الفوائد العلیة - القواعد الکلیة

اشارة

نام کتاب: الفوائد العلیّة- القواعد الکلیّة موضوع: موضوعات مختلف نویسنده: بهبهانی، سید علی تاریخ وفات مؤلف: 1395 ه ق زبان: عربی قطع: وزیری تعداد جلد: 2 ناشر: کتابخانه دار العلم تاریخ نشر: 1405 ه ق نوبت چاپ: دوم مکان چاپ: اهواز- ایران‌

الجزء الأول

اشارة

القواعد الکلیة مما یبتنی علیه کثیر من معضلات مسائل الفقه و الأصول تألیف حضرة العلامة المحقق الفقیه مولانا الحاج السید علی البهبهانی قدس سره الطبعة الثانیة المطبعة العلمیة قم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 4
المؤلف: المحقق الفقیه الحاج السید علی البهبهانی.
الناشر: مکتبة دار العلم فی الأهواز.
العدد: 2000 المطبعة العلمیة قم.
التأریخ: 4 شعبان المعظم 1405.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 5‌

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِیمِ
الحمد لله رب العالمین و الصلاة و السلام علی خیر خلقه محمد و آله الطاهرین و لعنة الله علی أعدائهم أجمعین.
أما بعد: فیقول العبد المفتقر إلی الله الغنی علی بن محمد بن علی الموسوی البهبهانی حشرهم الله تعالی مع آبائهم الطاهرین-: إن هذه فوائد مهمة نفیسة متفرقة حررتها و جمعتها فی هذه الأوراق إجابة لالتماس بعض إخوانی المؤمنین شملهم الله تعالی بفضله و وفقهم و إیانا لمرضاته.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 6‌

(فائدة 1) [المراد من قاعدة المقتضی و المانع و ما الدلیل علی اعتبارها]

اشارة

(فی جواب سؤال بعض الفضلاء و صورته هکذا:) مسألة مولانا ما المراد من قاعدة المقتضی و المانع و ما النسبة بینها و بین استصحاب الحال و ما الدلیل علی اعتبارها؟، بینوا لنا حقیقتها بحیث تتبین کمال التبین و وجه اعتبارها عقلا أو شرعا.
ج: أقول مستمدا برب الأرباب و أمنائه الأطیاب علیهم صلوات الله الملک الوهاب لیس المراد من المقتضی فی المقام العلة و ما یقتضی الوجود ذاتا أو جعلا و لا استعداد البقاء کما قد یتراءی من بعض الکلمات لجریان القاعدة الشریفة فی البراءة العقلیة و سائر العدمیات مع أن اقتضاء الوجود فیهما غیر متصور بل مجرد الاقتضاء بمعنی التأثیر فیهما غیر معقول لاستحالة أن یکون العدم مؤثرا و متأثرا.
و ما یقال من أن عدم المعلول یستند إلی عدم علته لیس المقصود منه تأثیر العدم للعدم بل المقصود منه بیان دوران وجود المعلول مدار وجود علته الموجب لانتفائه عند انتفائها بل الاقتضاء بمعنی التأثیر غیر متصور فی الحدوث بالنسبة إلی البقاء أیضا لأنهما طرفان لوجود واحد فلا یعقل أن یؤثر أحدهما فی الآخر و إلا لزم تأثیر الشی‌ء فی نفسه.
و أما استعداد البقاء فإن کان الغرض منه صلوح البقاء: ففیه أولا أنه لیس قیدا زائدا لأن الشک فی البقاء إنما هو فیما یصلح له.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 7
و ثانیا أن الصلوح للبقاء کما یجامع مع الشک فی المانع بجامع مع الشک فی المقتضی لأن الصلوح للبقاء معتبر فی کلیهما.
و ثالثا أنه لا تختص قاعدة الاقتضاء بصورة الشک فی البقاء حتی یعتبر الصلوح له إذ قد یکون الشک فی الحدوث مع العلم بتحقق مقتضیه کما إذا شک فی وقوع عقد البیع علی وجه اللزوم أو الجواز من جهة احتمال الغبن فیه فإنه یحکم فیه باللزوم لأجل تحقق مقتضیه و هو عقد البیع.
و إن أرید منه ما یرجع إلی ما سنبینه فهو صحیح و إن کان التعبیر قاصرا موهما للخلاف.
إذا اتضح لک ذلک فاعلم: أن المراد من الاقتضاء فی المقام هو کون المشکوک فیه بحیث یکون ثابتا فی حد نفسه لو خلی و طبعه مع قطع النظر عن المانع و المزیل و الرافع و الدافع سواء کان المشکوک فیه بقاء أو حدوثا و سواء کان الباقی أو الحادث وجودا أم عدما.
و یعتبر فی القسم الثالث أنی إذا کان الشک فی الحدوث و کان الحادث وجودا أن لا یکون مستقلا فی الوجود بل یکون متحدا فی الخارج مع المقتضی المعلوم اتحاد الأمر المنتزع مع منشأ انتزاعه و معدودا من أحکامه عقلا أو شرعا فتجری القاعدة فی البراءة الأصلیة و سائر العدمیات عند الشک فی طرو سبب الوجود فیحکم ببقائها علی حالتها الأولیة من العدم و عدم الخروج إلی عامل الوجود أخذا بالمقتضی المعلوم هو العدم الأصلی و إلغاء للمانع المحتمل و هو طرو علة الوجود.
و فی الوجودیات الثابتة علی وجه الإطلاق مع الشک فی طرو الرافع أو رافعیة الطاری فیحکم ببقائها علی حالتها الأولیة من الوجود سواء کان الإطلاق من جهة عدم تطرق التقیید فیه کملک العین و الحدث و الخبث و الطهارة عن أحدهما و هکذا أو من جهة ثبوت إطلاقه مع تطرق التقیید فیه کالعقد الدائم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 8
و الأحکام المؤبدة المجعولة القابلة للتقیید.
و فیما علم مقتضی حدوثه مع الشک فی المانع و الدافع عنه کما إذا علم انعقاد عقد البیع و شک فی لزومه و جوازه للشک فی اقترانه بغبن فی البیع أو عیب فی المبیع و هکذا من أسباب الخیار المانعة من اللزوم فیحکم بلزوم العقد أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل و فیما علم مقتضی رفعه مع الشک فی اقترانه بالدافع عن تأثیره کما إذا اغتسل عن الجنابة مثلا و شک فی حدوث الحدث فی أثنائه فیحکم برفع حدث الجنابة أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع و الدافع المحتمل.
و بما بیناه تبین أن ما ذکره بعضهم من أن المراد بالمقتضی و المانع فی قاعدة المقتضی و المانع لا یخلوا من أحد وجوه ثلاثة: الأول: أن یکون المراد من المقتضی ما یقتضی وجود الأثر التکوینی فی عالم التکوین و من المانع ما یمنع عن تأثیر المقتضی.
الثانی: أن یکون المراد من المقتضی ما یقتضی الأثر الشرعی بحسب جعل الشارع و من المانع ما یمنع عن ترتب الأثر الشرعی بجعل من الشارع فیکون کل من المقتضی و المانع شرعیا.
الثالث: أن یکون المراد من المقتضی ما یقتضی تشریع الحکم من الملاکات التی یبتنی علیها الأحکام کما یقال إن العلم مقتض لوجوب الإکرام و من المانع ما یمنع عن تأثیر المقتضی فی الجعل کالفسق مثلا فی غیر محله.
لما عرفت من أن المراد بالمقتضی معنی آخر غیر الوجوه الثلاثة المذکورة و إنما یکون المعنی الثانی من مصادیق المعنی الذی ذکرناه و هکذا المعنی الأول إذا لم یکن الأثر التکوینی مستقلا فی الوجود و یکون متحدا مع منشئه اتحاد الأمر المنتزع مع منشأ انتزاعه.
ثم زیف الوجه الثانی بوجوه ثلاثة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 9
الأول: امتناع جعل السببیة.
و الثانی: عدم السبیل إلی إحراز المقتضی بهذا المعنی إلا بالوحی.
و الثالث: عدم الدلیل علی اعتباره علی فرض إحرازه.
و الوجه الثالث بالوجهین الآخرین.
و الوجه الأول بالوجه الأخیر فقال بعض مقرر بحثه: أن إحراز المقتضی بالنسبة إلی الأحکام الشرعیة أو الجزئیة مما لا سبیل إلیه إذ لا طریق إلی العلم بالمصالح المقتضیة لجعل الأحکام الشرعیة بالضرورة إلا لمن نزل علیه الوحی ثم قال ما محصله و إن قیل: إن المراد من المقتضی هی السببیة المطلقة المحرزة من الأدلة الشرعیة کسببیة البیع أو النکاح أو ملاقاة النجاسة مثلا للملکیة أو الزوجیة أو النجاسة بنحو الإطلاق فحیثما شک فی بقاء المسببات فإنما یکون الشک فی المانع و الرافع من إنشاء فسخ أو طلاق أو إیجاد غسل مزیل للنجاسة و هکذا.
قلت: مضافا إلی أن ذلک فرع جعل السببیة و هو ممتنع أن إحراز بقاء المقتضی بهذا المعنی کإحراز بقاء الملاک فی عدم إمکانه لغیر من نزل علیه الوحی ضرورة أن کل ما یحتمل رافعیته للحکم الشرعی یحتمل دخل عدمه فی موضوعه فکما یحتمل أن یکون العقد سببا للملکیة بنحو الإطلاق حتی یکون الشک فی ارتفاعها بالفسخ من قبیل الشک فی الرافع کذلک یحتمل أن یکون سببیته للملکیة مقیدة بعدم الفسخ و مع وجوده تکون السببیة مشکوکة لا محالة و لیس فی البین ما یعین أحد الاحتمالین انتهی.
أقول: أما ما ذکره من امتناع جعل السببیة فهو باطل لما بیناه فی محله من إمکانه و وقوعه فی الشرع فإن الوضوء و الغسل سببان للطهارة جعلا لا ذاتا بالضرورة کما أن سببیة أسباب الحدث للحدث کذلک مع أن إحراز السببیة المطلقة من الأدلة الشرعیة لا یتوقف علی الجعل بل یجتمع مع کون السببیة ذاتیة اقتضائیة قد قررها الشارع و الأمثلة المزبورة کلها أو أکثرها من هذا القبیل.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 10
و أما ما ذکره من احتمال دخل عدم ما یحتمل رافعیته فی موضوع الحکم فی الأمثلة المزبورة و نحوها فهو باطل من وجوه: الأول: استحالة دخل عدم شی‌ء فی السببیة و الاقتضاء ضرورة استحالة أن یکون العدم مؤثرا أو متأثرا و لو کان مضافا و توهم أن العدم المضاف له حظ من الوجود من الأغلاط.
و ما یتراءی فی بعض الموارد من استناد شی‌ء إلی عدم شی‌ء آخر مرجعه إلی منافاة وجوده لوجود الآخر لا إلی تأثیر العدم فی الوجود.
و الثانی: أن التقیید بعدم ما یحتمل رافعیته باطل فی الأمثلة المزبورة و نحوها مع قطع النظر عما بیناه لأنه إن أرید من تقید السببیة بعدم التعقب بما یحتمل کونه فسخا أو طلاقا أو حدثا أو مزیلا للخبث و نحو ذلک تأثیره فی أصل السببیة بحیث لو تعقب السبب بأحد هذه الأمور انکشف عدم تأثیره من أول الأمر فهو بدیهی البطلان و لا یلتزم به أحد.
و إن أرید منه أن التعقب بأحد هذه الأمور یکشف عن تحدید دائرة السببیة و عدم إطلاقها فهو کذلک أیضا لأن ملک العین و الحدث و الخبث و الطهارة عن أحدهما لا یقبل التحدید و التزویج الدائم بقید کونه دائما لا یتطرق فیه التحدید و إن کان أصل التزویج قابلا له لا یقال تأثیر عدم التعقب بما یحتمل کونه رافعا فی السببیة لا یتوقف علی تحدید المسبب حتی یحکم ببطلانه إذ مقتضی کون الوضوء الغیر المتعقب بالحدث موجبا للطهارة دورانها مداره حدوثا و بقاء کما هو مقتضی العلیة و المعلولیة فإذا انقلب عدم التعقب بالتعقب تنتفی العلة بانتفاء أحد جزءیها فینتفی المعلول بانتفاء علته لا لأجل کونه محدودا.
لأنا نقول: إنما یصح ذلک إذا کان وجود المسبب معلولا عن وجود السبب دائرا مداره حدوثا و بقاء و أما إذا کان حدوثه معلولا عن حدوث السبب و لا یستند
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 11
إلیه بقاؤه کما فی المقام فلا مجال لما ذکرت ضرورة أن الطهارة و ملک العین و علقة الزوجیة و نحوها إنما تحدث بحدوث أسبابها و لا یدور بقاؤها مدار الأسباب و إلا لزم أن لا تبقی أصلا إذ لا بقاء لأسبابها و هی الوضوء و الصیغة.
و الثالث: أن مفهوم الفسخ و الطلاق و الانتقاض بالحدث و ارتفاع الخبث بالغسل مثلا یتوقف علی ثبوت مقتضی الدوام و إلا لا یتحقق فسخ و لا طلاق و لا نقض و لا إزالة أ تری أن انقضاء أمد الإجارة أو التزویج فسخ أو طلاق کلا ثم کلا فاحتمال تحقق أحد هذه الأمور عقیب السبب لا یجامع إلا مع إطلاقه و عدم تحدیده.
و بالجملة إطلاق السبب فی هذه الموارد و أمثالها فی غایة الوضوح فکیف یقال إنه لا طریق لاستکشافه إلا بالوحی و هل هذا إلا وسوسة فی البدیهیات.
ثم إنه بعد ما زعم أن إحراز المقتضی بالنسبة إلی الأحکام الشرعیة مما لا سبیل إلیه فسر المقتضی اللازم إحرازه ففی باب الاستصحاب علی مختار شیخنا العلامة الأنصاری قدس سره بالمقتضی بالنسبة إلی نفس الاستصحاب لا مقتضی المستصحب و قال: إن الیقین إما یتعلق بأمر مرسل فی عمود الزمان أو مهمل أو مقید بزمان معین فإن کان مقیدا فلا إشکال فی عدم جریان الاستصحاب بعد انقضاء الزمان الذی أخذ قیدا فیه و إن کان مهملا کخیار الغبن المردد بین کونه فوریا أو استمراریا فکذلک لأن متعلق الیقین مردد بین أن یکون مرسلا أو مقیدا فیقتصر فیه علی القدر المتیقن و أما الأول فیجری الاستصحاب فیه لإرسال متعلقة من حیث عمود الزمان و الشک إنما هو فی ارتفاعه برافع زمانی لا بانقضاء زمانه انتهی.
أقول: مجرد إرسال متعلق الیقین بحسب الزمان مفارقا من إطلاق وجوده کما هو صریح کلامه حیث صرح بأن کل ما یحتمل کونه مانعا و رافعا یحتمل دخل عدمه فی موضوع الحکم فلا یتحقق معه الإطلاق لا یکفی فی إجراء الاستصحاب لأن الموضوع مردد حینئذ بین أن یکون مطلقا و محدودا فیجب الاقتصار حینئذ علی ما لم یتعقب بما یحتمل کون وجوده مانعا أو عدمه قید العدم تعلق الیقین حینئذ إلا بالمحدود
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 12
فیلحق المرسل حینئذ بالمهمل.
توضیح ذلک: إنه قال أیضا حالما ذکره إن المراد من إحراز المقتضی فی المقام هو إحراز المتیقن فی نفسه قابل للبقاء فی عمود الزمان مع قطع النظر عن حدوث زمانی کالملکیة و الطهارة و نحوهما إلی آخر کلامه.
فأقول: إن أرید من قبول البقاء فی حد نفسه ثبوته بحیث لا یرتفع إلا برافع فهو عین الإطلاق الذی نفاه و حکم بأنه لا سبیل إلی العلم به.
و إن أرید منه قبول الإطلاق مع قبوله التحدید کالتزویج القابل للدوام و الانقطاع.
ففیه: أنه إما أن یحرز حینئذ ثبوته علی وجه الإطلاق أو لا فإن أحرز الإطلاق فهو مناف لما ذکره و أصر علی نفیه و عدم السبیل إلیه و إن لم یحرز الإطلاق حینئذ فهو مهمل لا مرسل و یجب الاقتصار فیه علی القدر المتیقن.
ثم إنه یظهر من کلام بعض مقرری بحثه أن الإرسال بحسب الزمان یکفی فی إجراء الاستصحاب و لو مع الشک فی الموضوع و عدم إحراز المقتضی بالنسبة إلی المستصحب حیث مثل لثبوت المقتضی بالنسبة إلی الاستصحاب دون المستصحب بالمتیمم الواجد للماء فی أثناء الصلاة قال: مقتضی الاستصحاب فیه موجود لإرسال المتعلق زمانا و إن لم یکن المقتضی بالنسبة إلی المستصحب موجودا لتبدل حال الفقدان بالوجدان المحتمل دخله فی موضوع تأثیر التیمم. و مما بیناه ظهر لک أن المراد بالمانع فی هذا الباب مطلق الرافع سواء کان الرافع علی وجه المنع المصطلح کالخیار المجعول فی العقد المانع من لزومه أو علی وجه المزاحمة بالأقوی کابتلاء المهم بالأهم الموجب لعدم تنجز المهم أولا علی أحد الوجهین کطرو علة وجود الشی‌ء الرافع لعدمه الأصلی ضرورة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 13
أن سبب الوجود لا یکون مانعا للعدم و لا مزاحما له و من هذا القبیل جعل کل من الیوم و اللیل رافعا للآخر و دخول الشهر الآتی رافعا لما حل فیه و انقضاء أجل الشی‌ء رافعا له حیث یستصحب الزمان الذی حل فیه فی جمیع هذه الموارد مع الشک فی انقضاء الأجل و دخول ما یقابله أخذا بالمقتضی المعلوم و هو الوقت الذی حل فیه حیث إنه ثابت فی حد نفسه و لا یزول إلا بطرو مقابله فلا یحکم بزواله إلا بعد العلم بطرو ما یقابله.
و إذ قد اتضحت لک حقیقة قاعدة الاقتضاء و المنع فقد اتضح لک أن النسبة بینها و بین استصحاب الحال هی العموم من وجه فقد یجتمعان و قد یفترقان.
أما اجتماعهما ففی صورة العلم بالمقتضی و وقوع الشک فی البقاء من جهة احتمال المانع.
و أما افتراقها عنه ففی صورة العلم بالمقتضی و الشک فی ترتب المقتضی علیه من جهة احتمال اقترانه بالمانع کما إذا شک فی انعقاد البیع لازما أم جائزا بواسطة الشک فی اقترانه بغبن فیه أو بعیب فی المبیع مثلا.
و أما افتراقه عنها ففی صورة الشک فی المقتضی کما إذا شک فی البقاء مع الشک فی بقاء الإجارة بالنسبة إلی السنة الثانیة من جهة الشک فی وقوع عقد الإجارة علی سنة واحدة أو سنتین.
و أما اعتبارها فهو عقلی ثابت بحکم العقل یعنی أنه جهة واقعیة مدرکة به و یظهر ذلک من بناء العقلاء علی العمل بها فی کل باب فإن بناءهم علی أمر و رکونهم إلیه لیس إلا بما هم عقلاء فبناؤهم علی العمل بها یکشف عن تصدیق العقل و إدراکه إیاها و ثبوتها عنده و لو علی وجه الارتکاز و لا ینافی ذلک عجز بعضهم أو أغلبهم عن تقریر وجهه و کشفه کما هو الحال فی أکثر الارتکازیات الثابتة عندهم بالضرورة بل الرکون إلیه و الاعتماد علیه من الضروریات التی جبلت علیه طبائع الحیوانات.
و حیث التبس الأمر فی المقام علی بعضهم و زعم أن بناء العقلاء إنما هو
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 14
علی الرکون إلی استصحاب الحال مع العلم بالمقتضی و الشک فی المانع فالاعتماد علی مجموع الأمرین لا علی مجرد إحراز المقتضی و لو کان الشک فی الحدوث فلا بد لنا من ذکر موارد یکون الاعتماد فیها علی القاعدة الشریفة مفارقة عن استصحاب الحال فأقول مستمدا برب الأرباب و أمنائه الأطیاب علیهم صلوات الله الملک الوهاب.
إن أصالة الحقیقة و العموم و الإطلاق من الأصول المسلمة التی علیها بناء العقلاء و لا یرتاب فیها أحد منهم و لا یتم الأمر بها إلا بالاعتماد علی قاعدة الاقتضاء و المنع.
توضیح الحال أن اللفظ بمقتضی وضعه للمعنی الحقیقی مناسب له ابتداء و للمعنی المجازی ثانیا لأجل مناسبة بینه و بین المعنی الحقیقی فهو صالح لأن یراد به معناه الحقیقی المناسب له ابتداء بمقتضی وضعه له و أن یراد به معناه المجازی المناسب له بتبع المعنی الحقیقی و لکن إرادة الأول منه لا تحتاج إلی مؤنة زائدة لمناسبته له ابتداء بخلاف إرادة المعنی الثانی منه فإنها تحتاج إلی قرینة صارفة تصرفه عن مقتضاه الأولی و ما یناسبه ابتداء و هو المعنی الحقیقی فحیث صدر اللفظ من المتکلم العارف بالوضع فی مقام الإفادة و الاستفادة مع عدم نصب قرینة صارفة من المعنی الحقیقی المناسب له أو لا یحمل علیه و لا یعتد باحتمال وجود المانع و الصارف و اختفائه علی السامع أو غفلة المتکلم عنه و من المعلوم أن الحمل علی المعنی الحقیقی دون المجازی مع التردد فی مراد المتکلم و عدم ثبوت القرینة الصارفة لیس إلا لأجل الاعتداد علی الاقتضاء الثابت بینه و بین اللفظ بمعونة الوضع و عدم الاعتماد باحتمال المانع و الصارف و باعتبار هذا الاقتضاء یکون اللفظ ظاهرا فی المعنی الحقیقی دون المجازی و حیث إن اعتبار هذا الاقتضاء لا یدور مدار إفادة العلم أو الظن الفعلی بالمراد عبر عنه بالسببیة المطلقة و التعبد العقلائی فإن الرکون إلی الأصل و الحکم بشی‌ء من غیر علم مقتضاه یشبه التعبد فکان العقلاء متعبدون بحمل اللفظ علی الأصلی مع عدم العلم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 15
بالمراد و التردد فیه لا أن هناک تعبدا منهم حقیقة ضرورة أن التعبد من شئون المولی لا العقلاء.
و إلی ما بیناه أیضا یرجع کون اعتبار الظواهر من باب الظن النوعی فإن المقصود منه الظهور الأصلی المستند إلی ما یقتضیه نوع اللفظ مع قطع النظر عن المانع لا الظن المقابل للعلم و الشک لأن اللفظ الملقی فی مقام الإفادة و الاستفادة لو خلی و طبعه مع قطع النظر عن المانع یفید العلم بالمراد لا الظن به و مع احتمال المانع لا یفید العلم و لا الظن و إنما یعامل معه معاملة العلم بالمراد اعتمادا علی وجود المقتضی و إلغاء للمانع المحتمل فأصالة الحقیقة إنما ترجع إلی أن المعنی الحقیقی مقتضی اللفظ المجرد عن القرینة الصارفة الملقی فی مقام الإفادة و الاستفادة فیؤخذ به دون المعنی المجازی و احتمال القرینة مندفع بالأصل فلا یمنع عن تأثیر المقتضی.
و العجب أن شیخ مشایخنا العلامة الأنصاری قده زعم أن اعتبار أصالة الحقیقة یمکن أن یکون من حیث أصالة عدم القرینة و من جهة الظن النوعی و قال إن تقدم الأمارة المعتبرة الظنیة القائمة علی القرینة الصارفة علیها من باب الحکومة علی الأول و من باب الورود علی الثانی فإن القرینة الصارفة مانعة عن تأثیر المقتضی و لا یترتب المقتضی علی مجرد عدم المانع بل یتوقف علی إحراز المقتضی فالأثر إنما یترتب علیه و أصالة عدم القرینة إنما تدفع المانع عن التأثیر فمرجع الأمرین إلی أمر واحد و هو الاعتماد علی المقتضی المعلوم و عدم الاعتداد بالمانع المحتمل و بما بیناه یظهر الحال فی أصالة العموم و الإطلاق فإنهما و إن لم یستندا إلی وضع اللفظ لأنهما کیفیتان للحکم المتأخر عن وضع اللفظ إلا أنهما مقتضی تعلق الحکم بالموضوع من غیر تخصیص و لا تقیید فإذا علم بعد مهما یعلم العموم و الإطلاق و مع الشک فیها یؤخذ بالمقتضی المعلوم فیحکم بالعموم و الإطلاق و لا یعتد باحتمال المانع لاندفاعه بالأصل.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 16
فإن قلت: بناء العقلاء علی الأخذ بأصالة الحقیقة و العموم و الإطلاق لا یکشف عن اعتبار قاعدة الاقتضاء و المنع فی جمیع الموارد.
قلت: لا تعبد فی بناء العقلاء حتی یجوز اختصاصه بمورد دون مورد و إنما بناؤهم علی ما بنوا علیه فی بعض الموارد لأجل جهة واقعیة عقلیة ثابتة عندهم و من المعلوم اطراد القواعد العقلیة و عدم تطرق التقیید و التخصیص فیها فی حد أنفسها نعم للشارع قصر اعتبارها علی بعض الموارد فما لم یعلم من الشارع التصرف فیها بقصرها علی بعض الموارد یحکم باطرادها و الظاهر من الأخبار بل صریحها تقریرها کما سننبه علیه إنشاء الله تعالی.
فإن قلت: لو کان الأمر کذلک لزم أن تکون الأصول المثبتة معتبرة عندهم بل عند الشارع لتقریره القاعدة کما ذکرت مع أن عدم اعتبارها واضح بالغ حد الضرورة.
قلت: إن أرید من المثبت ما یترتب علیه أثر غیر شرعی کما شاع تفسیره به فی هذه الأعصار القریبة نلتزم به و لا مانع له.
و توهم أن عدم اعتباره بهذا المعنی ضروری فی غیر محله إذ المترتب علیه حتی فی الموارد الشرعیة إنما هو الحکم الظاهری الذی مرجعه إلی التنجیز و العذر الثابتین للعلم و الجهل ذاتا بل إلی التنجیز أو دفعه الذی هو من آثار العلم بالوجود أو العدم کما فصلنا الکلام فیه فی محله و لعلنا نشیر إلیه فی المقام أیضا إنشاء الله تعالی.
و إن أرید منه ما یثبت اللوازم العقلیة مطلقا سواء کانت من الأحکام و الآثار المتحدة مع المقتضی فی الخارج أم لا بزعم أن اعتبارها عند العقلاء یکشف عن کونها أمارة عندهم فلا یختص الاعتبار حینئذ بالنسبة إلی خصوص الأحکام و الآثار المتحدة مع المقتضی فی الخارج فالملازمة ممنوعة لأن الاعتبار العقلی کالاعتبار الشرعی فکما أن الشارع قد ینزل شیئا منزلة الدلیل العلمی فیجعله طریقا مثبتا للواقع کالبینة مثلا فیکون أمارة یثبت بها اللوازم العقلیة و العادیة قد یجعل وظیفة للجاهل کأصالة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 17
البراءة أو الاحتیاط أو الاستصحاب من دون أن یجعله کاشفا عن الواقع فیکون أصلا لا یترتب علیه ثبوت اللوازم العقلیة و العادیة فکذلک العقلاء قد یرون اعتبار شی‌ء من جهة کشفه عن الواقع فی نظرهم کالخبر الموثوق به الموجب للاطمئنان و سکون النفس بحیث یضمحل احتمال الخلاف فی نظرهم و یرونه موجبا للعلم العادی فیعتمدون علیه و یرونه مثبتا للواقع ما لم یمنع عنه الشارع و قد یرون اعتبار شی‌ء بعنوان أنه وظیفة للجاهل فی مقام العمل کاعتبار البراءة الأصلیة عندهم فإنها أصل علی کل تقدیر سواء قلنا إن اعتبارها شرعی أم عقلی.
و الحاصل أن الاعتبار العقلی لا ینحصر فی کون المعتبر فی نظره أمارة کاشفة عن الواقع فلا مجال لتوهم أن القاعدة حینئذ تکون أمارة مثبة للوازم العقلیة و العادیة مطلقا.
و من الموارد التی لا تنطبق إلا علیها حکمهم بلزوم البیع إذا شک فی انعقاده لازما أو جائزا من جهة احتمال غبن فی البیع أو عیب فی المبیع و هکذا استنادا إلی أصالة اللزوم إذ لیس للزوم حالة سابقة حتی یستصحب بقاؤه فالحکم به لیس إلا من جهة الأخذ بقاعدة الاقتضاء لأن المقتضی للزوم و هو البیع معلوم و المانع مشکوک فیدفع بالأصل.
فإن قلت: یمکن أن یکون الحکم باللزوم مستندا إلی استصحاب الحالة السابقة لأن تملک البائع للثمن ثابت بالبیع فمع الشک فی زوالهما بالفسخ یستصحب الحالة السابقة.
قلت: أولا استناد الحکم إلی أصالة اللزوم یأبی عما ذکرت لأن ما ذکرت لا یتفرع علی کون العقد لازما.
و ثانیا أنه لو صح ما ذکرت لزم الحکم باللزوم أیضا فی العقود الجائزة بالذات عند الشک فی وقوعها لازمة أو جائزة کما إذا شککنا فی وقوع الهبة لازمة أم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 18
جائزة من جهة الشک فی وقوعها معوضة أم لا أو فی کون المتهب ذا رحم أم لا مع أنهم یحکمون فیها مع الشک فی لزومها بجواز الرجوع استنادا إلی أصالة الجواز و الحاصل أنه لو کان الحکم بعدم جواز الفسخ و نفوذه حینئذ مستندا إلی استصحاب بقاء ملک کل من المثمن علی حالته السابقة لزم عدم التفکیک بین العقود اللازمة و الجائزة بالذات فی الحکم و عدم استناد الحکم باللزوم استنادا إلی أصالة اللزوم و بطلان اللازم بین.
و منها حکمهم بعدم کون المرأة محرما عند الشک فی المحرمیة نسبا المانعة من انعقاد التزویج فإنه لا یتم إلا علی جعل المحرمیة مانعة و المرأة محلا للتزویج علی الإطلاق اقتضاء فیحکم بصحة التزویج أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل و لا یتوهم أن عدم المحرمیة معلوم قبل وجود المرأة فیستصحب لأنها قبل وجودها لا تکون محرما و لا أجنبیة و استصحاب عدم إحداهما معارض باستصحاب عدم الأخری و استصحاب عدمهما معا منقطع بالعلم بوجود إحداهما بعد وجودها مع أن استصحاب المحرمیة قبل وجود المرأة لا ینفع فی اتصافها بعدم المحرمیة بعد وجودها لاختلاف الموضوع فلا یتم الأصل إلا علی ما بیناه من وجود مقتضی الصحة و عدم العلم بالمانع و منها الحکم بالإتمام مع الشک فی السفر إذا کانت الشبهة حکمیة فإن کون أربعة فراسخ مثلا مسافة شرعیة لیس مما علم عدمه فی زمان حتی یستصحب و یحکم بالبقاء علی ما کان بل من هذا الباب جمیع موارد الشک فی قدح العارض.
لا یقال یمکن إرجاع ما ذکر و نحوه إلی استصحاب الحالة السابقة باعتبار أنه لم یکن مسافرا قبل طیه أربعة فراسخ و بعد الأربعة یشک فی زوال الحالة السابقة فیحکم ببقائه علی ما کان.
لأنا نقول مع الشک فی أن الأربعة مسافة شرعیة لا یکون المقتضی للإتمام و هو الحضور محرزا حتی یستصحب و مجرد الحالة السابقة لا یکفی فی الاستصحاب.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 19
فإن قلت: موضوع القصر هو المسافر و أما الإتمام فلم یؤخذ فی موضوعه الحضور بل یکفی فیه عدم السفر.
قلت: مرجع ذلک إلی الأخذ بالمقتضی و عدم الاعتداد باحتمال المانع لا إلی استصحاب الحالة السابقة لأن الإتمام لیس له حالة سابقة فی هذا الحال و کذا عدم السفر لأن طی الأربعة لیس له حالة سابقة من السفر و عدمه حتی یستصحب و الأخذ بالعدم الأزلی راجع إلی الأخذ بالمقتضی و تحقق عدم السفر قبل طی الأربعة لا یکفی فی الاستصحاب مع الشک فی الموضوع ضرورة عدم اعتبار بقاء الموضوع فی حجیة الاستصحاب بناء علی عدم اعتباره إلا مع إحراز المقتضی کما هو المختار و علیه الأکثر بل الإمامیة قاطبة بل عند المحققین من العامة.
و بالجملة موارد انفکاک القاعدة الشریفة عن استصحاب الحال کثیرة فی أبواب الفقه کما لا یخفی علی المتتبع مع أنه لم یتأمل أحد منهم فی العمل بها و الرکون إلیها و إنما حدثت الشبهة لبعض من تأخر.
هذا شطر من الموارد التی لا تنطبق إلا علی القاعدة الشریفة.
و أما وجه بناء العقلاء علی الأخذ بالمقتضی المعلوم و عدم الاعتداد باحتمال وجود المانع أو منع الموجود فتقدم العلم علی الجهل و ترجحه علیه ذاتا.
توضیحه: أن المقتضی لاتحاده مع المقتضی فی الخارج و عدم اختلافهما إلا اعتبارا کما هو المفروض معلوم من جهة ثبوت مقتضیه و مجهول من جهة احتمال وجود المانع عن ترتبه علیه فهو معلوم من وجه و مجهول من وجه فیدور الأمر بین الأخذ بأحدهما و عدم الاعتداد بالآخر و من المعلوم أن العلم أمر وجودی و الجهل عدمی محض و لا یعقل تقدم العدم علی الوجود فالأثر عند الاجتماع و التزاحم إنما هو للعلم فیؤخذ به و یترک الجهل.
فإن العلم و الجهل متناقضان فلا یجتمعان فی محل واحد حتی یقع التزاحم بینهما و یحکم بتقدم أحدهما علی الآخر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 20
قلت: أحدهما و هو العلم اقتضائی و الآخر و هو الجهل فعلی فلا یتناقضان.
فإن قلت: التقدم حینئذ للفعلی لا الاقتضائی ضرورة أن الاقتضائی لا یزاحم الفعلی فی تأثیره.
قلت: الجهل لیس صفة وجودیة فعلیة حتی یتقدم علی الصفة الموجودة اقتضاء و لیس هنا اجتماع صفتین تحقیقا بل الثابت حینئذ إنما هو العلم الاقتضائی فقط و حیث إن العلم الاقتضائی لم یبلغ حد الفعلیة حتی یکون علة تامة للتنجیز و دفع العذر یدور الأمر بین الأخذ به و ترتیب الأثر علیه و عدم الاعتداد بنقصه و بین ترکه و الاعتداد بنقصه و ضعفه و حیث إن ترتیب الأثر علی النقص أخذ بالجهل کما أن ترتیب الأثر علی العلم الاقتضائی أخذ بالعلم عبر عن دوران الأمر بینهما بالتزاحم بین العلم و الجهل و العقلاء لما رأوا أن الذی له مدخلیة فی الوجود و هو المقتضی معلوم و إنما الشک فی ما لیس له مدخلیة فی الوجود أصلا و هو المانع لأن المانع إنما یمنع عن ترتب المقتضی لا أن لعدمه دخلا فی التأثیر حکموا برجحان الوجود لتمامیة السبب و عدم الاعتداد باحتمال المانع لاندفاعه بالأصل و قد قرر هذا المعنی الروایات الشریفة فإن قولهم (علیهم السلام)
" لا تنقض الیقین بالشک"
" و لا تنقض الیقین إلا بیقین مثله"
" و إیاک أن تنقض الیقین بالشک"
" و من کان علی یقین فشک فلیمض علی یقینه"
و هکذا من الروایات صریح فی الرکون إلی الیقین و عدم الاعتداد بالشک عند الاجتماع و المعارضة بل التحذیر عن نقض الیقین بالشک یکشف عن أن النقض به مما لا یرتکبه العاقل.
توضیح ذلک أن المتصور فی بدو النظر من الروایات الشریفة أحد معان ثلاثة: الأول ما بیناه.
و الثانی اعتبار استصحاب الحالة السابقة.
و الثالث الأخذ بالیقین مع سریان الشک فیه المسمی بقاعدة الیقین فی مصطلحهم و لا شبهة أن عدم نقض الیقین بالشک لا یصدق إلا مع بقاء الیقین و أما مع زواله و سریان الشک فیه فلا مجال للنقض و عدمه فلا مجال لإرادة المعنی الثالث منها و أما بقاء الحالة السابقة فمع عدم إحراز الموضوع و المقتضی لا یکون مورد الیقین بوجه حتی یصدق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 21
عدم نقض الیقین بالشک ضرورة أن الیقین بالحدوث لا یوجب تعلقه بالبقاء مع عدم اتحاد الموضوع و عدم ثبوت المقتضی لعدم الارتباط حینئذ بین الحدوث و البقاء بوجه حتی یقال إن تعلق الیقین بأحدهما یوجب تعلقه و تشبثه بالآخر فالحکم بالبقاء (حینئذ) لا یستند إلی العلم بوجه حتی یکون ترکه نقضا له فلا یصدق النقض إلا مع تشبث الیقین و هو یتوقف علی بقاء الموضوع و ثبوت المقتضی فلا مناص من حمل الروایات إلا علی ما بیناه.
فإن قلت: توقف صدق عدم نقض الیقین بالشک علی بقاء الموضوع و ثبوت المقتضی مسلم و لکن القدر المحقق من مدلول الروایات و لو بشهادة المورد إنما هو الرکون إلی الیقین فی مورد العلم بالحدوث و ثبوت الحالة السابقة فلا تعم صورة الشک فی الحدوث و عدم ثبوت الحالة السابقة.
قلت: إن مجرد تعلق العلم بالحدوث لا یوجب تشبثه بالبقاء و لو مع عدم بقاء الموضوع و عدم ثبوت المقتضی حتی یکون البقاء معلوما من وجه و مشکوکا من وجه و یتقدم العلم علی الجهل و لا ینقض الیقین بالشک کما اعترفت به فتعلق العلم بالبقاء و تشبث الیقین به إنما یکون إذا کان المقتضی للبقاء ثابتا.
و من المعلوم أن الحکم یدور مدار العلم و الیقین و لا یختلف الحکم باختلاف المعلوم و المتیقن فکلما تشبث به العلم و الیقین یحکم بثبوته بمقتضی تعلق الیقین به و لا ینقضه الشک سواء کان حدوثا أو بقاء و لا یعقل التفصیل بینهما فلا مجال لتنزیل الروایات علی مورد العلم بالحدوث مع إطلاقها و إبائها عن التقید لأن المستفاد منها کما یفصح عنه التعبیر بالنقض أن للیقین إبراما فی حد نفسه لا ینقض إلا بیقین مثله و من المعلوم أن إبرام الیقین لا یتفاوت باختلاف متعلقة فمع تعلق الیقین بالحدوث لثبوت مقتضیه لا یرفع الید عنه لأجل الشک فی المانع و إلا لزم نقض الیقین بالشک و الحاصل أن للیقین إبراما فی حد ذاته لا یصلح أن تنقضه الشک و العلم بالحدوث لا یوجب زیادة فی إبرام العلم بمقتضی البقاء کما أن الجهل به لا یوجب ضعفا فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 22
العلم بمقتضیه و تشبث العلم بالمقتضی ثابت فی الموردین و ضم الحالة السابقة إلیه من قبیل الحجر الموضوع فی جنب الإنسان فلا مجال للتفصیل و التفکیک بینهما مع أن جمیع الروایات لیست واردة فی مورد العلم بالحدوث کما لا یخفی علی من تتبعها علی أن المورد لو کان صالحا للتخصیص و التقیید لزم الاقتصار علی مورد الروایات و وجب أن لا یتعدی عنها إلی غیرها من الموارد إذ لیس العلم بالحدوث إلا کسائر خصوصیات الموارد نعم سبق الأذهان إلی استصحاب الحالة السابقة و الغفلة عن القاعدة الشریفة أوجب الشبهة لکثیر من الناظرین حتی زعموا أن التعدی عن العلم بالحدوث من المنکرات مع أنه لا مناص لهم عن العمل بالقاعدة الشریفة فی کثیر من الموارد.

و ینبغی التنبیه علی أمور:

الأول أن الشرط لا بد من إحرازه فی مقام لدخله فی ترتب المقتضی

فالمراد بالمقتضی هنا ما له دخل فی ترتب المقتضی علیه فیعم الشرط و المقتضی المصطلح علیه فی غیر هذا المقام.
کما أن المراد بالمانع مطلق الرافع سواء کان مانعا اصطلاحیا أو مزاحما أقوی أو علی وجه آخر کما عرفت فلو تردد أمر بین کونه مانعا أو ضده شرطا عرفا أو شرعا و لم یظهر من الدلیل أحد الأمرین و لم یکن فی البین أصل یقتضی الحکم بالمانعیة یتوقف الحکم بثبوت المقتضی علی إحراز ما یحتمل شرطیته.
نعم التردد فی شرطیة شی‌ء من قبل الشارع فی المعاملات المحکومة بالصحة فی نظر العرف لا یضر بالاقتضاء لأن مرجع اشتراط الشارع حینئذ إلی تضییق دائرة سلطنة الشخص علی نفسه و جهاته و منعه عما له السلطنة علیه اقتضاء فمع التردد فی جعل الشرطیة تردد فی ثبوت و عدمه فیؤخذ بالمقتضی المعلوم و یدفع المانع بالأصل و توهم أنه بناء علی هذا لا تجری القاعدة إلا فی أقل قلیل من الموارد إذ ما من مورد من موارد الشک فی وجود المانع إلا و یحتمل أن یکون عدمه شرطا فیتردد الأمر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 23
بین الشرطیة و المانعیة حینئذ فلا یکون المقتضی حال الشک فیهما محرزا حینئذ حتی تجری القاعدة فی غایة السخافة إذ العدم لا یکون مؤثرا و لا متأثرا فلا یعقل أن یصیر شرطا و لو کان مضافا.
و توهم أن العدم المضاف له حظ من الوجود فیجوز أن یکون شرطا من الأغلاط من أن عدم المانع شرط غلط أو توسع فی التعبیر و کیف کان التردد بین الشرطیة و المانعیة بالنسبة إلی الوجود و العدم غلط محض و إنما یتطرق التردد بینهما فی الضدین.

و الثانی: أنه یعتبر فی جریان القاعدة الشریفة إحراز بقاء الموضوع

و المراد منه موضوع الحکم الشرعی لا معروض المحمولات مطلقا لعدم اعتبار العلم ببقاء المعروض لا فی القاعدة الشریفة و لا فی استصحاب الحالة السابقة إذا لم یکون موضوعا للحکم الشرعی لأن الشک فی بقاء المعروض إذا لم یکن موضوعا للحکم الشرعی لا یمنع من جریان القاعدتین غایة الأمر أنه یستصحب بقاء المعروض کما یؤخذ بقاعدة الاقتضاء فیه و یکتفی به إن کان الشک فی بقاء المحمول مسببا عن الشک فی بقائه و إلا فیجری فی المحمول أیضا مثلا إذا شککنا فی بقاء زوجیة هند لزید فإن کان الشک فیه مسببا عن الشک فی بقاء زید تستصحب حیاته و یکتفی به و إلا یکن کذلک بأن احتمل الطلاق علی فرض بقائه فیجری الأصل فی زید أولا و فی الزوجیة ثانیا فیحکم ببقائهما معا فهنا أصلان مرتبان حینئذ فالذی یعتبر فیه إحراز الموضوع و یعتبر العلم ببقائه إنما هو الأخذ بالقاعدة الشریفة إذا کان الشک بالحکم الشرعی.
توضیح ذلک أن موضوع الأحکام الشرعیة إنما هی العناوین الکلیة کالحاضر و المسافر و الواجد و الفاقد و هکذا لا المصادیق الخارجیة و المصادیق إنما یتعلق الحکم بها بواسطة انطباق العناوین الکلیة علیها فهی معروضات لها فإذا وقعت الشبهة الحکمیة فی بقاء الحکم الشرعی بالنسبة إلی مصداق کان معروضا لموضوع الحکم من جهة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 24
زوال عرض عنه و وقوع التردد فی کونه موضوعا للحکم حتی یزول بزواله أم لا لا تجری القاعدة حینئذ لعدم إحراز المقتضی مع تردد الموضوع بین کونه هو العرض الباقی أم الزائل مثلا إذا شککنا فی بقاء حرمة الوقاع بعد النقاء و قبل الغسل من جهة التردد استنادا إلی قاعدة الاقتضاء لأن الموضوع مردد حینئذ بین أن یکون هو الحیض بمعنی قذف الدم الزائل بالنقاء الذی هو الطهر أو بمعنی الحدث الذی لا یزول إلا بالغسل فلا یکون مقتضی التحریم حینئذ محرزا حتی یؤخذ به و لا یعتد باحتمال المانع و إن کانت الحالة السابقة هی التحریم.
و قد اختلط الأمر فی المقام علی شیخنا العلامة الأنصاری (قده) فاعتبر فی استصحاب الحالة السابقة بقاء الموضوع و فسره بمطلق المعروض و تکلف فیما إذا کان الشک فی بقاء وجود الموجودات الخارجیة یجعل وجودها الخارجی عارضا للموجود المتقرر فی الذهن و هو باطل جدا لأن الوجود الذهنی لا أصل له أولا کما بیناه فی محله و علی تسلیم ثبوته لا ینفع ثانیا لأن الموجود فی الذهن لا یعقل أن یعرضه الوجود الخارجی کما هو ظاهر ثم اضطرب کلماته (قده) فی تشخیص موضوع الحکم و لا یسع المقام للتعرض لها و لما یرد علیها.

و الثالث أن القاعدة الشریفة المعبر عنها فی لسان الفقهاء و الأصولیین باستصحاب حکم النص و العموم و الإطلاق

سواء قلنا باعتبارها عقلا أو تعبدا أصل لا أمارة کما عرفت لا یثبت شیئا و إنما یدفع المانع عما ثبت.
و هذا معنی کلام بعضهم أن الاستصحاب حجة فی النفی دون الإثبات فهو عبارة عن الاعتماد علی الیقین الحاصل بما یقتضیه الشی‌ء و عدم الاعتداد باحتمال المانع فلا یترتب علیه إلا ما هو من مقتضیاته.
و أما ما یستقل بالاقتضاء فمقتضی هذا الأصل التعویل علی اقتضائه لا ترتیبه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 25
علی اقتضاء آخر فإذا شک فی بقاء حیاة زید بعد العلم بثبوته یجب البناء علی عدم المزیل و هذا إنما یترتب علیه ما هو من مقتضیاته یعنی ما لا یستقل بالاقتضاء کبقاء أمواله علی ملکه و عدم خروج زوجته عن زوجیته و أما إثبات اللحیة مثلا فلا لأنها مباینة فی الوجود للشخص کالثمرة بالنسبة إلی الشجر و الحمل بالنسبة إلی الحامل و من المعلوم أن الیقین بأحد المتلازمین مغایر للیقین بالآخر.
و إلی ما حققناه ینظر ما أفاده کاشف الغطاء قده من الاستدلال علی نفی الأصل المثبت بتعارض الأصل جانب الثابت و المثبت فکما أن الأصل بقاء الأول کذلک الأصل عدم الثانی فإن مرجعه إلی أن المثبت لیس من شئون الثابت حتی یکون البناء علی بقاء الثابت عبارة عن الالتزام بالمثبت.
توضیح ذلک أن الأصل المثبت عندنا عبارة عما یترتب علیه ما یستقل بالوجود أو کان منتزعا من غیر ما استصحب و علم وجوده لا ما ترتب علیه أثر غیر شرعی کما شاع فی السنة الأواخر فإنه علی ما بیناه أصل عقلی قرره الشارع بل لو کان أصلا شرعیا لم یکن وجه لاختصاص الأثر الشرعی بالترتب إلیه عدا ما یتخیل من أن الحکم بثبوت ما لا یرجع إلی الشارع فی مرحلة الظاهر لا معنی له لأن تنزیل شی‌ء مقام شی‌ء آخر إنما یتصور بالنسبة إلی ما یرجع إلی الشارع و هو وهم.
لأنه إن أرید منه أن الثابت بالتعبد الشرعی یجب أن یکون من الآثار الشرعیة ابتداء فهو مناقض لاعتبار البینة و الأمارات لأن الثابت بهما لا یجب أن یکون أمرا شرعیا ابتداء بل لا یثبت بالبینة ابتداء إلا الموضوعات و کذلک الأصول الموضوعیة و إن أرید أن أثر الاعتبار لا یکون إلا بالنسب إلی الآثار الشرعیة فهو کذلک و لا ینافی فی إثبات اللوازم بالأصول فی مرحلة الظاهر حینئذ کما هو الحال بالنسبة إلی البینة و الأمارات.
و الحاصل أن مجرد التعبد الشرعی لا ینافی إثبات اللوازم فی مرحلة الظن و إلا لنافاه فی البینة و الأمارات الشرعیة مع أن إثبات اللوازم بهما مسلم بل أقول أن الثابت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 26
بالأصل دائما إنما هو الأثر العقلی لا الشرعی لأن الثابت بالأصول إنما هو الحکم الظاهری الراجع إلی التنجیز و العذر المترتبین علی العلم و الجهل ذاتا.
فإن قلت: کیف یمکن أن یترتب علی جعل الشارع الأثر العقلی مع أنه لا یکون إلا ذاتیا غیر مجعول فهل هذا إلا تناقض.
قلت: الغرض أنه یترتب علی الأصل بالجعل ما کان مترتبا علی العلم و الجهل ذاتا من التنجیز و العذر فالأثر فی حد نفسه من الآثار العقلیة التی للشارع التصرف فیها تقریرا و ردا فیجعل الشرع ما لم یکن سببا للتنجیز أو العذر ذاتا سببا له تعبدا و جعلا ترتب علیه ما ترتب علی الأصل بمقتضی التنزیل.
و الحاصل أن المدار فی الإثبات المنافی للأصل إثبات ما استقل بالوجود من الجواهر و الأعراض لأن الإثبات بهذا المعنی شأن الدلیل و لا یترتب علی الأصل سواء کان عقلیا أم شرعیا لا الأحکام لأنه وظیفة للمتحیر فلا یثبت شیئا و إنما یدفع المانع عما ثبت فیترتب علیه أحکامه سواء کان حکما عقلیا أم شرعیا و ما اشتهر من أن المثبت ما ترتب علیه أثر شرعی و إن بعض المتقدمین ذهب إلی حجیة الأصل المثبت بزعم أن المثبت ما ترتب علیه أثر غیر شرعی فی غیر محله و قد اضطربت کلمات الأواخر فی موارد کثیر یترتب علی الأصل فیها غیر الآثار الشرعیة ابتداء و لا شبهة فی الرکون إلیها فزعموا أنه لأجل خفاء الواسطة فی نظر العرف مع أنه لا معنی لخفاء الواسطة أو لا و لا ضابطة له ثانیا و توضیح المرام غایة الإیضاح یحتاج إلی بسط فی الکلام لا یسعه المقام فاکتفیت بالتنبیه علیه بهذا المقدار.

و الرابع أن الأصل فی جمیع الموارد لفظیة أو عملیة إنما هو الرکون إلی العلم بالمقتضی

و عدم الاعتداد باحتمال المانع و لا أصل سواه و اختلاف الأسامی باختلاف الموارد لا ینافی مع اتحاد الحقیقة کما أنه لا ینافیه تقدم بعض علی بعض لأجل تقدم بعض المقتضیات علی بعض آخر أما الأصول اللفظیة فقد ظهر الحال فیها بما بیناه و أما الأصول العملیة و هی أصالة الاحتیاط و التخییر و البراءة و استصحاب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 27
المقتضی المعبر عنه باستصحاب حکم النص و العموم و الإطلاق فالأمر فی الأخیر منها ظاهر و أما الأولی فمرجعها إلی الأخذ بالعلم باشتغال الذمة بالتکلیف المقتضی للاحتیاط و وجوب الموافقة القطعیة و عدم الاعتداد باحتمال منع تردد المأمور به بین أمرین أو أمور عن إیجاب الموافقة القطعیة کما هو ظاهر.
و أما التخییر فکونه أثر الرکون إلی العلم باشتغال الذمة بالتکلیف المقتضی لوجوب الموافق القطعی أمر ظاهر غایة الأمر أنه اکتفی فیه بالموافقة الاحتمالیة لأجل العجز عن تحصیل الموافقة القطعیة عقلا أو شرعا.
و أما أصالة البراءة فالأخذ بها إنما هو لأجل الرکون إلی العلم بالعدم الأزلی المقتضی للعذر و عدم الاعتداد باحتمال حدوث التکلیف الموجب لارتفاع العذر فیقبح العقاب حینئذ للعلم بمقتضی العذر و عدم العلم بوجود المنجز و هو اشتغال الذمة بالتکلیف.
و أما ما قیل من أن البراءة حینئذ مترتبة علی الشک فقط و یکفی فی الحکم بالعدم مجرد الشک فی ثبوت التکلیف استنادا إلی قاعدة قبح العقاب بلا بیان ففی غیر محله لأن نسبة الشک و موافقة العدم للأصل حینئذ إنما هو باعتبار کونه معلوما و المانع مجهولا و لذا ینقلب الأصل بانقلاب العلم فیصیر الوجود موافقا له دون العدم إذا علم بحدوث التکلیف و شک فی البقاء و الزوال من جهة احتمال وجود المزیل من النسخ و غیره فقبح العقاب بلا بیان إنما هو من آثار العلم بالعدم و الجهل بحدوث التکلیف المقتضی لثبوت العذر الذی یقبح معه العقاب لا أنه منشأ للأصل مع أنه لو قلنا بترتب أثر علی الشک ذاتا و فی حد نفسه لا یجوز التعویل علیه و استناد الأصل إلیه إذ ما من شک فی الحکم إلا و هو مجامع إما مع العلم بالعدم الأزلی و أما مع العلم بحدوث التکلیف و فی کلا الصورتین یتقدم العلم علی الجهل و یمنع من تأثیره و إلا لزم نقص الیقین بالشک المنهی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 28
عنه عقلا و نقلا فلا یبقی مجال لتأثیر الجهل و ترتیب أثر علیه.
و أما استصحاب الحال المعبر عنه باستصحاب حال الإجماع و حال الشرع فلم یعمل به أحد من أصحابنا (قدس سرهم) و قالوا إنه إسراء حکم من موضوع إلی موضوع بل لم یعمل به إلا شاذ من العامة و إذا اجتمع مع العلم بالمقتضی فإنما یؤخذ به اعتمادا علی العلم بالمقتضی.
فتبین بحمد الله تعالی أنه لا أصل فی البین إلا قاعدة الاقتضاء و المنع و أن الرکون و الاعتماد إنما هو علی العلم و الیقین لا علی الجهل و الشک فافهم و اغتنم.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 29‌

(فائدة 2) [فی العتق]

اشارة

فی صحیحة برید بن معاویة العجلی عن مولانا الصادق [الباقر] سلام الله علیه قال:
سألته عن رجل کان علیه عتق رقبة فمات قبل أن یعتق فانطلق ابنه فابتاع رجلا من کسبه فأعتقه عن أبیه و إن المعتق أصاب بعد ذلک مالا ثم مات و ترکه لمن یکون ترکته؟ فقال: إن کانت الرقبة علی أبیه فی ظهار أو شکر واجب علیه فإن المعتق سائبة لا ولاء لأحد علیه.
قال: و إن کانت الرقبة علی أبیه تطوعا و قد کان أبوه أمره أن یعتق عنه نسمة فإن ولاء المعتق میراث لجمیع ولد المیت من الرجال و یکون الذی اشتراه و أعتقه عن أبیه کواحد من الورثة إذا لم یکن للمعتق قرابة من المسلمین أحرار یرثونه.
قال: و إن کان ابنه الذی اشتری الرقبة فأعتقها عن أبیه من ماله بعد موت أبیه تطوعا من غیر أن یکون أبوه أمره بذلک فإن ولاءه و میراثه للذی اشتراه من ماله و أعتقه عن أبیه إذا لم یکن للمعتق وارث من قرابته.
و یستفاد من هذه الروایة الشریفة الساطعة منه أنوار العصمة و الإمامة أمور ستة.
الأول: عدم توقف وقوع العتق عن غیره علی دخول المعتق أولا فی ملکه ثم خروجه عن ملکه بالعتق.
و الثانی: نفوذ وقوع العتق عن غیره إذا کان واجبا علیه فی ظهار أو غیره أمر به المعتق عنه أم لا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 30
و الثالث: کون الرقبة سائبة مع وجوب العتق.
و الرابع: عدم تأثیر التبرع بالعتق الواجب علی غیره فی ثبوت الولاء للمتبرع به.
و الخامس: توقف وقوع العتق التبرعی عن غیره علی الأمر به و مع عدم الأمر به إنما یقع عنه علی وجه إهداء ثوابه إلیه.
و السادس: ثبوت ولاء العتق للذکور من أولاد المعتق عنه إذا نفذ وقوع العتق عنه بأمره.
توضیح المرام أن انتقال الملک عن شخص إلی آخر یتوقف علی أمرین: وجود السبب الناقل و أهلیة المنتقل إلیه للتملک و کلا الأمرین منتف فی الصورة الأولی و هو نفوذ العتق الواجب عن المیت مطلقا.
أما السبب الناقل فلأنه علی قسمین قهری کالوراثة و اختیاری کالعقود الناقلة و انتفاؤهما فی هذه الصورة واضح.
و أما انتفاء أهلیة المیت للتملک فمسلم عندهم بل واضح أیضا فی الجملة و إن جاز بقاء المال فی ملکه کما إذا أوصی بثلث ماله لنفسه.
و یشارکها الصورة الثانیة و هو نفوذ العتق التبرعی عن المیت بأمره بالعتق عنه فی انتفاء الأمر الثانی بل الأول أیضا لأن مجرد الأمر فی حال الحیاة بالعتق عنه بعد موته لا یوجب انتقال الرقبة إلیه.
و تنظیره بالشبکة المنصوبة فی حیاته و وقوع الصید فیها بعد موته فی غیر محله لأن نصب الشبکة من أسباب الحیازة و لکن الأمر بالعتق عنه بعد موته لیس من أسباب الانتقال کما هو ظاهر و جعل الأمر بالإعتاق عنه بعد موته من قبیل أعتق عبدک عنی حیث حکموا بصحته و وقوع العتق عن الأمر و جعلوا الأمر بالإعتاق عنه بمنزلة التوکیل فی قبول التملک من قبله بعد إیجاب التملیک ثم العتق عنه و الإعتاق عنه بمنزلة إیجاب التملیک و قبوله أولا و العتق عنه ثانیا فی غیر محله لأن التوکیل إنما هو بالنسبة إلی حال الحیاة و لا تطرق له بالنسبة إلی بعد الموت و لا مجال لجعله
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 31
بمنزلة الوصیة لأن الوصیة إنما تؤثر فیما یرجع إلیه من ثلث ماله و ولایته علی صغاره.
و أما ما لا یرجع إلیه و لا یملکه بوجه فلا أثر لها فیه مع أن حصول التملیک و التملک بإعتاقه عنه أمر غیر معقول إذ بعد ما فرض من تفرع وقوع العتق عنه علی تملکه لا یعقل حصوله به و إلا لدار و لذا تحیر القائلون بانتقال الملک إلی المعتق عنه بالعتق عنه فی وقت الانتقال و رأوا أنه علی کل تقدیر لا یخلو من محذور فحکموا بالانتقال إجمالا من دون تعین لوقته مع أن المحذور لا یندفع بذلک.
و الذی حملهم علی هذا التکلف البارد بل الفساد ما روی من قوله علیه السلام
لا عتق إلا فی ملک
و هو إنما یدل علی أن المعتق لا بد أن یکون مالکا للرقبة و أما عدم وقوع عتق المالک عن غیره فمسکوت عنه.
و التحقیق أنه لا یتوقف وقوع العتق عن غیره علی دخول الرقبة فی ملکه أولا ثم العتق عنه ثانیا لا عقلا و لا شرعا فإنه بمنزلة أداء المالک بما له دین غیره فکما لا یتوقف أداء دین المدیون علی دخول المال فی ملکه أولا ثم الأداء عنه ثانیا فکذلک العتق عنه.
و الحاصل أن العتق عمل یمکن وقوعه عن العامل و عن غیره و التعین باختیار العامل فإن الشخص کما له السلطنة علی ماله فیعینه فیما أراد من کونه صدقة أو وفاء دین عن نفسه أو عن غیره أو قرضا و هکذا فکذلک له السلطنة علی عمله فله أن یجعل الحیازة و الإحیاء و الکتابة و الصیاغة عن نفسه و عن غیره و من جملة أعماله العتق نعم یبقی الشأن فی بیان وجه الفرق بین العتق الواجب و العتق التبرعی فی وقوع الأول عمن وجب علیه بإعتاق المعتق عنه مطلقا و عدم وقوع الثانی عمن نوی العتق عنه إلا بأمره بالعتق عنه.
فأقول و بالله التوفیق أن العتق الواجب دین علی الشخص فینفذ عتق غیره
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 32
عنه و یبرء ذمته بذلک و لا یتوقف وقوعه عنه علی رضاه و أمره به کما لا یتوقف أداء دین المدیون علی رضاه و إذنه بل کما یبرء ذمته بوفائه بنفسه کذلک تبرأ ذمته بإبراء الدائن و بوفاء غیره عنه رضی به أم لا و لذا یکون الإبراء إیقاعا لا عقدا متوقفا علی قبول المدیون و السر فیه ظاهر لأن حبل الدین بید الدائن و ذمة المدیون مشدودة به و الاختیار فی إسقاط الحبل و عدمه إنما هو لمن الحبل بیده و لا اختیار لمن ذمته مغفولة به فکذلک العتق الواجب و سائر ما وجب علی المکلف من عبادات و غیرها ما لم یکن الامتثال مقیدا بمباشرته بنفسه و أما العتق المندوب فلا یکون دینا فإیقاعه عن غیره بمنزلة هبة له فکما یتوقف تحقق الهبة علی قبول المتهب و رضاه بذلک و لا تتحقق قهرا و بدون قبوله فکذلک العتق المندوب لا یقع عن غیره و لا یتصل به إلا بقبوله و رضاه.
و الحاصل أنه کما یکون العامل مختارا فی إیقاع العمل عن نفسه و عن غیره و لا یکون مقهورا فی أحدهما فی حد نفسه فکذلک من أوقع العمل عنه مختار فی قبوله و رده فلا یتصل العمل به إلا بقبوله و رضاه و الأمر بالعتق عنه بعد موته رضی بذلک و قبول له فیتصل به العمل حینئذ و یلزمه حکمه عن ثبوت الولاء له و لورثته و أما مع عدم أمره به فلا یتصل العمل به و لا یکون العتق عنه إلا إهداء لثوابه إلیه فیرجع الولاء حینئذ إلی نفس العامل و هو المعتق.
و هکذا الأمر فی سائر الأعمال الغیر الواجبة مندوبة أو مباحة فلا تقع عن غیر العامل إلا بأمره و رضاه.
و قد تبین مما بیناه أنه لا فرق فی وقوع العتق الواجب عمن نوی عنه المعتق بین أن یکون المعتق وارثا للمعتق عنه أم لا و بین أن یکون المعتق عنه حیا أم میتا کما أنه لا فرق بینهما فی عدم وقوع العتق المندوب عمن نوی عنه إلا بأمره فما حکی عن الشیخ قده فی الخلاف من أنه لو تبرع بالعتق عنه نفذ العتق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 33
عن المعتق دون من أعتق عنه سواء کان المعتق عنه حیا أو میتا نعم لو أعتق الوارث عن المیت من ماله لا من مال المیت یصح فی غیر محله لأن العتق الواجب یقع عمن نوی عنه مطلقا حیا کان المعتق عنه أم میتا وارثا کان المعتق أم لا و العتق المندوب لا یقع عنه مطلقا إلا بأمره من دون فرق بین أن یکون المعتق وارثا و أجنبیا و بین أن یکون المعتق عنه حیا و میتا و اعلم أنه لیس من آثار اتصال العمل بالآمر استحقاق العامل أجرة عمله علی الأمر إذا کان عمله مما له أجرة فی المتعارف و لا ضمان الأمر ما أدی عنه العامل بل هما من آثار استیفاء عمل العامل بالأمر و لذا یدوران مداره و لا یختلف الأمر باختلاف الواجب و المندوب فما تبرع به العامل عن غیره لم یستحق أجرة عمله و لا قیمة ما أدی عنه أو مثله واجبا کان المتبرع به أم مندوبا.
ثم اعلم إن العمل ینصرف ذاتا إلی العامل إذا کان صالحا لرجوعه إلیه و یحتاج فی وقوعه عن غیره إلی نیة إیقاعه عنه و لا یحتاج فی وقوعه عن نفسه إلی نیة إیقاعه عن نفسه و من هنا تبین لک أنه لو نوی العتق المندوب عن غیره من دون أمره به وقع عن نفسه و لم یقع باطلا فما ذکره فی الجواهر من أنه لو لا روایة برید العجلی لکان المتجه بطلان العتق من أصله لقاعدة ما قصد لم یقع و ما وقع لم یقصد فی غیر محله لأن البطلان إنما یتجه إذا کان نسبة العتق إلی وقوعه عن نفسه و وقوعه غیره علی حد واحد و یحتاج کل منهما إلی القصد. و أما إذا اختلفا و کان أحدهما ذاتیا لا یحتاج إلی قصد زائد علی قصد العتق و لم یتم الصارف عن مقتضاه الأصلی وقع العتق علی وجهه الأصلی.
فإن قلت: مقتضی وقوع العمل علی وجهه الأصلی من وقوعه عن العامل لو لا الصارف صحة العتق المجرد عن القیدین و وقوعه علی وجهه الأصلی لا صحة العتق المنوی وقوعه عن الغیر مع عدم وقوعه عنه لأن نیة الوقوع عن الغیر تصرفه عن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 34
وجهه الأصلی فلا مجال لوقوعه علی وجهه الأصلی حینئذ.
قلت: الصارف عن وجهه الأصلی إنما هی نیة وقوعه عن غیره مع أمره به فمجرد النیة کذلک لا تصرفه عن وجهه الأصلی و لا تقتضی بطلانه لأن إنشاء العتق یقتضی وجوده فی الخارج و وقوعه علی وجهه الأصلی إلا أن یمنع عنه مانع و المانع لم یتحقق و نیة المانع لا توجب إلغاء المقتضی عن التأثیر ما لم تقترن بوجود المانع ثم اعلم إنه کما یتصل العمل الغیر الواجب بمن نوی عنه العمل بأمره السابق کذلک یتصل به بالإجازة اللاحقة به لأن من جملة أسباب اتصال العمل بغیر العامل إجازته اللاحقة فکل عمل یقبل الاتصال بغیر العامل بأمره به أو توکیله فیه یقبل الاتصال بالإجازة بل الإجازة و الوکالة فی الحقیقة حقیقة واحدة و إنما یختلفان باعتبار التقدم و التأخر فالإجازة وکالة متأخر کما أن الوکالة إجازة متقدمة و لا ینافی ذلک عدم جریان الفضولی فی العتق و الطلاق مع جریان الوکالة فیهما لأن المنع إنما هو للدلیل و إلا فمقتضی القاعدة جریانه فیهما کجریانه فی العقود و لم یدل دلیل علی المنع فی سواهما و إن قیل بعدم جریانه فی مطلق الإیقاعات و لعله لأجل توهم أن مقتضی القاعدة بطلان الفضولی مطلقا فکل مورد لم یدل دلیل علی صحته بالإجازة یحکم ببطلانه و لم یدل دلیل علی صحته فی غیر العقود و هو باطل کما أوضحنا فی محله و بینا أن تأثیر الإجازة فی العمل الفضولی بمقتضی القواعد الأولیة و لا تعبد فیه فیجری مطلقا إلا أن یدل دلیل علی خلافه و کیف کان فقد تبین بما بیناه سر عدم تأثیر التبرع بالعتق عمن وجب علیه فی ثبوت الولاء و صیرورته سائبة لأن وقوع العتق عمن وجب علیه موجب لوقوعه علی وجه الوجوب و إن وقع التبرع فی إیجاده و لا تنافی بینهما و الملاک فی صیرورة الرقبة سائبة وجوب العتق و من هنا ظهر أنه لو نذرنا عتق رقبة عمن أمره بالعتق عنه مع عدم وجوبه علیه فأعتق عنه ثبت الولاء علی المعتق للمعتق عنه لوقوعه علی وجه الندب و إن وجب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 35
الإعتاق علی المعتق و إذ قد اتضح لک ما حققناه فقد اتضح لک أن الأحکام المستفادة من الروایة الشریفة منطبقة علی القواعد الأولیة و إن کانت فی غایة الدقة بحیث لم نهتد إلیها إلا ببیانهم علیهم السلام و الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنا لنهتدی لو لا أن هدانا الله.

بقی الکلام فی أمرین:

الأول أن مقتضی ثبوت الولاء للمعتق عنه بعد موته عدم رجوعه إلی ورثته

لأن ما رجع إلی المیت بعد موته إنما یصرف فی وجوه البر للمیت و لذا یصرف دیة قطع رأس المیت و شق بطنه فی الحج و الصدقة عنه و سائر خیراته و لا یکون للوارث حق فیها.
قلت: أولا أنه یمکن أن یقال أن ورثة المعتق عنه إنما یرثون بولایة لا أنهم یرثون الولاء إذ الظاهر أنه من الأحکام لا الحقوق.
و ثانیا لا نسلم أن کل ما رجع إلی المیت بعد موته لا یرجع إلی الورثة و إلا لزم عدم رجوع دیة المقتول إلی ورثته لأن الدیة إنما تثبت بالقتل فلا ترجع إلیه إلا بعد موته.

و الثانی أن الصحیحة تدل علی أن الإرث بالولاء للذکور من الأولاد

و فی جملة من الروایات أن الولاء للعصبة.
منها
أنه قضی أمیر المؤمنین علیه السلام علی امرأة أعتقت رجلا و اشترطت ولاءه و لها ابن فألحق ولاءه لعصبتها الذین یعقلون عنها دون ولدها.
و منها صحیح یعقوب ابن شعیب
سئل الصادق علیه السلام عن امرأة أعتقت مملوکا ثم ماتت قال: یرجع الولاء إلی بنی أبیها.
و منها صحیح أبی ولاد
سأله عن رجل أعتق جاریة صغیرة لم تدرک و کانت أمه قبل أن تموت سألته أن یعتق عنها رقبة من ماله فاشتراها فأعتقها بعد ما ماتت أمه لمن یکون ولاء العتق؟ قال: یکون ولاؤها لأقرباء أمه من قبل أبیها و یکون نفقتها علیهم حتی تدرک و تستغنی قال: و لا یکون للذی أعتقها عن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 36
أمه من ولائها شی‌ء.
و قد حمل الشیخ (قده) فی النهایة و تبعه جماعة صحیحة برید العجلی و ما فی معناها علی ما إذا کان المعتق رجلا و الصحاح المخالفة علی ما إذا کان المعتق امرأة.
أقول: یستفاد من مجموع الروایات أن الإرث بالولاء لا یکون کالإرث بالنسب یشترک فیه کل مناسب و یکون الأقرب منهم مقدما علی الأبعد و إلا لزم عدم اختصاصه بذکور العصبة و الأولاد مع أن مجموع الروایات تدل علی اختصاصه بالذکور فمنه یعلم أن الإرث یدور مدار العقل المختص بالذکور کما یستفاد من توصیف العصبة بأنهم یعقلون عنها فإنه فی مقام التعلیل کما هو واضح و لا فرق بین عاقلة الرجل و المرأة حتی یختلف أمر الولاء باختلافهما.
فالأولی أن یقال: إنه یستفاد من هذه الروایات الدالة علی دوران الولاء مدار العقل دخول الذکور من الأولاد فی العاقلة و ترتبهم علی العصبة فمع وجود العصبة یختص بهم الولاء کما یختص بهم العقل سواء کان المعتق رجلا أم امرأة و مع فقدهم یرجع الولاء إلی الذکور من الأولاد کما یعقلون حینئذ.
فإن قلت: الروایات الدالة علی ثبوت الولاء للذکور من الأولاد مطلقة و لا شاهد لحملها علی صورة فقد العصبة قلت: الشاهد علی التقیید هی الروایات الواردة فی المرأة المعتقة الدالة علی تقدم العصبة علی الذکور من الأولاد.
توضیح ذلک أن الروایات الدالة علی ثبوت الولاء للذکور من الأولاد حینئذ إما ناظرة إلی عدم دوران الإرث بالولاء مدار العقل إذا کان المعتق رجلا أو إلی اختلاف عاقلة الرجل و المرأة أو إلی ما بیناه من التقیید لا سبیل إلی الأول و إلا لم یختص الإرث بالولاء حینئذ بالذکور و لا إلی الثانی للاتفاق علی عدم اختلاف العاقلة باختلاف الرجل و المرأة فتعین الثالث.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 37‌

(فائدة 3) (مسألة:) لو علم المتطهر بحدوث حدث و لم یعلم بأنه أصغر أم أکبر

لا یجوز له الدخول فی الصلاة و لا مس کتابة المصحف لاشتراطهما بالطهارة و یجوز له المکث فی المساجد و العبور من المسجدین الأعظمین و قراءة العزائم لعدم العلم بحدوث الأکبر المانع منها و الأصل عدم وجود المانع.
لا یقال لا یجری الأصل فی أطراف العلم الإجمالی إما لعدم موضوعه باعتبار وجود العلم الإجمالی کما هو التحقیق و إما للتعارض و التساقط کما یظهر من بعضهم فلا مجال لأصالة عدم المانع حینئذ.
لأنا نقول: نعم لا یجری الأصل فی کل من الحدثین و مع ذلک لا مانع من جریان أصالة عدم المانع لاستباحة کل من المکث و العبور و قراءة العزائم علیه قبل علمه بحدوث أحد الحدثین و بعد العلم الإجمالی بحدوث أحدهما لا یحصل له العلم بارتفاع الاستباحة فتستصحب للعلم بمقتضاها و عدم العلم بالمانع ثم إنه لا یجوز له الدخول فی الصلاة إلا بالوضوء و الغسل عند من لا یجتزی بمطلق الغسل عن الوضوء کما هو المشهور و أما من قال بإجزاء مطلق الغسل عنه کما اخترنا فیکتفی بالغسل فقط هذا إذا کان التردد بین الحدث الأصغر و الأکبر مطلقا و أما إذا تردد بین الأصغر و ما عدی الجنابة من الأحداث الکبری فهل یکتفی بالوضوء فقط بناء علی المشهور من وجوب الغسل و الوضوء
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 38
معا لما عدا الجنابة من الأحداث من جهة أنه یعلم باشتغال ذمته حینئذ بالوضوء علی کل حال و یشک فی وجوب الغسل فینحل العلم الإجمالی حینئذ و یصیر الشک فی الغسل شکا بدویا.
و التحقیق أنه لا یکتفی بالوضوء فقط للعلم بالحدث و الشک فی ارتفاعه بالوضوء فإن الحدث المعلوم لا یعلم ارتفاعه إلا بالجمع بینهما علی المشهور أو بالغسل فقط عند من قال بإجزائه عن الوضوء و أما الوضوء المجرد فهو غیر کاف مطلقا.
لا یقال المعلوم من الحدث حینئذ إنما هو ما یوجب الوضوء و الزائد علیه مشکوک الحدوث فیندفع بالأصل.
لأنا نقول: لو کان الشک فی التکلیف فقط کما إذا علم بفوت واجب غیر رکنی من صلاته و شک فی أنه یوجب القضاء مع سجدتی السهو أو یوجب سجدتی السهو فقط لکان ما ذکر موجها لعدم العلم باشتغال ذمته بالزائد عن سجدتی السهو حینئذ و أما إذا کان الشک فی التکلیف مسببا عن حکم وضعی کما فی المقام فمع جریان الأصل فیه و هو استصحاب الحدث مع الشک فی ارتفاعه لا مجال لإجراء الأصل بالنسبة إلی التکلیف بل لا تکلیف فی المقام علی التحقیق.
لا یقال: الحدث حقیقة واحدة و الاختلاف إنما هو فی المرتبة شدة و ضعفا و المعلوم من الحدث إنما هی المرتبة الضعیفة و هی ترتفع بالوضوء فالشک حینئذ یرجع إلی الشک فی حدوث الحدث الأکبر و الأصل عدمه.
و الحاصل أن الحدث الأصغر و الأکبر لا یکونان متباینین حتی لا یجری الأصل فی واحد منهما و تباینها فی السبب لا یمنع من جریان الأصل فی المسبب فیجری الأصل بالنسبة إلی المرتبة الشدیدة للشک فی حدوثها لأنا نقول اتحاد الحقیقة و الاختلاف فی المرتبة إنما ینفع إذا ترتب علی المزیل ارتفاع المرتبة الضعیفة علی کل تقدیر کما إذا علم إجمالا بأن زیدا جنی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 39
علی عمرو مثلا و تردد جنایته بین دیتین أحدهما أقل من الآخر فإذا أدی الأقل علم ببراءة ذمته بالنسبة إلی الأقل و لو کان فی ضمن الأکثر.
أما إذا لم یحصل الارتفاع علی کل تقدیر کما فی المقام فلا فإن المرتبة الضعیفة من الحدث إنما ترتفع بالوضوء إذا لم یکن فی ضمن المرتبة الشدیدة و أما إذا کان فی ضمن المرتبة الشدیدة فلا یرتفع الحدث أصلا بالوضوء فقط ضرورة عدم تطرق التبعیض فی الحدث بأن یرتفع مرتبة منه و یبقی مرتبة أخری.
و من هنا تبین أنه لو تنجس شی‌ء إما بالبول أو بغیره یجب غسله مرتین و لا یکتفی بغسل واحد لأن النجاسة معلومة و ارتفاعها بالمرة غیر معلوم فیستصحب و لیس الشک فی التکلیف فقط حتی یقتصر علی القدر المتیقن منه فلو احتمل نجاسته بولوغ الکلب یجب التعفیر أیضا لعدم العلم برفع النجاسة حینئذ ضرورة عدم ارتفاع النجاسة بالمرة و لو فی مرتبة ضعیفة منها إذا فرض أن المطهر هو الغسل مرتین و مما بیناه تبین أنه لو استبرء عن البول و تطهر فرأی بللا مرددا بین کونه بولا أو منیا وجب علیه الجمع بین الوضوء و الغسل بناء علی المشهور من عدم إجزاء مطلق الغسل عن الوضوء و ما توهمه بعض من أن أحد طرفی العلم الإجمالی و هو البول محکوم بعدمه حینئذ لأن الاستبراء أمارة عدم کونه بولا فینحل العلم الإجمالی و یرجع إلی الشک البدوی فی کونه منیا و الأصل عدمه فلا یجب علیه شی‌ء من الوضوء و الغسل فاسد جدا للعلم بحدوث الحدث و ارتفاع الطهارة قطعا.
و الحکم بعدم کونه بولا إنما هو مع التردد بین کونه بولا أو وذیا مثلا و أما مع الحکم بکون البلل حدثا و تردده بین أن یکون أصغرا و أکبرا فلا مجال للحکم بعدم کونه بولا بعدم جریان الأصل فی أطراف العلم الإجمالی إما لعدم المجری أو للتعارض و التساقط و الحکم بعدم کون البلل بعد الاستبراء بولا إن کان لموافقته للأصل حینئذ کما هو التحقیق فلا یجری فی المقام للعلم الإجمالی بحدوث الحدث و إن کان من جهة أن الاستبراء أمارة علی عدم کونه بولا یلزم الحکم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 40
بکونه منیا إذ بعد العلم بانحصار البلل فی کونه بولا أو منیا و قیام الأمارة علی عدم کونه بولا یثبت کونه منیا لثبوت اللوازم العقلیة و العادیة بالأمارة و کیف کان ففساد التوهم المذکور فی غایة الوضوح نعم لو کان العلم الإجمالی قبل التطهر سواء کان قبل الاستبراء أو بعده لا یجب به شی‌ء بعدم العلم بحدوث حدث جدید فلا یجب علیه إلا الوضوء إن کان محدثا بالأصغر أو الغسل إن کان محدثا بالأکبر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 41‌

(فائدة 4) لو علم المکلف بأنه فاتت منه فریضة و لم یعلمها بعینها

فصلی خمسا أو ثلاثا صبحا و مغربا و رباعیة مرددة بین الظهر و العصر و العشاء ثم علم ببطلان واحدة منها فهل یجوز الاکتفاء بها لقاعدة الفراغ قیل: نعم لانحلال العلم و رجوعه إلی الشک البدوی من حیث إن الواجب فی الواقع واحدة منها لا الجمیع فلا یعلم حینئذ بوقوع الخلل فی الفریضة الواجبة فیحکم بصحتها و عدم وقوع الخلل فیها بقاعدة الفراغ إذ لا تأثیر لوقوع الخلل فی غیر الفریضة حتی یحکم بتنجز العلم الإجمالی و عدم جریان قاعدة الفراغ.
و التحقیق خلافه لأن وجوب إعادة الصلاة خمسا أو ثلاثا إنما کان لأجل وجوب تحصیل البراءة الیقینیة و مع العلم بوقوع الخلل فی واحدة منها لا یحصل البراءة الیقینیة و لا مجال لجریان قاعدة الفراغ لعدم انحلال العلم الإجمالی إذ المفروض أن الجمیع واجب بحسب الحکم الظاهری و هو وجوب تحصیل البراءة الیقینیة بالإتیان بالخمس أو الثلاث فالعلم الإجمالی بوقوع الخلل فی إحداهما مؤثر علی کل حال لوقوع الخلل حینئذ فی إحدی الصلوات الواجبة فی الظاهر فلا تحصل البراءة الیقینیة التی وجب علیه تحصیلها بحکم العقل إلا بإعادتها خمسا أو ثلاثا.
هذا مع أن قاعدة الفراغ إنما یختص موردها بما إذا کان الشک لأجل احتمال الغفلة و عدمها کما دل علیه قوله علیه السلام
هو حین یتوضأ أذکر منه حین یشک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 42
فبقاعدة الفراغ یحکم بعدم الغفلة و أما مع العلم بوقوع الغفلة کما فی المقام فلا مجری لها أصلا.
و الحاصل أن قاعدة الفراغ إنما تحکم بعدم وقوع الغفلة من العامل فی عمله لا فی أن الغفلة الواقعة منه وقعت فی محل دون محل آخر.
فإن قلت: لو کان الأمر کذلک لزم أن لا یحکم بصحة الفریضة إذا علم المصلی بوقوع خلل إما فی فریضة الصبح أو نافلته مثلا لا للعلم الإجمالی إذ لا یوجب التکلیف بالإعادة علی فرض وقوعه فی النافلة فلا تأثیر له حینئذ بل للشک فی وقوع الخلل فی الفریضة و عدم جریان قاعدة الفراغ فیها للعلم بوقوع الغفلة إجمالا.
قلت: العلم الإجمالی إنما یمنع من جریان قاعدة الفراغ إذا کان مؤثرا علی کل تقدیر و أما إذا لم یؤثر إلا علی أحد التقدیرین فحاله حال الشک البدوی فلا فرق بینه و بین الشک فی الفریضة فقط من حیث احتمال الخلل للغفلة المندفع بقاعدة الفراغ و من هنا ذهب العلامة قدس سره فی المنتهی إلی أن المجدد لوضوئه إذا ذکر أنه أخل بعضو من إحدی الطهارتین لا یلتفت إلی هذا الشک مطلقا لاندراجه تحت الشک فی الوضوء بعد الفراغ و نقله الشهید فی (ن) عن السید جمال الدین بن طاوس (ره) و استوجهه و بما بیناه یندفع ما ذکره فی (ک) بأنه یمکن الفرق بین الصورتین بأن الیقین هنا حاصل بالترک و إنما حصل الشک فی موضعه بخلاف الشک بعد الفراغ فإنه لا یقین فیه بوجه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 43‌

(فائدة 5) لو کان مجنبا عن حلال ثم أجنب عن حرام

فهل یکون عرقه نجسا بناء علی نجاسة عرق الجنب عن حرام قیل: لا لأن الجنابة لا تتکرر و إلا لزم اجتماع المثلین فی محل واحد فکما لا یصیر المتطهر متطهرا ثانیا باغتساله ثانیا فکذلک الجنب لا یصیر جنبا ثانیا بالوطی أو الإنزال ثانیا عن حلال أو حرام حتی یصیر عرقه نجسا إذا کانت الجنابة الثانیة عن حرام.
و التحقیق أن العرض علی قسمین منها بسیط لا مراتب له شدة و ضعفا کالعقود و الإیقاعات فلا یترتب حینئذ علی إنشاءات المتکررة أثر أصلا و إنما یتحقق بواحد منها العلقة الحاصلة و لا یترتب علی المکرر منها عقد أو إیقاع جدید أو شدة و قوة فیه لعدم اشتداد العلقة بتکرر أسبابها.
و منها ما له مراتب شدة و ضعفا کالحدث و الخبث و الطهارة عن أحدهما فیترتب علی المتکرر من أسباب الحدث و الخبث و الطهارة القوة و الشدة و لذا تری أنه قد یکتفی فی إزالة خبث بغسلة و لا یکفی فی إزالة خبث آخر إلا بغسلتین و لیس هذا إلا لکون بعض الأخباث أقوی من آخر فما تنجس بما یکتفی فی إزالة خبثه بغسلة لو لاقی خبثا رطبا لا یکتفی فی إزالته إلا بغسلتین لا یطهر إلا بهما و لو لم یتنجس المتنجس ثانیا بملاقاته للنجاسة و لو علی وجه الاشتداد لزم أن یکتفی فیه بغسله مرة واحدة مع أن توقف طهارته علی الغسلتین حینئذ فی غایة الوضوح.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 44
و هکذا الحال فی الأحداث فإن تقسیمه إلی الأصغر و الأکبر و اختلاف الأحداث الکبری فی بعض الأحکام و اختلاف الجنابة عن حرام مع الجنابة عن حلال فی الحکم المذکور دلیل قاطع علی اختلاف مراتبه شدة و ضعفا و هکذا الحال فی الطهارتین فإن انقسام الطهارة عن الحدث إلی صغری و کبری و استحباب تجدید الوضوء و کونه نورا علی نور شاهد قاطع علی اختلاف مراتبها کما أن استحباب الغسل سبع مرات فی بعض الموارد یشهد بأن الطهارة عن الخبث کالنظافة عن الکثافات و الأقذار تقبل المراتب شدة و ضعفا و إذا اتضح لک أن الحدث یقبل الشدة و الضعف فقد اتضح لک أنه لا مانع من أن یصیر الجنب عن حلال جنبا عن حرام و یترتب علیه أثر الجنابة عن حرام من نجاسة عرقه أو عدم جواز الصلاة فی الثوب الذی عرق فیه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 45‌

(فائدة 6) إذا علم بثبوت حق معلوم العین و المقدار و اشتبه من له الحق بین اثنین فصاعدا

اشارة

و استوی نسبة کل واحد إلیه و تطرق الإشاعة فیه یشترک الکل فیه طبق نسبته إلیه و یکون استواء النسبة إلیه فی مرحلة الظاهر کاستواء النسبة إلیه واقعا فی الآثار غایة الأمر أن الأول حکم ظاهری و الثانی واقعی و هذه القاعدة أی قاعدة ترتیب الأثر علی کل واحد من الأطراف المشتبهة لاستواء النسبة بعد العلم بثبوت الحق لواحد منها تسمی بقاعدة العدل و الإنصاف و قد ورد به النص فی مواضع کثیرة.
منها ما لو أودعه واحد دینارین و الآخر دینارا فضاع دینار و اشتبه فإن لصاحب الدینار نصفا و للآخر الباقی کما فی روایة السکونی و عمل به الأصحاب قدس سرهم و تقیید المحقق قدس سره موضوع المسألة بما إذا امتزج الجمیع حتی یدخل فی باب الشرکة استخراج من عنده فإن الروایات مطلقة مع أن تحصیل الشرکة بالامتزاج متفرع علی هذه القاعدة ضرورة عدم حصول الإشاعة الواقعیة بمجرد الامتزاج الموجب للاشتباه و عدم التمیز و إنما الحکم بالإشاعة و الاشتراک من جهة استواء النسبة فی مرحلة الظاهر و عدم سبیل للعلم بتعیین کل جزء من الأجزاء الممتزجة لواحد من الملاک علی أنه لو حصل الامتزاج الموجب للشرکة لزم أن تکون الشرکة أثلاثا لا أرباعا فیلزم حینئذ أن یکون لصاحب الدینار ثلثا دینار و الباقی لصاحب الدینارین فالتقیید المزبور
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 46
مخالف للحکم المنصوص.
و منها ما لو طلق من کان عنده أربع زوجات واحدة منها و تزوج خامسة ثم مات و اشتبهت المطلقة فی الأول فإنه تعطی الخامسة ربع الفریضة و الباقی للأول بالسویة کما فی صحیح أبی بصیر و عمل به الأصحاب قدس سرهم و لم یخالف فیه أحد منهم إلا ابن إدریس فإنه حکم فیه بالقرعة.
و منها حصول الشرکة بامتزاج أحد المالین بالآخر بحیث لا یتمیز أحدهما من الآخر اختیارا کان المزج أو اتفاقا، الذی اتفق علیه الأصحاب قدس سرهم و ادعوا دلالة الأخبار علیه فإن الامتزاج الرافع للتمیز إنما یوجب تساوی النسبة فی مرحلة الظاهر الموجب للشرکة الظاهریة لا التحقیقیة کما هو ظاهر.
و ممن تنبه لذلک صاحب الحدائق قدس سرهم بل استظهره من کلامهم حیث قال فی الحدائق: ثم لا یخفی أیضا أن الظاهر من کلامهم أن المراد بالشرکة ما امتزج من المالین و اشتبه فیه التمیز بین الحقوق بحسب الظاهر لا ما کان کذلک بحسب الواقع و نفس الأمر بمعنی أن یصیر کل جزء جزء من ذلک المال المشترک کذلک فی نفس الأمر فإن الغالب من أسبابها المزج إلی أن قال: نعم قد یتحقق الاشتراک النفس الأمری فی المیراث و شراء شی‌ء بالاشتراک و نحو ذلک انتهی.
و فصل صاحب الجواهر قدس سره ففرق بین المزج الاختیاری و الاتفاقی فحکم بأن الشرکة فی الأول تحقیقی دون الثانی.
و التحقیق أن الشرکة فی الصورتین ظاهریة ضرورة أن الاشتباه و عدم التمیز لا یوجب انقلاب الواقع حتی تحصل الإشاعة تحقیقا هذه جملة من الموارد المنصوصة التی وقفت علیه عاجلا و قد حکم الأصحاب فی کثیر من المواضع بمقتضی القاعدة المزبورة کما لا یخفی علی المتتبع فی أبواب الفقه.
منها ما إذا ادعی اثنان عینا عند آخر و اعترف ذو الید بأنها من أحدهما و لیس
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 47
لهما بینة و تحالفا فإنه یحکم فیه بالتنصیف بینهما کما اختاره صاحب الجواهر قده و استظهره من الأدلة و الحکم بالتنصیف فیه لیس إلا لأجل تساوی نسبة کل منهما إلیه فی الظاهر و لیس من هذا الباب ما إذا کانت العین فی یدهما و ادعیاها أو ادعاها أحدهما و الآخر نصفها و لیس لهما بینة أو تعارضت بینتهما و تساقطتا و تحالفا فإن الحکم بالتنصیف فی الصورة الأولی و بالربع لمدعی النصف و بالباقی لمدعی الکل من باب الأخذ بمقتضی الیدین لأجل عدم البینة أو سقوطهما لتعارضهما و عدم المرجح و سقوط الدعویین بالتحالف و لذا لا یعتبر حینئذ العلم بصدق دعوی أحدهما بل یحکم فیه بذلک و لو احتمل کذب دعواهما معا.
و الحاصل أن تساوی نسبة کل واحد منهما إلی عین فی مرحلة الظاهر مع العلم باستحقاق أحدهما یوجب الحکم بالاشتراک تنزیلا للتساوی فی الظاهر منزلة التساوی واقعا و هذا مورد قاعدة العدل و الإنصاف و أما مع اجتماع سببی الاستحقاق و تساویهما فهو مشارک مع القاعدة فی الحکم بالاشتراک إلا أنه خارح عن تحت القاعدة و إن کان الحکم بالاشتراک فیه ظاهریا أیضا لأن سببیة الید للاستحقاق إنما هو من جهة أنه أصل کما هو التحقیق أو من جهة أنه أمارة علیه کما یظهر من بعضهم و علی کل تقدیر لا یکون موجبا للعلم بالواقع.
و إن اشتبه من علیه الحق بغیره و تردد الأمر بین اثنین فصاعدا ینحل العلم بالنسبة إلی کل واحد و یجری أصل العدم فی حقه و لا یلتزم بشی‌ء حتی یصیر موردا لقاعدة العدل و الإنصاف أو القرعة لأن کلا منهما لا یکلف إلا بأداء ما فی ذمته فعلم کل واحد بثبوت حق فی ذمته أو ذمة صاحبه لا یؤثر فی التزامه بشی‌ء و لیس لمن له الحق أن یلزمهما أو أحدهما معینا أو مخیرا بأداء الحق لما ظهر لک من انتفاء موجب للالتزام بالنسبة إلیهما.
و أیضا الأمر دائر بین فوت حقه لعدم العلم بمن علیه الحق حتی یستوفاه منه و بین جعل ذمة البری‌ء مشغولة بحقه مقدمة لاستیفاء حقه و من الواضح أنه لا ترجیح
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 48
للثانی علی الأول بل لا وجه له فینحصر الأمر فی الأول و إن اشتبه من علیه الحق بمن له الحق و تردد الأمر بینهما فهو مورد للقرعة کما ورد به النص فی الفقیه عن الحماد عن الحسین بن مختار قال: قال أبو عبد الله علیه السلام لأبی حنیفة:
یا أبا حنیفة ما تقول فی بیت سقط علی قوم و بقی منهم صبیان أحدهما حر و الآخر مملوک لصاحبه فلم یعرف الحر من المملوک فقال أبو حنیفة: یعتق نصف هذا و یعتق نصف هذا و یقسم المال بینهما فقال أبو عبد الله علیه السلام: لیس کذلک و لکنه یقرع بینهما فمن أصابته القرعة فهو حر و یعتق هذا فیجعل مولی له
و عن حماد بن حریز عن أحدهما (علیهما السلام) قال:
قضی أمیر المؤمنین علیه السلام بالیمن فی قوم انهدمت علیهم دار لهم فبقی منهم صبیان أحدهما مملوک و الآخر حر فأسهم بینهما فخرج السهم علی أحدهما فجعل المال له و أعتق الآخر
" و عن ابن سماعة عن الحسن بن أیوب عن العلاء عن محمد عن أحدهما علیهما السلام قال:
قلت له: أمة و حرة وقع علیهما بیت و قد ولدتا فماتت الأمان و بقی الابنان کیف یورثان قال: فقال: أسهم علیهما ثلاثا ولاء یعنی ثلاث مرات فأیهما أصابه السهم ورث
" و قد روی هذا الخبر فی التهذیب بطرق آخر أیضا و بالجملة الروایات متطابقة فی الحکم بالقرعة حینئذ و لا شبهة فیه و إنما الکلام فی أن الخبر الثالث المروی بطریقین ساکت عن عتق الآخر و إنما حکم فیه بأنه یرثه من أصابته القرعة و الخبران الأولان یدلان علی أنه یعتق و هل یکون الإعتاق حینئذ واجبا أم مندوبا؟ فیه وجهان.
وجه الوجوب أنه لو لم یکن واجبا لما أعتقه الإمام مع صغر المولی.
و وجه الندب سکوته عن العتق فی الروایة الأخیرة و الحکم بثبوت ولاء المعتق للآخر فی الروایة الأولی لأن الولاء إنما یثبت للمعتق إذا کان العتق تبرعیا و لعل الوجه فی الحکم بالعتق حینئذ ملاحظة مصلحة الوارث الصغیر من حیث سقوط نفقة العبد حینئذ عنه ثم إن ما توهمه أبو حنیفة من جریان قاعدة العدل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 49
و الإنصاف حینئذ حیث حکم برقیة النصف من کل منهما و حریة النصف کذلک فهو باطل جدا إذ مع التردد فی من علیه الحق لا مجال لجعل الحق فی ذمتهما لمصلحة المستحق حتی یتمکن من استیفاء حقه بل جعل النصف من کل منهما رقیقا فی المقام نقض للغرض و مناف لها لأنها إنما تجری فی موارده لأجل إیصال الحق إلی مستحقه و عدم حرمانه عن حقه و لو عن بعضه و فی المقام لا یعود إلی المولی شی‌ء بهذا الحکم لأن الحکم برقیة نصف العبد له مع الحکم برقیة نصفه لعبده متکافئان فلم یصل إلی المولی شی‌ء بل رقیة نصف عبده له لا تعادل رقیة نصفه لعبده و یکون الضرر علیه أشد حینئذ کما هو ظاهر.
مع أن التبعیض فی الحریة و الرقیة لم یعهد من الشارع إلا فی عقد الکتابة فلا مجال فیه إلا للقرعة و لا ینافی الحکم بالقرعة فی المقام مع الحکم بحریة کل من المتداعیین رقیة الآخر بعد التحالف مع عدم البینة أو تساقطهما لعدم العلم برقیة أحدهما للآخر بمجرد التداعی لاحتمال کذب کل منهما نعم لو علم الحاکم برقیة أحدهما للآخر فهو حینئذ من هذا الباب.
ثم إن الحکم بالقرعة حینئذ هل یختص بصورة اشتباه الحر بالمملوک أو یعم جمیع موارد اشتباه من له الحق بمن علیه الحق و لو کان دینا کما إذا علم کل منهما بأن أحدهما مدیون للآخر و علی فرض الاختصاص بالصورة الأولی هل یعم جمیع موارد التباس الحر بالمملوک و لو کانا بالغین عاقلین أو یختص بالصغیرین؟ الظاهر أنه لا یعم الحکم لجمیع موارد التردد بینهما لعدم تأثیر العلم الإجمالی بثبوت حق فی ذمة أحدهما للآخر فی اشتغال ذمة کل منهما تعیینا أو تخییرا أو أحدهما بعینه.
کما هو ظاهر فیجری أصالة العدم بالنسبة إلی کل منهما فیجب الاقتصار علی مورد النص و هو اشتباه الحر بالمملوک إذا کانا صغیرین و لعل الحکم بالقرعة حینئذ من جهة رجوع ولایة أمرهما إلی الإمام علیه السلام فیصیر تشخیص أمرهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 50
من وظائفه علیه السلام فیجب علیه القرعة بینهما.
و التحقیق أنه لا مناص من القرعة فی المقام و لا مجال لغیرها لأن الأمر دائر فی کل من الصبیین بین کونه ولد المولی و ولد العبد فلا مجال لقاعدة العدل و الإنصاف لعدم تطرق الإشاعة و الاشتراک فی الولادة کما أنه لا مجال لأصالة عدم کونه ولد العبد للعلم الإجمالی بکونه ولد العبد أو ولد المولی و عدم جریان الأصل فی أطرافه إما لعدم المجری له حینئذ أو للتعارض و التساقط.
فإن قلت: أحد طرفی العلم الإجمالی و هو کونه ولدا للمولی لا یؤثر منعا فیسقط العلم الإجمالی حینئذ عن التأثیر و یرجع إلی الشک البدوی فلا مانع حینئذ من جریان الأصل.
قلت: الأثر ثابت علی کل تقدیر لأن مقتضی کونه ولدا للمولی انتسابه إلی المولی المستتبع لانتسابه إلی أطرافه رجالا و نساء و ثبوت الإرث له و مقتضی کونه ولد العبد انتسابه إلی العبد و أطرافه و صیرورته میراثا و ثبوت النسبة و القرابة بالنسبة إلی قبیلة و انقطاعه عن قبیلة أخری المستتبع لأحکام کثیرة من المحرمیة و حرمة النکاح و ثبوت الوراثة و هکذا فی غایة الأهمیة فی نظر الشارع فلا بد من تشخیصها و تعیینها و لا سبیل إلیه إلا بالقرعة.
و إن علم بثبوت حق و اشتبه عینه و تردد بین عینین فصاعدا و تساوت نسبة کل من العینین إلی کل واحد من المالکین و لا مرجح فی البین فهو مورد لقاعدة العدل و الإنصاف لأن تساویهما فی النسبة موجب للحکم بالاشتراک فی مرحلة الظاهر حسب نسبتهما إلیهما و قد ورد به النص فی بعض مواضعه.
روی المشایخ الثلاثة (قدس سرهم) عن إسحاق ابن عمار:" عن أبی عبد الله علیه السلام
فی الرجل یبضعه الرجل ثلاثین درهما فی ثوب و آخر عشرین درهما فی ثوب فبعث بالثوبین و لم یعرف هذا ثوبه و لا هذا ثوبه قال: یباع الثوبان فیعطی صاحب الثلاثین ثلاثة أخماس الثمن و الآخر خمسی الثمن.
قلت: فإن صاحب العشرین قال لصاحب الثلاثین: اختر أیهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 51
شئت قال: قد أنصفه
و عمل به أکثر الأصحاب (قدس سرهم) و خالفهم ابن إدریس فحکم فیه بالقرعة لأنها لکل أمر ملتبس و هذا من ذاک.
و فیه أن موضوع القرعة هو الإشکال لا مجرد الالتباس و لا إشکال مع وجود النص بل یمکن أن یقال: هذه الصورة راجعة إلی الصورة الأولی التی ورد فیها النصوص المتعدد علی أنها مجری لقاعدة العدل و الإنصاف إذ کل عین من العینین حینئذ یتردد أمره بین اثنین أو أکثر فالنصوص السابقة الدالة علی ترتیب آثار الإشاعة و الاشتراک فی الصورة الأولی دالة علی ثبوته فی هذه الصورة أیضا لرجوع الصورتین إلی صورة واحدة فلا وجه للعدول عنها إلی القرعة.
و بما بیناه تبین أنه لا یختص هذا الحکم بخصوص الثوبین و لا بصورة الاشتباه بین عینین بل یجری فی غیر الثوبین و فی أکثر من عینین إذا وقع الاشتباه و لا مرجح فی البین فالاقتصار علی خصوص الثوبین المشتبهین و الحکم بالقرعة فی سائر الصور کما ذهب إلیه جماعة من الأجلة لا وجه له.
فإن قلت ورود النصوص المتعددة علی الحکم بالاشتراک فی العین المرددة بین اثنین أو أکثر لا یدل علی جریانه فی المقام إذ لعل الحکم بالاشتراک مع وحدة العین من جهة دوران الأمر بین تخصیصها بأحدهما و لو بالقرعة المحتمل حرمان المستحق به رأسا و الحکم باشتراکهما فیها الموجب لوصول بعض الحق إلی مستحقه قطعا و تقدم الثانی علی الأول و هذا الوجه لا یجری فی المقام لاشتراک القرعة مع الحکم بالاشتراک فی عدم حرمان ذی الحق عن بعض حقه.
قلت: تساوی النسبة فی مرحلة الظاهر یقتضی ترتیب آثار الاشتراک ذاتا و النصوص الواردة مقررة للقاعدة العقلیة و لا تعبد فیها و هذا الوجه موجود بعینه فی المقام و لا مانع من الأخذ به و مجرد اشتراک القرعة معه حینئذ فی وصول کل من ذوی الحقوق إلی بعض حقه لا یوجب العدول عنه إلی القرعة.
ثم اعلم إنه نقل عن العلامة (قدس سره) فی" التذکرة" أنه فصل فی هذا الفرع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 52
فقال:" إن أمکن بیعهما منفردین وجب ثم إن تساویا فلکل واحد ثمن ثوب و لا إشکال و إن اختلفا فالأکثر لصاحبه و کذا الأقل بناء علی الغالب و إن أمکن خلافه إلا أنه نادر لا أثر له شرعا و إن لم یمکن صارا کالمال المشترک شرکة اختیاریة کما لو امتزج الطعامان فیقسم الثمن علی رأس المال و علیه تنزل الروایة.
أقول: الحکم بالشرکة الظاهریة ثابت علی کل حال و التشریک إنما هو فی الثوبین لا فی الثمن الذی اشتریا به فمع تساویهما فی الثمن الذی بیعا به فلکل واحد نصف المجموع و مع اختلافهما فإن کان ثمن الأقل أزید من خمسین فللأقل ذلک إذ یعلم حینئذ بأن قیمة ثوبه لا یکون أقل منه و إلا فله خمسان من المجموع بیعا منفردین أو منضمین.
و الحاصل أن الحکم بالاشتراک أخماسا حکم ظاهری یؤخذ به مع الجهل بنسبة قیمة أحدهما من قیمة الآخر و أما مع العلم بتساوی النسبة کالصورة الأولی فالحکم هو التنصیف لا محالة و کذا مع العلم بأن قیمة أدون الثوبین أزید من خمسین نعلم بأن لصاحب العشرین أزید من خمسین فیعطی ذلک فالحکم بالاشتراک أخماسا إنما هو مع الجهل بالنسبة رأسا أو مع العلم بالنسبة فی الجملة و عدم العلم بأن سهم الأقل أزید من خمسین فما حکم به (قده) من الحکم بالتنصیف فی صورة تساوی ثمنی الثوبین صحیح و لکن لا یتم حکمه بأن لصاحب الأقل أقل الثمنین مطلقا.
و إن علم الحق فی الجملة و تردد فی مقداره سواء کان ذلک ممن له الحق أو ممن علیه الحق یحکم بالأقل و ینفی الزائد بالأصل إلا إذا استند جهل من علیه الحق إلی تقصیره فیجب علیه الاحتیاط حینئذ کما إذا استدان رجل من آخر غیر مرة و تساهل فی قیده و ضبطه مع جریان العادة بثبت المدیون فی دفتره مثلا ثم شک فی مقدار دینه یجب علیه حینئذ الاحتیاط بأداء ما یعلم ببراءة ذمته.
و من هذا القبیل من فاتته صلوات کثیرة و تساهل فی قضائها و ضبطها حتی شک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 53
فی مقدارها و ینبغی أن ینزل علی هذه الصورة فتوی أکثر الأصحاب بوجوب تحصیل البراءة الیقینیة عند الشک فی مقدار الفوائت و إلا فعدم وجوب تحصیل العلم بالبراءة مع الشک فی الأقل و الأکثر الغیر الارتباطیین مسلم عند الجمیع لعدم العلم بالاشتغال حینئذ حتی یجب علیه تحصیل البراءة الیقینیة.
و إن علم باشتراک جماعة فی عین و اشتبه سهم کل واحد فإما أن یعلم بثبوت مقدار معین لکل واحد بعینه و یشک فی الزائد أو لا یعلم به کذلک فإن علم به کذلک أعطی کل واحد ما علم بثبوته له و یقسم الزائد بینهم بالسویة مع تساوی نسبة الکل إلیه فی الظاهر و عدم المرجح عقلا أو شرعا و إن لم یعلم به کذلک حکم بإشاعة العین بینهم بالسویة مطلقا سواء علم بالتفاوت فی الجملة و لم یعلم مقداره و لا من له الزیادة أو علم مقداره و اشتبه من له الزائد بمن له الأقل أو لم یعلم بالتفاوت أصلا.
توضیح ذلک أنه مع العلم بمقدار معین لکل واحد منهما بعینه کما إذا اجتمع ذکر مع الخنثی المشکل یستحق الذکر نصف الترکة قطعا و الخنثی ثلثها و یتردد الأمر فی السدس الباقی و یستوی نسبة کل منهما إلیه مع عدم العلائم المشخصة الشرعیة و العرفیة فیحتمل کونه للذکر لاحتمال کون الخنثی أنثی و للخنثی لاحتمال کونه ذکرا فیقسم بینهما بالسویة فیثبت للخنثی حینئذ سهم بین السهمین و توهم أن الأصل عدم استحقاق الخنثی ما زاد عن سهم الأنثی فی غیر محله لمعارضته بأن الأصل عدم استحقاق الذکر ما زاد عن سهم ذکر مجامع للذکر و الحاصل أن منشأ التردد هو أن الذکر فی المورد هل هو مجامع مع ذکر حتی یستحق نصف الترکة أو أنثی حتی یستحق ثلثیها و کل منهما أمر وجودی مخالف للأصل فلا مجال لجریان الأصل فی أحدهما و لا فرق فیما بیناه من تقسیم الزائد بینهما بالسویة بمقتضی قاعدة العدل و الإنصاف بین استحقاق کل منهما الجمیع اقتضاء مع الشک فی مقدار التزاحم کما فی المثال فإن کلا منهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 54
یستحق جمیع الترکة لو انفرد و بین عدم استحقاقهما الجمیع کذلک کما إذا علم باشتراک عین بین زید و عمرو و علم بأن لزید نصفها و لعمرو ثلثها قطعا و شک فی السدس هل هو لزید أم لعمرو.
و أما مع عدم العلم بمقدار معین لکل واحد منهما بعینه فإن لم یعلم بالتفاوت أصلا و احتمل کونهما متساویین فالأمر ظاهر لاستواء نسبة کل منهما إلیه فی الظاهر و الأصل عدم زیادة حق کل واحد منهما علی الآخر فیشترکان فیه بالسویة.
و إن علم بالتفاوت فی الجملة و لم یعلم مقداره و لا من له الزیادة فکذلک إذ نسبة منهما إلی هذه الزیادة المعلومة إجمالا علی حد سواء فیشترکان فیها فیتساویان و إن علم بمقدار التفاوت کان علم بأن لأحدهما ثلثا و للآخر الثلثین و اشتبها فی العین فلکل واحد منهما ثلث قطعا و یتردد الثلث الآخر بینهما فمع عدم المرجح و تساوی نسبة الثلث إلی کل منهما یشترکان فیه بمقتضی قاعدة العدل و الإنصاف فیتساویان فی العین فاتضح بحمد الله تعالی مما بیناه مجری القاعدة الشریفة المسماة بقاعدة العدل و الإنصاف و أنه هو ما إذا تردد من له الحق المعلوم بین اثنین فصاعدا مع تطرق الإشاعة فی الحق و تساوی النسبة فی الظاهر و عدم المرجح عقلا أو شرعا.
ثم لا یخفی علیک أنه لا فرق فی هذا الحکم بین أن یکون متعلق الحق عینا خارجیا أو ما فی الذمة کان علم زید بثبوت دین معلوم المقدار فی ذمته و اشتبه فی أن الدین لعمرو أو لبکر مثلا لأن تساوی النسبة إلی کل منهما کما یقتضی الإشاعة بالنسبة إلی العین الخارجی کذلک یقتضی الإشاعة بالنسبة إلی ما فی الذمة و هو کالعین الخارجی قابل للإشاعة و الاشتراک ذاتا و لا مانع من تطرقها فیه عرضا فلا مجال للتفصیل بینهما فإذا تحققت الإشاعة بالنسبة إلی ما فی ذمته فی مرحلة الظاهر یلزمه تحقق الوفاء و براءة الذمة برد المقدار المعلوم إلیهما بالسویة إن ادعاه کل واحد منهما و تحالفا
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 55
أو نکلا و إلا یختص به الحالف أو لم یدعه و علم بأنه لأحدهما و استویا فی نظره و إن ادعاه أحدهما و حلف اختص به فیدفعه إلیه.
و إن علم بثبوت دین فی ذمته و لم یعلم بالدائن لا إجمالا و لا تفصیلا فهو من قبیل المظالم و لا یجب علیه الاحتیاط فی صورة اشتباه من له الحق فی عدد محصور یدفع المقدار المعلوم إلی کل واحد منهم لأن الاحتیاط إنما یجب لأجل تردد المأمور به بین أمور مع عدم تطرق الإشاعة فینحصر طریق الامتثال فی الإتیان بجمیع الأطراف المحتملة حینئذ بخلاف المقام المتحقق فیه الإشاعة الظاهریة لوجود المقتضی لها و هو تردد من له الحق بین اثنین فصاعدا و فقد المانع و قبول المحل لها فیجب علیه حینئذ دفع الحق المعلوم إجمالا إلی مستحقیه فی الظاهر و یبرء ذمته بهذا الدفع و لو لم یبرء ذمته فی الظاهر بالدفع إلیهم لکان مناقضا مع حصول الإشاعة الظاهریة و مع حصول البراءة فی الظاهر لأجل العمل بالوظیفة لا یبقی مجال لوجوب الاحتیاط.
و من هنا تبین أنه لا یجب المصالحة معهم حینئذ نعم لو صالح مع کل واحد منهم لکان أحوط و بما بیناه تبین أن الحکم بالسهم بین السهمین فی الخنثی المشکل الذی له ما للرجال و ما للنساء إذا تساوی الفرجان فی البول سبقا و انقطاعا کما ورد به النص منطبق علی القواعد الأولیة الجاریة فی سائر الموارد و لکن الحکم بالقرعة فی من لیس له ما للرجال و النساء تعبدی ثبت بالنص الخاص.
و منه یعلم أنه لو جهل ذکورة الوارث و أنوثته مع عدم التمکن من الفحص عن حاله کما لو ولد حیا فی سفینة و غرق فی البحر قبل العلم بحاله فمقتضی المیزان الحکم فیه بالسهم بین السهمین لعدم ورود نص فیه علی خلافه و توهم الاقتصار فیه علی سهم الأنثی للأصل باطل جدا لما عرفت من عدم جریان الأصل فی أحد من الطرفین ثم اعلم أن الحکم بالسهم بین السهمین فی القسم الأول من الخنثی یمکن أن یکون حکما واقعیا من جهة اجتماع الذکورة و الأنوثة فیه تحقیقا و عدم غلبة إحدی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 56
الجهتین علی الأخری فهو ذکر و أنثی تحقیقا لا أنه إما ذکر أو أنثی و لا ینافی ذلک من کون أصل الحکم واقعیا ما ورد فی النص من الحکم به فی صورة موت الولد قبل أن یبول لأنه إنما یصیر حکما ظاهریا حینئذ باعتباره أصالة عدم غلبة إحدی الجهتین علی الأخری.
و یظهر من النصوص الواردة فی المقام أن الأصل لا یجری قبل الفحص من حال الواقع فی المقام مع التمکن منه مع أن الشبهة موضوعیة و من شأنها عدم وجوب الفحص فیها و السر فی وجوب الفحص هنا شدة اهتمام الشارع بحکم الموضوع فی المقام من جهة أنه من حقوق الناس و کیف کان فقد ظهر لک أن مجری قاعدة العدل و الإنصاف هو العلم بثبوت الحق و تردد من له الحق بین اثنین فصاعدا مع تطرق الإشاعة فی الحق و تساوی النسبة فی الظاهر و عدم المرجح من دون فرق بین أن یکون متعلق الحق عینا خارجیا أو ما فی الذمة و ثبوت القرعة فی بعض الموارد الذی هو مجری للقاعدة المزبورة کالخنثی الذی لیس له ما للرجال و ما للنساء إنما هو بالنص الخاص کما أن الحکم بجریان القاعدة فی دیة الجنین الذی لم یعلم أ ذکر أم أنثی و الحکم بالدیة بین الدیتین أیضا بالنص الخاص و إلا فمقتضی المیزان الحکم فیه بدیة الأنثی لأن الزائد عنها مشکوک فیه و الأصل عدمه.
و لعل الوجه فیه اهتمام الشارع بالحقوق المتعلقة بالدماء فجعل الدیة فیه متوسطة بین الدیتین رعایة للجانبین.
لا یقال: قد تجری القاعدة مع تردد الحق بین أعیان متعددة و العلم بمن له الحق کما إذا علم زید أن لعمرو عنده مالا و لم یعلم أنه ثوب أو کتاب أو بساط مخصوص مثلا فإن الظاهر أنه یحکم بتقویم المجموع و رد ثلث قیمته إلی عمرو.
لأنا نقول: تردد الحق بین أعیان متعددة یرجع إلی تردد من له الحق فی کل عین من الأعیان بین زید و عمرو فیحکم فیه بالإشاعة الظاهریة و یجری فیه قاعدة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 57
العدل و الإنصاف و حیث أن لعمرو واحدا منها و تردد الأمر بین أعیان ثلاثة متباینة فلا بد من تقویم المجموع و رد ثلث قیمته إلیه و أن تردد العین بین أعیان أربعة فله ربع قیمة المجموع و هکذا.
فإن قلت: الحکم بالإشاعة علی خلاف الواقع قطعا إذ المفروض أن العین یختص بأحدهما فی الواقع و لا إشاعة فیه و الحکم الظاهری وظیفة للجاهل بالواقع و أما مع العلم بعدم الإشاعة فلا یعقل أن تکون الوظیفة هی الحکم بالإشاعة.
قلت: یتساوی نسبة الشخصین إلی العین فی الظاهر حینئذ فیدور الأمر بین تخصیص العین بأحدهما و الحکم بالإشاعة و الأول إعمال لإحدی النسبتین و إلغاء للأخری مع عدم المرجح و بطلانه ظاهر و أما الإشاعة فهی مقتضی إعمال النسبتین و لا ینافی الحکم بها مع العلم بعدمها واقعا کما لا ینافی الحکم بالتخییر فی الظاهر مع العلم بعدمه واقعا.
و الحاصل أن العجز عن تحصیل الموافقة القطعیة کما أوجب الاکتفاء بالموافقة الاحتمالیة و الحکم بالتخییر فکذلک العجز عن إیصال تمام الحق إلی مستحقه أوجب الاکتفاء بإیصال بعض الحق إلی مستحقه و الحکم بالإشاعة لعدم السبیل إلی غیره هذا تمام الکلام فی قاعدة العدل و الإنصاف.

و أما القرعة

فمجراها الأمر بالمشکل لا المشتبه و إلا جرت فی جمیع موارد الأصول لثبوت الاشتباه فیها و الإشکال لا یتحقق إلا بعدم المجری لسائر الأصول و القواعد أو بوجود المانع عن جریانها مع ثبوت المجری اقتضاء فهی متأخرة عن جمیع الأصول و القواعد.
و ما لا یکون مجری لشی‌ء من الأصول مثل ما إذا وطئ جماعة الأمة المشترکة بینهم فی طهر واحد شبهة فحملت و جاءت بولد و تداعوه فإنه لا یجری فیه سائر الأصول أما قاعدة العدل و الإنصاف فلأنها إنما تجری فیما یتطرق فیه الإشاعة و لا إشاعة فی النسب و أما سائر الأصول فعدم جریانها فیه أوضح فینحصر الأمر فی القرعة و الأمر فی مثله واضح.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 58
فإن قلت: لا مانع من إجراء أصالة عدم النسب فی المقام لأن علم کل واحد من الشرکاء بأن الولد إما منه أو من شریکه لا یوجب إلزامه بشی‌ء.
قلت: لا یجری أصل العدم فی المقام لا لوجود العلم الإجمالی حتی یرد علیه ما ذکرت من عدم تأثیره الإلزام حینئذ باعتبار خروج أحد طرفیه عن محل الابتلاء بل لأجل وجود مقتضی لحوق الولد بکل منهم لاشتراکهم فی الفراش إذ الأمة الموطوءة شبهة تصیر فراشا لکل منهم فلا مجال لإجراء أصالة عدم لحقوق الولد حینئذ مع وجود ما یقتضی اللحوق فی کل منهم و لو اعتبرنا مع ذلک الحالة السابقة فی مجری الأصل لکان الأمر أوضح إذ لا حالة سابقة للحوق و عدمه حتی یستصحب «1» و أما الموارد التی تجری القرعة فیها لأجل وجود مانع من جریان سائر الأصول مع ثبوت المجری لها فقد یشتبه الأمر فیها و یحتاج إلی تأمل تام فی تحقیق وجود المانع و عدمه عقلا أو شرعا هذا إذا کان القرعة لاستخراج أمر مجهول و أما إذا کان القرعة لتعیین سهام الشرکاء فالأمر فیه واضح أیضا.
______________________________
(1) لا یقال: ثبوت مقتضی لحوق الولد فی کل منهم مع عدم تطرق الاشتراک یوجب التعارض و التساقط کما هو الشأن فی تعارض المقتضیات مع عدم وجود المرجح.
لأنا نقول: لحوق الولد بواحد منهم معلوم فلا مجال للحکم ببطلان اللحوق أصلا و إنما التعارض بین الأسباب فی تعین المحق به فإذا لم یتطرق فیه الاشتراک و لا ترجیح فی البین یتعین الحکم بالقرعة (منه).
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 59‌

(فائدة 7) [تعارض البینتین]

الصدوق فی الفقیه و الشیخ فی التهذیب عن عبد الله بن المغیرة عن غیر واحد من أصحابنا عن أبی عبد الله علیه السلام"
فی رجلین کان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لی و قال الآخر: هما بینی و بینک قال: فقال أبو عبد الله (علیه السلام): أما الذی قال هما بینی و بینک فقد أقر بأن أحد الدرهمین لیس له فیه شی‌ء و أنه لصاحبه یقسم الدرهم الثانی بینهما نصفین
". و عن العلامة قدس سره فی التذکرة" لو کان فی ید شخصین درهمان فادعاهما أحدهما و ادعی الآخر واحدا منها أعطی مدعیهما معا درهما و کان الآخر بینهما نصفین لأن مدعی أحدهما غیر منازع فی الدرهم الآخر فیحکم به لمدعیهما و قد تساویا فی دعوی أحدهما یدا و دعوی فیحکم به لهما، هذا إذا لم یوجد بینة و الأقرب أنه لا بد من الیمین فیحلف کل واحد منهما علی استحقاق النصف الآخر الذی تصادمت دعواهما فیه فمن نکل منهما قضی به للآخر و لو نکلا معا أو حلفا معا قسم بینهما نصفین لما رواه عبد الله بن المغیرة" انتهی.
و ما استظهره من تنزیل الروایة علی صورة عدم البینة أو تعارض البینتین و تحالفهما أو نکولهما عن الیمین فی محله فإن الظاهر أن الروایة ناظرة إلی تساوی الیدین بالنسبة إلی أحد الدرهمین المقتضی للتقسیم بینهما مع عدم ما یوجب اختصاص أحدهما به من البینة أو حلف أحدهما و نکول الآخر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 60
و قال الشهید قدس سره فی الدروس" لو کان معهما درهمان فادعاهما أحدهما و الآخر اشتراکهما ففی الروایة المشهورة للثانی نصف درهم و للأول الباقی و یشکل إذا ادعی الثانی النصف مشاعا فإنه یقوی القسمة نصفین و یحلف الثانی للأول و کذا کل مشاع" انتهی و کأنه قدس سره زعم أن ید کل منهما متعلق بالنصف المشاع فیصیر مدعی الکل مدعیا علی صاحبه و أما مدعی النصف فلأجل موافقة ادعائه لیده لا یکون مدعیا علی صاحبه شیئا و إنما ینکر ادعاءه علیه فعلیه أن یحلف و یترک له ما فی یده و هو النصف مشاعا.
و ما زعمه فی غیر محله لأن ید کل منهما متعلق بالکل و الإشاعة فی العین إنما تتحقق من قبل اجتماع الیدین علی محل واحد فمرجع الإشاعة و الاشتراک إلی عدم تمامیة کل من الیدین فی تأثیر الاستحقاق و التملک من جهة التزاحم بینهما لا إلی تعلق کل منهما بکسر مشاع و التعبیر بملک النصف أو الثلث و هکذا تنبیه علی نقصان الاستحقاق و تقدیر مرتبة ضعفه و أن تتمیمه إنما هو بتقسیمه بهذه النسبة.
و هکذا الأمر فی سائر الأسباب الموجبة للإشاعة و الاشتراک فی العین ضرورة أن تعلق الید و الاستحقاق بالکسر المشاع غیر متصور لأن مرجع الکسر المشاع إشاعة واقعیة حینئذ إلی کسر غیر معین واقعا و ما لم یتعین واقعا مبهم لا یقبل الوجود حتی یصیر موردا للاستحقاق و أسبابه من الید و غیرها ضرورة أن الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد کما أنه ما لم یوجد لم یتشخص و من هنا یبطل نکاح إحدی البنتین و طلاق إحدی المرءتین.
فإن قلت: نعم کل من الیدین متعلق بنفس العین لا بکسر منها إلا أن مقتضی اجتماع الیدین علی عین تنصیفها بینهما لأنهما متکافئان و لا ترجیح لإحداهما علی الأخری فإقرار مدعی النصف بالنصف لمدعی الکل إقرار بمقتضی اجتماع الیدین و تقریر له فلا یعقل أن یؤثر فی انقلابه عما هو علیه من التنصیف إلی التربیع.
قلت: استحقاق کل منهما نصف العین قبل الإقرار إنما هو مقتضی اجتماع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 61
الیدین علیها و عدم ترجیح إحداهما علی الأخری و رجوع النصف إلی مدعی الکل بعد إقرار صاحبه له بالنصف إنما هو بالإقرار النافذ علیه لا باعتبار اجتماع الیدین علی الکل و لذا ینفذ الإقرار بالنصف سواء اجتمعت أیدیهما علی العین أم انفردت ید المقر بها فتأثیر الإقرار فی النصف لیس تقریرا بمقتضی اجتماع الیدین و أثر اجتماعهما حینئذ إنما یکون فی النصف الآخر فیقتسمانه بالسویة فیثبت لمدعی النصف الربع و لمدعی الکل الباقی.
فتبین بما بیناه غایة التبین أنه لا فرق فی استحقاق مدعی النصف الربع حینئذ بین ادعائه نصفا مشاعا أو معینا بل الروایة الشریفة الحاکمة بالتربیع ظاهرة فی ادعائه النصف مشاعا.
و مما حققنا یظهر لک أن ما ذکروه فی کتاب القضاء من الاقتسام نصفین إذا ادعی نصفا مشاعا و أرباعا إذا ادعی نصفا معینا فی غیر محله.
فی اللمعة فی کتاب القضاء" لو تشبثا و ادعی أحدهما الجمیع و الآخر النصف اقتسماها بعد یمین مدعی النصف للآخر و قیده الشهید الثانی (قدس سره) فی الشرح بعد تفسیر الاقتسام بالتنصیف بما إذا کان المدعی به نصفا مشاعا قال:" و لو کان النصف المتنازع معینا اقتسماه بالسویة بعد التحالف فیثبت لمدعیه الربع و الفرق أن کل جزء من العین علی تقدیر الإشاعة یدعی کل منهما تعلق حقه به و لا ترجیح بخلاف المعین إذ لا نزاع فی غیره و لم یذکروا فی هذا الحکم خلافا و إلا فلا یخلو من نظر" و قال ابنه الشیخ علی (رحمه الله) فی الحاشیة أفاد والدی فی وجه النظر أن الغرض وضع یدهما علی العین المتنازع فیها مع التعیین إن کانت ید مدعیه علیه وحده حلف لمدعی الکل و أخذها لا أنه یأخذ الربع و إن کانت الید علی المجموع لکن الدعوی علی النصف المعین ساوی المشاع فی استحقاق النصف".
و فی قواعد العلامة (قدس سره)" لو کان فی أیدیهما عین فادعاها أحدهما و ادعی الآخر منهما نصفها و لا بینة فهی بینهما بالسویة و علی مدعی النصف الیمین
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 62
لصاحبه و لا یمین علی صاحبه" (انتهی).
أقول: أما ما ذکره من وجه الفرق بین المشاع و المعین بأنه فی صورة دعوی النصف مشاعا کل جزء من أجزاء العین مورد لتعلق حق کل منهما بحسب دعواه فلا مزیة لأحدهما علی الآخر دعوی و یدا فتنتصف بینهما ففیه أن إقراره بالنصف مشاعا لمدعی الکل یوجب إخراجه عن محل التعارض فلا یتعارضان إلا فی النصف الآخر فیقتسمانه بالسویة فیحصل لمدعی النصف الربع و لمدعی الکل الباقی.
و توهم عدم خروج النصف عن مورد التعارض إذا کان المدعی به النصف مشاعا باطل جدا لأن مقتضی نفوذ الإقرار خروج المقر به عن مورد التعارض مشاعا کان أو معینا.
فإن قلت: شیوع المقر به فیما بیده و بید صاحبه موجب لتساوی کل منهما فی کلا النصفین و عدم ترجیح أحدهما علی الآخر فیعمل الیدان حینئذ بالنسبة إلی المجموع.
قلت: شیوع النصف المقر به فی العین لا یوجب إلغاء الإقرار و عدم نفوذه کما هو ظاهر.
فإن أردت من تساوی کل منهما فی کلا النصفین و عدم ترجیح أحدهما علی الآخر التساوی فی الاستحقاق فهو باطل بالضرورة لاستحقاق مدعی الکل النصف بإقرار صاحبه و نصف النصف الآخر باعتبار اشتراک یده.
و إن أردت من تساویهما فی کلا النصفین عدم تمیز المقر به عن غیره فی الخارج و عدم تعینه فهو مسلم و لکن لا یوجب إعمال الیدین فی المجموع المقتضی لاستحقاق کل منهما نصفا من العین کما هو ظاهر فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح أن ما ذکر من وجه الفرق غیر فارق فیما نحن فیه و لا یجدی أصلا و أن مقتضی القواعد العامة الحکم بالتربیع مطلقا سواء کان المدعی به النصف مشاعا أو معینا فما یظهر من کلماتهم أن مقتضی القواعد دعوی النصف المشاع التنصیف و أن الروایة المشهورة علی خلاف القاعدة فیجب الاقتصار علیها فی مورد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 63
النص و هو الدرهمان فی غیر محله مع أن عمومات القواعد غیر قابلة للتخصیص نعم قد تقدم جهة علی جهة فیتخیل أنه من باب التخصیص و من المعلوم انتفاؤه فی المقام.
و من غرائب الأوهام ما ذکره صاحب الجواهر (قدس سره) فی المقام فقال ما محصله: أن کلا من الیدین یقتضی تملک تمام العین فإذا اجتمعتا علی الدرهمین تعارضتا و تساقطتا کتساقط البینتین المتعارضتین المتساویتین فیصیر کل منهما کمن لا ید له علیهما فلا یکون أحدهما مدعیا و الآخر منکرا حتی یرد علیه أن مدعی الکل مدع للدرهم الذی هو تحت ید مدعی النصف و مقتضاه ثبوت النصف لمدعیه بعد حلفه لا الربع و إنما حکم فیه بتنصیف أحد الدرهمین من جهة استواء نسبتهما إلیه قطعا للخصومة بینهما بالعدل و الإنصاف فهو کالصلح القهری و لعله [لذا] ذکر الأصحاب هذه المسألة و ما شابهها فی هذا الکتاب.
و هو فی غایة الغرابة إذ لا معارضة بین الأیدی بوجه ضرورة أن المراد من الید هو الاستیلاء و الإحاطة و له مراتب فالاستیلاء التام موجب للحکم بالاستحقاق التام کما أن الاستیلاء الضعیف بواسطة مجامعة ید أخری معه موجب للحکم باستحقاق ضعیف حسب مرتبة ضعفه باختلاف تعدد الأیدی و لا یکون کل من الیدین المجتمعتین علی عین واحدة موجبا للحکم بالتملک التام حتی تتعارضا و تتساقطا و لا ینافی ذلک کون الید موجبة للحکم بالتملک التام إذا انفردت لأن الاستیلاء مع الانفراد تام فیوجب الحکم بالاستحقاق التام و هذا بخلاف البینة فإنها تدل علی ثبوت ما قامت علیه البینة علی حد واحد اجتمعت مع بینة أخری أم لا و لا تختلف دلالتها علیه باختلاف انفرادها و اجتماعها مع بینة أخری و لذا تتعارضان عند اجتماع المتنافیتین منها و یقدم الأقوی منهما لو کان و إلا تساقطتا علی أنه لو صح ما ذکره لزم فیما إذا اجتمعت الیدان علی عین و ادعیاها کل منهما و ادعاها ثالث أیضا أن یکون حکم الثالث حکمهما لخروج العین حینئذ عن تحت ید کل واحد منهم لبطلان الیدین و تساقطهما و هو خلاف ضرورة الفقه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 64‌

(فائدة 8) [لو باع من له نصف الدار نصف ملک الدار]

قال شیخ مشایخنا العلامة الأنصاری فی المتاجر.
(مسألة) لو باع من له نصف الدار نصف ملک الدار فإن علم أنه أراد نصفه أو نصف الغیر عمل به و إلا فإن علم أنه لم یقصد بقوله بعتک نصف الدار إلا مفهوم هذا اللفظ ففیه احتمالان حمله علی نصفه المملوک له و حمله علی النصف المشاع بینه و بین الأجنبی.
و منشأ الاحتمالین إما تعارض ظاهر النصف أعنی الحصة المشاعة فی مجموع النصفین مع ظهور انصرافه فی مثل المقام من مقامات التصرف إلی نصفه المختص و إن لم یکن له هذا الظهور فی غیر المقام و لذا یحمل الإقرار علی الإشاعة کما سیجی‌ء أو مع ظهور إنشاء البیع فی البیع لنفسه لأن بیع مال الغیر لا بد فیه إما من نیة الغیر أو اعتقاد کون المال لنفسه و إما من بنائه علی تملکه للمال عدوانا کما فی بیع الغاصب و الکل خلاف المفروض هنا و مما ذکرنا یظهر الفرق بین ما نحن فیه و بین قول البائع بعت غانما مع کون الاسم مشترکا بین عبده و عبد غیره حیث ادعی فخر الدین الإجماع علی انصرافه إلی عبده فقاس علیه ما نحن فیه إذ لیس للفظ المبیع هنا ظهور فی عبد الغیر فبقی ظهور البیع فی وقوعه لنفس البائع و انصراف لفظ المبیع فی مقام التصرف إلی مال المتصرف
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 65
سلیمین عن المعارض فیفسر بها إجمال لفظ المبیع" (انتهی).
أقول: و فیما ذکره نظر من وجوه:
الأول: أن المقصود بالبحث هو ما إذا لم یقصد البائع إلا مفهوم النصف من دون تعیین فی نظره و ضمیره من حصته أو حصة شریکه أو الحصة المشاعة بینهما کما ذکره (قدس سره) لا ما إذا قصد المعین و اشتبه علینا فحینئذ لا وجه للتمسک بالظهور و ترجیح أحد الظاهرین علی الآخر أو تعدیلهما لأن إعمال الظهور إنما هو لکشف مراد المتکلم و المفروض أن المتکلم فی المقام لم یقصد إلا مفهوم النصف من دون نظر إلی التعیین أصلا.
فالصواب فی وجه الاحتمالین أن یقال: عدم ظهور النصف فی النصف المختص به أو بشریکه و عمومه لهما یقتضی حمله علی النصف المشاع بینهما و انصراف البیع الصادر عن البائع مع قطع النظر عن الصارف إلی وقوعه عن نفسه مع صلوح المبیع له یقتضی حمل النصف علی النصف المختص به.
و الثانی: أنه لا ظهور للنصف مع قطع النظر عما بیناه من انصراف البیع الصادر عن الشخص فی حد نفسه إلی وقوعه عن نفسه المقتضی تعلقه بحصته المختصة به إلا فی النصف المشاع المنطبق علی حصته و حصة شریکه و الحصة المشاعة بینهما علی حد واحد لأن الجمیع مصادیق للنصف المشاع فلا ظهور له فی فرد منها غایة الأمر أن تخصیصه بحصته أو حصة شریکه یحتاج إلی ما یخصصه به و هو غیر ظهوره فی الحصة المشاعة بینهما حتی یعارض انصراف البیع فی حد نفسه إلی وقوعه عن البائع.
و الثالث: أن انصراف النصف إلی حصة المتصرف إنما هو من جهة انصراف البیع و الصلح و هکذا من التصرفات العقدیة و الإیقاعیة إلی التصرف عن نفسه و لنفسه فالتردید لا وجه له.
و مما بیناه ظهر أن إیراده علی فخر الدین (قدس سره) بعدم ظهور المبیع فی مثاله
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 66
لعبد الغیر دون ما نحن فیه فی غیر محله فإن المبیع فی المقامین لا ظهور له فی شی‌ء و إن افترقا من وجوه آخر و إنما الظهور و الانصراف إنما هو من قبل المحمول و هو البیع فیشترکان فی هذه الجهة.
و الرابع: أن ما ذکره فی وجه ظهور البیع فی البیع لنفسه من أن بیع مال الغیر یتوقف علی أحد أمور ثلاثة فی غیر محله لأن بیع مال الغیر یقع عن الغیر سواء نواه عن الغیر أم لا بل و لو نواه عن نفسه و لا حاجة إلی نیة إیقاعه عن غیره أو اعتقاده کون المال لنفسه أو بنائه علی تملکه للمال عدوانا و إنما یحتاج إلی النیة عن الغیر إذا کان المبیع مشترکا صالحا للوقوع عن نفسه و عن غیره کما فی المقام.
فتبین مما بیناه أن انصراف البیع إلی وقوع البیع لنفس البائع المقتضی لحمل النصف علی حصته المختصة به لا یعارضه ظهور النصف فی المشاع لأن حصته أیضا مشاعة غیر مفروزة و لا ظهور للنصف المشاع فی فرد خاص من المشاع و هو المشاع بین الطرفین بمعنی الموزع علی السهمین حتی یعارض الانصراف المذکور و لذا تکون المسألة من المسلمات کما فی الجواهر و عن غصب جامع المقاصد و المسالک و أنه مما لا ینبغی التأمل و التوقف فیها.
و إنما الشأن فی بیان افتراق الإقرار عن البیع و أمثاله فی هذا الحکم.
فأقول: بعون الله تعالی و مشیته أن التصرفات الإنشائیة عقدا کانت أو إیقاعا إذا تعلقت بما یصلح لوقوعها عن نفس المتصرف و عن غیره بقصد الفاعل إیقاعها عن غیره لا تکون نسبتها إلی الطرفین علی حد واحد بحیث یکون الفعل مبهما مع عدم نیة المتصرف إیقاعه عن نفسه أو عن غیره و یصیر باطلا من جهة عدم تعینه فی أحد وجهیه.
ضرورة أن صدور الفعل عن الفاعل یقتضی وقوعه عن نفسه فی حد نفسه لأن ارتباطه بنفسه مقتضی ذاته و لا ینصرف عنه إلی غیره إلا بوجود صارف یصرفه عنه فمع عدم وجود الصارف کما هو المفروض لا بد من وقوع البیع عن نفسه المقتضی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 67
لحمل النصف المشاع علی حصته لا حصة شریکه.
أما الإقرار فلما کان إخبارا عن ثبوت حق الغیر فیما بیده و ید الغیر من دون تصرف من المقر فلا انصراف فیه بوجه فینطبق متعلق الإقرار علی الحصة المشاعة فی المال من دون اختصاص بحصته أو حصة صاحبه فیوزع علیهما لعدم وجود مرجح فی أحد الطرفین و لا صارف عنه.
و قد تبین مما بیناه أمور:
الأول: أن النصف کما یحمل علی حصته المختصة به فی مورد الاشتراک مع الأجنبی کذلک یحمل علیها فی مورد اشتراکه مع المولی علیه و الموکل لأن المناط انصراف الفعل إلی وقوعه عن نفس الفاعل فی حد نفسه ما لم یصرفه عنه بصارف و هو موجود فی المقامین.
و الثانی: فساد ما ذکره بعضهم من أن حمل النصف علی النصف المختص بالبائع إنما هو فیما إذا قصد البائع نصفا معینا و اشتبه علینا مقصوده و ما إذا قصد مفهوم النصف من دون تعیین فی ضمیره فهو محمول علی المشاع بینهما کصورة الإقرار لما أوضحناه لک من أن منشأ الانصراف إلی حصة البائع هو انصراف البیع الذی هو فعل من أفعاله إلی وقوعه عن نفسه و إلا فلا انصراف فی لفظ النصف إلی حصة معینة بل الحمل علی حصة البائع فی صورة قصد البائع نصفا معینا و اشتباهه علینا إنما هو أیضا لأجل انصراف الفعل إلی وقوعه عن نفسه ما لم یصرفه عنه صارف.
فإذا علمنا أنه أراد نصفا معینا و لم نعلم بأنه أراد ما هو مقتضاه فی حد نفسه و لو خلی و طبعه أم أراد غیر منصرفه الأولی و مقتضاه الذاتی فمع الشک فی تحقق الصارف عن وجهته الأولیة نأخذ بمقتضاه الذاتی اعتدادا بوجود المقتضی و إلغاء للمانع المشکوک و لو لا ذلک لم یکن وجه لحمله علی الحصة المختصة بالبائع فحمله علی الحصة المختصة به حینئذ ظاهری من جهة العلم بوجود المقتضی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 68
و الشک فی وجود المانع.
و أما الحمل علی الحصة المختصة به فی صورة عدم تعیین النصف فی ضمیره فحکم واقعی تحقیقی للعلم بوجود المقتضی و عدم المانع و الصارف معا فلو عکس الأمر لکان أولی.
و الثالث: أن انصراف البیع إلی البیع الواقع عن نفس البائع إنما هو لأجل کونه فعلا له و مقتضی کونه فعله ارتباطه به ابتداء و صرفه عنه إلی غیره مع صلوحه له یحتاج إلی صارف یصرفه عنه و هو مطرد فی کل فعل.
و من هنا یکفی فی وقوع الصلاة و الصوم عن نفسه مجرد نیة الصلاة و الصوم و لا یحتاج إلی نیة کونه لنفسه کما یحتاج وقوعه عن غیره إلی نیة النیابة عنه و مقتضاه فی المقام حمل النصف علی حصته المختصة به لا أن للفظ النصف فی هذا المقام ظهورا فی الحصة المختصة به کما یظهر من کلام شیخنا (قدس سره).
ثم إنه (قدس سره) بعد ما زعم أن ما ذکره جماعة من أنه لو أصدق المرأة عینا فوهبت نصفها المشاع قبل الطلاق استحق الزوج بالطلاق النصف الباقی لا نصف الباقی و قیمة نصف الموهوب لا یخلو عن منافاة لهذا المقام.
قال:" و نظیره فی ظهور المنافاة لما هنا ما ذکروه فی باب الصلح من أنه إذا أقر من بیده المال لأحد المدعیین للمال بسبب موجب للشرکة کالإرث فصالحه المقر له علی ذلک النصف کان النصف مشاعا فی نصیبهما فإن أجاز شریکه نفذ فی المجموع و إلا نفذ فی الربع فإن مقتضی ما ذکروه هنا اختصاص المصالح بنصف المقر له لأنه إن أوقع الصلح علی نصفه الذی أقر له به فهو کما لو صالح نصفه قبل الإقرار مع غیر المقر أو معه و إن أوقعه علی مطلق النصف المشاع انصرف أیضا إلی حصته فلا وجه لاشتراکه بینه و بین شریکه.
و لذا اختار سید مشایخنا (قدس سره) اختصاصه بالمقر له و فصل فی المسالک بین ما لو وقع الصلح علی نصفه أو مطلق النصف و بین ما إذا وقع علی النصف
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 69
الذی أقر به ذو الید فاختار مذهب المشهور فی الثالث لأن الإقرار منزل علی الإشاعة و حکم بالاختصاص فی الأولین لاختصاص النصف وضعا فی الأول و انصرافا فی الثانی إلی النصف المختص و اعترضه فی مجمع الفائدة بأن هذا لیس تفصیلا بل مورد کلام المشهور هو الثالث لأن غرضهم المصالحة علی ذلک النصف المقر به و تمام الکلام فی محله انتهی.
أقول: لا منافاة بوجه بین صدق نصف المهر علی النصف الباقی و بین حمل النصف علی الحصة المختصة بالبائع فی مقام البیع عند الإطلاق کما هو ظاهر و کذلک لا ینافیه ما ذکروه فی باب الصلح.
توضیح الحال: أن اعتراف ذی الید لأحد المتداعیین بالنصف بسبب موجب للشرکة بینهما کالإرث یوجب اشتراکهما فی النصف و استحقاق کل منهما الربع فإذا صالحه المقر له علی النصف فلا ینفذ فی النصف الکامل إلا بإجازة شریکه لا لأن النصف حینئذ یحمل علی المشاع و لا یحمل علی الحصة المختصة بالمصالح بل لأنه لا یملک بالإقرار المزبور إلا الربع فمصالحته علی النصف حینئذ مصالحة علی ما یملکه و ما لا یملکه فلا ینفذ أصالة إلا فی الربع و یحتاج نفوذه فی الربع الآخر علی إجازة مالکه و هو شریکه.
و من الغریب أن صاحب المسالک بعد تقریره کلام الأصحاب قال و فیه بحث لأن هذا لا یتم إلا علی القول بتنزیل البیع و الصلح علی الإشاعة کالإقرار و هم لا یقولون به بل یحملون إطلاقه علی ملک البائع و المصالح إلی أن قال: فاللازم هنا أن ینصرف الصلح إلی نصیب المقر له خاصة فیصح فی جمیع الحصة بجمیع العوض و تبقی المنازعة بین الآخر و المتشبث هذا إن وقع الصلح علی النصف مطلقا أو النصف الذی هو ملک المقر له.
أما لو وقع علی النصف الذی أقر به المتشبث توجه قول الجماعة لأن الإقرار منزل علی الإشاعة و الصلح وقع علی المقر به فیکون تابعا له فیها و علی هذا ینبغی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 70
حمل کلامهم لئلا ینافی ما ذکروه من القاعدة التی ذکرناها و هذا توجیه حسن لم ینبهوا علیه" (انتهی) و هو من الغرابة منه بمکان.
لما تبین لک من أن نصیب المقر له حینئذ إنما هو الربع و النصف إنما هو للمتداعیین حینئذ بالإشاعة فلا مجال لنفوذ صلح المقر له فی النصف الکامل حینئذ إلا بإجازة شریکه سواء تعلق الصلح بالنصف المقر به أو النصف مطلقا أو النصف الذی هو ملکه فالتفصیل بین الصور باطل کما أن القول بنفوذه فی النصف مطلقا کذلک ثم إن عدم نفوذه فی النصف فی صورة تعلقه بالنصف المقر به إنما هو لما بیناه لا لأجل تعلق الإقرار بالمشاع و تعلق الصلح حینئذ بالمشاع أیضا بقرینة تعلقه بالمقر به کما یظهر من کلامه فما ذکره من أن هذا توجیه حسن لم ینبهوا علیه فی غیر محله لعدم ارتباطه بما ذکروه حتی یکون حسنا.
ثم قال شیخنا (قدس سره) و علی کل حال فلا إشکال فی أن لفظ النصف المقر به إذا وقع فی کلام المالک للنصف المشاع مجردا عن حال أو مقال یقتضی صرفه إلی نصفه یحمل علی المشاع فی نصیبه و نصیب شریکه.
و لهذا أفتوا ظاهرا علی أنه لو أقر أحد الرجلین الشریکین الثابت ید کل منهما علی نصف العین بأن ثلث العین لفلان حمل علی الثلث المشاع فی النصیبین فلو کذبه الشریک الآخر دفع المقر إلی المقر له نصف ما فی یده لأن المنکر بزعم المقر ظالم للسدس بتصرفه فی النصف لأنه باعتقاده إنما یستحق الثلث فالسدس الفاضل فی ید المنکر نسبته إلی المقر و المقر له علی حد سواء فإنه قدر تالف من العین المشترکة فوزع علی الاستحقاق إلی أن قال: نعم یمکن أن یقال فی هذا المقام بأن التلف فی هذا المقام حاصل بإذن الشارع للمنکر الغاصب لحق المقر له باعتقاد المقر و الشارع إنما أذن له فی أخذ ما یأخذه علی أنه من مال المقر له فالشارع له إنما حسب السدس فی ید المنکر علی المقر له فلا یحسب منه علی المقر شی‌ء و لیس هذا کأخذ الغاصب جزء معینا من المال عدوانا بدون
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 71
إذن الشارع حتی یحسب علی کلا الشریکین.
و الحاصل أن أخذ الجزء لما کان بإذن الشارع و إنما أذن له علی أن یکون من مال المقر و لعله [لذا] ذکر الأکثر بل نسبه فی الإیضاح إلی الأصحاب فی مسألة الإقرار بالنسب أن أحد الأخوین إذا أقر بثالث دفع إلیه الزائد عما یستحقه باعتقاده و هو الثلث و لا یدفع إلیه نصف ما فی یده نظرا إلی أنه أقر بتساویهما فی مال المورث فکل ما حصل کان لهما و کلما توی کان کذلک هذا.
و لکن لا یخفی ضعف هذا الاحتمال من جهة أن الشارع ألزم بمقتضی الإقرار معاملة المقر مع المقر له بما یقتضیه الواقع الذی أقر به و من المعلوم أن مقتضی الواقع لو فرض العلم بصدق المقر هو کون ما فی یده علی حسب إقراره بالمناصفة و أما المنکر ظالما فیکون ما فی یده مالا مشترکا لا یحل منه إلا ما قابل حقه عما فی یدهما و الزائد حق لهما علیه.
و أما مسألة الإقرار بالنسب فالمشهور و إن صاروا إلی ما ذکر و حکاه الکلینی عن الفضل بن شاذان علی وجه الاعتماد بل ظاهره جعل فتواه کروایة إلا أنه صرح جماعة ممن تأخر عنهم بمخالفته للقاعدة حتی قوی فی المسالک الحمل علی الإشاعة و تبعه سبطه و سید الریاض فی شرحی النافع.
و الظاهر أن مستند المشهور بعض الروایات الضعیفة المنجبر بعمل أصحاب الحدیث کالفضل و الکلینی بل و غیرهما.
فروی الصدوق مرسلا و الشیخ مسندا عن وهب بن وهب أبی البختری عن جعفر بن محمد عن أبیه (علیه السلام) قال
" قضی أمیر المؤمنین علیه السلام فی رجل مات و ترک ورثة فأقر أحد الورثة بدین علی أبیه أنه یلزم ذلک فی حقه بقدر ما ورث و لا یکون ذلک فی ماله کله و إن أقر اثنان من الورثة و کانا عدلین أجیز ذلک علی الورثة و إن لم یکونا عدلین ألزما فی حقهما و کذلک إن أقر أحد الورثة بأخ أو أخت یلزمه ذلک فی حصته".
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 72
و بالإسناد قال علی علیه السلام:
" من أقر لأخیه فهو شریک فی المال و لا یثبت نسبه فإن أقر اثنان فکذلک إلا أن یکونا عدلین فیثبت نسبه و یضرب فی المیراث معهم"
و عن قرب الإسناد روایة الخبرین عن السندی ابن محمد و تمام الکلام فی محله من کتاب الإقرار و المیراث إنشاء الله تعالی انتهی.
أقول: التحقیق أن مقتضی القواعد العامة و الضوابط الأولیة ما دلت علیه الروایات فی باب الإقرار بالنسب و عمل به أکثر الأصحاب (قدس سرهم) توضیح الحال أنه بإقرار أحد الشریکین لثالث بثلث العین مع إنکار الآخر لا یثبت للمقر له إلا سدس العین فحقه ینحصر فی السدس فی الظاهر فلو استحق تنصیف ما فی ید المقر لزم أن یستحق الربع و هو خلاف الفرض.
و الحاصل أن إقرار أحد الشریکین بثلث العین مع إنکار الآخر إنما یوجب استحقاق المقر له سدس العین لا أزید لأن کلا من الإقرار و الإنکار مسموع و نافذ فی المقام و مقتضی سماعهما ثبوت السدس للمقر له و ورود النقص و احتساب التالف علیه لا علیه و علی المقر معا و لو حکمنا بثبوت الربع له لزم نقض الحکم الظاهری الآتی من قبل إقرار أحد الشریکین و إنکار الآخر.
فإن قلت: الحکم الظاهری إنما یؤخذ به مع عدم ثبوت الواقع و الواقع ثابت فی المقام علی المقر حسب إقراره فلا مجال لإعمال الحکم الظاهری بالنسبة إلیه.
قلت: ثبوت الثلث للمقر له عند المقر إنما یمنع من اشتراء النصف الآخر من المنکر و هکذا من التقلبات لأجل إقراره بأن سدسه للمقر له و أما احتساب التالف علیه مع وجود المانع الشرعی من ثبوته له فلا.
فإن قلت: مقتضی ثبوت الإشاعة فی العین حسب إقرار المقر احتساب التالف علیهما و توزیع الباقی علیهما.
قلت: مقتضی الإشاعة فی العین احتساب التالف علیهما ما لم یکن فی البین ما یقتضی اختصاصه بأحدهما و أما مع وجود ما یقتضی اختصاصه بأحدهما کما فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 73
المقام فلا یحتسب التالف علیهما و توهم أن احتساب التالف علی المقر له و اختصاصه به یتوقف علی خروج العین عن الإشاعة فاسد إذ الاختصاص قد یکون بسبب عدم الإشاعة و قد یکون لوجود المرجح مع بقاء الإشاعة و المقام من هذا القبیل ضرورة أن إقرار أحد الشریکین بالثلث و إنکار الآخر یوجبان ثبوت السدس له فیحتسب التالف علیه لعدم ثبوت الثلث له بحسب الظاهر.
و بما بیناه تبین اندفاع ما ذکره شیخنا (قدس سره) من أن مقتضی نفوذ الإقرار علی المقر معاملته مع المقر له بما یقتضیه الواقع الذی أقر به من الإشاعة أثلاثا المقتضی لاحتساب التالف علیهما لما عرفت من أن الإشاعة الحقیقیة لا تنافی مع احتساب التالف علی أحدهما لوجود مرجح عقلی أو شرعی و المرجح فی المقام موجود و هو سماع إنکار أحد الشریکین مع عدم قیام البینة علیه فلا یثبت للمقر له حینئذ إلا السدس فالنقص إنما رجع إلیه و هذا معنی احتساب التالف علیه.
فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح أن مقتضی إقرار أحد الشریکین بسهم لثالث و إنکار الآخر احتساب التالف علی المقر له سواء تعلق الإقرار بالنسب ابتداء أو بعین خارجی أو منفعة و أن الروایات الشریفة الواردة فی باب الإقرار بالنسب علی مقتضی القواعد الأولیة و لا تعبد فیها حتی یقتصر فیها علی ما إذا تعلق الإقرار بالنسب علی مقتضی القاعدة دون المقام من جهة أن التلف فی المقام مستند إلی وقوع ید المنکر علی النصف الذی ثلثه مشترک بین المقر و المقر له فیجب أن یحتسب علیهما و أما فی باب الإرث فلا ید لأحد علی الترکة و إنما یستند تلف جزء من سهم المقر له إلی مجرد إنکار واحد من الورثة.
و فیه أن الترکة مشاعة بین الورثة قبل القبض و الإقرار فإذا أقر واحد من الورثة لثالث بالنسب و الإرث و أنکره الآخر و تصرف نصف الترکة جری فیها ما جری فی سائر الأعیان المشاعة فالتفصیل بینهما مما لا وجه له.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 74‌

(فائدة 9) فی میراث الغرقی و المهدوم علیهم

اشارة

و الروایات من طریق أهل البیت علیهم السلام مستفیضة بل متواترة علی أن الحکم فیها التوارث و إنما الکلام فی أنه مقتضی القواعد الأولیة و الضوابط العامة حتی یتعدی عنهما إلی سائر موارد الاشتباه أم حکم تعبدی ورد فی مورد خاص فیجب الاقتصار علیه.
توضیح الکلام فی المقام یحتاج إلی تمهید مقدمة یذکر فیها أمور:
الأول: أن الحکم علی قسمین واقعی ثابت للوقائع من دون مدخلیة لعلم المکلف و جهله فیها و ظاهری ثابت باعتبار علم المکلف و جهله و لذا یختلف باختلاف صور العلم و جهله و هو فی الحقیقیة وظیفة ثابتة للمکلف بالنسبة إلی الأحکام الواقعیة و لیس حکما للوقائع فی عرض الأحکام الواقعیة بل هو راجع إلی المرحلة الثالثة من مراحل الحکم الراجعة إلی تنجیز الحکم أو العذر عنه و الوظائف المعلولة عنه.
و الثانی: أن الأحکام الواقعیة تعبدیة لا مسرح للعقل فیها.
و أما الأحکام الظاهریة فالعقل مستقل فیها و هی راجعة إلیه لأنها وظائف واقعیة مدرکة بالعقل و لا یتوقف علی جعل المولی ذاتا و إلا لزم التسلسل فی الأحکام الظاهریة ضرورة أنه حینئذ حکم مولوی تختلف الوظیفة فیها باختلاف العلم و الجهل و هکذا إلی غیر النهایة نعم للمولی التصرف فیها فی الجملة بإیجاب الاحتیاط فی مورد العذر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 75
أو الاکتفاء بالموافقة الاحتمالیة فی مورد العلم بالحکم المقتضی لوجوب الموافقة القطعیة.
و الثالث: أن موت الشخص موجب لتخلیة مکانه و رجوع ترکته إلی مناسبه أو مساببه و وراثته عنه فلو تقارن موتهما لم یرث أحدهما من الآخر لأن کلا منهما یخلی مکانه حینئذ و یترک ترکته لمناسبه أو مساببه فلا یعقل أن یرث کل منهما عن الآخر و لو تقدم موت أحدهما علی الآخر فالمتأخر یرث المتقدم و لا یعقل أن یرث المتقدم عن المتأخر و هذا أمر واضح لا ریب فیه و لکن یقع الکلام فی أن حیاة الوارث بعد موت المورث شرط لوراثته عنه أو اقتران موتهما أو تقدم موت الوارث مانع عن الإرث الظاهر من کلماتهم أن حیاة الوارث بعد موت المورث شرط للوراثة و لذا حکموا بأن الحکم بالتوارث علی خلاف الأصل إذ مقتضی الشک فی الشرط، الشک فی المشروط و الحکم بعدم تحققه.
و التحقیق أنه لم ینهض علی ذلک دلیل من العقل أو النقل و مجرد عدم وراثة من تقدم موته عن الآخر و عدم وراثة کل من المتقارنین عن الآخر لا یکشف عن کون حیاة الوارث بعد موت المورث شرطا لأنه کما یجامع مع کون حیاة الوارث بعد موت مورثه شرطا کذلک یجامع مع کون تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانعا و مع التردد بینهما یترتب أثر المنع دون الاشتراط.
توضیح الحال أن کلا من المانعیة و الشرطیة خلاف الأصل فلا مجال لإثبات أحدهما بالأصل موضوعا و لکن لما کان أثر الشرط زائدا علی أثر المانع و أثره ثابت علی کلا التقدیرین دون أثر الشرط یحکم بثبوت حکم المانع دون الشرط فإن عدم وراثة کل منهما عن الآخر فی صورة العلم بتقارن موتهما و عدم وراثة من علم بتقدم موته أثر الشرط و المانع معا.
و أما عدم وراثة أحدهما عن الآخر فی صورة عدم العلم بالتقارن و التقدم و التأخر و اشتباه الحال فمبنی علی شرطیة حیاة الوارث بعد موت مورثه و أما علی مانعیة التقارن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 76
و التقدم فالأصل وراثة کل منهما عن الآخر للعلم بوجود المقتضی فی کل منهما و عدم العلم بوجود المانع.
فإن قلت: إحراز المقتضی فی باب قاعدة الاقتضاء و المنع یتوقف علی إحراز الشرط لأن کل ماله دخل فی وجود الشی‌ء جزء للمقتضی فی هذا المقام فمع احتمال کون حیاة الوارث بعد موت مورثه شرطا للوراثة أو ضده من التقارن و التقدم مانعا لا یکون المقتضی محرزا لعدم إحراز ما یحتمل شرطیته.
قلت: إذا تحقق موجب الإرث من النسب أو السبب و تحقق موت المورث تم المقتضی فی نظر العقل و العرف لعدم مدخلیة قید الحیاة فی وراثة الوارث عندهما و إنما یری العقل و العرف مقارنة موتهما أو تقدم موت الوارث علی موت مورثه حاجزا مانعا فالتردید و الاحتمال إنما هو من حیث تصرف الشارع فی جعل حیاة الوارث بعد موت مورثه شرطا و من المعلوم أن الأصل عدمه ما لم یدل علیه بل الحکم بالتوارث دلیل علی تقریر الشارع حکم العقل.
و أیضا لو کانت حیاة الوارث بعد موت مورثه شرطا لا ضده من تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانعا لزم أن یکون الحکم بالتوارث تعبدیة محضة و إعمالا للولایة الشرعیة فی تقدیم غیر مستحق الإرث علی مستحقه و جعل غیر المستحق مستحقا و هذا مما لم یعهد من الشارع سیما فی حقوق الناس نعم فی مقام الإلجاء و الاضطرار وردت الرخصة فی تصرف مال الغیر مع التضمین لا مجانا.
إذا اتضحت لک هذه الأمور، اتضح لک أنه إذا اشتبه الحال و لم یعلم أنه تقارن موتهما أو ترتب موت أحدهما و لم یعلم المتقدم و المتأخر منهما بعینه و کان لکل منهما مال و کان کل منهما وارثا عن الآخر بنسب أو سبب یتوارثان سواء کان الموت مستندا إلی سبب من غرق أو هدم أو غیره أم لم یکن مستندا إلی سبب و کان الموت حتف الأنف لما عرفت من أن الحکم بالتوارث مقتضی الأصل الأولی و لا یکون تعبدیا حتی یقتصر فیه علی مورد النص بل الظاهر من الروایات طرد الحکم فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 77
جمیع موارد الاشتباه.
و ذکر الغرق و الهدم فی کلام السائل إنما هو لأجل بیان سبب الاشتباه لا سبب الموت فالسؤال فی الحقیقة عن حکم المشتبه و لو تنزلنا و قلنا أن السؤال عن الاشتباه المسبب عن الغرق و الهدم لا یضرنا لأن الجواب عام و المورد لا یکون مخصصا.
فإن قلت: الموت أمر عدمی لأنه عبارة عن عدم الحیاة و العدم لا یکون مؤثرا و لا متأثرا فلا یصلح أن یکون تقارنه أو تقدمه مانعا.
قلت: تقابل الموت مع الحیاة لیس من قبیل تقابل التناقض بل من قبیل تقابل التضاد فإنه عبارة عن زهوق الروح فهما أمران وجودیان متضادان یجوز ارتفاعهما فإن الجنین قبل ولوج الروح فیه لا یکون حیا و لا میتا و لذا لا یجب غسله لو سقط حینئذ و لا ینافی ذلک اشتراط کونه وارثا بولوج الروح فیه و تولده حیا و أما بعد استقرار الصلوح بتولده حیا فکما یحتمل أن یجعل حیاة الوارث بعد موت مورثه شرطا فکذلک یحتمل أن یجعل تقدم موته علی موت مورثه أو تقارن موتهما مانعا.
فإن قلت: لو کان الموت عبارة عن زهوق الروح لا مجرد عدم الحیاة لزم أن لا یکون السقط قبل ولوج الروح فیه نجسا لعدم میتة حینئذ بل یلزم أن لا یکون حراما أیضا لو کان مما یؤکل لحمه.
قلت: أما حرمته فلأجل انتفاء شرط الحلیة و هی التذکیة و أما النجاسة فإن ثبتت کما حکی عن بعض أنه لا خلاف فیها فهی إما لأجل صدق کونه عضوا مبانا من حی کما قال به بعض و أما لأجل تنزله منزلة المیت فی النجاسة لا لکونه میتا تحقیقا.
فإن قلت: التقارن مقتضی الأصل لأن الأصل عدم تقدم موت أحدهما علی موت الآخر فثبت المانع من الإرث بالأصل حینئذ.
قلت: التقارن کالتقدم و التأخر أمر وجودی مندفع بالأصل و لا ینافی ذلک الحکم بتساوی الحقین عند اجتماعهما و الواجبین عند تزاحمهما مع الشک فی زیادة أحد الحقین و أهمیة أحد الواجبین من الآخر لأن مرجع التساوی حینئذ إلی عدم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 78
زیادة أحد الحقین و أهمیة أحد الواجبین لا إلی أمر وجودی فیثبت بالأصل.
فإن قلت: لعل جعل التقارن أو التقدم مانعا یختص بمورد الغرق و الهدم.
قلت: أولا إنک قد عرفت أن حکم الشارع بکونه مانعا تقریر لحکم العقل لا أمر مجعول حتی یقتصر علی مورد النص مع عدم الدلیل و حکم العقل یطرد فی جمیع موارد الاشتباه.
و ثانیا أن الروایات الشریفة ناظرة إلی بیان حکم المشتبه، و السؤال عن خصوص الغرق و الهدم لا یوجب تخصیص الحکم ضرورة أن المورد لا یکون مخصصا.
فإن قلت: أی دلیل دل علی اعتبار قاعدة المقتضی و المانع حتی یحکم بالتوارث فی جمیع موارد الاشتباه.
قلت: قد أثبتنا لک وجه اعتبار هذه القاعدة فی الفائدة الأولی و أنها قاعدة عقلیة قد اعتمد علیها کافة العقلاء فی جمیع الموارد و قد عمل بها الأصحاب (قدس سرهم) فی کثیر من أبواب الفقه و الأخبار المستفیضة بل المتواترة مقررة لهذه القاعدة الشریفة المسماة باستصحاب حکم النص.
نعم قد خفیت حقیقة هذه القاعدة و وجه اعتبارها علی جمع من متأخری المتأخرین حتی بالغ بعضهم فقال: إنه لا سبیل إلی العلم بالمقتضی و إحرازه إلا لمن نزل علیه الوحی علی ما ذکره بعض مقرری بحثه و قد أوضحنا هناک غایة الإیضاح بطلان ما زعمه.
فإن قلت: الحکم بوراثة أحدهما یستلزم عدم وراثة الآخر عنه فکیف تجری القاعدة فی کل منهما و یحکم بالتوارث المعلوم بطلانه فی الواقع.
قلت: تفکیک المتلازمین فی الأحکام الظاهریة التی هی مؤدی الأصول شائع ألا تری أنه یحکم فی المتوضی بمائع مردد بین کونه بولا أو ماء باستصحاب حدثه و طهارة أعضائه مع جواز اجتماعهما فی الواقع بل الأمر فی المقام أوضح لأن کلا منهما موظف بوظیفة نفسه و لا یمنع من إجراء الوظیفتین فی حق کل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 79
منهما علمه بعدم مطابقة وظیفته أو وظیفة صاحبه للواقع لأن وظیفة صاحبه خارج عن محل ابتلائه و العلم الإجمالی إنما یؤثر إذا کان کل من طرفیه محلا لابتلائه.
و إذ قد اتضح لک مما حققناه أن حیاة الوارث بعد موت مورثه لا تکون شرطا و إن تقارن موتهما أو تقدم موت الوارث مانع عن الإرث اتضح لک غایة الاتضاح أن الصواب هو الحکم بالتوارث فی مورد الاشتباه مطلقا فتخصیص الحکم بمورد الغرق و الهدم علی ما اختاره جماعة فی غیر محله کما أن طرد الحکم فی الموت المستند إلی سبب دون الموت حتف الأنف بزعم استناد الحکم إلی الموت المستند إلی السبب و أن ذکر الغرق و الهدم من باب المثال فی غیر محله لأن الظاهر من ذکر الغرق و الهدم فی الروایات بیان سبب الاشتباه لا بیان سبب الموت فإنه بعید عن مساق الروایات جدا.
و بالجملة بعد ما اتضح لک أن الحکم بالتوارث موافق للأصل اتضح لک أنه لا وجه للاقتصار علی مورد الغرق و الهدم أو علی خصوص الموت بسبب من حرق أو قتل و هکذا أو علی خصوص الغرق فی الماء المطلق و هدم البیت و التأمل فی الغرق فی الماء المضاف أو القیر أو الطین أو النفط و هکذا و فی هدم جبل و انکسار شجرة و وقوع بیت شعر و خیمة و نحوها و فیما علم ترتب الغرق أو الهدم و لم یعلم المتقدم من المتأخر و فیما علم ترتب موت بعضهم علی بعض مع تحقق الغرق أو الهدم دفعة و اشتباه المتقدم منهم بالمتأخر.
فإن التأمل و الاضطراب فی حکم هذه الفروع إنما نشأ من البناء علی أن حیاة الوارث بعد موت المورث شرط للإرث و أن ما حکم به فی الروایات الشریفة من التوارث تعبد محض مخالف للأصل فاضطربت کلماتهم فی جواز التعدی عن مورد النصوص مع أن الظاهر من الروایات أن الحکم بالتوارث إنما هو للمشتبه من دون تقیید بصورة مخصوصة.
و لا یعارض هذه الروایات الصحیحة المستفیضة بل المتواترة إلا خبر القداح
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 80
عن مولانا الباقر علیه السلام
ماتت أم کلثوم بنت علی علیه السلام و ابنها زید بن عمر بن الخطاب فی ساعة واحدة لا یدری أیهما هلک قبل فلم یورث أحدهما من الآخر و صلی علیهما جمیعا
و هو علی فرض عدم القدح فی سنده لا یصلح لمعارضة مع سائر النصوص إذ لا دلالة فیه علی أنه حکم الواقعة.
و إنما أخبر (علیه السلام) بأنه لم یورث أحدهما من الآخر و لعله کان ذلک برأی الثانی و نظره فلا دلالة فیه علی أن حکم الموت حتف الأنف یغایر حکم الموت بسبب.
و قد تبین بما بیناه أمور:
الأول: أنه یتوارث کل منهما عن الآخر فیما ترکه لا فیما ورثه عن الآخر إذ تلقی کل منهما ترکة الآخر إنما هو أثر خلافة کل منهما عن الآخر فی الظاهر لأجل وجود المقتضی و عدم العلم بالمانع فلا یعقل أن یعود إلی الأصل بعد تلقیه منه بالخلافة عنه إلا بفرض موت آخر و خلافة جدیدة لکل منهما عن الآخر و هو منتف قطعا فلا مجال لفرضه.
و هذا الحکم مع وضوحه قد ورد به النص ففی مرسل حمران بن أعین عن أمیر المؤمنین علیه السلام:"
فی قوم غرقوا جمیعا أهل بیت واحد قال: یورث هؤلاء من هؤلاء و هؤلاء من هؤلاء و لا یرث هؤلاء مما ورثوا من هؤلاء و لا یرث مما ورثوا من هؤلاء شیئا
". و الثانی: أنه لو کان لأحدهما مال دون الآخر یکون الإرث لمن لا مال له لأن التوارث من الجانبین إنما کان لأجل وجود المقتضی فی کل منهما للوراثة مع ثبوت المحل و عدم العلم بالمانع و إذا لم یخلف أحدهما ترکة ینتفی وراثة من له ترکة ممن لا ترکة له لأجل انتفاء المحل و عدم ترتب الوراثة علی أحد المقتضیین باعتبار انتفاء المحل لا یوجب سقوط المقتضی الآخر عن التأثیر مع وجود المحل له کما هو ظاهر.
و قد ورد به النص عن البجلیّ عن أبی عبد الله علیه السلام قال:"
سألته عن بیت وقع علی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 81
قوم مجتمعین فلا یدری أیهم مات قبل، فقال: یورث بعضهم من بعض، قلت: فإن أبا حنیفة أدخل فیها شیئا، قال: و ما أدخل؟ قلت: رجلین أخوین أحدهما مولای و الآخر مولی لرجل لأحدهما مائة ألف درهم و الآخر لیس له شی‌ء رکبا فی السفینة فغرقا فلم یدر أیهما مات أولا کان المال لورثة الذی لیس له شی‌ء و لم یکن لورثة الذی له المال شی‌ء، قال: فقال أبو عبد الله علیه السلام: لقد سمعها و هو هکذا.
و الثالث أنه لا ترتیب فی التوارث لأن کلا منهما یستحق ترکة الآخر بسبب وجود المقتضی فیه و عدم العلم باقترانه بوجود مانع فلا مجال لتقدم أحد الاستحقاقین علی الآخر و ما وقع فی النصوص من أنه یورث المرأة من الرجل ثم یورث الرجل من المرأة لا ینافی ما بیناه فإنه أمر بإعطاء إرث المرأة أولا اهتماما بشأنها کی لا یضیع حقها فإن غالب الناس لاستیناسهم بعادة أهل الجاهلیة لم یهتموا بشأن المرأة و لم یروا لها حقا کما استمرت هذه القاعدة فی الأعراب و العشائر إلی زماننا هذا.
و قد خفی هذا المعنی علی أکثر الأصحاب" قدس سرهم" فتحیروا فی وجه التقدیم مع عدم ترتب ثمرة علیه إلا علی قول المفید (قدس سره) من أن الثانی یرث مما ورثه الأول الذی حکموا بفساده فمنهم من أوجبه تعبدا و منهم من قال بأنه ندب و طردوا الحکم وجوبا أو ندبا إلی کل من کان أضعف فی التوریث فحکموا فیما لو غرق أب و ابن بأنه یورث الابن زعما منهم أن موضوع الحکم هو الأضعف فی التوریث و العجب أنهم تعدوا هنا عن مورد النص مع اعترافهم بعدم ظهور وجه الحکم.

تنبیهان:

الأول أن الحکم بالتوارث إنما هو فیما إذا لم یعلم تأریخ موت أحدهما بعینه

سواء علم تاریخ موت أحدهما لا بعینه أو لم یعلم تأریخ الموت أصلا و أما إذا علم تأریخ موت أحدهما بعینه فالإرث إنما هو لمجهول التأریخ لجریان استصحاب حیاته إلی زمان موت المعلوم تأریخ موته بعینه فلا یرث من مجهول التأریخ حینئذ لانتفاء شرط توریثه و هو موته فی هذا الزمان و لا نظر لروایات الباب إلی مثل هذه الصورة حتی یؤخذ بإطلاقها لأن الغالب فی صورة الغرق و الهدم عدم العلم بتأریخ موت أحدهما بعینه مع أنک قد عرفت أن الحکم فی الروایات لیس تعبدیا بل منطبقا علی الأصول
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 82
و الموازین الأولیة فلا وجه لتعدیة الحکم حینئذ إلی مثل هذه الصورة.
فإن قلت: نعم إذا علم تأریخ موت أحدهما بعینه یجری استصحاب الحیاة فی مجهول التأریخ إلی زمان موت معلوم التأریخ لعدم معارضته باستصحاب الحیاة فی الآخر و لکن جریان استصحاب الحیاة فیه إنما یوجب الحکم بوراثته من معلوم التأریخ و أما المنع من وراثة معلوم التأریخ منه فلا إلا بالملازمة التی قد عرفت عدم تأثیرها فی المقام و أنه یجوز التفکیک بین المتلازمین فی الأصول فیحکم بوراثته معلوم التأریخ منه لوجود مقتضی الوراثة فیه و عدم العلم بوجود المانع و هو تقدم موته علی موت مجهول التأریخ أو تقارنهما.
قلت: المانع هنا فی حکم المعلوم إذ مقتضی جریان استصحاب الحیاة فی مجهول التأریخ إلی زمان موت من علم بتأریخ موته الحکم بحیاته فی هذا الزمان فلا مجال حینئذ للحکم بتوریثه و وراثة من مات فی هذا التأریخ عنه.

الثانی: زعم بعض الأجلة من مشایخنا (قدس سره)" أن الحکم بالتوارث مبنی علی قاعدة العدل و الإنصاف

قال (قدس سره) لأن تقارن موتهما مستبعد فهو فی حکم العدم فیحکم بتقدم موت أحدهما علی موت الآخر فنعلم حینئذ أن أحدهما یرث من الآخر و لا نعلم أن أیهما الوارث من الآخر و لا سبیل إلی إیصال سهم الوارث إلیه إلا بالتوارث إذ لا مجال لنفی الإرث عنهما معا للعلم بوراثة أحدهما من الآخر و لا للحکم بإرث أحدهما بعینه من الآخر لعدم المرجح فینحصر السبیل فی الحکم بالتوارث" و هو فاسد من وجوه:
الأول: أن مجرد استبعاد تقارن موتهما لا یوجب الحکم بعدمه.
و الثانی: أنه لو سلمنا جریان قاعدة العدل فی المقام لزم أن یحکم بتنصیف الترکتین بینهما لا التوارث لأن نسبة کل من الترکتین إلی کل منهما علی حد سواء فیلزم حینئذ أن یحکم باشتراک کل منهما فی مجموع الترکتین.
و الثالث: أنه یلزم حینئذ أن لا یحکم بوراثة من لا ترکة له ممن له ترکة لعدم العلم بوراثة أحدهما من الآخر حینئذ و هو مخالف للنص کما رأیت.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 83‌

(فائدة 10) إذا ترافع المجوس إلی حکام الإسلام فی إرثهم

اشارة

فهل للحاکم أن یحکم بالإرث بالنسب و السبب الصحیحین فی دین الإسلام أو بالنسب مطلقا و السبب الصحیح أو بهما مطلقا فیه أقوال و قد نسب الأول إلی یونس بن عبد الرحمن و الثانی إلی الفضل بن شاذان و الثالث إلی الشیخ أبی جعفر قدس الله أرواحهم.
أقول: مقتضی الأصل هو الثانی و لکن روایات أهل بیت العصمة سلام الله علیهم تدل علی الثالث.
أما الأول: و هو ثبوت الإرث مع النسب مطلقا و لو کان فاسدا عندنا فلأنه مترتب علی النسب و القرابة و هو منتزع من التولید مطلقا بحسب اللغة و العرف و لو کان ناشئا من زنا الأبوین أو أحدهما فولد الزنا ولد للزانی حقیقة عند أهل العرف.
و إنما جعله الشارع لغیة فی الوراثة و القیمومة و وجوب النفقة لا فی حرمة النکاح فتحرم العناوین السبع النسبیة و لو من الزنا و جعله لغیة فی الوراثة و ما یتعبها لیس باعتبار جعل السبب المحلل للنکاح من الازدواج و ملک الیمین شرطا فی انتزاع النسب من التولید بل باعتبار جعل الزنا مانعا من الانتزاع و لذا تترتب آثار النسب من الوراثة و القیمومة و وجوب النفقة.
و هکذا مع الشبهة إذ لو اعتبر وجود السبب المحلل شرطا عند الشارع فی انتزاع النسب و تحققه لزم عدم ترتب أثره علی الشبهة کما لا یترتب علی الزنا إذا تبین لک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 84
ذلک و قد تبین لک أن النسب مع عدم الزنا متحقق حقیقة سواء جامع السبب المحلل أم لا لوجود المقتضی و فقد المانع فالتولد الحاصل بین المجوس بازدواجهم الفاسد عندنا موجب لتحقق النسب تحقیقا لعدم الزنا المانع من النسب لوجود الشبهة و هی اعتقادهم بصحة ازدواجهم.
فمقتضی الأصل حینئذ ترتب الوراثة علی نسب المجوس و إن کان فاسدا عندنا بل لا فساد فی نسبهم حینئذ لتحققه حقیقة عند الشارع باعتبار عدم المانع و إنما یسمی فاسدا باعتبار عدم مجامعته مع السبب المحلل للنکاح فالحکم بالوراثة من طرف النسب حکم بما أنزله الله تعالی و قسط و عدل فلا ینافیه الآیات و الروایات الدالة علی أنه لا یجوز للحاکم أن یحکم إلا بما أنزله الله تعالی: و أما الثانی و هو عدم ترتب الأثر علی السبب الفاسد بمقتضی الأصل فلعدم تحقق علقة الازدواج مع المحارم النسبیة و لو مع الجهل لها أو بحکمها و الاعتقاد بحلیة الازدواج معها إنما یوجب الشبهة لا تحقق الازدواج معها حقیقة فلا یترتب علی السبب الفاسد الازدواج و لا آثاره من حلیة الاستمتاع و وجوب التمکین علی المرأة و وجوب النفقة علی الرجل و إنما یعذر الشخص مع الجهل بالموضوع أو الحکم إذا کان قاصرا فمقتضی الأصل فیه حینئذ عدم الوراثة من قبل السبب الفاسد لانتفاء المقتضی و هی الزوجیة و لکن الروایات تدل علی ترتب الآثار علی ما التزم به کل قوم بحسب معتقدهم.
منها خبر محمد بن مسلم
" سألت أبا جعفر علیه السلام عن الأحکام قال: یجوز علی أهل کل ذی دین بما یستحلون".
و منها ما رواه الشیخ مرسلا أنه قال علیه السلام
" إن کل قوم دانوا بشی‌ء یلزمهم حکمه".
و منها خبر علی بن حمزة عن أبی الحسن علیه السلام
" ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم".
و فی الموثق
" کل قوم یعرفون النکاح من السفاح فنکاحهم جائز".
فهذه الروایات
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 85
و نظائرها تدل علی أنهم یقرون بمعتقدهم و یحکم علیهم بما التزموا به و مما التزموا به الوراثة بالزوجیة الثابتة علی طریقتهم.
و تدل أیضا علی ما ذکرناه بالخصوص روایة السکونی عن الصادق علیه السلام عن أبیه عن علی علیه السلام
" أنه کان یورث المجوسی إذا تزوج بأمه من وجهین من وجه أنها أمه و من وجه أنها زوجته".
و تضعیف روایة السکونی لا وجه له علی ما اخترناه من صحة روایات الکتب الأربعة المأخوذة من الأصول الأربعمائة التی هل محل اعتماد الأصحاب کما بیناه فی محله.
فإن قلت: السبب الفاسد لا یؤثر الزوجیة کما قررت و ترتیب الآثار مع انتفاء الموضوع مستحیل و لو تعبدا لأن التعبد إنما یجری فی الأمور المعقولة.
قلت: نمنع انحصار الموضوع فی الزوجیة التحقیقیة لأن الزواج الصحیح فی دینهم و باعتقادهم منزل منزلة الزواج الواقعی فیترتب علیه الآثار فالموضوع للآثار أمران الزواج الواقعی و الزواج الصحیح عند قوم ملتزمین به فی دینهم فالموضوع أمر واحد باعتبار أن الثانی إنما نزل منزلة الأول و أمران باعتبار أنهما مختلفان و لذا ینفذ طلاق المخالفین و یترتب آثار الطلاق مع بطلانه عندنا.
ففی خبر علی بن حمزة
" أنه سأل أبا الحسن علیه السلام عن المطلقة علی غیر السنة أ یتزوجها الرجل قال: ألزموهم من ذلک ما ألزموا أنفسهم و تزوجوهن فلا بأس بذلک".
و فی الکافی عن جعفر عن محمد بن عبد الله عن أبیه قال
" سمعت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن تزویج المطلقات ثلاثا فقال: لی إن طلاقکم لا یحل لغیرکم و طلاقهم یحل لکم لأنکم لا ترون الثلاث شیئا و هم یوجبونها".
و بمضمونها روایات کثیرة فالطلاق الصحیح عندهم منزل منزلة الطلاق الصحیح واقعا و إن کان باطلا عندنا کما أن الطلاق الرجعی واقعا البائن عندهم ینزل منزلة البائن واقعا و قد ورد فی باب المیراث ما یدل علی ذلک أیضا.
ففی الحدائق: روی عبد الله بن محرز عن أبی عبد الله علیه السلام قال:
" قلت له: رجل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 86
ترک ابنته و أخته لأبیه و أمه قال: المال کله لابنته و لیس للأخت من الأب و الأم شی‌ء قلت: فإنا قد احتجنا إلی هذا و الرجل المیت من هؤلاء الناس و أخته مؤمنة قال فخذ لها النصف خذوا منهم ما یأخذون منکم فی سنتهم و قضائهم و أحکامهم قال: فذکرت ذلک لزرارة فقال: إن علی ما جاء به لنورا خذهم بحقک فی أحکامهم و سنتهم کما یأخذون منکم فیه".
و الحاصل أنه قد وردت الرخصة منهم علیه السلام فی المعاملة مع الناس بما یدینون به و یلتزمون به فی دینهم طابق الواقع أم لا.

تنبیهان:

الأول: أنه یظهر من الروایات أنه لا اختصاص لهذه القاعدة بما إذا کان الاختلاف فی موضوع الحکم

بأن یراه المخالف و الخارج عن دین الإسلام ثابتا و الحال أنه غیر ثابت فی مذهب الحق کالزواج و الطلاق و أمثالهما لأن توریث الأخت مع البنت مخالفة فی الحکم فقط و هو عدم استحقاق البنت للرد و عدم حجب الطبقة الأولی الثانیة فی بعض الصور فلا تنزیل فی المقام أصلا فإلزام الناس بما ألزموا به أنفسهم قاعدة جاریة فی الموضوعات و الأحکام نعم یختص بما إذا کان الإلزام من دینهم و فی دینهم.

و الثانی: أنه هل تختص هذه القاعدة بالمخالف أو الخارج عن دین الإسلام أو تعم أهل الحق

إذا اختلفت عقیدتهم باعتبار اختلاف فتواهم أو فتوی مقلدیهم.
فإذا وهب المریض فی مرض موته جمیع ما یملکه معتقدا نفوذ تصرفاته من الأصل مطلقا لمن یعتقد عدم نفوذ تصرفاته المحاباتیة و المجانیة فیما زاد عن الثلث إلا بإمضاء الورثة فهل یجوز للمتهب حینئذ أخذ الجمیع مع عدم إمضاء الورثة إلزاما للواهب بما ألزم به نفسه و إن أمکن أن یناقش فی الأمثال بأن الهبة لا تتم إلا بالقبض و لا یجوز للمتهب حینئذ قبض الجمیع و إثبات یده علیه إلا بعد إمضاء الورثة بل القبول الذی هو فعل له و رکن للعقد لا یؤثر تملک الجمیع عنده بدون إجازة الورثة فلا مجال لجریان القاعدة فیه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 87
نعم إذا تمت الهبة بأن یتوافق اعتقادهما فیه فهل یجوز اشتراء الموهوبة من المتهب لمن لا یری نفوذها من الأصل إلزاما لهما بما ألزما به أنفسهما.
و الظاهر أن القاعدة عامة و لا اختصاص لها بأهل الخلاف أو الخارج عن دین الإسلام.
و یمکن أن یقال: إن قوله علیه السلام:"
إن کل قوم دانوا بشی‌ء یلزمهم حکمه
" کما رواه الشیخ مرسلا شامل بعمومه لأهل الحق فتأمل.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 88‌

(فائدة 11) [بحث فی النصاب]

قال المحقق قدس سره فی الشرائع فی باب الزکاة:" و فی الغنم خمسة نصب أربعون و فیها شاة ثم مائة و إحدی و عشرون و فیها شاتان ثم مائتان و واحدة و فیها ثلاث شیاه ثم ثلاثمائة و واحدة فإذا بلغت ذلک قیل یؤخذ من کل مائة شاة و قیل بل یجب أربع شیاه حتی تبلغ أربعمائة فیؤخذ من کل مائة شاة بالغا ما بلغ و هو الأشهر و تظهر الفائدة فی الوجوب و الضمان".
و فی المدارک هذا جواب عن سؤال أورده المصنف (رحمه الله) فی درسه علی ما نقل عنه و تقریره أنه إذا کان یجب فی أربعمائة ما یجب فی ثلاثمائة و واحدة فأی فائدة فی الزائد.
و تقریر الجواب أن الفائدة تظهر فی الوجوب و الضمان أما الوجوب فلأن محله فی الأربعمائة مجموعها و فیما نقص عنها الثلاثمائة و واحدة خاصة و الزائد عفو و أما الضمان فمتفرع علی ذلک فإذا تلفت من أربعمائة واحدة بعد الحول بغیر تفریط سقط من الفریضة جزء من مائة جزء من شاة و لو کانت ناقصة عن الأربعمائة و لو واحدة و تلف منها شی‌ء لم یسقط من الفریضة شی‌ء ما دامت ثلاثمائة و واحدة لما عرفت من أن الزائد عن ذلک لیس محلا للفریضة و إنما هو عفو و لو تلفت الشاة من ثلاثمائة و واحدة سقط من الفریضة جزء من خمسة و سبعین جزء من شاة إن لم تجعل الشاة الواحدة جزء من النصاب و إلا کان الساقط جزء من خمسة و سبعین جزء و ربع جزء فظهرت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 89
الفائدة فی کثرة الفریضة للفقیر فی قلة الفائت و للمتصدق فی العکس.
و ذلک کله واضح لکن یمکن المناقشة فی عدم سقوط شی‌ء من الفریضة فی صورة النقص عن الأربعمائة لأن مقتضی الإشاعة توزیع التالف علی الحقین و إن کان الزائد عن النصاب عفوا إذ لا منافاة بینهما کما لا یخفی علی المتأمل انتهی.
و تبعه علیه فی الذخیرة و قال فی الجواهر: و هو جید جدا اللهم إلا أن یقوم إجماع أو نحوه مما یصلح به الخروج عن مقتضی الضوابط فی ملک الکلی الخارجی الذی لیس هو کصفة الوجوب و نحوه مما لا یقدح فیه عدم تعیین المحل لکن إلی الآن لم أتحققه و إن أرسله جماعة إرسال المسلمات بل ربما وقع من الفاضل نسبته إلینا مشعرا بدعوی الإجماع علیه بل ربما فسر العفو بذلک.
أقول: إن کان تعلق الزکاة بعین النصاب عبارة عن کون مقدار الزکاة من النصاب ملکا لأرباب الزکاة علی وجه الإشاعة بحیث یکون النصاب مشترکا بین المالک و أرباب الزکاة اتجه ما ذکره صاحب المدارک لعدم تمیز النصاب فی الخارج عن العفو فیشیع مقدار الزکاة حینئذ فی النصاب و العفو معا فیتجه حینئذ احتساب التالف من المجموع.
و لکن التحقیق أن تعلق الزکاة بعین النصاب لیس علی وجه الملکیة حتی یصیر النصاب مشترکا بین المالک و أرباب الزکاة و مقدار الزکاة مشاعا ضرورة أن الزکاة إنما یتملکها أربابها بعد قبضها مع صلوحها للتملک کالفقراء و المساکین و نحوهما.
و أما قبل القبض فالنصاب باق علی ملک المالک إذ لو فرض صیرورة مقدار الزکاة قبل القبض ملکا لأربابها فلا یخلو من أن یکون ملکا للکلی أو الأفراد لا یجوز جعلها ملکا للأفراد و إلا لوجب البسط علیها و لجاز تقلبها فیها بیعا و شراء و هبة و صداقا و هکذا قبل القبض و بطلان کلا اللازمین فی غایة الوضوح و لا یجوز جعلها ملکا للکلی إذا الکلی قبل تشخصه و صیرورته جزئیا لا وجود له فی الخارج فلا یعقل أن یصیر مالکا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 90
بداهة أن المعدوم لا یقبل التملک و إن قلنا بأنه یقبل المملوکیة بل التحقیق أنه لا یقبل المملوکیة أیضا و مرجع ملک الکلی إلی ملک الذمة و استحقاق شخص علی ذمة آخر استیفاء عین أو عمل منها و لذا لا یتصور تحقق ملک الکلی من دون ذمة و أیضا لو کان الکلی مالکا لها لزم جواز التقلب فیها قبل القبض و بطلانه واضح بل یلزم البسط أیضا لأن کل فرد من أفراد الکلی حینئذ مالک للزکاة باعتبار صدق الکلی و انطباقه علیه فلا یجوز تخصیصها بعض لاشتراکها بینهم و قیاس ذلک بملک الکلی فی الذمة الذی یقتصر فیه علی فرد واحد فی غیر محله لأن الذمة إنما تشتغل بالکلی لا بالفرد و بوجوده فی الخارج تصیر الذمة فارغة فلا یتصور حینئذ لما فی الذمة أفراد حتی یجب الوفاء بها و تشتغل الذمة لها.
فمرجع تعلق الزکاة بالنصاب إلی وضع حق شرعی علی مال المالک إذا بلغ حد النصاب لا جعل النصاب مشترکا بین المالک و أرباب الزکاة فالنصاب موضوع للحق و متعلق له مع بقائه علی ملک مالکه.
و قوله عز من قائل (خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَکِّیهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ) ناطقة بأن الصدقة التی هی الزکاة موضوعة علی أموالهم لا جعل أموالهم مشاعة بینهم و بین أرباب الزکاة و لذا لا یجب علی المالک إخراج الصدقة من عین النصاب بل یکفی دفع المقدار الذی وجب إخراجه من غیر النصاب بل لا یعتبر فیها أن یکون المقدار المخرج من جنس النصاب فإن الموضوع علی کل خمس من الإبل إلی خمسة و عشرین إبلا شاة بل یجوز للمالک دفع النقدین عوضا عن المقدار المخرج لأن نظر الشارع فی جعل الحق علی النصب إنما هو إلی مالیته لا عینه بخصوصها و لا یرجع ما بیناه إلی تعلق ملک أرباب الزکاة بالکلی الخارجی کما هو الحال فی بیع صاع من صبرة و إلا لزم تعین الوفاء من عین النصاب و عدم سقوط شی‌ء من الفریضة ما بقی المال بمقدار الفریضة.
بل مرجع ما بیناه إلی جعل النصاب موضوعا لحق معین و فریضة مخصوصة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 91
فإن تلف من الموضوع شی‌ء بغیر تفریط یسقط من الفریضة بنسبة التالف من الموضوع و إلا فلا یسقط من الفریضة شی‌ء.
فاتضح بما حققناه أمور: الأول: إن ما ذکره الأصحاب (قدس سرهم) من عدم توزیع التالف علی الفریضة و مال المالک ما دام العفو موجودا فی غایة المتانة و کمال الجودة لما عرفت من عدم شیوع الفریضة فی المال حتی یحتسب التالف منها و من بقیة المال بنسبته إلیهما و أنها حق موضوع علی النصاب فإن انکسر النصاب بغیر تفریط سقط من الفریضة بنسبة التالف من النصاب حتی سقط من الفریضة شی‌ء بنسبة کسره.
________________________________________
بهبهانی، سید علی، الفوائد العلیّة - القواعد الکلیّة، 2 جلد، کتابخانه دار العلم، اهواز - ایران، دوم، 1405 ه ق

الفوائد العلیة - القواعد الکلیة؛ ج‌1، ص: 91
و الثانی: أنه لو کان للمالک أعیان زکاة و أراد تخلیص بعضها عن حق الزکاة المتعلقة بها فأخرج الزکاة بنیة عین معینة صح ما نوی و زکیت العین و خلصت للمالک.
و ما یتوهم من أن الفریضة مشاعة فی جمیع الأعیان لأن الأعیان المتعددة بمنزلة عین واحدة و الفریضة المتعلقة لها فریضة واحدة فما لم یؤد الفریضة المتعلقة بجمیع الأعیان لم یخلص للمالک شی‌ء منها و بقیت الأعیان علی الإشاعة فی غیر محله لما عرفت من أن تعلق الزکاة بالعین لیس علی وجه الملکیة و الإشاعة.
و الثالث: فساد ما ذکره الطباطبائی (رحمه الله) من أن الأقوی أن الزکاة متعلقة بالعین لا علی وجه الإشاعة بل علی وجه الکلی فی المعین و حینئذ فلو باع قبل أداء الزکاة بعض النصاب صح إذا کان مقدار الزکاة باقیا بخلاف ما إذا باع الکل فإنه بالنسبة إلی مقدار الزکاة یکون فضولیا محتاجا إلی إجازة الحاکم علی ما مر و لا یکفی عزمه علی الأداء من غیره فی استقرار البیع علی الأحوط لأن مرجع الکلی فی المعین المعبر عنه بالکلی الخارجی إلی التزام الذمة بوفاء الحق من العین المعین و مقتضاه حینئذ تعین الوفاء من المعین و عدم سقوط شی‌ء من الفریضة بتلف بعض النصاب ما بقی مقدار الفریضة و کلاهما ممنوع بل بدیهی البطلان.
فما فرع علیه من کون العقد فضولیا إذا باع الکل علی وجه الإطلاق فی غیر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 92
محله أیضا و حیث کان العقد فضولیا و أجازه الحاکم فالثمن کله یرجع إلی البائع و علیه إیصال الزکاة إلی أربابها لأن الحاجة إلی الإجازة حینئذ لا تکون من جهة أن مطابق الفریضة خارج عن ملک البائع بل من جهة أن النصاب مورد لتعلق حق أرباب الزکاة فاحتیاج نفوذ العقد حینئذ إلی إجازة الحاکم نظیر احتیاج نفوذ بیع الراهن العین المرهونة إلی إجازة المرتهن.
و منها أنه لو اشترک شخص مع آخر و أراد إعطاء زکاة سهمه فله ذلک لأن إخراج حق سهمه یرجع إلی نفسه و لا تکون الزکاة سهما مشاعا فی المال حتی لا یحتسب المخرج إلا من المجموع لا من خصوص سهمه فإذا أدی زکاة سهمه فله إفراز سهمه عن سهم شریکه و لا یتوقف نفوذ الإفراز علی دفع شریکه زکاة سهمه أو علی إذن الحاکم أو إمضائه إذ لیس حق الزکاة فی العین علی سبیل الإشاعة حتی یتوقف نفوذ الإفراز علی أحد الأمور المتقدمة.
و منها أنه یجوز للمالک بیع النصاب کلا مع نیة الوفاء و العزم علی الأداء فإن وفی فهو و إلا فللحاکم التخییر بین رد البیع بمقدار الفرض و إمضائه و إلزام المالک بأدائها و کذا إذا باع مع عدم العزم علی الأداء فإن أدی فهو و إلا فللحاکم التخییر.
و هکذا الأمر فی الخمس فإنه من الحقوق المتعلقة بالعین و لا یکون مشاعا فیها فیجری فیه ما جری فیها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 93‌

(فائدة 12) [و لو مات المرتهن و لم یعلم الرهن]

قال المحقق (قدس سره) فی الشرائع:" و لو مات المرتهن و لم یعلم الرهن کان کسبیل ماله حتی یعلم بعینه" و فی المسالک:" المراد أن الرهن لم یعلم کونه موجودا فی الترکة و لا معدوما فحینئذ یکون کسبیل مال المرتهن أی بحکم ماله بمعنی أنه لا یحکم للراهن فی الترکة شی‌ء عملا بظاهر حاله من کون ما ترکه لورثته و أصالة براءة ذمته من حق الراهن إذ الرهن لم یتعلق بذمته لأنه أمانة و لا بماله لأصالة بقاء ماله علی ما کان من عدم استحقاق أحد فیه شیئا هذا بحسب الظاهر" ثم قال و اعلم أن المصنف و غیره ذکروا هذه المسألة جازمین بحکمها علی الوجه المذکور بعبارة متقاربة أو متحدة و ذکروا نظیرها فی باب الودیعة و باب القراض و استشکلوا حکمها و الأمر فیه کذلک فإن أصالة براءة ذمة المرتهن معارضة بأصالة بقاء المال و الحال أنه فی ید المرتهن.
و قال (صلی الله علیه و آله):"
علی الید ما أخذت حتی تؤدی
" فإن مات و لم یعلم بعینه فأصالة بقائه و ثبوت یده یقتضی کونه فی یده فإذا لم یعلم عینه کان کالمعلوم بقاؤه و إن لم یتحقق کونه من جملة الترکة لاحتمال کونه فی محل آخر إلا أن علی المرتهن التخلص منه و حیث لم یتعین یکون مضمونا خصوصا إذا أمکنه الوصیة و الإشهاد فلم یفعل.
و علی هذا فیحتمل کون حق الراهن کالمال الموجود فیقدم بقدره علی غیره
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 94
من الدیان لأنه بمنزلة الشریک حیث حکم ببقاء ماله و یحتمل کونه بمنزلة الدیان لعدم العلم ببقاء عین المال و أصالة بقائه بحسب الظاهر فیکون بمنزلة الدین.
و یمکن أن یقال: علی أصل هذا الإشکال لا تعارض بین الأصلین السابقین فإن أصالة بقاء المال یمکن أن یجامع أصالة البراءة لأن المال بید المرتهن غیر مضمون.
بل هو أمانة ثم یمکن تلفه بغیر تفریط فلا یکون مضمونا و حدیث"
علی الید ما أخذت حتی تؤدی
لا بد من تخصیصه بالأمانات و لم یعلم هنا ما یزیل الأمانة فیبقی أصالة براءة الذمة رافعة لاستحقاق الراهن عن المال و الذمة لعدم التعارض فیتم ما أطلقوه حیث یشتبه الحال و هذا البحث جار فی کل أمانة یمکن تلفها قبل الموت بغیر تفریط انتهی.
و فی الجواهر ضعفه و قال:" إن أصالة بقاء المال و عدم التلف و أصل عدم ترکة له غیر الموجود یقتضی کونه فی الترکة الموجودة فیجب علی الورثة رده من الترکة".
أقول: و ما ذکره واضح الضعف لأن الأصل لا یثبت به اللوازم العقلیة و العادیة فلا یثبت بأصالة بقاء المال و عدم ترکة غیر الموجود کون الرهن فی الترکة الموجودة فتوهم أن مقتضاهما کون الرهن فی المال الموجود فیترتب علیه حکم رد الأمانة أو الضمان فی غیر محله و تنظیر الأصل بالبینة فی ثبوت اللوازم بها کما وقع فی کلامه لا وجه له ضرورة أن البینة قائمة مقام الدلیل العقلی کاشفة عن الواقع تنزیلا فیثبت بها اللوازم بخلاف الأصل فإنه وظیفة للجاهل فی مقام العمل و لا نظر له إلی الواقع فلا یثبت به اللوازم العقلیة و العادیة و إنما یؤخذ بمؤداه فقط و یترتب علیه حکمه فما ذکره المحقق و سائر الأصحاب (قدس سرهم) فی غایة المتانة و کمال الجودة.
فإن قلت: الأصل بقاء الرهن فی المال الذی کان فی زمان الحیاة ملکا و رهنا فلا قضاء للید بالملک بعد العلم بأنها کانت أعم فنسبة المال الموجود حینئذ إلی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 95
الرهن و الملک سواء و مقتضی استواء نسبتهما إلیه توزیعه علیهما و إخراج الرهن من المال الموجود.
قلت: الید تقتضی الملکیة ما لم یعلم خلافها و مجرد ثبوت الید علی الرهن و أصالة بقاء الرهن لا توجب إلغاء الید عن اقتضاء الملکیة بالنسبة إلی المال الموجود و توزیعه علیهما کما هو ظاهر.
و بما بیناه تبین أن ما ذکره فی الجواهر من أن الصور ستة:
الأولی: علم الرهن فی جملة الترکة.
الثانیة: أن یعلم أنه کان عند المیت و لم یعلم کونه فی الترکة أولا تلف بغیر تفریط أولا.
الثالثة: أن یعلم کونه عنده (کذلک) و لکن لیس فی الترکة قطعا.
الرابعة: أن یعلم تلفه فی یده و لم یعلم بتفریط أولا.
الخامسة: أن یعلم کونه عنده إلی أن مات و أنه لم یتلف منه إلا أنه لم یوجد فی الترکة.
السادسة: (کذلک) إلا أنها مع احتمال التلف بعد الموت کل ذلک مع عدم التقصیر منه بترک الوصیة و الإشهاد و أن حکم الأولی واضح کحکم ما لو علم الرهن بعینه و أنه یقوی الضمان فی غیر الرابعة مع احتماله فیها و إن کان الأقوی خلافه فی غیر محله لما عرفت من أنه لا وجه للحکم بالضمان فی الصور الخمسة فلا مجال للتفصیل بین الرابعة و غیرها و إن کان الحکم فی الرابعة أظهر.
و العجب أنه قال بعد ذلک:" و یمکن حمل عبارة المصنف و غیره علی ما إذا لم یعلم بأصل الرهانة".
فإنه بعید عن مساق عباراتهم غایة البعد بل لا یقبل الحمل علیه أصلا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 96‌

(فائدة 13) [و المرتهن أحق باستیفاء دینه من غیره]

قال المحقق (قدس سره) فی الشرائع:" و المرتهن أحق باستیفاء دینه من غیره من الغرماء سواء کان الراهن حیا أو میتا علی الأشهر".
و فی المسالک:" یتحقق التعارض فی الحی إذا کان مفلسا محجورا علیه إذ بدونه یتخیر فی الوفاء و الخلاف فی تقدیم المرتهن علی غرماء المیت فقد روی أنه و غیره حینئذ سواء و الأقوی تقدیمه مطلقا لسبق تعلق حقه بالعین انتهی.
أقول: إن کان الرهن عبارة عن جعل الدین متعلقا بالعین المرهونة و جعلها محلا لاستیفائه منها من أول الأمر غایة الأمر أن زمان الاستیفاء مؤخر عنه و مشروط بحلول الأجل و امتناع المدیون من الأداء أو تعذره منه فحق المرتهن حینئذ سابق علی حق سائر الغرماء بالنسبة إلی العین المرهونة لسبق تعلقه.
و إن کان عبارة عن جعل العین المرهونة وثیقة للدین و محبوسة علی الراهن بحیث إذا حل الأجل و امتنع من الأداء أو تعذر منه ثبت للمرتهن حق الاستیفاء من العین المرهونة فلا یکون تعلق حقه سابقا علی تعلق حقوق سائر الغرماء إذ بموت الراهن حلت الدیون المؤجلة علیه کلها و تعلق حقوق جمیع الدیان بترکته سواء فیها العین المرهونة و غیرها.
و الحاصل أنه إن قلنا حق الاستیفاء یترتب علی الرهن بعد حلول الأجل و امتناع المدیون من الأداء أو تعذره منه فالمرتهن و سائر الغرماء حینئذ سواء لأن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 97
تعلق الدین بالترکة بمعنی ثبوت حق الاستیفاء لدیان منها حینئذ حصل بموت المدیون و حلول الدین سواء فیه المرتهن و سائر الغرماء.
و إن قلنا أن تعلق الدین بالعین بمعنی ثبوت حق استیفائه منها ثبت بالرهن ابتداء غایة الأمر أن زمان الاستیفاء مؤخر عن الرهن و مشروط بحلول الأجل و امتناع الأداء فحق المرتهن سابق علی حق سائر الغرماء و لم یدل دلیل علی تعلق الدین ابتداء بالعین المرهونة حتی یحکم بتقدم حق المرتهن فی العین المرهونة علی حقوق سائر الغرماء بل الظاهر أن الرهن وثیقة للدین بمعنی جعله محبوسا علی الراهن بملاحظة دین المرتهن بحیث إذا حل الأجل و امتنع الراهن من الأداء ثبت له حق الاستیفاء فحینئذ لا تقدم له علی سائر الغرماء لأن دین المرتهن و سائر الغرماء إنما تعلق فی زمان واحد أی بعد موت الراهن الذی حل به الأجل و تعذر أداء الدین منه فلا مجال حینئذ لطرح الروایة الدالة علی مساواة المرتهن مع سائر الغرماء و توهم أن الإجماع قائم علی تقدم المرتهن علی سائر الغرماء حینئذ فی غیر محله لأن المحصل منه غیر حاصل و المنقول منه لیس بحجة مع أن المخالف موجود و هو الصدوق (قدس سره) و من تبعه.
لا یقال: مقتضی ما ذکرت مساواة المرتهن مع سائر الغرماء فی صورة الحجر علی المدیون بالفلس مع أن الإجماع قائم فیه علی تقدم المرتهن علی سائر الغرماء.
لأنا نقول: الفرق بین موت المدیون و الحجر علیه بالفلس و اختلافهما فی الآثار و الأحکام واضح فإن الدیون المؤجلة تحل بالموت دون الحج علیه بالفلس و یختص الغریم بعین ماله فی صورة الحجر علی المدیون بالفلس دون موته فلا مجال حینئذ لجعل موت المدیون مع الحجر علیه سواء فی الحکم.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 98‌

(فائدة 14) [لو اختلف مولی مأذون فی عبد أعتقه المأذون عن الغیر و لا بینة]

قال الشهید (قدس سره) فی اللمعة فی کتاب البیع:" لو اختلف مولی مأذون فی عبد أعتقه المأذون عن الغیر و لا بینة حلف المولی و لا فرق بین کونه أبا للمأذون أولا و لا بین دعوی مولی الأب شراءه من ماله و عدمه و لا بین استجارة علی حج و عدمه".
قال الشهید الثانی قدس سره فی الشرح:" و الأصل فی هذه المسألة روایة علی ابن أشیم عن الباقر علیه السلام
فیمن دفع إلی مأذون ألفا لیعتق عنه نسمة و یحج عنه بالباقی فأعتق أباه و أحجه بعد موت الدافع فادعی وارثه ذلک و زعم کل من مولی المأذون و مولی الأب أنه اشتراه بماله فقال: إن الحجة تمضی و یرد رقا لمولاه حتی یقیم الباقون بینة
و عمل بمضمونها الشیخ، و من تبعه و مال إلیه فی (س) و المصنف هنا و جماعة اطرحوا الروایة لضعف سندها و لمخالفتها لأصول المذهب فی رد العبد إلی مولاه مع اعترافه ببیعه و دعواه فساده و مدعی الصحة مقدم و هی مشترکة بین الآخرین إلا أن مولی المأذون أقوی یدا فیقدم و اعتذر فی (س) عن ذلک بأن المأذون بیده مال لمولی الأب و غیره و بتصادم الدعاوی المتکافئة یرجع إلی أصالة بقاء الملک علی مالکه قال: و لا یعارضه فتواهم بتقدیم دعوی الصحة علی الفساد لأنها مشترکة بین متقابلین متکافئین فتساقطا و فیهما نظر لمنع تکافئها مع کون من عدا مولاه خارجا و الداخل مقدم فسقطا دونه و لم یتم الأصل.
و منه یظهر عدم تکافؤ الدعویین الأخریین لخروج الأمر و ورثته عما فی ید المأذون
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 99
التی هی بمنزلة ید سیده و الخارجة لا تکافؤ الداخلة فتقدم و إقرار المأذون بما فی یده لغیر المولی غیر مسموع فلزم اطراح الروایة و لاشتمالها علی مضی الحج مع أن ظاهر الأمر حجة بنفسه و لم یفعل و مجامعة صحة الحج لعوده رقا و قد حج بغیر إذن سیده فما اختاره هنا واضح.
و نبه بقوله و لا بین دعوی مولی الأب شراءه من ماله و عدمه علی خلاف الشیخ و من تبعه حیث حکموا بما ذکر مع اعترافهم بدعوی مولی الأب فساد البیع و علی خلاف العلامة حیث حملها علی إنکار مولی الأب لإفساده هربا من تقدیم مدعی الفساد و التجأ إلی تقدیم منکر بیع عبده و قد عرفت ضعف تقدیم مدعی الفساد و یضعف الثانی بمنافاته لمنطوق الروایة الدالة علی دعوی کونه اشتری بماله هذا کله مع عدم البینة و معها تقدم إن کانت لواحد و إن کانت للاثنین أو للجمیع بنی علی تقدیم بینة الداخل و الخارج عند التعارض فعلی الأول الحکم کما ذکر و علی الثانی یتعارض الخارجان و یقوی تقدیم ورثة الأمر بمرجح الصحة انتهی.
و یستفاد من کلامه أن الوجوه التی زعموا مخالفتها لأصول المذهب أربعة:
الأول: تقدیم قول مدعی الفساد و هو مولی الأب علی مدعی الصحة مع أن تقدیم قول مدعی الصحة مطلقا أو فی خصوص المعاملات مما لا ینکر.
و الثانی: تقدیم قول الخارج علی قول ذی الید لأن ید العبد بمنزلة ید سیده فتقدیم قول مولی الأب علیه تقدیم لقول الخارج علی قول ذی الید من دون بینة و هو مخالف لضرورة الفقه.
و الثالث: أن ظاهر الأمر حج المأذون بنفسه و لم یفعل فلا معنی لمضی الحجة حینئذ.
و الرابع: الحکم بصحة العبد المحکوم بکونه رقا مع عدم الإذن من سیده و هما متنافیان فإن الرق لا یصح حجة إلا بإذن مولاه.
و التحقیق عدم مخالفتها لأصول المذهب لوجوه:
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 100
أما الأول فلأن الصحة إنما تکون أصلا فی المعاملات و یقدم دعواها علی دعوی الفساد إذا تحقق مقتضی الصحة فیها و شک فی وجود المانع الموجب لفسادها و أما إذا لم یحرز مقتضی الصحة فالأصل عدم تحققه و یقدم" ح" دعوی الفساد علی دعوی الصحة.
و ممن نبه علی ما بیناه المحقق الثانی قده فی جامع المقاصد قال فی باب الإجارة: لا شک فی أنه إذا حصل الاتفاق علی حصول جمیع الأمور المعتبرة فی العقد من الإیجاب و القبول من الکاملین و جریانهما علی العوضین المعتبرین و وقع الاختلاف فی شرط مفسد فالقول قول مدعی الصحة بیمینه لأنه الموافق للأصل لأن الأصل عدم ذلک المفسد و الأصل فی فعل المسلم الصحة.
و أما إذا حصل الشک فی الصحة و الفساد فی بعض الأمور المعتبرة و عدمه فإن الأصل لا یثمر هنا فإن الأصل عدم السبب الناقل و من ذلک ما لو ادعی أنی اشتریت العبد فقال بعتک الحر.
و قال فی باب الضمان فیما لو اختلف الضامن و المضمون له فقال: الضامن ضمنت و أنا صبی بعد ما رجح تقدیم قول الضامن.
فإن قلت: إن للمضمون له أصالة الصحة فی العقود و ظاهر حال المسلم أنه لا یتصرف باطلا.
قلنا: إن الأصل فی العقود الصحة بعد استکمال أرکانها لتحقق وجود العقد أما قبله فلا وجود له فلو اختلفا فی کون المعقود علیه هو الحر أو العبد حلف منکر وقوع العقد علی العبد و کذا الظاهر إنما یتم مع الاستکمال المذکور لا مطلقا".
و قال فی باب الإجارة فی ذیل قول المصنف و کذا الإشکال فی تقدیم قول المستأجر لو ادعی أجرة معلومة أو عوضا معینا و أنکر المالک التعیین فیهما بعد توضیح مراده یمکن أن یرد علیه أمران الثانی أن تقدیم قول مدعی الصحة إنما یتحقق علی ما بیناه حیث یتفقان علی حصول أرکان العقد و یختلفان فی وقوع المفسد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 101
فإن التمسک لنفیه بالأصل هو المحقق لکون مدعی الصحة منکرا دون ما إذا اختلفا فی شی‌ء من أرکان العقد فإنه لا وجه للتقدیم حینئذ و بهذا تبین أن مدعی الصحة لا یقدم قوله علی حال من الأحوال لأن الاختلاف وقع فی رکن العقد و هو تعیین الأجرة فیکون ادعاؤه کادعاء أصل العقد انتهی.
إذا تحقق لک ما حققناه فقد تحقق لک أن الصحة فی المقام لا تکون موافقة للأصل لأن الاختلاف إنما هو فی رکن العقد فإن مولی الأب إنما یدعی فساد العقد من جهة فقد ما یتقوم به البیع و هو مغایرة مالک الثمن.
و الحاصل أن أصالة الصحة لا تکون أصلا مستقلا و لا دلیل علی اعتباره کذلک و إنما هی راجعة إلی قاعدة الاقتضاء و المنع و الأخذ بالمقتضی مع الشک فی وجود المانع دفعا أو رفعا أو قطعا فإن مرجع الجمیع إلی المنع من تأثیر المقتضی أثره فلا تکون الروایة الشریفة من هذه الجهة مخالفة لأصل المذهب.
و أما الثانی: فلأن ید مولی المأذون علی أبیه الذی اشتراه هو من سیده بادعائه مسبوقة بید مولی الأب و مقر بسبق یده لادعائه أن عبده المأذون اشتراه بماله من مولاه و قد اتفق الأصحاب" قدس سرهم" علی تقدیم الید السابقة علی اللاحقة مع إقرارها بسبق الید السابقة علیها بل التحقیق عندی أنه تتقدم الید السابقة علی اللاحقة مطلقا سواء ثبت السبق بالبینة أو بإقرار ذی الید اللاحقة و قد أوضحنا الکلام فیه فی رسالة مستقلة.
فاتضح بما بیناه أن الروایة الشریفة من هذه الجهة أیضا لا تکون مخالفة لأصل المذهب.
و أما الثالث: فلأن الأمر بالحج و إن کان ظاهرا فی مباشرة المأذون بنفسه إلا أن القرینة قائمة علی إرادة الأعم و هی عدم دعوی ورثة الأمر خلافه مع أن المراد بمضی الحجة إن کان وقوعها عن الأمر و لو مع عدم استحقاق الأجرة علیها فهو لا یتوقف علی تحقق الأمر لأن الحج و غیره من العبادات یقع عمن نوی عنه العامل أمر به أم لا إن کان واجبا فیبرء ذمته به و إن کان مندوبا یقع عمن نوی عنه هو مع الأمر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 102
به و إلا فیرجع إلیه ثوابه کما أوضحناه لک فی الفائدة الثانیة فلا ترد الحجة علی کل حال.
و أما الرابع: و هو الحکم بصحة الحجة لا ینافی مع الحکم بعود العبد رقا لأن کلا منهما حکم ظاهری مطابق للأصل و التفکیک بین المتلازمین شائع فی مؤدی الأصول فباعتبار الشک فی تحقق السبب الناقل یعود العبد رقا و باعتبار وقوع الشک فی صحة الحجة بعد الفراغ عنها یحکم بصحته بمقتضی «1» قاعدة الفراغ بل لا حاجة فی المقام إلی إعمال قاعدة الفراغ لأن العبد إذا أتی بالحج لنفسه أو لغیره بزعم حریته و استکماله فی نفسه صحت حجته و لو ظهر أنه رق واقعا.
و هذا الوجه هو الظاهر من الروایة حیث حکم فیها بمضی الحجة مطلقا و لم یستثن صورة قیام البینة علی رقیته.
فإن قلت: هذان الوجهان إنما تدلان علی صحة الحجة و أما استحقاق الوجه الذی صرفه فی الحج عن الأمر فلا.
قلت: نعم و الروایة لا تدل علی أزید من مضی الحجة و صحتها فاتضح بحمد الله تعالی أن الروایة الشریفة لا تخالف شیئا من أصول المذهب و إنها منطبقة علی الضوابط العامة فلا مجال لطرحها.
و قد تبین بما بیناه أن ما ذکره الشهید الثانی قدس سره من أنه لو أقام البینة الجمیع و قلنا بتقدیم بینة الخارج یقوی تقدیم ورثة الأمر بمرجح الصحة فی غیر محله لما عرفت من أن أصالة الصحة لا تکون أصلا مستقلا و إنما ترجع إلی الأخذ بالمقتضی المعلوم و عدم الاعتداد بالمانع المشکوک و لا مجری له فی المقام حتی یترجح به أحد الوجهین.
و قد تبین بما بیناه أیضا أنه لو اختلف مولی المأذون مع ورثة الأمر فالقول.
______________________________
(1) و التحقیق أنه لا مجری لقاعدة الفراغ فی المقام لما نبهنا علیه سابقا من أن قاعدة الفراغ إنما تنظر إلی صحة العمل إذا کان احتمال الخلل لأجل احتمال الغفلة لا مطلقا منه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 103
قول المولی حینئذ لسماع قوله بالنسبة إلی ما تحت یده فما ذکره الشهید قدس سره من أنه لا فرق فی سماع قول المولی بین دعوی مولی الأب شراءه من ماله و عدمه فی غیر محله لأنه مع دعوی مولی الأب شراءه من ماله لا یعلم تحقق البیع فیعود رقا لمولاه.
و أما مع عدم دعوی مولی الأب شراءه من ماله فالبیع محقق و ینحصر التعارض بین قول المولی و ورثة الأمر فیقدم قول المولی حینئذ لأن العبد و ما فی یده تحت یده فیسمع قوله فیه فما أعاده الشیخ و من تبعه (قدس سرهم) من الفرق بین الصورتین فی غایة المتانة و کمال الجودة.
و مما بیناه ظهر أنه لو انحصر النزاع بین مولی المأذون و مولی الأب یقدم قول مولی الأب حینئذ لأن الأصل معه و علی مولی المأذون إقامة البینة علی طبق دعواه.
تنبیه: هل لورثة الدافع الرجوع بمطابق أجرة الحجة من الألف علی الأب حینئذ فإن قلنا بأن لهم الرجوع علیه و رجعوا علیه فهو یرجع علی المأذون لأنه الذی غره و المغرور یرجع علی من غره و إن رجعوا علی المأذون فهو لا یرجع علی أحد ثم إن الرجوع علی المأذون أو أبیه إنما هو بعد فک رقبتهما بالعتق أو الانعتاق.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 104‌

(فائدة 15) [بحث فی الإقرار]

اتفق الأصحاب" قدس سرهم" علی عدم ثبوت النسب بالإقرار إلا فی الإقرار بالولد من صلبه بلا واسطة بقیود ثلاثة.
الأول: کون البنوة ممکنة.
و الثانی: کون المقر به مجهولا.
و الثالث: أن لا ینازعه فیه منازع.
و لا یعتبر تصدیق الولد إن کان صغیرا اتفاقا و هل یعتبر تصدیقه إن کان کبیرا ظاهر کلام الشیخ فی النهایة العدم و فی المبسوط یعتبر و لا یثبت النسب فی غیر الولد إلا بتصدیق المقر به و إذا أقر بغیر الولد للصلب و لا ورثة له و صدقه المقر به توارثا بینهما و لا یتعدی التوارث إلی غیرهما.
و هل یثبت نسب الولد بإقرار الأم أم یختص بإقرار الأب فیه خلاف فالأکثر حکموا بالأول و اقتصر جماعة علی إقرار الأب استنادا إلی أنه خلاف الأصل فیقتصر فیه علی موضع الیقین.
تحقیق الأمر یتوقف علی بیان وجه الفرق بین الإقرار بالولد و وجه نفوذه و التعدی عنهما إلی الحواشی و الأطراف و بین الإقرار بغیره من الأرحام و وجه عدم نفوذه إلا مع تصادقهما و عدم التعدی عنهما إلی غیرهما إلا مع التصادق.
فأقول مستعینا بالله تعالی أن الإقرار بالولد الإقرار بالولادة و لها أطراف ثلاثة الوالد و الوالدة و الولد و من المعلوم اختلافها فی الطرفیة فإن الأولین منشأ للولادة و هی صادرة منهما صدور الفعل من فاعله دون الأخیر فإنه متعلق للولادة و هی واقعة علیه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 105
وقوع الفعل علی المفعول فهی فعل للوالد و الوالدة دون الولد فیسمع قولهما فیه و ینفذ اقرأهما به ضرورة أن الشخص مرجع فی فعله و ینفذ إقراره به فإن الفعل مما لا یستعلم إلا من قبل فاعله.
و أما إقرار الولد بأبوة رجل و أمومة امرأة مما لا یسمع بدون تصدیقهما لأن مرجع إقراره بهما إلی ادعاء صدور فعل الولادة منهما و من المعلوم أن المدعی به لا یثبت بادعاء المدعی بل یحتاج ثبوته إلی قیام البینة علیه أو إقرار المدعی علیه به و بما بیناه تبین أن ثبوت النسب بالإقرار بالولد منطبق علی الموازین الأولیة و الضوابط العامة و أنه لا فرق بین الأب و الأم فی هذه الجهة إذ الولادة کما تکون فعلا للأب تکون فعلا للأم و لذا یکون الأب والدا و الأم والدة فلا مجال للفرق بینهما مع أن النصوص مطلقة کما تبین سر عدم نفوذ الإقرار إلا فی الولد من صلبه بلا واسطة إذ الإقرار بالولد بالواسطة ادعاء علی صدور الولادة من ولده فلا یثبت إلا بالبینة أو تصدیق المدعی علیه.
و منه تبین سر عدم نفوذ الإقرار بغیر الولد من الأرحام إلا مع تصدیق المقر به فإن مرجع إقرار الشخص بأخ له أو عم أو خال مثلا إلی صدور ولادة المقر به من أبیه أو أمه أو جده أو جدته فإقراره بذلک ادعاء علی صدور الفعل من غیره فلا یسمع إلا مع تصادقهما علیه.
کما تبین أنه حینئذ لا یتعدی عن المتصادقین إلی غیرهما من الفروع و الأصول و الحواشی لأن تصادقهما علیه یوجب ترتیب آثار النسب علی أنفسهما بمقتضی اقرأهما لا ثبوت النسب واقعا أو ظاهرا بخلاف إقراره بالولد من صلبه بلا واسطة فإنه إقرار بصدور الفعل من نفسه فیسمع قوله فیه و تثبت الولادة بمجرد إقراره من دون حاجة إلی تصدیق المقر به ضرورة نفوذ إقرار الشخص فیما هو مرجع فیه و یتبعه ثبوت النسب بالنسبة إلی الأطراف من الأصول و الفروع و الحواشی.
فإن قلت: الولادة جهة قائمة بطرفیها و من شأنها عدم ثبوتها بإقرار أحد الطرفین
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 106
إلا بالنسبة إلی المقر و لذا لا یسمع إقرار أحد المتزاوجین مع إنکار الآخر إلا بالنسبة إلی المقر.
قلت: التولید فعل الوالد فقط و إن کان له تعلق بالولد بخلاف التزویج فإنه مرکب من فعلی المتزاوجین فلا ینفذ إقرار أحدهما إلا بالنسب إلی نفسه إذ لا وجه لنفوذ إقرار أحدهما بالنسبة إلی الآخر و أما مجرد التعلق بالآخر مع صدور الفعل من أحدهما فلا یوجب توقف نفوذ إقرار الفاعل علی تصدیق الآخر فإن العتق و الإطلاق و الإبراء و هکذا من الإیقاعات مع تعلقها بالطرف الآخر لا یتوقف نفوذ إقرار المولی و الزوج و الدائن بالعتق و الطلاق و الإبراء علی تصدیق العبد و الزوجة و المدین.
فإن قلت: ثبوت النسب بالإقرار حکم ظاهری لا واقعی و مقتضاه أن لا یثبت به اللوازم العقلیة و العادیة فکیف یثبت بالإقرار بالولد الانتساب بالنسبة إلی الأطراف و التوابع من الأصول و الفروع و الحواشی.
قلت: الانتساب بالنسبة إلی الأطراف لیس أمرا زائدا علی ثبوت نسبة الولد بالنسبة إلی والده فإن الجدودة و العمومة و الخئولة و الأخوة و هکذا منتزعة من أمرین: ثبوت الولادة بین المقر و المقر به و ثبوت نسبة الأطراف إلی أحدهما و الأولی ثابتة بإقرار الوالد بالولد کما هو المفروض و الثانیة ثابتة تحقیقا فلا مجال لنفیها مع ثبوت منشأ انتزاعها کما أنه لا مجال لتوقیفها علی تصدیق الأطراف.
و من هذا القبیل ثبوت المصاهرة بالتزویج الثابت بین المتزاوجین و عدم اعتبار تصدیق والد الزوج و بنت الزوجة و ولد الزوج فی ثبوتها لأن التزویج إنما یرجع إلی المتزاوجین و لا یرجع إلی غیرهما حتی ینفذ إقراره فیه مع أن الإقرار لیس أصلا محضا بل فیه جنبة الکشف أیضا فهو برزخ بین الأصل و الأمارة بل یغلب علیه جهة الکشف و لذا یکون قائما مقام البینة غالبا و یثبت به اللوازم.
فإن قلت: یلزم حینئذ التعدی إلی الأطراف فی صورة التصادق أیضا.
قلت: لا یثبت النسب بتصادقهما حتی یتعدی عنهما إلی سائر الأطراف و إنما یلزمان حینئذ بترتیب آثار النسب بالنسبة إلی أنفسهما حسب إقرارهما.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 107
و السر فیه أن إقرار الشخص إنما ینفذ فیما هو مرجع فیه و لا مرجعیة لأحد الأطراف فی صدور الولادة لعدم کونها فعلا له و لا فی طرفیة سائر الأطراف أصالة و لا تبعا لأن کلا منهما فی عرض الآخر من حیث الطرفیة فلا ینفذ إقرار المتصادقین إلا فی حق أنفسهما لعدم ثبوت الولادة بإقرارهما حتی یتبعه ثبوت النسب النسبة إلی سائر الأطراف و عدم ثبوت طرفیة الأطراف غیر المتصادقین به لأن کلا منهما فی عرض الآخر فلا ینفذ بإقرار أحد الأطراف طرفیة سائر الأطراف أصالة کما هو ظاهر و لا تبعا لعدم تبعیة طرفیة بعضها علی طرفیة الآخر.
و إذ قد اتضح لک ما حققناه فقد اتضح لک وجه الفرق بین الإقرار بالولد من صلبه بلا واسطة و بین الإقرار بسائر الأرحام و سر ثبوت التعدی إلی الأطراف و التوابع فی الصورة الأولی و عدم التعدی فی سائر الصور.
بقی الکلام فی وجه اعتبار القیود الثلاثة.
أما الأول: فوجه اعتباره واضح.
و أما الثانی: فلأن الولد إذا لم یکن مجهول النسب و کان نسبه معلوما لم یبق محل لتأثیر الإقرار بولادته.
و أما الثالث: فلأنه مع المنازعة فیه مع صغره یکون نسبة الولد إلی کل من المتنازعین سواء فلا یترجح أحدهما علی الآخر إلا بالبینة إن کانت و إلا فبالقرعة و قد تبین مما بیناه أنه لا یعتبر تصدیق الولد و إن کان کبیرا نعم لا یبعد أن یکون تکذیبه حینئذ قادحا لأنه مستقل فی نفسه فینفذ إنکاره و لا ینافی سماع إنکاره مع نفوذ إقرار شخص بولادته منه لأن مسماع إقرار المقر مقتض للحوق الولد به فیترتب علیه الأثر ما لم یوجد مانع من طرف الولد و هو إنکاره بالغا رشیدا.
و لذا اتفقوا علی ثبوت النسب بإقراره بالولد بعد موته مطلقا و حال صغره و جنونه و یمکن أن یکون مراد الأکثر من اعتبار تصدیق الولد البالغ العاقل حینئذ عدم تکذیبه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 108
و بهذا البیان تبین أنه لا ینافی اعتبار تصدیق الولد حینئذ مع حکمهم بتعدی التوارث إلی الأطراف فبان بهذا البیان وجه الفرق بین حکمهم بتعدی التوارث فی المقام مع اعتبارهم التصادق و حکمهم بعدم تعدی التوارث فی المتصادقین علی نسب غیر التولد.
و الحاصل أن مرجع اعتبار التصادق فی المقام إلی عدم التکذیب فقط فیتعدی التوارث عنهما إلی الأطراف بخلاف اعتبار التصادق فی غیر التولد فإن اعتباره إنما هو بحسب نفسه لا باعتبار أوله إلی عدم التکذیب و الإنکار.
فاندفع بما بیناه ما أورده قدس سره فی الروضة من أن الفرق بینه و بین غیره من الأنساب مع اشتراکهما فی اعتبار التصادق غیر بین مع أنه لو قلنا باعتبار التصادق فی المقام تحقیقا فوجه الفرق ظاهر أیضا لأن تصادقهما علی التولد موجب لثبوت الولادة إذ لا مرجع لها غیرهما فیتعدی عنهما إلی الأطراف و أما التصادق فی غیر التولد فلا یوجب ثبوت النسبة لعدم مرجعیتهما إلا فی الطرفیة الثابتة لأنفسهما کما أوضحناه لک فلا یتعدی عنهما إلی سائر الأطراف التی کل منهما فی عرض الآخر و لا یتبع بعضها بعضا.
ثم اعلم أنهم قالوا إذا أقر بغیر الولد للصلب و صدقه المقر به صح و توارثا إذا لم یکن لهما ورثة مشهورون و هو کذلک لأن نفوذ إقرارهما علی أنفسهما إنما یقتضی توارث کل منهما عن الآخر بالنسبة إلی حقوق أنفسهما دون حقوق ورثتهما فلا یؤثر تصادقهما فی التوارث إلا مع عدم ورثة لهما.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 109‌

(فائدة 16) القطع قد یکون طریقا أی لا مدخلیة له فی حکم متعلقة

کما هو شأنه الذاتی.
و قد یؤخذ قیدا للموضوع بحیث لا یترتب الحکم علی متعلقة إلا بعد القطع به کما إذا فرض أن الخمر المقطوع بخمریته حرام و لا شبهة فی جوازه کما أنه یجوز أخذ العلم بالحکم فی موضوع حکم آخر کوجوب الحد علی شارب الخمر العالم بأنه حرام.
و أما أخذه موضوعا بالنسبة إلی نفس الحکم الذی تعلق العلم به فهو محال مستلزم للدور الموجب لتقدم الشی‌ء علی نفسه بمرتبتین و تأخره عن نفسه کذلک.
و قد یتوهم أنه مما یمکن بنتیجة التقیید قال مقرر بحثه بعد ما حکم بجوازه:" و توضیح ذلک هو أن العلم بالحکم لما کان من الانقسامات اللاحقة للحکم فلا یمکن فیه الإطلاق و التقیید اللحاظی لاستلزامه الدور کما أوضحناه فی مبحث التعبدی و التوصلی و قلنا إن أخذ العلم قیدا جزءا أو شرطا أو مانعا مما لا یمکن فی مرتبة الجعل و التشریع کما هو الشأن فی الانقسامات اللاحقة للمتعلق باعتبار تعلق الحکم به کقصد التقرب فی العبادات و إذا امتنع التقیید امتنع الإطلاق أیضا لأن التقابل بین الإطلاق و التقیید تقابل العدم و الملکة.
و لکن الإهمال الثبوتی أیضا لا یعقل بل لا بد إما من نتیجة الإطلاق أو من نتیجة التقیید فإن الملاک الذی اقتضی تشریع الحکم إما أن یکون محفوظا فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 110
کلتا حالتی الجهل العلم فلا بد من نتیجة الإطلاق و إما أن یکون محفوظا فی حالة العلم فقط فلا بد من نتیجة التقیید و حیث لم یمکن أن یکون الجعل الأول متکفلا لبیان ذلک فلا بد من جعل آخر یستفاد منه نتیجة الإطلاق و التقیید و هو المصطلح علیه بمتمم الجعل فاستکشاف کل من نتیجة الإطلاق و التقیید یکون من دلیل آخر" انتهی.
و هو فاسد من وجوه:
الأول: إن أخذ العلم بالحکم شرطا فی تحقق هذا الحکم مستحیل ذاتا لاستلزامه تقدم العلم علی الحکم المتقدم علیه تقدم المعلوم علی العلم فلا یختص استحالته بالجعل الأول حتی تندفع بأخذه شرطا له بالجعل الثانی.
و الثانی: إن اختصاص مصلحة الحکم بحالة العلم به فقط موجب لتأثیر العلم بالحکم فی مصلحة الحکم و هو مستلزم للدور المحال أیضا لأن الحکم منبعث عن المصلحة و معلول عنها فلا یعقل أن تکون مصلحة الحکم منبعثة عن العلم به المتأخرة عنه.
و الثالث: إنه یلزمه الإهمال الثبوتی فی جعل الحکم و إن زعم أنه تخلص منه بعدم تطرق الإطلاق و التقیید اللحاظی فی الجعل الأول لأن الحاکم إن لاحظ الخمر فی حد نفسها مثلا و أثبت الحرمة لها من حیث هی یلزمه إطلاق الحکم بالنسبة إلی الحالات الطاریة و إلا فإن قیدها بقید فالحکم مقید به حینئذ و الحاکم لا یخلو من أحد اللحاظین حتی یحتاج إلی الجعل الثانی و الاحتیاج إلیه إنما یتم إذا کان الحاکم فی حال الجعل الأول معری عن اللحاظین و هو الإهمال الذی فر منه.
و الرابع: إن الدلیل إن کان کاشفا عن أخذ العلم بالحکم شرطا فی تحققه فهو مأخوذ فی موضوع الحکم بالجعل الأول و یستحیل حینئذ أن لا یعقل أخذه فی الموضوع بالجعل الأول و إن دل الدلیل علی أخذه کذلک فی جعل آخر مترتب علیه فهو مأخوذ فی موضوع حکم آخر یترتب علی الأول.
و کیف کان فما ذکره أمر مستحیل من وجوه عدیدة و ما زعمه من أن وجوب الجهر و الإخفات فی مواضعهما و وجوب القصر علی المسافر من هذا الباب لاشتراطهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 111
بالعلم بهما فی غیر محله إذ صحة الصلاة جهرا فی موضع الإخفات و بالعکس و صحة الإتمام فی موضع القصر جاهلا بالحکم لا یتوقف علی أخذ العلم بالحکم قیدا فی موضوعه بل یصلح بجعل العلم بالحکم کالبلوغ و العقل شرطا فی تعلق الحکم کما علیه المصوبة فی جمیع الأحکام فلا یکشف عن أخذ العلم بالحکم شرطا فی تحققه مع أن الإتمام فی موضع القصر إنما یصح إذا کان الجاهل قاصرا لا مطلقا و هو مبنی علی أصل آخر کما بیناه فی محله.
و أما کون المأمور به عبادة فهو سابق علی الأمر و لذا قد تکون العبادة مأمورا بها و قد تکون منهیا عنها کصلاة الحائض و صومها و لو سلمنا عدم تحقق التعبد بدون الأمر فهو مأخوذ فی نفس الأمر بالجعل الأول لأن الغرض من الأمر قد یکون التعبد بالمأمور به و قد یکون التوصل به.
توضیح ذلک أن قیود القضیة خبریة أم إنشائیة إما معتبرة فی الموضوع أو المحمول أو النسبة و لا رابع لها کما هو ظاهر فإن کان عروض الحکم علی المعروض متوقفا علی اعتبار قید فی المعروض فهو قید فی المعروض فهو قید للموضوع کتوقف استحقاق الزکاة علی الفقر مثلا و قبول الشهادة علی العدالة و إن کان ثبوت الحکم للموضوع مقیدا بخصوصیة مرتبطة بالمحمول کقولک زید عالم بالفقه أو بالنحو و هکذا فهو قید للمحمول و إن کان ثبوت النسبة موقوفا علی اعتبار خصوصیة فیها فهی قید لها کقولک إن قدم زید من السفر فتصدق درهما فإن اعتبار قدوم زید فی وجوب تصدق درهم لیس تقییدا للموضوع و لا للمحمول و إنما هو تقیید للنسبة.
و من هذا الباب کل ما اعتبر فی القضیة و لا یکون صفة للموضوع و لا للمحمول فإن قدوم زید لیس صفة للمتصدق و لا للصدقة و اعتبار قصد التعبد فی الأمر من هذا القبیل فإن مطلوبیة المأمور به قد تکون مقیدة بإیجاده بعنوان التعبد لله تعالی شأنه کاغتسل و صل مثلا فیکون الأمر تعبدیا و قد تکون بإیجاده کیف اتفق کاغتسل ثوبک و بدنک عن الخبث فیکون الأمر توصلیا فانقسام الأمر إلی التعبدی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 112
و التوصلی إنما هو باختلاف غرض الأمر و إذا انحصر غرض الأمر فی التعبد بالمأمور به لا یصلح الامتثال إلا بقصد التقرب به و لا یصلح أخذ العلم بالحکم أو جهله به معتبرا فیه لا موضوعا و لا محمولا و لا نسبة کما هو واضح و إنما یتصور اعتباره فی مرحلة تعلق الحکم التی هی المرحلة الثانیة من مراحل الحکم بالجعل الأول و إن کان باطلا مستلزما للتصویب.
و أغرب منه ما ذکره من تصور جعل العلم بالحکم من سبب خاص مانعا مزیلا للحکم و رافعا له و هو فی غایة الغرابة و کیف یتصور أن یکون طریق العلم بالحکم و إثباته رافعا مزیلا له.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 113‌

(فائدة 17) لا شبهة فی أن الخیار فی عقد البیع من الحقوق لا الأحکام

لأنه سلطنة لأحد المتعاقدین علی الآخر و قد بینا فی محله أن کل سلطنة علی الغیر من قبیل الحقوق و سلطنة الشخص علی نفسه و جهاته من قبیل الأحکام.
توضیح الحال أن عقد البیع ینحل إلی بدلیتین بدلیة الثمن عن المثمن و بدلیة المثمن عن الثمن فهو مرکب من إیجابین فی مرحلة تکوین العلقة فهو مبایعة فی هذه المرحلة و کل من المتعاقدین موجب للبیع و یکون فی عرض الآخر من حیث إیجاد العلقة القائمة بالمالین فهما متبایعان و لکن باعتبار أن المثمن أصل فی مرحلة قصد البدلیة و الثمن تابع له صار أحد العملین إیجابا و الآخر قبولا و أحد المتبایعین بائعا و الآخر مبتاعا فظهر بهذا البیان أن عقد البیع لازم ذاتا و لا یستقل أحدهما فی حله کما لا یستقل فی عقده و إثباته نعم لهما الاجتماع علی حله کما لهما الاجتماع علی عقده و إثباته فالسلطنة علی الإقالة کالسلطنة علی إیجاد العقد من شئون سلطنة الشخص علی نفسه و جهاته فهی حکم لاحق و لذا لا تقبل الإسقاط.
و أما الخیار المجعول شرعا أو بجعل المتعاقدین فهو سلطنة جدیدة ثبتت لأحدهما أو لکل منهما علی الآخر فی حل عمله بجعل الشرع أو بجعل المتعاقدین فهو حق و لذا یقبل الإسقاط باتفاق الأصحاب بخلاف السلطنة علی رد العقد الفضولی و إمضائه و جواز الرجوع فی الهبة و سائر العقود الجائزة بالذات المسماة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 114
بالعقود الإذنیة فإنها کالإقالة أحکام غیر قابلة للإسقاط لأن مرجع السلطنة فی الجمیع إلی سلطنة الشخص علی نفسه و جهاته.
إذا اتضح لک ذلک فاعلم أن الخیار فی عقد البیع کما یقبل الإسقاط یقبل الانتقال إلی الورثة لأن موضوعه و هو عقد البیع لا یتقوم بالمورث بل ینتقل أثر البیع إلی الوارث فلا مانع حینئذ من انتقال الخیار الثابت فیه إلی الوارث أیضا و هذا بخلاف الخیار الثابت فی عقد التزویج بسب أحد العیوب المجوزة لفسخه فإنه لا ینتقل إلی الوارث لتقوم موضوعه و هو عقد التزویج بالمورث و قد ظهر بما بیناه من أن الحق إنما هو سلطنة علی الغیر و أن حق الجلوس فی السوق و المسجد و حق التولیة و النظارة لا تکون حقا اصطلاحا و إن عبر عنها بالحق لغة إذ لا یکون شی‌ء منها سلطنة علی الغیر فإن مرجع الأولین إلی ملک الانتفاع بسبب سبق الجلوس و مرجع الأخیرین إلی ولایة علی العین الموقوفة و استصواب أمر القیم لا ولایة و سلطنة علی الغیر.
و أما الخیار المجعول للأجنبی فلا یکون حقا للأجنبی لعدم عود فائدة الخیار إلیه و إنما حکمه حکم الوکیل فهو منصوب من قبل المتعاقدین فی إعمال الخیار فسخا و إلزاما فعدم انتقال هذه الأمور المعبر عنها بالحق لیس لأجل تقومها بموضوعها کما ذکره شیخنا العلامة الأنصاری (قدس سره) فی متاجره بل من أجل عدم کونها حقا.
بقی الکلام فی أمرین:
الأول فی أن إرث الخیار هل یتبع إرث المال؟ قال شیخ مشایخنا العلامة الأنصاری قدس سره:" إرث الخیار لیس تابعا لإرث المال فعلا فلو فرض استغراق دین المیت لترکته لم یمنع انتقال الخیار إلی الوارث" إلی أن قال:" و لو کان حرمانه من المال لتعبد شرعی کالزوجة بالنسبة إلی العقار و غیر الأکبر من الأولاد بالنسبة إلی الحبوة ففی حرمانه من الخیار المتعلق بذلک المال مطلقا أو عدم حرمانه کذلک وجوه بل أقوال، ثالثها: التفصیل بین کون ما یحرم الوارث عنه منتقلا إلی المیت أو عنه فیرث
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 115
فی الأول صرح به فخر الدین فی الإیضاح و فسر به عبارة والده کالسید العمید و شیخنا الشهید فی الحواشی و رابعها: عدم الجواز فی تلک الصورة و الإشکال فی غیرها صرح به فی جامع المقاصد انتهی".
و فیه أن استغراق دین المیت لترکته لا یکون مانعا من إرث المال أیضا إذ أعیان الترکة حینئذ منتقلة إلی الورثة و لا ینافیه تأخر الإرث عن الدین لأن المراد منه أنه ما لم یؤدوا الورثة دیون المیت لا یرجع إلیهم الترکة طلقا لا أنهم لا یرثونها أصلا ما لم یؤدوا الدین.
و التحقیق أن إرث الخیار تابع لإرث المال لأن الخیار إنما ثبت للمورث باعتبار أنه حقه و یعود فائدته إلیه فلو ثبت للوارث من دون أن یرث المال لزم عدم عود فائدته إلیه و أن یکون رجوع الخیار إلیه حینئذ من قبیل رجوع الخیار إلی الأجنبی المجعول له الخیار حیث یکون مرجعا فی إعمال الخیار فسخا و إلزاما للغیر من دون أن یکون له حق فیه و هذا مناف لکونه وارثا لحق الخیار الثابت لمورثه و لکن تبعیته لإرث المال إنما یقتضی منعه من إرث الخیار إذا کان ما انتقل إلی المیت مما یحرم عنه الزوجة کما إذا ترک أرضا مشتراة بخیار فإن الزوجة محرومة عن إرث الأرض و ثمنها.
أما الثانی: فلخروجه عن ملک المیت فلا یکون ترکة له.
و أما الأول فلحرمان الزوجة عنه فلا مجال لإرث الخیار حینئذ بالنسبة إلی الزوجة إذ لو قلنا بأن لها الخیار حینئذ لزم أن یکون لها إعمال الخیار لسائر الورثة لا نفسها إذ لا حق لها فی الثمن بعد الفسخ أیضا إذ الفسخ حل للعقد من حین الفسخ لا من حین العقد فلا یرجع الثمن حینئذ بالفسخ إلی المیت حتی یصیر ترکة له و ترث منها الزوجة و إنما یرجع بالفسخ کل من الثمن و المثمن مکان الآخر فیقوم الثمن مقام الأرض التی صارت ملکا لغیر الزوجة من الورثة فلا سهم للزوجة فیه کما لا سهم لها فی الأرض.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 116
و أما إذا کان ما انتقل عن المیت مما یحرم عنه الوارث کما إذا باع أرضا بخیار و ترک ثمنها فالزوجة حینئذ کسائر الورثة ترث منه و لها خیار الفسخ و إذا اختارت الفسخ تنتقل إلیها من الأرض فی مقابل سهمها من الثمن لأن الفسخ حل للعقد من حین الفسخ فتملک قسطا من الأرض بالفسخ و لا یکون إبطالا للعقد من رأس حتی ترجع إلی المیت و تنتقل عنه إلی الورثة إرثا فتحرم عنها الزوجة و ما یظهر من کلماتهم أنه لو قلنا بثبوت الخیار للزوجة فی الصورتین و اختارت الفسخ فلا ترث فی الصورة الأولی من الأرض و ترث من الثمن فی الصورة الثانیة فی غیر محله إذ لا محال لهذا الحکم بعد الالتزام بأن الفسخ حل للعقد من حین الفسخ لا إبطال له من رأس.
فإن قلت: مقتضی ما ذکرت حرمان الزوجین عن الدیة فی قتل العمد لأن الحکم حینئذ ابتداء هو القصاص المحروم عنه الزوجان و الدیة تثبت بدلا عنه مع أن الإجماع قائم علی أنهما یرثان من الدیة سواء ثبتت أصالة أو صلحا.
قلت: الدیة بدل عن دم المقتول عمدا أو خطأ غایة الأمر أن له فی الصورة الأولی بدلین القصاص و الدیة مع تقدم الأول علی الثانی و لذا إذا هرب قاتل العمد إلی أن مات یؤخذ الدیة من ماله فلا تکون الدیة بدلا عن القصاص حتی یحرم عنها الزوجان و إنما تکون بدلا عن دم المقتول فیرثها من یرث المال و منهم الزوجان.
و الثانی فی کیفیة استحقاق کل من الورثة للخیار مع أنه حق واحد غیر قابل للتجزیة و التقسیم و قد ذکر شیخ مشایخنا الأنصاری قدس سره فی متاجره فیه وجوها فقال: الأول: ما اختاره بعضهم من استحقاق کل منهم خیارا مستقلا کمورثه بحیث یکون له الفسخ فی الکل و إن أجاز الباقون نظیر حد القذف الذی لا یسقط بعفو بعض المستحقین و کذلک حق الشفعة علی المشهور و استند فی ذلک إلی أن ظاهر النبوی المتقدم و غیره ثبوت الحق لکل وارث لتعقل تعدد من لهم الخیار بخلاف المال الذی لا بد من تنزیل مثل ذلک علی إرادة الاشتراک لعدم تعدد الملاک شرعا لمال واحد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 117
بخلاف محل البحث.
الثانی: استحقاق کل منهم خیارا مستقلا فی نصیبه فله الفسخ فیه دون باقی الحصص غایة الأمر مع اختلاف الورثة فی الفسخ و الإمضاء تبعض الصفقة علی من علیه الخیار فیثبت له الخیار و وجه ذلک أن الخیار لما لم یکن قابلا للتجزیة و کان مقتضی أدلة الإرث کما سیجی‌ء اشتراک الورثة فیما ترک مورثهم تعین تبعضه بحسب متعلقة فیکون نظیر المشتریین لصفقة واحدة إذا قلنا بثبوت الخیار لکل منهما.
الثالث: استحقاق مجموع الورثة لمجموع الخیار فیشترکون فیه من دون ارتکاب تعدده بالنسبة إلی جمیع المال لا بالنسبة إلی حصة کل منهم لأن مقتضی أدلة الإرث فی الحقوق الغیر القابلة للتجزیة و الأموال القابلة لها أمر واحد و هو ثبوت مجموع ما ترک لمجموع الورثة إلا أن لتقسیم فی الأموال لما کان أمرا ممکنا کان مرجع اشتراک المجموع فی المجموع إلی اختصاص کل منهم بحصة مشاعة بخلاف الحقوق فإنها تبقی علی حالها من اشتراک مجموع الورثة فیها فلا یجوز لأحدهم الاستقلال بالفسخ لا فی الکل و لا فی حصته فافهم.
و هنا معنی آخر لقیام الخیار بالمجموع و هو أن یقوم بالمجموع من حیث تحقق الطبیعة فی ضمنه لا من حیث کونه مجموعا فیجوز لکل منهم الاستقلال بالفسخ ما لم یجز الآخر لتحقق الطبیعة فی الواحد و لیس له الإجازة بعد ذلک کما أنه لو أجاز الآخر لم یجز الفسخ بعده لأن الخیار الواحد إذا قام بماهیة الوارث واحدا کان أو متعددا کان إمضاء الواحد کفسخه ماضیا فلا عبرة بما یقع متأخرا عن الآخر لأن الأول قد استوفاه و لو اتحدا زمانا کان ذلک کالفسخ و الإمضاء من ذی الخیار بتصرف واحد لا أن الفاسخ مقدم کما سیجی‌ء فی أحکام التصرف" انتهی.
أقول: أما ما ذکر مستندا للوجه الأول فلا ریب فی فساده لعدم تعقل رجوع الحق الواحد إلی متعدد علی أن یکون کل منهم مستقلا فیه و إلا لزم أول الحق الواحد إلی حقوق متعددة و هو خلف للفرض
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 118
و الحاصل أن الحق الواحد مع بقائه علی وحدته یستحیل رجوعه إلی متعدد علی سبیل الاستقلال فلا مناص حینئذ إلا عن الالتزام بالإشاعة و الاشتراک و ما توهمه بعض من أن الاشتراک إنما یتطرق فیما یقبل التجزی و الانقسام لأن مرجع اشتراک أشخاص متعددة فی عین إلی اختصاص کل منهم بحصة مشاعة منها فعند اجتماع أسباب متعددة علی حق واحد و إعمال کل منها یدور الأمر بین أمرین: استقلال کل منها فی التأثیر و اشتراک الجمیع فی الأثر و الثانی باطل لعدم تطرق الاشتراک فیه لعدم تجزیه فتعین الأول فی غیر محله.
لما بیناه مرارا فی الفوائد السابقة من أن مرجع الاشتراک إلی ضعف تعلق حقوق الشرکاء و عدم استحقاق کل منهم العین المشاعة علی وجه التمام لا إلی تعلق حق کل منهم بکسر مشاع حتی لا یتطرق فیما لا یقبل التجزی و الانقسام مع أنه لو سلم عدم تطرق الاشتراک فیه لزم سقوط الأسباب المتعددة المجتمعة علی محل واحد حینئذ إن تساووا فی التأثیر أو تقدم الأقوی منها إن کان لا استقلال کل منها فی التأثیر.
ضرورة أن الأسباب المتعددة إذا اجتمعت علی محل واحد تشترک فی التأثیر إن کان المحل قابلا للاشتراک و إلا تتعارض و تتساقط مع تکافئها و إلا یتقدم الأقوی منها و کیف کان فلا وجه لاستقلال کل منها فی التأثیر علی کل حال.
و من غرائب الأوهام ما ذکره السید الطباطبائی فی تعلیقته علی متاجر شیخنا الأنصاری (قدس سرهما) من تعقل تعدد الملاک لمال واحد علی سبیل الاستقلال فقال فی ذیل قوله بخلاف المال،" أقول: قد عرفت أن فی المال أیضا یعقل تعدد الملاک و الوجه فی التنزیل علی الإشاعة لیس عدم معقولیة التعدد علی وجه الاستقلال بل ظهور الأدلة فیه بمساعدة حکم العرف و فهمهم و هذا الوجه موجود فی الحق أیضا کما سیأتی بیانه" انتهی.
و أشار بذلک إلی ما ذکره فی أول المسألة فقال فی ذیل کلام المصنف
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 119
فی کیفیة استحقاق کل من الورثة (إلخ) أنه لا بأس هنا بالإشارة إلی أمور فذکر الأول ثم قال:" الثانی: یجوز اشتراک جماعة فی حق واحد علی نحو الاستقلال بأن یکون لکل منهم استیفاؤه مستقلا" و ذکر له أمثلة منها حق القذف و منها حق القصاص و منها الخیار المجعول لاثنین مستقلا و منها الولیین و الوصیین و المتولیین المستقلین إلی أن قال:" ثم الاشتراک علی الوجه المذکور قد یکون بحیث یجوز لکل واحد إعمال الحق إسقاطا و استیفاء بمعنی أنه لو أسقط یسقط عن الجمیع و لو استوفی لا یبقی حق للبقیة کما فی حق الخیار المجعول لاثنین و الموکل و الوکیل و الولیین للصبی أو المجنون بالنسبة إلی خیاره و نحو ذلک و قد یکون بحیث یجوز لکل واحد الاستیفاء لکن لا یسقط بإسقاطه إلا بالنسبة إلی نفسه کما فی حق القصاص و القذف و الرهن و نحوها.
و هذا المعنی الذی ذکرنا یمکن تعقله فی المال أیضا بأن یکون مال واحد لشخصین بحیث یکون لکل واحد منهما التصرف فی کله بأی نحو أراد من غیر حاجة إلی إذن الآخر أو إجازته إذ لا مانع منه عقلا و لا نقلا و لذا قلنا بجواز اجتماع یدین لشخصین علی مال واحد علی وجه الاستقلال بحیث یعد کل منهما صاحب ید علی تمام العین فیکون نظیر تعارض الأمارتین فی الدلالة علی الملکیة و یجوز تضمین کل منهما لتمام المال إذا کانتا علی وجه الغصب.
و الحاصل أن هذا المعنی معقول فی المال أیضا إلا أنه لا مورد له فی الفقه" انتهی.
أقول: إن أراد من تعقل تعدد الملاک لمال واحد علی سبیل الاستقلال جواز تعدد ملک رقبة المال لکل منهم علی سبیل الاستقلال فهو بدیهی البطلان لاستحالته عقلا بالضرورة و إن أراد منه جواز تعدد ملک التقلب لمال واحد فهو معقول واقع فی الفقه فإن کلا من الأب و الجد للأب یملک التقلب فی مال الصغیر و لا ینافی مع ما ذکر من عدم تعقل تعدد الملاک لمال واحد فإن غرضه من الملک ملک الرقبة أو
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 120
المنفعة لا ملک التقلب و الوجه فی جواز تعدده استقلالا دون ملک الرقبة واضح لأن ملک التقلب عبارة عن الولایة و یجوز أن یتعدد الولی بالنسبة إلی شی‌ء واحد و شخص واحد و لا تکون الولایة حینئذ ولایة واحدة قائمة بکل واحد من الولیین علی سبیل الاستقلال حتی یعود المحذور بل الولایة حینئذ متعددة قائم کل ولایة منها بولی و لذا قد تکون إحدی الولایتین أقوی من الأخری کولایة الجد بالنسبة إلی عقد الصغیرة بل و هکذا بالنسبة إلی تصرف فی المال علی الأقوی.
و بما بیناه ظهر أن ما ذکره من جواز اجتماع یدین علی سبیل الاستقلال علی مال واحد أمر غیر معقول و تنظیره بالأمارتین المتعارضتین فی غیر محله بل لو سلم ما ذکره لزم الحکم بثبوت الملک لکل منهما علی سبیل الاستقلال لعدم التعارض بینهما حینئذ فلا وجه لتنظیره بالأمارتین المتعارضتین حینئذ کما أنه ظهر بما بیناه الحال فی کثیر من الأمثلة التی ذکرها فإن الوصیین و المتولیین المستقلین و الأجنبیین المجعول لهما الخیار مستقلا من هذا القبیل و مقتضی استقلال کل منهما نفوذ أمره حلا و إلزاما و إسقاطا.
و أما وجه عدم سقوط حق القصاص فلیس من أجل استقلال کل من الورثة فی حق القصاص بل إنما هو لأجل أنه مشترک بین الورثة و لا یسقط بعفو بعضهم إلا سهمه منه و للباقین استیفاء سهمهم من القصاص و حیث لم یتطرق التبعیض فی قصاص النفس رخص الشارع لولی الدم الأخذ بالقصاص مع غرامته من الدیة مقدار الفاضل عن سهمه من القصاص اهتماما به و لذا لو اشترک جماعة فی قتل واحد عمدا جاز لولی الدم قتل الجمیع قصاصا بعد رد الفاضل عن دیة المقتول إلیهم کما جاز له قتل بعضهم مع رد الباقین دیة جنایتهم.
و الحاصل أن جواز الأخذ بالقصاص حینئذ لیس باعتبار عدم سقوطه بعفو البعض رأسا بل باعتبار بقاء سهم الآخذ منه فیأخذ به بعد غرامة ما زاد عن سهمه من الدیة جمعا بین الحقین و اهتماما بأمر القصاص.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 121
و أما حق القذف فعلی فرض تسلیم عدم سقوط بعض الحد بعفو بعضهم کما ادعی علیه الإجماع فلعله لأجل أن حد القذف لا یورث بل یبقی للمیت و إنما یکون لکل من الورثة الولایة فی إعماله و استیفائه فالعافی منهم إنما یعفو عن حقه من المباشرة لا عن نفس الحد لأنه لم یکن حقا له حینئذ و الحاصل أن عدم سقوط بعض حد القذف حینئذ تعبد محض و إلا فمقتضی القاعدة سقوط سهمه من الحد لو قلنا بأنه من الحقوق الموروثة.
و کیف کان فلا مجال للقول باستقلال کل من الورثة فی حق الخیار ثم إنه لو سلمنا ذلک لم یکن للقول بثبوت خیار الفسخ لکل منهم مع إجازة الباقین وجه و تنظیره بحد القذف الذی لا یسقط بعفو بعض المستحقین فی غیر محله إذ فرق بین الإجازة و العفو فإن عدم السقوط بالعفو إنما هو لأجل أن العفو یرجع إلی إسقاط حقه علی إعمال الحد فلا ینافی مع بقاء حق الآخر علی إجرائه و أما الإجازة فهی إلزام و تثبیت للعقد فلا مجال لبقاء التزلزل فی العقد حینئذ حتی یتطرق فیه الفسخ و الحل.
و الحاصل أن الإجازة إعمال للحق لا إسقاط له فإن ذا الخیار یملک حل العقد و إلزامه فبالإجازة یلزم العقد کما أنه بالفسخ یحله فکما یؤثر فسخ کل واحد من الورثة فی تمام العقد علی هذا التقدیر بحیث لا یبقی مجال لإمضاء العقد و إجازته بعده فکذلک یؤثر إجازة کل واحد منهم لزوم العقد و خروجه عن التزلزل بحیث لا یبقی مجال لفسخ العقد و حله بعده.
و إذ قد تبین مما بیناه أنه لا مجال للقول باستقلال کل من الورثة فی الخیار بحیث ینفذ فسخ کل منهم و إن أجاز الباقون.
تبین لک بطلان الوجه الرابع أیضا لأن المقتضی فی کل من الوراثة و إن کان تاما بحیث لو انفرد لرجع إلیه تمام الترکة عینا کان أو حقا إلا أن مقتضی اجتماعها علی محل واحد مع صلوح المحل للاشتراک اشتراکها فی الأثر مطلقا فلا مجال للتفصیل بین المال و الحق حینئذ کما أنه لا مجال للقول باستقلال کل من
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 122
الورثة فی مطلق الترکة عینا کان أو حقا فلم یبق من الوجهین إلا الثانی و الثالث.
و الظاهر حینئذ إنما هو الوجه الثانی لأن البیع باعتبار اشتراک الورثة فی الثمن أو المثمن ینحل إلی بیوع متعددة حسب تعدد سهام الورثة فینحل الخیار المتعلق به إلی خیارات متعددة حسب تعدد البیع فیستقل حینئذ کل واحد من الورثة بالنسبة إلی سهمه من المال فی حل البیع و إلزامه.
و لا یخفی أن التعدد التحلیلی لا ینافی مع بقائه علی وحدته تحقیقا و لذا یجری فیه خیار تبعض الصفقة مع عدم اتفاق الورثة علی الفسخ أو الإمضاء فالبیع حینئذ واحد تحقیقا متعدد تحلیلا و کذا الخیار و یترتب أثر کل منهما علیه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 123‌

(فائدة 18) [لا تصح الوصیة لمملوک الأجنبی و لا لمدبره و لا لأم ولده و لا لمکاتبة المشروط]

قال المحقق (قدس سره):" و لا تصح الوصیة لمملوک الأجنبی و لا لمدبره و لا لأم ولده و لا لمکاتبة المشروط و الذی لم یؤد من مکاتبه شیئا و لو أجاز مولاه و تصح لعبد الموصی و لمدبره و مکاتبه و أم ولده و یعتبر ما یوصی به لمملوکه بعد خروجه من الثلث فإن کان بقدر قیمته أعتق و کان الموصی به للورثة إن کانت قیمته أقل أعطی الفاضل و إن کانت أکثر سعی للورثة فیما بقی ما لم تبلغ قیمته ضعف ما أوصی له به فإن بلغت ذلک بطلت الوصیة و قیل تصح و یسعی فی الباقی کیف کان و هو حسن.
و إذا أوصی بعتق مملوکه و علیه دین فإن کانت قیمة العبد بقدر الدین مرتین أعتق المملوک و یسعی فی خمسة أسداس قیمته و إن کانت قیمته أقل الوصیة بعتقه و الوجه أن الدین یقدم علی الوصیة فیبدء به و یعتق منه الثلث مما فضل عن الدین أما لو نجز عتقه عند موته کان الأمر کما ذکرنا أولا عملا بروایة عبد الرحمن عن أبی عبد الله علیه السلام".
أقول: لا تصح الوصیة للمملوک الأجنبی سواء قلنا بأنه لا یملک أو یملک و لا استقلال له فی ملکه کما لا استقلال له فی نفسه.
أما علی الأول فواضح.
و أما علی الثانی فلأن للمولی حینئذ أن یتملک الموصی به لأن العبد و ما فی یده لمولاه فیصیر العبد حینئذ قنطرة إلی رجوع الموصی به إلی مولاه و هو خلاف
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 124
مقصود الموصی و لا مجال لأن یقال بصحة الوصیة حینئذ و صیرورة الموصی به متمحضا فی ثمن رقبته فیصیر العبد حینئذ عتقا علی مولاه من قبل الوصی و إلا لزم أن یکون للموصی ولایة «1» علی المولی بجعل عبده معتقا بالوصیة له و اللازم باطل بالضرورة فلا سبیل إلی صحة الوصیة علی کل تقدیر فتبطل.
و أما الوصیة لعبده فهی جائزة لأنه کما یجوز للمولی عتق عبده فکذلک یجوز له اختیار ما هو وسیلة إلی عتقه بأن یوصی له بشی‌ء مشاعا أو معینا فیتمحض فی ثمن رقبته فتصح الوصیة و تعتق رقبة العبد من قبل الوصیة فإن ساوی الموصی به ثمن الرقبة فهو و إن زاد علیه تعتق من معادل ثمنها من الموصی به و تعطی الفاضل و إنما الکلام فیما إذا لم یف الموصی به بثمن رقبته فقیل: تصح مطلقا و یعتق العبد و یسعی فی الباقی و قیل: تصح إذا کان الموصی به أکثر من سهم الورثة فی العبد و إن تعادلا أو زاد سهم الورثة علی الموصی به بطلت الوصیة و التحقیق أنه إذا بلغ الموصی به ثلاثة أرباع قیمة العبد تصح الوصیة فیعتق العبد من قبل الوصیة و یسعی فی الربع الباقی للورثة لروایة الحسن بن صالح عن أبی عبد الله علیه السلام:"
فی رجل أوصی لمملوکه بثلث ماله قال: فقال: یقوم المملوک بقیمة عادلة ثم ینظر ما ثلث المیت فإن کان الثلث أقل من قیمة العبد بقدر ربع القیمة استسعی العبد فی ربع القیمة و إن کان الثلث أکثر من قیمة العبد أعتق العبد و دفع إلیه ما فضل من الثلث بعد القیمة
فإنها تدل علی أن الحد الذی تصح معه الوصیة و یصیر سببا لعتق العبد و سعیه فی الباقی للورثة هو بلوغ الموصی به ثلاثة أرباع قیمة العبد.
و حمل الحد المزبور علی سبیل المثال لما زاد عن النصف حتی ینطبق علی
______________________________
(1) فإن قلت: هذا إذا لم یکن الوصیة للعبد بإجازة المولی.
قلت: مجرد إجازة المولی فی الوصیة لعبده لا تستلزم الإذن فی عتقه حتی یکون عتقه بسبب الوصیة التی بإجازة المولی مستندا إلیه (منه)
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 125
مختار الشیخین (قدس سرهما) أو علی سبیل المثال لما زاد عن الموصی به مطلقا حتی ینطبق علی مختار من أطلق القول بصحة الوصیة له و السعی فی البقیة من دون تحدید لا وجه له مع ظهور الروایة فی التحدید بحد معین.
و الحاصل أن المتصور فی المقام فی بادی النظر صور:
الأولی نفوذ الوصیة و صحتها مطلقا مع بقاء العبد علی رقیته.
و الثانیة: بطلان الوصیة مطلقا.
و الثالثة نفوذ الوصیة مطلقا و صیرورة العبد معتقا بمقدار ما وفی الموصی به بقیمته مبعضا فی الحریة و الرقیة مشترکا بینه و بین الورثة.
و الرابعة: نفوذ الوصیة مطلقا و صیرورة العبد معتقا بکله من قبل الوصیة مع وجوب السعی علیه للورقة بمقدار سهمهم منه.
و الخامسة: نفوذ الوصیة إذا بلغ الموصی به حدا محدودا من قیمة العبد و صیرورته معتقا حینئذ مع وجوب السعی علیه للورثة بمقدار ما یبقی من حقهم علیه رعایة للحقین مع تزاحمهما و تواردهما علی محل واحد و قد استفید من الروایات بطلان الصور الثلاث الأول و اتفقت کلمات الأصحاب (قدس سرهم) علیه أیضا.
أما الأولی فلرجوعها إلی صیرورة العبد قنطرة لرجوع الموصی به إلی الورثة و هو خلاف مقصود الموصی فیبطل.
و أما الثانیة: فلوجود مقتضی الصحة و انتفاء المزاحم إلا فی بعض صوره فلا مجال للحکم ببطلانها مطلقا.
و أما الثالثة: فلبطلان التبعیض فی الحریة و الرقیة إلا فی المکاتب فیدور أمر العبد مع عدم بلوغ الموصی به قیمة رقبته بین أمرین تقدیم حق الموصی علی حق الورثة المقتضی لعتق العبد و سعیه بالنسبة إلی سهم الورثة و تقدیم حق الورثة المقتضی لبطلان الوصی فجعل الشارع لذلک حدا محدودا فإذا بلغ الموصی به مقدار ثلاثة أرباع قیمة العبد قدم حق الموصی فیعتق العبد حینئذ و یسعی فی سهم الورثة و إن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 126
لم یبلغ ذلک تقدم حق الورثة فتبطل الوصیة حینئذ.
و بهذا البیان تبین أن حق الورثة مع حق الموصی یتزاحمان فی العبد الموصی له و لا أصل فی البین یقتضی تقدم أحدهما علی الآخر فلا بد من الحکم بتقدیم أحدهما علی الآخر من المراجعة إلی کلمات أهل العصمة سلام الله علیهم أجمعین فیجب الاقتصار فی الحکم بصحة الوصی و نفوذها و تقدیمها علی حق الورثة علی الحد الذی ذکر فی الروایات و عدم التجاوز عنه.
و قد تبین أیضا مما بیناه عدم الفرق بین کون الموصی به جزء مشاعا من الترکة أو جزء معینا لأن الموصی به یتمحض فی ثمن رقیة العبد حینئذ فرجوع الموصی به مشاعا أو معینا إلی الورثة حینئذ لیس تبدیلا للوصی حتی یحکم ببطلانه بل إنفاذ لها لأن مقتضی تمحضه فی ثمن رقبة العبد به عتق العبد و رجوعه إلی الورثة بدلا عن رقبة العبد.
فما حکی عن العلامة قدس سره فی المختلف من الحکم ببطلان الوصیة فیما لو کانت بجزء معین کدار أو بستان أو جزء مشاع ملک العبد و التخطی إلی رقبة العبد یقتضی تبدیل الوصیة فی غیر محله لأن عموم الخبر لو سلم فهو مخصص و لا امتناع فی ملک العبد و إنما یمتنع استقلاله فیه بل یستقل فیه فی بعض الموارد و لو سلم فهو مشترک بین المشاع و المعین فلا وجه للتفصیل بینهما و التخطی إلی رقبة العبد لیس تبدیلا للوصیة بل إنفاذ لها لما عرفت من أنه مقتضی رجوع الموصی به إلی العبد و تمحضه فی ثمن رقبته فالموصی به یرجع أولا إلی العبد فیملکه ثم یعتق به رقبته لتمحضه فی ثمن رقبته حینئذ.
و من هنا ظهر أن العتق فی المقام قهری و لا یحتاج إلی إنشاء عتق کما قد یتراءی من التعبیر بأعتق.
هذا إذا أوصی بثلث ماله أو بما دونه لعبده و لم یکن علیه دین.
و إن کان علیه دین فالحد الذی ینفذ معه الوصیة و یزاحم به الدین و حق الورثة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 127
هو بلوغ الموصی به سدس قیمة العبد.
یدل علی ذلک صحیح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبی عبد الله علیه السلام:" قال:
سألنی أبو عبد الله علیه السلام هل یختلف ابن أبی لیلی و ابن شبرمة؟ فقلت: بلغنی أنه مات مولی لعیسی بن موسی و ترک علیه دینا کثیرا و ترک ممالیک یحیط دینه بأثمانهم فأعتقهم عند الموت فسألهما عیسی بن موسی عن ذلک فقال ابن شبرمة: أری أن یستسعیهم فی قیمتهم فیدفعها إلی الغرماء فإنه قد أعتقهم عند موته.
و قال ابن أبی لیلی: أری أن أبیعهم و ادفع أثمانهم إلی الغرماء فإنه لیس له أن یعتقهم عند موته و علیه دین یحیط بهم و هذا أهل الحجاز الیوم یعتق الرجل عبده و علیه دین کثیر فلا یجیزون عتقه إذا کان علیه دین کثیر فرفع ابن شبرمة یده إلی السماء فقال: سبحان الله یا بن أبی لیلی متی قلت هذا القول و الله ما قلته إلا طلب خلافی فقال أبو عبد الله علیه السلام: عن رأی أیهما صدر؟ قال: قلت: بلغنی أنه أخذ برأی ابن أبی لیلی و کان له فی ذلک هوی فباعهم و قضی دینه قال: فمع أیهما من قبلکم؟ قلت له: مع ابن شبرمة و قد رجع ابن أبی لیلی إلی رأی ابن شبرمة بعد ذلک فقال: أما و الله إن الحق لفی الذی قال ابن أبی لیلی و إن کان قد رجع عنه، فقلت له: هذا ینکر عندهم فی القیاس، فقال: هات قایسنی فقلت: أنا أقایسک فقال: لتقولن بأشد ما یدخل فیه من القیاس.
فقلت له: رجل ترک عبدا لم یترک مالا غیره و قیمة العبد ستمائة درهم و دینه خمسمائة درهم فأعتقه عند الموت کیف یصنع؟ قال: یباع العبد فیأخذ الغرماء خمسمائة درهم و یأخذ الورثة مائة درهم.
قلت: أ لیس قد بقی من قیمة العبد مائة درهم من دینه؟ فقال: بلی.
قلت: أ لیس للرجل ثلثه یصنع به ما شاء؟ قال: بلی، قلت: أ لیس قد أوصی للعبد بالثلث من المائة حین أعتقه؟ فقال: إن العبد لا وصیة له إنما أمواله لموالیه.
فقلت له: فإن کان قیمة العبد ستمائة درهم و دینه أربعمائة، قال: کذلک یباع العبد فیأخذ الغرماء أربعمائة درهم و یأخذ الورثة مائتین و لا یکون للعبد شی‌ء.
قلت له: فإن کان قیمة العبد ستمائة درهم و دینه ثلاثمائة درهم فضحک و قال: من هاهنا أتی أصحابک جعلوا الأشیاء شیئا واحدا
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 128
و لم یعلموا السنة إذ استوی مال الغرماء و مال الورثة أو کان مال الورثة أکثر من مال الغرماء و لم یتهم الرجل علی وصیته أجیزت وصیته علی وجهها فالآن یوقف هذا فیکون نصفه للغرماء و یکون ثلثه للورثة و یکون له السدس
". و صحیح زرارة عن أحدهما (علیهما السلام):"
فی رجل أعتق مملوکه عند موته و علیه دین قال: إن کان قیمته مثل الذی علیه و مثله جاز عتقه و إلا لم یجز" و فی صحیح:" آخر إذا ملک المملوک سدسه استسعی
". وجه الدلالة أن الروایات الشریفة و إن وردت فی مورد العتق المنجز عند موته إلا أنها تدل علی حکم الوصیة بالطریق الأولی لأن عدم نفوذ المنجزات التبرعیة فی مرض الموت إلا من الثلث کما یدل علیه صحیح عبد الرحمن إنما هو من جهة أنها فی حکم الوصیة بل یستفاد من الصحیحة أن کونها فی حکم الوصی و بمنزلتها أمر واضح عند الأصحاب فإن تعبیره بقوله:
أ لیس قد أوصی للعبد بالثلث من المائة حین أعتقه.
و تقریره الإمام (علیه السلام) علیه ینادی بذلک بأعلی صوت فالتأمل فی حکم اجتماع الوصیة مع الدین مع تسلیم الحکم فی اجتماع الدین مع العتق المنجز فی مرض الموت مما لا ینبغی فإن المنجزات التبرعیة فی مرض الموت عنوانها الوصیة عند الأصحاب و لا تکون موضوعا آخر کما صرحت به الصحیحة المذکورة.
و قد تبین لک مما بیناه غایة التبین، أن الحد الذی یصح معه الوصی مع المزاحمة بین الموصی و الورثة هو بلوغ الموصی به ثلاثة أرباع قیمة العبد و مع المزاحمة بین الدیان و الموصی و الورثة هو بلوغ الموصی به سدس قیمة العبد و هذا التحدید فی الحقیقة إنما هو بلحاظ المزاحمة بین الدیان و الموصی و الورثة حینئذ تابعة للدیان و إلا فمع مزاحمتها استقلالا مع الموصی إنما کان التحدید ببلوغ الموصی به ثلاثة أرباع قیمة العبد و قد استنبط شیخ مشایخنا العلامة الطهرانی (قدس سره) من التحدید فی هذا الباب أن الأمر فی الإرث کذلک فذکر أنه مع وفاء الترکة بثلاثة أرباع قیمة العبد یعتق العبد قهرا علی مولاه فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 129
فی معادل الترکة و یسعی فی الربع الباقی لمولاه.
و هو محل نظر لأن المزاحمة فی مسألة الوصیة إنما هی بین مولی العبد الذی أوصی بعتقه المقتضی لنفوذ ما أوصی به بحق مولویته و ورثة المولی التی لا تنفذ الوصیة فی ثلثی الترکة إلا بإجازتهم و إمضائهم و المزاحمة فی باب الإرث غیر متحققة إذ لم یعلم من الروایات أن العبد یستحق علی مولاه الانعتاق علیه قهرا مع عدم وفاء الترکة بثمن رقبته حتی یزاحم حق المولویة المتعلق برقبته.
و الحاصل أن لکل من المولی و وارثه حقا فی صورة الوصیة فیتزاحمان و یتقدم حق الأول علی الثانی إذا بلغ حقه ثلاثة أرباع قیمة العبد و لا یتقدم حق الثانی و أما فی مورد الإرث فلم یعلم استحقاق العبد انعتاقه علی المولی مع عدم وفاء الترکة بثمن رقبته حتی یزاحم حق المولی إذ الرقیة مانعة عن رجوع الترکة إلیه و ارتفاع المانع فی غیر صورة وفاء الترکة بثمن رقبته غیر معلوم.
و من غرائب الأوهام ما ذکره بعض الأفاضل من المعاصرین (قدس سره) من رجوع الحدین إلی حد واحد فقال فی تقریب ما ذکره ما محصله: إن المیزان فی نفوذ الوصیة و سرایتها إلی ما زاد عن الثلث هو السدس فإن زاحمت الورثة فی سدس حقهم صحت الوصیة و نفذت و إن زاحمت الزائد عن سدس حقهم بطلت فإن کانت المزاحمة مع الورثة فقط لا تصح الوصیة إلا إذا بلغ الثلث الموصی به ثلاثة أرباع قیمة العبد لأن الربع الباقی حینئذ مطابق لسدس سهم الورثة و إن شئت توضیح ذلک فافرض قیمة العبد اثنی عشر درهما فإذا بلغ ثلث الترکة تسعة دراهم و هو ثلاثة أرباع قیمة العبد یکون ثلثاها ثمانیة عشر درهما و نسبة ربع قیمة العبد و هو ثلاثة دراهم إلی ثمانیة عشر نسبة السدس فتصح الوصیة حینئذ و إن لم یبلغ الثلث ثلاثة أرباع قیمة العبد لا تصح الوصی لثبوت المزاحمة حینئذ فی الزائد عن سدس سهم الورثة.
هذا إذا لم یکن علی الموصی دین.
و أما إذا کان علیه دین فإن کان الثلث الموصی به بالغا سدس قیمة العبد تصح الوصیة حینئذ لأجل أن المزاحمة حینئذ إنما تقع فی السدس أیضا و إن شئت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 130
توضیحه بمثال لا یوجد فیه کسر فی الأنصاب فافرض قیمة العبد اثنین و تسعین درهما فثلث العبد کله مطابق لأربعة و عشرین درهما و لا تنفذ الوصیة إلا فی نصفه و هو سدس العبد لوجود الدین المحیط بنصف قیمة العبد فیبقی نصف الثلث المطابق لاثنی عشر درهما غیر نافذ فیه الوصیة و نسبته إلی سهم الغرماء البالغ ستة و ثلاثین فی المثال نسبة الثلث کما أن نسبته إلی سهم الورثة لو لا الوصیة کذلک فینتصف بینهما و تصح الوصیة فیه لأن مزاحمة الموصی حینئذ مع کل من الغرماء و الورثة بمقدار سدس حقهم انتهی ملخص ما أفاده.
و هو واضح الفساد من وجوه عدیدة:
الأول: أنه إن کان المقصود من السدس الذی أدار صحة الوصیة و انعتاق العبد مداره وجودا و عدما هو الزائد عن الثلث الذی صار بتبع الثلث معتقا علی الورثة فهو إنما یتم فی الصورة الأولی.
و أما الصورة الثانیة: فالذی صار بتبع الثلث فیها معتقا هو تام حق الغرماء و سهم الورثة لا السدس من حقهما و توهم أن الذی صار معتقا بتبع الثلث إنما هو سدس حق کل منهما ثم یسری العتق إلی البقیة فی غایة الغرابة لأن العتق التبعی إنما هو العتق بالسرایة و لا معنی لجعلهما مختلفین مترتبا أحدهما علی الآخر بل ما ذکره مناف لصریح الروایات من استسعاء العبد فی خمسة أسداسه إذا ملک سدسه بالوصیة.
و الثانی: أن الزائد عن الثلث فی الصورة الأولی إنما یکون سدسا للثلثین اللذین هما سهم الورثة و فی الصورة الثانیة لا یکون سدسا للثلثین بل ربعا لهما و إنما یکون سدسا بالنسبة إلی تمام الترکة الذی هو سهم الورثة لو لا الوصیة فلا یلتئمان.
و الثالث: أن السدس فی الصورة الأولی هو ما زاد عن الثلث و فی الصورة الثانیة هو خصوص ما انحط عن ثلث الأصل بواسطة الدین فکیف یلتئمان.
و بالجملة فما ذکره فی غایة الضعف و إن زعم أنه أتی بتحقیق المقام قد غفل عنه غیره.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 131‌

(فائدة 19) [لو أوصی بعتق رقبة بثمن معین فلم یجد به]

اشارة

قال المحقق (قدس سره)" لو أوصی بعتق رقبة بثمن معین فلم یجد به لم یجب شراؤها و توقع وجودها بما عین له و لو وجدها بأقل اشتراها و أعتقها و دفع إلیها ما بقی" انتهی.
و الظاهر أن مستند الحکم موثق سماعة قال:
" سألت أبا عبد الله علیه السلام عن رجل أوصی أن یعتق عنه نسمة من ثلثه بخمسمائة درهم فاشتری الوصی بأقل من خمسمائة درهم و فضلت فضلة فما تری فی الفضلة؟ قال: تدفع إلی النسمة من قبل أن تعتق ثم تعتق عن المیت".
و فی الجواهر بعد ذکر الروایة قال:" و هی محمولة علی صورة تعذر الموصی به و لو بقرینة حمل فعل المسلم علی الوجه الصحیح فلا یکون ترک الاستفصال فیه دلیلا علی العموم و مع التسلیم یخص بظاهر اتفاق الأصحاب علی عدم الجواز إلا مع التعذر ترجیحا لعموم من بدله علیه و سماعة و إن کان واقفیا إلا أنه ثقة فیکون الخبر من الموثق الذی قد فرغنا من إثبات حجیته فی الأصول علی أنه منجبر بالشهرة أو عدم الخلاف.
و لعل فی قوله (علیه السلام) من قبل أن تعتق إشارة إلی ما ذکرناه من قرب ذلک إلی الموصی به باعتبار صیرورة دفع بقیة المال إلیها بمنزلة شرائها بالثمن المعین فتأمل جیدا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 132
أقول: موثق سماعة صریح فی تقدیم دفع ما بقی علی العتق و مجرد احتمال أن یکون دفعه إلی المعتق من باب صرفه فی وجه البر و لا یتفاوت الأمر حینئذ بتقدیم الدفع أو العتق لا یجوز القول بجواز تأخیر الدفع عن العتق و إلا لجاز دفعه إلی غیره من المستحقین إذ لا ینحصر وجه البر فیه.
و التحقیق أنه یجب تقدیم دفع الباقی علی العتق لصدق صرف الموصی به فی العتق حینئذ دون ما إذا تقدم العتق علیه.
و توضیح ذلک یتوقف علی تقدیم مقدمة و هی أن الإنسان فی حد نفسه قابل للتملک و الرقیة لا توجب إلا الحجر و عدم الاستقلال بل لا تمنع من حصول الاستقلال فی بعض الأموال و فی بعض الصور کما سیظهر لک إن شاء الله تعالی و هذا المعنی مع وضوحه فی حد نفسه قد دلت علیه روایات أهل بیت العصمة سلام الله علیهم أجمعین و من جملتها الروایات الواردة فی عتق العبد و بیعه.
ففی صحیح زرارة عن مولانا الباقر (علیه السلام) فی طریق و عنه و عن مولانا الصادق علیهما السلام فی طریق آخر و عن أحدهما فی طریق ثالث
" سأله عن رجل أعتق عبد لله و للعبد مال لمن المال؟ فقال: إن کان یعلم أن له مالا تبعه ماله و إلا فهو للعتق".
و موثقة الآخر عن أبی عبد الله (علیه السلام)
" إذا کاتب الرجل مملوکه أو أعتقه و هو یعلم أن له مالا و لم یکن السید استثنی المال حین أعتقه فهو للعبد".
و نحوه الموثق الآخر.
و فی حسنة زرارة
" قلت لأبی عبد الله (علیه السلام): الرجل یشتری المملوک و له مال لمن ماله؟ قال: إن کان علم البائع أن له مالا فهو للمشتری و إن لم یکن علم فهو للبائع"
فإن التفصیل بین علم المولی بأن للعبد مالا و جهله به کاشف عما بیناه من ثبوت الملک للعبد و عدم استقلاله فیه إذ لو کان مال العبد مالکا للمولی کسائر أملاکه لرجع المال إلی المولی فی صورة العلم و جهله به سواء استثناه أم لا و لو استقل العبد فیه و لم یکن للمولی حق فیه لرجع ماله إلی نفسه علم المولی به أم لا فالتفصیل دلیل علی أنه مالک لماله غیر مستقل فیه یعنی أن المولی کما یملک رقبة العبد یملک جهاته و شئونه فهو
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 133
غیر مستقل فی ماله حینئذ و محجور علیه لا کحجر الصغیر.
فإن الولی إنما یتصرف فی مال الصغیر لمصلحته فهو کالوکیل من قبله.
و أما المولی فله التصرف فی مال العبد لنفسه لا لمصلحة العبد.
و هذا معنی:" العبد و ما فی یده لمولاه" فإن علم المولی بأن للعبد مالا و أعتقه و لم یستثنه تبعه ماله و استقل فیه و إن لم یعلم بأن له مالا و أعتقه فللمولی أن یجعل ماله لنفسه لأن اختیار ماله کان بیده و لم یتحقق حینئذ ما یوجب سلب اختیاره عنه لأن مباشرة عتقه مع عدم العلم بأن تحت یده مالا لا یوجب أن یتبعه ماله حتی یستقل فیه و هذا معنی أن ماله لمولاه حینئذ.
و من هنا تبین وجه التفصیل فی البیع أیضا فإن علم المولی بأن له مالا و لم یستثنه إذا باعه تبعه ماله فیثبت الاختیار الذی کان لبائعه لمشتریه بمقتضی عبودیته له و إن لم یعلم بأن له مالا إذا باعه لم یتبعه ماله و لم ینقطع اختیار بائعه عن ماله حینئذ و یکون اختیار ماله بید البائع حینئذ و هذا معنی أن ماله للبائع حینئذ.
و بما بیناه تبین اندفاع ما ذکر من أن التفصیل بین العلم و الجهل لا یوافق قواعد الملک و لا قواعد عدمه إذ علی القول بعدم مالکیة العبد لا وجه لانتقال المال إلیه بالعتق و لا إلی المشتری بالبیع و علی القول بالمالکیة لا وجه لانتقال ماله إلی مولاه بالعتق أو البیع لما اتضح لک من أن الملک لا یکون منفیا عن العبد رأسا حتی یکون ماله لمولاه ابتداء و لا یتطرق فیه الانتقال بالعتق أو البیع إلی المعتق أو المشتری مع العلم بأن للعبد مالا و عدم استثنائه و لا یکون ثابتا له علی وجه الاستقلال حتی لا یتطرق رجوعه إلی المولی بالعتق أو البیع مع الجهل بأن للعبد مالا بل یکون ثابتا له علی وجه یکون للمولی تملکه لنفسه فعند العتق و البیع مع العلم بأن للعبد مالا و عدم استثنائه یتبعه ماله فیرجع إلی المعتق أو المشتری و مع الجهل به لا یتبع العتق و البیع فیرجع إلی مولاه یعنی له أن یتملکه حینئذ کما کان له ذلک قبل العتق و البیع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 134
و قد تبین بما بیناه سر وجوب تقدیم دفع الباقی علی العتق حینئذ إذ بعد ما تعذر صرف الموصی به تماما فی ثمن العبد فلا وجه أقرب إلیه من صرف الباقی فی عتقه و لا سبیل إلیه إلا بدفعه أولا إلی العبد المشتری أولا ثم عتقه إذ یستقل العبد فیه حینئذ یتبع العتق.
و أما إذا أعتقه ثم دفع إلیه الباقی فلا یکون الباقی حینئذ مصروفا فی العتق بل إیصالا له إلی مصرف البر.
و بهذا البیان ظهر أنه لا حاجة إلی ما ذکره صاحب الجواهر (قدس سره) من أن تقدیم الدفع علی العتق فلعله باعتبار صیرورة دفع بقیة المال إلیها بمنزلة شرائها بالثمن المعین بل لا وجه له ضرورة أن مجرد دفع مال إلی العبد لا یوجب تنزیله بمنزلة ثمنه أو بعض ثمنه.

تنبیه:

مال العبد مع قطع النظر عن العوارض یکون بهذه المثابة و لذا ورد
" إن العبد و ما فی یده لمولاه"
و قد یستقل فیه مع تمحضه فی ثمن رقبته کالأموال التی اکتسبها مدة کتابته فإنها متمحضة فی وفاء ثمن رقبته و لیس للمولی أخذها منه من غیر احتسابها من أقساطه و لیس للمکاتب صرفها فی وجه آخر و کالمال الموصی به من قبل مولاه إذا بلغ ثلاثة أرباع قیمة العبد أو سدسه کما عرفت و کالمال الراجع إلیه إرثا مع انحصار الوارث فیه و وفائه بثمن رقبته فإنه یعتق علی مولاه قهرا فی معادل قیمته من ترکته ثم یعطی الفاضل منها إن کان.
و قد یستقل فیه مع بقائه علی رقیته کأرش الجنایة و فاضل الضریبة فی موثق إسحاق بن عمار
" قلت لأبی عبد الله (علیه السلام): ما تقول فی رجل یهب لعبده ألف درهم أو أکثر فیقول: حللنی من ضربی إیاک و من کل ما کان منی إلیک و مما أخفتک و أرهبتک و یحلله و یجعله فی حل رغبة فیما أعطاه ثم إن المولی بعد أن أصاب الدراهم التی أعطاه فی موضع وضعها فیه العبد فأخذها السید حلال هی له؟ قال: فقال: لا تحل له لأنه افتدی بها نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص یوم القیامة، قال: فقلت له: فعلی العبد أن یزکیها إذا حال علیها الحول؟ قال: لا إلا أن یعمل له فیها و لا یعطی من الزکاة شیئا".
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 135
و فی صحیح عمر بن یزید
" سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل أراد أن یعتق مملوکا له و قد کان مولاه یأخذ ضریبة ضربها علیه فی کل سنة و رضی بذلک المولی فأصاب المملوک فی تجارته مالا سوی ما کان یأخذ مولاه من ضریبة قال: فقال: إذا أدی إلی سیده ما کان فرض علیه فما اکتسب بعد الفریضة فهو للمملوک.
ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام) أ لیس قد فرض الله تعالی علی العباد فرائض فإذا أدوها إلیه لم یسألهم عما سواها؟ قلت: فللمملوک أن یتصدق مما اکتسب و یعتق بعد الفریضة التی کان یؤدیها إلی سیده؟ قال: نعم و أجر ذلک له.
قلت: فإن أعتق مملوکا مما اکتسب سوی الفریضة لمن یکون ولاء العتق؟ قال: فقال: یذهب فیتولی إلی من أحب فإذا ضمن جریرته و عقله کان مولاه و وارثه.
قلت: أ لیس قال رسول الله صلی الله علیه و آله الولاء لمن أعتق؟ قال: فقال: هذا سائبة لا یکون ولاؤه لعبد مثله.
قلت: فإن ضمن العبد الذی أعتقه جریرته و حدثه أ یلزمه ذلک و یکون مولاه و یرثه؟ قال: فقال: لا یجوز ذلک و لا یرث عبد حرا".
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 136‌

(فائدة 20) [لو شهد اثنان أنه قتل و آخران علی غیره أنه قتله]

قال المحقق (قدس سره) فی الشرائع فی کتاب القصاص: الخامسة" لو شهد اثنان أنه قتل و آخران علی غیره أنه قتله سقط القصاص و وجبت الدیة علیهما نصفین و لو کان خطاء کانت الدیة علی عاقلتهما و لعله احتیاط فی عصمة الدم لما عرض من الشبهة بتصادم البینتین و یحتمل هذا وجها آخر و هو تخیر الولی فی تصدیق أیهما شاء کما لو أقر اثنان کل واحد منهما بقتله منفردا و الأول أولی".
و فی المسالک:" القول بسقوط القود فی العمد و ثبوت الدیة علیهما فی العمد و شبهه و علی العاقلة فی الخطاء للشیخین و جماعة منهم العلامة محتجا علی الأول بأنها بینتان تصادما و لیس قبول إحداهما فی نظر الشارع أولی من قبول الأخری و لا یمکن العمل بهما لاستلزامه وجوب قتل الشخصین معا و هو باطل إجماعا و لا العمل بإحداهما دون الأخری فلعدم الأولویة فلم یبق إلا سقوطهما بالنسبة إلی القود لأنه تهجم علی الدماء المحقونة فی نظر الشارع بغیر سبب معلوم و لا مظنون إذ کل من الشهادتین یکذب الأخری و لأن القتل حد یسقط بالشبهة.
و أما الثانی و هو ثبوت الدیة علیهما فلئلا یطل دم امرء مسلم و قد ثبت أن قاتله أحدهما و جهل عینه فیجب علیهما لانتفاء المرجح و الوجه الأخر الذی ذکره المصنف مذهب ابن إدریس محتجا علیه بقوله تعالی فقد جعلنا لولیه سلطانا و نفی القتل عنهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 137
ینافی إثبات السلطان و إن البینة ناهضة علی کل منهما بوجوب القود فلا وجه لسقوطه و بأنا قد أجمعنا علی انه لو شهد اثنان علی واحد بأنه القاتل فأقر آخر بالقتل یتخیر الولی فی التصدیق و الإقرار کالبینة فی حق الأدمی. و أجیب بان الآیة تدل علی إثبات السلطان للولی مع علم القاتل لا مطلقا و هو منتف هنا و البینة انما تنهض مع عدم المعارض و هو موجود و الإجماع علی المسألة المبنی علیها ممنوع". الی ان قال:" و للمصنف فی النکت تفصیل حسن و هو أن الأولیاء إما أن یدعوا القتل علی أحدهما أو یقولوا لا نعلم فإن کان الأول قتلوه لقیام البینة بالدعوی و تهدر الأخری و إن کان الثانی فالبینتان متعارضتان علی الانفراد لا علی مجرد القتل فیثبت القتل من أحدهما و لا یتعین و القصاص یتوقف علی تعیین القاتل فیسقط و تجب الدیة لعدم أولویة نسبة القتل إلی أحدهما دون الآخر.
و اعلم أن مقتضی عبارة الشیخین فی الکتابین یدل علی أن بالحکم الأول روایة و به صرح العلامة فی النهایة و لم نقف علیها فوجب الرجوع إلی القواعد الکلیة فی الباب" انتهی.
أقول: مقتضی الرجوع إلی القواعد الکلیة المطردة فی جمیع الأبواب سقوط القصاص و الدیة معا لأنهما فرع ثبوت القتل و البینتان إذا تعارضتا و تکافأتا تساقطتا عن التأثیر لأن تأثیرهما معا اجتماع للضدین و تأثیر إحداهما بعینها ترجیح بلا مرجح و تأثیر إحداهما لا بعینها تأثیر للشی‌ء قبل وجوده لأن الشی‌ء قبل تعینه واقعا مبهم و الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد کما أنه ما لم یوجد لم یتشخص فبطل القولان معا.
أما الأول فلرجوعه إلی ثبوت القتل بالبینتین و عدم ثبوته بهما و هو اجتماع للنقیضین و تعلیل ثبوت الدیة حینئذ بثبوت القتل علی أحدهما و جهالته بعینه فیجب الدیة علیهما لئلا یطل دم امرء مسلم فی غیر محله.
لأنه إن أرید بثبوت القتل علی أحدهما مجهول العین ثبوته بالبینتین فقد عرفت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 138
ما فیه من لزوم الترجیح بلا مرجح أو تأثیر الشی‌ء قبل وجوده.
و إن أرید بثبوت القتل علی أحدهما ثبوته بالعلم الإجمالی المتولد من اجتماع البینتین المتعارضتین علی واحد.
ففیه أولا إن تولد العلم الإجمالی من اجتماعهما ممنوع إذ کما علم عدم صدقهما معا یحتمل کذبهما معا.
و ثانیا أنه لا یوجب إلزامهما بالدیة ضرورة أن مجرد علم صاحب الحق باشتغال ذمة زید أو صاحبه بالحق لا یجوز استیفاء حقه منهما أو من أحدهما کما هو ظاهر بل لو فرض أن کلا منهما یعلم بصدور القتل إما منه أو من صاحبه فکذلک لأن أحد طرفی العلم الإجمالی إذا خرج عن محل ابتلاء العالم به لا یؤثر العلم شیئا و عدم طل دم امرء مسلم لا یوجب الحکم بأخذ الدیة ممن لا یثبت علیه القتل فیؤخذ الدیة حینئذ من بیت المال إلا أن یدل دلیل شرعی علی خلافه.
و أما الثانی فلأن الحکم بتخیر الولی فی تصدیق أیهما شاء فرع ثبوت تأثیر البینتین و قد عرفت عدم تطرق التأثیر فیهما أو فی أحدهما حینئذ و تنظیره بالإقرارین المتعارضین فی غیر محله لأن الإقرار فیه جنبتان جنبة السببیة و الموضوعیة و جنبة الطریقیة و العمدة فیه الجنبة الأولی و لذا ینفذ إقرار العقلاء علی أنفسهم مطلقا و لا یعتبر فی نفوذه الوثوق بصدق المقر فإذا أقر شخصان کل واحد بالقتل منفردا عن الآخر یلزمان بحکم القتل فیتخیر الولی فی التصدیق.
و من هنا ظهر سر تخیر الولی فی التصدیق إذا أقر واحد بالقتل منفردا و قامت البینة علی صدوره من آخر کذلک کما وردت به الروایة إذا البینة إنما تعارضها بینة أخری و أما الإقرار الذی ینفذ علی المقر و یلزم به من جهة الموضوعیة و السببیة لا من جهة الطریقیة فلا یعارض البینة التی هی طریق محض فیتخیر الولی فی تصدیق أیهما شاء فإن قلت: لا نسلم أن الإقرار سبب و موضوع لأنه إخبار عن نفسه و الخبر مطلقا یکون طریقا محضا سواء کان إخبارا عما یرجع إلی غیره أو إلی نفسه لنفسه أو علی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 139
نفسه و لو سلمنا فمجرد کونه موضوعا لا طریقا لا یوجب تطرق التخییر فیه لأن المقتضیین إذا اجتمعا علی محل واحد سواء کانا موضوعین أم طریقین إن لم یتنافیا و تطرق تعدد الأثر فی المحل أثر کل واحد منهما أثره و إلا فإن تقارنا اشترکا فی التأثیر و إن تعاقبا فالأثر للمتقدم إلا أن یقبل المحل اشتداد الأثر فیؤثران و إن تنافیا و تقارنا تعارضا و تساقطا إن لم یکن أحدهما أقوی و إلا فالأثر للأقوی و إن تعاقبا فالأثر للمتقدم و علی کل تقدیر لا مجال لتطرق التخییر فیهما.
قلت: نعم الإقرار إخبار علی نفسه و الخبر طریق إلی المخبر به و کاشف عنه و لکن الأثر فی المقام و هو نفوذه علیه و التزامه بما أقر به إنما هو من آثار إخباره علی نفسه لا المخبر به بخلاف البینة فإن الأثر إنما یترتب علی ثبوت مضمونها بها فیکون طریقا محضا فبالإقرار یلتزم المقر بما أقر به فیلزم به و بالبینة یثبت المشهود به فیلزم المشهود علیه به و لا یعقل ثبوت القتل انفراد الکل منهما فتتعارض البینتان حینئذ و تتساقطان مع تکافئهما.
و أما الالتزام الذی هو أثر الإقرار فلا ینافی تعدده مع وحدة الملتزم به کما لا ینافی تعدد الضمان مع وحدة المضمون فی تعاقب الأیدی المغصوبة علی عین واحدة فلا یتعارض الإقراران حینئذ و کما أن أثر تعدد الضمان مع وحدة المضمون تخیر المضمون له فی الرجوع علی کل واحد فکذلک فی المقام «1».
فإن قلت: مقتضی ما ذکرت عدم تطرق التخییر فی المتعارضین مطلقا و مع تکافئهما یتساقطان مع أنا نری أن أثر التعارض فی بعض الموارد هو التخییر کالخبرین المتعارضین و الواجبین المتزاحمین و المجتهدین المتساویین فإن الحکم فی جمیع الصور المذکورة هو التخییر.
______________________________
(1) و لا ینافی ما بیناه أن ترتب الضمان علی الید و تعدده بتعدد الأیدی حکم واقعی و ترتب الالتزام علی الإقرار و تعدده بتعدد الإقرار حکم ظاهری کما هو ظاهر (منه).
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 140
قلت: أما الخبران المتعارضان فمقتضی القاعدة هو سقوطهما کما هو الشأن فی سائر الموارد و التخییر الذی ورد فیهما إن کان المراد به التخییر الظاهری فهو خارج عن مقتضی القاعدة بالدلیل الشرعی.
و إن کان المراد منه التخییر الواقعی کما احتمله بعض الأساطین (قدس سره) فهو خارج عن الموضوع لعدم التعارض بین الخبرین حینئذ لثبوت مدلولیهما حینئذ علی سبیل التخییر لا التعیین فلا یتناقضان حتی یصیر الخبران متعارضین.
و أما الواجبان المتزاحمان لضیق الوقت عن امتثالهما فهما خارجان عن الموضوع أیضا لأن التعارض إنما هو بین الأسباب لتنافی مسبباتها و المسببان و هما الواجبان ثابتان حینئذ فی مرحلتی التحقق و التعلق و إنما یتزاحمان فی المرحلة الثالثة و هی مرحلة تنجز الحکم فلا یتنجز أحدهما بعینه مع عدم أهمیة أحدهما فیتخیر المکلف فی مرحلة الامتثال إذ العذر إنما هو عن الجمع بینهما فلا عذر له فی ترکهما و هکذا الحال فی المجتهدین المتساویین إذ یجب التقلید علی العامی و لو علی سبیل التخییر بینه و بین الاحتیاط مع تمکنه منه فإن اتحد المجتهد فهو و إن تعدد و لم یترجح أحدهما علی الآخر بأحد الوجوه المرجحة لا یتعین علیه الرجوع إلی أحدهما بعینه لعدم المرجح کما أنه لا یمکنه ترک التقلید رأسا لوجوبه علیه و لا تقلیدهما معا للتنافی بین أقوالهما فیتعین علیه الرجوع إلی أحدهما علی سبیل التخییر.
و الحاصل أن الحکم فی هاتین الصورتین ثابت و إنما وقع التزاحم بین الحکمین فی الأثر المترتب علیهما و حیث لا یمکن الجمع بینهما یتخیر فی الامتثال بخلاف المتعارضین فإنهما لتعارضهما و تکافئهما یسقطان عن التأثیر فلا یثبت الحکم رأسا کما عرفت.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 141‌

(فائدة 21) [الشک بین صلاة الظهر و العصر]

لو کان المصلی فی صلاة العصر مثلا و علم بنقص رکعة من إحدی صلاتیة فشک فی أنه هل سلم الظهر علی أربع فیکون فی ثالثة العصر أو علی ثلاث فیکون فی رابعة العصر فهل له سبیل إلی تصحیحهما أو تصحیح إحداهما.
التحقیق أنه لا سبیل إلی تصحیحهما معا لأن العلم بنقص رکعة من إحدی صلاتیة یوجب اشتغال ذمته بإتیان هذه الرکعة المرددة بین کونها من الظهر أو من العصر و لا سبیل إلی إتیانها موصولة و لا مفصولة إذ لو أتی بها موصولة لم تحتسب من الظهر فلا تکون جابرة لما فات عنها و لاحتمل زیادتها خامسة فی العصر فتکون مخلة لا جابرة إذ الإتیان برکعة یحتمل زیادتها فی الصلاة مخلة عند الشارع و إلا لم یکن حاجة إلی البناء علی الأکثر و التحلل بالتسلیم و الجبر بصلاة الاحتیاط فی مواضعه و لو أتی بها مفصولة بعد التحلل بالتسلیم لم یعلم احتسابها من الظهر و لا من العصر أما من الظهر فللفصل بالعصر و أما من العصر فلعدم الأمر بالتحلل بالتسلیم حینئذ حتی یصح عصره و یجبر منها بصلاة الاحتیاط لأن جواز التحلل إنما هو فی مورد الشک الخالص.
و أما مع العلم الإجمالی باشتغال ذمته برکعة مرددة فلم یرد جواز التسلیم علی ما بیده و صحة صلاته حینئذ نعم له سبیل إلی تصحیح صلاة الظهر بعدوله من العصر إلیها و التسلیم علی ما بیده فتصح له صلاة ظهر تامة أما السابقة و إما اللاحقة و علمه بنقص
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 142
إحداهما لا یؤثر فی شی‌ء لأن الأمر إنما هو بظهر واحدة و قد صحت له ظهر واحدة فإن قلت: إنما یصح العدول من صلاة صحیحة إلی فائتة قبلها و أما إذا لم تکن صحیحة مع قطع النظر عن العدول و أرید تصحیحها بالعدول فلا یعقل الاجتزاء بها عن المعدول إلیها لأن صحة الصلاة حینئذ فرع العدول المتوقف علی صحتها.
قلت: إنما لا یجوز العدول عن صلاة مستقرة فی البطلان لوقوع خلل فیها إما بزیادة رکن أو نقصه بحیث لا سبیل له إلی تدارکه.
و أما إذا لم تستقر فی البطلان و یکون الحکم به حینئذ من جهة عدم سبیل له إلی الإتیان بما یجب علیه فی هذه الحالة مع بقائه علی النیة الأولی فلا مانع حینئذ من تحصیل طریق للصحة و لو بالعدول بل هذا احتیال من المصلی لصحة صلاته المعدود من فقهه و قد حکم السید الطباطبائی (قدس سره) ببطلان الصلاتین و وجوب استینافهما معللا بعدم إمکان إعمال قاعدة الفراغ مع قاعدة البناء علی الأکثر حینئذ لأن مقتضی قاعدة الفراغ کون الظهر تامة و ما بیده ثالثة و مقتضی البناء علی الأکثر کون ما بیده رابعة و کون الظهر ناقصة فیجب إعادة الصلاتین لعدم الترجیح فی إعمال إحدی القاعدتین فتسقطان.
أقول: و هذا التعلیل علیل جدا إذ لو قلنا بأن الأصول لا تجری فی أطراف العلم من جهة أن مقتضی تنجیز العلم الإجمالی کون أطرافها محکومة بحکم العلم فیجب فیها الاحتیاط کما هو التحقیق و أوضحنا الکلام فیه فی محله بما لا مزید علیه فلا مجال لتعارض القاعدتین و تساقطهما ضرورة أن تعارضهما فرع جریانهما و إن قلنا بجریان الأصول فی أطرافها و تساقطها عن الأثر لمعارضتها بمثلها فاللازم حینئذ الحکم بجریانهما فی المقام و ترتیب الأثر علیهما لعدم التعارض بینهما.
و ما ذکره من وقوع التعارض بینهما باعتبار استلزام کل منهما نفی الآخر فاسد من وجهین
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 143
الأول: أن اللوازم العقلیة و العادیة لا تثبت بالأصول حتی یتعارض القاعدتان باعتبار لازمهما و تفکیک المتلازمین شائع فی الأصول فإن مؤداها إنما هی وظائف المکلف فی مرحلة العمل لا ثبوت الواقع و لو تنزیلا حتی تثبت بها اللوازم فیقتصر فی العمل علی نفس مؤداها و قد نبه علیه الأصحاب (قدس سرهم) فی مواضع کثیرة.
منها: ما لو شک المصلی بعد صلاة الظهر مثلا فی أنه تطهر لصلاته أم غفل عنها فحکموا بأنه متطهر بالنسبة إلی صلاة الظهر لقاعدة الفراغ و محدث یجب علیه التطهیر بالنسبة إلی صلاة العصر لاستصحاب الحدث مع أن الجمع بین الحکمین مع عدم تخلل الحدث جمع بین الضدین بالنظر إلی الواقع.
و منها: ما لو شک بعد الفراغ عن الوضوء فی تطهیر أعضائه فحکموا بصحة الوضوء و نجاسة الأعضاء عملا بقاعدة الفراغ فی الأولی و بالاستصحاب فی الثانیة مع استحالة اجتماعهما فی الواقع.
و منها: ما لو تطهر بمائع مردد بین کونه بولا أو ماء فحکموا ببقاء الحدث و طهارة الأعضاء عملا بالاستصحاب فی کل منهما مع استحالة اجتماعهما واقعا إلی غیر ذلک من الموارد التی لا تخفی علی المتتبع.
و الثانی أنه لا تنافی بین القاعدتین حتی باعتبار لازمهما إذ مرجع البناء علی الأکثر إلی المعاملة مع المشکوک معاملة الأکثر فی جواز التسلیم علیه و الإتیان بالمحلل لا المعاملة معاملة التمام و الاجتزاء به و إلا لم یجب الاحتیاط بما هو جابر للفائت فمرجع البناء علی الأکثر مع وجوب الاحتیاط إلی البناء علی الأقل و التسلیم علیه و الإتیان بالرکعة الأخری مفصولة لا موصولة دفعا لتطرق الزیادة فی الصلاة محسوبة مع فصلها مقام الموصولة حینئذ و إلا لم تکن احتیاط فبناء العصر علی الأکثر الراجع إلی البناء علی الأقل لا ینافی مع بناء الظهر علی التمام المجتزی به کما هو ظاهر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 144
و الحاصل أنه لا مانع من إعمال القاعدتین من جهة التعارض و التدافع بعد فرض تحقق المجری لهما هذا مع أنه لو سلمنا التعارض لا نسلم تساقطهما فی المقام لوجود المرجح فإن قاعدة الفراغ أصل برزخی فیه جهة کشف فی الجملة حتی توهم أنه أمارة و أما البناء علی الأکثر فهو أصل ساذج لا کشف فیه أصلا کما هو ظاهر فیتقدم علیه قاعدة الفراغ.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 145‌

(فائدة 22) [فی الشک قبل السلام من العصر بعد العلم بأنه صلی الظهرین]

لو شک المصلی قبل السلام من العصر بعد العلم بأنه صلی الظهرین ثمانی رکعات فی أنه صلی الظهر أربع فالتی بیده رابعة العصر أو صلاها خمسا فالتی بیده ثالثة العصر فقد حکم السید الطباطبائی قدس سره أیضا ببطلانهما معللا بأنه لا وجه لإعمال قاعدة الشک بین الثلاث و الأربع فی العصر لأنه إن صلی الظهر أربعا فعصره أیضا أربعة فلا محل لصلاة الاحتیاط و إن صلی الظهر خمسا فلا مجال للبناء علی الأربع فی العصر و صلاة الاحتیاط فیتدافع القاعدتان أی قاعدة الفراغ و قاعدة البناء علی الأکثر فتتساقطان فیجب علی المصلی إعادتهما نعم لو عدل بالعصر إلی الظهر و یأتی برکعة أخری و أتمها یحصل له العلم بتحقق ظهر صحیحة مرددة بین الأولی و الثانیة.
و التحقیق أنه تصح الصلاتان حینئذ لعدم العلم بزیادة رکعة أو نقصها حینئذ فلا مانع من إعمال القاعدتین فیحکم بصحة الظهر لقاعدة الفراغ و بالبناء علی الأکثر و الإتیان برکعة الاحتیاط جبرا للفائت المحتمل.
و ما ذکره من أن الحکم بصحة الظهر لقاعدة الفراغ یستلزم الحکم بکون العصر أربعا من دون حاجة إلی الجابر و هو مناف لقاعدة البناء علی الأکثر قد اندفع بما بیناه آنفا من جواز تفکیک الملازمین فی الوظائف العملیة المعبر عنها بالأحکام الظاهریة ثم لو سلم ما ذکره من تدافع القاعدتین و الحکم ببطلان الصلاتین فلا وجه للتفصیل بین المسألتین من جواز العدول فی هذه المسألة و الحکم بصحة الظهر فیها دون الأولی.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 146‌

(فائدة 23) [اعلم أن من شأن شرائط الوجوب تعلقا أو تنجزا عدم وجوب تحصیلها ابتداء و لا استدامة]

و لذا لا یجب علی مسافر شهر رمضان الحضور و لا علی حاضره استدامة بل یجوز له إنشاء السفر بعد دخوله فی الصوم و الإفطار بعد خروجه عن حد الترخص.
و من المعلوم أنه حکم مطلق شرائط الوجوب و لا یعقل فیه الاختصاص و مقتضاه جواز السفر بعد الزوال یوم الجمعة قبل إدراک صلاتها من المکلف بها لأن الحضور من شرائط وجوبها لا صحتها و لذا لا یجب علی المسافر الحضور فیها و تنعقد منه کذلک فالقول بحرمة السفر حینئذ و تعلیلها باستقرار الوجوب بحصول الشرط علیل لأن مقتضی شرطیة الحضور للوجوب عدم وجوب استدامته و عدم استقرار الوجوب بمجرد حصوله.
فإن قلت: یمکن أن یقال: حدوث الحضور شرط لا وجوده فیستقر الوجوب بمجرد حصوله و یجب علیه استدامته.
قلت: أولا لا دلیل علی ما ذکرت، و ثانیا أنه لا یوجب وجوب الاستدامة بل یحرم السفر حینئذ لمن لم یتمکن من إقامتها فیه مع أن الأکثر حکموا بإطلاق التحریم إطلاقا و نصا.
و ببیان أوضح إن کان السفر مانعا عن وجوبها دفعا و رفعا کما هو الحال فیه بالنسبة إلی صوم شهر رمضان فاللازم جواز السفر بعد الزوال مطلقا لعدم حرمة إیجاد الرافع کالدافع و إن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 147
کان مانعا عنه دفعا لا رفعا فاللازم جوازه فی صورة التمکن من إقامتها فیه مع أن مرجع التحریم فی صورة عدم التمکن منها إلی تحریم تفویت الواجب الراجع إلی تنجزه و تحتم امتثاله فلا تحریم فی البین أصلا و توهم أن تجویز السفر علی تقدیر تمکنه من إقامتها فیه دوری یتأدی وجوده إلی عدمه حیث إن جواز السفر سبب لسقوط وجوب الجمعة عنه فی غیر محله لأن تعلیق الجواز علی تقدیر التمکن مبنی علی عدم کونه رافعا فلا یوجب سقوط الجمعة حینئذ حتی یتأدی وجوده إلی عدمه.
و یرد ما ذکرناه فیما حکموا به من تعین صرف ما یستطاع به فی نفقة الحج عند سیر الوفد و حرمة بذله فی نفقة النکاح و غیرها من الوجوه المحللة له لو لا الحج.
و یمکن دفعه بجعل حدوث الاستطاعة شرطا لوجوب الحج و لکن یلزم حینئذ استقرار وجوبه مع زوالها قبل إدراک المناسک فی العام الأول.
و التحقیق فی حل الإشکال أن یقال إن الاستطاعة لا تزول بصرف المال فی غیر نفقة الحج اختیارا توضیحه أن الاستطاعة هی المرتبة التامة من القدرة المتقابلة مع العجز تقابل التناقض و من المعلوم أن ارتفاع أحد النقیضین لا یکون إلا بوجود الآخر فارتفاع القدرة التامة إنما یکون بتحقق خلافها و هو المرتبة الخاصة من العجز المنافی للاختیار ضرورة عدم مجامعة أحدهما مع الآخر و لا یزول الاختیار بالامتناع المستند إلیه.
و قد اشتهر اشتهار الضروریات أن" الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار" فکما لا یزول أصل القدرة بالعجز المستند إلی اختیاره فکذلک المرتبة الخاصة منها لا تزول بالمرتبة الخاصة من العجز المستند إلی اختیاره فصرف المستطیع ماله فی غیر نفقة الحج باختیاره لا یوجب زوال استطاعته و قدرته علیه حتی یوجب عدم التنجز أو عدم التعلق بخلاف السفر فإنه فعل اختیاری و هو بوصف أنه اختیاری مانع عن تنجز
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 148
وجوب الصوم و موجب لقصر الصلاة فلا یکون وقوعه عن اختیار قادحا فی جواز الإفطار بل یتقوم حقیقة السفر بالاختیار و قصد المسافة فلا یعقل تقییده بعدم الاختیار.
فإن قلت: کما أن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة فکذلک مشروط بدخول وقته أیضا إذ لا یعقل وجوب الشی‌ء قبل دخول وقته و وجوب تحصیل مقدمات الوجود ابتداء و استدامة فرع وجوب ذیها فلا یعقل وجوبها قبل وجوبه و مقتضاه جواز بذل ما یستطاع به فی سائر النفقات قبل دخول وقت الحج و لو عند سیر الوفد.
قلت: إنما یمتنع إیجاد الشی‌ء قبل وقته، و أما إیجابه قبله فلا فإن الوقت کما یصلح أن یجعل سببا للوجوب فقط کذلک یصلح أن یجعل ظرفا للعمل کذلک بل هذا شأنه الأولی و قد یجتمع فیه الاعتباران و إذا اعتبر ظرفا فقد تعتبر ظرفیته علی وجه بحیث لا یکون مجال للعمل إلا فیه و قد تعتبر علی وجه بحیث یمکن قضاء العمل فی غیره لعذر أو مطلقا فالظرفیة قد تکون تامة و قد تکون ناقصة و أوقات الصلوات المکتوبة مما اجتمع فیها الاعتباران السببیة و الظرفیة الناقصة و لذا لا تجب قبل دخول أوقاتها و یصح قضاؤها بعد خروج أوقاتها.
و أما أوقات المناسک فإنما اعتبرت ظرفا لها علی وجه التمام و لم تعتبر سببا لوجوبها و لذا یجب الحج علی المستطیع قبل دخول وقته و لا یصح إیقاعه إلا فی وقته.
فإن قلت: الاستطاعة و القدرة علی إیجاد الواجب لا تتحقق إلا بعد دخول وقته فلا یعقل وجوب الشی‌ء علی الشخص تعلقا أو تنجزا قبل دخول وقته من جهة فقد القدرة التی هی من شرائط الوجوب.
قلت: إیجاد العمل فی الوقت یتوقف علی دخول الوقت و أما القدرة علی إیجاده فیه فلا إذ کما لا یتوقف قدرة الشخص علی إیجاد العمل فی مکان مخصوص علی کونه فیه فکذلک لا تتوقف قدرته علی إیجاده فی وقت مخصوص علی دخوله و حلوله نعم لا مجال لإعمال قدرته قبل کونه فی الوقت و المکان اللذین ضربا
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 149
ظرفین للعمل لا أنه غیر قادر علی إیجاد العمل فیهما قبل دخولهما.
فإن قلت: دخول الوقت لا یکون فعلا للمکلف و خارج عن تحت اختیاره وجودا و عدما فلا یقدر علی تحصیله فلا یکون إیجاد العمل فیه مقدورا إلا بعد حصوله بخلاف کونه فی مکان مخصوص فإنه تحت اختیاره و قدرته فهو قادر علی إیجاد العمل فیه بتحصیل الکون فیه.
قلت: خروجه عن اختیاره مع وجوب حصوله فی حکم وقوعه تحت اختیاره و قدرته فلا یمنع تعلق القدرة بإیجاد العمل العمل المقید به قبل حصوله نعم لو جاز حصوله و عدمه لم یکن إیجاد العمل فیه مقدورا إلا بعد حصوله.
فإن قلت: لو تحققت الاستطاعة إلی الحج سبیلا قبل دخول وقته و وجب قبله لکونه ظرفا له فقط لزم استقرار وجوبه مع زوال الاستطاعة قبل إدراک وقته و وجوب القضاء عمن مات فی العام الأول قبل حلول وقته.
قلت: استقرار الوجوب إنما هو ببقاء الاستطاعة و استقرارها إلی الوقت المضروب للمناسک فلو زالت قبله یزول الوجوب و لا مجال لاستقراره فإن قلت: سبق الوجوب علی الوقت غیر مستقر إلا بإدراکه باقیا علی استطاعته لو کان مانعا من بذل مؤنة الحج فی سائر النفقات لکان مانعا منه فی طول عام الاستطاعة لعدم اختصاصه بزمان سیر الوفد مع أن جوازه قبل سیرها واضح لا ریب فیه قلت: یمکن أن یقال: الاستطاعة علی العمل لا تتحقق فی نظر العرف إلا عند وقت العمل أو وقت إیجاد مقدماته و أما قبله فلا تعد استطاعة فی نظرهم و إن أبیت عن ذلک نقول: إن جواز بذل المال فی غیر نفقة الحج من الوجوه المحللة فی عام الاستطاعة قبل سیر الوفد توسعة من الشارع علی المکلف کما أن اعتبار الاستطاعة التی هی المرتبة التامة من القدرة فی مرحلة التنجیز أو التعلق کذلک و إلا فیقتضی المیزان الاکتفاء بالقدرة المطلقة.
فإن قلت: لو لم تزل الاستطاعة مع صرف مؤنة الحج فی سائر النفقات لعدم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 150
ارتفاعها بالامتناع المستند إلی الاختیار لزم حصولها لمن تمکن من تحصیلها و أهمل ضرورة أن الامتناع بالاختیار کما لا یرفعها فکذلک لا یدفعها.
قلت: المقصود من بقائها حینئذ بقاؤها حکما لا تحقیقا بمعنی أن العجز الطاری المستند إلی اختیاره فی حکم العدم فلا یؤثر زوال أثرها لا أنها باقیة تحقیقا فهی بعد حصولها لا تزول إلا بالعجز المستند إلی اختیاره و أما مع عدم حصولها و إمکان تحصیلها فهی غیر متحققة لا تحقیقا و لا حکما و إنما الثابت حینئذ القدرة المطلقة التی لا یترتب علیها أثر فی المقام.
فإن قلت: لو لم تزل القدرة حکما بالامتناع المستند إلی اختیاره لزم عدم الاکتفاء بالتیمم فی صحة صلاته لمن إهراق ماء وضوئه أو غسله فی الوقت باختیاره و لم یتمکن من تحصیل الماء لأن بدلیة التیمم عنهما إنما هی بعد العجز عنهما و هو فی هذا الحال فی حکم المتمکن.
قلت: حکم القدرة و التمکن من التنجز و عدم العذر باق فی المقام فإنه لا یکون معذورا فی ترک الطهارة المائیة حینئذ و الاکتفاء بالتیمم حینئذ إنما هو لترتبه علی نفس العجز عن الطهارة المائیة لا علی حکمه من العذر عنها و العجز فی حکم العدم بالنسبة إلی حکمه من العذر لا مطلقا فلا ینافی جواز الاکتفاء بالتیمم المترتب علی مجرد العجز عنهما و الوجه فی بدلیة التیمم عن الطهارة المائیة عند الشارع فلو لم یجز التیمم حینئذ لمکان عدم عذره عن إراقة الماء لزم تقدیم رعایة الطهارة المائیة علی إدراک الصلاة فی الوقت.
و الحاصل أنه مع عدم وجود الماء فی الوقت یدور الأمر بین فوت الوقت و فوت الطهارة المائیة فإن کان رعایة الطهارة المائیة أهم عند الشارع من الوقت لزم عدم شرع التیمم و الأمر بقضاء الصلاة فی خارج الوقت بالطهارة المائیة فشرع التیمم کاشف عن أهمیة الوقت عنده من الطهارة المائیة فحینئذ یجب التیمم بدلا عنها مع العجز عنها و لو مع عدم العذر و إلا لزم خلف الفرض.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 151‌

(فائدة 24) [سؤال: قد ضرب الله الحق و الباطل فی سورة الرعد بالماء المنزل من السماء]

و الزبد الرابی علیه و بالفلز الموقد علیه فی النار و زبدة فقال عز من قائل أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَسٰالَتْ أَوْدِیَةٌ بِقَدَرِهٰا فَاحْتَمَلَ السَّیْلُ زَبَداً رٰابِیاً وَ مِمّٰا یُوقِدُونَ عَلَیْهِ فِی النّٰارِ ابْتِغٰاءَ حِلْیَةٍ أَوْ مَتٰاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ کَذٰلِکَ یَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَیَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا یَنْفَعُ النّٰاسَ فَیَمْکُثُ فِی الْأَرْضِ کَذٰلِکَ یَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ.
و لا بد فی المثال من الشباهة التامة الموجبة لبلاغته و کلما ازداد شباهة ازداد بلاغة.
و قد سمعت أن بعض مدعی العلم من النصاری أورد بأنه لا بلاغة فی المثالین لفقد الشباهة التامة و إن المثال البلیغ هو النور و الظلمة و المسئول منکم أن توضحوا لنا وجه بلاغة المثالین کمال الإیضاح بحیث لم یبق مجال الریب للمرتابین هکذا صورة السؤال.
أقول: بعون الله تعالی و مشیته أنه قد شبه فی الآیة الکریمة کلمة الحق بالماء المنزل من السماء و کلمة الباطل بالزبد و القلوب بالأرض و فی هذه المرحلة التشبیه بالماء و الزبد أبلغ من النور و الظلمة من جهات عدیدة و هو یتوقف علی بیان صفات الماء و شأن الزبد و موازنتهما بصفات کلمة الحق و شأن کلمة الباطل.
فاعلم أن من صفات الماء التی یمتاز بها عن سائر الموجودات أن حیاة کل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 152
حیوان بالماء بل حیاة کل ما فیه الروح النباتی من الأشجار و النباتات به بل حیاة الأرض التی هی جماد أیضا به قال عز من قائل وَ أَحْیَیْنٰا بِهِ بَلْدَةً مَیْتاً و کلمة الحق حیاة للقلوب و إنما تحیی باستیلاء کلمة الحق علیها کما أنه تموت باستیلاء کلمة الباطل علیها و هذا من أظهر صفات کلمة الحق و یکفی فی بلاغة التشبیه بل کمال بلاغته وجود هذه الصفة فی الماء و کونها من أظهر صفاته.
و هذا هو الوجه الأول من الوجوه الموجبة لبلاغة المثال بلاغة تامة.
و الثانی: أن من صفات الماء التی یمتاز بها عن سائر الموجودات أیضا کونه موجبا للطهارة و النظافة من الأقذار و الأدناس و هذا أیضا من أظهر صفات کلمة الحق الموجبة لکمال البلاغة فإن استیلاء کلمة الحق علی القلب یطهره من أرجاس الشبهات و أقذار العقائد الباطلة کما أن استیلاء کلمة الباطل علیه تدنسه بالأرجاس و الأقذار.
و الثالث: أن الماء المنزل من السماء الذی ضرب به المثل لا یکون إلا عذبا و الماء العذب أکمل من سائر المیاه فی الإحیاء و التطهیر. و الرابع: أن الماء المنزل من السماء یختص بکمال النفع و الترکة من بین المیاه العذبة کما لا یخفی فیؤکد بهما البلاغة و یشتد بهما الشباهة حتی یصح أن یقال کأنه هو.
و الخامس: أن الماء المنزل من السماء إنزاله بمشیة الحق تعالی شأنه من جمیع الوجوه إنزالا و زمانا و مکانا و مقدارا و لا یکون للخلق دخل فیه بوجه و أکد تعالی شأنه هذا الوجه بإتیان الفعل بصیغة المعلوم فنسب إنزاله إلی نفسه جلت آلاؤه و هذا أیضا من أظهر شباهات کلمة الحق به فإن الدین أصوله و فروعه مما لا تناله ید الخلق فلیس لهم تحلیل حلال و لا تحریم حرام و لا ترخیص من عند أنفسهم کما أنه لا سبیل و لا حیلة لهم فی إنزال الماء من السماء.
و بهذا البیان تبین أن الآیة الکریمة تدل علی إبطال نصب الخلق خلیفة لله تعالی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 153
و لرسوله صلی الله علیه و آله ببیعتهم معه بالخلافة و الإمامة فکما لا ینزل الماء من السماء بمشیة الخلق و اختیارهم فکذلک لا یصیر شخص خلیفة عن الرسول بانتخاب الأمة بل خلیفة الرسول صلی الله علیه و آله من نصبه الله تعالی و انتخبه و اختاره و أنزل خلافته من سماء الوحی کیف و هو من أهم الأمور الدینیة.
و السادس: أنه تعالی شأنه أتی بماء منکرا لا معرفا بلام الجنس تنبیها علی أن المقصود فرد منه و هو النافع المبارک کما دل علیه قوله عز من قائل وَ أَمّٰا مٰا یَنْفَعُ النّٰاسَ معبرا عنه و أتی بالنفع بصیغة المضارع مع أن مقتضی السیاق الإتیان به بصیغة الماضی تنبیها علی استمراره و عدم انقطاعه کما دل علیه الجزاء و هو قوله عز و جل فَیَمْکُثُ فِی الْأَرْضِ صریحا فدل علی أن کلمة الحق لا انقطاع لها أبدا و لو استتر فی الظاهر و غاب مرکز دائرتها عن الأنظار و هذا أیضا من أقوی وجوه الشباهة و البلاغة.
و السابع: أن الماء المنزل من السماء إنزاله علی جمیع صنوف الأرض من الجبال و الأودیة و البر و هکذا سواء فکذلک إنزال کلمة الحق علی قلوب الناس سعیدهم و شقیهم سواء و هدایة الحق تعالی شأنه تعم جمیع الخلق فمن تکبر و صار جبلا کأبی جهل و أضرابه ینحدر عنه الماء إلی الأودیة التی تعیه فتسیل کل بقدره کسلمان و أبی ذر و مقداد و عمار رضی الله عنهم و أضرابهم و هذا أیضا من أقوی وجوه البلاغة.
و الثامن: أن الماء المنزل من السماء مع کمال لطافته فی حد نفسه إذا ورد علی الأرض تکدر بواسطة اختلاط الأجزاء الأرضیة معه فکذلک کلمة الحق مع کمال نورانیتها و ظهورها تتکدر فی أنظار السفهاء من الناس بواسطة رسوخ العقائد الجاهلیة الناشئة من هوی نفوسهم حتی أنهم تعجبوا من أظهر کلمات الحق و هی کلمة التوحید فقالوا: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً إِنَّ هٰذٰا لَشَیْ‌ءٌ عُجٰابٌ.
و هذا أیضا من أقوی وجوه البلاغة.
و التاسع: أن إنزال الماء من السماء علی سبیل التدریج قطرة فقطرة کما یکون
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 154
علی وفق الحکمة و یکون التربیة به أکمل و أتم من نزول الماء دفعة علی الأرض بل ربما یکون فی نزوله دفعة ضرر فکذلک أنزلت کلمات الحق من سماء الوحی تدریجا حتی یکون نفعها أکمل و أثبت فی القلوب و هذا أیضا من أقوی وجوه الشباهة.
و العاشر: أنه کما یکون الماء المنزل من السماء أکمل نفعا و أبرک من میاه الأنهار و العیون و القنوات التی استخرجها الخلق حیث لا ینتفع بها إلا أصول الأشجار و النبات و أما الماء المنزل من السماء فینتفع به من جمیع الوجوه فیصفی به الهواء و یرفع به الغبار عن الأوراق و ینتفع به أصول النبات کما ینتفع الرضیع باللبن من ثدی أمة فکذلک کلمة الحق بمنزلته لا بمنزلة ماء النهر و العین و القناة فهی نافعة للناس من جمیع الوجوه و لا یمتص بوجه واحد فهو تنبیه علی أن کلمة الحق المنزلة من السماء تحتوی علی کمال الحکمة فهی من القرن إلی القدم نافعة فوجب علی العاقل أن یتبعها و یعرض عما استخرجه الخلق بأنظارهم القاصرة.
و الحادی عشر: أنه کما جاء الزبد من قبل السیل و لولاه لم یظهر زبد فکذلک ظهرت الدعاوی الباطلة بعد کلمة الحق و لو لا طلوع کلمة الحق لم یعارض أهل الباطل مع أهل الحق إذ بعد بعث الأنبیاء سلام الله علیهم لدعوة الخلق إلی الحق و أمرهم بعبادة الخالق تعالی شأنه و تصدیق الرسل و الاعتراف بولایة أولی الأمر من قبله تعالی شأنه و إطاعتهم ظهرت سائر الأشقیاء من الناس فاستکبوا عن أن یتذللوا و ینقادوا للحق فمنهم من ادعی الألوهیة کنمرود و فرعون و أضرابهما و منهم من ادعی الرسالة کسجاح و مسیلمة و أمثالهما و منهم من ادعی ولایة الأمر و الخلافة عن الرسول صلی الله علیه و آله من غیر استحقاق کأبی بکر و عمر و عثمان و أضرابهم.
و هکذا إلی آخر طبقات أهل الضلال و کما أن الزبد یذهب جفاء و لا یبقی فکذلک کلمة الباطل لا تدوم و تذهب هباء و لعله [لذا] صیغ کلامه تعالی شأنه علی وجه اللف و النشر المشوش تنبیها علی أن الابتداء من کلمة الحق و العود إلیها و أما الباطل فیظهر فی البین و یذهب و قد ورد أن للحق دولة و للباطل جولة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 155
و الثانی عشر: أن الزبد کما یربی فوق الماء بواسطة خفته فکذلک کلمة الباطل لموافقة هوی الناس معها یکون فوق کلمة الحق فی الظاهر و یکون اتباع کلمة الباطل أکثر من اتباع کلمة الحق فإن الحق ثقیل و الباطل خفیف و لذا یکون أهل الحق أقل قال عز من قائل وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبٰادِیَ الشَّکُورُ.
و الثالث عشر: أنه کما یکون للزبد جلوة فی الظاهر بحیث یزعم الجاهل الغافل أنه أحسن و أنفع من الماء فکذلک کلمة الباطل له جلوة فی الظاهر عند السفهاء من الناس الذین لا یتدبرون الآیات المحکمات.
و الرابع عشر: أنه کما یکون الزبد شبیها بالماء بحیث یشتبه أمره علی الغافل و یزعم أنه ماء حقیقة فکذلک کلمة الباطل غالبا تشبه کلمة الحق بحیث تشتبه أمرها علی الغافل فلا بد للعاقل من التدبر التام فی هذا المقام حتی یتمیز الحق من الباطل.
و الخامس عشر: أن الزبد کما جاء من قبل السیل و اتصل به بحیث یزعم الجاهل الغافل باتصالها بکلمة الحق فیحسبها حقا و تعجبه فإن الأول و الثانی لو لم یکونا من قریش و من المهاجرین لم یمکنهما ادعاء الخلافة فاشتبه أمرهما علی الغفلة من جهة اتصالهما فی الظاهر بالرسول صلی الله علیه و آله فهو تنبیه علی أن الناس لا بد أن یلجئوا إلی رکن وثیق و لا یغتروا بأمثال هذه الأمور کما اغتر به أکثرهم.
و السادس عشر: أنه کما یکون تکدر الماء المنزل من السماء بواسطة اختلاط الأجزاء الأرضیة موافقا للحکمة و مقویا للمزارع التی یجری علیها فکذلک إنزال کلمة الحق بواسطة الأنبیاء الذین لا یکونون من الأغنیاء و لا من السلاطین بحیث یشق علی أبناء الدنیا متابعتهم و تتکدر کلمة الحق فی نظرهم لمخالفتها مع هواهم موافق للحکمة و صلاح لهم إذ مع هذه الحالة یمهلهم الله تعالی شأنه حتی یتدبروا آیاته و یستأنسوا بالحق و یرجع إلیه من کان أهلا له و یتم الحجة علی أهل الشقاء و لو نزلت کلمة الحق فی کمال الظهور و البهاء بحیث لا تکون فی الظاهر متکدرة و استکبروا عنها وجب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 156
فی الحکمة أن یؤاخذهم الله تعالی من دون إمهال قال تعالی شأنه وَ لَوْ أَنْزَلْنٰا مَلَکاً لَقُضِیَ الْأَمْرُ.
و السابع عشر: أنه کما لا یختص نفع الماء المنزل من السماء بمحل نزوله بل ینتفع به أیضا غیر محل النزول من الأقطار التی یسیل الماء إلیها فکذلک نزول کلمة الحق فی مکة المعظمة و المدینة المنورة زادهما الله عظمة و نورا لا یختص نفعها بأهالیهما بل ینتفع بها کل من بلغت إلیه.
و الثامن عشر: أنه کما لا ینافی احتمال الزبد الرابی علی الماء المنزل من السماء بواسطة السیل و شدته الذی یذهب جفاء مع حکمة إنزال الماء الذی نفعه عام و لا یزاحمها بوجه فکذلک ظهور کلمة الباطل من الأشقیاء بواسطة خبث سریرتهم و استنکافهم عن متابعة أهل الحق عند قیامهم بحقهم و شدتهم فی الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر لا یکون مانعا عن حکمة قیام أهل الحق بحقهم و شدتهم فی إجرائه فإن مصلحة الشی‌ء إذا کانت عامة توجب فی الحکمة إیجاد ذیها و لا یخل بها عروض مثل هذه الأمور بل ظهور الزبد المستتر فی سرائر الأشقیاء من جهة اختیارهم الشقاء موافق للحکمة فی حد نفسه حتی یتمیزوا عن السعداء و یتم الحجة علیهم فی یوم الجزاء فیعطی کل ذی حق حقه: ف فَرِیقٌ فِی الْجَنَّةِ وَ فَرِیقٌ فِی السَّعِیرِ.
و التاسع عشر: أنه کما قد یتفق أن محل نزول الماء لا ینتفع به أصلا أولا ینتفع به علی وجه الکمال و یجری الماء منه إلی المواضع المستعدة فتنتفع به علی وجه الکمال فکذلک کلمة الحق قد لا ینتفع بها حاملها علی وجه الکمال أو أصلا و ینتفع بها من بلغت إلیه من قبل الحامل و لذا أوصی النبی صلی الله علیه و آله بضبط کلماته الشریفة کما هی فقال صلی الله علیه و آله
" رحم الله امرء سمع مقالتی فوعاها و أداها کما سمعها فرب حامل فقه لیس بفقیه و رب حامل فقه إلی من هو أفقه منه".
و العشرون: أن الماء المنزل من السماء مع لطافته فی حد نفسه و نزوله من سحاب الرحمة کما یترتب علیه باختلاف المحل أثران مختلفان متضادان نظم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 157
باران که در لطافة طبعش خلاف نیست در باغ لاله روید در شوره‌زار خس
کذلک الکلمات الحقة" هُدیً لِلْمُتَّقِینَ" و موجب لفوزهم و فلاحهم و فتنة للظالمین الذین اختاروا الشقاء علی السعادة" فَاسْتَحَبُّوا الْعَمیٰ عَلَی الْهُدیٰ".
و الحادی و العشرون: أن ماء المطر کما ذکره أهل الزراعة یدفع مکروب الأرض و موذیاتها دون غیره من المیاه و هذا أمر زائد علی التطهیر المشترک فیه جمیع المیاه و کذلک الکلمات الحقة تدفع أمراض القلوب الناشئة من ممارستها الأباطیل التی استحکمت علیها شبه الملکة.
هذه الوجوه التی قد ظهرت لی بحمد الله تعالی فی بلاغة المثالین و ربما یکون فی المثل المضروب أسرار آخر مودعة و إذا وقفت علی ما بیناه عرفت أنه لا مثل أبلغ من المثالین کیف و قال تعالی شأنه کَذٰلِکَ یَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ فهو مثل إلهی لا یقدر البشر علی الإتیان بمثله بل علی الإحاطة بتمام إسراره و الغافل المعترض قد رأی تشبیه الحق بالنور فی آیة النور و أنه تشبیه تام فوق التمام فزعم أنه یجری فی هذا المورد و لم یلتفت إلی أن النور أبلغ من الماء فی مرحلة تشبیه حججه و خلفائه فی أرضه کما ضرب به المثل فی آیة النور و الماء أبلغ من النور فی مرحلة تشبیه کلمة الحق المنزلة من سماء الوحی علی أرض القلوب.
قل للذی یدعی فی العلم فلسفة حفظت شیئا و غابت عنک أشیاء
بل أشیاء و أشیاء و الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنا لنهتدی لو لا أن هدانا الله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 158‌

(فائدة 25) [بحث فی خلقة الإنسان من کلام الله المجید]

قال عز من قائل فی سورة المؤمنون وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِینٍ ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِی قَرٰارٍ مَکِینٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَکَسَوْنَا الْعِظٰامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَکَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِینَ ثُمَّ إِنَّکُمْ بَعْدَ ذٰلِکَ لَمَیِّتُونَ ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیٰامَةِ تُبْعَثُونَ.
أسئلة: الأول: أنه من المعلوم أنه تعالی شأنه فی مقام الاستدلال بخلقة الأطوار المختلفة للإنسان علی وجود الصانع تبارک و تعالی شأنه و أن الإنسان لم یترک سدی و أنه مبعوث بعد الموت و لعل الطبیعی یقول: الاستدلال بالأطوار المختلفة علی وجود الصانع شبه مصادرة علی المطلوب لأن الطبیعی یقول: اختلاف الأطوار ثابت بالطبیعة و الموحد یقول: لا یحصل إلا بتدبیر الصانع و تصویره و خلقته و المسئول منکم أن تشرحوا لنا وجه دلالة الأطوار المختلفة علی الخلقة و بطلان الطبیعة.
و الثانی: وجه العدول عن خلقنا إلی جعلنا فی خصوص الفقرة الثانیة مع التعبیر بالخلقة فی صدر الآیة و فی جمیع الفقرات الآخر سواها.
و الثالث: وجه التعبیر بکلمة" ثم" فی مواضع ثلاثة و التعبیر بالفاء فی ثلاثة آخر مع أن الظاهر أن الجملة الثالثة مثل الجمل التالیة المعطوفة بالفاء.
و الرابع: وجه التعبیر بصیغة الجمع فی قوله عز من قائل فَتَبٰارَکَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِینَ مع أنه لا خالق غیر الله بینوا لنا مشروحا ما یرتفع به الحجاب عن وجه المطلوب تؤجروا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 159
أقول: مستمدا برب الأرباب و أمنائه الأطیاب علیهم صلوات الله الملک الوهاب الظاهر أن ضمیر جعلناه راجع إلی مبدء خلق الإنسان المدلول علیه فی الجملة الأولی و المعنی هکذا و لقد خلقنا الإنسان أولا و هو أبو البشر علیه السلام من سلالة من طین فکان مبدؤه الطین فی الخلق الأول ثم قدرنا مبدء خلقته من نطفة فی قرار مکین فعدل تعالی شأنه عن التعبیر بالخلقة إلی التعبیر بالجعل باعتبار أن المقصود منه التقدیر و التعبیر المناسب له هو الجعل لا الخلقة.
و أما وجه التعبیر کلمة ثم فی الفقرة الأولی و الأخیرة فواضح و إنما الشأن فی وجه التعبیر بها فی الفقرة الثانیة مع أنها فی الظاهر مثل الفقرات التالیة لها.
فأقول: لعل وجه التعبیر فیها بثم دون الفقرات التالیة أن ترتب الفقرات التالیة کل تالیة منها علی سابقتها واضح و کل صورة سابقة منها ینتظر منها تالیها لأن کل مرتبة منها مستعدة للمرتبة التالیة فناسب التعبیر عن ترتبها بالفاء و أما ترتب العلقة علی النطفة فلا تکون کذلک لأن النطفة بالنسبة إلی صورة العقلیة و سائر الصور بمنزلة الهیولی التی لم تتصور بصورة نوعیة و إنما لها صلاحیة التصور بالصور فقط فلا تکون مستعدة للصور کاستعداد الصور التالیة بعضها لبعض و الحاصل أن مبدء ظهور نشوء الإنسان إنما هو من العلقة و أما فی مرحلة النطفة فلا یظهر أنه مبدء نشوء إنسان و لعله من هذا الوجه جعل تعالی شأنه مبدء الإنسان العلقة فی سورة" اقرء" فقال عز من قائل خَلَقَ الْإِنْسٰانَ مِنْ عَلَقٍ فناسب التعبیر حینئذ بثم لعدم انتظار صورة العقلیة من النطفة کانتظار صورة المضغیة من العلقة.
و أما وجه التعبیر بصیغة الجمع فیظهر بتقدیم مقدمة و هی أن الخلقة علی قسمین خلق إنشاء و خلق تصویر و ترکیب.
و القسم الأول یختص بالباری تعالی شأنه فإنه منشئ الأشیاء لا من شی‌ء و القسم الثانی یشترک فیه الخالق و المخلوق قال تعالی شأنه حکایة عن عیسی (علیه السلام) وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّینِ کَهَیْئَةِ الطَّیْرِ و لما اجتمع فی خلق الإنسان القسمان عبر تعالی شأنه بالخالق بصیغة الجمع تنبیها علی أن خلق تصویر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 160
الإنسان بالصور المتطورة فی قرار مکین و خلق الإنشاء المتعلق بنفخ الروح فی جسده بعد تمام تصویره من صنع الحق لا یقدر غیره علیه فَتَبٰارَکَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِینَ.
و أما وجه دلالة الآیة الکریمة علی أن الإنسان مدبر مصنوع و کل صورة منها یشهد بأن لها خالقا منزها عنها و لم یکن وجوده بالطبیعة فمن وجوه:.
الأول: أنه لو کان الإنسان موجودا بالطبیعة لاستمر تکوینه من سلالة من طین و لم یتغیر مبدؤه إلی النطفة لأن ما کان طبیعیا یدوم و لا یعقل فیه الزوال و التبدل إلی غیره فتغییر التقدیر و الجعل فیه کاشف قطعی عن وجود خالق مقدر للإنسان خلقه أولا من سلالة من طین ثم قدر مبدء تکوینه من نطفة فی قرار مکین.
و الثانی: أن الطبیعی إن أراد من أن تکون الإنسان من النطفة بالطبیعة أن قبول النطفة للصور المختلفة التی تتطور بها إلی أن یکمل خلق الإنسان طبیعی أی جرت عادة الطبیعة به فهذا المعنی فی الجملة مسلم و لکن مجرد وجود المادة القابلة لا یکفی فی إفاضة الصور أ تری أن وجود التراب یکفی فی صیرورته خزفا و آجرا و هکذا و مجرد وجود الخشب یکفی فی تصوره بصورة السریر و الشباک و هکذا و مجرد وجود الخبر یکفی فی تحقق الکتابة و نقوشها البدیعة و هکذا کلا ثم کلا فإفاضة الصور علی المواد القابلة یدل دلالة واضحة قطعیة علی وجود مصور صورها بهذه الأطوار و إن لها خالقا خلقها علی هذه الصور البدیعة و إن أراد أن النطفة فیها مثلا قوتان قابلة و فاعلة فبطلانه أظهر لأن کل مرتبة سابقة أدون و أضعف و أمهن من المرتبة التالیة و لا یعقل أن یکون الضعیف معطیا کمال نفسه فتبدل کل مرتبة منها من حضیض نقص إلی ذروة کمال دلیل علی أن کمالها من کامل مکمل لها و مدبر دبر أمرها حسب مشیته و إرادته.
و الثالث: أن لبس کل صورة منها إنما هو بعد خلع أخری فهذه الطبیعة الثابتة فی النطفة بزعم الطبیعی تتبدل بتطور کل صورة إلی طبیعة أخری فالصور و الطبائع المتجددة من قبیل المعدات لا یثبت شی‌ء منها إلا بعد زوال الأخری فلا یعقل أن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 161
تکون موجدة للصور أ تری أن الأقدام المتتابعة التی لا یثبت التالی منها إلا بزوال المقدم منها یکون بعضها موجدا لبعض آخر کلا ثم کلا ضرورة أن الفعل یتوقف علی وجود فاعله فلا یعقل توقف ثبوته علی انعدام فاعله فلا تکون الصور المرتبة إلا من قبیل المعدات و یکون الکل کاشفا عن فاعل موجد لها و صانع صنعها أتقن صنعة و مصور صورها أحسن تصویر.
و الرابع: أن طبیعة المنویة مثلا لو کانت موجدة للصورة العقلیة مثلا لما جاز خلعها منها أبدا و لاستمر علیها إذ لا یعقل انتفاء وجود العلة من قبل وجود معلولها ضرورة أن العلة و المعلول متناسبان متلازمان فلا یعقل أن یوجب المعلول انتفاء علته و صیرورته علة لحدوث طبیعة منافرة له موجبة لانقلابه إلی طور آخر فاختلاف الصور و الأطوار کاشف قطعی عن عدم علیة صورة منع لصورة أخری و إن الکل إنما یکون من آثار تدبیر المدبر الذی دبرها بمشیته.
و الخامس: أنه لو کانت النطفة علة لارتقائها عن حضیض النقص إلی أوج الکمال تدریجا حتی صار حیا سویا و کان ذلک بالطبیعة الذاتیة کما یزعمه الطبیعی لکان أبدا فی العروج إلی الکمال حتی یصل إلی أعلی مرتبته و یثبت و یدوم علیها و لاستحال علیه الموت و العود إلی النقصان و الضعف بالشیب و غیره فعوده إلی النکس و الضعف بعد الصعود علی أوج الکمال دلیل علی أن شروعها فی الارتقاء من حضیض النقص إلی أوج الکمال إنما یکون بمشیة خالقها تعالی شأنه و إن الطبائع المتجددة فیه طبائع مودعة أودعها فیه باریها تعالی شأنه حسب تدبیره و مشیته.
و السادس: أن نفخ الروح فیه الذی هو خلق آخر أنشأه باریة تعالی شأنه لا یرتبط بوجه من الوجوه بمبدء تکوینه فکیف یعقل استناده إلی النطفة القذرة المهینة.
و هذه الوجوه کلها ضروریة تشهد بها کل فطرة سلیمة غیر سقیمة فتبا للطبیعی کیف یتوهم البراهین الساطعة مصادرة و لا یتدبر فیها حتی یتضح له الحق کمال الاتضاح فهل بیان أبین من بیان الباری تعالی شأنه نعوذ بالله تعالی من الغوایة و العمی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 162
وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللّٰهُ لَهُ نُوراً فَمٰا لَهُ مِنْ نُورٍ و الحمد لله الذی هدانا إلی توحیده و تصدیق رسله و سفرائه علیهم السلام وَ مٰا کُنّٰا لِنَهْتَدِیَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ ثم إن عروج الإنسان فی أطوار خلقته إلی مرتبة قال تعالی شأنه عقیب کمال خلقته فَتَبٰارَکَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِینَ دلیل علی أنه مخلوق لغرض مهم و أمر خطیر فلو لم یکن له بعث و لا نشور بعد موته حتی یثاب علی طاعته و یعاقب علی معصیته مع کونه مختارا فی دار الدنیا فی الطاعة و العصیان لکان خلقه علی هذا الوجه من الکمال لغوا عبثا تعالی الله عن ذلک علوا کبیرا.
و قد أشار إلی ذلک جل ذکره بقوله عز من قائل ثُمَّ إِنَّکُمْ یَوْمَ الْقِیٰامَةِ تُبْعَثُونَ.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 163‌

(فائدة 26) [بحث منطقی فی علم النظری و البدیهی]

سؤال: قد حصر العلماء سبیل التصدیق بالمجهولات النظریة لغیر الأنبیاء و الأئمة المعصومین سلام الله علیهم أجمعین فی انتهائها إلی المعلومات البدیهیة التی لا یتطرق الخطأ فیها و قد بینوا طریق انتهاء النظریات إلی الضروریات فی علم المنطق و حصروها فی الأشکال الأربعة المعروفة و ذکروا أن الضروری منها إنما هو الشکل الأول و سائر الأشکال إنما تنتج بسبب رجوعها إلیه و فیما ذکروه إشکال من وجهین.
الأول: ما ذکره الأسترآبادی من أن علم المنطق إنما یتکفل ما یتمیز به بالنظر الصحیح من سقیمه من حیث ترتیب الأشکال و هیئته و أما الخطأ فی المادة فلم یتکفل له قانون یتمیز به صحیح النظر من خطاه فیها فلا یحصل حینئذ من صحة ترتیب الأشکال العلم بصحة النتیجة مع عدم السبیل إلی تشخیص المواد الصحیحة من غیرها.
و الثانی: ما ذکره أبو سعید الخیر من أن الاستدلال بالشکل الأول الراجع إلیه سائر الأشکال دوری من جهة اشتراط کلیة الکبری فیه و العلم بالکلیة الکبری فرع العلم بالنتیجة التی هی من جزئیاتها ضرورة عدم العلم بکلیة ما لم یعلم جزئیاتها و ما ذکره الشیخ الرئیس فی دفعه من أن العلم بکلیة الکبری یتوقف علی العلم بالنتیجة إجمالا و العلم بالنتیجة تفصیلا متوقف علی العلم بکلیة الکبری التی هی إحدی المقدمتین فیختلف طرفا التوقف فیندفع الدور لا محصل له لأن التفصیل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 164
لا یحصل من الإجمال إلا بعد زواله و رجوعه إلی التفصیل فینحصر طریق العلم بالمجهولات النظریة فی الکشف و الشهود الذی ادعته الصوفیة قال شاعرهم:
پای استدلالیان چوبین بود پای چوبین سخت بی تمکین بود
بینوا لنا ما ینحل به الإشکال عن الإشکال تؤجروا.
أقول: بعون الله تعالی و مشیته الجواب عن الإشکالین فی غایة الوضوح.
أما عن الأول: فبأن علم المنطق کما یتکفل میزان الخطأ فی النظر من حیث ترتیب الأشکال کذلک یتکفل میزان الخطأ فی المواد إذ قد بین فیه أن المقدمتین الصغری و الکبری لا بد أن تکونا ضروریتین أو منتهیتین إلیهما و أن الضروریات تنحصر فی ست الأولیات و المشاهدات و التجربیات و الحدسیات و المتواترات و الفطریات و بهذا البیان یحصل التحرز عن الخطأ فی المواد بالضرورة مع رعایتها و إنما اشتبه الأمر علی الأسترآبادی.
و أما عن الثانی فبأن العلم بکلیة الکبری لا یتوقف علی العلم بالنتیجة أصلا لا إجمالا و لا تفصیلا و إنما یتوقف علی العلم بالملازمة بین الوسط و المحمول الناشئة من کون الوسط علة للمحمول أو معلولا عنه أو اشتراکهما فی العلة و لذا انحصر الدلیل فی الإنی و اللمی و من المعلوم أن العلم بالملازمة لا یتوقف علی العلم بالنتیجة بأحد الوجهین مثلا إذا علمت بأن الفقر سبب لاستحقاق الزکاة و العلم بالأحکام الشرعیة من أدلتها التفصیلیة سبب للمرجعیة و جواز التقلید تحکم بأن کل فقیر یستحق الزکاة و کل فقیه ینفذ حکمه و یجوز تقلیده سواء علمت بوجود فقیر و فقیه إجمالا أو تفصیلا أم لم تعلم به کذلک بل مع العلم بعدمه فی الدنیا فعلا تحکم بالقضیة الکلیة.
و لا یتوقف صدق القضیة الکلیة علی وجود أفرادها فی الخارج و یسمی القضیة حینئذ بالحقیقة و أبو سعید زعم أن العلم بالقضیة الکلیة إنما یحصل من استقراء جزئیاتها و أفرادها و هو خطأ منه بل استقراء الجزئیات لا یکفی فی الحکم بالقضیة الکلیة العامة للأفراد الموجودة و لما لم توجد بعد مع قطع النظر عن العلم بالملازمة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 165
نعم قد حصل العلم بالملازمة من قبل استقراء أکثر الأفراد بل کثیر منها مثل إنا إذا رجعنا إلی استعمالات أهل اللسان و رأینا کلمات متعددة واقعة فی الترکیب علی وجه الفاعلیة مرفوعة فی لسانهم بحیث علمنا عدم اختصاصه بکلمات معدودة نعلم من استقراء هذه الموارد أن استعمال اللفظ علی وجه الفاعلیة عندهم سبب لاستحقاق الرفع و نحکم بأن کل فاعل مرفوع.
فتبین بما بیناه غایة التبین أنه لا حاجة لنا فی دفع الدور إلی ما ذکره الشیخ الرئیس بل لا محصل لما ذکره إلا أن یرجع إلی ما بیناه بتقریب أن یقال العلم بکلیة الکبری علی وجه الحقیقة «1» متفرع علی العلم بالجزئیات إجمالا بمعنی أن معنی القضیة الحقیقیة یرجع إلی أن کل ما لو وجد فی الخارج متصفا بالوسط فهو متصف بالمحمول لا محالة فالجزئیات معلومة حینئذ علی وجه الإجمال بهذا المعنی.
و کیف کان فقد ظهر لک بما بیناه أن مرجع الشکل الأول إلی الاستدلال بوجود العلة علی ثبوت المعلول أو العکس أو بأحد معلولی علة واحدة علی الآخر و حجیته ذاتیة عقلیة و هو مسلک العقلاء فی استکشاف المجهولات بالنظر و لا دلیل سواه فإن ما بالغیر لا بد أن ینتهی إلی ما بالذات فالمطالب المجهولة لا یحصل العلم بها إلا بانتهائها إلی الأمور المعلومة بالذات و هی الضروریات و طریق الانتهاء إلیها لیس إلا بأحد الأشکال الأربعة فما توهمه أبو سعید فی غایة السخافة فإنه غفلة عن أوائل البدیهیات و اعتراض علی العقل و العقلاء حتی علی نفسه حیث استدل علی بطلان الشکل الأول بطریق الاستدلال المرکب من صغری و کبری فإن محصل کلامه أن الاستدلال بالشکل الأول مستلزم للدور المحال و کل مستلزم للمحال باطل فالاستدلال بالشکل الأول باطل بل اعتراض علی الله تعالی شأنه و علی أنبیائه و سفرائه علیهم السلام من حیث لا یشعر حیث إن الکتاب المجید مشحون بالاستدلال
______________________________
(1) و التحقیق أن العلم بکلیة الکبری حینئذ ملازم للعلم بالجزئیات متفرع علیه (منه).
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 166
بالحجج و البراهین کما أن مسلک الأنبیاء علیهم السلام فی مقام إرشاد الأمم و هدایتهم إلی حقائق الدین الحنیف لیس إلا الاستدلال بالحجج و البراهین الساطعة.
فإن قلت: لو تم طریق الاستدلال کما ذکرت لزم أن لا یختلف العقلاء فی المسائل النظریة مع أنه ما من مسألة نظریة إلا و قد اختلف أنظارهم فیه و کل منهم یتمسک بقیاس برهانی فی نظره فمنهم من قال بحدوث العالم و تمسک بما اشتهر من القیاس و هو أن" العالم متغیر و کل متغیر حادث فالعالم حادث" و منهم من قال بقدمه و تمسک بقیاس آخر و هو أن العالم مستغن عن المؤثر و کل مستغن عن المؤثر قدیم" فالعالم قدیم.
قلت: اختلافهم فی الأنظار لیس من جهة عدم تمامیة میزان القیاس بل من جهة عدم مراعاة المخطئ منهم المیزان فإن القائل بالقدم لم یراع المیزان فجعل صغری قیاسه عین مدعاه الذی هو مجهول و لذا یکون قیاسه باطلا و النتیجة فاسدة و قد عرفوا المنطق بأنه" آلة قانونیة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ فی الفکر".
ثم إن ما ادعته الصوفیة من الکشف و الشهود لا دلیل علی اعتباره فی حد نفسه عقلا و لا شرعا إذا الکشف و الشهود المدعی کما یمکن أن یکون من قبل الرحمن کذلک یمکن أن یکون من قبل الشیطان فإن للشیاطین وحیا و شهودا قال عز من قال:" إِنَّ الشَّیٰاطِینَ لَیُوحُونَ إِلیٰ أَوْلِیٰائِهِمْ" علی أن المدعین للکشف و الشهود یختلفون غایة الاختلاف و أکثرهم من العامة العمیاء أتباع أئمة الضلال فلا یکون تمام مکاشفاتهم حقا للمناقضة فلا بد من میزان یوزن به مکاشفاتهم لتمییز صحیحها عن باطلها و لا میزان فی البین إلا طریق الاستدلال فتوازن بما ثبت فی الشرع بالدلیل فما وافقه الدلیل فهو صحیح و إلا فباطل فالمکاشفة لا تتم إلا بالدلیل فحینئذ ینبغی أن یقال فی جواب شاعرهم.
پای استدلالیان زرین بود پای زرین سخت با تمکین بود
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 167
پای استکشافیان چوبین بود پای چوبین سخت بی تمکین بود
و العجب أن أبا سعید مع أنه من أهل الکشف و الشهود خفی علیه أمر الشکل الأول الذی هو مدار استدلال جمیع العقلاء فزعم أنه دوری و لم یهده کشفه و شهوده إلی ما هو الصواب فیه مع وضوحه و ظهوره فإذا کان حکم الکشف فی هذه المسألة التی هی ضروریة خطأ فکیف یطمئن بحکمه فی النظریات.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 168‌

(فائدة 27) [بحث فی الخلل]

قال المحقق قدس سره فی الشرائع فی مبحث الخلل: الثانی أی ما یتدارک من غیر سجود:" من نسی قراءة الحمد حتی قرء سورة استأنف الحمد و سورة و کذا لو نسی الرکوع و ذکر قبل أن یسجد قام فرکع".
و فی الجواهر" و المراد بالقیام فی المتن و غیره الانتصاب لکن قیده بعضهم بما إذا حصل النسیان حاله فهوی إلی السجود فإنه یجب حینئذ أن یرکع محافظة علی الهوی للرکوع إذ ذلک کان للسجود فلا یکتفی به أما إذا حصل النسیان بعد الوصول إلی حد الراکع فلا یقوم منتصبا بل یقوم منحنیا إلی حد الراکع و المراد علی الظاهر أنه وصل إلی حد بحیث لو تجاوزه صدق علیه اسم الراکع لا أنه وصل إلی حد الراکع حقیقة إذ لا یتصور حینئذ نسیان الرکوع بل هو نسیان الرفع و الطمأنینة مثلا و لعل ما ذکره المصنف و غیره من وجوب القیام و الرکوع بعده مطلقا أولا محافظته علی القیام الذی یکون عنه الرکوع.
و أما الانحناء الأول فهو و إن کان للرکوع إلا أنه لم یتحقق معه مسمی الرکوع فلا یکتفی به، اللهم إلا أن یقال إن القیام کاف و ما وقع فی الأثناء إنما وقع سهوا فلا تکون قادحا بل هو بمنزلة ما لم یقع فیحصل القیام المتصل بالرکوع و إن قام منحنیا و هو لا یخلو من نظر و تأمل" انتهی.
و التحقیق أنه یجب القیام منتصبا مطلقا لأن الرکوع لا یتحقق إلا عن قیام لأنه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 169
لغة عبارة عن الانتقال من مرتبة علیا إلی دنیا قال الشاعر:
لا تهین الفقیر لعلک أن ترکع یوما و الدهر قد رفعه
و الشارع إنما تصرف فیه بقصره علی مصداق مخصوص منه لا أنه أخرجه عن معناه اللغوی أصلا و ما ذکره بعض من أنه یصدق الراکع عرفا علی من کان منحنیا سواء انحنی عن قیام أو نهض عن قعود فی غیر محله لأن العرف إنما یراه رکوعا بالنسبة إلی حال القیام و أما بالنسبة إلی حال القعود فیراه نوعا من القیام فلا یتحقق الرکوع لغة و شرعا إلا عن قیام و القیام السابق قد زال بتبدله بالقعود المقابل له فلا یعقل الاکتفاء به فی تحقق الرکوع عنه و لا یتفاوت ذلک بالعمد و السهو إذ لا یعقل بقاء القیام المتخلل بالقعود المضاد له سهوا حتی یتحقق الرکوع عنه.
فإن قلت: القیام المتصل بالرکوع من جملة أرکان الصلاة و قد تحقق فی هذه الصورة فلو قام ثم رکع لزم زیادة القیام المتصل بالرکوع فتبطل الصلاة حینئذ.
قلت: أولا أن القیام المتصل بالرکوع لم یتحقق فی هذه الصورة علی ما ذکره صاحب الجواهر (قدس سره) من أن المراد الوصول إلی حد لو تجاوز عنه لوصل حد الراکع.
و ثانیا لو وصل حد الرکوع و لم یستقر فی الجملة بحیث یتمیز عن الهوی للسجود لم یتحقق القیام المتصل بالرکوع أیضا لعدم تحقق الرکوع حینئذ إذ یتقوم صدق الرکوع باستقرار و طمأنینة فی الجملة.
و ثالثا أنه لم یدل دلیل علی کونه رکنا مستقلا فی الصلاة و إنما حکموا ببطلان الصلاة بزیادته و نقصه من حیث إن زیادته و نقصه یدوران مدار زیادة الرکوع و نقصه کما صرح به الشهید الثانی (قدس سره) فی الروضة فقال:" و أما القیام فهو رکن فی الجملة إجماعا علی ما نقله العلامة (رحمه الله) و لولاه لأمکن القدح فی رکنیته لأن زیادته و نقصانه لا یبطلان إلا مع اقترانه بالرکوع و معه یستغنی عن القیام لأن الرکوع کاف فی البطلان و حینئذ فالرکن منه أما ما اتصل بالرکوع و یکون إسناد الإبطال
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 170
إلیه لسبب کونه أحد المعرفین له" انتهی ما أردناه.
و رابعا لو سلمنا ذلک لزم الحکم ببطلان الصلاة فی هذه الصورة لا الحکم برجوعه منحنیا إذ مع رجوعه منحنیا لا یتحقق الرکوع و مع قیامه منتصبا یلزم زیادة الرکن فی الصلاة حینئذ فتبطل الصلاة فالتفصیل علی کل حال باطل.
و الصواب أنه یجب القیام منتصبا حینئذ لعدم تحقق الرکوع إلا عنه و عدم قدح زیادة الانحناء عن القیام مع عدم الاتصال بالرکوع بحیث لا یزید معه الرکوع فتقیید إطلاق المتن و غیره من عبارات الأصحاب (قدس سرهم) بما إذا حصل النسیان حال القیام فی غیر محله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 171‌

(فائدة 28) [فی انعقاد الجمعتان فی أقل من فرسخ]

قال الشهید الثانی (قدس سره) فی الروضة فی ذیل قول المصنف (رحمه الله):" و لا ینعقد الجمعتان فی أقل من فرسخ و لو وصلوا أزید من جمعة فیما دون الفرسخ صحت السابقة خاصة و یعید اللاحقة ظهرا و کذا المشتبهة مع العلم به فی الجملة أما لو اشتبه السبق و الاقتران وجب إعادة الجمعة مع بقاء وقتها خاصة علی الأصح مجتمعین أو متفرقین بالمعتبر و الظهر مع خروجه".
و قال فی الشرائع:" فإن اتفقتا بطلتا و إن سبقت إحداهما و لو بتکبیرة الإحرام بطلت المتأخرة و لو لم تتحقق السابقة أعادا ظهرا" أقول و فی الجمیع نظر فإن مقتضی القواعد عدم الإعادة ظهرا و لا جمعة إلا فی مورد العلم بالمتأخرة لأن تقارن الجمعتین فی أقل من فرسخ مانع عن صحتهما کما أن تأخر إحداهما عن الأخری مانع عن صحة المتأخرة فعند اشتباه السبق و الاقتران أو العلم بسبق إحداهما و اشتباه السابقة باللاحقة لا یعلم کل من الطائفتین بفساد صلاتهم و وجود المانع فیها فیحکمون بصحة صلاتهم فی مرحلة الظاهر أخذا بمقتضی الصحة المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل.
فإن قلت: کل من الطائفتین یعلمون إجمالا إما ببطلان الجمعتین أو إحداهما فی الصورة الأولی و ببطلان إحداهما فی الصورة الثانیة و مقتضی تنجز العلم الإجمالی عدم الاکتفاء بکل منهما فی مرحلة الامتثال.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 172
قلت: لا أثر للعلم الإجمالی فی المقام لخروج أحد طرفیه عن محل الابتلاء فإن علم کل من الطائفتین إما تبطلان صلاتهم أو صلاة الطائفة الأخری لا یوجب اشتغال ذمة کل منهما بشی‌ء لأن بطلان صلاة أحد الفریقین لا یوجب تکلیفا فی حق الفریق الآخر فیحکم بصحة کل من الصلاتین فی الظاهر ألا تری أنهم یحکمون بعدم وجوب الغسل علی واجدی المنی فی الثوب المشترک مع علم کل منهما بجنابة أحدهما فإن قلت: نعم لا أثر للعلم الإجمالی فی المقام لما ذکرت و لکن مجرد الشک فی صحة الصلاة کاف فی الحکم بالبطلان لعدم العلم بالحالة السابقة فی کل منها الطهارة فتستصحب.
قلت: قد بینا فی الفائدة الأولی أن الأصل إنما هو الأخذ بالمقتضی المعلوم مع الشک فی وجود المانع سواء علم بالحالة السابقة أم لا و لا اعتبار للحالة السابقة أصلا لا منفردة عن المقتضی و لا مجتمعة معه.
فإن قلت نمنع کون التقارن أو التأخر مانعا بل نقول: إن تقدم إحدی الجمعتین علی الأخری شرط لصحة المتقدمة فما لم یحرز التقدم فی إحداهما بعینها یحکم ببطلانهما.
قلت: من الواضح أن التقدم لیس شرطا و إلا لزم الحکم ببطلان صلاة الجمعة إذا لم تجتمع مع جمعة أخری لعدم التقدم حینئذ.
لا یقال: التقدم شرط فی مورد اجتماعها مع جمعة أخری.
لأنا نقول: مرجع ذلک إلی مانعیة التقارن و التأخر مع أن مضمون النص إنما هو النهی عن الجمع بین جمعتین فی أقل من فرسخ و هو صریح أو کالصریح فی کون الاجتماع مانعا لا فی کون التقدم معتبرا.
ثم إنا لو تنزلنا عما بیناه و حکمنا ببطلان الجمعتین فی الصورتین لعدم إحراز المتقدمة منهما لزم الحکم بإعادة الجمعة فی الصورتین مع بقاء الوقت إذ المفروض
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 173
أن الجمعة وجبت علی الفریقین و بطلت صلاة کل منهما فی الظاهر فیجب علیهما الاجتماع فی جمعة واحدة أو بالتفریق علی الوجه المعتبر فلا وجه للحکم بإعادتهما ظهرا مطلقا کما حکم به المحقق قدس سره و لا للتفصیل بین صورة العلم بسبق إحداهما و اشتباهه باللاحقة و اشتباه السبق و الاقتران کما حکم به الشهید الثانی قدس سره.
لا یقال: فی صورة العلم بسبق إحداهما و اشتباهه باللاحقة نعلم بوقوع جمعة صحیحة فلا مجال لإیقاع جمعة أخری.
لأنا نقول: وقوع جمعة صحیحة من إحداهما لا بعینهما لا یکفی فی فراغ ذمة کل منهما و لا إحداهما من الأمر بصلاة الجمعة فیجب علیهما أن یعیدا الجمعة تحصیلا لفراغ ذمتهما عما علم اشتغالها به غایة ما یمکن أن یقال: إنه یجب علیهما الاحتیاط بالإتیان بالجمعة بالتفریق علی الوجه المعتبر و عدم اجتماعهما فی جمعة واحدة لئلا یجتمع فی جمعة واحدة من کان مأمورا بها واقعا و من سقطت عنه کذلک لتحققها منه صحیحة و أحوط منه أن یقیم الجمعة کل من الفریقین علی رأس فرسخ الذی صلوا فیه مع حفظ مسافة الفرسخ بین الجمعتین المتجددتین فإن لم یمکنهما ذلک أعادا ظهرا لا أن وظیفتهما ابتداء أن یعیدا ظهرا
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 174‌

(فائدة 29) [فی القیاس المعروف فی المنطق]

قد اشتهر القیاس المعروف و هو قولهم العالم متغیر و کل متغیر حادث فالعالم حادث.
و هنا سؤال و هو أنه ما المراد من التغیر فإن کان المراد منه اختلاف الأحوال و تبدلها فهو دلیل علی حدوث الأحوال لا علی حدوث ذیها لجواز حدوث الأحوال الطاریة مع قدم ذیها و إن کان المراد منه أمر آخر فمن علینا ببیانه مع وجه دلالته علی الحدوث بینوا تؤجروا.
فأقول: بعون الله تعالی و مشیته التغیر من باب التفعل و مفاده مطاوعة التفعیل کما یشهد به موارد الاستعمالات و صرح به أهل العربیة فمعنی التغیر مطاوعة التغیر و هو علی قسمین حسی و تحلیلی و ینقسم کل منهما إلی قسمین أیضا.
أما الحسی فأحد قسمیه عبارة عن ترکب کل جسم من الأجسام جمادها و نباتها و حیوانها من أجزاء متغایرة فکل جزء منها متغیر عما هو علیه من عدم الترکب و الانضمام.
و ثانیهما عبارة عن اختلاف الأحوال الطاریة فکل واحد منها متغیر عن حال إلی حال.
و أما التحلیلی فأحد قسمیه عبارة عن ترکب کل موجود من موجودات العالم مجردها و مادیها من الوجود و الماهیة فکل ممکن زوج ترکیبی کما أن کل زوج
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 175
ترکیبی ممکن فکل من الوجود و الماهیة متغیر عما هو علیه من عدم ترکبه مع الآخر و ثانیهما عبارة عن ترکب کل ماهیة و حقیقة نوعیة من جنس و فصل فکل منهما متغیر عما هو علیه من عدم ترکبه مع صاحبه.
توضیح الحال أنه لا شبهة فی أن التغیر فی القسمین الأولین حسی ضروری ضرورة أن ترکب کل جسم من الأجسام من أجزاء متعددة أمر محسوس و سبق الترکیب بالعدم أیضا ضروری قریب إلی الحس لقبوله الزوال و الانحلال کما أن تبدل حالات الأجسام بعضها إلی بعض أمر محسوس مشهود فهذان القسمان من التغیر حسیان لا یحتاج إثباتهما إلی مقدمة و ترتیب قیاس.
و أما التغیر التحلیلی فهو و إن لم یکن محسوسا ابتداء من جهة أن الجزأین التحلیلین متحدان لا یتمایز أحدهما عن الآخر فی الخارج و لا یکون کل منهما موردا للإشارة الحسیة إلا أنه ینکشف عند العقل بواسطة انتهائه إلی الحس فإن اختلاف کل موجود من موجودات العالم و مغایرته مع الآخر مع اشتراکها فی الوجود و الخروج عن کتم العدم أمر محسوس و لیس ذلک إلا باعتبار جهة أخری غیر الوجود ضرورة استحالة حصول الاختلاف من قبل القدر الجامع و الجهة المشترکة و لا تکون تلک الجهة إلا الماهیة و الحقیقة النوعیة من الشجریة و الإنسانیة و الفرسیة و البقریة و هکذا.
فکل موجود من موجودات العالم زوج ترکیبی مشتمل علی إنیة و مائیة و إلا لم یعقل اختلافها و هکذا الأمر فی انحلال الحقیقة النوعیة إلی جنس و فصل فإنه مستنبط من الاختلاف الحسی الثابت فی أنواع الموجودات مع اتحادها فی الجنس و اشتراکها فیه فإن الأنواع المندرجة تحت الحیوان من الإنسان و الفرس و البقر و الغنم و الحمار و هکذا لها اتحاد سوی اتحادها مع الأشجار و النباتات و الجمادات و لیس ذلک إلا باعتبار اشتراکها فی الجنس القریب و مع ذلک یتمیز بعضها عن بعض و تکون أنواعا متقابلة و لیس ذلک إلا باعتبار المائز الذاتی المعبر عنه بالفصل فکل حقیقة نوعیة تنحل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 176
إلی جامع و مائز ذاتیین فکل من قسمی التغیر التحلیلی راجع إلی التغیر الحسی و مأخوذ منه.
إذا اتضح لک ما حققناه فاعلم أن کل قسم من الأقسام الأربعة دلیل علی الحدوث و الافتقار أما التغیر الحسی الأحوالی فلأن الانتقال عن حال إلی حال لا یکون إلا مع حدوث الأحوال و عدم وجوبها ضرورة أن الزوال و التجدد لا یجامع الوجوب و القدم مع أن الأحوال عوارض لذیها و تابعة لمعروضاتها فلا یتعقل الوجوب و الاستغناء فیها مع قطع النظر عن تطرق التغیر فیها و حدوث الأحوال لا ینفک عن حدوث ذیها فإن المشتمل علی الأحوال المتبادلة و ما یتطرق فیه الأعراض لا ینفک وجوده عن حال من الأحوال و عرض من الأعراض ضرورة أنه مع قطع النظر عنها یکون منهما و الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد کما أنه ما لم یوجد لم یتشخص فلا یعقل وجوب وجود الشی‌ء مع حدوث أحواله التی لا یعقل وجوده إلا معها و بها و لا فرق فی ذلک من دلالة تغیر الأحوال علی حدوث المتغیر بها و افتقاره بین الانتقال عن الضعف إلی الکمال و بالعکس نعم الانتقال عن الکمال إلی الضعف أظهر دلالة علی افتقار المتغیر و تطرق الزوال فیه و بطلان الأزلیة و تنزله عن مقام الوجوب و القدم.
و من هنا استدل خلیل الرحمن صلی الله علی نبینا و آله کما صلی الله علیه و آله فی مقام الاحتجاج علی حدوث الکواکب و تنزلها عن مقام الربوبیة بأفولها و غروبها الذی هو نقص فیها و إلا فالطلوع و الظهور کالأفول و الغروب فی الدلالة علی الحدوث و الإمکان کما أن الترقی عن مرتبة النقص إلی درجة الکمال الذی هو وجود جدید أقوی دلالة علی وجود المدبر و الصانع و لعله إلی هذا ینظر استدلال الباری جل شأنه فی کلامه المجید بالأطوار الست فی خلق الإنسان علی وجود المدبر و الصانع.
فإن کل طور من الأطوار خلق جدید و تصویر حادث و تدبیر آخر یدل علی وجود الصانع و المصور و المدبر فإن الضعیف و إن کان قابلا للبس الکمال إلا أنه لیس فاعلا له ضرورة أن القوة و الکمال لا یحصلان من قبل الضعف و النقصان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 177
فخلع مرتبة الضعف و الصعود علی درجة الکمال لیس إلا بتدبیر مدبر قادر علی إعطاء الکمال.
و ما توهمته الزنادقة من اقتضاء الطبیعة ذلک فإنما هی راجعة إلی القابلیة لا الفاعلیة ضرورة استحالة عطاء الکمال من الضعف مع أن المنویة و العقلیة و المضغیة و العظیمة مراتب إعدادیة لا یحصل طور منها إلا بعد زوال الطور الأول فلا یمکن أن یکون المرتبة السابقة علیة للاحقة و إلا لزم حصول المعلول من دون علة.
و مما بیناه ظهر الأمر فی التغیر الحسی الحاصل من ترکب الجسم من أجزاء متکاثرة فإن کل جزء منها فاقد للجزء الآخر فی حد نفسه و إلا لم یکن الترکب قابلا للانحلال و الزوال فقبوله الزوال و الانحلال دلیل علی حدوث الترکب و الانضمام و حدوثه لا ینفک عن حدوث نفس الأجزاء التی هی معروضة له و یتبادل علیها حال الترکب و عدمه کما تبین.
و منه یظهر الأمر فی التغیر التحلیلی بقسمیه فإن کلا من طرفی الترکیب التحلیلی فاقد للآخر فی حد ذاته کما هو ظاهر و حدوثه لا یجامع مع قدم الجزأین کما بیناه بل الأمر هنا أظهر فإن الجزء التحلیلی لا یکون شیئا مع قطع النظر عن الترکیب حتی یکون حادثا أو قدیما و یکون نسبته إلی الآخر علی وجه الوجوب أو الحدوث و إنما الحادث هو مجموع الجزأین ضرورة أن الوجود المحدود مع قطع النظر عن الماهیة مفهوم محض کما أن الماهیة مع قطع النظر عن الوجود کذلک فإن الوجود وجود الماهیة و الماهیة ماهیة الوجود و لا یعقل استقلال أحدهما مع انفکاکه عن الآخر کما أن الجنس مع قطع النظر عن الفصل و الفصل مع قطع النظر عن الجنس کذلک فالوجود لا یتم إلا بالماهیة و الماهیة لا تتم إلا بالجنس و الفصل بخلاف أجزاء المرکب الخارجی الحسی فإن وجودها لا یتقوم بالترکب و الانضمام و إن تقوم بأحد النقیضین من الاتصال أو الانفصال.
إذا انکشف لک ما حققناه ظهر لک أن القیاس المعروف یدل علی حدوث
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 178
العالم من وجوه أربعة دلالة إنیة کما یدل عی حدوثه من واجب غنی بالذات لا یتطرق فیه بأقسامه و أنحائه ضرورة أن ما بالغیر لا بد أن ینتهی إلی ما بالذات و لا حاجة لنا فی إثبات الصانع إلی إبطال الدور و التسلسل فهو تعالی شأنه أجل من أن یحیط به الأوهام و أن یکون له حد محدود و نعت موجود فصفاته تعالی لیست کصفات المخلوقین مغایرة للموصوف زائدة علی الذات بل عین الذات لا بمعنی العینیة الخارجیة المجامعة للمغایرة التحلیلیة و إلا عاد المحذور من تطرق التغییر الملازم للحدوث و عدم القدم بل بمعنی نفی الصفات عنه تعالی کما هو منصوص کلمات أهل العصمة سلام الله علیهم أجمعین فإثبات صفات الکمال له تعالی من العلم و القدرة و الحیاة کنایة عن سلب نقائضها و ترتب غایاتها من انکشاف الأشیاء علیه و تمکینها من إرادته تعالی من دون وساطة صفة قائمة بالذات فهو جل شأنه عالم قبل العلم بغیر علم و قادر قبل القدرة بغیر قدرة و لعله إلی هذا یشیر قول بعضهم:" خذ الغایات و اترک المبادی".
و منه ظهر أن صفاته تعالی لا تکون متغایرة متفاوتة و إلا لزم التغیر فی الذات الذی هو آیة الحدوث فعلمه تعالی عین قدرته و قدرته عین حیاته و حیاته عین سمعه و سمعه عین بصره، مرجعه إلی نفی الصفات عنه تعالی و إثبات الکمال له بذاته فلا یوجب نفی الصفات عنه تعالی التعطیل فی الذات کما زعمه بعض من لا بضاعة له بل نفی الصفات عنه تعالی بالمعنی الذی بیناه تنزیه عن أن یکون ناقصا بذاته مستکملا بصفاته.
و بما بیناه تبین أن وحدته تعالی لا تکون من قبیل الوحدة الجنسیة و النوعیة و الشخصیة و إلا لزم التغیر الملازم للحدوث و عدم القدم بل بمعنی آخر و هو تفرده تعالی عن الأشباه و النظائر فهو تعالی واحد لا بتأویل عدد و بالجملة کلما یوجد فی الخلق من الجوهر و الأعراض لا یوجد فی خالقه و إلا عاد الخالق مخلوقا و الصانع مصنوعا و هو تعالی خالق الجواهر و الأعراض و هو
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 179
منزه عن أن یکون جوهرا أو عرضا و بتجهیزه الجواهر عرف أن لا جوهر له و بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له و هو مذوت الذوات و محقق الحقائق فهو أرفع و أجل من أن یکون له حقیقة و ذات.
و ما ذکره بعض من أنه تعالی لم یجعل المشمشة مشمشة بل أوجدها إن أرید به أن المشمشة و سائر الحقائق أعیان ثابتة تظهر بالوجود فی الخارج فهو غلط فاحش ضرورة أن الحقائق و الماهیات حدود للوجود و تعینات له و لا یتصور ثبوتها قبل الوجود کما لا یتصور تحقق الوجود المحدود من دون حدوده و تعیناته بداهة أن الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد کما أن [أنه] ما لم یوجد لم یتشخص فهو تعالی ممشمش المشمشة مشمشة و إن أرید به أن الحقائق و الذوات لم تجعل بجعل تألیفی بل مجعولة بجعل بسیط فهو فی محله.
و کیف کان فقد تبین مما بیناه أن القیاس المعروف مثبت لحدوث العالم و مبین لأساس التوحید کله فهو مأخوذ من کلمات أهل بیت النبوة و أمناء الوحی و معادن التنزیل سلام الله علیهم أجمعین.
و لا بأس أن نذیل الکلام بنقل مناظرة وقعت بین بعض الطبیعیین و بعض علماء الإسلام و ملخص کلام الطبیعی أنه قد استقر رأینا علی أن للعالم أصلین قدیمین الذرات و حرکاتها و أن أول موجود برز إلی الوجود بواسطة الحرکات الموجبة لاجتماع الذرات و ترکبها کرة الشمس ثم تحرکت الکرة بحرکات کثیرة حتی انفصل منها شبه الزبد المنفصل من الحدید المحماة فی الکورة و هو کرة الأرض فحدث فیها أنواع المعادن و بذور النباتات و مواد الحیوانات بواسطة حرارتها إلی أن قال و الإنسان أحدث الحیوانات إذ لم نجد له مادة فی الطبقات السافلة و نظن أنه بالانتخاب الطبیعی مأخوذ من القردة و عین فی کل دور مبدء الحرکات و منتهاها بمدة طویلة.
و قد أبطل العالم المناظر رأیه السخیف بوجهین.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 180
الأول: أن تعیین المدة للحرکات الموجبة لاجتماع الذرات و تشکلها بشکل کرة الشمس مناقض للقول بقدم الذرات و حرکاتها إذ القدیم لا ینتهی إلی أمد فتحدید الحرکات مبدأ و منتهی کاشف عن حدوثها.
و الثانی: أن کل ذرة من الذرات لا بد من أن تکون متشکلة بشکل مخصوص إذ الجسم الموجود فی الخارج صغیرا کان أو کبیرا لا بد له من ذلک و لو کانت الذرات قدیمة لکانت الإشکال قدیمة فزوال الإشکال الأولیة و تشکلها بشکل کرة الشمس دلیل علی حدوثها و حدوث الذرات فأفحم الطبیعی.
أقول: یرد علیه مضافا إلی ما ذکره العالم المناظر وجوه أخر.
الأول: أن الحرکات دائما فی الزوال و التجدد فلا یتصور فیها القدم و الوجوب مع أنها محتاجة فی وجودها إلی محل تقوم به و لا یعقل مع الحاجة إلا الحدوث.
و الثانی: أن الحرکات الاضطراریة الطبیعیة القدیمة الثابتة للذرات بزعمه أما متماثلة أو متخالفة فإن کانت متخالفة لم یعقل اجتماعها علی کرة واحدة و هی کرة الشمس و إن کانت متماثلة لم یعقل تبدل بعضها بکرة أخری و هی کرة الأرض إلا بعد زوال الحرکات الأولیة و تجددها بحرکات أخری مناسبة للکرة الجدیدة و تجدد الحرکات الجدیدة و زوال الحرکات الأولیة دلیل علی حدوثها بل هو عین الحدوث.
و الثالث: أنه علی فرض تحدد حرکات جدیدة یلزم أن یتبدل تمام کرة الشمس إذ لا یعقل اجتماع حرکتین مختلفتین فی کرة واحدة یتعلق کل حرکة منهما ببعض منها و بالجملة فهذه التبدلات التی اعترف بها مناقض للقول بالقدم و اعترف بالحدوث من حیث لا یشعر.
ثم إن ما ذکره من أخذ الإنسان من القردة بالانتخاب الطبیعی مستحیل بالضرورة إذ لا یعقل الانتخاب من الطبیعة المضطرة التی لا شعور لها و لیت شعری أی داع دعاه إلی نسج هذه المخیلات الواهمیة و أی مانع منعه عن التدبر فی آیاته الواضحة المنیرة نعوذ بالله تعالی من الغوایة و العمی.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 181‌

(فائدة 30) [الطهارة الشرعیة ضربان]

اشارة

طهارة عن حدث و عن خبث و قد یتوهم أنها حقیقة شرعا أوفقها فی القسم الأول استنادا إلی تعریفهم الطهارة باستعمال طهور مشروط بالنیة و ما فی معناه و هو فی غیر محله لأن اقتصارهم علی تعریف الطهارة عن الحدث من جهة أنهم فی مقام بیان العبادات لأنهم إنما ابتدئوا بکتب العبادات فعرفوا الطهارة عن الحدث التی هی من العبادات و بحثوا عنها قصدا و بالذات و ذکروا الطهارة عن الخبث فی الکتاب تبعا و استطرادا، و کیف کان فالطهارة عن الخبث أمر عدمی و یکون تقابلهما من قبیل تقابل التناقض و لذا لا یتصور لهما ثالث و تکون مطابقة للأصل عند الشک و لو کانا وجودیین لتصور لهما ثالث و هو عدمهما و لکننا مخالفین للأصل.
فإن قلت: یمکن أن یکونا من قبیل الضدین اللذین لا ثالث لهما کالحرکة و السکون.
قلت: مرجع الضدین اللذین لا ثالث لهما إلی النقیضین.
و أما الطهارة عن الحدث فهی کالحدث أمر وجودی و یکون تقابلهما من قبیل تقابل التضاد و یدل علیه أمور.
الأول: تسببها من أسباب مخصوصة وجودیة کالحدث إذ لو کانت عدمیة لم ینحصر حصولها فی أسباب وجودیة و کفی فی انتزاعها عدم وجود سبب الحدث.
و الثانی: تقسیمها إلی صغری و کبری مستفادتین من الأخبار.
________________________________________
بهبهانی، سید علی، الفوائد العلیّة - القواعد الکلیّة، 2 جلد، کتابخانه دار العلم، اهواز - ایران، دوم، 1405 ه ق

الفوائد العلیة - القواعد الکلیة؛ ج‌1، ص: 182
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 182
و الثالث: التعبیر عنها فی الأخبار بالنور و عن الوضوء علی الوضوء بنور علی نور إذ لو کانت عدمیا لم یتصور لها مراتب شدة و ضعفا و لم یکن للتعبیر عنها بالنور و نور علی نور الکاشف عن کونها وجودیا مجال.
و الرابع: مخالفتها للأصل کالحدث ألا تری أن الشاک فی أنه متطهر أو مجنب مع عدم علمه بحالته السابقة لا یجوز له الدخول فی الصلاة إذ الأصل عدم الطهارة و یجوز له المکث فی المساجد و قراءة العزائم إذ الأصل عدم الجنابة.
لا یقال: الطهارة لها مفهوم واحد و هو إما وجودی و إما عدمی و لا یعقل أن یختلف باختلاف مقابلها وجودا و عدما.
لأنا نقول: أولا لا مانع من أن یکون للطهارة مفهوم واحد و هی النظافة و النزاهة مترتبة علی مراتب ینتزع بعضها من عدم القذارة کالطهارة عن الخبث و ینتزع بعضها من وجود جهة نوریة موجبة لرفع ما یقابلها کالطهارة عن الحدث.
و ثانیا لو سلمنا امتناعه و قلنا بأن الطهارة تتحقق بعدم القذارة حسیة کانت أو معنویة فلا ینافی ذلک مع اعتبار الشارع فی بعض منها مع التخلی عنها التحلی بأمر وجودی نوری مسبب عن سبب وجودی و ترتیب الآثار الشرعیة علیه کما أنه لا ینافی ملازمتها فی بعض الموارد لأمر وجودی ذاتا کما هو الشأن فی الطهارة عن الذنب و الخطأ و السهو و النسیان الملازمة لقوة قدسیة ملکوتیة و هی العصمة.
و إذ قد تبین لک ذلک فاعلم أن الطهارة عن الحدث هی الأثر المترتب علی الوضوء و الغسل و التیمم کما أن الطهارة عن الخبث هی زوال الخبث المترتب علی الغسل فتعریف الطهارة بالوضوء أو الغسل أو التیمم أو بما فی معناه إنما هو لأجل اتحادها معها اتحاد الأمر المنتزع مع منشأ انتزاعه فی مرحلة الحدوث.
و ما توهم من اشتراک الطهارة بین المسبب و السبب أو کونه حقیقة فی المسبب مجازا فی السبب أو العکس فی غیر محله ضرورة أن آثار الطهارة من الشرطیة الکمال إنما تدور مدار الأثر المترتب علی الأسباب المنتزع من حدوثها و إطلاقها علی الأسباب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 183
إنما هو لأجل اتحادها معها فی الخارج فلم تستعمل إلا فی معناها الأصلی غایة الأمر أنه قد أطلق المفهوم الأصلی علی منشأ انتزاعه من جهة صدقه علیه و اتحاده معه خارجا فلا یکون مجازا مرسلا من قبیل استعمال المسبب فی السبب کما توهم بل لا حقیقة لهذا التجوز و کل ما توهم من هذا القبیل فهو من هذا الباب و إلا فعدم صحة استعمال المسبب فی السبب و بالعکس مع عدم انتزاع المسبب من السبب وجودا أو حدوثا و عدم اتحادهما فی الخارج من الواضحات.
و إذا اتضح لک ما بیناه فاعلم أن الطهارة عن الحدث إنما تنتزع فی الشرع عن أفعال تعبدیة و هی الوضوء و الغسل و التیمم و مقدمتها للصلاة و غیرها من الغایات إباحة أو کمالا إنما هی باعتبار الطهارة المتحصلة منها و لذا تدور الآثار مدارها حدوثا و بقاء فما دامت باقیة و لم تنتقض بالحدث یترتب علیها الآثار و لو دارت الآثار مدار الأسباب حدوثا لزم ترتبها علیها مطلقا إذ الحدوث لا ینقلب إلی اللاحدوث و لا ینتقض بالحدث لعدم بقائه حتی ینتقض و لو دارت مدار وجودها لزم عدم ترتب أثر علیها مطلقا لأنها تنعدم بمجرد وجودها و لا بقاء له حتی یترتب علیه أثر فالشرط فی الحقیقة الطهارة لا أسبابها و الأمر التبعی الإیجابی أو الندبی الحاصل من طرف الغایات إنما یتعلق بالعمل التعبدی لأن المقدمة للطهارة عن الحدث التی هی مقدمة للصلاة إنما هو العمل التعبدی من الوضوء أو الغسل أو التیمم لا الغسلات و المسحات کیف اتفقت و لا یعقل أن یکون اعتبار التعبدیة فیها من قبل الأمر التبعی و إلا لزم الدور المحال ضرورة أن المعتبر فی الصلاة و غیرها من الغایات إنما هی الطهارة عن الحدث و هی لا تتحصل إلا من الغسلات و المسحات التعبدیة فالأمر التبعی متفرع علیها فلو جاءت التعبدیة من قبله لزم تأخر الموضوع عن المحمول مع أن الأمر التبعی توصلی دائما فلا یعقل تأثیره فی اعتبار التعبد.
و لا یتوهم أن الأمر التبعی الحاصل من قبل الأمر النفسی التعبدی لا یکون إلا تعبدیا و إلا لزم اعتبار التعبد فی جمیع مقدمات الصلاة مع أن سائر مقدماتها من
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 184
إزالة الخبث عن البدن و اللباس و هکذا لا یکون إلا توصلیة بالضرورة.
فإن قلت: التعبد فرع الأمر المولوی و لا یعقل التعبد بشی‌ء من دون أمر و لا أمر بها إلا الأمر التبعی المقدمی فوجب القول بکونه تعبدیا.
قلت: أو لا نمنع تفرع التعبدیة علی الأمر إذ قد یکون بعض الأعمال عبادة ذاتا کالصلاة أو جعلا کالهرولة مثلا قبل تعلق الأمر بها بل لا ینافی کونه عبادة مع تعلق النهی بها کصلاة الحائض و صومها نعم یجوز أن یصیر المأمور به تعبدیا من قبل الأمر أیضا کما حققناه فی محله لا أنه ینحصر السبیل فیه.
و ثانیا: لو سلم ذلک وجب القول بأنها مندوبة بالأمر النفسی التعبدی فرارا عن المحذورین المزبورین بل یظهر ذلک من الأخبار.
لا یقال: لا یجتمع الوجوب و الندب لاستحالة اجتماعهما علی محل واحد فإذا وجب الفعل و لو تبعا یزول الندب الأصلی فلا یبقی التعبدیة التی هی من شئونه.
لأنا نقول: أولا أن الأمر الندبی الأصلی متعلق بنفس الماهیة و الوجوب الطاری متعلق بإیجادها فلا یجتمعان علی محل واحد حتی یتنافیا.
و ثانیا: أن الأمر التبعی لیس أمرا تکلیفیا مولویا عندنا حتی یستحیل اجتماعه مع الأمر الندبی الأصلی.
فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح أن ترتب الطهارة و رفع الحدث علی الأسباب المعهودة لا یدور مدار الأمر التبعی و لا یعقل تأثیره فیه و اختلاف الحال باختلاف الأوامر التبعیة و ترتب رفع الحدث علیها بالإتیان بها لأجل بعض الغایات دون بعض فما عن بعض من التفصیل فی الوضوءات المندوبة بین إتیانه لما لا یستباح بدونه و إتیانه لما یستباح بدونه بالقول برفع الحدث فی الأول دون الثانی أو التفصیل بین أن یکون استحبابه لأجل الحدث کالوضوء لقراءة القرآن و أن یکون مستحبا لا لأجله کالتجدید بالقول بالرفع فی الأول دون الثانی و هکذا من التفاصیل فی غایة الوضوح من الفساد لما عرفت من أن سببیة الأعمال التعبدیة للطهارة و رفع الحدث سابقة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 185
علی الأوامر التبعیة فلا یعقل تأثیرها فی حصول الطهارة و عدمه و حقیقة الوضوء لا تختلف باختلاف الأوامر حتی تختلف الآثار باختلافها و الأخبار صریحة فی أن الوضوء طهور مطلقا من دون تقیید بمورد دون مورد.
ثم إن ترتب الطهارة علی أسبابها لا یحتاج إلی قصدها أو قصد رفع الحدث أو الإباحة منها ضرورة أنه مع الإتیان بأحد الأسباب متقربا به یترتب علیه الطهارة قهرا و لا تأثیر لنیة الشخص فی حصولها و عدمه و لا دلیل علی توقف تأثیرها للطهارة علی قصد أحد الأمور المذکورة بل الدلیل قائم علی خلافه فما یظهر من بعضهم من توقف ترتب الطهارة علیه علی قصد أحد هذه الأمور فی غیر محله.
و إذا اتضح لک ما بیناه فقد اتضح لک أمور:.
الأول: أنه لو توضأ قبل دخول وقت الصلاة لأجلها صح وضوؤه لما عرفت من أن إتیانه علی وجه التعبد لا یدور مدار الأمر التبعی و کون الداعی علی التوضؤ متقربا به استباحة صلاة الفریضة التی لم یدخل وقتها لا ینافی مع التعبد بالأمر النفسی کما هو ظاهر.
و توهم أن مرجع إتیان الوضوء لأجل الصلاة إلی تقیید التعبد به بالأمر التبعی المقدمی الذی لم یکن حاصلا قبل الوقت فیبطل لعدم وقوع المقید و المطلق غیر منوی فی غیر محله إذ قصر النظر علی غایة مخصوصة لا ینافی مع إطلاق العمل ضرورة أن تقیید الفعل بقید أمر مباین مع تخصیص غرض الفعل بغایة مخصوصة و لذا اشتهر أنه لا یقدح تخلف الداعی و لا یؤثر بطلان العمل بخلاف تخلف القید بل التحقیق أن تقیید الوضوء بالنسبة إلی غایاته غیر معقول لعدم اختلاف حقیقته باختلاف غایاته و عدم تأثیرها فی تنویعه أو تقییده و إنما یختلف المنوی باختلاف الخصوصیات المنظورة إذا کانت منوعة کالظهریة و العصریة بالنسبة إلی الصلاة مثلا مع أن الروایات ناطقة بصحة الوضوء قبل الوقت تأهبا للصلاة و التأهب لیس غایة مخصوصة فی قبال سائر الغایات بل مرجعه إلی تقدیم الوضوء
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 186
علی الوقت لأجل الصلاة.
و الثانی: أنه لو توضأ لأجل صلاة الأداء بزعم بقاء الوقت فظهر خروج الوقت صح وضوؤه و یصح له الدخول به فی القضاء و ما توهم من عدم صحة وضوئه حینئذ مطلقا و إذا کان مقیدا به لا إذا کان داعیا علیه وهم لما عرفت من عدم دوران تعبدیة الوضوء مدار الأمر التبعی و عدم تطرق التقیید فی المقام فلا مجال للتفصیل أو القول بالبطلان مطلقا.
و الثالث: أنه لو توضأ بزعم اتساع الوقت له فظهر ضیق الوقت صح وضوؤه و ما یتوهم من أنه مأمور بالتیمم حینئذ لا الوضوء فلا یکون مشروعا و مجرد ظنه باتساع الوقت لا یوجب الأمر به بل یوجب العذر فی غیر محله لما عرفت من عدم دوران تعبدیة أسباب الطهارة و مشروعیتها مدار الأمر التبعی حتی تنتفی بانتفائه بل لو توضأ مع العلم بعدم اتساع الوقت صح وضوؤه أیضا و إن کان آثما فی ترک التیمم و تفویت الوقت.
و توهم أن الأمر بالتیمم حینئذ موجب للنهی عن الوضوء لمضادته له باطل لعدم اقتضاء الأمر بالشی‌ء النهی عن ضده الخاص بل العام بل التحقیق أن الأمر التبعی لیس أمرا تکلیفیا مولویا حتی یقتضی النهی عن ضده علی القول باقتضائه إیاه کما حققناه فی محله.
و الرابع: أن الاضطرار لیس شرطا لصحة التیمم بل شرط لجواز الاکتفاء بالطهارة الضعیفة المتحصلة منه لأن الاضطرار إنما یوجب تعلق الأمر التبعی بالتیمم المترتب علی مشروعیته و تعبدیته فی حد نفسه أو بالأمر الندبی النفسی فلا تدور صحته مدار الأمر التبعی.
و یؤید ما بیناه الروایات المجوزة للتیمم لصلاة المیت و النوم مع وجود الماء لعدم اختلاف حقیقة التیمم باختلاف حکمه وجوبا أو ندبا أو الغایات المترتبة علیه إباحة أو کمالا فتأثیره الطهارة فی الموردین یدل علی أن سببیته لها لا تختص
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 187
بحال الاضطرار و حیث أن الطهارة فی الموردین لا تعتبر فی إباحتهما بل فی کمالهما اکتفی بالطهارة الضعیفة لتحصیل أدنی مرتبة الکمال.
و لکن ینافی ذلک ما یظهر من بعض الروایات من انتقاض التیمم بوجدان الماء و وجوب إعادته لمن تمکن التطهر بالماء و لم یتطهر به ثم تعذر علیه و إن کان الأخذ بظاهر هذه الروایات مشکل لأنه یوجب الحکم بکون وجدان الماء حدثا إذ لا ینقض الطهارة إلا الحدث و هو مناف للإجماع بل الضرورة علی عدم کونه حدثا و یمکن حملها علی استحباب إعادة التیمم و حدوث ضعف فی التیمم بوجدان الماء مصحح للتعبیر بالنقض.
و لا یتوهم أنه یمکن أن یحکم بانتقاض التیمم بوجدان الماء تحقیقا من دون الحکم بکونه حدثا المنافی للإجماع و الضرورة من جهة أن تأثیر التیمم إنما هو فی موضوعه و هو المضطر الفاقد للماء فإذا انقلب الموضوع و ارتفع الاضطرار بسبب وجدان الماء ارتفع الأثر و لا یعود بعود الاضطرار لأنه موضوع جدید.
لأنا نقول: أن الاضطرار موضوع للاستباحة المترتبة علی الطهارة الضعیفة المتحصلة من التیمم و هی باقیة مع الوجدان و إنما تنتفی الإباحة حینئذ لانتفاء شرط تأثیر الطهارة لها و المحل لتأثیرها إیاها لا لانتفاء مقتضیها حتی یصدق النقض حقیقة نعم قد ادعی الإجماع علی النقض فإن تم فهو و إلا فللکلام فیه مجال.
و کیف کان لا ینبغی التأمل فی عدم النقض إذا أصاب الماء و تلف قبل مضی زمان یتمکن من فعل الطهارة المائیة فیه لأن الأخبار الظاهرة فی النقض إنما تدل علیه فی صورة القدرة علی التطهر به و الإجماع لو تم فهو فی صورة القدرة علیه أیضا.
و الخامس: أنه یجوز التیمم فی سعة الوقت مطلقا و إن لم یکتف به إلا فی ضیق الوقت أو مع الیأس بوجود الماء فی الوقت لما ظهر لک من أن التیمم فی نفسه مشروع و إن الاضطرار إنما یوجب الأمر التبعی المقدمی به الذی لا یدور مداره التعبد به و کونه عبادة فالضیق أو الیأس بوجود الماء فی الوقت إنما یعتبر فی استباحة الصلاة بالطهارة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 188
الضعیفة المتحصلة منه.
و بما بیناه تبین أن ما اختاره الشیخ و المرتضی (قدس سرهما) من عدم صحة التیمم إلا عند ضیق الوقت مطلقا و ما اختاره جماعة من التفصیل بین الیأس بوجود الماء فی الوقت و عدمه و جوازه مع الیأس فی السعة و عدم جوازه مع الرجاء إلا عند الضیق فی غیر محله کما أن ما اختاره بعضهم من جوازه فی السعة مطلقا و جواز الاکتفاء به کذلک فی غیر محله.
و من هنا تبین أن ما ذکره فی الروضة تبعا للشیخ قدس سرهما من أن هذا فی التیمم المبتدإ أما المستدام کما لو تیمم لعبادة عند ضیق وقتها و لو بنذر رکعتین فی وقت معین یتعذر فیه الماء أو عبادة راجحة بالطهارة و لو ذکر أجاز فعل غیرها به مع السعة فی غیر محله لما عرفت من أن الموجب للاکتفاء بالتیمم إنما هو الاضطرار و لا اضطرار مع السعة و ما استدل به من الأخبار بجواز الصلوات الکثیرة بتیمم واحد لا دلالة فیها علی جواز الاکتفاء به فی السعة کما لا یخفی.

و ینبغی التنبیه علی أمور:.

اشارة

الأول: أن الاضطرار المجوز للتیمم أو الموجب للاکتفاء به هل یتحقق بمجرد فقدان الماء

فیستباح به جمیع ما یستباح بالطهارة المائیة مما یکون الحدث مانعا عنه أو الطهارة شرطا له أو لا یتحقق إلا به و بوجوب ما یعتبر فیه الطهارة.
المشهور الأول قال فی الحدائق:" المشهور بین الأصحاب رضی الله عنهم من غیر خلاف یعرف أن التیمم مبیح لما تبیحه الطهارة المائیة من الصلاة و من الطواف و مس کتابة القرآن و نحو ذلک مما الطهارة شرط لحصوله أو کماله.
و یدل علیه عموم الأخبار من قوله صلی الله علیه و آله لأبی ذر رضی الله عنه
" یکفیک الصعید عشر سنین"
و قول الصادق (علیه السلام) فی صحیحة حماد
" هو بمنزلة الماء"
و فی صحیحة جمیل
" أن الله جعل التراب طهورا کما جعل الماء طهورا"
و فی صحیحة محمد بن مسلم و غیرها
" إن رب الماء رب الصعید"
کما فی بعض أو
" رب الأرض"
کما فی آخر ثم قال" وقع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 189
الخلاف هنا فی موضعین: الأول ما نقل من فخر المحققین ابن العلامة طاب ثراهما من أنه منع من استباحة اللبث بالتیمم فی المساجد لقوله تعالی إِلّٰا عٰابِرِی سَبِیلٍ حَتَّیٰ تَغْتَسِلُوا حیث جعل نهایة التحریم الغسل فلا یستباح بغیره و إلا لم تکن الغایة غایة و ألحق به مس کتابة القرآن لعدم فرق الأمة بینهما" ثم شرع فی الرد علیه إلی أن قال:" الثانی ما ذکره فی (ک) حیث أورد علی ما ذکره الأصحاب بما ظاهرهم الاتفاق علیه من أن التیمم یبیح کلما تبیحه الطهارة المائیة و بعبارة أخری أن التیمم یجب لما تجب له الطهارتان بأن ذلک مشکل لانتفاء الدلیل علیه قال و إلا ظهر أن التیمم یبیح کلما تبیحه الطهارة المائیة لقوله (علیه السلام) فی صحیحة جمیل
" إن الله تعالی جعل التراب طهورا کما جعل الماء طهورا"
و فی صحیح حماد
" هو بمنزلة الماء".
و فی صحیحة محمد بن مسلم
" فقد فعل أحد الطهورین"
فما ثبت توقفه علی مطلق الطهارة من العبادات یجب له التیمم و ما ثبت توقفه علی نوع خاص منها کالغسل فی صوم الجنب فالأظهر عدم وجوب التیمم له مع تعذره إذ لا ملازمة بینهما فتأمل انتهی.
أقول: مقتضی تنزل التیمم منزلة الطهارة المائیة من دون تقیید بمورد دون مورد إیجاده الطهارة فی جمیع الموارد.
و أما جواز الاکتفاء به مطلقا فلا.
لا یقال: إفادته الطهارة مطلقا ملازمة لجواز الاکتفاء به کذلک.
لأنا نقول: إنما ملازمته کذلک إن کانت طهارة تحقیقیة اختیاریة و أما إذا کانت طهارة تنزیلة اضطراریة غیر رافعة للحدث فإنما تلازمه مع تحقق الاضطرار و لا اضطرار إلا مع وجوب العمل الذی لا مناص عن إتیانه.
فإن قلت: الاضطرار إلی البدل إنما یتحقق مع العجز عن المبدل.
قلت: هذا إذا کان المبدل واجبا و أما إذا لم یکن کذلک فلا.
و یدل علی ما بیناه الروایات الدالة علی اعتبار ضیق الوقت فی الفریضة إذ لو جاز الاکتفاء به فی المندوبات
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 190
مع العجز عن الطهارة المائیة لجاز الاکتفاء به للمحافظة علی إدراک فضیلة الوقت التی هی من أهم المندوبات حتی مع العلم بوجدان الماء فی الوقت.
و أما ما أجاب به فی الحدائق من أنه استدلال بطریق الأولویة و هی غیر معتبرة عندنا فی الأحکام الشرعیة إلا فی نادر الصور ففیه أن عدم اعتبار الأولویة إنما هو مع عدم وضوح المناط و أما مع وضوحه کما فی المقام فهی معتبرة.
و الحاصل أن الروایات إنما تدل علی أن التیمم سبب للطهارة و أنه بدل عن الغسل أو الوضوء فی إیجاد الطهارة و أما ثبوت الاضطرار بمجرد فقدان الماء أو جواز الاکتفاء به مع الفقدان فی جمیع الموارد حتی فی المندوبات فلا نظر لها إلیه فلا وجه للتمسک بعموم الأخبار علیه.
نعم یجوز الاکتفاء به فیما یعتبر فیه الطهارة علی وجه الکمال لتحصیل مرتبة منه کقراءة القرآن لما عرفت من أن إیجاده الطهارة لا یتقید بحال الاضطرار بل یمکن القول بجواز الاکتفاء به حینئذ لتحصیل أدنی مرتبة الکمال حتی مع التمکن من تحصیل الطهارة المائیة کما ورد به النص فی صلاة المیت و النوم و لیست التعدیة عنهما إلی سائر الموارد قیاسا بعد ما عرفت من انطباقه علی القاعدة ثم اعلم أنا لو قلنا بأن الأخبار ناظرة إلی أنه یستباح بالتیمم کل ما یستباح بالطهارة المائیة فلا مجال للمنع من استباحة اللبث فی المساجد به کما نقل عن فخر المحققین قدس سره إذ لا منافاة بین تحدید المنع بالغسل مع استباحته بالتیمم بدلا عنه عند فقدان الماء و لیس هذا تخصیصا لعموم الآیة کما یظهر من بعض بل تقدیم مفاد الروایات علی العموم من باب الحکومة لأنها شارحة للآیة و تبین أن عمومها یختص بحال وجدان الماء.
بل التحقیق أن بدلیة التیمم من الغسل فی التأثیر لا ینافی عموم الآیة بوجه حتی یکون التقدیم تخصیصا أو تحکیما إذ إثبات التأثیر للتیمم بعنوان البدلیة عن الغسل عند العجز عنه یحقق العموم و یؤکده إذ لو لم یکن الغسل ثابتا حتی عند فقدان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 191
الماء لم یکن لبدلیة التیمم عنه مجال.
و یمکن أن یقال: غرضه (قدس سره) أن تحدید حرمة اللبث إلی الاغتسال ثابت بنص الآیة الکریمة و بدلیة التیمم عنه غیر معلومة لعدم ثبوت عموم البدلیة من الروایات فیرد علیه حینئذ أنه یلزمه الحکم بعدم استباحة مطلق المندوبات به لعدم استفادة العموم بالنسبة إلیها کما بیناه.
نعم فی بعض الروایات دلالة علی جواز الاکتفاء بتیمم واحد لفریضة واحدة و نافلتها و لعل الحکم یختص بها من جهة کمال الاهتمام بها فی الشرع و إنها مکملة للفریضة فلا یتعدی عنها إلی سائر النوافل مع أن تمام مدلول الروایة مما لا یجوز العمل به لمنافاته لسائر الروایات المعتبرة بل ضرورة المذهب فإن الروایة هکذا:"
لا یتمتع بالتیمم إلا صلاة واحدة و نافلتها
" هذا.
و أما ما ذکره صاحب المدارک (قدس سره) فإن أراد أن التیمم لا یوجب الطهارة فی الصورة المزبورة أن إیجاده الطهارة التنزیلیة القائمة مقام الطهارة المائیة لا یتقید فی الأخبار بمورد دون مورد و لا إهمال فی الأدلة من جهة التنزیل.
و إن أراد أن اشتراط صحة الصوم بخصوص الغسل لا یدل علی اشتراط صحته بالتیمم عند العجز عنه حتی یجب تحصیله ففیه أنه بعد ثبوت بدلیة التیمم لکل من نوعی الطهارة المائیة لا مجال للتأمل فی وجوب تحصیله عند العجز عنها سواء کانت اعتبارها فی العمل من حیث هی أو من حیث نوع مخصوص منها.

و الثانی أن بدلیة التیمم عن الطهارة المائیة و جواز الاکتفاء به عنها فیما یعتبر فیه الطهارة

إنما ثبتت بالأدلة الشرعیة للعذر المستند إلی القدرة و العجز عن تحصیلها عقلا أو شرعا لا لمطلق العذر و لو کان لنسیان الماء أو الحکم به أو للجهل به عن قصور فلو نسی الماء فی رحله و تیمم و صلی ثم ذکر أن معه ماء قبل أن یخرج الوقت فعلیه أن یتوضأ و یعید کما تدل علیه روایة أبی بصیر بل یجب علیه إعادة الصلاة متیمما لو تذکر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 192
فی ضیق الوقت و کذا یجب علیه القضاء لو لم یتذکر إلا خارج الوقت فما عن علم الهدی و المحقق (قدس سرهما) من الاجتزاء به مطلقا لعموم حدیث الرفع و لأنه صلی بتیمم مشروع فلم یلزمه الإعادة و لأن النسیان لا طریق إلی إزالته فصار کعدم الوصلة و ما عن الشیخ (قدس سره) من أنه إن اجتهد و طلب لم یعد و إلا أعاد و ما فی الحدائق من الاجتزاء به لو تذکر فی ضیق الوقت فی غیر محله لأن حدیث الرفع إنما یثبت العذر لا البدلیة و کون التیمم مشروعا بمعنی الاجتزاء به حینئذ أول الکلام و مجرد عدم السبیل إلی إزالة النسیان لا یصحح العجز تحقیقا و التفصیل بین الطلب و عدمه إنما یصح مع عدم النسیان و الاجتزاء بالصلاة مع التذکر فی ضیق الوقت لا وجه له بعد أن لم تقع صحیحة و أما تضعیف الروایة بأن فی سندها عمار بن موسی فإنما هو علی اصطلاح المتأخرین (رحمهم الله) و أما علی اصطلاح المتقدمین (رحمهم الله) من أن الصحیح ما یصح الاعتماد علیه و لو من جهة القرائن فهی صحیحة لوجودها فی الکتب الأربعة المأخوذة من الأصول الأربعمائة المعتمد علیها مع أن ضعفها علی فرض تسلیمه منجبر بالشهرة علی أن مدلولها موافق للقواعد الأولیة لما عرفت من أن الأدلة إنما تدل علی بدلیة التیمم عن الطهارة المائیة فی صورة العجز لا مطلق العذر و لو للنسیان أو الجهل بالحکم فلا وجه لردها.

و الثالث: أن المشهور بین الأصحاب قدس سرهم أنه لو ضاق الوقت عن تحصیل الماء مع وجوده

أو عن طلبه مع احتماله أو عن استعماله فی الغسل أو الوضوء یتیمم و یصلی و یکون صلاته مجزیة و قد وقع الخلاف فی مواضع:.
الأول: لو أخل بالطلب حتی ضاق الوقت: ففی الشرائع:" أخطأ و صح تیممه و صلاته علی الأظهر" و فی المدارک:" قال الشیخ فی (ط) و (ف) لو أخل بالطلب لم یصح تیممه و یلزم علی قوله لو تیمم و
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 193
صلی أن یعید الصلاة و به قطع الشهید فی س و ن و استشکله المصنف فی المعتبر بأنه مع ضیق الوقت یسقط الطلب و یتحتم التیمم فیکون مجزیا و إن أخل بالطلب وقت السعة لأنه یکون مؤدیا فرضه بطهارة صحیحة و صلاة مأمور بها و هو حسن انتهی.
الثانی: عن المنتهی:" أنه لو کان بقرب المکلف ماء و تمکن من استعماله و أهمل حتی ضاق الوقت فصار لو مشی إلیه خرج الوقت فإنه یتیمم و فی الإعادة وجهان أقربهما الوجوب".
الثالث: لو کان الماء موجودا عنده فأخل باستعماله حتی ضاق الوقت من الطهارة المائیة و الأداء فهل یتطهر و یقضی أو یتیمم و یؤدی قال فی المدارک:" فیه قولان أظهرهما الأول و هو خیرة المصنف فی المعتبر لأن الصلاة واجب مشروط بالطهارة و التیمم إنما یسوغ مع العجز عن استعمال الماء و الحال أن المکلف واجد للماء متمکن من استعماله غایة الأمر أن الوقت لا یتسع لذلک و لم یثبت کون ذلک مسوغا للتیمم.
و قال العلامة فی المنتهی یجب التیمم و الأداء لقوله (علیه السلام) فی صحیحة حماد بن عثمان:"
هو بمنزلة الماء
" و إنما یکون بمنزلته لو ساواه فی أحکامه و لا ریب فی أنه لو وجد الماء و تمکن من استعماله وجب علیه الأداء فکذا لو وجد ما ساواه.
قلت: و یدل علیه فحوی قول الصادق (علیه السلام) فی صحیحة الحلبی:"
إن رب الماء هو رب الأرض
" و فی صحیحة جمیل
إن الله جعل التراب طهورا کما جعل الماء طهورا
و هذا القول لا یخلوا من رجحان و لا ریب أن التیمم و الأداء ثم القضاء بالطهارة المائیة أحوط.
الرابع: لو أخل بالطلب و ضاق الوقت فتیمم و صلی ثم وجد الماء فی محل الطلب ففی المدارک" قیل بوجوب الإعادة هنا تعویلا علی روایة أبی بصیر قال" سألته عن رجل کان فی سفر و کان معه ماء فنسیه و تیمم و صلی ثم ذکر أن معه ماء قبل أن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 194
یخرج الوقت قال علیه یتوضأ و یعید الصلاة.
أقول: بعون الله تعالی و مشیته أنه مع ضیق الوقت عن الطهارة المائیة و الأداء یدور الأمر بین أحد أمرین إدراک الوقت أو الطهارة المائیة و لا یخلو الأمر حینئذ عن إحدی صور ثلاث: کون الوقت أهم عند الشارع من الطهارة المائیة أو العکس أو کونهما متساویین.
فإن قلنا بالأخیر لزم الحکم بالتخییر بین الطهارة المائیة و الترابیة و الإتیان بالصلاة أداء أو قضاء و بطلانه واضح ضرورة أن التیمم بدل طولی عن الطهارة المائیة لا عرضی کما أن القضاء بدل عن الأداء کذلک و إن قلنا بالثانی لزم الحکم بوجوب الطهارة المائیة أبدا و عدم تشریع التیمم إذ مع فقد الماء و الضرر باستعماله فی الوقت حینئذ بتعین علیه الإتیان بالصلاة قضاء مع الطهارة المائیة عند وجدان الماء و عدم الضرر باستعماله و هو باطل بالضرورة فلم یبق إلا الصورة الأولی و هی أهمیة رعایة الوقت فی نظره و إنما شرعت التیمم لأجل عدم فوت الوقت.
و إذ قد تبین لک ما بیناه فقد تبین لک أنه عند ضیق الوقت عن الطهارة المائیة و الأداء یتعین الأداء متیمما محافظة علی الوقت سواء کان معذورا فی ترک الطهارة المائیة أم لم یکن معذورا إما بواسطة إخلال فی الطلب أو إهمال فی الاستعمال مع الالتفات بصیرورة الوقت مضیقا.
فما عن المحقق فی المعتبر من عدم جواز التیمم مع وجود الماء عنده و إخلاله باستعماله حتی ضاق الوقت فی غایة الغرابة من مثله فإن إیجاب الطهارة المائیة علیه حینئذ محافظة علی المقدمة و تفویت لذی المقدمة و هو أداء الصلاة فی وقتها.
و ما یتوهم من أن وجوب طلب الماء أو استعماله کان ثابتا قبل ضیق الوقت و نشک فی سقوطه عنه مع إخلاله و إهماله فیستصحب وهم فاحش لعدم الشک حینئذ
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 195
لأن طلب الماء أو استعماله إنما وجب مقدمة لأداء الصلاة فلا مجال لاستصحاب وجوبه إذا کان الإتیان به مفوتا لذی المقدمة ضرورة أن المقدمة إنما تجب لتوقف وجود ذی المقدمة علیها و أما إذا کانت سببا لفوته فلا یعقل إیجابها علیه بل ینقلب الحکم حینئذ فیحرم إیجادها من جهة أنه سبب لفوت الواجب.
و بهذا البیان تبین فساد ما ذکره الشیخ فی ط و ف من عدم صحة تیمم المخل بالطلب عند ضیق الوقت و ما قطع به الشهید (قدس سره) فی س و ن من وجوب إعادة صلاته حینئذ و کذا مما قربه فی هی من وجوب إعادة الصلاة مع الإهمال فی الاستعمال حتی ضاق الوقت و کذا ما حکاه صاحب المدارک عن بعضهم من وجوب إعادة المخل بالطلب حتی ضاق الوقت ثم وجد الماء فی محل الطلب تمسکا بروایة أبی بصیر فإن الروایة إنما هی فی صورة النسیان لا الإخلال بالطلب و وقوع التیمم و الصلاة فی سعة الوقت بل الظهر أن تذکره بوجود الماء فی رحله أیضا فی سعة الوقت فلا ترتبط الروایة علی کل حال بما ذکره من صورة الإخلال بالطلب.

و الرابع: أنهم حکموا بوجوب تحصیل الماء مقدمة للغسل أو الوضوء

و لو بالشراء بأضعاف ثمنه مع القدرة علیه و عدم التضرر ببذله و بوجوب التیمم عند الخوف علی ضیاع ماله المحترم و لو کان قلیلا لا یتضرر به.
و قد أشکل الفرق بینهما حسب القاعدة حتی قال الشهید الثانی (قدس سره) بأن الفارق بینهما إنما هو النص یعنی أنه لا فرق بینهما حسب القاعدة و یکون الفرق بینهما تعبدیا مخالفا للقاعدة.
و التحقیق أن وجه الفرق بینهما ظاهر لأن بذل المال مجانا أو بعوض أمر مباح فی حد نفسه فیجب مقدمة للواجب إلا أن یمنع عنه الإجحاف المضر بحاله و أما تعریضه معرض الضیاع و التلف فمحرم فی حد نفسه فلا یجب مقدمة للواجب إلا إذا کان أهم من المحرم فی نظر الشارع و أهمیة الواجب غیر معلومة و إن کان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 196
العکس کذلک أیضا و مقتضی الأصل التعادل و الاجتزاء بالتیمم و تعینه فی خصوص المقام إذ لا مجال للتخییر فی المقام لأن بدلیة التیمم عن الطهارة المائیة طولیة لا عرضیة مع أن الحرمة ثابتة فی حد نفسها فتستصحب عند الشک فی أهمیة الطاری من صیرورته مقدمة للواجب علی أن الواجب و هو الغسل أو الوضوء لما کان متدارکا بالبدل ترجح المحرم علیه فیجب التیمم تعیینا.
لا یقال: التعادل أمر وجودی و الأصل عدمه فیجب الاحتیاط بالجمع بین الوضوء أو الغسل و التیمم.
لأنا نقول: إنما ینتزع التعادل من عدم أهمیة أحدهما من الآخر فهو عدمی و إن کان التعبیر وجودیا و لذا لا یتصور لهما ثالث و هکذا الأمر فی کل ضدین لا ثالث لهما فإن مرجعهما إلی النقیضین و إلا لتصور لهما ثالث و هو عدمهما مع أن الجمع بینهما لا وجه له فی المقام إذ الوضوء محصل للطهارة حینئذ و مجرد احتمال أهمیة حفظ ماله من الوضوء لا یوجب بطلانه و إن أوجب الإثم بواسطة ترک الأهم فلا مجال لضم التیمم إلیه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 197‌

(فائدة 31) [إذا أحدث المغتسل عن الجنابة مرتبا فی أثنائه بالحدث الأصغر]

اشارة

فهل ینتقض الغسل به فیجب علیه الاستیناف أو لا ینتقض به فیتمه.
و علی الثانی فهل یکون غسله حینئذ مجزیا عن الوضوء أم لا؟ فقد ذهب إلی کل من الوجوه قائل و الأقوی الأول‌

و تحقیق الحق یتوقف علی تقدیم أمور:

اشارة

الأول: أن الطهارة عن الحدث مقابلة للحدث

کما أن الطهارة عن الخبث مقابلة للخبث فلا یعقل اجتماعهما فی محل واحد کما هو شأن المتقابلین.

الثانی: أن الطهارة عن الحدث صغری کانت أم کبری هی الأثر المترتب علی الوضوء و الغسل و التیمم

کما أن الحدث أصغر کان أو أکبر هو الأثر المترتب علی ما خرج عن السبیلین و الدخول و الإنزال و هکذا و لا یکونان عین الأسباب المذکورة تحقیقا و إلا لزم انعدامهما بانعدامها و أن یکونا من الأمور الغیر القارة و لا عن حدوثها و إلا لزم أن لا یرتفعا أبدا لأن الحدوث لا ینقلب إلی اللاحدوث.
و توهم أن حقیقتها هی الأسباب المعهودة فیزولان و لا یکون لهما قرار و لکن یبقی حکم کل منهما إلی حدوث الآخر المقابل له فی غایة البشاعة و إلا لزم أن لا یکون المتطهر عن الحدث متطهرا واقعا و لا المحدث بالحدث محدثا کذلک و أن یترتب حکم کل منهما من دون تحقق موضوعه و أن لا یکون الحدث ناقضا للطهارة و لا الطهارة رافعة للحدث و بطلان اللوازم بین کما أن توهم أن حقیقتهما هی حدوث الأسباب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 198
فلا یرتفعان أبدا و إنما یرتفع حکم کل منهما بحدوث الآخر المقابل له فی غایة الشناعة و إلا لزم أن یکون من اغتسل عن الجنابة مجنبا تحقیقا لحدوث الدخول أو الإنزال منه متطهرا عنها کذلک لحدوث الغسل منه فیلزم اجتماع الضدین فی محل واحد و بطلانه غنی عن البیان فلا تکون الطهارة و الحدث إلا الأثرین المترتبین علی أسبابهما المنتزع حدوثهما من حدوث أسبابهما فیبقی کل منهما إلی أن ینتقض و یرتفع بحدوث الآخر.

الثالث: أن کلا منهما مقول بالتشکیک

و لکل منهما مرتبتان علیا و دنیا یعبر عنهما فی لسان الفقهاء (قدس سرهم) بالکبری و الصغری و الأکبر و الأصغر و لکل من المرتبتین مراتب کمالا و ضعفا و ینبه علی ذلک ما ورد من أن:"
الوضوء علی الوضوء نور علی نور
" و الاختلاف فی المرتبة لا یوجب الاختلاف فی الحقیقة ضرورة أن اختلاف المراتب اختلاف فی وجود الشی‌ء شدة و ضعفا لا فی حقیقته و ماهیته بل متوقف علی اتحاد الحقیقة.
و لا ینافی ما بیناه انتزاع کل من المرتبتین من سبب خاص و اختلاف الأسباب فی الحقیقة لأن اختلافها لا یوجب اختلاف المسبب بالضرورة أ لا تری أن القتل له حقیقة واحدة و یتولد من أسباب مختلفة الحقیقة کالضرب بالسیف و شرب السم و نحوهما.
فتبین بما بیناه فساد ما یتوهم من أنه یختلف حقیقة کل من الطهارتین مع حقیقة الأخری باعتبار اختلاف مقابلها من الحدث الأصغر و الأکبر کما تختلف حقیقة الطهارة عن الحدث مع حقیقة الطهارة عن الخبث باعتبار اختلاف مقابلیها لما ظهر لک من أن اختلاف الحدثین إنما هو فی المرتبة لا فی الحقیقة فلا یختلف مقابلاهما حینئذ إلا فی المرتبة و لو کان اختلاف کل من الحدثین مع الآخر فی الحقیقة کاختلافه مع الخبث لجاز اجتماع کل منهما مع الطهارة عن الآخر کما جاز اجتماعه مع الطهارة عن الخبث و الملازمة واضحة و بطلان اللازم بین ضرورة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 199
أنه لا یجوز أن یکون المحدث بالأکبر متطهرا عن الحدث الأصغر و قد اتفقوا علی انتقاض الوضوء بالحدث الأکبر کانتقاضه بالأصغر بل و کذا انتقاض الطهارة الکبری بالحدث الأصغر مما لا ریب فیه و لذا لا یترتب حینئذ إلا أثر الحدث و ما یتوهم من ترتب أثر الطهارة و الحدث معا حینئذ من جهة أن الجنب کان ممنوعا من الدخول فی الصلاة و مس المصحف و قراءة العزائم و اللبث فی المساجد و الجواز فی المسجدین الأعظمین و إذا اغتسل و تطهر بالطهارة الکبری أبیح له جمیع هذه الأمور و إن أحدث بعد ذلک بالحدث الأصغر منع منه الدخول فی الصلاة و مس المصحف و بقی الباقی علی الإباحة و لیس ذلک إلا من أثر بقاء الطهارة الکبری و عدم انتقاضها بالحدث الأصغر فهو حینئذ متطهر بالطهارة الکبری محدث بالحدث الأصغر فاجتمعت الطهارة الکبری حینئذ مع الحدث الأصغر فی غیر محله ضرورة أن حرمة قراءة العزائم و اللبث فی المساجد و الجواز فی المسجدین الأعظمین کانت من أحکام الجنابة و أبیحت بعد الغسل من جهة ارتفاع حدث الجنابة لا من جهة حصول الطهارة إذ لا یعتبر فی إباحتها الطهارة بالضرورة و بعد أن أحدث بالحدث الأصغر ارتفعت الکبری و انتقضت به و لکن لم تعد الجنابة فلم تعد آثارها.
و أما الدخول فی الصلاة و مس المصحف فهما یترتبان علی الطهارة دائران مدارها و لذا لا یجوزان من المحدث مطلقا فإذا اغتسل الجنب أبیح له الأمران باعتبار أنه متطهر و إذا انتقضت طهارته بالأصغر عاد المنع منهما باعتبار أنه غیر متطهر فاتضح غایة الاتضاح عدم اجتماع الطهارة الکبری مع الحدث الأصغر.

الرابع: أن تقابلهما من قبیل تقابل التضاد لا التناقض

لأن کلا منهما إنما تنتزع من أسباب وجودیة محصورة عند الشارع و لو کان أحدهما عدمیا لانتزع من عدم سبب الآخر و لم یتصور لهما ثالث و لکان أحدهما موافقا للأصل مع أن الأصل عدمهما فمن شک فی أنه جنب أم متطهر مع عدم العلم بحالته السابقة یجوز له المکث فی المساجد و قراءة العزائم و الجواز فی المسجدین الأعظمین لأن الأصل عدم الجنابة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 200
و لا یجوز له الدخول فی الصلاة لأن الأصل عدم الطهارة و یدل علی ذلک أیضا اشتمال کل منهما علی مرتبتین صغری و کبری و أصغر و أکبر إذ العدم لا یقبل الشدة و الضعف و التعبیر بالأصغر و الأکبر موجود فی الروایات و بالصغری و الکبری مقتبس منها.
فإن قولهم علیهم السلام:"
أی وضوء أطهر من الغسل
" أو"
أنقی
" أو"
أبلغ
" یدل علی أن الغسل منشأ لانتزاع المرتبة الکاملة من الطهارة کما یدل علی اتحاد الحقیقة إذ لو کانت الطهارة الحاصلة من کل منهما مباینة للأخری فی الحقیقة لم یکن للتعبیر بصیغة التفضیل مجال و یدل أیضا علی أن الطهارة أمر وجودی التعبیر عنها فی الأخبار بأنها نور الکاشف عن أنها أمر وجودی بل التعبیر عن زوالها بالحدث بالانتقاض یدل علیه أیضا لأن النقض مقابل للإبرام فلا یتحقق الانتقاض إلا بالنسبة إلی الموجود المبرم و بالجملة کونهما أمرین وجودیین من الواضحات التی لا ینبغی الارتیاب فیها.

الخامس: أن الطهارة و الحدث أمران بسیطان غیر قابلین للتوزیع و الانقسام ذاتا

کما هو ظاهر و لا باعتبار المحل لأنهما صفتان قائمتان بالنفس لا بالجوارح و هی أمر بسیط لا انقسام فیه حتی یجری التوزیع و الانقسام فی العرض القائم بها فلا یجوز أن یکون الشخص متطهرا أو محدثا فی حال واحد و إلا لزم اجتماع المتقابلین فی محل واحد.
و لا ینافی ما بیناه انتزاع الطهارة من الغسلات الثلاثة أو الغسلتین و المسحتین أو الضرب علی الأرض و المسحتین التی هی أفعال مرکبة عارضة علی الجوارح ضرورة جواز انتزاع الصفة القائمة بالنفس من فعل الجارحة و البسیط من المرکب أ لا تری أن التعظیم و التأدیب مع قیامهما بالنفس ینتزعان من فعل الجارحة و العلقة الوحدانیة البسیطة منتزعة من الإیجاب و القبول و لا ینافی اتحاد الأمر المنتزع مع منشأ انتزاعه فی الخارج اختلاف موضوعهما لمغایرتهما اعتبارا و اتحادهما خارجا فهما متغایران من وجه و متحدان من وجه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 201
و لذا یختلف باختلافهما الآثار و من جملة آثار المغایرة بقاء المنتزع و استمراره إلی أن یزول بطرو مقابله مع عدم تصور البقاء فی المنشأ و هو حدوث السبب.
إذا اتضح لک ما بیناه فقد اتضح لک أن مقتضی المقابلة بین الحدث و الطهارة و عدم تطرق التوزیع و الانقسام فیهما و لا فی محلهما و اتحاد حقیقة کل منهما و عدم اختلاف الحقیقة باختلاف المراتب بطلان الغسل بحدوث الحدث فی أثنائه مطلقا کما یبطل بحدوث الحدث بعده مطلقا.
توضیح الحال: أن الطهارة الکبری منتزعة و متولدة من مجموع الغسلات الثلاثة فمع حدوث الحدث فی أثنائها إن أوجبت الطهارة الرافعة للجنابة المتقدمة و الحدث الطاری فی الأثناء لزم ارتفاع الحدث بالغسل المتقدم بعض أجزائه علیه و هو غیر معقول لأن اللاحق منهما إنما یرفع السابق فلا یعقل ارتفاع اللاحق بالسابق مع أن بطلان الغسل و انتقاضه بعد کماله بالحدث الطاری علیه لا یجامع القول بعدم انتقاضه بحدوثه فی الأثناء لأن الرفع و الدفع و القطع من آثار کون الشی‌ء مانعا و منافیا فلا یعقل التفکیک بینها.
أ تری أن شرب القابض فی ضمن شرب المسهل لا یمنع من تأثیره و لا یبطله کلا ثم کلا إلا أن یفرض استقلال المشروب بعد القابض فی التأثیر.
و الحاصل أنه لا فرق بین الأسباب الشرعیة و العادیة فی بطلانها بطرو المنافی فی الأثناء أو بعده فالقول بإیجابه الطهارة حینئذ یرجع إلی أحد أمرین إما عدم انتقاض الغسل بالحدث الطاری فی أثنائه أو استقلال الباقی منه فی التأثیر و کلاهما باطل.
أما الأول فلما عرفت.
و أما الثانی فلأن المفروض أن المنشأ لانتزاع الطهارة إنما هی الغسلات الثلاثة بتمامها و إن أوجبت الطهارة الرافعة للجنابة فقط مع ثبوت الحدث الطاری فی الأثناء لزم مع بعض ما تقدم أن یجتمع المتقابلان فی محل واحد فی حال واحد و لا یدفع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 202
ذلک اختلافهما فی المرتبة لأن الطهارة فی حد نفسها سواء کانت کبری أم صغری مقابلة للحدث سواء کان أکبر أم أصغر فلا یجتمع کل مرتبة مع الطهارة مع کل مرتبة من الحدث.
لا یقال: إن الغسل إنما یوجب الطهارة عن الجنابة و هی مقابلة لها فتجتمع مع الحدث الأصغر کما تجتمع مع الطهارة الصغری.
لأنا نقول: إن أرید أن الطهارة عن الجنابة لیست إلا عدم الجنابة فتجتمع مع الحالین.
ففیه أنک قد عرفت أن الطهارة المتحصلة من الغسل أو الوضوء أمر وجودی ملازم لرفع الحدث لا عینه حتی لا ینافی اجتماع رفع مرتبة خاصة منه مع تحقق مرتبة أخری منه مع أن الحدث حقیقة واحدة لا یتعدد باجتماع الأسباب المختلفة علی محل واحد حتی یصح ارتفاع بعضه دون بعض لأن الموضوع مشخص للعرض فلا یعقل تعدده مع وحدة الموضوع و إن أرید أن الطهارة الکبری مباینة مع الصغری فی الحقیقة و الماهیة لا فی المرتبة و الدرجة فقط فتقابل الحدث الأکبر لا مطلق الحدث لاختلافهما فی الحقیقة و الماهیة أیضا.
ففیه أنک قد عرفت أن الاختلاف إنما هو فی الدرجة لا فی الحقیقة مع أنه یلزم حینئذ أن یجوز مجامعة الحدث الأکبر مع الصغری لعدم المقابلة بینهما حینئذ فیلزم عدم انتقاض الوضوء بالحدث الأکبر مع أن الانتقاض به ضروری عندهم.
فاتضح بما بیناه أن القول بإکمال الغسل مع الحاجة إلی الوضوء لرفع الحدث الطاری فی الأثناء یؤل إلی الحکم باجتماع المتقابلین کما أن الحکم بإکماله و الاجتزاء به موجب للحکم بارتفاع الحدث اللاحق بالغسل المتقدم بعض أجزائه علیه أو استقلال الباقی فی التأثیر و کلاهما واضح البطلان فتعین القول الأول لعدم تصور وجه رابع.
و إلی ما ذکرناه من استلزام انتقاض الطهارة بطرو المنفی بعد کمالها و حصولها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 203
لانتقاضها بطرو المنافی فی أثنائها و إن التفکیک بینهما غیر متصور فی الأسباب العادیة و الشرعیة ینظر ما استدل به العلامة (قدس سره) علی ما اختاره و اخترناه بأن الحدث الأصغر ناقض للطهارة بکمالها فلأبعاضها أولی و وجه الأولویة أن الدفع أهون من الرفع و لعله إلی هذا یشیر کلام الشهید (قدس سره) فی الذکری محتجا علیه بامتناع خلو الحدث عن أثره مع تأثیره بعد الکمال و یؤید ما بیناه ما فی الفقه الرضوی:"
و لا بأس بتبعیض الغسل تغسل یدک و فرجک و رأسک و تأخر غسل جسدک إلی وقت الصلاة ثم تغسل إن أردت ذلک فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو ریح بعد ما غسلت رأسک من قبل أن تغسل جسدک فأعد الغسل من أوله
" بل قیل إنه مروی عن الصادق علیه السلام فی عرض المجالس للصدوق و إن قیل إنه لم تکن موجودة فی الکتاب المذکور.
و کیف کان لا ینبغی التأمل فی انتقاض الغسل و وجوب الاستیناف بعد ما حققناه و بما بیناه ظهر أن ما فی ک من أن:" القول بالإعادة للشیخ رحمه الله فی یه و ط و ابن بابویه و جماعة و لا وجه له من حیث الاعتبار و ما استدل به علیه من أن الحدث الأصغر ناقض للطهارة بتمامها فلأبعاضها أولی فإن الحدث المتخلل قد أبطل تأثیر ذلک البعض فی الرفع و الباقی من الغسل غیر صالح للتأثیر ففساده ظاهر لمنع کونه ناقضا و مبطلا.
و إنما المتحقق وجوب الوضوء خاصة" (انتهی) واضح الفساد إذ لو لم ینتقض الغسل بالحدث الأصغر لزم کونه حینئذ متطهرا بالطهارة الکبری و محدثا بالحدث الأصغر فی حالة واحدة مع أن الانتقاض به مجمع علیه بین الأصحاب (قدس سرهم) کما ذکره صاحب الحدائق (قدس سره) بل یمکن عده من ضروریات الفقه و بما بیناه من اتحاد حقیقة کل من الطهارة و الحدث و عدم اختلاف حقیقتهما باختلاف مراتب الأسباب تبین لک أنه لا فرق بین غسل الجنابة و سائر الأغسال الواجبة فی الانتقاض بحدوث الحدث فی الأثناء و بعدها سواء کان الحدث مماثلا للسابق أم لا
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 204
و سواء کان الحدث أکبر أم أصغر لأن الأغسال الواجبة أسباب للطهارة بالإجماع بل بالضرورة إذ لو لم تکن کذلک لما ارتفع حدث الحیض و الاستحاضة و النفاس و هکذا بها و مقتضی کونها أسبابا للطهارة انتقاضها بحدوث الحدث فی أثنائها من دون فرق بینها و بین الأحداث فما ذکره السید الطباطبائی فی رسالته من أنه إذا أحدث بالأکبر فی أثناء الغسل فإن کان مماثلا للحدث السابق کالجنابة فی أثناء غسلها أو المس فی أثناء غسله فلا إشکال فی وجوب الاستیناف و إن کان مخالفا له فالأقوی عدم بطلانه فیتمه و یأتی بالآخر و یجوز الاستیناف بغسل واحد لهما و یجب الوضوء بعده إن کانا غیر الجنابة أو کان السابق هو الجنابة حتی لو استأنف و جمعهما بنیة واحدة علی الأحوط و إن کان اللاحق جنابة فلا حاجة إلی الوضوء سواء أتمه و أتی للجنابة بعده أو استأنف و جمعهما بنیة واحدة بمکان من البطلان فلا مجال للتفصیل بین طرو الحدث المماثل للحدث السابق و عدمه فی الانتقاض و عدمه الحکم بحصول الطهارة الرافعة لحدث دون حدث آخر و إلا لزم اجتماع المتقابلین فی محل واحد.
ثم إن الحکم بوجوب الوضوء بعد الغسل إن کان السبق جنابة فی غایة الغرابة لأن غسل الجنابة بزعمه صحیح تام فلا یعقل معه الحاجة إلی الوضوء و مجرد إیجاب غسل آخر غیر مجز للوضوء علیه للحدث اللاحق لا یوجب إلغاء غسل الجنابة عن الأثر إلا أن یقال: إن الحدث اللاحق لا یرتفع إلا بالغسل و الوضوء معا و هو فی غایة البشاعة إذ لا مجال لتوقیف ارتفاع الحدث الأکبر علی الطهارة الصغری و أغرب منه حکمه بإیجاب الوضوء إذا استأنف غسلا واحدا لهما ضرورة عدم الفرق فی الاجتزاء بالغسل عن الوضوء مع التداخل بین تقدم الجنابة و تأخرها.
فإن قلت: أی مانع من زوال حدث و بقاء حدث آخر إذا لم یکونا متماثلین کحدث الجنابة و حدث الحیض مثلا و اختصاص کل منهما بمزیل و مجرد کون الغسل موجبا للطهارة لا یوجب عدم جواز التفکیک بین الحدثین فی الرفع و عدمه إذ الطهارة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 205
عن الحدث کالطهارة عن الخبث فکما یجوز زوال خبث دون آخر إذا لم یتماثلا و اختلفا فی الأثر مثل أن یجب لأحدهما الغسل ثلاث مرات و للآخر مرتین فیطهر بالمرتین عن أحد الخبثین دون الخبث الآخر فکذلک یجوز التفکیک بالنسبة إلی الإحداث المتخالفة.
قلت: بعد ما عرفت اتحاد حقیقة کل من الطهارة و الحدث و عدم اختلافهما باختلاف المراتب و الأسباب لا مجال لما ذکرت لأن الحدث لا یصیر متعددا باجتماع أسبابه المختلفة علی محل واحد حتی یجوز زوال بعضه دون بعض و لذا تتداخل الأحداث فی صورة اجتماع الأسباب و لا یجب إلا غسل واحد فهو حکم واقعی منطبق علی القواعد الأولیة لا أنه تعبدی فمع حصول الطهارة لا مجال لبقاء حدث کما أنه مع حدوث الحدث لا مجال لبقاء الطهارة.
و هکذا الأمر فی الخبث فإذا تنجس المحل بأسباب متعددة مختلفة الأثر لا یعقل زوال خبث منه دون خبث آخر لأن الخبث العارض علی محل واحد خبث واحد و إن تعدد أسبابه فلا یعقل التفکیک فیه فالمحل فی المثال المزبور لا یطهر إلا بالغسلات الثلاثة مع أن تنظیر الطهارة عن الحدث بالطهارة عن الخبث فی غیر محله لما عرفت من أن الأولی أمر وجودی و الثانیة أمر عدمی.
و قد اتضح بما بیناه فساد ما ذکر صاحب المدارک حیث قال:" لو تخلل الحدث لغیر غسل الجنابة من الأغسال الواجبة و المندوبة فإن قلنا بإجزائه عن الوضوء اطرد الخلاف و إلا تعین إتمامه و الوضوء لما ظهر لک من أن سائر الأغسال الواجبة أسباب للطهارة بالاتفاق بل الضرورة فلا یعقل بقاؤها علی الصحة و عدم انتقاضها مع حدوث الحدث فی أثنائها و إن کان الحکم بعدم إجزائها عن الوضوء حینئذ مناقضة منهم إذ لازم القول بکونها طهارات إجزائها عن الوضوء و إنما یتم ما ذکره فی الأغسال المندوبة حیث إنها لا تکون أسبابا للطهارة عند الأکثر القائلین بعدم إجزائها عن الوضوء.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 206
و إذا انجر الکلام إلی هذا المقام فلا بأس بالتنبیه علی ما هو المختار عندی فی هذه المسألة.
فأقول بعون الله تعالی و مشیته: إن المستفاد من أخبار أهل بیت العصمة و الطهارة سلام الله علیهم أجمعین إجزاء جمیع الأغسال عن الوضوء واجبة کانت أو مندوبة من وجوه:.
الأول: إن جمیع الأغسال عند الشارع أسباب للطهارة و لا یختص ذلک بغسل الجنابة أما سببیة سائر الأغسال الواجبة لها ففی غایة الوضوح ضرورة أن کلا منها إنما یجب بملاحظة رفع حدث أکبر به فلو لم یوجب الطهارة لم یرتفع به حدث أصلا و أما کون الأغسال المندوبة کذلک فیظهر من الروایات الدالة علی انتقاض غسل الإحرام و الطواف و الزیارة بل مطلق الغسل المندوب للفعل بالحدث الأصغر إذ لو لم تکن من موجبات الطهارة لم یکن وجه لانتقاضها به.
فإن قلت: إنما یتم هذا الوجه فی بعض الأغسال المندوبة و هو المندوب للفعل و أما المندوب للوقت أو المکان فلا مع أن فی روایات الأغسال المندوبة للوقت ما ینافی ذلک فإن الاجتزاء بالغسل اللیلی للیل و بالیومی للیوم کما هو صریح الأخبار لا یجامع مع انتقاضها بالحدث الأصغر.
قلت: یتم ما ذکرناه بعدم القول بالفصل إذ لا قائل بإیجاب بعضها الطهارة دون بعض مع رجوع الغسل المکانی إلی المندوب للفعل لأن المغیا بالغسل الدخول فی المکان و أما ما ذکرت من أن الاجتزاء بالغسل اللیلی للیل و بالیومی للیوم مناف لما ذکرناه ففی غیر محله لأن وظیفة کل من الیوم و اللیل تتأدی بالغسل الواحد فلا دلالة للروایة علی بقائه إلی آخر اللیل حتی ینافی ما بیناه.
و الحاصل أن کلا من الیوم و اللیل ملحوظ بلحاظ وحدته و بساطته فیکفی له غسل واحد لا أنه باق ببقاء الوقت و من هنا ذکر بعض الفقهاء (قدس سرهم) أن الأفضل الإتیان بغسل الجمعة قریب الزوال لیکون صلاته مع الغسل إذ لو لم ینتقض
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 207
بالحدث مع بقاء الوقت لم یکن لما ذکره مجال.
و إذا اتضح أن جمیع الأغسال عند الشارع موجبة للطهارة فلا مجال للقول بإیجاب الوضوء معها لاستحالة بقاء الحدث الأصغر مع حصول الطهارة و إلا لزم اجتماع المتقابلین فی محل واحد فی حالة واحدة.
لا یقال الأغسال إنما توجب الطهارة الکبری و الصلاة و نحوها مشروطة بالصغری فلا یجتزی بها فیما یشترط بالصغری إلا فی غسل الجنابة لثبوت الاجتزاء به بالنص.
لأنا نقول: إن شرط الصلاة و نحوها إنما هی نفس الطهارة الجمعة بین الصغری و الکبری لا خصوص الکبری بل لا معنی لاشتراط الطهارة الصغری إلا جواز الاجتزاء بها و عدم وجوب تحصیل الکبری إذ لا مجال لجعل خصوص المرتبة الضعیفة شرطا إلا إذا کانت المرتبة الکاملة قادحة و من الواضح البین عدم قدح المرتبة الکاملة فی الصلاة و نحوها مما یجتزی فیه بالصغری فلا مجال حینئذ لعدم الاکتفاء بالکبری لأنها الفرد الأکمل من الشرط حینئذ و إلی ذلک یشیر الروایة
" أی وضوء أطهر من الغسل"
أو
" أنقی و أبلغ".
و الثانی: الأخبار الصریحة فی أن مطلق الغسل واجبا أم مندوبا مجز عن الوضوء.
منها ما رواه الشیخ فی الصحیح عن محمد بن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام قال:"
" الغسل یجزی عن الوضوء و أی وضوء أطهر من الغسل"
و اللام فیه للجنس لعدم العهد و یؤکده التعلیل المذکور إذ لا مدخلیة لخصوص غسل الجنابة فی هذا الوصف.
و قد ورد هذا التعلیل بعینه فی غسل الجمعة فی مرسلة حماد بن عثمان عن أبی عبد الله (علیه السلام)
" فی الرجل یغتسل للجمعة أو غیر ذلک أ یجزیه عن الوضوء فقال (علیه السلام): و أی وضوء أطهر من الغسل".
و فی الصحیح عن حکم بن حکیم قال
" سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن غسل الجنابة ثم وصفه قال: قلت: إن الناس یقولون نتوضأ وضوء الصلاة قبل الغسل فضحک (علیه السلام)
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 208
و قال أی وضوء أنقی من الغسل و أبلغ".
و تقریب الاستدلال ما بیناه فإنه و إن کان فی خصوص غسل الجنابة إلا أنه بملاحظة الأخبار المتقدمة و أنه لا مدخلیة لخصوص غسل الجنابة فی هذا الوصف یعلم أن المراد منه العام.
و روی الشیخ فی عدة أخبار
" إن الوضوء بعد الغسل بدعة".
و روی فی الموثق عن عمار الساباطی قال
" سئل أبو عبد الله (علیه السلام) عن الرجل إذا اغتسل عن جنابة أو فی یوم جمعة أو یوم عید هل علیه الوضوء قبل ذلک أو بعده؟ فقال: لا لیس علیه قبل و لا بعد قد أجزأه الغسل و المرأة مثل ذلک إذا اغتسلت من حیض أو غیر ذلک فلیس علیها الوضوء لا قبل و لا بعد قد أجزأها الغسل".
و لا یعارض هذه الروایات و لا یقاومها ما رواه ابن أبی عمیر عن رجل عن أبی عبد الله (علیه السلام)
" کل غسل قبله وضوء إلا غسل الجنابة"
لتعین حملها علی التقیة بعد موافقته لمذهب العامة و مخالفة الروایات المتقدمة لمذهبهم بل لا تصریح فی الروایة علی وجوب الوضوء قبل و إنما تثبت الجواز فلا تنافی الروایات النافی المتقدمة مع أنه لو وجب الوضوء فیما عدا غسل الجنابة بملاحظة عدم ارتفاع الحدث الأصغر به لم یکن وجه للفرق بین تقدیمه و تأخیره عن الغسل.
و الثالث: تداخل الأغسال الواجبة و المندوبة المصرح به فی الروایات إذ لو اختلفت حقیقة الأغسال باختلاف الأحداث أو الغایات و لم یکن عنوان الجمیع الطهارة لم تتداخل بعضها فی بعض فثبوت التداخل فیها علم أن الغسل کالوضوء لیس له إلا حقیقة واحدة و أن الاختلاف إنما هو فی موجباته و غایاته.
و الرابع: أن اختلاف الأغسال فی الآثار إما من جهة اختلاف الحقیقة النوعیة و عدم اندراج الجمیع تحت نوع واحد موجب للطهارة و إما من جهة اختلاف مراتب الطهارة فیها مع اندراج الجمیع تحت عنوان الطهارة إذ مع اتحاد الحقیقة النوعیة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 209
و عدم الاختلاف فی المرتبة لا یعقل التفصیل بینها فی الآثار و لا سبیل لشی‌ء منهما فی المقام.
أما اختلاف الحقیقة فإن کان باعتبار اختلاف الأحداث فهو غیر معقول لأن الغسل مزیل لها فلا یعقل أن یتنوع بها لأن التنوع إنما هو بالفصل المجامع مع الجنس فی الوجود المتحد معه فی الخارج المغایر معه فی مرحلة التحلیل و المزال لا یجتمع مع المزیل حتی یتحد معه فی الخارج و إن کان باعتبار الغایات فذلک لأنها مترتب علی وجود الغسل لا متحددة معه و لیس فی المقام أمر آخر صالح لتنویعه إلی أنواع مختلفة.
و أما الاختلاف فی المرتبة مع الالتزام بحصول الطهارة بمطلق الغسل فالأمر فیه أوضح لأن الطهارة عن الحدث لیس لها فی الشرع الأمر تبتان صغری و کبری و إن کان کل منهما یقبل النقص و الکمال أیضا فمع تسلیم حصول الطهارة منها لا بد من اندراجها تحت إحدی المرتبتین و علی کل تقدیر یوجب الاجتزاء بمطلق الغسل عن الوضوء.
فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح أن الغسل کالوضوء له حقیقة واحدة توجب الطهارة الکبری سواء کان مسبوقا بحدث أکبر أو أصغر أم لا و مجز عن الوضوء مطلقا فینتقض بحدوث الحدث فی أثنائه مطلقا أصغر کان أم أکبر مماثلا للحدث السابق أم مخالفا له و من الغریب ما فصله السید الطباطبائی فی المقام فقال:" إذا أحدث بالأصغر فی أثناء غسل الجنابة الأقوی عدم بطلانه نعم یجب علیه الوضوء بعده" ثم قال:" و کذا إذا أحدث فی سائر الأغسال" ثم قال:" مسألة: الحدث الأصغر فی أثناء الأغسال المستحبة أیضا لا یکون مبطلا لها نعم فی الأغسال المستحبة لإتیان فعل کغسل الزیارة و الإحرام لا یبعد البطلان کما أن حدوثه بعده و قبل الإتیان بذلک الفعل کذلک کما سیأتی" انتهی فإن البطلان بحدوث الحدث بعد الغسل لو أوجب البطلان فی الأثناء لم یکن وجه للتفصیل بین الواجب و المندوب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 210
ثم التزامه بالانتقاض فی خصوص الأغسال المندوبة للفعل لا وجه له مع أن الأغسال المندوبة للمکان ترجع إلی المندوبة للفعل لأنها إنما تستحب لأجل الدخول فی الأمکنة الشریفة.

و ینبغی التنبیه علی أمور:.

الأول: أن المقصود بالذات من الغسل و الوضوء و التیمم هی الطهارة المتحصلة منها المتحدة معها

اتحاد الأمر المنتزع مع منشأ انتزاعه فمرجع اعتبارها شرطا أو کمالا إلی اعتبار الطهارة المتولدة کذلک لا إلی اعتبارها بنفسها کذلک فالأوامر المتعلقة بها إنما تتعلق فی الحقیقة بإیجاد الطهارة عن الحدث و حیث إن وسیلة تحصیلها فی الخارج لا تکون إلا بالأسباب المذکورة بعث علیها مقدمة لتحصیل ما یتسبب عنها و بهذا البیان یتبین لک أمور: الأول: وجه تداخل الأغسال و الوضوءات لأن الطهارة عن الحدث کالحدث لا تقبل التعدد بأن یتطهر الشخص عن الحدث ثم یتطهر مرة أخری من دون تخلل حدث حتی یستقل کل سبب منها فی إیجاب طهارة منفردة عن الأخری فإذا اجتمعت أسباب متعددة موجبة للغسل أو الوضوء یجزی عنها غسل أو وضوء واحد کما هو الحال فی الطهارة عن الخبث فإنه إذا اجتمعت أسباب متعددة لحصول الخبث فی محل واحد یکفی عن الجمیع غسل واحد مزیل لخبث مطهر عنه و لا یجب أن یغسل المحل متعددا حسب تعدد سبب الخبث.
فظهر بما بیناه أن تداخل الأغسال منطبق علی القواعد الأولیة و لا یکون مخالفا للأصل تعبدیا ثابتا بالنصوص کما قد یتوهم و منه ظهر أیضا أن تداخل الأغسال و الوضوءات قهری لا رخصة کما احتمله بعض و أنه لا حاجة فی حصول التداخل إلی نیة الجمیع کما أنه لا یقدح فیه نیة بعضها دون بعض و أنه لا فرق فیه بین أن یکون الکل واجبا أو مندوبا أو مختلفا کما أنه لا فرق فی صورة الاختلاف و نیة البعض بین أن ینوی الواجب أو الندب کما أنه لا فرق بین أن یکون الوجوب غسل الجنابة أو
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 211
غیره لما ظهر لک من أن الغسل کالوضوء له حقیقة واحدة فلا یتفاوت الأمر حینئذ بعد نیة الغسل علی وجه القربة بین نیة جمیع الأسباب الموجبة له أو بعضها و بین نیة السبب الموجب له إیجابا أو ندبا فما قیل من أنه إذا نوی غسل الجنابة أجزأ عن غیره و لو نوی غیره لم یجز عنه فی غایة السخافة.

الثانی: أنه لو اغتسل قبل الوقت و بقیت طهارته حتی دخل الوقت فالظاهر إجزاؤه عن الغسل المندوب للوقت

لأن المقصود من الغسل للوقت صیرورته متطهرا بالطهارة الکبری فی الوقت و لو آنا ما و قد حصلت الطهارة فی الوقت حینئذ و ما اشتهر بینهم من أن الأغسال المندوبة للوقت لا تتأدی الوظیفة إلا بإتیانها فی الوقت مما لم یقم علیه دلیل بعد ما عرفت أن المقصود منه الطهارة لا مجرد إیجاد السبب.

الثالث:أن الطهارة المتحققة فی کل من مرتبتیها صغری و کبری قد اعتبرت فی الشرع

علی وجهین.
الأول: اشتراط جواز العمل و صحته بها کالصلاة و مس المصحف فإنهما لا یباحان إلا بالطهارة صغری کانت أو کبری و الثانی: اشتراط کمال العمل بها کما فی غیرهما من المواضع التی اعتبرت فیها علی وجه الکمال کتلاوة القرآن و نحوها.
و أما الطهارة الکبری فلم تعتبر فی الشرع إلا علی وجه الکمال کالأغسال المندوبة للفعل و الوقت و المکان.
و أما الأغسال الواجبة فإنما تجب لأجل رفع الحدث الأکبر لها حیث کانت مسبوقة به لا لأجل اعتبار الطهارة الکبری فی حد نفسها فی صحة عمل من الأعمال کما هو ظاهر و لذا لا یقدح فی صحة الأعمال المباحة بعد الغسل انتقاضه بالحدث الأصغر و أما الصلاة و مس المصحف فعدم إباحتهما علیه بعد انتقاض غسله بالحدث الأصغر فإنما هو لأجل اشتراطهما بنفس الطهارة لا بالطهارة الکبری.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 212‌

(فائدة 32) [قد اشتهر بین الأصحاب قدس سرهم أن الجنب إذا تیمم بدلا عن الغسل ثم أحدث أعاد التیمم بدلا عن الغسل]

ما دام العذر باقیا سواء کان حدثه أصغر أم أکبر.
و احتجوا علیه بأن التیمم لا یرفع الحدث و إنما یستباح به الدخول فی الصلاة فإذا انتقض بالحدث رجع إلی الحالة الأولی فیجب علیه التیمم حینئذ کما وجب علیه أولا.
و قد نسب إلی علم الهدی قدس سره فی شرح الرسالة أن المجنب إذا تیمم ثم أحدث حدثا أصغر و وجد ماء یکفیه للوضوء توضأ به لأن حدثه الأول قد ارتفع و جاء ما یوجب الصغری و قد وجد من الماء ما یکفیه لها فیجب علیه استعماله و قد اختار بعض المتأخرین وجوب الوضوء علیه حینئذ مع التمکن منه و التیمم بدلا عنه مع عدم التمکن منه سواء قلنا بکون التیمم رافعا أو مبیحا.
و استدل علیه بأن التیمم الذی هو بدل عن الغسل لا ینتقض بالحدث الأصغر فقال ما محصله: و الأظهر عدم انتقاضه بالحدث الأصغر إلا بالنسبة إلی ما یعتبر فیه الطهارة الصغری کالصلاة و نحوها خلافا للمشهور من أنه ینتقض به فیجب علیه إعادته مستدلا علیه بأنه مقتضی قاعدة بدلیة التیمم عن الغسل المستفادة من الأخبار زاعما أن عدم انتقاض المبدل و هو الغسل إلا بالنسبة إلی ما یعتبر فیه الطهارة الصغری مسلم لا ریب فیه محتجا علیه ببقاء إباحة المکث فی المساجد و قراءة العزائم و الاجتیاز من المسجدین الأعظمین التی هی من آثار الغسل بعد تعقبه بالحدث الأصغر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 213
ثم قال لا فرق فیما بیناه بین القول بکون التیمم رافعا أو مبیحا فلا وجه لما قیل من أن قول السید مبتنی علی القول بکونه رافعا و هو باطل أن یلزمه کون وجدان الماء حدثا أو حصول الجنابة من دون سبب و کلاهما خلاف الإجماع و ذلک لأنا نمنع الابتناء أولا لما عرفت من إمکان بقاء الاستباحة بالنسبة إلی آثاره و إن انتقضت بالنسبة إلی کفایته عن الوضوء و ثانیا الإشکال إنما یرد إذا قیل بالرفع مطلقا و إلی الأبد.
و أما إذا قیل بکونه رافعا ما دامیا فلا یرد إذ بعد حصول الغایة یظهر أثر المقتضی الأول فلا یلزم کون وجدان الماء حدثا و لا حصول الغایة من غیر سبب إذ هی مستندة إلی السبب الأول و التیمم رفع أثرها رفعا إلی زمان وجدان الماء.
و الحاصل أن الابتناء المذکور ممنوع کما أن ابتناء مذهب المشهور علی القول بالاستباحة أیضا ممنوع إذ یمکن اختیار کونه رافعا ما دامیا مع اختیار کون الحدث الأصغر مبطلا له و ناقضا بدعوی أن الناقض له مطلق الحدث و لذا تری أن صاحب المدارک مع اختیاره الناقضیة یظهر منه اختیار مذهب السید فی تلک المسألة أعنی کونه رافعا و محصلا للطهارة انتهی.
و فیه: أن انتقاض الغسل بالحدث الأصغر أمر ظاهر عند الأصحاب (قدس سرهم) و ما زعمه من أن جواز المکث فی المساجد و قراءة العزائم و الاجتیاز من المسجدین الأعظمین یدل علی بقاء الطهارة بالنسبة إلیها باطل لأن الأفعال المزبورة إنما تحرم علی الجنب فلا یکون جوازها مشروطا بالطهارة حتی یدل بقاؤه علی بقائها و ارتفاعها بالحدث الأصغر لا یوجب عود الجنابة حتی یوجب عود أحکامها فمقتضی قاعدة البدلیة حینئذ انتقاض التیمم به کانتقاض الغسل به مع أن توهم عدم انتقاض الغسل بالحدث الأصغر إلا فی بعض الآثار باطل من وجوه: الأول: أن الطهارة الکبری و الصغری حقیقة واحدة و إن اختلفتا فی المرتبة شدة و ضعفا کما أن الحدث الأکبر و الأصغر کذلک و الاختلاف فی السبب لا ینافی مع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 214
اتحاد المسبب فی الحقیقة کما هو ظاهر فالطهارة و الحدث أمران متقابلان فی حد أنفسهما فیستحیل اجتماع الطهارة فی أی مرتبة کانت مع الحدث مطلقا و لا یتوهم أن التقابل إنما هو بین الکبری و الأکبر و الصغری مع الأصغر إذ لو لم یتقابل الطهارة و الحدث فی حد أنفسهما لم یعقل التقابل بین المراتب و جاز اجتماع الکبری مع الأکبر أیضا.
و توهم اختلاف مرتبتی الطهارة و الحدث فی الحقیقة مع وضوح فساده و منافاته مع التعبیر بالکبری و الصغری و الأکبر و الأصغر الصریح فی الاختلاف فی المرتبة دون الحقیقة موجب لعدم انتقاض الطهارة الکبری بالحدث الأصغر رأسا لعدم المقابلة بینهما مع التزامه بالانتقاض به فی الجملة کما أنه یوجب حینئذ عدم انتقاض الطهارة الصغری بحدث الحیض و الاستحاضة و النفاس و مس المیت و جواز الدخول فی الصلاة لمن کان متطهرا بالصغری قبل الأحداث المذکورة بالغسل عنها عند من لا یری الاجتزاء بغسل غیر الجنابة عن الوضوء و هو بدیهی البطلان.
و الثانی أن الطهارة عن الحدث کالحدث أمر بسیط قائم بالنفس لا یتطرق فیه التوزیع و التبعیض فی الرفع و عدمه و شدة الطهارة و کبرویتها إنما هی عین الطهارة فی الخارج لا من أحکامها فلا تستقل بالارتفاع.
و الثالث: أنه لو سلمنا جواز استقلالها فی الانتقاض و الزوال لزم انقلابها إلی الصغری حینئذ لأنها کالحدث لها مرتبتان و لا ثالث لهما شرعا فیلزم حینئذ جواز الاکتفاء بها للدخول فی الصلاة و انقلابها إلی مرتبة ثالثة خلف للفرض.
فإن قلت: لو کان الحدث و الطهارة متقابلان فی حد أنفسهما لزم ارتفاع الحدث الأکبر بالطهارة الصغری کما ترفع الطهارة الکبری بالحدث الأصغر.
قلت: تحصیل الطهارة الصغری مع الحدث الأکبر غیر متصور لأن تشریع الوضوء إنما هو لمن لم یکن محدثا بالحدث الأکبر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 215
توضیحه: أن الوضوء مقتض للطهارة الصغری و محلها شرعا هو غیر المحدث بالحدث الأکبر فلا یؤثر أثره إلا مع وجود المحل له و أما سبب الحدث فعلة تامة له و لا یختص تأثیر بمحل خاص فیؤثر أثره فی جمیع الموارد.
فإن قلت: لو انتقض الغسل بالحدث الأصغر رأسا لزم عود الحالة الأولی و هو الحدث الأکبر لأنهما متقابلان و مقتضی ارتفاع أحد المتقابلین ثبوت الآخر فعدم عوده کاشف عن عدم انتقاض الغسل رأسا.
قلت: هذا شأن الضدین اللذین لا ثالث لهما کالحرکة و السکون فإذا ارتفع أحدهما ثبت الآخر لا محالة و أما إذا کان لهما ثالث فلا و المقام من هذا القبیل لأن المکلف له حالات أربعة فی الشرع کونه محدثا بالحدث الأکبر و کونه متطهرا بالطهارة الکبری و کونه محدثا بالحدث الأصغر و کونه متطهرا بالطهارة الصغری فإذا ارتفعت الطهارة الکبری بالحدث الأصغر ثبت الحدث الأصغر و لا مجال لعود الحدث الأکبر کما أنه إذا انتقضت الطهارة الصغری بالحدث الأکبر ثبت الحدث الأکبر و لا مجال لعود الحدث الأصغر.
فإن قلت: لا نقول بالتبعض و التوزیع فی انتقاض الطهارة حتی یرد بعدم تطرقه فیها بل نقول بأن الطهارة الکبری تقتضی الإجزاء عن الوضوء و الحدث الأصغر مانع عنه.
قلت: إن أثر السبب أثره و حدث الحدث الأصغر بحدوث سببه فلا مجال لبقاء الطهارة حینئذ لاستحالة اجتماع المتقابلین و إن ألغی السبب و لم یؤثر أثره لم یکن للمنع عن الإجزاء مجال لوجود المقتضی و عدم المانع حینئذ مع أنه بدیهی البطلان ضرورة أن سبب الحدث علة تامة لحدوثه.
فتبین مما بیناه أن مختار السید (قدس سره) مبنی علی القول بکون التیمم رافعا کما ذکر فی شرح الرسالة حیث علل حکمه بإیجاب الوضوء بأن حدثه الأول قد ارتفع و جاء ما یوجب الصغری و أما ما ذکره هذا المتأخر من أنه لا ینتقض التیمم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 216
البدل عن الغسل بالحدث الأصغر کما لا ینتقض مبدله و هو الغسل به فلم یحتمله أحد لوضوح فساده.
و إذ قد عرفت ذلک فاعلم أن التحقیق ما ذکره أکثر الأصحاب (قدس سرهم) من وجوب إعادة التیمم بدلا عن الغسل ما دام العذر عن الغسل باقیا لتفرع الحکم بالوضوء علی القول بالرفع المستلزم لأحد أمرین باطلین من عود الجنابة بلا سبب أو کون وجدان الماء حدثا.
و أما ما ذکره من دفع المحذور بالقول بکون الرفع ما دامیا و هو أمر معقول فهو فاسد أیضا لما سنبین لک من عدم تطرق الرفع المادامی فی المقام و لا بأس بنقل بقیة کلامه و التنبیه علی مواقع الأنظار فیه.
قال:" ثم لا یخفی أن القول بکون التیمم رافعا للحدث و موجبا للطهارة کما اختاره السید المرتضی و تبعه صاحب المدارک لیس بعیدا من الصواب بل هو ظاهر أخبار التنزیل منزل الوضوء و الغسل خصوصا مثل قوله علیه السلام
" التراب طهور المؤمن عشر سنین"
و قوله علیه السلام
" التیمم أحد الطهورین"
و قوله صلی الله علیه و آله و سلم
" جعلت لی الأرض مسجدا و طهورا"
بل یدل علیه فی تعریف الفقهاء قولهم الطهارة اسم للوضوء و الغسل و التیمم.
و دعوی أنه مستلزم لکون وجدان الماء حدثا مع أنه خلاف الإجماع مدفوعة بأنه إنما یلزم إذا قلنا بکونه رافعا مطلقا و أما إذا قلنا بکونه موجبا للطهارة ما دام عدم وجدان الماء فلا مانع منه.
و ما قد یتخیل من أن هذا راجع إلی القول بکونه مبیحا إذ علی هذا یکون المرفوع مانعیة الجنابة لأنفسها إذ مع رفع نفس الجنابة لا معنی لکونه مغیی بغایة و هذا عین القول بالمبیحیة إذ علیه أیضا یکون المرفوع مانعی الحدث مدفوع بأن القائل بالرفع یقول: إن الحالة الحدثیة و هی الکثافة المعنویة زائلة حقیقة غایة الأمر مع بقاء مقتضیها فبعد مجی‌ء الغایة یؤثر المقتضی أثره و القائل بالاستباحة یقول: إن الحالة باقیة و الکثافة المعنویة حاصلة بعینها إلا أن الشارع رفع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 217
مانعیتها و حکم بصحة العمل معها و الحاصل أن خروج المنی یوجب حالة حدثیة و کثافة نفسانیة الغسل یرفعها بالمرة بحیث لا یبقی لها أثر و لا مقتضی و التیمم علی القول بالرفع المادامی یرفعها لکن مع بقاء مقتضیها و علی القول بالإباحة لا یرفعها و لکن یرفع حکمها الشرعی و هو المنع من الدخول فیما یشترط فیه الطهارة هذا کله إذا قلنا إن الطهارة و الحدث حالتان معنویتان.
و أما إذا منعنا ذلک و قلنا لیست الطهارة إلا حکم الشرع بجواز الصلاة و لیس الحدث إلا حکمه بعدم الجواز فالأمر أوضح و الله العالم" انتهی.
أقول: بعون الله تعالی و مشیته کون التیمم أحد أسباب الطهارة أمر واضح أظهر من أن یستدل علیه و إنما الکلام فی أنه سبب للطهارة التنزیلیة المجامعة مع الحدث المانعة من ترتب آثاره فی حال الاضطرار و عدم التمکن من تحصیل الطهارة المائیة کما حکم به أکثر الأصحاب فإنه المراد من کونه مبیحا لا رافعا أو للطهارة التحقیقیة الرافعة للحدث کما اختاره علم الهدی (قدس سره).
و الأخبار لا تدل علی أزید من التنزیل و لو سلمنا ظهورها فیه یجب صرفها عنه بما ذکره الأصحاب من استلزام الرفع أحد أمرین باطلین فإن المتصور منه فی مورد الحدث إنما هو الرفع المطلق و حصوله بالتیمم مستلزم للمحذور المذکور و ما ذکره من تصور الأقسام الثلاثة فی مورد الحدث الرفع مطلقا و مادامیا.
و تفسیر الأول برفع الحدث مع مقتضیه.
و الثانی برفعه مع بقاء مقتضیه الثالث بارتفاع مانعیته مع بقائه فی غیر محله لأن موجب الحدث لیس إلا الدخول أو الإنزال و لا بقاء لهما و الحدث إنما ینتزع من حدوث أحدهما فلا یتطرق فیه البقاء حتی یرفع مع الحدث مرة و یبقی تارة فالرفع المطلق عبارة عن رفع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 218
الحدث فقط فالمتصور فی المقام قسمان الرفع المطلق و الإباحة و الرفع لا یتحقق إلا بالغسل إذ لو فرض حصوله بالتیمم لزم المحذور المذکور فتعین القول بالإباحة.
توضیح الأمر فیه أن الأمور الانتزاعیة علی قسمین:.
أحدهما: ما ینتزع من وجود منشئها بحیث یدور المنتزع مدار منشئه حدوثا و بقاء کالفوقیة و التحتیة المنتزعتین من محاذاة الجسمین بحیث لو وقع أحدهما لوقع علی الآخر.
و ثانیهما ما ینتزع من حدوث منشئها بحیث یبقی المنتزع بعد زوال منشئه کالفسق المنتزع من ارتکاب المعصیة الکبیرة و رفع المنتزع موقتا لوجود المانع و عوده بعد زواله استنادا إلی وجود مقتضیه إنما یتصور فی القسم الأول.
و من هذا القبیل ارتفاع اللزوم فی مدة الخیار العائد بعد انقضائها استنادا إلی بقاء مقتضیها و هو البیع مثلا مقرونا بعدم المانع و ارتفاع استحقاق النفقة أیام نشوز الزوجة العائد بعد تمکینها استنادا إلی بقاء مقتضیها و هو الازدواج الدائم مقرونا بعدم المانع أو بوجود الشرط.
و أما القسم الثانی فلا یتصور فیه ذلک ضرورة استحالة تأثیر السبب الزائل فی حصول مسببه و لذا لا یعقل حل العقود المنتزعة من الإیجاب و القبول موقتا إذ بعد تحقق الحل یستحیل انعقادها بالصیغ الزائلة و ما نحن فیه من هذا القبیل فإن الجنابة کالطهارة إنما تنتزع من حدوث سببها فکما لا یعقل ارتفاع الطهارة موقتا و عودها بالسبب الزائل فکذا لا یعقل ارتفاع الجنابة کذلک و عودها بالسبب الزائل.
فإن قلت: منشأ الانتزاع حینئذ هو حدوث الإنزال أو الدخول مثلا و الحدوث لا ینقلب إلی اللاحدوث فهو باق فلا مانع حینئذ من عود الأمر المنتزع مستند إلیه.
قلت: نعم منشأ الانتزاع حینئذ هو الحدوث کما أن الأمر المنتزع حینئذ هو الحدوث أیضا و لکنه لا یعقل أن یصیر حدوث شی‌ء منشأ لانتزاع حدوث شی‌ء آخر إلا حین حدوثه فلا یجوز أن یستند إلیه الحدوث المتأخر عنه کما هو ظاهر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 219
فاتضح غایة الاتضاح أن المتصور فی المقام إنما هو الرفع المطلق أو الإباحة و لا مجال لاحتمال الرفع الموقت.
و یوضح ما بیناه أیضا أن الوجه فی ارتفاع الحدث بالغسل بالمرة بحیث لا یبقی له أثر و لا مقتضی، إیجابه الطهارة التحقیقیة المضادة للحدث الملازم وجودها لارتفاعه فلو فرض إیجاب التیمم الطهارة التحقیقیة أیضا لزم ارتفاع الحدث به بالمرة فالتفکیک بینهما مع القول بکونه طهارة تحقیقیة کالغسل غیر معقول مع أن مقتضی الحدث و هو حدوث الإنزال أو الدخول لا یقبل الانقلاب و الارتفاع حتی یقال بارتفاعه بالغسل دون التیمم.
و أغرب منه قوله و أما إذ منعنا ذلک إلخ إذ من الواضح بطلان تفسیر الطهارة بجواز الدخول فی الصلاة و تفسیر الحدث بعدمه و إلا لزم بطلان شرطیة الطهارة للصلاة لأن المشروط بها إنما هی صحة الصلاة و جواز الدخول فیها فتفسیرها به یستلزم اتحاد الشرط و المشروط و هو غیر معقول و أیضا یلزم علی ذلک أن یکون الحدث أمرا عدمیا مع أنه أمر وجودی بالضرورة و التقابل بینه و بین الطهارة من قبیل تقابل التضاد و أیضا لا یستقیم علی ذلک تقسیم الطهارة إلی صغری و کبری و تقسیم الحدث إلی أصغر و أکبر مع أن ترتب رجحان بعض العبادات و کماله علیها من دون توقف جواز الدخول فیه علیها ینافی التفسیر المزبور.
و أیضا مطلوبیة الطهارة نفسا مع قطع النظر عن الغایات المرتبة علیها کمالا أو جوازا توجب القطع بفساده و أیضا الأسباب المانعة عن الدخول فی الصلاة لا تنحصر فی أسباب الحدث فإن منها نجاسة بدن المصلی أو لباسه و منها کون مکانه أو لباسه مغصوبا و منها کون لباسه من غیر مأکول اللحم أو حریرا إذا کان رجلا فلو کان الحدث عبارة عن عدم جواز الدخول فی الصلاة لا الحالة المنتزعة من الأسباب المعهودة المترتب علیها عدم جواز الدخول فی الصلاة لزم أن یکون کل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 220
مانع عن الدخول فی الصلاة من موجبات الحدث و نواقض الطهارة هذا.
و قد نسب إلی بعض المتأخرین اختیار کون التیمم رافعا للحدث مطلقا لکن مع تقیید الموضوع بالاضطرار.
فقال علی ما حکی عنه:" إن التیمم طهور للمضطر و رافع للحدث بالنسبة إلی خصوص المضطر فرفعه للحدث فی مورد الاضطرار علی وجه الإطلاق و التقیید إنما هو للموضوع فیتبدل الموضوع و صیرورة المضطر متمکنا من الغسل یرتفع حکم الموضوع السابق و ینقلب إلی حکم الموضوع الجدید فلا یلزم القول بعود الجنابة بلا سبب أو الحکم بکون وجدان الماء حدثا".
أقول: و فیه أن الطهارة الحاصل بالتیمم إن کانت طهارة تحقیقیة رافعة لحدث الجنابة فی حال الجنابة لا یلزم من تقید موضوعه بحال الاضطرار ثبوت الجنابة لمن زال اضطراره و تمکن من استعمال الماء بل اللازم حینئذ ارتفاع حدث الجنابة و الطهارة معا لأن الحدث ارتفع بطرو الطهارة التحقیقیة کما هو المفروض و انتفت الطهارة الطاریة بانتفاع موضوعها فیصیر المتمکن من استعمال الماء حینئذ غیر محدث و لا متطهر فلا وجه لعود الجنابة و وجوب الغسل.
فإن قلت: الحدث الحاصل بالجنابة حصل مطلقا غیر مقید بحال الاضطرار و التیمم إنما رفع حدثها فی مورد الاضطرار فلم یرتفع بالنسبة إلی المتمکن من أول الأمر فلا یلزم عود الجنابة حتی یقال: أن عودها بلا سبب مستحیل.
قلت: عدم تقید حدث الجنابة بحال الاضطرار لا یوجب صیرورة المتمکن جنبا بعد زوال حدث الجنابة فی حال اضطراره تحقیقا نعم مقتضی عدم تقیده بحال الاضطرار استمراره إلی حال التمکن ما لم یرتفع فی حال الاضطرار تحقیقا کیف و الحدث حدث واحد فکیف یتصور ثبوته بعد ارتفاعه و إلا لزم تخلل العدم بین الحدث الواحد مع أن تقید الطهارة التحقیقیة بحال الاضطرار غیر معقول لأنها تقابل الحدث و المتقابلان إنما یردان علی محل واحد و إلا لم یتقابلا فکما أن الحدث لا یتقید بحال الاضطرار
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 221
فکذلک الطهارة التحقیقیة المقابلة له فالمقید بحال الاضطرار إنما هی الطهارة التنزیلیة المجامعة للحدث الراجعة إلی الإباحة کما عرفت.
فاتضح بحمد الله تعالی غایة الاتضاح أن القول بالرفع غیر متصور و أن الحق ما ذهب إلیه أکثر الأصحاب قدس سرهم من وجود إعادة التیمم بدلا عن الغسل ما لم یمکنه الغسل.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 222‌

(فائدة 33) [مسألة هل تصح الصلاة فی اللباس المشکوک کونه من مأکول اللحم]

أقول: اختلفت فیه کلمات الأصحاب قدس سرهم فقد نسب إلی الأکثر الحکم ببطلان الصلاة حینئذ معللا بأن مقتضی بطلان الصلاة فی أجزاء ما لا یؤکل لحمه اشتراط صحتها بوقوعها فیما یؤکل لحمه و مقتضی الشک فیه الشک فی المشروط المقتضی لعدم الإجزاء و الحکم بالبطلان.
و الأقوی عندی عدم البطلان حینئذ کما اختاره جماعة من المحققین إذ التحقیق أن حرمة أکل اللحم مانعة عن صحة الصلاة لا أن حلیته شرط فی صحتها فلا یجب إحرازها بل یکفی فی الحکم بالصحة عدم العلم بوجود المانع و هی حرمة الأکل لأن الأصل عدمه عند الجهل به.
توضیح الحال أن کون اللباس من مأکول اللحم لیس شرطا لصحة الصلاة ضرورة صحة الصلاة مع عدم کون اللباس من أجزاء الحیوان و توهم شرطیة کون اللباس مما یؤکل لحمه إذا کان من أجزاء الحیوان فی غیر محله لأن مرجع اعتبار حلیة أکل اللحم حینئذ إلی مانعیة الضد و هی حرمة أکل اللحم.
إذ بعد ما تبین أنه لا یعتبر فی مطلوبیة الصلاة و صحتها کون اللباس من أجزاء الحیوان.
تبین عدم تأثیر صفته حینئذ فی المطلوبیة و الصحة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 223
فمرجع اعتبار حلیة الأکل حینئذ إلی کون ضدها مانعا و هو کونه مما لا یؤکل.
فإن قلت: یمکن أن یقال: الشرط فی صحة الصلاة عدم کون اللباس مما لا یؤکل لحمه فیکون الشرط عدمیا.
قلت: لا یعقل جعل العدم شرطا لأن العدم لا یؤثر و لا یتأثر و لو کان مضافا و توهم أن العدم المضاف له حظ من الوجود فیقبل التأثیر و کونه شرطا من هذه الجهة وهم إذ لا یعقل اتصاف الشی‌ء بنقیضه و إلا لزم اجتماع النقیضین کما أن توهم إمکان إرجاعه إلی الوجودی یجعل الشرط کونه من غیر ما لا یؤکل لحمه کذلک إذ الکون حینئذ ربطی مجامع مع السلب و الإیجاب لا أصیل نفسی فلا فرق حینئذ بین عدم کونه مما لا یؤکل لحمه و کونه من غیر ما لا یؤکل لحمه إلا فی التعبیر فلا فرق بینهما فی الواقع و نفس الأمر.
فإن قلت: علل الشرع معرفات لا مؤثرات فلا مانع من جعل الشرط عدمیا إذ لا یستحیل کون عدم شی‌ء علامة لوجود شی‌ء آخر أو عدمه.
قلت: إن أرید بذلک أنها معرفات و علائم لأسباب ذاتیة تکوینیة من جهة عدم تصور جعل السببیة، ففیه أن الأحکام الوضعیة کالأحکام التکلیفیة أحکام مولویة قابلة للجعل ضرورة أنه یجوز للمولی أن یجعل مجی‌ء زید عنده سببا لاستحقاق إکرامه و إحسانه فیأمر عبده بذلک و یقول: إن جاءنی زید فأکرمه مع أن الکشف عن السبب الواقعی الذاتی لا یتصور فیما إذا کان المسبب من المجعولات الشرعیة کالحدث و الخبث و الطهارة عنهما و هکذا إذ السبب الذاتی إنما یتصور بالنسبة إلی ما یکون أمرا واقعیا غیر مجعول.
ثم إنه إن أرید بکونها معرفات أنها کاشفة عن سبق وجود المسببات علیها کما یظهر مما ذکره بعضهم فی مسألة إجازة العقد الفضولی حیث علل کونها کاشفة عن صحة العقد من حینه لا مؤثرة من حینها بأن علل الشرع معرفات فأظهر فسادا و إلا لزم أن تکون أسباب الطهارة من الغسل و الوضوء و التیمم کاشفة عن طهارة متقدمة علیها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 224
و أسباب الحدث الأکبر و الأصغر کاشفة عن ثبوت الحدث قبلها و هکذا و هو مع أنه خلاف الضرورة مستلزم لاجتماع الحدث و الطهارة فی آن واحد.
و إن أرید من کونها معرفات أنها راجعة إلی أحکام تکلیفیة و معرفات لها لانتزاعها عنها فلا حقیقة لها سوی الحکم التکلیفی ففی غیر محله أیضا.
ضرورة استقلال الأحکام الوضعیة فی کثیر من المقامات و عدم تصور رجوعها إلی الأحکام التکلیفیة فهل یمکن إرجاع سببیة النسب و السبب للوراثة و سببیة الزوجیة لاستحقاق تمتع الزوج من زوجته و ثبوت نفقتها علیه مع التمکین و سببیة الوضوء و الغسل للطهارة عن الحدث و الغسل بالماء لإزالة الخبث و هکذا إلی مجرد التکلیف کلا ثم کلا.
و قد أشبعنا الکلام فی محله فی بطلان انتزاع الأحکام الوضعیة من الأحکام التکلیفیة.
و إن أرید من کونها معرفات لا مؤثرات أنه یجوز أن یکون بعض ما هو علة فی ظاهر الدلیل معرفا لا علة فلا کلام فیه و لا یختص به العلل الشرعیة بل یجری ذلک فی الأسباب العرفیة أیضا فإنه یجوز أن یکون العلة فی قول المولی لعبده إن أتاک زید فأعطه دینارا أو درهمان ثبوت دین له علیه و لکن الحکم به موقوف علی قیام الدلیل علیه و لا یحکم به بمجرد الاحتمال مع ظهور الدلیل فی خالفه مع أن ظاهر قولهم العلل الشرعیة معرفات عدم اختصاصها ببعض العلل الشرعیة و جریانها فی جمیع الموارد علی أنه لا یصلح بذلک ما نحن فیه لأن الکلام فی المقام لیس فی جواز جعل عدم کون اللباس مما لا یؤکل لحمه شرطا فی ظاهر الدلیل بل فی کونه شرطا فی الواقع فإن قلت کون شی‌ء شرطا لشی‌ء أمر اعتباری یجوز قیامه بالأمر العدمی: قلت: مجرد کونها أمر اعتباریا لا یجوز قیامها بالأمر العدمی إذ الشرطیة ذاتیة أم جعلیة عبارة عن تأثیر ما هو شرط فی وقوع المشروط و دخله فیه و لا یعقل ثبوت التأثیر للعدم مطلقا.
إذا اتضح لک ما بیناه فقد اتضح لک غایة الاتضاح أنه لا سبیل إلی جعل عدم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 225
کون لباس المصلی مما لا یؤکل لحمه أو کونه من غیر ما لا یؤکل لحمه أو کونه مما لا یؤکل لحمه شرطا فی صحة الصلاة فلم یبق فی البین إلا جعل کونه مما لا یؤکل لحمه مانعا و لیس فی الروایات ما یدل بظاهره علی خلافه بل هی ظاهرة فیه کما لا یخفی و العجب من بعض الأفاضل أنه قال قدس سره فی رسالته المعمولة فی هذا الباب:" ربما یستظهر من الأخبار المتقدمة من حیث تعلق المنع و عدم الجواز بالصلاة فی غیر المأکول أو الأرانب کون حرمة الأکل مانعة من حیث انطباق مفهوم المانع علیها إلا أن التأمل الصادق یشهد بأن المنع فیما لا یؤکل من جهة انتفاء حل الأکل لأن غیر المأکول عنوان انتفاء حل الأکل حقیقة.
و یشهد لما ذکرنا موثقة عبد الله بن بکیر فإنه مع تعلق الحکم فی صدرها علی ما لا یؤکل من حیث إن الأمثلة فی السؤال کانت مصادیق العنوان المذکور تعلق قبول الصلاة بعده علی عنوان حل الأکل بقوله
" لا یقبل الله تلک الصلاة حتی یصلی فی غیره مما أحل الله أکله"
و دعوی کون تعلق الحکم علیه من حیث کونه مصداقا لعدم المانع لا کونه مقصودا بعنوانه کما تری" انتهی.
فإن جعل غیر المأکول عنوان انتفاء حل الأکل کجعل المأکول عنوان انتفاء حرمة الأکل و لا ترجیح لأحدهما علی الآخر و لا شهادة فی موثقة ابن بکیر علی ما زعمه ضرورة أن تعلق قبول الصلاة بعده علی حل الأکل من باب المثال بداهة صحة الصلاة فیما لم یکن مما لا یؤکل لحمه سواء کان من أجزاء الحیوان الذی حل أکله أم لا.
ثم إن الفاضل المذکور زعم أنه لا یجدی القول بکون حرمة اللحم مانعة فی جریان الأصل و الحکم بصحة الصلاة فقال بعد أن حکی عن بعض مشایخ معاصریه التفصیل بین جعل حل اللحم شرطا و ضده مانعا و الحکم بالصحة علی الثانی دون الأول استنادا إلی أصالة عدم المانع:" و أنت خبیر بما فیه فإن مجری الأصل لا یخلوا ما إن یجعل عنوان المانع و مفهومه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 226
أو مصداقه أعنی اللباس فإن تجعل الأول یتوجه علیه أن إثبات مفهوم عدم المانع بالأصل لا یجدی فی إثبات کون اللباس من المأکول و متصفا بعدم المانع إلا علی القول باعتبار الأصول المثبتة و هذا نظیر إثبات کریة ماء الحوض باستصحاب وجود الکر لا باستصحاب کریة الماء.
و بالجملة الأصل فی المتصف لا یثبت اتصاف المحل بالوصف المشکوک و المقصود فی المقام إثبات کون اللباس من المأکول ضرورة کون الحکم مترتبا علیه و إن نجعل الثانی یتوجه علیه عدم الحالة السابقة للباس بالفرض فالفرق بین الشرط و المانع فی أمثال المقام لا معنی له أصلا نعم من قال بالأصول المثبتة کما حکی عن الشیخ المعاصر لزمه الفرق بین الأمرین لکنه فی کمال الضعف و السقوط و التحقیق فی مسألة الاستصحاب" انتهی.
و ما ذکره فی غایة الضعف و کمال السقوط لأن جریان الأصل فی مفهوم المانع کاف فی الحکم بصحة الصلاة من دون حاجة إلی إثبات کون اللباس من المأکول أو متصفا بعدم المانع لأن الصحة حینئذ مترتبة علی عدم المانع و لا یحتاج معه إلی أمر آخر لأن المفروض حینئذ کون اللباس من غیر المأکول مانعا لا کونه من المأکول شرطا فلا یلزم کون الأصل مثبتا فما ذکره من أن المقصود إثبات کون اللباس من المأکول فی غیر محله نعم ما ذکره إنما یتم بناء علی جعل اللباس من المأکول شرطا و هو خلاف المفروض.
ثم إنه یمکن أن یقال بجریان أصالة عدم المانع علی الوجه الثانی أیضا باعتبار تحقق المقتضی لأن وجود کل حادث مسبوق بالعدم ذاتا فیستصحب العدم الأزلی عند الشک فی وجود المانع و لا یضره انتفاء الحالة السابقة لأن المدار علی وجود المقتضی لا علی الحالة السابقة.
فإن قلت: حدوث إحدی الخصوصیتین من حلیة اللحم أو حرمته معلومة إجمالا و لا مجال لجریان الأصل فی إحداهما دون الأخری کما أنه لا مجال لجریان أصالة العدم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 227
فی کلیهما فلا مجال للحکم بنفی إحداهما دون أخری کما أنه لا مجال للحکم بنفیهما معا لمنافاته للعلم الإجمالی.
قلت: إذا کان الأمر مرددا بین خصوصیتین یترتب علی إحداهما أثر دون الأخری یکون الخصوصیة التی لم یترتب علیها أثر فی حکم العدم فکان الأمر حینئذ دائر بین حدوث ما ترتب علیه أثر و عدمه فینفی بالأصل لأن حدوثه مشکوک و المقام من هذا القبیل لأن الأثر و هو المنع من صحة الصلاة إنما یترتب علی حرمة اللحم و أما حلیته فلا أثر لها بوجه فی المقام فهو فی حکم العدم.
و أما إذا علم إجمالا بحدوث أحد أمرین یترتب علی کل منهما أثر فإن کان بینهما جامع ذو أثر یترتب أثره دون أثر کل منهما بخصوصه لأنه مشکوک فیه کما إذا علم بحدوث الحدث إجمالا و لم یعلم أنه أصغر أم أکبر فیمنع من الدخول فی الصلاة لترتبه علیه علی کل تقدیر.
و لا یمنع من قراءة العزائم و اللبث فی المساجد لعدم العلم بکونه أکبر و لا یرتفع حدثه بالوضوء فقط لعدم العلم بکونه أصغر و لا بالغسل فقط لعدم العلم بکونه أکبر فیجب علیه الغسل و الوضوء معا بناء علی عدم إجزاء مطلق الغسل عن الوضوء و إن علم بحدوث أحد أمرین یترتب علی کل منهما أثر و لم یکن بینهما جامع ذو أثر فإن ثبت التکلیف علی کل تقدیر یجب الاحتیاط مع التمکن منه و التخییر مع عدمه و إلا ینحل العلم الإجمالی و یرجع إلی الشک البدوی.
فإن قلت: حجیة قاعدة الاقتضاء و الرکون إلی المقتضی و ترتیب الأثر علیه عند الشک فی وجود المانع ما لم تجامع مع الحالة السابقة ممنوعة و أی دلیل دل علی اعتباره بل ذکر بعض الأواخر أنه لا یعلم المراد من المقتضی ما هو أولا و لا سبیل إلی إحرازه ثانیا و لا دلیل علی اعتباره ثالثا قال بعض مقرر بحثه إن المراد من المقتضی لا یخلو من أحد أمور ثلاث و لا رابع.
العلة التکوینیة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 228
و المصالح المقتضیة للحکم الشرعی و السببیة المطلقة المحرزة من الأدلة الشرعیة کسببیة البیع أو النکاح أو ملاقاة النجاسة مثلا للملکیة أو الزوجیة أو النجاسة بنحو الإطلاق فحیثما شک فی بقاء المسببات فإنما یکون الشک فی المانع و الرافع من إنشاء فسخ أو طلاق أو إیجاد غسل مزیل للنجاسة و هکذا ثم قال ما محصله: إن المعنی الأول لا یجری فی الأحکام الشرعیة التی هی محل البحث و النظر.
و أما المعنی الثانی فلا سبیل إلی إحرازه لغیر من نزل علیه الوحی. و أما المعنی الثالث ففیه مضافا إلی أن ذلک فرع جعل السببیة و هو ممتنع أن إحراز بقاء المقتضی بهذا المعنی کإحراز بقاء الملاک و المصلحة المقتضیة فی عدم إمکانه لغیر من نزل علیه الوحی ضرورة أن کل ما یحتمل رافعیته للحکم الشرعی یحتمل دخل عدمه فی موضوعه فکما یحتمل أن یکون العقد مثلا سببا للملکیة بنحو الإطلاق حتی یکون الشک فی ارتفاعها بالفسخ من قبیل الشک فی الرافع کذلک یحتمل أن یکون سببیته للملکیة مقیدة بعدم الفسخ و مع وجوده تکون السببیة مشکوکة لا محالة.
و لیس فی البین ما یعین أحد الاحتمالین و هکذا الأمر فی سائر الموارد التی زعموا فیها السببیة المطلقة.
قلت: قد بینا لک فی الفائدة الأولی أن هذه القاعدة الشریفة حجة عند العقلاء یعتمدون علیها فی جمیع الموارد و قد قررها الشارع و أطبق الفقهاء قدس سرهم علی العمل بها فی أبواب الفقه بل لا أصل یرکن إلیه عندهم سوی هذا الأصل و إنما یختلف أسامیها باختلاف الموارد فیشتبه الأمر علی من لا اطلاع له علی حقیقة الأمر.
و ما توهمه بعض الأواخر قد أوضحنا لک فساده و نشیر إلیه فی هذا المقام علی وجه الإیجاز.
فأقول المراد من المقتضی فی المقام هو کون المشکوک فیه ثابتا فی حد نفسه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 229
لو خلی و طبعه مع قطع النظر عن المانع سواء کان المنع علی وجه الدفع أو القطع أو الرفع و سواء کان المشکوک فیه وجودا أم عدما فهو وراء الأمور الثلاثة التی تخیلها نعم السببیة المطلقة ذاتا أو جعلا من جملة مصادیقه و ما ذکره من امتناع جعل السببیة أولا و عدم السبیل إلی إحراز المطلقة منها ثانیا فی غیر محله.
أما الأول فلما أشرنا إلیه آنفا من إمکانه و وقوعه فی الشرع فإن الوضوء و الغسل و التیمم أسباب للطهارة جعلا لا ذاتا کما أن أسباب الحدث الأصغر و الأکبر أسباب لهما کذلک مع أن إحراز السببیة من الأدلة الشرعیة لا یتوقف علی الجعل بل یجتمع مع کون السببیة ذاتیة اقتضائیة قد قررها الشارع کما هو الحال فی سببیة العقود و الإیقاعات بالنسبة إلی مسبباتها فإنها جهات عرفیة قد قررها الشارع إلا ما حکم بإبطالها.
و أما الثانی و هو إحراز السببیة المطلقة من الأدلة الشرعیة فالسبیل إلیه فی غایة الوضوح و الظهور و ما توهمه من انسداده إلا علی من نزل علیه الوحی لاحتمال دخل عدم ما یحتمل رافعیته فی موضوع الحکم و عدم قیام دلیل یعین أحد الاحتمالین فی غایة البطلان من وجوه:.
الأول: عدم احتمال أخذ عدم شی‌ء فی موضوع الحکم لاستحالة أن یکون العدم مؤثرا و متأثرا و لو کان مضافا و توهم أن العدم المضاف له حفظ من الوجود من الأغلاط لا یقال أخذ عدم شی‌ء فی موضوع الحکم علی وجه الجزئیة مستحیل لما ذکر و أما أخذه قیدا فی الموضوع فلا مانع له لأن التأثیر و التأثر حینئذ إنما هو للموجود المقید بعدم شی‌ء آخر لا للموجود و العدم حتی یلزم المحذور لأنا نقول: کما یستحیل تأثیر العدم و تأثره یستحیل دخل تقیده فیهما.
و الثانی أن التقیید بعدم ما یحتمل رافعیته فی الأمثلة المزبورة و نحوها باطل مع قطع النظر عما بیناه لأنه إن أرید من تقید السببیة بعدم التعقیب بما یحتمل کونه فسخا أو طلاقا أو حدثا أو مزیلا للخبث و نحو ذلک تأثیره فی أصل السببیة بحیث
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 230
لو تعقب السبب بأحد هذه الأمور انکشف عدم تأثیره من أول الأمر فهو بدیهی البطلان.
و لا یلتزم به من له أدنی دربه.
و إن أرید منه أن التعقیب بأحد هذه الأمور یکشف عن تحدید دائرة السببیة و عدم إطلاقها فکذلک لأن ملک العین و الطهارة عن الحدث و الخبث کالحدث و الخبث لا یقبلان التحدید و التزویج و إن کان قابلا للتحدید إلا أن المفروض وقوع الدائم منه فلا مجال لتوهم رجوعه إلی الانقطاع عند تعقبه بالطلاق أو بما یحتمل کونه طلاقا.
فإن قلت: عدم بقاء المقتضی عند التعقب بما تحتمل رافعیته لا یتوقف علی تحدید المسبب حتی یقال: إنه غیر معقول فی بعض الموارد و مخالف للمفروض فی بعض آخر بل المقصود أن العلة مرکبة من أمر وجودی و عدمی و هو عدم ما یحتمل رافعیته فإذا انقلب العدم إلی الوجود انتفت العلة بانتفاء بعض أجزائه فینتفی المقتضی.
قلت: الترکیب فی المقام غیر معقول لأن العلة فی المقام علة للحدوث لا الوجود و ترکب العلة من الأمر الوجودی و العدمی مع بطلانه فی نفسه إنما یتصور إذا کانت العلة علة للوجود بحیث یدور المعلول مداره حدوثا و بقاء.
و الثالث: أن مفهوم الفسخ و الطلاق و الانتقاض بالحدث و إزالة الخبث بالغسل مثلا یتوقف علی ثبوت مقتضی الدوام و إلا لا یتحقق فسخ و لا طلاق و لا نقض و لا إزالة أ تری أن انقضاء أمد الإجارة أو التزویج فسخ أو طلاق کلا ثم کلا فطرو هذه المفاهیم و نحوها علی الأسباب المذکورة و أمثالها لا یجامع إلا مع إطلاقها و الحاصل أن إطلاق السبب فی هذه الموارد و أمثالها فی غایة الوضوح فکیف یقال بأنه لا طریق لاستکشافه إلا بالوحی و هل هذا إلا وسوسة فی البدیهیات الأولیة و إذ قد اتضح لک ما حققناه فقد اتضح لک أنه لا مانع من جریان أصالة عدم المانع بالنسبة إلی اللباس المشکوک مفهوما و مصداقا و أنه یترتب علی کل منهما الحکم بصحة الصلاة هذا.
و قد استدل لما اخترناه من صحة الصلاة فی اللباس
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 231
المشکوک بوجوه مدخولة.
منها: أصالة البراءة و الحالیة و فیه أن الشک فی المقام إنما هو فی الصحة و البطلان و تحقق الامتثال و عدمه و أصالة البراءة و الحل إنما هو فی الشک فی التکلیف و الأصل الجاری فی المقام إنما هو بقاء الاشتغال لو أغمضنا عما بیناه.
و منها أن اعتبار الشرط المذکور إنما هو مع العلم بالموضوع إما لأجل وضع الألفاظ للمعانی المعلومة أو لأجل انصرافها إلیها و لو فی مقام التکلیف أو لأجل دعوی صراحة أخبار الباب فی ذلک أو لأجل قبح توجیه التکلیف إلی الجاهل و الکل باطل.
أما الأول فلوضوح وضع الألفاظ للمعانی النفس الأمریة.
و أما الثانی فلانتفاء ما یوجب الانصراف کما هو ظاهر.
و أما الثالث فأظهر فسادا کما لا یخفی علی من راجع أخبار الباب.
و أما الرابع ففیه أولا أن الشک لیس فی التکلیف حتی یقال إن توجیهه إلی الجاهل قبیح لما عرفت من أن الشک إنما هو فی الصحة و البطلان.
و ثانیا إنه لا یقبح توجیه الأمر أو النهی إلی الجاهل الملتفت و لو علی وجه التنجیز بأن یوجب الشارع علیه الاحتیاط حینئذ.
و ثالثا لو تنزلنا فإنما یقبح تنجیز التکلیف علیه لا تعلقه به و الفساد یدور مدار التعلق لا التنجز کما هو ظاهر.
و منها إطلاق أو أمر الصلاة و فیه أنه لا نظر للأوامر إلی مرحلة الامتثال حتی یؤخذ بإطلاقها مع أن التردید إنما هو فی المصداق من جهة صدق المطلق علیه أو المقید و اندراجه تحت الأول أو الثانی و من المعلوم أن العام أو المطلق لا ظهور له أصلا عند الشک فی المصداق من حیث کونه داخلا فی موضوع الحکم أو خارجا عنه من جهة الشبهة الموضوعیة و المصداقیة بحیث لا ترجع إلی الشک فی المراد من اللفظ أصلا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 232
نعم یتم ما ذکر بضمیمة ما بیناه من أن الشک إنما هو فی المانع فیندفع بالأصل فیندرج المصداق المشکوک تحت العام و المطلق من جهة أن شمول العمومات و المطلقات للأفراد إنما هو علی وجه الاقتضاء و المقتضی ثابت فی المقام حینئذ و إنما الشک فی وجود المانع المندفع بالأصل.
و منها الآیات الدالة بعمومها و إطلاقها علی تحلیل العنوانات العامة مثل ما خلق و الزینة و اللباس إلی غیر ذلک و کذا الأخبار الواردة بمساقها فإنها تقتضی جواز لبس المشکوک فی الصلاة.
و فیه ما قد عرفت أن الشک لیس فی التحلیل و التحریم بل فی الصحة و البطلان بل التمسک بها أوهن من التمسک بأخبار الحل و أصالة البراءة فإنها عمومات أو إطلاقات اجتهادیة ناظرة إلی الواقع لا تعرض لها لحکم الشبهة الموضوعیة أصلا بخلاف عمومات أخبار الحلیة و أصالة البراءة فإنها ناظرة إلی بیان الحکم الظاهری فی المشتبهات و إن توجه علی کل منهما بأن الشک فی المقام إنما هو فی الوضع لا فی التکلیف.
و منها الأخبار الواردة فی باب الید و سوق المسلمین و فیه أن الید و السوق دلیلان علی التذکیة لا کونه من مأکول اللحم فلا مجال للاستدلال بهما علیه.
و منها حصر المحرمات و فیه أولا أن التردید لیس فی التحلیل و التحریم حتی یستدل بحصر المحرمات علی تحلیله و خروجه عن المحرمات بل فی الصحة و البطلان و ثانیا أن الحصر إنما ینفع لو تم إذا کانت الشبهة فی الحکم من جهة التردید فی أنه من العناوین المحرمة فیستدل بحصر المحرمات و عدم انطباق أحد العناوین المحرمة علیه و عدم تحریمه.
و أما المصداق المشتبه فلا دلالة لحصر أنواع المحرمات علی أنه من غیر المحصور أو المحصور.
و منها الحرج الشدید و السیرة و الإجماع العملی و فسادهما بمکان من الوضوح
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 233
و ینبغی التنبیه علی أمور:.
الأول: أنه قد یتوهم أن استصحاب العدم الأزلی لا ینفع بالنسبة إلی المصداق لأن استصحابه لا یوجب جعل المصداق متصفا بعدم الحرمة لأن الاتصاف بعدم الحرمة کالاتصاف بها أمر حادث و الأصل عدمه فلا یثبت بأصالة العدم الأزلی بالحرمة حال المصداق فلا یجری فیه و إنما ینفع هذا الأصل بالنسبة إلی مفهوم المانع.
و هذا التوهم فی غیر محله فإنه علی تقدیر مانعیة حرمة اللحم لا یتوقف الحکم بالصحة علی ثبوت الاتصاف بعدم الحرمة بل یکفی فی الحکم بالصحة عدم ثبوت الاتصاف بالحرمة أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل بل التحقیق أن مرجع الاتصاف بعدم الحرمة إلی عدم الاتصاف بالحرمة و إنما یختلفان فی التعبیر.
لا یقال: العلم الإجمالی بثبوت الاتصاف إما بالحرمة أو الحلیة ینافی مع الحکم بعدم الاتصاف بأحدهما.
لأنا نقول: لا أثر للعلم الإجمالی فی المقام لعدم ترتب أثر علی الاتصاف بالحلیة فینحل العلم الإجمالی و یرجع إلی الشک البدوی حینئذ هذا کله بناء علی اعتبار قاعدة المقتضی و المانع کما هو التحقیق.
و أما بناء علی عدم اعتباره مفارقا عن الحالة السابقة و إن المدار علی إحراز الحالة السابقة فلا ینفع الاستصحاب المزبور بالنسبة إلی المصداق إذ لا حالة سابقة له حینئذ حتی یستصحب و عدم الاتصاف الثابت قبل وجوده بمعنی انتفائه بانتفاء موضوعه مغایر لعدم اتصاف المصداق الموجود الخارجی فلا یکون الحکم به استصحابا و استمرارا للحالة السابقة قبل وجوده کما هو واضح.
و الثانی أن المانع من صحة المأمور به و وقوع الامتثال علی وجهه کما یجوز أن یکون فعلا اختیاریا کذلک یجوز أن یکون أمرا غیر اختیاری لأن المانعیة من الأحکام الوضعیة لا التکلیفیة فلا تدور مدار أفعال الاختیاریة.
و ما یتوهم من أن المانع
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 234
لو کان أمرا غیر اختیاری لکان مانعا عن الوجوب لا مانعا عن صحة الوجب فی غیر محله إذ لا ینافی کون المانع أمرا خارجا عن الاختیار مورد للفعل الاختیاری لکون اللباس مما لا یؤکل لحمه فإن کون الحیوان من مأکول اللحم أو مما لا یؤکل لحمه خارج عن الاختیار مورد للفعل الاختیاری و هو لبس أجزائه فی الصلاة فلا داعی علی جعل المانع وقوع الصلاة فی ما لا یؤکل لحمه.
و الثالث: أن ما ذکرنا من الحکم بصحة الصلاة فی للباس المشکوک کونه من غیر مأکول اللحم یجری فی اللباس المشکوک کونه حریرا خالصا فإن کون اللباس حریرا مانع عن صحة صلاة الرجل فیه فمع الشک فی کونه حریرا خالصا یؤخذ بمقتضی الصحة و لا یعتد باحتمال المانع.
و توهم اشتراط صحة صلاة الرجل بکون لباسه من غیر الحریر أو بعدم کونه من الحریر قد اندفع بما بیناه مع أن الروایات الواردة فی الحریر إنما تدل علی المانعیة لا الاشتراط.
و الرابع: أن المستفاد من الروایات کراهة الصلاة فی أجزاء ما لا یؤکل لحمه و لو لا الإجماع المدعی علی بطلان الصلاة فیها لکان للمنع منه مجال فإن تم الإجماع فهو المعتمد و إلا فالأوجه القول بالکراهة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 235‌

(فائدة 34) [فی قاعدة الید]

اشارة

اعلم أنه لا إشکال فی اعتبار الید و نفوذ قول ذی الید فی ادعاه الملکیة و إنما الإشکال فی أن الید أمارة منصوبة علیها أو أصل من الأصول و علی التقدیرین هل هی مقدمة علی الاستصحاب فی مورد المعارض مطلقا أو الاستصحاب مقدم علیها کذلک مطلقا أو یفصل بین ثبوت الملک السابق أو الید السابق بإقرار ذی الید و بالبینة فیحکم لتقدم الاستصحاب علیه فی الأول دون الثانی.
ففی الشرائع:" لو ادعی دارا مثلا فی ید إنسان و أقام بینة أنها کانت فی یده أمس أو منذ شهر قیل لا تسمع هذه البینة و کذا لو شهدت له بالملک أمس لأن ظاهر الید الآن الملک فلا یدفع بالمحتمل و فیه إشکال و لعل الأقرب القبول".
و عن الفاضل (قدس سره) فی القواعد:" و لو شهد أنه کانت فی ید المدعی بالأمس قبل و جعل المدعی صاحب ید و قیل لا یقبل لأن ظاهر الید الآن الملک فلا تدفع بالمحتمل".
و فی القواعد أیضا:" و لو شهد البینة بأن الملک له بالأمس و لم یتعرض للحال لم تسمع إلا أن یقول و هو ملکه فی الحال و لا نعلم له مزیلا و لو قال: أعتقد أنه ملکه بالاستصحاب ففی قبوله إشکال أما لو شهد بأنه أقر له بالأمس ثبت الإقرار و استصحب موجبه و إن لم یتعرض الشاهد للملک الحالی و لو قال المدعی علیه کان ملکک بالأمس انتزع من یده فیستصحب بخلاف الشاهد فإنه عن تخمین و کذا یسمع من الشاهد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 236
لو قال هو ملکه بالأمس اشتراه من المدعی علیه أو أقر به المدعی علیه بالأمس لأنه استند إلی تحقیق".
و یوافقه ما فی الإرشاد.
و قد صرح فی المختلف بما اختاره المحقق (قدس سرهما) من دون تردد علی ما نقل عنه.
و فی تمهید القواعد:" و منها ما إذا ادعی عینا فشهدت له بینة بالملک فی وقت سابق أو أنه کان ملکه ففی قبوله وجهان من أن ثبوت الملک سابقا یوجب استصحاب حکمه فیحصل الغرض منها و من عدم منافاة الشهادة لملک غیر له إذ یصدق ما ذکره الشاهد و إن کان الآن ملکا لغیره مع علم الشاهد به و عدمه.
فمن ثم احتاط المتأخرون و أوجبوا ضمیمة أنه باق إلی الآن و لا نعلم له مزیلا لینتفی احتمال علمها بملک غیر المشهود له ظاهرا و علی القاعدة یجوز للشاهد أن یشهد باستمرار الملک إلی الآن حیث لا یعلم له مزیلا عملا بالاستصحاب کما له أن یشهد بأنه لا یعلم له مزیلا و قد حکموا بأنه لو قال: لا أدری زال أم لا لا یقبل و ینبغی عدم الفرق بینه و بین السابق لانتفاء المانع المذکور مع الحکم بالاستصحاب و أما الفرق بین الصیغتین بأن الثانی یشتمل علی تردد مع اشتراط الجزم فی الشهادة بخلاف الإقرار فمما لا یجدی لتحقق الجزم فیهما بأصل الملک الشک فی استمراره و لا یزول بکونه لا یعلم المزیل و الاستصحاب یجری فیهما.
و یتفرع علیه أیضا ما لو قال المدعی علیه کان ملک بالأمس أو قال المقر بذلک ابتداء فقیل لا تؤخذ به کما لو قامت بینة بأنه کان ملکه بالأمس و الأقوی أنه یؤخذ کما لو شهدت البینة أنه أقر أمس و الفرق علی هذا بین أن یقول کان ملکه بالأمس و بین أن یقوم البینة بذلک أن الإقرار لا یکون إلا عن تحقیق و الشاهد قد یخمن حتی لو استندت الشهادة إلی تحقیق بأن قال هو ملکه بالأمس اشتراه منه قبلت"، انتهی.
و فی الجواهر مستدلا لمختار المحقق (قدس سرهما) قال:" لأن الید الحاضرة و إن کانت دلیل الملک لکن السابقة المستصحبة و الملک السابق أولی لمشارکتهما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 237
لها فی الدلالة علی الملک الآن و انفرادهما بالزمن السابق فیکونان أرجح و الحکم باستصحابها أوجب المطابقة بین الدعوی و الشهادة لأن الثابت من اقتضاء الید الملکیة فعلا حال عدم ما یعارضها و لو استصحاب یدعیه الخصم.
و لذا صرح غیر واحد بانتزاع العین من ید من أقر بأنها ملک المدعی أمس بل فی الکفایة:" و فی کلامهم القطع بأن صاحب الید لو أقر أمس أن الملک له أو شهدت البینة بإقرار له أمس أو أقر بأن هذا له أمس قضی به" و إن استشکل هو فی إطلاق ذلک و دعوی ظهور الفرق بین ثبوت الملک بالإقرار و بین ثبوته بالبینة کما سمعته سابقا من کشف اللثام کما تری.
ثم نقل کلمات الفاضل (قدس سره) فی الکتب الثلاثة و شطر من کلام الشهید الثانی فی المسالک و مع ذلک اختار تقدیم الید الحالیة و قال:" و أما ما سمعته من الفرق بین الإقرار و غیره فالمسلم منه إن لم یکن إجماعا ما إذا بقیت العین فی ید المقر و لم یعلم تجدید أخری له فإن الظاهر حینئذ أخذه بإقراره الرافع لحکمها استدامة یده السابقة مع فرض عدم العلم بتجدید غیرها و الأصل عدمها.
أما لو کان قد أقر بها و دفعها إلی المقر له ثم وجدت فی یده المقتضیة کونه مالکا لها فإن انتزاعها من یده لاستصحاب الإقرار السابق محل إشکال بل محل منع ضرورة عدم الفرق بینه و بین انتزاعها باستصحاب الملک السابق الثابت بالبینة الذی قد عرفت عدمه و لذلک یظهر لک الوجه بانتزاعها منها بإقراره الغصبی أو الاستیجار أو نحوهما لأصالة عدم ید أخری غیر التی صادفت إقراره" انتهی.
أقول: بعون الله تعالی و مشیته لا ینبغی الاختلاف بل لا خلاف فی تقدم قول المالک السابق إذا شهدت البینة علی أن حدوث الید اللاحقة کان علی العدوان أو الایتمان و إن لم تشهد باستمرارها إلی زمان أداء الشهادة بل مع التصریح بعدم العلم بحال الید زمان الشهادة و احتماله حدوث سبب ناقل أو تجدید أخری إذ الأصل حینئذ بقاء الید الأولی و استمرار حالتها الأولی و هکذا الأمر لو شهدت له بالملک أمس مع کون
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 238
العین تحت الید اللاحقة حینئذ إذ مرجع شهادته حینئذ إلی أن وقوع الید اللاحقة علی المتنازع فیه لم یکن عن استحقاق.
و الحاصل أن تقدم الید علی الاستصحاب من جهة أنها أمارة أو أصل مقدم علیه إنما هو بالنسبة إلی استصحاب الملکیة السابقة و أما الاستصحاب الراجع إلی نفس الید اللاحقة فلا یعقل معارضتها له و تقدمها علیه ضرورة أنه إذا ثبت ابتناء الید علی عدم الاستحقاق و لم یعلم تجدید أخری أو زوالها عن الحالة الأولی یستصحب بقاؤها علی حالها الأولی و لا معنی لإلغاء الاستصحاب حینئذ بهذه الید المستصحبة و لا یعقل التفصیل فی الرکون إلی الاستصحاب و عدمه بین ثبوت ابتناء الید بالإقرار و ثبوته بالبینة و من هنا ظهر لک ضعف ما فی الجواهر حیث قال:" و أما ما سمعته من الفرق بین الإقرار و غیره فالمسلم منه إن لم یکن إجماعا ما إذا بقیت العین فی ید المقر و لم یعلم تجدید أخری له فإن الظاهر حینئذ أخذه بإقراره الرافع لحکمها استدامة یده السابقة مع فرض عدم العلم بتجدید غیرها" انتهی.
لما عرفت من أنه مع ثبوت ابتناء الید علی عدم الاستحقاق سواء کان بالإقرار أو البینة یوجب استدامتها ما لم یعلم خلافها فلا وجه لما ذکره من أن المسلم ثبوت الفرق بین الإقرار و غیره فی هذه الصورة.
و العجب أنه صریح بعد ذلک بعدم الفرق فقال فی شرح کلام المصنف:" ما لو شهدت بینة المدعی بأن صاحب الید غصبه أو استأجره منه حکم بها لأنها شهدت بالملک و سبب ید الثانی و الأصل عدم تجدد ید أخری غیر الأولی کما أن الأصل عدم تجدد سبب غیر حکم الاستدامة للابتداء و هو واضح" انتهی فإنه تصریح بما بیناه من عدم الفرق.
و قد اتضح لک مما نقلنا من کلماتهم أن المشهور بینهم تقدم قول المالک السابق مع إقرار ذی الید بسبق ملکه أو قیام البینة علی إقراره بل یظهر من الکفایة عدم الخلاف فیه و إن حکی الشهید الثانی قدس سره الخلاف فیه فی تمهید القواعد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 239
و کیف کان فالمهم بیان وجه الفرق بین ثبوت الملک السابق بالبینة و ثبوته بالإقرار و المستفاد من کلام العلامة و الشهید الثانی قدس سرهما کما رأیت أن وجه الفرق صراحة الإقرار فی الملک دون البینة و لذا ألحقاها به فی الحکم إذا استندت إلی تحقیق.
و قال المحقق القمی قدس سره فی جامع شتاته بعد اختیاره تقدیم الید الحالیة علی الملک السابق الثابت بالبینة:" و أما ترجیح البینة علی الید فی صورة الشهادة علی إقراره بالأمس فلأنه شهادة علی ما یتفق بانقطاع ید ذی الید عنه علی فرض صدقه فیصیر استصحابه أقوی من استصحاب الشهادة علی الملک لأنه لا یحصل معه إلا الظن بانقطاع الید.
و أما فی صورة إقرار المدعی علیه فالأمر أوضح لکون الاستصحاب حینئذ ناشئا من أمر موجب لقطع جزما و مفید لانقطاع یده عنه و مالکیة خصمه یقینا بل یوجب ذلک اعتراف ذی الید بکونه مدعیا وظیفته الإثبات بخلاف شهادة الشاهد فإنه لما کان غالبا مبنیا علی الظن مثل الید و الاشتراء من ذی الید و نحو ذلک انتهی ما أردناه.
و یقرب منه ما ذکره المحقق الأنصاری قدس سره فی فرائده فقال:" و أما حکم المشهور بأنه لو اعترف ذو الید بکونه سابقا ملکا للمدعی انتزع منه العین إلا أن یقیم البینة علی انتقالها إلیه فلیس من تقدیم الاستصحاب بل لأجل أن دعواه الملکیة فی الحال إذا انضمت إلی إقراره بکونه قبل ذلک للمدعی ترجع إلی دعوی انتقالها إلیه فینقلب مدعیا و المدعی منکرا و لذا لو لم یکن فی مقابله مدع لم یقدح هذه الدعوی منه فی الحکم بملکیته أو کان فی مقابله مدع و لکن أسند الملک السابق إلی غیره کما لو قال فی جواب زید المدعی اشتریته من عمرو.
بل یظهر مما ورد فی محاجة علی (علیه السلام) مع أبی بکر فی أمر فدک المرویة فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 240
الاحتجاج أنه لم یقدح تشبث فاطمة سلام الله علیها دعواها (علیه السلام) تلقی الملک من رسول الله صلی الله علیه و آله مع أنه قد یقال إنها علیها السلام حینئذ صارت مدعیة لا تنفعها الید و کیف کان فالید علی تقدیر کونها من الأصول التعبدیة أیضا مقدمة علی الاستصحاب و إن جعلناه من الأمارات الظنی لأن الشارع نصبها فی مورد الاستصحاب" انتهی.
و الجمیع فی غیر محله.
أما ما ذکره العلامة و الشهید (قدس سرهما) من صراحة الإقرار دون الشهادة فلأن المعارضة إنما هی بین الاستصحاب و الید لا بینها و بین الشهادة و الإقرار و إلا وجب تقدیمهما علیها من غیر خلاف ضرورة تقدم البینة علی الید کتقدم الإقرار علیها و استناد الاستصحاب إلی الإقرار الذی هو أقوی من الشهادة لا یوجب تقدمه علی الید بعد فرض تقدمها علیه من جهة أنها أمارة کاشفة عن الملکیة أو أصل مقدم علیه و أما ما ذکره المحقق القمی (قدس سره) من أن الشهادة علی الإقرار شهادة علی ما یتفق بانقطاع ید ذی الید عنه علی فرض صدقه فإن أراد منه الشهادة علی إقراره الراجع إلی زمان وقوع یده علیه فهو کذلک إلا أنه لا یوجب الفرق بینها و بین الشهادة علی الملک لما عرفت من أن الشهادة علی الملک السابق المستمر إلی زمان وقوع ید ذی الید علیه ترجع إلی الشهادة علی ابتناء الید علی عدم الاستحقاق الموجب لاستصحاب بقاء الید و بقائها علی حالها الأولی ما لم یعلم خلافها و إن أراد منه الشهادة علی إقراره الراجع إلی ما قبل یده علیه فلا توجب انقطاع ید ذی الید عنه علی فرض صدقه کما هو ظاهر ضرورة عدم تأثیر الإقرار المتعلق بما قبل یده فیها. و من هنا ظهر ضعف ما ذکره من أن اعتراف ذی الید بسبق ملک المدعی یوجب صیرورته مدعیا وظیفته الإثبات لأنه إن أراد الشق الأول فهو کذلک إلا أنه تشارکه الشهادة بالملک فالتفصیل بینهما فی غیر محله.
و إن أراد الثانی فلا وجه له بعد فرض تقدم الید علی الاستصحاب. و ببیان آخر إن صیرورة ذی الید حینئذ مدعیا إن کان باعتبار مخالفة دعواه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 241
لاستصحاب الملک السابق فهو جار فی الشهادة بالملک و الإقرار معا و إن کان باعتبار مخالفة دعواه للاستصحاب الجاری فی الید فهما مشترکان فیه أیضا فالتفصیل بینهما لا وجه له علی کل حال.
و أما ما ذکره المحقق الأنصاری من أن دعواه الملکیة فی الحال إذا انضمت إلی إقراره بکونه قبل ذلک للمدعی ترجع إلی دعوی انتقالها إلیه فینقلب مدعیا و المدعی منکرا فغیر تام أیضا إذ غایة ما ذکره بعضهم فی تقریره أن إقراره بسبق الملک للمدعی باعتبار رجوعه إلی دعوی انتقاله من المقر له الید مبطل لحکم یده مناف للتشبث به و إذ بطل حکم الید یصیر ذو الید مدعیا للانتقال الذی هو مخالف للأصل فلا بد حینئذ من إثباته بالبینة.
و أما مع قیام البینة علی سبق الملک له من دون إقرار ذی الید به فلا مبطل للید فی حد نفسها و لا یکون فی البین ما یتقدم علیها أما بالبینة فلعدم معارضتها معها من جهة عدم تعرضها للملک الحالی المتعرض له الید و أما الاستصحاب فلعدم صلوحه للتقدم علیها بعد أن کانت أمارة أو أصلا مقدما علیه فیؤخذ بالید حینئذ.
و هو باطل من وجهین:.
الأول: أن بطلان حکم الید لا یکون إلا بثبوت ما ینافیه بسبب الإقرار أو البینة و مجرد إقرار ذی الید بسبق الملک للمدعی و دعواه الانتقال منه إلیه لا یکون منافیا للید و لا للتشبث بها حتی یوجب بطلان حکمها.
توضیح ذلک أن للید شأنین: الأول سببیتها لحصول الملک و تحققه واقعا و من هذه الحیثیة تکون فی عرض سائر الأسباب المملکة من البیع و الصلح و الوراثة و هکذا.
و الثانی سببیتها للحکم به فی مرحلة الظاهر أمارة کانت أو أصلا سواء کان حصوله من الید أو سائر الأسباب و هی باعتبار شأنها الأول تختص بالمباحات الأصلیة و ما فی حکمها من الأموال المعرض عنها و باعتبار شأنها الثانی تعم ما علم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 242
بسبق ملکه لغیره و ما اشتبه حاله سبقا و ابتداء و الإقرار بسبق الملک للمدعی إنما ینافی الحیثیة الأولی لا الثانیة التی کلامنا فیها.
ضرورة أن تشبث ذی الید بیده علی الملکیة من الحیثیة الثانیة من قبیل تشبث المستدل بالدلیل علی ثبوت مدلوله فلا ینافیه استناد ملکه من حیث التسبب إلی الشراء و نحو من الأسباب المملکة و إنما ینافیه التشبث بها من الحیثیة الأولی من جهة مقابلتها حینئذ مع سائر الأسباب.
و الحاصل أن منزلة الید من الملک باعتبار الحیثیة الثانیة منزلة البینة منه فکما أن البینة تکشف عن الملک و تجامع مع دعوی الملک ابتداء و انتقالا فکذلک الید سبب للحکم به و مجامعة معهما فالتشبث بالید من هذه الحیثیة لا ینافی دعوی الانتقال بل تشبث بما یصدقه و یحققه لأن اعتبارها أمارة أو أصلا لا یختص بما لم یعلم حاله من حیث سبق الملک لغیره عدمه کما هو ظاهر فلا یختص اعتبارها و کشفها عن الاستحقاق و الملک ابتداء بل یعم الملک ابتداء و انتقالا بمعنی أن الید سبب للحکم بتحقق الملک لذی الید فی الظاهر سواء علم بسبق الملک لغیره أم لا.
فإذا اتضح أن الید کما تکشف عن الملک ابتداء فکذلک تکشف عنه انتقالا فدعوی ذی الید انتقال الملک من المدعی حینئذ دعوی بما تشهد به یده و تصدقه و من المستحیل بطلان حکم الید بادعاء ما توافقه و تساعده هی بل لا تکون دعوی الانتقال حینئذ دعوی بناء علی کون الید أصلا لأن موافقة قوله للأصل الذی هو الید یکفی فی خروجه عن الدعوی و لا یضر مخالفته للاستصحاب الملغی أثره باعتبار تقدم الید علیه و کیف کان فلا وجه لإلغاء ید المقر بسبق الملک للمدعی و إلزامه بإقامة البینة علی الانتقال إلیه لأن الید إن کانت أصلا فإقراره بسبق الملک للمدعی لا یوجب رفع الید عن یده و صیرورته مدعیا کما عرفت.
و إن کانت أمارة فإقراره به و إن کان مستلزما لادعاء الانتقال المخالف للأصل إلا أنه لا یتوجه علیه إقامة البینة لاقتران دعواه بالأمارة المصدقة لها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 243
و الثانی: أن دعوی ذی الید انتقال الملک إلیه لو کانت مبطلة لحکم یده و منافیة للتشبث لها لزم إلغاء یده فی صورة دعواه انتقال الملک إلیه من غیر المدعی و وجوب الإثبات علیه و انتزاع الحاکم المال من یده حتی یقیم البینة فیلزم حینئذ أن یکون المدعی به فی حکم الخارج عن ید المتنازعین و یکون الباب من باب التداعی و مجرد عدم معارضة من أسند إلیه الملک السابق لا یوجب عدم صیرورته مدعیا لأن تحقق الدعوی من الشخص لا یکون فرع معارضة آخر معه.
ضرورة أن الدعوی علی قسمین دعوی بلا معارض و دعوی مع المعارضة و سماع دعواه بالنسبة إلی من أسند إلیه الملک السابق لعدم معارضته معه لا یوجب تصدیق دعواه بالنسبة إلی من عارضه.
و بما بیناه تبین أن ما استشهد به من عدم قدح دعوی الانتقال من غیره فی الحکم بملکیته فی غیر محله إذ لو کان اقتران الید بدعوی الانتقال موجبا لصیرورته مدعیا ساقطة یده عن الأثر لزم استواء الصورتین فی الحکم لأن عدم إلغاء الید حینئذ إن کان باعتبار عدم انقلاب ذی الید مدعیا لعدم معارضة من أسند إلیه الملک السابق معه فقد عرفت أن الدعوی لا یتقوم بالمعارضة.
و إن کان باعتبار سماع دعواه بالنسبة إلی من أسند إلیه الملک السابق فقد تبین لک أنه لا یوجب تصدیقه بالنسبة إلی المعارض.
و الحاصل أن الید لو سقطت عن التأثیر باعتبار اقترانها بالدعوی و صیرورة ذی الید حینئذ مدعیا لم یعقل التفصیل بینهما.
و من الغریب ما أضرب به کلامه فی محاجة مولانا أمیر المؤمنین صلوات الله و سلامه علیه و علی أبنائه الطاهرین مع أبی بکر فی أمر فدک بزعم أن یستنبط منها نفوذ قول ذی الید مع صیرورته مدعیا بسبب وجود المعارضة فإنها من قبیل الصورة الثانیة التی حکم فیها بعدم کون ذی الید مدعیا حینئذ فإن المسلمین بزعم أبی بکر مصارف لما ترکه رسول الله صلی الله علیه و آله صدقة لا أنهم ورثته صلی الله علیه و آله دون قرابته و أهل بیته
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 244
و استیلاء الصدیقة الطاهرة سلام الله علیها کان فی زمانه صلی الله علیه و آله لا بعده.
و أبو بکر بزعمه الفاسد کان ولی المسلمین و لیس لولی المسلمین التفتیش عما وقع فی زمان من قبله و عن التصرف الذی وقع فی زمن رسول الله صلی الله علیه و آله بتسلیطه صلی الله علیه و آله من دون وجود مدع لأن المسلمین لم یکونوا مدعین للمال وراثة و إنما ادعوا بزعمهم الفاسد أنهم مصارف الصدقة و مجرد المصرفیة لا توجب الولایة و ولی المسلمین و هو أبو بکر بزعمهم الفاسد لم یدع العلم بفساد التصرف بل کان عالما بأنه بتسلیط رسول الله صلی الله علیه و آله فالصدیقة الطاهرة سلام الله علیها کانت مدعیة للانتقال عن رسول الله صلی الله علیه و آله و متصرفة و لم یکن لها علیها السلام معارض من الورثة و مجرد استصحاب بقاء المال علی ملک رسول الله صلی الله علیه و آله لا یوجب انتزاعه من المتصرف الذی تصرفه فی زمانه صلی الله علیه و آله بلا معارض حین حیاته و بعد وفاته صلی الله علیه و آله و معارضة المسلمین لها بزعمهم أنهم مصارف الصدقة لا توجب المعارضة للفرق الواضح بین مصرف المال و مرجعه و عدم جواز معارضة المصرف للمرجع المتصرف فلو کان لرسول الله صلی الله علیه و آله وارث غیرها (علیها السلام) و عارضها لکان لما ذکره وجه.
فاتضح أن القضیة الواقعة من قبیل الصورة الثانیة و سماع الدعوی فیها أوضح من أن یبین فإن تقدم الید علی الاستصحاب مع عدم معارضة المالک السابق من أوضح الواضحات نتیجة و إن خفی وجهه علی الأکثر و سیظهر لک وجهه إنشاء الله تعالی فتبین أن من توهم أن الصدیقة الطاهرة سلام الله علیها حینئذ صارت مدعیة لا تنفعها الید فقد کذب إمامه علیه السلام من حیث لا یشعر جهلا منه بالقواعد الواضحة ضرورة أن صاحب الید لا یکون مدعیا قبل معارضة المالک السابق و إنما یصیر مدعیا بعد معارضته و لم یکن لها سلام الله علیها معارض و لکن الغاصب الجاهل فعل ما فعل بعد إتمام الحجة علیه من خلیفة الله صلوات الله و سلامه علیه و علی أبنائه الطاهرین کفرا و عنادا.
لا یقال: لعل وجه إلغاء الید حینئذ هو أن ذا الید إذا أقر بسبق الملک للمدعی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 245
و ادعی انتقاله منه بسبب خاص کلف بإقامة البینة علیه لأن بالید لا تفید السبب الخاص و الأصل عدمه فمع عدم قیام البینة علی السبب الخاص یبطل تملکه لحصره بإقراره فی السبب الخاص فتلغی یده حینئذ.
لأنا نقول: أولا أن هذا الوجه إنما یجری فیما إذا أسند تملکه إلی سبب خاص.
و ثانیا أن عدم ثبوت السبب الخاص بالید لا توجب إلغاءها بالنسبة إلی أصل الملک و حصر المقر إیاه فی السبب الخاص إنما یوجب بطلانه إذا انکشف بطلان السبب لا إذا لم یثبت السبب فیحکم حینئذ بالملک المطلق المجامع مع جمیع الأسباب من دون الحکم بسبب خاص فحال الید حینئذ بالنسبة إلی مدعی السبب الخاص حال البینة القائمة علی الملک المطلق بالنسبة إلی مدعی التملک من سبب خاص فکما لا تبطل البینة بسبب عدم ثبوت السبب المدعی فکذلک الید.
فقد اتضح بما ذکرناه ضعف جمیع ما ذکروه فی وجه الفرق بین ثبوت الملک السابق بالبینة و ثبوته بالإقرار.
و التحقیق أنه ینفذ قول المالک السابق مطلقا.
توضیح الأمر یتوقف علی تحقیق حقیقة الید و بیان وجه اعتبارها.
فأقول بعون الله تعالی و مشیته: إن حقیقتها هی الإحاطة و الاستیلاء و هو متقوم بالطرفین المستولی و المستولی علیه فإن کان المستولی سلطان نفسه و ولی أمره و المستولی علیه قابلا لنفوذ الاستیلاء علیه و لم یکن تحت سلطان غیره ینتزع من الاستیلاء و الإحاطة اختصاص المستولی علیه بالمستولی و مرجعیته فیه بالرجوع التام المساوق للملک التام و لذا یملک الإنسان المباحات الأصلیة و الأموال المعرض عنها الراجعة إلی الإباحة الأصلیة بالإعراض المزیل لمنشإ انتزاع اختصاص المالک الأول بالحیازة.
و من خواص الملک التام رجوع غنم المملوک و غرمه إلی المالک فهو مرجع للغنم و الغرم بحسب الاقتضاء الأولی و لذا یستدل بأحدهما علی الآخر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 246
کما استدل فی الروایة علی رجوع منافع المبیعة فی البیع بالخیار إلی المشتری بأنها لو احترقت لکان منه و إلیه ینظر النبوی الخراج بالضمان فإن الضمان هی العهدة و المراد أن خراج المال تابع لعهدته و غنمه یرجع إلی من یرجع إلیه غرمه لا أن الخراج تابع لتعهد المال للغیر الذی هو الضمان المصطلح و إن کان المستولی علیه قابل لنفوذ الاستیلاء فیه بوجه کالإنسان فلا تأثیر للید فیه بوجه و لذا لا یملک الإنسان الحر باستیلائه علیه و لا یضمن نفسه و لا منافعه إلا إذا استوفاها نعم إذا کان کافرا أو تابعا له یصح استرقاقه و یملکه بالاستیلاء علیه لتنزله منزلة سائر الحیوانات و إن کان مشغولا باستحقاق الغیر یمنع عن تأثیر الید أثرها الأولی من الملک التام المقتضی لمرجعیة ذی الید فی الغنم و الغرم معا و لکن حیث لا یمنع من تأثیرها المرجعیة فی الغرم المعبر عنها بالضمان أثر المقتضی أثره و أوجبت الید الضمان.
و حیث خفی معنی النبوی علی أبی حنیفة و زعم أن المراد بالضمان الضمان المصطلح و هو تعهد للغیر حکم بعدم ضمان الغاصب منفعة البغلة بعد أن کانت مضمونة علیه.
و بما بیناه ینکشف سر کون المبیع مضمونا علی البائع قبل قبضه و عدم انتقال الضمان إلی المشتری إلا بالإقباض مع تملکه له بالعقد الموجب لرجوع غنمه إلیه من زمان وقوع العقد.
توضیحه أن البائع قبل إیجاده البیع کان مالکا للمبیع و مرجعا فی غنمه و غرمه بعد إیجاده البیع الموجب لانتقاله عنه استحقه المشتری فترتب علیه رجوع غنمه إلیه و لکن حیث إن المقصود من عقد البیع لیس مجرد الاستحقاق بل التسلط علیه فعلا الذی لا یتحقق إلا بإقباض المبیع لا یخرج البائع من ضمانه و عهدته ما لم یقبضه المشتری و لا ینتقل الضمان إلیه إلا بعد قبضه.
و هکذا الحال فی الإجارة بالنسبة إلی المنفعة فلا یستحق الأجرة إلا بالإقباض
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 247
فإن رجوع المال إلی الشخص إنما هو بکونه تحت یده و سلطانه فالملک و الاستحقاق یتحقق بالعقد و لکن لا یرجع أمر المال إلیه إلا بالاستیلاء.
فتحصل لک مما بیناه أن الاستقلال بإثبات الید فی الأموال یوجب مرجعیته فی الغنم و الغرم معا أو فی الغرم خاصة و الید التابعة لعدم استقلالها لیست إحاطة و استیلاء بل المستولی و المحیط إنما هو المتبوع و لذا لا یترتب علیها المرجعیة فیهما و لا فی أحدهما.
و أما الأمین فیده ید المالک و رجوع المال إلیه عین الرجوع إلی المالک و هذا هو السر فی منافاة الایتمان للضمان و بطلان اشتراطه فی الودیعة و الوکالة و أمثالهما و أما العاریة فباشتراط الضمان فیها یخرج عن کونها ایتمانا لأنه مقتضی إطلاقها لا ذاتها و التفصیل موکول إلی محله.
و بما بیناه ظهر سر نفوذ قول ذی الید فی تعیین کیفیة یده من الملکیة و الولایة و الوکالة و هکذا فإن الرجوع علی أنحاء یتعین بتعیین المرجع فإن من ملک شیئا ملک الإقرار به و أیضا مقتضی سلطنة الشخص علی نفسه المنتزعة من کونه نفسه استقلاله فی أموره و جهاته و نفوذ تقلباته و تصرفاته و أقاریره فیها فکما أن نفوذ إقرار الشخص بالرقیة و الدین راجع إلی نفسه ابتداء و الإقرار المتعلق بما فی یده راجع إلیها ثانیا.
فقد اتضح مما حققناه أن الید مقتضیة لاختصاص ما وقعت علیه من الأموال بذی الید و استحقاق الغیر مانع عن التأثیر فی الملکیة المقتضیة للمرجعیة فی الغنم و الغرم معا.
فإن علم بانتفاء المانع یحصل العالم بالملک واقعا و تکون الید حینئذ موجبة له و إن شک فی وجود المانع یحکم العالم بالملک ظاهرا اعتمادا علی المقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل فإیجابها للملک واقعا و للحکم به فی الظاهر مستند إلی أمر واحد و هو تحقق المقتضی غایة الأمر أن أثره یختلف باختلاف العلم بعدم المانع و الشک فی وجوده فاختلاف شأن الید إنما هو باختلاف الحالین فالشأن الثانی إنما هو من شئون الشأن الأول المترتب علی المقتضی المعلوم مع العلم بعدم المانع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 248
فإن قلت: فعلی هذا یلزم عدم اعتبار الید فیما علم سبق استحقاق الغیر لاستصحاب المانع المعلوم حدوثه و تقدمه علی المقتضی فیلزم حینئذ عدم الحکم باستحقاقه إلا مع إحراز رضی المالک السابق إن کان الانتقال اختیاریا و موته إن کان الانتقال قهریا مع أن حجیة الید ضروریة سواء علم بسبق استحقاق الغیر أم لا.
قلت: لا شبهة فی عدم الحکم بوقوع الانتقال ببیع أو هبة أو إرث و هکذا لأن الشک فیه شک فی المقتضی و الأصل عدمه و کذا إذا احتمل إعراض المالک السابق فالأصل بقاء ملکه و عدم تأثیر الید اللاحقة إلا أن الحکم بالملکیة لذی الید من جهة أخری لا تنافی ذلک فی مرحلة ترتیب الآثار و لا تقدح المنافاة الواقعیة فی جریان الأصول فإن الأصول کثیرا ما توجب التفکیک بین اللازم و الملزوم.
فنقول: إن الید تقتضی مرجعیة ذی الید و استحقاقه لما وقع تحت یده و استیلاءه فحیث شککنا فی أن رجوع المال إلیه هل هو بإرجاع المالک الأول و وقوع أحد الأسباب الناقلة حتی یکون من شئونه و فی طوله أو أنه ینافیه لاستقلاله بإثبات الید علیه فیکون عادیا فالأصل یقتضی الحکم بعدم العدوان و عدم منافاته للملک السابق کما أن الأصل عدم موافقته له و عدم وقوعه فی طوله و مقتضی أصالة عدم الموافقة و المخالفة الأخذ بظاهر الید و مقتضاه حتی یعلم خلافه.
إن قلت: الأخذ بمقتضی الید و هو اختصاص ذی الید بالمال عبارة أخری عن أنه لا مالک له سواه و هذا عین الحکم بزوال الملک عن المالک السابق.
قلت: فرق بین إثبات الاختصاص بالمقتضی و أصالة عدم المانع و بین إثباته بزوال الملک عن المالک السابق و انتقاله منه إلی ذی الید و الاشتراک فی الأثر لا ینافی التغایر بحسب الذات فالرکون إلی الید و تقدیمها علی الاستصحاب إنما هو لتأخرها عنه فهی فی الحقیقة مقتضی متأخر عن آخر یتقدم علیه لتأخره عنه ما لم یعلم المنافاة و أمکن کونه مترتبا علیه و لهذا یقدم قول المالک السابق فی مقام التعارض لأن الأخذ
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 249
بمقتضی الید إنما یکون مع عدم العلم بوجود المانع و المنافی و قد ثبت بقول المالک السابق فإن من ملک شیئا ملک الإقرار به.
و الحاصل: أنا لا نحکم بزوال الملک عن المالک السابق و انتقاله إلی ذی الید و إنما حکمنا بکونه مالکا له لوجود المقتضی و عدم العلم بالمانع و إن لم ینفک هذا فی الواقع عن زوال الملک عن غیره و إثبات اللازم بحسب الأصل ینفک عن ثبوت الملزوم لما عرفت من جواز التفکیک بینهما فی مرحلة العمل و إعطاء الوظیفة التی هی مؤداة الأصول.
فاستصحاب الملک لا أثر له ما لم تسقط الید عن التأثیر و بإنکار التسلیط و الإرجاع تبطل الید لأن إنکار المالک السابق التسلیط و الإرجاع حیث إنه من شئون سلطنته علی ملکه نافذ مسموع فبقاعدة من ملک شیئا ملک الإقرار به یثبت المانع و المنافی لتأثیر الید فتصیر ملغاة فهی قبل ظهور المعارضة و المخاصمة أصل یرکن إلیه و یعتمد علیه للعلم بتحقق المقتضی و عدم العلم بوجود المانع المندفع بالأصل و بعد ظهور المعارضة و المخاصمة تسقط عن الأثر للعلم بتحقق المانع فقبل العلم بالمخاصمة ذو الید منکر من حیث موافقة قوله للأصل و بعده ینقلب مدعیا لمخالفة قوله لاستصحاب بقاء الملک السابق مع عدم العلم بالمزیل و الناقل و استصحاب بقاء الملک و إن کان جاریا قبل ظهور المخاصمة إلا أنه لم یترتب علیه أثر للعلم بالمقتضی المتأخر و هی الید المتممة بأصالة عدم المخاصمة و المنافاة.
فاتضح بما بیناه أن اعتبار الید من جهة أن حقیقتها هی الإحاطة المقتضیة لاختصاص المحاط بالمحیط لو لم یمنع عنه مانع فهی إنما تنظر إلی اختصاص المحاط بالمحیط و لا نظر إلی نفی الملک و زواله عن غیره بوجه من الوجوه.
و إنما یترتب علیها الاختصاص الفعلی المتحد مع الملکیة فی مورد العلم بسبق الملک لغیره بأصالة عدم المنافاة لا بسبب کشفها عن زوال الملک السابق و انتقاله من المالک السابق إلی ذی الید فهی استصحاب المقتضی لا أمارة و لا أصل آخر و تقدمها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 250
علی استصحاب الملک السابق من جهة أنه مقتضی متأخر عن آخر فیؤخذ به ما لم یعلم منافاته للأول من جهة أنها أمارة کاشفة عن زوال الملک السابق و قاطعة للاستصحاب و إلا لزم تقدمها علی الاستصحاب مطلقا عارضها المالک السابق أم لا ثبت سبق الملک بإقراره أم بالبینة مع أن سماع قول المالک السابق فی صورة إقرار ذی الید بل البینة المستندة إلی تحقیق فی حدود المسلمات عند الأصحاب قدس سرهم بل لزم بناء علی کونها أمارة عدم توجه الیمین علی ذی الید کما لا یتوجه فی مورد قیام البینة بل یلزم أن تعارض البینة و ملاحظة وجود المرجح فی تقدیم إحداهما علی الأخری مع أن تقدمها علی الید من الضروریات قال المحقق الأنصاری قدس سره بعد شطر من کلامه الذی قد عرفت ضعفه هذا مع أن الظاهر من الفتوی و النص الوارد فی الید مثل روایة حفص بن غیاث أن اعتبار الید أمر کان مبنی عمل الناس فی أمورهم و قد أمضاه الشارع و لا یخفی أن عمل العرف علیها من باب الأمارة لا من باب الأصل بالتعبدی و أما تقدیم البینة و عدم ملاحظة التعارض بینهما أصلا فلا یکشف عن کونها من الأصول لأن الید إنما جعلت أمارة علی الملک عند الجهل بسببها و البینة مبینة لسببها و السر فی ذلک أن مستند الکشف فی الید هی الغلبة و الغلبة إنما توجب إلحاق المشکوک بالأعم الأغلب فإذا کان مورد الشک أمارة معتبرة تزیل الشک فلا یبقی مورد للإلحاق و حال الید مع البینة حال أصالة الحقیقة فی الاستعمال علی مذهب السید مع أمارات المجاز بل حال مطلق الظاهر و النص فافهم انتهی.
و فیه أن عدم کون اعتبار الید من باب التعبد فی غایة الوضوح و لکن ذاتیة اعتبارها لا یستلزم کونها أمارة کما هو ظاهر و کیف یمکن سقوط الأمارة عن الاعتبار بأصالة عدم الانتقال المسلم عنده و عند الأکثر بل الجمیع فی صورة إقرار ذی الید بسبق الملک للمدعی مع أنها لو کانت أمارة لم یکن وجه لتقدم البینة علیها مطلقا و یلزم أن تکون معارضة لها و ما أجاب به عن هذا الإشکال فی غایة الغرابة لأن الید
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 251
بناء علی کونها أمارة قاطعة للاستصحاب لا معنی له إلا کونها دالة علی وجود المزیل و المزیل إنما هو السبب الرافع للملک السابق فمع قیام البینة علی خلافها الدالة علی بقاء الملک السابق و عدم تحقق المزیل یتعارضان لأن کلا منهما ناظر إلی الواقع و کاشف عنه و مزیل للشک تنزیلا و لا یکون أحدهما فی طول الآخر.
فما ذکره من أن الید أمارة علی المسبب و البینة علی السبب و إن الید دلیل للجاهل بالواقع دون البینة لأنها مزیلة له فی غیر محله لأن کلا منهما دلیل للجاهل بالواقع مزیل له تنزیلا و ما ذکره سرا لما زعمه مناف لما بنی علیه من کون الید أمارة کاشفة لأن الغلبة بناء علی أنها مستند الکشف فی الید توجب الظن بلحوق الفرد المردد بالأغلب و زوال الشک تنزیلا فکما أن البینة تزیل الشک تنزیلا فکذلک الغلبة بناء علی أنها أمارة فمع التنافی یتعارضان لا محالة و لا وجه لتقدم جمیع الأمارات علی الغلبة حینئذ.
نعم ما ذکره من بقاء الشک مع الغلبة و عدم زواله تنزیلا إنما یتم بناء علی کونها أصلا لا أمارة.
و کیف کان فقد اتضح بما بیناه أن المقدم علی الید قاعدة من ملک المتحققة فی مورد معارضة المالک السابق لذی الید لا مجرد الاستصحاب و إن المشهور عند الأصحاب تقدمها علی الید فإن تقدم قول المالک السابق علی ذی الید فی صورة إقراره بسبق الملک له أو قیام البینة المستندة إلی تحقیق مما لم یخالف فیه أحد ممن یعتد به.
و إنما وقع الاشتباه فی صورة قیام البینة علی سبق الملک من دون استناد إلی تحقیق لاحتمال استناد شهادتها حینئذ إلی مجرد الید و الید السابقة الزائلة لا تکون أقوی من الید اللاحقة الحالیة و هو لیس کذلک لأن الید السابقة کالید اللاحقة مقتضیة للملکیة و مقتضی سبقها علی الید الفعلیة سماع قولها بقاعدة من ملک شیئا ملک الإقرار به ما لم یعلم زوالها و انتقال الملک عنه إلی الثانی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 252
فما زعمه بعض من أن المشهور عند الأصحاب تقدم قول ذی الید ما لم تشهد البینة علی استمرار ملک المالک السابق إلی زمان تصرف ذی الید فی غیر محله.
و من الغریب ما توهمه بعض طلبة العصر من عدم سماع قول المالک السابق ما لم تشهد البینة علی استمرار ملکه إلی زمان المعاوضة و المخاصمة و إن شهدت علی استمرار ملکه إلی زمان وقوع ید المتصرف علیه فإنک قد عرفت أن تقدم الید علی الاستصحاب حینئذ مستحیل لجریان الاستصحاب فی نفس الید و لا یعقل إلغاء الاستصحاب الجاری فی الید بهذه الید المستصحبة.

تنبیهان:

الأول: لو علم بأن ما فی ید زید کان وقفا

و احتمل انتقاله إلیه بأحد الأسباب المجوزة لبیع الوقف لا یکتفی بالید حینئذ لترتیب آثار الملکیة لأن الوقفیة تقتضی تحبیس الأصل و عدم تطرق الانتقال فیه بأحد الأسباب الناقلة و مجرد احتمال طرو جهة مقدمة علی الوقف فی التأثیر موجبة لجواز النقل و الانتقال لا یکفی لأن الأصل عدمه فتلغی الید حینئذ عن الاعتبار لتحقق المانع المعلوم عن تأثیرها و الشک فی زواله فیؤخذ به.

و الثانی أن مجرد بیع المال أو الصلح علیه أو إجارته [لیس من التصرف]

و هکذا من التصرفات العقدیة ما لم یعلم وقوعه تحت یده و استیلائه لیس من التصرف الذی توهم تقدمه علی استصحاب الملک السابق.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 253‌

(فائدة 35) [بحث فی الضمان]

الضمان عبارة عن صیرورة الشخص فی وثاق دین أو عین و لازم کونه نفی وثاق عین کون درکها علی عهدته لا أن حقیقة الضمان عبارة عن ثبوت الدرک علی الضامن ضرورة أن للضمان حقیقة واحدة لا تختلف باختلاف الموارد و لا یجری هذا المعنی فی ضمان الدین فتفسیر الضمان بکون درک العین علی عهدته تفسیر باللازم و هل یتوقف تحقق الضمان فی الدین علی اشتغال ذمته به و صیرورته مدیونا الأقوی العدم فإن الأیدی المتعاقبة یضمن کل منها العین و لا یختص به من تلفت فی یده و إنما یستقر الضمان علیه و لا معنی لاستقرار الضمان علیه لا صیرورته مدیونا لمثل التالف أو قیمته و لذا لا یرجع علی سائر الأیدی لو رجع المالک علیه و ترجع سائر الأیدی علیه لو رجع المالک علیها.
و الحاصل أن استقلال کل منها فی الضمان بحیث یتخیر المالک فی الرجوع علی کل منها لا یجامع مع ملازمة الضمان لاشتغال ذمة الضامن بالدین إذ لا یعقل استقلال کل منها فی اشتغال ذمته بدین واحد فصیرورة الشخص فی وثاق الدین کما یجامع مع کون الدین فی ذمته یجامع مع کون الدین فی ذمة آخر و فی هذه الصورة إنما یفی بما فی ذمة الآخر لو رجع المالک علی غیر من استقر علیه التلف لا بما فی ذمته و إلا لم یکن له الرجوع علی الآخر حینئذ بل قد ینفک الدین عن الضمان فإن عقد الضمان إنما یؤثر انتقال الضمان إلی الضامن مع بقاء الدین فی ذمة المضمون عنه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 254
و ما اشتهر من أن عقد الضمان یوجب انتقال الدین عن ذمة المضمون عنه إلی ذمة الضامن استنادا إلی عدم استحقاق الدائن الرجوع علی المضمون عنه فی غیر محله لأن استحقاق المطالبة من فروع الضمان لا الدین و عقد الضمان إنما ینتقل الضمان عن ذمة المضمون عنه إلی ذمة الضامن فلا یستحق المطالبة إلا عن الضامن.
و یدل أیضا علی بقاء الدین فی ذمة المضمون عنه و عدم انتقاله إلی ذمة الضامن عدم استحقاق المطالبة عن المضمون عنه إذا لم یتبرع بالضمان عنه إلا بما أدی فلو أبرءه الدائن لا یرجع علی المضمون عنه بشی‌ء.
وجه الدلالة أنه لو أوجب الضمان انتقال الدین عن ذمة المضمون عنه فمع عدم التبرع بالضمان إما یوجب اشتغال ذمة المضمون عنه للضامن فی مقابل اشتغال ذمته للدائن أو لا یوجبه کصورة التبرع.
فإن قلنا بالأول لزم جواز رجوع الضامن علیه مطلقا سواء أدی الدین أم أبرءه الدائن.
و إن قلنا بالثانی لزم عدم جواز رجوع الضامن علیه مطلقا کصورة التبرع بالضمان فاستحقاق الرجوع علیه بما أدی و عدم استحقاقه الرجوع بما أبرءه الدائن یکشف عن بقاء الدین فی ذمة المضمون عنه فإن أداه الضامن فله الرجوع علیه إذا کان الضمان بإذنه و قبوله و إن أبرء الدائن الدین أو کان الضمان تبرعا فلا رجوع له علی المضمون عنه لعدم المقتضی للرجوع علیه فی الصورتین.
فظهر بهذا البیان أن النسبة بین الضمان و الدین هی العموم و الخصوص من وجه فقد یجتمعان و قد یفترقان.
و إذ قد اتضح ما حققناه اتضح لک أن المدیون من الأیدی المتعاقبة هو من استقر علیه الضمان سواء کان استقرار الضمان علیه بسبب تلف المال فی یده أو بسبب الغرور أو الإکراه.
و هل تکون سائر الأیدی حینئذ مکلفة بأداء بدل التالف مثلا أو قیمة قبل مطالبة المالک منها أو لا یجب علیهم الأداء إلا بعد رجوع المالک علیها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 255
الأقرب أنه لا یجب علیه المبادرة بالأداء إلا بعد تخیر المالک الرجوع علیها بل لو بادر بعض الأیدی بالأداء قبل تخیر المالک الرجوع علیها یشکل جواز رجوعها علی من استقر علیه الضمان لأنه حینئذ کالمتبرع بأداء دین غیره.
لا یقال: لو کان مجرد الضمان لا یوجب وجوب مبادرة الضامن بالأداء قبل تخیر الدائن الرجوع علیه لزم أن لا یجب علی الضامن فی عقد الضمان المبادرة قبل رجوع الدائن علیه و المطالبة منه.
لأنا نقول: قبول الدائن ضمان الضامن الموجب لسقوط الضمان عن ذمة المدیون بمنزلة تخیره الرجوع علیه بل هو عینه فلا یتوقف وجوب مبادرة الضامن بالأداء حینئذ علی أمر آخر نعم یجب المبادرة علی من استقر علیه الضمان لأنه ضامن و مدیون و لیس ضمان سائر الأیدی مسقطا لضمانه فالمقتضی للمبادرة فیه موجود و المانع مفقود.
ثم اعلم أن الضامن فی عقد الضمان إنما یضمن عن المدیون فیجعل نفسه فی وثاق دینه بدلا عنه و لیس فی البین إلا عهدة واحدة فتقول هذه العهدة بالضامن و تسقط عن المضمون عنه لأنه مقتضی نفوذ عقد الضمان فلا مجال لاستقلال کل منها فی الضمان حینئذ و هذا بخلاف الأیدی المتعاقبة حیث إن کلا منها تستقل بالضمان لأن کلا منها فی عرض الأخری و لا تکون الید اللاحقة ضامنة عن الید السابقة ضرورة أن تأثیر الید اللاحقة لا یتوقف علی تأثیر الید السابقة حتی تکون بدلا عنها و قد خفی هذا المعنی علی العامة و جعلوهما من باب واحد و حکموا بأن الضمان فی عقد الضمان ضم ذمة إلی ذمة أخری نظیر الأیدی المتعاقبة و لم یقتبسوا العلم من أهله و لم یأتوا المدینة من بابها و هم أهل بیت النبوة سلام الله علیهم فافهم و اغتنم و الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنا لنهتدی لو لا أن هدانا الله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 256‌

(فائدة 36) [تتمیم فی قاعدة المقتضی و المانع]

قد ذکرنا فی الفائدة الأولی أن من موارد انفکاک قاعدة المقتضی و المانع من استصحاب الحالة السابقة حکم الأصحاب (قدس سرهم) بأصالة عدم النسب فی المرأة المشکوکة ففی کونها من المحارم النسبیة و جواز تزویجها و لا مدرک لهذا الحکم إلا الاعتماد علی المقتضی المعلوم و عدم الاعتداد باحتمال المانع إذ لا حالة سابقة لها حتی تستصحب.
و قد یتوهم أن حکمهم بصحة التزویج و ترتیب آثار عدم النسب المحرم إنما هو باعتبار إطلاق أدلة جواز التزویج و عدم اعتبار قید الأجنبی فیها و إنما المقید هو أدلة تحریم التزویج فینفی بالأصل عند الشک فی تحققه فمدرک الحکم حینئذ هو الرجوع إلی المطلقات لا الاعتماد علی القاعدة المزبورة فوجب علینا دفع هذا التوهم و إزاحة الشبهة تشییدا لما بیناه.
فأقول بعون الله تعالی و مشیته إن کان المراد من إطلاق الأدلة المجوزة للتزویج إطلاق موضوعها و سریان حکم الجواز اقتضاء حتی فی مورد النسب و لا ینافیها طرو عدم الجواز باعتبار وجود المانع إذ لا منافاة بین وجود المقتضی مع وجود المانع فالأخذ بالإطلاق حینئذ أخذ بالمقتضی المعلوم مع الشک فی وجود المانع.
و إن کان المراد الإطلاق اللفظی فهو غیر کاف فی تعیین حال المصداق لأن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 257
التقیید ثابت حینئذ و الشک إنما هو فی المصداق من جهة اندراجه تحت المطلق أو المقید و من المعلوم أن إطلاق اللفظ لا یکفی فی تعیین حال المصداق فإن قلت: نعم مجرد إطلاق اللفظ لا یوجب درج المصداق المشتبه تحت المطلق و لکن لا مانع من درجة تحته بمعونة استصحاب عدم المحرمیة أزلا فاستصحاب العدم الأزلی یعین حال المصداق فیندرج تحت المطلق.
قلت: إن کان المراد من استصحاب العدم الأزلی استصحاب الحالة السابقة فهو باطل لأن الحالة السابقة هی انتفاء الموضوع لا انتفاء المحمول عن الموضوع و الحالة اللاحقة المشکوکة هی اتصاف الموضوع الموجود فی الخارج بالمحرمیة و عدمها و لیس له حالة سابقة حتی تستصحب.
و ما توهم من أنه إن أخذ عدم المحرمیة من قبیل العدم النعتی لا یجری فیه الاستصحاب لانتفاء الحالة السابقة و إن أخذ من قبیل العدم المحمولی یجری فیه الاستصحاب وهم لأن سلب المحرمیة عن المصداق سواء أخذ علی وجه التقیید أو علی وجه الحمل لم یکن له حالة سابقة و إن کان الغرض منه الأخذ بمقتضی العدم الأزلی من حیث اقتضائه البقاء علی حاله ما لم یثبت علة الوجود فهو عین ما بیناه من الرکون إلی المقتضی المعلوم و عدم الاعتداد باحتمال المانع.
و الحاصل أن إرجاع هذا الفرع و نحوه إلی استصحاب الحالة السابقة غیر معقول و ما ذکر فی إرجاعه إلی استصحاب الحالة السابقة لا یرجع إلی محصل مع أنه إن قلنا بأن مرجع التقیید حینئذ إلی أن القید مانع و یکون المطلق باقیا علی إطلاقه فی مرحلة الاقتضاء لعدم المنافاة بین سریان حکم المطلق فی جمیع أفراده اقتضاء و عدم ترتب أثر علیه فعلا لوجود المانع فهو اعتراف بما بیناه و اخترناه.
و إن قلنا بأن المقید موضوع لحکم التحریم ابتداء و لا یسری فیه حکم المطلق حتی علی وجه الاقتضاء کما هو مختاره و زعمه فالمطلق حینئذ لا یکون باقیا علی إطلاقه و إلا لزم اجتماع حکمین متضادین علی موضوع واحد فلا محالة یکون المطلق مقیدا بغیر مورد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 258
القید فیکون عدم القید حینئذ قیدا للموضوع فیکون العدم حینئذ نعتیا لا محمولیا فالفرق بین العدم النعتی و المحمولی لو تم لا ینفعه فی المقام و أمثاله.
فإن قلت: ذات الموضوع و خصوصیته من المحرمیة و هکذا أمران کانا منتفیین سابقا و بانقلاب عدم ذات الموضوع إلی الوجود لا نعلم بانقلاب عدم خصوصیته إلی الوجود فنستصحبه.
قلت: إن أرید منه استصحاب عدم المحرمیة من دون إضافة إلی الموضوع الموجود فی الخارج فهو صحیح و یترتب علیه أثره إن کان له أثر و إن أرید استصحاب عدم محرمیة هذا الموجود الخارجی فلا سابقة له حتی یستصحب نعم عدم محرمیة هذا الموجود من اللوازم العقلیة لعدم المحرمیة المستصحب من دون إضافة و لا یثبت بالاستصحاب اللوازم العقلیة بالضرورة. و ما یتوهم من أن الشخص قبل وجوده فی الخارج متشخص بخصوصیاته المشخصة من المحرمیة أو الأجنبیة و هکذا ثم یعرضه الوجود استنادا إلی صحة قولک وجد أخت لزید أو لم توجد له مثلا وهم فاحش لاستحالة ثبوت التشخص قبل الوجود و قد اشتهر اشتهار الضروریات الأزلیة إن:" الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد" کما أنه ما لم یوجد لم یتشخص فالتشخص مساوق للوجود و من لوازمه و إسناد الوجود إلی الشخص فی القضیة اللفظیة إنما هو باعتبار مقارنة الوجود مع التشخص لا باعتبار عروضه علی المشخص و إلا لزم أن تکون المشخصات من الأجنبیة و المحرمیة من عوارض الماهیة لا الوجود و لزم اتصاف المرأة قبل وجودها فی الخارج بإحداهما إذ لا یجوز ارتفاع الضدین اللذین لا ثالث لهما عن محلهما مع أن عدم اتصافها قبل وجودها فی الخارج بأنها مناسبة أو أجنبیة من البدیهیات الأولیة و لیس هذا إلا لأنهما من عوارض الوجود لا الماهیة و هکذا الأمر فی نظائرهما من المشخصات.
فإن قلت: لا حاجة إلی استصحاب عدم المحرمیة فی الحکم بجواز تزویج المرأة المشکوکة إذ مع إطلاق أدلة جواز التزویج و الشک فی المحرمیة نشک فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 259
ثبوت التقیید فنحکم بمقتضی الإطلاق ما لم نعلم المحرمیة.
قلت: الشک لیس فی أصل التقیید حتی نحکم بإطلاق الدلیل بل الشک فی المصداق مع ثبوت أصل التقیید فلا مجال للرجوع إلی إطلاق الدلیل مع أن الحکم بالإطلاق فی صورة الشک فی أصل التقیید إذا کان الشک فی التقیید من أول الأمر لا یتم إلا علی قاعدة الاقتضاء و المنع کما أوضحنا الکلام فیه فی الفائدة الأولی.
فتلخص مما بیناه أن إطباق الأصحاب قدس سرهم علی الأخذ بالعدم الأصلی فی الفرع المزبور و أمثاله لا یتم إلا علی قاعدة الاقتضاء و المنع و کاشف عن أن هذه القاعدة الشریفة من المسلمات المرکوزة فی الأذهان بل المجبول علیها الطبائع و إنما حدثت الشبهة لبعض الأواخر فزعم أنه لا دلیل علی اعتبارها بل لا سبیل إلی إحراز المقتضی و المانع و قد تقدم کلامه و أوضحنا فساد ما زعمه.
تم الجزء الأول من کتاب الفوائد العلیة مع اشتغال البال و ضیق المجال ثالث عشر ذی الحجة الحرام سنة إحدی و سبعین بعد الألف و ثلاثمائة علی ید مؤلفه العبد المفتقر إلی عفو ربه الغنی علی بن محمد بن علی الموسوی البهبهانی حامدا مصلیا مسلما.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 260‌

(فائدة 37) [بحثی فلسفی از کتاب بستان السیاحة]

سؤال: در بستان السیاحه در حرف راء در ذیل ذکر رشت و حالات شیخ زاهد گیلانی که از جمله صوفیه است ذکر مینماید و کلماتی راجع بمشرب عرفان از او نقل میکند و میگوید روزی می‌فرمود که مردم روزگار توهم نموده‌اند که این مراتب علیه و مناصب سنیِّه وقف قومی است که در ازمنه ماضیه بوده‌اند بلکه نه چنین است.
بیت:
فیض روح القدس ار باز مدد فرماید دیگران هم بکنند آنچه مسیحا می‌کرد
و نوبتی بیان نمود که دانستن اصول وصول و قواعد عقائد یا بطریق فکر است و آن مسلک متکلمین و حکماء مشائین است یا بطریق ریاضت و آن مسلک صوفیه و حکماء اشراقیین است که ایشانرا رواقیین هم گویند مَثَلُ الْفَرِیقَیْنِ کَالْأَعْمیٰ وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِیرِ وَ السَّمِیعِ هَلْ یَسْتَوِیٰانِ مَثَلًا أَ فَلٰا تَذَکَّرُونَ در طریق اول خار شبهه بسیار است و قدم عقل از رهگذر افکار افکار بیت.
پای استدلالیان چوبین بود پای چوبین سخت بی تمکین بود
گر کسی از عقل با تمکین بدی فخر رازی راز دان دین بدی
غایت دلیل مناقشه و خلاف است و اساس بر ظن و قیاس و بر تخمین و گزاف وَ مٰا یَتَّبِعُ أَکْثَرُهُمْ إِلّٰا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لٰا یُغْنِی مِنَ الْحَقِّ شَیْئاً بعضی در مدرسه میان اهل وسوسه بسیار جان کنده‌اند و کمندی چند از تقلید در گردن عقل افکنده‌اند نه در میخانه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 261
تحقیق باده عرفان نوشند و نه در قدم پیر مغان بتهذیب کوشند ارباب عرفان مدعی علم و مشاهده‌اند و علماء ظاهر مدعی ظن و گمان و قیاس و استحسانند زیرکان دانند که مرتبه مدعی علم و دانش فوق مرتبه مدعی ظن و گمان است.
و آیة هَلْ یَسْتَوِی الَّذِینَ یَعْلَمُونَ وَ الَّذِینَ لٰا یَعْلَمُونَ إِنَّمٰا یَتَذَکَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ ترجمه‌اش این است آیا مساویند آنها که میدانند و آنها که نمیدانند بتحقیق که یادآوری میکنند صاحبان لب و اهل تحقیق این آیه را بشنو لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِینَ لٰا یَعْلَمُونَ یعنی تابع مشو البته رأی آنها را که علم ندارند فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلٰالُ یعنی غیر از علم گمراهی است و کسی که بدون علم حکم کند بدبخت و شقی است بمصداق وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَی اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ* و صلی الله علی محمد و آله.
شیخ مذکور در تنقید طریق فکر و استدلال و تشیید طریق کشف و شهود کلام خود را بنهایت رسانیده است بنحویکه موجب حیرت و شبهه جمعی گردیده لذا مستدعی جواب شافی از حضرتعالی هستم که کاملا رفع شبهه نمائید.
جواب: بسم الله تعالی شأنه و له الحمد بسیار شگفت و تعجب است از کسیکه ادعاء فضل و کمال نماید و خود را از اهل وجد و حال داند و گمان نماید که پایه فکر و استدلال بر ظن و گمان و تخمین و جزاف است چه واضح و روشن است که مرجع استدلال و فکر بکشف مجهولات نظریه از معلومات بدیهیه است و بدیهی است که کشف مجهولی از معلومی صورت نگیرد مگر این که وجود هر یک ملازم وجود دیگری باشد و ملازمه میان وجود هر یک با دیگری بیکی از دو وجه است یا به اینکه احدهما علت دیگری باشد خواه معلوم معلول باشد که از او پی بوجود علت برد مثل پی بردن از وجود مصنوعات بوجود صانع حکیم و خواه معلوم علت باشد که از او پی بوجود معلول برد مثل پی بردن از حکمت حکیم علی الاطلاق به اینکه افعال او همه بر طبق حکمت و صواب است اگر چه عارف فعلی او نباشد یا به اینکه هر دو معلول یک علت باشد مثل پی بردن از دیدن دود بحرارت هواء
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 262
مجاور آن و لذا منحصر نموده‌اند اهل نظر دلیل را در انی یعنی از معلول پی بردن به علت و لمی یعنی از علت پی بردن بسوی معلول و پی بردن از احد معلولی علت واحده بمعلول دیگر مرکب از ان و لم است و خالی از هر دو نیست و بدیهی است که از علت پی بردن بسوی معلول و بالعکس موجب علم و یقین است نه ظن و تخمین و هرگاه پایه فکر و استدلال بر ظن و تخمین بود خداوند عز و جل مدح تفکر و تدبر را در کلام مجید خود نمیفرمود و حال این که در آیات بسیار امر بتفکر نموده است و مدح فرموده است اهل تفکر و تدبر را و ذم نموده است کسانی را که تفکر و تدبر نمینمایند و نهایت عجب و شگفتی این است که با کثرت آیات کریمه و اخبار شریفه در مدح تفکر هیچکدام بنظر شریف ایشان نرسیده با ادعاء مرتبه جلیله از کشف و شهود و ترنم بشعر حافظ و دعوی برابری با حضرت مسیح علیه السلام.
________________________________________
بهبهانی، سید علی، الفوائد العلیّة - القواعد الکلیّة، 2 جلد، کتابخانه دار العلم، اهواز - ایران، دوم، 1405 ه ق

الفوائد العلیة - القواعد الکلیة؛ ج‌1، ص: 262
پس از این بیانات منکشف گردید که مثل اهل فکر و استدلال مثل بصیر و سمیع است نزد خداوند متعال و الا مدح آنها را نمی‌فرمود و اعمی و اصم مثل تارکین تفکر و تدبر است و آیات دیگری را که در این باب استشهاد نموده است به هیچ وجه ارتباط به اهل استدلال ندارد بلی آیات مزبوره صادق بر اهل قیاس و استحسان میباشد و احدی از علماء امامیه عامل بآنها نیست.
شاید کسی از طرف شیخ زاهد گیلانی اعتراض نماید و بگوید هرگاه پایه استدلال بر علم و یقین است نه ظن و تخمین این اختلافات در میان مردم از کجا پیدا شده بعضی قائل بجبر و بعضی قائل بتفویض و بعضی قائل باختیار و امر بین الامرین بعضی مجسمه‌اند و بعضی حلولیه الی غیر ذلک از اختلافات میانه فرق مسلمین و غیرهم از اهل کتاب و مشرکین و طبیعیین.
میگویم در جواب معترض: اولا اختلاف مشارب و مسالک اختصاص باهل استدلال ندارد بلکه اهل استدلال و مدعین کشف و شهود هر دو در اختلافات مذکورة شریکند بسیاری از
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 263
گویندگان اقاویل باطله از جبر و تفویض و تجسم و حلول و وحدت وجود مدعی کشف و شهودند.
و ثانیا اختلاف مذاهب و مسالک ناشی از عدم رعایت قاعده استدلال است نه از فساد فکر و استدلال چه قاعده استدلال به طوری که مبین گردید آنفا و سابقا مبنی بر اساس متین و پایه رزین است و اختلاف و تخلف در او راه ندارد چه بدیهی است که وجود علت تامه کاشف از وجود معلول است کما این که وجود معلول کاشف از وجود علت است پس ناچار اختلاف ناشی از عدم رعایت قاعده استدلال است.
مثل قاعده استدلال مثل قواعد حساب است از ضرب و جمع و تفریق و جبر، مقابله و هکذا کما این که قواعد مزبوره در غایت متانت و استحکام است و اشتباه محاسب أحیانا کاشف از فساد قاعده نیست بلکه ناشی از عدم رعایت قاعده است همچنین راجع بقاعده استدلال.
و چنانچه معترض اعتراض از وجه دیگر نماید و بگوید علماء ظاهر ادعاء فوق ظن و گمان در مسائل ندارند و معترفند که علم قطعی بمسائل ندارند و اعتراف آنها بعدم علم قطعی بمسائل کاشف از این است که پایه استدلال آنها بر ظن و گمان است.
میگویم راجع باصول دین و اصول مذهب و قواعد عقائد که مورد بحث و نظر است جمیع علما ادعاء علم در آنها مینمایند و سوای علم و یقین را کافی نیمدانند و تحصیل علم و یقین را واجب میدانند و احدی اکتفی بظن در اصول ننموده بلی راجع بفروع احکام بما دون علم قطعی اکتفی مینمایند در صورتی که اعتبار آن بعلم قطعی ثابت شده باشد مثل بینه و سائر امارات و اصول معتبره و بدیهی است که اخذ بامور بعلم قطعی اتباع علم و رکون بیقین است نه رکون بظن و تخمین.
باز هرگاه معترض نماید از وجه دیگر و بگوید خبر شریف:"
العلم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 264
لیس بکثرة التعلیم و التعلم بل نور یقذفه الله فی قلب من یشاء.
دلیل بر این است که علم از مقدمات استدلال حاصل نمی‌شود و قذفی و اشراقی و موهوبی است از جانب حضرت حق پس معلوم میشود که علم حاصل نمیشود مگر بکشف و شهود.
میگویم معنی حدیث شریف این است که عطاء علم که طعام و رزق روحانی روح است مثل رزق جسم است که عطاء آن بمشیت و تقدیر حضرت حق است و تکثیر مقدمات موجب ازدیاد نتیجه نیست بلکه کافی است در حصول آن ترتیب مقدمات بمقدار متعارف و عمده چیزی که موجب ازدیاد نتیجه است اخلاص و توجه بمبدا فیاض علی الاطلاق است.
پس حدیث شریف ناظر است به اینکه طالب علم باید توفیق و تأیید را از پروردگار عالم طلب نماید نه این که پایه استدلال بر ظن و گمان است و از این بیانات متبین گردید که پایه استدلال بحکم صریح عقل بر اساس محکم و مستحکم استوار است و به هیچ وجه خلل پذیر نیست و میر داماد (قدس سره) در جواب ملای رومی به نظم در آورده.
بیت
ای که گفتی پای چوبین شد دلیل ور نه بودی فخر رازی بی بدیل
فرق ناکرده میان عقل و وهم طعنه بر برهان مزن ای کج بفهم
هست در تحقیق برهان اوستاد داده خاک خرمن شبهه بباد
در کتاب حق أولوا الألباب بین وان تدبر را که کرده است آفرین
ز آهن تثبیت فیاض مبین پای استدلال کردم آهنین
پای برهان آهنین خواهی براه از صراط المستقیم ما بخواه
و کمال تعجب و شگفتی از سید قطب الدین نیریزی است که بعضی او را از اکابر عرفاء و اقطاب سلسله ذهبیه شمرده‌اند و مع ذلک متنبه بکلام میر داماد نشده و پاسخ داده او را و به نظم آورده.
بیت
ای که طعنه میزنی بر مولوی ای که محرومی ز فیض مثنوی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 265
گر تو فهم مثنوی میداشتی کی زبان طعنه می‌افراشتی
گر چه سستیهای استدلال عقل مولوی در مثنوی کرده است نقل
لیک مقصودش نبوده عقل کل زانکه او هادی است در کل سبل
بلکه قصدش عقل جزئی فلسفی است زانکه او بی نور حسن یوسفی است
و جواب قطب اولا مربوط بمطلب نیست چون کلام در پایه استدلال است که بر یقین استوار است یا بر ظن نه در صحت حکم عقل و ادراک او است که فرق گذاشته شود میانه عقل کلی و جزئی.
و ثانیا حکم عقل مطلقا مطابق با واقع است و صحیح است خواه جزئی و خواه کلی و آنچه باطل است حکم وهم است و میزان مائز میان حکم عقل و وهم نیست مگر قانون استدلال پس هر ادراک و حکمی که عرضه شد بر قانون استدلال و مطابق درآمد صحیح است و حکم عقل است و الا حکم وهم است و باطل پس اسناد و ملاک صحت و بطلان نیست مگر برهان کما این که میر (قدس سره) تنبیه بر آن فرموده این تمام کلام است در رفع تنقید از طریق استدلال بر گردیم ببیان حال کشف و شهودی که شیخ زاهدی گیلانی مدح فائقی از آن نموده، میگویم: بعون الله تعالی و مشیته هرگاه پایه کشف و شهود بر علم و یقین باشد باید تمام مکاشفات اهل کشف بصواب و بر حق باشد و حال این که ادعا کنندگان کشف و شهود در کشف و شهود خود مختلفند مثل اختلاف اهل استدلال پس ناچار باید میزانی در بین باشد که صواب را از خطا امتیاز دهد بدیهی است که نفس کشف میزان صحت و بطلان نخواهد بود چون هر یک بمصداق آیه کریمه کُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَیْهِمْ فَرِحُونَ* از کشف خود خوشنود میباشند پس باید طرفین مراجعه نمایند بحکمی که معتمد طرفین باشد.
و بدیهی است که حکمی که مورد تصدیق و اعتماد طرفین باشد نیست مگر عقل که حجت در او بین است و حکومت و فیصله عقل نیست مگر بتطبیق بر برهان و دلیل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 266
پس هر کشفی مطابق با دلیل آمد حکم به صحت آن مینماید و الا فلا پس ظاهر شد بحمد الله تعالی که امر کشف استقامت پیدا نخواهد نمود مگر بمراجعه بطریق استدلال فعلی هذا سزاوار است که گفته شود.
پای استکشافیان چوبین بود پای چوبین سخت بی تمکین بود
و صلی الله علی محمد و آله الطاهرین
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 267‌

(فائدة 38) [بحثی راجع به مسلک طبیعیون]

طبیعی: تصدیق بوجود غیر محسوسات نداریم و موجودات را منحصر میدانیم در محسوسات.
موحد: عقلا و حکما طبق حکم عقل میزانی مقرر نموده‌اند از برای تشخیص قول صحیح و فکر صائب از قول باطل و فکر خطا و علم متکفل شرح این میزانرا علم منطق و علم میزان نامیده‌اند آیا جماعت طبیعیین این میزانرا تصدیق دارند یا عقیده آنها این است که میزان صواب و خطائی نیست.
طبیعی ساکت ماند.
موحد: هر طرف را بگیرید و ملتزم شوید منافی با نظر شما است هرگاه بگوئید میزانی از برای تشخیص صواب و خطاء افکار و اقوال نیست باید توقف در جمیع مسائل نظریه نمائید و اختیار رأی و اظهار نظر در آنها ننمائید و از جمله آنها ظهور موجودات از طبیعت یا از تدبیر مدبر حکیم است و حصر موجودات در محسوسات فعلی هذا باید در مرحله اعتقاد توقف نمائید و انکار اعتقاد موحد ننمائید و عملا تابع عقیده موحد باشید چه وجوب تحرز از ضرر و خطر محتمل از جمله مستقلات عقلیه بل مجبول طباع است.
و هر گاه میزان صواب و خطاء افکار و انظار را تصدیق دارید و هر عاقلی ناچار
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 268
است از تصدیق آن چه مرجع آن بملازمه میان علت و معلول و عدم جواز انفکاک احدهما از دیگری است و بدیهی هر صاحب فطرتی است ثبوت ملازمه بلکه مرجع ثبوت ملازمه بثبوت علیه، معلولیه است و خلاف فرض است.
فعلی هذا باید تصدیق نمائید وجود صانع حکیم را چون وجود عالم معلول از مشیت وجود صانع حکیم است و روا نیست که بگوئید ما بنا گذاشته‌ایم بر این که تصدیق نکنیم وجود غیر محسوس را چه عقل مجبور مینماید بواسطه وجود معلول به اینکه تصدیق نماید بوجود علت خواه محسوس باشد و خواه غیر محسوس و غلط است بنا گذاشتن بر خلاف حکم عقل و ایضا قول به طبیعت و استناد وجود اشیاء به طبیعت مناقض است با التزام بحصر موجود در محسوس زیرا که طبیعت هم مثل مدبر حکیم محسوس نیست بنفسها و محسوس آثاری است در خارج که طبیعی او را مستند به طبیعت میدانند و موحد بتدبیر مدیر حکیم.
و ایضا مقصود از محسوس خصوص مبصرات است یا مطلق محسوس بحواس خمس ظاهره.
هر گاه خصوص مبصرات مقصود باشد لازم میاید که انکار وجود اصوات و طعوم و روائح و حرارت و برودت نماید زیرا که هیچکدام محسوس بحس بصر نیست و هرگاه مطلق محسوس بحواس خمس ظاهره مقصود باد لازم میاید که صفات نفسیه از قبیل علم و عدالت و شجاعت و امانت و اضداد آنها را انکار نماید زیرا که هیچکدام محسوس بحواس خمس ظاهره نیست و انکار هر یک انکار أوائل بدیهیات است بلکه فطرت مجبول است بر تصدیق وجود صفات نفسیه بسبب وجود آثار آنها در خارج. طبیعی: حکم عقل ما را مجبور مینماید بر اینکه میزان صواب و خطا را تصدیق نمائیم و وجود غیر محسوس را هم تصدیق نمائیم در صورت وجود آثار آن در خارج لکن ناچار نیستیم از این که تصدیق نمائیم وجود مدبر حکیم را از برای عالم چه جائز است که بروز وجود اشیاء از طبیعت باشد کما این که جائز است از مشیت خالق حکیم باشد.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 269
موحد: اولا پس از تسلیم احتمال امرین عقل و فطرت حکم مینماید بوجوب تحرز از ضرر و خطر محتمل و مقتضای تحرز از ضرر محتمل این است که انکار صانع عالم ننماید و عملا تابع موحد باشد و در طلب تحصیل علم و یقین باشد و تکبر نورزد از ملاقات موحدین و استماع براهین آنها و تدبر و تفکر در کلام آنها و مسلم است که در این صورت هدایت خواهد یافت و هر کدام که ترک وظائف مذکوره نماید و بر الحاد خود باقی باشد معذور نیست.
و ثانیا بطلان بروز وجود اشیاء از طبیعت در کمال وضوح است زیرا که طبیعت قائم بمواد اشیاء است و وجود او تابع وجود اشیاء است و معقول نیست طبیعت که وجود او فرع وجود اشیاء است موجد آنها باشد و الا دور صریح لازم میآید و بطلان دور از ابده بدیهیات و اوضح واضحات است.
طبیعی: ما نمیگوئیم طبیعت مواد اشیاء را وجود میدهد تا دور لازم آید بلکه میگوئیم مواد اشیاء که عبارت از ذرات باشد قدیم است و وجود آنها ذاتی است و مستند بغیر نیست و از برای این عالم دو اصل قدیم قائل شده‌ایم ذرات و طبایع آنها و صور مختلفه ذرات حادثند و از طرف طبیعت پیدا خواهند شد.
مثلا میگوئیم ذرات منی قدیم است و صورت منویه از طرف طبیعت پیدا میشود اولا و پس از آن بسبب طبیعت منویه صورت علقیه و پس از آن بسبب طبیعت علقیه صورت مضغیه و پس از آن بسبب طبیعت مضغیه متبدل بعظام میگردد و گوشت بر آنها پوشیده میشود و هکذا تا بحد کمال خود برسد پس از آن باز بتصرف طبیعت بر میگردد بحالت نکس و ضعف.
موحد: عقیدة شما از چند وجه فاسد است:.
أول: این که تغیر و اختلاف صور ذرات علامت حدوث ذرات و پیدایش آنها از کتم عدم است چه واضح است که هر جسمی چه صغیر و چه کبیر وجود ندارد مگر با خصوصیات مشخصه از حیث صورت و شکل و سائر خصوصیات چه بدیهی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 270
است که" الشی‌ء ما لم یتشخص لم یوجد" کما أنه ما لم یوجد لم یتشخص فعلی هذا هرگاه ذرات قدیم باشد باید خصوصیات مشخصة هم قدیم باشد و تغیر و تبدل و اختلاف در او راه نداشته باشد و هرگاه خصوصیات مشخصه حادث باشد ذرات هم که وجود آنها بوجود مشخصات بسته است حادث است و تفکیک بین ذرات و صور آنها در قدم و حدوث تصور ندارد پس حدوث صور بسبب تغیر آنها دلیل بر حدوث ذرات است.
پس از این که واضح گردید حدوث ذرات مجالی نمی‌ماند از برای قدم طبایع قائمه بآنها چه واضح و ظاهر است که ممکن نیست قیام قدیم بحادث و احتیاج او بوجود حادث بلکه احتیاج وجود شی‌ء بوجود دیگری با قدم و ذاتی بودن وجود او جمع نمیشود خواه محتاج إلیه حادث باشد یا قدیم چه واضح است که وجود محتاج تابع و فرع وجود محتاج إلیه میباشد و قدیم وجود او از خود است و تابع وجود غیر نیست.
دوم: اختلاف طبائع ذرات باختلاف صورت منویه و علقیه و مضغیه و هکذا منافی با قدم طبیعت است چه ذاتی و قدیم اختلاف و تخلف در او راه ندارد و فارق میان حادث و واجب و ممکن و قدیم همین است که اختلاف و تخلف از خواص حادث و ممکن است و در واجب و قدیم راه ندارد.
اگر گفته شود که ذرات بر طبیعت اصلیه خود باقی است و لکن باختلاف صور مختلفه آثار او مختلف میگردد.
میگویم اختلاف صور در این صورت تصور ندارد مثلا هرگاه طبیعت اولیه ذرات که اقتضاء منویه دارد باقی باشد محال است تبدل صورت منویه به صورت علقیه زیرا که معقول نیست که طبیعت واحده مقتضی حدوث صورت منویه و زوال و تبدل آن به صورت علقیه باشد.
سوم: این که جائز نیست که طبیعت منویه را علت صورت علقیه و طبیعت علقیه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 271
را علت صورت مضغیه و هکذا قرار دهیم چون لبس هر صورتی پی از خلع صورت سابقه است و محال است حدوث معلول پس از انعدام علت پس توهم علیت میان صور متعاقبه باطل است و صور متعاقبه که لبس هر صورتی پس از خلع صورت دیگری است از قبیل معدات است نظیر اقدام متتابعه که وجود تالی آن موقوف بر انعدام سابق آن است و لا حق آن معلول از سابق نیست بلکه وجود جمیع مستند بمؤثر دیگری است.
چهارم: این که قطع نظر از محذور سابق باز معقول نیست که طبیعت منویه مثلا علت موجده صورت علقیه و طبیعت علقیه علت موجده صورت مضغیه و هکذا باشد چون هر مرتبه لاحقه کمالی است نسبت بمرتبه سابقه و معقول نیست که مرتبه ضعیفه که فاقد کمال مرتبه لاحقه است معطی مرتبه لاحقه باشد.
ذات نایافته از هستی بخش کی تواند که شود هستی بخش
بلی مرتبه ضعیفه قبول لبس کمال را دارد و مجرد قبول لبس کمال موجب حدوث کمال نخواهد بود مثلا فلز طلا که قابل صور زیورهای گوناگون است و فلز آهن که قابل صور آلات متعدده است جائز است که بگوئیم مجرد صلاحیت و قابلیت آنها لبس صور مختلفه را موجب حدوث صورتی از صور زیور و آلات شده است بدون عمل زرگر و آهنگر کلا ثم کلا حاشا ثم حاشا پس لبس کمال پس از نقص و ضعف مستند بکامل بالذاتی است که عطا مینماید کمال اشیاء را حسب حکمت و مشیت و اراده خود.
پنجم: عروج انسان و حیوانات و نباتات و سائر موجودات از حضیض نقص به اوج کمال متدرجا و هبوط آنها از ذروه کمال بحضیض نقص متدرجا ایضا منافی با قدم طبیعت و ذاتی بودن آن است زیرا که هرگاه طبیعت قدیم باشد زوال در او راه ندارد و به ابقاء طبیعت و عدم زوال آن عود بضعف و نقص تصور ندارد زیرا طبیعتی که مقتضی کمال است محال است که موجب ضد آن گردد.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 272
پس عروج به اوج کمال و هبوط بحضیض ضعف و نقصان دلیل بر این است که طبائع متعدده متدرجا در موجودات پیدا میشود و ودائعی است از طرف حضرت باری جل جلاله که بحسب حکمت طبیعتی را ایجاد می‌فرماید پس از طبیعتی و دائما موجودات در خلع و لبس میباشند و خلع طبیعتی و لبس طبیعتی شاهد است روشن بر این که پیدایش این عالم مسبوق به نیستی است و بمشیت صانع حکیم وجود یافته و مسخر تدبیر حضرت حق است جلت آلاؤه.
ششم: این که دمیدن روح و روان در انسان و حیوانات مربوط بذرات و اختلاف صور آنها به هیچ وجه نیست بلکه خلق آخری است که انشاء فرموده آن را خداوند متعال پس از تکمیل جسد انسان و حیوان و تأثیری ندارد در او طبع ذرات و مواد فَتَبٰارَکَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِینَ.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 273‌

(فائدة 39) [مناظره با شخص هندی در نبوت خاصه سید انبیاء صلی الله علیهم و آله]

قبل از ملاقات او شخصی که از طرف او آمده بود بجهت اجازه گرفتن ملاقات اظهار داشت که منظور او این است که نبوت خاصه را بدلیل عقلی اثبات نمائید و بدلیل نقلی قناعت نمینماید و کافی نمیداند.
لذا در وقت ملاقات بجهت رفع این شبهه قبل از این که او سؤالی نماید اظهار داشتم که درک اشیاء نسبت بحواس خمس ظاهره مختلف است درک بعضی اختصاص بحس باصره دارد و بعضی بحس سامعه و بعضی بحس ذائقه و بعضی بقوه شامه و بعضی بقوه لامسه هرگاه بنائی در حسن ترکیب و کمال زیبایی است مثلا و شخصی فاقد بصر است یا آن که چشم خود را می‌بندد و میگوید حسن ترکیب این بنیان بقوه سامعه یا ذائقه یا شامه بمن برسانید و تصدیق حسن بناء نمی‌نمایم مگر این که بیکی از حواس سه گانه درک نمایم آیا مورد ایراد بی وجه گرفته یا طرف عجز از اثبات آن دارد گفت مورد ابرام بی مورد گرفته.
و همچنین گفتم صدایی بلحن خوش شنوده میشود و طرف فاقد قوه سامعه است یا پنبه در گوش میگذارد و میگوید صدا را میخواهم به قوه باصره یا ذائقه یا لامسه برسانید آیا ایراد او بیجا است یا این که طرف عجز از اثبات دارد گفت او ایراد بی جا گرفته همچنین مثلهای دیگر به جهت توضیح ذکر نمودم در همگی اعتراف نمود که ایراد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 274
بیجا از طرف مورد است سپس گفتم بعض اشیاء که به هیچ کدام از حواس خمس ظاهره درک میشود مثل علم و عدالت و شجاعت و امثال آن از صفات نفسیه و درک آنها بتوسط آثاری است که بیکی از حواس پنجگانه محسوس میشود مثل علم زید بفقه یا به صنعتی مثلا که درک نمیشود مگر به قوه باصره باعتبار دیدن مؤلفات او یا صنعت او یا بقوه سامعه به اعتبار شنیدن جواب او از مسائل معضله و همچنین راجع بسائر صفات نفسیه.
پس هرگاه بگوئیم که زید عالم به علم فقه است یا فلان صنعت و عمرو بگوید که من تصدیق نمیکنم مگر این که علم او را بحس بصر یا سمع یا ذوق یا شم یا لمس درک کنم و بتوسط آثار تصدیق نمیکنم آیا او ایراد بی مورد گرفته و عجز در طرف است که نمیتواند او را بحواس ظاهره او برساند گفت: او ایراد بی وجه گرفته و عجز در طرف نیست گفتم همچنین نبوت خاصه که مرتبه رفیعه و شأن الهی است که خداوند عز و جل او را مرحمت فرموده به کسی که او را لائق این شأن و این مرتبه دیده و مثل او مثل علم است که به هیچ یک از حواس خمس ظاهره درک نمیشود و لکن درک میشود بتوسط قوه باصره بسبب دیدن معجزات صادره از او یا بتوسط قوه سامعه باعتبار شنیدن اخبار متواتره راجعه بصدور معجزات و خوارق عادات از او.
و هرگاه کسی بگوید که نبوت خاصه را تصدیق نمیکنم مگر این که عقل تصدیق نماید بدون توسط معجزات محسوسه بحس بصر یا بحس سمع آیا ایراد بی موردی گرفته یا ما عجز از اثبات آن داریم.
گفت نه او ایراد بی موردی گرفته گفتم پس چرا شما ایراد گرفته‌اید که نبوت خاصه را میخواهم بدلیل عقلی ثابت نمائید با این که دلیل نقلی هم راجع بدلیل عقلی است و مقابله دلیل نقلی با دلیل عقلی نه باعتبار این است که عقل دلیل نقلی را تصدیق ندارد بلکه باعتبار این است که دلیل نقلی محتاج به مقدمات نقلیه است در مقابل دلیلی که محتاج به مقدمات نقلیه ندارد و الا هر دو مورد تصدیق عقل است خلاصه این که عقل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 275
درک میکند کلیات را بدون توسط مقدمات و لذا حکم مینماید بوجوب نبوت مطلقه بر خداوند حکیم بمقتضای حکمت و لکن شخص نبی را نمیتواند معین نماید مگر بتوسط آثار مشهوره از معجزات و خوارق عادات و سائر شواهد نبوت.
گفت: من همچه ایرادی نگرفته‌ام و لکن گفته‌ام فصاحت و بلاغت و قرآن مجید را که حجت نبوت قرار داده‌اند کافی نیست گفتم: چرا کافی نیست؟ گفت: بجهت این که اعراب یا معرفت فصاحت و بلاغت قرآن مجید را داشتند که تصدیق نمودند یا نداشتند هرگاه معرفت آن را داشتند چگونه عاجز شدند از اتیان بمثل آن چون عارف به صنعت عاجز نیست از اظهار صنعت خود و هرگاه عارف نبودند تصدیق بدون تصور و معرفت حجت نیست.
گفتم: جواب از این شبهه خیلی سهل و آسان است تصدیق آنها با معرفت بوده و لکن با معرفت اجمالی نه تفصیلی لذا قادر بر اتیان بمثل قرآن مجید نبودند و همچنین است تصدیق در سائر صنائع و علوم هرگاه شخصی دو بنا را مشاهده نماید که یک بناء آن در کمال حسن و زیبایی است و بناء دیگر مطابق آن نیست بالضرورة ترجیح میدهد بناء احسن را بر دیگری با این که خود بنا نیست و همچنین دو منسوج را می‌بیند که نسج یکی در کمال است و نسج دیگری ضعیف است بالبداهه منسوج کامل را ترجیح میدهد با این که ترجیح دهنده نساج نیست و قدرت بر نسج ندارد.
و همچنین شعر فردوسی و سعدی و حافظ را که موازنه نمائی با شعر فلان که شعریت او ناقص است بالفطره درک میکنی که شعر فردوسی یا سعدی یا حافظ ردیف شعر فلان نیست و مع ذلک اهل شعر نیستی که قدرت بر انشاء شعر مثل شعر فلان داشته باشی.
و این شبهه بسیار شبهه واهیه است و در زمان سید مرتضی علم الهدی أعلی الله مقامه این شبهه عرضه بر سید (قدس سره) شده است و جواب از آن بنحویکه عرض کردیم داده است و عجب است از شما که این شبهه واهیه را بزرک شمرده‌اید
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 276
سپس گفتم: با این که معجزه بودن فصاحت و بلاغت قرآن مجید در کمال وضوح و ظهور است و شبهه مذکوره در کمال وهن و ضعف است بنحویکه قابل توجه نیست ثبوت نبوت خاتم انبیاء (صلی الله علیه و آله) موقوف بر آن نیست و طرق اثبات نبوت بسیار است و فصاحت و بلاغت قرآن مجید یکی از آن طرق است و از جمله طرق دستورات دین اسلام در ابواب عبادات، معاملات از عقود و ایقاعات و احکام و سیاسات از مواریث و حدود و دیات و هکذا میباشد که هر عاقلی نظر در آن نماید تصدیق میکند که در کمال اتقان و احکام است و چیزی در او فروگذار نشده و بدیهی است که تأسیس همچه دستور کاملی از شخص امی که از احدی فرانگرفته علمی را و نشو و نماء او در مشرکین مکه بوده که عاری از علم و ادب بوده‌اند حجة واضحه و دلیل روشنی است بر این که نیست این مگر از خداوند متعال و الا بشر عادی امی چگونه میتواند تأسیس دستوراتی در هر باب نماید به طوری که حکماء اعصار اعتراف بکمال حکمت اتقان آن دستورات نمایند و اظهار عجز از احاطه بتمام حکم آن نمایند.
گفت: امی بودن پیغمبر را ثابت نمائید از غیر تواریخ مسلمین و تواریخ مسلمین را در این باب قبول ندارم.
گفتم: اولا امی بودن آن جناب کالشمس فی رابعة النهار است از برای کسیکه بسیر و تواریخ حالات آن جناب از زمان تولد تا زمان بعثت رجوع نماید و هرگاه اختلافی در امی بودن پیغمبر (صلی الله علیه و آله) بود هر آینه کسانیکه در مقام معارضه بودند از مشرکین و اهل کتاب خلاف آن را اظهار میکردند و حال آن که نقل خلاف از احدی از آنها نشده.
و ثانیا اثبات مینمایم امی بودن آنجناب را از کلام أعدا عدو آن جناب که مشرکین مکه باشند آیه کریمه وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ یَقُولُونَ إِنَّمٰا یُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسٰانُ الَّذِی یُلْحِدُونَ إِلَیْهِ أَعْجَمِیٌّ وَ هٰذٰا لِسٰانٌ عَرَبِیٌّ مُبِینٌ که جزء سوره نحل است و سوره
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 277
نحل مکیه است دلالت میکند بر این که مشرکین مکه گفتند دیگری تعلیم میدهد پیغمبر را و از طرف پروردگار نیست هرگاه پیغمبر امی نبود نزد آنها و تحصیل از علماء کرده بود نسبت تألیف قرآن را بخودش میدادند و محتاج نبودند که نسبت بدیگری بدهند و نیست این مگر بجهت علم و اطلاع آنها بر اینکه پیغمبر (صلی الله علیه و آله) امی است و از احدی تحصیل نکرده است و خداوند عز و جل رد گفته آنها فرمود به اینکه لسان آن کسی که تعلیم قرآن را به او نسبت میدهند عجمی است و قرآن عربی آشکار است در کمال فصاحت و بلاغت و هرگاه این نسبت را نداده بودند خلاف آن را اظهار میکردند قطعا.
و ایضا دلیل دیگر بر ثبوت نبوت آن جناب اخبار متواتره بر ظهور معجزات بسیار از آن جناب از قبیل تسبیح سنگریزه در کف مبارک آن جناب و تکلم حیوانات با آن جناب و احیاء موتی و سائر معجزات مشهوره که فوق حد احصاء است و علاوه بر اخبار متواتره شاهد و حجت قاطعه بر ظهور معجزات بسیار از آن جناب ذکر قصص انبیاء سلف در کتاب مجید و اثبات معجزات از برای آنها بل معجزات متعددة از برای بعضی آنها مثل حضرت موسی و عیسی سلام الله علیهما.
توضیح این مطلب این که شبهه نیست که آن جناب دعوی نبوت و رسالت نمود و ادعا نمود که قرآن مجید کلام پروردگار است که بتوسط امین وحی بر او نازل شده و در کتاب مجید قصص جمعی از آن ها را مشروحا بیان فرموده با معجزات ظاهره باهره از آنها و بدیهی است که هرگاه صاحب معجزات باهره نبود و قدرت بر اظهار آنها نداشت و بکذب ادعاء نبوت نموده بود تصدیق معجزات انبیاء سلف را در کتاب مجید خود نمی‌نمود که موجب افتضاح او شود کما این که طائفه بابیه خذلهم الله بادعاء نبوت انکار صدور معجزه از انبیاء نموده‌اند.
خلاصه این که تصدیق معجزات انبیاء سلف علی نبینا و آله و علیهم السلام در
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 278
کتاب مجید که معجزه خود قرار داد کاشف قطعی است از قدرت آن جناب بر اظهار معجزات و صدور آنها از آن جناب و فی الحقیقه ذکر حالات و اوصاف انبیاء سلف در کلام مجید معرف شأن پیغمبر خاتم (صلی الله علیه و آله) است کما این که ذکر اوصاف اوصیاء انبیاء سلف در قرآن مجید معرف شأن اوصیاء آن جناب است بیت
خوشتر آن باشد که وصف دلبران گفته آید در حدیث دیگران
و صلی الله علی محمد و آله الطاهرین
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 279‌

(فائدة 40) [بحثی در اعتقاد اهل عرفان و اصحاب سیر و سلوک]

سؤال مولانا اهل عرفان و اصحاب سیر و سلوک میگویند که اگر انسان از راه خرد و فکر بواقع برسد تازه دانش است نه بینش و عمده آن است که انسان بمقام بینش برسد و بینش حاصل نمیشود مگر بطریق ریاضت و تصفیه نفس که طریقه صوفیه است پس طریق صوفیه در تحقیقی حقائق و تکمیل نفوس اکمل و اتم و ارفع و اعلی از طریق اهل استدلال است مثنوی:
هر که در خلوت به بینش یافت راه شحنه بیچاره در کنجی خزید
عشق آمد عقل او آواره شد صبح آمد شمع او بیچاره شد
و حاصل نمیشود مقام عشق و جذب در شخص مگر بتوسط ریاضت و تصفیه نفس بنحویکه اشتباه در او راه نداشته باشد مثل بینش حس بصر که در او اشتباه راه ندارد ادعائی است جزاف چه واضح و روشن است که اهل ریاضت و ادعاء کنندگان کشف در هر مذهبی و ملتی هست و هر یک دعوی بینش مینمایند بر طبق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌1، ص: 280
مرام خود و ممکن نیست که همه بصواب دیده باشند.
پس بینش کشفی مثل بینش فکری است که خطا و اشتباه در او راه دارد کما این که دستگاه علم و وهم در افکار راه دارد همچنین در کشف کشف رحمانی و شیطانی و خیالات نفسانی راه دارد و ناچار است از این که میزان صواب و خطائی در بین باشد که صواب را از خطا و صحیح را از باطل تمییز دهد و این میزان نیست مگر برهان و دلیل کما این که توضیح او را در جواب سؤال سابق داده‌ایم فعلی هذا مادامیکه بینش اهل کشف عرضه بر برهان داده نشده و مطابقت آن با برهان معلوم نشدة حکم به صحت آن نمیشود.
پس معلوم شد که عمده علم حاصل از برهان‌هاست که میزان حق و قسطاس مستقیم است نه درک حاصل از ریاضت که مثل او مثل خواب است که گاهی خواب رحمانی است و صدق است و گاهی خیالی و خیال محض است و گاهی شیطانی و کذب است پس اعتمادی بر کشف نیست مگر آنچه راست و مطابق با برهان و دلیل آید و اما مقام عشق پس آنچه بر خلاف میزان عقل است جهل است و باطل و آنچه وفق عقل است مرتبه فعلیت و کمال عقل است نه این که مقابل با عقل است و فوق او است تا مزاحم عقل گردد و گفته شود که حاصل نمی‌شود این مرتبه مگر از ریاضت و تصفیه نفس بلی اخلاص در عمل که اشد مراتب عبودیت و اکمل درجات بندگی است تأثیر تامی در مقام جذب دارد که تعبیر از او در لسان صوفیه بمقام عشق شده است عصمنا الله و إیاکم من الزلل فی القول و العمل و صلی الله علی محمد و آله الطاهرین حرره الأحقر علی الموسوی البهبهانی
________________________________________
بهبهانی، سید علی، الفوائد العلیّة - القواعد الکلیّة، 2 جلد، کتابخانه دار العلم، اهواز - ایران، دوم، 1405 ه ق


الجزء الثانی

اشارة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِیمِ
الحمد لله رب العالمین، و الصلاة و السلام علی خیر البریة أجمعین: محمد و آله الطاهرین، و اللعنة الدائمة علی أعدائهم من الأولین و الآخرین.
أما بعد فهذا هو الجزء الثانی من الفوائد العلیة.

(فائدة 41) فی عقد القراض و المضاربة

اشارة

و ینبغی التکلم فیها فی مقامات: الأول: فی تحقیق حقیقته و یلحق به بیان مفهومی اللفظین و وجه انطباقهما علی حقیقته و ماهیته.
و الثانی: فی أنه هل هو من العقود الصحیحة عرفا و شرعا أم لا.
و الثالث: فی أنه علی فرض صحته جائز أم لازم و بیان شطر من أحکامه.

أما الأول [فی تحقیق حقیقته]

فهو علی ما عرف:" أن یدفع مال لیعمل فیه بحصة معینة من ربحه" و هل یکون ذلک علی وجه المعاوضة أو علی وجه آخر یوجب الشرکة فی الربح وجهان أوجههما بل الوجیه منهما هو الثانی و إن کان ظاهر التعریف و جملة من
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 282
کلماتهم هو الأول إذ المعاوضة لا تتم فی المقام من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الربح معدوم عند العقد و حصوله بعد العمل غیر معلوم فلا یملکه رب المال حال العقد حتی یملک العامل حصة منه عوضا عن عمله.
فإن قلت: نعم تملیک الشی‌ء فرع دخوله فیملک المملک و وقوعه تحت سلطنته و هو فرع وجوده فی الخارج إذا تعلق الملک به أصالة و أما إذا کان تعلقه به تبعا فیکفی فی تحققه کون أصله الموجود فی الخارج ملکا له و لذا یصح تملیک سکنی الدار و رکوب الدابة و لبس الثوب و هکذا من المنافع المعدومة فی مدة معلومة بعوض معلوم بعقد الإجارة و الصلح و هکذا یصح تملیک حصة من الربح المعدوم باعتبار أنه ملک لرب المال تبعا لرأس ماله.
قلت: أولا أن مرجع تملیک المنفعة إلی تملیک العین فی جهة المنفعة لا إلی تملیک نفس المنفعة فإن ملک الشی‌ء له مراتب و درجات.
أولها: و أقواها الملک المطلق المقتضی لنفوذ جمیع التصرفات ما لم یمنع عنه مانع و هو المعبر عنه بملک العین و الرقبة.
و ثانیتها: الملک المقید بجهة من جهات العین من دون تقید بشخص خاص ذاتا و هو المعبر عنه بملک المنفعة المقتضی لنفوذ التصرفات الراجعة إلی الجهة المذکورة نقلا و انتقالا ما لم یمنع عنه مانع.
و ثالثتها: الملک المقید بالشخص ذاتا فی جهة المنفعة و هو المعبر عنه بملک الانتفاع و هو أضعف المراتب فالملک متعلق بالعین فی جمیع المراتب غایة الأمر أنه تختلف مراتبه إطلاقا و تقییدا و شدة و ضعفا لا أنه یختلف متعلق الملک و التعبیر بملک المنفعة و الانتفاع تنبیه علی ضعف مرتبة الملک و عدم إطلاقه کما أن التعبیر یملک العین و الرقبة تنبیه علی إطلاقه و عدم تقییده.
و ثانیا لو سلم جواز تعلق الملک بالمنفعة المعدومة تبعا لملک الأصل فهو مقصور علی المنافع التی هی إعراض غیر مستقلة فی الوجود و تکون من شئون وجود
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 283
الأصل، و أما العین المتجددة من عین أخری فلا یتطرق فیه ذلک لاستقلال کل منهما فی الوجود الخارجی و ربح المال عین متجددة من رأس المال لا منفعة له.
فإن قلت: قد یجوز ذلک فی عین متجددة من عین أخری فإنه قد روی جواز بیع ثمرة النخل قبل ظهورها عامین فصاعدا.
قلت: قد علل ذلک فی الروایة بتیقن ظهورها حینئذ فهی منزلة منزلة الثمرة الظاهرة فی هذه الصورة و لا یکون حصول الربح متیقنا بالعمل فی رأس المال الموجود حتی یقال إنه منزل حینئذ منزلة الموجود.
فإن قلت: یمکن أن یقال العوض عن العمل هو صحة من الربح فی ذمة رب المال فالعوض هو ما فی الذمة فی الحقیقة و لکن مقیدا بوفائه من ربحه المعاملة فلا ینافی تحقق المعاوضة حینئذ مع عدم وجود العوض فی الخارج، ضرورة جواز صیرورة الکلی حینئذ طرفا للمعاوضة قلت: أولا أنه لا یصح أن یلتزم الشخص إلا بما یکون حصوله معلوما أو موثوقا به و لذا لا یصح الاستیجار علی اصطیاد صید بعینه لعدم الوثوق بحصوله، و حصول الربح بالعمل لا یکون معلوما و لا موثوقا به. و ثانیا أنه لو کان مرجع القراض إلی اشتغال ذمة رب المال بما یطابق حصة من الربح مقیدا بوفائه منه لزم أن یختص الربح برب المال و أن یکون تعلق حق العمل بحصة منه من قبیل تعلق الحق بالکلی الخارجی فیلزم حینئذ أن یحتسب التالف من الربح علی رب المال فلو حصل ربح و کان حصة العامل منه النصف مثلا فتلف نصف منه فی ید العامل من غیر تعد و لا تفریط لزم أن یحتسب التالف علی رب المال و یختص النصف الباقی بالعامل کما هو مقتضی تعلق حقه بالکلی الخارجی، و اللازم باطل بالضرورة فکذا الملزوم و ثالثا أنه یلزم حینئذ أن یختص ربح الربح برب المال و لا یشترک فیه العامل فلو غصب غاصب ربح مال القراض و عمل فیه فحصل منه ربح یلزم حینئذ أن یکون
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 284
الربح لرب المال إذا أمضی معاملات الغاصب و أن لا یکون للعامل المضارب فیه نصیب لعدم مشارکته فی أصل الربح حینئذ حتی یصیر شریکا فی ربحه، و بطلان اللازم واضح.
و الثانی أن الربح علی فرض حصوله مجهول القدر و کذا کسره فلا تصح المعاوضة علیه للغرر سواء جعل طرفا للمعاوضة ابتداء أم جعل قیدا لما فی الذمة و الثالث أنه لو کان کذلک لزم ثبوت أجرة المثل فی ذمة رب المال للعامل مع فرض عدم حصول ربح فی الخارج إذ مع عدم حصوله فی الخارج تفسد المعاوضة لعدم ثبوت العوض، و کل عقد یضمن بصحیحه یضمن بفاسده فإذا لم یسلم للعامل العوض الذی سمی له یثبت له أجرة مثل عمله من دون تفاوت بین أن یجعل عوض عمله حصة من الربح الخارجی أو ما فی الذمة مقیدا بوفائه منه، و الملازمة واضحة و بطلان اللازم أوضح.
فالتحقیق أن رجوع حصة من الربح إلی العامل و مشارکته مع رب المال فی الربح باعتبار تنزیل العمل منزلة المال فرجوعه إلی العامل حینئذ باعتبار أنه فائدة عمله و نماؤه لا عوضه و أجره.
توضیح ذلک أن الربح حاصل من العمل و المال معا و لکل منهما دخل فیه کما هو ظاهر غایة الأمر أنه یختلف دخلهما فیه و یکون دخل المال فیه أقوی من دخل العمل فإن منزلة المال من الربح منزلة المقتضی من مقتضاه و منزلة العمل منه منزلة الشرط و لذا یکون الربح تابعا لرأس المال ذاتا و ابتداء إلا أن استقلاله فی انفراده بالربح و عدم مشارکة العمل معه إنما هی علی وجه الاقتضاء لا العلیة التامة، فلا ینافی تشریک العمل معه جعلا و تنزیلا.
و الحاصل أن العمل صالح لأن یتبعه الربح و النماء جعلا و تنزیلا و إن لم یکن موجبا له أولا و ذاتا فلا یقرب منه تمام القرب حتی ذاتا و لا یبعد عنه کل البعد حتی لا یتبعه جعلا، بل هو أمر بین الأمرین و برزخ بین العالمین، فحاله حال
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 285
الظن بالنسبة إلی التنجیز و الحجیة حیث إنه لخروجه عن مرتبة التحیر المحض و التردد الصرف لم یکن کالشک حتی لا یقبل الحجیة بالجعل و لتطرق احتمال الخلاف فیه و عدم بلوغه مرتبة الرجحان التام لم یکن کالعلم حتی یکون حجة بالذات، فحقیقة المضاربة عبارة عن تنزیل العمل من الربح منزلة المال منه و تقدیره بقدر المال أو نصفه أو ثلثه و هکذا، فإن قدر مقدار رأس المال فالربح بینهما إنصافا، و إن قدر نصف المال فهو بینهما أثلاثا و إن قدر ثلث المال فهو بینهما أرباعا، و من هذا القبیل المزارعة و المساقاة فإن مرجعهما إلی تنزیل الأرض و عمل العامل منزلة البذر و الشجرة بالنسبة إلی الغلة و الثمرة فالمضاربة و المزارعة و المساقاة متحدة فی الذات و الحقیقة، و اختلاف الأسامی باعتبار اختلاف خصوصیات الموارد و کذا اختلافها فی بعض الأحکام کاعتبار تعیین المدة فیهما و لزومهما و عدم اعتباره فیها و جوازها فإن قلت: إذا لم یکن العمل فی عرض رأس المال ذاتا من حیث تبعیة الربح له فکیف یتصور جعله سببا عدیلا لرأس المال تنزیلا.
قلت: تنزیل العمل منزلة المال کسائر الجهات الوضعیة التی یعتبرها العرف و یرتب علیها الآثار قابل للجعل و أی فرق بین جعل المبادلة بین المالین بعقد البیع و علقة الأزواج بین الرجل و المرأة بعقد النکاح و تنزیل شخص منزلة آخر بالتوکیل و بین المقام، فکما ینفذ التصرفات المذکورة و یترتب علیها الآثار فکذلک تنزیل العمل منزل المال فإن مقتضی مرجعیة الشخص فی جهاته و أموره و استقلاله فیها نفوذ تصرفاته و تقلباته الراجعة إلی شئونه اقتضاء ما لم یمنعه من هو أولی به من نفسه، فبطلان تصرفه یحتاج إلی الدلیل و أما نفوذه فهو مقتضی الأصل ما لم تختل شرائطه العرفیة و کان جامعا لها.
إذا اتضح لک ما حققناه و أتقنت ما بیناه من أن مرجع القراض و المضربة إلی تنزیل العمل منزلة المال الموجب لاشتراک الربح بین العامل و رب المال اتضح لک أمران
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 286
الأول: سر عدم جواز جعل حصة من ربح مال آخر للعامل فإن دخل العمل لیس إلا فی ربح المال الذی وقع فیه العمل فلا یصلح جعل ربح مال آخر نماء للعمل فی مال القراض.
الثانی: عدم کون القراض عقدا متوقفا علی إنشاءین فإن تنزیل العمل منزلة المال و جعله دخیلا فی ربحه بحیث یوجب الشرکة فیه أمر یرجع إلی المالک و رب المال فیکفی فیه إنشاؤه و لا یتوقف علی إنشاء من المعامل، فهی نظیر الجعالة حیث ترجع إلی الجاعل و تتحقق بإنشائه و لا حاجة معه إلی إنشاء من طرف المال، نعم لعمل العامل دخل فیهما فی الجملة فإن العمل لم یتمحض فی العنوانین بإنشاء المالک و الجاعل و إنما صار العنوانان بهما من أحد وجوهه و عناوینه بعد أن لم یکونا منه، فللعامل حینئذ أن یقصد بعمله التبرع أو المضاربة و الجعالة، فاتصاف العمل بأحد الوجهین و العنوانین یتوقف علی صدوره من العامل علی أحد الوجهین و لا تأثیر لقبول العامل فی هذه الجهة لجواز وقوع العمل منه علی وجه التبرع بعد قبوله، و إن کان له تأثیر فی المقام فی جهة أخری مثل وجوب حفظ المال علیه و هکذا، فهی شبیهة بالوکالة من هذا الوجه إذ الوکالة فی العمل و صیرورة الشخص وکیلا و مرجعا فی الموکل فیه بحیث لو تصرف فیه لوقع تصرفه من قبل الموکل تحصل بمجرد إنشائه، و قبول الوکیل إنما یؤثر فی صیرورته فی وثاق العمل و علی عهدته فالمضاربة کالجعالة و الوکالة لا تکون عقدا محضا حتی تتوقف فی تحققها علی إنشاء من الطرفین و لا إیقاعا صرفا حتی لا یکون لقبول العامل و عمله دخل فیه بوجه من الوجوه، فهی أمر بین الأمرین و برزخ بین العالمین.
و هکذا الحال فی جمیع العقود الجائزة بالذات من الطرفین المسماة بالعقود الإذنیة، فإن العقد التحقیقی المتوقف حصوله علی عمل الطرفین و وصل الحبلین و شدهما کما لا یتحصل من عمل أحدهما فکذا لا ینحل منه أیضا، إذ لو أمکن له الحل لأمکن له الإثبات فإن نسبة القدرة إلی الوجود و العدم علی حد سواء، فاللزوم من لوازم حقیقة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 287
العقد التحقیقی، فالأمور الجائزة بالذات خارجة عن سلسلة العقود التحقیقیة منتظمة فی سلسلة أخری.
فإن قلت: مقتضی تحقق القراض و الجعالة بإیجاب المالک و عدم توقفهما علی قبول العامل الحکم باستحقاق العامل الجعل فی الجعالة و حصة من الربح فی القراض و لو قصد التبرع بعمله، لأن المقتضی لاستحقاق العامل حینئذ هو إیجاب المالک و قد حصل و مانعیة قصد التبرع غیر معلومة کما أفاده المحقق جمال الدین (قدس سره) فی حاشیته علی الروضة البهیة فی باب الجعالة.
قلت: إیجاب المالک إنما یقتضی استحقاق العامل الجعل أو حصة من الربح إن عمل بقصد الاستحقاق أو ما لم یقصد التبرع لا أنه یقتضی استحقاقه مطلقا حتی نشک فی أن قصد التبرع مانع أم لا، ضرورة أنه کما تقتضی سلطنة المالک علی نفسه و جهاته نفوذ ما اختاره و أوجبه فکذلک تقتضی سلطنة العامل علی نفسه و جهاته نفوذ ما اختاره من قصد التبرع أو الاستحقاق، فکما یکون للشخص أن یبیح ماله لغیره أو یملکه إیاه بعوض أو مجانا فکذلک له أن یبذل عمله لغیر تبرعا أو بعوض أو علی وجه استحقاق حصة من الربح، فإیجاب المالک إنما یقتضی استحقاق العامل لو أراد لا استحقاقه مطلقا و لو قصد التبرع و إلا لزم سلطنة المالک علی العامل و سلب سلطنته علی نفسه و عمله.
و إذا اتضح لک أن العقود الجائزة بالذات لا تکون عقودا تحقیقیة، اتضح لک أمران: الأول: سر ما اشتهر بینهم من عدم اعتبار التواصل بین الإیجاب و القبول فیها فإن الحاصل من الإیجاب و القبول فیها لیس أمرا وحدانیا بسیطا حتی یتوقف حصوله علی اجتماعهما و عدم انفصالهما، بل الحاصل من القبول فیها أمر آخر مرتب علی الحاصل من إیجابه.
الثانی: سر قیام الفعل فیها مقام القبول بل قیامه مقامه فی الحقیقة عبارة عن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 288
استغنائها عن القبول و إلا لزم عدم نفوذ الفعل من قبل العقد إذ مقتضی کونه قبولا للعقد توقف حصوله و ترتبه علیه، فلا یجوز نفوذ الفعل من قلة ضرورة أن المحقق للشی‌ء لا یعقل أن یتحقق منه، فظهر لک أن توهم عدم الاکتفاء لعمل العامل بعد إیجاب المالک و اعتبار التواصل بین الإیجاب و القبول فی القراض و المضاربة فی غیر محله لما عرفت من أنه لیس من قبیل العقود التحقیقیة.
هذه جملة مما یتعلق ببیان حقیقتها.
فلنذکر ما یتضح به مفهوما اللفظین و وجه انطباقهما علیها.
ففی المسالک:" هی مفاعلة من الضرب فی الأرض لأن العامل یضرب فیها للسعی علی التجارة و ابتغاء الربح بطلب صاحب المال فکان الضرب مسبب عنهما طردا لباب المفاعلة فی طرفی الفاعل و من ضرب کل منهما فی الربح بسهم أو لما فیه من الضرب بالمال و تقلیبه و یقال للعامل: مضارب بکسر الراء لأنه الذی یضرب به فی الأرض و یقلبه و لم یشتق أهل اللغة لرب المال من المضارب اسما، و هذه لغة أهل العراق، و أما أهل الحجاز فیسمونه قراضا إما من القرض و هو القطع و منه المقراض لأنه یقرض به فکأن صاحب المال اقتطع له من ماله قطعة و سلمها للعامل أو اقتطع له قطعة من الربح، أو من المقارضة و هی المساواة و الموازنة یقال" تقارض الشاعران" إذا وازن کل منهما الآخر بشعره، و منه:" قارض الناس ما قارضوک فإن ترکتهم لم یترکوک" یرید ساوهم فیما یقولون، و وجهه أن المال هنا من جهة مالکه و العمل من جهة العامل فقد تساویا فی قوام العقد بهما أو لاشتراکهما فی الربح، و تساویهما فی أصل استحقاقه و إن اختلفا فی کمیته و یقال: منه للمالک مقارض بالکسر و للعامل مقارض بالفتح" انتهی.
و التحقیق: أن القرض له مفهوم واحد مطرد فی جمیع موارد استعماله و هو القطع و الفصل و تقارض الشاعرین عبارة عن قرض کل منهما الکلام مثل ما یقرضه الآخر فإن نظم الکلام و صوغه علی الوجه الموزون لیس إلا بفصل بعضه عن بعض، و لذا سمی الشعر قریضا فمفاده فی المقام لیس إلا القطع و الفصل المستفاد
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 289
منه فی سائر الموارد، و المساواة و الموازنة إنما تستفاد من هیئة التفاعل، و أما قارض الناس ما قارضوک فالمساواة فیه إما مستفادة من هیئة المفاعلة إن قلنا: بإفادتها اشتراک الفاعل و المفعول فی الفعل فی المقام کما هو الحال فی أغلب موارد استعمالاتها و إلا فمن ترکیب الکلام و هیئته الترکیبیة کما یستفاد ذلک من قولک: عاقب الناس ما عاقبوک و آخذهم ما آخذوک و هکذا، فالتعبیر بالقراض لا یکون لا بالاعتبار الأول.
و لکن الأولی فی وجه أخذه منه أن یقال: إن تنزیل العمل منزلة المال لما أوجب قطعه و قرضه عن محله الأصلی من کونه موجبا للأجرة لا الشرکة و هو مستتبع لقرض المال عن محله أیضا من تبعیة النماء کله له فکل من المالک و العامل مقارض للآخر فی المال و العمل، و لما کان الأصل فی ذلک المالک فهو مقارض و العامل مقارض، و یمکن أن یکون التعبیر بالمضاربة من هذا الباب أیضا فإن المالک لما ضرب عمل العامل منزل ماله و استتبع منه ضرب المال و تنزله منزلة غیر منزلته الأولیة فکل منهما مضارب للآخر فی المال و العمل باعتبار تعلقهما بهما، و لکن التعبیر بالمضارب بصیغة الفاعل عن العامل لا یلائمه و إنما الملائم له أخذه من الضرب فی الأرض کما ذکره (قدس سره).
إذا اتضح لک ذلک اتضح لک أن التعبیر بالقراض الذی هو لغة أهل الحجاز أو فی بحقیقته من التعبیر بالمضاربة التی هی لغة أهل العراق.

و أما المقام الثانی [فی أنه هل هو من العقود الصحیحة عرفا و شرعا أم لا]

اشارة

فقد اختلف فیه کلماتهم فالمحکی عن المفید و الشیخ فی النهایة و سلار و ابن البراج (قدس سرهم) الحکم بعدم صحتها و استحقاق العامل أجرة المثل لا الحصة لجهالة العوض، و المشهور صحتها بل قیل علیه إجماع المسلمین و التحقیق ما ذهب إلیه الأکثر من أنه صحیح لموافقتها مع الأصل و دلالة الدلیل علیها.
أما الأصل فلما عرفت من أن مرجعه إلی تنزیل العمل منزلة المال و هو أمر معقول ممکن الوقوع و لا ینافیه القواعد المعتبرة، فالأصل حینئذ صحته و انعقاده
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 290
لأن الإنسان البالغ مرتبة الکمال بالبلوغ و العقل و الرشد مسلط علی نفسه و جهاته و شئونه فینفذ تصرفاته و تقلباته ما لم یمنعه الشارع منها.
و أما الدلیل علی صحتها فهی النصوص الصحیحة الواردة فی باب المضاربة المستفیضة بل المتواترة فإن قلت: بناء علی ما ذکرت یصیر القراض من قبیل الشرکة بین العمل و المال و هو مخالف للأصل المسلم بین الأصحاب من انحصار الشرکة الصحیحة فی شرکة العنان و بطلان ما عداها من شرکة الأعمال أو المرکب منها و من الأموال و شرکة الوجوه و المفاوضة.
قلت: الاشتراک فی الربح بسبب تنزیل العمل منزلة رأس المال لا یتوقف علی تحقق الشرکة بین العمل و المال حتی یقال إنه مخالف لما أطبقوا علیه من بطلانها حینئذ، کما أن الاشتراک فی المثمن أو الثمن لا یتوقف علی تحقق الإشاعة فی الثمن أو المثمن فإنه إذا بیع متاع واحد بمالین متمیزین لشخص صار المبیع مشاعا بینهما بنسبة مالیهما مع عدم إشاعة الثمن بینهما، و إذا اشتری المشتری أمتعة متمایزة من أشخاص متعددة کل منها بثمن معین فدفع إلیهم ما یفی بأثمان الجمیع صار الثمن مشاعا بینهم بنسبة حقوقهم.
و الحاصل أن الأصل المسلم إنما هو بطلان الشرکة بین الأعمال أو المرکب منها و من الأموال لا بطلان الشرکة فی الربح الحاصل منها، کیف و حصول الشرکة فی الربح أمر مسلم سواء قلنا بأن المضاربة من باب المعاوضة أو من باب تنزیل العمل منزل رأس المال أو حصة منه، مع أن الشرکة المنحصرة فی شرکة العنان إنما هی الشرکة الحاصلة من امتزاج المالین و من المعلوم أن الامتزاج لا یتطرق فی الأعمال أو المرکب منها و من الأموال، و مجرد البناء علی الشرکة من دون حصول سببها لا یؤثر فی شی‌ء، و أما الشرکة المستندة إلی سبب غیر الامتزاج فکما یتطرق فی الأموال فکذلک یتطرق فی الأعمال و المرکب منها و من الأموال فلو نوی کل من
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 291
العاملین إیقاع عمل من حیازة أو أحیاء، أو اصطیاد و هکذا عن نفیه و عن صاحبه شارکه الآخر فی عمله و یکون کل من العملین مشاعا بینهما.
و بعد ما اتضح لک أن صحته مما تطابق علیه الأصل و الدلیل فهل یعتبر فی إیجابه اللفظ أو یکفی فیه دفع المال علی وجه القراض ظاهر المحکی عن کثیر من کلماتهم الأول، و لکن التحقیق خلافه للأصل و عدم الدلیل علی اعتباره فإن تنزیل العمل منزلة المال جهة عرفیة واقعیة کما اتضح لک، و العرف یری حصوله من اللفظ و غیره علی حد سواء، فالشک لو وقع فهو فی الاعتبار الشرعی علی خلاف الأصل الأولی فمرجع الشک فیه إلی الشک فی المانع لا المقتضی، و من المعلوم أن الأصل حینئذ هو الرکون إلی المقتضی و عدم الاعتداد باحتمال المانع، فتوهم أن الأصل یقتضی عدم حصول القراض عند الشک فی اعتبار اللفظ و عدمه فی غیر محله، فالاکتفاء بدفع المال بعنوان المضاربة لا یخلو عن قوة و إلیه یشیر التعریف المعروف عنهم المتقدم ذکره و لعله إلیه یشیر أیضا ما فی المالک تبعا للتذکرة حیث قال:" و اعلم أن من دفع إلی غیر مالا لیتجر به فلا یخلو إما أن یشترطا کون الربح بینهما أو لأحدهما أولا یشترط شیئا، فإن شرطاه بینهما فهو قراض و إن شرطاه للعامل فهو قرض و إن شرطا للمالک فهو بضاعة، و إن لم یشترطا شیئا فکذلک إلا أن للعامل أجرة المثل" و من هنا ظهر لک اندفاع ما أورده علیه فی الجواهر حیث قال:" و فیه منع تحقق القرض مع فرض صدور ذلک بعنوان المضاربة إذ أقصاه کونها من القسم الفاسد لا أنها من القرض المحتاج إلی إنشاء تملیک المال بعوض فی الذمة، و قصد کون الربح للعامل أعم من ذلک، و إن کان هو من اللوازم الشرعیة لملک المال.
و دعوی الاکتفاء بقصد ذلک فی تحقیقه لفحوی الصحیح عن أبی جعفر عن أمیر المؤمنین علیه السلام"
من ضمن تاجرا فلیس له إلا رأس المال و لیس له من الربح شی‌ء
و الموثق عن أبی جعفر علیه السلام"
من ضمن مضاربة فلیس له إلا رأس المال و لیس له من الربح شی‌ء
" إذ کما أن التضمین من لوازم القرض فکذا الاختصاص
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 292
بالربح یدفعها بعد تسلیم مضمونهما و عدم رجحان معارضهما علیهما الاقتصار علی ذلک فیما خالف الضوابط الشرعیة انتهی" فإن غرضه الدفع المجرد عن عنوان خاص کما هو ظاهر کلامه مع أن الدفع بعنوان القراض مع اشتراط الربح للعامل یرجع إلی القرض أیضا، غایة الأمر أنه عبر عنه بالقراض و وجه عدم کونه قراضا حینئذ علی ما بنینا علیه واضح، و کذا إن قلنا بأنه معاوضة لأن رجوع الربح کله إلیه موجب لرجوع فائدة عمله إلی نفسه فلا معنی لاستحقاق الأجر و العوض علیه و أما کونه قرضا فلأن حقیقته عبارة عن إعطاء المال للغیر و التصدق بشخصه، و إرجاع الربح کله إلیه لا معنی له إلا ذلک إذ لا یمکن رجوع تمام فائدة المال و ربحه إلی العامل مع بقائه علی ملک مالکه.
و هکذا الأمر فی تضمین العامل فإن تضمینه لا یکون إلا بأحد وجهین انتقال المال إلیه قرضا أو صیرورة یده ید ضمان و لا یصح الثانی مع بقاء عنوان القراض فینقلب قرضا، و الروایة ناظرة إلی هذه الجهة أی عدم مجامعة التضمین مع القراض و هذا الوجه یجری فی اشتراط انفراد العامل بالربح لعدم مجامعته مع القراض و تنزیلها علی مجرد التعبد و الاقتصار علیها فی خصوص التضمین فی غایة البعد إذ من الواضح الظاهر أنه علیه السلام فی مقام بیان ما تقتضیه المعاملة الواقعة بینهما.
فإن قلت: تضمین العامل أو اشتراط انفراده بالربح مخالف لمقتضی العقد و أقصی ما یقتضیه فساد العقد لا نفوذه و انقلابه قرضا.
قلت: جعل الربح للعامل أو تضمینه المال من الجهات الراجعة إلی المالک و لا مانع من وقوعه و نفوذه ابتداء کما هو ظاهر و هکذا الأمر فی جعله فی ضمن عقد جائز بالذات، لما عرفت من أن مرجع العقود الجائزة بالذات من الجانبین المسماة بالعقود الإذنیة إلی الإیقاعات و عدم اعتبار القبول الإنشائی فی تحققها، فلا یکون تقدمها مانعا عن نفوذه و وقوعه بل تأخره عنها موجب للرجوع عنها.
فإن قلت: لا یتحقق الرجوع إلا مع قصده و أما مع عدم قصده و بقائه علی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 293
القصد الأول فإنما یلزم بطلان العقد لأن العقد، المشروط الذی هو المقصود لا یقبل الوقوع و وقوع الشرط فقط مخالف للمقصود.
قلت: الرجوع عما أوجبه کما یتحقق بقصد الرجوع کذلک یتحقق بفعل ما ینافیه، أ تری أن الرجوع عن التوکیل کما یتحقق بقولک: عزلت الوکیل کذلک یتحقق ببیع الموکل فیه سواء قصد الرجوع عن الوکالة أم لا.
فإن قلت: هذا إذا لم یکن الأمر المنافی من قیود العقد و توابعه و أما إذا کان من قیود العقد واقعا فی ضمنه فلا مجال للحکم بوقوع دون المقید، لأن المقید أمر واحد لا یجوز التفکیک بینه و بین قیده فی الحکم بل لو جاز التفکیک من طرف المقید، و قیل: بجواز وقوع المقید دون قیده کما حکم بعضهم بعدم فساد العقد بالشرط الفاسد لم یجز ذلک فی القید لأنه تابع للمقید و لا یجوز الحکم بوقوع التابع دون متبوعه.
قلت: بعد ما عرفت بأن العقود الجائزة بالذات من الجانبین لا یتوقف علی القبول الإنشائی و إنما تحصل و تتحقق بالإیجاب، و القبول معتبر فی مرحلة متأخرة عن التحقق.
ظهر لک أن القیود المتعلق بالإیجاب لا تکون واقعة فی ضمن العقد حتی تتبعه فی الحکم، فما تعقب الإیجاب به فی العقود الإذنیة إن کان منافیا للإیجاب و یقبل الاستقلال بالوقوع فهو نافذ لأنه مقصود و رجوع عن الإیجاب لمنافاته له، و إنما یتم ما ذکرت فی العقود اللازمة فافهم و اغتنم فإنه فی غایة النفاسة و الدقة.
ثم إنه لو لم یحمل کلام صاحب المسالک علی صورة الإطلاق و التجرد عن عنوان خاص لا وجه لتخصیص هذه الصورة بالإشکال لجریانه فی الصورتین الأخریین فإن اشتراط الربح للمالک أو عدم اشتراطه لأحدهما مناف للقراض فمع فرض صدور الدفع بعنوان القراض ینبغی أن یحکم حینئذ بأنه قراض فاسد لا بضاعة فتسلیمه البضاعة فی الصورتین مع استشکاله تحقق القرض فی الصورة الأولی متهافتان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 294
بقی الکلام فیما یعطیه صریح کلام صاحب المالک من الفرق بین قسمی البضاعة فی استحقاق الأجرة مع عدم اشتراط الربح و عدمه مع اشتراطه فإن التحقیق عدم الفرق بینهما من هذه الجهة، إذ الأمر بالعمل استیفاء له مع اشتراط الربح و عدمه فمقتضاه استحقاق العامل أجرة عمله فی الصورتین، ضرورة ثبوت الأجرة للعمل المستوفی علی مستوفیه فهو فی وثاق العمل ما لم یظهر منه قصد التبرع و لو لم یظهر منه قصد الأجرة و لم یتبرع به العامل و لو لم ینو الرجوع بها، لأن المانع من استحقاق الأجرة هو قصد التبرع بالعمل لا عدم نیة الرجوع بها، و لا فرق فی ذلک بین کون العامل من المعدین لأخذ الأجرة و غیره مع فرض کون العمل مما له أجرة فی العادة فالفرق المذکور غیر ظاهر الوجه و لعل الوجه فیه عنده استظهاره (قدس سره) من اشتراط الربح و عدم التعرض لأجرة العمل قصد التبرع، و هو فی محل المنع لعدم ظهوره فیه بمجرد ذلک نعم قد یظهر منه ذلک بملاحظة خصوصیة المورد کما قد یظهر منه خلافه فالحکم به علی إطلاقه فی غیر محله.
ثم إنه اتضح لک بما بیناه من عدم کون القراض من العقود أن إعطاء المال و دفعه لیعمل فیه بحصة معینة من ربحه قراض و مضارب حقیقة، لا أنه مغایر له فی الحقیقة قائم مقامه فی الأثر کالمعاطاة، حیث إنها معاوضة مستقلة و مبادلة فعلیة لا عقدیة تقوم مقام البیع الذی هو عقد معاوضة و التزام مبادلة فی بعض الآثار، و من هنا قد یظن أنها بیع علی سبیل الحقیقة و أن البیع نوعان: عقدی لازم و غیر عقدی جائز.
و إذ قد اتضح لک مما حققناه أن صحة القراض و نفوذه موافقة للأصل اتضح لک أمور.
الأول: أنه لا یشترط صحته بوقوع العمل فی السفر لأن مقتضی الأصل صحته مطلقا، فتضییق دائرته بجعل السفر شرطا و الحضر مانعا یحتاج إلی الدلیل فمع عدم وجود دلیل یدل علی التقیید یحکم بالإطلاق الذی هو مقتضی الأصل، و لا یقدح فیه ورد أکثر الروایات فی مورد المضاربة و الاتجار بالسفر، لأن تقریر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 295
الأصل فی مورد لیس إبطالا له فی مورد آخر، و المورد لا یکون مخصصا کما هو ظاهر.
الثانی: أن دفع قطیعة غنم إلی الراعی لیرعاها فی مدة معلومة بحصة من نمائها من لبنها و صوفها و شعرها و وبرها کما هو المتعارف فی بعض البلدان لا إشکال فیه لجواز تنزیل عمل الراعی فی مدة معلومة منزلة القطیعة فی الاستنماء، و هو موافق للأصل الذی أصلناه و لم یدل دلیل علی بطلانه فی المقام.
و من هذا القبیل دفع دابة إلی المکاری لیحمل علیها أو یرکب بالأجرة علی أن یکون الحاصل بینهما، فإن عمل المکاری له دخل فی الحمل و الرکوب و إن لم یکن دخله فیهما کدخل الدابة فهو صالح لأن ینزل منزلتها بالنسبة إلیهما فتعود الأجرة حینئذ إلی الدابة و عمل المکاری فیشترک فیها المالک و المکاری.
فإن قلت: الأجرة إنما هی فی مقابل الحمل و الرکوب و هما من منافع الدابة فلا یجوز رجوع حصة منها إلی غیر المالک.
قلت: لا منافاة بین عود حصة من الأجرة إلی المکاری باعتبار دخل عمله فی الرکوب و الحمل کما أنه لا منافاة بیع عود حصة من الربح إلی العامل باعتبار دخل عمله فی حصول الربح من رأس المال.
الثالث: أنه کما یجوز تنزیل العمل منزلة رأس المال أو الشجرة بالنسبة إلی الربح أو الثمرة لمکان دخل العمل، فکذلک یجوز تنزیل الآلة منزلة العمل إذا کان العمل أصلا لوجود ملاک التنزیل و هو الدخل فلو دفع آلة الصید کالشبکة إلی الصیاد بحصة من الصید جاز و اشترک الدافع مع الصائد فی صیده لموافقته مع الأصل و عدم دلیل قائم علی بطلانه.
و أکثر الأصحاب (قدس سرهم) حکموا بالبطلان و عدم حصول الشرکة فی الحاصل فی هذه الفروع و أمثالها و لا بأس بنقل شطر من کلماتهم و بیان ما فیها.
قال المحقق قدس سره فی کتاب القراض من الشرائع:" و لو دفع آلة الصید
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 296
کالشبکة بحصة فاصطاد کان للصائد، و علیه أجرة الآلة".
و فی المالک:" الحکم بکون الصید للصائد مبنی علی عدم تصور التوکیل فی تملک المباح و إلا کان الصید لهما علی حسب ما نواه الصائد.
و قد سبق الکلام علی نظیره، و یبعد بناؤه علی أن العامل لم ینو بالتملک إلا نفسه لأن ظاهر الحال دخوله علی الشرکة، و حیث یکون الصید لهما فعلی کل منهما من أجرة مثل الصائد و الشبکة بحسب ما أصابه من الملک، و لو کان المدفوع إلیه بدل الشبکة دابة لحمل علیها و یرکب بالأجرة، و الحاصل بینهما فالحاصل بأجمعه لصاحب الدابة و علیه أجرة مثل العامل و لم تصح المعاملة أیضا لعین ما ذکر.
و الفرق بین الشبکة و الدابة فی کون الحاصل لصاحب الدابة دون مسألة الشبکة أن الأجرة تابعة للعمل و العمل فی الدابة حاصل منها و فی الصید من الصائد و الشبکة تبع لعمله کما أن التسبیب بحمل الدابة و عملها تابع لها فیکون الحاصل للعامل و لا مدخل هنا للنیة کما ففی مسألة الصید" انتهی.
و قال فی کتاب الشرکة منها:" و لو دفع إنسان دابة و آخر راویة إلی السقاء علی الاشتراک فی الحاصل لم ینعقد الشرکة و کان ما یحصل للسقاء و علیه أجرة مثل الدابة و الراویة" و فی المالک" بطلان هذه الشرکة ظاهر مما سبق لأنها مرکبة من شرکة الأبدان و شرکة الأموال مع عدم مزجه فیقع باطلة، و لا یکون من صاحب الدابة و الراویة إجارة لأن الأجرة غیر معلومة فالحاصل من العمل للسقاء و للآخران علیه أجرة مثل مالهما لذلک العمل، و هذا یتم مع کون الماء ملکا للسقاء أو مباحا و نوی الملک لنفسه أو لم ینو شیئا أما لو نواه لهم جمیعا کان کالوکیل.
و الأقوی أنهم یشترکون فیه و یکون أجرته و أجرة الراویة و الدابة علیهم أثلاثا فیسقط عن کل واحد ثلث الأجرة المنسوبة و یرجع علی کل واحد بثلث، و یکون فی سقیه للماء منزلة الوکیل لإذنهم له فی التصرف إن قلنا: ببقاء الإذن الضمنی مع فساد المطابقی، و إلا توقفت المعاوضة علی الماء علی إجازتهما فإن أجازا أو قلنا بعدم الافتقار
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 297
إلیها فالحاصل من العمل بینهم أثلاثا و یرجع کل واحد علی الآخرین بثلث أجرة نفسه أو ماله.
فلو فرضنا أن السقاء حصل أربعة و عشرین و کانت أجرة مثله خمسة عشر و أجرة الدابة اثنی عشر و الراویة ثلاثة فلملک واحد منهم من الحاصل ثمانیة لأنه عوض مالهم بناء علی ما اخترناه من جواز التوکیل فی حیازة المباح و سیأتی تحقیقه، ثم یرجع السقاء علی کل واحد منهما بخمسة و یرجع صاحب الدابة علی کل واحد بأربعة و صاحب الراویة بدرهم فیأخذان من السقاء خمسة و یعطیانه عشرة یفضل له ثلاثة عشر و یأخذان من صاحب الدابة ستة یعطیانه ثمانیة، یبقی معه عشرة، و یأخذان من صاحب الراویة تسعة و یعطیانه درهمین یفضل له من المجموع درهم فالمجتمع معهم أربعة و عشرون هی الحاصل من عوض الماء" انتهی.
و فی الجواهر" صاحب الراویة و الدابة إن کانا قد وکلا السقاء فی الحیازة لهما و قد أمراه بذلک و قد حازه بنیتهما مع نفسه اتجه حینئذ شرکة الجمیع بالماء و کان لکل منهم ثلثا الأجرة علی الآخرین، فإن تساوت لم یرجع أحدهم علی الآخر و إلا رجع بالتفاوت.
و إن لم یکن ثم توکیل و قد حازه بنیة الجمیع و لم نقل بجریان الفضولیة فی نحوه أو لم تحصل الإجازة أشکل ملکه له أیضا بناء علی اعتبار نیة التملک فی الحیازة ضرورة کون الفرض نیة الملک للغیر معه فضلا عن نیة التملک بل حینئذ باق علی الإباحة الأصلیة یملکه إذا تجدد النیة لملکه" انتهی.
أقول: قد عرفت أنه لا مانع من تنزیل آلة الصید منزلة عمل الصیاد من الصید و عمل المکاری منزلة الدابة من الأجرة عرفا و شرعا، و لو منعنا ذلک و قلنا: بعدم نفوذه شرعا فالوجه أن یقال: بإشاعة الصید بینهما أیضا لأن ظاهر الحال دخول الصائد علی الشرکة.
و القول بعدم تطرق التوکیل فی الحیازة أصلا کما یظهر من کلام المحقق قدس سره حیث قال:" لو حاش صیدا أو احتطب أو احتش بنیة أنه له و لغیره
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 298
لم تؤثر تلک النیة و کان بأجمعه له خاصة" لا وجه له، ضرورة أنها لیست من الأمور التی لا تتحقق إلا بالمباشرة.
فإن قلت: مجرد دخوله علی الشرکة لا یکفی فی تحققها لعدم بقاء الإذن الضمنی مع فساد المطابقی و تأثیر الإجازة اللاحقة فیها غیر معلوم.
قلت: لا ینافی عدم نفوذ الشرکة التی بنیا علیها مع بقاء الإذن «1» فیها، لأن البناء علی الشرکة کسائر العقود الإذنیة لا یکون عقدا تحقیقیا متوقفا علی الإیجاب و القبول حتی یکون الجهات المتعلقة بها قیودا تابعة لها وجودا و عدما فالإذن فی الشرکة منضمة إلی البناء علی حصولها بدفع الآلة إلی الصیاد لا ینتفی بانتفاء المنضم إلیه لأن الضمیمة إذا لم تکن فی عقد لازم بالذات لا ترجع إلی التقیید، فإذا کان المنضم قابلا للاستقلال کما فی المقام فلا مانع من وقوعه و تحققه، مع انتفاء ضمیمته و لو تنزلنا و قلنا بعدم بقاء الإذن الضمنی مع فساد المطابقی فی أمثال المقام فهو فضولی یؤثر فیه الإجازة لأن الإجازة متحدة مع الوکالة فی الحقیقة و إنما یختلفان فی التقدیم و التأخیر عن العمل، فالوکالة إجازة متقدمة کما أن الإجازة وکالة متأخرة فکلما تتطرق فیه الوکالة تتطرق فیه الإجازة إلا أن یدل دلیل علی عدم تطرقها فیه کالطلاق و العتق حیث یتطرق فیهما التوکیل و لا یتطرق فیهما الإجازة، و قد عرفت أنه لا مانع من تطرق التوکیل فی الحیازة و لم یدلل دلیل علی عدم جریان الفضولیة فیها.
ثم إنه لو قلنا: بعدم تطرق التوکیل فی الحیازة فما ذکره المحقق (قدس سره) من وقوع الملک للمحیز و عدم قدح نیة إیقاع الملک له و لغیره فی اختصاص الملک بنفسه فی محله.
______________________________
(1) التحقیق خلافه لأن المأذون فیه هی الشرکة التی لا یرجع أحد المتشارکین فیها علی الآخر بأجرة، فالشرکة التی یرجع فیها کل واحد منهما علی الآخر بأجرة عمله أو ماله لا تستند إلی الإذن المذکور إلا أن یلتزم بعدم استحقاق رجوع أحدهما علی الآخر و لو باعتبار احتساب أجرة الآلة فی مقابل أجرة العمل علی وجه الجعالة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 299
و ما ذکره صاحب الجواهر (قدس سره) من بقائه علی الإباحة الأصلیة حینئذ لا یملکه إذا تجدد النیة لملکه حینئذ فی غیر محله، لأن نیة الملک حینئذ کافیة فی وقوعه لنفسه، ضرورة أن العمل الصادر عن الشخص ینصرف إلیه فی حد نفسه و لا ینصرف عنه إلا بصارف إذا کان قابلا للانصراف عنه و التملک بالحیازة علی فرض عدم تطرق التوکیل فیه لا یقبل الانصراف عنه حتی یقدح فیه نیة وقوعه للغیر فلا یکون نیة وقوعه للغیر حینئذ إلا لغوا.
بل لو قلنا بصلوح وقوعه للغیر إما بوکالة سابقة أو بإجازة لاحقة کما هو التحقیق و أوقعه للغیر من دون وکالة سابقة و لم یلحقه إجازة یختص الملک به أیضا لأن مجرد نیة الغیر لا یکفی فی انصراف الفعل عن الفاعل إلی غیره فمع عدم الوکالة و عدم لحوق الإجازة یستقر الفعل لنفس الفاعل إذ لا یحتاج وقوعه لنفسه إلی قصد، و الحاصل أن وقوع الملک لنفسه و لغیره لم یکن علی حد واحد حتی یتوقف حصول کل منهما علی قصد زائد بل وقوعه لنفسه ذاتی لا یحتاج إلی نیة جدیدة.
فتبین بما بیناه أن الصیاد و دافع الآلة یشترکان فی الصید علی کلا التقدیرین إما لأجل نفوذ تنزیل الآلة منزلة عمل الصیاد و إما لأجل قصده الشرکة بعمله، غایة الأمر أنه علی التقدیر الثانی یرجع کل منهما علی الآخر من أجرة مثل الصائد و الشبکة بحسب ما أصابه من الملک کما نبه علیه صاحب المالک (قدس سره).
و قد تبین بما بیناه أیضا أنه لو کان الماء مباحا یشترک صاحب الدابة و الراویة مع السقاء فی الماء و ثمنه لما عرفت من بقاء الإذن حینئذ و إن ظاهر الحال دخول السقاء علی الشرکة فیصیر الحاصل بینهم أثلاثا و یرجع کل منهم علی الآخر بثلث الأجرة من مثل عمله أو ماله کما ذکره فی المالک، هذا و أما ما ذکره من أنه لو کان المدفوع إلیه بدل الشبکة دابة لیحمل علیها أو یرکب بالأجرة و الحاصل بینهما فالحاصل بأجمعه لصاحب الدابة و علیه أجرة مثل العامل فظاهره أن علیه أجرة مثل العامل مطلقا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 300
و فی القواعد:" لو دفع دابته إلی آخر لیحمل علیها و الحاصل لهما فالشرکة باطلة فإن کان العامل قد آجره الدابة فالأجرة لمالکها و علیه أجرة مثل العامل فإن قصر الحاصل عنهما تحاصا إن کان بسؤال العامل و إلا فالجمیع".
و فی جامع المقاصد:" و یندرج فی قوله: بسؤال العامل ما إذا کان بسؤالهما لأنه بسؤال العامل أیضا، و فی الفرق نظر لأن الفرض حصول الرضاء بذلک سواء کان بسؤاله أو بسؤال المالک أو بسؤالهما فیستوی المسألتان فی التحاص، و احتمل شیخنا الشهید فی بعض حواشیه وجوب أقل الأمرین من الحصة المشروطة و الحاصلة بالتحاص، أما إذا کانت المشروطة أقل لأنه قد رضی بالأقل فلا یستحق الزیادة و أما إذا کان الحاصل بالتحاص أقل فلمعارضة حق المالک و لا ترجیح.
و احتمل أیضا وجوب الأقل إن کان بسؤال العامل لأنه ألزم نفسه بذلک بسؤاله.
و وجوب الأکثر إن کان بسؤال المالک لأنه إن کان الأکثر المشروط فقد رضی به المالک و إن کان هو الحاصل بالتحاص فلفساد الشرط" انتهی.
و التحقیق: أنه یجوز أن یجعل الأجرة فی مقابل منفعة الدابة و عمل المکاری من تسبیب الحمل و الرکوب و ما یتبعهما فلا إشکال فی اشتراط الشرکة فی الأجرة و لا فی تحققها بالإجارة حینئذ و لا یکون دفع الدابة إلی المکاری علی أن یکون الحاصل بینهما مخالفا لقاعدة من القواعد الشرعیة، نعم لا تحصل الشرکة بمجرد الدفع بل بعد الإجارة، فما ذکره صاحب المالک من اختصاص الأجرة بصاحب الدابة حینئذ و رجوع العامل علیه بأجرة مثل عمله لا وجه له.
و أما ما ذکره فی القواعد من أنه إن قصر الحاصل عن أجرة مثل عمل المکاری و أجرة منفعة الدابة تحاصا فیه إن کان بسؤال العامل ففی غایة الغرابة و باطل من وجوه عدیدة: الأول: أن الرجوع إلی أجرة مثل العمل و مثل الدابة إنما هو علی تقدیر فساد الشرکة و الإجازة معا کما هو ظاهر، و مع فسادهما لا یستحق المالک الأجرة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 301
المسماة بل یستحق حینئذ أجرة مثل منفعة دابته، فالجمع بین استحقاق أجرة المثل و الأجرة المسماة و الحکم بمحاصد العامل معه فیها جمع بین المتناقضین.
و الثانی: أن أجرة مثل عمل العامل إنما یتعلق بذمة صاحب اللدبة لا بالحاصل فلا مجال لتحاصهما فیه لأن تحاصهما فیه فرع تعلق حقهما به.
و الثالث: أن التفصیل بین سؤال العامل و عدمه فی الحکم مع فرض حصول الرضاء من الجانبین فی جمیع الصور لا وجه له، و أغرب منه ما حکی عن الشهید قدس سره فی بعض حواشیه إذ بعد فرض فساد العقد یستحق العامل أجرة مثل عمله لقاعدة ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده، و رضاه بالعقد الفاسد و ما لا یسلم له لا یؤثر انقلاب استحقاق أجرة المثل إلی أقل أو أکثر.

تنبیه: لو دفع الدابة إلی المکاری لیحمل علیها

أو یرکب بالأجرة علی أن یکون الحاصل بینهما نصفین أو أثلاثا و هکذا فهو لو دفعها إلیه علی أن یکون الحاصل بینهما من دون تعیین فحینئذ یقوم کل من أجرة مثل العمل و أجرة مثل منفعة الدابة منفردا.
و ینسب قیمة أحدهما إلی مجموع القیمتین و یأخذ کل منهما من الحاصل بنسبة قیمة عمله أو ماله إلی مجموع القیمتین، فلو کان أجرة مثل منفعة الدابة ثلاثة دراهم و أجرة مثل العمل درهمان فللمالک ثلاثة أخماس الحاصل و للمکاری خمساه، و لیس هذا تحاصا بل طریقا إلی معرفة حق کل منهما من الحاصل.
و بما بیناه تبین لک الحال فی نظائرها من الفروع.

و أما المقام الثالث [فی أنه علی فرض صحته جائز أم لازم و بیان شطر من أحکامه]

فقد اتضح حاله بما بیناه فی المقام الأول من تحقیق حقیقته و شرح ماهیته و أنه جائز بالذات، لأن اللزوم من لوازم العقد التحقیقی المرکب من إنشاءین، و قد ذکرنا أن القراض کسائر العقود الإذنیة لا یتوقف تحققه علی إنشاءین و عملین، و قد اتفق الأصحاب قدس سرهم علی أنه من العقود الجائزة من الجانبین و یجوز لکل منهما الرجوع فیه سواء نض المال أو کان عرضا، فلو اشترط فیه الأجل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 302
لم یلزم و فائدته المنع من التصرف فیما بعده.
قال المحقق قدس سره فی الشرائع:" و لو اشترط فیه الأجل لم یلزم، لکن لو قال:" إن مرت بک سنة فلا تشتر بعدها و بع صح" لأن ذلک من مقتضی العقد و لیس کذلک لو قال:" علی أنی لا أملک فیها منعک، لأن ذلک مناف لمقتضی العقد".
و فی الجواهر: بل المشهور کما قیل بطلان العقد معه فالتحقیق حینئذ أن یقال إن أرید باشتراط الأجل المعنی الأول صح و إن أرید به المعنی الثانی بطل و أبطل کما صرح به غیر واحد بل لم أجد خلافا هنا فی بطلانه.
و زاد فی القواعد و جامع المقاصد اشتراط ضمان العامل المال أو إلزامه بحصة من الخسارة إلا أنه قد یناقش فی ذلک إن أرید بها الکتابة عن اللزوم مثلا بالعارض و لو بالشرط، لا أن المراد به ما ینافی حکمها شرعا فإنه لا إشکال فی البطلان حینئذ إنما المناقشة فی الأول بمنع کونها من منافیات مقتضی العقد المراد به ما یعود علی العقد بالنقض.
و لا ریب فی عدم منافاة اللزوم لعقد المضاربة إذ هو کالجواز فی العقد اللازم الذی لا إشکال فی صحة اشتراطه، و من هنا کان له شرطه أی اللزوم فی العقد الجائز بعقد لازم آخر، و لو أنه من المنافی لمقتضاه لم یصح ذلک إذ هو کاشتراط عدم الملک فی البیع و نظیره هنا عدم ملک العامل الحصة من الربح لا اشتراط اللزوم فی المضاربة و کذا الکلام فی الضمان الذی لا ینافی کون الشی‌ء أمانة فإن کثیرا من الأمانات مضمونة کعاریة الذهب و الفضة و العاریة المشترط فیها و المقبوض بالسوم و غیر ذلک بل ستسمع ضمان العامل فی کثیر من صور المضاربة بل و کذا الکلام فی اشتراط إلزام العامل صحة من الخسارة فإن جمیع هذه الأمور من الأحکام أو مما هو مقتضی إطلاق العقد لا أنها من منافیات مقتضاه التی تعود علیه بالنقض فتأمل جیدا.
بقی شی‌ء و هو أنه قد صرح الفاضل و تبعه فی جامع المقاصد بصحة شرط المالک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 303
علی العامل المضاربة فی مال آخر أو أخذ بضاعة منه أو قرض أو خدمة فی شی‌ء بعینه معللا له الثانی منهما بعموم قوله تعالی:" أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" و قوله:"
المؤمنون عند شروطهم
" لکن عن ابن البراج الجزم بفساد العقد و الشرط و کذا عن المبسوط إلا أنه قال أخیرا: لو قلنا: القراض و الشرط جائز لکن لا یلزم الوفاء به کان قویا.
ثم إنه فی جامع المقاصد قد حکی عن السرائر عدم لزوم الوفاء به، ثم قال:" و هو حق فإن العقد جائز من الطرفین لکن لم یذکروا حکم ما إذا عمل العامل و لم یف بالشرط فظهر ربح، و الذی یقتضیه النظر أن للمالک الفسخ بفوات ما جری علیه التراضی فیکون للعامل أجرة المثل و للمالک الربح" إلی أن قال و لو شرط ذلک من طرف العامل علی المالک فالحکم کما هنا بغیر تفاوت إلا أن الفسخ هنا بعد العمل إذا لم یحصل الوفاء یکون للعامل لأنه إنما رضی بالحصة القلیلة مع هذا الشرط" انتهی.
أقول: و فیما ذکره نظر من وجهین: الأول فیما ذکره من عدم منافاة اشتراط اللزوم فی العقود الجائزة بالذات کاشتراط الجواز فی العقود اللازمة لأن الجواز فی العقود الجائزة بالذات من أحکام العقد و من شئون سلطنة الشخص علی نفسه و عمله، لما عرفت من أن مرجع العقود الجائزة بالذات المسماة بالعقود الإذنیة إلی عملین مستقلین مترتبین، فیکون حینئذ لکل واحد من المتعاقدین الرجوع عن عمله و لا یقبل الإسقاط و الانقلاب إلی اللزوم لاستحالة سلب سلطنة الشخص عن نفسه و عمله، بخلاف لزوم العقود اللازمة بالذات فإن مرجعه إلی عدم سلطنة أحد المتعاقدین علی حل عمل الآخر و رفعه لما ظهر لک من أن مرجع العقود اللازمة بالذات إلی أمر وحدانی بسیط فی الخارج منتزع عن عملین، فلا یستقل أحدهما فی رفعه و حله کما لا یستقل فی إثباته فمرجع الجواز المجعول حینئذ إلی إثبات سلطنة لأحدهما علی الآخر فی حل عمله، أو بجعل الشارع أو بجعل المتعاقدین و هو أمر معقول و یکون من الحقوق فیقبل الجعل و الإسقاط.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 304
و بما بیناه ظهر أن اشتراط عدم ملک المنع مطلقا مناف لمقتضی العقد سواء أرید به لزوم العقد بالشرط أم لا، کما ظهر أن العقد الجائز لا یصیر لازما و لو وقع فی ضمن عقد لازم و جعل شرطا فیه لاستحالة سلب سلطنة الشخص علی نفسه و عمله، و الوکالة المشترطة فی الرهن إنما تصیر لازما من قبل الراهن کنفس الرهن من جهة رجوعها إلی إثبات ولایة للمرتهن علی العین فی بیعها و استیفاء دینه من ثمنها، فهی ولایة لا وکالة و إن عبر عنها بالوکالة و من المعلوم أن الولایة لازمة من طرف من علیه السلطنة و إن کانت جائزة من طرف من له السلطنة.
و الثانی: أن العقد قد یکون علة تامة للایتمان کالودیعة فلا یجوز اشتراط الضمان فیها لمنافاته لمقتضی العقد و قد یکون مقتضیا له کالعاریة فیجوز اشتراطه فیها، و قد یلتبس أمره کعقد الإجارة و لذا اختلفوا فی جواز اشتراط الضمان فیها، فمنهم من جعله فی حکم الودیعة و منهم من جعله فی حکم العاریة.
و من المعلوم أن لا یحکم فی هذا النوع بنفوذ شرط الضمان إلا بعد إحراز صلاحیة العقد و قبوله، و عقد القراض لو لم یکن من قبیل الأول فهو من قبیل القسم الثالث فلا یحکم بنفوذ شرط الضمان فیه بمجرد أن بعض الأمانات یقبل شرط الضمان و مما بیناه ظهر حال اشتراط إلزام العامل حصة من الخسارة.
و أما ما ذکره من ضمان العامل فی کثیر من صور المضاربة فإنما هو فی صورة التعدی أو التقصیر، و من المعلوم أنه لا ینافی مع عدم قبوله الضمان بالشرط، ثم إن ما جعله صاحب جامع المقاصد مقتضی النظر من عود الربح إلی رب المال و استحقاق العامل الرجوع علیه بأجرة مثل عمله بعد الفسخ من جهة عدم وفاء رب المال بالشرط لا یلائم مع انفساخ العقد حین الفسخ لا بطلانه من رأس، ضرورة أن الفسخ إنما یوجب زوال العقد من حین الفسخ لا بطلانه من حین وقوعه، و لعله لذا قال صاحب الجواهر: ما جعله مقتضی النظر مما لم یمکن التزام فقیه له.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 305‌

(فائدة 42) الکر المسبوق بالقلة إذا علم ملاقاته للنجاسة و لم یعلم السبق منهما

حکم بنجاسته إلا فی صورة واحدة و هو العلم بتاریخ الکثرة لأن الأصل حینئذ عدم حدوث الملاقاة قبل هذا التاریخ فیکون محکوما بالطهارة.
فإن قلت: نعم فی صورة العلم بتاریخ الملاقاة یحکم بالنجاسة استصحابا للقلة إلی هذا التاریخ و أما فی صورة الجهل بتاریخهما معا فیتعارض استصحاب عدم الملاقاة إلی زمان حدوث الکریة مع استصحاب عدم الکریة إلی زمان ملاقاة النجاسة فیتساقطان فیجب الحکم بالطهارة حینئذ استنادا إلی أصالة الطهارة.
قلت إنما یرجع إلی أصالة الطهارة مع عدم إحراز مقتضی الانفعال و هی ملاقاة النجس، و أما مع إحرازه و وقوع الشک فی اقترانه بالمانع یحکم بالانفعال أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المشکوک و هذه قاعدة شریفة مطردة جاریة فی جمیع الموارد.
فإن قلت: تحقق المقتضی غیر معلوم، أولا لأن قلة الماء من شرائط الانفعال و هی مشکوکة غیر محرزة.
مع الشک فی الشرط یکون المقتضی مشکوکا لأن المقصود فی باب قاعدة الاقتضاء و المنع ما لوجوده دخل فی التأثیر سواء کان مقتضیا أو شرطا کما أن المراد من المانع ما کان وجوده مخلا سواء کان مزاحما أو مانعا و ثانیا أن وجوب الأخذ به و الرکون إلیه ممنوع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 306
قلت: القلة عبارة عن عدم الکثرة فهو أمر عدمی و العدم لا یکون مؤثرا و لا متأثرا و لو کان مضافا فلا یجوز أن یکون شرطا للانفعال فالماء مطلقا قابل للانفعال فی حد نفسه و إنما یکون بلوغه حد الکریة دافعة للانفعال علی وجه الاقتضاء، و لذا تسقط عن التأثیر إذا استولی النجس علیها و صارت مقهورة فی جنب النجس الملاقی له بسبب تغیر أحد أوصافها الثلاثة به.
و أما اعتبار هذه القاعدة الشریفة فقد أثبتناه فی الفائدة الأولی من هذا الکتاب و أزحنا الشبهات المتوهم فی هذا الباب، بل قد تبین أنه لا أصل سواء و إن جمیع الأصول المعتبرة لفظیة أو عملیة راجعة إلیها.
و مما بیناه تبین أنه لا فرق فی الحکم بالنجاسة مع الجهل بتاریخهما و عدم العلم بتاریخ واحد منهما بین الکر المسبوق بالقلة و القلیل المسبوق بالکریة، نعم إذا علم تاریخ الکثرة فی الصورة الأولی و جهل تاریخ الملاقاة یحکم بطهارة الماء لأن الأصل عدم حدوث الملاقاة قبل هذا التاریخ، کما أنه إذا علم تاریخ الملاقاة فی الصورة الثانیة مع الجهل بتاریخ القلة یحکم بطهارة الماء أیضا استصحابا لبقاء کثرته إلی هذا التاریخ، هذا کله إذا علم بملاقاة النجاسة إجمالا و لم یعلم المتقدم و المتأخر من الملاقاة و الکریة.
و أما إذا وجد نجاسة فی الکر المسبوق بالقلة و احتمل وقوعها فی حال القلة فالحکم فیه الطهارة إلا إذا علم تاریخ الوقوع و جهل حدوث الکریة، لاستصحاب القلة إلی هذا التاریخ فیحکم بالنجاسة حینئذ.
و أما فی صورة الجهل بتاریخهما أو الجهل بتاریخ الوقوع مع العلم بتاریخ الکریة فیحکم بالطهارة حینئذ لأجل انحلال العلم الإجمالی و رجوعه إلی الشک البدوی فإن وجود النجاسة فی الکر موجب لعلم بملاقاتها فی حال الکریة تفصیلا و وقوع الشک فی ملاقاتها قبل الکریة و الأصل عدم ملاقاتها قبل الکریة حینئذ لعدم العلم بملاقاة أخری غیر الملاقاة الحاصلة حال الکریة بسبب العلم بوجود النجس
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 307
فی الکر، کما هو المفروض بخلاف المسألة السابقة فإن ملاقاة النجاسة مع الماء معلوم إجمالا و حصولها فی حال القلة أو الکثرة مجهول فلا یرجع الشک فی أحد طرفیه إلی الشک البدوی، لعدم انحلال العلم الإجمالی حینئذ.
و الحاصل أن العلم التفصیلی بوجود النجس فی الکر أخرج أحد طرفی التردید و هی الملاقاة حال الکریة عن الشبهة فتخص الشبهة حینئذ بملاقاتها قبل الکریة و یکون الشک فیها شکا بدویا مجری لأصالة عدم الملاقاة، بخلاف المسألة السابقة فإنه لم یحصل العلم التفصیلی فیها بأحد الطرفین حتی تخص الشبهة بالطرف الآخر و ینحل العلم الإجمالی.
و قد اشتبه الأمر فی هذا المقام علی کثیر ممن عاصرناه فزعموا أن هذه المسألة من فروع المسألة السابقة و الحکم فیهما واحد.
و لقد أجاد من لم یجعله من متفرعات المسألة السابقة و جعله مسألة أخری و إن اشتبه علیه الأمر فی تشریکهما فی الحکم.
فإن قلت: ملاقاة النجاسة مع الکر من حیث البقاء معلوم تفصیلا و لکن حدوثها غیر معلوم إلا علی وجه الإجمال و کما یحتمل أن یکون فی حال کثرة الماء فکذلک یحتمل أن یکون فی حال قلته و لا مرجح فی البین و الکلام إنما هو فی الحدوث.
قلت: إذا کانت الملاقاة مستندة إلی وجود النجس فی الماء و کان وجوده متیقنا مع الکر و لا أثر لحدوث ملاقاة النجس مع الکر غیر ما یترتب علی وجوده فیه ینحل العلم الإجمالی حینئذ و یؤخذ بحکم المعلوم تفصیلا و لا یعتد باحتمال الحدوث قبل ذلک.
أ لا تری أنه لو رأی الشخص منیا فی ثوبه و علم بأنه احتلم و لم یعلم بأنه احتلم فی البارحة أو قبلها یقتصر علی القدر و لا یعتد باحتمال حدوثه قبل و هکذا الحال فی نظائرها.
و السر فیه ما بیناه من انحلال العلم الإجمالی و رجوعه إلی الشک البدوی حینئذ.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 308‌

(فائدة 43) [إذا تزوج العبد بمملوکة ثم أذن له المولی فی ابتیاعها]

قال المحقق (قدس سره):" فی الشرائع إذا تزوج العبد بمملوکة ثم أذن له المولی فی ابتیاعها فإن اشتری لمولاه فالعقد باق و إن اشتراها لنفسه بإذنه أو ملکه إیاها بعد ابتیاعها فإن قلنا العبد یملک بطل العقد".
و فی الجواهر:" کما یبطل نکاح الحر للأمة إذا اشتراها لظهور قوله تعالی:" إِلّٰا عَلیٰ أَزْوٰاجِهِمْ*" و غیره فی منع الجمع بین سببی الوطی و انقطاع الشرکة بینهما فیکون کل واحد منهما مؤثرا تاما فی إباحة الوطی ففی حال الاجتماع إما أن یرتفع تأثیرهما و هو معلوم الفساد أو یکون المؤثر واحدا و لیس هو إلا الطاری فما فی ذلک عن المناقشة فی ذلک بأن علل الشرع معرفات فلا یضر اجتماعها یدفعه ما عرفته من ظهور الأدلة هنا فی کونها فی الفرض کالعلل العقلیة بالنسبة إلی ذلک.
نعم قد یناقش فی ترجیح الطاری بعدم ما یقتضی ترجیحه بل لعل الأول أرجح باعتبار سبق تأثیر فلا یصادف الثانی موضوعا للتأثیر فیتجه بطلان البیع حینئذ لا النکاح اللهم إلا أن یقال الإجماع علی صحة البیع یرفع ذلک أو یقال إن السبب نفسه أقوی فی التأثیر من استدامة الأول أو غیر ذلک مما یتجه معه حینئذ بطلان النکاح فیما نحن فیه" انتهی.
و فی الجمیع نظر لأن استظهار منع الجمع من الآیة الکریمة إن کان من جهة التعبیر بأو کما یستفاد من کلام بعضهم ففیه أن التعبیر بأو کما یصح فی المنفصلة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 309
الحقیقیة و فی مانعة الجمع کذلک یصح فی مانعة الخلو و لا ظهور له فی أحد الوجوه مع قطع النظر عن القرینة فلا یصح الاستدلال به علی منع الجمع و لا قرینة فی المقام تدل علی کون التفصیل بینهما علی وجه منع الجمع بل یمکن أن یقال إن القرینة قائمة علی أن التفصیل بینهما علی وجه منع الخلو فإن قوله تعالی:" فَمَنِ ابْتَغیٰ وَرٰاءَ ذٰلِکَ فَأُولٰئِکَ هُمُ العٰادُونَ*" ناظر إلی أن استباحة الوطی لا تخلو عن أحد السببین و إن کان من جهة استفادة أن کلا من السببین کاف فی استباحة الوطی و علة تامة لها مطلقا کما یستفاد من کلام بعضهم و لازم کون کل منهما علة تامة لاستباحة الوطی مطلقا عدم جواز اجتماعهما علی موضوع واحد إذ مع اجتماعهما علی موضوع واحد إما یبطل تأثیر کل منهما فیسقطان عن صفة التمامیة و کلاهما مناف لکون کل منهما علة تامة لاستباحة الوطی علی سبیل الإطلاق.
ففیه أن استباحة الوطی بکل من السببین إنما توجب أن یکون کل منهما تاما اقتضاء و مستقلا فی التأثر فی حد نفسه و لا ینافی تمامیة کل منهما فی حد نفسه مع عدم استقلال کل منهما فی التأثیر بسبب اجتماعهما علی محل واحد مع عدم التنافی بینهما کما لا ینافی سقوطهما عن التأثیر رأسا عند اجتماعهما علی موضوع واحد و تنافیهما فی التأثیر مع بقائهما علی صفة العلیة اقتضاء.
فتبین بما بیناه أنه لا ضیر فی اجتماع العلتین سواء کانتا عقلیتین أو شرعیتین و ما یظهر من صاحب المسالک من التفصیل بین العلل العقلیة و الشرعیة فی غیر محله مع أن ما ذکره و اشتهر بینهم من أن العلل الشرعیة معرفات فی غیر محله ضرورة أن الطهارة و الحدث إنما یتحصلان بأسبابهما لا أن أسبابهما معرفات و علائم علی حصولها بلا سبب مقارنة لأسباب أو متقدمة علیها.
و هکذا الحال فی سائر الأسباب الشرعیة بالنسبة إلی مسبباتها.
هذا مع أنه لو سلم عدم جواز اجتماعهما علی محل واحد لزم بطلان الطاری لا السابق، ضرورة أن أثر السابق ثابت قبل طرو الطاری فلا مجال لطروه بعد ثبوت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 310
أثر السابق، و ما ذکره من أنه یمکن أن یقال إن الإجماع علی صحة البیع یرفع التزویج فی غایة البشاعة إذ بعد فرض عدم جواز اجتماعهما فی محل واحد لا یعقل صحة البیع مع ثبوت التزویج حتی یرد صحیحا و یرفع التزویج و لا رافع له غیر البیع کما هو المفروض و الإجماع لا یصحح الأمر الغیر المعقول.
و أما ما ذکره ثانیا من أنه یجوز أن یقال إن السبب نفسه أقوی فی التأثیر من استدامة الأول فأبشع لأن أقوائیة أحد السببین إنما یؤثر سقوط السبب الآخر عن التأثیر إذا تنافیا فی الأثر و تقارنا و أما إذا لم یتنافیا فی الأثر فلا یتعارضان حتی یتقدم أقواهما علی أضعفهما فإن تقارنا حینئذ اشترکا فی التأثیر و إن ترتبا ینفرد المتقدم بالتأثیر و لا أثر للمتأخر لاشتغال المحل بالمثل سواء کان أقوی من المتقدم أم لا فلا مجال لسقوط الأضعف بالأقوی فی المقام من وجهین: الأول: عدم تقارنهما فی الوجود.
و الثانی عدم التنافی بینهما فی الأثر بل لو فرض التنافی بینهما فی المقام لا مجال لتأثیر الأقوی، منهما لأن الأقوائیة إنما تؤثر مع تقارنهما.
و أما عدم تقارنهما فالأثر للمتقدم علی کل حال و لا ینافی ما بیناه تأثیر المتأخر من سببی الطهارة و الحدث فی الارتفاع و الانتقاض لأن تأثیر المتأخر منهما لیس من جهة تعارض السببین و تقدیم المتأخر منهما بل جهة إعمال السببین لعدم تعارضهما فإن ارتفاع الحدث بسبب الطهارة أو انتقاضها بسبب الحدث لا یعارضه السبب الأول و لا ینافیه، إذ السبب الأول إنما یؤثر حدوث الحدث أو الطهارة و لا یستند إلیه بقاؤه و إنما یکون باقیا من جهة أنه فی حد نفسه قار الذات لا یزول إلا بمزیل فکل من السببین یؤثر أثره لعدم المعارض و المانع من تأثیره.
و التحقیق فی وجه بطلان تزویج الأمة باشترائها الزوج ما حققناه و فصلنا الکلام فیه فی محله، و إجماله أن ملک البضع الحاصل بالتزویج من قبیل ملک الانتفاع لا المنفعة و لذا لو وطئت الزوجة شبهة أو إکراها ثبت مهر المثل علی الواطئ للزوجة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 311
لا لزوجها و لو کان من قبیل ملک المنفعة لزم رجوع مهر المثل إلی الزوج لا الزوجة و من شأن ملک الانتفاع زواله بتجدد ملک العین و الرقبة لمالک الانتفاع فإن المستعیر أو الودعی أو الوکیل إذا اشتری العین المستعارة أو المودعة أو الموکل فیها تبطل استعارته و ودیعته و وکالته إذ لا مجال لکون مالک الرقبة مالکا للانتفاع من العین المشتراة من قبل البائع الذی انتقلت الرقبة و العین مستتبعة للمنفعة عنه، لأن مرجع ملک الانتفاع إلی الرخصة فی الانتفاع لا استحقاق المنفعة فلا یتصور بقاء الرخصة من قبل المالک الذی زال ملکه عینا و منفعة لمن انتقل الملک إلیه.
فإن قلت: کما أن من شأن ملک الانتفاع عدم مجامعته مع ملک الرقبة المستتبع لملک المنفعة کذلک من شأنه الجواز و عدم اللزوم ذاتا مع أن عقد التزویج لازم.
قلت: نعم من شأن ملک الانتفاع الجواز ذاتا و لکن لا ینافیه اللزوم تعبدا و لذا لا یکون اللزوم فیه من قبیل لزوم عقد البیع و سائر عقود المعاوضات مستندا إلی نفس العقد قابلا للإسقاط بجعل الخیار فیه، بل لزومه من قبیل لزوم الهبة المعوضة و هبة ذی رحم حکم غیر قابل للإسقاط.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 312‌

(فائدة 44) [إذا نذر صوم یوم الجمعة دائما فوافق ذلک الیوم یوم عید فطر أو أضحی]

فی الکافی عن أبی علی الأشعری عن محمد بن عبد الجبار عن علی بن مهزیار قال:"
کتبت إلیه یعنی إلی أبی الحسن علیه السلام یا سیدی رجل نذر أن یصوم یوما من الجمعة دائما ما بقی، فوافق ذلک الیوم یوم عید فطر أو أضحی أو أیام التشریق أو سفر أو مرض هل علیه صوم ذلک الیوم أو قضاؤه و کیف یصنع یا سیدی؟ فکتب إلیه:" قد وضع الله عنه الصیام فی هذه الأیام کلها و یصوم یوما بدل یوم إنشاء الله
". أقول: و یستفاد من هذه الروایة الشریفة الصحیحة الساطعة منها أنوار العصمة و الإمامة أنه ینعقد النذر فیما وافق هذه الأیام إذا کان النذر متعلقا بکلی یجوز انفکاکه عنها و تکون موافقته معها اتفاقیا و إن حرم صومه حینئذ و وجب الإفطار، ضرورة أن الحکم بالقضاء و صیام یوم بدل یوم فرع فوت الأصل و فوته فرع ثبوته بالنذر و هو فرع انعقاده.
و لعلک تقول إن کان النذر منعقدا بالنسبة إلی ما وافق هذه الأیام و لا ینحل فمقتضاه وجوب صومه لا حرمته و وجوب إفطاره و إن انحل و لم یکن منعقدا فیه فمقتضاه عدم ثبوت القضاء لعدم وجوب الأصل حینئذ حتی یجب قضاؤه.
قلت: مستعینا برب الأرباب و أمنائه الأطیاب علیهم السلام أن انعقاد النذر یقتضی وجوب المنذور علیه، و أما تنجزه فهو فرع استجماع شرائط التنجز من قدرته علی إتیانه و عدم مزاحمته بأقوی منه و عدم المانع من تحقق الامتثال، فإن لم یقدر علیه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 313
أو زوحم بأقوی منه أو تحقق مانع من الامتثال یصیر معذورا فی ترکه و یجب علیه القضاء حیث کان له قضاء فإن قلت: الموضوع الواحد لا یقبل حکمین مختلفین من وجهین حتی یقع التزاحم بینهما و یتقدم الأقوی منهما، و الموضوع واحد فی المقام و هو صوم یوم معین اجتمعت فیه جهتان کونه جمعة و عیدا و هکذا.
قلت: الموضوع فی المقام متعدد و إن اجتمعا فی مصداق واحد لأن یوم الجمعة فی حد نفسها مغایر لهذه الأیام و منفک عنها کما أنها منفکة فی حد نفسها عنه، و الحکم فی کل منهما متعلق بأمر کلی یجوز انفکاک کل منهما عن الآخر فلا یضر اجتماعهما فی یوم واحد و تصادقهما علیه فی أصل الحکم و إنما یتزاحمان فی مرحلة التنجز فإن تساویا یتخیر المکلف بینهما لعدم المرجح و إلا یتنجز الأقوی منهما و یصیر معذورا فی الآخر و یترتب علیه القضاء إن کان له قضاء و لما کان حرمة صوم هذه الأیام أهم عند الشارع من وجوب الصوم المنذور و تقدم الحکم بالتحریم علی وجوب الوفاء بالنذر و صار الناذر معذورا فی عدم الوفاء وجب علیه الإفطار و القضاء.
نعم لو تعلق النذر بیوم معین شخصی و وافق هذه الأیام کما لو نذر صوم غد، و وافق أحد هذه الأیام لا ینعقد نذره لعدم رجحان متعلقة حینئذ.
فإن قلت: إذا نذر الناذر صوم یوم الجمعة دائما فلا یخلو الأمر من أحد وجوه ثلاثة: الأول: جعل یوم الجمعة ظرفا للمنذور مطلقا أی سواء وافق الأیام المحرمة الصوم أو لا.
و الثانی: جعله مقیدا بعدم موافقته معها.
و الثالث: أخذه مهملا و لا یجوز أخذه مهملا و إلا لزم بطلان النذر حینئذ لإبهام متعلقة حینئذ، و لا مطلقا و إلا لزم انعقاد النذر فیما إذا کان المتعلق مرجحا و هو ما وافق الأیام المحرمة الصوم، و لجاز نذر صوم یوم العید بعینه حینئذ إذ لا فرق بین انعقاد نذر صومه بخصوصه أو فی ضمن المطلق الشامل له و لغیره، و إذا لم یجز کونه مهملا و لا مطلقا فلا بد من جعله مقیدا فینحل النذر حینئذ
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 314
بالنسبة إلی ما وافق الأیام المحرمة و لا یجب قضاء صومه کما اختاره المحقق (قدس سره) حیث قال: و الأشبه عدم وجوبه.
قلت: إذا کان الکلی راجحا فی حد نفسه و لا یلازم أمرا مرجوحا یصح جعله منذورا من دون تقیید و ینعقد نذره مطلقا و لا ینافیه طرو المرجوحة علی أفراده أحیانا لأن الفرد لا یکون متعلقا للنذر ابتداء و إنما یتعلق به النذر من جهة انطباق الکلی علیه.
و من المعلوم أن مرجوحیة الفرد من جهة اجتماعه مع عنوان موجب للإفطار لا یوجب عروض المرجوحیة علی الکلی الذی هو متعلق النذر فلا یضر بقاء الکلی علی رجحانه فلا یوجب تقیید النذر بغیر هذا الفرد، نعم إذا تعلق النذر بفرد بعینه یجب أن یکون راجحا بخصوصیاته المشخصة فلا ینعقد صوم یوم العید لأنه مرجوح بحسب خصوصیاته الشخصیة و النذر تعلق بشخصه ابتداء فلا ینعقد و یبطل.
و الحاصل: أن الحکم العرضی المتعلق بالکلی کالحکم الأصلی المتعلق به فکما لا ینافی تعلق وجوب صوم رمضان بالبالغ العاقل إطلاقا مع حرمة الإتیان به فی حال المرض و السفر و لا یوجب عروض المنع من الامتثال فی الحالین تقیید وجوب الصوم و لذا بجب قضاؤه علی المریض و المسافر بعد البرء و الحضور، فکذلک الأمر فی الوجوب العرضی الثابت بالنذر.
فإن قلت: الحکم التکلیفی عبارة عن الخطاب الإنشائی من إباحة الفعل أو طلبه أو طلب ترکه أو معلول عنه و لا یصلح الخطاب الإنشائی إلا لمن استجمع شرائط التکلیف من البلوغ و العقل و القدرة عقلا و شرعا، ضرورة أنه لا یجوز طلب الفعل و الترک ممن لا یقدر علی الفعل عقلا أو شرعا، و قضاء کل من المریض و المسافر و الحائض صومه لا یدل علی بقاء الأمر الأول لأن القضاء بأمر جدید لا بالأمر الأول فلا یمکن تعلق نذر یوم الجمعة بما وافق الأیام المحرمة لعدم جواز تعلق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 315
خطاب:" فه بنذرک" إلا بمن قدر علیه عقلا و شرعا، و إذا وافق یوم الجمعة أحد الأیام المحرمة الصوم لا یقدر الناذر علی وفاء النذر شرعا فکیف ینعقد نذره حینئذ.
قلت: الحکم التکلیفی سابق علی الخطاب و الإنشاء ضرورة أن استحقاق العقاب الذی هو من آثار مخالفة الحکم لا عن عذر مترتب علی مخالفة الإرادة النفسیة الحتمیة الثابتة فی نفس المولی و إن لم یکن فی البین خطاب و الإنشاء و الخطاب إنما یؤثر فی تنجیز الحکم من جهة کونه أحد أسباب العلم بالحکم و رفع العذر عنه بل الحکم المولوی سابق علی الإرادة النفسیة الفعلیة لترتب استحقاق العقاب علی مجرد تحیث الواقعة بحیثیة من الحیثیات الخمسة بالنسبة إلی نفس المولی بحیث لو سئل عنها لأراد فعلها أو ترکها حتما أم ندبا أو ترخص فیها.
فالحکم فی الحقیقة عبارة عن إتقان الواقعة و خروجها عن التزلزل بالنسبة إلی الحیثیات الخمسة فی نظر المولی و إن کان غافلا عنها، فلا یدور الحکم التکلیفی مدار الإرادة الفعلیة فضلا عن دورانه مدار الخطاب و الإنشاء، بل قد یکون الحکم متعلقا بالمکلف مع توجه الخطاب بخلافه إلیه کالمریض و المسافر فإنهما فی هذا الحال معذوران عن الصوم ممنوعان منه مخاطبان بالترک مع وجوبه علیهما تعلقا و لذا یقضیانه.
و توهم أن وجوب القضاء لا یدل علی تعلق الحکم به لأن القضاء بأمر جدید وهم فاحش ضرورة أن القضاء فرع الفوت و الفوت فرع التعلق فلا یعقل ثبوت القضاء مع عدم التعلق، و لا ینافی ذلک مع کون القضاء بأمر جدید إذ معناه أنه أولا الأمر الجدید لم یعلم أن له قضاء إذ لیس کل فائت له قضاء لا أن معناه أن القضاء تکلیف جدید مستقل بل قد یتنجز الحکم علی المکلف مع عدم جواز مخاطبته به کمن توسط أرضا مغصوبة عمرا عصیانا فإن تحریم الغصب منجز علیه فی هذا الحال
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 316
و لذا یستحق العقاب علیه و لا یکون معذورا لعجزه لأن الامتناع بالاختیار لا ینافی الاختیار مع عدم جواز صدور لا تغصب بالنسبة إلیه.
و ما قیل: من أن عقابه إنما هو علی مخالفة الحکم الثابت قبل دخوله المغصوبة فی غیر محله إذ لا یعقل استحقاق العقاب علی ارتکاب أمر لم یکن حراما حین ارتکابه.
و بما بیناه تبین غایة التبین أن الحکم بالإفطار و ثبوت القضاء موافق للأصل و منطبق علی القواعد العامة.
و منه یتبین أن من نذر زیارة مولانا أبی عبد الله الحسین علیهم السلام فی کل عرفة فاستطاع الحج یجب علیه تقدیم لحج و قضاء زیارة یوم عرفة.
توضیح الحال فیه أن زیارة الحسین علیها السلام فی عرفة راجح فی حد نفسه فینعقد نذره مطلقا، وجوب الحج و یتنجز لأهمیته عند الشارع من وجوب الوفاء بالنذر فیصیر معذورا فیه و علیه قضاؤه لأن القضاء فرع التعلق لا التنجز.
و ما قیل: من عدم وجوب الحج حینئذ لانعقاد نذر زیارة یوم عرفة مطلقا و انعقاده کذلک مانع عن تعلق وجوب الحج لعدم إمکان اجتماع وجوبهما حینئذ و قد حصل المتقدم حیث لا مانع فلا یحصل المتأخر فی غیر محله إذ لا مانع من ثبوت وجوب کل منهما فی حد نفسه علی وجه الإطلاق اقتضاء و إنما یتزاحمان فی مرحلة التنجز فیقدم الأهم حینئذ و من المعلوم أن وجوب حجة الإسلام أهم فیقدم و یصیر معذورا فی الوفاء بالنذر.
فإن قلت: وجوب حجة الإسلام فرع ثبوت الاستطاعة و مع انعقاد النذر مطلقا لا یکون الناذر مستطیعا للحج فلا یتعلق وجوب الحج به حینئذ.
قلت: انعقاد النذر کذلک إنما یمنع الاستطاعة للحج إذا کان وجوب الوفاء به لهم من وجوب حجة الإسلام لا مطلقا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 317
و ما قیل من انحلال النذر بالنسبة إلی عام الاستطاعة لعدم جواز تعلق النذر بزیارة قبر مولانا الحسین (علیه السلام) یوم عرفة فی عام الاستطاعة فی غیر محله أیضا لما عرفت من عدم وجود مانع من ثبوت الحکمین علی وجه الإطلاق لتغایر موضوعیهما فی حد أنفسهما و عدم ملازمة أحدهما للآخر و اجتماعهما فی مصداق واحد أحیانا لا یؤثر فی رفعهما أو رفع أحدهما، و إنما یقع التزاحم فی مرحلة التنجز.
و بما حققناه یظهر لک حال سائر الفروع المرتبطة بالمقام فافهم و اغتنم.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 318‌

(فائدة 45) [فی معنی الاسمی و الحرفی]

اتفق القوم علی أن المعنی الاسمی مستقل و المعنی الحرفی إلی غیر مستقل لکن اضطربت کلماتهم فی تفسیر الاستقلال و عدمه.
و المعروف بینهم ما ذکره المحقق الشریف من أن المعنی إن لوحظ قصدا و بالذات فهو معنی مستقل اسمی و إن لوحظ تبعا و آلة لتعرف حال غیر فهو معنی آلی حرفی، فکل مفهوم یجری فیه اللحاظان کالمعانی النسبیة یقبل أن یوضع بإزائه اسم باللحاظ الأول و حرف باللحاظ الثانی کمفهوم الابتداء حیث وضع بإزائه لفظ الابتداء باللحاظ الأول و لفظة من باللحاظ الثانی.
و فیه أن المعانی النسبیة و إن کانت تابعة فی الوجود لوجود المنتسبین و لا وجود لها استقلالا بل وجودها فی الخارج عبارة عن خصوصیة وجود المنتسبین إلا أنها فی مرحلة القصد مقصودة بالذات بمعانیها الحرفیة، فإن المقصود بالأصالة فی القضایا إنما هو إفادة الإسناد الثابت فیها إیجابا أو سلبا، و ما یتبعه من القیود و الموضوع و المحمول مع أنهما مفهومان مستقلان لا یتعلق بهما القصد إلا باعتبار وصف الموضوعیة و المحمولیة الراجع إلی الإسناد الثابت بینهما.
و أیضا لو سلم أن قوام المعنی الاسمی بلحاظه قصدا و بالذات، و قوام المعنی الحرفی بلحاظه تبعا و توطئة للغیر لزم أن تکون ألفاظ الکنایات حال کونها کنایات حروفا لأن معانیها الحقیقیة حینئذ ملحوظة لإفادة ملزوماتها أو لوازمها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 319
و بعضهم فسر الاستقلال و الآلیة بما فسره المحقق الشریف لکن مع القول بخروجهما عن الموضوع له، و الالتزام بهما فی مرحلة الاستعمال من جهة اشتراط الواضع حین الوضع أن لا یستعملهما إلا کذلک.
و فیه مضافا إلی ما مر فی کلام الشریف أنه لا تأثیر لاشتراط الواضع مع إطلاق الموضوع له.
و التحقیق أن الحروف آلات و أدوات متممة لأنحاء استعمالات الأسماء و مرکبة للکلمات بعضها مع بعض، فهی موجدة لمعانی معتورة فی لفظ غیرها.
توضیح ذلک أن القضیة علی أقسام ثلاثة: لفظیة و ذهنیة و خارجیة و کل منها یشتمل علی أجزاء ثلاثة المسند إلیه و المسند به و الإسناد، و الإسناد اللفظی مغایر للإسناد الذهنی کما أن الإسناد الذهنی مغایر للنسبة الخارجیة و اللفظ الحاکی عن النسبة الخارجیة لا یوجب النسبة اللفظیة و لا یتم به أمر القضیة اللفظیة و إنما یصلح القضیة اللفظیة ما یوجد النسبة بین الألفاظ و یتم به أمر استعمالها.
و لذا تری أن الإسناد الاختصاصی الاستعلائی و الظرفی فی القضیة اللفظیة لا یتحصل إلا باللام و علی و فی، و لا یتحصل بلفظ الاختصاص و الاستعلاء و الظرفیة و هکذا الأمر فی سائر الموارد، فإن القضیة اللفظیة لا تتم إلا بالحروف أو ما بمنزلتها من الهیئة الترکیبیة أو الاشتقاقیة، و هذا معنی ما أفاده مهبط الوحی (علیه السلام) من أن" الحرف ما أوجد معنی فی غیره" علی ما رواه فی العوالم و نفائس الفنون.
و أما ما فی بعض النسخ من أن" الحرف ما أنبأ عن معنی لیس باسم و لا فعل" فلعله نقل بالمعنی، لأن المعنی الحرفی الموجد فی لفظ الاسم أو الفعل یترتب علیه الإنباء عن النسبة الذهنیة و الخارجیة.
و کیف کان فقد تبین بهذا البیان أن مرجع عدم استقلال المعنی الحرفی إلی کونه وجها من وجوه استعمال لفظ غیره، کما أن مرجع استقلال المعنی الاسمی إلی کونه مستعملا فیه بنفسه و عدم کونه وجها من وجوه استعمال لفظ آخر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 320
و قد اختلط الأمر علی بعض المعاصرین فی المقام فجمع بین ما استفدناه من کلام مولانا أمیر المؤمنین علیه و علی أبنائه الطاهرین سلام الله الملک الأمین و ما ذکره المحقق الشریف بل جعل مدار الفرق علی ما ذکره الشریف، فقال بعض مقرری بحثه أن" الفرق بین المعنی الاسمی و الحرفی یبتنی علی أربعة أرکان: الأول: أن معانی الحروف بأجمعها إیجادیة.
و الثانی: أن لازم کون المعانی الحرفیة إیجادیة أن لا واقع لها بما هی معان حرفیة فی غیر التراکیب الکلامیة.
الثالث: عدم الفرق بین الهیئات فی الأخبار و الإنشاء فی أن معانیها إیجادیة.
الرابع: أن المعنی الحرفی حاله حال الألفاظ حین استعمالاتها فکما أن المستعمل حین الاستعمال لا یری إلا المعنی و غیر ملتفت إلی الألفاظ، کذلک المعنی الحرفی غیر ملتف إلیه حال الاستعمال بل الملتفت إلیه هی المعانی الاسمیة الاستقلالیة.
توضیح ذلک أنک تارة تخبر عن نفس السیر الخاص فتقول: سرت من البصرة فالنسبة الابتدائیة فی هذا المقام مغفول عنها، و أخری عن نفس النسبة فتقول النسبة الابتدائیة کذا فهی الملتفت إلیها.
و هذا الرکن هو الرکن الرکین و بانهدامه ینهدم الأرکان کلها، فإن المعانی الحرفیة لو کانت ملتفتا إلیها لکانت إخطاریة و لکان لها واقعیة سوی التراکیب الکلامیة انتهی ما أردناه.
و کأنه زعم أن لازم کون المعانی الحرفیة الموجدة فی التراکیب و هی النسب اللفظیة توطئة کاللفظ کون ما یقابلها من النسب الذهنیة و الخارجیة کذلک و هو غفلة واضحة، لأن کون النسب اللفظیة توطئة لا یلازم کون ما یقابلها توطئة بل یستحیل ذلک فی النسب النفس الأمریة، إذ لا یقابلها شی‌ء حتی یکون توطئة له نعم یتصور ذلک فی النسب الذهنیة فإنها قد تلحظ توطئة لإفادة النسبة الخارجیة کما هو الشائع الغالب فی القضایا الصادرة من المتکلم فی مقام الإفادة و الاستفادة،
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 321
و قد تلحظ أصالة کمقام الإفتاء و الشهادة و إظهار الحیاة و الفضل، بل قد عرفت مما حققناه أن القصد و العنایة إنما تتعلق بالنسب فإن المقصود فی القضایا إنما هو إفادة الإسناد الثابت فیها.
و أما نفس الموضوع و المحمول فمع قطع النظر عن وصف الإسناد لا یتعلق به غرض أصلا کما هو ظاهر، و لذا خص المعنی الذی هو محل العنایة و القصد فی کلام مولانا أمیر المؤمنین (علیه السلام) بالحرف و ما ذکره من أن النسبة الابتدائیة فی قولک: سرت من البصرة مغفول عنها لأنک تخبر عن السیر الخاص حینئذ فی غیر محله لأن الإخبار عن السیر الخاص إخبار عن ثبوت السیر له علی وجه مبدئیة البصرة له، فالخاص بخصوصیة مقصود للمتکلم فکیف تکون الخصوصیة مغفولا عنها.
نعم هناک نسبتان تامة و هی مفاد هیئة الفعل و ناقصة تقییدیة و هی مفاد للفظة من فی المثال المزبور و النسبة التامة مقصودة أصالة و أما الناقصة فهی مقصودة تبعا لها بمقتضی کونها قیدا للتامة لا أنها مغفول عنها و توطئة لأمر آخر.
مع أنه لو سلم کون النسب الناقصة التقییدیة مغفولا عنها و أن قوام المعنی الحرفی به لزم أن تکون النسب التامة معانی اسمیة، فیلزم أن تکون النسبة المستفادة من هیئة الفعل معنی اسمیا إذا کانت تامة و معنی حرفیا إذا کانت ناقصة کان ضرب مثلا، و أن تکون الابتداء و الاختصاص و الاستعلاء و الظرفیة فی قولک سیری من البصرة و المال لزید و زید علی السطح و بکر فی الدار معانی اسمیة فی الأمثلة المزبورة لأنها حینئذ تامة لا ناقصة، و لذا یکون المجرور بالحرف فیها خبرا عما قبله و بطلان اللوازم بین علی أنه قد یکون المعنی الحرفی الموجد فی عالم اللفظ مقصودا بالأصالة لاتحاد وجوده الخارجی مع وجوده فی عالم اللفظ، کمعانی حروف النداء فإن النداء مقصود أصالة و لا یکون توطئة لنداء آخر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 322
و الحاصل أنه لم یحقق ما ذکره أولا و لم یتأمل فی مفاد الروایة الشریفة حق التأمل فخلط به ما قرع الأسماع، و اشتهر فی الأفواه من أن المعنی الحرفی ملحوظ تبعا لا قصدا و بالذات.
لا یقال: یمکن أن یکون المراد من قوله: فالنسبة الابتدائیة فی هذا المقام مغفول عنها النسبة الابتدائیة المتعلقة باللفظ لا النسبة الخارجیة فلا یرد ما ذکرت.
قلت: کلامه فی المخبر عنه و النسبة الابتدائیة فیه إنما هی النسبة الخارجیة، و أما النسبة الابتدائیة المتعلقة باللفظ فإنما هی متعلقة بالجملة الخبریة و لا ترتبط بالمخبر عنه بوجه.
و بعض المتأخرین مع موافقته لما اشتهر و شاع مما فسر به الاستقلال و الآلیة زعم أنه لا یمکن ورودهما علی معنی واحد باختلاف اللحاظ، و قال:" إن مقتضی النظر الدقیق أن المعنی الحرفی و الاسمی متباینان بالذات لا اشتراک لهما فی طبیعی المعنی الواحد.
و البرهان علی ذلک هو أن الاسم و الحرف لو کانا متحدی المعنی و کان الفرق بمجرد اللحاظ الاستقلالی و الآلی لکان طبیعی المعنی الواحد قابلا لأن یوجد فی الخارج علی نحوین کما یوجد فی الذهن علی طورین مع أن الحرفی کأنحاء النسب و الروابط لا یوجد فی الخارج إلا علی نحو واحد و هو الوجود لا فی نفسه و لا یعقل أن توجد النسبة فی الخارج بوجود نفسی و إلا لم یکن ثبوت شی‌ء لشی‌ء بل ثبوت أشیاء ثلاثة فنحتاج إلی رابطة أخری" انتهی.
و فیه مضافا إلی ما مر فی کلام المشهور أن تحقق الاختلاف فی مرحلة النظر و اللحاظ لا یتوقف علی قبوله الوجود فی الخارج علی نحوین فإن النسبة الواحدة ترد تامة و ناقصة باختلاف لحاظ المتکلم و نظره، و لا اختلاف بینهما فی الخارج بالضرورة و من هنا اشتهر بینهم أن الأوصاف قبل العلم بها أخبار و الأخبار بعد العلم بها أوصاف.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 323
و السر فیه أن النقص و التمام إنما ینتزعان من لحاظ المتکلم النسبة أصالة و تبعا لا من صفة موجودة فی الخارج حتی یجب وجود منشئهما فی الخارج و هکذا الأمر فی صفة الاستقلال و الآلیة فإنهما منتزعان من لحاظ المتکلم علی وجه الآلیة و الاستقلال علی المشهور و لا ینافی ما بیناه من قبول اللحاظ الاستقلال و النقص کون النسبة بحیث لو لوحظت فی حد نفسها و لو خلیت و طبعها تکون تامة غیر مستقلة و الحاصل أن الأمر الواحد یقبل الاتصاف بصفتین متقابلتین إذا کان منشأ انتزاعهما اختلاف لحاظ المتکلم و الاستقلال و الآلیة بالمعنی الذی ذکروه یرجعان اختلاف لحاظ المتکلم و نظیر عروض الآلیة و الاستقلال علی المعنی الواحد عروضهما علی لفظ واحد باختلاف لحاظه استقلالا و توطئة لإراءة المعنی، غایة الأمر أن اللفظ فی حد نفسه مستقل و الآلیة عارض عکس النسبة.
ثم استشکل علی نفسه بأنه إذا لم یکن بین الاسم و الحرف قدر جامع فما المحکی عنه بلفظ الربط و النسبة و الظرفیة أشباهها من المعانی الاسمیة.
فأجاب بأنه لیس المحکی عنه بتلک الألفاظ إلا مفاهیم و عناوین لا حقیقة الربط و النسبة و بالجملة المعانی علی قسمین بالإضافة إلی ما فی الخارج، فتارة من قبیل الطبیعی و فرده و الجامع بین الموجود و الخارجی متحقق و أخری من قبیل العنوان و المعنون، و العنوان لا یتعدی عن مرحلة الذهن و هو غیر المعنون ذاتا و وجودا انتهی.
و فیه أولا أنه إذا لم یکن متحدا مع المعنون ذاتا و لا وجودا فکیف یکون عنوانا له و ما یتوهم من أن المراد بکونه عنوانا للمعنی الحرفی أنه حاک عنه و یجوز التباین بین الحاکی و المحکی عنه فإن العلة و المعلول متباینان و کل منهما حاک عن الآخر.
ففیه أولا أن تفسیر العنوان بالحاکی فی غیر محله.
و ثانیا أن حکایة شی‌ء عن شی‌ء آخر، لا بد أن یکون لمناسبة ذاتیة أو وضعیة و لا یعقل الحکایة مع عدمها بأحد الوجهین و لا مناسبة ذاتیة بین المفهومین حینئذ لعدم العلیة و لا وضعیة لعدم الوضع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 324
و ثانیا یلزم حینئذ أن یکون الربط و الظرفیة و الاختصاص و الاستعلاء و هکذا من قبیل المفاهیم الممتنعة الوجود کاجتماع الضدین و ارتفاع النقیضین، حیث لا تکون موجودة إلا فی الذهن کسائر الممتنعات و ثالثا أن یلزم عدم صحة قولک، ابتداء سیری من البصرة مثلا لأن المحکوم علیه حینئذ إن کان نفس العنوان فهو کذب لأن ما فی الذهن لا یتعلق بما فی الخارج و هو السیر و إن کان باعتبار المعنون الذی هو معنی حرفی فهو باطل لأن المعنی الحرفی لا یصلح وقوعه محکوما علیه بما هو معنی حرفی و إذا کان اللفظ توطئة للعنوان و العنوان للمعنون لزم کون المعنی الحرفی بما هو معنی حرفی محکوما علیه، و بطلان اللوازم فی غایة الوضوح.
و بالجملة سخافة هذا الکلام مما لا تخفی بل لا یکاد تحصی مفاسده.
و توهم أن لفظ العدم من هذا القبیل حیث إنه لا یحکی إلا عما هو موجود فی ظرف الذهن لا عما هو عدم بالحمل الشائع و هم، فإن للفظ العدم موضوع بإزاء نفس العدم مع قطع النظر عن وجوده فی الذهن لا بإزائه بقید وجوده فی الذهن حتی یصیر عنوانا لنفس العدم بزعمه، فلا یکون حاکیا إلا عن نفس العدم و أعجب منه توهم أن الأمر فی لفظ الوجود کذلک بناء علی أصالة الوجود لأنه إن أراد أن تصور الوجود فی الذهن لیس وجودا للوجود فیه فهو صحیح و لکنه لا ینفعه، إذ یکفی فی وضع اللفظ للمفهوم تصوره فی الذهن و لا یلزم وجوده فیه بل قد بینا فی محله أن تصور الشی‌ء فی الذهن لیس وجودا للمتصور حقیقة مطلقا و أن التعبیر بالوجود الذهنی کالتعبیر بالوجود اللفظی و الکتبی توسع فی التعبیر.
و ما توهم من أنه وجود ظلی ضعیف للمتصور حقیقة و إلا لزم عدم صدق القضایا الحقیقیة غلط فاحش، و إن أراد أن الوجود غیر متصور أصلا و المتصور أمر آخر وراء الوجود و أن الشخص إذا حاول تصور الوجود یقع تصوره علی أمر آخر لا یکون متحدا مع الوجود ذاتا و وجودا و مع ذلک فهو عنوان للوجود فهو بدیهی البطلان و أیضا یلزم أن یکون المتصور للوجود متصورا للعدم أو الماهیة لانحصار المفاهیم فی ثلاثة و لیس وراء الوجود إلا العدم و الماهیة و هو أقبح و أشنع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 325‌

(فائدة 46) [فی العقد الفضولی]

قد اشتهر بین الفقهاء قدس الله أسرارهم أن إجازة الأصیل العقد الفضولی کاشفة عن صحة العقد حینه لا ناقلة من حینها و أنها إنما تؤثر ما لم تسبق بالرد لأنه یستقر فی البطلان بالرد کما یستقر فی الصحة بالإجازة فلا مجال لتأثیر الإجازة حینئذ بعد الرد.
و قد استشکله بعض الفضلاء المعاصرین سلمه الله تعالی، و قال، ما محصله: إن فعل الفاعل لا یمکن أن یستند إلی غیره بوجه من الوجوه لعدم صدوره إلا عن فاعله فالعقد بالمعنی المصدری الذی هو فعل المتعاقدین لا یعقل أن یستند إلی المالک و إنما یستند إلیه بإجازته معنی اسم المصدر منه و هو المعنی المنتزع من فعل المتعاقدین، و هی المبادلة القائمة بالمالین فی عقد البیع، و إسناد الإجازة إلی العقد بالمعنی المصدری تسامح بل الأمر فی الوکالة أیضا کذلک فإنها فی الحقیقة راجعة إلی رضی المالک بوقوع المبادلة مثلا، فالأمر المتزلزل الذی یستقر بإجازة المالک إنما هو الأمر المنتزع لا منشأ الانتزاع فإنه مستقر فی کونه فعلا لفاعله و لا یتطرق التزلزل فیه بوجه و هذا المعنی الانتزاعی المتزلزل إنما یستقر فی الصحة بإجازة المالک لاستناده إلیه و لا یستقر فی البطلان برد المالک، لأن رده لا یؤثر فی بطلان فعل غیره إذ لا سلطنة للمالک علی فعل غیره حتی یجعله باطلا، علی أن منشأ الانتزاع و هو الإنشاء علة تامة لحدوث الأمر المنتزع، فلا یعقل تخلفه عن الإنشاء کما لا یعقل انقلاب حدوث الإنشاء
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 326
إلی اللاحدوث و مقتضی بقائه بعد رد المالک نفوذ الإجازة فیه بعد الرد کما یظهر ذلک من صحیحة ابن قیس الواردة فی باب البیع.
و من هذا البیان یتبین أیضا أن الإجازة ناقلة لا کاشفة لأنها إنما تتعلق بالمعنی الانتزاعی الباقی حال الإجازة فیستقر فی الصحة من حین لحوق الإجازة و لا تتعلق بمنشإ الانتزاع و هو فعل المتعاقدین حتی وجب استقرار العقد حین صدوره.
ثم اعترض علی نفسه فقال:" فإن قلت: ینافی ما بیناه الروایة الواردة فی باب النکاح الدالة علی تنفیذ العقد الفضولی بعد موت أحد الزوجین فإنها تدل علی أن الإجازة إنما ترتبط بالعقد المصدری، ضرورة أن العلقة قائمة بالزوجین و بموت أحدهما لا مجال لتحققها.
قلت: الزوجیة قائمة بنفس الزوجین أی الجوهر المجرد المعبر عنه بالنفس الناطقة و بعد موت الشخص لا ینعدم و لذا یحکم بثبوت العدة بعد الموت، و أنه لو أحیی المیت بإحیاء الله جل شأنه تبقی الزوجیة بحالها و انقطاع کل منهما عن الآخر بعد العدة إنما هو لتنزیل الشارع العلقة منزلة العدم باعتبار عدم إمکان جریان آثارها، و القول بأن العلقة أمر اعتباری صرف و یکفی فی تحققها و اعتبارها ثبوت منشأ انتزاعها حدوثا و لا دخل لبقائها ثبوت محلها و موضوعها بعیدة جدا".
ثم صرح بأنه لا یعتبر کون المجیز مالکا حین العقد لأنه بناء علی کونها ناقلة لا بتفاوت بأن کون المجیز مالکا حین العقد أم لا انتهی کلامه.
أقول بعون الله تعالی و مشیته: إن العقد له نسبتان: نسبة إلی المتعاقدین و هی علی وجه الصدور و نسبة إلی المعقود علیه و به و هی علی وجه الوقوع و لا شبهة فی أن النسبة الثانیة مستقرة غیر متزلزلة و لذا اتفقت کلمات الأصحاب علی بطلان العقد إذا وقع فی غیر محله.
و قد اختلفت کلماتهم فی النسبة الأولی و هی صدوره من غیر أهله، فمنهم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 327
من قال بأنها مستقرة کالنسبة الوقوعیة فحکم ببطلان العقد الفضولی، و اختار الأکثر منهم أنها غیر مستقرة فحکموا بأنها تقع موقوفة علی إمضاء الأصیل و رده، فإن أمضاه یستند إلیه صدوره و یصیر العقد صادرا عن المجیر بالتسبیب لا بالمباشرة لأن صدور العمل من الشخص علی نحوین صدور بالمباشرة و صدور بالتسبیب، فحال العقد الفضولی بعد الإجازة حال العقد الصادر عن الوکیل بعینه فی استناد صدور العقد إلی الأصیل بل الإجازة و الوکالة حقیقة واحدة و إنما یختلفان فی التأخر و التقدم.
فما ذکره الفاضل المعاصر من عدم جواز استناد فعل العامل إلی غیره و عدم تطرق التزلزل فیه بوجه فی غیر محله و لو تم لاقتضی الحکم ببطلان العقد الفضولی لأن المنتزع کمنشأ انتزاعه فعل للفاعل غایة الأمر أن المنتزع فعل تولیدی ثانوی للفاعل، و منشأ انتزاعه فعل ابتدائی له فلا وجه للتفکیک بینهما و القول بتأثیر الإجازة فی المنتزع دون منشئه، مع أن الفرق بین معنی المصدر و اسمه إنما هو باشتمال الأول علی النسبة دون الثانی فإن مدلول اسم المصدر هو الحدث الصرف فلا یفارق مدلوله عن مدلول المصدر إلا فی النسبة فلا مجال لجعل الإجازة مؤثرة فی نفس الحدث دون الحدث المنتسب.
فإن قلت: تأثیر الإجازة استناد الأمر المنتزع إلی المالک لیس علی وجه الصدور بل علی وجه آخر فلا یرد ما ذکرت من عدم جواز التفکیک بین المنتزع و منشأه لکون کل منهما فعلا للفاعل.
قلت: نسبة العقد منحصرة فی الصدور و الوقوع و لیس له نسبة ثالثة حتی یتوهم أن استناده إلی المجیز علی وجه آخر، و من المعلوم أن نسبة العقد إلیه لیس علی وجه الوقوع فتکون علی وجه الصدور.
ثم إن تأثیر الإجازة فی استناد الأمر المنتزع إلی المالک دون منشئه محال مناف للانتزاع، ضرورة أن الأمر المنتزع علی منشأ انتزاعه فی الخارج و لا یعقل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 328
استناد الأمر المنتزع إلی شی‌ء ابتداء بل ینحصر استناده إلی شی‌ء فی استناد منشئه إلیه.
و بهذا البیان تبین أن القول بأن الإجازة نافلة باطل من وجوه: أحدها: أن استناد الأمر المنتزع إلی الشخص لا یمکن إلا بتوسط منشئه ضرورة منافاة الانتزاع لاستناده إلی الشخص ابتداء فلا یعقل تأثیر الإجازة فی استناد الأمر المنتزع إلی المجیز ابتداء بدون منشئه و استناده إلیه بتوسط منشإ الانتزاع لا یجامع مع النقل لأنه إنما حصل قبل لا حین الإجازة.
و ثانیها: أنه لو أغمضنا عن ذلک و قلنا بجواز استناده إلی الشخص ابتداء لزم القول بالکشف لا النقل أیضا لأن استناد العقد إلی المالک المجیز لیس إلا علی وجه الصدور و صدور الأمر المنتزع متحد مع صدور منشئه و لا یعقل التفکیک بینهما.
و ثالثها أن ما یظهر من کلامه من استقرار منشإ الانتزاع و عدم تزلزله فی صدوره من غیر أهله لا یجامع مع تزلزل المنتزع فی صدوره حتی یقال إن الإجازة حینئذ ناقلة أم کاشفة.
و الحاصل أن الأمر المنتزع تابع لمنشإ انتزاعه فی تزلزله و استقراره، فإن کان المنشأ مستقرا فی الصحة یکون المنتزع کذلک و إن کان مستقرا فی البطلان یکون المنتزع کذلک أیضا و إن کان متزلزلا موقوفا یکون المنتزع موقوفا متزلزلا و لا یعقل استقرار أحدهما مع عدم استقرار الآخر فإن قلت: العقد الواحد و إن کان له صدور واحد تحقیقا، و لکنه ینحل إلی صدورات متعددة حسب تعدد الآنات التالیة له، فیجوز أن یقال حینئذ أن الإجازة إنما تؤثر فی استناد صدور العقد إلی المجیز فی الآن الذی وقعت فیه فلا ینافی تأثیر الإجازة صدور العقد مع القول بالنقل.
قلت: العقد الواحد لا ینحل فی صدوره بالنسبة إلی الآنات الصالح بقاؤه فیها، ضرورة أن ظرف صدور العقد لیس إلا زمان حدوثه و لا تعلق له بسائر الأزمنة
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 329
حتی تحلیلا، بل و کذا وجوده المستمر فیها فإن استمراره و بقاءه فیها إنما هو باعتبار أنه قار فی نفسه باق ما لم یطرء علیه المزیل، لا أنه باق باعتبار تعلقه بالأزمنة التالیة بحیث إذا طرء علیه المزیل انقلب بعض ما شمله العقد عما وقع علیه أولا کما هو الظاهر، و هذا بخلاف العقد المتعلق بأمور متعددة فإنه متعلق بکل واحد منها فی ضمن المجموع، و لذا ینحل إلی عقود متعددة حسب تعددها.
و لا ینافی ما بیناه انحلال عقد الإجارة بالنسبة إلی أجزاء زمان الإجارة لأن الزمان لیس ظرفا صرفا فی عقد الإجارة بل متعلق له و من جملة أرکانه فهو متعلق بکل جزء من أجزاء الزمان الذی أخذ قیدا و متعلقا له فانحلاله بالنسبة إلی أجزاء الزمان انحلال للعقد بالنسبة إلی متعلقة.
ثم إن القول بالنقل مع مخالفته لما بیناه من الوجوه مخالف للروایات منها الروایة الواردة فی باب النکاح التی أشار إلیها فإن الحکم بوراثة أحدهما من الآخر بسبب الإجازة اللاحقة بعد موت المورث لا یتم إلا علی القول بأنها کاشف لا ناقلة إذ التزویج اللاحق بعد الموت علی فرض تصوره لا یوجب الإرث کما هو ظاهر.
و مما بیناه تبین لک أنه یجب أن یکون للمجیز مرجعا للعقد فی زمان صدوره کما یجب أن یکون مرجعا له فی حال الإجازة، غایة الأمر أنه یکفی فی المرجعیة له فی زمان الصدور رجوع متعلق العقد إلیه بالملکیة و نحوها و إن لم یکن تاما نافذ الإقرار فی هذا الحال کالصغیر و السفیه و المکره و هکذا.
و إذ قد اتضح لک ما حققناه من أن العقد الفضولی متزلزل فی صدوره و استناده إلی من إلیه الأمر.
فاعلم أن لمن إلیه الأمر إخراجه عن التزلزل و إقراره فی أحد طرفیه من الصحة أو البطلان بالإمضاء أو الرد و لا ینافی ذلک مع کون الإنشاء تاما فی نفسه و لا مع حدوث المنشأ به لأن المنشأ الحادث بالإنشاء إنما هو أمر متزلزل و إخراجه عن تزلزله و إقراره فی أحد طرفیه لا ینافی مع حدوثه فالأصل بسلطته علی نفسه
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 330
و علی جهاته و شئونه یجعل العقد الصادر من غیر أهله مستندا إلی نفسه بالإجازة و الإمضاء أو یدفعه عن نفسه برده و إبطاله، و لا مجال لأن یقال: لا سلطنة للأصیل علی عمل الغیر فی هدمه و إبطاله، إذ کما له السلطنة علی جعل عمل الغیر عمل نفسه باعتبار تعلقه بما یرجع إلیه فکذلک له السلطنة علی دفعه عما یرجع إلیه باعتبار تعلقه به و لو کان هذا المقدار من التصرف ممنوعا لزم عدم تأثیر إمضائه فی صیرورة عمل الغیر عمل نفسه طریق أولی لأن الإمضاء یقلب عمل الغیر إلی عمل نفسه.
و أما الرد فلا یقلبه عما هو علیه و إنما یجعله مستقرا فی وقوعه عن الغیر فسلطنة من إلیه الأمر علی إمضاء عمل الغیر و هدمه إنما هی باعتبار تعلقه بما یرجع إلیه لا باعتبار صدوره عن الغیر، فلو لم یکن التعلق بما یرجع إلیه کافیا فی جواز التصرف فیه لزم أن لا یؤثر فیه الإمضاء و الرد معا، و لا وجه للتفکیک بینهما، و لیس مرجع الرد إلی قلب الإنشاء عن کونه إنشاء و لا إلی قلب منشإ الانتزاع عن کونه منشأ له حق یحکم باستحالتهما بل مرجعه إلی دفع المنتزع عن التعلق بالأصیل الموجب لاستقراره فی البطلان.
و الحاصل أن السلطنة علی العمل تحصل بأحد أمرین إما لکونه عمل نفسه مع تعلقه بما یرجع إلیه، و إما لأجل تعلقه بما یرجع إلیه فکما له السلطنة علی عمل نفسه إبقاء و رفعا، فکذلک له السلطنة علی العمل المتعلق بما یرجع إلیه ردا و إمضاء بل المدار علی تعلق العمل بما یرجع إلیه، و لذا لا یکون للفضول هدم عمل نفسه بحیث لا یقبل إمضاء الأصیل، فما زعمه من أن مرجع الرد إلی عدم التقید و الإمضاء فقط فیقبل الإمضاء بعد الرد فی غیر محله بل واضح الفساد.
و لعله لأجل کمال وضوح الأمر فیه لم یخالف أحد من الأصحاب (قدس سرهم) فی بطلانه بالرد و عدم تأثیر الإمضاء بعده و لم یعتد أحد منهم بما یتراءی من روایة محمد بن قیس و أولوها بما ینطبق علی القواعد.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 331‌

(فائدة 47) [بحث فی عتق الأمة المزوجة]

لا شبهة فی أن عتق الأمة المزوجة یوجب تخیرها فی إبقاء التزویج و إزالته، کما أن بیعها من غیر زوجها یوجب تخیر المشتری فی إبقائه و رفعه، و هل هو خیار فی حل العقد و إلزامه ثبت تعبدا و سلطنة علی إمضاء العقد و رده من جهة طرو التزلزل علی العقد و أنه منطبق علی القواعد العامة.
تحقیق الکلام فیه یتوقف علی توضیح الحال فی مقامین: الأول: فی أن ملک البضع الحاصل بعقد النکاح هل هو من قبیل ملک المنفعة أو الانتفاع؟.
فأقول بعون الله تعالی و مشیته: لا شبهة فی عدم إفادته ملک الرقبة و لا ملک المنفعة بحیث یجوز للزوج النقل و الانتقال و الإسقاط، و ما ورد فی الخبر من أنها خیر مستام اشتراها بأغلی ثمن مبنی علی ضرب من التأویل و التنزیل.
و إنما الکلام فی أنه من قبیل ملک المنفعة ذاتا و عدم ترتب الآثار المذکورة من جهة خصوصیة المورد، من حیث إن الزوجیة واسطة فی العروض تدور الآثار مدارها حدوثا و بقاء فلیست قابلة للنقل و الانتقال و الإسقاط بخلاف الإجارة، مثلا فإنه یحدث بها استحقاق المنفعة للمستأجر و هو محل للعرض لا عنوان للحکم و لذا یصلح للنقل و الانتقال و الإسقاط و الصلح لو لا المانع بخلاف استحقاق الاستمتاع الدائر مدار عنوان الزوجیة أو أنه من قبیل ملک الانتفاع ذاتا و استقلال الزوج فیه من قبل لزوم العقد.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 332
و التحقیق أنه من قبیل الثانی لا الأول، و إلا لزم ضمان الواطئ عوض البضع للزوج مع کون الوطی شبهة أو إکراها، مع أنه إنما یضمنه للزوجة إن کانت حرة و لمولاها إن کانت أمة، بل یلزم حینئذ ثبوت المهر مع بغیها للزوج أیضا، لأن بغیها لا یوجب سقوط حق مالک البضع و هو الزوج حینئذ، ضرورة أن البغی إنما یوجب سقوط عمل البغی عن الاحترام إذا کانت مالکة لبضعها باذلة له فی الحرام باختیارها.
و أما إذا کان البضع مملوکا للغیر فلا تأثیر لبغیها فی سقوط حقه، فکما أن بغی الأمة لا یوجب سقوط المهر الرجع إلی مولاها علی ما حققناه فی محله، و تدل علیه النصوص، فکذلک بغی الزوجة لا یوجب سقوط حق زوجها.
و ما ورد من أنه" لا مهر لبغی" لا ینافیه حینئذ لأن المهر علی هذا التقدیر راجع إلی الزوج و النفی فی الروایة ثبوت المهر للبغی فتختص الروایة حینئذ بغیر الزوجة.
فاتضح أنه من قبیل ملک الانتفاع ذاتا، و الاستقلال الحاصل فی المقام إنما هو من ناحیة لزوم عقد الازدواج فتعبیر الأصحاب (قدس سرهم) عنه بملک الانتفاع علی سبیل التحقیق لا لمجرد مشارکته معه فی بعض الآثار.
فإن قلت: العقود التی ثمرتها ملک الانتفاع کالوکالة و الودیعة و العاریة یکفی فیها القبول الفعلی و لا تکون لازمة بل جائزة بالذات فلو کان عقد الازدواج من قبیل هذه العقود لزم أن یکون جائزا و أن یکتفی فیه بالقبول الفعلی و التالی باطل فکذا المقدم.
قلت: وجه عدم الاکتفاء فیه بالقبول الفعلی إنما هو من أجل توقف حل الاستمتاع علی ثبوت عنوان المزاوجة، و هی لا تتحقق إلا بالقبول الإنشائی بخلاف جواز التصرف فی الموکل فیه، و العین المستعارة و المودعة، فإنه یکفی فیه الرخصة الحاصلة من قبل الموکل و المودع و المعیر.
و أما لزومه فتعبدی و لا یکون من قبیل لزوم العقود اللازمة بالذات کعقود
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 333
المعاوضات و لذا لا یجری فیه اشتراط الخیار و لا یتطرق فیه الإقالة لأن مرجع اللزوم التعبدی إلی عدم سلطنة کل من المتعاقدین علی رجوعه عن عمل نفسه بسبب المنع الوضعی ممن هو أولی له من نفسه، فلا یؤثر فیه الاشتراط و لا یتطرق فیه التقاول، لمنافاتهما حینئذ مع حکم الشرع، و هذا بخلاف اللزوم الذاتی الثابت بمقتضی العقد فإن مرجعه إلی عدم استحقاق کل من المتعاقدین حل عمل صاحبه فیؤثر فیه الاشتراط علی صاحبه و یتطرق فیه الإقالة، إذ باجتماعهما علیها یحل کل منهما عمل نفسه لا عمل صاحبه.
المقام الثانی: فی أن العتق و البیع إن طرءا علیهما ملک منفعته بعقد إجارة أو صلح و هکذا من العقود الموجبة لملک المنفعة یقعان مسلوبی المنفعة من دون فرق بین کون ملک المنفعة علی وجه اللزوم أو الجواز بأن اشترط فی العقود المزبورة الخیار فی مدة استحقاق المنفعة و إن طرءا علی ما ملک انتفاعه دون منفعته یقعان تامی المنفعة، ضرورة أنه إذا بیع العبد المستعار أو المودع أو الموکل فی بیعه أو أعتق یقع تام المنفعة لبقاء منفعته علی ملک البائع و المعتق حینئذ ضرورة أن مالک الانتفاع إنما یجوز له الانتفاع من دون أن یملک المنفعة لأن مرجع ملک الانتفاع إلی رخصته فی الانتفاع لا إلی استحقاقه المنفعة و إلا لزم رجوعه إلی ملک المنفعة لا الانتفاع و هو خلف للفرض و إذا اتضح لک ما حققناه اتضح لک أن العتق و البیع الطاریین علی الأمة المزوجة یقعان تامی المنفعة، و مقتضی وقوعها تامی المنفعة استقلال الأمة فی بضعها فی صورة العتق و استقلال المشتری فیه فی صورة البیع، و مقتضی استقلالها فی بضعها تزلزل التزویج و صیرورته موقوفا علی إمضائها فإن أمضته نفذ و استقر و إن ردته بطل کما أن مقتضی استقلال المشتری فی بضعها حینئذ بطلان التزویج فیما إذا اشتراها الزوج، إذ لا مجال للبقاء ملک الانتفاع حینئذ مع استحقاقه المنفعة فکما لا یعقل بقاء الودیعة و العاریة و الوکالة مع انتقال العین المستعارة أو الموکل فیها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 334
المستعیر أو الودعی أو الوکیل فکذلک لا یعقل بقاء التزویج مع انتقال الأمة إلی الزوج و تزلزله و عدم استقراره و صیرورته موقوفا علی إمضاء المشتری فیما إذا کان المشتری غیر الزوج، فإن أمضاه نفذ و استقر و إن رد بطل.
فإن قلت: إذا کان بضع الأمة المزوجة باقیا علی ملک مولاها یلزم أن یجوز له وطؤها حینئذ.
قلت: تزویجها مانع عن جواز وطئها لمولاها و حل الوطی موقوف علی مجامعة السبب مع الشرط و عدم المانع فلا یکفی فیه وجود السبب فقط.
فإن قلت إنما یقع البیع أو العتق الطاری علی ملک الانتفاع تام المنفعة موجب لزوال ملک الانتفاع أو تزلزله إذا کان ملک الانتفاع جائزا کالعاریة و الودیعة و هکذا و أما مع لزومه کما فی المقام فلا یقع الطاری کذلک ضرورة أن للزوم العقد السابق و لو علی وجه ملک الانتفاع مانع عن وقوع الطاری تام المنفعة بحیث ینافی مع لزومه قلت لا یعقل تأثیر لزوم ملک الانتفاع فی صیرورة العتق أو البیع مسلوب المنفعة، و إلا لزم انقلابه عن حقیقته و صیرورته ملک المنفعة و هو محال.
و توهم أن لزومه مناف لتزلزله فلا یجتمعان فی غیر محله، إذ المنافی للزوم العقد هو جوازه، و أما تزلزل العقد و عدم استقراره فی الصحة و البطلان فهو مجامع مع اللزوم و الجواز ضرورة أن الفضولی کما یجری فی العقود الجائزة یجری فی العقود اللازمة.
فإن قلت التحقیق أن الإجازة کاشفة لا ناقلة کما تبین فی الفائدة السابقة و مرجع کشفها إلی استقرار العقد المتزلزل من حینه لا من حینها الموجب لترتب الآثار علیه کذلک، و لا تزلزل فی المقام فی حدوث العقد حتی یلحقه الإجازة و التزلزل فی البقاء لا یجبر بها لأنها إنما تتعلق بالعقد لا بأثره، و مقتضاه تنفیذ العقد من حین وقوعه و حدوثه و هو فی المقام غیر معقول لاستحالة تنفیذ النافذ، و تحصیل الحاصل و لذا اشتهر بینهم الحکم ببطلان الإجارة بانقراض البطن الأول فی أثناء
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 335
المدة، إذا کان المؤجر هو الناظر بالنسبة إلی البطن الأول فقط، فاللازم الحکم ببطلان التزویج فی جمیع الصور حینئذ. قلت مقتضی کون الإجازة کاشفة استقرار العقد بها من حین تزلزله و لا ینافی ذلک تعلق الإجازة ابتداء بمنشإ الانتزاع، و هو الإیجاب و القبول، لأنهما منشأ لانتزاع عقد الازدواج بین الأمة و زوجها علی وجه الإطلاق، فإذا صدر الإیجاب من مولاها یستقر فی الصحة لاستناده إلی أهله، و إذا خرجت الأمة عن ملکها بالبیع أو العتق لا یبطل عقد التزویج لأن مجرد الخروج عن الملک لا یکون مضادا للازدواج کالطلاق و الفسخ، بل یتزلزل حینئذ لعدم استناد منشإ الانتزاع إلی من وجب استناده إلیه و هو نفس الأمة إن کانت معتقة أو مشتریها إن کانت مبتاعة فمنشأ الانتزاع حینئذ متزلزل بالنسبة إلی الأمة أو مشتریها و یقع موقوفا علی إمضائها أو إمضاء مشتریها فإمضاء کل منهما إنما یتعلق بمنشإ الانتزاع بالنسبة إلی أحدهما لا بالنسبة إلی المولی الأول.
فالصواب عدم بطلان إجارة العین الموقوفة بانقراض البطن الأول و وقوعها موقوفة علی إمضاء البطن الثانی کما اختاره المحقق قدس سره فی الشرائع، بل المشهور هو الحکم بالصحة و الوقوف علی إمضاء البطن الثانی، و المراد من البطلان فی عباراتهم صیرورته فضولیا کما نبه علیه فی الجواهر.
فإن قلت: قد مر فی الفائدة السابقة أنه کما یعتبر أن یکون المجیز مرجعا للعقد فی حال إجازته، یعتبر أن یکون مرجعا له فی زمان صدوره، و لو جاز اختلافهما لزم نفوذ إجازة الوارث فی البیع الفضولی الصادر فی زمان مورثه، و اللازم باطل بالضرورة عند القائلین بأن الإجازة کاشفة لا ناقلة، و المرجع فی زمان صدور العقد هو المولی، و المرجع فی زمان الإجازة هو الأمة أو مشتریها فلا یعقل تأثیر إجازة أحدهما فی تنفیذ العقد علی القول بالکشف.
قلت: إنما یعتبر أن یکون المجیز مرجعا للعقد فی حال تزلزله کما یعتبر أن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 336
یکون مرجعا له فی حال إجازته، فإن کان التزلزل مقارنا لحدوث العقد یجب أن یکون مرجعا له فی حال حدوثه و لذا لا یعقل تأثیر إجازة الوارث فی البیع الفضولی الواقع فی حیاة مورثه، و إن کان متأخرا عن حدوث العقد کما فی المقام فإنما یعتبر أن یکون مرجعا فی حال تزلزله، لأن تأثیر الإجازة إنما هو فی صیرورة المتزلزل مستقرا فی الصحة و النفوذ و المرجع فی هذا الحال هو المرجع فی حال الإجازة فی المقام.
فإن قلت: المولویة کالأبوة و الجدودة من أسباب الولایة علی عقد الزوجیة، مقتضاها نفوذ العقد من أهلها و لو بعد استقلال المولی علیه أو تبدل المولی، ألا تری أنه لا یتخیر البنت و الابن فی إمضاء العقد الصادر من ولیهما و رده بعد بلوغهما و رشدهما.
قلت: نفوذ عقد المالک علی مملوکه کنفوذ سائر تقلباته فیه من شئون مالکیته، فولایته علیه من أطوار ملکه، بخلاف ولایة سائر الأولیاء، فإنها راجعة إلی تنزلهم منزلة المولی علیه بجعل الشرع، فتصرفهم قائم مقام تصرف الصغیر، فهذا النحو من الولایة متحدة مع الوکالة فی الحقیقة غایة الأمر أن الولایة وکالة شرعیة یجب علیه القیام بها و لذا لا ینفذ تصر ف سائر الأولیاء إلا مع ملاحظة المصلحة و الغبطة بخلاف تصرف المالک، فعقد غیره من الأولیاء إنما ینفذ بعد البلوغ و الرشد لقیامه مقام عقد المولی علیه، فالولی کالوکیل هو المباشر للعقد من قبل المعقود علیها بخلاف عقد المالک علی مملوکه فإنما یباشره من قبل نفسه کما هو ظاهر.
و مما بیناه ظهر السر فی نفوذ عقد الحاکم علی الصغیر بعد بلوغه و رشده.
إن قلنا بولایته علیه فی العقد فإن الحاکم بالولایة الشرعیة یباشر العقد للصغیر فحاله کحال سائر الأولیاء فی هذه الجهة و إن کان بینهما فرق من جهات آخر.
فإن قلت: لو کان الأمر کما ذکرت من رجوع الخیار فی المقام إلی السلطنة علی الإمضاء و الرد، لزم أن یکون حکما لاحقا قابلا للإسقاط ضرورة أن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 337
السلطنة علی الإمضاء، و الرد من شئون السلطنة علی غیر القابلة للإسقاط، مع أن صحیحة مالک بن عطیة تدل علی جواز إسقاطه قال:"
سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن رجل کان له أب مملوک، و کان تحت أبیه جاریة مکاتبة قد أدت بعض ما علیها فقال لها ابن العبد هل لک أن أعینک فی مکاتبتک حتی تؤدی ما علیک، بشرط أن لا یکون لک الخیار بعد ذلک علی أبی إذا أنت ملکت نفسک، قالت: نعم فأعطاها فی مکاتبتها علی أن لا یکون لها الخیار بعد ذلک قال (علیه السّلام): لا یکون لها الخیار، و المسلمون عند شروطهم
". قلت الصحیحة و إن کانت ظاهرة فیما ذکرت، إلا أنه یجب صرفها عن ظاهرها لوجوه:
الأول: أن الشرط إنما یلتزم به إذا وقع فی ضمن العقد اللازم و الشرط المذکور لم یقع فی ضمن العقد فلا وجه لالتزام به.
و الثانی: أن اشتراط عدم الخیار قبل العتق إسقاط لما لم یحب و هو غیر معقول.
و الثالث: أنه لا ینفذ التزام المکاتبة قبل أداء مالک الکتابة بالاشتراط علیها مع عدم إجازة المولی.
و الرابع: أن الوجوه الدالة علی أنه حکم أقوی دلالة بل تفید القطع به فیتعین حینئذ حمل الروایة علی استحباب الوفاء بشرطها.
قال المحقق الأنصاری قدس سره:" و الروایة محمولة بقرینة الإجماع علی عدم لزوم الشروط الابتدائیة علی صورة وقوع الاشتراط فی ضمن عقد لازم أو المصالحة علی إسقاط الخیار المتحقق سببه بالمکاتبة بذلک المال" انتهی.
و فیه: أن سبب الخیار و هو العتق إنما یترتب علی أداء مال الکتابة فبمجرد عقد الکتابة لا یثبت الخیار لا بنفسه و لا بسببه فإسقاطه حینئذ بالصلح علیه أو بجعله شرطا فی ضمن عقد لازم إسقاط لما لم یجب و استحالته من أوائل البدیهیات فلا مناص
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 338
إلا بحمل الروایة علی استحباب الوفاء بالشرط کما یومی إلیه قوله (علیه السّلام):"
و المسلمون عند شروطهم
" فإن الشروط اللازمة من قبیل العقود حقوق ثابتة للمتعاقدین أو لأحدهم مطلقا و لا یختص المسلمون بالوفاء بها.
فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح، أن ملک المنفعة سواء کان لازما أم جائزا لا یزول و لا یتزلزل بطرو العتق أو البیع علیه، بل یقعان مسلوبی المنفعة، و إن ملک الانتفاع سواء کان لازما أو جائزا، لا یبقی علی حاله من النفوذ و المضی عند طرو العتق أو البیع علیه بل إما یزول أو یتزلزل لأنهما یقعان حینئذ تامی المنفعة، فلا ینفذ ملک الانتفاع لأن مرجعه إلی الرخصة فی الانتفاع من قبل مالک المنفعة، و لا تأثیر للرخصة، و الإذن إلا من قبله، فمع طرو العتق أو البیع علیه، و قیام ملک المنفعة تبعا للعین بغیر المالک الأول الذی ثبتت الرخصة من قبله فی الانتفاع لا بد فی نفوذه و مضی من استناده إلی من تجدد له الاستقلال فی المنفعة ولایة أو ملکا إن جاز بقاؤه، و إلا فیزول و یبطل.
و إذ قد تبین لک فی المقام الأول أن عقد الازدواج إنما یفید ملک الانتفاع لا ملک المنفعة.
و قد اتضح لک غایة الاتضاح، أن الأمة المزوجة إذا أعتقت یقع عقدها موقوفة متزلزلة فإن أمضتها نفذ و إن ردته بطل، و إذا بیعت من غیر زوجها فکذلک و لکن إمضاء العقد و رده موکول إلی مشتریها، و إذا بیعت من زوجها یبطل و یزول إذ لا یعقل بقاء ملک الانتفاع لمن ملک الرقبة و المنفعة استتباعا، ضرورة أن مرجع ملک الانتفاع إلی الرخصة فی الانتفاع و لا یعقل بقاء نفوذ رخصة البائع لزوال ملکه عنها کما أنه لا یعقل استناد نفس الرخصة إلی المشتری إذ لا معنی لکون المالک مرخصا من قبل نفسه فی التصرف فی ملکه.
و ما اشتهر من أن وجه البطلان استباحة البضع بالملک حینئذ فتبطل الزوجیة لعدم جواز استباحته بالملک و الزوجیة، نظرا إلی التفصیل بینهما فی الآیة الشریفة،
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 339
و التفصیل یقطع الشرکة فی غیر محله إذ لو سلمنا أن ملک البضع بالزوجیة من قبیل ملک الانتفاع لا یحتاج إلی الاستدلال علی بطلان التزویج بالتفصیل فی الآیة الشریفة و لو لم نسلمه و جعلناه من قبیل ملک المنفعة لا یلزم الاشتراط حتی یکون منافیا للتفصیل ضرورة أن مقتضی تأخر ملک الرقبة عن الزوجیة حینئذ عود الأمة إلی المالک فی غیر جهة البضع، کما أن مقتضی تأخر البیع عن الإجارة رجوع المبیعة إلی المشتری مسلوب المنفعة فیختص استباحة البضع حینئذ بالزوجیة مع أنه لو قلنا بحصول الاشتراک حینئذ لا ینافیه التفصیل لاحتمال کونه علی سبیل منع الخلو، لا منع الجمع و مجرد الاحتمال یکفی فی بطلان الاستدلال، بل قوله عز من قائل:" فَمَنِ ابْتَغیٰ وَرٰاءَ ذٰلِکَ فَأُولٰئِکَ هُمُ العٰادُونَ" ظاهر فی أن المنظور منع الخلو لا منع الجمع، بل یتعین الحمل علی منع خلو، و إلا اقتضی عدم جواز الجمع بینهما و لو فی فردین، لأن التفصیل فی الآیة الشریفة إنما هو بین العنوانین الکلیین لا بین انطباقهما علی مصداق واحد، و من المعلوم أنه یحل للمؤمنین الجمع بین التزویج و ملک الیمین.
و أما اجتماع العنوانین علی مصداق واحد فمسکوت عنه لا نظر إلیه أصلا علی أن طرو المالک علی التزویج لو کان موجبا للاشتراک الممنوع لزم بطلان الأحق لا السابق.
و بما بیناه ظهر فساد ما احتمله سیدنا الأستاذ العلامة (قدس سره) من أن المراد بالبطلان اضمحلال الزوجیة فی جنب ملک الیمین اضمحلال الضعیف فی جنب القوی مع اجتماعهما فإن مقتضی تقدم الزوجیة علی الملک، و عدم زوالها به اختصاص استباحة البضع بها فلا تضمحل حینئذ فی جنب الملک مع أن مقتضی بقائها حقیقة ترتب الآثار علیها لو فسخ الطاری، و قد رجع عنه (قدس سره) للوجه الثانی و وجه البطلان ثانیا بأن إقدام الزوج علی تملک رقبة الزوجة الذی هو أقوی و أتم من التزویج إعراض عنه و طلاق لها و هو فی غیر محله أیضا، لأن الإقدام علی تملک الرقبة لا یلازم الإعراض مع أنه یلزم الحکم بعدم بطلانه فی صورة انتقالها إلیه قهرا بالإرث.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 340
و قد تحقق لک مما حققناه أن ما یظهر من الأصحاب (قدس سرهم) من أن تخیر الأمة المزوجة إذا أعتقت أو مشتریها إذا بیعت من غیر زوجها خیار فی فسخ العقد و إلزامه لصیرورته حینئذ جائزا بسبب العتق أو البیع الطاری تعبدا فی غیر محله.
إذ لو قلنا بأن ملک البضع الحاصل بالتزویج من قبیل ملک الانتفاع، و یقع العتق أو البیع الطاری تام المنفعة لا یبقی مجال للقول باستقرار العقد حینئذ حتی یحکم بجوازه لا لزومه.
و لو قلنا بأنه من قبیل ملک المنفعة و یقع العتق أو البیع الطاری مسلوب المنفعة یلزم رجوع البضع عند الفسخ فی صورة العتق إلی المعتق و فی صورة البیع إلی البائع إذ لا وجه لرجوع البضع حینئذ إلی الأمة أو مشتریها و علی کل تقدیر لا مجال للقول بأن الخیار فی المقام من قبیل الخیار فی حل العقد و إقراره.
و لا ینافی ما بیناه التعبیر بالاختیار أو التخیر فی النصوص، لأن کلا منهما کما یطلق علی الخیار المعروف یطلق علی الخیار فی إمضاء العقد و رده بل مجموع الروایات بملاحظة انضمام بعضها ببعض ظاهرة فیما بیناه، بل مصرحة به فإن قوله علیه السلام فی مرسل ابن بکیر"
بأنها أملک بنفسها
" ظاهر فی ملک الإمضاء و الرد لا ملک الإقرار و الحل، إذ ملک الأمة نفسها لا یوجب الاختیار فی فسخ حق غیره، فاختیارها فی إبقاء التزویج و إزالته من قبل أنها ملکت نفسها لا یتم إلا علی ما بیناه من کون التزویج من قبیل ملک الانتفاع الموجب لتزلزله، و عدم استقراره.
و یصرح بما بیناه خبر الحسن ابن زیاد قال:"
سألت أبا عبد الله (علیه السّلام) عن رجل اشتری جاریة یطأها فبلغه أن لها زوجا قال:" یطأها فإن بیعها طلاقها، و ذلک أنهما لا یقدران علی شی‌ء من أمرهما إذا بیعا
" و صحیح محمد بن مسلم عن أحدهما علیهما السلام"
طلاق الأمة بیعها أو بیع زوجها
" و قال فی الرجل یزوج أمته رجلا حرا ثم یبیعها قال: هو فراق ما بینهما إلا أن یشاء المشتری أن یدعها
"، و یقرب منهما صحیح عبد الرحمن:"
سأله عن الأمة تباع و لها زوج فقال: صفقتها طلاقها
" فإن جعل صفقتها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 341
و بیعها طلاقها و فراق ما بینهما لا یلائم إلا مع زوال العقد أو تزلزله الذی هو فی حکمه من حیث عدم ترتب الأثر علیه فی حد نفسه، و احتیاجه فی ترتب الأثر علیه إلی أمر آخر.
و أما مجرد تسلط المشتری علی حل العقد ببیعها فلا یوجب سقوط العقد عن الأثر، حتی یوجب تنزل بیعها منزلة طلاقها المصحح لحمله علیه، و أوضح منه قوله علیه السلام:"
هو فراق ما بینهما إلا أن شاء المشتری أن یدعها
" فإن کون البیع فراقا بین المتزاوجین إلا مع مشیة المشتری بقاء العقد صریح فی تزلزل العقد و عدم استقراره إلا بإمضاء المشتری فلو کان البیع سببا لتسلط المشتری علی حل العقد و إقراره لکان إزالة العقد بمشیته لإبقائه.
و أصرح منه قوله علیه السلام"
فإن بیعها طلاقها و ذلک أنهما لا یقدران علی شی‌ء من أمرهما إذا بیعا
" فإن تعلیل کون بیعها طلاقها بعدم قدرتهما علی تنفیذ شی‌ء من أمرهما لا یوجب إثبات حق و سلطنة للمشتری علی حل العقد الذی عقده المولی کما هو ظاهر فلا یتم التعلیل، إلا علی ما بیناه من انتقال البضع إلی المشتری و عدم کون الازدواج إلا تملیک الانتفاع فلو استقر و نفذ حینئذ من دون إجازة المشتری، و إمضائه لزم استقلالهما فی أمرهما لانقطاعه عن البائع ببیعه إیاها فلا مجال لنفوذه من قبله، و المفروض عدم استناده إلی المشتری فینحصر وجه نفوذه فی استقلالهما فی أمرهما و هو باطل بالضرورة فکذلک النفوذ المستند إلیه.
و الحاصل أن نفوذ عقد الأمة حینئذ إما مستند إلیها، أو إلی بائعها أو مشتریها، و الکل باطل.
أما الأول فلعدم استقلالها فی أمرها.
و أما الثانی: فلانقطاع العقد عنه ببیعه إیاها.
و أما الثالث فلعدم استناده إلیه قبل إمضائه، فیکون العقد متزلزلا حینئذ لا محالة، و لا ینفذ إلا بإجازة المشتری و إمضائه إذا لم یکن المشتری هو الزوج، و إلا یزول و یبطل لأن الإجازة إنما تؤثر فیما إذا کان المحل قابلا للعقد، و من
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 342
المعلوم عدم صحة عقد الأمة لمولاها و مالکها، فکما لا یصح عقدها لمولاها ابتداء فکذلک لا یصح استدامته له بإجازته و إمضائه.
فاتضح من الروایات الشریفة الساطعة منها أنوار العصمة و الإمامة أمور:
الأول: تزلزل عقد نکاح الأمة بعتقها أو بیعها من غیر زوجها، و أنه جهة واقعیة موافقة للأصل الأولی نبه علیها الإمام (علیه السّلام) لا أنه جهة تعبدیة شرعیة ثابتة علی خلاف الأصل، و إن کان انطباقه علی الأصل فی غایة الدقة بحیث لو لم یکشف عنه المعصوم لم ینکشف لنا، بل مع کشفه و إیضاحه عنه بما ینبئ عن عصمته لم ینکشف علی الأصحاب (قدس سرهم) زعموا أنه من قبیل ملک الحل و الإقرار و الثانی: بطلانه فیما إذا ملکها الزوج.
و الثالث: نفوذه بالإجازة و الإمضاء ممن ملک الانتفاع تبعا للعین و عدم قدح التزلزل فی بقائه مع حدوثه فی تأثیر الإجازة و الإمضاء و الحمد لله الذی هدانا لهذا و ما کنا لنهتدی لو لا أن هدانا الله.
و إذا أحطت خبرا بما بیناه، فاعلم أن أغلب الفروع المتفرعة علی ما بنینا علیه و أحکمنا قوائمه تخالف الفروع المتفرعة علی ما بنی علیه الأصحاب (قدس سرهم) و اختاروه.
منها: أن هذا الخیار علی ما بنینا علیه حکم لاحق فلا یقبل الإسقاط و الصلح علیه.
و منها: عدم استحقاق المعتقة النفقة علی زوجها قبل إمضائها الزوجیة لتزلزلها، و عدم استقرارها إلا بإمضائها، و أما علی ما بنوا علیه فالزوجیة ثابتة مستقرة و إنما تفسخ بردها فتستحق النفقة ما لم تفسخ.
و منها: صحة تزویج الزوج أختها قبل تحقق الرد منها، و وقوعه موقوفا، فإن ردت المعتقة زوجیتها ینفذ تزویج الأخت و إن أمضتها یبطل، و هکذا الأمر فی تزویج الخامسة، و أما علی مبناهم فلا یجوز تزویج الأخت، و الخامسة إلا بعد فسخها زوجیتها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 343
و منها: عدم وراثة کل من الزوجین علی الآخر قبل إجازتها و إمضائها، فلو ماتت و لم تجز الزوجیة و لم تردها لا یرث منها زوجها، و لو مات الزوج ترث منه إن أجازت و حلفت علی أنه لا یدعو إلیها أخذ المال، و أما علی ما بنوا علیه فیرث کل منها عن الآخر ما لم یتحقق منها رد و منها: ثبوت الخیار لها بعتق بعضها علی ما بنینا علیه لأن استقلالها فی بعضها ینافی نفوذ التزویج فی حقها بالنسبة إلی جمیعها کما هو ظاهر، و التبعیض فی التزویج بمعنی نفوذه بالنسبة إلی سهم المولی و وقوفه فیما استقلت فیه غیر معقول فتتخیر فی تنفیذه و رده و أما علی ما بنوا علیه، من أن مرجعه إلی ملک الإقرار و الحل، فهو حکم تعبدی یجب الاقتصار فیه علی مورد النص و هو عتق الکل.
و منها: ثبوت الخیار للولی إن کانت قاصرة بالصغر أو الجنون إذ کما له السلطنة علی إحداث عقد التزویج لهما فکذا له السلطنة علی إبقائه بل السلطنة علی أحدهما عین السلطنة علی الآخر لا یعقل التفکیک بینهما.
و منها: عدم جواز الاستمتاع منها قبل إمضائها أو إمضاء ولیها، ضرورة عدم ترتب أثر الصحة علی العقد المتزلزل ما لم یستقر بالإمضاء.
و منها: أن الانعتاق کالعتق فی إیجاب الخیار إذ المناط فیه هو استقلالها فی نفسها، و هو حاصل فیهما، و أما علی ما بنوا علیه فاقتصروا فی الحکم علی العتق لأنه حکم تعبدی عندهم فلا یتجاوز إلی الانعتاق.
و منها: عدم اعتبار الفوریة فی هذا الخیار، إذ بعد ما اتضح لک من أن مرجعه إلی السلطنة علی إمضاء العقد و رده لم یبق لاعتبارها فیه مجال، إذ لا یعقل تحدید دائرة سلطنة الشخص فی التقلبات الراجعة إلی نفسه، أو الواقعة فی ملکه إمضاء و ردا و الأصحاب قدس سرهم لما خفی علیهم ما حققناه و زعموا أنه سلطنة علی إقرار العقد و حله لم یظهر منهم خلاف إلا التردد عن بعض فی اعتبار الفوریة فیه حال العلم بالعتق و الخیار و فوریته، اختلفت کلماتهم فی حال الجهل بواحد منها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 344
ففی الحدائق بعد نقل ظهور اتفاق الأصحاب علی اعتبار الفوریة و الاستشکال فیه بعدم الوقوف علی دلیل معتمد قال:" و کیف کان، فالظاهر کما صرح به جملة منهم أنه لو أخرت الفسخ جهلا بالعتق أو جهلا بالخیار فإنه لا یسقط خیارها فتعذر فی عدم الفوریة و هل تعذر مع الجهل بالفوریة احتمالان العدم لاندفاع الضرر مع العلم بالخیار و لإشعاره بالرضا حیث علمت الخیار و أخرت، و المعذوریة لاحتمال کون التأخیر لفائدة التروی و نحوه حیث لا تعلم باشتراط الفوریة، و التأخیر لا یکون دلیلا علی الرضا إلا مع العلم باشتراط الفوریة و إلا فلا" انتهی.
و فیه أنه بعد تسلیم اعتبار الفوریة فیه لا وجه للتأمل فی سقوط الخیار فی الصورة الأخیرة إذ مرجع اعتبار الفوریة فیه علی فرض ثبوته إلی الوضع لا التکلیف، و إلا لزم ثبوته مطلقا و حرمة التأخیر مع العلم فلا محل للعذر و عدمه ضرورة أنهما من توابع الأحکام التکلیفیة لا الوضعیة و قد اشتهر اشتهار الضروریات أنه لا تختلف الوضعیات باختلاف العلم و الجهل.
و من هنا ظهر الأمر فی صورة نسیانها، و لا یمکن أخذ العلم بفوریة الخیار أو الالتفات إلیه مأخوذ فی ثبوت فوریته، لاستلزامه الدور المحال نعم یمکن أخذ العلم بالعتق و إیجابه الخیار مأخوذا فی موضوع الحکم بفوریته علی مختارهم، من أنه حق، و لکنه لم یقم علیه دلیل کما لم یقم دلیل علی اعتبارها أصلا.
و منها: أنه لو کان للمالک جاریة قیمتها مائة فزوجها بمائة، و هو یملک مائة أخری ثم أعتقها فی مرض موته أو أوصی بعتقها یکون لها رد التزویج مطلقا سواء دخل بها زوجها أم لم یدخل بها، و لا یمنع من الرد عدم الدخول الموجب لسقوط المهر، و عدم نفوذ العتق إلا فی ثلثیها لما عرفت من أن عتق البعض کعتق الکل فی تزلزل العقد، و عدم استقراره إیجاب الخیار فی الرد و الإمضاء فما عن القواعد و غیرها من عدم الفسخ لها قبل الدخول، و إلا لسقط المهر حینئذ فتصیر الجاریة نصف ماله، فیبطل عتق بعضها و هو ثلثها فیبطل خیارها المعتبر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 345
فیه عتقها أجمع، فیدور الفسخ إلی الفساد، و یکون مما یستلزم وجوده عدمه مبنی علی کون الخیار فی المقام حقا تعبدیا مترتبا علی عتق الکل، و قد ظهر لک خلافه.
و منها: أن عتق العبد کعتق الأمة موجب لتزلزل العقد، و ثبوت الخیار إذ بعد ما انکشف لک أن الموجب للخیار تزلزل العقد المسبب عن استقلال أحد طرفیه، أو انتقاله عن المالک المزوج إلی غیره انکشف لک مساواتهما فی الحکم، و عدم الفرق بینهما.
و من هنا یختار مشتری العبد فی إمضاء التزویج و رده، و لیس هذا قیاسا لأن الحکم لیس تعبدیا بل موافق للأصل الجاری فی الموردین، فالاقتصار فی الخیار علی عتق الأمة من جهة اختصاصه بالدلیل و عدم وروده فی عتق العبد کما عن الأکثر فی غیر محله کما أن التفصیل بین بقاء الزوجة علی الملکیة حینئذ و عدمه، أو بین إجبار العبد علی التزویج و اختیاره له بإثبات الخیار فی الصورتین الأولیین دون الأخریین فی غیر محله أیضا مع أن التفصیل الثانی غیر معقول فی حد نفسه لأن اختیار العبد لو کان موجبا لنفوذ التزویج لکان إکراهه مانعا عنه، فکما أن إکراهه علیه لا یقدح فی نفوذه، فکذا اختیاره إیاه لا یؤثر فیه.
و الحاصل أن رقیة العبد کما توجب سقوط إکراهه عن تأثیر المنع، فکذا توجب سقوط اختیاره عن التأثیر فی النفوذ، و لا یجوز التفکیک بینهما لأن الموجب لسقوطهما عن التأثیر عدم استقلال الشخص فی نفسه، کما أن الموجب لتأثیرهما استقلاله فی نفسه فتفکیک أحدهما عن الآخر خلف، و تفکیک للشی‌ء عن نفسه.
و قد ظهر مما بیناه أنه یثبت الخیار لکل واحد من العبد و الأمة، فیما إذا أعتقا معا دفعة أو ترتیبا کما یثبت الخیار لکل من المشتریین، فیما إذا بیعا کذلک فما شاع من تخصیص الأمة بالخیار حینئذ فی غیر محله، هذه جملة من الفروع المترتبة علی ما بنینا علیه المخالفة للفروع المترتبة علی ما بنوا علیه، و هناک فروع أخر مترتبة علی الأصلین یختلف بعض أحکامها باختلافهما، فینبغی التنبیه علیها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 346
منها: أنه لا فرق فی ثبوت الخیار بین حدوث العتق قبل الدخول و بعده، فلو أعتقت بعد الدخول، یثبت المهر لمولاها مطلقا سواء اختارت القیام مع زوجها أم لا، لاستقراره بالدخول بها حال کونها فی ملکه، و لو أعتقت قبله، و اختارت الفراق سقط المهر المسمی، لأن فراقها عن زوجها، إنما ثبت من قبل مولاها، فهو بإعتاقه إیاها فرقها عن زوجها و أزال حبله عنها، و مقتضی ثبوت الحیلولة من قبله سقوط المهر الذی سماه هو.
و لا فرق فی ذلک بین اختیارها الفراق قبل الدخول بها و بعدها بأن لم تعلم بعتقها أو بحکمه حتی دخل بها زوجها، ثم علمت فاختارت الفراق، و إن افترقا فی ثبوت مهر المثل فی الصورة الثانیة دون الأولی و إن اختارت القیام ثبت المهر المسمی من غیر فرق بین اختیارها القیام قبل الدخول، و بعده و لکن المهر المسمی فی هذه الصورة، و مهر المثل فی الصورة السابقة إنما یرجعان إلی المعتقة لا مولاها لانقطاعها و انقطاع التزویج عنه بمجرد العتق و نفوذه إنما یکون من قبل إمضائها، فلا وجه لرجوع المهر المسمی المترتب علی التزویج النافذ من قبلها لا قبل مولاها إلیه لا إلیها کما أنه لا وجه لرجوع مهر المثل المترتب علی الدخول مع انقطاعها عن مولاها إلیه أیضا.
و هذا مقتضی ما بنینا علیه، و أما علی ما بنوا علیه من أن الخیار فی المقام سلطنة علی حل العقد النافذ و إقراره، فاختاروا ثبوت المهر للسید فی صورة وقوع العتق قبل الدخول، و اختیارها المقام بناء علی ثبوته بالعقد کما هو التحقیق و لها بناء علی ثبوته بالدخول.
و أما فی صورة اختیارها الفراق بعد الدخول و وقوع العتق قبله بأن لم تعلم به أو بحکمه حتی دخل بها، فمقتضی ما بنوا علیه اتحاده مع ما تقدم فی الحکم أیضا من ثبوت المسمی للسید بناء علی وجوبه بالعقد و لها بناء علی وجوبه بالدخول و لکن عن التحریر و المبسوط أنه یثبت لها حینئذ مهر المثل لاستناد الفسخ إلی العتق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 347
و لم یستقر المسمی قبله فالوطی خال عن النکاح، بل لا بد أن یکون مهر المثل لها لا للمولی، و هو لا یتم إلا علی الأصل الذی أصلناه، و لذا استشکله فی الجواهر بناء علی ما بنوا علیه بأن الموجب للانفساخ هو الفسخ لا العتق.
و منها: ثبوت الخیار لها إذا أعتقت فی العدة الرجعیة بناء علی بقاء الزوجیة فیها، و عدم زوالها إلا بانقضائها کما هو التحقیق، و حینئذ فإن اختارت الفراق تبطل الزوجیة الباقیة الغیر المستقرة فتسقط الرجعة و لا تبطل العدة، و لکنها تتم عدة الحرة لصیرورتها کذلک و إن اختارت المقام تنفذ الزوجیة الغیر المستقرة، فتصح الرجعة و لیس لها اختیار الفراق بعد اختیارها المقام، و إن قلنا بعدم بقاء الزوجیة فی العدة الرجعیة لا خیار لها حینئذ لا ردا و لا إمضاء، فما یظهر من بعضهم من جواز الفسخ دون الإقرار حینئذ لا یرجع إلی محصل.
و مما بیناه ظهر عدم ثبوت الخیار لها إذا أعتقت فی عدة الطلاق البائن، و لو أعتقت و لم تختر القیام و لا الفراق لعدم العلم به أو بحکمه، ثم طلقت رجعیا أو بائنا فمقتضی ما بنینا علیه وقوع الطلاق موقوفا، فإن اختارت القیام صح الطلاق، و ترتبت علیه أقرّه من الرجعة أو البینونة، و إلا بطل و مقتضی ما بنوا علیه صحة الطلاق و نفوذه مطلقا، و ثبوت الخیار لها فی الرجعی و سقوطه فی البائن.
فما عن العلامة قده فی القواعد، من إیقاف الطلاق البائن، فإن اختارت الفسخ بطل و إلا وقع إنما یتم علی أصل الذی أصلناه، إن کان المراد من قوله" و إلا وقع" اختیار القیام لا عدم اختیار الفراق و إلا لا یتم علی الأصلین.
و أما ما عن المبسوط من احتمال بطلان الطلاق لأنها غیر معلومة الزوجیة، و عدم وقوع الطلاق موقوفا، و أنه اللائق بمذهبنا فهو صریح فیما بنینا علیه من تزلزل الزوجیة بالعتق و لکن حکمه ببطلان وقوف الطلاق فی غیر محله لأن الممنوع منه إنما هو فیما إذا صادف التزویج المستقر، و أما وقوفه باعتبار تزلزل موضوعه و عدم استقراره فمما لم یقم دلیل علی نفیه و منعه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 348
و منها: عدم الفرق فی ثبوت الخیار لها بین کونها تحت عبد أو تحت حر.
أما علی ما بنینا علیه من تزلزل العقد، و عدم استقراره بسبب العتق، و حصول الاستقلال فلا یعقل التفصیل بینهما، و أما علی ما بنوا علیه من کونه حقا شرعیا فالتفصیل معقول و لکن الروایات دلت علی ثبوت الخیار فی الصورتین، فإنها بین مطلقة و مصرحة بالتسویة بینهما و واردة فیما إذا کانت تحت عبد و فیما إذا کانت تحت حر.
أما المطلقة، فصحیح الکنانی عن الصادق علیه السلام:"
أیما امرأة أعتقت فأمرها بیدها إن شاءت أقامت معه، و إن شاءت فارقته
" و أما المصرحة بالتسویة فروایة محمد بن آدم عن الرضا (علیه السلام)"
إذا أعتقت الأمة و لها زوج خیرت إن کانت تحت عبد أو حر
" و مثله خبر الشحام عن أبی عبد الله (علیه السلام).
و أما الواردة فیما إذا کان الزوج عبدا فالروایات المتضمنة لقضیة بریرة المشهورة، فإن زوجها علی أکثر الروایات کان عبدا، و أما الواردة فیما إذا کان الزوج حرا فموثق ابن بکیر عن أبی عبد الله (علیه السلام)" فی رجل حر نکح أمة مملوکة، ثم أعتقت قبل أن یطلقها قال: هی أملک بنفسها" فتفصیل بعض الأصحاب قدس سرهم بین الصورتین و قصر الحکم علی ما إذا کانت تحت عبد استنادا إلی أصالة لزوم العقد، و الاقتصار علی القدر المتیقن مما خالف الأصل فی غیر محله.
أما علی ما بنینا علیه فواضح لعدم المجری للأصل المزبور حینئذ و أما علی ما بنوا علیه فلانقطاعه بالروایات المتقدمة، و تضعیفها فی غیر محله أما علی مصطلح المتأخرین، فلصحة خبر الکنانی.
و أما علی مصطلح قدماء الأصحاب قدس سرهم من أن الصحیح ما یصح العمل به لأجل الوثوق و الاطمئنان بصدوره عن المعصومین علیهم السلام فأخبار الکتب الأربعة کلها صحیحة، و قد حققنا فی محله تفصیل الکلام فیها بما لا مزید علیه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 349
و منها: أنه لا فرق فی ثبوت الخیار لها فی رد عقد النکاح بین الدائم و المنقطع لاتحاده مع الدائم فی الحقیقة، و إفادة ملک الانتفاع لا المنفعة فما بیناه الدائم منه جار فی المنقطع منه بعینه، فلا یعقل التفصیل بینهما فیما نحن فیه.
فإن قلت: العقد المنقطع کعقد الإجارة و لذا عبر عن المتمتعات بالمستأجرات و عن مهورهن بالأجور و یلحقه بعض أحکامها من وجوب ذکر الأجر، و المدة و توزیعه علیها فیقرب حینئذ لحوقه بالإجارة فی الحکم من حیث استثناء المنفعة المستأجرة عن العتق و وقوعه مسلوب المنفعة.
قلت: التعبیر بالاستیجار و الأجر کالتعبیر بالاشتراء بأغلی ثمن فی طرف الدوام مبنی علی ضرب من التأویل و التنزیل و وجوب ذکر المدة و المهر، و توزعه علیها لا یوجب لحوق بالإجارة فیما نحن فیه لأن سبب استثناء المنفعة عن العتق بالإجارة المتقدمة کونها من قبیل ملک المنفعة لا الانتفاع، و العقد المنقطع کالدائم من قبیل ملک الانتفاع لا المنفعة کما هو ظاهر.
فاحتمال التفصیل بینهما فی غیر محله مع أن النصوص مطلقة و لا مقید لها، فالتفصیل بینهما و لو علی مبنی الأصحاب فی غیر محله أیضا.
نعم قد یتأمل فی توزیع المهر فیه بسبب الفسخ، و الظاهر توزعه به هذه جملة من الفروع المشترکة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 350‌

(فائدة 48) [یجوز ابتیاع جزء معلوم النسبة مشاعا]

قال الشهید قدس سره فی اللمعة:" یجوز ابتیاع جزء معلوم النسبة مشاعا تساوت أجزاؤه أو اختلفت، إذا کان الأصل معلوما، فیصح بیع نصف الصبرة المعلومة، و نصف الشاة المعلومة، و لو باع شاة غیر معلومة من قطیع بطل و لو باع قفیزا من صبرة صح و إن لم یعلم کمیة الصبرة فإن نقصت تخیر المشتری بین الأخذ بالحصة و بین الفسخ" و قال الشهید الثانی قدس سره فی الشرح:" و اعلم أن أقسام بیع الصبرة عشرة ذکر المصنف بعضها منطوقا، و بعضها مفهوما و جملتها أنها إما أن تکون معلومة المقدار أو مجهولة فإن کانت معلومة صح بیعها أجمع و بیع جزء منها معلوم مشاع و بیع مقدار کقفیز تشتمل علیه، و بیعها کل قفیز بکذا لا بیع کل قفیز منها، و المجهولة یبطل بیعها فی جمیع الأقسام الخمسة إلا الثالث و هل ینزل القدر المعلوم فی الصورتین علی الإشاعة، أو یکون المبیع ذلک المقدار فی الجملة وجهان، أجودهما الثانی.
و تظهر الفائدة فیما لو تلف بعضها فعلی الإشاعة یتلف من المبیع بالنسبة و علی الثانی یبقی المبیع ما بقی قدره".
أقول: و فی الصحیح:"
رجل اشتری من رجل عشرة آلاف طن فی أنبار بعضه علی بعض من أجمة واحدة و فی الأنبار ثلاثون ألف طن، فقال البائع قد بعتک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 351
من هذا القصب عشرة آلاف طن فقال المشتری: قد رضیت و اشتریت فهو أعطاه من ثمنه ألف درهم و وکل المشتری من یقبضه فأصبحوا و قد وقع فی القصب نار فاحترق منه عشرون ألف طن فقال: علیه السلام الباقی للمشتری و المحترق من البائع
". و الروایة صریحة فی عدم الإشاعة، و لکن استشکل بعضهم صحة البیع حینئذ من حیث جهالة عین المبیع فیه الموجبة للغرر المنهی عنه الموجب لفساد المعاملة جزما.
أقول: إن کان المبیع هو الفرد الشخصی المردد بین أفراد متعددة مع عدم رجوعه إلی جزء مشاع لزم الجهالة فی عین المبیع علی وجه الإبهام الموجب لبطلان البیع عقلا و شرعا لا علی وجه الغرر المنهی عنه شرعا، و إن کان المبیع الکلی المنحصر أفراده فی جملة معینة المعبر عنه بالکلی الخارجی لا یلزم الجهالة فی عین المبیع لا جهالة الإبهام و لا جهالة الغرر.
فإن قلت: ما فی الخارج لا یکون إلا فردا، و لا یعقل أن یکون ما فی الخارج کلیا باقیا علی عمومه و اشتراکه، فإن کان المبیع کلیا لا یعقل أن یکون خارجیا، و إن کان المبیع خارجیا لا یعقل أن یکون کلیا، و توصیف أحدهما بالآخر مناقضة محضة.
قلت: متعلق البیع حینئذ إنما هو الکلی المقید بوفائه من أعیان خارجیة معینة، و توصیف الکلی بالخارجی باعتبار تقییده من حیث الوفاء بالأعیان المعینة فی الخارج، فلا یتناقضان، فالمبیع حینئذ عند التحقیق هو ما فی الذمة لکن بقید وفائه من أعیان معینة، و لذا یلزم البیع و یبقی المبیع ما بقی مقدار یمکن وفاء المبیع معه علی هذا الفرض.
و من جملة الثمرات المترتبة، أنه علی هذا الفرض یتعین المبیع بتعین البائع.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 352
و أما علی الإشاعة فإنما یتعین بالتقسیم المتوقف علی اختیار الطرفین.
و من جملتها أنه لو عابت بعض الصبرة و ما بمنزلتها قبل القبض و بقی منها مقدار المبیع غیر معیب وجب علی البائع الوفاء منه علی هذا الفرض.
و أما علی الإشاعة فیقسم بینهما السالم و المعیب کل حسب حصته و إن کان البائع ضامنا للعیب الحادث حینئذ و یتخیر المشتری فی فسخ البیع و عدمه، و أخذ الأرش.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 353‌

(فائدة 49) [من تیقن الحدث و شک فی الطهارة أو تیقنهما، و شک فی المتأخر منهما]

قال فی الشرائع:" من تیقن الحدث و شک فی الطهارة أو تیقنهما، و شک فی المتأخر منهما تطهر.
أقول: إنما یتم هذا إذا لم یکن تاریخ الطهارة معلوما و لم یعلم بأن الحالة السابقة علی الحالتین هی الحدث و أما إذا علم تاریخ الطهارة فتستصحب الطهارة حینئذ و لا یعارضه العلم الإجمالی بحدوث الحدث لانحلاله، و رجوعه إلی الشک البدوی ضرورة أنه لا أثر للحدث إن وقع قبل تاریخ الطهارة، فالعلم بالحدث المردد بین أن یکون قبل تاریخ الطهارة أو بعده لم یکن له أثر علی کل تقدیر حتی یوجب اشتغال الذمة برفعه، فلا مجال لاستصحاب الحدث المعلوم بالإجمال لا ینقلب بالاستصحاب عن کونه معلوما بالإجمال إلی کونه معلوما بالتفصیل، بل یبقی علی ما کان علیه من الإجمال، فلا یترتب علیه أثر لما ظهر لک من انحلال العلم الإجمالی و رجوعه إلی الشک البدوی حینئذ، فلا ینافی استصحاب الطهارة حتی یعارضه مع أن الاستصحاب متقوم بأمرین، الیقین بشی‌ء و الشک فی بقائه و زواله و لا شک هنا فی بقاء المعلوم بالإجمال حتی یستصحب بل المعلوم بالإجمال باق علی حاله و لم یتطرق فیه شک.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 354
فتبین غایة التبین فساد ما یتوهم من جریان الاستصحاب فی مجهول التاریخ و معارضته مع الاستصحاب الجاری فی معلوم التاریخ.
فإن قلت: إنا نعلم قطعا بحدوث حدث فی البین، و شککنا فی بقائه و زواله من جهة الشک فی وقوعه قبل تاریخ الطهارة أو بعده، فیکون زائلا علی التقدیر الأول و باقیا علی التقدیر الثانی فیجری فیه الاستصحاب لتحقق رکنیة و هو الیقین بالحدث و الشک فی بقائه و زواله.
قلت: هذا الشک لیس شکا طارئا علی العلم بالحدث بل من لوازم العلم الإجمالی الفعلی بالحدث المردد بین وقوعه قبل تاریخ الطهارة، أو بعده و لو کان شکا طارئا علی العلم لزم عدم اجتماعه مع العلم الإجمالی الفعلی، ضرورة أن اجتماع الشک و الیقین فی باب الاستصحاب لیس علی وجه الفعلیة بالنسبة إلی زمان واحد بل الیقین فیه سابق علی الشک و متعلق بالزمان السابق و الشک طار متعلق بالزمان اللاحق لا یجتمع معه الیقین فی حال الشک، و إنما یؤخذ بأثر الیقین السابق، و لا یعتد بالشک الطاری.
فانکشف بما بیناه غایة الانکشاف أن الاستصحاب لا یجری فی مجهولی التاریخ لأن العلم الإجمالی فی کل منهما فعلی، و الشک فی تأخر کل منهما عن الآخر من لوازم العلم الإجمالی، و إنما لا یترتب علی العلم بکل منهما کذلک الحکم بالطهارة أو الحدث لتصادم الاحتمالین و عدم رجحان أحدهما علی الآخر لا لأجل تعارض الاستصحابین و تساقطهما لأجل تکافئهما کما قد یتوهم.
و الحکم بلزوم تحصیل الطهارة حینئذ لیس لأجل الحکم بکونه محدثا بل لأجل أن صحة الصلاة و ما بمنزلتها تتوقف علی الطهارة، فیجب علیه الوضوء لأجل إحراز شرط صحة الصلاة، و ما بمنزلتها فهو لا محدث و لا متطهر.
و کیف کان فقد تبین بما بیناه أن الحکم بالتطهر مطلقا مع الشک فی المتأخر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 355
منهما کما أفاده المحقق (قدس سره) فی غیر محله.
و التحقیق أنه یستصحب معلوم التاریخ إن کان کما أوضحنا الکلام فیه و إلا فإن علم بالحالة السابقة علی الحالتین بنی علی ضدها و إلا یتطهر، کما اختاره المحقق الثانی و شیخ مشایخنا المحقق الطهرانی (قدس الله روحهما) و یظهر من المصنف (قدس سره) المیل إلیه فی المعتبر، قال فیه:" أما إذا تیقنهما و شک فی المتأخر فقد قال الثلاثة و من تبعهم: یعید الطهارة لعدم الیقین، و عندی فی ذلک تردد.
و وجه ما قالوا إن یقین الطهارة معارض بیقین الحدث، و لا رجحان فیجب الطهارة لعدم الیقین بحصولها، لکن یمکن أن یقال: ینظر إلی حاله قبل تصادم الاحتمالین، فإن کان حدثا بنی علی الطهارة، لأنه تیقن انتقاله عن تلک الحالة إلی الطهارة، و لم یعلم تجدد الانتقاض و صار متیقنا فی الطهارة، و شکا فی الحدث" انتهی، و ما ذکره (قدس سره) جید جدا.
فإن قلت: کما علم ارتفاع الحدث السابق علی الحالتین بالطهارة اللاحقة علم حدوث حدث جدید، و شک فی المتأخر منهما و لا رجحان لأحد الاحتمالین علی الآخر، فیجب التطهر حینئذ کما اختاره الأکثر تحصیلا أو إحرازا لشرط صحة الصلاة و ما بمنزلتها.
قلت: المعلوم حینئذ إنما هو حدوث سبب الحدث لا الحدث نفسه إذ الأمر مردد بین عروض سبب الحدث عقیب الحدث أو الطهارة، فإن فرض عروضه عقیب الحدث فلا أثر له لاشتغال المحل بالمثل و تأثیره الحدث الجدید موقوف علی عروضه عقیب الطهارة، و هو غیر معلوم فتحقق الطهارة متیقن علی کل تقدیر، و وجود الحدث الجدید مشکوک فیه، و لا یعارض الشک الیقین.
و الحاصل أن العلم بعروض سبب الحدث إجمالا إذا لم یکن له أثر علی کل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 356
تقدیر ینحل و یرجع إلی الشبهة البدویة.
فإن قلت: یمکن أن یقال: إن سبب الحدث موجد للحدث علی کل تقدیر غایة الأمر أنه إذا کان مسبوقا بالحدث یوجب اشتداد الحدث، لا أنه یسقط عن التأثیر رأسا.
قلت: نعم یمکن ذلک، بل هو کذلک و لکن إذا لم یکن لاشتداد الحدث حکم جدید، فهو فی حکم العدم، فإن الحدث الأصغر سواء اشتد بسبب عروض أسباب متعددة أم لا، إنما یؤثر التکلیف بالوضوء مرة واحدة، و لا یؤثر اشتداده إیجاد تکلیف آخر.
فإن قلت: ما ذکرت من أن المعلوم عروض سبب الحدث لا الحدث نفسه، مبنی علی کون الحدث أمرا معنویا مسببا عن الأسباب المعهودة.
و أما إذا قلنا: بأن الحدث هی نفس الأسباب، فعروض الحدث الجدید متیقن کما أن حصول الطهارة متیقن.
قلت: أولا من الواضحات أن الحدث هو المسبب عن الأسباب المعهودة، لأن القابل للبقاء و الارتفاع بالطهارة إنما هو المسبب لا الأسباب.
و ثانیا بأنا لو سلمنا أن الحدث هو نفس الأسباب، فلا یضر بما نحن بصدده، لأن الحدث عقیب الحدث لا یؤثر تکلیفا جدیدا، فهو فی حکم العدم، و لذا تری أنهم لا یحکمون بنجاسة الإناء الطاهر بسبب العلم بوقوع قطرة من البول مثلا فی أحد الإناءین اللذین أحدهما نجس و الآخر طاهر مع التردد بین وقوعه فی النجس أو الطهر، بل یحکمون ببقاء الإناء الطاهر علی طهارته و عدم وجوب الاجتناب عنه لعدم تأثیر العلم الإجمالی تکلیفا جدیدا، بالنسبة إلی الإناء النجس علی فرض وقوع البول فیه، فینحل العلم الإجمالی إلی الشبهة البدویة حینئذ بالنسبة إلی الإناء الطاهر، فیجری فیه استصحاب الطهارة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 357
فإن قلت: ثبوت الحدث عند عروض سببه مقطوع به لأنه محدث حینئذ، إما بالحدث السابق أو بالحدث الجدید، فهو متیقن حینئذ بالحدث کما أنه متیقن بالطهارة، فیستصحب الحدث المتیقن کما یستصحب الطهارة المتیقنة، فیتعارض الاستصحابان، و یتساقطان لتکافئهما، فلا بد أن یتطهر حینئذ لأجل إحراز شرط صحة الصلاة و ما بمنزلتها.
قلت: لا مجال لاستصحاب الحدث المردد بین کونه سابقا و حادثا لأن السابق قد زال قطعا بالطهارة اللاحقة و الحادث مشکوک الحدوث، فلا متیقن حتی یستصحب ضرورة أن الحدث السابق ارتفع بالطهارة و لا شک فیه فالشک إنما هو فی الحدث الجدید، و الشک فیه إنما هو فی حدوثه لا فی بقائه بعد الیقین بحدوثه، و الاستصحاب إنما یجری فیما یتیقن حدوثه، و شک فی بقائه لا فیما شک فی حدوثه.
فاتضح بحمد الله غایة الاتضاح أن الحکم بوجوب التطهر مطلقا فیما إذا تیقنهما و شک فی المتأخر منهما فی غیر محله، و إن الحق التفصیل کما بیناه و توهم وقوع الإجماع علی وجوب التطهر مطلقا حینئذ باطل من وجهین: الأول وجوب المخالف.
و الثانی تعلیل الحکم به بتعارض الیقینین، و عدم رجحان أحدهما لا بالإجماع، و یمکن حینئذ تنزیل إطلاقاتهم علی ما بیناه لعدم تعارض الیقینین إلا فیما إذا لم یعلم تاریخ أحدهما، و لم یعلم الحالة السابقة علی الحالتین.
و بما بیناه تبین الحال فیما إذا علم بجنابة و غسل و شک فی المتأخر منهما، فإنه إن علم بتاریخ أحدهما أخذ به و استصحبه، و إن جهل تاریخهما، فإن علم بأن حالته السابقة علیهما هی الجنابة بنی علی الطهارة، و إن علم بأن حالته السابقة علیهما هی عدم الجنابة سواء علم بأنه متطهرا أو محدث بالحدث الأصغر بنی علی الجنابة،
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 358
و إن لم یعلم بالحالة السابقة علیهما فهو لا متطهر و لا مجنب لتعارض الیقینین، و عدم رجحان أحدهما فیجوز له اللبث فی المساجد و قراءة العزائم لعدم الحکم بکونه جنبا و لا یجوز له الدخول فی الصلاة و ما بمنزلتها لعدم الحکم بکونه متطهرا، و لا یصح له الدخول فیها إلا بالغسل لعدم تأثیر للوضوء علی کل تقدیر.
هذا کله إذا کان الغسل غسل جنابة، و أما إذا علم بغسل مطلق، فلا یفیده العلم بتاریخه بناء علی المشهور من عدم کون مطلق الغسل طهارة، و حینئذ فإن علم بأن حالته السابقة علیهما هی الجنابة بنی علی الطهارة بناء علی تداخل الأغسال قهرا.
و لو لم ینوها کما هو التحقیق عندنا، و إن علم بأن حالته السابقة علیهما هی عدم الجنابة أو لم یعلم بها بنی علی الجنابة للعلم لها، و عدم العلم بالمزیل.
و أما بناء علی ما اخترناه، و حققناه من کون مطلق الغسل طهارة و إجزائه عن الوضوء فلا فرق بین الصورتین.
و قد نسب إلی العلامة (قدس سره) أنه حکم فی مورد العلم بالحالة السابقة علی الحالتین بالأخذ بالحالة السابقة لا بضدها، و هو اشتباه ناش عن قلة التأمل فی أطراف کلامه، فإن حکمه (قدس سره) بالبناء علی الحالة السابقة إنما هو فی مورد الیقین بحدوث الحالة المطابقة للحالة السابقة و الشک فی رافعها.
قال فی المختلف:" إذا تیقن عند الزوال أنه نقض طهارة، و توضأ عن حدث و شک فی السابق فإنه یستصحب حاله السابق علی الزوال فإن کان فی تلک الحال متطهرا بنی علی طهارته، لأنه تیقن أنه نقض تلک الطهارة، و نقض الطهارة الثانیة مشکوک فیه، فلا یزول الیقین بالشک، و إن کان قبل الزوال محدثا فهو الآن محدث، لأنه تیقن أنه انتقل عنه إلی الطهارة، ثم نقضها و الطهارة بعد نقضها مشکوک فیه" انتهی، فإن المفروض فی الصورة المذکورة، و هی التوضی عن حدث و نقض طهارة الیقین بما یوافق الحالة السابقة و الشک فی زواله، فغرضه من استصحاب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 359
الحالة السابقة استصحاب الحالة الموافقة للحالة السابقة لا عین الحالة السابقة کما هو صریح کلامه.
و قال فی القواعد:" و لو تیقنهما متحدین متعاقبین، و شک فی المتأخر فإن لم یعلم حاله قبل زمانهما تطهر و إلا استصحبه" انتهی، فإن تعاقب الحدث و الطهارة عبارة عن وقوع کل منهما عقیب الآخر، و من المعلوم حینئذ أن الحالة الباقیة موافقة للحالة السابقة، و استصحابها عبارة عن الأخذ بها و عدم رفع الید عنها لا التعویل علی الأصل لأن موافقة حالته لحالته السابقة حینئذ لا تکون موردا للشک مع فرض اتحادهما و تعاقبهما و مثله ما فی المعتبر حیث قال (قدس سره) فیه بعد أن اختار البناء علی ضد الحالة السابقة من دون فاصلة".
مسألة: لو تیقن أنه تطهر بعد الصبح عن حدث، و تیقن أنه أحدث، و لم یعلم السابق بنی علی الحال التی کان علیها قبل ذلک، لأنه إن کان قبل ذلک محدثا، فقد تیقن الطهارة المزیلة للحدث و الحدث بعدها و تأخر الطهارة مشکوک فیه، و إن کان قبل ذلک متطهرا، فقد تیقن أنه نقض تلک الطهارة بالحدث ثم توضأ لأن التقدیر أن طهارته الثانیة عن حدث" انتهی. فإن غرضه أنه أحدث عن طهارة، و تطهر عن حدث کما یظهر من تعلیله فحینئذ یحصل الیقین بما یوافق الحالة السابقة، و یقع الشک فی طرو الرافع علیه.
و العجب أنه لم ینسب أحد إلی المحقق (قدس سره) القول بالبناء علی وفق الحالة السابقة مع أن عبارة المعتبر کما رأیت کعبارة المختلف بل تعبیر المختلف أظهر فیما وجهناه، هذا و قد یتوهم أنه اشتهر أن الأصل تأخر الحادث، و مقتضاه الحکم بتأخر مجهول التاریخ عن معلوم التاریخ و البناء علیه دون معلوم التاریخ.
و فیه أن التأخر کالتقدم و التقارن مخالف للأصل لأنها جهات وجودیة و الأصل عدمها، و ما اشتهر من أن الأصل تأخر الحادث لا أصل له إلا أن یراد به أن الأصل
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 360
تأخر الحادث عن الزمان المشکوک فیه إلی الزمان المتحقق وقوعه فیه، یعنی الأصل الاقتصار علی القدر المتیقن مثلا إذا علم بأنه احتلم إما فی هذه اللیلة أو اللیلة الماضیة لا یحکم بوقوعه إلا فی هذه اللیلة لأن الأصل عدم وقوعه فی اللیلة الماضیة فیقتصر علی القدر المتیقن من ثبوت الجنابة فی هذه اللیلة و لا قدر متیقن فی المقام لا بعد معلوم التاریخ و لا قبله، فلا یحکم بکونه بعده و لا قبله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 361‌

(فائدة 50) إذا خرج المقیم عن محل إقامته إلی ما دون المسافة و عزم علی العود و الإقامة الجدیدة

أتم ذاهبا و آئبا و فی محل الإقامة بلا خلاف معتد به، و إذا عزم علی العود من دون إقامة ففیه خلاف، و المسألة کانت ذات قولین بین الأصحاب (قدس سرهم) علی ما ذکره فی الجواهر.
أحدهما التقصیر فی الإیاب و محل الإقامة و الإتمام فی الذهاب و المقصد.
و ثانیهما التقصیر بعد الخروج عن محل الترخص مطلقا، و إنما حدث التفصیل فی کلمات المتأخرین و منشأ اختلاف القولین علی ما ذکره هو و غیره أن القائلین بالتقصیر فی الإیاب زعموا أن الإیاب مبدء للسفر الذی من نیته أن یسافر و لا یقیم و جزء منه، و القائلین بالتقصیر مطلقا جعلوا الذهاب و الخروج عن محل الإقامة مبدءا له و جزءا منه، و لم یدعوا نصا فی هذا الباب، بل قیل: إنه لم تکن المسألة معنونة فی کلام من تقدم علی الشیخ (قدس سره).
و أول من تعرض لهذه المسألة الشیخ (قدس سره) فی المبسوط، و التحقیق
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 362
کما اختاره جمع من المحققین الإتمام مطلقا ذهابا و إیابا و فی المقصد و محل الإقامة.
توضیح الحال فیه یتوقف علی تقدیم أمور: الأول: فی أن السفر الموضوع للقصر مفهوم عرفی أو شرعی.
و الثانی: فی أن قصد إقامة العشرة تتوقف علی قصد مکان معین أم لا.
و الثالث: فی أن قصد الإقامة هل هو قاطع للسفر أو حکمه.
أما الأول: فمن المعلوم أن للسفر حقیقة عرفیة واقعیة یعرفها أهل العرف، و هو الضرب فی الأرض أی طی البعد بین المکانین للوصول من أحدهما إلی الآخر، و تحدید البعد بثمانیة فراسخ طولیة أو تلفیقیة من الذهاب و الإیاب المنطبق علی شغل الیوم إن لم نقل بأنه جهة واقعیة کشف عنها الشارع.
و إن خفی علی أغلب أهل العرف لدقته و غموضه لا ینافی مع کونه مفهوما عرفیا لأن للشارع أن یتصرف فی المفاهیم العرفیة بالتحدید قلة أو کثرة و جعل شرط أو مانع و هکذا کما تصرف فی البیع الذی هو مفهوم عرفی بجعل القبض فی المجلس شرطا فی خصوص بیع الصرف و جعل الخیار للمشتری إلی ثلاثة أیام فی بیع الحیوان و هکذا.
و من المعلوم أیضا أن موضوع حکم القصر هو هذا المفهوم العرفی قال عز من قائل" وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِی الْأَرْضِ فَلَیْسَ عَلَیْکُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ".
و أما الثانی: فالتحقیق عدم توقف الإقامة علی تحققها فی مکان معین، حتی یعتبر فی قصدها قصد مکان معین لأن الغرض من الإقامة فی المقام ضد الارتحال و هو یتحقق بالإعراض عن السفر و رفع الید عنه، و هو لا یتوقف علی الوقوف فی مکان معین، بل یکفی فیه البناء علی التوقف المضاد للجد المعتبر فی السفر عرفا، و مضادة الإقامة للسفر لا تکون أمرا تعبدیا، و إن قلنا بأن تحدیدها بعشرة أیام تعبد من الشارع، فلا مجال لتوهم اعتبار قصد المکان المعین فیها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 363
و أما الثالث: فمن المعلوم، أن الإقامة المتحققة عن قصر قاطعة للسفر ضرورة أن مفهوم الإقامة مضادة لمفهوم السفر و الارتحال، فالبناء علی الإقامة مضاد للبناء علی السفر و الارتحال، فإذا قصد المسافر الإقامة زال عنه التلبس بالسفر و الارتحال، مراعی و إنما یستقر بترتیب أثر الإقامة من إقامة صلاة تامة، بل یمکن أن یقال بترتیب أثر الإقامة مطلقا و لو بإتیان نافلة الظهر مثلا.
و کیف کان فمضادة الإقامة الخارجة عن الحد المتعارف للمسافرین فی توقفهم فی المنازل و المقصد للسفر أمر واضح، لأن السفر أمر عرفی واقعی یعتبر فیه الجد فی الطی طبعا.
فإذا توقف المسافر عن السیر و الطی بحیث خرج عن حد الاشتغال بالسفر عرفا صدق علیه أنه مقیم لا راحل و مسافر، غایة الأمر أن الکلام فی أن الحد المخرج عن صدق السفر هل هو إقامة عشرة أیام فی الواقع و الشارع کشف عنه، و إن خفی علی أهل العرف لدقته و غموضه أو یکون التحدید المزبور تعبدا من الشارع و کونه تعبدیا لا یوجب صیرورة إقامة عشرة أیام قاطعة للحکم لا الموضوع، و إنما یوجب عدم صدق الإقامة المضادة للسفر علی إقامة ما دون العشرة و اختصاصها بإقامة العشرة فما فوقها.
إذا اتضح لک ما بیناه اتضح لک أن خروج المقیم إلی ما دون المسافة لا یضر بالإقامة بوجه و لا یوجب التقصیر مطلقا.
توضیح الحال أن الاستشکال فی خروج المقیم عن محل إقامته إلی ما دون المسافة إن کان من جهة تقوم الإقامة بالمحل الذی نوی الإقامة فیه، و إذا خرج عنه خرج عن کونه مقیما و زال عنه حکم التمام لارتفاع موضوعه فیعود إلی التقصیر.
ففیه ما عرفت من أن الإقامة لا تتقوم بالمحل و لا یعتبر فی تحققها قصد مکان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 364
معین، مع أنه لو سلمنا ذلک فلا وجه لعود حکم التقصیر لانقطاع السفر بالإقامة و لا یعود بزوال الإقامة السفر الأول حتی یعود التقصیر فهو حینئذ لا مقیم و لا مسافر و حکمه التمام لأن فرض التمام لا یحتاج إلی بقاء الإقامة، بل یکفی فیه عدم کونه مسافرا سواء صدق علیه عنوان المقیم أم لا، و لیس عنوان المقیم و المسافر من قبیل الضدین لا ثالث لهما، حتی یقال إنه لا یخلو الشخص من أحدهما.
و توهم أن المقیم مسافر فی حال الإقامة، و أنها قاطعة للحکم لا الموضوع فی غایة السخافة ضرورة أن الإقامة مضادة للسفر، و لا تکون من قبیل کثرة السفر مانعة عن الحکم و قاطعة له مع بقاء السفر.
فإن قلت نعم الإقامة لا تتقوم بالمحل، و لا یعتبر فیها قصد مکان معین، و یجوز له أن یقصد الإقامة من دون تعیین مکان کما یجوز له أن یقصدها فی مکان معین، فإن قصدها من دون تعیین مکان وقعت مطلقة.
و إن قصدها مع تعیین مکان وقعت مقیدة.
فإذا خرج حینئذ عن محل إقامته الذی نوی الإقامة فیه بطلت إقامته، و رجع إلی حکم التقصیر لأن التمام إنما شرع لأجل الإقامة.
قلت: بعد أن ظهر لک أن الإقامة المضادة للسفر عبارة عن رفع الید عن السفر و الإعراض عنه ظهر لک أنها صفة للشخص، و لا تعلق له بالمکان أصلا، فلا یتقید بمکان مخصوص باعتبار قصد التوقف فیها، و لو کانت الإقامة متعلقة بالمکان لم تتحقق إلا بقصد مکان معین، فمع فرض جواز تحققها من دون تعیین محل کاشف عن عدم تعلقها به، فلا مجال للتقیید به حینئذ.
ثم إنه لو سلم تقیید الإقامة بالمحل، فلا وجه لعود حکم التقصیر بسبب خروجه عن محل إقامته، لأنه حکم السفر و لا یعود السفر بعد انقطاعه بالإقامة حتی یعود التقصیر، و لیس الحکم بالتمام لأجل الإقامة بل لأجل زوال السفر بالإقامة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 365
و إن کان الاستشکال من جهة توهم أن الخروج عن محل إقامته إلی ما دون المسافة أو الإیاب عنه مبدءا للسفر الذی من قصده أن ینشأه بعد وصوله إلی محل إقامته، فهو فی غیر محله أیضا ضرورة أن المفروض أنه لم ینشأ السفر حین الخروج فی محل إقامته إلی ما دون المسافة مع نیة عوده إلیه و لا حین إیابه و عوده إلیه، فکیف یصیر جزءا و مبدءا للسفر الذی لم ینشأه بعد.
فاتضح بما بیناه غایة الاتضاح أن التحقیق الإتمام مطلقا ذهابا و إیابا، و فی المقصد و محل إقامته، کما أنه اتضح أیضا عدم الفرق بین أن یبدو له الخروج إلی ما دون المسافة بعد استقرار إقامته بإتمام فریضة واحدة أو قبل استقرارها، و بین نیة الخروج فی حال نیة الإقامة أو بعدها.
لما اتضح لک أنه لا یعتبر فی نیة الإقامة قصد مکان معین، و أنه إنما تزول الإقامة بالسفر لا بالخروج إلی ما دون المسافة فما یظهر من کلمات بعضهم أن الخروج إلی ما دون المسافة قبل استقرار الإقامة بإتمام فریضة واحدة مخل بالإقامة، و قاطع لها سواء نوی إقامة جدیدة بعد العود إلی محل الإقامة أم لا فی غیر محله، لأن الخروج إلی ما دون المسافة لیس مضادا للإقامة حتی تبطل به، و لا یکون مجال لاستقرارها بإتمام فریضة و کذا ما یظهر من کلمات بعضهم أیضا من التفصیل بین نیة الخروج إلی ما دون المسافة فی حال الإقامة، و بعدها و الحکم بوجوب القصر أو الاحتیاط بالجمع فی الصورة الأولی إذا کان من نیته المبیت بلیلة أو أزید، لما تبین لک من أن نیة الخروج إلی ما دون المسافة لا تضاد الإقامة بوجه، فلا مجال للتفصیل بین وقوعها فی حال الإقامة و بعدها.
و بما بیناه تبین أیضا أن لو کان مترددا فی العود و عدمه أو ذاهلا عنه، فالحکم الإتمام لتحقق الإقامة الموجبة للإتمام و عدم مزیل لها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 366
و الحاصل أن الحکم فی جمیع الصور التی ذکروها فی هذه المسألة الإتمام، إلا إذا رجع متلبسا بالسفر فی حال رجوعه، و یکون مروره علی محل الإقامة من جهة أنه منزل من منازل سفره، و کذا إذا کان فی حال خروجه متلبسا بالسفر، و یکون عوده إلی محل إقامته من قبیل رجوع المسافر إلی بعض منازل سفره لقضاء حاجة له، لکن الأحوط حینئذ الجمع فی حال خروجه و فی المقصد.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 367‌

(فائدة 51) فی جواب ما أورده بعض أفاضل العصر،

اشارة

فقال (سلمه الله تعالی) ما محصله: أن فعل الفاعل لا یمکن أن یستند إلی غیره بوجه من الوجوه، و الذی یصح أن یستند إلیه هو المعنی المنتزع عن منشإ انتزاعه أی المنشأ فهو یجیز المبادلة القائمة بالمالین، و إسناد الإجازة إلی العقد بالمعنی المصدری تسامح و إنما تستند إلی العقد بمعنی اسم المصدر و الأمر المنتزع المتزلزل ثابت أبدا لصدور منشإ انتزاعه، و یخرج عن التزلزل بإجازة من له الأمر و لیس له الرد أی إبطال العقد و إعدامه، لأن منشأ الانتزاع علة تامة للأمر المنتزع و لا ینقلب منشأ الانتزاع عن الوقوع إلی اللاوقوع و تفکیک العلة التامة عن المعلول غیر معقول.
و إنما الذی للمالک هو الإجازة و عدمها و بالإجازة یتم العقد و مع عدمها یبقی علی تزلزله، و الرد لا أثر له و لازم ذلک نفوذ العقد من حین الإجازة من غیر فرق بین کون المجیز مالکا حین العقد أم لا.
ثم قال:" توضیح الأمران العلة الفاعلیة للعقد هی الموجب و القابل، و الآلة هی الصیغة المشتملة علی الإیجاب و القبول و هی علة تامة لتحقق جسد العقد مطلقا، و العلة المادیة هی المعقود علیه و به، و الأصیل إنما یرجع إلیه تنفیذ جسد العقد، و إتمامه لرجوع المعقود علیه أو المعقود به إلیه، و لا دخل له فی فعل الفاعل بوجه حتی یؤثر رده فی إبطاله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 368
و إنما المرجع فی إنشاء جسد العقد هو الموجب و القابل، و لا یعقل تأثیر رد الأصیل فیما لا یکون مرجعا فیه مع أن الإنشاء لا ینقلب عما وقع علیه، و هو علة تامة لتحقق المنشإ، و لو متزلزلا فلا یعقل زواله مع عدم تطرق خلل فی علته، نعم لو عقد الأصیل لغیر من عقد الفضول له أو تلف محل العقد قبل إجازة الأصیل، لا یبقی مجال للإجازة، فیصیر العقد الفضولی باطلا".
ثم قال:" و یترتب علی ما بیناه أمور:
الأول: ثبوت التنفیذ للإجازة من حین تحققها لا من حین العقد.
الثانی: أنه لا سلطنة للأصیل علی الرد، و إنما له السلطنة علی الإجازة و عدمها الثالث: نفوذ العقد بالمعنی اسم المصدری بسبب إجازة الأصیل.
الرابع: نفوذ العقد بالمعنی المذکور بعد الرد بإجازة من له الإجازة کما یدل علی ذلک صحیحة محمد بن قیس الواردة فی هذا المقام، و حمل الروایة علی المحامل البعیدة مبنی علی ما التزموا به من بطلان العقد الفضولی بالرد، و بعد ما عرفت یظهر لک أنها منطبقة علی القواعد، و لا حاجة إلی التأویل.
فإن قلت: ینافی ما بیناه الروایة الواردة فی باب النکاح الدالة علی تنفیذ العقد الفضولی بعد موت أحد الزوجین، فإنها تدل علی أن الإجازة ترتبط بالعقد بالمعنی المصدری، ضرورة أن العلقة قائمة بالزوجین و بموت أحدهما لا مجال لتحققها.
قلت: الزوجیة قائمة بنفس الزوجین أی الجوهر المجرد المعبر عنه بالنفس الناطقة، و بعد موت الشخص لا تنعدم و لذا یحکم بثبوت العدة، و أنه لو أحیی المیت بإحیاء الله جل شأنه تبقی الزوجیة بحالها، و انقطاع کل منهما عن الآخر بعد العدة إنما هو لتنزیل الشارع العلقة منزلة العدم باعتبار عدم إمکان جریان آثارها" انتهی.
أقول بعون الله تعالی و مشیته: إن للعقد نسبة إلی المتعاقدین علی وجه الصدور و إلی المعقود علیه و به علی وجه الوقوع، و لا شبهة فی نفوذه و مضیه إذا صدر من أهله و وقع فی محله، کما أنه لا شبهة فی بطلانه إذا وقع فی غیر محله، و إنما اختلفت
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 369
کلماتهم فیما إذا صدر من غیر أهله، فقیل یبطل مطلقا، و قیل یقع موقوفا مطلقا علی إمضاء الأصیل و إجازته.
و فصل بعضهم بین عقد النکاح و غیره، و لا شبهة أن القول بوقوعه موقوفا علی إمضاء الأصیل مبنی علی عدم استقرار العقد الصادر من غیر أهله فی صدوره کذلک إذ مع فرض استقراره فی صدوره من غیر أهله لا مجال لنفوذه، و مضیه بإمضاء الأهل و الأصیل، و القول بوقوعه موقوفا.
و مقتضی ذلک أمور:
الأول: استقرار العقد الفضولی فی البطلان بالرد و الإبطال کاستقراره فی النفوذ بالإجازة و الإمضاء.
و الثانی: کون الإجازة کاشفة لا ناقلة.
و الثالث: عدم تأثیر الإمضاء فی نفوذ إلا ممن کان مرجعا للعقد فی زمان صدوره و إمضائه.
توضیح ذلک غایة الإیضاح، یتوقف علی بیان أمور:
الأول: أن استناد العقد إلی الأهل لا یکون إلا علی وجه الصدور کما أن استناده إلی المحل لا یکون إلا علی وجه الوقوع، فتأثیر إجازة الأصیل و إمضائه فی استناد العقد الفضولی إلیه لیس إلا فی جعله صادرا عنه، و انقلابه عن کونه فضولیا غایة الأمر أن الصدور من الأصیل حینئذ لا یکون بالمباشرة، بل بالتسبیب کاستناد العقد الصادر عن الوکیل إلی موکله مع عدم صدوره عنه بالمباشرة بل الوکالة و الإجازة فی الحقیقة حقیقة واحدة، و إنما یختلفان فی التأخر و التقدم، فإن الإجازة وکالة متأخرة کما أن الوکالة إجازة متقدمة عند النظر الدقیق.
الثانی: أن الأفعال علی قسمین: ابتدائی أولی و تولیدی انتزاعی و لا یعقل استناد الأفعال الانتزاعیة التولیدیة إلی الشخص إلا بتوسط استناد منشإ انتزاعها إلیه، إذ لو جاز استنادها إلیه ابتداء لزم عدم کونه انتزاعیا تولیدیا، و هو خلف محال.
الثالث: أن الأمور الانتزاعیة التولیدیة علی قسمین:
منها ما ینتزع حدوثها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 370
من حدوث منشإ انتزاعها، کالعقود و الطهارة عن الحدث و الخبث حیث إن العلقة المتولدة من الإیجاب و القبول إنما یتولد حدوثها من حدوثهما و هکذا الأمر فی الطهارة فإنها تحدث بحدوث أسبابها.
________________________________________
بهبهانی، سید علی، الفوائد العلیّة - القواعد الکلیّة، 2 جلد، کتابخانه دار العلم، اهواز - ایران، دوم، 1405 ه ق

الفوائد العلیة - القواعد الکلیة؛ ج‌2، ص: 370
و منها ما ینتزع وجودها من وجود منشإ انتزاعها بحیث یدور مدار منشإ انتزاعه حدوثا و بقاء کالفوقیة و التحتیة المنتزعتین من تقابل الجسمین بحیث لو وقع أحدهما لوقع علی الآخر.
و الأول علی قسمین أیضا: فمنها ما یکون قارا فی حد نفسه و یکون باقیا بعد حدوثه من منشإ انتزاعه ما لم یطرء علیه مزیل کالعقود المنتزعة من الإیجاب و القبول فإنها حادثة بحدوثهما و تکون باقیه ما لم یطرء علیها رافع من جهة أنها قارة فی حد أنفسها و لا تکون فی بقائها مسندة إلی منشإ انتزاعها إلا باعتبار حدوثها ضرورة أنه لا تأثیر للصیغة فی بقاء العقد و عدمه و هکذا الأمر فی الطهارة المنتزعة من الوضوء و الغسل فإنهما إنما یوجبان حدوث الطهارة و لا تأثیر لهما فی بقائها و عدمه.
و منها ما لا یکون قارا فی حد نفسه کالتعلیم و التدریس المنتزع من إلقاء الکلام نحو المستمع فإنه حادث بحدوث منشإ انتزاعه منقضیا بانقضائه.
الرابع: أن الأمور المنتزعة مطلقا متحدة مع منشإ انتزاعها فی الخارج و لا وجود لها وراء وجود منشإ انتزاعها و لا ینافی ذلک من بقاء الأمور المنتزعة القارة من حدوث منشئها الذی لا یکون باقیا لأن الانتزاع فیها إنما هو بین الحدوثین و هما متحدان فی الخارج و لا یکون بقاؤها منتزعا مستندا إلی المنشإ بوجه.
الخامس: أن رفع الأمر لا یتوقف علی رفع منشإ انتزاعه، إذا کان حدوثه منشأ لانتزاع حدوث الأمر المنتزع، ضرورة أنه ینتقض الطهارة بالحدث، و یرتفع الحدث بالطهارة من دون تطرق خلل فی منشإ انتزاعهما، و لا ینافی ذلک مع اتحاد الأمر المنتزع من منشإ انتزاعه، و لا مع کونه علة تامة للانتزاع، لأن الاتحاد و العلیة لا یکونان إلا بین الحدوثین، و لم یتطرق بالنسبة إلی حدوث المنتزع حینئذ خلل حتی ینافیه الاتحاد أو العلیة التامة، نعم إذا کان الانتزاع فی الوجود لا فی الحدوث،
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 371
فإن کان الانتزاع علی وجه العلیة التامة کانتزاع الفوقیة و التحتیة من تقابل الجسمین یتوقف رفع الأمر المنتزع حینئذ علی رفع منشئه و إلا فلا، بل یتحقق بفقد شرط أو وجود مانع أو مزاحم أقوی أو مماثل.
السادس: أنه إذا کان الأمر المنتزع متزلزلا مراعی موقوفا غیر مستقر، فإن کان حدوثه منتزعا من حدوث منشإ انتزاعه فهو متزلزل موقوف فی حدوثه، و إذا استقر استقر فیه صحة أو بطلانا، و لا یعقل أن یستقر فی بقائه مع عدم استقراره فی حدوثه، لأنه مع تزلزله فی حدوثه لم یحدث، حتی یحکم علیه بالبقاء مستقرا.
السابع: أن العقد الواحد لا ینحل فی صدوره و لا فی وجوده إلی عقود متعددة بالنسبة إلی أجزاء الزمان الذی یصلح بقاؤه فیها، کما ینحل العقد الواحد المتعلق بأشیاء متعددة إلی عقود متعددة حسب تعددها، ضرورة أن ظرف صدور العقد لیس إلا زمان حدوثه، و لا تعلق له بسائر الأزمنة حتی تحلیلا، و کذا وجوده، فإن العقد إنما یبقی فی الأزمنة التالیة باعتبار أنه قار فی نفسه فهو باق ما لم یطرء علیه رافع، لا أنه یبقی باعتبار تعلقه بالأزمنة التالیة بحیث إذا طرء علیه المزیل انقلب بعض ما شمله العقد عما وقع علیه أولا، کما هو ظاهر، بخلاف العقد المتعلق بأشیاء متعددة، فإنه متعلق بکل واحد منها فی ضمن المجموع، و لذا ینحل إلی عقود متعددة حسب تعددها، نعم ینحل عقد الإجازة و نحوه باعتیار الأزمنة المتعددة، حیث کان الزمان رکنا فیه و متعلقا له.
إذا اتضحت لک هذه الأمور فاعلم أنه لا یعقل استناد فعل الفاعل إلی غیره علی وجه المباشرة بالضرورة، سواء کان الفعل ابتدائیا أم تولیدیا، و أما استناده إلی غیره علی وجه التسبیب، فکما یجری فی الفعل التولیدی کذلک یجری فی الفعل الابتدائی، و التفکیک بینهما بالقول باستحالة الاستناد فی الفعل الابتدائی، و تطرق الاستناد فی الفعل التولیدی باطل جدا.
ثم إن جعل العقد بالمعنی المصدری منشأ للانتزاع، و بالمعنی اسم المصدری
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 372
منتزعا منه فی غیر محله، فإن معنی المادة فیهما واحد، و هو الحدث السازج، و لا اختلاف بینهما من حیث المادة لفظا و معنی، و إنما یختلفان فی الهیئة فهیئة المصدر تدل علی النسبة الناقصة إلی الفاعل أو المفعول، و لذا قد یرد المصدر مبنیا للفاعل و قد یرد مبنیا للمفعول، و هیئة اسم المصدر لا تدل علی شی‌ء، و إنما هی وقایة للمادة.
و من المعلوم أنه لا وجه لانتزاع اسم المصدر حینئذ، ضرورة أن الحدث الواحد لا ینتزع من نفسه، و لا من نسبته إلی الفاعل أو المفعول، فإن کان العقد بالمعنی المصدری فعلا ابتدائیا، فهو بمعنی اسم المصدری کذلک، فما ذکره من استحالة الاستناد إلی غیر الفاعل علی فرض تمامیته جار فیهما.
ثم إن ما ذکره فی وجه استحالة تأثیر الرد فی إبطال المعنی المتزلزل الحاصل بإنشاء الفضول من أن الإنشاء علة تامة له، و لا یعقل انقلاب الإنشاء عما وقع علیه، و لا انتفاء المعلول الحاصل منه لاستحالة انفکاک المعلول عن علته التامة قد عرفت ضعفه، لأن المعلول من الإنشاء إنما هو حدوث المنشإ لا وجوده، و إبطال المنشإ بعد حدوثه لا یوجب انقلاب الإنشاء عما وقع علیه.
و لا تفکیک المعلول عن العلة، أ تری أن حل عقد البیع بالإقالة أو الفسخ بالخیار یوجب خللا فی الإیجاب و القبول؟ أو انفکاک المعلول عن العلة؟ مع أن تأثیر الرد فی إبطال العقد المتزلزل لیس بحله و إعدامه بعد حدوثه، بل بجعله مستقرا فی صدوره من غیر أهله، و لازم استقراره فی صدوره من غیر أهله بطلانه و صیرورته بحکم العدم.
توضیح ذلک: أنه کما ثبت لذی الخیار باعتبار خیاره و سلطنته علی عمل نفسه، و عمل طرفه السلطنة علی حل العقد و إقراره، بحیث إذا أقرّه لیس له حله، و إذا حله لم یکن مجال لإقراره، فکذلک للأصیل و من إلیه الأمر باعتبار سلطنته علی نفسه و جهاته و شئونه إنفاذ التقلب الواقع فی ماله، بحیث إذا رده بطل و استقر فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 373
البطلان، و إذا أمضاه استقر فی الصحة و النفوذ، و لا ینافی ذلک مع کون الإنشاء تاما فی نفسه و لا مع حدوث المنشإ به، لأن الحادث به إنما هو أمر متزلزل و لا ینافی خروجه عن التزلزل و استقراره فی الصحة أو البطلان بإمضاء الأصیل، أو رده.
و لا مجال لأن یقال إنه لا سلطنة للأصیل علی عمل الغیر فی هدمه و إبطاله، إذ کما له السلطنة علی إسناد عمل الغیر إلی نفسه، و جعله صادرا عن نفسه تسبیبا باعتبار تعلقه بما یملکه فکذلک له السلطنة علی دفعه عما یرجع إلیه باعتبار تعلقه به، و لو کان هذا القدر من التصرف ممنوعا لزم عدم تأثیر إمضائه فی صیرورة عمل الغیر عمل نفسه بطریق أولی، لأن الإمضاء یقلب عمل الغیر إلی عمل نفسه.
و أما الرد فلا یقلبه عما هو علیه و إنما یجعله مستقرا فی صدوره عن الغیر، فسلطنة من إلیه الأمر علی إمضاء عمل الغیر و عدمه إنما هو باعتبار تعلقه بما یرجع إلیه، لا باعتبار صدوره عن الغیر، فلو لم یکون التعلق بما یرجع إلیه کافیا فی جواز التصرف فیه لزم أن لا یؤثر فیه الإمضاء، و الرد معا، و لا وجه للتفکیک بینهما، و لیس مرجع الرد إلی قلب الإنشاء عن کونه إنشاء و لا إلی قلب منشإ الانتزاع عن کونه منشأ له حتی یحکم باستحالتهما، بل مرجعه إلی دفع المنتزع عن التعلق بالأصیل الموجب لاستقراره فی البطلان.
و الحاصل أن السلطنة علی العمل تحصل بأحد أمرین، إما لکونه عمل نفسه مع تعلقه بما یرجع إلیه، و إما لأجل تعلقه بما یرجع إلیه، فکما له السلطنة علی عمل نفسه إبقاء و رفعا، فکذلک له السلطنة علی العمل المتعلق بما یرجع إلیه ردا و إمضاء، بل مدار السلطنة علی تعلق العمل بما یرجع إلیه، و لذا لم یکن للفضول هدم عمل نفسه، و هذا فی غایة الوضوح و لأجل کمال وضوحه لم یخالف أحد من الأصحاب (قدس سرهم) فی بطلانه بالرد، و عدم تأثیر الإمضاء بعده، و لم یعتد أحد منهم بما یتراءی من روایة محمد بن قیس، و أولوها بما ینطبق علی القواعد.
و بما بیناه تبین أن الإجازة کاشفة لا ناقلة، إذ بعد ما ظهر لک أنه لا نسبة للعقد إلی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 374
الأصیل إلا صدوره منه، و إن إجازة الأصل إنما تؤثر فی نسبة صدور العقد إلیه، و جعل العقد الصادر عن الفضول صادرا" من الأصیل یظهر لک أنه لا مجال للقول بالنقل، لأن العقد له صدور واحد، و لا تعلق له إلا بزمان وقوع العقد.
و توهم انحلال صدور العقد إلی صدورات متعددة باعتبار تعدد الأزمنة التالیة قد عرفت فساده، و أیضا استناد الأمر المنتزع فی الصدور إلی الأصیل من دون استناد منشئه إلیه غیر معقول، و مناف للانتزاع و التولید، فاستناد الأمر المنتزع فی الصدور أو الوجود إنما یکون باستناد منشئه إلیه، و لا استناد لمنشإ الانتزاع بزمان الإمضاء حتی تصیر الإجازة ناقلة.
و منه یظهر لک أنه یجب أن یکون المجیز مرجعا للعقد فی زمان صدوره، کما یجب أن یکون مرجعا له فی حال الإجازة، غایة الأمر أنه یکفی فی المرجعیة فی زمان الصدور رجوع متعلق العقد إلیه بالملکیة و نحوها و إن لم یکن تاما نافذ الإقرار فی هذا الحال کالصغیر و السفیه و المکره و هکذا.
فإن قلت: ما ذکرت من أن الإجازة کاشفة لا ناقلة، و أن المجیز یجب أن یکون مرجعا للعقد فی زمان صدوره، و إمضائه ینافی مع ما اخترته من أن مرجع خیار مشتری الأمة المزوجة فی حل التزویج و تقریره إلی السلطنة علی إمضاء العقد و رده، و کذا خیار الأمة المزوجة بعد عتقها، إذ لا یکون کل منهما مرجعا للعقد الصادر من المولی فی زمان صدوره، و لا تکون إجازته کاشفة عن استقراره عقد التزویج فی زمان صدوره.
قلت: لا منافاة بینهما لأن عقد التزویج إنما یصیر فضولیا، أو فی حکم الفضولی بعد عتق الأمة أو اشترائها من مولاها، و کل منها مرجع للعقد بعد العتق أو الاشتراء و تکون إجازته کاشفة عن استقرار العقد بعد تزلزله، و أما حال صدوره من المولی فهو نافذ تام، و لا یکون متزلزلا حتی یتطرق فیه ما یوجب استقراره فی النفوذ أو البطلان فإن قلت قد ذکرت أن العقد لا ینحل إلی عقود متعددة باعتبار أجزاء الزمان إلا إذا کان الزمان رکنا فیه، و متعلقا له کعقد الإجارة، و عقد التزویج لا تعلق له
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 375
بالزمان و الدوام فیه اقتضائی، و لا یکون قیدا زائدا فلا ینحل باعتبار تعدد أجزاء الزمان و یکون أمرا واحدا تحقیقا و تحلیلا، فلا یعقل أن یقبل النفوذ و التزلزل، مع بقائه علی وحدته و عدم انحلاله إلی متعدد.
قلت: اتصافه بالنفوذ و التزلزل علی وجه التعاقب باعتبار اختلاف الطرف، کاتصافه باللزوم و الجواز کذلک لا یتفرع علی أوله إلی متعدد و انحلاله إلیه، و إنما لا یقبل اتصافه بهما فی زمان واحد لأوله إلی التناقض.
فإن قلت: الإجازة کما ذکرت إنما تتعلق بصدور العقد، لأنها تجعل العقد الصادر من الفضول صادرا من الأصیل، فلا مجال لتحققها فی المقام لأنه صادر من الأصیل، و لا ینحل صدوره إلی صدورات متعددة حتی یتطرق النفوذ و التزلزل معا باعتبار تعدده تحلیلا.
قلت: الصادر الواحد مع بقائه علی وحدته، و عدم انحلاله إلی متعدد إذا تعلق بمرجعین، و لو ترتیبا لا یمتنع أن یتطرق فیه النفوذ بالنسبة إلی أحد المرجعین، و التزلزل بالنسبة إلی الآخر فینفذ بإجازته بالنسبة إلیه أیضا، فکما أن تزویج الأمة المشاعة بین مولیین بإذن أحدهما مع وحدته، و عدم تطرق التعدد فیه، و لو بالکسر نافذ فی صدوره بالنسبة إلی الإذن منهما و متزلزل فیه بالنسبة إلی الآخر، و لا امتناع فی اجتماع النفوذ و التزلزل فیه، باعتبار اختلاف الطرف فکذلک فی المقام، فإن قلت: الأمر فی المقام لیس کذلک، لنفوذه فی صدوره و عدم التزلزل فیه بوجه، و إنما تزلزل فی بقائه فلا سبیل لتعلق الإمضاء بالصدور حینئذ.
قلت مقتضی تزلزل عقد التزویج فی بقائه عند تعلقه بالمرجع الثانی صیرورته محلا لإمضائه و رده، فبالإمضاء یصیر صادرا من حین تزلزله من المرجع الثانی علی وجه التسبیب لا المباشرة فافهم و اغتنم، فإنه فی غایة الدقة و النفاسة.
فإن قلت: إذا کان الأمر کذلک، فلم لا یجوز تنفیذ عقد البیع من حین الإجازة إذا کان مرجعا له حینها، و لو لم یکن مرجعا له حین وقوعه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 376
قلت: الوجه فی عدم جواز کون الإجازة ناقلة من حینها لا من حین العقد، إذا کان مرجعا له حینه أنه یلزم حینئذ تزلزل العقد فی حال حدوثه و استقراره فی بقائه، و هو محال لأن البقاء فرع الحدوث، فإذا کان متزلزلا فی حدوثه و لم یستقر فیه، فکیف یستقر فی بقائه، ضرورة أنه إذا لم یثبت الحدوث،، فکیف یثبت البقاء و أما إذا لم یکن مرجعا له من حینه، ثم صار مرجعا له بسبب انتقال المبیع أو الثمن إلیه، فالوجه فیه استقرار العقد فی البطلان حینئذ لأن العقد حین وقوعه من جهات المنتقل عنه، و شئونه، فإذا لم یمضه المنتقل عنه حتی خرج المبیع أو الثمن عن ملکه استقر العقد فی البطلان، و إذا بطل العقد فی حدوثه بالنسبة إلی المنتقل عنه فلا مجال للبقاء حینئذ بالنسبة إلی المنتقل إلیه، حتی یتطرق فیه الإمضاء فلو نفذ العقد حینئذ بإجازة من انتقل إلیه من حین انتقاله إلیه، أو من حین إمضائه لزم تأثیر الإمضاء فی انقلاب زمان الصدور و جعل العقد الصادر فی زمان صدوره صادرا من حین انتقال المبیع أو الثمن إلیه أو من حین إجازته و هو محال.

تنبیهان:

الأول: أنک قد عرفت أن عقد الإجارة ینحل إلی عقود متعددة باعتبار أجزاء الزمان لکونه رکنا فیه و متعلقا له،

فلو آجر البطن الأول العین الموقوفة فی مدة معینة، و انقرضوا فی أثنائها فلا ینبغی الإشکال فی صیرورته فضولیا بالنسبة إلی البطن الثانی فی بقیة المدة، ما لم یکن المؤجر ناظرا علی البطن الثانی، فالقول ببطلان عقد الإجارة حینئذ باعتبار أنه لا محل لإمضائه علی القول بالکشف لعدم تزلزله حال صدوره فی غیر محله، لانحلاله إلی عقدین، باعتبار زمان استحقاق البطن الأول، و زمان استحقاق البطن الثانی و اختلافهما، فأحد العقدین اللذین ینحل إلیهما العقد الواحد المتعلق بالزمانین، متزلزل فی حدوثه و صدوره، فیستقر فی الصحة و النفوذ بإمضاء أهله و هو البطن الثانی، کما یستقر البطلان بردهم.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 377‌

و الثانی: أنه لیس المراد من کون الإجازة کاشفة لا ناقلة، أنها تکشف عن أن العقد حال وقوعه، وقع نافذا

و لم نعلم به و الإجازة کشفت عنه، إذ من المعلوم أن العقد الصادر عن الفضول قبل لحوق الإجازة و الرد متزلزل واقعا لا أنه مستقر واقعا أما فی الصحة أو البطلان، و لحوق الإجازة أو الرد کاشف عنه، ضرورة أن الإجازة إنما توجب تتمیم السبب من حیث تأثیرها فی استناده إلی الأصیل، فیؤثر من حین وقوعه، کما أن الرد یوجب بطلان السبب من جهة استقراره فی صدوره عن الفضول فلا یؤثر من حین وقوعه، و هذا المعنی دقیق جدا.
و قد خفی وجهه علی أکثر من تأخر حتی زعم بعضهم أن الکشف بالمعنی الذی بیناه غیر معقول، و جمع بین الضدین، من حیث إن تأثیر الإجازة فی استقرار العقد و خروجه عن التزلزل یوجب الحکم بترتب الأثر من حین وقوعها و الحکم بترتیب الأثر من حین وقوعه یوجب الحکم بسبق الاستقرار علیها الموجب للحکم بعد تأثیرها فیه، و هما ضدان لا یجتمعان، فاختار الکشف التعبدی بمعنی أنها ناقلة تحقیقا و الشارع حکم بترتیب الأثر من حین وقوع العقد تعبدا.
و فیه أن مقتضی حدوث السبب و زواله، و صیرورته نافذا تاما بالإجازة اللاحقة ترتب الأثر علی السبب الزائل من حین حدوثه، و لا یعقل ترتب الأثر من حینها لعدم وجود سبب فی هذا الحال حتی یؤثر، فالقول بکونها ناقلة باطل جدا، و الأمر دائر بین أمرین أما القول ببطلان العقد الفضولی، و أما القول بصحته موقوفا، و تأثیر الإجازة فیه علی وجه الکشف بالمعنی الذی بیناه.
و أما الکشف التعبدی فغیر معقول لأنه فرع القول بالنقل تحقیقا، و الالتزام بترتیب الأثر من حین العقد تعبدا.
و قد ظهر لک أن القول بالنقل غیر متصور، فما دل من الروایات علی صحة العقد الفضولی، و أن الإجازة کاشفة إنما تدل علی الکشف تحقیقا، فحملها علی الکشف التعبدی بزعم أن الکشف التحقیقی غیر متصور فی غیر محله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 378
و العجب من الفاضل المعاصر، أنه أنکر دلالة الروایة الواردة فی باب النکاح علی کون الإجازة کاشفة، فقال: و لا ینافی الروایة الدالة علی تأثیر الإجازة بعد موت أحد الزوجین مع کونها ناقلة، لأن الزوجیة قائمة بنفس الزوجین القائمة بعد الموت، فإن عدم جواز حدوث الزوجیة بعد الموت من البدیهیات الأولیة، نعم لا مانع من بقائها بعد الموت، و فرق بین بین بقائها بعد الموت و حدوثها بعده، مع أنه لو سلم جواز حدوثها بعده، فلا یترتب علیها الوراثة.
ضرورة أن الإرث إنما یترتب علی السبب الحاصل عند الموت فالروایة الشریفة الدالة علی تأثیر الإجازة بعد موت أحدهما، و وراثة الحی منه بعد الإجازة منافیة لکونها ناقلة من وجهین، بل ما ورد فی الروایة من إحلافها بالله ما دعاها إلی أخذ المیراث إلی رضاها بالتزویج ثم یدفع إلیها المیراث و نصف المهر یدل أیضا علی أنها کاشفة، إذ لو کانت الإجازة ناقلة، و کان الإرث مترتبا علی الزوجیة و لو حدثت بعد الموت لم یکن لإحلافها حینئذ وجه، فالروایة الشریفة تدل علی أنها کاشفة لا ناقلة من وجوه ثلاثة.
ثم اعلم أن الروایة الشریفة تدل علی أن موت الزوج قبل الدخول منصف للمهر، بل یستفاد منها أیضا أن الرد مبطل للعقد، إذ لو لم یکن مبطلا له.
و کان باقیا علی تزلزله لکان الحکم بالعزل بعد الرد إلی أن یعرض ما یبطله، فالروایة الشریفة تدل علی أحکام ثلاثة: کون الإجازة کاشفة، و الرد مبطلا، و موت الزوج قبل الدخول منصفا للمهر.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 379‌

(فائدة 52) [فی اعتبار بلوغ المتعاقدین فی صحة العقد]

قد اشتهر بین الأصحاب (قدس سرهم) اعتبار بلوغ المتعاقدین فی صحة العقد، و أنه لا اعتبار بعبارة الصبی، و أنه مسلوب العبارة کالبهائم.
فی المسالک فی باب النکاح:" لا فرق فی ذلک بین الصبی الممیز و غیره، و لا بین قوله ذلک لنفسه و لغیره، فإن الشارع سلب عبارته بالأصل، و فی باب البیع لا فرق فی الصبی بین الممیز و غیره، و لا بین کون المال له أو للولی أو لغیرهم إذن مالکه أو لا، فلا یصح التصرف فیما صار إلیه و إن کان مالکه قد أذن، لأنه بیع فاسد فیلزمه الحکم السابق فی الرجوع علی القابض.
نعم لیس له الرجوع علی الصبی بعوض ماله لو تلف أو أتلفه، لأنه فرط فیه بتسلیطه علیه مع عدم أهلیته، و لو أمره ولیه بالدفع إلیه، فدفع فإن کان مال الولی برئ من ضمانه، و کان هو المفرط و إن کان مال الصبی لم یبرء من ضمانه، و لو کان عوض ما ابتاعه من الصبی أو باعه فالمال للدافع و هو المضیع فلا عبرة بإذن الولی فی ضمانه و لا ضمان الصبی".
و فی المقابیس، فی کتاب البیع بعد أن نسب عدم صحة عقد الصبی مطلقا إلی الأکثر قال:" و هذا هو الأصح، و تمسک له بالأصل السالم من المعارض، و بکونه أحد الثالثة الذین رفع عنهم القلم کما روی فی النبوی المشهور.
و بما رواه الکلینی (قدس سره) مستندا عن أبی جعفر علیه السلام فی حدیث أنه قال"
إن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 380
الجاریة إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنین ذهب عنها الیتم، و دفع إلیها مالها و جاز أمرها فی البیع و الشراء
إلی أن قال:
و الغلام لا یجوز أمره فی الشراء و البیع و لا یخرج من الیتم حتی یبلغ خمس عشرة سنة، أو یحتلم أو یشعر أو ینبت قبل ذلک
" و بما رواه الصدوق (قدس سره) فی الفقیه مرسلا عن أبی عبد الله (علیه السلام) أنه قال"
إذا بلغت الجاریة تسع سنین دفع إلیها مالها و جاز أمرها فی مالها
" و بروایات آخر متحدة مع الروایتین فی المضمون أو قریبة منهما" انتهی.
و فیه أن الأصل صحة العقد و انعقاده، لأن الکلام فی کلام الصبی العارف بالوضع القاصد للإنشاء و عبارته حینئذ معتبرة ذاتا، و محصلة للعقد، لأن العقود کسائر المفاهیم الإنشائیة من الطلب و التمنی و الترجی و الاستفهام، و هکذا أفعال تولیدیة و أمور اعتباریة، و جهات انتزاعیة تحصل بمجرد وجود منشإ انتزاعها فی الخارج، و لا تکون من قبیل الأحکام الشرعیة التکلیفیة و لا الوضعیة حتی یتوقف الحکم بالثبوت علی ورود النص.
کشف الحال فیه: أن انتزاع فعل من فعل و تولده منه علی نحوین.
فقد یکون جهة واقعیة و أمرا عرفیا یعرفه العقل و أهل العرف من دون مراجعة إلی الشرع، کانتزاع علقة المجاورة و الرفاقة و الشرکة و هکذا، حیث تنتزع من منشئها مع قطع النظر عن جعل الشرع، نعم للشارع هدم هذا الانتزاع و إبطاله کما أبطل التولید الحاصل من السفاح.
و قد یکون مجعولا بحیث لا یترتب علیه واقعا کانتزاع الحدث و الطهارة من أسبابهما، فإن المترتب علی الغسل و الوضوء، واقعا هی النظافة الظاهریة کما أن المترتب علی البول و الجنایة کذلک هی الخباثة الظاهریة، و انتزاع النظافة و الخباثة النفسیتین منها إنما هو بجعل الشرع و انتزاع العقود من الإنشاءات من قبیل الأول.
ضرورة أن الإنشاء کالإخبار أمر عرفی و جهة واقعیة، فکما أن ترتب کشف المفهوم علی الجملة الخبریة أمر واقعی عرفی لا یکون مجعولا لأحد، فکذا ترتب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 381
حدوث مفهوم علی الإنشاء و هذا ظاهر جدا، فما یظهر من بعض أن العقد حکم شرعی لا یحکم به إلا بعد قیام الدلیل علیه بمکان من الوهن، نعم العقد موضوع للحکم الشرعی من التقریر أو الإبطال، و کأنه اختلط علیه أمر الموضوع بالمحمول.
و إذا اتضح لک أن العقود أمور واقعیة و أفعال غیر مجعولة تتولد من الإیجاب و القبول ذاتا، اتضح لک أن الأصل فی العقد الصادر من الصبی الصحة ما لم یعلم إبطاله من الشارع، فمع الشک فی أنه مسلوب العبارة الأصل فیه الصحة، لأن الشک إنما هو فی تصرف الشارع و جعله مسلوب العبارة تنزیلا و مع عدم الدلیل علی الإبطال الأصل فیه العدم أخذا بالمقتضی المعلوم و إلغاء للمانع المحتمل، فتوهم أن الأصل عدم العقد حینئذ، و الأخذ بالقدر المحقق منه فی غیر محله.
و أما حدیث رفع القلم فیختص بالحکم التکلیفی، لأن القابل للوضع علی الشخص و الرفع عنه إنما هی الأحکام التکلیفیة المتعلقة به مرة و المرتفعة عنه أخری و أما الأحکام الوضعیة فلا تکون طرفا للشخص حتی یوضع علیه مرة و یرفع عنه تارة و لو سلم جواز تعمیم رفع القلم إلیهما فلا دلالة له علی المطلوب أیضا، لما عرفت من أن العقود أمور واقعیة و أفعال تولیدیة غیر مجعولة، فلا تکون من قبیل الأحکام الوضعیة حتی تندرج فی حدیث رفع القلم علی فرض شموله لها.
و أما سائر الروایات فإنما تدل علی عدم جواز أمر الصبی و نفوذه ما لم یبلغ لا علی بطلان تعبیره و عدم تأثیره أصلا بحیث یکون کلامه کأصوات البهائم.
ثم قال (قدس سره) بعد حکمه ببطلان عقده مطلقا:" و قد وقع الخلاف و الإشکال فی مواضع.
الأول: بیع من بلغ عشرا أو شراؤه، فحکی فیه قول بالجواز، و عزاه بعضهم إلی الشیخ، و ذکر العلامة فی التذکرة وجها لأصحابنا و یظهر من ظاهر الشرائع و صریح المسالک، أن ذلک فیما إذا بلغ عشرا عاقلا، و عزی فی المفاتیح إلی الشیخ قال صاحب المسالک بعد حکایة القول بذلک-: و المراد بالعقل هنا الرشد فغیر
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 382
الرشید لا یصح بیعه و إن کان عاقلا اتفاقا، و فصل الکلام فیه إلی أن قال:" الموضع الثانی: بیع الممیز مطلقا، أو إذا أذن له الولی أو أجاز بیعه، و کذلک شراءه، و الخلاف فی ذلک منقول فی الخلاف عن أبی حنیفة، حیث قال:" إن کان بإذن الولی صح، و إن کان بغیر إذنه وقف علی إجازته" و حکم الشیخ بالمنع، و حکاه عن الشافعی، و حکی ابن زهرة إجماع الأصحاب علی البطلان، و هو الذی یظهر من کنز العرفان أیضا کما یأتی" إلی أن قال: و قال العلامة فی حجر القواعد" هل یصح بیع الممیز و شراؤه مع إذن الولی نظر" و قال ولده فی الشرح: الأقوی عندی الصحة".
ثم قال" و قد استدل فخر الإسلام و غیره علی الجواز بأن العقد إذا وقع بإذن الولی کان کما لو صدر منه فیکون صحیحا و احتج والده فی التذکرة لأبی حنیفة بقوله تعالی:" وَ ابْتَلُوا الْیَتٰامیٰ" فإن الابتلاء و الاختبار إنما یتحقق بتفویض التصرف إلیهم، فیلزم صحة العقد الصادر منهم بإذن الولی، و بأن المقتضی لصحة العقد موجود و هو العقل و التمییز، و المانع و هو الحجر یرتفع بالإذن فیکون صحیحا و نقل عن المقدس الأردبیلی (قدس سره) المیل إلی جواز بیعه و شرائه مع الرشد و إذن الولی مستدلا بالآیة المتقدمة، و عموم الآیات و الأخبار و الأصل، مع منع الإجماع و عدم دلیل صریح فی المنع" ثم قال:" و قال المحقق الکرکی: لا یبعد بناء المسألة علی أن أفعال الصبی و أقواله شرعیة أم لا و حکم بأنها غیر شرعیة، و إن الأصح بطلان العقد" ثم أطال الکلام فی النقض و الإبرام إلی أن قال:" الموضع الثالث: بیعه و شراؤه إذا أذن له الولی فی مقام الاختبار" إلی أن قال:" الموضع الرابع: بیع الممیز و شراؤه وکالة، و الخلاف فیه مبنی علی جواز توکیله و عدمه، و الظاهر من أصحابنا اتفاقهم علی المنع و عدم خلاف فی ذلک یعتد به و هو المنقول عن الشافعیة إلی أن قال:" الموضع الخامس: بیعه و شراؤه فیما جرت العادة منه به الشی‌ء الیسیر علی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 383
وجه الاستقلال، و ظاهر الأصحاب عدم الفرق بینه و بین الخطیر، و یشهد به أیضا ما سبق عنهم فی الاختبار، مع أن الغالب وقوعه فی أول الأمر فی الشی‌ء الیسیر، فإذا لم یصح العقد منه فی ذلک مع إذن الولی و وقوعه فی محل الحاجة فبدون الإذن أولی بالمنع" إلی أن قال و قال صاحب المفاتیح:" الأظهر جواز بیعه و شرائه فیما جرت العادة به منه نفی الشی‌ء الدون دفعا للحرج فی بعض الأحیان" إلی أن قال:" الموضع السادس: بیعه و شراؤه فیما کان فیه بمنزلة الآلة لمن له الأهلیة، و ظاهر الأصحاب بطلانه أیضا فی هذه الصورة، حتی أنهم لم یجوزوا له فی مقام الاختبار إلا السوم و المماکسة، و لم یجوزوا له إجراء الصیغة، و اختار صاحب المفاتیح الجواز کما فی المسألة السابقة، و تبعه بعض مشایخنا المعاصرین" انتهی ما أردناه من کلامه (قدس سره).
أقول: یمکن رجوع هذه التفاصیل إلی نفوذ العقد، و عدمه لا إلی صحة الصیغة و عدمها، و شاع التعبیر عن النافذ بالصحیح، و عن غیر النافذ بالباطل بل الظاهر ذلک، فإن القائلین بصحة بیع الممیز و شرائه، مع إذن الولی أو إجازته مطلقا أو فی خصوص مقام الاختبار، و مع وکالته و فیما جرت العادة منه و فیما کان فیه بمنزلة الآلة لمن له الأهلیة إنما یحکمون بصحة بیعه و شرائه و نفوذهما، کما أن القائلین بصحة بیع من بلغ عشرا إذا کان عاقلا، إنما یحکمون أیضا بنفوذ بیعه فی هذه الصورة.
و لذا فسر الشهید الثانی العقل هنا بالرشد تمسکا بعدم صحة بیع غیر الرشید اتفاقا فإن الاتفاق إنما هو علی عدم نفوذ بیع غیر الرشید، لا علی بطلان صیغته فالمفصلون جمیعا حاکمون بصحة صیغته مطلقا، ضرورة أنه لا یعقل تأثیر إذن الولی أو إجازته أو توکیل الغیر، أو جریان العادة، أو الآلیة فی صحة الصیغة، و إنما یؤثر هذه الأمور فی نفوذ العقد، و مضیه بعد صحة الصیغة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 384
نعم یمکن التفصیل بین صحة الصیغة و بطلانها فی البالغ عشرا و غیره، و لکن اعتبارهم العقل و الرشد فی الصحة دلیل علی تفصیلهم فی النفوذ و عدمه، فالصحیح جعل المسألة ذات قولین القول باعتبار البلوغ فی صحة الصیغة مطلقا، و القول بعدمه کذلک.
و إذا وقفت علی کلماتهم فاعلم أن التحقیق عدم اعتبار البلوغ فی صحة الصیغة لاستصحاب المقتضی و عدم قیام الدلیل علی خلافه، کما نبه علیه العلامة فی التذکرة و ولده فخر الإسلام و المقدس الأردبیلی و من تبعهم (قدس سرهم) و قد خفی وجه الأصل علی صاحب المقابیس، فزعم أن الأصل عدم ترتب الأثر و قد ظهر لک ضعفه و فساده.
و أما ما ذکره المحقق الکرکی (قدس سره) من ابتناء المسألة علی أن أفعال الصبی و أقواله هل هی شرعیة أم لا، ففیه أن ترتب وجود المنشإ علی الإنشاء کترتب کشف المدلول علی الأخبار أمر عرفی لا یرجع إلی الشرع ابتداء، و إنما للشارع التصرف فیه تقریرا و إبطالا، و ثانیا أن التحقیق أن أفعاله و أقواله شرعیة کما أوضحنا الکلام فیه فی محله، و من الغریب توهم قیام الإجماع علی اعتبار البلوغ فی صحة الصیغة، مع ذهاب جماعة کثیرة من الأجلة إلی خلافه و أغرب منه ادعاء صاحب الجواهر الضرورة فیه.
و إذ قد اتضح لک ما حققناه، فقد اتضح لک غایة الاتضاح أن صیغته صحیحة فی حد نفسها، و لا یمنع من صحتها عدم بلوغه، کما أنه اتضح لک عدم الإشکال فی نفوذ عقده مطلقا، فیما یرجع إلیه مع إذن الولی أو إجازته و لا وجه لاختصاصه بمقام الاختبار، أو بالشی‌ء الیسیر أو بما کان فیه بمنزلة الآلة لمن له الأهلیة، کما أنه لا إشکال فی نفوذ عقده، فیما یرجع إلی غیره ولیا کان أم لا مع إذن من إلیه الأمر فی إجراء الصیغة أو إجازته مطلقا، و لا اختصاص له بإحدی الصورتین الأخیرتین، بل لا یبعد استقلاله فیما جرت العادة منه للشی‌ء الیسیر، کما اختاره صاحب المفاتیح، بل یمکن القول باستقلاله إذا بلغ عشرا عاقلا رشیدا مطلقا.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 385
فإن قلت: إذن غیر الولی له فی إجراء الصیغة یرجع إلی توکیله فیه، و هو لا یتحقق إلا بإیجاب الموکل و قبول الوکیل، و لا عبرة بقبول الصبی مع عدم إذن الولی له، فلا ینفذ عقده حینئذ کغیره، ضرورة أن الصبی لا یملک نفسه فلا تتم الوکالة بقبوله مع عدم إذن الولی له، فلا یقع عقده عن الوکالة حینئذ.
قلت: الوکالة لا تکون عقدا متوقفا فی تحققه علی الإیجاب و القبول، لأن الموکل فیه من شئون الموکل و جهاته و یکفی فی وقوعه عن قبله إذنه فیه، و لا یحتاج إلی إعمال سلطنة من طرف الوکیل، و القبول إنما یعتبر فی تعهد الوکیل الوکالة و صیرورته فی وثاقها لا فی تحققها، و عده من قبیل العقود إنما هو باعتبار دخل القبول فیها فی الجملة.
و لذا اتفق الأصحاب (قدس سره) علی الاکتفاء بإتیان الموکل فیه عن القبول و عدم احتیاجها إلی إنشاء القبول، و التعبیر عنه بالقبول الفعلی إنما هو من جهة الاکتفاء به عن القبول، لأنه قبول تحقیقا، إذ لو کان کذلک لزم أن یکون جزءا محققا للوکالة کالإیجاب، فیلزم حینئذ عدم وقوعه عن وکالة، ضرورة أنه لا یعقل أن یکون المحقق للشی‌ء متحققا منه.
و لو سلم أن الوکالة عقد تحقیقی متوقف علی الإیجاب و القبول فتوقف نفوذ المأذون فیه علی تحقق الوکالة ممنوع، بل یکفی فیه تحقق الإذن فقط، لأن الموجب لنفوذ العمل استناده إلی من إلیه الأمر و یکفی فیه إذنه و ترخیصه.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 386‌

(فائدة 53) و مما یعتبر فی نفوذ العقد و مضیه اختیار المتعاقدین،

اشارة

حیث لا یکون الإکراه بحق، و وجه اعتباره فی نفوذ العقد ظاهر، ضرورة أن العقد من جملة الأفعال الاختیاریة للمتعاقدین فلا یتحقق الالتزام به إلا باختیارهما و طیب نفسهما به، نعم إذا کان الإکراه بحق لا یعتبر فیه الاختیار، لإن العقد حینئذ لازم علیه شرعا و لا یکون مخیرا فی فعله و ترکه حتی یعتبر فیه الاختیار و طیب النفس به.
و کیف کان فاعتباره إنما هو فی نفوذ العقد لا فی صحته و علیه یتفرع ما اشتهر بینهم من الحکم بنفوذ عقد المکره لو رضی به بعد زوال الإکراه، و إن کان الظاهر من جملة من کلماتهم أنه من شروط الصحة عندهم إلا أن تصریحهم بنفوذ عقد المکره بحصول الرضاء بعد زوال العذر، صریح فی أنه کالعقد الفضولی موقوف علی حصول الرضاء و زوال العذر کما أن تعلیلهم بعبارة المکره دون غیره صریح فی تمامیة عقد المکره فی مرحلة الصحة، و إن قصوره إنما هو فی مرحلة النفوذ، و أیضا استثناء الإکراه بحق یشهد بما بیناه، إذ لو کان الإکراه مانعا عن الصحة مطلقا و رافعا للقصد إلی المعنی کما یظهر من بعضهم لکان مانعا عن الصحة مطلقا و لوجبت مباشرة إجراء الصیغة ممن تصح مباشرته نیابة عن المکره بحق أو ولایة علیه، بل لا تصح النیابة حینئذ إلا لمن الولایة علیه، و حیث اشتبه الأمر علی بعضهم
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 387
و زعم أن المکره کالهازل فاقد لما به قوام صحة العقد من قصد المعنی وجب توضیح الکلام فیما به یتقوم صحة العقد حتی یتضح فصل الکلام فی المقام.
فأقول بعون الله تعالی و مشیته: إن منشأ انتزاع العقد اقتضاء هو اللفظ المستعمل فی مفهومه فی مقام الإنشاء و إیجاد المفهوم أو ما بمنزلته من إشارة الأخرس فإن جامع الشرط مع قابلیة المحل و فقد المانع و المزاحم ترتب علیه المنتزع و إلا فلا، فصحة الصیغة المترتب علیها النفوذ تتقوم عرفا بأمور أربعة یتقوم بها منشأ الانتزاع.
فلو لم یکن فی البین لفظ أو ما بمنزلته، أو کان و لم یستعمل فی مفهومه بل صدر ذهولا أو سهوا أو هزلا أو عبثا و لغوا، أو استعمل فی مفهومه و لم یکن فی مقام الإنشاء بل فی مقام الإخبار، أو کان فی مقام الإنشاء و لم یکن فی مقام إیجاد المفهوم بل فی مقام الاستفهام التمنی أو الترجی و هکذا من وجوه الإنشاء، لا تتم الصیغة و لا تصح و لا یعقل النفوذ حینئذ، و إذا اجتمعت الأمور الأربعة صحت الصیغة و کانت محلا للنفوذ و عدمه بسبب اجتماع ما له دخل فیه و عدمه.
إذا تحقق لک ما حققناه فاعلم أن المراد من الاختیار هو طیب النفس و الرضاء بالعقد، کما أن المراد من الإکراه هو عدم طیب النفس و الرضاء به، لا أن المراد من الاختیار قصد العقد و من الإکراه عدمه، ضرورة أن مجرد قصد العقد لا یکون کافیا فی النفوذ، فلو کان المراد من الاختیار قصد العقد لزم ذکر الرضاء أیضا فی جملة الشروط، فاستکمال العقد عندهم ببلوغ العاقد و عقله و اختیاره دلیل علی أن المراد منه الرضاء و طیب النفس، و أیضا لو کان المراد به قصد المدلول کما یوهمه ظاهر کلام بعض الأساطین لم یکن لاعتباره بعد اعتبار قصد العقد وجه.
فتبین لک أن الهازل حیث لا یکون فی مقام الإفادة و الاستفادة و استعمال اللفظ لا یکون تامة الصیغة بخلاف المکره فإنه فی مقام الإفادة، غایة الأمر أنه لا یطیب نفسه بما أفاده، و إلیه یرجع ما ذکره الأساطین من الوثوق بعبارته، فتوهم أن المکره
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 388
کالهازل فی عدم قصد المعنی فی غیر محله.
و قد تبین لک مما بیناه أن تأثیر الاختیار و الإکراه إنما هو بالنسبة إلی من إلیه الأمر لا المباشر، ضرورة أن تأثیرهما إنما هو فی النفوذ و عدمه و هما إنما یعتبران فی من إلیه الأمر، و یکفی فی المباشر صحة صیغته سواء کانت نافذة أم موقوفة کالعقد الفضولی، فتقسیم الإکراه إلی أقسام ثلاثة: إکراه من إلیه الأمر، و إکراه المباشر، و إکراههما معا، فی غیر محله، ضرورة عدم تأثیر إکراه المباشر فی عدم صحة الصیغة و لا فی نفوذ العقد.
نعم قد یتأمل فی نفوذ العقد و الإیقاع حینئذ من جهة أن استناد العقد إلی من إلیه الأمر حینئذ إنما هو من جهة صدوره عن وکیله، و مع إکراه المباشر علی المباشرة لا یکون وکیلا، لتوقف عقد الوکالة علی قبوله إیاها اختیارا، و مع تحقق وکالته عمن إلیه الأمر لأجل إکراهه علی القبول لا یقع عقده عن وکالة، فلا یستند إلی من إلیه الأمر حتی یصیر نافذا.
و فیه أن الوکالة إنما تتحقق بإیجاب الموکل کما أشرنا إلیه و سنحققه تفصیلا إنشاء الله تعالی و قبول الوکیل إنما یؤثر تعهده الوکالة لا تحققها، مع أن الاستناد إلی من إلیه الأمر یتحقق بإذنه و ترخیصه و لا یتوقف علی تحقق الوکالة.
و قد تبین لک بما بیناه أن القدرة علی التوریة، لا تنافی تحقق الإکراه فی المقام، و أنه لا تجب التوریة علی المکره مع قدرته علیها، لأن عدم طیب النفس و الرضاء بالعقد کاف فی عدم النفوذ، فلا حاجة إلی التوصل بالتوریة و إبطال الإنشاء و توهم أن المکروه إنما یکره علی إیجاد اللفظ لا قصد الإنشاء فهو مختار فی قصده و عدمه، فقصده إیاه لا یکون إلا عن اختیاره، فینفذ العقد حینئذ مع قصد الإنشاء، فی غیر محله، لأن مجرد الاختیار فی استعمال اللفظ فی مدلوله لا یکفی فی النفوذ مع عدم طیب نفسه بوقوعه.
و کان المتوهم فسر الاختیار و الإکراه فی المقام بالقدرة علی الفعل و الترک
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 389
و عدم القدرة علیهما، و غفل عن أن المراد من الاختیار و الإکراه فی المقام طیب النفس و الرضاء بالعقد و عدمه، و بما بیناه تستغنی عن القول بأن القادر علی التوریة فی حکم المکره شرعا و إن لم یکن مکرها حقیقة بل القدرة علیها لا تنافی تحقق الإکراه بمعنی الإجبار فی التکلم بکلمات الکفر و نحوها، لأن التکلم بما یحکی عن الکفر إنما یکون کفرا إذا صدر عن الاختیار، و أما إذا صدر لا عن الاختیار فلا یجب إرادة معنی آخر من اللفظ حینئذ.
توضیح الحال أن حقیقة الکفر هو الإدبار الراجع إلی التردد أو الإنکار، و هو لا یکون إلا بالقلب، و اللفظ إنما یکون کفرا و إنکارا إذا کان اللافظ فی مقام الإفادة و الإخبار عما فی الضمیر، و مع الإکراه و الإجبار لا کشف عما فی الضمیر فلا کفر و لا إنکار حینئذ، فلا یکون صدور الکلام الحاکی عن الکفر فی مقام الإکراه وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمٰانِ کفرا حتی یجب علیه الفرار منه بالتوریة.
و ببیان أوضح للفظ دلالتان تصوریة و تصدیقیة، و الأولی تترتب علیه بالوضع مطلقا صدر من اللافظ سهوا، أم عمدا إکراها أم اختیارا، لغوا أو فی مقام الإفادة، و هی فی الحقیقة لا تکون دلالة بل حکایة کما حققناه فی محله، و أما الثانیة فبالترکیب الصادر عن العارف بالوضع فی مقام الإفادة و الإخبار عما فی ضمیره، و هو إنما یکون فی مقام الاختیار لا الإجبار، و الکفر و الإنکار کالإیمان و الإقرار و الشهادة و هکذا من العناوین إنما تترتب علی اللفظ باعتبار الدلالة التصدیقیة لا التصوریة الخارجة عن الاختیار المترتبة علیه قهرا کما هو ظاهر، و إلا لکان نقل الکفر کفرا و لکان التکلم بکلام الکفر سهوا کفرا، فمع انتفاء الکشف التصدیقی الذی هو مدار الإیمان و الکفر فی صورة الإجبار لا یترتب علی اللفظ عنوان الکفر و الإنکار باعتبار الدلالة التصوریة حتی یجب الفرار منه بالتوریة.
فإن قلت لو کان ترتب عنوان الکفر و الإنکار و الإقرار و الشهادة و الإخبار و هکذا من العناوین علی اللفظ موقوفا علی الاختیار لکان ترتب الإسلام علی کلمتی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 390
الشهادة موقوفا علی الاختیار أیضا، و کذا ترتب عنوان الإنشاء علی اللفظ مع أن الإسلام یتحقق بالتکلم بکلمتی الشهادة إجبارا بالاتفاق بل بالضرورة، و کذا یترتب عنوان الإنشاء علی اللفظ إکراها و إلا لزم بطلان عقد المکره رأسا، و هو مناف لما اعترفت به من صحته و نفوذه بالرضاء بعد زوال العذر تبعا لما أفتی به أکثر الأصحاب (قدس سرهم).
قلت: إیجاد القضیة اللفظیة فی الخارج إن کان علی سبیل الاختیار، فالباعث علیه هی إحدی الصفات الثلاثة النفسیة: من العلم و الإرادة و الکراهة، فإن کانت خبرا فالباعث علی إیجادها العلم بمضمونها، و إن کانت إنشاء فالباعث علی إیجادها إرادة مضمونها أو کراهته، و إن کان علی سبیل الإجبار و الإکراه فالباعث علیه إنما هو دفع المکروه و المحذور.
و العناوین المترتبة علی الاختیار و ثبوت إحدی الصفات المذکورة فی النفس کالإقرار و الشهادة و الإخبار عما فی الضمیر و الإیمان و الکفر و الإنکار و هکذا لا تترتب علی اللفظ إلا فی حال الاختیار.
و أما العناوین المشترکة بین الاختیار و الإکراه فتترتب علی اللفظ فی الصورتین، و منها الإسلام و الإنشاء.
فإن الإسلام هو التسلیم لدین الإسلام و الالتزام به و البناء علی الأخذ به دینا، و لا ینافیه التردد فی حقیته بل القطع بخلافه، قال عز من قائل" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰکِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا یَدْخُلِ الْإِیمٰانُ فِی قُلُوبِکُمْ" فإن الباعث علی التسلیم و الالتزام قد یکون العلم بحقیته فیجامع الإیمان و یترتب علیه الآثار الدنیویة و الأخرویة معا.
و قد یکون حقن دمه و حفظ ماله أو رجاء الوصول إلی الرئاسة و غیرها من الفوائد الدنیویة فیفارقه و لا یترتب علیه إلا الآثار الدنیویة من طهارة البدن و حل الذبیحة و جواز النکاح و الإرث من المسلم و هکذا، و لیس هذا نفاقا و إن شارکه فی الحرمان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 391
من فوائد الإیمان لأن المنافق بناؤه علی الموافقة فی ظاهره و علانیته و المخالفة فی باطنه، و سره بخلاف المسلم فإن بناءه علی الموافقة فی الظاهر و الباطن و لو خوفا أو طمعا.
و أما الإنشاء فهو جعل الکلام لا فی وزان الواقع بل فی مقام إیجاد المفهوم أو طلبه أو الاستعلام عنه و هکذا من وجوه الإنشاء و من المعلوم أنه قد ینبعث من الإرادة النفسیة و قد ینبعث من الإکراه و الإجبار، و لا تجمع الکراهة و الإرادة فی محل واحد لتضادهما فالمکره علی العقد کاره له لا یریده.
و لا ینافی ذلک ما ذکرته آنفا من ثبوت قصد المعنی فی حال الإکراه لأن ثبوت القصد الاستعمالی المتقوم به الإنشاء لا ینافی انفکاکه عن الإرادة النفسیة الباعثة علی صدوره عن طیب نفسه به و اختیاره له، و لعله مراد بعض الأساطین من خلو المکره عن قصد المدلول و إلا فعدم خلو الإنشاء عن القصد الاستعمالی فی غایة الوضوح.
فإن قلت کما أن جعل الکلام لا فی وزان الواقع ینبعث تارة من الإرادة و بالاختیار و مرة مع الکراهة و الإکراه فکذلک فی وزان الواقع ینبعث مرة من ثبوته المخبریة فی الضمیر و تارة بالإکراه مع عدم ثبوته فی ضمیره فالإخبار کالإنشاء من العناوین المشترکة فکیف حکمت بأن الإخبار لا یترتب علی اللفظ إلا فی حال الاختیار؟ قلت: نعم اتصاف القضیة بالخبر و الإنشاء باعتبار جعلها فی وزان الواقع و لا فی وزانه لا تختص بحال الاختیار و لکن دلالتها علی ما فی الضمیر مع العلم و الإرادة و الکراهة بالدلالة الآنیة تختص به کما هو ظاهر و المقصود من ترتب عنوان الإخبار علی الاختیار ترتب کشف اللفظ عما فی الضمیر علیه لا عنوان الخبر المتحقق بمجرد جعل القضیة فی وزان الواقع فی مرحلة الاستعمال.
و الحاصل أن المقصود من القضیة الخبریة و هو الإخبار و الکشف عما فی الضمیر أصالة کمقام الإقرار و الشهادة و الإیمان و الکفر و هکذا أو توطئته للخارج کما
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 392
هو الغالب الشائع فی القضایا لا یتحقق إلا فی حال الاختیار، ضرورة عدم ثبوت المخبر به فی الضمیر حال الإکراه فلا یتحقق الکشف عنه و لا عن الخارج حینئذ.

تنبیه:قد استفید مما بیناه أن زوال الإکراه و حصول الرضاء بمضمون العقد کاف فی نفوذه و مضیه

من دون حاجة إلی إنشاء الإمضاء، و هو مفارق عن العقد الفضولی فی هذه الجهة حیث إنه لا یتم و لا ینفذ إلا بالإمضاء، و لا یکفی فیه ثبوت الرضاء باطنا بمضمون العقد مع عدم إمضائه، و السر فیه أن العقد الصادر عن الفضول لا بد فی نفوذه من إسناده إلی الأصیل و لا یستند إلیه إلا بإمضائه إیاه و أما العقد الصادر عن المکره فهو صادر عن الأصیل و مستند إلیه بصدوره عنه، و إنما لا یتم بواسطة فقد الاختیار و طیب النفس به، فإذا حصل الرضاء و طیب النفس به تحقق الاختیار و تم العقد و نفذ و لم یتوقف علی شی‌ء آخر حتی یصیر متزلزلا موقوفا علی حصوله.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 393‌

(فائدة 54) [هل یجب أن المعرفة فی الرسول صلی الله علیه و آله أفضل من الإمام علیه السلام]

قد ورد عن سید الأنبیاء صلی الله علیه و آله و علیهم أنه قال
" ما عرفناک حق معرفتک
" و عن سید الأوصیاء أمیر المؤمنین علیهم السلام أنه قال"
لو کشف الغطاء لما ازددت یقینا
" قال السید الجزائری فی حاشیته علی شرح الجامی" و ما یتراءی ظاهرا من لزوم کون معرفة الإمام أزید من معرفة الرسول صلی الله علیه و آله فیندفع، إما بحمل طلب النبی صلی الله علیه و آله لزیادة المعرفة علی أکملیة قبول المادة، یعنی لما کان مادة النبی صلی الله علیه و آله أکمل من مادة الإمام فهی قابلة إذن لزیادة المعرفة.
و أما مادة الإمام فقد کمل کمالها، أو بحمل طلب الزیادة علی أیام الحیاة و قبل استکمال المعرفة التی لا یتصور فوقها بالنسبة إلی مراتب البشر، لأن درجات معرفته بربه کانت تزید یوما بعد یوم إلی أن قبضه إلیه و أکمل له المعرفة اللائقة بجنابة، و هو قد دفع تلک العلوم بأسرها إلی الإمام، فهو (علیه السلام) بذلک العلم الکامل قال هذا القول هذا، و الأول مسلکی فی حل هذا الخبر، و ثانیه مسلک العلامة الحلی و لا یخفی ما فیه" انتهی.
أقول: و لا یخفی ما فیهما: أما الأول فلما ثبت بالکتاب و السنة أنه علیه السلام نفس الرسول و أخوه فی الدنیا و الآخرة، و هو قاض بمساواتهما فی القابلیة و الکمال بالضرورة.
و أما الثانی فلأن أخبار النورانیة تدل علی أنهما صلی الله علیهما و علی آلهما کانا فی عالم الأرواح و الأشباح کاملین عالمین بالعلم کله.
و الصواب فی الجواب
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 394
أنه لا منافاة بین الروایتین بوجه، لأن العرفان إنما یرجع إلی ذات الشی‌ء و حقیقته و لا یتصور للممکن الإحاطة بمعرفة ذات الواجب تعالی شأنه و کنهه، و کل ما یتصوره المخلوق و یمیزه بوهمه بأدق معانیه مخلوق مثله مردود إلیه، فالکل متحیر فی معرفة کنه الباری تعالی و تقدس و إنما یعرف تعالی شأنه بالوجه و الآثار، و تختلف معرفة طبقات الناس فی هذه المرحلة بمراتب شتی و أما الیقین فهو متعلق بوجود الباری تعالی شأنه و وجود القیامة و الحساب و الجنة و النار و عالم البرزخ و کیفیاته و هکذا مما غاب عن الأبصار و استتر عن الأنظار، و الوصول إلی أعلی مرتبة الیقین بحیث لا یتصور مرتبة فوقها لا ینافی مع عدم معرفة الذات حق المعرفة، فلا منافاة بین الروایتین بوجه، و توهم المنافاة إنما نشأ من عدم التدبر فی معنی المعرفة و الیقین.
هذا، و قد اقتضی منی بعض الإخوان الکشف عما روی فی مصباح الشریعة عن مولانا الصادق علیه السلام من أنه قال:"
العبودیة جوهرة کنهها الربوبیة فما فقد من العبودیة وجد فی الربوبیة و ما خفی من الربوبیة أصیب فی العبودیة
". فأقول: حمل الجوهرة علی العبودیة علی وجه الاستعارة إن قلنا بأن الجوهر یختص لغة بالعین و لا یعم الأعیان و الأعراض، ضرورة أن العبودیة من الأعراض لا الجواهر، و التعبیر بالکنه حینئذ أیضا علی وجه الاستعارة، إذ کنه الشی‌ء حقیقة عبارة عن الحقیقة و الذات التی لا تکون إلا فی الجواهر.
و کیف کان لما کانت العبودیة تنتهی إلی درجة تحصل معها حکم الربوبیة کما فی الحدیث القدسی
" عبدی أطعنی حتی أجعلک مثلی، إذا قلت للشی‌ء کن فیکون"
جعلت الربوبیة کنهها فکما أن الشی‌ء ینتهی فی مقام التحدید إلی حقیقته و کنهه لیس وراء الحقیقة شی‌ء ظاهر فکذلک العبودیة ترتقی و تنتهی فی مرحلة الکمال إلی الربوبیة فما فقد من الکمال فی أوائل العبودیة أصیب فی الربوبیة التی هی منتهی درجة العبودیة و ما خفی عن الربوبیة من کمال التذلل و التخضع أصیب فی العبودیة.
هذا ما ظهر لی فی معنی الروایة علی فرض صحة سندها.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 395‌

(فائدة 55) [فی أن القضیة مشتملة علی عقدین: عقد الوضع و عقد الحمل]

اعلم أن القضیة مشتملة علی عقدین: عقد الوضع و هو اتصاف ذات الموضوع بوصفه، و عقد الحمل و هو اتصافها بوصف المحمول، و قد اتفق أهل المنطق علی أن العقد الثانی الصالح لجهات متعددة فقد یکون الاتصاف بوصف المحمول بالإمکان عاما أو خاصا، و قد یکون بالضرورة و قد یکون بالدوام و هکذا.
و اختلفت کلماتهم فی العقد الأول، فنسب إلی أبی نصر الفارابی أنه بالإمکان و إلی الشیخ الرئیس أنه بالفعل، فمن اختار الثانی حکم لأنه لا عکس للممکنتین قالوا إذ لا یلزم من صدق الأصل صدق العکس مثلا إذا فرض أن مرکوب زید بالفعل منحصر فی الفرس صدق کل حمار مرکوب زید بالإمکان و لم یصدق عکسه، و هو أن بعض مرکوب زید بالفعل حمار بالإمکان و من اختار الأول حکم بثبوت العکس لهما إذ یصدق حینئذ بعض مرکوب زید بالإمکان حمار بالإمکان.
أقول: التحقیق أنه لا وجه للتفصیل بین العقد لأنه إن أرید أنه یجب أن یکون اتصاف الموضوع بوصفه أن یکون بالفعل و لا یجوز أن یکون بالإمکان فهو خلاف الضرورة، إذ کما یجوز تقیید الاتصاف بالمحمول تارة بالإمکان، و تارة بالفعل و هکذا یجوز تقیید الاتصاف بوصف الموضوع تارة بالإمکان.
فیقال: کل کاتب بالإمکان متحرک الأصابع بالإمکان، و تارة بالفعل فیقال کل کاتب بالفعل متحرک الأصابع بالفعل، و إن أرید أن الظاهر من القضیة عند إطلاقها
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 396
هو اتصاف ذات الموضوع بوصفه بالفعل فهو صحیح، و لکنه لا یوجب التفکیک بین العقدین لأن عقد المحمول عند الإطلاق و عدم التقیید أیضا ظاهر فی أنه بالفعل.
فما ذکره التفتازانی فی تهذیبه من أنه لا عکس للممکنتین فاسد جدا، لأنه إن أرید أن المحمول إذا جعل موضوعا فی عکس القضیة یجب أن یکون اتصاف ذات الموضوع به بالفعل و إن کان اتصافها فی الأصل بالإمکان، فهو خلاف الضرورة کما عرفت.
و إن أرید أن اتصاف الموضوع بوصفه ظاهر فی أنه بالفعل عند الإطلاق فهو لا ینتج ما حکم به من عدم ثبوت العکس لهما حینئذ، إذ القضیة لیست مطلقة حینئذ إذ المفروض تقیید القضیة بالإمکان.
فیجب أن یجعل المحمول المقید بقید الإمکان موضوعا فی العکس.
فما ذکره بعض المحشین من أنه لما اختار مذهب الشیخ، لأنه المتبادر فی العرف و اللغة حکم بأنه لا عکس للممکنتین علیل جدا إذ لا ینافی التبادر مع التقیید بخلافه کما هو المفروض
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 397‌

(فائدة 56) [فی أجزاء القضیة التامة]

اعلم أن القضیة تشتمل علی أجزاء ثلاثة: النسبة التامة و طرفاها و هما الموضوع و المحمول، و تنقسم إلی أقسام ثلاثة: لفظیة، و معقولة و واقعیة أی النفس الأمریة، و ینقسم کل منها إلی موجبه و سالبة و لا بد من وجود الموضوع فیهما فی اللفظیة و المعقولة إذ کما لا تتحقق الموجبة اللفظیة أو المعقولة إلا بعد تحقق وجود موضوعها فی عالم اللفظ أو الذهن فکذلک السالبة اللفظیة أو المعقولة لا تحقق إلا بعد وجود موضوعها کذلک، فالسالبة عن الموجبة فی القضیة النفس الأمریة، إذ تعتبر فی سالبتها وجود موضوعها إذ کما تصدق السالبة بانتفاء المحمول کذلک تصدق بانتفاء الموضوع، و أما الموجبة منها فلا بد من وجود الموضوع فیها، لأن الحکم فیها بثبوت شی‌ء لشی‌ء و ثبوت شی‌ء لشی‌ء فرع ثبوت المثبت له.
ثم إن ملاک الموجبة عند أهل النظر کون النسبة إیجابیة فی القضیة اللفظیة و لو لم یکن ثبوت فی نفس الأمر، إما لأجل امتناع وجود موضوعه فی الخارج کاجتماع الضدین محال، و شریک الباری ممتنع، و إما لأجل عدم وجوده فی الخارج اتفاقا.
و إما لأجل کون محمولها أمرا عدمیا فالتجأوا إلی جعل الوجود المعتبر فیها أعم من الوجود الخارجی و الذهنی و الخارجی أعم من التحقیقی و التقدیری، فإن
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 398
کان الموضوع فیها من الممتنعات أخذوا الوجود المعتبر فیه ذهنیا.
و إن کان ممکنا و لم یوجد أخذوا وجوده تقدیریا، و إن کان الحکم فیها علی الأفراد المحققة فی الخارج أخذوا وجوده تحقیقا.
قال التفتازانی فی تهذیبه:" و لا بد فی الموجبة من وجود الموضوع إما محققا و هی الخارجیة، أو مقدرا فالحقیقة، أو ذهنا فالذهنیة" قال بعض شراح کلامه:" القضایا الموجبة لها ثلاثة أقسام، لأن الحکم فیها إما علی الموضوع الموجود فی الخارج محققا نحو کل إنسان حیوان بمعنی أن کل إنسان موجود فی الخارج حیوان فی الخارج.
و أما علی الموضوع الموجود فی الخارج مقدرا نحو کل إنسان حیوان بمعنی أن کل ما لو وجد فی الخارج کان إنسانا فهو علی تقدیر وجوده فی الخارج حیوان و هذا الموجود المقدر إنما اعتبروه فی الأفراد الممکنة لا الممتنعة، و أما علی الموضوع الموجود فی الذهن کقولنا شریک الباری ممتنع بمعنی أن کل ما یوجد فی العقل و یفرضه العقل شریک الباری فهو موصوف فی الذهن بالامتناع فی الخارج و هذا إنما اعتبروه فی الموضوعات التی لیست لها أفراد ممکنة التحقق فی الخارج" انتهی.
أقول: إیجاب القضیة فی عالم اللفظ لا یکون تابعا لإیجاب القضیة النفس الأمریة و کاشفا عنه حتی نلتزم بأنه لا بد من وجود الموضوع فی القضایا اللفظیة الموجبة، و نحکم بعموم الوجود للذهنی و الخارجی للتحقیقی و التقدیری، فإن القضایا الموجبة فی عالم اللفظ علی أقسام ثلاثة: الأول: ما تکون سالبة فی نفس الأمر و هی القضایا التی حکم فیها بامتناع وجود موضوعاتها فی الخارج، فإن مرجع الحکم باستحالة اجتماع الضدین و النقیضین و امتناع شریک الباری و نظائرها إلی أن موضوع هذه القضایا لا یقبل الوجود، فهذا القسم من القضایا الحقیقیة سالبة و إن کانت فی الصورة موجبة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 399
و هکذا الأمر إذا کان المحمول فی القضیة اللفظیة عدما کقولک الإنصاف معدوم فی هذا الزمان، أو عدمیا کقولک زید لا بصیر، فإن القضیة اللفظیة و إن کانت موجبة فی الصورتین إلا أن القضیة النفس الأمریة المحکیة بهما سالبة، فإن مضمون القضیتین عدم الإنصاف فی هذا الزمان و عدم البصر لزید.
و لا یختلف مضمونهما باختلاف التعبیر إیجابا و سلبا، ضرورة أنه لا تختلف القضیة النفس الأمریة سلبا و إیجابا باختلاف قولک لیس الإنصاف بموجود فی هذا الزمان، و قولک الإنصاف معدوم فی هذا الزمان، و قولک لیس زید بصیرا و قولک زید لا بصیر، و ما ذکره السبزواری فی منظومته من أن سالبة المحمول موجبة یلزمها وجود الموضوع إذ ربط سلب لیس سلب ربط فاسد جدا، لأن ربط سلب إنما یوجب إیجاب القضیة اللفظیة لا النفس الأمریة فلا یلزمها وجود الموضوع.
ثم إن ما یظهر من کلامه من أن القضیة السالبة هی التی سلب الربط فیها فی غیر محله، فإن سلب الربط إنما هو فی الأسماء المعدودة و القضیة السالبة مشتملة علی الربط السلبی، فإن الربط علی نحوین إیجابی و سلبی، و السلب و الإیجاب إنما یتعلقان بالمحمول لا بالربط.
و الثانی: ما لا تکون قضیة فی نفس الأمر حتی تکون موجبة أو سالبة، و هی القضیة المشتملة علی حد الشی‌ء فإنها و إن کانت فی الصورة قضیة تامة مشتملة علی الموضوع و المحمول و النسبة التامة إلا أنها لا تکون قضیة فی الحقیقة فإن الحد عبارة عن حقیقة الشی‌ء و کنهه، و لا تکون أمرا زائدا علیه حتی یکون موضوعا، و الحد محمولا علیه فلا وجه لاعتبار الوجود فی المحدود الذی هو صورة موضوع فی القضیة اللفظیة، بل و هکذا الأمر فی حمل الجنس أو الفصل علی النوع، بل علی أفراده و مصادیقه نحو قولک الإنسان حیوان أو ناطق، و کل إنسان حیوان أو ناطق، لأن الجنس و الفصل لا یکونان أمرین زائدین علی النوع أو مصادیقه، بل هما داخلان
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 400
فی حقیقته فلا یحملان علیه أو علی مصادیقه و أفراده.
و الثالث: ما تکون موجبة فی نفس الأمر و هی علی قسمین: الأول: ما یکون ثبوت المحمول للموضوع فیه ربطیا غیر أصیل نحو قولک: الأربعة زوج، و الإنسان کلی، و بحر من الزیبق بارد بالطبع، و هکذا من القضایا التی لا یتوقف صدقها علی وجود موضوعاتها فی الخارج، فإن ثبوت المحمولات للموضوعات فی أمثال هذه القضایا ثبوت ربطی غیر أصیل، و الثبوت الربطی لا یقتضی ثبوت طرفیه لا ذهنا و لا خارجا، ضرورة أن الثبوت الربطی فی أمثال هذه القضایا کثبوت إحدی النسب الأربع بین کل کلیین ذاتی للمفهومین، فلا یتوقف علی وجودهما و إلا لزم خلف الفرض.
و الثانی: ما یکون ثبوت المحمول للموضوع أصیلا نحو قولک جاء زید و قام عمرو و قتل من فی العسکر و انهدمت دور البلد و هکذا، و هذا القسم من القضایا الموجبة لا بد فیها من وجود الموضوع فی الخارج، لأن ثبوت شی‌ء لشی‌ء فرع ثبوت المثبت له، فالقضیة الفرعیة تختص بهذا القسم من الموجبة و لا تجری فی غیر هذا القسم من الموجبات.
و بما بیناه تبین لک أن ما اشتهر بین أرباب النظر و الحکمة من القول بالوجود الذهنی للأشیاء، و الاستدلال علیه بأنا نحکم حکما إیجابیا علی ما لا وجود له فی الخارج کقولنا بحر من زیبق بارد بالطبع، و اجتماع النقیضین مغایر لاجتماع الضدین، و ثبوت شی‌ء للشی‌ء فرع ثبوت المثبت له، و إذ لیس المثبت له هنا فی الخارج ففی الذهن فی غایة السخافة، لما عرفت من أن المحمولات فی أمثال هذه القضایا إما راجعة إلی سلب الوجود عن الموضوعات و إما عوارض للماهیات و صفات و حالات لها، و ثبوت صفات الماهیات لها لیس ثبوتا أصیلا بل ثبوتا ربطیا، و لیس الثبوت الربطی فرعا لثبوت المثبت له، ضرورة أن کل مفهوم له نسبة إلی مفهوم آخر مع قطع النظر عن وجودهما فی
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 401
الخارج أو الذهن، لو توقفت ثبوت صفات الماهیات لها علی تصورها فی الذهن کما زعموه لزم أن تکون الماهیات عاریة عن صفاتها و حالاتها ما لم یتصورها متصور أ تری أن الأربعة لا تکون زوجا، و اجتماع النقیضین لیس مغایرا لاجتماع الضدین و الحجر لیس مباینا للإنسان قبل تصورها فی الذهن، و حدثت هذه الصفات فیها بعد تصورها کلا ثم کلا.
و بالجملة سخافة ما توهموه مما لا ینبغی أن یختفی علی من له أدنی دربة.
و إذا تبین لک فساد ما توهموه من توقف ثبوت عوارض الماهیات علی وجودها تبین لک أن تقسیم العرض إلی عرض الماهیة و عرض الوجود علی سبیل الحقیقة، و لما خفی الأمر علی أکثرهم و لم یهتدوا إلی ما حققناه فسروا عرض الماهیة بعرض الوجود أعم من الذهنی و الخارجی و عرض الوجود بعرض خصوص الوجود الخارجی أو الذهنی، و مثلوا للأول بزوجیة الأربعة، و للثانی بإحراق النار، و للثالث بکلیة المفاهیم الکلیة، فجعلوا الأقسام ثلاثة و هو باطل جدا.
نعم عرض الماهیة علی قسمین: ما لا ینافیه الوجود فی الخارج کزوجیة الأربعة فإنها متصفة بالزوجیة وجدت فی الخارج أم لم توجد و ما ینافیه الوجود فی الخارج کالکلیة العارضة علی الماهیات فإنها منافیة مع وجودها فی الخارج، فإنها بعد وجودها فی الخارج تصیر جزئیة.
و قد تبین بما بیناه أیضا فساد تقسیم القضایا الموجبة باعتبار موضوعها إلی أقسام ثلاثة: ما یعتبر وجود موضوعها ذهنا، و ما یعتبر وجود موضوعها مقدرا و ما یعتبر وجود موضوعها محققا، فإن القسمین الأولین مما لا یعتبر وجود موضوعهما لأن المحمول فیهما من عوارض الماهیة.
الفوائد العلیة - القواعد الکلیة، ج‌2، ص: 402‌

(فائدة 57) [فی حک