بطاقة تعريف:الداوري، مسلم، 1318 -
عنوان العقد:وسائل الشیعة. شرح
عنوان المؤلف واسمه:ايضاح الدلائل في شرح الوسائل/ تقریرا لبحث سماحه مسلم الداوري (دام ظله)؛ بقلم السیدعباس الحسیني، محمدحسین البنای؛ تحقیق مؤسسة الإمام الرضا (علیه السلام) للبحث والتحقیق.
تفاصيل النشر:قم: دار زین العابدین، 1396 -
مواصفات المظهر: ج.
شابک:دوره 978-600-98461-4-6 : ؛ 500000 ریال: ج 1 978-600-98461-5-3 : ؛ 500000 ریال: ج 2 978-600-98461-6-0 : ؛ 400000 ریال: ج 3 978-600-98518-8-1 : ؛ 400000 ریال: ج 4 978-600-98518-9-8 : ؛ ج.5 978-622-7925-72-2 :
حالة الاستماع:فاپا
ملحوظة:أما المجلدان الرابع والخامس من هذا الكتاب فقد كتبهما محمد عيسى البناي.
ملحوظة:ج. 2 - 4 (چاپ اول: 1396).
ملحوظة:ج.5 (چاپ اول: 1401) (فیپا) .
ملحوظة:هذا الكتاب هو وصف الكتاب "وسائل الشیعه الی تحصیل مسائل الشریعة" اثر حرعاملی است.
ملحوظة:کتابنامه.
موضوع:حرعاملی، محمدبن حسن، 1033-1104ق . وسائل الشیعة -- نقد و تفسیر.
موضوع:احادیث شیعه -- قرن 11ق.
Hadith (Shiites) -- Texts -- 17th century
فقه جعفری -- قرن 11ق.
*Islamic law, Ja'fari -- 17th century
احادیث احکام
*Hadiths, Legal
معرف المضافة:حسینی، سیدعباس، 1329 -
معرف المضافة:بنای، محمدعیسی
معرف المضافة:حرعاملی، محمدبن حسن، 1033-1104ق . وسائل الشیعة. شرح
معرف المضافة:موسسه تحقیقاتی امام رضا (علیه السلام)
تصنيف الكونجرس:BP135/ح4و50214 1396
تصنيف ديوي:297/212
رقم الببليوغرافيا الوطنية:4980037
محرر رقمي:محمد منصوری
اطلاعات رکورد کتابشناسی:فاپا
العنوان: ايضاح الدلائل في شرح الوسائل الجزء الثاني
تحقيق: مؤسسة الإمام الرضا (علیه السلام) للبحث والتحقيق
الإخراج الفني: كمال زين العابدين
عدد الصفحات: 496 صفحة
ص: 1
ص: 2
الصورة
ص: 3
ایضاح الدلایل فی شرح الوسایل
ص: 4
الصورة
ص: 5
ص: 6
الصورة
ص: 7
ص: 8
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم؛ ليكون صالحاً بحسب خلقته لنيل رفيع الدرجات، وحيازة عالي المقامات وأتمّ الكمالات، والوصول إلى مرتبة من القرب والرضوان الإلهيين اللذين لا يصل إليهما حتى الملائكة المقرّبون، وهذا يتوقّف على أمور:
الأوّل: أن يكون الإنسان مختاراً حتى يكون مترقّياً في الكمالات بإرادته وسعيه؛ فإنّه لو لم يكن مختاراً لما أمكن أن يتدرّج في مدارج الكمال، ولما تغيّرت درجته، كما هو الحال في الملائكة؛ فإنّهم على مراتب ثابتة، كما أنّ الحيوانات لما لم يكن عندها اختيار فهي باقية على مرتبتها لا تتغيّر.
الثاني: أن تكون فيه الغرائز المتضادة، كالشجاعة والجبن، والسخاء والبخل، والعفّة والشره، والجور والعدالة، وغيرها مما يتعلّق بالقوى الأربع المودعة في الإنسان، وهي: القوة العاقلة والقوة الغضبيّة والقوة الشهويّة والقوة الواهمة، فإذا أمكنه السيطرة على الصفات الرذيلة بواسطة غلبة القوة العاقلة على القوى الأخرى كان كاملاً وواصلاً إلى الخير والسعادة.
الثالث: أن يكون له هادٍ ومرشد يهديه ويرشده إلى ما يوجب الكمال وتعديل الغرائز وكيفيّة السيطرة عليها، وغير ذلك مما يوافق القوة العاقلة وما أودعه الله في فطرته.
ص: 9
وهذه الأمور الثلاثة قد منحها الله تبارك وتعالى للإنسان بمقتضى حكمته ولطفه ورأفته.
أمّا الأمران الأوّل والثاني فوجودهما ثابت بالوجدان، قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}((1)).
وأمّا الثالث فقد تكفّل سبحانه وتعالى بإرسال الرسل ونصب الأوصياء وإنزال الكتب من عنده، فيها الهدى والنور وجميع ما يحتاجه الإنسان من الأحكام الإلهيّة لبلوغ الغرض الأقصى من خلقته، فالهدف من تشريع الأحكام الإلهيّة المنظمة لأمور معاش الناس ومعادهم هو تحقيق الكمال والسعادة لهم، وحفظهم من الوقوع في الشقاء والضلال والضياع، وذلك كلّه بمقتضى رحمة الله سبحانه بعباده ورأفته تعالى بهم، فلم يُرد بهم سبحانه إلّا الخير والصلاح والسعادة في الدارين، كما قال جلّت عظمته: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}((2))، فجميع تلكم التشريعات ترجع إلى صلاح العباد فيما أحلَّ، وإلى فسادهم فيما حرّم، وقد بيّنت النصوص المعصوميّة هذا المعنى بنحو واضح وجلي، مثل ما روي عن الإمام الرضا (علیه السلام) من قوله :«إنّا وجدنا كلّما أحلّ الله تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها، ووجدنا المحرّم من الأشياء
ص: 10
لا حاجة بالعباد إليه، ووجدناه مفسداً داعياً الفناء والهلاك»((1)) .
وهذه التشريعات تمسّ جميع الجوانب المرتبطة بالبشر، فتشمل أمور المعاش وكلّ ما يرتبط بالفرد أو المجتمع ويحقّق الكمال والسلامة والسعادة لهم، كما تشمل سائر أمور المعاد وما يؤدّي إلى تكاملهم في إنسانيتهم وقربهم من الله سبحانه وتعالى، والفوز بالدرجات العالية عنده، ومن ثمّ الحصول على غاية الغايات وهي رضوان الله تعالى الذي هو أكبر نعمة يفيضها الباري على عباده.
والمطّلع على النصوص الشرعيّة يدرك جيداً أمرين واضحين:
الأوّل: أنّ المشرّع الأقدس لم يغفل شيئاً يصب في الغرض من خلقة الإنسان، فكلّ ما يؤدّي إلى تكامله إلّا وبينّه وأوضحه، فمن عباداته ومناجاته لخالقه ومعاملاته مع غيره بشتى أصنافها إلى أكله وشربه وقيامه وجلوسه ومشيه وكلامه وصولاً إلى اختيار مواصفات مسكنه وملبسه وكيفيّة تصرّفه فيهما، بل طالت يد التشريع خلجاته النفسيّة فحرّمت بعضها أو كرهته، وأحلّت بعضها الآخر أو ندبت إليه.
الثاني: أنّ المشرّع الأقدس لم يشرّع ما يضرّ بالإنسان في أيّ جانب من جوانب حياته، فلم يشرّع ما يضرّ بصحته البدنيّة ولا النفسيّة، ولا قنّن ما يهزّ مكانته الاجتماعيّة أو يوجب نقصه عند الناس.
ص: 11
ومن جملة التشريعات التي تدخل تحت هذين الأمرين هي الطهارة بمفهومها الواسع؛ حيث ورد الاهتمام البليغ بها بعنوانها الواسع الذي يشمل النظافة من النجاسات والأقذار في البدن واللباس ومحيط الإنسان الذي يعيش فيه، كما يعمّ الطهارة الاصطلاحيّة، أي الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم، بل توسّع فيه ليشمل الطهارة عن رذائل الأخلاق، بل الأفكار والاعتقادات، ولم يكن في هذا التشريع ما يضرّ بالإنسان بدنيّاً أو نفسيّاً، وليس فيه ما ينافي مكانته الاجتماعيّة.
وهذه المصاديق لمفهوم الطهارة لها الأثر البالغ في تكامل العبد وبلوغه المراتب العالية من الكمالات التي لا يمكن له بلوغها إلّا بها.
وتشريع الطهارة بعنوانها الواسع وإن لم يكن على نحو الإلزام في بعض الموارد، كما في موارد التأكيد على النظافة في موارد خاصّة، أو التأكيد على النظافة بصورة عامّة، لكنّه جعلها - أحياناً - من العبادات المقرّبة له تعالى، ويستحقّ فاعلها الثواب، بالإضافة إلى الإلزام في موارد أخرى، حيث جعل الوضوء والغسل والتيمم في أحيان كثيرة من الواجبات التي لا تتمّ العبادة إلّا بها.
ليس من البعيد القول بأنّ النظافة سنّة الطبيعة ولا تختصّ بالإنسان وحده؛ إذ من الواضح جداً أنّ الحيوانات والطيور تلجأ إلى تنظيف أنفسها عمّا يعلق بها من تراب أو غبار أو حشرات أو غير ذلك، بل إنّ الحشرات
ص: 12
كذلك، ولا نجانب الصواب إن قلنا: إنّ الأرض والشمس والبحار والأنهار والأمطار والهواء تشترك في تنظيف الطبيعة وتحوّل الفضلات إلى مواد أخرى غير ضارة كالمعادن الأوليّة، ولولا ذلك لبقيت فضلات الإنسان والحيوان والطيور والحشرات والأشجار على وجه الأرض وتراكمت ولم يمكن العيش فيها، فلو فرضنا أنّ ميتة الحيوانات باقية لا تتحلّل لما أمكن العيش على الأرض؛ حيث إنّها تكون مصدراً للروائح الكريهة والميكروبات المسبِّبة للعديد من الأمراض، ولتشكّلت على الأرض قطعة من الفضلات، وتلوّث الهواء بالرائحة الكريهة المُسَبَّبةِ عن الميكروبات الضارة، إلّا أنّ الحاصل أنّ الأرض بتربتها والشمس بإشراقها والهواء بهبوبه يشتركون في تحليل الميتة إلى أجزاء صغيرة أوّلاً، ومن ثمّ إلى معادن تقبلها الأرض، ولا يكون لها أثر في تلويث الطبيعة، بل الأمر على العكس تماماً؛ إذ بعد تحوّل الميتة إلى معادن تصبح ذات فائدة كبيرة في تغذية النبات وقتل الميكروبات الضارة وغير ذلك من الفوائد، وكذا الكلام في غيرها من الفضلات.
والإنسان ليس بأقل من غيره من الموجودات، فهو يميل بطبيعته إلىتنظيف نفسه وإزالة ما يعلق به من غبار وأتربة وغيرها ممّا ترغب عنه النفس الإنسانيّة وتعافه.
وقد أدرك منذ القِدم - بمقتضى فطرته - النظافة والرغبة فيها، ولا يقتصر الأمر على النظافة، بل الطهارة والنزاهة عنده كذلك؛ لأنّ النظافة متّحدة المعنى مع الطهارة والنزاهة، وإن كانت من حيث المفهوم متعدّدة، ويقابلها
ص: 13
النجاسة والقذارة وشبههما، وهي كمقابلاتها متّحدة المعنى مع تعدّد المفهوم.
وإلقاء نظرة سريعة على تاريخ الحضارات قديماً وحديثاً يعطي: أنّ هذه المفاهيم من الأمور الشائعة المتعارفة المعهودة في جميع الأزمان، وقرّرتها كل الأديان؛ لأنّها ممّا تقتضيه الفطرة الصافية، حيث إنّها تقتضي الرغبة في الشيء الذي فيه صفة توجب مرغوبيّته عند الإنسان طلباً للفائدة المرجوّة منه، فكونه على حالته الأولى - لم يطرأ عليه ما يوجب كراهته واستقذاره من تغيّر في الصفات - هو الطهارة ، كما أنّها تقتضي كراهة الإنسان لذلك الشيء نفسه بالطبع إذا تغيّر عن طبعه الأوّلي بحيث ينفر الطبع منها وتشمئز النفس من تناولها أو التعامل معها في أغراضها، وأهم تلك التغيّرات التي تطرأ على الأشياء التي يستعملها الإنسان لأموره المعيشيّة وتخرجها عن طبعها الأوّلي هي: الطعم واللون والرائحة، وكون الشيء فيه صفة توجب كراهته واستقذاره هو النجاسة.
نعم، يوجد الاختلاف بين بني البشر في عدّ بعض المصاديق طاهرة أوقذرة، فقد يكون شيء طاهراً عند قوم، قذراً عند آخرين، لكن هذا لا يعني أنّ أصل الطهارة والقذارة غير معهود عند كل العقلاء.
نعم، من انحرفت فطرته حاد عن هذا الأمر الفطري، ولم يلتزم به، شأنه شأن جميع الانحرافات التي تطرأ على الفطرة، فينتج عنها ما يأباه الذوق، وتنفر عنه النفس السليمة، بل قد يتعدّى هذا الانحراف إلى جعله ديناً يتديّن به، كما عن بعض الرهبان في العصور الوسطى، فقد «كانوا يعدّون طهارة
ص: 14
الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثّمون عن غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس. يقول الراهب اتهينس: إنّ الراهب أنتوني لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره، وكان الراهب أبراهام لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة، وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمن متلهّفاً: واأسفاه! لقد كنّا في زمن نعدّ غسل الوجه حراماً فإذا بنا الآن ندخل الحمّامات»((1)).
«وكان في أحد الأديرة النسائيّة 130 راهبة لم تستحم واحدة منهنّ قط أو تغسل قدميها»((2)).
وهذا في الزمن الذي كان المسلمون يرفلون في أثواب الطهارة التي نسجها الإسلام وخلعها عليهم، فكانوا سبّاقين إلى كلّ ما هو شريف جميلموافق للفطرة، فنجد مثلاً أنّه قد انتشرت الحمّامات العامّة في جميع الأقطار الإسلامية، في الوقت الذي كانت أوروبا بالحال الذي مرّ وصفه، بل إنّ معرفتهم بالحمّامات العامّة فيما بعد كان ببركة المسلمين؛ فإنّهم هم الذين عرّفوهم بها. قال ديورانت: «وكان من نتائج الحروب الصليبيّة إدخال حمّامات البخار العامّة من بلاد الإسلام إلى أوربا، وكانت الكنيسة تعارض وجود الحمّامات العامّة بحجّة أنّها تفسد الأخلاق»((3)).
ص: 15
هذا كلّه في الطهارة والقذارة في الأمور الحسيّة. ثمّ إنّ الإنسان عمّم هذين المعنيين لغير المحسوسات بجامع وجود الرغبة أو النفرة في كلٍّ، فأجراها في الأقوال والأفعال الاختياريّة والأفكار والأخلاق والاعتقادات، وقسّمها إلى طاهرة وقذرة.
والشارع المقدّس لم يؤسّس أصل الطهارة والنجاسة في المحسوسات؛ لكونهما من الأمور الفطريّة، بل جاء عنه ما يصلح لتقرير هذا الأصل؛ من حثٍّ بليغ على رعاية الطهارة والنظافة ومطلوبيّتها عنده، ومن تنفير شديد عن مقابلها وهي النجاسة والقذارة، وهذا ما يعطيه تصفّح النصوص الشرعيّة، فقد ورد تكرار الطّهارة من الحكيم سبحانه وتعالى في مناسبات عدّة في القرآن الكريم والسنة المعصوميّة للتأكيد على قيمتها وأهميّتها، كما ورد التنفير فيهما من مقابلها.وهذه النصوص الكثيرة جداً تقرر الأصل المذكور. نعم، كشف الشارع - لعلمه بما ينفع العباد في الدارين - عن طهارة أشياء وعن نجاسة أخرى لم يتنبّه لها الناس وخفيت عنهم، بل لا يمكن أن يصلوا إلى العلم بها إلّا عن طريقه.
كما أنّه اهتمّ غاية الاهتمام بالطهارة في غير المحسوسات، واستعمل لفظ الطهارة في المعقول، كما استعمل ما يقرب منها معنى، فاستعمل لفظ النزاهة مريداً به الطهارة من باب الاستعارة في المعقولات كما استعملها في المحسوسات، وكذا الكلام في كلمة القذارة، فإنّ أصل معنى النزاهة
ص: 16
والقذارة هو البعد واستعيرتا للطهارة والنجاسة ((1)).
ومما تقدم يظهر: أنّ الطهارة لا تختص بالطهارة الحسّية، فتشمل المعنويّة أيضاً، وعلى هذا يراد بها الطهارة عن الحدث والخبث، ويراد بها الطهارة عن النيّات الفاسدة، والصفات الذميمة، والاعتقادات المنحرفة.
ذكر علماء الأخلاق أربع مراتب للطهارة، وهي:
المرتبة الأولى: تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات.المرتبة الثانية: تطهير الجوارح من الجرائم والآثام والتبعات.
المرتبة الثالثة: تطهير القلب من مساوئ الأخلاق ورذائلها.
المرتبة الرابعة: تطهير السرّ عمّا سوى الله تعالى، وهي تطهير الأنبياء والصدّيقين.
وهذه المراتب مترتب بعضها على بعض، ولا تحصل المرتبة إلّا بتحقّق سابقتها، «فلا يصل إلى طهارة السرّ ممّا سوى الله، وعمارته بمعرفة الله، وانكشاف جلاله وعظمته، ما لم يفرغ عن طهارة القلب عن الأخلاق المذمومة، وتحليته بالملكات المحمودة.
ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المعاصي
ص: 17
وعمارتها بالطاعات.
ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن إزالة الخبث والحدث عن الظاهر، وعمارته بالنظافة والنزاهة» ((1)).
التكاليف الشرعيّة كلّها ناشئة عن دواعٍ - من مصالح ومفاسد - أدّت إلى تشريعها بعثاً أو زجراً - من قبل المشرّع الأقدس المنزّه عن العبث واللغو، وهذه المصالح والمفاسد تثبت للجعل والتكليف نفسه تارة، وللمكلّف بهأخرى، ويطلق على تلك الدواعي ثلاثة إطلاقات، وهي:
1- علل الأحكام: وهي ما يبعث الشارع على جعل الحكم.
2 - مناطات الأحكام: وهي ما تناط الأحكام الشرعيّة بها وترتبط بها وتعلّق عليها.
3 - ملاكات الأحكام: وهي الدواعي والعلل الثبوتيّة للأحكام.
وهذه الإطلاقات قريبة من بعضها، بل يظهر من بعضهم أنّها مترادفة ((2)).
وفي القبال يوجد مصطلح الحكمة، ويعنون به: «المصلحة المقصودة للشارع من تشريع الحكم»((3)).
ص: 18
ولما كان تعريفها يقارب تعريف العلّة والمناط عمدوا على التفريق بينهما بأنّ علّة الحكم يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، شأنها شأن العلل التكوينيّة، بخلاف الحكمة فإنّ الحكم لا يدور مدارها وجوداً وعدماً، فهي دلالة وعلامة على الحكم وإرشاد إليه، فقد يوجد الحكم مع تخلّف الحكمة، كما في الحكم بلزوم العدّة للمطلّقة؛ فإنّ الحكمة منه استعلام براءة الرحم، لكن من طلّقها زوجها الغائب عنها سنة مثلاً، أو الحاضر ولم يكن قد جامعها مدّة بحيث لو كانت حاملاً لظهر حملها، فإنّه يجب عليها التربّص مدّة العدّة مع العلم بعدم حملها منه، وكذا لو علمت عدم الحملبالوسائل الحديثة في زماننا، وهذا يكشف عن أنّ استعلام حال المطلّقة من حيث الحمل حكمة لتشريع العدّة، لا أنّه علّة.
وقد وردت الكثير من التشريعات مقرونة بذكر العلل والحِكَم في القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وخير مثال لهذه العلل هو ما جمعه شيخ المحدّثين الصدوق(قدس سره) في كتابه «علل الشرائع»، حيث أورد فيه علل وحِكم كثير من التشريعات، وغيرها من الأمور.
كما أورد بعضها الشيخ الحر العاملي في هذا الكتاب.
لكن الكلام فيما يمكن الاعتماد عليه من تلك العلل لتسرية الحكم لغير ما ذكر في الحكم المعلّل، بعد أن كان العقل البشري لوحده محدود الإدراك للمصالح والمفاسد، فإنّ إدراكه يقتصر على «الأحكام الكلّية الشرعيّة الفرعيّة بتوسط نظريّة التحسين والتقبيح العقليين، ولكن على سبيل
ص: 19
الموجبة الجزئيّة»((1))، وأمّا جزئيات تلك الأحكام وبعض مجالات تطبيقها فليست له قابليّة إدراكها؛ لعجزه عن إدراك الجزئيات، ولتحكّم بعض القوى الأخرى كالحواس والغرائز وغيرهما، ولتأثيرها في مجالات تطبيق بعض المدركات العقليّة، حيث إنّها عرضة لكثير من الأخطاء.
نعم، يدرك العقل من الأحكام الكلّية ما كان ملاكه مبتنياً على الذاتي من معاني الحسن والقبح ، كما في حسن العدل وقبح الظلم، ومن هذاالإدراك يدرك حكم الشرع فيه إذا كان إدراكه على سبيل القطع، دون غيرها ممّا كان مبتنياً على ما فيه اقتضاء التأثير كالصدق والكذب، أو ليس فيه حتى الاقتضاء كأكثر المباحات الشرعيّة؛ فإنّ طريق إحراز عدم المانع في الأوّل أو إحراز عروض بعض العناوين الملزمة على الثاني مسدود غالباً، ومع عدم الإحراز لا يحصل القطع، فلا يمكن له الاعتماد على ما أدركه؛ لعدم حجّيته((2)).
ولذا تصدى العلماء لبيان ما يصلح للاعتماد عليه من تلكم الإدراكات، والمهم عندنا الآن ما ذكروه بخصوص ما نحن فيه، ونلخصه في أمرين:
الأمر الأوّل: القياس المقطوع العلّة، ويندرج فيه بعض القياسات الواضحة كقياس الأولويّة المسمى: مفهوم الموافقة، مثل قوله تعالى: {فَلَا
ص: 20
تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}((1))، فإنّه دالّ على حرمة الشتم والضرب بالأولويّة، وهو مخصوص بما إذا كان «للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علّة الحكم، فيكون حجّة من باب الظواهر، ومن أجل هذا عدّوه من المفاهيم وسموه (مفهوم الموافقة)، أمّا إذا لم يكن ذلك مفهوماً من فحوى الخطاب، فلا يسمى ذلك مفهوماً بالاصطلاح، ولا تكفيمجرد الأولويّة وحدها في تعدية الحكم؛ إذ يكون من القياس الباطل»((2)).
وكذا ما يقطع به لمناسبة الحكم والموضوع، كما في العفو عن ثوب المربية ذات الثوب الواحد، حيث تمسكوا للعفو عن النجاسة برواية أبي حفص عن أبي عبد الله (علیه السلام) : سئل عن امرأة ليس لها إلّا قميص واحد، ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال (علیه السلام) : «تغسل القميص في اليوم مرة»، ولم يفرّقوا في المربية بين الأم وغيرها متبرعة أو مستأجرة؛ لعدم خصوصيّة للأمومة في حكم نجاسة بول المولود، بل تعدى بعضهم إلى المربي؛ لأنّ العلّة - وهي الحرج - متحقّقة أيضاً فيه، كما لم يفرّقوا بين الصبي والأنثى؛ لشمول المولود الوارد في الرواية لهما، ولا بين المولود الواحد والمتعدّد، ولم يفرّقوا أيضاً بين الثوب الواحد والأثواب المتعدّدة إذا احتاجت إلى لبسها جميعاً((3)).
ص: 21
الأمر الثاني: القياس المنصوص العلّة، وهو ما نص على العلّة من الشرع في المقيس عليه مع انحصارها ووجودها في المقيس، أي: الفرع، ومثلوا له بالقول: «الخمر حرام لأنّه مسكر»؛ فإنّ التعليل بالإسكار يقضي بالتعدّي عنمورد الحكم إلى كل مسكر كالنبيذ مثلاً، وهذا مرتبط بما إذا فُهم من العلّة أنّها عامّة غير مختصّة بالمعلّل؛ فإنّه بهذا يكون الحكم - كالحرمة في المثال - شاملاً للفرع، لوجود العلّة فيه، ويكون المعلّل كالمثال للقاعدة العامّة((1)).
وقد اشترط المحقّق الحلي(قدس سره) في سريان الحكم وجود شاهد حال يدلّ على سقوط اعتبار الشرع ما عدا تلك العلّة في ثبوت الحكم((2)).
هذا إذا لم يحتف الكلام بما يصلح لصرف التعليل عن الظهور في العلّية، وإلّا لم يصح التعدي عن مورد الحكم، وأطلق على العلّة لفظ الحكمة.
والطهارة الشرعيّة لظاهر الإنسان مما بيّن الشارع الحكمة فيها، بعد أن جعلها من الشروط الأساسيّة للصلاة والطواف والصوم، ومن جملة ما يحقّق التدبر الصحيح في القرآن الكريم، ويقتضي استجابة الدعاء، فقد ورد عن الإمام الرضا (علیه السلام) : «إنّما أمر بالوضوء وبدئ به؛ لأن يكون العبد طاهراً
ص: 22
إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إيّاه، مطيعاً له فيما أمره، نقيّاً من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل، وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار»((1))، فالصلاة مناجاة للرب، وقربمنه تعالى يستدعي الطهارة عن النجاسة والحدث والأدناس والرذائل والاعتقادات الفاسدة ليكون المناجي على حالٍ يمكن معه القرب من قدس الله سبحانه، والعبد الملوّث بدنه ولباسه بالنجاسات، والمدنّسة نفسه بالأحداث، والمبتلى بالرجس ورذائل الأخلاق وفاسد الاعتقادات لا لياقة لديه للقيام بين يدي الجبار سبحانه، فإنّ الحضور عند جناب الحق تعالى يتمّ بواسطة الصلاة وتلاوة القرآن، والحضور في تلك الحضرة الطاهرة المقدّسة والقيام اللائق بين يدي الرب الجليل لا يمكن إلّا مع الطهارة، تلك الطهارة التي ينبغي أن تملأ وجود العبد ظاهراً وباطناً.
وهذه الطهارة الظاهريّة هي منشأ الطهارة الروحيّة الباطنيّة والسبيل إليها، فبحدوثها وتكرارها يحسّ الإنسان بتأثيرها في تنوير الروح، وصفاء النفس، وبها تكتسب جميع آثار العبادات المشروطة بها وأهمّها الصلاة، وبواسطتها تتشبّه هذه النفس البشريّة بالملائكة الروحانيين، وتكون لائقة ومستحقة لأن تتطلّع وتطّلع على ملكوت السماوات والأرضين، وتلك هي الغاية العظمى وما أعظمها من غاية، والمنزلة الكريمة وما أكرمها من منزلة.
كما أنّ بهذه الطهارة الظاهرية تحصل الطهارة من الذنوب التي اكتسبتها
ص: 23
الجوارح والتي كانت عقبة كبيرة تمنع عن القرب الإلهي، فينعكس ذلك على الروح فتصبح منيرة بنور الحقّ جلّ وعلا بعد أن كانت مظلمة بسبب تلبيسات الشيطان ومتابعته، وتصبح لائقة للتشرّف بالحضور إلى كمال القدس والطهارة والنزاهة بعد أن كانت غير لائقة بهذا الشرف، فقد وردعن الإمام أبي جعفر (علیه السلام) : «اعلم: أنّك إذا ضربت يدك في الماء وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، تناثرت الذنوب التي اكتسبتها يداك، فإذا غسلت وجهك تناثرت الذنوب التي اكتسبتها عيناك بنظرهما، وفوك بلفظه، فإذا غسلت ذراعيك تناثرت الذنوب عن يمينك وشمالك، فإذا مسحت رأسك وقدميك تناثرت الذنوب التي مشيت إليها على قدميك، فهذا لك في وضوئك»((1)).
ولو لم تكن للطهارة إلّا هذه الحِكم لكفى في لزومها وشدّة المحافظة عليها، ولذا ورد التأكيد والحث عليها في النصوص الشرعيّة، وجعلها في مرتبة عالية جداً، حتى ورد أنّ المؤمن معقّب ما دام على وضوء، ومن مات على طهارة مات شهيداً، ومن بات على طهور كان كأنّما أحيى الليل، ومن تطهّر وآوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجده، وروي أنّ روح المؤمن في نومه تروح إلى الله تعالى فيلقاها ويبارك عليها((2))، بل ورد في إعلاء شأن
ص: 24
الطهارة أنّ «الطهور نصف الإيمان»((1))، ويكون النصف الآخر من الإيمان هو العمارة بالطاعة ظاهراً وباطناً ((2))، وأضاف العلامة المجلسي(قدس سره) معنىآخر على نحو الاحتمال فقال: «لعلّ المعنى أنّه نصف الصلاة؛ لشدّة مدخليته في صحتها، وقد سمى الله الصلاة إيماناً في قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}((3))»((4)).
ولأجل ما في الطهارة من الارتباط بالله جلّ وعلا نُدب إلى المداومة عليها حتى يكون العبد في حال حضور دائم وصلة مستمرة بسيّده، وذكر للمداومة عليها عدّة فوائد منها: أنّها سلاح المؤمن لدفع الشيطان، وأنّها تمنع عذاب القبر، وتوجب قضاء الحاجة، وتزيد في العمر والرزق، وتورث مزيد الجاه وعلو المكان والرفعة وصحة البدن والفرح والنشاط، وتزيد في الحفظ والذهن((5)).
والطهارة الظاهريّة تتمّ بأسباب عيّنتها الشريعة المقدّسة، وفصّلت الكلام فيها وفي شروطها عبر نصوص كثيرة احتلت مساحة كبيرة من التراث الروائي.
ص: 25
ويعتبر الماء أهمّ المطهّرات عن الأخباث في الشريعة المقدسة؛ لأنّ غيره من المطهّرات التي شرّع الشارع المقدّس التطهير بها جعلها مخصوصة بأشياء خاصّة، بخلاف الماء حيث جعله يطهّر كل متنجس، فقد ورد:«الماء يُطَهِّر، ولا يُطَهَّر»((1))، فالماء بطبيعته يطهّر كل ما يقبل التطهير ممّا تنجّس بالأعيان النجسة؛ لأنّه طاهر بنفسه. نعم، ما لا يقبل التطهير لا يطهّره، كالأعيان النجسة مع بقائها على حقيقتها، ومع ذلك فقد يطهّر بعضها كما في ميتة الإنسان؛ فإنّها تطهر بعد تمام غسلها. وبسبب طهارته في نفسه لا يحتاج إلى أن يطهّره شيء، فلا ينافي حاجته إلى أن يُطهّر هو أيضاً فيما إذا تنجّس بنجاسة عرضيّة، بإحدى الطرق المذكورة في محلّها كتطهيره بالجاري والكر.
كما أنّه هو المطهّر الأساس من الأحداث صغيرها وكبيرها. نعم، يحل محلّه التراب إذا لم يتمكّن المكلَّف من استعمال الماء، لكنّ التيمم به لا يرفع الحدث رأساً، وإنّما يبيح الدخول فيما يشترط فيه الطهارة.
تكرّر لفظ الماء ثلاثاً وستّين مرّة في القرآن الكريم((2))، ويدلّ ذلك على مزيد عناية واهتمام بشأنه في إراءة علائم القدرة الإلهيّة، والأفضال الربوبيّة، فممّا جاء في بيان إحدى الحقائق التكوينيّة لغرض هداية من أنكر البراهين
ص: 26
الدالّة على الخالق العليم للإيمان به قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّشَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}((1))، أي: خلقنا كلّ ذي حياة من الماء، فللماء مدخليّة تامّة في وجود ذوي الحياة، والمراد من ذوي الحياة - بقرينة وقوع هذه الجملة في سياق تعداد الآيات المحسوسة - غير الملائكة والجن ونحوهما، فلا يشكل بأنّ الملائكة والجن خلقوا من غير الماء((2)).
ومثلها في تبيان تلك الحقيقة قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ}((3))، وقد أثبتها أكثر من فرع من فروع العلم كعلم الخليّة؛ حيث أثبت أنّ الكائنات الحية تتألّف غالباً من الماء، «فمثلاً: يشكّل الماء حوالي 65 بالمائة من جسم الإنسان، 70 بالمائة من جسم الفيل، 80 بالمائة من درنة البطاطس، 95 بالمائة من ثمرة الطماطم»((4)).
«ولم يكن تكوين الجسم واحتواؤه على هذه الكميّة الكبيرة من الماء معروفاً مطلقاً عند نزول القرآن.
والماء أكثر ضرورة للإنسان من الغذاء، فبينما يستطيع الإنسان أن يعيش 60 يوماً بدون غذاء لا يمكنه أن يعيش بدون ماء من 3 - 10 أيّام على أقصى تقدير.
ص: 27
والماء أساس تكوين الدم والسائل اللمفاوي والسائل النخاعي وإفرازات الجسم كالبول والعرق والدموع واللعاب والصفراء واللبن والسوائل الموجودة في المفاصل، وهو سبب رخاوة الجسم وليونته.
ولو فقد الجسم 20 بالمائة من مائه، فإنّ الإنسان يكون معرّضاً للموت.
والماء يذيب المواد الغذائية بعد هضمها فيمكن امتصاصها، وكذلك يذيب الفضلات العضويّة والمعدنيّة في البول والعرق.
وهكذا يكون الماء الجزء الأكبر والأهم في تكوين الجسم، ولذلك يمكن القول بأنّ كل كائن حي مخلوق من الماء»((1)).
وحقيقة الماء أنّه سائل رقيق عديم الطعم والرائحة واللون، وهو مركّب من: جزيئي هيدروجين، وجزيء أوكسجين. ومن خصائصه التي يتفرّد بها على بقيّة المواد: أنّه يمكنه أن يكون صلباً أو سائلاً أو غازاً، وأنّه يتجمّد في درجة الصفر، ويغلي في درجة مائة من الحرارة ليتحوّل عندها إلى بخار، والماء هو الجزء الأساس لحياة الكائنات الحيّة، فلا يمكنها البقاء حيّة بدونه مدّة طويلة؛ ولذا اقتضت حكمة الباري جلّ وعلا وفرته وتواجده في كلّ مكان، بحيث نجده احتلّ مساحة كبيرة من سطح الكرة الأرضيّة التي هي مسكن ما لا يحصى من الكائنات الحيّة، وتقدّر هذه المساحة بثلاثة أرباع سطح الأرض، يملأ فيها المحيطات والبحيرات والأنهار. هذا، بالإضافة إلى المقادير الضخمة الموجودة في جوف الأرض، ويقدّر علماء الجيولوجيا
ص: 28
كميّة الماء الموجود على الأرض ب- «ستة عشر بليون كيلومتر مكعب، أو ما يساوي ستة عشر بليون بليون طن ... ويوجد القسم الأكبر من هذه الكميّة - والتي تقدّر بثلاثة عشر بليون كيلو متر مكعب - في طبقات الأرض الواقعة تحت القشرة الأرضيّة، وهي موجودة على شكل بخار ماء مضغوط، وذلك بسبب الحرارة العالية لباطن الأرض.
أمّا الكمّية المتبقية - والتي تقدّر بثلاثة بلايين كيلو متر مكعب - فإنّ نصفها يدخل في تركيب الصخور والمعادن الموجودة في القشرة الأرضيّة، بينما يوجد النصف الآخر في المحيطات والبحار والأنهار»((1)) .
كما اقتضت حكمته تعالى أن يكون الوصول إلى الماء سهلاً يسيراً لكي يلبي متطلبات الإنسان الحياتيّة، واحتياجات الحيوانات البرّية والبحريّة؛ فإنّ فوائده جمّة ومنافعه متعدّدة، وكثير منها مغفول عنه لوضوحه وللاعتياد عليه مع أهمّيته للكائنات الحيّة.
وقد ذكر بعض تلك الفوائد والمنافع مولانا الإمام الصادق (علیه السلام) فيما أملاه على المفضل، فقال (علیه السلام) : «ثمّ الماء لولا كثرته وتدفّقه في العيون والأودية والأنهار لضاق عمّا يحتاج الناس إليه، لشربهم وشربأنعامهم ومواشيهم، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلّاتهم، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع وتتقلّب فيه الحيتان
ص: 29
ودواب الماء، وفيه منافع أخر أنت بها عارف وعن عظم موقعها غافل؛ فإنّه سوى الأمر الجليل المعروف من غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات: يمزج بالأشربة فتلين وتطيب لشاربها، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن الذي يغشاها، وبه يبلّ التراب فيصلح للاعتمال [للأعمال]، وبه يكفّ عادية النار إذا اضطرمت وأشرف الناس على المكروه، وبه يسيغ الغصان ما غصّ به، وبه يستحمّ المتعب الكالّ فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها»((1)).
ولا تنحصر أهمّية الماء فيما ذكره (علیه السلام) - إذ ليس غرضه إلّا التنبيه على بعض الفوائد للاعتبار والتنبّه إلى عظيم نعم الله وعميم فضله على الناس - فإنّ له فوائد أخرى للجسم والنفس وردت في بعض الروايات، كما في رواية أبي طيفور المتطبّب، قال: دخلت على أبي الحسن الماضي (علیه السلام) فنهيته عن شرب الماء، فقال (علیه السلام) : «وما بأس بالماء؟ وهو يدير الطعام فيالمعدة، ويسكّن الغضب، ويزيد في اللب، ويطفي المرار»((2)).
ورواية عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: «كان رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) إذا أفطر بدء بحلواء يفطر عليها، فإن لم يجد فسكرة أو
ص: 30
تمرات، فإذا أعوز ذلك كلّه فماء فاتر، وكان يقول: ينقي المعدة والكبد، ويطيّب النكهة والفم، ويقوّي الأضراس، ويقوّي الحدق، ويجلو الناظر، ويغسل الذنوب غسلاً، ويسكّن العروق الهائجة والمرّة الغالبة، ويقطع البلغم، ويطفي الحرارة عن المعدة، ويذهب بالصداع»((1)).
وله فوائد أيضاً كشف عنها الطب الحديث، فقد ذكروا أنّه عنصر مهم في بعض العلاجات مثل الحكّة، والاكزيما، وحب الشباب، والروماتزم الحاد، والنقرس، والتهاب الأذن الوسطى، والتهاب اللوزتين، والصداع، وتصلّب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، والربو، والنزلة الشعبيّة (التهاب القصبة الهوائيّة)، والمغص المعوي، واليرقان، وتضخّم الكبد، والبواسير، وأوجاع القدم.
ولكل مرض من هذه الأمراض طريقة في علاجه بالماء، مذكورة فيكتب الطب المسمى اليوم بالطب البديل((2)).
قسّم الفقهاء الماء المطلق إلى: الجاري، والنابع غير الجاري، والبئر،
ص: 31
والمطر، والكر، والقليل((1)).
أمّا الماء الجاري: فهو النابع السائل على وجه الأرض فوقها أو تحتها كالقنوات، لا ينجس بملاقاة النجس ما لم يتغيّر، سواء كان كرّاً أو أقل، وسواء كان بالفوران أو بنحو الرشح.
ولم يشترط بعض الفقهاء النبع في صدق الجريان، واشترط الاتصال بمادّة توجب استمرار جريانه عرفاً وإن لم تنبع من الأرض((2)).
وأمّا الماء الراكد: بلا مادّة إن كان دون الكرّ ينجس بالملاقاة، من غير فرق بين النجاسات، وإن كان بقدر الكر لا ينجس((3)).
وأمّا ماء البئر النابع: فهو بمنزلة الجاري لا ينجس إلّا بالتغيّر، سواء كانبقدر الكرّ أو أقل((4)).
وكذا ماء الحمّام بشرط اتصاله بالخزانة((5)).
وأمّا ماء المطر حال تقاطره من السماء: فهو كالجاري، فلا ينجس ما لم يتغيّر وإن كان قليلاً((6)).
ص: 32
وبهذا يظهر: أنّ الماء إمّا أنّه ينفعل بالنجاسة إذا لاقته وإن لم تتغيّر أوصافه، كالقليل وهو ما دون الكرّ، وإمّا أن لا ينفعل وهو المسمى بالمعتصم باصطلاح الفقهاء، وهو ما له مادّة أرضيّة كالجاري وماء البئر، أو سماويّة كما في ماء المطر، أو كان له كثرة حدّدها الشارع المقدّس بالبلوغ مقدار كرّ، ويدخل فيه ماء الحمّام؛ فإنّ العاصم هو الكريّة.
وإن كان المعتصم وغير المعتصم شريكان في الانفعال بالنجاسة إذا لاقتهما وحصل التغيّر للّون أو الطعم أو الرائحة، لكن يختصّ المعتصم بكون النجاسة في محل التغيّر لا كل الماء، بخلاف غير المعتصم فإنّه ينجس كلّه، لا محل التغيّر فقط.
وكل واحد من هذه الأقسام - مع عدم ملاقاة النجاسة - طاهر في نفسه، ومطهّر من الحدث والخبث.
الماء هو المائع الوحيد المناسب للاستعمال في الطهارتين الحدثيّة والخبثيّة، ولعلّه لا تتجلّى لنا الحكمة الكاملة من لزوم استعماله دون سواه في الطهارتين وخصوصاً الحدثيّة، فنأخذ بالحكم تعبّداً، لكن يمكن بنحو من الاعتبار استكشاف بعض الحِكَم من لزوم استعماله.
أمّا مناسبته للطهارة الخبثيّة؛ فالماء هو السائل الوحيد القادر على إزالة الفضلات والقاذورات من النجاسات وغيرها بدون أن يبقي لها أثراً يذكر، وهو معقّم فاعل لكثير من البكتيريا والميكروبات الضارّة والمسبّبة للروائح
ص: 33
الكريهة، فالماء أنقى المطهّرات وأدفعها للقاذورات.
وأمّا مناسبته للطهارة الحدثيّة؛ فلأنّ حكمة الله تعالى اقتضت أن يكسى الإنسان بالجلد لغايات، منها: حفظ الأنسجة والأعضاء تحته، وتنظيم درجة حرارة الجسم بواسطة غدد العرق والشعيرات الدمويّة، وإفراز العرق وبعض الفضلات، كما أنّه يحوي الغدد الدهنيّة المسؤولة عن إنتاج المادة الدهنيّة المكوّنة للفيتامين (د)، ولما كان الجلد معرّضاً
للمؤثرات الخارجيّة من غبار ورواسب، قد تؤدّي إلى انسداد مسام الجلد، ممّا يسبب الأمراض الموضعيّة والعامّة التي تعرقل الوظائف الحيويّة للجلد كان غسله بالماء في الوضوء أو الغُسل خير معين على تفتيح مسام الجلد ممّا يسدّها من العرقوغيره((1)).
ومن نتائج الوضوء ذهاب الكسل عن المتوضي وحلول النشاط مكانه، وطرد النعاس عنه، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار، كما مرّ في حديث الإمام الرضا (علیه السلام) ((2)).
كما أنّ الغسل - بأيّ موجب من موجباته، بل حتى لو كان مندوباً - يؤثّر في الأعضاء الداخليّة لجسم الإنسان، فمن تلك التأثيرات أنّه «يهدّئ الأعصاب، وينشّط الدورة الدموية، وينعش القلب، ويزيد النشاط، وينقص توتّر العضلات، والعمر والصحة فيه سواء، فهو يوصف للشباب والكهول، للمرضى والأصحّاء على حدّ سواء، وهو مفيد لأهل أمراض القلب وارتفاع
ص: 34
الضغط وأمراض الكلى.
أمّا الاغتسال بالماء البارد فهو منبّه عامّ، يخفض الحرارة، ويعدل النبض، وينشّط النفس، ويزيد سرعة دوران الدم الوريدي والمحيطي»((1)).
ولعدم كفاية الغسل مرّة واحدة في الأسبوع أو الشهر في إزالة الأوساخ والأقذار المحيطة بالبدن شرّع الحكيم تعالى الغُسل، أي: غسل تمام البدن، وجعل له أسباباً عديدة «قد تزيد على المائة، ربما تدعو الإنسان إلى تكرارالغسل في اليوم الواحد مرّتين أو أكثر، فأوجبه لأسباب كثيرة، وندب إليه واستحبه لأسباب أخرى أكثر، ولم يكتف للواجب لغسل الجنابة، بل أوجبه لأسباب أخرى متنوّعة، ولم يكتف في الاستحباب بغسل الجمعة الذي قيل بوجوبه حتى استحبه لأسباب متوفّرة في أوقات متكثّرة، ولاسيما الأيام البارزة من ذوات الشأن كأيام الأعياد ويوم عرفة وفي أكثر أيام شهري رجب وشعبان، ولما كان الصيام في شهر رمضان مستوجباً في الغالب لزيادة التبخّر والأفراز وتراكم الأوساخ جعله مستحبّاً في أكثر لياليه: في بعض ليالي القدر يستحب في أول الليل، ويستحب مرة أخرى في آخره، وفي أيام الزيارات في تلك الأشهر الشريفة وغيرها كشعبان وشهر رمضان وليلة الجمعة إلى كثير من هذه الموارد التي تكفلت كتب الفقه والمصابيح في الأدعية لبيانها، مع استحباب تنظيف الثياب والبزة واستعمال الطيب أيضاً، كل ذلك رعاية و عناية بصيانة هذا الغشاء المحيط بالبدن وهو الجلد الذي
ص: 35
يصلح البدن بصلاحه ويفسد بفساده»((1)).
ولما كان بعض الأعضاء أكثر عرضة من غيره للغبار والأقذار - وهي الأعضاء المكشوفة كالوجه واليدين - لم يكتف الحكيم جلّ وعلا بما شرّعه من تلك الأغسال على كثرتها فحسب، بل أوجب غسل تلك الأعضاء أيضاً مقدمة في كل صلاة وعند كل حدث، بل جعل للوضوء أسباباً عديدةربما تزيد على أسباب الغسل، بعضها توجب الوضوء وبعضها تندب إليه، فاستحبه حتى للأكل والنوم والخروج من البيت، وطلب الحاجة، ولقراءة القرآن، وأوجبه لمس القرآن، ولكل صلاة بعد النوم، وبعد كل حدث، واستحب للإنسان أن يكون دائماً على طهارة، وإن كان في غير صلاة أو طواف أو نحوها((2)).
ص: 36
أبواب الماء المطلق
ص: 37
ص: 38
-----------------------------------------------------------------------------
أبواب الماء المطلق
أصل الماء: ماه، وجمعه مياه، وهو من أوضح المفاهيم العرفيّة، إلّا أنّه قد يقع الشك من قِبل العرف في صدقه على بعض أفراده، فلو وقع فرد منه مورداً للشك في الصدق أو شك في كونه مصداقاً كان اللازم العمل بالأصول.
وقد قسّم في عرف الفقهاء إلى قسمين: ماء مطلق، وماء مضاف؛ لاختلاف الأحكام المترتّبة على كلّ منهما.
الماء المطلق: هو ما يصحّ استعمال لفظ الماء فيه بلا مضافٍ إليه، كالماء الذي يكون في البحر، أو النهر، أو البئر، أو غير ذلك؛ فإنّه يصحّ أن يقال له: ماء، وإضافته إلى البحر مثلاً للتعيين، لا لتصحيح الاستعمال.
والماء المضاف: هو ما لا يصحّ استعمال لفظ الماء فيه بلا مضافٍ إليه، كماء الرّمان وماء الورد؛ فإنّه لا يقال له ماء إلّا مجازاً، ولذا يصحّ سلب الماء عنه.
وأمّا عند العامّة: فالماء المطلق عند الحنفيّة: هو الماء الذي بقي على أصل خلقته، ولم تخالطه النجاسة، ولم يغلب عليه شيء طاهر.
ص: 39
وعند الشافعيّة: هو ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض.
وعند الحنابلة: هو الماء الذي لا يضاف إلى اسم شيء غيره((1)).
ص: 40
-----------------------------------------------------------------------------
1- باب أنّه طاهر مطهّر يرفع الحدث ويزيل الخبث
إنّ الله جلَّ وعلا كما خلق الإنسان من الماء جعل حياته وبقاءها به أيضاً، وجعل بمقتضى رحمته وإفضاله الماء طهوراً، وخصّه من بين المايعات بالتطهير لما يقع فيه أو يرد عليه، بالشروط المذكورة في محلها؛ منّة منه سبحانه، وتخفيفاً على هذه الأمة، بعد أن كان عدم تطهيره بهذا النحو من جملة الآصار التي كانت على الأمم السابقة. فالماء مطهّر من الأرجاس والقذارات الظاهريّة والمعنويّة.
والمراد بمطهّريّته أنّه يرفع الحدث مطلقاً: وهو الأثر الحاصل للإنسان عند عروض أحد أسباب الوضوء والغسل المانع من الصلاة المتوقّف رفعه على النيّة. ويزيل الخبث مطلقاً: وهو النجَس - بفتح الجيم - مصدر قولك: نجس الشيء ينجس فهو نجس - بالكسر - بالنص والإجماع.
أمّا الخاصّة: فقد «أجمع العلماء كافّة على أنّ الماء المطلق طاهر في نفسه ومطهّر لغيره، سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض، أو أذيب من الثلج والبرد، أو كان ماء بحر، أو غيره، حكاه في المنتهى، كما عن مدارك
ص: 41
الأحكام»((1))، و «هو في الأصل طاهر مطهّر إجماعاً من الخبث والحدث» كما عن «التذكرة»((2))، وعن «الحدائق» أنّه «طاهر في نفسه مطهّر لغيره إجماعاً، فتوى ودليلاً، آية ورواية»((3))، و «إجماعاً مستفيضاً، بل هو مذهب أهل العلم» كما في «المعتبر»، وغيره و «بلا خلاف، كما في السرائر، وغيرها» عن «مفتاح الكرامة»((4))، بل قال في «الجواهر»: إنّه طاهر مزيل للحدث والخبث «كتاباً وسنّة كادت تكون متواترة، وإجماعاً محصّلاً ومنقولاً نقلاً مستفيضاً، بل متواتراً، فما عن سعيد بن المسيّب من عدم جواز الوضوء بماء البحر، وما عن عبد الله بن عمر من أنّ التيمّم أحب إليه، لا يلتفت إليه، على أنّ الثاني غير متحقّق الخلاف، بل لايبعد أن يكون الأول قد أنكر ضرورياً من ضروريات الدين»((5)).
وأمّا العامّة: فقالوا: إنّ الماء المطلق طهور، وهو الباقي على أصل خلقته «وهو قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، إلّا أنّه روي عن ابن عمر أنّه قال في ماء البحر: لا يجزي من الوضوء ولا من الجنابة، والتيمم أحب إليّ منه»((6)).
ص: 42
[322] 1- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَسَانِيدِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ وَجَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ التُّرَابَ طَهُوراً كَمَا جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: «أجمع العلماء على أنّ جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهّرة لغيرها، إلّا ماء البحر؛ فإنّ فيه خلافاً في الصدر الأول شاذاً»((2)).
[1] - فقه الحديث:
قال ابن الأثير: الطُّهور - بالضم - : التطهّر، وبالفتح: الماء الذي يتطهّر به، كالوُضوء والوَضوء، و السُّحور و السَّحور((3)).
وهذا المقطع من الحديث مسوق لبيان طهوريّة التراب، وقد دلّ على أنّطهوريّة الماء مفروغ عنها في نفسها؛ فإنّها مرتكزة عند نوع المتشرعة، ولذا جعلت مشبّهاً به، وطهوريّة التراب مشبّهاً، وغاية ما يدلّ عليه هذا المقطع هو بيان طهوريّة الماء المفروغ عنها، كما أنّ صدر الحديث الذي لم يذكره
ص: 43
الماتن(قدس سره) فيه السؤال عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ فقال الإمام (علیه السلام) : «لا، ولكن يتيمّم الجنب ويصلي بهم»، ثم علّل لزوم التيمّم بقوله: «فإنّ الله عز وجل قد جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً» وهذا التعليل يفيد أنّ المراد من الطهور هو المطهّر، فكما أنّ الماء طهور أي: مطهّر من الحدث، كذلك التراب مطهّر منه كالماء، ولكن ليس فيه إطلاق لكونه مطهّراً لكل شيء؛ لأنّ الحديث ليس في مقام بيان ذلك، وإنما هو في مقام بيان أنّ طهوريّة التراب كطهوريّة الماء، بل قد يكون نفس التشبيه قرينة على ذلك؛ وذلك لأنّ شأن التراب هو المطهريّة من الحدث خاصّة، وهو الجنابة هنا لاستباحة الدخول في الصلاة، كما هو مقتضى الجواب عن السؤال، فيكون المراد من طهوريّة الماء هنا: المطهريّة من الحدث خاصةً أيضاً.
سند الحديث:
محمد بن حمران وجميل بن درّاج: لهما كتاب مشترك، قال الصدوق في طريقه إليهما: «أبي، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابنأبي عمير، عن محمد بن حمران وجميل بن درّاج»((1))، والطريق صحيح، وقد مضى الكلام في رجاله.
ص: 44
[323] 2- قَالَ: وَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام) : «كُلُّ مَاءٍ طَاهِرٌ إِلَّا مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ قَذِرٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وأمّا محمد بن حمران: فالظاهر أنّه النهدي، قال عنه النجاشي: «أبو جعفر، ثقة، كوفي الأصل... له كتاب ... ولهذا الكتاب رواة كثيرة»((2))، وهذا يعني أنّ الكتاب مشهور ومعروف.
وروى عنه المشايخ الثقات كما هنا.
وقوله: «بأسانيده»: المذكور في «المشيخة» طريق واحد، وهو الذي ذكرناه هنا، فيمكن أن يكون ذلك من خطأ النسّاخ.
والسند صحيح.
[2] - فقه الحديث:
القذر هو ما يستكرهه الطبع الإنساني، والمراد به هنا: النجس، ويظهر من هذا الحديث: أنّ الأصل في كل ماء الطهارة حتى تعلم - بالقطع والجزم لابالظن - النجاسة بالتغيّر في الكثير والجاري، وفي القليل إمّا بالتغيّر كما ذهب إليه ابن أبي عقيل، أو بالملاقاة كما هو المشهور، وفي البئر إمّا بالتغيّر أو بالملاقاة مطلقاً أو مع عدم الكرّية.
وقد اختلفوا في مفاد هذا الحديث - وتشترك معه النصوص الدالّة على
ص: 45
الحلّية، فما يقال هنا يقال هناك؛ فإنّ البحث واحد - على أقوال كثيرة؛ فإنّ مفاده مردّد بين قاعدة الطهارة الواقعيّة للأشياء بعنوانها الأولي، وقاعدة الطهارة الظاهريّة للأشياء بعنوان كونها مشكوكة الحكم، واستصحابهما:
الأول: ما ذهب إليه المحقّق صاحب الكفاية(قدس سره) في «حاشيته على الرسائل» من الجمع بين القواعد الثلاث، بدعوى: أنّ الصدر تضمّن الحكم على الماء بالطهارة، وظاهر ذلك كون موضوع الحكم هو الماء بعنوانه الأولي، لا الماء بعنوان ثانوي آخر، كالمشكوك مثلاً؛ لأنّه خلاف ظاهر أخذ العنوان، وبعمومه الأفرادي يدلّ على قاعدة الطهارة الواقعيّة. كما أنّ مقتضى الإطلاق الأحوالي هو سراية الحكم بالطهارة في جميع الأحوال، ومنها حالة الشك فيهما، وهو مفاد قاعدة الطهارة الظاهرية. هذا كلّه في الصدر الذي تضمّن الحكم المغيى.
وأمّا الذيل - الذي تضمّن الغاية - فهو ظاهر في استمرار الطهارة إلى حين العلم بالنجاسة، وهذا هو مفاد استصحاب الطهارة((1)).
الثاني: ما ذكره أيضاً في «الكفاية» من أنّ صدر الحديث مختصّ بقاعدة الطهارة للأشياء بعناوينها الأوليّة، ولا يدلّ على قاعدة الطهارة الظاهريّة، وأمّا الغاية فهي مسوقة لبيان استمرار الحكم المذكور في صدر الحديث، وهو مفاد الاستصحاب، والغاية لا تكون قرينة على اختصاص موضوع الحكم
ص: 46
بما شك في طهارته، ليقال: إنّ الصدر مختصّ بقاعدة الطهارة الظاهريّة((1)).
الثالث: ما نسبه الشيخ الأعظم لصاحب «الفصول» من ظهور صدر الحديث في بيان الطهارة الظاهريّة، وظهور الذيل في بقاء تلك الطهارة الذي هو مفاد الاستصحاب((2)).
الرابع: أنّ صدر الحديث يدلّ على الطهارة الواقعيّة دون الظاهريّة، والذيل لا يدلّ على الاستصحاب((3)).
الخامس: ما عن بعض الأخباريين، كما يظهر من «الحدائق»، من ظهوره - وغيره - في إناطة النجاسة الواقعيّة بعلم المكلّف، فهو مسوق لبيان قاعدة الطهارة الواقعيّة مع الشك((4)).
وتفصيل الكلام موكول لمحل آخر.
سند الحديث:
الحديث من مراسيل الصدوق، وقد تقدّم الكلام فيها مكرّراً. فالحديث معتبر؛ بناء على تماميّة شهادته بصحة ما في «الفقيه» .
ص: 47
[324] 3- قَالَ: وَقَالَ (علیه السلام) : «الْمَاءُ يُطَهِّرُ وَلَا يُطَهَّرُ (1)»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الماء من شأنه أن يطهّر، ولم يتعرّض لكونه مطهراً لأيّ شيء أو بأيّة كيفيّة، ولكنّ الظاهر من حذف المتعلّق: العموم لكل ما يقبل التطهير، إلّا أن يوجد دليل على التخصيص، كما دلّ على أنّه لا يطهّره شيء إذا تنجّس، والمراد من الشيء إمّا غير الماء أو الأعم، وعلى كلّ يثبت أنّ الماء يطهّر الماء، أمّا على احتمال إرادة غير الماء من الشيء فالأمر واضح، وأمّا على احتمال إرادة الأعم فهو مخصّص بغير الماء لشمول «الماء يطهِّر» له، ولعلّه إلى هذا يشير ما ذكره جماعة من علمائنا - كما في الهامش - من أنّ المراد به أنّه يطهِّر غيره ولا يطهِّره غيره؛ لأنّ الماء النجس يطهَّر بإلقاء مقدار كرٍّ عليه، وباتصاله بالجاري ونحوه، وإن كان لا يطهر بتتميمه كرّاً.
فيظهر أنّ الماء مطهِّر لكل شيء حتى الماء، ولا يطهِّره شيء غير الماء. هذا إذا كان الشيء قابلاً للتطهير، وأمّا إذا لم يكن قابلاً له ذاتاً كالكلب أوالخمر، أو لعدم إمكان نفوذ الماء فيه كالدهن المتنجّس، فلا إشكال في
ص: 48
[325] 4- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عنْ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عنْ دَاوُدَ بْنِ فَرْقَدٍ، عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمْ قَطْرَةُ بَوْلٍ قَرَضُوا لُحُومَهُمْ بِالْمَقَارِيضِ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِأَوْسَعِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَجَعَلَ لَكُمُ الْمَاءَ طَهُوراً، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
عدم كونه مطهِّراً له، وأمّا إذا شُكّ في قابليّة شيء للتطهير فالأصل فيه عدم القابليّة، قال في الجواهر: «اللهم إلّا أن يستند في ذلك للحكمة سيّما في مثل قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}((2))
من حيث وروده في معرض الامتنان»((3))، فراجع وتأمّل.
سند الحديث:
الكلام فيه كسابقه.[4] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الله عز وجل جعل الماء طهوراً يطهّر من
ص: 49
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(1)1*).
-----------------------------------------------------------------------------
النجاسات؛ منّة منه سبحانه على هذه الأمّة، خلافاً لبني اسرائيل؛ حيث كان قرض المحلّ المتنجّس بالبول منه أو من غيره؛ لعموم قوله «قطرة بول» - كما هو ظاهر هذا الحديث - من جملة الآصار التي كانت عليهم، ولكن هذا الظاهر مشكل؛ إذ يفيد أنّ استنجاءهم من البول كان بقرض لحومهم، أي: الموضع الذي أصابه البول، وهذا وإن لم يصدق على مخرج البول؛ لأنّه موضع يخرج منه البول لا موضع أصابه البول، إلّا أنّه يؤدّي إلى نقص البدن، ومن ثمّ الهلاك، حتى لو كان مخرج البول مستثنى، ولو كانوا مكلَّفين بذلك لنقل كما نقل غيره من التكاليف الشديدة التي كانت عليهم، كما أنّ قطع اللحم والجلد يوجب خروج الدم وهو نجاسة أخرى.
وقد أفاد بعضهم في التخلّص عن هذا الإشكال: أنّ قرض النجاسة في شرعهم «لا يستلزم ذلك لطهارة الدم في شرعهم، أو كونه معفوّاً عنه؛ فإنّ المراد بالقرض تمسح خزف، أو حجر أو تراب على الموضع النجس لتزول به النجاسة، ويزول وينقرض الجلد الذي نجس، وما كان يكفي لهم الغسل بالماء، وأمّا قرض الموضع النجس من اللباس وغير ذلك كما وقع في سائر الأخبار، فهو خالٍ عن الإشكال بالمرة»((2)).
ص: 50
هذا، ولكنّ التعبير ب- «قرضوا لحومهم بالمقاريض» يأبى الحمل على مجرد التمسّح بأمثال ما ذكر؛ لأنّ ذكر قرض اللحوم دون الجلود فيه مبالغة في الأخذ والقطع، وذكر المقاريض - وهي جمع مقراض، وهو ما يقطع به كالمقصّ - يبعد القطع بغيرها.
وأحسن منه ما ذكره المعلّق على كتاب «الوافي» حيث قال: «اختلف أهل التحقيق ومنهم المصنّف - أي: المحدّث الكاشاني - رحمهم الله تعالى في توجيه هذا الخبر بتوجيهات لا ترفع الحيرة ولا تطمئن إليها النفس. ونحن نورد أولاً ما أورده الشعراني رحمه الله تعالى، ثم نأتي بما وصل إليه تحقيقنا .
أمّا الشعراني فقال: قرضوا لحومهم بالمقاريض: هذا صريح في قرض البدن، وروى ابن ماجة في حديث: أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم عن ذلك فعذّب في قبره. ويمكن حمله على القرض من الثوب دون البدن .
وفي تفسير علي بن إبراهيم: إذا أصاب أحدهم البول قطعوه. ويمكن حمله على القطع المعروف في شريعة موسى (علیه السلام) ، أعني: قطع المعاشرةوالمؤاكلة والمصاحبة والإخراج من الجماعة، بإرجاع ضمير المفعول في كلمة (قطعوه) إلى أحدهم، لا إلى البول، أي: أخرج بنو إسرائيل هذا الرجل الذي أصابه البول من جماعتهم حتى يتطهّر، والله أعلم .
ولا بد أن يكون بعض الألفاظ نقلاً بالمعنى على حسب ما فهمه الراوي،
ص: 51
والأصل ما في تفسير علي بن إبراهيم. (وقرضوا لحومهم بالمقاريض) نقلاً له بعبارة أخرى لما فهمه الراوي إرجاع ضمير قطعوه إلى البول .
ولم أرَ إلى الآن وجهاً لتوجيه الرواية تطمئن إليه النفس إلّا من ردّها؛ لعدم اعتماده على خبر الواحد. انتهى ما قاله الشعراني، ثم نقول وبالله التوفيق:
الظاهر: أنّه وقع في هذه الجملة: (قرضوا لحومهم بالمقاريض) تصحيف، والجملة كانت (طهّروه بالمقارض)، والمقارض: الجرة الكبيرة كما يظهر من اللغة((1))، وحيث إن الرواية واردة في مقام الامتنان فمعناها: إن بني إسرائيل إذا أصابهم البول كانوا يطهّرونه بالجرة الكبيرة من الماء، وأنتم تطهّرونه بمقدار قليل من الماء، وبهذا يرتفع الإشكال، ولا نحتاج إلى شيء من هذه التكلّفات، والله أعلم»((2)).
ولكنّ وجاهة هذا الوجه مرهونة بثبوت أنّ المقارض لغة: الجرة، فإنثبت ذلك فبها، وإلّا فإنّ الأحسن المصير إلى توجيه الشعراني من النقل بالمعنى.
وقوله (علیه السلام) : «وجعل لكم الماء طهوراً» أي: مطهِّراً، كما هو الظاهر من المقام إشارة إلى قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً}((3)).
ص: 52
ويفهم من التوسعة وجعل الماء طهوراً - كما عن المجلسي الأول - طهارة الماء القليل وماء البئر؛ فإنّه مع نجاستهما يلزم غاية التضييق على هذه الأمّة((1)).
وقوله (علیه السلام) : «فانظروا كيف تكونون» يحتمل أن يكون المراد: انظروا كيف تكونون في الطهارة والاجتناب من النجاسات؛ فإنّ بني إسرائيل مع ذلك التضييق المتقدّم وصفه كانوا يعملون به، فأنتم مع هذه التوسعة أولى بالاهتمام بالطهارة والعمل، ويحتمل الأعم منه ومن شكر نعمه تعالى التي من جملتها التخفيف والتوسعة على هذه الأمّة.
سند الحديث:
للحديث سندان:
السند الأول: ما ذكره الشيخ الطوسي في «التهذيب»، ورجاله تقدّمالكلام حولهم.
وأمّا سنده إلى محمد بن أحمد بن يحيى فهو ثلاثة طرق:
أحدها: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته عدّة من أصحابنا، عن أبي المفضل، عن ابن بطة القمّي، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
وثانيها: أخبرنا بها أيضاً الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيّد جميعاً، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن يحيى.
ص: 53
[326] 5- وَبِإِسْنَادِهِ، عنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُنْشِدِ، عنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عنْ يُونُسَ، عنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قَالَ: «الْمَاءُ كُلُّهُ طَاهِرٌ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وثالثها: أخبرنا بها جماعة، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه و محمد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى، عنه((2)).
والطريقان الثاني والثالث معتبران، كما ذكر أربعة طرق في «المشيخة»((3)).
وكان الأولى التعبير ب- «أسانيده».فهذا السند معتبر.
السند الثاني: ما عن الصدوق مرسلاً، والكلام فيه مرّ مراراً.
[5] - فقه الحديث:
دلّ على أنّ الأصل في جميع المياه الطهارة حتى يعلم أنّه قذر .
والقذر: ضد النظافة، وشيء قذر: بيّن القذارة((4))، وما تستكرهه الطباع، والمراد ههنا النجس، قال في اللسان: «النَّجْسُ والنِّجْسُ والنَّجَسُ: القَذِرُ من
ص: 54
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، مِثْلَهُ(1)1*).
وَبِإِسْنَادِهِ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ، عنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُنْشِدِ، عنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عنْ يُونُسَ، عنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، مِثْلَهُ(2)2*).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ بِإِسْنَادٍ لَهُ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) :... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ(3)3*).
-----------------------------------------------------------------------------
الناس ومن كل شي ء قَذِرْتَه. و نَجِسَ الشي ءُ - بالكسر - يَنْجَسُ نَجَساً، فهو نَجِسٌ ونَجَسٌ، ورجل نَجِسٌ ونَجَسٌ، والجمع أَنْجاسٌ»((4)).
والظاهر أنّ المراد بالعلم: الجازم القطعي، ويحتمل أن يكون المراد ما يشمل الظن؛ لأنّه قد يطلق عليه أيضاً.
سند الحديث:
لهذا الحديث خمسة أسانيد:
ص: 55
السند الأول: للشيخ الطوسي في «التهذيب»، وسنده إلى سعد بن عبد الله الأشعري القمّي في «المشيخة»:
1- الشيخ أبو عبد الله، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله.
2- وأخبرني به أيضاً الشيخ رحمه الله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله((1)).
وذكر له في «الفهرست» طريقين آخرين فقال: «أخبرنا بجميع كتبهورواياته عدّة من أصحابنا، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن رجاله.
قال ابن بابويه: إلّا كتاب المنتخبات، فإنّي لم أروها عن محمد بن الحسن إلّا أجزاء قرأتها عليه، وأعلمت على الأحاديث التي رواها محمد بن موسى الهمداني، وقد رويت عنه كل ما في كتاب المنتخبات ممّا أعرف طريقه من الرجال الثقات .
وأخبرنا الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيّد، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله»((2)).
وفي هذا السند:
جعفر بن محمد، وهو مشترك بين جماعة، المعروف منهم:
ص: 56
1- جعفر بن محمد بن قولويه.
2- جعفر بن محمد الأشعري.
3- جعفر بن محمد بن إبراهيم.
4- جعفر بن محمد بن إسحاق، شيخ ثقة كوفي.
5- جعفر بن محمد بن الحسن.
6- جعفر بن محمد بن حكيم.7- جعفر بن محمد بن عبد الله.
8- جعفر بن محمد بن شريح.
9- جعفر بن محمد بن مالك، ضعيف في حديثه.
10- جعفر بن محمد بن يونس الأحول، ثقة.
ويحتمل الانطباق على جعفر بن محمد بن حكيم بقرينة روايته عن يونس. فعليه يكون السند غير معتبر؛ لأنّ جعفر بن محمد بن حكيم لم يرد فيه توثيق.
اللهم إلّا أن يقال: إنّ «عن يونس» مصحّف «بن يونس»، فيكون السند هكذا: «جعفر بن محمد بن يونس، عن حماد بن عثمان»، وجعفر بن محمد بن يونس يروي عن حماد بن عثمان، ويكون السند على هذا معتبراً؛ لأنّ جعفر بن محمد بن يونس ثقة كما تقدّم.
السند الثاني: ما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين.
ص: 57
والكلام فيه هو الكلام في السند السابق.
السند الثالث: ما ذكره الشيخ في «التهذيب»، وهو: بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن أبي داود المنشد، عن جعفر بن محمد، عن يونس، عن حماد بن عيسى.
وفيه: الحسن بن الحسين اللؤلؤي: قال عنه الشيخ في «الرجال»:«روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى، ضعّفه ابن بابويه»((1)).
ونقل تضعيف الصدوق له في «الفهرست» عند نقله لاستثناء بعض رجال «نوادر الحكمة»((2))،
ولكن قال عنه النجاشي: «كوفي ثقة، كثير الرواية»((3)).
فإن لم تحمل شهادة الصدوق على الغلو، فهي معارضة لشهادة النجاشي.
وفيه أيضاً: أبو داود المنشد : وهو سليمان بن سفيان المتقدّم، الثقة.
السند الرابع: ما رواه الكليني، عن محمد بن يحيى وغيره، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي بإسناد له.
وفيه: اللؤلؤي المتقدّم، ولم يبيّن ما هو إسناده إلى المعصوم (علیه السلام) ، ومن المحتمل أن يكون إسناده ما وقع في طريق الشيخ قبله، فيكون حاله حال سابقه.
ص: 58
[327] 6- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عنْ أَبِيهِ، عنْ النَّوْفَلِيِّ، عنْ السَّكُونِيِّ، عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صلی الله علیه و آله و سلم) : الْمَاءُ يُطَهِّرُ وَلَا يُطَهَّرُ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
السند الخامس: ما رواه الشيخ بإسناده، عن محمد بن يعقوب، كما سيصرّح به المصنّف في الحديث الآتي.
وحاله حال السند الرابع.
[6] - فقه الحديث:
مرّ الكلام فيه((3)).
سند الحديث:
للحديث سندان تقدّم الكلام في اعتبارهما مراراً.
ص: 59
[328] 7- أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيُّ فِي «الْمَحَاسِنِ»، عنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ، عنْ ابْنِ أُخْتِ الْأَوْزَاعِيِّ، عنْ مَسْعَدَةَ بْنِ الْيَسَعِ، عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ (علیه السلام) : الْمَاءُ يُطَهِّرُ وَلَا يُطَهَّرُ»(1).
وَعنْ النَّوْفَلِيِّ، عنْ السَّكُونِيِّ، عنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عنْ آبَائِهِ (علیهم السلام) ، عنْ النَّبِيِّ(صلی الله علیه و آله و سلم) ، مِثْلَهُ.
-----------------------------------------------------------------------------
[7] - فقه الحديث:
مرّ الكلام فيه((2)).
سند الحديث:
للحديث سندان:
أولهما: مرسل، وفيه: ابن أخت الأوزاعي: لم يذكر في كتب الرجال، والأوزاعي - وهو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر - من مشاهير علماء وفقهاء ومحدّثي العامّة ببلاد الشام، وهو صاحب مذهب فيهم.
وفيه أيضاً: مسعدة بن اليسع: لم يرد فيه شيء.
نعم، يحتمل أن يكون متحداً مع مسعدة بن صدقة، وقد نسب إلى جدّهفي هذا الحديث، وكنيتهما واحدة وهي: أبو بشر، ويشهد لذلك إيراد
ص: 60
[329] 8 - وَسَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْوُضُوءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (علیه السلام) كَانَ يَقُولُ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْمَاءِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً، وَلَمْ يَجْعَلْهُ نَجِساً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الكليني له بهذا العنوان فقد قال: «علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة بن اليسع، عن أبي عبد الله (علیه السلام) »((2))، فهذا الحديث ضعيف بالإرسال، لكن يمكن تصحيحه من جهة أنّه في كتاب «المحاسن»، وهو من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل وإليها المرجع، كما صرّح بذلك الصدوق(قدس سره) في أول «الفقيه»((3))،
وعليه فهو في غنى عن الطريق.
وثانيهما: ما رواه البرقي في «المحاسن» أيضاً عن النوفلي، عن السكوني، والسند معتبر.
[8] - فقه الحديث:
هذا الدعاء من جملة الأدعية المأثورة في الوضوء، وقد جاء في صفة وضوء أمير المؤمنين (علیه السلام) ، وهو نص في أنّ الماء - بحسب خلقته - طهور،قابل لأن يتطهّر به، ولم يجعله الله نجساً لا ينتفع به، وهذا من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده، وهي نعمة وإحسان منه تعالى تستحقّ المقابلة
ص: 61
بالحمد عليها - كسائر نعمه تعالى - من قبل العبد.
سند الحديث:
سند الحديث - كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث الأول من الباب السادس عشر من أبواب الوضوء - هكذا:
«محمد بن الحسن، عن المفيد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن علي بن عبد الله، عن علي بن حسّان، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي مولى محمد بن علي، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ».
أما الحسن بن علي بن عبد الله: فهو الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة البجلي، المتقدّم بعنوان الحسن بن علي الكوفي في الحديث الأول من الباب الأول من أبواب مقدّمة العبادات، وقد وثّقه النجاشي.
وأمّا علي بن حسّان: فقد قال عنه النجاشي: «ضعيف جداً، ذكره بعض أصحابنا في الغلاة، فاسد الاعتقاد، له كتاب تفسير الباطن، تخليط كلّه»((1)).
وجاء في «رجال الكشي»: «قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسنبن علي بن فضّال: عن علي بن حسان؟ قال: عن أيّهما سألت؟ أمّا الواسطي: فهو ثقة، وأمّا الذي عندنا: يروي عن عمّه عبد الرحمن بن كثير فهو كذّاب، وهو واقفي أيضاً، لم يدرك أبا الحسن موسى (علیه السلام) »((2)).
ص: 62
[330] 9- جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُحَقِّقُ فِي «الْمُعْتَبَرِ» قَالَ: قَالَ (علیه السلام) : «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُوراً لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ»(1).
وَرَوَاهُ ابْنُ إِدْرِيسَ مُرْسَلًا فِي أَوَّلِ «السَّرَائِرِ»، وَنَقَلَ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى رِوَايَتِهِ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وأمّا عمّه: فقد تقدّم عن النجاشي: أنّه «كان ضعيفاً غمز أصحابنا عليه وقالوا: كان يضع الحديث»((3)).
وعلى هذا فالسند ضعيف.
[9] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الماء مخلوق مع صفة الطهوريّة، وأنّه لا ينفعلبشيء من النجاسة إلّا أن يحصل منها فيه تغيّر في اللون أو الطعم أو الريح، وقد استدلّ بإطلاق الماء في هذا الحديث وغيره لابن أبي عقيل على عدم انفعال الماء القليل بدون التغيّر بأحد الأوصاف المذكورة، وسيأتي في الباب الثالث إن شاء الله تعالى ما يردّه من استفادة التقييد من مفهوم بعض الأحاديث ومنطوقها.
ص: 63
[331] 10- مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُفِيدُ فِي «الْمُقْنِعَةِ» عَنِ الْبَاقِرِ (علیه السلام) ، قَالَ: «أَفْطِرْ عَلَى الْحُلْوِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَأَفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ»(1).
أَقُولُ وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ جِدّاً(2).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
هذا الحديث عامّي مرسل كما صرّح به الشيخ البهائي في «الحبل المتين»((3))،
وقد ادعى ابن إدريس أنّه متفق على روايته، ولكنّه ليسموجوداً في كتب العامّة بهذا اللفظ، وهو أيضاً غير موجود في مجاميعنا الحديثيّة، قال صاحب «الحدائق»: «إنّا لم نقف عليه في شيء من كتب أخبارنا بعد الفحص التام، وبذلك صرّح أيضاً جماعة ممّن تقدمنا»((4)).
[10] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على استحباب إفطار الصائم على شيء حلو كالتمر أو
ص: 64
العسل أو السكّر، إن وجد، وعلّل ذلك في الروايات بأنّ «الرجل إذا صام زالت عيناه من مكانهما، فإذا أفطر على الحلو عادتا إلى مكانهما»((1)).
فإن لم يجد الصائم شيئاً حلواً ليفطر به، استحب له الإفطار بالماء؛ فإنّ الماء طهور، يطهّر من الذنوب، أو أنّه طهور لرجز الشيطان من باطن الأمعاء، فيزيد في صحة البدن،كما أفاده بعضهم((2)).
وقد ورد عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنّه قال: «إنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم) كان يفطر على الحلو، فإذا لم يجده أفطر على الماء الفاتر، وكان يقول: هو ينقي الكبد والمعدة، ويطيِّب النكهة والفم، ويقوّي الأضراس، ويقوّي الحدق، ويحدّ الناظر، ويغسل الذنوب غسلاً، ويسكّن العروق الهائجةوالمرة الغالبة، ويقطع البلغم، ويطفئ الحرارة عن المعدة، ويذهب بالصداع»((3)).
سند الحديث:
الحديث مرسل.
والحاصل: أنّ في الباب عشرة أحاديث، خمسة منها معتبرة، وثلاثة غير معتبرة، والحديثان الباقيان يمكن تصحيحهما بأحد المباني المتقدّمة.
ص: 65
والمستفاد من أحاديث الباب أمور، منها:
1- أنّ الله خلق الماء طهوراً، وخلق التراب كذلك.
2- كل ماء محكوم بالطهارة حتى يُعلَم أنّه قد نجس.
3- أنّ الماء يطهّر غيره، ولا يطهّره غيره.
4- أنّ الله مَنّ على هذه الأمة ووسّع عليهم بأن جعل لهم الماء مطهّراً من النجاسات، خلافاً لبني إسرائيل، حيث لم يجعل لهم ذلك.
5- أنّ بعض أقسام الماء لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر طعمه أو رائحته أو لونه.
6- استحباب الإفطار على الماء إذا لم يجد الحلو.
ص: 66
-----------------------------------------------------------------------------
2- باب أَنّ ماء البحر طاهر مطهّر وكذا ماء البئر وماء الثلج
قد ظهر ممّا سبق عدم الفرق بين أنواع المياه في الحكم المذكور، بلا خلاف إلّا ممّن تقدّمت الإشارة إليهم .
وكأنّ روايات الباب ناظرة للخلاف المشار إليه في ماء البحر،كما أنّها لم تتعرّض لغيره هنا، ولعلّ المصنّف أشرك غيره معه؛ لإجماع الأمة على عدم الفرق، وعدم الاعتداد بالخلاف المذكور؛ ولورود ماء البحر مقروناً بماء الثلج في جواب السؤال عن الثلج في غير روايات الباب، كرواية حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يجنب في السفر، لا يجد إلّا الثلج؟ قال: «يغتسل (يغسل) بالثلج أو ماء البحر»((1)).
وسيأتي في الأبواب التالية: أحكام ماء البئر في الأبواب الخاصّة به، وكذا حكم ماء الثلج في أبواب التيمم، إن شاء الله تعالى.
أمّا الخاصّة: فإجماعهم على أنّ ماء البحر وبقية المياه المطلقة طاهرة في
ص: 67
[332] 1- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ أَطَهُورٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ(1)»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
الأصل، مطهرة من الحدث والخبث. وبه قال جميع الفقهاء((3)).
وأمّا العامّة: فقد قال ابن قدامة: «كل صفة خلق الله عليها الماء من حرارة أو برودة أو عذوبة أو ملوحة أو غيرها، سواء نزل من السماء أو نبع من الأرض وبقي على أصل خلقته، فهو طهور... وهذا قول أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، إلّا أنّه روي عن ابن عمرو أنّه قال في ماء البحر لا يجزي من الوضوء ولا من الجنابة، والتيمم أعجب إليّ منه، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر»((4)).
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ ماء البحر طاهر في نفسه ومطهّر لغيره مطلقاً، وعلى هذا فيجوز رفع الحدث والخبث به، بلا فرق بين انحصار الماء به أو عدمه، وفي إطلاقه ردّ على ما نُسب إلى سعيد بن المسيّب من أنّه إذا كان المكلّف
ص: 68
[333] 2- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ أَطَهُورٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»(1).
وَرَوَاهُمَا الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
واجداً لماء آخر غير ماء البحر لم يجز له الوضوء به((3)).
سند الحديث:
للحديث سندان:
الأول: سند «الكافي»، وقد تقدّم أفراده سابقاً، والسند معتبر.
الثاني: سند «التهذيب»، الذي أشار إليه في الحديث الثاني من هذا الباب، وهو سند الشيخ إلى محمد بن يعقوب، فهو نفس السند السابق مضافاًإليه أسانيد الشيخ إلى الكليني، وقد تقدّم اعتبارها، فلا إشكال في اعتبار هذا السند أيضاً.
[2] - فقه الحديث:
هو نفس متن الحديث السابق.
ص: 69
سند الحديث:
ذكر له المصنف طريقين:
الأول: ما عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى .
وفيه: أبو بكر الحضرمي: وهو عبد الله بن محمد، عدّه ابن شهر آشوب من خواص الإمام الصادق (علیه السلام) ((1))،
وروى الكشي عن عمرو بن إلياس قال: دخلت أنا وأبي إلياس بن عمرو على أبي بكر الحضرمي وهو يجود بنفسه، قال: يا عمرو، ليست هذه بساعة الكذب أشهد على جعفر بن محمد أنّي سمعته يقول بهذا الأمر.
وفي رواية أُخرى: قال: أشهد على جعفر بن محمد أنّه قال: «لا يدخل النار منكم أحد»((2)).
وروى عنه المشايخ الثقات، وورد في «نوادر الحكمة» و«تفسيرالقمي»((3)).
والثاني: تقدّم الكلام عنه، وهو أيضاً معتبر.
ص: 70
[334] 3- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ فِي «قُرْبِ الْإِسْنَادِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ أَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على جواز رفع الحدث بماء البحر، ولازمه أنّه طاهر ومطلق؛ إذ لا يصحّ رفع الحدث بغير الطاهر والمطلق، وعلى هذا فيجوز رفع الخبث به بالإجماع؛ فإنّ كلّ ماء يرفع الحدث فإنّه يرفع الخبث، فقد دلّ على جواز رفع الحدث والخبث به، بلا إشكال.
سند الحديث:
تقدّم الكلام فيه في الباب الرابع من أبواب مقدمة العبادات((2))، وقلنا: إنّ عبد الله بن الحسن العلوي وإن لم يرد فيه توثيق إلّا أنّا ذكرنا في كتابنا «التقيّة» وجوهاً ثلاثة بها يمكن تصحيح جميع روايات قرب الإسناد بما فيها روايات عبد الله بن الحسن العلوي إذا كان يروي عن علي بن جعفر((3)).
ص: 71
[335] 4- جَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُحَقِّقُ فِي «الْمُعْتَبَرِ» قَالَ: قَالَ (علیه السلام) وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ(1)»(2).
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ(3)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ(4)، وَأَحَادِيثُ مَاءِ الثَّلْجِ تَأْتِي فِي بَحْثِ التَّيَمُّمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ(5)، وَأَحَادِيثُ مَاءِ الْبِئْرِ تَأْتِي قَرِيباً(6).
-----------------------------------------------------------------------------
[4] - فقه الحديث:
اشتمل الحديث على بيان حكمين لماء البحر:
الأول: أنّ ماء البحر طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث.
والثاني: أنّ ميتته حلال، أي: السمك المخرج منه حيّاً؛ فإنّه ميتة بحسب الظاهر، وهي طاهرة، ولا بد من المصير إلى الاختصاص بالسمك، وإلّا لزمتحليل جميع ما في البحر من الحيوان وليس كذلك إجماعاً.
ص: 72
سند الحديث:
الحديث مرسل.
والحاصل: أنّ في الباب أربعة أحاديث، ثلاثة منها معتبرة، وواحد مرسل.
والمستفاد من الباب أُمور، منها:
1- أنّ ماء البحر طاهر في نفسه، مطهّر لغيره.
2- أنّ ماء البحر كغيره من أنواع المياه المطلقة يرفع الحدث، ويزيل الخبث، سواء وجد معه ماء آخر أم لم يوجد.
3- أنّ ميتته - وهي كل ما كان له فلس وأُخرج حيّاً منه - حلال.
ص: 73
ص: 74
-----------------------------------------------------------------------------
3- باب نجاسة الماء بتغيّر طعمه، أو لونه، أو ريحه، بالنجاسة لا بغيرها، من أيّ قسم كان الماء
الماء المطلق إذا تغيّرت أوصافه - وهي الطعم أو اللون أو الرائحة - بسبب ممازجته لشيء، فإمّا أن تتغيّر بأوصاف الطاهر أو النجس، فإن تغيرت بأوصاف الطاهر لم يخرج الماء عن إفادة التطهير ما لم ينقلب إلى ماء مضاف، ولا فرق في التغيير بين ما إذا كان بما لا ينفك الماء عنه عادة كالتراب وورق الأشجار، أو كان بما ينفك عنه كالزعفران وماء الورد.
وإن تغيرت بأوصاف النجس الثلاثة - وهي الطعم أو اللون أو الرائحة - نجس، وأمّا إذا تغيرت بغير الأوصاف الثلاثة - كالحرارة والبرودة والخفّة والثقل - لم ينجس.
وهذا الحكم لا يختصّ بقسم من أقسام الماء دون آخر، بل كل الأقسام لها هذا الحكم إذا حصل فيها التغيّر المذكور.
والجدير بالذكر هنا: أنّ المحقق العاملي ادّعى في «المدارك» أنّ الأحاديث اقتصرت على التغيّر في الطعم والريح، ولم تتعرّض للتغيّر في
ص: 75
اللون، حيث قال: «أنّا لم نقف في روايات الأصحاب على ما يدل على نجاسة الماء بتغيّر لونه، وإنّما الموجود فيها نجاسته بتغيّر ريحه، كما ورد في صحيحتي أبي خالد القمّاط، وحريز بن عبد الله عن الصادق (علیه السلام) ، وما تضمّن ذلك عامي مرسل»((1)).
ووافقه صاحب «الحدائق» ضمناً، وقال في توجيه ذلك: «ولعلّ السرّ في اشتمال أكثر الأخبار على التغيّر الطعمي والريحي دون اللوني: أنّ تغيّر الطعم والريح أسرع من تغيّر اللون، أو لا ينفك تغيّر اللون من تغيرهما، فلا ثمرة في التعرّض له حينئذ»((2)).
والتحقيق: أنّ التغيّر باللون مذكور أيضاً في رواياتنا، كالحديث الثالث من هذا الباب؛ فإنّ فيه التغيّر بالدم، وهو التغيّر باللون عرفاً، وكذا الحديث السابع؛ فإنّ فيه التصريح بالتغيّر باللون، ومثله الحديث الحادي عشر من الباب التاسع؛ فقد جاء فيه: قلت: فما التغيّر؟ قال: «الصفرة، فتوضأ منه»، فإنّ ذكر خصوص الصفرة لبيان اللون الذي يحصل من ممازجة الجيفة.
وأيضاً توجد خمسة أحاديث في «مستدرك الوسائل» في الباب الثالث ذكر فيها التغيّر باللون صريحاً((3)).
هذا، مضافاً إلى التعليل المذكور عن صاحب «الحدائق»، لخلو أكثر
ص: 76
الأحاديث عن ذكر اللون؛ فإنّ التغيّر باللون ملازم للتغيّر بالطعم أو الريح في النجاسات؛ فإنّ النجاسات إذا أثّرت في تغيّر الماء بلونها لم ينفك ذلك عن التغيّر بالريح والطعم، فلعلّه لم يذكر التغيّر باللون لوجود الملازمة المذكورة.
والحاصل: أنّ المستفاد من عنوان الباب أمور:
أحدها: أنّ نجاسة الماء وخروجه عن طبعه يكون بالتغيّر بأحد الأوصاف الثلاثة للنجاسة - وهي الطعم واللون والرائحة - دون غيرها من الحرارة والبرودة وغيرهما.
الثاني: أنّ التغيّر المذكور حسّي.
الثالث: أنّ التغيّر يكون بالنجاسة لا بالمتنجس ولا بغيره.
الرابع: أنّ ما ذُكر لا يختلف باختلاف المياه من حيث القلّة والكثرة، ولا من حيث اعتصامها بالمادّة وعدمه.
أمّا الخاصّة: فلا خلاف ولا إشكال في أنّ الماء الجاري، بل كل ماء ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه الثلاثة، أعني: اللون أو الطعم أوالريح،كما عن «الحدائق»((1)).
وفي «الجواهر»: «أمّا نجاسة الجاري بذلك - بل جميع المياه - فلا أعلم
ص: 77
فيه خلافاً، بل عليه الإجماع محصّلاً ومنقولاً، كاد يكون متواتراً، بل في المعتبر: أنّه مذهب أهل العلم كافة. وفي المنتهى: أنّه قول كل من يحفظ عنه العلم»((1)).
إلا أنّ العلامة في «المختلف» قال: «اتفق علماؤنا - إلّا ابن أبي عقيل - على أنّ الماء القليل ينجس بالملاقاة، سواء تغيّر بها أو لم يتغيّر. وقال ابن أبي عقيل: لا ينجس إلّا بتغيّره بالنجاسة، وساوى بينه وبين الكثير»((2))
فهو خالفهم من جهة الملاقاة لا من جهة التغيّر.
وأمّا العامّة: فقد نقل النووي عن ابن المنذر أنّه قال: «أجمعوا أنّ الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيّرت طعماً أو لوناً أو ريحاً فهو نجس، ونقل الإجماع كذلك جماعات من أصحابنا وغيرهم، وسواء كان الماء جارياً أو راكداً، قليلاً أو كثيراً، تغيّر تغيّراً فاحشاً أو يسيراً، طعمه أو لونه أو ريحه، فكلّه نجس بالإجماع.
وقد سبق في المتغيّر بطاهر: أنّه لا يعتبر التغيّر اليسير على الأصح، وأنّه يضرّ تغيّر الأوصاف الثلاثة على قول ضعيف، وتقدّم الفرق، ويستثنى ممّاذكرناه: ما إذا تغيّر الماء بميتة لا نفس لها سائلة كثرت فيه، فإنّه لا ينجس على وجه ضعيف، مع قولنا بنجاسة هذا الحيوان، لكن لما كان هذا الوجه ضعيفاً لم يلتفت الأصحاب إليه فلم يستثنوه»((3)).
ص: 78
[336] 1- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُفِيدِ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «كُلَّمَا غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى رِيحِ الْجِيفَةِ فَتَوَضَّأْ مِنَ الْمَاءِ وَاشْرَبْ، فَإِذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ وَتَغَيَّرَ(1) الطَّعْمُ فَلَا تَوَضَّأْ مِنْهُ وَلَا تَشْرَبْ»(2).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، مِثْلَهُ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على جواز التوضؤ والشرب من الماء الذي لم يتغيّر بسبب وجود الجيفة لكثرته، والجيفة على ما في «القاموس»: جثّة الميّت وقدأراح، أي أنتن((4)).
ص: 79
وعلى عدم جوازهما إذا تغيّر؛ فإنّه حينئذ نجس، ولا يجوز الوضوء ولا الشرب من النجس إجماعاً. وذكر هذه النجاسة المخصوصة هو على وجه المثال، ولم يرد منه الحصر، فلا يقال: إنّ الحكم المستفاد من هذا الحديث وأمثاله أخصّ من المدّعى.
فالحديث يدلّ على اعتصام طبيعي الماء وعدم انفعاله بالنجاسة، إلّا إذا تغيّرت أوصافه المذكورة بالأوصاف المخصوصة للنجاسة.
كما يدلّ على مذهب ابن أبي عقيل، وهو القول بعدم نجاسة الماء إذا لاقته نجاسة ولم يتغيّر، على ما نقله عنه الأصحاب، وقد حمل على الكر؛ جمعاً بين الأدلة.
قال الفاضل التستري (رحمه الله) : «إذا كان الماء شاملاً للجاري وغيره - نظراً إلى كون اللام للجنس - لزم شموله للقليل والكثير أيضاً، فإمّا أن يلتزم ما نقل عن ابن أبي عقيل إن أبقي على حاله، أو عدم دلالته على المدعى بتمامه إن خصّص بالكثير»((1)).
وقد عرفت الوجه فيه.سند الحديث:
أورده المصنف بطريقين:
الأول: طريق الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار»، وقد تقدّمت أفراد
ص: 80
رجاله، والسند معتبر.
والثاني: طريق الكليني.
وفيه: محمد بن إسماعيل وهو مشترك بين أكثر من ثلاثة عشر شخصاً، لكن يدور الأمر بملاحظة الطبقة بين ثلاثة، وهم:
1- محمّد بن إسماعيل النيسابوري البندقي.
2- محمّد بن إسماعيل البرمكي المعروف بصاحب الصومعة.
3- محمّد بن إسماعيل بن بزيع.
وقد حققنا في كتاب «أُصول علم الرجال»: أنّ المراد من محمّد بن إسماعيل الذي يروي عن الفضل بن شاذان ويروي عنه الكليني هو الأول، وهو لم يوثّق، إلّا أنّ روايات الفضل بن شاذان التي يرويها الكليني والشيخ معتبرة؛ لوجود طريق آخر صحيح للكليني، كما أنّ للشيخ طرقاً متعدّدة في «الفهرست» و«المشيخة» تصل إلى ثمانية طرق، وبعضها صحيح((1)).
وقال في «منتقى الجمان»: «رواه في التهذيب والاستبصار بسند صحيحعن حريز، عن أبي عبد الله (علیه السلام) بلا توسط قوله عمّن أخبره، فلا تغفل، ولعلّ حريزاً رواه على الوجهين»((2)).
وقال المصنّف في شرحه على الكتاب: «ورواية حريز في سند الشيخ
ص: 81
بغير واسطة، وفي سند الكليني مرسلاً لا بعد فيه؛ لاحتمال روايته على الوجهين، ولأنّ طريق الأول أصح، كما أشار إليه في المنتقى»((1)).
أقول: يحمل السندان على تعدّد السماع، أحدهما بالواسطة والآخر بدونها، فهما روايتان بنفس المتن، وحريز سمع إحداهما من الإمام مباشرة، والأخرى بواسطة شخص عن الإمام (علیه السلام) ، وقد روى الشيخ الرواية الأولى، وروى الكليني الرواية الثانية، وعلى هذا فلا إشكال في اعتبار الرواية حينئذ.
ولكن يحتمل أنّ الرواية واحدة؛ لوحدة متنها ووحدة الراوي - وهو حريز - وكذا الراوي عنه، فالشيخ والكليني لم ينقلا إلّا رواية واحدة.
ولما كان الاحتمالان متساويين فلا يمكن إحراز نقل حريز مباشرة عن الإمام (علیه السلام) ؛ فإنّه يحتمل وجود واسطة مجهولة بينه وبين الإمام (علیه السلام) ، وعلى هذا فيتوقّف في الحكم على السند.
إلّا أن يقال باعتبار السند من جهتين:
إحداهما: أنّ حمّاد بن عيسى من أصحاب الإجماع، فيحكم بصحة ماصحّ عنه.
الثانية: أنّ كتاب حريز من جملة الكتب المشهورة المعوّل عليها - كما ذكر ذلك الصدوق(قدس سره) في أول «الفقيه» - وعليه فلا حاجة إلى ملاحظة السند.
ص: 82
[337] 2- وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ حَمَّادٍ - يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ - عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : فِي الْمَاءِ الْآجِنِ(1) : يُتَوَضَّأُ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ تَجِدَ مَاءً غَيْرَهُ فَتَنَزَّهَ مِنْهُ(2)و(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على كراهة الطهارة بالماء الآجن؛ فإنّ الماء إذا تغيّر بطول بقائه، لم يخرج عن كونه مطهّراً إلّا إذا خرج بالتغيّر عن الإطلاق، إلّا أنّه ورد النهي عن الوضوء به، كما في هذا الحديث، المحمول على الكراهة،ولعلّ النهي لاستيجاب هذا التغيّر النفرة وكراهة الطبع.
قال في «القاموس» : «الماء الآجن: الماء المتغيّر الطعم واللون»((4)).
وهل هو الماء المتغيّر مطلقاً - سواء تغيّر من قبل نفسه أو بمخالطة جسم طاهر - أو أنّه المتغيّر من قبل نفسه فحسب؟
ص: 83
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ(1)1*).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(2)2*).
أَقُولُ: حَمَلَهُ الشَّيْخُ عَلَى حُصُولِ التَّغَيُّرِ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ بِمُجَاوَرَةِ جِسْمٍ طَاهِرٍ، لِمَا مَضَى(3)3*)، وَيَأْتِي(4)4*)، وَهُوَ حَسَنٌ .
-----------------------------------------------------------------------------
فيه قولان: ذهب الشيخ إلى الأول، حيث قال: «والوجه في هذا الخبر إذا كان الماء قد تغيّر من قبل نفسه، أو بمجاورة جسم طاهر»((5))، ويؤيّده ما نقلناه عن أهل اللغة.
والظاهر من «المعتبر» و«المنتهى» و«الذكرى»((6))
- على ما في «مرآة العقول» - اختصاص الكراهة بما إذا كان تغيّره من قبل نفسه، ونقل هذا المعنى بعض مشايخ المجلسي عن بعض أهل اللغة((7))، وهو يقوي القول الثاني.
وظاهر هذا الحديث يوافق القول الأول.
ص: 84
سند الحديث:
أورده المصنف بثلاثة طرق:
الطريق الأول: بإسناده عن علي بن إبراهيم.
وللشيخ في «الفهرست» طريقان إلى علي بن إبراهيم:
أحدهما: عن جماعة، عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي الطبري، عن علي بن إبراهيم.
وثانيهما: عن المفيد رحمه الله، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن أبيه ومحمد بن الحسن وحمزة بن محمد العلوي ومحمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، إلّا حديثاً واحداً استثناه من كتاب «الشرايع» في تحريم لحم البعير، وقال : لا أرويه؛ لأنّه محال((1)).
والسند معتبر.
الطريق الثاني: ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، وهو معتبر أيضاً.
الطريق الثالث: ما رواه الشيخ بإسناده ، عن محمد بن يعقوب، وهو معتبر أيضاً.
ص: 85
[338] 3- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يَاسِينَ الضَّرِيرِ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ النَّقِيعِ تَبُولُ فِيهِ الدَّوَابُّ؟ فَقَالَ: «إِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ فَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ أَبْوَالُهَا فَتَوَضَّأْ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ إِذَا سَالَ فِي الْمَاءِ وَأَشْبَاهُهُ(1)»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
النقيع: البئر الكثير الماء((3))، والظاهر إطلاقه على ما اجتمع فيه الماء الكثير، بئراً كان أم غيره، كما يأتي.
والمفهوم من هذا الحديث: انفعال الكر بالتغيّر، ومقتضى إطلاق التغيّر هنا: الشمول لتغيّر اللون، فيكون ردّاً على من زعم خلو أخبارنا عن التغيّر باللون. هذا إذا أريد بالدواب غير المأكولة اللحم، فيكون النهي بسببالنجاسة كالمعطوف، أعني: الدم وأشباهه. ويمكن أن يراد بالدواب
ص: 86
المأكولة اللحم، ويراد بالتغيّر صيرورة الماء مضافاً.
وصدر الحديث دالّ على نجاسة أبوال الدواب، ولعلّه محمول على التقيّة؛ لأنّ العامّة ذهبوا إلى نجاسة أبوال البغال والحمير ونحوهما((1)).
وقوله: «وإن لم تغيّره أبوالها فتوضأ منه» ربما كان فيه إشارة إلى عدم جواز الشرب؛ لاشتمال الماء على فضلة لا يجوز شربها.
وأمّا قوله: «في الماء وأشباهه» فيحتمل عود الضمير في «أشباهه» إلى الدم، ويراد بأشباهه سائر النجاسات، ويحتمل أشباه الماء، ولا يخفى ما فيه. ويحتمل أشباه الدم من النجاسات ذوات الألوان.
سند الحديث:
فيه: ياسين الضرير: الذي لم يرد فيه شيء، نعم ورد في «نوادر الحكمة» بعنوان ياسين، وهو يروي عن حريز، فإن انطبق عليه فهو، وإلّا فلا دليل على وثاقته.
وعلى أي حال: فيمكن تصحيح الطريق باعتبار أنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع كتب حريز ورواياته.
قال الشيخ في «الفهرست»: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته الشيخ أبو عبد اللهمحمد بن محمد بن النعمان المفيد رحمه الله تعالى، عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد العلوي الموسوي، عن ابن نهيك، عن
ص: 87
[339] 4- وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عِيسَى، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْقَمَّاطِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) يَقُولُ فِي الْمَاءِ يَمُرُّ بِهِ الرَّجُلُ وَهُوَ نَقِيعٌ فِيهِ الْمَيْتَةُ وَ(1) الْجِيفَةُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : «إِنْ كَانَ الْمَاءُ قَدْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ فَلَا تَشْرَبْ وَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ فَاشْرَبْ وَتَوَضَّأْ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
ابن أبي عمير، عن حماد، عن حريز.
وأخبرنا عدّة من أصحابنا، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر ومحمد بن يحيى وأحمد بن إدريس وعلي بن موسى بن جعفر كلّهم، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد وعلي بن حديد وعبد الرحمن بن أبي نجران، عن حماد بن عيسى الجهني، عن حريز .
وأخبرنا الحسين بن عبيد الله، عن أبي محمد الحسن بن حمزة العلوي،عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز»((3)).
[4] - فقه الحديث:
قد يقال بدلالته على انفعال طبيعي الماء بالتغيّر بأوصاف الميتة، ويترتّب
ص: 88
على ذلك عدم جواز الشرب منه، وكذا الوضوء. وذكر الميتة والجيفة يحتمل المرادفة، ويحتمل المغايرة معنىً؛ فإنّ الجيفة على ما قيل: هي جثّة الميتة إذا أنتنت، فيكون عطف الجيفة على الميتة من عطف الخاص على العام.
ولكن قيل: إنّ الماء النقيع هو الماء الراكد، الذي يبقى مدّة في الفلوات، والقليل لا بقاء له((1))،
فعلى هذا يكون المراد من الماء هو الكثير كالغدير وأشباهه.
لا يقال: إنّ هذا الحديث وأشباهه - ممّا ادعي دلالته على عدم انفعال القليل إلّا بالتغيّر - مطلق شامل للقليل والكثير، ولم يفصّل فيها بينهما.
لأنه يقال: إنّ إطلاقها - على فرض التسليم - لا بد من رفع اليد عنه بما سيأتي من الأحاديث الدالة على انفعال القليل بمجرد الملاقاة للنجس.
سند الحديث:
جميع أفراد السند تقدمت ترجمتهم، والسند معتبر.
ص: 89
[340] 5- وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ كُرٍّ مِنْ مَاءٍ مَرَرْتُ بِهِ - وَأَنَا فِي سَفَرٍ - قَدْ بَالَ فِيهِ حِمَارٌ أَوْ بَغْلٌ أَوْ إِنْسَانٌ؟ قَالَ: «لَا تَوَضَّأْ(1) مِنْهُ وَلَا تَشْرَبْ مِنْهُ»(2).
قَالَ الشَّيْخُ: الْمُرَادُ بِهِ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ، وَاسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ تَأْتِي.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ بِقَرِينَةِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَيْسَ بِنَجَاسَةٍ.
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
الكرّ في اللغة: من أسماء الآبار، وقيل : هو الموضع يجمع فيه الماء الآجِنُ ليَصْفُوَ، والجمع كِرارٌ، وأطلق على الستين قفيزاً من الطعام، أي: ما يبلغ اثنا عشر وَسْقاً، كل وَسْقٍ ستون صاعاً((3)).
كما أطلق في الشرع على ما يبلغ ألف ومائتي رطل عراقي، أو ما يبلغ حدّه بالمساحة ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار، أو ثلاثة ونصف في ثلاثةونصف من الأشبار.
ص: 90
والظاهر أنّ المراد به هنا هو المعنى الشرعي؛ لشيوع إطلاقه في زمان الإمام (علیه السلام) على المعنى الشرعي.
والظاهر من السؤال والجواب: أنّ الكر يمكن أن ينفعل بالنجاسة، ويحتمل أن يكون بعضه قد تغيّر. وظاهر الكر أنّه غير زائد عنه، فينجس حينئذٍ بورود النجاسة عليه، وإن لم يتغيّر جميعه. وحمله الشيخ على تغيّر لونه أو طعمه أو رائحته، وله وجه؛ إذ تدل على ذلك أحاديث كثيرة تأتي في تضاعيف أبواب الكتاب.
وحمله على الكراهة - كما عن المصنّف - قريب ؛ بقرينة اشتماله على ما ليس بنجاسة، كبول الحمار والبغل.
سند الحديث:
إسناد الشيخ إلى الحسين بن سعيد عبارة عن طريقين، ذكرهما في «الفهرست»((1))،
كما تقدّم((2)).
والسند معتبر، وإضمار مثل أبي بصير لا يضر.
ص: 91
[341] 6- وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَاءِ وَفِيهِ دَابَّةٌ مَيْتَةٌ قَدْ أَنْتَنَتْ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ النَّتْنُ الْغَالِبَ عَلَى الْمَاءِ فَلَا يَتَوَضَّأْ وَلَا يَشْرَبْ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
دلّ على انفعال طبيعي الماء بالتغيّر بأوصاف الميتة؛ إذ يراد الجنس من لفظ الماء؛ فإنّ الحديث في مقام البيان لا الإجمال. وغلبة أحد أوصاف النجاسة على الماء يدلّ على قوّتها عليه، وقهرها لخاصيّته المطهِّرة. كما يدلّ بمفهومه على عدم تنجّس مطلق المياه قليلها وكثيرها إذا لم تكن ريح الميتة الواقعة فيها غالبة عليها. والماء في الحديث وإن كان غير مقيّد بالكثير - ليشكل بأنّ المفهوم منه أنّ النتن إذا لم يكن الغالب على الماء يتوضأ منه ويشرب - إلّا أنّ غيره من الأحاديث يقيّده.
سند الحديث:
سند الشيخ إلى سماعة كما في «التهذيب» و«الاستبصار» هكذا: «أخبرني الشيخ رحمه الله، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة»((2)).
وقد تقدّم الكلام في أحمد بن محمد، وفي وجه التصحيح لرواياته عن
ص: 92
[342] 7- وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْفُضَيْلِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْحِيَاضِ يُبَالُ فِيهَا؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ، إِذَا غَلَبَ لَوْنُ الْمَاءِ لَوْنَ الْبَوْلِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
أبيه، وأنّ للشيخ طريقاً معتبراً إلى جميع كتب وروايات الحسين بن سعيد، فالسند معتبر.
[7] - فقه الحديث:
الحياض: جمع حوض، وهو مجتمع الماء((2))، سواء كان في الصحاري أو غيرها، والظاهر أنّه لا يشترط في الإطلاق أن تكون محوّطة بما يمنع من سيلان الماء إلى جوانبه، كما في الأحواض المعدّة لحبس الماء.
وقول السائل: «يبال فيها»، يشمل ما كان بوله نجساً وما لم يكن كذلك، وقد يدّعى انصراف الحياض التي يبال فيها للكثير، كما هو الغالب في المياه الباقية في الصحاري والموجودة في الغدران والحياض المعدّة لها، وقد دلّ الحديث بالمنطوق على عدم انفعال الماء إذا كان لون البول مغلوباً بلونالماء، ومفهومه: أنّه إذا غلب لون البول على لون الماء ففيه بأس، أي: أنّه ينجّس الماء، وهذا الحديث من الأحاديث التي ورد فيها ذكر التغيّر باللون.
ص: 93
[343] 8- وَعَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: رَاوِيَةٌ مِنْ مَاءٍ سَقَطَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ جُرَذٌ أَوْ صَعْوَةٌ(1) مَيْتَةٌ، قَالَ: «إِذَا تَفَسَّخَ فِيهَا فَلَا تَشْرَبْ مِنْ مَائِهَا وَلَا تَتَوَضَّأْ، وَصُبَّهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَفَسِّخٍ فَاشْرَبْ مِنْهُ وَتَوَضَّأْ، وَاطْرَحِ الْمَيْتَةَ إِذَا أَخْرَجْتَهَا طَرِيَّةً، وَكَذَلِكَ الْجَرَّةُ وَحُبُّ الْمَاءِ وَالْقِرْبَةُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ».
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
فيه: العلاء بن الفضيل: وهو العلاء بن الفضيل بن يسار، قال النجاشي: «أبو القاسم النهدي، مولى، بصري، ثقة، له كتاب يرويه جماعة»((2))، ومرّ الكلام في بقية أفراد السند، وهو معتبر.
[8] - فقه الحديث:
الراوية - على ما في «تاج العروس» - : «المزادة فيها الماء، ويسمى البعير والبغلوالحمار الذي يستقى عليه راوية على تسمية الشيء باسم غيره؛ لقربه منه»((3)).
وفي كتاب «العين» أنّها : «أعظم من المزادة ، ويجمع : الروايا»((4)).
ص: 94
قَالَ: وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام) : «إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ رَاوِيَةٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ، تَفَسَّخَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَتَفَسَّخْ، إِلَّا أَنْ يَجِي ءَ لَهُ رِيحٌ تَغْلِبُ عَلَى رِيحِ الْمَاءِ(1)1*)»(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
والحب: الجرة الضخمة، ويجمع على: حببة وحباب((3)).
وقال ابن سيده: «الحب - الجرة الضخمة والجمع حباب وحببة سيبويه وأحباب... الحباب - أكبر من الدنان... والقلال - دون الحباب العظام، الواحدة: قلة. صاحب العين: هي الحب الكبير وفي الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجساً) - يعني به هذه الحباب»((4)).
والصَّعْوَةُ: صِغارُ العصافير، وقيل: هو طائرٌ أَصغرُ من العصفور وهو أَحمر الرأْس، وجمعُه صِعاءٌ على لفظ سِقاءٍ، ويقال: صَعْوَةٌ واحدةٌ وصَعْوٌ كثيرٌ، والأُنثى صَعْوة، والجمع صَعَواتٌ((5)).
ص: 95
والجرذ: ضرب من الفأر، والجمع الجُرذان((1)).
ظاهر الحديث الأول التفصيل بين تفسّخ الميتة - كالفأرة - وعدمه في الراوية من الماء والقربة وما بينهما من الأواني؛ فإن سقطت ميتةً وتفسّخت حرم الشرب منه، ولم يصح الوضوء به، ولزم صبّه، والأمر بصبّه لعدم الانتفاع به فيهما. وإن سقطت ميتةً ولم تتفسّخ لم يحرم الشرب منه، وصحّ الوضوء به.
ويفهم من قوله (علیه السلام) : «واطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة» أنّ إخراجها طريّة هو في قبال تفسّخها، بمعنى: تفرّق أجزائها في الماء، الملازم غالباً لتغيّر الماء بأوصافها.
وكأنّ هذا التفصيل لا يجري فيما هو أقلّ من الجرّة كالكوز ونحوه، فالحديث مشعر بانفعال الماء مطلقاً، تفسّخت الميتة أم لم تتفسّخ.
هذا كلّه بناء على ما هو الظاهر من كون الراوية أقل من الكر، كما أنّ الحب والقربة كذلك، وهما شريكان في الحكم معها.ولكن هذان الحكمان ممّا لم يقل بهما أحد؛ إذ القائل بالتنجّس لا يفرق بين تفسّخ الميتة وعدمه، وكذا القائل بعدم التنجّس، وهو ابن أبي عقيل ومن وافقه، فإنّه لم يفصّل أيضاً. وكذا الكلام في أفراد الماء القليل.
وقد حاول الشيخ توجيه الحديث في «التهذيب»، كما سيأتي عن المصنّف في الحديث اللاحق.
ص: 96
[344] 9- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى، عَنْ حَرِيزٍ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ رَاوِيَةٍ - وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ -(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وظاهر الحديث الثاني: أنّ الماء إذا كان أكثر من الراوية لم ينفعل بشيء من النجاسات، ولو كانت النجاسة ممّا يتفسّخ كالميتة صغيرها وكبيرها، إلّا إذا حصل في الماء ريح من النجاسة غالبة على ريح الماء، وهذا الكلام قابل للتقييد بالكر.
سند الحديث:
قد تقدّمت أفراده، وهو معتبر، وإن ضعّف الشيخُ عليَّ بن حديد في بعض الموارد، إلّا أنّ التحقيق وثاقته كما ذكرنا ذلك في «أصول علمالرجال»((2))،
مضافاً إلى أنّ للشيخ نفسه طريقاً معتبراً إلى جميع كتب وروايات حريز.
[9] - فقه الحديث:
هو نفس الحديث الثاني السابق في ذيل الحديث الثامن.
ص: 97
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(1)1*).
أَقُولُ: حَمَلَهُ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إِذَا بَلَغَ حَدَّ الْكُرِّ، وَكَذَلِكَ أَوْعِيَةُ الْمَاءِ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّهَا تَسَعُ الْكُرَّ؛ لِمَا يَأْتِي مِنَ الْمُعَارِضَاتِ الصَّرِيحَةِ(2)2*)، مَعَ احْتِمَالِ هَذَا وَأَمْثَالِهِ لِلتَّقِيَّةِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهَا.
-----------------------------------------------------------------------------
وقد ذكر الشيخ محمد في «استقصاء الاعتبار»: أنّه «لا يخفى أنّ ظاهره كون الراوية أقل من كر؛ لأنّ قوله: وقال أبو جعفر: (إذا كان الماء أكثر من راوية) يدلّ على ذلك، ولو حملت الراوية على الكر - كما قال الشيخ (رحمه الله) - لم تظهر فائدة في قوله (علیه السلام) : (فإن كان الماء أكثر من راوية) ... وقد يمكن توجيه الزيادة على الراوية - أي: في هذا الحديث الثاني - بأنّ الراوية إذا كانت كُرّاً فقط فمن المستبعد مع التفسّخ أن لا يتغيّر شيء منالماء، ومع تغيّر شيء منه ينجس جميعه؛ لأنّ المفروض كونه بمقدار الكر. واحتمال حصول التغيّر مع عدم التفسخ وإن أمكن؛ إلّا أنّ بُعده اقتضى عدم ذكره. والتكلّف في هذا الوجه غير خفي»((3)).
ولا يبعد الحمل على التقيّة؛ لأنّ الكثير عند العامة هو ما بلغ قلتين، وهما بالوزن خمسمائة رطل بالعراقي، كما يأتي في الباب التاسع من هذه
ص: 98
[345] 10 - وَعَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنِ الرِّضَا (علیه السلام) ، قَالَ: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ شَيْ ءٌ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الأبواب، وسيأتي في الباب الحادي عشر منها أنّه عند الخاصة ألف ومائتا رطل.
سند الحديث:
قد أورده المصنف بطريقين:
أحدهما: طريق «الكافي»، وهو معتبر.
ثانيهما: طريق الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار»، عن الكليني، وهو كسابقه في الاعتبار، كما هو واضح.
[10] - فقه الحديث:
الواسع: ضد الضيّق، بمعنى: أنه واسع كمّاً أو حكماً، بمعنى: أنّه لا ينفعل ولا يتأثّر بمجرد ملاقاته للنجاسة، وهذا الحديث وإن كان مطلقاً يشمل ملاقاة النجاسة والمجاورة، إلّا أنّ المراد فيه التغيّر بالملاقاة خاصة؛ لوجود القرينة الخارجية المعيِّنة لذلك، وهي: أنّ المراد بالشيء هو الذي من شأنه أن ينجّس الماء، لا مطلق ما يصدق عليه مفهوم الشيء، ومجاورة النجاسة
ص: 99
[346] 11- وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - وَأَنَا حَاضِرٌ - عَنْ غَدِيرٍ أَتَوْهُ وَفِيهِ جِيفَةٌ؟ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ الْمَاءُ قَاهِراً وَلَا تُوجَدُ مِنْهُ الرِّيحُ فَتَوَضَّأْ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
للماء ليس من شأنه أن ينجّس، فيكون معنى الحديث: أنّ ماء البئر واسع لا تفسده ملاقاة النجاسة، إلّا أن توجب تلك الملاقاة تغيّره.
وبهذا تتضح دلالة الحديث على عدم انفعال ما له مادة إلّا إذا تغيّر بأحد أوصاف النجاسة. ومقتضى إطلاق التغيّر هنا: الشمول لتغيّر اللون. هذا إذا كان هذا الحديث حديثاً مستقلّاً ولم يكن جزءاً من الحديث الثاني عشر الآتي الخالي عن ذكر التغيّر باللون.
سند الحديث:
تقدّمت رجاله، والسند معتبر.
[11] - فقه الحديث:
دلّ بمفهومه على انفعال الكر بريح النجاسة إذا كانت غالبة، فلا يصح الوضوء منه، ودلّ بمنطوقه على عدم نجاسته إذا كان قاهراً لخاصّية الريحبكثرته، فيجوز الوضوء به حينئذٍ.
ص: 100
[347] 12- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الرِّضَا (علیه السلام) ، قَالَ: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ(1) شَيْ ءٌ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ، فَيُنْزَحُ حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ وَيَطِيبَ طَعْمُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَادَّةً»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
السند معتبر، وإن اشتمل على رواية محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمن، الذي تقدّم عدم الإشكال من جهتها.
[12] - فقه الحديث:
هو نفس الحديث العاشر، إلّا أنّ فيه زيادة: «ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه؛ لأن له مادة».
وقد دلّ على عدم انفعال ما له مادة، إلّا إذا تغيّر بأحد أوصاف النجاسة. ودلّ أيضاً على حصول الطهارة بمجرّد زوال التغيّر.
وقوله (علیه السلام) : «لأنّ له مادة»، تعليل، إمّا راجع إلى الحكم الأول - وهو ما تضمّنه صدر الحديث - لأنّه هو الذي سيق له البيان، أو أنّه تعليل للحكمالثاني - وهو ما تضمّنه الذيل - باعتباره الأقرب، أو أنّه يرجع لكلا الحكمين؛
ص: 101
لاحتياجهما معاً للتعليل، ولكونهما معاً واقعين مورداً للبيان.
سند الحديث:
إسناد الشيخ إلى أحمد بن محمد: ذكر في «المشيخة» عدّة طرق:
الأول: أبو الحسين بن أبي جيّد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد .
الثاني: الشيخ رحمه الله - أي المفيد - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد.
الثالث: وما ذكرته عن أحمد بن محمد بن عيسى الذي أخذته من نوادره، فقد أخبرني به الشيخ أبو عبد الله والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلّهم، عن الحسن بن حمزة العلوي ومحمد بن الحسين البزوفري، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
الرابع: الحسين بن عبيد الله وأبو الحسين بن أبي جيّد جميعاً، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
الخامس: الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه محمد بن يحيى، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد.
وإسناد الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى في «الفهرست»: «أخبرنا
ص: 102
بجميع كتبه ورواياته عدّة من أصحابنا، منهم: الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيّد، عن العطار، عن أبيه وسعد بن عبد الله، عنه.
وأخبرنا عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار وسعد جميعاً، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
وروى ابن الوليد المبوّبة عن محمد بن يحيى والحسن بن محمد بن إسماعيل، عن أحمد بن محمد»((1)).
ويشير بالمبوّبة في السند الثالث إلى كتاب «النوادر» الذي كانت نسخته غير مبوّبة فبوّبها داود بن كورة.
قال السيّد الأُستاذ: «كلاهما - يعني السندين الأولين في الفهرست - ضعيف، أحدهما: بأحمد بن محمد بن يحيى، والآخر: بأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد.
نعم، طريقه إلى كتاب المبوّبة صحيح؛ فإنّ المراد بابن الوليد الواقع في طريقه: هو محمد بن الحسن، لا ابنه؛ فإنّه المعهود والمتعارف في كلامه. على أنّ روايته عن محمد بن يحيى قرينة على ذلك»((2)).
بل لا يضرّ وجود أحمد بن محمد بن يحيى العطار في بعض هذه الطرق. ولا ينبغي التوقّف في ما يرويه الشيخ في «التهذيب» عن أحمد بن محمد
ص: 103
بن عيسى؛ لاحتمال أن يكون ما يرويه من جملة ما يرويه بواسطة أحمد بن محمد بن يحيى؛ وذلك لما قاله السيد الأستاذ(قدس سره) من أنّ «الجملة التي يرويها الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى بواسطة أحمد بن محمد بن يحيى، إنّما يرويه عنه، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري.
وقد ذكر في الفهرست، في ترجمة محمد بن علي بن محبوب: أنّ جميع ما رواه عن محمد بن علي بن محبوب بواسطة أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه عنه، فله إليها طريقان آخران:
أحدهما : ضعيف بأبي المفضّل، وبابن بطة.
وثانيهما: صحيح، وهو ما يرويه عن جماعة، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس، عنه. وعليه يكون طريق الشيخ إلى جميع رواياته، عن أحمد بن محمد بن عيسى صحيحاً في المشيخة .
ثم إنّ الذي يظهر من الشيخ في ترجمة أحمد بن محمد بن عيسى: أنّ كتابه في الفقه، كان منحصراً بالمتعة وبالنوادر، وكان غير مبوّب، فبوّبه داود بن كورة؛ إذ لو كان له كتاب آخر - وقد روى عنه الشيخ فيالتهذيبين - لذكره في الفهرست لا محالة، وذكر طريقه إليه. نعم، ذكر النجاشي له كتاب الحج أيضاً.
وغير بعيد أن يكون هذا - أيضاً - جزءاً من النوادر؛ فإنّ الشيخ لم يذكره،
ص: 104
ومع ذلك روى عن أحمد بن محمد بن عيسى روايات كثيرة في الحج، وقد التزم أن لا يروي إلّا عن كتاب من يبدأ باسمه. وعليه فلو أغمضنا عمّا ذكرناه، فإنّما يتوقّف فيما يرويه الشيخ عنه من أحكام المتعة. وأمّا في غير ذلك، فلا وجه للتوقّف فيه؛ فإنّ طريقه إلى كتاب النوادر صحيح في المشيخة والفهرست. وكيف كان فلا وجه للتوقّف في رواياته عن أحمد بن محمد بن عيسى»((1)).
كما لا يضرّ وجود ابن أبي جيّد؛ لأنّه من مشايخ النجاشي.
ولكنّا ذكرنا في «أُصول علم الرجال»: أنّ أحمد بن محمد - مضافاً لوثاقته؛ فإنّه قد ترضّى عليه الصدوق - يمكن تصحيح كل ما يرويه عن أبيه على فرض عدم قبول وثاقته؛ وذلك لأنّ للصدوق وللشيخ طرقاً متعدّدة إلى روايات أبيه، ولا تنحصر الروايات في أحمد بن محمد بن يحيى((2)).
كما أنّ عدم ثبوت وثاقة أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد لا تضرّ بصحة الروايات. وكل ما يرويه عن أبيه معتبر؛ وذلك لأنّ جميع رواياته فيالكتب الأربعة رواها عن أبيه محمد بن الحسن، وللشيخ ثلاثة طرق إلى محمد بن الحسن، اثنان منها - وهما معتبران - لا يشتملان على أحمد.
كما أنّ الصدوق في طبقة واحدة مع محمد بن الحسن، ويروي عنه لا عن ابنه((3)).
ص: 105
[348] 13- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سُئِلَ الصَّادِقُ (علیه السلام) عَنْ غَدِيرٍ فِيهِ جِيفَةٌ؟ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ الْمَاءُ قَاهِراً لَهَا لَا يُوجَدُ الرِّيحُ مِنْهُ فَتَوَضَّأْ وَاغْتَسِلْ»(1).
[349] 14- قَالَ: وَقَالَ الرِّضَا (علیه السلام) : «لَيْسَ يُكْرَهُ مِنْ قُرْبٍ وَلَا بُعْدٍ بِئْرٌ - يَعْنِي قَرِيبَةً مِنَ الْكَنِيفِ - يُغْتَسَلُ مِنْهَا وَيُتَوَضَّأُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ»(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
وعلى هذا فالسند معتبر.
[13] - فقه الحديث:
مضى مضمونه في الحديث الحادي عشر، وقد دلّ على انفعال الكر.سند الحديث:
من مراسيل الصدوق في «الفقيه»، ومرّ مراراً أنّها معتبرة أم لا.
[14] - فقه الحديث:
دلّ على انفعال ما له مادة إذا تغيّر بأحد أوصاف النجاسة، ودلّ أيضاً على أنّ تقارب البالوعة من البئر بمجرّده لا يوجب كراهة الوضوء ولا الشرب من مائها.
ص: 106
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ(1)1*)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ(2)2*)، وَبَعْضُ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ مُطْلَقٌ، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْيِيدِهِ فِي غَيْرِ الْجَارِي وَالْبِئْرِ بِبُلُوغِ الْكُرِّيَّةِ(3)3*).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
هو من مراسيل الصدوق في «الفقيه»، ولكن سوف يورده المصنّفمسنداً في الباب الرابع عشر من أبواب الماء المطلق، الحديث الرابع.
والحاصل: أنّ في الباب أربعة عشر حديثاً، المعتبر منها اثنا عشر، والحديثان الآخران غير معتبرين على قولٍ، وتقيّد كلّها بالماء الكر، والانفعال بتغيّر الماء.
والمستفاد من أحاديث الباب أمور، منها:
1- أنّ الماء ينجس باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه الثلاثة، أعني: اللون أو الطعم أو الريح .
ص: 107
2- أنّ الماء الذي لم تغيّره النجاسة الواقعة فيه بسبب كثرته طاهر يجوز الشرب منه، والطهارة به.
3- أنّ طبيعي الماء لا ينجس إلّا بتغيّر أوصافه الثلاثة بالأوصاف المخصوصة للنجاسة. وسيأتي أنّ ذلك مقيّد بغير القليل.
4- أنّ الطهارة بالماء الآجن مكروهة.
5- أنّ الكر ينفعل بالتغيّر بالأوصاف المخصوصة للنجاسة.
6- أنّ ما له مادة لاينفعل إلّا إذا تغيّر بأحد أوصاف النجاسة.
7- أنّ الطهارة تحصل بمجرّد زوال التغيّر في ما له مادة.
8- أنّ الماء النقيع إذا وقعت فيه ميتة، فإن تغيّر انفعل، وإلّا فلا، وكذا ماء الحياض، وماء الراوية، وماء الغدير، وماء البئر.
9- أنّ ماء البئر إذا كان قريباً من الكنيف لا ينفعل ما لم يتغيّر بالنجاسة،ولا يكره شربه، ولا الوضوء به.
فروع:
الفرع الأول: يشترط أن يكون التغيّر مسبّباً عن ملاقاة الماء للنجاسة، وأمّا إذا كان مسبّباً بغير الملاقاة من أسباب التغيّر كالمجاورة للنجاسة - كما إذا كانت الميتة مجاورة للماء فأنتنت وسرى النتن إلى الماء - لم يتنجس الماء؛ فإنّ النصوص بين ما هو صريح في ملاقاة الماء للنجاسة كالميتة والبول بوقوعهما فيه أو تفسّخ الميتة فيه، وبين ما لم يرد في مورد الملاقاة،
ص: 108
إلّا أنّ القرينة الخارجية تدلّ على إرادتها، كصحيح ابن بزيع؛ فإنّ قول الإمام (علیه السلام) فيها «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر» مطلق يشمل التغيّر بالملاقاة والتغيّر بالمجاورة، إلّا أن القرينة قامت على إرادة التغيّر بالملاقاة خاصة، والقرينة هي: أنّ المراد بالشيء هو الذي من شأنه أن ينجّس الماء، لا مطلق ما يصدق عليه مفهوم الشيء ، ليدخل فيه كل ما هو أجنبي عن التنجيس،كما هو واضح، إلّا أنّ هذا الشيء لا ينجّس ماء البئر؛ لأنّه واسع. وقرب النجاسة من الماء ليس من شأنه أن ينجّس، فيكون معنى الحديث: أنّ ماء البئر واسع لا تفسده ملاقاة النجاسة، إلّا أن توجب تلك الملاقاة تغيّره.
الفرع الثاني: يشترط أن يكون التغيّر بأوصاف النجاسة دون المتنجس، فلو وقع في الماء دبس متنجس وغيّره إلى أوصافه من الطعم واللونوالرائحة لم ينجس الماء، ما لم يصيّره مضافاً؛ لأنّ الأحاديث واردة في التغيّر بأعيان النجاسات كالميتة والبول ونحوهما، لا بالمتنجسات.
لا يقال: إنّ قوله (علیه السلام) في صحيح ابن بزيع: «لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر» شامل لكل من النجس والمتنجس، وعليه لا يشترط أن يكون التغيّر ناتجاً عن خصوص النجس، بل يعمّ التغيّر الناتج عن المتنجس أيضاً.
لأنّا نقول: إنّ قوله (علیه السلام) بعد ذلك: «إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه»، إنما يصح إذا كان التغيّر الحاصل
ص: 109
بالطعم أو الريح تغيّراً بريح كريهة أو طعم خبيث، كما هو الحال في التغيّر الحاصل بالنجاسات؛ إذ مع فرض طيب الطعم أو الريح لا معنى لطيبه ثانياً.
وأمّا المتنجسات فربما يكون ريحها أو طعمها طيبين كما في العطر والدبس المتنجسين. ولا يصح في مثلهما أن يقال: ينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم، وعلى هذا يكون المقدار المتيقن منه هو التغيّر بالنجاسات، فلا بد من الاقتصار عليه.
الفرع الثالث: يشترط أن يكون التغيّر حسيّاً، فلا يضر التغيّر التقديري، فلو كان لون الماء أحمر، أو أصفر، فوقع فيه مقدار من الدم كان يغيّره لو لم يكن كذلك، لم ينجس؛ لأنّ الأحاديث ظاهرة في أنّ التغيّر بنفسه موضوع، فيدور الحكم بالنجاسة مدار فعلية التغيّر، لا أنّه طريق إلى أمر آخر وهو الكم الخاص من النجس، وهذا الكم هو الموجب للانفعال، والتغيّر بأحدالأوصاف طريق إليه.
ص: 110
-----------------------------------------------------------------------------
4 - باب الحكم بطهارة الماء إلى أن يعلم ورود النجاسة عليه، فإن وجدت النجاسة فيه بعد استعماله وشك في تقدّم وقوعها وتأخّره حكم بالطهارة
تعرّض المصنّف في هذا الباب لبيان مسألتين:
الأُولى: أنّ الماء محكوم بالطهارة إلى أن يعلم ورود النجاسة عليه، إذا لم يعلم أنّ الحالة السابقة له هي النجاسة، وإلّا كان المتعيّن استصحابها.
الثانية: أنّه إذا وجدت النجاسة في الماء بعد استعماله، وشُك في تقدّم وقوعها على الاستعمال وتأخّره حُكم بالطهارة.
ص: 111
[350] 1- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنْ رَجُلٍ يَجِدُ فِي إِنَائِهِ فَأْرَةً، وَقَدْ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ مِرَاراً أَوِ اغْتَسَلَ مِنْهُ أَوْ غَسَلَ ثِيَابَهُ، وَقَدْ كَانَتِ الْفَأْرَةُ مُتَسَلِّخَةً، فَقَالَ: «إِنْ كَانَ رَآهَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَمَا رَآهَا فِي الْإِنَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَ ثِيَابَهُ، وَيَغْسِلَ كُلَّ مَا أَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَيُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا رَآهَا بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ فَلَا يَمَسَّ مِنْ ذَلِكَ(1) الْمَاءِ شَيْئاً، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْ ءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى سَقَطَتْ فِيهِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا سَقَطَتْ فِيهِ تِلْكَ السَّاعَةَ الَّتِي رَآهَا»(2).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى، مِثْلَهُ(3).
وَرَوَاهُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، مِثْلَهُ(4).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
ذكر هذا الحديث في مدارك قاعدة الطهارة، وهو خاص بمورد خاص،وهو الماء، فلا يمكن الاستدلال به على القاعدة الكلّية في جميع الأشياء.
ص: 112
وأصالة الطهارة لا تختصّ بالشبهات، وإن كان هذا الحديث ظاهراً في الاختصاص بها، وقد ناقش بعض المحدِّثين كالاسترابادي ((1))- كما نسب إليه في «الحدائق» - في شمول أصالة الطهارة للشبهات الحكميّة، ومال إلى ذلك صاحب «الحدائق» أيضاً((2)).
وقد دلّ على الأمر بغسل كل ما لاقاه الماء المتنجس بميتة الفأرة، فالمتنجّس نجس ومنجّس من غير فرق في الملاقَى بين غير الماء كالثوب وبين الماء سواء كان مطلقاً او مضافاً، قليلاً او كثيراً، نعم ورد الدليل على خروج الماء المطلق اذا كان كراً وبقي تحته الباقي، كما دلّ على إعادة الوضوء والصلاة التي صلّاها بذلك الوضوء، فيفيد وجوب طهارة أعضاء الوضوء وطهارة مائه، ووجوب طهارة بدن المصلي وثيابه حال الصلاة. ولولا أنّ المتنجّس منجّس لم يكن وجه لأمره هذا بوجه.
وعدم التفصيل بين الوقت وخارجه يدلّ على شمول الحكم لهما، ويظهر ذلك من نفس سؤال الراوي؛ حيث قال: «قد توضأ من ذلك الإناء مراراً»، فإنّه يدلّ على خروج وقت بعض صلواته.
وهو دالّ بعمومه أيضاً على عدم الاكتفاء بزوال عين النجاسة عنالملاقي، بل لابد من الغسل؛ حيث قال (علیه السلام) : «إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه، ثم فعل ذلك بعدما رآها في
ص: 113
الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه ويغسل كل ما أصابه ذلك الماء ويعيد الوضوء والصلاة».
ودلّ أيضاً على أنّه إذا رأى النجاسة بعد الفراغ من استعمال الماء، فيجب عليه الاجتناب عنه فيما يأتي؛ لأنّه أصبح على يقين من نجاسته، وأمّا طهارته السابقة على العلم بالنجاسة فهي غير منتقضة، وكذا ثوبه الذي غسله بذلك الماء؛ لأنّه يجهل تأريخ سقوط النجاسة فيه. وهذا التعليل يفيد: أنّه لو كان قد علم بسقوطها فيه قبل الطهارة أو غسل الثوب، لوجب إعادة الطهارة وغسل كل ما أصابه ذلك الماء. وإنّما لم يجب عليه شيء من ذلك؛ لوجود احتمال وقوع النجاسة في الماء في الساعة التي رآها فيه.
فالحديث يدلّ على أنّ العلم بالنجاسة شرط في ترتيب أثر وجودها، وأنّ الطهارة بالماء النجس باطلة، وأنّ احتمال الطهارة كافٍ في الحكم بها، فلا يجوز الحكم بالنجاسة مع وجوده.
وفي هذا ردّ على أهل الوسواس؛ فإنّ احتمال الطهارة موجود عند أغلبهم، وقد جاء الحكم بعدم ترتيب آثار النجاسة مع وجود احتمال الطهارة.
سند الحديث:
ذكر المصنّف ثلاثة أسانيد لهذا الحديث:
السند الأول: ما رواه الصدوق بإسناده عن عمّار الساباطي.
وسنده إلى عمّار هكذا: «كل ما كان في هذا الكتاب - أي كتاب «من
ص: 114
لايحضره الفقيه» - عن عمّار بن موسى الساباطي، فقد رويته عن أبي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد المدائني، عن مصدق بن صدقة، عن عمّار بن موسى الساباطي»((1))،
وهو موثّق.
مضافاً لتصريح الشيخ في «الفهرست» بأنّ: «له كتاب كبير، جيّد معتمد»((2)).
كما أنّ النجاشي ذكر أن كتابه يرويه جماعة((3))، فلا يحتاج إلى الطريق.
السند الثاني: ما رواه الشيخ عن عمار.
وسنده إلى عمار هكذا: «رويناه بالإسناد الأول عن سعد والحميري، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن عمرو بن سعيد المدائني، عنمصدق بن صدقة، عنه»((4)).
وأراد بالإسناد الأول: أبا عبد الله المفيد، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن سعد. وهو موثّق كسابقه.
السند الثالث: ما رواه الشيخ أيضاً بإسناده عن إسحاق بن عمّار.
وإسناده إلى إسحاق بن عمّار هكذا: «أخبرنا به الشيخ أبو عبد الله المفيد
ص: 115
[351] 2- وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «الْمَاءُ كُلُّهُ طَاهِرٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ قَذِرٌ»(1).
أَقُولُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضاً(2)2*)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ(3)3*) إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
-----------------------------------------------------------------------------
رضي الله عنه والحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير، عنإسحاق هذا»((4)).
وهذا الإسناد صحيح.
مضافاً إلى أنّ الشيخ قال في «الفهرست»: «له أصل، وكان فطحيّاً، إلّا أنّه ثقة، وأصله معتمد عليه»((5))،
فالسند موثق.
[2] - فقه الحديث:
تقدّم بيان فقه الحديث في الباب الأول.
ص: 116
سند الحديث:
أيضاً قد تقدّم الكلام فيه بأسانيده الأربعة.
والحاصل: أنّ في الباب حديثين، أولهما معتبر دون الثاني.
والمستفاد منهما أمور، منها:
1- وجوب غسل كل ما لاقاه الماء المتنجّس؛ لأنّ المتنجّس منجّس.
2- كل ماء محكوم بالطهارة حتى يُعلَم أنّه قد نجس.
3- أنّ العلم بالنجاسة شرط في ترتيب أثر وجودها.
4- أنّ الفأرة نجسة إذا ماتت.
5- أنّه لا يكتفى بزوال عين النجاسة عن الملاقي، بل لابدّ من الغسل.6- أنّ النجاسة إذا وجدت في الماء بعد استعماله، وحصل الشكّ في تقدّم وقوعها عليه وتأخره عنه فإنّه يُحكم بالطهارة.
7- أنّ الطهارة بالماء النجس باطلة.
8- أنّ احتمال الطهارة كافٍ في الحكم بها.
9- وجوب طهارة أعضاء الوضوء وطهارة مائه.
10- وجوب طهارة بدن المصلي وثيابه حال الصلاة.
ص: 117
ص: 118
-----------------------------------------------------------------------------
5 - باب عدم نجاسة الماء الجاري بمجرّد الملاقاة للنجاسة ما لم يتغيّر
الماء الجاري: هو النابع السائل على وجه الأرض، فوقها، أو تحتها، كبعض القنوات.
فيشترط في الجاري النبع والسيلان، وأمّا ما كان نابعاً وله مادة، غير سائل كالعيون، أو كان له جريان وليست له مادة كالماء الذي يجري من سفوح الجبال، فلا يطلق عليه الجاري، ولا تعمّه أحكامه من هذه الجهة؛ فإنّ الجاري ظاهر في الفعليّة، وهذا التعريف هو المشهور، بل ادعي عليه الإجماع.
وذهب بعضهم إلى كفاية الجريان في صدق عنوان الجاري، كما عن ابن أبي عقيل((1)).
وذهب بعضهم إلى كفاية مجرّد النبع في صدق الماء الجاري بلا اعتبار السيلان، كما عن الشهيد الثاني في «المسالك»((2)).
ص: 119
ولا يشترط فيه أن يكون خروجه بالدفع والفوران من الأرض، بل يكفي أن يخرج منها بالرشح، بل الغالب خروجه في أكثر البلدان على نحو الرشح.
وحكمه أنّه لا ينجس بملاقاة النجاسة إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بها، بلا فرق بين أن يكون كرّاً أو غير كرٍّ، وهو ظاهر السيّد في «جمل العلم والعمل»((1))، وظاهر «الخلاف» و«الغنية» و«المعتبر» و«المنتهى» الإجماع على عدم اعتبار الكرّية((2)).
والباب مبني على قول المشهور.
أمّا الخاصّة: فقال الشيخ في «الخلاف»: «الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة لا ينجس بذلك إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه، سواء كان الماء فوق النجاسة أو تحتها أو مجاوراً لها، وسواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة»((3)).
وقال العلامة في «التذكرة»: «الجاري الكثير - كالأنهار الكبار والجداول الصغار - لا ينجس بملاقاة النجاسة إجماعاً منّا»((4)).
ص: 120
[352] 1- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، وَكُرِهَ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وأمّا العامّة: فقد قال الشافعي: الماء الذي قبل النجاسة طاهر، وما بعدها إن كانت النجاسة لم تصل إليه فهو طاهر، وأمّا ما يجاوره ويختلط به، فإن كان أكثر من قلّتين فهو أيضاً طاهر، وإن كان أقل منهما فإنّه ينجس((2)).
[1] - فقه الحديث:
استدل بهذا الحديث ونحوه على اعتصام الماء الجاري عن النجاسة، بتقريب: أنّ نفي البأس عن البول فيه، وسكوت الإمام (علیه السلام) عن بيان تنجّسه - مع أنّه من وظائف الإمام (علیه السلام) - معناه: أنّه لا ينفعل بالنجاسة.
كما يدّعى ذلك في الأخبار الدالّة على كفاية الغسل في الجاري مرّة، ويقال: إنّ غسل النجس في الجاري لو كان سبباً لانفعاله لبيّنه (علیه السلام) ؛ لأنّه من وظائف الإمام، فمن عدم بيانه يظهر: أنّ الجاري لا ينفعل بملاقاة النجس. والمراد بالكراهة هنا هي الكراهة الوضعيّة لا التكليفيّة، والقرينة على ذلك:أنّ البول في الماء مكروه مطلقاً، فالبول في الماء - سواء أكان جارياً أم
ص: 121
راكداً - مكروه؛ لحديث الأربعمائة وغيره.
وقوله (علیه السلام) : «لا بأس» فيه إطلاق من جميع الجهات: تكليفيّة ووضعيّة، والقرينة على الوضعيّة ما تقدّم.
وفيه: أنّ الظاهر من الحديث وأمثاله أنّ الإمام ليس بصدد البيان من هذه الجهة، والحديث ناظر إلى بيان الحكم من حيث الحرمة أو الكراهة.
وبيان حكم الماء من حيث نجاسته وطهارته، وإن كان من وظائف الإمام (علیه السلام) ، إلّا أنّه ليس بصدد بيانهما في هذا الحديث ونحوه، ولا في روايات كفاية الغسل مرّة في الجاري، ومّما يدل على ذلك: أنّه (علیه السلام) في تلك الأخبار قد أمر بغسل الثياب في المركن مرّتين، ولم يبيّن نجاسة الماء الموجود في المركن، مع أنّه ماء قليل، ولا ريب في انفعال الماء القليل بملاقاته للنجاسة، فلا يصح الاستدلال على طهارة الماء الموجود في المركن بعدم بيانه (علیه السلام) لنجاسة الماء، كما هو أوضح من أن يخفى.
سند الحديث:
فيه: حمّاد، وهو حمّاد بن عيسى؛ لروايته لكتاب ربعي بن عبد الله، كما في نصّ النجاشي الآتي.
وربعي: وهو ربعي بن عبد الله، قال عنه النجاشي: «بصري، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام) ، وصحب الفضيل بن يسار، وأكثر الأخذعنه، وكان خصيصاً به... وله كتاب رواه عنه عدّة من أصحابنا رحمهم الله،
ص: 122
منهم حمّاد بن عيسى»((1)).
وبهذا النص يتضح أمران:
الأول: أنّه ليس المراد منه في هذا السند ربعي بن أحمر، المهمل((2))؛ لإكثار ربعي بن عبد الله من الأخذ عن الفضيل بن يسار، وكونه من خواصّه،كما يستفاد أنّ المراد من الفضيل في هذا السند هو الفضيل بن يسار كما لا يخفى.
الثاني: أنّ كتاب ربعي غير محتاج إلى الطريق؛ لشهرته.
وقال الكشّي: «قال محمد بن مسعود: سألت أبا محمد عبد الله بن محمد بن خالد الطيالسي، عن ربعي بن عبد الله؟ فقال: هو بصري، هو ابن الجارود، ثقة»((3)).
وروى عنه المشايخ الثقات((4))، فالسند صحيح.
ص: 123
[353] 2- وَعَنْهُ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الرَّجُلِ يَبُولُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ جَارِياً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
مضمون هذا الحديث كالأول، ويحتمل في الشرطيّة التي أفادها الإمام (علیه السلام) أمران:
أحدهما: ما يظهر منها بدواً، وهو أنّ البول في الماء لا بأس به إذا كان في حال الجريان. ومفهومها: أنّ فيه البأس إذا لم يتّصف بالجريان، كما في بعض المياه النابعة غير الجارية، وعليه: فلا يكون الحديث شاملاً لغير الجاري من المياه.
وثانيهما: أن يكون الإمام (علیه السلام) أتى على ذكر الجريان؛ لتضمّن السؤال لذكره، فليس له مدخليّة في الحكم، وعليه: فيكون الحديث شاملاً لجميع المياه؛ ويدلّ على ذلك التعليل الوارد فيما رواه مسمع عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال : «إنّ للماء أهلاً»((2))؛ إذ لا يراد التعليل لخصوص الجاري؛ لعدم إمكان إنكار الكراهة والبأس في غير الجاري فعدم الكراهة يختص بالوضعي.
ص: 124
سند الحديث:
فيه: ابن سنان: وهو وإن كان مشتركاً بين محمد وعبد الله، إلّا أنّ الظاهر كون المراد به محمد بن سنان؛ لأنّ الحسين بن سعيد يروي كثيراً عن محمد بن سنان، ولا يروي عن عبد الله إلّا في مورد واحد، وقد استظهرنا وثاقته في «أُصول علم الرجال»((1)).
وفيه: عنبسة بن مصعب: عدّه الشيخ في أصحاب الإمام الباقر (علیه السلام) ((2))، وفي أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((3))، وفي أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) ((4))، وعن الكشي عن حمدويه: عنبسة بن مصعب ناووسي، واقفي على أبي عبد الله (علیه السلام) ، وإنّما سمّيت الناووسية برئيس كان لهم يقال له: فلان بن فلان الناووس((5))،لم يرد فيه شيء، ولكن روى عنه المشايخ الثقات ((6))، فالسند معتبر.
ص: 125
[354] 3- وَعَنْهُ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حَرِيزٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي»(1).
[355] 4- وَعَنْهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَاءِ الْجَارِي يُبَالُ فِيهِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ»(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
مضمون هذا الحديث كالأول أيضاً، ولكنّ الظاهر أنّ الاحتمال الأول الذي ذكرناه في الشرطيّة - في الحديث الثاني - أقوى.
سند الحديث:
رجاله تقدموا جميعاً، والسند موثّق بابن بكير.
[4] - فقه الحديث:
هذا الحديث يختلف عن الأحاديث السابقة؛ حيث كان السؤال في تلك الأحاديث عن البول في الماء الجاري، وهنا ورد السؤال عن الماء الجاري الذي يُبال فيه، فأجاب الإمام (علیه السلام) بقوله: «لا بأس به»، والضمير عائد على الماء، فنفي البأس عنه ظاهر في عدم نجاسته بالملاقاة، وإن كان قليلاً؛لإطلاق الحديث.
ص: 126
[356] 5- وَعَنْهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَيْتَةِ فِي الْمَاءِ، قَالَ: «يَتَوَضَّأُ مِنَ النَّاحِيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا الْمَيْتَةُ»(1).
أَقُولُ: حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا عَلَى الْجَارِي وَالْكُرِّ مِنَ الرَّاكِدِ(2)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
ويحتمل أن يعود الضمير إلى المصدر المفهوم من الفعل المضارع يبال، وحينئذٍ يكون الحديث ظاهراً في جواز البول في الماء الجاري.
سند الحديث:
السند معتبر، إلّا أنّه مبتلى بالإضمار، وهو ليس بضارٍّ في المقام؛ لكون المضمِر سماعة.
[5] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على الرخصة في الوضوء من الماء الذي فيه الميتة، من الناحية التي ليس فيها الميتة، فيفهم منه: أنّ الماء لا يتنجس بملاقاة النجاسة،وإلّا لم يكن فرق بين نواحي الماء. والتقييد بالناحية المغايرة للناحية التي فيها الميتة يفهم منه: أنّ الماء قد تغيّر بأوصافها، وإلّا لو كانت الميتة ملاقية
ص: 127
[357] 6- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «لَوْ أَنَّ مِيزَابَيْنِ سَالا: أَحَدُهُمَا مِيزَابُ بَوْلٍ، وَالْآخَرُ مِيزَابُ مَاءٍ فَاخْتَلَطَا ثُمَّ أَصَابَكَ، مَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
للماء بلا تأثير فيه لم يكن فرق بين الناحيتين.
اللهم إلّا أن يقال: إنّه محمول على التنزّه؛ لأنّ النفس تعاف مماسّة الماء الذي تجاوره الجيفة وإن حُكم بطهارته، فيكون الأمر بالوضوء من الجانب الذي ليس فيه الجيفة محمولاً على الاستحباب.
سند الحديث:
رجاله تقدّم ذكرهم جميعاً، والسند موثّق .
[6] - فقه الحديث:
الظاهر أنّ المراد من الماء في قوله (علیه السلام) : «ميزاب ماء» هو ماء المطر؛ لأنّه من البعيد أن يكون الميزاب جارياً من كر أو جارٍ، وبقي على الإطلاق ولم
ص: 128
أَقُولُ: الْمَاءُ هُنَا وَإِنْ كَانَ مُطْلَقاً إِلَّا أَنَّ أَقْوَى أَفْرَادِهِ وَأَوْلَاهَا بِهَذَا الْحُكْمِ الْمَاءُ الْجَارِي. وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ مَاءِ الْحَمَّامِ وَمَاءِ الْمَطَرِ وَمَاءِ الْبِئْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ(1)1*).
-----------------------------------------------------------------------------
يتغيّر بالنجاسة، فيظهر منه طهارة الماء القليل الملاقي للنجاسة. وإطلاق الحديث يشمل ما إذا كانت إصابته حال نزول المطر وعدمه.
ويحتمل في هذا الحديث أمران:
أحدهما: أنّ المراد من اختلاط الماءين: الاختلاط الحقيقي، بمعنى: أنّهما امتزجا، فيدلّ الحديث على عدم نجاسة الجاري بوضوح.
ثانيهما: أنّ المراد هو الاختلاط المجازي، فهو بمعنى الاشتباه، ويدلّ الحديث حينئذٍ على أصالة الطهارة.
سند الحديث:
لهذا الحديث سندان:
الأول: سند الشيخ الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وهو ابن عيسى الأشعري القمّي .
وأمّا الهيثم بن أبي مسروق: فهو النهدي، قال النجاشي: «هيثم بن أبي
ص: 129
مسروق، أبو محمد - واسم أبي مسروق عبد الله النهدي - كوفي، قريب الأمر، له كتاب نوادر»((1)).
ونقل الكشي عن حمدويه، قال: «لأبي مسروق ابن يقال له الهيثم، سمعت أصحابي يذكرونهما بخير، كلاهما فاضلان»((2))، وهذا يدلّ على المدح المطلق، بل الحسن، إلّا أنّه ما دام معدوداً من مشايخ محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمّي صاحب «النوادر»((3))، يكون ثقة.
وأمّا الحكم بن مسكين: فقد ذكره النجاشي قائلاً: «أبو محمد، كوفي، مولى ثقيف، المكفوف، روى عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، ذكره أبو العباس»((4))، أي: ابن عقدة في جملة الرواة الأربعة آلاف عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، وهذاغير دالّ على التوثيق عندنا.
نعم، ورد في أسانيد «نوادر الحكمة»، وروى عنه المشايخ الثقات((5))، فيكون ثقة.
وأمّا محمد بن مروان: فقد تقدّم في الجزء الأول أنّه مشترك بين جماعة((6))، والظاهر أنّه الذهلي هنا أيضاً؛ فإنّه المعروف وصاحب كتاب.
ص: 130
وأمّا الحنّاط فهو قليل الحديث، فينصرف العنوان المطلق إلى أشهر الأفراد وهو الذهلي، وقد روى المشايخ الثقات عن محمد بن مروان بهذا العنوان((1))، فيكون هذا العنوان ثقة.
والحاصل: أنّ هذا السند معتبر.
الثاني: سند الشيخ عن أحمد بن محمد، وهو نفس سند الكليني المتقدّم، والكلام فيه هو الكلام؛ فإنّ الشيخ الطوسي نقل الحديث من كتاب أحمد بن محمد على ما التزم به في «التهذيب»، فهذا السند معتبر أيضاً.
والحاصل: أنّ في الباب ستة أحاديث، أولها صحيح، والثالث والخامس موثّقان، والثاني والرابع والسادس معتبرة.
والمستفاد منها أمور:
1- كراهة البول في الماء الراكد.
2- كراهة البول في الماء مطلقاً، وإن كان جارياً.
3- عدم انفعال الماء الجاري بملاقاة النجاسة، وإن كان قليلاً.
4- جواز الوضوء من الماء الذي فيه الميتة من الناحية التي لم يتغيّر فيها الماء بأوصاف الميتة.
ص: 131
ص: 132
-----------------------------------------------------------------------------
6 - باب عدم نجاسة ماء المطر حال نزوله بمجرد ملاقاة النجاسة
هذا الباب متكفّل لبيان عدم انفعال ماء المطر بملاقاة النجاسة مع عدم تغيّره، والمشهور عدم انفعاله حال نزوله إذا لاقى نجاسة مع صدق اسم المطر عليه عرفاً، سواء جرى من ميزاب أو غيره أولم يجر، فحكمه حكم الجاري، ف-«لا ينجس بغير التغيير في حال وقوعه وتقاطره على المشهور بين الأصحاب - نقلاً وتحصيلاً - شهرة عظيمة، كما في اللوامع((1))، بل عن الروض نسبته إلى عامّتهم عدا الشيخ((2))، بل في المصابيح بعد نسبته إلى فتوى الأصحاب أنّه لم يثبت مخالف ناصّ((3)) إلى آخره. لكن إذا كان تقاطراً عن قوّة بحيث يصدق عليه اسم المطر والغيث لا قطرات يسيرة حتى القطرة والقطرتين، كما حكاه الشهيد الثاني عن بعض السادات المعاصرين له»((4)).
ص: 133
فالمخالف هو الشيخ في «التهذيب» حيث ذكر: «أنّ ماء المطر إذا جرى من الميزاب فحكمه حكم الماء الجاري لا ينجّسه شي ء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته»((1)).
جاء في «بدائع الصنائع» للكاشاني: «وعن محمد: في ماء المطر إذا مرّ بعذرات ثم استنقع في موضع، فخاض فيه إنسان ثم دخل المسجد فصلّى، لا بأس به، وهو محمول على ما إذا مرّ أكثره على الطاهر. واختلف المشايخ في حدّ الجريان، قال بعضهم: هو أن يجري بالتبن والورق، وقال بعضهم: إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضاً لم ينقطع جريانه فهو جار، وإلّا فلا. وروي عن أبي يوسف: إن كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفيه لم ينحسر وجه الأرض بالاغتراف فهو جار، وإلّا فلا. وقيل: ما يعدّه الناس جارياً فهو جار، وما لا فلا. وهو أصح الأقاويل.
وإن كان راكداً فقد اختلف فيه، قال أصحاب الظواهر: إنّ الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلاً، سواء كان جارياً أو راكداً، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغيّر. وقال عامّة العلماء: إن كان الماء قليلاً ينجس، وإن كان كثيراً لا ينجس. لكنّهم اختلفوا في الحدالفاصل بين القليل والكثير»((2)).
ص: 134
[358] 1- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ: أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ السَّطْحِ يُبَالُ عَلَيْهِ فَتُصِيبُهُ السَّمَاءُ فَيَكِفُ(1) فَيُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْهُ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
فالحاصل: أنّه أمر اتفاقي بين المسلمين كافّة، ولم يقع في ذلك خلاف إلّا في بعض خصوصياته، من اعتبار الجريان التقديري أو الفعلي مطلقاً، أو من الميزاب، إلى غير ذلك من الخصوصيات.
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على عدم نجاسة المطر المتقاطر على داخل البيت مع العلم بملاقاة البول في سطحه، وقد علّله (علیه السلام) بأنّ ما أصابه من الماء أكثر، بمعنى: أنّ الماء غالب على نجاسة السطح. ويحتمل في المراد بالسطح أمران:
الأول: أنّه السطح الذي يبول عليه شخص واحد بالفعل، ويبعّده أنّ الفعل المضارع يدلّ على الاستمراريّة والدوام، وهو يناسب المعنى الثاني الآتي.
الثاني: أنّه الكنيف، وهو الموضع المتّخذ للبول؛ فإنّ قوله: «يبال عليه» وصف للسطح، فيستفاد من هذا الحديث: أنّ ماء المطر إذا غلب على
ص: 135
الكنيف، ولم يتغيّر بما فيه من البول وغيره - كما في صورة عدم غلبته - فهو محكوم بالطهارة والاعتصام. وهذا الاحتمال هو الظاهر.
ووجه الدلالة((1)): أنّ مرجع الضمير في جملة «لا بأس به» مردّد بدواً بين ماء المطر الذي ينزل على السطح، أو السطح، أو الماء الذي يكف منه على الثوب أو الثوب.
فعلى القول بأنّ الجواب مطابق للسؤال يكون مرجع الضمير هو الثوب، أو الماء الذي أصابه من السطح، لا أنّ المرجع هو السطح؛ لأنّ السائل لم يكتف بذكر السطح ونزول المطر عليه، بل أضاف تقاطر المطر من السطح ووقوعه على الثوب، ولا موجب لهذا الفرض لو أراد السؤال عن السطح فحسب، وعليه فيكون المنفي عنه البأس هو الثوب، أو الماء الذي أصابه من السطح.
وعليه فقوله (علیه السلام) : «لا بأس به» يكون دالّاً بالمطابقة على طهارة الماء النازل، أو الثوب.
وعلى القول بأنّ مرجع الضمير في «لا بأس به»، ومرجع الضمير في قوله:«ما أصابه من الماء أكثر منه» واحد، مع ملاحظة أنّ مرجع الضمير في قوله: «ما أصابه» هو السطح لا الثوب؛ إذ لم يفرض في الثوب أنّه أصابه بول، بل فرض السائل أنّ الماء المتقاطر هو الذي أصاب الثوب، والبول إنّما
ص: 136
أصاب السطح، فيكون الظاهر من الضمير المجرور المنفي عنه البأس هو السطح أيضاً.
وعليه فقوله (علیه السلام) : «لا بأس به» يكون دالّاً على الحكم بمطهّريّة ماء المطر للسطح.
فعلى كلا التقديرين: لا إشكال في دلالة نفي البأس على اعتصام ماء المطر؛ لأنّ المفروض ملاقاته للسطح الذي يبال عليه، وهو يقتضي أحياناً ملاقاة الماء لنفس البول.
فإذا كان المنفي عنه البأس هو الثوب أو الماء النازل، دلّ نفي البأس على طهارة هذا الماء، ولو كان ملاقياً للنجس، وهو معنى اعتصام الماء.
وإذا كان المنفي عنه البأس هو السطح، فلا إشكال أيضاً في دلالة نفي البأس عن السطح والماء النازل والثوب بالدلالة التضمّنيّة؛ لأنّه لو كان الماء النازل والثوب نجسين مع ارتفاع النجاسة عن السطح، لم يكن معنى لاقتصار الإمام (علیه السلام) في مقام الجواب على نفي البأس عن السطح، وعدم التعرّض لنجاسة الماء النازل والثوب، فنفي البأس عن السطح يتضمّن نفي البأس عن الماء النازل والثوب، وبهذا يثبت اعتصام ماء المطر.
لا يقال: إنّ مناط اعتصام ماء المطر أو مطهّريّته مجرد أكثريّته من البول ولو مع انحفاظ البول على السطح مثلاً، أو تغيّر الماء به؛ للتعليل بها في قوله (علیه السلام) : «ما أصابه من الماء أكثر منه»، وهو باطل لا يمكن الالتزام به، فيكون الكلام مجملاً، ويسري الإجمال إلى الجملة المعلّلة، ويتعذّر الاستدلال بها.
ص: 137
لأنّه يقال: إنّ السائل لم يفرض فعلية البول على السطح عند نزول المطر، وإنّما فرض سطحاً يبال عليه، وهذا الفرض أعم. فإن أريد بالأكثريّة: أكثريّة ماء المطر من البول الموجود فعلاً على السطح، فهذا خلاف الظاهر؛ إذ لم يُفرض وجود بول بالفعل عليه. وإن أريد بها: أكثريّة ماء المطر مما أصاب السطح من البول طيلة المدة التي استعمل فيها السطح كنيفاً، فهذا ممّا ليس إلى معرفته سبيل، فلا يسأل عنه السائل. نعم، يمكن معرفة الأكثريّة بلحاظ الأثر، لا بحسب الكمّية، والأكثريّة بلحاظ الأثر مساوقة للقاهريّة وعدم تغيّر الماء بأوصاف البول.
فإن كان المقصود من قوله (علیه السلام) : «لا بأس به» الحكم بمطهّريّة المطر للسطح، فيكون قوله: «ما أصابه من الماء أكثر منه» في مقام بيان ضابط هذه المطهّريّة، وهي الإصابة مع عدم تغيّر ماء المطر. وإن كان المقصود من قوله (علیه السلام) : «لا بأس به» الحكم بطهارة الماء النازل من السطح، فتكون الجملة الثانية في مقام بيان ضابط هذه الطهارة، وأنّ ماء المطر ما دام قاهراً على أوصاف النجس لا ينفعل، وهو معنى الاعتصام.
سند الحديث:
إسناد الصدوق إلى هشام بن سالم: له إليه طريقان، ويتشعب منهما طرق عديدة :
الأول: أبوه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنهما، عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعاً، عن يعقوب بن يزيد
ص: 138
والحسن بن ظريف وأيوب بن نوح، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم.
الثاني: أبوه رضي الله عنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير وعلي بن الحكم جميعاً، عن هشام بن سالم الجواليقي((1)).
والطريق الأول صحيح، والثاني حسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم، الذي استظهرنا وثاقته، فيكون الطريق صحيحاً عندنا.
وهشام بن سالم من أجلّاء أصحابنا، تقدّم توثيقه في الجزء الأول((2)).
فسند هذا الحديث صحيح بلا ريب.
ص: 139
[359] 2- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْبَيْتِ يُبَالُ عَلَى ظَهْرِهِ وَيُغْتَسَلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يُصِيبُهُ الْمَطَرُ، أَيُؤْخَذُ مِنْ مَائِهِ فَيُتَوَضَّأُ بِهِ لِلصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «إِذَا جَرَى فَلَا بَأْسَ بِهِ»، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَمُرُّ فِي مَاءِ الْمَطَرِ وَقَدْ صُبَّ فِيهِ خَمْرٌ فَأَصَابَ ثَوْبَهُ، هَلْ يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ؟ فَقَالَ: «لَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ وَلَا رِجْلَهُ، وَيُصَلِّي فِيهِ، وَلَا بَأْسَ بِهِ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
الحديث فيه سؤالان:
السؤال الأول: أنّ سطح البيت متنجّس بالبول بنحو متكرّر، على ما يقتضيه الفعل المضارع «يبال»، ثمّ يصيبه المطر، فهل يؤخذ منه لوضوء الصلاة؟ وقد حكم الإمام (علیه السلام) بنفي البأس إذا جرى الماء، ويفهم منه طهارة الماء وجواز الوضوء منه. وإطلاق الجواب يشمل صورة وجود عين البول على السطح عند نزول المطر، وهذا معنى الاعتصام.
وأمّا ذكر غسل الجنابة في ضمن السؤال، فله احتمالات ذكرها الشيخ البهائي(قدس سره) :
ص: 140
أحدها: أن يكون قد أراد به: ما إذا كان بدن المغتسل عن الجنابة نجساً بمنيٍّ ونحوه، فإذا خالطه ماء المطر فهل يكون طاهراً ويجوز الوضوء منه أو لا؟
الثاني: أن يجعل ذكره له لتحقيق أنّ الماء الذي يرفع به حدث الجنابة إذا خالطه ماء المطر هل يجوز الوضوء به؟ وذلك لاختلاف الرواية عن الإمام الصادق (علیه السلام) في غسالة الغسل من الجنابة، فقد ورد نفي البأس عنه في صحيحة الفضيل بن يسار، قال: سئل أبو عبد الله (علیه السلام) ، عن الجُنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء، فقال: «لا بأس، هذا ممّا قال الله تعالى {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}»((1)).
وورد عدم جواز الوضوء به فيما رواه عبد الله بن سنان عنه (علیه السلام) : «الماء الذي يُغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه»((2)).
فأراد أن يستعلم من أخيه (علیه السلام) ما هو الحقّ في ذلك .
الثالث: أنّه لعلّه إنّما سأله عن المخالط لماء المطر؛ لأنّه عالم بأنّ غيرالمخالط لا يجوز الوضوء به، فيتأكّد بهذا ما ذهب إليه المؤلّف والشيخان من عدم جواز رفع الحدث بماء الغسل الرافع للحدث((3)).
ص: 141
وأمّا تعليق الإمام (علیه السلام) الاعتصام على الجريان بقوله: «إذا جرى فلا بأس به»، فلا مفهوم له؛ لاحتمال أنّ الوجه في ذلك هو العلم بغلبة ماء المطر على النجس في صورة الجريان، دون عدمه.
السؤال الثاني: إذا أصاب الثوب ماء مطر قد صُبّ فيه خمر فهل تجوز الصلاة فيه قبل أن يغسل؟ فأجاب الإمام (علیه السلام) بعدم لزوم غسل الثوب الذي أصابه ذلك الماء، ولا الرجل التي لاقت ذلك الماء، وهذا الجواب صريح في اعتصام ماء المطر المجتمع في الأرض، وعدم انفعاله بالخمر المنصب فيه.
سند الحديث:
ذكر المصنف سندين لهذا الحديث:
الأول: سند الشيخ الصدوق إلى علي بن جعفر، وقد ذكر الشيخ الصدوق في «مشيخة الفقيه» طريقين لما رواه في «الفقيه» عن علي بن جعفر:
أولهما: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن العمركي بن علي البوفكي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، وهو معتبر .وثانيهما: عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه، عن محمد بن الحسن الصفار وسعد بن عبد الله جميعاً، عن أحمد بن محمد بن عيسى والفضل بن عامر، عن موسى بن القاسم البجلي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (علیهما السلام) ، وكذلك جميع كتاب علي بن جعفر (علیه السلام) فقد
ص: 142
رواه بهذا الإسناد نفسه((1)) ، وهو صحيح.
الثاني: سند الشيخ الطوسي إلى علي بن جعفر، وقد ذكر له في «مشيخة التهذيب» طريقاً، وهو: الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى، عن العمركي النيسابوري البوفكي، عن علي بن جعفر((2)).
كما ذكر في «الفهرست» طريقي الصدوق المتقدّمين آنفاً((3))، وهما طريقان له كما لا يخفى، وهذه الطرق كلّها معتبرة.
ص: 143
[360] 3- وَرَوَاهُ الْحِمْيَرِيُّ فِي «قُرْبِ الْإِسْنَادِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، مِثْلَهُ(1).
وَزَادَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَنِيفِ يَكُونُ فَوْقَ الْبَيْتِ فَيُصِيبُهُ الْمَطَرُ فَيَكِفُ فَيُصِيبُ الثِّيَابَ، أَيُصَلَّى فِيهَا قَبْلَ أَنْ تُغْسَلَ؟ قَالَ: «إِذَا جَرَى مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ فَلَا بَأْسَ»(2).
وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ، وَزَادَ: «وَيُصَلَّى فِيهَا»، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
دلالته واضحة ممّا سبق في الحديث الثاني.
سند الحديث:
ذكر المصنف طريقين لهذا الحديث:
أولهما: ما عن الحميري في كتابه «قرب الإسناد» وفيه: عبد الله بن الحسن الذي لم يوثّق، إلّا أنّا ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب عدّة
ص: 144
[361] 4- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي مِيزَابَيْنِ سَالا، أَحَدُهُمَا بَوْلٌ وَالْآخَرُ مَاءُ الْمَطَرِ، فَاخْتَلَطَا، فَأَصَابَ ثَوْبَ رَجُلٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ(2).
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، نَحْوَهُ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
وجوه لتصحيح روايات الحميري عن عبد الله بن الحسن((4))، فهذا الطريق معتبر.
ثانيهما: ما رواه علي بن جعفر في «مسائله»، وقد ذكرنا أيضاً أنّ للشيخ طريقاً صحيحاً إلى مسائل علي بن جعفر((5))،
وهو الطريق الذي ذكرناه آنفاً عن «مشيخة التهذيب».
[4] - فقه الحديث:
ظاهر هذا الحديث أنّ الاختلاط وقع بين البول وماء المطر، ثمّ أصاب
ص: 145
المختلط المركب - من البول والماء - الثوبَ، وهذا الاختلاط مطلق يشمل ما إذا لم يُستهلك البول في الماء، فالاختلاط فعلي حين إصابة الماء المختلط للثوب، ولا إشكال في انفعال الماء. ويشمل ما إذا تغيّر بالبول ولو مع استهلاك البول فيه، ولا إشكال في انفعال الماء أيضاً.
كما يشمل ما إذا استهلك البول في الماء، وهذه الصورة هي المرادة في الحديث؛ لما سبق من أحاديث نجاسة الماء بتغيّر أحد أوصافه.
سند الحديث:
ذكر المصنّف سندين لهذا الحديث:
الأول: سند الشيخ الكليني في «الكافي»، وهو معتبر.
الثاني: سند الشيخ الطوسي المنتهي إلى علي بن إبراهيم، وقد تقدّم في سند الحديث الثاني من الباب الثالث من هذه الأبواب، والسند معتبر.
كما تقدّم حديث محمد بن مروان في الباب السابق، وهو معتبر أيضاً.
ص: 146
[362] 5- وَعَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْحَكَمِ، عَنِ الْكَاهِلِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: قُلْتُ: يَسِيلُ عَلَيَّ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، أَرَى فِيهِ التَّغَيُّرَ وَأَرَى فِيهِ آثَارَ الْقَذَرِ، فَتَقْطُرُ الْقَطَرَاتُ عَلَيَّ وَيَنْتَضِحُ(1) عَلَيَّ مِنْهُ، وَالْبَيْتُ يُتَوَضَّأُ عَلَى سَطْحِهِ، فَيَكِفُ عَلَى ثِيَابِنَا؟ قَالَ: «مَا بِذَا بَأْسٌ، لَا تَغْسِلْهُ،
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
هذا الحديث يحوي ثلاثة أسئلة، اقتصر المصنّف هنا على إيراد اثنين منها، وأرجأ أولها إلى أبواب المضاف والمستعمل:
الأول: السؤال عن ماء المطر يسيل عليه يرى فيه التغيّر، وآثار القذر. والتعبير ب-«يسيل» لا يناسب التقطّر والنضح اللذان فرّع السائل عليهما السيلان، إلّا أن يريد: أنّه يسيل ماء المطر بجانبه ويرشح عليه بعد أن يصل إلى الأرض.
الثاني: السؤال عن الماء النازل عن سطح البيت الذي يُتوضأ عليه - وهو كناية عن موجب الوضوء كالبول مثلاً - إذا وكف، أي: قطر على ثياب المارّين.
وأجاب الإمام (علیه السلام) عن كلا السؤالين بجواب واحد، وهو نفي البأس عن
ص: 147
كُلُّ شَيْ ءٍ يَرَاهُ مَاءُ الْمَطَرِ فَقَدْ طَهُرَ»(1)1*)و(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
مثل هذا الماء، ونهى عن غسل المواضع التي أصابها، ثمّ أتى (علیه السلام) بكبرى تعليليّة، وهي: كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر، والتطهير يستلزم طهارة المطهِّر.
وبما أنّ ظاهر السؤالين أنّ الماء مرّ على النجاسة، فنفي البأس الوارد في جواب الإمام (علیه السلام) يفيد: أنّ ماء المطر معتصم.
ولكن استشكل بعضهم - كالمصنّف - في هذا الحديث؛ لظهوره في تغيّر
ص: 148
أَقُولُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْقَطَرَاتِ وَمَا وَصَلَ إِلَى الثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ النَّاحِيَةِ الَّتِي فِيهَا التَّغَيُّرُ وَآثَارُ الْقَذَرِ؛ لِمَا مَرَّ(1)1*).
أَوْ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ، وَالْقَذَرَ بِمَعْنَى الْوَسَخِ، وَيَخُصُّ بِغَيْرِ النَّجَاسَةِ.
-----------------------------------------------------------------------------
الماء النازل من السطح أو الميزاب، فحمله على أنّ القطرات وما وصل إلى الثياب من غير الناحية التي فيها التغيّر وآثار القذر، والمتغيّر بالنجاسة لا يجوز استعماله فيما يشترط فيه الطهارة، كما مرّ في الباب الثالث.
وعليه لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث على اعتصام ماء المطر؛ إذ ما دام لا يمكن استعمال الماء المتغيّر بالنجاسة؛ لما مرّ، لا يمكن إثبات اعتصامه كما هو ظاهر.
وهذا حمل بعيد ليس في الحديث ما يساعد عليه.
وحمله أيضاً على أنّ التغير بغير النجاسة، وأنّ القذر هو الوسخ، ويخصّ بغير النجاسة.
وهذا الحمل قريب، لكنّه لا يساعد على تماميّة دلالة الحديث علىاعتصام ماء المطر، إلّا بأن يتمّم بالقول بأنّه من المستبعد أن يرى المارّ عين النجاسة في ماء المطر، بل ما يمكن له رؤيته هو الماء متغيّراً بأوساخ السطح،
ص: 149
ممّا يعني أنّه مرّ على النجاسة قبل نزوله. وحينئذٍ يكون هذا الماء معتصماً؛ لاستمرار تقاطر ماء المطر عليه.
سند الحديث:
تقدّمت رجاله ما عدا الكاهلي: قال عنه النجاشي: «عبد الله بن يحيى، أبو محمد الكاهلي، عربي، أخو إسحاق، رويا عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام) ، وكان عبد الله وجهاً عند أبي الحسن (علیه السلام) ، ووصّى به علي بن يقطين فقال [له]: «اضمن لي الكاهلي وعياله أضمن لك الجنّة». وقال محمد بن عبدة الناسب: عبد الله بن يحيى الذي يقال له الكاهلي، هو تميمي النسب، وله كتاب يرويه جماعة»((1)).
ويظهر منه أنّ كتابه مشهور، وقد ورد في أسانيد كتاب «نوادر الحكمة»، وروى عنه المشايخ الثقات((2)).
وفي السند إرسال، فلا يكون معتبراً، إلّا أن يقال بكفاية وجود الحديث في كتاب «الكافي» في اعتباره.
ص: 150
[363] 6- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (علیه السلام) فِي طِينِ الْمَطَرِ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُصِيبَ الثَّوْبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ نَجَّسَهُ شَيْ ءٌ بَعْدَ الْمَطَرِ... الْحَدِيثَ(1).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(2).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ(3).
وَرَوَاهُ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي آخِرِ «السَّرَائِرِ» نَقْلًا مِنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، مِثْلَهُ(4).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على نفي البأس عن طين المطر؛ لأنّه يطهر بنزول المطر، وكلّما أصاب الثوب بعد نزول المطر إلى ثلاثة أيام يبنى على طهارته، إلّا أن يعلم بقذارته فعلاً، فلا بد من الاجتناب عنه. وأمّا بعد الثلاثة أيام فلمّا كان الطين معرّضاً للتنجّس بكثرة الاستطراق وعدم الخلو عن النجاسة غالباًفكأنّما يعتبر الأصل هو النجاسة، فيستحب إزالته بعد الثلاثة أيام. ولابد من
ص: 151
فرض عدم عين النجاسة عليه، وإلّا لم يكن هناك فرق بين الأيام الثلاثة وما بعدها. اللهم إلّا أن يعلم نظافته فلا يجب الاجتناب عنه حينئذٍ.
سند الحديث:
ذكر المصنف أربعة طرق لهذا الحديث:
أولها: بسند الكليني في «الكافي»، ورجاله تقدّم الكلام عنهم، وهو غير معتبر؛ للإرسال، إلّا أن يصحّح لوجوده في «الكافي».
ثانيها: بإرسال الصدوق في «الفقيه»، وهو معتبر على شهادة الصدوق (رحمه الله) .
ثالثها: بسند الشيخ في «التهذيب» بإسناده، عن أحمد بن محمد، وقد مرّ في الحديث الثاني عشر من الباب الثالث من هذه الأبواب أنّه معتبر، فالسند معتبر إلى أحمد بن محمد. والمشكلة هنا في الإرسال.
رابعها: بنقل ابن إدريس عن كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد. وابن إدريس (رحمه الله) يروي جميع كتب ومرويات الشيخ الطوسي، ومنها كتاب «الفهرست» - كما استفدناه من الإجازات - وعليه تكون طرق الشيخ في «الفهرست» طرقاً لابن إدريس، فلا إرسال في السندمن ابن إدريس إلى الشيخ((1)). هذا، مضافاً إلى وجود نسخة «النوادر» عنده بخط الشيخ الطوسي، قال في «المستطرفات»: «ومن ذلك ما استطرفناه من
ص: 152
[364] 7- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سُئِلَ - يَعْنِي: الصَّادِقَ (علیه السلام) - عَنْ طِينِ الْمَطَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فِيهِ الْبَوْلُ وَالْعَذِرَةُ وَالدَّمُ، فَقَالَ: «طِينُ الْمَطَرِ لَا يُنَجِّسُ»(1).
أَقُولُ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِوَقْتِ نُزُولِ الْمَطَرِ، أَوْ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ وَقْتَ الْمَطَرِ.
-----------------------------------------------------------------------------
كتاب نوادر المصنف تصنيف محمد بن علي بن محبوب الأشعري الجوهري القمّي، وهذا الكتاب كان بخط شيخنا أبي جعفر الطوسي رحمه الله، مصنّف كتاب النهاية رحمه الله، فنقلت هذه الأحاديث من خطه من الكتاب المشار إليه»((2))، وقد تقدّم اعتبار سند الشيخ إلى جميع كتب وروايات محمد بن علي بن محبوب، لكن السند هنا في هذا الحديث غير معتبر بالارسال.
[7] - فقه الحديث:
إنّ الحكم بعدم نجاسة طين المطر إنّما هو باعتبار عدم تنجّس أجزائه كلّها بسبب تنجّس جزء منه، وحاله حال الدهن الجامد في أنّ كلّاً منهما لا تنجس أجزاؤه بتنجّس جزء منه.
وقول المصنّف في توجيه عدم تنجسه - بأنّه مخصوص بوقت نزول
ص: 153
[365] 8- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْكَنِيفِ يَكُونُ خَارِجاً فَتَمْطُرُ السَّمَاءُ فَتَقْطُرُ عَلَيَّ الْقَطْرَةُ؟ قَالَ: «لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
المطر - هو القدر المسلّم من تطهير هذا النوع من المياه. وأمّا قوله بأنّه «مخصوص بزوال النجاسة وقت نزول المطر» فينافيه ظهور الحديث في فعليّة وجود البول والعذرة والدم في الطين.
سند الحديث:
الحديث من جملة مراسيل الصدوق في «الفقيه»، وقد مرّ أنّها معتبرة بناءً على ما حقّقناه من شهادة الصدوق (رحمه الله) .
[8] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على اعتصام ماء المطر باعتبار أنّ نفي البأس إنّما هو لأنّ ماء المطر مطهّر للموضع النجس، فإذا تقاطر المطر عليه طهّره، فما يرشح منه أو يتقاطر لا بأس به.
ويحتمل أن يكون نفي البأس لعدم العلم بأنّ ما أصابه من القطرات قد لاقت المواضع النجسة من السطح.
ص: 154
[366] 9- عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَطَرِ يَجْرِي فِي الْمَكَانِ فِيهِ الْعَذِرَةُ فَيُصِيبُ الثَّوْبَ، أَيُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُغْسَلَ؟ قَالَ: «إِذَا جَرَى بِهِ الْمَطَرُ فَلَا بَأْسَ»(1).
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ(2)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
تقدّم الكلام عن رجاله، وهو غير معتبر.
[9] - فقه الحديث:
دلالته تقرب من دلالة سابقه. وقد قدّمنا الجواب عن دلالة مثله على اشتراط الجريان.
سند الحديث:
تقدّم الكلام فيه، والحديث صحيح.
والحاصل: أنّ في الباب تسعة أحاديث، أولها وثالثها وتاسعها صحاح،
ص: 155
وثانيها ورابعها وسابعها معتبرات، وخامسها وسادسها مرسلان، ولكن يمكن القول باعتبارهما، والخامس ضعيف.
والمستفاد من أحاديث الباب أمور، منها:
1- أنّ ماء المطر إذا غلب على النجاسة، ولم يتغيّر بأوصافها فهو محكوم بالطهارة والاعتصام، كما أنّه مطهّر للسطح الذي يجري عليه.
2- جواز الوضوء بماء المطر وإن لاقى سطحاً متنجّساً لاعتصامه، ما لم يتغيّر بأوصافها.
3- جواز الصلاة في ثوب أصابه ماء مطر لاقى كنيفاً أو صبّ فيه خمر.
4- كل شيء يراه ماء المطر فإنّه يطهر، وتطهير ماء المطر لغيره يستلزم طهارته في نفسه.
5- طين المطر يطهر بنزول المطر عليه.6- كلّما أصاب الثوب بعد نزول المطر إلى ثلاثة أيام يبنى على طهارته، إلّا أن يعلم بقذارته فعلاً، فلا بد من الاجتناب عنه. وأمّا بعد الثلاثة أيام فيستحب إزالته.
7- إذا تنجس بعض طين المطر لم تنجس بقيّة أجزائه؛ لأنّه كالدهن الجامد في أنّ كلّاً منهما لا تنجس أجزاؤه بتنجّس جزء منه.
فرعان:
الفرع الأول: إذا اجتمع ماء المطر في مكان وغسل فيه النجس طهر،
ص: 156
وإن كان الماء المجتمع قليلاً، فإنّه كالمطر في الاعتصام ما دام يتقاطر عليه المطر من السماء، ويدلّ عليه معتبرة هشام الواردة في عدم انفعال الماء السائل من الميزاب حال تقاطر المطر عليه؛ فإنّ ما يسيل من الميزاب هو المجتمع في السطح من المطر، وكذا صحيحة علي بن جعفر؛ لدلالتها على جواز الوضوء ممّا يجتمع من المطر في الكنيف.
الفرع الثاني: إذا انقطع المطر عن الماء المجتمع، ولم يتقاطر عليه فلا يحكم باعتصامه؛ لأنّه ليس بماء مطر فعلاً، وإنّما كان ماء مطر، ومجرّد كونه كذلك في زمان لايكفي في اعتصامه، وإلّا للزم الحكم باعتصام جميع المياه الموجودة في العالم؛ لأنّ أصلها المطر، كما دلّت عليه النصوص، ولا يقول بذلك فقيه.
ص: 157
ص: 158
-----------------------------------------------------------------------------
7 - باب عدم نجاسة ماء الحمّام إذا كان له مادّة بمجرد ملاقاة النجاسة
لابدّ من معرفة هيئة الحمّامات في عصر الأئمة (علیهم السلام) حتى يتضح محل البحث من هذه الروايات، فنقول:
إنّ المستفاد من بعض الروايات - كما ورد في الرسالة الذهبيّة التي بعث بها مولانا الرضا (علیه السلام) إلى المأمون((1)) - أنّ الحمّامات كانت في عصرهم ذات بيوت أربعة:
الأول: بارد يابس، وفيه ينزع المستحم ملابسه.
الثاني: بارد رطب فيه مخزن الماء البارد.
الثالث: حار رطب فيه مخزن الماء الحار، وحول المخزن مواضع يقوم المغتسل عليها، فيأخذ الماء من المخزن بالمشربة، فيصب عليه بقدر حاجته، وتخرج الغسالة منه إلى بئر أو حوض معدّ لتجمّع الغسالة فيه، كما كانت توجد في بعض الحمّامات حياض صغار متوزعة حول مخزن الماء الحار،
ص: 159
ويخرج الماء من مخزن الماء الحار في أنابيب خاصّة إلى الحياض الصغار، فتكون الاستفادة من الأُنبوب.
الرابع: حار يابس فيه يحمى المستحم بدنه فيدلك((1)).
ومحط النظر في الأحاديث إلى الحياض الصغار مما لا يبلغ الكر في البيت الثالث؛ إذ حكم الكثير منه حكم الكثير من غيره .
أمّا الخاصّة: فقد اختار المصنّف في هذا الباب أنّ ماء الحمّام معتصم بشرط أن تكون له مادّة، وهو أحد الأقوال في اعتصام ماء الحمام؛ فإنّه قد اختلف في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: ما ذهب إليه مشهور الفقهاء من اشتراط اعتصام ماء الحمّام ببلوغ مادّته كرّاً في نفسها((2)).
الثاني - وهو القول المقابل للقول الأول - : عدم اشتراطه بشيء أصلاً، وأنّه ماء معتصم، سواء بلغت مادّته كرّاً أم لم تبلغه، كما عن «المعتبر»((3)).
الثالث: التفصيل بين ما إذا بلغ مجموع مادّته وما في الحياض الصغار كرّاً،فيكون معتصماً، وما إذا لم يبلغه مجموعهما فيبقى على عدم الاعتصام.
ص: 160
الرابع: التفصيل بين الدفع للنجاسة والاعتصام، وبين الرفع لها وإزالتها، فإذا كان ماء الحياض طاهراً في نفسه، وبلغ المجموع منه ومن مادّته كرّاً فيحكم عليه بالاعتصام، ولا ينفعل بما يرد عليه من النجاسات، فلا يعتبر بلوغ المادّة كرّاً في نفسها بالنسبة إلى الدفع((1)).
وأمّا إذا كان ماء الحياض نجساً فيشترط في ارتفاع نجاسته - بواسطة اتصال المادّة به - أن تكون المادّة بنفسها كرّاً، فلا ترتفع بها نجاسة ماء الحياض فيما إذا لم تبلغ الكر بنفسها، وإن بلغ مجموع المادّة وماء الحياض كرّاً((2)).
ومنشأ الاختلاف: هو اختلاف الأنظار فيما يستفاد من روايات الباب، وأنّها هل كانت في مقام بيان الحكم على نحو القضيّة الحقيقيّة، ويكون الحكم دائراً مدار الموضوع وجوداً وعدماً كما هو الحال في ماء المطر والجاري والبئر، وهذا هو مستند القول الثاني بعد تقييد المطلقات بالروايات المقيِّدة بكون الماء له مادّة.
أم أنّها كانت في مقام بيان الحكم على نحو القضيّة الخارجيّة، أي: أن الحكم مترتّب على الحمامات الموجودة في زمان الأئمة (علیهم السلام) ، وعليه فلابدمن ملاحظة خصوصيّات تلك الأفراد، فتأتي بقيّة الأقوال.
وأمّا العامّة: فإذا كان الماء من الكثرة بحيث يخلص بعضه إلى بعض
ص: 161
وله مادة فإنّه معتصم عن أبي حنيفة. وعن أحمد أنّه كالجاري في الاعتصام.
قال في بدائع الصنائع: «أمّا حوض الحمّام الذي يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه النجاسة، أو توضّأ إنسان: روي عن أبي يوسف أنّه إن كان الماء يجرى من الميزاب والناس يغترفون منه لا يصير نجساً. وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنّه بمنزلة الماء الجاري»((1))، و«قال أحمد: لا بأس بالوضوء من ماء الحمّام؛ وذلك لأنّ الأصل الطهارة. وروي عن أحمد أنّه قال: لا بأس أن يأخذ من الأُنبوبة. وهذا على سبيل الاحتياط، ولو لم يفعله جاز؛ لأنّ الأصل الطهارة. وقد قال أحمد: ماء الحمّام عندي طاهر وهو بمنزلة الماء الجاري»((2)).
ص: 162
[367] 1- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : مَا تَقُولُ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ؟ قَالَ: «هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
هذا الحديث مطلق بالنسبة للزوم المادّة الجعليّة وعدمه في اعتصام ماء الحمّام، إلّا أنّ في تنزيل ماء الحمّام منزلة الجاري دون الكرّ إشارة إلى كونه مستمداً من مادّة، بل دلالة على احتياجه في الاعتصام إلى المادّة.
هذا، ويحتمل في هذا التنزيل معنيان:
أحدهما: تنزيل ماء الحمّام منزلة الجاري - بمقتضى التشبيه - من جميع الجهات والكيفيّات، حتى من جهة عدم الحاجة في اعتصامه إلى بلوغ مادته كرّاً. فما دامت الكثرة في المادّة لا تعتبر في اعتصام الجاري بوجه فكذا في المقام.
الثاني: تنزيله منزلة الجاري من بعض الجهات، ويكون حاصل التنزيل: أنّ الاتصال بالمادّة الجعليّة كمياه الحياض الصغار هو كالاتصال بالمادّة الأصليّة، فهو كافٍ في الاعتصام. ولا يقدح في ذلك علو سطح المادّة عن سطح الحياض.
ص: 163
وهذا الاحتمال هو المتعيّن. والحديث ليس بصدد تنزيل ماء الحمّام منزلة الجاري من جميع الجهات، بل هو ناظر إلى دفع ما ربّما يقع في ذهن السائل من عدم اعتصام ماء الحياض باتصالها بمادّتها، لما ارتكز لدى العرف من عدم تقوّي السافل بالعالي؛ لتعدّدهما وتغايرهما عرفاً، فهما ماءان عرفاً، وإن اتحدا بالدقة العقليّة التي لم تنط بها الأحكام الشرعيّة، فكما لا تسري قذارة السافل إلى العالي منهما كذلك نظافة العالي لا تسري إلى السافل لتعدّدهما بالارتكاز العرفي الذي هو المناط في الأحكام الشرعية، ومعه لا يبقى وجه لاعتصام ماء الحياض.
وعلى هذا كان للسائل - لكونه أحد أفراد العرف - أن يتوهّم عدم طهارة المياه الموجودة في الحياض الصغار بمجرد اتصالها بموادها الجعليّة التي هي أعلى سطحاً من الحياض؛ فإنّهما ماءان عنده. والاتصال بالرابط الصغير بينها وبين المادّة لا يكفي في عدِّ الماءين ماءً واحداً عرفاً. ولعلّ هذا هو المنشأ للسؤال عن حكم ماء الحياض.
فدفع الإمام (علیه السلام) هذه الشبهة المرتكزة عند السائل بأنّ ماء الحياض متّصل بالمادة الجعليّة، كاتصال المياه بموادّها الأصليّة، فماء الحمام بمثابة الجاري من حيث اتصاله بالمادّة المعتصمة فيتقوّى ما في الحياض بالآخر بالتعبد.
ويؤكد هذا الاحتمال أنّ مياه الخزانات التي تتصل بها الحياض كانت كثيرة جداً في زمان السائل بحيث تحتوي على أضعاف الكر، لكي تكون وافية بحاجة أهل البلد، ولذلك يبعد أن يكون السؤال عن قلّة الماء في
ص: 164
مادّته أو كثرته.
ولولا هذا الحديث وأمثاله لكان الحكم بانفعال ماء الحياض الصغار هو المتعيّن؛ إذ لا يفترق الماء الموجود في الحياض عن سائر المياه، ولا خصوصيّة له عليها. وبلوغ مادّتها كرّاً لا يقتضي اعتصام ماء الحياض؛ لتعدّدهما عرفاً كما مرّ.
سند الحديث:
تقدّم ذكر سند الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى في الحديث الثاني عشر من الباب الثالث من هذه الأبواب.
وأمّا داود بن سرحان: فقد قال عنه النجاشي: «داود بن سرحان العطار، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام) ، ذكره ابن نوح. روى عنه هذا الكتاب جماعات من أصحابنا رحمهم الله»((1))، ومنه يستفاد أنّ كتابه مشهور ومعروف.
وذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ، وقال عنه: «داود بنسرحان العطار، مولى، كوفي»((2))، وعليه فالسند معتبر.
ص: 165
[368] 2- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : الْحَمَّامُ يَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ وَغَيْرُهُ، أَغْتَسِلُ مِنْ مَائِهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهُ الْجُنُبُ، وَلَقَدِ اغْتَسَلْتُ فِيهِ ثُمَّ جِئْتُ فَغَسَلْتُ رِجْلَيَّ، وَمَا غَسَلْتُهُمَا إِلَّا مِمَّا لَزِقَ بِهِمَا مِنَ التُّرَابِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
جواب الإمام (علیه السلام) فيه إشارة إلى أنّ ماء الحمّام لا ينجس بمجرد ملاقاة أنواع النجاسات، من الجنب وغيره، بعد إلغاء الخصوصيّة، أو إلى أصالة طهارة ماء الحمّام ما لم يتيقّن من طرو نجاسة عليه.
وقد صرّح (علیه السلام) بأنّ ما فعله من غسل رجليه بعد أدائه للغسل لم يكن لملاقاتهما لماء الحمّام، بل لما لزق بهما من التراب، لا للاجتناب عن ماء الحمّام. فعدم غسله لهما إلّا من التراب ظاهر في طهارتهما وطهارة الغسالة الملاقية لهما.
سند الحديث:
فيه أبو أيوب وهو مشترك بين جماعة، ويتعيّن - بعد ملاحظة الطبقة
ص: 166
[369] 3- وَعَنْهُ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ فَضَالَةَ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السلام) جَائِياً مِنَ الْحَمَّامِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ دَارِهِ قَذَرٌ، فَقَالَ: «لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَ دَارِي مَا غَسَلْتُ رِجْلِي، وَلَا نَحَيْتُ(1) مَاءَ الْحَمَّامِ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وعدم معروفيّة أكثرهم - في الخزاز؛ لروايته عن محمد بن مسلم في أربعة وسبعين مورداً، وهو - كما تقدّم((3))
- الثقة ذو المنزلة الكبيرة، كما أنّه من الفقهاء الأعلام والرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا مطعن عليهم، ولا طريق إلى ذمِّ واحد منهم، كما أنّه صاحب الكتاب المشهور، ويروي عنه ابن أبي عمير كثيراً.
فالسند معتبر.
[3] - فقه الحديث:
فيه دلالة على كون ماء الحمّام طاهراً في نفسه ومطهراً لغيره، وكذا أرض الحمّام، وغسالة ماء الحمّام، ولذا لم يتجنّب عنها الإمام (علیه السلام) . وقوله (علیه السلام) : «ولا تجنّبت» بالجيم والنون المشددة من التجنيب، جاء في«لسان العرب»: «وجَنَّبَ الشيءَ وتَجَنَّبه وجانبه وتجانبه واجتَنَبه: بعد عنه ...
ص: 167
وأَجنَبَ الرجلُ: تباعد. والجنابة: المني. وفي التنزيل العزيز: {وَإِنْ كُنْتُم جُنُبَاً فَاطَّهَّرُوا}((1)).
وقد أجنب الرجل وجَنُبَ أيضاً، بالضم، وجنِب وتجنَّب . قال ابن بري في أماليه على قوله جنُب، بالضم، قال: المعروف عند أهل اللغة أجنَبَ وجنِبَ بكسر النون، وأجنَبَ أكثر من جنِبَ. ومنه قول ابن عباس رضي الله عنهما: الإنسان لا يجنِبُ، والثوب لا يجنِبُ، والماء لا يجنِبُ، والأرض لا تجنِبُ. وقد فسّر ذلك الفقهاء وقالوا: أي لا يُجنِبُ الإنسان بمماسة الجُنُب إيّاه، وكذلك الثوب إذا لبسه الجُنُب لم ينجس، وكذلك الأرض إذا أفضى إليها الجُنُب لم تنجس، وكذلك الماء إذا غمس الجُنُب فيه يده لم ينجس. يقول: إنّ هذه الأشياء لا يصير شيء منها جُنُباً يحتاج إلى الغسل لملامسة الجُنُب إيّاها»((2))، فيدلّ قوله (علیه السلام) : «ولا تجنّبت ماء الحمّام» على نفي استحباب الاجتناب عنه.
وفي «التهذيب»: «ولا نَحَيْتُ ماء الحمّام»((3))، قال في «القاموس»: نَحَى الشيءَ أزاله، كَنَحَّاه فتنحَّى((4)).
وهو يدلّ أيضاً على نفي استحباب الاجتناب عنه، كما لا يخفى.
وذكر الفيض الكاشاني في «الوافي» أنّه «نقل عن الشهيد الثاني (رحمه الله) أنّه
ص: 168
قرأ: ولا تَحيَّتُّ بالمثناة الفوقانية أولاً وآخراً، مشددة الآخر، والحاء المهملة والتحتانية المشدّدة بعدها. وقال: الظاهر أنّ أصله تَحيَّدْتُ فقلبت الدال تاء ثمّ أدغمت، من الحيود وهو الميل والعدول عن الشي ء»((1)).
سند الحديث:
إثبات كلمة «عن» بين ابن أبي عمير، وفضالة سهو، والصواب عطفه عليه بالواو؛ لأنّه المعهود، كما نبّه عليه في «المنتقى»، وكذا في «المعجم»((2)). والسند صحيح.
ص: 169
[370] 4- وَعَنْهُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: «مَاءُ الْحَمَّامِ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ»(1).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[4] - فقه الحديث:
فيه اشتراط المادّة لماء الحمّام، ويظهر من قوله (علیه السلام) : «لا بأس به إذا كانت له مادّة» نفي البأس من جهة الانفعال، فلا ينفعل بالنجاسة. اللهم إلّا أن يتغيّر بها، فإنّه ينفعل؛ للأدلة الدالّة على انفعال المتغيّر، وللمفهوم المستفاد من هذه الشرطيّة؛ فإنّ مفادها وجود البأس في حال عدمها.
سند الحديث:
للحديث سندان:
الأول: سند «التهذيب»، وفيه: بكر بن حبيب: وهو مجهول الحال، وإن استظهر الشيخ الأنصاري (رحمه الله) أنّه بكر بن محمد بن حبيب الذي ظاهر
ص: 170
المحكي عن النجاشي((1))، وصريح «الخلاصة» أنّه من علماء الإمامية((2))، وحكى ابن داود عن الكشّي أنّه ثقة((3))، مع أنّ في الطريق صفوان بن يحيى، والمضمون مجبور بالعمل، وموافق للرضوي، فينهض لتقييد الصحيحة((4))؛ فإنّ بكر بن محمد بن حبيب هو ابن بقيّة أبو عثمان المازني - مازن بني شيبان - قال عنه النجاشي: «كان سيّد أهل العلم بالنحو والغريب واللغة بالبصرة ومقدّمه، مشهور بذلك - إلى أن قال: - قال أبو عبد الله بن عبدون رحمه الله: وجدت بخط أبي سعيد السكري: مات أبو عثمان بكر بن محمد رحمه الله سنة ثمان وأربعين ومائتين»((5)).
ولما كانت سنة وفاته ثمان وأربعين ومائتين، فإنّه من الممتنع روايته عن أبي جعفر (علیه السلام) الذي هو الإمام الباقر، بقرينة وقوع منصور بن حازم في السند.
وعلى هذه القرينة لا يبعد أن يكون المراد من بكر بن حبيب: بكر بن حبيب الأحمسي البجلي، أبو مريم، الذي عدّه الشيخ في رجاله من
ص: 171
أصحاب الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) ((1))، وهو لم يرد فيه توثيق ولا مدح.
فالسند ضعيف، إلّا أنّ الشيخ البهائي صرّح في «الحبل المتين» بأنّ: «ابن حبيب وإن كان مجهول الحال، إلّا أنّ جمهور الأصحاب تلقوا روايته هذه بالقبول، فلعلّ ضعفها ينجبر بذلك»((2)).
إلّا أنّا لا نقبل كون الشهرة جابرة لضعف السند.
نعم، مع ذلك يصحّح الحديث بطريق آخر، وهو أنّ في سنده صفوان، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه، فلا ينظر إلى من وقع بعده في سلسلة السند؛ لقيام الإجماع على أنّه لا يروي إلّا عن ثقة.
الثاني: سند «الكافي»، وقد تقدّمت ترجمة رجاله، والحديث معتبر أيضاً بهذا السند.
كما أنّه واقع في كتاب الحسين بن سعيد فيمكن اعتباره من هذه الجهة أيضاً.
ص: 172
[371] 5- وَعَنْهُ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَحَدِهِمَا (علیهما السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، فَقَالَ: «ادْخُلْهُ بِإِزَارٍ، وَلَا تَغْتَسِلْ مِنْ مَاءٍ آخَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ(1) جُنُبٌ، أَوْ يَكْثُرَ أَهْلُهُ فَلَا يُدْرَى فِيهِمْ جُنُبٌ أَمْ لَا»(2).
أَقُولُ: حَمَلَهُ الشَّيْخُ عَلَى عَدَمِ الْمَادَّةِ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ حَمْلُهُ عَلَى جَوَازِ الِاغْتِسَالِ بِغَيْرِ مَائِهِ حِينَئِذٍ وَزَوَالِ مَرْجُوحِيَّةِ الِاغْتِسَالِ بِمَاءٍ آخَر،َ بَلْ هَذَا عَيْنُ مَدْلُولِهِ؛ إِذْ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى النَّجَاسَةِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى التَّأْوِيلِ، ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْمُنْتَقَى» وَغَيْرُهُ.
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
كان السؤال عن ماء الحمّام، وأجاب الإمام أوّلاً بالأمر بالدخول إلى الحمّام بالإزار؛ وذلك لوجوب ستر العورة بسبب وجود الناظر المحترم، ثم ثنّى بالنهي عن الاغتسال بماء آخر غير ماء الحمّام، إلّا إذا علم بأنّ في المستعملين للحمّام جنب أو يكثر الموجودون في الحمّام بحيث يشك في وجود الجنب فيهم.
ولما كان الحديث غير واضح الدلالة على المراد حمله الشيخ الطوسي
ص: 173
على عدم المادّة في ماء الحمّام، فيصحّ القول بالاجتناب عن ماء الحمّام حينئذٍ، لكنّه بعيد لأمرين:
الأول: أنّ الحديث تضمّن عدم استعمال ماء الحمّام إذا كثر الناس فيه، ولم يعلم هل فيهم جنب أو لا، ومن المتّفق عليه: أنّ الشكّ في حصول مقتضي النجاسة في الماء غير موجب للمنع عن استعماله، فلا بدّ من صرف الحديث عن ظاهره، ليراد به مرجوحيّة الاستعمال حينئذ، ولا ريب فيه؛ فإنّ استعمال غير المستعمل أولى وأرجح.
الثاني: أنّه وقع التعبير عن وجود الجنب المعلوم الجنابة، لا عن العلم باغتسال الجنب، فيفهم أنّ النهي هنا تنزيهي لا تحريمي، كما هو الشأن في النهي عن الاغتسال بغسالة الحمّام المعلّل بكونها مجمعاً لغسالة اليهودي والنصراني والمجوسي والناصب.
والمراد بماء الحمام إما ماء الخزانة التي يغتسل فيها بعد تنظيف البدن كما هو المتعارف في زماننا السابق، او ماء الغسالة المجتمع في البئر كما يظهر من بعض الروايات، او المراد هي المياه في الحياض الصغار التي توجد في اطراف الحمام المتصلة بالخزانة، وعلى كل تقدير فالنهي تنزيهي لما تقدم.
وسيأتي الحديث عن تعيين الماء الآخر عند الكلام عن الماء المستعمل في رفع الحدث.
هذا، وفي مرجع الضمير في قوله (علیه السلام) : «ادخله بإزار»، وقوله: «إلّا أن
ص: 174
يكون فيه» - على نسخة من «التهذيب» كما أشار إليها الماتن - احتمال آخر، وهو: أن يرجع إلى ماء الحمّام، فيصير المفاد هكذا: ادخل ماء الحمّام بإزار، ولا تغتسل من ماء آخر إلّا أن يكون في الماء - أي ماء الحمّام - جنب.
ومنشأ هذا الاحتمال: أنّ المسؤول عنه هو ماء الحمّام.
وهو يدلّ بالمفهوم على أنّ الاغتسال من ماء آخر مرجوح إلّا أن يكون في ماء الحمّام جنب فاغتسل بماء آخر، وهذا ممّا يمكن الاستدلال به على ما اختاره الصدوق والشيخان من خروج الماء عن طهوريته بالنسبة لرفع الحدث.
وسيأتي أنّ ما ذهبوا إليه خلاف المشهور.
سند الحديث:
فيه صفوان: وهو صفوان بن يحيى، والعلاء: وهو العلاء بن رزين؛ لأنّه يروي عن محمد بن مسلم، وقد صحبه وتفقّه عليه كما قال النجاشي((1))، وقد تقدّمت ترجمتهم، والسند صحيح.
ص: 175
[372] 6- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: سُئِلَ عَنِ الرِّجَالِ يَقُومُونَ عَلَى الْحَوْضِ فِي الْحَمَّامِ لَا أَعْرِفُ الْيَهُودِيَّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا الْجُنُبَ مِنْ غَيْرِ الْجُنُبِ؟ قَالَ: «تَغْتَسِلُ مِنْهُ، وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ مَاءٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على جواز الغسل من ماء الحمّام الموجود في الحياض الصغار التي يقوم عليها من يحتمل أن لا تؤمن نجاسته كاليهودي والنصراني والجنب؛ لأنّه ماء طهور، أي: طاهر ومطهِّر. وفيه النهي عن الاغتسال من ماء آخر، ولو بسحب ماء جديد من الخزانة إلى الحوض الصغير، وهذا النهي ليس تحريميّاً، لعدم البأس في الاغتسال من ماء آخر غير ماء الحمّام بلا ريب، فيكون محصّل الكلام: أنّه لايجب عليك أن تغتسل من ماء آخر؛ لاعتقادك أنّ ماء الحمّام - مع ما وصفتَ - ليس بطهور؛ فإنّه طهور طاهر مطهِّر.
سند الحديث:
فيه: أحمد بن محمد: وهو مشترك بين أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد
ص: 176
بن محمد بن خالد. وقد استظهرنا في الجزء الأول((1)): أنّه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي، وقد روى بعنوان أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي يحيى الواسطي في باب عدد النساء((2))، وكتاب الحدود من «التهذيب» كما في الحديث 88 من باب الحد في السرقة والخيانة((3))،
وعدّة موارد أخرى فيه وفي بقيّة الكتب الأربعة.
كما تقدم الكلام في اعتبار أسناد الشيخ إلى أحمد بن محمد.
وفيه: أبو يحيى الواسطي: واسمه سهيل بن زياد، قال عنه النجاشي: «سهيل بن زياد، أبو يحيى الواسطي، لقى أبا محمد العسكري (علیه السلام) . أُمه بنت محمد بن النعمان أبو جعفر الأحول مؤمن الطاق، شيخنا المتكلم رحمه الله. وقال بعض أصحابنا: لم يكن سهيل بكل الثبت في الحديث»((4))، واستثناه محمد بن الحسن بن الوليد والصدوق وابن نوح من «نوادر الحكمة»لمحمد بن أحمد بن يحيى ، فهو واقع في عقد المستثنى((5)).
والحاصل: أنّه لم تثبت وثاقته.
وأمّا أبو الحسن الهاشمي: فهو بهذا العنوان مجهول، ويحتمل أنّ
ص: 177
[373] 7- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنِ ابْنِ جُمْهُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ مَاءِ الْحَمَّامِ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْجُنُبُ وَالصَّبِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ؟ فَقَالَ: «إِنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ كَمَاءِ النَّهَرِ يُطَهِّرُ بَعْضُهُ بَعْضاً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الصحيح: عن أبي الحسن الماضي (علیه السلام) ((2)).
وكيف كان فالحديث مرسل.
[7] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ ماء الحمّام بمنزلة الماء الجاري، فإذا تغيّر بالنجاسة كلّه أو بعضه ثم اتصل به من الخزانة ما يزيل التغيّر زال عنه حكم النجاسة
ص: 178
وصار طاهراً، تماماً كما هو الحال في الماء الجاري. وتشبيهه بماء النهر للجهة الجامعة بينهما، وهي المادة، فكما أنّ للنهر مادة تعصمه من النجاسة، وتزيل تغيره بها، فكذا ماء الحمّام، فإنّ له مادة جعليّة وهي الحياض الكبيرة، كما تقدّم.
سند الحديث:
فيه: ابن جمهور: وقد يراد به محمد بن جمهور العمي - كما هو الظاهر - وهو ثقة؛ لما ذكره النجاشي (رحمه الله) في ترجمته، حيث قال: «أبو محمد، بصري، ثقة في نفسه، ينسب إلى بني العم من تميم، يروي عن الضعفاء ويعتمد على المراسيل. ذكره أصحابنا بذلك، وقالوا: كان أوثق من أبيه وأصلح»((1))، ويحتمل أنّه محمد بن الحسن بن جمهور، أبوه، وهو وإن لم تثبت وثاقته، إلّا أنّ رواياته خالية من الغلو والتخليط، على ما صرّحبه الشيخ (رحمه الله) في «الفهرست»((2)). والشيخ لما كان راوياً «للكافي» فتدخل جميع روايات الكتاب في مروياته(قدس سره) ، ومنها هذا الحديث.
ويحتمل أيضاً أن يكون المراد به أحمد بن جمهور، كما ورد في موضع آخر من «الكافي» بهذا السند نفسه((3))، لكن أحمد هذا مجهول.
ص: 179
وفيه: محمد بن القاسم: وهو مشترك بين جماعة، والمعروف منهم أصحاب الكتب، وهم خمسة أشخاص:
1- محمّد بن القاسم الاسترابادي، من مشايخ الصدوق، ثقة.
2- محمّد بن القاسم بن بشار، ذكر في من لم يرو عنهم (علیهم السلام) ، له كتاب، روى عنه الحميري وسعد بن عبد الله.
3- محمّد بن القاسم السوداني، ذكر في من لم يرو عنهم (علیهم السلام) ، روى عنه التلعكبري.
4- محمّد بن القاسم بن الفضيل، قال عنه النجاشي: «محمد بن القاسم بن الفضيل بن يسار النهدي، ثقة هو وأبوه وعمّه العلاء وجدّه الفضيل. روى عن الرضا (علیه السلام) . له كتاب»((1)).
5- محمّد بن القاسم بن المثنّى، روى عنه أحمد بن ميثم الذي يرويعنه حميد بن زياد.
ولعلّ المراد به هنا هو محمّد بن القاسم بن الفضيل؛ فإنّه من أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام) ، وعدّه البرقي من أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) .
وكيف كان يمكن تصحيح الحديث؛ لشهرة كتاب عبد الله بن أبي يعفور غير المحتاج للطريق((2)).
ص: 180
[374] 8- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ فِي «قُرْبِ الْإِسْنَادِ»، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (علیه السلام) ، قَالَ: ابْتَدَأَنِي، فَقَالَ: «مَاءُ الْحَمَّامِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ»(1).
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ(2)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
وأيضاً عن طريق وجوده في «الكافي».
[8] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ ماء الحمّام شأنه شأن بقيّة المياه المعتصمة، فلا ينفعل بأيّ نجاسة كانت ما دام على حالة الاعتصام. ومن الواضح: أنّ ذلك مخصوص بما إذا لم يتغيّر بأوصافها.
سند الحديث:
فيه: أيوب بن نوح: وهو أيوب بن نوح بن درّاج النخعي. تقدّم القول في وثاقته وجلالته.
ص: 181
وفيه أيضاً: صالح بن عبد الله: والظاهر أنّه الخثعمي الكوفي، من أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ، ذكره الشيخ في رجاله فيهم، ولم يذكر له توثيقاً((1)).
إلّا أنّ المشايخ الثقات رووا عنه((2))، فيكون ثقة.
وفيه أيضاً: إسماعيل بن جابر: وهو مشترك بين إسماعيل بن جابر الجعفي وإسماعيل بن عبد الرحمن، والمراد به هو الأول؛ لأنّه الأشهر والأعرف، فهو ذو الكتاب دون الثاني، وقد تقدّم((3)).والحاصل: أنّ في الباب ثمانية أحاديث، أولها وثالثها وخامسها صحاح، وثانيها ورابعها وثامنها معتبرات، وسادسها وسابعها يمكن تصحيحهما.
ويستفاد من أحاديث الباب أمور، منها:
1- أنّ ماء الحمّام بمنزلة الماء الجاري في الاعتصام وعدم الانفعال بالنجاسة؛ حيث إنّ اتصاله بالمادّة الجعليّة كاتصال الجاري بالمادّة الأصليّة في إيجاب الاعتصام في كلّ منهما؛ ولهذا يتقوّى الماء الذي في الحياض الصغار باتصاله بالمادّة الجعليّة فلا ينفعل بالنجاسة.
2- أنّ ماء الحمّام طاهر في نفسه ومطهّر لغيره، وكذا أرض الحمّام وغسالته، فلا يجب الاجتناب، بل الاجتناب مرجوح.
ص: 182
3- أنّ ماء الحمّام ينجس مع التغيّر بصفات النجاسة، كما في سائر المياه.
4- أنّه يلزم الدخول إلى الحمّام بمئزر؛ لوجوب ستر العورة.
5- أنّه من غير الراجح عدم استعمال ماء الحمّام في رفع الحدث أو الخبث إذا كان غيره من الموجودين في الحمّام قد استعمله، ويستثنى من ذلك ما إذا علم أنّ في المستعملين جنباً، أو كثر الموجودون فيه بحيث يشك في وجود الجنب فيهم، فيكون استعمال الماء مرجوحاً حينئذٍ.
6- أنّه يجوز الغسل من ماء الحمّام الذي يباشره من لا تؤمن نجاسته كاليهودي والنصراني والجنب؛ لأنّه ماء طاهر مطهّر.
7- إذا تغيّر ماء الحمّام بالنجاسة كلّاً أو بعضاً فإنّه ينجس، ثمّ إذا اتصلبه من الخزانة ما يزيل هذا التغيّر صار طاهراً، فهو كالماء الجاري من هذه الناحية.
ص: 183
ص: 184
-----------------------------------------------------------------------------
8 - باب نجاسة ما نقص عن الكر من الراكد بملاقاة النجاسة له، إذا وردت عليه وإن لم يتغيّر
الحكم بنجاسة الماء القليل - وهو الراكد الأقل من الكر - بسبب ملاقاة النجاسة له هو المعروف والمشهور بين الأصحاب، سواء تغيّر الماء بأوصاف النجاسة أم لم يتغيّر.
وأما تخصيص ذلك بما إذا وردت عليه النجاسة دون ما إذا ورد هو عليها - كما يظهر من مفهوم كلام الماتن في عنوان الباب - فهذا الحكم لبعض الأصحاب، وتبعه عليه الماتن كما يأتي في بيان أقوال الخاصّة.
1- أقوال الخاصة:
الماء القليل قابل للانفعال بكل نجاسة وإن كانت دماً يسيراً بحيث لا يدركه الطرف كرؤوس الإبر؛ «للإجماع محصّلاً ومنقولاً، نصّاً وظاهراً، مطلقاً في لسان بعض، ومستثنى منه ابن أبي عقيل فقط في لسان آخرين»
ص: 185
كما عن «الجواهر»((1)).
وفي «المدارك»: «أطبق علماؤنا - إلّا ابن أبي عقيل - على أنّ الماء القليل - وهو ما نقص عن الكر - ينجس بملاقاة النجاسة له، سواء تغيّر بها أم لم يتغيّر، إلّا ما استثني. وقال ابن أبي عقيل: لا ينجس إلّا بتغيّره بالنجاسة، وساوى بينه وبين الكثير»((2)).
وخروج ابن أبي عقيل لا يضر بالإجماع؛ لكونه معروف النسب.
ومن المتأخرين المحدِّث الكاشاني. واستدل على عدم الانفعال بدون تغيّر بوجوه ذكرها المحدِّث البحراني، وهي:
أحدها: قوله(صلی الله علیه و آله و سلم) في حديث السكوني، عن أبي عبد الله (علیه السلام) : «الماء يطهِّر ولا يطهَّر»، حيث قال بعد نقله: «إنّما لا يطهَّر؛ لأنّه إن غلب على النجاسة حتى استهلكت فيه طهرها ولم ينجس حتى يحتاج إلى التطهير. وإن غلبت عليه النجاسة حتى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة ولم يقبل التطهير إلّا بالاستهلاك في الماء الطاهر، وحينئذ لم يبق منه شيء».
وثانيها: الأخبار المتقدّمة، وعدّ منها حديث «خلق الله الماء طهوراً ...»، مدّعياً استفاضته عنه(صلی الله علیه و آله و سلم) .
وثالثها: أنّه لو كان معيار نجاسة الماء وطهارته نقصانه عن الكر وبلوغه
ص: 186
إليه، لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه، مع أنّه جائز بالاتفاق؛ وذلك لأنّ كل جزء من أجزاء الماء الوارد على المحل النجس، إذا لاقاه كان متنجّساً بالملاقاة، خارجاً عن الطهوريّة في أول آنات اللقاء، وما لم يلاقه لا يعقل أن يكون مطهّراً.
والفرق بين وروده على النجاسة وورودها عليه - مع أنّه مخالف للنصوص - لا يجدي؛ إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي ولزوم تنجّسه، والقدر المستعلي - لكونه دون مبلغ الكر - لا يقوى على أن يعصمه بالاتصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجّس القدر الملاقي لا محالة، فلا يحصل التطهير أصلاً.
وأمّا ما تكلّفه بعضهم((1)) من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن محل النجاسة، فمن أبعد التكلّفات .
ومن ذا الذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته عنها وطهارته حال ملاقاته لها بل طهوريته؟. نعم، يمكن لأحد أن يتكلّف هناك بالفرق بين ملاقاة الماء لعين النجاسة وبين ملاقاته للمتنجّس. وتخصيص الانفعال بالأول، والتزام وجوب تعدّد الغسل في جميع النجاسات كما ورد في بعضها. إلّا أنّ هذا محاكمة من غير تراضي الخصمين؛ فإنّ القائلين بانفعال القليل لا يقولون به، والقائلون بعدم الانفعال لا يحتاجون إليه، وإنأمكن الاستدلال عليه بما ورد في إزالة البول من الأمر بغسله مرتين إذا
ص: 187
غسل في إجانة كما يأتي.
ورابعها: أنّ اشتراط الكر مثار الوسواس، ولأجله شقّ الأمر على الناس، يعرفه من يجرّبه ويتأمّله. ومما لا شك فيه أنّ ذلك لو كان شرطاً لكان أولى المواضع بتعذّر الطهارة مكة والمدينة المشرفتين؛ إذ لا يكثر فيهما المياه الجارية ولا الراكدة الكثيرة. ومن أول عصر النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) إلى آخر عصر الصحابة لم تنقل واقعة في الطهارة ولا سؤال عن كيفيّة حفظ الماء من النجاسات، وكانت أواني مياههم يتعاطاها الصبيان والإماء والذين لا يتحرّزون عن النجاسات، بل الكفار، كما هو معلوم لمن تتبّع .
وخامسها: أنّ ما يدلّ على المشهور إنّما يدلّ بالمفهوم، والمفهوم لا يعارض المنطوق، ولا الظاهر النصّ.
مع أنّ أقصى ما يدلّ عليه هذا المفهوم تنجّس ما دون الكر بملاقاة شيء ما، لا كل نجاسة، فيحمل على المستولية جمعاً. فيكون المراد: لم يستول عليه شيء حتى ينجس، أي: لم تظهر فيه النجاسة، فيكون تحديداً للقدر الذي لا يتغيّر بها في الأغلب.
وسادسها: حمل تلك الأخبار - الدالّة على النهي عن الشرب والوضوء مما لاقته النجاسة - على التنزّه والاستحباب، حيث قال في كتاب «الوافي»: «باب ما يستحب التنزّه عنه في رفع الحدث والشرب، وما لا بأس به»، ثم أورد فيهالأخبار التي قدّمناها مما دلّ على النهي عن الوضوء من الأواني التي وقع فيها قطرة من بول أو دم والأواني المأمور بإهراقها؛ لوقوع نحو ذلك فيها.
ص: 188
وسابعها: الاختلاف في تقدير الكر، قال: «والاختلاف في تقدير الكر يؤيّد ما قلناه من أنّه تخمين ومقايسة بين قدري الماء والنجاسة؛ إذ لو كان أمراً مضبوطاً وحدّاً محدوداً لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره، لا مساحة ولا وزناً، وقد وقع الاختلاف فيهما جميعاً» .
وثامنها: ما ذكره في تأويل الروايات الدالّة على اشتراط الكريّة، بحملها على أنّها مناط ومعيار للمقدار الذي لا يتغيّر من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات، حيث قال في كتاب «الوافي»: «باب قدر الماء الذي لا يتغير بما يعتاد وروده من النجاسات»، ثم أورد أخبار الكر ((1)).
وأجاب عنه المصنّف بما يأتي في نهاية الباب، وهو:
أولاً: أنّه على فرض تماميّة دلالة الأخبار العامّة والمطلقة فهي قابلة للتقييد والتخصيص.
ثانياً: أنّه على فرض التعارض بينها وبين أخبار الانفعال: الترجيح لأخبار الانفعال؛ لأنّها مشهورة وموافقة لإجماع الشيعة، ومقابلها شاذ نادر؛ ولأنّها مخالفة للعامّة؛ فإنّه المنقول عن ابن عباس، وحذيفة، وأبي هريرة، والحسن،وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، وبه قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وداود، وابن المنذر((2)).
ولمناقشة المحدث الكاشاني محل آخر.
ص: 189
وقال الشيخ في «المبسوط»: «وحدّ القليل ما نقص عن الكرّ الذي قدّمنا مقداره، وذلك ينجس بكل نجاسة تحصل فيه، قليلة كانت النجاسة أو كثيرة، تغيّرت أوصافها أو لم تتغير إلّا ما لا يمكن التحرّز منه مثل رؤوس الإبر من الدم وغيره، فإنّه معفو عنه؛ لأنّه لا يمكن التحرّز منه»((1)).
وفصّل المحقق صاحب «كفاية الأحكام» (قدس سره) ((2)) بين ملاقاة القليل للنجس فينجس، وبين ملاقاته للمتنجّس فلا ينجس. وتبعه على ذلك المحقّق الأصفهاني(قدس سره) في بحثه على ما نقله عنه السيد الأستاذ((3)).
وفيه: أنّه وإن لم ترد رواية في خصوص انفعال القليل بملاقاة المتنجّسات إلّا أنّ مقتضى إطلاق غير واحد من الأخبار أنّ القليل ينفعل بملاقاة المتنجّسات، كما ينفعل بملاقاة الأعيان النجسة.
وفصّل أيضاً السيد المرتضى(قدس سره) في انفعال القليل بملاقاة النجس بينورود الماء على النجس أو المتنجّس فلا ينفعل، وبين ورودهما عليه فينفعل((4))،
وتبعه على ذلك الشيخ الحر العاملي، كما يستفاد من عنوان الباب.
وفيه: أنّ العرف يستفيد من أدلة انفعال القليل بملاقاة مثل الكلب
ص: 190
والعذرة وغيرهما من المنجّسات: أنّ الحكم بالنجاسة والانفعال مستند إلى ملاقاة النجس للماء، بلا خصوصيّة في ذلك لوروده على النجس، أو لورود النجس عليه. فلا خصوصيّة للورود بحسب المتفاهم العرفي في التنجيس؛ لأنّه يرى الانفعال معلولاً للملاقاة خاصّة.
وافق الشافعي قول المشهور: من انفعال الماء القليل بالنجاسة وإن لم تتغيّر أوصافه((1)).
إلّا أنّ بقيّة العامّة اختلفوا على أقوال، ففي «بداية المجتهد»: أنّهم «اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة، ولم تغيّر أحد أوصافه. فقال قوم: هو طاهر سواء أكان كثيراً أو قليلاً. وهي إحدى الروايات عن مالك. وبه قال أهل الظاهر.
وقال قوم: بالفرق بين القليل والكثير، فقالوا: إن كان قليلاً كان نجساً، وإن كان كثيراً لم يكن نجساً، وهؤلاء اختلفوا في الحدّ بين القليل والكثير ، فذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحدّ في هذا هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حرّكه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه.
وذهب الشافعي إلى أنّ الحدّ في ذلك هو قلّتان من قلال هجر، وذلك نحو من خمسمائة رطل.
ص: 191
ومنهم من لم يحد في ذلك حدّاً، ولكن قال: إنّ النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغيّر أحد أوصافه.
وهذا أيضاً مروي عن مالك. وقد روي أيضاً: أنّ هذا الماء مكروه. فيتحصّل عن مالك في الماء اليسير تحلّه النجاسة اليسيرة ثلاثة أقوال: قول إنّ النجاسة تفسده، وقول إنّها لا تفسده إلّا أن يتغيّر أحد أوصافه، وقول إنّه مكروه:((1)).
ص: 192
[375] 1- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْعَمْرَكِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ رَعَفَ فَامْتَخَطَ فَصَارَ بَعْضُ ذَلِكَ الدَّمِ قَطْراً(1) صِغَاراً، فَأَصَابَ إِنَاءَهُ، هَلْ يَصْلُحُ لَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً يَسْتَبِينُ فِي الْمَاءِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ شَيْئاً بَيِّناً فَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْهُ»، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ رَعَفَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَتَقْطُرُ قَطْرَةٌ فِي إِنَائِهِ، هَلْ يَصْلُحُ الْوُضُوءُ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا(2)» (3).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
قال في «القاموس»: «رعف - كنصر ومنع وكرم وعني وسمع - خرج من
ص: 193
وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ(1)1*).
أَقُولُ: الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ: إِصَابَةُ الدَّمِ الْإِنَاءَ وَالشَّكُّ فِي إِصَابَةِ الْمَاءِ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ.
-----------------------------------------------------------------------------
أنفه الدم، رعفاً ورعافاً، كغراب»((2)).
و«مخط المخاط: رماه ، وهو السائل من الأنف»((3)).
استدلّ بهذا الحديث شيخ الطائفة على عدم نجاسة الماء بما لا يدركه البصر من الدم، كرؤوس الإبر، وإن كان ذلك القدر من الدم ينجّس غير الماء.
وقد احتمل في دلالته وجوه - على ما ذكره السيد الأستاذ(قدس سره) - :
الأول: ما عن شيخنا الأنصاري(قدس سره) ((4)) من حمله الحديث على الشبهة المحصورة وموارد العلم الإجمالي بوقوع قطرة من الدم في شيء، ولايدري أنّه داخل الإناء - أعني الماء - أو أنّه خارجه. وبما أنّ أحد طرفي العلم - وهو خارج الإناء - خارج عن محل الابتلاء، فالعلم المذكور كلا علم. ومن هنا حكم (علیه السلام) بعدم نجاسة ماء الإناء.
ص: 194
الثاني : ما ذكره الشيخ الطوسي(قدس سره) ((1)) من حمله الحديث على الماء الموجود في الإناء، والتفصيل في نجاسته بين ما إذا كان ما وقع فيه من الدم بمقدار يستبين في الماء فينفعل، وما إذا لم يكن بمقدار يستبين كرأس الإبرة التي لا تُحسُّ ولا تُدرك فلا ينفعل.
الثالث: ما احتمله صاحب «الوسائل»(قدس سره) ، وقوّاه شيخ الشريعة الأصفهاني(قدس سره) - في بحثه الشريف - من حمل الحديث على الشبهات البدويّة، وأنّ المراد بالإناء هو نفسه دون مائه، لا الأعمّ من نفسه ومائه. وقد فرض الراوي العلم بإصابة قطرة من الدم الإناء نفسه، وتنجّسه بذلك قطعاً، إلّا أنّه شك في أنّها هل أصابت الماء - أيضاً - أو أصابت الإناء فحسب؟ ففصّل الإمام (علیه السلام) بين صورتي العلم بإصابة القطرة لماء الإناء، فحكم فيها بالانفعال، وجهله بإصابتها فحكم بطهارته. فالمراد بالاستبانة هو العلم بوقوع القطرة في الماء، فإذا لم يكن معلوماً فهو مشكوك فيه، فليحكم عليه بالطهارة((2)).
واستظهر(قدس سره) - بعد أن استبعد الاحتمال الأول جدّاً - الوجه الثالث، وحاصله: أنّ الحديث وارد في مورد العلم التفصيلي بإصابة الدم للإناء بما هو إناء، والشك في إصابته لما في الإناء من الماء، وحيث إنّه شك بدويّ فلا يعتنى به.
ص: 195
والذي جعله يستظهر هذا الوجه ويرجّحه على الاحتمال الثاني هو أنّه حمل كلمة الإناء على معناها الحقيقي المغاير للماء، وهو الإناء نفسه؛ لأنّ حمل الإناء على ماء الإناء وإن كان صحيحاً في نفسه - بإحدى العلاقات المسوِّغة للتجوّز كعلاقة الحالية والمحليّة - إلّا أنّه لا قرينة على هذه العناية بعد إمكان حمله على معناه الحقيقي وهو الظرف، فيكون معنى الحديث: التفصيل بين صورة العلم بالنجاسة كما في الإناء فيجب الاجتناب، وبين صورة الجهل بالنجاسة كما في الماء فلا يجب؛ لكونها شبهة بدويّة.
سند الحديث:
تقدّم الكلام في رجاله بطريقيه، وكلاهما صحيح.
وهناك طريق ثالث ذكره المصنّف في ذيل الحديث الثاني من الباب، وهو:
الشيخ بإسناده، عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن أحمدالعلوي، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (علیه السلام) ((1)).
وقد تقدّمت أسانيد الشيخ إلى محمد بن علي بن محبوب((2))، وأنّ أحد الأسانيد الثلاثة صحيح.
ص: 196
[376] 2- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ ابْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ إِنَاءَانِ فِيهِمَا مَاءٌ، وَقَعَ فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ، لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى مَاءٍ غَيْرِهِ؟ قَالَ: «يُهَرِيقُهُمَا جَمِيعاً وَيَتَيَمَّمُ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ(2)، وَبِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(3)، وَالَّذِي قَبْلَهُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَلَوِيِّ، عَنِ الْعَمْرَكِيِّ، مِثْلَهُ.
-----------------------------------------------------------------------------وأمّا محمد بن أحمد العلوي: فهو محمد بن أحمد بن إسماعيل العلوي، من شيوخ أصحابنا،كما عن النجاشي في ضمن ترجمة العمركي البوفكي((4))، وهو دالّ على الحسن، كما أنّه ورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((5))،
فالظاهر وثاقته. وبهذا يتضح أنّ السند معتبر.
[2] - فقه الحديث:
قال في «القاموس»: «هراق الماء يهريقه - بفتح الهاء - هِراقة، بالكسر،
ص: 197
وأهرقه يهريقه إهراقاً، وأهراقه يهريقه إهرياقاً، فهو مهريق، وذاك مهراق ومهراق: صبه، وأصله: أراقه يريقه إراقة، وأصل أراق: أريق، وأصل يريق: يريق، وأصل يريق: يؤريق، وقالوا: أهريقه، ولم يقولوا: أأريقه ، لاستثقال الهمزتين»((1)).
دلّ الحديث على مشروعيّة التيمم وجوازه، وأنّه مما لا إشكال فيه، وإنّما وقع الأمر بالتيمم بعد الأمر بإهراق الإنائين؛ لإفادة أنّ الماء قد تنجّس، والمنساق منه عرفاً النجاسة. واحتمال أن يكون المراد مطلق الاستقذار العرفي، خلاف الظاهر؛ إذ لو لم يكن متنجّساً لما كان وجه للتيمّم؛ لكونه حينئذ من أفراد واجد الماء، والأمر بإهراق الإنائين أمر إرشادي لئلّايستعمل الماء الموجود في الإناء فيما يشترط فيه الطهارة، كالشرب والوضوء ونحوهما، لا أنّ الإهراق واجب تعبدي. بل لو أمكن الانتفاع المحلّل به في جهة أُخرى لكان الإهراق من الإسراف المحرّم.
سند الحديث:
ذكر المصنّف لهذا الحديث ثلاثة أسانيد:
الأول: فيه أحمد بن محمد، وهو ابن عيسى، وقد تقّدم مع بقيّة رجال السند، والسند معتبر.
الثاني: الشيخ بإسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وقد تقدّم أيضاً،
ص: 198
[377] 3- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَسْهُو فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا: أَنَّهُ لَا بَأْسَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَصَابَ يَدَهُ شَيْ ءٌ(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وهذا السند معتبر أيضاً.
الثالث: الشيخ أيضاً بإسناده، عن محمد بن يعقوب، وهذا السند أيضاً معتبر.
[3] - فقه الحديث:
دلّ الحديث بمنطوقه على نفي البأس عن الماء القليل الموجود في الإناء إذا لامسته يد الجنب غير المصابة بشيء. والمراد بالشيء: النجاسة؛ لوضوح أنّه لا بأس في ملامسة المصابة بالتراب أو الغبار أو غيرهما من غير المتنجّسات، والمراد من نفي البأس هو نفي النجاسة، وإن لم يكن البأس مساوقاً لها مفهوماً، ولكن الظاهر منه في مثل المقام إرادة النجاسة؛ لأنّ ارتكازيّة نجاسة المني وكذا سراية النجاسة بالملاقاة في الجملة توجب انصراف ذهن المتشرّع إلى فهم نجاسة الماء من البأس. والمستفاد من مفهوم الشرطيّة أنّه إذا كان قد أصاب يد الجنب شيء - أي: نجاسة - فهذا الماء فيه بأس. ولا معنى له إلّا أنّه ينفعل بالنجاسة لقلّته. ولعلّ قول السائل:
ص: 199
«يسهو فيغمس يده» يدلّ على الارتكاز المذكور.
سند الحديث:
فيه: محمد بن يحيى، وهو العطار.
وفيه أيضاً: محمد بن إسماعيل: وهو مشترك بين جماعة، ويتردّد - بحسب الطبقة - بين اثنين هما: الصيمري والبرمكي. والظاهر أنّه البرمكي، خلافاً للأردبيلي(قدس سره) في «جامع الرواة»، فإنّه(قدس سره) ذكر روايات عديدة تحت عنوان محمد بن إسماعيل الصيمري يروي فيها محمد بن يحيى عن محمد بن إسماعيل، ولكن الظاهر أنّه لا يمكن المساعدة على ما ذهب إليه هذاالمحقّق؛ وذلك لعدم معروفيّة الصيمري، وأنّ محمد بن إسماعيل لا بد أن يكون معروفاً حتى يروي عنه محمد بن يحيى هذه الموارد العديدة.
ومحمد بن إسماعيل البرمكي ثقة، كما عن النجاشي في «رجاله»، قال(قدس سره) : «محمد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير البرمكي المعروف بصاحب الصومعة، أبو عبد الله، سكن قم، وليس أصله منها. ذكر ذلك أبو العباس بن نوح. وكان ثقة مستقيماً. له كتب، منها: كتاب التوحيد»((1))
((2)).
ص: 200
نعم، جاء في مورد واحد رواية محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل القمي، عن علي بن الحكم((1))،
ولكن الظاهر أنّه البرمكي؛ لأنه كان ساكناً قم.
وفيه أيضاً: علي بن الحكم، وقد تقدّم أنّه ثقة، وليس بمشترك((2)).
وأمّا شهاب بن عبد ربّه: فقال عنه النجاشي: «شهاب بن عبد ربّه بن أبي ميمونة مولى بني نصر بن قعين من بني أسد. روى عن أبي عبد الله وأبيجعفر (علیهما السلام) . وكان موسراً ذا حال. ذكر ابن بطة أنّ له كتاباً حدّثه به الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عنه»((3)).
ووثّقه في ترجمة ابن أخيه إسماعيل، فقال: «إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربّه بن أبي ميمونة بن يسار، مولى بني أسد. وجه من وجوه أصحابنا، وفقيه من فقهائنا، وهو من بيت الشيعة. عمومته: شهاب، وعبد الرحيم، ووهب، وأبوه عبد الخالق، كلّهم ثقات»((4)).
وقد ورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((5))، وروى عنه المشايخ الثقات((6))،فلا ريب في وثاقته.
ص: 201
وقال الكشّي: «قال أبو عمرو: شهاب وعبد الرحيم وعبد الخالق ووهب ولد عبد ربّه من موالي بني أسد من صلحاء الموالي»، وقال: «حمدويه بن نصير، ذكر عن بعض مشايخه قال: شهاب بن عبد ربّه خيّر فاضل».
وقال: «حدّثني أبو الحسن حمدويه بن نصير، قال: سمعت بعض المشايخ يقول: وسألته عن وهب وشهاب وعبد الرحمن بني عبد ربه إسماعيل بنعبد الخالق ابن عبد ربه؟ قال: كلّهم خيار فاضلون كوفيون»((1)).
كما ذكر السيّد الأستاذ(قدس سره) روايات ذامّة له عن الكشي وناقشها، وهي:
الأولى: «حدّثني محمد بن مسعود، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: حدّثني أحمد بن محمد، عن فضيل، عن شهاب، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) : كيف أنت إذا نعاني إليك محمد بن سليمان؟ فإنّي يوماً بالبصرة عند محمد بن سليمان، إذ ألقى إليّ كتاباً وقال: أعظم الله أجرك في جعفر بن محمد، فذكرت الكلام فخنقتني العبرة.
ثم ذكرها بسند آخر باختلاف في الألفاظ فقال:
حدّثني محمد بن مسعود، قال: حدّثني عبد الله بن محمد، قال: حدّثني الوشّاء، عن محمد بن الفضيل، عن شهاب، قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام) : يا شهاب كيف أنت إذا نعاني إليك محمد بن سليمان؟ فمكثت ما شاء الله. ثمّ إنّ محمد بن سليمان لقيني، فقال: يا شهاب، عظم الله أجرك في أبي عبدالله (علیه السلام) ، فكان سبب إقامة الناووسية على أبي عبد الله (علیه السلام) بهذا
ص: 202
الحديث»((1)).
هذه الرواية تدلّ على أنّ الإمام الصادق (علیه السلام) توفي وشهاب كان حيّاً، وقد أخبره الإمام (علیه السلام) بذلك قبل موته، فهي تدلّ على خلاف ما ذهب إليهالناووسية، من أنّ الصادق (علیه السلام) حي لم يمت، فكيف يمكن أن تكون هذه الرواية سبباً لإقامة الناووسية على أبي عبد الله (علیه السلام) ؟! هذا، ويمكن أن يكون في العبارة سقط أو تحريف.
الثانية: «محمد بن مسعود، قال: حدّثني جبريل بن أحمد، قال: حدّثني محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن مسمع كردين أبي سيّار، قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: وأمّا شهاب، فإنّه شرّ من الميتة والدم ولحم الخنزير»((2)).
وهي ضعيفة بجبرئيل بن أحمد الذي لم يوثّق.
الثالثة: «محمد بن مسعود، قال: حدّثني علي بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن هشام، عن شهاب بن عبد ربه، قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام) : يا شهاب، يكثر المقيل في أهل بيت من قريش، حتى يدعى الرجل منهم إلى الخلافة فيأباها، ثم قال: يا شهاب، ولا تقل إنّي عنيت بني عمي هؤلاء، فقال شهاب: أشهد أنّه عناهم».
وهذه الرواية أيضاً ضعيفة؛ فإنّ علي بن محمد (بن فيروزان) لم يوثّق.
ص: 203
وعلى فرض التسليم بصحّة سندها؛ فإنّ نهي الإمام (علیه السلام) له عن ذلك القول كان للتقيّة، ونقل شهاب لما جزم به من إرادة الإمام لبني الحسن كان بعدزوالها أو عند أمنه على نفسه. فالرواية غير قادحة.
الرابعة: «محمد بن مسعود، قال: حدّثني علي بن محمد، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الحسن بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسين بن بشار الواسطي، عن داود الرقي، قال : كنت عند أبي عبد الله (علیه السلام) فذكر شهاب بن عبد ربّه، فقال: والله الذي لا إله إلّا هو لأصلنّه (لأضلنّه)، والله الذي لا إله إلّا هو لأخبرنّه (لأضربنّه)».
وهذه الرواية أيضاً ضعيفة بعلي بن محمد وبالحسن بن الحسين (اللؤلؤي)، مضافاً إلى أنّ الرواية مضطربة المتن، ففي بعض النسخ لأصلنّه بدل (لأضلنّه). كما أنّ في بعضها لأخبرنّه، أو لأجبرنّه بدل (لأضربنّه) .
الخامسة: «محمد بن مسعود، قال: حدّثني عبد الله بن محمد، قال: حدّثني العباس بن عامر، عن أبي جميلة، عن شهاب بن عبد ربّه، أنّه ضربه محمد بن عبد الله بن الحسن نحواً من سبعين سوطاً».
وهذه الرواية كذلك ضعيفة بأبي جميلة. وعلى تقدير صحتها فهي أولى بأن تكون قادحة في حقّ محمد بن عبد الله بن الحسن، الذي ادعى الخلافة، وقال عنه أبوه عبد الله: إنّه المهدي الموعود، ودعا الإمام جعفر بن محمد (علیه السلام) إلى البيعة له، فأبى، فسجنه لذلك، فلعلّه دعا شهاباً إلى البيعة
ص: 204
[378] 4- وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِالْمُغِيرَةِ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْهُمْ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِذَا أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ تَغْسِلَهَا فَلَا بَأْسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَذَرٌ بَوْلٌ أَوْ جَنَابَةٌ، فَإِنْ أَدْخَلْتَ يَدَكَ فِي الْمَاءِ(1) وَفِيهَا شَيْ ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَأَهْرِقْ ذَلِكَ الْمَاءَ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
فأبى، فضربه محمد بن عبد الله. وحينئذ فتصبح الرواية مادحة لا قادحة((3)).
وقال عنه الشيخ في «الفهرست»: «شهاب بن عبد ربه. له أصل، رويناه بالإسناد الأول عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عنه»((4)).
وأراد بالإسناد الأول: جماعة، عن أبي المفضّل، عن ابن بطة.
كما عدّه في «الرجال، من أصحاب أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) ((5)).
والحاصل: أنّ هذا السند معتبر.
[4] - فقه الحديث:
دلالة الحديث كسابقه، إلّا أنّ فيه التصريح بأنّه إذا أصاب القذر الخاص
ص: 205
- وهو البول أو المني - يد المجنب وقد أدخلها في الماء القليل وفيها مقدار من النجاسة فليهرق ذلك الماء. والأمر بإراقة الماء إرشاد إلى عدم صلاحيته للاستعمال في الوضوء والغسل والتطهير والشرب، فيكون كاشفاً عن سراية النجاسة إلى الماء؛ لما قدّمناه من وجود الارتكاز عند المتشرّعة بالنسبة لنجاسة البول والمني وسراية النجاسة بالملاقاة في الجملة. والمراد بالماء هو الماء القليل بقرينة ذكر الإناء والإهراق.
سند الحديث:
فيه: سماعة، وهو سماعة بن مهران، وقد تقدّم توثيقه، وأنّه ليس بواقفي، وكذا بقيّة رجال السند. والسند معتبر.
ص: 206
[379] 5- وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسِّرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَنْتَهِي إِلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ فِي الطَّرِيقِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنَاءٌ يَغْرِفُ بِهِ، وَيَدَاهُ قَذِرَتَانِ؟ قَالَ: «يَضَعُ يَدَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ(1)، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، هَذَا مِمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}»(2).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(3).
أَقُولُ: هَذَا مُحْتَمِلٌ لِلتَّقِيَّةِ، فَلَا يُقَاوِمُ مَا سَبَقَ(4)، وَيَأْتِي(5). وَقَرِينَةُ التَّقِيَّةِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ مَعَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّقِيَّةِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَذَرِ الْوَسَخُ لَا النَّجَاسَةُ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ مَا بَلَغَ الْكُرَّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ فِي الْعُرْفِ.
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة المتنجس، وهو هنا يدا
ص: 207
الرجل القذرتين، ولذا صحّ منه الوضوء والغسل، وهو من جملة ما استدلّ به على قول ابن أبي عقيل، بادّعاء ظهوره في إرادة الماء القليل وحكومته على أدلّة الانفعال بالنجاسات أو المتنجسات؛ فإنّه لو كان مورده الكر لم يكن من موارد نفي الحرج، فإنّ الكر لا ينجّسه شيء، فالحديث دالّ على أنّ هذا الماء من شأنه أن ينفعل ويجب التحرّز عنه، إلّا أنّ هذا الحكم قد رفع لوجود الضرورة والحرج، فيكون هذا الحديث حاكماً على الأدلّة المطلقة الدالّة على الانفعال، ودالّاً على التفصيل بين حالتي الاختيار فلا يجوز استعمال الماء فيما يشترط فيه الطهارة ، والضرورة فإنّه يرتفع هذا الحكم.
وقد نوقش فيه:
أولاً: بأنّه وارد تقيّة كما عن المحقّق الهمداني((1))؛ لموافقته لمذهب العامّة، حيث جمعت بين الوضوء وغسل الجنابة، وهما مما لا يجتمعان في مذهبنا.
ويرد عليه: أنّه لعلّ المراد بالوضوء - كما تنبّه له نفس المحقّق المذكور - معناه اللغوي، وهو التنظيف، وأمره (علیه السلام) به لكونه مقدّمة للغسل، فلم يجتمع الوضوء الاصطلاحي وغسل الجنابة.
وثانياً: أنّ التفصيل بين حالتي الاضطرار والاختيار لم يقل به أحد على
ص: 208
الظاهر. فهذا الحديث غير معمول بظاهره، مع أنّه يعارضه من هذه الجهة الحديث الثاني من هذا الباب: «عن رجل معه إناءان وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال: يهريقهما جميعاً ويتيمّم»، فإنّه صريح في عدم جواز الاستعمال حتى في حال الاضطرار، ولو كان ذلك في صورة الاشتباه.
وثالثاً: أنّ حمل القليل على ما يقابل الكر بلا موجب، فإنّه لم يثبت أن القليل كان بهذا المعنى في زمان الأئمة (علیهم السلام) ، بل هو اصطلاح من الفقهاء، فالقليل هنا هو بمعناه اللغوي الذي هو في مقابل الكثير؛ فإنّ أغلب المياه الموجودة في طرق المسافرين، إمّا ذوات مادّة، أو هي مياه الغدران التي قلّما تكون أقل من كر. فالتعبير عنه بالقليل هنا ربّما يكون بالإضافة إلى المياه التي يمكن الارتماس فيها.
نعم، لا ينكر أنّ فيه إطلاقاً يشمل الماء الأقل من الكر، وهو كافٍ في الحكم بعدم انفعاله، لكن لنا أن نقول: إنّ الأحاديث البالغة حدّ التواتر دلّت على انفعال القليل بالملاقاة، فتكون مقيدة لهذا الإطلاق بغير القليل.
واحتمل في «كشف اللثام» أن يكون قوله (علیه السلام) : «يضع يده ثم يتوضأ» الإنكار على «الاغتسال منه، أي: يضع يديه في الماء ويتوضّأ، أي: يغسلهما ثم يغتسل، هذا ممّا قال اللّه تعالى، أي: رخّص له في التيمّم وتأخير الغسل،وأن يراد بترك يده إلى أن يمكنه تطهيرها، ويطهّرها إذا أمكنه ثم يغتسل»، ثم أبرز احتمالاً ثانياً وهو: «أن لا يكون الكفّان بتمامهما نجستين، بل بحيث يمكن الاغتراف وغسل ما نجس منهما، فأمر (علیه السلام) بوضع الطاهر منهما في
ص: 209
الماء والاغتراف به منه للتوضّي، أي غسل النجس منهما»((1))، وهذان الاحتمالان جيّدان، فلا يعارض هذا الحديث بقيّة الأحاديث الدالّة على انفعال الماء القليل بمجرد مماسّة النجس أو المتنجّس.
وأمّا قول المصنّف: «أو على أنّ المراد بالقذر الوسخ لا النجاسة» ففيه: أنّه لا يناسبه الاستشهاد بآية الحرج.
سند الحديث:
له سندان، وفيهما ممّن لم يتقدّم ذكره، وهو: محمد بن ميسر: قال عنه النجاشي: «محمد بن ميسر بن عبد العزيز النخعي بيّاع الزطّي، كوفي ، ثقة ، روى أبوه عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیهما السلام) ، وروى هو عن أبي عبد الله (علیه السلام) . له كتاب يرويه جماعة»((2)).
وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) ((3))، وورد في أسنادكتاب «نوادر الحكمة»((4))، فالرجل ثقة، وكتابه مشهور.
فالحديث صحيح بإسناديه.
ص: 210
[380] 6- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سُئِلَ الصَّادِقُ (علیه السلام) عَنْ مَاءٍ شَرِبَتْ مِنْهُ دَجَاجَةٌ؟ فَقَالَ: «إِنْ كَانَ فِي مِنْقَارِهَا قَذَرٌ لَمْ تَتَوَضَّأْ مِنْهُ وَلَمْ تَشْرَبْ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فِي مِنْقَارِهَا قَذَرٌ، تَوَضَّأْ مِنْهُ وَاشْرَبْ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الماء المعلوم ملاقاته لما في منقار الدجاجة من القذر لا يجوز الانتفاع منه فيما يشترط فيه الطهارة. والشرب والتوضؤ مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة والمتعارفة، فتشمل مثل الغَسل والغُسل. والمراد من الماء هنا هو الماء القليل الذي لا يبلغ كرّاً، بقرينة شرب الدجاجة؛ فإنّها غالباً تشرب من المياه القليلة؛ ولأنّ أحاديث الكر الكثيرة تدلّ على اعتصامه، وعدم انفعاله، فيحمل الماء على القليل لذلك.
سند الحديث:
هو من مراسيل الصدوق، وقد تقدّم القول باعتبارها وعدمه غير مرّة.
ص: 211
[381] 7- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (علیه السلام) عَنِ الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ وَهِيَ قَذِرَةٌ، قَالَ: «يُكْفِئُ الْإِنَاءَ»(1).
قَالَ فِي «الْقَامُوسِ»: كَفَأَهُ كَمَنَعَهُ كَبَّهُ وَقَلَبَهُ كَأَكْفَأَهُ(2).
أَقُولُ: الْمُرَادُ إِرَاقَةُ مَائِهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّنْجِيسِ.
-----------------------------------------------------------------------------
[7] - فقه الحديث:
قوله (علیه السلام) : «يكفِئ الإناء» - أي: يريق ما فيه - إمّا بفتح حرف المضارعة من كفأ، أو بضمّه من أكفأ. وما ذكره المصنّف عن «القاموس» - من صحة اللغتين: كفأ وأكفأ - هو الصحيح، فكلتاهما من الفصيح. ولا عبرة بما يظهر من «الصحاح» للجوهري من عدم ثبوت «أكفأ» عن العرب؛ فإنّه قال: «كفأت الإناء قلّبته. وزعم ابن الأعرابيّ أنّ أكفأته لغة»((3))؛ لأنّها لغة فصيحة، لورودها في مقبولة عبد الرحمن بن كثير الهاشميّ عن الصادق (علیه السلام) ، قال: بينا أمير المؤمنين (علیه السلام) ذات يوم جالس مع ابن الحنفيّةL إذ قال له: يا محمّد، ايتني بإناء من ماء أتوضّأ للصلاة، فأتاه محمّد بالماء فأكفأهبيده اليمنى على يده اليسرى، الحديث.كما عن الشيخ البهائي في
ص: 212
«الحبل المتين»((1)).
وأيّد ذلك العيني في «عمدة القاري» وغيره، ونقلوا عن الكسائي قوله: «أكفأت الإناء أملته»((2)).
وإراقة ماء الإناء كناية عن كونه قد تنجّس، كما ذكره المصنّف، فالحديث ظاهر في كون منشأ الأمر بالإراقة هو إدخال اليد القذرة في الإناء الموجب لتنجّسه. وإطلاق القذارة يشمل كل قذر، وقد تقدّم أنّ المراد منه النجاسة. وبهذا يدلّ الحديث على انفعال الماء القليل بملاقاة أي قذارة كانت، بلا فرق بين صورتي وجود عين النجاسة في اليد وزوالها عنها؛ لإطلاق الحديث.
سند الحديث:
تقدّم سند الشيخ إلى كتب وروايات الحسين بن سعيد في الجزء الأول((3))، وقد ذكرنا أنّه عبارة عن طريقين. والحسين بن سعيد وأحمد بن محمد بن أبي نصر مرّ ذكرهما مكرّراً، والسند صحيح.
ص: 213
[382] 8 - وَعَنْهُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْجَرَّةِ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ مِنْ مَاءٍ، يَقَعُ فِيهَا أُوقِيَّةٌ مِنْ دَمٍ، أَشْرَبُ مِنْهُ وَأَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: «لَا»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[8] - فقه الحديث:
الأُوقية: أربعون درهماً، والرطل: اثنا عشر أوقية.
قال في «مجمع البحرين»: «الرطل - بالكسر والفتح - : نصف المن، عبارة عن اثني عشر أُوقية، وهي عبارة عن أربعين درهماً. والرطل العراقي عبارة عن مائة وثلاثين درهماً، هي إحدى وتسعون مثقالاً. وكل درهم ستة دوانيق. وكل دانق ثمان حَبّات من أوسط حَبّ الشعير. والرطل المدني عبارة عن رطل ونصف بالعراقي يكون مائة وخمسة وتسعين درهماً. والرطل المكي عبارة عن رطلين بالعراقي. ولا اعتبار بما يسمّى رطلاً الآن. ولكن يحال على التقدير الشرعي. وفي المصباح: الرطل معيار يوزن به، وكسره أكثر من فتحه، وهو بالبغدادي اثنتا عشرة أُوقية. والرطل تسعون مثقالاً، وهي مائة درهم وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم. والجمع أرطال.
قال الفقهاء: وإذا أطلق الرطل في الفروع فالمراد رطل بغداد. ورطلت
ص: 214
الشيء من باب قتل: وزنته بيدك لتعرف وزنه تقريباً»((1)).
أقول: المشهور، بل كاد يكون إجماعاً كما عن «مفتاح الكرامة»((2))،
بل في كتاب الزكاة من «الجواهر» - أنّ: «الرطل العراقي مائة وثلاثون درهماً، أحد وتسعون مثقالاً، بلا خلاف أجده إلّا من الفاضل في التحرير وموضع من المنتهى؛ فجعله مائة وثمانية وعشرين درهماً وأربعة أسباع الدرهم، أي: تسعون مثقالاً، ولم نعرف له مستنداً»((3)).
فالحديث يدلّ على أنّه إذا وقعت أُوقيّة من دم في جرّة سعتها مائة رطل من ماء فإنّه ينفعل بالنجاسة، فلا يجوز استعماله فيما يشترط فيه الطهارة.
هذا، لكنّ المحقّق الهمداني حمله على تغيّر الماء بمقدار الدم((4)).
إلّا أنّ حمله على التغيّر بعيد؛ لأنّ الأُوقية أربعون درهماً، والرطل مائة وثلاثون درهماً، كما مرّ، فنسبتها إليه نسبة الثلث تقريباً، وعليه تكون نسبته إلى مائة رطل يكون نسبة ثلث عشر العشر، كما عن «الجواهر»((5))، وهي نسبة قليلة جداً تكاد لا تؤثّر في التغيّر.
ص: 215
سند الحديث:
فيه: سعيد الأعرج: وهو سعيد بن عبد الرحمن الأعرج السمان، قال النجاشي: «سعيد بن عبد الرحمن، وقيل: بن عبد الله الأعرج السمان أبو عبد الله التيمي (التميمي)، مولاهم، كوفي، ثقة. روى عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، ذكره ابن عقدة وابن نوح. له كتاب يرويه عنه جماعة، أخبرناه عدّة من أصحابنا، عن أبي الحسن بن داود، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن سعيد به»((1)).
وعدّه الشيخ في «رجاله» من أصحاب الصادق (علیه السلام) ، قائلاً: «سعيد بن عبد الرحمن الأعرج السمان، ويقال له: ابن عبد الله، له كتاب»((2)).
لكنّه في «الفهرست» ذكره بعنوان سعيد الأعرج، فقال: «سعيد الأعرج ، له أصل. أخبرنا بهما جماعة، عن أبي المفضل، عن ابن بطة، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وعبد الرحمن بن أبي نجران جميعاً، عن علي بن النعمان وصفوان بن يحيى جميعاً، عنهما»((3)).
إلّا أنّ هذا لا يوجب تعدّد العنوانين؛ إذ لو كانا متغايرين للزم على
ص: 216
[383] 9- وَعَنْهُ، عَنْ أَخِيهِ الْحَسَنِ، عَنْ زُرْعَةَ، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِنْ أَصَابَ الرَّجُلَ جَنَابَةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَلَا بَأْسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ أَصَابَ يَدَهُ شَيْ ءٌ مِنَ الْمَنِيِّ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
النجاشي والشيخ التعرّض لكليهما. وعدم تعرّض النجاشي لسعيد الأعرج، وعدم تعرّض الشيخ (رحمه الله) لسعيد بن عبد الرحمن في «الفهرست» دليل على الاتحاد، ولاسيّما مع اتحاد راوي كتاب الرجلين ، وهو صفوان على ما في النجاشي و«الفهرست»،كما ذكره السيد الأستاذ(قدس سره) ((2)).
فالحاصل: أنّه ثقة، والسند معتبر.
[9] - فقه الحديث:
دلّ الحديث بمفهومه على وجود البأس عند ملاقاة النجاسة للماء القليل؛ فإنّ مقتضى مفهوم هذا الحديث ثبوت البأس مع وقوع المني على اليد إذا أدخلها في الإناء. والبأس وإن لم يكن مساوقاً للنجاسة مفهوماً، ولكن الظاهر منه في المقام إرادة النجاسة، والتعبير عنها بالبأس لأنّ ارتكازيةنجاسة المني وارتكازية سراية النجاسة بالملاقاة في الجملة توجب انصراف ذهن الإنسان العرفي المتشرعي المحتوي على تلك الارتكازات إلى فهم
ص: 217
نجاسة الماء من البأس، كما مرّ في شرح الحديث الثالث من الباب.
سند الحديث:
فيه: الحسن بن سعيد: قال عنه النجاشي: «الحسن بن سعيد بن حماد بن مهران مولى علي بن الحسين (علیه السلام) ، أبو محمد الأهوازي، شارك أخاه الحسين في الكتب الثلاثين المصنّفة، وإنَّما كثر اشتهار الحسين أخيه بها. وكان الحسين بن يزيد السورائي يقول: (الحسن شريك أخيه الحسين في جميع رجاله إلّا في زرعة بن محمد الحضرمي وفضالة بن أيوب، فإنّ الحسين كان يروي عن أخيه عنهما). خاله جعفر بن يحيى بن سعد الأحول من رجال أبي جعفر الثاني (علیه السلام) ، ذكره سعد بن عبد الله. وكتب ابني سعيد كتب حسنة معمول عليها، وهي ثلاثون كتاباً»((1)).
وذكره الكشي أيضاً مع أخيه الحسين، قال: «الحسن والحسين ابنا سعيد بن حماد بن سعيد موالي علي بن الحسين صلوات الله عليهما. وكان الحسن بن سعيد هو الذي أوصل إسحاق بن إبراهيم الحضيني وعلي ابن الريان بعد إسحاق إلى الرضا (علیه السلام) ، وكان سبب معرفتهم لهذا الأمر، ومنه سمعواالحديث وبه عرفوا، وكذلك فعل بعبد الله بن محمد الحضيني وغيرهم، حتى جرت الخدمة على أيديهم، وصنفا الكتب الكثيرة. ويقال: إنّ الحسن
ص: 218
صنّف خمسين تصنيفاً، وسعيد كان يعرف بدندان»((1)).
ونقل عن أبي عمرو قوله: «قد روى عنه - أي: عن محمد بن سنان - الفضل، وأبوه، ويونس، ومحمد بن عيسى العبيدي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيان، وابنا دندان، وأيوب بن نوح وغيرهم، من العدول والثقات من أهل العلم»((2)).
وعدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الرضا والجواد (علیهما السلام) ((3))، وقال عنه في «الفهرست»: «ثقة. روى جميع ما صنفه أخوه عن جميع شيوخه، وزاد عليه بروايته عن زرعة، عن سماعة، فإنّه يختصّ به الحسن، والحسين إنَّما يرويه عن أخيه عن زرعة، والباقي هما متساويان فيه»((4)).
وأمّا بقية رجال السند فقد تقدّم ذكرهم، وهو موثّق.
ص: 219
[384] 10- وَبِالْإِسْنَادِ، عَنْ سَمَاعَةَ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ يَمَسُّ الطَّسْتَ أَوِ الرَّكْوَةَ(1)، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى كَفَّيْهِ؟ قَالَ: «يُهَرِيقُ مِنَ الْمَاءِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ. وَإِنْ كَانَتْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ يَدَهُ شَيْ ءٌ مِنَ الْمَنِيِّ. وَإِنْ كَانَ أَصَابَ يَدَهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى كَفَّيْهِ فَلْيُهَرِقِ الْمَاءَ كُلَّهُ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[10] - فقه الحديث:
الطست: «من آنية الصفر، أُنثى، وقد تذكّر. الجوهري: الطست الطس، بلغة طيء، أبدل من إحدى السينين تاء للاستثقال، فإذا جمعتَ أو صغّرتَ، رددتَ السين؛ لأنّك فصلت بينهما بألف أو ياء، فقلتَ: طساس، وطسيس»((3)).
وفي نسخة «جامع أحاديث الشيعة»: «الطشت»((4)).
قوله: «يمس الطست أو الركوة» لعلّ المراد تناولهما ليتوضأ منهما، ثم يدخل يده في الإناء قبل أن يفرغ على كفيه من الماء لغرض غسلهما.
والأمر بإهراق ثلاث حفنات - والحفنة ملء الكفين((5)) - من الماء؛ لعلّه
ص: 220
لإزالة الاستقذار الحاصل في النفس بسبب إدخال اليد في الإناء قبل غسلهما. وليس ذلك بواجب؛ ولذا قال (علیه السلام) : «وإن لم يفعل فلا بأس».
وبقيّة الحديث تقدّم مضمونه في الحديث السابق وغيره.
سند الحديث:
هو سند الحديث السابق نفسه. وقد تقدّم طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد، مضافاً إلى أنّ كتب الحسين بن سعيد مشهورة معمول بها.
نعم، يوجد طريق صحيح - على ما حقّقناه - للصدوق إلى سماعة، وهو: أبوه رضي الله عنه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى العامري، عنه. ويمكن تصحيح طريق الشيخ به كما مرّ مراراً؛ فإنّ طرق الشيخ الصدوق هي طرق للشيخ، لأنّ له طرقاً معتبرة إلى مرويات الشيخ الصدوق.
ص: 221
[385] 11- وَعَنْهُ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْجُنُبِ يَحْمِلُ الرَّكْوَةَ أَوِ التَّوْرَ(1)، فَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فِيهِ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَتْ يَدُهُ قَذِرَةً فَأَهْرَقَهُ(2)، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصِبْهَا قَذَرٌ فَلْيَغْتَسِلْ مِنْهُ. هَذَا مِمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(3)»(4).
-----------------------------------------------------------------------------
[11] - فقه الحديث:
دلالة الحديث واضحة - كسوابقه - على انفعال الماء القليل بالنجاسة المعبّر عنها هنا بالقذر الموجود في اليد، ولذا أمر (علیه السلام) بإراقة الماء، كما أمر بالغسل من الماء وإن كان جنباً وقد لامس الماء بيده؛ وذلك لأنّ الجنب ليس بنجس بسبب الجنابة، ولعلّ الاستشهاد بالآية الشريفة يرجع إلى رفع الحكم بلزوم الطهارة المائية إذا انفعل الماء بالنجاسة، فليس في الدين حرج. ومقتضاه: رفع لزوم الطهارة المائية والانتقال إلى الطهارة الترابية، وإن لم يصرّح به هنا، فإنّ الحرج إنّما يلزم من الحكم بنجاسة الماء الملاقي للنجاسة مع المنع من استعماله والحكم بلزوم الطهارة المائية، والإمام (علیه السلام) رخّص في إلغاء الماء الموجود المتنجّس.
ص: 222
وَرَوَاهُ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي آخِرِ «السَّرَائِرِ» نَقْلًا مِنْ كِتَابِ «النَّوَادِرِ» لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، يَعْنِي: ابْنَ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، مِثْلَهُ(1)1*).
-----------------------------------------------------------------------------
ويحتمل أن يرجع الاستشهاد بالآية الشريفة إلى بيان طهارة بدن الجنب، وأنّه لو مسّ الجنب الماء ولم تكن عليه نجاسة كالمني لم ينجس الماء، وأنّه لو حكم بنجاسة بدن الجنب او عدم جواز استعمال الماء لكان فيه الحرج، وهو منفي.
سند الحديث:
للحديث سندان:
الأول: سند «التهذيب»، وقوله فيه: «عنه»، أي: عن الحسين بن سعيد.
وابن سنان: هو محمد بن سنان؛ لأنّ الحسين بن سعيد يروي كثيراً عن محمد بن سنان، ولا يروي عن عبد الله إلّا في مورد واحد، وقد تقدّم أنّه ثقة على الأقوى.
وابن مسكان: هو عبد الله بن مسكان.وأبو بصير: هو ليث المرادي.
وقد تقدّمت ترجمتهم جميعاً، والسند معتبر.
ص: 223
[386] 12- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ(1) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَمَّادٍ الْكُوفِيِّ، عَنْ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي حَائِطٍ لَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَنَزَحَ دَلْواً لِلْوُضُوءِ مِنْ رَكِيٍّ لَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ قِطْعَةُ عَذِرَةٍ يَابِسَةٍ فَأَكْفَأَ(2) رَأْسَهُ وَتَوَضَّأَ بِالْبَاقِي(3).
أَقُولُ: حَمَلَهُ الشَّيْخُ عَلَى عَذِرَةِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ فَإِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ الْمَاءَ. وَيَحْتَمِلُ الْحَمْلُ عَلَى التَّقِيَّةِ، وَعَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاقِي مَا بَقِيَ فِي الْبِئْرِ لَا فِي الدَّلْوِ، وَعَلَى أَنَّ الدَّلْوَ كَانَ كُرّاً وَغَيْرِ ذَلِكَ.
-----------------------------------------------------------------------------
الثاني: سند كتاب «نوادر البزنطي»، وفيه: عبد الكريم بن عمرو الخثعمي: وقد تقدّمت وثاقته((4))،
فالسند موثق.
[12] - فقه الحديث:
ظاهر الحديث: أنّ الإمام (علیه السلام) تعامل مع الماء الموجود في الدلو معاملة الماء غير المنفعل بالنجاسة، فتوضّأ منه بعد أن أراق ما في رأس الدلو، فيكون هذا الحديث منافياً للأحاديث السابقة الدالّة على انفعال الماء القليل
ص: 224
ولو لم يتغيّر، فلذا وجّهه العلماء بعدّة توجيهات لرفع المنافاة بينه وبين ما تقدّم من الأحاديث.
وقد تعرّض المصنّف إلى وجوه من الحمل:
أمّا الحمل على عذرة ما يؤكل لحمه، وأنّ إراقة الإمام (علیه السلام) لما في رأس الدلو كان بسبب الاستقذار لا النجاسة، فهو قريب.
وأمّا الحمل على التقيّة، فمثل سابقه.
وأمّا الحمل على أنّ المراد أنّه (علیه السلام) توضّأ بالباقي - أي: ما بقي في البئر لا ما بقي في الدلو، والباقي في البئر معتصم فلا ينجس وإن كان المراد من العذرة هي عذرة ما لا يؤكل لحمه - فهو حمل بعيد جداً. والجملة ظاهرة في أنّه (علیه السلام) توضّأ بما بقي في الدلو، وإلّا كان المناسب التعبير ب-«فأكفأ الدلو وتوضّأ مما بقي»، أو نحو ذلك.
وأمّا الحمل على كون الدلو كرّاً فهو أيضاً بعيد.
سند الحديث:
سند الشيخ إلى سعد بن عبد الله القمّي في «المشيخة» عبارة عن طريقين:الأول: الشيخ أبو عبد الله، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله.
والثاني: الشيخ رحمه الله، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن
ص: 225
أبيه، عن سعد بن عبد الله((1)).
والطريقان صحيحان كما لا يخفى.
وأمّا موسى بن الحسن: فقال عنه النجاشي: «موسى بن الحسن بن عامر بن عمران بن عبد الله بن سعد الأشعري القمّي، أبو الحسن، ثقة، عين، جليل. صنّف ثلاثين كتاباً»((2)).
وأمّا عبد الرحمن بن حمّاد الكوفي: فلم يرد فيه توثيق، قال عنه النجاشي: «عبد الرحمن بن أبي حمّاد، أبو القاسم، كوفي، صيرفي، انتقل إلى قم وسكنها، وهو صاحب دار أحمد بن أبي عبد الله البرقي، رمي بالضعف والغلو. له كتاب»((3))،
ويفهم من قوله: «رمي بالضعف والغلو» أنّه لم يتحقّق النسبة، ولم تثبت عنده.
هذا، ولكنّه ثقة؛ لوقوعه في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((4)).
وأمّا بشير: فهو مهمل((5))، ولعله بشير بن سعيد، كما جاء في موضع آخر من «التهذيب»، وروى عنه عبد الرحمن بن حمّاد أيضاً، ولم يرد في حقه
ص: 226
شيء((1)).
وأمّا أبو مريم الأنصاري: فقال عنه النجاشي: «عبد الغفّار بن القاسم بن قيس بن قيس بن قَهْد، أبو مريم الأنصاري، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیهما السلام) ، ثقة. له كتاب يرويه عدّة من أصحابنا»((2))، ووثّقه مرة أخرى ضمن ترجمة أخيه عبد المؤمن بن القاسم((3))، وعدّه الشيخ من أصحاب أبي محمد علي بن الحسين، وأصحاب أبي جعفر، وأصحاب أبي عبد الله (علیهم السلام) ((4)).
والسند وإن كان غير معتبر، ولكن كتاب أبي مريم الأنصاري مشهور، فيمكن تصحيح الحديث بهذا الوجه.
ص: 227
[387] 13- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الْعَمْرَكِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الدَّجَاجَةِ وَالْحَمَامَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا تَطَأُ الْعَذِرَةَ ثُمَّ تَدْخُلُ فِي الْمَاءِ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيراً قَدْرَ كُرٍّ مِنْ مَاءٍ»(1).
وَرَوَاهُ الْحِمْيَرِيُّ فِي قُرْبِ «الْإِسْنَادِ»، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[13] - فقه الحديث:
المراد بالماء هنا هو الماء القليل، فإنّه هو الذي يتصوّر أن تطأ فيه الدجاجة والحمامة وأشباههما. فالنهي عن الوضوء منه بعد العلم بتنجّس أرجل المذكورين دالّ على تنجّسه، وإن كان الجمود على دلالة لفظ النهي هنا فقط لا يكفي لاستفادة النجاسة؛ إذ قد يكون النهي عن الوضوء به تنزيهيّاً وللاستقذار العرفي، أو لمجرد المنع تعبّداً بلا نظر إلى انفعال الماء بالنجاسة أو عدم انفعاله، إلّا أنّه بضم الارتكازات العرفيّة المتشرعيّة تتمدلالة النهي على النجاسة؛ فإنّه من المرتكز عندهم أنّ الوضوء مشترط
ص: 228
بطهارة الماء الذي يتوضأ منه، كما أنّه من المرتكز عندهم سراية القذارة بالملاقاة للقذر في الجملة.
وهذا كلّه يوجب أن يكون السؤال والجواب ناظرين لحيثيّة نجاسة الماء وانفعاله بالقذر. ويؤكّده استثناء الماء الكثير البالغ قدر كرّ من ذلك، فإنّه المناسب للاعتصام في أذهان المتشرعة، فيكون مقابله وهو القليل مناسباً للانفعال.
سند الحديث:
ذكر للحديث سندين:
أولهما: الشيخ الطوسي بإسناده، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن العمركي، عن علي بن جعفر.
أمّا إسناد الشيخ الطوسي إلى محمد بن أحمد بن يحيى فقد تقدّم في الباب الأول من هذه الأبواب في سند الحديث الرابع. وأمّا بقيّة رجال السند فقد تقدّم أنّهم من الثقات، والسند معتبر.
الثاني: سند عبد الله بن جعفر الحميري، عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، وقد تقدّم أنّ عبد الله بن الحسن لم يرد في حقّه توثيق في كتب الرجال، لكن يمكن تصحيح السند بوجوه ذكرناها في الجزءالأول من هذا الكتاب((1))، فالسند معتبر.
ص: 229
[388] 14- وَعَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَعَهُ إِنَاءَانِ فِيهِمَا مَاءٌ، وَقَعَ فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ، لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، (وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)(1)، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى مَاءٍ غَيْرِهِمَا؟ قَالَ: «يُهَرِيقُهُمَا جَمِيعاً وَيَتَيَمَّمُ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[14] - فقه الحديث:
تقدّم مثله في الحديث الثاني من هذا الباب.
سند الحديث:
فيه: أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن فضال. والظاهر أنّ ما هنا غلط، والصحيح أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، وذلك لقرائن:
أحدها: أنّه جاء في «التهذيب» هكذا: أحمد بن الحسن بن علي بنفضال((3)).
ص: 230
الثانية: أنّ الراوي عن عمرو بن سعيد في طريق الصدوق إلى عمّار الساباطي هو أحمد بن الحسن بن علي بن فضال((1)).
الثالثة: تكرّر ذكره في أسانيد الكتب الأربعة، فجاء بعنوان أحمد بن الحسن بما يبلغ مائتين وسبعين مورداً، وبعنوان أحمد بن الحسن بن علي في ستة وسبعين مورداً، وبعنوان أحمد بن الحسن بن علي بن فضال في مائة وستة وثلاثين مورداً((2)).
الرابعة: أنّ أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن فضال لم يرد لا في كتب الرجال ولا في أسانيد الروايات.
وأمّا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال فقد قال النجاشي فيه: «أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضال بن عمر بن أيمن، مولى عكرمة بن ربعي الفياض، أبو الحسين. وقيل: أبو عبد الله، يقال : إنه كان فطحياً ، وكان ثقة في الحديث، روى عنه أخوه علي بن الحسن وغيره من الكوفيين»((3)).
وقال الشيخ في «الفهرست»: «أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن فضال بن عمر بن أيمن، مولى عكرمة بن ربعي الفياض، أبو عبد الله. وقيل: أبو الحسين، كان فطحيّاً، غير أنّه ثقة في الحديث. وروى عنه أخوه علي بن
ص: 231
[389] 15- عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْإِرْبِلِيُّ فِي كِتَابِ «كَشْفِ الْغُمَّةِ»، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ «الدَّلَائِلِ» لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي وُعِدَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (علیه السلام) قَالَ لِمُحَمَّدٍ: يَا بُنَيَّ، ابْغِنِي(1) وَضُوءاً، قَالَ: فَقُمْتُ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَالَ: لَا تَبْغِ هَذَا؛ فَإِنَّ فِيهِ شَيْئاً مَيْتاً، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ بِالْمِصْبَاحِ فَإِذَا فِيهِ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ، فَجِئْتُهُ بِوَضُوءٍ غَيْرِهِ»، الْحَدِيثَ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
الحسن وغيره من الكوفيين والقمّيين»((3)). وعدّه في «رجاله» من أصحاب الإمام الهادي (علیه السلام) ، ومن أصحاب الإمام العسكري (علیه السلام) ((4)).
كما أنّه ورد في أسانيد كتاب «نوادر الحكمة»((5)).
وأمّا بقيّة رجال السند فقد تقدّم أنّهم من الثقات. والسند موثق.
[15] - فقه الحديث:
قال ابن الأثير: «يقال: ابغني كذا بهمزة الوصل، أي: اطلب لي، وأبغني بهمزة القطع، أي: أعني على الطلب»((6)).
ص: 232
وَرَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ [عَنْ رَجُلٍ](1)1*)، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) (2)2*).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدَانَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عُمَارَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) (3)3*).
-----------------------------------------------------------------------------
وقال ابن منظور في «لسان العرب»: «ويقال: ابغني كذا وكذا، أي: اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، وإذا قال: أبغني كذا وكذا فمعناه: أعنِّي على بغائه، واطلبه معي»((4)).
ويجوز في قوله (علیه السلام) : «ابغني وضوءاً» الوصل والقطع. والوَضوء - بالفتح -ما يتوضأ به. وإخباره (علیه السلام) بأنّ في الماء شيئاً ميتاً مع الظلمة المحتاجة للمصباح هو من جملة كراماته.
والحديث دالّ على انفعال الماء القليل؛ ولذا رفضه الإمام زين العابدين (علیه السلام) وجاء محمد بغيره((5)).
ص: 233
سند الحديث:
لهذا الحديث ثلاثة أسانيد:
أولها: سند الإربلي في كتاب «كشف الغمّة»، وفيه: علي بن عيسى الإربلي.
قال الشيخ الحر العاملي في «أمل الآمل»: «الشيخ بهاء الدين، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي. كان عالماً فاضلاً محدِّثاً ثقة شاعراً أديباً منشئاً جامعاً للفضائل والمحاسن، له كتب، منها: كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة، جامع حسن، فرغ من تأليفه سنة 687، وله رسالة الطيف،وديوان شعر، وعدّة رسائل. وله شعر كثير في مدائح الأئمة (علیهم السلام) ، ذكر جملة منها في كشف الغمة»((1))، وقال السيد إعجاز حسين في «كشف الحجب والأستار» في شأن الكتاب ومؤلفه: «كشف الغمة في معرفة الأئمة للعلامة بهاء الملّة والدين أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي، المتوفى سنة اثنتين وتسعين وستمائة، جمع فيه أحوال النبي وفاطمة والأئمة (علیهم السلام) ، من مواليدهم ووفياتهم ومناقبهم وفضائلهم ومحاسنهم وكلامهم ومعجزاتهم
ص: 234
وغير ذلك. واعتمد في الغالب على كتب الجمهور ليكون أدعى إلى تلقيه بالقبول عند أهل الشعور.
وقد أثنى عليه المخالفون - أيضاً - كصلاح الدين الصفدي في فوات الوفيات((1))، وغيره في غيره»((2))، فلا ريب في وثاقته وجلالته.
وقال المصنّف في خاتمة «الوسائل» عن المؤلف: «كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة تأليف الشيخ الصدوق الجليل علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي»((3))، وذكر طريقه إليه((4))، ولكنّه صرّح بأنّ كتاب الدلائل لعبد اللهبن جعفر الحميري من جملة الكتب المعتمدة التي لم تصل إليه((5))، ولذا فإنّه نقل منها بالواسطة، إلّا أنّ الشأن في هذا السند هو أنّ الحميري لا يمكنه الرواية عن الإمام الصادق (علیه السلام) بلا واسطة، فالسند مرسل.
ثانيها: سند «بصائر الدرجات»، وقد سقط من أول السند الذي ذكره المصنّف: «محمد بن أحمد»، والسند في «بصائر الدرجات» هكذا: «حدّثنا محمد بن أحمد، عن محمد بن إسماعيل، عن سعدان بن مسلم، عن أبي عمران، عن رجل، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ». وكيف كان: فالمراد بأحمد بن
ص: 235
محمد هو: أحمد بن محمد بن عيسى. ومحمد بن إسماعيل هو ابن بزيع كما هنا؛ لأنّ الراوي لكتبه في طريق النجاشي والشيخ والصدوق هو أحمد بن محمد بن عيسى. أضف إلى ذلك كثرة رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل بن بزيع. أضف إلى ذلك - أيضاً - تكرّر مثل هذا السند مع التصريح بأحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع.
وفيه: أبو عمران: وهو مشترك بين جماعة لم يرد في حقّهم شيء. والسند مرسل أيضاً.
ثالثها: سند الكليني، وفيه: الحسين بن محمد: وهو الحسين بن محمد بن عامر بن عمران بن أبي عمر الأشعري الثقة، على ما ذكره النجاشي فيترجمة عمّه عبد الله بن عامر، حيث قال: «عبد الله بن عامر بن عمران بن أبي عمر الأشعري، أبو محمد، شيخ من وجوه أصحابنا، ثقة، له كتاب»((1))،
أو الحسين بن محمد بن عمران بن أبي بكر، وقد أسقط النجاشي لفظ «عامر» من نسبه في ترجمته؛ للاختصار((2)).
وفيه: أبو عمارة: ويحتمل أنّه أبو عمران المتقدّم في السند السابق. والسند مرسل أيضاً كسابقيه.
ص: 236
[390] 16- عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ جَرَّةِ(1) مَاءٍ فِيهِ أَلْفُ رِطْلٍ وَقَعَ فِيهِ أُوقِيَّةُ بَوْلٍ، هَلْ يَصْلُحُ شُرْبُهُ أَوِ الْوُضُوءُ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا يَصْلُحُ»(2).
أَقُولُ: وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْكُرِّ(3) وَالنَّجَاسَاتِ(4) وَالْأَسْآرِ(5)، وَتَعْلِيلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ بِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ جِدّاً(6). وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ظَاهِرُهُ الْمُنَافَاةُ(7) ، وَيَأْتِي مَا ظَاهِرُهُ
-----------------------------------------------------------------------------
[16] - فقه الحديث:
لما كان ما في الجرّة من الماء ينقص عن الكر بمائتي رطل بالعراقي كان
ص: 237
ذَلِكَ(1)1*)، وَهُوَ عَامٌّ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ، أَوْ مُطْلَقٌ قَابِلٌ لِلتَّقْيِيدِ، مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى التَّقِيَّةِ، لِمُوَافَقَتِهِ لِمَذَاهِبِ كَثِيرٍ مِنَ الْعَامَّةِ، وَمُخَالَفَتِهِ لِإِجْمَاعِ الشِّيعَةِ أَوِ الْمَشْهُورِ بَيْنَهُمْ، وَلَا يُوَافِقُهُ إِلَّا الشَّاذُّ النَّادِرُ، مَعَ مُخَالَفَةِ الِاحْتِيَاطِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
قليلاً، فيأخذ حكمه في الانفعال، ولذا أجاب الإمام (علیه السلام) بأنّه لا يصلح، أي: شربه أو الوضوء منه. وهذا الحديث أوضح في الدلالة على أنّ المدار في التنجّس ليس على التغيّر كما سبق عن المحقّق الهمداني في الحديث الثامن
ص: 238
من الباب؛ لأنّ التغيّر هنا بعيد غايته، فإنّ نسبة الأُوقية من البول لألف رطل من الماء نسبة ضئيلة جدّاً لا تؤثر في تغيّره. فثبت أنّ المدار: على ملاقاة ما دون الكر للنجس، وإن لم يستتبع ذلك التغيّر.
سند الحديث:
مرّ أنّ للشيخ الطوسي طريقاً معتبراً إلى «كتاب علي بن جعفر»((1))،
والسند صحيح.
والحاصل: أنّ في الباب ستة عشر حديثاً: الأول والخامس والسابع والسادس عشر صحاح، والتاسع والعاشر والحادي عشر والرابع عشر موثقة، والخامس عشر ضعيف، والبقيّة معتبرة.
والمستفاد من الباب أُمور، منها:
1- أنّ الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة كالدم والمني ونحوهما وإن لم يتغيّر بصفات النجاسة، فليس المدار فيه على التغيّر.
2- إذا عُلمت الملاقاة بين الماء القليل والنجاسة ترتّبت أحكام الماءالمتنجّس من عدم جواز شربه أو استعماله في الطهارة، ولا يختلف الحال في هذه الملاقاة بين أن يكون سببها الإنسان أو الحيوان أو غيرهما، وأمّا إذا شُك فيها لم تترتّب تلك الأحكام.
3- إذا علم بوقوع النجاسة في أحد الإناءين لزم الاجتناب عنهما، فإذا لم
ص: 239
يكن له ماء آخر وجب عليه التيمّم، ولا يجب إهراقهما؛ تعبّداً، والأمر بالإهراق إرشاد إلى عدم صلاحيتهما للاستعمال فيما تشترط فيه الطهارة.
4- إذا كان بدن المجنب خالياً عن النجاسات فملاقاته للماء القليل لا يوجب انفعاله؛ لأنّ حدث الجنابة لا يوجب نجاسة المجنب.
5- من جملة الأحكام الامتنانيّة: رفع لزوم الطهارة المائيّة إذا انفعل الماء بالنجاسة، والانتقال إلى الطهارة الترابيّة، وكذا الحكم بطهارة بدن المجنب إذا لم تكن عليه نجاسة.
ص: 240
-----------------------------------------------------------------------------
9- باب عدم نجاسة الكر من الماء الراكد بملاقاة النجاسة بدون التغيير
بعد أن ظهر الحكم في الماء القليل، وأنّه ينفعل بملاقاة النجاسة والمتنجّس حتى لو لم يتغيّر بصفاتها، يأتي الكلام في الحدّ الذي يكون فيه الماء معصوماً عن الانفعال بالنجاسة والمتنجّس بلا تغيّر، فعقد المصنّف هذا الباب لبيان أنّ ما وصل لمقدار الكر من الماء لا ينفعل بمجرّد الملاقاة وعدم التغيّر، فالمعيار هو الوصول إلى هذا الحدّ.
لا خلاف بين فقهاء الإماميّة في أنّ الماء إذا بلغ قدر كرّ لا يتنجّس بملاقاة شيء من النجاسات والمتنجّسات ما لم يطرأ عليه التغيّر في أحد أوصافه الثلاثة، وادّعى في «الجواهر» الإجماع عليه محصّلاً ومنقولاً، بل السنة التي كادت تكون متواترة((1)). وقال الصدوق في «الأمالي» بأنّ ذلك من
ص: 241
دين الإماميّة((1)).
وكرّية الماء هي المعيار في الكثرة الواردة في النصوص وكلمات الفقهاء التي هي موضوع بعض الأحكام، فالمراد من الكثير في كلماتهم وفي النصوص هو الكر؛ جمعاً بين الأدلّة كما سيتّضح.
ولكنّ المنسوب للشيخ المفيد وسلّار استثناء ما في الأحواض والأواني((2))، فحكما بنجاسة الماء حتى مع الكثرة.
ووجهه غير واضح بعد عموم كثير من النصوص الواردة في الكر، وظهورها في أنّ المدار في الانفعال بالنجاسة وعدمه على كمّية الماء من دون دخل لمحلّه في ذلك.
لاخلاف بينهم - أيضاً - في أنّ الماء المقابل للقليل لا ينجس بدون تغيّر بما يلاقيه من النجاسات، واختلفوا في مقدار الماء الذي يقابل القليل، قال في «المغني»: «وإذا كان الماء قُلّتين وهو خمس قرب، فوقعت فيه نجاسة، فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة، فهو طاهر. القُلّة هي الجرَّة ... والمراد بها هاهنا قُلَّتان من قلال هجر، وهما خمس قرب، كل قربة مائة رطلبالعراقي، فتكون القُلَّتان خمسمائة رطل بالعراقي. هذا ظاهر المذهب عند
ص: 242
أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنّه روي عن ابن جريج أنّه قال: رأيت قلال هجر القُلَّة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً والاحتياط أن يجعل قربتين ونصفاً .... قد دلّت هذه المسألة بصريحها على أنّ ما بلغ القُلَّتين فلم يتغيّر بما وقع فيه لا ينجس، وبمفهومها على أنّ ما تغيّر بالنجاسة نجس وإن كثر، وأنّ ما دون القُلَّتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغيّر. فأمّا نجاسة ما تغيّر بالنجاسة فلا خلاف فيه»((1)).
وفي «المجموع»: «إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ولم تغيّره، فحكى ابن المنذر وغيره فيها سبعة مذاهب للعلماء:
الأول: إن كان قُلَّتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون قُلَّتين نجس. وهذا مذهبنا ومذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه.
الثاني: أنّه إن بلغ أربعين قُلَّة لم ينجّسه شيء. حكوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومحمد بن المنكدر.
الثالث: إن كان كرّاً لم ينجّسه شيء. روي عن مسروق وابن سيرين.
الرابع: إذا بلغ ذنوبين لم ينجس. روي عن ابن عباس في رواية. وقال عكرمة: ذنوباً أو ذنوبين.
الخامس: إن كان أربعين دلواً لم ينجس. روي عن أبي هريرة.
السادس: إذا كان بحيث لو حرّك جانبه تحرّك الجانب الآخر نجس،
ص: 243
وإلّا فلا، وهو مذهب أبي حنيفة.
السابع: لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلّا بالتغيّر. حكوه عن ابن عباس وابن المسيّب والحسن البصري وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجابر بن زيد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، قال أصحابنا: وهو مذهب مالك والأوزاعي وسفيان الثوري وداود، ونقلوه عن أبي هريرة والنخعي، قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول. واختاره الغزالي في الإحياء، واختاره الروياني في كتابيه البحر والحلية. قال في البحر: هو اختياري واختيار جماعة رأيتهم بخراسان والعراق. وهذا المذهب أصحّها بعد مذهبنا»((1)).
ص: 244
[391] 1 - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : وَسُئِلَ عَنِ الْمَاءِ تَبُولُ فِيهِ الدَّوَابُّ وَتَلَغُ فِيهِ الْكِلَابُ وَيَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ»(1).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيَّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ(2).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ(3)، وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(4).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
الدواب: جمع دابة، قال في «القاموس»: «دَبَّ يدِبُّ دَبَّاً ودَبِيباً: مشى على هِينَتِه ،... والدابَّ: ما دَبَّ من الحيوان، وغلب على ما يرُكب، ويقع على المذكّر»((5)).
والدواب في الحديث عام يشمل غير مأكول اللحم، وربَّما يستدل بهذا
ص: 245
العموم وغيره على نجاسة بول الدواب. وسيأتي الكلام فيه في محلّه.
والولوغ يطلق على شرب السباع، قال في «القاموس»: «وَلَغ الكلب في الإناء، وفي الشراب ، ومنه، وبه، يَلَغ، كيهب ويالَغ، وولِغ، كورث ووجل ... : شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرَّكه، خاصّ بالسباع»((1)).
والكلاب: جمع الكلب، قال ابن منظور: «الكلب: كل سبع عقور. وفي الحديث: أما تخاف أن يأكلك كلب الله؟ فجاء الأسد ليلاً فاقتلع هامته من بين أصحابه. والكلب معروف، واحد الكلاب، قال ابن سيده: وقد غلب الكلب على هذا النوع النابح، وربَّما وصف به، يقال: امرأة كلبة، والجمع أكلب، وأكالب جمع الجمع، والكثير كلاب»((2)).
والسؤال: عن حال الماء الذي تبول فيه الدواب مأكولة اللحم وغيرها، وتشرب منه الكلاب والسباع، ويغتسل فيه الجنب الذي قد يكون على بدنه النجاسة، فأجاب (علیه السلام) : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء».
وقد دلّ بمنطوقه على أنّ الماء إذا بلغت كميته كرّاً صار معتصماً ولم ينجّسه شيء من النجاسات؛ لأنّه من الوضوح بمكان عدم إرادة الأشياء الأجنبية عن التنجيس من لفظة الشي ء.
كما دلّ بمفهومه على أنّه إذا لم يكن الماء كرّاً ينجّسه شي ء، ولا يمكن أن يحمل على التنجيس بالتغيّر؛ لأنّه لا يبقى فرق حينئذٍ بين الكر وغيره؛
ص: 246
لأنّ الكر أيضاً إنَّما ينجس بالتغيّر، فلا بد من حمله على التنجيس بالملاقاة في الجملة، فيكون ردّاً على ابن أبي عقيل القائل بعدم نجاسة القليل إلّا بالتغيّر، ولمّا لم يفرّق أحد بين أفراد النجاسات إلّا في بعض الأفراد النادرة كما لا يدركه الطرف من الدم، أو الميتة غير المتفسّخة، فيجب الحكم بالتنجيس بمقتضى هذا الحديث فيما عدا المواضع المختلف فيها لئلّا يلزم خرق الإجماع المركّب.
فالحديث يدلّ على الفرق بين الكر وغيره بالانفعال وعدمه. وذِكرُ الإمام (علیه السلام) لعنوان الكر يدلّ على مدخليّته في الاعتصام، وأنّ الاعتصام ليس من لوازم ذات الماء، ولما كانت الكثرة مناسبة للاعتصام فالتعرّض لها ظاهر في دخلها فيه.
سند الحديث:
أورد المصنف للحديث أربعة طرق:
أولها: سند الشيخ الطوسي في «التهذيب»، وفيه: أبو أيوب: وهو إبراهيم بن عيسى الخزّاز، وقد تقدّم توثيقه، وكذا بقيّة رجاله، والسند صحيح.
ثانيها: سند الشيخ الكليني، وهو كسابقه في الصحّة.
ثالثها: سند الشيخ الطوسي أيضاً في «الاستبصار»، وقد تقدّم الكلام فيإسناده إلى أحمد بن محمد((1))، وذكرنا أنّه معتبر.
ص: 247
[392] 2 - وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادٍ، يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
رابعها: ما عن الصدوق في «الفقيه» مرسلاً، وهو معتبر بناء على قبول شهادة الشيخ الصدوق في أحاديث كتابه.
[2] - فقه الحديث:
دلالته كسابقه. والفرق بينهما في أنّ الأول كان جواباً عن سؤال، وأمّا هذا فهو ابتداء من الإمام (علیه السلام) .
سند الحديث:
تقدّمت رجاله، والسند صحيح.
ورواه في «التهذيب» بسند آخر، وهو: أخبرني الشيخ أيده الله تعالى، عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه،عن حماد بن عيسى جميعاً، عن معاوية بن عمار، وهو مكوّن من سندين، وكلاهما معتبر.
ص: 248
[393] 3 - وَعَنِ الْمُفِيدِ، عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: «وَلَا تَشْرَبْ مِنْ سُؤْرِ الْكَلْبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَوْضاً كَبِيراً يُسْتَقَى مِنْهُ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
السؤر: قال في «لسان العرب»: «السؤر بقيّة الشيء، وجمعه أسآر»((2)).
وفي «القاموس»: «السؤر بالضم: البقيّة والفضلة»((3)).
الحديث نصّ في النهي عن شرب سؤر الكلب، وما ذلك إلّا لنجاسة ما يلاقيه الكلب، فالملاقاة للنجاسة صارت سبباً للمنع عن استعمال الماء في الشرب، وتلحق به جميع موارد ما يشترط فيه الطهارة. واستثنى صورة كون السؤر في حوض كبير موصوف بأنّه يستقى منه للزرع والحيوانات وغير ذلك، فإنّه لا مانع حينئذٍ من استعماله. والاستقاء قرينة على أنّ المراد بالحوض الكبير هو الحوض المحتوي على الماء البالغ كرّاً، بل ما يزيد عليه، فلا ينجس بملاقاة النجس؛ لكون الكرّية عاصمة. وهذه الملاقاة غيرمغيّرة للماء؛ لأنّ شرب الكلب من حوض كبير لا يوجب تغيّره عادة، فهذا
ص: 249
[394] 4 - وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنِ الْعَمْرَكِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الدَّجَاجَةِ وَالْحَمَامَةِ وَأَشْبَاهِهِمَا تَطَأُ الْعَذِرَةَ ثُمَّ تَدْخُلُ فِي الْمَاءِ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيراً قَدْرَ كُرٍّ مِنْ مَاءٍ»(1).
وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
الحديث مختصّ - مورداً - بالملاقاة غير المغيّرة للماء.
وقد دلّ الحديث بمفهومه على انحصار الماء المعتصم بالكر.
سند الحديث:
تقدّمت رجاله، والسند موثّق. كما أنّ كتاب سماعة بن مهران مشهور فلا يحتاج إلى ملاحظة الطريق.
[4] - فقه الحديث:
قال في «لسان العرب»: «العذرة: الغائط الذي هو السلح. وفي حديث ابن
ص: 250
عمر: أنّه كره السلت الذي يزرع بالعذرة، يريد الغائط الذي يلقيه الإنسان.
والعذرة: فناء الدار، وفي حديث عليٍّ: أنّه عاتب قوماً، فقال: ما لكم لا تنظفون عذراتكم؟ أي: أفنيتكم. وفي الحديث: إنّ الله نظيف يحب النظافة، فنظفوا عذراتكم ولا تشبّهوا باليهود ... وقيل: العذرة أصلها فناء الدار، وإيّاها أراد علي رضي الله عنه، بقوله.
قال أبو عبيد: وإنَّما سميت عذرات الناس بهذا؛ لأنَّها كانت تُلقى بالأفنية، فكني عنها باسم الفناء كما كني بالغائط - وهي الأرض المطمئنة - عنها»((1)).
والسؤال عن الوضوء بالماء الذي لاقى العذرة، وأجاب (علیه السلام) بعدم جواز الوضوء منه؛ والسبب في ذلك أنّه قد ينفعل بالنجاسة الواردة عليه، لكنّ هذا الماء إذا كان كثيراً ومقداره كرّ فإنّه يجوز الوضوء منه؛ لعدم انفعاله. فقد دلّ الحديث بمفهومه على انحصار الماء المعتصم بالكر.
سند الحديث:
ذكر المصنف سندين للحديث:
الأول: سند الشيخ في «التهذيب»، وقد تقدّم الكلام في إسناد الشيخ إلىمحمد بن أحمد، وكذا في رجال السند، والسند صحيح.
الثاني: علي بن جعفر في كتابه، وهو أيضاً صحيح.
ص: 251
[395] 5 - وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، يَعْنِي: ابْنَ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الْغَدِيرُ فِيهِ مَاءٌ مُجْتَمِعٌ، تَبُولُ فِيهِ الدَّوَابُّ، وَتَلَغُ فِيهِ الْكِلَابُ، وَيَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ»، الْحَدِيثَ(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
دلالته كدلالة الحديث الأول، والغدير - كما في «اللسان» - : «ليس بمحبس للماء، إنَّما هو القطعة من الماء يغادرها السيل، أي: يتركها»((2))،
ولا يتوهّم أنّ الغدير هنا جارٍ؛ لأنّ السائل قال: فيه ماء مجتمع، وهذه قرينة على عدم جريانه.
سند الحديث:
تقدّمت رجاله، والسند صحيح.
ص: 252
[396] 6 - مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ ابْنِ شَاذَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى جَمِيعاً، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) يَقُولُ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ كُرٍّ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
دلالته كدلالة الحديث الثاني، فهما يشتركان في المتن، ولا يبعد أن يكونا حديثاً واحداً له أكثر من سند.
سند الحديث:
ذكر المصنف ثلاثة أسانيد للحديث:
الأول: سند الكليني: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار. وفيه: محمد بن إسماعيل: وهو البندقي، وقد تقدّم أنّه لم يرد فيه توثيق، إلّا أنّ روايات الفضل بن شاذان التي يرويها الكليني والشيخ معتبرة؛ لوجود طريق آخر صحيح للكليني. كما أنّ للشيخ طرقاً متعدّدة في «الفهرست» و«المشيخة» تصل إلى ثمانية طرق،
ص: 253
وبعضها صحيح((1)).
وقد مرّ الكلام في بقيّة رجاله، فهذا السند معتبر.
الثاني: سند الكليني - أيضاً - : عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار.
وقد مرّ الكلام في رجاله، فهذا السند أيضاً معتبر.
الثالث: سند الشيخ إلى محمّد بن يعقوب، وقد مضى((2))، وهو معتبر كسابقيه.
ص: 254
[397] 7 - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنِ ابْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ؟ فَقَالَ: «كُرٌّ»، قُلْتُ: وَمَا الْكُرُّ؟(1) قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ»(2).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[7] - فقه الحديث:
دلّ هذا الحديث على مفروغيّة الحكم باعتصام الماء الكثير في ذهن السائل، وكان السؤال عن المقدار الشرعي للماء الكثير المعتصم الذي لا ينجّسه شيء من النجاسات، فأجابه الإمام (علیه السلام) بأنّه ما بلغ كرّاً، فسأل الراوي عن حدّ الكر وكمّيته، فأجابه (علیه السلام) بأنّه ما بلغ مقداره بالأشبار: ثلاثة أشبار في ثلاثة. وسيأتي الكلام فيه في الباب اللاحق، إن شاء الله تعالى.
ص: 255
سند الحديث:
ذكر المصنّف ثلاثة أسانيد للحديث:
الأول: سند الكليني، وفيه : ابن سنان: وهو مشترك بين عبد الله ومحمد. فإن كان هو الأول - كما يأتي في السند الثاني لهذا الحديث - فهو ثقة كما تقدّم، وإن كان الثاني فهو أيضاً ثقة كما حقّقناه في كتابنا أُصول علم الرجال((1))، إلّا أنّ صاحب «المنتقى» ذكر أنّه يتعيّن في محمّد بن سنان كما يقتضيه حكم الممارسة للأسانيد، وذكر أنّ: «الظاهر أنّ هذا - أي: سند الكليني - صورة ما وقع في رواية البرقي له. والتعيّن - أي: في عبد الله أو في محمّد - من تصرّف الراوين عنه، فأخطأ فيه المخطئ، وأصاب المصيب»((2))، وقد مرّ ذكر بقيّة رجال السند، فالسند معتبر.
الثاني: سند الشيخ، وفيه: أحمد بن محمّد بن الحسن: وهو وإن كان شيخاً للشيخ المفيد وكثير الرواية، إلّا أنّه لم يرد فيه توثيق، كما سبق((3))، إلّا أنّ للشيخ الطوسي طريقين معتبرين إلى جميع روايات أبيه، وكذا للشيخ الصدوق طريق صحيح إلى أبيه، وعلى هذا: فلا إشكال من هذه الجهة في اعتبار السند إلى الأب.
وأمّا محمّد بن يحيى: فهو العطار. ومحمّد بن أحمد بن يحيى: هو
ص: 256
[398] 8 - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الرَّكِيِّ كُرّاً لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ»، قُلْتُ: وَكَمِ الْكُرُّ؟ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ وَنِصْفٌ عُمْقُهَا، فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ وَنِصْفٍ عَرْضِهَا»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الأشعري القمّي صاحب كتاب «نوادر الحكمة». وأحمد بن محمّد: هو ابن عيسى الأشعري، وكلّهم ثقات تقدّمت ترجمتهم، والسند معتبر.
الثالث: سند الشيخ أيضاً، وقد مرّ الكلام في رجاله، فهذا السند أيضاً معتبر.
[8] - فقه الحديث:
قال في «لسان العرب»: «الركي: جنس للركية، وهي البئر»((2)).
دلّ الحديث على عدم انفعال الماء في الركي - وهي الآبار - إذا بلغ كرّاً. وسيأتي: أنّ ماء البئر معتصم في حد نفسه وإن لم يكن كرّاً؛ ولذا قال شيخ الطائفة في «التهذيب» بعد نقله لهذا الحديث: «قد بيّنا: أنّ حكم الآبار مفارق لحكم الغدران، وأنّها تنجس بما يقع فيها، وتطهر بنزح شيء منها،سواء كان الماء فيها قليلاً أو كثيراً. والوجه في هذا الخبر أن نحمله على
ص: 257
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ(1)1*).
أَقُولُ: حَمَلَهُ الشَّيْخُ عَلَى التَّقِيَّةِ لِمُخَالَفَةِ حُكْمِ الْبِئْرِ لِحُكْمِ الْغَدِيرِ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى كَوْنِ الْبِئْرِ غَيْرَ نَابِعٍ؛ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبِئْرِ عُرْفاً وَإِنْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ شَرْعاً؛ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ(2)2*)، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ أَيْضاً.
-----------------------------------------------------------------------------
ضرب من التقيّة؛ لأنّه موافق لمذهب بعض العامّة خاصة»((3)).
أقول: يظهر هذا المذهب للشافعي في كتابه «الأُم»((4)).
وأمّا الحمل على أنّ هذا البئر غير نابع، ومعناه: أنّه ليس له مادّة تمدّه، فالماء فيه ماء راكد، فهو بئر عند العرف لا عند الشرع. فإذا كان أقل من كرّفإنّه ينفعل بالنجاسة كغيره من المياه. فهذا حمل جيّد يلتئم به مدلول هذا الحديث مع بقيّة أحاديث الباب وغيره.
وأمّا بالنسبة لتحديد الكر في هذا الحديث فالذي يظهر من حال
ص: 258
الأصحاب الاعتماد عليه في تحديد الكر.
سند الحديث:
ذكر المصنف طريقين:
الأول: سند الكليني، وفيه: الحسن بن صالح الثوري: قال النجاشي: «الحسن بن صالح الأحول، كوفي، له كتاب تختلف (يختلف) روايته»((1)).
وقال الشيخ في «الفهرست»: «الحسن بن صالح بن حي، له أصل»((2)).
وقال في «رجاله» في أصحاب الإمام الباقر (علیه السلام) : «الحسن بن صالح بن حي الهمداني، الثوري، الكوفي، صاحب المقالة، زيدي، إليه تنسب الصالحيّة منهم»((3)).
وقال في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) : «الحسن بن صالح بن حي، أبو عبد الله الثوري، الهمداني، أسند عنه»((4)).كما علّق على حديث في «التهذيب» بقوله: «والراوي له: الحسن بن صالح، وهو زيدي بتري، متروك العمل بما يختصّ بروايته»((5)).
وقد نصّ الكشي على كونه من رؤساء البتريّة عند بيان تلك الفرقة بعد
ص: 259
ترجمة أبي الضبار، فقال: «حدّثني سعد بن جناح (صباح) الكشّي، قال: حدّثنا علي بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمد بن فضيل، عن أبي عمرو سعد الجلاب، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال : لو أنّ البتريّة صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب، ما أعزّ الله بهم دنيا. والبتريّة: هم أصحاب كثير النوا، والحسن بن صالح بن حي، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي (علیه السلام) ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتهما، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب، يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويثبتون لكل من خرج من ولد علي بن أبي طالب (علیه السلام) عند خروجه الإمامة»((1)).
والظاهر اتحاد ما ذكره النجاشي مع ما ذكره الشيخ، كما ذكره السيد الأُستاذ (رحمه الله) ؛ وذلك لأنّ من البعيد «أن لا يتعرّض النجاشي له، مع تعرّضالشيخ له، واهتمام النجاشي بذكر أرباب الكتب، على أنّ الأحول لو كان غير ابن حي، وله كتاب لذكرت - ولا أقل - رواية واحدة عنه، مع أنّها غير موجودة، فبذلك يثبت: أنّ الأحول هو ابن حي بعينه، ذكره الشيخ بنسبه، وذكره النجاشي بلقبه. وإن كان يبعده أنّ العباس بن معروف الذي هو راوٍ لكتاب الأحول - مع كثرة روايته - لم يرو عنه ولا رواية واحدة»((2)).
ص: 260
[399] 9 - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سُئِلَ الصَّادِقُ (علیه السلام) عَنِ الْمَاءِ السَّاكِنِ تَكُونُ فِيهِ الْجِيفَةُ؟ قَالَ: «يُتَوَضَّأُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبِ الْجِيفَةِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
والحاصل: أنّه لم يوثّق، فلا يكون السند معتبراً، إلّا على القول باعتبار ما في «الكافي»، أو وجود الحسن بن محبوب الذي هو أحد أصحاب الإجماع في السند.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار»، وقد حقّقنا اعتبار سنده إلى أحمد بن محمّد((2))، ومضى الكلام في بقيّة رجال السند، فالسند كسابقه.
[9] - فقه الحديث:
يحتمل أن يراد بالماء الساكن - المذكور في السؤال - الماء القليل، فيكون هذا الحديث دليلاً لمن ذهب إلى عدم تنجّس الماء القليل بدون تغيّر، ولمن لا يقول بنجاسة الماء إذا لم تتفسّخ الميتة فيه، هذا.
ولكن يمكن أن يحمل الماء الساكن على قدر الكر؛ جمعاً بين الأخبار، ويكون ما تضمّنه الحديث من الأمر بالوضوء من الجانب الذي ليس فيه الميتة محمولاً على الاستحباب؛ لأنّ ماء الوضوء ينبغي أن يكون نظيفاً خالصاً ممّا تنفر منه الطباع البشرية؛ لأنّ النفس تستقذر الماء الذي تجاوره
ص: 261
[400] 10 - قَالَ: وَأَتَى أَهْلُ الْبَادِيَةِ رَسُولَ اللَّهِ(صلی الله علیه و آله و سلم) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ حِيَاضَنَا هَذِهِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْبَهَائِمُ؟ فَقَالَ لَهُمْ(صلی الله علیه و آله و سلم) : «لَهَا مَا أَخَذَتْ أَفْوَاهُهَا وَلَكُمْ سَائِرُ ذَلِكَ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ (علیه السلام) : «أَنَّ النَّبِيَّ(صلی الله علیه و آله و سلم) أَتَى الْمَاءَ فَأَتَاهُ أَهْلُ الْمَاءِ فَقَالُوا...» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
الجيفة وتعافه، وإن كان محكوماً بالطهارة. وإمّا أن يكون محمولاً على الوجوب؛ لأنّ ما لاقى الجيفة من الماء الكثير قد تغيّر بها، فلا يجوز الوضوء منه، والجانب الآخر لم يتغيّر، فيلزم الوضوء منه.
سند الحديث:
هو من مراسيل الصدوق في «الفقيه»، فيكون الحديث معتبراً؛ بناء على اعتبار مراسيل الصدوق في «الفقيه».
[10] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على اعتصام الحياض - بناء على كونها كرّاً فأكثر غالباً - فلا تنجس بملاقاة عين النجاسة كالكلاب، وعلى فرض إطلاق الحديث
ص: 262
أَقُولُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بُلُوغِ الْكُرِّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْحِيَاضَ لَا تَنْقُصُ عَنِ الْكُرِّ، بَلْ تَزِيدُ عَلَيْهِ غَالِباً، وَلِمَا مَضَى(1)1*)، وَيَأْتِي(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
وشموله لما هو أقل من الكر لابد من حمله عليه؛ جمعاً بين الأحاديث.
سند الحديث:
نقل المصنّف هذا الحديث بنحوين:الأول: عن «الفقيه» مرسلاً، فيبنى اعتباره على اعتبار مراسيل «الفقيه».
الثاني: عن الشيخ في «التهذيب»، وقد مضى أنّ للشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب أربعة طرق، ثلاثة منها معتبرة((3)).
ومحمد بن الحسين: هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
وأمّا موسى بن عيسى: فلعلّه موسى بن عيسى اليعقوبي، وهو مجهول. نعم، ورد في كتاب ««نوادر الحكمة»((4))،
فيكون ثقة.
وأمّا محمّد بن سعيد: فالظاهر أنّه محمّد بن سعيد بن غزوان الذي يروي عن السكوني، قال النجاشي: «له كتاب»((5))، وعدّه الشيخ في «رجاله»
ص: 263
[401] 11 - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ فِي «بَصَائِرِ الدَّرَجَاتِ»، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي: الْبَرْمَكِيَّ - ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) أَسْأَلُهُ، فَابْتَدَأَنِي فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَسَلْ يَا شِهَابُ، وَإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْنَاكَ بِمَا جِئْتَ لَهُ»، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي، قَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْغَدِيرِ يَكُونُ فِي جَانِبِهِ الْجِيفَةُ أَتَوَضَّأُ مِنْهُ أَوْ لَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «تَوَضَّأْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إِلَّا أَنْ
-----------------------------------------------------------------------------
من أصحاب الإمام الباقر (علیه السلام) ((1))، فلم يرد فيه شيء، إلّا أنّه ورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((2))، و«تفسير القمّي»((3)).
وأمّا إسماعيل بن مسلم: فهو السكوني، وقد تقدّم. فهذا السند معتبر.
[11] - فقه الحديث:
هذا الحديث من جملة دلائل الإمام الصادق (علیه السلام) وإخباره بما في النفس، ومضمونه مرّ قريباً، فإنّه (علیه السلام) بعدما أباح التوضي من الغدير الذي يكون في جانبه الجيفة قيّد ذلك بكونه من الجانب الذي ليس فيه الجيفة. هذا إذا لم يتغيّر الماء برائحتها.
ثم ذكر (علیه السلام) بعد ذلك إباحة الوضوء من الماء الراكد البالغ كرّاً، الذي
ص: 264
يَغْلِبَ (الْمَاءَ الرِّيحُ فَيُنْتِنَ)(1)، وَجِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ (مِنَ الْكُرِّ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغَيُّرٌ أَوْ رِيحٌ غَالِبَةٌ، قُلْتُ: فَمَا التَّغَيُّرُ)(2)؟ قَالَ:الصُّفْرَةُ. فَتَوَضَّأْ مِنْهُ. وَكُلُّ مَا غَلَبَ [عَلَيْهِ](3) كَثْرَةُ الْمَاءِ فَهُوَ طَاهِرٌ»(4).
-----------------------------------------------------------------------------
لم يتغيّر بالنجاسة. وذكر خصوص الصفرة في بيان ماهيّة التغيّر الذي يمنع من الاستفادة من الماء؛ لبيان اللون الحاصل من الجيفة؛ فإنّ الصفرة ليست من ألوان الجيفة، وإنّما هي لون حاصل من طول مكثها في الماء بتأثيرها فيه. وكذا بمكثها أزيد من هذا المقدار يحصل فيه لون الشقرة، ولا يزال ينكدر لونه بطول المكث حتى يضرب شقرته إلى الكدرة أو السواد.
وقوله (علیه السلام) : «وكل ما غلب عليه كثرة الماء فهو طاهر» ظاهر في أنّ المناط في عدم الانفعال غلبة كثرة الماء.
سند الحديث:
مرّ الكلام في رجاله، فهذا السند صحيح.
ص: 265
[402] 12 - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْجَمَّالِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي مَا بَيْنَ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ(1) تَرِدُهَا السِّبَاعُ، وَتَلَغُ فِيهَا الْكِلَابُ، وَتَشْرَبُ مِنْهَا الْحَمِيرُ، وَيَغْتَسِلُ فِيهَا(2) الْجُنُبُ، وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ؟ قَالَ: «وَكَمْ قَدْرُ الْمَاءِ؟» قَالَ: إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَإِلَى الرُّكْبَةِ، فَقَالَ: «تَوَضَّأْ مِنْهُ»(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[12] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على اعتصام الماء الراكد الكثير الذي ترده النجاسات، فقد حدّد الراوي كمّية الماء وأنّها تصل إلى نصف الساق أو إلى الركبة مما يفيد أنّ الماء كثير، وإن لم يصرح في الحديث بالكثرة، إلّا أنّ هذا التحديد من الراوي يفيدها بلا ريب. ولما كانت الكثرة مناسبة للاعتصام أمر الإمام (علیه السلام) بالوضوء منه.
وربَّما يستدل به على نجاسة بول الدواب كما ذهب إليه بعضهم((4))؛لتقريره (علیه السلام) السائل عليه، إلّا أنّ التقرير إنَّما يتمّ لو ظهر أنّ السائل توهّم
ص: 266
النجاسة، ولعلّه يكون غرض السائل أنّه ماء في حياض في الطريق تردها الحيوانات الطاهرة والنجسة، فما هو حكم التوضؤ منها؟ وهذا شائع في الاستعمالات. وهذا السؤال من قبيله، فلا دليل على أنّ السائل كان يعتقد نجاسة بول الدواب حتى يكون تقرير الإمام (علیه السلام) له على اعتقاده حجّة على النجاسة.
سند الحديث:
ذكر المصنف للحديث سندين:
أولهما: سند الشيخ في «التهذيب»، وقد مضى الكلام في رجاله. فهذا السند صحيح.
الثاني: سند «الكافي»، وقد ذكره في ذيل الحديث الثالث عشر من الباب، وهو: علي بن محمد، عن سهل، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن صفوان الجمال.
وعلي بن محمّد: تقدّم أنّه من مشايخ الكليني، وهومشترك بين شخصين:
أولهما: علي بن محمّد بن عبد الله بن عمران الجنابي، وهو ابن بنت البرقي، وقد وثّقه النجاشي.
الثاني: علي بن محمّد بن إبراهيم الرازي الكليني المعروف بعلّان. وقدوثّقه النجاشي أيضاً((1)).
ص: 267
[403] 13 - وَبِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْمَاءِ السَّاكِنِ وَالِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ وَالْجِيفَةُ فِيهِ(1)، فَقَالَ: «تَوَضَّأْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَلَا تَتَوَضَّأْ مِنْ جَانِبِ الْجِيفَةِ»(2).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(3)، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: تَكُونُ فِيهِ الْجِيفَةُ، وَتَرَكَ قَوْلَهُ: وَالِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ(4).
-----------------------------------------------------------------------------
وأمّا سهل: فهو سهل بن زياد، كما صرّح بذلك المصنّف نفسه عند ذكره للسند في ذيل الحديث اللاحق. وهذا السند ضعيف؛ لاشتماله على سهل. وقد يصحّح على بعض المباني المتقدّمة في أول الكتاب. هذا، مضافاً إلى أنّ للشيخ الكليني(قدس سره) طريقاً آخر صحيحاً إلى روايات أحمد بن محمّد بن أبي نصر، فالطريق غير منحصر بسهل.
[13] - فقه الحديث:
دلالته كدلالة الحديث التاسع، فهو يدلّ على أنّ الجانب الآخر الذي أمر الإمام (علیه السلام) باستعماله يبلغ كرّاً، وإلّا لو كان أقل من الكرّ لتنجّس الماء؛
ص: 268
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ(1)1*).
وَرَوَى الَّذِي قَبْلَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَإِلَى الرُّكْبَةِ وَأَقَلَّ، قَالَ: «تَوَضَّأْ».
أَقُولُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بُلُوغِ الْكُرِّيَّةِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ (2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
لاتصاله بالجانب الذي فيه الميتة. والفرق بين الحديثين هو في ذكر الاستنجاء منه هنا وعدم ذكره هناك، والتوضؤ في الجواب بمعنى التنظيف بالاستنجاء.
سند الحديث:
نقل المصنف الحديث عن ثلاثة كتب:
أولها: «التهذيب»، وفي سنده: القاسم بن محمّد: وقد مرّ أنّه مشترك بين الجوهري والأصفهاني، وأنّه الجوهري؛ لرواية الحسين بن سعيد عنه، وهو ثقة؛ لرواية المشايخ الثقات عنه، أضف إلى ذلك أنّه ورد بعنوان القاسم بن محمّد في «نوادر الحكمة» و«تفسير علي بن إبراهيم»((3)).
ص: 269
وأمّا علي بن أبي حمزة: فهو البطائني رأس الوقف، والسند ضعيف لأجله، إلّا أن يُحرز أنّه رواه في حال استقامته، ويمكن استفادة ذلك من كلام النجاشي حيث قال: «روى عن أبي الحسن موسى (علیه السلام) ، وروى عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، ثم وقف»((1))، ويقرّبه تخريج الكليني لها في كتابه كما في السند الآتي.
ثانيها: «الفقيه»، مرسلاً. ويبتنى اعتباره على قبول شهادة الصدوق باعتبار كتابه كلّه.
ثالثها: «الكافي»، وهو كالسند الأول في الاشتمال على البطائني، إلّا أنّه يمكن تصحيحه بالقول بأنّ هذا الحديث صدر عنه حال استقامته؛ ويشهد لذلك تخريج الكليني له في كتابه.
ص: 270
[404] 14 - وَعَنْهُ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : إِنَّا نُسَافِرُ فَرُبَّمَا بُلِينَا بِالْغَدِيرِ مِنَ الْمَطَرِ يَكُونُ إِلَى جَانِبِ الْقَرْيَةِ، فَتَكُونُ فِيهِ الْعَذِرَةُ وَيَبُولُ فِيهِ الصَّبِيُّ وَتَبُولُ فِيهِ الدَّابَّةُ وَتَرُوثُ؟ فَقَالَ: «إِنْ عَرَضَ فِي قَلْبِكَ مِنْهُ شَيْ ءٌ فَقُلْ هَكَذَا، يَعْنِي: افْرِجِ الْمَاءَ بِيَدِكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ، فَإِنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِمُضَيِّقٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(1)»(2).
أَقُولُ: مِثْلُ الْغَدِيرِ الْمَذْكُورِ يَزِيدُ عَنِ الْكُرِّ غَالِباً، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْكُرِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مِنَ السُّؤَالِ حَالَ نُزُولِ الْمَطَرِ؛ لِمَا مَرَّ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[14] - فقه الحديث:
قوله (علیه السلام) : «فقل»، أي: فافعل؛ فإنّ القول قد يجي ء بمعنى الفعل، وفسّر هنا بإفراج الماء باليد ليظهر الماء الجديد.
واستحباب الإفراج إنّما هو لدفع ما تتنفّر عنه النفوس؛ فإنّ البول والروث غالباً ما يجتمع على وجه الماء، فيحصل للنفس منه استقذار وكراهية،وبالإفراج - لأجل ظهور الماء الجديد - تزول تلك الكراهية.
ص: 271
وقد دلّ الحديث على طهارة الغدير وجواز الوضوء منه، وإن خالطه ما ذكر في السؤال من أبوال الدواب والصبيان والعذرة وغيرهما؛ وعلّل ذلك بقوله: «فإنّ الدين ليس بمضيّق»، فالشريعة سهلة لا ضيق فيها، فيدلّ على أنّ الماء البالغ كرّاً لا ينفعل بمجرّد ملاقاة النجاسة.
سند الحديث:
قوله: «عنه»، أي: عن الحسين بن سعيد.
وأمّا الحسين بن عثمان: فهو مشترك بين ثلاثة أشخاص:
أحدهم: الحسين بن عثمان بن شريك العامري: قال النجاشي : «الحسين بن عثمان بن شريك بن عدي العامري الوحيدي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام) . ذكره أصحابنا في رجال أبي عبد الله (علیه السلام) . له كتاب تختلف الرواية فيه»((1)).
وذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ، وقال: «أسند عنه»((2))، وروى عنه المشايخ الثقات((3)).
الثاني: الحسين بن عثمان الأحمسي البجلي: قال النجاشي : «الحسين بن عثمان الأحمسي البجلي كوفي (الكوفي)، ثقة، ذكره أبو العباس في
ص: 272
رجال أبي عبد الله (علیه السلام) . كتابه رواية محمد بن أبي عمير»((1))، وذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((2))، وروى عنه المشايخ الثقات((3)).
الثالث: الحسين بن عثمان الرواسي: ذكر الشيخ في «الفهرست» أنّ له كتاباً((4))، وقال الكشّي فيه وفي أخويه حماد وجعفر: «حمدويه، قال: سمعت أشياخي يذكرون: أنّ حمّاداً وجعفراً والحسين بني عثمان بن زياد الرواسي، وحمّاد يلقّب بالناب، وكلّهم فاضلون خيار ثقات»((5)).
ولا ريب في اتحاد الرواسي مع ابن شريك العامري؛ لأنّ الشيخ اقتصر في «الفهرست» على ترجمة الحسين بن عثمان الرواسي، كما أنّ النجاشي اقتصر على ترجمة الحسين بن عثمان بن شريك، فلو كانا متعددين لتعرّض الشيخ لمن ترجمه النجاشي، ولتعرّض النجاشي لمن ترجمه الشيخ، مع أنّ من ترجمه النجاشي كان مشهوراً بين الأصحاب، وذكر أنّ أصحابنا ذكروه في رجال أبي عبد الله (علیه السلام) ، ومع ذلك لم يذكره الشيخ .
أضف إلى ذلك: أنّ الشيخ تعرّض في رجاله لذكر الحسين بن عثمان بن شريك العامري ولم يتعرّض لذكر الحسين بن عثمان الرواسي مع أنّه ترجمه في «الفهرست»، فلو كان هو غير الحسين بن عثمان بن شريك لتعرّض له لا
ص: 273
[405] 15 - وَعَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى مَنْ يَسْأَلُهُ عَنِ الْغَدِيرِ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ وَيُسْتَقَى فِيهِ مِنْ بِئْرٍ فَيَسْتَنْجِي فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ يَغْتَسِلُ فِيهِ الْجُنُبُ، مَا حَدُّهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ؟ فَكَتَبَ: «لَا تَوَضَّأْ(1) مِنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ إِلَيْهِ»(2).
أَقُولُ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بُلُوغِ الْكُرِّيَّةِ وَاسْتِحْبَابِ الِاجْتِنَابِ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَلَوْ لِحُصُولِ النِّفْرَةِ بِسَبَبِ الِاسْتِنْجَاءِ.
-----------------------------------------------------------------------------
محالة، وهذا كلّه يكشف عن اتحاد العنوانين كما هو واضح.
وعلى كلٍّ: فإنّه بهذا العنوان الوارد في السند ثقة، فالسند صحيح.
أضف إلى ذلك: أنّ كتاب سماعة مشهور، فلا يكون بحاجة إلى ملاحظة الطريق.
[15] - فقه الحديث:
دلّ هذا الحديث على مفروغيّة الحكم باعتصام الماء الكثير في ذهن السائل.
والوضوء يحتمل أن يراد منه الوضوء الاصطلاحي، فنهى الإمام (علیه السلام) عن الوضوء بمثل هذا الماء؛ لأنّ ماء الوضوء ينبغي أن يكون خالصاً ممّا تنفر
ص: 274
منه الطباع. وقد حمل بعضهم الوضوء هنا على الاستنجاء والتنظيف، وكأنّه جعل قول السائل: «فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب» سؤالاً عن جواز الاستنجاء والغسل بذلك الماء؛ إذ الوضوء قد يراد به التنظيف؛ ليطابق الجواب السؤال. وهذا الاحتمال لا بأس به.
والأوفق أن يقال: إنّ مراد السائل أنّ الماء الذي يستنجى فيه ويغتسل به ما حدّه في جانب القلة، بحيث لا يجوز استعماله في الطهارة بعد ذلك؟ فأجابه (علیه السلام) بالتنزّه عن الوضوء بمثل ذلك إلّا مع الضرورة، قلّ أم كثر. وفيه دلالة على أنّه لا ينجس بذلك وإن كره الوضوء به إلّا مع الضرورة.
وإنّما حملناه على الكراهة؛ لأنّ ماء الغدير لا يخلو إمّا أن يكون أقل من الكر، فهو ينجس ولا يجوز استعماله على أيّ حال، وينتقل الفرض إلى التيمّم. أو يكون أكثر من الكرّ فإنّه لا ينجس، ولا يختصّ ذلك بحال الاضطرار. فيكون الوجه في هذا الحديث: الكراهية؛ فإنّه مع وجود الماء المتيقّن طهارته لا ينبغي استعمال مثل هذا الماء الذي هذه صفته، وإنَّمايستعمل عند فقد الماء على كل حال.
سند الحديث:
قوله: «عنه»، أي: عن الحسين بن سعيد.
وأمّا محمّد بن إسماعيل بن بزيع: فقد تقدّمت ترجمته، إلّا أنّ الحديث مضمر، ومع ذلك: فإنّ إضمار الثقة الجليل لا يضر؛ لبعد أن يستفتي غير الإمام (علیه السلام) .
ص: 275
[406] 16 - وَعَنْهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زَكَّارِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) (1): أَكُونُ فِي السَّفَرِ فَآتِي الْمَاءَ النَّقِيعَ وَيَدِي قَذِرَةٌ فَأَغْمِسُهَا فِي الْمَاءِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ»(2).
قَالَ الشَّيْخُ: الْمُرَادُ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَاءُ كُرّاً.
-----------------------------------------------------------------------------
[16] - فقه الحديث:
هذا الحديث مجمل، يتمشّى على مذهب ابن أبي عقيل، وعلى مذهب المشهور أيضاً؛ لأنّ النقيع كما عن «القاموس»: «الماء الناقع المجتمع»، وهويحتمل أن يكون أقل من كر، مع ظهور القذر في النجاسة، فيدلّ على عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة المستفاد من قول الإمام (علیه السلام) : «لا بأس».
ويحتمل أن يكون أكثر من كر، مع احتمال أن يكون المراد من القذر مجرد الوساخة، لا النجاسة.
ومقتضى الجمع حمله على الكرّ؛ بناء على ظهور القذارة في النجاسة، كما ذكره الشيخ (رحمه الله) قريباً.
ص: 276
سند الحديث:
قوله: «عنه»، أي: عن الحسين بن سعيد.
وأمّا القاسم بن محمّد: فهو الجوهري؛ لرواية الحسين بن سعيد عنه كما سبق.
وأمّا أبان: فهو أبان بن عثمان، وقد مرّ ذكره.
وأمّا زكار بن فرقد: فهو مجهول، روى هذا الحديث فحسب، نقله عنه في «التهذيب» في موضعين، وفي «الاستبصار» في موضع.
وقد نقل الشيخ المجلسي عن الشيخ البهائي قوله : «الظاهر أنّ هنا سقطاً، وكان حقّه أن يقول: عن زكار عن داود بن فرقد»((1)).
كما نقل بعضهم: «أنّ الشهيد الثاني قال في حواشيه على الخلاصة: منأنّه زكار الدينوري الثقة، وما في بعض نسخ الكتاب الزكان بالنون لا الراء، فيكون هو داود بن أبي زيد الغير الموثّق. وأمّا الموجود في كتب الرجال: زنكان، فيحتمل سقوط النون الأوّل منه»((2)).
وهما أعرف بما قالاه، وليس هناك دليل يعضد ما ذهبا إليه.
وأمّا عثمان بن زياد: فهو مشترك بين أربعة أشخاص:
أحدهم: عثمان بن زياد الأحمسي الكوفي: ذكر الشيخ في «رجاله»
ص: 277
أنّه روى عن الإمامين الصادقين (علیهما السلام) ((1)).
الثاني: عثمان بن زياد الرواسي الكوفي: يكنّى أبا الحسين. روى عنه إبراهيم بن عبد الحميد. ذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((2)).
الثالث: عثمان بن زياد الضبي الكوفي: ذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((3)).
الرابع: عثمان بن زياد الهمداني الكوفي: ذكره الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((4)).فلم يرد فيهم توثيق. والشيخ الصدوق ذكر طريقه إلى عثمان بن زياد في «المشيخة» بلا تعيين((5)).
ولكن الظاهر أنّه عثمان بن زياد الرواسي، والد حمّاد وجعفر وحسين.
وكيف كان: فالسند ضعيف. وقد يقال باعتبار الحديث؛ لوجوده في كتاب الحسين بن سعيد.
ص: 278
[407] 17 - مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : الرَّجُلُ يَضَعُ الْكُوزَ الَّذِي يَغْرِفُ بِهِ مِنَ الْحُبِّ فِي مَكَانٍ قَذِرٍ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْحُبَّ؟ قَالَ: «يَصُبُّ مِنَ الْمَاءِ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ ثُمَّ يَدْلُكُ الْكُوزَ»(1).
أَقُولُ: يَحْتَمِلُ كَوْنُ الْحُبِّ كُرّاً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: «ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْحُبَّ»: ثُمَّ يُرِيدُ إِدْخَالَهُ الْحُبَّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى{إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}(2)، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَعْنَاهُ: يَغْسِلُ الْكُوزَ أَوَّلًا قَبْلَ إِدْخَالِهِ الْحُبَّ بِقَرِينَةِ الدَّلْكِ، وَيَحْتَمِلُ الْحَمْلُ عَلَى التَّقِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَذَرِ الْوَسَخُ دُونَ النَّجَاسَةِ. وَتَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَضْمُونِ الْبَابِ(3)، وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْه (4).
-----------------------------------------------------------------------------
[17] - فقه الحديث:
الحب: قال في تاج «العروس»: «الحب - بالضم - : الجرّة، صغيرة كانت أو كبيرة، أو هي الضخمة منها، أو الحب: الخابية، وقال ابن دريد: هو الذي
ص: 279
يجعل فيه الماء»((1))،
ولعلّ مراد السائل أنّه يضع الكوز في غير وقت الحاجة في موضع قذر، فإذا أراد الماء أخذه من ذلك الموضع، ويدخله كما هو في الحب، هل يصلح ذلك ولا ينجس به الماء؟ فأمره (علیه السلام) أن يصبّ أولاً على الكوز من الحب ثلاث أكف ويدلك به الكوز ويطهّره وينظّفه ثم يدخله في الحب. ومعناه: أنّه لو أدخله في الحب بدون أن يطهّره لنجس ماء الحب، بناء على أنّ الحب لا يسع مقدار الكر.
ويحتمل أن يكون الغرض من صب الأكف من الماء: تنظيفه وتطييبه ورفع الاستقذار الحاصل من القذر الواقع فيه، ويكون الغرض من الدلك: تطهير الكوز مما أصابه من القذر.
ويحتمل أن يكون الحب كرّاً، وعليه: لو لم يفعل ما أمر به الإمام (علیه السلام) من التنظيف والتطهير لما تنجس الماء الذي في الحب، بقرينة سائر الروايات الدالّة على عدم انفعال الكر بالنجاسة.
والمراد بقول السائل: «ثم يدخله الحبّ» إرادة الإدخال، لا تحقّقه. والقرينة عليه: أنّه لو كان السؤال عمّا بعد الإدخال في الحب لما كان للدلكالذي أمر به (علیه السلام) فائدة أصلاً، وشأن الحكيم أرفع من أن يأمر بما لا فائدة فيه أصلاً.
ص: 280
سند الحديث:
أمّا يونس: فهو يونس بن عبد الرحمن، وقد مرّ ذكره.
وأمّا بكار بن أبي بكر: فقد قيّد بالحضرمي في بعض الروايات((1))،
وهو الذي روى احتجاج أبيه مع زيد بن علي (علیه السلام) في أمر الإمامة. وعدّه الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((2))،
ولم يرد فيه شيء.
إلّا أنّه يمكن القول بوثاقته؛ لرواية يونس عنه؛ فإنّ كتب يونس بن عبد الرحمن - التي هي بالروايات - كلّها صحيحة يعتمد عليها إلّا ما ينفرد به محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس ولم يروه عنه غيره، فإنّه لا يعتمد عليه ولا يفتى به على ما نقله الصدوق عن شيخه ابن الوليد((3))، مضافاً إلى أنّ يونس من أصحاب الإجماع، فبناء على صحة روايات أصحاب الإجماع فالحديث معتبر.
والحاصل: أن في الباب سبعة عشر حديثاً، واحد منها موثّق وهو الثالث، وستة معتبرة، وهي السادس والسابع والتاسع والعاشر والثالث عشر والسادسعشر، واثنان ضعيفان يمكن تصحيحهما، وهما الثامن والسابع عشر، والبقيّة صحاح.
ص: 281
والمستفاد من الباب أُمور، منها:
1- أنّ الماء إذا كان كرّاً لا ينفعل بالنجاسة، ما لم تتغيّر صفاته.
2- أنّ الماء إذا لم يكن كرّاً ينفعل بملاقاة النجاسة وإن لم تتغيّر صفاته.
3- حرمة شرب سؤر الكلب؛ لنجاسة ما يلاقيه، إلّا أن يكون الماء كثيراً.
4- أنّ اعتصام الماء الكثير كان أمراً مفروغاً عنه عند المتشرعة.
5- أنّ البئر إذا كان فيه ماء قليل ولا مادّة تمدّه، فهو بئر عرفاً لا شرعاً، فله حكم الماء القليل، فهو ينفعل بملاقاة النجاسة وإن لم تغيّره.
6- استحباب التنزّه عن الجانب الملاقي للنجاسة في الماء الكثير.
7- استحباب الإفراج للماء ليظهر الماء الجديد بدلاً عن الموجود على السطح، إذا كان على السطح روث أو بول ما يؤكل لحمه.
8- يستحب الاجتناب عن الماء الكثير الذي يغتسل فيه الجنب أو يستنجى فيه من البول.
9- أنّ ماء الغدير والحياض والحب إذا كانت أكثر من كرّ لا ينجسها شيء، فالحكم فيها واحد، والاختلاف من جهة الموضوع.
ص: 282
-----------------------------------------------------------------------------
10- باب مقدار الكر بالأشبار
الكر على ما في «كتاب العين»: «مكيال لأهل العراق»((1)).
وفي «لسان العرب»: «الكر: مكيال لأهل العراق، وفي حديث ابن سيرين: إذا بلغ الماء كرّاً لم يحمل نجساً، وفي رواية: إذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل القذر، والكر: ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزاً»((2)).
وهو تارة يقدّر بالمساحة وأخرى بالوزن، وكلّ منهما دخيل في الحكم بعدم الانفعال بالنجاسة، أو أن أحدهما دخيل في ذلك، والمشهور أنّ الوزن هو الدخيل والمساحة علامة، وقد عقد المصنّف هذا الباب لبيان الأحاديث التي تقدّره بالمساحة، ولم يعيّنها في عنوان الباب؛ إشارة للخلاف الموجود في المقام.
الوجوه والأقوال المذكورة في المقام ثمانية:
ص: 283
أحدها: ما عن ابن الجنيد (رحمه الله) من أنّ مساحة الكر مائة شبر((1))، وهو خلاف الإجماع، ولا دليل عليه.
الثاني: ما عن المشهور من أنّها اثنان وأربعون شبراً وسبعة أثمان الشبر((2))،
وادعى عليه الإجماع في «الغنية»((3)).
الثالث: ما عن المحقّق في «المعتبر» والعاملي في «المدارك» من أنَّها ستة وثلاثون شبراً((4)).
الرابع: ما عن الشيخ الصدوق والقمّيين من أنّها سبعة وعشرون شبراً((5))، واختاره العلامة في «المختلف» والشهيد الثاني في «الروضة» والمحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة»((6)).
الخامس: ما عن الشيخ الراوندي من أنّ مجموع الأبعاد عشرة أشبار ونصف، ولم يعتبر بمكسر الأبعاد((7)).
السادس: ما عن المجلسي والوحيد البهبهاني من أنّ مساحته ثلاثة
ص: 284
وثلاثون شبراً وخمسة أثمان ونصف الثمن((1))، ولكن الظاهر أنّ هذا الوجه مجرد احتمال منهما لا أنّه قول ذهبا إليه، فلا ينبغي عدّه من جملة الأقوال.
السابع: ما عن الشلمغاني من أنّ الكر هو الماء الكثير الذي إذا طرح في وسطه حجر لم يتحرّك جانباه((2)).
الثامن: ما عن ابن طاووس من الأخذ بجميع المساحات المذكورة((3)).
والمهم من هذه الأقوال هو قول المشهور وقول القمّيين، وأمّا بقيّة الأقوال فهي إمّا نادرة، أو خلاف الإجماع.
قال في «المغني»: «وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ الكثير ينجس بالنجاسة إلّا أن يبلغ حدّاً يغلب على الظن أنّ النجاسة لا تصل إليه، واختلفوا في حدّه، فقال بعضهم: ما إذا حرّك أحد طرفيه لم يتحرّك الآخر، وقال بعضهم: ما بلغ عشرة أذرع في عشرة أذرع، وما دون ذلك ينجس وإن بلغ ألف قلّة... قال أبو داود: قدّرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثمذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان: هل غيّر بناؤها عمّا كانت عليه؟ قال: لا، وسألت قيّمها عن عمقها، فقلت: أكثر ما
ص: 285
[408] 1 - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : الْمَاءُ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ؟ قَالَ: «ذِرَاعَانِ عُمْقُهُ فِي ذِرَاعٍ وَشِبْرٍ سَعَتُهُ»(1).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي «الْمُقْنِعِ» مُرْسَلًا(2).
أَقُولُ: الْمُرَادُ بِالسَّعَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، فَفِيهِ اعْتِبَارُ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ فِي الْعُمْقِ، وَثَلَاثَةٍ فِي الطُّولِ، وَثَلَاثَةٍ فِي الْعَرْضِ؛ لِمَا يَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ الْقَدَمَانِ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. ولأنه ماء يبلغ قلتين فأشبه ما زاد على عشرة أذرع»((4)).
[1] - فقه الحديث:
هذا الحديث مما استدل به لقول القمّيين ولقول المحقّق وصاحب «المدارك».
أمّا قول القمّيين فتقريبه: أن الذراع عبارة عن شبرين لا أكثر بالوجدان.
ص: 286
ووجود ذراع أطول لا يضر بعدما كان المدار على الذراع المتعارف، وعليه: فتحديد السعة بذراع وشبر مرجعه إلى التحديد بثلاثة أشبار. وذكر هذين البعدين - أعني العمق والسعة - يجعل الحديث ظاهراً في الشكل المدوّر لا المربع؛ لأنّ قوله (علیه السلام) : «ذراع وشبر سعته» ظاهر في تحديد سعة السطح ببعد واحد بذراع وشبر، وهذا لا يتصوّر إلّا في الدائرة؛ لأنّ الخط الممتد من أي نقطة من محيط الدائرة إلى أي نقطة مقابلة لها على المحيط - إذا فرضنا أنه يمرّ بنقطة المركز - هو واحد، خلافاً للمربع وإن كان متساوي الأضلاع؛ فإنّ الخطوط الممتدة من إحدى زاويتيه إلى الأخرى أطول من بقيّة الأضلاع.
فالمدوّر الذي يبلغ عمقه أربعة أشبار وقطره ثلاثة أشبار يعتبر كرّاً. ومساحة هذا المدوّر هو سبعة وعشرون شبراً، باعتبار أنّ المدار في معرفة مساحة الدائرة على ضرب نصف القطر في نصف المحيط، والمحيط ثلاثة أمثال القطر مع زيادة طفيفة تعارف إسقاطها. فينتج من ضرب نصف القطر - وهو شبر ونصف - في نصف المحيط - وهو أربعة أشبار ونصف - في العمق الذي هو أربعة أشبار: سبعة وعشرون شبراً.
وأمّا قول المحقّق وصاحب «المدارك» فتقريبه: أنّ الذراع عبارة عن شبرين، ومورد الحديث هو الشكل المربع؛ لأنّ الخط الممتد بين أي نقطة واقعة في أحد أضلاعه وبين النقطة المقابلة لها هو ثلاثة أشبار، على ما هو الموجود في هذا الحديث، سواء كان هذا الخط مارّاً على نقطة المركز أم لا. بخلاف الشكل المدوّر؛ لأنّ الخطوط المارّة بالمركز فقط تكون ثلاثة أشبار، دون الخطوط التي لا تمرّ بالمركز، مع الأخذ بالاعتبار أنّ هذا
ص: 287
الحديث فيه بيان الأبعاد الثلاثة؛ لأنّ قوله (علیه السلام) : «ذراع وشبر سعته» فيه بيان الطول والعرض لا أحدهما، وعلى هذا: فالمساحة تكون ناتج ضرب الطول وهو ثلاثة أشبار في العرض وهو ثلاثة أشبار أيضاً في العمق وهو أربعة أشبار، والمتحصّل هو ستة وثلاثون شبراً.
والظاهر من الحديث هو ما يوافق قول القمّيين؛ لأنّ ما يمثّل سعة السطح هو الخط الأطول الذي حُدّد بثلاثة أشبار، لا أقصر خط يتحمّله ذلك السطح. والبعد الذي يقدر عند إرادة تحديد مساحة السطح هو أطول خط يتحمّله امتداد السطح وسعته، وهو واحد في الشكل الدائري، ولا بد أن يمر بمركزها، وإلّا لم يكن الأطول من الخطوط، وهو لا يختلف من جانب إلى آخر، فهو الأطول على الإطلاق، ولذا ذكر في الحديث أنّ ثلاثة أشبار سعته، بلا تقييد بكون هذا المقدار ممتدّاً من جهة معينة في الدائرة.
وهذا بخلاف المربع؛ فإنّ أطول خط يختلف باختلاف جوانب المربع، فأطول خط بين الزاويتين يختلف عن أطول خط بين الضلعين، فلا يكونالتقدير بالأطول على الإطلاق، بل لابد في الحديث من تعيين أنّه الأطول المقيّد بملاحظة امتداده بين الزاويتين((1)).
سند الحديث:
نقل المصنف الحديث بنحوين:
ص: 288
[409] 2 - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي «الْمَجَالِسِ» قَالَ: رُوِيَ أَنَّ الْكُرَّ هُوَ مَا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَشْبَارٍ طُولًا فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ عَرْضاً فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ عُمْقاً(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الأول: عن «التهذيب» مسنداً، وقد مرّ الكلام في سند الشيخ إلى محمّد بن أحمد بن يحيى، وكذا بقيّة رجال السند، والسند صحيح.
الثاني: عن «المقنع» مرسلاً، وقد حقّقنا اعتبار مراسيل الشيخ الصدوق في كتابه «المقنع»، واستثنينا الروايات الواردة في السنن؛ لاحتمال قوله بقاعدة التسامح في أدلّة السنن، كما استثنينا الروايات الواردة في رسالة أبيه إليه؛ فإنّها غير مشمولة لشهادته، وإن كانت معتبرة من وجه آخر((2)).
[2] - فقه الحديث:
هذا الحديث هو الوحيد - ظاهراً - الذي ذكر البعد الثالث، وهو ظاهر في الشكل المربع، ويكون تكسيره - الحاصل من ضرب الثلاثة أشبار في ثلاثة ثم المجموع في ثلاثة - هو سبعة وعشرون شبراً، وهو قول القمّيين. وهذا الحديث موافق لحديث إسماعيل بن جابر.
سند الحديث:
ضعيف بالإرسال.
ص: 289
[410] 3 - وَفِي كِتَابِ «الْمُقْنِعِ» قَالَ: رُوِيَ: أَنَّ الْكُرَّ ذِرَاعَانِ وَشِبْرٌ فِي ذِرَاعَيْنِ وَشِبْرٍ(1)1*).
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالذِّرَاعِ هُنَا عَظْمُ الذِّرَاعِ، وَهُوَ يَزِيدُ عَنِ الشِّبْرِ يَسِيراً، فَيَصِيرُ مُوَافِقاً لِرِوَايَةِ أَبِي بَصِيرٍ.
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الكرّ بحسب المساحة ذراعان وشبر في ذراعين وشبر، وبما أنّ الذراع هي عبارة عن شبرين - على ما تقدّم في الحديث الأول - فيكون البعد الواحد خمسة أشبار، وعلى اعتبار أنّه أُهمل ذكر البعد الثالث؛ لتعارف إهماله في المحاورات، فإنّهم يكتفون بذكر مقدار بعدين من أبعاد الجسم إذا كانت أبعاده الثلاثة متساوية، فيكون حاصل ضرب خمسة في نفسها: خمسة وعشرون، فإذا ضربناها في البعد الذي لم يذكر - وهو خمسة أيضاً - كان الناتج مائة وخمسة وعشرين، وهو لا ينطبق على أيٍّ من الأقوال الموجودة.
ولو قلنا: إنّه بذكر البعدين لم يُهمَل من الأبعاد شيء فيراد الشكل المدوّر في المقام، فأيضاً لا ينطبق على شيء من الأقوال؛ لأنّ حاصل ضرب نصف القطر - وهو شبران ونصف - في نصف المحيط - وهو سبعة أشبار ونصف -في العمق وهو خمسة أشبار، يكون ثلاثة وتسعون شبراً وثلاثة أرباع الشبر.
ص: 290
نعم، أبدى الشيخ الحر العاملي(قدس سره) احتمالاً في هذا الحديث، وبه ينسجم مع قول المشهور، وتقريره: أنّه يحتمل من الذراع عظم الذراع، وهو عبارة عن شبر وزيادة، وهي ربع شبر تقريباً. وعليه: يكون مقدار الذراعين وشبر: ثلاثة أشبار ونصف. فإذا ضربناها في مثلها والمجموع في مثلها أيضاً صار الناتج اثنين وأربعين شبراً وثمن الشبر، وهو يوافق قول المشهور، ومؤيّد لحديث أبي بصير الآتي.
سند الحديث:
مرّ الكلام في سند الحديث الأول من الباب، والحديث معتبر.
ص: 291
[411] 4 - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قُلْتُ: وَمَا الْكُرُّ؟ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ»(1).
أَقُولُ: الْمُرَادُ بِأَحَدِ الْبُعْدَيْنِ الْعُمْقُ، وَبِالْآخَرِ كُلٌّ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ «الْمَجَالِسِ».
-----------------------------------------------------------------------------
[4] - فقه الحديث:
الحديث صريح في كون الكر عبارة عن سبعة وعشرين شبراً، وإن لم يشتمل على ذكر الطول والعرض والعمق. وقد أشرنا في الحديث الثالث إلى تعارف إهمال ذكر البعد الثالث في المحاورات العرفيّة، فتراهم يقولون: خمسة في خمسة، أو أربعة في أربعة إذا كان ثالثها أيضاً بهذا المقدار. وعليه: إذا ضربنا الثلاثة في الثلاثة فتبلغ تسعة، فإذا ضربناها في ثلاثة فتبلغ سبعة وعشرين شبراً. فالحديث موافق لحديث «المجالس».
سند الحديث:
سبق أنّ هذا الحديث معتبر بأسانيده الثلاثة.
ص: 292
[412] 5 - وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: قُلْتُ: وَكَمِ الْكُرُّ؟ قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ وَنِصْفٌ عُمْقُهَا، فِي ثَلَاثَةِ أَشْبَارٍ وَنِصْفٍ عَرْضِهَا»(1).
أَقُولُ: ذِكْرُ الْعَرْضِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الطُّولِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُسَاوِيَهُ أَوْ يَزِيدَ عَلَيْهِ.
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
مضى هذا الحديث عن أبي عبد الله (علیه السلام) ، قال: إذا كان الماء في الركي كرّاً لم ينجسه شيء، قلت: كم الكر؟ قال: ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها.
وقد مضى بعض الكلام فيه. وهذا الحديث منقول عن «الكافي» و«التهذيب» بلا زيادة البعد الثالث، وإن ورد في المطبوعة من «الاستبصار»((2))، بل عن ابن المشهدي - كما حكاه السيّد الأستاذ((3)) - في هامش «الاستبصار»: أنّ الحديث غير مشتمل على تلك الزيادة في النسخةالمخطوطة من الاستبصار بيد والد الشيخ محمد بن المشهدي صاحب
ص: 293
«المزار» المصحّحة على نسخة المصنّف، فالزيادة ساقطة. فالحديث مشتمل على ذكر بعدين فقط، وعليه: لا بد من حمله على المدوّر، فإذا أسقطنا الزيادة عن الحديث فيكون التقريب هو عين ما قدّمناه في الحديث الأول، من كون السعة بمقدار معيّن من جميع الجوانب والأطراف لا يوجد في غير الدائرة، فإذا أخذنا مساحتها بضرب نصف قطرها في نصف محيطها يبلغ اثنين وثلاثين شبراً وعشر الشبر، وهو يزيد بما يقرب من ستة أشبار عن قول القمّيين، والكر بهذا المقدار مما لا قائل به.
فلذا قال السيّد الأستاذ (رحمه الله) : «هذه قرينة قطعيّة على عدم إرادة ظاهر الرواية، فلا محيص من رفع اليد عنها وحملها على أحد أمرين:
أحدهما: أن يحمل على أنّ الإمام (علیه السلام) أراد الاحتياط ببيان مقدار شامل على الكر قطعاً.
وثانيهما: أن يحمل على أمر آخر أدق من سابقه، وهو أنّ الركي - الذي هو بمعنى البئر - لايكون مسطح السطح غالباً، بل يحفر على شكل وسطه أعمق من جوانبه، ولاسيّما في الآبار التي ينزح منها الماء كثيراً، فإنّ إدخال الدلو وإخراجه يجعل وسط البئر أعمق، وهو يوجب إحالة ما فيه من التراب إلى الأطراف والجوانب. وعليه: فالماء الموجود في وسط الركي أكثر من الماء في أطرافه، إلّا أنّ الزائد بدل التراب، لا أنّه معتبر في الكريّةوالاعتصام؛ إذ المقدار المعتبر فيه سبعة وعشرون شبراً. فالزيادة مستندة إلى
ص: 294
ما ذكرناه»((1)).
وما أفاده(قدس سره) لا بأس به، وإن كان الأمر الثاني محتاجاً إلى إثبات أنّ الغالب في حفر البئر بنحو ما ذكر، بحيث ينصرف ظهور الكلام إلى أنّ ما أُنيط به تحديد الكر غير مراد، وأنّ المراد هو السبعة والعشرون شبراً، والزائد في التحديد الموجود في الحديث غير معتبر في الكرّية.
وأمّا بناء على وجود الزيادة - كما عن «الاستبصار» - فيدلّ على أنّ الكرّ ثلاثة وأربعون شبراً إلّا ثمن شبر، كما هو مذهب المشهور.
إلّا أنّ الظاهر أنّ هذه الإضافة زائدة في بعض نسخ «الاستبصار»، وعدمها حتى في «الاستبصار» هو المرجّح بعد عدم وجودها في «الكافي» - المعروف بالضبط - و«التهذيبين» ونسخة والد ابن المشهدي المصحّحة على نسخة الشيخ الطوسي.
سند الحديث:
تقدّم في الحديث الثامن من الباب السابق أنّ سند «الكافي» غير معتبر؛ لوجود الحسن بن صالح. ويمكن تصحيحه على القول باعتبار ما في «الكافي»، أو لوجود الحسن بن محبوب - الذي هو أحد أصحاب الإجماع -في السند. وكذا الكلام في سند «التهذيب».
ص: 295
[413] 6 - مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى، عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْكُرِّ مِنَ الْمَاءِ كَمْ يَكُونُ قَدْرُهُ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْبَارٍ وَنِصْفٍ [نِصْفاً] فِي مِثْلِهِ ثَلَاثَةُ أَشْبَارٍ وَنِصْفٌ فِي عُمْقِهِ فِي الْأَرْضِ فَذَلِكَ الْكُرُّ مِنَ الْمَاءِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[6] - فقه الحديث:
الحديث يقتضي اعتبار بلوغ مكعّب الماء ثلاثة وأربعين شبراً إلّا ثمن شبر في الحكم عليه بكونه كرّاً، وهو الذي التزم به المشهور. هذا بناء على الالتزام بكون الأبعاد الثلاثة مذكورة في الحديث.
إلّا أنّه يمكن أن يقال: إنّ الحديث غير مشتمل على ذكر الطول والعرض والعمق، والمذكور فيه أنّ الكر هو عبارة عن كون الماء ثلاثة أشبار ونصف في مثله، أي: مثل الماء ثلاثة أشبار ونصف في عمقه، وظاهره هو الشكل الدائري. وعليه: يكون الكرّ قريباً من اثنين وثلاثين شبراً وعشر الشبر، وهو نتيجة ضرب نصف قطر الدائرة في نصف محيطها.
ص: 296
[414] 7 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «الْكُرُّ مِنَ الْمَاءِ نَحْوُ حُبِّي هَذَا» وَأَشَارَ إِلَى حُبٍّ مِنْ تِلْكَ الْحِبَابِ الَّتِي تَكُونُ بِالْمَدِينَةِ(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(2)، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ.
قَالَ الشَّيْخُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ يَسَعُ مِنَ الْمَاءِ مِقْدَارَ الْكُرِّ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
ذكر المصنّف سندين لهذا الحديث:
أولهما: سند الكليني في «الكافي»، وقد مرّ الكلام في رجاله. والسند صحيح.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» إلى الكليني، وسيشير إليه المصنّف بعد ذكر الحديث السابع. والسند صحيح كسابقه.
[7] - فقه الحديث:
الحديث فيه إجمال؛ إذ إنّ إحالة الإمام (علیه السلام) في تحديد مقدار الكر إلى
ص: 297
حُبّه (علیه السلام) تفيد الراوي ومن قارب عصره ممّن اطلع على مقدار ما تحويه تلك الحباب. وأمّا في زماننا وما شابهه فلا تفيد. وقد استبعد بعضهم((1)) أن يكون الحبّ يتّسع لهذا المقدار. وهذا قريب لو أريد بالمقدار ما يسع اثنين وأربعين شبراً، إلّا أنّ اتساعه لمقدار سبعة وعشرين شبراً ممّا لا بعد فيه على الظاهر. فيمكن جعل هذا الحديث مؤيّداً لقول القميين.
سند الحديث:
ذكر المصنّف سندين لهذا الحديث:
أولهما: سند الكليني في «الكافي»، وقد مرّ الكلام في رجاله. والسند فيه إرسال، ولكن يمكن تصحيحه؛ لوجود عبد الله بن المغيرة الذي هو من أصحاب الإجماع، أو لوجود الحديث في «الكافي».
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» إلى الكليني. والسند كسابقه؛ لكونه منقولاً من «الكافي».
ص: 298
[415] 8 - مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْ ءٌ». وَالْقُلَّتَانِ جَرَّتَانِ (1).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(2).
أَقُولُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ مَوْرِدَ التَّقِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ هُوَ مِقْدَارَ الْكُرِّ؛ لِأَنَّ الْقُلَّةَ هِيَ الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ فِي اللُّغَةِ(3)، انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْمُحَقِّقُ فِي «الْمُعْتَبَرِ» عَنِ ابْنِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ: الْكُرُّ قُلَّتَانِ، وَمَبْلَغُ وَزْنِهِ أَلْفٌ وَمِائَتَا رِطْلٍ. وَعَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْقُلَّةُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ، وَهِيَ عَظِيمَةٌ، زَعَمُوا أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَسَعُ خَمْسَ قِرَبٍ(4)، انْتَهَى.
-----------------------------------------------------------------------------
[8] - فقه الحديث:
دلالة هذا الحديث كسابقه؛ إذ لا يعلم مقدار الجرّة حتى يعلم مقدار
ص: 299
ثُمَّ إِنَّ اخْتِلَافَ أَحَادِيثِ الْأَشْبَارِ يَحْتَمِلُ الْحَمْلَ عَلَى اخْتِلَافِ وَزْنِ الْمَاءِ خِفَّةً وَثِقْلًا، وَالْحَمْلَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْبَارِ طُولًا وَقَصْراً، وَالْحَمْلَ عَلَى أَنَّ الْأَقَلَّ كَافٍ وَاعْتِبَارَ الْأَكْثَرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا(1)1*)، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-----------------------------------------------------------------------------
القلّة. والتعبير بالقلّة معروف عند الشافعي، وكون المقدار معروفاً في زمان النصّ - إذ الإمام (علیه السلام) لا يُحيل على غير معروف - لا يفيد في زماننا بعد جهلنا بالمقدار، ولكن يمكن أن يقال: إنّ هذا المقدار يسع ما في تحديد القمّيين؛ لكونه القدر المتيقّن من إرادة الكرّ، فيكون الحديث مؤيّداً لقولهم.
سند الحديث:
نقل المصنّف الحديث بنحوين:
الأول: عن «التهذيب» و«الاستبصار». والعباس: مشترك، والمراد به هنا هو العباس بن معروف؛ لرواية محمّد بن علي بن محبوب عنه، وروايته عن عبد الله بن المغيرة. والسند ضعيف. ولكن يمكن تصحيحه بوجود عبدالله بن المغيرة الذي هو من أصحاب الإجماع.
الثاني: عن «من لا يحضره الفقيه» مرسلاً، وقد تقدّم غير مرّة اعتبار
ص: 300
مراسيل الشيخ الصدوق في كتابه «من لا يحضره الفقيه»، على الأظهر.
فالحاصل: أنّ في الباب ثمانية أحاديث، اثنان منها صحاح وهما الأول والسادس، واثنان معتبران، وهما الثالث والرابع، وواحد ضعيف، وهوالثاني، وأمّا الخامس والسابع فهما ضعيفان قابلان للتصحيح، وأمّا الثامن فهو ضعيف بأحد سنديه ومعتبر بسنده الآخر.
والمستفاد من أحاديث الباب أُمور، منها:
1- أنّ الكرّ ما يبلغ من حيث المساحة سبعة وعشرين شبراً، وهو قول القمّيين، وقد دلّ عليه حديثان، ويؤيّده جزماً موافقة مقدار الكر بالوزن لهذا المقدار من المساحة، وحديث «المجالس».
كما يؤيّده - على نحو الاحتمال - الحديثان السابع والثامن وصحيحة زُرارة عن أَبي جعفر (علیه السلام) ، قال: قلت له: راوية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة؟ قال: «إذا تفسّخ فيها فلا تشرب من مائها، ولا تتوضّأ وصبّها، وإن كان غير متفسّخ فاشرب منه وتوضّأ، واطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة، وكذلك الجرّة وحبّ الماء والقربة وأشباه ذلك من أوعية الماء. قال: وقال أبو جعفر (علیه السلام) : «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شي ء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ إلّا أن يجي ء لهريح تغلب على ريح الماء»((1)).
ص: 301
فإنّ من البعيد جداً أن تكون الراوية اثنين وأربعين شبراً فأكثر، بل يمكن أن تكون سبعة وعشرين شبراً.
2- أنّ الكرّ ما يبلغ من حيث المساحة اثنين وأربعين شبراً وثمن الشبر، وهو قول المشهور، وقد دلّ عليه صحيح أبي بصير، ويؤيّده الحديثان الثالث والخامس.
والظاهر أنّ قول القمّيين هو الصحيح؛ لما ذكرناه في ضمن بيان الأحاديث، ولما له من المؤيّدات والتي منها موافقته لوزن الكر وهو ألف وستمائة رطل كما جُرّب مراراً.
ص: 302
-----------------------------------------------------------------------------
11 - باب مقدار الكر بالأرطال
هذا الباب معقود لبيان الطريق الثاني لمعرفة مقدار الكرّ، وهو التحديد بالوزن، وهي الأرطال، والرطل: «الذي يوزن به ويكال، رواه ابن السكيت بكسر الراء»((1))، وهو يطلق بالاشتراك على: المكي والمدني والعراقي.
وقد حدّد الشيخ البهائي (رحمه الله) الرطل العراقي بمائة وثلاثين درهماً، والمدني بمائة وخمسة وتسعين درهماً، فيكون الرطل المدني رطلاً ونصفاً بالعراقي، قال في «رسالة الكر»: «الدائر منها على ألسنتهم ثلاثة: العراقيّ والمدنيّ والمكيّ. فالرطل العراقي مائة وثلاثون درهماً، والدرهم ستّة دوانيق، والدانق ثمان شعيرات، فالدرهم ثمان وأربعون شعيرة.
وحيث إنّ المثقال الشرعيّ درهم وثلاثة أسباع درهم، فهو ثمان وستّون شعيرة وأربعة أسباع شعيرة. فالرطل العراقيّ أحد وتسعون مثقالاً، فهو ستّة آلاف ومائتان وأربعون شعيرة، والتسعة منه صاع، والاثنان وربع مدّ، فالصاع ألف ومائة وسبعون درهماً وثمانمائة وتسعة عشر مثقالاً، فهو ستّة وخمسون ألفاً ومائة وستّون شعيرة، وأمّا الرطل المدنيّ فمائة وخمسة وتسعون درهماً،
ص: 303
فهو رطل ونصف بالعراقي. والرطل المكّيّ ضعف الرطل العراقيّ» ((1)).
الظاهر اتفاق فقهائنا - كما هو ظاهر «المعتبر» و«المنتهى»((2))، بل عن «مجمع الفائدة»: أنّه متّفق عليه((3))- على أنّه ألف ومائتا رطل، ولكنّهم اختلفوا في تعيين الرطل: هل هو عراقي أو مدني؟ فالشيخ في «النهاية» و«المبسوط» و«الاقتصاد»، والمفيد في «المقنعة»، وأكثر المتأخرين على أنّه عراقي((4))، وفسّره في «السرائر» بالبغدادي((5))، والمرتضى في «الانتصار» و«الناصريات»، والصدوق في «الفقيه» على أنّه مدني((6)).
ولم يذهب منهم أحد إلى أنّه المكي.
اختلف العامّة في تحديد وزن الكر اختلافاً بيّناً:
ص: 304
قال في «المغني»: «إذا كان الماء قلّتين - وهو خمس قرب - فوقعت فيه نجاسة فلم يوجد لها طعم ولا لون ولا رائحة فهو طاهر».
القلّة هي الجرّة؛ سمّيت قلّة لأنَّها تقلّ بالأيدي، أي: تحمل ... والمراد بها هاهنا قلّتان من قلال هجر، وهما خمس قرب،كل قربة مائة رطل بالعراقي، فتكون القلّتان خمسمائة رطل بالعراقي. هذا ظاهر المذهب عند أصحابنا، وهو مذهب الشافعي؛ لأنّه روي عن ابن جريج أنّه قال: رأيت قلال هجر، القلّة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً. والاحتياط أن يجعل قربتين ونصفاً.
روى الأثرم وإسماعيل بن سعيد عن أحمد أنّ القلّتين أربع قرب. وحكاه ابن المنذر عن أحمد في كتابه؛ وذلك لما روى الجوزجاني بإسناده عن يحيى بن عقيل، قال: رأيت قلال هجر، وأظن كل قلّة تأخذ قربتين. وروي نحو هذا عن ابن جريج. واتفق القائلون بتحديد الماء بالقرب على تقدير كل قربة بمائة رطل بالعراقي، ولا أعلم بينهم في ذلك خلافاً، ولعلّهم أخذوا ذلك ممّن اختبر قرب الحجاز، وعرف أنّ ذلك مقدارها...»((1)).
وفي «بداية المجتهد»: «وهؤلاء اختلفوا في الحدّ بين القليل والكثير، فذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحدّ في هذا هو أن يكون الماء من الكثرة بحيثإذا حرّكه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه. وذهب الشافعي إلى أنّ الحدّ في ذلك هو قلّتان من قلال هجر، وذلك نحو من خمسمائة رطل. ومنهم من لم يحدّ في ذلك حدّاً، ولكن قال: إنّ
ص: 305
[416] 1- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «الْكُرُّ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ أَلْفٌ وَمِائَتَا رِطْلٍ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغيّر أحد أوصافه، وهذا أيضاً مروي عن مالك، وقد روي أيضاً: أنّ هذا الماء مكروه. فيتحصّل عن مالك - في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة - ثلاثة أقوال: قول إنّ النجاسة تفسده، وقول إنَّها لا تفسده إلّا أن يتغيّر أحد أوصافه، وقول إنّه مكروه»((2)).
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ وزن الكر من الماء - والمحكوم بالاعتصام - هو ألف ومائتا رطل، وهذا لا خلاف فيه، إنَّما الخلاف في أنّه بالرطل المدني أو العراقي؟اختار الشيخ الصدوق أنّه المدني، بل يظهر منه أنّ المشهور في زمانه كان تحديد الكر بالمدني؛ حيث عدّ ذلك من دين الإماميّة((3))، ولعلّ بناءهم
ص: 306
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، مِثْلَهُ. إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ قَوْلَهُ: «الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْ ءٌ»(1)1*).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي «الْمُقْنِعِ» مُرْسَلًا(2)2*).
قَالَ الْمُحَقِّقُ فِي «الْمُعْتَبَرِ»: وَعَلَى هَذِهِ عَمَلُ الْأَصْحَابِ ... وَلَا أَعْرِفُ مِنْهُمْ رَادّاً لَهَا(3)3*).
-----------------------------------------------------------------------------
كان على أنّ الإمام (علیه السلام) كان من أهل المدينة، فكان يتكلّم على وفق ما تعارف عند أهلها.
لكن الشيخ المفيد والطوسي ومن تبعهما - بل المشهور - اختاروا أنّه العراقي؛ لأنّ ابن أبي عمير عراقي، وليس إرساله إلّا عن مشايخه وهم عراقيّون، والإمام (علیه السلام) عارف باصطلاح البلدان، فكلامه على اصطلاحالراوي أنسب.
سند الحديث:
نقل المصنّف الحديث بثلاثة أنحاء:
الأول: مسنداً عن «التهذيب» و«الاستبصار»: أمّا سند الشيخ إلى محمّد
ص: 307
بن أحمد بن يحيى فقد تقدّم في الباب الأول من هذه الأبواب في سند الحديث الرابع.
وأمّا يعقوب بن يزيد: فهو ثقة صدوق مرّ ذكره، وكذا ابن أبي عمير، والرواية من مراسيله.
لكن قلنا: إنّ ابن أبي عمير من المشايخ الثقات الذين لا يروون إلّا عن ثقة، وهذه الشهادة تشمل المراسيل أيضاً، وقد أجبنا في كتاب «أصول علم الرجال» عن جميع الإشكالات التي أوردت على الشهادة، ومنها إشكال الشبهة المصداقيّة((1))،
فيكون السند معتبراً.
الثاني: مسنداً عن «الكافي»، وهو معتبر أيضاً.
الثالث: مرسلاً عن «المقنع»، وقد مرّ أنّه معتبر على الأظهر.
ص: 308
[417] 2- وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، قَالَ: رُوِيَ لِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : «أَنَّ الْكُرَّ سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ»(1)و(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ وزن الكرّ من الماء ستمائة رطل، ولا يمكن أن يحمل على العراقي، ولا على المدني؛ لعدم عمل الأصحاب به رأساً، فالظاهر حمله على المكي. والرطل المكي يوازي رطلين بالعراقي، فيكون هذا الحديث موافقاً للحديث الأول إذا حملناه هناك على العراقي.
وقد جمع المشهور بين هذا الحديث - ومعه صحيح محمّد بن مسلم الآتي - والحديث الأول بما ذكرناه: من حمل الأول على الرطل العراقي، وحمل الرطل هنا على المكي الذي هو ضعف العراقي، فيتطابقان بلا ريب، ولا داعي لطرح أيّهما.
وقد ذكرت أربعة وجوه لحمل الحديث الأول على العراقي والثاني على المكي، وهي:
الأول: ما ذكره السيّد الأستاذ(قدس سره) من أنّ كل واحد من الحديثين معيّن لما أريد منه في الآخر؛ حيث إنّ لكل منهما دلالتين: إيجابيّة وسلبيّة، وهي
ص: 309
مجملة بالإضافة إلى إحدى الدلالتين، وصريحة بالإضافة إلى الأخرى، وصراحة كل منهما ترفع الإجمال عن الأخرى وتكون مبيِّنة لها لا محالة، حيث قال(قدس سره) : «فصحيحة محمد بن مسلم لها دلالة على عقد إيجابي، وهو أنّ الكرّ ستمائة رطل، وعلى عقد سلبي، وهو عدم كون الكرّ زائداً على ذلك المقدار. وهي بالإضافة إلى عقدها السلبي ناصّة؛ لصراحتها في عدم زيادة الكرّ عن ستمائة رطل، ولو بأكثر محتملاته الذي هو الرطل المكي، فهو لا يزيد على ألف ومائتي رطل بالأرطال العراقيّة. إلّا أنَّها بالنسبة إلى عقدها الإيجابي مجملة؛ إذ لم يظهر المراد بالرطل بعد. هذا حال الصحيحة.
وأمّا المرسلة فلها أيضاً عقدان: إيجابي، وهو أنّ الكرّ ألف ومائتا رطل، وسلبي، وهو عدم كون الكر أقل من ذلك المقدار. وهي صريحة في عقدها السلبي؛ لدلالتها على أنّ الكرّ ليس بأقل من ألف ومائتي رطل قطعاً ولو بأقل محتملاته الذي هو الرطل العراقي، ومجملة بالإضافة إلى عقدها الايجابي؛ لإجمال المراد من الرطل، ولم يظهر أنّه بمعنى العراقي أو المدني أو المكي. وحيث إنَّ الصحيحة صريحة في عقدها السلبي؛ لدلالتها على عدم زيادة الكر على ألف ومائتي رطل بالعراقي، فتكون مبيِّنة لإجمال المرسلة في عقدها الإيجابي، وتدلّ على أنّ الرطل في المرسلة ليس بمعنى المدني أو المكي، وإلّا لزاد الكرّ عن ستمائة رطل حتى بناء على إرادةالمكي منه؛ لوضوح أنّ ألفاً ومائتي رطل - مدنيّاً كان أم مكّياً - يزيد عن ستمائة رطل ولو كان مكّياً، فهذا يدلنا على أنّ المراد من ألف ومائتي رطل
ص: 310
في المرسلة هو الأرطال العراقيّة؛ لئلّا يزيد الكرّ عن ستمائة رطل كما هو صريح الصحيحة.
كما أنّ المرسلة لما كانت صريحة في عدم كون الكرّ أقل من ألف ومائتي رطل على جميع محتملاته، كانت مبيِّنة لإجمال الصحيحة في عقدها الإيجابي، وبياناً على أنّ المراد بالرطل فيها خصوص الأرطال المكّية؛ إذ لو حملناه على المدني أو العراقي لنقص الكر عن ألف ومائتي رطل بالأرطال العراقيّة، وهذا من الوضوح بمكان.
وبالجملة: أنّ النصّ من كل منهما يفسر الإجمال من الأخرى، وهذا جمع عرفي مقدّم على الطرح بالضرورة»((1)).
الثاني: أنّه ورد استعمال الرطل مفسراً بالعراقي في بعض الأخبار، وهي رواية الكلبي النسابة: «.. فقلت: وكم كان يسع الشن ماء؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين، إلى ما فوق ذلك، فقلت: بأيِّ الأرطال؟ فقال: أرطال مكيال العراق»((2)).
الثالث: أنّه إذا حملنا مرسلة ابن أبي عمير على الرطل العراقي لا يلزمالتصرّف في الحديثين، بخلاف ما إذا قلنا: إنّ الرطل هو المكي، فإنّه لا بد من التصرّف في صحيحة محمّد بن مسلم؛ لأنّ الستمائة رطل فيها لا توافق المدني، ولا العراقي، وتنقص عن الأرطال الألف ومائتين التي وقع الإجماع
ص: 311
على اعتبارها.
الرابع: أنّ محمد بن مسلم - على ما ذكره بعضهم - طائفي، ولعلّه (علیه السلام) تكلّم بعرفه واصطلاحه وهو الرطل المكي، كما أنّ ابن أبي عمير ومن أرسل عنه كوفي، فلعلّ الإمام خاطبه بحسب عرفه، وهو الرطل العراقي.
هذا، ولكن نوقش في هذه القرينة: بأنّ محمّد بن مسلم وإن كان طائفيّ النسب، إلّا أنّه كان يعيش في الكوفة، كما أنّ كثيراً من مشايخ ابن عمير ليسوا عراقيين، وإن كان هو كوفيّاً، فلم يعلم أنّ الإمام (علیه السلام) تكلّم بالاصطلاح الخاص بكلّ منهما.
فبهذه القرائن يحمل الحديث الأول على الرطل العراقي، وهو الأقوى. وقول المشهور هذا ينطبق على ما اخترناه من قول القمّيين في المساحة، بخلاف غيره.
بقي شيء، وهو: هل المناط في معرفة الكر هو الوزن، والمساحة معرّفة له ودالّة عليه، أو أنّ كليهما معتبر؟
ذهب بعضهم إلى الثاني((1))، وقد يقال بالأول((2)).
لكن بما أنّ معرفة الوزنلا تتيسر لكل أحد، بخلاف المساحة فإنها أسهل بكثير، يكون المناط هو الوزن، وتعتبر المساحة لتسهيل الأمر، وهذا الرأي لا بُعد فيه.
ص: 312
سند الحديث:
سند الشيخ إلى محمّد بن أبي عمير عبارة عن عدّة طرق:
أولها: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته جماعة، عن ابن بابويه، عن أبيه ومحمد ابن الحسن، عن سعد والحميري، عن إبراهيم بن هاشم، عنه.
وقوله: «جماعة» وهي ثلاثة على أقل تقدير، ومن بينهم الشيخ المفيد. والطريق معتبر.
ثانيها: وأخبرنا بها ابن أبي جيّد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن الحسين وأيوب بن نوح وإبراهيم بن هاشم ومحمد بن عيسى بن عبيد، عنه.
وابن أبي جيّد ثقة؛ لأنّه من مشايخ النجاشي، فالطريق معتبر أيضاً.
ثالثها: ورواها ابن بابويه، عن أبيه وحمزة بن محمد العلوي ومحمد بن علي ماجيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عنه.
وحمزة بن محمد العلوي ومحمد بن علي ماجيلويه من مشايخ الصدوقالذين ترضّى عنهم كثيراً((1))، فهو معتبر كسابقيه.
رابعها: وأخبرنا بها أيضاً جماعة، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبي القاسم جعفر بن محمد الموسوي، عن ابن نهيك، عنه .
ص: 313
وجعفر بن محمد العلوي الموسوي وثّقه النجاشي((1))، وهو من مشايخ ابن قولويه في «كامل الزيارات»، وقال عنه النجاشي في طريقه إليه: الشريف الصالح، وورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((2))، وابن نهيك هو عبيد الله بن أحمد بن نهيك، وثّقه النجاشي أيضاً((3))،فالطريق معتبر.
خامسها: - وهو خاصّ بكتابه «النوادر» - أخبرنا بالنوادر خاصّة جماعة، عن أبي المفضل، عن حميد، عن عبيد الله بن أحمد بن نهيك، عنه.
وهذه الأسانيد كلّها في «الفهرست»((4)).
سادسها: سنده إليه في «مشيخة التهذيب» قال: «وما ذكرته عن ابن أبي عمير فقد رويته بهذا الإسناد - أي: الشيخ أبو عبد الله المفيد والحسين بن عبيد الله الغضائري جميعاً - عن أبي القاسم ابن قولويه، عن أبي القاسمجعفر بن محمد العلوي الموسوي، عن عبيد الله بن أحمد بن نهيك عن ابن أبي عمير»((5)).
وهذا الطريق معتبر أيضاً.
وهذا الحديث وإن كان مرفوعاً، إلّا أنّه يمكن القول باعتباره؛ لوجود عبد الله بن المغيرة، وهو من أصحاب الإجماع، أو لوجوده في «الكافي».
ص: 314
[418] 3- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، يَعْنِي: ابْنَ مَعْرُوفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: «وَالْكُرُّ سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ»(1).
أَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: الرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ؛ لِأَنَّهُ يُقَارِبُ اعْتِبَارَ الْأَشْبَارِ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَفْتَوُا السَّائِلَ عَلَى عَادَةِ بَلَدِهِ، وَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ فِي الصَّاعِ رِطْلُ الْعِرَاقِ؛ وَلِأَنَّهُ يُوَافِقُ حَدِيثَ السِّتِّمِائَةِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّطْلُ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ رِطْلَانِ بِالْعِرَاقِيِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالسِّتِّمِائَةِ رِطْلُ الْعِرَاقِيِّ، وَلَا الْمَدَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّيْخُ، وَيَأْتِي فِي أَحَادِيثِ الْمَاءِ الْمُضَافِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِطْلَاقِهِمُ الرِّطْلَ عَلَى الْعِرَاقِيِّ(2). وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْدِيرَاتٌ مُجْمَلَةٌ لِلْكُرِّ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّقْدِيرِ بِالْأَرْطَالِ أَوِ الْأَشْبَارِ؛ لِوُضُوحِ دَلَالَتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
دلالته كسابقه، ولعلّه واحد مع سابقه.
ص: 315
سند الحديث:
سند الشيخ إلى محمّد بن علي بن محبوب تقدّم((1)) أنّه ثلاثة طرق، اثنان منهما معتبران.
وأبو أيوب: هو الخزاز، وقد تقدّم مع بقيّة أفراد السند، وهذا السند صحيح.
فالحاصل: أنّ في الباب ثلاثة أحاديث، الأول والثاني معتبران، والثالث صحيح.
ص: 316
-----------------------------------------------------------------------------
12 - باب وجوب اجتناب الإناءين إذا كان أحدهما نجساً واشتبها
لو اشتبه الإناء النجس بالطاهر وجب الاجتناب عنهما، بلا خلاف بين أصحابنا((1))،
ويظهر من الشيخ الأنصاري الإجماع عليه((2))؛ لاحتمال نجاسة كل واحد من المشتبهين، والوضوء بالنجس غير سائغ، وهذا بناء على منجزيّة العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة واقتضائه وجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعيّة كما هو المختار. وأمّا بناء على ما ذهب إليه بعضهم((3))
من عدم اقتضائه لذلك؛ إذ لا يعلم الحرام منه بعينه لاشتراط العلم فيه عنده، فلا يجب الاجتناب عنهما وإن كانا محصورين.
فعلى الأول يجب الاجتناب؛ لتنجّز العلم الإجمالي، دون الثاني، هذا.
وقد قيل: إنّه يمكن له إحراز الصلاة مع الطهارة، بأن يتوضأ بأحدهما ويصلي رجاء، ثم يغسل بالماء الثاني ما أصابه من الماء الأول في ثيابه وبدنه
ص: 317
ويتوضأ بالآخر ثم يصلي مرة أخرى.
والأمر بالإهراق في الحديث لعلّه لجهة الإرشاد إلى عدم إمكان الانتفاع بالماء فيما يشترط فيه الطهارة، والأمر بالتيمّم هو لأجل عدم إيقاع المكلَّف في الحرج من جهة لزوم إيقاع الوضوء والتطهير والصلاة مرّتين.
الظاهر من أقوالهم وجود الخلاف في جواز استعمال المشتبه بالنجس فيما إذا كان عدد الآنية الطاهرة أكثر من النجسة، فاختلفوا في جواز التحرّي - بمعنى: طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن((1)) - وعدمه.
قال في «المغني»: «لا تخلو الآنية المشتبهة من حالين:
أحدهما: أن لا يزيد عدد الطاهر على النجس، فلا خلاف في المذهب أنّه لا يجوز التحرّي فيهما.
والثاني: أن يكثر عدد الطاهرات، فذهب أبو علي النجاد من أصحابنا إلى جواز التحرّي فيهما، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنّ الظاهر إصابة الطاهر،ولأنّ جهة الإباحة قد ترجّحت، فجاز التحرّي، كما لو اشتبهت عليه أُخته في نساء مصر.
ص: 318
[419] 1- قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي رَجُلٍ مَعَهُ إِنَاءَانِ وَقَعَ فِي أَحَدِهِمَا قَذَرٌ وَلَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى مَاءٍ غَيْرِهِمَا؟ قَالَ: «يُهَرِيقُهُمَا وَيَتَيَمَّمُ»(1).
وَحَدِيثُ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، مِثْلَهُ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وظاهر كلام أحمد أنّه لا يجوز التحرّي فيها بحال، وهو قول أكثر أصحابه، وهو قول المزني وأبي ثور.
وقال الشافعي: يتحرّى ويتوضأ بالأغلب عنده في الحالين؛ لأنّه شرط للصلاة فجاز التحرّي من أجله، كما لو اشتبهت القبلة، ولأنّ الطهارة تؤدّى باليقين تارة وبالظن أخرى، ولهذا جاز التوضؤ بالماء القليل المتغيّر الذي لا يعلم سبب تغيّره. وقال ابن الماجشون: يتوضأ من كل واحد منهما وضوء ويصلي به، وبه قال محمد بن مسلمة، إلّا أنّه قال: يغسل ما أصابه من الأول؛ لأنّه أمكنه أداء فرضه بيقين فلزمه [كما لو اشتبه طاهر بطهور، وكما لو نسيصلاة من يوم لا يعلم عينها أو اشتبهت عليه الثياب]»((3)).
[1] - فقه الحديث:
تقدّم في شرح الحديث المشار إليه تفسير الإراقة بالصبّ عن
ص: 319
«القاموس»((1)).
وأنّ الحديث دالّ على مشروعيّة التيمم؛ إذ إنّ مقتضى العلم الإجمالي تنجّز التكليف بالاجتناب عن كلا الإناءين؛ لسقوط قاعدة الطهارة في أحدهما؛ لمعارضتها لقاعدة الطهارة في الثاني، ومع عدم جريانهما لا يكون مؤمّن في البين فيتنجّز العلم الإجمالي، فيجب الاجتناب عن كلا الإناءين، ويكون المكلَّف فاقداً للماء، وينتقل فرضه إلى التيمّم؛ لوجود شرطه، وهو فقد الماء.
وقد يقال باحتمال أن تكون الإراقة واجبة؛ مقدّمة لحصول شرط وجوب التيمّم، وهو كون المكلَّف فاقداً للماء، إلّا أنّ هذا مما لا يمكن المساعدة عليه؛ وذلك لأنّ مقتضى ذلك: أنّ موضوع وجوب التيمّم غير محقّق قبل الإراقة، ومعناه: أنّ الوضوء واجب، فإيجاب المقدّمة المعجّزة عن وجوب الوضوء غير عقلائي، فعليه لا يصح حمل الحديث على مثل هذا الاحتمال، فلا تكون الإراقة واجبة على نحو المقدميّة.
فالأمر بالإراقة لعلّه إرشاد إلى عدم ترتّب منفعة على الإناءين المشتبهين.
وقد يستدلّ بالأمر بالتيمّم على تعيّنه بنحو لا يجوز الوضوء حتى بأن يتوضأ بأحدهما ويصلي، ثم يغسل بالماء الثاني ما أصابه من الماء الأول في ثيابه وبدنه ويتوضأ بالآخر ثم يصلي مرة أخرى.
ولكنّ الظاهر عدم دلالته على ذلك؛ لأنّه أمر في مورد توهم الحظر،
ص: 320
ومثل هذا الأمر لايدلّ على أكثر من المشروعيّة كما في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}((1))،
فإنّه لا يدلّ على أكثر من مشروعيّة الصيد بعد الإحلال. فالمكلَّف مخيّر في المقام بين التيمّم والوضوء بالنحو المتقدّم؛ وذلك لأنّ الأمر بالتيمّم وإن كان يقتضي التعيين في نفسه، إلّا أنّه في المقام - لما كان وارداً في مقام توهّم الحظر عن التيمم - أوجب ذلك صرف ظهوره من التعيين إلى التخيير؛ وذلك لأنّ المكلَّف حينئذٍ واجد للماء حقيقة إذا تصدّى للوضوء بالنحو المذكور. ومقتضى القاعدة تعيّن الوضوء، ولكنّ الشارع نظراً إلى أنّ في التوضؤ من المشتبهين على الكيفيّة السابقة حرجاً نوعيّاً على المكلَّفين قد رخّص في إتيان بدله وهو التيمّم، فالأمر به إنَّما ورد في مقام توهّم المنع عنه. ووروده كذلك قرينة صارفة لظهور الأمر في التعيين إلى التخيير.
سند الحديث:
ذكر المصنّف - في الموضع المُشار إليه - لهذا الحديث ثلاثة أسانيد:
الأول: فيه: أحمد بن محمد، وهو ابن عيسى، وقد تقدّم مع بقيّة رجال السند، والسند معتبر.
الثاني: الشيخ بإسناده، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وقد تقدّم أيضاً. وهذا السند معتبر أيضاً.
ص: 321
الثالث: الشيخ أيضاً بإسناده، عن محمد بن يعقوب. وهذا السند أيضاً معتبر.
كما أشار (رحمه الله) إلى حديث عمّار الساباطي المتقدّم في الحديث الرابع عشر من الباب الثامن من أبواب الماء المطلق، وقد نبّهنا على وجود غلط في السند، وذكرنا ما هو الصحيح فيه، وقلنا: إنّ السند موثّق.
والحاصل: أنّ في الباب حديثاً واحداً، وهو معتبر بأسانيده الثلاثة، وأشار المصنّف إلى حديث آخر موثّق.
والمستفاد من الباب أمور، منها:
1- أنّه يجب الاجتناب عن الإناءين أو الآنية التي اشتبه فيها الطاهر بالنجس إذا كانت محصورة، فلا يجوز استعمالها فيما يشترط فيه الطهارة كالشرب والوضوء والغسل وتطهير المتنجسات مطلقاً عند الضرورةوعدمها، كما يأتي في الباب اللاحق.
2- أنّ الأمر بإهراق الإناءين لعلّه إرشاد إلى عدم إمكان استعمال الماء فيما يشترط فيه الطهارة، لا أنّه واجب تعبّدي.
3- أنّ التيمّم مشروع في حال اشتباه الآنية، إذا لم يكن هناك ماء غيرها، فلا يجب أن يكرّر المكلّف الوضوء أو الغُسل بعدد الآنية لتحصيل الطهارة، وإن كان ذلك جائزاً.
ص: 322
-----------------------------------------------------------------------------
13 - باب عدم جواز استعمال الماء النجس في الطهارة ولا عند الضرورة وجواز استعماله حينئذ في الأكل والشّرب خاصة
هذا الباب يشتمل على بيان حكمين:
الأول: عدم جواز استعمال الماء النجس في الطهارة حتى عند الضرورة. فإذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقاً حدثاً وخبثاً عند الضرورة وعدمها.
قال في «مشارق الشموس»: «إنّ الحكم في عدم إجزاء الطهارة - وضوء كان أو غسلاً - بالماء النجس كأنّه إجماعي»((1)).
الثاني: عدم جواز استعمال الماء النجس في الأكل والشرب إلّا عند الضرورة، فلا يجوز استعماله في الأكل بجعله جزء من المأكول، ولا
ص: 323
استعماله في الشرب بشربه أو جعله جزء من المشروب إلّا عند الضرورة؛ فإنّه ما من حرام إلّا وقد أحلّه اللّه لمن اضطرّ إليه.
قال في «مستند الشيعة»: «الأصل في الأعيان النجسة والمتنجّسة - ما دامت نجسة - : الحرمة بلا خلاف، كما في المسالك وشرح الإرشاد والكفاية والمفاتيح، بل بالاتفاق كما في شرح المفاتيح، بل بالإجماع كما عن الغنية وغيرهما، بل يمكن عدّه من الضروريات كما قيل، بل بالإجماع المحقّق، وهو الحجّة فيه»((1)).
وحرمة استعمال الماء النجس في الشرب أو الأكل هي حرمة تكليفيّة، كما أنَّها في استعماله في الطهارة تحتمل الحرمة التكليفيّة؛ لأنّ استعمال المكلَّف للماء النجس فيما يعدّه المكلّف طهارة أو إزالة نجاسة في نظر الشارع يتضمّن إدخال ما ليس من الشرع فيه، فيكون بدعة، وهي حرام.
وتحتمل أن يراد بها هنا عدم الاعتداد بالطهارة في رفع الحدث أو الخبث.
العامّة كالخاصّة في الاتفاق على عدم جواز استعمال الماء النجس في الطهارة، قال ابن رشد في «بداية المجتهد»: «واتفقوا على أنّ الماء الذي
ص: 324
غيّرت النجاسة، إمّا طعمه، أو لونه، أو ريحه أو أكثر من واحدة من هذه الأوصاف أنّه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور»((1)).
وأيضاً اتفقوا على عدم جواز التغذّي بالنجس إلّا في حال الاضطرار، قال ابن رشد في كتابه السابق: «الجملة الثانية: في استعمال المحرّمات في حال الاضطرار، والأصل في هذا الباب قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُم إلَّا مَا اضطُرِرْتُم إِلَيهِ}((2))،
والنظر في هذا الباب في السبب المحلّل وفي جنس الشيء المحلّل وفي مقداره. فأمّا السبب، فهو ضرورة التغذّي، أعني: إذا لم يجد شيئاً حلالاً يتغذّى به، وهو لا خلاف فيه.
وأمّا السبب الثاني: طلب البرء. وهذا المختلف فيه، فمن أجازه احتجّ بإباحة النبي عليه الصلاة والسلام الحرير لعبد الرحمن بن عوف؛ لمكان حكّة به، ومن منعه فلقوله عليه الصلاة والسلام: إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها.
وأمّا جنس الشيء المستباح فهو كل شيء محرّم مثل الميتة وغيرها. والاختلاف في الخمر عندهم هو من قبل التداوي بها لا من قبل استعمالها في التغذي، ولذلك أجازوا للعطشان أن يشربها إن كان منها ري، وللشرقأن يزيل شرقه بها»((3)).
ص: 325
[420] 1- قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ رَعَفَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَتَقْطُرُ قَطْرَةٌ فِي إِنَائِهِ، هَلْ يَصْلُحُ الْوُضُوءُ مِنْهُ؟ قَالَ: «لَا»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
ظاهر هذا الحديث: العلم التفصيلي بوقوع الدم في الماء الذي يتوضأ منه، ولذا سأل عن جواز الوضوء منه، فأجاب الإمام (علیه السلام) بعدم جواز الوضوء منه، ولم يقيّده هنا لا بالضرورة ولا بغيرها، بل لم ترد مقيدات له في غير هذا الموضع أيضاً، وعليه فينتقل الفرض إلى التيمم إذا لم يوجد ماء آخر يتوضأ به. ويفهم منه: عدم جواز الشرب أيضاً؛ فإنّه أحد الانتفاعات التي تتوقّف على عدم النجاسة، والنجاسة كانت علّة المنع من الاستعمال في الوضوء، فهي العلّة في المنع من الاستعمال في الشرب أيضاً. وقد مرّ ذكر الاحتمالات في الحديث الذي ذكره المصنّف مع هذا الحديث في الباب الثامن من هذه الأبواب.
سند الحديث:
تقدّم في الحديث الأول من الباب الثامن من هذه الأبواب: أنّ للحديث سندين صحيحين، وثالثاً معتبراً.
ص: 326
[421] 2- وَحَدِيثُ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْجَرَّةِ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ يَقَعُ فِيهَا أُوقِيَّةٌ مِنْ دَمٍ، أَشْرَبُ مِنْهُ وَأَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: لَا»(1).
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. وَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هُنَا وَعَلَى حُكْمِ الِاضْطِرَارِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
إذا وقعت أُوقيّة من دم في جرّة سعتها مائة رطل من ماء فإنّه ينفعل بالنجاسة، مع أنّ هذا المقدار من الدم لا يغيّر الماء بصفات الدم. ويترتّب على ثبوت الانفعال عدم جواز الشرب من الماء النجس، ويفهم جواز الاستعمال له في حال الضرورة؛ لأدلة رفع الحرج، وما يأتي في كتاب الأطعمة، وعدم جواز الوضوء منه حتى في حال الضرورة؛ لعدم التقييد بها في شيء من الأحاديث. فهذا الحديث دالّ على كلا الحكمين.
سند الحديث:
تقدّم أنّ السند معتبر.
والحاصل: أنّ في الباب حديثين، أولهما صحيح، والثاني معتبر.
ويستفاد منهما عدم جواز استعمال الماء النجس في الطهارة حتى عند
ص: 327
الضرورة، وعدم جواز استعمال الماء النجس في الأكل والشرب إلّا عند الضرورة.
ص: 328
-----------------------------------------------------------------------------
14 - باب عدم نجاسة ماء البئر بمجرد الملاقاة
من غير تغير وحكم النزح
أجمع علماء الإسلام كافة على نجاسة ماء البئر إذا تغيّر بصفات النجاسة من اللون والطعم والرائحة إذا كان قليلاً.
لا ريب عند الخاصّة في عدم تنجّس ما زاد على المتغيّر بالنجاسة إذا كان كثيراً، ولكنّ الكلام فيما إذا كان قليلاً ولاقى نجاسة ولم يتغيّر، ففيه أقوال:
«أحدها: وهو المشهور بين القدماء - على ما نقله جماعة((1))-
: النجاسة مطلقاً.
وثانيها: الطهارة واستحباب النزح، ذهب إليه من المتقدّمين الحسن بن
ص: 329
أبي عقيل((1))،
والشيخ (رحمه الله) ((2))، وشيخه الحسين بن عبيد الله الغضائري((3))، والعلامة((4))، وشيخه مفيد الدين بن جهم((5))، وولده فخر المحقّقين((6))، وإليه ذهب عامّة المتأخرين((7)).
وثالثها: الطهارة ووجوب النزح تعبداً، ذهب إليه العلامة في المنتهى صريحاً((8))، والشيخ (رحمه الله) في التهذيب في ظاهر كلامه((9)).
ورابعها: التفصيل بين ما إذا كان ماء البئر بمقدار كرّ فهو طاهر، وما إذا كان أقل من كرّ فهو نجس، ذهب إليه الشيخ أبو الحسن محمد بن محمدبن أحمد البصروي من المتقدّمين، وهو لازم للعلامة (رحمه الله) ؛ لأنّه يعتبر الكرّية
ص: 330
في مطلق الجاري، والبئر من أنواعه((1)).
وخامسها: التفصيل بين ما إذا كان ماء البئر بمقدار ذراعين في ذراعين فلا ينفعل، وما إذا كان أقل من ذلك فينفعل وهو غير معتصم. وهذا القول منقول عن الجعفي((2)) وهو أحد علماء الإمامية.
قال السيد الأستاذ(قدس سره) : «الظاهر - بل الواقع - أنّه عين التفصيل المنسوب إلى البصروي، وغاية الأمر أنّه يرى الكر أربعة أشبار في أربعة، وليس هذا تفصيلاً مغايراً للتفصيل المتقدّم بوجه»((3)).
الظاهر أنّ أكثر العامّة على نجاسة البئر بملاقاة النجاسة، قال بعض الحنابلة: «قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ الماء الكثير - مثل الرِّجْل((4)) من البحر ونحوه - إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيّر له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً أنّه بحاله يتطهّر منه. فأمّا ما يمكن نزحه إذا بلغ قلّتين فلا يتنجّس بشيء من النجاسات إلّا ببول الآدميين أو عذرتهم المائعة، فإنّ فيه روايتين عن أحمد، أشهرهما أنّه ينجس بذلك. روي نحو هذا عن علي والحسن البصري... والرواية الثانية: أنّه لا ينجس ما لم يتغيّر كسائر النجاسات،
ص: 331
اختارها أبو الخطاب وابن عقيل، وهذا مذهب الشافعي»((1)).
وقد فرّق فقهاء الحنفية في الحكم بالنجاسة بين كون الماء جارياً أو راكداً، قال الكاشاني: «وإن كان راكداً فقد اختلف فيه، قال أصحاب الظواهر: إنّ الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلاً، سواء كان جارياً أو راكداً، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغيّر. وقال عامّة العلماء: إن كان الماء قليلاً ينجس، وإن كان كثيراً لا ينجس، لكنّهم اختلفوا في الحدّ الفاصل بين القليل والكثير...»((2))، ووافقتهم الشافعية في القول بالنجاسة في القليل، وعدمها في الكثير((3)).
وقالت المالكية بكراهة استعمال الماء القليل فيما يطلب فيه الطهارة إلّا أن يكون له مادّة كبئر((4)).
وسيأتي التصريح منهم بلزوم النزح في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى.
ص: 332
[422] 1- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنِ الرِّضَا (علیه السلام) ، قَالَ: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ شَيْ ءٌ إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ بِهِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[1] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ ماء البئر واسع لا يفسده ما يرد عليه من النجاسات إلّا أن يتغيّر بأوصافها كبقيّة المياه المعتصمة. وقد وصف في الحديث بأنّه واسع، ويحتمل في السعة احتمالان:
الاحتمال الأول: أن يكون الواسع بمعنى الكثير في مقابل القليل.
وفيه:
أولاً: أنّه لا توجد مناسبة بين القلّة والسعة حتى يعبّر عن الكثير بالواسع.
ثمّ إنّ هذا على خلاف الفهم العرفي من مثل هذا التعبير؛ فإنّ العرف يفهم منه أنّ ماء البئر ليس كغيره من المياه في الحكم، ولا ينسبق إلى أذهانهم معنى الكثرة.
وثانياً: أنّ السعة في الماء أمر خارجي وليس من وظيفة الشارع بيانه؛ فإنّ وظيفة الشارع هي بيان الأحكام الشرعية.
وثالثاً: أنّ البئر لا تلزم فيه كثرة الماء حتى يكون معتصماً.
ص: 333
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالواسع السعة في حكمه في مقابل المضيّق حكمه. وهذا الاحتمال هو المتعيّن إرادته.
بمعنى: أنّ ماء البئر واسع الحكم والاعتصام، وسعة حكمه هي اعتصامه وعدم انفعاله بشي ء مما يلاقيه من النجاسات، فهو غير مضيّق بما إذا بلغ كرّاً، كما في سائر المياه. ومقتضى الوصف بالسعة: كون المراد من قوله (علیه السلام) : «لا يفسده شيء» هو إرادة النجاسة من الشيء، وإن كان الإفساد قد أريد به العموم هنا؛ فإنّ النجاسة أقوى أنواع الإفساد.
وهذا الحكم لماء البئر الملاقي للنجس ثابت، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه أو لونه، فإن تغيّر أحدها نجس.
سند الحديث:
ذكر المصنّف سندين لهذا الحديث:
أولهما: سند الكليني، والظاهر أنّ أحمد بن محمّد هو أحمد بن محمّد بن عيسى؛ لأنّه الذي يروي كتاب محمّد بن إسماعيل بن بزيع، وقد تقدّمت وثاقة رجال السند. وهو صحيح أعلائي.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب»، وقد أشار له المصنّف في ذيل الحديث الآتي، فقد رواه الشيخ بإسناده إلى أحمد بن محمّد، وهو ابن عيسى المتقدّم في الحديث الثاني عشر من الباب الثالث من هذه الأبواب،وقد تقدّم منّا بيان اعتباره.
ص: 334
[423] 2- وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ ابْنِ رِئَابٍ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْحَبْلِ يَكُونُ مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ يُسْتَقَى بِهِ الْمَاءُ مِنَ الْبِئْرِ، هَلْ يُتَوَضَّأُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا الَّذِي قَبْلَهُ(2).
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْمَاءِ مَاءُ الْبِئْرِ لَا مَاءُ الدَّلْوِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَاءُ الدَّلْوِ فَإِنَّ الْحَبْلَ لَا يُلَاقِيهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنِ الْبِئْرِ. وَيَحْتَمِلُ كَوْنُ الدَّلْوِ كُرّاً .
-----------------------------------------------------------------------------
[2] - فقه الحديث:
في هذا الحديث احتمالات، ذكر المصنّف منها ثلاثة:
الأول: أنّ شعر الخنزير نجس، والسؤال من جهة تقاطر الماء من الحبل في البئر. فالمراد بالإشارة في قوله: «من ذلك الماء» هو ماء البئر الباقي بعد مفارقة الدلو. والظاهر عدم انفكاك ماء البئر عن ملاقاة الحبل الذي يُستقى به منها، فيدل الحديث على عنوان الباب، وهو عدم نجاسة البئر بالملاقاة.
الثاني: أن يكون المراد بالإشارة في قوله: «من ذلك الماء» هو ماء الدلو،
ص: 335
والحبل لا يلاقي الماء الموجود في الدلو بعد الانفصال عن البئر، فلذا كان السؤال من جهة احتمال تقاطر الماء من الحبل في الدلو. ولمّا كان احتمال وقوع القطرات من الحبل لا يوجب الحكم بالنجاسة أجاب الإمام (علیه السلام) بنفي البأس عن الوضوء بذلك الماء.
الثالث: أن يكون الدلو كرّاً، وهو بعيد؛ لندرة ذلك، والحديث لا يحمل على الفرد النادر.
وهنا احتمال آخر لم يذكره المصنّف، وهو: أنّ شعر الخنزير طاهر، كما عن السيد المرتضى، فإنّه اختار طهارة ما لا تحلّه الحياة حتى من نجس العين((1)).
هذا، ولكن الاحتمال الثاني بعيد؛ لأنّه فرض الشك في ملاقاة قطرات الماء التي تنزل غالباً من الحبل في الدلو، وهذا غير متعيّن في الحديث؛ إذ يحتمل أن يكون السؤال عن حالة العلم بإصابة تلك القطرات لماء الدلو، ولا معيّن للاحتمال الأول. فنفي البأس حينئذٍ يصيّر هذا الحديث من جملة الأدلّة على عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة، ولا داعي له بعد أن قامت الأدلّة الصريحة والإجماعات على انفعال القليل بالملاقاة.
والاحتمال الرابع أيضاً بعيد؛ بقرينة سؤال الراوي عن جواز الوضوء من الماء الذي لاقى الحبل المذكور، فيفهم منه المفروغيّة عن نجاسة شعرالخنزير. كما أنّ وجود الاحتمالات الأخرى وعدم تصريح الحديث
ص: 336
بطهارته كافٍ في استبعاد هذا الاحتمال.
فالأظهر إرادة الاحتمال الأول.
سند الحديث:
ذكر المصنّف سندين لهذا الحديث:
أولهما: سند الكليني، وقد تقدّمت وثاقة رجاله؛ فإنّ ابن محبوب: هو الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع، وابن رئاب: هو علي بن رئاب صاحب الأصل الكبير، الثقة. والسند صحيح أعلائي.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب»، وهو معتبر كما قدّمنا في الحديث الأول.
ص: 337
[424] 3- وَعَنْهُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) - فِي حَدِيثٍ - قَالَ: قُلْتُ لَهُ: شَعْرُ الْخِنْزِيرِ يُعْمَلُ حَبْلًا وَيُسْتَقَى بِهِ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي يُشْرَبُ مِنْهَا أَوْ يُتَوَضَّأُ مِنْهَا؟ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
[3] - فقه الحديث:
هذا الحديث أوضح دلالة من سابقه، حيث جاء السؤال عن ماء البئر التي يُشرب أو يُتوضأ منها، لا ماء الدلو، مع أنّه تأتي فيه الاحتمالات السابقة. فنفى الإمام (علیه السلام) البأس عن ماء البئر الملاقي للنجس مطلقاً، بلا استفصال منه (علیه السلام) عن كميّة الماء التي تحويها البئر، فيعمّ الحكم الماء القليل والكثير، فيدل على المطلوب، وهو عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة وإن كان قليلاً.
هذا، وإن كان الاحتمال الرابع قويّاً هنا؛ حيث إنّه بقرينة صدر الحديث كان السؤال عمّا لا تحلّه الحياة كالسن والبيضة.سند الحديث:
مرجع الضمير في «عنه» إلى محمّد بن يحيى، وأحمد بن محمّد: هو
ص: 338
أحمد بن محمّد بن عيسى، وابن فضّال: هو الحسن بن علي بن فضّال، وابن بكير: هو عبد الله بن بكير، وكلّهم ثقات.
وأمّا الحسين بن زرارة: فقد عدّه الشيخ في «رجاله» من أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((1))، وروى عن مولانا الباقر صلوات الله عليه، كما في «التهذيب» و«الاستبصار»((2))، وروي بسند صحيح عن الإمام الصادق (علیه السلام) فيه وفي أخيه الحسن - والخطاب لأبيهما زرارة - : «ولقد أدّى إليَّ ابناك الحسن والحسين رسالتك، أحاطهما الله وكلاهما، وحفظهما بصلاح أبيهما، كما حفظ الغلامين»((3))، وهذا يدلّ على حسنهما.
وروى عنه المشايخ الثقات((4))، فيكون ثقة. والسند موثّق.
ص: 339
[425] 4- وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (علیه السلام) فِي الْبِئْرِ يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَنِيفِ خَمْسُ أَذْرُعٍ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، يُتَوَضَّأُ مِنْهَا؟ قَالَ: «لَيْسَ يُكْرَهُ مِنْ قُرْبٍ وَلَا بُعْدٍ، يُتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيُغْتَسَلُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَاءُ»(1).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا نَحْوَهُ(2)2*).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ، عَنِ الْمُفِيدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حَمْزَةَ الْعَلَوِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى مِثْلَهُ(3)3*).
-----------------------------------------------------------------------------
[4] - فقه الحديث:
الكنيف هو المرحاض، والخلاء، قال الفيروز آبادي في «القاموس»: «والكنف ... بالضم: ... جمع الكنيف، كأمير، وهو: السترة ...، والمرحاض»((4))، وقال ابن منظور في «لسان العرب»: «والكنيف: الخلاء»((5))،وفي «تاج العروس»: «الكنيف: الساتر ... ومنه سمّي المِرحاض كنيفاً، وهو
ص: 340
الذي تُقضى فيه حاجة الإنسان، كأنّه كُنِفَ في أستر النواحي»((1))، وفي «جمهرة اللغة»: «وكلّ شيء سترك فقد كنفك، ومنه اشتقاق الكنيف؛ لأنّه يكنُف من دخله، أي: يستره»((2)).
دلّ الحديث على أنّ المدار في تنجّس البئر بالكنيف وعدم جواز الوضوء والغسل من مائه على تغيّر صفات ماء البئر بسبب القرب، وليس المدار في ذلك على قربها منه، فحتى لو عُلمت ملاقاة النجاسة للبئر عن طريق باطن الأرض فإنَّها لا تنجس إلّا إذا عُلم بتغيّر الماء بها. نعم، يستحب تباعدهما بمقدار معيّن من الأذرع، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
سند الحديث:
ذكر المصنّف لهذا الحديث ثلاثة أنحاء:
أولها: مسنداً عن «الكافي»، وفيه: محمد بن أحمد، وهو محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري صاحب «نوادر الحكمة».
وأمّا عبّاد بن سليمان: فذكر النجاشي أنّ له كتاباً((3))، كما ذكر أنّهالراوي لكتاب سعد بن سعد الأشعري القمّي((4)). وفي ترجمة عبد الرحمن
ص: 341
بن أحمد العسكري: أنّه من جملة المتكلمين((1)).
وذكره الشيخ في «رجاله» في باب من لم يرو عنهم ((2))، إلّا أنّه ورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((3))، فيكون ثقة.
وأمّا سعد بن سعد: فهو - كما قال النجاشي - : «سعد بن سعد بن الأحوص بن سعد بن مالك الأشعري القمّي، ثقة ، روى عن الرضا وأبي جعفر (علیهما السلام) ،كتاب المبوب رواية عبّاد بن سليمان... غير المبوب رواية محمد بن خالد البرقي»((4))، وعدّه الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام) ، ووثقه((5)).
وورد في أسناد كتاب «نوادر الحكمة»((6))، وفي القسم الثاني من «تفسير القمّي»((7)).
وأمّا محمّد بن القاسم: فقد تقدّم في الحديث السابع من الباب السابع منهذه الأبواب أنّه مشترك بين جماعة، ويمكن انطباقه هنا على محمّد بن القاسم بن الفضيل؛ لمناسبة الطبقة، فإنه من أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام) ، كما ذكر أنّه من أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) ، وروى عنه سعد بن سعد في عدّة
ص: 342
موارد. وأمّا بقيّة المسمّين بهذا الاسم فطبقة المعروفين منهم متأخرة، فلا يمكن إرادتهم هنا. فهذا السند معتبر.
الثاني: مرسلاً عن «الفقيه»، وقد مرّ مراراً أنَّها معتبرة.
الثالث: مسنداً عن «التهذيب»، وفيه: الحسن بن حمزة العلوي: قال عنه النجاشي: «الحسن بن حمزة بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أبو محمد، الطبري، يعرف بالمرعش. كان من أجلّاء هذه الطائفة وفقهائها، قدم بغداد ولقيه شيوخنا في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، ومات في سنة ثماني وخمسين وثلاثمائة. له كتب»((1)).
وقال الشيخ في «الفهرست»: «الحسن بن حمزة العلوي الطبري، يكنّى أبا محمد، كان فاضلاً أديباً، عارفاً فقيهاً، زاهداً ورعاً، كثير المحاسن. له كتب وتصانيف كثيرة»((2)).
وقال في «رجاله» في من لم يرو عنهم (علیهم السلام) : «الحسن بن محمد بن حمزةبن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیهم السلام) ، المرعشي الطبري، يكنّى أبا محمد، زاهد عالم أديب فاضل، روى عنه التلعكبري، وكان سماعه منه أولاً سنة ثمان
ص: 343
وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة بجميع كتبه ورواياته»((1)).
ووصفه المفيد في «رسالة في المهر» وفي «الأمالي» بالشريف الزاهد((2))، كما وصفه بالشريف الصالح في الأمالي((3)).
وترضّى عنه الشيخان الصدوق والطوسي((4)). فهذا السند معتبر أيضاً.
ص: 344
[426] 5- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : بِئْرٌ يُسْتَقَى مِنْهَا وَيُتَوَضَّأُ بِهِ وَغُسِلَ مِنْهُ الثِّيَابُ وَعُجِنَ(1) بِهِ، ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مَيِّتٌ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ، وَلَا يُغْسَلُ مِنْهُ الثَّوْبُ، وَلَا تُعَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ»(2).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(3).
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، مِثْلَهُ(4).
-----------------------------------------------------------------------------
[5] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على عدم نجاسة ماء البئر بملاقاته للميّت، فلا يغسل الثوب الذي غسل منه، ولا تعاد الصلاة التي تُطهّر لها به، ولا يحرم أكل ما خالطه ذلك الماء،كما إذا عُجن به؛ وما ذلك إلّا لطهارته، فإنّ المرتكز في الأذهان وجوب غسل الثوب والبدن؛ لتطهيرهما من الماء الذي فيه نجاسة، وعدمجواز أكل أو شرب الماء النجس، أضف إلى ذلك وجوب إعادة الوضوء
ص: 345
لو كان الماء نجساً حتّى على الجاهل.
ولا يختلف الحكم فيما إذا كان المراد بالميّت في هذا الحديث ميّت الإنسان كما هو الظاهر منه في الإطلاقات، أو مطلق الميّت في مقابل الحي، فإنّهما مشتركان في كونهما نجسين، وبهذا يتعدّى لكل نجاسة، بلا خصوصيّة لنجاسة بعينها.
ولا إطلاق للحديث بالإضافة إلى صورة تغيّر ماء البئر بالنجس؛ لأنّ مفروض السؤال هو صورة عدم تغيّره بالنجاسة؛ حيث قال السائل: «ثم علم أنّه كان فيها ميّت»؛ إذ لو كان الماء متغيّراً بالميّت لالتفت المستقي عادة إلى وجوده فيه حال الاستقاء أو حال استعمال الماء.
سند الحديث:
ذكر المصنّف لهذا الحديث ثلاثة طرق:
الأول: مسنداً عن «التهذيب» و«الاستبصار»، بإسناده عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر.
وإسناد الشيخ إلى أحمد بن محمّد البزنطي مختلف باختلاف كتب البزنطي:
فإسناده إلى كتابه «الجامع»:
1- أخبرنا به عدّة من أصحابنا، منهم: الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمدبن النعمان المفيد والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون وغيرهم، عن أحمد بن محمد بن سليمان الزراري، قال: حدّثنا به خال أبي: محمد بن
ص: 346
جعفر، وعمّ أبي: علي بن سليمان، قالا: حدّثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن محمد.
2- وأخبرنا به أبو الحسين بن أبي جيّد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن عبد الحميد العطّار جميعاً، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر.
وإسناده إلى كتابه «النوادر»: أخبرنا به أحمد بن محمد بن موسى، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدّثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر((1)).
والطرق معتبرة.
لكن النجاشي ذكر أنّ له كتاباً آخر في النوادر، وطريقه إليه: «أخبرنا به الحسين بن عبيد الله، قال: حدّثنا جعفر بن محمد أبو القاسم، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسن بن سهل، قال: حدّثنا أبي محمد بن الحسن، عن أبيه الحسن بن سهل، عن موسى بن الحسن، عن أحمد بن هلال، عن أحمد بن محمد به»((2)).
هذا، ولكنّ الظاهر أنّ بناء الشيخ على أنّه من ابتدأ باسمه فإنّه ينقل عنكتابه، وهذا يعني أنّه يروي عن كتابه المعروف عنده، فلا يشتمل على نوادره الآخر.
وأمّا عبد الكريم بن عمرو: فهو عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي
ص: 347
[427] 6- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الرِّضَا (علیه السلام) ، قَالَ: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ شَيْ ءٌ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ، فَيُنْزَحُ حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ وَيَطِيبَ طَعْمُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَادَّةً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الملقّب بكرّام. وقد تقدّم أنّه ثقة. والسند موثّق.
الثاني: مرسلاً عن «الفقيه»، وقد مرّ أنَّها معتبرة.
الثالث: مسنداً عن «الكافي». وعلي بن محمّد: هو علي بن محمّد بن إبراهيم الكليني المعروف بعلّان، وهو خال الشيخ الكليني وشيخه، وهو من جملة العدّة التي تروي عن سهل بن زياد، وقد تقدّمت وثاقته.
وأمّا سهل بن زياد: فلم تثبت وثاقته؛ ولذا فإنّ السند ضعيف به، وقد يصحّح الحديث على بعض المباني المتقدّمة في أول الكتاب. هذا، مضافاً إلى أنّ للشيخ الكليني(قدس سره) طريقاً آخر صحيحاً إلى روايات أحمد بن محمّد بن أبي نصر، فالطريق غير منحصر بسهل.
[6] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ ماء البئر واسع الحكم، وسعة حكمه هي اعتصامه وعدم انفعاله بشي ء مما يلاقيه من النجاسات. وهذا الحكم لماء البئر
ص: 348
الملاقي للنجس ثابت إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه أو لونه، فإن تغيّر أحدها نجس.
وقد فرّع الإمام (علیه السلام) على الاستثناء بفاء التفريع فقال: «فينزح»؛ لبيان علاج الفساد الحاصل في الماء بالتغيّر. وقوله: «حتى يذهب الريح ويطيب طعمه» غاية للنزح الرافع للفساد، ولبيان مقداره الذي يحصل به العلاج، وهو النزح بمقدار يذهب به التغيّر الحادث فيه من الملاقاة.
وقوله (علیه السلام) : «لأنّ له مادّة» فيه احتمالان:
أحدهما: أن يكون علّة لقوله (علیه السلام) : «واسع»، فيدلّ على أنّ اعتصام ماء البئر وعدم انفعاله بالنجاسة مستند إلى كونه مما له مادّة تمدّه، بل معناه عدم انفعال كلّ ذي مادّة بما عدا التغيّر.
الثاني: أن يكون علّة لترتّب الطهارة على الماء بسبب ذهاب تغيّره بالنزح وطيب طعمه، فيطهر؛ لأنّ له مادّة، فيدلّ الحديث - على هذا الاحتمال - على أنّ ماء البئر يرفع النجاسة الطارئة عليه بسبب اتصاله بالمادّة إذا زال تغيّره، وإذا رفع النجاسة الطارئة عليه فإنّه يدفعها بطريق أولى، باعتبار أنّ الدفع أهون من الرفع.
فالحاصل: أنّ هذا الحديث حصر موجب النجاسة في البئر بالتغيّر فقط، فملاقاة مائه للنجاسة لا توجب انفعاله بها، كما دلّ أيضاً على أنّ وجود المادّة في البئر ترفع نجاستها بعد زوال تغيّرها بما يتجدّد من المادة، كما أنّ مقتضى إطلاقه عدم الفرق في ذلك كلّه بين كثرة الماء في البئر وقلته.
ص: 349
[428] 7- وَعَنِ الْمُفِيدِ، عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى رَجُلٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَسْأَلَ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) ، فَقَالَ: «مَاءُ الْبِئْرِ وَاسِعٌ لَا يُفْسِدُهُ شَيْ ءٌ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ، فَيُنْزَحُ مِنْهُ حَتَّى يَذْهَبَ الرِّيحُ وَيَطِيبَ طَعْمُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَادَّةً»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
فيه: أحمد بن محمّد: وهو ابن عيسى. ومحمد بن إسماعيل: وهو ابن بزيع، وقد تقدّم في الحديث الأول من هذا الباب، وفي الحديث الثاني عشر من الباب الثالث من هذه الأبواب أنّ الحديث معتبر.
[7] - فقه الحديث:
تقدّم وجه الاستدلال بهذا الحديث على طهارة ماء البئر الذي خالطتهنجاسة ما لم يتغيّر، وأنّ ما تغيّر بها فإنّه ينزح حتى يذهب الريح ويطيب الطعم. ولعلّه هو الحديث السابق، وإن كان الفرق بينهما في أنّ هذا مكاتبة دون السابق، وأنّ في السابق «فينزح حتى...»، وأمّا هنا فقال: «فينزح منه»، والمراد واحد. ولعلّ هذا الاختلاف جاء من النقل بالمعنى، وهو غير ضائر.
ص: 350
[429] 8- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحُسَيْنِ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي الْخَطَّابِ - عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ بِئْرِ مَاءٍ وَقَعَ فِيهَا زَبِيلٌ(1) مِنْ عَذِرَةٍ رَطْبَةٍ أَوْ يَابِسَةٍ، أَوْ زَبِيلٌ مِنْ سِرْقِينٍ، أَيَصْلُحُ الْوُضُوءُ مِنْهَا؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ»(2).
وَرَوَاهُ الْحِمْيَرِيُّ فِي «قُرْبِ الْإِسْنَادِ»، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَلَوِيِّ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (علیه السلام) ، مِثْلَهُ(3).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
تقدّمت رجاله، والسند ظاهره الإرسال، وَإن كان من المحتمل أنّ محمد بن إسماعيل رأى خط الإمام (علیه السلام) .
[8] - فقه الحديث:
قال في «لسان العرب»: «العَذِرة: الغائط الذي هو السَّلْح . وفي حديث ابنعمر: أنّه كره السُّلْت الذي يزرع بالعذرة، يريد الغائط الذي يلقيه
ص: 351
الإنسان»((1)).
والسَّلْح هو الخُرْء.
والعَذِرة لا تطلق على مدفوع ما يؤكل لحمه، وإنَّما يطلق عليه السرقين الذي هو معرب سرگين. فالعذرة تكاد تكون نصّاً في عذرة الإنسان، خصوصاً بعد عطف السرقين عليها، وظهور كون السؤال عن ملاقاة العذرة لماء البئر، فحمل العذرة على عذرة غير الإنسان بعيد جدّاً.
فالحديث ظاهر في السؤال عن وقوع عذرة في البئر بمقدار زنبيل، وأنّه يقتضي انفعال مائها أو لا يقتضيه؟ وأجابه (علیه السلام) بقوله: «لا بأس»، أي: لا بأس بالوضوء من الماء الذي لاقته عذرة بقدر الزنبيل. فدلالة الحديث على عدم انفعال البئر بملاقاة العذرة واضحة؛ لعدم جواز الوضوء من الماء المتنجّس بالضرورة.
وقد نوقش في دلالة الحديث على عدم الانفعال: بأنّ ما لاقى الماء قطعاً هو الزنبيل، ولم يعلم أنّ العذرة - أيضاً - لاقت الماء، فلا يدل الحديث على اعتصام ماء البئر.
وفيه: أولاً: أنّ مفروض السؤال هو ملاقاة العذرة للماء، ولو كان السؤال عن أنّ الملاقي له هو الزنبيل الذي فيه عذرة، لكان الأنسب أن يكون السؤال عن زنبيل فيه عذرة، لا عن زنبيل من العذرة كما في هذا الحديث.
وثانياً: لو سلّمنا أنّ السؤال كان عن زنبيل فيه عذرة، إلّا أنّ عدم ملاقاة العذرة للماء بعد فرض ملاقاة الزنبيل له ملحق بالمستحيلات، فإنّ ما يصنع
ص: 352
منه الزنبيل لا يمنع عن سراية الماء إلى داخله.
وثالثاً: بعد الإغماض عن كل ما تقدّم فإنّ شأن علي بن جعفر - الذي هو أحد الأركان في الدين، ولم يوجد مثله من الهاشميين - أجلّ من أن يسأل عن ملاقاة الزنبيل لماء البئر مع وضوح أنّ الزنبيل ليس من الأعيان النجسة.
ولا يتوهّم أنّ المراد بالعذرة عذرة ما يؤكل لحمه دون عذرة الإنسان أو غيره مما لا يؤكل لحمه؛ لأنّ العذرة مرادفة للخرء، ويختصّ استعمالها بمدفوع الإنسان أو ما يشابهه في النجاسة من مدفوع سائر الحيوانات، ولا يطلق على مدفوع ما يؤكل لحمه، بل يطلق عليه السرقين كما تقدّم.
أضف إلى ذلك: أنّ السؤال عن حكم زنبيل من سرقين بعد السؤال عن الزنبيل من العذرة ينافي أن يكون المراد من العذرة في الأول عذرة ما يؤكل لحمه، وإلّا لم يكن وجه لسؤاله عنه ثانياً؛ إذ الفرض أنّه سأل عنه أولاً.
ولا يتوهّم - أيضاً - أنّ المراد نفي البأس عن الوضوء بعد أن يتمّ النزح المقدّر؛ لأنّ هذا هو مقتضى الجمع العرفي بين المطلق والمقيَّد؛ فإنّ هذا الحديث قد دلّ على نفي البأس عن التوضؤ بماء البئر بعد ملاقاة النجس مطلقاً، وقد دلّت أحاديث أُخرى على لزوم النزح بملاقاة النجس، فهذهالأحاديث تقيّد هذا الحديث المطلق، وتكون النتيجة: أنّه يجوز التوضؤ بماء البئر الذي لاقى النجاسة بعد أن ينزح منه المقدار المعيّن؛ لأنّ الأحاديث الآمرة بالنزح ليس فيها دلالة على النجاسة حتى يتأتّى هذا الاحتمال.
ص: 353
[430] 9- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّلْتِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَيَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنْهَا وَيُصَلِّي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَيُعِيدُ الصَّلَاةَ وَيَغْسِلُ ثَوْبَهُ؟ فَقَالَ: «لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ، وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
ذكر المصنف لهذا الحديث سندين:
أولهما: سند الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار»، وقد تقدّمت رجاله، والسند صحيح.
الثاني: سند «قرب الإسناد»، وقد تقدّم في الحديث السادس من الباب الرابع من مقدّمات العبادات((2))،
والسند معتبر.
[9] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على عدم انفعال ماء البئر بوقوع الفأرة فيه. وفرض السؤال هو التوضؤ وغَسل الثوب بعد وقوع الفأرة فيه؛ بقرينة التفريع في قوله «فيتوضأ الرجل منها».
ص: 354
[431] 10- وَعَنِ الْمُفِيدِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَمَّادٍ - يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «لَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ مِمَّا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ، إِلَّا أَنْ يُنْتِنَ، فَإِنْ أَنْتَنَ غسلَ الثَّوْب، وَأَعَادَ الصَّلَاةَ(1)، وَنُزِحَتِ الْبِئْرُ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وقد يقال: إنّ الحكم بعدم إعادة الصلاة وعدم لزوم غَسل الثوب إنَّما هو لعدم نجاسة عين الفأرة، فإنّه لم يصرّح في الحديث بموتها.
إلّا أنّ هذا الاحتمال مدفوع بأنّ عدم الاستفصال من الإمام (علیه السلام) يفيد الشمول لموت الفأرة، إن لم يكن الظاهر من وقوع الفأرة في البئر هو موتها فيها، كما يقال: وقع فلان في البئر، أي: مات فيها؛ حيث لا يتوهّم انفعال ماءالبئر بالفأرة التي لم تمت فيها.
سند الحديث:
تقدّم إسناد الشيخ إلى سعد بن عبد الله في الحديث الخامس من الباب الأول من هذه الأبواب.
ص: 355
وأحمد بن محمّد: هو ابن عيسى على الظاهر. وأبو طالب عبد الله بن الصلت: تقدّمت ترجمته، وكذا عبد الله ومعاوية. والسند صحيح.
[10] - فقه الحديث:
الحديث دالّ - كسوابقه - على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة؛ لتصريحه بعدم وجوب غسل الثوب الذي أصابه من مائها، وعدم إعادة الصلاة الواقعة في ذلك الثوب إلّا في صورة التغيّر بالنجاسة.
قال السيد الأُستاذ(قدس سره) : «ولا يبعد أن يكون استثناء التغيّر بالنتن دون سائر الأوصاف قرينة على أنّ المفروض وقوعه في البئر خصوص الميتة النجسة من إنسان أو شاة أو فأرة ونحو ذلك، مما يغلب وقوعها في البئر؛ لسرعة تغيّر الماء بريح النجس حينئذ دون وصفيه الآخرين. وأمّا احتمال شمول إطلاق ما وقع في البئر للشي ء الطاهر فهو ضعيف؛ وذلك بملاحظة استثناء صورة التغيّر، فإنّ التغير بالطاهر لا يوجب نجاسة الماء قطعاً»((1)).وعليه: فلا يلتفت إلى ما قيل من أنّ الماء قد ينتن بالطاهر كاللّحم المذكّى، كما ينتن بالنجس والمتنجس، فلا يكون السؤال عن خصوص الميتة النجسة.
سند الحديث:
أحمد بن محمّد: هو أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، من مشايخ
ص: 356
المفيد، وقد تقدّم أنّه لم يوثّق، وذكرنا أنّ للشيخ الطوسي طريقين معتبرين إلى جميع روايات أبيه، كما للصدوق أيضاً طريق صحيح((1))، وأبوه: هو محمّد بن الحسن بن الوليد الثقة الجليل.
وأحمد بن محمّد - الذي يروي عنه الصفار هنا - : هو أحمد بن محمّد بن عيسى، كما يشهد به التتبع.
وبقيّة أفراد السند تقدّم أنَّهم ثقات، والسند صحيح.
ص: 357
[432] 11- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي: ابْنَ عِيسَى - عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ لَا يُعْلَمُ بِهَا إِلَّا بَعْدَ مَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا، أَيُعَادُ الْوُضُوءُ؟(1) فَقَالَ: «لَا»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[11] - فقه الحديث:
الظاهر أنّ فرض سؤال الراوي هو موت الفأرة في البئر، لأنه من المستبعد أن يسأل عن حكم الفأرة التي تخرج من البئر حيّة؛ لعدم كونها من الأعيان النجسة. فالحكم بعدم إعادة الوضوء لا وجه له، إلّا إذا كان ماؤها طاهراً بحسب الواقع. وعلى تقدير عدم ظهور الحديث في كون المفروض موت الفأرة، فلا أقل من الإطلاق الكافي في المقام.
لا يقال: إنّ المرتكز في ذهن الراوي هو بطلان الوضوء في صورة العلم بوجود النجاسة وسؤاله عن صورة الجهل بها، فيكون حكم الإمام (علیه السلام) بعدم إعادة الوضوء حكماً ثانويّاً تعبديّاً، فلا يدلّ حكمه بعدم لزوم الإعادة على عدم تنجّس ماء البئر.
لأنّا نقول: إنّه على فرض كون طهارة الماء للوضوء من الشرائط الواقعيّةلا العلميّة، فحكمه (علیه السلام) بعدم لزوم الإعادة يكشف عن أنّ وضوءه كان
ص: 358
[433] 12- وَبِالْإِسْنَادِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ عُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: «إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ الطَّيْرُ وَالدَّجَاجَةُ وَالْفَأْرَةُ فَانْزَحْ مِنْهَا سَبْعَ دِلَاءٍ»، قُلْنَا: فَمَا تَقُولُ فِي صَلَاتِنَا وَوُضُوئِنَا وَمَا أَصَابَ ثِيَابَنَا؟ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِهِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
صحيحاً بحسب الواقع.
سند الحديث:
تقدّم الكلام في رجاله، والسند صحيح.
[12] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ وقوع المذكورات في البئر لا يوجب انفعال مائها؛ لما تضمّنه من الحكم بنفي البأس عن الصلاة والوضوء وما أصاب الثياب، وهذا الحكم كالصريح في أنّ البئر لا تنجس بالملاقاة، كما أنّه ظاهر في نزح السبع دلاء للفأرة، سواء تفسّخت أم لا، وهذا مطلق قابل للتقييد.
سند الحديث:
مراده بالإسناد عن أبان بن عثمان، هو: الشيخ المفيد، عن أبي القاسمجعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان.
ص: 359
[434] 13- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ أَبِي عُيَيْنَةَ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ؟ قَالَ: «إِذَا خَرَجَتْ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ تَفَسَّخَتْ فَسَبْعَ دِلَاءٍ».
قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهَا، أَيُعِيدُ وُضُوءَهُ وَصَلَاتَهُ وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، قَدِ اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الدَّارِ وَرَشُّوا».
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «قَدِ اسْتَقَى مِنْهَا أَهْلُ الدَّارِ وَرَشُّوا»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وأبو أُسامة: هو زيد الشحّام الثقة، وهو صاحب كتاب مشهور.
وأمّا أبو يوسف يعقوب بن عثيم: فلم يرد فيه شيء، لكن روى عنه المشايخ الثقات((2))،
فيكون ثقة، ومع ذلك فوجوده في السند غير مضر بعد عطفه على أبي أسامة زيد الشحّام.
والسند صحيح كسابقه.
[13] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على أنّ الفأرة لا تؤثّر مع الحياة في البئر شيئاً، ومع الموت
ص: 360
إن تفسّخت لزم نزح سبع دلاء منها.
والحكم بنفي لزوم إعادة الصلاة والوضوء وما أصابه كالصريح في أنّ البئر لا تنجس بالملاقاة.
وأيضاً هذا الحديث أظهر في كون نظر السائل لصورة موت الفأرة؛ لأنّه (علیه السلام) قد بيّن أولاً: أنّه إذا خرجت حيّة فلا بأس. ففرض عدم العلم بالفأرة إلّا بعد الوضوء إنَّما يفيد إذا فرضها ميّتة، فإنّه من الواضح بمكان أنّه لا فرق بين العلم قبل الوضوء أو بعده في عدم البأس.
وفي المراد بقوله (علیه السلام) : «قد استعمل أهل الدار ورشّوا» احتمالان:
أحدهما: أنّه لو أعاد السائل الوضوء والصلاة لأجل أن يرفع ما في نفسه من الريبة من استعمال ذلك الماء لكبر فعله على أهل الدار؛ لأنَّهم أصابهم ما أصابه منه، وللزم الحرج والمشقة عليهم في رفع ما يريبهم.
الثاني: أنّ الغرض من النزح هو رفع استكراه الخبث، وهو قد حصل باستعمال أهل الدار للماء المذكور، فإنّهم استقوا من ماء البئر ورشوا قبل الوضوء المقدار اللازم في نزحها، فلا حاجة إلى نزح آخر، وما ورد في الرواية الأخرى من قوله (علیه السلام) : «قد استقى منها أهل الدار» يقوّي هذا الاحتمال؛ لأنّ في الاستقاء منها نقصان من الماء، وهو يرفع استكراه الخبث.
سند الحديث:
فيه: محمّد بن الحسين: وهو محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، وقد تقدّمت وثاقته.
ص: 361
[435] 14- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَدِيدٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَصِرْنَا إِلَى بِئْرٍ، فَاسْتَقَى غُلَامُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) دَلْواً فَخَرَجَ فِيهِ فَأْرَتَانِ(1)، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : «أَرِقْهُ»، فَاسْتَقَى آخَرَ، فَخَرَجَ فِيهِ فَأْرَةٌ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) : «أَرِقْهُ»، قَالَ: فَاسْتَقَى الثَّالِثَ فَلَمْ يَخْرُجْ فِيهِ شَيْ ءٌ، فَقَالَ: «صُبَّهُ فِي الْإِنَاءِ»، فَصَبَّهُ فِي الْإِنَاءِ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وفيه: أبو عيينة: ذكره النجاشي من دون ترجمة((3))،
وعدّه الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) ((4))، إلّا أنّه روى عنه المشايخ الثقات((5))،
فيكون ثقة، والسند معتبر.
[14] - فقه الحديث:
الحديث دالّ على عدم انفعال ماء البئر بالنجاسة؛ فإنّ الوضوء منه والشرب يدلّ على جواز استعماله. ولو كان نجساً لم يجز ذلك. هذا بناء على ثبوت الزيادة التي ذكرها المحقّق في «المعتبر».
ص: 362
وَرَوَاهُ الْمُحَقِّقُ فِي «الْمُعْتَبَرِ» نَحْوَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ «فَصَبَّهُ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَشَرِبَ»(1)1*).
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ مَا نَقَصَ عَنِ الْكُرِّ حَدِيثٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
وبهذا يتّضح عدم الحاجة للتأويلات التي ذكرها شيخ الطائفة في ذيل هذا الحديث؛ فإنّ أكثرها مبني على استفادة أنّ الماء نجس. والوجوه التي ذكرها هي: أنّه «يحتمل مع تسليمه أن يكون المراد بالبئر: المصنع الذي فيه من الماء ما يزيد مقداره على الكرّ، فلا يجب نزح شي ء منه، وذلك هو المعتاد في طريق مكة، مع أنّه ليس في الخبر أنّه توضّأ بذلك الماء، بل قال لغلامه: صبّه في الإناء، وليس في ذلك دليل على جواز استعمال ما هذا حكمه في الوضوء. ويجوز أن يكون إنَّما أمره بالصبّ في الإناء لاحتياجهمإليه لسقي الدواب والإبل، أو للشرب عند الضرورة الداعية إليه، وذلك سايغ. ويحتمل أيضاً أن تكون الفأرتان خرجتا حيّتين. وإذا كان كذلك جاز استعمال ما بقي من الماء؛ لأنّ ذلك لا ينجس الماء»((3)).
فعلى نقل الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار» الخالي عن هذه الزيادة في دلالة الحديث تأمّل.
ص: 363
[436] 15- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا زَبِيلُ عَذِرَةٍ يَابِسَةٍ أَوْ رَطْبَةٍ؟ فَقَالَ: «لَا بَأْسَ إِذَا كَانَ فِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
تقدّم الكلام في أفراد السند، والسند ضعيف بالإرسال.
[15] - فقه الحديث:
دلالة الحديث على عدم انفعال البئر بملاقاة العذرة واضحة، إلّا أنّ الكلام في القيد المذكور في جواب الإمام (علیه السلام) ، وهو قوله: «إذا كان فيها ماء كثير»، ومفهومه: أنّه إذا لم يكن فيها ماء كثير ففيه البأس. فإذا تمَّمدلوله كان مقيِّداً لإطلاقات الأحاديث المتقدّمة. وعليه: يفصّل بين ما إذا كان ماء البئر كثيراً فيعتصم، وما إذا كان قليلاً فيحكم بانفعاله. وهو ما اختاره الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد البصروي.
والجواب عنه: أنَّ لفظة الكثير باقية على معناها اللغوي، وهو المقابل للقليل؛ إذ لم تثبت لها حقيقة شرعيّة بمعنى الكرّ، ولا متشرعيّة. ولعلّ السر في تقييد الإمام (علیه السلام) الماء بالكثرة هو: أنّ النجاسة المفروضة في السؤال
ص: 364
كثيرة المقدار، فلو كان ماء البئر بقدر كرّ أو أقل منه لتغيّر بوقوع زبيل العذرة فيه، فيكون الحديث مفصّلاً بين صورة تغيّر ماء البئر بالنجاسة فينجس، وصورة عدم ذلك، فلا ينجس، لا أنّه يفصل بين الكرّ أو الأكثر والقليل .
ويمكن أن يستدل له أيضاً بحديث الثوري المتقدّم، وهو: عن أبي عبد اللَّه (علیه السلام) ، قال: «إذا كان الماء في الرّكيّ كرّاً لم ينجّسه شي ء»، قلت: وكم الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار ونصف عمقها في ثلاثة أشبار ونصف عرضها»((1)).
وقد سبق منّا نقل كلام الشيخ في ذيل هذا الحديث، حيث قال: «والوجه في هذا الخبر أن نحمله على ضرب من التقيّة؛ لأنّه موافق لمذهب بعضالعامّة خاصة»((2)) وقلنا: إنّ هذا مذهب الشافعي في كتابه الأم((3)).
ص: 365
[437] 16- وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ يَعْقُوبَ ابْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي زِيَادٍ النَّهْدِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنْ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ يُجْعَلُ دَلْواً يُسْتَقَى بِهِ الْمَاءُ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ»(1).
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا(2).
قَالَ الشَّيْخُ: الْوَجْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَقَى بِهِ، لَكِنْ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي سَقْيِ الدَّوَابِّ وَالْأَشْجَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
أحمد بن الحسن: هو أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال، الفطحي الثقة.
وعمرو بن سعيد: هو عمرو بن سعيد الساباطي المدائني.
وعمار: هو عمار بن موسى الساباطي، تقدّم توثيقه مع بقيّة أفراد السند، فهذا السند موثّق.
[16] - فقه الحديث:
في هذا الحديث - بعد أن كان الموضوع هو البئر لا مطلق الماء بقرينةجعل جلد الخنزير دلواً فإنّه يستعمل في الاستقاء منها - ثلاثة احتمالات:
ص: 366
أحدها: أنّ السؤال ناظر إلى الاستقاء بالدلو المتخذ من جلد الخنزير، وجواب الإمام (علیه السلام) بنفي البأس في الاستقاء به، إلّا أنّه لا يجوز استعمال ذلك الماء في الوضوء ولا الشرب، بل يستعمل في غير ذلك من سقي الدواب والبهائم وما أشبه ذلك. ولو انفعل البئر لكان ينبغي التنبيه على ذلك لئلّا يستعمل بعد ذلك قبل النزح.
الثاني: أنّ نفي البأس إنما هو بالنسبة إلى البئر، وأنَّها لا تنجس بذلك.
الثالث: أنّ السؤال كان عن جعل جلد الخنزير دلواً يستقى به، أي: عن نفس استعماله، باعتباره أحد أفراد الميتة ونجس العين. واحتمال حرمة الاستعمال احتمال معقول في عرف المتشرعة، كما يكشف عنه ذهاب المشهور من العلماء إلى الحرمة. وعلى هذا: لا يكون الحديث ناظراً إلى حيثيّة طريقيّة الاستقاء للانفعال وعدمه، فيكون أجنبيّاً عن المقام.
سند الحديث:
رواه المصنّف بنحوين:
الأول: مسنداً عن «التهذيب»، وفيه: أبو زياد النهدي: وهو مجهول الحال والاسم، إلّا أنّه روى عنه المشايخ الثقات((1))،
فيكون ثقة. والسندمعتبر.
واحتمال أن يراد به الهيثم بن أبي مسروق النهدي بعيد؛ لأنّ كنيته أبو
ص: 367
[438] 17- وَعَنْهُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) عَنِ الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا الْفَأْرَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الدَّوَابِّ فَتَمُوتُ فَيُعْجَنُ مِنْ مَائِهَا، أَيُؤْكَلُ ذَلِكَ الْخُبْزُ؟ قَالَ: «إِذَا أَصَابَتْهُ النَّارُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
محمد، لا أبو زياد.
وقال المجلسي الأول في «روضة المتقين»: «وروى ابن عمير عن أبي زياد النهدي، والظاهر زيادة (عن) و(أبي) من النساخ. وكان هكذا (محمد بن أبي عمير زياد النهدي)؛ فإنّ اسم أبيه زياد»((2))، فلو ثبت انتفى الإشكال.
الثاني: مرسلاً عن «الفقيه»، وقد سبق الكلام في اعتبار مراسيله.
[17] - فقه الحديث:
دلّ الحديث على طهارة ماء البئر؛ لجواز أكل الخبز، ولو كان نجساً لما جاز أكله. وهذا الحديث مقيّد بإصابة النار للمتنجّس، وقد يتوهّم منه أنّالنار مطهرة للمتنجّس، ويحمل البأس على التنزّه لا على النجاسة، فلا يكون الحديث دالّاً على مطهريّة النار للمتنجسات، بل يدلّ على ارتفاع الحزازة التنزيهيّة بها.
ص: 368
سند الحديث:
المراد بالضمير في «عنه» هو محمّد بن علي بن محبوب.
وفي السند: موسى بن عمر: وهو مشترك بين أشخاص:
أحدهم: موسى بن عمر البغدادي: وهو ليس بمعروف.
الثاني: موسى بن عمر بن بزيع: قال النجاشي: «موسى بن عمر بن بزيع مولى المنصور، ثقة، كوفي، له كتاب، أخبرنا محمد بن محمد، قال: حدثنا أبو غالب أحمد بن محمد الزراري، قال: حدّثنا محمد بن جعفر الرزاز، قال: حدّثنا يحيى بن زكريا، قال: حدّثنا موسى بن عمر بن بزيع بكتابه»((1)).
وقال الشيخ في «رجاله»: «موسى بن عمر بن بزيع، ثقة»((2)).
وفي «الفهرست»: «موسى بن عمر، له كتاب النوادر، أخبرنا به جماعة عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن سعد والحميري،عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عبد الرحمن بن حماد، عنه»((3)).
فالراوي لكتابه يحيى بن زكريا وعبد الرحمن بن حماد.
الثالث: موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل: قال النجاشي: «موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، مولى بني نهد، أبو علي، وله ابن اسمه علي، وبه كان يكتنى. له كتاب طرائف النوادر وكتاب النوادر، أخبرنا
ص: 369
الحسين بن عبيد الله، قال: حدّثنا أحمد بن محمد، عن سعد، عن موسى بكتبه»((1)).
وقال الشيخ في «الفهرست»: «موسى بن عمر بن يزيد الصيقل، له كتاب، أخبرنا به الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عنه»((2)).
فالراوي عنه محمد بن علي بن محبوب. والظاهر أنّه المراد هنا.
ويحتمل اتحاده مع موسى بن عمر الحضيني الذي عدّه الشيخ في «رجاله» من أصحاب الإمام الهادي (علیه السلام) ((3))، ولم يرد في حقه توثيق، إلّا أنّهورد في أسناد «نوادر الحكمة»((4))، فيكون ثقة.
وفيه: أحمد بن الحسن الميثمي: قال النجاشي: «أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار، مولى بني أسد، قال أبو عمرو الكشّي: كان واقفاً، وذكر هذا عن حمدويه، عن الحسن بن موسى الخشاب، قال: أحمد بن الحسن واقف. وقد روى عن الرضا (علیه السلام) ، وهو على كل حال ثقة صحيح الحديث معتمد عليه، له كتاب نوادر»((5)).
ص: 370
وقال الشيخ في «الفهرست»: «أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم بن عبد الله التمّار، أبو عبد الله، مولى بني أسد، كوفي صحيح الحديث سليم. روى عن الرضا (علیه السلام) ، وله كتاب النوادر»((1))، وعدّه في «رجاله» من أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) ، ونصّ على وقفه((2)).
وفيه: أحمد بن محمد بن عبد الله بن الزبير: وهو مجهول، ولم يرد له في الكتب الأربعة غير هذا الحديث.
وفيه: جدّ أحمد المذكور، وهو عبد الله بن الزبير الأسدي: قال النجاشي: «عبد الله بن الزبير الأسدي، روى نوادر كتاباً عن أبي عبدالله (علیه السلام) »((3)). قتل مع زيد بن علي بن الحسين (علیهما السلام) ((4)). لم يرد فيه شيء. فالسند ضعيف.
ص: 371
[439] 18- وَعَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَمَّنْ رَوَاهُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) فِي عَجِينٍ عُجِنَ وَخُبِزَ ثُمَّ عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ كَانَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ؟ قَالَ: «لَا بَأْسَ، أَكَلَتِ النَّارُ مَا فِيهِ»(1).
أَقُولُ: الْمُرَادُ بِالْمَاءِ هُنَا إِمَّا مَا بَلَغَ كُرّاً، أَوْ مَاءُ الْبِئْرِ بِقَرِينَةِ مَا سَبَقَ وَغَيْرِهِ. وَالتَّعْلِيلُ غَيْرُ جَارٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ إِصَابَةِ النَّارِ لِزَوَالِ كَرَاهِيَةِ سُؤْرِ الْفَأْرَةِ.
وَرَوَاهُ الصَّدُوقُ مُرْسَلًا. وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ فِي مَاءِ الْبِئْرِ(2).
-----------------------------------------------------------------------------
[18] - فقه الحديث:
لم يصرّح في هذا الحديث بأنّ الماء هو ماء البئر، لكن يمكن القول بأنّه المراد بقرينة ما سبق من الأحاديث، والتصريح في «الفقيه» بأنّه في ماء البئر. كما يحتمل أن يراد به ما بلغ كرّاً، فإنّه لا ينجس كما مرّ. وهو معلّل بإصابة النار للمتنجّس، ولعلّه كناية عن زوال سؤر الميتة، فإصابة النار للمتنجّس تُذهب بالاستقذار لما ساورته الميتة.
سند الحديث:
ذكره المصنف بنحوين:
ص: 372
[440] 19- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُثَيْمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السلام) عَنْ سَام أَبْرَصَ وَجَدْنَاهُ فِي الْبِئْرِ قَدْ تَفَسَّخَ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَنْزَحَ مِنْهَا سَبْعَ دِلَاءٍ»، فَقَالَ لَهُ: فَثِيَابُنَا قَدْ صَلَّيْنَا فِيهَا، نَغْسِلُهَا وَنُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا(1).
-----------------------------------------------------------------------------
الأول: مسنداً عن «التهذيب» و«الاستبصار». ومحمد بن الحسين فيه هو محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، الثقة، والحديث من مراسيل ابن أبي عمير، فالسند معتبر.
الثاني: مرسلاً عن «من لا يحضره الفقيه»، وقد تقدّم الكلام في اعتبار مراسيله.
[19] - فقه الحديث:
قال في «لسان العرب»: «سام أبرص، مضاف غير مركب ولا مصروف: الوزغة. وقيل: هو من كبار الوزغ»((2)).
والظاهر أنّ هذا الحديث خارج عن المقام؛ لأنّ السام أبرص مما لا نفسله سائلة، وهو ليس بنجس العين، ولا ميتته نجسة، فموته في البئر لا ينجّسها، فيظهر منه أنّ الأمر بالنزح ليس لأجل نجاسة الماء، وإنَّما هو لإزالة الاستقذار الناشئ من تفسّخ الوزغة.
ص: 373
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبَانٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، مِثْلَهُ(1)1*).
أَقُولُ: يَظْهَرُ مِنْ هَذَا: أَنَّ النَّزْحَ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ. وَلَهُ نَظَائِرُ تَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ(2)2*).
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
ذكر المصنّف الحديث بسندين:
الأول: سند «الفقيه»، وإسناد الصدوق إلى يعقوب بن عثيم عبارة عن طريقين:
1- محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن يعقوب بن عثيم.2- أبوه رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن يعقوب بن عثيم((3)).
والطريق الأول منهما معتبر، والثاني صحيح. ويعقوب بن عثيم: تقدّمت
ص: 374
[441] 20- قَالَ: وَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام) : «كَانَتْ فِي الْمَدِينَةِ بِئْرٌ وَسَطَ مَزْبَلَةٍ، فَكَانَتِ الرِّيحُ تَهُبُّ وَتُلْقِي فِيهَا الْقَذَرَ، وَكَانَ النَّبِيُّ(صلی الله علیه و آله و سلم) يَتَوَضَّأُ مِنْهَا»(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وثاقته في الحديث الثاني عشر من هذا الباب، فالسند معتبر.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب» و«الاستبصار»، وفيه: أحمد بن محمّد: وهو ابن عيسى. وأبان: هو أبان بن عثمان. والسند معتبر.
[20] - فقه الحديث:
دلالته على طهارة البئر الملاقية للنجاسات واضحة؛ لاستمراريّة توضي النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) منها. والمزبلة لا تخلو من وجود النجاسات فيها.
سند الحديث:
هو من مراسيل الصدوق، ويبتني قبولها على قبول شهادة «الفقيه» كما مرّمراراً.
ص: 375
[442] 21- مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى رَجُلٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَسْأَلَ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا (علیه السلام) عَنِ الْبِئْرِ تَكُونُ فِي الْمَنْزِلِ لِلْوُضُوءِ، فَيَقْطُرُ فِيهَا قَطَرَاتٌ مِنْ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ، أَوْ يَسْقُطُ فِيهَا شَيْ ءٌ مِنْ عَذِرَةٍ، كَالْبَعْرَةِ وَنَحْوِهَا: مَا الَّذِي يُطَهِّرُهَا حَتَّى يَحِلَّ الْوُضُوءُ مِنْهَا لِلصَّلَاةِ؟ فَوَقَّعَ (علیه السلام) بِخَطِّهِ فِي كِتَابِي: «يُنْزَحُ دِلَاءٌ مِنْهَا»(1).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، مِثْلَهُ(2).
وَبِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «أَوْ يَسْقُطُ فِيهَا شَيْ ءٌ مِنْ غَيْرِهِ كَالْبَعْرَةِ»(3).
-----------------------------------------------------------------------------
[21] - فقه الحديث:
هذا الحديث من جملة ما استدل به الذاهبون إلى نجاسة ماء البئر بملاقاة النجاسة، حيث إنّ السؤال كان عن كيفية التطهير بعد الفراغ عن النجاسة، وقوله (علیه السلام) : «ينزح دلاء منها» تقرير منه (علیه السلام) على نجاستها، وتعليم منه لكيفيّة التطهير، فهو في قوة قوله: طهرها بأن ينزح منها دلاء؛ ليتطابق السؤالوالجواب، وطهرها بالنزح يقتضي نجاستها قبله.
ص: 376
أَقُولُ: هَذَا الْخَبَرُ مِنْ شُبُهَاتِ الْقَائِلِينَ بِانْفِعَالِ الْبِئْرِ بِالْمُلاقَاةِ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ دَلَالَةَ التَّقْرِيرِ هُنَا ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْحَمْلَ عَلَى التَّقِيَّةِ وَعَلَى إِرَادَةِ الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ، أَعْنِي: النَّظَافَةَ؛ وَعَلَى اسْتِحْبَابِ الِاجْتِنَابِ قَبْلَ النَّزْحِ؛ وَعَلَى إِرَادَةِ دَفْعِ احْتِمَالِ التَّغَيُّرِ وَزَوَالِ النِّفْرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْإِجْمَالُ فِي هَذَا وَفِي أَحَادِيثِ النَّزْحِ مِنْ أَمَارَاتِ الاسْتِحْبَابِ، مَعَ كَثْرَةِ الاخْتِلَافِ جِدّاً كَمَا تَرَى، وَثُبُوتِ النَّزْحِ مَعَ عَدَمِ النَّجَاسَةِ كَوُقُوعِ الْجُنُبِ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ، وَوُجُودِ التَّصْرِيحِ بِجَوَازِ الاسْتِعْمَالِ قَبْلَ النَّزْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ صَاحِبُ «الْمُنْتَقَى» وَغَيْرُهُ(1).
-----------------------------------------------------------------------------
وأجاب عنه الماتن: بأنّ الحديث ليس فيه صراحة في الانفعال، باعتبار أنّ دلالة تقرير الإمام (علیه السلام) للسائل ضعيفة؛ لوجوه:
الأول: أنّه يحتمل الحمل على التقيّة؛ لموافقتها للعامة كما مرّ.
الثاني: أنّه يحتمل إرادة الطهارة اللغويّة بمعنى النظافة.
إلا أنّه لا يلتئم مع قول السائل بعد ذلك: «حتى يحلّ الوضوء منها للصلاة»؛ فإنّ الماء المستقذر يحلّ الوضوء به للصلاة بلا ريب. اللهم إلّا أن يراد بحليّة الوضوء ثبوت مرتبة عالية منه، فلا بأس بالتعبير بالحليّة حينئذٍ.
ص: 377
الثالث: أنّه يحتمل الحمل على استحباب الاجتناب قبل النزح.
الرابع: أنّه يحتمل الحمل على دفع احتمال التغيّر، وإن كان الشك في التغيّر لا يوجب لزوم الاجتناب. فالأمر بالنزح إنَّما هو لدفع هذا الاحتمال عن نفس المستعمل للماء.
ثمّ أضاف وجوهاً تشكّل قرائن على استحباب النزح لا وجوبه:
الوجه الأول: إجمال هذا الحديث وغيره، وعدم تعيين مقدار ما ينزح.
الوجه الثاني: كثرة الاختلاف في مقدار ما يُنزح.
الوجه الثالث: ثبوت النزح مع عدم النجاسة، كما في وقوع الجنب وما لا نفس له.
الوجه الرابع: التصريح بجواز الاستعمال قبل النزح.
وغير ذلك، كما يأتي في آخر الباب.
سند الحديث:
ذكر المصنّف هذا الحديث بثلاثة أسانيد:
أولها: سند الكليني في «الكافي»، وقد مرّ قريب من هذا السند في الحديث السابع من هذا الباب، ولكنّه هنا غير مرسل؛ لأنّ محمّد بن إسماعيل بن بزيع يروي مباشرة عن الإمام؛ لقوله: «فوقّع (علیه السلام) بخطه في كتابي...»، فالسند صحيح.
الثاني: سند الشيخ في «التهذيب» عن الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني،
ص: 378
[443] 22- مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ وَعَنْبَسَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (علیه السلام) ، قَالَ: إِذَا أَتَيْتَ الْبِئْرَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَلَمْ تَجِدْ دَلْواً وَلَا شَيْئاً تَغْرِفُ بِهِ، فَتَيَمَّمْ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّ رَبَّ الْمَاءِ رَبُّ الصَّعِيدِ(1)، وَلَا تَقَعْ فِي الْبِئْرِ، وَلَا تُفْسِدْ عَلَى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ»(2).
-----------------------------------------------------------------------------
وهو صحيح كسابقه.
الثالث: سند الشيخ في «الاستبصار» بإسناده، عن أحمد بن محمّد. وقد تقدّم كما أشرنا غير مرّة، وهو صحيح أيضاً.
[22] - فقه الحديث:
استدل بالأمر بالتيمم، والنهي عن إفساد الماء. وتنجيس الماء هو أعظم الإفساد إن لم يكن هو المراد بعينه.
ولكن دلالة هذا الحديث على النجاسة ضعيفة؛ فإنّه إنَّما يصلح دليلاًعليها لو كان المقتضي للفساد منحصراً في النجاسة، مع أنّه غير منحصر فيها. وقد ذكر الماتن عدّة احتمالات أخرى، يظهر فيها وجه كون الدخول في البئر إفساداً مع عدم التنجيس، كتكدير الماء الناتج عن الوقوع في البئر
ص: 379
وَرَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى(1)1*).
وَرَوَاهُ الشَّيْخُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ(2)2*).
أَقُولُ: وَهَذَا - أَيْضاً - مِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ لِلنَّجَاسَةِ. وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ؛ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ الْوَاضِحَةِ عَلَى أَنَّ الْمُسَوِّغَ لِلتَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوُصْلَةِ إِلَى الْمَاءِ، وَأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلنَّهْيِ عَنِ الْإِفْسَادِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُقُوعِ مِنْ إِثَارَةِ الْحَمْأَةِ(3)3*)، وَهِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى الشُّرْبِ وَنَحْوِهِ إِفْسَادٌ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْإِفْسَادِ فِي خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ بِعُمُومِهِ لِلنَّجَاسَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُرَادَةً بِخُصُوصِهَا. قَالَهُ صَاحِبُ «الْمُنْتَقَى»(4)(4*).
-----------------------------------------------------------------------------
فإنّ ذلك مانع من الاستفادة منه، أو حصول النفرة عند الناس من وقوعه فيها، أو إسراع التغيّر للماء.
وأمّا الأمر بالتيمم، فإنّ المسوِّغ له هو عدم الوجدان والذي يصدق معالمشقّة والحرج في الوصول إلى الماء.
ص: 380
وَيُؤَيِّدُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِوُجُودِ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفْسَادِ مَا ذُكِرَ، أَوْ حُصُولُ النِّفْرَةِ، أَوْ إِسْرَاعُ التَّغَيُّرِ، أَوْ يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الْوُقُوعِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْهَلَاكِ الْمُوجِبِ لِفَسَادِ الْمَاءِ سَرِيعاً لَوْ مَاتَ فِيهَا.
-----------------------------------------------------------------------------
سند الحديث:
ذكره المصنّف بثلاثة أسانيد:
أولها: سند الشيخ في «التهذيب»، وقد تقدّمت أفراده، والسند معتبر.
الثاني: سند الكليني، والسند أيضاً معتبر.
الثالث: سند الشيخ إلى محمّد بن يعقوب الكليني، والسند معتبر كسابقيه.
والحاصل: أنّ في الباب اثنين وعشرين حديثاً، وأضفنا لها حديثاً واحداً وهو حديث الحسن الثوري، وهذه الأحاديث على خمس طوائف:
الطائفة الأولى: ما دلّ بالإطلاق على عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجاسة، وهي أكثر أحاديث الباب. والمعتبر منها أحد عشر حديثاً، والضعيف حديث واحد، وهو الرابع عشر.
الطائفة الثانية: ما دلّ على عدم الانفعال بالملاقاة، إلّا أنّه لا بد من النزح،وهي عبارة عن أربعة أحاديث معتبرة، وهي السادس والثاني عشر والثالث عشر والتاسع عشر، وواحد ضعيف، وهو السابع.
ص: 381
وَمَعَ قِيَامِ هَذِهِ الِاحْتِمَالاتِ وَغَيْرِهَا لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ. وَمَا يَأْتِي مِنَ الْأَمْرِ بِالنَّزْحِ(1) لَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَحَادِيثُ الطَّهَارَةِ أَوْضَحُ دَلَالَةً وَأَبْعَدُ مِنَ التَّقِيَّةِ، بَلْ لَا مُعَارِضَ لَهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ. وَيُؤَيِّدُهَا أَحَادِيثُ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَأَحَادِيثُ التَّغَيُّرِ وَأَحَادِيثُ الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ مِنْهُ. قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَفَسَّرُوا الْجَارِيَ بِالنَّابِعِ جَرَى أَمْ لَا، وَأَحَادِيثُ الْكُرِّ؛ لِأَنَّهُ كُرٌّ غَالِباً، وَأَحَادِيثُ الْمَادَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْكُرِّيَّةِ فِي مَاءِ الْبِئْرِ(2)، وَأَنَّ الشَّيْخَ حَمَلَهُ عَلَى التَّقِيَّةِ.
-----------------------------------------------------------------------------
الطائفة الثالثة: التفصيل بين ما إذا كان كثيراً أو كرّاً فلا ينجس، وبين ما إذا كان أو قليلاً فينجس، وهي عبارة عن حديثين، أحدهما معتبر، وهو الحديث الخامس عشر. والثاني ضعيف، وهو حديث الثوري.
ص: 382