نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله المجلد 7

هوية الکتاب

أعمال

المؤتر العلمي الوطني المشترك الأول

لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومرکز دراست الکوفة

المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق).

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله /

بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛ (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

ص: 1

اشارة

ISBN 978-9933-582-39-5

9789933582395

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1212 لسنة 2018 م

مصدر الفهرسة:

IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيفLC:

BP38.02.M8 N5 2018

المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق).

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله /

بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة.

الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛ (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

موضوع شخصي: مالك بن الحارث الأشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسير.

مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: النظام الإداري في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات.

مصطلح موضوعية الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات.

مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة.

اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق). عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة المؤتمرات العلمية (1)

أعمال

المُؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول

لمؤسسة علوم نهج البلاغة مركز دراسات الكوقة

لسنة 1438 ه - 2016 م

(المحور الأخلاقي وحقوق الإنسان) الجزء السابع

إصدار

مؤسسة علوم نهج البلاغة

في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة

للعتبة الحسينية المقدسة

الطبعة الأولى

1439 ه - 2018 م

العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة

هاتف: 07728243600 - 07815016633

الموقع الالكتروني:

www.inahj.org

الايميل:

Inahj.org@gmail.com

الكتاب: أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول، نظام الحكم وإدارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رحمه الله).

الجهة الراعية للمؤتمر: الامانة العامة للعتبة الحسنينية المقدسة ورئاسة جامعة الكوفة.

الجهة المقيمة للمؤتمر: مؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة.

المدة: أقيم في يومي 24 - 25 من شهر كانون الأول من العام 2016 م الموافق 22 - 24 من شهر ربيع الأول

من العام 1438 ه

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق الوطنية 1212 لسنة 2018 م.

الناشر: العتبة الحسينية المقدسة.

عدد المجلدات 10 مجلد

عدد البحوث المشاركة: 128 بحثاً

الإشراف والمتابعة الفنية: وحدة الاخراج الفني في مؤسسة علوم نهج البلاغة.

تنويه:

إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

البناء القيمي والتقوائي للراعي في عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر النخعي (رضي الله عنه)

اشارة

أ.م.د.هادي عبد النبي التميمي جامعة الكوفة - كلية الآداب - قسم التاريخ

أ. م. د. ختام راهي مزهر الحسناوي جامعة الكوفة - كلية التربية للبنات. قسم التاريخ

ص: 5

ص: 6

المقدمة

إن للراعي في الدولة الإسلامية أثرٌ بالغ في إدارة المجتمع وتنظيم حياته في مختلف الجوانب المادية والمعنوية، وعلى صلاحه يتوقف صلاح الرعية واستقامة حياتها والعكس بالعكس، تدلنا على ذلك كلمة الإمام علي (عليه السلام) الخالدة: (الملكُ كالنهر العظيم، تستمدُّ منه الجداول؛ فإن كان عذباً عذُبتْ، وإن كان ملحاً مَلحتْ (1))، وقوله (عليه السلام): (إذا تغيّر السلطان، تغيّر الزمان)(2)؛ ولذلك اعتنى الإمام علي (عليه السلام) بتربية وبناء مَن يتولى هذه المسؤولية الخطيرة، قيمياً وتقوائياً، لما لذلك من أثر في بناء شخصية الراعي الإنسانية من جهة، وتعزيز أدواته وقدراته القيادية بما يضمن رصانة الفعل السياسي من جهة أخرى، ومن ثمَّ ضمان حسن سيرته، واستقامة العدل، وظهور مودة الرعية ورضاها، وكسب تأييدها ومساندتها التي ستؤدي حتماً إلى استقرار البلاد وتطورها.

وتبدو أهمية دراسة (عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر النخعي)، والوقوف على مضامینه؛ لما انطوى عليه من عبقرية في الفكر الإنساني السياسي الإسلامي، ولما تجسد فيه من تجلي حقيقي وعميق للقيم الإسلامية، القابلة للتطبيق في مختلف مجالات الحياة وإدارة العلاقات الاجتماعية، بما يؤمن التفاعل بين طبقات المجتمع بكل تراكيبه تفاعلاً واعياً مثمراً، يحقق هدف استخلاف الإنسان في الأرض.

وقد ركز هذا البحث على (البناء القيمي والتقوائي للراعي في عهد الإمام علي للأشتر النخعي) وقُسم إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، اختص المبحث الأول ببحث القيمة والتقوى لغةً واصطلاحاً، ودرس الثاني عهد الاشتر من ناحية كونه برنامجاً حكومياً علوياً لتأصيل المعايير القيمية والأخلاقية، وتطرق الثالث إلى ركائز البناء القيمي والتقوائي للراعي في عهد الاشتر، وانقسم هذا المبحث إلى خمسة محاور بيّنت العلاقات الأساسية

ص: 7

للراعي التي حرص الإمام علي (عليه السلام) على تنظيمها على وفق المعايير التقوائية والقيمية، وهذه المحاور هي:

المحور الأول: تنظيم علاقة الراعي مع الله.

المحور الثاني: تنظيم علاقة الراعي مع نفسه.

المحور الثالث: تنظيم علاقة الراعي مع الرعية بعامة.

المحور الرابع: تنظيم علاقة الراعي مع أعوانه المشتركين معه في إدارة الدولة.

المحور الخامس: تنظيم علاقة الراعي مع العدو.

ثم جاءت الخاتمة لتلخص نتائج البحث، وقد استعان الباحثان بجملة من المصادر والمراجع المهمة، ولاسيما كتابي (نهج البلاغة)، (غرر الحكم) التي حوت كلمات الإمام علي (عليه السلام) مدار البحث، مع جملة من المراجع المهمة المتخصصة في شرح وبیان مغزى التراث الفكري للإمام علي (عليه السلام)، والله الموفق.

ص: 8

المبحث الأول القيمة والتقوى مدخل معرفي

(القيمة) كلمة مشتقة من (ق و م)؛ بمعنى ما يقوم مقام الشيء وقد أُستخدم لُغوياً لإفادة معانٍ متعددة مثل (3):

1. قيمة الشيء وثمنه؛ تقول: تقاوموه فيما بينهم(4)، وماله قيمة : إذا لم يَدُم على شيء (5) وهي ما يكون به الشيء ذا ثمن أو فائدة.

2. الثبات والدوام والاستمرار: فكل مَنْ ثبت على شيء فهو قائم عليه(6).

3. العدل والاستقامة: أي الاعتدال، فيقال: استقام له الأمر، ومنه قوله تعالى: «فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ» (7)، أي في التوجّه إليه دون غيره. وقام الأمر واستقام: اعتدل واستوى، وقد تأخذ القيم أحياناً هذا المعنى للاستقامة.

ويقال: قَوَّمتُه: عدَّلته، فهو قویم ومستقیم. فيكون القوام هو العدل، كما في قوله تعالى: «وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» (8).

4. المحافظة والإصلاح، كقوله تعالى: «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ» (9)، وكذلك قوله تعالى: «إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا» (10)، أي: ملازماً ومحافظاً.

وكما لكلمة القيمة حضور في المجال التداولي اللغوي، فإنَّ مشتقاتها قد استعملت في القرآن الكريم، كقوله تعالى: «ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (11)، إذ يُشير المعنى إلى مفهوم الاستقامة، وكذلك قوله تعالى: «دِينًا قِيَمًا» (12)، أي له القيومية على تقويم الاعوجاج عبر آلية شرعية، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (13).

إن مفهوم القيم اصطلاحاً يحكي تلك المعايير الحاكمة على المنظومة الدينية بما فيها

ص: 9

النظام الأخلاقي والاجتماعي وكذا النسق الثقافي والسياسي، وللعقل الإنفراد بإدراك حُسنها بنحو الموجبة الجزئية في مقام الثبوت. وبلحاظ ما تنطوي عليه القيمة من فعلية يمكننا القول: إنها حافز للأفراد من أجل تشخيص الأفضل من بين المفضولات. أما وفقاً للمنظور الاجتماعي فالقيم تُساهم في ترقية الحس الاجتماعي عند الفرد، و تمدّه بالتصور العام لما فيه خير وصلاح مجتمعه (14).

ويستعمل لفظ القيمة استعمالين: استعمال معياري مطلق، واستعمال معیاري نسبي، ويتجلى الاستعمال المعياري النسبي في الاقتصاد خصوصاً(15)، وأما الاستعمال المعياري المطلق فيرتبط بالأخلاق، ولا تتوقف القيمة في هذا المجال على المنفعة أو الحاجة أو الظروف، وإنما هي مستقلة عن كل اعتبار أي أنها قيمة في ذاتها «واقعية (16)».

وإذ نبحث الجانب القيمي في رؤية الحكم عند الإمام علي أو علاقة الراعي بالرعية، فإننا بلا شك نعني المدلول القيمي المطلق وليس النسبي لأن رؤيته في السياسة هي فرع رؤيته في الأخلاق والدين وهي رؤية مطلقة في كل تعبيراتها.

تشكل القيم قضية مهمة شغلت الفكر الإنساني عامة، واهتمت فيها الديانات والفلسفات والتنظيمات الاجتماعية، وكانت مركز اهتمام الأنبياء والرسل والمصلحين عبر التاريخ الإنساني؛ لأنها تمثل جانباً رئيسياً من الثقافة في أي مجتمع، لذلك لا يمكن أن ينهض مجتمع ويزدهر دون أن يعتمد على مجموعة من قيم الأخلاق التي تؤيده وتدعمه، فتنمية المجتمع مرهونة بتنمية الثروة البشرية فيه، فالإنسان هو أساس ودعامة المجتمع ووسيلة تطويره(17).

ولندرك الدور الذي أدّاه الإمام علي (عليه السلام) في إتمام وترقية المنظومة القيميّة أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً، لابد من الوقوف عند أبعاد هذه المنظومة في الدين الإسلامي (18):

ص: 10

1. البُعد التوحيدي: وهو بُعد يُشير إلى (قيمة التوحيد المطلق) التي تترشح عنها باقي القيم، بل أن كل قيمة تتعارض معها تكون خارجة تخصصاً عن المنظومة القيمية الإسلامية.

2. بعد الثبات والاستمرارية: والمراد به هنا الدوران حول محور ثابت هو (التوحید) وكل قيمة تكتسب مصداقيتها عند قربها من هذا الأصل الثابت، وما دام هذا الأصل حاكم على الصيرورة الزمانية، فإن القيم التي تدور حوله سيكون لها الوصف نفسه؛ أي أنها صالحة لكل زمان ومكان.

3. بعد التعميم: ونعني به تجلي القيم وشمولها لكل مفاصل الحياة الفردية والاجتماعية، بدءاً من علاقة الإنسان بربّه وبنفسه، وصولاً إلى علاقته بالكون.

4. بعد الواقعية: القيم التي نادى بها الإسلام ليست قيماً مصطنعة مثالية، إنما هي قيم تلمس الواقع الوجودي والموضوعي، وهي - في الوقت ذاته - واقعیات مثالية، بمعنى أنها ترقى بالإنسان إلى أرفع درجات التكامل الوجودي.

وجدير بالذكر أن السياسة الإسلامية تؤمن بقضية (حكومة القيم الأخلاقية في الغایت وفي الوسائل)... وأن الممارسات السياسية في عهد أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) هي التطبيق الحقيقي لمبدأ أخلاقية الغايات والوسائل في أكثر من مجال (19).

إن دعوة الإسلام إلى التزام المبادئ الأخلاقية في التعامل السياسي، ومطلق أنحاء السلوك الاجتماعي، لا تهدف إلى تحقيق مصالح سياسية وإنما هي دعوة قائمة على أساس الإيمان بضرورة تحكيم المبادئ الأخلاقية في الحياة، ومن هنا فإن الالتزام الأخلاقي الذي يطبع السياسة الإسلامية ليس التزاماً نفعياً وصولياً وإنما هو التزام رسالي مبدئي، لا يخضع لحسابات المصالح يجرها أو يطردها، وبالتأكيد أن الالتزام الأخلاقي لا يخلو من عطاءات اجتماعية، وفي صالح العمل الإسلامي (20)، إلاّ أنه لا يرى فيها جوهر القضية

ص: 11

ولا يعتبرها أساس دعوته وحثه على التزام المبادئ الأخلاقية... بل أن المبادئ الأخلاقية يجب أن تُلتزم لواقعيتها وموضوعيتها، وإنسانيتها (21).

وكيفما كان، فإن الوجه الشاخص للقيم النبيلة التي نادى بها الدين الإسلامي هي انطواؤها على مصالح أكيدة ترتبط بالواقع ارتباطاً وثيقاً وعليه يكون خرق تلك القيم من خلال غيابها أو تغييبها هو إبطال لمصلحتها الواقعية في زمان ومكان معين، لكنه لا يعني أبداً الخرق للنظام القيمي التكويني الذي يستمد قدسيته من الكينونة الفطرية؛ لذا كانت محاولات الإصلاح وترسيخ مبدأ العود لتلك القيم الفطرية والواقعية حقاً مشروعاً؛ بل ملاكاً للتمييز بين ما هو تكويني وما هو تقنيني (22).

أما التقوى: فهي اتخاذ الوقاية من المعاصي ومزلاتها، وتأخذ معاني متعددة، إلاّ أنها لا تخرج عن كونها طاعة الله والاحتراز من الاعمال المنحرفة، وحماية النفس من عواقبها الدنيوية والأخروية، والطاعة بالاخلاص لله، والحذر وترك كل ما يُدخل في المعصية وما یُبعد الإنسان عن الله عزّ وجل، والتمسك بكل ما يحفظ آداب الشريعة، والاتقاء من كل ما يدخل في أتباع هوى النفس ومعاصيها ومنحرف الأعمال (23).

وليست التقوى كبتاً للنفس، ولا حظراً على الإنسان من الاستجابة لرغبات النفس ومشتهياتها، وإنما هي ضبط النفس فقط على حدود الله من الحلال والحرام، وفرض سلطان الحدود الإلهية على النفس... والتقوى بهذا المعنى معنی ايجابي وهو التمكن من النفس وانتزاعها من سلطان الهوى والشهوات وليس معنىً سلبياً بمعنی ترك الحرام(24).

وهي بهذا المعنى الشوط الأول لحركة الإنسان إلى الله.

ص: 12

مخطط رقم (1)

حركة الإنسان إلى الله (الارتباط بالمحور الإلهي)

التحرر من الأنا الدخول إلى دائرة

العنصر المشترك (الطاعة)

الأداة التقوى الأداة ذكر الله

مخطط مستفاد مما ورد لدى الآصفي، في كتابه رحاب عاشوراء، عن رحلة الإنسان إلى الله، ص 43 - 66.

فإن العقبة الكبرى التي يواجهها الإنسان في حركته إلى الله هي الهوى، قال تعالى:

«... وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (25).

ويقول أمير المؤمنين: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الأمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وأَمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ) (26).

وكما أن تجاوز الهوى هو المرحلة الأولى والأهم في حركة الإنسان التكاملية إلى الله، كذلك في الاستجابة للهوى السقوط والتردي الكامل للإنسان، ودرجة سقوط الإنسان وانحطاطه الروحي والخلقي تتناسب طردياً مع درجة استجابته واستسلامه للهوى (27)، إذ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (إنكم إن أمرتم عليكم الهوى أصمكم واعماكم وأرداكم) (28).

ص: 13

وقد عدّ الإسلام مكافحة (الهوى) الجهاد الأكبر، في الوقت الذي يعد فيه مكافحة الطاغوت الجهاد الأصغر (29).

إن المثل الأعلى للحياة في الإسلام وعند الإمام علي هو التقوى(30)، فقلَّ أن ترد سورة في القرآن لم يرد فيها الأمر بالتقوی (31)، تقوى الله، وقلَّ أن ترد خطبة أو كلام في نهج البلاغة لم يرد فيه الأمر بالتقوى (32).

وروي عن النبي i أنه قال: (جماع التقوى في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (33)(34).

فالتقوى هي الفضيلة في أرفع معانيها وأجلّ صورها، وهي الإيمان بالله في أطهر حالاته وأسمى معانيه (35).

فإذا حققت التقوى في نفسك؛ وعیت وجود الله وأمره ونهيه في كل ما تُلمّ به من فعل أو قول، وتحريت الفضيلة أني كانت فأخذت بها وأخضعت نفسك لها، وجعلت من نفسك وجميع إمكاناتك خلية إنسانية حيّة، تعمل بحرارة واخلاص على رفع مستوى الكيان الاجتماعي الذي تضطرب فيه، وصدرتَ في ذلك كله عن إرادة الله المتجلية فيما شرع من أحكام، وتكون قد حققت في نفسك المثل الأعلى الذي نصبه الإسلام... وتعاليم الإسلام صريحة تنص على أن القطب الذي يدور عليه التفاضل ليس شيئاً غير التقوى قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (36)... فالقيم الاجتماعية تتفرع عن هذا الأصل، وتنبثق من هذا الينبوع (37).

وقد انطوت مضامين التقوى التي دعا إليها الإمام علي (عليه السلام) في كثير من

ص: 14

کلماته (38) إلى الاتجاه نحو التماسك والانتظام على الحق والطمأنينة والاستقرار والتعاون، وتولید روح الأُلفة والتماسك الاجتماعي، لا من أجل الحياة الزائفة والزائلة، بل استقامة الأفكار والنفس السوية، لإستقامة الأعمال والأنشطة في الحياة الزائلة لحياة أبقى، وبه تكون الاستراتيجيات أبعد وأعمق وأوسع لهدف أسمى ما بعد الدنيا، والكيفية والحتمية استقامة الدنيا، بلا أنانية وضياع الحقوق، وبلا فوضوية تنفيذ الأداء، وبلا بطش ولا خيانة ولا نفاق ولا دجل... الخ، فحث الإمام علي (عليه السلام) على التقوى لكونها صمام أمان اجتماعي - حضاري فاعل، له أهميته في بناء الشخصية للفرد والمجتمع (39).

والتقوى بما تمثله من قمة العبودية لله والسعي نحو مرضاته، فهي من الوسائل المؤثرة لدفع الإنسان المسلم نحو عمارة البلاد، وتحقيق هدف استخلاف الإنسان في الأرض (40).

وإن القراءة المعصومة لسياسة الحكم تتجلى في عهد أمير المؤمنين لمالك الاشتر حين ولاه مصر؛ من خلال تأصيل التقوى وجعلها الملاك الوحيد للحكم والحاكم (41) إذ يقول له: (إِيَّاكَ ومُسَامَاةَ اللِّهَ فِي عَظَمَتِهِ والتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ويُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ أَنْصِفِ اللَّهَ وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ)(42).

فقد دأب الإمام علي (عليه السلام) على أن يصلح ما يفتقر إلى الإصلاح في شؤون الناس (43) ولم تكن سياسته في هذا المجال (شيئاً مرتجلاً اصطنعه لنفسه يوم ولي الخلافة، وإنما كانت خططاً مدروسة ومنتزعة من الواقع الذي كان يعانيه المجتمع الإسلامي آنذاك، ومعدة لأن تبلغ بهذا المجتمع خطوات إلى الأمام، ومهيّأة لنيل هذا المجتمع المطامح التي كان يحلم بها ويصبو إليها)(44).

إن صعوبات الفترة الزمنية للخلافة، وطلاسمها، وتعتیماتها، وتشويهات الحروب - علاوة على مآسيها - لم تستطع طمس معالم تلك التجربة الرائدة في العدل الإسلامي

ص: 15

والبشري، تجربة علي بن أبي طالب؛ ... مما يدعونا إلى مدّ النظر إلى الماضي البعيد وإلى معطيات تلك التجربة، وإلى المخطط النظري والتطبيقي لعليّ، ذلك المخطط الذي كان فلتةً مثل صاحبه، الذي كان فلتة الإبداع العظيم، التي اغتالها الأهل: الناس أنفسهم (45).

ص: 16

المبحث الثاني عهد الأشتر برنامج حكومي واقعي لتأصيل المعايير القيمية والأخلاقية

أرسل الإمام علي (عليه السلام) مالك الأشتر (46) أحد صحابته الأجلاء، والياً على مصر سنة 38 ه / 658 م (47) وزوده بوثيقتين على درجة من الأهمية والقيمة التاريخية؛ الأولى: كانت رسالةً موجهةً إلى الناس في مصر تبين فاعلية البناء القيادي الذي كان عليه الاشتر، وتوحي بمسوغات انتخابه من أمير المؤمنين (عليه السلام) ليكون راعياً لهذا الجزء من الدولة، وتوصي هذه الرسالة الناس بطاعته ودعمه لتسهيل ما جاء به من تنظیم اداري وما سيقوم به من أنشطة وفعاليات، وقد جاء فيها: (فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً

مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ ولا يَنْكُلُ عَنِ الأعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ أَشَدَّ عَلَی الْفُجَّارِ مِنْ

حَرِيقِ النَّارِ وهُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ فَاسْمَعُوا لَهُ وأَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ لا كَلِيلُ الظُّبَةِ ولا نَابِي الضَّرِيبَةِ فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا وإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا فَإِنَّهُ لا يُقْدِمُ ولا يُحْجِمُ ولا يُؤَخِّرُ ولا يُقَدِّمُ إِلا عَنْ أَمْرِي وقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَی نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَی عَدُوِّكُمْ)(48).

ويظهر من النص المبارك أن الاشتر كان يتحلى بسمات الشخصية المتعددة المواهب والسريعة البديهة، والحازمة، ويمتلك صفة الإقدام والثبات أمام الهجمات والمؤثرات الخارجية دون خوف أو جبن أو نكوص، ويتصف بالوقائية العلاجية على اختلاف الأصعدة، وله قابلية السيطرة على الاتجاهات المختلفة بكل استيعاب وحزم، مما دفع الإمام عليّ أن يخص به مصراً المتميزة بأرضها ومكوناتها الاجتماعية، وأنشطتها المتداخلة، وطلب من المجتمع طاعته ليتسنى له تنفيذ ما مخطط له بروحية جماعية (49).

أما الوثيقة الثانية التي زود بها مالك الاشتر فهي - بلا مغالاة - تمثل لنا الخطبة المتكاملة التي يُحدّد بها هدى الإسلام ما ينبغي أن تكون عليه سيرة المتبوع بين الاتباع،

ص: 17

والياً من قبل السلطة الشرعية الحاكمة، أو امرءاً هيأه وضعه الاجتماعي لقيادة الناس... فهي الخطة الشاملة العامة التي يسعها أن تستوعب في نطاقها كل راعٍ مسؤول من ذوي رأي أو سلطان... وهي الخطة المحكمة التي تبين بجلاء ما يجدر بكل إنسان أن يمتثله في حدود ما أتيح له من نفوذٍ جَلَّ أو هان(50)، أنه اطول عهدٍ كتبه الإمام علي لأحد ولاته في بلدان الخلافة (51)، يشتمل على جملة من التوجيهات والقرارات العامة التي تتصل بمجال التنظيم لعمل أجهزة الدولة والخدمة العامة (52)، مما يصح أن نسميه ب (عهد النظام التدبيري) (53)، واشتهر باسم (عهد الأشتر)(54).

وكما وُصفَ عهد الاشتر بأنه أطول وثيقة كتبها الإمام علي (عليه السلام) لأحد عماله، فقد وصف كذلك بأنه أجمعها لحقوق الرعية (55)، وقد أجمل هذه الحقوق اجمالاً فقال: (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وجِهَادَ عَدُوِّهَا واسْتِصْلاحَ أَهْلِهَا وعِمَارَةَ بِلادِهَا) (56)، ثم فصّلها بعد ذلك (57):

فأفاض أولاً في بيان وظيفة العسكريين وواجباتهم والسبيل الذي يحسن بالحاكم أن يتبعه للاستفادة منهم.

ثم فصل في جهاز الحكم: الولاة والوزراء والقضاة، فوضع أسس الحكم العادل التقدمي الواعي.

وتكلم بعد ذلك عن الزراع والتجار والصناع والفقراء، فبيّن حقوقهم على الحاكم من توفير المجالات لهم، وإعداد أحسن الفرص لنجاحهم في أعمالهم.

ثم تحدث عن حالة البلاد العمرانية فأفاض في الحديث وبيّن خطورة هذه الناحية في أمن الرعية ورفاهها واطراد تقدمها (58).

وقد اجتهد بعض الباحثين لبيان السبب الذي حمل الإمام علي (عليه السلام) على كتابة هذا العهد بهذه الصورة من البسط والتفصيل، فأرجعوا ذلك إلى أن مصر بلاد

ص: 18

عريقة في التنظيم المجتمعي والحضارة منذ عشرات القرون، وأن تقاليدها في السياسة والإدارة عريقة في القدم، وأن مجتمعها الأصلي، مجتمع مكتمل التكوين في عاداته وتقاليده وفئاته الاجتماعية،... ومن المعلوم أن هذا الواقع يستدعي ملاحظة جميع وجوه حياة المجتمع وأنشطته، وتركيبه الداخلي، وتفاعلات القوى الاجتماعية في داخله؛ لأجل وضع خطوط کبری ثابتة في سياسة هذا المجتمع تؤمن له الاستقرار والازدهار من جهة وتنقله من جهةٍ أخرى برفق من مناخه الثقافي القديم إلى المناخ الثقافي الجديد... وفقاً لمبادئ الإسلام وتشريعاته (59)، كما أن إطالة الخطب ضرورة تفرضها الحاجة أحياناً، وكذا الكتب، وبخاصة ذات المناهج الموضوعة للحكم، فالإمام علي (عليه السلام) والذي جاء بظروف ثورية جاءت على اعقاب تردي الأوضاع، واستهتار من الحاكمين بشعوبهم، وبخاصة الولاة، لا يمكن أن يترك لولاته الأمر يتصرفون به كيف يشاؤون، وإن كانوا من الحنكة والحزم والعدالة كمالك الاشتر وغيره. وكأن الإمام (عليه السلام) أراد لشعبه أن يكون رقيباً على تصرفات الولاة برسم مناهج للحكم يحاسبون لها من قبلهم، فرسمها لتُقرأ على الرأي العام - أولاً - ولتكون مرجعاً للحساب مع الولاة - ثانياً -، ومثل مالك الاشتر مهما قيل في حَذقه السياسي فهو يحتاج إلى ارشاد الإمام (عليه السلام) وتوجيهه في جملة تصرفاته (60).

وإن الاغراض الإدارية والسياسية والاقتصادية التي جاءت في العهد العلوي الذي حرره أمير المؤمنين لعامله الأشتر سنة 38 ه / 658 م لا يزال آية من آيات التفكير العربي ومعجزة من معجزات الثقافة الإسلامية العالية على كر الدهور وتعاقب الأجيال (61).

إذ أن الجانب الأخلاقي والقيمي لهذا العهد قد طبع جميع نصوصه وفصوله بحيث أصبح كل جانب من جوانبه وكل فقرة من فقراته تشع بالبعد الأخلاقي المتميز؛ لأن الأخلاق ليست مفاهیم مجردة عن الواقع، فهناك الأخلاق السياسية، والأخلاق الاقتصادية، والأخلاق على صعيد المجتمع في آفاقه ومجالاته المختلفة، كل ذلك من أجل

ص: 19

إحياء القيم الحضارية والمثل العليا التي يجب أن تحكم الحياة والإنسان (62).

وقد كانت محاولة الإمام علي (عليه السلام) لتطبيق الصيغة الإسلامية الصحيحة للحياة الإنسانية على المجتمع في سبيل بناء الإنسان المتكامل، وكانت هذه المحاولة هي همّه الكبير كقائد رسالي بعد رسول الله i.

لقد فكر الإمام علي - بوصفه حاكماً عادلاً - في المجتمعات التي حكمها، وفي أفضل الطرق والوسائل التي تنمي حياتها الاجتماعية وترتفع بها إلى الذروة من الرفاهية والقوة والأمن، مع ملاحظة أنها تدين بالإسلام وأن شؤون اقتصادها، وحربها، وسلمها، وعلائقها الاجتماعية، تخضع لقوانين الإسلام، وأنها يجب أن تأخذ سبيلها إلى النمو في إطار إسلامي بحت (63)، وكان (عليه السلام) راغباً بشدة طيلة فترة ولايته ببعث نموذج قيمي وروحي تعلمه من النبي محمد i وتلمسه في مجتمع المدينة (64).

ولذلك وضع الإمام علي بين يدي واليه على مصر مالك الاشتر خلاصة تجارب الحكم الإسلامي خلال أربعين عاماً، واخرج معها عُصارة تجارب الحكومات السابقة واللاحقة، وحشر جميع تلك التجارب في نسق منتظم وعلى صورة قطعة أدبية هي من أروع ما أنتجه الفكر البشري من فنون الحكم والإدارة؛ فهو لا يضع بين يدي واليه نظرية يمكن أن تُصيب أو تخطئ بل يَنصب أمامه قواعد في الحكم هي أقرب ما تكون ب(فن الحكم) منها ب(نظرية الحكم)... فهو يوازن في كل قاعدة من قواعد الحكم بين مصالح الأمة ومصالح الدولة، ويأخذ بنظر الاعتبار حق الوالي وحق الرعية، ويرسم كل تلك القواعد بأُفق الماضي والحاضر والمستقبل، وتُطرح جميع تلك الأفكار والقواعد من زاوية قرآنية منسجمة تماماً ومتطلبات الواقع؛ فكل كلمة قالها الإمام في هذا المضمار حرص أن تأتي منسجمة مع القرآن ومع روح الرسالة الإسلامية (65).

إن القيمة الاعتبارية لمجمل تقریرات الإمام علي (عليه السلام) وتوجيهاته في الجانب السلوكي العام من عمل التدبير القيادي في الفترة القصيرة لتولية مسؤولية الدولة وما

ص: 20

صاحبها من مواجهات مستمرة لأعدائها، والمرتدين عن منهجها، وقد مثل ذلك الحالة الأكثر تعقيداً، والأكثر وضوحاً في الوقت ذاته لِتَقابل الاعتبارين الايجابي والسلبي في سلوك الناس، وقد تجسدت خلال ذلك مواقف الحزم والجرأة، وثبات الإرادة والموقف العقلاني للإمام (عليه السلام)، وهو ما يؤشر حالة معتبرة من سكينة النفس واستقرارها على الحالة الايجابية عند الإمام (عليه السلام) تمثلت في قراراته وتوجيهاته لأُولي الأمر خاصة، ولشعبه وأُمته عامة، ولم يشهد عهد من العهود الإسلامية مثل ما قد صاغ الإمام علي (عليه السلام)، وانجز من ذلك وهو في الذروة من المسؤولية الكبيرة والمعقدة، وقد مضى في مجالات التحديد للعلاقات المتكافئة والمتوازنة لمتولي الشؤون العامة، ولما ينبغي من إدراك الغاية في الوقوف على احتياجات الناس ورغباتهم والسعي لتحقيقها من منطلق المسؤولية العامة والتي كان يُلحّ عليها إلحاحاً لم يسبق لقائد أن ألحَّ عليها ومضى في متابعتها كمثل ما قد فعل (66).

ولم تكن العلاقة بين أفكار عليّ وتطبيقاته، ذات بُعد زمني تتخلّله مؤثرات متعددة، تفرض على التطبيق مساراً آخر لا صلة له بالأفكار؛ ذلك لأنه كان يقرن الفكرة بالممارسة فوراً، نظراً إلى طبيعته الشخصية التي كانت كذلك، فهو لم يعتمد المسافة بينه وبين نفسه، بما يكفل له القدرة على التأجيل - تأجيل بعض آرائه - أو المناورة، أو المداورة، أو التخلي، استجابةً لضغط بعض المقتضيات أنه - بسبب طبيعته - كان يقرن النظرة، بالفكرة بالممارسة، ويجعل لرابطة الفكر والعمل ينبوعاً متدفقاً يغني الآراء والأفكار على حد سواء، ويغني تجربة المجتمع بالمكشوف المباشر (67).

إن الإمام علي في عهده العظيم إلى مالك الاشتر قد وضع الأسس المتينة لانشاء جهاز حكم يعمل للشعب وللشعب فقط، غير ملقٍ بالاً إلى منافع طبقة خاصة تسعد على حساب الشعب وتنعم بجهوده(68).

فكانت المنظومة القيمية العلوية منظومة عقيدية تشريعية تُصان فيها الحقوق والقيم

ص: 21

من الانتهاك، وتتضمن التوعية لمفاهيم العدل والحرية والمساواة وتقدير الإنسان لقدراته الذاتية وتنميتها، وبالتالي مواجهة التسافل الإنساني والطغيان البشري عبر حركة منظمة قوية واعية لهدف الاستخلاف واستعمار الأرض فهذه المنظومة تجديد لروح الإنسان، ووعيه بذاته في اطار حركة المجتمع والتاريخ.

وقد كان الإمام عليّ في إدارته للدولة وتدبير شؤونها ينطلق من فلسفة قرآنية إسلامية خاصة في الإدارة، فمع كون الإدارة في الإسلام تشترك مع المفهوم العام للإدارة في معظم عناصرها لكنها تنفرد عنها بالبعد الديني والعقدي الذي ينبع من نظرية الاستخلاف الكبرى في الإسلام، فالإدارة الإسلامية لا تقتصر على تدبير الأعمال العامة وإنما ترتبط أصلاً بالغاية التي وجد المسلم لها وهي عبادة الله وطلب رضاه والانخراط في مشروع الاستخلاف وعمارة الكون، وهي في الإسلام عبارة عن طاعة جماعية منظمة تشترك فيها جميع مكونات المجتمع وأفراده وهيئاته، وهذه الصفة الجماعية تجعل نجاح الإدارة في اجواء الفرقة والخلاف وتفشي الروح الفئوية والأنانية في المجتمع عملاً مستحيلاً وضرباً من ضروب الخيال (69).

فالأسلوب التنظيمي الذي اتبعه الإمام عليّ (عليه السلام) من أعمق وأدق الأساليب التنظيمية الفعالة والرافدة لحقيقة الوضع البنائي الفكري والنفسي والسلوكي للإنسان، ومستقبله ولأجيال قادمة، واتخاذ التنظيم القويم بأوجهه المختلفة سبيلاً، كما هو عليه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي والأمني والثقافي والحضاري وبنظرة أعمق في أمور الدين والدنيا، على مختلف المديات (70).

ص: 22

المبحث الثالث ركائز البناء القيمي والتقوائي للراعي في عهد الاشتر

انطوى عهد الإمام عليّ للاشتر على نظرة فلسفية شاملة للحياة والإنسان والتاريخ، واحتوى على العديد من الأفكار والمبادئ والقيم الإنسانية، والمفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية (71).

بل أن توجيهاته (القيميّة) في هذا العهد الشريف لل(راعي) في الدولة الإسلامية يمكن أن تكون (نظرية إدارية راسخة لا تتعارض مع مختلف الأديان والحضارات (72).

ويُفسر هذا التركيز من أمير المؤمنين (عليه السلام) - في عهد الاشتر - ببناء رعاة الدولة وحكامها (ولاتها) قيمياً وأخلاقياً؛ بأنهم الجهة التي تتولى تنفيذ والاشراف على تنفيذ الدستور الإسلامي (القرآن والسُّنة النبوية) وما يتصل به من قوانين وإجراءات من جانب، وهم الجهة التي ترعى وتدير وتنظم أمر المجتمع بطبقاته وعلاقاته المختلفة من جانبٍ آخر.

وقد حرص الإمام عليّ على تربية وإعداد الراعي الذي يتصدى لإدارة الشؤون العامة على وفق المعايير التقوائية والأخلاقية، وكان مدار برنامجه هذا بناء علاقات الراعي الأساسية قيمياً، وتنتظم هذه العلاقات في شعبٍ خمس هي:

1 - علاقات الراعي مع الله.

2 - علاقة الراعي مع نفسه.

3 - علاقة الراعي مع الرعية عامة.

4 - علاقة الراعي مع أعوانه وعماله المشتركين معه في إدارة الدولة.

5 - علاقة الراعي مع العدو.

وفيما يأتي بيان لهذه المحاور:

ص: 23

المحور الأول: تنظيم علاقة الراعي مع الله:

ويكون تنظيمها على أساس أنها علاقة ارتباط وعبادة وطاعة، ومعنى الارتباط بالله أن يجعل الإنسان وجه الله تعالى هدفاً له في كل أعماله وتصرفاته، ويُخلص له في كل أعماله، ويجعل مرضاة الله محوراً ثابتاً لكل حياته وتصرفاته، وأن يدخل بشكل كامل في دائرة ولاية الله فلا يكون له رأي أو حكم، أو هوى أو حب، أو بغض، أو عمل أو حركة، أو كلمة، في غير ما يحكم الله تعالى ویرید... والأداة المفضلة والمؤثرة في تحکیم وتوثيق هذا الارتباط والصلة بين العبد وربه، وربط الإنسان بهذا المحور الرباني في الحياة وإخلاص عمله وجهده لله تعالى هو الذكر، إذ هو استحضار لسلطان الله وحضوره الدائم، وهذا الاحساس والوعي لحضور الله يعمق في النفس حالة المراقبة الدائمة والانتباه الدائم ويحجز الإنسان عن الإنزلاق مع الشهوات والأهواء إلى معصية الله (73).

فقال الإمام علي (عليه السلام) للأشتر: (وأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ واجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وبَيْنَ اللِّهَ أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وأَجْزَلَ تِلْكَ الأقْسَامِ وإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلِّهَ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ وسَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ)(74)، فإن أعمال الإنسان كلها إذا قُصد بها وجه الله، وتضمنت النفع للناس يمكن أن تكون عبادة لله تعالى. وأوصاه بأن يحافظ على نشاطه الروحي، وأن لا يهمل في ذلك أو يتسامح، وأن لا تشغله مهمات الحكم عن الاتصال بالله في كل وقت يمكنه ذلك (75) فقال (عليه السلام): (ولْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ للهِ دِيِنَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ الَّتِيِ هِيَ لَهُ خَاصَّةً فَأَعْطِ اللهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ ونَهَارِكَ ووَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَی اللهَ مِنْ ذَلِكَ كَامِلاً غَيْرَ مَثْلُومٍ ولا مَنْقُوصٍ بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ)(76)، فالصلة الدائمة ب الله عن طريق العبادة هي التي تنمي في الإنسان الضمير الديني الذي يمنعه من البغي والظلم(77).

ص: 24

ومن مؤشرات الارتباط بالله، القدرة على ضبط النوازع الذاتية، وربطها بمشيئة الله ولذلك أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) وإليه على مصر مالك الاشتر ب (بِتَقْوَى اللَّهِ وإِيْثَارِ طَاعَتِهِ واتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وسُنَنِهِ الَّتِي لا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلا بِاتِّبَاعِهَا ولا يَشْقَى إِلا مَعَ جُحُودِهَا وإِضَاعَتِهَا وأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ ويَدِهِ ولِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ)(78).

إن التقوى ومخافة الله سبحانه وتعالى وخشيته سر النجاح وتجاوز الفساد والإفساد في إدارة المنظمات الإنسانية سواء أكانت عامة أم خاصة؛ فالتقوى تمثل المحور المركزي في إطلاق فاعلية الفرد والجماعة نحو تحقيق الأهداف العامة أو الخاصة برؤية صادقة وثقة مطلقة قاعدتها الفكرية والفلسفية متوازنة في اعتماد روح التقوى ومخافة الله وخشيته في السر والعلانية، لذا فإن التقوى تُعد الوظيفة الأولى والأساسية التي ينبغي على الراعي أن يلتزم بها سلوكياً ويعتمدها في التعامل مع الآخرين على وفق سياقات هادفة إلى تدعيم البناءات القيمية للمجتمع، وأن التقوى التي ينبغي أن يعتمدها الوالي بالتعامل تستند في رؤية الإمام علي (عليه السلام) على وفق قاعدتين رئيسيتين هما:

أ. إتباع ما أمر الله به في كتابه الكريم الذي يشكل الاطار الفكري والفلسفي للعقيدة الإسلامية ومادته الأساسية.

ب. سنة النبي الكريم التي تشكل الاطار التنظيمي عملياً وسلوكياً لرؤيا الإسلام الحنيف (79).

ولابد للحاكم المتصدي لقيادة الأمة أن يكون مستقيماً في سلوكه، ثابتاً في نهجه، ورعاً في أحكامه وتصرفاته، محتاطاً في قضايا الناس وأمورهم، وأن ينصر الله في كل حركة من حركاته، أي أن ينصر دين الله، ويشفق على عباده بقلبه، وعزيمته، ويده، وقوته، ولسانه وكل جوارحه (80) فإن نصرة الله هي تحقيق إرادة الله في المجتمع، وذلك بالسعي إلى بناء

ص: 25

مجتمع تسوده العدالة والطمأنينة والرحمة (81).

والارتباط بالله، وحسن عبادته، والاستقامة في السلوك يقود الراعي حتماً إلى طاعة الله وإقامة حدوده، فيكون بمنأى عن مخالفة الشريعة بالظلم والجور وهو ما عبر عنه أمير المؤمنين ب(حرب الله) فقال للاشتر: (ولا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللِّهَ فَإِنَّهُ لا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ ولا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ) (82).

المحور الثاني: تنظيم علاقة الراعي مع نفسه:

وقد أكد الإمام عليّ على تنظيمها على أساس (التقوى) التي تشكل رقيباً داخلياً يُقوّم سلوك الإنسان عن الافراط في الزيغ والانحراف، وعلى أساس (سيطرة العقل) على الأهواء والشهوات والعواطف والميول والرغبات، فإذا تمادى الإنسان في إتباع هواه وغرائزه ورغباته الجامحة، وأطلق لنفسه عنان الشهوات، بعيداً عن التعقل والتقوى، فقد يصل الأمر به إلى الخروج عن دائرة الإيمان (83)، فصدر توجيه أمير المؤمنين لواليه الاشتر (وأَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ ويَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ اللَّهُ) (84).

إن الحاكم محكوم بشهواته، وجمحات نفسه، وعليه بحكم المسؤولية الكبيرة التي يقوم بها أن يتجاوز شهواته وعواطفه وأن يتعالى على نفسه ليستطيع أن يمارس مهمة الحكم بجدارة (85).

وإن سياسة النفس عند الإمام عليّ هي منطلق لنجاح الحاكم، وهي من واجبات من ينهض لقيادة الأمة، فيدرك بها مقومات السياسة العادلة، فتسقط حُجج الرعية في المعارضة وتثبت حُجة الحاكم بعدالته وكفاءته على شعبه (86).

ص: 26

فالسلطة وظيفة ربانية، وهي في الإسلام إمامة عن الأمة، أي أن يكون في مقدمة الناس في كل الصفات الخيّرة (87)، (ومَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ للِناَّسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيِمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ ولْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإجْلالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ)(88) كما يقول الإمام علي (عليه السلام).

فلا يكون صلاح الرعية بما فيهم الموارد البشرية ضمن كل المستويات التنظيمية داخل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، إلاّ بصلاح القائد أو الوالي، وهو الوجه والقوة الحازمة والمؤثرة والفاعلة والمهمة للحيلولة دون ظهور الفساد بكل أشكاله، ومنه الفساد الإداري والمالي (89).

ومما ينبغي ذكره أن ممارسة السلطة - بحد ذاتها - إغراء بالتسلط، وهو إغراء ليس وهمياً، بل قائم في الممارسة والفعل، وأن مجموعة القوانين والمراسيم والتعليمات والأوامر الإدارية، ومجموع الأجهزة الإدارية والشرطة، ودوائر الموظفين والجباة وغيرهم، تخلق انموذج السلطة الآمرة(90)، ولذلك شخص الإمام علي (عليه السلام) امكانية طغيان الراعي، فقال للاشتر: (ولا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ)(91).

فالاغترار بالسلطة يؤدي إلى إفساد فعل الراعي وانحرافه اخلاقية ودينية، ويكون بدايةً لنشوب مشكلات الصراع الاجتماعي، وتبدل الدول (92).

إن نزعة التسلط أمر تشجعه أُبهة السلطة وعظمتها من جهة، وبطانة السوء من جهة أخرى، فأُبهة السلطة تورث المخيلة، والإعجاب بالنفس، وِحدة الطباع، والانغماس في لذة هذه الشهوة، وبطانة السوء التي تكثر وتبالغ في الثناء بالباطل - تقرباً إلى السلطان - تُحدث زهواً في نفسه، وتَزيّداً في فعله، يدنُيه من الطغيان والبغي، فالإمام عليّ وهو يشخص هذه المغريات لا يفوته أن يحذر الراعي منها، ويصف له الدواء الناجع

ص: 27

بقوله: (وإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَی مَا لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ ويَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ ويَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ إِيَّاكَ ومُسَامَاةَ اللِّهَ فِي

عَظَمَتِهِ والتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ ويُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ) (93).

(وإِيَّاكَ والإعْجَابَ بِنَفْسِكَ والثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وحُبَّ الإطْرَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ)(94).

وقال له بعد أن أمره بنبذ بطانة السوء، وتقريب أقْوَلَهم بمُرّ الحق: (والْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ والصِّدْقِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَی أَلا يُطْرُوكَ ولا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ فَإِنَّ كَثْرَةَ الإطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ)(95).

ص: 28

مخطط رقم (2)

غرور السلطة

مظاهر الداء

الأبهة والكبرياء الخيلاء والعُجب جده الطباع الثقة الفارغة حب الاطراء

آثار الداء

افساد القلب اضعاف الدين بتغليب الهوى الاستبداد والطغيان والبغي

ظُلم

زوال المُلك

مخطط يبين أثر الاغترار بالسلطة في زوال المُلك على وفق ما ذكره الإمام علي (عليه السلام)

فمن عظمة الفكر وصلابته العقائدية أن نرى تجسيداً رائعاً في تدعيم التواضع والتنديد بالغرور والكبرياء والترفع على الرعية والمرؤوسين وهذا التأطير الفلسفي والعقائدي يتجلى بوضوح من خلال مقارنة المرء بعظمة الله وقدرته، إذ أن الراعي مهما تعاظمت قدراته وقابلياته فإنه ينبغي أن ينظر لعظمة الخالق القدير عزّ وجل حتى لا

ص: 29

يعزب عنه رشده وعقله ويتواضع إجلالاً لله خالق الكائنات وصاحب السطوات (96).

ولا يختلف الولاة عن الرعية، في كون الاثنين بشراً يُصيبون ويخطئون، لكن خطأ الوالي أكبر ضرراً، وأشدّ مفعولاً، لأنه يُلحق الضرر بالمحكومين بأكبر نسبة منهم كذلك فإن خطأ الوالي مرئي من قبل الناس وقد ينظرون إليه بعين المبالغة، فتكون لتلك المبالغة تأثيراتها المضافة، فمَنْ يُلزم الوالي بعد هذا من عدم الانجراف في التسلط والإكراه والمغاضبة والعدوان؟ ومن يستطيع أن يقاوم نشوء بطانة السوء أو يحد من نشاطها السلبي؟ أن الوالي نفسه يستطيع ذلك عبر شيئين متلازمين:

أولهما: أن يملك نفسه عن الهوى، ويضعها في خدمة العمل الصالح.

وثانيهما: أن تكون محبته للرعية حقيقية، طبيعية، ثابتة، لا محبة شعار، أو محبة مصلحة، أو محبة مرحلة(97).

فجاء توجيه أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك: بأن يكون (أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَامْلِكْ هَوَاكَ وشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الإنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ)(98).

إن الإمام علي (عليه السلام) يرفض الحكومة بصفتها نظاماً دنیوياً يشجع غريزة حب الجاه والتسلط في الإنسان، بل يعرّف الحكومة بأنها هدف للحياة، فهي لا تساوي في نظره شيئاً إذا لم تُحقق الهدف (99)، والهدف هو غايتين ترتبط احداهما بالأخرى وهما إحقاق الحق ومواجهة الباطل (100)، وأن وعي حقيقة السلطة، وإدراك وظيفتها على هذا النحو من الإدراك يمنع الحاكم من الاغترار بها ويحول بينه وبين الاتجاه بها إلى جانبي الاستئثار والاستبداد(101).

ص: 30

فالإمام علي (عليه السلام) يشجع رقابة الوالي على نفسه تارةً ضمن الشعور بالرقابة الإلهية، وتارةً من أجل حماية وصون الذات من الانحراف في الأداء، فيبني الردع الذاتي على وفق حاسب نفسك بنفسك (102)، وتارة ضمن الشعور بالرقابة الشعبية (وأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيِهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاةِ قَبْلَكَ ويَقُولُونَ فِيِكَ مَا كُنْتَ

تَقُولُ فِيهِمْ وإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ)(103).

المحور الثالث: تنظيم وبناء علاقة الراعي مع الرعية:

ترتكز فلسفة الحكم في الإسلام على معرفة التركيبة الاجتماعية لأفراد المجتمع وتطلعات الرعية على جميع الأصعدة؛ بغية تقليص المسافة بين الراعي والرعية، إذ لا شكّ في أن استحضار المعية الإلهية تبرّز جلياً من خلال القرب المادي والمعنوي بين الحاكم والمحكوم، وتكون ملاكاً لصلاح أمرهما، وبالعكس كلما كبرت الهوّة بينهما دَلّ ذلك على فتور استحضار تلك المعيّة التي تُكوَّن العامل الأساس في ظهور الفساد بجميع مستوياته (104).

فالدولة عند الإمام علي (عليه السلام) کیان تدبيري عام تنبثق فيه المسؤولية من الإرادة العامة للمجتمع (الرعية)، وتحدّد وظائف الدولة وسلطاتها والتي يتولاها المسؤول العام (الراعي) طبقاً لمبادئ الدستور (الشريعة)، وتكون العلائق في ذلك تضامنية، وقد جسد الإمام (عليه السلام) وفي الفترة التي ولى فيها المسؤولية العامة في الدولة، الدور الاجتماعي العام وفي معادلة تكافأت فيها الحقوق والواجبات ما بين الدولة ومواطنيها، وتجسدت فيها آفاق ومعالم الفكر والنشاط التدبيري المثابر (105).

وقد عبّر الإمام (عليه السلام) عن ذلك الدور المسؤول للعلاقة ما بين الدولة

ص: 31

ومواطنيها في تطبيق القوانين، واستقرار الدولة بقوله: (فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَی الْوَالِي حَقَّهُ وأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ واعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وجَرَتْ عَلَی أَذْلالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ويَئِسَتْ مَطَامِعُ

الأعْدَاءِ) (106).

ويبيّن النص أن آثار هذه العلاقة ونواتجها ينسجمان بدقة مع طبيعتها واتجاهها، کما يدل عليه التفصيل الآتي (107):

أ. الآثار:

1 - أثر قيمي: (عزّ الحق بينهم).

2 - أثر دیني: (وقامت مناهج الدين).

3 - أثر سیاسي - أخلاقي: (واعتدلت معالم العدل).

4 - أثر اجتماعي: (وجرت على اذلالها السنن).

ب. النواتج:

1 - ناتج اجتماعي - تاريخي: (فصلح بذلك الزمان).

2 - ناتج سياسي - نظمي: (وطُمع في بقاء الدولة).

3 - ناتج أمني - عسكري: (ويئست مطامع الأعداء).

وبذلك يجعل الإمام علي (عليه السلام) التوازن في العلاقة بين الحاكم والمحكوم الأساس الذي يتكئ عليه الكيان الاجتماعي وبالشكل الذي يضمن علاقة عادلة بين الطرفين.

والرعية عند الإمام علي (عليه السلام) جزءٌ مكمل للراعي، فلم نجد استعمالاً للكلمة منسلخة عن الراعي، إذ لا رعية بلا راعٍ، كما وأن لا قدرة للراعي أن يعمل شيئاً

ص: 32

بدون الرعية، وهناك حقوق متبادلة بينهما، وتشكل هذه الحقوق نظام العلاقة المتينة بين القاعدة والقمة (108)، يقول الإمام علي (عليه السلام): (وأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ

تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَی الرَّعِيَّةِ وحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَی الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ

لِكُلٍّ عَلَی كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وعِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلا بِصَلاحِ الْوُلاةِ ولا تَصْلُحُ الْوُلاةُ إِلا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ)(109).

أما حين لا تبذل الرعية للوالي طاعتها ولا تمحضه نصيحتها، ولا تلبي دعوته إذا دعا، أو حين تفعل ذلك كله ولكن الوالي يستغله في رعاية مصالح نفسه، ويهمل مصالح رعيته فإن ذلك مؤذن بشیوع الظلم وسيطرة الظلمة وفساد الدولة (110).

(وإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ وظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وكَثُرَ الإدْغَالُ فِي الدِّينِ وتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وعُطِّلَتِ الأحْكَامُ وكَثُرَتْ عِلَلُ النُفُّوسِ فَلا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيِمِ حَقٍّ عُطِّلَ ولا لِعَظِيِمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُناَلِكَ تَذِلُّ الأبْرَارُ وتَعِزُّ الأشْرَارُ وتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللِّهَ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ

وحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ)(111).

وعلى أساس هذه المقدمة السياسية والاخلاقية العميقة التي انطلق منها الإمام علي (عليه السلام) في تصوير العلاقة الحقوقية المتوازنة بين الحاكم والمحكوم، فإنه رأى أن التكامل الحقوقي المبني على الحق والحق المقابل هو الأساس الوحيد الذي يضمن التناسق الاجتماعي بين أفراد الأمة ومجموعاتها من جانب والسلطة القائمة من جانب آخر، وأن اختلاف كلمة الأمة وظهور معالم الجور بينها ليسا إلاّ نتاجاً لتهشم العلاقة بين السلطة والمجتمع وهبوطها إلى أدنى مستوى ممكن، ومن ذلك يتبين حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه السلطة في صيانة الواقع الاجتماعي العام وتلبية مطالبه(112).

ص: 33

وفيما يأتي نورد أهم المعايير القيمية والأخلاقية والتقوائية التي اهتم الإمام علي ببناء علاقة الراعي بالرعية على هديها:

1 - تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية على وفق معيار الحق، واحترام دستور الدولة.

ويتضمن هذا المعنى التزام الراعي أولاً برد ما يضلعه من الخطوب، ويشتبه عليه من الأمور إلى الله ورسوله والأخذ بمحكم كتابه، وسنة نبيه الجامعة غير المفرقة (113)، فضلاً عن السيرة العملية للحاكم العادل الذي كان قبله، فإنها محترمة ومرضية عند الله وعند الناس، وشرط عليه في العمل بما شاهده من عمل وتطبيق الإمام علي (عليه السلام) للقوانين على موضوعاتها، ليأمن من الاشتباه في التفسير وفهم المقصود، ومن الخطأ في التطبيق (114) إذا ردَّ الأمور إلى هواه؛ فقال: (والْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَی لِمَنْ

تَقَدَّمَكَ مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا i أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللهَ فَتَقْتَدِيَ

بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا وتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ... لِكَيْلا تَكُونَ لَكَ

عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَی هَوَاهَا)(115) فلن يعصم من السوء ولا يوفق للخير إلاّ الله تعالى.

ولا شك أن شخصية الإمام عليّ هي مرجعية نافعة ومنقذة إذا ما أراد الراعي أن يتلمس على هداها معالم النظرية الإسلامية القرآنية - فكراً وتطبيقاً - في شروط ومباني الاجتماع والحضارة وإقامة الدولة وحقوق المواطنة لاشتمالها على ركنين رئيسيين هما(116): الأول: الأساس المعرفي والفكري في كل نظرية، وتمثل ذلك بما جادت به شخصيته من أفكار وأصول نظرية محكمة وغنية وواضحة ضمتها خطبه وأقواله حول مفهوم الدولة والمواطنة - الراعي والرعية -بغزارة لا نجدها عند غيره من أبناء هذه الأمة... وتعد تلك الأفكار تفسيراً وتعضيداً للأصول والمبادئ النظرية التي جاء بها القرآن

ص: 34

الكريم، ف ((عليٌّ مع القرآنِ والقرآنُ مع عليّ لن يتفرّقا حتى يردا علىَّ الحوض)(117) کما اخبر رسول الله i.

الثاني: وهو التطبيق العملي لتلك الأفكار والأصول النظرية، فقد قدمت لنا سيرته الشريفة بجميع أدوار حياته تطبيقات عملية مخلصة وفريدة لما رسخ في ضميره من مبادئ أصيلة أخذها من القرآن الكريم، ومن طول صحبته لرسول الله i وملازمته إياه، وقد أكد ثباته على تلك المبادئ مع اختلاف ظروفه التي مرَّ بها، أكد أصالتها وصلاحيتها للتأسيس من جهة وإخلاصه في تبنيها من جهة أخرى. ولذلك كله نفهم وصية الإمام علي للاشتر خاصة ولكل راعٍ باقتفاء أثر سيرته المباركة، والاقتداء بسنته العادلة بعد كتاب الله وسنة رسوله، فبذلك يصل بالأمور إلى (أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وأَجْمَعُهَا لِرِضَی الرَّعِيَّةِ)(118).

ودعا الإمام علي في هذا الاتجاه إلى أن تتوثق رابطة الراعي برعيته على أساس التزامه الصارم - أمام الرعية - بتطبيق القانون والحق بلا محاباة، إذ قال: (وأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ

الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ وكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ

وابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ) (119). وبذلك يكون الحق معیار السياسة لديه في كل ما يتصل بها ويمت إليها بصلة، وأشار في السياق نفسه إلى أنه لا شيء يبرر للراعي انتهاج سلوك مضاد للحق في سياسته مع الرعية بأي عنوان کان وتحت أية ذريعة(120).

ص: 35

2 - تنظيم العلاقة بين الراعي والرعية على وفق معايير الانصاف، والعدالة، والمساواة. أ. الانصاف:

وفيه يقول موجهاً الاشتر: (أَنْصِفِ اللَّهَ وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ومَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لَّلِهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ) (121).

فإن بناء الأخلاقية الإنسانية للراعي تبدأ من المقدرة والعفو والانصاف، وبناء عدالة التنظيم والتوزيع والمساواة في الحقوق والواجبات، كل على قدر واجباته وقدراته، مما يبني أواصر المحبة ووحدة القلوب بين القائد ورعيته والعاملين بأمرته، وتواصل تقییم وتقویم كل الاتجاهات والسلوكيات في ذكر الله تعالى والشعور بقدرته، الواقي والرادع لجموح الظلم لدى الإنسان، ولاسيما الحد من تمادي الشخص القيادي بسلطته وجبروته، والحد من تمادي ما دونه ممن هم أدني في تسلسل السلطات والمخولين بالصلاحيات، مهما كان قربهم الاجتماعي أو النفسي من الرئيس أو القائد الأعلى (122).

والانصاف والعدل عند الإمام علي حالة نفسية تنطلق من الجوارح أولاً، فلابد للراعي من أن يبدأ بنفسه أولاً، فيعدل بين نفسه وبين الناس، وبين نفسه وبين الله، وفي المرحلة التالية يعدل بين الناس وبين اقرب الناس إليه، فعندما لا يرسو الانصاف على شاطئ النفس أولاً لا يستطيع أن يتحرك ليسود المجتمع، فتكون النتيجة هي انتشار الظلم (123).

فبالاضافة إلى كون الانصاف من مبادئ الدين، فإن له فوائد اجتماعية جمّة منها نزع الحقد وإطفاء النائرة وتشجيع المعاندين والمتغطرسين على العودة عن غيّهم، وهذه المكاسب كم فيها من صلاح ونجاح للمجتمع؟ (124)، وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله: (الانصاف يرفع الخلاف ويوجب الائتلاف) (125).

ص: 36

ب. العدالة:

وهي احترام حقوق الآخرين واعطاء كل ذي حق حقه(126)، والعدل السياسي في فلسفة الإمام علي الحكمية والسياسية أوسع من الأرض، فهو أساس الحكم، وبه قوام العالم، وفرح الرعية، وخصب الزمان، والعدل فضيلة السلطان، وجُنّة الدول، وطريق اعمار البلاد، وإصلاح الشعوب، واستمرارية الملك... هذه المضامين هي عناوین حکم علوية (127) ترسم صورة واضحة للعدالة، بمداها الوسيع، فهي أوسع من الأرض بل روح الأرض والحياة (128).

ويرتبط العدل عند الإمام عليّ مع أصله الايماني إلى المستوى الذي يكون التعبير الأبرز عنه أن يكون (رأس الإيمان وجماع الاحسان) (129)، ومنه يتبين أن العدل يحتل مرتبة الصدارة بين قيم الإيمان إلى الحد الذي لا تدانيه قيمة أخرى؛ وما ذلك إلاّ لأنه المبدأ الذي ينبغي أن تتشكل علاقة الإنسان بكل الوجود بموجبه (130).

لقد حرض الإمام علي (عليه السلام) أصحاب المسؤوليات بل أغراهم بالعدل، ليكون زينةً لهم، وفضائل تجعلهم جديرين بمراكزهم، فالراعي هو المصدر الذي يفيض عنه العدل أو الظلم في مملكته أو ولايته وبقدر قوة هذه العدالة وشموليتها تزدهر البلاد ويتطور عمرانها (131).

فتارةً يوجه الإمام علي الاشتر لتكون (أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ) (132) فمن العمل الصالح الرغبة الدائمة في منح كل شخص ماله، وإيقاف الإنسان عند حده، واعطاء كل ماله بمقتضى القواعد التي رسمها القانون، وذلك هو إقامة العدل، وذلك من أهم قواعد الأخلاق التي تحتم بقاء الحقوق في يد أصحابها وصونها من العبث، وخير فعال لتحقيق الحرية والمساواة إنما هو العمل الصالح؛ إذ هو من أبرز الآثار لعدالة النفس وأسطع صفات العدالة الاجتماعية (133).

ص: 37

وتارةً ينبه إلى أهمية هذا المبدأ (ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وأَجْمَعُهَا لِرِضَی الرَّعِيَّةِ) (134)، فمعیار الحق والعدل ورضى الناس هي القاعدة التي ينبغي أن ينطلق منها كل راعٍ في رسم سياساته في مختلف شؤونه التنفيذية، والحصيلة هي انتشار العدل (135).

لقد جعل الإمام علي (عليه السلام) أُسساً موضوعية للعدالة التي ينبغي أن يطبقها الراعي على رعيته فمنها:

أ. التساوي في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع.

ب. إدارة أموال الدولة وتنميتها على أساس العدل وكفالة الفقراء.

ج. التساوي في مجال إجراء العدالة.

أ. التساوي في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع:

كان من أولى مهمات الإمام علي (عليه السلام) هو إلغاء التمايز الطبقي والعرقي بين الناس، إذ إن مكانتهم في الدولة والمجتمع تحددها خدماتهم التي يقدمونها، ومدی التزامهم بالأنظمة والقوانين، ... ولهم - قبل ذلك - جميع الحقوق المدنية في العيش والأمن والسكن والتنقل والعمل، وكانت تلك المهمة شاقة على أمير المؤمنين (عليه السلام) جرّت عليه سخط الكثيرين الذين كانوا يتمتعون بمكاسب ذلك التمييز (136)، فمع أن المساواة والعدل كانت من أولى مقررات الإسلام ومطالبه، إلاّ أن ذلك لم يُفلح في اجتثاث النعرات الطبقية والعرقية والطائفية من نفوس الناس بصورة كلية وبقيت المحاباة والإثرة تتحكم في أهواء الناس وميولهم، مما ولد الحنق والسخط في نفوس المستأثر عليهم والمستضعفين، وجرّ على المجتمع ويلات الفتنة (137).

ولذلك وجه الإمام علي الاشتر إلى أن الراعي ينبغي أن يرى في القسط والعدل حقاً

ص: 38

أصيلاً وثابتاً لكل فرد من أفراد المجتمع مهما كان وضعه... ولا يُشترط فيه وحدة الدين والفكر والعرق والعقيدة (138) فقال: (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ...)(139).

إن وصية الإمام علي هذه تكتسب قيمة خاصة، ونادرة من الوهلة الأولى، لاسيما وأن العصر - حينذاك - كان لا يخلو من نظرة التعالي على أهل الذمة، والتجاسر عليهم أحياناً من قبل بعض الجباة، وبعض أفراد الرعية، بالاستناد - غير الواقعي - إلى أفكار دينية؛ فكان تأكيد الإمام علي (عليه السلام) على فكرة (النظير في الخلق) لتُضاهي فكرة (الأخوة في الدين) وتضع أساساً لديمقراطية العلاقة بين جميع الناس من مختلف الملل والنحل والأحزاب والطوائف والأقليات القومية، وتحدد الاطار الحقوقي لحرية الاعتقاد تلك الحرية التي لا يمكن قهرها(140).

كان حلّ الإمام علي الذي قدمه بمواجهة مشكلة (التمييز)، بصورتها الحسية حينذاك، حلاً تاريخياً لكل مشكلة من هذا النوع، فهو في جوهره، وفي آفاقه دستور أخلاقي - سیاسي لحل مشكلة العلاقات بين القوى والفصائل والأطراف المختلفة ايديولوجياً وسياسياً ويقوم الحل على ركنين (141):

الأول: ركن الأخوة الايدلوجوية والسياسية، وهو يتضمن وحدة المنطلقات ووحدة العلاقة وما يترتب على ذلك من تضامن.

الثاني: وهو الأهم، تذكير السلطة المذهبية، أن (الإنسان) من مذهبٍ آخر هو نظير (إنسان السلطة) في الخلق، وليس ثمة ما يتعالى به عليه، فتكون له به حجة لقمعه.

فالإمام عليّ قد حاول - في وصيته هذه - أن يرسخ مبدأ إسلامياً أصيلاً يؤكد على (الانتماء إلى الإنسانية)، فالولاء والانتماء للأمة لا يعني إفرازها عن الكتلة الإنسانية

ص: 39

كلها، إنما يعني:

1. تركيز الولاء العام للإنسانية في هذه المجموعة الخاصة.

2. وتكثيفه نحوها بالخصوص.

لأن الإنسانية أصبح يرتبط معها ولائين:

1. ولاء عام للإنسانية كلها.

2. وولاء خاص للأمة التي يشترك معها في العقيدة والأخلاق.

فالإسلام يحاول تنمية الحس الإنساني دائماً على حساب الحس الشخصي، والحس القومي، ويحاول دائماً أن يركز في الإنسان شعوره بالانتماء إلى المجموعة الإنسانية كلها وأنه عضو فيها... ومن هنا نجد القرآن الكريم يخاطب الإنسان عموماً، ويخاطب المؤمنين أيضاً بإثارة العنصر الإنساني فيهم قائلاً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ» (142)، «يَا بَنِي آدَمَ» (143). لأن ولاء الإنسان لأمته يعتمد في النظرية الإسلامية على العنصر الإنساني وبالذات على الأخلاق التي هي جوهر الإنسان (144).

ولكن ينبغي التنبيه إلى أصل مهم يبتني عليه تعيين الحقوق للناس، فإذا كانت المساواة والتآخي أصل إسلامي - مال إليه كل الشعوب في العصور الأخيرة وأُدرج في برنامج حقوق الإنسان - فهي لا تعني تساوي الأفراد في النيل من شؤون الحياة: الصالح منهم والطالح، والجاد منهم والكسلان على نهج سواء، بل المقصود منه نيل كل ذي حقٍ حقه من حظ الحياة على حسب رتبته العلمية وجده في العمل، وقد شرح الإمام علي (عليه السلام) هذا الأصل عندما نبّه الاشتر إليه بقوله: (ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَ ولا تَضُمَّنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إِلَی غَيْرِهِ ولا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ ولا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً ولا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظيِماً) (145)، فأمر الإمام علي كل راعٍ - عبر عهده للاشتر - بإيصال حق الجهد والاخلاص إلى

ص: 40

صاحبه وعرفان هذا الحق بما یوجبه من الرتبة والامتياز، وفسّر التبعيض ببعض الأمور:

1 - إضافة جهد رجل إلى غيره واحتسابه لغير صاحبه.

2 - عدم استيفاء حق المجاهد الجاد، والتقصير في رعاية حقه على ما يستحقه.

3 - احتساب العمل الصغير من رجل شریف کبیراً رعايةً لشرفه.

4 - استصغارُ عملٍ كبير من رجلٍ وضيع بحساب ضعته.

فهذه هي التبیعضات الممنوعة التي توجب سلب الحقوق عن ذوي الحقوق (146).

فمن مظاهر العدل أن يُنصف الراعي بين المحسن والمسيء، فقال الإمام علي (عليه السلام): (ولا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإحْسَانِ فِي الإحْسَانِ وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإسَاءَةِ عَلَی الإسَاءَةِ وأَلْزِمْ كُلاً مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ (147).

فليس للإنسان إلاّ ما سعى والتزم به من قيم المجتمع وآداب التعامل الهادف، إذ «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (148)، ولذلك فإن الإمام علي (عليه السلام) يركز على أهم الجوانب النفسية في الإدارة وهو (التحفيز) الذي يتضمن مبدأ العقاب والثواب مع الرعية، والتأثير على سلوكهم بحوافز مادية أو معنوية هادفة في ضوء الاعتبارات الموضوعية العامة (149).

فعدالة الراعي تصنع الأجواء المناسبة لتربية الرعية وتعويدها على عمل الخير(150)، فقال (عليه السلام) للاشتر (واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شيْءٌ بِأَدْعَى إِلَی حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِإِلَيْهِمْ وتَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَی مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ) (151).

ص: 41

ب. إدارة أموال الدولة وتنميتها على أساس العدل وكفالة الفقراء.

إن النمو والازدهار - لأي بلد - لا يتحقق باستنزاف الموارد واستهلاكها بل باستثمارها وتنميتها،... وأن عمارة البلاد واستصلاح العباد هما الهدف الأسمى وراء كل حركة عامة ونشاط اداري في الإسلام، فليس غريباً أن يبتدئ الإمام علي (عليه السلام) أمره للاشتر بتثبيت هذين الهدفين الساميين (152): (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللِّهَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ

الْحَارِثِ الأشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وجِهَادَ عَدُوِّهَا واسْتِصْلاحَ

أَهْلِهَا وعِمَارَةَ بِلادِهَا) (153).

إن (عمارة البلاد) قد تساوي في الأدبيات الاقتصادية الحديثة: التنمية الاقتصادية، ولكن لو أضفنا لها (استصلاح الشعب) فإنها تعني التنمية ببعديها الاجتماعي والاقتصادي، وكلا البعدين يكمل الآخر ويؤثر فيه،... إن عناية الإمام علي بعمارة البلاد، إنما هو لتحقيق إرادة السماء في الأرض إذ يقرر الإسلام بأن اشباع الجانب المادي متزامناً مع التقوى، لهو خير معين على الارتقاء بالروح، ولا يوجد تنازع إطلاقاً بين تلبية مطالب الجسد والسمو الروحي عند الإمام عليّ، بل أن الإمام يراهما متلازمتان،... لذا فإن التنمية عند الإمام عليّ ليست مجرد زيادة في الناتج القومي، ورفع متوسط دخل الفرد فقط - كما يجد الباحثون في الكثير من الأدبيات الاقتصادية الحديثة (154) -، بل أن مفهوم التنمية عنده يشمل (عدالة توزيع الدخل، ورفع مستوى الاستهلاك لجميع أفراد المجتمع سواء منهم من لديه القدرة على تحقيق ذلك لنفسه أم من يعجز عن ذلك؛ إذ على الدولة أن تقوم بتحقيق هذا المستوى للصنف العاجز من الناس) (155).

ولذلك جاء في وصيته للاشتر - ومن خلالها للرعاة كافة -: (اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِينَ لا حِيلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاكِينِ والْمُحْتَاجِينَ وأَهْلِ الْبُؤْسَى والزَّمْنَى فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ

قَانِعاً ومُعْتَرّاً واحْفَظِ للهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ واجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ

ص: 42

وقِسْماً مِنْ غَلاتِ صَوَافِي الإسْلامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ فَإِنَّ للِأقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي للِأدْنَى وكُلٌّ

قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ ولا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِهَ لإحْكَامِكَ الْكَثيِرَ الْمُهِمَّ فَلا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ والتَّوَاضُعِ

فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ ثُمَّ اعْمَلْ فيِهِمْ بِالإعْذَارِ إِلَی اللهَ يَوْمَ تَلْقَاهُ فَإِنَّ هَؤُلاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَی الإنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ وكُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَی اللِّهَ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ وتَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لا حِيلَةَ لَهُ ولا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ وذَلِكَ عَلَی الْوُلاةِ ثَقِيلٌ والْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وقَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَی أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ ووَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ) (156).

فمن خصائص الإسلام الفريدة أنه حمل على كاهله هموم جميع مواطنيه وضمن حقوقهم في المال صغيرهم وكبيرهم، اناثهم ورجالهم، غنيهم وفقيرهم، عاجزهم وقادرهم (157).

فقد ساوى الإمام عليّ الطبقة السفلى مع سائر الناس في الحقوق، وهذه الطبقة تشمل العاجزون عن الحيلة والاكتساب، والمساكين والمحتاجون ممن يسأل لرفع حاجته (القانع)، ويعرض نفسه في مظان الترحم بلسان الحال دون أن يعرض حاجته بلسانه (المعتر)، أو من اعتزل في زاوية بيته دون أن يسأل بلسانه، ولا يعرض نفسه على مضان قضاء حوائجه إما لرسوخ العفاف وعزة النفس فيه، أو لعدم قدرته على ذلك (کالز منی) وقد وصى الإمام علي الراعي فيهم بأمور (158):

1 - حفظ حقوقهم والعناية بهم طلباً لمرضاة الله وحذراً من نقمته لأنهم لا يقدرون على الانتقام ممن يهضهم حقوقهم.

2 - جعل لهم قسماً من بيت المال العام الذي يجمع فيه الصدقات الواجبة والمستحبة

ص: 43

وأموال الخراج الحاصل من الأراضي المفتوحة عنوة.

3 - جعل لهم قسماً من صوافي الإسلام في كل بلد... وهي الارضون التي لم يوجف عليها بخیل ولا ركاب وكانت صافية لرسول الله i، فلما قبض صارت لفقراء المسلمين، ولما يراه الإمام من مصالح الإسلام.

4 - أن لا يصير الزهو بمقام الولاية موجباً لصرف النظر عنهم وعدم التوجه إليهم مغتراً باشتغاله بأمور هامة عامة، فقال الإمام (عليه السلام): أحكام الأمور الهامة الكثيرة لا يصير كفارة لصرف النظر عن الأمور الواجبة القصيرة.

5 - الاهتمام بهم وعدم العبوس في وجوههم عند المحاضرة والمصاحبة لاظهار الحاجة.

ثم أوصى بالنفقد عن القسم الثالث المعتزل، بوسيلة رجل موثق من أهل الخشية والتواضع وخصص طائفتين من العجزة بمزيد التوصية والاهتمام:

أ. الايتام الذين فقدوا آبائهم وحرموا من محبة والديهم الذين يلمسونهم بالعطف والحنان دائماً.

ب. المعمّرون إلى أرذل العمر الذين أنهكتهم الشيبة واسقطت قواهم فلا يقدرون على إنجاز حوائجهم بأنفسهم (159).

فهؤلاء الضعفاء والذين يمنعهم الحياء وشرف النفس من إظهار فقرهم، ومن نَصبِ انفسهم للمسألة، يموتون جوعاً إذا لم يبحث عنهم الحاكم ويرعى أمورهم، ولذلك أمر الإمام الراعي بتفقد هؤلاء وأمثالهم، وأن يوكل بهم من يتفقدهم.

((ولا أظن أن حكومة من الحكومات الحديثة بلغ فيها التشريع العمالي، والتأمين الاجتماعي من النضوج والوعي للمسؤولية الاجتماعية إلى حد أن تؤلف هيئة تبحث عن ذوي الحاجة والفاقة فترفع حاجتهم بأموال الدولة، كما نرى ذلك في عهد الإمام ولا أظن أن قلوب المشرعين وعقولهم اجتمعت على أن تُخرج للدنيا تشریعاً عمالياً فأفلحت في أن

ص: 44

تخرجه أنبض من تشريع الإمام بالشعور الإنساني العميق) (160).

ومن نافل القول أن الضرائب - في الإسلام - إنما وضعت لسد بعض النفقات العامة للدولة، ولكن في فلسفتها الأصيلة فيه قامت على تحقيق الضمان الاجتماعي للطبقات الفقيرة في المجتمع وتجنيبها العوز والفاقة والتذلل في مسألة الناس، حتى يأتيها رزقها رغداً من بيت مال المسلمين دون منّة أو أذىً من أحد... ومع الاعتراف بأهمية أموال الضرائب في رفد الخزينة العامة إلاّ أن همّ الدولة يجب أن لا يكون منصرفاً بصورة أساسية نحو تحصيل الضرائب، وخطتها المالية والاقتصادية يجب ألا تكون قائمة عليها، فنماء الاقتصاد العام وتحصينه إنما يقوم على العمارة والاستثمار والتنمية المستدامة (161)، (ولْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ

إلِا بِالْعِمَارَةِ ومَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبلِادَ وأَهْلَكَ الْعِبَادَ ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلا

قَلِيلاً) (162).

غير أن عمران الأرض - نفسه - مرتبط أصلاً بمكانة الإنسان وقيمته؛ فالإنسان الحر الكريم غير المكبل بالقيود، قادر على إعمار الأرض والعناية بها، أما الإنسان السجين بقيود الظلم الاجتماعي، فهو غير قادر على اعمار أية أرض - إن كانت له أرض(163) - ولذلك يوجه الإمام عليّ الاشتر برعاية أصحاب الأراضي الزراعية والفلاحين فيقول: (فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ

الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ وتَزْيِينِ وِلايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ وتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ ورِفْقِكَ بِهِمْ فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأمُورِ مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا

ص: 45

حَمَّلْتَهُ وإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الأرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَی الْجَمْعِ وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ)(164).

فمن الأمور المهمة التي ينبغي للراعي التركيز عليها هي البعد الأخلاقي للاقتصاد في الإسلام، فلا يقوم الفكر الاقتصادي في الإسلام على أن الهدف هو مجرد مضاعفة وزيادة الثروة، بل تسخير الإنتاج لزيادة ثروة المجتمع والفرد من جهة، ولجعل أهداف إنسانية في الاقتصاد تأخذ بالحسبان الأشخاص والجماعات التي تعاني من الضيق الاقتصادي من جهة ثانية، وتأخذ بالحسبان عدم استغلال الطبيعة على نحو يؤثر على توازن الحياة ويؤدي إلى استهلاكها بما يضر بمصلحة الإنسان على المدى البعيد من جهة ثالثة (165).

وتبرز وحدة الأُفق بين (الإنسان، وعمارة الأرض، والخراج، وبناء الدولة) في ذلك التصوير العادل لوحدة العلاقة الاقتصادية بمضمونها الإنساني بين تلك الأطراف (166) فقال (عليه السلام): (وتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ ولا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلا بِهِمْ لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَی الْخَرَاجِ

وأَهْلِهِ) (167).

ج. التساوي في مجال إجراء العدالة:

تعد المساواة أمام القانون من العوامل عظيمة الأثر على التماسك الاجتماعي، إذ إن سيادة القانون تعطي انطباعاً يبعث على الطمأنينة، فيندفع الناس كادحين ومستثمرين لا يخافون ظلمَ مُتنفذ وصاحب مكانة، ولا عدواناً و تمييزاً أمام القانون (168).

فبدخول الجميع تحت عنوان (مساواة الجميع أمام القانون) يتكرس مبدأ اللا فارق بينهم ومن ثم التساوي في الحقوق لأنهم كلهم مشمولون بلفظ الناس (169)، فقال الإمام

ص: 46

علي في هذا المضمون لواليه الاشتر: (وأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ والْبَعِيدِ وكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وخَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ) (170) .

ويرى بعض الباحثين أن هذا النص يشير إلى أن للمدعي وللمدعى عليه نفس الحقوق القضائية قبل اتضاح الحكم وأما عند اتضاحه وثبوت الإدانة بحق المتهم فيجب انزال العقوبة بحقه دون النظر إلى صفته أو مكانته ومن هنا تُصبح المساواة القضائية أهم تطبيق للمساواة القانونية التي يتمتع بها الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام) (171).

3 - سياسة الانفتاح على الرعية:

ويتم ذلك على وفق أسس متعددة منها:

أ. اشراك الرعية في شؤون الحكم عبر المشاورة.

ب. مخالطة الراعي للرعية (التواصل وعدم الاحتجاب - تعايش وحوار).

ج. المشاركة الوجدانية للرعية والإدارة الأبوية.

د. المكاشفة.

أ. اشراك الرعية في شؤون الحكم عبر المشاورة:

من الممكن أن تعمل الحكومات المختلفة في سبيل تأمين الحوائج المادية للحياة بصورةٍ واحدة، ولكنها لا تتساوى في رضا الناس عنها، إذ يفي بعضها بقضاء الحوائج النفسية والروحية، بينما لا تفي بها الحكومة الأخرى(172).

ومن هنا فقد سعى الإمام علي (عليه السلام) لتوجيه الراعي بأن لا يغفل عن إشراك رعيته في بعض شؤون الدولة عبر المشاورة؛ ففيها إبعاد الأمة عن الاستبداد، وبالتالي التسلط الظالم، وتدريب للحاكم بالرجوع إلى أهل الحل والعقد وأهل العقل، وأهل الاختصاص والانتفاع من تجارب الأمة وخبرتها وقدرات ابنائها، وإشعار الرعية

ص: 47

بقيمتها وقدرتها، وإشعارها بالمسؤولية الاجتماعية وأنهم شركاء فيها، كما أن في التشاور تصعیداً لحالة التلاحم بين القيادة وقواعدها(173).

فوجّه الإمام علي واليه الاشتر لهذا المعني بالقول: (ولا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلاً يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ ويَعِدُكَ الْفَقْرَ ولا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الأمُورِ ولا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ والْجُبْنَ والْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ) (174).

فالمشورة مع هؤلاء (البخيل والجبان والحريص) لا تصل إلى رأي صالح مصیب باعتبار ما ركز في طباعهم من مساوئ الأخلاق التي تؤثر في رأيهم وتكدره (175).

وبدلاً من هؤلاء أرشده إلى أن يتقرب من أهل الصدق (والْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ والصِّدْقِ) (176). ويتقرب من أهل العلم والحكمة والمعرفة فقال (عليه السلام): (وأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ ومُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلادِكَ وإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ

بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ)(177). لأن في ذلك شرفاً، وتنويراً، وتطويراً، وإبداعاً، وإضافة تقوي الصلاح وتزيل الباطل، وتحلّ محله الصالح، وتزود النظام بعوامل القوة والتقدم،... إن الإكثار من مدارسة العلماء وذوي المروءات والانصاف يجلو البصيرة، ويرفع الغشاوة، ویُبعد سحب الفتنة، ويعري زيف الأدعياء ممن ينصبون أنفسهم -زوراً - أعمدةً لسياسة النظام...، ففي السياسة منعطفات ومزالق ودهاليز، يغفل عنها مَنْ لم يشارك العقول رأيها وعقلها وحكمتها، فتحدث العواقب السيئة، وتستعصي المعالجة(178).

ولا شك أن الكبر والغلظة وإعجاب الراعي بنفسه ستحمله على الاستبداد برأيه وترك مشاورة الرجال، فإذا ما فعل ذلك يكون قد فوّت على نفسه الكثير من المعرفة فيظل يدور في فلك نفسه وأفكاره، ولذلك كانت الشورى من مظاهر اللين والرفق والمشاركة للرعية (179).

ص: 48

وهذه المشاركة لا تقتصر على أولياء الراعي ومريديه، وإنما وجه الإمام عليّ (عليه السلام) إلى أن يؤثر الراعي من رعیته ورجالاته (أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ) (180)، لأنه لو اقتصر في استشارته على أهل ولايته لم يكن وإياهم إلاّ كالناظر في المرآة لا يرى سوى صورته ولا يسمع غير صوته (181).

ب. مخالطة الراعي للرعية - (التواصل وعدم الاحتجاب - تعايش وحوار).

تتطلب القيادة والإدارة للمجتمع عدم احتجاب الراعي عن رعيته، وهو يعني بناء نظام للعلاقات العامة والعلاقات الإنسانية، لكونها تبلور الرأي العام، وبمعنى آخر كما هو الحاصل اليوم في الإدارة المعاصرة ضمن ما يسمى ب(الباب المفتوح) للشخص القيادي مع العاملين أو الرعية (182) وعدم احتجاب الراعي هو حق من حقوق الرعية على راعيها، على اعتبار أنه يحقق الجانب العياني للتقييم والتقويم، ومراعاة متطلبات الوضع وتصوير الأمور ميدانياً لجانبي الاتصال، وبناء العلاقات الرسمية وغير الرسمية، لئلا تُنقل المعلومات والصور بشكل غير متكامل وغير دقيق، ومشوهة ومشوشة، أو على الأقل ليست على شكل الهيئة العامة لها، وهو مما يؤثر على أخذ المواقف والقرارات المناسبة لها (183).

فمن مظاهر الغلظة والجفاء أن يحتجب الراعي عن رعيته بالأسوار والجُدر والحرس والبطانة، وهو مِن أدخل الخلال في هدم السلطان، وأسرعها خراباً للدول، فإذا احتجب السلطان فكأنه قد مات، لأن الحجب تمنعه من معرفة أحوال شعبه، وما يدور في مملكته ولا يصله من ذلك شيء إلاّ عن طريق بطانته التي تعبث بأرواح الخلائق وحريمهم وأموالهم، لأن الظالم قد أمن أن لا يصل المظلوم إلى السلطان (184).

فأبدى الإمام علي احترازاً نظرياً وسلوكياً ضرورياً لمجابهة هذه الظاهرة بأن رأى أن العلاقة الحيّة والصحيحة مع الناس وجهاً لوجه هي الضمانة الكبرى لجريان الحق في

ص: 49

مجارية الواضحة، فكان يرفض (السفراء) و (الحجاب) و(الوسطاء) بين الوالي وشعبه، لتربية الولاة على نسق العلاقة المباشرة، کیما تُصبح نهجاً إسلامياً ثابتاً، تُصنع من خلاله قرارات الحق والعدل (185).

فقال للأشتر في عهده: (فَلا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ وقِلَّةُ عِلْمٍ بِالأمُورِ والاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ ويَعْظُمُ الصَّغِيرُ ويَقْبُحُ الْحَسَنُ ويَحْسُنُ الْقَبِيحُ ويُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ وإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الأمُورِ ولَيْسَتْ عَلَی الْحَقِّ سِمَاتٌ «علامة» تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ وإِنَمَّا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ باِلْبَذْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيِهِ أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ

أَوْ مُبْتَلًی بِالْمَنْعِ فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ الناَّسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ

النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ)(186).

وإن عقد مجالس لذوي الشكاوي والتظلمات من صلب وظائف الراعي في فكر الإمام علي (عليه السلام)؛ لأنه الراعي مسؤول عن إسعاد الناس والرأفة بهم، ومن خلال مجالس (الرعاة والرعية) تكتسب الدولة مضمونها الشعبي، وصفتها الشعبية باستمرار، وفي سياق تلمس مشاكل الرعية وحاجاتها، والاطمئنان على حسن القيام بخدمتها، فإن من الأمور المهمة للراعي القيام بتفقد شؤون الرعية بنفسه، كلما دعت الحاجة لذلك، وعدم الاعتماد فقط على المقربين، فلا يتكل على بطانته بشكل مطلق؛ ذلك لأن البطانة إذا اطمأنت إلى اعتماد الوالي على أقوالها فإن المنافع والمصالح الفردية تتنازعها، فتميل عن الحق، وتشوّه الحقائق، وتزين كل خطوة تصب في مصالحها الخاصة، فضلاً عن أن حضور قوة الراعي وبطانته لمجالسه مع الرعية ذا أثر سلبي يفقد اللقاءات المباشرة الكثير من ضرورتها، والكبير من نفعها؛ لأنه يقلص من حرية الرعية في ممارسة دورها في تلك

ص: 50

المجالس المشتركة، وقد لا يستطيع عدد من ذوي الحاجة من الجهر بحاجته إلاّ عبر الصلة المباشرة بالراعي، ولذلك حث الإمام عليّ الولاة على التفرغ للناس بأشخاصهم (187) في كل زمان ومكان، فقال للأشتر:

(واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً

فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وشُرَطِكَ حَتَّى

يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله i يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ

لا يُؤْخَذُ للِضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ والْعِيَّ ونَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالأنَفَ يَبْسُطِ الله عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ ويُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ وأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنيِئاً وامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وإعْذَارٍ ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لا بُدَّ لَكَ مِنْ مُباَشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْياَ عَنْهُ كُتَّابُكَ ومِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ)(188).

فمن شروط هذه المجالس التي ينبغي للراعي الالتزام بها (189):

1 - أن يجلس لهم في مكان بلا مانع يصلون إليه ويأذن للعموم من ذوي الحاجات في الدخول عليه.

2 - أن يتلقاهم بتواضع وحسن خلق مستبشراً برجوعهم إليه في حوائجهم.

3 - أن يمنع جنده وأعوانه من التعرض لهم وينحّى الحرس والشرط الذي يرعب الناس منهم عن هذه الجلسة ليقدر ذو الحاجة من بيان مقاصدهم وشرح مآربهم ومظالمهم بلا رعب وخوف وحصر في الكلام.

4 - أن يتحمل من السوقة والبدويين خشونة آدابهم وكلامهم العاري عن كل ملاحة وأدب.

5 - أن لا يضيّق عليهم في مجلسه ولا يفرض عليهم آداباً تصعب مراعاتها ولا يلقاهم

ص: 51

بالكبر وأبهة الولاية والرياسة.

6 - أنه إن كانت حاجاتهم معقولة ومستجابة فأعطاهم ما طلبوا لم يقرن عطاءه بالمنِّ والأذى والخشونة والتأمّر حتى يكون هنيئاً، وإن لم يقدر على إجابة ما طلبوا يردهم رداً رفيقاً جميلاً ويعتذر عنهم في عدم إمكان اجابة طلبتهم.

والإمام علي (عليه السلام) بإصراره على ضرورة الصلة الحيّة بين الراعي والعامة من رعيته، يبرر ذلك بأن الأضرار التي تؤدي إلى فشل إدارة الدولة إنما يحصل من الخاصة وليس العامة، فالعامة هم المصدر الدائم للواردات الاجتماعية المتجددة... التي تمد المجتمع بالعطاء البشري والانتاجي والثقافي، ويترتب على ذلك أن التعامل المبدئي مع عامة الأمة يُصبح حتماً تعاملاً تاريخياً بعيد المدى، لأنه ينطوي على عوامل الاستمرارية والثبات والقوة، فالعامة من الرعية هم عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للأعداء - حسب تحليل الإمام علي (عليه السلام) - لذلك دعا الراعي إلى الميل معهم (190) عندما قال للأشتر: (ولْيَكُنْ أَحَبَّ الأمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وأَجْمَعُهَا لِرِضَی الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَی الْخَاصَّةِ وإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَی الْعَامَّةِ ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ وأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاءِ وأَكْرَهَ لِلإنْصَافِ وأَسْأَلَ بِالإلْحَافِ وأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الإعْطَاءِ وأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وأَضْعَفَ

صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ وإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ والْعُدَّةُ لِلأعْدَاءِ

الْعَامَّةُ مِنَ الأمَّةِ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ ومَيْلُكَ مَعَهُمْ)(191).

وإن الإمام علي (عليه السلام) يُشير في النص إلى قضيتين مترابطتين (192):

الأولى: أن الحق وبالرغم من كونه جوهراً واحداً ومطلقاً من حيث القيمة، إلا أن له أكثر من مستوى، والمستوى الذي يجب التركيز عليه في مجال الحكم السياسي هو المستوى المتوسط لأنه أعم في العدل، وأجمع لرضا الرعية.

ص: 52

الثانية: ضرورة الاهتمام بالقيمة الواقعية للانتشار الاجتماعي الذي تُشكل العامة الجزء الأكبر منه، وهذا منظور معقول من زاوية ما تقضي به العدالة من ناحية، ومما تتطلبه مصلحة الدولة من ناحية أخرى، وبالذات إذا كانت الأكثرية ساحقة، والأقلية فئة صغيرة وتحديداً في المواضع التي تتقاطع فيها مصلحة الفئتين، بيد أن الإمام علي لا يعد رضا الأكثرية مقياساً في بناء السياسة من غير أن يكون منظوراً فيه مدى ملائمته لما يقضي به شرطا الحق والعدل، إذ قال: (رضا الناس غاية لا تدرك، فتحرَّ الخير بجهدك، ولا تبال بسخط من يُرضيه الباطل) (193).

ج. المشاركة الوجدانية للرعية والإدارة الأبوية:

من ضرورات الحكم الصالح المشاركة الوجدانية بين الراعي والرعية، إذ بها يستطيع الحاكم أن يتعرف على آمال المحكومين وآلامهم ومطامحهم، وأن يعي حاجاتهم ومخاوفهم، فيعمل لخيرهم ويضع كل شيء مما يصلحهم موضعه، ويشعرهم ذلك برعايته لهم، وحیاطته لأمورهم، وعمله لصالحهم، فيدعمون حكمه بحبهم وإيثارهم له، ويؤازرونه في السراء والضراء على السواء، ولا يحصل شيء من هذا إذا ما اغلق الحاکم دونهم قلبه، وأغمض عنهم عينه (194)، قال (عليه السلام) لمالك الأشتر: (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ...)(195).

فالرحمة مفتاح وموجه النفس لأداء الواجبات بكل ما تتطلبه وتتكامل به، وبالرحمة أداء الحقوق المتبادلة بين العقلاء، وأداء حقوق حتى البيئة والجماد، وحينما تكون المسؤولية في عنق الشخص على مستوى السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، يتوجب الشعور بالمسؤولية تجاه الرعية والأداء بالرحمة والمحبة واللطف، وهنا تتحقق الإدارة الأبوية، ورعاية أداء الإدارة بقائدها الإنساني بما تحويه من بنود حقوق الإنسان(196).

فأول لازمة من لوازم الحكم والقيادة هو تألیف قلوب الناس والتقرب إليهم،

ص: 53

وما تكبر حاکم على رعيته إلاّ وكان ذلك إيذاناً بذهاب ملکه(197) (فالملك مع الكبر لا يدوم، وحسبك به من رذيلة تسلب السيادة، وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرم الجنة على المتكبرين، فقال سبحانه وتعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (198) فقرن الكبر بالفساد... واعلم أن الكبر يوجب المقت، ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، ومن أبغضته بطانته كان كمن غص بالماء، ومَنْ كرهته الحماة تطاولت إليه الأعداء) (199). ولذلك كانت وصية الإمام علي للاشتر أن يقترب من رعیته باللين والمحبة وأن لا يتباعد عنهم بالجفاء والغلظة.

مخطط رقم (3)

الكبر و الاستبداد و الاحتجاب التفاف السفلة والسوقة حوله الظلم

الرحمة و الشورى المخالطة والتفقد للرعية التفاف الأشراف وذوي المروءات وأهل البيوتات الصالحة والناس عامة العدل

يبين الاعتبارات القيمية التي تحكم سلوك الراعي وتقوده إلى العدل أو الظلم

د. المكاشفة:

وتهدف المكاشفة إلى رفع اللبس والظنون التي قد تكون وسيلة لنشر الدعايات المغرضة ضد الحاكم، فتضعف الثقة بينه وبين الشعب، وتفسد العلاقة بينهما، والمكاشفة ركن أساسي وصفة ضرورية من صفات الحكم الرشيد أو الصالح عند الإمام علي (عليه السلام) (200).

يقول الإمام مالك الأشتر: (وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ واعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ ورِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وإِعْذَاراً تَبْلُغُ

ص: 54

بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَی الْحَقِّ) (201).

وسياسة مصارحة الشعب بشؤون الحكم، ضرورة لتصحيح الأوضاع الخاطئة، والحاكم العادل لا يخشى أن يرجع إلى الصواب في حال الخطأ، ولا يخشی مکاشفة الناس بأمور الدولة لأنه لا ينوي سرقتهم، فهّمه الرئيس خدمتهم والقيام بأمور الولاية بالعدل والانصاف (202).

1. إرساء دعائم التعامل القيمي للراعي مع الرعية:

دعا الإمام علي (عليه السلام) كل راعٍ إلى أن يلتزم في برامج حكمه، صفات تعاملية قيمية، وهي بمجموعها (تؤكد بشكل كبير أهمية القيم وإرساء دعائمها بالشكل الذي يحقق لولي الأمر دوره الرائد في قيادة المجتمع وإدارته بالصورة المثلى التي من شأنها أن تُتيح لكل الرعية الدور المناط بها في تحقيق أهداف المجتمع) (203).

وفيما يأتي استعراض لأبرز ما ورد منها في عهد الإمام علي (عليه السلام) للأشتر:

أولاً: تحذير الراعي من سفك الدماء بغير حِلّها:

لقد اعتبر العهد الشريف (عهد الإمام علي (عليه السلام) للاشتر) الإنسان قيمة حضارية كبرى لا تعادلها قيمة، فلا يجوز المساس بدمه وعرضه وأمواله، وأن سفك دم المسلم أو غيره دون وجه حق، يُعد من أكبر الجرائم التي يهتز لها العرش، ويحاسب عليها الشرع والقانون بالقصاص وعدم الرأفة (204).

فجاء التوجيه العلوي للأشتر مبيناً عواقب أي انتهاك لحق الحياة المقدس فقال: (إِيَّاكَ

والدِّمَاءَ وسَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ شيْءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ ولا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ ولا أَحْرَى بِزَوَالِ

نِعْمَةٍ وانْقِطَاعِ مُدَّةٍ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا واللُّهَ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ فِيمَا

تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ

ويُوهِنُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ويَنْقُلُهُ ولا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ الله ولا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ لأَنَّ فِيِهِ قَوَدَ الْبَدَنِ

ص: 55

وإِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَأٍ وأَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً فَلا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَی أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ)(205).

وتضمن هذا التحذير القيمي:

1 - الاهتمام بالبعد التشريعي الإنساني، والتذكير بأن الحساب الأخروي والحكم الإلهي يطال من يعتدي بسفك الدم الحرام.

2 - تأثير سفك الدماء على واقع الدولة ومستقبلها عكس ما يرجوه القاتل، فكلما ارتفع مستوى اعداد الناس الذين تُسفك دمائهم بلا مسوّغ وبلا حق ويغيّر حِلّها، سيكون هناك تهدیدات ومخاطر على مستقبل الدولة والحكم والحكام والحضارة،... فعندما يكون طغيان مؤثرات الظلم قد ينجح بناء الدولة والحكم - ظاهرياً -، لكن مستقبله کالنار تحت الرماد سرعان ما يُلهب ويُحطم كل شيء بلهيبه عندما تُسفك وتهدر الدماء بغير حِلّها(206).

3 - تحمل الراعي للتبعات القضائية لأن القتل العدواني (قتل العمد) لا عذر فيه لراعي الدولة، فإذا أقدم على ارتكاب هذه الجريمة، فلابد أن يناله القصاص العادل، وأن يعاقب عليها بالقتل، دون نظر إلى اختلاف رتبته الاجتماعية، أما (قتل الخطأ) فإذا حدث من الراعي أو بأمره فلابد من أن يتحمل تبعاته بدفع الدية إلى أولياء المقتول، ولا تكون السلطة ذريعةً للتملص من أداء حقهم إليهم (207).

ثانياً: تعزيز الثقة بين الراعي والرعية عبر قاعدتين ذهبيتين تفضيات إلى تحقيق الانسجام، واستتباب الأمن والاستقرار وهما:

أ. مكافحة الأحقاد، فقال للاشتر: (أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ واقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ وتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لا يَضِحُ لَكَ ولا تَعْجَلَنَّ إِلَی تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ

غَاشٌّ وإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ) (208).

ب. الاحسان إلى الرعية، فقال: (واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شيْءٌ بِأَدْعَى إِلَی حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ

ص: 56

مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وتَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَی مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ

فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلاؤُكَ عِنْدَهُ) (209)، وحذّر الإمام علي (عليه السلام) الراعي من المنّ باحسانه، وإظهار الزيادة في الأعمال بشكل يفوق ما هي عليه في الواقع افتخاراً على الناس بفعله لأن المن يبطل الاحسان، وحثه على الوفاء بوعوده للرعية (210).

إذ أن خلف الراعي لوعده یعني إكبار نفسه وتحقير الرعايا إذ إنه لم يعتنِ بانتظارهم ولم يحترم تعهدهم وخلاف الوعد وإن كان قبيحاً ومذموماً على وجه العموم، ولكنه من الأمراء والولاة، بالنسبة إلى الرعية أقبح وأشنع؛ لاشتماله على العجب والكبر وتحقير طرف التعهد (211).

ثالثاً: صفح الراعي وعفوه عن خطايا الرعية، وملازمة الحلم والاجتناب عن بادرة الغضب تجاه الرعية عندما (يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ ويُؤْتَى عَلَی أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَأِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَی أَنْ يُعْطِيَكَ

اللُّهَ مِنْ عَفْوِهِ وصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ واللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلاكَ وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلاكَ بِهِمْ)(212).

فالإمام عليّ (عليه السلام) يذكر الراعي بوجود قوة أعلى من قدرة وقوة المخلوق، وهي قدرة الله عزّ وجل التي لا حدود لها، ليكون هذا التذكير صعقة رادعة له، فيخاطبه بما هو نفسي بالتوازي مع مقارنة ما ترضاه ولا ترضاه النفس لذاتها، وما يتوجب عمله بالمقابل تجاه الآخرين، فمن الانصاف تذكر ذلك والعمل على وفقه، وهو أمر لابد منه لبناء الدواخل التربوية - النفسية بالبعد الإنساني (213).

ويرى الإمام علي (عليه السلام) أن العفو هو التطبيق الأسمى لسياسة الرفق ولكن

ص: 57

حين يكون أجدى في التأثير من العقوبة، إذ قال: (ولا تَنْدَمَنَّ عَلَی عَفْوٍ ولا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ ولا تُسْرِعَنَّ إِلَی بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً ولا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ ومَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ) (214).

وبهذا يكون قد أكد على ضرورة أن يكون الحكم لصالح الناس وليس عبئاً عليهم، وأن يدير الحاكم السلطة من منطلق الشعور بالمسؤولية التي تفترض عدم إصدار القرار الذي تحكمه حالتا الغضب والتسرع، والابتعاد عن الاستكبار على المجتمع أو إمتهانه اغتراراً بامكانات السلطة إذ السياسة بهذا تقود حتماً إلى انعكاسات وخيمة لا يسلم منها المجتمع ولا الحاكم ذاته(215)، فعندما يحكم الراعي بقلبه الكبير وليس بسوطه الطويل يُصبح حاكماً على القلوب قبل أن يكون حاكماً على الابدان، ويتكون على شاطئ هذه العلاقة، مستوى عالٍ من الديناميكية بين الراعي والرعية(216).

رابعاً: حسن سيرة الراعي مع رعيته بأن يستر على عيوب الناس، ولا يفتش عنها، والوسيلةُ إلى ذلك إبعاد أهل النميمة، وطلاب العيوب فقال للاشتر: (ولْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وأَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ

سَتَرَهَا فَلا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ واللُّهَ يَحْكُمُ عَلَی مَا

غَابَ عَنْكَ فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللُّهَ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ أَطْلِقْ عَنِ

النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ واقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ وتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لا يَضِحُ لَكَ ولا تَعْجَلَنَّ إِلَی تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ)(217).

فالتفتيش عن عيوب الناس يوجب خوفهم ونفورهم، وعلى الراعي التجاهل عن أمور لا يصحّ له الدخول فيها من أحوال الناس الخصوصية مما لا يصح ويظهر له (218).

ص: 58

خامساً: إشباع حاجات الرعية المعنوية والاعتبارية لكسب حسن ظنهم بسياسة الراعي، والولاء للمجتمع، فجاء في وصيته (عليه السلام) للاشتر: (فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ ووَاصِلْ فِي حُسْنِ الثنَّاَءِ عَلَيْهِمْ وتَعْدِيدِ مَا أَبْلَی ذَوُو الْبلَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ كَثْرَةَالذِّكْرِ لِحُسْنِ

أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) (219).

سادساً: النهي عن خُلق الاستئثار، و تخصیص نفسه بالزيادة من دون الناس فقال: (وإِيَّاكَ والاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ والتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ

مِنْكَ لغَيْرِكَ وعَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الأمُورِ ويُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ) (220)، وقد يأتي هذا الاستئثار والتطاول على حقوق الناس من الحاشية المحيطة بالراعي فأوصى الإمام علي (عليه السلام) بقطع أسباب تعديهم، بالأخذ على أيديهم ومنعهم من التصرف في شؤون العامة وأملاكهم فقال: (ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وبِطَانَةً فِيهِمُ

اسْتِئْثَارٌ وتَطَاوُلٌ وقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الأحْوَالِ ولا تُقْطِعَنَّ لأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وحَامَّتِكَ قَطِيعَةً ولا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَة تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيِهَا مِنَ الناَّسِ فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَی غَيْرِهِمْ

فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ وعَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ)(221).

سابعاً: النهي عن الاستكبار والبطش: وقد بيّنا - فيما تقدم - أن الإمام علي (عليه السلام) قد خصّ الراعي بمزيد نصح يكفه عن عُقد الزهو بالسلطة والإعجاب بالنفس (222)، والثقة بالإطراء الكاذب، والتعالي على الرعية، وحذره من الغضب، وجعل مفتاح التوقي من فُرص الشيطان هذه: تدريب النفس على الإكثار من ذكر الله، والتفكّر في عواقب فعله عندما تعرض إلى الحكم العادل، فقال: (امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وسَوْرَةَ حَدِّكَ وسَطْوَةَ يَدِكَ وغَرْبَ لِسَانِكَ واحْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وتَأْخِيرِ السَّطْوَةِ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الاخْتِيَارَ ولَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَی رَبِّكَ)(223).

ص: 59

فضلاً عن أن الإمام علي (عليه السلام) وضع نصب عين الراعي بعض المحددات القيمية التي ينبغي أن تحكم شخصيته ومن ثمَّ تعاملاته ومنها:

1. الصبر في إدارة الدولة على ما خفَّ من أمورها وما ثقل، فقال في عهده للاشتر: (ولَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ إِلا بِالاهْتِمَامِ والاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وتَوْطيِنِ نَفْسِهِ عَلَی لُزُومِ الْحَقِّ والصَّبْرِ عَلَيْهِ فيِمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ) (224)، ف (الْحَقُّ كُلُّهُ

ثَقِيلٌ) (225)، وإلزامهِ الحق لكل الناس من القريب والبعيد يحتاج من الراعي أن يكون (صَابِراً مُحْتَسِباً) (226)، ثم حذره من (الْعَجَلَةَ بِالأمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ

مَوْضِعَهُ وأَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ) (227)، فالصبر لا يعني التواني عن إمضاء الأمور إذا حان وقتها، وتيسرت مخارجها، والاهتمام بالانجاز لا يكون مع اللجاجة إذا صعبت وتنكرت، ففي كل الأحوال يكون مقياس النجاح بوضع الأمور في نصابها.

2. تنظيم الراعي لوقته، ومباشرة أعماله:

والتنبيه إلى القيمة القصوى التي يمثلها عامل الزمن في مجال الحكم والإدارة إذ يقول الإمام علي: (وأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ) (228) ويشتمل هذا أكثر من دلالة أهمها(229):

1.ضرورة إنجاز الاعمال في وقتها المحدد وعدم اهمالها أو تأجيلها إلى الحد الذي يؤدي إلى تراكمها، إذ من المؤكد أنها لو تراكمت فسوف لن يكفي الزمن للقيام بها جميعاً وفي وقت واحد، فضلاً عما لذلك من تأثير سلبي على مضاعفة الاعمال والرفع من جودتها.

2. إن التنظيم الجيد يتطلب أن تكون هناك محددات زمنية لانجاز الأعمال بحيث تتناسب كمية العمل مع كمية الزمن المستغرق.

ص: 60

3. ضرورة الجاهزية لانجاز الأعمال المستقبلية، فكما أن لكل يوم سابق ضروراته، فإن لكل يوم لاحق استحقاقاته، ولا شك أن التنظيم حين يكون بهذه الدقة الزمنية، فإنه سيفسح المجال واسعاً أمام (الراعي) المسؤول لمتابعة ما بعهدته من أعمال واعادة النظر في ما يحتاج إلى إعادة النظر حسب مقدار الأهمية والأولوية ووجوه المصلحة.

وقد وجّه الإمام عليّ الراعي إلى أن يباشر بنفسه الأعمال التي تختص بالأمور العامة والهامة التي ترد من أقاليم (الولايات)، وتقتضي إجراءات سريعة بشأنها، وبعيداً عن صيغ المكاتبات التي من شأنها أن تطيل من مجرى المعاملات وتعيق سبيل الانجاز، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب (230)، فقال: (ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لا بُدَّ لَكَ

مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ ومِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ) (231).

المحور الرابع: تنظيم علاقة الراعي مع أعوانه وعماله المشتركين معه في إدارة الدولة.

واعتمد الإمام علي (عليه السلام) في ذلك على عدد من الخطوات:

أ. الاختيار الدقيق لكبار موظفي الدولة بالذات:

فقد أولى الإمام عليّ (عليه السلام) مسألة اختيار الأشخاص الذين تناط بهم المراكز القيادية في الحكم اهتماماً بالغاً، فرأى ضرورة أن يجري انتقائهم على أساس مواصفات دقيقة يرتبط بعضها بالجانب الأخلاقي كالتقوى والورع والأمانة، ويختص بعضها الآخر بالجانب العملي کالجدارة والكفاءة(232)، ونهى أن يكون الاختيار وفقاً لمقياس شخصي يتحكم فيه الحدس والظن (233)، وإنها وفقاً لمقياس الاختبار بالتجربة، فقال: (ثُمَّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَی فِرَاسَتِكَ واسْتِنَامَتِكَ وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ فَإِنَّ الرِّجَالَ

ص: 61

يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ والأمَانَةِ شيْءٌ ولَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وأَعْرَفِهِمْ بِالأمَانَةِ وَجْهاً فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَی نَصِيحَتِكَ للهِ ولِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ) (234).

ب. تقسيم العمل:

فطالما كان للحكم وظائفه التي يرتبط بعضها بالاقتصاد وبعضها بالأمن وبعضها بالجانبين الإداري والتنفيذي بشكل عام، فقد رأى الإمام علي (عليه السلام) ضرورة أن يكون لكل جانب من هذه الجوانب إدارته المختصة التي تكون مسؤولةً عنه، وأكد في هذا السياق على ضرورة أن تتولى كل إدارة نطاق مسؤوليتها بشكل كامل دون أن تسمح باختراقه أو التطفل عليه من قبل أصحاب الاختصاصات الوظيفية الأخرى (235)، وقد توقف أكثر من باحث عند قوله (عليه السلام): (واجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا ولا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا)(230)، فوصفه بعضهم بالثورة في الإدارة الحكومية بالقياس إلى العصر الذي صدر فيه؛ إذ كانت الإدارة آنذاك تقتصر على شخص الحاكم، يعاونه شخص أو جملة من الأشخاص دون مراعاة لتقسيم المهمات المتنوعة، وتصدر القرارات النهائية من الحاكم وحده (237)، ورأى آخرين أنه يشير إلى ضرورة تقسيم العمل من الناحية الإدارية والتنظيمية (238).

ج. تطبيق سياسة المتابعة والمراقبة:

التي هي محاولة لمنع حدوث الاخطاء أو علاجها بشكل مباشر في حال حدوثها لتجنب أكبر قدر من آثارها السلبية... وقد استهدفت سياسة الإمام علي الرقابية مختلف السلطات والدوائر الرسمية، فشملت موظفي الدولة كالولاة والعمال على الخراج والقضاة والجنود، ومختلف أصحاب المناصب العليا، وذلك انسجاماً مع رؤيته للحكم، والتي تجعل من الراعي أميناً وحارساً يعمل من أجل مَنْ نصبه حاکماً - أي الرعية - وليس

ص: 62

مالكاً للحكم، فهو إذن يتجسس ويراقب لحساب الأمة ولضمان صون مصالحها، وليس عليها (239) فقال في عهده للاشتر موجهاً اياه لمراقبة الجند: (...ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا،... ولا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالاً عَلَی جَسِيمِهَا)(240).

وقال له لتتبع واستكشاف حال القضاة: (... ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ...)(241). وأكد على تعيين الرقباء على العمال بعامة فقال: (...ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ) (242). وتوخي في الرقباء أن يكونوا من أهل الصدق والصلاح لا من فاسدي الذمم.

وقد حث الإمام عليّ الراعي لانشاء شبكة من المراقبين والمدققين لمتابعة أعمال الموظفين كباراً وصغاراً؛ للاطمئنان على صحة ما یرده من أخبار حتى ينزل العقوبة بالجاني بلا تردد (243)، فقال للاشتر: (وتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَی خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ...)(244).

د. تفعيل مبدأ الثواب والعقاب:

وهو نتيجة حتمية من نتائج المراقبة، وتفعيلاً حقيقياً لدورها الايجابي، فقد كان الإمام عليّ يحث الراعي على إتباع أسلوب الثواب لمن أحسن وأجاد عمله، وهو بهذا الأسلوب يحفز الموظفين لأن يستمروا على ما هم عليه من الاستقامة والأمانة، ويزدادوا في البذل في عملهم (245)، إذ يقول: (ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی)(246)، فلا يكون المحسن والمسيء بمنزلة سواء فيزهد أهل الاحسان بالاحسان، ويتمادى أهل الاساءة بالإساءة (247)، ومن أساليب التحفيز التي يعم خيرها المحسن وغيره: مواصلة الثناء على من يُحسن البلاء فإن (كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وتُحَرِّضُ النَّاكِلَ) (248).

ص: 63

وقد وجه الإمام علي الراعي إلى محاسبة ومعاقبة الأعوان والموظفين عما يرتكبونه من جرائم أو خيانة في أعمالهم بعد ثبوت التهمة، وأن تكون العقوبة مادية ومعنوية، فقال للاشتر: (... فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَ خِيَانَةٍ ... فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ)(249).

ه. اعتماد أساليب تضمن أو تساعد الموظف على الاستقامة والصلاح.

كبذل العطاء الواسع لهم مثلاً، والتوسعة في رواتب ومعاشات كبار الموظفين مثل (قادة الجند والقضاة وعمال الخراج)(250)؛ ليتعففوا به عن المرافق والرشوات وضمان الاستقامة فيهم، لأنه يصعب ضمان الاستمرار على ذلك مع وجود المال تحت أيديهم وهم يعيشون الضنك والحاجة (251)، بل أن التوسعة في البذل ينبغي أن تشمل الموظفين كافة كما أشار إلى ذلك الإمام علي في عهده للأشتر قائلاً: (ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ) (252).

المحور الخامس: تنظيم علاقة الراعي مع العدو:

إن العلاقة السياسية - في فكر الإمام عليّ - التي ينبغي أن تتبناها الدولة الإسلامية هي علاقة منتظمة قائمة على مبادئ، وتتحكم بها ضوابط وقواعد، ولا يمكن للحاکم الانفلات منها متى شاء نتيجة رغبة قصيرة العمر أو مصلحةٍ مؤقتة (253).

ولذلك وجّه الإمام علي (عليه السلام) الاشتر إلى الالتزام بالعقود والعهود التي يبرمها معالعدو، والتي يجب أن تكون مرعية على كل حال، بلا غدرٍ أو إفساد أو خيانة، فقال: (وإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ

ص: 64

وارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأمَانَةِ واجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شيْءٌ

النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ وتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وقَدْ

لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ فَلا تَغْدِرَنَّ

بِذِمَّتِكَ ولا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ ولا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَی اللِّهَ إِلا جَاهِلٌ شَقِيٌّ وقَدْ

جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وحَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَی مَنَعَتِهِ ويَسْتَفِيضُونَ

إِلَی جِوَارِهِ فَلا إِدْغَالَ ولا مُدَالَسَةَ ولا خِدَاعَ فِيهِ ولا تَعْقِدْ عَقْداً تَجُوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ ولا تُعَوِّلَنَّ عَلَی لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ والتَّوْثِقَةِ ولا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللِّهَ إِلَی طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَی ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وفَضْلَ عَاقِبَتِهِ خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ وأَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ طِلْبَةٌ لا تَسْتَقْبِلُ فِيهَا دُنْيَاكَ ولا آخِرَتَكَ) (254).

إن إدارة العهود والمواثيق التي أشار إليها الإمام علي (عليه السلام) يعبر بوضوح على أن الفكر الإداري الإسلامي يضع على الصعيد الإسلامي قيماً ودلالات تتسم بروح الصدق وعدم خيانة الموقف ابتغاء لرضا الله سبحانه وتعالى، وهذه الحقائق قد تغرب عن بال العديد ممن يرون أن السياسة تتسم بالتضليل والمخادعة وعدم رعاية الذمم، بل أن العكس هو الصحيح إذ أن الفكر السياسي السديد ما اتسم بعمق الوفاء بالعهود والذمم والمواثيق وعدم انتهاج سبل الخيانة والتدليس والمخادعة، مهما كانت النتائج، فالقرارات المبنية على المبادئ الحميدة والأسس النبيلة ترتقي باستراتيجياتها وتحقيق أهدافها المرسومة، فالأسس لا تتقاطع مع البناء الفعلي الاستراتيجي، وهكذا هو الإسلام الرافض لكل انحراف في مفاصل الحياة، بما فيه الإنسان، فما كان مبني على الصحيح نتائجه محمودة، وما كان مبني على الخطأ نتائجه العاجلة أو الآجلة مدمرة للذات والمحيط الخارجي (255).

وفي مجال السياسة العسكرية يأمر الإمام علي (عليه السلام) الراعي بأن لا يرفض أية دعوة إلى الصلح تُوجه إليه إذا كان فيها مصلحة، ورضا لله تعالى، أي أنها تحقق السلام

ص: 65

القائم على العدل فقال للأشتر: (ولا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وللهِ فِيهِ رِضًا فَإِنَّ فِي

الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ ورَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وأَمْناً لبِلِادِكَ ولَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِفَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ واتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ)(256).

فالإمام عليّ يشير إلى أن الحرب ضرورة وليست خياراً، وأن البديل لها هو أولى منها، وهو السلم، وأن الحرب لا تكون استجابةً لشهوة الحاكم، وإنما تكون لأجل المجتمع والدفاع عن مصالحه، وليس لها أهداف عدوانية، ومن هنا تبدو أولوية السلم في نظر الإمام علي (عليه السلام)، فضلاً عن أن الحرب تقوم على أخلاق الحرب، التي هي الوفاء و ایثار السلم وحقن الدماء كلما أمكن، لأن الإسلام هو دين السلام الذي يؤثر التعايش السلمي على الحرب والقتال والعداء بكل وسيلة ممكنة، فعلى الراعي الصالح في دولة الإسلام ألا يترك وسيلةً تقرب من السلام إلاّ ويستعملها لينهي حالة الحرب والقتال، وفي الوقت نفسه يستعمل الحذر، فلا يستنيم إلى عقود السلام والصلح، فيهمل الاستعداد، لأن الدعوة إلى السلام قد تكون خديعةً من عدوه يراد منها الغدر، فينبغي ألا يترك له فرصة يستفيد منها من غدره إذا كانت دعوته إلى الصلح والسلام ناشئة عن نيةٍ سيئة (257).

ص: 66

الخاتمة

انتهى البحث في مضامين العهد الشريف (عهد الإمام علي (عليه السلام) للاشتر النخعي) إلى جملة من النتائج منها:

1. إن المنظومة القيمية العلوية بامتدادها الزماني والمكاني، منظومة حيّة ومتكاملة، تستمد أساسها من القرآن الكريم وسُنة رسول الله أ، وهي منظومة واقعية قابلة للتطبيق على مرّ العصور والأجيال؛ فهي بذلك (منتج عقدي حضاري) - إن صحّ التعبير -.

2. تحتل قيمة التقوى موقع الصدارة في تسلسل القيم التي تؤلف في مجموعها رؤية الإمام علي للكون والحياة، وقد مثّلت أسمى تجلٍ للعلاقة بين العبد وربّه، أو الانعکاس الأساسي لما يقتضيه التوحيد في رأيه، فهي حجر الزاوية في تصوره الفكري والمعرفي والسياسي على صعيد ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

3. إن عهد الاشتر هو أطول وثيقة كتبها الإمام عليّ لأحد ولاته، وتضمنت تفصيلاً وشمولاً لقواعد الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والقيمية التي ينبغي أن يلتزمها الراعي في إدارة شؤون رعيته، لتطبيق الصيغة الإسلامية الصحيحة للحياة الإنسانية على المجتمع في سبيل بناء الإنسان الكامل، وكانت هذه القواعد بمثابة الخطط المدروسة المنتزعة من واقع المجتمع الإسلامي، ومُعدة لتبلغ به المطامح التي كانت يصبو إليها.

4. كان إعداد الإمام عليّ للراعي وبناءه قيمياً وتقوائياً يستلزم تنظيم علاقاته الأساسية، ومنها تنظيم علاقته مع الله سبحانه وتعالى، واستشعار المعيّة الإلهية في كل حين مما يحجز النفس عن الانزلاق مع الشهوات والأهواء، ولا يكون هذا الاستحضار إلاّ بإدامة الذكر والعبادة والطاعة، وعدم المسامحة في النشاط الروحي للراعي، أما

ص: 67

تنظيم علاقة الراعي مع نفسه فتكون على أساس التقوى، وسيطرة العقل على الميول والنزعات المختلفة، وأول تلك الرغبات الجامحة التي ينبغي لجمها هي نزعة التسلط والطغيان التي يمكن أن تتسرب إلى نفس الراعي بفعل زهو السلطة واُبهتها، وعلاج ذلك بتذكر عظمة الخالق عزّ وجل وقدرته عليه، ووعي حقيقة السلطة وإدراك وظيفتها في إحقاق الحق ومواجهة الباطل، وإصلاح حياة الناس ومعايشهم، وإقامة الدين والمحافظة على الشريعة.

5. إن العلاقة بين الراعي والرعية تضامنية تعاونية تفاعلية يتكيء على توازنها الكيان الاجتماعي برمته، وقد تطلب ذلك اهتمام الإمام علي (عليه السلام) ببناء هذه العلاقة على وفق معايير الحق و الانصاف والعدل والمساواة واحترام دستور الدولة، والانفتاح على الرعية، ومخالطتها، والتواصل معها، ومکاشفتها بشؤون الحكم، وإحاطتها بالرعاية الأبوية.

6. إن للعدالة التي يطبقها الراعي على رعيته أُسساً موضوعية، تشمل: مساواتهم في الحقوق والواجبات، وإدارة أموال الدولة وتنميتها على أساس العدل وكفالة الفقراء، وتساويهم أمام القضاء، وكانت الحلول التي أرشد إليها الإمام علي (عليه السلام) في هذه المجالات حلولاً تاريخية وموضوعية وقيمية تضع أُسساً لديمقراطية العلاقة بين الناس على مختلف القوميات والطوائف والملل والنحل.

7. اعتمدت توجيهات الإمام عليّ للراعي لبناء العلاقة القيمية بينه وبين أعوانه من الموظفين والعمال المشتركين معه في إدارة الدولة على: حسن اختيار هؤلاء الموظفين وفقاً لمواصفات ترتبط بالجانب الأخلاقي والعملي، وتقسيم العمل بين هؤلاء الموظفين من الناحية الإدارية والتنظيمية، وتطبيق سياسة الإشراف والمتابعة والمراقبة المستمرة لصون مصالح الأمة، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب تبعاً لذلك، ناهيك عن استعمال الأساليب التي تساعد الموظف على الاستقامة مثل التوسعة

ص: 68

عليهم في معاشاتهم ورواتبهم.

8. حرص الإمام علي على أن تكون علاقة الراعي مع العدو علاقة قيمية، فوجّه إلى الضوابط والقواعد التي تحكم هذه العلاقة، وهي ضوابط تستند إلى المبادئ الحميدة والأسس النبيلة التي ترفض الانحراف في مفاصل الحياة كافة.

والحمد لله رب العالمين

ص: 69

قائمة المصادر والمراجع

أولاً: المصادر الأولية.

1 - الآمدي، عبد الواحد التميمي (من علماء القرن الخامس الهجري)، غرر الحکم و درر الكلم، تحقیق: السيد مهدي الرجائي، ط إيران، 1426 ه / 2005 م.

2 - الثقفي، إبراهيم بن محمد بن سعيد (ت 283 ه / 896 م)، الغارات أو الاستنفار والغارات، ط دار الاضواء، بیروت، 1407 ه / 1987 م.

3 - الجرجاني، أبو الحسن علي بن محمد بن علي (ت 816 ه / 1413 م)، التعريفات، طبغداد، (بلا.ت).

4 - الجوهري، إسماعيل بن حماد (ت 393 ه / 1002 م)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور، ط 4، بیروت، 1407 ه / 1986 م.

5 - الحاكم النيسابوري، أبي عبد الله محمد بن عبد الله (ت 405 ه / 1014 م)، المستدرك على الصحيحين، ط دار الفكر، بیروت، 1422 ه / 2002 م.

6 - ابن أبي الحديد، عز الدين بن هبة الله المدائني (ت 656 ه / 1258 م)، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط إيران، 1421 ه / 2001 م.

7 - ابن حنبل، أحمد الشيباني (ت 241 ه / 855 م)، مسند أحمد، ط دار إحياء التراث، بیروت، (بلا.ت).

8 - ابن أبي طالب، الإمام علي (ت. 40 / 660 م)، نهج البلاغة، جمع: الشريف الرضي، أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسي (ت 406 ه / 1015 م)، تعلیق و فهرسة: الدكتور صبحي الصالح، تحقیق: الشيخ فارس تبریزیان، ط 3، دار الهجرة، قم، 1425 ه / 2004 م.

9 - الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل (من علماء القرن 6 ه)، مجمع البيان

ص: 70

في تفسير القرآن، وضع حواشیه و خرج آیاته وشواهده: إبراهيم شمس الدين، ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1418 ه / 1997 م.

10 - الطبري، أبي جعفر محمد بن جریر (ت 310 ه / 922 م)، تاريخ الطبري - تاریخ الأمم والملوك، ط دار إحياء التراث العربي، بیروت، 1429 ه / 2008 م.

11 - الطرطوشي، أبو بكر محمد بن محمد بن الوليد الفهري (ت 520 ه / 1129 م)، سراج الملوك، طبعة حجرية، الإسكندرية، 1289 ه / 1872 م.

12 - الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817 ه / 1414 م)، القاموس المحيط، إعداد وتقديم، محمد عبد الرحمن المرعشلي، ط بیروت، 1424 ه / 2003 م.

13 - ابن قتيبة، أبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت 276 ه / 889 م)، المعارف، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1626 ه / 2003 م.

14 - المجلسي، محمد باقر (ت 1111 ه / 1999 م)، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط 3، بیروت، 1403 ه / 1983 م.

15 - ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين بن مكرم الافريقي (ت 711 ھ / 1311 م)، لسان العرب، مراجعة وتدقيق: يوسف البقاعي وآخرون، ط بیروت، 1426 ه / 2005 م.

16 - المنقري، نصر بن مزاحم (ت 212 ه / 827 م)، وقعة صفين، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط 3، قم، 1422 ه / 2001 م.

17 - الواسطي، أبي الحسن علي بن محمد الليثي (ت في ق 6 ه)، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، ط قم، 1417 ه / 1996 م.

ص: 71

ثانياً: المراجع الثانوية:

1 - الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء، مؤسسة نشر الفقاهة، إيران، 1419 ه / 1998 م.

2 - الأعرجي، زهير، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) السيرة الذاتية والاجتماعية، ط 2، بیروت، 1430 ه / 2008 م.

3 - بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، منشورات ذوي القربی، قم، 1427 ه / 2006 م.

4 - التميمي، الدكتور مهدي حسين، الإمام علي (عليه السلام) التدبير القيادي للدولة، طالنجف الأشرف، 1426 ه / 2015 م.

5 - جرداق، جورج، الإمام علي (عليه السلام) صوت العدالة الإنسانية، طقم 1423 ه / 2002 م.

6 - الجنابي، میثم، الإمام علي القوة والمثال - التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية، ط دار المدى، دمشق-بيروت، 1416 ه / 1995 م.

7 - الحكيم، محمد تقي، مع الإمام علي (عليه السلام) في منهجيته ونهجه، ط المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت، 1423 ه / 2002 م.

8 - حمود، خضیر کاظم، السياسة الإدارية في فكر الإمام علي بين الأصالة والمعاصرة، ط بیروت، (بلا.ت).

9 - الخوئي، المحقق میرزا حبیب الله الهاشمي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ط دار المحجة البيضاء، بیروت، 1434 ه / 2013 م.

10 - الزبيدي، عبد الرضا عبد الأمير، في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام) دراسة في ضوء نهج البلاغة، ط قم، 1426 ه / 2005 م.

11 - السيد جاسم، عزیز، علي سلطة الحق، تحقیق وتعلیق: صادق جعفر الروازق، ط

ص: 72

قم، 1428 ه / 2007 م.

12 - الشامي، حسين بركة، البرنامج الأمثل لإدارة الدولة وقيادة المجتمع في عهد الإمام عليّ مالك الأشتر، ط 2، دار السلام، بغداد، 1429 ه / 2008.

13 - الشريفي، محمد رضا مطر، الأصول النظرية للدولة والمواطنة في القرآن الكريم وتطبيقاتها عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، دار الكفيل، كربلاء، 1437 ه / 2016 م.

14 - شمس الدین، محمد مهدي، دراسات في نهج البلاغة، ط 4، بیروت، 1422 ه / 2001 م.

15 - شمس الدين، محمد مهدي، عهد الاشتر، ط 2، مؤسسة الوفاء، بیروت، 1404 ه / 1984 م.

16 - شهاب، السيد عباس هاشم علوي، معالم الفكر التنموي الإسلامي (الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) نموذجاً، ط دار العصمة، البحرين، 1428 ه / 2007 م.

17 - صليبا، د. جميل، المعجم الفلسفي، ط إيران، 1426 ه / 2007 م.

18 - عبد المقصود، عبد الفتاح، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ط 2، دار الصفوة، بیروت، 1433 ه / 2012 م.

19 - العسل، إبراهيم، التنمية في الإسلام، ط بيروت، 1416 ه / 1996 م.

20 - الفكیكي، توفيق، الراعي والرعية، ط 3، شركة المعرفة للنشر والتوزيع، بغداد، (بلا.ت).

21 - قرباني، زين العابدین، میثاق إدارة الدولة في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر، تعريب: قاسم البيضاني، تحقيق: محمد صالح الحلفي وأحمد عبد الحسين، ط قم، 1434 ه / 2012 م.

22 - القزويني، د. محسن باقر، علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجل المعارضة والدولة،

ص: 73

ط دار العلوم، بیروت، 1425 ه / 2004 م.

23 - المتوكل، محمد عطاء المذهب السياسي في الإسلام، ط 2، بیروت، 1405 ه / 1985 م.

24 - المحنك، هاشم حسين ناصر، علم الاجتماع في نهج البلاغة، ط النجف، (بلا.ت).

25 - المحنك، هاشم حسين ناصر، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ط دار أنباء للطباعة والنشر، العراق، 1412 ه / 1991 م.

26 - المطهري، مرتضي، في رحاب نهج البلاغة، ترجمة: هادي اليوسفي، ط 2، دار التعارف، بیروت، 1400 ه / 1980 م.

27 - مغنية، الشيخ محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، ط 3، دار العلم للملايين، بیروت، 1400 ه / 1979 م.

28 - الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة - مکاتیب الإمام علي (عليه السلام)، تحقیق ومراجعة: مجتبی فرجي، ط دار الحديث، قم، 1426 ه / 2005 م.

29 - نصر الله، حسن عباس، جمهورية الحكمة في نهج البلاغة، ط دار القارئ، بیروت، 1427 ه / 2006 م.

ثالثاً: البحوث في المجلات العلمية:

1 - جاسم، سنان سعيد، المنظومة القيمية والأخلاقية في النهضة الحسينية، دورية وقائع مؤتمر الإصلاح الحسين، ط النجف، 1438 ه / 2016 م.

2 - سیساوي، السيد خالد، تغييب القيم وانتهاكها في سياسات الحكم الأموي، مجلة الإصلاح الحسيني، العدد 11، 1436 ه / 2015 م.

3 - العطار، مهدي، الشورى في الإسلام - تأملات في النظرية والواقع التطبيقي، (مجلة قضايا إسلامية)، ع 6، 1419 ه / 1998 م.

ص: 74

رابعاً: الرسائل الجامعية.

1 - مزهر، ثائر حسن ضاحي، اطروحة الحكم عند الإمام علي (عليه السلام)، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1637 ه / 2019 م.

الهوامش:

1. ابن أبي الحديد، عز الدين بن هبة الله المدائني (ت 656 ه / 1258 م)، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط إيران، 1421 ه / 2001 م، 20 / 231.

2. المصدر نفسه، 16 / 94.

3. السيساوي، السيد خالد، تغييب القيم وانتهاكها في سياسات الحكم الأموي، مجلة الإصلاح الحسيني، العدد 11، 1436 ه / 2015 م، ص 158.

4. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين بن مکرم الأفريقي (ت 711 ه / 1311 م)، لسان العرب، مراجعة وتدقيق: يوسف البقاعي وآخرون، ط بیروت، 1426 ه / 2005 م، مادة قوم؛ الجوهري، إسماعيل بن حماد (ت 393 ه / 1002 م)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور، ط 4، بیروت، 1907 ه / 1989 م، مادة قوم.

5. الفيروز آبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817 ه / 1414 م)، القاموس المحيط، إعداد وتقديم: محمد عبد الرحمن المرعشلي، ط بيروت، 1424 ه / 2003 م، مادة قوم.

6. ابن منظور، لسان العرب، مادة قوم، الجوهري، الصحاح، مادة قوم.

7. سورة فصلت، الآية 6.

8. سورة الفرقان، الآية 67.

9. سورة النساء، الآية 34.

ص: 75

10. سورة آل عمران، الآية 75.

11. سورة التوبة، الآية 36.

12. سورة الأنعام، الآية 161.

13. سیساوي، تغييب القيم، ص 158.

14. سیساوي، تغييب القيم، ص 159؛ جاسم، سنان سعيد، المنظومة القيمية والأخلاقية في النهضة الحسينية، دورية وقائع مؤتمر الإصلاح الحسيني الأول، ط النجف، 1438 ه / 2019 م، المجلد الأول، ص 602 - 603؛ وينظر: بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، منشورات ذوي القربی، قم، 1427 ه / 2006 م، 3 / 216 - 217.

15. إذ تتوقف القيمة على المنفعة التي تكون مقياساً للشيء المقوّم، والمنفعة أمر نسبي تماماً ويتوقف على عوامل عديدة كالحاجة والعرض والطلب... الخ.

16. بدوي، موسوعة الفلسفة، 3 / 216 - 217.

17. جاسم، المنظومة القيمية، 1 / 603.

18. سیساوي، تغييب القيم، ص 161 - 162.

19. المتوكل، محمد عطاء المذهب السياسي في الإسلام، ط 2، بیروت، 1405 ه / 1985 م، ص 188.

20. كما في قوله تعالى: «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» سورة آل عمران، الآية 159؛ وقوله تعالى: «وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» سورة فصلت، الآية 34.

21. المتوكل، المذهب السياسي، ص 190 - 191.

22. سیساوي، تغييب القيم، ص 162.

23. الجرجاني، أبو الحسن علي بن محمد بن علي (ت 816 ه / 1413 م)، التعريفات،

ص: 76

ط بغداد، (بلات)، ص 41؛ المحنك، هاشم حسين ناصر، علم الاجتماع في نهج البلاغة، ط النجف، (بلا.ت)، ص 431.

24. الآصفي، محمد مهدي، في رحاب عاشوراء، مؤسسة نشر الفقاهة، إيران، 1419 ه / 1998 م، ص 61 - 62.

25. سورة ص، الآية 26.

26. نهج البلاغة، جمع: الشريف الرضي، أبي الحسن محمد بن الحسين بن موسی (ت 406 ه / 1015 م)، تعلیق و فهرسة: الدكتور صبحي الصالح، تحقيق: الشيخ فارس تبریزیان، ط 3، دار الهجرة، قم، 1425 ه / 2004 م، الكلام رقم 42، ص 84.

27. الآصفي، في رحاب عاشوراء، ص 60.

28. الآمدي، عبد الواحد التميمي (من علماء القرن 5 ه)، غرر الحکم و دُرر الكلم، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، ط إيران، 1426 ه / 2005 م، ص 270.

29. ينظر: المجلسي، بحار الأنوار، 17 / 116.

30. شمس الدين، محمد مهدي، دراسات في نهج البلاغة، ط 4، بیروت، 1422 ه / 2001 م، ص 155.

31. ينظر: سورة البقرة، الآية 2، سورة البقرة، الآية 177، سورة آل عمران، الآية 133، سورة المائدة، الآية 8.

32. ينظر على سبيل المثال: نهج البلاغة، الخطبة 75، ص 111؛ الخطبة 82، ص 116، ص 121، ص 125، ص 126، ص 127؛ الخطبة 113، ص 206؛ الخطبة 132، ص 239؛ الخطبة 157، ص 270؛ الخطبة 161، ص 281؛ الخطبة 191، ص 353؛ الخطبة 195، ص 389.

33. سورة النحل، الآية 90.

ص: 77

34. الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل (من علماء القرن السادس الهجري)، مجمع البيان في تفسير القرآن، وضع حواشيه وخرّج آياته وشواهده: إبراهيم شمس الدين، ط دار الكتب العلمية، بيروت، 1618 ه / 1997 م، 1 / 51.

35. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 158.

36. سورة الحجرات، الآية 13.

37. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 159 - 160.

38. ينظر: نهج البلاغة، ص 121، ص 125، ص 206، ص 270 - 271، ص 281.

39. المحنك، علم الاجتماع في نهج البلاغة، ص 435.

40. شهاب، السيد عباس هاشم علوي، معالم الفكر التنموي الإسلامي (الإمام علي بن أبي طالب a نموذجا)، ط دار العصمة، البحرين، 1928 ه / 2007 م، ص 118 - 119.

41. سیاوي، تغييب القيم، ص 173.

42. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53، 548.

43. وهو القائل: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ولا الْتِمَاسَ شيءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ولَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ ونُظْهِرَ الإصْلاحَ فِي بِلادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ» نهج البلاغة، نص رقم 131، ص 232.

44. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 365.

45. السيد جاسم، عزیز، علي سلطة الحق، تحقیق وتعلیق: صادق جعفر الروازق، ط قم، 1428 ه / 2007 م، ص 439، ص 440.

46. مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي، حضر حروب الفتح، فأصيبت عينه في معركة اليرموك فاشتهر بالأشتر، كان يعيش في الكوفة، وكان المزاياه

ص: 78

الأخلاقية ومرؤته ومنعته وأبهته وحياته، تأثير كبير في نفوس الكوفيين، نفي مع عدد من أصحابه إلى حمص في أيام عثمان بسبب اصطدامه بوالي الكوفة، واشترك في الثورة على عثمان بن عفان، كان من رجال الإمام علي البارزين أيام خلافته، إذ اشترك في حرب الجمل، وكانت له مواقف مشهودة في صفين، وولي الجزيرة للإمام عليّ ومن ثمَّ ولاه مصراً بعد أن اضطربت على محمد بن أبي بكر، وكان معاوية قد عزم على الاستيلاء على مصر، فخاف من وصول الأشتر إليها لما عرف عنه من كفاءة ودأب واستماتة وخبره في العمل، فقضى معاوية عليه قبل وصوله إلى مصر بطريقة غادرة، بعدما تناول من العسل المسموم بسم فتاك، فحزن الإمام عليّ لفقده، حتى عَدّ موته من مصائب الدهر.

لمزيد ينظر: المنقري، نصر بن مزاحم (ت 212 ه / 827 م)، وقعة صفين، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، ط 3، قم، 1422 ه / 2001 م، ص 12، ص 62، ص 154، 173، 175، 250، 258، 289، 364، 440، 467، 525، 506، 544، ابن قتيبة، أبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت 276 ه / 889 م)، المعارف، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1424 ه / 2003 م، ص 324؛ الطبري، أبي جعفر محمد بن جریر (ت 310 ه / 922 م)، (389 - 389، 5 / 63 - 64، الميانجي، علي الأحمدي، مكاتيب الأئمة، مكاتيب الإمام علي a، تحقیق ومراجعة: مجتبی فرجي، ط دار الحديث، قم، 1629 ه / 2005 م، 1 / 460 - 471.

47. ينظر: الثقفي، إبراهيم بن محمد بن سعيد (ت 283 ه / 896 م)، الغارات أو الاستنفار والغارات، ط دار الأضواء، بیروت، 1407 ه / 1987 م، ص 166 - 171؛ الطبری، تاریخ، 5 / 63.

48. نهج البلاغة، الكتاب رقم 38، ص 523.

* الظبة: حد السيف والسنان ونحوها.

* نابي الضريبة: النابي من السيوف الذي لا يقطع.

ص: 79

49. ينظر: المحنك، علم الاجتماع في نهج البلاغة، ص 339 - 337.

50. عبد المقصود، عبد الفتاح، الإمام علي بن أبي طالب، ط 2، دار الصفوة، بیروت، 1433 ه / 2012 م، 7 / 132 - 133.

51. الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص 545.

52. التميمي، الدكتور مهدي حسين، الإمام علي a في التدبير القيادي للدولة، ط النجف الأشرف، 1436 ه / 2015 م، ص 115.

53. المرجع نفسه، ص 115.

54. أصبح هذا العهد موضع العناية منذ صدوره وإلى يوم الناس هذا عند كثير من رجال العلم، وأعلام الأدب، وأساتذة القانون، لذلك نراهم قد تناولوه درساً وبحثاً وأوسعوه شرحاً وتعليقاً وافردوا فيه المؤلفات، وترجموه إلى بعض اللغات، هذا مضافاً إلى ما تعرض له عامة شراح (نهج البلاغة) بشروح مبسوطة ومختصرة كل بحسب طريقته في شرح نهج البلاغة ولو انتزعت من تلك الشروح لكانت عدة مجلدات. لنماذج من عناوين تلك الشروحات التي عنيت بعهد الأشتر. ينظر: شمس الدين، محمد مهدي، عهد الأشتر، ط 2، مؤسسة الوفاء، بیروت، 1404 ه / 1984 م، ص 46 - 51.

55. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 285.

56. نهج البلاغة، كتاب رقم 53، ص 546.

57. ينظر: الملحق رقم (1) عهد الأشتر.

58. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 285.

59. ينظر: شمس الدين، عهد الأشتر، ص 38 - 39؛ الخوئي، المحقق میرزا حبیب الله الهاشمي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ط دار المحجة البيضاء، بیروت، 1434 ه / 2013 م، 20 / 292.

ص: 80

60. الحكيم، محمد تقي، مع الإمام علي a في منهجيته ونهجه، ط المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت، 1423 ه / 2002 م، ص 120 - 121.

61. الفكيكي، توفيق، الراعي والرعية، ط 3، شركة المعرفة للنشر والتوزيع، بغداد، (بلا.ت)، ص 66.

62. الشامي، حسين بركة، البرنامج الأمثل لإدارة الدولة وقيادة المجتمع في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، ط2 ، دار الإسلام، بغداد، 1429 ه / 2008 م، ص 144.

63. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 141 - 142.

64. الشريفي، محمد رضا مطر، الأصول النظرية للدولة والمواطنة في القرآن الكريم وتطبيقاتها عند الإمام علي بن أبي طالب a، دار الكفيل، كربلاء، 1437 ه / 2016 م، ص 179.

65. القزويني، د.محسن باقر، علي بن أبي طالب a رجل المعارضة والدولة، ط دار العلوم، بيروت، 1425 ه / 2004 م، ص 216 - 217.

66. التميمي، الإمام علي a التدبير القيادي للدولة، ص 167 - 168.

67. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 438.

68. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 274.

69. الشريفي، الأصول النظرية للدولة والمواطنة، ص 266.

70. المحنك، هاشم حسين ناصر، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ط دار انباء للطباعة والنشر، العراق، 1412 ه / 1991 م، ص 305.

71. الشامي، البرنامج الأمثل، ص 143.

72. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 308.

73. الآصفي، في رحاب عاشوراء، ص 64 - 65.

74. نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الأشتر)، ص 565.

ص: 81

75. شمس الدين، عهد الأشتر، ص 164.

76. نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الأشتر)، ص 566.

77. شمس الدين، عهد الأشتر، ص 164.

78. نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الأشتر)، ص 546.

79. حمود، خضیر کاظم، السياسة الإدارية في فكر الإمام عليّ بين الأصالة والمعاصرة، ط بیروت، (بلا.ت)، ص 12، ص 13.

80. الشامي، البرنامج الأمثل، ص 154.

81. شمس الدين، عهد الأشتر، ص 69.

82. نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الأشتر)، ص 547.

83. قال تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» سورة الفرقان، الآية 43؛ شمس الدين، عهد الأشتر، ص 68؛ الشامي، البرنامج الأمثل، ص 160، 161.

84. نهج البلاغة، الكتاب 53 (عهد الأشتر)، ص 546.

85. شمس الدين، عهد الأشتر، ص 69.

86. نصر الله، حسن عباس، جمهورية الحكمة في نهج البلاغة، ط دار القارئ، بیروت، 1427 ه / 2009 م، ص 70.

87. القزويني، الإمام علي، ص 195.

88. نهج البلاغة، الحكمة رقم 68، ص 614.

89. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 252.

90. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 460 - 461.

91. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 57. الادغال = ادخال الفساد، والغِير: حادثات الدهر بنقلب الدول.

ص: 82

92. ينظر: شمس الدين، عهد الأشتر، ص 75.

93. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 548.

94. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 570.

95. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551.

96. حمود، السياسة الإدارية، ص 22 - 23.

97. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 461.

98. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 546 - 547.

99. العطار، مهدي، الشورى في الإسلام - تأملات في النظرية والواقع التطبيقي، (مجلة قضايا إسلامية)، ع 6، ص 1419 ه / 1998 م، ص 440.

100. ينظر: نهج البلاغة، الخطبة رقم (3)، ص 39، الخطبة 33، ص 79.

101. مزهر، ثائر حسن ضاحي، اطروحة الحكم عند الإمام علي، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 1437 ه / 2016 م، ص 72-73.

102. ينظر: المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 78.

103. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 546.

104. سیساوي، تغييب القيم، ص 171.

105. التميمي، الإمام علي، ص 110 - 111.

106. نهج البلاغة، الخطبة رقم 216، ص 419.

107. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 165؛ الزبيدي، عبد الرضا عبد الأمير، في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي a في دراسة في ضوء نهج البلاغة، ط قم، 1426 ه / 2005 م، ص 108.

108. القزويني، علي بن أبي طالب، ص 189.

109. نهج البلاغة، الخطبة رقم 216، ص 418 - 419.

ص: 83

110. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 293.

111. نهج البلاغة، رقم الخطبة، 216، ص 419.

112. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 166؛ الجنابي، ميثم، الإمام علي القوة والمثال - التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية، ط دار المدى، دمشق - بيروت، 1416 ه / 1995 م، ص 133.

113. ينظر: نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 556.

114. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 363.

115. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 572.

116. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 15.

117. الحاكم النيسابوري، أبي عبد الله محمد بن عبد الله (ت 405 ه / 1014 م)، المستدرك على الصحيحين، ط دار الفكر، بيروت، 1422 ه / 2002 م، 3 / 337.

118. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 549.

119. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 567 - 568.

120. مزهر، أطروحة الحكم عند الإمام عليّ، ص 90 - 91؛ وينظر: نهج البلاغة، 9 - 91؛ الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 569 - 570.

121. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 548.

122. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 202.

123. القزويني، الإمام علي، ص 207.

124. الشريفي، الأصول النظرية للدولة والمواطنة، ص 170.

125. الواسطي، أبي الحسن علي بن محمد الليثي (ت في القرن 6 ه)، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، طقم، 1417 ه / 1996 م، ص 26.

126. صليبا، د.جميل، المعجم الفلسفي، ط إيران، 1426 ه / 2005 م، 2 / 59.

ص: 84

127. ينظر: الآمدي، غرر الحکم، ص 39، ص 43، ص 46، ص 47، ص 102، ص 298، ص 335، ص 354، ص 555، ص 690.

128. نصر الله، جمهورية الحكمة، ص 151.

129 .الآمدي، غرر الحکم، ص 90.

130. نصر الله، جمهورية الحكمة، ص 148؛ مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 95.

131. نصر الله، جمهورية الحكمة، ص 152؛ وينظر في أقوال الإمام علي a: (العدل جُنة الدول)، (ما حصن الدول مثل العدل)، (بالعدل تصلح الرعية)، (ما عُمرت البلدان بمثل العدل) الآمدي، غرر الحکم، ص 102، ص 298، ص 688، ص 690.

132. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 546.

133. الفكیكي، الراعي والرعية، ص 40 - 41.

134. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 549.

135. القزويني، الإمام على، ص 206 - 207.

136. ينظر: الثقفي، الغارات، ص 44 - 49.

137. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 192 - 193.

138. المرجع نفسه، ص 195.

139. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 547.

140. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 464، ص 467.

141. المرجع نفسه، ص 466.

142. سورة فاطر، الآية 3.

143. سورة يس، الآية 60.

144. المتوكل، المذهب السياسي، ص 114.

ص: 85

145. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 عهد الأشتر)، ص 556.

146. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 319.

147. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551.

148. سورة الحجرات، الآية 13؛ و(لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلاّ بالتقوى) كما قال رسول الله أ. ابن حنبل، أحمد الشيباني (ت 241 ه / 855 م)، مسند أحمد، ط دار إحياء التراث، بیروت، (بلات)، الحديث رقم 2305.

149. حمود، السياسات الإدارية، ص 34.

150. القزويني، الإمام علي، ص 207.

151. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551.

152. الشریفی، الأصول النظرية للدولة، ص 237.

153. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 546.

154. شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 115 - 117؛ والمتتبع لكليات الإمام علي يجد أن أهداف التنمية عنده تتركز في أربع نقاط رئيسية لخصها أمره لمالك الأشتر ب(استصلاح أهلها) وهي: 1 - بناء مجتمع متعلم. 2 - بناء مجتمع خال من الأمراض. 3 - بناء مجتمع الكفاية. 4 - بناء مجتمع المتقين الذي يتوفر على تلكم الأهداف جميعاً. المرجع نفسه، ص 117.

155. العسل، إبراهيم، التنمية في الإسلام، ط بیروت، 1416 ه / 1996 م، ص 90.

* أهل البؤس: الذين يعانون شدة الفقر.

* الزمني: أرباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب.

* القانع: السائل.

* والمعتر: المتعرض للسؤال بلا عطاء.

ص: 86

* تقتحمه العيون: تنظر إليه احتقاراً وازدراءً.

156. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 563 - 564.

157. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 254.

158. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 343 - 344.

159. المرجع نفسه، 20 / 344.

160. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة ص 247.

161. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 253 - 254.

162. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 559.

163. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 423، ص 324.

164. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 559 - 560.

* شكو ثقلاً أو علة: أي شكوا من مال الخراج المضروب على الأرض أو من علّة ساوية أضرّت بزرعهمز

* انقطاع شرب: انقطاع ماء في بلاد تسقى بالأنهار.

* انقطاع بآلة: ما يبل الأرض من مطر وندى، للأراضي التي تسقى بالأمطار.

* إحالة أرض: تحويل الأرض البذرو إلى فساد بالتعفن بعد أن غلبت عليها الرطوبة.

* التبجح: السرور بما يرى من حسن عمله بالعدل.

* الاجمام: الترفيه والراحة.

165. شمس الدين، عهد الاشتر، ص 135.

166. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 324.

167. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 559.

168. شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 251.

169. جرداق، جورج، الإمام علي a صوت العدالة الإنسانية، طقم، 1423 ه / 2002 م،

ص: 87

1 / 348.

170. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 567.

171. الأعرجي، زهير، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): السيرة الذاتية والاجتماعية، ط 2، بیروت، 1430 ه / 2008 م، ص 719؛ مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 99 - 100، وللتوسع في القضاء في فكر الإمام عليّ ينظر: عباس الملا، فاضل، الإمام عليّ ومنهجه في القضاء، ط دار الرافدين، بيروت، 1432 ه / 2010 م.

172. المطهري، مرتضي، في رحاب نهج البلاغة، ترجمة: هادي اليوسفي، ط 2، دار التعارف، بیروت، 1400 ه / 1980 م، ص 97.

173. العطار، الشورى في الإسلام، ص 377.

174. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 550.

175. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 303.

176. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551.

177. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 552.

178. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 470 - 471؛ القزويني، الإمام علي، ص 202 - 203.

179. فليس غريباً أن يأتي ذكرها في الآية نفسها التي حثت على اللين والرفق وهي قوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...» آل عمران، الآية 159؛ الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 216.

180. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551.

181. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 217.

ص: 88

182. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 256.

183. المرجع نفسه، ص 257.

184. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 217.

185. السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 453.

186. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 566 - 567.

187. ينظر: شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 332 - 333؛ السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 454 - 455.

188. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 564 - 565.

* متعتع: التردد بسبب العجز والعي، والمراد: غير الخائف.

* الخُرق: العنف.

* الأنف: ضيق الصدر بسوء الخلق، والاستنكاف والاستكبار.

189. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 345.

190. حمود، السياسة الإدارية، ص 28؛ السيد جاسم، علي سلطة الحق، ص 451 - 452؛ وينظر: المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 255.

191. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 549.

192. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 113.

193. ابن أبي الحديد، شرح النهج، 20 / 251.

194. شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 274.

195. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 547.

196. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 201.

197. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 214.

198. سورة القصص، الآية 83؛ وينظر: سورة آل عمران، الآية 159؛ سورة الشعراء،

ص: 89

الآية 215.

199. الطرطوشي، أبو بكر محمد بن محمد بن الوليد الفهري (ت 520 ه / 1126 م)، سراج الملوك، طبعة حجرية، الاسكندرية، 1289 ه / 1872 م، ص 56؛ الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 214.

200. شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 234.

201. نهج البلاغة، ص 568.

202.شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 235؛ مغنية، الشيخ محمد جواد، في ظلال البلاغة، ط 3، دار العلم للملايين، بيروت، 1400 ه / 1979 م، 4 / 111.

203. حمود، السياسة الإدارية، ص 29.

204. الشامي، البرنامج الأمثل، ص 147.

205. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 570.

206. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 259.

207. شمس الدین، عهد الاشتر، ص 185.

208. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 550.

209. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 551 - 552.

210. المصدر نفسه، ص 571.

211. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 362.

212. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 547.

213. المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 202.

214. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 547.

215. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي (عليه السلام)، ص 102؛ قرباني، زين العابدين، ميثاق إدارة الدولة في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر،

ص: 90

تعريب: قاسم البيضاني، تحقيق: محمد صالح الحلفي وأحمد عبد الحسين، ط قم، 1434 ه / 2012 م، ص 151 - 152.

216.القزويني، الإمام علي، ص 235.

217. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 549 - 550.

218. الخوئي، منهاج البراعة، 20 / 303.

219. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 555 - 556.

220. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 571.

221. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 567.

222. ينظر: الملحق رقم (1).

223. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 572.

* سورة حدِّك: حِدة البأس.

* غَرب لسانك: حد اللسان، تشبيهاً له بحد السيف.

* البادرة: ما يبدو من اللسان عن الغضب من سباب ونحوه.

224. نهج البلاغة، ص 554.

225. المصدر نفسه، ص 564.

226. المصدر نفسه، ص 567.

227. المصدر نفسه، ص 571.

228. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 565.

229. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 105.

230. التميمي، الإمام علي، ص 116.

231. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 565.

232. ينظر: الملحق رقم (1) (عهد الأشتر)، شروط اختيار قادة الجند، والقضاة، وعمال

ص: 91

الخراج، والوزراء والمستشارين، والكُتّاب وغيرهم.

233. مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 107.

234. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 561.

235. مزهر، أطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 106.

236. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 561.

237. شمس الدين، عهد الاشتر، ص 141.

238. حمود، السياسة الإدارية، ص 70 - 71؛ مزهر، اطروحة الحكم عند الإمام علي، ص 106.

239. ينظر: شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 260 - 265.

240. نهج البلاغة، ص 554 - 555.

241. المصدر نفسه، ص 557.

242. المصدر نفسه، ص 558.

243. الشريفي، الأصول النظرية للدولة، ص 293؛ شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 265.

244. نهج البلاغة، ص 558.

245. ينظر: شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 266 - 267؛ الفكیكي، الراعي والرعية، ص 113.

246. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 556.

247. المصدر نفسه، ص 551.

248. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 555 - 556.

249. نهج البلاغة، ص 508 - 509.

250. ينظر: الملحق رقم (1) (عهد الأشتر)، أمر الإمام علي الراعي بالتوسعة على قادة

ص: 92

الجند، والقضاة، وعمال الخراج.

251. شهاب، معالم الفكر التنموي، ص 254.

252. نهج البلاغة، ص 558.

253. القزويني، الإمام علي، ص 246.

254. نهج البلاغة، الكتاب رقم 53 (عهد الأشتر)، ص 568 - 570.

255. حمود، السياسة الإدارية، ص 91 - 92؛ المحنك، الإدارة والأسلوب القيادي في نهج البلاغة، ص 210.

256. نهج البلاغة، ص 568.

257. شمس الدین، عهد الاشتر، ص 177 - 178.

ص: 93

ص: 94

المشورة في فكر الإمام علي (عليه السلام) عهد مالك الاشتر (رضي الله عنه) إنموذجاً

اشارة

م. د عقيل عبد الله ياسين العابدي

كلية التربية / جامعة واسط

ص: 95

ص: 96

المقدمة

كثيرة هي المفردات الحضارية التي اكد على ضرورتها المنطق العقلي والشرع الاسلامي، ومنها المشورة فهي عرف دأب العرب على ممارسته في حياتهم العامة، لما له من أهمية في الحياة العامة على وجه العموم والحياة السياسية على وجه الخصوص، وتعززت مكانة ذلك العرف أكثر حينما ظهر الاسلام وعلم بحقيقة ما يتمخض عنه من تسديد الآراء وتأليف القلوب ومعرفة ما يدور في أذهان العقول، حينها أقره وحث الحكام على ممارسته تحت صورة التكافل الفكري والتضامن الاجتماعي بين المسلمين، أكد على تحقيقه والعمل بها بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وصيه الامام علي (عليه السلام)، فقد أشار الى المشورة في مناسبات عديدة ومنها عهده لمالك الاشتر (عليه السلام)، لأهميتها في إنصاف حقوق الرعية وتعزيز حكم الشرع، وإشارته في العهد لم تكن موجهة لمالك (رضي الله عنه) فحسب بل كانت موجهة لجميع الحكام، لحثهم على العمل بها وتحذيرهم من مغبة الصفات الذميمة التي يحملها بعض المستشارون في مشوراتهم للحكام، لا سيما وان لتلك الصفات انعكاسات سلبية على واقع القرارات الصادرة للرعية.

مما سبق تتضح جلياً أهمية الموضوع ومما دعانا الى دراسته قلة الدراسات المتوفرة عنه الى جانب حيويته، فالمشورة تكون بمثابة الروح التي تبعث الاستقرار والازدهار الى الحياة العامة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

لقد اقتضت طبيعة الموضوع جعله في ستة محاور تتقدمها مقدمة وتستأخرها خاتمة، المحور الاول كان بعنوان المشورة لغة واصطلاحاً، وخصص لتعريف المشورة لغة واصطلاحاً، المحور الثاني عنون بالمشورة في مصادر التشريع الاسلامي، وبحث بيان اثر المشورة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريف، المحور الثالث اتخذ عنوان

ص: 97

المشورة عند الامام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، وتناول بحث المشورة في فكر الامام علي (عليه السلام)، المحور الرابع عنون الأئمة (عليه السلام) والحكماء الذين وافقوا الامام علي (عليه السلام) في طروحاته حول المشورة، وتضمن بحث اقوالهم التي وافقت فكر الامام علي (عليه السلام) في المشورة، أما المحور الخامس فقد اتخذ عنوان أهل المشورة والموضوعات التي يتشاورون بها، وبحث حكم الفقه الاسلامي من أهل المشورة إن كانوا مسلمين او غير مسلمين، فضلا عن الموضوعات التي يحق لهم التشاور بها.

اولاً: مفهوم المشورة لغة واصطلاحاً:

المشورة لغةً:

إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية لبحث مدلول كلمة المشورة نجد أن كلمة المشورة أو الشورى أو المشاورة أو الاستشارة ما هي إلا مصادر مأخوذة من الفعلين شور وشار، اللذين يعنيان في معناهما العام الاستخراج أو الاستظهار في الأمر، قيل: طلبت رأيه، أي: استخرجت ما عنده وأظهرته، وقيل: استشار أمره إذا تبين واستنار(1).

وقد استخدم العرب كلمة الشورى والمشورة في أكثر من موضع، فهي وردت للدلالة على استخراج العسل من مواضعه، قيل: شار العسل، أي: جناه من خلاياه ومواضعه، کما جاءت بمعنی بیان هيئة الشخص وصورة لباسه، قيل: أقبل رجل وعليه شورة حسنة، أي: حسن الهيئة واللباس، وقيل أيضاً: فلان حسن المشوار، أي: حسن المنظر، كما وردت بمعنی تفحص بدن الدابة عند الشراء والبيع، قيل: شرت الدابة أجريتها لتعرف قوتها، وقيل: شار الدابة يشورها، أي: إذا عرضها لتُباع، إلى جانب ما ورد جاءت كذلك بمعنى إظهار تجربة الشخص وقوة الرأي، قيل: حسن المشوار، أي:

ص: 98

مُجرَّبَهُ حسن حين تجربة، وقيل: فلان جيد المشورة، أي: إذا ما وجه الرأي(2).

وتبعاً لذلك يمكن القول أن المشورة والشورى والمشاورة والاستشارة كلمات متقاربة في المعنى والمدلول، وإن تعددت الاستخدامات واختلفت، فجميعها تعني في مفهومها العام الاستخراج والاستظهار، وهذا في واقع الحال يصب في مصلحة المعني الحقيقي الذي نبحث عنه في تعريفنا للمشورة من الناحية اللغوية.

المشورة اصطلاحا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للمشورة عن المعنى اللغوي كثيراً، فهناك مجموعة تعريفات نجدها مبثوثة هنا وهناك تدور جميعها تقريباً حول مفهوم استخراج واستظهار أراء الآخرين، بعد التعرف عليها وإمعان النظر فيها، فقال بعض العلماء أنها: (استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض)(3)، وقال بعض آخر أنها: (الاجتماع على الأمر، ليستشير كل واحد صاحبه، ويستخرج ما عنده )(4)، في حين ذهب بعض منهم على أنها: (المفاوضة في الكلام، ليظهر الحق)(5)، كما عدها بعضهم: (استخراج آراءهم (الأخرون) و إعلام ما عندهم)(6)، وهي عند بعض كذلك: ((مطالعة ذي العقل الراجح)(7).

کما عرفت اصطلاحاً عند المُحدَثين بأنها: (استطلاع الرأي من ذوي الخبرة للتوصل إلى أقرب الأمور للحق)(8)، كما وصفها بعضهم بقوله: (والمشورة ما ينصح به رأي وغيره)(9) وعدها بعضهم بأنها: (اجتماع أهل الرأي في مكان وتداولهم في الأمر النازل بهم، ليصدروا فيه عن رأي واحد)(10).

أما البعض الآخر منهم فقال: (هي عرض المعضلة أو المعضلات في أمور الدنيا والدين، على الذين عرفوا بالتجربة العملية والرأي السديد، سماع الآراء المختلفة،

ص: 99

واستخلاص كل المناسب لتلك المعضلة أو المعضلات من تلك الآراء المعروضة والقرار على تنفيذ كل المناسب)(11)، وذهب بعضهم إلى القول بأنها: (تبادل وجهات النظر وتقليب الآراء مع آخرين في موضوع محدد، للتوصل إلى الرأي الأصوب)(12).

ويتضح من هذه التعريفات أن المراد من المشورة من الناحية الاصطلاحية كما بينا سابقاً هو التداول مع الآخرين لمعالجة موضوع ما، بقصد استخراج واستخلاص رأي يكون سبيلاً للخروج بحل مناسب له.

ثانياً: المشورة في مصادر التشريع الاسلامي:

المشورة في القرآن الكريم:

تبعاً للمكانة السامية التي تمتعت بها المشورة في التراث الإنساني والعربي(13)، أهميتها في صنع القرارات السديدة التي تهم الرعية فقد أَولى الإسلام لها المكانة ذاتها في شريعته، وحرص على ممارستها وإيجادها في جميع شؤون الحياة، وممن نادى بذلك بعد النبي (عليه السلام) الامام علي(عليه السلام)(14)، وبما ان الامام(عليه السلام) مع القرآن :»والقرآن مع علي»(15)، على حد قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فأن القرآن الكريم الذي يكون بمثابة الدستور الذي اعتمده الإسلام في تنظيم حياة الإنسان قد أشغل حيزاً مهماً للمشورة بين صفوف سُوَره وآياته الكريمة، وذلك بشكل يناسب الأهمية التي حظيت بها في التراث الإنساني والمجتمع.

لقد وردت المشورة بصيغة الشورى في القرآن الكريم في مواضع عدة وبصيغ مختلفة دلت على المعنى نفسه الذي ورد في اللغة وفي الاصطلاح، وسنذكر هذه المواضع مع بيان قول المفسرين فيها.

ص: 100

ففي ما يتعلق بذكر السور الواردة فيها لفظة الشورى بصريح العبارة تكون سورة الشورى(16) ممن يمثلها القرآن الكريم، وهي مكية(17)، عنوانها يبين مفهومها بوضوح.

أما ما يتعلق بالآيات التي ضمت بينها لفظة الشورى، فيأتي على رأسها قوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»(18)، قال الطوسي (ت 460 ه / 1067 م) في معرض تفسيره للآية: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» :(وقيل في وجه مشاورة، النبي (صلى الله عليه واله وسلم) إياهم (أصحابه) مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد ثلاثة أقوال: أحدهما على وجه التطيب لنفوسهم والتأليف لهم، والرفع من أقدراهم إذ كانوا من يوثق بقوله: (ويرجع إلى رأيه)، والثاني: وجه ذلك لتقتدي به أمته بالمشاورة ولا يرونها منزلة نقيصة کما مدحوا بأن أمرهم شوری بینهم، والثالث: أنه للأمرين، لإجلال الصحابة واقتداء الأمة به في ذلك)(19).

هذا وقد أوضح الطوسي في تفسيره ذلك جواز الاستعانة برأي الصحابة في بعض أمور الدنيا، ممن لم ينزل به الوحي حكماً يذكر، کمکائد الحرب، كما أنه بين في أثناء تعليله لبعض الأسباب التي كانت وراء حصول الشورى أنه مارسها ليمتحن بعض أصحابه اليميز الناصح منهم من الغاش(20).

ومن وافق هذا التفسير في أغلب مضامينه الطبرسي (ت 548 ه / 1153 م)(21)، وابن الجوزي (ت 597 ه / 1200 م)(22)، والقرطبي (ت 171 ه / 1272 م)(23)، والفيض الكاشاني، (ت 1091 ه / 1980 م)(24) في تفسيرهم لهذه الآية المباركة، وإن اختلفوا في حكمها الشرعي إن كان وجوبياً أو استحبابیاً(25).

أما الموضع الثاني الذي وردت فيه لفظة الشورى، ففي قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا

ص: 101

لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»(26)، ذكر الطبري (ت 310 ه / 922 م) في تفسيره للآية: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»، والتي فيها بين الله تعالى الصفات الواجب توفرها عند المؤمنين: (أي إذا حزبهم أمر تشاوروا بينهم)(27)، كما فسرها الطبرسي بقوله: (أي لا يتفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه)(28)، أما الرازي (ت 606 ه / 1209 م) فتفسيره للآية يختلف في المضمون عما ذكره الطبري والطبرسي، يقول: (إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه)(29).

وقد نزلت هذه الآية في الأنصار كما يذكر المفسرون، إذ كانوا إذا أرادوا أمراً قبل الإسلام، وقبل قدوم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) اجتمعوا وتشاوروا، ثم عملوا عليه، فأثنى الله عليهم بذلك، وقيل هو في تشاورهم حين سمعوا بظهور النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وورود النقباء عليه، حتى اجتمعوا في دار أبي أيوب (رضي الله عنه) على الإيمان به أو النصرة له(30).

ومن الآيات القرآنية الأخرى التي لمّحت إلى مفهوم الشورى قوله تعالى في سورة النمل، في ذكر ملكة سبأ(31) وقصتها مع النبي سليمان (عليه السلام): (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِ فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)(32)، قال الطوسي في تفسيره للاية: (إن المرأة لما وقفت على كتاب سليمان: ووصَفَته.. وعرفتهم ما فيه قالت لأشراف قومها: أفتوني في أمري، أي أشيروا عليَ)(33).

والجدير بالذكر أن الإفتاء الذي طلبته ملكة سبأ من الملا أي أهل الحل والعقد من قومها ما هو إلاّ لبيان الاستعانة برأيهم في أمر هام ألمَّ بهم؛ وذلك لمواجهته بشكل مقبول لا يخرج عن نطاق الحكمة، وقد حققت ذلك على الرغم من أن المشورة التي قُدمت إليها من قومها كانت تقضي باستخدام القوة لمواجهة نفوذ النبي سليمان (عليه السلام)

ص: 102

المحدق، إذ اتجهت إلى رأي طمحت من خلاله إلى مواجهة ذلك الخطر بطريق دبلوماسي يقضي بكسب ود سليمان من خلال مراسلته وإبعاث الهدايا إليه، والخطوة التي تقدمت بها ملكة سبأ في معالجة الأمر إن دلت على شيء فإنما تدل على أن المشورة في بعض الأحيان لم تكن ملزمة في التطبيق للمستشير إذا كانت ضعيفة في معالجة الواقع المشكل.

ويتضح مما سبق إن مفهوم المشورة الذي جاء بصيغة الشورى في القرآن الكريم بشكله الصريح وغير الصريح شغل مكانة مرموقة في القرآن الكريم، وهذا الأمر لم يأتِ اعتباطا بل جاء طبقاً للأهلية الكبيرة التي حظي بها في تنظيم الشؤون الحياتية المختلفة، لاسيما وأن القرآن الكريم حث على ضرورة تحسين الواقع الذي يعيشه الإنسان، من خلال الالتزام بتطبيق المبادئ والقيم التي جاءت بها الرسالة الإسلامية، والتي تكون المشورة واحدة من مفرداتها الحضارية، إذ إن اعتمادها من قبل أي جماعة يحملها على التفكير في إصلاح شؤونها المختلفة، بما يؤدي إلى تقدمها ورقيها.

المشورة في السنة النبوية الشريفة:

إن المتتبع لسيرة الامام علي (عليه السلام) يجدها مرآة عاكسة لسيرة النبي عليه السلام)، وسيرة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) كما هو معلوم ترجمة عملية لما ورد في القرآن الكريم من قيم وأفكار ومُثُل وأخلاق، وعلى ذلك الاساس آن تأكيد الامام (عليه السلام) على المشورة في عهده المالك الأشتر (رضي الله عنه)(39) يتوجب أن يكون لها أصل في سنة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وبعد البحث وجدنا الاصل حاضر في تلك السنة، فكما يذكر ان المشورة كانت واحدة من القيم التي مارسها (صلى الله عليه واله وسلم) قولاً وفعلاً في حركته(35)، وأكد على تطبيقها لما فيها من أهمية على مستقبل المجتمع الإسلامي في جميع شؤونه، فهي نظام حكم، وشرعة دين، ومنهج حياة،

ص: 103

وتکافل مجتمع.

لقد تعرضت السنة النبوية الشريفة للمشورة کما تعرض لها القرآن الكريم، وقد جاء ذلك في أحاديثه الشريفة المختلفة مع أهله (عليه السلام) وأصحابه (رضي الله عنه)، وللتعرف على ذلك يمكن لنا إيراد بعضها بالأقوال الآتية:

1 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) لأبن عمه الإمام علي (عليه السلام) حين ولاه اليمن وهو يوصيه بالتزام المشورة في عمله باعتبارها أساس النجاح في الإدارة والقيادة، قال الإمام (عليه السلام) عنه (صلى الله عليه واله وسلم): ((لما ولاّني النبي (صلى الله عليه واله وسلم) على اليمن قال لي وهو يوصيني، يا علي ما حار مَن استخار ولا ندم مَن استشار)(36).

2 - حدیثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يظهر المسؤولية الملقاة على عاتق المستشار: (المستشار مؤتمن)(37).

3 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يُبرز أهمية المشورة في هداية الناس إلى أصلح أمورهم: (ما تشاور قوم قط إلاّ هُدوا لأرشد أمرهم)(38).

4 - حدیثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يبين استحباب المشورة ومباركة الرأي المشاور فيه: (مَن أراد أمراً فشاور فيه مسلماُ وفقه الله لأرشد أموره)(39).

5 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يعكس الضرورة المُلحة لممارسة المشورة بالنسبة للفرد: (ما يستغني رجل عن مشورة)(40).

6 - حدیثه (صلى الله عليه واله وسلم) للإمام علي (عليه السلام) وهو يعد المشورة بمثابة المناصرة والمؤازرة: (لا مظاهرة أوثق من المشاورة ولا عقل كالتدبير)(41).

7 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يحذر المستشير من مغبة عدم الأخذ بمشورة العاقل الناصح: (استرشدوا العاقل ولا تعصوه فتندموا)(42).

ص: 104

8 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يشبّه المشورة بالحصن المنيع من الندامة والملامة المرافقة لسوء التدبير: (المشاورة حرز من الندامة وأمن من الملامة)(43).

9 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يرد على سؤال عن معنى الحزم، قيل له (صلی الله عليه واله وسلم) ما الحزم، فقال (صلى الله عليه واله وسلم): (مشاورة ذوي الرأي وإتّباعهم)(44).

10 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يحدد هوية المستشار وأهميتها في درء الأخطار: (مَن شاور الأودّاء أمن الأعداء)(45).

11 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يشبه المشورة بالمؤازة: (نِعْم المشاورة المُؤازرة)(46).

12 - حديثه (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يظهر الأثر السلبي للاستبداد بالنسبة للأثر الإيجابي للمشورة: (ما سعد أحد برأيه ولا شقي عن مشورة)(47).

من ذلك الاستعراض الذي شبه فيه النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في أحاديثه الشريفة الاستشارة بأروع الصفات الإنسانية كالمؤازرة والأمانة والرشد، يمكن الاستدلال على المكانة الرفيعة التي تبوأتها في السنة النبوية (القولية)، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى عناية النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بها ومدى التزامه في تطبيقها في مختلف الأمور المهمة وغير المهمة، كونها البوابة التي يدخل من خلالها الصلاح للفرد والمجتمع.

ص: 105

ثالثاً: المشورة عند الامام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضي الله عنه):

في الوقت الذي أخذت فيه المشورة حيزاً مناسباً من الذكر في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كان لها حصة في الشأن نفسه في فكر الامام علي (عليه السلام)، وكيف لا يكون ذلك والامام (عليه السلام) الصورة الناطقة للقرآن والنفس المثالية للنبي (صلى الله عليه واله وسلم)، ومرد اهتمامه بها لم يكن اعتباطاً بل جاء لدورها في تسديد الرأي وتأليف القلوب، وقد ورد ذكره للمشورة في مناسبات عديدة ولعل ابرزها في اثناء تولية مالك الاشتر (رضی الله عنه) ادارة مصر سنة 38 ه / 661 م وعهده له في السياسية التي تعينه على ادارة البلاد، وإلى ذلك أشار (عليه السلام) لمالك (رضي الله عنه) بقوله: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور فان البخل والجبن والحرص غرائز شتّی يجمعها سوء الظن باللهّ)(48).

وقصد من ذلك ابعاد المستشارين الذين يتصفون بخصال ذميمة عن صنع القرار، لتأثير تلك الصفات على مضمون القرار نفسه، مما ينعكس سلباً على السياسة التي يعتمدها الحاكم في التعاطي مع الرعية، بالشكل الذي يؤدي في النهاية إلى خروج الحاكم عن طاعة الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه واله وسلم)، وفشله في عمله المناط اليه.

وتولى الإمام (عليه السلام) عرض الصفات الذميمة لدى المستشارين بحسب أهميتها على واقع سياسة الدولة تجاه الرعية، فهو جعل المستشارين الذين يتصفون بالبخل على رأس المستشارين الواجب تجنبهم عند صنع القرار، لما لها من أهمية كبرى في التأثير على القرارات الاقتصادية التي لها صلة بمعاشات الناس وأعمالهم، وقد اشار الإمام (عليه السلام) الى ذلك بقوله:» ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر»، أي عليك تجنب المشورات التي تؤثر على سلباً على الواقع الاقتصادي للرعية،

ص: 106

لتداعياتها الوخيمة على حياة الرعية، فهي قد تكون سبباً في افقارهم وتجويعهم وتمردهم على سلطة الدولة، وجاء تحذير الإمام (عليه السلام) رداً على ما ذهب اليه هذا الصنف من المستشارين في تزيين مشوراتهم للحكام من ناحية بيان مردودها الايجابي على اقتصاد البلاد، ومما لا شك فيه أن الأهمية السلبية التي حظيت بها تلك الصفة في فكر الإمام (عليه السلام) مردها إيمانه بأثرها في نشوء الفقر وما يترتب على ذلك من مخاطر على صلاح الفرد، وقد اشار الامام الى تلك المخاطر بمقالات عدة أوضحت اثارها، ولعل ابرزها قوله :» الفقر الموت الاكبر»(49)، ولم تأتي تلك المخاطر بمعزل عن حكم الله وسنة نبيه بل جاءت بموازاتهما، قال تعالى:» الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف»(50)، فهنا قدم جانب الامن الغذائي على الأمن المجتمعي، لخطورة الفقر على حياة الفرد العامة كما أن النبي (ص واله) حذر من الفقر وأعده باباً لاقتراف الذنوب العظام ومنها الكفر بالله تعالى، قال (صلى الله عليه واله وسلم):» بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا أدينا فرائض ربنا«(51).

الصفة الثانية التي أشار الإمام (عليه السلام) إلى مراعاتها في اختيار المستشارين الجبن، قال (عليه السلام): (ولا جباناً يضعفك عن الأمور)، فهو في هذا المقام اوجب على الحاكم ضرورة عدم اشراك المستشار الجبان في صنع القرار، لان اشراكه يجبن الحاكم على مواجهة التحديات التي تهدد أمن واستقرار الدولة، مما يتيح المجال للأخرين لإثارة الفوضى في البلاد، بما يؤدي في النهاية إلى ضياع الأمن وتعطيل مصالح الرعية، والامور التي قصدها الإمام (عليه السلام) في قوله عديدة، منها: ما تكون حركة تمرد ضد الدولة، او قوة طامحة في السيطرة على حكم البلاد، او قوة سياسية منافسة لسلطة البلاد، او جهات تريد العبث بمصالح الرعية.

ص: 107

وجاء تأكيد الإمام (عليه السلام) على تجنب المستشارين الذين يتصفون بالجبن لضمان بسط الأمن، والامن كما هو معلوم جاء من حيث الأهمية بعد مكافحة الجوع، قال تعالى: «الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف»، مما يدلل على توافق طروحات الإمام (عليه السلام) مع الطروحات التي دعت اليها الشريعة والمنطق في عرض حاجات الرعية الملحة.

الصفة الاخرى التي استلزم الامام (عليه السلام) عدم توفرها في شخص المستشار الحرص، قال (عليه السلام) في معرض حديثه عن الصفات الذميمة الواجب خلوها من نفس المستشار: (ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور)، وقصد (عليه السلام) من ذلك بیان الأثر السلبي للمستشار الحريص على القرار الذي يصدره الحاكم تجاه التحديات التي تعترض البلاد، ويوضحها اكثر في انعکاس تطلعات المستشار الحريص على قرارات الحاكم تجاه الرعية، فهو غالباً ما يسعى الى اقناع الحاكم على اتخاذ القرارات التي تضمن بقاءه في سدة الحكم بغض النظر عن تأثيراته الظالمة للرعية، ولما تلقى إذناً صاغية من الحاكم للوهلة تكون محبذه عنده في النهاية كونها تكون متماشية مع رغبته في البقاء في السلطة.

وبما أن عمل المستشار مشابه إلى حد ما مع عمل الوزير من ناحية تقديم النصح والارشاد للحاكم فقد حذر الإمام (عليه السلام) الحاكم من اتخاذ الوزراء الذين كانت لهم سابقة في نصرة الحكام الظلمة، وإلى ذلك أشار بقوله: «إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه. أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا، وأقل لغيرك إلفا فاتخذ أولئك

ص: 108

خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع، والصق بأهل الورع والصدق، ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة»(52)، وجاء تحذير الامام (عليه السلام) من هؤلاء بسبب ممارستهم للظلم سابقاً تجاه الرعية مما يجعلهم مهيئين لممارسته لاحقاً مع أي حاکم اخر، ومما يساعدهم على ذلك نفاقهم وانانيتهم، فهم لم يأملوا الخير للرعية بقدر ما ياملوا ظلمها في مشوراتهم للحكام، عبر مجاملتهم وتأمين الظروف التي تضمن بقاءهم وبقاء الحكام في السلطة.

هذا وقد عزز الإمام (عليه السلام) تأكيده على اهمية ممارسة الحاكم للمشورة الصالحة في مناسبات عديدة حثت الحاكم على اعتماد المشورة في رسم القرارات المختلفة، ومنها كانت وصاياه لأصحابه (رضي الله عنه)، قال (عليه السلام): و ((مَن شاور ذوي الألباب دل على الصواب)(53)، أي من لزم مشاورة اصحاب العقول من العلماء والعارفين وغيرهم لم يزل عن سبيل الصواب في قوله وفعله، وقال (عليه السلام): (شاور في حديثك الذي يخافون الله)(54)، إشارة إلى انتقاء المستشارون المتقون عند طلب المشورة، بقصد تقديم النصح في الرأي وكتمان الأمر المستشار فيه، وقال (عليه السلام) مندداً بالاستبداد: ((مَن استبدّ برأيه هلك ومَن شاور الرجال شاركها في عقولها)(55)، وقصد (عليه السلام) في القول مصير المستبد وحال المستنير بآراء الآخرين، وكيف يكون متضامن مع عقولهم في مواجهة التحديات الى تعترضه، ولم يخصص الإمام (عليه السلام) في القولين هوية المستشير في ما لو كان حاکماً او کان فرداً من العوام، لكنه قصد الحاكم فيها أثر من الفرد، لان اهميتها على الحاكم تكون أكثر من العامي، اذ ان مردود وقوعها عند الحاكم يكون على العوام اكثر من مردود وقوعها لدى الفرد الواحد، وقال (عليه السلام): (الاستشارة عين الهداية وقد خاطر مَن استغنی برأيه)(56)، أي أن في ممارستها مسايرة لهدى الباري

ص: 109

تعالى والاستغناء عنها يعني اختيار السبيل المؤدي إلى الوقوع في المخاطر، والمخاطر التي قصدها الإمام (عليه السلام) القرارات الخاطئة التي يصدرها الحاكم تجاه الرعية، واثرها السلبي على سير حياتهم، كما قال (عليه السلام) في مناسبة اخرى: (ما عطب امرء استشار)(57)، وهنا (عليه السلام) جزم بصحة قرارات الفرد الذي لا ينفك عن ممارسة المشورة، ومما لاشك فيه الأولوية في ممارستها تكون للحاکم دون المحكوم، وقال (عليه السلام): (لا مظاهرة أوثق من المشاورة)(58)، والمظاهرة هنا تأتي بمعنى النصرة، والنصرة تكون للحاكم بمثابة الجماعة التي تقف معه ضد اعداءه، ووقوفها معه يكون في نظر الإمام (عليه السلام) أوثق من نصرة اتباعه، وقال (عليه السلام) وهو يظهر عظم النتائج المترتبة على ترك المشورة: (مَن لم يستشريندم)(59)، أي أن الندم والخسران سيكونان حليفا المستبد في رأيه بغض النظر عن هويته إن كان حاكماً او محکوماً، وقال (عليه السلام) وهو يظهر محاسن المشورة ومكارمها على الحاكم والمحكوم في أي واحد: (في المشورة سبع خصال استنباط الصواب واكتساب الرأي والتحصن من السقطة وحرز الملامة ونجاة الندامة وألفة القلوب واتِّباع الأثر(60)، ومفهوم الخصال السبعة التي قصدها (عليه السلام) في قوله: استنباط الصواب أي الاجتهاد مع الاخرين في الوصول الى الرأي الصحيح، أما مقصده من واكتساب الرأي أي في الحصول على الرأي السديد، وأما قوله والتحصن من السقطة أي الوقوع في مزالق الخطأ، وقوله وحرز الملامة أي انها المأمن من الملامة التي يجريها الاخرين على الحاكم إزاء المهالك الواقعة عليهم من جراء ما يرد من القرارات الخاطئة، وعني با ونجاة الندامة أي فيها الفلاح من هاجس الندم الذي يرافق الحاكم بعد الوقوع في هاوية الخطأ، كما انه اراد من وألفة القلوب أي ما يرد من ممارستها من توادد وتكافل تؤدي الى تألیف قلوب الاخرين وهذا ما لم يحصل في الاستبداد، اما ما قصده من اتباع الأثر أي الاستنان بسنة مارسها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وحرص على اتباعها.

ص: 110

رابعاً: الصحابة والائمة والحكماء الذين وافقوا الامام علي (عليه السلام) في المشورة:

مما لاشك فيه أن الفكر الذي حمله الامام علي (عليه السلام) ودعا اليه المسلمين وغير المسلمين لم يأت من مصدر مجهول بل جاء من معين خازن علم الأولين والآخرين النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، وبما إن ذلك الفكر لا يقبل التفسير الذي لا يوافق العقل في جزيئة ما فمن غير الممكن لا يحظى بقبول أفكار الاخرين، وعلى ذلك الاساس أقر الأئمة (عليه السلام) والحكماء في أقوالهم ووصاياهم بصحة جميع أفكار الامام علي (عليه السلام) في المشورة، ودعوا اليها من خلال تصريحهم بمكانة المشورة ومنزلتها السامية والصفات الواجب توفرها عند المستشار، وقد اتخذت تلك الدعوة في الغالب جانب التلميح إلى فكر الإمام (عليه السلام) في المشورة دون جانب التصريح لكن الذي دل على وجوده التشابه الواضح في الأفكار، ومما يعزز ذلك عظم علم الإمام (عليه السلام) فهو دون ادنى شك أعلم المسلمين بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وهذا يجعله بمثابة المدرسة التي يتعلم منها الأئمة والصحابة والحكماء فنون العلم والمعرفة الأصيلة، وقد صرح بعض الصحابة بذلك، لا سيما عمر بن الخطاب بقوله: «لولا علي الهلك عمر»، وقوله: «ما أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن» ولكثرة مقالاتهم المطروحة في هذا الجانب ارتأينا عرضها بحسب التسلسل الزمني لوفيات أصحابها، منها:: كان قول عمر بن الخطاب (ت 23 ه / 644 م) وهو يظهر أصناف الرجال بالنسبة لموقعهم من المشورة: (الرجال ثلاثة: رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه، ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع أمراً)(61)، وقوله وهو يبين عدم مقبولية الرأي المسدي دون المشورة: (مَن دعي إلى يسارة من غير مشورة فلا يحل له أن يقبل)(62)، وقوله وهو يظهر قوة الرأي النابع من

ص: 111

المشورة: (الرأي الفرد کالخيط السحيل والرأيان كالخيطين والثلاثة الآراء لا تكاد تنقطع)(63)، وكان للإمام الحسن بن علي (عليه السلام) (ت 50 ه / 670 م) قول في المشورة أظهر فيه البركة التي يحلها الله تعالى بين المستشیرین نصه: (ما تشاور قوم قط بينهم إلاّ هداهم الله لأفضل ما يحضرهم)(64)، وقوله وهو يصنف الرجال بحسب منزلتهم من المشورة: (الناس ثلاثة فرجل، ونصف رجل، ولا شيء، فأما الرجل التام فالذي له رأي وهو يستشير، وأما نصف رجل فالذي ليس رأي وهو يستشير، وأما الذي لا شيء فالذي ليس له رأي وهو لا يستشير)(65).

اما الأحنف بن قيس (ت 67 ه / 686 م) فبين قيمة المشورة والعقل في تحكيم الرأي السديد بقوله(66): ((أضربوا الرأي بعضه ببعض يتولد منه الصواب وتجنبوا منه شدة الحزم، وانتهوا عقولكم، فإن فيها نتائج الخطأ، وذم العاقبة)(17).

كما أشار الإمام الباقر (عليه السلام) (ت 114 ه / 732 م) وهو يعكس قيمة المشورة عند أهل الكتاب: (في التوراة أربعة اسطر: مَن لا يستشر يندم، والفقر الموت الأكبر، کما تدين تدان، ومَن ملك استأثر)(68).

وأورد ابن المقفع(69) (ت 142 ه / 759 م) في آدابه اقوال دعا فيه الأفراد إلى تجاوز فكرة التحرج من استشارة الآخرين، باعتبارها عقبة تحول أمام عملية تصحيح الرأي: (لا يقذفن في روعك إنك إذا استشرت الرجال ظهر منك للناس حاجتك إلى رأي غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر، ولكن للانتفاع به، ولو أنك أردته للذكر، لكان أحسن الذكر عند العقلاء)(70).

وأظهر الإمام الصادق (عليه السلام) (ت 148 ه / 765 م) في المشورة مقالات مختلفة أكد فيها على أهميتها في سداد الرأي ومعاضدة الفرد ونصرته من مداحض الوقوع في الخطأ: (المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل)(71)، و((لا غنى أخصب من

ص: 112

العقل، ولا فقر أحط من الحمق ولا استظهار في أمر بأكثر من المشورة فيه)(72)، و((لن يهلك امرؤ عن مشورة)، و((إذا نزلت بك نازلة فلا تشکها إلى أحد من أهل الخلاف، ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فإنك لن تعد خصلة من أربع خصال: إما كفاية بمال وإما معونة بجاه أو دعوة فتستجاب أو مشورة برأي)(73).

أما الإمام الكاظم (عليه السلام) (ت 181 ه / 797 م) فقد صنف موقف الحاكم من الرأي المشاور فيه إن كان صحيحاً أو خاطئاً بقوله: (من أكثر من المشورة لم يعدم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذراً))(74).

وأورد الإمام الرضا (عليه السلام) (ت 203 ه / 818 م) قولا أشاد فيه بالحرص الذي يوليه أبوه الإمام الكاظم (عليه السلام) لمبدأ المشورة في تعامله مع الآخرين رغم متانة فكرة ورجاحة عقله: (كان عقله لا يوازن به العقول وربما شاور الأسود من سودانه، فقيل له: تشاور مثل هذا؟ فقال: إن شاء الله تبارك وتعالى ربها فتح على لسانه، قال، فكانوا ربما أشاور علیه بشيء فيعمل به)(75).

اما مقالات الحكماء في المشورة فهي كثيرة لا يمكن الإحاطة بها لكثرتها، نذكر منها النُزْر اليسير، منها: (مشاورة الحكماء ثبات)(76)، أي إن الآراء المسداة منهم فيها السداد والثبات، ومنها (مَن استغنى بعقله ضل ومَن أستبد برأيه زل، ومن استشار ذوي الألباب سلك سبيل الصواب، ومَن استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول)(77)، يعني ذلك أن مصير الاستبداد الخطأ والزلل في حين التشاور في الأمور يكون واقعه الصواب والفلاح، (إذا أشكلت عليك الأمور أو تغير لك الجمهور، فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة العلماء، ولا تأنف من الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد، فلأن تسأل وتسلم خير من أن تستبد وتندم)(78)، أي أنه إذا اشتبهت عليك الأمور فاحتكم إلى أهل الرأي والتجربة لمعالجتها دون الاستنكاف من ذلك أو الاستبداد في الرأي.

ص: 113

وقال الحكماء أيضاً: (من شيم العاقل عند النائبة تنوبه، أن يشاور عاقلاً ناصحاً ذا رأي ثم يطيعه وليعترف للحق عند المشورة)(79)، (مَن استشار استبصر)(80)، وقال الحكيم وهو يعكس أثر المشورة في نجاة الفرد من ملامة الاستبداد: (ما غُبنت قط حتى يغبن قومي، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم)(81).

وقد جاءت تلك المقالات بألوانها المختلفة وأشكالها المتنوعة لتؤكد حقيقة مفادها أن المشورة شِرعة إلهية وسنة نبوية لا يمكن الاستغناء عنها، كونها أداة أودعها الله لسعادة الإنسان ورقيه في شؤون حياته المختلفة.

خامساً: أهل المشورة ومجال الموضوعات التي يتشاورون فيها:

أهل المشورة:

بما ان الامام علي (عليه السلام) لم يشر في العهد الى أهل المشورة بشيء من التفصيل، بسبب عدم تخصص العهد لذلك الموضوع حرصنا على بيانه بشيء من الموضوعية والشمولية، لعل في ذلك إكمالاً لصورة المشورة التي يريدها الامام علي (عليه السلام) في فكره ونهجه، مستعينين على ذلك بنصوص تشريعية، ودلائل عقلية، و شواهد تاريخية تدلل على ما نذهب اليه من الحقائق والآراء، ابتداءً عند التطرق إلى أهل المشورة تتبادر إلى أذهاننا مجموعة من التساؤلات تكون بحاجة إلى إجابات تفي بالغرض المنشود من الدراسة، منها ما يتعلق بمفهوم الشورى، ومنها ما يتعلق بالتنظيمات التي تكونه، إلى جانب الإطار الزمني لأصل نشأته ومكونات أعضائه، فضلاً عن المؤهلات الواجب توفرها عندهم والآداب الواجب مراعاتها عند أخذ المشورة منهم.

وللإجابة على تلك التساؤلات كان لزاما علينا أن نُفصل في عرض الإجابات المناسبة

ص: 114

لها، بقصد إعطاء صورة واضحة عنها تفي بالغرض المنشود، ففي ما يتعلق بمفهوم أهل الشورى فالذي يُراد به تلك الجماعة التي تتوافر فيها مزايا اجتماعية وعلمية(82)، تؤهلها التولي مهمة تنظيم شؤون المسلمين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، من خلال مساهماتهم الفاعلة في صياغة القرارات المؤدية إلى ذلك التنظيم عن طريق المشورة، وتتم عملية وصول تلك الجماعة التي يمثلها العلماء ووجهاء الناس وأهل الخبرة إلى المكانة تلك عن طريق الثقة التي تمنحها لهم الأمة في النيابة عنها في التعاطي مع الشؤون المختلفة التي تواجهها، تحقيقاً لمصالحها العامة، وخير من يمثل تلك الجماعة النقباء الإثنا عشر الممثلون عن سكان أهل المدينة المنورة، الذين أخرجهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بعد بيعة العقبة الثانية سنة (12 ب / 121 م)، وذلك ليكونوا له مستشارين في اتخاذ القرارات بعد هجرته إلى المدينة(83).

والظاهر من النصوص التاريخية أن المشورة لم يكن وجودها محصوراً عند تلك الجماعة بل لها حضور عند جهات أخرى يمكن بيانها على مستويين آخرين هما: أهل الشورى بالمعنى الواسع أي جمهور الأمة، فكل مسلم بالغ عاقل يكون من أهل الشوری، قال تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (84)، فالضمير هنا للجميع، أي لجميع المسلمين(85)، واستشارة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لعامة أصحابه بشأن قتال قريش بعد صد المسلمين لقوافلهم التجارية المارة بحدود المدينة خير مثال على ذلك، والذي فيه يقول: (أشيروا عليَّ أيها الناس)(86).

أما المستوى الثاني للحصول على المشورة فهو الشورى الخاصة (الفردية)، وتكون عند أهل الاختصاص من العلماء وأهل الخبرة في مختلف مجالات الحياة، ويشترط في هؤلاء توافر ميزة التخصص الدقيق والخبرة الخاصة في أي مجال من المجالات العامة، ومصداق على ذلك مشورة الصحابي سلمان الفارسي (المحمدي) (رضي الله عنه) على

ص: 115

النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بحفر الخندق حول المدينة المنورة سنة (5 ه / 626 م(87).

أما الإطار الزمني لنشأة فكرة أهل الشورى بمستوياتهم المختلفة فتعود إلى عصور موغلة في القدم، إذ وُجدت بوجود التمدن عند العراقيين القدماء والمصريين واليونان والرومان والفرس، ووجدت كذلك عند العرب في دار الندوة.

أما زمان ظهور مصطلح أهل الشوری بمنظوره الإسلامي، فيمكن القول إلى أنه بدأ ببداية مبدأ الشورى الذي دعا إليه القرآن الكريم وأمر بتطبيقه النبي (صلى الله عليه واله وسلم) على أصحابه، إذ بادر (صلى الله عليه واله وسلم) قبل الهجرة بالتنسيق مع زعماء المدينة في بيعة العقبة الثانية إلى تشكيل أول مجلس شورى في الدولة مكون من أثنی عشر رجلاً من وجوه المهاجرين الأنصار، يرجع إليهم في مهام الأمور(88).

أما بالنسبة إلى الأعضاء التي يتكون منه مجلس الشورى فمنهم المسلمون وغير المسلمين ومنهم الذكور والإناث استناداً إلى قوله تعالى: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، إذ إنه تعالى لم يحدد في الآية المذكورة الهوية الدينية للشخص المستشار، ولم يحدد جنسه إن كان ذكراً أم أنثى، ومع ذلك فأن الأمر مختلف عليه، إذ اختلف العلماء المسلمون في بيان الحكم الشرعي في مسألتي إشراك الذمي والمرأة في المشورة وجعلهم ضمن دائرة أهل الشورى.

ففي ما يتعلق بالحكم الشرعي للمسألة الأولى (إشراك غير المسلمين في المشورة) طرح الفقهاء المسلمون في ذلك رأيين لكل منهما دليل يثبت صحته، الرأي الأول أظهر عدم جواز الاستعانة برأي الذمي، وهو قول المالكية والحنبلية(89)، وقد استدلوا في صحة ما ذهبوا إليه بآيات عدة من القرآن الكريم وبأحاديث شريفة من السنة النبوية، أبرزها: قوله تعالى: «لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ»(90)، وقد فسرت الموالاة هنا بالمعونة والمظاهرة والنصرة(91)،

ص: 116

وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»(92)، وقد جاءت البطانة في هذه الآية بمعنى الخواص، قيل بطانة الرجل خاصته أي المقربين له، أما معنى من دونكم فهو من غيركم أي من أهل الأديان الأخرى(93).

قال الرازي في تفسير هذه الآية: (إن الذين نهى الله المؤمنين من مخالطتهم... اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم، ويؤانسوهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله)(94).

إلى جانب ذلك استدل أصحاب هذا الرأي بقول النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (لا تستضيئوا بنار أهل الشرك ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً)(95)، قيل إن المراد بالاستضاءة هنا الاستشارة في الأمور، أي لا تستشيروا المشركين في أموركم، فتعملوا بآرائهم(96).

أما قول الرأي الثاني في تلك المسألة فقد أجاز الاستعانة برأي غير المسلمين في مواطن ولم يجوزها في مواطن أخرى، وهو ما تذهب إليه الحنفية(97)، والزيدية(98)، والشافعية(99)، والشيعة الإمامية(100)، وبعض الحنابلة(101) وقد استدل أصحاب هذا الرأي على صحة قولهم المتعلق بجواز الاستعانة برأي غير المسلمين بآيات من القرآن الكريم، وبأفعال من السنة الشريفة نذكر أهمها: قوله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»(102).

ص: 117

قال البغوي في تفسير: (أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم أن تعدلوا فيهم بالإحسان والبر)(103) ولعل الرجوع إليهم للاستنارة برأيهم في مهام الأمور من ألوان ذلك البر الذي أوصى الله تعالى به المسلمين.

ومن الآيات الأخرى قوله تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»(104) وقد وردت هذه الآية في أهل الكتاب ولا سيما اليهود والنصارى، كما ذهب إليه أغلب المفسرين، قال القرطبي وهو يفسر الآية: (يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي قال سفيان سماهم أهل الذكر لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب، وكان کفار قریش پراجعون أهل الكتاب في أمر محمد (صلى الله عليه واله وسلم))(105).

کما استدل أصحاب هذا الرأي على صحة قولهم باستعانة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بعد هجرته بيهود المدينة المنورة ضد مشركي قريش في وثيقة المدينة، وقد حصل ذلك بعد المشاورة التي حدثت بين الطرفين، واستمر الاتفاق إلى يوم الأحزاب سنة (5 ه / 626 م)، إذ نقض اليهود الاتفاق المبرم من خلال تحالفهم مع القرشيين على حرب المسلمين(106).

فضلاً عن ذلك فقد استدلوا على صحة قولهم باستعانة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بصفوان بن أمية يوم حنين سنة (8 ه / 629 م)، وذلك عندما أعار الأخير النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بعد المشاورة أدرعاً وسلاحاً لقتال هوازن، ففي رواية ابن هشام (ت 213 ه / 828 م): (لما أجمع رسول الله، فأرسل إليه وهو يومئذ مشركاً، فقال: يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا تلق عدونا غداً، فقال صفوان: أغصباً یا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح)(107).

ص: 118

ومن الأدلة والشواهد الأخرى التي طرحها أصحاب هذا الرأي استعانة الخلفاء بأهل الذمة في إدارة شؤون الدولة، فمن ذلك أن عمر بن الخطاب جعل موظفي دواوین الدولة في عهده من الروم(108).

أما الأمور التي يجوز فيها مشاورة غير المسلمين في نظر أصحاب هذا الرأي فهي القضايا التي تعالج المسائل الدنيوية مثل الجوانب الاقتصادية كالتجارة والصناعة والزراعة، والجوانب السياسية العامة، کشؤون الحكم والحرب، أما المسائل التي لم يجوّزوا فيها مشاورة غير المسلمين، فهي القضايا التي تخص الأمور الدينية كالإمامة والقضاء وشؤون العبادات إلى غير ذلك، التي يشترط لمن يتدخل في شأنها صفة الإسلام(109).

ولم يذكر أصحاب هذا الرأي شواهد تاريخية تدلل على مشاركة غير المسلمين في التداولات التشاورية الخاصة بالدين، كالأحكام الشرعية، والعبادات، والعقائد، واختيار الإمام، والقاضي، مما يعزز رأيهم.

والجدير بالذكر أن مؤيدي هذا الرأي حددوا شروطاً لمن جوزوا له حق المشاورة في الجوانب الدنيوية، وذلك من باب حماية المصالح العامة الخاصة بالإسلام والمسلمين من جهة ولكي تكون المشورة ذات جدوى قيمة يمكن الاستفادة منها من جهة أخرى، ومن تلك الشروط الأمانة(110)، فضلاً عن الشروط الأخرى كالعلم، والتجربة، إلى غير ذلك، والأمانة هنا تحمل معاني كثيرة، مجملها عدم إشراك النوازع النفسية (السلبية) في التأثير على الرأي المستشار فيه، بقصد إضعافه، ومنها العداء، والتعصب، والحقد، والموالاة إلى غير ذلك.

وقد قدم هذا الشرط (الأمانة) على الشروط الأخرى بسبب سلبية النظرة السائدة بين المسلمين تجاه أهل الذمة، إذ أنهم غالباً ما كانوا يضعونهم في خانة الاتهام، وهذه النظرة مبررة بإطارها العام، ومما يؤكد صحتها الواقع التاريخي، إذ أن المؤامرات التي

ص: 119

كانت تُحاك ضد الدولة الإسلامية في مراحلها الأولى تدبر بعضها بخيوط غير إسلامية، وذلك من أجل الإيقاع بها وبدعوتها(111).

ومن خلال قراءاتنا للرأيين نرى أن الرأي الثاني هو الأرجح والأصوب في تلك المسألة، وذلك لأنه الأقرب إلى العقل والشرع والواقع التاريخي، بالنسبة إلى قربه من العقل، يجوّز المنطق الاستعانة بأي رأي يقود الفرد إلى الأمر الصائب، بمعزل عن الهوية الدينية التي يحملها صاحب الرأي، أما الشرع، فقد أقر ما يتوافق مع العقل، ووضع لذلك ضوابط تنظم الأمر، لأن العقل حجة لصواب عمل الإنسان من عدمه، أما الواقع التاريخي فلم يثبت إشراك غير المسلمين في التشاور في القضايا التي خصت الجوانب الدينية، كالأحكام الشرعية، والعقائد، والعبادات، إلى غير ذلك.

أما ما يتعلق بالرأي الأول فله أسبابه ومبرراته عند من ذهب إليه من العلماء، إذ جاء على وفق تلك المبررات بسبب عدم قبول غير المسلمين بالواقع الجديد الذي عاشه المسلمون بعد ظهور الإسلام وقيام دولته في المدينة بعد هجرة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وهذا الأمر جعلهم يعيشون حالة عدم الانصهار مع المجتمع الإسلامي، على الرغم من تودد المسلمين إليهم في الوثيقة التي رسمها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في المدينة لحفظ حقوقهم العامة، مما ولّد نوعاً من الشك والريبة عند المسلمين تجاه ولائهم للدولة الإسلامية، لكن يمكن القول إن هذه المرحلة الانتقالية التي عاشها المسلمون مع أهل الذمة من غير المسلمين على وفق الظروف آنفة الذكر قد مرت وولت فلا يمكن لنا أن نعمم موقفهم السلبي في هذه المرحلة على المراحل اللاحقة التي عاشها المسلمون عبر دولهم الأخرى، ولاسيما أن الوقائع التاريخية تثبت لنا إيجابية بعض مواقفهم تجاه المسلمين، على سبيل المثال الموقف الايجابي للأقباط النصارى مع المسلمين تجاه تحریر مصر سنة (20 ه / 640 م) من الروم البيزنطيين، من خلال تقديمهم يد العون والمساعدة

ص: 120

للمسلمين لتحقيق أمر الفتح(112)، كذلك موقف اليهود الإيجابي في فتح الأندلس سنة (91 ه / 790 م)(113)، وعليه يمكن أن نعد هذا الرأي ضعيفاً وغير واقعي.

هذا وقد حدد العلماء شروطاً وجب على المستشير مراعاتها عند أخذ المشورة، ولم تكن الشروط تشكل حاجزاً يقف أمام طريق المشورة، بل جاءت من أجل تنظيمها وإخراجها بالشكل الذي يقبله العقل والشرع.

وبما أن أهل الشورى ينقسمون على مستويين كما بينا سابقاً، فقد ارتأينا أن نبين الشروط الواجب توفرها عند كل من أعضاء مجلس الشورى (الجماعي) وعند الجمهور العام الذي يمثله الأفراد، وقد تجنبنا ذکر شرط إسلام المستشار الذي حصل عليه اختلاف بين العلماء المسلمين، ذلك أن المؤيدين منهم لفكرة التمييز بين أهل الشورى وأهل الحل والعقد يرون ضرورة توفره عند أهل الحل والعقد(114)، في حين نجد أن الرافضين لتلك الفكرة يرون عكس ذلك، إذ لا ضرورة لتوفره عندهم (115)، لذا ركزنا على ذكر الشروط المتوافق عليها بين العلماء والتي كان منها:

1 - العلم: وهو العمود الذي تقف عليه الصفات الحميدة عند الفرد، يقول الماوردي (ت 450 ه / 1058 م) وهو يصف قيمته وقيمة حملته بالنسبة لولاة الأمر ومن تبعهم باعتبارهم المسؤولون عن إدارة مصالح العباد: (العلم هو عصمة الملوك والأمراء ومعقل السلاطين والوزراء، لأنه يمنعهم الظلم، وليردهم إلى الحلم ويصدهم عن الأذى ويعطفهم، وكما أن الملك الحازم لا يتم حزمه إلاّ بمشاورة الوزراء والأخيار، كذلك لا يتم عدله إلاّ باستفتاء العلماء الأبرار)(116).

وقد جعل الإمام الصادق (عليه السلام) للعلم مرتبة متقدمة في الشروط الواجب توفرها عند المستشار، قال (عليه السلام): (إن المشورة لا تكون إلاّ بحدودها، فمن عرفها بحدودها وإلاّ كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها له، فأدها أن يكون

ص: 121

الذي يشاوره عاقلاً، والثانية أن يكون حرّاً متديناً، والثالثة أن يكون صديقاً مواخياً، والرابعة أن تطلعه على سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثم يسر ذلك ويكتمه، فإنه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته، وإذا كان حرّاً متديناً جهد نفسه في النصيحة لك، وإذا كان صديقاً مواخياً كتم سرك إذا أطلعته عليه، وإذا أطلعته على سرك فكان به كعلمك، تمت المشورة وكملت لك)(117).

وقد أوصى الحكماء بضرورة ملازمة صفة العلم مع صفة التجربة والذكاء، قيل: (العقل الكامل بطوال التجربة مع الفطنة والذكاء، قيل لأن الحمق الجاهل إذا استشرته زاد في لبسك وأدخل عليك التخليط في رأيك ولم يقم بحقيق نصحك، وقيل بكثرة التجارب تصلح الروية)(118).

وقد حذر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) من عدم الأخذ بمشورة العالم العاقل في قوله (صلى الله عليه واله وسلم): (استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا(119)).

2 - التقوى والورع: ومنزلة التقوى لا تقل شأنا من منزلة العلم عند المستشار، إذ لا قيمة المشورة دون تقوی، وذلك لأن صاحب الرأي قد يكون غير ناصح، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) في مكانة التقوى عند المشورة: (مَن أراد أمراً فشاور فيه امرءاً مسلماً وفّقه الله لأرشد أموره)(120)، وقال الإمام علي (عليه السلام): (شاور في حديثك الذي يخافون الله)(121)، وللإمام الصادق (عليه السلام) حديثاً يقول فيه: (استشر العاقل من الرجال الورع، فإنه لا يأمر إلا بخير، وإياك والخلاف، فإن خلاف الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا)(122)، وقال (عليه السلام) في موضع آخر: (شاور في أمور مما يقتضي الدين من فيه خمس خصال عقل و علم و تجربة ونصح وتقوى وإن تجد فاستعمل الخمسة واعزم وتوكل على الله تعالى فإن ذلك يؤدي إلى الصواب)(123).

ص: 122

3 - التجربة: التجربة أداة قيّمة لصقل المواهب وتصحيح الأفكار، وتأتي بعد واقع یُعاش على مر السنين، ولها أهمية عند مَن يستشير، وذلك لأن حاملها يعالج المستقبل بالماضي، وحصولها مقرون بطول العمر، قال لقمان الحكيم وهو يوصي ولده: (شاور مَن جرّب الأمور فإنه يعطيك من رأيه ما كان عليه بالغلاء، وأنت تأخذه بالمجان(124))، وقال الإمام علي (عليه السلام): (رأي الشيخ خير مَن مشهد الغلام)(125)، وقال المأمون لوِلْدِه موصياً: ( استشيروا ذوي الرأي والتجربة والحيلة فإنهم أعلم بمصارف الأمور وتقلبات الدهور)(126).

وقال الحكماء: (عليك برأي الشيوخ، فقد مرت على وجوههم عيون العبر وتصدعت الأسماعهم آثار الغيَر)(127)، وقالوا أيضاً: (يختار للمشورة أهل العقول الغريزية والتجارب الكثيرة والحلو الرزينة)(128).

ومما يذكر هنا أن الحث على مشورة الكبار لا يعني بالضرورة التخلي عن مشورة الصغار، إذ إن أمر الحث يعني فيه التفضيل، ولاسيما أن البعض من الصغار يملك من الفطنة والذكاء والعناية الإلهية ما يؤهله لإسداء المشورة، قال الحكماء: (عليكم بآراء الأحداث ومشاورة الشباب، فإن لهم أذهاناً تقل الفواصل وتتحطم الذوابل)(129).

4 - الأمانة والكتان: وهما صفتان متلازمتان إحداهما تكمل الأخرى، فالأمانة تعني النصح والكتمان يعني الحفظ، والنصح أمر مقرون بالحفظ، إذ أن الأمانة القولية فيها الحتمية اللازمة لحفظ الرأي من الشياع من جهة وفيها خلاص النصح من الغش من جهة أخرى، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (المستشار مؤتمن)(130)، أي أمين على أن لا يخون فيما ائتُمن عليه من الرأي، ولا يغش فيما يُستنصح فيه عند المشورة، وقال الإمام علي (عليه السلام): (مَن غش المسلمين في مشورة فقد برئت منه)(131)، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (مَن استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي

ص: 123

سلبه الله عزَّ وجل رأيه)(132)، وقال (عليه السلام) وهو يوصي أحد أصحابه: (إن كنت تريد أن تستتب لك النعمة وتكمل لك المودة، وتصلح لك المعيشة، فلا تستشر العبد والسفلة في أمرك، فإنك إن ائتمنتهم خانوك، وإن حدثوك كذبوك، وإن نكبت خذلوك، وإن وعدوك موعداً لم يصدقوك)(133)، وقالوا: (مَن شاور أهل النصيحة سلم من الفضيحة)(134)، وقيل: (إذا استشرت فانصح، وإذا قدرت فاصفح)(135).

أما الكتمان فقال به النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يعدّه باباً من أبواب نجاح المشورة: (استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان)(131)، وقد جعل الإمام الصادق (عليه السلام) لصفة الكتمان منزلة مهمة بين الصفات الواجب توفرها عند المستشار، حيث قال وهو يضعها في المرتبة الرابعة، بعد العلم، والتقوى، والوفاء: (الرابعة أن تطلعه على سرك، فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثم يسر ذلك ويكتمه، فإذا كان صديقاً مواخياً كتمك سرك إذا أطلعته عليه، وإذا أطلعته على سرك فكان به كعلمك)(137)، وذكر الطرطوشي (ت 520 ه / 1126 م) إن بعض ملوك العجم استشار وزیریه، فقال أحدهما: (لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحداً إلا خالياً به، فإنه أموَت للسر وأحزم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفی)(138)، وقال المأمون العباسي: (الملوك تحتمل كل شيء إلاّ ثلاثة أشياء القدْح في الملوك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم)(139).

ولصعوبة حفظ القضايا المعروضة على المستشارين لغرض أخذ المشورة، فضّل الحكماء سترها من دون إفشائها، تجنباً من مخاطر إعلانها، قال بعضهم: (صدرك أوسع السرك من صدر غيرك)، وقالوا: (سرك من دمك)، وقيل كيف کتمانك للسر، قال: ((ما قلبي له إلاّ قبر)(140).

ص: 124

ومخاطر إعلان الرأي عند المستشار تتمثل في أن رأي المستشير إذا اطلع عليه بعض الأصدقاء أو غيرهم من جلساء المستشير أخبر كل صديق صديقه، وفاه كل جلیس جليسه حتى أمره إلى عدوه فيبتغي الغوائل ويفسد الرأي قبل إحكامه(141).

5 - الحزم: الجدية صفة رفيعة وجب توفرها عند المستشار عند أخذ المشورة، إذ إن الجاد في رأيه ومشورته يجنب المستشير من التهاون واللهو والعبث الذي يصاحب هوى المستشار الغير الحازم، مما يؤثر سلباً على ضعف رأيه ومشورته: سُئل النبي (صلى الله عليه واله وسلم) عن الحزم، فقيل له: (ما الحزم: قال: مشاورة ذوي الرأي وإتّباعهم)(142)، وقيل: (إن الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحَزَمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار)(143).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) (114 ه / 732 م): (اتّبع مَن يبكيك وهو لك ناصح، ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش، وستردون على الله جميعاً فتعلمون)(144).

6 - التخصص: وهذه الصفة وجدت الحاجة بعض المشورات إلى التخصص في الموضوعات المختلفة المشار فيها، لذلك وجِبَ على المستشار أن يكون من أصحاب الاختصاص والخبرة في المسائل التي تحتاج إلى نوع من المعرفة، قال القرطبي: (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها)(145).

هذا وقد وضع الأئمة والحكماء في وصاياهم آداباً وجب على المستشير مراعاتها عند طلب المشورة، وقد ارتأينا أن نذكرها بشيء من الاختصار تجنباً للإطالة التي لا يسع المجال لبيانها، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وهو يوصي الإمام علي (عليه السلام): (يا علي لا تشاور جباناً فإنه يضيّق عليك المخرج، ولا تشاور البخيل فإنه يقصر بك غايتك، ولا تشاور حريصاً فإنه يزين لك شرها، واعلم يا علي إن الجُبن والبخل

ص: 125

والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن)(146).

وقد حذّر الحكماء من مشاورة أصحاب الهوى، قيل في المستشار: (أن لا يكون له في الأمر المستشار فيه فرض يتابعه، ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة، والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد)(147)، وقيل للمستشير في إتّباع الهوى: (اعدل عن مشورة من قصدوا موافقتك متابعة هواك، واعتمدَ مخالفتكَ انحرافاً عنك، واعتمدْ على مَن توخي الحق والصواب لك وعليك)(148)

وقد أكد الحكماء على ضرورة سلامة قلب المستشار من نزعة الحسد، وجعلوا خلو صدر المستشار من هذه الخصلة شرطاً أساساً لنجاح المشورة، قالوا: (سلامته من غائلة الحسد، قيل لأن الحسد يحث أهل المحبة على البغضة، وذوي الولاية على البعد والفرقة، وحينئذ يتعمد ضرك بجميع الوجود التي تتقيها على نفسك، وتكون داعية إلى فساد رأيك)(149).

إلى جانب ما ذكر فقد حرص الحكماء على الامتناع عن مشورة سبعة أشخاص: (قيل سبعة لا ينبغي لذي لب أن يشاورهم جاهل، وعدو، وحسود، و مراء، وجبان، و بخیل، وذو هوى، فإن الجاهل يضل، والعدو يريد الهلاك، والحسود يتمنى زوال النعمة، والمرائي واقف مع رضا الناس، والجبان من رأيه الهرب، والبخيل حريص على جمع المال فلا رأي له في غيره، وذو الهوى أسير هواه)(150)، كما حذّر الحكماء من مشورة الصبيان والنساء بداعي ضعف عقولهم وآرائهم، قالوا: (لا ينبغي أن يُستشار النساء ولا الصبيان، لنقص عقولهم وضعف آرائهم)(151).

ولم يكتفِ الحكماء في ذكر الصفات الواجب توفرها عند المستشار، والاحتياطات الواجب توخيها عند أخذ المشورة، بل تطرقوا إلى ضرورة مراعاة الظروف المحيطة بفكر المستشار، وذلك لما لها من أثر إيجابي على واقع الرأي المستشار فيه، قال ابن

ص: 126

الأزرق: (سلامة الفكر من مكدرات صفوه، وذكروا ممن عرض له ذلك أصنافاً، فالجائع حتى يشبع، والعطشان حتى يقنع، والأسير حتى يطلق، والضال حتى يجد، والراغب حتى يمنح وصاحب الخف الضيق، وحاقف البول، وصاحب المرأة السليطة، وقالوا في مشاورة الشباب: (ومَن قال باستشارة الشبّان شرط أن تكون أمزجتهم صحيحة، و قرائحهم (152) سليمة، وعلومهم غزيرة)(153).

مما سبق يمكن القول ان ما طرح بشأن اهل المشورة يمكن أن يكون موافقاً لطروحات الامام علي (عليه السلام) في هذا الشأن، ومما يعزز ذلك موافقته للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والمنطق العقلي.

موضوعات المشورة:

مما لا شك فيه ان الامام علي (عليه السلام) لم يكن قاصداً في عهده المالك الاشتر(رضي الله عنه) التزام المشورة في الجوانب الدينية، لعدم خضوع تلك الجوانب لآراء الأشخاص، وخضوعها لمشيئة الله تعالى، وقد اثبت الكثير من العلماء ذلك وليس الجميع، لأن المسألة تعد من المسائل الخلافية والمسائل الخلافية كما هو معلوم غالباً ما تستدعي الاجتهاد في النص القرآني، وذلك لعدم وجود نص صریح يقطع الأمر المختَلف عليه، وأصل الخلاف يعود إلى الآية الكريمة: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، أي إلى كلمة الأمر، إذ لم يحدد في الآية نوع الأمر المشاوَر عليه، إن كان يخص القضايا العامة التي تتعلق بجميع شؤون المسلمين - السياسية والاقتصادية وحتى الدينية - التي لم ينزل فيها حكماً شرعياً، أم قضايا الحرب وما شابه.

وعلى هذا الأساس حصل الاختلاف بين العلماء في المسألة، إذ انقسموا على قسمين، قسم منهم يؤيد القول الذي يرى عمومية مجال الموضوعات المشاوَر فيها، أي جميع

ص: 127

شؤون المسلمين، والقسم الآخر يؤيد القول الذي يجعل خصوصية مجال الموضوعات المشاوَر فيها، أي الأمور التي تخص الجانب الحربي (العسكري).

ويستند أصحاب القول الأول (عمومية الشوری) على نصوص تاريخية تثبت صحة قولهم منها: ما رواه الترمذي عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً»، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): ما ترى؟ دینار، قلت: لا يطيقونه، قال: نصف دینار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟، قلت: شعيرة، قال: إنك زهيد، فنزلت «أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ»(154)، قال: فَبيَ خفف الله عن هذه الأمة(155).

کما استندوا فيها ذهبوا إليه على أحد أحاديث النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، الذي جاء رداً على سؤالٍ وُجِّه إليه (صلى الله عليه واله وسلم) من الإمام علي (عليه السلام)، نصه: (قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا بعدك، لم ينزل به القرآن ولم يسمع منك فيه شیئا؟ قال: اجمعوا له العابدين من المؤمنين، واجعلوه شوری بینکم، ولا تقضوا فيه برأي واحد)(156).

کما استدلوا على صحة قولهم بقضية مشاورة الصحابة بعضهم مع بعض في المسائل الشرعية بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، کمسألة قتال مانعي الزكاة، ومسألة حد شارب الخمر، ومسألة إملاص(157) المرأة الحامل(158).

كما أسندوا رأيهم المقولة عدد من الفقهاء والعلماء في هذا الإطار، ومنهم سفيان أبن عيينة(159) في قوله وهو يفسر الآية: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)، يقول: (هي للمؤمنين أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فيه أثر)(160)، وقد أيّد هذا الرأي من العلماء المسلمين، الحسن البصري، والضحاك بن مزاحم، وابن جرير الطبري، والدسوقي(161).

ص: 128

أما أصحاب القول الثاني فيرى أن المشورة خاصة بالمسائل الحربية ونحو ذلك من القضايا الدنيوية، وكان على رأس مؤيديه قتادة بن دعامة، والربيع بن أنس، وابن إسحاق الشافعي(162)، والطوسي(163)، فقد استدلوا على صحة ما ذهبوا إليه على أقوال العلماء المسلمين في هذا الشأن، والواقع التاريخي لنوع المسائل المطروحة على التشاور.

أما يخص أقوال العلماء المسلمين فهي كثيرة تحت هذا الإطار، ولا يمكن الوقوف عليها جميعاً، لكثرتها وسعة دلالاتها، لذلك ارتأينا أن نعرض نماذج محددة منها، منها قول الإمام الشافعي (ت 204 ه / 819 م) في تفسيره للآية: (وَشَاوِرْهُمْ فِی الأَمْرِ)، فقال: (على معنی استطابة أنفس المستشارين أو المستشار منهم، والرضا بالصلح على ذلك ووضع الحرب بذلك، لا إن برسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حاجة إلى مشورة أحد، والله عزَّ وجل يؤيده بنصره بل لله ورسوله المَن والطَوْل على جميع الخلق)(164)، وقال الطبري في معرض تفسيره للآية الكريمة السابقة، قال أمر الله النبي: (بمشاورة أصحابه في مکاید الحروب، وعند لقاء العدو، تطييباً منه بذلك أنفسهم، وتآلفاً لهم على دينهم وليرَوا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عزَّ وجل أغناه بتدبيره له أمروه وسياسته إياه وتقويمه أسبابه عنهم)، وقال في موضع آخر: (إن الله عزَّ وجل أمر نبيه (صلى الله عليه واله وسلم) بمشاورة أصحابه، فيما حزبه من أمر عدوّه و مکاید حربه(165)).

كما قال الطبرسي في تفسيره للآية الآنفة الذكر: (يعني في أمر الحرب و نحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي، لتطيب نفوسهم، ولتستظهر برأيهم)، وقال في موضع آخر: (إن ذلك في أمور الدنيا ومكائد الحرب، ولقاء العدو، وفي مثل ذلك يجوز أن نستعين بآرائهم)(166).

ص: 129

أما بالنسبة للواقع التاريخي لنوع المشورة التي اعتمدها النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، فلم تذكر المصادر التاريخية - كما يقول أصحاب هذا الرأي - إنه (صلى الله عليه واله وسلم) شاور أصحابه في المسائل التي تخص الجانب الديني کما يدعي أصحاب القول الأول، إذ إنه (صلى الله عليه واله وسلم) غالباً ما كان يشاور أصحابه في أمور الحرب والسياسة(167)، وهذا الأمر (نوع المشورة) عضد من رأي الفريق هذا، وقوّى حججه فيما طرحه من قول.

وبعد هذا الاستعراض ومن خلال قراءتنا للرأيين نرى أن الأرجحية تكون لصالح الرأي الثاني، وذلك لقوة الحجج التي ذكرها أصحابه للتأكيد على صحة قولهم، فضلاً عن أن الله تعالى غني عن مشاورة عقول خلقه في المسائل التي تخص أحكام الدين، ولو أجاز ذلك لكان الأنبياء وبضمنهم سيدنا محمد (صلى الله عليه واله وسلم) الأولى بتلك المشورة، لكنه تعالى على الرغم من المكانة السامية التي تمتع بها الأنبياء استغني عن مشاورتهم وجعلهم مبلغين ومنذرين ليس إلاّ في إيصال أحکام شریعته إلى عباده، هذا حال الأنبياء فكيف بحال عباده الذين يزعمون مشاورته تعالى لهم.

أما ما ذكره أصحاب الرأي الأول - الذي يقول بجواز مشورة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لأصحابه في الأحكام الدينية - ففي ما يتعلق بمشورته (صلى الله عليه واله وسلم) للإمام علي (عليه السلام) في مسالة مقدار الصدقة المفروضة على المسلمين مقابل التناجي معه (صلى الله عليه واله وسلم)، فالخبر متواتر وصحیح سنداً و متناً بعد مراجعته(168)، أما الاحتجاج به في مشورة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لأصحابه في الأحكام فأمر غير صحيح، ذلك أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لم يشاور أحداً من الصحابة، وإنما كان (صلى الله عليه واله وسلم) پشاور نفسه في المقدار الذي يناسب إمكانية المسلمين بعد أن ترك له تعالى مجال تحديدها، والمقصود بنفسه هنا الإمام

ص: 130

علي (عليه السلام)، استناداً إلى قوله تعالى في حديث مباهلة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) مع نصاری نجران: (فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ)(169)، إذ جعل الحسن والحسين (عليهما السلام) بمثابة أبناء النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وجعل فاطمة (عليه السلام) بمثابة نسائه، وجعل علي (عليه السلام) بمثابة نفسه (صلى الله عليه واله وسلم)(170).

أما قضية مشورة الصحابة بعضهم لبعضهم الآخر في الأحكام بعد النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، فقد جاءت من باب ضعف معرفة بعضهم بتلك الأحكام، وهي موجودة أصلاً في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد عرفها وفهمها العلماء من الصحابة، ولا تحتاج إلى المشورة، وإن كانت مستحدثة تطلب الاجتهاد، وخير مثال على ذلك مشورات عمر بن الخطاب للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، التي جسد حجمها عمر بن الخطاب بأقواله العديدة، منها: (لولا علي لهلك عمر)(171)، و ((لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن)(173).

ص: 131

الخاتمة

بعد دراسة الموضوع بجوانبه المختلفة تبينت لنا مجموعة من النتائج عكست المضامين التي خرجت منها الدراسة، وكانت في واقعها عديدة ومتنوعة إلا أننا ارتأينا إجمالها بالنقاط الآتية:

1 - بما ان الاسلام قد أقر الاعراف الحميدة عند العرب قبل الاسلام فقد تولى الامام علي (عليه السلام) التأكيد على ممارستها بعد الاسلام، ومن تلك الاعراف كانت المشورة التي حرص (عليه السلام) على ممارستها، باعتبارها كانت بالنسبة لعرب الجزيرة عرفاً اجتماعياً سليماً وتقليداً قبلياً متداولاً، وقد حظيت بمنزله مرموقةً عندهم، لملائمتها طبيعة شخصياتهم التي تأنف ما فرض عليهم من القول وتحبذ ما تشاوروا فيه من الأمر، إلى جانب شعورهم بأهمية ممارسة ذلك العرف، لما له من أثر في تسديد الأمور وصوابها.

2 - إن كان الظرف لم يسمح للأمام علي (عليه السلام) بيان أحكام المشورة في عهده لمالك الاشتر (رضي الله عنه) فقد خصص لها الفقه الاسلامي حيزاً يناسب أهميتها، حدد فيه حكم ممارستها، والأشخاص الذين يتولون إسداءها، والموضوعات الواقعة في ضمن نطاقها، ولما كان البحث في ذلك الموضوع يحمل اوجه متعددة في الشريعة فقد حرصنا على ترجيح الاحكام التي تناسب العقل والشرع بغية التقرب الى ما يدور في فكر الامام (علیه السلام).

3 - تأكيد الامام علي (عليه السلام) للحكام على ممارسة المشورة في عهده لمالك الاشتر (عليه السلام) ومناسبات اخرى لم يكن عن فراغ بل جاءت لأهميتها في تسديد الآراء وتأليف القلوب وممارسة السنة النبوية، ومما عزز ممارستها عندهم هو ممارسة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) لها مع أصحابه، وكان ما يأمله منها

ص: 132

ليس الحصول على العلوم والمعارف بل تألیف قلوبهم ومعرفة ما يدور في أذهانهم فضلاً عن تأدیب نفوسهم على اعتمادها، ومما يدل على ذلك العلم الوافر الذي ألهمه به الله تعالى، والمعرفة الواسعة التي كسبها من واقع حياته العامة، وقد تجلى ذلك واضحاً بقوله (صلى الله عليه واله وسلم): ((أنا مدينة العلم) وينطبق الحال على الإمام علي (عليه السلام)، الذي مارس المشورة للمقاصد التي قصدها النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ليس إلا، بحكم العلم الوافر الذي عرفه من النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، والمعرفة الواسعة التي كسبها من واقع حياته العامة، وقد دلل على ذلك قول النبي (صلى الله عليه واله وسلم): ((أنا مدينة العلم وعلي بابها).

4 - الصفات التي وضعها الامام علي (عليه السلام) للحكام في اختيار مستشاريهم في عهده المالك الاشتر (عليه السلام) جاءت بحسب أهميتها، فهو حينما جعل المستشار البخيل على رأس المستشارين الواجب تجنبهم جاء بسبب تأثيره السلبي على الجانب المعاشي للرعية، وهذا الجانب كما هو معلوم يكون من أخطر التحديات التي تهدد الايمان ونفوذ الدولة عند الرعية.

5 - لقد كان العلماء القدامى والمحدثين في طروحاتهم حول المشورة متأثرین كثيراً بما ذكره الامام علي (عليه السلام) حولها، وكيف لا يكون ذلك واقعاً وهو قد استوحی(علیه السلام) مبادئها من معين علم النبي (ص واله).

ص: 133

الهوامش والتعليقات:

1. الأزهري، تهذيب اللغة، ج 11 / ص 277 - 278؛ الجوهري، الصحاح، ج 2 / ص 704 - 705؛ الزمخشري، أساس البلاغة، ج 1 / ص 340؛ ابن منظور، لسان العرب، ج 4 / ص 343 - 347؛ الرازي، مختار الصحاح، ص 185؛ الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج 2 / ص 65؛ الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس ج 7 / ص 61 - 65.

2. الأزهري، تهذيب اللغة، ج 11 / ص 277 - 278؛ الجوهري، الصحاح، ج 2 / ص 704 - 705؛ ابن منظور، لسان العرب، ج 4 / ص 434 - 437؛ الرازي، مختار الصحاح، ص 185؛ الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ج 2 / ص 65؛ الزبيدي، تاج العروس، ج 7 / ص 61 - 62.

3. الميداني، مجمع الأمثال، ج 1 / ص 52؛ الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج 25 / ص 46.

4. ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1 / ص 390.

5. الطبرسي، مجمع البيان لعلوم القرآن، ج 9 / ص 57.

6. الكفومي، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، ج 1 / ص 542.

7. الماوردي، أدب الدنيا والدین، ص 260 - 261.

8. عبد الخالق، عبد الرحمن، الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي، ص 14؛ الأنصاري، عبد الحميد، الشورى وأثرها في الديمقراطية، ص 4.

9. أنيس، إبراهيم وآخرون، المعجم الوسيط، ج 1 / ص 499.

10. الفرفور، محمد، خصائص الفكر الإسلامي، ص 143.

11. الخطاب، محمود شیت، الشورى العسكرية في الإسلام، ص 865.

ص: 134

12. ضیاء الدین، حسن، الشورى في ضوء القرآن والسنة، ص 31.

13. للمزيد ينظر: باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، ج 1 / ص 102؛ سلیمان، عامر والفتيان، أحمد مالك، محاضرات في تاريخ العراق القديم، ص 84؛ كريمر، صموئيل، من ألواح سومر، ص 100، علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب، ج 5 / ص 227؛ البكر، منذر عبد الكريم، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 145 علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب، ج 2، ص 108 - 109، ج 5 / ص 227؛ البكر، منذر عبد الكريم، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 145؛ سالم، عبد العزيز، دراسات في تاريخ العرب، ص 105 - 106؛ عرفة، محمود، العرب قبل الإسلام، ص 114؛ مغنية، أحمد، تاريخ العرب القديم، ص 44؛ العسلي، خالد، دراسات في تاريخ العرب، ج 1 / ص 23؛ سليم، أحمد أمين، جوانب من تاريخ وحضارة العرب، ص 89؛ الحداد، محمد يحيى، تاريخ اليمن السياسي، ج 1 / ص 40.

14. خطب الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج 3 / ص 87.

15 ()الطبراني، المعجم الصغير، ج 1، ص 255، الخوارزمي، المناقب، ص 177.

16.سورة الشورى، أية: 42.

17. مقاتل بن سلیمان، تفسير مقاتل، ج 3 / ص 172.

18. سورة آل عمران، آية: 159.

19. التبيان في تفسير القرآن، ج 3 / ص 30 - 32.

20. التبيان، ج 3 / ص 30 - 32.

21. تفسير جوامع الجامع، ج 1 / ص 343 - 344.

22. زاد المسير في علم التفسير، ج 1 / ص 488.

23. الجامع لأحكام القرآن، ج 4 / ص 252 - 253.

ص: 135

24. التفسير الآصفي، ج 1 / ص 180.

25. سنتطرق لمناقشة هذا الموضوع في المباحث القادمة من هذا الفصل.

26. سورة الشورى، آية: 38.

27. جامع البيان في تأويل القرآن، ج 25 / ص 48.

28. مجمع البیان، ج 9 / ص 59 - 57؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 64 / ص 265 - 266.

29. التفسير الكبير، ج 23 / ص 177.

30. مجمع البیان، ج 5 / ص 56 - 57.

31. ما يذكر في هذا الشأن إن القرآن الكريم لم يتعرض إلى اسمها، أما ما ذكره المفسرون بالقول بتسميتها ببلقيس فقد جاء من باب الخلط بينها وبين بلقیس ابنة شرحبيل إحدى النساء اللواتي حكمن قومهن في اليمن، والمتتبع بدقة بين مدة حكم الأخيرة ومدة حكم النبي سليمان (عليه السلام) يجد فارقاً زمنياً كبيراً بين حكم الطرفين. ينظر: الطبري، جامع البیان، ج 19 / ص 185؛ السمعاني، تفسير السمعاني، ج 3 / ص 39؛ البغوي، تفسير البغوي، ج 3 / ص 413.

32. سورة النمل، آية: 32.

33. التبیان، ج 8 / ص 93.

34. خطب الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج 3 / ص 87.

35. للاطلاع على بعض مشورات النبي (ص واله) و الامام علي (عليه السلام). ينظر: ابن هشام، السيرة، ج 2 / ص 302 و 447 - 448؛ الواقدی، المغازی، ج 1 / ص 44 - 45؛ ابن سعد، الطبقات، ج 2 / ص 19؛ الجاحظ، العثمانية، ص 56 - 57؛ الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 2 / ص 90 و 140؛ الطوسي، مجمع البیان، ج 4 / ص 32؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 14 / ص 112، الحر العاملي، وسائل الشيعة،

ص: 136

ج 28 / ص 208؛ وينظر: المجلسي، بحار الأنوار، ج 76 / ص 190.

36. الحراني، تحف العقول في معرفة آل الرسول، ص 207؛ الطوسي، الأمالي، ص 136؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 100. وقد ورد الحديث بشكل (ما خاب مَن استخار ولا ندم مَن استشار)، الطبراني، المعجم الأوسط، ج 6 / ص 365؛ ابن سلامة، مسند الشهاب، ج 2 / ص 70؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 3 / ص 266؛ ابن عساکر، تاریخ دمشق، ج 54 / ص 3؛ أبن طلحة الوزير، العقد الفريد للملك السعيد، ص 41، الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 2 / ص 280؛ السيوطي، الجامع الصغير، ج 2 / ص 492؛ المتقي الهندي، کنز العمال، ج 7 / ص 265؛ العجلوني، کشف الخفاء، ج 2 / ص 189.

37. ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج 5 / ص 274؛ ابن ماجه، سنن ابن ماجه، ج 2 / ص 1233؛ أبو داود، سنن أبي داود، ج 2 / ص 504؛ الترمذي، سنن الترمذي، ج 4 / ص 14؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج 4 / ص 131؛ الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 94؛ البيهقي، السنن الکبری، ج 10 / ص 112؛ الهيثمي، موارد الظمآن، ج 6 / ص 296.

38. ابن أبي شيبة، المصنف، ج 6 / ص 208؛ النسفي، تفسير النسفي، ج 1 / ص 188؛ الزيلعي، تخريج الأحاديث، ص 233.

39. الطبراني، المعجم الأوسط، ج 8 / ص 181؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 8 / ص 96؛ السيوطي، الجامع الصغیر، ج 2 / ص 564؛ المتقي الهندي، کنز العمال، ج 3 / ص 409؛ المناوي، فيض القدير، ج 4 / ص 4.

40. البيهقي، السنن الکبری، ج 10 / ص 109؛ المزي، تهذيب الكمال، ج 15 / ص 208؛ السيوطي، الجامع الصغیر، ج 2 / ص 3؛ المتقي الهندي، کنز العمال، ج 9 / ص 7؛ المناوي، فيض القدير، ج 4 / ص 4.

ص: 137

41. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601 - 602؛ الكليني، الكافي، ج 8 / ص 20؛ الصدوق، التوحيد، ص 376؛ المفيد، الاختصاص، ص 246؛ ابن عساکر، تاریخ دمشق، ج 13 / ص 256، المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 101.

42. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج / ص 100؛ الكراجكي، كنز الفوائد، ص 194؛ الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 95؛ الطوسي، الأمالي، ص 153؛ السيوطي، الجامع الصغير، ج 1 / ص 149؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 1 / ص 96.

43. الحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 12؛ المقريزي، إمتاع الأسماع، ج 13 / ص 50؛ المناوي، فيض القدير، ج 1 / ص 354؛ الحلبي، السيرة الحلبية، ج 3 / ص 374.

44. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601؛ المجلسى، بحار الأنوار، ج 72 / ص 100؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 39.

45. الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء، ج 1 / ص 46.

46. المصدر نفسه، ج 1 / ص 44.

47. الماوردي، درر السلوك، ج 1 / ص 73؛ أبن طلحة الوزير، العقد الفريد للملك السعيد، ص 41، العجلوني، كشف الخفاء، ج 1 / ص 422؛ السخاوي، المقاصد الحسنة، ج 1 / ص 579.

48. خطب الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج 3 / ص 87.

49. الشريف الرضي، خصائص الائمة / ص 108.

50. سورة قريش، آية: 4.

51. الكليني، الكافي، ج 5 / ص 73.

52. خطب الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، ج 3 / ص 88.

53. المفيد، الإرشاد، ج 1 / ص 301؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 105.

ص: 138

54. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 42.

55. ابن الليثي الواسطي، عيون الحكم، ص440؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 4 / ص 41؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 105؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 40.

56. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 4 / ص 48؛ ابن الجوزي، زاد المسير، ج 2 / ص 47؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 11 / ص 209؛ هاشم البحراني، غاية المرام، ج 7 / ص 71؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 16 / ص 410.

57. الصدوق، الخصال، ص 621، الحراني، تحف العقول، ص 111؛ المستخيري العاملي، الدر النظيم، ص 374.

58. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 600؛ الكليني، الكافي، ج 8 / ص 20؛ الصدوق، التوحید، ص 376؛ الحراني، تحف العقول، ص 94؛ المفيد، الاختصاص، ص 246؛ ابن عساکر، تاریخ دمشق، ج 13 ص 257؛ الذهبي، میزان الاعتدال، ج 3 / ص 602.

59. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601؛ الحراني، تحف العقول، ص 8؛ المفيد، الاختصاص، ص 226.

60. ابن طلحة الوزير، العقد الفريد، ص 42.

61. ابن شبة النميري، تاريخ المدينة، ج 2 / ص 772؛ ابن قتيبة، غریب الحدیث، ج 1 / ص 275؛ الميداني، مجمع الأمثال، ج 1 / ص 52 - 53؛ الماوردي، أدب الدنيا والدین، ص 260 - 291، البائر في القول يعني الفاسد الذي لا خير فيه؛ الزبيدي، تاج العروس، ج 10 / ص 254.

62. الصنعاني، المصنف، ج 5 ص 445؛ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 12 / ص 136.

ص: 139

63. الطرطوشي، سراج الملوك، ص 78.

64. ابن عطية، المحرر الوجيز، ص 534؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4 ص 252؛ القلعي، تهذیب الرياسة، ج 1 / ص 183؛ ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 13 / ص 283.

65. البيهقي، السنن الکبری، ج 10 / ص 110؛ الأبشيهي، المستطرف في كل فن مستظرف، ج 1 / ص 166.

66. هو صخر بن قيس بن معاوية بن حصين السعدي التميمي المكنى بأبي حجر، لقب الأحنف لأنه ولد أحنف الرجلين، كان من سادات الناس وعقلاء التابعيين و فصحاء أهل البصرة وحكائهم، وكان من قواد جيش الإمام علي (عليه السلام) يوم صفين، وممن فتح على يده الفتوح الكثيرة للمسلمين، توفي بالكوفة سنة (67 ه / 686 م) في إمارة ابن الزبير. الجاحظ، البيان والتبيين، ج 1 / ص 145؛ ابن حبان البستي، مشاهير علماء الأمصار، ص 143.

67. ابن عبد البر، بهجة المجالس، ج 2 / ص 456.

68. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 40؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 13 / ص 357.

69. هو عبد الله بن المقفع، ویکنی قبل إسلامه، أبا عمر، ولما أسلم اکتنی بأبي محمد، وسمي المقفع لأن الحجاج بن يوسف الثقفي ضربه بالبصرة في مال احتجنه من مال السلطان فتقفعت يده، واصله من خوز إحدی کور فارس، واشتهر بالكتابة وكان في نهاية الفصاحة والبلاغة، وقد عمل في بلاط المنصور العباسي تبعاً لذلك وله مؤلفات عديدة شملت رسائل أدبية مختلفة. الجاحظ، البيان والتبيين، ج 2 / ص 128؛ ابن النديم، الفهرست، ص 132؛ الذهبي، سير إعلام النبلاء، ج 6 / ص 209.

ص: 140

70. ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 1 / ص 31؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 11 / ص 107.

71. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغه، ج 17 / ص 121؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 105.

72. الكليني، الكافي، ج 1 / ص 29.

73. المصدر نفسه، ج 8 ص 170؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 2 / ص 632.

74. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 18 / ص 383؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 104.

75. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 602؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 45؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 101.

76. المصدر نفسه، ج 1 / ص 480.

77. ابن الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 429؛ وينظر: المناوي، فيض القدير، ص 625؛ الجبرتي، تاریخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار، ج 1 / ص 21.

78. الماوردي، درر السلوك، ج 1 / ص 73.

79. ابن حبان البستي، روضة العقلاء، ج 1 / ص 193.

80. القلعي، تهذيب الرياسة، ج 1 / ص 182.

81. الجاحظ، البيان والتبيين، ج 2 / ص 210؛ وينظر: ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 1 / ص 32؛ الطرطوشي، سراج الملوك، ص 79.

82. ينظر: الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 16.

83. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2 / ص 303؛ ابن سعد، الطبقات، ج 3 / ص 602، اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 / ص 297 - 298. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 2 / ص 93.

ص: 141

84. سورة آل عمران، آية: 159.

85. الطبري، جامع البیان، ج 4 / ص 152؛ السيوطي، الدر المنثور، ج 2 / ص 358.

86. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 2 / ص 447 و266.

87. الدينوري، الأخبار الطوال، ص 203؛ الطوسي، إعلام الوری، ج 1 / ص 191.

88. ينظر: ابن هشام السيرة، ج 2 / ص 303؛ ابن سعد، الطبقات، ج 1 / ص 223؛ ابن الأثير، الکامل، ج 2 / ص 99.

89. ابن الجوزي، زاد المسير، ج 2 / ص 21؛ الشوكاني، نيل الأوطار، ج 8 / ص 43 - 44.

90. سورة آل عمران، آية: 28.

91. الطبري، جامع البیان، ج 3 / ص 228.

92. سورة آل عمران، آية، 118.

93. الرازي، التفسير الكبير، ج 8 / ص 172.

94. المصدر نفسه والصفحة.

95. ابن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، ج 3 / ص 99.

96. الشريف الرضي، المجازات النبوية، ص 268.

97. الشوكاني، نيل الأوطار، ج 8 / ص 43 - 44

98. المرتضى، الغيث المدرار شرح الأزهار، ج 4 / ص 534.

99. الشافعي، کتاب الأم، ج 4 / ص 279؛ المارودي، الأحكام السلطانية، ص 47.

100. العلامة الحلي، تحرير الأحكام، ج 2 / ص 139؛ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 9 / ص 50؛ العلامة الحلي، قواعد الأحکام، ج 1 / ص 487.

101. أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، ص 61.

102. سورة الممتحنة، آية: 8 - 9.

103. لباب التأويل في معالم التنزیل، ج 4 / ص 331.

ص: 142

104. سورة الأنبياء، آية: 7.

105. الجامع لأحكام القرآن، ج 11 / ص 272.

106. ابن هشام، السيرة، ج 3 / ص 700؛ ابن سعد، الطبقات الکبری، ج 2 / ص 65؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 / ص 50؛ الأربلی، کشف الغمة عن هذه الأمة، ج 1 / ص 196.

107. السيرة النبوية، ج 4 / ص 892؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 / ص 62؛ المسعودي، التنبيه والأشراف، ص 234.

108. الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 311.

109. الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، ج 1 / ص 49؛ أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، ص 461؛ الشوكاني، نيل الأوطار، ج 8 / ص 42 - 46.

110. العلامة الحلي، تحرير الأحكام، ج 2 / ص 139؛ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 9 / ص 50.

111. خير مثال على ذلك موقف اليهود من غزوة الأحزاب. ينظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 / ص 50 - 55.

112. ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج 1 / ص 7.

113. السلاوي، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 3 / ص 61.

114. غازي، مؤسسة أهل الحل والعقد، ص 1026.

115. طالب، عبد الهادي، الديمقراطية والشوری، ص 1160 - 1161.

116. نصيحة الملوك، ص 28.

117. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 602.

118. الحاكم النيسابوري، المدخل إلى كتاب الإكليل، ج 2 / ص 42؛ ابن الأزرق، بدائع السلك، ج 1 / ص 309.

ص: 143

119. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 602؛ وينظر: الماوردي، أدب الدين والدنيا، ص 261؛ ابن أبي الربيع، سلوك المالك في تدبير المالك، ص 110.

120. ابن الأزرق، بدائع السلك، ج 1 / ص 309.

121. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 601؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 42.

122. البرقي، المصدر نفسه، ج 2 / ص 602؛ الطوسي، مكارم الأخلاق، ص 319.

123. الإمام الصادق، مصباح الشريعة، ص 152.

124. القلعي، تهذیب الرياسة، ج 1 / ص 188.

125. ابن عبد ربه، العقد الفرید، ج 1 / ص 67.

126. الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 95.

127. أبو القاسم الأصفهاني، محاضرات الأدباء، ج 1 / ص 44.

128. الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 97.

129. المصدر نفسه: ج 1 / ص 313.

130. ابن ماجة، سنن ابن ماجة، ج 2 / ص 1223؛ ابن داود، سنن ابن داود، ج 2 / ص 504؛ ابي جمهور الإحسائي، عوالي اللئالی، ج 1 / ص 104.

131. الصدوق، عیون أخبار الرضا (4)، ج 2 / ص 29.

132. الكليني، الكافي، ج 2 / ص 363؛ العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 44.

133. الصدوق، علل الشرائع، ج 2 / ص 559؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 99.

134. الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء، ج 1 / ص 43.

135. البيهقي، المحاسن والمساوئ، ج 2 / ص 52.

136. الطبراني، المعجم الصغیر، ج 2 / ص 149؛ ابن عبد البر، التمهيد، ج 10 / ص 153؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1 / ص 316.

137. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 602؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 102.

ص: 144

138. سراج الملوك، ص 79.

139. ابن عبد ربه، العقد الفرید، ج 1 / ص 70.

140. المصدر نفسه، ج 1 / ص 69 - 70، الماوردي، أدب الدين والدنيا، ص 266.

141. ابن الأزرق، بدائع الصنائع، ج 1 / ص 312.

142. البرقي، المحاسن، ج 2 / ص 600.

143. ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج 1 / ص 27؛ الطرطوشي، سراج الملوك، ص 78.

144. الطوسي، تهذیب الأحکام، ج 6 / ص 378؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 103.

145. الجامع لأحكام القرآن، ج 4 / ص 250.

146. الصدوق، الخصال، ج 57 / ص 101؛ الصدوق، علل الشرائع، ج 2 / ص 559؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 12 / ص 47؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 72 / ص 98.

147. الحاكم النيسابوري، المدخل إلى كتاب الإكليل، ج 4 / ص 43؛ الماوردي، أدب الدين والدنيا، ص 262.

168. الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 99.

169. ابن الأزرق، بدائع السلك، ج 1 / ص 312.

150. ابن طلحة الوزير، العقد الفريد، ص 43.

151. الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 100.

152. القريحة: ما خرج عن الطبيعة. ابن هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص 336.

153. الثعالبي، تحفة الوزراء، ص 94.

154. سورة المجادلة، آية: 13 - 14، والنجوى في الآية تعني الكلام الخفي؛ أبو هلال العسكري، الفروق اللغوية، ص 533.

ص: 145

155. الترمذي، السنن، ج 5 ص 81.

156. ابن عبد البر، جامع بیان العلم وفضله، ص 59؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، ج 3 / ص 78. ولم نجد للحديث أي اثر عند كتب الشيعة الإمامية، بسبب التشكيك الذي وقع عليه، كونه يتعارض مع معارف الإمام علي (عليه السلام) في دقائق الأمور وصغائرها، أما ذكره عند الآخرين فربما قيل وهو موجه في مضمونه للأمة الإسلامية، من باب إياك أعني واسمعي يا جاره، لاسيما وإن السؤال عُرض بصيغة الجمع.

157. الإملاص: يعني الإسقاط. الفراهيدي، العین، ج 7 / ص 131.

158. سنبحث هذه المسائل، بشكل مفصل في المباحث اللاحقة من الموضوع.

159. هو سفیان بن عیینه بن أبي عمران مولى لقوم من ولد عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة رهط میمونة زوج النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، ويكنى أبا محمد، كان محدثاً وحافظاً ولد في الحجاز سنة (107 ه / 725 م) وتوفي سنة (198 ه / 813). ابن قتيبة، المعارف، ص 507.

160. الطبري، جامع البیان، ج 4 / ص 203.

161. المصدر نفسه، ج 4 / ص 203 - 206، حاشية الدسوقي، ج 2 / ص 212؛ وللمزيد ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج 2 / ص 51 - 52.

162. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4 / ص 250.

163. الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 98.

164. كتاب الأم، ج 6 / ص 218.

165. جامع البیان، ج 14 ص 203 - 204.

166. جوامع الجامع، ج 1 / ص 343.

ص: 146

167. يمكن معرفة ذلك في المباحث اللاحقة التي نتطرق فيها إلى مشورات النبي (صلى الله عليه واله وسلم) مع صحابته.

168. للمزيد ينظر: النسائي، السنن، ج 5 / ص 153؛ الأربلی، کشف الغمة، ج 1 / ص 167؛ محب الدين الطبري، ذخائر العقبی، ص 109.

169. سورة آل عمران، آية: 61.

170. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2 / ص 82؛ المفيد، الارشاد، ج 1 / ص 167؛ أبو نعيم الأصبهاني، الجامع بين الصحيحين، ص 534؛ ابن طاووس الحسيني، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ص 44؛ العلامة الحلي، کشف اليقين، ص 13؛ ابن تیمیه، علم الحديث، ص 267؛ السيوطي، مسند فاطمة، ص 3؛ المباركفوري، الرحيق المختوم، ص 414.

171. القاضي النعمان المغربي، دعائم الإسلام، ج 1 / ص 89، القاضي النعمان المغربي، شرح الأخبار، ج 2 / ص 319؛ الشريف الرضي، خصائص الأئمة، ص 85؛ ابن عبد البر، الاستعیاب في معرفة الأصحاب، ج 3 ص 1103؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج 1 / ص 312.

172. ابن سعد، الطبقات، ج 2 / ص 258؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ص 100؛ الخوارزمي، المناقب، ص 96 - 97؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 12 / ص 101؛ ابن شهر آشوب، المناقب، ج 2 / ص 182؛ ابن الصباغ، الفصول المهمة، ج 1 / ص 199؛ المتقي الهندي، کنز العمال، ج 5 / ص 832.

ص: 147

ص: 148

مبادئ حقوق الإنسان في ضوء عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر (رضي الله عنه)

اشارة

م.م رباح صعصع عنان الشمري

كلية الإمام الجواد (عليه السلام) - جامعة المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم) العالمية

ص: 149

ص: 150

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحیم

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد:

الحديث عن حقوق الإنسان والإمام علي (عليه السلام) حديث طويل له بداية وليس له نهاية؛ كونه مرتبط بشخص يعطي حقاً للنملة التي ندوسها على الأرض ولا ندري ولا نلتفت لها، وهي مسحوقة تحت الأرجل، هل ماتت أو مازالت حيّة؟ بينما هو: «وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَكِهَا، عَلَی أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُ»(1).

والسؤال الساذج هنا الذي قد يُطرح من البعض لغموضٍ شابَهُ الزمن المتراكم، وهو إن العهد مخصصٌ لمالك في حكمه على مصر، ومالك الاشتر استلم الكتاب من الإمام علي (عليه السلام) ولم يصل مصر، ولم يطبق ويستفيد من محتوى العهد فكيف لنا أن نستفيد منه في الوقت الحاضر؟

هذا العهد وهذا الكتاب وما جاء فيه من وصايا تاريخية ودستور واضح، يعجز الدهر على الاتيان به، فهو وإن كان الخطاب موجهاً فيه الى شخص مالك الأشتر إلا إنه خطاب عالمي موجه لجميع الحكام مسلمين وغير مسلمين الى يوم القيامة؛ لأن المورد لا يخصص الوارد - كما يعبرون في علم أصول الفقه - وإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ملاحظة ثانية: وهي هناك فرق بين حقوق المواطن بصورة خاصة في بلد معين تحت إمرة سلطان وبين حقوق الإنسان بصورة عامة، لأننا لو أردنا استنباط حقوق الإنسان من عهد الامام (علیه السلام) لمالك الاشتر قد نلاقي صعوبة، أما لو اعتبرنا أن هذا الخطاب وإن كان موج موجهاً له كحاكم، نعتبره موجهاً له كإنسان يعيش وسط باقي الناس فله حقوق

ص: 151

وعليه واجبات.

يعني لو أردنا أن نجري قول الإمام في عهده (ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم) على كل فرد وإنسان في المجتمع، ألا يمكن ذلك؟ أم هل هو خطاب فقط موجه للحاكم أمام رعيته؟ ألا يمكن أن يكون للأخ مع أخوته، للأب مع أولاده للفرد مع جيرانه، للموظف مع الباقين، وغيرهم.

سبب اختيار الموضوع:

السبب لبيان ما جاء في هذا العهد من حقوق الإنسان، التي طالما ينادي بها العالم بأعلى صوته دون جدوى، ولعدم وجود الاهتمام الكافي من قبل الحكام والزعامات لهذا العهد والابتعاد عنه واقعياً.

أهمية البحث:

تكمن أهمية هذا البحث في كونه مرتبط بمعاناة وهموم وحقوق أكرم المخلوقات التي أبدعها الله تعالى، وهو الإنسان «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» الاسراء: 70.

وكذلك لارتباطه بدستور وضعه أشرف ما خلق الله بعد نبيه، نفس رسول الله ووصیه وربيبه وحامل لوائه، ألا وهو سيد البلغاء والمتكلمين أمير المؤمنين ويعسوب الدين، ذاك علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فكرة البحث:

تسليط الضوء على أهم الإشارات الموجودة في هذا العهد المبارك لحقوق الإنسان وعرضها عرضاً جديداً يتوافق ومتطلبات الثقافة المعاصرة، من خلال التحليل والشرح لتلك الكلمات المباركة، وربطها بالآيات القرآنية المتضمنة ذلك، ومدى علاقتها بمواقف أمير المؤمنين (عليه السلام) مع باقي الناس، ومدی علاقتها بالواقع المعاش.

ص: 152

منهجية البحث:

منهجية البحث تحددت بمنهجين التاريخي والتحليلي، تاريخي كون هذا العهد يشكل حقبة من التاريخ السردي، و تحليلي حيث سيتم الوقوف على كل مفردة يتناولها الباحث بالتحليل الدقيق الذي من شأنه بيان الجوانب المشرقة لهذا العهد. وكذلك الاستفادة من المنهج المقارن عند الحاجة إليه.

السؤال الأساسي للبحث: هل أن حقوق الإنسان التي ينادي بها العالم اليوم قد لامست الحقوق التي لهج بها أمير المؤمنين (عليه السلام) و تجسدت اليوم مثلما تبلورت في سلوك علي (عليه السلام)؟

الأسئلة الفرعية للبحث:

1. هل بالإمكان تطبيق حقوق الإنسان كما أرادها علي (عليه السلام)؟

2. هل قاربت تلك الحقوق ما جاء من حقوق في القرآن الكريم والديانات السماوية؟

3. هل يُعد هذا العهد خاصاً بالك الأشتر، أو خاصاً وموجهاً لشريحة الحكام ورؤساء الدول فقط، أم أنه خطاب لجميع الناس؟

فرضية البحث: تنطلق فرضية البحث من كون (حقوق الإنسان ظلت شعارات معلقة على (يافطة المثالية) - إن صح التعبير - لم تتجسد ولم يترجمها واقعياً غير عليٍ (عليه السلام)، فهو المرتكز الأساس لحل مشكلة حقوق الإنسان المعاصرة).

هيكلية البحث العامة: الخطة قائمة على تقسيمه الى عدة مطالب بعد المقدمة والتمهيد:

1. المقدمة والتي نتجول فيها الآن، هي مرآة البحث العاكسة لمحتواه، فسیری من خلالها القارئ مضامين البحث، والأسباب والأهداف ومشكلة البحث وفرضية المعالجة، وخطة تفصيلية والدراسات السابقة، والسؤال الأساسي للبحث وكذل. الأسئلة الفرعية، التي من شأنها تثير حفيظة أفكار الباحث والقارئ بنفس الحين.

ص: 153

وكذلك ذكر بعض المصادر الأساسية التي استعملها الباحث لبيان قوة ورصانة البحث ومدى سعة اطلاع الباحث.

2. التمهيد ويحتوي على:

أ. ما يعرف بالكلمات المفتاحية الرئيسة لعنوان البحث (Keywords) وبيانها لغة واصطلاحاً من قبيل كلمة (حقوق، الإنسان).

ب. لمحات موجزة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)وتعاطيه في مجال حقوق الإنسان؛ لأنه لدى الإمام وقفات ومناسبات أخرى في هذا المجال.

ج. نبذة مختصرة جداً عن حياة مالك الأشتر، نظرة تاريخية مختصرة عن حياة مالك الأشتر وعهده.

د. مجمل مضامين العهد، وسبب اختيار مالك لولاية مصر.

3. متن البحث ويتضمن مطالب مهمة، منها: حق التعايش السلمي للإنسان.

والمطلب الثاني: حق الإنسان في الحرية، منها: حرية العقيدة وحرية عبادة الله تعالى. ومنها: الحرية الشخصية للفرد. وكان المطلب الثالث: حق الإنسان في حرية التعبير، وتضمن المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة، والمطلب الخامس: حق الإنسان في الحياة.

ومن ثَمَّ كما العادة هناك خاتمة فيها زبدة المقال، وهناك قائمة المصادر والمراجع.

وأخيراً، ولكن ليطمئن قلبي، لأن هفوات قلمي وأخطائه، ستمر عبر نخبة من الكفاءات العالية المختصة، ومهتهم المقدسة بتصحيح هذا البحث ليخرجَ بحُلّةٍ علميةٍ صحيحةٍ، وأتمنى أن ينظروا في تصحيحه وتنقيحه بعين العناية والرضا؛ لأنّ:

عينَ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلة *** وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا

ص: 154

التمهيد

أولاً - ما يعرف بالكلمات المفتاحية الرئيسة لعنوان البحث (Keywords) وبيانها لغةً واصطلاحاً. تعريف الحقوق لغةً، الحقوق: جمع حق.

الحَقُّ: (نقيض الباطل وجمعه حُقوقٌ وحِقاقٌ، وليس له بِناء أدني عدَد وفي حديث التلبية لبَّيْك حَقّاً حقّاً، أي غير باطل، وهو مصدر مؤكد لغيره، أي أنه أكَّد به معنی ألم طاعتَك الذي دلّ عليه لبيك، كما تقول: هذا عبد الله حقّاً، فتؤَكِّد به وتُكرِّرُه لزيادة التأْكيد).(2)

وجاءت تعريفات لعلماء المسلمين تتضمن الصبغة الشرعية والفقهية والأخلاقية، منه تعريف الجرجاني قال: الحق في اللغة هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وفي اصطلاح أهل المعاني: هو الحكم المطابق للواقع. يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك.(3)

تعريف العيسوي قال هو: مصلحة ثابتة للشخص على سبيل الاختصاص والاستئثار يقررها الشارع الحكيم.(4)

الإنسان: الإِنسانُ أَصله إِنْسِيانٌ لأَن العرب قاطبة قالوا في تصغيره: أُنَيْسِيانٌ، فدلت الياء الأَخيرة على الياء في تكبيره، إِلا أَنهم حذفوها لما كثر الناسُ في كلامهم. وإِنْسانٌ في الأَصل إِنْسِيانٌ، وهو فِعْليانٌ من الإِنس والأَلف فيه فاء الفعل، والإِنْسُ: البشر، الواحد إِنْسِيٌّ وأَنَسيٌّ أَيضاً، بالتحريك. ويقال: أَنَسٌ وآناسٌ كثير.(5)

تعریف مفهوم مجموع حقوق الإنسان: ليس لها تعريفاً محدداً بل هناك العديد من التعاريف التي قد يختلف مفهومها من مجتمع إلى آخر أو من ثقافة إلى أخرى، لأن مفهوم حقوق الإنسان أو نوع هذه الحقوق يرتبطان بالأساس بالتصور الذي نتصور به الإنسان،

ص: 155

لذلك سوف يعرض الباحث مجموعة من التعاريف لتحديد هذا المصطلح:

يعرفها (رينية كاسان) وهو أحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنها:

فرع خاص من الفروع الاجتماعية يختص بدراسة العلاقات بين الناس استناداً إلى كرامة الإنسان وتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن إنساني، ويرى البعض أن حقوق الإنسان تمثل رزمة منطقية متضاربة من الحقوق والحقوق المدعاة.

أما (کارل فاساك) فيعرفها بأنها: علم يهم كل شخص ولا سيما الإنسان العامل الذي يعيش في إطار دولة معينة، والذي إذا ما كان متهماً بخرق القانون أو ضحية حالة حرب، يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وأن تكون حقوقه وخاصة الحق في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام).

في حين يراها الفرنسي (ایف مادیو) بأنها: (دراسة الحقوق الشخصية المعرف بها وطنياً ودولياً والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى).(6)

ص: 156

تعریف مصطفى الزرقا: هي مجموعة القواعد والنصوص التشريعية التي تنظم على سبيل الإلزام علائق الناس من حيث الأشخاص والأموال.(7)

فبناء على ذلك، يمكن القول ان (حقوق الإنسان) هي: مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان واللصيقة بطبيعته والتي تظل موجودة، وان لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتى ان انتهكت من سلطة ما.(8)

ثانياً - لمحة عن الامام (عليه السلام) وتعاطيه مع حقوق الإنسان خارج هذا العهد:

الحق مقابل الكون:

لم يترك شيء في هذا الكون لم يعطه حقه، بدليل قوله (صلى الله عليه واله وسلم):(وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَاَليِمَ السَّبْعَةَ بِمَ تَحْتَ أَفلَاكِهَا، عَلَی أَنْ أَعْصِيَ الله فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعيِرَة مَا فَعَلْتُ)(9) يُروى في (الخصال) في عنوان (الدنيا سبعة أقاليم) عن الامام الصادق (عليه السلام) بأن الدنيا سبعة أقاليم،(10) لقد أقسم (عليه السلام) هذا القسم الشرعي، لو أُعطي تلك الأقاليم بما تضم من خيرات أقسم من أجل أضعف المخلوقات في الكون، أقسم ألاّ يعصي الله تعالى بماذا؟ بقشرة شعير، وليس شعيرة كاملة، بأن يسلبها من النملة، لم يفعل، هذا عليٌ مع النملة، فكيف لو كان حق إنسان لدى علي (عليه السلام)، تُرى ماذا كان يفعل؟

جوع علي مع جوع الإنسان:

الامام (علیه السلام) وحق الحياة للإنسان، فمن حقوق الانسان أن يحيا حياة كريمة، لا أن يموت من شدة الجوع أو العطش فهذا يُعدّ ظلماً، من قبل الذين شبعوا ولم يعطوه، ومن الذين ارتووا ولم يروه، هكذا كان حق الحياة عن أمير المؤمنين (وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ

ص: 157

يَغْلِبَنيِ هَوَايَ وَ يَقُودَنِ جَشَعِي إِلَی تَخَيُّرِ اَلْأَطْعِمَةِ وَلَعَلَّ؟ باِلْجَازِ؟ أَوْ؟ اَلْيَمَامَةِ؟ مَنْ لا طَمَعَ لَهُ فِي اَلْقُرْصِ وَلا عَهْدَ لَهُ باِلشِّبَعِ أَوْ أَبيِتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِ بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَ قَالَ اَلْقَائِلُ: وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبيِتَ بِبِطْنَةٍ... وَحوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَی اَلْقِدِّ)(11) فهناك فرق بين حق الانسان وحق المواطن، والامام هنا قوله، لعل هناك انسان موجود في أقصى الأرض، سواء كان مواطن ينتمي لبلده و تحت سلطانه أم لم يكن.

الامام علي (عليه السلام) مع أخيه عقيل:

هو لم يرضَ أن يعطي لأخيه عقيل فوق حصته و مقدار عطائه؛ لأنه سوف ينقص من حقوق الناس، فما أحوجنا اليوم لعدل علي صلوات الله عليه، مع إن أخاه عقيل محتاج وأولاده جوعی، (واللهّ لأن أبيت على حسك السعدان مسهّدا، وأُجرّ في الأغلال مصفّدا، أحبّ إليّ من أن ألقى اللهّ ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصباً لشي ء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفسٍ يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثّرى حلولها.

واللهّ لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شعثَ الشّعور غبرَ الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعظام، وعاودني مؤكّدا وكرّر عليّ القول مردّدا فأصغيت إليه سمعي فظنّ أني أبيعه دیني وأتّبع قياده مفارقا طريقي، فأحمیت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من میسمها. فقلت له ثكلتك الثّواكل یا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجرها جبّارها لغضبه. أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من الظى)(12).

الحق عند علي بن أبي طالب ليس أسطورة تُحكي ولا نظرية تُدرس ثم تطبق، ولا

ص: 158

حلمٌ افلاطوني لم يدخل حيز التنفيذ، بل هو سلوك جرى به القلم، لذا لم يحتج إلى لحظة تفکیر کي يقرر بها مع من الحق، مع عقيل الذي طلب صاعاً، أم مع حق الناس المؤتمن عنده.

ثالثا - نظرة تأريخية مختصرة عن حياة مالك الأشتر وعهده:

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة إلى جده النخع، ولقد اشتهر مالك (بالأشتر) حتی یکاد يطغى على إسمه الحقيقي ولا يعرف إلا به، وكنيته أبو إبراهيم. وقد لُقب بالأشتر وكبش العراق، وهناك روايتان في كيفية شُتر عينه، الاولى: أن عينه شُترت في حروب الردة في جهاده عن الاسلام عندما ضربه أبو مسیكمه على رأسه. والرواية الثانية أن عينه شُترت في وقعة اليرموك، عند مبارزته لرجل مشرك من الروم وقتله.. ولربما تكون عينه قد فقئت في حروب الردة ثم اُصيبت ثانية في معركة اليرموك. ولُقب كذلك (بكبش العراق)، وقد أورده الرازي في مختار الصحاح ونصر بن مزاحم في كتابه وقعة صفين.(13)

ولا يُعرف تاريخ مولد الأشتر بدقّة، لكن كتّاب السِّيرَ اتفقوا على أنه رأى النور في عهد الجاهلية، وربما بين عامي 25 - 30 قبل الهجرة.

اسلامه: أسلم على عهد الرسول و ثبت على إسلامه ووصل في إيمانه درجة شهد بها الرسول محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وسلم. ولكن هل كانت له صحبة ودور في عصر الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)؟

هناك رأي يعتقد أن مالك الأشتر عاصر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وسلم، ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه، وذُكر عند النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فقال فيه النبي

ص: 159

(صلى الله عليه واله وسلم): إنه المؤمن حقاً.

أما أبن حجر فذكر: أن مالك الأشتر سمع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وسلم وجعل له صحبة، وكان ممن شهد بايع تحت الشجرة.(14)

وكان شجاعاً معروفاً بشجاعته بين يدي سيده وشخصية مالك الأشتر شخصية الرجل الشجاع الذي يفرض نفسه في كل موقف، وهو الذي لم تُرد له راية او ينكسر له جیش.(15) وقد قال فيه ابن أبي الحديد: (قلت الله أم قامت عن الأشتر لو أن إنساناً يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه (عليه السلام) لما خشيت عليه الإثم والله در القائل وقد سئل عن الأشتر ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق. وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)).(16)

لذلك ذكره الإمام أكثر من مرة في أكثر من مناسبة كما في عهده له إلى أهل مصر، حين جعله والياً على هذا الإقليم: (أما بعد، فقد بَعثتُ إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيّامَ الخوف، ولا يَنكُل عن الأعداء ساعاتِ الرَّوع، أشدُّ على الفُجار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مَذْحِج، فاسمَعوا له وأطيعوا أمرَه فيما طابَق الحقّ، فإنّه سيفٌ من سيُوف الله، لا كليلُ الظُّبّة، ولا نابي الضَّريبة. فإن أمَرَكم أن تَنفِروا فانفِروا، وإن أمَرَكم أن تُقيموا فأقيموا؛ فإنّه لا يُقدِم ولا يُحجِم ولا يُؤخِّر ولا يُقدِّم إلاّ عن أمري).(17)

كما أن الأمام علي (عليه السلام) ذكره بقول يبين رأيه فيه، وهي شهادة على ما كان يتصف به من صفات حيث جاء في كتاب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى أميرين من أُمراء جيشه: (وَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارثِ الاْشْترِ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعاً، واجْعَلاَهُ دِرْعاً وَمَجِنّاً، فَإِنّهُ مِمَّنْ لاَ يُخَافُ وَهْنُهُ، وَلاَ سَقْطَتُهُ، وَلاَ بُطْؤُهُ عَمَّا الإسراع إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلاَ إِسْرَاعُهُ إِلَی مَا الْبُطءُ عَنْهُ أَمْثَلُ).(18)

ص: 160

فأما ثناء أمير المؤمنين (عليه السلام) عليه فقد بلغ مع اختصاره ما لا يبلغ بالكلام الطويل، ولعمري لقد كان الأشتر أهلا لذلك، كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعراً وكان يجمع بين اللين والعنف فيسطو في موضع السطوة ويرفق في موضع الرفق.(19)

شهادته: بعد أن انتهت معركة صفين عاد الأشتر إلى الجزيرة، فلمّا اضطربت الأوضاع في مصر قرّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عزل الأشتر عن ولاية نصيبين وتعيينه والياً على مصر لمعالجة الوضع المضطرب هناك.(20) فلمّا علم جواسيس معاوية بذلك كتبوا إليه نبأ انتصاب مالك الأشتر والياً على مصر من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، حينها شعر معاوية بصعوبة الموقف فيما إذا وصل الأشتر إلى مصر التي كان معاوية يروم السيطرة عليها في عهد واليها محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى رجل من أهل الخراج في (القلزم) يثق به، وقال له: إن الأشتر قد ولي مصر فان كفيتنيه - وقضيت عليه - لم آخذ منك خراجاً ما بقيت، فاحتال في هلاكه ما قدرت عليه. فاحتال هذا القلزمي في أن تظاهر له بحبّ علي (عليه السلام)، وأتاه بطعام حتى إذا طعم سقاة شربة عسل قد جعل فيها سماً، فلمّا شربها مات.(21)

وقال ابن أبي الحديد: ومات الأشتر في سنة تسع وثلاثين متوجهاً إلى مصر والياً عليها لعلي (عليه السلام) قيل سقي سماً، وقيل إنّه لم يصح ذلك وإنما مات حتف أنفه.(22)

وقال عليه السّلام وقد جاءه نعي الأشتر وقد دخلوا جماعة على أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال: (الله در مالك، وما مالك لو كان من جبل لكان فندا ولو كان من حجر لكان صلدا أما والله ليهدّنّ موتك عالماً وليفرحن عالماً، على مثل مالك فلتبك البواكي وهل مرجو كمالك وهل موجود كمالك. قال علقمة بن قيس النخعي فما زال علي يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا وعرف ذلك

ص: 161

في وجهه أياما).(23)

مضامين العهد: لقد تضمن العهد حوالي أربعين فقرة تناولت عدة عناوين، منها:

السيرة الحسنة، العلاقة مع الرعية، عدم التكبر، الانصاف، العدل، الوشاة، الاستشارة، دور الوزراء وصفاتهم، الاحسان، السنة، دور العلماء، العلاقة بين طبقات المجتمع، دور قادة الجيوش والعلاقة بهم، اختيار القضاة، الشبهات، اختيار العمال والولاة، خيانة العمال، الخراج ومالية الدولة، الكتاب وأصحاب الديوان، فنون الكتاب، التجار والاحتكار، الاهتمام بالفقراء، اصحاب الحاجات والمصالح، واجبات الحاكم، أداء الفرائض، عدم الاحتجاب عن الناس، دور الحاشية، الاستفادة من العلماء، العلاقة بالأعداء والعهود معهم، وصفات خاصة.(24)

تاريخ العهد وسبب اختيار مالك لولاية مصر:

كان هذا العهد عندما ولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الاشتر على مصر بعدما عزل محمد بن ابي بكر حين اضطرب وهو أطول عهد وأجمع كتبه للمحاسن، فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر ثم توفي الأشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها: (أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنيِ مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ اَلْأَشْتَرِ إِلَی عَمَلِكَ وَ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اِسْتِبْطَاءً لَكَ فِي اَلْجَهْدَ وَ لاَ اِزْدِيَاداً لَكَ فِي اَلْجِدِّ وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً إنَّ اَلرَّجُلَ اَلَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً وَعَلَی عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً فَرَحِمَهُ اَللَّهُ فَلَقَدِ اِسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ وَ لاَقَى حِمَامَهُ وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ أَوْلاَهُ اَللُّهَ رِضْوَانَهُ وَضَاعَفَ اَلثَّوَابَ لَهُ(25)).

ص: 162

المطلب الأول: حق التعايش السلمي للإنسان

قال (عليه السلام) في عهده يرشده على معاملة الناس: ((فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)(26)

التعايش السلمي الذي دعا إليه القرآن، هو ذاته الذي أقرّه الإمام علي (عليه السلام)؛ لأن القرآن وعلياً، وجهان لنورٍ واحد - إن صح التعبير - لا فرق سوى أن القرآن كتاب – الله الصامت وعليٌ (عليه السلام) قرآن الله الناطق المتجسد عملياً على الأرض، تأويل ينطق لنا بما لا قدرة لنا على فهمه ودركه من كلمات بحروف تلملمت فصارت معانٍ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» الحجرات: 13 والمعنى حسب الميزان: إنا خلقناكم من أب وأم تشتركون جميعاً فيهما، من رجل وامرأة فكل واحد منكم إنسان مولود من إنسانين لا تفترقون من هذه الجهة، من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي وجعلناكم شعوبا وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض، بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا ويتم بذلك أمر اجتماعكم؛ فيستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم، فلو فرض ارتفاع المعرفة من بين أفراد المجتمع؛ انفصم عقد الاجتماع وبادت الإنسانية، فهذا هو الغرض من جعل الشعوب والقبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتباهوا بالآباء والأمهات.(27)

فحق الإنسان عند علي صلوات الله عليه في التعايش السلمي، سواء كانوا مسلمين أم غيرهم، يوجبُ - لا أعني به الوجوب الشرعي الفقهي، وإنما الوجوب الأخلاقي الإنساني - عدم الاعتداء عليه أبداً وفق هذين المبدأين: مبدأ الأخوة الدينية والنظير الإنساني الخلقي الترابي، فالأخوة الدينية منبعثة من قوله تعالى «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» الحجرات: 10، لكن أي إيمان هنا؟ هل تعني مطلق الإيمان بالله، أم المراد الإيمان بالمعنى

ص: 163

الخاص؟ وهو الإيمان بجميع وبجميع الرسل، وبالبعث الروحي والجسدي، والإيمان بلقائه تعالى، كما يروى إنه (كان النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم بارزاً يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالعبث... )(28) وكذلك الإيمان الذي هو بضع وسبعون أو وستون شعبة والحياء شعبة منها، والمؤمنون الموجه لهم الخطاب الديني حصراً «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ»النساء: 59. أم هو الإيمان الذي يدخل فيه كل من اتصف بروحه وقلبه أنه مؤمن بتوحيدٍ يجعله يتجه صوب المقدس الغيبي بلا شعور بآخر مع الله عزّ وجل، دون الالتفات الى مسميات نمطية تصنيفية: مسلم، يهودي، مسيحي، صابئي، وغيرهم «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» البقرة: 62.

ذكر صاحب الميزان: تكرار الإيمان في الآية ثانياً (مَنْ آَمَنَ) وهو الاتصاف بحقيقته کما يعطيه السياق، يفيد أن المراد بالذين آمنوا في صدر الآية، هم المتصفون بالإيمان ظاهراً المتسمون بهذا الاسم؛ فيكون محصّل المعنى: أن الأسماء والتسمي بها مثل المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجراً ولا أمناً من العذاب، وإنما ملاك الأمر وسبب الكرامة والسعادة، حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ولذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة؛ لئلا يكون تقريرا للفائدة في التسمي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى.

وهذا مما تكررت فيه آيات القرآن أن السعادة والكرامة تدور مدار العبودية، فلا اسم من هذه الأسماء ينفع لمتسميه شيئا، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه إلا مع لزوم العبودية.

ص: 164

في الدر المنثور، عن سلمان الفارسي قال: سألت النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وسلم) عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) الآية.(29) ذلك لأن (الدين عند الله الإسلام) لا بالمعنى الأخص، بل مطلق التسليم والانقياد لله تعالى في الطاعة والاستجابة، يعني أن الله تعالى حاشا له أن يخلق البشر من أجل أن يعذبهم ويدخلهم جهنم، إنما يحتج الى الظلم الضعيف وحاشاه.

والمبدأ الآخر: الذي ينطلق منه حق التعايش السلمي للإنسان، هو السنخية وتساوي الخلق في البشر، وهذا ما أكده القرآن الكريم «إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» آل عمران: 59 وقوله تعالى: «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ» يحاججه بوحدة الخلق وأنه نظير له في الخلق وهو التراب، «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ» الروم: 20

وقال الإمام (عليه السلام) أيضاً في العهد المبارك: (واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلاً قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه، عهداً منه عندنا محفوظاً)(30).

يمكن القول إن هذا المقطع من عهده المبارك يخص التعايش السلمي بين الناس بمختلف طبقاتهم فبين طبقات النّاس والرّعيّة، وليس المقصود من ذلك إثبات نظام الطبقات وتأييده فإن نظام الطبقات مخالف للعدل والديمقراطية الحاكمة بتساوي الرّعيّة في الحقوق.

ص: 165

فالبشر في تحوّله الاجتماعي شرع من النظام القبلية والاسرة المبني على أنّ الحكم المطلق ثابت لرئيس القبيلة، فلا حياة للفرد إلاّ في ضمن القبيلة ويشترك معها في الخيرات والشرور على ما يراه صاحب الاسرة ورئيس القبيلة، وهذا أدنى نظام اجتماعي وصل إليه البشر في تكامله الاجتماعي، فنظام الطبقات يحصل للأمم بعد التحوّل من النظام القبلي ومرجعه إلى اعتبار الامتيازات بين الأفراد والأصناف ويبتنى على التبعيض في الحقوق العامّة، فنظام الطبقات يخالف التساوي والتآخي بين الأفراد والتساوي في الحقوق كما نادى به الإسلام في القرآن الشريف حيث يقول: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» الحجرات: 13 وقد تعلّق العرب على النظام الطبقاتي واعتبار الامتياز من وجوه شتّى: منها عدم تزويج بناتهم مع غير العرب وعدم تزويج القبائل بعضها مع بعض باعتبار علوّ شأنه، و قد اهتمّ النبيّ (صلّى اللهّ عليه وآله) بمحو النظام الطبقاتي و لیا الا إلقاء هذه الامتيازات المتوهّمة بكلّ جهده.

ومقصوده عليه السّلام من قوله (واعلم أنّ للرّعيّة طبقات) ليس اثبات الطبقات بهذا المعنى بل بيان اختلاف الرّعيّة فيما تتصدّيه من شئون الحياة البشريّة حيث إنّ الانسان مدني بالطبع يحتاج إلى حوائج كثيرة في معاشه من المأكل والملبس والمسكن ولا يقدر فرد واحد بل أفراد على إدارة كلّ هذه الامور فلا بدّ وأن ينقسم الرّعيّة بحسب مشاغله إلى طبقات ويتصدّى كلّ طبقة شأناً من الشؤون وشغلاً من المشاغل، ثمّ يتبادل حاصل أعماله بعضهم مع بعض حتّى يتم أمر معيشتهم ويكمل حوائج حياتهم وجعل الرّعية طبقات:

1. الجنود المحافظون للحدود والثغور والمدافعون عن هجوم الأعداء.

2. كتّاب العامة المتصدّون لكتابة العقود والمعاهدات والحقوق وغيرها من المراسلات.

ص: 166

3. قضاة العدل ورؤساء المحاكم المتصدون للترافع بين النّاس والنظر في الدّعاوى.

4. عمال الامور الحسبيّة المحافظون على الانصاف والرّفق بين النّاس وهم الّذين يجرون الأحكام القضائية وينفذونها.

5. أهل الجزية والخراج من أهل الذمّة ومسلمة النّاس.

6. التجار وأهل الصناعات والحرف الكثيرة الّتي عليها مدار حياة البشر.

7. الطبقة السّفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، والتعبير عن هذه الطبقة بالسفلى باعتبار أنها لا تقدّم عملا نافعا في الاجتماع تتبادل به مع أعمال الطبقات الآخر فلا بدّ وأن تعيش من عمل الطبقات الاخر.(31)

8. فالمسلم أخو النصراني شاء أم أبى، لأن الإنسان أخو الإنسان أحبّ أم كره. ولو لم يكن الدنو من الفضيلة والبعد عن نقيضتها الرذيلة هو الأصيل في دستور الإمام في الحرية، ولو لم تكن الحرية الفاضلة حقاً مقدساً لديه لَما امتدح مَن يسيرون على منهاج المسیح، كما امتدح مَن يسيرون على منهاج محمد.(32)

المطلب الثاني: حق الإنسان في الحرية

بدايةً عندما بدأ أمير المؤمنين (علیه السلام)کتابه، نسب نفسه الى الله تعالى، وهنا الدقة والحبكة بالتعبير، فهي أعظم وأفضل نسبة لعبودية الله، فقال: «هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِىٌ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِينَ» کما انتسب النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) الى الله تعالى «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» الاسراء: 1 وكأنه أراد هذا تطبيقاً عملياً لما سيتضمنه الكتاب من وصايا ودروس أخلاقية كبيرة، في العبودية الحقة لله تعالى هي ذاتها الحرية الحقيقية التي لا مثيل لها.

إذاً فالحرية من حقوق الإنسان المكفولة أصلاً في نهج الإمام ودستوره لكافة الناس،

ص: 167

يكفلها الوجدان الإنساني بوصفها قوة لا تعمل بالإكراه.

فأنت لا يمكنك أن تقضي على نور الشمس إلا إذا منعته عن غايته في الإنارة وإشاعة الدفء بحاجز تقيمه بين أشعته وبين غايته، إذاً فقد أخرجته الى نطاق من الاماتة والإفناء. فكل ما في الكون حرٌ بأصوله وشروط وجوده لا يقبل إلا بالحرية قانوناً وإلا تعطل وانتهى.

لكن حرية الفرد لدى الإمام ليست الحرية الإباحية الرعناء بل هي مقترنة أبداً بالشعور بالمسؤولية. لم يلجأ شأنه في ذلك شأن الفلاسفة والمفكرين الأقدمين الى التضييق على الناس في معنى الحرية، بل لجأ الى توسيع معنى الحرية في مدارك الناس، وفي الوقت نفسه لجأ الى توسيع معنى الشعور بالمسؤولية. ومن آياته في ذلك، أمره مع أهل القرية الذين شاؤوا أن يحفروا مجرى النهر الذي عفا ودرس؛ فطلبوا الى عامله على قريتهم أن يسخّرهم في العمل؛ فأمره عليّ بألا يسخّرهم، بل يطلب إليهم أن يعملوا في الحفر ويتقاضوا على ذلك أجراً، ثم يكون الأجر والنهر فيما بعد لمن عملوا بملء حريتهم، ولمن شعروا بأنهم مسؤولون عمّا عملوه.

وكأن الإمام يُحيي منذ بضعة عشر قرناً هذه العاطفة التي صورها العبقري الفرنسي جان جاك روسو منذ قرنين مضت إذ قال: إن ايماننا بالإنسان وولائنا للإنسانية هما اللذان يثيران في طبيعتنا الخيرة أعمق الدوافع لان نجعل من البليد المسخر انساناً بشرياً نابها.(33)

ص: 168

أولاً - حرية العقيدة وعبادة الله تعالى:

من أهم حقوق الإنسان، هي حرية العبادة؛ لأنها محطة معنوية مهمة في حياة الفرد، بل أهم المحطات والمحاور في ذات الإنسان، ومن حق الإنسان أن يعبد الله تعالى بما يقف ويقوده الدليل الى ذلك، لا أن يُجبر على سلوك قناة وطريق غير مندفع ومقتنع به، أو أن يُجبر على عبادة غير الله تعالى، كعبادة السلطان والشيطان، والنساء، وغيرها من العبادات الموجودة غير الصحيحة كما جاء في اليهود والنصارى «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» التوبة:31. كيف اتخذوهم أرباباً يعبدونهم؟ كانوا يسمعون ويطيعون لهم.

حيث قال صلوات الله عليه في عهده: (أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه)(34) هذا ظاهره أمرُ بالتقوى وإيثار الطاعة، إلا أن حقه الحرية في الاختيار بلحاظين:

الأول: لأنه ذكر الاتباع والطاعة لأوامر الله تعالى ببعده الإيجاب، لا ببعده السلبي، نظير قوله تعالى: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» آل عمران: 64 أي إن هناك مشتركاً بيننا تعالوا لنتمسك بحبله ونعضده، وهي كلمة التوحيد، هذا هو البعد الإيجابي بالدعوة، ولم يقل لهم أنتم لستم على شيء وأنكم مصيركم الى النار مثلاً، حيث قال (فإنَ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي إذا رفضوا الدعوة ولم يقبلوا، ماذا تقولون لهم، هل تقولون لهم أنتم كفرة وفساق وفجرة ولا تهتدوا بعد اليوم ومصيركم جهنم،

ص: 169

بهذا الأسلوب والبعد السلبي؟

انظر الى القرآن: (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فقط البعد الإيجابي دون السلبي. والثاني: بلحاظ النتائج المرجوة العظيمة المتوخاة عن اتباع أوامر الله، التي ذكرها الإمام النص الآنف: التي هي السعادة عند اتباع الفرائض، والشقاء عند إضاعتها، وإن الله تعالى سوف ينصره ويعزه. وإلا لو كان إجباراً على شيء لم تذكر ولم تعرض الفوائد والآثار الجيدة. (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) وهي التوحيد، ولازم التوحيد رفض الشركاء وعدم اتخاذ الأرباب من دون الله سبحانه.

قال صاحب الميزان: والذي تختتم به الآية من قوله: (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) يؤيد المعنى الأول فإن محصل المعنى بالنظر إليه أنه يدعو إلى هذه الكلمة وهي أن لا نعبد إلا الله (الخ) لأنها مقتضى الإسلام الله الذي هو الدين عند الله، والمراد بقوله: (ألا نعبد إلا الله) نفي عبادة غير الله لا إثبات عبادة الله تعالى على ما مرت الإشارة إليه في معنى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله: أن لازم كون إلا الله، بدلا لا استثناء كون الكلام مسوقا لبيان نفي الشريك دون إثبات الإله، فإن القرآن يأخذ إثبات وجود الإله وحقيته مفروغاً عنه.... قوله تعالى: (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) استشهاد، بأنهم وهم النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ومن اتبعه على الدين المرضي عند الله تعالى وهو الإسلام، قال: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» * آل عمران - 19 فينقطع بذلك خصامهم وحجاجهم إذ لا حجة على الحق وأهله.)(35)

فحرية العقيدة الدينية حقٌ من حقوق الناس كفلها دستور الامام علي (عليه السلام)، فبما أن الحرية لا تُجزأ، فإن الانسان لا يمكنه أن حراً من جانب ومقيّداً من جانب آخر(36).

وهذا الحق عند الامام علي (عليه السلام)، للإنسان في حرية العبادة، ينسجم مع قوله تعالى «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ

ص: 170

بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» البقرة: 256 أيضاً نلاحظ حرية الحق وذكر النتائج المترتبة على الايمان بالله.

وهو القائل في مناسبة ثانية، أن تتحرر من كل القيود والقبليات النفسية وتنطلق صوب الحق المطلق وتكون حراً بشكره وعبادته: (إن قوماً عبدوا الله سبحانه رغبة فتلك عبادة التجا، وقوما عبدوه رهبة فتلك عبادة العبيد وقوما عبدوه شکراً فتلك عبادة الاحرار)(37).

وقد ورد إن بعض المنافقين كانوا يأتون إلى مسجد الكوفة ولم يصلوا مع الإمام (عليه السلام) الجماعة، بل كانوا يصلّون فرادى في وقت صلاة الإمام (عليه السلام) تعرضاً بالإمام، فقيل للإمام أن يمنع هؤلاء عن هذا العمل.

وكان بيده الحق في نهيهم، مع ذلك قال الإمام: اتركوهم وشأنهم، ثم تلا هذه الآية المباركة: «أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّی» العلق: 9 - 10.(38)

نعم الإمام (عليه السلام) طبق هذه الآية المباركة حتى على صلاة المنافق، لأنه كان يريد إعطاء الحرية للناس جميعاً.

ثانياً - الحرية الشخصية:

فقال (عليه السلام) في العهد الميمون: (وليكن أبعد رعيتك منك وأشنوهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوباً، الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك).(39)

ص: 171

يمكن القول ان الامام اعطي حرية الخطأ مع عدم الإصرار، عليه مع الالتزام بعدم علانية ذلك الخطأ، فضلاً عن انه يرفض نموذج الدولة الشمولية التي تجعل من نفسها جهاز تجسس ومراقبة ضد ابناء الأمة بل يريد من الدولة أن تكون اداة اصلاح ووسيلة لحل الازمات يجب أن تعامل المواطنين كبشر تلازمه حتمية الخطأ، ويجب أن يمنح الانسان فرصة الإصلاح الذاتي لذلك الخطأ ما دام لم يتجاوز القانون العام.(40)

المطلب الثالث: حق الإنسان في حرية التعبير

حيث جاء في عهده (عليه السلام) (ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالكُ، أَنِّ قدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلاَد قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْل وَجَوْر، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا

كُنْتَ تَنْظُرُ فيِهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاَةِ قَبْلَكَ، وَيَقُولُونَ فيِكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فيِهِمْ، إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحينَ بِمَا يُجْرِي اللهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ).(41)

هذا الحق من حقوق الإنسان في حرية التعبير، كفله الإمام (عليه السلام)، فمثلما أنت تبحث عن متنفس في التعبير لهمومك التي قد تنفجر إذا بقيت داخل صدرك ولم تخرج بحسرة من الحسرات وبزفرة من الزفرات، وتريد أن تعبّر عمّا في داخلك من رأيٍ صريح أنت مقتنع به؛ كذلك أيها الإنسان يجب أن تعطي للإنسان الآخر في المقابل هذه الفسحة والفرصة لإطلاق فيض المشاعر والأحاسيس التي تعانق الأضلاع داخل صدر الإنسان.

فلا تؤاخذهم با تجود حسراتهم وزفراتهم لو أرادوا الكلام، وقد جاء عنه (عليه السلام) في مناسبة وهي يكفل حق الكلام والتعبير (رُوِيَ أَنَّهُ (عليه السلام) كَانَ جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ فَمَرَّتْ بِهِمُ اِمْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَرَمَقَهَا اَلْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقَالَ (عليه السلام) إِنَّ أَبْصَارَ هَذِهِ اَلْفُحُولِ طَوَامِحُ وَ إِنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هِبَابَهِا فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَی اِمْرَأَةٍ تُعْجِبُهُ فَلْيُلاَمِسْ

ص: 172

أَهْلَهُ فَإِنَّمَا هِيَ اِمْرَأَةٌ كَامْرَأَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْخَوَارِجِ؟ قَاتَلَهُ اَللهَّ كَافِرِاً مَا أَفْقَهَهُ فَوَثَبَ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ (عليه السلام) رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ)(42) ما أعظمها من حرية في التعبير، أي إما أن أردَّ عليه هذا السب والشتم، أو من حقي أن أعفو عنه إن شئت، ولا يستحق ما فعله جريرة القتل؛ فلا يجوز قتله. مع أن هذا كان من الخوارج وكان يختلف معه في العقيدة، فحق حرية التعبير مكفول بدون تفريق بين أحد و آخر.

وحرية التعبير عند أمير المؤمنين لا تقتصر على مجرد الكلام، بل على الوضع النفسي أن يكون المتكلم مطمئناً ومستقراً، ويُخصص له الوقت الكافي حتى یُوصل فكرته التي يريد، بل وتشجيع من عدة نواحي، حيث قال في عهده (عليه السلام): (واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غيرَ متتعتع، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول في غير موطن: لن تُقدس أمة لا يُؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع)(43) فإن كان الخوف يسيطر على الإنسان لا يستطيع التعبير حقيقةً، وسيكون تعبيره بها لا يوجد في سريرته؛ (حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع).

المطلب الرابع: حق الإنسان في العدل والمساواة

قال (عليه السلام) في عهده: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق).

المساواة والتآخي أصل إسلامي مالَ إليه كلّ الشعوب في هذه العصور الأخيرة المنيرة بالتفكير والاختراع، وأدرج في برنامج الحقوق العامّة البشريّة، ولكن المقصود

ص: 173

منه ليس تساوي الأفراد في النيل من شئون الحياة: الصالح منهم والطالح والجادّ منهم والكسلان على نهج سواء، بل المقصود منه نيل كلّ ذي حقّ حقّه من حظّ الحياة على حسب رتبته العلمية و جدّه في العمل، فهذا الأصل يبتني على تعيين الحقوق،(44) وقد شرّح عليه السّلام في هذا الفصل من كلامه هذا الأصل فقال: (أعرف لكلّ امرىء منهم ما أبلی)، وقال أيضاً: (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه)(45)

المساواة في اللغة تعني: التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص.(46)، أما العدالة، فإن فلان يعدل فلان يساويه،.. وعادلت بين الشيئيين وعدلت فلان بفلان اذ سویت بینهما.(47) والعدل: ما قام في النفوس انه مستقیم وهو ضد الجور والعدل اسم من اسماء الله الحسنی... والعدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم... والعدل الحكم بالحق.(48)

الكلام هنا هل أن العدل مرادف للمساواة بمعنى أن كل مساواة هي عدل وأن كل عدل تعني المساواة؟ ببداهة لا يصح ذلك إذ ليس كل مساواة هي عدل وهذا ما استنكره القرآن الكريم بالاستفهام الانکاري في قوله تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ» الزمر: 9 وكذلك قوله تعالى: «أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ» صاد: 28 فلا تحقق للعدالة في المساواة بينهم بالثواب والعقاب معاً.

لكن هناك مساواة بين هؤلاء على اختلاف مشاربهم واستعداداتهم وقابلياتهم، في جوانب معينة، مثلاً في إرسال الأنبياء والرسل للبشر كافة على حدٍ سواء «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا» الأعراف: 158 وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا» البقرة: 168 هنا الخطاب للناس جميعاً بالتساوي.

وهناك مساواة تحقق بضمنها العدالة، كما في قوله تعلى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ

ص: 174

أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» الحجرات: 13 فلا تفضيل ولا فرق بين الناس إلا بتقوى الله تعالى. لكن مساواة علي (عليه السلام) مساواة عادلة لا تبخس أحداً.

فعدلُ عليّ (عليه السلام) لا يرضى بمساواة بين المحسن والمسيء لأن في ذلك ظلماً وبخساً لأهل الاحسان وتشجيعاً لأهل الإساءة حيث قال في عهده (عليه السلام): (ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه).(49)

جاء في كتاب (بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة): من كلام له (عليه السلام) کلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه وكرها مبدأ المساواة بالعطاء مع الرعية: (وأما ما ذكر تمامن أمر الأسوة) أي المساواة بين النّاس في قسمة الغنيمة (فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا ولّيته هوى مني، بل وجدت أنا و أنت ما جاء به رسول اللهّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد فرغ منه، فلم احتج إليكما فيما قد فرغ اللهّ من قسمه وأمضى فيه حكمه) وفي موضع آخر ((إنّ كتاب اللهّ وسنّة نبيّه على التسوية فكيف يمكن إعمال الرأي في قبالهما)(50) فهذه هي المساواة العادلة عند علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقد جرت العادة أنهم يفرقون في العطاء من بيت المال، فحصة الأعيان والوجهاء كانت أكثر من حصة الطبقة الكادحة والفقيرة.

لأن القرآن الكريم أكد على مفردة العدل «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» النساء: 58 وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» النحل: 90 لأن بعض من المساواة في الظلم بعينه بتعبير القرآن «لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا» الحديد: 10.

وفي عهده لمالك (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه)(51) فلم يفرق في حق المساواة بالعطاء المعنوي، بين أسود وأبيض ولا بين

ص: 175

عربي وأعجمي ولا بين سيد وعبد، ولا بين غني أو فقير، بأن يكون مختص فقط لأقرانه وجلسائه وخاصته.

حيث أكد هذا المعنى في رسالة أخرى: (فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل)(52) بل هناك مساواة مطلوبة عند الإمام (عليه السلام)، وهي المساواة العادلة ففي عهده المبارك: (وإياك والاستئثار بها الناس فيه أسوة)

المطلب الخامس: حق الإنسان في الحياة

جاء في العهد المبارك: (إياك والدماء وسفكها بغير حلّها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها! والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن).(53)

فإن حق الإنسان أن يحيا ولا يجرؤ أحد على قتله، فصفة الإنسانية فقط كفيلة بأن تضمن عدم سفكه عند الإمام علي (عليه السلام)، وهذا ما أكده القرآن الكريم قتل الناس بغير حق، ولم يقيد القرآن هذا القتل يحرم فقط على المسلمين «أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» المائدة: 32

ونلحظ قول الإمام (بغير حلِّها) أي هناك موارد القتل يكون فيه حياة للآخرين «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» البقرة: 179 إذن (ليس هذا مجرد نهي وبيان لحكم القتل عن عمد، لأن تحريمه ثابت و معروف بمنطق الحياة والفطرة، ويستوي في معرفته العالم والجاهل، والمؤمن والكافر، ولا يحتاج بعد هذا إلى توضيح وبيان.

ص: 176

أما النصوص على تحريمه من السماء وأهل الأرض فهي انعكاس وتعبير عما هو كائن بالفعل، لا توجيها إلى ما ينبغي أن يكون.

ويجوز القتل لحماية أرواح الناس و مصالحهم أي أن منطق الحياة الذي حرّم القتل هو بالذات يسوّغ قتل من اعتدى على الحياة، صونا لها وحرصا عليها، وبكلام آخر: لا يجوز قتل أحد من الناس إلا بحق وعدل، وذلك بأن يباشر الجاني بملء ارادته السبب الموجب لقتله بحيث يصدق عليه قوله تعالى «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» النحل : 33)(54)

والحقيقة هناك جملة من الأمور يمكن تلمسها في هذا النص، منها:

1. تأكيد حرمة الدماء وان حق الحياة مكفول للجميع، إذ كان الحديث عن الدماء بصورة عامة وليس دماء المسلمين دون غيرهم.

2. المساواة بين الناس حاكماً، محكوماً سيداً كان أو عبداً، من حيث لا ضمانات للمنصب او شاغله في موضوع التعدي على الدماء والحياة.

3. إن سفك الدماء يثير الغضب والنقمة بين الناس مما يؤدي إلى الاضطراب وهو من الأسباب المهمة للعداوات والتباغض والتحاقد لأن (لكل دم ثائرٌ، ولكل حق طالبٌ)(55) على وفق وصف الإمام.

وبناء على احترام الإمام لحق الحياة نلاحظ أنه حكم على جريمة التحريض او الأمر بالقتل أو بعقوبة أخرى تتناسب مع الجرم والشكل القانوني للجريمة وكان (عليه السلام) يقول: (من أعان على مؤمن فقد برئ من الإسلام)(56) وأشار الإمام كذلك إلى عملية القتل المعنوي وذلك بهدم كرامة الإنسان وسمعته وعُدَّ ذلك بمثابة اغتيال له اذ يقول(57) لمالك: (فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عمّا غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك)(58)

ص: 177

الخاتمة

وما توصل إليه الباحث من نتائج:

1 - لا يوجد تعریف ثابت لمفهوم حقوق الإنسان؛ فيتغير باختلاف وتغير متطلبان الإنسان على مدى العصور والأزمان.

2 - إذا كانت هذه هي حقوق الإنسان كما أرادها الإمام (عليه السلام)؛ فحقوق الإنسان لم ولن تُطبق ولم تجد لها مصداقاً غيرَ اهل البيت عليهم السلام.

3 - توصل الباحث إلى أن هناك فرق بين حقوق الإنسان بصورة عامة، وحقوق المواطن بصورة أخص.

4 - هذا العهد وهذا الكتاب وما جاء فيه من وصايا تاريخية ودستور واضح، خطاب عالمي موجه لجميع الحكام مسلمين وغير مسلمين الى يوم القيامة، بل أكثر من ذلك، هو متوجه لكل إنسان بكل ألوانه؛ لأن المورد لا يخصص الوارد - کما يعبرون في علم أصول الفقه - وإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والإمام علي (عليه السلام) هو القرآن الناطق فكلامه يجري في الماضين والباقين، فعن الامام الباقر (عليه السلام) في حديث (... إن القرآن حيٌ لا يموت، والآية حيةٌ لا تموت، فلو كانت الآية إذا نزلت في الاقوام و ماتوا ماتت الآية، لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين کما جرت في الماضين)(59)

5 - إن حق حرية الفكر والعقيدة، وحق التعايش السلمي المتمثل بقول الإمام (عليه السلام) ((إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ) أثبتا أن ميثاق حقوق الإنسان للأمم المتحدة، لم يتوصل إلى هذا المستوى وهذا المعنى، شعاراً وتطبيقاً، وقصة الإمام (عليه السلام) مع النصراني المكفوف مما يؤيد هذا ذلك: حيث كان الإمام (عليه السلام) في شوارع الكوفة.. فمر بشخص يتكفف وهو شيخ كبير السن، فوقف (عليه السلام) متعجباً وقال (صلى الله عليه واله وسلم): ما هذا؟ ولم

ص: 178

يقل من هذا، و(ما) لما لا يعقل، و(من) لمن يعقل، أي إنه (عليه السلام) رأى شيئاً عجيباً يستحق أن يتعجب منه، فقال أي شيء هذا؟

قالوا: يا أمير المؤمنين إنه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف.

فقال الإمام (عليه السلام): ما أنصفتموه.. استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، اجروا له من بیت المال راتباً. (راجع وسائل الشيعة: ج 11 ص 49 باب 19 ح1).

ص: 179

ثبت المصادر والمراجع

* القرآن الكريم

* الأمين، محسن.

1. أعيان الشيعة، تح: حسن الأمين، دار التعارف، بیروت، 1983 م.

* ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه / 1258 م).

2. شرح نهج البلاغة، تح: محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية 1959.

* أبن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت 852 ه).

3. الإصابة في معرفة الصحابة، دار العلوم الحديثة، القاهرة، 1328 ه.

* ابن منظور: محمد بن مکرم بن منظور الأفريقي المصري ت 711 ه.

4. لسان العرب، دار صادر، بیروت - لبنان، ط 1، (د.ت).

* البخاري: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أبو عبد الله الجعفي، ت 256 ه.

5. الجامع الصحيح المختصر المعروف بصحيح البخاري، تح: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن کثیر، اليمامة - بيروت، ط 3 - 1987 م.

* البيهقي: علي أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر (ت 458 ه).

6. السنن الکبری، بیروت، دار الفكر، د.ت.

* التستري، الشيخ محمد تقي بن كاظم بن محمد علي بن الشيخ جعفر التستري.

7. بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، مؤسسة نهج البلاغة، 1397 ه. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة.

* الجرجاني، السيد الشريف علي بن محمد، ت 816 ه - 1413 م.

8. معجم التعريفات، تحقیق محمد صديق المنشاوي، دار الفضيلة - القاهرة.

*: جرداق، جورج،

ص: 180

9. علي صوت العدالة الإنسانية، الأندلس، بیروت - لبنان، ط 1، 2010 م

* حسون، نجاح عبید.

10. مالك الأشتر، سيرته والحضارة الاسلامية في عصره، أطروحة دكتوراه، جامعة سانت کلمنت، مکتب کرکوك، 2010.

* خوئي، هو العلاّمة المؤيد المسدّد المتبحر الأديب الحاج میر حبیب اللهّ بن السّيد محمّد الملقب بأمين الرعايا ابن السّيد هاشم بن السّيد عبد الحسين، ت 1324 ه.

11. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة.

* الزرقا، مصطفى أحمد.

12. المدخل الفقهي العام، دار الفكر - دمشق، ط 9، 1967 - 1968.

* السعد، غسان، معاصر.

13. حقوق الانسان عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) رؤية علمية، الطبعة الثانية، بغداد - 2008.

* الشريف الرضي: أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسی بن محمد بن موسی بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)ت 406 ه.

14. نهج البلاغة: وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الاستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.

* الصدوق، أبی جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمی، ت 381 ه.

15. الخصال، صححه وعلق عليه على اكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة، 1403 ه.

* الشيخ عيسوي، أحمد.

16. المدخل للفقه الإسلامي، مطبعة دار التأليف - مصر، ط 1 - 1963.

* الطباطبائي: محمد حسين، ت 1402 ه.

ص: 181

17. الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بیروت، ط 1، 1997 م.

* مجذوب، دكتور محمد سعيد.

18. حقوق الإنسان والحريات الأساسية، لبنان، جروس برس، 1980.

* مغنية، محمد جواد.

19. في ظلال نهج البلاغة، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان ط: 3، 1979.

مواقع شبكة الانترنت

1. موقع ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki

2. موقع ویکي، شیعة، http://ar.wikishia.net/view

3. موقع شیرازي، http://alshirazi.com

الأقراص والكتب الإلكترونية

1. قرص المكتبة الشاملة

ص: 182

الهوامش

1. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من کلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الشيخ محمد عبده، ج 2، ص 218.

2. ابن منظور، لسان العرب، ج 10، ص 49.

3. ظ: الجرجاني، علي بن محمد، معجم التعريفات: ص 79.

4. ظ: للشيخ عيسوي، أحمد، المدخل للفقه الإسلامي، ص 338، وينظر: الإسلام وحقوق الإنسان، د. القطب محمد، ص 38.

5. ظ: ابن منظور، لسان العرب، ج 6، ص 10.

6. موقع ويكيبيديا https://ar.wikipedia.org/wiki

7. انظر: الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام»: 3 / 9 - 10.

8. (د. مجذوب، محمد سعید، حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ص 9

9. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من کلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الشيخ محمد عبده، ج 2، ص 218.

10. الصدوق، الخصال 2: 357 ح 40.

11. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من کلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الشيخ محمد عبده، ج 3، ص 72.

12. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، و هو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الشيخ محمد عبده، ج 2،

ص: 183

ص 217.

13. حسون، نجاح عبید، مالك الأشتر، سيرته والحضارة الاسلامية، ص 30 - 33

14. ابن حجر العسقلاني، الإصابة، ج 4، ص 281.

15. ظ: حسون، نجاح عبید، مالك الأشتر: سيرته والحضارة الاسلامية، ص 38.

16. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج، 18، ص 95.

17. المصدر نفسه، نهج البلاغة، ج 3، ص 14.

18. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من کلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شرح الشيخ محمد عبده، ج، 3، ص 14.

19.ظ: المصدر نفسه ج 3، ص 102.

20. ظ: الأمين، أعيان الشيعة، ج 9، ص 38.

21. ظ: المصدر نفسه، ج 9، ص 38 - 39.

22. ظ: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 15، ص 101.

23. المصدر نفسه، ج 13، ص 77.

24. ظ: موقع ويكي شيعة، http://ar.wikishia.net/view

25. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج، 16، ص 142.

26. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 84، يُذكَر إن الأمين العام السابق للأمم المتحدة (كوفي عنان) دعا لوضع هذا الشعار الدال على التعايش السلمي في منظمة الأمم، ويقول: قول علي ابن أبي طالب (يا مالك إن الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) هذه العبارة يجب أن تعلَّق على كلّ المنظمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية)، وبعد أشهر اقترح (عنان)

ص: 184

أن تكون هناك مداولة قانونية حول (کتاب علي إلى مالك الأشتر).

واللجنة القانونية في الأمم المتحدة، بعد مدارسات طويلة، طرحت: هل هذا يرشح للتصويت؟ وقد مرّت عليه مراحل ثم رُشِّح للتصويت، وصوتت عليه الدول بأنه أحد مصادر التشريع الدولي.

وكلامه باللغة الانجليزية:

Kofi Annan، the UN Secretary states =:

= (The words of Ali ibn Abi Talib. 'O Malik! The people are either brothers in religion or your equal in creation must be adhered to by all organisations and it is a statement that all humanity must embrace.)

27. ظ: الطباطبائي، تفسير الميزان، 18 - 172 الشاملة.

28. صحيح البخاري، ج 1، ص 27، رقم الحديث 50.

29. ظ: الطباطبائي، تفسير الميزان، 1 - 110.

30. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 89.

31. ظ: خوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ص 197 - 198.

32. ظ: جرداق، جورج، علي صوت العدالة الإنسانية، ص 194.

33. ظ: جرداق، جورج، علي صوت العدالة الإنسانية، ص 155 - 158.

34. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 84.

35. الطباطبائي، تفسير الميزان، 3 - 138 / 140 الشاملة.

36. ظ: جرداق، جورج، علي صوت العدالة الإنسانية، ص 194.

37. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 53.

ص: 185

38. ظ: موقع الشيرازي، http://alshirazi.com

39. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 86.

40. ظ: د. السعد، غسان، حقوق الانسان عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) رؤية علمية، ص 115.

41. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 83.

42. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 4، ص 98.

43. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج3 ، ص 102.

44. ظ: خوئي، حبيب الله، میر، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج، ص 226.

45. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 84.

46. ابن منظور، مصدر سابق، ج 4، ص 410.

47. المصدر نفسه، ج 11، ص 413.

48. ظ: ابن منظور، مصدر سابق، ج 11، ص 430.

49. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 88.

50. التّستري، الشّيخ محمّد تقي، مبهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، ج، ص 548.

51. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 84.

52. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده، ص 116.

53. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 108.

54. مغنية، محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، ج 4، ص 115 - 116.

55. نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، مصدر سابق، ج 1، ص 20

56. ينظر: البيهقي، ابو بکر احمد السنن الکبری، ج 2، ص 365.

57. ظ: د. السعد، غسان، حقوق الانسان عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)

ص: 186

رؤية علمية، ص 62 - 63.

58. الامام علي (عليه السلام)، نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 3، ص 86.

59. العياشي، المحدث الجليل ابي النضر محمد بن مسعود بن عياش، تفسير العياشي، ج 1، ص 204.

ص: 187

ص: 188

المبادئ الأخلاقية في عهد الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر (رضي الله عنه)

اشارة

أ.م.د. وحيدة حسين الركابي

الجامعة المستنصرية / كلية التربية

قسم العلوم التربوية والنفسية

ص: 189

ص: 190

المقدمة

من المؤكد أن مسلك أهل البيت (عليهم السلام) والطريقة التي يتعاملون بها مع شرائح المجتمع المختلفة كانا على أساس أيمان وأخلاص وأنسانية ذلك المجتمع، ولم يكونا أبداً على أساس معايير وأعتبارات اخرى مثل كثرة المال، او علو، او قوة القبيلة

ان هذا النحو من التعامل لم يكن موجوداً الا عند جماعة قليلة من الناس، يأتي في طليعتها الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أما أولئك الذين أستلموا مقاليد الأمور في عهود مختلفة فأن كل من حكم فيها صرف جل أهتمامه ليحتضن في فريق حكومته الشريحة الغنية والقوية المقتدرة محاباة لها، مع العلم أن كثيراً من الولاة والمسؤولين لم يكن ذَا خبرة وكفاءة تؤهله المشاركة في شؤون البلاد والعباد.

وامام هذه الصورة القائمة من الحرمان والأستضعاف لشريحة من المسلمين، كان أهل البيت (عليهم السلام) المتنفس الصادق والوحيد للأمة، والصوت الهادر الذي مازال يلقي بظلاله الخيرة على الرعية، لاسيما الطبقة الفقيرة، ولعل من أهم المواثيق في أنصاف الرعية ماعهد به الأمام علي (عليه السلام) لواليه على مصر سیدنا مالك الأشتر (رضوان الله عليه) ولعل هذا من أبرز مايهدف اليه البحث الحالي في تسليطه الضوء على المضامين الأخلاقية في ذلك العهد، فيما يتعلق بأمور الحكم والأدارة

وفيما يخص ولاء مالك الأشتر العظيم للأمام علي (عليه السلام) وتفانيه في حبه وإخلاصه.

من هو مالك الأشتر...؟؟

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع. ومن أشهر ألقابه (الأشتر) و(كبش العراق) وقد أسلم في زمن الرسول

ص: 191

الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) وظل راسخاً في أسلامه، ونال درجة في الأيمان بلغت حداً شهد له فيه النبي الأكرم (صلى الله عليه واله وسلم) بالأيمان بشكل قاطع، وعبر عنه في حديث شريف بأنه (مؤمن) أو (مؤتمن)

سيرة مالك الحسنة

خطى مالك منذ بدء أسلامه على نهج السنة النبوية والسيرة العلوية، رغم رحيل النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وتولي ثلاث من الحكام، فلم يتخلى يوماً عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام) الورثة الحقيقين للنبي (صلى الله عليه واله وسلم) کما كان من المدافعين الشرسين عن حقهم، وقد هيأ الأرضية المناسبة لأنصاف المظلومين، والأستجابة لشكاوى المظلومين من خلال أعتراضه على كثير من الولاة الذين كانوا يتولون الحكم عن غير جدارة، حتى نفي إلى الشام، وكان المالك دور كبير في أنتصار جيش أمير المؤمنين خلال حرب الجمل وصفين حيث أطبقت شهرته الأفاق على مر التأريخ

وقد حكى الأمام علي (عليه السلام) وتفانيه في حبه وإخلاصه له، وقد حكى الأمام مدى تعاطفه له بقوله (كان مالك لي كما كنت لرسول الله) وقد تحدث الأمام علي عن شجاعته وإقدامه وإخلاصه له وأوصى الناس بالأستماع اليه وتنفيذ مايقول في القتال او السلم، ويمكن القول بان مالك كان يتميز بمايلي: -

1. عظیم شجاعته وشدة بأسه في أيام الرعب فهو لايهاب الأعداء ولا يلين لهم.

2. شدته على الكفار، أذ وصفه الأمام بانه أشد عليهم من حريق النار.

3. انه سيف من سيوف الله كما كان الأمام علي (عليه السلام)

وقد لازم مالك الأمام علي (عليه السلام) فكان عضده ومستشاره في تخطيط سیاسته

ص: 192

وأدارة شؤون دولته، وكان معه في أحلك الظروف، وأشدها بلاءً، واقساها محنة.

شهادته

أثناء الصراع بين الأمام علي (عليه السلام) ومعاویه کانت أبصار الأمام تتجه نحو مصر التي بدأ يحرك فيها معاویه أنصاره بدعم من عمر و بن العاص الذي قد أتفق مع معاويه على ان يعطيه ولاية مصر مقابل الوقوف إلى جواره ضد الآمام، وكان الأمام قد عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر وأقام مكانه محمد بن أبي بكر، الا أن الواضح من سير الأحداث بأن محمد هذا لم تكن لديه القدرة التي تعينه على مواجهة مثيري الفتنة والمتآمرين لحساب معاوية، وهنا قرر الأمام أن يرسل مالك إلى مصر لحسم الصراع الدائر هناك وتسلم زمام القيادة من محمد بن أبي بكر، وقد أحدث هذا القرار هزة كبيرة لمعاوية وأبن العاص اللذان كانا يخشیان مالك أشد الخشية واضعين في حسابهم الأثار المترتبة على وصوله الى مصر وتسلمه زمام القيادة فيها، خاصة وان الأمام قد سلمه میثاقاً وعهداً يستعين به في حكم مصر. لقد كان معاوية يدرك تماماً ان وصول مالك بن الأشتر الى مصر يعني ضياعها وخروجها عن دائرة نفوذه، ومن ثم سعى أبن العاص الى تحريضه للعمل على الحيلولة دون وصول مالك الى مصر. ولم يكن هناك من حل لمعاوية وأبن العاص سوى التخلص من مالك فكان آن حرض معاوية رجل من إهل الخراج على مصر الذي لقي الأشتر وهو في طريقه إلى مصر وأستضافه عنده وسقاه عسلاً مسموماً مات (رحمه الله) بعده كان حزن الأمام علیه شدیداً، وكانت فرحة معاوية أشد فرحة وقد قال مقولته الشهيرة عند سماعه خبر وفاته (ان الله جنوداً من عسل)

ص: 193

الملامح الأخلاقية في وصايا الأمام علي (عليه السلام) لواليه على مصر مالك الأشتر

لقد تضمن العهد الذي عهده الأمام علي إلى مالك، الخطوط العامة والأمور المفصلية للحكم والأدارة بما يرضي الله ويحفظ حقوق الرعية، خصوصاً تلك المغبونة حقها دائماً، فهو بحق دستور رصين، و قانون متكامل ينبع من صلب و صميم الدين، فقد الزم الأمام بتطبيق هذه الرسالة حيث يقول (هذا ما أمر به عبدالله، علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، مالك الأشتر في عهده اليه، حين ولاه مصر، جباية خراجها، وجهاد عدوها، وعمارة بلدها. حرص الإمام علي (عليه السلام) أن يعالج المنظومة الأخلاقية والمعرفية والفكرية الأجتماعية، ويقرن صلاحها بصلاح ذات الوالي وسلامة منظومته المعرفية وذلك من خلال التقسيمات الأجتماعية التي يتكون منها المجتمع وتتمثل هذه المعالجة بمايلي

معايشة أهل العامة: -

يؤكد الإمام في عهده على الأهتمام بحياة العامة من خلال النظر بأمورهم صغيرها وكبيرها وعدم الأعتزال عنهم، لأن هذا يعني مفسدة في الحكم، تؤدي الى تراكم المشاكل وحقد العامة، ورضا الخاصة، ومارضا الخاصة الا شكلا من أشكال الحكومات الفاسدة لان الخاصة لاترضى الا بالأستئثار بمصالح العامة فيحدث الأنعزال بين الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، فتحل الفوضى والتناحر بديلاً عن الأستقرار والتكامل.

أرضاء العامة: -

وهي الأكثرية الساحقة من الشعب من ذوي المهن والحرف فالحكومة مدعوة لإرضائهم، وتنفيذ رغباتهم المشروعة، ويقول الإمام (عليه السلام)؛ - [ليكن أحب الأمور إليك أوسطها، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا العامة] فالعامة هم ذخيرة

ص: 194

الدولة وهم عماد الدين الحنيف المبني على تقديس المبادئ الخلقية، فلا بد من الأحسان اليهم والرفق بهم والعفو عنهم في مواقف الزلل، هذه الرحمة التي تشمل الجميع بأختلاف الميول والمذاهب

تجنب ذكر معايب الناس: -

كان من رحمة الأمام بالناس أبعاد الساعين لذكر معايبهم وطردهم، ولزوم ستر عيوب الناس، قال (عليه السلام)؛ - [ليكن أبعد رعيتك، وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فأن في الناس عیوباً والوالي أحق في سترها، فلا تكشفن عنها فأنما عليك تطهير ماظهر لك والله يحكم على ماغاب عنك، فأستر العورة يستر الله عنك ماتحب ستره عن رعيتك، أطلق عن الناس عقدة كل حقد وأقطع عنك سبب كل وتر ولا تعجلن إلى تصدیق ساع، فأن الساعي غاش وان تشبه بالناصحين]

مصاحبة العلماء وذوي الأخلاق الحميدة: -

عهد الأمام إلى مالك بالأبتعاد عن بعض الأشخاص المصابين بأخلاقهم، سيما في سمات (البخل والجبن والحرص) حيث أنهم يجلبون الويل والعطب لولاة الأمور. کما أكد الأمام على مصاحبة العلماء والحكماء للتذاكر معهم في شؤون البلاد ومايصلحها أقتصادياً، وهذا يدل على سياسة الإمام الهادفة لأصلاح المجتمع في جميع طبقاته، فقد حرص الأمام على أشاعة الفضيلة وتوطيد أركان الإصلاح الأجتماعي بين الناس وهي ما توجب التفاف المصلحين حول الولاة وتعاونهم فيما يصلح أمور البلاد.

تعزيز مكانة الجند وتكريمهم: -

عهد الأمام ل مالك بتكريم المخلصين من الجند، فأن ذلك مدعاة إلى أخلاصهم للحكومة والذب عنها، وقد كان الأمام عميق التفكير في سياسته ودراسته لنفوس

ص: 195

الجيش والوقوف على طاعتهم تفانيهم لقادتهم، ولم يحفل اي دستور عسكري في وضع قادة الجيوش بمثل هذه الدراسة الوثيقة لطبائع نفوس العسكر، وكيفية أخلاصهم، وقد أوصى الأمام بأشاعة ذكر المخلصين من الجند فأن ذلك يهز عواطف الشجعان منهم، ويحرص على الطاعة ويضيف الأمام مؤكداً بقوله؛- (ثم أعرف لكل أمرئ منهم مابلی، ولا تضيفن بلاء أمرئ الى غيره، ولا به دون غاية بلائه، ولا يدعوك شرف أمرئ إلى أن تعظم من بلائه، ما كان صغيراً ولا منعة امرئ الى أن من بلائه ماكان عظيماً) حكى هذا المقطع بعض الوصايا الذهبية في تكريم المخلصين من الجيش، وانه ليس له أن يعظم الأشراف على مصادر منهم من خدمات ما كان قليلاً، ويستهين بالفقراء ما صدر منهم من خدمات جليلة وأن الواجب عليه الإشادة بهم وذكرهم بأطيب الذكر وانداه.

معيارية أختيار الحكام: -

من الأمور بالغة الأهمية هو أنتخاب هو أنتخاب الحكام بحيث لا يكون خاضعاً للمؤثرات التقليدية وإنما يكون عن دراسة جادة للحاكم نفسياً وفكرياً وإدارة ومعرفة من شؤون الحكم على ضوء الشريعة المقدسة وهذا حديث الأمام ((أنظر في أمور عمالك فأستعملهم أختباراً ولا توهم محاباة وأثرة فأنهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من البيوتات الصالحة، والقدم في الأسلام فأنهم أكرم أخلاقاً، وأصلح أعراضاً، وأقل في المطامح أشراقاً، وأبلغ في عواقب الأمور نظراً، فأسبغ عليهم الأرزاق، فأن ذلك قوة لهم، على أستصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ماتحت أيديهم، وحجة عليهم أن خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك ثم تفقد أحوالهم وأعمالهم، وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، وتحفظ في الأعوان فأن أحداً منهم بسط يده الى خيانة أجتمعت به عندك أخبار عيونك أكتفيد بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في

ص: 196

بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام الذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة)) ويلقي الأمام الأضواء على العمال في أجهزة الحكم واولادهم المزيد من الأهتمام لأنهم العصب في الدولة وكان مما أولاهم به.

2. أن الوظيفة يجب أن تكون عن استحقاق ودراية وليس محاباة وأثرة

3. أن العمال في عهده يجب أن يكونوا أمثلة للنزاهة والشرف وليس كما كان من جور في الحكومات السابقة

4. أن الوظيفة لا تمنح لأي شخص الا بعد أختباره ومعرفة سلوکه

5. أن يكون العمال من ذوي البيوتات الشريفة فأنهم يكونون بعيدين عن أقتراف الأثم ومايخل بالكرامة

6. أن توفر الوظيفة لهم المال فأنها ضمان من الرشوة

7. أن يجعل عليهم العيون والرقباء خشية أنحرافهم عن الحق

8. اذا بدت منهم خيانة فعلى الوالي أن يأخذهم بالعقاب الصارم

مبادئ أختيار الكتاب: -

وهم من أهم الموظفين في جهاز الدولة فهم يتولون كتابة مايصدر عن الوالي من قرارات وشؤون أقتصادية وعسكرية، وقد ولاهم الأمام المزيد من الأهتمام لأن قرارات الدولة ومهام الأمور بأيديهم فلابد أن تتوفر فيهم الصفات الفاضلة من الأمانة والضبط وعدم التهاون في أعمالهم وأن يكون اختيارهم وثيقاً فلايصح الأعتماد على الفراسة وحسن الظن ولا على ما يبدونه من الخدمات لجلب مودة الوالي لأن ذلك ليس له أي وزن في ترشيحهم لهذه الوظيفة المهمة فلابد من أن يكون أختيارهم غير خاضع للرغبات الشخصية

ص: 197

مراقبة التجار: -

نظر الأمام بعمق الى شؤون بعض التجار الذين يبلغ بهم الطمع الى أحتكار بعض السلع ومنعهم من ذلك، ومراقبة السوق خشية الأحتكار، وعلى الوالي أن يمنع المحتكر فأن أصر على أحتكاره فيعاقبه من غير أسراف، فالأحتكار يؤدي إلى شُل الحركة الأقتصادية في البلاد ويلقي الناس في ضائقة أقتصادية

طبقة الفقراء ورعايتهم: -

ليس في تأريخ ألأسلام مثل الأمام في أهتمامه بالفقراء، فقد شاركهم في خشونة العيش واللباس، فهو ابو الفقراء وصديق المحرومين، وملاذ البائسين والمحتضن لهم، وهم من أهم مسؤولياته وواجباته، لأن رعاية الفقراء والبر بهم والأحسان اليهم عند الأمام جزء من رسالة الأسلام التي أكدت على محو الفقر وأزالة شبحه ونشر السعة والرخاء بين المسلمين

رعاية الأيتام والمتقدمين في السن: -

أكد الأمام على ضرورة تفقد الأيتام والطاعنين في السن من الذين لا حيلة لهم، فقد قال (عليه السلام) ((وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله - عز وجل - على أقوام طلبوا العاقبة، فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله تعالى لهم)) كان الأمام أباً عطوفاً للأيتام، وكان يجمعهم ويعتني بهم ويعطف عليهم، وهناك كوكبة من أحاديثه (عليه السلام) تحث على رعاية اليتيم والبر به، وتذكر ما أعد لهم من الأجر الجزيل للقائم بذلك.

ص: 198

بطانة الوالي وخاصته: -

حذّر الأمام في عهده من أتباع بعض الذين يتخذهم الوالي خاصة له، فأن فيهم تطاولاً وقلة أنصاف، وعليه أن يحسم شرورهم وأطماعهم، ولا يقطعهم قطيعة أرض، فيكون الوزر عليه. لقد كان أمر الأمام حاسماً، في خاصة الولاة وبطانتهم فقد سد عليهم جميع ألوان الطمع والتلاعب بأموال، وأضاف الأمام يأمر الولاة بأتباع الحق قائلاً ((والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وأبتغ عافيتك، بما يثقل عليك، فأن معية ذلك محمودة)) فالحق هو المنهج الواضح في سياسة الأمام وسيرته وليس للباطل أي التقاء به حاشا لله.

الدعوة الى السلام: -

يدعو ألأسلام إلى السلم وتحریم سفك الدماء وأزالة جميع وسائل الخوف والأرهاب، وقد أكد الامام على ضرورة الآستجابة إلى الصلح اذا دعا اليه العدو، وذلك حفاظًا على أمن البلاد وعدم تعرضها للأزمات، ولكن يجب على الوالي أن يراقب العدو بيقظة بعد الصلح خشية أن يكون ذلك تصنعاً منه، للكيد من المسلمين، وعلى الوالي بعد أَبْرَام الصلح أن يحيط العهد بالوفاء والأمانة، فالوفاء بالعهد من صميم مبادئ الأسلام، والغدر ونكث العهد يتنافى مع أخلاق المسلمين فقد جعل الله تعالى للوفاء بالعهد نصاً وثيقاً ی ليس لأحد أن يقتحمه.

التواضع وتفادي الغرور: -

أوصى الأمام في عهده بأن يكون الوالي متواضعاً فلايعجب بنفسه وولايته ولايحب الأطراء والمديح، قال عليه الأمام ((وأيام والأعجاب بنفسك، والثقة بمايعجب منها، وحب الأطراء، فأن ذلك من أوثق فرص الشيطان، وإياك والمن على رعيتك بأحسانك فأن المن يبطل الأحسان، والتزايد يذهب بنور الحق.))

ص: 199

تأمل الأمور والتروي في حكمها:-

حذّر الأمام من العجلة بالأمور قبل أوانها فأن ذلك لا يليق بالوالي، فيقول الأمام ((وأيام والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو اللجاجة فيها، اذا تنكرت، أو الوهن عنها اذا أستوضحت فضع كل شيئ موضعه)) لقد أوصى الأمام بعهده أن يضع كل شيئ من أموره الأجتماعية والسياسية في موضعه دون عجلة فأنها تهبط بمستوى الوالي شعبياً، وتؤدي الى اضطراب سلوکه و عدم توازنه.

الأستئثار:-

يحذر الأمام (عليه السلام) من الاستئثار بما فيه الناس سواء كما في قوله؛- (أياك والاستئثار بما الناس به أسوة) يؤكد الأمام على التحلي بمكارم الأخلاق وليس له أن يستأثر لنفسه بما للناس فيه سواء، وإنما عليه أن يتركه لهم لينظروا نزاهة حكمه، وشرف ولايته

ترسيخ العدالة في الحكم:-

يؤكد الأمام على الأقتداء بالحكومة العادلة خصوصاً سنة النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، أو فريضة من كتاب الله تعالى وأنتهى هذا العهد في السياسة والحكم بجميع رحابه ومكوناته، خلقته الأنسانية من تراث عالج فيه قضايا الحكم والأدارة بمنتهی الحكمة والدقة، بوقت لم يكن فيه المسلمون وغيرهم يعرفوا هذه الأنظمة الخلاقة، وهي جزء من مواهب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبقريته التي لا تخدعك، وحسبه علواً أنه وصي الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وباب مدينة علمه، ومن كان بمنزلة هارون من موسی.

ص: 200

الأستنتاجات

يمكن الخروج بمجموعة من الأستنتاجات التي ميزت عهد الأمام علي (عليه السلام) لواليه على مصر:

1. دستور عظیم بحد ذاته لكل شخص يريد الوصول الى الله تعالى، بما فيه من التهذيب والتأديب والزهد والعدل.

2. تمجيد العمل الصالح الذي هو أحب الذخائر لكل مؤمن يعمل على مرضاة الله تعالى، ويملك هواه ويشح بنفسه عما لا يحل له.

3. محبة الرعية واللطف بهم والصفح عنهم في مواقف الزلل.

4. التواضع للناس وتجنب الغرور، والكف عن مساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته.

5. تأكيد قيم الأنصاف والعدالة بين أفراد الأمة، ونبذ الظلم، وذب الأذى عن الأخرين من البسطاء مقارنة بخاصة الوالي او بطانته.

6. الحفاظ على خصوصية كل فرد من أفراد المجتمع، وسد الطريق على كل ساع يكشف العيوب، فالساع غاش وأن تشبه بالناصحين

7. العمل على أبقاء كل سنة صالحة وأثابة من يعمل عليها.

8. العناية بالعلماء ومجالسهم ومناقشتهم في تثبیت ما صلح عليه أمر البلاد، وأقامة ما أستقام عليه أمر الناس.

9. عدم الأستعانة بمن كان يعمل مع حكومات جائرة ووزراء أشرار.

10. لا قوام للجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلح أمرهم، كما أنه يقيم حاجة التجار، وذوي الصناعات والكتاب كذلك الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم

ص: 201

ومعاونتهم.

11. توطين النفس على لزوم الحق والصبر عليه فيما يخف أو يثقل، في ولاية الجند ممن يبطئ عنه الغضب، ويستريح اليه العذر، ولايقغد به الضعف، واصطحاب أهل المرؤوة والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة والسماحة

12. الركون على الشواهد المتقدمة من حكومة عادلة او سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا (صلى الله عليه واله وسلم)، او فريضة في كتاب الله خير مثل للاقتداء بها، وعدم مجاراة النفس في هواها

التوصيات

يوصي البحث بما یتيسر له من التوصيات:-

1. أجراء بحوث تتناول سير أهل البيت (عليهم السلام) وتركيز المحتوى العقائدي والفكري والتربوي الذي كان يتبدى في سلوكهم القويم

2. الأستفادة من مبادئ النمذجة التي يخضع لها السلوك الإنساني من خلال تضمين سير آلِ البيت الأطهار في المناهج الدراسية والندوات والمؤتمرات العلمية

3. التأكيد على المنظومة القيمية التي يتمتع بها أصحاب و محبي آلِ البيت الذين لازموهم ونهلوا من نبعهم النقي.

4. التواصل مع أساتذة الجامعة والباحثين بأعتبارهم علماء وحکماء الحاضر، وطرق مناهج الإصلاح الأجتماعي والأرتقاء بالمجتمع.

ص: 202

المنهجية الأخلاقية في القيادة السياسية للدولة عهد مالك الاشتر (رضي الله عنه) انموذجاً علاء رزوقي

اشارة

ص: 203

ص: 204

الإمام علي (عليه السلام) أنموذج الإنسان الكامل

كان ولا يزال الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) النموذج الإنساني في التقوى، والزهد، والعدل، والاستقامة، والشجاعة؛ رجل الإنسانية الذي تدفقت منه الحكمة، والفلسفة، والعلم، هذا الحكيم والفيلسوف الزاهد الذي تشرب بالعلم والحكمة من ابن عمه سيد الانبياء والمرسلين الرسول الاعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال: خير الناس من نفع الناس، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، لا فرق بين اعجمي وعربي الا بالتقوى، الناس سواسية كأسنان المشط، لقد تربی سید الفصاحة والبلاغة والفروسية في كنف وأحضان النبوة، ليترجم ذلك عمليا في أفعاله وأقواله، ويقدم لنا وللتأريخ البشري قناديل مضيئة ومشاعل يقتدى بها.

فالحاكم يمثل الجموع بلا استثار أو فردانية أو استغلال بل يعمل لصالح الرعية وحفظ مصالحها وتحقيق العدالة.. لا كما تقوله الميكافيلية من أجل مصلحتك فليسحق الآخرين، التي أرست قيم السياسة المشوهة التي تستبيح الكرامات، والحرمات لمآرب ذاتية (الغاية تبرر الوسيلة) تخص الحاكم وكيفية قيادته وكأنما الناس - قطيع وليس ببشر. أو السياسة الغربية والشرقية بمبادئها التي تدعي کما شرعها فلاسفة اللبرالية بسياسة الخطوة خطوة، أو خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، أو خذ وطالب، أو إكذب وإكذب حتى يصدقك الناس، أو بديما غوجية الاعلام المضلل والمصالح الاستعمارية والاستعبادية التي جلبت مئات الحروب في تأريخنا الانساني وملايين الضحايا والمعاقين والمشردين والجياع، وهذه صورة العالم البائسة أمام مرآی و مسمع الامم المتحدة والجمعية العامة والمنظمات الدولية، فأين العدالة في توزيع الثروات وحقوق الانسان، والفقراء في معظم بقاع الارضولا أحد يسمع صرخاتهم وحشرجات الالام المتكسرة بصدورهم؟!!

ص: 205

الامام علي (عليه السلام) رائد القانون البشري

أن النظرية السياسية التي شرعها وقننها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم والعدالة والمساواة والاخلاص بالعمل من خلال عهده لمالك الاشتر النخعي حين ولاه على مصر يعد من أروع وأعظم التشريعات والتعليمات والوصايا والعهود في التأريخ البشري، حيث تضمن أرقى القوانين والاطر الإنسانية لحياة يسودها الرخاء وينعم بها الإنسان بالسعادة، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي دون حروب أو عنف أو تسلط. وقد إستقى منها الغرب والشرق دروس وعِبر في الكيفية التي يتولى فيها الحاكم وشرعيته وتعامله مع شعبه والانسانية.

كوفي عنان وعهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر

عندما وصل العهد إلى أذن الأمين العام للأُمم المتحدة، ولكن لم يكن هذا التوصيل بفعل الإعلام الشيعي إنّما وصل إليه، كما ينقل بعض الإخوة المتتبّعين عبر زوجته السويدية، ويقول هذا الأخ: إنّ في السويد يعتمدون في دستورهم في أُمور كثيرة على نهج البلاغة، فالسويديون لهم صلة ثقافية بنهج البلاغة، وزوجة كوفي عنان ذكرت له هذه الفقرة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر، وقد ذكرتُ في موضع سابق أنّ هذا العهد لا يتناول مباحث التشريعات عامّة، وإنّما هو فقه نظمي، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة: إنّ هذه العبارة من عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم، والعبارة هي: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سُبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق»، وهذه العبارة من ضمن المقاطع النظمية القانونية استهوت الأمين العام للأمم المتحدة.

ص: 206

وهذه العبارة جعلت كوفي عنان ينادي بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، وترشيحه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت لمدّة سنتين في الأمم المتحدة صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وهذا إقرار من البشرية لعملقة أمير المؤمنين (عليه السلام) في القانون بعد مضي أربعة عشر قرناً (1). وهذا التصويت لم ينجزه العرب ولا المسلمون ولا الشيعة، بل أنجزه كوفي عنان، وهو ليس بمسلم ولا عربي ولا شيعي، وقد تمّ بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة غير عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر کمصادر للقانون الدولي، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أنّ هذا أحد معاجز أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّهم بشر متّصلون بالغيب، وأنّهم مصدر سعادة البشرية، ولكن للأسف نحن مقصرون كثيراً في نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، فعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسی الرضا (عليه السلام) يقول: رحم الله عبدا أحيا أمرنا فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن کلامنا لاتبعونا» (2).

مالك بن الحارث الاشتر

بما أن العهد سمي باسم مالك الأشتر رأينا من الفائدة أن نُطلع القارىء الكريم بإيجاز على أهم الجوانب في حياة مالك، وهو ولاؤه العارم للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتفانيه في حبه، والإخلاص له، خاصة وقد حكى الإمام مدى تعاطفه وإخلاصه له بقوله: (رحم الله مالکا، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله)) (3).

ومن المؤكد أنه ليس أحد من أرحام النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه أشد

ص: 207

ولاءً ولا أكثر حباً ولا تمادياً في الإخلاص له من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد كان القوة الضاربة التي حمته من ذئاب طغاة القريشيين الذين جهدوا على تصفية جسده وإقصاء قيمه ومبادئه و حينما أحاطوا بداره لتصفيته وقاه الإمام بنفسه وبات في فراشه فكان الفدائي الأول للنبي (صلى الله عليه وآله)، وبهذه المنزلة الرفيعة من الوفاء والإخلاص كان الزعيم مالك للإمام فقال له: (أنت لي كما كنت لرسول الله).

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) خالصاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) لا لأنه ابن عمه ومن أقرب الناس إليه نسباً ولحمة بل لأنه النبي الصادق الأمين الذي جاء بالحق من عند الله تعالى فصدع به، وبلغه، وهكذا يقضي التشبيه لمالك، ويدل عليه مأثور فعله وقوله في حالتي الغضب والاطمئنان والشدة والرخاء، وهو وإن لم يبت على فراش علي، ولكنه عرض نفسه مشهير للفداء في كل موقف وقفه، وشهد شهده، ومغالاته في التضحية عنه.

وقد تحدث الإمام (عليه السلام) عن سمو شخصية مالك وعظيم شأنه في رسالته التي بعثها لأهل مصر حينما ولاه عليهم جاء فيها:

((أما بعد: فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله تعالى لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله تعالى لا كليل الظبة ولا نابي الضريبة فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم، ولا يحجم، ولا يؤخر، ولا يقدم إلا عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم)).

ص: 208

المقطع من حديث الإمام (عليه السلام) يبين بعض الجوانب من شخصية الزعيم مالك كان منها:

1- عظیم شجاعته وشدة بأسه في أيام الرعب والخوف، فإنه لا يهاب الأعداء ولا يلين لهم

2- شدته على الكفار، وقد وصفه الإمام بأنه أشد عليهم من حريق النار، وهو وصف من أروع الصفات.

3- انه سيف من سيوف الله تعالی کما کان الإمام (عليه السلام).

وقد لازم مالك الإمام (عليه السلام)، فكان عضده ومستشاره في تخطيط سیاسته وإدارة شؤون دولته، وكان معه في أحلك الظروف وأشدها محنة، و أقساها بلاءاً، وعسى أن يساعدنا التوفيق، ويمنحنا الله تعالى الصحة لدراسة حياته والتعرف على مواقفه وجهاده في نصرة الإمام (عليه السلام).

شهادته

قلد الإمام (عليه السلام) مالك ولاية مصر وقال (ليس لها غيرك فأخرج إليها فإني لو لم أوصك اكتفيت برأيك واستعن بالله واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ وتشدد حين لا يغني إلا الشدة.

فخرج الأشتر يتجهز إلى مصر وأتت معاوية عيونه بذلك فعظم عليه، وكان قد طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث معاوية إلى المقدم علي أهل الخراج بالقلزم وقال له إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنبه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فخرج الحابسات حتى أتي القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلى مصر، فلما انتهي إلى القلزم استقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فنزل

ص: 209

عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيه سما فسقاه إياه) (4)، ولم يلبث إلا قليلاً حتى طويت حياته التي كانت صفحة من الشرف والكرامة والجهاد في سبيل الله، وكانت شهادته على يد أقذر مجرم لم يعرف التأريخ الإنساني نظيراً له في موبقاته وجرائمه، وقد جعل الخبيث يردد (إنّ الله تعالى جنوداً من عسل).

تأبين الإمام لمالك

ولما انتهى النبأ المفجع بشهادة مالك ذابت نفسه أسي وحسرات، وأخذ يذرف الدموع قائلاً: «انا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، اللهم إني احتسبه عندك فان موته من مصائب الدهر، ثم قال: رحم الله مالكا فقد كان وفيا بعهده وقضى نحبه ولقي ربه. مع انا قد وطنا أنفسنا أن تصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله، فإنها من أعظم المصائب» (5).

وحدث أشياخ النخع قالوا: دخلنا على أمير المؤمنين حين بلغه موت الأشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه، ثم قال: «لله در مالك وما مالك؟! والله لو كان من جبل لكان فندا ولو كان من حجر لكان صلدا، أما والله ليهون موتك عالما وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود کمالك» (6).

قال علقمة بن قيس النخعي: فما زال يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياما. ومن أقوال أمير المؤمنين فيه: (كان لي كما كنت لرسول الله) (7) وسئل بعضهم عن الأشتر فقال: (ما أقول في رجل هزمت حياته اهل الشام وهزم موته اهل العراق) (8).

فقد خسر أعظم شخصية تساعده على محن الدنيا وكوارث الأيام.

ص: 210

سرور معاوية

وسر معاوية بسمه لمالك، وخطب الناس قائلاً: «أما بعد فإنه كانت لعلي يمينان فقطعت إحداهما بصفين يعني عمار بن یاسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر» (9)، لقد انطوت حياة مالك ورزقه الله تعالى الشهادة على يد أخبث مجرم اقترف كل محرم. رحم الله تعالى مالكاً وأجزل له المزيد من الأجر لنصرته أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه.

عهد مالك الاشتر

تناولنا في هذا البحث تحليل وعرض لبعض محتويات عهد الإمام مالك الأشتر واليه على مصر وقد أنطوى هذا العهد على أهم وأدق قضايا الحكم والإدارة.

الفقرة الأولى من العهد:-

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ - مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ - حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا - وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا - أَمَرَهُ بِتَقْوَی اللّهِ وَإِیْثَارِ طَاعَتِهِ - وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ - الَّتِی لَایَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا - وَلَا یَشْقَی إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا - وَأَنْ یَنْصُرَ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَیَدِهِ وَلِسَانِهِ - فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ - وَأَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ - وَیَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ - فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللّهُ) (10).

ص: 211

اسس الاخلاقية للحاكم

اول فقرة نبه عليها الإمام (عليه السلام) مالك في العهد تعود إلى إصلاح نفسه أوّلا وتقسم الى خمسة أقسام هي:

أحدها: تقوى الله وخشيته، وقد سبق بيان كونها أصلا لكلّ فضيلة.

الثاني: اتّباع أوامره في كتابه من فرائضه وسننه. ورغَّب في ذلك بقوله: لا يسعد. إلى قوله: إضاعتها. وتكرّر بيان ذلك.

الثالث: أن ينصر الله سبحانه بيده وقلبه ولسانه في جهاد العدوّ. وإنكار المنكرات. ورغَّب في ذلك بقوله: قد تكفّل. إلى قوله: أعزّه. كقوله تعالى «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد: 7).

الرابع: أن يكسر من نفسه عند الشهوات. وهو أمر بفضيلة العفّة.

الخامس: أن يكفّها ويقاومها عند الجمحات. وهو أمر بفضيلة الصبر عن اتّباع الهوى وهو فضيلة تحت العفّة، وحذّر من النفس بقوله: فإنّ النفس. إلى آخره، وهو من قوله تعالى «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (يوسف: 53) الآية و - ما - بمعنی - من وهي نصب على الاستثناء: أي إلَّا نفسا رحمها الله.

من الاسس الاخلاقية التي يستند حكم أي حاكم هي علاقته بالله تعالى والاعتقاد به والایمان بدينه وهو الاساس الأول لكي يكون الحكم بما يرضي الله تعالى فالدين الاسلامي يحتم على أن الولاء السياسي يجب ان يكون تابع للولاء العقائدي.

ومن الأصول المقرّرة في علم القانون تبعية النظام السياسي للنظام القانوني وتبعية النظام القانوني لنظام المعرفة والاعتقاد، فالتفكيك بين هذه الأنظمة غير متصوّر وكلّ حلقة من حلقات أيّ نظام مرتبطة بمجموعة منظومة ذلك النظام وتَتبَع بتبعية ذلك النظام إلى النظام المتبوع؛ فأيّ إطار وموقف ولون من الولاء السياسي يعكس الإطار

ص: 212

القانوني ويكشف عنه وذلك الإطار القانوني يكشف عن الإطار العقائدي وهذه التبعية بين النظامات الثلاثة ليس يقرّها علم القانون فقط وعلوم مدارس المعارف المختلفة، بل قام عليها البرهان العقلي والفلسفي أيضاً؛ إذ هذه النظامات الثلاثة هي محاذية لجهاز خلقة روح الإنسان و بدنه، فإنّ إذعان الإنسان يتصدر التحكّم في بقيّة قوى الإنسان، فإنّها تابعة لكيفية نوع الإذعانات التي لدى الإنسان ومن ثمّ تتولّد فيه الصفات الخُلُقية وهي بدورها تولّد أنماط السلوك وتدبير الإنسان لأفعاله، فكلّ سلوك وليد خُلُق وكاشف عنه، كما أنّ كلّ خُلُق وليد إذعان و کاشف عنه، فَتَلازمُ هذه الأمور الثلاثة بعضها مع بعض ضروري لا محالة.

ومن ثمّ صحّت هذه المقولة القائلة بأنّ أكثر المذاهب الاعتقادية كانت وليدة سياسات وقتية ونزاع القُوى المتصارعة، فإنّ هذه المقولة المذكورة في العلوم الاجتماعية وكتب التراجم قد تفسّر بعدّة تفاسير و على أيّ تفسير منها فإنّها متضمّنة لبيان التلازم بين هذه الأمور الثلاثة، فإنّ مَن يريد أن يُشَر عِنَ خطواته السياسية مضطرّ لتبريرها بخَلفية قانونية وأطر تشريعية، كما أنّ تَبَنّي الأطر التشريعية والقانونية المبتدعة والمستحدثة يستدعي تبنّي أطر ورُوی عقائدية منسجمة مع تلك الإطارات التشريعية الجديدة؛ فعملية التغيير العقائدي قد تبدو من المواقف السياسية وطبيعة التحالفات السياسية لتكتسب صبغة قانونية، ثمّ تكتسب تلك القوانين صبغة عقائدية و هذا التداعي بين الأمور الثلاثة في موارد التغيير مُؤشّر على توالد الأمور الثلاثة بعضها من بعض وتأثيرها على بعضها الآخر.

ومنه يظهر مدى الخطورة في الولاء السياسي والتحالف في المواقف السياسية وانعكاسها على المتبنيّات القانونية الفقهية وبالتالي على المسار العقائدي لدى أيّ حاکم أو طائفة.

ص: 213

تطلع الرعية إلى عدل الولاة

أنه شيء بالغ الأهمية عند الإمام (عليه السلام) وهو تطلع الرعية إلى عدل الولاة، فقد مرت عليهم ولاة في الحكومات الظالمة قبل حکومته فأمعنوا في ظلم الناس وإرهاقهم، معهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك أن يريهم صنوف العدل ويسو سهم سیاسة قوامها الحق المحض وهذا كلامه:

(ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ - أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ - مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ - وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ - فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ - وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ - وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ - بِمَا یُجْرِی اللّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ - فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْكَ ذَخِیرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ - فَامْلِكْ هَوَاكَ وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَایَحِلُّ لَكَ - فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ).

هذه المثل العليا في سياسة الإمام فقد أكد فيها على بسط العدل وإشاعته بين الناس، وأن يعتبر مالك نفسه مواطناً لا زعيماً فيرجو من الوالي تحقيق ما يصبو إليه من العدل وبما تسعد به الرعية، وأكد الإمام على ضرورة العمل الصالح، والسيطرة على نزعات النفس، ونشر الإنصاف بين الناس.

وقد أوصاه (عليه السلام) أن يملك هواه في شهوته وغضبه فلا يتّبعهما، ويشحّ بنفسه عمّا لا يحلّ لها من المحرّمات.

وقوله: فإنّ الشحّ. إلى قوله: کرهت. تفسير لذلك الشحّ بما يلازمه وهو الانصاف والوقوف على حدّ العدل في المحبوب فلا يقوده شهوته إلى حدّ الإفراط فيقع في رذيلة الفجور، وفي دفع المكروه فلا يقوده غضبه إلى طرف الإفراط من فضيلة العدل فيقع في رذيلة الظلم والتهوّر. وظاهر أنّ ذلك شحّ بالنفس وبخل بها عن إلقائها في مهاوي الهلاك.

ص: 214

الرحمة بالرعية

وعرض الإمام في عهده لمالك إلى ضرورة الرحمة بالرعية والإحسان اليها والرفق بها، والعفو عنها في موارد الزلل، وأن بها مهما استطاع لذلك سبيلا استمعوا لقوله:

قال (عليه السلام): (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ - وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ - وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ - فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ - أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ - یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ - وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ - فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ (11) - مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ - فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ - وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ - وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ - وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ - فَإِنَّهُ لَا یَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ - وَلَا غِنَی بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ)

وليس في قواميس الأديان و مذاهب السياسة مثل ما سنه قائلاً: من الرفق بالرعية على اختلاف میوها وأديانها، فليس للوالي إلا اللطف والمبرة بها، وأن لا يشمخ عليهم بولايته ويكون سبعاً ضارياً عليهم، وعليه أن لا يحاسبهم على ما صدر منهم من علل أو زلل، ويمنحهم العفو والرضا لتنعم البلاد بالأمن وتسود فيها ويستمر

الإمام (عليه السلام) في عهده بالرفق بالرعية قائلاً:

(وَلَاتَنْدَمَنَّ عَلَی عَفْوٍ وَلَاتَبْجَحَنَّ (12) بِعُقُوبَةٍ - وَلَاتُسْرِعَنَّ إِلَی بَادِرَةٍ (13) وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً (14) - وَلَاتَقُولَنَّ إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ - فَإِنَّ ذلِكَ إِدْغَالٌ (15) فِی الْقَلْبِ - وَ مَنْهَکَةٌ (16) لِلدِّینِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیرِ - وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِیهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِیلَةً (17) - فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ - وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَی مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیهِ مِنْ نَفْسِكَ - فَإِنَّ ذلِكَ یطَامِنُ (18) إِلَیكَ مِنْ طِمَاحِكَ (19) - وَیکُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ (20) - وَیفِیءُ إِلَیكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ).

ص: 215

حکی هذا المقطع الأساليب التي يجب أن تتوفر في الولاة من عدم الندم على عفو اصدر على مواطن، وعدم التبجح بعقوبة انزلوها على أحد، وليس له الاعتزال بالسلطة والغرور بالحكم، فإن في ذلك مفسدة للدين ومفسدة للمواطنين، وعليهم أن ينظروا إلى قدرة الله، الى عليهم فإنه المالك لهم، هذه بعض محتويات هذه الكلمات.

إنصاف الناس

وفي عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأمر بإنصاف الناس في سياسته وإنصافهم من خاصة أهله والتابعين له، فإن ذلك من أسمى ألوان العدل الذي تبناه الإمام في حكومته، وهذه كلماته

قال (عليه السلام): ((إِیاكَ وَمُسَامَاةَ (21) اللَّهِ فِی عَظَمَتِهِ وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِی جَبَرُوتِهِ - فَإِنَّ اللَّهَ یذِلُّ کُلَّ جَبَّارٍ وَ یهِینُ کُلَّ مُخْتَالٍ أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ - وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ - وَمَنْ لَكَ فِیهِ هَوًی مِنْ رَعِیتِكَ - فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ - وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ کَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ - وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ - وَ کَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّی ینْزِعَ (22) أَوْ یتُوبَ - وَ لَیسَ شَیءٌ أَدْعَی إِلَی تَغْییرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِیلِ نِقْمَتِهِ - مِنْ إِقَامَةٍ عَلَی ظُلْمٍ - فَإِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِینَ - وَ هُوَ لِلظَّالِمِینَ بِالْمِرْصَادِ)).

حكى هذا المقطع العدل الصارم في سياسة الإمام التي تسعد بها الأمم والشعوب وتكون آمنة من الظلم والاعتداء.

إرضاء العامة

وشيء بالغ الأهمية في سياسة الإمام والحق، في رضاء العامة من المشروعة، الذين يشكلون الأكثرية الساحقة من الشعب من ذوي المهن والحرف وغيرهم فإن الحكومة مدعوة لإرضائهم وتنفيذ رغباتهم المشروعة، يقول الإمام (عليه السلام):

ص: 216

(وَلْیکُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَیكَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ - وَ أَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَی الرَّعِیةِ - فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ یجْحِفُ (23) بِرِضَی الْخَاصَّةِ - وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ یغْتَفَرُ مَعَ رِضَی الْعَامَّةِ - وَلَیسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِی مَؤُونَةً فِی الرَّخَاءِ - وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِی الْبَلَاءِ - وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ (24) - وَأَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ - وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ (25) - مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ - وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّینِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ (26) - وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ - فَلْیکُنْ صِغْوُكَ (27) لَهُمْ وَمَیلُكَ مَعَهُمْ)

حکی هذا المقطع مدى أهمية العامة عند الإمام وأن رضاهم موجب لنجاح الحكومة وسخطهم موجب لدمارها، وأن العامة هم الذخيرة للدولة بخلاف الخاصة الذين هم أكره للإنصاف وأقل شكراً عند العطاء، وإن عماد الدين وقوام السلطة إنما هو بالعامة دون الخاصة.

إبعاد الساعين لمعائب الناس

وكان من رحمة الإمام بالناس إبعاد الساعين لذكر معائبهم، وطردهم، ولزوم ستر معائب المواطنين، وهذا جزء من سياسته العامة، وهذا نص كلامه:

قال (عليه السلام): (وَلْیکُنْ أَبْعَدَ رَعِیتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَأَهُمْ (28) عِنْدَكَ - أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ - فَإِنَّ فِی النَّاسِ عُیوباً الْوَالِی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا - فَلَا تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا - فَإِنَّمَا عَلَیكَ تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَكَ - وَاللَّهُ یحْکُمُ عَلَی مَا غَابَ عَنْكَ - فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ - یسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیتِكَ - أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ کُلِّ حِقْدٍ - وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ (29) - وَتَغَابَ (30) عَنْ کُلِّ مَا لَایضِحُ لَكَ - وَلَاتَعْجَلَنَّ إِلَی تَصْدِیقِ سَاعٍ - فَإِنَّ السَّاعِی غَاشٌّ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ)

ص: 217

إن من مناهج سياسة الإمام إبعاد السعادة في ذكر مثالب الناس الأمر الذي يؤدي إلى إسقاط کرامتهم، وتحطيم منزلتهم، وهذا مما يرفضه الإمام الذي جهد على تهذیب المجتمع وحسن سلوكه.

الابتعاد عن بعض الأشخاص

وعهد الامام الى مالك بالابتعاد عن بعض الأشخاص المصابين بأخلاقهم وهم:

قال (عليه السلام): (وَلَاتُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بَخِیلاً یعْدِلُ عَنِ الْفَضْلِ - وَ یعِدُكَ الْفَقْرَ - وَلَاجَبَاناً یضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ - وَلَاحَرِیصاً یزَینُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ - فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی - یجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ)

لقد حذّر الأمام من مزاملة هؤلاء الأشخاص لأنهم يجلبون الويل والعطب لولاة الأمور.

إقصاء الوزراء في الحكومات السابقة

وأمر الإمام في عهده بإقصاء الوزراء في الحكومات السابقة لأنهم كانوا أشراراً وخونة خصوصا في حكومة عثمان، ولنستمع إلى حديثه.

قال (عليه السلام): (إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ کَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِیراً - وَ مَنْ شَرِکَهُمْ فِی الْآثَامِ فَلَا یکُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً (31) - فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ - وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیرَ الْخَلَفِ - مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ - وَلَیسَ عَلَیهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ (32) وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ - مِمَّنْ لَمْ یعَاوِنْ ظَالِماً عَلَی ظُلْمِهِ وَلَا آثِماً عَلَی إِثْمِهِ - أُولئِكَ أَخَفُّ عَلَیكَ مَؤُونَةً وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً - وَأَحْنَی عَلَیكَ عَطْفاً وَأَقَلُّ لِغَیرِكَ إِلْفاً - فَاتَّخِذْ أُولئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ (33) - ثُمَّ لْیکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ - وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِیما یکُونُ مِنْكَ مِمَّا کَرِهِ اللَّهُ لِأَوْلِیائِهِ - وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَیثُ وَقَعَ وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ -

ص: 218

ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَی أَلَّا یطْرُوكَ - وَلَا یبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ - فَإِنَّ کَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِی مِنَ الْعِزَّةِ - وَ لَا یکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ - فَإِنَّ فِی ذلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ - وَتَدْرِیباً (34) لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَی الْإِسَاءَةِ - وَأَلْزِمْ کُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَیسَ شَیءٌ بِأَدْعَی - إِلَی حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیتِهِ - مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیهِمْ وَ تَخْفِیفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَیهِمْ - وَ تَرْكِ اسْتِکْرَاهِهِ إِیاهُمْ عَلَی مَا لَیسَ لَهُ قِبَلَهُمْ - فَلْیکُنْ مِنْكَ فِی ذلِكَ أَمْرٌ - یجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِیتِكَ - فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ یقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِیلاً - وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ - وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ).

حكى هذا المقطع أسمى ما تصل إليه الحكومة من التطور في خدمة الشعب، فقد عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك أن لا يتخذ وزيراً قد شارك في وزارة الحكومة السابقة التي جهدت في ظلم الشعب ونهب ثرواته كما كان في أيام حكومة عثمان بن عفان عميد الأمويين فقد وهب ثروات الأمة وما تملكه من قدرات اقتصادية لبني أمية وآل بني معيط، کما صحح المناصب المهمة في الدولة، وكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى الإطاحة بحكومته.

لمّا كان من الأعمال الصالحة اختيار الوزراء والأعوان نبّهه على من لا ينبغي استصلاحه لذلك ليجتنبه ومن ينبغي ليرغب فيه. فمن لا ينبغي هو من كان للأشرار من الولاة قبله وزيرا ومشاركا لهم في الآثام، ونهاه عن اتّخاذه بطانة وخاصّة له، ونفّر عنهم بضمير صغراه قوله: فإنّهم: إلى قوله: الخلف. وتقدير كبراه: وكلّ من كان كذلك فلا تتّخذه بطانة.

وقوله: ممّن له مثل آرائهم. تمیز لمن هو خير الخلف من الأشرار وهم الَّذين ينبغي أن يستعان بهم، وبيان لوجه خيريّتهم بالنسبة إلى الأشرار، وهو أن يكون لهم مثل آرائهم

ص: 219

ونفاذهم في الأمور وليس عليهم مثل آصارهم ولم يعاون ظالما على ظلمه. ثمّ رغَّب في اتّخاذ هؤلاء أعوانا بضمير صغراه قوله: أولئك أخفّ. إلى قوله: إلفا. أمّا أنّهم أخفّ مئونة فلأنّ لهم رادعا من أنفسهم عمّا لا ينبغي لهم من مال أو حال فلا يحتاج في إرضائهم أو ردعهم ممّا لا ينبغي إلى مزيد كلفة بخلاف الأشرار والطامعين فيما لا ينبغي. وبحسب قربهم إلى الحقّ ومجانبتهم للأشرار کانوا أحسن معونة وأثبت عنده قلوبا وأشدّ حنّوا عليه وعطفا وأقلّ لغيره إلفا، وتقدیر کبراہ: وكلّ من كان كذلك فينبغي أن يتّخذ عونا ووزيرا ولذلك قال: فاتّخذ أولئك خاصّة لخلوتك وحفلاتك. ثمّ ميّز من ينبغي أن يكون أقرب هؤلاء إليه وأقواهم في الاعتماد عليه بأوصاف أخصّ: أحدها: أن يكون أقولهم بمرّ الحقّ له. الثاني: أن يكون أقلَّهم مساعدة له فيها يكون منه ويقع من الأمور الَّتي يكرهها الله لأوليائه. وانتصب قوله: واقعا على الحال: أي في حال وقوع ذلك القول منه والنصيحة وقلَّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان في هوى عظيم أو يسير، أو حيث وقع هواك: أي سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس، ويحتمل أن يريد واقعا عظيما أو ليس ويحتمل أن يريد واقعا ذلك الناصح من هواك ومحبّتك حيث وقع: أي يجب أن يكون له من هواك موقعا.

ثمّ أمره في اعتبارهم واختيارهم بأوامر:

أحدها: أن يلازم أهل الورع منهم والأعمال الجميلة وأهل الصدق. وهما فضیلتان تحت العفّة.

الثاني: أن يروضهم ويؤدّبهم بالنهي عن الإطراء له، أو يوجبوا له سرورا بقول ينسبونه فيه إلى فعل ما لم يفعله فيدخلونه في ذمّ قوله تعالى «وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا» و نفّره عن كثرة الإطراء بضمير صغراه قوله: فإن كثرة الإطراء إلى قوله: الغرّة. واستلزام الإطراء للرذيلتين المذكورتين ظاهر، وتقدير الكبری: وكلَّما كان

ص: 220

كذلك فيجب اجتنابه. الثاني: نهاه أن يكون المحسن والمسئ عنده بمنزلة سواء، ونفّر عن ذلك ببيان وجه المفسدة في ضمير صغراه قوله: فإنّ ذلك. إلى قوله: الإساءة. وسرّه أنّ أكثر فعل الإحسان إنّما يكون طلبا للمجازاة بمثله خصوصا من الولاة وطلبا لزيادة الرتبة على الغير وزيادة الذكر الجميل مع أنواع من الكلفة في ذلك. فإذا رأى المحسن مساواة منزلته لمنزلته المسيئ كان ذلك صارفا عن الإحسان وداعيا إلى الراحة من تكلَّفه، وكذلك أكثر التاركين للإساءة إنّما يتركون خوفا من الولاة وإشفاقا من نقصان الرتبة عن النظر. فإذا رأى المسيئ مساواة مرتبته مع مرتبة المحسنين كان التقصير به أولى: وتقدير الكبری: وكلّ ما كان فيه تزهيد للإحسان وتدريب على الإساءة فينبغي أن يجتنب. ثمّ أكَّد ذلك بأمره أن يلزم كلَّا من أهل الإحسان والإساءة بما ألزم به نفسه من الاستعداد بالإحسان والإساءة لهما فيلزم المحسن منزلة الإحسان ويلزم المسئ منزلة الإساءة.

السادس عشر: نبّهه على الإحسان إلى رعيّته وتخفيف المؤونات عنهم وترك استكراههم على ما ليس له قبلهم بما يستلزمه ذلك من حسن ظنّه بهم المستلزم لقطع النصب عنه من قبلهم والاستراحة إليهم، وذلك أنّ الوالي إذا أحسن إلى رعيّته قویت رغبتهم فيه وأقبلوا بطباعهم على محبّته وطاعته، وذلك يستلزم حسن ظنّه بهم فلا يحتاج معهم إلى كلفة في جمع أهوائهم والاحتراس من شرورهم، وأكَّد ذلك بقوله: وإنّ أحقّ من يحسن ظنّك به. إلى قوله: عنده.

(وَلَاتَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هذِهِ الْأُمَّةِ - وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَ صَلَحَتْ عَلَیهَا الرَّعِیةُ وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَی ءٍ مِنْ مَاضِی تِلْكَ السُّنَنِ - فَیکُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا - وَالْوِزْرُ عَلَیكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا).

ص: 221

نهاه أن ينقض سنّة صالحة عمل بها السلف الصالح من صدور هذه الأُمّة واجتمعت بها الألفة وصلاح الرّعية، وذلك مفسدة ظاهرة في الدين.

نهاه أن يحدث سنّة تضرّ بشيء من ماضي السنن. وأشار إلى وجه الفساد فيها بضمير صغراه قوله: فيكون. إلى قوله: سنّها. والضمير في منها يعود إلى السنن الَّتي دخل عليها الضرر فيكون الأجر لمن سنّ السنّة الماضية الَّتي أضرّت بها سنّتك الحادثة والوزر عليك بما نقضت منها، وتقدیر کبراہ: فكلّ ما كان كذلك فينبغي أن يجتنب وینفر عنه.

الاتصال بالعلماء

وأكد الإمام في عهده على ضرورة الاتصال بالعلماء والحكماء للتذاكر في شؤون البلاد وما يصلحها اقتصادياً و أمناً وغير ذلك، قال (عليه السلام):

(وَ أَکْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُکَمَاءِ - فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیهِ أَمْرُ بِلَادِكَ - وَ إِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ) (35).

وهذا أنموذج من سياسة الإمام الهادفة لإصلاح المجتمع بجميع ما يحتاج إليه طبقات الشعب، ونظر الإمام بعمق إلى طبقات الشعب التي يرتبط بعضها ببعض وهي:

1. الكتاب: ذي به قوام الدولة والشعب.

2. الكتاب: وهم كتاب العامة والخاصة.

3. قضاة العدل، وهم الرفق، يحكمون بين الناس فيما شجر بينهم من خلاف.

4. عمال الإنصاف والرفق، وهم صنف من العمال يلاحظون أمور الناس.

5. الذين يأخذون الجزية التي هي من مداد الاقتصاد في الإسلام.

6. التجار وهم الذين يمثلون العصب الاقتصادي في البلاد.

7. أهل الصناعات: وهم الذين يقومون بما يحتاج إليه المجتمع في شؤونه الاقتصادية.

ص: 222

8. الفقراء والمحتاجون وقد وضع لكل صنف منهجاً خاصاً، وأوصى بمراعاة هذه الأصناف لأنهم هم المجتمع في البلاد.

الاتصال بالأشراف والصالحين

من بنود عهد الإمام أنه أمر مالك بالاتصال بالأشراف والصالحين الذين يمثلون القيم الكريمة ليستعين بهم في إصلاح البلاد، وهذا قوله:

(ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِی الْمُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ - وَأَهْلِ الْبُیوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ - ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ - فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْکَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ - ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا یتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا - وَ لَا یتَفَاقَمَنَّ (36) فِی نَفْسِكَ شَیءٌ قَوَّیتَهُمْ بِهِ - وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ - فَإِنَّهُ دَاعِیةٌ لَهُمْ إِلَی بَذْلِ النَّصِیحَةِ لَكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ - وَلَاتَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِیفِ أُمُورِهِمُ اتِّکَالاً عَلَی جَسِیمِهَا - فَإِنَّ لِلْیسِیرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً ینْتَفِعُونَ بِهِ - وَلِلْجَسِیمِ مَوْقِعاً لَایسْتَغْنُونَ عَنْهُ).

حکی هذا المقطع أصالة ما ذهب إليه الإمام من إشاعة الفضيلة وتوطيد أركان الإصلاح الاجتماعي بين الناس، وهذه النقاط المهمة التي أدلى بها الإمام (عليه السلام) توجب التفاف المصلحين حول الولاة وتعاونهم معهم فيما يصلح أمر البلاد.

تكريم المخلصين من الجند

وعهد الأمام لمالك بتكريم المخلصين من الجند فإن ذلك مدعاة إلى إخلاصهم للحكومة والذب عنها ولنستمع إلى قوله.

قال (عليه السلام): (وَلْیکُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ - وَ أَفْضَلَ عَلَیهِمْ مِنْ جِدَتِهِ - بِمَا یسَعُهُمْ وَ یسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ (37) أَهْلِیهِمْ - حَتَّی یکُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ - فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَیهِمْ یعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیكَ - وَ إِنَّ

ص: 223

أَفْضَلَ قُرَّةِ عَینِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیةِ وَ إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ (38) عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ - وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ - وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ - فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیهِمْ - وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَی ذُوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ - فَإِنَّ کَثْرَةَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ - وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)

أرأيتم هذا العمق في سياسة الإمام ودراسته لنفوس الجيش، والوقوف على إخلاصهم وطاعتهم لقادتهم، ولم يحفل أي دستور عسکری وضعه قادة الجيوش بمثل هذه الدراسة الوثيقة لطبائع نفوس العسكر، وكيفية إخلاصهم وطاعتهم لقادتهم وقد أوصى الإمام (عليه السلام) بإشاعة ذكر المخلصين من الجند فإن ذلك يهز عواطف الشجعان منهم، ويحرض الناكل على الطاعة والإخلاص لدولته ويضيف الإمام مؤكداً برعاية المخلصين من الجند قائلاً:

(ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی - وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیرِهِ - وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایةِ بَلَائِهِ - وَ لَا یدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ - إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً - وَلَاضَعَةُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً)

بين هذا المقطع بعض الوصايا الذهبية في تكريم المخلصين من الجيش، وأنه ليس له أن يعظم الأشراف على ما صدر منهم من خدمات ما كان قليلاً ويستهين بالفقراء ما صدر منهم من خدمات جليلة وأن الواجب عليه الإشادة بهم وذكرهم بأطيب الذكر بها وأنداه.

ص: 224

اختيار الحكام

وشيء بالغ الأهمية في عهد الإمام وهو أن يكون انتخاب الحكام غير خاضع للمؤثرات التقليدية، وإنما يكون عن دراسة جادة للحاكم نفسياً وفكرياً وإدارة ومعرفة بشؤون الحكم والإدارة على ضوء الشريعة المقدسة، وهذا حديث الإمام.

ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَینَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیتِكَ فِی نَفْسِكَ - مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّکُهُ (39) الْخُصُومُ - وَ لَا یتَمَادَی فِی الزَّلَّةِ - وَ لَا یحْصَرُ (40) مِنَ الْفَیءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ - وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ - وَ لَا یکْتَفِی بِأَدْنَی فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ - وَ أَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ - وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً (41) بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ - وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَی تَکَشُّفِ الْأُمُورِ - وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ - مِمَّنْ لَا یزْدَهِیهِ (42) إِطْرَاءٌ (43) وَ لَا یسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ - وَ أُولئِكَ قَلِیلٌ - ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ - وَ افْسَحْ لَهُ فِی الْبَذْلِ مَا یزِیلُ عِلَّتَهُ - وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَی النَّاسِ - وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَیكَ مَا لَا یطْمَعُ فِیهِ غَیرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ - لِیأْمَنَ بِذلِكَ اغْتِیالَ (44) الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ - فَانْظُرْ فِی ذلِكَ نَظَراً بَلِیغاً - فَإِنَّ هذَا الدِّینَ قَدْ کَانَ أَسِیراً فِی أَیدِی الْأَشْرَارِ - یعْمَلُ فِیهِ بِالْهَوَی وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْیا)

يبين في هذا المقطع شأن القضاة أموراً بالغة الأهو ورعه، منها:

أولاً: أن يكون الحاكم أفضل الرعية في تقواه وورعه، وأن تتوفر فيه هذه الصفات:

أ- أن يكون واسع الصدر لا تضيق به محكمات الناس، ويمل منها.

ب- أن يمعن وينظر بجد في القضايا التي ترفع إليه، ويتبع سبيل الحق فيما يحكم به.

ج- أن لا يتمادى في الزلل والخطأ فإنه يكون ضالاً عن الطريق إذا لم يعن بذلك.

د- أن يتبع الحق فيما يحكم به.

ه- أن يكون شديداً في حكمه إذا اتضح له الحق.

ص: 225

ثانياً- أن يتعاهد الوالي قضاء الحاكم خشية الزلل فيما حكم به.

ثالثاً- أن يوفر له العطاء ولا يجعله محتاجاً لأحد حتى يخلص فيما يحكم به.

رابعاً- أن تكون للحاكم منزلة كريمة عند الوالي لا يطمع بها غيره.. هذه بعض النقاط في هذا المقطع.

العمال

نظر الإمام بعمق إلى العمال في جهاز الدولة فوضع منهجاً لاختيارهم في هذا الجهاز وأن يكون انتخابهم غير خاضع للمؤثرات الخارجية، بل لابد من البحث عنهم والفحص عن سيرتهم، وهذا نص عهده.

قال (عليه السلام): (ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً - وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً (45) وَ أَثَرَةً (46) - فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ (47) مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِیانَةِ - وَ تَوَخَّ (48) مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَ الْحَیاءِ - مِنْ أَهْلِ الْبُیوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ - فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً - وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً - ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَیهِمُ الْأَرْزَاقَ - فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ - وَ غِنًی لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَیدِیهِمْ - وَحُجَّةٌ عَلَیهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ - ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ - وَابْعَثِ الْعُیونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَیهِمْ - فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِی السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ - حَدْوَةٌ (49) لَهُمْ عَلَی اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِیةِ - وَتَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ - فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ یدَهُ إِلَی خِیانَةٍ - اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَیهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُیونِكَ - اکْتَفَیتَ بِذلِكَ شَاهِداً - فَبَسَطْتَ عَلَیهِ الْعُقُوبَةَ فِی بَدَنِهِ - وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ - ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِیانَةِ - وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ).

ص: 226

ألقى الإمام الأضواء في هذا المقطع على العمال في أجهزة الحكم، وأولاهم المزيد من الاهتمام لأنهم العصب في الدولة، وكان مما أولاهم به:

أولاً: إن الوظيفة لا تمنح لأي شخص إلا بعد اختباره ومعرفة سلوكه وإدارته.

ثانياً: أن منح الوظيفة يجب أن لا يكون محاباة أو اثرة، وإنما يكون عن استحقاق ودراية.

ثالثاً: إن العمال في الحكومات السابقة كانوا شعباً من الجور وفي عهده يجب أن يكونوا أمثلة للنزاهة والشرف.

رابعاً: أن يكون العمال من ذوي البيوتات الشريفة فإنهم يكونون بعيدين من اقتراف الإثم وما يخل بالكرامة.

خامساً: أن يوفر لهم المال فإنه ضمان لهم من أخذ الرشوة.

سادسا: أن يجعل عليهم العيون والرقباء خشية انحرافهم عن الحق.

سابعاً: إذا بدت منهم خيانة فعلى الوالي أن يأخذهم بالعقاب الصارم. الخراج: الإجراءات مع العمال تضمن للأمة العدل، وتشيع فيها الإخلاص للحكم.

الخراج

أما الخراج فهو شرايين اقتصاد الأمة حكومة وشعباً في عصورها الأولى، وقد أمر الإمام في عهده بمراقبته وتفقده والاهتمام به، حيث قال (عليه السلام): (وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا یصْلِحُ أَهْلَهُ - فَإِنَّ فِی صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ - وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ - لِأَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِیالٌ عَلَی الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ).

أن الحياة الاقتصادية للأمة في تلك العصور منوط بالخراج الذي تأخذه الدولة من المزارعين، وقد أمر بتفقده وتفقدهم رعاية للمصلحة العامة.

ص: 227

عمران الأرض

وأولى الإمام المزيد من اهتمامه بعمران الأرض، وما تحتاجه من الماء وغيره، وقد ادلى بذلك بقوله: (وَ لْیکُنْ نَظَرُكَ فی عِمارَةِ الْأَرْضِ - أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فی اسْتْجلابِ اْلَخَراجِ - لِأَنَّ ذلِكَ لَا یدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ - وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَیرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادِ - وَ أَهْلَكَ الْعِبَادَ وَ لَمْ یسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِیلاً).

بين في هذا المقطع مدى اهتمام الإمام بعمارة الأرض وتوفير جميع الوسائل لإصلاحها لأنها مصدر الحياة الاقتصادية في الأمة.

وصيته بالمزارعين

اهتم الإمام بالمزارعين فأوصى برعايتهم والعناية بهم، وتصديقهم فيما يقولون في شأن الخراج، وإقصاء كل لون من ألوان الضغط عنهم، وهذا قوله: قال (عليه السلام):

((فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوْ انْقِطَاعَ شِرْبٍ (50) أَوْ بَالَّةٍ (51) أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ (52) اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ - أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ - خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ یصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ - وَ لَا یثْقُلَنَّ عَلَیكَ شَیءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ - فَإِنَّهُ ذُخْرٌ یعُودُونَ بِهِ عَلَیكَ فِی عِمَارَةِ بِلَادِكَ - وَ تَزْیینِ وِلَایتِكَ مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ - وَ تَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِیهِمْ - مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ - بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ (53) لَهُمْ - وَ الثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَیهِمْ وَ رِفْقِكَ بِهِمْ - فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ - مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِیهِ عَلَیهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ - طَیبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ - فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ - وَ إِنَّمَا یؤْتَی خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ (54) أَهْلِهَا - وَإِنَّمَا یعْوِزُ أَهْلُهَا لِإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَی الْجَمْعِ - وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ...)).

ص: 228

بين هذا المقطع مدى اهتمام الإمام بتنمية الاقتصاد القومي الذي يمثله قطاع الفلاحين فقد أوصى بعمارة الأرض، وتوفير ما تحتاجه من المياه، وإصلاحها فيما إذا غمرتها المياه وغير ذلك من وسائل الإصلاح، وقد فقد المسلمون هذه الرعاية أيام الحكم الأموي والعباسي، فقد شكا والي مصر إلى عاهل الشام سوء حالة المزارعين وتخفيف الخراج عنهم فكتب إليه بعد التأنيب ((احلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم)) وقد اضطر المزارعون إلى هجر مزارعهم فراراً من ظلم الولاة وجورهم کما حكى هذا المقطع البر بالمزارعين والإحسان إليهم، ومراعاة حياتهم الاقتصادية بما لم يألفوا مثله في الحكومات السابقة.

الكتّاب

وهم من أهم الموظفين في جهاز الدولة، فهم يتولون كتابة ما يصدر من الوالي من قرارات وشؤون اقتصادية وعسكرية، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الدولة والمواطنين وقد أولاهم الإمام المزيد من الاهتمام وهذا نص حديثه:

قال (عليه السلام): ((ثُمَّ انْظُرْ فِی حَالِ کُتَّابِكَ - فَوَلِّ عَلَی أُمُورِكَ خَیرَهُمْ - وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِی تُدْخِلُ فِیهَا مَکَائِدَكَ وَ أَسْرَارَكَ - بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْکَرَامَةُ - فَیجْتَرِئَ بِهَا عَلَیكَ فِی خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَأٍ - وَ لَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِیرَادِ مُکَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَیكَ - وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَی الصَّوَابِ عَنْكَ - فِیما یأْخُذُ لَكَ وَ یعْطِی مِنْكَ - وَ لَا یضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ - وَ لَا یعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَیكَ - وَ لَا یجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِی الْأُمُورِ - فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ یکُونُ بِقَدْرِ غَیرِهِ أَجْهَلَ - ثُمَّ لَا یکُنِ اخْتِیارُكَ إِیاهُمْ عَلَی فِرَاسَتِكَ - وَ اسْتِنَامَتِكَ (55) وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ - فَإِنَّ الرِّجَالَ یتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ - بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ - وَ لَیسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِیحَةِ

ص: 229

وَالْأَمَانَةِ شَیءٌ - وَ لکِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِینَ قَبْلَكَ - فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ کَانَ فِی الْعَامَّةِ أَثَراً - وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً - فَإِنَّ ذلِكَ دَلِیلٌ عَلَی نَصِیحَتِكَ لِلَّهِ وَلِمَنْ وُلِّیتَ أَمْرَهُ - وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ کُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ - لَا یقْهَرُهُ کَبِیرُهَا وَلَا یتَشَتَّتُ عَلَیهِ کَثِیرُهَا - وَمَهْمَا کَانَ فِی کُتَّابِكَ مِنْ عَیبٍ فَتَغَابَیتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ))

بين هذا المقطع مدى أهمية الكتاب لأن قرارات الدولة، ومهام الأمور بأيديهم، ولابد أن تتوفر فيهم الصفات الفاضلة من الأمانة والضبط، وعدم التهاون في أعمالهم وأن يكون اختبارهم وثيقاً، فلا يصح الاعتماد على الفراسة، وحسن الظن ولا على ما يبدونه من الخدمات لجلب مودة الوالي لأن ذلك ليس له أي وزن في ترشيحهم لهذه الوظيفة المهمة، فلا بد أن يكون الاختبار وثيقاً غير خاضع للرغبات الشخصية.

التجار وذوو الصناعات

يشكل القطاع من التجار وذوي الصناعات دوراً مهماً في إدارة الشؤون الاقتصادية في البلاد وقد أوصى الإمام برعايتهم والاهتمام بشؤونهم، وهذا قوله:

((ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِی الصِّنَاعَاتِ وَأَوْصِ بِهِمْ خَیراً - الْمُقِیمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَالْمُتَرَفِّقِ (56) بِبَدَنِهِ - فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ - وَجُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِحِ (57) - فِی بَرِّكَ وَبَحْرِكَ وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ - وَحَیثُ لَایلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا - وَلَایجْتَرِؤُونَ عَلَیهَا - فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَاتُخَافُ بَائِقَتُهُ (58) - وَصُلْحٌ لَاتُخْشَی غَائِلَتُهُ (59) - وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِی حَوَاشِی بِلَادِكَ..)).

عرض الإمام (عليه السلام) إلى دور التجار في جلب ما تحتاج إليه الناس من المناطق البعيدة والأماكن النائية ليوفروا لهم ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة، والواجب على الوالي رعايتهم وتسهيل أمورهم.

ص: 230

مراقبة التجار

نظر الإمام بعمق إلى شؤون بعض التجار الذين يبلغ بهم الطمع إلى احتکار بعض السلع ومنعهم عنه، وهذا قوله:

قال (عليه السلام): (وَ اعْلَمْ مَعَ ذلِكَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً - وَشُحّاً قَبِیحاً - وَاحْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَکُّماً فِی الْبِیاعَاتِ - وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ - وَعَیبٌ عَلَی الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الْإِحْتِکَارِ (60) - فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم مَنَعَ مِنْهُ - وَلْیکُنِ الْبَیعُ بَیعاً سَمْحاً بِمَوَازِینِ عَدْلٍ - وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِیقَینِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ - فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَةً بَعْدَ نَهْیكَ إِیاهُ فَنَکِّلْ بِهِ - وَعَاقِبْهُ فِی غَیرِ إِسْرَافٍ).

عرض الإمام إلى مراقبة السوق خشية من الاحتكار الذي يفر بالعامة، وعلى الوالي أن يمنع المحتكر فإن أصر على احتكاره فيعاقبه من غير إسراف، الاحتكار يودي إلى شل الحركة الاقتصادية في البلاد ويلقي الناس في ضائقة اقتصادية.

الطبقة السفلى

وليس في تأريخ الإسلام وغيره مثل الإمام أمير المؤمنين في اهتمامه بالفقراء، فقد شاركهم في جشوبة العيش وخشونة اللباس، فهو أبو الفقراء، وصديق المحرومين وملاذ البائسين، وهذا نص حديثه في عهده:

(ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِینَ لَاحِیلَةَ لَهُمْ - مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی (61) وَالزَّمْنَی - فَإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً (62) وَمُعْتَرّاً (63) - وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ - وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیتِ مَالِكَ - وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی (64) الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ - فَإِنَّ لِلْأَقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَی - وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ - فَلَایشْغَلَنَّكَ

ص: 231

عَنْهُمْ بَطَرٌ - فَإِنَّكَ لَاتُعْذَرُ بِتَضْییعِكَ التَّافِهَ (65) لِأَحْکَامِكَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ - فَلَاتُشْخِصْ هَمَّكَ (66) عَنْهُمْ وَلَاتُصَعِّرْ خَدَّكَ (67) لَهُمْ - وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَایصِلُ إِلَیكَ مِنْهُمْ - مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ (68) الْعُیونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ - فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیةِ وَ التَّوَاضُعِ - فَلْیرْفَعْ إِلَیكَ أُمُورَهُمْ - ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَی اللَّهِ یوْمَ تَلْقَاهُ - فَإِنَّ هؤُلَاءِ مِنْ بَینِ الرَّعِیةِ أَحْوَجُ إِلَی الْإِنْصَافِ مِنْ غَیرِهِمْ - وَکُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَی اللَّهِ فِی تَأْدِیةِ حَقِّهِ إِلَیهِ).

بين هذا المقطع العطف والحنان على الفقراء والضعفاء، فقد احتضنهم الإمام (عليه السلام) وجعلهم من أهم مسؤولياته وواجباته إن رعاية الفقراء والبر بهم والإحسان إليهم عند الإمام (عليه السلام) جزء من رسالة الإسلام التي أكدت على محو الفقر وإزالة شبحه، ونشر السعة والرخاء بين المسلمين.

رعاية الأيتام والمتقدمين في السن

أكد الإمام في عهده على ضرورة تفقد الأيتام والطاعنين في السن من الذين لا حيلة لهم. فقال (عليه السلام): ((وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ - مِمَّنْ لَاحِیلَةَ لَهُ وَلَا ینْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ - وَذلِكَ عَلَی الْوُلَاةِ ثَقِیلٌ - وَ الْحَقٌّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ وَقَدْ یخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَی أَقْوَامٍ - طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ - وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ)

كان الإمام (عليه السلام) أباً عطوفاً للأيتام، وكان شديد العناية بهم والرعاية لهم والعطف عليهم، وكان من ذاتياته وعظيم أخلاقه، وأثرت عنه وعن أئمة أهل البيت عليهم السلام كوكبة من الأحاديث تحث على رعاية اليتيم والبر به، وتذكر ما أعد الحاجات من الأجر الجزيل للقائم بذلك.

ص: 232

تفريغ وقت لذوي الحاجات

ومن بنود عهد الإمام (عليه السلام) أنه حث على أن يجعل لذوي الحاجات وقتاً لينظر فيها وهذا قوله: قال (عليه السلام): (وَ اجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَكَ - وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً - فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَكَ - وَ تُقْعِدَ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ (70) - حَتَّی یکَلِّمَكَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیرَ مُتَتَعْتِعٍ - فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم یقُولُ فِی غَیرِ مَوْطِنٍ - لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَایؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِی - غَیرَ مُتَتَعْتِعٍ - ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ (71) مِنْهُمْ وَ الْعِی - وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّیقَ وَ الْأَنْفَ (72) - یبْسُطِ اللَّهُ عَلَیكَ بِذلِكَ أَکْنَافَ (73) رَحْمَتِهِ - وَ یوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ - وَ أَعْطِ مَا أَعْطَیتَ هَنِیئاً وَامْنَعْ فِی إِجْمَالٍ وَإِعْذَارٍ).

وهذا منتهى العدل الذي أسسه رائد الحضارة والعدالة في الإسلام أذ أنه كان يعين وقتاً للنظر في قضايا ذوي الحاجات، فكان يأخذ بحق الضعيف من القوي و بحق المظلوم من الظالم، وكذلك عهد إلى ولاته مثل ذلك، وقد أمر (عليه السلام) في عهده بتنحية الشرطة والجنود حتى يتكلم ذو الحاجة غير متعتع ولا خائف.

مباشرة الولي بعض القضايا بنفسه

وكان من بنود عهد الإمام (عليه السلام) أن يتولى الولاة بعض القضايا بأنفسهم تحقيقاً للعدل وهذا نص كلامه: (عليه السلام) ((ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا - مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا یعْیا عَنْهُ کُتَّابُكَ - وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ یوْمَ وُرُودِهَا عَلَیكَ - بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ - وَأَمْضِ لِکُلِّ یوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِکُلِّ یوْمٍ مَا فِیهِ: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِیما بَینَكَ وَ بَینَ اللَّهِ - أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِیتِ وَ أَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ - وَ إِنْ کَانَتْ کُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِیهَا النِّیةُ - وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِیةُ).

ص: 233

يبين هذا المقطع أموراً يتعين على الوالي القيام بنفسه في مباشرتها منها:-

1. إجابة العمال فيما إذا عجز الكتاب عن القيام بها.

2. تنفيذ كل عمل من أعمال الدولة بنفس اليوم من دون تأخير لأن التأخير يضر بالمصلحة العامة.

3. أن يخصص الوالي لنفسه وقتاً للاتصال بالله تعالى بإخلاص، هذه بعض النقاط في هذا المقطع.

إقامة الفرائض

وعهد الإمام لمالك أن يقيم فرائض الله تعالى بإخلاص، وإذا أقيمت صلاة الجماعة فعليه أن يلاحظ المصلين فلا يطيل في صلاته وإنما يصلي کما يصلي أضعف الناس، وهذا حديث الإمام:

((وَلْیکُنْ فِی خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِینَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ - الَّتِی هِی لَهُ خَاصَّةً - فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِی لَیلِكَ وَنَهَارِكَ - وَوَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَی اللَّهِ - مِنْ ذلِكَ کَامِلاً غَیرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ - بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ - وَ إِذَا قُمْتَ فِی صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ - فَلَا تَکُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَیعاً - فَإِنَّ فِی النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَ لَهُ الْحَاجَةُ - وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَ آلِهِ وَ سلَّم حِینَ وَجَّهَنِی إِلَی الْیَمَنِ - کَیفَ أُصَلِّی بِهِمْ؟ فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ کَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ - وَ کُنْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَحِیماً..)).

شملت تعاليم الإمام (عليه السلام) للولاة الحث على الصلاة وكيفية أدائها جماعة، ولم يعرض لذلك من ولي أمور المسلمين قبله وبعده.

عدم الاحتجاب عن الرعية

وكان من وصايا الإمام (عليه السلام) لمالك أن لا يحتجب عن الرعية وأن يكون على

ص: 234

اتصال دائم بهم فإن الاحتجاب له مضاعفاته السيئة التي تحدث عنها الإمام بقوله:

(وَ أمَّا بَعْدُ فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِیتِكَ - فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِیةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّیقِ - وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ - وَ الْإِحْتِجَابُ مِنْهُمْ یقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ - فَیصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ وَ یعْظُمُ الصَّغِیرُ - وَ یقْبُحُ الْحَسَنَ وَ یحْسُنُ الْقَبِیحُ - وَ یشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ - وَ إِنَّمَا الْوَالِی بَشَرٌ - لَا یعْرِفُ مَا تَوَارَی عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ - وَ لَیسَتْ عَلَی الْحَقِّ سِمَاتٌ - تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْکَذِبِ - وَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَینِ - إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِی الْحَقِّ - فَفِیمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِیهِ - أَوْ فِعْلٍ کَرِیمٍ تُسْدِیهِ (74) أَوْ مُبْتَلًی بِالْمَنْعِ - فَمَا أَسْرَعَ کَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ - إِذَا أَیسُوا مِنْ بَذْلِكَ - مَعَ أَنَّ أَکْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَیكَ - مِمَّا لَا مَؤُونَةَ فِیهِ عَلَیكَ - مِنْ شَکَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَةٍ).

يبين هذا الخطاب ضرورة الانفتاح مع الشعب وعدم الاحتجاب عنه، فإن الوالي الذي يدافع عن شعبه ويكون بمعزل عنهم يعود بالأضرار البالغة عليه، والتي منها فتح أبواب المعارضة عليه، ونقمة المجتمع منه، وكراهيتهم لحكمه، وسلطانه.

بطانة الوالي وخاصته

حذر الإمام (عليه السلام) في عهده من إتباع بعض الذين يتخذهم الوالي خاصة له فإن فيهم تطاولاً وقلة انصاف، وعليه أن يحسم شرورهم وأطماعهم، ولا يقطعهم قطيعة أرض فيكون المهنأ لهم والوزر عليه، وهذا كلامه (عليه السلام):

(ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّةً وَ بِطَانَةً - فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ، وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ - وَلَا تُقْطِعَنَّ لاِحَدٍ مِنْ حَاشِیتِكَ وَحَامَّتِكَ (75) قَطِیعَةً - وَلَایطْمَعَنَّ مِنْكَ فِی اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ (76) - تَضُرُّ بِمَنْ یلِیهَا مِنَ النَّاسِ - فِی شِرْبٍ أَوْ

ص: 235

عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ - یحْمِلُونَ مَؤُونَتَهُ عَلَی غَیرِهِمْ - فَیکُونَ مَهْنَأُ ذلِكَ لَهُمْ دُونَكَ - وَ عَیبُهُ عَلَیكَ فِی الدُّنْیا وَالْآخِرَةِ).

لقد كان أمر الإمام حاسماً في شؤون خاصة الولاة وبطانتهم، فقد سد عليهم جميع ألوان الطمع والتلاعب بأموال الدولة وأضاف الإمام يأمر الولاة بإتباع الحق قائلاً:

(وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَالْبَعِیدِ - وَکُنْ فِی ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً - وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَیثُ وَقَعَ - وَابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا یثْقُلُ عَلَیكَ مِنْهُ - فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذلِكَ مَحْمُودَةٌ).

إن الحق هو المنهج الواضح في سياسة الإمام وسيرته وليس للباطل أي التقاء به.

الرفق بالرعية

أكد الإمام (عليه السلام) في عهده على الرفق بالرعية ومراعاة عواطفها، وإذا ظنت به حيفاً فعليه أن ينطلق إلى ساحتها، ويقدم لها الاعتذار، وهذا قوله: (وَإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِیةُ بِكَ حَیفاً فَأَصْحِرْ (78) لَهُمْ بِعُذْرِكَ - وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ - فَإِنَّ فِی ذلِكَ رِیاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَرِفْقاً بِرَعِیتِكَ وَإِعْذَاراً - تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِیمِهِمْ عَلَی الْحَقِّ).

بين هذا المقطع مدى العمق في سياسة الإمام (عليه السلام) في وسائل ارتباط الحكومة مع الشعب، وجعلهما جسداً واحداً.

الصلح مع العدو

إن الإسلام يدعو الى السلم وتحريم سفك الدماء وإزالة جميع وسائل الخوف والإرهاب، وقد أكد الإمام (عليه السلام) على ضرورة الاستجابة إلى الصلح إذا دعا إليه العدو، أذ قال (عليه السلام):

((وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَیهِ عَدُوُّكَ وَ لِلَّهِ فِیهِ رِضًا - فَإِنَّ فِی الصُّلْحِ دَعَةً (79)

ص: 236

لِجُنُودِكَ - وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَ أَمْناً لِبِلَادِكَ - وَ لَکِنِ الْحَذَرَ کُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ - فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِیتَغَفَّلَ - فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِی ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ - وَ إِنْ عَقَدْتَ بَینَكَ وَ بَینَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً - أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً - فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ - وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَیتَ - فَإِنَّهُ لَیسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَیءٌ - النَّاسُ أَشَدُّ عَلَیهِ اجْتِماعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ - وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ - مِنْ تَعْظِیمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ - وَ قَدْ لَزِمَ ذلِكَ الْمُشْرِکُونَ فِیما بَینَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِینَ - لِمَا اسْتَوْبَلُوا (80) مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ - فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَ لَا تَخِیسَنَّ (81) بِعَهْدِكَ - وَ لَا تَخْتِلَنَّ (82) عَدُوَّكَ - فَإِنَّهُ لَا یجْتَرِئُ عَلَی اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِی - وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ (83) بَینَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَ حَرِیماً یسْکُنُونَ إِلَی مَنَعَتِهِ وَ یسْتَفِیضُونَ إِلَی جِوَارِهِ - فَلَا إِدْغَالَ (84) وَ لَا مُدَالَسَةَ (85) وَلَا خِدَاعَ فِیهِ - وَلَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِیهِ الْعِلَلَ - وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَی لَحْنِ قَوْلٍ (86) بَعْدَ التَّأْکِیدِ وَ التَّوْثِقَةِ - وَ لَا یدْعُوَنَّكَ ضِیقُ أَمْرٍ - لَزِمَكَ فِیهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَی طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَیرِ الْحَقِّ - فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَی ضِیقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَفَضْلَ عَاقِبَتِهِ - خَیرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ - وَ أَنْ تُحِیطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ فِیهِ طِلْبَةٌ - لَاتَسْتَقْبِلُ فِیهَا دُنْیاكَ وَلَا آخِرَتَكَ)).

يبين هذا الخطاب المناهج العسكرية، وهذه شذرات منها:

أولاً: أن الإمام أكد على ضرورة قبول الصلح إذا دعا إليه العدو، وذكر فوائده: إن فيه راحة للجيش لأنه يستريح من الجهد العسكري.

ثانياً: امنة للوالي من الهموم التي تنشأ من العمليات العسكرية في الصلح وأمناً للبلاد وعدم تعرضها للأزمات.

ثانياً: على الوالي أن يراقب بيقظة العدو وبعد الصلح خشية أن يكون ذلك تصنعاً منه للكيد من المسلمين.

ثالثاً: إذا أبرم الوالي الصلح فعليه أن يحيط بالإسلام، بالوفاء والأمانة ولا يخيس بأي شيء

ص: 237

منه فإن الوفاء بالعهد والوعد من صميم الإسلام، والغدر ونكث العهد يتجاني مع الإسلام فقد جعل الله تعالى الوفاء بالعهد حصناً وثيقاً من حصونه ليس لأحد أن يقتحمه.. هذه بعض البنود في هذا المقطع.

حرمة سفك الدماء

أكد الإمام في عهده على وجوب احترام الدماء وحرمة سفكها بغير حق، وهذا ما أعلنه الإمام وقال (عليه السلام):

((إِیاكَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْکَهَا بِغَیرِ حِلِّهَا - فَإِنَّهُ لَیسَ شَیءٌ أَدْنَی لِنِقْمَةٍ وَ لَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ - وَ لَا أَحْرَی بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّةٍ - مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَیرِ حَقِّهَا - وَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُکْمِ بَینَ الْعِبَادِ - فِیما تَسَافَکُوا مِنَ الدِّمَاءِ یوْمَ الْقِیامَةِ - فَلَا تُقَوِّینَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ - فَإِنَّ ذلِكَ مِمَّا یضْعِفُهُ وَ یوهِنُهُ بَلْ یزِیلُهُ وَ ینْقُلُهُ - وَ لَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَاعِنْدِی فِی قَتْلِ الْعَمْدِ - لِأَنَّ فِیهِ قَوَدَ الْبَدَنِ - وَإِنِ ابْتُلِیتَ بِخَطَأٍ - وَ أَفْرَطَ عَلَیكَ سَوْطُكَ أَوْ سَیفُكَ أَوْ یدُكَ بِالْعُقُوبَةِ - فَإِنَّ فِی الْوَکْزَةِ (87) فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً - فَلَاتَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ - عَنْ أَنْ تُؤَدِّی إِلَی أَوْلِیاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ)).

إن سفك الدم بغير حق من أعظم الجرائم ومن أفحش الموبقات في الإسلام، فقد أعلن القرآن الكريم أن من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً وإطلاق النفس شامل لجميع أصناف البشر من ذوي الأديان السماوية وغيرهم، كما أعلن القرآن أن من قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه نار جهنم خالداً فيها، وقد شدد الإمام في عهده على ضرورة حفظ دماء المسلمين وحرمة سفكها، وحذر أن يقوى سلطان ولاته بإراقة الدماء، کما دية قتل العمد أن فيه وهو قتل القاتل، كما ذكر دية المقتول خطأ وهو الدية ولايته، ما يكون التحذير من سفك الدماء.

ص: 238

الإعجاب بالنفس

وأوصى الإمام في عهده بأن لا يعجب الوالي بنفسه وولايته، وأن لا يحب الإطراء وهذا حديثه أذ قال (عليه السلام):

((وَإِیاكَ وَالْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ - وَالثِّقَةَ بِمَا یعْجِبُكَ مِنْهَا، وَحُبَّ الْإِطْرَاءِ - فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ (88) الشَّیطَانِ فِی نَفْسِهِ - لِیمْحَقَ مَا یکُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحسِنِینَ - وَ إِیاكَ وَ الْمَنَّ عَلَی رَعِیتِكَ بِإِحْسَانِكَ - أَوِ التَّزَیدَ فِیما کَانَ مِنْ فِعْلِكَ - أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ - فَإِنَّ الْمَنَّ یبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَیدَ یذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ - وَ الْخُلْفَ یوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ - قَالَ اللَّهُ تَعالی: (کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

يبين هذا المقطع تحذير الإمام لواليه من أمرين، وهما:

أولاً: أن يمن على رعيته بما يسديه من إحسان عليهم فإن ذلك واجب عليه ولا مجال للتبجح بأداء الواجب. ثانياً: أن يعدهم بالإحسان ثم يخالف ما وعده فإن ذلك مما يوجب مقت الله تعالى ومقت الناس.

العجلة في الأمور

حذر الإمام من العجلة بالأمور قبل أوانها فإن ذلك مما لا يليق بالوالي، وهذا ما قال (عليه السلام): (وَإِیاكَ وَالْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا - أَوِ التَّسَقُّطَ فِیهَا عِنْدَ إِمْکَانِهَا - أَوِاللَّجَاجَةَ فِیهَا إِذَا تَنَکَّرَتْ - أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ - فَضَعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ، وَ أَوْقِعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ).

لقد أوصى الإمام (عليه السلام) بعهده أن يضع الوالي كل شيء من أموره الاجتماعية أو السياسية في موضعه من دون عجلة فإنها تهبط بمستوى الوالي شعبياً فإنه يتم عن عدم توازنه في سلوكه.

ص: 239

الاستئثار

حذر الإمام (عليه السلام) الوالي من الاستئثار بما فيه الناس سواء ولنستمع إلى قوله (عليه السلام):

(وَإِیاكَ وَالْإِسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِیهِ أُسْوَةٌ - وَالتَّغَابِی عَمَّا تُعْنَی بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُیونِ - فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَیرِكَ - وَعَمَّا قَلِیلٍ تَنْکَشِفُ عَنْكَ أَغْطِیةُ الْأُمُورِ - وَینْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ - امْلِكْ حَمِیةَ أَنْفِكَ وَسَوْرَةَ (89) حَدِّكَ - وَ سَطْوَةَ یدِكَ، وَغَرْبَ لِسَانِكَ (90) - وَاحْتَرِسْ مِنْ کُلِّ ذلِكَ بِکَفِّ الْبَادِرَةِ (91) وَتَأْخِیرِ السَّطْوَةِ - حَتَّی یسْکُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الْإِخْتِیارَ - وَ لَنْ تَحْکُمَ ذلِكَ مِنْ نَفْسِكَ - حَتَّی تُکْثِرَ هُمُومَكَ بِذِکْرِ الْمَعَادِ إِلَی رَبِّكَ).

لقد عهد الإمام (عليه السلام) إلى واليه التحلي بمكارم الأخلاق، وليس له أدبياً أن يستأثر بما الناس فيه سواء، وإنما عليه أن يتركه لهم لينظروا إلى نزاهة الحكم، وشرف الوالي، لقد أوصاه الإمام (عليه السلام) بكل فضيلة تخلد له الذكر الحسن، وتكون له وسام شرف.

الإقتداء بالحكومات العادلة

وختم الإمام (عليه السلام) حديثه في عهده لمالك بهذه الوصية القيمة التي يسمو بها إلى أرقی درجات الكمال قائلاً:

((وَالْوَاجِبُ عَلَیكَ أَنْ تَتَذَکَّرَ مَا مَضَی لِمَنْ تَقَدَّمَكَ - مِنْ حُکُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ - أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِینَا صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم أَوْ فَرِیضَةٍ فِی کِتَابِ اللَّهِ، فَتَقْتَدِی بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِیهَا - وَتَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیكَ فِی عَهْدِی هذَا - وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِی عَلَیكَ - لِکَیلَا تَکُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَی هَوَاهَا: وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ - وَعَظِیمِ قُدْرَتِهِ عَلَی إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَةٍ - أَنْ یوَفِّقَنِی وَإِیاكَ لِمَا فِیهِ رِضَاهُ - مِنَ

ص: 240

الْإِقَامَةِ عَلَی الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیهِ وَإِلَی خَلْقِهِ - مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَجَمِیلِ الْأَثَرِ فِی الْبِلَادِ - وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَضْعِیفِ الْکَرَامَةِ - وَأَنْ یخْتِمَ لِی وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ - (إِنَّا إِلَیهِ رَاجِعُونَ) - وَالسَّلَامُ عَلَی رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّی اللَّهُ عَلَیهِ وَآلِهِ وَسلَّم الطَّیبِینَ الطَّاهِرِینَ وَسَلَّمَ تَسْلِیماً کَثِیراً وَ السَّلام).

وانتهى هذا العهد الذي يمثل العدل في السياسة والحكم بجميع رحابه ومكوناته وهو من هجرية، خلفته الإنسانية من تراث عالج فيه قضايا الحكم والإدارة بمنتهی الحكمة والدقة، في وقت لم يكن فيه المسلمون وغيرهم يعرفوا هذه الأنظمة الخلاقة وهي جزء من مواهب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبقرياته التي لا تحد و حسبه علواً أنه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وباب مدينة علمه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسی.

ص: 241

الهوامش:

1. السند، محمّد، بحوث معاصرة في الساحة الدولية (مركز الأبحاث العقائدية، العراق - النجف الأشرف، 1428 ه) ص 364

2. الصدوق، أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، صححه حسين الأعلمي (ط 1، مؤسسة الأعلمي، لبنان، بیروت، 1404 ه - 1984 م) ص 275

3. ابن أبي الحديد، شرح النهج البلاغة، تحقیق محمد أبو الفضل إبراهيم (ط 1، بیروت، دار الحياء الكتب العربية، 1378 / 1959 م) ج 15، ص 98

4. ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ (دار صادر للطباعة والنشر، لبنان، بیروت، 1385 ه/ 1965 م)، ج 3، ص 352

5. الأمين، محسن، أعيان الشيعة، حققه وأخرجه: حسن الأمين (دار التعارف للمطبوعات، بیروت) المجلد التاسع، ص 39

6. الأمين، المصدر السابق، المجلد التاسع، ص 39

7.الأمين، المصدر السابق، المجلد التاسع، ص 39

8. الأمين، المصدر السابق، المجلد التاسع، ص 39

9. ابن الأثير، الكامل في التاریخ، ج 3، ص 352

10. الشريف الرضي ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة، ضبط نصّه وابتكر فهارسه العلميّة: صبحي الصالح (لبنان - بيروت 1387 ه - 1967 م) ص 427 - 444 أحمد بن عبد الله القلقشندي، مآثر الإنافة في معالم الخلافة، الرابع، ج 3، ص 6

11. الصفح: الإعراض عن الذنب.

ص: 242

12. البجح - بسكون الجيم -: الفرح والسرور.

13. البادرة: الحدّة.

14. المندوحة: السعة.

15. الإدغال: إدخال الفساد في الأمر.

16. النهك: الضعف.

17. الأبّهة، والمخيلة: الكبر

18. يطامن: يسكن

19. طماح النفس: جماحها. وطمح البصر: ارتفع.

20.غرب الفرس: حدّته، وأوّل جريه.

21. المساماة: مفاعلة من السموّ.

22. ينزع: يرجع.

23. أجحف به: ذهب به.

24. الإلحاف: شدّة السؤال.

25. ملمّات الدهر: ما يلمّ من خطوبه.

26.جماع المسلمين: جمعهم.

27. الصغوة: الميل.

28. أشنأهم: أبغضهم.

29. الوتر: الحقد.

30. التغابي: التجاهل والتغافل.

31. بطانة الرجل: خاصّته.

32. الآصار: الآثام.

33. حفلاتك: أي جلساتك في المحافل والمجامع.

ص: 243

34. التدريب: التعويد.

35. الشريف الرضي، نهج البلاغة، ضبط نصّه، ص 427 - 444.

36. وتفاقم الأمر: عظمه.

37. الخلوف: المتخلَّفون جمع - خلف بالفتح-.

38. الحيطة: الشفقّة.

39. المحك: اللجاج.

40. الحصر: العيّ والعجز.

41. التبرّم: التضجّر.

42. الازدهاء: افتعال من الزهو وهو الكبر.

43. الإطراء: كثرة المدح.

44. الاغتيال: الأخذ على غرّة.

45. المحاباة: المعاطاة والمقاربة فيها.

46. الأثرة: الاستبداد.

47. الجماع: الجمع.

48. التوخّي: التقصّد.

49. الحدوة: الحثّ.

50. الشرب: النصيب من الماء.

51. البالَّه: القليل من الماء يبلّ به الأرض.

52.أحالت الأرض: تغيّرت عمّا كانت عليه من الاستواء فلم ينحبّ زرعها ولا أثمر نخلها.

53. الإجمام: الإراحة. ومعتمد: قاصد.

58. الإعواز: الفقر.

ص: 244

55. استنام إلى كذا: سكن إليه.

56.المترفّق: طالب الرفق من التجارة.

57. المطارح: جمع مطرح وهي الأرض البعيدة.

58. البائقة الداهية.

59. الغائلة: الشرّ.

60. الاحتكار: حبس المنافع عن الناس عند الحاجة إليها.

61. البؤسي: الشدّة.

62. القانع: السائل

63. المعترّ: الَّذي يتعرّض للعطاء من غير سؤال

64. الصوافي: - جمع صافية - وهي أرض الغنيمة

65. التافه: الحقير.

66. أشخص همّه: رفعه.

67. تصعير الخذّ: إمالته كبرا.

68. تقتحمه: تزد ریه.

69. أعذر في الأمر: صار ذا عذر فيه.

70. الشرط: قوم يعلمون أنفسهم بعلامات الخدمة يعرفون بها.

71. الخرق: ضدّ الرفق.

72. الأنف: الأنفة وهي خصلة تلازم الكبر.

73. الأكناف: الجوانب

74. الإسداء: الإعطاء

75. الحامّة: القرابة.

76. العقدة: الضيعة، والعقدة أيضا: المكان كثير الشجر والنخل، واعتقد الضيعة:

ص: 245

اقتناها.

77. المغبّة: العاقبة.

78. أصحر: أي أظهر.

79. الدعة: الراحة.

80. استوبلوا الأمر: استثقلوه، والوبال: الوخم، يقال: استوبلت البلد: استوخمت فلم يوافق ساکنها

81. خاس بالعهد: نقضه.

82. اختل: الخداع.

83. أفضاه: بسطه. واستفاض الماء: سال.

84.الإدغال: الإفساد. والدغل: الفساد.

85. المدالسة: مفاعلة من التدليس في البيع وغیرہ کالمخادعة.

86. لحن القول: كالتورية والتعريض من الأمر.

87. الوكزة: الضربة والدفعة، وقيل: هي بجمع اليد على الذقن

88. الفرصة: النوبة، والممكن من الأمر.

89. سورة الرجل: سطوته وحدّة بأسه.

90.غرب اللسان: حدّته.

91. البادرة: سرعة السطوة والعقوبة

ص: 246

المصادر:

1- أعيان الشيعة محسن الأمين

2- بحوث معاصرة في الساحة الدولية محمّد السند

3- شرح النهج البلاغة ابن أبي الحديد

4- عيون أخبار الرضا أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق

5- الكامل في التاريخ عز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم ابن الأثير

6- نهج البلاغة ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي الشريف الرضي

7- مآثر الإنافة في معالم الخلافة أحمد بن عبد الله القلقشندي

ص: 247

ص: 248

حقوق الإنسان في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه)

اشارة

م. د. أحمد علي عبود الخفاجي كلية الدراسات الإنسانية الجامعة / النجف الأشرف

ص: 249

ص: 250

ملخص البحث

إنَّ الإسلام كان له فضل السبق على كافة المواثيق والإعلانات والاتفاقيات الدولية، في تناوله لحقوق الإنسان، وتأصيله، وتحديده لتلك الحقوق منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، وما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقات والوثائق الدولية مما فيه مصلحة مُحقّقة للإنسان، وللمجتمع الإنساني ما هو في حقيقته إلا تردید لبعض ما تضمنه الإسلام في هذا الخصوص، الذي تميز عنها بكفالته لكافة حقوق الإنسان وحمايته لها؛ فجاءت تشريعاته في هذا الخصوص جامعةً مانعةً؛ فاقت بذلك كل ما عرفته، وتعرفه المدنية بكل هيئاتها ومنظماتها وفروعها.

وليس أدلُّ من ذلك عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي لما ولّاه على مصر، فقد جمعت هذه الوثيقة أمهات السياسة وأصول الإدارة في قواعد حوت من فصاحة الكلم وبلاغة الكلام وحسن الأسلوب ما لا يمكن وصفه، کما تضمنت طائفة واسعة من الحقوق والحريات التي تتعلق بالإنسان وتضمن له العيش الرغيد، وقد تناول هذا البحث بعض هذه الحقوق بالدراسة والتحليل لبعض الحقوق الأساسية مثل حق الإنسان في الحياة وحق الإنسان في أن يُحكم بالعدل والحقوق السياسية مثل حق الإنسان في اختيار عناصر صالحة لحكمه وحق الإنسان في حرية الرأي والتعبير والحقوق الاجتماعية والاقتصادية مثل حق العامل في أجر يكفيه وحق الإنسان في الضمان الاجتماعي.

ص: 251

Abstract Islam has the virtue head start on all the covenants, declarations and international conventions, in dealing with human rights, and rooting it, and determined those rights for more than fourteen centuries ago, and came in the Universal Declaration of Human Rights, and international agreements and documents which it realized the man's interest, and the community humanitarian what is in fact only repeating some of the contents of Islam in this regard, which was marked by its respect for all human rights and protect them came legislation in this regard exhaustive outweighing all I knew, civil and you know all the bodies and organizations and their affiliates.

The best evidence of that era of Imam Ali bin Abi Talib (peace be upon 1 LL.

11.

him) to Malik Ashtar Nakha'i what made him to Egypt, has this document compiled mothers politics and asset management in the rules included the VIL eloquence of speech and eloquence of speech and good method what can't be described, also included a wide range of the rights and freedoms that are related to human beings and ensure his well-off, and this research has addressed some of these rights study and analysis of some basic rights such as the right to life and the human right to be judged justly and political rights, such as the human right to choose suitable for his elements and the human right to freedom of opinion and expression and social and economic rights such as the right of the worker to pay enough human right social security.

ص: 252

مقدمة

إنَّ الله سبحانه وتعالى قد أكمل لنا الدين، وأتمَّ علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، فما تجاوز ذلك أو خالفه، أو انحرف عنه، فهو الظلم بعينه؛ لأنه خلاف ما شرع الله من الأحكام لعباده، الذي هو أعلم بها، وبما يصلح حالهم «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (1)، ليس على المسلمين إلاّ أن يتمسكوا بدينهم، ويعملوا بأحكامه وشرائعه وآدابه، ويجعلوها حَکَمَاً بينهم، فسيجدون الأمن والعافية، والطمأنينة، والعدل، والسعادة، والرضا، والقوة، والتقدم، وستأتي إليهم الدنيا راغمة، وسيأتيهم رزقهم رغداً؛ لأن الله عز وجل خلق كل شيء من أجل الإنسان، وخلق الإنسان لعبادته، قال تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (2).

إنَّ الذين يتفاخرون بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 م، ويعدونه المثل الأعلى في الروابط الإنسانية، ويعتقدون أنه لم ينسج على منواله شيء من قبل، وينظرون إليه على أنه قمة الحضارة؛ إن أولئك يتجاهلون الإسلام، ومعاملته الكريمة للإنسان، وحفظه لحقوقه، وتنظيم شؤون حياته، على نحو يكفل له الحياة الكريمة، ويهدیه سبيل الرشاد، ويجنبه مهاوي الرّدى والهلاك، كما أنهم يتجاهلون الدور البارز لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في إرساء دعائم حقوق الإنسان وحرياته في ضوء تعليمات القرآن الكريم، ومن خلال معطيات الدين الإسلامي الحنيف، من أجل ذلك ينبغي الكشف لأولئك الجهلة أو المتجاهلين عن وجه الإسلام الناصع، والدور الكبير لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال، وبطبيعة الحال فلا وجه للمقارنة بين ما في الإسلام من ذلك، وبين إعلانهم الذي يتشدقون ويتفاخرون به.

ومما لاشك فيه أنَّ الإسلام كان له فضل السبق على كافة المواثيق والإعلانات، والاتفاقيات الدولية، في تناوله لحقوق الإنسان وتأصيله وتحديده لتلك الحقوق منذ أكثر

ص: 253

من أربعة عشر قرناً من الزمان، وما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقيات والوثائق الدولية مما فيه مصلحة مُحقّقة للإنسان، وللمجتمع الإنساني ما هو في حقيقته إلا تردید لبعض ما تضمنه الإسلام في هذا الخصوص، الذي تميّز عنها بكفالته لكافة حقوق الإنسان وحمايته لها؛ فجاءت تشريعاته في هذا الخصوص جامعةً مانعةً؛ فاقت بذلك كل ما عرفته و تعرفه المدنية بكل هيئاتها ومنظماتها وفروعها.

وليس أدلُّ من ذلك عهد سيد البلغاء والمتكلمين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي لما ولاّه على مصر، فقد جمعت هذه الوثيقة أمهات السياسة وأصول الإدارة في قواعد حوت من فصاحة الكلم وبلاغة الكلام وحسن الأسلوب ما لا يمكن وصفه، ولكن قد يُدهش المرء إذا ما علم أنه ليس لهذه الوثيقة تداولاً على ألسن المتكلمين بالعربية، مع أنه كان من الواجب أن مثل هذه الوثيقة تحفظ في الصدور لا في السطور، وقد يكون السبب في ذلك أنه يرجع إلى أحد أمرين أولهما ندرة وجود المصادر التي تشتمل على هذه الوثيقة وعدم تیسر الحصول عليها، ثانيهما ما اعتدناه من التكاسل عن مطالعة الكتب إذا كانت كبيرة الحجم، فأخذت على نفسي أن أزيل هذين المانعين وأتناول بشيء من الإيجاز أهم الحقوق الواردة في هذه الوثيقة العظيمة.

ص: 254

المبحث الأول الحقوق الأساسية عند الإمام علي (عليه السلام)

إن حقوق الإنسان منظومة متكاملة وكل جزء منها لا يتجزأ كونها تصب لصالح الإنسان، ولكن هذه الحقوق تتفاوت من حيث الأولوية والأهمية، فالمهم منها يعدّ أساساً لغيره، فإذا فُقد الأساس والأصل فُقد البناء والفرع، وعليه فسنتطرق من خلال هذا المبحث إلى ما يمكن عدهُ حقوق أساسية للإنسان عند الإمام علي (عليه السلام) في هذه الوثيقة العظيمة، لذلك سنقسم هذا المبحث على مطلبين، نتناول في الأول (حق الإنسان في الحياة)، ونبحث في الثاني (حق الإنسان في أن يُحكم بالعدل).

المطلب الأول: حق الإنسان في الحياة

شدّدت الوثيقة على احترام الحق في الحياة، وحذّر الوالي من أن يعتدي على هذا الحق، أو يتهاون في معاقبة من يسلبه من أحد من الناس، فإن الحياة في فكر الإمام علي (عليه السلام) لها قيمة عليا تتغلب على الموت، وأن أي اعتداء لإزهاق حياة إنسان، هو اعتداء على الإرادة الإلهية الموجدة والمانحة الوحيدة للحياة من جهة وجريمة بحق الإنسانية جمعاء، وسلب لحق أساس من حقوق الإنسان ألا وهو (حق الحياة) من جهة أخرى، لذا فان الإمام (عليه السلام) نظر إلى القتل أنه جريمة كبرى فيحذر (عليه السلام) الأشتر قائلاً (ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن) (3).

بل أن الإمام (عليه السلام) وقف بالضد من التهديد باستخدام القتل وما دونه من تعذيب وإهانة وما شابه من وسائل انتقاص الإنسان وتحت أي ذريعة ليقر بذلك (حق الأمن) للمجتمع (4)، فقد أشار (عليه السلام) إلى أنَّ من سلبيات مجتمع الجاهلية، قبل

ص: 255

عهد الرسالة الإسلامية، هو تفشي ظاهرة انعدام الأمن وشيوع سفك الدماء فيتوجه بخطابه إلى العقول أين ما كانت أو وجدت فيقول: (فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله)، وأن سمات الدنيا في ظل انعدام الأمن تكون (متجهمة لأهلها، عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف) (5).

وقد كان (عليه السلام) على الصعيدين الفكري والعملي حاسماً في موضوع القصاص من الدماء على وفق تفاصيل فقهية قانونية متعددة من جهة، والمساواة في حق الحياة للجميع من جهة أخرى، إذ أعلن الإمام أن رئيس الدولة وولاته وكبار موظفيه وصغارهم يخضعون على حبي سواء لقانون صيانة الدماء، أي القصاص فيقول (عليه السلام) في عهده للأشتر ((إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء ادعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة)) (6).

والحقيقة هناك جملة من الأمور يمكن استنتاجها من هذا النص، منها:

1. تأكيد حرمة الدماء وأن حق الحياة مكفول للجميع، إذ كان الحديث عن الدماء بصورة عامة وليس دماء المسلمين دون غيرهم.

2. المساواة بين الحاكم والمحكوم، من حيث لا ضمانات للمنصب أو شاغله في موضوع التعدي على الدماء والحياة.

3. إن سفك الدماء يثير الغضب والنقمة بين الشعب مما يؤدي إلى الاضطراب وهو من الأسباب المهمة للثورات لأن (لكل دم ثائراً، ولكل حق طالباً) (7) على وفق وصف الإمام.

وبناءً على احترام الإمام الحق الحياة نلاحظ انه حكم على جريمة التحريض أو الأمر

ص: 256

بالقتل أو بعقوبة أخرى تتناسب مع الجرم والشكل القانوني للجريمة (8) وكان (علیه السلام) يقول: (من أعان على مؤمن فقد برئ من الإسلام) (9) وأشار الإمام كذلك إلى عملية القتل المعنوي وذلك بهدم كرامة الإنسان إذ تضمنت هذه الوثيقة: (وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعني به. مما قد وضح للعيون؛ فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم).

ومن بين المميزات الرئيسة للرؤية العلوية لحقوق الإنسان تبرز مسألة تقديسه (عليه السلام) للحياة وانعكاس ذلك على إقراره مبدأ مسؤولية الحكومة والمجتمع اتجاه حياة الإنسان وأنه (لا يبطل دم امرئ مسلم) (10) وأن (الدم لا يبطل في الإسلام) (11)، فإن الانعكاس النظري لهذا المبدأ كان على صعيدين: الأول حفظ دماء المسلمين وان كانوا في غير بلاد الإسلام، والثاني حفظ دماء من هم تحت حكم الإسلام كافة، وبغض النظر عن ديانتهم وانتماءاتهم.

وأما على الصعيد العملي فإن النموذج العلوي في الحكم کرس مبدأ حق الحياة وجعل منه حقا للشعب إزاء الحكومة، إذ تعامل مع حفظ الحياة، كمبدأ وليس عملية يمكن له استغلالها سياسياً أو تتدخل فيها عوامل ذاتية لحادث الاعتداء على الحياة ومن ثم تخرج عن الهدف المتمثل بصيانة الدماء ابتداءً.

ووفقاً لما تقدم يمكننا القول إن حفظ الدماء، وصيانتها وإلحاق القصاص بالمعتدين مهما كانت أسماؤهم أو مناصبهم كان من الروافد المهمة للسياسة العلوية على أرض الواقع، ولابد من الإشارة في هذا المجال إلى مبدأين على جانب من الأهمية بشأن حفظ الحياة وهما مسألة التقية، وأن حفظ النفس الإنسانية أولى من تطبيق النصوص الشرعية.

إن هذين المبدأين يتشكلان نتيجة للفهم العلوي العميق للإسلام، فقد روي عن الإمام (عليه السلام) قوله: (التقية ديني ودين أهل بيتي) (12)، والتقية - كمبدأ أول -

ص: 257

بمعناها العام هي (التحفظ عن ضرر الظالم بموافقته في فعل أو قول مخالف للحق (13) وهي أداة لحفظ النفس والعرض والمال من الملكة من قبل العدو سواء كان مسلماً وغيره (14).

ويستمد مبدأ التقية أهميته في حفظ الحياة، ولاسيما في وقت الاضطهاد ووجود الخطر والتحدي مع ضعف القدرة أو انعدامها للتصدي له، من كونه رخصة شرعية (15) فضلاً عن كونها رخصة عقلية أيضاً، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله موصياً رجلاً من شیعته: (و آمرك أن تستعمل التقية في دينك، فإن الله عز وجل يقول «لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً» (16)).

وأما المبدأ الثاني فليس بعيدا عن الأول، بل هو امتداداً له، فحينما يوجد تقاطع بين نصوص الشريعة مع الوجود الإنساني، فالأولوية تكون اضطراراً لحفظ الحياة عند الإمام علي (عليه السلام).

ومن هذا كله يتضح أن حق الحياة هبة من الله تعالى إلى الإنسان، وقد أجمعت عليه الشرائع والأديان، وهو مأخوذ من الحديث النبوي الشريف (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه) وهو ما جاء في خطبة الوداع (إنَّ دمائكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) وينبني على هذا الحق مجموعة من الأحكام الشرعية المهمة، منها تحريم قتل الإنسان، لقوله تعالى: «...وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (17)، وأن هذا الحق يتساوى فيه الناس جميعاً بمجرد الحياة لا فرق بين شریف ووضيع وبين عالم وجاهل وبين عاقل ومجنون وبين بالغ وصبي وبين ذكر أو أنثى وبين مسلم وذمي.

ص: 258

المطلب الثاني: حق الإنسان في أن يُحكم بالعدل

تعدّ العدالة إحدى القيم الرئيسة التي يجب أن تحققها للناس أي حكومة ناجحة، ولا يمكن أن يكون هناك حكم ناجح إلاّ إذا كان عادلاً، وانتشرت في عهد الإمام علي (عليه السلام) أفكار العدالة وضرورة تحقيقها في أكثر من موضع، لذا يمكن القول إن حق الإنسان في أن يُحكم بالعدل يعدّ أحد أهم الحقوق التي وردت في هذه الوثيقة.

ويجد هذا الحق أساسه في ضرورة أن ينعم الإنسان بها كون القضاء العادل هو انعکاس مهم لحق الإنسان في المساواة العادلة من جهة، وأداة لرفع الظلم والحيف عن المظلومين واسترداد حقوق المستضعفين من جهة ثانية، فضلاً عن أن القضاء العادل هو الضمانة الإجرائية في مواجهة أي انتهاك لتلك الحقوق من جهة ثالثة.

لقد أبرز الإمام علي (عليه السلام) التقاضي كضرورة وحق مهم من حقوق الإنسان، وحمّل (عليه السلام) الحاكم الشرعي مسؤولية صيانة (حق التقاضي) بكل تفرعات هذا الحق ومتطلباته المادية والمعنوية، لذا نجده (عليه السلام) ينبه الأشتر في بداية الوثيقة إلى أنه سيحكم مصر، وهي بلد كبير سبق أن حكمها قبله حضارات وأمم سابقة يجب التنبه إلى كيف ساسوا هذه البلاد ليتعظ بتجربتهم ويحكم بخبرتهم وبالذات في مسائل العدل والإنصاف، وتقول الوثيقة: (اعلم، يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل و جور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت... (وهنا يأمر الإمام (عليه السلام) الأشتر أن يشح بنفسه، وفسّر له الشح ما هو؟ فقال (عليه السلام): (أن تنتصف منها فيما أحبّت وكرهت، أي لا تمكنها من الاسترسال في

ص: 259

الشهوات، وکُن أميراً عليها، ومسيطراً وقامعاً لها من التهوّر والانهماك) (18).

إن تأكيد الإمام (عليه السلام) على ضرورة وجود القاضي هو المدخل لمعرفة الشروط الدقيقية التي وضعها الإمام (عليه السلام) لمن يتبوأ هذا المنصب، فالسلطة القضائية (من أعظم سلطات الدولة، بها يفرق بين الحق والباطل وبها ينتصف للمظلوم من الظالم، وإذ تجنح الظروف بهذه السلطة إلى الأسفاف فإنها لا تنزل إلى الحضيض وحدها وإنما تجر معها المجتمع كله أو بعضه، حين تسف وتصير في عون الظالم وتعضد المجرم و حيث أنها تنطق باسم العدالة فإنها تسكت كل فم وتطفئ جذوة الحياة في كل إنسان يتصدى لها، وماذا يحدث حينئذ؟ يستشري الفساد ويعظم الجور وتعم الفتنة ويكون المظلوم في الخيار بين أن يرفع أمره إلى هذه السلطة فيسلب حق باسم العدل بعد أن سلبته إياه القوة وبين أن يسكت حتى تحين الفرصة فيستعيد حقه عن طريق العنف وفي بعض هذا شر عظيم) (19) وحتى لا يصل الأفراد داخل المجتمع إلى هذه النتيجة وضع الإمام نظاماً تُصان من خلاله المؤسسة القضائية ومن ثم تحفظ حقوق الأفراد.

لقد دعا (عليه السلام) إلى صيانة منصب القضاء واستقلاله فإذا لم يكن القاضي مستقلاً في حكمه لا يخضع لتأثير هذا وإرادة ذاك لم تكن هناك سلطة قضائية مستقلة بالمعنى الصحيح، لذلك بعد أن وضح الإمام الشروط التي ينبغي توافرها في القاضي فقد بيّن (عليه السلام) ضرورة توافر الوضع المتميز لمنصب القضاء، إذ يوصي (عليه السلام) الأشتر قائلاً: (ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال عندك) (20) وفي هذا النص يضع الإمام (عليه السلام) ثلاث ضمانات لمنصب القضاء وهي:

أولاً. أن يتعاهد الحاكم قضاء قاضيه، وينظر فيما يصدره من أحكام فإن ذلك (كفيل أن يمسك القاضي عن الانحراف ويستقیم به على السنن الواضح لأنه حينئذ يعلم

ص: 260

أن المراقبة ستكشف أمر الحكم الجائر ووراء ذلك ما وراءه من عار الدنيا وعذاب الآخرة) (21)، ومن الواضح أن الإمام أنشأ عملية توازن بين السلطة السياسية والسلطة القضائية من جهة فبيّن أهمية أن يخضع جميع أبناء الأمة للسلطة القضائية بما فيهم الحاكم نفسه، كما فعل الإمام ذلك عملياً عندما وقف أمام القضاء وهو الخليفة مع شخص من أهل الذمة - غير مسلم ولكنه مواطن - حول ملكية درع ومن ثم كان الحكم لغير صالحه بسبب انعدام البينة (22) ويذهب محمد مهدي شمس الدين إلى (إن الإمام أقر مبدأ فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وأعطى للقضاء شخصية مستقلة ومنفصلة عن شخصية الحاكم السياسي أو الحاكم الإداري، وهذه خطوة متقدمة في تنظيم الدولة والاجتماع السياسي في الإسلام) (23).

ثانياً. تحقيق الكفاية المادية والاقتصادية لمن يتولى مركز القضاء من جميع النواحي لينقطع الطمع من نفسه فيجلس للقضاء وليس في ذهنه شيء من أحلام الثروة والمال أو يلقي خوف الفقر بظلاله على فكر القاضي وسلوكه، لذلك جاء في عهده (عليه السلام) للأشتر: (وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس) (24) وقد أجزل (عليه السلام) العطاء لولاته الذين يؤدون وظائف القضاة ورفع حاجتهم الاقتصادية (25) کما أن تأكيد الإمام على ضرورة تحقيق اکتفاء مادي ومستوى اقتصادي جيد للقضاة إنما كان لإزالة أي تبرير أو تسويغ أو دافع لأخذ رشوة في الحكم، إذ عدّ الإمام الرشوة بآثارها السلبية أداة لتحطيم المجتمع وقيمه، ولاسيما في مجال القضاء، إذ يقول (عليه السلام): (إنما اهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الناس الحق فاشتروه) (26) وحين سُئل عن تفسير قوله تعالى «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» (27)، قال (عليه السلام): (السحت في الآية الرشا، فقيل له في الحكم؟ قال ذاك الكفر) (28).

ثالثاً. تعزيز المكانة المعنوية للقاضي، إن القاضي في رؤية الإمام (عليه السلام) إنسان

ص: 261

يخاف على ماله أن ينهب ويخاف على مكانته أن تذهب، ويخاف على كرامته أن تنال، ويخاف على حياته أن يتعدى عليها بعض من حكم عليهم من الأقوياء، فإذا لم تكن لديه ضمانات تؤمنه من كل ذلك اضطره الخوف إلى أن يصانع القوي لقوته والشرير لشره، وحينئذ يطبق القانون من جهة واحدة يطبق على الفقراء والضعفاء الذين يؤمن جانبهم (19).

ولقد أكد الإمام (عليه السلام) على ضرورة تحقيق العدل القضائي لأصحاب الديانات الأخرى في ظل الدولة الإسلامية، وكان الإمام (عليه السلام) يوصي الأشتر قائلاً: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم)، وقد لجأ الإمام إلى القضاء حين كان خليفة مع رعايا الدولة من أصحاب الديانات الأخرى سواءً كانوا يهوداً أو نصاری (30). وكان النظام القضائي في عهد دولة الإمام يساوي بين رعايا الدولة مع مراعاة الخصوصية الدينية لهم (31) حتى روي أنه (عليه السلام) (كان يستحلف اليهود والنصارى في كنائسهم والمجوس في بيوت نيرانهم) (32)، ولعل من أهم سبل تدعيم العدالة القضائية هو المبدأ الذي دعا إليه (عليه السلام) وهو تقنين الجرائم والعقوبات، إذ يعد هذا المبدأ مطلباً مهماً للفئات الاجتماعية المضطهدة وقد رفع كشعار لمنع التحكم الكيفي وإنزال العقوبات الانتقامية بالناس، ولاسيما ضد المعارضين منهم للأنظمة الحاكمة (33).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن من أسس العدالة، المساواة بين الناس، والإحسان إلى المحسن، والإساءة إلى المسيء وأخذه بذنبه لذا ينبّه سيد البلغاء والمتكلمين (عليه السلام) الأشتر إلى أنه (ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة! وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه)، ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح هذه الفقرة: (وإذا لم يكن للمحسن ما يرفعه، وللمسيء ما يضعه، زَهِد المحسن في الإحسان، واستمرّ المسيء على الطغيان) (34).

ص: 262

المبحث الثاني الحقوق السياسية عند الإمام علي (عليه السلام)

يقصد بالحقوق السياسية هي تلك الحقوق التي تنظم علاقة الإنسان بالدولة، أو بالمجتمع باعتبار أن الإنسان مدني واجتماعي بطبعه لذلك فإن ظاهرة الحكم هي حالة إنسانية وأن الحقوق السياسية هي حقوق الإنسان بشكل عام، وإن تطلبت بعض الشروط الخاصة لممارستها، وميدان الحقوق السياسية واسع جداً وسيقتصر بحثنا في هذا المبحث على مطلبين تناول كل منها حقاً سياسياً من حقوق الإنسان عند الإمام علي (عليه السلام) فالمطلب الأول تناول (حق الإنسان في اختيار عناصر صالحة لحكمه)، أما المطلب الثاني فانفرد ب (حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير).

المطلب الأول: حق الإنسان في اختيار عناصر صالحة لحكمه

مع ما دعا إليه الإمام علي (عليه السلام) حول حق الحرية والمشاركة السياسية، إلاّ أنه تمیز باهتمام خاص بمسألة (الحاکم) و (الحكم) والتي يمكن أن نفهمها بشكل أوسع التعني (کيان الدولة وكامل مؤسساتها وتشمل تعبئة جهازها بالكفاءات وتطبيق شريعتها وإدارة أمورها بالشكل الذي يجعلها محققة لغايات وجودها في النظام السياسي (35). وقبل أن نتناول ماهية هذا الحق في وضع ضوابط خاصة لمن يشغل منصب الحاكم الأعلى في الدولة لابد لنا أن نتطرق إلى أهمية الحاكم والحكومة عند الإمام (عليه السلام).

هنالك عدة أبعاد يمكن من خلالها تلمس أهمية الحاكم والحكومة - عند الإمام - لعل أولها مسألة وجود الحاكم، إذ أن من موارد الاتفاق بين المسلمين وجوب تنصيب

ص: 263

الحاكم إلا من شذ عن ذلك منهم (36) وفي ذلك الوجوب قال الإمام: (أنه لابد للناس من أمير برٍ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي. حتى يستريح بر ویستراح من فاجر) (37) وعلى الرغم من السلبيات المرفوضة للحكومة الظالمة إلاّ أن الإمام بعد هذه الحكومة مع الاضطرار أفضل من استمرار الفوضى التي قد تحدث جراء انعدامها فيقول: (أسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم (38)).

وينطلق الإمام بتأكید مهم على ضرورة الحكومة ووجوبها في عهده للأشتر (واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل...).

ولأهمية قيام علاقة الحاكم بالمحكومين على أساس حسن الظن فإن الإمام (عليه السلام) في هذه الوثيقة يوصي الأشتر قائلاً: (واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم (وقد روي أن الإمام سأل الرسول (صلى الله عليه وآله) (وهذا السؤال مع ما تشوبه الرغبة بالمعرفة إلاّ أنه يحوي إثارة الموضوع وترسيخه في أذهان الأمة حتى يستوعب البعد السياسي في الدين الإسلامي) حين قال الإمام: (یا رسول الله بأبي أنت وأمي ما منزلة إمام جائر معتي لم يصلح لرعيته ولم يقم فيهم بأمر الله تعالى؟ أجاب الرسول (صلى الله عليه وآله): هو رابع أربعة من أشد الناس عذاباً يوم القيامة إبليس وفرعون وقاتل النفس ورابعهم الإمام الجائر) (39).

وبعد أن عرفنا بإيجاز أهمية السلطة الحاكمة عند الإمام، فإن مسألة الشروط التي يجب أن يتمتع بها من يشغل هذا المنصب غاية في الأهمية عند الإمام، بل أن النظر إلى هذه الشروط المفترضة - فضلاً عن كونها مؤهلات ومتطلبات لقيادة امة صاحبة رسالة

ص: 264

إنسانية عالمية - فإنها حق للأمة أن لا يحكمها إلا أشخاص يمتلكون هذه المؤهلات. وهذه ميزة أخرى تضاف لصالح منهج الإمام في مجال حقوق الإنسان، ألا وهو اهتمامه بمن يحكم كأساس لمعرفة كيفية الحكم.

ويمكن إجمال أهم الصفات التي طالب الإمام أن يتحلى بها خاصةً الإمام وأهل شورته بما يأتي:

1- من الذي يقول لك الحق ولو كان مراً، (ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك).

2- من لا يساعدك على ما تهوى مما يكره الله، (وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما کره الله لأوليائه واقعا (ذلك) من هواك حيث وقع).

3- أن يكون من أهل الورع والصدق، (وألصق بأهل الورع والصدق).

وقد عبّر عن ذلك الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالته للحقوق، إذ قال (وأما حق رعيتك بالسلطان: فإن تعلم أنك إنما استرعيتهم بفضل قوتك عليهم، فإنه إنما أحلهم محل الرعية لك ضعفهم وذلهم. فما أولى من كفاکه ضعفه وذله - حتى صيره لك رعية وصير حكمك عليه نافذا، لا يمتنع عنك بعزة ولا قوة، ولا يستنصر في ما تعاظمه منك إلا بالله - بالرحمة والخياطة والأناة) (40).

ولعل الجزء الأهم من عملية الوعي السياسي والتي شدد عليها الإمام هو مسألة اختيار مكونات وعناصر المجموعة الحاكمة من شاغلي الوظائف المهمة وهم رؤساء الهياكل الرئيسة لإدارة البلد والذي أطلق عليهم اسم العمال والذين هم بمثابة المحافظين ورؤساء الدوائر العامة في البلد والمشرفين على الأعمال الإدارية والقريبين من الحاكم في إدارة البلاد بتنوعاتهم كافة (41).

إن تكامل هذه الأبعاد في الوعي السياسي للسلطة الحاكمة سيؤدي بالنتيجة إلى النهوض بالأمة لتحقيق الحقوق الأخرى كافة، لذا نرى أن سيد البلغاء والمتكلمين

ص: 265

(عليه السلام) يضع خبرته في الناس لوليه على بلد هام كمصر، ويعطيه خصائص من يتولى مشورته فيستبعد هؤلاء من المشورة: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله).

المطلب الثاني: حق الإنسان في حرية الرأي والتعبير

من السمات الواضحة في تجربة الإمام علي (عليه السلام) السياسية، هو سعيه (عليه السلام) الحثيث نحو إيجاد وتوسيع دائرة الحرية السياسية وفتح سبل التعبير سواء بحرية القول والفكر والرأي أم بالعمل وتبني المواقف إزاء الأحداث السياسية. فقد كَفَلَ (عليه السلام) حق اختيار الخط السياسي لكل مواطن في أصقاع دولته وشملت هذه الحرية حتى مناوئيه في ظل مبدأ: «دعوهم وما اختاروا لأنفسهم) (42)، إذ كتب (عليه السلام) في عهده للأشتر: (وألزم كل منهم [المحسن والمسيء] ما ألزم نفسه) (43) ويشير البعض إلى هذا البعد في مسيرة الإمام أنه (عليه السلام): (كان يفتح باب الحوار أمام الأفراد والجماعات حرصاً منه على حرية المجتمع وأسباب تطوره، بمعنى أنه لم يعزل الحرية الفردية عن الحرية العامة في مجری قيادته لشؤون المجتمع الإسلامي. وفي أصعب المحن التي مرت بها خلافة الإمام علي ظل تمسكه المبدئي الصارم بالحرية ورفضه الحاسم للإكراه من أي نوع كان) (44).

لقد أكد الإمام (عليه السلام) بأقواله وخطبه وأدائه سواء كمواطن أم كحاكم على مسالة الحرية السياسية، الذي يعد حرية الرأي والتعبير جزءاً منها، ومناهضته الاستبداد والظلم والتجبر.

ففي هذه الوثيقة العظيمة يفتح الإمام (عليه السلام) باب حرية الرأي على

ص: 266

مصراعيه وكذلك النقد والمحاسبة أمام جماهير الأمة، بل أن الإمام يدعو إلى توفير الأمن للمجاهرين بالحق ويجعل من تقبل الرأي الآخر دعوة لمراجعة الذات بالنسبة للحاكم وتصحيح الخطأ وتغير مسيرة العمل نحو الحق والعدل، فتراه (عليه السلام) يمجد الداعين للحق بقولهم وفعلهم، ويطالب بمعاملتهم، بأقصى سبل الاحترام کونهم المرآة الكاشفة عن مواطن الضعف في العملية السياسية فيوصي (عليه السلام) الأشتر قائلاً: (ثم ليكن أثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك واقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله الأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع) (45).

وهنا يبرز الإمام ويؤكد حق الأفراد في إبداء آرائهم والتعبير عن معتقداتهم وأفكارهم السياسية في ظل جو من الأمن واحترام الرأي الآخر إشاعته حكومة الإمام، حتى أنه كان يأمر عماله بإيجاد و تغذية روح النقد وحرية الرأي کرکيزة رئيسة في تربية الأمة فيوجه رسالته إلى أحد ولاته حول صيغ التعامل مع الأمة في عصر دولة الإمام وتطبيق الإسلام قائلاً: (احلل عقدة الخوف عن راهبهم بالعدل والإنصاف إن شاء الله تعالى) (46).

وفي سبيل تجاوز الأبعاد السلبية وما يترتب عنها من آثار، وضع الإمام بعض القيود المحددات على حرية الرأي والتعبير تتجسد بالاتي:

1- صيانة حقوق الآخرين، إذ أن حرية القول والفعل تقف عند خط لا يمكن أن يتعداه، إلا من كان ظالما، وهو الكيان المادي والمعنوي للإنسان ف (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه إلاّ بالحق) (47)، على وفق قول الإمام.

2- العلم، أي الإحاطة والتعمق بالشيء أو الشخص قبل إطلاق الأحكام والآراء فيؤكد الإمام مسألة العلم إذ قول: (لا تقل ما لا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم) (48) والجهل آفة من آفات النقد والآراء الخاطئة، فيقول (عليه السلام): «من جهل شيئاً عابه) (49) (ولا خير في القول بالجهل) (50) بل قد تصل حالة الجهل إلى إيجاد نوع من

ص: 267

العداء في «الناس أعداء ما جهلوا) (51) على وفق رؤية الإمام.

3- الإنصاف في إطلاق الآراء واتخاذ المواقف، فيقول الإمام (قلما ينصف اللسان في نشر قبيح أو إحسان) (52).

4- الأسلوب، بما أن الرأي حقٌ فإن عرضه بنحو مناسب هو من شروط نجاح توظيف الحرية لصالح المجتمع. فيجب أن يراعی نوع التعامل واللفظ وأسلوب التعبير والظروف الزمانية والمكانية والمخاطب والمتغيرات الأخرى، فإن (من أسرع للناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون) (53) ويحذر الإمام كذلك من الاندفاع فيقول (هذا اللسان جموح بصاحبه) (54) و (اخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك فرب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة) (55) وينصح الإمام كذلك بتجنب الإطلاقية في اتخاذ المواقف والآراء فيقول (عليه السلام): (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) (56).

وأجاز الإمام حرية تبني المواقف السياسية للأفراد والجماعات، فكان يقول لمعارضيه، وهم تحت سلطانه: (كن من أمرك ما بدا لك) (57) وفي ضمن حرية الرأي والكلمة، مع مراعاة الضوابط السابقة وكانت الساحة السياسية لدولة الإمام تعج بعملية تساؤل وشفافية في شتى القضايا التي قد تهم الفرد والجماعة (58).

ص: 268

المبحث الثالث الحقوق الاجتماعية والاقتصادية عند الإمام علي (عليه السلام)

تعد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية من المواضيع المهمة في منظومة حقوق الإنسان كونها أسلوباً لحياة الفرد وآلية لتنظيم المجتمع وسنتناول أهم هذه الحقوق عند الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر وذلك في مطلبين، إذ سنخصص المطلب الأول لدراسة (حق العامل في أجر يكفيه) وندرس في المطلب الثاني (حق الإنسان في الضمان الاجتماعي).

المطلب الأول: حق العامل في أجر يكفيه

وهو من حقوق الإنسان الآن، ويرتبط تماماً بالحق في العمل، والحق في أجر يكفي الحاجة، وخطاب الإمام علي (عليه السلام) ينبه إلى أهمية هذا الحق، وإلى ضرورة أن يعطي للوالي لمن يقومون على أمر الناس حقهم من بیت المال، تقول الوثيقة: (واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله (له) سهمه. ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - عهدا منه عندنا محفوظاً)، فلقد دعا الإمام (عليه السلام) في عهده للأشتر إلى تهيئة الأحوال المساعدة على إنشاء فرص العمل واحتضان طاقات الأمة فعلى الدولة الإسلامية تنمية كل الطاقات الخيرة لدى الإنسان وتوظيفها لخدمة الإنسان... واستئصال الدولة الإسلامية لكل علاقات الاستغلال التي تسود مجتمعات الجاهلية وبتحرير الإنسان من استغلال أخيه الإنسان

ص: 269

في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية ستوفر للمجتمع طاقتين للبناء إحداهما طاقة الإنسان المستغل الذي تم تحريره لأن طاقته كانت تهدر لحساب المصالح الشخصية للآخرين، والأخرى طاقة المستغل الذي كان يبدد إمكاناته في تشديد قبضته على مستغليه بينما تعود هذه الإمكانات بعد التحرير إلى وضعها الطبيعي وتتحول إلى إمكانات بناء وعمل (59).

ومن الجدير بالذكر أن العمل يعدّ العنصر الأساس والفعّال في عملية الإنتاج فبالجهد البشري سواء كان ذهنياً أم بدنياً يمكن للإنسان من السيطرة على أجزاء من الطبيعة عبر مراحل تطوره الاجتماعي والاقتصادي، ومن ثمّ تمكن من سد حاجاته الضرورية في المأكل والملبس والمسكن وغيرها وكان العمل هو السمة البارزة لهذه المسيرة وتطورها والأساس الذي تقوم عليه مهمة عمارة الأرض التي تطيب بها حياة الإنسان فيحقق وعيه وحريته وحاجاته بل ويحقق ذاته الإنسانية والحضارية، وان استمرار العمل يعني استمرار الإنتاج وديمومة التطور ولاسيما إذا ما كان العمل مخططا له ویسنده العلم ويسعى لخدمة البشر.

ولأهمية العمل في المسيرة البشرية، أكد القرآن الكريم القيمة العليا للعمل ودوره في النشاط الاقتصادي، فقد قال تعالى «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ» (60)، فالعمل بالمفهوم الاقتصادي الإسلامي الذي يؤكده القرآن الكريم هو (العمل الصالح) الذي يأتي قرين الإيمان دائما والذي هو بجوهره (العمل المنتج) ذلك أن كل (عمل صالح) يتضمن بالضرورة (عملاً منتجاً)، إلاّ أنه ليس كل (عمل منتج) بالمفهوم الوضعي هو بالضرورة (عمل صالح) وهنا ينفرد الاقتصاد الإسلامي في مفهومه (للعمل المنتج) وذلك نابع من طبيعة الارتباط بين العمل - لیس کنشاط اقتصادي فقط وإنما كفعل عبادي - وبين (عمارة الأرض) التي ليست هي إنجازاً دنيوياً مجرداً، وإنما إنجاز مرتبط ببعد أخروي كذلك (61).

ص: 270

ومما تجدر الإشارة إليه أن الإمام (عليه السلام) يكن للعمل المنتج الصالح احتراماً عميقاً ذلك الاحترام انعكس على عدة أوجه إذ يبين (عليه السلام) في هذه الوثيقة أهمية العمل الصالح بقوله (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح) وأن الإسلام هو دعوة للعمل وفقاً لقول الإمام: (لأنسبن الإسلام نسبةً لم ينسبها أحدٌ قبلي: الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل) (62)، ويصف (عليه السلام) المؤمنين أن (قلوبهم في الجنان وأبدانهم في العمل) (63).

والبعد الاجتماعي للعمل، كان حاضراً عند الإمام (عليه السلام) إذ سعى للرفع من شان العمل كقيمة اجتماعية عليا، فإن من عوامل الافتخار عند الإمام (صناعة لا يُستحي منها) (64) وعند ما سئل (عليه السلام) عن الصنعة قال هي: (أخت النبوة وعصمة المروءة) (65)، ويرفض الإمام المعيار الأسري الذي يتخذه بعضهم حائلاً من دون العمل إذ يقول (عليه السلام): (من أبطأ به عمله لم يسرع به حسبه) (66).

ويضع الإمام (عليه السلام) مبدأ (خلق المجتمع المنتج) للتغلب على العوائق التي تقف ضد الارتقاء بالعمل بالنسبة للأفراد إذ (إن الأمة الإسلامية ليست مجرد تجميع عددي للمسلمين وإنما تعني تحمل هذا العدد لمسؤوليته الربانية على الأرض فالأمة الإسلامية مسؤولة داخلياً أن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر أي أن تحول عقيدتها إلى عملية بناء.. فالإيمان ليس هو العقيدة المحنطة في القلب بل الشعلة التي تتقد وتشع بضوئها على الآخرين) (67).

ومهما يكن من أمر فهنالك العديد من الأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد هذا الحق، ومنها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه).

ص: 271

المطلب الثاني: حق الإنسان في الضمان الاجتماعي

كذلك تولي هذه الوثيقة الطبقة الضعيفة عناية خاصة ويوجب أن يعطوا ما يكفيهم من بيت المال، إذ لكل فئة حقوق فيه وهذه عبارة الوثيقة: (ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه. وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام الاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خفَّ عليه أو ثقل)، فهذا هو الحق في الضمان الاجتماعي يجب على الوالي أن يعطيه للفقراء والمحتاجين، فهو إذن ليس حقاً مستحدثاً وإنما له أصل في الإسلام منذ وقت طويل، وبذلك يقتحم الإمام علي (عليه السلام) میداناً آخراً في معركته للدفاع عن حقوق الإنسان، وينبري (عليه السلام) مؤكداً (حق الضمان الاجتماعي)، شارحاً أبعاده ومدافعاً ومعززاً لوجوده.

وينبع حق الضمان الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام) من نظرة الإسلام للإنسان واحترامه له، وفلسفته للحياة وسر وجود الإنسان على هذه الأرض ومهمته الأساسية التي تتمثل بالعبادة وما يتبع ذلك من أسس ووسائل تجعل الإنسان مستعداً لتجسيد الهدف الإلهي والحكمة الإلهية في وجوده وحياته، لذلك فقد فرض الإمام (عليه السلام) على الحكام والولاة والموظفين مساعدة المجتمع وأفراده لتحقيق الأهداف الإلهية والأخذ بيده نحو الكمال والتحرر والرفاه، ومن هذه المسؤولية تنطلق كل الأسس والقرارات التي تتخذ في جميع الأصعدة والتي تصب لصالح إنجاز حق الضمان الاجتماعي (68).

لقد عزز الإمام (عليه السلام) حق الضمان الاجتماعي وذلك في ضمن عدة أبعاد هي:

أولاً. البعد الشرعي الإسلامي (69)، إذ يقول (عليه السلام): (ثم تفقد من أمورهم ما

ص: 272

يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل).

وعدّ الإمام الأموال التي تصرف في سبيل انجاز حق الضمان الاجتماعي جزء من الأموال التي فرضها الله تعالى لصالح بعض فئات الأمة، فهي ليست هبة أو منحة من أحد، إنما هي حقوق يجب أن يُعطوها، وكانت أوامره (عليه السلام) للأشتر عندما ولّاه على مصر تكرس هذه الحقيقة.

ثانياً. البعد الإنساني، يهدف الإمام (عليه السلام) من السعي لتحقيق الضمان الاجتماعي إلى تخفيف العبء عن المحرومين والبؤساء من أبناء الأسرة البشرية كمعيار لتقييم الإنسان وسموه النفسي، إذ يقول (عليه السلام) في عهده للأشتر: (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في غير موطن: (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوى غير متعتع).

ويجعل الإمام (عليه السلام) من تحقيق الضمان الاجتماعي أسلوب لتفعيل التماسك بين فئات المجتمع بل هو السبيل لتحقيق العلاقة السامية بين أبناء الأسرة البشرية بأجمعها، فيقول (عليه السلام): (فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيبا وأفضلهم حلما: ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء) (70) ولعل خير من يجب أن يمتلك هذا الحس الإنساني هم قادة المجتمع وحكامه، وهنا سيظهر لنا البعد السياسي.

ثالثاً. البعد السياسي يذهب الإمام إلى أن القيام بحق الضمان الاجتماعي من واجبات الحاكم الأساسية، إذ يقول (عليه السلام) في عهده للأشتر محدداً أهم واجباته ب

ص: 273

(استصلاح أهلها)، ويقول (عليه السلام): (حقاً على الوالي إلاّ يغيره على رعيته فضل ناله ولا طول خص به وأن يزيده ما قسم الله له من نعمة دنواً من عباده وعطفاً على إخوانه) (71).

ويجعل الإمام (عليه السلام) من تعزيز حق الضمان الاجتماعي أحد محاور حركته السياسية إذ يقول (عليه السلام): (وتعهد أهل اليتم وذي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسالة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل... واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لله الذي خلقك)، ويعدّ هذا الجزء من العهد الذي كتبه الإمام (عليه السلام) للأشتر من أوضح وأدق ما في تراث الإمام علي (عليه السلام) بشأن حق الضمان الاجتماعي، ويمكن أن نستنتج من خلاله أكثر من إشارة هامة، وعلى النحو الآتي:

1- رسم آلية وصيغ تنفيذ حق الضمان الاجتماعي ونقله من النظرية المثالية إلى الواقع العملي الملموس.

2- تحديد الفئات الاجتماعية المستفيدة من حق الضمان الاجتماعي، والمساحات التي يعمل فيها والأهداف التي يسعى لانجازها هذا الحق (72).

ولعل من أهم صيغ حفظ کرامتهم هو إعطائهم حقوقهم من دون أن يستشعروا لآخرين بضعفهم وهنا تبرز فلسفة صدقة السر التي شجّع عليها الإمام بوصفه لها (تطفئ الخطيئة وتطفئ غضب الرب) (73) ويعطي الإمام المثال العملي لصيانة الكيان المعنوي للمحتاجين للضمان الاجتماعي، فحين قال له رجل أحتاج إلى مساعدة أجابه الإمام: (اكتب حاجتك على الأرض، أني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك) (74) ويقول (عليه السلام): (الموت أهون من ذل السؤال) (75) في (السؤال يضعف لسان المتكلم ويكسر قلب الشجاع ويوقف الحر العزيز موقف العبد الذليل ويذهب بهاء الوجه) (76).

ص: 274

إن فلسفة الضمان عند الإمام (عليه السلام) هي لصيانة حياة الإنسان المادية والمعنوية، والرفع من شانه وليس الإساءة إليه أو إهانة كرامته، ويوجز الإمام (عليه السلام) مفهومه لآلية العمل في تحقيق الضمان الاجتماعي بقوله (عليه السلام): (المعروف کنز من أفضل الكنوز وزرع من أزكى الزروع، فلا يزهدنكم في المعروف کفر من كفره وجحد من جحده.. إن المعروف لا يتم إلا بثلاث خصال: تصغيره، وستره، وتعجيله فإذا صغرته فقد عظمته وإذا سترته فقد أتممته وإذا عجلته فقد هنأته) (77) وهذا العمل الضخم المراد إنجازه في المجتمع يستدعي متطلبات مادية توظف لصالح هذا الهدف وهذا ما كان حاضراً عند الإمام (عليه السلام).

ومن الجدير بالذكر أنَّ هذا الحق عُرِف في الفكر الإسلامي المعاصر تحت عنوان (العدالة الاجتماعية في الإسلام) أو (التكافل الاجتماعي في الإسلام)، ويُذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلن حق التكافل الاجتماعي بقوله (ما آمن بيّ من بات شبعاناً وجاره جائع).

ص: 275

خاتمة

وهكذا حاولنا أن نستخلص ما ورد في الوثيقة من الحقوق ولكن الوثيقة في الواقع من أبلغ الوثائق معنی ولفظاً ويجب أن تدرس هي وغيرها ويركز على ما فيها من قواعد ومبادئ أخرى، لا تتصل بالضرورة بحقوق الإنسان وحرياته، وإنما تتصل بدستور العلاقة بين الحاكم والمحكوم بشكل عام، وهي تتناول فنوناً واضحة للتعامل تنبع من تعاليم الإسلام وأسسه ويدخل غالبها في باب السياسة الشرعية، وعبر ما تطرقنا إليه يمكننا التوصل إلى جملة من الاستنتاجات والتوصيات:

أولاً. الاستنتاجات:

1- إن أهم ضمان للحقوق هو تقوى الله سبحانه وتعالى والإحساس أنه يراقبنا في السر والعلن، وتقوية المحكومين بالثقة فيهم والبِّر بهم وتعويدهم على مجاهرة الحاكم بالخطأ، وأهم من كل ذلك الحكم فيهم بشريعة الله سبحانه وتعالى.

2- اتضح بكل جلاء من خلال هذا العهد العظيم (وغيره من الوثائق) أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعد تجسيداً حياً للشريعة الإسلامية برافديها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مضافاً إليهما إبداع الإنسان المتميز في تطبيق النص على أرض الواقع ولاسيما في مجال حقوق الإنسان إذ شملت رؤيته مساحة واسعة من تلك الحقوق دعا إليها وجسدها في ميدان التطبيق العملي.

3- دعا الإمام علي (عليه السلام) في عهده للأشتر إلى أن ينعم الإنسان بحق المساواة العادلة في أبعاده كافة سواء البعد الإنساني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي أو القضائي إلاّ أن الدعوة النظرية والممارسة العملية للإمام (عليه السلام) لترسيخ هذا الحق لم تكن على حساب المعايير الموضوعية للتفاضل بين الناس والتي عمل

ص: 276

بموجبها استناداً إلى الشريعة الإسلامية.

4- في إطار حقوق الإنسان ذات البعد السياسي يبرز حق حرية الرأي والتعبير سواء في رؤية الإمام النظرية أو ممارسته العملية، مؤكداً (عليه السلام) في عهده للأشتر جملة من الضمانات لهذا الحق بهدف تفعيله كونه مقصداً إلهياً شرعياً وآلية مهمة لاطلاع الحكومة على سلبياتها وأخطائها، وإنشاء وترسيخ الوعي السياسي، والتخلص من سبات العقل والركود الفكري للوقوف بالضد من ظهور الاستبداد في الواقع السياسي الإسلامي والإنساني على حد سواء.

5- لقد منح الإمام علي (عليه السلام) الإنسان في هذه الوثيقة حق المشاركة السياسية في شؤون وطنه واختيار حكامه وتقديم الشورى والنصيحة وتبادل الآراء بين الحاكم والمحكوم لإيجاد أفضل الوسائل الممكنة وصياغتها عبر قرارات تخدم الإنسان والمجتمع، بالإضافة إلى حق الأمة في قبول أو رفض السياسات العامة والتي تتكامل مع حقها الأصيل بالرقابة الشعبية لعمل السلطة والقائمين عليها.

6- إن العمل حق من حقوق الإنسان على وفق رؤية الإمام علي (عليه السلام) لذلك دعا (عليه السلام) في هذه الوثيقة إلى احترام العمال، وخلق المجتمع المنتج، والسعي الجاد لتوفير فرص العمل عبر ضبط الحياة الاقتصادية، وتعزيز دور القضاء الاقتصادي، وتنظيم العمل في المجتمع، وتشجيع العمران والتخطيط الاقتصادي، ومنع السخرة وضرورة حصول العمال على حقوقهم بالأجور العادلة والحياة الكريمة.

7- يعد حق التقاضي من ابرز الحقوق التي دعا إليها الإمام علي (عليه السلام) من خلال هذه الوثيقة، مؤكداً (عليه السلام) ضرورة أن ينعم الإنسان بحتمية إيجاد القضاء العادل من خلال تحديد مواصفات مميزة للقضاة تتمثل بالعدالة والعلم وجملة من السمات الشخصية النبيلة. ومن جهة أخرى فإن الإمام أكد نزاهة القضاء وحياديته عبر الموازنة بين السلطة السياسية الحاكمة والسلطة القضائية، وتحقيق الكفاية المادية،

ص: 277

وتعزيز المكانة المعنوية لمن يتولى منصب القضاء مؤكداً (عليه السلام) على شرط العدالة وتطوير القضاء ومراعاة آدابه، وكل ذلك صيانة للإنسان ورعايته في شتى شؤون الحياة.

ثانياً. التوصيات:

1- إن إشاعة وتعميم تجربة الإمام علي (عليه السلام) ورؤيته لحقوق الإنسان ببعديها النظري والعملي، عبر نشرها والأخذ بها كمنهج عمل في المؤسسات الرسمية والدينية والاجتماعية في مجتمعنا ستسهم بلا شك في تطور الوعي والممارسة لحقوق الإنسان من أجل تقديم نموذج حضاري.

2- نحتاج إلى الكشف عن كنوزنا واستخدام بضاعتنا بدلاً من الجري وراء غيرنا، واستخدام معايير لحياتنا تختلف عن الأصالة التي نجدها في تاريخنا وتراثنا.

3- نقترح فتح باب هام لدراسات وثائق هامة موجودة بكثرة في تاريخنا وتحتاج إلى كثير من الصبر للكشف عن معانيها ولبيان ما فيها من أحكام تفصل المجمل من أحكام الكتاب والسُنة، وترينا كيف فَهِم الأئمة والعلماء والقادة هذه النصوص، وكيف قاموا بتطبيقها في حياة الأمة الإسلامية.

ص: 278

الهوامش

1. سورة الملك، الآية 14.

2. سورة الذاريات، الآية 56.

3. أية القصاص.

4. عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة (تاریخ الخلفاء)، ج 1، تحقیق علي الشيري، مطبعة أمير، إيران، ط 1، 1413 ه، ص 174.

5. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، تحقيق فارس تبریزیان، مؤسسة دار الهجرة، إيران، 1380 ه خطبة 88، ص 140.

6. المصدر نفسه، کتاب 53، ص 41.

7. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، ج 1، شرح محمد عبدة، دار الذخائر، قم، 1412 ه، ص 201.

8. ينظر: أبو بکر احمد بن الحسن البيهقي، السنن الکبری، ج 8، دار الكتب العلمية، بیروت، 1434 ه، ص 41.

9. كاظم مدير، الحكم من كلام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ج 2، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدسة، مشهد، 1417 ه، ص 365.

10. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)، سنن الإمام علي (عليه السلام)، نور السجاد، قم، طا، 1420 ه، ص 475.

11. المصدر نفسه، ص 475.

12. میرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج 21، تحقیق مؤسسة آل البيت، مؤسسة آل البيت، بیروت، 1987، ص 252؛ وحول جملة من أقوال

ص: 279

الإمام (عليه السلام) حول التقية ينظر: حسن القبانجي، مسند الإمام علي (عليه السلام)، ج 9، تحقيق الشيخ طاهر السلامي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط 1، 2000، ص 73 - 160.

13. أبو القاسم الموسوي الخوئي، مصباح الفقاهة، ج 1، إعداد وتحقيق محمد علي التوحيدي، المطبعة الحيدرية، النجف، 1954، ص 453.

14. محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج 5، تحقیق مهدي المهريزي، دار الهادي، إيران، 1419 ه، ص 75.

15. ينظر: سورة النحل، الآية 106 وسورة المؤمن، الآية 28 وسورة آل عمران، الآية 28 إضافة إلى أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة الأنبياء (عليهم السلام) والصحابة حول هذه التفاصيل ينظر: محمد حسن القزويني، الإمامة الكبرى والخلافة العظمی، ج 1، تعليق: مرتضى القزويني، مطبعة النعمان، النجف، 1958، ص 165 - 196؛ مرتضى الأنصاري، التقية، تحقيق فارس الحسون، مؤسسة قائم آل محمد، قم، 1412 ه، ص 24 وما بعدها.

16. سورة آل عمران، الآية 28.

17. سورة الأنعام، الآية 151.

18. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج 17، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، بیروت، ط 2، 1425 ه، ص 23.

19. محمد مهدي شمس الدین، دراسات في نهج البلاغة، دار الزهراء، بيروت، ط 2، 1972، ص 60.

20. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، کتاب 53، ص 557.

21. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 64.

ص: 280

22. محمد طي، الإمام علي ومشكلة نظام الحكم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بیروت، 1997، ص 103.

23. محمد مهدي شمس الدين، عهد الأشتر، المؤسسة الدولية، بيروت، ط 2، 2000، ص 120.

24. حسن القبانجي، مسند الإمام علي (عليه السلام)، ج 9، مصدر سابق، ص 496.

25. ينظر: باقر شريف القرشي، موسوعة الإمام أمير المؤمنين، ج 9، تحقيق مهدي باقر القرشي، مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية، قم، 1422 ه، ص 28، وما بعدها.

26. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، کتاب 79، ص 600.

27. سورة المائدة، من الآية 42.

28. باقر شريف القرشي، مصدر سابق ج 3، ص 65. وكذلك ينظر: میرزا حسین النوري، مصدر سابق، ج 17، ص 354؛ حسن القبانجي، مصدر سابق، ج 6، ص 495 - 496.

29. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 65. وحول هذه الفكرة ينظر أيضاً: د. نوري جعفر، فلسفة الحكم عند الإمام علي عليه السلام، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 2004، ص 58.

30. حول هذه المواقف والحوادث ينظر: أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي، المجموع، ج 2، دار الفکر، بیروت، 1419 ه، ص 129؛ علي بن الحسن الشافعي ابن عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج 7، دراسة وتحقيق علي الشيري، دار الفكر، بیروت، 1995، ص 487؛ أبو الفدا إسماعيل ابن کثیر، البداية والنهاية، ج 8، تحقیق وتعليق علي الشيري، دار إحياء التراث العربي، بیروت، ط 1، 1988، ص 5.

31. حول بعض تفاصيل الخصوصية القضائية ينظر: أبو جعفر محمد بن يعقوب بن

ص: 281

اسحاق الكليني، الكافي، ج 8، تصحیح و تعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط3، 1388 ه، ص 215.

32. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)، مصدر سابق، ص 486.

33. محمد طي، مصدر سابق، ص 117.

34. عز الدين بن هبة الله بن محمد ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، ط 2، 1967، ص 33.

35. أحمد حسين يعقوب، النظام السياسي في الإسلام، مؤسسة أنصاریان، قم، ط 3، 1424 ه، ص 189؛ ومن الجدير بالذكر أن النظام في اللغة هو الخيط الذي ينظم فيه اللؤلؤ ونحوه ينظر: محيي الدين الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس في جواهر القاموس، ج 17، دار الفكر للنشر والطباعة والتوزيع، بیروت، 1994، ص 689.

36. حول هذا الموضوع ومن شذ عنه ينظر: أبو محمد علي بن احمد (ابن حزم)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج 3، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1975، ص 87؛ علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج 2، تحقیق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة، القاهرة، 1950، ص 133؛ عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3، 1981، ص 277 - 278. ومن الكتب الحديثة التي تناولت الموضوع بشيء من التفصيل ينظر: محمد ضياء الدين الريس، النظريات السياسية الإسلامية، دار المعارف، القاهرة، ط 4، 1967، ص 145 وما بعدها؛ وحول أدلة الجوازات ينظر: علي عبد الرزاق، الإسلام وأصول الحكم، دراسة محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1972، ص 113 وما بعدها.

37. لبيب بیضون، تصنیف نهج البلاغة، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ط 3،

ص: 282

1417 ه، ص 325، وفي المعنى نفسه ولكن باختلاف يسير ينظر: أحمد بن يحيی بن جابر البلاذري، أنساب الأشراف، تحقیق و تعليق الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط 1، 1974، ص 351.

38. محمد الريشهري، میزان الحکمة، ج 1، دار الحدیث، قم، ط 1، 1416 ه، ص 98؛ أبو عبد الله بن سلامة، دستور معالم الحكم ومآثر مکارم الشيم، المكتبة الأزهرية القاهرة، 1980، ص 17.

39. محمد الريشهري، مصدر سابق، ج 4، ص 3383.

40. رسالة الحقوق، الحق رقم (18).

41. عبد الرضا الزبيدي، في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي، مكتبة فدك، بیروت، ط 1، 1998، ص 236؛ وينظر كذلك: توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، المعرفة للنشر والتوزيع، بغداد، ط 3، 1990، ص 106.

42. خالد محمد خالد، في رحاب الإمام علي (عليه السلام)، دار الإسلام، القاهرة، 1997، ص 124 - 125. حول هذا المبدأ ينظر: ابن أبي الحديد، مصدر سابق، ج 13، ص 309 - 311.

43. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، کتاب 53. ص 551.

44. محمد حسين فضل الله، علي ميزان الحق، تحرير صادق اليعقوبي، دار الملاك، بیروت، ط 1، 2003، ص 6.

45. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، کتاب 53، الصفحة 551. ولشرح هذه الفقرة بشيء من التوسع ينظر: توفيق الفكيكي، مصدر سابق، ص 133 - 143.

46. أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، مصدر سابق، ص 158.

ص: 283

47. المصدر نفسه، ص 702.

48. المصدر نفسه، ص 705.

49. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأبرار، ج 66، مؤسسة الوفاء، بیروت، ط 2، 1983، ص 79.

50. لبیب بیضون، مصدر سابق، ص 705.

51. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 28، ص 696.

52. عبد الواحد بن محمد بن تميم الأمدي، تصنیف غرر الحکم و درر الكلم، تحقیق المصطفى الدرايتي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ط 1، 1416 ه، ص 213.

53. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 31، ص 609.

54. لبيب بیضون، مصدر سابق، ص 705.

55. ويقول (عليه السلام): «هانت عليه من أمر عليها لسانه» محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 2، ص 602.

56. المصدر نفسه، حكمة 259، ص 661.

57. ابن قتيبة الدنيوري، مصدر سابق، ج 1، ص 74.

58. فقد سأل الإمام (عليه السلام) من قبل مختلف الأشخاص عن شتى القضايا، مثل موقفه من الحكام الذين سبقوه، والحروب التي خاضها، ومستقبل الأمة، وشرعية حکومته.... الخ من مسائل السياسة. ينظر: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج 9، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988، ص 97؛ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري)، ج 2، دار

ص: 284

الفكر، دمشق، 1979، ص 55 وما بعدها؛ نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، تحقیق عبد السلام محمد هارون، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، ط 2، 1382 ه ص 321.

59. محمد باقر الصدر، مصدر سابق، ص 93.

60. سورة التوبة، من الآية 105.

61. جاسم محمد شهاب البجاري، دراسات في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، مطبعة الجمهور، الموصل، 1990، ص 38.

62. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 120، ص 627.

63. المصدر نفسه، خطبة 192، ص 379.

64. میرزا حسين النوري، مصدر سابق، ج 21، ص 92.

65. محمد تقي التستري، قضاء الإمام علي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بیروت، 1992، ص 123.

66. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 29، ص 605.

67. محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، وزارة الإرشاد الإسلامي، إيران، ط 2، 1403 ه، ص 97.

68. فاضل الموسوي الجابري، العدالة الاجتماعية في الإسلام، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، قم، 1421 ه، ص 264.

69. هناك آيات قرآنية تحارب الفقر وتدعو إلى تحقيق الضمان الاجتماعي، سورة البقرة، الآيات (177، 261)، سورة الحشر، الآية 14؛ سورة المعارج، الآية 24.

70. کافي الدين أبو الحسن علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، تحقیق

ص: 285

حسين الحسيني، دار الحديث، قم، 1376 ه، ص 28.

71. كاظم مدیر، مصدر سابق، ج 1، ص 193.

72. د. خضیر کاظم حمود، السياسة الإدارية في فكر الإمام علي بن أبي طالب، مؤسسة الباقر، بیروت، 1999، ص 11. ويقول محمد مهدي شمس الدين في حديثه من طبقات المحرومين في المجتمع: (لقد لاحظ الإمام هذه الفئات جميعاً وأمر بإنشاء مرجعية خاصة لهم في الدولة... «ينظر: محمد مهدي شمس الدين، عهد الأشتر، مصدر سابق، ص 152.

73. محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 8، تحقیق عبد الرحیم رباني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1983، ص 523.

74. محمد باقر المجلسي، مصدر سابق، ج 17، ص 407.

75. کافي الدين أبو الحسن علي بن محمد الليثي الواسطي، مصدر سابق، ص 32.

76. کاظم مدير ، مصدر سابق، ج 1، ص 528.

77. أحمد بن يعقوب اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، دار صادر، بیروت، 1973، ص 210 ويقول (عليه السلام): (لا يستقیم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث: باستصغارها التعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتعجيلها لتهنأ). يراجع: محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، مصدر سابق، حكمة 95، ص 621.

ص: 286

المصادر والمراجع

- القرآن الكريم

1. ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، بیروت، ط 2، 1425 ه.

2. أبو الفدا إسماعيل ابن کثیر، البداية والنهاية، تحقيق و تعليق علي الشيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1988.

3. أبو القاسم الموسوي الخوئي، مصباح الفقاهة، إعداد وتحقيق محمد علي التوحيدي، المطبعة الحيدرية، النجف، 1954.

4. أبو بکر احمد بن الحسن البيهقي، السنن الكبرى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1424 ه.

5. أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك (تاریخ الطبري)، دار الفكر، دمشق، 1979.

6. أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، الكافي، تصحیح و تعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط 3، 1388 ه.

7. أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي، المجموع، دار الفکر، بیروت، 1419 ه.

8. أبو عبد الله بن سلامة، دستور معالم الحكم ومآثر مکارم الشيم، المكتبة الأزهرية، القاهرة، 1980.

9. أبو محمد علي بن احمد (ابن حزم)، الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط 2، 1975.

10. أحمد بن يحيى بن جابر البلاذری، أنساب الأشراف، تحقیق وتعليق الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط 1، 1974.

ص: 287

11. أحمد بن يعقوب اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بیروت، 1973.

12. أحمد حسين يعقوب، النظام السياسي في الإسلام، مؤسسة أنصاریان، قم، ط 3، 1424 ه.

13. باقر شريف القرشي، موسوعة الإمام أمير المؤمنين، تحقيق مهدي باقر القرشي، مؤسسة الكوثر للمعارف الإسلامية، قم، 1422ه.

14. توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، المعرفة للنشر والتوزيع، بغداد، ط 3، 1990.

15. جاسم محمد شهاب البجاري، دراسات في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي، مطبعة الجمهور، الموصل، 1990.

16. حسن القبانجي، مسند الإمام علي (عليه السلام)، تحقيق الشيخ طاهر السلامي، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ط 1، 2000.

17. خالد محمد خالد، في رحاب الإمام علي (عليه السلام)، دار الإسلام، القاهرة، 1997.

18. د. خضير کاظم حمود، السياسة الإدارية في فكر الإمام علي بن أبي طالب، مؤسسة الباقر، بیروت، 1999.

19. عبد الرضا الزبيدي، في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي، مكتبة فدك، بیروت، ط 1، 1998.

20. عبد القاهر بن طاهر البغدادي، أصول الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3، 1981.

21. عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة (تاریخ الخلفاء)، تحقیق علي الشيري، مطبعة أمير، إيران، ط 1، 1413 ه.

22. عبد الواحد بن محمد بن تميم الأمدي، تصنیف غرر الحکم و درر الكلم، تحقیق المصطفى الدرايتي، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ط 1، 1416 ه.

ص: 288

23. عز الدين بن هبة الله بن محمد ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، بيروت، ط 2، 1967.

24. علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقیق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة، القاهرة، 1950.

25. علي بن الحسن الشافعي (ابن عساکر)، تاریخ مدينة دمشق، دراسة وتحقيق علي الشيري، دار الفکر، بیروت، 1995.

26. علي عبد الرزاق، الإسلام وأصول الحكم، دراسة محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1972.

27. فاضل الموسوي الجابري، العدالة الاجتماعية في الإسلام، المركز العالمي للدراسات الإسلامية، قم، 1421 ه.

28. کاظم مدير، الحكم من كلام الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدسة، مشهد، 1417 ه.

29. کافي الدين أبو الحسن علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، تحقیق حسين الحسيني، دار الحديث، قم، 1376 ه.

30. لبيب بیضون، تصنیف نهج البلاغة، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، ط 3، 1417 ه.

31. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام)، سنن الإمام علي (عليه السلام)، نور السجاد، قم، ط 1، 1420 ه.

32. محمد الريشهري، میزان الحكمة، دار الحديث، قم، ط 1، 1416 ه.

33. محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، وزارة الإرشاد الإسلامي، إيران، ط 2، 1403 ه.

34. محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأبرار، مؤسسة الوفاء، بیروت، ط 2، 1983.

ص: 289

35. محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، تحقیق عبد الرحیم رباني، دار إحياء التراث العربي، بیروت، 1983.

36. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي الصالح، تحقيق فارس تبریزیان، مؤسسة دار الهجرة، إيران، 1380 ه.

37. محمد بن الحسين الموسوي البغدادي الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، دار الذخائر، قم، 1412 ه.

38. محمد تقي التستري، قضاء الإمام علي، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، بیروت، 1992.

39. محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، تحقيق مهدي المهريزي، دار الهادي، ایران، 1419 ه.

40. محمد حسن القزوینی، الإمامة الكبرى والخلافة العظمی، تعليق: مرتضى القزوینی، مطبعة النعمان، النجف، 1958.

41. محمد حسين فضل الله، علي ميزان الحق، تحرير صادق اليعقوبي، دار الملاك، بيروت، ط 1، 2003.

42. محمد ضياء الدين الريس، النظريات السياسية الإسلامية، دار المعارف، القاهرة، ط 4، 1967.

43. محمد طي، الإمام علي ومشكلة نظام الحكم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بیروت، 1997.

44. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، دار الزهراء، بيروت، ط 2، 1972.

45. محمد مهدي شمس الدين، عهد الأشتر، المؤسسة الدولية، بيروت، ط 2، 2000.

46. محيي الدين الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تاج العروس في جواهر

ص: 290

القاموس، دار الفكر للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت، 1994.

47. مرتضى الأنصاري، التقية، تحقيق فارس الحسون، مؤسسة قائم آل محمد، قم، 1412 ه.

48. ميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تحقيق مؤسسة آل البيت، مؤسسة آل البيت، بيروت، 1987.

49. نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، ط 2، 1382 ه.

50. نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، بیروت، 1988.

51. د. نوري جعفر، فلسفة الحكم عند الإمام علي عليه السلام، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2004.

ص: 291

ص: 292

اخلاقيات السياسة الاسلامية بين النظرية والتطبيق عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه) انموذجا

اشارة

د. الشيخ حسن كريم ماجد الربيعي النجف الاشرف /جامعة الكوفة كلية الفقه / قسم العقيدة والفكر الاسلامي

ص: 293

ص: 294

المقدمة

هذا بحث بعنوان: (اخلاقيات السياسة الاسلامية بين النظرية والتطبيق عهد الامام علي عليه السلام لمالك الاشتر انموذجا)، اخترته اولا: تلبية للدعوة الكريمة من القائمين على مؤتمر: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر حين ولاه مصر، وثانيا: لبيان جينولوجيا السياسة في الاسلام واحكامها الاخلاقية المترابطة التي دعا اليها الامام علي في ادارة الدولة، والاخلاقيات التطبيقة من اهم الفلسفات العالمية التي تدعو اليها الدول المتطورة.

كم كتبنا من كتب على هذا العهد العظيم في معاهدنا وجامعاتنا وحوزاتنا؟، القليل ولم نعمق بحوثنا من تراثنا، وتعد هذه المبادرة مهمة جدا على ان تتحول البحوث ذات الجدوى الى مسار عمل في بناء الدولة لا ان تترك هذه البحوث للسمة الاعلامية فقط.

يتحقق جدوى البحث في التمييز بين النظم الاسلامية بشكل خاص والنظم الاخرى بشكل عام، كخصائص تميز النظام الاسلامي لانظم المسلمين وفق القانون والعقيدة والاخلاق، والعامل الاخلاقي متداخل في العلوم النظرية والعملية تداخلا بلا انفكاك في النظرية الاسلامية، وتترابط الافكار والاعمال في المنظومة السياسية الاسلامية وهي ممارسة الامام علي في ادارة الدولة والعهد هو السياسة العملية في الادارة، نجد في العهد مفردات اخلاقية تهم المسؤول وترشده الى العمل الصالح وتطبيقه على ارض الواقع.

قسم البحث الى مبحثين: الاول: الكلمات المفتاحية للبحث، والاخر: السياسية الاخلاق تأصيل نظري و عملي، نتمنى ان نعطي صورة يقينية عن سياسة الاسلام ودور الاخلاق فيها كمرتكز فعلي يميزها.

البحث بحاجة الى فتح الافاق له كبنية اساسية في الدراسات السياسية والتاريخية للغور في اعماقه وتحويله الى الادارة المعاصرة لكل مسؤول يدير الامور ويتصدى لها، فعلي عليه السلام النموذج في المعارضة و النموذج في السلطة.

ص: 295

المبحث الاول الكلمات المفتاحية

وردت في العهد عدة الفاظ مهمة تمس المسؤول والامام يعطي التصدي للمسؤولية عناية خاصة و يوسع ما ينبغي فعله تمازجا مع السياسة والسياسي.

نحاول هنا التركيز على الاهم بما تضمنه العنوان: اي السياسة، الاخلاق.

اولا: السياسة:

ساس الامر يسوسه سياسة دبره وقام بامره (1)، التدبير وتولي الامور سياسة، وربما تنظيم الاشياء باي اتجاه سياسة ايضا وفق هذا التعريف.

وجاء التعريف المصطلحي للسياسة منذ اقدم الازمنة،ما قبل ارسطو ربما زمن الحضارة البابلية وقبلها لحاجة الانسان للتدبير و القيام بالامر منذ زمن الاسرة الاولى

لقد وصفت السياسة بانها امتداد للحكم والحكومة، وفن علاقة الحكم او مجموعة الشؤون التي تهم الدولة في اطارها الوطني (2).

تطور المصطلح كثيرا اذ تشعبت لفظة سياسة في مضامين حسب القيدية في الدولة و الضبط و المال و المجتمع والقانون و غيرها ففي الدولة يشير الى الادارة المدنية لضبط منتظم و راسخ او شكل من اشكال الحكم،و في اوربا توحي بالادارة المدنية او الحكومة المنظمة (3) وهذا غير بعيد عن تنظيم الولاية او الدولة في سياق العهد.

وانا اقرأ (لغة السياسة في الاسلام) لبرناد لويس استغربت حيث يقرأ السياسة بالمقلوب من الدولة العثمانية الى ما قبل الاسلام و الاعتيادي و المنطقي ان نقرأ الاصل ومدى تطوراته المختلفة و المطابقة لنظم الاسلام لا لنظم المسلمين، و لكن ربما هي قراءة

ص: 296

جديدة لواقع مع حضرياته والتنقيب عنه، فالسياسة قد عرضها العرب قبل الاسلام ثم انتظم العرب في دولة الاسلام و الخلافة و السلطة.

يذكر لويس هدف الدولة التي اسست من قبل الله (4)، التحقيب التاريخي للمفردات و المفردات المقاربة في ثقافة برنارد لويس غير كافية في معرفة حقيقة السياسة في الاسلام، فدراسة النماذج العلمية والمقارنات مع نظم الاسلام و سياسته النظرية والعملية تعرف الاشياء على واقعها، لم يتعرض الكثير من المستشرقين وغيرهم الى طبيعة فهم السياسة عند الامام علي عليه السلام، اذ يرى مشاركة الحاكم والمحكوم في تدبير الدولة والولايات التابعة لها، الحاكم باخلاقه ومراعاته، والمحكوم بتفهم قرارات الحاكم وتنفيذها للصالح العام او الخاص.

من الغريب قول الكثير عن غياب النص السياسي (5)، ووظائفه في السياسة، اذا كانت السياسة إدارة الدولة فالحاكم يمكن توصيفه وتمكينه، يؤكد الاسلام بالاجماع عن البحث عن عدالة الراوي والشاهد والقاضي والمحتسب وغيرها من العنوانات، فكيف بالحاكم الاول او الرئيس؟، فالوصف: عنوان يحدد الوظيفة ومؤهلات الموصوف في مكانه الاصلي، وها هي النبوة ثم الامامة سواء السياسية او الدينية او كلاهما، فالشيعة يعتقدون بإدارة النبي او المعصوم او من يخول عنهما.

ص: 297

فسياسة النبي او سياسة المعصوم (الانسان الكامل، الانسان الارقى) البحث عن مفهوم العدالة وتحقيقها، ان مصطلح الانتخابات لدى الناس او البحث عن توافق في الاختيار وفي الاصل البحث عن عدالة المنتخب، وفعلا تم في خلافه الامام علي عليه السلام، بالانتخاب الجماهيري حكم الامام وليس بالنص سنة 35 ه.

لو كان البحث عن صفات الحاكم ونصوصه لما حدثت الفتن، فالسياسة الاسلامية تعني تطبيق الاسس والمبادئ التي جاء بها الدين خدمة للمجتمع والانسانية، في النظر والعمل، الفعل التأسيسي لصياغة دولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي طبق الاصل النظري، اي الاصول ثم التفريع طبق الاصل واطاره لا خارجه كما حصل في الواقع.

ربما السؤال والاشكالية تطور السياسة الى نزاع وصراع داخلي، وربما هو نتاج فهم خاطئ لادارة الدولة، او الهيمنة والغاء الآخر؟، لماذا تطورت السياسة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لجملة من الصراعات بين الجيل الاول والثاني؟، بعد صعود الهيمنة والانفكاك عن مستلزمات موازية لها (الاخلاق).

وكذلك القوة في موقع المنصب، القوة العادلة اي قوة العدالة في الادارة الحقة، ولكن يبدو ان الثقافة المهيمنة لقوة قريش والتكوينات بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) دعمت ظهور القوة بدافعها ليس بدافع السياسة الاسلامية الخالصة، بإعتقاد ان الاجتهاد حل من الحلول في إدارة الدولة، ولكثرة الاخطاء رتبت القاعدة (إجتهد فإخطأ) فعصمت الحاكم بهذه الايديولوجيا السياسية. كان النص والتعيين في السياسة الاسلامية يحقق اليقين الامتدادي للرسالة بلا شائبة مبتدعة او المسامحة في الحكم بقاعدة (إجتهد فأخطأ).

ص: 298

فالنص والتعيين هو الامتداد الطبيعي لاصل النظرية، لذلك احتاج من لم ينص عليه اختيار لقب خليفة، لذلك عبر علي اومليل في كتابه (السلطة الثقافية والسلطة السياسية): احتياج الحاكم لهذا اللقب للتواصل مع الرسول وعدم الخروج عن سلطانه سلطانه ويعد نفسه القيم على الوصل بين السياسة والشريعة (6).

ثانيا: الاخلاق

خلق: الخُلُق، وقد يقال: رجل خليق اي: تم خَلقُهُ، وهذا رجل ليس له خلاق، اي: ليس له رغبة في الخير والخلوق: من الطِّيب، وفعلُه: التخليق والتخلق (7) في حين يعرفه الراغب الاصفهاني (ت 5,2 ه) في مفرداته: خص الخُلُقُ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، قال تعالى: ((وإنك لَعَلَى خُلُقٍ عظيم)) (8)، والخَلاقُ ما اكتسبه الانسان من الفضيلة بخلقه (9).

ربما يظهر من هذين التعريفين انه سلوك مكتسب يتعلمه الانسان ويفعله ولا ينفع الکلام به بلا سلوك ناتج من تربية خاصة اسرية او مجتمعية اصلها العقل او الدين، ومع هذا فإن الاخلاق قوة اجتماعية ونفسية يسعى اليها والى تكوينها الجميع وهي في السياسة اولى واهم، وعلم الاخلاق علم موضوعه الاحكام القيمية التي تتعلق بالاعمال التي توصف الحسن او القبح، وفي ضوء ذلك تكون واجبة في الحكام دون المحكوم، الوجوب العقلي و الشرعي، و الشرعي ارشادي، وهذه الحالة للنفس تكون راسخة تصدر الافعال من خير او شر من غير حاجة الى فكر و روية (10)، لذلك نقول: هذه هي اخلاقه سواء صدر منه الخير او الشر.

وفي التعريف الاصطلاحي: الاخلاق: مجموعة قواعد السلوك مأخوذة من حيث هي غير مشروطة، او هي نظرية عقلية في الخير و الشر (11)، ربما ان البحث الاخلاقي قد

ص: 299

هيمنت عليه الفلسفة باعتباره يرجع الى العقل و الحس المشترك ولكن البحث الدقيق يجد ان اهم مصادره الاديان التي تدعو الى الفضيلة والاخلاق، بل ربما طغت على تعاليم الاديان باجمعها الفكرة الاخلاقية، تجد ذلك واضحا في كل نصوص الاديان، ولكن لازال البحث الاخلاقي بحثا فلسفيا، و مع الاسف منه، مع ان الاحكام جرد البحث الفقهي الفقهية و السياسية متلازمة بل اثر من اثاره.

يقول احمد بن مسکویه (ت 421 ه)، في كتابة (تهذيب الاخلاق): غرضنا في هذا الكتاب ان نحصل لانفسنا خلقا تصدر به عنا الافعال كلها جميلة (12)، و الاخلاق: هي خيرات، و فضائل، و اطرافها التي هي شرور ورذائل (13)، والخير هو غرض افعال الانسان، فان كل الفنون، وكل الابحاث العقلية المرتبة، و جميع افعالنا، وجمیع مقاصدنا الاخلاقية يظهر ان غرضها شيء من الخير نرغب في بلوغه، وهذا هو ما يجعل تعريفهم للخير تاما اذ قالوا: انه هو موضوع جميع الامال (14) قال تعالى: (واوحينا اليهم فعل الخيرات) (15).

يؤكد النص القرآني على وحي الخيرات كاصل عقلي وارشادي ديني، بل غرض الوجود فعل الخيرات في الادارة او في غيرها.

الافعال الاخلاقية ربما تخضع لقانون اجتماعي او ديني او حتى سياسي اي تقنين الاخلاق لحفظ المجتمع بالفعل السياسي.

يعتمد الامام علي عليه السلام الفعل الاخلاقي الى الامر به و هو ربما التقنين الاخلاقي للحاكم، لذلك جاء في صدر العهد: (هذا ما امر به عبد الله علي امير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه) (16)، تعرض الامام عليه السلام الى الالفاظ الاخلاقية بعنوان فعليتها عند الحاكم:

ص: 300

1. التقوی.

2. ایثار الطاعة.

3. اتباع القران من فرائضه وسننه (تحقيق السعادة بهما).

4. الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5. الأمر بكسر الشهوات.

ثالثا: اخلاقيات السياسة في النظرية الاسلامية

يربط العهد ربطا وثيقا بين الحاكم والاخلاق، فقد تطرق للعلاقة بين الاخلاق والسياسة اذ امر الاشتر بعدة اوامر باعتبار منصبه وهي مقومات يتسلح بها لادارة الحكم باخلاق (17):

6. العمل الصالح والخوف من الله (السياسة الدينية).

7. تهذيب النفس دائما (التطبيق).

8. الرحمة بالناس (رعاية المجتمع).

9. الانصاف (الاخلاق).

10. اللطف (الحاكم ومجتمعه).

11. الانسانية (شرائح اجتماعية مختلفة).

12. الابتعاد عن الظلم (تحقيق القانون).

13. الابتعاد عن الاغترار والاستئثار (الحاكم القدوة).

14. وغيرها من المقومات التي ذكرها في عهده تعبر عن اصالة السياسة في الاسلام: اي مشروطة بالتمازج مع الاخلاق بالفعل التطبيقي.

لم تكن السياسة في الاسلام عبارة عن فن الممكن او آلیات مفتوحة للحصول على السلطة باي ثمن كان، وان كان الوصول للسلطة غير معيب، وقد تصل الى السعي الواجب اذا كان الهدف اسمي في تحقيق العدالة.

ص: 301

يريد الاسلام تحقيق الأهداف: السعادة والسياسة عن طريق العدل والإنصاف اي شیوع السعادة الاخلاقية في اوساط المجتمع، مع هذا فلا نجد في سياسة المسلمين بعد مقتل الامام عليه السلام الا القتل و التشريد و الهيمنة و التسلط و الاستغلال حتى انتهت الخلافة في مؤتمر انقرة و لم تحقق للمسلمين اي سعادة، لانها في الواقع انفصلت وانفكت عن هذه المبادىء العظيمة، لابد من جمع السياسة والاخلاق، وان لم يتح للامام تحقيق ذلك في مصر.

هل يريد الامام تحقيق السعادة عن طريق السياسة، فعلا كنا نقرأ أن الاسلام اذا حكم يحقق العدالة الاجتماعية، لان الحاكم في الاسلام هذا هو نظامه فلا وجود لفساد اخلاقي او اداري او مالي او كل اشكال الفساد، و لكن الثقافة و عولمتها غيرت النفوس و اصبحنا تحمل الاسلام اسما بلا محتوی.

تحولت السياسة الى ايديولوجيا حزبية وتكتلية مقيتة في عصرنا اليوم، خالية من الجمع المستفاد من ثقافة أن السياسة اخلاق، مثلما ان الدين اخلاق و معاملة.

حول الفكر الغربي المنظومة الاخلاقية الى قانون اجتماعي واصبح ثقافة تجد ذلك واضحا في الدول الاوربية. ربما يشكل بان السياسة و الياتها قد تغيرت كثيرا، اقر بذلك ولكن الاخلاقيات الاساسية لن تتغير، فقد تغيرت تقنيات السلطة و نظرياتها، الا ان الاخلاقيات دائمة عقلا ونقلا، يعاني عصرنا بعد وصول التيارات الاسلامية التي كان يحلم بها المسلم في عصر القوميات والايديرلوجيات المختلفة، ولكن خاب امله وظهرت هذه التيارات على حقيقتها الزائفة وفشلت في ادارتها، لان عنصر الخلق الديني الاسلامي و الاخلاق قد ضاع او استلب تماما فكثرت السرقات وظهر الفساد بابشع صوره، وعادت المجتمعات تحن الى الماضي بعد ما فقدت الأمل بالحاضر والمستقبل.

ص: 302

المبحث الثاني السياسة والاخلاق

اولا: التأصيل النظري

يؤكد النص القراني على الاستقلالية السياسية، بل الاستقلالية الاكتفائية لانها تشكل قوة لهم (للمسلمين) قال تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (18)، وهذا النص يشير الى الدولة وقيادة المسلمين لانفسهم تشكل القوة والارادة مبدأ اساس في فلسفة الدولة الاسلامية ولكنها قوة عدالة لا قوة بغي واعتداء، بعيدا عن المعنى الفقهي و استفادة الفقهاء معاني اخر غير الذي نذكره، و أنه ربما يتحمل عدة معان، يحفز هذا النص على الاكتفاء و الاستقلال وعدم التبعية اي سياسة بلدهم بانفسهم بما يرضي اوامر الله الموجهة لصلاح الناس، ومنه قوله تعالى: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ» (19)، يدل هذا النص على وجوب دفع الظلم و الامر بالمعروف و الحكم بالعدل و غير ذلك و هو النظام السياسي الاسلامي اي مقارعة الظلم (20)، وهنا امتزج السياسي بالاخلاقي ومن هذه النصوص وغيرها، يؤصل الاسلام لنظامه السياسي و الاخلاقي، فان غاية السلطة و الحكم تحقيق العدالة و السعادة ونکر ان الذات والمصالح الشخصية، قال الامام علي عليه السلام: (أَمَرَهُ بتقوى الله) (21)، والتقوى فضيلة أخلاقية وسجية سلوكية، فقد ربط الامام عليه السلام الحكم والادارة بالتقوى وبيَّن عليه السلام لمالك الاشتر اهمية العمل الصالح: (فليكن احب الذخائر اليك ذخيره العمل الصالح...) (22).

عندما تستعرض الآيات القرانية والنصوص الحديثية تجد الربط الواضح بين

ص: 303

السياسة والاخلاق، يذكر الإمام في عهده: (فإن في الناس عيوبا الوالي احق من سترها) (23)، (لاتدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل) (24)، وهنا يمكن ان ننقط الاطار التنظيري في الجمع بين السياسة والاخلاق:

1- قوة الدولة في الاسلام.

2- قوة الدولة بعدالتها.

3- دفع الظلم ومقارعته.

4- العمل الصالح ذخيرة الحاكم.

5- التقوی در جة مقومة لسلوك الحاكم.

6- الحاكم والمجتمع (الستر، والفضل).

والقول بالفصل بين السياسة والاخلاق هو خطأ محض وكبير لذلك سعت الشعوب لاختيار حكامها وفق القيم الاخلاقية وبسط عدالة الحاكم وفق نظريات عدالة الحكم السياسي، والعدل والإنصاف قیم اکسيولوجية تحقق الاهداف والاغراض، وهو ما اكد عليه الامام علي عليه السلام من بداية عهده الى نهايته وربط بين المفهومين اللذين يحققان الحكومة والادارة الناجحة، وبإختيار الحاكم العادل والمنصف تتحقق المعاني السامية في الدولة.

لقد رد الامام علي عليه السلام على الخوارج لما سمع قولهم: (لا حكم الا لله): كلمة حق يراد بها باطل، نعم انه لاحكم الا الله، ولكن هؤلاء يقولون: (لا أمرة الا الله) (25)، حقا لابد من حكومة تحكم بحكم السياسة ليس بحكم واهواء الاشخاص او تكفيرهم، السياسة والاخلاق لا التكفير والقتل وفرض الامر الواحد والثقافة الواحدة، الله سبحانه قد اعطى الطريق في الاشياء واوعز ذلك الى حكم الاختيار والعقل والاخلاق في إدارة الدولة والافراد والمساواة وغيرها من شؤون السياسة.

ص: 304

وعلى الحاكم ان يقرب العلماء في المدارسة والمناقشة، وهنا يطرق الامام عبارة مهمة في التأصيل السياسي والاخلاقي، (و اکثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبیت ما صلح عليه امر بلادك واقامة ما استقام به الناس قبلك) (26).

يؤكد الامام في هذا النص على رفض الاستبداد السياسي والديني وان المستبد هالك وان كانت له بقية في الحكم نتيجة استبداده وعدم سماعه النصائح التي تخدم المجتمع وتطوره، و من يفهم بطلان نظرية الحكم المطلق أو بالحق الالهي كما تأسس في فكر الدولة الاموية والعباسية التي ادعت بالوصية والقرابة والدول التي ظهرت في الاسلام في اغلبها افردت السياسة والحكم عن الدافع الأخلاقي وابعدته قهرا.

وقديما قال ارسطو: (في حقيقة الامر علم السياسة والتدبر هما استعداد اخلاقي واحد بعينه، ولكن صورة وجودهما ليست واحدة) (27)، وفي العهد نجد تدبيرا نفسيا وتدبيرا اجتماعيا وسياسيا واخلاقيا، يؤسس لادارة نموذجية لو تحولت الى مسلك عملي وفعلي.

هذا التأصيل النظري لبناء الدولة لم ير النور في اغلب دول الاسلام، لانه فعلا يحتاج الى نماذج خاصة مثل مالك الاشتر او غيره، وصناعة النماذج وان كانت غير مستحيلة الا انه لم تحفل بسياسة تحاكي الاطر النظرية.

يعطينا الامام صورة رائعة في الاقتداء بنموذجه المصطفى فهو نموذج المعارضة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، و نموذج السلطة بعد خلافته علّم الناس كيف ينقد الحاكم ويسمع لمناصريه ومناوئيه، هذه الصورة ومبادئها العظيمة تشجعنا على البحث عن الاطر النظرية في الحكم وكيف يكون عليه الحاكم او ما تسمى في التراث بالسياسة الشرعية، فقد تشعبت الاراء وتناقضت في الفهم السياسي والاخلاقي للاسلام.

ص: 305

نشأت دول ادعت النظام الاسلامي وهي بعيدة كل البعد عن الجمع بين الفكر السياسي الممزوج بالفكر الاسلامي لقيادة المجتمع الاسلامي.

نموذج التأصيل في النقد كان حاضرا في دولته، فقد خرجت عليه الخوارج، وناقشه عدة من أصحابه واشاروا عليه، بل نقدوه في بعض سلوكياته وخاصة في المساواة في العطاء، وكان يسمع لهم انطلاقا من روح النظرية القرآنية، وقد مارس هو النقد من منطلق المسؤولية، وهو من المواضيع التي طرحتها مرارا وتكرارا لعلّي اجد من يدرس هذا الموضوع، ليكشف لنا عن علاقة الدولة بالمجتمع وهدف اصلاحه او ما يعرف بالنقد الاجتماعي.

ثانيا: التأصيل العملي

هذا العهد وان كان اطاراً نظريا لان مالك الاشتر لم يصل الى ولايته المصرية فقد تعرض للاغتيال بالسم اودى بحياته قرب دخوله مصر، ولكن هذا العهد قد مارسه الامام في ظل خلافته (35 ه - 4.ه) في الكوفة والامصار التابعة للدولة.

يؤكد الامام علي عليه السلام ان السياسة ليست حرفة بل هي مرتبطة بتطبيق العدل والعدالة وتمكين امر الله في ادارة الدولة، وربما ترقى السياسة الى نوع من العبادة، اي يربط بين السياسة والعقيدة والاخلاق متداخلة بينهما.

تحولت السياسة المعاصرة والحديثة بإنها مهنة وحرفة، يذكر ماكس فيبر في محاضرته (السياسة بوصفها حرفة): ومع جعل كل العمليات العقلية عمليات آلية بانه: خواء عقلي، وکذب اخلاقي، وفراغ فني، فقد صارت مهمة الاحتراف السياسي: فناً مخيفا مزيفا، وبالنتيجة يجدر بالعلماء اليوم في المانيا القيام بعمل افضل بدلاً من استهلاك انفسهم في خدمة العمل السياسي اليومي (28).

ص: 306

تبدأ نظرية ماكس فيبر بأهمية العمل، والعلم، واعتبر الشغل وتقديسه من نتائج النمو الاقتصادي في الرأسمالية، سبقه الاسلام بتقديس العمل والكد، وفي المقاربات تلتقي البروستانتية مع الاسلام في تبجيل العمل وتنظيمه، اما السياسة والحكم فلا تعد مهنة او حرفة في الاسلام بل هي واجبة في اقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وردع الظلمة والطواغیت فالتصدي لها خدمة.

كانت خلافته (عليه السلام) من سنة 35 ه الى سنة 4. ه وكان يقول: (يا اهل الكوفة اذا انا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن) (29)، وكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة من ينبع (30)، وهو خليفة يحكم وبيده الامور والولايات والاموال، فالسياسة في نظره لیست حرفة او مهنة او بحث عن راتب فقد ساوى نفسه بالناس في العطاء باعتبار حقوقهم وهو احدهم.

اعطى امرأة عربية نفس عطاء امرأة اعجمية، وقال: اني لا اجد لبني اسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني اسحاق (31)، وربما هذا من باب المثال، روح التساوي في الحقوق هي فكرة المواطنة المعاصرة، فقد غير ثقافة التفضيل التي كانت سائدة قبل خلافته وهذا العمل السياسي افقده الكثير من المناصرة في مجتمع تعود على التفضيل و اعترض عليه طائفة من أصحابه في هذه القضية و حاولوا معه ان يعمل بالتفضيل الذي عمل به معاوية وغيره، وكان جوابه: اتامروني ان اطلب النصر بالجور؟ والله لا افعل ماطلعت شمس وما لاح في السماء نجم، والله لو كان مالهم لي لواسیت بینهم فكيف وانما هي أموالهم (32).

هذه هي السياسة و هذه هي الاخلاق وهذا هو الدين الذي جعل الامام يقسم بان يتم التوزيع بالتساوي مما جعل الكثير من رؤساء القبائل في الكوفة يتركوه ويذهبوا الى معاوية، وهنا لابد من التمييز بين السياستين، مجرد التفضيل يصنع النصر کما صنع لمعاوية، لكن المبادىء الدينية التي حكمت السياسة و الاخلاق في الاسلام وليس

ص: 307

العكس، السياسة غاية وهدف بل ان التطبيق الفعلي للاطر النظرية هو الهدف و هو الغاية من الوصول إلى سلطة الحكم وسياسة المجتمع الفعلية.

لقد ادرك الامام المشكلة المالية و السياسية و الاستبداد، المال يصنع الاستبداد، لكن السياسة الاسلامية تؤكد وضع الاشياء في مواضعها لذلك جاء عنه: ((من كان له مال فاياه والفساد)) (33)، كان شديدا في الاموال يقسمه بالسوية، و قد اعطى الناس في عام واحدا ثلاثة اعطية ثم قدم عليه خراج اصفهان، فقال: ايها الناس اغدوا فخذوا، فو الله ما انا لكم بخازن، ثم امر بیت المال فكنس ونضح (34).

كان يتأسی بالنبي لانه نموذجه، هذه هي سيرته السياسية والاخلاقية، فقد جمع بينهما و لانكاد نستطيع التفريق بينهما.

دخل عليه احد اصحابه (عقبة بن علقمة) (ينقل ما شاهده): فاذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسر يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين اتاكل مثل هذا؟ (35)، اجابه: رایت رسول الله یا کل ایبس من هذا، ويلبس اخشن، فاذا انا لم آخذ بما اخذ به خفت ان لا الحق به (36).

هذا ما كان يوصي به نفسه و الاخرين ممن عينهم ولاة و على راسهم مالك الاشتر في عهده، فكل ما كان يعمله جاء في العهد أنه ربما يصح لنا ان نقول العهد سيرته السياسية والاخلاقية في الحكم بل هو جينولوجيا الحكم السياسي في الاسلام.

لن يتميز الامام عن مجتمعه حتى في الماكل او الملبس بل اقل منهم لان معياره الفقير في الماكل والملبس، مع انه ليس فقيرا كما يتصور البعض، انها المسؤولية و التاسي بسيرة الرسول ودولته في المدينة المنورة.

فعن سويد بن غفلة قال: دخلت عليه فاذا بين يديه قعب (لبن) اجد ريحه من شدة

ص: 308

حموضته و في يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه، و عاتب سويد اهله، فاخبروه هو امرهم، فاجاب الامام: بابي وامي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا ولم ينخل دقیقه، قال: يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (37).

هكذا يصنع الاسلام نماذجه و ديمومتها، هم السياسة وهم الاخلاق و هم المسؤولية، هذا هو معجم السياسة و الاخلاق في الاسلام هذه سیاسته مع نفسه و المجتمع و رفض التمايز بين الحاكم و المحكوم العيش وسط المجتمع، رفع الحواجز عنهم حتى في ماکله و ملبسه، هذه السيرة الفعلية في ظل السلطة و الحكم و الحكومة، هذا هو عهده الذي مارسه و اعطاه الى مالك الاشتر، وربما يقولون لانظرية سياسية في الاسلام.

کما کتب في العهد حرصه على استقلال القضاء و الاهتمام بالقاضي، مارس ذلك فعلا في قضية الدرع، و كانه ليس بخليفة امام القضاء (38)، و قد قضى شريحا للنصراني في ظل دولة المسلمين، ولضمان حفظ المجتمع و فرض القانون الاسلامي اسس السجن، فعن سابق البربري قال: رایت عليا عليه السلام اسس المحبس و هو خص (القصب)، و كان يفرجونه ويخرجون منه فبناه بالجص و الاجر (39).

لم يكن العهد الذي اشتهر بالقرينة لمالك الاشتر فقد كان هناك عهدا اخر سبقه الى اهل مصر ايضا يسمى عهد محمد بن ابي بكر الى اهل مصر وهو لايقل اهمية عن العهد المشهور جاء فيه التنظيم العبادي و السياسي و الاداري و لكنه انتهى به ان اخذ هذا العهد الى معاوية و كان ينظر فيه و يعجبه، و قد اشار عليه الولید بن عقبة أن يحرق، الا ان معاوية عرف اهميته و صرح لخواصه: انا لانقول: ان هذه من كتب علي بن ابي طالب، و لكنا نقول: ان هذه من كتب ابي بكر كانت عند ابنه محمد فنحن نقضي بها و نفتي، فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني امية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي اظهر انها من احاديث علي بن ابي طالب (40) (عليه السلام)، ولاهمية هذا العهد العظيم

ص: 309

المنظم لادارة الدولة والولاية لما بلغه أن ذلك الكتاب صار لمعاوية اشتد ذلك عليه، وقال: اني استعملت محمد بن ابي بكر على مصر فزعم انه لا علم له بالسنة، فكتبت اليه كتابا فيه السنة، فقتل واخذ الكتاب (41)، ويبدو انها مجموعة كتب كتبت، فقد جاء في بعضها: اوصيك بسبع هن جوامع الاسلام، اخش الله ولا تخش الناس في الله، فان خير القول ماصدقه العمل......... الخ (42)، لو دققنا العبارة الاخيرة اي: القول والعمل هو نفسه بالمقاربة النظرية والتطبيق.

وفي نظري ان هذا الكتاب بحاجة الى دراسة معمقة كما درس العهد عدة دراسات، وخاصة من جهة الفكر السياسي في الاسلام وفي عبارة مهمة في بناء الحضارة والثقافة - جاءت في عهد مالك - يحذر الامام من سقوط الدول وزوالها اذا فقدت العمران: (فإن العمران محتمل ما حملته وانما یؤتی خراب الارض من اعواز اهلها، وانما يعوز اهلها لاشراف انفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر (43)، العمران هنا اختصاراً لكل المشاريع التنموية للبلاد وهو حث على ان لا يعطل اي مشروع يفيد العباد والبلاد. (44) وكلامه في العمارة يحتاج إلى دراسة معمقة

لربطه بين العمارة وصلاح السياسة، والعمارة والدولة، فقد جاء: (وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغیر عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم امره الا قليلا (45)، يؤكد في هذا النص على ان العوائد تنعكس على المجتمع وتطوره حضارياً وثقافيا، كالضرائب التي تأخذها الدول اليوم فتنعكس على ازدهارها وتطورها اقتصاديا وثقافيا، وخاصة في الدول المتطورة وعلى العكس منها في الدول النامية والفقيرة، بسبب استغلال السياسة في الإثراء بلا سبب، و ظهور مصطلح السياسي التاجر، والاثراء بالسياسة، وقد اشار الامام في النص السابق: (لاشراف انفس الولاة على الجمع) (46).

ص: 310

الخلاصة:

بعد هذه الجولة السريعة في هذا البحث توصلنا إلى النتائج الآتية:

1- اقتران السياسة بالاخلاق في الفكر السياسي الاسلامي.

2- لمعرفة ذلك تنصب الدراسات على نموذجي الرسول في دولته والامام في خلافته.

3- يمكن تقعيد الفكر الاسلامي وانشاء الدولة الكريمة في الاطر النظرية.

4- اثر النقد الاجتماعي في اصلاح الحاكم والدولة في الاسلام.

5- صلاح السياسة بالعمران.

ص: 311

الهوامش:

(1) الفيومي، احمد بن محمد بن علي المقري (ت. 77 ه)، کتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، (القاهرة: المطبعة الايرية، 1928 م)، ج 1، ص 4,1.

(2) ناظم عبد الواحد الجاسور، موسوعة المصطلحات و السياسية و الفلسفية و الدولية، (بيروت: دار النهضة العربية، 1432 ه / 2٫11م) ص 349.

(3) طوني بينت - لورانس غرو سبيرغ و ميغان موریس، مفتاح اصطلاحية جديدة، معجمم مصطلحات الثقافة و المجتمع، ترجمة: سعيد الضانمي، (بیروت: المنظمة العربية للترجمة، 1 ,2.م)، ص 412.

(4) برنارد لويس، لغة السياسة في الاسلام، ترجمة: ابراهیم شتا، دار قرطبة 1993 م، ص 51.

(5) عبد الاله بلقزيز، النبوة والسياسة، (بیروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2٫11 م)، ص 46.

(6) علي او مليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، (بیروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2,11م)، ص 12.

(7) الفراهيدي، ابو عبد الرحمن الخليل بن احمد (ت 175 ه)، کتاب العين، (بیروت: دار احیاء التراث العربي، 1426 ه/ 2..5م)، ص 265.

(8) اتعلم / 4.

(9) الراغب الاصفهاني، ابو القاسم الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، ضبط: هيثم طعيمي، (بيروت: دار احیاء التراث العربي، 1423 ه/ 2002 م)، ص 164.

(10) ابراهيم مصطفی و اخرون، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص 285.

(11) مراد وهبة، المعجم الفلسفي، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1979)، ص 12.

(12) مسکویه، احمد بن محمد بن يعقوب الرازي، تهذیب الاخلاق وتطهير الاعراق،

ص: 312

تحقق وشرح: نواف الجراح، (بیروت: دار صادر، 1427 ه/ 2..6م)، ص 9.

(13) المصدر نفسه، ص 28.

(14) ارسطو طاليس، علم الاخلاق الى نيقو ماخوس، ترجمة: بارتلي سانتھلیر، نقلة الى العربية: احمد لطفي السيد، (القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1343 ه/ 1924 م) ج 1، ص 167.

(15) الانبياء / 73.

(16) الشريف الرضي، ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف من كلام امير المؤمنين ابي الحسن علي بن ابي طالب عليه السلام، ضبط نصه وابتكر فهارسه العلمية: صبحي الصالح، (قم: دار الاسوة، 1425 ه)، ص 589.

(17) للمزيد ينظر: نهج البلاغة، ص 589 - 591.

(18) النساء/ 141.

(19) المائدة / 49.

(20) سجاد ایزدهي، افاق الفكر الساسي عند صاحب الجواهر (الشيخ محمد حسن النجفي)، ترجمة: احمد ابو زيد، (بیروت: مركز الغدیر، 1433 ه/ 2٫12 م)، ص 5.

(21) نهج البلاغة، ص 589.

(22) المصدر نفسه، ص 59.

(23) المصدر نفسه، ص 593.

(24) المصدر نفسه، ص 594.

(25) (1) نهج البلاغة، ص 79.

(26) (2) نهج البلاغة، ص 596.

(27) (3) ارسطو، الاخلاق، ج 2، ص 133.

ص: 313

(28) (1) ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة: جورج كتورة، (بیروت: المنظمة العربية للترجمة، 11، 2 م)، ص 2٫7- 1٫8.

(29) (1) الثقفي، ابو اسحاق ابراهيم بن محمد (ت 283 ه)، الغارات، تحق: عبد الزهراء الحسيني، (دار الكتاب الإسلامي، 141. ه / 199. م)، ص 44.

(3) (2) المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

(31) (3) الفارات، ص 46.

(32) (4) المصدر نفسه، ص 48.

(33). الغارات، ص 48.

(34) المصدر نفسه، ص 55.

(35) المصدر نفسه، ص الصفحة نفسها.

(36) المصدر نفسه، ص 56.

(37) المصدر نفسه، ص 57.

(38) ينظر: الغارات، ص 74 - 75.

(39) المصدر نفسه، ص 79.

(4) المصدر نفسه، ص 16.

(41) المصدر نفسه، ص 161.

(42) المصدر نفسه، ص 158.

(43) نهج البلاغة، ص 6,3.

(44) عباس نور الدين، عهد امير المؤمنين عليه السلام الى القادة والمسؤولين، (بیروت: مرکز بقية الله الاعظم، 1998 م) ص 87.

(45) نهج البلاغة، ص 6,2.

(46) المصدر نفسه، ص 6,4.

ص: 314

المصادر والمراجع

القرآن الكريم هو القول الفصل.

ابراهيم مصطفى وآخرون.

1- المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية.

ارسطو طاليس.

2- علم الاخلاق الى نيقوماخوس، ترجمة: بارتلمي سانتھلیر، نقله الى العربية: احمد لطفي السيد، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، 1343 ه/ 1924 م).

برنارد لويس.

3- لغة السياسة في الاسلام، ترجمة: ابراهیم شتا، دار قرطبة 1993.

الثقفي، ابو اسحاق ابراهيم بن محمد (ت 283 ه).

4- الغارات، تحقیق: عبد الزهراء الحسيني، دار الكتاب الإسلامي، 141 ه/ 199.م. الراغب الاصفهاني، ابو القاسم الحسين بن محمد (ت 5,2ه).

5- المفردات في غريب القرآن، ضبط: هيثم طعيمي، (بیروت: دار احیاء التراث العربي، 1423 ه/ 2002 م).

سجاد ایزدهي.

6- آفاق الفكر السياسي عند صاحب الجواهر (الشيخ محمد حسن النجفي)، ترجمة: احمد ابو زيد، (بیروت: مركز الغدير، 1433 ه/ 2٫12م).

الشريف الرضي، ابو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي (ت 4,6ه).

7- نهج البلاغة وهو مجموع ما اختاره الشريف من كلام امير المؤمنين ابي الحسن علي بن ابي طالب عليه السلام، ضبط نصه وابتكر فهارسه العلمية: صبحي الصالح، (قم: دار الاسوة، 1425 ه).

طوني بينيت - لورانس غروسبيرغ وميغان موريس.

8- مفاتیح اصطلاحية جديدة معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ترجمة: سعید

ص: 315

الغانمي، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 1 20. م).

عبد الاله بلقزيز.

9- النبوة والسياسة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2٫11م).

علي اومليل.

10- السلطة الثقافية والسلطة السياسية، (بیروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2٫11م).

الفيومي، احمد بن محمد بن علي المقري (ت 77.ه).

11- کتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، (القاهرة: المطبعة المنيرية، 1928 م).

الفراهيدي، ابو عبد الرحمن الخليل بن احمد (ت 175 ه).

12- کتاب العين، (بیروت: دار احیاء التراث العربي، 14269 ه/ 2..5 م).

ماكس فيبر.

13- العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة: جورج كتورة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 11 ,2م).

مراد وهبة.

14- المعجم الفلسفي، (القاهرة: دار الثقافة الجديد، 1979 م).

مسکویه، احمد بن محمد بن يعقوب الرازي (ت 421 ه).

15- تهذیب الاخلاق وتطهير الأعراق، تحقيق وشرح: نواف الجراح، (بيروت: دار صادر، 1427 ه/ 2..6 م).

ناظم عبد الواحد الجاسور.

16- موسوعة المصطلحات السياسية والفلسفية والدولية، (بيروت: دار النهضة العربية، 1432 ه/ 11 ,2م).

ص: 316

مفاهيم وتطبيقات حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي (عهد الامام علي «عليه السلام» الى مالك الاشتر (رضوان الله عليه) انموذجا)

اشارة

م. د حيدر غانم عبد الحسن / مركز دراسات الكوفة م. م محسن عدنان صالح / مركز دراسات الكوفة

ص: 317

ص: 318

الملخص

لاشك في ان موضوع حقوق الانسان بات مقياس رقي الأمم وتمدن شعبها بمقدار صونها لحريات الفرد ومن هنا قدح في ذهن الباحثين تساؤل مهم عن «تأصيل هذا المفهوم»، هل هو وليد الثقافة الليبرالية، ام ان هناك ثقافات أخرى سابقة، وما سبب رعاية الغرب لهذا المشروع بفرض وجود ثقافات سابقة صاغت قواعد هذا المفهوم.

اقتضت الإجابة على هذا التساؤل البحث في مصادر الفكر الإسلامي، اذا ما سلمنا بأن المشروع الإسلامي «مشروع حضاري متكامل» ينبغي ان تكون حقوق الانسان وحريات الفرد من أولوياته، بدءاً من القران الكريم بوصفه منبع التشريع الإسلامي، ومن ثم دستور الأمة الإسلامية الأول الذي صاغه النبي الكريم، وصولاً الى عهد امیر المؤمنين الى واليه على مصر مالك بن الحارث الاشتر التي تتجاوز كونها وثيقة سياسية الى خلاصة النظرية الإسلامية الهادفة الى صون حقوق الفرد والأمة، تلك النظرية التي لم تستطع الثقافات الأخرى بلوغها الا بعد مخاض عسير و تحولات مهمة مع مطلع القرن العشرين.

وقد اتضح ان مشروع حقوق الانسان مشروعاً إسلامياً في نشأته بل في تطبيقاته أيضاً، تلك التطبيقات التي سمت على عموم الثورات الاجتماعية، لانها لم تقف عن حدود الدين او العرق بل نادت بصون حقوق وحريات افراد الأمة جميعاً.

ولوحظَ أيضا ان المشروع الإسلامي الإنساني لم يقف عن حدود إرساء قواعد هذا المفهوم فحسب، بل عكف على صياغة قوانين تحمي تلك الحقوق من سلطة الحاكم، تلك القوانين التي صاغها امام الإنسانية الامام علي بن ابي طالب في عهده لمالك الاشتر.

ولابد لنا من الإشارة هنا إلى ان الامام علي (عليه السلام) قد رام من وراء صياغة

ص: 319

هذه القواعد الإنسانية بناء المجتمع الفاضل الذي تتجسد فيه اسمى معاني الإنسانية، ليثبت بذلك وبما لا يقبل الشك ان نظرية حقوق الانسان لهي نظرية إسلامية في نشأتها وتطبيقاتها.

المقدمة

شغل موضوع حقوق الانسان اهتمام الباحثين سواء الاكاديميين او سواهم نظراً لأهمية الموضوع في بناء الانسان وتوصيف الامم بعد ان اضحت مسألة حقوق الانسان معیاراً لرقي الامم ومدی تمدن الشعب بمقدار صونها لحريات الفرد.

بدى اهمية البحث من خلال مدى تأصيل مفهوم حقوق الانسان، وهل ولد من رحم الليبرالية؟ ام ان هناك ثقافات اخرى متراكمة، وما سبب رعاية الغرب لمشروع حقوق الانسان، لذا تطلب الاجابة عن هذه التساؤلات ضرورة العودة الى الفكر الاسلامي خاصة ان المشروع الاسلامي مشروع حضاري متكامل برز في الوقت الذي كان فيه الغرب غارق بلجج الظلام وكان من الطبيعي ان يكون لحقوق الانسان وحريات الفرد في مقدمة الحقوق التي بشر بها الدين الاسلامي.

طرح الباحثان تساؤلات عدة حول حقوق الانسان في مدة خلافة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) بدأت بكيفية حق الحياة؟ وهل كان الامن والامان من اولويات الحقوق في فكر امير المؤمنين؟ وكيف صاغ تلك الحقوق بدءاً بحقوق المراءة والطفل وحق التربية والتعليم؟ كل هذه التساؤلات طرحت لتكون اجاباتها ضمن متون البحث.

استند الباحثان على مصادر عدة لوضع اجابات للتساؤلات المطروحة سابقاً تقدمها القران الكريم وبعض المصادر الاسلامية التي كانت خير معين لترجمة بعض الشخصيات الاسلامية وعدد من المراجع الحديثة التي اسهمت في اغناء فقرات البحث فضلاً عن

ص: 320

البحوث المنشورة التي ادلى الباحثين فيها بدلوهم حول هذا الموضوع.

مفاهيم وتطيقات حقوق الانسان في الفكر الإسلامي (عهد امير المؤمنين الى مالك الاشترانموذجا).

حقوق الإنسان لغةٍ واصطلاحاً:

الحقوق لغةٍ: المفرد بالعربية هو (الحق) ضد الباطل، وهو بمعنى الثابت والواجب المقتضي والجمع (حقوق) (1)، والفعل منه (حق) ثبت ووجب، يقال (هو أحق به) بمعنی أجدر ويقال (كان حقاً له في مال أبيه) أي نصيبه وحظّه من ذلك المال، فالحق في المال تعني النصيب، و (الحاقة) هي القيامة لأنها بالحق وتحق كل مجادل في دين الله بالباطل فتحقه أي تغلبه (2).

وعليه فأن المادة اللغوية لكلمة الحق تدور على معاني عدة، منها الثبوت والوجوب واللزوم ونقيض الباطل والنصيب و (حق) الأمر، حَقاً، وحقه. وحقوقاً: صح وثبت وصدق و وجاء في قوله تعالى: «لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ» (3) ويقال يحق عليك (يجي عليك) (4).

الحق اصطلاحاً:

اختلف مفهوم الحق تبعاً لطبيعة المجتمع الانساني وكيانه، فالحق کاصطلاح قانوني يعني السلطة او القدرة التي يقررها القانون لشخص ويكون له بمقتضاها ميزة القيام بعمل معين، واهم ما يميز الحقوق انها قدرة عمل شيء والحماية القانونية التي تكفل احترام و حماية هذه القدرة في مواجهة الغير والحقوق انواع:

1. حقوق سیاسية مثل، حقوق الانتخاب، حق الترشيح، حق تولي الوظائف العامة، حق الملكية.

ص: 321

2. حقوق خاصة، وهي الحقوق التي تنشأ طبقاً لقواعد القانون الخاص بفروعه المختلفة وتشمل حقوق الاسرة التي تقررها قوانين الاحوال الشخصية، والحقوق المالية التي تقررها قواعد المعاملات (5)،

3. يقصد بها الميزات أو المصالح أو الحريات التي يتوقعها الفرد أو الجماعة من المجتمع، أو من الدولة وبما يتفق مع معاييرها. والحقوق من وجهة نظر القانون هي السلطة التي يخولها القانون لشخص لتمكنه من القيام بأعمال معينة تحقيقاً لمصلحة له يعترف بها القانون، كما يمكن تعريفها على أنها المعايير الأساسية التي لا يمكن للبشر أن يعيشوا من دونها بكرامة كأناس، وعليه تكون حقوق الإنسان هي أساس الحرية والعدالة والسلام، وإن من شأن تفعيلها واحترامها أن يتيح إمكان تنمية الفرد والمجتمع تنمية كاملة (6).

واضاف أصحاب القانون الوضعي بأنه: «رابطة قانونية بمقتضاها يخوّل القانون شخصاً من الأشخاص على سبيل الانفراد والأستئثار للتسليط على شيء أو أقتضاء أداء معين من شخص أخر، وقيل الحق هو قدرة أو سلطة إدارية يحولها القانون شخصاً معيناً یرسم حدودها، وقیل الحق مصلحة يحميها القانون، أما علماء المسلمين القدامى فقد ذهب بعضهم إلى تقسيمه الى نوعين:

النوع الأول: حق لله، وهو أمره ونهيه.

النوع الثاني: حق العبد، وهو مصالحه (7).

ويمكننا ان نصوغ جملة من المفاهيم لحقوق الانسان منها انه علم يختص بدراسة الروابط والقيم الاجتماعية لأجل حفظ الكرامة الإنسانية من خلال إقرار وحماية الحقوق (8).

وانها تلك الحقوق المتأصلة لجميع البشر، على اختلاف أجناسهم وقومياتهم أو

ص: 322

أعراقهم أو الوانهم أو أديانهم جميعاً على قدم المساواة في الحقوق الإنسانية من غير تمييز، وتلك الحقوق مترابطة وقابلة للتجزئة، و معنی اخر أنها ضمانات قانونية عالمية يمكن من خلالها حماية الأفراد والمجموعات من إجراءات الحكومات، أن القانون العالمي لحقوق الإنسان يلزم الحكومات بعدم فعل أشياء معاكسة للقانون، كما أن حقوق الإنسان لا تشتري ولا تكتسب ولا تورث، فهي ببساطة ملك الناس لأنهم بشر، فحقوق الإنسان متأصلة في كل فرد وأنها ثابتة ولكل البشر (9).

جاءت اول محاولة واضحة في الموروث العربي الإسلامي لتعريف مفهوم حقوق الانسان على يد (أبو إسحاق الشاطبي) (10) من علماء القرن الخامس الهجري ومن اعمدة علم الأصول اذ كتب في كتاب «الموافقات» (11) في المجلد الثاني تحت عنوان الضروريات الخمسة (حفظ النفس، حفظ الدين، حفظ العقل، حفظ المال، حفظ العرض)، ليؤكد ابن القيم الجوزية) (12) في القرن الخامس الهجري على تأسیس حقوق الفرد في المجتمع على أساس المصلحة اذ قال «أينما وجدت المصلحة فثمة شرع الله» (13).

وفي ضوء ذلك تكون جذور هذا المفهوم إسلامية وسابقة للمحاولات الغربية التي توجت بالإعلان الأمريكي لحقوق الإنسان في القرن السابع عشر التي عنت بتقديس الفرد ودوره في بناء المجتمع والضمان الاجتماعي وتأسيس المجتمع الديمقراطي وحرية تكريس رأس المال واحياء الأرض والمساواة (14).

ساهمت الديانات السماوية في تأسيس الوعي بحرية الإنسان اذ انها تعتبر الحياة هبة من الله، وأن الإنسان مجبول على الحفاظ والمثابرة على حياته، فلا يجوز أن يحرم أحد منها ولا يجوز أن ينتهك في شيء حامل الحياة وحاويها وهو الجسم، لأن كل انتهاك أو تأليم أو تعذيب، أو فناء للجسم یعد حرمانا من الحياة أو تنقيص من قداستها، وان المساواة بالحقوق يجب أن تكون متساوية (15).

ص: 323

تكفل الإسلام بإعلان حقوق الإنسان، منذ معرفة وحدانية الله سبحانه وتعالى، اذ خلق البشر وكرمهم أفضل واحسن تكريم على جميع مخلوقاته بقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (16) ووضع لهم المنهج الذي يسيرون عليه في هذه الحياة، جاعلاً من الإنسان المحور المركزي للمسيرة الإنسانية بحيث تصب كل معطياتها وانجازاتها وطموحاتها في محصلة نهائية هي خير هذا الإنسان، الكون كله، بسماواته وارضه وجماده ونباته وحيوانه، مسخرة لخير الإنسان، أكرم خلق الله عند الله بقوله تعالى «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ» (17).

يمكننا ان نجد تعليلا لهذا الامر هو للواقع المظلم الذي عاشه الفرد قبل الإسلام الذي يمكننا ان نسميه واقع امتهان الكرامات واستباحت الحرمات، فكان من الضروري ان ينهض الإسلام بوصفه مشروعا اصلاحيا بحاية تلك الحقوق سواء كانت للفرد او المجتمع.

حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي:

اعترفت الشريعة الإسلامية منذ فجرها الأول بحقوق الإنسان وحريته الأساسية في وقت لم يكن للإنسان حق أو حرية أو كرامة في ذلك المحيط اذ التمايز بين الرجال والنساء والأحرار والعبيد بصورة تنتهك فيه حرية الإنسان بالنسبة للمرأة والعبد، فکان دیدن العرب في الجاهلية هو الاعتداء على أموال وممتلكات بعضهم البعض بل كان ذلك من الصفات المميزة للعرب قبل هداية الإسلام لهم، ولان الشريعة الإسلامية جاءت لتنتشل الناس من ذلك الواقع المرير، اعلن القرآن الكريم الثورة الأولى للحقوق الإنسانية ووضع القواعد الأساسية للأحكام الدينية والمدنية التي يخضع لها المجتمع والدولة ولم يكتف الإسلام بتحرير الإنسان من العبودية لغير الله وحفظ حريته والمنع من العدوان،

ص: 324

وإنما أرسى قواعد العمل على تأكيد وحماية هذه الكرامة ومتطلباتها بإطار حقوقي فيه من الشمولية يفتقر اليه أي نظام قانوني وضعي معاصر، فهو إضافة لتأكيد الكرامة الإنسانية بمفهومها المادي، فقد أعطى للكيان المعنوي للإنسان المتعلق بكرامته حماية أيضاً، فتحریم القتل بغير حق هو تأكيد للحق في الحياة كما جاء في قوله تعالى «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» (18)، کما حرم الإسلام إهانة وإذلال الإنسان (19).

واستكمالاً لهذه الرسالة أعلن الإسلام المساواة بين الناس في القيمة الإنسانية المشتركة، وفي الحقوق المدنية والشؤون والمسؤوليات والجزاء والحقوق العامة، كما ساوى الإسلام في الحقوق المدنية بين الرجل والمرأة واعترف لها بإنسانيتها كاملة ومنحها الأهلية الكاملة في جميع التصرفات کما ساوى الإسلام في الحقوق المدنية بين المسلمين وغير المسلمين في المجتمع، فأعطى الإسلام حقوق للذميين والمعاهدين في بلد الإسلام نفس تلك الحقوق التي يتمتع بها المسلمين، وتطبق عليهم القوانين نفسها التي تطبق على المسلمين، وليصبحوا غير المسلمين في المجتمع الإسلامي أمانة في أعناق المسلمين ومن هنا جاءت تسميتهم بالذميين من ((الذمة)) أي الأمانة التي هي لدى المسلم (20).

فقه الحقوق بعد اصدار الوثيقة:

أن صحيفة المدينة أو دستور المدينة هي الوثيقة المنظمة التي أطلقها الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأعلنها لتنظيم العلاقات الأجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية لمجتمع المدينة بمختلف فئاتهم وقد أورد أبن إسحاق نص الكتاب الذي كتبه الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بين المهاجرين والأنصار واليهود والذي يتألف من (5.) فقرة وهي موضع ثقة بين الباحثين لأنها وردت في مصادر مختلفة مع سندها مما يعزز صحتها ويستبعد أن تكون هذه الوثيقة معاهدة تمت بين الرسول واليهود بقدر ما هي إعلان صادر من الرسول بصفته رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ورئيس

ص: 325

دولة المدينة فهي تفتقر الى ذكر الأطراف التي عقدت المعاهدة وعدم الإشارة الى كتابها والموقعين عليها كما هو الأمر في معاهدات الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) التي وقعها مع قريش وغيرهم ومنها صلح الحديبية وغيرها (21).

لقد نظرت وثيقة المدينة الى مجتمع المدينة على انهم أم واحة لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم من خلال فهم دقيق لحقوق الإنسان، فجاء في أحد نصوصها [هذا كتاب محمد النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس] (22)، كما جاء: (وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، كذلك لغير بني عوف من اليهود) وعلى هذا يظهر من النصوص الآنفة الذكر أن الأمة في المدينة قد تشكلت من المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب أي من المهاجرين والأنصار ولكنها لم تكن مقصورة عليهم، بل إنها أتسعت لتشمل من تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أي كل من أرتضى أن يكون معهم من أهل المدينة وبذلك شملت الوثيقة المشركين من أبناء قبيلتي الأوس والخزرج أمة من المؤمنين وذلك لأنهم أرتضوا أن يعيشوا في إطار الأمة على وفق المبادئ التي جاءت بها الوثيقة، وبذلك أوجدت هذه الوثيقة حقاً للإنسان أن يعيش في هذا الإطار سواء كان مؤمناً أو مشركاً يهودياً أم غير ذلك طالما أرتضي أن يعيش في إطار النظام الإسلامي الذي يوفر له الحق دون اعتداء عليه، فهذا الإطار السياسي والإجتماعي تعيش فيه جميع الفئات التي ارتضت أن يمثل الإنسان فكرة الإطار الذي تمارس فيه حياتها السياسية وهذا دليل أكدته الوثيقة على مرجعية واحدة لحل المنازعات الداخلية سواء أكانت سياسية أو اجتماعية، فكل حدث أو اشتجار (اختلاف) يمكن أن يتطور ويتحول الى فتنة داخلية يجب عرضه على شخص الرسول الكريم (صلى الله عليه واله وسلم) لمعالجته بالعدل والحكمة كي لا تكون فتنة بين المتخاصمين ولضمان السلم والتعايش والمصالحة بين مكونات المجتمع (23).

ص: 326

كما اكدت وثيقة المدينة على حقوق الأفراد فقد نصت على بقاء التزامات هذه القبائل على ما كانت عليه سابقاً من حيث تكافل افراد كل قبيلة في دفع فدية اسراها ودية من يرتكبون جناية من أفرادها فجميع افراد الأمة متساوون في حق منح الجوار لان ذمة الله واحدة يجير عليهم ادناهم، وحرمت الوثيقة على ان لا يحاسب الفرد الا على اعماله ولا يؤاخذ بجريرة غيره، كما ضمنت حياة الفرد وامواله من ان يقع عليها اعتداء و تجعل واجب الدفاع عنه وحمايته من مسؤوليات الامة بجميع فئاتها، كما نصت على وجوب تعاون الجميع من اجل إيقاع العقاب على الجاني وبذلك تجاوزت مبدأ العصبية القبلية الذي كان قائماً على مناصرة القبيلة لأبنائها ظالمين كانوا او مظلومين (24).

حقوق الإنسان عند الأمام علي (عليه السلام):

نظرة الأمام علي بن أبي طالب الى الوجود لا يتعطل فيها حدّ من حدود العقل والقلب والجسد، ولا يطفئ فيها تأمل الإنسان في الكون والاندماج في كماله، على النظر في حقوق الإنسان المرتبط بالأرض ارتباط عیشٍ وبقاءٍ أو على النظر في حقوق الجماعة المتعاونة في سبيل البقاء وما يقتضيه من مقومات فهو كما دعا الى الإعجاب بروعة الوجود وعجائب الخلق دعا في الحين ذاته الى توجيه الأفراد والجماعات توجيهاً صحيحاً يسير بهم في طريق التعاون الاقتصادي والتكافل المادي الذي يضمن لهم الوصول الى الخير الأكبر، الى المحافظة على كرامة الإنسان المركب من فكر يعمل وعاطفة تتحرك، وجسد له عليك حق ولك بها المعنى المادي من معاني وجودك وهو في سعيه الى تطهير الضمير وتقديس الشوق وسماحة الوجدان، راح في الوقت نفسه يسعى في تنظيم مجتمع عادل له قوانين وضعية هي بمثابة الأساس من البناء، ولعل من المفيد ان نبين هنا ان الأساس الذي بنى الأمام سیاسته عليه، وأقام دستوره فقد تجسد هذا الأساس بصيانة حقوق الناس في دولة الأمام وتوفير أسباب عيشهم وبإشاعة العدل بينهم ويراعي فيهم

ص: 327

حق المساواة، وبهذا يسود الأمن في الناس ويظهر قبولهم لحكوماتهم صاحبة السلطة، وان هذه السلطة لا يقبلها علي (عليه السلام) إلا أن تكون ممثلة لإرادة الشعب والأمة وفي ذلك يقول (والزموا السواد الأعظم فان يد الله مع الجماعة) ويقول في القائمين على السلطة: ( إنهم خزان الرعية ووكلاء الأمة) فهم يتولون خدمة الناس، وهم بذلك خدام الشعب ومصرفين أعماله والمحافظون على مصالحه وأمواله وحقوقه، ولا عمل لهم غير ذلك، ووكلاء الأمة هم نوابها الذين نثق بهم فينابون عنها في رعاية شؤونها والدفاع عن حقوقها (25).

وبما أن مصدر السلطة هو الشعب وحده عند الأمام فان وجودها لا يعني أكثر من تحقيق هذه الإرادة العامة فاذا استقام أمر الناس بأصحاب السلطة استقامت السلطة وبقي أصحابها على مناصبهم، وإلا فليعزلوا في الحال (ولا تصلح الولاة إلا باستقامة أمر الرعية) (26)، وكذلك فإن الأمام علي (عليه السلام) هو اول من مثل علاقة الدولة بالناس بمنزلة الوالد لأبنائه قائلاً لعاملة على مصر: (تفقد امورهم كما يتفقد الوالدين لولدهما)، ويأمر اتباعه بمقاومة الظلم والاضطهاد قائلاً (كونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً) و (خذوا على يد الظالم السفيه) (إلا إن لكل دم ثائراً ولكل حق طالب) وان (الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله)، (وان العامل بالظلم والعين عليه والراضي به، شرکاء ثلاثة). ولقد أدرك الأمام الحقيقة الكبرى في تكوين المجتمع الطبقي فصاغها بهذه الكلمات القلائل (ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني) بهذه الحقيقة التي بنت عليها الأنظمة العادلة اليوم قواعدها في العلاقات المادية بين الناس، سبق الأمام أن أدركها منذ خمسة عشر قرناً تقريباً، وفصلها ووضع قواعدها وأصولها بما ينسجم مع زمانه (27).

ص: 328

تكفل الأمام بصون حقوق جمّه.... أهمها:

اولاً: حق الحياة

ان حياة الإنسان في ظل التشريع الإسلامي محفوظة ومصونة، صغيراً كان أم كبيرا ذكرا كان أم انثى لا يجوز الاعتداء عليها الا بالحق، قال تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا» (28)، وقال سبحانه وتعالى: «أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» (29)، وقال تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا» (30).

وقال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرءٍ مسلم) فالمسلم وغيره سواء في استحقاق الحياة وحرمة الدم ما لم يكن معلناً عداءه للإسلام والمسلمين، قال النبي (صلى الله عليه واله وسلم): (من قتل قتيلاً من أهل الذمة حرّم الله عليه الجنة)، بل بلغ به الأمر انه توعد من يؤذي أهل الذمة بأن يكون صلى الله عليه واله وسلم الخصيم عنهم يوم القيامة اذ يقول صلى الله عليه واله: (من يؤذي ذمياً كنت خصمه يوم القيامة) ويبني على حق الحياة:

1. تحریم قتل النفس: «أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا» (31).

2. تحريم الانتحار.

3. تحريم الأذن بالقتل (أي تحريم أذن شخص لأخر بأن يقتله).

4. تحريم المبارزة.

5. تحريم قتل الجنين (تحريم الأجهاض أو الأسقاط).

وهكذا وضع الأمام الحفاظ على الحياة في أساس دستوره، وحارب من أجل ذلك

ص: 329

بلسانه وبسيفه وهو معتصم بذمته في ذلك حتى أستشهد عظيماً! ولو أستوت قدماه من مزالق دهره لغير أشياء كثيرة (32).

ثانياً: الحرية وينابيعها في دولة الأمام:

إن مفهوم الحرية عند الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يستنبط من دستوره العام الذي نرى منه وجوهاً في معظم أقواله وعهوده ووصاياه، فإن كلمة الحرية ومشتقاتها جميعاً لم يكن لها مدلول في عصر الأمام الا ما يقوم منها في معارضة الرق، فالحرية ضد العبودية. والحر ضد العبد أو الرق، فهذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) يتوجه الى كافة الناس ليخبرهم بأنهم أحرار، ويجعل الأمر مرهوناً بإراداتهم هم، لا بإرادة الأسياد إذا شاءوا استعبدوا وإذا شاءوا اعتقوا ونلاحظ هنا عمق نظرة الأمام الى مفهوم الحرية، فالحرية في نصه هذا نابعة من أصولها الطبيعية: من الناس الذين لهم وحدهم الحق في ان يقرروا مصيرهم إستناداً الى أنهم أحراراً حقاً لا رأي في ذلك لمن يريد أن يسلبهم هذه الحرية أو (يمنحهم) ایاها ومن عمق هذه النظرة العلوية الى الحرية، يلاحظ ان الأمام يقرر بقوله هذا ان الحرية عمل وجداني خالص ملازم للحياة الداخلية التي ترسم بذاتها الخطوط والحدود والمعاني فلا تقسر عليها، لأنها نابعة من الذات وهي إذا كانت كذلك فليس لأحد أن يُکِره الأخر أو يجبره في هذا النطاق (33).

ثالثاً: حق الأمن والأمان في دولة الأمام:

حق الأمن وفقاً لرؤية الأمام علي (عليه السلام) هو المعيار الأول والاساس لتقييم حالة الدولة وأداء الحكومة وتطور المجتمع، اذ قال (شر البلاد بلدُ لا أمن فيه ولا خصب)، بل أن بقية النعم تتلاشى عنده مع وجود حالة الخوف والاضطراب في المجتمع إذا قال: (لا نعمة اهنأ من الأمن). ويتمثل الامن عند الأمام بعدة أبعاد لعل أهمها الامن الخارجي والامن الداخلي وأخيراً الامن المعنوي.

ص: 330

فالامن الداخلي لدى الأمام هو ذلك الامن الذي تعمل القوة العسكرية على تحقيقه، وبذلك فأنه يمتدح هذه القوة بقوله: (فالجنود باذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الامن ولا تقوم الرعية الا بهم)، ومن واجبات الحكومة والحاكم ان تؤمن فيه السبل، اما الامن الخارجي هو استتباب السلام الذي جعله الأمام علي (عليه السلام) هدف لسياسة الحكم وحق الشعب اذ يقول: «لا تدفعن صلحاً دعاك اليه عدوك. لله فيه رضا، فأن الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك» (35).

في حين الامن المعنوي والروحي لدى الأمام يأخذ جانبيه الأول: في السعي لإشاعة مفاهيم وسلوكيات التقوى والهداية. اذ قال الأمام: (فان جار الله أمن وعدوه خائف)، اما الجانب الثاني: فيؤكد على مبدأ التعويض عن الاضرار التي تصيب الإنسان نتيجة الهلع والخوف والروع ويبدو ذلك واضحاً في ممارسته له عندما ارسله الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه واله وسلم) لدفع الديه لبعض القتلى من قبيلة جذيمة من الذين لم يجز قتلهم اذ قال لهم بعد ان فرغ من إعطاء الأموال لذوي الضحايا (هل تبقى لكم بقية من دم او مال لم يؤد لكم؟ فقالوا لا، فقال: اني اعطيكم مالاً لروعة الخيل -ان الخيل لما وردت عليهم راعت نسائهم وصبيانهم - وقال، هذه لكم بروعت صبيانكم ونسائكم)، وهنا يتجسد الامن لدى الأمام برضا الناس عن حكوماتهم ولما يصان من حقوقهم وبتوفر من أسباب عيشهم ويشبع بينهم من عدل ويراعي فيهم من حق المساواة. وبهذا وحده يسود الامن بين الناس وتظهر مودتهم لحكوماتهم صاحبة السلطة، وان هذه السلطة لا يقبلها الأمام علي (عليه السلام) الا ان تكون ممثلة لإرادة الشعب او الامة (35).

المطلب الثاني: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في دولة الأمام

ان جيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هو جيل حقوق فردية مقترنة بحقوق جماعية مثل حقوق المرأة والطفل، والحق في الضمان الاجتماعي، والحق في الصحة، والحق

ص: 331

في التربية والتعليم، اما الحقوق الثقافية بما فيها الحق في المشاركة بحياة المجتمع الثقافية والمساواة في التمتع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، هناك مثل معروف يقول: (الكرامة الاقتصادية تورث الكرامة الاجتماعية) وهذه حقيقة ثابتة لم يتغافل الأمام علي (عليه السلام) الاهتمام بها لكي لا يكون المؤمنون والاخبار لا يعبأ بهم ولا يقدر جانبهم. ومن اجل ذلك نرى التحريض الكبير، والأكيد في المتواتر من روایات اثبتها التاريخ في دولة الأمام في تحصيل الكرامة الاقتصادية.

ومن هنا نبقى مع الأمام علي (عليه السلام) لندخل الى مدرسته و نتعلم منه مفاهیم حركتنا في الحياة، لأن الأمام في كلاته كلها كان يريد للإنسان أن يعيش في وضوح من الرؤيا لكل مفردات حركته في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بحيث انه عندما يدخل في أي موقع من المواقع او يخرج منه، فلا بد أن ينطلق من قاعدة ومن مفهوم واضح.

ونتساءل هنا. هل الجيل الثاني للحقوق او ما يطلق عليه بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية متحققة ومتوفرة بشروطها في دولة الأمام؟ سوف نجيب على هذا التساؤل من خلال:

اولاً: حقوق المرأة والطفل في دولة الأمام

وثانياً: حق الضمان الاجتماعي في دولة الأمام وأخيراً سوف نتطرق الى: الحق في التربية والتعليم في دولة الأمام.

ص: 332

أولاً: حقوق المرأة (36) والطفل في دولة الأمام:

نظر الأمام علي (عليه السلام) الى المرأة كانسان، فهو موقفه من الرجل كانسان، لا فرق في ذلك ولا تمييز، فالأمام يعترف بقيمة المرأة كإنسان له كل حقوق الإنسان وعليه كل واجباته. أضف الى ذلك ان الأمام الذي يعطف على الناس عموماً، والضعفاء منهم خصوصاً، يفرض على الخلق الكريم أن يكون أشدّ حناناً على المرأة لأنها مستضعفة إن لم تكن ضعيفة، فيقول: (وأنصروا المظلوم وخذوا فوق يد الظالم المريب وأحسنوا الى نسائكم). و (آمركم بالنهي عن المنكر والإحسان إلى نسائكم). وفي خطبة توجه الأمام فيها الى موضع الحمية من السامعين ليثير العزيمة والنخوة في نفس كل مسلم والأمام (عليه السلام) يعلم من المسلمين من لا يبذل نفسه الا للحفاظ على سمعة امرأة وعلى شرف فتاة، فإذا هو يعتق هؤلاء القوم عن القعود دون نصرة التي استباح الغزاة حماها ثم انصرفوا آمنين، ما نال رجلاً منهم طعنة ولا أريق لهم دم بقوله: (وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، والأخرى المعاهدة، فينتزع حجلها، وقلبها، ورعاتها ثم أنصرفوا وافدين، ما نال رجل منهم كلمٌ، ولا أريق لهم دم، فلو أن أمرؤا مسلماً مات من بعد هذا اسفاً، ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً).

ويتابع الأمام سيرة الصاعد الرحب في حقوق الإنسان فيقرر للمرأة والطفل حقوقاً عديدة تُخوم حقوقهما في المعاش، حقوق لا يكتمل العيش بكرامته الا بها ويتجاوز كل النقاط الى الحدود الإنسانية البعيدة التي لا تقف عند عقيدة معينة ولا تنتهي عند تخوم العنصرية الضيقة، وذلك تأكيداً لكرامة الجنس البشري بكافة عناصره ومقوماته المادية والأخلاقية (37).

ص: 333

ثانياً: الحق في الضمان الاجتماعي في دولة الأمام:

هناك دائماً طبقات محكومة في المجتمع بحاجة الى الرعاية الدائمة والاهتمام المستمر، ويتّحمل الأمام النصيب الأكبر من المسؤولية في رعاية شؤون هؤلاء وهم أصحاب الحاجات والفقراء واليتامى والضعفاء وقد شدّد الأمام علي (عليه السلام) على ذلك حتى ندر أن تجد له كلاماً أو وصية أو عهداً الا ضمّنه اذ ارسی قواعد تكوين المجتمع الطبقي وهذا المعنى هذا ما عبر عنه (جورج جرداق) (38) بقوله:

«ولقد أدرك الأمام علي الحقيقة الكبرى في تكوين المجتمع الطبقي، فصاغها بهذه الكلمات القلائل، في ذاك العهد البعيد، بعد أن فصّلها وأوضحها في أكثر من مكان من عهوده ووصاياه، قال : «ما جاع فقيرٌ إلا بها مُتّع به غنيّ!» هذه الحقيقة الكبرى، التي تقيم عليها الأنظمة العادلة اليوم، قواعدها في العلاقات المادية بين الناس، سبق لابن ابي طالب أن أدركها منذ بضعة عشر قرناً، وأن فصلها بما يسمح به زمانه من قواعد وأصول» (39).

وقوله: (تفقد أمور من لا يصل اليك منهم من تقتحمه العيون، وتحقّره الرجال ففّرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع اليك أمور م ثم أعمل فيهم بالأعذار إلى الله يوم تلقاه، فأن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الأنصاف من غيرهم) (40)، وقوله: (وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن الشيوخ والعجزة من لا صلة لهم) (41). وقوله (......الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة و المساكين والمحتاجين، وأهل البؤسی الزمني - ذوي العاهات – فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، وأحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام...) (42).

لذا نجد ان الفقر في دولة الأمام كاد ان لا يرى لنفسه مجالاً حتى اذا رأى الأمام علي (عليه السلام) فقيراً واحداً كان يستغرب ويعتبره ظاهرة غير طبيعية وغير ملائمة مع المجتمع الإسلامي، ثم يجعل له من بيت مال المسلمين مرتباً يرتزق به مع انه نصراني لكي

ص: 334

لا يكون في البلد الإسلامي مظهر واحد للفقر والجوع ولكي يعرف العالم والمسلمين انفسهم ان الأمام علي (عليه السلام) كان يقضي على الفقر ويرفع مستوى الفقراء لا بالنسبة للمسلمين فحسب، بل ينفي الفقر عن كل من كان في رعاية الدولة الإسلامية.

ثالثاً: الحق في التربية والتعليم في دولة الأمام.

ندب الأمام الى العلم، وكم قدر من العلماء، ورفع من شأنهم، اذ سعى الأمام ان يكون الإنسان في دولته قد استطاع ان يربي نفسه ويثقفها، لينير طرقه في ظلمات الجهل والتخلف والشبهات وما الى ذلك، فاذا واجهته الشبهات وضغطت عليه كل غشوات الظلال، واغشت عيونه عن النظر إلى الحق فانه يتحمل عناء کشف هذه الغشاوة.

فبالعلم يمكن للإنسان ان يعرف الله، وبالعلم احدنا يعرف نفسه، ويعرف الناس من حوله، وبالعلم يتعرف على ظواهر الكون كلها، لينفذ اليها من خلال العلم تارة، ومن خلال التجربة التي يتحرك العلم في كل مواقفها تارة أخرى، فيستطيع ان يفهم الكون وظواهره، وقد ركز الأمام علي (عليه السلام) على مصدرين للمعرفة أحدهما التأمل العقلي والثاني، التجربة فيقول الإمام (ومن التوفيق حفظ التجربة) في إشارة الى حفظ التجربة الخاصة وتجربة الآخرين، واستحضارها يعد من علامات التوفيق والنجاح، لقد قال الأمام (في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال) وفي کتاب له الى (ابي موسى الأشعري) (43) قال (فان الشقي من حرم نفع ما أوتي من العقل والتجربة) وقوله: (اشرف الأشياء العلم، والله تعالى عالم يحب كل عالم) وقوله (لا حسب التواضع ولا شرف كالعلم ولا قرين كحسن الخلق)

وفي تقدير الأمام (عليه السلام) للعلماء أقوال مأثورة وخالدة منها قوله (اذا جلست الى عالم فكن الى ان تسمع احرص منك الى ان تقول) و (الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك) و (العالم حي وان كان ميتاً، والجاهل میت وان كان حياً) و (یا حملة

ص: 335

العلم اتحملونه؟ فإنما العلم من عُلم ثم عمل بها عُلم ووافق عَمله عِلمُه) و (ان العلم بغير علمه کالجاهل الحائز الذي لا يستفيق من جهله. بل الحجة عليه اعظم).

فاذا أمعنا النظر في هذه العبارات ادركنا انها أصول عميقة في بناء كل مجتمع صحیح تحفظ فيه حقوق العلم والعلماء، وتراعي فيه مكانتهم في أروع معانيها واوسعها والناس لدى الأمام ان لم يكونوا علماء فهم اموات، والاموات لا حق لهم في الحياة، فالحياة ينسجم معها الأحياء ولا ينسجم معها الأموات، لأن كل شيء ينسجم مع مجانسه، وفي قول له من أروع التعبير عن ذلك (الناس أموات واهل العلم احياء).

ولابد لنا هنا ان نعمد الى استعراض وتحليل تلك الأسس والقواعد التي شيدها امیر المؤمنين النظرية حقوق الانسان، لاجل تقديم دليلاً جلياً على ان نظرية حقوق الانسان جزء لا يتجزأ من الإرث الإسلامي المعطاء.

مضامین حقوق الانسان في عهد امير المؤمنين المالك الاشتر

ان قراءة متمعنة لنصوص عهد امير المؤمنين الى مالك الاشتر، تكشف لنا حرص الامام (عليه السلام) على حماية حقوق الانسان، بل مقاومة محاولات السلطة المساس بتلك الحقوق کونها حقوق وليست منحه يمكن لأي نظام سياسي حجبها او خدشها، بهدف الوصول الى مجتمع سامٍ خالٍ من كل عوامل النفرة والاحقاد، وان هذه الأسس والمضامين التي ارسی قواعدها امير المؤمنين لم تظهر الا بعد صرار مرير في اوربا في أواخر القرن العشرين اثر انقلابات اجتماعية وتحولات اقتصادية ليكون بذلك المشروع الإسلامي مشروعا ريادياً في مجال تشريع واحترام قوانین حقوق الإنسان، لقد تكفل امير المؤبنين بحقوق عدة للفرد والمجتمع يمكننا اجمالها ی:

ص: 336

مراعاة الناس

«ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ، أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ، وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ، وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ».

فَليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشح بنفسك (ابخل بنفسك عن الوقوع في غير الحل، فليس الحرص على النفس إيفاءها كل ما تحب، بل من الحرص أن تحمل على ما تكره) عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحببت وكرهت» (44).

اضطلعت هذه الوصية في تحديد آلية التعامل وبيان العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأن يكون جوهرها العمل الصالح وان يكون الحاكم مثالا لرعيته في اجتناب الرذيلة والمعاصي، تلك الرعية التي تنتظر من حاكمها الرأفة والحسنی بهم لاسيما وان رضا الناس الحق له ديل جلي على عدالة الحاكم، واستكمالاً لهذه القضية قضية مراعاة حقوق الامة وبقصد توكيد احترام تلك الحقوق دعا الامام صراحة الى:

محبة الناس

«وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط (يسبق) منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، يؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فانك فوقهم، و والي الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك! وقد استكفاك (طلب منك كفاية

ص: 337

أمرك والقيام بتدبير مصالحهم) أمرهم، وابتلاك بهم ولا تنصبن نفسك لحرب الله (مخالفة شریعته بالظلم والجور)، فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته» (45).

لتكون بديلا لمشاعر الكراهية والضغينة، وقدم لنا امامنا (عليه السلام) في هذه الوصية مثالا رائعا تفتخر به الإنسانية، بأن مشاعر المحبة والفضيلة ليست حكرا على المسلمين بل كل مواطن يعيش على ارض المسلمين، كونه مخلوق کرمه الخالق بل فضله على سائر مخلوقاته، كما امر الامام الحاكم السياسي ان يتأسى بالله سبحانه وتعالى الذي اختار لذاته العفو والرحمة، وان تكون هذه الأسس هي معايير النظام السياسي لتحيا الامة بسلام ووئام.

لاشك في ان أسس ومفاهیم حقوق الانسان لا يمكن تطيقها الا بتكريس مبادئ وقيم التعاطف الامر الذي جعل امير المؤمنين يصوغ لنا قاعدة إنسانية جديدة:

العفو والرأفة

«ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن (تفرح) بعقوبة، ولاتسر عن الى بادرة (القول والفعل ساعة الغضب) وجدت منها مندوحة (المخلص)، ولا تقولن: اني مؤمر (مسلط) آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال (ادخال الفساد) في القلب، ومنهكة (ضعف) للدين، وتقرب من الغير (عاديات الزمن)» (46).

ابطل امير المؤمنين في وصيته الخالدة هذه كل ذرائع السلطة في جنوحها نحو التعسف والبطش، لانها توغر قلوب الناس وقد تحملهم للابتعاد عن قيم ومفاهيم الدين الإسلامي الحنيف، نحو أفكار تنادي بصون الحريات وكرامة الفرد وان كانت مارقة او معادية للدين الحق، ولا مناص للحاکم او حتى المنظومة السياسية للوصول الى هذه المضامين الا بمحارية آفة العظمة وداء التكبر، لذلك لم يغفل أمامنا كيفية مواجهة

ص: 338

هذه الآفة الخطرة بإرسائه قاعدة جديدة هي:

التحصن من الغرور والظلم

«وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبيهة (العظمة) أو مخيلة (العجب)، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن (مخفض) إليك من طماحك (جموحك)، ويكف عنك من غربك (الحدة)، يفيء (يرجع) اليك بما عزب (غاب) عنك من عقلك! إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال.

أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوی (میل) من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان الله حرباً (خصماً) حتى ينزع (يقلع عن ظلمه) ويتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المظلومين، وهو للظالمين بالمرصاد» (47).

نتلمس هنا معاني الإنسانية اجمعها، ففي الوقت الذي يؤكد الامام على التواضع وانصاف الرعية والرأفة بهم، يحذر كذلك من مغبة مجافاة ذلك لان الخصم لن يكون مجرد فرد او شعب معين وانما خصمه الله جلت قدرته، وما من امر يعجل في غضبه سبحانه ونقمته اكثر من ارتكاب المعاصي وانتشار الظلم، لان العلي القدير «رؤوف بالعباد».

وتعهد لنا أمير المؤمنين حال تمسكنا بهذه القواعد الأخلاقية سنحظى بتأیید عموم الأمة، التي نبه الامام الى ضرورة السهر على رعاية مصالحها، لذلك وجه سلام الله عليه

ص: 339

رضا الجميع او رضا الأكثرية الساحقة

«وليكن أحب الأمور اليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف (يذهب) برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس أحد من الرعية، أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف (الالحاح)، وأقل شكراً عند الاعطاء، وابطا عذراً عند المنع، وأضعف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين، وجماع (جماعة) المسلمين، والعدة للاعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك (میلك) لهم، وميلك معهم» (48).

فسر لنا الامام بوضوح جدوى ميل الحاكم نحو الجماعة بوصفهم حماة قبضة الإسلام، لذلك اختار الامام لهم اسم «عمود الدين»، ولانهم يتكفلون بصون شرف الامة، فضلا عن انهم الاصدق والأثبت في الشدائد، إذ لا مصلحة لهم مع الحاكم الى حماية مصالح الامة وهم اكثريتها.

ومن الراجح ان هذه المفاهيم والقواعد ليس من شأنها العمل على صون حقوق الافراد فحسب، وانما ستعمل على بلوغ هدف منشود تسعى الأمم ان لم تكن تحلم به وهو الوصول الى مجتمع يجافي كل مظاهر الفتن والاحقاد ومن يروج لها وهو ما يمكننا تسميته بالمجتمع الفاضل، وقد صاغ لنا الإمام (عليه السلام) قاعدة عريضة لهذا المبدأ:

خلق المجتمع الفاضل

«وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم (ابغضهم) عندك، أطلبهم لمعائب (الاشد طلبا) الناس، فإن في الناس عیوباً، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت

ص: 340

يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك، أطلق (أحلل) عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر (العداوه)، وتغاب (غفلة) عن كل ما لا يضح (لا يظهر) لك، ولا تعجلن الى تصدیق ساع، فإن الساعي (النمام) غاش، وإن تشبه بالناصحين» (49).

بینت هذه الوصية ان وظيفة الحاكم تجاه الرعية تنصب على معالجة عيوب الامة أولا وليس من خلال التعزیر بل المعالجة الناجعة، ومن ثم الانطلاق نحو تربية الفرد والمجتمع على أسس وروح الفضيلة والتسامح بدل مفاهيم الدسائس والضغائن والانتقام، والتحذير من تسليط فئة على فئة والعمل على مواجهة ارباب هذه الصفة وان تتظاهروا بحرصهم على سلامة الامة فهم معول هدام في جدار الدولة والأمة، فضلاً عن انهم كاذبون ولو كانوا بحق حريصون على سلامة الامة كان عليهم التصدي لمعالجة تلك العيوب والنواقص بين ابناء المجتمع قبل الوشاية بهم للتقرب من الحكام وتحقيق المنافع.

وحرصا من الامام على مواجهة هذه السياسات الخطرة، لم يكتف بمنعها فحسب بل صاغ قاعدة مهمة من شأنها العمل على جمع الكلمة ونبذ كل نفرة، والتي كثير من المجتمعات في تاريخنا المعاصر تفتقر لها:

مبدأ حسن الظن بالمواطنين

«واعلم أنه ليس بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استکراهه إياهم على ما ليس له قبلهم (عندهم)، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً (التعب) طويلاً، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده» (50).

نجد هنا دعوة صريحة في ان يكون أساس تعامل الحاكم مع شعبه على أساس حسن

ص: 341

الظن وعدم الشك في ولاءاتهم، لانها ستؤدي الى نفور الشعب عن حاکميته اولاً وارهاق الدولة كذلك، ولا يختلف اثنان على ان هذه القواعد تحتاج الى إرساء بل ترصين الأعراف والسجايا الحميدة التي دعا لها من خلال:

ترصين الأعراف الحميدة في المجتمع

«ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة، واجتمعت بها الالفة، وصلحت عليها الرعية، لا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الاجر بمن سنها، والوزر عنك با نقضت منها» (51).

يتعين هنا على الحاكم ان يحترم عادات وتقاليد المجتمع الطيبة وان لا يسارع الى محارية تلك الأعراف والقيم الاجتماعية بهدف تعزيز سلطانه، اذ شدد الامام على ضرورة التمسك بالقيم الاجتماعية وعدم نقض أي سنة صالحة اجتمعت بها الالفة واصلحت الرعية، فضلا عن عدم الاجتهاد بسنة جديدة تنسخ او حتى تخدش تلك السنن الصالحة.

شرع لنا امیر المؤمنين كذلك أسس أخرى من شانها صون حقوق الانسان، ليست ذا طبيعة ثنائية بين الحاكم والمحكوم فحسي يل بين أبناء المجمع أيضا، من خلال:

التقسيم الوظيفي للمجتمع

«واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، منها كُتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار واهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله سهمه، ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه (صلى الله عليه وآله) عهداً منه عندنا محفوظاً، فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الامن،

ص: 342

وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما أصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب، لما يحكمون من المعاقد (العقود)، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم (المنافع)، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق (التكسب) بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو أثقل» (53).

يبدو لنا ويشكل جلي ان الامام قد اختط لنا تقسیم اقل ما يقال عنه انه تقسیم انساني، تجاوز كل الدراسات الحديثة التي تجتهد في تقسيم المجتمع سواء كان الى طبقات الى فئات، اذ وضع الامام تصنیفا ساميا يحترم كل الفئات عندما بين لنا سلام الله عليه وظيفة كل فئة لأجل خدمة الأخرى أي انه خلق قاعدة التكامل الاجتماعي ان صح التعبير، وشدد امامنا على قضية في غاية الأهمية مفادها ان ليس لأي فئة مهما كان حجم مشاركتها في بناء المجتمع ان يكون لها سيف مسلط على بقية فئات المجتمع الأخرى، بل على العكس تعمل لأجلها فمهمة الجيش «سور الأمة» حماية الأموال والانفس، واموال التجار واصحاب الحرف والصناعات التجهيز ذلك السور وهكذا، موضحاً ايضاً أساس عمل كل فئة فعلى الجيش «مخافة الله» والقضاة «العدل» والكتبة «الأمانة» والولاة والحكام «الانصاف والرأفة».

ص: 343

وتجدر بنا الإشارة الى قضية مهمة اخرى حرص على امير المؤمنين ترصينها وهي الاعتراف بالأخر، فهذه الأسس والتصنيفات للمجتمع ليست حكرا على ابناء المسلمين فحسب بل لعموم الرعية وان اختلفت معتقداتهم والوانهم والسنتهم، فقد حرص الامام على وضعهم ضمن ذلك النسيج الاجتماعي الذي اسميناه المجتمع التكاملي، الذي سيبقى تكامله مجروحاً مالم ينعم بالعدالة، التي افرد لها امير المؤمنين وصية كفيلة بتحقيق العدالة وصون الحقوق وهي:

القوة القضائية

«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحکه الخصوم (تجعله لجوجا)، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر (لا يعيا في المنطق) من الفيء (الرجوع) إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه (لا تتطلع) على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه (اقرب الشيء وابعده)، أوقفهم في الشبهات (ما لا يتضح الحكم فيه بنص) وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرماً (الضجر) بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الامور، وأصرمهم (أمضاهم) عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء (لا يستخفه زيادة الثناء)، ولا يستميله إغراء، اولئك قليل، ثم أكثر تعاهد (تتبعه) قضائه، وأفسح له في البذل (اجزل له العطاء) ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان اسيراً في أيدي الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا» (53).

عالجت هذه الوصية قضية في غاية الأهمية وهي وضع معايير القضاة من الأمانة والكفاءة والحزم والتأني، فضلاً عن واجبات السلطة تجاه القضاء من الاحترام وایفاء الحاجة.

ص: 344

عكف امير المؤمنين بعهده الكريم هذا على متابعة قضايا الفرد المجتمع كلها، لذلك شدد على مراعاة حقوق الانسان ليس الاجتماعية فحسب بل الاقتصادية، اذ منح امیر المؤمنين عليه السلام حيزا واسعا من اهتمامه لأبناء الفئات الفقيرة لاسيما المعدمة منها، موصيا بالسهر على ايفاء حاجاتها بوصفه حقا وليس منة من الحاكم، الذي اوجب عليه عدم التواني عن قضاء حوائجهم، محذرا في الوقت ذاته من مغبة التكبر عليهم، لذلك أوصى سلام الله عليه بإيلاء هذه الشريحة اهتماما كافيا، اذ امر الحاكم ب:

حقوق اصحاب الدخول المحدودة والاحتياجات الخاصة

«م الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسی (شديدي الفقر) والزمني (ذوي العاهات)، فإن في هذه الطبقة قانعاً (السائل) ومعتراً (المتعرض للعطاء بلا سؤال)، واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقس من غلات صوافي (ارض الغنائم) الاسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعیت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييع التافه (الحقير) لاحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك (لاتصرف اهتمامك) عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون (تكره العيون النظر اليه ازدراءا)، وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك (اجعل اشخاص ميهتمون بمتابعة احوالهم) من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك امورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار (بما يقدم لك عذر) الى الله تعالى يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله تعالى في تأدية حقه إليه، و تعهد أهل اليتم وذوي الرقة (المتقدمون) في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم» (54).

ص: 345

تجدر بنا هنا الإشارة الى قضية مهمة وهي ان الأنظمة السياسية الحديثة التي تدعي مناصرة حقوق الانسان بدعوتها الى الرفق بكبار السن، قد سبقهم امير المؤمنين بقرون عدة، ليمسي بذلك اأمامنا هو الرائد الشرعي لمشروع حقوق الانسان، اذ وضع الامام عليه السلام في مقدمة مشروعه الإنساني أولئك الفقراء والضعفاء الذين لاحول ولا قوة لهم الا العلي القدير، وخشية تنكر الأنظمة السياسية لحقوقهم، نبه صراحة ان لا عذر لهم امام الله تعالى الذي سيكون خصمهم، وانطلاقا من أهمية وخطورة هذه القضية، عكف الامام على بيان الالية العملية التي يمكن من خلالها متابعة هذه القضية من خلال:

ضرورة الاتصال الدائم والمباشر بين الحاكم والمواطنين

«واجعل لذوي الحاجات (المتظلمين) منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع (متردد بسبب خائف)، فإني سمعت رسول الله (عليه السلام) يقول في غير موطن: «لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع »، ثم احتمل الخرق (العنف) منهم والعي (العجز عن النطق)، ونح عنك الضيق (ضيق الصدر) والانف (التكبر) يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً، وامنع في إجمال وإعذار (امنع بلطف واحسان)» (55).

اكد امامنا عليه السلام سمو مشروعه الإنساني الذي تفتقد اليه الكثير من الأنظمة السياسية في تاريخنا المعاصر، حتى تلك التي تنادي بحريات وصون حقوق الانسان، فأي حاكم بشرع أبواب مجلسه لشكايا المواطنين من دون حجاب او كل ما يمنع صاحب الحق من المطالبة بحقه خوفا او مهابة لمجلس الحاكم، وأين دعاة حقوق الانسان من الزام امير المؤمنين بالاستماع الى مطالب اضعف الناس شأنا، والم يسبق أمامنا بدعوته

ص: 346

للاهتمام بأصحاب العاهات جميع منضمات المجتمع المدني المعاصرة التي تروم متابعة احوالهم، من خلال الاتصال بالناس.

البرنامج اليومي للحاكم

«ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيا (يعجز) عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك مما تحرج (تضيق) به صدور أعوانك، وأمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الاقسام، وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية، وسلمت منها الرعية وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك: إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليل ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص، بالغاً من بدنك ما بلغ وإذا قمت في صلاتك للناس، فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً (أي لا تُطِل الصلاة فتكرّه بها الناس ولا تضيع منها شيئاً بالنقص في الاركان، بل التوسط خير)، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم؟ فقال: «صلِّ بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيماً»

وأما بعد هذا، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل کریم تسديه، او مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا (قنطوا) من بذلك!

ص: 347

مع أن أكثر حاجات الناس اليك (م) ما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة فأحسم (اقطع أسباب تعدیهم) مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال» (56).

لقد سمي بذلك مشروع امير المؤمنين عليه السلام بذلك المشاريع والأفكار التي ترنو الى صون كرامة الانسان، ويتجلى ذلك السمو ليس في دعوة احترام حق الانسان بوصفه حق من الله وليس منحة من الحاكم، بل توضیح الالية التي يمكن من خلالها حماية حقوق الفرد والمجتمع، ذلك المجتمع الذي تتجلى فيه أروع صور العدالة الاجتماعية، فضلاً عن تحذيراته المتكررة من مغبة مجافاة تلك الحقوق، مما يؤكد امتلاكه رؤية مستقبلية لطموحات السياسة واعتمادهم مبادئ تغليب فئة على أخرى ونكران لتكريس سلطاتهم، لذلك افرد الامام عليه السلام تحذيرا للحاكم من مغبة التكبر والجبروت والمن على الامة، والحرص على التأني في الأحكام كي لا يظلم احد وينفرط عقد الامة:

انها بحق لقيم اقل ما يقال عنها انها قيم انسانية استمدت الثقافات الحديثة الكثير منها، وبذلك فهي تعد منهل جميع الثقافات المعاصرة، فهي مصدرها الاول، وهذا يؤكد بل يثبت ان مشروع حقوق الانسان ليس وليد الثقافات الغربية كما تغرد بذلك وسئل اعلامها بل هو مشروع إسلامي بحث في جذوره وتطبيقاته، بين للامة دستوره القران الكريم، وشرع بتطبيقاته اولاً النبي الاكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم)، لتكتمل ابهی صور ذلك المشروع على يد مهندس اركانه امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الذي صاغ للإنسانية مشروعا حضاريا متكاملاً يهدف أولا الى بناء الانسان بوصفه انسانا، وان يكون قادرا على المطالبة بحقوقه الشرعية التي وهبها له الخالق، وبهدف تسهيل تطبيق هذا المشروع، اقر قواعد عدة لم تغفل أينما قضية من قضايا الفرد والمجتمع مهما صغرت، مزدانة ببيان مفصل لتطبيقاته.

ص: 348

الخلاصة وابرز الاستنتاجات

1. بعد الرجوع الى الموروث الإسلامي ومقارنة ما ورد فيه بخصوص حقوق الانسان التي وقفنا على احدث تعريفاته الذي صاغته الثقافات المعاصرة، وجدنا ان مشروع حقوق الانسان مشروع إسلاميا في نشأته وتطبيقاته.

2. اكدت لنا مصادر التاريخ الإسلامي تطبيقات عدة لحقوق الانسان في عصر الرسالة بدأت مع لحظة إقرار الرسول الكريم مشروع وثيقة المدينة، الذي يعد اول مشروع إسلامي واضح المعالم ينادي بصون حريات وحقوق الإنسان، ليس للمسلم فحسب بل للجميع بمعنى انه يخاطب الامة، ليثبت بذلك المشروع الإسلامي انه مشروع انساني.

ومن خلال مطالعة مواد العهد نتلمس قضايا عدة منها:

1. ان المصدر الحقيقي لتلك التشريعات هو القران الكريم والحديث النبوي الشريف.

2. لم يستثني مشروع الامام علي (عليه السلام) الإنساني أي احد مهما اختلف دینه او لونه او مكانته الاجتماعية او الاقتصادية.

3. يروم المشروع امير المؤمنين تحقيق هدف واضح وهو المجتمع الفاضل، الذي ارسی أولى لبناته النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم).

4. أوضح الامام علي (عليه السلام) وبين الأساليب كلها التي تمكن الحاكم السياسي من الوصول الى هذا المجتمع.

وعليه فان المشروع الذي اختطه امير المؤمنين هو مشروع انساني شامل متكامل واضح المعالم، وصالح للتطبيق في أي عصر، وهو سابق للمشروع الغربي بكثير.

ص: 349

الهوامش:

1. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، (الكويت: دار الرسالة، 1982)، ص 146.

2. شير زاد احمد عبد الرحمن، التطور التاريخي لحقوق الانسان، (مجلة) «مجلة كلية التربية الأساسية»، مجلد 18، 2٫12، ص 265.

3. سورة يس، اية (7.).

4. عاصم إسماعيل كنعان وحسن تركي عمير، حقوق الانسان في وثيقة المدينة (قراءة معاصرة)، (مجلة) «جامعة الانبار للعلوم الانسانية»، العدد 2، حزيران 2٫12، ص 177 - 178.

5. عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، ط4، (بیروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2..1)، ج 2، ص553.

6. شير زاد احمد عبد الرحمن، المصدر السابق، ص 265 - 266.

7. عاصم إسماعيل كنعان وحسن ترکي عمير، المصدر السابق، ص 178 - 179.

8. مجموعة باحثين، سلسلة المائدة الحرة صلاح حسن مطرود، العولمة وقضايا حقوق الانسان وحرياته، (بغداد: بيت الحكمة، 1999)، ص 216.

9. شير زاد احمد عبد الرحمن، المصدر السابق، ص 266 - 267.

10. ابو اسحاق الشاطبي: ابراهيم بن موسی بن محمد اللخمي، الغرناطي، ابو اسحاق الشهير بالشاطبي لم تذكر المصادر زمان ولادته ولا مكانها سوى من قال انه نشأ بغرناطة وترعرع فيها اما نسبه للشاطبي نسبة الى مدينة شاطبة فالأظهر ان ولادته بغرناطة ولا تذكر له اسفار او رحلات، من شيوخه ابو الاجفان، ابن الفخار البيري، ابو جعفر الشقوري وغيرهم له: الموافقات، الاعتصام ومن كتبه الغير مطبوعة كتاب المجالس. احمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي، ط 5،

ص: 350

(فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الاسلامي، 2..7)، ص 3، 1 - 9، 1.

11. اهم ما خلفه الشاطبي وتضمن خمسة اقسام. للتفاصيل. ينظر: المصدر السابق، ص 1٫7.

12. ابن قيم الجوزية (691 - 751 ه) محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي المشهور بابن قيم الجوزية اذ كان ابوه قیماً (مدیراً) للمدرسة الجوزية بدمشق، اخذ علم الفرائض على ابيه والاصول عن الصفي الهندي، حضر على مشايخ عصره کالقاضي تقي الدين سليمان، عيسى المطعم وغيرهم عني بالحديث ومتونه ومعرفة رجاله اشتغل بالفقه واجاد تقريره اشهر كتبه مدارج السالكين بين منازل «اياك نعبد واياك نستعين» توفي ليلة الخميس الثالث عشر من رجب ودفن في مقبرة الباب الصغير. محمد بن ابي بكر بن ایوب لبن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل «اياك نعبد واياك نستعين»، تحقيق: رضوان جامع رضوان، (القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2..1)، ج 1، ص 10 - 12.

13. حمید موحان الموسوي وشذی حسن زلزلة، حقوق الانسان بين العولمة والعالمية، (مجلة) «مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية»، العدد 27، 2..9، ص 124 - 125؛ اکرام هادي حمزة، التطور التاريخي لحقوق الانسان، (مجلة) «كلية التراث الجامعة»، العدد 17، 2,15، ص 298 - 299.

14. المصدر نفسه، ص 127.

15. شيرزاد احمد عبد الرحمن، المصدر السابق، ص 262.

16. سورة الاسراء، آية رقم (7).

17. سورة الحج، آية رقم (65).

18. سورة الاسراء، آية رقم (33).

19. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي، (مجلة) «مجلة العلوم الانسانية»، كلية التربية - صفي الدين الحلي، العدد 7، 2٫11، ص 180 - 181.

ص: 351

20. المصدر نفسه، ص 181 - 182.

21. مؤيد جاسم حمیدي، حقوق الانسان وتطبيقاته في العصر النبوي الشريف، (مجلة) «مجلة تكريت للعلوم القانونية والسياسية»، العدد18 ، 2٫13، ص 163 - 164.

22. للاطلاع على مواد وثيقة المدينة المنورة. ينظر: الاعمال الكاملة للمؤتمر العلمي لمركز دراسات الكوفة (وثيقة المدينة المنورة)، (النجف الاشرف: مطبعة النبراس، 2012)، ج 1، ج 2، ج 3.

23. عاصم إسماعيل کنعان و حسن تركي عمير، المصدر السابق، ص 183.

24. مؤيد جاسم حمیدي، المصدر السابق، ص 172.

25. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي، المصدر السابق، ص 182.

26. السيد محمد حسين فضل الله، علي ميزان الحق، (قم: دار الملاك: 302)، ص 126 - 129.

27. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي المصدر السابق، ص 183.

28. سورة الاسراء، اية 33.

29. سورة المائدة، اية 23.

30. سورة النساء، اية 93.

31. سورة المائدة، اية 23.

32. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي، المصدر السابق، ص 183.

34. مركز دراسات الكوفة، عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام لمالك ااشتر رضي الله عنه، (د. م، 2,11)، ص 36.

35. محسن الموسوي، دولة الامام علي، (بیروت: دار البيان، 1993)، ص 197 - 198.

36. حقوق المرأة يقصد بها الحقوق التي انفرد بها الرجل حيناً الى ان حصلت عليها المرأة وذلك تحقيقاً لمبدأ المساواة. احمد عطية الله، القاموس السياسي، ط 3، (القاهرة: دار

ص: 352

النهضة العربية، 1968)، ص 47.

37. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي المصدر السابق، ص 185.

38. جورج جرداق (1931 - ...) جورج سجعان جرداق، ولد في مرجعيون بلبنان، درس فيها اللغة العربية والفرنسية، انتقل الى بيروت لمتابعة دراسته في الكلية البطريركية، زاول التعليم في معاهد بيروت وكتب في صحف لبنانية وعربية عدة له: علي وحقوق الانسان، بين علي والثورة الفرنسية، علي وسقراط، علي وعصره، علي والقومية العربية، له دواوين شعرية منها: انا شرقية، ابدع الاغاني وغيرها. عبد العزيز سعود البابطين واخرون، معجم البابطين، (د. م، 1995)، مج 1، ص 71؛ کامل سلمان الجبوري، معجم الادباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2..2، (بیروت: دار الكتب العلمية، 2..3)، مج 2، ص 91.

39. شيرزاد احمد عبد الرحمن، المصدر السابق، ص 266 - 267.

40. المصدر نفسه، ص 267.

41. جورج جورداق، الامام علي صوت العدالة والانسانية، (بیروت: دار الفكر العربي، د. ت)، ص 212 (ج 1/ 238).

42. مركز دراسات الكوفة، المصدر السابق، ص 3.

43. ابو موسى الأشعري (...-42 ه) عبد الله بن قيس بن سُلیم بن حضار بن حرب، استعمله الرسول الاكرم (صلى الله عليه واله وسلم) ومعاذاً على زبید وعدن، وولاه عمر بن الخطاب الكوفة سنة 22 ه والبصرة، كما ولاه عثمان بن عفان الكوفة 34 ه حتى آلت الخلافة لامير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) سنة 36 ه، كان احد الحكمين بعد معركة صفين التي دارت بين امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) ومعاوية بن ابي سفيان. محمد بن احمد بن عثمان بن قایماز الذهبي، سير لعلام النبلاء (بيروت: دار الافكار الدولية، 2..4)، ج 2، ص 2456 - 246؛ محمد علي آل خليفة، أمراء الكوفة وحكامها، (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة

ص: 353

والنشر، 2..4)، ص 59

44. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، (جامعة الكوفة: مركز دراسات الكوفة، 2,11)، ص 9.

45. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 9 - 1 ...

46. المصدر نفسه، ص 1.

47. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 11 - 12.

48. المصدر نفسه، ص 12 - 13.

49. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 13.

50. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 16.

51. المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

52. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، (جامعة الكوفة: مركز دراسات الكوفة، 2٫11)، ص 17 - 18.

53. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، (جامعة الكوفة: مركز دراسات الكوفة، 2,11)، ص 22 - 23.

54. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، (جامعة الكوفة: مركز دراسات الكوفة، 2,11)، ص 30 - 31.

55. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 31 - 32.

56. عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضي الله عنه)، ص 33.

ص: 354

ثبت المصادر والمراجع

اولاً: القران الكريم

ثانياً: المصادر الاسلامية

1. محمد بن احمد بن عثمان بن قایماز الذهبي، سير لعلام النبلاء (بیروت: دار الافكار الدولية، 2..4)، ج 2. محمد بن ابي بكر بن ایوب لبن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل «اياك نعبد واياك نستعين»، تحقیق: رضوان جامع رضوان، (القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2..1)، ج 1.

2. محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، (الكويت: دار الرسالة، 1982)

ثالثاً: المراجع الحديثة

3. احمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الامام الشاطبي، طه، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الاسلامي، 2..7).

4. احمد عطية الله، القاموس السياسي، ط 3، (القاهرة: دار النهضة العربية، 1968).

5. السيد محمد حسين فضل الله، علي ميزان الحق، ط 3 (قم: دار الملاك، 2,13).

6. شير زاد احمد عبد الرحمن، التطور التاريخي لحقوق الانسان

7. عبد العزيز سعود البابطين واخرون، معجم البابطين، (د. م، 1995)، مج 1، ص 71؛ کامل سلمان الجبوري، معجم الادباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002، (بیروت: دار الكتب العلمية، 2..3)، مج 2.

8. عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، ط 4، (بیروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2..1)، ج 2.

9. کامل سلمان الجبوري، معجم الادباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002، (بیروت:

ص: 355

دار الكتب العلمية، 2..3)، مج 2.

10. مركز دراسات الكوفة، عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام لمالك الاشتر رضي الله عنه، (د. م، 2,11).

11. محسن الموسوي، دولة الامام علي، (بیروت: دار البيان، 1993).

12. مجموعة باحثين، سلسلة المائدة الحرة صلاح حسن مطرود، العولمة وقضايا حقوق الانسان وحرياته، (بغداد: بيت الحكمة، 1999).

13. محمد علي آل خليفة، امراء الكوفة وحكامها، (طهران: مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 2..4).

رابعاً: البحوث

14. اکرام هادي حمزة، حقوق الانسان في العصور القديمة، (مجلة) «مجلة كلية التراث الجامعة»، العدد 17، 2,15.

15. حمید موحان الموسوي وشذى حسن زلزلة، حقوق الانسان بين العولمة والعالمية، (مجلة) «مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية»، العدد 27، 2..9.

16. شیرزاد احمد عبد الرحمن، التطور التاريخي لحقوق الانسان، (مجلة) «مجلة كلية التربية الأساسية»، مجلد 18، 12، 2.

17. عاصم إسماعيل كنعان وحسن تركي عمير، حقوق الانسان في وثيقة المدينة (قراءة معاصرة)، (مجلة) «جامعة الانبار للعلوم الانسانية»، العدد 2، حزیران 12، 2.

18. منى محمد عبد الرزاق وصلاح هادي علي، حقوق الانسان في دولة الامام دراسة مقارنة، مجلة العلوم الإنسانية، كلية التربية - صفي الدين الحلي، العدد 7، 11، 2.

19. مؤيد جاسم حمیدي، حقوق الانسان وتطبيقاته في العصر النبوي الشريف، (مجلة) «مجلة تكريت للعلوم القانونية والسياسية»، العدد 18، 13، 2.

ص: 356

الجوانب الاخلاقية والانسانية في عهد الامام علي عليه السلام والاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948

اشارة

م. د خالد جعفر مبارك دكتوراه / أدب إسلامي الباحث عبد الكريم جعفر الكشفي بكالوريوس آداب شريعة الكلية التربوية المفتوحة ديالى - مدير عام تربية ديالى السابق

ص: 357

ص: 358

المقدمة

إنَّ الإسلام المحمدي لم يكن كغيره من الديانات التي حصرت اهتمامها بالمعابد دون اهتمام بشؤون الحياة وتفاصيلها، بل كان للإسلام فضل عن الجانب العبادي وله رؤية نافذة في مسائل الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية والتعليم وغيرها وكانت القيم الاخلاقية والانسانية آمراً جوهرياً أهتم به الدين الحنيف سواءاً على صعيد الفكر و الممارسة، وقد تجلى ذلك في مباحث الامامة والشورى والحكومة والدستور والعدل وشرعية الحاكم والعلاقة بينه وبين المحكومين وغير ذلك مما هو مطروق في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وروايات الأئمة عليهم السلام وشروح الفقهاء وأبحاث مفكري السياسة القدامى والمعاصرين ورغم وجود عدد من الوثائق في هذا الخصوص والتي عالجت بدرجات متفاوتة الشؤون الاخلاقية والانسانية في تاريخ الاسلام قديماً وحديثاً الا ان عهد الامام علي عليه السلام الى الصحابي مالك الأشتر ورسائله الأخرى الى ولاته تبقى وثائق مهمة في هذا المجال كانت تنبع من الاسلام المحمدي الاصيل...

إنَّ رسالة القضاء للإمام علي عليه السلام من الرسائل المهمة، التي أرست هذه الأسس والتي يستند إليها النظام القضائي و تعد من أكثر الرسائل إصالة وسعة في بناء هذا النظام. ولم نجده في غيرها من الرسائل الأخرى بالرغم مما يمتلكه أصحاب هذه الرسائل من هالة القدسية والعظمة في نفوس المسلمين. وأصبحت أفضلية هذه الرسالة من المسلمات التي لا يستطيع أحد إنكار حقيقتها. ولا يبدو ذلك الأمر غريباً؛ لأن النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أكد على أن (أقضى أمتي علي). وقد أوضحت لنا رسالة الإمام علي عليه السلام الشروط والصفات الاخلاقية والانسانية التي يجب أن تتوفر في الشخص الذي تسند إليه وظيفة القضاء، وقدمت لنا الوسائل الكفيلة لضمان هذه الوظيفة والتقاضي أمامها وقد تضمنت هذه الرسالة قيم اخلاقية وانسانية خالدة

ص: 359

ولا غرابة حين اعتمتها منظمة الامم المتحدة ضمن وثائقها المهمة.

لقد اكد اسلامنا المحمدي ورسالة الامام علي عليه السلام ان البشر يختلفون في الجنس والعرق واللون والثقافة واللغة والدين والمذهب، لكنهم يتفقون على حسن ما هو حسن من القيم الخلقية والانسانية وقبح ما كان ضدها، ولا شك في أن القيم الأخلاقية والانسانية من خلال الإسلام أوسع أثرا وأعمقَ تأثيرا؛ إذ يتميز الإسلام بالحث على جملة من الأخلاق والانسانية لا تعرف في غيره، كالإخلاص والورع والتوكل والخشوع، والخشية، والتسامح والحرية واحترام الراي وما ذاك إلا أن مثل هذه القيم تنبع من الإيمان الحق بالله تعالى وتوحيده ... ولأهمية هذا العهد ارتأينا دراسة من الجانب الاخلاقي والانساني ومقارنته بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهو وثيقة حقوق دولية تمثل الإعلان الذي تبنته الأمم المتحدة 1. ديسمبر 1948 في قصر شايو في باريس. والإعلان يتحدث عن رأي الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان المحمية لدى كل الناس ويتألف من 3. مادة ويخطط رأي الجمعية العامة بشأن حقوق الإنسان المكفولة لجميع الناس، ويعدُّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة، 1948 من بين الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان والتي تم تبينها من قبل الأمم المتحدة، ونالت تلك الوثيقة موقعاً هاماً في القانون الدولي وقد دار بحثنا على ثلاثة محاور هي:

1- المحور الاول نظرة عامة للإعلان العالم لحقوق الانسان الصادر عام 1948.

2- المحور الثاني الجوانب الاخلاقية في عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر.

3- المحور الثالث الجوانب الانسانية في عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر.

ص: 360

المبحث الاول نظرة عامة على حقوق الانسان

تعد حقوق الانسان من الحقوق الأصلية والطبيعية التي وجدت قبل ان يوجد الانسان، فهي ليست وليدة نظام قانوني، وإنَّما هي لصيقة بالوجود الانساني على الارض، ولا يمكن للإنسان أن يتمتع بالكرامة والقيمة الاصلية الانسانية بدون هذه الحقوق التي تميز بوحدتها وجماليتها من كلِّ انتهاك، او تعسف لأنَّها جوهر ولب كرامة الانسان، وهي الحق في الحياة، والحق في الحرية، والامن الشخصي، والحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في المحاكمة العادلة، والحق في الفكر والدين وغيرها. وقد اكدت المادة الأولى من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقرته الامم المتحدة في عام 1948 م على أن ((يولد جميع الناس احراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعاملوا بعضهم البعض بروح الاخاء)) (1)، كما اكدت المادة الثانية على ((ان لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق الواردة في الاعلان دون اي تمييز)) (2)، وكذلك المادة الثالثة التي نصت على ((ان لكل فرد الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية)) (3)، وكذلك المادة الثلاثون على ضرورة الاعتراف والالتزام القانوني بهذه الحقوق، ولا يسمح لأي دولة مهما كانت ان تعمل بما يخالف ذلك، او القيام بأي عمل يهدف الى هدم الحقوق والحريات العامة (4).

كما جاء في ديباجة الاعلان العالمي لحقوق الانسان، ((لمَّا كان تجاهل حقوق الانسان وازدراؤها قد افضيا الى اعمال اثارت بربريتها الضمير الانساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة وبالتحرر من الخوف والفاقة كأسمى ما ترنوا اليه نفوسهم، ولمَّا كانت من الاساسي ان تتمتع حقوق الانسانية يحاميه النظام القانوني)) (5).

ص: 361

ولمَّا كانت شعوب الامم المتحدة قد اعادت تأكيد إيمانها بحقوق الانسان الاساسية وبكرامة الانسان، وقدرت وبتساوي الرجال والنساء في الحقوق، امرها على النهوض بالتقدم الاجتماعي وبتحسين مستويات الحياة في جو من الحرية أفسح، ولما كان التقاء الجميع على فهم مشترك لهذه الحقوق والحريات امراً بالغاً لإتمام الوفاء بهذا التعهد، فان الجمعية العامة تنشر على الملا هذا الاعلان العالمي لقوق الانسان بوصفه المثل الأعلى المشترك، الذي ينبغي ان تبلغه كافة الشعوب وكافة الامم، كما يسعى جميع افراد المجتمع وهيئاته واضعين هذا الاعلان نصب اعينهم على الدوام من خلال التعليم والتربية التي تؤدي الى احترام الحقوق والحريات، وكما يكلفوا بالتدابير المطردة الوطنية والدولية اللاعتراف العالمي بها حراكاً فعلياً بين الشعوب والدول الاعضاء ذاتها وقيما بين الشعوب والاقاليم الموضوعة تحت ولايتها على السواء (6).

لقد تضمن الاعلان العالمي لحوقوق الانسان على ثلاثين مادة، وهو خطوة هامة على انصاف الانسان المظلوم و تثبیت حقوقه ولو نظرياً، بغض النظر على التحفظات الشرعية وتحفظاتنا على بعض بنوده.

لقد تقدمت الحكومات خطوات مهمة في تطبيق حقوق الانسان في مجتمعاتها، لكنهم ما زالوا يعانون من مشكلات جمة تحول دون التطبيق العادل والشامل لحقوق الانسان، ومن أهم هذه المشكلات التمايز بين الفقراء والاغنياء والاسود والابيض وبين مواطن ومواطن..، كما ان رؤوس الاموال المحرك لوسائل الاعلام ورسم السياسات، وكذلك فقد المصداقية والتناقض والكيل بمكيالين وغيرها.

لم تعرف حقوق الانسان بشكل كامل حقيقة وواقعاً، وبشكل صادق وعملي الا بظهور الاسلام ودعوته الانسانية العالمية بموجب النصوص الواردة في القرآن والسنة النبوية، وما ورد فيها من تکریم بنو البشر وتفضيله على سائر المخلوقات، وتسخير كلُّ ما

ص: 362

على الأرض والسماء لخدمة الانسان ایماناً وعقيدةً وعبادةً والتزاماً في الأحكام والشرائع وتقرباً لله.

لم تظهر فكرة حقوق الانسان بشكل رسمي الا في القرن الثالث عشر الميلادي، أي بعد نزول القرآن بسبعة قرون، وذلك نتيجة الثورات والحروب التي حدثت في أوربا في القرن الثامن عشر في امريكا لمقاومة التمييز الطبقي والتسلط السياسي والظلم، ومن هنا فأن الاسلام قدم قانوناً مثالياً لحقوق الانسان منذ اربعة عشر قرناً، يهدف من ذلك الى اضفاء الشرف والكرامة الانسانية والدعوة الى تصفية الاستغلال والقمع والظلم وكلُّ ما هو لا أنساني.

إنَّ حقوق الانسان في الاسلام تنبع من الاقتناع والاعتقاد بالله، وهو مصدر الحقوق والشرائع والقوانين، وهو المشرع لكل حقوق الانسان..، لقد أكد الاسلام و نظام حقوق الانسان؛ أنَّه لا يجوز لأي فرد كائناً من كان حتى لو كان ملكاً، او سلطانا، او قائداً، او سیاسياً، او حکومة، او مجلس شوری، او هيئة أن يضيق من هذه الحقوق والشرائع التي وهبها الله تعالى للإنسان أو يعدل بها او يلغيها.

فالدين الإسلامي منظومة متكاملة من التعاليم التي لم تكن لتكتفي بجانب مما ذكرنا على حساب الجانب الآخر، إنما ((يؤمن بأن الحياة يجب تنظيمها - ليس بالإيمان فحسب ولكن أيضا - بالعلم والعمل، والذي تتسع رؤيته للعالم بحيث يستوعب، بل يدعو إلى قيام المسجد والمصنع جنبا إلى جنب،... يرى أن الشعوب لا يكفي إطعامها وتعليمها فقط، وإنما يجب أيضا تيسير حياتها، والمساعدة على سموها الروحي)) (7).

إنَّ حقوق الانسان هي التي تنظم علاقة الإنسان بالدولة، او علاقة الإنسان بالمجتمع باعتبار ان الانسان مدني اجتماعي بطبعه، ولا يمكن ان يعيش الا ضمن مجتمع بداً بالعشيرة والمجتمع والدولة.

ص: 363

إنّ ميدان حقوق الانسان واسع جداً، وتشمل اركان الدولة وأسس المجتمع والنظام الحكم، وتوزيع السلطات ومدى اشراك الشعب في الحكم، والحدود الفاصلة بين حقوق الافراد، وحق المجتمع وحسن الراي، والعبادة وحق السكن..، وكلُّ هذه الامور تدرس في نظام الحكم والقانون الدستوري، والقانون الاداري ونظام القضاء والحقوق السياسية وحق تقرير المصير للشعوب.. وغيرها.

ص: 364

المبحث الثاني الجوانب الاخلاقية في عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر

إنَّ مبادئ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب التي نهلها من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كانت هي منهجه في الحياة، لم يهادن الظالمين الذين انتَهَبوا بیت المال وحقوق المسلمين، ولم يعط أي امتيازات للطامعين في السلطة، ولذا امتدت إليه يد الغدر والعدوان. كان عليه السلام إنموذجاً للحاكم العادل الصالح الذي ساوى بين الرعية، وبين الحاكم والمحكوم، وقد أوصى بعض عماله بوصايا قائلاً: ((أنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم وأسُدُّ به لهاة الثغر المخوف. فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة بضغث من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفق، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حیفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك)) (8).

إنَّ هذا العهد السياسي الأخلاقي و الإداري يمثل منهج الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في إقامة دولة العدل الإلهية في الأرض، ذلك المنهج الذي استقاه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن مبادئ القرآن الكريم.

والحركة الإسلامية العالمية المعاصرة بكل أطيافها وتياراتها سنة وشيعة جدير بها أن تتخلق بهذا المنهج الإسلامي، وتتخذ عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر وصايا سياسية في عملها وتحركها من أجل الإسلام، وحوارها مع الآخر، والرد على من يدعي أنَّ السياسة الإسلامية هي سياسة استبدادية ظالمة لا تطيق الرأي الآخر.

وقد وجدنا في هذا العهد الرائع مبادئ السياسة العادلة للإسلام الصحيح، إسلام

ص: 365

أهل البيت سلام الله عليهم، حيث تلمسنا أموراً هي غرض الولاية وأساسها، وشروط الوالي الصالح الذي لا تفارقه تقوى الله، مع عدله بالرعية، والرفق بالمساكين وأهل الحاجة. وكذلك شروط المستشارين والكتاب والقضاة والتجار، والاهتمام بالجند، وإصلاح الأرض بالعمران والمدنية، والانتصاف للمظلوم، والوفاء بالعهد مع الغير وعدم دفع الصلح مع الأعداء.

ويعلق محمد عمارة على وثيقة عهد أمير المؤمنين عليّ عليه السلام قائلاً: ((ولعل في وثيقة العهد الإداري الذي كتبه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى واليه على مصر الأشتر النخعي (37 ه / 357 م) الصيغة الاجتماعية لهذه الفلسفة الإسلامية المتميزة في العلاقة بين الطبقات التمايز الطبقي - الذي تتساند فيه ومعه الطبقات، بإطار جامع الأمة الواحدة)) (9). وتضمن عهده عليه السلام جوانب اخلاقية عدة نوجزها:

1. العدالة

لقد عهد الإمام عليّ عليه السلام إلى مالك الأشتر جملة أمور مستنداً فيها إلى مبدأ العدالة والحرية في الإسلام، موضحاً فيه أنَّ أساس الحكم في الإسلام هو العدل بالرعية، فأول ما استهدفته الشريعة في أحكامها وحدانية الله سبحانه وتعالى، وتحقيق العدل بين الناس، والقضاء على الظلم والجور.

إنَّ العدل هو هدف إسلامي في سائر الأحوال والأوقات، لأنه الغاية المقصودة من الشريعة الإسلامية، حيث أمر الله تعالى المسلمين أن يطبقوا العدل حتى مع العدو وغير المسلم، وأن يقوموا بالقسط ولو على أنفسهم فقال العزيز في محكم كتابه المجيد: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» سورة النساء الآية 135.

ولذا فإنَّ مفهوم العدالة في الإسلام مفهوم واسع وشامل، حيث نجده في القرآن

ص: 366

الكريم بألفاظ عديدة وغايات متنوعة: «وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ» البقرة 48، وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» النساء 58.

ویروی عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها، وصيام نهارها)) (10). ((العدل ميزان الله في الأرض فمن أخذه قاده إلى الجنة، ومن تركه ساقه إلى النار) (11). (أشد أهل النار عذاباً، من وصف عدلاً ثم خالف إلى غيره)) (12).

وهكذا فإنَّ العدل هو جوهر الإسلام، وقيمته العليا التي لا يجوز تجاوزها مع الناس كافة مسلمين وغير مسلمين في السلم والحرب، وقد قال الحق في محكم كتابه المجيد: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» البقرة 19.

ومن أوجه العدالة في الإسلام الوفاء بالعهد مع البر والفاجر، والمسلم والكافر، وإشاعة بين الناس. وعن أبي مالك قال: قلت لعليّ بن الحسين عليهما السلام: أخبرني بجميع شرائع الدين، قال: ((قول الحق، والحكم بالعدل، والوفاء بالعهد)) (13).

ولذا فإنَّ تعبير العدالة غير ملائم كمصدر للأحكام، لأن الإسلام كله عدل ورحمة، والقاضي المسلم ملزم بتحقيق العدالة في أحكامه سواء كانت أحكاماً ثابتة أم أحكاماً استنباطية اجتهادية، أما القاضي الوضعي فهو ملزم بالتطبيق النصي للقانون، وإن لم يحقق العدالة في القضايا المعروضة عليه. ولقد كان لمبادئ العدالة دور بارز ومهم في القانون الدولي العام الوضعي سابقاً، حيث خول القاضي الدولي سلطة واسعة في تسوية المنازعات المعروضة عليه وفقاً لمبادئ العدالة والإنصاف (14).

ص: 367

وعليه فإنَّ القواعد الدولية الإسلامية تتسم بالعدل والقسط مع المسلمين وغير المسلمين، والوفاء بالعهد لهم، وتحقيق مصالح الناس، ورفع الضرر والظلم عنهم، والسعي للصلح مع الاعداء إذا كان في ذلك رضا الله، فالمسلمون لاينظرون للحرب على أنها غاية بحد ذاتها، وإنما شرعت لتبليغ الدعوة الإسلامية دون إكراه واضطهاد للآخرين. وقد تضمن القانون الدولي في فقراته العدل وتساوي الناس في الحقوق والواجبات وضرورة مراعاة العدالة في تطبيق القوانين وعدم الكيل بمكيالين في التعامل مع الرعية حتى يتم سيادة الحياة السليمة الخاضعة لسلطة واحدة. وقد نصت المادة العاشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 ((لكل انسان الحق على قدم المساواة مع الأخرين)) (15).

2. الصلح والإيمان

تأتي مشروعية الصلح والأمان في الإسلام من قوله تعالى: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» الأنفال 61، وقد بين الإمام عليّ بن أبي طالب في عهده إلى مالك الأشتر ذلك، وأورد أيضاً سلامة عقود الصلح التي تبرمها الدولة الإسلامية، بحيث لا يكون فيها إيغال ولا مدالسة ولا خداع، وليس فيها علل، أي الأحداث المفسدة لها، وهي كناية عن إحكام عقد المعاهدات وعقود الصلح، والابتعاد عن لحن القول والمواراة في الأمان والعهود، لكي يكون كل شيء واضحاً وصريحاً دون لبس وخداع وتدليس.

3. اصلاح المجتمع

لقد اولى الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) مشروع تأسيس الحكم الرشيد أهمية بالغة في فلسفة الحكم، واتضحت معالم هذا المشروع بشكل واضح وجلي في عهده (عليه السلام) الى مالك الاشتر، عندما ولاه حكم مصر، وأول ملامح هذا المشروع وتجلياته

ص: 368

الإيديولوجية تتضح في برنامجه (عليه السلام) المتضمن اعادة اصلاح منظومة الشعب المصري (استصلاح اهلها)، (جباية خراجها)، (عمارة أرضها)، (جهاد عدوها)، كأن الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في هذه الرباعية يعطي البناء المعرفي الفردي والمجتمعي والسياسي أهميته البالغة في عملية التأسيس لفلسفة الحكم الرشيد، بل تمثل البنية المعرفية للمجتمع أولوية بالنسبة له، كما ويشترط في عملية البناء الفكري هذه ضرورة الاهتمام بالجوانب الاخرى الكفيلة بتعمیق فلسفة الحكم الرشيد واهمها الجانب الاقتصادي، والجوانب الاجتماعية والخدمية، فضلا عن الجوانب العسكرية.

4. الأخلاق

وحرص الامام عليه السلام ان يعالج المنظومة الاخلاقية والمعرفية والفكرية الاجتماعية العامة (للمجتمع العام)، ويُقرن صلاحها بصلاح ذات الوالي وسلامة منظومته المعرفية والاخلاقية بل يعتبر الاولى مقومة للثانية، وفي علم الاجتماع السياسي الحديث، يسمى هذا الطرح (التكامل المنهجي)، وفي مصادر اخرى (التكامل المعرفي)، او (التكامل الأيديولوجي) الذي لابد منه في أي عمل اصلاحي، وكذلك التعاقد الذي هو اساس الوضعي في تشكيل مفهوم الحق (16).

يأتي ذلك التأصيل في اشارة منه (عليه السلام ) الى ضرورة الشروع بتأصيل حالة الانسجام بين الفلسفة الفردية (ثقافة الفرد)، و (الفلسفة الجمعية)، و (الفلسفة السياسية للحاکم) ويعتبر هذه الثلاثية (فرد - مجتمع - حاکم) من الضرورات الأساسية التي لابد منها لتأسيس او تشکیل مبدأ الانسجام والتكامل المعرفي العام.

ويمثل مبدأ الأخلاق التكامل المعرفي والأيديولوجي، المحور الأساس لمشروع الحكم الرشيد، لأنه يفرض صيغة التفاهمات بين الحاكم والمحكوم، وعندما يحل التفاهم والتكامل المعرفي والفكري محل التناحر والتشظي، فانه حتما سوف يتجه المجتمع الى

ص: 369

تطبيق سياسة اصلاحية بإمكانها تغيير الواقع الذي يعيشه أي مجتمع من المجتمعات، بل سوف يكون المجتمع مهيأ لتطبيق الفلسفة الرشيدة.

5. مراعاة الحقوق والواجبات

ويؤكد (عليه السلام) في عهده الى مالك الاشتر على ضرورة مراعاة التقسيمات الاجتماعية التي يتكون منها او يتشكل من خلال التقائها المجتمع، بحيث يتضمن هذا التقسيم مراعاة دقيقة للحقوق والواجبات لكل فئة اجتماعية فالجند والولاة واهل الدواوين والمواطنين (العامة) واهل الرأي والمشورة والفقراء والمساكين، والخاصة من الوزراء وغيرهم من التقسيمات الاجتماعية، لها برنامجها التكميلي لمشروع الحكم الرشيد فلكل فئة من هذه الفئات منظومة اخلاقية وفكرية ومعرفية يشترط وجودها، وهذه المنظومة هي التي تؤهله لكي يتولى مهام مجتمعية يصل من خلالها الى تحقيق الرشد الاجتماعي والفكري والسياسي العام، فيضع عليه السلام برنامجا او منظومة اخلاقية للجند على سبيل المثال مشترطا تحقق عدة شروط في صاحب هذه الوظيفة، وعندما استقرئنا الشروط لم نجد تحققها في الوقت الراهن، حتى في ارقى جيوش العالم النظامية التي شهدها ويشهدها العالم الحديث والمعاصر، فيضع الخلق القويم واحترام المواطن، والشكيمة امام الاقوياء والمتنفذين، واللين والعطف امام المظلومين والمضطهدين والضعفاء، واعتبر هذه الشروط اساسيات اخلاقية وطبيعية لتولي هذه الوظيفة. وقد أكد الاعلان على ((إنَّ حقوق الانسان لاتمارس بشكل مطلق منفلت بل تمارس بشكل محدد ومشروط)) (17).

وكذلك الامر لباقي وظائف الدولة وحتى طريقة اختيار المستشارين منظمة ومعقدة للغاية لأنه يعتبرهم قرائن للحاكم تنعكس رؤيتهم على اخل