمه عبدالله بن سبأ، كان معاصراً لأمير المؤمنين عليه السلام، وقد غلا في الإمام عليه السلام فادّعى أُلوهيّتَه، فاستتابَه أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا لم يتُب أحرقه بالنار، وانتهى أمرُه.

خامساً: مصير ابن سبأ والخلاف فيه

اختلفت الأخبار التي أشارت إلى مصير ابن سبأ إلى طائفتين أساسيّتين: الطائفة الاُولى: الأخبار التي دلّت على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أحرقه بالنار، وجُلّ هذه الأخبار مرويّة في المصادر الشيعيّة، وقد أوردناها سابقاً. الطائفة الثانية: الأخبار التي دلّت على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام نفاه إلى المدائن، وجُلّ هذه الأخبار مرويّة في مصادر السنّة، ومن جملتها:  ١ - ما أورده ابن حجر في (لسان الميزان) ، عن زيد بن وهب، قال: «إنّ سُوَيد بن غفلة دخل على عليٍّ ٍ في إمارته، فقال: إنّي مررت بنفرٍ يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنّك تضمر لهما مثل ذلك؛ منهم عبدالله بن سبأ، وكان عبدالله أوّل من أظهر ذلك، فقال عليّ: (ما لي ولِهذا الخَبيثِ الأَسوَدِ؟ !) ثمّ قال: (مَعاذَ اللهِ، أُضمِرُ لَهُما إلّا الحَسَنَ الجَميلَ) ، ثمّ أرسل إلى عبدالله بن سبأ فسيّره إلى المدائن، وقال: (لا يُساكِنُني في بَلدَةٍ أبَداً) ، ثمّ نهض إلى المنبر حتّى اجتمع الناسُ، فذكر القصّة في ثنائه عليهما بطوله، وفي آخره: ألّا ولا يَبلُغني عَن أحَدٍ يُفَضِّلُني عَلَيهِما إلّا جَلَدتُهُ حَدَّ المُفتَري)»(1).  ٢ - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه، بسنده عن سباط، قال: «بلغ عَليّاً أنّ ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر، فدعا به ودعا بالسيف - أو قال: فهمّ بقتله - فكُلّم فيه فقال: (لا يُساكِنّي بِبَلَدٍ أنا فيه) ، قال: فسيّره إلى المدائن»(2).  ٣ - ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه أيضاً، بسنده عن جابر، قال: «لمّا بويعَ عليٌّ


1- لسان الميزان، ج ٣ ، ص ٢٩٠ .
2- تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٩ .

ص:72

خطب الناسَ، فقام إليه عبدالله بن سبأ فقال له: أنت دابّة الأرض، قال: فقال له: (اِتَّقِ اللهَ) ، فقال له: أنت الملِك، فقال له: (اِتَّقِ الله) ، فقال له: (أنت خلقتَ الخلقَ، وبسطتَ الرزق) ، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضةُ فقالت: دعهُ وَأنفِه إلى ساباط المدائن؛ فإنّك إن قتلتَه بالمدينة خرجَت أصحابُه علينا وشيعته، فنفاه إلى ساباط المدائن. . .»(1).  4 - ما أورده ابن أبي الحديد - في قصّة إحراق أمير المؤمنين عليه السلام لجماعة من الغلاة - عن أبي العبّاس، أنّه قال: «إنّ جماعةً من أصحاب عليّ؛ منهم عبدالله بن عبّاس، شفعوا في عبدالله بن سبأ خاصّة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّه قد تاب فاعفُ عنه، فأطلقَه بعد أن اشترط عليه إلّا يقيم بالكوفة، فقال: أين أذهب؟ قال: المدائن، فنفاه إلى المدائن. . .»(2). والحاصل: إنّ الأخبار التي أشارت إلى مصير ابن سبأ انقسمت إلى طائفتين أساسيّتين: الاُولى: ذكرت أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد أحرقه بالنار بعد أن غلا فيه، وهذه الطائفة مرويّة في المصادر الشيعية. الثانية: ذكرت أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد نفاه إلى ساباط المدائن بعد أن وقع في أبي بكر وعمر، وهذه الطائفة مرويّة في المصادر السنيّة. وقد اختلفت أقوال علماء الطائفتين في المقام تبعاً لاختلاف الروايات فيه.

نتيجة الفصل الثاني

إنّ كونَ ابن سبأ هو من اخترع القول بالوصيّة وهو صاحب الدور الأساسيّ في أحداث فتنة عثمان، لم يرد من طرق السنّة إلّا في رواية سيف بن عمر، التي أخرجها الطبري في تاريخه، وهي ضعيفة السند؛ بشعيب وسيف، ومتهافتة المضامين كما بيّنّا.


1- تاريخ مدينة دمشق، ج ٢٩ ، ص ٩ .
2- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 5 ، ص 6 .

ص:73

وقد خلت المصادر الشيعيّة من أيّ رواية - ولو ضعيفة السند، أو مرسلة - في أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة. نعم، هناك روايات متعدّدة بعضها صحيحة السند تتحدّث عن شخصيّة ابن سبأ دون أن تتطرّق من قريب أو من بعيد لمسألة اختراعه المزعوم للوصيّة. والقول المستشهد به فيما تقدّم ليس للنوبختي أو القمّي أو الكشّي، وإنّما نقلوه على نحو الحكاية عن جماعة من أهل العلم من غير الشيعة، وليس فيه دلالة على أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة وأوّل من أبدعها، وإنّما غاية ما يدلّ عليه هو أنّ ابن سبأ آمن بعد إسلامه بما آمنت به الشيعة من إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأنّه هو الوصي والخليفة بعد رسول الله (ص) ، و فيه دلالة أيضاً على أنّ ابن سبأ هو أوّل من أخذ يُظهر ويُجاهر بعقيدته في أمير المؤمنين عليه السلام بشكل علنيّ وحادّ، مستعملاً أُسلوباً وطريقةً غريبةً على ما اعتاده المجتمع الإسلامي بعد مض-يّ خمس وعشرين سنة من التقيّة والخوف. هذا كلّه مضافاً إلى أنّ المنقول عن هؤلاء الجماعة من أهل العلم مخالف للثابت بالضرورة لدى الشيعة وعليه إجماع علمائهم، فهل يعارض هذا بمثل ذلك القول المنقول مرسلاً على نحو الحكاية عن جماعة مجهولة؟ ! كما ويتّضح من خلال ما تقدّم أنّ الخلاف والاختلاف في أصل وجود شخصيّة ابن سبأ، وفي كلّ جوانبها عند المثبتين لها، يكشف عن وجود وضع ودسّ كثير في أغلب تلك الجوانب وحجم المساحة التي شغلتها في التاريخ الإسلامي.

ص:74

ص:75

الفصل الثالث: أحاديث النصّ بغير لفظ الوصيّة في روايات أهل السنّة

اشارة

اشاره

ص:76

ص:77

تمهيد

اشارة

(1)

لم تسلم أحاديث رسول الله (ص) من جور حكومات بني أُميّة ومن على شاكلتهم، فاكتنفتها المحنةُ كسائر مقدّرات الأُمّة وتراثها، لا سيما تلك الأحاديث الشريفة المتعلّقة بفضائل أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم، فجهدت تلك الحكومات في طمسها بمختلف الوسائل، فسنّوا سبّ أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر، قال الزمخشري والحافظ السيوطي: «إنّه كان في أيّام بني أُميّة أكثر من سبعين ألف منبر يُلعن عليها عليُّ بن أبي طالب بما سنّه لهم معاوية من ذلك»(2). وقتلوا على التسمية كما نقل ذلك ابن حجر العسقلاني في ترجمته لعلىّ بن رباح، قال: «كان بنو أُميّة إذا سمعوا بمولود اسمه عليّ، قتلوه»(3). وعذّبوا المحدّثين بفضائل أهل البيت عليهم السلام، فقد روى الخطيب والذهبي بأنّ نصر بن عليّ لمّا حدّث عن رسول اللّه (ص) بأنّه أخذ بيد حسن وحسين، فقال: «مَن أحَبّني وأحَبّ هذَينِ وأباهُما وأُمَّهُما كانَ في دَرَجَتي يومَ القِيامَة» ، أمر المتوكّل ب-ضربه ألف سوط، فكلّمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول: «هذا من السنّة، فلم يزل به حتّى.


1- هذا الفصل مستّل من كتابنا الردّ الكبير ، وقد تكبّد عناء البحث عن دلالات حديث الغدير و الاثني عشر و المنزلة مع هذا التمهيد سماحة الشيخ الباحث المحقق قيصر التميمي بإشراف السيّد العلّامة الدكتور محمّد حسين القزويني، حيث أوردنا هناك ما أفاده هذان العلمان بعد تهذيبه في بعض الموارد
2- ربيع الأبرار، الزمخشري، ج ٢ ، ص ١٨6 ؛ النصائح الكافية، محمّد بن عقيل، ص ٧٩  عن السيوطي.
3- تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٣١٨ .

ص:78

تركه»(1)

ولم يسلم علماء السنّة الذين كتبوا في فضائل أهل البيت عليهم السلام من جَور تلك الحكومات، فهذا عبدالله بن محمّد السقّا - على سبيل المثال - الذي عبّر عنه الذهبي بالحافظ الإمام، لمّا أملى حديثَ الطير، لم تحتمله النفوس، فوثبوا به وأقاموه وغسّلوا موضعه، فمضى ولزم بيته، فكان لا يحدّث أحداً من الواسطيّين(2). وكذا النسائي صاحب كتاب السنن (أحد الصحاح الستّة) -- والذي عبّر عنه ابن كثير ب- «الإمام في عصره»  (3)، ويعدّه ابن تيميّة من جهابذة العلم ونقّاده وأهل معرفة بأحوال الإسناد(4)، ويرى الذهبي أنّه من بحور العلم من الفهم والإتقان والب-صر. . . ولم يبقَ له نظير في هذا الشأن(5)- لمّا قام بنشر فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وامتنع من نقل الأكاذيب في مدح معاوية، فما زالوا يدفعون في خصيتيه حتّى أُخرج من المسجد، وحُمل إلى الرملة أو مكّة فتوفّي بها(6). وكذا الحاكم النيسابوري -- الذي قال عنه الذهبي: «كان من بحور العلم»(7)، وقال: «وانتهت إليه رئاسة الفنّ بخراسان، لا بل في الدنيا. . . وهو ثقة، حجّة»(8) - آذوه على جلالته وكسروا منبره، وضيّقوا عليه وألجأوه إلى الانزواء في بيته، لا يأمن الخروج من البيت، فقال له أبو عبد الرحمن السلمي: «لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل - معاوية - حديثاً لاسترحت من المحنة؟ فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء


1- تاريخ بغداد، ج ١٢ ، ص ٣4 ؛ تذكرة الحفاظ، ج ٣ ، ص ٩٩١ .
2- تذكرة الحفاظ، ج ٣ ، ص ٩65 .
3- البداية والنهاية، ج ١١ ، ص ١٢٣ .
4- منهاج السنّة، ج ١ ، ص 66 .
5- سير أعلام النبلاء، ج ١4 ، ص ١٢٧ .
6- المصدر نفسه، ص ١٣٢ ؛ تهذيب الكمال، ج ١ ، صص ١٣٢ و ٣٣٩ ؛ تذكرة الحفاظ، ج ٢ ، ص ٧٠٠ ؛ البداية والنهاية، ج ١١ ، ص ١٢4 ؛ الوافي بالوفيات، الصفدي، ج 6 ، ص 4١٧ .
7- سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج ١٧ ، ص ١65 .
8- العبر، الذهبي، ج ٣ ، ص ٩٢ .

ص:79

من قلبي»(1). ففي ضلّ هذه الظروف الحرجة التي رافقت أحاديثَ فضائل أهل البيت عليهم السلام وصلت إلينا أحاديث كثيرة تبيّن سموّ مكانتهم وعلوّ مقامهم وفرض إمامتهم، وسنحقق هنا بعض هذه الأحاديث الشريفة التي وردت في النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام من كتب أهل السنّة بغير لفظ الوصيّة، وذلك ضمن عدّة بحوث.


1- سير أعلام النبلاء، ج ١٧ ، ص ١٧5 ؛ الوافي بالوفيات، ج ٣ ، ص ٣٢١ ؛ الطبقات الكبرى، ج 4 ، ص ١6٣ ؛ البداية والنهاية، ج ١١ ، ص ٣55 ؛ منهاج السنة، ج 4 ، ص ٩٩ .

ص:80

ص:81

البحث الأوّل: حديث الغدير

اشارة

يعدّ حديث الغدير في مقدّمة تلك الأحاديث التي حاربتها السلطات الحاكمة، فقد كان المحدّث يخاف من ذكر الحديث في الأوساط العامّة كما سيأتي في حديث زيد(1)، وقال عبدالله بن العلا للزهري لما سمعه يحدّث بحديث الغدير: «لا تحدّث بهذا [مَن كنتُ مولاهُ فَعِليٌّ مَولاه] بالشّام، وأنت تسمع ملء أُذُنيك سبَّ عليٍّ، فقال: واللّه، عندي من فضائل عليٍّ ما لو تحدّثت لقُتلت. أخرجه الثلاثة»  (2). ولكن مع ذلك كلّه، شاء الله تعالى أن يصل هذا الحديث -- الذي يُعدّ من أهمّ الأدّلة التي استدلّ الإمامية بها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته -- إلى الأجيال اللاحقة بطرق صحيحة كثيرة كما سيأتي. وأهمّية حديث الغدير باعتبار صحّة سنده لدى أئمّة الحديث، ووضوح معانيه، وصريح دلالته. أمّا صحّته فلم يشكّك فيها إلّا آحاد من علماء السنّة؛ كابن حزم وابن تيمية ومن سار على نهجهم من الفرقة الوهابيّة، الذين سعوا إلى إنكارِ وطمس كلّ فضيلة


1- أخرج أحمد من طريق عطيّة العوفي، قال: «سألت زيد بن أرقم فقلت له: إنّ ختناً لي حدّثني عنك بحديث في شأن عليّ رضي الله تعالى عنه يوم غدير خمّ، فأنا أُحبّ أن أسمعه منك، فقال: إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم، فقلت له: ليس عليك منّي بأس، فقال: نعم، كنّا بالجحفة. . .» ، مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣6٨ ؛ فضائل الصحابة، ج ٢ ، ص 5٨6 .
2- أُسد الغابة، ابن الأثير، ج ١ ، ص ٣٠٨

ص:82

لأميرالمؤمنين عليه السلام. وأمّا وضوح معانيه وصريح دلالته، فقد ناقش فيهما جمهور علماء السنّة، انقلاباً على ما هو صريح الدلالة بعد ابتلائهم بجملة من الثوابت التي لا يمكنهم رفع اليد عنها، خصوصاً إمامة الثلاث، فردّوا كلّ دليل بعدها مهما كان مستوى صحّته وقوّة دلالته.

طرق حديث الغدير
اشارة

اشاره

أخرج محدّثو السنّة وحفّاظُهم حديثَ الغدير بطرق كثيرة وألفاظ عديدة، فقد ورد من حديث زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقّاص، وبريدة بن الحصيب، وأميرالمؤمنين عليه السلام، وأبي أيّوب الأنصاري، والبراء بن عازب، وعبدالله بن عبّاس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة. وفيما يلي إشارة مختصرة لطرق هذه الأحاديث:

1-حديث زيد بن أرقم رُوي حديث الغدير عن الصحابي زيد بن أرقم بعدّة طرق، فقد رواه عنه أبوالطفيل، وميمون أبو عبدالله، وأبو سليمان (سلمان) ، ويحيى بن جعدة، وعطية العوفي، وأنيسة بنت زيد، وأبو الضحى، وهبيرة بن يريم، وأبو إسحاق وعبدالله الشيباني وثوير بن أبي فاختة، وهذه اشارة مقتضبة لهذه الطرق:
الطريق الأوّل: عن أبي الطفيل، عن زيد

أخرج النسائي، والحاكم، والطبراني وآخرون، بأسانيدهم إلى سليمان الأعمش، قال: حدّثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم، قال: «لمّا رجعَ رسولُ الله (ص) عن حجّةِ الوَداعِ، ونزلَ غديرَ خمٍّ أمرَ بدَوحاتٍ فَقُمِمنَ، ثمّ قال: (كَأَنّي قَد دُعيتُ فَأَجَبتُ، إنّي قَد تَرَكتُ فيكُمُ الثَّقلَينِ، أحَدُهُما أكبَرُ مِنَ الآخَرِ؛ كِتابَ الله وعِترَتي أهلَ بَيتي، فَانظُروا كَيفَ تُخَلِّفوني فيهما، فَإنَّهُما لَن يَتَفَرَّقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ

ص:83

الحَوضَ) ، ثمّ قال: (إنَّ اللهَ مَولايَ، وأنا وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ) ، ثمّ أخذَ بيدِ عَليٍّ فقال: (مَن كُنتُ وَلِيُّهُ فَهذا وَليُّهُ اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، فقلتُ لزيدٍ: سمعتَه من رسولِ الله (ص) ؟ قال: ما كان في الدّوحات رجلٌ إلّا رآه بعَينه وسمعَ بأُذنه» .(1)وقد صحّحه الحاكم؛ حيث قال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بطوله»(2)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص(3). وما قد يقال من أنّ حبيباً كان مُدلّساً، وقد عَنعَن(4)في الحديث، فجوابه هو أنّه لم يتفرّد به، فقد تابعه فطر بن خليفة، فقد أخرج أحمد، وابن حبّان، و النسائي وآخرون، بأسانيدهم إلى فطر، عن أبي الطفيل، قال: «جمعَ عليٌّ رضي الله تعالى عنه الناسَ في الرّحبةِ، ثمّ قال لهم: (أنشُدُ اللهَ كُلَّ امرِئٍ مُسلِمٍ سَمِعَ رَسولَ الله (ص) يَقولُ يَومَ غَديرِ خُمٍّ ما سَمِعَ لَمّا قامَ) فقامَ ثلاثون من النّاس - وقال أبو نعيم: "فقامَ ناسٌ كثير" - فشهدوا حين أخذه بيده فقال للناس: (أتَعلَمونَ أنّى أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم ؟) ، قالوا: نعم يا رسولَ الله، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، قال: فخرجت وكأنّ في ن-فسي شيئاً، فلقيتُ زيدَ بن أرقم فقلت له: إنّى سمعت عليّاً رضي الله تعالى عنه يقولُ كذا وكذا، قال: فما تُنكر؟ ! قد سمِعت رسولَ الله (ص) يقولُ ذلك له»(5). وإسناده صحيح على شرط البخاري، قال الهيثمي في زوائده: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة» (6) .


1- السنن الكبرى، ج 5 ، صص 45  و ١٣٠ ؛ المعجم الكبير، ج 5 ، ص ١66 .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١١٨ .
3- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
4- لديهم قاعدة في القدح بالرجال وهي أنّ المدلّس إذا عنعن في السند، أي: لم يقل: «حدّثني» أو: «سمعتُ فلاناً» وإنّما يقول: «عن فلان» مثلاً كما في حبيب في موردنا لا يحتجّ بحديثه، لكنّهم اشترطوا عدم انفراده بالحديث، وإلّا فيحتجّ بحديثه، وهذا الأمر واضح لدى أرباب الفنّ فلا نحتاج لذكر الشاهد عليه.
5- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣٧٠ ؛ صحيح ابن حبّان، ج ١5 ، ص ٣٧5 .
6- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٢٩ .

ص:84

وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الحديث: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير فطر بن خليفة فمن رجال أصحاب السنن، وروى له البخاري مقروناً»(1). وتابعه أيضاً سلمة بن كهيل، فقد أخرج الترمذي في سننه، بسنده إلى سلمة، قال: «سمعتُ أبا الطفيل يحدّثُ عن أبي سُرَيحةَ، أو زيدِ بن أرقمَ (شكّ شعبة) ، عن النبيّ (ص) ، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(2). ثمّ قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روى شعبة هذا الحديث عن ميمون أبي عبدالله، عن زيد بن أرقم، عن النبيّ (ص) ، وأبو سريحة هو حذيفة بن أُسيد الغفاري صاحب النبيّ (ص)»(3). وهو كما قال فإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه الحاكم من طريق محمّد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الطفيل، عن ابن واثلة، أنّه سمع زيد بن أرقمَ به مطوّلاً نحو رواية حبيب دون قوله: «اللّهُمَّ والِ. . .» ، وصحّحه؛ حيث قال: «صحيح على شرط الشيخين»(4). وحبيب بن أبي ثابت المتقدّم هو من رجال البخاري ومسلم (5)، روى له الستّة واحتجّوا بحديثه، قال الذهبي في (ميزان الاعتدال) : «وثّقه يحيى بن معين وجماعة،


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣٧٠ .
2- سنن الترمذي، ج 5 ، ص 6٣٣ .
3- المصدر نفسه.
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١١٨ .
5- احتجّ البخاري بحديثه في كتاب الصوم، وكتاب البيوع، وكتاب الجهاد والسير، وكتاب بدء الخلق، وكتاب المناقب، وكتاب المغازي، وكتاب التفسير، وكتاب الطبّ، وكتاب الفتن، وغيرها من الكتب. فانظر: صحيح البخاري، ج ١ ، ص 5٠٨  و ج ٢ ، صص ٣٢ ،  ٢6٠ ،  ٣١٩ ،  ٣٩٩  و ج ٣ ، صص ١٠١ ،  ٢٧٢  و ج 4 ، صص ٢٢ ،  ٣4٧ . كما احتجّ بحديثه أيضاً مسلم في صحيحه في كتاب الصلاة، وكتاب الجنائز، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم، وكتاب الحج، وكتاب الجهاد والسير، وكتاب السلام، وغيرها من الكتب. فانظر: صحيح مسلم، ج ١ ، ص 4٩١  و ج ٢ ، صص 666 ،  ٧46 ،  ٨١6 ،  ٨5١  و ج ٣ ، ص ١4١١ و ج 4 ، ص ١٧4٠ .

ص:85

واحتجّ به كلّ من أفراد الصحاح»(1). وقد وثّقه علماء الجرح والتعديل، قال الذهبي في الكاشف: «كان ثقةً مجتهداً فقيهاً»(2). وقال في (سير أعلام النبلاء) : «الإمام، الحافظ، فقيه الكوفة»(3). وقال ابن حجر في (تهذيب التهذيب) عن ابن عديّ: «هو أشهر وأكثر حديثاً من أن أحتاج أذكر من حديثه شيئاً، وقد حدّث عن الأئمّة، وهو ثقة، حجّة، كما قال ابن معين»(4).

الطريق الثاني: عن ميمون، عن زيد

أخرج أحمد، والطبراني، بأسناديهما عن ميمون أبي عبدالله، قال: «قالَ زيدُ بن أرقمَ وأنا أسمعُ: نَزلنا مع رسولِ الله (ص) بِوادٍ يقال له: وادي خُمّ. . .»(5)، نحو حديث حبيب. قال الهيثمي في زوائده: «وفيه ميمون أبو عبدالله البصري، وثّقه ابن حبّان، وضعّفه جماعةٌ» . وقد صحّح الحاكم أحاديثَ لميمون في مستدركه، منها حديث (سدّ الأبواب إلّا باب عليّ (6) ؛ حيث قال عقبه: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»(7)، ووافقه عليه الذهبي في التلخيص (8) .  


1- ميزان الاعتدال، ج ١ ، ص 45١ .
2- الكاشف، ج ١ ، ص ٣٠٧ .
3- سير أعلام النبلاء، ج 5 ، ص ٢٨٨ .
4- تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص ١54 .
5- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣٧٢ ؛ المعجم الكبير، ج 5 ، ص ٢٠٢ .
6- أخرج الحاكم في مستدركه، بسنده إلى ميمون أبي عبدالله، عن زيد بن أرقم، قال: «كانت لنفر من أصحاب رسول الله ص أبوابٌ شارعةٌ في المسجد، فقال [ ص ] يَوماً: سُدّوا هذِهِ الأَبوابَ إلاّ بابَ عَلِيٍّ ، قال: فتكلّم في ذلك ناسٌ، فقام رَسول الله ص فحمد اللهَ و أثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بَعدُ، فإِنّي أمَرتُ بِسَدِّ هذِهِ الأَبوابِ غَيرَ بابِ عَلِيٍّ فَقالَ فيهِ قائِلُكُم، وَاللهِ! ما سَدَدتُ شَيئاً ولا فَتَحتُهُ ولكِن أُمِرتُ بِشَيءٍ فَاتَّبَعتُهُ» ، ج ٣ ، ص ١٣5 ، ذكر إسلام أميرالمؤمنين عليّ رضى الله عنه.
7- المصدر نفسه.
8- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.

ص:86

الطريق الثالث: عن أبي سليمان (سلمان) ، عن زيد

أخرج أحمد بسنده إلى أبي سليمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم، قال: «استَشهَدَ عَلِىٌّ النّاسَ فقال: أنشُدُ اللهَ رَجُلاً سَمِعَ النَّبِيَّ (ص) يَقولُ: (اللّهُمَّ مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِىٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، قالَ: فَقامَ سِتَّةَ عَ-شَرَ رَجُلاً فَشهِدوا»(1). وعنده أبو سليمان هو زيد بن وهب كما صرّح بذلك في العلل(2)، وكذا الحافظ ابن حجر كما حكى ذلك عنه الألباني في (السلسلة الصحيحة)(3). وأخرج الحديثَ أيضاً الطبرانيُّ في معجمه أيضاً بسنده إلى أبي سليمان، وسمّاه زيدبن وهب، عن زيد بن أرقم، وفيه: «قال زيدُ بن أرقم: فكنتُ فيمن كتمَ فذهبَ بَصَري، وكان عليٌ ّ رضى الله عنه دَعا على مَن كتمَ»(4). وزيد بن وهب ثقة من رجال البخاري. وأخرجه في معجمه أيضاً بسنده إلى أبي سلمان المؤذّن، عن زيد بن أرقم، وفيه: «فَقامَ اثنا عَشَرَ بَدريّاً فشهدوا بذلك، قال زيد: وكنتُ أنا فيمن كَتَمَ فذهبَ بَصَري»(5). وعند المزّي هو يزيد بن عبدالله، وقد ساق الحديثَ ضمن ترجمته، وهو عنده غير أبي سليمان زيد بن وهب المتقدّم (6) . لكن من البعيد أن يلتبس هذا الأمر على أحمد بن حنبل والطبراني والحافظ ابن حجر!  


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٣٧٠ .
2- العلل، أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٢5 .
3- السلسلة الصحيحة، الألباني، ج 4 ، ص ٢4٩ .
4- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ١٧١ .
5- المصدر نفسه، ج 5 ، ص ١٧5  و ح 4٩٩6 ، أبو سليمان المؤذّن عن زيد بن أرقم. وهذا يؤيّد أنّ أبا سلمان وأبا سليمان هما شخص واحد عند الطبراني وهو زيد بن وهب كما سمّاه في الحديث الآنف.
6- اُنظر: تهذيب الكمال، ج ٣٣ ، ص ٣6٨ .

ص:87

مضافاً إلى أنّ فرضَهما شخصان وليس شخصاً واحداً لا يؤثّر في الأمر شيئاً، فلا مانع من أن يكونا كلاهما قد رَوَيا الحديث عن زيد بن أرقم؛ إذ إنّ الحكم بن عتيبة الكندى(1)يروي عن أبي سليمان زيد بن وهب وعن أبي سلمان كما ذكر ذلك المزّي نفسه(2). خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الاختلاف في لفظي الحديث، فلفظ أبي سليمان: «فَقامَ ستّةَ عشَرَ رَجلاً» ، بينما لفظ أبي سلمان: «فقام اثنا ع-شر بَدريّاً فَشهِدوا بذلك» .

الطريق الرابع: عن يحيى بن جعدة، عن زيد

أخرج الطبراني، والحاكم، بسنديهما إلى يحيى بن جعدة، عن زيد بن أرقم، قال: «خَرجنا مع رسولِ الله (ص) حتّى انتَهَينا إلى غديرِ خُمٍّ، فأمرَ بِدَوحٍ فكُسِحَ، في يَومٍ ما أتى علينا يومٌ كان أشدَّ حرّاً منه، فَحَمِدَ اللهَ و أثنى عليه وقال : (يا أيُّها النّاسُ! إنَّهُ لَم يُبعَث نَبيٌّ قَطُّ إلّا ما عاشَ نِصفَ ما عاشَ الَّذي كانَ قَبلَهُ، وإنّي أُوشكُ أن أُدعى فَأُجيبَ، و إنّي تارِكٌ فيكُم ما لَن تَضِلّوا بَعدَهُ؛ كِتابَ اللهِ عَزَّ و جَلَّ) ، ثمّ قامَ فأخذَ بيدِ عَليٍّ رضى الله عنه فقال: (يا أيُّها النّاسُ! مَن أولى بِكُم مِن أنفُسِكُم؟) قالوا: اللهُ و رَسولهُ أعلمُ، (ألَستُ أولى بِكُم مِن أنفُسِكُم؟) قالوا: بلى، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(3). ورجال الطبراني ثقات(4)، وصحّحه الحاكم؛ حيث قال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»(5)، ووافقه الذهبي في التلخيص(6).


1- من الثقات، وهو من رجال البخاري ومسلم.
2- اُنظر: تهذيب الكمال، ج ١٠ ، ص ١١١  و ج ٣٣ ، ص ٣6٨ .
3- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ١٧١ ، يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم.
4- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .
5- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص 6١٣ .
6- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.

ص:88

الطريق الخامس: عن عطية العوفي، عن زيد

أخرج أحمد وغيره بسنده إلى عطيّة العوفي، قال: «سألتُ زيدَ بن أرقمَ فقلت له: إنّ خَتناً لي حدّثني عنك بحَديثٍ في شأنِ عَليٍّ رضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ يومَ غديرِ خُمٍّ، فأنا أُحبُّ أن أسمعَه منك، فقال: إنّكم معشَرَ أهلِ العراقِ فيكُم ما فيكُم، فقلتُ له: ليسَ عليكَ منّي بأسٌ، فقال: نَعم، كُنّا بالجُحفة فخرجَ رسولُ اللهِ (ص) إلينا ظُهراً، وهو آخذٌ بعَضُد عليٍّ. . .» ، فذكره بنحوه دون الزيادة، إلّا أنّه قال: «فقلت له: هل قال: (اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، و عادِ مَن عاداهُ) ؟ قال: إنّما أُخبرك كما سمعتُ»(1). ورجاله ثقات رجال مسلم غيرَ عطيّة، وثّقه ابن حجر على ما في التقريب(2)، ولايقدح في المورد قوله فيه: إنّه كان مدلّساً؛ لأنّه لم يعنعِن الحديث.

الطريق السادس: عن أنيسة بنت زيد بن أرقم، عن أبيها زيد

أخرج الطبراني في (المعجم الكبير) بسنده إلى حبيب بن زيد بن خلّاد الأنصاري، عن أنيسة بنت زيد بن أرقم، عن أبيها، قال: «أمرَ رسولُ الله (ص) بالشَّجَرات فقُمّ ما تحتها ورُشّ، ثمّ خطبَنَا، فوالله ما من شَيء يكونُ إلى أن تقومَ السّاعةُ إلّا وقد أخبرَنا به يومئذٍ، ثمّ قال: (يا أيُّها النّاسُ! مَن أولى بكُم من أنفُسِكُم؟) ، قُلنا: اللهُ ورسولهُ أولى بنا من أنفُسنا، قال : (فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا مَولاهُ) ، يَعني عَليّاً رضي اللهُ عنه، ثمّ أخذَ بيَده فكَشطها، ثمّ قال: (اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)»(3). قال الهيثميّ عقبه: «رواه الطّبراني، وفيه حبيب بن خلّاد الأنصاري، ولم أعرفه،


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣6٨ .
2- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ٣٩٣ .
3- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ٢١٢ .

ص:89

وبقيّة رجاله ثقات، ورواه البزّار أتمّ منه، وفيه ميمون أبو عبدالله ال-بصري، وثّقه ابن حبّان وضعّفه جماعة»  ١ . وحبيب هذا هو ابن زيد بن خلّاد الأنصاري كما سمّاه الطبراني نفسه، وهو من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وقد وثّقه الحافظ ابن حجر وغيره(1)مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣١ .(2).

الطريق السابع: عن أبي الضحى، عن زيد

أخرج الطبراني بسنده إلى أبي الضحى، عن زيد بن أرقم، قال: «سَمعتُ رسولَ الله (ص) يقول يومَ غدير خُمّ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ من عاداهُ)»(3).

الطريق الثامن: عن هبيرة بن يريم، عن زيد

أخرج الطبراني بسنده إلى هبيرة بن يريم، عن سعيد بن وهب وحبّة العرني وزيد بن أرقم: «إنّ عليّاً رضيَ اللهُ عنه ناشَدَ النّاسَ: مَن سمِعَ رسولَ الله (ص) يقول: (مَن كنُتُ وَليَّهُ فَعَلِيٌّ وَليُّهُ) ، فقامَ بضعَةَ عَشَرَ فَشهِدوا أنّهم سمِعوا رسولَ الله (ص) يقول : (مَن كُنتُ وَليُّه فَعَليٌّ وَليُّهُ)»(4).

الطريق التاسع: عن أبي إسحاق، عن زيد

أخرج الطبراني بسنده إلى أبي إسحاق، عن عمرو بن ذي مرّ وزيد بن أرقم، قالا:


1- تقريب التهذيب، ج
2- ، ص ١5٠ ؛ تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص ١6٠ .
3- المعجم الكبير، ج 5 ، ص  ١٧٠ .
4- المصدر نفسه، ص ١٩١ .

ص:90

«خطبَ رسولُ الله (ص) يومَ غديرِ خُمٍّ فقال : (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، وَانصُر مَن نَصَرَهُ، وأعِن مَن أعانَهُ)»(1).

الطريق العاشر: عن عبدالله الشيباني، عن زيد

أخرج الطبراني بسنده إلى عبدالله الشيباني، قال: «كنتُ جالِساً في مجلسِ بني الأرقَمِ، فأقبَل رجلٌ من مُراد يسيرُ على دابَّتِه حتّى وقفَ على المجلسِ فسلَّمَ فقال: أفي القومِ زيدٌ؟ قالوا: نعم، هذا زيدٌ، فقال: أنشُدُك باللهِ الّذي لا إله إلّا هو يا زيدٌ، أسمِعتَ رسولَ اللهِ (ص) يقولُ لعَليّ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ؟ ، قال: نعم. ف-انصرفَ عنه الرجلُ»(2).

الطريق الحادي عشر: عن ثوير بن أبي فاختة، عن زيد

أخرج الطبراني بسنده إلى ثوير بن أبي فاختة، عن زيد بن أرقم، قال: «خطَبنا رسولُ الله (ص) يومَ الغديرِ فقال: (ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) ، قالوا: بلى، فأخذَ بيَد عليٍّ رضى الله عنه فقال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)»(3).

2-حديث سعد بن أبي وقّاص رُوي حديث الغدير عن الصحابي سعد بن أبي وقّاص بعدّة طرق، فقد رواه عنه عبدُ الرحمن بن سابط وعبد الواحد بن أيمن عن أبيه، وعائشة بنت سعد بن أبي وقّاص، وخيثمة بن عبد الرحمن، وهذه إشارة مقتضبة لهذه الطرق:
اشارة

1- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ١٩٢ .
2- المصدر نفسه، ص ١٩٣ .
3- المصدر نفسه، ص ١٩4 .

ص:91

الطريق الأوّل: عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد

أخرج ابن ماجة بسنده إلى عبد الرحمن بن سابط، عن سعد بن أبي وقّاص، قال: «قدم معاويةُ في بعضِ حَجّاتِه، فدخلَ عليه سعدٌ، فذَكَروا عليّاً، فنالَ منه، فغضِبَ سعدٌ وقال: تقولُ هذا لرجل سمعتُ رسولَ اللهِ (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيُّ مَولاهُ) . . .»(1). وإسناده صحيح كما حقّق ذلك الألباني في حكمه على هذا الحديث من (سنن ابن ماجة) ؛ حيث قال: «صحيحٌ»(2).

الطريق الثاني: عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه، عن سعد

أخرج النسائي بسنده إلى عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، أنّ سعداً قال: «قالَ رسولُ الله (ص) : (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(3). وإسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال البخاري غير أيمن والد عبد الواحد، وهو ثقة كما في (التقريب) (4).

الطريق الثالث: عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها سعد

أخرج البزّار في مسنده، بسنده إلى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها سعد: «إنّ رسولَ الله (ص) أخذَ بيدِ عليٍّ، فقال: (ألَستُ أَولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟ مَن كُنتُ وَليَّهُ فإنّ عَليّاً وَليُّهُ)»(5).


1- سنن ابن ماجة، ج ١ ، ص 45 .
2- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.
3- السنن الكبرى، ج 5 ، صص ١٠٨  و ص ١٣١ .
4- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ١١٧ .
5- مسند البزّار، ج 4 ، ص 4٢ .

ص:92

وقد أورده عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال: «رواه البزّار، ورجاله ثقات»(1). وأخرجه ابن كثير في (البداية والنهاية) ، بسنده إليها، وفيه أنّها سمعت أباها سعداً يقول: «سمِعتُ رسولَ الله (ص) يقول يومَ الجُحفةِ وأخذَ بيَد عليٍّ فخطَبَ، ثمّ قال: (أيُّها النّاسُ! إنّي وَليُّكُم؟) ، قالوا: صدقتَ، فرفعَ يدَ عليٍّ، فقال: (هذا وليّي، والمُؤَدّي عَنّي، وإنَّ اللهَ مُوالي مَن والاهُ، ومُعادي مَن عاداهُ)» . ثمّ قال: «قال شيخُنا الذهبي: "وهذا حديث حسن غريب"، ثمّ رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن أبي كبير، عن مهاجر بن مسمار، فذكر الحديث، وأنّه عليه السلام وقفَ حتّى لحِقَه مَن بعدَه، وأمر برَدّ من كان تقدَّمَ، فخطَبَهُم، الحديث»(2).

الطريق الرابع: خيثمة بن عبد الرحمن، عن سعد

أخرج الحاكم بسنده إلى خيثمة بن عبد الرحمن، قال: «سمعتُ سعدَ بن مالكٍ (3)وقال له رجلٌ: إنّ عليّاً يقع فيك أنّك تخلّفت عنه، فقال سعد: والله إنّه لَرأيٌ رأيتُه وأخطأ رَأيي، إنّ عليَّ بن أبي طالبٍ أُعطي ثَلاثاً لأن أكونَ أُعطيتُ إحداهن أحبَّ إليّ من الدنيا وما فيها، لقد قال له رسولُ الله (ص) يومَ غديرِ خمٍّ بعد حمد الله والثّناء عليه: (هَل تَعلَمونَ أنّي أولى بِالمُؤمِنينَ؟) ، قُلنَا: نَعَم، قال: (اللّهُمَّ مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، والِ من والاهُ، و عادِ مَن عاداهُ)»(4).

3-حديث بريدة رُوي حديث الغدير عن الصحابي بُريدة بعدّة طرق، فقد رواه عنه ابن عبّاس، وابن بريدة، وطاووس، وهذه إشارة مقتضبة لهذه الطرق:
اشارة

1- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣4 .
2- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ٢٣٢ .
3- سعد بن أبي وقّاص واسمه مالك بن أهيب، ويقال: وهيب. اُنظر: تهذيب الكمال، ج ١٠ ، ص ٣٠٩ .
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢6 .

ص:93

الطريق الأوّل: عن ابن عبّاس، عن بريدة

أخرج النسائي، بسنده إلى عبد الملك بن أبي غنية، قال: ثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن بريدة، قال: «خرجتُ مع عليٍّ إلى اليمن، فرأيت منه جَفوةً، فقدِمت على النبيّ (ص) فذكرتُ عَليّاً فتنقّصتُه، فجعل رسولُ الله (ص) يتغيّر وجهُه، قال: (يا بُرَيدَةُ، ألَستُ أولى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) ، قلتُ: بلى يا رسولَ الله، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(1). وأخرجه بنفس السند أحمد في مسنده(2)، والحاكم في مستدركه وصححه على شرط مسلم(3)، وتعقّبه الألباني بقوله: «قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وتصحيح الحاكم على شرط مسلم وحده قصور»(4).

الطريق الثاني: عن ابن بريدة، عن أبيه

أخرج أحمد بسنده عن ابن بريدة، عن أبيه: «أنَّه مَرّ على مجلس وهم يَتناولون من علِيٍّ، فوقَف عليهم فقال: إنّه قد كان في نفسي على عليٍّ شيءٌ، وكان خالد بن الوليدِ كذلك، فبعَثني رسولُ الله (ص) في سريّة عليها عليٌّ، وأصبنا سَبياً، قال: فأخذَ عليٌّ جاريةً من الخُمس لنفسه، فقال خالدُ بن الوليد: دونَكَ! قال: فلمّا قدِمنا على النّبيِّ (ص) جعلتُ أُحدّثُه بما كان، ثمّ قلت: إنّ عليّاً أخذ جاريةً من الخُمس، قال: وكنت رجُلاً مِكبابا(5)، قال: فرفعت رأسي فإذا وجهُ رسولِ الله (ص) قد تغيّرَ، فقال: (مَن كُنتُ وَليَّهُ فَعَلِىٌّ وَلِيُّهُ)»(6).  


1- السنن الكبرى، ج 5 ، صص 45  و  ١٣٠ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٣4٧ .
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١١٩ .
4- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .
5- رجلٌ مكبٌّ و مِكبابٌ: كثير النظر إلى الأرض؛ لسان العرب، ج  ١ ، ص  6٩6  كبب .
6- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٣5٨ .

ص:94

قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الحديث: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»(1)، وقال الألباني في حُكمه عليه: «قلت: وهذا إسنادٌ صحيح على شرط الشيخين أو مسلم، فإنّ ابنَ بريدة إن كان عبدالله، فهو من رجالهما، وإن كان سليمان فهو من رجال مسلم وحده»(2). وأخرجه أيضاً الحاكم في مستدركه من طريق أبي عوانة، عن الأعمش بنفس السند الآنف، وفيه: «إنّي لأمش-ي مع أبي إذ مرّ بقومٍ ينقصون عليّاً رضيَ اللهُ عنه يقولونَ فيه. . .» نحو الحديث الآنف، وصحّحه؛ حيث قال: «هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة»(3)، ووافقه الذهبي في التلخيص(4).

الطريق الثالث: عن طاووس، عن بريدة

أخرج الطبراني في الأوسط والصغير، بسنده إلى طاووس، عن بريدة، أنّ النبي قال لعلي: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ»(5). قال الألباني عقبه: «ورجاله ثقات»(6).  

4 - حديث أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام رُوي حديث الغدير عن أمير المؤمنين عليه السلام بعدّة طرق، فقد رواه عنه عمرو بن سعيد، وزاذان بن عمر، وعمرو ذي مرّ، وسعيد بن وهب، وزيد بن يثيع، وعبدالرحمن بن أبي ليلى، وأبو مريم، ورجل من جلساء أمير المؤمنين عليه السلام، وطلحة بن  
اشارة

1- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
2- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٢ ، ص ١4١ .
4- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
5- المعجم الأوسط، ج ١ ، ص ١١١ .
6- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .

ص:95

مصرف عن المهاجر بن عميرة أو عميرة بن المهاجر، وعمر بن عليّ، ورياح بن الحرث، وغيرهم، وهذه إشارة مقتضبة لهذه الطرق:

الطريق الأوّل: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج أبو يعلى في مسنده، بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: «شهدتُ عليّاً في الرّحبةِ يناشد الناسَ: أنشُدُ اللهَ مَن سَمِعَ رَسولَ اللهِ (ص) يَقولُ في يَومِ غَديرِ خُمٍّ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) لمّا قام فَشَهِد! قال عبدُ الرّحمن: فقامَ اثناعشر بدريّاً كأنّي أنظرُ إلى أحدِهِم عليه سَراويلُ، فَقالوا: نَشهدُ أنّا سمِعنا رسولَ الله (ص) يقول يومَ غديرِ خُمٍّ: (ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم وأزواجي أمّهاتُهُم؟) ، قُلنا: بلى يا رَسولَ الله، قال: ( فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)»(1). وقد أورده عنه الهيثميُّ في زوائده وقال: «رواه أبو يعلى، ورجاله وثّقوا»(2). وأخرجه أيضاً عبدالله بن أحمد بسندين عن ابن أبي ليلى، صحّحه الألباني في سلسلته بمجموعهما؛ حيث قال: «أخرجه عبدالله بن أحمد ( ١ /  ١١٩ ) من طريق يزيدبن أبي زياد وسمّاك بن عبيد بن الوليد العبس-ي، عنه. قلت: وهو صحيح بمجموع الطريقين عنه، و فيهما أنّ الذين قاموا اثنا عشر، زاد في الأُولى: (بدريّاً)»(3).

الطريق الثاني: عن عمر بن عليّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام

قال ابن حجر في المطالب العالية: «وقال إسحاق: أخبرنا أبو عامر العقدي، عن كثير بن زيد، عن محمّد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن عليّ رضى الله عنه قال: إنّ النبيّ (ص) حضرَ الشَّجرةَ بخُمٍّ ثمّ خرجَ آخذاً بيَدِ عليٍّ رضى الله عنه، قال: (ألَستُم تَشهَدونَ  


1- مسند أبي يعلى، ج ١ ص 4٢٨ .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٠ .
3- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .

ص:96

أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى رَبُّكُم؟) قالوا: بَلى، قالَ (ص) : (ألَستُم تَشهَدونَ أنَّ اللهّ عزّوجلّ ورَسولَهُ أولى بِكُم مِن أنفُسِكُم وأنَّ اللهَ تَعالى ورَسولَهُ أولياؤُكُم؟) فَقالوا: بلى، قال : (فَمَن كانَ اللهُ ورَسولُهُ مَولاهُ فَإنّ هذا مَولاهُ، وقَد تَرَكتُ فيكُم ما إن أخَذتُم بِهِ لَن تَضِلّوا: كِتابَ الله تَعالى؛ سَبَبُهُ بِيَدِهِ، وسَبَبُهُ بِأَيدِيكُم، وأهلَ بَيتي)» . ثمّ قال ابنُ حجرٍ: «هذا إسنادٌ صحيح»(1). وقال البوصيري في تعليقه على الحديث: «رواه إسحاقُ بسند صحيح»(2).

الطريق الثالث: عن سعيد بن وهب، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج أحمد بسنده إلى سعيد بن وهب، قال: «نشدَ عليٌّ عليه السلام النّاسَ فقامَ خمسةٌ أو ستّةٌ من أصحاب النّبيّ (ص) فشَهِدوا أنّ رسولَ الله (ص) قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(3). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه أحمدُ، ورجالُه رجال الصحيح»  (4).

الطريق الرابع: عن زياد بن أبي زياد، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج أحمد بسنده إلى زياد بن أبي زياد، قال: «سمعتُ عليَّ بن أبي طالب رضى الله عنه يَنشُدُ الناسَ فقال: أنشُدُ اللهَ رَجُلاً مُسلِماً سَمِعَ رَسولَ الله (ص) يَقولُ يَومَ غَديرِ خُمٍّ ما قالَ! فَقامَ اثنا عَشَرَ بَدرِيّاً فَشَهِدوا»(5). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه أحمد، ورجاله ثقات»(6).


1- المطالب العالية، ج ٨ ، صص ٣٩٠ و  ٣٩١ .
2- إتحاف الخيرة المهرة، البوصيري، ج ٩ ، ص ٢٧٩ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٣66 .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٠ .
5- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٨٨ .
6- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٣ .

ص:97

الطريق الخامس والسادس والسابع: عن عمرو، وسعيد، وزيد، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج البزّار في مسنده من طريق عمرو ذي مرّ، وعن سعيد بن وهب، وعن زيدبن يثيع، قالوا: «سمِعنا عليّاً يقول: نَشَدتُ رَجُلاً سَمِعَ رَسولَ الله (ص) يَقولُ يَومَ غَديرِ خُمٍّ لَمّا قامَ! فقامَ إلَيهِ ثلاثةَ عشرَ رجُلاً فَشهِدوا أنّ رسولَ الله (ص) قال: (ألَستُ أولى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) ، قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: فأخذَ بيدِ عليٍّ، فقال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا مَولاهُ، اللّهُم والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، وأحِبَّ مَن أحَبَّهُ، وأبغِض مَن أبغَضَهُ، وَانصُر مَن نَصَرَهُ وَاخذُل مَن خَذَلَهُ)»(1). وقد أورده عنه الهيثمي في زوائده، وقال: «رواه البزّار، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة»(2). وأخرجه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند بسندٍ حسن بدون «وأحِبَّ مَن أحَبَّهُ. . .»  (3) .

الطريق الثامن: عن عمير بن سعد، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج الطبراني بسنده إلى عمير بن سعد، قال: «إنّ عليّاً جمعَ النّاسَ في الرّحبةِ وأنا شاهدٌ فقال: أنشُدُ اللهَ رَجُلاً سَمِعَ رَسولَ اللهِ (ص) يَقولُ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، فَقامَ ثمانيةَ ع-شرَ رجُلاً فشهِدوا أنَّهم سمِعوا النَّبيَّ (ص) يقولُ ذلكَ»(4). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن»(5).


1- مسند البزّار، ج 4 ، ص ٣4 .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٠ .
3- اُنظر: مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣4 .
4- المعجم الأوسط، ج ٧ ، ص ٧٠ .
5- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣6 .

ص:98

الطريق التاسع: عن وهب بن حمزة، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج الطبراني بسنده إلى دكين، عن وهب بن حمزة، قال: «صحبتُ عليّاً من المدينة إلى مكّةَ فرأيتُ منه بعضَ ما أكرهُ، فقلت: لئن رجَعتُ إلى رسول الله لأشكُونّكَ إليه. فلمّا قدِمتُ لقيتُ رسولَ الله (ص) فقلتُ: رأيتُ من عليٍّ كذا وكذا، فقال: (لا تَقُل هذا، فَهُوَ أولى النّاسِ بِكُم بَعدي)»(1). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه الطبراني، وفيه دكين، ذكره ابنُ أبي حاتم ولم يضعّفه أحدٌ، وبقيّة رجاله وثّقوا»(2).

الطريق العاشر: عن أبي الطفيل، عن أمير المؤمنين:

أخرج أحمد، وابن حبّان، و النسائي وآخرون، بأسانيدهم إلى فطر، عن أبي الطفيل، قال: «جمعَ عليُّ رضى الله عنه الناسَ في الرّحبةِ. . .»(3)، وقد تقدّم ذكرُ هذا الحديث ضمن الكلام في الطريق الأوّل لحديث زيد (عن أبي الطفيل، عن زيد) .

الطريق الحادي عشر: عن زيد بن أرقم، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج الطبراني في (المعجم الأوسط) ، بسنده إلى زيد بن أرقم، قال: «نشدَ عليٌّ النّاس من سمعَ رسولَ الله يقول يومَ غَدير خمٍّ: (ألَستُم تَعلَمونَ أنّي أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم) ؟ ، قالوا: بلى، قال: (فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيُّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، فقامَ اثنا عشرَ رجلاً فشَهِدوا بذلك» (4). قال الهيثمي في زوائده ضمن حكمه على رجال السند: «ثقات»(5).  


1- المعجم الكبير، ج ٢٢ ، ص ١٣5 .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٨ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣٧٠ ؛ صحيح ابن حبّان، ج ١5 ، ص ٣٧5 ؛ السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١٣4 .
4- المعجم الأوسط، ج ٢ ، ص ٢٧5 .
5- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٢ .

ص:99

الطريق الثالث عش-ر: عن طلحة بن مصرف، عن المهاجر أو ابن المهاجر، عن أميرالمؤمنين عليه السلام

أخرج ابن أبي عاصم بسنده إلى طلحة بن م-صرف، قال: «سمعتُ المهاجرَ بن عُميرة -أو عُميرة بن المهاجر - يقول: سمِعتُ عليّا رضى الله عنه ناشدَ النّاس. . .»(1)، نحو رواية ابن أبي ليلى. وجزم الألباني بأنّه المهاجر بن عميرة(2)، وقد ذكره ابن حبّان في (الثقات)(3).

الطريق الثاني عشر: عن عمرو بن سعيد، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج النسائي من طريق هانئ بن أيّوب، بسنده إلى عمرو بن سعيد: «أنّهُ سمع عليّاً وهو ينشد في الرّحبة من سمع رسولَ (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَولاهُ) ، فقامَ بضعةَ عشرَ فشهِدوا»(4). وهانئ بن أيّوب قد ذكره ابن حبّان في (الثقات)(5). وصحّح له الألباني أحاديثَ من سنن النسائي(6).

الطريق الرابع عشر: عن زاذان بن عمر، عن أمير المؤمنين عليه السلام

أخرج أحمدُ بسنده إلى زاذان بن عمر، قال: «سمعتُ عليّاً في الرّحبةِ وهو ينشُد النّاس من شَهِد رسولَ الله (ص) يومَ غدير خُمٍّ وهو يقول ما قال، فقام ثلاثة عشرَ رجُلاً فشهدوا أنّهم سمِعوا رسولَ الله (ص) وهو يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(7).


1- كتاب السنّة، عمرو بن أبي عاصم، ص 5٩٣ .
2- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٢4٩ .
3- الثقات، ج 5 ، ص 4٢٨ .
4- السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١٣١ .
5- تهذيب الكمال، ج ٣٠ ، ص ١٣٩ .
6- سنن النسائي، ج 5 ، ص ٢٢6 .
7- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٨4 .

ص:100

5-حديث أبي أيّوب الأنصاري

أخرج أحمد بن حنبل بسنده إلى رياح بن الحارث، قال: «جاءَ رهطٌ إلى عليٍّ بالرّحبةِ، فقالوا: السلامُ عليك يا مَولانا، قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قومٌ عربٌ؟ قالوا: سمعنا رسولَ الله (ص) يومَ غدير خمٍّ يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَإنَّ هذا مَولاهُ) . قال رياح: فلمّا مضَوا تبعتُهم، فسألتُ: مَن هؤلاء؟ قالوا: نفرٌ منَ الأنصارِ فيهم أبو أيّوبَ الأنصاريُّ»(1). وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) ، بسنده إليه، وفيه: «سمِعنا النبيَّ (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، وهذا أبو أيّوبَ فينا، فحسرَ أبو أيّوبَ العمامة عن وجهه، قال: سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ»(2). وقد أورده عنهما الهيثمي في زوائده ووثّق سند أحمد؛ حيث قال: «رواه أحمد والطبراني. . . ورجال أحمد ثقات»(3). وكذا الألباني في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) ووثّق سندهما؛ حيث قال: «أخرجه أحمد ( 5 /  4١٩ ) ، والطبراني ( 4٠5٢ ، و 4٠5٣ ) من طريق حنش بن الحارث بن لقيط النخعي الأشجعي، عن رياح بن الحارث، قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات»(4)، ثمّ حكى قول الهيثمي الآنف. وصحّح سند أحمد أيضاً محقّق كتاب (المسند) شعيب الأرنؤوط (5).  


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص 4٠٩ .
2- المعجم الكبير، ج 4 ، ص ١٧٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٢٩ .
4- سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج 4 ، ص ٣4٠ .
5- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص 4٠٩ .

ص:101

6-حديث البراءبن عازب

أخرج أحمد بسنده إلى علىّ بن زيد، عن عدىّ بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: «كنّا مع رسولِ الله (ص) في سفر فنزلنا بغَدير خُمٍّ، فنودِي فينا الصّلاة جامعة، وكُسحَ لرسول الله (ص) تحت شجرتين، فصلّى الظّهرَ وأخذ بيَدِ عليٍّ رضى الله عنه فقال: (ألَستُم تَعلَمونَ أنّى أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) ، قالوا: بلى، قال: (ألَستُم تَعلَمون أنّى أولى بِكُلِّ مُؤمنٍ من نَفسِهِ؟) ، قالوا: بلى، قال: فأخذ بيدِ عليٍّ فقال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، قال: فلقِيهُ عمرُ بعد ذلك فقال: هَنيئاً يابن أبي طالبٍ! أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة»(1). وأخرجه بنفس السند ابنُ ماجة مختصراً (2)، وقد صحّحه الألباني؛ حيث قال في حكمه على الحديث: «صحيح»(3). وهو كما قال فرجاله ثقات رجال مسلم غير عليّ بن يزيد، وقد احتجّ مسلم به مقروناً، وروى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ضمن ترجمته لابن زيد: «وقال الترمذي: صدوق، ربما رفع الموقوف. . . قلت: لم يحتجّ به الشيخان، لكن قرنه مسلم»(4). وقد أخرج الحديث مختصراً ابن أبي عاصم من طريق أبي هارون، عن عدي بن ثابت، عن البراء، وفيه: «هذا مولى من أنا مولاه، أو وليّ من أنا مولاه»(5)


1- مسندأحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٢٨١ .
2- سنن ابن ماجة، ج ١ ، ص 4٣ .
3- المصدر نفسه، الأحاديث مذيّلة بأحكام الألباني عليها.
4- تذكرة الحفّاظ، ج ١ ، ص ١44 .
5- كتاب السنّة، عمرو بن أبي عاصم، ص 5٩١ .

ص:102

7-حديث ابن عبّاس

أخرج أحمد، والنسائي، بسندهما إلى عمرو بن ميمون، قال: «إنّي لجالس إلى ابن عبّاس إذ أتاه تسعةُ رهطٍ فقالوا: يابن عبّاس، إمّا أن تقومَ معنا وإمّا أن تخلونا هؤلاء، قال: فقال ابن عبّاس: بل أقومُ معكم، قال: وهو يومئذٍ صحيحٌ قبل أن يعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفضُ ثوبَه ويقول أُفّ وتُفّ، وقعوا في رجل له عشرٌ، وقعوا في رجل قال له النبيّ (ص) : (لَأَبعَثَنَّ رَجُلاً لا يُخزيهِ اللهُ أبَداً يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ) ، قال: فاستَشرَف لها من اس-تَشرفَ، قال: (أينَ عَلِيٌّ؟) ، قالوا: هو في الرّحلِ يطحنُ، قال: (وما كانَ أحَدُكُمُ لِيَطحَنَ؟) ، قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينيه ثمّ هزّ الرايَةَ ثلاثاً فأعطاها إيّاه، فجاء بصَفيّةَ بنت حَيِيّ. . . قال: وقال لبني عمّه: (أيُّكُم يُواليني فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ؟) ، قال: وعليٌّ معه جالس، فأبوا فقال: عليٌّ: أنا أُواليكَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، قال: (أنتَ ولِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ) ، قال: فتركه ثمّ أقبل على رجلٍ منهم فقال: (أيُّكُم يُواليني فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ؟) ، فأبَوا، قال: فقال: عليٌّ أنا أواليكَ في الدّنيا والآخرة، فقال : (أنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ) . . . قال: وقال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَإِنَّ مَولاهُ عَليٌّ) . . .»(1). وأخرجه الحاكم في مستدركه عن أحمد، وقال: «صحيح الإسناد»(2)، ووافقه الذهبي في التلخيص(3)، وتعقّبهما الألباني بقوله: «هو كما قالا»(4). وأخرج أحمد بسنده عن أبي صالح، قال: «لمّا حضرَت عبدالله بن عبّاس الوفاةُ قال: اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية عليّ بن أبي طالب» (5).


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٣٠ ؛ السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١١٢ .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٣ .
3- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
4- سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج 4 ، ص ٣4٠ .
5- فضائل الصحابة، ج ٢ ، ص 66٢ .

ص:103

8-حديث حبشي بن جنادة

أخرج الطبراني بسنده إلى أبي إسحاق الهمداني، قال: سمعت ح-بشي بن جنادة يقول: «سمعت رسولُ الله (ص) يقول يومَ غديرخمّ: (اللّهُمَّ مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، وَانصُر مَن نَصَرَهُ، وأعِن مَن أعانَهُ)»(1). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه الطبراني، ورجاله وثّقوا»(2).

9-حديث ملك بن الحويرث

أخرج الطبراني بسنده إلى مالك بن الحويرث، قال: «قال رسولُ الله (ص) : (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)»(3). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه الطبراني، ورجاله وثّقوا»(4) .

10-11-12- حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك أخرج الطبراني في الأوسط بسنده إلى إسماعيل بن عمرو البجلي، قال: نا مسعر بن كدام، عن طلحة بن مصرف، عن عميرة بن سعد، قال: «شهدتُ عليّاً رضى الله عنه على المنبر يناشدُ أصحابَ رسول الله (ص) مَن سمع رسولَ الله (ص) يومَ غدير خمّ يقول ما قال فليشهد، فقام اثنا عش-ر رجُلاً؛ منهم: أبو هريرة، وأبوسعيد، وأنس بن مالك، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله (ص) يقول: (اللّهُمَّ مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)»§المعجم الأوسط، ج ٢ ، ص  ٣6٩ . §.

1- المعجم الكبير، ج 4 ، ص ١6 .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٢ .
3- المعجم الكبير، ج ١٩ ، ص ٢٩١ .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٢ 

ص:104

وأخرجه في الصغير، وفيه: «لم يروه عن مسعرٍ إلّا إسماعيل»(1)، وقد وثّقه ابن حبّان، قال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) ضمن ترجمة إسماعيل: «ذكره إبراهيم بن ارومة فأثنى عليه وقال: (شيخٌ مثل إسماعيل، ضيّعوه) ، وقال أبو نعيم الأصبهاني: (كان عبدان بن أحمد يوازي إسماعيل هذا بإسماعيل بن أبان) ، وقال: (وقع بأصبهان فلم يُعرف قدره) ، وذكره ابن حبّان في الثقات»(2). ويقوّيه أنّ له طُرقاً أُخرى عن أبي هريرة و أبي سعيد و غيرهما من الصحابة. فأمّا حديث أبي هريرة فقد أخرجه الطبراني بسنده إلى عكرمة بن إبراهيم الأزدي، قال: حدّثني إدريس بن يزيد الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله يقول: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ»(3). وأخرجه ابن أبي شيبة الكوفي من طريق شريك، عن أبي يزيد الأودي، عن أبيه، قال: «دخل أبو هريرة المسجدَ فاجتمعنا إليه فقام إليه شابٌّ فقال: أنشدُك بالله أسمعت رسولَ الله (ص) يقول: ( مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ؟) ، فقال: نعم، فقال الشابّ: أنا منك بريء، أشهدُ أنّك قد عادَيت من والاه، ووالَيت من عاداهُ، قال: فحصَبَهُ النّاس بالحَصي»(4). وأخرجه أبو يعلى في مسنده مختصراً (5). وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق عبدالله بن عليّ بن محمّ-د بن بشران، أنبأنا عليّ بن عمر الحافظ، حدّثنا أبو نصر حبشون بن موسى بن أيّوب الخلّال، حدّثنا عليّ بن سعيد الرملي، حدثنا ضمرة بن ربيعة القرشي، عن ابن شوذب، عن مطر


1- المعجم الصغير، ج ١ ، ص ١١٩ .
2- تهذيب التهذيب، ج ١ ، ص ٢٧٩ .
3- المعجم الأوسط، ج ٢ ، ص ٢4 .
4- المصنّف، ابن أبي شيبة، ج 6 ، ص ٣6٩ .
5- مسند أبي يعلى، ج ١١ ، ص ٣٠٧ .

ص:105

الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: «من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجّةِ كُتب له صيامُ ستّين شهراً، وهو يومُ غدير خمّ، لمّا أخذَ النبي (ص) بيد عليّ بن أبي طالبٍ، فقال: (ألَستُ وَلِيَّ المُؤمِنينَ؟) ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، فقال عمرُ بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم، فأنزل الله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» »(1). ورجال هذه الرواية كلّهم ثقات: فأمّا ابن بشران، فقد وثّقه الخطيب البغدادي، وهو من شيوخه، قال: «كتبت عنه، وكان سماعه صحيحاً»(2). وأمّا عليّ بن عمر الحافظ، فهو الدارقطني صاحب السنن، وهو من الثقات، قال الذهبي: «قال أبو بكر الخطيب: كان الدارقطني فريدَ عصره، وقريعَ دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علمُ الأثر والمعرفة بعلل الحديث وأسماء الرجال، مع الصدق والثقة»(3).


1- تاريخ بغداد، ج ٨ ، ص ٢٨٩ .
2- المصدر نفسه، ج ١٠ ، ص ١4 .
3- سير أعلام النبلاء، ج ١6 ، ص 45٢ .

ص:106

وأمّا حبشون الخلّال، فهو من الثقات أيضاً، قال الخطيب: «وكان ثقةً يسكن باب البصرة» ، وقال: «أنبأنا الأزهري، أنبأنا علي بن عمر الحافظ [الدارقطني] قال: حبشون بن موسى بن أيّوب الخلّال صدوق»(1). وأمّا عليّ بن سعيد الرملي، فهو ابن أبي حملة، وقد وثّقه الذهبي، قال في (ميزان الاعتدال) : «ما علمت به بأساً، ولا رأيت أحداً الآن تكلّم فيه، وهو صالح الأمر، ولم يُخرج له أحد من أصحاب الكتب الستّة مع ثقته»(2). وتابعه ابنُ حجر في (لسان الميزان) ، وقال: «وإذا كان ثقةً ولم يتكلّم فيه أحد فكيف نذكره في الضعفاء؟ !»(3). وقال الذهبي أيضاً في موضع آخر: «يتثبّت في أمره، كأنّه صدوق»(4). وأمّا ضمرة بن ربيعة، فثقة أيضاً، قال أحمد بن حنبل: «من الثقات المأمونين، رجل صالح، صالح الحديث، لم يكن بالشام رجل يشبهه»(5). وأمّا عبدالله بن شوذب، فثقة أيضاً، قال ابن حجر: «سكن ال-بصرة والشام، صدوق عابد»(6). وأما مطر الورّاق، فثقة أيضاً، قال الذهبي: «الإمام الزاهد الصادق، أبو رجاء بن طهمان الخراساني، نزيل البصرة، مولى علباء بن أحمر اليشكري، كان من العلماء العاملين، وكان يكتب المصاحف، ويتقن ذلك»(7). وقال في موضع آخر: «فمطر من رجال مسلم وحسن الحديث»(8). وأمّا شهر بن حوشب، فهو من رجال مسلم، قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) : «قال حرب الكرماني: قلت لأحمد بن حنبل: شهر بن حوشب، فوثّقه، وقال: ما أحسن حديثه. وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله يقول: شهر ليس به بأس. قال الترمذيّ: قال محمّد، - يعني البخاري -: شهر حسنُ الحديث، وقوّي أمره»(9). وقال العجلي في (معرفة الثقات) : «شهر بن حوشب شامي، تابعي، ثقة»(10).


1- تاريخ بغداد، ج ٨ ، ص ٢٨٩ .
2- ميزان الاعتدال، ج ٣ ، ص ١٢5 .
3- لسان الميزان، ج 4 ، ص ٢٢٧ .
4- ميزان الاعتدال، ج ٣ ، ص ١٣١ .
5- العلل، أحمد بن حنبل، ج ٢ ، ص ٣66 .
6- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 5٠١ .
7- سير أعلام النبلاء، ج 5 ، ص 45٢ .
8- ميزان الاعتدال، ج 4 ، ص ١٢٧ .
9- تاريخ الإسلام، ج 6 ، ص ٣٨٧ .
10- معرفة الثقات، ص 46١ .

ص:107

فالحديث إذن بالألفاظ المذكورة عن أبي هريرة لا إشكال في سنده. وقال الخطيب بذيل الحديث الآنف الذي أورده في تاريخه: «اشتهر هذا الحديث من رواية حبشون، وكان يقال: إنّه تفرّد به، وقد تابعه عليه أحمد بن عبدالله بن النيري، فرواه عن عليّ بن سعيد، أخبرنيه الأزهري، حدّثنا محمّد بن عبدالله بن أخي ميمي، حدّثنا أحمد بن عبدالله بن أحمد بن العباس بن سالم بن مهران المعروف بابن النيري إملاءً، حدّثنا عليّ بن سعيد الشامي، حدّثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: مَن صامَ يومَ ثمانيةَ ع-شرةَ من ذي الحجّة - وذكر مثل ما تقدّم أو نحوه -»(1). وهذا السند الجديد للخطيب البغدادي معتبر أيضاً. وأمّا حديث أبي سعيد فقد أخرجه الطبراني بسنده إلى حفص بن راشد، قال: نا فضيل بن مرزوق، عن عطيّة، عن أبي سعيد، قال: «قال رسول الله (ص) : (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ)» ، ثمّ قال الطبرانيّ عقبه: «لم يروِ هذا الحديث عن فضيل إلّا حفص بن راشد»(2). وقد ترجمه ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً و لا تعديلاً(3). وأمّا حديث أنس فقد أخرجه الخطيب من طريق الحسن بن عليّ بن سهل العاقولي، حدّثنا حمدان بن المختار، حدّثنا حفص بن عبيد الله بن عمر، عن سفيان الثوري، عن عليّ بن زيد، عن أنس، قال: «سمعت النبيّ (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)(4).


1- تاريخ بغداد، ج ٨ ، ص ٢٨٩ .
2- المعجم الأوسط، ج ٨ ، ص ٢١٣ .
3- الجرح والتعديل، ج ٣ ، ص ١٧٢ .
4- تاريخ بغداد، ج ٧ ، ص ٣٨٩ .

ص:108

13-حديث جرير أخرج الطبراني بسنده إلى بشر بن حرب، عن جرير، قال: «شهدنا الموسم في حجّة مع رسول الله (ص) ؛ وهي حجّةُ الوداع، فبلَغنا مكاناً يقال له "غديرُ خُمٍّ" فنادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا؛ المهاجرون والأنصار، فقامَ رسولُ الله (ص) وسطنا فقال: (أيُّهَا النّاسُ! بِمَ تَشهَدونَ؟) ، قالوا: نَشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، قال: (ثُمَّ مَه؟) قالوا: وأنّ محمّداً عبدُه ورسوله، قال: (فَمَن وَليُّكُم؟) ، قالوا: اللهُ ورسولهُ مولانا، قال: (مَن وليُّكُم؟) ، ثمّ ضرب بيده على عضُدِ عليٍّ رضي الله عنه فأقامه فنزع عضده فأخذ بذراعيه فقال: (مَن يَكُن اللهُ ورَسولُهُ مَولَياهُ، فَإنَّ هذا مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، اللّهُمَّ مَن أحَبَّهُ مِنَ النّاسِ فَكُن لَهُ حَبيباً، ومَن أبغَضَهُ فَكن لَهُ مُبغِضاً، اللّهُمَّ إنّي لا أجِدُ أحَداً أستَودِعُهُ فِي الأَرض بَعدَ العَبدَينِ الصّالِحَينِ غَيرَكَ، فَاقضِ فيهِ بِالحُسنى) ، قال بشرٌ: قلت: مَن هذينِ العبدينِ الصّالِحين؟ قال: لا أدري»§المعجم االكبير، ج ٢ ، ص ٣5٧ .§. وابن بشر قد وثّقه ابن عديّ وغيره، قال الهيثمي في زوائده: «و ب-شر بن حرب ضعّفه ابن المديني وجماعة، ووثّقه ابن عديّ وقال: لم أرَ له حديثاً منكراً»§مجمع الزوائد، ج ٢ ، ص ٧٣ .§. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: «بش-ر بن حرب الأزدي أبو عمرو النّدَبي -بفتح النون والدال بعدها موحدة - بصريّ صدوق، فيه لين»§تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ١٢٢ .§. وقال أحمد بن حنبل: «ليس هو ممّن يُترك حديثُه»§العلل ومعرفة الرجال، ج ١ ، ص ٢5٠ . §.  
14-حديث عمّار بن ياسر عن أبيه أخرج الطبراني بسنده إلى زيد بن الحسن، قال:

ص:109

«سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف على عليّ بن أبي طالب سائلٌ وهو راكع في تطوّع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسولُ الله (ص) فأعلمه ذلك، فنزلَت على النّبيِّ (ص) هذهِ الآيةُ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» فقرأها رسولُ الله (ص) ثمّ قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ)»(1). وأخرج ابن عساكر بعدّة أسانيد إلى عمّار بن ياسر، عن أبيه، قال: «قال رسولُ الله (ص) : (أوصي مَن آمَنَ بي وصَدَّقَني بِوَلايَةِ عَلِيٍّ، فَمَن تَوَلّاهُ تَوَلّاني، ومَن تَوَلّاني تَوَلّى اللهَ)»(2). ورواه الهيثمي في زوائده، وقال عقبه: «رواه الطبراني بإسنادَين أحسب فيهما جماعة ضعفاء وقد وثّقوا»(3).

15-حديث حذيفة بن أُسيد الغفاري

أخرج الطبراني من طريق زيد بن الحسن الأنماطي، ثنا معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: «لمّا صدَرَ رسولُ الله (ص) من حجّة الوداع، نهى أصحابَه عن شجراتٍ بالبطحاء متقارباتٍ أن ينزلوا تحتهنّ، ثمّ بعث إليهنّ فقُمَّ ما تحتهنّ من الشّوك، وعمَد إليهنّ فصلّى تحتهنّ، ثمّ قام فقال: (يا أيُّها النّاسُ! إنّي قَد نَبَّأَنِي اللَّطيفُ الخَبيرُ أنَّهُ لَم يُعَمِّر نَبِيٌّ إلّا نِصفَ عُمر الَّذي يَليهِ مِن قَبلِهِ، وإنّي لَأَظُنُّ أنّي يوشِكُ أن أُدعى فَأُجيبَ، وإنّي مَسؤولٌ وإنَّكُم مَسؤولونَ، فَماذا أنتُم قائِلونَ؟) ، قالوا: نشهدُ أنّك قد بلّغت وجهدت ونصحت، فجزاكَ اللهُ خيراً، فقال: (ألَيسَ تَشهَدونَ أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ


1- المعجم الأوسط، ج 6 ، ص ٢١٨ .
2- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٢٣٩ .
3- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٧ .

ص:110

ورَسولُهُ، وأنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ، ونارَهُ حَقٌّ، وأنَّ المَوتَ حَقٌّ، وأنَّ البَعثَ بَعدَ المَوتِ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتيةٌ لا رَيبَ فيها، وأنَّ اللهَ يَبعَثُ مَن فِي القُبورِ؟) ، قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: (اللّهُمَّ اشهَد) ، ثمّ قال: (أيُّها النّاسُ! إنّ اللهَ مَولايَ، وأنا مَولى المُؤمِنينَ، وأنا أولى بِهِم مِن أنفُسِهِم، فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا مَولاهُ - يَعني عَليّاً - اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ، ثمّ قال: (يا أيُّها النّاس! إنّي فَرطُكُم، وإنَّكُم وارِدونَ عَلَيَّ الحَوضَ، حَوضٌ أعرَضُ ما بَينَ بُصرى وصَنعاءَ، فيهِ عَدَدُ النُّجومِ قُدحانُ من فِضَّةٍ، وإنّي سائلُكُم حينَ تَردونَ عَلَيَّ عَن الثّقلَينِ، فَانظُروا كَيفَ تَخلفوني فيهِما، الثِّقلُ الأَكبَرُ كِتابُ الله عَزَّ وجَلَّ؛ سَبَبٌ طَرَفُهُ بيَدِ الله وطَرَفُهُ بِأَيديكُم، فَاستَمسِكوا بِهِ، لا تَضِلّوا ولا تَبَدّلوا، وعِترتي أهلَ بَيتي، فَإِنَّهُ نَبَّأَنِي اللَّطيفُ الخَبيرُ أنَّهُما لَن يَنقَضِيا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ)»(1). ورواه عنه الهيثمي في زوائده وقال: «رواه الطّبراني، وفيه زيد بن الحسن الأنماطي، قال أبو حاتم: منكر الحديث، ووثّقه ابن حبّان، وبقيّة رجال أحد الإسنادين ثقات»(2)، وقد روى الترمذي للأنماطي حديث جابر (3)، وقال عقبه: «وهذا حديث حسن غريب»(4).

حاصل الكلام في طرق حديث الغدير

يتّضح من خلال ما تقدّم من تلك الروايات أنّ حديث الغدير من الأحاديث الصحيحة، بل المتواترة، وقد صرّح جملة من علماء السنّة بتواتر الحديث، قال ابن كثير عن الذهبي ضمن كلامه عن حديث الغدير: «وصدر الحديث متواتر، أتيقّن أنّ


1- المعجم الكبير، ج ٣ ، ص ١٨٠ .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ٢5٩ .
3- أخرج الترمذي في سننه، بسنده إلى زيد بن الحسن الأنماطي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبدالله، قال: «رأيت رسولَ الله ص في حجّته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيُّها الناسُ! إنّي قَد تَرَكتُ فيكُم ما إن أخَذتُم بهِ لَن تَضِلّوا: كِتابَ اللهِ وعِترتي أهلَ بَيتي» ، سنن الترمذي، ج 5 ، ص 66٢ .
4- المصدر نفسه.

ص:111

رسول الله صلّى الله عليه وسلم قاله، وأمّا (اللهم وال من والاه) فزيادة قويّة الإسناد»(1). وقال الذهبي ضمن كلامه عن الحديث: «فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك»(2). وقال ابن الجوزي الحنفي: «اتّفق علماء السير أنّ قصّة الغدير كانت بعد رجوع رسول الله صلّى الله عليه وسلم من حجّة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجّة، وكان معه من الصحابة والأعراب وممّن يسكن حول مكّة والمدينة مائة وعشرون ألفاً، وهم الذين شهدوا معه حجّة الوداع، وسمعوا منه (من كنت مولاه فعلي مولاه) . وأخرجه أحمد بن حنبل في المسند والفضائل، وأخرجه الترمذي أيضاً»(3). وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد: «قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ، له شواهد كثيرة تبلغ حدّ التواتر»(4). وقال الألباني ضمن كلامه عن حديث الغدير كما تقدّم: «وجملة القول إنّ حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأوّل متواتر عنه صلّى الله عليه وسلم، كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه»(5)، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يصعب على المتتبع الوقوف عليها. ومن هنا تتضح ضحالة التشكيك في سند الحديث، قال الألباني في سلسلته الصحيحة، عند تصحيحه لحديث الغدير: «فقد كان الدافع لتحرير الكلام على الحديث وبيان صحّته أنّني رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد ضعّف الشطر الأوّل من الحديث، وأمّا الشطر الآخر فزعم أنّه كذب، وهذا من مبالغاته الناتجة في تقديري من تس-رّعه في


1- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ٢٣٣ .
2- سير أعلام النبلاء، ج ١4 ، ص ٢٧٧ .
3- تذكرة الخواص، سبط ابن الجوزي، ص ١٨ .
4- مسند أحمد بن حنبل، تحقيق و تعليق: شعيب الأرنؤوط، ج ١ ، ص ٣٣٠ .
5- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٣4٣ .

ص:112

تضعيف الأحاديث قبل أن يجمع طرقها ويدقق النظر فيها، والله المستعان»(1). وقد أفرد بعض العلماء كتباً لطرق الحديث، وصححوا كثيراً منها، قال ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) ، قال: «وأمّا حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جدّاً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان»(2). وقال في موضع آخر ضمن كلامه عن حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) : «واعتنى بجمع طرقه أبو العباس ابن عقدة، فأخرجه من حديث سبعين صحابياً أو أكثر»(3) وقال الذهبي: «رأيت مجلّداً من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق»(4) وقال في موضع آخر عند ترجمته للطبري: «قلت: جمع طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك» (5) وقال في (تذكرة الحفّاظ) : «وأمّا حديث الطير فله طرق كثيرة جدّاً قد أفردتها بمصنّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل، وأمّا حديث (من كنت مولاه) فله طرق جيّدة، وقد أفردت ذلك أيضاً» (6)

دلالة حديث الغدير

إنّ المتأمّل في حديث الغدير والناظر إليه بعين الإنصاف والموضوعيّة، يجد أنّه صريح الدلالة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وقد تضمّن ألفاظاً وشواهد كثيرة كلّها تُثبت ذلك المقام للإمام عليه السلام بعد رسول الله (ص) ، لكنّ الركن الأساسي في الاستدلال


1- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٣44 .
2- فتح الباري، ج ٧ ، ص 6١ .
3- تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٢٩٧ .
4- تذكرة الحفاظ، الذهبي، ج ٢ ، ص ٧١٣ .
5- سير أعلام النبلاء، ج ١4 ، ص ٢٧٧ .
6- تذكرة الحفاظ، ج ٣ ، ص ١٠4٢ .

ص:113

بالحديث هو الوقوف على معنى ولاية رسول الله (ص) المشار إليه في الحديث الآنف. إنّ صريح صدر الحديث يؤكّد أنّ المقصود بهذه الولاية الواردة في قوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» (الأحزاب:  6 ) ، فقد ورد فيه أنّ رسول الله (ص) خاطب الصحابة والمسلمين قائلاً: «ألَستُ أولى بِكُم مِن أنفُسِكُم؟ قالوا: نَعَم» ، فقال (ص) حينئذٍ: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» ، وفي لفظ آخر: «إنَّ اللهَ مَولايَ وأنا وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ. . . مَن كُنتُ وَلِيَّهُ فَهذا وَلِيُّهُ» ، وفي لفظ ثالث: «ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟» . وبحكم المماثلة فإنّ المقصود من ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في حديث الغدير هو نفس ولاية رسول الله (ص) في الحديث؛ وهي الولاية المشار إليها في قوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . وولاية رسول الله (ص) في هذه الآية المباركة بمعنى أنّه الأحقّ والأولى بأُمور المسلمين وشؤونهم من أنفسهم، كما صرّح بذلك أعلام مفسّري السنّة. قال الطبري في تفسيره للآية: «يقول: أحقّ بالمؤمنين به من أنفسهم، أن يحكم فيهم بما شاء من حكم، فيجوز ذلك عليهم، كما حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما أنت أولى بعبدك، ما قضى فيهم من أمر جاز، كما كلّما قضيت على عبدك جاز»  (1) وقال ابن كثير في تفسيره: «قد علم الله تعالى شفقة رسول الله (ص) على أُمّته ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدّماً على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: «فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا» »(2)، إلى غير ذلك من أقوالهم في هذا المجال(3).


1- جامع البيان، الطبري، ج ٢٠ ، ص ١٣٠ .
2- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج ٣ ، ص 45٠ .
3- اُنظر: تفسير البغوي، ج ٣ ، ص 5٠٧ ؛ زاد المسير، ابن الجوزي، ص ١١١4 ؛ تفسير الخازن، ج 5 ، ص ١٠5 ؛ تفسير النسفي، ج ٣ ، ص ٢٩4 ؛ فتح القدير، الشوكاني، ص ١٣٩١ ؛ صفوة التفاسير، الصابوني، ج ٢ ، ص 4٧٠ ؛ الشفا، القاضي عياض، ج ١ ، ص 56 .

ص:114

فهذه الأولويّة لرسول الله (ص) على المؤمنين؛ و التي هي بمعنى الأحقّ بالأمر والأولى في الطاعة ووجوب الاتّباع والانصياع، هي التي أثبتها الرسول (ص) لأميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الغدير؛ وذلك لأنّ النبيّ (ص) قد جعل ولاية عليّ عليه السلام على المؤمنين متفرّعة عن ولايته (ص) ، حيث قال: «(ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) قالوا: بَلى، قال: (ألَستُ أولى بِكُلِّ مُؤمِنٍ مِن نَفسِهِ؟) قالوا: بَلى، قال: (فَهذا وَلِيُّ مَن أنا مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ من والاهُ، اللّهُمَّ عادِ مَن عاداهُ)»(1). وقد تقدّم تصحيح الألباني لهذا الحديث، حيث قال في حكمه على الحديث: «صحيح»(2). وورد في لفظ آخر للحديث: «أنَّ النّبيَّ (ص) قامَ بحَضرةِ الشّجرةِ بخُمٍّ، وهو آخذٌ بيدِ عليٍّ، فقال: (أيُّها النّاسُ! ألَستُم تَشهَدونَ أنَّ اللهَ رَبُّكُم؟) قالوا: بلى ، (قالَ: ألَستُم تَشهَدونَ أنَّ اللهَ ورَسولَهُ أولى بِكُم مِن أنفُسِكُم؟) قالوا: بلى، (قال: وأنَّ اللهَ ورَسولَهُ مَولاكُم؟) ، قالوا: بلى، (قال: فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَإِنَّ هذا مَولاهُ)»(3). وتقدّم تحسينُ الألباني لطريق هذا الحديث، حيث قال في تقييمه لطريقه: «حسن»(4). والتفريع بالفاء (فَعَلِيٌّ مَولاهُ) في سياق الحديث، صريحٌ في أنّ المراد إثبات ولاية النبيّ (ص) على المؤمنين لعليّ عليه السلام، وهذا صريح في أنّ الحديث بصدد إثبات وجوب الانقياد والطاعة لعليّ عليه السلام؛ وذلك لأنّ ولاية النبيّ (ص) هي ولاية طاعة وانقياد وتسليم، بصريح الآيات القرآنيّة وأقوال المفسّرين المتقدّمة. وكأنّ النبيّ (ص) يريد أن يقول بأنّ ولايتي التي أثبتها الله تعالى لي في القرآن الكريم


1- سنن ابن ماجة، ج ١ ، ص ٧٣ ، حكم على أحاديثه وآثاره وعلّق عليه: محمّد ناصر الألباني.
2- السلسلة الصحيحة، ج 4 ، ص ٣4٣ .
3- كتاب السنّة، ص 565 ، معه ظلال الجنّة للألباني.
4- المصدر نفسه.

ص:115

عليكم، والتي هي ولاية إطاعة وتسليم، هي بعينها وبذاتها وبجميع خصائصها ثابتة لعليّ عليه السلام.

شواهد على دلالة حديث الغدير
اشارة

وممّا يؤكّد المماثلة بين ولاية رسول الله (ص) في حديث الغدير وولاية الإمام عليه السلام هو وجود شواهد كثيرة عليه، أهمّها:(1)-

1-نزول قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ»

أخرج كثير من محدّثي السنّة وحفّاظهم في أنّ قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» (المائدة:  6٧ ) ، نزل قبيل واقعة غدير خمّ، وبشكل أكثر تحديداً قبل خطبة النبيّ الأكرم (ص) . فقد أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: «نزلت هذه الآية: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ» في عليّ بن أبي طالب»  1. وقد التزم ابن أبي حاتم في مقدّمة تفسيره بإخراج أصحّ الأخبار إسناداً، حيث قال: «فتحرّيت إخراج ذلك بأصحّ الأخبار إسناداً وأثبتها متناً»(2). وقال ابن تيمية في ضمن كلامه عن بعض التفاسير: «باتّفاق أهل النقل من أئمّة أهل التفسير، الذين ينقلونها بالأسانيد المعروفة؛ كتفسير ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزّاق، وعبد بن حميد، وأحمد، وإسحاق، وتفسير بقيّ بن مخلد، وابن جرير الطبري، ومحمّد بن أسلم الطوسي، وابن أبي حاتم، وأبي بكر بن المنذر، وغيرهم من العلماء الأكابر الذين لهم في الإسلام لسان صدق، وتفاسيرهم متضمّنة للمنقولات التي يعتمد عليها في التفسير»(3).


1- تفسير ابن أبي حاتم، ج 4 ، ص ١١٢٧ .
2- المصدر نفسه، ج ١ ، ص ١4 .
3- منهاج السنّة، ج ٧ ، صص ١٧٨  و  ١٧٩ .

ص:116

وأخرج هذا الحديث أيضاً الواحدي في (أسباب النزول) بسنده عن أبي سعيد الخدري أيضاً، وقال فيه: «نَزلَت هذه الآيةُ: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ» في يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب رضيَ اللهُ عنه»(1). وقد التزم الواحدي أيضاً في مقدّمة كتابه بنقل ما هو صحيح وحقّ من الروايات، حيث قال بعد أن انتقد من يكتب في مجال أسباب النزول عن غير علم: «وذلك الذي حدا بي إلى إملاء هذا الكتاب الجامع للأسباب، لينتهي إليه طالبوا هذا الشأن والمتكلّمون في نزول [هذا] القرآن، فيعرفوا الصدق، ويستغنوا عن التمويه والكذب، ويجدّوا في تحفّظه بعد السماع والطلب»(2). وأخرج ابن عساكر الحديث بنفس السند والمضمون، قال: «أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر، نا أبو حامد الأزهري، نا أبو محمّد المخلّدي، أنا محمّد بن إبراهيم الحلواني، نا الحسن بن حمّاد سجّادة، نا عليّ بن عابس، عن الأعمش وأبي الجحّاف، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدري. . .» ثمّ ساق الحديث(3). ورجال الحديث هؤلاء كلّهم من الثقات. أمّا أبو بكر وجيه بن طاهر، فقال عنه الذهبي: «الشيخ العالم العدل، مسند خراسان، أبو بكر أخو زاهر، الشحّامي النيسابوري، من بيت العدالة والرواية»(4). وأمّا أبو حامد الأزهري، فقال عنه الذهبي أيضاً: «العدل المسند الصدوق، أبوحامد، أحمد بن الحسن بن محمّد بن أزهر الأزهري النيسابوري ال-شروطي، من أولاد المحدّثين. . . وله أُصول متقَنة، حدّث عنه زاهر ووجيه ابنا طاهر»(5). وأمّا أبو محمّد المخلّدي، فقال عنه الذهبي أيضاً: «الإمام الصادق المسند. . . العدل،


1- أسباب النزول، الواحدي النيسابوري، ص ١٠5 .
2- المصدر نفسه، ص 5 .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٢٣٧ .
4- سير أعلام النبلاء، ج ٢٠ ، ص ١٠٩ .
5- المصدر نفسه، ج ١٨ ، ص ٢54 .

ص:117

شيخ العدالة، وبقيّة أهل البيوتات»(1). وأمّا محمّد بن إبراهيم الحلواني، فقال عنه الخطيب البغدادي: «أبو بكر الحلواني، قاضي بلخ، سكن بغداد وحدّث بها. . . وكان ثقة»(2). وأمّا الحسن بن حمّاد سجّادة، فقال عنه الذهبي: «ثقة صاحب سنّة»(3). وقال عنه ابن حجر: «صدوق من العاشرة»(4). وأمّا عليّ بن عابس، فقد أخرج له أحمد في مسنده روايات عديدة، وأخرج له الترمذي في مسنده(5)، ولم يضعّف ما أخرجه عنه من حديث، وإنّما قال عنه: غريب، وغرابته من جهة مسلم الأعور فحسب، حيث قال بعد أن أخرج حديثاً عن عليّ بن عابس: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث مسلم الأعور، ومسلم الأعور ليس عندهم بذلك القويّ» (6). كما أخرج له الحاكم أيضاً في المستدرك في جملة من الموارد(7). وقال المزّي في تهذيب الكمال عند ترجمة عليّ بن عابس: «وقال أبو أحمد بن عديّ: (له أحاديث حسان)»(8). وأخرج له الدارقطني في سننه، وقال عنه: «كوفيّ يُعتبر به»(9) وقد جعل ابن حجر لفظ «يعتبر به» في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، فهو بعد أن جعل مراتب التجريح ثلاثة أقسام، ومثلها مراتب التعديل، قال: «وأدناها [أي:


1- سير أعلام النبلاء، ج ١6 ، ص 5٣٩ .
2- تاريخ بغداد، ج ١ ، ص 4١5 .
3- الكاشف، ج ١ ، ص ٣٣4 .
4- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ٢٠٢ .
5- اُنظر: مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٣4٨  وما بعد.
6- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٠4 .
7- اُنظر: المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، صص ١١٢  و ٣٨١ .
8- تهذيب الكمال، ج ٢٠ ، ص 5٠4 .
9- سؤالات البرقاني للدارقطني، البرقاني، ص 5٢ .

ص:118

أدنى مراتب التعديل] ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح؛ كشيخ، ويروى حديثه، ويعتبر به، ونحو ذلك، وبين ذلك مراتب لا تخفى»(1). وقد ذكر الزبيدي في (البلغة) أنّ لفظ «يعتبر به» من ألفاظ التعديل، فهو بعد أن ذكر أربع مراتب من مراتب التعديل جعل هذا اللفظ من المرتبة الثالثة، حيث قال: «ويليها: محلّه الصدق، روى عنه، شيخ، يُرى حديثُه، يُعتبر به، وسط، صالح الحديث، مقارب الحديث، جيّد الحديث، حسن الحديث»(2)، فجعل هذه الألفاظ كلّها في مرتبة واحدة من مراتب التعديل. فعليّ بن عابس لم يضعّفه القوم إلّا من جهة ما يرويه من أحاديث فضائل علي عليه السلام والتي سمّوها بالغرائب والمناكير، أمثال حديث الطير، وحديث وقعة فدك، وهذا الحديث (نزول الآية في واقعة غدير خُمّ) الذي نحن بصدده(3). وأمّا أبو الجحّاف، فقال عنه الذهبي: «وثّقه أحمد، ويحيى، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قليله»(4). وأمّا عطيّة العوفي، فقد روى له البخاري في (الأدب المفرد) ، وروى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وقال عنه ابن حجر في التقريب: «صدوق يخطئ كثيراً»(5). وقال المزّي في ترجمته لعطيّة العوفي: «وقال عبّاس الدوري، عن يحيى بن معين: صالح»(6). وقد أخرج له أحمد في مسنده روايات كثيرة. وقال الهيثمي عندما أخرج حديثاً في فضل الصوم عن عطيّة العوفي: «رواه أحمد،


1- نزهة النظر، ابن حجر، ص ١4١ .
2- بلغة الأديب، الزبيدي، ص ٢٠٣ .
3- انظر: تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٣٠٢ .
4- الكاشف، ج ١ ، ص ٣٨١ .
5- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 6٧٨ .
6- تهذيب الكمال، ج ٢ ، ص ١٧4 .

ص:119

وفيه عطيّة بن سعيد، وفيه كلام، وقد وثّق»(1). وقال الملّا علي القاري في شرحه لمسند أبي حنيفة عند تعليقه على طرق بعض الروايات: «ذكر إسناده عن عطيّة بن سعيد العوفي، وهو من أجلّاء التابعين»(2). وقد أخرج له الترمذي في سننه روايات عديدة، وقال في تعليقه على بعض الأحاديث التي وقع في طريقه عطيّة العوفي: «هذا حديث حسن غريب»(3)، وقد حسّن له أحاديث أُخرى قال عنها: «هذا حديث حسن»(4)، بل إنّ الترمذي صحّح لعطيّة العوفي جملة من الأحاديث في أبواب صفة الجنّة وقال عنها: «هذا حديث حسن صحيح»(5). وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ: «إنّ عطيّة العوفي قد روى عن ابن عبّاس والصحابة، وكان ثقةً»(6). وبعد هذا التوثيق والتعديل للتابعي الكبير عطيّة العوفي، لا قيمة لما ورد من تضعيف وجرح مبهم غير مفسّر في بعض الكلمات؛ لأنّه قد تقرّر في قواعد علوم الحديث أنّ الراوي إذا ورد في حقّه جرح وتعديل، وكان الجرح مبهماً وغير مف-سّر، ينبغي ردّه وعدم الاعتناء به، والأخذ بالتعديل الذي جاء في حقّه. قال ابن حجر: «والجرح مقدّم على التعديل، وأطلق جماعة، ولكنّ محلّه: إن صدر مبيّناً من عارف بأسبابه؛ لأنّه إن كان غير مفسّر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً»(7).


1- مجمع الزوائد، ج ٣ ، ص ١٨٠ .
2- شرح مسند أبي حنيفة، ملّا علي القاري، ص ٢٩٢ .
3- سنن الترمذي، ج ١ ، ص ٢٩6 .
4- المصدر نفسه، ج ٢ ، صص ٣٢  و  ٣٩4 ؛ ج ٣ ، ص ٢٢٨ ؛ ج 4 ، صص ٧ ،  46  و ٩6 ؛ ج 5 ، صص ٢٣ ،  5٠ ،  ١٣٠  و ١٣٧ .
5- المصدر نفسه، ج 4 ، ص ٨4 .
6- تذكرة الخواص، ص 4٧ .
7- نزهة النظر، ص ١4٣ .

ص:120

ولعلّ الذين جرحوا عطيّة العوفيّ وطعنوا في وثاقته، لم يتقبّلوا منه رفضه لأوامر السلطان، وامتناعه عن سبّ عليّ عليه السلام، ولعلّه يحضى بتوثيقهم لو أطاع السلطان ووافق الحجّاج على أن يسبّ علياً عليه السلام! قال ابن حجر، عن ابن سعيد: «خرج عطيّةُ مع ابنِ الأشعث، فكتبَ الحجّاج إلى محمّدِ بنِ القاسمِ أن يعرضه على سَبّ عليٍّ، فإن لم يفعل فاضربه أربعَمِائةِ سوطٍ، واحلق لحيتَه. فاستدعاه فأبى أن يسبّ، فأمضى حكمَ الحجّاج فيه، ثمّ خرج إلى خراسان، فلم يزل بها حتّى وليَ عمرُ بن هبيرةَ العراقَ فقدمها، فلم يزل بها إلى أن توفّي سنة ( ١١ ) [بعد المِائةَ]، وكان ثقةً إن شاء الله، وله أحاديث صالحة»(1). وقال الذهبي في تعليقه على ما فعله الحجّاج في عطيّة العوفي: «وكان شيعيّاً رحمه الله، ولا رحم الحَجّاج»(2). فإذن هذا الطريق للحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم والواحدي وابن عساكر وغيرهم صحيح الإسناد، ورجاله كلّهم ثقات، وهو يتضمّن نزول قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ» في عليٍّ عليه السلام في يوم الغدير بعد حجّة الوداع. وقد أخرج الثعلبي حديثَ نزول آية البلاغ في يوم الغدير في حقّ عليّ عليه السلام بأربعة طرق(3)، لا ضرورة في نقلها هنا. وفي نزول هذه الآية المباركة في تلك الواقعة دليلٌ واضحٌ على أنّها جاءت لتأكيد قضيّةٍ في غاية الأهمّية والخطورة، بحيث يأتي الأمر الإلهي بلفظ صريح يوجب على النبيّ الأكرم (ص) تبليغها في غدير خم، حيث تُبيّن الآية أنّ ما وقع في الغدير لو لم يفعله النبي (ص) فكأنّه لم يبلّغ رسالة الإسلام، وليس ذلك إلّا لانهدامِ ركنٍ تتوقّف عليه ديمومة الإسلام واستمراره، ألا وهو ركن الإمامة والولاية. فتَركٌ تنصيبِ


1- تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٢٠١ .
2- تاريخ الإسلام، ج ٧ ، ص 4٢5 .
3- تفسير الثعلبي، ج 4 ، ص ٩٢ .

ص:121

أميرالمؤمنين عليه السلام للولاية على الأُمّة مساوقٌ لترك تبليغ الرسالة بكاملها؛ لأنّ الإمامة الإلهية بعد النبيّ (ص) هي التي تتكفّل قيادة الأُمّة من الناحية الدينيّة والسياسيّة والحكوميّة ونحوها.

2-نزول قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»

أخرج كثيرٌ من محدّثي السنّة وحفّاظُهم في أنّ قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (المائدة:  ٣ ) ، نزل بعد خطبة الغدير، وبشكل أكثر تحديداً بعد إبلاغ رسول الله (ص) إمامةَ وولايةَ أميرِ المؤمنين عليه السلام، وتنصيبِه إماماً من بعده على الأُمّة. فقد أخرج الخطيبُ البغدادي وغيرُه بسند صحيح من طريق أبي هريرة، قال: «لَمّا أخذَ النبيُّ (ص) بيدِ عليِّ بن أبي طالب، فقال: (ألَستُ وَلِيَّ المُؤمِنينَ؟) قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، فقال عمرُ بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب، أصبحتَ مولاي ومولى كلِّ مسلمٍ، فأنزل الله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» »  (1) . ونزول هذه الآية المباركة بعد حديث الغدير من الأدلّة الواضحة على أنّ المراد من قول النبي (ص) : «مَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا عَلِيٌّ مَولاهُ» هو إثبات الإمامة والخلافة لعليّ عليه السلام من بعده (ص) ؛ إذ لا يوجد ما يصلح لإكمال الدين وإتمام النعمة في حديث الغدير إلّا مقام الخلافة والإمامة في الأُمّة؛ لأنّ الإمامةَ تَعني حفظ الدين وقيادة الأُمّة والدفاع عن حريم الرسالة الإسلاميّة بعد وفاة النبي (ص) . وإشكالُ ابنِ كثير حول هذا السبب في نزول الآية الكريمة من أنّه يتقاطع مع المرويّ في الصحيح من نزولها في عرفة يوم الجمعة، باطلٌ ولا يصمد أمام البحث


1- تاريخ بغداد، ج ٨ ، ص ٢٨٩ ، وقد تقدّم تصحيح سند هذا الحديث.

ص:122

العلمي، وإليك الإشكال مع جوابه: قال ابن كثير بعد أن أورد في تفسيره رواية عمر بن الخطّاب الآتية، والتي تدلّ على نزول آية الإكمال بعرفة يوم الجمعة: «وقال ابن جرير: وقد قيل ليس ذلك بيومٍ معلوم عند الناس. ثمّ روى من طريق العوفي عن ابن عبّاس في قوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» يقول: ليس بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إنّها نزلت على رسول الله (ص) في مسيره إلى حجّة الوداع. ثمّ رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس. قلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أنّها نزلت على رسول الله (ص) يوم غدير خمّ حين قال لعليٍّ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، ثمّ رواه عن أبي هريرة، وفيه أنّه اليوم الثامن ع-شر من ذي الحجّة؛ يعني مرجعه عليه السلام من حجّة الوداع. ولا يصحّ لا هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شكّ فيه ولا مرية أنّها أُنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة»(1). وقال في موضع آخر: «فأمّا الحديث الذي رواه ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: (لمّا أخذ رسولُ الله (ص) بيدِ عليٍّ قال: "مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ"، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» ، قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خمّ، من صام يوم ثمان عشرةَ من ذي الحجّة كُتب له صيام ستّين شهراً" فإنّه حديث منكر جدّاً، بل كذب، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب أنّ هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة، ورسول الله (ص) واقفٌ بها» (2). فمضافاً لتحامل ابن كثير على سنّة النبي (ص) الثابتة بطرق صحيحة ومعتمدة، فأنّ الآية أو السورة قد يتكّرر نزولها أكثر من مرّة لأسباب كثيرة؛ كتعظيم شأنها، أو تعدّد


1- تفسير ابن كثير، ج ٢ ، ص ١5 .
2- السيرة النبوية، ابن كثير، ج 4 ، ص 4٢5 ؛ البداية والنهاية، ج 5 ، ص ٢٣٣ .

ص:123

أسباب نزولها، أو نحو ذلك، وقد صرّح العلماء بذلك في مباحث علوم القرآن، قال الزركشي في كتابه (البرهان) : «وقد ينزل الشيء مرّتين؛ تعظيماً لشأنه، وتذكيراً به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرّتين، مرّة بمكّة وأُخرى بالمدينة»(1). ثمّ استشهد الزركشي بعد ذلك على صحّة مقالته ببعض الأمثلة، حيث أورد جملة من الآيات التي ورد سبب نزولها في الصحيحين بنحو، وفي المجامع الحديثية الأُخرى بنحو آخر، قال: «ومثله ما في الصحيحين، عن ابن مسعود في قوله تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ» أنّها نزلت لمّا سأله اليهود عن الروح، وهو في المدينة، ومعلوم أنّ هذه في سورة (سبحان)(2)وهي مكّية بالاتّفاق، فإنّ المشركين لمّا سألوه عن ذي القرنين وعن أهل الكهف، قيل ذلك بمكّة، وأنّ اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك، فأنزل اللهُ الجواب، كما قد بُسط في موضعه. وكذلك ما ورد في «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» أنّها جوابٌ للمشركين بمكّة، وأنّها جوابٌ لأهل الكتاب بالمدينة» . ثم قال: «والحكمة في هذا كلّه أنّه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمّنها، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبيّ (ص) تذكيراً لهم بها، وبأنّها تتضمّن هذه. . . وما يذكره المفسّرون من أسبابٍ متعدّدة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب، لاسيّما وقد عُرف من عادة الصحابة والتابعين أنّ أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنّه يريد بذلك أنّ هذه الآية تتضمّن هذا الحكم، لا أنّ هذا كان السبب في نزولها»(3). ويؤيّد ذلك أنّ البخاري ومسلم قد ذكرا في صحيحيهما أسباباً وأزمنة وأمكنة


1- البرهان في علوم القرآن، الزركشي، ج ١ ، ص 54 .
2- سورة الإسراء.
3- البرهان في علوم القرآن، ج ١ ، صص 54  -  56 .

ص:124

متعدّدة ومختلفة لنزول آية واحدة، بل وأخرج البخاري وغيره اختلاف بعض الصحابة فيما بينهم في سبب نزول بعض الآيات المباركة، فقد أورد البخاري في صحيحه في تفسير قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً» (آل عمران:  ٧٧ ) ، سببين مختلفين زماناً ومكاناً ومورداً لنزول الآية الكريمة: الأوّل : ما أخرجه عن الأشعث بن قيس، حيث قال: «فِيَّ أُنزلت؛ كانت لي بئر في أرضِ ابن عمٍّ لي، قال النبيّ (ص) : (بَيِّنَتُكَ أو يَمينُه. . .) الحديث»(1). الثاني: ما أخرجه عن عبد الرحمن بن أبي أوفى: «أنّ رجلاً أقام سلعةً في السّوق، فحلف فيها لقد أُعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت: «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً» »(2). وأخرج البخاري في صحيحه في اختلاف الصحابة في أسباب نزول بعض الآيات، من طريق زيد بن وهب، قال: «مررت بالرّبَذَة، فإذا أنا بأبي ذر رضِيَ اللهُ عَنهُ، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ؛ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلتُ: نزلَت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك. . . الحديث» . (3)وأخرج أيضاً في كتاب الحجّ في صحيحه(4)الخلافَ بين عائشة وأبي بكر بن عبد الرحمن في سبب نزول قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا» (البقرة:  ١5٨ ) . وعليه فلا مانع من أن تكون آية الإكمال قد نزلت مرّتين؛ إحداها في يوم الغدير كما دلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، والأُخرى في يوم عرفة، كما أخرج ذلك


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١4٨ .
2- المصدر نفسه، ح 445٠ .
3- المصدر نفسه، ج ١ ، ص ٣٩٧ .
4- المصدر نفسه، صص 44٨  و  44٩ ؛ اُنظر أيضاً: صحيح مسلم، ج 4 ، ص 6٩ .

ص:125

البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عمر بن الخطّاب، قال: «إنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا م-عشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: أيّ آية؟ قال: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» ، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبيّ (ص) وهو قائم بعرفة يوم الجمعة» (1). ولعلّ هذا اليهوديّ الذي كان في مجلس عمر بن الخطّاب كان يقصد نزول الآية في يوم الغدير، وأراد التعريض به وبالمسلمين بجلوسه في ذلك المكان بدل صاحب الآية، وأنّ الأمر لو كان عند اليهود لاتّخذوا ذلك اليوم عيداً بدلاً من الانقلاب على صاحبه والجلوس في مكانه، ولكنّ الخليفة أجابه بنزولها في يوم عرفة، للالتفاف على ما كان يرمي إليه اليهوديّ! هذا مضافاً إلى أنّ رواية عمر بن الخطّاب المتقدّمة تتعارض مع جملة من مضامين الأحاديث الصحيحة الأُخرى الواردة في المورد، أهمّها: أ - أخرج الطبراني، بسنده عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبدالله الصنعاني، عن ابن عبّاس، قال: «وُلد نبيُّكم (ص) يومَ الاثنين، ويوم الاثنين خرج من مكّة، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح بدراً يومَ الاثنين، ونزلت المائدة يوم الاثنين: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» ورفع الركن يوم الاثنين»(2). وأورده الهيثمي في زوائده، وقال: «رواه أحمد والطبراني في الكبير، وزاد فيه: وفتح بدراً يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة يوم الاثنين: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» ، وفيه: ابن لهيعة، وهو ضعيف، وبقيّة رجاله ثقات، من أهل الصحيح»(3). وابن لهيعة هذا من الثقات، فقد أخرج له مسلم في صحيحه، وأبو داود،


1- صحيح البخاري، ج ١ ، ص ١6 ؛ صحيح مسلم، ج  4 ، ص ٢٣١٣ .
2- المعجم الكبير، ج ١٢ ، ص ١٨٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ١ ، ص ١٩6 .

ص:126

والترمذي، وابن ماجة(1) . وقد حسّن له الترمذي(2)، وصحّح له الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي في التلخيص(3). وقال المزّي في (تهذيب الكمال) : «وقال [أبو عبيدالله الآجري] أيضاً: سمعت أبا داود يقول: وسمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة ب-مصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ . وحدّث عنه أحمد بحديث كثير»(4). وقال ابن حجر في حقّه: «أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق من السابعة»(5). وقال في موضع آخر: «وحكى الساجي عن أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة من الثقات، وقال ابن شاهين: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، ما روي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط، وقال مسعود عن الحاكم: لم يقصد الكذب وإنّما حدّث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ»(6) . وقال العيني: «وعبدالله بن لهيعة ثقة عند أحمد والطحاوي» (7). وقد حسّن الهيثمي نفسه أحاديث ابن لهيعة، حيث قال في تعليقه على بعض الأحاديث: «وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن»(8). إذن فطريق هذا الحديث معتبر، وهو يثبت أنّ آية الإكمال نزلت في يوم الاثنين، وهذا يعارض ما رواه عمر من أنّ الآية نزلت في يوم الجمعة. ب - أخرج مسلم في صحيحه من طريق طارق بن شهاب، قال: «قالت اليهود


1- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 5٢6 .
2- سنن الترمذي، ج ١ ، ص ٢٩ ؛ ج ٣ ، صص ٩٨  و  ١٠٢ ؛ ج 4 ، ص ٢44 .
3- المستدرك على الصحيحين، وبهامشه التلخيص للذهبي، ج ١ ، صص ٢٧٢  و  ٢٧٣ .
4- تهذيب الكمال، ج ١5 ، ص 4٩4 .
5- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 5٢6 .
6- المصدر نفسه، ج 5 ، ص ٣٢٧ .
7- عمدة القاري، ج ٧ ، ص ١٣ .
8- مجمع الزوائد، ج ١ ، ص ١55 ؛ ج 4 ، صص ١٨  و ٢٠  و ٣١  و ٨٢ ، وغيرها من الموارد.

ص:127

لعمر: لو علينا معشر يهود نزلت هذه الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلامَ دِيناً» نعلمُ اليومَ الذي أُنزلت فيه لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: فقال عمر: فقد علمتُ اليومَ الذي أُنزلت فيه والساعة، وأين رسول الله (ص) حين نزلت؛ نزلت ليلةَ جَمعٍ ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات»(1). فهذا الحديث صريح الدلالة على أنّ الآية نزلت في ليلة جمع والنبيّ (ص) قد أتمّ الوقوف بعرفة وهو في طريقه للازدلاف إلى منى، وهو يخالف ما رواه عمر من أنّها نزلت في يوم الجمعة والنبيّ (ص) قائم بعرفات كما أخرج ذلك عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما! ج - أورد النسائي في سننه بسند صحيح، من طريق قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: «قال يهوديّ لعمر: لو علينا نزلت هذه الآية لاتّخذناه عيداً «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» ، قال عمر: قد علمتُ اليومَ الذي أُنزلت فيه، والليلة التي أنزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله (ص) بعرفات»(2) . وقد أدرج الألباني هذا الحديث في (صحيح سنن النسائي) ، وصحّحه، قال: «صحيح»(3) . د - أخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى طارق بن شهاب، قال: «قالت اليهود لعمر: إنّكم تقرأون آية، لو نزلت فينا لاتّخذناها عيداً، فقال عمر: إنّي لأعلم حيث أُنزلت، وأين أُنزلت، وأين رسول الله (ص) حين أُنزلت؛ يوم عرفة، وإنّا والله بعرفة. قال سفيان: وأشكّ كان يوم الجمعة، أم لا»(4). فهذا الحديث ينصّ على أنّ سفيان الثوري يشكّ في نزولها يوم الجمعة، وهو يتقاطع


1- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ٢٣١٣ .
2- سنن النسائي، ج 5 ، ص ٢5١ .
3- صحيح سنن النسائي، الألباني، ج ٢ ، ص ٣4٢ .
4- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٧5 .

ص:128

مع ما رواه عمر من أنّها نزلت في يوم الجمعة. وحاصل الجواب: إنّ مخالفة بعض الروايات الصحيحة لما ورد في صحيحي البخاري ومسلم في تعيين سبب النزول، ليس فيه أيّ محذور يقتض-ي تكذيب تلك الروايات، بل هو يكشف عن تعدّد وتغاير أسباب وأزمنة وأمكنة النزول للآية الواحدة، ويشهد على ذلك ما ورد في الصحيحين من اختلاف أسباب النزول وزمان ومكان الآية الواحدة. مضافاً إلى أنّ مضمون رواية عمر التي نصّت على أنّ آية إكمال الدين نزلت في يوم الجمعة والنبيّ (ص) قائمٌ بعرفات، يخالف مضمونَ كثيرٍ من الروايات الصحيحة الأُخرى الواردة في المورد والتي تنصّ على غير ذلك كما تقدّم.

3-دعاء الرسول (ص) لأمير المؤمنين عليه السلام

تقدّم ضمن الكلام عن طرق حديث الغدير وألفاظه، دعاءُ النبي (ص) فيه، حيث قال بعد فقرة الموالاة تلك: «اللّهُمَّ وال مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ، وأحِبَّ مَن أحَبَّهُ، وأبغِض مَن أبغَضَهُ، وانصُر مَن نَصَرَهُ، وَاخذُل مَن خَذَلَهُ» . وقد تقدّم أيضاً تصحيح بعض علماء الجرح والتعديل - كالهيثمي وغيره - لهذا الدعاء، حيث قال في زوائده: «رواه البزّار، ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة، وهو ثقة»(1) . ويعدّ الدعاء أحد وسائل التأكيد الذي يأتي لبيان أهمّية الموضوع، وذلك الدعاء للنبيّ (ص) والتقريع القويّ الوارد فيه هو لتأكيد مسألة ولاية الإمام عليه السلام وبيان أهمّيتها، وقد بيّن رسول الله (ص) من خلال ذلك الدعاء مسألة وجوب موالاة الإمام عليه السلام ومناصرته والوقوف إلى جانبه ضدّ أعدائه.


1- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٠ .

ص:129

فالدعاء للإمام عليه السلام ولمواليه وأنصاره بتأييد الله تعالى، وخذلان كلّ من يحاول خذلانه ومعاداته، هو عبارة أُخرى تحكي ضرورة موالاة الإمام عليه السلام وطاعته؛ إذ إنّ ذلك المعنى لا يليق إلّا بمن سيكون له أولياء وأنصار وأعداء يخذلونه، وهو يحتاج إلى النصرة ويتضرّر بالخذلان وعدم الانقياد له، وليس هذا إلّا لمن يكون له مقام الخلافة والإمامة والولاية على الأُمّة. وذلك الدعاء هو نوع من الحثّ والدعوة لموالاة الإمام عليه السلام واتّباعه ون-صرته، والردع عن خذلانه ومعاداته. وللعلّامة الأميني كلام ظريف في المقام حيث قال: ِإنّه [رسول الله (ص) ] لمّا صدع بما خَوّل اللهُ سبحانَه وصيَّه من المقام الشامخ بالرئاسة العامّة على الأُمّة جمعاء، والإمامة المطلقة من بعده، كان يعلم بطبع الحال أنّ تمام هذا الأمر بتوفّر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده، كما ورد في الكتاب العزيز، وفيهم من يحقده، وفي زمر المنافقين من يضمر له العداء لأوتارٍ جاهليّة، وستكون من بعده هنّات تجلبها النهمة وال-شره من أرباب المطامع لطلب الولايات والتفضيل في العطاء، ولا يدع الحقُّ عليّاً عليه السلام أن يُسعِفهم بمبتغاهُم، لعدم الحنكة والجدارة فيهم فيقلبون عليه ظهر المِجَن. وقد أخبَر (ص) مجملَ الحال بقوله: (إن تُؤَمِّروا عَلِيّاً - ولا أراكُم فاعِلينَ - تَجدوهُ هادِياً مَهدِيّاً) ، وفي لفظ: (إن تَستَخلِفوا عَلِيّاً - وما أراكُم فاعِلينَ - تَجِدوهُ هادِياً مَهدِيّاً) ، فطفق (ص) يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله، ليتمّ له أمر الخلافة، وليعلم الناس أنّ موالاته مجلبة لموالاة الله سبحانه، وأنّ عداءه وخذلانه مدعاة لغضب الله وسخطه، فيزدلف إلى الحقّ وأهله. ومثل هذا الدعاء بلفظ العامّ لا يكون إلّا فيمن هذا شأنه، ولذلك إنّ أفراد المؤمنين الذين أوجب الله محبة بعضهم لبعض لم يؤثّر فيهم هذا القول، فإنّ منافرة بعضهم لبعض جزئيّات لا تبلغ هذا المبلغ، وإنّما يحصل مثله فيما إذا كان المدعو له دعامة

ص:130

الدين، وعلم الإسلام، وإمام الأُمّة، وبالتثبيط عنه يكون فَتٌّ في عضُد الحقّ، وانحلالٌ لعُرى الإسلام»(1).

4-إخبار الرسول (ص) الناسَ بقرب رحيله

تقدّم أنّ النبيّ (ص) قال في مقدّمة حديث الغدير: «يا أيُّها النّاسُ! ، إنَّهُ لَم يُبعَث نَبيٌّ قَطُّ إلّا ما عاشَ نِصفَ ما عاشَ الَّذي كانَ قَبلَهُ، وإنّي أوشَكُ أن أُدعى فَأُجيبَ» ، ثمّ أبلغهم (ص) بعد هذا الإخبار ولاية أمير المؤمنين عليه السلام «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» ، وهذا الأمر يكشف بوضوح أنّ النبي (ص) إنّما أراد أن يبيّن للناس خليفتَهم من بعده، وأنّ الولاية التي ثبتت لعليّ عليه السلام في «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» يأتي دورُها في الأُمّة بعد رحيله (ص) إلى الباري تعالى، وهذا يعني أنّ المعنى المراد من تلك الولاية المصرَّح بها في الحديث سيثبت للإمام عليه السلام بعد رحيل النبيّ (ص) ، وليس هو إلّا مقام الخلافة والقيادة، وأمّا المحبّة والنصرة وغيرها من المعاني التي ذكرها أهل السنّة فهي من الأُمور الثابتة للإمام عليه السلام في حياة النبي (ص) ، بل هي ثابتة لكلّ مؤمن.

5-وحدة سياق حديث الغدير وحديث الثقلين

إنّ سياق حديث الغدير هو نفس سياق حديث الثقلين، فقد تقدّم في حديث الغدير أنّ النبيّ (ص) ، قال: «إنّي تَرَكتُ فيكُمُ الثّقلَينِ، أحَدُهُما أكبَرُ مِنَ الآخَرِ، كِتابُ الله وعِترَتي أهلَ بَيتي، فَانظُروا كَيفَ تَخلُفوني فيهِما، فَإِنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ» . ثمّ قال: «إنَّ اللهَ مَولايَ، وأنا وَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ» ، ثمّ أخذَ بيد علي، فقال: «مَن كُنتُ وَليَّهُ فَهذا وَلِيُّه» . وهذا نفس سياق حديث الثقلين - إلّا فقرة الموالاة - الذي أخرجه حفّاظ السنّة ومحدّثوهم بطرق كثيرة وألفاظ عديدة، فقد أخرجه مسلم في صحيحه بسنده إلى


1- الغدير، ج ١ ، صص ٣٧٢  و ٣٧٣ .

ص:131

زيدبن أرقم، قال: «قام رسولُ الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد اللهَ وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال: ( أمّا بَعدُ، ألا أيُّها النّاسُ! فَإِنَّما أنا بَشَ-رٌ يوشَكُ أن يَأتِيَ رَسولُ رَبّى فَأُجيبَ، وأنا تارِكٌ فيكُم ثَقَلَينِ؛ أوَّلُهُما كِتابُ اللهِ فيهِ الهُدى وَالنّورُ، فَخُذوا بِكتابِ اللهِ وَاستَمسِكوا بِهِ) ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: ( وأهلُ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي)» (1). وأخرجه الحاكم بسنده عن زيد بن أرقم، وفيه: «قال رسولُ الله (ص) : إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ؛ كِتابَ الله وأهلَ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَتَفَرَّقا حَتّى يَردا عَلَيَّ الحَوضَ» . ثمّ قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين و لم يخرجاه»(2) ، وتعقّبه الذهبي في التلخيص بقوله: «على شرط البخاري ومسلم»(3). وأخرجه أحمد بسنده إلى أبي سعيد الخدري نحوه (4) . فمع ملاحظة سياق حديث الثقلين يصبح سياق حديث الغدير واضح الدلالة على أنّ النبيّ (ص) أراد أن ينصبَ بحديث الغدير الخليفةَ من بعده، فهو (ص) بعد أن بيّنَ الدورَ الأساس للكتاب والعترة في مسيرة الأُمّة والرسالة الإسلامية، وحثّ الناس على التمسّك بهما لأجل النجاة من الهلكة، والورود عليه (ص) عند الحوض، بعد ذلك كلّه أراد النبي (ص) أن يعيّن للمسلمين الرجل الأوّل من العترة - التي لا تفارق القرآن الكريم - وهو عليٌّ عليه السلام، عليٌّ الذي لا يفارِقُ القرآن ولا القرآن يفارقه، وقد قال النبي (ص) لعموم المسلمين في مناسبات أُخرى:


1- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٣ .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١6٠ .
3- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ١4 .

ص:132

«عَلِيٌّ مَعَ القُرآنِ وَالقُرآنُ مَعَ عَلِيٍّ، لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوض»(1). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو سعيد التيمي هو عقيصاء، ثقة مأمون ولم يخرجاه»(2) فقد ترك النبيُّ (ص) في أُمّته بعد وفاته كتاب الله عَزَّ وجَلَّ وعترتَه، ثم بيّن وأوضح بعد ذلك أنّ أوّل العترة هو عليٌّ عليه السلام، ثمّ أمر بموالاته ومناصرته، ونهى أصحابه عن خذلانه والتخلّف عن ركبه الذي لا يفترق عن القرآن أبداً. إذن فالنبيّ (ص) قد ترك في أُمّته خليفتين؛ خليفةً صامتاً وهو كتاب الله تعالى، وخليفة ناطقاً بالحقّ، وهو عليٌّ عليه السلام والعترة من بعده.  

6-استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بحديث الغدير

إنّ ما قام به أمير المؤمنين عليه السلام في رحبة الكوفة يدلّ بوضوح على ما ذكرناه، حيث جمع عليه السلام الناسَ وجملةً من صحابة النبي (ص) وناشدهم واستشهدهم على حديث الغدير، وذلك في مقام الردّ على من خالفه في أمر الخلافة، وقد ورد ذلك بطرق كثيرة وصحيحة كما تقدّم. وهذا الاستشهاد من أمير المؤمنين عليه السلام يدلّ على أنّ مضمون حديث الغدير هو الخلافة وقيادة الأُمّة، ولو لم يكن دليلاً على أحقّية الإمام عليه السلام بالخلافة، لما صحّ الاستشهاد به والردّ على من خالف الإمام عليه السلام وأنكر خلافته. ويؤيّد ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن إياس الضبّي، عن أبيه، عن جدّه، قال: «كنّا مع عليّ يومَ الجمل، فبعث إلى طلحةَ بن عبيدالله أنِ القَني، فأتاه طلحةُ، فقال: نشدتُك اللهَ، هَل سَمِعتَ رَسولَ اللهِ (ص) يَقولُ: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ، اللّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ) ؟ قال: نعم، قال: فَلِمَ تُقاتِلُني؟ قال: لم أذكُر، قال:  


1- المستدرك، ج ٣ ، ص ١٢4 .
2- المصدر نفسه.

ص:133

فانصَرف طَلحةُ»(1) . فلولا دلالة حديث الغدير على الأحقّية بالخلافة وولاية الأمر، لما احتجّ به الإمام عليه السلام على طلحة لإثبات أحقّيته في ذلك، ولاعترض عليه طلحةُ بعدم دلالة الحديث على الأحقّية بالخلافة وولاية الأمر، كما اعترض ابن تيمية ومن تابعه عليه!

دعوى دلالة حديث الغدير على الاختصاص بالمحبّة

أهمّ الإشكالات التي طرحها علماء السنّة على الاستدلال بحديث الغدير على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، هو قولهم: إنّ المراد من الموالاة في الحديث هو المحبّة، ولتقريب هذا المعنى ذكر بعضهم سبباً آخر لواقعة الغدير غير ما تقدّم من المرويّ بطرق صحيحة كثيرة، فزعم أنّ رسول الله (ص) قبل حجّة الوداع بعث الإمام عليه السلام إلى اليمن على رأس جيش، فأكثر الجيش هناك الشكوى من الإمام عليه السلام، فلمّا سمع الإمام عليه السلام بحجّ الرسول (ص) التحق به في مكّة، ثمّ التحق به أيضاً جيشُ الإمام عليه السلام، فشكوه للرسول (ص) ، فقام فيهم خطيباً في غدير خمّ، وقال في الإمام عليه السلام القولَ الآنف. والأصل في ذلك رواية ابن ركانة كما سيأتي. فقد روى البيهقي قصّة شكوى جيش الإمام عليه السلام في (دلائل النبوّة) من طريقين: الأوّل: من طريق أبي العبّاس، عن ابن أبي عمرة، عن ابن ركانة. وقد استدلّ بهذه الرواية في كتابه (الاعتقاد) على وقوع شكوى جيش الإمام عليه السلام في مكّة، رغم ضعف سندها وعدم وضوح دلالتها كما سيأتي. الثاني: بسنده إلى أبي سعيد الخدري. وقد تجاهل البيهقي هذه الرواية رغم صحّة سندها وصريح دلالتها على وقوع تلك الشكوى في المدينة بعد حجّة الوداع كما سيأتي. قال البيهقي في (دلائل النبوّة) :


1- المستدرك، ج ٣ ، ص ٣٧١ .

ص:134

وأخبرنا أبو عبدالله وحده، قال أبو العباس، قال: حدّثنا يحيى بن عبدالله بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: «إنّما وجد(1)جيشُ عليِّ بن أبي طالبٍ رضيَ الله عنه الذينَ كانوا معه باليمن؛ لأنّهم حين أقبلوا خلّفَ عليهم رجلاً ويعمدُ إلى رسول الله (ص) يُخبره الخبر، فعمَدَ الرجلُ فكسا كلّ رجل حُلّةً، فلمّا دنَوا خرجَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يستقبلُهم، فإذا عليهم الحلل، فقال عَليٌّ: (ما هذا؟) قالوا: كَسانا فلانٌ، قال: (فَما دعاكَ إلى هذا قَبلَ أن تَقدَمَ عَلى رَسولِ الله (ص) فَيصنَع ما شاءَ؟ !) فنزعَ الحُللَ منهم، فلمّا قدِموا على رسولِ الله (ص) اشتكَوه لذلك، وكانوا قد صالَحوا رسولَ الله (ص) ، فإنّما بُعث عليٌّ إلى جزيةٍ موضوعةٍ»(2). وقال البيهقي في الدلائل أيضاً: أخبرنا أبو الحسين محمّد بن الحسين بن محمّد بن الفضل القطّان ببغداد، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطّان، حدّثنا أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثنا أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، أنّه قال: «بعثَ رسولُ الله (ص) عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنتُ ممّن خرجَ معه، فلمّا أخذ من إبلِ الصدقة سألناه أن نركبَ منها ونُريحَ إبلَنا، فكنّا قد رأينا في إبلنا خَللاً، فأبى علينا، وقال: (إنَّما لَكُم مِنها سَهمٌ كَما لِلمُسلِمينَ) ، قال: فلمّا فرَغَ عليٌّ وانطلقَ من اليمن راجعاً أمّر علينا إنساناً وأسرعَ هو فأدرك الحجّ، فلمّا قضى حجَّتهُ قال له النبيّ (ص) : (ارجِع إلى أصحابِكَ حَتّى تَقدمَ عَلَيهِم) . قال أبو سعيد: وقد كنّا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٌّ منعَنا إيّاه ففعلَ، فلمّا جاء عرَف في إبل الصدقة أن قد رُكبت، رأى أثرَ المركبِ، فذمّ الذي أمّرهُ ولامهُ، فقلت: أنا


1- وجَدَ: عضب. اُنظر الصماح، الجوهري، ج  ٢ ، ص  54٧  وجد .
2- دلائل النبّوة، البيهقي، ج 5 ، ص ٣٩5 ، توثيق وتخريج وتعليق: د عبد المعطي قلعجي.

ص:135

إن شاء اللهُ إن قدمتُ المدينةَ لأذكرنَّ لرسولِ الله (ص) ولأخبرنّهُ ما لقينا من الغِلظةِ والتضييقِ. قال: فلمّا قدِمنا المدينةَ غدَوتُ إلى رسولِ الله (ص) أريدُ أن أفعلَ ما كنت حلَفت عليه، فلقيتُ أبا بكرٍ خارجاً من عند رسولِ الله (ص) فوقف معي ورحّب بي وسألَني وسألتُه، وقال: متى قدمتَ؟ قلت: قدمتُ البارحةَ، فرجعَ معي إلى رسولِ الله (ص) ، فدخل فقال: هذا سعدُ بن مالكِ بن الشّهيد، قال: (اِيذَن لَهُ) ، فدخلتُ فحيّيت رسولَ الله (ص) وجاءني وسلّم عليَّ وسألني عن نفسي وعن أهلي فأحفى المسألَة. فقلت له: يا رسول الله، ما لقينا من عليٍّ من الغِلظة وسوءِ الصّحبةِ والتّضييق، فانتبذَ رسولُ الله (ص) ، وجعلتُ أنا أُعدّد ما لقينا منه، حتّى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسولُ الله (ص) على فخِذي، وكنت منه قريباً ثمّ قال: (سَعدَ بنَ مالِكٍ الشَّهيدِ! مَه بَعضَ قَولِكَ لِأَخيكَ عَلِيٍّ، فَوَالله لَقَد عَلمتُ أنَّهُ أخشَنُ في سَبيلِ الله) ، قال: فقلت في نَفسي، ثكلتكَ أُمّك سعدَ بن مالك، ألا أراني كنتُ فيما يكرهُ منذ اليوم وما أدري؟ ! لاجرم والله لا أذكره بسوءٍ أبداً سرّاً ولا علانِيةً» (1). وقال في (الاعتقاد) : «وأمّا حديث الموالاة، فليس فيه إن صحّ إسناده نصٌّ على ولاية عليٍّ بعده، فقد ذكرنا من طرقه في كتاب الفضائل ما دلّ على مقصود النبيّ (ص) من ذلك، وهو أنّه لمّا بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبيّ (ص) أن يذكرَ اختصاصه به ومحّبته إيّاه، ويحثّهم بذلك على محبّته وموالاته وترك معاداته، فقال: (مَن كُنتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ)»(2). وقد أورد ابن كثير في (السيرة النبوية) و (البداية والنهاية) رواية البيهقي من طريق أبي سعيد الخدري، التي تصرّح بوقوع الشكوى في المدينة بعد حجّة الوداع، وصحّح سندها.


1- دلائل النبّوة، ج 5 ، صص ٣٩٨  و  ٣٩٩ .
2- الاعتقاد، البيهقي، ص ٣54 .

ص:136

ثمّ أورد بعدها رواية ابن ركانة لكن من طريق ابن إسحاق، عن ابن أبي عمرة، عنه، ولم يتعرّض لسندها، لكن قرّب سياقها على سياق رواية ابن ركانة من طريق أبي الفضل والتي اعتمدها البيهقي في (الاعتقاد) على دعواه. قال ابن كثير في سيرته: «وقال البيهقي: "أنبأنا أبو الحسين محمّد بن الفضل القطّان، أنبأنا أبو سهل بن زياد القطّان، حدّثنا إسماعيل بن أبي أُويس، حدّثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن سعدبن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمّته زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، أنّه قال: بعث رسولُ الله عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه، فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركبَ منها ونريحَ إبلَنا - وكنّا قد رأينا في إبلنا خَللاً - فأبى علينا وقال: (إنَّما لَكُم فيها سَهمٌ كَما لِلمُسلِمينَ) ، قال: فلمّا فرغ علىٌّ وانطلقَ من اليمن راجعاً أمّر علينا إنساناً، وأسرع هو وأدرك الحجّ، فلمّا قض-ى حجّته قال له النبيّ (ص) : (ارجِع إلى أصحابِكَ حَتّى تَقدمَ عَلَيهِم) ، قال أبو سعيد: وقد كنّا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٌّ منعَنا إيّاه ففعل، فلمّا عرف في إبل الصدقة أنّها قد رُكبت، ورأى أثر الركب، قدّم الذي أمرَه ولامه، فقلت: أما إنّ لله عَلىَّ لئن قدمتُ المدينة لأذكرنّ لرسول الله، ولأُخبرنّه ما لقينا من الغلظة والتّضييق. قال: فلمّا قدمنا المدينةَ غدوتُ إلى رسول الله (ص) أُريد أن أفعل ما كنتُ حلفت عليه، فلقيت أبا بكرٍ خارجاً من عند رسول الله (ص) ، فلمّا رآني وقف معي ورحّب بي وسألني وسألتُه، وقال: متى قدمتَ؟ فقلت: قدمتُ البارحة، فرجع معي إلى رسول (ص) ، فدخل وقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، فقال: (اِيذَن لَهُ) ، فدخلت فحيّيت رسولَ الله وحيّاني، وأقبل عَلىَّ وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة، فقلت: يا رسول الله ما لَقينا من علىٍّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فَاتّأد رسولُ الله، وجعلت أنا أُعدّد ما لقينا منه، حتّى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسولُ الله على فخذي، وكنت منه قريباً، وقال:

ص:137

(يا سَعدَ بنَ مالِكِ بنِ الشَّهيدِ! ، مَه بَعضَ قَولِكَ لِأَخيكَ عَلىّ، فَوَالله لَقَد عَلِمتُ أنَّهُ أخشَنُ في سَبيلِ الله) ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتكَ أُمّكَ سعدَ بن مالكٍ، ألا أراني كنتُ فيما يكره منذ اليوم ولا أدرى؟ ! لا جرمَ والله لا أذكره بسوءٍ أبداً سرّاً ولاعلانيةً". وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحدٌ من أصحاب الكتب الستّة. وقد قال يونس، عن محمّد بن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبدالله بن أبي عمر، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: "إنّما وجدَ جيشُ علىّ بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن؛ لأنّهم حين أقبلوا خلّف عليهم رجلاً وتعجّل إلى رسول الله (ص) ، قال: فعمد الرجلُ فكسا كلّ رجل حُلّة، فلمّا دنوا خرج عليهم علىٌّ يستقبلهم، فإذا عليهم الحُلل، قال علىٌّ: (ما هذا؟) قالوا: كسانا فلان، قال: (فَما دَعاكَ إلى هذا قَبلَ أن تَقدمَ عَلى رَسول الله فَيَصنَع ما شاءَ؟) فنزع الحللَ منهم، فلمّا قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك، وكانوا قد صالحوا رسول الله، وإنّما بعث عليّاً إلى جزية موضوعة". قلت: هذا السياق أقرب من سياق البيهقي؛ وذلك أنّ عليّاً سبقهم لأجل الحجّ وساق معه هدياً، وأهلّ بإهلال النبيّ (ص) ، فأمره أن يمكث حراماً. وفي رواية البراء بن عازب أنّه قال له: (إنّي سُقتُ الهَدىَ وقَرَنتُ) . والمقصود أنّ عليّاً لمّا كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إيّاهم استعمالَ إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحُلل التي أطلقها لهم نائبُه، وعلىٌّ معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلامُ فيه في الحجيج، فلذلك - والله أعلم - لمّا رجع رسولُ الله (ص) من حجّته وتفرّغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمرّ بغدير خُمّ، قام في الناس خطيباً فبرّأ ساحةَ علىٍّ ورفع من قَدره ونبّه على فضله؛ ليُزيل ما وقر في نفوس كثير من النّاس»(1). فهذه هي خلاصة الدعوى والوجه فيها.


1- السيرة النبوية، ج 4 ، صص ٢٠4  -  ٢٠6 .

ص:138

مناقشة دعوى دلالة حديث الغدير على الاختصاص بالمحبّة
اشارة

وقد أجيب على هذه الدعوى بأجوبة متعدّدة، نشير إلى بعضها بشكل مختصر:  

1-المناقشة الأُولى

لا ملازمة بين هذا السبب الذي ذكره البيهقي وابن كثير لواقعة غدير خمّ، وبين حمل الموالاة في الحديث على المحبّة؛ إذ لا مانع من أن يكون الرسول (ص) أراد دفع تلك الشكوى بإبلاغ وجوب موالاة الإمام عليه السلام. فمجرد كون رسول الله (ص) قال مقولته: «من كنت مولاه فعلي مولاه» بسبب تلك الشكوى، لا يستلزم حمل هذه الموالاة على المحبّة، خصوصاً وأنّ فضيلة المحبّة كانت ثابتة للإمام عليه السلام قبل غدير خمّ، وكان الصحابة والمسلمون واقفين عليها، وقد نصّ على ذلك رسول الله (ص) بوضوح تامّ وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام «يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ» كما صرّح بذلك (ص) في فتح خيبر؛ ولهذا كانوا يغبطونه عليها. فقد أخرج البخاري في صحيحه من طريق سلمة بن الأكوع، قال: «كان عليٌّ رضي الله عنه تخلّف عن النبيّ (ص) في خيبر وكان به رَمَد، فقال: (أنا أتَخَلَّفُ عَن رَسولِ الله (ص) !) ، فخرج عليٌّ فلحِق بالنبيّ (ص) ، فلمّا كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها، فقال رسول الله (ص) (لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ - أو قال: لَيَأخُذَنَّ - غَداً رَجُلاً يُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ - أو قال: يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ - يَفتَحُ اللهُ عَلَيهِ) ، فإذا نحن بعليّ وما نرجوه! فقالوا: هذا عليٌّ، فأعطاه رسولُ الله (ص) ففتح اللهُ عليه»(1). وأخرج في صحيحه أيضاً من طريق أبي حازم، قال: «أخبرني سهل رضي الله عنه، قال: قال النبيّ (ص) يوم خيبر: (لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفتَحُ اللهُ عَلى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللهَ  ١ )


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، صص ١٠٨6 و  ١٣5٧ .

ص:139

ورَسولَهُ، ويُحبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) ، فبات الناسُ ليلتهم أيّهم يعطى، فغدوا كلّهم يرجوه، فقال: (أينَ عَلِيٌّ؟) فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية»(1) . فحديث «يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ» سمعه ووعاه كلّ المسلمين قبل غدير خمّ بسنوات عديدة، كما هو صريح حديث البخاري الآنف؛ وذلك: أ - إنّ رسول الله (ص) قد قال تلك المنقبة للإمام عليه السلام في واقعة خيبر، وقد كان كلّ الصحابة والمسلمين حاضرين آنذاك، وذلك بعد انهزامهم في فتح خيبر مرّتين بشكل متتابع كما تدلّ على ذلك بعض ألفاظ حديث الراية المخرّجة بطرق صحيحة غير الآنف. ب - إنّ رسول الله (ص) قد أجمل ابتداءً في بيان تلك المنقبة للإمام عليه السلام، يعني أنّه (ص) أخبر أوّلاً بأنّه سيدفع الراية لرجل «يحبّ اللهَ ورسوله، ويحبّه اللهُ ورسوله» ، وهذا الوصف يمكن حمله بالظاهر على أيّ مسلم كان حاضراً آنذاك، ولذا تطاول الكلّ لأخذ تلك الراية، ثمّ بيّن (ص) تلك المنقبة للإمام عليه السلام بعد ذلك الإجمال، كما أخرج ذلك مسلم في صحيحه من طريق سعد بن أبي وقّاص من أنّه سمع رسول الله عليهما السلام يوم خيبر يقول: «(لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) ، قال: فتطاولنا لها، فقال: (ادعُوا لي عَلِيّاً) ، فأُتى به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» (آل عمران:  6١ ) دعا رسول الله (ص) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: (اللّهُمَّ هؤُلاءِ أهْلي)»(2). وأخرجه من طريق أبي هريرة، وفيه: «قال عمر بن الخطاب ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ، قال: فتساوَرت (3) لها رجاء أن


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، صص ١٠٩6 و  ١٣5٧ .
2- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١4٣٣ .
3- فتساورتُ لها: أي رفعتُ لها شخصي. النهاية، ج  ٢ ، ص  4٢٠  سور .

ص:140

أُدعى لها، قال: فدعا رسولُ الله (ص) عليَّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها»(1). وهذا يكشف عن عناية رسول الله (ص) بإسماع كلّ الصحابة والمسلمين في خيبر هذه المنقبةَ لأمير المؤمنين عليه السلام عن فهم ودراية. فهذه الأُمور كلّها تدلّ بوضوح على أنّ فضيلة المحبّة، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام «يُحبّ اللهَ ورسولَه، ويحبّهُ اللهُ ورسولُه» كانت ثابتةً للإمام عليه السلام قبل غدير خمّ، وأنّ الصحابة والمسلمين كانوا واقفين عليها ويغبطونه لها، كما أخرج ذلك مسلم في صحيحه من طريق سعد بن أبي وقّاص، قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ماذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسولُ الله (ص) فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حُمر النعم! سمعت رسولَ الله (ص) يقول له خلّفه في بعض مغازيه: فقال له عليّ: يا رَسولَ الله، خَلَّفتَني مَعَ النِّساءِ والصِّبيانِ؟ فقال له رسولُ الله (ص) : (أما تَرضى أن تَكونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نُبُوَّةَ بَعدي) . وسمعته يقول يوم خيبر: (لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) ، قال: فتطاوَلنا لها، فقال: (ادعُوا لي عَلِيّاً) ، فَأُتِىَ به أرمدَ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولمّا نزلت هذه الآية. «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» دعا رسولُ الله (ص) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: (اللّهُمَّ هؤُلاءِ أهلي)»(2). والناظر بعين الإنصاف لحديث الغدير، وحديث الراية، يجد أنّ سياقهما ليس واحداً، وأنّ كلا منهما أثبت معناً خاصّاً به؛ حيث أثبت الأوّلُ الموالاة والإمامة والخلافة لأمير المؤمنين عليه السلام بعد رسول الله عليهما السلام، وأثبت الثاني المحبّة وخلوص الطاعة من أمير المؤمنين عليه السلام لله تعالى ورسوله (ص) . بل إنّ حديث الراية يدلّ كذلك على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بقرينة قوله (ص) :


1- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧١ .
2- المصدر نفسه، ص ١٨٧٠ .

ص:141

«لأُعطينَّ الرّايةَ» ، وقول عمر بن الخطاب في تلك اللحظة: «ما أحببت الإمارة إلّا يومئذٍ» ، وقوله أيضاً: «فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها» . فإعطاء رسول الله (ص) الإمرةَ للإمام عليه السلام في خيبر بتلك العناية الخاصّة الواردة في حديث الراية، تدلّ على إمامته عليه السلام بشكل مُعلَّل ومبرهَن، فقد جمع رسولُ الله (ص) في بيان إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وردِّ إمامة غيره بين الدليل النظري والتطبيق العملي: فأمّا الدليل النظري: فهو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه، وهذا الوصف يختصّ به عليه السلام دون سائر المسلمين، قال ابن حجر: «في الباب [يعني باب مناقب الإمام عليّ عليه السلام في صحيح البخاري] سبعة أحاديث، أوّلها: حديث سهل بن سعد فقصّة فتح خيبر، وسيأتي شرحه في المغازي، ثانيها: حديث سلمة بن الأكوع في المعنى، ويأتي هناك أيضاً مشروحاً. وقوله في الحديثين: إنّ عليّاً (يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) أراد بذلك وجود حقيقة المحبّة، وإلّا فكلّ مسلم يشترك مع عليّ في مطلق هذه الصفة، وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» (آل عمران:  ٣١ ) ، فكأنّه أشار إلى أنّ عليّاً تامّ الاتّباع لرسول الله (ص) حتّى اتّصف بصفة محبّة الله له؛ ولهذا كانت محبّته علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق كما أخرجه مسلم من حديث عليّ نفسه، قال: ( وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرأَ النَّسمَةَ! إنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ (ص) أن لا يُحِبُّكَ إلّا مُؤمِنٌ ولا يُبغِضُكَ إلّا مُنافِقٌ) ، وله شاهد من حديث أُمّ سلمة عند أحمد» (1). وأمّا التطبيق العملي: فهو اتّسامه عليه السلام بالمؤهّلات التي تتيح له قيادةَ الأُمّة بشكل صحيح؛ ولذلك فتح الله على يديه دون غيره، وتلك المحن التي حصلت إبان خلافته إنّما بسبب الأُمّة، كما هو الحال في الدعوات المباركة للأنبياء عليهم السلام، فمن البديهي أنّهم كانوا يتمتّعون بكلّ المؤهّلات الدينية والدنيوية لقيادة الأُمم، لكن مع ذلك لم تسقم


1- فتح الباري، ج ٧ ، صص 5٧  و  5٨ .

ص:142

حتّى اضطرّ الكثير منهم إلى الدعاء بإهلاكها، واستُجيب دعاؤهم فيهم وأُهلكوا بظلمهم، فكذا الإمام عليه السلام فإنّ تلك المحن إبّان خلافته المباركة كان سببها الأوّل والأخير بعضُ الأُمّة، وإلّا لو أطاعته كما في خيبر لفتح الله تعالى لهم على يديه المباركة حصون الدنيا والآخرة. وقد ناقش البعض في هذين الأمرين فزعم أنّ تلك الصفة لا تختصّ بالإمام عليه السلام وإنّما يشاركه فيها كلّ المؤمنين، قال ابن حزم: «وهذه صفة واجبة لكلّ مسلم وفاضل»(1). وزعم بعضهم أنّ الواقع العملي يحكي عن عدم تمتّع الإمام عليه السلام بما قيل من المؤهّلات! وهذه أوهام فاسدة وتخرّصات لا يُرفع بها اليد عن ذلك الحديث؛ لقوّة سنده وصراحة دلالته. فسنده لا ريب فيه، كيف وقد ورد في الصحاح الستّة - ناهيك عن مصادر الشيعة - بطرق وألفاظ مختلفة ومتنوّعة! ودلالته صريحة في إثبات فضيلة لعليّ عليه السلام افتقدها جميعُ الصحابة الذين كانوا حاضرين في معركة خيبر، وفيهم الخليفة الأوّل والثاني والثالث. وقد بات الصحابة كلّهم يتمنّون أن ينالوا تلك المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة، وهذا ما تؤيّده ألفاظ الحديث التي أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد، ففي لفظ البخاري: «فبات الناسُ ليلتَهم أيّهم يُعطى، فغدَوا كلُّهم يرجوه»(2)، وفي لفظ آخر: «فبات الناسُ يدوكون(3) ليلتَهم أيّهم يُعطاها، فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلّهم يرجو أن يُعطاها»(4)، وفي عبارة مسلم عن سعد:


1- الفصل، ابن حزم، ج 4 ، ص ٢4٣ .
2- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٠٩6 .
3- يدوكون: أي يخوضون ويموحون فيمن يدفعها إليه. النهاية، ج  ٢ ، ص  ١4٠  دوك .
4- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٣5٧ ؛ ج 4 ، صص ١54٢ و  ١٨٧٢ .

ص:143

«فتطاولنا لها»(1)، وفي رواية أبي هريرة الآنفة: «قال عمر بن الخطّاب: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها»(2). فإنّ هذه العبارات وغيرها صريحة في أنّ الصحابة كلّهم قد فهموا من الحديث فضيلة عظيمة لا ينالها إلّا ذو حظٍّ عظيم، وقد تطاولوا لها وتساور لنيلها عمرُ بن الخطّاب وما أحبَّ الإمارة إلّا يومئذٍ؛ وذلك لاقتران الإمارة بمنزلة رفيعة وهي حبّ الله ورسوله. وقد تقدّم أنّ سعداً رفض أن يسبّ عليّاً عليه السلام عندما أمره معاوية بذلك، فقال له معاوية: «ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله فلن أسبّه؛ لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم»(3)، وذكر من تلك الثلاثة حديث الراية، وهذه العبارة كما ذكرنا صريحةٌ في أنّ سعداً قد فهم من حديث الراية ثبوت فضيلة لعليّ عليه السلام يتمنّاها سعدٌ وسائرُ الصحابة، ويرى أنّها لا يمكن أن تُقارن بحمر النعم؛ الذي هو كناية عن أموال الدنيا وكنوزها. وإذا كان الأصحاب قد فهموا تلك المنزلة السامية من حديث الراية، فلا قيمة لما ذكره ابن حزم وغيره في هذا المجال.

2-المناقشة الثانية

إنّ قوله (ص) : «ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟» ، قرينة لفظية متّصلة لبيان المعنى المراد من المولى في قوله (ص) : «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» ، ومع وجود هذه القرينة اللفظيّة المتّصلة القوية لا يجوز الرجوع لتلك القرينة الحاليّة المتوهّمة التي ذكرها البيهقي وابن كثير اعتماداً على رواية ابن ركانة الضعيفة سنداً ودلالة:


1- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .
2- المصدر نفسه، ص ١٨٧١ .
3- المصدر نفسه، ص ١٨٧٠ .

ص:144

أمّا ضعفها من حيث السند فلإرسالها؛ فإنّ يزيد بن طلحة بن ركانة من التابعين، قال ابن حجر في (الإصابة) : «ويزيد هذا هو أخو محمّد بن طلحة بن ركانة، تابعيّ معروف، وقال ابن أبي حاتم: روى عن أبيه ومحمّد بن الحنفيّة، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: روى عن أبي هريرة، ومات أوّل خلافة هشام بن عبد الملك»(1). فلا يمكن أن يكون حاضراً في شكوى جيش اليمن، وعليه فالرواية مرسلة؛ لأنّ المرسل عند أهل الحديث هو ما رفعه التابعي إلى النبيّ (ص) ، قال الحاكم النيسابوري: «فإنّ مشايخ الحديث لم يختلفوا في أنّ الحديث المرسل هو الذي يرويه المحدّث بأسانيد متّصلة إلى التابعي فيقول التابعي: قال رسول الله»(2). وقال ابن الصلاح في مقدّمته: «معرفة المرسل، وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعةً من الصحابة وجالَسهم؛ كعبيدالله بن عديّ بن الخيار، ثمّ سعيد بن المسيّب وأمثالهما إذا قال: قال رسول الله (ص) ، والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك»(3). إذن فالمرسل اصطلاحاً هو حديث التابعي، ومن الواضح أنّ إرسال التابعي ليس بحجّة مطلقاً عند الفقهاء وأهل الحديث وغيرهم، قال النووي في التقريب: «اتّفق علماء الطوائف على أنّ قول التابعي الكبير: "قال رسول الله (ص) كذا، أو فعله" يسمّى مرسلاً، فإن انقطع قبل التابعي واحد أو أكثر قال الحاكم وغيره من المحدّثين: لايسمّى مرسلاً، بل يختصّ المرسل بالتابعي عن النبيّ (ص) فإن سقط قبله فهو منقطع، وإن كان أكثر فمعضل ومنقطع. . . ثمّ المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدّثين والشافعي وكثير من الفقهاء»(4).


1- الإصابة، ج 6 ، ص 56٢ .
2- معرفة علوم الحديث، ص ٢5 .
3- مقدّمة ابن الصلاح بهامش التقييد والإيضاح للعراقي ، ص ٧١ .
4- تقريب النووي بهامش تدريب الراوي ، صص ١5٩ -  ١6١ .

ص:145

وقال مسلم في مقدّمة صحيحه: «والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجّة» (1). وقال الترمذي في العلل: «الحديث إذا كان مرسلاً فإنّه لا يصحّ عند أكثر أهل الحديث، وقد ضعّفه غير واحد منهم»(2) . وقال النووي في المجموع: «الحديث المرسل لا يُحتجّ به عندنا وعند جمهور المحدّثين وجماعة من الفقهاء وجماهير أصحاب الأُصول والنظر، وحكاه الحاكم أبو عبدالله بن البيع عن سعيد بن المسيّب ومالك وجماعة أهل الحديث وفقهاء الحجاز، وقال أبو حنيفة ومالك - في المشهور عنه - وأحمد وكثيرون من الفقهاء أو أكثرهم: يحتجّ به، ونقله الغزالي عن الجماهير، وقال أبو عمر بن عبد البر وغيره: ولا خلاف أنّه لا يجوز العمل به إذا كان مرسله غير متحرّز يرسل عن غير الثقات. ودليلنا في ردّ المرسل مطلقاً أنّه إذا كانت رواية المجهول المسمّى لا تقبل؛ لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى؛ لأنّ المروىّ عنه محذوف مجهول العين والحال، ثمّ إنّ مرادنا بالمرسل هنا ما انقطع إسناده فسقط من رواته واحد فأكثر»(3). وقال ابن حزم: «المرسل من الحديث: هو الذي سقط بين أحد رواته وبين النبيّ (ص) ناقل واحد فصاعداً، وهو المنقطع أيضاً. هو غير مقبول ولا تقوم به حجّة؛ لأنّه عن مجهول»(4). فتبيّن من هذا كلّه أنّ الحديث المرسل - وهو ما رواه التابعيّ - ليس بحجّة، والرواية في المقام مرسلة كما ذكرنا، فهي ساقطة عن الحجّية والاعتبار. نضيف إلى ذلك بأنّ السند ضعيف ب- (يحيى بن عبدالله بن عبد الرحمن بن


1- صحيح مسلم، ج ١ ، ص ٣٠ .
2- العلل بهامش شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ، الترمذي، ص ١٧١ .
3- المجموع، النووي، ج ١ ، ص 6١ .
4- الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، ج ٢ ، ص ١٣5 .

ص:146

 أبي عمرة) ؛ إذ لم يرد في حقّه أيّ مدح أو توثيق، نعم ذكره ابن حبّان في كتابه (الثقات) ، ولكنّ ابن حبّان متساهل في توثيقه عند القوم، فلا يمكنهم الاعتماد على ذلك في توثيق الرجل. وكذلك هو ضعيف ب- (محمّد بن إسحاق بن يسار) ، فقد وقع في جرحه وتوثيقه كلام كثير، فضعّفه وردّ حديثه بعضهم، ومدحه واستحسن حديثه آخرون (1). وهناك مشاكل أُخرى في سند الحديث؛ من قبيل عدم ثبوت وثاقة ابن كثير صاحب السيرة، وعدم معاصرته لمحمّد بن إسحاق، ووقوع سيرة ابن إسحاق كاملة بيده أمرٌ مشكوك. ونحو ذلك من الأُمور التي تُثبت وَهن هذا الحديث وسقوطه من الناحية السنديّة. وأمّا ضعفها من حيث الدلالة فهو أنّ تلك الرواية المذكورة ليس فيها أيّ دلالة أو ظهور في أنّ الجيش قد بلغ مكّة المكرّمة، وإنّما التعبير الذي ورد في الرواية بلفظها الأوّل هكذا: «فلمّا دَنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحُلل» ، وفي اللفظ الثاني للرواية: «فلمّا دنوا خرج عليُّ بن أبي طالب ليستقبلهم، فإذا عليهم الحُلل» ، وكلا التعبيرين لا يدلّان على أنّ الجيش قد دنا وقرُب من مكّة، بل يمكن أن يكون الجيش قد خرج من مكةّ وقرُب من المدينة بعد وصول النبيّ (ص) إليها، فيكون الإمام عليه السلام قد التحق بالجيش بعد خطبة الغدير، ورجع بهم إلى المدينة، وكان النبي (ص) قد دخلها قبلهم. ويشهد على هذا السياق ما أخرجه البيهقي نفسه في الدلائل كما تقدّم، بسند صحيح من طريق أبي سعيد الخدري، قال: «بعث رسولُ الله (ص) عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت ممّن خرج معه، فلمّا أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا، فكنّا قد رأينا في إبلنا خللاً، فأبى علينا. . . قال: فلمّا قدمنا المدينة غدوتُ إلى رسول الله (ص) أريد أن أفعل ما


1- اُنظر: تهذيب الكمال، ج ٢4 ، ص 4٢٢ ؛ تهذيب التهذيب، ج ٩ ، ص ٣٨ .

ص:١4٧ 

كنتُ حلفت عليه، فلقيتُ أبا بكر خارجاً من عند رسول الله (ص) ، فوقف معي ورحّب بي وسألني وسألته، وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله (ص) ، فدخل فقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: (ايذَن لَهُ) ، فدخلت فحيّيت رسول الله (ص) ، وجاءني وسلّم عليّ وسألني عن نفس-ي وعن أهلي فأحفى المسألة، فقلت له: يا رسول الله، ما لقينا من عليّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فانتبذ رسول الله (ص) ، وجعلتُ أنا أُعدّد ما لقينا منه، حتّى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله (ص) على فخذي - وكنت منه قريباً - ثم قال: (سَعدَ بن مالِكٍ الشّهيدِ! مَه بَعضَ قَولِكَ لِأَخيكَ عَلِيٍّ، فَوَالله! لَقَد عَلِمتُ أنَّهُ أخشَنُ في سَبيلِ الله)»(1). فهذا الحديث صريح الدلالة على وقوع الشكوى في المدينة، وأنّ رسول الله (ص) قد خطب فيهم في غدير خمّ قبل وقوع الشكوى. وسنده معتبر، وقد صحّحه ابن كثير أيضاً، حيث قال بعد أن نقل هذا الحديث عن دلائل البيهقي كما تقدّم: «وهذا إسناد جيّد، على شرط النسائي»(2). فالقرينة الحالية الدخيلة في بيان معنى الموالاة في الحديث إذن هي تلك التي أوردها الثقات من رواة حديث الغدير كما تقدّم، وليست تلك القرينة الركيكة التي اعتمدها البيهقي وابن كثير؛ إذ إنّ رواية ابن ركانة التي اعتمداها في فهم دواعي حديث الغدير ضعيفة سنداً ومضموناً، ولا توجد أيّ قرينة أو شاهد على التصوير والفهم الذي ذكراه للحديث، بل الشاهد على خلافه؛ وهو دلالة رواية أبي سعيد الخدري على وقوع الشكوى في المدينة كما ذكرنا. ولعلّه لأجل هذه الجهة قال ابن كثير في تصوير القصّة: «فلذلك - والله أعلم - لمّا رجع رسول الله (ص) من حجّته. . .»(3)، فهو لم يتثبّت من صحّة ما يقوله، وإنّما ذكر ذلك


1- دلائل النبوّة، توثيق وتخريج وتعليق: د عبد المعطي قلعجي، ج 5 ، صص ٣٩٨  و  ٣٩٩ .
2- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ١٢٢ ؛ السيرة النبوية، ج 4 ، ص ٢٠5 .
3- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ١٢٣ .

ص:١4٨ 

على نحو الاحتمال. ومن الغريب اعتماد البيهقي في كتابه (الاعتقاد) على رواية ابن ركانة الضعيفة، وإعراضه عن رواية أبي سعيد الخدري المعتبرة! والأغرب من ذلك إعراض ابن كثير عن رواية البيهقي من طريق أبي سعيد الخدري بالرغم من تصحيحه لها، حيث قال: «وهذا إسناد جيّد» ، واعتماده رواية ابن ركانة من طريق ابن إسحاق، بالرغم من عدم تصحيحه لسندها وسكوته عنه، واكتفائه بتقوية سياقها قياساً برواية ابن ركانة من طريق أبي الفضل التي اعتمدها البيهقي! قال ابن كثير في سيرته كما تقدّم: «قلت: هذا السياق [يعني سياق ما أخرجه من رواية ابن ركانة من طريق ابن إسحاق] أقرب من سياق البيهقي [يعني سياق ما أخرجه البيهقي من رواية ابن ركانة من طريق أبي الفضل]، وذلك أنّ عليّاً سبقهم لأجل الحجّ، وساق معه هدياً، وأهلّ بإهلال النبيّ (ص) . . . والمقصود أنّ عليّاً لمّا كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش؛ بسبب منعه إيّاهم استعمالَ إبلِ الصدقة واسترجاعه منهم الحُلل التي أطلقها لهم نائبه، وعليٌّ معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه من الحجيج، فلذلك - والله أعلم - لمّا رجع رسول الله (ص) من حجّته، وتفرّغ من مناسكه ورجع إلى المدينة، فمرّ بغدير خمّ، قام في الناس خطيباً فبرّأ ساحة عليٍّ ورفع قدره ونبّه على قدره»(1).

4-المناقشة الثالثة

إنّ هناك روايات صحيحة السند وصريحة الدلالة على وقوع الشكوى في المدينة، وذلك بعد رجوع رسول الله (ص) من حجّة الوداع، فقد أخرج محدّثو السنّة وحفّاظهم أنّ رسول الله (ص) قد بعث الإمام عليه السلام إلى اليمن في أواخر السنة العاشرة من الهجرة


1- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ١٢٣ .

ص:١4٩

 لجباية الصدقات؛ ومنها ما أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه (السنّة) بسنده عن أبي سعيد، قال: «قال عليٌّ: أتيتُ رسولَ الله (ص) بذَهبةٍ وتُربَتِها - وكان بعثهُ إلى اليمنِ مُصَدّقاً - فقال: اِقسِمها بينَ أربعةٍ؛ بين الأقرعِ بن حابس، وزيدٍ الطّائِي، وعُيَينةَ بنِ حصنٍ الفزاريّ، وعلقمةَ بنِ علاثة العامريّ. فقام رجل غائرُ العينين، ناتئُ الجبين، م-شرفُ الجبهة، محلوقٌ، فقال: والله ما عدلت، فقال: (وَيلَكَ، مَن يَعدِلُ إذا لَم أعدل؟ ! إنَّما أَتَألَّفُهُم)» (1). وقال الألباني في حكمه على الحديث: «حديث صحيح مرفوعاً، والموقوف منه منكر، ورجال إسناده ثقات، غير الجرّاح بن مليح؛ وهو الرؤاسي والد وكيع، وهو وإن كان أخرج له مسلم، ففيه كلام كثير، وقد لخّصه الحافظ في التقريب بقوله: صدوق، يَهِم، فمثله قد يحسن حديثه لا سيما عند المتابعة»(2). وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق أبي سعيد الخدري كما تقدّم، قال: «بعث رسولُ الله (ص) عليَّ بن أبي طالب إلى اليمن، قال أبو سعيد: فكنت ممن خرج معه، فلمّا أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريحَ إبلَنا، فكنّا قد رأينا في إبلنا خللاً، فأبى علينا، وقال: (إنَّما لَكُم مِنها سَهمٌ كَما لِلمُسلِمينَ) ، قال: فلما فرغ عليٌّ وانطلق من اليمن راجعاً، أمّر علينا إنساناً وأسرع هو فأدرك الحجّ، فلمّا ق-ضى حجّته قال له النبيّ (ص) : (ارجِع إلى أصحابِكَ حَتّى تَقدمَ عَلَيهِم) . قال أبو سعيد: وقد كنّا سألنا الذي استخلفه ما كان عليٌّ منعَنا إيّاه ففعل، فلمّا جاء عرف في إبل الصدقة أن قَد رُكبت، رأى أثر المَركب، فذمّ الذي أمّره ولامَه، فقلت: أنا إن شاء الله إن قدمت المدينة لأذكرنّ لرسول الله (ص) ولأُخبرنّهُ ما لقينا من الغلظة والتضييق، قال: فلمّا قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله (ص) أُريد أن أفعل ما كنتُ


1- كتاب السنّة ومعه ظلال الجنّة في تخريج السنّة للألباني ، ص ٣٩5 .
2- المصدر نفسه، ص ٣٩6 .

ص:١5٠

 حلفت عليه، فلقيتُ أبا بكرٍ خارجاً من عند رسول الله (ص) فوقف معي ورحّب بي وسألني وسألته، وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة. فرجع معي إلى رسول الله (ص) ، فدخل فقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: (ايذَن لَهُ) ، فدخلت فحيّيت رسول الله (ص) وجاءني وسلّم عليّ وسألني عن نفس-ي وعن أهلي، فأحفى المسألة، فقلت له: يا رسول الله، ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، فانتبذ رسول الله (ص) ، وجعلتُ أنا أُعدّد ما لقينا منه، حتّى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله (ص) على فخِذي - وكنت منه قريباً - ثمّ قال: (سعدَ بنَ مالكٍ الشهيدِ! مَه بَعضَ قَولِكَ لِأَخيكَ عَلِيٍّ، فَوَالله لَقَد عَلِمتُ أنَّهُ أخشَنُ في سَبيلِ الله) ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أُمّك سعدَ بن مالك! ألا أراني كنتُ فيما يكره منذ اليوم وما أدري؟ ! لا جرم والله لا أذكره بسوء أبداً سرّاً ولا علانيةً» (1). وسند هذا الحديث معتبر، كما اعترف بذلك ابن كثير، فهو بعد أن نقل هذا الحديث عن البيهقي في الدلائل، قال: «وهذا إسناد جيّد، على شرط النسائي، ولم يروِه أحد من أصحاب الكتب الستّة»(2). وقد تضمّن هذا الحديث عدّة أُمور، أهمّها: أ - إنّ خروج عليّ عليه السلام إلى اليمن، كان لجباية الصدقات، والشاهد على ذلك قول أبي سعيد الخدري: «فلمّا أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا» ، وقوله: «فلمّا جاء عرف في إبل الصدقة أن قد ركبت» . ب - إنّ هذا الحديث لم يتضمّن خروج جيشٍ مع الإمام عليه السلام إلى اليمن، وإنّما بعث النبي (ص) مجموعةً من أصحابه معه عليه السلام لجلب الصدقات. ج - إنّ هذا الخروج هو الذي التحق فيه الإمام عليه السلام برسول الله (ص) لأداء مناسك الحجّ في حجّة الوداع، فأدرك الحجّ مع النبي (ص) .


1- دلائل النبوّة، توثيق وتخريج وتعليق: د عبد المعطي قلعجي، ج 5 ، صص ٣٩٨  و  ٣٩٩ .
2- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ١٢٢ ؛ السيرة النبوية، ج 4 ، ص ٢٠5 .

ص:١5١ 

د - إنّ أصحاب الإمام عليه السلام الذين كانوا معه في اليمن لم يُدركوا الحجّ مع النبي (ص) في مكّة المكرّمة، بقرينة قول الراوي: «فلمّا ق-ضى حجّته، قال له النبيّ (ص) : (ارجِع إلى أصحابِكَ حَتّى تَقدمَ عَلَيهِم)» . كما أنّ في الحديث دلالةً واضحة على أنّ الذين كانوا في بعثة اليمن لم يروا النبي (ص) إلّا في المدينة، وذلك بقرينة قول الراوي: «فلقيتُ أبا بكر خارجاً من عند رسول الله (ص) ، فوقف معي ورحّب بي وسألني وسألته، وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله (ص) ، فدخل فقال: هذا سعد بن مالك بن الشهيد، قال: (ايذَن لَهُ) ، فدخلت فحيّيت رسولَ الله (ص) ، وجاءني وسلّم عليّ وسألني عن نفسي وعن أهلي فأحفى المسألة» . فإنّ ترحيب أبي بكر ووقوفه مع سعد بن مالك ومسألته عن وقت قدومه من اليمن، واضح الدلالة في عدم التقائهما ببعضٍ منذ فترة طويلة، ولو كان سعد بن مالك حاضراً في حجّة الوداع لكان أبو بكر قد رآه في ذلك الحين. وهكذا نجد أنّ النبيّ (ص) قد رحّب بسعد وسأله عن نفسه وأهله وأحفى المسألة، وهذا يكشف أيضاً عن أنّ النبيّ (ص) لم يرَ سعداً من زمن بعيد، وهذا لا ينسجم مع حضور سعد في حجّة الوداع وفي المسير مع النبي (ص) من مكّة إلى المدينة. ه - إنّ الإمام عليه السلام عندما عاد إلى أصحابه الذين كانوا معه في اليمن أقفل بهم راجعاً إلى المدينة، بقرينة ما تقدّم في النقطة السابقة من أنّ سعد بن مالك لم يرَ النبي (ص) إلّا في المدينة، وبقرينة قول سعد بن مالك: «فلمّا قدمنا المدينة غدوتُ إلى رسول الله (ص)» ، فإنّ سياق الحديث واضحٌ في أنّ بعثة اليمن لم تقدم على النبيّ (ص) في مكّة، وإنّما قدموا عليه وهو في المدينة، حيث قال الراوي: «فلمّا قدمنا المدينة» والضمير في قوله: «قدمنا» يعود على الجماعة التي كانت مع عليّ عليه السلام في البعثة، وهذا يكشف عن أنّ التحاق الإمام عليه السلام بأصحابه كان بعد واقعة الغدير؛ لأنّه عليه السلام كان موجوداً باتّفاق الفريقين في واقعة الغدير، فرجوعه بأصحابه إلى المدينة بعد حجّة الوداع لا يمكن أن يكون إلّا بعد

ص:١5٢

خطبة الغدير. و - إنّ شكوى أصحاب الإمام عليه السلام عند رسول الله (ص) كانت في المدينة، بعد رجوع النبي (ص) من حجّة الوداع، والشاهد على ذلك قول الراوي: «أنا إن شاء الله إن قدمت المدينة لأذكرنّ لرسول الله (ص) ولأُخبرنّه ما لقينا من الغلظة والتضييق، قال: فلمّا قدمنا المدينة غدوتُ إلى رسول الله (ص) أُريد أن أفعل ما كنت حلفتُ عليه» ، وقول الراوي: «قدمنا المدينة» كما تقدّم يعود على الجماعة التي كانت مع عليّ عليه السلام في البعثة، فالشكوى لم تصدر منهم إلّا في المدينة. س - إنّ خروج الإمام عليه السلام إلى اليمن ورجوعه بأصحابه إلى المدينة كان في أواخر السنة العاشرة من الهجرة؛ أي: في شهر ذي الحجّة، وهو الشهر الأخير من تلك السنة، وهذا يعني تزامنه مع الفترة التي كان فيها معاذ بن جبل قاضياً في اليمن. والحاصل: أنّ النبيّ (ص) - بحسب هذا الحديث المعتبر - بعث الإمام عليه السلام في السنة العاشرة من الهجرة لجباية الصدقات مع مجموعة من أصحابه، ثمّ التحق عليه السلام بالنبيّ (ص) في مكّة المكرّمة لأداء مناسك الحجّ، وذلك بعد أن جعل على أصحابه أميراً، وكان أصحابُه قد طلبوا منه التصرّف في إبل الصدقات، فأبى عليه السلام ذلك، وقال: «إنَّما لَكُم مِنها سَهمٌ كَما لِلمُسلِمينَ» ، وبعد ذهاب عليّ عليه السلام إلى الحجّ أعطى خليفتُه إبلَ الصدقة إلى القوم فركبوها، فلمّا رجع إليهم عليٌّ عليه السلام ورأى أثرَ المركب في إبل الصدقات ذمّ الذي أمّره ولامه، وأقفل بهم راجعاً إلى المدينة في الشهر الأخير من السنة العاشرة، فاشتكى بعضُ من كان معه إلى رسول الله (ص) في المدينة بعد حجّة الوداع، فأجابه النبي (ص) قائلاً: «مَه بَعضَ قَولِكَ لِأَخيكَ عَلِيٍّ! فَوَالله لَقَد عَلِمتُ أنَّهُ أخشَنُ في سَبيلِ الله» . ومعنى ذلك أنّ الشكوى لم تقع إلّا في المدينة بعد حجّة الوداع. وممّا يؤيّد ذلك هو أنّ رسول الله (ص) لم يبعث الإمام عليه السلام لليمن من أجل جبي الصدقات إلّا مرةً واحدة هي تلك التي حصلت في السنة العاشرة للهجرة قبل حجّة الوداع، والناظر في الأحاديث الصحيحة والمعتبرة في كتب أهل السنّة يجد أنّ الإمام عليه السلام

ص:١5٣ 

ذهب إلى اليمن أكثر من مرّة: المرّة الأُولى: ذهب إلى اليمن داعياً إلى الإسلام، وخاض الجيش الإسلامي بقيادته عليه السلام معركةً مع بعض قبائل اليمن، دخلت على إثرها قبيلةُ همدان في الإسلام طواعية، وقال النبي (ص) في حقّهم: «السَّلامُ عَلى هَمدانَ، السَّلامُ عَلى هَمدانَ»(1). وفي هذا الخروج ذهب بريدة إلى النبي (ص) في المدينة بتوصيةٍ من خالد بن الوليد ليشكو عليّاً عليه السلام، فردّه النبي (ص) ، وبيّن فضلَ عليٍّ عليه السلام، وأمضى ما فعله في قصّة الجارية، كما سوف يتّضح. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن البراء، قال: «بعثنا رسولُ الله (ص) مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثمّ بعث عليّاً بعد ذلك مكانه، فقال: (مُر أصحابَ خالِدٍ مَن شاءَ مِنهُم أن يُعَقِّبَ مَعَكَ فَليُعَقِّب، ومَن شاءَ فَليُقبِل) ، فكنت فيمن عقّب معه، قال: فغنمت أواقٍ ذوات عدد»(2). ثمّ أخرج البخاري هذه القصّة بنحو آخر عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، قال: «بعث النبيُّ (ص) عليّاً إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليّاً، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلمّا قدمنا على النبيّ (ص) ذكرتُ له ذلك، فقال: (يا بُرَيدَةُ، أتُبغِضُ عَلِيّاً؟) فقلت: نعم، قال: (لا تُبغِضه، فَإِنَّ لَهُ فِي الخُمسِ أكثَرَ مِن ذلِكَ)»(3). وقد أخرج الذهبي قصّة بعث اليمن بنحوٍ آخر عن البراء، قال: «إنّ النبيّ (ص) بعث خالدَ بن الوليد إلى اليمن، يدعوهم إلى الإسلام، فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا ستّة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثمّ إنّ النبيّ (ص) بعث عليّاً رضي الله عنه، فأمره أن يقفل خالد، إلّا رجل كان يُمِّم مع خالدٍ أحبّ أن


1- تاريخ الإسلام، ج ٢ ، صص 6٩٠  و  6٩١ .
2- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ٩٨ .
3- المصدر نفسه، ح 4٢5٧ .

ص:١54 

يُعقِّبَ مع عليٍّ فليعقِّب معه، فكنت فيمن عقّب مع عليّ، فلمّا دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلّى بنا عليٌّ، ثمّ صفّنا صفّاً واحداً، ثمّ تقدّم بين أيدينا وقرأ عليهم كتابَ رسول الله (ص) ، فأسلمَت همدانُ جميعاً، فكتب عليٌّ إلى رسول الله، فلمّا قرأ الكتاب خرّ ساجداً، ثمّ رفع رأسه، فقال: السَّلامُ عَلى هَمدانَ، السَّلامُ عَلى هَمدانَ» ، ثمّ قال الذهبي: «هذا حديث صحيح، أخرج البخاري بعضه بهذا الإسناد»(1). وفي مسند أحمد، عن بريدة، قال: «أبغضتُ عليّاً بغضاً لم يبغضه أحد قطّ، قال: وأحببت رجلاً من قريش لم أُحبّه إلّا على بغضه عليّاً، قال: فبُعث ذلك الرجل على خيل فصحِبته، ما أصحبُه إلّا على بغضِه عليّاً، قال: فأصَبنا سبياً، قال: فكتب إلى رسول الله (ص) : ابعث إلينا من يخمّسه، قال: فبعث إلينا عليّاً، وفي السبي وصيفة هي أفضل من في السبي، فخمّس وقسّم، فخرج ورأسه مغطّى، فقلنا: يا أبا الحسن ما هذا؟ قال: (ألَم تَرَوا إلى الوَصيفَةِ الَّتي كانَت فِي السَّبيِ، فَإِنّي قَسَّمتُ وخَمَّستُ فَصارَت فِي الخُمسِ، ثُمَّ صارَت في أهلِ بَيتِ النَّبِيِّ (ص) ، ثُمَّ صارَت في آلِ عَلِيٍّ، ووَقَعتُ بها) ، قال: فكتب الرجل إلى نبيّ الله (ص) ، فقلت: ابعثني، فبعثَني مصدِّقاً، قال: فجعلتُ أقرأ الكتاب وأقول: صدق، قال: فأمسك يديّ والكتابَ، وقال: (أتُبغِضُ عَلِيّاً؟) قال: قلت: نعم، قال: (فَلا تُبغِضهُ، وإن كُنتَ تُحِبُّهُ فَازدَد لَهُ حُبّاً، فَوَالَّذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَنَصيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الخُمسِ أفضَلَ مِن وَصيفَةٍ)»(2). وأخرج أحمد في المسند، والنسائي في السنن والخصائص، عن بريدة - اللفظ لأحمد - قال: «بعث رسولُ الله (ص) بعثَين إلى اليمن، على أحدهما عليّ بن أبي طالب، وعلى الآخر  


1- تاريخ الإسلام، ج ٢ ، صص 6٩٠ و  6٩١ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ١6 ، صص 4٨٣  و  4٨4 ، وقال حمزة أحمد الزين في حكمه على الحديث: «إسناده صحيح» ؛ السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١٣٣ ؛ خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، النسائي، ص ٨٠ .

ص:١55 

خالد بن الوليد، فقال: (إذَا التَقَيتُم فَعَلِيٌّ عَلى النّاسِ، وإنِ افتَرَقتُما فَكُلُّ واحِدٍ مِنكُما عَلى جُندِهِ) ، فلقينا بني زيد (زبيد) من أهل اليمن فاقتتلنا، فظهرَ المسلمون على الم-شركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرّيّة، فاصطفى عليٌّ امرأةً من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله (ص) يخبره بذلك، فلمّا أتيتُ النبيّ (ص) دفعتُ الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضبَ في وجه رسول الله (ص) ، فقلت: يا رسول الله! هذا مكان العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أُطيعَه، ففعلتُ ما أُرسلت به، فقال رسول الله (ص) : لا تقَعَ في عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ مِنّي وأنَا مِنهُ، وهُوَ وَلِيُّكُم بَعدي، وإنَّهُ مِنّي وأنَا مِنهُ وهُوَ وَليُّكُم بَعدي)»(1). قال الهيثمي في زوائده: «رواه أحمد والبزّار باختصار، وفيه الأجلح الكندي، وثّقه ابن معين وغيره، وضعّفه جماعة، وبقيّة رجال أحمد رجال الصحيح»(2). وأخرج الطبراني هذا الحديث بسنده بلفظ آخر، عن بريدة، قال: «بعث رسول الله (ص) عليّاً أميراً على اليمن، وبعث خالدَ بن الوليد على الجبل، فقال: (إنِ اجتَمَعتُما فَعَلِيٌّ عَلى النّاسِ) ، فالتقوا وأصابوا من الغنائم ما لم يصيبوا مثله، وأخذ عليٌّ جاريةً من الخُمس، فدعا خالد بن الوليد بريدة، فقال: اغتنمها فأخبر النبيَّ (ص) بما صنع، فقدِمت المدينةَ ودخلت المسجد ورسول الله (ص) في منزله، وناس من أصحابه على بابه، فقالوا: ما الخبر يا بريدة؟ فقلت: خير، فتح الله على المسلمين، فقالوا: ما أقدمك؟ قال: جارية أخذها عليٌّ من الخمس، فجئت لأُخبر النبيّ (ص) ، قالوا: فأخبره، فإنّه يُسقطه من عين رسول الله (ص) ، ورسول الله (ص) يسمع الكلام، فخرج مغضباً، وقال : (ما بالُ أقوامٍ يَنتقِصونَ عَليّاً؟ ! مَن يَنتَقِصُ عَلِيّاً فَقَدِ انتَقَصَني)»(3). هذه هي قصّة غزوة اليمن، وهي تتكلّم عن دخول قبيلة همدان إلى الإسلام طوعاً،


1- مسند أحمد بن حنبل، ص 4٨6 ، وقال حمزة أحمد الزين في حكمه على الحديث: «إسناده صحيح» .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٢٨ .
3- المعجم الأوسط، ج 6 ، ص ١6٢ .

ص:١56

 ووقوع القتال بين بني زيد أو (زبيد)(1)وجيش المسلمين، وانتصار المسلمين عليهم، وحصولهم على غنائم وسبايا، فاصطفى عليٌّ عليه السلام امرأةٌ من السبي وقعت في خُمس آل علي عليهم السلام، فبات معها ليلته، ولمّا علم خالد بن الوليد بالأمر اغتاض واستنكر ما قام به عليّ عليه السلام، فكتب بذلك كتاباً إلى النبيّ (ص) ، وبعثه مع بريدة - الذي كان يُبغض عليّاً عليه السلام بغضاً شديداً - فلمّا بلغ بكتابه النّبيّ (ص) ، انتهره وأمره أن لا يقع في عليّ عليه السلام ولا يبغضه؛ لأنّ حصّة آل عليّ عليهم السلام في الخُمس أكثر من ذلك، ثمّ أثبت لعليّ عليه السلام مقامَ الولاية على المسلمين بقوله: «فَإِنَّهُ مِنّي وأنا مِنهُ، وهُوَ وَلِيُّكُم بَعدي» . وهذه القصّة على اختلاف ألفاظها وأحداثها لم تتضمّن - كما هو واضح - أيّ إشارة إلى حجّة الوداع، وليس فيها أيّ دلالة على أنّ عليّاً عليه السلام التحق بالنبيّ (ص) في مكّة المكرّمة، أو أنّ جيش اليمن وصل إلى ذلك المكان، فلا معنى للقول بأنّ هذه الشكوى من الجيش الغازي هي التي دعت النبيّ (ص) لأن يجمع الناس في تلك الظروف القاسية والحرّ الشديد، ويخطب فيهم عند رجوعه من الحجّ في غدير خمّ، لكي يدفع عن عليّ عليه السلام «القيل والقال من ذلك الجيش»(2). ويدعم ذلك أيضاً ما تقدّم من كلام بريدة فيما أخرجه الطبراني، حيث قال: «فقدمتُ المدينةَ، ودخلت المسجد، ورسول الله في منزله، وناس من أصحابه على بابه» وهذا يكشف عن أنّ غزوة اليمن وشكوى بريدة لم تتزامن مع حجّة الوداع، ولاعلاقة لها بواقعة الغدير، بل الشكوى وقعت في المدينة، وقد أجاب النبيّ (ص) من انتقص علياً بقوله: «مَن يَنتَقِصُ عَلِيّاً فَقَدِ انتَقَصَني» وانتهى الأمر. ومن هنا نجد أنّ البيهقي وابن كثير وغيرهما لم يستندوا في زعمهم إلى شكوى بريدة، التي أخرجها البخاري وغيره بأسانيد صحيحة، وإنّما استندوا في إثبات


1- وزبيد: بطن من قبيلة مذحج يسكنون اليمن. اُنظر: الإنباه على قبائل الرواة، ابن عبد البر، ص ١٠5 .
2- البداية والنهاية، ج 5 ، ص ١٢٣ .

ص:١5٧ 

دعواهم إلى روايات أُخرى ضعيفة لا علاقة لها بغزوة اليمن وشكوى بريدة، كما تقدّم وسيأتي بعضٌ آخر منها. المرّة الثانية: بعث النبيّ (ص) الإمام عليه السلام إلى اليمن للقضاء بينهم بعد أن دخلوا الإسلام، فتوجّه عليّ عليه السلام للحكم والقضاء في تلك البلاد، وهناك روايات كثيرة وصحيحة دلّت على ذلك، وأنّ النبيّ (ص) قد بعث الإمام عليه السلام إلى اليمن قاضياً، فقد أخرج أحمد في مسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «بَعَثَني رَسولُ الله (ص) إلى اليَمَنِ، قالَ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، تَبعَثُني إلى قَوم أسَنَّ مِنّي، وأنَا حَديثٌ لا أُبصرُ القَضاءَ؟ قال: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدري، وقال: اللّهُمَّ ثَبِّت لِسانَهُ واهدِ قَلبَهُ، يا عَلِيُّ، إذا جَلَسَ إلَيكَ الخَصمانِ فَلا تَقضِ بَينَهُما حَتّى تَسمَعَ مِنَ الآخَرِ كَما سَمِعتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إذا فَعَلتَ ذلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ القَضاءُ، قالَ: فَمَا اختَلَفَ عَلَيَّ قَضاءٌ بَعدُ - أو: ما أشكَلَ عَلَيَّ قَضاءٌ بَعدُ -»(1). وأخرج أحمد أيضاً في مسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «بَعَثَني رَسولُ الله (ص) إلى اليَمَنِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ الله، إنَّكَ تَبعَثني إلى قَومٍ هُم أسَنُّ مِنّي لِأَقضِيَ بَينَهُم، قال: اِذهَب، فَإِنَّ اللهَ تَعالى سَيُثَبِّتُ لِسانَكَ ويَهدي قَلبَكَ»(2). وأخرج ابن ماجة في سننه عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «بَعَثَني رَسولُ الله (ص) إلى اليَمَنِ، فَقُلتُ: يا رَسولَ الله، تَبعَثُني وأنا شابٌّ أقض-ي بَينَهُم ولا أدري ما القَضاءُ؟ قالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدري، ثُمَّ قالَ: اللّهُمَّ اهدِ قَلبَهُ، وثَبِّت لِسانَهُ، قالَ: فَما شَكَكتُ بَعدُ في قَضاءٍ بَينَ اثنَينِ» . قال الألباني في حكمه على الحديث: «صحيح»(3).


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، صص 544  و  545 ، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في حكمه على الحديث: «إسناده صحيح»
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، صص 45٨  و  45٩ ، وقال الشيخ أحمد محمّد شاكر في حكمه على الحديث: «إسناد صحيح» .
3- سنن ابن ماجة، تحقيق: الألباني، ج ٢ ، ص 5٢٠ .

ص:١5٨ 

هذه هي قصّة خروج أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن قاضياً، ولا علاقة لها أيضاً بحجّة الوداع، ولا ذكر لمكّة المكرّمة فيها، وليس فيها جيش، ولا تتضمّن أيّ نحوٍ من أنحاء الشكاية أو الاعتراض على عليٍّ عليه السلام، فلا يمكن الاستشهاد بهذه القصّة أيضاً لدعم الشبهة التي أثارها البيهقي وابن كثير حول حديث الغدير. ولعلّ هذا الخروج الثاني لأمير المؤمنين عليه السلام جاء بعد فتح اليمن، ودخول جملة من قبائلها في الإسلام؛ إذ لا معنى لأن يبعث النبيُّ (ص) عليّاً عليه السلام إلى بلاد الكفر ليقضي بينهم بحكم الإسلام. ونفهم من ذلك أنّ غزوة اليمن المتقدّمة كانت سابقةً زماناً على خروج عليّ عليه السلام للقضاء بين قبائل اليمن، وكان هذا الخروج أيضاً سابقاً على خروج معاذ بن جبل إلى اليمن في السنة العاشرة قاضياً؛ لأنّ النبيّ (ص) قد بعثه بهذه المهمّة ولم يرجع منها إلى المدينة إلّا والنبيّ (ص) قد توفّي. أمّا بالنسبة إلى ذهاب معاذ إلى اليمن قاضياً فيدلّ عليه ما أخرجه أحمد في مسنده، عن معاذ، قال: «إنّ رَسولَ الله (ص) حينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ، فَقال: ( كَيفَ تَصنَعُ إن عَرَضَ لَكَ قَضاءٌ؟) قال: أقض-ي بما في كتاب الله، قال: (فَإِن لَم يَكُن في كِتابِ الله؟) قال: فبسنّة رسول الله (ص) ، قال: (فَإِن لَم يَكُن في سُنَّةِ رَسولِ الله؟) قال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب رسول الله (ص) صَدري، ثمّ قال: (الحَمدُ لله الَّذي وَفَّقَ رَسولَ رَسولِ الله لِما يُرضى رَسولَ الله)»(1). وقال ابن كثير حول سند هذا الحديث: «وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد»(2). ويدلّ على ذلك أيضاً ما أخرجه ابن ماجة في سننه، عن معاذ بن جبل، قال:


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٢٣٠ .
2- تفسير ابن كثير، ج ١ ، ص 4 .

ص:١5٩ 

«لمّا بعثني رسولُ الله (ص) إلى اليمن قال: (لا تَقضِيَنَّ ولّا تَفصِلَنَّ إلّا بِما تَعلَمُ، وإن أشكَلَ عَلَيكَ أمرٌ فَقِف حَتّى تَبَيَّنَهُ أو تَكتُبَ إلَيَّ فيهِ)»(1). وأمّا بالنسبة إلى كون ذهاب معاذ إلى اليمن في أواخر السنة العاشرة للهجرة، فيدلّ عليه ما أخرجه أحمد أيضاً في مسنده بأسانيد متعدّدة، عن معاذ بن جبل، قال: «لمّا بعثه رسولُ الله (ص) إلى اليمن، خرج معه رسولُ الله (ص) يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله (ص) يمشي تحت راحلته، فلمّا فرغ قال: (يا مَعاذُ، إنَّكَ عَسى أن لا تَلقاني بَعدَ عامي هذا، أو لَعَلَّكَ أن تَمُرَّ بِمَسجِدي هذا أو قَبري) ، فبكى معاذ جشعاً لفراق رسول الله (ص) ، ثمّ التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: (إنَّ أولى النّاسِ بِيَ المُتَّقونَ، مَن كانوا وحَيثُ كانوا)»(2). قال الهيثمي في الزوائد: «رواه أحمد بإسنادين. . . ورجال الإسنادين رجال الصحيح، غير راشد بن سعد، وعاصم بن حميد، وهما ثقتان»(3). وهذا يكشف عن أسبقيّة قضاء عليّ عليه السلام على قضاء معاذ، كما أنّه يكشف أيضاً عن أنّ خروج عليّ عليه السلام لجباية الأموال في أواخر السنة العاشرة - كما سيأتي لاحقاً - كان متزامناً مع الفترة التي كان فيها معاذ بن جبل قاضياً في اليمن. المرّة الثالثة: خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن لجباية الأموال والصدقات، وقد كان معاذ بن جبل في تلك الفترة قاضياً في اليمن، حيث بعثه النبيّ (ص) للقضاء في السنة العاشرة من الهجرة، وهذا ما يكشف عن أسبقيّة قضاء الإمام عليه السلام في اليمن، كما يكشف أيضاً عن أسبقيّة الغزوة التي تمّ على ضوئها فتح اليمن ودخول أهلها في الإسلام. وفي هذا الخروج الثالث جعل الإمام عليه السلام أميراً على أصحابه، وأقفل راجعاً إلى مكّة، حيث التحق بالنبيّ (ص) في حجّة الوداع وأتمّ الحجّ معه، وأمّا أصحابُه الذين كانوا معه


1- سنن ابن ماجة، ج ١ ، ص ٢١ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٢5٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ٢٢ .

ص:١6٠ 

في جباية الصدقات فلم يُدركوا النبيّ (ص) إلّا وهو في المدينة، فأبدى بعضُهم الشكايةَ على أمير المؤمنين عليه السلام، فزجرهم النبيّ (ص) وأمرهم ألّا ينتقصوا الإمام عليه السلام، كما تقدّم. وأمّا الروايات التي قد يُعتمد عليها لإثبات ما تقدّم من زعم البيهقي وابن كثير من أنّ شكوى أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام قد وقعت في مكّة المكرّمة، فلا يمكن الاعتماد عليها في الاستدلال على ذلك؛ لضعف إسنادها، وعدم وضوح دلالتها، وهذه إشارة مختصرة إليها:  ١ - قال الواقدي في (المغازي) : «فحدّثني عمرُ بن محمّد بن عمر بن عليّ، عن أبيه، قال: وجمع عليٌّ عليه السلام ما أصاب من تلك الغنائم فجزّءها خمسة أجزاء - إلى أن قال: - قال أبو سعيد الخدري - وكان معه في تلك الغزوة -: وكان عليٌّ عليه السلام ينهانا أن نركب على إبل الصدقة، فسأل أصحابُ عليّ عليه السلام أبا رافع أن يكسوهم ثياباً فكساهم ثوبين ثوبين. فلمّا كانوا بالسدرة داخلين مكّة، خرج عليٌّ عليه السلام يتلقّاهم ليقدم بهم فينزلهم، فرأى على أصحابنا ثوبين ثوبين على كلّ رجل، فعرف الثياب، فقال لأبي رافع: (ما هذا؟) قال: كلّموني ففرقت من شكايتهم، وظننت أنّ هذا يسهل عليك، وقد كان من كان قبلك يفعل هذا بهم، فقال: (رَأَيتَ إبائي عَلَيهِم ذلِكَ! وقَد أعطَيتَهُم وقَد أمَرتُكَ أن تَحتَفِظَ بِما خَلَّفتُ، فَتُعطيهِم؟ !) قال: فأبى عليٌّ عليه السلام أن يفعل ذلك حتّى جرّد بعضَهم من ثوبيه، فلمّا قدموا على رسول الله (ص) شكَوا، فدعا عليّاً، فقال: (ما لِأَصحابِكَ يَشكونَكَ؟) فقال: (ما أشكيتهم، قَسَّمتُ عَلَيهِم ما غَنِموا، وحَسبتُ الخُمسَ، حَتّى يَقدمَ عَلَيكَ وتَرى رَأيَكَ فيهِ، وقَد كانَتِ الأُمَراءُ يَفعَلونَ أُموراً يَنفلونَ من أرادوا مِنَ الخُمسِ، فَرَأَيتُ أن أحمِلَهُ إلَيكَ لِتَرى فيهِ رَأيَكَ) ، فسكت النبيُّ (ص)»(1). وهذه الرواية سندها ضعيف جدّاً، فإنّ عمر بن محمّد بن عمر بن عليّ مجهول،


1- المغازي، الواقدي، ج ٣ ، صص ١٠٨٠  و  ١٠٨١ .

ص:١6١ 

لم يرد له أيّ مدح أو توثيق في كتب الرجال السنّية، بل لم يرد له أيّ ذكر في كتب الرجال المعتمدة، مضافاً إلى ضعف الرواية من جهة إرسالها؛ فإنّ محمّد بن عمر بن عليّ وإن كان ثقة صدوقاً، إلّا أنّ رتبته من الطبقة السادسة الذين عاصروا صغار التابعين، فهو لم يلتقِ الصحابة ولا كبار التابعين، فلا يمكنه أن ينقل حادثة وقعت في زمن النبيّ (ص) مباشرة، ولذا قال ابن حجر في التقريب: «صدوق من السادسة، وروايته عن جدّه مرسلة»(1)، فكيف إذا كانت روايته بالمباشرة؟ ! ويضاف إلى ذلك: أنّ الرواية تضمّنت إرباكاً شديداً وخلطاً واضحاً بين الوقائع التاريخية، ونشير فيما يلي إلى جملة من تلك الموارد: أ - إنّ هذه الرواية تشير إلى أنّ عليّاً عليه السلام قد ذهب إلى اليمن في خروجه الثالث غازياً ومقاتلاً، حيث جاء فيها قول الراوي: «فخرج في ثلاثمائةِ فارس، فكانت خيلُهم أوّل خيل دخلت تلك البلاد، فلمّا انتهى إلى أدنى الناحية التي يريد - وهي أرض مذحج - فرّق أصحابه، فأتوا بنهب وغنائم وسبي نساء وأطفال ونعَم وشاءٍ وغير ذلك»(2). وهذا يتنافى مع صريح الأحاديث الصحيحة المتقدّمة، التي تنصّ على أنّ خروج علي عليه السلام الأوّل إلى اليمن مقاتلاً ورجوعه بعد ذلك كان سابقاً على حجّة الوداع، وأنّ خروجه الثالث هو الذي تزامن مع حجّة الوداع وكان في أواخر السنة العاشرة، ولم يكن خروجاً للقتال، وإنّما بعثه النّبي (ص) لجباية الأموال والصدقات، خصوصاً وأنّ هذه الرواية تصرّح بوجود غنائم وسبايا من النساء والأطفال، وهذا لم يعهد إلّا في الغزوة الأُولى التي فتح الله تعالى بها على المسلمين. ثمّ إنّنا لو فرضنا أنّ هذه غزوة أُخرى مغايرة للغزوة التي كانت برفقة خالد بن الوليد، فإنّه مع ذلك لا يصح أن يقال: «فكانت خيلهم أوّل خيل دخلت تلك البلاد» أي: بلاد اليمن؛ وذلك لأنّ جيش المسلمين قد دخل بلاد اليمن في الغزوة التي  


1- تقريب التهذيب، ج ٢ ، ص ١١٧ .
2- المغازي، ج ٣ ، صص ١٠٧٩  و  ١٠٨٠ .

ص:١6٢ 

اشتكى فيها بريدةُ عليّاً عليه السلام في المدينة، وقد دخل على أثر هذه الغزوة الكثير من قبائل اليمن في الإسلام. ب - لقد ورد في المقطع السابق من الرواية أنّ القتال في اليمن قد دار بين المسلمين وبين قبيلة مذحج، مع أنّنا ذكرنا سابقاً أنّ قتال المسلمين مع قبيلة مذحج كان في الغزوة الأُولى، حيث إنّ بني زبيد - وهم بطن من مذحج - هم الذين كانوا يقطنون اليمن، وقد قاتلهم المسلمون، وسبوا نساءهم وذراريهم في الخروج الأوّل لعليّ عليه السلام. ج - جاء في هذه الرواية أيضاً أنّ بريدة كان متواجداً في هذه الغزوة، وذلك في قول الراوي: «فجعل على الغنائم بريدة بن الحصيب» ، وهذا إنّما ينسجم مع الخروج الأوّل لعليّ عليه السلام، حيث كان بريدة موجوداً في ذلك الجيش، وهو الذي اشتكى عليّاً عليه السلام عند النبيّ (ص) . د - ورد في هذه الرواية أيضاً أنّ عليّاً عليه السلام قام بتخميس الغنائم، وهذا ينسجم أيضاً مع الخروج الأوّل لعليّ عليه السلام، حيث قام بتخميس الغنائم، وقد وقعت الجارية في سهم عليّ عليه السلام من الخمس فواقعها، واغتاض من ذلك بعض الصحابة. وهذا كلّه يعني أنّ رواية الواقدي قد وقع فيها خلط كبير بين خروجات عليّ عليه السلام إلى اليمن. وهناك إشكالات مضمونية أُخرى في هذه الرواية، إلّا أنّها تشترك في هذه الإشكالات مع الروايات اللاحقة؛ ولذا سوف نرجئها إلى المناقشات المضمونية العامّة حول هذه الطائفة من الروايات.  ٢ - أخرج المقريزي رواية الواقدي المتقدّمة، بالألفاظ ذاتها، إلا أنّه لم يذكر طريقاً أو سنداً للرواية(1)، فيرد عليها بالإضافة إلى ما أوردناه على رواية الواقدي من الناحية المضمونية، أنّها رواية مرسلة لا سند لها، فلا يمكن الاعتماد عليها لإثبات أنّ الشكاية


1- إمتاع الأسماع، المقريزي، ج ٢ ، صص ٩6  و  ٩٧ .

ص:١6٣ 

قد وقعت في مكّة المكرّمة.  ٣ - قال ابن الأثير تحت عنوان (ذكر بعث رسول الله (ص) أمراءه على الصدقات) : «وفيها - أي: في السنة العاشرة - بعث رسول الله (ص) أُمراءه وعمّاله على الصدقات، فبعث المهاجر بن أبي أُميّة بن المغيرة إلى صنعاء - إلى أن قال -: وبعث عليَّ بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقاتهم وجزيتهم ويعود، ففعل وعاد، ولقي رسول الله (ص) بمكّة في حجّة الوداع، واستخلف على الجيش الذي معه رجلاً من أصحابه، وسبقهم إلى النبيّ (ص) ، فلقيه بمكّة، فعمد الرجلُ إلى الجيش فكساهم كلَّ رجل حُلّة من البزّ الذي مع عليّ، فلمّا دنا الجيشُ خرج عليٌّ ليتلقّاهم فرأى عليهم الحُلل، فنزعها عنهم، فشكاه الجيش إلى رسول الله (ص) ، فقام النبيّ (ص) خطيباً، فقال: (أيُّها النّاسُ! لا تَشكوا عَلِيّاً، فَوَالله إنَّهُ لَأَخشَنُ في ذاتِ الله وفي سَبيلِ الله)»(1). ويمكن أن يلاحظ على هذه الرواية جملة من الملاحظات، نشير إلى بعضها: أ - إنّ هذه الرواية مرسلة ولا سند لها، فلا يمكن الاعتماد عليها في مقام الاستدلال، ولعلّ ابن الأثير أخذها من تاريخ الطبري؛ وذلك لأنّ ابن الأثير اعتمد في تاريخه على ما في تاريخ الطبري، حيث قال في مقدّمة كتابه: «فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري؛ إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه»(2)، وقد تقدّم سابقاً أنّ رواية الطبري ضعيفة لإرسالها وضعف بعض رواتها. ب - إنّ هذه الرواية تؤيّد ما ذكرناه سابقاً من أنّ عليّاً عليه السلام إنّما خرج إلى اليمن لجباية الأموال والصدقات، ولم يكن قد خرج للقتال، على خلاف ما في رواية الواقدي والمقريزي.  4 - أخرج أحمد في مسنده بسند صحيح عن سليمان بن محمّد بن كعب بن عجرة،  


1- الكامل في التاريخ، ج ٢ ، ص ٣٠١ .
2- المصدر نفسه، ج ١ ، ص ٣ .

ص:١64 

عن عمّته زينب بنت كعب - وكانت عند أبي سعيد الخدري - عن أبي سعيد الخدري، قال: «اشتكى عليّاً الناسُ، قال: فقام رسول الله (ص) فينا خطيباً، فسمعته يقول: (أيُّها النّاسُ! لا تَشكوا عَلِيّاً فَوَالله إنَّهُ لأَخشَنُ في ذاتِ الله - أو: في سَبيلِ الله-)»(1). وهذا الحديث صحيح من حيث السند، قال حمزة أحمد الزين في حُكمه على سند الحديث: «إسناده صحيح، وعبدالله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم الأنصاري قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، والحديث أورده الهيثمي  ٩ /  ١٢٩  وسكت عنه، وصحّحه الحاكم  ٣ /  ١٣4 ، ووافقه الذهبي» (2). ولكن يمكن أن يلاحظ على مضمون هذا الحديث جملة من الملاحظات: أ - إنّ هذا الحديث لم يرد فيه أيّ ذكر أو إشارة إلى بلاد اليمن، ولم يتضمّن خروج عليّ عليه السلام إلى تلك البلاد غازياً أو جابياً للأموال، ولا دلالة فيه على جيش أو قتال أو سبي أو صدقات. ب - لم يتضمّن هذا الحديث أيضاً أيّ إشارة إلى خروج النبيّ (ص) لحجة الوداع، ولادلالة فيه على أنّ عليّاً عليه السلام وجيشه قد دخلوا مكّة المكرّمة والتقوا برسول الله (ص) واشتكوا عليّاً في ذلك المكان. وحينئذٍ كيف يمكن الاعتماد على هذا الحديث والاستشهاد به لإثبات أنّ الشكوى قد وقعت في مكّة المكرّمة، وأنّ حديث الغدير قد جاء لتنزيه ساحة عليّ عليه السلام وتصويب رأيه وتخطئة الصحابة وردّ شكواهم؟ !  5 - قال أحمد بن حنبل في مسنده: «حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا محمّد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الفضل بن معقل بن سنان، عن عبدالله بن نياز الأسلمي، عن عمرو بن شاس


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١٠ ، ص ٢٧٢ .
2- المصدر نفسه.

ص:١65 

الأسلمي، قال - وكان من أصحاب الحديبية - قال: خرجت مع عليّ إلى اليمن فجفاني في سفري ذلك، حتّى وجدت في نفسي عليه، فلمّا قدمت أظهرتُ شكايته في المسجد، حتّى بلغ ذلك رسول الله (ص) فدخلتُ المسجد ذات غدوة ورسول الله (ص) في ناس من أصحابه، فلمّا رآني أبدني عينيه - يقول: حدّد إليّ النظرَ - حتّى إذا جلست، قال: (يا عَمرو! وَالله لَقَد آذَيتَني) ، قلت: أعوذ بالله أن أُوذيك يا رسول الله! قال: (بَلى، مَن آذى عَلِيّاً فَقَد آذاني)»(1). وسند هذه الرواية معتبر أيضاً، قال الهيثمي في تعليقه على الحديث: «رواه أحمد والطبراني باختصار، والبزّار أخصر منه، ورجال أحمد ثقات»(2). وقال حمزة أحمد الزين في حكمه على الحديث أيضاً: «إسناده حسن. . . والحديث رواه ابن أبي شيبة  ١٢ /  ٧5  رقم  ٢١١5٧  في الفضائل، فضائل عليّ، وابن حبّان  54٣  رقم  ٢٢٠٢  (موارد) مختصراً، والحاكم وصحّحه  ٣ /  ١٢٢ ، ووافقه الذهبي»(3). ومع ذلك أيضاً يمكن أن يلاحظ على مضمون هذه الرواية بعض الملاحظات: أ - إنّ هذه الرواية لا دلالة فيها على أنّ خروج عليّ عليه السلام كان للقتال أو لجباية الأموال، فإن كان خروج عليّ عليه السلام إلى اليمن مقاتلاً، فهي الغزوة الأُولى ولا علاقة لها بحجّة الوداع، وإن كان الخروج لجباية الأموال، فلم يرد فيها ذكر لمكّة المكرّمة أو لحجّة الوداع. ب - لو كان خروج عمرو بن شاس الأسلمي مع عليّ عليه السلام إلى اليمن لجباية الأموال، وهو الخروج الثالث لعليّ عليه السلام، فإنّه صريح فيما ذكرناه سابقاً، من أنّ الشكوى قد وقعت في المدينة وليس في مكّة المكرّمة، وذلك لقول عمرو بن شاس: «فلمّا قدمت أظهرت شكايته في المسجد» ومراده مسجد النبيّ (ص) في المدينة، والشاهد على ذلك اللفظ الذي أورده الهيثمي للرواية في زوائده، حيث جاء فيه: «فلمّا قدمت المدينة أظهرتُ شكايته


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١٢ ، ص ٣٩٢ .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٢٩ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج ١٢ ، ص ٣٩٢ .

ص:١66 

في المسجد» (1). هذه هي حصيلة الروايات التي يمكن أن يستند إليها في مسألة شكوى جيش اليمن، وقد اتّضح أنّ بعضها ساقط من حيث الدلالة والسند، وبعضها الآخر لايمكن الاعتماد على مضمونها؛ لتوثيق الشكوى وإثبات وقوعها في مكّة المكرّمة عند حجّة الوداع. ولكن مع ذلك كلّه يمكن أن نجيب على مضامين هذه الروايات عموماً، بأنّنا لو فرضنا دخول جيش اليمن إلى مكّة المكرّمة في أيّام الحجّ، وإظهار شكواهم على عليّ عليه السلام عند النبيّ (ص) ، فمع التسليم بذلك كلّه نقول: إنّ النبيّ (ص) قد قام في الناس خطيباً وردّ الشكاوى التي أثارها بعض الصحابة حول عليّ عليه السلام، قائلاً: «أيُّهَا النّاسُ! لا تَشكوا عَلِيّاً، فَوَالله إنَّهُ لَأَخشَنُ في ذاتِ الله - أو: في سَبيلِ الله -» كما هو صريح الرواية التي أخرجها أحمد والحاكم بسندٍ صحيح، فالنبيّ (ص) قد حسم الموقف ونزّه ساحة عليّ عليه السلام وانتهى الأمر. وقد كانت بين هذه الخطبة وخطبة الغدير فاصلة زمنيّة كبيرة، قد تزيد على ال-عشرين يوماً؛ ولذا فإنّ دعوى الارتباط والعلاقة بين حادثة الشكوى وواقعة الغدير بحاجة إلى إبراز قرينة، وهي مفقودة في المقام، ومن هنا لا نجد في حديث الغدير بكلّ ألفاظه وزوائده أيَّ ذكرٍ أو إشارةٍ إلى شكوى جيش اليمن، فلو كانت خطبة الغدير للردّ على شكاة اليمن، كان من الأولى بالنبيّ (ص) أن يشير إلى الشكوى ثمّ يجيب عليها بولاية عليّ عليه السلام؛ ليعلم الناس أن شكوى بعض الصحابة ضدّ عليّ عليه السلام كانت باطلة وفي غير محلّها.

4-المناقشة الرابعة

إنّ كلا الواقعتين تدلّان على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، فلو فرضنا الاتّحاد بين القضيّتين وأنّ السبب في صدور حديث «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِىٌّ مَولاهُ» هو تكلّم جيش اليمن ووقوعهم في الإمام عليه السلام، فالدلالة محفوظة، بمعنى أنّ الحديث يدلّ على إمامة


1- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٢٩ .

ص: ١6٧ 

أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته حتّى في صورة كونه جواباً عن تلك الشكوى؛ لأنّ ذلك السبب أو غيره لو صحّ، وكان الخبر خارجاً عليه، لم يمنع من التعلّق بظاهره وما يقتضيه لفظه، فينبغي أن يكون الكلام في ذلك، دون الخوض في السبب؛ إذ إنّ وجوده كعدمه، وهو لا يغيّر شيئاً من الاستدلال بالخبر، وتقدّم أنّ هناك قرينة لفظية متّصلة تبيّن معنى الموالاة في الحديث، وهي قوله (ص) : «ألَستُ أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟» . وهذا ما صرّح به القاضي عبد الجبار في كتابه (المغني) ، حيث قال: «وقد قال شيخُنا أبو الهذيل في هذا الخبر(1): إنّه لو صحّ لكان المراد به الموالاة في الدين. وذكر بعض أهل العلم حمله على أنّ قوماً نقموا على عليّ بعضَ أُموره، فظهرت مقالاتُهم له وقولُهم فيه، فأخبَرَ (ص) بما يدلّ على منزلته وولايته؛ دفعاً لهم عمّا خاف فيه الفتنة. وقال بعضهم في سبب ذلك: إنّه وقع بين أمير المؤمنين وبين أُسامة بن زيد كلام، فقال له أمير المؤمنين: (أتَقولُ هذا لِمَولاكَ؟) فقال: لستَ مولاي، وإنّما مولاي رسولُ الله (ص) ، فقال رسولُ الله (ص) : (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، يريد بذلك قطعَ ما كان من أُسامة، وبيان أنّه بمنزلته في كونه مولىً له. وقال بعضُهم مثلَ ذلك في زيد بن حارثة، وأنكروا أنّ خبرَ الغدير بعد موته. والمعتمد في معنى الخبر(2)على ما قدّمناه؛ لأنّ كلّ ذلك لو صحّ، وكان الخبر خارجاً عليه، لم يمنع من التعلّق بظاهره وما يقتضيه لفظه، فيجب أن يكون الكلام في ذلك، دون بيان السبب - الذي وجوده كعدمه - في أنّ وجود الاستدلال بالخبر لا يتغيّر»(3).

5-المناقشة الخامسة

إنّ حديث الغدير كان بأمرٍ من الله تعالى، ولا ربط له بشكوى جيش اليمن، حيث نزل الوحي على رسول الله (ص) يأمره بوجوب إبلاغ المسلمين خلافة عليٍّ عليه السلام وإمامته،


1- حديث «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» .
2- المصدر نفسه.
3- المغني في الإمامة، القاضي عبد الجبار، ج ٢٠  ق ١ ، ص ١54 .

ص:١6٨ 

كما دلّ على ذلك جملة من الروايات الصحيحة التي أوردنا بعضها سابقاً، وهذه إشارة مختصرة لبعضها: أ - أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره بسند صحيح - تقدّم ذكره - عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: «نَزَلَت هذِهِ الآيَةُ: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» في عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ»(1). ب - أورد الثعلبي بأربع طرق في تفسيره من أنّ الآية الكريمة: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» لمّا نزلت أخذ رسولُ الله (ص) بيد عليّ عليه السلام وقال: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ»(2). ج - ما أخرجه ابن عساكر بسند صحيح - تقدّم ذكره أيضاً - عن أبي هريرة، قال: «من صام يومَ ثمان عشرة من ذي الحجّة كُتب له صيام ستّين شهراً، وهو يوم غدير خُمّ، لمّا أخذ النبيُّ (ص) بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: (ألَستُ وَلِيَّ المُؤمِنينَ؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مولاهُ) ، فقال عمرُ بن الخطّاب: بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم. فأنزل الله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» . ومن صام يوم سبعة وعشرين من رجب كُتب له صيام ستّين شهراً، وهو أوّل يوم نزل جبرئيل عليه السلام على محمّد (ص) بالرسالة»(3). وقد تقدّم تصحيح هذه الروايات. إذن فواقعة الغدير واقعة إلهيّة قرآنيّة، وليس من الإنصاف أن نربطها بمسألة جزئيّة كشكوى جيش اليمن! خصوصاً وأنّ الشكوى قد تكررت من قبل الصحابة كثيراً في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أجاب النبيّ (ص) كلَّ واحد منهم في محلّه.


1- تفسير ابن أبي حاتم، ج 4 ، ص ١١٧٢ .
2- انظر: تفسير الثعلبي، ج 4 ، ص ٩٢ .
3- تاريخ بغداد، ج ٨ ، ص ٢٨٩ .

ص:١6٩ 

ومضافاً لذلك فإنّ النبي (ص) لم يشر في حديث الغدير إلى مسألة الشكوى من قريب أو بعيد، وإنّما ذكر ذلك البيهقي وابن كثير اعتماداً على حدسهم واستحسانهم، الفاقد لأيّ قرينة أو شاهد علميّ.

البحث الثاني: حديث الاثني عشر خليفة من قريش

استدلّ الإماميّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته من السنّة النبويّة بحديث الاثني عشر خليفة، ولا شكّ في هذا الحديث الشريف من حيث السند؛ فقد ورد في الصحاح الستّة، ناهيك عن غيرها من كتب الحديث لدى القوم، إلّا أنّ جملة القول فيه هو في كيفيّة الاستدلال به على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام، وسنشير بادئ ذي بدء إلى طرق الحديث، ثمّ نعقد المقال للكلام في دلالته:

طرق حديث الاثني عشر خليفة

اشارة

أخرج محدّثو السنّة وحفّاظهم حديثَ الاثني عشر خليفةً بطرق كثيرة وألفاظ عديدة، وهذه إشارة مقتضبة لبعضها:  

1-حديث جابر بن سمرة
اشارة

رُوي حديث الاثني عشر خليفة عن جابر بن سمرة بعدّة طرق، منها:

الطريق الأوّل: عن حصين، عن جابر

أخرج مسلم في صحيحه بسنده إلى حصين، عن جابر بن سمرة، قال: «دخلتُ مع أبي على النبيّ (ص) فسمعته يقول: (إنَّ هذَا الأَمرَ لا يَنقَضي حَتّى يَمضِ-يَ فيهِم اثنا عَشَرَ خَليفَةً) ، قال: ثمّ تكلّم بكلام خَفِي عَلَيّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(1).


1- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ .

ص:١٧٠ 

الطريق الثاني: عن عبد الملك بن عمير، عن جابر

أخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى عبدالملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: «سمعت النبيّ (ص) يقول: (يَكونُ اثنا عَشَرَ أميراً) ، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(1). وأخرجه مسلم في صحيحه أيضاً، وفيه: «سمعتُ النبيّ (ص) يقول: (لا يَزالُ أمرُ النّاسِ ماضِياً ما وَلِيَهُم اثنا عَشَرَ رَجُلاً) ، ثمّ تكلّم النبي (ص) بكلمة خفيت عليَّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله (ص) ؟ فقال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(2). وأخرجه أحمد، وفيه: «لا يَزالُ هذا الأَمرُ ماضِياً حَتّى يَقومَ اثنا عَشَرَ أميراً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ»(3)، وقد صحّح سندَه الألبانيُّ وشعيبُ الأرنؤوط(4).

الطريق الثالث: عن سماك بن حرب، عن جابر

أخرج مسلم في صحيحه أيضاً من طريق سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: «سمعت رسولَ الله (ص) يقول: (لا يَزالُ الإسلامُ عَزيزاً إلى اثنَي عَشَرَ خَليفَةً) ، ثمّ قال كلمةً لم أفهمها فقلتُ لأبي: ما قال؟ فقال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(5)


1- صحيح البخاري، ج 6 ، ص ٢6٢4 .
2- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٧ .
4- السلسلة الصحيحة، ج ١ ، ص ٧١٩ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٧ .
5- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ .

ص:١٧١ 

وأخرجه الترمذي في سننه أيضاً بنحو حديث عبد الملك الآنف(1)، ثمّ قال الترمذي عقبه: «هذا حديث حسن صحيح»(2).

الطريق الرابع: عن الشعبي، عن جابر

أخرج مسلم في صحيحه أيضاً بسنده إلى ابن عون، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: «انطلقت إلى رسول الله (ص) ومعي أبي، فسمعتُه يقول: (لا يَزالُ هذَا الّدينُ عَزيزاً مَنيعاً إلى اثنَي عَشَرَ خَليفَةً) فقال كلمةً صمّنيها الناسُ، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(3). وأخرجه أحمد في مسنده، وفيه: «فجعل الناس يقومون ويقعدون»(4). وقال شعيب الأرنؤوط عقبه: «إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سليم بن أخضر فمن رجال مسلم» (5). وأخرجه أيضاً من طريق مجالد عن الشعبي، عن جابر بن سمرة وفيه: «(لَن يَزالَ هذَا الأَمرُ عَزيزاً ظاهِراً حَتّى يَملِكَ اثنا عَشَرَ كُلُّهُم) ، ثمّ لغط القوم وتكلّموا فلم أفهم قوله بعد (كُلُّهُم) ، فقلت لأبي: يا أبتاه ما بعد (كُلُّهُم) ؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(6). وأخرج مسلم في صحيحه أيضاً من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابربن سمرة، قال:


1- سنن الترمذي، ج 4 ، ص 5٠١ .
2- المصدر نفسه.
3- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٩ .
5- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
6- المصدر نفسه، ج 5 ، ص ٩٩ .

ص:١٧٢ 

«قال النبيّ (ص) : (لا يَزالُ هذَا الأَمرُ عَزيزاً إلى اثنَي عَ-شَرَ خَليفَةً) ، قال: ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(1). وأخرج الطبراني من طريق قتادة، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: «كنت مع أبي عند النبيّ (ص) فقال: (يَكونُ لِهذِهِ الأُمَّةِ اثنا عَشَرَ قَيِّماً لا يَ-ضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم) ، ثمّ همسَ رسولُ الله (ص) بكلمة لم أسمعها، فقلت لأبي: ما الكلمة التي همس بها النبيّ (ص) ؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(2).

الطريق الخامس: عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن جابر

أخرج مسلم في صحيحه أيضاً من طريق المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، قال: «كتبتُ إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبِرني ب-شيء سمعتَه من رسول الله (ص) ، قال: فكتب لي: سمعتُ رسول الله (ص) يوم جمعةٍ عشيّةَ رجم الأسلمي يقول: (لا يَزالُ الدّينُ قائِماً حَتّى تَقومَ السّاعَةُ أو يَكونَ عَلَيكُمُ اثنا عَشَرَ خَليفَةٍ كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(3). وأخرجه أبو داود في سننه، من طريق داود، عن عامر، عن جابر بن سمرة، وفيه: «سمعت رسولَ الله (ص) يقول: (لايَزالُ هذَا الدّينُ عَزيزاً إلى اثنَي عَشَ-رَ خَليفَةً) ، قال: فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيفة، قلت لأبي: يا أبتِ ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(4). وقد صحّحه الألباني(5).


1- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ .
2- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ١٩6 .
3- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٣ .
4- سنن أبي داود، ج ٢ ، ص 5٠٨ .
5- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.

ص:١٧٣ 

وأخرجه أحمد من طريق حماد بن أُسامة، ثنا مجالد، عن عامر، عن جابر بن سمرة السوائي، وفيه: «سمعت رسولَ الله (ص) يقول في حجّة الوداع: (إنَّ هذَا الدّينَ لَن يَزالَ ظاهِراً عَلى مَن ناوَأَهُ، لا يَضُرُّهُ مُخالِفٌ ولا مُفارِقٌ، حَتّى يَمضِىَ مِن أُمَّتي اثنا عَشَرَ خَليفَةً) ، قال: ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(1). وأخرجه الطبراني من طريق أبي أُسامة، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر(2). وأخرجه أحمد أيضاً من طريق ابن نمير، ثنا مجالد، عن عامر، عن جابر بن سمرة السوائي، قال: «سمعت رسول الله (ص) يقول في حجّة الوداع. . .» نحو حديث حماد، لكن فيه: «وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله (ص) منّى فقلت: يا أبتاه، ما الذي خفي من قول رسول الله (ص) ؟ قال: يقول: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(3).

الطريق السادس: عن أبي خالد، عن جابر

أخرج أبو داود من طريق مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة، قال: «سمعت رسول الله (ص) يقول: (لايَزالُ هذَا الدّينُ قائِماً حَتّى يَكونَ عَلَيكُم اثنا عَشَرَ خَليفَةً كُلُّهُم تَجتَمِعُ عَلَيهِ الأُمَّةُ) ، فسمعت كلاماً من النبيّ (ص) لم أفهمه، قلت لأبي: ما يقول؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(4). وأبو خالد الوالبي من رجال أبي داود والترمذي وابن ماجة، وثّقه أبو حاتم، وابن حبّان، والذهبي، وصحّح له الترمذي أحاديثَ، قال الحافظ ابنُ حجر في (تهذيب التهذيب) : «أبو خالد الوالبي الكوفي اسمه هرمز، ويقال: هرم، روى عن ابن عبّاس،


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٨٧ .
2- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ١٩6 .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٨٧ .
4- سنن أبي داود، ج ٢ ، ص 5٠٨ .

ص:١٧4 

وجابر بن سمرة، وأبي هريرة، وميمونة. . . قال أبو حاتم: (صالح الحديث) ، وذكره ابن حبّان في الثقات» (1). وقال الذهبي في الكاشف: «أبو خالد الوالبي هرمز، وقيل: هرم، عن جابر بن سمرة، وابن عبّاس، وعنه الأعمش، وفطر، صدوق»(2). وأخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن حميد، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة(3).

الطريق السابع: عن الأسود بن سعيد الهمداني، عن جابر

أخرج أحمد وأبو داود من طريق زهير، ثنا زياد بن خيثمة، عن الأسود بن سعيد الهمداني، عن جابر بن سمرة، قال: «سمعت رسول الله (ص) - أو قال: قال رسول الله (ص) -: (يَكونُ بَعدي اثنا عَ-شَرَ خَليفةً كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ) ، قال: ثمّ رجع إلى منزله فأتته قريش فقالوا: ثمّ يكون ماذا؟ قال: (ثُمَّ يَكونُ الهَرَجُ)»(4). قال الألباني عقبه: «وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، رجال مسلم غير الأسود هذا، و هو صدوق كما في "التقريب" و "الخلاصة"»(5). وأخرجه ابن حبّان في صحيحه(6)، قال شعيب الأرنؤوط عقبه: «حديث صحيح»(7).


1- تهذيب التهذيب، ج ١٢ ، ص ٩٠ .
2- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، ج ٢ ، ص 4٢٢ .
3- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ٢٠٧ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٢ ؛ سنن أبي داود، ج ٢ ، ص 5٠٨ .
5- المصدر نفسه.
6- السلسلة الصحيحة، ج ٣ ، ص ١4٩ .
7- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.

ص:١٧5 

الطريق الثامن: عطاء بن أبي ميمونة، عن جابر

أخرج الطبراني بسنده إلى عطاء بن أبي ميمونة، عن جابر بن سمرة، قال: «سمعت رسول الله (ص) وهو يخطب على المنبر ويقول: (اثنا عَشَ-رَ قَيِّماً مِن قُرَيشٍ لايَضُرُّهُم عَداوَةَ مَن عاداهُم) ، قال: فَالتفتُّ خلفي فإذا أنا بعمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه وأبي في ناسٍ، فأثبتوا لي الحديث كما سمعتُ»(1).

2-حديث أبي جحيفة

أخرج الطبراني بسنده إلى عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: «كنت مع عمّي عند رسول الله (ص) وهو يخطب فقال: (لا يزالُ أمرُ أُمَّتي صالِحاً حَتّى يَمضِيَ اثنا عَشَرَ خَليفَةً) ، وخفض بها صوته، فقلت لعمّي - وكان أمامي -: ما قال يا عمّ؟ قال: يا بنيّ (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(2). قال الهيثمي عقبه: «رواه الطبرانيُّ في الأوسط والكبير، والبزّارُ، ورجال الطبراني رجال الصحيح»(3).

3-حديث ابن مسعود

أخرج أحمد والطبراني بسندهما إلى حمّاد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مس-روق، قال: «كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود، فسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم نبيَّكم (ص) كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال ابن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك! سألنا رسولَ الله (ص) فقال: (اثنا عَش-رةَ، عِدَّةَ نُقَباءِ بَني إسرائيلَ)»(4).


1- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ٢56 .
2- المصدر نفسه، ج ٢٢ ، ص ١٢٠ ؛ المعجم الأوسط، ج 6 ، ص ٢٠٩ .
3- مجمع الزوائد، ج 5 ، ص ٣45 .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٩٨ ؛ المعجم الكبير، ج ١٠ ، ص ١5٧ .

ص:١٧6

 قال الهيثمي عقبه: «رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزّار. وفيه مجالد بن سعيد، وثّقه النسائي، وضعّفه الجمهور، وبقيّة رجاله ثقات»(1). وحسّن سندَه الحافظُ ابن حجر؛ حيث قال في (فتح الباري) : «أخرجه أحمد والبزّار من حديث ابن مسعود بسند حسن (أنّه سئل: كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ . . .» ، ثمّ ذكر الحديث (2). وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال عقبه: «لا يسعني التسامح في هذا الكتاب عن الرواية عن مجالد وأقرانه رحمهم الله»(3)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص(4).

حاصل الكلام في طرق حديث الاثني عشر خليفة

يتّضح من خلال ما تقدّم أنّ حديث الاثني عشر خليفة لا شبهة في سنده، وهو حقيقة إسلامية مسلّمة لا غبار عليها صادرة عن الرسول الأكرم (ص) . ومن هنا تتّضح سذاجة ما زعمه بعضهم من أنّ الاثني عشريّة فكرة يهوديّة أخذها الشيعةُ من كتاب دانيال عليه السلام؛ إذ كما هو واضح من خلال ما تقدّم أنّها عقيدة إسلامية أصيلة، لكنّ الخلاف وقع في بيانها كسائر الاعتقادات الأُخرى التي اتّفق المسلمون على أصلها لكنّهم اختلفوا في جزئيّاتها، فهكذا مسألة الاثني عش-رية فهي من الأُمور الثابتة التي لا غبار عليها ولا شكّ فيها، وقد اتّفق المسلمون على أصلها لكنّهم اختلفوا في كيفيتها، فلا مجال لإنكار تلك الروايات المتواترة الواردة في الاثني عش-ر خليفة بعد رسول الله (ص) ، ومن هنا التجأ العلماء من الفريقين إلى تفسيرها دون تكذيبها.


1- مجمع الزوائد، ج 5 ، ص ٣44 .
2- فتح الباري، ج ١٢ ، ص ٢١٢ .
3- المستدرك على الصحيحين، ج 4 ، ص 546 .
4- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.

ص:١٧٧ 

دلالة حديث الاثني عشر خليفة

اشارة

لم يحتجِ الشيعة الإمامية إلى مزيد بحث وعناء في تفسير أحاديث الخلفاء الاثني عَشر، وأنّ المقصود بهم العترة الطاهرة المتمثّلة بأهل البيت عليهم السلام، لاسيّما بملاحظة تلك الروايات التي وردت عن رسول الله (ص) فيهم وما تضمّنته من روح استدلاليّة لا تقبل الترديد في إثبات المطلوب. وينبغي قبل الولوج في أدلّة هذا التفسير وشواهده الإشارة إلى نقطة منهجيّة تساهم في بناء إطار واضح ومحدّد للموضوع وتحول دون الوقوع في الاشتباه، وهي أنّ الروايات الواردة في الخلفاء الاثني عشر تضمّنت النصّ على جملة من الخصائص والمواصفات والمميّزات للخلفاء الاثني عشر، وبملاحظتها لا يبقى ترديد في صدقها وانطباقها على أئمّة أهل البيت عليهم السلام. وأهمّ تلك المميّزات بشكل إجمالي هي مايلي: تحديدهم بعدد «اثني عشر» بلا زيادة أو نقصان. عدّتهم كعدّة نقباء بني إسرائيل. كلّهم من قريش. يعملون بالهدى ودين الحق، وبهم صلاح أمر الأُمّة والناس. لا يضرّهم خذلان من خذلهم ولا عداوة من عاداهم. تكون بهم عزّة الإسلام ونصرته وبقاؤه وقيامه إلى قيام الساعة. إنّهم القيّمون على دين الله تعالى. إنّ وجودهم مستمرّ إلى آخر الدهر، وإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها. ومن خلال ملاحظة تلك الامتيازات والخصوصيات التي يتّصف بها الخلفاء الاثني عشر، لا يتردّد أحد في صدقها وانطباقها على أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وهذه إشارة لجملة من تلك الشواهد والقرائن التي توجب القطع واليقين بأنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر هم أهل البيت عليهم السلام:

ص:١٧٨ 

 ١ - إنّ المتأمّل في الخصائص والمميّزات التي تضمّنتها النصوص المتقدّمة للخلفاء الاثني عشر؛ كقيام الدين بهم، وقيموميّتهم على الدين، وعزّة الإسلام بهم، إلى غير ذلك من الخصائص الأُخرى، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما ورد عن رسول الله (ص) بطرق صحيحة من قوله (ص) : «مَن ماتَ ولَيسَ لَهُ إمامٌ، ماتَ ميتَةً جاهِلِيَّةً»(1). وقوله (ص) : «لا يَزالُ هذَا الأَمرُ في قُرَيشٍ ما بَقِيَ مِنَ النّاسِ اثنانِ»(2). وقوله (ص) : «الأَرضُ لا تَخلو مِن حُجَّةٍ»(3). يجد أنّها تسجّل بمجموعها معنىً مشتركاً فيما بينها؛ وهو أنّ هذه الخصوصيّات لايمكن أن تتحقّق إلّا إذا كان أولئك الخلفاء الاثنا عشر على شكل سلسلة واحدة متكاملة ومتناسقة ومتوالية زماناً، وهذا لا ينسجم ولا ينطبق إلّا على العترة الطاهرة عليهم السلام، على العكس من تفاسير علماء السنّة التي - سنذكرها لاحقاً - تطغى عليها حالة من التشويش والتكلّف، وعدم التناسق والتواصل فيما بينها. خصوصاً مع ملاحظة الروايات التي نقلها الفريقان بحقّ أهل البيت عليهم السلام عن رسول الله (ص) كقوله: «أهلُ بَيتي أمانٌ لِأَهلِ الأَرضِ، فَإِذا ذَهَبَ أهلُ بَيتي ذَهَبَ أهلُ الأَرضِ»(4)


1- صحيح ابن حبّان، ج ١٠ ، ص 4٣4 ؛ وانظر: مسند أحمد، ج ٣ ، ص 446 ؛ المعجم الكبير، ج ١٩ ، ص ٣٨٨ ؛ سنن البيهقي، ج ٨ ، ص ١56 ؛ المعيار والموازنة، ص ٢4 ؛ المعجم الأوسط، ج 6 ، ص ٧٠ ؛ مجمع الزوائد، ج 5 ، ص ٢١٨  و  ٢٢4 ؛ ج ٩ ، ص ١١١  و ١٢١ ؛ مسند الطيالسي، ص ٢5٩ ؛ مسند أبي يعلى، ج ١٣ ، ص ٣66 .
2- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٢ ؛ مسند أحمد، ج ٢ ، ص ٢٩  و ٩٣ ؛ السنن الكبرى، ج ٣ ، ص ١٢١ ؛ فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٠4 ؛ الجامع الصغير، ج ٢ ، ص ٧56  وغيرها من المصادر.
3- اُنظر: تاريخ مدينة دمشق، ج 5٠ ، ص ٢55 ؛ المناقب، الخوارزمي، ص ٣66 ؛ تاريخ اليعقوبي، ج ٢ ، ص ٢٠6 ؛ ينابيع المودة، ج ١ ، ص ٨٩ .
4- شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني، ج ١ ، ص 4٢6 ؛ ذخائر العقبى، الطبري، ص ١٧ ؛ وانظر: المستدرك على الصحيحين، ج ٢ ، ص 44٨ ؛ قال فيه: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 4٠ ، ص ٢٠ ؛ النزاع والتخاصم، المقريزي، ص ١٣٢ ، وغيرها من المصادر.

ص:١٧٩ 

 ٢ - لقد افتَرضت نصوصُ الاثني عشر أنّ أُولئك الخلفاء: «كُلُّهُم يَعمَلُ بالهُدى وَدينِ الحَقِّ » ، كما فَهَم هذا المعنى أيضاً ابنُ كثير في تفسيره عندما قال: «ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحقّ، ويعدل فيهم»(1). ولا يجد المتتبّع تفسيراً واحداً من التفاسير لهذا الحديث، يجمع فيه اثني عشر خليفة كلّهم يعمل بالهدى ودين الحقّ، خصوصاً مع ما ذكرناه من وجوب كون أُولئك الخلفاء سلسلة متكاملة ومتناسقة ومتوالية زماناً، وهذا ما يُثبت لنا عدم مصداقيّة أيّ تطبيق واقعي للحديث، سوى أهل البيت عليهم السلام، الذين جعلهم رسول الله (ص) هداةً مهديّين من بعده، وأمر بالتمسّك بهديهم، وجعلهم عِدلاً للقرآن الكريم لا يفترقان حتّى يرِدا عليه الحوضَ.  ٣ - من الخصائص المهمّة التي تضمّنتها أحاديثُ الاثني ع-شر قيموميّة أولئك الخلفاء على الدين والأُمّة: «اثنا عَشَرَ قَيِّماً» ، ولاشكّ أنّ القيموميّة تستدعي الرقابة والوصاية على الدين، وعلى الأمّة الإسلاميّة، وهذا المعنى لم يُدّع لأحد، ولا ادّعاه غيرُ أهل البيت عليهم السلام، وهذا هو مقتضى كونِهم عِدلاً للقرآن الكريم، وأيضاً مقتض-ى قول رسول الله (ص) : «في كُلّ خلوفٍ مِن أُمّتي عُدولٌ مِن أهلِ بَيتي يَنفونَ عَن هذَا الدّينِ تَحريفَ الضّالّين وانتِحالِ المُبطِلينَ وَتأويلِ الجاهِلينَ، ألا وإنَّ أئِمَّتَكُم وَفدُكُم إلى الله عَزَّ وجَلَّ، فَانظُروا مَن توفِدون»(2).  4 - إنّ تشبيه الرسول الأكرم (ص) الخلفاء الاثني عشر من بعده بنقباء بني إسرائيل، وحواريّي عيسى عليه السلام كما تقدّم، يدلّ على كون الخلفاء أوصياءَ منصّبين بتعيينٍ خاصّ، كما هو الحال بالنسبة لنقباء موسى وحواريّي عيسى عليه السلام، وهذا التنصيب والتعيين


1- تفسير ابن كثير، ج ٢ ، ص ٣4 .
2- الصواعق المحرقة، ص ٢٣١ .

ص:١٨٠ 

يفرضه عظم وحجم المسؤوليّة الملقاة على عاتق النقيب، بحسب تعبير الآية؛ لأنّ النقيب هو الأمين والرئيس الكبير، المقدّم على القوم، الذي يتعرّف أخبارهم، وينقّب عن أحوالهم، ويعرف مناقبهم، ودخيلة أمرهم، ويدبّر مصالحهم. وقد أخرج السيوطي في تفسيره عن ابن جرير بن الربيع: «قال: النقباء: الأُمناء»(1)، ونقل الفخر الرازي في ذيل آية «اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا» : «إنّ النقيب هاهنا فعيلٌ بمعنى مفعول، يعني اختارهم على علم بهم، قال الأصمّ: هم المنظور إليهم، والمسنَد إليهم أُمور القوم وتدبير مصالحهم»(2). كما ورد عن رسول الله (ص) أنّه قال: «اثنا عَشَرَ خَليفَةً، كُلُّهُم يَعمَلُ بِالهُدى وَدينِ الحَقِّ، لا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم»(3). وهذا هو الدور الذي أُنيط بأهل البيت عليهم السلام، كما روي عن عمر، أنّ النبيّ (ص) قال: «في كُلِّ خلوفٍ مِن أُمَّتي عُدولٌ مِن أهلِ بَيتي، يَنفونَ عَن هذَا الدّين تَحريفَ الضّالّينَ وانتِحالَ المُبطِلينَ وَتأويلَ الجاهِلينَ، ألا وإنَّ أئِمَّتَكُم وَفدُكُم إلى الله عَزَّ وجَلَّ، فَانظُروا مَن توفِدونَ»(4). وعلى هذا الأساس يثبت لأوصياء وخلفاء نبيّنا (ص) ما ثبت لأوصياء موسى وعيسى عليهما السلام من التنصيب والتعيين الخاصّ، وهو ما لم يثبت لغير أهل البيت عليهم السلام.  5 - من الخصوصيّات الأُخرى التي سجّلتها روايات الاثني ع-شر هي صفة «بَقاؤُهُم ما بَقِيَ الدّينُ، حَتّى تَقومَ السّاعَةُ» ، وهذه الحقيقة لا تتجسّد إلّا في أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ومن أوضح ما يثبت ذلك: أ - حديث الثقلين: «إنّي تاركٌ فيكُم ما إن تَمَسَّكتُم بِهِ لَن تَضِلّوا بَعدي؛ أحَدُهُما


1- الدر المنثور، جلال الدين السيوطي، ج ٣ ، ص 4٠ .
2- التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج 6 ، صص ١٨٨ و  ١٨٩ .
3- المعجم الكبير، ج ٢ ، صص ١٩6 و  ٢56 ؛ المعجم الأوسط، ج ٣ ، ص ٢٠١ ؛ وانظر: فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨4 .
4- الصواعق المحرقة، ص ٢٣١ ؛ اُنظر: ذخائر العقبى، ص ١٧ ؛ ينابيع المودة، القندوزي، ج ٢ ، ص ١١4 .

ص:١٨١ 

أعظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتابُ اللهِ؛ حبلٌ مَمدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، وعِترَتي أهلَ بَيتي، ولَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ؛ فَانظُروا كَيفَ تُخَلِّفوني فيهِما»(1). والنفي التأبيدي للافتراق بين الكتاب والعترة الطاهرة لا يتحقّق إلّا بديمومة أهل البيت عليهم السلام، وبقائهم ما بقي القرآن والدين، وإلّا فلو فُرض افتقاد أهل البيت عليهم السلام في فترة معيّنة، يلزم من ذلك افتراق القرآن عن العترة، وهو ينافي حديث الرسول الأكرم (ص) . ب - الاعتقاد بوجود الإمام الثاني عشر، وأنّه الإمام المهديّ المنتظر عليه السلام، وأنّه من ولد رسول الله (ص) ، وأنّه حيّ يرزق - كما هو معتقد الشيعة الإماميّة - يسجّل التقاءً جليّاً مع مضمون روايات الخلفاء الاثني عشر في خصوصيّة كون بقائهم ما بقي الدين إلى قيام الساعة، لاسيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأحاديث السابقة الذكر: «لا تَخلُو الأَرضُ مِن حُجَّةٍ» ، و «مَن ماتَ ولَيسَ لَهُ إمامٌ، ماتَ ميتَةً جاهِلِيَّةً» .  6 - من الشواهد التي تكشف عن كون المقصود من الخلفاء الاثني عش-ر هم أهل البيت عليهم السلام، هو أنّ بعض روايات الاثني عشر خليفة نصّت على أنّ الخلفاء الاثني عش-ر كلّهم من بني هاشم، حيث جاء عن جابر بن سمرة عن رسول الله (ص) أنّه قال: «(بَعدي اثنا عَشَرَ خَليفَةً) ، ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الّذي أخفى صوته؟ قال: قال: (كُلُّهُم مِن بَني هاشم)»(2). ولعلّنا لا نجانب الصواب إذا قلنا: إنّ لفظ «كُلُّهُم مِن بَني هاشِمٍ» ، إمّا أن يكون قد أُسقط من باقي الروايات، أو أنّه خفي على الراوي جرّاء حصول الضجّة واللغط في ذلك المجلس الذي ذكر فيه الرسول الأكرم (ص) هذا الحديث، كما خفي عليه لفظ


1- أخرج الحديث مسلم في صحيحه، ج 4 ، ص ١٨٧٣ ، والترمذي في سننه، ج 5 ، صص ٣٢٨  و  ٣٢٩ ؛ وأحمد في مسنده، ج ٣ ، ص 5٩ ؛ وغيرها من المصادر العديدة جدّاً، والحديث متّفق على صحّته بين الفريقين، بل إنّ له طرقاً عديدة جدّاً تصل إلى حدّ التواتر.
2- ينابيع المودة، ج ٢ ، ص ٣١5 .

ص:١٨٢ 

«كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ» فسأل من بجنبه، فأثبت له لفظ «كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ» فقط، ولعلّ الشخص الذي أثبت له اللفظ لم يسمع قول النبيّ (ص) : «كُلُّهُم مِن بَني هاشِمٍ» فلم يثبته له. وإمّا لأجل مآرب وغايات في صدور القوم، مَنعت من إثبات بقية الحديث لجابر، وهذا يعني أنّ لفظ «كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ» لم يسمعها الراوي من لسان النبيّ (ص) مباشرة، وهذا هو ما فهمه القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري، حيث قال: «وعن أبي داود من طريق الشعبي، عن جابر بن سمرة: (لا يَزالُ هذَا الدّينُ عَزيزاً إلى اثنَي عَ-شَرَ خَليفَةً) ، قال: فكبّر الناسُ وضجّوا، فلعلّ هذا هو سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر»(1). ولذا نقول: إنّ الرواية الواردة عن جابر عن رسول الله (ص) هي بعض حديث، ويشهد على ذلك نفس الواقعة، وكيفيّة إثبات الحديث لجابر، حيث جاء فيه: «(لا يَزالُ هذَا الدّينُ عَزيزاً إلى اثنَي عَشَرَ خَليفَةً) ، قال: فكبّر الناسُ وضجّوا، فقال كلمةً خفيّة، فقلت لأبي: يا أبة، ما قال؟ فقال أبي: إنّه قال (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)» (2). وفي رواية أُخرى بلفظ «صمّنيها الناس»(3)، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: «قوله: (فقال كلمة صَمَّنيها الناس) هو بفتح الصاد وتشديد الميم المفتوحة، أي: أصمّوني عنها، فلم أسمعها؛ لكثرة الكلام، ووقع في بعض النسخ: (صمّتنيها الناس) أي: سكّتوني عن السؤال عنها»(4). وجاء ذلك المعنى بألفاظ أخرى من قبيل: «فكبّر الناس وضجّوا»(5)، «فضجّ


1- إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج ١5 ، ص ٢١٢ .
2- فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨١ ؛ وانظر: سنن أبي داود السجستاني، ج 4 ، ص ٨6 .
3- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ١45٣ .
4- شرح صحيح مسلم، النووي، ج ١٢ ، ص ٢٠٣ .
5- سنن أبي داود السجستاني، ج 4 ، ص ٨6 ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٨ ؛ تاريخ بغداد، ج ٢ ، ص ١٢4  و ج ١4 ، ص ٣٩6 .

ص:١٨٣ 

الناس»(1)، وفي لسان آخر: «(اثنا عَشَرَ كُلُّهُم) ، ثمّ لغط القوم، وتكلّموا، فلم أفهم قوله بعد (كلّهم)»  (2). وممّا يؤكّد كون الرواية لم تنقل كاملةً - بل سقطت منها الكلمة التي هي على خلاف أهداف وأهواء القوم - ما أخرجه القندوزي الحنفي عن جابر بن سمرة قال: «كنت مع أبي عند النبيّ (ص) فسمعته يقول: (بَعدِي اثنا عَشَ-رَ خَليفَةً) ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: (كُلُّهُم مِن بَني هاشِمٍ) . وعن سمّاك بن حرب مثله»(3). ومن ذلك يتّضح أنّ كلمة «كُلُّهُم مِن بَني هاشِمٍ» كانت موجودةً في الحديث، ولعلّ الرسول (ص) قال: «كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ مِن بَني هاشِمٍ» ، وهذا ما استشعره بعض علماء السنّة؛ كابن الجوزي، حيث قال في (كشف المشكل) : «قد أطلتُ البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبتُ مظانّه، وسألتُ عنه، فلم أقع على المقصود به؛ لأنّ ألفاظَه مختلفة، ولا أشكّ أنّ التخليط فيها من الرواة»(4). ويدعم هذا القول ما ذهب إليه ابن العربي، بعد عجزه عن تفسير حديث الاثني عشر تفسيراً واقعيّاً، قال: «ولعلّه بعض حديث» (5)، مما يؤكّد سقوط كلمة «كُلُّهُم مِن بَني هاشِمٍ» من الحديث.  ٧ - إنّ المؤهّلات والخصائص الاستثنائيّة التي يمتلكها أهلُ البيت عليهم السلام، والتي يفرضها واقعهم وسيرتهم العمليّة بين المسلمين بإجماع أهل العلم، وعلى جميع المستويات الفكريّة، والإيمانيّة والروحيّة والنفسيّة والرساليّة وغيرها، تحتّم على الباحث المنصف تفسيرَ الحديث بهم، ويمكن أن نلمس ذلك من خلال النصوص


1- مسند أبي عوانة، ج 4 ، ص ٣6٩ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٩٩ ؛ المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ١٩6 .
3- ينابيع المودة، ج ٢ ، ص ٣١5 .
4- نقلاً عن فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨٣ .
5- عارضة الأحوذي في شرح الترمذي، ج ٩ ، ص 6٨ .

ص:١٨4 

القرآنية؛ كآية المودّة، وآية هَل أتى، وآية التطهير والاصطفاء، وغيرها، وكذلك الأحاديث النبويّة؛ من حديث الثقلين، وحديث السفينة، وحديث الكساء، وغيرها. مضافاً إلى أنّ الواقع التاريخيّ الذي برهن وبكلّ وضوح وصدق على عمق تجسيد أئمّة أهل البيت عليهم السلام للمفاهيم الإسلاميّة والرساليّة، وعمق تحمّلهم لأدوارهم، وقيامهم بالمسؤوليّات التي أُوكلت لهم، فإنّ كلّ الدراسات التي عَنيت بتدوين ودراسة التاريخ تؤكّد حقيقة التميّز في شخصيّاتهم، ومؤهّلاتهم العلميّة والقياديّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة وغيرها، لاسيما إذا أبص-رنا تلك التص-ريحات الصادرة من رجاليّين ومؤرّخين وباحثين ممّن عاصروا الأئمّة عليهم السلام، وممّن لم يعاصروهم، فقد أجمعت هذه الكلمات على الاعتراف لأهل البيت عليهم السلام بالموقع المتفرّد والاستثنائي في العلم والورع والخُلُق والفضل والشرف والسموّ والكمال والحَسب والنسَب وأهليّتهم للإمامة والخلافة، وإليك بعض الشواهد على ذلك: أ - قول أحمد بن حنبل: «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) من الفضائل ما جاء لعليّ بن أبي طالب عليه السلام»(1). وفضلُ أمير المؤمنين عليه السلام ودورُه في الإسلام غنيّ عن البيان فلا نطيل فيه الحديث. ب - وأمّا فضل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، ودورهما في الإسلام، ودفاعهما عن شريعة جدّهما (ص) ، وما قاما به من إصلاحٍ في الأُمّة الإسلاميّة، ووقوفهما سدّاً منيعاً أمام كلّ المحاولات التي تستهدف النيل من الرسالة الإسلاميّة، لما يحملانه من خصائص ومميّزات، وقد تواترت الروايات في علوّ شأنهما وسموّ مقامهما؛ كلّ ذلك جعل لهما الدورَ الفاعل في التأثير البليغ في المسلمين، سواء على الصعيد الفكري، أو الاجتماعي، أو غيرهما، كلّ ذلك في زمنٍ أصبحت الحياةُ الإسلاميّة فيه مس-رحاً للخلافات، والجرائم والآثام، وأصبحت فيه الحكومةُ ملكاً عضوضاً يتوارثه بنو أُميّة


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٠٧ .

ص:١٨5 

فيما بينهم بالقهر والغلبة، وقد انبرى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام في ذلك الحين لمعالجة الواقع المرير. وقد جاء في مجامع أحاديث السنّة أنّ رسول الله (ص) قال في حقّ ابنه الحسن عليه السلام: «إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أن يُصلِحَ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ عَظيمَتَينِ مِنَ المُسلِمينَ»(1). وقال (ص) في حقّ ابنه الحسين عليه السلام: «حُسَينٌ مِنّي وأنَا مِنهُ، أحَبَّ اللهُ مَن أحَبَّهُ، الحَسَنُ والحُسَينُ سِبطانِ مِنَ الأَسباطِ»(2). ولذا قام الإمام الحسين عليه السلام ثائراً على الظلم، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مُضحّياً بنفسه وأهل بيته في سبيل إعلاء كلمة الحقّ، طالباً الإصلاحَ في أُمّة جدّه (ص) عندما لاحظ الممارسات البعيدة عن روح الدين والأخلاق من قبل الحكومة آنذاك، حينما اتّخذت الإسلامَ ستاراً لتغطية جرائمها وممارساتها المتهتّكة، ولذا قال عليه السلام عندما خرج متوجّهاً إلى الكوفة: «إنّي لَم أخرُج أشِراً ولا بَطِراً، ولا مُفسِداً ولا ظالِماً، وإنَّما خَرَجتُ أطلُبُ الإِصلاحَ في أُمّةِ جَدّي مُحَمَّدٍ (ص) ، أُريدُ أن آمُرَ بِالمَعروفِ وأنهى عَنِ المُنكَرِ»(3). وقد قال الذهبيّ في مدحهما وبيان موقعهما القياديّ في الأُمّة (ص) : «فمولانا الإمامُ عليّ من الخلفاء الراشدين، وابناه الحسنُ والحسينُ فسبطا رسول الله (ص) ، وسيّدا شباب أهل الجنّة، لو استُخلفا لكانا أهلاً لذلك»(4). ولا نطيل الحديث في ذلك بعد أن ثبت أنّهما عليهما السلام إمامان قاماً أو قعداً.


1- صحيح البخاري، ج ٢ ، ص ١٧٩ ؛ الصواعق المحرقة، ص ٢٩١  وغيرها من المصادر.
2- المعجم الكبير، ج ٣ ، ص ٣٢  و ج ٢٢ ، ص ٢٧4 ؛ الجامع الصغير، ج ١ ، ص 5٧5 ؛ فيض القدير، ج ٣ ، ص 5١٣ ؛ التاريخ الكبير، البخاري، ج ٨ ، ص 4١5 ؛ البداية والنهاية، ج ٨ ، ص ٢٢4 , وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير في حكمه على الحديث: «حسن» ، ج ١ ، ص 6٠٢ ، وغيرها من المصادر.
3- مقتل الحسين، الخوارزمي، ص ٢٧٣ ؛ الفتوح، ابن أعثم الكوفي، ج 5 ، ص ٢١ .
4- سير أعلام النبلاء، ج ١٣ ، ص ١٢٠ .

ص:١٨6 

ج - قول مالك في الإمام زين العابدين عليه السلام: «سُمّي زينَ العابدين لكثرة عبادته»(1). د - قول أبي حنيفة عندما سئل: من أفقه من رأيت؟ قال: «ما رأيتُ أحداً أفقه من جعفر بن محمّد»(2). ه - قول الذهبي في ترجمته للإمام المهديّ المنتظر عليه السلام: «ومحمّدٌ هذا هو الذي يزعمون أنّه الخلف الحجّة، وأنّه صاحب الزمان، وأنّه حيٌّ لا يموت حتّى يخرجَ فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً؛ فوددنا ذلك - والله - فمولانا عليّ: من الخلفاء الراشدين، وابناه الحسن والحسين: فسبطا رسول الله (ص) ، وسيّدا شباب أهل الجنّة، لو استُخلفا لكانا أهلاً لذلك، وزين العابدين: كبير القدر، ومن سادة العلماء العاملين يصلح للإمامة، وكذلك ابنه أبو جعفر الباقر: سيّدٌ إمام، فقيه، يصلح للخلافة، وكذا ولده جعفر الصادق: كبير الشأن، من أئمّة العلم، كان أولى بالأمر من أبي جعفر المنصور، وكان ولده موسى: كبير القدر، جيّد العلم، أولى بالخلافة من هارون، وابنه عليّ بن موسى الرضا: كبير الشأن، له علم وبيان، ووقع في النفوس، صيّره المأمون وليّ عهده لجلالته، وابنه محمّد الجواد: من سادة قومه، وكذلك ولده الملقب بالهادي: شريف جليل، وكذلك ابنه الحسن بن عليّ العسكري، رحمهم الله تعالى»(3).  ٨  - إنّ من الملاحم التي نصّت عليها أحاديث الاثني ع-شر خليفة، هو حصول المعاداة والخذلان لأُولئك الخلفاء بعد رسول الله (ص) ؛ كالتعبير بأنّهم «لا يَ-ضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم» ، و «لا تَضُرُّهُم عَداوَةُ مَن عاداهُم» . ولا يخفى أنّه جرى على أهل البيت عليهم السلام ما لم يجر على غيرهم من خذلان ومعاداة؛ ابتداءً من أمير المؤمنين عليه السلام، والإمام الحسن والحسين عليهما السلام، ومن بعدهم العترة الطاهرة


1- نور الأبصار، الشبلنجي، ص ١٩١ .
2- سير أعلام النبلاء، ج 6 ، ص ٢5٧ . تذكرة الحفاظ، ج ١ ، ص ١66 .
3- سير أعلام النبلاء، ج ١٣ ، صص ١٢٠  و  ١٢١ .

ص:١٨٧ 

من أبناء الحسين عليهم السلام، وقد تنبّأ بذلك رسول الله (ص) عندما قال: «إنّا أهلُ بَيتٍ اختارَ اللهُ لَنا الآخِرَةَ عَلى الدُّنيا، وإنَّ أهلَ بَيتي سَيَلقَونَ بَعدي بَلاءً وتَشريداً وتَطريداً»(1). وهذا شاهد آخر، يدعم كون الخلفاء الاثني عشر هم أهل البيت عليهم السلام، حيث خُذل أميرُ المؤمنين عليه السلام بعد أن عهِد إليه رسول الله (ص) بالولاية أمام جموع الناس في واقعة الغدير وغيرها، وقد تنبّأ أيضاً رسولُ الله (ص) بذلك الخذلان عندما قال وهو آخذ بضبع عليّ بن أبي طالب عليه السلام: «هذا أميرُ البَرَرَةِ، قاتِلُ الفَجَرَةِ، مَنصورٌ مَن نَصَرَهُ، مَخذولٌ مَن خَذَلَهُ»(2). وقول رسول الله (ص) له: «إنَّ الأُمَّةَ سَتَغدُرُ بِكَ بَعدي»(3). وكذا الإمام الحسن عليه السلام، حيث خذلته الأُمّة، حتّى تمكّن معاويةُ من السلطة، ودسّ إليه السّم فقُتل شهيداً مظلوماً. وأمّا الإمام الحسين عليه السلام، فلا يخفى كيفيّة خذلان الأُمّة له ولأصحابه السبعين نفراً، حتّى قتلوهم، وسبوا نساءهم وذراريهم، وحملوهم إلى طاغية عصره يزيد بن معاوية. وأمّا بقيّة الأئمّة عليهم السلام، فلا يخفى ما عانوه من جرّاء الظلم، والتضييق عليهم، وزجّهم في السجون من قبل السلطات الحاكمة، فكانوا ما بين مسموم وسجين و. . . . وعلى الرغم من كلّ المحاولات التي استهدفت طمس معالمهم، وإخفاء حقيقتهم


1- سنن ابن ماجة، ج ٢ ، ص ١٣66 ، وقد قوّاه من طريق صاحب المستدرك؛ المصنّف، ابن أبي شيبة الكوفي، ج ٧ ، ص 5٢٧ ؛ كتاب السنّة، ص 6١٩ ؛ الدّر المنثور، ج 6 ، ص 5٨ . ميزان الاعتدال، ج ٢ ، ص 4١6 ، ذكرها بطرق مختلفة ومتعددة، ولم يضعّفها؛ سير أعلام النبلاء، ج 6 ، ص ١٣١ ؛ لسان الميزان، ج ٣ ، ص ٢٨٢ .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢٩ ، قال عقبه: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» . تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج ٣ ، ص ١٨١ ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ١5 ، ص ٨٨ .
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، صص ١4٢ و  ١4٣  قال عقبه: «صحيح» ؛ البداية والنهاية، ج 6 ، ص ٢44 ؛ دلائل النبوّة، أبونعيم، ج 6 ، ص 44٠ ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، صص 44٧  و  44٨ ؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 4 ، ص ١٠٧ .

ص:١٨٨ 

ودورهم، إلّا أنّهم عليهم السلام مارسوا دورهم على أكمل وجه، وحافظوا على الخطّ الإسلامي الأصيل المتمثّل بتربية أُمّة صالحة، على العكس من الحكومات الظالمة آنذاك، التي اكتفت برفع شعار الإسلام؛ لتمرير مخطّطاتها وأهدافها.  ٩ - إنّ الصخب، واللغط، والضجّة المفتعلة، وقيام القوم وقعودهم، وتصميتهم لجابر والحاضرين، يثير الانتباه، ويستدعي الريب، ويكشف أنّ في الأمر شيئاً لا يريد القوم وصوله إلى مسامع الحاضرين، ولم تكن هذه الحادثة فريدة نوعها، بل فعل ذلك القوم أيضاًً عندما ضجّوا، وتنازعوا عند رسول الله عليهما السلام حينما قال: «ايتوني بِدَواةٍ وكَتِفٍ أكتُب لَكُم كِتاباً لَن تَضِلّوا بَعدي أبَداً» . فوقعت حينها الضجّة المفتعلة، حتّى قال بعضهم: «إنّ النبيّ ليهجر» ! ! وليس ذلك إلّا للحرص على الخلافة، وطمعاً بالملك والسلطان والإمارة، وهو الذي قد أخبر عنه رسول الله (ص) حين خاطب أصحابه بقوله: «إنَّكُم سَتَحرِصونَ عَلى الإِمارَةِ، وسَتَكونُ نَدامَةً يَومَ القِيامَةِ، فَنِعمَ المُرضِعَةُ وبِئسَتِ الفاطِمَةُ»(1).  ١٠ - إنّ حديث ابن مسعود المتقدّم يكشف عن أنّ الصحابة هم الذين سألوا رسول الله (ص) عن الخلفاء من بعده، وهذا يلفت النظر إلى نقطتين: أ - إنّه ليس من المنطقي أن يسأل الصحابة رسول الله (ص) عن الأُمراء الذين يتسلّطون على رقاب الناس بالقهر والغلبة، وهو ذلك الرسول العظيم الذي ختم الرسالات فلا نبيّ بعده. إذن لابدّ أن يكون السؤال عن الخلفاء الذين نصّبهم رسول الله (ص) من بعده؛ وهم أهل بيته عليهم السلام بنصّ حديث الغدير وحديث الثقلين وغيرهما، وهذا ديدن وطريقة اعتادها الصحابة آنذاك، فقد سألوا أبا بكر وعمر عن الذي يلي الأمر من بعدهما.


1- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ٣55 .

ص:١٨٩ 

ب - إنّ النبيّ (ص) أراد من الإمرة والخلافة من يكون مؤهّلاً ومستحقّاً لها، فلا معنى لحمل الحديث على أمثال معاوية ويزيد ومروان والوليد وأمثالهم، الذين عاثوا في الأرض فساداً، ولعبوا بمقدّرات الأُمّة الإسلاميّة بما شاءوا ورغبوا، فالمراد من الخليفة هو من يستمدّ سلطته من الشارع الأقدس، ومن أجل ذلك ذكر شارح سنن أبي داود في شرحه (عون المعبود) أنّ: «السبيل في هذا الحديث، وما يتعقّبه في هذا المعنى أن يُحمل على المقسطين منهم، فإنّهم هم المستحقّون لاسم الخليفة على الحقيقة»(1).  ١١ - بعد أن صدع رسول الله (ص) في حجّة الوداع بذكر الخلفاء من بعده، وأنّهم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش ومن بني هاشم، وكلّهم يعمل بالهدى ودين الحقّ، لم يكتفِ بذلك - ولعلّه لِما حصل من الضجّة واللغط المفتعل - بل قام خطيباً، بعد رجوعه من حجّة الوداع في طريقه إلى المدينة في غدير خُمّ، ونصب عليّاً خليفةً من بعده، فعيّن أوّلَ خليفة من الخلفاء الاثني عشر، وبادر بعد ذلك قائلاً: «إنّي تارِكٌ فيكُم الخَليفَتَينِ مِن بَعدي؛ كِتابَ الله وعِترَتي أهلَ بَيتي، وإِنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ»(2). حينها عرف الناس من هم الخلفاء بعد رسول الله (ص) فأتمّ بذلك الحجّة على الخلق، لكي يسدّ بذلك منافذ الريب والتشكيك، ولئلّا يقول أحد: إنّي لم أسمع، أو خفي عليّ، أو صمّنيها أو صمّتنيها الناس!  ١٢ - ما ورد من الأحاديث المتظافرة التي نصّت على إمامة أهل البيت عليهم السلام والتي تناولت الأئمّة الاثني عش-ر بذكر أسمائهم على نحو التفصيل، ومن جملة هذه الاحاديث:


1- عون المعبود، العظيم آبادي، ج ١١ ، ص ٢45 .
2- المصنّف، ابن أبي شيبة الكوفي، ج 6 ، ص ٣٠٩ ؛ كتاب السنّة، صص ٣٣٧  و 6٢٩ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ١٨٢ ؛ المعجم الكبير، ج 5 ، صص ١5٣  و ص ١54 ؛ مجمع الزوائد، ج ١ ، ص ١٧٠ ، . قال عقبه: «رواه الطبراني ورجاله ثقات» ؛ ج ٩ ، صص ١6٢  و  ١6٣ ، وقال عقبه: «رواه أحمد وإسناده جيد» ؛ الجامع الصغير، ج ١ ، ص 4٠٢ ؛ الدرّ المنثور، ج ٢ ، ص ٢٨5 .

ص:١٩٠ 

أ- ما جاء في فرائد السمطين للحمويني المصري(1): «عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: قدم يهوديّ على رسول الله (ص) يقال له: نعثل، فقال: يا محمّد، إنّي أسألك عن أشياء - إلى أن قال -: فأخبرني عن وصيّك من هو؟ فما من نبيّ إلّا وله وصيّ، وإنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون، فقال: (نَعَم، إنَّ وَصِيّي والخَليفَةَ مِن بَعدي عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ عليه السلام، وبَعدَهُ سِبطايَ: الحَسَنُ ثُمَّ الحُسَينُ، يَتلوهُ تِسعَةٌ مِن صُلبِ الحُسَينِ أئِمَّةٌ أبرارُ) ، قال: يا محمّد فسمّهم لي؟ قال: (نَعَم، إذا مَضى الحُسَينُ فابنُهُ عَلِيُّ، فَإذا مَضى عَلِيٌّ فَابنُهُ مُحَمَّدٌ، فَإذا مَض-ى مُحّمَّدٌ فَابنُهُ جَعفرٌ، فَإذا مَضى جَعفرٌ فَابنُهُ موسى، فَإذا مَضى موسى فَابنُهُ عَلِيٌّ، فَإذا مَض-ى عَلِيٌّ فَابنُهُ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ ابنُهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ ابنُهُ الحَسَنُ، ثُمَّ الحُجَّةُ بنُ الحَسَن؛ أئِمَّةٌ عَدَدَ نُقَباءِ بَني إسرائيلَ، فَهذِهِ اثنا عَشَرَ)»(2). ب - ونقل الحمويني أيضاً في فرائده، عن رسول الله (ص) ، قال: «أيُّهَا النّاسُ! إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرني أن أنصِبَ لَكُم إمامَكُم، وَالقائِمَ فيكُم بَعدي، ووَصِيّي، وخَليفَتي. . . ولكنَّ أوصِيائي مِنهُم: أَوَّلُهُم أخي، ووَزيري، ووارثي، وخَليفَتي في أُمَّتي، ووَلِيُّ كُلِّ مُؤمِنٍ بَعدي، هُوَ أَوَّلُهُم ثُمَّ ابنِيَ الحَسَنُ، ثُمَّ ابنِيَ الحُسَينُ، ثُمَّ التِّسعَةُ مِن وِلدِ الحُسَينِ، واحِداً بَعدَ واحِدٍ حَتّى يَرِدوا عَلَيَّ الحَوضَ. .»(3). وهكذا ينقل الحمويني ذلك في مواطن عديدة، وروايات عديدة وبطرق مختلفة، فراجع. ج - الحافظ أبو محمّد بن أبي الفوارس في كتابه (الأربعين)(4)، فقد أخرج أيضاً ذكر


1- أطرى عليه الذهبي ت/  ٧4٨ ه - في تذكرة الحفاظ ؛ حيث قال: «الإمام المحدّث الأوحد الأكمل فخر الإسلام، صدر الدين، إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن حمويه الخراساني الجويني شيخ الصوفية. . . كان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الأجزاء، حسن القراءة، مليح الشكل مهيباً، ديناً صالحاً، مات سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة» ، ج 4 ، ص ١5٠6 .
2- فرائد السمطين، الحمويني، ج ٢ ، ص ١٣٣  و ١٣4 ، وبنفس الألفاظ ما جاء في ينابيع المودة، ج ٣ ، ص ٢٨٢ .
3- فرائد السمطين، ج ١ ، صص ٣١5  -  ٣١٨ .
4- الأربعين، ابن أبي الفوارس، ص ٣٨ ، نقلاً عن شرح احقاق الحق للسيّد المرعشي، ج ١٣ ، ص 5٩ .

ص:١٩١ 

الخلفاء من أهل بيت النبيّ (ص) بأسمائهم. د - العلّامة أبو مؤيّد موفق بن أحمد، المتوفّى (سنة  56٨ ه) في كتابه (مقتل الحسين) ، حيث ذكر الخلفاء أيضاً بأسمائهم المتقدّمة(1). ه - العلّامة فاضل الدين محمّد بن محمّد بن إسحاق الحمويني الخراساني في (منهاج الفاضلين)(2). و - الحمويني في (درر السمطين)(3). ز - العلّامة الشيخ إبراهيم بن سليمان في كتاب (المحجّة على ما في ينابيع المودّة)(4)، ذكرهم أيضاً بأسمائهم عن رسول الله (ص) . ح - العلّامة المولى محمّد صالح الكشفي الحنفي الترمذي، في كتابه (المناقب الرضويّة)(5). إلى غير ذلك من الروايات التي تؤكّد هذا المعنى. وعلى ضوء ما سلف يتحصّل: إنّ العترة الطاهرة يمثّلون امتداداً طبيعيّاً لحركة الرسول الأكرم (ص) في جميع أبعاد الحياة، وقد فرضوا شخصيّتهم رغم أنف الأعداء، وقد أجمعت الأُمّة على أعلميّتهم وأهليّتهم للخلافة، وأنّهم الأُسوة الحسنة، ويُعد ذلك من أفضل الأدلّة لإثبات أحقّيتهم، وأهليّتهم للإمامة والقيادة، وعصمتهم؛ لأنّهم عليهم السلام جسّدوا النظريّة الإسلاميّة على الواقع العملي، فعندما نرصد حياة الأئمة عليهم السلام، و كيف كانوا إسلاماً متحرّكاً على الأرض، وقرآناً ناطقاً يعيش بين الناس، نستنتج مباشرةً أنّ هذا المستوى الرفيع من الأُسوة والقدوة لا يمكن أن تعكسه إلّا شخصيّات معصومة، استجمعت


1- مقتل الحسين، الخوارزمي، صص ١46  و  ١4٧ .
2- منهاج الفاضلين، الحمويني، ص ٢٣٩ ، نقلاً عن شرح إحقاق الحق، ج ١٣ ، ص 6٨ .
3- درر السمطين، الحمويني، ص ٧٢٢ ، نقلاً عن شرح إحقاق الحق، ج 4 ، صص ٩٣  و  ٩4 .
4- المحجة على ما في ينابيع المودة، الشيخ هاشم بن سليمان، ص 4٢٧ .
5- المناقب المرتضوية، محمّد صالح الترمذي، ص ١٢٧ .

ص:١٩٢ 

فيها الصفات التي تؤهّلها لأن تكون منبع الهداية للبشرية، لذا أجمعت الأُمّة على أنّ هؤلاء العترة لهم من الخصائص والمميّزات ما لم تكن لغيرهم، رغم ما عانوه من ظلم واضطهاد، فهم الذين تنطبق عليهم خصوصيات الاثني عشر، التي بيّنها النبيّ (ص) في أحاديث الاثني عشر المتقدّمة. لكن - وللأسف الشديد - فإنّ أصحاب المطامع آلوا على أنفسهم إلّا أن يُقصوا وينحّوا أهلَ البيت عليهم السلام عن مناصبهم ومراتبهم التي رتّبهم الله فيها، ولم يكتفوا بذلك بل تمادَوا في تعريض أهل البيت عليهم السلام لألوان الظلم والاضطهاد، والمعاملة السيّئة الفظّة الغليظة، التي يندى لها الجبين، وت-عتصر منها القلوب ألماً ومرارة، ولم يكن لهم ذنبٌ سوى أنّهم كانوا الامتداد الإلهي لخطّ الرسالة، وكانوا أُمناءها، والرقباء عليها، فهم الثقل الموازي للقرآن الكريم. وممّا تقدّم تتّضح الإجابة على ما قد يقال من أنّ وصف عزّة الإسلام بأُولئك الخلفاء الاثني عشر لا ينطبق على أئمّة الشيعة، حيث إنّ الموقع السامي والريادي والمكانة العظيمة التي يمتلكها أهل البيت عليهم السلام في نفوس الأُمّة الإسلاميّة هي التي حفظت للإسلام عزّته، وهذا ما أكّده علماء السنّة في أغلب كتبهم. مضافاً إلى أنّ عزّة الإسلام وصلاحه وبقائه إلى قيام الساعة، من المهامّ، والوظائف الأساسيّة التي أناط رسولُ الله (ص) مسؤوليتَها وتحقيقَها بأهل البيت عليهم السلام، كما يكشف عن ذلك حديث الثقلين وحديثُ الغدير، وأنّهم عدلُ القرآن، وأنّ النجاة والأمان والعزّة عند الله لا تُنال إلّا بالاعتصام والتمسّك بهم، ومن يتبعهم يكون عزيزاً بعزّة الله، مرضيّاًعنده تعالى. كما أخرج ذلك الحاكم في مستدركه، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (ص) : «النُّجومُ أمانٌ لِأَهلِ الأَرضِ مِنَ الغَرَقِ، وأهلُ بَيتي أمانٌ لِأُمَّتي مِنَ الاِختِلافِ، فَإِذا خالَفَتها قَبيلَةٌ مِنَ العَرَبِ اختَلَفوا فَصاروا حِزبَ إبليسَ» (1) .  


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٩ .

ص:١٩٣ 

وقد صحّحه الحاكم، قال: «هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»(1). وبنفس المضمون ما ورد في عدّة كثيرة من المصادر عن عمر: أنّ النبيّ (ص) قال: «في كُلِّ خلوفٍ مِن أُمَّتي عُدول من أهلِ بَيتي، يَنفونَ عَن هذَا الدّين تَحريفَ الضّالّينِ، وَانتِحالَ المُبطِلينَ، وتَأويلَ الجاهِلينَ، ألا وإنَّ أئِمَّتَكُم وَفدُكُم إلى الله عَزَّوجَلَّ، فَانظُروا مَن توفِدونَ»(2). وعن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول (ص) : «مَن سَرَّهُ أن يَحيا حَياتي، ويَموتَ مَماتي، ويَسكُنَ جَنَّةَ عَدن غَرَسَها رَبّي، فَليُوالِ عَلِيّاً، وَليُوالِ وَلِيَّهُ، وَليَقتَدِ بِالأَئِمَّةِ مِن بَعدي؛ فَإِِنَّهُم عِترَتي، خُلِقوا مِن طينَتي، رُزِقوا فَهماً وعِلماً، وَيلٌ لِلمُكذِّبينَ بِفَضلِهِم مِن أُمَّتي، القاطِعينَ فيهِم صِلَتي، لا أنالَهُمُ اللهُ شَفاعَتي»(3). وعن عمّار بن ياسر، قال رسول الله (ص) : «أُوصي مَن آمَنَ بي وصَدَّقَني بِوَلايَةِ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ؛ مَن تَوَلّاهُ فَقَد تَوَلّاني، ومَن تَوَلّاني فَقَد تَوَلّى اللهَ عَزَّ وجَلَّ، ومَن أحَبَّهُ فَقَد أحَبَّني، ومَن أحَبَّني فَقَد أحَبَّ اللهَ تَعالى، ومَن أبغَضَهُ فَقَد أبغَضَني، ومَن أبغَضَني فَقَد أبغَضَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ» . أورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال: «رواه الطبراني بإسنادَين أحسب فيهما جماعة ضعفاء، وقد وثّقوا»(4). وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق بطرق كثيرة(5). وعن وهب بن حمزة، قال:


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٩ .
2- ذخائر العقبى، ص ١٧ ؛ الصواعق المحرقة، ص ٣5٢ ؛ رشفة الصادي، أبو بكر الحضرمي، ص ١٧ ؛ ينابيع المودة، ج ٢ ، ص ١١4 .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٢4٠ ؛ حلية الأولياء، ج ١ ، ص ٨6 .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، صص ١٠٨ و  ١٠٩ .
5- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٢٣٩ ، وما بعدها.

ص:١٩4 

«صحبت عليّاً إلى مكّة فرأيتُ منه بعض ما أكره، فقلت: لئن رجعت لأشكونّك إلى رسول الله (ص) ، فلمّا قدمت لقيت رسولَ الله (ص) فقلت: رأيتُ من عليٍّ كذا وكذا، فقال: لا تَقُل هذا، فَهُوَ أولى النّاسِ بِكُم بَعدي)» (1). وعن زيد بن أرقم، قال: قال النبيّ (ص) : «مَن أحَبَّ أن يَحيا حَياتي، ويَموتَ مَوتَتي، ويَسكُنَ جَنَّةَ الخُلدِ الَّتي وَعَدَني رَبّي، فَإِنَّ رَبّي عَزَّ وجَلَّ غَرَسَ قَصَباتِها بِيَدِهِ؛ فَليَتَوَلَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ، فَإِنَّهُ لَن يُخرِجَكُم مِن هَديي، ولَن يُدخِلَكُم في ضَلالَةٍ»(2). وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وقال عنه: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»(3). إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة، والروايات المتواترة معنىً ومضموناً، مع صحّتها وصراحتها، وأدنى ما نُجيب عمّن أراد التشكيك بها: أنّها تفيد القطع واليقين؛ لتعدّد ألفاظها، وكثرة طرقها، والمصادر التي نقلتها، فهي أحاديث نبويّة يقوّي بعضُها بعضاً لإثبات مضمونها بالقطع واليقين، وهو وجوب التمسّك بولاية أهل البيت عليهم السلام، واتّباع هَديِهم. فعزّة الإسلام إذن، والحفاظ على وجوده الحقيقي وقيمه ومبادئه الأصيلة، تتحقّق بأهل البيت عليهم السلام وباتّباع منهجهم الداعي إلى التقوى والإخلاص والاستقامة والصلاح وغيرها من المعارف الروحيّة والقيم الأخلاقيّة، وليست عزّة الإسلام بالتظاهر بالإسلام، واتّخاذه شعاراً للتسلّط على رقاب الناس بالقهر والغلبة! ومن هنا نجد أنّ الحكم الإسلاميّ على يد الظلمة تحوّل إلى ما كان عليه قبل الإسلام من كونه مُلكاً عضوضاً لايحمل من قيم الإسلام شيئاً.


1- المعجم الكبير، ج ٢٢ ، ص ١٣5 ؛ مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٠٩ ؛ فيض القدير، ج 4 ، صص 4٧٠  و 4٧١ .
2- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ١٩4 .
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٣٠ .

ص:١٩5 

وممّا تقدّم تتّضح الإجابة على ما قد يقال من أنّ الوارد في الحديث هو: «كُلُّهُم تَجتَمِعُ عَلَيهِ الأُمَّةُ» ، والحال أنّ أهل البيت عليهم السلام ما اجتمعت عليهم الأُمّة. وحاصل الجواب: هو أنّ هذه الجملة لم ترد إلّا في رواية أبي خالد، عن جابر (الطريق السادس) التي أخرجها أبو داود في سننه، وقد تفرّد بها، مضافاً إلى أنّ بعضهم - كالألباني - قد ضعّف رواية أبي خالد؛ حيث قال في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) : «وهذا سند ضعيف، رجاله كلّهم ثقات غير أبي خالد هذا، قال الذهبي: "ما روى عنه سوى ولده"، وقد صحّح له الترمذي، وفي (التقريب) أنّه مقبول؛ يعني ليّن الحديث. . . قلت: و قد تفرّد بهذه الجملة: (كُلُّهُم تَجتَمِعُ عَلَيهِ الأُمَّةُ)»  (1). والتضعيف ذاته ذكره أيضاً في تعليقته على سنن أبي داود، حيث قال بعد أن أورد الحديث: «صحيح، دون قوله: (تَجتَمِعُ عَلَيهِ الأُمَّةُ)»(2). وهذا هو الأقرب للصواب؛ إذ إنّ أبا خالد قد وثّقه أبو حاتم، وابن حبّان، والذهبي كما تقدّم، وصدرُ روايتِه: «لا يَزالُ هذَا الدّينُ قائِماً حَتّى يَكونَ عَلَيكُم اثنا عَشَرَ خَليفَةً» قد ورد في كثير من الأحاديث الصحيحة كما تقدّم. نعم، قوله: «كُلُّهُم تَجتَمِعُ عَلَيهِ الأُمَّةُ» ، لا يمكن الأخذ به؛ لتفرّده به، ولقدح بعضهم فيه. وممّا يؤيّد عدم صحّة صدور هذه العبارة من النبيّ (ص) هو عدم انطباقها على الواقع أصلاً، حيث لم نجد شخصاً اجتمعت عليه الأُمّة بعد رسول الله (ص) ، بل البعضُ ممّن ادعي كونُه من الخلفاء الاثني عشر لم يجتمع عليه أغلبُ الأُمّة، فضلاً عن جميعها؛ ولذا قال ابنُ كثير في البداية والنهاية: «فإن قال: أنا لا أعتبر إلّا من اجتمعت الأُمّة عليه، لزمه على هذا القول أن لا يعدّ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ولا ابنه؛ لأنّ الناس لم يجتمعوا عليهما؛ وذلك أنّ أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما. . . ولم يقيّد بأيّام مروان،


1- سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج ١ ، ص ٧٢٠ .
2- سنن أبي داود، ج ٢ ، ص 5٠٨ ،

ص:١٩6 

ولاابن الزبير؛ لأنّ الأمّة لم تجتمع على واحد منهما»(1). وهذا ما اعترف به ابن حجر العسقلاني أيضاً في فتح الباري(2). مضافاً إلى أنّ أكثر من أدّعي اجتماع الأُمّة عليه؛ كيزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، والوليد، ومروان الحمار، وغيرهم، لم يكن متوفّراً على خصائص الخلفاء الاثني عشر، من كونهم يعملون بالهدى ودين الحق، وأنّهم قيّمون على الدين، والدين قائم بهم، وغير ذلك من الصفات السامية، التي تقدّم ذكر بعضها.

أقوال علماء السنّة في دلالة حديث الاثني عشر خليفة

بعد أن اتّفق المسلمون على هذه الحقيقة التي كَشف النقابَ عنها رسولُ الله (ص) ، وأنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، نجد أنّ الكثير من محدّثي ومفّسري أهل السنّة واجهوا إشكاليّة صعبة في تعيين الخلفاء الاثني عشر؛ لأنّهم من جهة إن أخذوا بظواهر النصوص الواردة في الخلفاء الاثني عشر، فإنّ ذلك يتناقض ويتنافى مع ما تسالموا عليه في مسألة الخلافة لديهم، ولما رووه صحيحاً عن رسول الله (ص) من أنّ الخلافة من بعده ثلاثون عاماً، ثمّ تكون ملكاً عضوضاً، ومن جهة أُخرى فإنّ رفض هذه النصوص لاتسمح به القوّة السَنَديّة التي تملكها، وعلى هذا الأساس تباينت الآراء، وتناقضت التفاسير حول هذه الحقيقة، وتضاربت التص-ريحات والردود بعضها مع البعض الآخر، فتجدهم تارةً يعبّرون ب-: (وقع لي فيه شيء) ، أو: (قيل) ، أو: (الذي يغلب على الظنّ) ، أو: (والله أعلم بمراد نبيّه) ، وإكثارهم من قول: (والله أعلم) بين الحين والآخر، ممّا يكشف عن تخبّطهم وحيرتهم في تفسير حديث الخلفاء تفسيراً واقعيّاً صحيحاً، وإليك أبرز تلك المحاولات التفسيريّة:  ١ - قال ابن العربي: «فعددنا بعد رسول الله (ص) اثني عش-ر أميراً فوجدنا أبا بكر،


1- البداية والنهاية، ج 6 ، ص ٢٨٠ .
2- فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨٢ .

ص:١٩٧ 

وعمر، وعثمان، وعليّاً، والحسن، ومعاوية، ويزيد، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك بن مروان، والوليد بن عبد الملك، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، ومروان بن محمّد بن مروان، والسفّاح. . .» إلى أن قال: «وإذا عددنا منهم اثني عشر انتهى العددُ بالصورة إلى سليمان، وإذا عددناهم بالمعنى كان معنا منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، ولم أعلم للحديث معنى! !»(1).  ٢ - قال ابن المهلّب: «لم ألقَ أحداً يقطع في هذا الحديث - يعني بش-يء معيّن - فقوم قالوا: يكونون بتوالي إمرتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد كلّهم يدّعي الإمارة -قال: - والذي يغلب على الظنّ أنّه (عليه الصّلاة والسلام) أخبر بأعاجيب تكون بعده من الفتن، حتّى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميراً، قال: ولو أراد غير هذا لقال يكون اثنا عشر أميراً يفعلون كذا، فلمّا أعراهم من الخبر عرفنا أنّه أراد أنّهم يكونون في زمن واحد» . وعلّق ابنُ حجر على ذلك بقوله: «وهو كلام من لم يقف على شيء من طرق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاري هكذا مختصرة»(2).  ٣  - قال السيوطي: «فقد وجد من الاثني عشر خليفة: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يُضمّ إليهم المهتدي من العباسيّين؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أُميّة، وكذلك الطاهر؛ لما أُوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظَران: أحدهما المهديّ؛ لأنّه من آل بيت محمّد (ص)» (3). وقد علّق عليه الأُستاذ أبو ريّة بقوله: «ولم يبيّن المنتظر الثاني! ! ورحم الله من قال في


1- شرح صحيح الترمذي، ابن العربي، ج ٩ ، ص 6٨ .
2- فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨٢ .
3- تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ص ١6 .

ص:١٩٨ 

السيوطي: إنّه حاطب ليل(1)»(2).  4  - قال ابن حجر، عن أبي الحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي: «يحتمل في معنى حديث (يَكونُ اثنا عَشَرَ خَليفَةً) أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وجدتُ في كتاب دانيال: (إذا ماتَ المهديُّ ملكَ بعدَه خمسةُ رجال من وُلدِ السبط الأكبرِ، ثمّ خمسةٌ من وُلدِ السِّبطِ الأصغرِ، ثمّ يوصي آخرُهم بِالخلافة لرجلٍ من وُلدِ السِّبطِ الأكبرِ، ثمّ يملِكُ بعدَه ولدَه، فيتمُّ بذلك اثنا عشر مَلكاً، كلّ واحدٍ منهُم إمامٌ مَهدِيٌّ)»(3). ولعلّ ذلك القائل بأنّ الاثني عش-ريّة فكرة يهوديّة أخذها الشيعة من كتاب دانيال عليه السلام، لم يكن مطّلعاً على كلام ابن حجر العسقلاني، فمن الواضح من خلال هذا النصّ أنّ علماء السنّة كأبي الحسين بن المنادي هم الذين رجعوا إلى كتاب دانيال لمحاولة إيجاد تفسير ل- «اثنَي عَشَرَ خَليفَةً» . وقد ردّ ابنُ حجر كلام ابن المنادي، قال: «والوجه الذي ذكره ابن المنادي ليس بواضح»(4).  5 - قال النووي: «وقال القاضي عياض في جواب القول: إنّه وليَ أكثرُ من هذا العدد؟ ، قال: وهذا اعتراض باطل؛ لأنّه (ص) لم يقل: (لا يلي إلّا اثنا عشر خليفة) ، وإنّما قال: (يَلي) ، وقد ولي هذا العدد، ولا يضرّ كونه وُجد بعدهم غيرهم. . . ويحتمل أوجهاً أُخر، والله أعلم بمراد نبيّه»(5).  6 - قال ابن الجوزي في (كشف المشكل) : «قد أطلتُ البحث عن معنى هذا


1- يقال لمن يتكلّم بالغثّ والسمين: حاطبُ لَيل؛ لأنّه لايُبصر ما يجمع في حبله. الصحاح، الجوهري، ج  ١ ، ص ١١٣  حطب .
2- أضواء على السنّة المحمّدية، أبو ريّة، ص ٢٣5 .
3- فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨4 .
4- المصدر نفسه، ص ١٨5 .
5- شرح صحيح مسلم، النووي، ج ١٢ ، صص ٢٠١  -  ٢٠٣ .

ص:١٩٩ 

الحديث وتطلّبت مظانّه، وسألت عنه فلم أقع على المقصود به؛ لأنّ ألفاظه مختلفة، ولاأشكّ أنّ التخليط فيها من الرواة، ثمّ وقع لي فيه شيء. . .»(1). ثمّ اختار قولاً آخر، وهو أنّ الحديث إشارة إلى عدد الخلفاء من بني أُميّة، قال: «وأوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية، وآخرهم مروان الحمار، وعدّتهم ثلاثة عش-ر، ولا يعدّ عثمان ومعاوية، ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابة، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم -للاختلاف في صحبته، أو لأنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبدالله بن الزبير- صحّت العدّة»(2). وقال ابن حجر في معرض تعليقه على كلام ابن الجوزي: «وأمّا محاولة ابن الجوزي. . . ظاهر التكلّف»(3).  ٧ - قال البيهقي: «وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيدبن عبد الملك، ثمّ وقع الهرج والفتنة العظيمة، ثمّ ظهر ملك العباسيّة، وإنّما يزيدون على العدد المذكور، إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عدّ منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه»  (4). وردّه ابن كثير بقوله: «فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة، من أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق، الذي قدّمنا الحديث فيه بالذم والوعيد، فإنّه مسلك فيه نظر. . . وعلى كلّ تقدير فهم اثنا عشر، قبل عمر بن عبد العزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز، الذي أطبق الأئمّة على شكره وعلى مدحه، وعدّوه من الخلفاء الراشدين»(5).


1- فتح الباري، ج ١٣ ، ص ١٨٣ .
2- المصدر نفسه، ص ١٨٣ .
3- المصدر نفسه، ص ١٨5 .
4- نقله عن البيهقي ابن كثير في البداية والنهاية، ج 6 ، ص ٢٧٩ .
5- البداية والنهاية، ج 6 ، صص ٢٧٩  و  ٢٨٠ .

ص:٢٠٠ 

فهذه جملة من أقوال علماء السنّة في بيان معنى حديث الاثني عش-ر خليفة، ولايخفى ما تختزل في داخلها من التكلّف والحيرة والارتباك، وكلّها تفتقر للدليل والشاهد ولا تَعْدو عن كونها استحسانات لا غير.

حاصل الكلام في دلالة حديث الاثني عشر خليفة

إنّ حديثَ الاثني عشر خليفة حقيقةٌ صادرة عن رسول الله (ص) ، وقد تواترت الروايات من الفريقين بنقلها بألسن مختلفة، كلُّها تشير إلى مضمون واحد هو أنّ هذا الأمر لا يزال صالحاً حتّى يكون اثنا عشر خليفة كما تقدّم. ولم يتمكّن علماء السنّة من تقديم تفسير واقعي لحقيقة الاثني عشر خليفة، وخير شاهد على عجزهم عن فهمها وتفسيرها هو تفسيراتهم المضطربة والمتناقضة فيما بينها، بالرغم ممّا ارتكبوه من تكلّف ظاهر على حدّ تعبير بعضهم، لاسيّما وأنّ البعض(1)قد أوكل تفسير حديث الاثني عش-ر إلى الله تعالى بعد أن عجز عن تفسيره تفسيراً صحيحاً! والخصائص والمميّزات التي تحملها أحاديث الاثني عش-ر لا تنطبق في الواقع الخارجي إلّا على الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، كصفة «صَلاحُ أمرِ الأُمَّةِ وَالنّاسِ بِهِم» ، و «كُلُّهُم يَعمَلُ بِالهُدى ودينِ الحَقِّ» ، ونحوها. فهذه الخصائص لا تنسجم ولا تنطبق إلّا على عترة أهل البيت عليهم السلام، فضلاً عمّا يحمله أهلُ البيت عليهم السلام من مميّزات استثنائيّة ومؤهّلات علميّة وعمليّة بإجماع أهل العلم، وعلى جميع المستويات الفكريّة والروحيّة ونحوها. فكلّ هذا يؤكّد ويدعم كونَ حديثِ الاثني عشر خليفة لا يمكن انطباقه إلّا على أهل البيت عليهم السلام.


1- شرح صحيح مسلم، ج ١٢ ، ص ٢٠٣ .

ص:٢٠١ 

البحث الثالث: حديث المنزلة

اشارة

استدلّ الإماميّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته من السنّة النبويّة الشريفة بقول رسول الله (ص) لأمير المؤمنين عليه السلام: «أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي» . وهذا الحديث الشريف لا شبهة فيه من حيث السند؛ فقد ورد في الصحاح الستّة وغيرها من أُمّهات مصادر السنّة، وهو من الأحاديث المتواترة، وسنقتصر هنا على ذكر بعض ألفاظه:

طرق حديث المنزلة

اشارة

أخرج محدّثو السنّة وحفّاظهم حديثَ المنزلة بطرق كثيرة وألفاظ عديدة، وهذه إشارة مقتضبة لبعضها:

1-حديث سعد بن أبي وقّاص رُوي حديث المنزلة عن سعد بن أبي وقّاص بعدّة طرق، من جملتها: الطريق الأوّل:
اشارة

عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد أخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى شعبة، عن سعد، قال: سمعت إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: «قال النبيُّ (ص) لعليّ: (أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى)»(1). وأخرجه مسلم في صحيحه أيضاً(2).

الطريق الثاني:

عن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد أخرج البخاري بسنده إلى شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه:


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ١٣5٩ .
2- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .

ص:٢٠٢ 

«أنّ رسول الله (ص) خرج إلى تبوك واستخلف عليّاً، فقال: (أتُخَلِّفُني فِي الصِّبيانِ وَالنِّساءِ؟) قال: (ألا تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لَيسَ نَبِيَّ بَعدي)»(1). وأخرجه مسلم في صحيحه أيضاً بلفظ قريب منه(2).

الطريق الثالث:

عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد أخرج مسلم في صحيحه بسنده إلى سعيد بن المسيّب عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه، قال: «قال رسولُ الله (ص) لعليّ: (أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي) ، قال سعيد: فأحببت أن أُشافه بها سعداً، فحدّثته بما حدّثني عامر، فقال: أنا سمعتُه، فقلت: أنت سمعتَه؟ فوضع إصبعيه على أُذنيه، فقال: نعم، وإلّا فاستكّتا  (3) »(4). وأخرجه في صحيحه أيضاً من طريق بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (ص) فلن أسبّه، لَأن تكونُ لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حُمر النعم، سمعت رسول الله (ص) يقول له خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ: (يا رَسولَ الله خَلَّفتَني مَعَ النِّساءِ وَالصِّبيانِ؟) فقال له رسول الله (ص) : (أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نُبُوَّةَ بَعدي) . وسمعته يقول يوم خيبر: (لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) ، قال فتطاولنا لها، فقال:


1- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ١6٠٢ .
2- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .
3- فاستكّتا: أي: صمّتا. النهاية، ابن الأثير، ج  ٢ ، ص  ٣٨4  سكك .
4- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .

ص:٢٠٣ 

(اُدعوا لي عَلِيّاً) ، فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولمّا نزلت هذه الآية: «فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ»(1)دعا رسول الله (ص) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: (اللّهُمَّ هؤُلاءِ أهلي)»(2).

الطريق الرابع:

عن عبد الرحمن بن سابط، عن سعد أخرج ابن ماجة في سننه من طريق موسى بن مسلم، عن ابن سابط - وهو عبدالرحمن - عن سعد بن أبي وقّاص، قال: «قدم معاوية في بعض حجّاته، فدخل عليه سعد فذكروا عليّاً، فنال منه، فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: (مَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ) ، وسمعتُه يقول: (أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي) ، وسمعتُه يقول: (لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ اليَومَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ) ؟ !»(3). قال الألباني عقبه: «صحيح»(4).

الطريق الخامس:

عن عائشة بنت سعد بن أبي وقّاص، عن أبيها سعد أخرج أحمد من طريق الجعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها: «إنّ عليّاً رضى الله عنه خرج مع النبيّ (ص) حتّى جاء ثنية الوداع، وعليّ رضى الله عنه يبكي، يقول: (تُخَلِّفُني مَعَ الخَوالِفِ؟) فقال: (أوَ ما تَرضى أن تَكونَ مِنّى بِمَنزِلَةِ هارون مِن موسى إلّا النُّبُوَّةَ؟)»(5). قال شعيب الأرنؤوط عقبه: «إسناده صحيح على شرط البخاري»(6).


1- آل عمرن:  6١ .
2- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .
3- سنن ابن ماجة، ج ١ ، ص 45 .
4- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام الألباني عليها.
5- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١٧٣ .
6- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.

ص:٢٠4 

الطريق السادس:

عن سعيد بن المسيّب، عن سعد أخرج أحمد من طريق علىّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، قال: «قلت لسعد بن مالك: إنّي أُريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابك أن أسألك عنه، فقال: لا تفعل يابن أخي، إذا علمت أنّ عندي علماً فسلني عنه ولا تهَبني، قال: فقلت: قول رسول الله (ص) لعليّ رضى الله عنه حين خلّفه بالمدينة في غزوة تبوك، فقال سعد رضى الله عنه: خلّف النبيّ (ص) عليّاً رضى الله عنه بالمدينة في غزوة تبوك، فقال: (يا رَسولَ الله، أتُخَلِّفُني فِي الخالِفَةِ فِي النِّساءِ وَالصِّبيانِ؟) فقال: (أما تَرضى أن تَكونَ مِنّى بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى؟) ، قال: (بَلى يا رَسولَ الله) قال: فأدبر عليّ مسرعاً كأنّي أنظر إلى غبار قدميه يسطع، وقد قال حمّاد: فرجع علىّ مسرعاً»(1). قال شعيب الأرنؤوط عقبه: «صحيح»(2). وأخرجه أيضاً من طريق معمر، عن قتادة وعلىّ بن زيد بن جدعان، قالا: ثنا ابن المسيّب، حدّثني ابن لسعد بن مالك، ثنا عن أبيه، قال: «دخلت على سعد فقلت: حديثاً حدّثنيه عنك حين استخلف رسول الله (ص) عليّاً رضى الله عنه على المدينة، قال: فغضب، فقال: من حدّثك به؟ فكرهت أن أُخبره أنّ ابنه حدّثنيه فيغضب عليه، ثمّ قال: إنّ رسول الله (ص) حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليّاً رضى الله عنه على المدينة، فقال عليّ: (يا رَسولَ الله، ما كُنتُ أُحِبُّ أن تَخرُجَ وَجهاً إلّا وأنَا مَعَكَ) ، فقال: (أوَ ما تَرضى أن تَكونَ مِنّى بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى غَيرَ أنَّهُ لا نَبيَّ بَعدي؟)»(3). قال شعيب الأرنؤوط عقبه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير عليّ بن زيد فمن رجال أصحاب السنن»(4).


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١٧٠ .
2- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
3- المصدر نفسه، ص ١٧٧ .
4- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.

ص:٢٠5 

وأخرجه الطبراني بسنده إلى عليّ بن حسين، حدّثني سعيد بن المسيّب، أنّ سعد بن أبي وقاص حدّثه، أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ: «أنتَ بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى»(1). وأخرجه أبو يعلى من طريق حرب بن شداد، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد(2)، قال حسين سليم أسد: «رجاله رجال الصحيح»(3).

2-حديث ابن عبّاس

أخرج أحمد بسنده إلى عمرو بن ميمون أنّه سمع ابن عبّاس في حديث طويل، جاء فيه: «وخرج بالنّاس في غزوة تبوك، قال: فقال له عليّ: (أخرُجُ مَعَكَ؟) ، قال: فقال له نبيّ الله: (لا) ، فبكى عليّ، فقال له: (أما تَرضى أن تَكونَ مِنّى بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّكَ لَستَ بِنَبِيٍّ؟ إنَّهُ لا يَنبَغي أن أذهَبَ إلّا وأنتَ خَليفَتي؟) ، قال: وقال له رسول الله (ص) : (أنتَ وَلِيّي في كلِّ مُؤمِنٍ بَعدي)»(4). قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري، وهو ثقة وفيه لين»(5). ورواه الألباني مختصراً في كتابه (ظلال الجنّة في تخريج السنّة لابن أبي عاصم) ، وقال عقبه في تقييمه لطريق الحديث: «حسن»(6). وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّحه؛ حيث قال عقبه: «هذا حديث صحيح


1- المعجم الكبير، ج ١ ، ص ١4٨ .
2- مسند أبي يعلى، ج ٢ ، ص ٨6 .
3- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام حسين سليم أسد عليها.
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٣٠ .
5- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١5٧ .
6- ظلال الجنّة في تخريج السنّة، محمّد بن ناصر الألباني، ج ٢ ، ص ٣٣٧ ، المطبوع مع كتاب السنّة لابن أبي عاصم.

ص:٢٠6 

الإسناد، و لم يخرجاه بهذه السياقة»(1)، ووافقه الذهبي في التلخيص؛ حيث قال: «صحيح»(2). وأخرجه ابن أبي عاصم في كتاب (السنّة) بسنده إلى عمرو بن ميمون، عن ابن عبّاس، وفيه: «قال رسول الله (ص) لعليّ: (أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، إلّا أنَّكَ لَستَ نَبيّاً، وأنتَ خَليفَتي)»(3)، قال الألباني في حاشيته على الكتاب: «إسناده حسن»(4). وأخرجه الطبراني من طريق محمود بن محمّد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: «لمّا آخا النّبيّ (ص) بين أصحابه بين المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخ بين عليّ بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم، خرج عليٌّ رضى الله عنه مغضَباً حتّى أتى جدولاً من الأرض فتوسّد ذراعه، فسفّ عليه الريح، فطلبه النبيّ (ص) حتّى وجده، فوكزه برجله فقال له: (قُم، فما صَلحتَ أن تَكونَ إلّا أبا تُرابٍ، أغَضِبتَ عَلَيَّ حينَ وَاخَيتُ بَينَ المُهاجِرينَ وَالأَنصارِ، ولم أواخِ بَينَكَ وبَينَ أحَد مِنهُم؟ ! أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا إنَّهُ لَيسَ بَعدي نَبِيٌّ؟ ألا مَن أحَبَّكَ حُفَّ بِالأَمنِ وَالإِيمانِ، ومَن أبغَضَكَ أماتَهُ اللهُ ميتَةَ الجاهِلِيَّةِ، وحوسِبَ بِعَمَلِهِ فِي الإِسلامِ)»(5). وسند هذا الحديث معتبر من الناحية الرجاليّة(6).


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١4٣ .
2- المصدر نفسه، مع الكتاب: تعليقات الذهبي في التلخيص.
3- كتاب السنّة، ص 55١ .
4- المصدر نفسه، وبهامشه حاشية الألباني.
5- المعجم الكبير، ج ١١ ، ص ٧5 .
6- فالحديث عن جرير عن ليث عن مجاهد، والطريق من جهتهم تامّ لا كلام فيه؛ لأنّ هؤلاء من أعلام الطائفة السنيّة ولا حاجة لذكر توثيقهم، وأمّا محمود بن محمّد المروزي، فقد قال عنه الخطيب البغدادي: «روى عنه محمد بن مخلّد، وعبد الصمد بن علي الطستي وأبو سهل بن زياد وإسماعيل بن علي الخطبي وأبو علي بن الصواف أحاديث مستقيمة» تاريخ بغداد، ج ١٣ ، ص ١٩4 ، كما قال عنه الذهبي: «محمود بن محمّد المروزي: مشهور، طوّف وسمع داود بن رشيد وعلي بن حجر وطبقتهما، وعنه الطستي وابن الصواف والطبراني، مستقيم الحديث» ، تاريخ الإسلام، ج ٢٢ ، ص ٣٠٩ ، حوادث وفيات  ٢٩١ -  ٣٠٠  . وأمّا حامد بن آدم الوارد في سند الحديث فقد أورده ابن حبّان في كتابه الثقات، ج ٨ ، ص ٢١٨ ، وأخرج له الحاكم في المستدرك، ج ٢ ، ص 5٨ ، وقال عنه ابن عدي في ترجمته: «لم أرَ في حديثه إذا روى عن ثقة شيئاً منكراً، وإنّما يؤتى ذلك إذا حدّث عن ضعيف» الكامل، ج ٢ ، ص 46١ .

ص:٢٠٧ 

وأخرجه أيضاً بسنده إلى سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، مختصراً(1) ورواه الهيثمي مختصراً أيضاً في زوائده وقال عقبه: «رواه البزّار والطبراني إلّا أنّه قال: (أنتَ منّي بِمَنزِلَةِ هارونَ) ، ورجال البزّار رجال الصحيح، غير أبي بلج الكبير، وهو ثقة»(2)وأخرجه بسنده إلى سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، وفيه: «قال رسول الله (ص) لأُمّ سلمة: (هذا عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ لَحمُهُ لَحمي، ودَمُهُ دَمي، هُوَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي)»(3)وأخرجه الحافظ ابن عساكر بسنده إلى عبدالله بن داهر بن يحيى الرازي، حدّثني أبي، عن الأعمش، عن عباية الأسدي، عن ابن عبّاس، بنحو الحديث الآنف لابن عبّاس عن أُمّ سلمة(4). وقد وثّق الخطيبُ البغدادي عبدالله بن داهر، قال في ترجمته: «عبدالله بن داهر بن يحيى الأحمري الرازي، شيخ صدوق»(5). وأمّا داهر فقد اعترف ابن حجر ببراءته من الطعن وحصره بابنه عبدالله، حيث قال بعد أن أورد عن ابن عساكر حديث المنزلة الآنف: «ولم أرَ أحداً ذكر داهراً هذا - حتّى ولا ابن أبي حاتم ببليّة، وإنّما لم يذكروه لأنّ البلاء كلّه من ابنه عبدالله، وقد ذكروه واكتفوا به»(6).


1- المعجم الكبير، ج ١١ ، ص ٧4 .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٩ .
3- المعجم الكبير، ج ١٢ ، ص ١٨ .
4- تاريخ دمشق، ج 4٢ ، ص 4٢ .
5- تاريخ بغداد، ج ٩ ، ص 45٣ .
6- لسان الميزان، ج ٢ ، ص 4١4 .

ص:٢٠٨ 

3-حديث زيد بن أرقم

أخرج الطبراني بسنده إلى عوف، عن ميمون أبي عبدالله، عن البراء بن عازب و زيد بن أرقم: «أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ حين أراد أن يغزو: (إنّه لا بُدَّ مِن أن تُقيمَ أو أُقيمَ) ، فَخَلَّفَهُ، فقال ناس: ما خلّفه إلّا لش-يء كرهه، فبلغ ذلك عليّاً، فأتى رسول الله (ص) فأخبره، فتضاحك ثمّ قال : (يا عَلِيُّ، أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لَيسَ نَبِيُّ بَعدي؟)»(1) قال الهيثمي: «رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما ميمون أو عبدالله البصري، وثّقه ابن حبّان وضعّفه جماعة، وبقيّة رجاله رجال الصحيح»  (2) وأخرجه الطبراني أيضاً بسنده إلى هارون بن سعد، عن ميمون أبي عبدالله، عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب، مختصراً(3).   

4-حديث أبي سعيد الخدري

أخرج أحمد من طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيّة العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: «قال رسول الله (ص) لعليّ: (أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى الّا انَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي)»(4). قال الهيثمي عقبه: «وفيه عطيّة العوفي، وثّقه ابن معين، وضعّفه أحمد وجماعة، وبقيّة رجال أحمد رجال الصحيح»(5)


1- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ٢٠٣ .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١4١ .
3- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ٢٠٣ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ٣٢ .
5- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٨ .

ص:٢٠٩ 

ووثّقه أيضاً محمّد بن سعد في طبقاته، قال: «وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة»(1). وقال ابن أبي حاتم: «سئل أبي عن أبي نضرة وعطيّة، فقال: أبو نضرة أحبّ إليّ»(2). وأبو نضرة ثقة، وهذا الكلام لأبي حاتم يدلّ على وثاقة عطيّة؛ لأنّه عبارة عن مقارنة بين ثقتين والسؤال عن الأوثق منهما، وإلّا لو كان عطيّة ضعيفاً لقال كلاماً آخر غير ذلك. ومن هذا القبيل قول يحيى بن سعيد القطّان لمّا سئل عن جبر بن نوف أبي الوداك، فقال: «هو أحبّ إلىّ من عطيّة»(3). وقال أبو بكر البزّار: «روى عنه جلّة الناس»(4). وقد حسّن وصحّح الترمذيُّ له عدّةَ أحاديث في سننه(5)، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه حديثاً(6)، وقد سمّى كتابه بالمسند الصحيح المتّصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة(7)، وقال الحافظ ابن حجر: «إن حكمَ الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة. . . صلاحيةُ الاحتجاج بها؛ لكونها دائرةً بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علّة قادحة»(8). وقال ابن حجر في عطية: «صدوق يخطئ كثيراً»(9).


1- محمّد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج 6 ، ص ٣٠4 .
2- الجرح و التعديل، ج ٨ ، ص ٢4١ .
3- التاريخ الكبير، البخاري، ج ٢ ، ص ٢4٣ . تهذيب التهذيب، ج ٢ ، ص 5٢ .
4- تهذيب التهذيب، ج ٧ ، ص ٢٠٢ .
5- سنن الترمذي، ج ١ ، ص ٢٩6 ؛ ج ٢ ، ص ٣٩4 ؛ ج ٣ ، صص ٢٢٨ ،  ٣١٧  و  ٣١٨ ؛ ج 4 ، صص ٧  و  ٨ ،  4٢ ،  46 ،  ٨4 ،  ٩6 ،  ٢6٠ ،  ٢6١ ؛ ج 5 ، صص ٢٣ ،  5٠ ،  ١٣٧ ،  ٢6٨ ،  ٢٧٨ ،  ٢٧٩ ،  ٣٠٣ ،  ٣٧٢ .
6- صحيح ابن خزيمة، ج ٣ ، ص ١5٩ .
7- اُنظر: صحيح ابن خزيمة، ج ١ ، ص ٣ ؛ النُّكَت على كتاب ابن الصلاح، ابن حجر العسقلاني، ج ١ ، ص ٢٢ .
8- النكت على كتاب ابن الصلاح، ج ١ ، ص ٢٩١ .
9- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 6٧٨ .

ص:٢١0 

5-حديث جابر بن عبدالله الأنصاري

أخرج أحمد من طريق عبدالله بن محمّد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله، قال:

«لمّا أراد رسول الله (ص) أن يخلّف عليّاً رضى الله عنه، قال: قال له عليّ:

(ما يَقولُ النّاسُ فِيَّ إذا خَلَّفتَني؟) قال: فقال:

(أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، إلّا أنَّهُ لَيسَ بَعدي نَبِيٌّ؟) - أو: (لا يَكونُ بَعدي نَبِيٌّ) -»  (1)

وأخرجه الطبراني من طريق سماك، عن جابر، قال:

«قال رسول الله (ص) لعليّ رضى الله عنه

(أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى عليه السلام إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي)»(2)

6-حديث أسماء بن عميس

أخرج أحمد من طريق عبدالله بن نمير، قال: ثنا موسى الجهني، قال: حدّثتني فاطمة بنت عليّ، قالت: حدّثتني أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله (ص)

يقول:

«يا عَلِيُّ، أنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، إلّا أنَّهُ لَيسَ بَعدي نَبِيٌّ»(3)

قال الهيثمي في زوائده عقبه: «رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير فاطمة بنت عليّ، وهي ثقة»(4)

وقال شعيب الأرنؤوط عقبه أيضاً: «إسناده صحيح»(5)

وأخرج أحمد أيضاً من طريق يحيى بن سعيد، عن موسى الجهني، بلفظ قريب


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ٣٣٨ .
2- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ٢4٧ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، ص 4٣٨ .
4- مجمع الزوائد، الهيثمي، ج ٩ ، ص ١٣٨ .
5- مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، ص 4٣٨ .

ص:211

منه(1)، قال شعيب الأرنؤوط عقبه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الصحيح غير فاطمة بنت عليّ، وهو ابن أبي

طالب»(2)

7-حديث أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام

أخرج الحاكم من طريق حكيم بن جبير، عن الحسن بن سعد مولى عليّ، عن عليّ رضى الله عنه، وفيه:

«فَدَعاني رَسولُ الله (ص) فَعَزَمَ عَلَيَّ لَمّا تَخَلَّفتُ قَبلَ أن أتَكَلَّمَ، قالَ: فَبَكيتُ، فَقالَ رَسولُ الله (ص) : (ما يُبكيكَ يا عَلِيُّ؟) ، قُلتُ: يا رَسولَ الله، يُبكيني خِصالٌ غيرُ واحِدَةٍ؛ تَقولُ قُرَيشٌ غَداً: ما أسرَعَ ما تَخَلَّفَ عَنِ ابنِ عَمِّهِ وخَذَلَهُ. ويُبكيني خصلَةٌ أُخرى؛ كُنتُ أُريدُ أن أتَعَرَّضَ لِلجِهادِ في سَبيلِ الله؛ لِأَنَّ اللهَ يَقولُ: «وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً» (التوبة:  ١٢٠ ) - إلى آخرِ الآيَة - فَكُنتُ أُريدُ أن أتَعَرَّضَ لِفَضلِ الله. فَقالَ رَسولُ الله (ص) : (أمّا قَولُكَ: "تَقولُ قُرَيشٌ: ما أسرَعَ ما تَخَلَّفَ عَنِ ابنِ عَمِّهِ وخَذَلَهُ" فَإِنَّ لَكَ بي أُسوَةً؛ قَد قالوا: ساحِرٌ وكاهِنٌ وكَذّابٌ، أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي؟ وأمّا قَولُكَ: "أتَعَرَّضُ لِفَضلِ الله" فَهذِهِ أبهارٌ مِن فُلفُل جاءَنا مِنَ اليَمَنِ فَبعهُ واستَمتِع بِهِ أنتَ وفاطِمَةُ حَتّى يأتِيَكُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ؛ فَإِنَّ المَدينَةَ لا تَصلُحُ إلّا بي أو بِكَ»(3)

وقد صحّح الحاكمُ الحديثَ؛ حيث قال عقبه: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه»(4)

وأخرج حديث المنزلة الطبراني بسنده إلى قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن عليّ، وفيه:


1- انظر: مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، ص ٣6٩ .
2- المصدر نفسه، الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليها.
3- المستدرك على الصحيحين، ج ٢ ، ص ٣6٧ .
4- المصدر نفسه.

ص: ٢١٢ 

«أنّ النبيّ (ص) قال:

(خَلَّفتُكَ أن تَكونَ خَليفَتي)»(1)

قال الهيثمي في زوائده:

«وعَن عليٍّ أنّ النبيّ (ص) قال:

(خَلَّفتُكَ أن تَكونَ خَليفَتي) ، قال: أتَخَلَّفُ عَنكَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال:

(أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّه لا نَبِيَّ بَعدي؟)»(2)

ثمّ قال الهيثمي عقبه: «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح»(3)

حاصل الكلام في طرق حديث المنزلة

تقدّم ذكر نبذة مختصرة عن بعض طرق حديث المنزلة وألفاظه ومناسباته المختلفة، ممّا لا مجال للنقاش في كثير منها أو القدح بأسانيدها كما هو واضح، ممّا يُقطع معه بصحّة الحديث بل تواتره، وأعرضنا عن ذكر بقيّة الطرق، وقد ذكر الهيثمي كثيراً منها

في زوائده فلاحظ.

دلالة حديث المنزلة

يتّضح لمن تأمّل في طرق وألفاظ حديث المنزلة أنّه يدلّ على عدّة أُمور، من جملتها:

 ١ - إنّ حديث سعيد بن المسيّب عن عامر(4)، يدلّ بوضوح على أنّ حديث المنزلة غير مقيّد بغزوة تبوك، بل هو مطلق، وتقييده بذلك يحتاج إلى الدليل، ممّا يعني أنّ الحديث قد صدر أكثر من مرّة.

كما أنّ تتبّع ابن المسيّب للحديث، والتثبّت من صدوره عن النبيّ (ص) ، وتوجيه


1- المعجم الأوسط، ج 4 ، صص ٢٩6  و  ٢٩٧ .
2- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١4١ .
3- المصدر نفسه.
4- الحديث الأول، حديث سعد، الطريق الثالث: عن سعيد بن المسيّب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد.

ص:٢١٣ 

سؤاله إلى سعد بن أبي وقّاص مرّة أُخرى بنحو التعجّب، وتأكيد سعد لسماعه الحديث من النبيّ (ص) مباشرة بوضع إصبعيه على أُذنيه، وقوله: «نعم وإلّا فاستكّتا» ؛ كلّ ذلك واضح الدلالة على أنّ الأصحاب والتابعين قد فهموا من الحديث إثبات فضيلة ومزيّة خاصّة لأمير المؤمنين عليه السلام تميّز بها على سائر الصحابة، ولو لم يكن في الحديث فضل اختُصّ به الإمام عليه السلام فما هو الداعي لكلّ ما قام به ابن المسيّب من التأكيد والتثبّت؟ !

كما أنّ حديث بكير بن مسمار، عن عامر:(1)«أمر معاويةُ بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟» ، قد توفّر على جهات كثيرة، كلّها صريحة في أنّ حديث المنزلة جاء لإثبات فضيلة عظيمة تميّز بها الإمام عليّ عليه السلام على الصحابة، نشير إلى بعضها:

أ - قول سعد: «لئن تكون لي واحدة منهنّ أحب إليّ من حمر النعم» ، فإنّ هذه العبارة صريحة في أنّ سعداً فهم من حديث المنزلة فضيلةً لعليّ عليه السلام يفتقدها هو وغيره من الصحابة، ويرى سعدٌ أيضاً أنّ تلك المنزلة لا يمكن أن تقارن بأموال الدنيا وكنوزها.

ب - لقد قرن سعدٌ في الفضل حديث المنزلة بحديث دفع الراية يوم خيبر وقضيّة المباهلة، ولا شكّ أنّ حديث دفع الراية، وهو قول النبيّ (ص) :

«لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ وَرَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ» قد فهم الأصحابُ منه منزلة وفضيلة عظيمة لعليّ عليه السلام، فتطاولوا للحصول عليها، حتّى قال عمر بن الخطاب في تلك اللحظة: «ما أحببتُ الإمارة إلّا يومئذٍ» ، وقال أيضاً: «فتساورت لها رجاء أن أُدعى لها» .

وحديث المنزلة جاء في سياق هذه الفضيلة العظيمة التي تطاول لنيلها عمر وغيره من الصحابة، ولم يحظَ بها إلّا عليٌّ عليه السلام، فكان خليقاً بالإمارة، حتّى فتح الله تعالى على يديه. كما أنّ تلك الفضيلة نستكشفها أيضاً من إدراج حديث المنزلة في سياق آية


1- الحديث الاول، حديث سعد، الطريق الثالث: عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد.

ص:٢١4 

المباهلة وقول النبيّ (ص)

: «اللّهُمَّ هؤُلاءِ أهلي» .

ج - استثناء (النبوّة) في الحديث:

«إلّا أنَّهُ لا نُبُوَّةَ بَعدي» ، صريح في الاستثناء المتّصل؛ لأنّ هذا هو الأصل في كلّ استثناء ما لم توجد قرينة على الخلاف.

ولو اُدّعي بأنّ العبارة المذكورة في الحديث جملة خبرية، والاستثناء في الجمل الخبرية منقطع، فإنّه يجاب عنه بما أخرجه أحمد بسند صحيح، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها(1) :

«إنّ عليّاً رضى الله عنه خرج مع النبيّ (ص) حتّى جاء ثنية الوداع، وعليّ رضى الله عنه يبكي، يقول:

(تُخَلِّفُني مَعَ الخَوالِفِ؟) فقال:

(أوَما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا النُّبُوَّةَ؟)»(2)

فقد توفّرت ألفاظ هذا الحديث على نقطة مهمّة جدّاً، وهي أنّ المستثنى فيه ليس جملة خبريّة، وهذا ما يجيب على الشبهة القائلة: إنّ المستثنى في الحديث جملة خبرية، ولايمكن أن يكون استثناء الجملة الخبريّة استثناءً متّصلاً (3)، مع أنّ هذه الشبهة غير تامّة من أساسها؛ لأنّ الأصل في الاستثناء هو الاتّصال، سواء كانت الجملة خبريّة أم لا.

وفي حال كون الاستثناء متّصلاً، فإنّه يثبت لعليّ عليه السلام جميع المزايا والمنازل الأُخرى الثابتة لهارون عليه السلام بالنسبة إلى موسى عليه السلام، وسيأتي أنّ الإمامة والخلافة من جملة تلك المنازل.

 ٢ - إنّ حديث ابن عبّاس(4)بألفاظه المختلفة صريح في أنّ حديث المنزلة يرمي إلى إثبات أهمّ منزلة من منازل هارون من موسى؛ وهي الولاية والخلافة، كما سيأتي


1- الحديث الأوّل، حديث سعد، الطريق الخامس: عن عائشة بنت سعد بن أبي وقّاص، عن أبيها سعد.
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١٧٣ .
3- مختصر التحفة الاثني عشرية، الدهلوي، ج ١ ، ص ٢١٧ .
4- الحديث الثاني، حديث ابن عباس.

ص:٢١5 

ذكرها لاحقاً، والشاهد على صراحة الرواية في إثبات منزلة الخلافة ما ذكره بعض علماء السنّة، منهم الباحث أحمد محمود صبحي، فهو بعد أن ناقش في صحّة الحديث قال: «ولا شكّ أنّ هذه العبارة تجعل من الحديث نصّاً جليّاً في إمامة عليّ، يحسم كلّ اختلاف، ويضع حدّاً للتفسيرات المتباينة التي استخلصَتها الفرق من دلالة الحديث»(1)

كما يدلّ الحديث بلفظ محمود بن محمّد المروزي(2)، وسلمة بن كهيل(3)، وسعيد بن

جبير عن ابن عبّاس(4)، وعبدالله بن داهر بن يحيى الرازي(5)، على أنّ حديث المنزلة لم يصدر من النبيّ (ص) في معركة تبوك فحسب، بل صدر عنه (ص) أيضاً في الأيّام الأُولى لدخوله المدينة المنوّرة، بدليل المؤاخاة التي كانت في ذلك الحين، فهذا الحديث لا ربط له بغزوة تبوك كما هو واضح، وإنّما هو حديث مستأنف.

ومن الأحاديث الأُخرى التي ليس فيها أيّ إشارة إلى واقعة تبوك هو حديث أسماء بنت عميس(6).

ومن الأحاديث النبويّة التي لم تكن مرتبطة بواقعة تبوك أيضاً ما أخرجه السيوطي في (الجامع الصغير) بسند صحيح عن رسول الله (ص) ، قال:


1- نظرية الإمامة، أحمد محمود صبحي، ص  ٢٢5 .
2- تقدّم ذكر ما أخرجه الطبراني بسنده إلى محمود بن محمّد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا جرير، عن ليث عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «لما آخى النبيّ ص بين أصحابه بين المهاجرين والأنصار، فلم يؤاخِ بين عليّ بن أبي طالب وبين أحدٍ منهم. . .» ، المعجم الكبير، ج ١١ ، ص ٧5 .
3- تقدّم ذكر ما أخرجه الطبراني بسنده إلى سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عبّاس. المعجم الكبير، ج ١١ ، ص ٧4 .
4- المعجم الكبير، ج ١٢ ، ص ١٨  وفيه: «قال رسول الله ص لأمّ سلمة: هذا عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ، لَحمُهُ لَحمي، ودَمُهُ دَمي، هُوَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّه لا نَبِيَّ بَعدي» .
5- تقدّم ذكر ما أخرجه ابن عساكر بسنده إلى عبدالله بن داهر بن يحيى الرازي، عن أبيه عن الأعمش، عن عبابة الأسدي، عن ابن عباس. تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص 4٢ .
6- الحديث السادس.

ص:٢١6 

«عَلِيٌّ مِنّي بِمَنِزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي»(1).

وقد أدرج الألبانيّ هذا الحديث في (صحيح الجامع الصغير) ، وقال عنه: «صحيح»(2).

فإنّ في هذه الرواية - كما هو واضح من سياقها - ابتداء الكلام من الرسول الأكرم (ص) مع أصحابه، وليس في الحديث أيّ قرينة أو شاهد على أنّه صدر في وقعة تبوك.

كما أنّ ما أخرجه أحمد من طريق سعيد بن المسيّب، قال: «قلت لسعد بن مالك: إنّي أُريد أن أسألك عن حديث وأنا أهابُك أن أسألك عنه؟ فقال: لا تفعل يابن أخي، إذا

علمتَ أنّ عندي علماً فسلني عنه ولا تهَبني»(3)، فسأله عن حديث المنزلة في غزوة تبوك فأورد له نصّ الحديث، وقد تقدّم تصحيح سند هذا الحديث، والنقطة الملفتة للنظر فيه هي خوف وهيبة سعيد بن المسيّب من السؤال عن حديث المنزلة، وليس ذلك إلّا للحظر والمنع الذي فرضه معاوية في ذلك الحين على أحاديث فضائل عليّ عليه السلام، وهذا يعني أنّ ابن المسيّب لم يتردّد في دلالة الحديث على إثبات فضيلة لعليّ عليه السلام، بل خلافته، وإنّما كان يخشى من توبيخ سعد بن مالك له. أو امتناعه عن الإجابة على أقلّ تقدير، بسبب الظروف الأمنيّة السيّئة التي كان يواجهها رواة الفضائل في زمن معاوية.

 ٣ - إنّ ألفاظ حديث زيد بن أرقم(4)تُسلّط الضوء على حقيقة مهمّة تساهم في فهم طبيعة العلاقة بين استخلاف عليّ عليه السلام في المدينة وبين مدلول حديث المنزلة، وأنّ ذلك الاستخلاف نابع من واقع المنزلة التي لعليّ عليه السلام من رسول الله (ص) ، وهي منزلة تُضاهي


1- الجامع الصغير، ج ٢ ، ص ١٧٧ .
2- صحيح البخاري وزياداته، الألباني، ج ٢ ، ص ٧5٣ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١٧٠ .
4- الحديث الثالث، حديث زيد بن أرقم.

ص:٢١٧ 

منزلة هارون من موسى عليهما السلام بكلّ أبعادها، بما في ذلك استخلافه على قومه عندما ذهب موسى عليه السلام إلى لقاء ربّه تبارك وتعالى كما سيتّضح لاحقاً.

وخصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف السياسيّة التي أحاطت بالمدينة آنذاك، فإنّ الألفاظ التي تصرّح بهذه الحقيقة في الحديث هي قول النبيّ (ص) : «إنَّهُ لابُدَّ أن تُقيمَ أو أُقيمَ» ، فإنّ هذا التعبير صريح في أنّ المدينة المنوّرة - التي كانت عاصمة الحكومة الإسلاميّة آنذاك - قد أحاطت بها ظروف وملابسات خاصّة اقتضت أن لايُغادرها النبيّ الأكرم (ص) ، كما أنّه لا يمكن السكوت عن الخطر الداهم الذي كانت تواجهه الحكومة الإسلاميّة من قبل الإمبراطوريّة الرومانيّة في ذلك الحين، والذي كان يتطلّب من النبيّ (ص) الخروج بشخصه المبارك لتقوية عزيمة المسلمين تجاه أعتى قوّة عسكريّة في المنطقة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طول المسافة بين المدينة وتبوك التي كان من المفروض وقوع المعركة فيها، واستعداد الروم لغزو الجزيرة العربيّة والقضاء على الرسالة الإسلاميّة؛ انطلاقاً من ذلك المكان.

وقد كان ذلك العام عام جدب، وتزامن الخروج مع صيف الجزيرة الشديد الحرارة، ممّا أوجب تقاعس بعض المسلمين، وتثبيط المنافقين لعزيمة المقاتلين في الجيش الإسلامي، كلّ ذلك جعل وجود النبيّ (ص) في تلك المعركة ضرورة لابدّ منها، وإلّا فلا يمكن الخروج بجيش قادر على مواجهة الروم، والشاهد على ذلك تخاذل المسلمين في المرّة اللاحقة عن جيش أُسامة عندما كان الرسول (ص) مريضاً.

ولا شكّ في أنّ الموقف الصائب في مثل هكذا تزاحم هو استخلاف النبيّ (ص) في المدينة من يحمل خصائصه الرساليّة ويكون قادراً على ملء الفراغ الذي يُخلّفه خروج النبي (ص) إلى غزوة تبوك. ولم يكن أحدٌ من الصحابة يمتلك هذا المقام الإلهيّ إلّا عليّ عليه السلام، الذي كان نفس النبيّ (ص) بصريح آية المباهلة، وكان الناطق الرسمي عن رسول الله من أهل بيته كما هو صريح الحديث الوارد في تبليغ سورة براءة، عندما قال جبرائيل عليه السلام للنبيّ (ص) : «لَن يُؤَدّي عَنكَ إلّا أنتَ أو رَجُلٌ مِنكَ» كما سيأتي بيانه

ص:٢١٨ 

لاحقاً(1)، فأرجع النبيّ (ص) أبا بكر وبعث عليّاً عليه السلام خليفةً عنه وناطقاً عن السماء.

وهذا ما يُميّز استخلاف عليّ عليه السلام عن استخلاف ابنِ أُمّ مكتوم وغيره على المدينة؛ إذ لم يكن استخلافهم محاطاً بتلك الظروف، ولم تكن المدينة تتطلّب في زمنهم إلّا خلافة النبيّ وولايته عليها ولو عن بعد، ولم يكن استخلافهم بديلاً عن خلافة النبيّ (ص) ، وأمّا استخلاف عليّ عليه السلام فقد جعله النبيُّ بديلاً شرعيّاً وقانونيّاً يضاهي استخلافَ موسى عليه السلام لهارون في قومه عندما ذهب إلى ربّه، حيث قال له: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (الأعراف:  ١4٢ ) ، ولذا نجد أنّ النبيّ (ص) قرن في حديثه بين ضرورة بقاء عليّ عليه السلام خليفةً عنه في المدينة وبين منزلة عليّ عليه السلام منه (ص) وأنّها كمنزلة هارون من موسى عليهما السلام.

وممّا يُسلّط الضوء على ضرورة بقاء النبيّ (ص) في المدينة أو رجل منه وهو عليّ عليه السلام، ما جاء في الحديث ذاته من أنّ هناك أُناساً تخلّفوا عن الخروج إلى القتال وطعنوا في خلافة عليّ عليه السلام على المدينة، حيث قالوا: «ما خلّفه إلّا لشيء كرهه» ، فإنّ هذا يعني أنّ هناك أُناساً تخلّفوا في المدينة يسعون لإثارة الأجواء واللغط حول خلافة عليّ عليه السلام، ممّا يعني أنّ هناك نيّة مبيّتة لإحداث انقلاب مدنيّ ضدّ الحكومة الإسلاميّة بعد أن تخلو لهم الأجواء بخروج النبيّ (ص) وعليّ عليه السلام الذي يتميّز بقوّة اليقين وحسن التدبير والشجاعة الفائقة التي لا يستطيع المنافقون والذين في قلوبهم مرض مواجهتها، وتتجلّى هذه الحقيقة أكثر عند مطالعة مفردات الحديث اللاحق.

 4 - إنّ حديث أمير المؤمنين عليه السلام(2)صريح - كسائر الألفاظ الأُخرى لحديث المنزلة - في ضرورة بقاء عليّ عليه السلام في المدينة خليفةً عن رسول الله (ص) بخلافةٍ لا تليقُ إلّا به، حيث يقول له النبيّ (ص) : «فَإِِنَّ المَدينَةَ لا تَصلُحُ إلّا بي أو بِكَ» ، كما أنّ الحديث صريح في أنّ الطعن بخلافة عليّ عليه السلام على المدينة يوازي طعنَ قريش في نبوّة النبيّ (ص) واتّهامهم له


1- الفصل الخامس من هذا الكتاب، تحت عنوان أحاديث معالم الفرقة الناجية ، رقم ١٣ .
2- الحديث السابع.

ص:٢١٩ 

بالسحر والكهانة والكذب، وعلى ضوء ذلك قال النبيّ (ص) مباشرة: «أما تَرضى أن تَكونَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي؟» ، بمعنى أنّ خلافتك من الله تعالى كنبوّتي، والطعن فيها من قبل قريش كطعنِهم في مقام النبوّة، إلّا أنّ عليّاً عليه السلام ليس بنبيّ.

وهذا ما نؤكّد عليه من أنّ حديث المنزلة يثبت ما كان لهارون عليه السلام من المقامات إلّا النبوّة، ومن تلك المقامات مقام الخلافة بصريح القرآن الكريم كما تقدّم وسيأتي أيضاً، ممّا يعني أنّ حديث المنزلة الذي ورد في استخلاف عليّ عليه السلام على المدينة يثبت له خلافة ربّانيّة ومقاماً سامياً في حياة النبيّ (ص) وقبل مماته.

تقريب دلالة حديث المنزلة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

لكي تتجلّى لنا فضائل ومزايا حديث المنزلة، وتتّضح دلالته الص-ريحة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وولايته وخلافته لرسول الله (ص) من خلال النصوص القرآنيّة، وأنّها خلافة إلهيّة ربّانيّة، لابدّ أن نتعرّف في البداية على بعض منازل هارون من موسى عليهما السلام الثابتة بصريح آيات القرآن الكريم، ثمّ نتعرّض في كل منزلة لبيان دلالة الحديث على ثبوتها لأمير المؤمنين عليه السلام:

 ١  - إن النبوّة من المنازل والمقامات العظيمة التي أثبتتها الآياتُ القرآنيّة لهارون عليه السلام، قال الله عزّ وجلّ في حديثه عن موسى عليه السلام: «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» (مريم:  5٣ ) .

إنّ هذه الآية المباركة واضحة وصريحة في أنّ مقام النبوّة من المنازل الثابتة لهارون من موسى عليه السلام. وهذه المنزلة هي التي استثناها الرسول الأكرم (ص) في الحديث الش-ريف بعبارات مختلفة ومتنوّعة، كما تقدّم في قوله (ص) : «إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي» وقوله: «إلّا النُّبُوَّةَ» ، ونحو ذلك من ألفاظ الحديث التي استثنت النبوّة ممّا أثبته النبيّ (ص) لعليّ عليه السلام من المنازل والمقامات عن طريق تنزيله منزلة هارون عليه السلام، وقد تقدّم أنّ هذا الاستثناء

ص:٢٢٠ 

استثناءٌ متّصل.

كما أنّ في هذا الاستثناء الخاصّ للنبوّة من عموم الحديث دلالة واضحة على أنّ ما لم يستثنِه النبيّ (ص) من المقامات الثابتة لهارون عليه السلام حاصلة كلّها لعليّ عليه السلام، فإنّ الاستثناءَ وإطلاق المستثنى من دون تقييده بقيد أو شرط، دليلٌ واضح على عموم المستثنى منه، وهي منازل هارون من موسى عليه السلام.

قال السيّد المرتضى: «فاقتضى هذا الظاهر أنّ له كلّ منازل هارون من موسى؛ لأنّه أطلق ولم يخصّ، إلّا ما دلّ عليه العقل والاستثناء المذكور، ولولا أنّ الكلام يقتض-ي

الشمول لما كان للاستثناء معنى، وإنّما نبّه (ص) باستثناء النبوّة على أنّ ما عداه قد دخل تحته، إلّا ما عُلم بالعقل أنّه لا يدخل فيه، نحو الأُخوّة في النسب، أو الفضل الذي يقتضيه شركة النبوّة إلى ما شاكله»(1)

على أنّه سوف يأتي أنّ لعليّ عليه السلام أُخوّة مع النبيّ (ص) تفوق أُخوّة النسب في الامتيازات والخصائص.

ومضافاً لذلك - كما أفاده السيّد المرتض-ى - أنّ دخول الاستثناء في اللفظ الذي يقتضي على سبيل الاحتمال أشياء كثيرة متى صدر من حكيم يريد البيان والإفهام، دليل على أنّ ما يقتضيه اللفظ ويحتمله - بعد ما خرج بالاستثناء - مراد بالخطاب وداخل تحته، ويصير دخول الاستثناء كالقرينة أو الدلالة التي توجب بها الاستغراق والشمول.

ويدلّ على صحة ما ذكروه أنّ الحكيم منّا إذا قال: (من دخل داري أكرمته إلّا زيداً) ، فهمنا من كلامه بدخول الاستثناء أنّ من عدا زيداً مراد بالقول؛ لأنّه لو لم يكن مراداً لوجب استثناؤه مع إرادة الإفهام والبيان(2)

 ٢ - إنّ القرابة الخاصّة والأُخوّة النسبيّة التي كانت بين هارون وموسى عليهما السلام، من


1- الشافي في الإمامة، السيّد المرتضى، ج ٣ ، صص 5  و  6 .
2- المصدر نفسه، ص ١4 .

ص:٢٢١ 

الأُمور الواضحة التي صرّح بها القرآن الكريم في جملة من الآيات الكريمة، كما في قول موسى عليه السلام: «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي» ، فتعتبر هذه الأُخوّة من المنازل المهمّة التي ميّزت هارون عن أصحاب موسى عليه السلام من بني إسرائيل.

وللأُخوّة دور في نيل المقامات الإلهيّة، فقد أكّد القرآن الكريم على تلك المنزلة في جملة وافرة من الآيات المباركة، كما في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام:

«وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (طه: ٢٩ -  ٣٢ )

وقد استجاب اللهُ تعالى له قائلاً:

«اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي» (طه:  4٢ ) . ولاشكّ أنّ هذا الطلب الذي تقدّم به موسى عليه السلام إلى الله تعالى، والذي هو عبارة عن إعطاء منصب الوزارة لشخص من أهله وهو أخوه هارون عليه السلام، واستجابة الله عزّ وجلّ لذلك الطلب، كلّ ذلك يستند في الحقيقة إلى قانون اصطفاء بعض البيوتات الطاهرة والذرّيّات المطهّرة، ودوره في كيفيّة توزيع ومنح المناصب والمقامات الإلهيّة.

وقد وردت بنود ذلك القانون في كثير من الآيات المباركة؛ كقوله تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (آل عمران:  ٣٣  و  ٣4 ) .

فإنّ هذه الآية الكريمة صريحة في أنّ الاصطفاء بالمقامات الإلهيّة خاصّ ببعض البيوت المباركة، كما قد نصّ على هذه الحقيقة أيضاً قوله تعالى:

«وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (الأنعام:  ٨4  -  ٨٧ )

ص:222 

فإنّ هذه الآيات المباركة تنصّ على أنّ لبيوت الأنبياء دوراً أساسيّاً في اجتباء ذريّاتهم واصطفائهم وتفضيلهم على العالمين، كما أنّها صريحة أيضاً في أنّ للأُخوّة مضافاً إلى الأُبوّة والبنوّة تأثيراً مهمّاً في استعداد الشخص لنيل المقامات الإلهيّة، وقد كانت أُخوّة هارون لموسى عليهما السلام منزلة أهّلته لبلوغ درجة النبوّة والخلافة.

والذي نريد التأكيد عليه في هذا المجال: هو أنّ القرابة النسبيّة الخاصّة بين عليّ عليه السلام وبين النبيّ الأكرم (ص) ، وكذا منزلة الأُخوّة التي اختصّ بها النبيّ (ص) علياً عليه السلام على سائر الصحابة - كما سيتضح - كانت من الأُصول والمبادئ المهمّة التي استحقّ أميرُالمؤمنين عليه السلام على ضوئها مقام الإمامة والخلافة، كما كان هذا الأمر ثابتاً لهارون بالنسبة إلى موسى عليه السلام، ولا يخرج هذا الأمر عن قانون الاصطفاء في الآل والذرّيّة الذي ذكرناه.

وقد يُشكل بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام وإن كان بينه وبين رسول الله (ص) علاقة الرحم وقربى النسب؛ لأنّه كان ابن عمّ النبيّ (ص) ، إلّا أنّه لم يكن أخاً نسبيّاً له (ص) كي نقارن بين أُخوّته وأُخوّة هارون لموسى عليهما السلام، وهذا فارق واضح وجليّ بين قرابة هارون - وهي الأُخوّة النسبيّة- وبين قرابة أمير المؤمنين عليه السلام وهي بني العمومة.

والجواب هو أنّ رسول الله (ص) أثبت لأمير المؤمنين عليه السلام أُخوّة خاصّة - كما يدلّ على ذلك حديث المؤاخاة الآتي - تفوق في مزاياها وخصائصها ومعطياتها الأُخوّة النسبيّة الناتجة عن التقاء الأبوين، فبالإضافة إلى القرابة النسبيّة القريبة بين أمير المؤمنين عليه السلام والرسول الأكرم (ص) ، فإنّ الإمام عليه السلام تميّز بأُخوّة تكوينيّة خاصّة للنبيّ (ص) أهّلته لنيل منازل الأُخوّة النسبيّة التي كانت لهارون عليه السلام.

وعليه فأمير المؤمنين عليه السلام - بحسب ما سنذكره من الروايات - إضافة إلى كونه من بيوتات الأنبياء التي اصطفاها الله عزّ وجلّ، هو أيضاً أخو النبيّ (ص) .

وهناك جملة وافرة من الروايات الدالّة على أُخوّة الإمام عليه السلام للنبيّ (ص) ، من جملتها:

أ - أخرج الترمذي بسنده إلى جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، قال:

«آخى رسولُ الله (ص) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: يا رَسولَ الله، آخَيتَ

ص:٢٢٣ 

بَينَ أصحابِكَ ولَم تُؤاخِ بَيني وبَينَ أحَدٍ، فقال له رسولُ الله (ص) :

(أنتَ أخي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ)» . ثمّ قال عقبه: «هذا حديث حسن غريب»(1)

والحسن الغريب عند الترمذي هو ما كان رواته من الثقات، قال الأحوذي في شرحه للسنن: «وقال الحافظ أحمد بن عبد المحسن القرّافي في كتابه (معتمد النبيه) :

قول أبي عيسى: "هذا حديث صحيح حسن غريب، وهذا حديث حسن غريب"، إنّما يريد به ضيق المخرج، أنّه لم يخرج إلّا من جهة واحدة ولم تتعدّد طرق خروجه، إلّا أنّ راويه ثقة، فلا يضرّ ذلك فيستغربه هو لقلّة المتابعة» (2)

وقال ابن حجر بعد ذكره للحديث الآنف: «وإذا انضمّ هذا إلى ما تقدّم تقوّى به»(3)

ب - أخرج ابن حبّان بسنده إلى البراء، عن أبي بكر: أنّ رسولَ الله (ص) ، قال في يوم المؤاخاة لعليّ عليه السلام:

«وَالَّذي بَعَثَني بِالحَقِّ! ما أخَّرتُكَ إلّا لِنَفسي، وأنتَ مِنّي بِمَنزِلَةِ هارونَ مِن موسى، غَيرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وأنتَ أخي ووارِثي. قال: يا رَسولَ الله، وما أرِثُ مِنكَ؟ قال: ما وَرِثَت الأَنبِياءُ قَبلي، قال: وما وَرِثَتِ الأَنبِياءُ قَبلَكَ؟ قال: كِتابَ الله، وسُنَّةَ نَبِيّهم، وأنتَ مَعي في قَصري فِي الجَنَّةَ مَعَ فاطِمَةَ ابنَتي»(4)


1- سنن الترمذي، ج 5 ، ص 6٣6 .
2- تحفة الأحوذي، المباركفوري، ج ١ ، ص ٣٢4 .
3- فتح الباري، ج ٧ ، ص ٢١١ .
4- الثقات، ج ١ ، ص ١4٢ ، وقد أخرج ابن حبّان هذا الحديث عن الفضل بن الحباب، عن عبدالله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عمرو بن عبدالله السبيعي، عن البراء بن عازب، عن أبي بكر، عن رسول الله ص ، أمّا أبو خليفة الفضل بن الحباب فقد قال عنه ابن حجر: «مسند عصره بالبصرة يروي عن القعنبي ومسلم بن إبراهيم والكبار، وتأخّر إلى سنة خمس وثلاث مائة، ورحل إليه من الأقطار، وكان ثقة عالماً، ما علمت فيه ليناً» لسان الميزان، ج 4 ، ص 4٣٨ . وأمّا عبدالله بن رجاء، فقال عنه الذهبي: «عبدالله بن رجاء الحافظ الثقة أبو عمرو الغداني البصري» تذكرة الحفاظ، ج ١ ، ص 4٠4 . وإسرائيل بن يونس قال عنه ابن حجر: «ثقة تكلّم فيه بلا حجّة» تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ١٠4 . وأبو إسحاق السبيعي قال عنه ابن حجر: «ثقة مكثر عابد» تقريب التهذيب، ج ١ ، ص 4٢٣ .

ص:٢٢4 

وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق زيد بن أبي أوفى(1)

ج - أخرج الطبراني في الأوسط بسنده إلى أشعث ابن عمّ الحسن بن صالح - وكان يفضل على الحسن بن صالح - قال: حدّثنا مسعر بن كدام، عن عطيّة العوفي، عن جابربن عبدالله، قال:

«قال رسولُ الله (ص) :

(مَكتوبٌ عَلى بابِ الجَنَّةِ: مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ (ص) ، عَلِيٌّ أخو رَسولِ الله قَبلَ أن تُخلَقَ السَّماواتُ بِأَلفَي سَنَةٍ)» (2)

رواه الهيثمي في زوائده، وقال عقبه: «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أشعث ابن عمّ الحسن بن صالح، وهو ضعيف ولم أعرفه»(3)

وقد وثّق الخطيب البغدادي أشعثَ هذا؛ حيث قال: «أشعث ابن عمّ حسن بن صالح، وكان يفضل على الحسن»(4)

وهذه العبارة نفسها موجودة في (المعجم الأوسط) للطبراني(5)

والحسن بن صالح من كبار الرواة الثقات، قال عنه ابن حجر: «ثقة فقيه عابد، رُمي بالتشيّع»(6)، فإذا كان الأشعث يفضل على ابن عمّه الحسن بن صالح، فلا شكّ في صلاحه ووثاقته.

وعليه فالخطيب والطبراني يوثّقان أشعث.

د - أخرج أحمد بسنده إلى ربيعة بن ناجذ، عن عليّ عليه السلام، عن رسول الله (ص) في حديث الدار، وفيه:

«(يا بَني عَبدِ المُطَّلِب، إنّي بُعِثتُ لكُم خاصَّةً، وإلى النّاس بِعامَّةٍ، وقَد رَأَيتُم، مِن


1- المعجم الكبير، ج 5 ، ص ٢٢٠ .
2- المعجم الأوسط، ج 5 ، ص ٣4٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١١١ .
4- تاريخ بغداد، ج ٧ ، ص ٣٩٨ .
5- المعجم الأوسط، ج 5 ، ص ٣4٣ .
6- تقريب التهذيب، ج ١ ، ص ١6١ .

ص:٢٢5 

هذِهِ الآيَةِ ما رَأَيتُم، فَأَيُّكُم يُبايِعُني عَلى أن يَكونَ أخي وصاحِبي؟ قالَ: فَلَم يَقُم إلَيهِ أحَدٌ، قال: فَقُمتُ إلَيهِ، وكُنتُ أصغَرَ القَومِ، فَقالَ: اِجلِس - ثَلاثَ مَرّاتٍ - كُلُّ ذلِكَ أقومُ إلَيهِ، فَيَقولُ لي: اِجلِس، حَتّى إذا كانَ فِي الثّالِثَةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى يَدي»(1)

رواه الهيثمي في زوائده، وقال عقبه: «رواه أحمد، ورجاله ثقات»(2)

ه- أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسنده إلى عكرمة، عن ابن عبّاس، أنّ عليّاً رضى الله عنه كان يقول في حياة رسول الله (ص) : «إنَّ اللهَ عَزَّوجَلَّ يَقولُ: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» ، وَالله لا نَنقَلِبُ عَلى أعقابِنا بَعدَ إذ هَدانَا اللهُ، وَالله لَئِن ماتَ أو قُتِلَ لَأُقاتِلَنَّ عَلى ما قاتَلَ عَلَيهِ حَتّى أموتَ، وَالله إنّي لَأَخوهُ ووَلِيُّهُ وَابنُ عَمِّهِ ووارِثُهُ، فَمَن أحَقُّ بِهِ مِنّي؟»(3)

رواه الهيثمي في زوائده، وقال عقبه: «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح»(4)

فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها كلّها تُثبت أنّ للإمام عليه السلام أُخوّة خاصّة مع رسول الله (ص) ، وهي أُخوّة قبل خلق السماوات والأرض، وفي الدنيا والآخرة، كما تقدّم في رواية الطبري، وعلى ضوئها ورثه عليّ عليه السلام من رسوله الله (ص) ما ورثه الأنبياء.

وهذه الأُخوّة الخاصّة تستند إلى الرابطة التكوينيّة في الخلق بين عليّ عليه السلام والنبيّ (ص) ، وهذا ما أكّدته جملةٌ من الروايات، منها ما أخرجه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبدالله، قال: «سمعت رسولَ الله (ص) يقول لعليّ: (يا عَلِيُّ، اَلنّاسُ مِن شَجَرٍ شَتّى وأنَا وَأنتَ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ) ، ثُمّ قرأ رسولُ الله (ص) : «وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ» (الرعد:  4 )» .

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»(5)


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١5٩ .
2- مجمع الزوائد، ج ٨ ، ص 5٣٢ .
3- المعجم الكبير، ج ١ ، ص ١٠٧ .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٨٣ .
5- المستدرك على الصحيحين، ج ٢ ، ص ٢4١ .

ص:٢٢6 

كما روى هذا الحديث القرطبي أيضاً في تفسيره(1)

فمعنى هذا الحديث إذن هو أنّ بين النبيّ (ص) وأميرِ المؤمنين عليه السلام علاقةً ورابطة تكوينيّة في الخلق والإيجاد؛ أي: أنّ الإمامَ عليه السلام والرسول الأكرم (ص) خلقهُما اللهُ تعالى من منبتٍ تكويني خاصّ، يُسقى بماء واحد، ويتميّز في خصائصه وصفائه وطهارته عن الأصل والمنبت الذي خلق الله تعالى منه سائرَ الناس، وهذه العلاقة الملكوتية هي ركيزة الأُخوّة الخاصّة التي أشرنا إلى تميّزها عن الأُخوّة النسبيّة في الخصائص والمواصفات، مضافاً إلى القرابة القريبة بين عليّ عليه السلام والنبيّ (ص) ، فهو ابن عمّه ومن بيت اصطفاه الله تعالى على سائر البيوت، كما ورد ذلك في الصحيح عن النبيّ (ص) ، حيث قال:

«إنّ اللهَ اصطَفى كِنانَةَ مِن وُلدِ إسماعيلَ، وَاصطَفى قُرَيشاً مِن كِنانَةَ، وَاصطَفى مِن قُرَيشٍ بَني هاشمٍ ٍ، وَاصطَفاني مِن بَني هاشِمٍ»(2)

كما قال (ص) أيضاً:

«أنا مُحَمَّدُ بنُ عبدالله بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ، إنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلقَ فَجَعَلَني في خَيرِهِم فِرقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقَتَينِ فَجَعَلَني في خَيرِهِم فِرقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُم قبائِلَ فَجَعَلَني في خَيرِهِم قَبيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُم بُيوتاً فَجَعَلَني في خَيرِهِم بَيتاً وخَيرِهِم نَسَباً»(3)

ومن الواضح أنّ عليّاً عليه السلام من ذلك البيت المبارك والنسب الطاهر.

والحاصل: إنّ مقام ومنزلة القرابة الخاصّة والأُخوّة التكوينيّة ثابتة لأميرالمؤمنين عليه السلام بنحوٍ أعلى وأفضل من الأُخوّة النسبيّة التي بين هارون وموسى عليهما السلام، ولهذه القرابة والأُخوّة دورها الأساس في اختيار عليّ عليه السلام للخلافة والاستخلاف.


1- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج ٩ ، ص ٢٨٣ .
2- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٧٨٢ .
3- سنن الترمذي، ج 5 ، ص 54٣  وقال: «قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن» ، ورواه أحمد في الفضائل، ج ٢ ، ص ٩٣٧ ، وقال الهيثمي: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح» مجمع الزوائد، ج ٨ ، ص ٣٩٧ ، وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: «حديث صحيح وحسّنه الترمذي» ، ج ٣ ، ص ١6٠4 .

ص:٢٢٧ 

 ٣ - من المنازل المهمّة التي أثبتها القرآن الكريم لهارون عليه السلام هي مقام الوزارة، حيث إنّ الله عزّ وجلّ شدّ أزر موسى عليه السلام به، وجعله ردءاً ومدافعاً عن رسالته ومصدّقاً لها، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي» (طه:  ٢٩ -  ٣١ ) ، فأجابه الله تعالى: «قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى» (طه: 36) ، وفي آية أخرى من سورة الفرقان قال تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً» (الفرقان: ٣5 ) ، كما جاء على لسان موسى عليه السلام: «وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي» (القصص: 34) .

وهذه المنزلة الكريمة والفضيلة العظيمة ثابتة لعليّ عليه السلام أيضاً بمقتضى عموم حديث المنزلة؛ إذ تقدّم أنّ النبيّ (ص) لم يستثنِ من المنازل الثابتة لهارون غير منزلة النبوّة.

كما أنّ النبيّ (ص) قد صرّح بثبوت منزلة الوزارة والمؤازرة لعليّ عليه السلام في جملة من الأحاديث؛ من ذلك ما أخرجه الثعلبي في تفسيره بسنده عن أبي ذرّ، قال:

«صلّيت مع رسول الله (ص) يوماً من الأيّام صلاة الظهر، فدخل سائل في المسجد فلم يعطِه أحدٌ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللّهمّ اشهد أنّي سألتُ في مسجد رسول الله (ص) فلم يعطِني أحدٌ شيئاً، وكان عليّ راكعاً، فأومى إليه بخنص-ره اليمنى وكان يتختّم فيها، فأقبل السائلُ حتّى أخذ الخاتم من خ-نصره، وذلك بعين لنبيّ (ص) ، فلمّا فرغ النبيّ (ص) من الصّلاة فرفع رأسَه إلى السماء وقال: (اللّهُمَّ إنَّ أخي موسى سأَلَكَ، فَقالَ: «قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي» فَأَنزَلَت عَلَيهِ قُرآناً ناطِقاً: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً» ، اللّهُمَّ وأنَا مُحَمَّدٌ نَبيُّكَ وصَفِيُّكَ، اللّهُمَّ فَاشرَح لي صَدري، ويَسِّر لي أمري، وَاجعَل لي وَزيراً مِن أهلي عَلِيّاً أُشدُد بِهِ ظَهري) ، قال أبو ذرّ: فوالله ما استتمّ رسولُ الله (ص) الكلمةَ حتّى أُنزل عليه جبرئيلُ من عند الله، فقال: (يا مُحَمَّدُ: اِقرَأ، فَقالَ: وما أقرَأُ؟ قال:

اِقرَأ «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ »

ص:٢٢٨ 

«الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» )»(1)

ومؤازرةُ عليّ عليه السلام ومعاضدتُه لرسول الله (ص) وجهادُه وقتالُه في سبيل الرسالة الخاتمة، من الأُمور الواضحة التي لا يعتريها شكّ أو رَيب، وقد هتفت السماءُ بشجاعة عليّ عليه السلام وفتوّته قائلة:

«لا سَيفَ إلّا ذُو الفَقارِ، ولا فَتى إلّا عَلِيٌّ»(2)

وقال النبيّ (ص) في حقّه يوم خيبر:

«لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفتَحُ اللهُ عَلى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ»(3)

ومن الواضح أنّ هذا المقام لعليّ عليه السلام من أهمّ وأعظم الفضائل، وقد أثبتها حديثُ المنزلة.

 4  - من المنازل التي أثبتها القرآن الكريم لهارون عليه السلام على لسان أخيه موسى عليه السلام أيضاً: منزلة الخلافة وقيادة الاُمّة؛ وذلك في قوله تعالى:

«قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (الأعراف:  ١4٢ ) .

وقد كانت هذه الخلافة والولاية واجبة الاتّباع والطاعة على بني إسرائيل؛ لأنّها مندرجة تحت وجوب طاعة أُولي الأمر كما هو صريح قوله تعالى:

«وَ لَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي» (طه:  ٩٠ ) .


1- الكشف والبيان، الثعلبي، ج 4 ، صص ٨٠  و  ٨١ . وقد أخرج هذا الحديث أيضاً الإسكافي عن أسماء بنت عميس في المعيار والموازنة، ص ٣٢٢ ، بألفاظ أُخرى، كما أخرجها أيضاً الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل، ج ١ ، ص 4٧٨ ، والرازي في تفسيره، ج ١٢ ، ص ٢6 ، و ابن مردويه في المناقب، ص ٢٩٣ ، و ابن طلحة الشافعي في مطالب السؤول، ص ١٧١ ، وغيرهم.
2- البداية والنهاية، ج ٧ ، ص ٢5٠ .
3- صحيح البخاري، ج ٢ ، ص ٢5١ .

ص:٢٢٩ 

ومن الواضح أنّ هذه الخلافة الإلهيّة لهارون عليه السلام منبثقة عن أهليّته واستحقاقه وتميّزه على أصحاب موسى عليه السلام، بما فيهم يوشع بن نون الذي كان موجوداً في ذلك الحين،

والذي نال مقام الخلافة والإمامة بعد وفاة هارون وموسى عليهما السلام.

وعمومُ الحديث الذي لم يَستثنِ منه النبيُّ (ص) إلّا النبوّة، يُثبت لعليٍّ عليه السلام منزلة الخلافة أيضاً بعد أن كانت ثابتة لهارون عليه السلام، وحيث إن خلافة هارون على بني إسرائيل كانت خلافة إلهية وتنصيباً إلهيّاً على لسان موسى عليه السلام، فكذلك استخلاف عليّ عليه السلام على المدينة في غزوة تبوك، وهي أيضاً كخلافة هارون عليه السلام واجبة الطاعة والاتّباع؛ لاندراجها تحت وجوب طاعة أُولي الأمر، وذلك بمقتضى التشبيه والتنزيل بين الخلافتين الهارونيّة والعلويّة.

وهذا ما يميّز خلافة أمير المؤمنين عليه السلام على سائر من استخلفهم النبي (ص) على المدينة.

نتيجة البحث الثالث

يمكن إجمال النتائج التي توصّلنا لها من خلال استعراض تلك الألفاظ لحديث المنزلة ضمن النقاط التالية:

أ - إنّ حديث المنزلة غير مختص بغزوة تبوك، بل هو صادر من النبيّ (ص) في مناسبات مختلفة؛ منها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

ب - إنّ جملةً من الصحابة والتابعين قد فهموا من حديث المنزلة إثبات فضيلة خاصّة لعليّ عليه السلام يتميّز بها على سائر الصحابة، ولا يمكن أن تُقارن تلك الفضيلة بحمر النعم؛ الذي هو كناية عن أموال الدنيا وكنوزها.

ج - إنّ بعض ألفاظ الحديث الصحيحة صريحة في إثبات أهمّ منزلة من منازل هارون من موسى لعليّ عليه السلام، وهي الولاية والخلافة.

د - إنّ بعض ألفاظ الحديث الصحيحة أيضاً صريحة في أنّ استخلاف عليّ عليه السلام على المدينة في غزوة تبوك نابع من واقع المنزلة الثابتة لعليّ عليه السلام من رسول الله (ص) ، وهي منزلة

ص:٢٣٠ 

تضاهي منزلة هارون من موسى عليهما السلام بما في ذلك استخلافه على قومه عندما ذهب موسى عليه السلام إلى لقاء ربّه، والنبيّ (ص) إنّما استخلف عليّاً عليه السلام على المدينة؛ لأنّه يحمل خصائصه الرساليّة، وقادر على ملء الفراغ الذي يُخلّفه النبيّ (ص) عند ذهابه إلى الحرب، وذلك ما يُميّزه عن استخلاف ابن أُمّ مكتوم وغيره على المدينة، وذلك للظروف الخاصّة التي أحاطت بتولّي الخلافة على المدينة في غزوة تبوك؛ ولذا نجد أنّ النبيّ (ص) قرن بين ضرورة بقاء عليّ عليه السلام خليفةً عنه في المدينة وبين منزلة عليّ عليه السلام منه (ص) وأنّها كمنزلة هارون من موسى.

ونتيجة ذلك أنّ للإمام عليه السلام خلافة إلهيّة في حياة رسول الله (ص) في حالة غيابه (ص) ، كما كان ذلك المقام ثابتاً لهارون عليه السلام عندما استخلفه موسى عليه السلام على قومه في حال غيابه.

ه- إنّ أحاديث المنزلة صريحة في أنّ الطعن بخلافة عليّ عليه السلام على المدينة يوازي طعن قريش في نبوة النبي (ص) ، إلّا أنّ عليّاً عليه السلام ليس بنبيّ، وهذا ما يوضّح العلاقة بين استخلاف علي عليه السلام على المدينة وبين حديث المنزلة.

و - إنّ أحاديث المنزلة صريحة في أنّ الفضيلة المذكورة فيها لعليّ عليه السلام لها وقع وتأثير مباشر على عقيدة الفرد المسلم نفياً أو إثباتاً.

ح - إنّ أحاديث المنزلة تثُبت وبوضوح الخلافةَ لعليّ عليه السلام بعد النبيّ (ص) ؛ لأنّ الحديث من ناحية يُثبت لعليّ عليه السلام كلَّ ما هو ثابت لهارون عليه السلام من مقامات إلهيّة؛ ومنها خلافته على قوم موسى عليه السلام، وذلك بصريح قوله تعالى: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» ، ومن ناحية أُخرى يُثبت أنّ تلك المنازل ثابتة لعليّ عليه السلام بعد وفاة النبيّ (ص) إلّا النبوّة، وذلك ب-صريح قول النبيّ (ص) : «إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي» ، أو قوله (ص) : «إلّا أنَّهُ لا نُبُوَّةَ بَعدي» ، أو قوله (ص) : «إنَّهُ لا يَنبَغي أن أذهَبَ إلّا وأنتَ خَليفَتي» ، أو قوله (ص) : «إلّا أنَّهُ لَيسَ بَعدي نَبِيٌّ» ، وغيرها من الألفاظ الصريحة في أنّ منازل هارون عليه السلام - ومنها الخلافة - ثابتة لعلي عليه السلام بعد وفاة النبيّ (ص) ، وسيأتي مزيدُ إيضاح لهذه النقطة في الأجوبة اللاحقة.

ص:٢٣١ 

إشكال

اعتمد البعض - خصوصاً كتّاب الوهابيّة - في إشكالهم على الاستدلال بحديث المنزلة على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام، على إبراز جهة التمايز بين خلافة هارون في حياة موسى عليه السلام وبين الخلافة التي تثبتها الشيعة للإمام عليه السلام بعد وفاة النبي (ص) ؛ وذلك لأنّ هارون عليه السلام توفي في حياة موسى عليه السلام ولم يكن خليفة له بعد وفاته، وهذا يعني أنّ الخلافة بعد موسى لم تكن من منازل هارون كي تثبت لأمير المؤمنين عليه السلام بقول رسول الله (ص) : «إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي» ، وحينئذٍ يفقد حديث المنزلة دلالته على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته بعد النبي (ص) .

جواب الإشكال

إنّ هذا الكلام يكشف عن قصور في فهم الأحاديث النبويّة، وجهل بحقيقة الخلافة الإلهيّة للأنبياء والأوصياء، فإنّ في حديث المنزلة - كما هو الحال في فهم الإمامة والخلافة - جواباً واضحاً على هذه الشبهة، وبيان ذلك يعتمد على استيضاح الأُمور التالية:

 ١ - إنّ خلافة هارون عليه السلام وإمامته لا تقف عند قيادته الميدانيّة لبني إسرائيل وإدارة شؤونهم السياسيّة والاجتماعيّة، لكي يُقال: (إنّها مختصّة بحياته في حال وجود موسى وذهابه إلى ربّه، ولا تشمل ما لو بقي حيّاً بعد موسى عليه السلام) ، وإنّما هي خلافة وإمامة ربّانيّة بجعل من الله عزّ وجلّ ومنبثقة عن مزاياه ومقاماته الخاصّة التي أهّلته لبلوغ تلك الدرجة، فهارون عليه السلام الذي أشركه الله تعالى في أمر موسى عليه السلام وسلطانه وفي هداية بني إسرائيل لا تصلح الخلافة بعد أخيه إلّا له.

وبالإضافة إلى اشتراك هارون عليه السلام مع موسى عليه السلام في مقام النبوّة، كذلك هو شريك في سلطان الإمامة وحكم الخلافة، وهذا ما دلّ عليه صريح الآيات القرآنيّة، فإنّ هارون في طليعة من قال الله عزّ وجلّ في حقّهم:

ص:٢٣٢ 

«وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ» (السجده:  ٢4 ) .

وقد صرّح القرآن الكريم بالاشتراك في سلطان الإمامة كما في قوله تعالى:

«ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَ أَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ» (المؤمنون:  45 )

وكذا ما في قوله تعالى:

«وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً» (الفرقان: ٣5 )

وقوله تعالى:

«وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ» (القصص:  ٣4 و  ٣5 )

قال ابن عطاء في تفسيره لهذه الآية المباركة: «أجمع لكما سياسة الخلافة مع أخلاق النبوّة»(1)

إذن فهذه الآيات الكريمة وغيرها دلّت بمجموعها على أنّ هارون شريك مع موسى في الإمامة والسلطان وولاية الأمر التي تجب طاعتها على بني إسرائيل، تلك الطاعة الواجبة التي تمثّلت بقول هارون لقومه: «فَاتَّبِعُونِي وَ أَطِيعُوا أَمْرِي» ، ولكن حيث إنّ موسى عليه السلام هو صاحب الشريعة، وهو الذي تلقّى الرسالة عن الله تعالى، فلا ولاية ولا قيادة ولا خلافة على الأُمّة مع خلافته وقيادته، وليس هارون مع وجود موسى عليه السلام إلّا مُعاضِداً ووزيراً في الحكومة الموسويّة.

وعلى ضوء تلك المشاركة كان هارون عليه السلام هو الرجل الثاني في حكومة موسى عليه السلام، ولا يمكن أن تصل الخلافة لشخص آخر في حال غياب موسى عليه السلام ما دام هارون عليه السلام موجوداً، سواء كان غياب موسى عليه السلام بذهابه إلى ربّه أم موته أم غير ذلك، وما موت


1- تفسير السلمي حقائق التفسير ، ج ٢ ، ص ١٠6 .

ص:٢٣٣ 

هارون عليه السلام في حياة موسى إلّا مانعٌ منع من استمرار خلافة هارون بعد وفاة أخيه.

وتلك الخلافة المستندة إلى الجعل الإلهي هي من المقامات المرتبطة بأهليّة الشخص المستحقّ لها، ولا يمكن سلبها عنه إلّا بنصٍّ من الله عزّ وجلّ فيما إذا هبط ذلك الشخص عن مقامه ومنزلته وصفاته التي نتج عنها استحقاقه للإمامة، فلو افترضنا حياة هارون بعد موسى عليهما السلام مع عدم تسنّمه لمقاليد الخلافة في ذلك الحين، فإنّه لاتفسير له إلّا افتقاد هارون عليه السلام لمقامه ومنزلته وإمامته التي استوجب على ضوئها أن يكون خليفة بعد موسى عليه السلام عند ذهابه إلى ربّه، وهذا ما يوجب طرو النقص لشخص نبيّ من أنبياء الله تعالى وفقدان الناس ثقتهم بذلك النبيّ، وهو ما يرفضه المسلمون بكافّة طوائفهم وفرقهم، فأهليّة هارون عليه السلام للخلافة واستحقاقه لها في غياب موسى عليه السلام مستمرّة بلا أمد ولا نهاية، إلّا إذا طرأ مانع الموت، كما هو الحال في هارون عليه السلام؛ حيث توفّي في زمن موسى عليه السلام.

ونحن نعتقد أنّ هذه المنزلة الإلهيّة هي التي أثبتها النبيّ (ص) لعليّ عليه السلام بكلّ أبعادها، فالخلافة ثابتة لعليّ عليه السلام في حال حياة النبيّ (ص) كما في غزوة تبوك، وهي أيضاً ثابتة له بعد وفاة النبيّ (ص) كما كانت كذلك لهارون عليه السلام لو بقي حيّاً.

 ٢ - إنّ حديث المنزلة بكلّ ألفاظه المتقدّمة صريح في إثبات منازل هارون عليه السلام لعلي عليه السلام بعد وفاة النبي (ص) ، وإن كان هارون قد توفّي في حياة موسى عليه السلام، وذلك يظهر جليّاً في قول النبيّ (ص) : «إلّا أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي» وقوله (ص) : «إنَّهُ لا يَنبَغي أن أذهَبَ إلّا وأنتَ خَليفَتي في كُلِّ مُؤمِنٍ مِن بَعدي» (1)، فهذه الألفاظ الواردة في حديث المنزلة بأسانيد معتبرة - كما تقدّم - صريحة في أنّ النبيّ الأكرم (ص) أراد أن يُثبت لعليّ عليه السلام منازل هارون عليه السلام حتّى بعد وفاته (ص) ، والنبيّ عندما استثنى النبوّة ونفاها عن عليّ عليه السلام من بعده كما هي منتفية في حال حياته، فإنّه يثبت في الوقت ذاته بقية المنازل لعليّ عليه السلام من بعده كما


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٣٠ ، وقد تقدّم تخريج وتصحيح الحديث سابقاً.

ص:٢٣4 

هي كذلك في حال حياته المباركة، والخلافة أيضاً من تلك المنازل الثابتة لعليّ في حال غياب النبيّ (ص) وذهابه، سواء كان غيابه (ص) لأجل الجهاد أم بسبب الموت والانتقال إلى الله تبارك وتعالى، فلا ينبغي أن يذهب النبيّ (ص) إلّا وعليٌّ خليفته في كلّ مؤمن من بعده، وليس ذلك إلّا للخصائص التي تميّز بها عليّ عليه السلام على سائر الصحابة وأعطته الأهليّة لتلقّي الخلافة عن النبيّ (ص) في حال غيابه وذهابه.

 ٣ - إنّ حديث المنزلة إذا لم يكن صريحاً في إثبات منازل هارون لأمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاته، فالحديث مطلق على أقل التقادير ولم يُقيّده النبيّ (ص) في حال حياته، فهو شامل لحال الحياة وبعد الوفاة، والتخصيص بحال الحياة يحتاج إلى الدليل، ومجرّد وجود المانع وهو وفاة هارون عليه السلام في حال حياة موسى عليه السلام لا يصلح دليلاً على التخصيص.

تنبيه

لم يقتصر استدلال الإماميّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته على ما تقدّم من حديث الغدير، وحديث الاثني عشر خليفة من قريش، وحديث المنزلة، وإنّما هناك أحاديث أُخرى مهمّة كثيرة؛ كحديث الثقلين، وحديث الراية، وحديث: «لايُحِبُّ عَلِيٌّ إلّا مُؤمِنٌ ولا يُبغِضُهُ إلّا مُنافِقٌ» ، وحديث تبليغ سورة براءة، وحديث سد الأبواب إلّا باب عليّ عليه السلام، وحديث الانتجاء، وحديث المؤاخاة، وحديث الدار، وغيرها من الأحاديث الكريمة الكثيرة التي استُدلّ بها في المقام، وستأتي الإشارة لجملة منها في الخاتمة عند البحث عن معالم الفرقة الناجية. كذلك أقاموا أدلّة كثيرة من القرآن الكريم على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته، لكنّ البحث في الأساس غير معقود لذلك ومن هنا لم نتوسّع فيه بذكرها.

نتيجة الفصل الثالث

إنّ أحاديث النصّ بغير لفظ الوصيّة التي استدَلّ بها الإماميّةُ على إمامة أميرالمؤمنين عليه السلام ووجوب طاعته، كلّها وردت على لسان رسول الله (ص) وكبار

ص:٢٣5 

الصحابة، وأكثرها متّفَق على صحّتها بل وتواترها؛ كحديث الموالاة، وحديث الاثني عش-ر خليفة، وحديث المنزلة، وغيرها، لكنّ الأمر المهمّ الذي تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّه لم يُشِر أحدٌ في طيّات كلامه عند حديثه حول هذه الأحاديث الش-ريفة نفياً أو إثباتاً -لامن بعيد ولا من قريب - إلى ابن سبأ، ولم ينبس المخالفين ببنت شفة على أنّ لابن سبأ دوراً ما في مسألة النصّ وأحاديثها، خصوصاً أنّها الركن الأساسي لعقيدة الإمامة الإلهيّة لأهل البيت عليهم السلام، ومن الأدلّة القويّة التي يتمسّك بها الإماميّة بجانب آيات الذكر الحكيم في الاستدلال على إمامة أهل البيت عليهم السلام ووجوب طاعتهم، ومن هنا تقف على سفاهة الربط بين التشيّع وابن سبأ.

ص:236

ص:٢٣٧ 

الفصل الرابع: علاقة النصّ بنشوء الفرق وتاريخ ظهور التشيّع

اشارة

اشاره

ص:٢٣٨

ص:٢٣٩ 

تمهيد

تقدّم أنّ ظهور التشيّع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة النصّ، فمن أراد أن يعرف حقيقة التشيّع وتاريخ ظهوره لابدّ له من التحقيق في هذه المسألة: عقيدة النصّ وتاريخ ظهورها. وقد أشرنا في الأبحاث السابقة إلى نزر من الأحاديث الواردة في النصّ على إمامة أهل البيت عليهم السلام؛ سواء بلفظ الوصيّة، أو بغير هذا اللفظ، ولم يرد في طرق أيٍّ من تلك الأحاديث والنصوص ذكرٌ لابن سبأ كما تقدّم، ولا أشار إليه أحد من علماء الشيعة أو السنّة في طيّات كلماته.

ومن هنا فمن الإنصاف القول بأنّ درك ظهور التشيّع يكمن وراء فهم هذه النصوص والروايات المستفيضة المتقدّمة، والمتأمّل فيها بإنصاف يقف على حقيقة تاريخ ظهور التشيّع لأهل البيت عليهم السلام، وأنّه قد ولد بولادة الإسلام، وأساسُهُ القرآن الكريم وسنّة النبيّ الخاتم (ص) .

بداية ظهور المذاهب الإسلاميّة

من الواضح أنّ المسلمين في عصر الرسالة كانوا أُمّة واحدة لا تعرف التمذهب، وإنّما وُلدت المذاهب قُبيل رحيل رسول الله (ص) ، حيث انشقّ المسلمون إلى شقّين على إثر الخلاف حول خلافة الرسول (ص) ، وذلك قبل أن يواروا الثرى الجسدَ الطاهر لرسول الله (ص) ، وقد كان اجتماع السقيفة هو الأساس العملي لهذا الانقسام؛ فتبنّى كلّ منهما منهجاً فكريّاً مغايراً للآخر:

ص:٢4٠ 

أحدهما: يعتقد بضرورة النصّ في مسألة خلافة رسول الله (ص) ، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو الخليفة المنصوص عليه. وقد آمن بذلك بنو هاشم وقسم من كبار الصحابة؛ كالمقداد، وسلمان، وأبي ذرّ الغفاري، وغيرهم.

والآخر: يعتقد بعدم النصّ، وأنّ مسألة خلافة الرسول (ص) أُوكلت للمسلمين أنفسهم يختارون من بينهم الخليفة، وفق آليّات أبرزها البيعة، وقد آمن بذلك قسم آخر من الصحابة؛ كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وأبي عبيدة الجرّاح، وعبد الرحمن بن عوف، وآخرون.

وهذا الأمر هو الذي تؤكّده الأحاديث التي أخرجها محدّثو السنّة وحفّاظهم في قصّة بيعة السقيفة، فقد أخرج البخاري في صحيحه، بسنده إلى عمر بن الخطّاب، قال:

«بلغني أنّ قائلاً منكم يقول: (والله لو مات عمرُ بايعت فلاناً) ، فلا يغترّنّ امرؤٌ أن يقول: (إنّما كانت بيعةُ أبي بكر فلتةً وتمّت) ، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكن اللهَ وقى شرّها! وليس منكم من تُقطع الأعناقُ إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.

وإنّه قد كان من خبرنا حين توفّي اللهُ نبيَّه (ص) أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومَن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر.

فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، اِنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نريدُهم، فلمّا دنَونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالى عليه القوم.

فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اُقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينّهم.

فانطلقنا حتّى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزمّل(1)بين ظهرانَيهم.


1- مزمّل: أي مُغطّي مدثّر. النهاية، ج ٢ ، ص ٣١٣  زمل .

ص:٢4١ 

فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك.

فلمّا جلسنا قليلاً تشهّد خطيبُهم، فأثنى على الله لما هو أهله ثمّ قال: "أمّا بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشرَ المهاجرين رَهط، وقد دفت دافة من قومكم. فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر".

فلمّا سكَت، أردتُ أن أتكلّم وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أُريد أنّ أُقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت أُداري منه بعض الحدّ، فلمّا أردتُ أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أُغضبه، فتكلّم أبو بكر فكان هو أحلم منّي وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قال في بديهته مثلَها أو أفضل حتّى سكت، فقال:

ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولم يُعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحدَ هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم.

فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح، وهو جالس بيننا، فلم أكره ممّا قال غيرها، كان والله أن أُقدَّم فتُضربَ عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللّهم إلّا أن تُسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن.

فقال قائل الأنصار: أنا جَذيلُها المحَكّك، وعُذيقُها المُرجَّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.

فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتّى فرقتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، ثمّ بايَعته الأنصارُ، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعدَ بن عبادة! فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.

قال عمر: وانّا - والله - ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا؟ فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين

ص:٢4٢ 

فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا»(1)

فهذا النصّ يص-رّح بوقوع الخلاف بين المسلمين فيما يتعلّق بمسألة خلافة رسول الله (ص) ، وأنّ الزبير وجماعة من المهاجرين رفضوا خلافة السقيفة، واجتمعوا لأهل البيت عليهم السلام، وانضمّوا تحت لواء أمير المؤمنين عليه السلام «أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر» .

فتمذهب جماعة من المهاجرين لأهل البيت عليهم السلام والسير على طريق هداهم والانطواء تحت لوائهم مقابل جماعة السقيفة من المهاجرين، هو صريح دلالة هذا الحديث، ويؤيّد ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه، بسنده عن أسلم القرشي، من أنّ عمر بن الخطّاب لمّا بلغه اجتماع الزبير وجماعة من المهاجرين في دار بيّت النبوّة (ص) ، ورجوعهم في أُمورهم إليهم عليهم السلام، قال لبضعة رسول الله (ص) : «ما ذاك بما نعي إن اجتمعَ هؤلاء النفرُ عندكِ، إن أمرتُهم أن يُحرَق عليهم البيت. قال: فلمّا خرج عمر جاءوها، فقالت:

(تَعلَمونَ أنَّ عُمَرَ قَد جاءَني، وقَد حَلَفَ بِالله لَئِن عُدتُم لَيُحرِقَنَّ عَلَيكُمُ البَيتَ، وَأيمُ الله! لَيَمضِينَّ لِما حَلَفَ عَلَيهِ، فَانصَ-رِفوا راشِدينَ، فَرُوا رَأيَكُم ولاتَرجِعوا إلَيَّ)»(2)

فبيعة السقيفة إذن هي بمثابة الإعلان الرسمي لولادة المذاهب الإسلاميّة، حيث

أعلنت هذه البيعة عن ظهور أوّل الفرق الإسلاميّة؛ فأمّا الذين بايعوا فهم أساسُ الفرقة التي تعرف اليوم ب- (السنّة) ، وأمّا الذين رفضوا هذه البيعة وطعنوا في شرعيّتها، وتشيّعوا لأهل البيت عليهم السلام واعتقدوا بأنّ الخلافة فيهم ولا تخرج عنهم إلّا بظلمهم، فهم أساسُ الفرقة التي تعرف اليوم ب- (الشيعة) .


1- صحيح البخاري، ج ٨ ، صص ٢5  -  ٢٨ .
2- المصنّف، ابن أبي شيبة، ج ٨ ، ص 5٧٢ .

ص:٢4٣ 

دور عمر في إرساء الأمر لأبي بكر

اشارة

من الأُمور الأساسيّة التي تضمّنها حديث البخاري الآنف هو التصريح بدور عمر الأساسي في تنصيب أبي بكر، وأنّ الخوف من وقوع الخلاف، ومبايعة الأنصار لرجل منهم، هما العاملان الأساسيّان اللذان دفعاه لمبايعته، كما يشهد لذلك قوله: «فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسُط يدك يا أبا بكر، فبسط يدَه، فبايعتُه. . . خشينا إن فارَقنا القوم، ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا» .

ويؤيّد ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، بسنده عن عائشة، قالت: «لقد خَوّف عمرُ الناس، وإنّ فيهم لَنفاقاً» (1)

فهذا النصّ صريح الدلالة على وجود لون من البطش والانحراف في إرساء الأمر لأبي بكر من قِبل عمر، وقد لخّصته عائشةُ بأمرين أساسيّين:

الأوّل: الخوف

إنّ قول عائشة: «خَوَّفَ عمرُ الناسَ» ، صريح الدلالة على أنّ عمر قد استعمل وسائل غير مألوفة من أجل إرساء الأمر لأبي بكر، وذلك من خلال إثارة الرعب في نفوس الناس وتخويفهم.

ويؤيّد ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة الكوفي (ت  ٢٣5 ه) في مصنّفه بسنده عن زبيد، قال: «لمّا حضرت أبا بكر الوفاة أرسل إلى عمر ليستخلفه، قال: فقال الناس:

أتستخلف علينا فَظّاً غليظاً، فلو ملَكَنا كان أفظّ وأغلظ، ماذا تقول لربّك إذا أتيته وقد استخلفتَه علينا؟»(2)

وأخرجه أيضاً في تاريخ المدينة(3)، وكذا القاضي أبو يوسف بإسناده في الخراج(4)


1- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ١٩4 .
2- المصنّف، ج 6 ، ص ٣5٨ ؛ ج ٧ ، ص 4٣4 .
3- تاريخ المدينة، ابن شبة النميري، ج ٢ ، ص 6٧١ .
4- الخراج، أبو يوسف، ص ١١ .

ص:٢44 

وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(1)

فتخوُّف الصحابة من استخلاف عمر كان بسبب مشاهداتهم لأُسلوبه في إرساء الأمر لأبي بكر، وفظاظته وغلظة قلبه وحدّة طبعه، قال أبو جعفر الإسكافي (ت ٢٢٠ ه) :

«ثمّ كانت بعده بيعة عمر، فعقدها [له] أبو بكر، كما عقدها هو لأبي بكر. . . فأظهر المسلمون الإنكار لذلك والتسخّط، وقالوا: ولّيتَ علينا فظّاً غليظاً»(2)

الثاني: النفاق

إنّ قول عائشة: «وإن فيهم لنفاقاً» ، صريح الدلالة على أنّ خصلة النفاق قد انطلت على نفوس الناس في بيعتها لأبي بكر.

والمقصود من النفاق هنا هو نوع من البغض لأمير المؤمنين عليه السلام كما يدلّ على ذلك الحديث الذي أخرجه مسلم في الصحيح من طريق الإمام علي عليه السلام، قال:

«وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرأَ النَّسَمَةَ انَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (ص) إلى أن لا يُحِبُّني إلّا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُني إلّا مُنافِقٌ)»(3)

وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده من طريق أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

«عَهَدَ إلَيَّ النَّبِيُّ (ص) أنَّهُ

(لا يُحِبُّكَ إلّا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُكَ إلّا مُنافِقٌ)»(4)

وأخرجه الترمذي في سننه، وقال بذيله: «هذا حديث حسن صحيح»(5)

وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال بذيله: «رواه الطبراني في الأوسط،


1- تاريخ مدينة دمشق، ج ٣٠ ، ص 4١٣ .
2- المعيار والموازنة، إبوجعفر الإسكافي، ص 4٧ .
3- صحيح مسلم، ج ١ ، ص 6١ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، صص ٩5 ،  ١٢٨ .
5- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٠6 .

ص:٢45 

ورجاله ثقات»(1)

وأخرجه ابن حجر في (فتح الباري) ، وقال بذيله: «وله شاهد من حديث أُمّ سلمة عند أحمد»(2)

فبيعة الناس لأبي بكر وإغضائها عن أمير المؤمنين عليه السلام هو النفاق الذي أشارت إليه عائشة في حديثها الآنف؛ لمناسبة المقام لذلك، ولا شكّ في أنّ كلّ ذي لبّ يفهم من قول النبيّ (ص) :

«إنّ عَلِيّاً لا يُحِبُّهُ إلّا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُهُ إلّا مُنافِقٌ» ، إثبات فضيلة عظيمة للإمام عليه السلام، وأنّه ميزان يعرف به الإيمان ويميَّز عن النفاق.

أجواء بيعة السقيفة

إنّ المتأمّل في حديث البخاري الآنف في بيعة السقيفة يجد أنّها تمّت في ظلّ أجواء متشنّجة، كما هو صريح قوله: «فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتّى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعتُه. . . ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعدَ بن عبادة» .

وهذه الأجواء التي تمّت في ظلّها بيعة السقيفة لم تكن وليدة اللحظة، وإنّما أساسها وبذرتها زرعَتها هذه الجماعةُ من المهاجرين من أصحاب السقيفة في عهد رسول الله (ص) .

فكما أنّ هذه الجماعة من المهاجرين قطعت اجتماع الأنصار في سقيفتهم، وحض-رته من دون أن توجّهَ إليها دعوةٌ، وخلقت هذا التشنّج الذي كاد أن يفض-ي للتنازع والاقتتال.

كذلك قطعت هذه الجماعة على رسول الله (ص) كلامَه في مرضه الذي توفّي به، بعد أن حضرت مجلسه (ص) من دون أن توجّه إليها دعوة، فقد أمرهم رسول الله (ص) بالخروج


1- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٣ .
2- فتح الباري، ج ٧ ، ص 5٨ .

ص:٢46 

جميعاً سوى أمير المؤمنين عليه السلام مع جيش أُسامة، فخالفَت تلك الجماعةُ هذا الأمر، وطعنوا في إمرة قائدهم أُسامة بن زيد(1)، بالرغم من تأكيد الرسول (ص) الشديد على عدم التخلّف عن هذا الجيش(2) بحيث إنّه (ص) لعن المتخلّف عنه(3)

فخالفت تلك الجماعة أمر الرسول (ص) ، وأصرّت على عدم الخروج من المدينة والبقاء قريباً من مركز الحدث  (4)، وح-ضروا بمنتهى الصلافة ومن دون حياء من تخلّفهم أمام عين رسول الله (ص) !

وخالفوا أمره مرّة أُخرى، ومنعوه (ص) من كتابة ذلك الكتاب الذي أراد أن يعصم به الأُمّة من الضلال، وتمرّدوا على نبيّهم (ص) ، فمنهم من ينعته بالوجع، ومنهم من يصفه بالهجر، ومنهم من. . . فشنّجوا مجلسه (ص) ، وأكثروا فيه اللغط والتنازع، فمنعوه من كتابة كتابه (ص) ، وحرموا الأُمّة من الهدى والرشاد، فطردهم (ص) من مجلسه، فعلم خيارُهم حجم المصيبة التي حلّت بالأُمّة فلم يملك وسيلة يخمد بها أسى قلبه سوى الدموع، لكن هيهات، فقد هلك من هلك عن بيِّنة وحييَّ مَن حَيَّ عن بيِّنة.

أخرج مسلم في صحيحه، بسنده عن ابن عبّاس، قال:


1- أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، عن عبدالله بن عمر، قال: «إنّ رسول الله ص بعث بعثاً وأمّر عليهم أُسامةَ بن زيد، فطعن الناسُ في إمارته، فقام رسول الله ص ، فقال: إن تَطعَنوا في إمارَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعَنونَ في إمارَةِ أبيهِ مِن قَبلُ، وايمُ اللهِ، إن كانَ لَخَليقاً لِلإِمارَةِ، وإن كانَ لَمِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هذا لَمن أحَبِّ النّاسِ إليَّ بَعدَهُ» ، صحيح البخاري، ج 5 ، ص ١45 ؛ صحيح مسلم، ج 5 ، ص ٣4١ .
2- أخرج الذهبي في تاريخه، بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه: أنفِذوا جَيشَ أُسامَةَ» ، تاريخ الإسلام، ج ٣ ، ص ١٩ .
3- قال الشهرستاني - بعد أن ذكر أوّل تنازع بين الصحابة وقع في مرض رسول الله ص ، وساق حديث رزيّة الخميس المتقدّم الذي أخرجه البخاري في صحيحه -: «الخلاف الثاني في مرضه، أنّه قال: جَهِّزوا جَيشَ أُسامَةَ، لَعَنَ اللهُ مَن تَخَلَّفَ عَنهُ ، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرضُ النبيّ عليه الصلاة والسلام، فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتّى نبصر أيّ شيء يكون من أمره» ، الملل والنحل، ج ١ ، ص ٢٣ 
4- قال الذهبي في تاريخه: «فسار [أسامة] حتّى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل فإنّ رسولَ الله ثقيلٌ، فلمّا يبرح حتّى قُبض رسولُ الله ص» ، تاريخ الإسلام، ج ٣ ، ص ١٩ . وهذا في منتهى الغرابة، فكيف يعصى أمر رسول الله ص ، ويطاع أمر ابنة قيس؟ !

ص:٢4٧ 

«لمّا حضر رسولُ الله (ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، فقال النبيّ (ص) : (هَلُمَّ أَكتُب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّونَ بَعدَهُ) ، فقال عمر: إنّ رسول الله (ص) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتابَ الله. فاختلف أهلُ البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يَكتب لكم رسولُ الله (ص) كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغوَ والاختلاف عند رسول الله (ص) ، قال رسول الله (ص) : (قوموا) ، قال عبيد الله: فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلَّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (ص) وبين أن يكتَب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم»(1)

وأخرج البخاري في صحيحه، بسنده عن ابن عبّاس، قال:

«لما اشتدّ بالنبيّ (ص) وجعَه قال: (اِيتوني بِكِتابٍ أكتُب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّوا بَعدَهُ) ، قال عمر: إنّ النبيّ (ص) غلبه الوجعُ، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: (قوموا عَنّي، ولا يَنبَغي عِندِيَ التَّنازُعُ) ، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيئة كلّ الرزيئة ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه»(2)

وأخرج في صحيحه، بسنده عن ابن عبّاس أيضاً، قال:

«يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتّى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشتدّ برسول الله (ص) وجعُه يوم الخميس، فقال: اِيتوني بِكِتابٍ أكتُب لَكُم كِتاباً لَن تَضِلّوا بَعدَهُ أبَداً) ، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول الله (ص) ، قال:

(دَعوني، فَالَّذي أنا فيهِ خَيرٌ مِمّا تَدعوني إلَيهِ)»(3)

فحديث «إِيتوني بِكِتابٍ أَكتُب لَكُم كِتاباٍ لَن تَضِلّوا بَعدَهُ أبَداً» بمختلف ألفاظه، صريح الدلالة على أنّ هناك لوناً من الضلال ستُبتلى به الأُمّة بعد رسول الله (ص) ، وهذا


1- صحيح مسلم، ج 5 ، ص ٧6 ؛ صحيح البخاري، ج ٧ ، ص ٩  و ج ٨ ، ص ١6١ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٣6 .
2- صحيح البخاري، ج ١ ، ص ٣٧  و ج ٨ ، ص ١6١ .
3- المصدر نفسه، ج 4 ، ص ٣١  و ج 4 ، ص 65  و ج 5 ، ص ١٣٧ .

ص:٢4٨ 

اللون من الضلال مرتبط بشكل وثيق مع موضوع ذلك الكتاب الذي أراد الرسول (ص) أن يكتبه ويعصم الأُمّة فيه من ذلك الضلال؛ ولا ريب في أنّ الوقوف على محتوى ذلك الكتاب له أثر كبير في الهداية.

وقد ذكر علماء السنّة وجهين في بيان محتوى ذلك الكتاب، أحدهما: إنّ رسول الله (ص) أراد أن يكتب كتاباً يذكر فيه أسماء خلفائه من بعده. والآخر: إنّ الرسول (ص) أراد أن يكتب كتاباً يبيّن فيه مهمّات الأحكام.

قال النووي: «اختلف العلماء في الكتاب الذي همّ النبيّ (ص) به، فقيل: أراد أن ينصّ على الخلافة في إنسان معيّن؛ لئلّا يقع نزاع وفتن، وقيل: أراد كتاباً يبيّن فيه مهمّات الأحكام ملخّصة؛ ليرتفع النزاع فيه، ويحصل الاتّفاق على المنصوص عليه»(1)

وقال العيني: «اختلف العلماء في الكتاب الذي هَمّ (ص) بكتابته، قال الخطّابي: يحتمل وجهين؛ أحدهما: إنّه أراد أن ينصّ على الإمامة بعده، فترتفع تلك الفتن العظيمة؛ كحرب الجمل وصفّين. وقيل: أراد أن يبيّن كتاباً فيه مهمّات الأحكام؛ ليحصل الاتّفاق على المنصوص عليه»(2)

وهذان الوجهان لا يتعارضان، ويمكن الجمع بينهما بالقول: إنّ رسول الله (ص) أراد أن يكتب في ذلك الكتاب كِلا الأمرين؛ فينصّ على الخليفة من بعده، وفي نفس الوقت يبيّن مهمّات الأحكام.

ويؤيّد الوجه الأوّل وهو أنّ رسول الله (ص) أراد أن ينصّ على الخلافة في إنسان معيّن، حديثُ الثقلين الذي أخرجه كبار محدّثي السنّة وحفّاظهم، بألفاظ مختلفة، وطرق كثيرة، فقد أخرجه مسلم في صحيحه(3)، وأحمد بن حنبل في مسنده(4)،


1- شرح مسلم، ج ١١ ، ص ٩٠ .
2- عمدة القاري، ج ٢ ، ص ١٧١ .
3- صحيح مسلم، ج ٧ ، صص ١٢٢  و  ١٢٣ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣66  و  ٣6٧  و ج 4 ، ص ٣٧١ .

ص:٢4٩ 

والترمذي في سننه، والنسائي في (السنن الكبرى)(1)، وفي (فضائل الصحابة)(2) وفي (خصائص أمير المؤمنين عليه السلام)(3) عن زيد بن أرقم، قال (اللفظ للترمذي) :

«قال رسول الله (ص) :

(إنّي تارِكٌ فيكُم ما إن تَمَسَّكتُم بِهِ لَن تَضِلّوا بَعدي، أحَدُهُما أعظَمُ مِنَ الآخَرِ؛ كِتابُ الله حَبلٌ مَمدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، وعِترَتي أهلُ بَيتي، ولَن يَتَفَرَّقا حَتّى يَرِدا عَلَىَّ الحَوضَ، فَانظُروا كَيفَ تَخلُفونّي فيهِما)»(4)

وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنّفه(5) وآخرون، عن زيدبن ثابت، قال (اللفظ لأحمد) :

«قال رسول الله (ص) :

(إنّي تارِكٌ فيكُم خَليفَتَينِ؛ كِتابَ اللهَ وأهلَ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَتَفَرَّقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ)»(6)

وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنّفه(7)، وأبو يعلى في مسنده(8) عن أبي سعيد الخدري، قال (اللفظ لأحمد) :

«قال رسول الله (ص) :

(إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَين، أحَدُهُما أكبَرُ منَ الآخَرِ؛ كِتابُ اللهِ حَبلٌ مَمدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، وعِترَتي أهلُ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَىَّ الحَوضَ)»(9)

فهذا الحديث صريح الدلالة على أنّ التمسّك بالقرآن والعترة يعصم من الضلال، وتقدّم أنّ حديث (رزيّة يوم الخميس) يدلّ على أنّ رسول الله (ص) أراد أن يكتب كتاباً


1- السنن الكبرى، ج 5 ، ص 5١ .
2- فضائل الصحابة، النسائي، ص ٢٢ .
3- خصائص أمير المؤمنين عليه السلام، ص ٩٣ .
4- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٢٩ .
5- المصنّف، ج ٧ ، ص 4١٨ .
6- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، صص ١٨٩  و  ١٩٠ .
7- المصنّف، ج ٧ ، ص ١٧6 .
8- مسند أبي يعلى الموصلي، ج ٢ ، صص ٢٩٧ ،  ٢٩٨  و  ٣٠٣ .
9- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ١4 .

ص:٢5٠ 

يعصم فيه أُمّته من الضلال، ولكنّ بعض الصحابة حرموا الأُمّةَ من ذلك، وحينئذٍ نحمل هذا العاصم من الضلال في حديث الرزيّة على ما ورد في حديث الثقلين.

وبعبارة أُخرى: إنّ رسول الله (ص) قد بيّن لأُمّته في حديث (الثقلين) العاصمَ لهم من الضلال، وهو القرآن والعترة، وفي حديث (رزيّة يوم الخميس) أراد أن يبيّن أيضاً العاصمَ لهم من الضلال، لكنّه مُنع من ذلك، وحينئذ يرد هنا عدّة احتمالات:

الأوّل: إنّه (ص) أراد أن يؤكّد مضمون حديث الثقلين.

الثاني: إنّه (ص) أراد أن ينسخ ويلغي مضمون هذا الحديث.

الثالث: إنّه (ص) أراد أن يبيّن عاصماً من الضلال غير الثقلين (القرآن والعترة) .

الرابع: إنّه (ص) أراد أن يفصل بين الثقلين.

وكلّ هذه الاحتمالات باطلة سوى الأوّل منها، وهو المتعيّن في المورد.

أمّا الوجه في بطلان الاحتمال الثاني فواضح؛ إذ إنّ الثقلين هما عبارة عن القرآن الكريم والعترة الطاهرة، ولا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ رسول الله (ص) أراد نسخ القرآن؛ لأنّ ذلك القول يعادل نسخ رسالة الرسول الخاتم (ص) .

وأمّا الوجه في بطلان الاحتمال الثالث فواضح أيضاً؛ إذ إنّ نبوّة نبيّ الإسلام (ص) تتمحور خصوصاً حول القرآن الكريم، وقد جهد الرسول (ص) طيلة دعوته المباركة على ترسيخ منزلة القرآن في نفوس الأُمّة، ومن غير المعقول أن يُلغي ذلك في لحظات عمره الأخيرة.

وأمّا الوجه في بطلان الاحتمال الرابع فهو يخالف من جهةٍ صريحَ دلالة حديث الثقلين، وخصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار قوله: «وأنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ» ، الوارد في كلّ الروايات. ويخالف من جهةٍ أُخرى صريحَ دلالة حديث (رزيّة الخميس) ؛ إذ إنّ الفصل بين الثقلين هو عين ما قاله عمر: «حسبنا كتاب الله» ، الذي كان مصدر الخلاف والتنازع، وقد رفض الرسول (ص) هذه المقولة، بقرينة قوله (ص) : «قوموا» ، وقول ابن عبّاس: «إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (ص)

ص:٢5١ 

وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب» .

وإذا بطلت هذه الاحتمالات، فتعيّن الاحتمال الأوّل منها؛ وهو أنّ رسول الله (ص) أراد أن يؤكّد مضمون حديث (الثقلين) بحديث (رزيّة يوم الخميس) ، لكنّ القوم لم يمتثلوا أمر الرسول (ص) ، واعترضوا عليه، وأكثروا من اللغط والتنازع في مجلسه (ص) ، بعد أن تيقّنوا من مضمون ذلك الكتاب، حتّى طردهم.

تساؤل

إذا كان الخلاف حول الإمامة موجوداً في حياته (ص) ، فكيف يجوز لمسلم أن يتصوّر أنّ رسول الله (ص) ترك هذا الأمر الذي هو المنشأ للخلاف بين أُمّته، بحيث يرى كلّ واحد فيه رأياً، ويسلك كلّ واحد سبيلاً، ولم يقطع دابر الفتنة؟ ! خصوصاً أنّه (ص) شاهد أصحابَه وقد بيّتوا نيّاتِهم على الاستحواذ على كلّ متعلّقاته، حتّى أزواجه، ومن دون مراعاة لمشاعره (ص) ، فهؤلاء الذين يفكّرون بأخذ أزواج الرسول (ص) ألا يفكّرون بالسيطرة على خلافته؟ !

أخرج الحفّاظ والمحدّثون أنّ قوله تعالى: «وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً» (الأحزاب:  5٣ ) نزلت في رجل من أصحاب النبيّ (ص) ، قال: لئن قُبض رسولُ الله (ص) لأنكحَنّ عائشة(1)، وقال البغوي: «قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله»(2)

فإذا كان الوحيُ المبين يُطلع رسولَ الله (ص) على خلافات جانبيّة تقع بين أصحابه، أفلا يطلعه على ما هو الأهمّ من ذلك، وهو اختلاف أُمّته من بعده حول خلافته؟ !

قال الفخر الرازي في ذيل قوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (الأحزاب: 54 ) : «يعني إن كنتم لا تؤذونه في الحال وتعزمون على إيذائه أو


1- انظر: تفسير الثعلبي، ج ٨ ، ص 6٠ ؛ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، ص ٨٧٢ .
2- تفسير البغوي، ج ٣ ، ص 54١ ؛ وانظر: التفسير الكبير مفاتيح الغيب ، ج ٢5 ، ص ٢٢5 .

ص:٢5٢ 

نكاح أزواجه بعده، فالله عليم بذات الصدور»(1)

أفَأطلع اللهُ تعالى نبيَّه على هذا الأمر وحرّم أذيّته (ص) ، ولم يُطلعه على أمر الخلافة وانشقاق الأُمّة بسببها؟ ! بلى إنّ ذلك أولى.

التخطيط لأمر الخلافة

من الأُمور الأُخرى التي تضمّنها حديث البخاري الآنف في بيعة السقيفة هو التصريح بوجود نوعٍ من التخطيط لمسألة الخلافة، وأنّ جماعة من المهاجرين كانوا قد أعدّوا العُدّة مسبقاً لذلك، وأنّ اجتماع الأنصار في سقيفتهم كان على إثر كشف ذلك المخطّط، كما هو صريح قوله: «وقد دفّت دافّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر» .

فقد افتتح خطيبُ الأنصار بهذا القول اجتماعَ السقيفة بعد حضور جماعة المهاجرين قبل وقوع أيّ كلام بينهم، ممّا يدلّ على أنّ الأنصار اجتمعوا بالسقيفة بعد اطّلاعهم على وجود مخطّط من قِبل جماعةٍ من المهاجرين حول مسألة الخلافة، وأحدُ بنود هذا

المخطّط كان يتضمّن إقصاءَ الأنصار من الحكومة بشكل كلّي.

قال عمر: «فلمّا جلسنا قليلاً تشهّد خطيبُهم، فأثنى على الله لما هو أهلُه ثمّ قال: «أمّا بعد، فنحن أنصار الله. . . وقد دفّت دافّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر» .

ومن الشواهد الأُخرى في الحديث أيضاً على وقوع التخطيط المسبَق للأمر، هو التطابق الكلّي بين تزوير عمر وتزوير أبي بكر، قال عمر: «فلمّا سكت، أردتُ أن أتكلّم وكنت زوّرت مقالةً أعجبتني أُريد أن اُقدّمها بين يدي أبي بكر، وكنت اُداري منه بعض الحدّ، فلمّا أردتُ أن أتكلّم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أُغضبه، فتكلّم أبو بكر. . . والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلّا قال في بديهته مثلَها أو أفضل


1- التفسير الكبير مفاتيح الغيب ، ج ٢5 ، ص ٢٢5 .

ص:٢5٣ 

حتّى سكت» .

فهذا التطابق الكبير في التزوير صريحُ الدلالة على وجود تنسيق مسبق بين الرجلين، وأنّهما تداولا الأمر فيما بينهما واتّفقا على صيغةٍ ما، لكن لم يسمح أبو بكر لعمر بعرض ذلك؛ لما يعرفه منه من الفظاظة والغلظة، فأسكته وتكلّم هو.

ويؤيّد ذلك ما أخرجه البلاذري في (أنساب الأشراف) ، بسنده عن ابن عبّاس، قال:

«بعث أبو بكر عمرَ بن الخطّاب إلى عليّ رضي الله عنهم، حين قعد عن بيعته، وقال: اِيتني به بأعنف العنف، فلمّا أتاه، جرى بينهما كلام، فقال عليّ: (اِحلِبْ حَلباً لَكَ شَطرُهُ، والله! ما حِرصُكَ عَلى إمارَتِهِ اليَومَ إلّا لِيُؤَمِّرَكَ غَداً)»(1)

فهذا النصّ صريح الدلالة على اتّهام أمير المؤمنين عليه السلام للرجلين بوجود اتّفاق مسبق بينهما يقتضي بإرساء عمر الأمر لأبي بكر مقابل الحصول عليه من بعده.

شواهد على وجود التخطيط

اشارة

لعلّ المتأمّل في الوقائع التاريخيّة التي حصلت في العام الأخير من حياة رسول الله (ص) يجزم بوضوح تامّ بأنّ النبيّ (ص) قد اطّلع على أمر خطير يدبّر في الخفاء حول مسألة الخلافة، وأنّ هناك مخطّطاً للاستحواذ عليها بشكل بعيد عن روح الإسلام، وهناك جملة من الاُمور التي تدلّ على ذلك، أهمّها:

1-إخلاء المدينة

إنّ إصرار رسول الله (ص) الشديد في مرض وفاته على إخلاء المدينة من جميع الصحابة إلّا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، يدلّ على اطّلاعه على أمر ما تُنسج خيوطُه من قبل بعض الأصحاب تحت جناح الليل حول الأمر بعد رحيل النبيّ (ص) ، فحاول بشتّى


1- أنساب الأشراف، ج ١ ، ص ٢6٩ .

ص:٢54

 الأساليب والطرق إبعادَهم عن المدينة وتخليتها منهم. وأهمّ التدابير التي اتّخذها النبيّ الكريم (ص) لتحقيق ذلك هو إنفاذه جيشَ اُسامة، وأمْرهُ الجميعَ بالالتحاق به، مع علمه (ص) بقرب رحيله، بل شدّد كثيراً على عدم التخلّف عن هذا الجيش إلى درجة أنّه لعن المتخلّف عن هذا الجيش، لكن رغم هذا الإصرار الشديد فقد كان هناك عنادا من قبل البعض وإصرارا عجيبا على عدم الخروج من المدينة، والبقاء قريباً من مركز الحدث من خلال التخلّف عن الالتحاق بهذا الجيش!

فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، وأحمد بن حنبل في مسنده، عن عبدالله بن عمر في مسألة التخلّف عن جيش أُسامة، قال (اللفظ للبخاري) :

«فطعن الناسُ في إمارته [أُسامةَ بن زيد]، فقام رسولُ الله (ص) فقال: (إن تَطعَنوا في إمارَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعَنونَ في إمارَةِ أبيهِ مِن قَبلُ، وَأيمُ الله إن كانَ لَخَليقاً لِلإِمارَةِ، وإن كانَ لَمِن أحَبَّ النّاسَ إلَيَّ، وإنّ هذا لَمِن أحَبَّ النّاس إلَيَّ بَعدَهُ)»(1)

وأخرج الذهبي في (تاريخ الإسلام) ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال:

«جعل رسولُ الله (ص) يقول في مرضه: (أنفِذوا جَيشَ أُسامَةَ) . . . فسار حتّى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرَأَته فاطمة بنت قيس تقول: لا تعجل، فإنّ رسول الله ثقيل، فلمّا يبرح حتّى قُبض رسول الله (ص)»(2)

وهذا غريب حقّاً، فكيف يعصى أمر رسول الله (ص) ، وتطاع فاطمة بنت قيس؟ !

وقال الشهرستاني في بيان مخالفات الصحابة للنبيّ الأكرم (ص) بعد ذكره للمخالفة الأُولى (رزيّة يوم الخميس) : «الخلاف الثاني في مرضه، أنّه قال: (جَهِّزوا جَيشَ أُسامَةَ، لَعَنَ اللهُ مَن تَخَلَّفَ عَنهُ) ، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرضُ النبيّ عليه الصلاة والسلام، فلا تَسعُ قلوبُنا مفارقَته والحالة هذه،


1- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ٢١٣  و ج 5 ، صص ٨4  و ١45  و ج ٨ ، ص ١١٧ ؛ صحيح مسلم، ج ٧ ، ص ١٣١ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ٢ ، ص ٢٠ .
2- تاريخ الإسلام، ج ٣ ، ص ١٩ ؛ الطبقات الكبرى، ج 4 ، ص 6٧ .

ص:٢55 

فنصبر حتّى نُبصر أيّ شيء يكون من أمره»(1)

ولكنَّ الغريب في الأمر أنّ هؤلاء لم تسعهم قلوبُهم لمفارقة رسول الله (ص) وقد اشتدّ به المرض فخالفوا أمره (ص) ، ولكنّهم وسعتهم قلوبهم وتركوا الجسد الطاهر للنبيّ (ص) مسجّىً ولمّا يُوارى الثرى، وذهبوا ليتنازعوا الأمرَ في سقيفة بني ساعدة!

2-منع الرسول (ص)

اشارة

أصرّ بعض الصحابة على منع رسول الله (ص) بكلّ الوسائل المتاحة من حسم أمر الخلافة، وذلك عبر التشويش وزرع الفُرقة والخلاف كلّما أراد النبيُّ (ص) طرحَ هذه المسألة بين الأُمّة؛ ليحفظها من شرّ النزاع حوله، وإراقة دمائهم بالاقتتال من أجل الاستحواذ عليها، ويدلّ على ذلك المنع أُمور، أهمّها:

أ- منع الرسول (ص) كتابة الكتاب

أمرَ رسولُ الله (ص) في مرض وفاته بأن يُحضروا له كتفاً ودواةً ليكتب للأُمّة كتاباً لن تتضلَّ بعده أبداً، لكنّ بعض الصحابة منعوا من تنفيذ أمر الرسول (ص) ، وحرموا الاُمّة من هذا الكتاب العاصم لها من الضلال والزيغ والانحراف والفرقة والخلاف.

أخرج مسلم في صحيحه، بسنده إلى ابن عبّاس، قال:

«يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيت على خدّيه كأنّها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (ص) : اِيتوني بالكَتِفِ وَالدَّواةِ - أو اللَّوحِ وَالدَّواةِ- أَكتُب لَكُم كِتاباً لن تَضِلّوا بَعدَهُ أبَداً، فقالوا: إن رسول الله (ص) يهجر»(2)

وهناك روايات صريحة في صحيح البخاري، ومسلم، ومسند أحمد بن حنبل، تدلّ


1- الملل والنحل، ج ١ ، ص ٢٣ ؛ وكذا انظر: شرح المواقف، القاضي الجرجاني، ج ٨ ، ص ٣٧6 ، وما بعدها.
2- صحيح مسلم، ج 5 ، ص ٧6 ؛ وفي صحيح البخاري، ج 4 ، ص 65 ، قال سعيد بن جبير: إنّه سمع ابن عباس يقول - بعد أنّ حدّثه عن رزيّة يوم الخميس -: «. . . فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه، فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه»

ص:256

على أنّ النزاع قد حصل بسبب عمر بن الخطّاب بعد اعتراضه على رسول الله (ص) بعدم الحاجة إلى هذا الكتاب العاصم عن الضلال بوجود القرآن الكريم، فانقسم القومُ حينئذٍ وتنازعوا بين مؤيّد ومخالف لمقولة عمر، كما في حديث ابن عبّاس، قال (اللفظ للبخاري) :

«لمّا اشتدّ بالنبيّ (ص) وجعُه قال: (اِيتوني بِكِتابٍ أَكتُب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّوا بَعدَهُ) ، قال عمر: إنّ النبيّ (ص) غلبَهُ الوَجَع، وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: (قوموا عنّي، ولا يَنَبغي عِندِيَ التَّنازُعُ، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه»(1)

وقد تقدّم آنفاً عن النووي(2)، والعيني(3) أنّ النبيّ (ص) أراد أن ينصّ على الخلافة في إنسان معيّن؛ لئلّا يقع نزاع وفِتَن، وقلنا آنفاً أن ما قيل من أنه (ص) أراد أن يكتب كتاباً يبيّن فيه مهمّات الأحكام ملخّصة لا يعارِض ذلك الوجه، مع غرابته.

ب- المنع من سماع الرسول (ص) بإثارة الجلبة واللغط

دأب بعض الصحابة بشكل منظّم على التشويش عند نطق رسول الله (ص) بمسألة الخلافة من بعده، وذلك عبر إثارة الجلبة واللغط في محضر رسول الله (ص) ، فكلّما أراد أن يصرّح بهذا الأمر افتعلوا الضجّة للتشويش، كما في حديث الاثني عشر خليفة: «فقال كلمةً صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيش)» (4)


1- صحيح البخاري، ج ١ ، ص ٣٧ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣٢4 ؛ وفي رواية مسلم في صحيحه، ج 5 ، ص ٧6 ، بعد أن قال عمر مقولته: «فاختلف أهل البيت فاختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله ص كتابا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ص قال رسول الله ص : قوموا. . .» .
2- شرح مسلم، ج ١١ ، ص ٩٠ .
3- عمدة القاري، ج ٢ ، ص ١٧١ .
4- صحيح مسلم، ج 5 ، صص ٣  و  4  وج 6 ، صص ٣  و  4 ؛ صحيح البخاري، ج ٨ ، ص ١٢٧ ؛ مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٨٧ .

ص:٢5٧ 

وبلفظ آخر في صحيح مسلم أيضاً، قال: «ثمّ قال كلمةً لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: (كُلُّهُم مُن قُرَيشٍ)»(1)

وبلفظ ثالث في صحيح البخاري: «فقال كلمةً لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلهم من قريش»(2)

وبلفظ رابع في مسند أحمد: «ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كُلُّهُم مِن قُرَيشٍ)»(3)

فقوله: «صمّنيها الناس» ، و «كلمة لم أفهمها» ، و «كلمة لم أسمعها» ، و «تكلّم بش-يء لم أفهمه» ، كلّها شواهد على أنّ هناك فئة كانت تدبّر وتجتهد في التضليل والتشويش

على كلام رسول الله (ص) كلمّا تطرّق لمسألة الخلافة والخلفاء من بعده على وجه الخصوص، فهذه الأصوات التي كانت تعلو فوق صوت النبي (ص) أثناء حديثه حول الخلافة من بعده لم تكن بشكل عشوائي وبدون تدبير وتخطيط، وإنّما كانت بشكل مدروس ومنظّم ودقيق كى لا يتركوا مجالاً لرسول الله (ص) لقول الكلمة الفصل في هذه المسألة.

٣ - الاستعجال في طلب البيعة وإتمامها

من جملة الشواهد على وجود التخطيط المسبق لأمر الخلافة هو استعجال عمر في طلب البيعة لأبي بكر، وذلك مباشرة بعد أن أخبره بموت النبيّ (ص) وبلا أدنى فصل، كما في مسند أحمد عن يزيد بن بابنوس، قال:

«فخرج إلى المسجد وعمر يخطب الناس ويتكلّم ويقول: إنّ رسول الله (ص) لايموت حتّى يفني الله عزّ وجل المنافقين، فتكلّم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ


1- صحيح مسلم، ج 6 ، ص ٣ .
2- صحيح البخاري، ج ٨ ، ص ١٢٧ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 5 ، ص ٨٧ .

ص:٢5٨ 

قال: إنّ الله عز وجل يقول: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (الزمر: ٣٠ ) حتى فرغ من الآية، «وَ ما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» (آل عمران:  ١44 ) حتى فرغ من الآية، فمن كان يعبدالله عز وجل فإنّ الله حيّ، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات. فقال عمر: وإنّها لفي كتاب الله؟ ما شعرت أنّها في كتاب الله، ثمّ قال عمر: يا أيّها الناس! هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايعوه. . .»(1)

فنشاهد في هذا النصّ دلالة واضحة على استعجال عمر في طرح هذه المسألة، ونري أيضاً دعا لبيعة إبي بكر قبل مشورة أهل الحلّ والعقد، أو أيّ شيء آخر، وذلك في مسجد الرسول (ص) و بعد إعلان أبي بكر فيه نبأ وفاة رسول الله (ص) ! إلّا أنّ

الحاضرين في مسجد رسول الله (ص) لم يتفاعلوا مع هذه الدعوة.

ومن الشواهد الأُخرى على الاستعجال لأخذ البيعة هو عدم تقديم الإمام علي عليه السلام الذي كان مقدّماً في زمان رسول الله (ص) في كلّ شيء، وعدم دعوة العبّاس عمّ النبي (ص) ، وبني هاشم، وثلّة كبيرة من القرشيّين، وجلّ أصحاب رسول الله (ص) ، فقد جاء في رواية البخاري أنّ عمر قال: «وأنّه قد كان من خبرنا حين توفّي الله نبيَّه (ص) أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا عليّ والزبير ومن معهما»(2)

4- التكتّم والسرّيّة

من جملة الشواهد التي تدلّ على وجود التخطيط والتدبير لمسألة الخلافة مسبقاً هي الأجواء السرّيّة التي اكتنفت سقيفة بني ساعدة، كما يدلّ عليه قول عمر في رواية البخاري في صحيحه: «فلمّا دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان، فذكرا ما


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، صص ٢١٩  و  ٢٢٠ .
2- صحيح البخاري، ج ٨ ، ص ٢6 .

ص:٢5٩ 

تمالى عليه القوم»(1)

فقوله: «ما تمالى» فيه إشارة إلى تكتّم القوم على الاجتماع والمسائل التي طُرحت فيه.

ثمّ إنّه لا يوجد دليل على أنّ هذا الاجتماع كان لمبايعة زعيم الأنصار كما قد يدّعى، بل إنّ النصّ المتقدّم عن البخاري فيه إشارة إلى أنّ الاجتماع لم يكن معقوداً لأخذ البيعة، وإنّما كان لتدارس الوضع بعد وفاة النبي (ص) وتحديد موقفهم؛ ولذا حثّ الرجلان الصالحان أبا بكر وعمر على تجاهل اجتماع السقيفة: «فقالا: لا عليكم أن لاتقربوهم»(2)

ففي هذه الفقرة دلالة على أنّ المسائل التي طُرحت في الاجتماع لم تكن غير مألوفة، أو تشكّل خطورة، أو فيها التجاوز على حقوق الآخرين، بل حتّى لا تُعارض قضاء الأمر كما

يستكشف من نصيحة هذين الصالحين لأبي بكر وعمر حيث قالا: «اقضوا أمركم»(3)

لكن ما هو هذا الأمر الذي حثَّ به هذان الرجلان الصالحان - بحسب وصف عمر لهما بهذه الصفة - أبا بكر وعمر على قضائه؟ وكيف عرفا به؟ !

وبعد أن تمخّض اجتماع السقيفة عن هذه النتائج في ظلّ تلك الظروف الخطيرة التي كانت تسوده، خرج عمر ينادي بأهل المدينة بالبيعة لأبي بكر، بعد أن أخفق في المحاولة الأُولى لأخذها له في مسجد رسول الله (ص) على رؤوس الأشهاد، كما في الحديث الآنف لأحمد بن حنبل من طريق عائشة(4)

5- الاهتمام بغدير خم

العناية الشديدة من رسول الله (ص) بشأن حديث الغدير وما اكتنفته من مقدّمات؛ كوقوف المسلمين في شدّة الرمضاء ظهراً وتحت الشمس، وأمره (ص) بحضور جميع الحجيج بإرجاع من تقدّم منهم وانتظار من تأخّر عنهم، وحرصه (ص) على أن يراه الكلّ


1- صحيح البخاري، ج ٨ ، ص ٢٧ .
2- المصدر نفسه.
3- المصدر نفسه.
4- مسند أحمد بن حنبل، ج 6 ، ص ٢٢٠ .

ص:٢6٠ 

ويسمَع كلامَه، واختياره ذلك الغدير ووقوفه فوق المنبر الذي صُنع له من أقتاب الإبل لأجل ذلك الغرض، وأخذه (ص) بعضُد عليّ عليه السلام ورفعه لها حتّى بان بياض إبطيهما، و. . . كلّ هذا الاهتمام الشديد يحكي عن وجود تخطيط وتدبير لأمرٍ يُحاك في الظلام، فأراد (ص) أن يفوّت الفرصة على المخطّطين من خلال إبلاغه (ص) وتنصيبه بشكل رسمي لخليفة المسلمين من بعده وسط أكبر جمعٍ ممكن من المسلمين.

أخرج أحمد بن حنبل عن زيد بن أرقم، قال:

«كنّا بالجُحفة فخرج رسولُ الله (ص) إلينا ظهراً وهو آخذ بعضد عليّ رضي الله تعالى عنه، فقال: (يا أيُّها النّاسُ! ألَستُم تَعلَمونَ أنّي أولى بِالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهِم؟) قالوا: بلى، قال:

(فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَعَلِىٌّ مَولاهُ) . . .»(1)

وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله، قال: «كنّا بالجحفة بغدير خمّ، وثَمّ ناسٌ كثير من جُهينة ومَزينة وغفّار. . .» (2)

وقد تقدّم الكلام حول حديث الغدير بشكل مفصّل مزاجع.

والحاصل: إنّ إصرارَ الرسول (ص) البالغ على إخلاء المدينة قُبيل وفاته من الجميع سوى أمير المؤمنين عليه السلام، ومنعَ رسول الله (ص) من حسم مسألة الخلافة من خلال معارضة كتابة الكتاب العاصم للأُمّة من الضلال، والتشويش عند النطق بمسألة الخلافة، والاستعجال في طلب الأمر، والأجواء ال-سرّيّة التي خيّمت على اجتماع السقيفة، والاهتمام الشديد بغدير خمّ، كلّ ذلك يدلّ على وجود تخطيط وتدبير لمسألة الخلافة بعد رسول الله (ص) .

نتيجة الفصل الرابع

إنّ الوقوف على تاريخ ظهور التشيّع ودرك حقيقته، يكمُن وراء فَهم تلك


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣6٨ .
2- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٢٢5 .

ص:٢6١ 

النصوص والروايات المستفيضة المتقدّمة الواردة في مناقب أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم، وضرورة التمسّك بهم إلى جانب كتاب الله تعالى والإيمان بإمامتهم، والمتأمّل فيها بإنصاف يقف على تاريخ ظهور التشيّع لأهل البيت عليهم السلام وحقيقته، وأنّه قد ولد بولادة الإسلام، وأساسُهُ القرآن الكريم وسنّة النبيّ الخاتم (ص) .

وقد كان المسلمون في عصر الرسالة أُمّة واحدة لا تعرف التمذهب، وإنّما وُلدت المذاهب قُبيل رحيل رسول الله (ص) ، حيث انشقّ المسلمون إلى شقَّين على إثر الخلاف حول خلافة الرسول (ص) ، وكانت بيعة السقيفة هي الأساس العملي لهذا الانقسام، فقد أعطت هذه البيعةُ الطابعَ الرسميّ لولادة التمذهب بين الأُمّة، وجذور هذا الانقسام

كانت موجودةً في حياة النبيّ الأكرم (ص) ، لكنها تبلورت بعد رحيله إلى الحقّ تعالى، وكان الرسول (ص) واقفاً على هذا الخلاف الذي ستُبتَلى به الأُمّة والتمزّق الذي سيصيبها مِن بَعده.

ص:٢6٢

ص:٢6٣ 

الفصل الخامس: الفرقة الناجية

اشارة

ص:٢64

ص:٢65 

تمهيد

تقدّم أنّ وجودَ الخلاف والاختلاف والتباين بين الناس حقيقةٌ لا يمكن إنكارها أو التنصّل منها، فقد رافقَت هذه السّمةُ المجتمعات البشريّة منذ وجودها على وجه الأرض، ولم تأتِ بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام وإنزال الكتب والرسالات إلا للحدّ من هذه الخلافات بين الأُمم، وبيان ما اختلفوا فيه «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» (البقره:  ٢١٣ ) .

لكن رغم ذلك فقد اختلف أصحابُ الديانات والكتب السماويّة أنفسهم من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، فحرّفوا وبدّلوا وتفرّقوا وكانوا شيعاً «وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» (البقره:  ٢١٣ ) .

اختلاف الأُمّة

لم تكن الأُمّة الإسلاميّة خارجةً عن تلك السُنّة التاريخية: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذينَ مِن قَبلِكُم شِبراً بِشِبرٍ، وذِراعاً بِذِراعٍ، حَتّى لَو دَخَلوا في جُحرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعتُموهُم»(1)؛ فكان الخلاف ينشب بين أبنائها بين الفينة والأُخرى، حتّى في محض-ر النبيّ (ص) وعلى مرأى ومسمع منه، فقد أخرج البخاريّ في الصحيح بسنده عن أبي مليكة، قال:


1- صحيح مسلم، ج ٨ ، ص 5٧ .

ص:٢66 

«كاد الخيّران أن يهلَكا؛ أبا بكر وعمر، رفَعا أصواتَهما عند النبيّ (ص) حين قدم رَكبُ بني تميم، فأشار أحدُهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، فأشار الآخرُ برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلّا خلافي، قال: ما أردتُ خلافَك، فارتفعت أصواتُهما في ذلك. . .»(1)

وأخرج في صحيحه أيضاً، بسنده عن جابر بن عبدالله، قال:

«كنّا في غَزاة. . . فكسع(2)رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاريّ: يا لَلأنصار، وقال المهاجريّ: يا لَلمهاجرين، فسمع ذلك رسولُ الله (ص) ، فقال: (ما بالُ دَعوى جاهِلِيَّةٍ؟) ، قالوا: يا رسول الله، كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: (دَعوها فَإِنَّها مُنتِنَةٌ)»(3)

وخلافاتهم هذه لم تكن تقتصر فيما بينهم؛ إذ وصل بهم الأمر إلى معارضة النبيّ (ص) والوقوف بوجهه وعدم إطاعة أوامره في عدّة مواطن، كان من بينها ما حصل في أُخريات حياة النبيّ (ص) في وقتٍ كان من المفترض أن يكون الإسلام قد أخذ موقعه في قلوب المسلمين، واتّضح لهم ماذا تعني شخصيّة النبيّ (ص) وأقواله وأوامره، فقد أخرج مسلم في الصحيح بسنده إلى جابر بن عبدالله الأنصاري، قال:

«إنّ رسولَ الله (ص) خرج عامَ الفتح إلى مكّة في رمضان حتّى بلغ كراع الغميم (4)، فصام الناس، ثمّ دعا بقدَح من ماءٍ، فرفعه حتّى نظر الناسُ إليه، ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: (أولئِكَ العُصاةُ! أولئِكَ العُصاةُ!)»(5)

وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه، بسنده عن عائشة، قالت:


1- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ١٨٣٣ .
2- كسع: أي ضرب دبره بيده. النهاية، ج 4 ، ص ١٧٣  كسع .
3- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ١٨6١ .
4- الغميم: وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليه هذا الكراع وهو جبل أسود متصل به، والكراع كلّ أنف سال من جبل أو حرة. شرح صحيح مسلم، النووي، ج ٧ ، ص ٢٣٠ .
5- صحيح مسلم، ج ٣ ، ص ٧٨5 .

ص:٢6٧ 

«قدم رسولُ الله (ص) لأربعٍ مضين من ذي الحجّة، أو خمس، فدخل عليٌّ وهو غضبان، فقلت: مَن أغضبك يا رسول الله، أدخلَه النارَ؟ ! ، قال:

(أوَ ما شَعَرتِ أنّي أمَرتُ النّاسَ بِأَمرٍ فَإِذا هُم يَتَرَدَّدون؟ !)»(1)

وأخرج أبو يعلى في مسنده، بسنده عن البراء، قال:

«خرجَ رسولُ الله (ص) وأصحابُه فأحرمنا بالحجّ، فلمّا أن قدمنا مكّة، قال: (اِجعَلوا حَجَّكُم عُمرَةً) ، فقال ناسٌ: يا رسول الله قد أحرمنا بالحجّ، فكيف نجعلُها عمرةً؟ قال:

(اُنظُروا ما آمُرُكُم بِهِ، فَافعَلوا) ، قال: فردّوا عليه القول، فغضب، ثمّ انطلق حتّى دخل على عائشة غضبان، قال: فرأت الغضبَ في وجهه، فقالت: من أغضبك أغضبه الله تعالى؟ ! فقال:

(ما لي لا أغضَبُ وأنا آمُرُ بِالأَمرِ فَلا يُتَّبَعُ؟ !)»(2)

وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال: «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح»(3)

وأمّا أسوأ وأشدّ ألوان الخلاف وأفجعها وقع في مجتمع الصحابة، فهو ما حدث من التنازع والاختلاف الشديد بينهم في محض-ر نبيّهم (ص) أواخرَ حياته الش-ريفة، وهو (ص) على فراش الموت، بعد أن طلب منهم دواةً وكَتِفاً؛ ليكتبَ لهم كتاباً يأمنون معه من الضلال والانحراف، فكثر اللغط والكلام بين مؤيِّدٍ ومعارِضٍ، ولم يُراعوا حرمةَ النبيّ (ص) وما هو فيه من حال المرض والعلّة، ممّا دفع بالنبيّ (ص) إلى طردهم وإخراجهم من مجلسه، وهو ما أخرجه البخاري بسنده إلى ابن عبّاس، قال:

«لمّا اشتدّ بالنبيّ (ص) وجعُه قال: (اِيتوني بِكِتابٍ أكتب لَكُم كِتاباً لا تَضِلّوا مِن بَعدِهِ) ، قال عمرُ: إنّ النبيّ (ص) غلبه الوجع، وعندنا كتابُ الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: (قوموا عَنّي، ولا يَنبَغي عِندِيَ التَّنازُعُ) ، فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ


1- صحيح مسلم، ج ٢ ، ص ٨٧٠ .
2- مسند أبي يعلى، ج ٣ ، ص  ٢٣٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ٣ ، ص 5٢5 .

ص:٢6٨ 

الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه»(1)

فهذه الشواهد وغيرها مؤشّر قويّ على أنّ بذور الخلاف والشقاق كانت موجودة في هذه الأُمّة منذ كان النبيّ (ص) بين ظهرانيهم، ولكنّها كانت تبحث عن أرضيّة وأجواء مناسبة لتنمو وتكبر، وقد تهيّأت لها أسباب ذلك النموّ بعد رحيل الرسول الأكرم (ص) ، الذي كان يئد كلّ خلاف وهو في مهده، وكانت شخصيّته ومكانته تمنع من تفاقم الأوضاع، الأمر الذي فُقِد بعد رحيله عن هذه الدنيا، فما أن ارتحل (ص) إلى جوار ربّه حتّى هبّت رياح الفتن والاختلافات على الأُمّة الإسلاميّة لتعصف بكيانها الفكري والعقيدي والاجتماعي والسياسي، ذلك الكيان الذي أرسى قواعدَه وشيّدَ أركانَه الرسولُ (ص) بجهوده وجهاده وتضحياته وتضحيات أهل بيته عليهم السلام وأصحابه المنتجبين.

وقد كان موت النبيّ (ص) أوّل شيء اختلفوا فيه، حيث أنكر بعضهم هذه الحقيقة الواضحة التي لا تحتاج إلى برهان،

قال البغدادي في الفرق بين الفرق: «وأوّل خلاف وقع منهم هو اختلافهم في موت النبيّ (ص) فزعم قومٌ منهم أنّه لم يمت وإنّما أراد اللهُ رفعَه إليه كما رفع عيسى بن مريم، ثمّ اختلفوا بعد ذلك في موضع دفن النبيّ. . . ثمّ اختلفوا في الإمامة»(2)

ثمّ توالت بعد ذلك الخلافات بين أبناء الأُمّة الإسلاميّة كلّما امتدّ الزمن واتّسعت رقعةُ الدولة الإسلاميّة، ولم تكن هذه الخلافات على مستوى واحد، بل تارةً في مسائل أساسيّة ومبدئيّة، وأُخرى في مسائل فرعيّة وجزئيّة، إلّا أنّ الخلافات العقائدية كانت أشدّها فتكاً بوحدة المسلمين، وقد بدأت مبكرةً جدّاً في تاريخ أُمّتنا الإسلاميّة، نتيجة ما حلّ بها من تباين في الآراء والأنظار حول مسائل مهمّة وخطيرة غيّرت في كثير من

الأحيان وجهة المجتمع الإسلامي وحوّلته من مجتمع موحّد في زمن النبيّ (ص) إلى عدّة


1- مجمع الزوائد، ج ١ ، ص 54 .
2- الفَرق بين الفِرق، عبد القاهر بن طاهر بن محمّد البغدادي، ص ١٣ .

ص:٢6٩ 

جماعات وطوائف متباينة في الرؤى والتوجّهات؛ لتشكّل نواةً للفرق والمذاهب.

وقد أجمل محمّد بن جرير الطبري (من علماء القرن الرابع الهجري) تلك الآراء والنظريّات التي مزّقت وحدة الأُمّة حيث قال: «ثمّ أنّه لم يزل من بعد مض-يّ رسول الله (ص) لسبيله حوادث في كلّ دهر تحدث، ونوازل في كلّ عص-ر تنزل. . . فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله (ص) في الحوادث التي تنازعت فيه أُمّته واختلافها في أفضلهم بعده وأحقّهم بالإمامة وأولاهم بالخلافة، ثمّ القول في أعمال العباد طاعتها ومعاصيها، وهل هي بقضاء الله وقدره، أم الأمر في ذلك المبهم مفوّض؟ والقول في الإيمان، هل هو قول وعمل، أم هو قول بغير عمل؟ وهل يزيد وينقص، أم لا زيادة له ولا نقصان؟ والقول في القرآن، هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ والقول برؤية المؤمنين ربّهم تعالى يوم القيامة، والقول في ألفاظهم بالقرآن. . .»(1)

ولعلّ الباحث في التراث الإسلامي - خصوصاً المتعلّق منه بالحديث والتاريخ - يقف على أنّ الخلاف حول الإمامة كان من أُمّهات تلك الأُمور التي أدّت إلى انقسام الأُمّة الإسلاميّة إلى طرق ومذاهب شتّى يلعن بعضها بعضاً، قال الشهرستاني في (الملل والنحل) : «ما سُلّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سُلّ على الإمامة في كلّ زمان»(2)

أحاديث الاختلاف

وردت أحاديث صحيحة عن النبيّ الكريم (ص) تخبر عن هذا الانقسام الخطير الذي ستُبتلى به الأُمّة بعد رحيل نبيّها الكريم (ص) ، فقد أخرج أحمد بن حنبل في مسنده، بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال:

«قال رسول الله (ص) تَفتَرِقُ أُمَّتي فِرقَتَينِ، فَيَتَمَرَّقُ بَينَهُما مارِقَةٌ يَقتُلُها أولىّ


1- صريح السُنّة، الطبري، ص ١٧ .
2- الملل والنحل، ج ١ ، ص ٢4 .

ص:٢٧٠ 

الطّائفَتَينِ بِالحَقِّ»(1)

وزاد عليه القاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار:

«قيل للخدري: فإنّ عليّاً قتلهم؟ قال: وما يمنعُه أن يكون أولاهُم بالله وبرسوله»(2)

وأخرج الحاكم في مستدركه في كتاب العلم، بسنده عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:

«قال رسول الله (ص) : (اِفتَرَقَتِ اليَهودُ على إحدى - أوِ اثنَتَينِ - وسَبعينَ فرقَةً، وافتَرَقَتِ النَّصارى عَلى إحدى - أوِ اثنَتَينِ - وسَبعينَ فِرقَةً، وتَفتَرِقُ أُمّتي عَلى ثَلاثٍ وسَبعينَ فِرقَةً)»(3)

وقد صحّحه الحاكم، فقال بذيله: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وله شواهد»(4)

وأخرجه في كتاب الإيمان، وقال بذيله: «هذا حديث كثر في الأُصول»(5)

وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده، بسنده عن أبي عامر عبدالله بن لُحَي، قال:

«حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلمّا قدمنا مكّة قام حين صلّى صلاة الظهر،

فقال: إنّ رسول الله (ص) قال:

(إنَّ أهلَ الكِتابَينِ افتَرَقوا في دينِهِم على ثِنتَين وسَبعينَ مِلّةً، وإنَّ هذِهِ الأُمَّةَ سَتَفتَرِقُ عَلى ثَلاثٍ وسَبعينَ مِلَّةً - يَعنى الأَهواءَ - كُلُّها فِي النّارِ إلّا


1- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ٢5 ؛ وأخرجه أيضاً النسائي في السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١5٨ ؛ وأخرجه أيضاً أبو يعلى في مسنده، ج ٢ ، ص  4٩٩ ؛ وأخرجه أيضاً ابن كثير في البداية والنهاية، ج ٧ ، ص ٣٠٩ .
2- شرح الأخبار، ج ٢ ، ص ٣٩ .
3- المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، ج ١ ، ص ١٢٨ ، كتاب العلم؛ ووافقه ابن حبّان في الصحيح، ج ٧ ، ص 6٢ ؛ وأبو يعلى الموصلي في المسند، مسند أبي هريرة ل:  54١ - 54٢  ؛ وابن أبي عاصم في كتاب السنّة، ج ١ ، ص ٣٣ ؛ والمروزي في السنّة، ص ١٧ ؛ والآجري في الشريعة، ص ١5 ؛ وعبد القاهر في الفرق، ص 6 ؛ وابن الجوزي في التلبيس، ص ١٨ .
4- المستدرك على الصحيحين، ج ١ ، ص ١٢٨ .
5- المصدر نفسه، ص 6 .

ص:٢٧١ 

واحِدَةً، وهِيَ الجَماعَةُ، وأنَّهُ سَيَخرُجُ في أُمَّتي أقوامٌ تَجارى بِهِم تِلكَ الأَهواءُ كَما يَتَجارى الكَلبُ بِصاحِبِهِ، لا يَبقى مِنهُ عِرقٌ ولا مَفصَلٌ إلّا دَخَلَهُ) ، واللهِ - يا مَعشَرَ العَرَبِ - لَئِن لَم تَقوموا بِما جاءَ بِهِ نَبِيُّكُم (ص) لِغَيرِكُم مِنَ النّاسِ أحرى أن لا يَقومَ بِهِ)»(1)

إلى غير ذلك من الروايات(2)

وفي صحيح البخاري عن الزهري - في قصّة ذي الخُوَيص-رة وقوله لرسول الله (ص) : اِعدل، وطلب عمر من رسول الله (ص) الإذنَ في أن يضرب عنقه - إشارة لافتراق الأُمّة أيضاً، حيث قال:

«دَعهُ، فَإِنَّ لَهُ أصحاباً يُحَقِّرُ أحدُكُم صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِم، وصِيامُهُ مَعَ صِيامِهِم، يَقرَؤنَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقيهِم، يَمرُقون مِنَ الدّين كَما يَمرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. . . ويَخرُجونَ عَلى حينِ فُرقَةٍ مِنَ النّاسِ»(3)

فهذه الأحاديث تدلّ بوضوح تامّ على أنّ الرسول الكريم (ص) كان على دراية تامّة بافتراق أُمّته من بعده، ولا نريد التعرّض لحلّ إشكاليّة هذا التهافت الواضح؛ إذ لو كان الرسول الأكرم (ص) واقفاً على انقسام أُمّته بسبب الخلافة من بعده (ص) فلماذا لم يقطع دابر هذا الخلاف بتعيين الأمر من بعده؟

فلا شكّ في أنّ الجواب عن هذا التساؤل المشروع سيُعيدنا إلى بداية البحث؛ ولذا سنُعرض عنه هنا، لكن سنتعرّض لمسألة أُخرى مرتبطة بالموضوع؛ وهي أنّ تلك


1- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ١٠٢ ؛ وأخرجه الحاكم النيسابوري في مستدركه، ج ١ ، ص ١٢٨ ، وقال بعد سياقه وسياق حديث أبي هريرة: «هذه أسانيد تقام بها الحجّة» ؛ وأخرجه أيضاً أبو داود في سننه، ج 5 ، ص 5 ؛ والدارمي في سننه أيضاً، ج ٢ ، ص ١5٨ ؛ والآجري في الشريعة: ج ١ ، ص ٧ ، باب فيما أخبر به النبي ص أنّ أُمته ستفترق، رقم 65 ؛ والطبراني في المعجم الكبير، ج ١٩ ، صص ٣٧6  و  ٣٧٧ ؛ والبيهقي في دلائل النبوّة، ج 6 ، ص 54١ ؛ وابن بطة العكبري في الإبانة، ج ١ ، صص ٢٢١  -  ٢٢٣ .
2- أخرج كبار المحدّثين والعلماء من السنّة أحاديث افتراق الأُمّة إلى نيف وسبعين، بألفاظ متعددة وطرق متشعّبة وعن عدد كبير من الصحابة، لسنا في صدد بيانها ولا يصعب على الباحث تقصّيها.
3- صحيح البخاري، ج 4 ، صص ١٧٨  و  ١٧٩ .

ص:٢٧٢ 

الأحاديث الصحيحة الواردة عن رسول الله (ص) في انقسام الأُمّة نصّت على انحراف كلّ تلك الفرق عن طريق الهدى إلّا فرقةً واحدة هي الناجية يوم القيامة، كما هو صريح حديث أحمد الآنف:

«هذِهِ الأُمَّةُ سَتَفتَرِقُ عَلى ثلاثٍ وسَبعينَ مِلَّةً كُلُّها فِي النّار إلّا واحِدَةً» .

أحاديث معالم الفرقة الناجية

اشارة

أخرج حفّاظ ورواة الفريقين عن رسول الله (ص) كثيراً من الأحاديث التي تعيّن وتشخّص معالم تلك الفرقة الناجية، وسنورد في هذه الخاتمة نيّفاً من تلك الأحاديث:

١ - حديث وجوب التمسّك بالثقلين

أخرج الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم، قالا:

«قال رسول الله (ص) : إنّي تارِكٌ فيكُم ما إن تَمَسَّكتُم بِهِ لَن تَضِلّوا بَعدي، أحدُهُما أعظَمُ مِنَ الآخَرِ، كِتابُ الله حَبلٌ مَمدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأَرضِ، وعِترَتي أهلَ بَيتي، ولَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَىَّ الحَوضَ، فَانظُروا كَيفَ تَخلِفوني فيهِما)»(1)

وأخرجه الحاكم في مستدركه، وصححه؛ حيث قال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بطوله»(2)، وصحّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير(3)

وأخرجه بلفظ قريب منه أحمد عن أبي سعيد، قال:

«قال رسول الله:

(إنّي تارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَينِ، أحَدُهُما أكبَرُ مِنَ الآخَرِ، كِتابُ الله حَبلٌ مَمدودٌ مِنَ السَّماءِ إلى الأرض، وعِترَتي أهلَ بَيتي، وإنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَىَّ الحَوضَ)»(4)

وأخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم، قال:


1- سنن الترمذي، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، ج 5 ، ص ٣٢٩ .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٠٩ .
3- صحيح البخاري، ج ١ ، ص 4٨٢ .
4- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، ص ١4 .

ص:٢٧٣ 

«قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال:

(أيُّها النّاسُ! فَإِنَّما أنا بَشَ-رٌ يوشِكُ أن يَأتِيَ رَسولُ رَبّي فَأُجيبَ، وأنَا تارِكٌ فيكُم ثَقَلَينِ، أوَّلُهُما كِتابُ الله فيهِ الهُدى وَالنّورُ فَخُذوا بِكتابِ الله واستَمسِكوا بِهِ) ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثمّ قال: (وأهلُ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ في أهلِ بَيتي)»(1)

٢ - حديث الراية

أخرج البخاري في صحيحه، بسنده إلى سلمة بن الأكوع، قال:

«كان عليّ رضى الله عنه تخلّف عن النبيّ (ص) في خيبر، وكان به رمد، فقال: (أنا أتَخَلَّفُ عَن رَسولِ اللهِ (ص) ؟ !) فخرج عليّ فلحق بالنبيّ (ص) ، فلمّا كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها، فقال رسولُ الله (ص) :

(لَأُعطِيَنَّ الرّايَةَ - أو قالَ: لَيَأخُذَنَّ - غَداً رَجُلٌ يُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ - أو قال: يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ - يَفتَحُ اللهُ عَليهِ) ، فإذا نحن بعليّ، وما نرجوه، فقالوا: هذا عليّ، فأعطاه رسولُ الله (ص) ، ففتح اللهُ عليه»(2)

وأخرج في صحيحه أيضاً، من طريق أبي حازم، قال:

«أخبرني سهل رضى الله عنه، قال: قال النبيّ (ص) يوم خيبر:

(لَأُعطِيَنَّ الرّايةَ غَداً رَجُلاً يَفتَحُ اللهُ عَلى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللهُ ورَسولَهُ، ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) ، فبات الناس ليلتهم أيّهم يعطى، فغدوا كلّهم يرجوه، فقال: (أينَ عَلِيٌّ؟) فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينيه، ودعا له، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. . .»(3)

وأخرج مسلم في صحيحه، بسنده إلى عامر في حديث طويل، قال: «أرسلني [يعني رسولَ الله (ص) ] إلى عليٍّ وهو أرمد، فقال:

(لَأُعطِيَنَّ الرّايةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللهَ


1- صحيح مسلم، ج ٧ ، صص ١٢٢  و ١٢٣ .
2- صحيح البخاري، ج 4 ، ص ١٢  و ج 4 ، ص ٢٠٧ .
3- المصدر نفسه، ج 4 ، ص ٢٠  و ج 5 ، ص ٧6 .

ص:٢٧4 

ورَسولَهُ - أو يُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ -) ، قال: فأتيت عليّاً فجئت به أقوده وهو أرمد، حتّى أتيت به رسول الله (ص) ، فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية»(1)

وقد حاول البعض إنكار هذه الفضيلة العظيمة لأمير المؤمنين عليه السلام من خلال تعميم تلك الصفة المشار إليها في الحديث لكلّ المؤمنين، وإنكار اختصاصها بالإمام عليه السلام، قال ابن حزم: «وهذه صفة واجبة لكلّ مسلم وفاضل»(2)

وهذا توهّم فاسد؛ لصراحة دلالة الحديث في إثبات فضيلةٍ للإمام عليه السلام افتقدها جميعُ الصحابة الذين كانوا حاضرين في معركة خيبر، وقد باتوا كلّهم يتمنّون أن ينالوا تلك المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة، وهذا ما تؤيّده ألفاظ الحديث التي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد، ففي لفظ البخاري: «فبات الناس ليلتهم أيّهم يعطى، فغدوا كلّهم يرجوه»(3)

وفي لفظ آخر: «فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها، فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلّهم يرجو أن يُعطاها»(4)

وفي عبارة مسلم عن سعد: «فتطاولنا لها»(5)

وفي رواية أُخرى في صحيح مسلم أيضاً: «قال عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة

إلّا يومئذٍ، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى لها»(6)

فهذه العبارات وغيرها صريحة في أنّ الصحابة كلّهم قد فهموا من الحديث فضيلة عظيمة لا ينالها إلّا ذو حظ عظيم، وقد تطاول لها وتساور لنيلها عمر بن الخطاب وما أحبَّ الإمارة إلّا يومئذٍ كما تقدّم؛ وذلك لاقتران الإمارة بمنزلة رفيعة وهي حبّ الله ورسوله.


1- صحيح مسلم، ج 5 ، ص ١٩5 و ج ٧ ، صص ١٢٠ -  ١٢٢ .
2- الفصل، ابن حزم، ج 4 ، ص ٢4٣ .
3- صحيح البخاري، ج ٢ ، ص ٢6١ .
4- المصدر نفسه، ص 44٣ ، وكذا أورد هذه العبارة مسلم في صحيحه، ج 4 ، ص ١٨٧١ .
5- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧٠ .
6- المصدر نفسه، ص ١٨٧٢ .

ص:٢٧5 

وقد تقدّم أنّ سعداً رفض أن يَسبّ عليّاً عليه السلام عندما أمره معاوية بذلك، فقال له معاوية: «ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (ص) فلن أسبّه؛ لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النعم»(1)

وذكر من تلك الثلاثة حديث الراية، وهذه العبارة كما ذكرنا صريحة في أنّ سعداً قد فهم من حديث الراية ثبوت فضيلة لعليّ عليه السلام يتمنّاها سعد وسائر الصحابة، ويرى أنّها لا يمكن أن تُقارن بحمر النعم، الذي هو كناية عن أموال الدنيا وكنوزها.

إذن فأصحاب رسول الله ¦ قد فهموا من حديث الراية تلك المنزلة السامية، كما فهمها كثير من علماء السنّة، قال ابن حجر: «وقوله في الحديثين [حديث سهل بن سعد، وحديث سلمة بن الأكوع]: إنّ عليّاً

(يُحِبُّ اللهَ ورَسولَهُ ويُحِبُّهُ اللهُ ورَسولُهُ) أراد بذلك وجود حقيقة المحبّة، وإلّا فكلّ مسلم يشترك مع عليّ في مطلق هذه الصفة، وفي الحديث تلميح بقوله تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ» ، فكأنّه أشار إلى أنّ عليّاً تامّ الاتّباع لرسول الله (ص) حتّى اتّصف بصفة محبّة الله له؛ ولهذا كانت محبّته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث عليّ نفسه، قال:

(وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ إنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيَّ (ص) أن لا يُحِبُّكَ إلّا مُؤمِنٌ ولايُبغِضُكَ إلّا مُنافِقٌ) ، وله شاهد من حديث أُمّ سلمة عند أحمد»(2)

فإذا كان الأصحاب وأعلام السنّة قد فهموا من حديث الراية تلك الفضيلة العظيمة لأمير المؤمنين عليه السلام فلا قيمة بعد ذلك لما ذكره ابن حزم وغيره في هذا المجال.

٣ - حديث (لا يُحبّك إلّا مؤمنٌ ولا يُبغضكَ إلا مُنافق)

أخرج مسلم في صحيحه، بسنده إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

«وَالَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ إنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ (ص) إليَّ أن لا يُحِبَّني إلّا مُؤمِنٌ


1- صحيح مسلم، ج 4 ، ص ١٨٧١ .
2- فتح الباري، ج ٧ ، صص 5٧  و  5٨ .

ص:٢٧6 

ولا يُبغِضَني إلّا مُنافِقٌ»(1)

وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده من طريق أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

«عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ (ص) أنَّهُ لا يُحِبُّكَ إلّا مُؤمِنٌ ولا يُبغِضُكَ إلّا مُنافِقٌ»(2)

وأخرجه الترمذي في سننه، وقال بذيله: «هذا حديث حسن صحيح»(3)

وأخرجه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال بذيله: «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات»(4)

وأخرجه ابن حجر في (فتح الباري) ، وقال بذيله: «وله شاهد من حديث أُمّ سلمة عند أحمد»(5)

وكما تقدّم فإنّ كلّ قارئ عربيّ يفهمُ من قولِ النبيّ (ص) : «إنّ عليّاً لا يحبّه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق» إثباتَ فضيلة عظيمة للإمام عليه السلام، وأنّه ميزانٌ يعرَف به الإيمان ويميَّز عن النفاق، فلا يحبّ عليّاً عليه السلام إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق.

وقد حاول البعض أن يقلّل من أهمّية هذه الفضيلة العظيمة من خلال إشراك الأنصار فيها. قال ابن حزم في تعليقه على هذا الحديث:

«وقد صحّ مثل هذا في

الأنصار رضي الله عنهم أنّه لا يبغضهم من يؤمن بالله واليوم الآخر»(6)

فلو ثبتت هذه الفضيلة بنفسها للأنصار بمجموعهم فهي فضيلة لهم أيضاً، ويكون عموم الأنصار قد نالوا جانباً ممّا ناله عليّ عليه السلام من الفضيلة لوحده.

ولكن يرد على النقض بحديث الأنصار أُمور:

أ- الكلام والإشكال يقع في سند وطريق رواية الأنصار التي استدلّ بها ابن حزم،


1- صحيح مسلم، ج ١ ، ص 6١ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٩5  و ١٢٨ .
3- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٠6 .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣٣ .
5- فتح الباري، ج ٧ ، ص 5٨ .
6- الفصل، ج 4 ، ص ٢44 .

ص:٢٧٧ 

فطريقها ضعيف على مباني الشيعة الإمامية الاثني عشريّة، ولا يمكن الاحتجاج بها علينا، ولكنّنا نحتجّ بما صحّ عندهم في فضائل عليّ عليه السلام من الأحاديث، وما تضمّنته من خصائص ومزايا للإمام عليه السلام.

ب- إنّ حديث «حبّ الأنصار إيمان وبغضهم نفاق» يختلف في مضمونه ومحتواه عمّا ورد في عليّ عليه السلام، فإنّ الحكم المترتّب على حبّ الأنصار وبغضهم مقيّد بوصف كونهم أنصاراً لله ورسوله، فإن تقييد الحكم في الحديث ب-النصرة مُشعر بالعلّية، بمعنى أنّ الحكم بإيمان مُحبّهم ونفاق مُبغضهم معلّق على ذلك القيد، ونحن نؤمن بأنّ من يُحبّ الأنصار لأنّهم نصروا الله ورسوله فهو مؤمن وحبّه علامة إيمانه، وأنّ من يبغض الأنصار بوصف كونهم أنصاراً منافق كما قال رسول الله (ص) ، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الحكم ثابت لحبّ وبغض كلّ فرد من الأنصار وإن فعل ما فعل وخالف رسول الله (ص) ، كما لو قيل: أكرم العلماء، فإنّ هذا الحكم وهو وجوب إكرام هؤلاء العلماء معلّق على وصف العلم، بحيث لو خرج أحدهم عن ذلك القيد لا يجب إكرامهم.

وهذا بخلاف الحديث الوارد في عليّ عليه السلام، فإنّ الحكم مترتّب ومعلّق على ذات عليّ عليه السلام وشخصه، فعليّ عليه السلام في ذاته لا يُحبّه إلّا مؤمن ولا يُبغضه إلّا منافق.

4-حديث الفئة الباغية

أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، قال:

«إنّ ابن عبّاس قال له ولعليّ بن عبدالله: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلمّا رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنّا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمّار ينقل لبنتين لبنتين، فمرّ به النبيّ ومسح عن رأسه الغبار، وقال:

(وَيحَ عَمّارٍ، تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ، عَمّارٌ يَدعوهُم إلى الله ويَدعونَه إلى النّارِ)»(1)


1- صحيح البخاري، ج ٣ ، ص ٢٠٧ .

ص:٢٧٨ 

وأخرجه مسلم في صحيحه عن أُمّ سلمة(1)، وأحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد(2)، وأيضاً عن عبدالله بن الحرث، وفيه:

«إنّي لأسيرُ مع معاوية في منصرفه من صفّين، بينه وبين عمرو بن العاص، قال: فقال عبدالله بن عمرو بن العاص: يا أبتِ، أما سمعت رسولَ الله (ص) يقول لعمّار:

(وَيحَكَ يا ابنَ سُمَيَّةَ! تَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ؟) قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة! أنحن قتَلناه؟ ! إنّما قتله الذين جاءوا به»(3)

وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ، بسنده إلى محمّد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال:

«كان جدّي كافّاً بسلاحه يوم الجمل ويوم صفين، حتّى قُتل عمّار بن ياسر، فلمّا قُتل عمّار قال: سمعت رسولَ الله (ص) يقول:

(تَقتُلُ عَمّاراً الفِئَةُ الباغِيَةُ) ، قال: فسلّ سيفه فقاتل حتّى قُتل»(4)

وبلفظ آخر، قال:

«فلمّا قُتل عمّار قال خزيمة: قد حانت له الضلالة»(5)

وأخرجه بسنده إلى عمرو بن مرّة، وفيه:

«سمعت عبدالله بن سلمة يقول: رأيت عمّارَ بن ياسر يوم صفين شيخاً آدم طوالاً،


1- صحيح مسلم، ج ٨ ، ص ١٨6 .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ٣ ، صص 5 ،  ٣٠6  و ج 5 ، صص ٣٠6  و  ٣٠٧ .
3- المصدر نفسه، ج ٢ ، ص ١6١ .
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ٣٩٧ ؛ وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، ج ١6 ، ص ٣٧٠  و ج 4٣ ، ص 4٧١ ، وفيه، قال: «فلمّا قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة، ثمّ اقترب فقاتل حتّى قتل» ؛ وأخرجه ابن حجر في فتح الباري، ج ١٣ ، ص ٣6 ؛ وفي الإصابة، ج ٢ ، ص ٢4٠ ؛ والعيني في عمدة القاري، ج ١4 ، ص ١٠4 ؛ والطبراني في المعجم الكبير، ج 4 ، ص ٨5 ؛ وابن عبد البر في الاستيعاب، ج ٢ ، ص 44٨ ؛ والمزي في تهذيب الكمال، ج ٢١ ، ص ٢٢5 ؛ والبلاذري في أنساب الأشراف، صص ٣١٣  و  ٣١4 ؛ والصفدي في الوافي بالوفيات، ج ١٣ ، ص ١٩٢ ؛ والخوارزمي في المناقب، ص ١٩١ ؛ ومحمّد بن سعد في الطبقات الكبرى، ج ٣ ، ص ٢5٩ ؛ وابن الأثير في أُسد الغابة، ج 4 ، ص 4٧ ، وفيه: «قال [خزيمة]: ادفنوني في ثيابي فإنّي مخاصم» .
5- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، صص ٣٨5  و  ٣٨6 .

ص:٢٧٩ 

أخذ الحربة بيده، ويده ترعد، قال: والذي نفس-ي بيده! لقد قاتلت بهذه مع رسول الله (ص) ثلاثَ مرّات، وهذه الرابعة، والذي نفسي بيده! لو ضرَبونا حتّى بلَغوا بنا سَعَفات هَجَر لعرفنا أنّ مصلحنا على الحقّ وأنّهم على الضلالة» .

ثمّ قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»(1)

وأخرجه بلفظ آخر، وفيه:

«لَعَرَفتُ أنّا عَلى الحَقِّ وهُم عَلى الباطِلِ»(2)، وأخرجه بلفظ آخر، وفيه: «لَعَلِمنا أنّا عَلى الحَقِّ وأنتُم عَلى الباطِلِ»(3)

5- حديث الانتجاء

أخرج الترمذي في سننه، بسنده عن الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:

«دعا رسولُ الله (ص) عليّاً يومَ الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمّه، فقال رسول الله (ص) : (مَا انتَجَيتُهُ، ولكنَّ اللهَ انتَجاهُ)» . ثمّ قال الترمذي عقبه: «هذا حديث حسن، غريب، لا نعرفه إلّا من حديث الأجلح، وقد رواه غير ابن فضيل عن الأجلح»(4).

وتعقّبه ابن عساكر بقوله: «قلت: رواه عن أبي الزبير جماعة»(5)، ثمّ أخرجه من


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ٣٩٢ ؛ وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ج ٧ ، ص ٢4٢  و ٢4٣  و ج ٩ ، صص ٢٩4  و  ٢٩٨ ؛ وسليمان بن داود الطيالسي في مسنده، ص ٨٩ ؛ وأبو جعفر الإسكافي في المعيار والموازنة، ص ١54 ؛ وابن أبي شيبة الكوفي في مصنّفه، ج ٨ ، صص ٧٢٢ ،  ٧٢6  و ٧٢٧ ؛ وابن حبّان في صحيحه، ج ١5 ، ص 556 ؛ وابن عبد البر في الاستيعاب، ج ٣ ، صص ١١٣٩  و ١١4٠ ؛ وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، ج 4٣ ، صص ٣6٢ ،  ٣6٣ ،  465  و  4٧٢ ؛ والمزي في تهذيب الكمال، ج ٢١ ، ص ٢٢5 ؛ والذهبي في سير أعلام النبلاء، ج ١ ، ص 4٠٨ ؛ والبلاذري في أنساب الأشراف، ص ٣١٧ ؛ واليعقوبي في تاريخه، ج ٢ ، ص ١٨٨ ؛ والطبري في تاريخه، ج 4 ، ص ٢٧ ؛ وفي المنتخب من ذيل المذيل، ص ١6 ؛ وابن الأثير في الكامل في التاريخ، ج ٣ ، صص ٣٠٨  -  ٣١٠ ، وابن كثير في البداية والنهاية، ج ٧ ، ص ٢٩6 ؛ والصفدي في الوافي بالوفيات، ج ٢٢ ، ص ٢٣٣ ؛ والخوارزمي في المناقب، ص ١٩5 .
2- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ٣٨4 .
3- المصدر نفسه، ص ٣٨6 .
4- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٠٣ .
5- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٣١5 .

ص:٢٨٠ 

طريق عمّار الذهبي عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله، ومن طريق الأعمش عن أبي الزبير عن جابر، ومن طريق سالم بن أبي حفصة وإبراهيم بن حمّاد عن أبي الزبير عن جابر(1)

وأخرجه الطبراني في الكبير من طريق سالم بن أبي حفص، عن أبي الزبير، عن جابر، وفيه:

«فقال له أبو بكر رضى الله عنه: يا رسولَ الله، لقد طالت مناجاتك عليّاً منذ اليوم! فقال رسولُ الله (ص) :

(ما أنَا انتَجَيتُهُ ولكِنَّ اللهَ انتجاهُ)» (2)

وما قد يقال من أنّ أبا الزبير مُدلّس وقد عَنعَنَ، لا وجه له؛ إذ إنّ عَنَعنَته قد وردت في صحيح مسلم(3)، وقد صحّح جماعة من العلماء أيضاً أحاديثَ أبي الزبير وهي مُعَنعَنَة؛ منهم الحاكم في المستدرك(4)، والذهبي في التلخيص(5)، وابن حبّان في صحيحه(6) وغيرهم.

مضافاً إلى أنّ البعض يرى أنّ أبا الزبير - على فرض أنّه مدلّس - لا يدلّس الّا عن ثقة، قال ابن القيّم: «وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفاً بالتدليس عن المتّهمين والضعفاء، بل تدليسُه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يُدلِّسون عن متّهم ولا مجروح، وإنّما كثر هذا النوعُ من التدليس في المتأخّرين»(7)

وقد أخرج الحفّاظ والمحدّثون الحديثَ بألفاظٍ وطرق أُخرى لا مجالَ لذكرها في هذا المختصر.


1- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص ٣١5 .
2- المعجم الكبير، ج ٢ ، ص ١٨6 .
3- ورد ذلك في أكثر من  ١٠٠  حديث.
4- صحّح أكثر من  4٠  حديثاً من طريق أبي الزبير عن جابر، على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما.
5- صحّح له أكثر من  ٣٠  حديثاً من طريق أبي الزبير عن جابر، على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما.
6- صحّح له أكثر من  ٨٠  حديثاً من طريق أبي الزبير عن جابر، وجلّها صحيح على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما.
7- زاد المعاد، ابن قيم الجوزية، ج 5 ، ص 45٧ .

ص:٢٨١ 

وقال الترمذي في بيان معنى انتجاء الله تعالى لعليّ عليه السلام:

«ومعنى قوله: (ولكنَّ اللهَ انتَجاهُ) ، يقول: إنّ الله أمرني أن أنتَجي معه»(1)

وقال المباركفوري، عن الطيّبي:

«كان ذلك أسراراً إلهيّةً وأُموراً غيبيّة جعله من خزانتها، انتهى. قال القاري: وفيه أن الظاهر أنّ الأمر المتناجى به من الأسرار الدنيويّة المتعلّقة بالأخبار الدينية من أمر الغزو ونحوه»(2)

6-حديث سدّ الأبواب إلّا باب عليّ عليه السلام

أخرج أحمد بن حنبل في مسنده بعدّة طرق، منها عن زيد بن أرقم، قال:

«كان لنفر من أصحاب رسول الله (ص) أبواب شارعة في المسجد، قال: فقالوا يوماً: سدّوا هذه الأبواب إلّا باب عليّ، قال: فتكلّم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله (ص) فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثمّ قال:

(أمّا بَعدُ فَإِنّي أُمِرتُ بِسَدِّ هذه الأبواب إلّا باب علىّ، وقالَ فيهِ قائِلُكُم، وإنّي وَالله ما سَدَدتُ شَيئاً ولا فَتَحتُهُ، ولكِنّي أُمِرتُ بِش-َيءٍ فَاتَّبَعتُهُ)»(3)

وأخرجه عنه أيضاً الحاكم في مستدركه، وصحّحه، و قال بذيله: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»(4)

7-حديث المؤاخاة

أخرج الترمذي بسنده إلى جميع بن عمير التيمي، عن ابن عمر، قال: «آخى رسول الله (ص) بين أصحابه، فجاء عليّ تدمع عيناه فقال: (يا رَسولَ الله، آخَيتَ بَينَ أصحابِكَ ولَم تُؤاخِ بَيني وبَينَ أحَدٍ!) ، فقال له رسولُ الله (ص) :

(أنتَ أخي فِي الدُّنيا


1- سنن الترمذي، ج 5 ، ص ٣٠٣ .
2- تحفة الأحوذي، ج ١٠ ، صص ١5٨  و  ١5٩ .
3- مسند أحمد بن حنبل، ج 4 ، ص ٣6٩ .
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢5 .

ص:٢٨٢ 

وَالآخِرَةِ)»(1)

قال ابن حجر بعد ذكره للحديث: «وإذا انضمّ هذا إلى ما تقدّم تقوّى به»(2) وقد تقدّم الكلام عن حديث المؤاخاة ضمن حديث المنزلة فلاحظ.

8- حديث (اللّهُمَّ أدرِ الحقّ معهُ حَيثُ دارَ)

أخرج الترمذي في سننه بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «قال رسول الله (ص) :

(رَحِمَ اللهُ عَلِيّاً، اللّهُمَّ أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيثُ دارَ)»(3)

وأخرجه الحاكم في مستدركه، وصحّحه، قال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»(4).

وكذا صحَّحه السيوطي في الجامع الصغير كما حكى ذلك عنه المناوي في فيض القدير(5)

وأخرج هذا الحديث أيضاً أبو يعلى في مسنده(6)، والطبراني في الأوسط(7)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(8)، وآخرون.

9-حديث (عَليٌّ مع القرآنِ والقرآنُ مع عَليٍّ)

أخرج الحاكم في مستدركه، بسنده عن ثابت مولى أبي ذر، قال: «كنت مع علي رضي الله عنه يوم الجمل، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس،


1- سنن الترمذي، ج 5 ، ص 6٣6 .
2- فتح الباري، ج ٧ ، ص ٢١١ .
3- سنن الترمذي، تحقيق: عبد الرحمن محمّد عثمان، ج 5 ، ص ٢٩٧ .
4- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢5 .
5- فيض القدير، ج 4 ، ص ٢5 
6- مسند أبي يعلى، ج ١ ، ص 4١٩ .
7- المعجم الأوسط، ج 6 ، ص ٩5 .
8- تاريخ مدينة دمشق، ج ٣٠ ، ص 6٣  و ج 4٢ ، ص 44٨  و ج 44 ، ص ١٣٩ .

ص:٢٨٣ 

فكشف الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلت مع أمير المؤمنين، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت أم سلمة، فقلت: إنّي والله ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولى لأبي ذر، فقالت: مرحباً، فقصصت عليها قصّتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس، قالت: أحسنت، سمعت رسول الله عليهما السلام يقول: (عليٌّ مَعَ القرآنِ والقُرآنُ مَعَ عليٍّ، لن يَتَفَرَّقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوَض)» .

وقد صحّحه الحاكم، قال: «هذا حديث صحيح»(1)، ووافقه الذهبي في التلخيص(2)

10-حديث (عَلِيٌّ معَ الحَقّ والحَقُّ معَ عَليٍّ)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ(3)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(4)، وأبو جعفر الإسكافي في (المعيار والموازنة) عن عمّار بن ياسر، قال:

«سمعنا رسولَ الله (ص) يقول:

(عَلِيٌّ مَعَ الحَقِّ وَالحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، لا يَفتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ يَومَ القِيامَةِ)»(5)

وأورد الهيثمي في (مجمع الزوائد) عن محمّد بن إبراهيم التيمي، قال:

«إنّ فلاناً دخل المدينة حاجّاً، فأتاه الناسُ يسلّمون عليه، فدخل سعدٌ فسلّم، فقال: وهذا لم يُعِنّا على حَقّنا على باطِل غيرنا، قال: فسكت عنه، فقال: مالك لا تتكلّم؟ فقال: هاجت فتنةً وظلمة فقلتُ لبعيري: إخ! إخ! فأنَختُ حتّى انجلت،


1- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢4 
2- انظر: المستدرك وبهامشه التلخيص للذهبي، ج ٣ ، ص ١٣4 .
3- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص 44٩ .
4- تاريخ بغداد، ج ١4 ، ص ٣٢٢ .
5- المعيار والموازنة، أبوجعفر الإسكافي، ص ١١٩ .

ص:٢٨4 

فقال رجل: إنّي قرأتُ كتاب الله من أوّله إلى آخره فلم أرَ فيه «إخ، إخ» ، فقال: أما إذ قلت ذاك فإنّي سمعت رسولَ الله (ص) يقول: (

عَلِيٌّ مَعَ الحَقِّ، وَالحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حيثُ كان) ، قال: من سمع ذلك؟ قال: قاله في بيت أُمّ سلَمَة، قال: فأرسل إلى أُمّ سلَمَة فسألها، فقالت: قد قاله رسولُ الله (ص) في بيتي، فقال الرجل لسعد: ما كنتَ عندي قطّ ألوم منك الآن، فقال: ولم؟ قال: لو سمعتُ هذا من النبيّ (ص) لم أزل خادماً لعليّ حتّى أموت» .

ثمّ قال الهيثمي بعد ذلك: «رواه البزّار، وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه، وبقيّة رجاله رجال الصحيح»(1)

وقد وثّقه شمس الدين الجوزجاني، حيث قال: «كان [أي: سعد بن شعيب] شيخاً

صالحاً صدوقاً»(2)

11-حديث (مَن فارَقَكَ فقَد فارَقَني)

أخرج الإمام ابن حنبل في (فضائل الصحابة) ، بسنده عن أبي ذرّ، قال:

«قال رسولُ الله (ص) : (يا عَلِيُّ، إنَّهُ مَن فارَقَني فَقَد فارَقَ اللهَ، ومَن فارَقَكَ فَقَد فارَقَني)»(3)

وقد أورده الهيثمي في زوائده، وقال بذيله: «رواه البزّار، ورجاله ثقات»(4)

وأخرجه الحاكم في (المستدرك) ، وصحّحه، قال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»(5)


1- مجمع الزوائد، ج ٧ ، صص ٢٣5  و  ٢٣6 .
2- فضائل الصحابة، احمد بن حنبل، ج ٢ ، ص 5٧٠ .
3- فضائل الصحابة، احمد بن حنبل، ج ٢ ، ص 5٧٠ .
4- مجمع الزوائد، ج ٩ ، ص ١٣5 .
5- المستدرك على الصحيحين، ج ٣ ، ص ١٢4 ؛ وقال المناوي في فيض القدير، ج 4 ، ص 4٧٠ : «أخرج البزّار عن أبي ذرّ، قال رسولُ الله ص لَعِليّ عليه السلام: مَن فارَقَني. . . الحديث» .

ص:٢٨5 

وأخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق(1)، والطبراني في المعجم الكبير (2)، وعبدالله بن عدي في الكامل(3)، وآخرون.

12-حديث (الحَقُّ معَ عَلٍّي)

أخرج أبو يعلى في مسنده عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: «مرّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال (ص) : (الحَقُّ مَعَ ذا، الحَقُّ مَعَ ذا)»(4)

ورواه الهيثمي في (مجمع الزوائد) ، وقال: «رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات»(5)

13-حديث تبليغ سورة براءة

أخرج البخاري في صحيحه من طريق حميد بن عبد الرحمن، قال: «أردَفَ رسولُ الله (ص) بِعلىِّ بن أبي طالب وأمره أن يؤذّن ببراءة»(6)

وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده من طريق أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

«لمّا نَزَلت عَشرُ آياتٍ مِن بَراءَةَ عَلى النَّبِيِّ (ص) ، دَعا النَّبِيُّ (ص) أبا بَكرٍ، فَبَعَثَهُ بِها لِيَقرَأها عَلى أهلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعاني النَّبيُّ (ص) ، فَقال لي: (أدرك أبا بَكرٍ فَحَيثُما لَحِقتَهُ فَخُذِ الكِتابَ مِنهُ فَاذهَب بِهِ إلى أهلِ مَكَّةَ فَاقرَأهُ عَلَيهِم) ، فَلَحقتُهُ بِالجُحفَةِ فَأخَذتُ الكِتابَ مِنهُ، ورَجَعَ أبو بَكرٍ إلى النّبِيِّ (ص) فَقالَ: يا رَسولَ الله، نَزَلَ فِيَّ شَيءٌ؟ قال: (لا، ولكِنَّ جِبريلَ جاءَني فَقالَ: لَن يُؤدِّىَ عَنكَ إلّا أنتَ أو رَجُلٌ مِنك)»(7)

وأورده الهيثمي في زوائده عن عبدالله بن أحمد بن حنبل، وقال: «رواه عبدالله بن


1- تاريخ مدينة دمشق، ج 4٢ ، ص  ٣٠٧ .
2- المعجم الكبير، ج ١٢ ، ص ٣٢٣ .
3- الكامل، ابن عديّ، ج ٣ ، ص ٨٣ .
4- مسند أبي يعلى، ج ٢ ، ص ٣١٨ .
5- مجمع الزوائد، ج ٧ ، ص ٢٣5 .
6- صحيح البخاري، ج 5 ، ص ٢٠٢ .
7- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ١5١ .

ص:٢٨6 

أحمد، وفيه محمّد بن جابر السحيمي، وهو ضعيف، وقد وثّق»(1)

وأخرجه من طريق أبي بكر، وفيه:

«أُمِرتُ أن لا يُبَلِّغَهُ إلّا أنَا أو رَجُلٌ مِنّي»(2)

وأورده عنه الهيثمي في زوائده، وقال: «رواه أحمد، ورجاله ثقات»(3)

وأخرجه النسائي في سننه من طريق سعد، قال:

«بعث رسولُ الله (ص) أبا بكر ببراءة، حتّى إذا كان ببعض الطريق أرسل عليّاً فأخذها منه، ثمّ سار بها، فوجد أبو بكر في نفسه، فقال: قال رسول الله (ص)

: (إنَّهُ لا

يُؤدّي عَنّي إلّا أنا أو رَجُلٌ مِنّي)» (4)

وأخرجه الترمذي في سننه من طريق أنس بن مالك، قال:

«بعث النبيّ (ص) ببراءةَ مع أبي بكر، ثمّ دعاه فقال:

(لا يَنبَغي لِأَحَدٍ أن يُبَلِّغ هذا إلّا رَجُلٌ مِن أهلي) ، فدعا عليّاً فأعطاه إيّاها» .

قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من حديث أنس»(5)

وقال ابن حجر: «قد ثبت إرسالُ عليّ من عدّة طرق، فروى الطبري من طريق أبي صالح عن عليّ، قال:

«بَعَثَ رَسولُ الله (ص) أبا بَكرٍ بِبَراءَةَ إلى أهل مَكَّةَ، وبَعَثَهُ عَلى المَوسِمِ، ثُمَّ بَعَثَني في أثَرِهِ فَأَدرَكتُهُ فَأَخَذتُها مِنهُ، فَقالَ أبو بَكرٍ: ملي! قال: (خير. . . لا يُبَلِّغُ عَنّى غَيري أو رَجُلٌ مِنّي» .

ومن طريق عمرو بن عطيّة، عن أبيه، عن أبي سعيد مثله. ومن طريق العمري، عن نافع، عن ابن عمر كذلك.

وروى الترمذي من حديث مقسم، عن ابن عباس مثله مطوّلاً.


1- مجمع الزوائد، ج ٧ ، ص ٢٩ .
2- مسند أحمد بن حنبل، ج ١ ، ص ٣ .
3- مجمع الزوائد، ج ٣ ، ص ٢٣٩ .
4- السنن الكبرى، ج 5 ، ص ١٢٩ .
5- سنن الترمذي، ج 4 ، ص ٣٣٩ .

ص:٢٨٧ 

وعند الطبراني من حديث أبي رافع نحوه، ل