نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله المجلد 4

هوية الکتاب

أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛ (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الاخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

ص: 1

اشارة

ISBN 978-9933-582-39-5 789933582395 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1209 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم تصنيف LC:

BP38.02.M8 N5 2018 المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق).

العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة.

بيانات الطبع: الطبعة الأولى.

بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم.

سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386).

سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛ (1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الاخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي.

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية.

موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات.

موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توي 39 للهجرة - نقد وتفسير.

مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات.

مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة، عهد مالك الاشتر.

اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة.

اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق).

عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشرة مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة المؤتمرات العلمية (1) أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة لسنة 1438 ه - 2016 م (المحور الإداري والاقتصادي) الجزء الرابع إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1439 ه - 2018 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر(عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف: 07728243600 - 07815016633 الموقع الالكتروني: www.inahj.org الايميل: Inahj.org@gmail.com الكتاب: أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول، نظام الحكم وإدارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشر (رحمه الله).

الجهة الراعية للمؤتمر: الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة ورئاسة جامعة الكوفة.

الجهة المقيمة للمؤتمر: مؤسسة علوم نهج البلاغة ومركز دراسات الكوفة.

المدة: أقيم في يومي 24 - 25 من شهر كانون الأول من العام 2016 م الموافق 23 - 24 من شهر ربيع الأول من العام 1438 ه.

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق الوطنية 1209 لسنة 2018 م الناشر: العتبة الحسينية المقدسة.

عدد المجلدات: 10 مجلد عدد البحوث المشاركة: 128 بحثاً الإشراف والمتابعة: مؤسسة علوم نهج البلاغة.

تنويه:

إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

الثوابت والإصلاحات الإدارية لنظام الحكم في عهد أميرالمؤمنين علي عليه السلام مالك بن الأشتر أنموذجا أ. م . د. عبد الرحمن إبراهيم حمد الغنطوسي م.م احمد محمد علي

اشارة

ص: 5

ص: 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدمة

الحمد لله الذي جعل أهل بيت النبوة من أسراره وخاصتَه، وسمّاهم أهل العلم، واستودع صدورهم كلامه و له الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُواً أحد، واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، سبحانه وتعالى وتقدس وتعاظم ربنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كما شهد هو سبحانه وتعالى أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وصلاةً و... سلاماً دائمين على رسول الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه ومن اهتدى بهداه، وترسم خطاه أما بعد: لقد أذن الله سبحانه وتعالى، بعد أن أطبقت الجهالة على الأرض و خيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الإسلام، و خفي منار الحق والهدى، وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبق سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئاً، واختفت السنة وظهرت البدعة، وترأس أهل الضلال والأهواء، وأضحى الدين غريباً والباطل قريباً، حتى الناظر إلى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح، ولكن الله عز وجل قضى بحفظ دينه وكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان من رحمته تبارك وتعالى بهذه الأمة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.. أن يكون للإمام علي عليه السلام ش-أنا في هذه الأمة ومنارا للحق، هذا بحث جمعت أصوله من مصادر الشريعة والأدب يتعلق ببيان من أراد أن يتبع نهج الإمام علي عليه السلام المنبثقة من هدي التنزيل العزيز، وهدي الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -

ص: 7

وبيان فضله على أوليائه وفضائلهم، والكشف عن أسرار حكمه وأثرها على أتباعه، وقد قمت بهذا العمل رغبة في تبصير الناس بحقائق ربما يجهلها كثير من الناس، .فالشكر الله سبحان الذي أنعم على الإمام عليه السلام بهذا الموروث م-ن بيت النبوة وه-ذا البحث نبين فيه ثوابت من الشؤون الإدارية من نظام الحكم بيان الآثار و التي تساعد لحل المشاكل، لدى الفرد والمجتمع والمستوحاة من نهج وخصال الإمام علي عليه السلام.

ولا بد من الوقوف على روافد الإدارة الشرعية والتربوية المستمدة من ملامح البيئة التي عاش فيها وهي مكان مهبط الو مكان مهبط الوحي عليه السلام. وسيؤول البحث في شكله الأخير إن شاء الله إلى ثلاثة مباحث سنبين في الأول منها حياته ومناقبه من أسرار الوجود. أما الثاني فحرصنا أن نخصصه للكشف عن لوازم نظام الحكم والوظائف الإدارية عند الإمام علي عليه السلام، وكان الثالث لبيان صور ونماذج من أسرار وصفات مالك بن الاشتر صاحب الإمام عليه السلام، فإن الأمم العظيمة والشعوب العريقة.. تعرف بعقيدتها ورجالها.. وتحيا بذاكرتها. والذاكرة.. هي الروح التي تسري في جسد الأمة فيطول بقاؤها.. وهي الدماء التي تتدفق في عروقها فتشتد عافيتها. وبالمذاكرة. للأولياء. تتذكر الشعوب أحداث ماضيها.. وتتفهمها وتتدبر معانيها.. وتستخلص العبر منها.. والدروس التي فيها. وبالذاكرة.. تتذكر الأمم عناصر قوتها وأسباب رفعتها فيما مضي من تاريخها فتبني حاضرها ومستقبلها علي نهجها. والحمد لله الذي جعل صحيفة الإمام علي عليه السلام مكان ومرآة لمشاهدة الآثار الملكوتية لأنه تربى على أكمل وأفضل النفوس القدسية أبي القاسم محمد قاسم موائد المواهب الربانية، ومنبع رحيق الفيوض السبحانية وآله الوارثين لمقامات العلية المكرمين بكراماته الخفية والجلية. والخلاصة: هو ما اجتمع فيه الصحاح والحسان

ص: 8

عند مالك بن الاشتر رضي الله عنه جليل القدر عظيم المنزلة وبيان اختصاصه بعلي (عليه السلام) اظهر من ان يخفى. وقد تأسف أمير المؤمنين عليه السلام لموته وقال:لقد كان لي مثل ما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان فارسا شجاعا رئيسا التحقق بولاء أمير المؤمنين عليه السلام ونصره، وفي الخاتمة سنذكر أهم النتائج والوصايا التي توصلنا إليها. والحمد الله في البدء والختام.

الباحثان

ص: 9

ص: 10

المبحث الأول: السيرة الشخصية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

لقد أيد الله تعالى رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) برجال أمنوا بالله ورسوله فكانوا جنوده الميامين بحماية الدين ورسله الذين نقلوا الإسلام إلى الناس أجمعين، واستحقوا أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس كما أخبرنا الله تعالى عنهم. فقد تجلت فيهم كفایات متميزة في مختلف المجالات، ومن هؤلاء الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، صاحب المواقف العظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين. فقد تربی (عليه السلام) في كنف الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وسلم) وحظي برعايته واهتمامه منذ سني نشأته الأولى فكان له من الفضائل التي أشار إليها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الى الحد الذي جعله فيه وصيه وأخاه استناداً الى قوله الشريف (أنت منی بمنزلة هارون من موسی غير أنه لا نبي بعدي)(1)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنت أخي في الدنيا والآخرة)(2)، وغيرها من الأحاديث الشريفة التي تؤكد هذه المنزلة الخاصة بالإمام علي (عليه السلام) وعندما نتلمس السيرة العطرة والمناقب الحميدة التي تمثل القدوة، والمثل الأعلى لمن سار على درب الأيمان الحقيقي نجدها مجسدة، بسلوك شخص الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كيف لا، وهو الذي تربى في أحضان الرسول منذ نعومة أظفاره وتأدب وتخلق بأدب وخلق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان حقاً كل ما عمله يمثل ثمرة يانعة لمدرسة

ص: 11

الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم). فما أحوجنا اليوم إلى معرفة مناقب و سیر الشخصيات الإسلامية الرائدة لتكون لنا المنار للسير على خطاهم وسيرهم. وبما أن الكلام عن آثار الإمام أبي الحسن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) تضيق بها الأسفار الكبيرة، وفضلاً عن كوني في هذا المقام أركز في بحثي على إبراز جانب محدد من سيرة الإمام علي (عليه السلام)، آلا وهو الجانب الإداري من خلافته، تلك الفترة التي شهدت اضطرابات ومنازعات عديدة ومتواصلة إلى الحد الذي طغت فيه على مجريات الإصلاح والتنظيم الإداري للدولة لذا كان جل ما تناوله الباحثون في هذا الجانب يمثل حيزاً موجزاً قياساً إلى ما سلط على تناول الحروب والفتن التي جابهت الإمام علي في خلافته. لذا أدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في توضيح معالم إدارة الإمام علي للدولة في هيكليتها المالية والحربية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ففي المبحث الأول تناولت دراسة ملامح السيرة الشخصية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من حیث اسمه وكنيته ومولده ونشأته وإسلامه وفضائله وشجاعته، ولسنا هنا بصدد الكتابة عن تفصيلات الحياة الخاصة بالخليفة على بن أبی طالب (عليه السلام)، فهو أمر لا تستوعبه مجلدات عديدة، وإنما ما يهمنا هنا هو إظهار أسس نظام الإدارة في خلافته من خلال رسائله إلى الولاة والعمال، ومن ثمً فان شخص الخليفة علي (عليه السلام) غني عن التعريف، غير أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى شخصيته وسيرته ولو باليسير منها. أولاً - اسمهُ وكنيته: هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرہ بن کعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة القرشي الهاشمي(3) أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف(4) وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، أسلمت بمكة وهاجرت إلى المدينة المنورة و توفيت بها(5) وذكر ابن اعثم الكوفي(6) ((انه قد ولد وأبوه غائب فسمته أمه حيدره ولما عاد أبو طالب سماه

ص: 12

علياً))، ومن هنا يسمى الأمام علي حيدر، وحيدر من أسماء الأسد وقد أكد الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هذا الاسم أثناء لقائه بطل المشركين عمرو بن عبد ود العامري في معركة الخندق عام 5 ه / 626 م، بقوله:

أنا الذي سمتني أمي حيدره *** کليث غابات کریه النظره اکیلکم بالسيف کيل السندرة(7) * مما يشير إلى صحة التسمية. أما کنیته فقد كناه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بأبي تراب(8) أما سبب تكنيته بأبي تراب فقد روي انه غاضب فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يوماً، فخرج واضطجع في المسجد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (عليها السلام): أين ابن عمك؟ فقالت: في المسجد. فخرج اليه ووجده في المسجد، مستلقيا وقد امتلئ ظهره، تراباً فجعل (صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح التراب عن ظهره وهو يقول: قم يا أبا تراب. وقد کنی هو نفسه ب (أبي الحسن وأبي الحسين)(9)، وكذلك یكنی ب (أبا الريحانتين)، فيروى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: سلام عليك أبا الريحانتين أوصيك بريحانتي فعن قليل يذهب رکناك والله خليفتي عليك فلما قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال علي: هذا احد الركنين، فلما ماتت فاطمة قال هذا الركن الاخر(10) ولد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بمكة في يوم الجمعة الثالث عشر من رجب سنه ثلاثين من عام الفيل، وكان مولده في بيت الله الحرام وفي جوف الكعبة ولم يولد قبله مولود في بيت الله الحرام سواه، إكراما وتعظيما من الله تعالى له(11). ومما لا يخفى أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نشأ وتربى في رعاية عمه أبي طالب بعد وفاة والده عبد الله بن عبد المطلب. وكان من نعمة الله على علي بن أبي طالب وما صنع الله له واراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم

ص: 13

أزمة قحط شديدة قبل الإسلام، وكان أبو طالب کثير الأولاد فاقترح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على عمه العباس بن عبد المطلب وكان ایسر بني هاشم فقال له: أن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ماترى من هذه الأزمة فانطلق بنا لنخفف عنه من عياله، أخذ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً، فنكفلهما عنه، قال العباس: نعم، فانطلقا حتی أتیا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ماهم فيه، وروي أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ((أنا أول من صلى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)))، وذكر أن أول من اسلم من الرجال أبو بكر ومن الغلمان علي ابن أبي طالب ومن النساء خديجه ومن الموالي زید بن حارثه. ولم يسجد لصنم قط لذا قیل کرم الله وجهة.

ص: 14

المبحث الثاني: الثوابت الإدارية للخليقة علي (عليه السلام) اتجاه الولاة والعمال

عني هذا المبحث بالمضمون الإداري في رسائل الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الولاة والعمال وقد احتوى على مبحثين الأول منهما تناول الوظائف الإدارية في الأمصار العربية الإسلامية من خلال رسائل الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) و تشمل المستشارون والقضاة والكتاب فيما تناول المبحث الثاني السياسة الإدارية للخليفة علي (عليه السلام) تجاه الولاة والعمال من حيث دراسة عهود التولية وسياسة الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عزل الولاة واستبدالهم ثم المضمون الإداري في رسائل الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الولاة والعمال وذلك بهدف بيان الخطوط العريضة لسياسة الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشروطه فيمن يتولى أمور الرعية فضلاً عن بيان أهمية الوظائف التي تخدم المجتمع الإسلامي وتلبي احتياجاتهم(13). كان الأشتر النخعي المتوفی 37 ه مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي، المعروف بالاشتر: أمير، من كبار الشجعان. كان رئیس قومه. أدرك الجاهلية. وأول ما عرف عنه أنه حضر خطبة «عمر «في الجابية. وسكن الكوفة. وكان له نسل فيها. وشهد اليرموك وذهبت عينه فيها.. وشهد يوم الجمل، وأيام صفين مع علي، وولاه علي «مصر «فقصدها، فيات في الطريق، فقال علي: رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله.(13) وله شعر جيد، ويعد من الشجعان الاجواد العلماء الفصحاء، جمع الامام عليه السلام كل الأمور في اربعة وهي: 1 - الامور المالية والاقتصادية التي ترتكز في ذلك العصر بجمع الخراج. الامور العسكرية فأثبت له القيادة العامة على القوى المسلح والجامع

ص: 15

لها جهاد الأعداء. الامور الاجتماعية والسياسية والنظم الحقوقية الراجعة إلى كل فرد فعبر عنها واستصلاح اهلها. - عمران البلاد بالزراعة والغرس وسائر ما يثمر للناس في معاشهم بقوله وعمارة بلادها. يعطي الامام عليه السلام القوانين العامة في ادارة البلاد بما تحتاجه ثم بعد ذلك يبدأ في عهده عليه السلام بما يلزم. على مالك في نفسه من التأديب وبعد ذلك... نراه عليه السلام يوصيه بالرعية ويذكر له ان الرعية لا تكون من المسلمين فقط بل حتى غير المسلم عند وجوده لابد من احترامه. وقد قال له عليه السلام: (ان لم يكن اخ لك في الدين فهو نظير لك في الخلق).

الإدارة الأبوية: الوالي هو أب قبل أن يكون صاحب سلطة، وهو يتعامل مع موظفيه على أنهم أبناؤه، فمثلما يحتمل الأب تربية أبنائه، كذلك يتحمل مسئولية إعداد كبار موظفي الدولة، وهذا ما أخذت به التجربة اليابانية، والذي نجد له مصداقًا في قول أمير المؤمنين على إلى مالك بن الأشتر فيوصيه بموظفيه: ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما (2253)، فيجب أن يتعامل المسئول مع أفراده معاملة الوالد لولده يرعاه، ويعفو عنه عندما يسيع، وعندما يعاقبه فعقوبته هي تربية له(14). هذه بعض المفاهيم الإدارية عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام (15).

مالك بن الأشتر النخعي كوفي تابعي ثقة أن يكون على مستوى أخلاقي عال يصده عن الافساد، ويمسكه على الجادة، ويأخذ بعنقه إلى الهدى. قال له عليه السلام: (.. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك، وأنقاهم جيبا، وأفضلهم حلما، ممن يبطئ عند الغضب، ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف). عهد الاشتر * * * وبعد أن نهج الامام القواعد التي يجب أن تتبع في اختيار أفراد هذه الطبقة أخذ في بیان الاسلوب الذي يجب أن تعامل به. يرى الامام أنه لا يجوز للحاكم أن يعتمد على

ص: 16

التربية وحدها، وعلى الخلق الشخصي وحده فيما يرجع إلى ضمان اخلاص هذه الطبقة. فهو بقدر ما يحرص على أن يكون القادة العسكريون ذوي تربية عالية وخلق متين يحرص كذلك على توفير ما يتوقون إليه من الناحيتين: المادية والمعنوية. فهولاء القادة يتوقون إلى أن يروا أعمالهم التي يقومون بها تلاقي التقدير الذي تستحقه عند الحاكم، ويتوقون إلى أن يروا أن عين من فوقهم ترعاهم وتتعاهد أعمالهم وتوفيها ما تستحق من جزاء. وهؤلاء القادة، كغيرهم من الناس، خاضعون للضرورات الاقتصادية، وربما كانت حاجتهم إلى المال أكثر من حاجة غيرهم إليه، وإذ كانوا كذلك فلا بد للحاكم من مراعاة حالتهم الاقتصادية. ولا يجوز له أن يعتمد على الخلق والتربية في ضمان اخلاصهم وتمسكهم. فان الوجدان الطبقي لهؤلاء ينزع بهم نحو التسلط وإظهار القوة، وحين يجري هذا الوجدان في غير أقنيته يصير خطرا على الرعية، لانه يدفع صاحبه حينئذ إلى الانحراف والزيغ. لاجل هذا يقرر الامام ان على الحاكم ألا يغفل عن تعقب هذه الطبقة ومراقبتها، فيلزمه بانتخاب رقباء من أهل الدين والمعرفة والامانة يثهم في أطراف البلاد، ويجعلهم عيونا له على عماله، يراقبونهم في أعمالهم، ويرصدون مبلغ ما يتمتع به هؤلاء الولادة من خبرة في الادارة، وقدرة على التنظيم، ومعرفة بوجوه الإصلاح، ثم يرفعون ذلك كله إلى الحاكم فينكل بالمنحرف الذي خان أمانته، ويستأديه ما حاز لنفسه من أموال المسلمين، ويجعله عبرة لغيره. ويشجع الصالح في نفسه، الصالح في عمله. ويرشد المخطئ إلى وجه الصواب. إن هذا التدبير يمسك الوالي عن الاسراف، ويحمله على العدل في الرعية، لانه حين يعلم أن ثمة عينا ترقب أفعاله يحذر من الخروج عن الجادة، ويحرص على اتباع ما يصلح بلاده. وهذا التدبير الذي نهجه الإمام هو نظام التفتيش المعمول به الآن في الدول المعاصرة. قال عليه السلام: (.. ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والأمانة عليهم، فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة،

ص: 17

ولرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فان أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا. فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة)(16). كتاب أمير المؤمنين علي عليه السلام لمالك الأشتر - الذي يعد دستورا وقانونا في الادارة والحكومة والسياسة الاسلامية المعروف بعهد مالك الاشتر -

ص: 18

المبحث الثالث: الوظائف الإدارية في الأمصار العربية الإسلامية من خلال رسائل الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام)

لابد لنا قبل الولوج في حيثيات الإدارة العربية إعطاء تعريف يوضح مفهومها، فالإدارة بمنهاجها العام هي القدرة على استخدام الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة بأقصى كفاية بغية تحقيق أهداف معينة(17). وعرفها ابن خلدون(18): ((بانها سلطة الدولة التي يجب أن تستند الى شرع منزل من عند الله والى سياسة عقلية تراعي المصلحة العامة)). ولما كانت أسس الإدارة العربية تستمد أصولها من أحكام الشريعة الاسلامية، وهذا يعني إنها لا تستند إلى قوانين وضعية بل أساسها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهدفها المصلحة العامة للمجتمع، الأمر الذي يبعد السلطة الإدارية عن اتسامها بالاستبداد لكونها ليست سلطة مطلقة بل هي مقيدة بالاسس الشرعية، وذلك حسب ما جاء في كتاب الله سبحانه: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون»(19)، فقد ابتدع الفكر الاداري الاسلامي وسائل عديدة لمواكبة حركة التطور کالاجتهاد والقياس والاستحسان في المسائل التي لا يوجد لها حكما في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن الطبيعي أن يشترط في من يتولى هذه المسائل شروطاً تؤهله الى التمكن من التفقه والاجتهاد(20). لكي يتمكن من اعطاء الراي السليم والصحيح واذا ما تتبعنا مجريات الأحوال في بداية نشوء الدولة العربية الاسلامية حيث كانت حدود هذه الدولة الفتية لا تتعدى شبه جزيرة العرب وكان هدفها نشر الدين الإسلامي الجديد وجمع شتات العرب ص: 19

في دولة واحدة، وكانت الادارة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تنسجم ومتطلبات تلك المرحلة فقد مثل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) السلطتين التشريعية والتنفيذية في الحكم(21). يساعده في ذلك بعض العمال. وقد أوضح الإمام علي (عليه السلام) الفئات التي يتكون منها المجتمع في رسالة إلى واليه مالك الأشتر حينما ولاه مصر حيث جاء فيها: ((واعلم ان الرعية طبقات لايصلح بعضها الا ببعض ولا غنى لبعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الانصاف والرفق ومنها اهل الجزية والخراج من اهل الذمة ومسلمة الناس ومن التجار ومن اهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى وذوي الحاجة والمسكنة)). فنجد الإمام علي (عليه السلام) قد اوضح الفئات الموجودة في المجتمع المصري وهذا يساعد على توضيح الوظائف الادارية التي تتطلبها طبيعة التغيرات والاحتياجات التابعة لسلطة الخليفة وهذه الوظائف الاتي:

1 - الولاية وهي الامارة على البلاد فيقوم الملك او السلطان بتوليه من يقوم مقامه في ادارة الولاية والاقالیم وتصريف شؤونها(23).

وهذا يعني أن الوالي هو الشخص الذي يقوم بمباشرة واعمال ومهام الخليفة نيابة عنه في الأقاليم البعيدة عن حاضرة الخلافة(24). كما أكد الخليفة على ضرورة التزام الوالي بالعدل وعد من اسس قيام الحكم الالتزام بتحقيق مبادئ الاسلام حيث اكد القرآن في عدة مواضع على العدل منها قوله تعالى: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»(20). وروي عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: ((ثلاث من كن فيه من الولاه... اضطلع بأمانته وأمره... إذا عدل في حكمه ولم يحتجب دون غيره... وأقام كتاب الله في البعيد والقريب))(26). ومن

ص: 20

وصايا الخليفة علي (عليه السلام) الى ولاته بالعدل ما جاء بكتابه إلى عامله الأسود ابن قطبه صاحب حلوان: ((اما بعد فان الوالي اذا اختلف هواه منعه ذلك كثير من العدل، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فانه ليس في الجور عوض من العدل))(27). وبذلك نراه يحث (عليه السلام) عامله على اقامة العدل الذي هو اساس قيام الدولة ودستور وجودها، فبإعطاء كل صاحب حق حقه من غير ظلم او جور في الحقوق تتألف الرعية وتلتف حول أميرها، ويحذره من الاتيان بعمل نكر امثاله عندما ذكرت له اعمال الغير، وان يتقي الله فيما فرض عليه من الطاعة طالبا مغفرته ورضوانه خائفا من عقاب الله له اذا ظلم وجار على الآخرين.

واورد الجاحظ(28)، ان العدل من الصفات الواجب توفرها في الشخص الذي يتولى الامارة في حين اكد الماوردي(29) بقوله: ((والعدالة ان يكون ظاهر الامانة عفيفا عن المحارم... متوقيامن المأثم بعيدا عن الريب مأمونا في الرضا والغضب لمرؤة مثله في دينه ودنياه)). وحرص الخليفة علي (عليه السلام) ان يكون ولاته من الفقهاء بالدين ليكونوا على بينة بالاحكام الشرعية، فراى ان يكون احدهم حافظا للقرآن الكريم عالما باسباب نزول الآيات ونسخها ومقاصد كل آية منها لبيانها للناس عند ارشادهم فواجب الوالي نشر الاسلام وتعاليمه وارشاد الرعية، ومن ادلة ذلك توليته لشريح ابو امية قضاء الكوفة(30) وفي هذا المجال يقول أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) عندما بويع بالخلافة: ((سلوني عن كتاب الله فانه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار في سهل أم في جبل))(31). لذا ارتأى الخليفة ان يكون ولاته على مستوى العلم بالأحكام. وحرص الإمام ان يكون الوالي من أهل الثقة لدى الناس صاحب المنزلة الرفيعة في اصحابه حتى اذا ماطلب أمراً سارع الجميع الى تنفيذه وسمعوا واطاعوا له ولذا قال (عليه السلام) في عهده الى

ص: 21

مالك الأشتر في اختيار الولاة: ((فول... من أهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فأنهم جماع من الكرم وشعبٌ من العرف))(32). ومن شروط التولية ان يكون الوالي مسلما حرا بالغا عاقلا(33).

کما يجب ان يكون عارفا بالسياسة. والخبرة في الحرب والادارة، وفي هذا يقول الإمام علي (عليه السلام) لاهل مصر موضحا لهم سبب اختياره مالك بن الحارث الأشتر لولايتهم فيقول: ((اما مالك هذا اشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث اخو مذحج، فأسمعوا له واطيعوا أمره فيما طابق الحق فأنه سيف من سيوف الله ولا كليل الحد، ولا نابي الضريبة فان أمركم ان تنفروا فانفروا وان أمركم ان تقيموا فأقيموا، فانه لا يقدم ولا يحجم ولا يوخر الا عن أمري وقد أثر تكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم))(34). اذن علمه بالسياسة وخبرته كانت أحد أسباب اختياره لولاية مصر التي كان الإمام (علیه السلام) يخشى عليها من نفوذ معاوية.

ولقد اكد الشيباني(35) ضرورة معرفة الوالي بالادارة والحرب فيرى: ((ان يكون جريئا على اقامة الحدود واقتحام الحروب بصيرا بها، كفيلا بجعل الناس عليها، عارفاً بالعصبية وأحوال الدهاء قوياً على معاناة السياسة ليصبح بذلك ما جعل اليه من حماية الدين وجهاد العدو واقامة الاحكام وتدبير المصالح)). ومن اركان الولاية الاساسية هي الامانة والقوة بشرط ان يكون امينا على ما ولي عليه، غير مفرط فيه خاشيا الله في تلك الامانة المسترعى لها سرا وعلانية، وقد جاء ذلك في قوله تعالى «فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ»(36).فقد أوصى الإمام علي (عليه السلام) والي اذربيجان(37) * الاشعث بن قيس(38) ** قائلا له: ((وأن عملك ليس بطعمه لك ولكنه في عنقك امانة وانك مسترعى لما فوقك وليس لك ان تفتات في رعية أو تخاطر بوثيقة في يديك مال من مال

ص: 22

الله عز وجل وانت من خزانه حتى تسلمه الي))(39). وقد جاء في قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذكر الامانة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((ما من عبد يسترعيه رعيته يموت يوم يموت وهو غاش الا حرم الله عليه الجنة)) الله عليه الجنة))(40). اما القوة فتتمثل بالقدرة على تحمل الصعاب في اتخاذ القرارات الصائبة لان الوالي تقع عليه مسؤولية مواجهة التحديات والاخطار فعليه ان يكون شجاعا ليتمكن من قيادة الرعية، متبعا بذلك قوله تعالى: «ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ»(41). وان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما بعث عبد الله بن جحش(42) * سرية قال: ((لابعثن عليكم رجلا اصبركم على الجوع والعطش))(43). وفي ذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر : ((فأنك ممن استظهر به على اقامة الدين واقمع به نخوة الاثيم وأسد به الثغر المخوف))(44).

اما واجبات الوالي التي توضحت من خلال رسائل الخليفة علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى ولاته فهي ضبط الامن ونشر الاستقرار في حدود الدولة والحفاظ على امنها من الخارجين عليها والفتن الداخلية التي يقوم بها المتمردون ويتضح هذا في رسالة الإمام (علیه السلام) الى جميع عماله يسألهم عن مرور الخريت بن راشد(45) ** وجموعه فيقول: ((اما بعد، فأن رجالا خرجوا هرابا ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم اهل بلادك واجعل عليهم العيون في ناحية من أرضك واكتب إلي با ينتهي إليك))(46). وقد جاء الرد على تلك الرسالة من قبل عامل البصرة قرظة بن كعب وقد حدث الأمر(47) * نفسه مع زياد بن ابيه عامل البصرة عندما ارسل الإمام (عليه السلام) اليه رسالة يلفت انتباهه فيها الى النظر الى ما يفعله ابن الحضرمي واتخاذ التدابير اللازمة لردعه فيقول (عليه السلام) : ((فأنظر ما يكون منه فأن فرق جمع ابن الحضرمي فذلك ما نريد، وان الامور الى التادي والعصيان فأنهض اليهم وجاهدهم))(48). کما اوضح ان

ص: 23

جباية الخراج والجزية من صميم واجبات الوالي وهذا ما جاء في رسالته الى مالك الأشتر اذ جاء فيها: ((قد وليتك مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح اهلها وعمارة بلادها))(49). واكد على مجالسة الولاة العلماء وتقريب الفقهاء ورعايتهم واكرامهم وتعظيم شأنهم، لانهم وجهاء مجلسه ووسيلة الاتصال مع الرعية(50)، فيقول الإمام علي (عليه السلام) موصيا لاحد الولاة بذلك: ((واكثر من مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك واقامة ما استقام به الناس قبلك))(51). ولم يغب عن بال الخليفة علي (عليه السلام) أمر الاهتمام بالبطانة * وجلساء أولياء الامور وخاصتهم وكيفية اختيارهم من أهل الخير والعفاف والصلاح لما لهم من دور كبير في إدارة الدولة وتحسين بعض المواقف لاولياء الأمر وبالعكس، ففي الحديث الشريف عن الجلساء يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((ان مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافح القير، فحامل المسك اما ان يحذيك واما ان تبتاع منه واما ان تجد منه ريحا طيبا، ونافح القير اما ان يحرق ثيابك واما ان تجد منه ريحا خبيثة))(52). فقد أشار الإمام علي (عليه السلام) على ولاته بالحذر من تسلط البطانة والخاصة على الرعية، وأخذهم الحقوق من غير وجه حق لقرابة الصلة التي تربطهم بالوالي فيقول (علیه السلام): ((ثم ان للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول وقلة أنصاف في معاملة، فأحسم ماده أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولاتقطعن لاحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة، ولا يطمعن منك في أعتقاد عقد تضر بمن يليها من الناس في شرب او عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنا ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والاخرة))(53) ثم يبين (عليه السلام) انه ليس من احد اكثر استفادة واقل فائدة من الخاصة، فهم قليلوا الشكر عند العطاء كارهي العدل والانصاف قليلوا النصرة والمنفعة على العكس من العامة التي يكون بها المنفعة والنصرة وقت الحاجة لذا يجب ان يكون ميل الوالي اليها وتحقيق مصالحها على مصالح الخاصة، فيقول (عليه السلام) :

ص: 24

((وليس أحد أثقل على الوالي معونة في الرخاء وأقل مئونة في البلاء وأكره في للانصاف واسأل بالالحاف وأقل شكر عند الأعطاء وأبطأ عذر عند المنع واضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة وانما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم))(54). ويحذر الإمام (عليه السلام) ولاته من الذين يسعون الى ذكر عيوب الناس امامهم، فقد نهى الله عن ذلك في قوله تعالى «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا»(55). وكذلك جاء في الحديث الشريف: ((لايستر الله عبدا في الدنيا الاستره في يوم القيامة))(56). اما الإمام علي (عليه السلام) فقد جاء في كتابه الى مالك الأشتر موصيا: ((وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فان في الناس عيوبا الوالي أحق بسترها، فلا تكشف عما غاب عنك فانما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فأستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك))(57). کما حذر من الحقود الذي يتحين الفرص للانتقام من الناس، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) محذرا: ((ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا))(58). ويقول الإمام علي (عليه السلام) في ذلك: ((اطلق على الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل مالا سبب كل وتر وتغاب عن كل مالا يتضح لك))(59). كذلك السعاة بين الناس بالشر فقد قال الله في محكم كتابه عنهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»(60). ونبه الإمام ولاته منهم في قوله: ((ولا تعجلن الى تصديق ساع فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين))(61). ويقول الاعشى في السعاية والوشاية:

فمن يطع الواشين لا يتركون له *** صديقا وان كان الحبيب المقرب(62) وأوجب (عليه السلام) على الولاة التزام الحق والعدل في القريب والبعيد على

ص: 25

حد سواء حتى لو كانت العقوبة في أحد أفراد عائلته او قرابته او خاصته لان تنفيذها وعدم تعطيلها فيه سيرة محمودة للوالي لدى الرعية فيقول (عليه السلام): ((والزم الحق من لزمه القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك مر وخاصتك حيث وقع، وأبتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فاءن مغبة ذلك محمودة))(63). کما حذر من جعل المحسن والمسيْ بنفس المنزلة، لان في ذلك تشجيعا للمسيء على الاستمرار في الاساءه والطغيان متبعا قوله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلأَّ الأْحْسَانُ)(64). ويقول الإمام محذرا من ذلك: ((ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فأن في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان وتدريبا لاهل الاساءه، والزم كلا منهم ما لزم نفسه))(65).

واما الوظائف التي استحدثتها الضرورة في المجتمع العربي الاسلامي آنذاك هي: وقد ذكر الإمام علي (عليه السلام) في عهده الى مالك الأشتر الوزراء، في حين لم يظهر نظام الوزارة بشكل منظم الا في العصر العباسي الاول(66) حيث لم يكن معروفاً قبل ذلك، وقد ورد هذا المصطلح في العديد من الآيات القرآنية كما ذكرنا سابقاً وقد أستعمل هذا المصطلح في عه-د أبي بكر وعمر وعثمان، فعندما توفى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أجتمع الانصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة فبلغ ذلك أبو بكر فأتاهم ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيده بن الجراح، فقال: ما هذا. فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: منا الامراء ومنكم الوزراء(67). في حين كان من واجبهم منع الظلم ونصح الحكام واظهار الحق ولو كان فيه مضار لمصالحهم الخاصة فيقول الإمام (عليه السلام) في رسالته الى مالك الاشتر حينما ولاه مصر: ((ان شر وزرائك من كان قبلك للاشرار وزيراً من شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فأنهم أعوان الآثمة وأخوان الظلمة، وانت واجد منهم خير الخلف ممن له

ص: 26

مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل اصارهم وأوزارهم))(68). السياسة الإدارية للخليقة علي بن أبي طالب (عليه السلام) تجاه الولاة والعمال شهدت الفترة التي أعقبت مقتل عثمان بن عفان صراعات وأضطرابات وفتن فهي فترة كما وصفها الأمام (عليه السلام) ((أنها فتنة كالنار كلما سعرت ازدادت وأستنارت))(69). فكان لابد له من اتباع سياسة حكيمة تهدف الى تهدئة النفوس ونشر الأمن والعدل وكان الأمام حريصا على قيادة الأمة وفق المبادئ والقيم التي جاءت بها الشريعة الإسلامية والتي آمن بها ودافع عنها والتزم بها واتخذها مسارا في سياسته، وهكذا وجد الإمام (عليه السلام) نفسه أمام موقف صعب جدا إذ يجب عليه أن يوازن بين القيم والمبادئ التي اتخذها مسارا لسياسته وبين الظروف الجديدة التي فرضت عليه واصبحت تتحكم في الأحداث وأفقدت منصب الخلافة هيبته بعد مقتل عثمان بن عفان وقد ذكرنا سابقا مطالبة طلحة و الزبير وعدد من الصحابة بالقصاص من قتلة عثمان ومن حواره معهم نطلع على أسلوب سياسته الهادف الى تهدئه النفوس وأعادة الأمن، فقد طلب من الخارجين على عثمان ترك المدينة والعودة الى أمصارهم، فقد خاطبهم (عليه السلام) قائلا: ((يا أيها الناس اخرجوا عنكم الأعراب))(70) وقال: ((يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم))(71).

ففي هذا الطلب نجد الخليفة (عليه السلام) أراد إعادة الأوضاع إلى مجراها الطبيعي واعادة سيطرة الخلافة على الدولة ليتسنى له ادارة شؤونها بشكل سليم.

عهد التولية إشارة رسمية بتوليه الأمر لحامله(72). فهو وثيقة رسمية توضح واجبات الوالي وحقوق الرعية وصلاحياته، وترسم له السياسة التي يجب السير عليها لتحقيق الاهداف المرجوة من توليته ويتوضح هذا بصورة جلية في عهد الإمام الى واليه مالك الأشتر عندما ولاه مصر، جاء فيه: ((هذا ما أمر به عبد الله علي أمير

ص: 27

المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه حينما ولاه مصر جباية خراجها، وجهاد عدوها واستصلاح أهلها وعمارة بلادها، وأمره بتقوى الله وأيثار طاعته وأتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد الا بأتباعها..))(73). فمن خلال النص اوضح الإمام علي (عليه السلام) صلاحيات واليه مالك الأشتر في مصر، وهي جهاد العدو وجباية الخراج وعمارة الارض والبلاد وتقوى الله وطاعته فيما أمر به في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فلا يتجاوز الحدود المرسومة له، وكذلك نجد نفس خطوات السياسة المرسومة لمالك رسمها الإمام علي (عليه السلام)، في نص عهد توليته محمد بن ابي بكر لمصر حيث جاء فيه: ((هذا عهد عبد الله علي أمير المؤمنين الى محمد بن ابي بكر حين ولاه مصر، أمره بتقوى الله في السر والعلانية وخوف الله تعالى في المغيب والمشهد، وأمره باللين على المسلم والغلظ على الفاجر وبالعدل على اهل الذمة وبانصاف المظلوم وبالشدة على الظالم وبالعفو عن الناس وبالاحسان الى ما استطاع والله يجزي المحسنين ويعذب المجرمين وأمره ان يدعو من قبله الى الطاعة والجماعة فان لهم في ذلك من العاقبة وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه وأمره ان يجبى خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل لا ينتقص منه ولا يبتدع فيه ثم يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل وان يلين لهم جناحه وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه وليكن القريب والبعيد في الحق سواء، وأمره أن يحكم بين الناس بالحق وان يقوم بالقسط، ولا يتبع الهوى ولا يخاف في الله عز وجل لومة لائم، فان الله جل ثناؤه مع من أتقى وأثر طاعته وامره على سواه))(74).

ومثلما ذکرت عن عهود التولية فان من قراءة نصي هذين العهدين توضحت السياسة الاقتصادية والاجتماعية وطرق تحقيقها ونشر الامن والعدل، فضلاً عن

ص: 28

الوصايا الخاصة بشخص الولاة انفسهم وتحذيرهم من اتباع الهوى وترك طاعة الله سبحانه وتعالى، متبعا قوله تعالى: «قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ»(75). و الشروط العامة التي سبق ان وردت لاختيار الولاة هي نفس شروط أختيار العمال، غير أن هناك شروط خاصة بكل عامل تنسجم وطبيعة المهام التي يضطلع بها. ولاهمية منزلة العمال وضع الإمام علي (عليه السلام) شروطاً لا بد من توفرها فيمن يتولى هذا العمل وهذه الشروط كالأتي:

1 - ان يكون اختيار العمال مبنياً على اساس القدرة والكفاءة على القيام بمهام المنصب المناط بهم، عن ميول واستعطاف وصلة قربى ومودة، إلمام وفي الحديث الشريف يوصي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولاة أمر المسلمين ان يختاروا من هو كفؤ للمهام المناطة به فيقول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((اذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة، قال: كيف اضاعتها يا رسول الله؟ قال: اذا اسند الأمر الى غير اهله فانتظر الساعة))(76). ففي هذا الحديث ينبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الى ضرورة وضع أهل الاختصاص في اختصاصهم كالفقيه في الافتاء، والعادل في القضاء... الخ.

إذن من يتم اختيارهم من العمال على اساس المحبة والولاء لن يكونوا قادرين على الحفاظ على مصالح الامة بسبب عدم توفر القدرة والكفاءة فضلاً عن سعيهم الى تحقيق مصالحهم الخاصة التي لا بد ان تواجه معارضة من المصالح العامة، وهذا بسبب غياب العين الساهرة والحريصة على مصالح الامة فنجد الإمام (عليه السلام) يوصيً مالك الاشتر حينما ولاه مصر قائلاً: ((ثم انظر أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة وإثره، فانهم جماع من

ص: 29

شعب الجور والخیانة))(77).

2 - ان يكون اختيار العمال من البيوتات الصالحة من السابقين في الاسلام وذلك في قوله (عليه السلام) لمالك في نفس الرساله: ((وتوخ من أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فانهم اكرم أخلاقاً وأصحهم اعراضاً واقل في المطامع أشرافاً، وابلغ في عواقب الأمور نظراً))(78).

ثم أكد الإمام (عليه السلام) على الولاة في مراقبة إعمالهم ووضع العيون عليهم سراً وعلانية، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان تكون هذه العيون من أهل الصدق والوفاء ليقوموا بواجبهم على افضل وجه في نقل افعال واخبار العمال في كيفية استعمال السلطة المعطاة لهم ومعاملتهم للرعية فيقول الامام (عليه السلام) لمالك: ((ثم تفقد اعمالهم وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم فان تعاهدك في السر لامور هم قوهُ لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية))(79).

واشار الإمام (عليه السلام) الى رعاية الوالي للعمال وتحديد الارزاق لهم من بيت المال ومراعاة ان تكون هذه الارزاق كافية لسد احتياجاتهم وعوائلهم ليغنيهم عن الحاجة الى الناس وعن النظر الى ما في ايدي الغير بسبب الحاجة، فبسد حوائجهم تكون الحجة للوالي على العمال اذا ما خانوا الامانة و خالفوا أمره فيقول الامام (عليه السلام) لمالك الاشتر: ((ثم اسبغ عليهم الارزاق، فان في ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت ايديهم وحجة عليهم ان خالفوا أمرك او ثلموا امانتك))(80). وقد كان الإمام علي (عليه السلام) دائم المراقبة لسلوك عماله وذلك من خلال تكليف من يسأل عن سيرتهم مع الرعية وينقل أخبارهم اليه ومما جاء بهذا الصدد كتابه الى كعب بن مالك(81) * الذي يطلب فيه من كعب ان يستخلف على عمله من يثق به ويخرج مع طائفة من أصحابه الى السواد بين دجلة

ص: 30

والفرات ويمر بالمدن والكور(82) ** هناك فيسأل الرعية عن العمال وينقل أخبارهم له إذ يقول (عليه السلام): ((اما بعد، فاستخلف على عملك واخرج مع طائفة من أصحابك حتى تمر بالسواد كورة كورة فتسألهم عن أعمالهم وتنظر في سيرتهم حتى تمر بمن كان فيما بين دجلة والفرات))(83).

الحقيقة أن توجيهات ووصايا الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ووصاياه تمثل الخطوط العريضة التي ترسم مسار سياسته الادارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في المجتمع الإسلامي، والتي باتباعها وتنفيذها من قبل الولاة والعمال يتحقق العدل والامن للرعية وهو الهدف الذي من اجله يسعى الخليفة علي (عليه السلام). كما حذر الولاة من نقض السنن الصالحة التي عمل بها مصلحو هذه الامة قبلهم، واجتمعت عليها ألفة الرعية وصلح أمرها فاذا انقضها أو احدث بها تغييراً، أضر الرعية كان الإثم والوزر عليه والأجر لمن أسنها وعمل بها ولعل المقصود بالسنن الصالحة التي اجتمعت عليها إلفة الرعية هي الأموال المفروضة على المسلمين وغير المسلمين من زكاة وجزية وخراج وغيرها، والتي قبلوا بها عندما فرضت عليهم، فإذا تعرضت هذه السنن الى تغيير لم يلق قبولا لدى الرعية من الممكن أن يؤثر عكسيا على سياسة الدولة و بهذا الصدد يقول (عليه السلام) برسالتة إلى مالك الأشتر عندما ولاه مصر: ((ولا تنقض سنة صالحه عمل بها صدر هذه الامة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء مما في تلك فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها))(84). ويقول الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر: ((وان ابتليت بخطأ، وافرط عليك سوطك او سيفك او يدك بالعقوبة، فان في الوكزة وما فوقها مقتله، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي الى اولياء المقتول حقهم))(85). وهو بذلك يتبع قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ

ص: 31

وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(86).

1 - عدم الاعجاب بنفسه، فان اعجاب المرء بنفسه قد يكون سببا في عدم النظر الى الأمور بالمنظار الصحيح وبالتالي يكون هذا سبب هلاكه فيقول الامام (عليه السلام) محذرا مالك الأشتر: ((اياك والاعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها)). و نهی (علیه السلام) عن التغافل والتغابي بما يصل اليه من الامور خصوصا بما يتعلق بخاصته وعماله وجلساءه، فحذر من التغافل عن اخطائهم، لانه سيعاقب يوم القيامة معهم لانه علم بحدوث الظلم ولم يرفعه لينصف المظلوم ويزجر الظالم، فهو شريك لهم في ظلامتهم، فيقول (عليه السلام): ((اياك والاستئثار بما الناس فيه اسوة، والتغابي عما تعني به مما قد وضح للعيون، فانه ماخوذ منك لغيرك وعما قليل تنكشف عنك اغطية الأمور وينتصف منك المظلوم))(88).

وفي الحديث الشريف حذر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الظلم قائلا: ((مامن امیر عشرة الا يؤتى به يوم القيامة مغلولا حتى يفك عنه العدل او یوبقه الجور))(89). وقد اوضح الامام (عليه السلام) آن سبب توافد الناس على الوالي، هو سؤاله عن اعمال لا تكلفه مالاً وانما انصاف من ظلم خصم قوي، ورد الظلامات وهي أمور على الوالي تحقيقها، فيكمل (عليه السلام) نص الرساله قائلاً: ((مع ان اكثر حاجات الناس اليك، المؤونة فيه عليك من شکاه مظلمة او طلب انصاف في معاملته))(90). كما كان يحاسب المسيئين في استعمال السلطة المعطاة لهم، فاذا ثبت امر خيانتهم تكون عقوبتهم باعلان امر خيانتهم الامانة امام الناس ليتحملوا عار التهمة ويكونوا عبرة لمن تسول له نفسه القيام باعمال مماثلة فيقول (عليه

ص: 32

السلام) موصياً مالك الأشتر: ((وتحفظ من الاعوان فأن أحد منهم يبسط يده خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه واخذته بما أصاب في عمله ثم نصبته بمقام الذلة ووسمته بالخيانه وقلدته عار التهمة))(91). وقد ذكر الأمام هذه الصفات في نص رسالته إلى مالك الأشتر: ((ويرأف بالضعفاء ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي المرؤات والاحساب و أهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة، والسماحة فانهم جماع من الكرم، وشعب من العرف))(92). وقد تجلت تلك الصفات مجتمعة في شخص مالك الاشتر وقد أكد الخليفة (عليه السلام) على وجودها في رسالته إلى أميرين من أمراء الجيش هما زیاد بن النضر وشريح بن هانئ يأمره بالطاعة للاشتر جاء فيها: ((فانه ممن لا يخاف رهقه ولا سقطته، ولا بطؤه عما الإسراع إليه احزم ولا إسراعه إلى ما البطء عنه امثل))(93) فیذكر هنا الصفات التي أهلت مالك و جعلته مثالاً للقيادة العسكرية الفذة وهي شجاعته وعدم خوفه من ملاقاة الموت. وخبرته في معرفة الأمور التي تحتاج إلى سرعة وعدم تسرعه بالأمور التي تحتاج إلى تأني وهذه هي صفات القائد الفذ للجيش وقد جاء في كتاب المنهاج (94) انه إذا انفذ الأمام جیشا أو سرية فينبغي أن يؤمر عليهم صالحاً محتسب لان القوم ينظرون إليه وإذا لم يكن خيرا في نفسه كانت أعماله بحسب سريرته وكانت أعمال القوم بحسب مضاهية بها وان رأوا منه فشلاً فشلوا وان ثبت ثبتوا وان رجع رجعوا وان جنح للسلم جنحوا وان جد جدوا)).

كذلك يوضح الإمام (عليه السلام) إلى واليه على البصرة سهل ابن حنيف الانصاري، في قوم لحقوا بمعاوية فارسل له قائلاً: ((اما بعد، فقد بلغني أن رجالاً من قبلك يتسللون إلى معاوية فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك

ص: 33

من مددهم فكفراً لهم غيا ولك منهم شافياً فرارهم من الهدى والحق وأيضاعهم الى العمى والجهل، وأنما هم أهل دنیا مقبلون عليها ومهطعون اليها وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه، وعلموا ان الناس عندنا في الحق أسوة فهربوا إلى الأثرة فبعداً لهم وسحقاً))(95) فهنا يوضح لعامله عدم التأسف على هؤلاء الهاربين من صفوفه مع علمهم انه على حق، ومعرفته انه عنده الناس بالحق سواء لا فرق بينهم في نسب او جاه فهربوا الى المكان الذي يرجوا أن يجدوا فيه الاثرة على غيرهم، فلا فائدة ترجی في مثل هذه النماذج.

الرجوع إلى كتاب الله سبحانه وتعالى والى سنة نبيه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الامور التي يصعب عليه حلها ليسلم من الخطأ. فيقول (عليه السلام): ((واردد الى الله ورسوله ما يضطلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه القوم احب ارشادهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»(96) فالرد الى الله والأخذ بمحكم كتابه والرد الى رسول الله والاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة))(97) وكذلك يرى الماوردي انه من واجب الامير ان يشاور ذوي الرأي ايهما افضل ويرجع الى اهل الحزم فيما اشكل ليأمن من الخطأ ويسلم من الزلل فيكون إلى الظفر اقرب(98). الوعظ والإرشاد الديني يدعو الامام علي (عليه السلام) ولاته إلى التمسك بمبادئ الاسلام وتطبيقها وذلك باأتباع حکم القرآن واتخاذه دستوراً واحلال حلاله واحرام حرامه والسير بالمسلمين سيره والأولياء فيقول في رسالته إلى الحارث الهمداني(99) *: ((وتمسك بحبل القران وانتصحه وأحل حلاله وحرم حرامه وصدق بما سلف من الحق))(100).

ويعض الامام (عليه السلام) ولاته والناس ويرشدهم وذلك بتحذيرهم من الدنيا

ص: 34

والاغترار بها ويدعوهم إلى الاعتبار منها بما مضى فهي قصيرة فانية اولها لاحق بآخرها فيدعوه إلى ذكر الموت لانهم بذكره يعضون أنفسهم بأنهم سيواجهون هادم اللذات يوما ما فلا بد لهم من الاستعداد لمواجهته فلا يبقى لبني آدم سوى العمل الصالح به فليعملوا على السيطرة على غرائزهم وشهواتهم فيقول (عليه السلام) لحارث الهمداني: ((واعتبر بما مضى من الدنيا ما بقي منها فان بعضها يشبه بعضا واخرها لاحق باولها وكلها حائل مفارق وعظم اسم الله، ان تذكره الأعلى حق واكثر ذكر الموت وما بعد الموت ولا تتمنى الموت الا بشرط وثيق))(101). لقد كانت منزلة الإنسان في المجتمع العربي قبل الإسلام كانت مرهونة بمقدار ما يملك من الأموال، فلما جاء الإسلام، بدء بالعمل على هدم تلك التقاليد الموروثة وايجاد طرق جديده لبناء مجتمع إسلامي متكامل من خلال إعانة الفقراء والعمل على توفير الحياة الملائمة لهم ولجميع أفراد المجتمع الإسلامي، وأيضاح مفهوم الفقر بأنه لا ينقص من كرامة الإنسان في المجتمع، فمنزلته تقاس على قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»(102). وقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث الشريف ((يا أيها الناس ألا وان ربكم واحد وان أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على اسود ولا اسود على احمر إلا بالتقوى))(103). إذن منزلة الإنسان مرهونة بالأيمان بالله والعمل الصالح والأخلاق الحسنه فتلك هي أساسيات قياس منزلة الفرد في الإسلام وقد فرض الله سبحانه وتعالى على المجتمع الإسلامي التكافل بين أفراده کسمة من سماته البارزة، وقد بلغ التكافل في عهد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) الى ذروة درجاته، من خلال تجسيد النهج الذي رسمه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم والذي ورد في العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»(104). وقوله تعالى: «وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ»(105). كما وردت الآيات التي ترغب وتحبب هذا التكافل بين المسلمين ومنها قوله تعالى: «وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا

ص: 35

لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(106).

وبذلك يتضح أن التشريع الإسلامي أوجد للفقراء والمحتاجين حقا في أموال الأغنياء من خلال فرض الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء اتباعا القوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ»(107). والزكاة هي أول تشريع منظم يهدف إلى تحقيق الضمان الاجتماعي لا يعتمد على الصدقات الفردية او التطوعية بل يقوم على تنظيم دوري منتظم في توزيع الأموال بغية تحقيق الكفاية لكل محتاج من غير إسراف ولا تقتير ولم يكن ذلك خاصا بالمسلمين وحدهم بل شمل كل من يعيش في ظل دولتهم بما في ذلك اليهود والنصاری(108). وتعني الزكاة في اللغة النماء والطهر والصلاح وسميت بذلك لأنها سبب تنمية المال وتطهيره واصلاحه(109). أما معناها في الشرع فهي أسم لأخذ الشيء مخصوص من مال مخصوص(110). ومن أسباب تحقيق المنافع للدولة وذلك بجلب ما يحتاج اليه الناس من حاجات غير موجودة في بلدهم وذلك عن طريق البر والبحر والجبال والسهول فيقول (عليه السلام) لمالك الأشتر: ((واستوص بالتجار وذوي الصناعات وأوصِ بهم خيراً المقيم منهم، والمضطرب بما له والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها ابها من المباعد والمطارح في برِّك وبحركَ وسهلكَ وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترءون عليها، فإنهم سِلمُ لاتخاف بائقته، وصلح لا تخشى عائلته،(111) *))(112). وقد أوضح (عليه السلام) واجبات الولاة تجاه التجارة والتجار من خلال تأكيده على تفقد أمور التجار في حاضر البلد وأطرافه لانهم أسباب جلب المنافع وتحقيق الرقي الاقتصادي فيقول (عليه السلام): ((وتفقد أمورهم بحضرتك وحواشي بلادك))(113).

ص: 36

ومراقبة الأسواق لمنعهم وتحذيرهم من الغش في البيع والميزان فيقول (عليه السلام) موصياً مالك: ((وليكن البيع بيعا سمحا بموازین عدل))(114). وقد حذر الله سبحانه وتعالى من الغش في المكيال والميزان في قوله: «وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»(115). وكذلك قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا الا من اتقى الله وبر وصدق))(116). ويكمل مؤكداً (عليه السلام) على مراقبة الأسعار ومنع ارتفاعها لان ذلك يسبب الضرر لعامة الناس فيقول (عليه السلام): ((وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع))(117). وفي الحديث الشريف يوصي الرسول ((صلى الله عليه وآله وسلم) التجار عند البيع إذ يقول: ((یا معشر التجار إن الشيطان والاثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة))(118). وتوافقا مع ذلك أكد على منع الاحتكار لما يحدثه من مضار على العامة واختلال الاقتصاد ولقد حذر الرسول (صلى الله عليه و آله وسلم) من الاحتكار في قوله أحاديث عديدة (صلی الله عليه وآله وسلم) منها: ((لا يحتكر الا خاطئ))(119). اما الأمام ((عليه السلام) فيحذر مالك قائلاً: ((واحتكارا في المنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة))(120). والاحتكار هو جمع السلع في السوق وخزنها حتى يشتد الطلب عليها فيصبح التاجر متحكما في الأسعار، فمن واجب الوالي هنا منع الاحتكار لما يحدثه من أضرار في الاقتصاد وقد بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عقوبة المحتكر في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ((من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه))(121) ففي هذا الحديث تصوير لعظمة الآثم الذي يتحمله التاجر المحتكر فعظمة جرمه توصله الى تبرئ الله سبحانه وتعالى منه، فلماذا يترجى الانسان من الدنيا والاخره اذا ماطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى؟ وقد عد الأمام (عليه السلام) وجود

ص: 37

الاحتكار في السوق عيب على الولاة بصورة عامة لانه يحدث بسبب تقصيرهم في مهامهم ومسؤلياتهم داخل السوق فيقول الإمام (عليه السلام) لمالك: ((وعيب على الولاة، فأمنع الاحتكار فأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه))(132). ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه): یرید آخرة عمله الذي فرط به في الحسنات المعلية للدرجات عن اللحاق بمنازل المتقين والإبرار، وعن دخول الجنة في أول زمرة لم ترفعه رفعة نسبه ومكانته في الدنيا، ولا جبر هذا النقص الذي ثلم حاله. وخلاصة القول في هذا البحث المبارك نقول، اللهم احشرنا في زمرة سيدنا علي وأحبابه.. اللهم آمين

ص: 38

الخاتمة والنتائج:

بعد هذه الجولة في رحاب سمات وصفات الإمام علي عليه السلام نستطيع أن تلخص أهم النتائج، وهي: ظهر لنا من دراسة حياته وآثاره، فهو مدرسة الشرع والأدب واللغة لقد كان من العلماء البارزين في الرواية والدراية وعلوم اللغة وله ملكة لغوية تأثر في المتلقي، إن نشأته الأولى في بيت النبوة عاملا أساسيا ورافدا مهما لبناء شخصيته، ليظهر بعلمه وخلقه وسمته النبوي وليُعلِّم الطلاب والسائلين لقد كان عالماً وإماماً كبيراً وله آراءٌ متميزة في التوجيهات الإدارية والتربوية 1 - إن الألفاظ والعبارات والآراء التفسيرية التي أطلقها الإمام وجدناها مشحونة بألوان من الحكم والمواعظ والتوجيهات، وجدنا الأمام اجتمعت فيه من الخصال ما تفرقت في غيره من العلماء 2 - تُعدُّ شخصية الإمام علي عليه السلام إحدى الشخصيات المهمة والفريدة والفاعلة على المستوى البشري، ولها من الأهمية ما يدعو إلى الاعتناء بكافة الجوانب المتعلقة بها على الدوام. من جانب الدراسات الشرعية المتعلقة بشخصيته أو تسخيرها للدراسات التربوية، والعلمية والنفسية واللغوية. ليُعدُّ تطويرا مستمرا في جميع جوانب المعرفة الإنسانية0 3 - إن الإمام عليه السلام كان موسوعيا في تدبر آيات القرآن الكريم في حكمه ونظامه الإداري أثناء خلافته للمسلمين، متفرداً في استنباطاته و فهمه له، وقد حظاه الله سبحانه بعمق في النظرة البيانية البلاغية والدلالية في القرآن، مما يجعله مقدما على غيره من المبرزين في هذا الباب. وكذلك نجده من جانب آخر يهتم بالتأديب التربوي لتصبح ضرورة شرعية في واقعنا المعاصر حتى تتحقق الأهداف التربوية ويبدو أن من نافلة القول، التأكيد على المكانة الرفيعة التي حظي بها الإمام علي

ص: 39

عليه السلام وثناء العلماء عليه شرقًا وغربًا، وفي اغلب العلوم الشرعية لقد كان الإمام صاحب رواية ودراية بالحديث النبوي الشريف وله مسند في ذلك 4 - تمكنت الدراسة من تحديد معايير وضوابط الصورة الحقيقية لولاته ومنهم مالك بن الأشتر التي وقف عندها الأمام، كشفت الدراسة عن جهوده في هذا الميدان وغيره، مع أنه لم يكن همه الأول، إلا أننا وجدنا له حضورا.* ومن ذلك كلّه نستطيع القول إنّ الأمام ضرب أروع الأمثلة في الاستدلال على آراءه من النقل والعقل والقياس. فهم واستنبط الإمام في تكريم الإسلام لحقوق الرعية، وهو يبن الحقوق الإدارية والدينية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية لهم، وعنايته بهذه الجوانب إسهام في بناء الأسرة وحل جميع المشاكل المعاصرة والمتعلقة بالفرد والمجتمع 5 - وخلاصة القول أن ثقافته الفكرية تمتاز بغزارة المعلومات، ويعتز بتاريخه الأبناء والآباء والأجداد، لقد كان زوج البتول فقيهاً غاص في معرفة حقائق النفوس البشرية، وله منهجاً تربوياً متكامل، ولمن تحري آثاره كلها يجده اتصف علیه السلام بصفات الدعاة الربانيين المخلصين؛ من الصدق، والإخلاص، والدعوة على بصيرة، والصبر، والرحمة، والعفو، والعزيمة، والتواضع، والإرادة القوية التي تشمل قوة العزيمة، والهمة العالية، والنظام والدقة، والزهد والورع، والاستقامة... وفي نهاية المطاف يوصي الباحث أن تدرس شخصية الإمام عليه السلام من غير الدرس والجهة التي نظرنا فيها كأن تدرس عنده العلوم البلاغية وتوجيه القراءات القرآنية عنده - وأن يختص بتفسير للآيات التي وقف عندها. لأنه أثرى المكتبة العربية بتراثه الفكري المتنوع والحمدُ لله أولاً وآخرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعين.

ص: 40

الهوامش

(1) مسلم، صحيح مسام، ج 4، ص 1870.

(2) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحیحین، ج 3، ص 138.

(3) ابن سعد، أبو عبد الله محمد بن منيع (ت 230 ه / 845 م)، الطبقات الکبری، دار صادر / بيروت - 1985)، ج 3، ص 19؛ الطبري، أبو جعفر محمد بن جریر (ت310 ه / 923 م)، تاریخ الرسل والملوك، تحقیق: إبراهيم أبو الفضل، ط 4، مطبعة دار المعارف، (القاهرة 1400 ه / 1962 م)، ج 7، ص 152؛ ابن عبد ربه، أبو عمر احمد بن محمد الأندلسي (ت 349 ه / 939 م)، العقد الفريد، تحقیق احمد امين، (القاهرة، 1997 م)، ج 5، ص 57 - 58؛ ابن الأثير، علي بن أبي مكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم (ت 630 ه / 1232 م)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق: محمد بن إبراهيم البنا واخرون، ط 2، دار الشعب، (لا.م - لا.ت)، ج 4، ص 91؛ (4) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 19؛ الأصفهاني، أبو نعیم احمد بن عبد الله (ت 430 ه / 1038 م)، حلية الأولياء وطبقات الأصفیاء، ط 1، مطبعة السعادة، (لا. م، 1935 م)، ج 3، ص 121؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج 4، ص 917؛ ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفر (ت 749 ه / 1348 م)، تاریخ ابن الوردي، ط 2، النجف - 1969 م)، ج 1، ص 155؛ الهيثمي، علي بن أبي بكر (ت 807 ه / 1404 م)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، القاهرة / بيروت - 1407 ه)، ج 9، ص 100؛ العاملي، السيد محسن عبد الكريم (ت 1372 ه / 3194 م)، أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات، (بیروت - 1407 ه)، ح 1، ص 325.

ص: 41

(5) المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346 ه / 957 م)، التنبيه والأشراف، تحقیق، يوسف أسعد مظفر، دار الأندلس للطباعة والنشر، (بیروت - 1989 م)، ص 295؛ ابن الأثير، أسد الغابة، ج 4، ص 917.

(6) أبن اعثم، أبو محمد احمد بن اعثم (ت 314 ه / 926 م) الفتوح، ط 1، تحقیق: محمد عبد المنعم، مطبعة دار المعارف العثمانية، (الهند - 1975 م)، ج 2، ص 19؛ العاملي، أعيان الشيعة، ج 1، ص 324.

(7) (8) ابن هشام، محمد بن عبد الملك (ت 218 ه/ 833 م)، السيرة النبوية، ط 2، تحقیق: مصطفى السقا، مطبعة البابي الحلبي وأولاده، (لا.م - 1955 م)، ج 2، ص 250؛ ابن عنبة، عمدة الطالب، ص 59؛ السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911 ه / 1505 م)، تاریخ الخلفاء، تحقیق: محمد ابو الفضل، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، (القاهرة - لا.ت)، ص 1692؛ العاملي، اعیان الشيعة، ج 1، ص 325.

(9) أبن هشام، السيرة النبویه، ج 2، ص 250؛ أبن عنبه، عمدة الطالب، ص 59؛ السيوطي، تاریخ الخلفاء، ص 162؛ العاملي، أعیان الشیعه، ج 1، ص 325.

(10) ابن حنبل، احمد بن حنبل ابو عبد الله الشيباني (ت 241 ه / 855 م)، فضائل الصحابة، ط 1، تحقيق: وصي الله محمود عباس، مؤسسة الرساله، (بيروت - 1983)، ج 2، ص 623. (11) الطبری، تاریخ، طبعة بیروت، ج 2، ص 409؛ القرشي، أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي، كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب، مخطوط محفوظ في دار المخطوطات العراقية تحت الرقم (38،11)، ورقة 28؛ ابن کثیر، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر (ت 774 ه / 1372 م)، البداية والنهاية، ط 2،

ص: 42

تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مطبعة دار المعارف،(بیروت -1971 م)، ج 5، ص 7؛ ابن عنبة، جمال الدين بن علي بن الحسين (ت 828 ه/ 1424 م)، عمدة الطالب في انساب أبی طالب، ط 2، (النجف - 1988 م)، ص 58 - 59؛ العاملي، أعيان الشيعة، ج 1، ص 323. (12) حقوق آل البيت عليهم السلام (ص: 138) الأعلام لخير الدين الزركلي (5 / 259) (13) والاكليل 10: 2 وجمهرة الانساب 392 - 394 (2) السبائك 51 واللباب 3: 88. (3) الاصابة: ت 8343 وتهذیب 10: 11 والولاة والقضاة 23 - 26 وسمط اللآلي 277 والمؤتلف والمختلف 28 والمزرباني 362 والتبريزي 1: 75 ودائرة المعارف الاسلامية 2: 210 والمغرب في حلى المغرب، الجزء الاول من القسم الخاص بمصر 68 والمحبر 233 في باب "من كان يركب الفرس الجسام، فتخط إبهاماه في الارض" ووفاته في الاصابة: سنة 38 ه.

(14) الذهب والأديان. وسيرة الأئمة عليهم السلام السياسية والاجتماعية سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2 / 11) (15) دراسات في نهج البلاغة (ص: 59) الثقات للعجلي (2 / 259) (16) دراسات في نهج البلاغة (ص: 156) الامام علي (عليه السلام) في آراء الخلفاء - الشيخ مهدي فقیه ایماني (ص: 263) (17) خميس، عبد المنعم، الادارة في صدر الاسلام، مطبعة الأهرام، القاهرة، 1974، ص 18.

(18) عبد الرحمن بن محمد (ت 808 ه / 1405 م)، المقدمة، دار احیاء التراث العربي، بيروت - لا. ت)، ص 302 - 303

ص: 43

(19) سورة الجاثية، آية 18.

(20) العلي، محمد مهنا، الادارة في صدر الاسلام، ط 1، دار السعودية للنشر، (لا. م / 1405 ه - 1985 م)، ص 107.

(21) العلي، الادارة في صدر الاسلام، ص 80 (22) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 48.

(23) الماوردي، الاحکام السلطانية، ط 3، قدم له، علي ابو ملحم، منشورات مكتبة دار الهلال، (بيروت - 19995 م)، ص 51.

(24) ينظر تفصيل ذلك: الفاضلي، خولة عيسى صالح، الفكر الاداري العربي الاسلامي عند الماوردي من خلال كتابه الاحكام السلطانية - تقليد الامارة - بحث منشور في مجلة كلية التربية للبنات، جامعة بغداد، 2002 م، ص 41 - 45.

(25) سورة ص، اية 26.

(26) الجاحظ رسائل الجاحظ، ج 2، ص 300.

(27) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة بيروت، مج 5، ص 105؛ البحراني، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 169.

(28) رسائل الجاحظ، ج 2، ص 30.

(29) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت 450 ه / 1014 م) الاحکام السلطانية والولايات الدينية، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة - 1966 م)، ج 2، ص 112.

(30) ابن خیاط، تاریخ ابن خیاط، ج 1، ص 203 (31) ابن سعد، الطبقات، ج 2، ص 338؛ العاملي، اعیان الشيعة، ج 1، ص 326.

ص: 44

(32) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 51.

(33) ينظر: الماوردي، الاحکام السلطانية، ص 4. علماً أن الشروط المعتبرة في الولاية تعتمد على نوع الامارة، فالامارة الخاصة تقصر عن شروط الامارة العامة (الحرية والاسلام) بشرط العلم لان لمن عمت امارته ان يحكم وليس ذلك لمن خصت امارته. ينظر: الماوردي، الاحکام السلطانية، ص 33.

(34) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 194. الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 3، ص 127؛ ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 16، طبعة قم، ص 156.

(35) محمد بن الحسن (ت 189 ه / 806 م)، السير الكبير، تحقيق: صلاح المنجد، مطبعة مصر، (القاهرة - 1958 م)، ج 1، ص 61.

(36) سورة المائدة، آية 44.

(37) * اذربيجان: وهي اقليم واسع وحدها من برذعة مشرقاً الى اذربيجان مغرباً ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجبل والطرم من اشهر مدائنها تبریز، فتحت ایام عمر بن الخطاب، وهي جميلة ومملكة عظيمة الغالب عليها الجبال فيها قلاع وخيرات كثيرة. الحموي، ابو عبد الله یاقوت بن عبد الله (ت 626 ه / 1228 م)، معجم البلدان، دار الفكر، (بيروت - لا. ت)، ج 1، ص 128 - 129 (38) ** الاشعث بن قیس: بن معد بن كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة، كان اشعث الرأس من كبار أمراء الخليفة علي (عليه السلام) يوم صفين.

ابن حجر العسقلاني، الاصابة، ج 1، ص 66.

(39) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 14، ص 33.

(40) الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن ابو محمد (ت 255 ه / 868 م)، سنن الدارمي،

ص: 45

ط 1، تحقیق: فواز احمد زمرلي، خالد السبع، دار الكتاب اللبناني، (بیروت - 1407 ه)، ج 2، ص 417.

(41) سورة البلد، اية 17.

(42)* عبد الله بن جحش: هو محمد بن عبد الله بن جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم بن داودان بن اسد بن خزيمة بن مدركة، وهو ابن عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أميمة بنت عبد المطلب، وهو من اول من عقد له اللواء في الاسلام، وصاحب أول مغنم قسم في الاسلام. ابن قانع، معجم الصحابة، ج 2، ص 108؛ الاصفهاني، حلية الأولياء، ج 1، ص 108.

(43) الشيباني، السير الكبير، ج 1 ص 601.

(44) الجاحظ، البيان والتبيين، ط 1، تحقيق: عبد السلام هارون، مطبعة لجنة التأليف والنشر، (القاهرة - 1948 م)، ج 2، ص 42؛ ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 3؛ البحراني، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 118.

(45) ** الخريت: هو سيف بن القاسم بن محمد كان على بني ناجية في حروب الردة، كان احد الأمراء حينئذ، كان مع علي حتى حكم الحكمين ففارقه الى بلاد فارس مخالفاً وأمر بمنع الصدقة والنصاری بمنع الجزية وارتد معه الكثير، ثم أرسل اليه معقل الرياحي أحد بني يربوع فأوقع بهم. أبن اعثم، الفتوح، ج 2، ص 78 - 79.

ابن حجر العسقلاني، الاصابة، ج 2، ص 273.

(46) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4، ص 112؛ ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17، طبعة قم، ص 47.

(47) * قرظة بن کعب بن عمرو بن کعب بن عمرو بن عائذ بن زيد مناة بن مالك بن ثعلبة بن کعب بن الخزرج بن الحارث الخزرجي ويکنی ابو عمرو حليف لبني

ص: 46

عبد الأشهل من الاوس، وهو اخو عبد الله بن انیس، شهد أُحد وما بعدها، وهو أحد الأنصار العشرة الذين وجههم عمر بن الخطاب إلى الكوفه وابتنی دار ونزل بها وأفتتحح الري في عهد عمر بن الخطاب ولاه الامام علي (عليه السلام) البصرة، مات في خلافة الامام علي (عليه السلام). ينظر: أبن سعد، الطبقات، ج 6، ص 17. الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 5، ص 11. ابن حجر العسقلاني، الإصابة، ج 5، ص 432.

(48) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4، ص 612.

(49) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 30.

(40) ابو یوسف، الخراج، ص 36؛ الماوردي، الاحکام السلطانية، ص 51.

(51) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 47.

(52) البخاري، صحيح البخاري، ج 5، ص 2104. مسلم، صحیح مسلم، طبعة دار احياء التراث العربي، ج 4، ص 2026؛ ابن حبان البستي، ابو الحاتم محمد بن حبان بن احمد التميمي (ت 354 ه / 9965 م)، صحیح ابن حبان، ط 2، تحقیق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، (بیروت 1993 م)، ج 4، ص 321.؛ القرطبي، ابو عبد الله محمد بن احمد بن أبي بكر بن فرج (ت 671 ه / 1285 م)، تفسير القرطبي، ط 2، تحقیق: احمد عبد العليم البرقوقي، دار الشعب، القاهرة - 1372 ه)، ج 13، ص 27.

(53) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ص 96 - 97.

(54) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 35.

(55) سورة النساء، اية 148.

(56) مسلم، صحیح مسلم، ج 4، ص 2002.

ص: 47

(57) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 36.

(58) مسلم، صحیح مسلم، ج 4، ص 1985.

(59) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 36.

(60) سورة الحجرات، اية 6.

(61) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 36.

(62) ابن قتيبة، عيون الاخبار، ج 4، ص 20.

(63) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 97.

(64) سورة الرحمن، اية 60.

(65) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 44.

(66) الجهشياري، نصوص ضائعه من كتاب الوزراء والكتاب، تحقیق میخائیل عواد، دار الكتاب اللبناني، (بیروت - 1964 م)، ص 16.

(67) الطبري، تاریخ، طبعة بیروت، ج 2، ص 233 - 234.

(68) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج17، ص 42.

(69) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4، ص 450.

(70) نفس المصدر، طبعة القاهرة، ج 4، ص 450.

(71) نفس المصدر، طبعة القاهرة، ج 4، ص 450.

(72) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4 ص 556؛ ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة بیروت، مج 5، ص 134 (73) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة بيروت مج 5، ص 34؛ كاشف الغطاء، المستدرك على نهج البلاغة، ص 106 - 107.

ص: 48

(74) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4، ص 556؛ ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة بيروت، مج 2، ص 34.

(75) سورة الأنعام، اية 57.

(76) البخاري، صحيح البخاري، ج 5، ص 232.

(77) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 58.

(78) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 58.

(79) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 69.

(80) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 69.

(81)* کعب بن مالك: بن ابي كعب بن القين بن کعب بن سواد بن غنم بن کعب بن سلمه الانصاري، صحابي من كبار شعراء أهل المدينة في الجاهليه وكان في الاسلام من شعراء النبي()، مؤاخي لطلحه بن عبد الله وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، شهد أكثر الوقائع وتوفي سنة خمسين هجريه. ابن قانع، ابو الحسين عبد الباقي (ت 351 ه / 962 م)، معجم الصحابة، ط 1، تحقیق: صلاح بن سالم المصراني، مكتبة الغرباء الأثرية، (المدينة المنورة - 1418 ه)، ج 2، ص 374. أبن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، ج 1، ص 56.

(82) ** الكور: مفردها كورة وهي المدينة والصقع، وجمعها كور. ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 156.

(83) اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 204.

(84) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 47.

(85) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعه قم، ج 17، ص 111.

ص: 49

(86) سورة البقرة، آية 178.

(87) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 113.

(88) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 113.

(89 البيهيقي، ابو بکر احمد بن الحسن بن علي بن موسي (ت 458 ه / 1065 م) سنن البيهيقي الكبری، تحقیق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، (مكه المكرمه - 1994 م)، ج 3، ص 129.

(90) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 90.

(91) المصدر نفسه، طبعة قم، ج 17، ص 69.

(92) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 38.

(93) الطبري، تاریخ، طبعة القاهرة، ج 4، ص 567؛ ابن أبی الحدید، شرح نهج البلاغة، مج 4، ص 538؛ البحراني؛ شرح نهج البلاغة ج 5، ص 105 - 106.

(94) الحليمي، الشيخ الامام الحافظ أبي عبد الله الحسين بن الحسن (ت 403 ه / 1012 م)، المنهاج في شعب الایمان، ط 1، تحقیق : حلمي محمد فوده، دار الفكر للطباعة والنشر، (لا.م - 1978 م)، ج 2، ص 479.

(95) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 234؛ البحراني، شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 131.

(96) سورة النساء، آية 59.

(97) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 39.

(98) الاحکام السلطانية، ص 48 - 49.

(99)* الحارث الهمداني : الحارث بن عبد الله بن کعب بن أسد بن نخلة بن حرث

ص: 50

بن سبع بن صعب بن معاوية الهمداني وهو الحارث الاعور صاحب أمير المؤمنين وله قول في الفتيا. ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 18، ص 42.

(100) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 18، ص 41.

(101) ابن ابي الحديد، طبعة بيروت، ج 5، ص 226؛ البحراني، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 220.

(102) سورة الحجرات، آية 113.

(103) ابن حنبل، مسند احمد، ج 5، ص 411؛ الطبراني، المعجم الاوسط، ج 5، ص 86؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 8، ص 84.

(104) سورة الذاريات، آية 19.

(105) سورة البقرة، آية 83.

(106) سورة المزمل، آية 20.

(107) سورة التوبة، آية 103.

(108) القرضاوي، مشكلة الفقر، ص 17 - 18.

(109) عقلة، محمد، احكام الزكاة والصدقة، ط 1، مكتبة الرسالة الحديثة، (عمان - 1402 ه / 1982 م)، ص 8.

(110) عقلة، احكام الزكاة، ص 8.

(111)* غائلة: الجمع اغوال وغيلات وكل ما اغتال الانسان فاهلكه فهو غول أي منكراً داهياً والغوائل الدواهي. ابن منظور، لسان العرب، ج 1، ص 507.

(112) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 17، طبعة قم، ص 83.

(113) المصدر نفسه،طبعه قم، ج 17، ص 83.

ص: 51

(114) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 83.

(115) سورة هود، الآيات 84 - 85.

(116) الترمذي، سنن الترمذي، ج 3، ص 115.

(117) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17،ص 83.

(118) الترمذي، سنن الترمذي، ج 3، ص 514.

(119) الترمذي، ج 3، ص 567.

(120) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 83.

(121) مسلم، صحیح مسلم ج 3، ص 1228؛ الترمذي، سنن الترمذي، ج 3، ص 67؛ ابن حبان البستي، صحيح ابن حبان، ج 11، ص 308؛ الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج 2، ص 14.

(122) ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، طبعة قم، ج 17، ص 83.

ص: 52

ثبت المصادر والمراجع

1 - أسد الغابة في معرفة الصحابة، ط 2، تحقيق: محمد ابراهيم البنا واخرون، دار الشعب، لا. م، لا. ت. (8 اجزاء) 2 - حلية الاولياء وطبقات الاصفياء، ط 1، مطبعة السعادة لا. م، 1935 م.

3 - الاصطخري، ابو اسحاق ابراهيم بن محمد الفارسي المعروف بالكرخي (ت 340 ه / 951 م).

4 - المسالك والمالك، تحقيق: محمد الحسيني، القاهرة، 1961 م.

5 - ابن اعثم، ابو محمد احمد بن اعثم الكوفي (ت 314 ه / 926 م).

6 - الفتوح، ط 1، تحقيق: محمد عبد المنعم، مطبعة دار المعارف العثمانية، الهند، 1975.

7 - الانباري، محمد بن القاسم (ت 328 ه / 940 م).

8 - نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الادارية، دار الكتاب العربي، لا. م، لا. ت.

9 - لوبون، غوستاف.

10 - حضارة العرب، ط 4، نقله الى العربية: عادل زعيتر، مطبعة عيسى البابي لحلبي وشركاه، لا. م، 1964 م.

11 - ماهر، سعاد.

12 - مشهد الامام علي في النجف الاشرف وما فيه من الهدايا والتحف، مطابع دار المعارف، مصر، 1969 م.

13 - محمود، عبد الحلیم.

ص: 53

14 - الصلاة ومقاصدها، تحقيق: حسن نصر زيدان، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، 1965 م.

15 - الملا، فاضل عباس.

16 - الامام علي ومنهجه في القضاء، ط 1، مطبعة الغدير، بيروت، 1419 ه / 1999 م.

17 - الملاح، هاشم يحيى.

18 - الامام علي رجل المثل والمبادئ، ط 1، لا. م، 1988 م.

19 - الموسوي، عبد الرزاق عباس حسن.

20 - نشأة المدن وتطورها، مطبعة الارشاد، بغداد، 1977 م.

21 - نظام الدین، عبد الحميد 22 - مفهوم الفقه الاسلامي وتطوره واصالته ومصادره العقلية والنقلية،طبعة 1، بيروت - 1984.

23 - الهادي، كاشف الغطا.

24 - مستدرك نهج البلاغة، ط 2، دار الاندلس للطباعة والنشر والتوزيع، لا. م، 1980 م.

ص: 54

النظرية الاقتصادية بين رؤية الامام علي عليه السلام في عهده لمالك الاشتر وبين فيزوقراطيي عصر الانوار دراسة مقاربة مقارنة أ.م.د. محمد حسين السيوطي أ.م.د. علي خيري مطرود

اشارة

ص: 55

ص: 56

تقديم

لطالما مثل الاقتصاد أحد اهم المحركات الاساسية لاعتقاد الانسان وسلوكياته، بل في احيان كثيرة مثل المحرك الوحيد، ولم يأت ذلك من فراغ بل جاء من اهمية الاقتصاد في حياة الانسان ووجوده، ومن هذا المنطلق سعى الكثيرون لتحويل هذه الجزئية من حياة الانسان الى علم قائم بذاته، متحكم بمصائر البلاد والعباد، وذهب بعضهم في كل جهد لا يجاد أجوبة وحلول لكل الاشكاليات والمشاكل والازمات التي تعاني منها الاقتصاديات البشرية، لاسيما في العصر الحديث، وراحوا يضعون الفرضيات الواحدة تلو الاخرى، وكلاً تتأثر او تنطلق من بيئة وفهم اجتماعي وسياسي محدد، فتكون انعكاساً لواقع تاريخي في المدة التي ظهرت فيه بكل ما يحمله من سمات سياسية واجتماعية وثقافية كانت سائدة حينذاك.

ومع كل ذلك فإن معظم النظريات التي سبقت ما عرف «بعصر الانوار» (التنوير (Enlightenment) وهو العصر الذي سائد في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وحاول فيه متبنيه أبعاد الدين واعتاد العلم والعقل المجرد ليحل بديلاً عنه، لم تتمكن من طرح رؤية متكاملة للكيفية التي يجب أن تدار بها اقتصاديات البلدان، مع لحاظ تباين مواردها وثرواتها نوعاً وكماً، وفي مقابل ذلك برزت لدينا عدد من الفرضيات والنظريات الاقتصادية التي اعتمدت على أسس دينية ومن بينها اسلامية في رؤيتها ونجحت كثيراً في تحقيق غاياتها في المدد القصيرة التي طبقت فيها، ومن تلك النظريات واهمها نظرية الامام علي عليه السلام، لمفهوم الاقتصاد التكاملي التي طرحها وشرح الخطوط العامة لها في عهده لمالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه حين ولاه مصر، ومع أن البعض اشار لتلك الملامح غير انها تبقى صورة غير ناطقة وغير مفهومة لأنها جاءت ضمن سياق عام من التعليمات التي وجهها المسؤول الاعلى في

ص: 57

البلاد لعامله، وبغية أن نبرز القيمة العلمية لتلك الطروحات والتي شكلت نظرية اقتصادية متكاملة، فإننا عمدنا الى أجراء نوع من المقارنة بين تلك الرؤى التي تنطلق من أسس دينية وبين نظرية شهيرة جداً تعرف بالنظرية الفيزوقراطية (Physiocrats) (المذهب الطبيعي)، حاولت بناء اقتصاد «طبيعي» بعيد عن الروح والاسس الدينية «، بلحاظ ان تلك المقارنة لا تقوم على أساس مقارنة شخصية أو فكرية بين الامام علي عليه السلام، واصحاب المدرسة الفيز وقراطية، فلا يوجد منطق في ذلك لاختلافات دينية وقدسية وعقلية كثيرة، وانما مقارنة في الاسس العلمية للنظريتين، بوصفهما تطبيقاً آليا لمبادئ اقتصادية بحتة.

ولتسهيل تتبع المقصد حاولنا ما استطعنا لذلك سبيلاً عرض الموضوع بالغة مبسطة جداً بعيدة عن المصطلحات والمفاهيم الاقتصادية صعبة الفهم، بل عالجنا تلك المفاهيم بالغة تاريخية مبسطة، وعرضنا البحث بعدة محاور من بينها التعرض لمفهوم اصطلاح عصر الانوار، ثم التعرف على جذور المدرسة الطبيعية «الفيزوقراطية»، ومن بعد ذلك قمنا بتحديد بعض مبادئ تلك النظرية وعرضها على رؤيا أمير المؤمنين عليه السلام في عهد لمالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه ليتضح لنا مدى الفرق بين الرؤيتين، وأخيرنا ادرجنا بعض القناعات التي تولدت لدينا من المقارنة في قائمة من الاستنتاجات.

ص: 58

أولا: الدلالة الاصطلاحية لمفهوم عصر الأنوار

شكل القرنين السادس عشر والسابع عشر البدايات الاولى لظهور مفهوم مصطلح الأنوار أو التنوير (Enlightenment)، في أوربا، الذي جاء تعبيراً نزعة فكرية جديدة قدمت العقل والعلم على التأويلات والمتبنيات الدينية، وتضمن هذا الفکر نزعة مادية واضحة بعد إقصاء اللاهوت، واعتماد العلم والعقل مصدراً رئيساً للتأويل والفهم بعيداً عن البعد الماورائي بمفهومه الديني، وليس العلمي، الذي غالباً ما يظهر مرتبطاً بالبعد الميثولوجي، وبلغ هذا التيار الفكري ذروته في القرن الثامن عشر على يد مجموعة من المثقفين، الذين دعوا صراحة للتمرد على المفاهيم القديمة واعتاد العقل أساساً في كل شيء واحلاله محل الدين في كثير من مفاصل الحياة، حتى أطلق على هذا العصر «عصر العقل» (The age of reason)، أو دين العقلانية(2)، وان لم يكن ذلك العصر هو التنوير بحد ذاته فان التنوير وبدون شك أحد نتاجاته الفكرية(3).

لم يقتصر مفهوم التنوير على نمط دون أخر في أوربا، بل أمتد ليعبر عن حالة فكرية عامة شملت كل القطاعات المعرفية فيها، ووجد البعض ان ذروته الحقيقية تمتد بين عامي (1685 و1815)، وهي المدة التي ركز فيها فلاسفته واتباعه على اعادة صياغة المفاهيم الدينية الكنسية، بل ومحاربة سطوتها على العقل البشري، ووصل الحد ان انتج هذا الفكر التنويري فلسفة جديدة تقوم في غالب الاحيان على ما عرف بين مفكريه "معاداة الاكليروسية" التي تحولت عند بعضهم أساسا لعصر الانوار، ومن أشهر العبارات التي أُطلقت آنذاك، ووصفت عصر الأنوار وموقفه من الدين أو قل الكنيسة، ما قاله الأديب الفرنسي إميل زول (Émile Édouard Charles Antoine Zola)(1840-1904): «إن الحضارة لن تصل إلى كمالها حتى يسقط

ص: 59

آخر حجر من آخر كنيسة على آخر قسيس»(4).

وعلى الرغم من ان ذلك المفهوم قد يعطي انطباعاً عاماً على ان كل العلماء يومذاك حتى التنويرين منهم كانوا ضد الدين، غير ان ذلك ليس صحيح فالكثير منهم انحاز للدين، لاسيما علماء القرن السابع عشر، لكنهم ركزوا على ما اسموه، «الدين الطبيعي»، حين حاولوا ان يبرهنوا على وجود الله عبر توظيف قوانين الطبيعة ونواميسها العجيبة التي توصلوا اليها في نطاق العلوم الطبيعية(5). فكان غاليليو (Galileo Galilei) (16564 - 1642)، على سبيل المثال، كاثوليكياً، ولم يكن يرى أي تعارض بين قناعاته العلمية ومعتقده الديني، ولم يقلل من الاهمية العامة للكتب المقدسة، لكنه أعتقد ان الكتب المقدسة لا تقدم بالعادة اجوبة علمية صريحة لتفسير وتأويل الظواهر الطبيعية، لان ذلك وبحسب تصوره ليس من اختصاصه، فهو كتاب روحي يعمل على تنظيم العلاقة بين الفرد وخالقه، لذلك يركز على الجنبة الروحية اكثر من تركيزه على الجنبة المادية بمفهومها العلمي، لاسيما أن معظم الحقائق العلمية يصعب معها ان تكشف او تفسر بمفهوم الحس فقط دون الاعتماد على وسائل وطرق أخرى، لذلك رأى انهما اي العلم والدين مصدران للمعرفة لا يمكن ان يتقاطعا، لأن الله هو صاحب كتاب التكوين (الطبيعة)، وهو الذي أوحى كتاب التدوين وفي ذلك يقول: «إن الطبيعة هي المصدر الوحيد للمعرفة العلمية، كما في وسعها ان تكون مصدراً لبحوث اللاهوت وطريقاً إلى معرفة الله»(6)، وكان نيوتن (Isaac Newton) (1642 - 1727) يعتقد بأن: «عالم الكون يدلّ على وجود خالق قادر مطلق. وهو ألا تدل آيات الطبيعة وآثارها على وجود كائن غير مادي يتمتع بالحياة والحكمة؟»(7).

ص: 60

في حين ذهب بعضهم للقول ان العلوم عبارة عن اداة يمكن من خلالها الاستدلال على قدرة الله تعالى وبدائع خلقه، وللتدليل على ذلك التصور نقتبس هنا ما ذكره روبرت بويل (Robert William Boyle) (1627 - 1691) وهو احد العلماء المرموقين الايرلنديين إذ يقول:» إن العلم رسالة دينية تتمثل باكتشاف أسرار الخلق البديع الذي أوجده الله»(8).

ومهما يكن من أمر، فإن مصطلح التنوير راح يتخلص تدريجياً من الهالة الدينية المسيحية لكي يدل على عصر بأسره هو عصر التحرر العقلي والفكري في القرن الثامن عشر. وعندئذ راح يتخذ شكل المشروع الفكري بما فيه الاقتصادي الذي يريد تخليص البشرية الأوروبية وغير الأوروبية، من ظلمات العصور الوسطى وهيمنة رجال الكنيسة، بالطبع فإن المشروع كان ضمنياً لا علنياً، بسبب خوف الفلاسفة من السلطة والكنيسة المرتبطة بها عضوياً(9).

ثانياً: الدلالة الاصطلاحية لمفهوم الفيزوقراطيون [المذهب الطبيعي

كان الوضع الاقتصادي المتردي وما ينتج عنه من واقع اجتماعي متخلف، من أهم العوامل التي دفعت علماء ومفكري عصر الانوار ببحث عن حلول «علمية»، ونظريات لا تتسم بالدينية لحل تلك المشاكل، على أمل اثبات قدرة العلم على تنظيم حياة الانسان وحل مشاكله بعيداً عن الدين، لذلك فأن المتتبع لأغلب النظريات الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت في تلك الحقبة حاولت ما استطاعت لذلك سبيلاً أن تحييد الدين وكل النظريات والحلول التي يطرحها، وسعت لإحلال العلم ومناهجه الحديثة بدلاً عنه.

ص: 61

لقد كانت أولى المجالات التي حاول فيها ومن خلالها فلاسفة عصر الانوار احلال العلم بديلاً عن الدين وليس مكملاً له، المجال الاقتصادي، لما له مكن أثر واضح وعميق في جميع سلوك البشر واعتقاداته الفكرية بما فيها الدينية، ولذلك ظهرت لدينا مجموعة من المدراس والنظريات العلمية، ومع تعددها غير ان أشهرا في ذلك الوقت، ما عرف بالمدرسة الطبيعية «الفيزوقراطية».

تأسست هذه المدرسة قبل الثورة الفرنسية، وتمركزت بالخصوص في فرنسا، وكان ديكناي (De Quesnay) من أشهر مؤسسيها وكان طبيبًا للملك لويس الخامس عشر، ومشتغلًا بالزراعة والأدب والاقتصاد الزراعي، وقد كتب هذا العالم مقالة في دائرة المعارف الفرنسية في باب الاقتصاد السياسي، قال فيها جملة كانت هي أساس مبدأ الفيز وقراطيين «إن البشر محكومون بقوانين وسنن،» وبذلك أصبح مؤسسًا لمدرسة الفيز وقراطيين فهو أول من قال: بوجود قواعد طبيعية ينبغي فهمها والعمل بمقتضاها، وأن مجرد فهمها يقضي بالعمل عليها وبها، ومجموع هذه القوانين سماه هؤلاء العلماء، بالنظام الطبيعي (Order Naturel) وجعلوا هذا النظام علمًا قائمًا بذاته له قواعد ومبادئ، فكانوا يقولون بأن الفيز وقراطية هي علم النظام الطبيعي کما نقول إن الجغرافيا هي علم سطح الأرض، وهم يريدون بذلك أن الفيزوقراطية ليست الحال الطبيعية بذاتها، التي كان يدعو روسو إلى العودة إليها بدون قيد أو نظام. وقد ساهمت لحدً كبيراً في تأسيس الاقتصاد السياسي، فهي أول مدرسة حثت على تدخل السلطة في الشؤون الاقتصادية، لتمثل بذلك فلسفة مضادة لأفكار التجار الذين يرجع لهم الفضل الاول في وضع عملية الانتاج في المركز الرئيس للتحليل الاقتصادي النظري والمهني(11).

ص: 62

ان الفكرة الأساسية التي يقوم عليها نظامهم هي:

1 - القانون الطبيعي للأشياء حيث أن الحياة تسير بموجب قوانين طبيعية منطقية عقلانية وخيرة واكتشاف هذا القانون هو هدف علم الاقتصاد وهذا القانون يمكن التعرف عليه بالاستدلال.

2 - و لأن هذا النظام هو خير نظام ويحقق المصلحة العامة لذلك يجب أن تترك له الحرية المطلقة للتحرك وبذلك تزدهر الحياة وإبرازهم للقانون بوصفه عفوي خالد يمكن الاستدلال عليه وبأنه ضرورة حتمية تقتضيه الطبيعة وصلوا إلى: اعتبار الملكية الفردية حق أساسي لا بد منه لإنتاج الثروة وضمان الملكية هو النظام الاقتصادي.

4 - ربط الحرية بحق الملكية لأن الحرية جوهر النظام الطبيعي وهم الذين صاغوا مقولة «دعه يعمل دعه يمر "وهذه الكلمات التي عد أعظم تراث للفيزيوقراطيين فسرت بطرق مختلفة في المراحل اللاحقة فقد تم الربط بينها وبين السوق التنافسية فيما بعد ولكن أبسط ما تعنيه هو دع الأمور تمشي لوحدها دون أي تدخل من الدولة وسيكون كل شيء على ما يرام فالفيزيوقراطيون كانوا ضد تدخل الدولة إلا في مجال الدفاع الوطني والقضاء والمحافظة على القانون الطبيعي وهذه الكلمات تدل على أن هناك سلطة عليا سوف تضمن تحقيق أفضل النتائج دون تدخل من أحد(12).

ص: 63

ثالثاً: النظام الاقتصادي بين رؤية الامام علي عليه السلام وبين المدرسة الطبيعية.

أ - الارض هي المصدر الوحيد للثروة.

إن النظام الطبيعي الذي سبق ذكره في نظر الفيز وقراطية، نظام غير شامل لكل شؤون الحياة الاجتماعية، إنما الذي يهمهم ويلفت أنظارهم هو نصيب الأرض في الخراج، فكان الفيزوقراطيون يمنحون الزراعة منزلة خاصة تقارب منزلة المسائل الروحية واكدوا ان كل القيم نشأت من الارض ومن ثم ينبغي أن تقع جميع الضرائب على هذا الاساس الاقتصادي.

لقد وصل الفيزوقراطيون إلى هذا الرأي بالفكرة الآتية: قالوا إن المحصول الخالص هو الفرق بين النفقات التي يتكلفها المحصول وبين الثروة التي تنتج عن الانتفاع بالمحصول، وقد ظن الفيز وقراطيون أن هذا المحصول الخالص لا يوجد إلا في الزراعة؛ وبناءً على هذا الرأي كان الفيز وقراطيون يعتقدون أن الصُّنَّاع والعمال إنما هم فريق جدب لا يخرج للناس شيئًا، ولا يخلق للمجموع ثروة جديدة(14).

إن الصناع والتجار يربحون أكثر من الزُّرَّاع، ولكن هذا الربح ليس مما يحصلونه هم بأعمالهم، إنما يكسبونه، والفضل في رجوع هذه الثروة إليهم راجع إلى همة المزارعين، بل الصناع هم الخدم الذين يأخذون أجرهم بعد مروره بأيدي المزارعين المخرِجين الأول، ولذلك طالبوا بنظام ملكي يعمل على اصلاح القطاع الزراعي في البلاد عبر تحويل الاستثمارات من القطاعيين الصناعي والتجاري الى قطاع الزراعة(15).

هذا الخلاف الأساسي بين الزراعة والصناعة هو النقطة الكبرى التي دار الجدل عليها، بل هو أصل الفرق بين المبادئ الاقتصادية؛ لأن محصول الأرض هو من صنع

ص: 64

لله القادر على أن يخلق، ومحصول الصنائع والفنون من صنع البشر العاجزين. وحقيقة الأمر أنه ليس في العالم ما يُخلق وما يُفقد، وكل شيء هو كائن في الطبيعة وعائد إليها. إن في الحياة الاقتصادية قانونًا عامًا هو قانون المزاحمة وبقاء الأفضل، وكما أن هناك فرقًا بين نفقة المحصول الزراعي وبين الثمن الذي يُباع به، كذلك يوجد فرق بين نفقة المحصول الصناعي، وبين الثمن الذي يباع به، وقد تكون صناعة أربح من زراعة في هذا الباب والعكس بالعكس.

ومهما كان من أمر هذه الرؤية ومدى واقعيتها بالنسبة لمتبنيها فأنها لا تتفق مع الرؤية الاسلامية لمفهوم الثروة ومواردها والتي كشف عنها أمير المنين علي بن ابي طالب عليه السلام في وصيته لمالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه، إذ كانت رؤيته عليه السلام على العكس من ذلك تماماً، فهو يرى ان الاقتصاد عملية تكاملية تكمل فيها كل فئة دور الاخرى ولا يقتصر الأمر على الارض او قيمتها بل يشمل القطاعات الانتاجية الأخرى ولذلك نراه يقول عليه السلام: «ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم»(17)، فمن دون شك يرى أمير المؤمنين أن الزراعة لا قوام لها من دون التجارة والصناعات ولا يقوم هذا الراي بالضرورة على اساس الفصل والعزل، وبالتالي اختفاء قيمة الزراعة بغياب التجارة والصناعة، كما يمكن للبعض ان يفهمه بصورة خاطئة، بل المراد منه ان هذه القطاعات تشكل نوعا من التكامل الاقتصادي فربما يزدهر احداها لكنه لن يكون بالضرورة ذا قوام اذا تم التعامل معه كنتاج مجرد دون بقية القطاعات، ويتضح ذلك جلياً من قوله عليه السلام «فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم» (18)، اذ يشير عليه السلام ان الزراعة

ص: 65

وكل ما ينتج عنها من منتجات زراعية او حيوانية تحتاج فيما تحتاج اليه من معامل ومصانع ونحوهما لتحويل تلك المنتجات الى سلعة تحويلة أخرى، وبدونها تفقد تلك المنتجات في الغالب قيمتها، فلو لا الصناعة ما امكن تصنيع وتوفير الادوات الازمة لتحويل المنتجات الزراعية الى سلع انتاجية «أخرى كالزيوت ونحوها، أضف لذلك ان هذين القطاعين ما كان لهما ان يثمرا لولا وجود الاسواق والتجارة التي تباع فيها منتجات الارض وتشترى، ولولا ذلك لتلفت البضائع والسلع الزراعية.

وهنا مكمن اختلاف الرؤية عن الامام علي عليه السلام فهو لم ينظر للأرض على انها مجرد وسيلة لإنتاج الحبوب او الفواكه ونحوهما والتي يمكن ان تستعمل بمجرد خروجها من الارض دون الحاجة الى تحويلها الى سلع وبضائع اخرى، وهو ما أمن به اتباع المدرسة الفيزوقراطية.

ب - دور الفئات الاجتماعية في النشاط الاقتصادي.

ولعل من اهم المبادئ التي اختلفت فيها رؤية أمير المؤمنين الاقتصادية عن تلك التي تبناها اصحاب المدرسة الطبيعة، هي دور الفئات والقطاعات الاجتماعية في النشاط الاقتصادي والناتج القومي، ومدى قدرة وأهمية كل طبقة في ذلك، ففي الوقت الذي كانت المدرسة الطبيعية والمقصد الأساسي للطبيعيين أن يصونوا عن طريق الإصلاح المجتمع القديم الذي كان الجميع ملتزمين به وأساسه أسبقية وتميز أصحاب الأراضي و يردوا عن هذا المجتمع طموحات وتطلعات الرأسمالية التجارية والقوى الصناعية الصاعدة التي كانت توصف بأنها صعبة المراس وغير ناضجة وفظة وبذلك فان الفكرة الأساسية التي يقوم عليها نظامهم هي: والقانون الطبيعي هو الذي يبرز الخلاف مع التجاريين فكل الامتيازات التي منحت للتجار وحماية المنتجات والتجارة الوطنية كلها تتعارض مع القانون الطبيعي وبذلك تحركوا

ص: 66

ضد الامتيازات التي كانت الرأسمالية التجارية تتمتع بها فالقانون الطبيعي أفضل لمصالح التجار طويلة الأجل.

فأن رؤية أمير المؤمنين التي ضمنها في عهده لعامله على مصر مالك الاشتر (رضي الله عنه)، تختلف تماماً ويتضح ذلك من قوله عليه السلام «واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى بعضها عن بعض»(19)، وذلك الامر يعبر عن فهم عميق وفريد لبنية المجتمع ومدى تأثيرها وتأثرها في النظام الاقتصادي القائم، فعلى عكس ما ذهب اليه الفيز وقراطيون فان الامام علي عليه السلام أقر ان النظام الاقتصادي في اي بلد هو نظام تكاملي يكمل فيه نشاط كل فئة وطبقة الفئة والطبقة الاخرى ليصل حد الترابط والاعتماد ما يضيف قوة في النهاية لوحدة المجتمع وقوله عليه السلام لا يصلح بعضها عن البعض ان اي خلل في احدها سيضر بمجمل النشاط الاقتصادي القائم، واعتبر عليه السلام كل العاملين في الدولة جزء منها حتى القوات المسلحة عدها جزء من البنية الاقتصادية للبلاد فقال عليه السلام ومنهم «جنود الله»، الذين سواهم في الحديث والتأثير ببقية الفئات فقال عليه السلام «ومنهم جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الإنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة(20)». واوضح عليه السلام ان لكل فئة منهم دور معين في النشاط الاقتصادي فقال «وكل قد سمى الله له سهمه ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه (صلى الله عليه وآله) عه-دا منه محفوظا»(21)، فأوضح عليه السلام في رؤية غاية في الفه-م الاقتصادي مدى الترابط بين تلك الفئات فقال عليه السلام «الجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم»(22)، فمما لاشك فيه بغياب الجيش والقوات

ص: 67

المسلحة لن يكون هناك دولة او مجتمع ولن ينعم العباد بالأمن والامان كي يمارسوا اعمالهم ويضاعفوا نتاجهم وبالتالي هي علاقة تبادلية تكاملية فوظيفة الجيش توفير الاجواء الملائمة للعمل والانتاج مما يعني ان الجيش أصحاب من ادوات الانتاج او مقدماته بصورة او أخرى، وفي مقابل ذلك فان الجيش وكما عبر عن ذلك أمير المؤمنين ليس له قوام من دون من الطبقات العاملة فقال عليه السلام: ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم و يعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم»(23)، ثم ربط عليه السلام بين تلك الفئتين وبقية اصناف وطبقات المجتمع، واوضح أن العلاقة تكاملية وجودية فقال عليه السلام «ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاء والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ويأتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها»(24)، ويمثل كل اولئك الطبقة الادارية في المجتمع التي عدها امير المؤمنين وكأنها الواسطة الرابط بين الجميع غير انه عليه السلام ربط كل ذلك بطبقة غاية في الاهمية هي طبقة التجار والصناع فقال عليه السلام «ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم و يقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم»(25)، وأكمل عليه السلام رؤيته للمجتمع المتكامل اقتصادياً بان ربط بين كل الفئات وفئة المحرومين فقال عليه السلام» ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة و المسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم و في الله لكل سعة و لكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه،،(26).

ص: 68

ج - جباية الضرائب الخراج.

مما لاشك فيه ان المدرسة الطبيعة اعتبرت ان الدولة يجب ان تفرض ضريبة واحدة فقط، هي ضريبة الارض، التي هي لديهم الثروة الحقيقية الوحيدة للأمم، غير ان ذلك يتنافى تماماً مع النمو الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، اذ لا يمكن - بأية حال من الاحوال - حصر الضريبة التي هي من المصادر الرئيسة لتمويل الدولة بضريبة واحدة، تفرض على مجال واحد من مجالات العمل والانتاج، ففي ذلك غياب للفهم الاقتصادي الحقيقي، وما يترتب عليه من ظلم اجتماعي وغياب للعدالة الاجتماعية، وهذا ما ادركه الامام علي عليه السلام حينما عبر عن رؤيته الاقتصادية وفق المبادئ الشرعية الاسلامية، التي يجب ان تسود البلاد والعباد، لذلك حين أفتتح عهده لمالك الاشتر (رضي الله عنه) قال «وجباية خراجها»(27)، فجاءة لفظة الخراج عامة مطلقة ولم يحصرها عليها السلام بخراج الارض كما فع اصحاب المدرسة الطبيعية، وذلك لان الاقتصاد وفق رؤيته عليه السلام عملية إجرائية تكاملية وليست ممارسة جزئية على قطاع دون آخر، وان الضرائب [الخراج] حين يفرض يجب ان يفرض بصورة عادلة وبما يتلاءم مع المصلحة العليا للامة، دون ان يقود لحالة من الظلم الاجتماعي والاستنزاف الاقتصادي، ولذلك اتم عليه السلام نصيحته لعامله مالك بالقول »لاتكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم آكلهم»(28)، وفي ذلك دلالة واضحة بمنع الحاكم من اعتماد القوة لاغتنام «آكلهم» التي هي هنا بالتأكيد لفظة عامة تعبر عن كل ما يملكه الانسان بما في ذلك سلبه واستنزافه عن طريق فرض الضرائب الجائرة التي تنتهي باستنزاف العباد اقتصادياً وظلمهم اجتماعياً، فمن المعروف تاريخياً بل وطبيعياً، ان سير الحكام الطغاة والجبابرة، كانت مليئة بالظلم الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سببه كثرة الضرائب الفادحة التي كانت تفرض عليهم، ولاسيما الطبقات

ص: 69

الدنيا من الشعب ومن بينها طبقة الفلاحين التي كانت اكثر فئات الشعوب تعرض للاضطهاد الضريبي، الامر الذي قادها في أحيان كثيرة للتمرد والثورة(29).

وادراكاً منه عليه السلام لهذه الحقيقة وتلك النتيجة المتوقعة عليها، فقد عارضها عليه السلام بقوة ونصح عامله على مصر بضرورة تجنبها، فقوله عليه السلام «تغتنم آكلهم»، مفهوم عام يشتمل على الكثير من المضامين، ولا يقتصر على انتزاع حقوقهم بالقوة وبصورة مباشرة، بل يشمل كذلك سلب جهودهم عبر وسائل غير مباشرة كالضرائب المجحفة، التي أن وزعت بحسب رؤية الفيزوقراطيون على الارض فقط، فإنها ستولد الظلم وغياب العدالة الاجتماعية.

وينصح أمير المؤمنين عامله بان يقاس فاعلية وقيمة الخراج [الضرائب] لا بمقدار ما تجمع الدولة من أموال بصور مختلفة، بل المعيار الحقيقي لقيمة تلك الضرائب بان تكون صالحة ومطورة للمجتمع والامة، وقال في ذلك «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فان في إصلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج و أهله». وربط عليه السلام بين قيمة تلك الضرائب ومدى افادة جميع طبقات الشعب منها، لان الجميع له فيها نصيب، وليس کما تدعوا اليه بعض النظريات الاقتصادية ومنها المدرسة الطبيعة في أن الضرائب يجب ان توجه الى دعم القطاع الزراعي فقط.

وعزز عليه السلام تلك الرؤية بنصيحته للحاكم بان لا يجعل جمع الضرائب همه الاكبر فان ذلك خطا اقتصادي كبير بل عليه ان يربط بين قيمتها وقيمة ما يمكن أن تحقق من عمارة للبلاد ولذلك قال عليه السلام «وليكن نظرك في عمارة الأرض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد واهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا»(30)، ثم طالب

ص: 70

عليه السلام الحاكم أن يقدم تقديم الخدمات للامة على جمع الضرائب منهم فقال عليه السلام «فان شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو أحالة ارض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو ان يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شيء خففت به المئونة عنهم فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك(31)، ومما لاشك فيه ان ربط الامام عليه السلام بين حجم الضرائب والية انفاقها من اجل ان لا يتحول هم الحاكم الى جعل جمع المال هو الغاية كما يدعي ذلك اصحاب المدرسة الفيزوقراطية، الذين فضلوا الزراعة على غيرها بناء على فكرة ان ناتج الارض ناتج خالص لا يكفل رؤوس اموال كما في حالات التجارة والصناعة وغيرهما.

بل ذهب أمير المؤمنين ابعد من ذلك فلم يطالب الحاكم باستيفاء عادل للضرائب [الخراج]، فحسب، بل طالبه ان يعطهم من عفوه وصفحه فخاطب عامله مالك (رضي الله عنه) قائلاً «فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه وصفحه»(32)، وليس العفو والصفح هنا تجاوز عن سلوك خاطئ فقط، بل العفو بالمعنى الاعم والاشمل، ومن ذلك مسامحتهم والعفو عنهم في بعض الالتزامات الاقتصادية تجاه الحاكم والسلطة، كإلغاء او تأجيل بعض الالتزامات المالية ومن بينها الضرائب عمن لا يتمكن من دفعها، بما لا يضر بالمصلحة العامة للمسلمين، لاسيما أيام القحط والجفاف، فان ذلك من مستحسن الامور، وحتى يعظم عليه السلام ذلك الفعل في نفس الحاكم، فانه عليه السلام ذکر الحاكم ان يعطي الناس ما يجب ان يناله هو من الله تعالى، لذلك قال عليه السلام «مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه وصفحه»(33)، ولمعرفته عليه السلام أن هناك من حاشية السلطان من حاشية السلطان من سيسعى ليكون عائقاً بين الوالي وصفحه

ص: 71

عن الناس، وما اكثرهم، فانه حذر الحاكم قائلاً» ولا تندم على عفو»(34)، وبما ان الكلام شامل مطلق، فمن دون تردد يمكن القول انه عنى فيما عنى، ان لا تندم على عفوك وصفحك عن الناس الذي من الممكن ان يظهره لك البعض ان فيه ضرر اقتصادي، وان عليك ان تجبر الناس على التزاماتها حتى لو قاد ذلك الى ظلم اقتصادي واجتماعي وعدم تبرير ذلك وفق منطق حق بل، الاعتماد على السلطة والحكم فقط لذلك قال عليه السلام «ولا تقل اني مؤمر»، فلم يجز عليه السلام اعتماد صفة الحكم كحق لفرض الامور بالقوة على طريقة لويس الرابع عشر حينها قال «الدولة آنا»، وهذا على العكس تماماً مما طرحه اصحاب المدرسة الفيز وقراطية من ضرورة عدم التغاضي عن الواجبات المالية للفئات الاقتصادية، ولم يقبلوا الاستثناء الا في القطاع الزراعي دون سواه.

واما قوله عليه السلام «أنصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى»(30)، فمن المعلوم ان الانصاف الوارد في كلامه عليه السلام شامل وعام ومطلق، ومن ذلك عدم ظلم الناس عبر محاباة الاهل والمعارف، في اي نشاط اجتماعي او اقتصادي، ومن ذلك تفضيلهم في المكاسب الاقتصادية بما لا يستحقون وعلى حساب من يستحقون، ما سيخلق ظلماً اجتماعياً وخسائر اقتصادية هائلة.

ولعل من اهم الامور المبادئ التي تبنها أمير المؤمنين (عليه السلام)، في رؤيته الاقتصادية في عهده لعامله مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، هو الرابط وحالة التكامل بين السياسة الاقتصادية للحكومة ومدى تأثيرها في البنية الاجتماعية واستقرار المجتمعات في البلاد، فقد أبرز عليه السلام لمالك أثر النظام والسياسة الاقتصادية على تفتيت طبقات الامة وتمزيق المجتمع نتيجة استيائه من حالات الظلم

ص: 72

الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية، وبالتالي دفعه للسير في طريق التمرد والثورة، وذلك خاطبه عليه السلام قائلاً» وأعلم انه ليس شيء بأدعى الى حسن ظن وال برعيته من أحسانه اليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم وترك استكراهه اياهم على ما ليس له قبلهم [عندهم]، فليكن منك ذلك امر يجمع لك به حسن الظن برعيتك»"، والنص أوضح من ان يشرح فكما اسلفنا فان التخفيف عن الناس وترك ما لا يتمكنون تحمله بما في ذلك اخضاعهم لنظام اقتصادي وضريبي يرهقهم من مستحسنات الامور، وجزم الامام عليه السلام بان اتباع ذلك الاسلوب سيجنب الحاكم إرهاق وتعب الحكم والخشية من الناس ومكائدهم بما في ذلك سعيهم للثورة والتمرد وغيرهما، وهذا التصور يعاكس تماماً ما ذهب اليه اصحاب المدرسة الطبيعية الفيزوقراطية من ضرورة تركيز الامتيازات على اصحاب القطاع الزراعي اكثر من غيرهم بل وصل الأمر ان لم يساووا بينهم وبين بقية القطاعات الانتاجية الاخرى، وفي ذلك خطا اقتصادي واجتماعي كبير من دون شك نتيجته خلق حالة من عدم العدالة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

د - الانفاق على الطبقات الدنيا من المجتمع.

ومن مكامن الاختلاف الاخرى بين الرؤية الاقتصادية للمدرسة الطبيعية وبين الرؤية الاسلامية وفق ما ورد من نصائح للإمام علي عليه السلام لعامله على مالك الاشتر (رضي الله عنه)، مسألة التعامل مع الطبقات الدنيا من المجتمع والانفاق عليهم لحاجتهم الخاصة والعامة، فالمدرسة الطبيعية تنصح بعدم صرف الاموال على الطبقات الدنيا ان لم تكن جزء من حركة الانتاج لان ذلك في تصورهم اضعاف للاقتصاد، وان ذلك الصرف اذا ما اضطرت الحكومة له فعليه ان تركزه على القطاع الزراعي دون سواه ليتمكن من التعافي والانتاج، اما الامام علي عليه السلام،

ص: 73

فنصح عامله بعكس ذلك تماماً وطلب منه شمل كل من يحتاج ذلك بغض النظر عن مكانته من الانتاج فقال عليه السلام: «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين و أهل البؤسى والزمنى فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسما من بيت مالك و قسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد»(38)، وحديث الامام عليه السلام اوضح من اي تبيان فهو عليه السلام شمل بالمعونات كل من يستحقها بغض النظر عن مكانته من الانتاج او المجتمع ما دام بحاجة لتلك المعونة على اعتبار ان العديد منهم قد يكون محتاج لكنه لا يظهر ذلك قناعة او كفاف، ولذلك امره عليه السلام ان يخصص لهم من بيت المال او من صوافي المسلمين في اي بلد من بلاد المسلمين وفي ذلك آلية مهمة للغاية من التكافل الاجتماعي الذي بالتأكيد سيسهم بصورة او بأخرى في الحفاظ على توزيع عادل للأموال بين المسلمين وبذلك لن تكون دولة بيد قلة من الناس.

ه - التباين في المعاملة بين العامة والخاصة في المسائل المالية.

ومن المسائل الأخرى التي اختلفت فيها رؤية الامام علي عليه السلام الاقتصادية مع أصحاب المدرسة الفيزوقراطية هي مسألة السعي لإرضاء الخاصة على حساب العامة لاسيما في المسائل المالية والاقتصادية وتقديمهم على غيرهم من دون استحقاق، واوضح ان في ذلك خراب البلاد والاقتصاد ولذلك قال عليه السلام «ان سقوط العامة يجحف برضا الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة»(39)، وذلك تماماً عكس ما طالب به الفيز وقراطيون أصحاب المدرسة الطبيعية الذي طالبوا بتقديم الخاصة على العامة، وأوضح عليه السلام أن توافق الخاصة مع الحاكم قائم مادامت مصالحهم قائمة معه، وسرعة انقلابهم عليه في حالة معارضته لتلك المصالح، واشار لذلك قائلاً» ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرضا، وأقل معونة

ص: 74

له في البلاء واكره للأنفاق وأسال بالإلحاف واقل شكر عند العطاء، وابطاء عذراً عن المنع واضعف اجر عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وانما عماد الدين وجماع المسلمين، والعدة للأعداء العامة من الامة فليكن صفوك لهم وقلبك معهم»(40) ومع كل ذلك فان الامام عليه السلام، طلب من عامله ان لا يتمسك عن عناد وتكبر برؤيته الاقتصادية تلك مهما كان يعتقد بجدواها، بل أوجب عليه مجالسة العلماء ومخالطة ذو الشأن والاختصاص قائلاً» واكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه امر بلادك، واقامة ما استقام به الناس قبلك»، وفي ذلك والله العالم دعوة صريحة للحاكم ومع ضرورة تمكسه بالنظرية الاسلامية في اي مجال من مجالات الحكم بما في ذلك المجال الاقتصادي، فلا يوجد مانع من مدارسة تجارب الآخرين ومشاورتهم واتباع ما كان قائماً من سنن وتجارب وفق منطق الحق والافادة منه في تقدم الامة وصلاح العباد، وبالتالي فان امير المؤمنين عليه السلام ورغم رسمه لعامله مالك الاشتر الخطوط العامة للسياسة الاقتصادية التي وجب عليه اتباعها، غير انه ترك له المجال مفتوحاً في مدارسة المختصين واصحاب الشأن والافادة من تجارب الماضي ونظرياته الاقتصادية للوصول الى النظام الاقتصادي الاشمل.

ز - مفهوم الملكية الفردية.

دافع الفيزوقراطيون عن حق الملكية دفاعا شديدًا، وأبدَوْا أدلة استفاد بها المحافظون من الاقتصاديين قرنًا كاملًا، والملكية الشخصية: هي حق الشخص في استغلال ملكاته الذهنية والعضلية والحصول على مقابل إنتاجه، أي الحق في الحرية(42). وبناءً على مفهوم الحرية التي يكفلها النظام الطبيعي للأفراد، فمن حق الإنسان حسب الطبيعيين أن يملك ما يشاء ويختار المهنة التي يشاء، باعتبار أن المصلحة الذاتية لا تتعارض مع

ص: 75

المصلحة العامة، لاسيما وأن جماعة من فقهاء الاقتصاد لاسيما في المدرسة الالمانية ذهبوا للقول ان الملكية الفردية، تقوم على القانون الطبيعيفقد عدو حق الملكية الخاصة، بانها من حقوق الشخص الطبيعية التي تثبت للإنسان بمجرد مولده، ولا تسلب منه، وعلى اساس ذلك فأن حق المالك في ملكه حق مطلق في ممارسة سلطاته الثلاث، الاستعمال والاستغلال والتصرف، ولا يجوز التعرض له واستناداً لذلك لا يجوز ومما لا شك فيه أن التصور الاقتصادي لمفهوم الملكية الذي يتبناه أمير المؤمنين انما ينبع من الخطوط العامة التي رسمها الشارع المقدس لمفهوم الملكية الفردية، فقد حفظ أمير المنين عليه السلام للأفراد ملكيتهم الخاصة ولم يصادرها لحساب الدولة على غرار ما فعلته بعض الانظمة الاقتصادية الشمولية كالنظام الاشتراكي مثلاً، اذ عد امير المؤمنين ان من اولى حقوق الفرد على الدولة ضمان ملكيته الخاصة وعدم التجاوز عليها من دون وجه حق، ولذلك خاطب عليه السلام عامله على مصر قائلاً: «لا تكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم آكلهم»(43)،، ويتفق الجميع على ان المعنى الوارد لكملة مآكلهم معنى عام شامل بدليل قوله عليه السلام تغتنم وغالب الظن ان الاغتنام غالباً ما يقع على البضائع والسلع والممتلكات المادية وليس على مواد بسيطة كالأكل والشرب وغيرهما، لكن بشرط ان لا تكون تلك الملكية فيها ضرر عام على مصلحة البلاد والعباد، وكأنه عليه السلام في هذا المفهوم سار على قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»(44).

ح - الموقف من الصناعة والتجارة وبقية القطاعات الانتاجية.

أولى أمير المؤمنين عليه السلام قطاعات الصناعة والتجارة وبقية القطاعات أهمية خاصة لإيمانه بانها الجزء الاهم المحرك للاقتصاد، ورفض عليه السلام التقليل من اهمية بل عدها عماد الاقتصاد، فقال عليه السلام «ثم استوص بالتجار وذوي

ص: 76

الصناعات وأوص بهم خيرا»(45)، ومعنى ذلك ان على الدولة تقديم التسهيلات المطلوبة لتسهيل عملها من منافع عامة وخدمات، وفي ذلك غايات ومصالح كثيرة، فان الاهتمام بالتجار ومنحهم مميزات خاصة لا على حساب البقية يسمح لهم بالشعور بالأمان والاطمئنان على رؤوس اموالهم فيعمدون لتعزيز انتاجهم، كما ان فيه هدف اخر اذ ان التوصية بأصحاب الصناعات يسمح لها بالديمومة والبقاء، لاسيما في اوقات تعرض البلاد لنكبات وازمات اقتصادية، قد تسهم في اندثارها كما يحدث اليوم اذ ان الكثير من الصناعات، التقليدية على الاقل، اندثرت بفعل عدم رعاية الدولة لها ومساعدتها، واروع ما في رؤية الامام علي عليه السلام في هذا الجانب انه لم يفرق بين أصحاب رؤوس الاموال والتجار ولم يعط احدهم ميزات على حساب الآخر، ليشعر الجميع بنوع من المنافسة العادلة، ولذلك قال عليه السلام ف بیان انواعهم «المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فانهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح فيبرك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترؤون عليها، فانهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك»(46).

ومنع الاحتكار في التجارة فقال عليه السلام» واعلم مع ذلك ان في كثير منهم ضيفا فاحشا و شحا قبيحا واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) منع منه وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف حكره بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه من غير إسراف»(47).

ص: 77

الخاتمة

اتضح جلياً مما تقدم أن رؤية الامام علي عليه السلام التي طرحها على صورة افكار عامة في عهده لعامله على مصر مالك الاشتر (رضي الله عنه)، وعلى الرغم من انها تنبع من أسس ومنطلقات دينية غير ان الكثير من تفاصيلها وآليات تطبيقها انما تعود الى فكر اقتصادي متكامل، ورؤية شاملة خاصة بالإمام عليه السلام بوصفه حاكماً وملماً بفكرة الاقتصاد، لذلك نراه في الكثير من تلك النصائح، ينطلق من فكرة ضرورة تكييف تلك النصائح مع الحالة العامة لكل بلد.

على الرغم من ان تلك التعليمات او النصائح جاءت بصورة عامة وشملت قطاعات مختلفة من الدولة، غير ان الجانب الاقتصادي منها اخذ الحيز الاكبر، وذلك لأدراك الامام علي عليه، ان الاقتصاد هو المحرك الاساس لأغلب فعاليات وسلوكيات الانسان، لاسيما بالنسبة للطبقات الفقيرة من المجتمع.

أن الاختلاف بين رؤية الامام علي عليه السلام الاقتصادية وأصحاب المدرسة الفيزوقراطية، ليس مجرد اختلاف في الوسائل او آليات فقط، وفي مجال دون اخر، بل يمكن القول ان الاختلاف كلي شامل من حيث الاسس البنيوية التي صاغ على اساسها اصحاب المذهب الطبيعي نظريتهم، ومن حيث آليات التطبيق، وذلك لا يعود لسبب ان اصحاب المدرسة الطبيعة ينطلقون من اسس لا دينية والامام علي عليه السلام ينطلق من اسس دينية في الغالب، بل يعود الى طبيعة فهم وخلفيات الرؤية الاقتصادية لكل طرف دون آخر، فكما اشرنا فان البيئة العامة والظروف التاريخية التي مر بها اصحاب المدرسة الطبيعية كانت سبباً رئيساً في تبنيهم لهذه النظرية، الامر الذي تسبب في قصر النظر في الفهم او التطبيق لدى أصحاب المدرسة الطبيعية.

ص: 78

وفي الوقت الذي أظهر تفضيل اصحاب المدرسة الطبيعة للقطاع الزراعي، على حساب بقية القطاعات، قصراً في الرؤية والفهم الاقتصادي، أظهرت رؤية الامام علي عليه السلام تصور واضح وشامل لما يجب ان يكون عليه الاقتصاد في أي بلد بغض النظر عن طبيعة النظرية الاقتصادية التي تحكمه، فتركيز امير المؤمنين عليه السلام، على ما عرفناها» بالاقتصادي التكاملي»، لم يهدف فقط لتحقيق ارباح مالية فقط، بل اراد عليه السلام توظيف الاقتصاد لزيادة الوحدة بين افراد المجتمع عن طريق تعزيز حاجة احدهم للآخر.

ولعل من اهم ما اثبته البحث قمة الابداع الاقتصادي للأمام علي عليه السلام فيما يتعلق بقضية طبيعة جمع الخراج والية صرفه، وان لا يكون جمع الخراج اهم من طريقة صرفه.

ومع كل ما تقدم فان الفرق في مفهوم الملكية بين الطرفين، لا يرجع بالضرورة لتصور ديني او غير ديني، بل يعود لفهم ذاتي لمفهوم الملكية ومدى مكانتها بالنسبة للفرد او المجتمع.

ص: 79

الهوامش

(1) روبرت بالمر، الثورة الفرنسية وامتداداتها، ت. هنري عبودي، دار الطليعة، بيروت 1982، ص 56.

(2) مجموعة مؤلفين، إشكاليات التعارض وآليات التوحيد: العلم والدين من الصراع إلى الاسلمة، ط 1، بيروت، 2008، ص 30.

(3) جاء التنوير بمعاني مختلفة فهو مثلاً في المانيا يعني "التوضيح".

(4) Quoted in: Joseph. Wheless, Forgery in Christianity, ed. Health Research, 1930,P.406 (5) مجموعة مؤلفين، إشكاليات التعارض...، ص 28.

(6) مقتبس في: المصدر نفسه، ص 28.

(7) Quoted in: Knud Haakonssen. The emergence of Rational Dissent. Enlightenment and Religion: Rational Dissent in eighteenth-century Britain. Cambridge University Press, Cam-bridge: 1996. PP.17-22 (8) Quoted in: Edward B. Davis, Robert Boyles Religious Life, Attitudes, and Vocational, Science Christian Belief, Vol 19, No. 2,P. 117 (9) هاشم صالح، المصدر نفسه؛ روزنتال ويدوين، الموسوعة الفلسفية، ت. سمير کمر، دار الطليعة، بيروت، 1987، ص 145 - 146.

(10) محمد لطفي جمعة، محاضرات في تاريخ المبادئ الاقتصادية والنظامات الاوربية، دار هنداوي للطباعة والنشر، القاهرة، 2012، ص 97.

ص: 80

(11) المصدر نفسه.

(12) المصدر نفسه.

(13) جوسي أبلبي، الرسالية "تورة لا تهدأ"، ت. رحاب صلاح الدين، م. محمد فتحي خضر، ط 1، مصر 2014، ص 133.

(14) المصدر نفسه، ص 134.

(15) المصدر نفسه.

(16) جوسي أبلبي، الرسمالية"...، ص 134.

(17) المصدر نفسه.

(18) المصدر نفسه.

(19) العهد، ص (20) العهد، ص (21) العهد، ص 19.

(22) العهد، ص 19.

(23) العهد، ص 19.

(24) العهد، ص 19.

(25) (26) (27) العهد، ص (28) العهد، ص (29) العهد، ص

ص: 81

(30) العهد، ص (31) العهد، ص 23.

(32) العهد، ص 16.

(33) العهد، ص 17.

(34) العهد، ص 17.

(35) العهد، ص 20.

(36) العهد، ص 19.

(37) العهد، ص 25.

(38) العهد، ص 44.

(39) العهد، ص 20.

(40) العهد، ص 22.

(41) العهد، ص 22.

(42) حازم الببلاوي، مرجع السابق، ص 49.

(43) العهد، ص 16.

(44) العهد، ص 42.

(45) العهد، ص 43.

(46) العهد، ص 43 - 44.

(47) العهد، ص 44.

ص: 82

معايير بناء الدولة بالاستناد الى عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر الدكتور ماهر جبار الخليلي استاذ التاريخ الحديث والمعاصر رئيس قسم ضمان الجودة والاداء الجامعي

اشارة

ص: 83

هدف البحث

هدف البحث الأساسي هو تقديم رؤية منهجية واضحة المعالم والاسس في بناء دولة عصرية في العراق من خلال الافادة من بعض المعايير او المقاييس العلمية والقيمية الناجعة والتي يقاس عليها المسؤول الناجح من غيره، والتي يجب ان يسير عليها المتصدي للمسؤولية كبر او صغر منصبه في الدولة للاتجاه نحو الحلول الصحيحة في بناء الدولة.

بمعنى اخر ان المعايير تؤخذ من التجارب المطبقة فعليا والناجحة في تطوير بلدانها وشعوبها، كما انها تستنبط من تراث الحكماء والفلاسفة والاولياء والأنبياء والمؤمنين، وما رسالة الامام علي ابن ابي طالب عليه السلام إلى مالك الاشتر الا واحدة من أهم الحكم في التاريخ الانساني وفيها من الأسس والثوابت الكثير وما علينا الا دراستها واستخراج الكنوز منها والسير وفقا لمضمونهالا جعلها شعارات وواجهات براقة بعيدا عن التطبيق الفعلي والتنفيذ العملي.

أهمية البحث

تبرز أهمية هذه الدراسة من خلال الحاجة الماسة إلى الارتقاء بمستوى الأداء السياسي الاغلب الاشخاص المتصدين للعمل الحكومي لاسيما القيادات منهم.

اضافة الى ذلك هناك حاجة ماسة إلى دراسة معايير بناء الدولة على ضوء انظمة الجودة الشاملة واساليب تطبيقها والمعوقات التي تواجهها مع مقارنتها بعهد الامام، مع كيفية التخلص من الافات والامراض والعادات السيئة والتي اصبحت ثوابت وتمكنت من ذهنية وطبيعة الموظف في العراق الصغير منهم والكبير بحيث صارت منظومة متجذرة ومتشعبة وراسخة في المجتمع.

ص: 84

مشكلة الدراسة

تعاني الدولة العراقية من مشاكل كثيرة ومتعددة انعكست بمجموعها على الجوانب الاخرى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل تعدى ذلك إلى نوعية القادة من اصغر مسؤول في الوظيفة الى راس الهرم في المسؤولية من مدير ووزير ورئيس وزراء ورئيس الجمهورية والقائد العام وغيرها من الألقاب الفخمة، والاسوء من ذلك هو نوعيات الاساتيد في الجامعات والمعلمين والمدرسين والمشرفين فاصبح الانهيار شبه شامل في المنظومة القيمية والخلقية.

من اجل ذلك بادر الباحث في هذه الدراسة إلى دراسة الواقع السياسي ومباديء تشکیل الدولة، متخذا من عهد الامام علي لمالك الأشتر وسيلة واداة في استنباط مباديء ومعايير تستحق أن تكون مقياسا مهما لجودة الأداء السياسي والاقتصادي من اجل تحسين جودة المخرجات والمنتجات.

بناءا على ذلك يمكن تحديد الاشكالية الاساسية التي سعى الباحث الى الاجابة عليها وطرح الحلول المناسبة لها هي: «ما هي الرؤية المنهجية لاعادة بناء الدولة في العراق وفقا لمباديء ومعايير عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الأشتر، والتي يمكن أن تكون مناسبة للتطبيق في الدولة العراقية الجديدة من اجل تجاوز المعوقات والمشاكل بافضل الطرق واقصرها واقلها كلفة«.

ومن خلال هذه الإشكالية المركزية تتفرع اسئلة عدة:

1 - ما هي مشاكل ومعوقات بناء الدولة في العراق؟ 2 - ما هي المعايير التي جاء بها عهد الامام يمكنها أن تسهم في تطوير الأداء؟ 3 - ماهي الرؤية المنهجية لمواجهة التحديات واعادة بناء الدولة وفقا لتلك المعايير؟

ص: 85

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علی سید المرسلين وخاتم النبيين محمد الطاهر الامين وال بيته الطيبين الطاهرين واصحابه الغر الميامين.

ان الغاية من هذه الدراسة هو تقديم بعض الأفكار بشان المسار المستقبلي للدولة العراقية، وكيف يمكن المضي في تحقيق آمال وتطلعات الشعب العراقي في الحرية والعدل والمساواة والتعايش من اجل استقرار البلد اولا ثم تطويره وتحويله الى دولة متحكمة في قرارها وراعية لشعبها ثانيا، بخطوات واضحة وثابتة.

ولتحديد بعض الاساسيات او المباديء او المعايير لابد من دراسة تجارب الأمم الناهضة، ثم المضي في استنباط نظام ومعايير من تجاربنا المحلية سواء كانت اسلامية او عربية او عراقية، من أجل قيادة دولة المؤسسات الى رحلة طويلة تجاه الهدف الاسمى وهو تاسیس دولة اتحادية ديمقراطية تعددية متقدمة في جميع المجالات.

يقول عز من قائل بسم الله الرحمن الرحيم «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ» البقرة (11 - 12)، تخوض الاية الكريمة في مسالة الاصلاح ومن يكون مؤهل للاصلاح، وتهدف إلى معرفة الشخصيات التي يجب ان تكون مهيئة للقيام بهذا الدور بطريقة ایمانية وعلمية.

ان عهد الإمام علي ابن ابي طالب عليه السلام الى مالك الأشتر عندما ولّاه على مصر يعد بحق منهاج عمل متكامل لكل والي او حاکم يرغب في حكم الرعية حكما اخلاقيا وانسانيا، اذ تناول هذا العهد أدق التفاصيل في الإدارة.

ص: 86

مالك الاشتر الذي قال عنه أمير المؤمنين عليه السلام ((مالك لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله)) يعد من القادة القلائل الذين يتصفون بصفات نادرة تستحق الاشادة وتستحق الدراسة والتمحيص.

بين شخصية الحاكم ومنهجية الحكم يغوص الامام في اعماق النفس البشرية، وما على الباحثين الا الجري وراء الدرر والسير الحثيث نحو الزوايا الخفية في تلك الكلمات النورانية للخروج بافضل طبق علمي يقدم بابهى صورة حاملا افضل بضاعة إلى المتلقي الكريم.

على ضوء هذه الحقائق تم تحديد عنوان البحث ((معاییر بناء الدولة بالاستناد إلى عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر)) والذي سيكون على ثلاثة محاور الأول سيكون بعنوان التراجع السياسي في العراق اسباب ونتائج، في حين سيناقش الثاني المعايير التي جاء بها عهد الامام والتي من الممكن أن تسهم في تطوير الأداء، اما المحور الاخير سيخصص للرؤية المنهجية الحقة في مواجهة التحديات واعتماد المعايير العلوية في بناء الدولة.

ص: 87

المحور الأول: التراجع السياسي في العراق - الاسباب والنتائج

قبل التوسع في الاسباب التي ادت الى الانهيار شبه الكامل في المنظومة الادارية للدولة العراقية الجديدة، لابد من دراسة طبيعة التحديات التي تواجه مسيرة البناء السياسي في العراق مع دراسة اولويات الاصلاح السياسي والسؤال الابرز الذي يقفز إلى الأذهان: من این تبدأ المسيرة الاصلاحية؟ ثم سؤال اخر من هو الانسان المؤهل للقيام بهذا الدور الصعب والكبير؟ او بالاحرى ماهي صفاته ومقوماته ومبادئه؟ وماهي المؤسسات التي ستسهم في عملية الاصلاح؟ وهل هذه المؤسسات موجودة فعلا ولكنها تحتاج الى اعادة هيكلة وتفعيل نشاطها؟ ام لابد من استحداث مؤسسات جديدة مبنية على اسس صحيحة؟ ويمكن تحديد أبرز التحديات التي واجهت مسيرة بناء العملية السياسية كما تسمى او عملية بناء الدولة ومؤسساتها، منذ لحظة ولادة العراق الجديد بعد عام 2003 م:

اولا: بناء المجتمع الواحد الرصين المتماسك، المؤمن بالمصير المشترك، دون تمييز او تعنصر لقومية او مذهب او دین او عرق.

ثانيا: ترسيخ مبدأ المشاركة في السلطة وهو الامر الذي افتقدته العملية السياسية في المرحلة السابقة اذ اصرت اطراف على مبدأ الحكم بالاغلبية متذرعة بالديمقراطية، واصرت اطراف اخرى على التمسك بمدأ التوافق السياسي استنادا على التقسيم العرقي، واصرت فئة ثالثة على مبدأ المعارضة لكل مشاريع بناء الدولة دون

ص: 88

اشراكها وبالتالي فشل المشروع برمته.

ثالثا: تعزيز وترسيخ القيم الديمقراطية في المجتمع، بمعنى خلق مجتمع ناضج ديمقراطيا يمارس نوعا من الديمقراطية المناسبة للطابع المحلي وليست الديمقراطية المستوردة الجاهزة الجامدة المغلفة بقيم وعادات غريبة وغير مناسبة.

رابعا: الانحدار القيمي في المجتمع العراقي لاسباب متعددة منها كثرة الحروب واساليب الطغيان وفقدان الكثير من العوائل لشبابها واربابها، والحصار الاقتصادي وضعف التوعية الدينية وغيرها من الأسباب، مما يتطلب اعادة بناء المنظومة الاخلاقية التي كان يتمتع بها المجتمع العراقي سابقا من خلال انشاء مجتمع اخلاقي وقيمي وملتزم، يتالف من مواطنين لهم قيم دينية ومعنوية قوية ومتشبع باعلى القيم الانسانية والأخلاقية.

خامسا: المعايير العلمية في التعيين والاختيار والترفيع، اذ ان من الضرورة بمكان ان يتم بناء المجتمع على اسس علمية ومتطورة، بمعنى ان يكون المجتمع مبدعا ويتطلع الى الامام وفي هذا السياق لابد من منهجية وخطوات مدروسة، لان الفرد العادي يميل للراحة والسكون، وبالتالي سيكون المجتمع مستهلك للتكنولوجيا فقط لذا لابد أن نخلق مجتمعا جادا عمليا يساهم في الحضارة العلمية والتكنولوجية المستقبلية.

سادسا: عدالة التوزيع الثروة البلد اذ لابد من انشاء منظومة تتسم بالعدالة الاقتصادية، يجري فيها توزیع عادل ومتكافئ لثروة البلد، بمشاركة جميع الفئات والاطياف في الانتاج والتوزيع والارباح وقبل ذلك في صنع القرار الاقتصادي المناسب لمصالح العراق العليا والعابر للمصالح الطائفية والحزبية والذاتية.

ص: 89

سابعا: الجيش الوطني الموحد المدافع عن البلد ككل اذ لابد من أن تكون المنظومة الامنية والعسكرية والوطنية المشتركة تحظى بثقة جميع العراقيين وتؤمن بالعراق الواحد القوي العزيز الخالي من الاستقواء على ابنائه، وليس فصائل متفرقة قائمة على اساس المذاهب والقوميات ومدعومة وممولة من خارج الحدود.

هذه ابرز التحديات التي تواجه مسيرة الاصلاح والتي فشلت فيها القوى السياسية بجميع اصنافها وركنت الى مصالحها الخاصة وبناء كيانها السياسي مدعوما باموال الدولة لضمان بقائها على قيد الحياة السياسية في العراق لاطول فترة ممكنة.

ثم ان جميع الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة غير مؤمنة بالنظام الديمقراطي داخل احزابها فكيف تستطيع تطبيق الاصلاح السياسي على البلاد في ظل غياب منهج الديمقراطية والمشورة في نظامها الداخلي.

وفي هذا الاطار لابد من توصيف لاسباب فشل بناء الدولة في المرحلة السابقة:

1 - ایمان السياسيين المطلق بانهم الافضل لقيادة البلد وان العملية السياسية الحالية هي الافضل للعراق وبديلها التقسيم او الحرب والرغبة الشديدة في البقاء على دفة القيادة.

2 - الرؤية السياية الخاطئة وغير الصحيحة بشأن بناء الدولة، وقد يعتقد البعض انه ليس هناك رؤية ولكن واقع السلوك والافعال تؤكد ان هناك مجموعة من الثوابت عند السياسيين تمثل وجود رؤية مع غياب التخطيط والاستراتيجية على المستوى القريب والمتوسط والبعيد المدى.

3 - عدم السماح بتعديل مسار العملية السياسية غير المنضبطة.

4 - التشريعات الخاطئة بدءا من الدستور والقوانين الفرعية والتعليمات الادارية غير

ص: 90

المهنية.

5 - الرغبة القوية في الانتقام من النظام السابق والمنتمين اليه حتى ولو بالاسم وتأصيل ذلك في الدستور والتشريعات الاخرى وانعكس ذلك في السلوك اليومي لافراد السلطة ومن ثم انتقل ذلك السلوك الى الموظفين وكادر الدولة الوسطي والصغير لانها اصبحت وسيلة للصعود الى مراتب اعلى والاسترزاق مما تسبب في ظلم الكثير من العوائل ليس لها ذنب. 6 - اعتماد مبادئ الولاء على حساب الكفاءة والمذهب على حساب الوطن والقومية على حساب الوطنية والحزب على حساب العراق.

7 - التشرذم السياسي الواسع للاحزاب في تجمعات صغيرة ثم الاندماج في تكتل طائفي كبير قبل الانتخابات ثم الصراع على المصالح والجاه والسلطة والمال بعد الانتخابات ثم استخدام مصطلح الاستحقاق الانتخابي كبديل للمحاصصة الطائفية المرفوضة شعبيا والثابتة سياسيا، ويتم توزيع كل الدرجات الوظيفية من اصغرها إلى اكبرها وفقا لهذا المبدأ، وكل ذلك على حساب البناء و خدمة الناس ومصالح البلد العليا التي غابت عن منظور اغلب السياسيين وماعادو يعرفون ماهي فعلا المصالح العليا.

ومن هذه المنطلقات وبعد التشخيص الدقيق والمناسب للاسباب، ننتقل في محورنا الثاني إلى وضع معايير مهمة لبناء الدولة مستقاة من فكر وبلاغة يعسوب الدين ووصي رسول رب العالمين وامام المتقين امير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه السلام، من الوثيقة الأكثر شهرة والافضل بلاغة والاقوى حكمة وهي رسالته الشهير والمدعاة بالعهد المرسل الى مالك الاشتر (رضي الله عنه) عندما ولاه على مصر وهي تحتوي من الكنوز والعبر والمباديء والدرر مايفوق الوصف، ولذلك ليس

ص: 91

هناك من تراث غني بالمعرفة افضل من هذا التراث.

وفقا لما تقدم يمكن الخروج بجملة من المعايير والمباديء المناسبة للحكم بشكل عام ولحكم العراق بشكل خاص ماينطبق منها على الحالة العراقية، بالاستناد إلى ماذكر سابقا في هذا المحور، من اجل وضع العراق ثابتا بقدمين راسختين على سكة التنمية والتطور، اذ لابد من مراجعة الذات ومواجهة الاخطاء والسلبيات والعودة إلى تلك الأسس والمبادي التي نصت عليها التشريعات السماوية والقيم الانسانية فضلا عن تراث العلماء الصالحين والائمة المعصومين وعلماء الفكر الانسانيين.

ص: 92

المحور الثاني: معايير من عهد الامام

عندما نتأمل في كلمات عهد الامام نجدها دقيقة ومفصلة ومناسبة لطبيعة الحكم والإدارة، وخصوصية هذه الوصايا للقائد الشجاع والفارس الهمام مالك الأشتر تشير بشكل واضح الى الرابط بين منهج الحكم وشخصية الحاكم.

لقد قنن أمير المؤمنين نظرية سياسية في الحكم فيها (العدالة.. المساواة.. الاخلاص بالعمل.... الخ)، لذلك عُدّتْ من أروع وأعظم التشريعات والتعليمات والوصايا والعهود في التأريخ البشري، وقد إستقى منها الغرب والشرق دروس وعِبر في الكيفية التي يتولى فيها الحاكم وشرعيته وتعامله مع شعبه والانسانية(1).

تحدث الإمام عليه السلام عن سمو شخصية مالك و عظيم شأنه في رسالته التي بعثها لأهل مصر حينها ولاه عليهم جاء فيها:

«أما بعد: فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله تعالى لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع، أشد على الكفار من حريق النار وهو مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق فإنه سيف من سيوف الله تعالى لا كليل الظبة ولا نابي الضريبة فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا فإنه لا يقدم، ولا يحجم، ولا يؤخر، ولا يقدم إلا عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوكم».

ولما وصل إلى أمير المؤمنين وفاة الأشتر جعل يتلهّف ويتأسّف عليه، ويقول

ص: 93

(رضي الله عنه): «لله درّ مالك، لو كان من جبلٍ لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجرٍ كان صلداً، أما والله ليهدّنّ موتك، فعلى مثلك فلتبكِ البواكي، ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موته من مصائب الدهر، فرحم الله مالكاً قد وفي بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، مع أنا قد وطنّا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبةٍ بعد مصابنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنها أعظم المصيبة»(3).

بشكل عام فان شخصية مالك كان لها الأثر الكبير في طبيعة الرسالة أو العهد، وجاءت تلك الوصايا متوالفة ومتناسقة مع ما يملكه الاشتر من مباديء وقيم وحسن التدبير.

في العهد الكثير من المباديء والقيم تطفوا مع صاحبها عندما يمتلكها وتغوص معه عندما يفقدها وبالتالي لابد من الوقوف على مجموعة من المعايير المستخرجة من بلاغة الأمام في عهده لنستطيع التمييز بين الفاقد و الطافي اولا ومن ثم بين من يريد ان يحكم علويا واخر يردها میكیافیلیا.

المعيار الاول / اختيار الحكام

من اولويات اي حاکم او والي هو اختيار الحاشية او الكادر الذين يعملون معه، ثم اختيار من ينوب عنه في الأماكن البعيدة، فما هي الصفات والسمات التي حددها الامام للاختيار الصحيح؟؟ وهو أمر بالغ الأهمية اذ قال الامام عليه السلام:

«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الذلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع»(4)، وهنا يسجل الامام الجانب النفسي في شخصية الوالي

ص: 94

وشخصية من يختاره ان لا يكون متواضعا لدرجة الذلة، وان لا يتسامح في الحق اذا بان له ولا تميل نفسه الطمع فياخذ من حقوق الناس وان لايخضع للضغوط.

واستمر الامام في ذلك الوصف «ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، و أقلهم تبرما بمراجعة الخصم ، و أصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل»، وهنا يسجل الامام مواصفات القاضي في شخصية الوالي او الحاكم بان يكون صابرا وطويل البال والنفس حتى تتكشف الأمور وتتضح الصورة، وان يكون متفهما بشكل شامل وليس جزئيا بعد اعطی وقته للفهم الصحيح، مع العناية بالأدلة والحجج.

یکون انتخاب الحكام غير خاضع للمؤثرات التقليدية، وإنما يكون عن دراسة جادة للحاکم نفسياً وفكرياً وإدارة ومعرفة بشؤون الحكم والإدارة على ضوء الشريعة المقدسة(5).

بهذه المواصفات كيف يمكن لاختيار الحكام أن يكون معيارا للحكم والادارة؟ في واقع الأمر أن الأمور تبدأ من هنا اذان حسن الاختيار للاشخاص وحده معیارا للتقيم وطبيعة الناس لاسيما في العراق تتحدث عن الحاشية دائما كلما نظفت حکمت الناس على المسؤول بالنظافة والعكس صحيح وبالتالي فان معيار الاختيار هو البداية الصحيحة للاصلاح الناجح.

وقبل الانتقال الى المعيار الثاني لابد من الاشارة الى فقرة مهمة وردت في كلمة الامام عن العمال والولاة عند اختيارهم اذ قال «ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم

ص: 95

إن خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك، ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوث لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية»(6).

ان الامام يوصي بالراتب الجيد لاصحاب المسؤولية الكبرى حتى لا يطمعوا بما تحت ایدیهم من أموال الدولة ولكن الأكثر أهمية هو وصيته بان يبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، وليس الجواسيس اهل الخسة والخيانة وبياعة الضمير، بطريقة رقابية تحفظ لهم أمانتهم وتمنع عنهم الانزلاق نحو النفس الأمارة بالسوء.

المعيار الثاني / الاتصال بالأشراف والصالحين

من بنود عهد الإمام أنه أمر مالك بالاتصال بالأشراف والصالحين الذين يمثلون القيم الكريمة ليستعين بهم في إصلاح البلاد، وهذا قوله:

«ثم ألصق بذوي المروءات، وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتکالاً على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه»(7).

يقول المثل ان الطيور على اشكاله تقع، بمعنى أن المتفاهمين والمنسجمين بالرؤى والافكار يتصحابون ويترافقون، وعندما يكون الحاكم مرافقا لاشخاص دليل على توافقه الى حد كبير معهم، وهنا التقييم والميزة بان هؤلاء مرآة للشخص أن حسنوا حسن وان وهنوا وهن، والامام هنا يوصي بمرافقة الصالحين، وأهل البيوتات

ص: 96

الصالحة واهل الغيرة والكرم والسماحة والسخاء، ويؤكد على رعايتهم من الحاكم لانهم ينصحون ويساندون ويراعون.

ان الإمام يوجه بإشاعة الفضيلة وتوطيد أركان الإصلاح الاجتماعي بين الناس، وهذه النقاط المهمة التي أدلى بها الإمام عليه السلام توجب التفاف المصلحين حول الولاة وتعاونهم معهم فيما يصلح أمر البلاد(8).

المعيار الثالث / التواضع الودود مع القاعدة

صفات الحاكم او الوالي المعتادة هي الانفة والتكبر والتسلط والاعجاب بالنفس واكثر الاحيان يرى نفسه دائما على حق، ورایه افضل الاراء، ولا يجوز مناقشته او مجادلته او الاعتراض عليه، ولكن الامام علي عليه السلام في هذا المجال قد وضع للتواضع كصفة مهمة للوالي مميزات وايجابيات عديدة، فقال:

«وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم - أي ساعد الجند - في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم، ويسع من وراءهم من خلوف أهلهم حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو، فإن عطفك يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد و ظهور مودة الرعية، وأنه لاتظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة الأمور، وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم فأفسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم وتحديد ما أبلی ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع و تحرّض الناكل إن شاء الله»(9).

المقصود من الخطاب هم الجند ولكن الواقع يشمل عموم القاعدة الاجتماعية وان كان هناك خصوصية للجند، الوصايا تسهم بشكل كبير في ضبط ايقاع الجند

ص: 97

في الميدان، وتعبر سياسة الإمام عن مضمون انساني كبير مستند الى التعمق في النفس البشرية، فدراسته النفسية الجندي وعاداته ومشاكله وطبيعة علاقته بالمراتب الاعلى هي في حد ذاتها التفاتة سابقة لزمانها وعالية الدقة والتفصيل في الولاء والالتزام والانضباط.

ان التواضع والتقرب الودود من الجندي او الفقير ليس معيبا ولاتنزیل من قدر، او نزول الى مستوى بسيط ولكنه دواء سحري لخلق اجواء حميمة بين الرئيس والمرؤوس بين المدير والموظفين بين القائد والجنود، وهي السبيل للانتاج والانجاز.

المعيار الرابع / النظر الى ماسبق

التفاتة نادرة اخرى من الامام علي عليه السلام تتعلق بنظرة الناس الى مبدأ العدل عند الحاكم او الحكام وكيف أن مجرد سن قانون قد ينفع ناس ويضر اخرين، فقال:

((ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلادٍ قد جرت عليها دول قبلك من عدلٍ وجور وأن الناس ينظرون من أمرك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم: وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله تعالى على ألسن عباده، فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت))(10).

بمعنى أن الأمام يرى في طريقة التعامل بين الحاكم الجديد وبين من سبقه مسالة في غاية الأهمية و تترتب عليها الكثير من النتائج في المرحلة القادمة، ولذا فهو يوجه بضرورة أن تختلف الاجراءات باتجاه احقاق الحقوق ورد المظالم ودفع الضرر عن الناس ثم يوجه الحاكم بضبط النفس الأمارة بالسوء فيما احبت وكرهت ولاتتجه بالقرارات حسب الأهواء.

ص: 98

المعيار الخامس / النظرة الانسانية

ان الامام علي عليه السلام بعظمته کامام ورقیه کانسان وبراعته كحاكم وحنكته كقائد وصف طبيعة الرعية بالتعدد والتنوع على عدة مستويات، فكيف يمكن أن يكون التعدد عنصرا ايجابيا؟ و كيف يمكن توظيفه ايجابيا؟ قال عليه السلام: ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، يفرط بینهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤثر على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحب أن يعطيك الله تعالى من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله تعالى فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله تعالى، فإنه لابد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته))(11).

(السبع الضاري) مصطلح واضح نابع من صميم افعال الغابة ومجتمع الحيوان، وهو اشارة واضحة إلى مستوى القوة التي يمتلكها الحاكم او الوالي وكيف يمكن ان يستخدم تلك القوة؟ فالوالي عليه أن لا يحاسب الناس بقوة بطش على ما صدر منهم من اخطاء وعلل وزلل بسيطة بمعنى أن يتناسب العقاب مع مستوى الخطأ او الجرم وان يمنح دائما الصفح والعفو على ان يستمر في الافراط في العقوبة، من اجل ان تنعم البلاد بالأمن والامان، مذكرا بقدرة الله فوق الجميع وان من يظلم الناس فقد اعلن الحرب على الله ومابالك بمن حارب الله ورسوله فكيف ينجو من عظيم نقمته جل وعلا.

والاوضح في هذا المجال ماذكره الامام من وصايا اخرى للحاکم تتعلق بطبيعة تفكير الوالي بعد اتخاذه القرارات المهمة او المصيرية فقال:

ص: 99

((ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن: اني مؤمرٍأُ امرُ فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير، وإذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبيهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله تعالى فوقك وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطا من إليك من طماحك ويكن عنك من غربك، ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك))(12).

في الواقع انها وصايا نفسية ومنهجية في طبيعة تفكير الشخص المسؤول بان لا يندم على قرار العفو والصفح مهما كانت نتائجه سلبية ام ايجابية، وان لايفرط ولا يتباهی بقرار العقوبة، وان لايبرر افعاله بانه يمتلك الامر والملك وعلى الاخرين الطاعة.

والعظيم في هذه الوصية الاخيرة انه ربطها بصدأ القلب عند الانسان ومهلكة الدين كله، ثم جعل ذلك ايذانا بالتقرب من الخصوم للدين او هو اشارة الى التقرب من الشيطان، محذرا من هذا التصرف ومنذرا بحجم النتائج السلبية وموجها للمسؤول كيفية التخلص من هذا التفكير من خلال تذكير النفس بشكل دائم بقدرة الله وعظيم سلطانه على المسؤول وعلى الجميع وفي ذلك تقويها لشرود العقل وتعديلا لانحرافه.

المعيار السادس / مواكبة العلماء والحكماء

أكد الإمام في عهده على ضرورة التواصل مع فئة العلماء والحكماء والادباء والمفكرين واهل الراي للمشاورة في شؤون البلاد وما ينفعها اقتصادياً وسياسيا واجتماعيا، قال عليه السلام:

((و أكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبيت ماصلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك))(13).

ص: 100

ان العلماء مرآة الامة وواجهتها أمام الأمم الأخرى رموز ونجوم وشموس سواطع تتباهى بهم وترتقي بعلمهم وفكرهم الى مستويات اعلى، وان تهاونت في ذلك فلا خير ولا بركة فيها، اذ سيكون للجهلة موقع السمو، يقول أرسطو: (الفرق بين المتعلم والجاهل كالفرق بين الحي والميت) ويقول الفيلسوف ديريك بوك (إذا كنت تعتقد أن التعليم مكلفاً، فجّرب الجهل) اما المفكر الفرنسي جان جاك روسو فيقول (الناس الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيراً، أما الذين يعرفون الكثير فلا يتحدثون إلا قليلا)، اذ أن التعليم من أهم عناصر الحياة في التطور والرقي، ولا خلاف على أن التعليم مسؤولية مجتمع بأكمله تبدأ من الاسرة وصولا إلى وجهاء المجتمع ومراجع الدين وطبقة السياسيين فضلا عن القضاة واهل القانون(14).

المعيار الثامن / توزيع الثروة

الخراج او ثروة البلاد او مصادر عيشه فهو عصب الاقتصاد للدولة ومصدر قوتها وتقديرا لحجمها دوليا، ولذلك لم يغب هذا الامر عن فكر الامام فقال:

((وتفقد أمر الخراج با يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله))(15).

وهذه الالتفاتة هي معيار قوي المضمون والمحتوى بمعنى انه مقياس لنجاح تنمية البلاد او فشلها، اذ ان العناية والرعاية بالاشخاص العاملين على الخارج او الموظفين المنوط بهم مسؤولية العمل في المال العام هي من الأولويات عند الحاكم لانه صلاحهم يعني صلاح الدولة والناس والتنمية ثم التطور وعدم صلاحهم يعني دمار وتراجع وانهيار للدولة وللناس، وربط الأمام ذلك بعلاقة توليفية غاية في الدقة، وقال (ان الناس عيال على الخراج وأهله) بمعنى ان هناك ارتباط وثيق بين اهل

ص: 101

الخراج وهم العاملين في بنية راس مال الدولة، وبين حياة الناس او الشعب، وبذلك قد اوجد الامام هذا المعيار ليكون بداية مهمة لاي اصلاح.

لم يكتف الامام بهذا وانها اوجد مصطلح عمران الأرض عندما قال:

((ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك بالعمارة، ومن طلب الخراج بغیر عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً))(16).

وهذا الكلام فيه تفصيلات كثيرة وعميقة ودقيقة ولكن معيار هذا الحديث واضح وجلي للحاذق والمؤمن، اذ ان الاشارة الاولى للامام في كيفية توجيه النظر الى موضوع اموال الدولة وثروتها وخراجها ابتداءاً، بمعنى أن تكون هناك فلسفة واضحة لكيفية ادارة هذه الأموال والهدف الأساس من واقع جمعها في بيت المال وبذلك هو يطرح سؤالا مهما: هل ان الحاكم ينظر الى ادارة الدولة من خلال كمية الأموال واخراج الذي يتم جمعه منها؟؟؟ ام انه ينظر الى كيفية صرف هذه الأموال في عمران الأرض وتنمية البلاد؟ وهو ما نصح به الحاكم بان يكون معياره الاسا هو عمران الأرض وخدمة الناس وبناء الدولة وزيادة الواردات منها، ثم حذر الامام من أن من يطلب الخراج وزيادة الأموال دون التفكير في عمارة الارض فقد خرب البلاد وأهلك العباد.

ص: 102

المعيار التاسع / الانضباط الوظيفي

الموظفين في جهاز الدولة هم الفئة الاهم في عملية بناء الدولة لانهم الاقرب الى صنع القرار وبالتالي الاهتمام بمستوى قدراتهم واخلاقهم وامكانياتهم امر ضروري جدا، فهم الحلقة الوسط بين الحاكم والمحكومين ويتولون عملية نقل القرارات المهمة والمؤثرة والمتعلقة بأمور الدولة والمواطنين وهذا يتطلب الأمانة والنزاهة والثقافة والالتزام، وهذا ما قاله الإمام:

((ثم انظر في حال كتابك، فول على أمورك خيرهم، وأخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجزئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مکاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذلك، ويعطي منك، ولا يضعف عقداً اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل))(17).

قرارات الدولة او قرارات الحاكم منوطة بالموظفين الاقرب الى دائرة صنع القرار الضيقة، وهؤلاء يمتلكون القدرة على التغيير والتلاعب، ولذلك لابد من توفر قدر عالي من الصفات الفاضلة من الأمانة والكفاءة والضبط والالتزام، والامام يؤكد على الحاكم بخيار القوم وخيار الصفات فيهم لضمان كتم الأسرار وعدم التغيير والتلاعب والانتماء الى الخصوم.

ويستمر الامام في توصيف معیاره في الانضباط الوظيفي من خلال طريقة الاختيار: ((ثم لا يكون اختيارك إياهم على فراستك واستنافتك - أي ثقتك - وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء

ص: 103

ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بها ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً فإن ذلك دليل على نصيحتك لله تعالى، ولمن وليت أمره، واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها، يتشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابیت عنه ألزمته)).

وهنا قد اوجد الامام الية اختيار فيها معايير محددة واليات مهمة دون الاعتماد على الراي الشخصي والفراسة الذاتية للحاكم التي يشوبها الكثير من العواطف وقصر الافق، وعادة مايختار الحاكم على الية المقربين والاخرين ممن يؤدون الخدمات الشخصية والمتملقين من اجل المناصب والامتيازات.

وأهم معايير الامام في اختيار الموظفين:

1 - ذكر الله في الاختيار.

2 - بان يكون هناك اختبار موثق.

3 - وان يكون هناك له سيرة حسنة في خدمته السابقة وتكون موثقة وموثوقة.

4 - له نشاط واضح في خدمة الناس.

5 - المراقبة في الاداء.

المعيار العاشر / حماية الملكية الفردية التجارة والصناعة في البلدان من أهم القطاعات المسهمة في تنمية وتطوير البلاد ولهذين القطاعين دوراً مهماً في إدارة الشؤون الاقتصادية في البلاد وقد أوصى الإمام برعايتهم والاهتمام بشؤونهم اذ قال:

((ثم استوصي بالتجار وذوي الصناعات، وأوصي بهم خيراً، المقيم منهم، والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فغنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق، وجلابها

ص: 104

من المباعد والمطارح في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم شكم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك، وفي حواشي بلادك))(18).

ان هذا المعيار يتعلق بالملكية الفردية وحق التملك الذي نصت عليه الكتب السماوية وبالتالي فان اهتمام الامام لقطاعي التجارة والصناعة لم يات من فراغ وانما جاء عن عمق في النصوص الربانية، فالملكية الفردية اساس النمو والتطور والا لايمكن للدولة ان تقود جميع القطاعات مرکزيا، ولذلك فقد اوصى الامام بان يكون الحاكم مساند لعملهم وليس موجها، بان يكون مصدر اصلاح لعقبات اعمالهم، وان يقوم بتسهيل الإجراءات وازالة المعوقات والتعقيدات ووضع جميع المنافع التي تسهل اعمالهم لانهم سند وقوة للدولة

المعيار الحادي عشر / انظمة الحماية الاجتماعية

مايصفه الامام في المقطع الاتي هو في واقعه نظام حماية اجتماعية واسع الافق، فالحديث عن الفقراء امر يبدأ ولا ينتهي، ولكن كيف نصح الامام الوالي في التعامل مع هذا الملف:

قال الامام ((ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، وأحفظ الله تعالى ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعیت حقه))(19).

ص: 105

هذا الحديث يمتد بشكل واسع ليشمل كل فئات المجتمع، اذ ان الامام يطلب رعاية الفقراء والمساكين بان يخصص لهم راتب من بيت المال وارباح من ثروة البلاد وان يكون للبعيد منهم مثل القريب، بمعنى ان يكون هناك تساو و في العطاء، وبذلك فان الامام لم يشترط في ذلك رعاية الموظفين فقط ولا طالب بان يراعي المنتجين فقط ولم يطالب بان يرعى الحاكم العاملين فقط وانما توسع الى فئات الشعب الاخرى وهذا امر واضح يوافق ما جاء في انظمة الرعاية الاجتماعية المطبقة في البلدان المتقدمة، وهو بعيد عن قوانين وانظمة الحكم الإسلامي.

ثم يعود الامام ليحذر الحاكم من عدم تطبيقه هذا النظام ونتائجه السلبية وامور اخرى فقال:

((فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لاحكامك الكثير المهم فلا تشخص طعمك عنهم ولا تصعر خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن لا تقتحمة العيون، وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالأعذار إلى الله يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فاعذر إلى الله تعالى في تأدية حقه إليه))(20).

يوجه الامام الحاكم بان لا ينشغل عن هؤلاء ابدا مهما كانت حجم المسؤوليات، ولابد من متابعة البعيد عن العيون ممن لا تستطيع ماكنة الاليات الحكومية الوصول اليهم فعليه أن يفرغ من وقته لهؤلاء لانهم سبيله لدخوله الجنة واذا ماقصر في حقهم او في تأدية الخدمات يكونا سببا لدخوله جهنم لانهم الأولى والاحوج من كل مسؤولياتك الأخرى.

ص: 106

ولم يكتف الامام بهؤلاء بل وسع دائرتهم ليشمل لذوي الحاجات الخاصة وان يوفر لهم وقتاً لينظر في امورهم: قال عليه السلام:

((وأجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس مجلساً عاماً فتتواضع فيه الله تعالى الذي خلقك، وتبعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غیر متعتع» ثم احتمل الخرق منهم والعي ونح عنهم الضيق والإنصاف يبسط الله تعالى عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئاً وامنع في إجمال وأعذار))(21).

المعيار الثاني عشر / القيادة المباشرة منضبطة الزمن

من اهم الأمور في تقوية الادارة والقيادة هي التولي المباشر للامور ثم المتابعة في تطبيق التوجيهات وهذا ما أكد عليه الامام وجعله معيارا مهيا لنجاح ادارة الحاكم، قال الامام: ((ثم أمور من أمورك لابد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعدائك، وأمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله تعالى إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية))(22).

لقد وضع الامام في هذه الكلمات القصيرة منظومة زمنية لانجاز الاعمال وليس فقط معيارا للقيادة المباشرة والمتابعة، فقوله (یوم ورودها) دليل على عدم تاخیر البريد بين المسؤولين ودوائر الدولة لانها تتعلق بحقوق الناس واحوالهم واموالهم

ص: 107

وحياتهم والتاخير قدیاتي بالضرر عليهم، ثم يستمر ليقول (وامض لكل يوم عمله) بما يعني أن يخصص الأعمال على الايام حتى لا تختلط الامور اولا ولسرعة الانجاز وعدم التاجيل ثانيا.

في واقع الأمر هناك الكثير والكثير من المعايير الاخرى التي من الممكن استخراجها من هذا الكنز الأدبي والبلاغي لامير المؤمنين ولكن اكتف بهذا المقدار، لانتقال إلى المحور الثالث المتعلق بضرورة الاستفادة من هذه المعايير في تنضيج رؤية واضحة نحو منهجية الإصلاح في الدولة العراقية في المرحلة القادمة.

ص: 108

المحور الثالث: الرؤية المنهجية لمواجهة التحديات

لابد من اساليب علمية ممنهجة وسائرة على خطوات ثابتة ورصينة لمواجهة التحديات اولا ومن ثم المراهنة والبدء بعملية اصلاح جذرية مسنودة ومقومة من الشعب بجميع فئاته واطيافه ومرجعياته وقياداته، ومن يقف أمام هذه المسيرة بالضد يستنتج بانه غير خاضع للقرار الوطني ومعرقل لعملية الاصلاح المنشودة ولابد من ابعاده عن دائرة القرار والاجماع الوطني المؤمل.

لقد تم سبع تحديد التحديات في المحور الأول ثم حددنا اثنا عشر معيارا في المحور الثاني نستمر في تشخيص الواقع ومواجهة كل تحدي باساليب علمية لغرض تحديد المسارات الواجب اتباعها في عملية الاصلاح.

لا يختلف اثنان أن العراق منذ الأزل يتمتع بالتنوع الاجتماعي وعاشت فيه اقوام متعددة وادیان مختلفة وهذه ليست ميزته المنفرد بها وانما الكثير من البلدان لازالت تتمتع بالتنوع العرقي والاجتماعي والقومي ولكنها استطاعت أن تتجاوز تلك الجزيئيات الصغيرة وتنتقل إلى بناء البلاد بشكل اكثر قوة واسرع وتيرة.

في مقولة مهمة لامير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه السلام ((لايعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف رجاله)) بمعنى ان هناك مقاییس ومبادئ من الواجب اتباعها لغرض معرفة الرجال الذين يسيرون على هذه المبادئ وليس العكس، وبناءا على المفاهيم اعلاه يمكن تلخيص أهم المبادئ الواجب اتباعها في المرحلة المقبلة:

ص: 109

اولا: مبدأ التسامح والعفو ابتداءاً:

يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (23) وال(جدال) معناه فتل الحبل وإحكامه وتستخدم هذه المفردة في البناء المحكم وما أشبههُ، وفي النقاشِ والحوار المحتدم بين فريقين افراداً او جماعاتٍ يحاولُ كلُ فریقٍ ثنيَ الاخرِ عن افکارهِ و ارائهِ ومعتقداتهِ باستخدامِ قوة المنطق(24).

ويقول العزيزُ القدير ايضا «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»(25)، تناولت هذه الاية موضوع التعامل مع الخصم وفيها نهيٌ قويٌ قاطعٌ عن سبِ آلهة الكفار والمشركينَ وكلِ مایُعبدُ خارجَ الذاتِ الإلهيةِ لانّ هذا سوف يدعوهم إلى أن يعمدوا بالجهل والعدوان إلى توجيه السب الى ذات الله المقدسة وفي ذلك مساواة المؤمن بالكافر بالتعامل(26).

ان التسامح لا يعني المساواة أو التنازل أو التساهل بل التسامح هو قبل كل شئ اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالميا، لا يجوز بأي حال الاحتجاج بالتسامح لتبرير المساس بهذه القيم الأساسية، والتسامح ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول(27).

في عصرنا الحاضر ناذج من الشخصيات الفذة التي استطاعت أن تبني اوطانها بسرعة كبيرة وارادة مذهلة اثارت اعجاب العالم أجمع، وكانت انطلاقتهم الاولى بعد الاضطهاد والحروب والظلم هو مبدأ التسامح، وفي مقدمتهم محرر الهند المهاتما غاندي الهندوسي، السياسيُ البارزُ الذي قاوم الاستبدادِ بالعصيانِ المدني الشامل المستند إلى السلم وعدم العنف وأدتْ سياسته في نهاية المطاف إلى استقلالِ الهند(28).

ص: 110

ذكر الكاتب الكبير عباس محمود العقاد ان فلسفة غاندي تنبع من ایمانه العميق بالسلام والمحبة وجسد ذلك بمبادئ صاغها في كلمات خالدة:

- اذا قابلت الاساءة بالاساءه فمتى تنتهي الاساءه.

- اننا علينا ان نحارب العدو بالسلاح الذي يخشاه هو، لا بالسلاح الذي نخشاه نحن.

- علينا احترام الديانات الاخری کاحترامنا لديننا فالتسامح المجرد لا يكفي(29).

ثانيا: اختيار الحاشية

ان أهم الأمور التي تسهم بشكل كبير في نجاح الدولة واجراءات الحكم هو حسن اختيار الاشخاص للمناصب، وقد سبق وان سجلنا معیارا خاصا (وهو الخامس)(30) للامام يتعلق بالجانب النفسي في شخصية الوالي وشخصية من يختاره ان لا يكون متواضعا لدرجة الذلة، وان لايتسامح في الحق وان لا يكون طماعا عندما قال «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الذلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع»(31).

في موضع آخر من نهج البلاغة قال امير المؤمنين علي ابن ابي طالب عليه السلام: ((علمتم انه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وإمامة المسلمين، البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الامة)).

ص: 111

ما اروعك ياوريث الأنبياء، نعم فالعراق يحتاج اليوم رجلا بهذه المواصفات ليس ملاكا ولكن منصفا ليس نبيا ولكن رحيما ليس معصوما ولكن عزيز النفس وهذا طلب ليس خياليا ابدا فالعراق يفيض بالعلماء والزهاد والكفاءات ولكنهم عزلوا وغيبوا سهوا او عمدا.

ثالثا: المرونة في التعامل السياسي وعدم الانغلاق:

الانظمة الساياسية الحديثة تعتمد على كفاءة الاشخاص الذين يتولون حقيبة الخارجية لانهم واجهة البلاد امام العالم، فضلا عن اسهامهم الكبير في دفع الأخطار وكسب الحلفاء والاصدقاء، وهذا الأمر يتطلب المرونة والكفاءة والحذاقة وسرعة البديهة، فضلا عن النظرة المتساوية للبشر وهذا ما اكد عليه امير المؤمنين في مقولته الشهيرة ((ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)) وبذلك فقد ارسى الأمام هذا المباديء ليكون منهجا عاما في سياسة الحاكم.

قال حکیم الادباء جبران خليل جبران ((لم يجيء يسوع من وراء الشفق الأزرق ليجعل الألم رمز للحياة، بل جاء ليجعل الحياة رمزاً للحق والحرية)).

من هذه المفاهيم والمنطلقات للاولياء والحكماء على حد سواء، يمكننا اختیار إنموذجاً مهما لسياسي ناجح استطاع بفكره الناضج وتشخيصه الدقيق آن يصنع السلام والتصالح ومن ثم التحديث والتنمية والتطور وهو الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الاسبق.

من هذه المفاهيم والمطلقات للاولياء والحكماء على حد سواء، يمكننا اختیار إنموذجاً مهما لسياسي ناجح استطاع بفكره الناضج وتشخيصه الدقيق ان يصنع

ص: 112

السلام والتصالح ومن ثم التحديث والتنمية والتطور وهو الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق(32).

كان اسلوب مهاتير محمد ومرونته في التعامل السياسي والاداري مثل معاملة الشخصيات السياسية الداخلة ضمن ائتلافه أو المعارضة مميزاً جدا، ولعل رده للانتقادات التي وجهت اليه في مراحل مختلفة من حكمه تؤكد بعد النظر والثقة بالنفس والقدرة على ادارة الخلاف.

ثالثا: الاستثمار والخصخصة اساس اصلاح الاقتصاد

منذ ثمانينيات القرن العشرين والعراق يمر بماسي بل كوارث اقتصادية، من عدم التخطيط الى اقتصاد الحروب والمجهود الحربي الى توقف عملية انشاء البنى التحتية إلى حصار التسعينيات ثم دمار البلاد مع الاحتلال في 2003 م.

ان الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى الاقتصاد الحر يتطلب الكثير من الاجراءات المهمة وفي مقدمتها اعادة صياغة القوانين الاقتصادية بشكل يتلائم مع الواقع الجديد، وبالتالي فان الامور جرت عکس هذا الاتجاه مما تسبب بمشاكل كثيرة.

القطاع الخاص اهم محور من محاور التنمية في البلاد اذ يجب الاعتماد عليه كمحرك ابتدائي لنمو الاقتصاد، و بطريقة علمية ومساندة من باقي دول العالم، لاسيما الدول المتقدمة، لضمان نمو اقتصادی مفید و مرتبط مع کارتلات دولية ضامنة للنجاح.

الاقتصاد العراقي متهاوي وغير قادر على الاستجابة للتحديات وقد اصابه الركود والتباطؤ والانهيار وعدم وضوح الرؤية.

من اجل ذلك وفي سبيل الاصلاح لابد ان تستمر الحكومة في تقليص دورها

ص: 113

في مجال الانتاج الاقتصادي والاعمال الاخرى، وضرورة اتباع نظرية الاوز الطائرة التي تعود صياغاتها الأولى إلى النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي صاغها الاقتصادي الياباني اكاماتزو باعتباره نموذجا تاريخيا لمراحل النمو الاقتصادي.

يتحدث آکاماتزو في نموذجه النظري على ثلاث منحنيات رئيسية تحدد المرحلة التي يمر بها البلد الآخذ في النمو:

منحني الاستيراد: تحدد تركيبة الواردات نوعية مرحلة النمو والتنمية التي يمر بها اقتصاد البلد المعني.

منحنى الإنتاج: حيث يوضح هذا المنحنى مستوى تطور القوى الإنتاجية وتركيبة المنتجات في اقتصاد البلد المعني.

منحنى الصادرات: يوضح هذا المنحنی نوعية ومدى ديناميكية سلة الصادرات بحسب ارتقاء نوع المنتجات التي يتم تصديرها للخارج: كثيفة العمالة / كثيفة رأس المال / كثيفة التقنية / كثيفة المهارة وتعد هذه المنحنيات الثلاثة بمثابة الإحداثيات التي تحدد موقع كل بلد جاء متأخرا في مضار النمو والتقدم في إطار نموذج الإوز الطائر من حيث الارتفاع المسافة(33).

رابعا: التشريع اساس الاصلاح

لابد من عملية تقليص الضوابط، ولا مجال للشك في أن الانظمة (الضوابط) تؤدي دورا أساسيا في ادارة المجتمع، فأية دولة بدون انظمة وقوانين هي دولة تغرق في فوضى، وبدون النظام سيكون هناك ضياع للجهود والأموال ولن يكون هناك تطور، الا انه من غير المرغوب فيه هو ان يكون هناك افراط في الأنظمة.

ص: 114

تكمن الحكمة بالتاكيد في القدرة على التمييز فيما بين الأنظمة والقوانين المثمرة والمساندة في تحقيق اهداف المجتمع وتلك التي تعد غير مثمرة، وهي تكمن في اتخاذ القرارات الصائبة في التبادلات التجارية، لذا لن تكون الحكومة غير مسؤولة وستلبي احتياجات المجتمع الأوسع فضلا عن متطلبات النمو السريع والاقتصاد المنافس والمتين.

سُئِلَ الدكتور مهاتير عن الفساد الاداري والمالي في ماليزيا وكيف جرت معالجته والخطوات التي اتخذت للتخلص منه فأجاب:

«يجب أن يكون لديك إدارة جيدة، وأن تواجه الفساد، وحتى تمنع الفساد يمكن أن تضع بعض القوانين الصارمة.. ولكن الأهم من ذلك هو تطوير نظام إداري يكون واضحاً جداً، إذا عملت بسرعة وضمن سقف زمني محدد لكل إجراء، فلن يكون هناك فرصة للفساد، ولكن إذا سمحت للموظفين بتأخير المعاملات فإنهم سیؤخرون الإجراءات حتى يدفع لهم صاحب المعاملة المال، إن الوقت هو المال بالنسبة للعمل والاقتصاد، فإذا أخرت المعاملات فسترتفع التكاليف ويتضرر الناس والاقتصاد، ولذلك يُحدّد المطلوب من الموظف بوضوح تام، فإذا لم يفعل، فسيستنتج أنه فاسد، و بالتالي سيحاسب ويتخذ الإجراء اللازم بحقه، من الصعب التخلص من الفساد، بمجرّد وجود قانون، لا بد من آليات تعمل لتسريع العمل ومنع الفساد، لدينا في ماليزيا مؤسسة ضد الفساد Anti Corruption Agency، ولكن أهم شيء هو الإجراءات Procedures، ولذلك لدينا في الحكومة دليل الإجراءات Manual of Procedures، كل عمل له إجراءاته وخطواته المحددة»(34).

ص: 115

خامسا: الاهتمام بالتنمية البشرية

التنمية البشرية مصطلح يدل على علم حدیث التداول منذ بداية العقد التسعيني للقرن العشرين حسب بعض المصادر ولكن واقع الحال أن هذا العلم قد وجد مع القران الكريم وولادته الحقيقية من الشريعة المحمدية حتى باتت اسسه ومناهجه وغاياته واضحة ملموسة على ارض الواقع، بسبب الهدف المشترك والاساس للقران الكريم ولمن اوجد علم التنمية البشرية وهو الانسان غاية رسالة السماء تشخيصا وتحديدا(35).

التعليم حجر الأساس في بناء المجتمع وقد كان لدى العراق احد افضل الانظمة التعليمية في العالم في سبعينيات القرن الماضي، ولكنه تراجع في التسعينيات نتيجة الحصار ويعاني اليوم النظام التعليمي من مشاكل عميقة، غير انه من اجل الرحلة التي يجب ان يمضي عليها جيلنا الثاني، يجب ان تسن معايير جديدة وان تتحقق نتائج جديدة.

مع الاية القرانية «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ»(36) أول آيات القرآن الكريم نزلت على الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم، وكلمة (اقرأ) اي (تعلّم) هي سر نجاح الكثير من تجارب النهضة في العالم ومنها ماليزيا، اذ أصبحت شعاراً لبدء عملية الإصلاح بمعنى أن الرؤية تقول بان الله سبحانه وتعالى بدأ المشروع الاصلاحي للمجتمع الجاهلي من خلال التعلم والتفكر والتعقل و ترجمها وحورها إلى مفاهیم وأفکار ناضجة تتعلق بالتعليم والمعرفة وحولها إلى سياسة تعليمية عامة ذات ابعاد واسس ثابتة وواضحة(37).

ص: 116

الخاتمة والتوصيات لابد من توفير الأرضية المناسبة والمناخ الملائم عندما يكون القرار النهائي والحقيقي باعادة بناء الدولة وهذا لا يتم الا من خلال مجموعة من المتطلبات الاساسية:

1 - القرار السياسي: الخطوة الأساسية وقبل اي شيء آخر هو العمل على خلق استقرارا سياسيا في العراق والا كل حديثنا عن الاصلاح هباءا منثورا، لابد من قرارات جريئة وشجاعة تتخذ من رؤساء الكتل والشخصيات المتنفذة القادرة والمتحكمة بالقرار السياسي في العراق على اجراء تعديلات في ثوابتها وافکارها ومنهاجها الذي تأسس بعد عام 2003.

2 - التوافق بين الثوابت السياسية ومعايير امير المؤمنين: بمعنى أن تتوافق الثوابت السياسية مع مع شعارات الدين المرفوعة من الكتل والاحزاب الدينية، واولويات هذا التوافق هو السير على تلك المعايير وجعلها ثوابت سياسية حقيقية لاشعارات براقة لاطعم ولا لون ولا رائحة ولا نتائج، ومنها تكوين رؤية فكرية ناضجة تنبني عليها العملية السياسية، واليوم نحن بحاجة الى مراجعة وفحص واعادة النظر في بعض هذه الثوابت والاراء والرؤية ومحاولة ايجاد قواسم مشتركة ومستويات وسطى يقف عليها الجميع بثبات وقوة ويتمسكون بها لتكون ارضية قوية تنبني عليها اسس جديدة واضحة ورصينة للمرحلة المقبلة 3 - تشريع القوانين الصحيحة: من اولويات الاصلاح ايضا هو تشريع قوانين المؤسسات الدستورية الكاملة منها المحكمة الدستورية العليا والمحكمة العسكرية العليا، واعطاء صلاحيات واسعة لمنظومة الادعاء العام في الدفاع عن المال العام وسمعة البلد الخارجية والحفاظ على اراضيه ومكانته، فضلا

ص: 117

عن تحديد اليات انتخاب ديمقراطية في مجلس القضاء الاعلى والمحاكم الاخرى ليكون التغيير منهاجا مؤسسيا وليس ارتجاليا وعاطفيا ومصلحيا.

4 - ضبط قانوني الاحزاب والانتخابات: البداية الصحيحة تؤدي إلى نتائج جيدة والاصلاح يبدأ مع قانوني الاحزاب والانتخابات وضبطهما بالاتجاه الصحيح للبناء السياسي، بحيث يكون قانون الاحزاب موحد ووطني وشامل لكل العراقيين دون تمييز او تهميش او اقصاء وان يكون عراقيا وطنيا بحتا بمعنی ان الاتكون هناك احزابا دينية أو عرقية او قومية وانما هناك احزابا عراقية شاملة لكل العراق يكون عندها فروع في كل المحافظات وممثلين لها من كل الاطياف وتكون الديمقراطية موجودة في نظامها الداخلي وتكون برامجها موحدة ومتفق عليها على اساس وطني وليس مناطقي او مذهبي او قومي، ولذلك لابد من تعديل القانون الذي اقره البرلمان منذ مدة قصيرة والذي هو عبارة عن ثوب مفصل تفصيل ليكون على مقياس الاحزاب الحاكمة.

والامر ينطبق مع قانون الانتخابات اذ لابد من تعديله بما يلائم النظام الديمقراطي الحقيقي من خلال اعتماد نظام الدوائر المتعددة على اساس ان كل دائرة مقعد يتنافس عليه عدد من المرشحين يفوز به من يحصل على اعلى الاصوات في تلك الدائرة دون ان يكون هناك تدخل من أي جهة كانت ولا من الأحزاب الكبيرة ولا من رؤساء الكتل وغيرها وننتهي من ظاهرة صعود مرشح فشل في الانتخابات ولم يحصل الاعلى اصوات قليلة ثم نجده عضوا في البرلمان او منصب مرموق في الدولة بترشيح من رئيس الكتلة وعلى اساس المقاعد التعويضية وهي طريقة تلاعب واضحة بالديمقراطية واصوات الناخبين.

ص: 118

5 - حسن اختيار الأشخاص: لابد من ايجاد آليات ثابتة في اختيار الشخصيات السياسية التي تتولى المسؤوليات في جميع مفاصل الدولة لاسيما المراكز الحساسة تعد من أهم الاجراءات الاصلاحية، وتكون هذه الاليات علمية ومهنية بالدرجة الاساس وبعيدة عن مبدأ الاستحقاق الانتخابي وهو الوجه الثاني للمحاصصة.

6 - حماية الابداع والفكر: ان التميز والابداع والرقي في العمل والمخرجات الجيدة من ناحية النوعية تتطلب قاعدة معرفية كبيرة، وتشخيص جوانب القوة والضعف في كل عنصر من عناصر الأداء، والعمل على تعزيز عوامل القوة بكل الاجراءات الممكنة ومعالجة جذرية لمواطن الضعف وتصحيحها، ولا يتم ذلك الا من خلال تطبيق نظام تقويمي شامل لكل مؤسسات الدولة بما يسمى نظام الجودة الشاملة المطبق اليوم في كل العالم ويتطور بشكل سريع ويتحدث بشكل اسرع ولذلك لابد من مواكبة الانظمة العالمية في هذا الاطار واعتماده کمنظومة تقييمية وتقويمية تساعد على اكتشاف السلبيات والأخطاء والعلل وتصحيحها باسرع وقت قبل أن تترتب عليها خسائر مادية ومعنوية كبيرة تهدم البناء وتؤخر التقدم.

7 - اعتماد المبادئ والقيم الاقتصادية العالمية الثوابت الاقتصادية في عالم الاقتصاد العالمي كثيرة ومؤثرة وناجحة واذا ما كان القرار بالاصلاح الاقتصادي موجود في اروقة السياسيين فلابد من قيم ومباديء واسس لبناء منظومة هذا الاصلاح واهمها وأهم هذه المبادئ:

1) احترام الوقت / 2) تنويع مصادر الدخل القومي / 3) نظام مصرفي فعال/ 4) التركيز على البنى التحتية 5) مبدأ تكافؤ الفرص / 6) الاعتماد على الذات.

ص: 119

وهناك قيم اقتصادية ايضا مطبقة في كل الشركات والمؤسسات الناجحة منها:

((الالتزام بمواعيد الدوام / الجودة العالية / الالتزام بمواعيد التسليم للبضائع / التفرقة بين الخاص والعام / استعمال التقنية الحديثة / الاخلاص في العمل والحرص على سمعة المؤسسة / المرتب على قدر الجهد المبذول فكلما زاد الجهد زاد المرتب / السعي إلى تطوير الذات وتحسين المستوى المعيشي / الانضباط الشديد والالتزام بالتعليمات / الحرص على اختيار المديرين ليكونوا قدوة لموظفيهم... وغيرها كثير)).

ص: 120

الهوامش

(1) صباح محسن کاظم، الراعي والرعية والحاكم والمحكوم في عهد الامام علي - عليه السلام لمالك الأشتر، مقالة، مركز النور، 08 / 08 / 2010الموقع الالكتروني:

۔ See more at: http://alnoor.se/article.asp?id=86355.sthash.NJt G42DX.dpuf (2) اية الله الشيخ باقر شريف القرشي، شرح العهد الدولي للإمام علي عليه السلام لواليه مالك الأشتر على مصر، الموقع الالكتروني.

http://arabic.balaghah net/content /؛ زین العابدین قرباني، ميثاق إدارة الدولة، تعريب: قاسم البيضاني، منشورات المحبين - مطبعة کوثر، ط 1، 1433 ه - 2012 م.

(3) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى واليه على مصر مالك الشتر (رضي الله عنه)، العتبة العلوية المقدسة قسم الشؤون الفكرية، اعداد المستشار فليح سوادي، ط 1، 1931 ه - 2010 م.

(4) المصدر نفسه، ص.

(5) اية الله الشيخ باقر شريف القرشي، المصدر السابق.

(6) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(7) المصدر نفسه.

(8) اية الله الشيخ باقر شريف القرشي، المصدر السابق.

(9) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(10) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

ص: 121

(11) المصدر نفسه.

(12) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(13) المصدر نفسه.

(14) د. ماهر الخليلي، انصاف العلماء واجب وطني، مقالة، 5 / 9 / 2015، مؤسسة النور للثقافة والاعلام، الموقع الالكتروني:

http://www.alnoor.se/article asp?id=284511.sthash.uhsmrP3o.dpuf (15) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(16) المصدر نفسه.

(17) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(18) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(19) المصدر نفسه.

(20) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(21) المصدر نفسه.

(22) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(23) سورة العنكبوت / 46.

(24) الشيخ ناصر مکارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مؤسسة الأعلمی للمطبوعات، الجزء العاشر، بيروت - لبنان، 2007 م، سورة العنكبوت، ص 74.

(25) سورة الأنعام / 108

ص: 122

(26) الشيخ ناصر مکارم الشيرازي، الأمثل، الجزء الرابع، ص 185.

(27) إعلان مبادئ بشأن التسامح، المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 م، المادة الأولى، الفقرة الأولى والثانية.

(28) الاسم الحقيقي لغاندي هو (موهنداس کرمشاند غاندي). للمزيد عن حياة غاندي ينظر: موهنداس کرمشاند (المهاتما) غاندي، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، المجلد الرابع، الطبعة الأولى 1986، صص 315 32؛ الموقع الالكتروني: http://www.marefa.org/index.php/%D (29) عباس محمود العقاد، روح عظیم المهاتما غاندي، شركة فن الطباعة، مصر، 1999 م.

(30) انظر ص 9.

(31) عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، المصدر السابق.

(32) الدكتور مهاتير محمد: ولد في كانون الأول عام 1925 ودرس الطب بسنغافورة واصبح طبيبا ثم ولج عالم السياسة منذ عام 1964 عندما اصبح عضوا في مجلس النواب، ودرس الشؤون الدولية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1967، وفصل من الحزب بعد أن ألف كتاب (معضلة الملايو) عام 1970 م، وهو الكتاب الذي أثار ضجة، انتقد فيه شعب الملايو واتهمه بالكسل ودعا فيه الشعب لثورة صناعية تنقل ماليزيا من إطار الدول الزراعية المتخلفة إلى دولة ذات نهضة اقتصادية عالية، وبعدها عاد للعمل الحكومي عام 1972 وتدرج من وزیر تعلیم وصناعة ثم نائب لرئيس الوزراء ثم اصبح رئيسا للوزراء عام 1981 وبدأ مسيرة اصلاح شاملة للدولة. للمزيد انظر: ماهر جبار محمد علي

ص: 123

الخليلي، مهاتير محمد ودوره في تحديث ماليزيا 1969 - 1991، اطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، قسم التاريخ، بغداد، 2014 م.

(33) محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الاسيوية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2012 م، ص 14.

(34) ماهر جبار محمد علي الخليلي، المصدر السابق، ص 256.

(35) طلال فائق الكمالي، التنمية البشرية في القران الكريم - دراسة موضوعية، مرکز کربلاء للدراسات والبحوث، کربلاء 1435 ه، ص 29.

(36) القران الكريم، سورة العلق، آية 1. (37) محسن محمد صالح، النهوض الماليزي قراءة في الخلفيات ومعالم التطور الاقتصادي، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي، 2008 م، ص 38.

ص: 124

المصادر

1 - القران الكريم، سورة العلق، آية 1.

2 - إعلان مبادئ بشأن التسامح، المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس، 16 تشرين الثاني / نوفمبر 1995 م، المادة الأولى، الفقرة الأولى والثانية.

3- اية الله الشيخ باقر شريف القرشي، شرح العهد الدولي للإمام علي عليه السلام الواليه مالك الأشتر على مصر، الموقع الالكتروني .

http://arabic.balaghah ./net/content 4 - زین العابدین قرباني، میثاق إدارة الدولة، تعريب: قاسم البيضاني، منشورات المحبين - مطبعة کوثر، ط 1، 1433 ه - 2012 م.

5 - الشيخ ناصر مکارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الجزء العاشر، بيروت - لبنان، 2007 م 6 - صباح محسن کاظم، الراعي والرعية والحاكم والمحكوم في عهد الامام علي - عليه السلام لمالك الأشتر، مقالة، مركز النور، 08 / 08 / 2010 الموقع الالكتروني:

See more at: http://alnoor.se/article.asp?id=86355.sthash.N.Jt. G42DX.dpuf.

7 - طلال فائق الكمالي، التنمية البشرية في القران الكريم - دراسة موضوعية، مرکز کربلاء للدراسات والبحوث، کربلاء 1435 ه.

8 - عباس محمود العقاد، روح عظیم المهاتما غاندي، شركة فن الطباعة، مصر، 1999 م.

ص: 125

9 - عهد الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) إلى واليه على مصر مالك الشتر (رضي الله عنه)، العتبة العلوية المقدسة قسم الشؤون الفكرية، اعداد المستشار فليح سوادي، ط 1، 1431 ه - 2010 م. 10 - ماهر الخليلی، انصاف العلماء واجب وطني، مقالة، 5 / 9 / 2015، مؤسسة النور للثقافة والاعلام الموقع الالكتروني: - http://www.alnoor.se/arti cle.asp?id=284511.sthash.uhsmrP3o.dpuf 11 - ماهر جبار محمد علي الخليلي، مهاتير محمد ودوره في تحديث ماليزيا 1969 - 1991، اطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، قسم التاريخ، بغداد، 2014 م.

12 - محسن محمد صالح، النهوض الماليزي قراءة في الخلفيات ومعالم التطور الاقتصادي، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2008 م.

13 - محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الاسيوية، مركز دراسات الوحدة العربية بیروت 2012 م.

14 - موهنداس کرمشاند (المهاتما) غاندي، موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، المجلد الرابع، الطبعة الأولى 1986، صص 315 - 32؛ الموقع الالكتروني: http://www.marefa.org/index.php/%D

ص: 126

ص: 127

ص: 128

الفكر الاقتصادي الإصلاحي للإمام علي (عليه السلام) وإمكانية تطبيقه في الاقتصاد العراقي الأستاذ المساعد دكتور يحيى حمود حسن كلية الإدارة والاقتصاد جامعة البصرة

اشارة

ص: 129

ص: 130

من المعروف أن الوضع الاقتصادي السيئ لأي دولة ينعكس سلبا على حياة معظم أفراد الشعب في تلك الدولة، ويؤدي إلى ظهور الاختلالات الاقتصادية التي من أبرزها انتشار الفساد الاقتصادي والأخلاقي وضعف الدولة وانتشار الفقر وضعف قوتها العسكري ومن ثم تصبح الدولة عاجزة عن القيام بأي نشاط اقتصادي ومؤسسي وغير قادرة على الصمود امام اي تهديد خارجي او فتنة داخلية ومن ثم تؤدي إلى انهيارها. او سهولة احتلالها من القوات الأجنبية.

لقد ورث الإمام علي ابن ابي طالب (علية السلام)(1) وضعاً اقتصادياً سيئاً من تمایز طبقي وفساد إداري يتطلب العلاج والإصلاح من خلال الإدارة الجيدة والقيادة الناجحة في التعامل مع الأوضاع الاقتصادية وتنمية ميزانية الدولة والتصرف فيها، فقد وضع خطوات للإصلاح وعمل على تطبيقها بكل حزم وجدية جنت الأمة ثمار هذه الإصلاحات. تتمثل أسس السياسة الشرعية التي انتهجها الإمام علي (عليه السلام) و طريقة الحكم التي جسدها خلال فترة السنوات الخمس (35 - 40 هجرية) التي تولى فيها مسؤولية الخلافة وقيادة الدولة الإسلامية.

لم يحابي الإمام علي عليه السلام يوماً مع أقرب الناس إليه، وكانت سياسته في معالجة الفساد الإداري واحدة من أروع وادق وأشد السياسات التي اتبعها حاکم في عصر من العصور، أن فلسفة إصلاحات الإمام ليست بتطبيق الشريعة الإسلامية مثل (تحريم الربا و شرب الخمر والقتل والسرقة...............) فهذه الأمور كانت مطبقة حتى ولو شكليا، وإنما ركز الإمام على إصلاحات في أساس النظام الإسلامي

ص: 131

مثل (تنصيب الولاة والمسؤولين والتعامل مع الفقراء..........) وهذا ما أكده العديد من الكتب والتقارير الدولية ومن أهمها التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP (United Nations Development Programmer) عام 2002 والخاص بتنمية البلدان العربية في الفصل السابع. ذکر حكومة أمير المؤمنين كنموذج لتنمية القدرات البشرية.

أهمية البحث:

تأتي أهمية البحث من:

1 - التركيز على الخطوات الإصلاحية التي اتبعها الإمام علي في مدة حكمة وكيف عمل على تطبيقها.

2 - محاولة الإفادة من الخطوات الإصلاحية للامام في معالجة وإصلاح الاقتصاد العراقي.

مشكلة البحث:

تأتي مشكلة البحث من: يعاني الاقتصاد العراقي من مشكلات خطيرة وجوهرية تتطلب العلاج، ويطرح هذا البحث الفكر والسياسة الاقتصادية التي اتبعها الإمام المعالجة هذا الوضع.

ص: 132

خطة البحث:

يركز البحث على:

أولا: الخطوات الاصلاحية التي اتبعها الإمام علي (عليه السلام) لمعالجة الوضع الاقتصادي والتي تتلخص بالاتي:

1 - مكافحة الفساد محاسبة الفاسدين وخاصة من الولاة والقضاء والاعتماد على اهل الخبرة والثقة كمستشارين لحل مشاكل الناس وحفظ حقوقهم. الذين يعتمد عليهم في صلاح الدولة.

2 - التنمية البشرية: إطلاق الحريات للإنسان.

3 - إدارة خيرات الدولة (الإيرادات وفرض الضرائب. والنفقات) الاهتمام باستثمار خيرات الأرض بدلا من التفكير في جمع الضرائب فقط. واستصلاح الأراضي، وضرورة التنمية.

4 - الترشيد بالاستهلاك وعدم الإسراف والتبذير.

5 - بناء القوة العسكرية لمواجهة أي تهديد خارجي.

6 - تشجيع التعليم 7 - محاربة وتسكين الفقر وتوزيع الخدمات الاجتماعية 8 - تحديد مفهوم الدولة ووظائفها وصفات رئيس الدولة و ان يكون الحاكم قدوة صالحة بان يبدأ باصلاح نفسه قبل غيره.

9 - ادارة الازمات 10 - العقوبات الاجتماعية ثانيا: محاولة تطبيق الإصلاحات في الاقتصاد العراقي وفق الفكر الاقتصادي للامام علي (عليه السلام).

ثالثا: استنتاجات وتوصيات

ص: 133

الحركة الإصلاحية في دولة الإمام علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

مفهوم الإصلاح الاقتصادي

يرد بمصطلح الإصلاح الاقتصادي (Economic Reform) تعديل مسار اقتصاد ما او سلوك أفراد المجتمع نحو الاتجاه المرغوب فيه، من خلال اتخاذ توليفة من الإجراءات في السياسات الاقتصادية (المالية والنقدية والتجارية) تقوم بها الدولة، بهدف توفير الحاجات الأساسية من السلع والخدمات بسعر مناسب لمختلف فئات المجتمع وخلق فرص تستوعب الأشخاص في سوق العمل، فضلاً عن تحقيق التوازن بين نفقات الدولة و إيراداتها وتحفيز قطاعات الإنتاج فضلاً عن تحسين الكفاءة في استخدام الموارد من خلال إزالة تشوهات الأسعار وتعزيز المنافسة وتحقيق السيطرة الإدارية(2). مما يؤدي إلى قدرة الاقتصاد على النمو وتحقيق التوازن والاستقرار الاقتصادي.

وهناك مجموعة أسباب تدفع إلى انتهاج الإصلاح الاقتصادي أهمها وجود مشاكل متعددة في الاقتصاد مثل قلة الدخل النقدي وعدم وجود فرص عمل و عدم القدرة على إشباع الحاجات الأساسية وانخفاض مستوى التعليم، مما تتطلب وضع ستراتيجية متكاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تستهدف إشباع الحاجات الأساسية للسكان، وتغير موقع اقتصاد الدول إلى الأفضل.

تبنى الامام علي (عليه السلام) تنفيذ مشروع إصلاح من خلال خطوات طبقت في الحياة العملية ويمكن الاستشهاد بهذا المشروع من خلال سيرة وتاريخ الامام وشرح نهج البلاغة: والوقائع والأحداث التي سجّلتها مصادر التاريخ تحكي علاقة الإمام بحركة التغيير، حيث أعلن الثورة الشاملة ضد الأوضاع السياسية والاجتماعية

ص: 134

التي كانت محل نقده و معارضته. وتتركز في:

أولاً - الإصلاح في النظام الإداري:

حاول أمير المؤمنين اعادة الأمور الى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد خطی خطوات واسعة في هذا الطريق منها اصلاح الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي، اذ أقام الإمام (عليه السلام) نظاماً إدارياً محكماً، حدّد فيه الوظائف وأوضح طرق تعيين الموظفين، وبيَّن واجباتهم وحقوقهم، وأقام عليهم تفتيشاً دقيقاً، ووضع أسس الثواب والعقاب، والمسؤولية الإدارية بشكل عام. فكانت الخطوة الأولى للإصلاح: مكافحة الفساد و محاسبة الفاسدين وخاصة من الولاة والقضاء والاعتماد على اهل الخبرة والثقة كمستشارين لحل مشاكل الناس وحفظ حقوقهم الذين يعتمد عليهم في صلاح الدولة، وضع الإمام (عليه السلام) آليات للوقاية من الفساد هي:

1 - تغير الشخصيات الفاسدة: من اول الاعمال التي قام بها الامام علي بعد توليه الخلافة وقبل كل شيء هي اختيار وانتقاء الشخصيات التي تضم إلى الكفاءة، الإخلاص والضمير. فمن رأي علي (عليه السلام) الإصلاح في المجتمعات يبدأ بتغير واصلاح القيادات، فبادر قدماً إلى تغيير الأمراء والولاة، متوخياً في ذلك مجاراة الحق والعدل والمصلحة العليا للإسلام والأمة، وتعد هذه من اهم الإصلاحات السياسة: فقد أعلن عن عزل العمال والولاة السابقين على الأقاليم، ولم يتراجع عن ذلك عندما حاول البعض الحؤول دون ذلك، وهذا موقف شهير في كل كتب التاريخ(3). حيث قام بعزل معظم الولاة عن الأمصار ومسئولي الجهاز التنفيذي الإداري من الدولة، وإقصاء أولئك النفعيين الذين لم يكن لهم هم في الحياة سوى السلب والنهب وکنز الذهب والفضة والتسلّط المرير

ص: 135

على رقاب المسلمين، وقال (عليه السلام) في ذلك: (والله لا أدهن في ديني ولا أعطي الدنيَّ من أمري). وبعد تسلمة الخلافة وزّعَ الحُكّامَ إلى المناطقِ التاليةِ (4):

1 - عثمان بن حنیف ولى البصرة.

2 - عمارة بن شهاب والي الكوفة.

3 - عبيد الله بن عباس والي اليمن.

4 - عزل قیس بن سعد و تعيين مالك الأشتر النخعي والي مصر، وبعد موته ولی محمد بن أبي بكر.

5 - سهل بن حنیف والي الشام ثم بعد ذلك جعله على المدينة، ثم ولاه على فارس. زباد بن ابية والي فارس 2 - الاختيار الصحيح للمسؤول: يجب أن يتم اختيار المسؤول على وفق الأسس هي(5):

أ - السمعة الجيدة: يجب ان يكون الشخص الذي يراد اعطاءه منصب معين ذات سمعة وتاريخ نزيه، اذ يوصي الإمام (عليه السلام) الى لمالك الأشتر باختيار المسؤولين وفقاً للاسس التالية: (اختياره من شريحة اجتماعية ذات تاریخ مشرّف). لان تاريخ الإنسان هو أفضل سيرة الاعمالة فالشخص السيئ خلال مسيرة حياته لا يمكن أن يصل للمسؤولية مطلقا.

إن فالوالي يقوم مقام الخليفة إذا كان معيناً من قبله، أو يقوم مقام أعلى إذا كان هذا العامل هو الذي عينه. ويشترط الإمام في العامل شروطاً مشددة، لخطورة مركزه والسلطة التي يتمتع بها، يقول الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: «ثم أنظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختیارا، ولا تولّهم محاباة وأثرة، فإنهم جماع من شعب

ص: 136

الجور والخيانة، وتوخّ فيهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدمة».

ب - تشخيص الصفات القيادية: والذي يصلح لتولي الامور الادارية اذ يقول علية السلام (فوّل من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممّن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممّن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف. ثمّ الصق بذوي المروءات والأحساب، وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثمّ أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنّهم جماع من الكرم، وشعب من العرف)(6) ت - الخبرة والتجربة: اختيار اصحاب الخبرة لان الخبرة هي مفتاح نجاح العمل وشرط أساسي للتقدم، ومن دونها يعني الحكم على فشل أي مشروع وخاصة اذا كان المسؤول لا يمتلك خبرة في المؤسسة التي يديرها. فاتخاذ القرارات تحتاج الى الخبرة مع المشورة وخاصة اذا كانت القرارات مؤثره، يقول الإمام (عليه السلام) (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها) ويقول عليه السلام (خاطر بنفسه من استغنی برأية) والخبرة والمشورة هي تجارب سابقة.

والمشورة هي مفتاح هام للاستفادة من تجارب الاخرين.(7) ث - الاخلاق العالية والحياء: اختيار الشخص ذي الأخلاق لان الاخلاق هي الرقيب الداخلي الاول والرئيس على المسوول وبدونها يمكن أن يتجه الانسان نو الفساد، فالقانون الوضعي ليس الرقيب الاساسي لانه يمكن التحايل عليه وتفسيرة بمعاني مختلفة ويمكن الاستثناء وغيرها.

ص: 137

ج - الإيمان: اختيار الشخص المؤمن ومخافة الله هي شرط أساسي لاختيار أي مسؤؤل. توضح هذه الشروط في قول الإمام (عليه السلام): ((وتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ والْحَيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ والْقَدَمِ فِي الإسلام الْمُتَقَدِّمَةِ)).

ح - عدم المحاباة والمحسوبية: فلا يجوز إعطاء المسؤولية إلى شخص كمكافأة أو أكرام للأشخاص آخرين، اذ يقول عليه السلام: ((ولا تُوَلِهِّمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ))، فالمسؤولية أمانة ولا يجوز تقديمها كهدية إلى الأقارب أو الأصدقاء او للحزب أو أبناء المدينة(8).

خ - الاختبار والتجربة: يجب أن يوضع المسوؤل او المكلف بعمل ما في وظيفة معينة فاذا اثبت عملياً أهليته في ادارة هذا المنصب، فيتم تثبيته، واذا لم يثبت كفاءتة فيستبدل بشخص اخر، وتختلف التجربة باختلاف الوظيفة والشخص في الكيفية والمدَّة. اذ يقول (عليه السلام): ((ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً)). فعلى وفق منهج الإمام بعد تعيين المسؤول و ترکه بلا إشراف ولا اختبار تقصيراً من المسؤول الأعلى الذي عيّنه ومساهمة في ترويج الفساد بتهيئة أرضية ظهوره.

3 - صرف راتب للمسول يتناسب مع العمل المكلف به: وذلك للصرف على احتياجاته الأساسية ولعائلته، والكفاف عن الناس، وتمنعه من قبول الرشوة والتصرف بالمال العام، اذ يقول يقول (عليه السلام): ((ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ، وغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ)).

4 - الرقابة المستمرة: يجب أن يكون المسوؤل الاعلى مراقب جيد ومستمر لاعمال رعيته من مسولين وموظفين و محیطاً بسيرته الإدارية، والرقابة على نوعين السرية

ص: 138

وذلك بوضع أشخاص يراقبون عمل المسؤول دون علم هذا المسوؤل، على شرط توفر الإخلاص والنزاهة والدقة في نقل الوقائع في اختيار المراقبين السريين، فقد كان الامام متابع لأمور الأقاليم، اذ يقول (عليه السلام): ((وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ، حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ)). فضلاً عن الرقابة العلنية وذلك بالاطلاع العلني المباشر على السجلات الإدارية والمالية وربما الزيارات الميدانية، ففي عهده إلى مالك الأشتريقول (عليه السلام): ((ثم تفقَّد أعمالهم)). وفي سيرته مع ولاته كان أحياناً يطلب منهم إرسال الكشوفات الرسمية إليه ليطَّلع عليها بنفسه. يقول (عليه السلام) في أحد كتبه إلى بعض ولاته: ))فَارْفَعْ إِلَيَّ حِسَابَكَ واعْلَمْ أَنَّ حِسَابَ الله أَعْظَمُ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ))، فهو في الوقت الذي يطلب فيه قوائم الحسابات يخوِّفه من حساب الله الذي هو أعظم من حساب الناس والحاكم. وكتابه إلى واليه على مكة الذي يقول فيه: ((إِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي أنه….))، فيه اشارة مقصودة إلى وضعه عيونا على ولاته لكي يجعلهم في حذر دائم کی لا يصدر منهم ما ينقلة أولئك العيون إليه عليه السلام. وهي حالة مكِنت الإمام علياً (عليه السلام) منذ ذلك الزمن البعيد من أن يكون على علم تام بما يجري في الولايات البعيدة حيث لم تكن هناك مواصلات أو اتصالات أو کامرات مراقبة تتكفل بتلك المهمة(9).

5 - التوجيه والتنبيه: ان الرقابة لوحدة غير كفيلة بمكافحة الفساد والاصلاح فمن الضرورة التوجيه، ويمكن أن ندرج امثلة ونماذج في كتبه مثل:

أ - قوله لعامله على البصرة عبد الله بن عباس : ((وَ قَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ وغِلْظَتُك عَلَيْهِمْ....))؛ وهو يوجه للمسول بعدم الشدة في معاملة مع بعض الرعاية.

ص: 139

ب - وقوله لبعض عماله: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وقَسْوَةً واحْتِقَاراً وجَفْوَةً….))؛ كذلك التوجيه باحترام الرعية.

ت - وقوله لعثمان بن حنيف وهو يومئذ عامله على البصرة: ((فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلاً مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إلى مَأْدُبَةٍ....))؛ التوجيه لعدم التقرب من الفاسدين والنفعيين.

ث - وقوله إلى بعض عماله: ((بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ رَبَّكَ وعَصَيْتَ إِمَامَكَ وأَخْزَيْتَ أَمَانَتَكَ....)). التوجيه بضرورة مراعاة إحكام الله في العمل والامانة.

ج - يحذر الإمام (عليه السلام) عاملة من الأخذ من الفيء الذي يحصل عليه من غنيمة أو خراج مهما كان صغيرا او كبيرا، وسيعاقبه بان يجعله قليل المال و ضعيف لا تقدر على مؤونة عيالك. وقد اشار في كتابه إلى زياد بن أبيه: (وإِنِّي أُقْسم بِالله قَسمًا صادقًا، لئِن بَلغني أنَّك خنْت من فيء الْمسلمين شَيئًا صغيرًا أَو كِبيرًا، لا شدن عَليك شدةً تدعك قليلَ الْوفْر، ثقيلَ الظَّهر، ضئِيلَ الاْمرِ، والسلام(10) إن هذه الأمثلة تشير بكل وضوح إلى أنه عليه السلام كان يتابع ويوجه باستمرار وبدقة تصرفات ولاته.

6 - الإنذار المبكر: وهو آلية كان (عليه السلام) يستخدمها مع ولاته عندما يلاحظ بوادر فساد أو انحراف، او الميل إلى المصالحة الخاصة، فإنه يسارع إلى تحذير ذلك الوالي بتنبيه أو توبيخ ليوقفه عند الحد المطلوب کي لا تزلَّ قدمه فيتعدى حدَّه؛ ومن أمثلة ذلك(11):

أ - في حالات كثيرة يتقرب المفسدين من أصحاب القرار بمختلف الطرق والوسائل،

ص: 140

ومن أهمها تقديم الهدايا والولائم الفاخرة، فقد كتب الأمام إلى والٍ له دُعي إلى مأدبة فاخرة فلبَّى تلك الدعوة في ظروف لا يجد فيها عامة الناس ما يسدُّون به رمقهم.

ب - تكون جميع النظار موجه إلى المسولين وتصرفاتهم وبخاصة في جانب الأنفاق والصرف الزائد عن الحاجة، فقد كتب الأمام إلى والٍ آخر قام بشراء دار له من ماله الحلال في وقت لم يكن بحاجة إلى دار بتلك السعة، فكتب اليه (عليه السلام) يحذره ويزهِّده.

إن رصده لهذه الحالات تعني الإسراع إلى تطويق بوادر الفساد وهي في مهدها ليعالجها على مستوى الوقاية قبل أن تستكمل مقدمات وجودها فتصبح فساداً ماثلاً للعيان.

7 - الدقة والحذر من الحاشية المحيطة بالمسولين: بالرغم من أهمية هذه الطبقة الا انه لها دور كبير في افساد المسوول او عدم نقل الحقائق بشكل صحيح، فهذه الطبقة جدا خطيرة فهم واجه المسول والاتصال الأول يتم من خلالهم، كذلك هم الأداة الأولى في تنفيذ أوامر المسولين، ومن ثم يمكن حجب وتضليل المسول عن ما يجري في الخارج، او عرقلة الإعمال والمشاريع وفي بعض الأحيان حتی دون علم المسوول، ويمكن أن يكونوا مشجعين لفساد المسولين بما يمتلكونه من خبرة وتحايل على القانون والتعليمات. ويزداد الأمر سوء في حال كون المسؤول ضعیف و منقاد بشكل كبير للحاشية المحيطة به. لذا يجب التحقق من صحة المعلومات المنقولة من مصدر اخر، ويشير الإمام هنا إلى خطورة الأعوان الذين هم المساعدون المقربون والمستشارون ومدراء المكاتب(12)، اذ يوصي مالك الشتر (ولا تدخلَن في مشورتك بخيلا يعدلُ بك عن الفَضْلِ، ويعدك اْلَفْقر، ولا جبانًا يضعُفك عن اُلامور، ولا حريصا يزين لك الشَّره باْلجور، فَإِن اْلبخل واْلجبن والْحرص غَرائِز شتَّی يجمعها سوء الظَّن بِاللهِ.

ص: 141

شَر وزرائِك من كَان لِلاْشْرار قبَلك وزيرًا، ومن شرِكهم في الاَثاِم، فلا يكُونَن لك بطَاَنةً (حاشية او مستشارين)، فإِنَّهم أَعوان الاْثمة، وإِخوان الظَّلمة، وأَنْت واجِد مْنهم خير الْخَلف ممن لَه مثْل آرائِهم وَنَفاذهم، وَليس عَليه مثْلُآ صارهم (مثل ذنبهم وأَوزارهم وآَثامهم، ممن لم يعاون ظالِماً عَلى ظْلمه، ولا آثمًا عَلى إِثمه، أُولئِك أَخفُّ عَليك مؤُوَنة، وأَحسن لك معوَنة، وأَحَنى عَليك عطفًا، وأَقلُّلِ غيرِك إِلْفًا، فاتَّخذ أُولئِك خَاصًة لِخَلَواتك وحَفلاتك، ثم ليكن آثرهم عنْدك أَقوَلهم بِمر الْحقّ لك، وأَقلَّهم مساعدًة فيما يكون منْك ما كرِه اللهُ لاَولِيائِه، واقعً ذلِك من هواك حيث وَقع).(13) خصائص المستشارون و صفاتهم لا غنى للحاكم عن المستشارين، وأهم صفات المستشار هي:

أ - ألا يكون بخيلاً يعدل بالحاكم عن الفضل، ويعده الفقر.

ب - ألا يكون جباناً يضعفه عن الأمور.

ت - ألا يكون حريصاً يزين الشره بالجور.

ث - تعويد المقربين والإعلاميين على عدم المدح، أو کسب رضا الحاكم وفرحه بباطل لم يفعله.

8 - عدم المساواة بين المحسن والمسيء، فإن ذلك تشجيعاً لأهل الإساءة على إساءتهم، وتزهيداً لأهل الإحسان في إحسانهم، وإلزام كل منهم ما ألزم به نفسه، من شکر أو عقاب.

اذ يقول علية السلام لمالك الاشتر (ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على

ص: 142

الإساءة! وألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه)(14).

9 - حسن الظن بالرعية، دليله إحسانه إليهم، وعدم استكراههم على ما ليس عندهم، وتخفيف الأثقال (المؤونات) عنهم(15).

10 - ثبات حالات الفساد: تعد حالة ثبات حالات الفساد من الامور الصعبة جدا كون الفساد يتم في الخفاء والسر ودائما يخفي المفسدين جرائمهم، كما أن هناك حالات اتهام كثيرة، لذا يجب التحقق من حالات الفساد، واثبات وقوعه من خلال جمع الأدلة والشهادات المتعددة المستوفية للشروط الشرعية (الذي يشترط شاهدين عادلين فقط في أغلب الجرائم والجنح)؛ ومع الأخذ بنظر الاعتبار أن هؤلاء الشهود تمَّ اختيارهم والتحقق مسبقاً من توفر الشروط القانونية فيهم لكونهم ((مِن أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ)) کما عبر عنهم الإمام، فإن شهادتهم كافية الإثبات الجريمة. يقول عليه السلام في وصف طريقته: ((فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ (أي من المسؤولين) بَسَطَ يَدَهُ إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ)).

11 - عقوبات علاج الفساد: في كثير من الحالات تكون عمليات الرقابة و التوجيه غير كافية لمحاربة الفساد، لذا من الضروري وجود العقوبات المختلفة وبما يتناسب مع الحاجة والذنب، وقد تكون هناك عقوبة استباقية (مادية او معنوية) لمنع حصول الأخطاء، فكان الامام عندما يرصد أموراً مهما كانت صغيرة لكنها لو مرت بسلام أو عوملت بتساهل فإنها قد تنمو وتشكل خروقات كبيرة.

وقد تكون عقوبات على فعل الفساد اذ بعد أن يتم تشخيص جريمة الفساد يأتي دور الإجراءات التي تتخذ بحق المسؤول الفاسد

ص: 143

وهي أربعة أمور يتناولها قول الإمام عليه السلام: ((وتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ وأَخَذْتَهُ بِماَ أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ)).

وهذه الاجراءات هي(16):

الأول: الفصل من الوظيفة:

لم يشر الإمام صراحة إلى هذه النقطة لكنها من أوضح الواضحات في منهجه عليه السلام، فالإمام لا يقوم بها يقوم به البعض من نقل المسؤول الفاسد من ((الوظيفة الحساسة)) إلى ((وظيفة غير حساسة)). أو من موقع إلى موقع آخر. فهذا النقل هو في حد ذاته مساهمة في تكريس الفساد، لأنه يعطي لجميع الفاسدين رسالة تطمين عالية المضامين أقل ما فيها أن أقصى ما يُعرَّض له الفاسد هو تغيير مكان عمله.

ثم إن الفساد - مهما صغر - جريمة ينبغي العقاب عليها ولا يجوز ترك العقاب الصغر الذنب، بل يجب إنزال العقاب بما يتناسب مع حجم الذنب، أما عدم العقاب فهو تشجيع بصورة غير مباشرة على الفساد.

نستطيع أن نفهم الفصل من الوظيفة من خلال النصوص الكثيرة من كتاب نهج البلاغة التي تشترط النزاهة في الوظائف الحكومية، لذا فإن صدور الفساد من الموظف يعني انتفاء أحد الشروط الضرورية في التوظيف، وهو يعني الفصل بلا أدنى شك، ولا يعني النقل بكل تأكيد. والفصل من الوظيفة هو فصل دائمي وليس مؤقتاَ، ويمكن استنباط الدائمية في الفصل من الكلمات الأخيرة له عليه السلام: ((ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة وقلَّدته عارَ التهمة))، فأي وظيفة تُسند بعدها إلى مَن

ص: 144

نُصب بمقام الذلة ووُسم بالخيانة وقُلِّد عار التهمة؟.

الثاني: استعادة المبالغ المختلَسة:

ضرورة استعادة الأموال المأخوذة بطريقة غير شرعية من بيت المال، وتعاقبها حتى بعد دخولها في عمليات دورات اقتصادية متعددة، فقد قام الامام بمتابعة الأموالَ التي أُعطيت بغير وجه حق لبعض المتنفذين زمن حكم عثمان بن عفان وواصل المطالبة بها، قال أمير المؤمنين ((وَالله لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ ومُلِكَ بِهِ الإمَاءُ لَرَدَدْتُهُ، فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً؛ ومَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ)، أي أنه مستعد - في طريق استعادة الأموال المغتصبة - لتعريض الكيان الأسري للخطر إذا كانت الأسرة قد بنيت على المال الحرام. ولذا تجد من إجراءاته عند ثبوت فساد المسؤول استعادة المال المختلس حتى آخر درهم، يقول عليه السلام: ((وأخذته بما أصاب من عمله))، أي استرجاع كامل المبلغ المغصوب دون مراعاة لأي قضية أخرى ولا أعتبار لأي شروط تخفيفية، إذ لا تخفيف مع الخيانة. ولا يرى الإمام علي (عليه السلام) لنفسه أو لمنصبه اية صلاحية في التنازل عن حقوق الآخرين في المال العام، وهو القائل: (لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وإِنَّماَ الْمَالُ مَالُ الله)

الثالث: العقوبة الجزائية:

وهي عقوبة تأديبية ذات طابع بدني، أي أنها ليست السجن، فالسجن لا يعني شيئاً لكثيرين، ومنطلقاً لأنواع أخرى من الجريمة للمستجدِّين، بل إن بعض الفاسدين يواصل عمليات فساده حتى وهو داخل السجن. لكن العقوبة التي يفرضها الإمام هي عقوبة تأديبية مؤلمه كالضرب والجلد وما اليها. وقد أعطى الإمام صلاحيات واسعة في العقوبة البدنية بقوله: ((بسطت عليه العقوبة))، فترك شكل

ص: 145

العقوبة ومداها وسعتها مفتوحة على مصراعيها لكي تشمل كل مايراه المسؤول الأعلى مناسباً ورادعاً، ولم يقيّدها بكم أو كيف، لكنه اشترط أن تكون عقوبة علنية أمام الملأ ليكون للرأي العام دور في إطلاع الشعب على تنفيذ القانون وعدم الاكتفاء بإخفاء الشخص عن الأنظار تارکين أصحاب الحق (وهم كل المواطنين) يجهلون ما الذي حل بالمعتدي على حقوقهم(17).

الرابع: التشهير برموز الفساد:

يؤدي هذا الاجراء في كثير من الحالات الى هروب المجرمين واختفاهم عن اعين الناس، فبالرغم من بقاهم الا ان الناس تنظر اليهم كمجرمين، إن القتل المعنوي يستهدف تقوية إجراءات الوقاية من الفساد، وقتل الأفكار الفاسدة في مهدها: في أذهان المسؤولين وعقولهم وقلوبهم. وهو أسلوب مقصود في قانون العقوبات الاسلامي نجده ماثلاً في عقوبة السارق الذي تقطع يده ويبقى حياَ يتجول بين الناس بید مقطوعة تذكّر كل من يفكر في الإقدام على سرقة. وتتجلى في عقوبة الزاني والزانية اللذين ينبغي أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وما يؤدي إليه ذلك الشهود العلني من القتل المعنوي وبقاء العبرة ماثلة كلما ظهر شخص المذنب أمام الناس، وكلما ورد ذكره في وسائل الإعلام. عبر عنه عليه السلام بقوله: ((نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلَّدته عار التهمة)) وهي جميعاً تهدف إلى هتك حرمته وإسقاطه في أعين الناس وتعني القتل المعنوي الكامل.

12 - التقاء بالمراجعين وعامة الناس: فقد ثبّت الإمام علي عليه السلام ذلك في عهده إلى مالك الأشتر حين أمره بفتح أبوابه للعامة لسماع شكاواهم، كما أمره أن يبين للناس عذره فيما لم يتمكن من تحقيقه من طلباتهم . فحول فتح الابواب للعامة قال عليه السلام: ((واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ

ص: 146

وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لله الَّذِي خَلَقَكَ)). المشكلة لا تنشأ أحياناً من عدم رغبة المسؤول بسماع الشكاوى، بل لعجزه عن وضع قالب تنظيمي للتعامل مع هذه الشكاوى على مستوى تسلّمها ودراستها والتحقق من صحة وقانونية ما فيها ثم تحقیق طلب المشتكي أو إبلاغه بسبب عدم تحقيقه. فكثير من المسؤولين يشعر أن فتح باب الشكاوى يؤدي إلى مضيعة الوقت واستهلاك الزمن في قضايا معروفة النتيجة، ولذلك يكف عن التفكير في هذا الموضوع. وهذا خطأ فاحش له عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.

13 - قضاء حوائج الناس وتقديم الخدمات: فمن أكثر حالات النقمة بحقٍّ المسولين هي أثر عرقلة غير قانونية يقوم بها الموظف عمداً أو سهو. وسواء كان انزعاج المراجع بحق أو بغير حق، فإن المسؤول المسلم مكلف بإرضاء المراجع إما بقضاء حاجته، وإما بتوضيح سبب عدم قضائها لكي يُعذر المراجِعُ المسؤولَ ولا يعود ناقماً أو متوهماً تقصير المسؤول بحقه. وليس في توضيح عذر المسؤول للمواطن أي انتقاص من قدر المسؤول، ولا تقليلٌ من شأنه، فالتفاهم مع المراجع وتوضيح سبب عدم إنجاز معاملته - فضلاً عن كونه ممارسة أخلاقية راقية - هو واجب المسؤول في الدولة العصرية وفي الدولة الإسلامية، وحول ضرورة توضیح أسباب عدم قضاء بعض حوائجهم قال: ((وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ)) ويعلل الإمام عليه السلام أمره ذلك بقوله: ((واعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ ورِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وإِعْذَاراً تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ)). أي أن الإعذار وتوضيح الأسباب يحقق هدفين: الأول: منع السخط الشعبي الذي يتولد تدريجياً وبصورة تراكمية من عدم قضاء حوائج بعض الناس. الثاني: التربية الأخلاقية للمسؤول نفسه لوقايته من التكبر

ص: 147

والغرور الناشئ من المنصب ومن الاحتجاب عن الناس (18).

14 - التعامل بلعطف مع الرعية: اذ يقول علية السلام: (ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل، فإنّه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتکالاً على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه. وليكن آثر رؤوس جندك من واساهم في معونته، و أفضل عليهم من جدته، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتّی یکون همّهم همّاً واحداً في جهاد العدو، فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، و ظهور مودّة الرعية)(19)

ثانياً - الإصلاح الاقتصادي:

سعى الامام علي علية السلام إلى تأسيس دولة على مبادئ العدالة واحترام الإنسان واجراء مجموعة من الاصلاحات الاقتصادية تمثلت في:

1 - المساواة أمام القانون: منع الامام شرعية الامتيازات التي يحصل عليها أقرباء المسولين لا لشيء إلا لكونهم أقرباء المسؤول. ويمكن الاستشهاد بحادثة حصلت مع عقیل ابن أبي طالب اخو الامام عندما طلب منه زيادة حصة في بيت المال أكثر مما أخذسائر الناس، فلما وعظه وردّه لم يتعظ ولم يكفّ عن الطلب فقام علية السلام بإحماء حدیده وتقريبها من يده تذكيراً له بالعقاب الأخروي الذي سيطاله لو أخذ من بيت المال ما لا يستحقه. فلا ينبغي لأقرباء المسؤول أن يتم تميزهم عن على باقي المواطنين في الحقوق.

ص: 148

2 - إلغاء التمايز الطبقي: لقد عالج الامام مشكلة تكدس الثروات بيد فئة معينة يثرون على حساب العامة، وإيقاف المزيد من اللامسئولية والانحراف، ساد في العهد الذي سبق حكم الإمام تمایز طبقي في توزيع الثروة من بيت المال، ففي عهد عمر بن الخطاب نشأت في الإسلام طبقية، مبنية على أساس القرب والسابقة، والصحبة مثل بين المهاجرين والأنصار والدخول في الإسلام وغيرها، وقد أعطيت امتیازات (مادية ومعنوية)، وكان هناك تفاوت في العطاء، ما بين 12 ألف درهم وهي حصة اعلى طبقاتها و 200 درهم وهي حصة ادنی الطبقات، ومن نتائج هذا التصرف تكدس المال لدى فئة خاصة، بينما كانت عامة الناس فقراء، وفي عهد عثمان بن عفان زادت تلك الطبقات على أساس القرب من ولاه الحكم(20)، فقد كانت هناك الأرض التي جعلها عمر بن الخطاب ملکا خاصاً لبيت المال، ثم جاء عثمان فأقطعها لأوليائه وأعوانه وولاته وأهل بيته، حتى أصبح الناس قسمين، قسم في عداد الأثرياء وما فوق ذلك، وآخرون لا يرتفعون عن مستوى الفقر كثيراً، حتى تسبَّبت هذه السياسة في استثراء وتفاوت طبقي خطير.

ولما جاء الامام علي (عليه السلام) إلى الحكم كان موقفه حازماً بالغاء على هذه العقود، حيث أحدث الامام علي (عليه السلام) تغييراً ثورياً لعله كان أخطر التغييرات الثورية التي قررها، والتي أراد بها العودة بالمجتمع إلى روح التجربة الثورية الإسلامية الأولى على عهد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك أن النظام الذي كان معمولاً به من عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يتعلق بالعطاء (هو نظام قسمة الأموال العامة بين الناس بالمساواة، سواء أكانوا جنودام عامة الناس) وهذا كان قد ألغاه عمر بن الخطاب واستبدله بنظام التفضيل. وتزايد

ص: 149

التمايز في العطاء كثيرا في عهد عثمان بن عفان، مما ادى الى زيادة التفاوت، وعندما تولى الامام علي الخلافة قرر التوزيع بنظام العطاء بالتساوي، فقد قام بمصادرة كل ما اعطاء الحكام السابقين الى المقربين والاقارب من اراضي واموال اخذ من بیت المال على اساس التفضيل بغير حق، ثم اعاد و توزیع تلك الثروة بشكل عادل، وإلغاء التصنيف الطبقي للناس، ورفض أن يعترف أو يقر التغييرات «التصرفات العقارية» التي حدثت في هذه الأرض والعودة إلى نظام المساواة(21). كان الامام صريح في الغاء الامتيازات، اذ فقال عليه أفضل الصلاة والسلام:

(ایها الناس ألا لا يقولنَّ رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا، فاتَّخذوا العقار وفجَّروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة، واتَّخذوا الوصائف المرققة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينتقمون ذلك ویستنکرون، ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا)(1).

ركز الامام في اصلاحاته على لغاء الطبقية والتفاوت بين ابناء المجتمع التي تعد احد اسباب ضعف المجتمع.

3 - تغير في السوسيولوجيا السياسية: والتي تعني العلاقة بين السياسة والمجتمع، وذلك من خلال تحديد الفاعلين في المجتمع سواء أكانوا افراد او مجموعات مثل الشخصيات المؤثرة عشائرية او مالية أو قومية او احزاب او اختيار الأقارب، ومن ثم يشكلون البنى الاجتماعية في تثبيت السلطة، وتحقيق اهدافهم المشتركة،(22) فالدولة تمتلك السلطة والقرار والقوانين، وتحتاج الى طبقة معينة من المجتمع يتم اختيارها على اساس فکر وقناعة ومصالح مسؤولين الدولة، وهذه الطبقة الاجتماعية ترغب وتسعى الى التقرب من السلطة لتحقيق مصالحها. وبالتالي هناك تفاعل مشترك بين الجانبين. ويشكلون مركز قوة الدولة ومصالحها. وعادة

ص: 150

ما يكون هذه الطبقة المنتفعة المختارة قلة في المجتمع اذ تجني فائدة من الدولة والسلطة، وبقية أفراد المجتمع مهمشين في فقر مدقع.

لقد غير الامام علي في اصلاحاته جميع امتیازات الطبقة المقربة من السلطة وصادر اموالهم و ارضهم التي اعطيت بغير وجه حق، ونتيجة لهذا الاجراءات واجه الإمام معارضة شديدة من أصحاب الامتيازات والمنحرفون والطامعون بالسلطة الذين كانوا يحصلون على نظام التفضيل مدة طويلة بحدود 25 سنة، مما ركز في نفوس هذه الطبقة سيطرتها في المجتمع، فما كان من هؤلاء إلا ان شكلوا خطا معارض الإصلاحات الامام، تمثلت في الامتناع عن مبايعته، والذهاب الى الشام والانظمام الى جیش معاوية. يثيرون المشاكل والفتن والحروب (صفين و النهروان والجمل) خلال اربع سنوات وتسع اشهر التي حكمها الامام، ان فلسفة الامام هي ان المهاجرين والأنصار دخل والى الاسلام ليس على اساس العطاء وانما طلب ثواب الله سبحانه وهذا سيكون في الآخرة وليس في الدنيا، فالجميع عباد الله والمال مال الله يقسم بالتسوي ولا فضل لاحد على احد.

رفض الامام الكسب بالسلطة على حساب افراد المجتمع الأخرى، فافراد المجتمع جميعهم سواء.

وعندما طلب منه بعض اصحابه أن يميز في العطاء ويعطي الأموال إلى الذين يخشى منهم العداء، لكسب ولائهم ومودتهم، ومنعهم من الفرار الى معاوية، رفض الامام ان يطلب النصر بالظلم او ياخذ من المال او يقترب منه، مدى الدهر (ما سمر سمير). فقال علية السلام: (أَتَأْمرونِّي أَن أَطْلب النَّصر بِالْجور، فيمن ولِّيت عَليه، واللهِ لا أَطور به ما سمر سمير، وما أَم نَجم في السماء نَجمًا، لو كَان الْمالُ لي لَسويت بيَنهم، فكيف وإِنَّما الْمالُ مالُ اللهِ لهم.

ص: 151

ثم قال (عليه السلام): (أَلا وإِن إِعطَاء الْمالِ في غيرِ حقِّه تَبذير و إِسراف، وهو يرفَع صاحبه في الدْنيا ويضعه في الاخرة، ويكْرِمه في النَّاس ويهيُنه عنْد اللهِ، وَلم يضع امرؤٌ ماله في غير حق هو عنْد غيرِ أَهله إِلاَّ حرمه اللهُ شكرهم وكَانِ لِغيرِه ودهم)(23).

3 - العدالة في صرف الانفقات الاجتماعي: كانت سياسة الامام لا يفضل شریف على مشروف ولا عربي على اعجمي، فلما ظفر امير المؤمنين يوم الجمل دخل بیت المال بالبصرة، فلما رأى ما فيها من اموال قال غري غيري، فامر بتقسيمها بالعدل بين اصحابه خمسمائة خمسمائة، وكانت ستة الاف درهم والناس اثنی عشر الفا. واخذ الامام خمسمائة درهم کواد منهم، وثم اعطاء لشخص اخر طلب منه ذلك. وهنا يساوي خليفة المسلمين نفسه مع جندي من جنوده(24).

وقد جاءت سيدة قريشية الى المسجد الكوفة ماسکه بامرأة أعجمية تساوي مرتبها مع مرتب هذه السيدة، واخذت تصيح امن العدل یا بن ابي طالب تساوي بيني وبين هذه الأعجمية، فاخذ الامام قبضة من التراب، وجعل يقلبها بيدة ويقول: لم يكن بعض هذا التراب افضل من بعض(25).

ولمَّا نودي لقبض الحقوق، قال الإمام عليٌّ عليه السلام لعبيد الله بن أبي رافع کاتبه -: «إبدأ بالمهاجرين فناديهم، وأعطِ كلَّ رجلٍ ممَّن حضر ثلاثة دنانير، ثُمَّ ثنِّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن حضر من الناس كلُّهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك»! و تخلَّف يومذاك رجال منهم: طلحة، والزبير، وعبدالله بن عمر، وسعد بن العاص، ومروان بن الحكم، قد عزَّ عليهم أن يكونوا كغيرهم من الموالي والعبيد! هناك خطب الإمام عليٌّ عليه السلام مرَّةً أُخرى قال فيه: «هذا كتاب الله بين

ص: 152

أظهرنا، وعهد رسول الله وسيرته فينا، لا يجهل ذلك الا جاهل عانَدَ عن الحقِّ، منکر، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» ثُمَّ صاح بأعلى صوته ««أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ» و أتمنُّون على الله ورسوله بإسلامكم؟! (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(2).

ومن مواقف عدله عليه السلام: حرصه على تقسيم المال فور وروده إليه على الناس بالتساوي بعد أن يحتجز منه ما ينبغي أن يأخذ للمرافق العامة، ولم يكن يستبيح لنفسه أن يأخذ من هذا المال إلا مثلما يعطي غيره من الناس، كما أنه كان يعطي معارضيه من الخوارج من العطاء مثلما يعطي غيرهم، وهذا قبل سفكهم للدماء، واعتدائهم على الناس.

4 - منع الاحتكار والتلاعب في الاسواق: وهي من الوسائل التي تضر بالاقتصاد وذات مردود سلبي على الناس، هي الاحتكار ولم تبي الشرعية الاسلامية الاحتكار، اذ يقوم بعض التجار المستغليين بسلوك خاطئ بخزن الطعام ونحوه عن الناس ولا يبيعونه إلا بأثمان عالية، مما يؤدي الى ثرى طبقة على حساب بقية الطبقات، فقد جاء في عهد الامام علي لمالك الأشتر (رضي الله عنه) (واعَلم مع ذلِك أَن في كثير مْنهم ضيقًا فاحشًا، و شحًا قِبيحًا، واحتكاراً لِلْمَنافع، وتحکُّمًا في اْلبِياعات، وذلِك باب مضرة لِلْعامة، وعيب عَلى اْلولاة، فامَنع من الاحتكار، فإِن رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مَنع منْه)(26).

5 - مراقبة الأسعار: امر امير المؤمنين بمراقبة الأسعار والحد من التلاعب فيها و بمحاسبة المحتكرين فبعد عدم أخذهم النصيحة والجشع في رفع الأسعار على ان لا تتجاوز العقوبة حد العدل. وذلك قوله:) ولْيكن اْلبيع بيعًا سمحًا: بموازِين

ص: 153

عدل، وأَسعار لا تجحف بِالْفَريَقينِ من الْبائِع واْلمبَتاع، فمن قَارف (أي خالط) حكْرًة )الاحتکار) بعد نهيك إِياه فَنکِّلْ، وعاقب في غيرِ إِسراف)(27).

حرص أمير المؤمنين علي عليه السلام على تفقد أحوال المتعاملين في السوق وحملهم على التعامل بالشرع الحنيف، وقد ثبت أن عليًا عليه السلام كان شديد العناية بالاحتساب في مجال السوق، فعن الحر بن جرموز المرادي عن أبيه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب عليه السلام يخرج من القصر وعليه قطريتان، إزاره إلى نصف الساق، ورادؤه مشمر قريبًا منه، ومعه الدرة يمشي في الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان. وكان عليّ عليه السلام يدخل السوق وبيده الدرة، وعليه عباء ويقول: يا أيها التجار، خذوا الحق، وأعطوا الحق تَسلموا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيره. وقال عليه السلام: من اتجر قبل أن يتفقه في الدين فقد ارتطم في الربا، ثم ارتطم، ثم ارتطم(28).

6 - تنظيم إيرادات الدولة: تعتمد الدولة على فرض الضرائب الثابتة (الخمس والزكاة) تفقد أمر الخراج (الضرائب) مما يصلح أهله، لأنه مهم لحياة الناس. ومن كتاب له (عليه السلام) إلى عماله على الخراج (الضرائب): أما بعد، فإِن من لم يحذر ماهو صائر إِليه لم يقدم لِنفْسه ما يحرزها. واعلموا أن ما كلِّفُتم يسير، وأن ثوابه كثير، ولو لم يكن فيما نهى اللهُ عنْه من الْبغْي والْعدوان عقاب يخاف الكان في ثواب اجتنابه ما لا عذْر في ترك طلبِه. فأنْصُفوا النّاس من أنفُسكم، واصبِروا لحِوائِجِهِم، فإِنّكم خزان(يخزنون الأموال) الرعية، و وكلاء الامة، وسفَراء الاْئِمة.

7 - رفع الضرائب عن كواهل الطبقة الفقيرة الضعيفة، ممن لا تملك ضرورة ما تحتاج الية من زاد او کساء او ادادة عمل(29)، ومن ذلك ما جاء في كتابه (و لا

ص: 154

تحسموا أَحدًا عن حاجته، ولاَ تحِبسوه عن طلبته، و لا تِبيعن لِلنَّاس في اْلخراج كسوَة شَتاء ولا صيف، ولا دابة يعَتمُلون عَليها، ولا عبدًا، و لا تَضرِبن أحدًا سوطًا لمِكان درهم، ولا تَمسن مالَ أَحد من النَّاس، مصلٍّ ولا معاهد، إلاَّ أَنت جدوا فرسًا أو سلاَحًا يعدی به عَلى أَهلِ الإسلام، فَإِنَّه لا يْنبغي لِلْمسلِم أَن يدع ذلِك في أَيدي أَعداء الإسلام، فَي كون شوكةً عَليه).(30) يؤكد الامام على جامعين الضرائب (الخراج) عدم منع الناس من احتياجاتهم الأساسية وكسوتهم في فصول السنة أو الدابة التي يعتمد عليها في الزراعة وحمل الأثقال، ومنع ضرب الناس من اجل الأموال، كذلك منع اخذ أموال الناس بالغصب سواء كانوا مسلمين او ذمين اذ لا بد من احترام عهدة.

8 - العدل في فرض الضرائب: واوصى عليه السلام زیاد بن أبيه عندما ولاه على فارس، بالعدل وعدم زيادة الخراج ورفع الضرائب وحذره من الشدة في غير حق (اْلعسف) لانها تؤدي الى العداوة والكرة و الميل عن العدل إلى الظلم (واْلحيف) يؤدي إلى التمرد وحمل السلاح. اذ يوصي عليه السلام): اسَتعملِ اْلعدلَ، واحَذرِ اْلعسف واْلحيف، فَإِن اْلعسف يعود بالجلاء، واْلحيف يدعو إِلى السيف).(31) 9 - سك النقود: وهو ما يسمى بالاصدار النقدي الجديد ويعد من وسائل التمويل المهمة، والقوة المالية للدولة كونها تعطي صفة الاستقلالية للدولة، وقد قام الامام علي لاول مرة في تاريخ الاسلام بسك النقود وجعل للمسلمين نقودا خاصة بهم، فقد كان في زمن الرسول يتداولون الدنانير الذهبية و الدراهم الفضية التي كانت تاتي من الدولتين البيزنطية والساسانية، ولم يحدث تغيير على النقود في عهد أبي بكر، وعند استلام عمر بن الخطاب اضاف الى النقود الفضة الساسانية العبارات العربية منها (بسم الله)، ولم يحدث تغير في عثمان بن عفان(32)

ص: 155

10 - استصلاح الأراضي وتوفير العمل بتهيئة وسائلة: فقد ورد في نصائح الإمام في النهج: (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِماَرَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الَخَرَاجِ،لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِماَرَةِ، وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِماَرَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَ أَهْلَكَ الْعِبَادَ، ولم يستقم امره الا قليلا، وانما يؤتي خراب الأرض من اعواز اهلها) فقد كانت طبقة الفلاحين تحتل مكانة خاصة لدى الإمام ع لأنها تشكل الغالبية المطلقة من السكان. وقد فضل اعمارة الأرض على جباية الضرائب وفرض المكوس.

11 - تنمية مصادر الإنتاج: لقد ركز الامام على تطوير المصدر الاساسي للانتاج وهي الموارد الطبيعة بما تمتلكه من ارض ومياه و موارد اخرى، فمصادر الانتاج في الاقتصاد هي (الارض وراس المال والعمل والتنظيم)، ويعد الكثير من المفكرين ومنهم السيد محمد باقر الصدر، ان الطبيعة (الارض بما تملكه من غابات وارض زراعية ومعادن و مياة) هي المصدر الاول والاساسي لكل انتاج، وذلك لان التنظيم يدرج ضمن العمل، وان راس المال يمثل ثروة سبق انتاجها، والعمل هو عنصر معنوي وليس ثروة(33). ومن ثم تعد الأرض عنصر أساسي للإنتاج.

فقد ركز أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على مبدأ تنمية الإنتاج واستغلال الطبيعة إلى أقصى حد، مع التأكيد على العدالة في التوزيع، على ان تمارس الدولة تنفيذها ضمن تلك الحدود. وقد حدد الإمام علي (عليه السلام) أسس تطبيق مبدأ تنمية الإنتاج في ظل الدولة الإسلامية في كتابه الى واليه على مصر محمد بن أبي بكر، وأمره أن يقرأه على أهل مصر، والعمل بمحتواه والسير على تطبيقه. وقد كتب الإمام:

(یا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم أباح لهم الله الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال الله عز

ص: 156

وجل: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون سكنوا الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبان ما یشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسکنوا من أفضل ما يسكنون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق. (من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)(34) وضح الامام علي (عليه السلام) في هذا الكتاب التاريخي، نظرية المتقين في نشاط الانسان وحياته والعمل وللاستثمار في الأرض، ولذا أمر بتطبيق ما في الكتاب، ورسم سياسته في ضوء ما جاء فيه من وصايا وتعلیمات، وان تستغل الموارد المادية وتحقق نمو الإنتاج واستثمار الطبيعة إلى أقصى حد، وتنمية الثروة بوصفها هدفا من أهداف مجتمع المتقين، تنمية الثروة ليست هدفا إلا بمقدار ما تنعكس في حياة الناس ومعيشتهم. وأما حين تنمو الثروة بشكل منفصل عن حياة الناس، ويكون الجمهور في خدمة هذه التنمية لا التنمية في خدمة الجمهور، فسوف تكتسب الثروة نوعا من الصنمية.

12 - المالكية الخاصة: بالرغم من محاربته للطبقية الا انه لم يلغي الملكية الخاصة وان مصدر الملكية الخاصة هو العمل والنشاط واعطاء حرية في العمل، واستثمار الثروات الطبيعية مثل حفر الآبار واحياء الأرض، وان يكون مجال التملك متناسبا مع الجهد المبذول، وان لا يؤدي التملك الخاص الى أضرار عامة. ولم يترك الامام التصرف بالاموال الخاصة دون توجيه بل حدد اوجه الأنفاق، کون الملكية ملكية مقيدة ومن هذه الأوجه: يقول عليه السلام (فَمَنْ آتَاهُ اللهَّ مَالا

ص: 157

فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَلْيُحْسِنْ فِيهِ الضِّيَافَةَ، وَلْيَفُكَّ فِيهِ الْعَانِيَ وَالأَسِيرَ وليعط منه اَلْفُقَرَاءَ وَالْغارمَ، وَلْيَصْبِرْ نفسه عَلىَ الحقوق والنَّوائِبَ بتغاء الثواب، فَإِنَّ بِهَذِهِ الْخِصَالِ يَنَالُ كَرَمَ الدُّنْيَا وَشَرَفَ الآخِرَةِ(35). وعليه فان اوجه التصرف في المال هي(36):

أ - انفاق المال على العائلة: انفاق على الحاجات الأساسية الضرورية مثل الماكل والملبس والمسكن.

ب - انفاق المال على الاقارب والجيران لزيادة التراحم والمحبة بينهم.

ت - الانفاق المال على الضيافة واکرام الضيف.

ث - الانفاق المال من اجل فك الاسير والعاني، وعتق العبيد.

ج - انفاق المال على الفقير.

ح - انفاق المال على الغارم أي المدين الذي لا يستطيع أن يسدد ما عليه من ديون، وهنا أوجب الامام مساعدته حتى لا تهان كرامة الانسان.

خ - اعطاء حق الله في ماله من الخمس والزكاة وكفارات وغيرها.

13 - الملكية العامة: تعد الملكية العامة وخاصة ملكية الارض كونها المصدر الاساسي للثروة من اهم موارد الدولة، وهناك تطبيقاتها واضحة في تقرير مبدأ الملكية العامة لهذا النوع من الأرض، ففي عهد عمر بن الخطاب طولب بتقسيم الأرض المفتوحة بين المحاربين من الجيش الإسلامي، على أساس مبدأ الملكية الخاصة، فاستشار الصحابة، فأشار عليه علي عليه السلام بعدم التقسيم، وقال له معاذ بن جبل: (إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد، أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدا، وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم فقضى عمر بتطبيق

ص: 158

مبدأ الملكية العامة(37)، وقد أسلم دهقان في عهد حكم علي (عليه السلام)، فقام الإمام (عليه الصلاة والسلام: (أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا(38)، فالممتلكات العامة وخاصة الأرض تكون ملكا عاما للدولة، ولا يباح لأي فرد تملكها والاختصاص بها، وبالتالي يعد لكل مسلم حق في الأرض، بوصفه جزءا من الأمة، ولا يتلقى نصيب أقربائه بالوراثة، كما تنقطع صلة المستأجر بالأرض عند انتهاء مدة الإجارة، ولا يجوز له احتكار الأرض بعد ذلك، و يعد ولي الأمر هو المسؤول عن رعاية الأرض واستثارها، وفرض الخارج عليها عند تسليمها للمزارعين(39) 14 - الاهتمام بقطاع التجارة والصناعة: فمن النصوص التي تعكس هذا المفهوم، ما جاء في كتاب علي عليه السلام إلى واليه على مصر، مالك الأشتر، وهو يضع له برنامج العمل، ويحدد له مفاهيم الإسلام (ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا: المقيم منهم، والمضطرب بماله (المتردد به بين البلدان.) والمترفق) المكتسب) ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق (ما ينتفع به من الادوات والانية)، وجلابها من المباعد والمطارح (الأماكن البعيدة)، في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها (تلك المرافق من تلك الاماكن) ولا يجترون عليها، فإِنَّه مسلْم (أي أنهم مسالمون)، لا تُخَاف بائِقَتُه (الداهية)، وصلْح لا تخشى غائِلُته، وَتَفقَّد أُمورهم بحضرتك وفي حواشي بِلادك(40).

وواضح من هذا النص أن فئة التجار جعلت في صف واحد مع ذوي الصناعات، أي المنتجين، وأطلق عليهم جميعا أنهم مواد المنافع، فالتاجر يخلق منفعة كما يخلق

ص: 159

الصانع وعقب ذلك بشرح المنافع التي يخلقها التجار، والعمليات التي يمارسونها في جلب المال من المباعد والمطارح، ومن حيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها. فالتجارة في نظر الإسلام نوع من الإنتاج والعمل المثمر، ومكاسبها إنما هي في الأصل نتيجة لذلك.

15 - محاربة الفقر: ويمكن توضيح مفهوم الفقر(poverty) عند الإسلام بشكل عام فالفقير هو من لم يظفر بمستوى من المعيشة، يمكنه من إشباع حاجاته الضرورية وحاجاته الکمالية، بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة في البلاد أو المستوى المعيشي في المجتمع الإسلامي(41). ويعرف الفقر بحالة الحرمان المادي الذي تتجلى أهم مظاهرة في انخفاض مستوى الدخل والاحتياجات الأساسية من الغذاء وما يرتبط بها من تدني الحالة الصحية، والمستوى التعليمي ومستوى السكن الملائم(42) أن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، يشير الامام علي أن الفقر والحرمان ليس نابعا من الطبيعة نفسها، وإنما هو نتيجة سوء التوزيع والانحراف عن العلاقات الصالحة التي يجب أن تربط الأغنياء بالفقراء، فيقول علية السلام (فما جاع فقير ألا بما متع به غني) والله تعالى سائلهم عن ذلك، يعالج الفقر من خلال اعادة توزيع الضرائب الثابتة (الزكاة، والخمس) التي تؤدي إلى التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة. ولها آثار ايجابية كبيرة في القضاء على الفقر، فقد كانت صفة الالتزام هي سر نجاح الامام علي في هذا الجانب، وتوزيع اموال المسلمين عليهم، ففي خلافة امير المؤمنين: كان يوزع جميع اموال بیت المال على اصحابها، ثم يمتلئ هذا البيت مجددا ويصرفه في مجالاته ايضا، فلا يبقى محتاج في بلا المسلمين، فقد روي ان الامام علي (عليه السلام) عندما ينتهي من تقسيم ما في بيت المال بين المسلمين، یامر بكنسه،

ص: 160

وينضحة بالماء، ثم يصلي فيه ركعتين، ثم يقول: اشهدلي يوم القيامة)(43) وكانت نظرية الامام بتوزيع جميع الاموال على المحتاجين، بحيث لا يبقی در هما وحدا ولا دينارا واحدا في بيت المال، فقد حصلت الدولة الاسلامية على اموال كثيرة في عهد عمر بن الخطاب، فأشار الإمام علي فقال(قسم كل سنة ما اجتمع اليك من المال و لا تمسك منه شيئا)(44) وهذه قاعدة مالية تؤكد ضرورة توزيع اموال المسلمين عليهم ولا يبقى منها شي.

16 - عدم الاسراف والتبذير: بعد تسليم الامام الخلافة بدأ منهجه ضد الاسراف، ومن كتابه الى واليه في البصرة، يدعوه الى الاقتصاد في المال فيقول (فدع الاسراف مقتصدا، واذكر في اليوم غدا، وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل اليوم حاجتك)(45) 17 - تنظيم الخراج: يعني الخراج اجر الارض وما يسمى ريع الارض او ايجارها وهو مبلغ تتقاضاه الدولة ممن يستثمرون الأرض ويزرعونها ومن ثم يصرف في مصالح المسلمين كافة، فقد كانت اجراءات الامام عليه السلام في تنظيم الخراج بان يتم الحصول عليها مع مراعات والاهتمام بمشاكل المنتجين مثل الآفات الزراعية او قلة المياه او فساد البذور او غرق الأرض، فيامر الامام بان يكون الخراج متناسبا مع ظروف الانتاج، فيقلل عليهم الريع (الخراج) في اوقات الازمات حتى يحققوا أرباح واصلاح لانهم مصدر تعمير البلاد، مما يؤدي الى فرحهم وسعادتهم، لنظرتهم أن مالك الارض انصفهم وكان عادل معهم في تحمل جزء من الخسارة، مما يؤدي الى زيادة حافزهم للعمل وزيادة الانتاج، ويحدث العكس فعدم دعم المزارعين يؤدي إلى خسارتهم ومن ثم تركهم الارض و خرابها، فيقول عليه السلام: (فإِن شكوا ثقلاً أو علّة، أو اْنقطاع شرب أو بالّة، أو إِحالة

ص: 161

أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش خفّفْت عْنهم بما ترجو أن يصُلح به أمرهم، ولا يثْقلن عليك شيء خفّفْت به المْؤُونة عْنهم، فإِنّه ذُخْر یعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابِك حسن ثنائِهم، وتبجحك باستفاضة الْعدلِ فيهم، معتمدً افضل قوتهم، بما ذخرت عْندهم من إِجمامك لهم، والثِّقة مْنهم بما عودتهم من عدلِك عليهم في رفْقك بهم، فربما حدث من الاُمور ما إِذا عولْت فيه عليهم من بعد احتمُلوه طيبةً أنْفُسهم به، فإِن اْلعمران محتمل ما حمْلته، وإِنّما يؤْتی خراب الارضِ من إِعواز أهلها، إِنّما يعوِز أهُلها لاشْراف أنْفسِ الْولاة على الْجمع، وسوء ظنِّهم باْلبقاء، وقلّة انْتفاعهم بِالْعبر)(46) يمكن ان نستفيد من هذه النظرية في الوقت الحالي بان نراعي الجانب النفسي والانساني للمنتجين، وعدم التركيز على الجانب المادي، كما يمكن ان تكون ایرادات الدولة حافر لزيادة الانتاج والانتعاش الاقتصادي او فشل المشاريع وغلقها من خلال خسارة المنتجين، فضلا عن جانب المرونة في فرض الضرائب او الريع بما يتناسب مع ظروف الانتاج واهداف الدولة الاقتصادية، فحالة التسامح والرفق بالناس حالة جيدة تنعكس بشكل ايجابي على المنتجين، على العكس من حالة الشدة والضرب والتهديد والتخويف التي تؤدي الى الاساءة الى كرامة الانسان.

نستنتج مما تقدم ان الامام وضع نظام اقتصادي قائم على الشريعة الاسلامية فلا اقطاع من الاموال الشعب لفئة معينة، ولا تلاعب بالاسواق عن طريق الاحتکار والاستغلال والغش........

ص: 162

ثالثاً - الإصلاح الاجتماعي:

حدد الامام علي علية السلام الأسس التي يقوم عليه المجتمع في دولته وفقا لما كان في زمن الرسول وهو المجتمع الإسلامي المبني على القران وسنة الرسول، ومن ابرز الأسس التي يقوم عليها هذا المجتمع هي:

1 - تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية: وهي من المبدأ الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، بمعنى المساواة بين أفراد المجتمع وعدم التفريق بينهم بسبب الجنس واللغة او اللون او الثروة(47)، قال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقکم من نفس واحدة...(48) وهذا تجلى في أولى خطواته (عليه السلام) بإلغاء القيم العشائرية والقضاء على النزعة القبلية السائدة في المجتمع، والعودة إلى قيم الإسلام الأصيلة القائمة على أساس المساواة العامة الشاملة، فلا تفاضل بين قوم وقوم وجنس وجنس، ولا شأن أبداً للعرق أو اللون أو العمر أو أي امتیاز آخر من الامتيازات العرقية التي كان يتميز بها الناس، ولا تصنيف للطبقات والفئات الاجتماعية، ولا تنابز بالألقاب، ولا تفاخر بالزينة والأموال والأولاد.

2 - الضمان او التكافل الاجتماعي: ويعني ان الاسلام يكفل لكل فرد في المجتمع سد حاجاته الاساسية، اذ لا يجوز ان يبقى محتاج في المجتمع عندئذ يتحقق مبدأ التوازن الاجتماعي والقضاء على الطبقية في المجتمع، ورعاية الطبقة السفلى من المجتمع، وتضم المساكين والمحتاجين وشديدو الفقر، وذوي العاهات أو الأمراض التي تمنعهم من الكسب، ويوصي الإمام (عليه السلام) بهذه الطبقة، ففيهم السائل، والمتعرض للعطاء بلا سؤال.

ص: 163

وهناك الكثير من النصوص التشريعية التي تدل على المسؤولية المباشرة للدولة في الضمان الاجتماعي، وقد اكد الإمام علي على هذه المسؤولية، وعلى ان الضمان هنا ضمان إعالة، أي ضمان مستوى الكفاية من المعيشة، وجاء في كتابه إلى واليه على مصر: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس (شدة الفقر) والزمني (أرباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب) فإن في هذه الطبقة قانعا (السائل) ومعترا (المتعرض للعطاء بلا سؤال): واحتفظ لله ما استحفظك) طلب منك حفظه) من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات (ثمرات) صوافي (أرض الغنيمة.) الإسلام في كل بلد. فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعیت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر (طغيان بالنعمة)، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم. وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمه العيون (تكره أن تنظر اليه احتقارًا وازدرا (و تحقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك) (أي اجعل للبحث عنهم أشخاصا يتفرغون لمعرفة أحوالهم يكونون ممن تثق بهم من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه. فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم. وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه اليه. وتعهد أهل اليتم، وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه (49)) فهذه النصوص تقرر بكل وضوح مبدأ الضمان الاجتماعي، وتشرح المسؤولية المباشرة للدولة في إعالة الفرد وتوفير حد الكفاية له. هذا هو مبدأ الضمان الاجتماعي، الذي تعد الدولة مسؤولة بصورة مباشرة عن تطبيقه، وممارسته في المجتمع الإسلامي. فمن مسوؤلية الدولة أن تهئ له فرصة العمل في حدود صلاحيتها. ومن لم تتح له

ص: 164

فرصة العمل، أو كان عاجزا عنه.. فعلى الدولة أن تضمن حقه في الاستفادة من ثروات الطبيعة، بتوفير مستوى الكفاية من العيش الكريم.(50) 3 - احترام شخصية الانسان وتكريم الرعية ورحمتهم، فشخصية الانسان محترمة وكرامته مضمونه في المجتمع الاسلامي، اذ جاءت في الآية الكريمة «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، اذ يوصي الامام مالك الاشتر (وأَشعر قلْبك الرحمة لِلرعية، والْمحبة لهم، واللُّطف بهم، ولا تَكُونَن عَليهم سبعًا ضارِیًا تغْتنم أَكَلهم، فإِنَّهم صنْفَان: إِما أَخلك في الدين، وإما نَظير لك في اْلخْلق، يفْرطُ منْهم الزلَلُ، وتعرِض لَهم اْلعَللُ، يؤْتى على أَيدي هم في اَلعمد والخطأ، فأَعطهِم من عفْوك وصفْحك مثْلَ الَّذي تحب أَن يعطيك اللهُ من عفْوه وصْفحه، فإِنَّك فوَقهم، ووالِي الامرِ عَليك فوَقك، واللهُ فوق من ولاَّك! وَقد استَکْفَاك أَمرهم، وابَتلاك بهم.(52).

4 - عدم التكبر والعلو على الناس: اذ يوصي مالك الاشتر (إِياك و مساماَة اللهِ في عظمته، والتَّشَبه به في جبروته، فَإِن اللهَ يذلُّ كلَّ جبار، ويهين كلَّ مختال).(54) 5 - عدم الظلم، اذ يقول عليه السلام (ومن ظَلم عباد اللهِ كَان اللهُ خَصمه دون عباده) وليس شيء أدعى إِلى تغيير نعمة اللهِ وتعجيلِ نقْمته من إِقامة على ظْلم، فإِن الله سميع دعوة اْلمظُلومين، وهو لِلظّالِمين بالْمرصاد.

6 - العدالة في التعامل مع الناس: اذ يقول عليه السلام وْليكن أحب الاُمور إِليك أوسطها في اْلحقِّ، وأعمها في اْلعدلِ، وأجمعها لِرضى الرعية، فإن سخْط الْعامة يجحفُ برضى اْلخاصة، وإِن سخْط الْخاصة يغْتفر مع رضى الْعامة. وليس أحد من الرعية، أثقل على اْلوالي مؤُونة في الرخاء، وأقل معونةً له في اْلبلاء، وأکْره

ص: 165

لِلاْنْصاف، وأسأل بالإلحاف (الشدة في السؤال)، وأقلّ شكْرًا عنْد اِلاعطاء، وأبطأ عذْرًا عنْد اْلْمنع، وأَضعف صبرًا عنْد ملمات الدهر من أَهلِ اْلخاصة، وإنَّما عمود الدين، و جماع الْمسلمين، والعدُةِ لِلاعداء، الْعامة من الأمة، فْليكن صغْوك (الميل) لهم، ومیُلك معهم(54).

7 - التعامل مع غير المسلمين في دولة الاسلام: لم يقلل الامام من شان القليات والذمي (الكافر الذي يدفع الجزية ويدخل في ذمة الاسلام) في دولته بل امر في كتابه الى مالك الاشتر (و لا تَمسن مالَ أَحد من النَّاس، مصلٍّ ولا معاهد) وقد ساوی علية السلام بين المصلي والذمي الذي عائد بمعاهدة مع الدولة والتي اوجب الأمام بالوفاء بعهده(55).

8 - ستر عيوب الناس: (وْليكن أَبعد رعيتك مْنك، وأشْنأَهم عْندك، أَطْلَبهم لمِعائِب النَّاس، فإن في النَّاس عیوبًا، اْلوالِي أَحقّ من سَترها، فلا تكْشَفن عما غَاب عنْك منْها، فإنَّما عَليك تَطْهِير ما ظهر لك، واللهُ يحكُم عَلى ما غَاب عْنك، فَاسُتر الْعورَة ما اسَتطعت يسُتر اللهُ منك ما تحب ستْره من رعیتك).(56) 9 - نهی عن الأحقاد وحل جميع عقدها فلا يناسب المسول العمل بالحقد، او بالعداوة أو سماع النمام والمنافق، اذ يقول (عليه السلام) أَطلق عن النَّاس عقْدَة كلِّ حْقد، واْقطع عنْك سبب كلّ وْتر (العداوة)، و تَغَاب (التغافل) عنك لمَّا لا يضح (الماضي) لك، ولا تعجَلن إِلى تَصدیق ساع، فَإِن الساعي (هو النمام بمعائب الناس) غاش، وإِن تشبه بالنَّاصحين.(57)

ص: 166

الإصلاحات السياسية

1 - نقل العاصمة: قام الامام بنقل عاصمة الدولة الاسلامية من الجزيرة العربية إلى الكوفة، وهي حالة من التجديد في حياة الأمة، وفي امكان القيادة: فتغير عاصمة أي دولة يعد من الأمور الثابتة وهذا ما يعكس شجاعة في التغير، ونقل العاصمة الى المكان الافضل من ناية الموارد والأنصار، فقد وصفها بانه ما قصدها جبار بسوء الا انتقم منه بشر انتقام، ومن كلام له (عليه السلام) في ذكر الكوفة: (كأَنَّي بك یا کُوفَة تمدين من الاْديِم) الجلد المدبوغ (، اْلعكاظي (نسبة إلى سوق عكاظ (، تعرکين بِالنَّوازلِ (الشدائد)، وُتركِبين بالزلازلِ، وإِنَّي لاعَلم أَنَّه ما أَراد بك جبار سوءًا إِلاَّ ابَتلاه اللهُ بشاغل، ورماه بَقاتل)(58) 2 - محاربة استغلال النفوذ: من المفيد التعرف معنى استغلال النفوذ، التي تتكون من كلمتين هما: الاستغلال (exploitation) وتعني اخذ غلة الشي او فائدته، والنفوذ (influence) أي نفذ واخترق او المطاع او السلطة، وعليه يكون معني استغلال النفوذ (of influence exploitation) اخذ فائدة السلطة (59) ومن الأمثلة لاستغلال المنصب الرشوة و استغلال الوظيفة العامة وتعيين الأقارب. وقد ذم الإمام (عليه السلام) من يتصدى الى المنصب و الحكم وليس بأهل لذلك المنصب وقد وصفه ببعض الخصال، اذ يقول إِن أَبغض الخَلائِق إلى اللهِ تعالى رجلان وقسمهم الى قسمين هما:

1 - (رجلٌ و کَله اللهُ إِلى نفْسه، فهو جائر عن قصد السِبيلِ، مشْغُوف بِكلام بدعة، ودعاء ضلاَلة، فهو فتْنَة لمنِ افْتَتن به، ضالٌّ عن هدي من كَان قبله، مضلُّ لمِن اْقَتدى به في حياته وبعد وَفاته، حمالٌ خطايا غيره، رهن بخَطيئَته)(60) ص: 167

هذا النموذج من اصحاب المناصب الذي وصفه الامام بانه رجل قد ترکه الله ونفسه فهو منحرف عن الحق، يحب المدح وكلام البدعة حتى بلغ حبه شغاف قلبه، و کلام البِدعة: ما اخترعته الاهواء ولم يعتمد على ركن من الحق ركين، فهذا الشخص فتنة في حياته وبعد وَفاته، ويحمل خطاياه و خطایا غيره لا مخرج له منها.

2 - (ورجلٌ قمش جهلا، موضع في جهالِ الأمة، غادر في أَغْباش الفْتَنة، عم بما فيعقْد الهدَنة، قد سماه أَشْباه النَّاس عالمًا وَليس به، بکَّر فَاسَتكْثر من جمع، ما قَلَّ منْه خَير مما كُثر، حتَّى إِذا ارَتوى من ماء آجن، وأكَثر من غيرِ طائِل، جَلس بين النَّاس قاضياً ضامنًا لِتَخْليص ما الَتبس على غيره)(11) اما النموذج الثاني الذي وصفة الإمام فهو يتمسك بالمناصب والسلطة ومتجاهل حكم الله مغرور، ويتصف هذا النموذج بأنه مسارع بالغش والتغرير بجهال الأمة، ولا يتوانى عن الغدر في أي مناسبة وقد وصفه الإمام في) أَغْباش) وهو بقایا ظلمته، حتى لو عقد الاتفاق على الصلح والمسالمة بين الناس، والمشكلة أن هذا الشخص غیر منبوذ في المجتمع لان الشخص الذي يغش ويخدع ويغدر لا يحترمه الناس ويحتقره، إلا ان هذا الشخص على العكس يصفه الجهال من الناس أطلق عليه الإمام (أَشْباه النَّاس) عالما، فهو يتصف بأحسن الصفات وهي العلم، فبعد أن يخادع الناس ويغشهم ويكون عنصر الفساد في الدولة وكأنه يرتوي من الماء الفاسد المتغير اللون والطعم، يجلس بين النَّاس قاضياً ضامنًا يبين ما الَتبس عَلى غيره. واستغلال النفوذ يلحق ضررا بالمصلحة العامة ويخل بمصالح الأفراد في الحصول على الخدمات العامة.

ص: 168

3 - تقسيم الدولة المجتمع إلى طبقات، وهو ما يمثل في الحكومات المعاصرة وزارات أساسية هي:

أ - وزارة الدفاع والداخلية وما يرتبط بهما، ومسؤولتها الدفاع عن مصالح الأمة والوطن الاسلامية والاقتصادية والسياسية، وهي مسؤولية اجتماعية عامة يسال عنها الجميع وهم مكلفون بها تكليفا كفائيا، لذا فرض الله سبحانة فريضة الجهاد وتتحمل الدولة بشكل اساسي هذه المسوؤلية وعلى أفراد الأمة أن يؤازر وها على القيام بهذا الواجب(62) ب - وزارة العدل: وحول القضاء، يذكر (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحکه الخصوم ولا يتادي في الزلة ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه). وهنا يذكر السمات التي ينبغي لأن يتصف بها الحاكم أو القاضي. فيذكر صفة من بين تلك السمات: أن يتسم الحكم (وكذلك القاضي بالأفضلية، وألا تضيق به الأمور، ولا تمحکه الخصوم، ولا يتمادی بالزلة، ولا تشرف نفسه على طمع، الخ.. سیاسته (عليه السلام) في مجال القضاء ومواصفات القضاة(63) حدد(عليه السلام) صفات القاضي بما يلي:

1 - أن يكون ممن لا تضيق به الأمور، ولا تغضبه الخصوم.

2 - أن لا يتادي في الزلّة.

3 - أن لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق إذا أخطأ.

4 - أن لا تشرف نفسه على طمع.

5 - أن يكون عميق النظر، لا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه.

6- أن يكون حازماً عند اتضاح الحكم.

7 - أن يكون طويل الأناة، لا يضيق بمراجعة الخصم، وصبوراً حتى تتكشف الأمور له.

ص: 169

8 - أن لا يستخفّه زيادة الثناء عليه، ولا يستميله إغراء.

ت - وزارة المالية ث - وزارة الصناعة ج - وزارة التجارة والزراعة ح - الشؤون الاجتماعية وهي تهدف إلى استصلاح شؤون المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، (واعلم أنّ الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنی ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامّة والخاصّة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمّال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمّة ومسلمة الناس، ومنها التجّار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله له سهمه، ووضع على حدّه فريضة في كتابه أو سنّة نبيه (صلى الله عليه و آله) عهداً منه عندنا محفوظاً.

فالجنود، بإذن الله ، حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم، ثم لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدّوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم.

ثمّ لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب، لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.

ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم. ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله

ص: 170

لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلاّ بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل)(64)

بناء الجيش:

يعد بناء الجيش والقوات المسّلحة من الأمور الأساسية للحفاظ على الكيان السياسي للدولة والمجتمع بصورةٍ عامةٍ، وقد ركز الإمام علي (عليه السلام (في إصلاحاته على هذا الجانب وانعكاسه وترابطه المهم مع الجانب الاقتصادي. ويمكن توضيح إصلاحات الإمام علي (عليه السلام) في الجانب العسكري بما يأتي:

1 - حدد المهمة الأساسية للجيش في نظر الإمام في:

أ - الدفاع عن الدولة من خطر الأعداء، فالأُمة تتسّتّر بالجيش في المواقع الخطيرة التي يتعرض فيها الوطن إلى الغزو أو الاعتداء أو السلب والنهب، أو حفظ الأمن العام، وقد وصفة الأمام بالدرع الحصين. فوظيفة الجيش بحسب فکر امير المؤمنين (عليه السلام):) فَالجنُود بِإِذنِ الله حصون الرعِيةِ وزين الولاة وعِز الدينِ وسبلُ الأَمنِ، وَليس تَقُوم الرعِيةُ إِلاَّ بِهِم).

ب - يعد الجيش (زين الولاةِ) أي إن الجيش للوالي أو الحاكم زين وما يزدان به بحيث يشعر الوالي بالمهابة والافتخار وعلو الهامة، فالرؤساء الآن يستعرضون قواتهم دائماً في الساحات العامة وأمام الجماهير، ويبرزون ذلك إعلامياً ليفتخروا وتزداد قوتهم وصلابتهم من خلال الدفع المعنوي الذي يحصلون عليه.

ت - الجيش هو (عِز الدينِ): فما من دولة تقوم وتقوى إلا بقوة جيشها، فقد قامت الدولة الإسلامية في عهد رسول الله (صَلى الله عليه وآله وسّلم) و قویت شوكتها

ص: 171

بذلك النفر المجاهد من أهل بدر، ولولا تلك القوة البسيطة العدد القوية بالإيمان لَما استقام الأمر، فبالجيش يدافع عن مبادئ الدين(65).

ث - ويحدد الإمام وضيفة اخرى للجيش بأنه )سبلُ الأَمنِ (الجيش هو القوة الصائنة التي يكون فيها حِفظ الأمن والنظام في البلد، و تكون حياة الناس ومصائرهم محفوظة من الأخطار والأهوال والاستغلال، والمجتمع لا يقوم إلا بهؤلاء المدافعين عن كيان الأُمة (وَليس تَقُوم الرعِيةُ إِلاَّ بِهِم).

2 - أُسلوب تعبئة القوات: ضرورة القيام بالتعبئة العسكرية للجيش في أيام الحرب، يؤكد أن يتقدم لابسين الدروع، وان يتاخر من لا درع له، ويعض الاضراس و اْن عطفوا وأميلوا جانبكم لِتزَلق الرماح ولا تنفذ فيكم أسّنتها. حيث يقول (عليه السلام): (فَقدموا الدارع وأَخِّروا الحاسِر وعضوا على الأَضراسِ؛ فَإِنَّه أَنبي لِلسيوفِ عنِ الهامِ، والَتووا فِي أَطرافِ الرماحِ؛ فَإِنَّه أَمور لِلأَسِنَّةِ، و غُضوا الأَبصار؛ فَإِنَّه أربطُ لِلجأشِ وأَسكن لِلقُلُوبِ، وأَمِيتُوا الأَصوات؛ فَإِنَّه أَطرد لِلَفشلِ، ورایَتکُم فَلا تُمِيلُوها ولا تُخِلُّوها ولا تَجعلُوها إِلاَّ بِأَيدِي شُجعانِکُم).(66) 3 - التجهيز: يأمر الإمام علي بإكمال آلات الحرب والدفاع (اللامة) وتحريك السيوف، والنظرة بغضب للأعداء، والطعن في الجوانب يميناً وشمالاً) الشَّزر)، وفي اطراف السيف) بِالظُّبی (واجعلوا سيوفكم متصلةً بخُطأ أعدائكم (السيوف بِالخُطا)، ويشجعهم على الكر في القتال وعدم الفر، لانها عار ليس على الشخص فقط وانما حتى على أولاده، اذ يقول علية السلام (عليه السلام) : (كمِلُوا اللامة، وَقلقِلُوا السيوف فِي أَغمادِها قَبلَ سلِّها، والحظُوا الخَزر، واطعنُوا الشَّزر، وَنافِحوا بِالظُّبى، وصِلُوا السيوف بِالخُطا، واعَلموا أَنَّکُم بِعينِ الله ومع ابنِ عم رسولِ الله، فَعاوِدوا الكر، واسَتحيوا مِن الَفر، فَإِنَّه عار فِي الأَعَقابِ)(67)

ص: 172

4 - تمويل الجيش: يؤكد الإمام على الميزانية العامة للجيش، وتخصيص المبالغ الكافية لكي يكون الجيش جاهزاً و كاملاً ومسّلحاً تسليحاً قوياً، وبدون المال لا يكون هناك جيشٌ قوي ولا سلطة رصينة تحفظ المجتمع وتصونه وتُجاهد عدوه و تُصلح به ما فسد من أمرِ الأُمة، (ثُم لا قِوام لِلجنُودِ إِلاَّ بِما يخرِج اللهَّ لَهم مِن الخراجِ الَّذِي يقوون بِهِ عَلى جِهادِ عدوهِم، ويعَتمِدون عَليهِ فِيما يصلِحهم.( ضرورة توفير المال للجنود لصرفه عليهم وعلى أهليهم الذين خّلفوهم في مساكنهم من أولادٍ ونساء، والذين لا يوجد أحد لديهم يعيلهم أو يمدهم بالمال والغذاء، وهذه مسألةٌ لها آثار اجتماعيةٌ ونفسيةٌ عظيمةٌ وضحها الإمام عليه السلام حيث قال: (حتَّى يکُون همهم هماً واحِداً فِي جِهادِ العدو)، فالجندي إذا ما ضمِن المعيشة أو الاستقرار المادي والأمني لأهله من بعده، وعدم وقوعهم في حالة العوز والفاقة، فإِنه لا يلتفت إلى وراءه، وتكون جهته هي جبهته، و همه هو قتال عدوه، وهو معتقد حّتى وإن استشهد فإّنه مطمئن البال، فلا يمكن أن يكون الجندي في ساحة المعركة فكره مشغولٌ بأمورِ عائلته، وقد يترافق مع تلك الأموال سوء معاملة القائد العسكري لجنده، حيث يترك ذلك الآثار السلبية الذي ينتج عنه الفرار وانکسار الجيش وهزيمته أمام العدو(68).

5 - اختيار القائد العسكري: ضرورة وضع المثُلُ العليا في القيادةُ العسكرِية، ويجب أن يتصف من يوّلي أمر الجيش بصفات من أهمها: الشجاع، والأخلاقية العالية، والإيمان العالي بالله، و تكون صورته وأعماله الحافز الأول والرئيسي لإقدام الجندي وبروز شجاعته وتضحيته في سوح القتال، وقد وصفها الإمام علي (عليه السلام) تلك الخصال الطيبة في كلامه: (فَولِّ من جنُودِك أَنصحهم فِي نَفسِك الله ولِرسولِهِ ولإِمامِك وأَنَقاهم جيباً و أَفضَلهم حِلماً، ممِن يبطِئُ عنِ الغضبِ

ص: 173

ويسَترِيح إلى العذرِ ويرأَفُ بِالضعَفاءِ وينبو عَلى الأَقوِياءِ)(69) شعورٍ بالمسؤولية تفرض أن يكون قائد الجيش حاملاً للخصال الحميدة، من الشجاعة المتناهية والصلابة اتجاه الأعداء واللين والرأفة مع جنده في الأوقات التي تحتاج إلى ذلك، و والأنقاء قلباً. فبعد أن يعطي المعالم الشخصية الأخلاقية للقائد يستمر في كلامه، فيطلب أن يكون قادة الجند من المعروفين بأنسابهم الطيبة و أحسابهم المعروفة وكان يقال: (عليكم بذوي الأحساب، فإنهم لم يتكرموا استحيوا(70) 6 - التأكيد على الجانب النفسي للجنود: وضح الإمام علي (عليه السلام (أهمية الجانب النفسي في التعامل مع الجند، و أعطى الجوانب الايجابية للمعاملة الحسنة والآثار السلبية للمواقف السيئة، وأكّد أن عطف القائد ورعايته للجند يبعث الراحة والطمأنينة لديهم، وبالتالي يعود ذلك عليه خيراً حيث يقدم الجند أنفسهم وأرواحهم على أكّفهم، حيث يقول (عليه السلام): (فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك)، وبالتالي فإن الجند سوف يبادلون القائد نفس الحب والحنان والمودة. كذلك حسن الثناء ورفع معنويات الجند، وقد لما لها من أثر فاعلٌ في وضع و نفسية الجند وقادتهم (وواصِل فِي حسنِ الثَّناءِ عَليهِم، وَتعدِیدِ ما أَبَلی ذَوو البلاءِ مِنهم، فَإِن كَثرة الذِّكرِ لحِسنِ أَفعالهِم تَهز الشُّجاع و تُحرض النَّاكِلَ إِن شَاء اللهَّ، ثُم اعرِف لِكُلِّ امرِئٍ مِنهم ما أَبَلی، ولا تَضمن بلاء امرِئٍ إلى غَيرِهِ، ولا تُقصرن بِهِ دون غَايةِ بلائِهِ، ولا يدعونَّك شَرفُ امرِئٍ إلى أَن تُعظِم مِن بلائِهِ ما کَان صغِيراً، ولا ضعةُ امرِئٍ إلى أَن تَستَصغِر مِن بلائِهِ ما کَان عظِیماً)(71) فعد المفاخر والمآثر لمن هم أبلوا بلاء حسناً، وحسن الثناء عليهم وإبراز بطولاتهم، تعداد ذلك يهز الشجاع منهم ويزيده بسالةً وبطولة وإقداماً وجرأةً، وتحرك المتأخر القاعد من الناس (النَّاکِلَ) ويشير الإمام الى أي أذكر كلّ من أبلى منهم مفرداً غير

ص: 174

مضموم ذکر بلائه إلى غيره، كي لا يكون مغموراً في جنب ذكر غيره، ثُم قال له: لا تعظم بلاء ذوي الشرف لأجل شرفهم، ولا تُحّقر بلاء ذَوي الضعة لضعة أنسابهم، بل اذكر الأُمور على حقائقها، وهذا الجانب له اثر نفسي كبير على الجنود.

ان للقوة العسكرية تاثير مباشر على الجانب الاقتصادي لانه يمنع الاعتداء الخارجي على الدولة وكذلك يفرض القانون وهيبة الدولة من المخربين والمجرمين في الداخل، ويحقق الاستقرار والأمن ومن ثم يزيد النشاط الاقتصادي.

ص: 175

التوصيات

يمكن الافادة من اصلاحات الامام في اصلاح الاقتصاد العراقي، 1 - في الجانب الإداري: تنجح الحكومة في خططها باختيار الافضل بين الناس لتحقيق العدالة ممن لا يحمل الياس في روحة ويملك المرونة في مواجهة الصعوبات ولا يصر على الخطأ و لا يتردد في احقاق الحق أن ظهر له و لا يتصف بالجشع و الا يبني قراراته على معلومات بسيطة بدل الوصول الى الحقائق وفهم الأوضاع حوله والذي يكون صبورا وصامدا في مواضع الشك والشبهة ويصمد امام اغراءات الدنيا.

2 - الوضع الاقتصادي: تحسين الوضع المعاشي للناس، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، والقضاء على التفاوت في توزيع الدخل، تحقيق العدالة لجميع الناس، ودعم الفقراء وتحقيق الإصلاحات الداخلية. والنهي عن الإسراف في صرف الموارد، و يجب ان يهتم بصياغة القوانين والنظم الضريبية بحيث يجعلها تخدم عملية الاستثمار والانتاج و القيام باصلاح السياسة المالية من خلال العدالة في فرض الضرائب وكيفيه توزيعها. ويلاحظ أن نقص الحريات مقترن مباشرة بالفقر الاقتصادي الذي يسلب الناس حقهم في الحرية والحصول على حاجاتهم الأساسية، وفي أحيان أخرى يكون افتقاد الحريات مقترنا بضعف المرافق العامة والرعاية الاجتماعية، مثل برامج مكافحة الأوبئة، أو الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليمية.

3 - الوضع السياسي: ضرورة الإفصاح عن قول الحق وعدم السكوت عن الباطل:

لا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ،كَماَ أَنَّهُ لا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ، ضرورة المشورة

ص: 176

بين الحاكم والمحكوم، مع العدل في منظوره الإسلامي و ترسيخ عقيدة الدولة الإسلامية: تعد من أهم مراكز القوة في الدولة، وتبني على أساس الإيمان بالله.

4 - فرض الأمن ويتم من خلال تقوية الجيش، والعدة للأعداء العامة من الأمة.

5 - التأكيد على التنمية البشرية، الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتنمية وينبغي أن يكون المستفيد منه. ويتم من خلال العدل بين الناس جميعاً، والتحذير من سفك الدماء بغير حق، النهي عن المن على الرعية بالإحسان و النهي عن الإخلاف في الوعد، والحلم وتأخير السطوة حتى سكون الغضب ليمتلك الحاكم عندها الاختيار، و أَمرُ الحرس والشرطة والأعوان بعدم التعرّض لذوي الحاجات، حتى يعرض واحدهم حاجته للحاکم، دون تردد. و ألا يطيل احتجابه عن رعيته. و تنحية الضيق والاستكبار عن الرعية. و إجابة من يستعملهم (السلطة التنفيذية بعدها) عما يعجز عنه الإداريون وتعقيداتهم. و منع خاصته (عليه السلام) من التدخّل في شؤون الحكم. و إلزام الحق من لزمه، قريباً كان أو بعيداً. و إظهار العذر للرعية، حال ظنها وقوع الظلم عليها من قبل الحاكم.

ص: 177

الهوامش

(1) عاش الامام علي 61 سنة (كانت ولادته في بمكة رجب سنة 23 قبل الهجرة ووفاته في الكوفة 21 رمضان سنة 40 للهجرة، المصادف ((600 - 661 بعد الميلاد.)) مزيد من للاطلاع ارجع الى د.فارس عبد الحسين، الامام على بين عبوديته لله وامامتة للمخلوق، العتبة العلوية المقدسة، قسم الشوؤن الفكرية والثقافية ، النجف الاشرف، 2012، ص 8 - ص 14.

(2) Ferdinand Bakoup، Promoting Economic Reforms in Devel- oping Countries Rethinking Budgetary Aid? Working Paper Series (WPS)، African Development Bank، No 167 - January 2013« p.9 http://www.afdb.org/fileadmin/uploads/afdb/Doc uments/Publications/Working%20Paper%20167%20- %20 .%20Promoting%20Economic%%20Aid.pdf (3) (علي الشمري، دولة الإمام علي (عليه السلام)، مجلة النبا، العدد 34، http://annabaa.org/nba34/emamali.htm (4) ص63 (5) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية وإسلامية، فبراير 15، 2014، http://isp-iraq.com/%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8 %A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9% (6) نهج البلاغة، الشريف الرضي، تحقيق: الشيخ فارس الحسون، 1419 ه، ص 576 (7) نعيم قاسم، حقوق الناس رسالة الحقوق للامام زین العابدین، دار الهادي، الطبعة الأولی، بیروت، 2004، ص 55 - 56.

ص: 178

(8) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية وإسلامية، فبراير 15، 2014، (9) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية وإسلامية، فبراير 15، 2014، (10) نهج البلاغة ص 498 (11) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية واسلامية فبراير 15، 2014، (12) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية واسلامية، فبراير 15، 2014، (13) نهج البلاغة ص 573 (14) نهج البلاغة ص 574 (15) نهج البلاغة ص 574 (16) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية و اسلامية، فبراير 15، 2014، (17) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية واسلامية فبراير 15، 2014، (18) د. فخري مشکور، منهج الإمام علي في مكافحة الفساد، شؤون عربية واسلامية، فبراير 15، 2014، (19) نهج البلاغة ص 576 (20) محمد تقي الحكيم، الاسلام وحرية التملك والمفارقات الناشئة عن هذه الحرية، الطبعة الأولى، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، بيروت، 2001، ص 78 - 79

ص: 179

(21) د. رضا صاحب ابو حمد، السياسة المالية في عهد الإمام علي علية السلام، مرکز الأمير لإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى، 2006، ص 38 - 39.

(22) کیت ناش، السوسيولوجيا السياسية العولمة والسياسة والسلطة، ترجمة حیدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بیروت، 2013، ص 13 - 14.

(23) نهج البلاغة ص 241 (24) رضا صاحب، مصدر سابق، ص 42 (25) رضا صاحب، مصدر سابق، ص 42 (26) نهج البلاغة ص 585 (27) نهج البلاغة ص 585 (28) د. ناصر بن محمد الأحمد، علي بن أبي طالب، ص 6.

(29) محمد تقي الحكيم، مصدر سابق، ص 89 (30) نهج البلاغة، ص 565 - 566 (31) نهج البلاغة ص 733 (32) د. رضا صاحب ابو احمد، مصدر سابق، ص 12 - 13.

(33) محمد باقر الصدر، الاسلام يقود الحياة، سلسلة كتب دورية تصدر عن مجمع الثقلين العلمي، الطبعة الثانية، 2003، ص 105 - 106.

(34) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، تحقیق، الطبعة الثانية، مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان، 1425 ص 616 (35) رضا صاحب، مصدر سابق، ص 45 (36) رضا صاحب مصدر سابق، ص 46 (37) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مصدر سابق، ص 422

ص: 180

(38) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مصدر سابق، ص 423 (39) محمد باقر الصدر ، اقتصادنا، مصدر سابق، ص 432 (40) نهج البلاغة، ص 584 (41) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مصدر سابق، ص 679 (42) د. سالم توفيق النجفي، د. احمد فتحي، السياسات الاقتصادية الكلية والفقر مع اشارة خاصة إلى الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بیروت 2008، ص 39.

(43) نعیم قاسم، مصدر سابق، ص 26 - 27.

(44) د.رضا صاحب، مصدر سابق، ص 24.

(45) نهج البلاغة ص 497 (46) نهج البلاغة ص 582 (47) هاشم الموسوي، النظام الاجتماعي في الاسلام، منظمة الاعلام الاسلامي، الطبعة الثانية، طهران، 1993، ص 30.

(48) القران الكريم، سورة النساء 1 (49) نهج البلاغة ص 586 (50) محمد باقر الصدر، اقتصادنا، مصدر سابق، ص 667.

(51) الاسراء 70 (52) نهج البلاغة ص 569 (53) نهج البلاغة ص 571 (54) نهج البلاغة ص 572 (55) نهج البلاغة ص 566 (56) نهج البلاغة ص 572

ص: 181

(57) نهج البلاغة ص 573 (58) نهج البلاغة ص 94 (59) د. مدني عبد الرحمن، جريمة استغلال النفوذ في القانون المقارن والنظام السعودي، مجلة الادارة العامة، تصدر عن معهد الادارة العامة، الرياض، العدد 3، 2005، ص 454 (60) نهج البلاغة ص 54 (61) نهج البلاغة ص 54 (62) هاشم الموسوي، مصدر سابق، ص 43.

(63) علي الشمري، مصدر سابق، ص 43 (64) نهج البلاغة ص 576 (65) عبد الرضا الزبيدي، في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)، شبكة الإمامين الحسنين) عليهما السلام (للتراث والفكر الإسلام، ص 214 (66) نهج البلاغة ص 237 (67) نهج البلاغة ص 109 (68) عبد الرضا الزبيدي، مصدر سابق، ص 220 (69) نهج البلاغة ص 576 (70) عبد الرضا الزبيدي، مصدر سابق، ص 219 (71) نهج البلاغة ص 578

ص: 182

نظرية الاستدامة اللانهائية وأبعادها في فكر الامام علي (عليه السلام) لبناء الدولة المستدامة دراسة تحليلية لعهد مالك الاشتر البروفسور الدكتور يوسف حجيم سلطان الطائي عميد كلية الإدارة والاقتصاد - جامعة الكوفة

اشارة

ص: 183

ص: 184

المستخلص

في دراستنا هذه تم تسليط الضوء على أهم نظرية للاستدامة والتي تم استنباطها من عهد الامام علي عليه السلام لمالك الأشتر حين ولاه على مصر و اسميتها بنظرية الاستدامة اللانهائية، وهذه النظرية تعد من النظريات المهمة في بناء الدولة العادلة والقوية ذات الاستدامة والقادرة على البقاء والنمو لأجيال متعددة وتكونت هذه النظرية من عدة أبعاد رئيسة وهي (البعد الاقتصادي، البعد التنافسي، البعد الاجتماعي، البعد البيئي، البعد المعرفي) وحددت هذه الابعاد بدقة متناهية من لدن الامام عليه السلام واوصى بها بعهد مکتوب الى مالك الأشتر من خلال النص الاتي ((هذا ما أمر به عبد الله امير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده اليه: حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح اهلها وعمارة بلادها)) فإذا توافرت هذه الابعاد وطبقت بالشكل المثالي ووفق اليات ممنهجة فأنها ستقود الى تشکیل الدولة المستدامة.

ولكن يد الغدر اغتالت هذه النظرية باغتيالها لقائدها ومطبقها الذي تم اختياره من قبل أمير المؤمنين وهو مالك الأشتر.

ركزت دراستنا على مشكلة رئيسة وهي،هل عند تطبيق نظرية الاستدامة اللانهائية ستقود الى بناء دولة مستدامة من خلال الأبعاد الأساسية التي حددت لها، في حين هدفت دراستنا الى توضيح ابعاد و مضامین نظرية الاستدامة اللانهائية وحصر ابعادها بالاقتصادية والتنافسية والاجتماعية والبيئية والمعرفية وكيف يمكن أن تسهم هذه الأبعاد في الوصول الى بناء الدولة المستدامة و توصلت الدراسة الى مجموعة من الاستنتاجات، اهمها هو تسليط الضوء على كيفية بناء دولة تبقى لأجيال

ص: 185

وتتسم بالاستدامة اللانهائية من التطبيق العملي لابعاد نظرية الاستدامة اللانهائية والتي جاءت ضمن العهد ولم تسجل باسم الامام علي عليه السلام بل سجلت بأسماء باحثين جدد لم يعلموا بان هذه النظرية موجودة قبل اكثر من 1400 عام وعدت هذه النظرية فلسفة حديثة في بناء الدول المستدامة اما اهم توصية ركزت عليها الدراسة هي لابد من الاعتماد على نظرية الاستدامة اللانهائية كمنهج عمل تطبيقي وفلسفة لإنشاء وتكوين الدولة المستدامة بالاستناد على الابعاد الرئيسة التي تم تحديدها من قبل الامام علي عليه السلام. لذا وجب على الباحثين والاكاديميين البحث وبتعمق عن هذه النظرية لإرساء الاسس الفلسفية و النظرية لها من اجل تطبيقها عند ظهور الدولة الاسلامية الحقه.

ص: 186

المنهجية العلمية للدراسة

اولا: مشكلة الدراسة

اي دراسة علمية لابد ان تعالج مشكلة معينة والخروج بنتائج وحلول لهذه المشكلة وغالباً ما تكون المشكلة على شكل تساؤلات يتم الإجابة عليها من خلال منهجية البحث وطرائق معالجتها للمشكلة والوصول الى حقيقية الشيء. في دراستنا هذه تكمن مشكلتنا الرئيسة بالاتي (هل عند تطبيق نظرية الاستدامة اللانهائية ستقود الى بناء دولة مستدامة) وانبثقت من هذه المشكلة العديد من التساؤلات الفرعية وهي:

1 - ما المقصود بالبعد الاقتصادي (جباية خراجها) وكيف يحقق الاستدامة اللانهائية.

2 - ماذا يعني بالبعد التنافسي (جهاد عدوها) وكيف سيسهم في تحقيق الاستدامة اللانهائية.

3 - هل للبعد الاجتماعي (استصلاح اهلها) دور في تحقيق الاستدامة اللانهائية.

4 - ما المقصود بالبعد البيئي (عمارة بلادها) وما علاقته بتحقيق الاستدامة اللانهائية.

5 - هل للمعرفة المستدامة التي حملها العهد بين طياته دور في بناء الدولة المستدامة.

ص: 187

اهمية الدراسة:

لدراستنا هذه العديد من النقاط المهمة ومنها:

1 - تسليط الضوء على أهم نظرية في تاريخ البشرية وهي نظرية الاستدامة اللانهائية والتي لم يتطرق اليها أي عالم قبل الامام علي عليه السلام، نعم وجدت كتابات حديثة تؤكد ذلك ولكنها اخذت مفاهيمها من عهد الامام علي عليه السلام ودحضت هذه النظرية النظريات في القرن الثامن عشر مثل نظرية العالم الانكليزي توماس مالتوس وغيره.

2 - توضيح اركان هذه النظرية وأسسها ودورها في بناء دولة مستدامة قادرة على تحقيق العدل الاجتماعي والقضاء على الفقر والبطالة.

3 - تهدف هذه النظرية الى بيان اهمية الفرد في بناء الدولة المستدامة بناءاً امثل وفق المعايير الأخلاقية والدينية والعادات والتقاليد المستنبطة من الكتب السماوية وكما قال الامام علي عليه السلام (اتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر).

4 - ابراز المضامين الفكرية والتطبيقية لهذه النظرية (الاقتصادية والتنافسية والاجتماعية والبيئية) للباحثين والمفكرين في هذا المجال للبحث والتقصي المعمق لاستنتاج اسس نظرية اخرى ورفد المكتبة العراقية والعربية والاسلامية والعالمية بأهم اسس الاستدامة اللانهائية المستنبطة من فكر الامام علي عليه السلام.

5 - تصحیح و تقييم الانحرافات التي انتابت بناء الدولة الاسلامية المستدامة وان تتوائم مع مبادئ هذه النظرية.

ص: 188

هدف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة بصورة عامة الى توضيح مضامين نظرية الاستدامة اللانهائية وحصر ابعادها الاقتصادية والتنافسية والاجتماعية وغيرها ضمن عهد الامام عليه السلام لذا وجب علينا كباحثين واكاديميين اخراج هذه النظرية لترى النور، لذا تهدف در استنا الى تحقيق الاتي:

1 - من الممكن ان تبنى الدولة المستدامة من خلال القوى الاقتصادية التي تمتلكها هذه الدولة ومحاولة توظيف الجوانب الاقتصادية لصالحها وتطوير ذاتها وصولا الى التكامل الاقتصادي والاكتفاء الذاتي والتوزيع العادل للثروة.

2 - العامل التنافسي له الدور البارز في بقاء الدولة اطول فترة ممكنة وعليها ان تستبصر البيئ-ة الخارجي-ة وتحليل استراتيجيات المنافسين لدرء المخاطر المحتملة واقتناص الفرص الخارجية لصالح الدولة.

3 - عملية بناء المجتمع الامثل والقادر على تدبير شؤونه بكل يسر وسهولة يمكن من خلال تهذيبه على العادات والتقاليد الحميدة، والعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية ونشر الوعي الاجتماعي والامان والسلم الاجتماعي وتنمية راس المال الفكري وهذه تعد من الاهداف الاساسية لبناء الدولة المستدامة.

4 - التركيز على البعد البيئي والتكامل فيها بين البيئة وراس المال الفكري الموجود لإيجاد الطرق السليمة للتعامل مع البيئة لتحقيق هدف التوازن البيئي والحفاظ على البيئة وتقليل الخروقات البيئية والتلوث وهذا سيقود الى بناء دولة مستدامة.

5 - توضيح العملية المعرفية المستدامة عن طريق امتلاك انظمة المعلومات المتطورة ع-ن المتغيرات الداخلية والخارجية واستخدام هذه المعارف في تنمية وتطوير الاعمال الريادية ضمن نطاق الدولة المستدامة.

ص: 189

فرضيات الدراسة:

لدراستنا هذه فرضية رئيسة وهي (هل توجد علاقة بين ابعاد نظرية الاستدامة اللانهائية وبناء الدولة المستدامة) وتنبثق من هذه الفرضية العديد من الفرضيات الفرعية وهي:

1 - هل توجد علاقة بين البعد الاقتصادي (جباية خراجها) لنظرية الاستدامة اللانهائية في بناء دولة مستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام.

2 - هل توجد علاقة بين البعد التنافسي (جهاد عدوها) لنظرية الاستدامة اللانهائية في بناء دولة مستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام.

3 - هل توجد علاقة بين البعد الاجتماعي (استصلاح اهلها) لنظرية الاستدامة اللانهائية في بناء دولة مستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام.

4 - هل توجد علاقة بين البعد البيئي (عمارة بلادها) لنظرية الاستدامة اللانهائية في بناء دولة مستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام.

5 - هل توجد علاقة بين البعد المعرفي لنظرية الاستدامة اللانهائية في بناء دولة مستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام.

ص: 190

ابعاد نظرية الاستدامة اللانهائية البعد الإقتصادي البعد التنافسي بناء الدولة المستدامة وفق فكر الامام علي عليه السلام البعد الاجتماعي البعد البيئي البعد المعرفي شكل (1) انموذج الدراسة الفرضي

اسلوب الدراسة:

تم الاعتماد على اسلوب التحليل العهد الامام علي عليه السلام لمالك الاشتر واستخرج من بعض نصوص هذا العهد نظرية متكاملة للاستدامة اللانهائية والتي لم يسلط الضوء عليها.

ص: 191

الجانب التحليلي

اغلب المفكرين الاداريين وغيرهم يحاولون جاهدين تحديد اهم الابعاد التي من الممكن استخدامها لضمان الاستدامة لمنظماتهم وبالتالي عند نجاح نظام معین ممکن تطبيقه على المنظومة الاكبر وهو الدولة لذا اغلب علماء الادارة حددوا في القرن الماضي ثلاثة ابعاد فقط للاستدامة وهذه الابعاد ستكون خارطة الطريق للتنمية المستدامة والتي تحاول ان تبقي النظم في تفاعل وبقاء دائم قادرة على التغلب للمشاكل التي تواجهها ومن هؤلاء الباحثين 5;2005:Fichter)) ركز هذا الباحث على الابعاد الاتية (رأس المال البيئي، وراس المال الاجتماعي، ورأس المال الاقتصادي) واعتبر هذه الابعاد هي التي تقود للاستدامة بينما الباحثين - Davidia Gwen 2007:dolyn;)) ايضا ركزا على البعد الاقتصادي والبعد البيئي والبعد الاجتماعي في حين 315;2009:Galbreath)) سمى هذه الأبعاد بالقضايا المهمة لاستدامة المنظمات القضايا الاقتصادية والقضايا الاجتماعية والقضايا البيئية اما الباحث -Mi 2010:59 :trabinda)) اطلق تسمية خط الاساس الثلاثي الابعاد والتي تكون على شكل حلقات متكاملة مع بعضها البعض لتحقيق الاستدامة وتكون خط الاساس من البعد البيئي والبعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي اما الباحثين Ebner 77;2010 :Baumgartner )) حيث استند نموذجهما ايضا على ثلاثة ابعاد وهي البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي اما الباحث (205;2011:Elliot) حدد الأبعاد بالبيئة والمجتمع والحكومة والاقتصاد من خلال الصناعة والمنظمات في حين ركز الباحث(131;2012:Jochem) حيث ركز على المحور البيئي والاجتماعي والاقتصادي.

ص: 192

وهنالك العديد من الباحثين الذين تطرقوا لهذه الأبعاد والتي اتفق عليها الاعم الاغلب منهم وعلى مختلف المدارس الاقتصادية والادارية وهذه الابعاد هي التي تحقق الاستدامة وبقاء أي تنظيم يعيش اطول فترة ممكنة وتم الترويج اليها في العصر الحديث في بداية القرن العشرين، علماً بان اغلب الباحثين اغفلوا حقيقية دامغة بان هذه الابعاد هي موجودة ضمن الفكر الاستراتيجي للامام علي عليه السلام قبل اكثر من 1400 عام مضت وحددها الامام بدقة متناهية وزاد عليها بعدين وهما البعد التنافسي والبعد المعرفي واللذان اخذا حيزا من التنظير والتطبيق ولكن بشكل منفرد ضمن ادبيات الادارة وفيما لو استخدمت هذه الابعاد بصورة صحيحة الكان هنالك العديد من الدول قائمة ولا تفنى ومثال على الاستدامة اللانهائية مثل الاخلاق الدينية المنبثقة من اقدم الديانات والتصاميم المعمارية التي وصلت الينا مثل الاهرامات وهنالك شواخص لا يمكن الغائها من فكر التاريخ وذاكرته السابقة والحاضرة والمستقبلية مثل بيت الله الحرام ومراقد الأئمة عليهم السلام كل هذه شواخص مقنعة للاستدامة اللانهائية.

ولو تم التدقيق في عهد الامام عليه السلام لمالك الأشتر ركز على نقطة اساسية عند بناء الدولة وهي ان تكون هنالك معرفة تامة بالمجتمع المراد حكمه اذ قال له (اعلم يا مالك أني قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك) اوصاه بأن مصر توالت عليها الحكام والملوك ومازالت آثارهم باقية وهذه الدولة ليس كل الدول لان رعيتها قد خبروا الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وجربوا الدولة المدنية فاذا اردت النجاح بتأسيس دولة اقوى مما كانت عليه مصر ذات الارث الحضاري والتاريخي وحکمت لآلاف السنين من حكام كان فيهم العادل والظالم ونظمها اقتصاديا واداریا نبي الله يوسف عليه السلام وشواخص حضارتهم واضحة ومازالت

ص: 193

موجودة و مستدامة ما عليك الا ان تطبق الأبعاد الاتية والتي هي موجودة ضمن نص العهد ((هذا ما أمر به عبد الله امير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده اليه :حين ولاه مصر:

1 - جباية خراجها (البعد الاقتصادي) 2 - جهاد عدوها البعد التنافسي) 3 - استصلاح اهلها (البعد الاجتماعي) 4 - عمارة بلادها (البعد البيئي) 5 - فضلا عن البعد المعرفي والمتضمن معرفة تفاصيل ودقائق الدولة المستدامة والتي ظهرت ضمن فقرات العهد على شكل توجيه وتحذير وتدابير ومبادئ ادارية وقيادية مهمة لتكوين الدولة.

ص: 194

البعد الاقتصادي البعد الاجتماعي البعد المعرفي بناء دولة مستدامة وفق نظرية الاستدامة اللانهائية البعد البيئي البعد التنافسي شکل (2) ابعاد نظرية الاستدامة اللانهائية ومن خلال الشكل في اعلاه تتضح عملية التكامل فيما بين الابعاد لتحقيق الدولة المستدامة وفي الفقرة اللاحقة سيتم التطرق لكل بعد منفرد.

ص: 195

اولاً: تحليل البعد الاقتصادي (جباية خراجها)

عد البعد الاقتصادي الأساس لأي دولة ترغب بان تبني لها مجد وتأريخ مستدام فلابد من تنظيم القوى الاقتصادية التي يمتلكها هذا البلد والتركيز على هذا البعد مهم من منطلق تنشيط كافة القطاعات الاقتصادية، واصبحت القوة الاقتصادية مقياس لتطور الدول وتقاس هذه الدول على هذا المعيار وتسمى متقدمة على اساس العامل الاقتصادي وعند التطرق لموضوعة القوى الاقتصادية فأنها كثيرة ومتعددة الاشكال وهذه الأنشطة الاقتصادية تسعى للحصول على التمويل اللازم لإدارة شؤون الدولة وقدرتها على دفع رواتب جميع الموظفين لديها سواء كانوا مدنيين ام عسکرين الذين يحافظون على سلامة الدولة من الاعتداءات الخارجية والعاملين على بناء هذه الدولة بمختلف التخصصات وهنا لابد الاعتماد على الاتي:

1 - العمل على تأسيس نظام اقتصادي وفلسفة واضحة المعالم تقود الدولة وهذا النظام يبني على النظم المعرفية القادرة على ادارة التمويل الامثل.

2 - تنظيم جباية الضرائب بشكل عادل ومنصف ولجميع الشرائح والعمل على ايجاد الية واضحة ومفهومة من المجتمع في كيفية فرض الضريبة وتحديد الشرائح المعفاة.

3 - امكانية تطبيق الفلسفة الاسلامية في النظم الاقتصادية والذي لم يرى النور لحد الوقت الحالي والذي سيكون الضمانة الحقيقية للاستدامة وتحقيق العدالة الاقتصادية 4 - تنشيط جميع القطاعات الاقتصادية وخلق حالة من التنافس فيما بينها والتي تسهم في دعم الدولة مثل القطاع الصناعي والزراعي وغيره وتنظيم التبادل التجاري.

ص: 196

5 - تحديد انظمة الرواتب والاجور بصورة عادلة.

6 - المحافظة على الموارد الطبيعية والموارد المصنعة والمورد البشري وحسن استخدام هذه الموارد للحصول على القوة الاقتصادية المطلوبة التركيز على القوة الصناعية وبكافة اشكالها التركيز على القوة الزراعية البعد الاقتصادي التركيز على المورد البشري المبدع التركيز على الموارد الطبیعیة شکل (3) متغيرات البعد الاقتصادي

ص: 197

خلاصة البعد الاقتصادي في فكر الامام عليه السلام هو دحض جميع النظریات الاقتصادية الحديثة والتي لم تحقق للآن العدالة الاقتصادية والتنوع الاقتصادي والاكتفاء الذاتي والتكامل الاقتصادي فيما اذا طبق هذا البعد حسب المفهوم الامامي ستدحض النظريات الوضعية ومنها نظرية توماس مالتوس وغيرها.

من خلال ما تقدم يتضح صحة الافتراض القائل بوجود علاقة بين البعد الاقتصادي واقامة الدولة المستدامة وفق فلسفة وفكر الإمام علي عليه السلام وحسب ما جاء في عهده لمالك الاشتر.

ثانياً: تحليل البعد التنافسي (جهاد عدوها)

ان هذه التسمية او المصطلح يشير الى عدة معاني والمقصود بالعدو ليس فقط العدو الذي يتم مواجهة في سوح القتال بل يتضمن العديد من المفردات ومنها:

1 - العدو او التحدي العسكري 2 - العدو او التحدي السياسي 3 - العدو او التحدي الديني 4 - العدو او التحدي التكنولوجي 5 - العدو او التحدي الاقتصادي 6 - العدو او التحدي الاعلامي 7 - تحديات الاشاعة المغرضة 8 - أي عدو او تحدي اخر

ص: 198

اذا اريد تطبيق الاستدامة لأي دولة فلابد من جهاد اعدائها وان الامام عليه السلام اراد دولة عادلة و قوية قادرة على مواجهة كل التحديات وخصوصا اذا اريد تطبيق الاستدامة اللانهائية للدولة المثالية وفق كل المعايير والمقاييس الدنيوية والاخروية والتي يريدها الامام وهي دولة العدل الاهي ففي الواقع الميداني والتطبيقي هذه الدولة لا يمكن تأسيسها الا بوجود امام عادل، لذا وجه الامام علي عليه السلام مالك الاشتر لإقامة هذه الدولة وتكون تحت رقابته المباشرة ونبهه لأخذ الحيطة والحذر من العدو وجهادة بكل الطرق لان هذا العدو يريد افشال الفلسفة الاسلامية في اقامة دولة مستدامة تبنى على اساس التقوى والعمل وتكون باكورة للدول المتقدمة والمدنية وتسع للجميع.

ص: 199

التنافس الاعلامي التنافس الاقتصادي الاشاعة البعد التنافسي التنافس السياسي التنافس الداخلي التنافس العسكري التنافس الديني التنافس التكنولوجي شكل (4) متغيرات البعد التنافسي لذا لابد من اعداد العدة لمواجهة العدو الاقتصادي والعسكري والسياسي وغيره وقد يستخدموا هؤلاء العديد من الادوات مثل الاحتكار والغش الصناعي ورفع الاسعار هذا اذا كان العدو اقتصاديا اما اذا كان العدو عسکریا اعداد القوة العسكرية القادرة للدفاع عن اراضيها واستخدام الجنود والضباط والخطط العسكرية والاسلحة وبناء نظام استخباراتي متطور وغيرها لمواجه العدو وهكذا لباقي التحديات. من خلال ما تقدم يتضح صحة الافتراض القائل بوجود علاقة بين البعد التنافسي

ص: 200

واقامة الدولة المستدامة وفق فلسفة وفكر الامام علي عليه السلام وحسب ما جاء في عهده لمالك الاشتر

ثالثاً: البعد الاجتماعي (استصلاح اهلها)

عد البعد الاجتماعي من الركائز الاساسية ومن اهم موارد رأس المال الفكري والذي يعتمد عليه عند بناء الدولة المستدامة وهذا البعد يقسم الى رأس المال البشري وراس المال الزبائني وراس المال الهيكلي وعدت الاسرة اصغر خلية اجتماعية وتعد اللبنة الاولى لبناء دولة قوية فيما اذا تم بناء هذه الأسرة بناءاً متكاملا وهذا البعد كان واضحاً ضمن عهد الامام علي عليه السلام وعبر عنه (است صلاح اهلها) وهذه العملية تتم من خلال الاتي:

1 - بناء الفرد بناءاً اسلامياً مبني على الأسس الفلسفية والفكرية للمنظومة الاسلامية.

2 - انشاء مراكز للتعليم والتعلم والعمل على محاربة الأمية بكافة اشكالها وخلق افراد متعلمين قادرين على ادارة شؤون الدولة المستدامة، وجعل الفرد منتج بدلاً من ان يكون استهلاكي.

3 - تنظيم الحياة اليومية للمجتمع وهذا التنظيم سيضع الركائز الحقيقية والمستدامة الدول العدل التي يريدها الامام عليه السلام.

4 - بناء الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وتهذيبها وفق المنهج الاسلامي ومحاربة التفكك الاسري.

5 - الاعتماد على الاعمال ذات الابعاد المجتمعية لزيادة انتاجية المجتمع في العملية الصناعية والتي يحتاج اليها البعد الاقتصادي.

ص: 201

6 - التركيز على نشر السلام والامن الاجتماعي والتعايش بروح الفريق والانسجام ونبذ التمايز الطبقي ومعاملة المجتمع معاملة عادلة.

7 - تحقيق العدالة الاجتماعية التي مازالت مفقودة الى يومنا هذا في اغلب ال-دول المتقدمة وهذه العدالة لا ترى النور الا بولادة دولة عادلة ومستدامة.

8 - ايجاد الية متطورة لحل المشاكل المجتمعية وجميع الظواهر السلبية في المجتمع وتكيف المجتمع على عملية التصحيح الذاتي الاجتماعي.

ص: 202

حل المشاكل الاجتماعية الامان والسلم الاجتماعي تنظیم حیاة الفرد العدالة الاجتماعیة البعد الاجتماعي بناء الاسرة وفق الاخلاق الدينية انشاء مراكز التعليم البعد الاجتماعي لزيادة الانتاجية شكل (5) متغيرات البعد الاجتماعي خلاصة لما تقدم ان عملية استصلاح الناس في الدولة تحتاج الى جهد مضني ولفترات طويلة الامد لتحسين وتقويم الانحرافات المجتمعية وهذه العملية الاصلاحية تبنى على اسس العدالة الاجتماعية والتعلم الاجتماعي لإيجاد قاعدة جماهيرية قادرة على ادارة نفسها بنفسها وصولاً الى الادارة الذاتية للمجتمع وهذا ما شار اليه ضمنا الامام علي عليه السلام في عهده لمالك الاشتر. من خلال ما تقدم يتضح صحة الافتراض القائل بوجود علاقة بين البعد الاجتماعي واقامة الدولة المستدامة وفق فلسفة وفكر الامام علي عليه السلام وحسب ما جاء في عهده لمالك الاشتر.

ص: 203

رابعاً: البعد البيئي (عمارة بلادها)

عند توافر العامل الاقتصادي وقدرة الدولة على تحييد العامل التنافسي والسيطرة عليه بعد ان اصبح المجتمع واعي ويعرف واجباته ومهامه الرئيسة المكلف بها واصبح هذا المجتمع يعمل وفق المنظومة الاجتماعية المثلى المستندة على الفلسفة الاسلامية الحقيقية سيكون هنالك التكاتف الاجتماعي أي ستكون عملية اتحاد بین القوى الاقتصادية والقوى البشرية وهذه القوى ستكون قادرة على اعمار واعادة اعمار البلاد وفق الأسس العلمية الصحيحة والدولة التي استطاعت بناء الفرد ستكون قادرة حتماً على بناء عمارة البلاد فيها والتي تحاول ان تكون عمارتها مستدامة ذات بعد لامتناهي وخير دليل على استدامة العمارة بناء الاهرامات في مصر وغيرها من الامثلة العديدة.

وهذه العملية لا يمكن فصلها عن البيئة حيث هنالك ارتباط وثيق بين العمارة والبيئة وهنا يقع على متخذ القرار في ايجاد السبل لتطويع البيئة لصالح المجتمع وبكافة متغيراتها ويقصد هنا بعمارة بلادها ان تكون المدن والمجمعات السكنية مصممة وفقاً للبيئة وان لا يؤثر هذا التصميم على حقوق الأجيال القادمة وهنالك العديد من الاعمال المعمارية التي ناغمت البيئة وبقت لآلاف السنين شاخصة وذكر التصميم والبناء في القران الكريم قال الله سبحانه وتعالى (الم تر كيف فعل ربك بعاد أرم ذات العماد) وعند تصميم أي مدينة لابد ان تأخذ بنظر الاعتبار حركة الرياح والامطار وكل الظواهر الطبيعية كما في قوله تعالى (تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض) (الركابي: 2007: 2 - 11) هذا من جانب عمليات التصميم والمكان الملائم لاقامة دولة مستدامة.

ص: 204

اما الجانب الاخر وهو مهم ايضاً وهو كيفية الحفاظ على البيئة والوصول الى انشاء مباني تكون صديق للبيئة وهذه العمارة تسمى بالعمارة الخضراء والمنتج الاخضر والمصنع الاخضر والتسويق الاخضر وم-واد البناء الخضراء وغيرها لان عملية الانبعاث وغيره-ا م-ن الملوثات التي تؤثر على البيئة والبنية التحتية لاي دولة وقد تهدد مستقبل هذه الدولة،وهنا لابد من التركيز على الاتي:

1 - التركيز على الجهد الهندسي والمعماري عند تصميم المدن مع توفير كافة الخدمات والبنى التحتية التي يحتاج اليها المجتمع وكيفية القضاء على النفايات وغيرها.

2 - الاخذ بنظر الاعتبار مناخ المنطقة المراد اقامة الدولة عليها من حيث حركة الرياح والامطار وخطوط الزلزال والبراكين وحرارة باطن الارض وغيرها.

3 - توفير الطاقة الضرورية التي تحتاج اليها المدينة والاعتماد على الطاقة النظيفة قدر المستطاع.

4 - التصميم المعماري المستدام والمميز مع التركيز على جودة البناء ومواد البناء المستخدمة وهذه الفقرة ركز عليها قانون حمورابي واوجد نصاً قانونيا ينظم اعمال البناء وان يكون مطابق لمواصفات الجودة.

5 - العمل على ايجاد التصميم المستدام الاخضر والذي يكون صديقاً للبيئة وذلك عن طريق البناء المستدام أي ايجاد التوافق بين الادارة المدنية في الدولة المستدامة في كيفية استخدام الموارد و ادارتها.

6 - التركيز على الموارد الطبيعية وحسن استغلالها والاهتمام بالنظافة البيئية وتقليل عمليات التلوث البيئي

ص: 205

العمارة الخضراء البناء المستدام البعد البيئي (عمارة بلادها) العمارة والبيئة بكل تصنيفها البعد البیئي (عمارة بلادها) التصميم المستدام الجودة الشاملة دراسة المناخ شكل (6) متغيرات البعد البيئي دراسة المناخ خلاصة القول ان الاهتمام بالتصميم المستدام والذي يمكن الحفاظ على بقائه اطول فترة ممكنة من خلال التجانس بين العمارة والاستخدامات الهندسية والانشائية في ضوء البيئة الموجودة، اذ حدد معهد روكي مارتن خمسة عناصر للتصميم المستدام وهي (شمولية التخطيط، واعتبار التصميم المستدام فلسفة، والتركيز على خفض كلفة البناء المستدام قياسا بالبناء التقليدي، وتكامل التصميم بين مكوناته واستهلاك

ص: 206

الطاقة، والحفاظ على صحة المجتمع) (www.nots. Edit.https:idocs ) وهذا البعد ركز عليه الامام عليه السلام ضمن العهد باعتبار العمارة من الركائز الاساسية الهيبة الدولة واستدامتها وان تتوافق هذه العمارة مع البيئة وفق الاساليب العلمية والنضوج الهندسي للدولة. من خلال ما تقدم يتضح صحة الافتراض القائل بوجود علاقة بين البعد البيئي واقامة الدولة المستدامة وفق فلسفة وفكر الامام علي عليه السلام وحسب ما جاء في عهده لمالك الاشتر.

خامسا: البعد المعرفي المستدام

يركز هذا البعد على جمع المعرف الأساسية عن الابعاد الاربعة السابقة الذكر وهنا لابد ان يكون البعد الاقتصادي مدعوم بالمعرفة الاقتصادي المتكاملة عن هذا البعد والذي سمي في الوقت الحالي بالاقتصاد المعرفي، اما المعرفة التنافسية فانها تتطلب من القائمين لبناء دولة مستدامة المعرفة التامة بكب المنافسين وجمع البيانات والمعلومات عنهم وبأدق التفاصيل، وان تكون هنالك معالجات حقيقي لاي تحدي ممكن ان يوثر على بناء الدولة المستدامة، اما المعرفة الاجتماعية هي قدرة الدولة على جمع البيانات والمعلومات الدقيقة عن المجتمع المعرفي بأسره ولكافة الشرائح لغرض معالجة المشاكل الاجتماعية التي يمكن أن توثر على النسيج الاجتماعي، اما المعرفة البيئية والتي تعنى بتطويع العوامل التكنولوجية وغيرها للحفاظ على البيئة والعمل على أن تكون المنتجات والاعمال والانتاجية خضراء والتركيز على التصميم والعمارة الخضراء وعدم الاسراف بمدخرات الاجيال للحفاظ عليها المواجهة الأزمات الناشئة نتيجة الندرة. ويمكن توضيح ذلك كما في الشكل الاتي:

ص: 207

المعرفة الاقتصادیة المعرفة التنافسية المعرفة المستدامة المعرفة البيئية المعرفة الاجتماعية

ص: 208

الاستنتاجات والتوصيات

اولاً: الاستنتاجات

من خلال التحليل لعهد الامام علي عليه السلام لمالك الاشتر وبعد ان تم تحديد اهم الابعاد الاساسية لنظرية الاستدامة اللانهائية لبناء الدولة المستدامة تم التوصل الى مجموعة من الاستنتاجات ومنها:

1 - سلط العهد الضوء على اهم نظرية للاستدامة اللانهائية والتي لم تسجل باسم الامام علي عليه السلام بل سجلت بأسماء باحثين جدد لم يعلموا بان هذه النظرية موجودة قبل اكثر من 1400 عام وهي فلسفة حديثة في بناء الدول المستدامة وابعاد هذه النظرية تم استنباطها من عهده لمالك الاشتر.

2 - ركز العهد على البعد الاقتصادي والذي يعد احد اهم الابعاد الاساسية والتي يمكن ان يسهم في بناء النظرية المستدامة اللانهائية عن طريق بناء دولة قوية اقتصادياً من خلال استثمار المورد الطبيعي والبشري لخلق حالة متطورة من الصناعات المختلفة للحصول على التمويل اللازم لبناء الدولة المستدامة.

3 - التركيز على الجانب المعرفي ومعرفة جميع التحديات التنافسية وتقليل حدتها وخطرها على الدولة من خلال بناء شبكة متطورة من المعلومات والبيانات اللازمة عن أي تحدي ممكن ان يخل بهيكل الدولة،و دراسة جميع القوى التنافسية بدون استثناء لمعرفة قدراتهم التنافسية.

4 - ركز العهد على الافراد وعد الافراد داخل أي دولة هم المكون الاساس لخلق القيمة الاقتصادية والتجارية وتمتعهم بالقدرات البشرية التي تؤمن مواجهة

ص: 209

الاخطار المنافسين اتجاه دولتهم، وان صلاح المجتمع سيقود الى دولة صالحة قادرة على بناء نفسها بما تمتلكه من راس مال فكري.

5 - تم التركيز في العهد على اهمية البيئة وان تكون الدولة المستدامة قادرة على ان تحافظ على البيئة وان تكون لها المساهمة الجادة في تعزيز العوامل البيئة وان تهتم بالتصميم والبناء الاخضر الذي يتوافق مع المحيط البيئي وان الاعمال المدنية لا تؤثر في المحيط الذي يعيش فيه الانسان ووصولاً إلى البناء المستدام الاخضر.

6 - من خلال العهد تضح فيما اذا اريد بناء دولة قوية ومتماسكة لابد من تأسيس نظام شمولي قادر على جمع البيانات والمعلومات الضرورية واللازمة لكل بعد من الابعاد السابقة الذكر وان تكون لديها معرفة شاملة عن جميع المتغيرات والاحداث عن طريق انسيابية المعلومات وجمعها عن اركان الدولة المستدامة وصولا إلى تحقيق الدولة المستدامة الحكيمة.

ثانياً: التوصيات

بناءاً على الاستنتاجات في اعلاه سیتم صياغة مجموعة من التوصيات وهي:

1 - لابد من الاعتماد على نظرية الاستدامة اللانهائية كمنهج عمل و فلسفة لإنشاء وتكوين الدولة المستدامة بالاستناد على الابعاد الرئيسة التي تم تحديدها من قبل الامام علي عليه السلام.

2 - التركيز على تنشيط وتنمية العوامل الاقتصادية لبناء دولة اقتصادية ذات تنوع وتكامل اقتصادياً قادرة على ادارة نفسها اقتصادية وتلبي طموح جمهورها عن طريق القضاء على الفقر والجهل والبطالة.

ص: 210

3- بناء انموذج العدالة الاجتماعية للدولة المستدامة من خلال الفلسفة الاجتماعية التي جاء بها الامام علي عليه السلام في عهده لمالك الاشتر وسيادة العدل الاجتماعي في مجتمع يكون منتج وليس استهلاكي قادر على التطوير الذاتي.

4 - دراسة سلوك المنافسين من اجل معرفة خططهم وبما ذا يفكرون ومعرفة موقفهم اتجاه الدولة المستدامة عن طريق جمع البيانات والمعلومات عنهم بواسطة الادارة الاستراتيجية وتحديد اهم نقاط التهديد التي تواجهه الدولة ومعالجتها والفرص التي من الممكن اقتناصها لتحسين موقفها التنافسي.

5 - اذا ارادت أي دولة ان تطمح لان تكون مستدامة عليها أن تهتم بالعمارة والتصميم والاخذ بنظر الاعتبار البيئة المحيطة بها والحفاظ عليها، والعمل على انتهاج الاستراتيجية الخضراء ضمن عملها.

6 - تأسیس نظام معرفي شمولي قادر على ادارة اموال الناس والدولة وتوجيهه حسب الشريعة الاسلامية.

ص: 211

المصادر:

1 - قرباني، ايه الله زين العابدین، میثاق ادارة الدولة في عهد امير المؤمنين عليه السلام المالك الاشتر. ترجمة وتحقيق الهدف للدراسات تعريب قاسم البيضاني: 2012 مطبعة الكوثر 2 - الناصر، عبد المنعم، فن ادارة الدولة في الاسلام، دراسة في عهد الامام علي لمالك الاشتر حين عينه واليا على مصر، 2010 دار الكتب العلمية بيروت 3 - الركابي، فلیح کريم خضير، العمارة والبيئة في القران الكريم، مجلة كلية الآداب.

96،2007 العدد I 4 - Galbreath« jóaddressing(2009)“ sustainability ;a strategy devel opment framework” international journal of sustainable strate gic management vol.1ino.3، p.315 5 - Mitrabinda، singh،(2010)’’ Indian Business sustainability in the era of globalization - cas study; advance in management”.vol.

(3) no.(5)،p59 6 - Elliots steven-(2011) “trans disciplinary perspectives on envi ronmental sustainability; a resource base and framework for it enabled business quarterly transformation vol.35•no. 1•p205 7 - Jochem. Roland (2012)» sustainability modeling as an enter prise quality requirement“ institute for machine tools and facto ry management.berlin university of technology pascalstr«p131 8 - Fichter، K،(2005) entrepreneurship.innovation،Germany ;me tropolis.p5 I

ص: 212

أنموذج لعلاج الخلل في التوازن الاقتصادي العام في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) الأستاذ الدكتور سعد خضير عباس الرهيمي كلية القانون - جامعة بابل

اشارة

ص: 213

ص: 214

أسباب اختيار البحث

لقد كان سبب اختيارنا لهذا البحث هو إيماننا العميق بوجود مذهب اقتصادي إسلامي متكامل. يمكن الاستنارة به في حل كثير من المشاكل الاقتصادية التي تمثل تحديات حقيقية ومتلازمة مع الأوضاع المعاصرة. فبالرغم مما جاد به الفكر الانساني من النماذج والنظريات الكثيرة التي ابتكرت حتى الآن، لم يتسنًّ التخلص من الاختلالات المستديمة في المنظومات الاقتصادية الراهنة.

فرضيات البحث

الفرضية الأولى:

إن برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي ورد في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) احتوى على اسس «لنموذج مرن للتوازن الاقتصادي العام. ويمكن اشتقاق فرضيتين جزئيتين من الفرضية الاولى وهما: الفرضية المشتقة الأولى: أن هناك تأثيراً إيجابيا مباشراً لتطبيق هذا النموذج في علاج الخلل في التوازن الاقتصادي العام (عملية إعادة التوازن الاقتصادي العام). ولأية منظومة اقتصادية.

الفرضية المشتقة الثانية: ان هناك علاقة مباشرة بين وجود ذوي الكفايات والخبرات العلمية العالية والمؤمنة في مراكز القرارات وبين إمكانية تطبيق هذا الأنموذج لصنع القرارات التي من شأنها إحداث تغيير جوهري في الظواهر الاقتصادية من أجل معالجة الخلل في التوازن الاقتصادي العام.

ص: 215

الفرضية الثانية:

إنّ هذا الأنموذج ذو استشراف مستقبلي مستمر، و ذو مرونة عالية وغير جامد. ويتمكن من استيعاب المستحدثات التي تنبثق أمام الأمة في تطورها ومعالجة المشاكل التي تفرزها التطورات في الظواهر الاقتصادية للمجتمعات المختلفة.

مفهوم الاقتصاد عند الإمام علي (عليه السلام)

إن الإمام علي (عليه السلام) قد سبق المدارس الفكرية بأكثر من ألف سنة في تحديد الفعاليات المنتجة. أذ تُعد، كما جاء في العهد المبارك، جميع القطاعات الاقتصادية منتجة دون استثناء. وأن هذه حقيقة مهمة جداً دارت حولها مناقشات طويلة من اجل تحديد الفعاليات المنتجة وغير المنتجة.

الموازين الأعدل أساس أُنموذج التوازن الاقتصادي

يُعدُّ هذا سبقاً علمياً لما ورد في عهد الإمام (عليه السلام). حيث ان تأكيد ذلك يتضح من المقارنةً، بين ما يُستنتج من فكرة «الموازين الأعدل» التي تحدد بأن حالة التوازن تكون غير مستقرة في السوق، وبين ما ورد في النظرية الاقتصادية الحديثة التي تؤكد أنّ حالة التوازن في سوق السلع المختلفة تكون عرضة للتقلبات المستمرة، وأن السعر لا يكون مستقراً دائماً.

يتضح مما سبق أن هناك أنموذجاً اقتصاديا للتوازن طرح في عهد الإمام (عليه السلام) يمكن الاستفادة منه في المراحل اللاحقة. حيث ستكون له تطبيقاته العملية لمعالجة الاختلالات التي تنتجها التغيرات في الظواهر الاقتصادية المحيطة بالمجتمعات الانسانية عبر الأزمنة المختلفة. كذلك سيكون بالإمكان أن يشتق من

ص: 216

هذا الأنموذج الحلول الملائمة، وسيكون مرناً بحيث يستوعب ما تستجد من ظواهر وبكل متغيراتها.

يتضح مماسبق ايضا، أن العهد يُظهر وجود فکر تدخلي من قبل الدولة وتوجيه اقتصادي مبرمج يستند إلى تخطيط دقيق يستهدف تحقيق التوازن الشامل في المنظومات الاقتصادية. ان هذه الحقيقة تضمّنها عهد الإمام علي (عليه السلام) أيضاً، وسبق إلى إقرارها بأكثر من الف سنة فقهاء المالية العامة وعلماء الاقتصاد. لقد أنتظر هؤلاء حتى سنة 1929 بداية الكساد الاعظم، وحدوث الأزمة الاقتصادية و المالية العالمية، ليعلنوا ضرورة تدخل الدولة للحيلولة دون انهيار النظام الرأسمالي القائم على النظرية الكلاسيكية.

مدى إمكانية تطبيق الأنموذج المستنتج في إصلاح الخلل في التوازن الاقتصادي العام.

* أذن من كل ما سبق يمكن أن نستنتج بأن الأنموذج البديل لنماذج التوازن الاقتصادي العام، هو النموذج المستخلص من عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر(رضي الله عنه) والذي يمكن وصفه بأنه:

أولاً: أنموذج مرن للتوازن الاقتصادي العام.

ثانياً: يستهدف تنظيم كافة الأنشطة والفعاليات الاقتصادية.

أما تنفيذه فيتطلب توفر الشروط الأساسية الآتية:

أولاً: تدخل حكومي في اقتصاد موجه و مبرمج.

ثانياً: إسناد مراكز القرارات الحكومية الى كوادر متخصصة، وذات كفاية عالية، ومؤمنة ببرنامج السياسة الاقتصادية المستهدفة.

ثالثاً: تفعيل منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي.

ص: 217

والسؤال الذي يمكن طرحه: هل يمكن بناء مخطط افتراضي لمنظومة اقتصادية متكاملة يمكن تطبيقه على أرض الواقع وفقاً للأنموذج المكتشف؟ الاجابة، نعم يمكن ذلك من الناحية العملية، اذا افترضنا توفر جميع الشروط السابقة التي تحددت في الانموذج المكتشف. فسيكون ممکناً بناء مخطط عام لمنظومة اقتصادية متكاملة، يتضح فيها كيفية حدوث التفاعل الديناميكي بين مكوناتها الفكرية والتشريعية، وهيكلها التنظيمي العام في كافة المجالات (التنظيمية والاقتصادية والاجتماعية). كذلك سيتبين أهمية اختيار استراتيجيات التدخل الحكومي في تحديد الأولويات في أي اقتصاد موجّه يستهدف كافة الانشطة والفعاليات، وعلى النحو الآتي:

مكونات المنظومة: استراتيجيات (0) التدخل الحكومي في الاقتصاد الموجه الفكرية والتشريعية (الانشطة والفعايات المستهدفة) القوانين والتشريعات في المجال:

- الثقافي - الإجتماعي - الإقتصادي والمالي - السیاسي - العمل والکفایات العلمیة صياغة الاستراتيجية في ضوء الأسس المحددة و الأهداف المشودة.

تخطيط استراتيجي:

- الخطط و البرامج طويلة الأجل.

- الخطط و البرامج متوسطة الأجل.

- الخطط و البرامج قصيرة الأجل.

تنفيذ الاستراتيجية:

- الخطط والأهداف - الرقابة و التقويم.

في المجال الإجتماعي:

- المؤسسات الحكومية.

- المؤسسات غير الحكومية. (القطاع الخاص) - مؤسسات المجتمع المدني.(**) في المجال الإقتصادي:

- السياستين المالية والنقدية.

- السياسات السعرية.

- سياسات الموارد البشرية.

- سياسات الموارد غیر البشرية.

- سياسات إستيعاب التطور التكنولوجي.

في المجال الإجتماعي:

- القيم و الأخلاق العامة.

- شبكة الحماية الإجتماعية.

- تنظيم الاسرة و الفرد.

- خطط الصحة.

- خطط التربية والتعليم.

- خطط الرفاهية والسعادة الإجتماعية.

ص: 218

والسؤال الذي يطرح هنا، هل تمكن الامام عليه السلام من تطبيق كامل للنموذج على أرض الواقع لكي تظهر نتائجه كاملة في تلك الفترة الزمنية؟ ستكون الإجابة، حتما، کلا، فقد تم تطبيق جزءٍ منه فقط. حيث لم تكن الظروف مؤاتيه لعملية التطبيق بشكل كامل. حيث يعود سبب ذلك إلى فترة حكمه القصيرة جداً، والمضطربة سياسياً أيضا.

أن تصدي الإمام (عليه السلام) لمعالجة المشاكل التي أفرزتها هذه الظواهر الاقتصادية لم يكن مقتصراً على الزمن الذي كتب فيه العهد فحسب، وانما تطلع ايضا نحو الأزمان اللاحقة. وهذا يعني احتواء العهد على المبادئ الاقتصادية التي من شأنها الاستجابة لما تقضي به تغیرات الحياة وتبدلاتها وبها تقضي به حاجة الأمة في تطورها.

التفعيل المبكر لمنطقة الفراغ التشريعي لمعالجة الحالات القائمة واستيعاب المستجدات المستقبلية

لقد اتضح لنا مما سبق بأن عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن المرحلة محددة، بل كان رسالة لاستشراف المستقبل، بعث فيها برنامجاً اصلاحياً شاملاً. إن القراءة الدقيقة لعهده المبارك تبين أنّ هناك خطابا موجهاّ للأجيال القادمة. فقد كتب الإمام (عليه السلام) فيه: «ثمّ أمضِ لكلّ يوم عمله; فإنّ لكلّ يوم ما فيه».

المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين:

أحدهما قد مُلئ من قبل الإسلام بصورة مُنجزة لا تقبل التغيير و التبديل.

والآخر يشكل الفراغ في المذهب قد ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة (أو ولي الأمر) يملؤها وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي و مُقتضياتها في كل زمان.

ص: 219

ويمكن اقتراح المخطط البياني الآتي لتبسيط التصور حول كيفية تواجد منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي. كذلك لبيان درجة مرونة هذه المنطقة وامكانية تمددها الاستيعاب المستجدات لا سيما في المجال الاقتصادي:

منطقة الثوابت منطقة في التشريع الإسلامي منطقة الواقع العملي منطقة الثوابت والتي مُلأت من قِبل الإسلام بصورة مُنجزة لا تقبل التغيير و التبديل منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي منطقة الواقع المُعاش الذي ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة (أو ولي الأمر) يملأها وفقأ المتطلبات الأهداف العامة للإقتصاد الإسلامي و مُقتضياتها في كل زمان.

ص: 220

تطبيق النموذج المستنتج في اصلاح الاقتصاد العراقي

- لقد أصبحت عملية الإصلاح الاقتصادي وإعادة التوازن الى الاقتصاد العراقي أمراً حتمياً و يدعو إلى التفتيش الدقيق عن نموذجٍ اقتصادي مناسبٍ يمكن تطبيقه على أرض الواقع.

- إن تطبيق نموذج التوازن العام المستخلص من عهد الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه)، يمكن ان يؤدي الى تحقيق عملية الإصلاح الاقتصادية الشاملة في العراق. حيث أنه يمثل الاستراتيجية البديلة التي تستهدف تنظيم كافة الأنشطة والفعاليات الاقتصادیة من أجل بناء قاعدة صلبة لإجراء وتطبيق سياسات الإصلاح. ومن أجل تطبيق هذا النموذج لا بد من توفر جميع شروطه التي ذكرناها في المبحث الرابع، والمتعلقة بالجوانب الاقتصادية والإدارية و التشريعية. وكذلك فيما يتعلق بالاستراتيجية المطلوبة لتنفيذه وبكل التفاصيل التي ذكرناها.

ص: 221

الاستنتاجات:

إن القراءة الدقيقة و المعمقة للعهد المبارك أوصلتنا إلى الاستنتاجات الاتية:

1 - اكتشاف اسس نموذج للتوازن الاقتصادي العام تنبثق من الفكر الإسلامي الحنيف. حيث يمكن أن يكون بديلا للنماذج التي اقترحت وتم تطبيقها ولم تنجح كلياً في تفادي الأزمات الاقتصادية أو الاختلالات.

2 - أنه نموذج مرن ويمتاز بالاستمرار وعدم الجمود في مرحلة معينة من التنفيذ.

3 - هناك تفعيل مٌبكر لمنطقة الفراغ التشريعي الإسلامي بحيث تستوعب جميع التطورات الاقتصادية عبر المراحل الزمنية المختلفة.

4 - تستوجب شروط تطبيق النموذج وجود قيادة مؤمنة، واعية، ومؤهلة تأهيلاً عاليا مثل شخصية مالك الأشتر (رضي الله عنه). حيث كان العهد موجهاً اليه مباشرةً ليتحمل مسؤولية تنفيذه.

5 - يمكن تطبيق النموذج للوصول الى الحلول المناسبة لكل واقع جديد، كواقع الاقتصاد العراقي مثلاً.

ص: 222

عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر الدستور الاداري للدولة الرائدة أ. م. د. مهدي حسين التميمي

اشارة

ص: 223

ص: 224

المقدمة:

استوفي العهد التاريخي الخالد للإمام علي (عليه السلام) لواليه الكفوء مالك الاشتر قيّم وإعتبارات التأدية الرشيدة للمهام العامة والخاصة للدولة، وعلي هديّ المبادئ المثلى للشريعة الاسلامية، مشتملاً على توصيف الاعمال والمهام الرئيسية في الدولة، وبالأخص منها الجيش، والقضاء،والزراعة، والتجارة، والصناعة، وولاية الاقاليم، وما يختص بالرقابة على الاداء وقد إغتنيت مواردها بالفيض من المبادئ والتوجيهات القيّمة القدر للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ليكون العهد بالحق الدستور الاداري للدولة الرائدة وقد وافينا في هذا البحث ما يختص بما قد ذكر، وخلصنا الى التوصيات والمقترحات المتعلقة بالبحث، متمنين أن نكون قد استوفينا القدر المأمول من غايته، وبالله التوفيق

أولاً: الاعتبارات المبدئية في تولي المسؤولية:

إشتملت ديباجة العهد على الإعتبارات المبدئية الخاصة بالسلوك الرشيد لتولي الشؤون العامة وعلى هديّ المبادئ المثلى للشريعة الاسلامية مجسدة ب:

«تقوى الله وإيثار طاعته، وإتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسنتّه» «أن تكون أحب الذخائر اليه ذخيرة العمل الصالح» «أن يشعر قلبه بالرحمة للرعية، والمحبة لهم،واللّطف بهم» ونّوّه (عليه السلام) بالقيم الاعتبارية الخاصة بالعدل الاجتماعي بملافاة الفوارق العرقية والدينية بين الناس: «فأنهم صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلقِ، وفي هذا الجانب الاعتباري الهام في سلوك الدولة مع مواطنيها، فإن الامم

ص: 225

المتحدة، وفي تقييمها لذلك العهد: «أقرّت الدعوة لإتخاذ القائد الإسلامي الإمام علي (عليه السلام) مثالاً لتشجيع المعرفة وتأسيس الدولة على مبادئ العدالة واحترام الانسان»، وقد جاء التقرير الخاص بذلك والذي اشتمل على اكثر من (160 صفحة)، والصادر عن «برنامج الامم المتحدة الانمائي الخاص بحقوق الانسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم» (UNDP) على ذكر مقتطفات من الوصايا الواردة في ذلك العهد وبشكل خاص ما يتعلق بالمشورة ما بين الحاكم والمحكوم، ومحاربة الفساد الاداري والمالي، والعدالة لجميع الناس، وتحقيق الاصلاحات الداخلية، وما ورد في نهج البلاغة من وصايا الامام (عليه السلام) والخاصة برئيس الدولة»(1) وقد تضنمت توجيهات الامام (عليه السلام)، وفي الجانب الاعتباري من المسؤولية جوانباً هامة من علم النفس السلوكي في القيادة الانسانية الرائدة:

- «ولا تقولّن إني مؤمّرُ آًمر فأطاع، فان ذلك إدغال (إفساد) في القلب ومنهكة في الدين» - «أعطهم من عفوّك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فانك فوقهم، ووالي الامر عليك من فوقك... وقد استكفاك أمرهم».

- «وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهّة أو مخيّلة فانظر الى عظم ملك الله فوقك، وقدرته على ما لا تقدر عليه من نفسك، واياك ومساماة الله في عظمته، والتشبّه به في جبروته، فان الله يذّل كل جبارٍ ويهين كلَ مختال» - «وليكن أحبّ الامور إليك أوسطها في الحق، وأعمّها في العدل، واجمعها لرضى الرعيّة، فان سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وان سخط الخاصة يُغتفر مع رضى العامة«.

- «وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم (أبغضهم) عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن

ص: 226

في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها.. وإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك« - «أطلق عن الناس عُقدة كل حقدٍ، واقطع عنهم سبب كل وترٍ، وتغاّب عن كل ما لا يُضح (يظهر) لك ولا تعجلن في تصديق ساعٍ..» وحذر الامام (عليه السلام) من آفة المحسوبية في توجيهه الاعتباري لواليه الاشتر:

- "أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك...» - " وتحفظ من الاعوان «، و «إلزم الحق من لزّمه القريب والبعيد، وكُن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع« وقدّم الامام (عليه السلام) بأزاء ما قد ذكر قائمة بالسلوكيات (الغرائز) السلبية في مجال العمل الاداري،وبالأخص منها ما يتصل بالعمل الاستشاري، موضحاً ازاء كل غريزة منها النتائج المترتبة عليها:

- «ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعّدك الفقر» - « ولا جباناً يضعفك عن الامور» - «ولا حريصاً يزين لك الشرّه بالجور، فان البخل، والجبن و الحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله» - وفي تلك التوجيهات الاعتبارية دلالات حيوية للتنبيه عن موارد الفساد الاداري - - الفردي والنظمي - والتي تشير اليها الدراسات الحديثة الخاصة بالإصلاح الاداري.

ص: 227

توصيف الاعمال والمهام:

جاء الامام علي (عليه السلام) على ذكر فئات الاعمال الرئيسية في الدولة ومهامهم وبما اسماها ب «الطبقات» وصنف العاملين بمقتضاها،وادوارهم، وتعاضدهم في المسؤولية، وحيث: «لا يصلح بعضها إلا ببعضٍ، ولا غنى ببعضها عن بعضٍ«، واشتمل ذلك التوصيف الوظيفي على الآتي:

الجيش: وأسمى (عليه السلام) منتسبيه ب «جنود الله« وانهم كما وصف: «حصون الرعية، وزيّن الولاة، وعزّ الدين، وسبل الامان، وليس تقوم الرعية إلا بهم»، وأنه: «لابد للجيش من ميزانية خاصة به».

وذكر (عليه السلام) لواليه الاشتر مواصفات من يوليهم المسؤولية في هذا القطاع الحيوي:

- «انصحهم في نفسك الله ولرسوله ولأمامك» - «أنقاهم جيباً».

- أفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن العضب، ويستريح إلى العُذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على (يتجافى) الاقوياء، وممن لا يثيره العنف ولا يقعد به العنف«.

- وأن تسّند المسؤولية في هذا القطاع الحيوي ل«ذوي المروءات والاحساب» و «أهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثم أهل النخوة والشجاعة،والسخاء والسماحة».

ص: 228

ثانياً: القضاء:

وأشاد الامام (عليه السلام) بالقضاة أنهم: «قرّة عين الولاة في استقامة العدل في البلاد، وظهور مودّة الرعية، وانه لا تظهر مودتهم الا بسلامة صدورهم، ولا تصحّ نصيحتهم الا على ولاة أمورهم، وقلّة استثقال دولهم، وترك إستبطاء مدتهم«.

موصياً وإليه بأن يوسّع لهم في المجال الاعتباري - المادي والمعنوي:

«فأفسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوي البلاد منهم، فأن كثرة الذكر لحُسن أفعالهم تهز الشجاع، وتُحرّض الناكل (المتأخر)... ثم اعرف لكل إمرءٍ منهم ما أبلى، ولا تضمّن بلاء إمرءٍ الى غيره».

ويفيد الحاكم توفيق الفكيكي بصدد ما ذكر: «أنه يفيد زيادة الافضلية التي يجب أن يختار القاضي أو الحاكم من بين الحائزين عليها، والمتصفّين بها من أفراد الرعية المثقفين الافاضل، وكان الامام (عليه السلام) بعد أن أوجب على عامله أن ينتخب للقضاء أفضل رعيته علماً وتهذيباً أراد أن يلفت نظره الى جهة مهمة هي فوق العلم والثقافة الواسعة، وهي خاصية نفسية بحتة، وان كلمته: «أوقفّهم في الشبهات «يكشف بوضوح عن مقصده الشريف، فهو قد اشترط أن يكون القاضي أو الحاكم زيادة على ما هو عليه من الفضل من ذوي النفوس الحساسة والذكاء المتّقد والنباهة الشديدة الذين يبددون بنور اليقين ظلمات الشك لئلا يلتبس عليهم الامر «ذلك لأن الشبهات هي ما لا يتضح الحكم فيها بالبعض، فينبغي الوقوف عند القضاء إذا إستبهم وجود الحل حتى يرد الحادثة الى أصل صحيح، وقد تعترض الحكام هذه الشبهات في القضايا الجزائية أكثر منها في القضايا الحقوقية «فوضعوا قاعدة عامة أصبحت مثلاً سائراً وهي: «أن براءة ألف مجرم خير من تجريم بريء واحد«، وقد

ص: 229

أرادوا بها تنبيه الحكام بأن يحذروا الشبهات التي تدفعهم إلى انزال الحد والعقاب بحق الابرياء من جراء ما يحصل في التحقيق من تضليل وقد قال (عليه السلام):» ادرؤوا الحدود بالشبهات «وقد سار علماء الجزاء كافة والمشرعون للقوانين العقابية على هذا الاساس فوضعوا قاعدة عامة ومتبعة وهي: «إن حصل شك في مفهوم مواد القانون الجنائي فيجب تفسيرها وتأويلها لصالح المتهم«، ولهذا الغرض أوصى الامام (عليه السلام) عاملة الاشتر أن يختار قضاته من أفضل رعيته ومن أوقفهم على الشبهات وأخذهم بالحج، وأقلهم تبرماً في الثناء والاطراء، وقد أخذت حكومات العالم في هذا العصر بهذه النظرية الحكيمة فوضعت نظاماً للتفتيش العدلي وهذا يدل على أن أمير المؤمنين علياً قد وضع دستوراً من أرقى الدساتير لتنظيم دولته في ذلك العصر»(2) وقال العشماوي - أستاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة - عن كلام الامام (عليه السلام) للأشتر بشأن القضاة «أنه لم يرد كلاماً غيره وفي أي دستور من دساتير العالم يفصّل مهمة القضاة وطرق اختيارهم مثل ما فعل»(3).

الزراعة عمارة الارض:

وجّه الامام (عليه السلام) بشأنها بأن:» يكون النظر بعمارة الارض أبلغ من النظر باستجلاب الخراج، لأن ذلك لا يُدرك إلا بالعمارة، وأن من طلب الخراج بغير عمارةٍ أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً"، منوهاً الى ضرورة الاعتناء بالعاملين بقطاع الزراعة بتأمين كامل احتياجاتهم:

«فإن شكوا ثقلاً أو علة، أو انقطاع شرب أو بالة(4) أو إحالة أرض إغتمرها غرق، أو أحجفها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به مرهم، ولا يثقلّن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم».

ص: 230

مشيداً بالمزارعين بأنهم :«ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك «منوهاً (عليه السلام) بأن: خراب الأرض - انما تؤتي من إعواز أهلها لأشراف أنفس الولاة على الجمع وقلة انتفاعهم بالعبّر».

التجارة: نبه الإمام (عليه السلام) لما يكون من شأن الكثير من العاملين فيها من «الضيق الفاحش (عسر المعاملة)، والاحتكار للمنافع، والتحكم في البياعات، وذلك كما وصف (عليه السلام): «مضرّة للعامة، وعيب على الولاة «، موصياً واليه بشأن ذلك:» أن يمنع من الاحتكار، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه، وأن يكون البيع سمحاً، بموازین عدل،، و اسعارٍ لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع».

وأوصى (عليه السلام) بأن يُعاقب المحتكر:

«فمن فارق بعد نهيّك أياه فنکّل، وعاقب من غير إسراف»، وإستوصی (عليه السلام) فيمّن أسماهم با «الطبقة السفلى»، من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين وأهل البؤس، والزُمنی (ذوي العاهات)،.. وأن يجعل لهم قسماً من بیت المال، ومن غلاّت صوافي الاسلام في كل بلد«.

الكادر الوظيفي:

وجّه الإمام (عليه السلام) باعتماد جملة من الاعتبارات المبدئية التي تخص بمهامهم ومنها:

- «أن يتولى على الأمور: خيرهم، ممن لا تبطره الكرامة فيتحرى بها في الخلاف».

- «أن يكون اختيارك إياهم على فراستك وإستنامتك(5)، وحُسن الظن منك».

- «أختبرهم بما ولّوا للصالحين من قبلك، فإعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرّفهم بالأمانة وجهاً».

ص: 231

وان تسند المسؤولية ل«ذوي المروءات والاحساب وأهل البيوتات الصالحة، والسوابق الحسنة، ثم أهل النخوة والشجاعة، والسخاء والسماحة..، وان يكون ممن لا تبطره الكرامة فيتحرى بها في الخلاف في إيراد مکاتبات العال، ولا يجهل قدر نفسه في الامور.

وكانت من المبادرات الخلاّقة في الحكم الرائد ما أشار به الإمام (عليه السلام) لإعتماد قسم عام يختص بالنظر في مظالم الناس يتولاه المسؤول نفسه:

«وإجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرّغ لهم منه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً، فتتواضع فيه الله الذي خلقك، وتُقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشراطك حتى يكلّمك متكلّمهم غير متعتع (متردد)، فأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم يقول في غير موطن: «لن تقدس امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متعتع، ثم احتمل الخُرق (العنف) منهم والعي، ونحّي عنك الضيق والانفّ..».

وعلى وفق تلك الاعتبارات المبدئية في السلوك الإداري، والتحديد لصفات الموظف في موقع المسؤولية، فإن الإمام (عليه السلام) وعند توليه المسؤولية قد عمد الى الاستغناء عن خدمات بعض موظفي الدولة حرصاً على تطبيق الشريعة الاسلامية: «وإن كان ذلك سيضعف بكرسي الخلافة.. وبالرغم من نصح الناصحين بإبقائهم في مراكزهم الادارية خوفاً من مشاغبتهم»(6)

ص: 232

التنظيم اللامركزي للسلطة الادارية:

وأن التفويض الذي منحه الإمام (عليه السلام) لواليه الاشتر يندرج ضمن ما يسمى ب«اللامركزية في الادارة، واتخاذ القرارات «والذي يُعد اليوم من أكثر أشكال الحكم المحلي تطوراً، ويشار إلى: أن النظر في جملة التوجيهات التي أوردها أمير المؤمنين (عليه السلام) لواليه الأشتر فيما يختص ب«جباية خراج مصر، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعارة بلادها»: تعطي دليلاً على المقدرة الادارية الكبيرة التي كان يتمتع بها الامام علي (عليه السلام)، وهو يدرك بالتمام خاصية العوامل المحلية، إضافة إلى مقدرات ولاتّه، وهو ما يُعد مؤشراً ذا دلالة على المستوى الاداري المتقدم الذي بلغه المسلمون في العهد الأول من الاسلام، وهو يوازي ما يطلق عليه اليوم في علم الادارة ب «الاستراتيجيةٍ Strategic Management»، وأن الترتيب الذي جاء عليه الإمام (عليه السلام) في عهده للأشتر: «جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعارة بلادها» - کما مر - يفيد بالتمام بأن الامام علي (عليه السلام): كان يتمتع بقدرة فائقة على ترتيب الاولويات، وذلك لأن الخراج كان يمثل أكبر مصدر اقتصادي من مصادر الدولة الاسلامية في ذلك الوقت، ومالم تؤمن جبايته فلن تفلح الدولة في قتالها العدو، ولا في استصلاح الأرض، ولا في عمارة البلاد، ولذلك كان يجب تأمين النفقات المتعلقة بالجهاد، وأن عمارة البلاد واستصلاح الناس الذين يقومون بتعمير الأرض لا يمكن القيام به بدون الحصول على اموال الخراج«.

وقد اشير الى أن العهد بأكمله - وعلى وفق ذلك -: «مليئ بها يطلق عليه علماء الادارة في العهد الحاضر ب(القيم الصميمية أو الجوهرية Core Value)، والتي الخصها الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر با «تقوى الله، وایثار طاعته واتباع ما

ص: 233

أمر به في كتابه وسنته، وبسط القسط والعدل بين الرعية، وحل عقدة الأحقاد من قلوب الناس بحسن السيرة معهم.. وقطع سبب کل عداوة..» وأن جميع تلك القيّم الصميمية تتساوق وتنسجم مع رسالة الإمام (عليه السلام)، وبالتالي فانها تؤدي إلى انجاز الرؤيا المستقبلية المشتركة، وهذا ما ينادي به أساطين الادارة الحاليين، وان قائمة أي شركة ربما تحتوي على: «الاستقامة، الانفتاح، الامانة، الحرية، تساوي الفرص، الجدارة، والولاء «، وان العهد قد احتوى على جميع تلك القيم التي ذكرها «Senge» من اساطين الادارة الحاليين، والتي اسماها «قيّماً جوهرية، أو صميمية»، وان هذه القيم کما ذُکر: «لا تساوي شيئاً إذا ما قُورنت بالقيم التي احتوى عليها العهد»(7)

الرقابة الفعالة:

واشتمل العهد على الجانب الذي يختص بمراقبة السلوك الوظيفي وتوجيهة الوجهة السليمة، وقد كان الامام علي (عليه السلام) سبّاقاً لمعرفة وظيفة الرقابة وممارستها والابداع فيها، وتسخيرها في مجال الاختبار لكفاءة العاملين، ويبرز ذلك في المقطع التالي من عهده للأشتر:

«ثم انظر الى أمور عمالك، فإستعملهم إختباراً، ولا توهم محاباةً «، وقد إستنتج بصدد ذلك بشمول الرقابة التي وجّه الإمام (عليه السلام) بإستخدامها لأنواع الرقابة الثلاث المعروفة في عالم الادارة اليوم، وهي: «الرقابة الناظرة، Foreward Looking»، والرقابة المتزامنة مع القيام بالأعمال ” Concurrent Control، والرقابة الناظرة للخلف ” Backward - Looking ،.(8) وكان الإمام (عليه السلام) يُتبع الدور الرقابي بالتوجيه بحسُن التقييم للإنجاز الوظيفي ليضمن في ذلك فعالية وأهلية الدور الرقابي و تحقيقه للغاية المنشودة منه،

ص: 234

وكان في ذلك توجيهه الريادي:

«ولا يكونّن المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الاحسان وتدريباً لأهل الاساءة على الاساءة، وإلزم کلاً منهم ما ألزم نفسه»

البعد الاجتماعي للأدارة:

وتخّطت مفاهيم الادارة عند الإمام (عليه السلام) الجانب الوظيفي الى الاعتبار الاجتماعي العام للوظيفة الادارية، ومن خلال التوجيه بالاهتمام بشؤون الفرد وطموحاته، وتنظيم علاقاته مع نفسه، ومع الآخرين، وقد توخي الإمام (عليه السلام) هذا البعد الاجتماعي في الادارة في قوله للأشتر:

«واشعر قلبك بالرحمةِ للرّعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخُ لك في الدين، وإما نظيرُ لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلّل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطاء، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تُحب أن يُعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الامر عليك فوقك، والله فوق من ولّاك، وقد استكفاك أمرهم، وإبتلاك بهم» «أطلق عن الناس عقدة كل حقدٍ، وإقطع عنهم سبب كل وترٍ، وتغّابَ عن كل ما لا يضح (يظهر) لك» «وإعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حُسن ظن والٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك إستکراهه إياهم علي ما ليس له قبله، فليكن منك في ذلك أمرُ يجتمع لك به حُسن الظن برعيتك»

ص: 235

واختتم الإمام (عليه السلام) عهده للأشتر بتذكيره بواجبه الشرعي في المسؤولية:

«والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدّمك: من حكومة عادلة، أو سُنّة فاضلة، وأثر عن نبينا (صلى الله عليه وآله)، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا».

وسأل الإمام (عليه السلام) الله تعالى أن يوفقه مع واليه الاشتر: «لما فيه رضاه من الاقامة على العذر الواضح اليه والى خلقه، مع حُسن الثناء في العباد، وجميل الاثر في البلاد » وقد نال الامام علي (عليه السلام) بالحق حُسن الثناء في العباد وعلى الاتم من ذلك، وجميل الاثر على مر الاجيال التي ظلت تستذكر مأثرات ومآثر حكمه الرشید، المستهدي بقيم الرسالة السمحاء التي حمل الامام (عليه السلام) لواءها بالجهدِ والجهاد، ثم بالشهادة.

ص: 236

التوصيات والمقترحات:

(1) - أن المبادئ وقيم السلوك الاداري (التدبيري) الرشيد والتي وردت في العهد جديرةً بأن تُعتمد منهاج عمل في اوجه النشاط الاداري والاقتصادي، وبما یُرشّد مسارات النشاط ويرتقي بها الى المستوى الأمثل في الاداء كوظيفة اجتماعية مقدسة.

(2) - أن العهد بقيمه الاعتبارية المُثلى - وفي الشأنين الاداري والاقتصادي، والتي أشاد بها التقرير الأممي - جديرةٌ بأن يحظى بما يليق به من الاهتمام في الدراسات الادارية والاقتصادية في الجامعات والمعاهد المتخصصة بشكل عام، وفي الاطاريح الجامعية على وجه الخصوص.

(3) - ضرورة الاستخدام للعبارة الأكفأ في الدلالة على مجالات التأدية الرشيدة للمهام وهي "التدبير"، والتي وردت ضمن خطب و تقریرات الامام علي (عليه السلام) والتي انتظمها «نهج البلاغة»، وكمثل ما وردت في آيات عدة من القرآن الكريم عوض عبارة «الادارة والتي وردت في الآية «283 من سورة البقرة"، وهي لا تفيد المعنى المقصود، وقد وافينا في كتابينا «الفرق بين الادارة والتدبير «، و» الامام علي (عليه السلام) - التدبير القيادي للدولة - «ببیانات وافية عن ذلك، مؤملين أن يُصار إلى مؤتمر أو ندوة متخصصة بشأن ذلك.

ص: 237

مصادر البحث:

1 - نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، مؤسسة المختار، القاهرة، الطبعة الاولى، 2006.

2 - المعجم المفهرست لألفاظ نهج البلاغة، دار التعارف، بیروت، الطبعة الأولى، 1990.

3 - الراعي والرعية، توفيق الفكيكي، دار الغدير، الطبعة الأولى، 1429 ه.

4 - ملامح الفكر الاداري عند الامام علي (عليه السلام)، د. حسن الشيخ، دار مؤسسة أرسلان، دمشق، 2010.

5 - نظرية التنظيم والادارة في فكر الامام علي (عليه السلام)، د. عیسی مكي عبد الله، مکتبة فخراوي، المنامة، البحرين، 2009.

6 - الامام علي (عليه السلام) - التدبير القيادي للدولة - د. مهدي حسين التميمي، العتبة العلوية المقدسة، الشؤون الفكرية والثقافية (127)، الطبعة الأولى، 2015.

7 - الفرق بين الادارة والتدبير، د. مهدي حسين التميمي، بیت الأفكار الدولية، عمان، الطبعة الأولى، 2005. 8 - کراس خاص بندوة «عهد الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر «، رئاسة ديوان الوقف الشيعي، جامعة بغداد، 2012.

ص: 238

الهوامش

1 - کراس خاص لندوة "حول عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر، ص 31 - 41.

2 - الراعي والرعّية، ص 08 - 28.

3 - الاغراض الاجتماعية في نهج البلاغة وتمهيد لمعظم الفاظ نهج البلاغة.

4 - ما يبل الأرض من ندی ومطر.

5 - الاستنامة: السكون والثقة.

6 - ملامح الفكر الاداري عند الامام علي (عليه السلام)، ص 74.

7 - نظرية التنظيم والادارة في فكر الامام علي (عليه السلام)، ص 42 - 62.

8 - نظرية التنظيم والادارة في فكر الامام علي (عليه السلام)، ص 513 - 613.

ص: 239

ص: 240

عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) بين وجهة النظر الاقتصادية والدروس المستفادة منها على واقع الاقتصاد العراقي الأستاذ الدكتور هيثم عبدالله سلمان رئيس قسم الدراسات الاقتصادية مركز دراسات البصرة والخليج العربي - جامعة البصرة

اشارة

ص: 241

ص: 242

المقدمة:

يُعد العهد الذي كتبه علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر من أرقى الكتب التي عهدها خليفة لولاته وعماله، فقد جمعت الترتيب المتوالي بين علم السياسة، وعلم الإدارة، وعلم الاقتصاد، وبين مدى التلازم ما بين العلوم الثلاثة بشكل تسلسلي هرمي. فبدأ عليه السلام «هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين، مالك الأشتر في عهده إليه، حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها»(1)، فالأمر سياسةً، والعهد إدارةً، ولجباية وغيرها اقتصاداً؛ وبذلك وضع عليه السلام الأسس العلمية لإدارة البلاد والعباد من خلال كلام شاف وكاف جامعً ومانعً، فلا مختصر محل ولا اسهاب ممل.

وقد ضم العهد بعض المضامين الاقتصادية التي من الأحرى بنا في العراق الآن ونحن نعاني من مشکلات اقتصادية واجتماعية وسياسية الالتفات لها وعلاجها من خلال اتباع توجيهات أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر؛ وذلك لا لعلاجها فقط، ولكن للحفاظ على وحدة العراق أولاً ولتحقيق التنمية المستدامة التي عجزت عن تحقيقها معظم الدول العربية.

مشكلة البحث:

تنبع المشكلة في إن عدم اتباع وصايا أمير المؤمنين في إدارة حكم البلاد سيخلق أزمات اقتصادية كثيرة لا حل لها، وهو كما قال الإمام زین العابدین (عليه السلام)... «فالمتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق»(2).

ص: 243

أهمية البحث:

إن الارث العلمي لباب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لابد من استثماره بشكل دقيق و كفوء من خبراء فعليين قادرين على استنباط الحلول كافة لمجمل الازمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، إذ قال عليه السلام... «أمرنا صعب مستصعب لا يتحمله إلا ملك مقرب أو نبی مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للإیمان»(3).

فرضية البحث:

استند البحث إلى فرضية مفادها إن الابتعاد عن تطبيق الاقتصاد الاسلامي في الاقتصاد العراقي سيفاقم المشكلات الاقتصادية والإدارية إلى درجة الوقوع في شرك دوامة الحلقة المفرغة، وما عهد أمير المؤمنين المالك الأشتر إلا صورة مبسطة لإدارة الحكم والاقتصاد الاسلامي.

هدف البحث:

يهدف البحث إلى ما يأتي:

1 - توضيح المضامين الاقتصادية لعهد أمير المؤمنين لكيفية إدارة الحكم في ولاية مصر.

2 - بيان أيها له الأولوية في إدارة الحكم الرشيد علم الاقتصاد أو علم الإدارة أو علم السياسة.

3 - بیان أيهما له الأولوية في إدارة الحكم الرشيد العدالة أو المساواة.

4 - تلخيص فلسفة أمير المؤمنين في كيفية إدارة الحكم، وما هي إمكانية استنباط الحكم الملائم في إدارة حكم العراق وإدارة موارده الاقتصادية؟

ص: 244

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي لعهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر في ولاية مصر

أولاً: نبذة مختصرة لشخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)

مما لا ريب فيه إن من الصعب جداً الإحاطة بشخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) ويرضى عنها الجميع من مراجع و علماء دین ورجالاته وغيرهم من علماء أجلاء، فكل ما قيل وكل ما يقال هو غيض من فيض، ومثله مثل قطرة في بحر لجي فما بال بضعة سطور يكتبها باحث على عجل، ولكن من سهل الأمر في وصفه، هو نفسه الذي يصعب وصفه وهو عليه السلام عندما قال «رضا الناس غاية لا تدرك ورضا الله غاية لا تترك، فترك ما لا يدرك وأدرك ما لا يترك»(4)، فضلاً عن ما ذكرته الحكمة المشهورة «ما لا يدرك كله لا يترك جله».

ولذلك لا يمكن التطرق إلى شخصيته المقدسة (عليه السلام) لتجنب القصور والتقصير، وإنما التطرق إلى محيط شخصية (عليه السلام) من خلال الاستعانة ببعض ما وصفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال «أنا مدينة العلم وعليً بابها»، وقال «أنت مني بمنزلة هارون من موسی ولكن لا نبي بعدي»، وقال ايضاً «أنا وأنت يا علي أبوا هذه الأمة»، وقال كذلك «لا يعرف الله إلا أنا وأنت، ولا يعرفني إلا الله وأنت، ولا يعرفك إلا الله وأنا»(5).

ويظهر من ذلك كله، أنه (عليه السلام) باب مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأحد أبوي ص: 245

الأمة، فضلاً عن أول من عرف الله (عَز وجل) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثم أصبح بذلك إمام الورى والتقى، وأبا الأئمة (عليهم السلام)، وبالتالي جعله الله (عز وجل) قسيم الجنة والنار بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «حب علي إيران وبغضة كفر»(6). هذه هي لمحة من محيط شخصية علي أمير المؤمنين وسيد الوصيين ويعسوب الدين وإمام المتقين.

ثانياً: شخصية مالك الأشتر

هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمه بن ربيعة النخعي، ولقب بالأشتر لأن أحدى عينيه (شترت) أي شقت في معركة اليرموك(7)، وكان رئیس قومه وقد روي عن أبي ذر وعلي بن أبي طالب وصحبه، وشهد معه الجمل وله فيها آثار وكذلك في صفين، ولاه الخليفة علي (عليه السلام) مصر بعدما صرف عنها قيس بن عبادة عنها، ومعه شهادة من الإمام علي (عليه السلام) «أما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف...»(8)، وهو لما وصل إلى القلزم وقيل العريش شرب شربة عسل مسموم، فتوفي متأثراً بالسم عام 37 ه، ويعزى هذا التدبير لمعاوية بن أبي سفيان فهو القائل وأشياعه: وإن لله جنوداً من عسل(9)، وقال عليه السلام عندما جاءه نعي مالك الأشتر (رحمه الله): مالك وما مالك! والله لو كان جبلاً لكان فندا، ولو كان حجراً لكان صلدا، لا يرتقيه الحافر ولا يوفي عليه الطائر(10).

مما يدل على أن شخصيته من الشخصيات البارزة في الإسلام، وكان من الرعيل الأول الصحابة أمير المؤمنين ومن المقربين لديه؛ لذلك اختاره لتولي هذه المهمة الكبيرة التي وضح الإطار الإسلامي الذي يتكفل بإرساء حكومة العدل الإلهي في ظل القوانين والنظم الإسلامية(11)، ولا تقتصر مفاهيم العهد على ولاية مصر وزمانها فقط ولكن تتعداه إلى كل مكان وفي أي زمان، لذلك جاءت شخصية مالك

ص: 246

الأشتر منسجمة تماما مع أهمية العهد وما يترتب عليه من مقاصد إسلامية سعی التوضيحها الإمام (عليه السلام).

ثالثاً: أوضاع ولاية مصر وسماتها للمدة (24 - 35) ه

لقد عانت ولاية مصر من أوضاع اقتصادية وإدارية واجتماعية وسياسية قاسية جداً؛ وذلك لكسب ولاءها للحكام، فضلاً عن أطماع الروم البيزنطيين والنوبيين، إذ ولى عثمان بن عفان ولاية مصر إلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح عام 24 ه، إذ اختلفت سیاسة عبدالله عن سياسة عمرو بن العاص الذي حكم قبله، فقد تشدد في جمع الضرائب وعامل المصريين بقسوة، واستمرت ولاية عبدالله بن سعد حوالي عشر سنوات حتى قتل عثمان بن عفان عام 35 ه(12). ثم تولى الخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قام بعزل عبدالله وولى قیس بن سعد بن عبادة الذي استلم ولاية مصر بأوضاع مضطربة، ففئة انحازت إلى معاوية بن أبي سفيان تطالب بدم عثمان، وفئة انحازت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولما علم معاوية أنه لم يستطع أن يستولي على مصر فحاول أن يستميل قيس إلى صفه، ولكن فطنة قيس وذكائه أدى به إلى كتابة رسالة إلى معاوية برد قاس وإرسالها إلى دمشق وذكر فيها ما نصه: «أما بعد، فالعجب من اغترارك بي يا معاوية وطمعك في، تسو مني الخروج عن طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقربهم للخلافة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم إلى رسوله وسيلة، وأوفرهم فضيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم بالزور وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من الله ورسوله وسيلة، ولا ضالين مضلين طاغوت من طواغيت ابلیس، وإما قولك : معك أعنة الخيل وأعداد الرجال، لتشغلن بنفسك حتى العدم»(13)، فلما وصلت رسالته إلى معاوية واطلع عليها يئس من قيس وعاود حيلته مرة أخرى، فزور رسالة نسبها إلى قيس، ثم أعلن

ص: 247

أمام الملأ من الشام أن قيساً قد انصرف عن مولاه وبايعني، وعندما بلغ الخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يصدق الأمر لعلمه بوفاء قيس، إلا أنه أبدله * ونصب محمد بن أبي بكر ولم يدم حكمه إلا مدة قصيرة حتى بعث معاوية بمستشارة الماكر عمرو بن العاص إلى مصر لإثارة الفتن والقلاقل، ثم انتهى الأمر بقتله، الأمر الذي أدى بأمير المؤمنين (عليه السلام) إلى اختيار مالك الأشتر لولاية مصر التي اتسمت بکبر مساحتها، وازدحام سكانها، وبعدها عن مركز الخلافة، ويقطنها مختلف الأقوام والقبائل ذات الثقافات المختلفة(14).

رابعاً: بعض المضامين الاقتصادية لعهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر

لقد أكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في مضمون عهده لمالك الأشتر على وحدة الدولة الإسلامية من الضياع والتفكك، والحفاظ على أمنها وسيادتها، وللحيلولة دون ضياع ولاية مصر کما ضاعت ولاية الشام علي يد معاوية. وقد استهل عهد أمير المؤمنين المالك الأشتر بشهادة له من عنده (عليه السلام) بقوله «إما بعد فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل من الأعداء ساعات الروع، أشد على الفجار من حريق النار»(15)، وهو بذلك أوكل أمر وإدارة شؤون ولاية مصر بأكملها من دون تردد وقلق، فقد أسندها إلى عبدً من عباد الله المخلصين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم؛ وذلك لأهمية ولاية مصر عن الأمصار.

وقد ركز عليه السلام في مضمون عهده إلى جملة من القضايا والأمور كان من أهمها الناحية الاقتصادية، وفيه أكد على القطاع الزراعي وما يتعلق به من شؤون دون القطاعات الاقتصادية الأخرى؛ وذلك لأن القطاع الزراعي في ذلك الوقت هو القطاع الإنتاجي الرئيس الذي يمول بیت المال (خزينة الدولة) من خلال ما پدره من أرباح وضرائب وخراج وغيره، وتوفيره لفرص العمل الكثيرة، فضلاً عن

ص: 248

ارتباطه الشديد بقطاع التجارة الداخلية والخارجية، ويمكن تحليل بعض المضامين الاقتصادية التي برزت ضمن عهده لمالك الأشتر بالآتي:

1 - نظام السوق

أشار أمير المؤمنين إلى أتباع نظام السوق بعنوان محل تلاقي إرادة البائع والمشتري (قانون العرض والطلب) بقوله: «ليكن البيع بيعاً سمحاً: بموازین عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع»(16).

أي بمعنى أنه أقر آلية السوق وتحرير الأسواق، ولكن بشرط إن لا تكون تلك الآلية تظلم البائع من خلال بخس سعر سلعته عند زيادة الإنتاج أو عند ظروف معينة كما في بروز ظاهرة الإغراق التجاري أو السلعي المسمى في الوقت الحاضر، ولا تظلم المشتري من خلال رفع سعر السلعة عليه عند احتكار السلع في أوقات معينة أو في حالة اندلاع حروب أو كوارث أو وقوع أزمات.

2 - الإدارة الكفء وحُسن التدبير

لقد اختار عليه السلام الصحابي الجليل مالك الأشتر من بين باقي أصحابه (عليه السلام) وعهدله ولاية كبيرة ومهمة وهي ولاية مصر؛ وذلك بناءً على أسس علمية ومعايير موضوعية وبحسب ما أقرته الشريعة الإسلامية السمحاء في كيفية تدبير أمور المسلمين وإدارة شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، إذ قال (عليه السلام) «ثم أنظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختیاراً، ولا توهم محاباة وأثرة، فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ فيهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدمة»(17)، وذلك لتولي المهام الإدارية، وللحفاظ على موارد الولاية سواءً أكانت موارد بشرية أم موارد طبيعية، ولاسيما الموارد المالية

ص: 249

المستحصلة من جباية الخراج آنذاك الذي يمثل المورد الرئيس للإيرادات العامة وتمويل بيت مال المسلمين، بوصفه الأموال التي يحصل عليها من الأراضي التي يتم فتحها عنوة بالسيف أو لا، فضلاً عن جمع الضرائب وفرض الرسوم.

وقد أشار الإمام (عليه السلام) بضرورة أن يتحلى العامل على أمور المسلمين بحُسن التدبير من خلال الاهتمام بنظام الأولوية في التنفيذ، بقوله «ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد»(18)، فقد أشار الإمام إلى ضرورة الاهتمام بالأراضي الزراعية واستثمارها من خلال استصلاحها وزراعتها، وعُد النفقات التي تنفق في عمارة الأرض استشاراً مها لزيادة إنتاجية الأرض الزراعية(19)؛ وذلك لأنه القطاع الزراعي في ذلك الوقت كان هو القطاع القائد الذي يمول القطاعات الاقتصادية الأخرى، فضلاً عن أنه يحقق الاكتفاء الذاتي بالمنتجات الزراعية، فضلاً عن ضرورة الاهتمام بإنشاء البني الارتكازية للدول من خلال عمارة الأرض، ولا يقصد بها هنا استصلاحها وزراعتها فقط، ولكن أعمارها بما يخدم المجتمع سواءً للزراعة أم للصناعة أم لتقديم الخدمات الأخرى، فالمشاريع الصناعية والتجارية والزراعة وغيرها جميعاً لا تتم إلا إذا توفرت لها الأرض الملائمة للإنشاء أو للتشييد أو للزراعة أو لغيرها. وينبغي أن تكون الضريبة أو الخراج يتناسبان مع قيمة الاستثمار أو الربح المتوقع، فلا يمكن فرض ضرائب أو خراج برسوم كبيرة يمكن أن تثقل المستثمر وتعيق عمله.

ص: 250

3 - الأزمة أو الدورات الاقتصادية

لقد أشار العهد إلى تعرض النشاط الاقتصادي إلى الدورات الاقتصادية، أما أن تكون كساداً أو انتعاشاً أو رواجاً أو انكماشاً، ولاسيما في القطاع الزراعي (الخراج) من خلال ما ذكره عليه السلام بقوله(20)، «فأن شكوا ثقلاً أو علة، أو انقطاع شرب أو بالة، أو احالة أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجوا إن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم»(21)، ولا تقتصر الدورات الاقتصادية في القطاع الزراعي فقط لكن يشمل القطاعات الاقتصادية كافة، لذا يجب أن يكون بيت مال المسلمين هو الكافل بتعويض خسائر الرعية بسبب اندلاع الأزمات اقتصادية، وتخفيف عبء الخراج والضرائب والرسوم عليه في حال حدوثها.

4 - مبدأ الشفافية

لقد أكد أمير المؤمنين (عليه السلام) في معظم مضمون عهده لمالك الأشتر على توخي الحذر والتعامل مع الناس، فأنهم في رأي الإمام صنفان «أما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق»، فلا ينبغي المساس بحقهم، فضلاً عن الابتعاد عن ظلم الرعية من خلال تطبيق القانون بشكل تعسفي، وقال (عليه السلام) في محاربة الفساد «والله لو وجدته قد تزوج النساء وملك به الإماء لرددته فأن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق»(23)، وقد أورد الإمام (عليه السلام) في عهده موارد كثيرة تخص محاربة الفساد وظلم الناس، ومنها قوله «وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية»(24)، وقوله كذلك «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه»(25).

ص: 251

5 - الحكم الرشيد

لقد أمر عليه السلام مالك الأشتر «جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها»(26)، هذه هي فلسفة الحكم الرشيد الذي رسمه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فمن خلال الشكل رقم(1) يتبين أن هرم إدارة الحكم الرشيد لأمير المؤمنين (عليه السلام) قد ركز في أول مهام الحكم الرشيد على بناء القاعدة الأساسية وهي كيفية الجباية لتقوية أركان الدولة مادياً لتهيئة المستلزمات الضرورية لتسليح جيشها لحمايتها ودفع الأعداء عنها، ثم تنمية الموارد البشرية لتحقيق التنمية الاقتصادية.

ولأجل تطبيق فلسفة أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم الرشيد يستلزم اختيار شخصية متميزة قادرة على تنفيذ المتطلبات جميعهاً وفق رؤية الإمام ولا يمكن الاجتهاد أمامها لأنه إمام معصوم واجب الطاعة، وعلى هذا الأساس جرى اختيار مالك الأشتر لهذه المهمة الكبيرة.

ص: 252

الشكل رقم (1) هرم إدارة الحكم الرشيد لأمير المؤمنين (عليه السلام) عمارة البلاد (التنمية الاقتصادية) صلاح الأهل (التنمية البشرية) جهاد الأعداء (حماية البلاد) جباية الخراج (الإيرادات المالية) المصدر: من إعداد الباحث

ص: 253

المبحث الثاني: التحليل الاقتصادي لمضمون عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر

أولاً: بعض المفاهيم الاقتصادية في عهد أمير المؤمنين

1 - نظام السوق

وهو لقد أشار أمير المؤمنين في عهده إلى قضية ابتلائية أبتلي به المجتمع آنذاك ظاهرة الاحتكار، وما ينتج عنها من سلوك اقتصادي غير رشيد يؤثر سلباً على استغلال البائع لمتطلبات المشتري، فضلاً عن أنه يشوه آلية السوق ونظامه. وقد أشارت النظرية الاقتصادية في النظم الرأسمالية والاشتراكية الحالية للاحتكار وآثاره السلبية على الاقتصاد والمجتمع.

ويعتقد أن أمير المؤمنين قد أشار ضمناً إلى مفهوم لم يجر ذكره في العهد آلا وهو ظاهرة الإغراق التجاري أو السلعي، الذي يُعد مفهوماً مضاداً للاحتكار، وغير مبتلى به المجتمع آنذاك؛ وذلك لمحدودية التجارة، وتخلف الصناعة، واعتماد الاقتصاد على الإنتاج الزراعي بشكل رئيس، فطالما ذكر أمير المؤمنين الاحتكار الذي يمثل بخس قيمة النقود للمشتري، فقد ذكر الإغراق الذي يمثل بخس سلعة البائع (المنتج). فالاحتكار يؤثر سلباً على المشتري، أما الإغراق فيؤثر سلباً على البائع.

ويمكن تعريف الإغراق بحسب ما توصلت إليه جولة طوكيو (1979 - 1973) على أنه الفعل الذي يتم به إدخال منتجات إحدى الدولتين في تجارة الدولة الأخرى بأقل من سعر البيع الداخلي (الكلفة) لمنتج معين في الدولة المصدرة(27)، وقد يحدث

ص: 254

إغراق الأسواق أما استجابة قصيرة الأمد لانكماش اقتصادي محلي من خلال بيع فائض الإنتاج في الخارج بسعر منخفض للتخلص منه وهو ما يطلق عليه بالإغراق الروسي، أو كوسيلة إستراتيجية لاختراق أسواق التصدير في المدى الطويل من خلال إحراز موطئ قدم في الدولة المصدر إليها، ومن ثم ترفع الأسعار لتعظيم الأرباح. وفي كلتا الحالتين يُعد إغراق الأسواق سلوكاً تجارياً غير عادل وربما يرقى لأن يكون عملاً تخريبياً لاقتصاد الدولة المصدر إليها السلع للهيمنة على أسواقها، ومنع نمو صناعاتها المحلية(28).

لذلك يمكن القول أن الاقتصاد العراقي حالياً قد وقع في شرك الإغراق ومصيدته؛ ومن لأجل التخلص منه لابد أولاً التمييز بين الآثار الناجمة عن الاحتكار والإغراق في الاقتصاد العراقي:

- الاحتكار هو حبس السلعة أو الخدمة بهدف ارتفاع سعرها وتحقيق الأرباح، أما الإغراق فهو إطلاق السلعة أو الخدمة بهدف خفض سعرها والقضاء على الصناعة المحلية.

- الاحتكار يؤثر سلباً على قيمة النقود مما يؤدي إلى زيادة معدل التضخم بالاقتصاد، أما الإغراق فيؤثر على سعر صرف العملة المحلية أمام الدولار مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، ومن ثم يؤدي إلى انخفاض قيمة الدينار.

- الاحتكار يمكن أن يشمل السلع الاستهلاكية والوسيطة (المواد الأولية) والرأسمالية، بينما الإغراق يتحدد بالسلع الاستهلاكية فقط، كي لا يجرى استثماره بإنتاج السلع محلياً فيما لو كانت السلع المغرقة وسيطة أو رأسمالية.

- يمكن أن يقوم بالاحتكار الشركات الأجنبية أو المحلية، بينما الإغراق فتقوم به

ص: 255

الشركات الأجنبية حصرا، عدا في العراق فأن الشركات التجارية هي التي تقوم بالإغراق بهدف تحقيق أقصى الأرباح.

- انتفت الحاجة إلى اعتماد حالة الاحتكار في الاقتصاد العراقي، بينما توسعت حالة الإغراق؛ وذلك بسبب الانفتاح التجاري.

- تميز العراق بتفشي ظاهرة الإغراق بشكل كبير وبصورة دائمة، بيد أنه لم ترفع الشركات الأجنبية من أسعارها في الوقت اللاحق لتعويض خسائرها السابقة، وإنما اقتصرت على خفض جودة منتجاتها المصدرة والمغرقة ولاسيما المنتجات الصينية.

- تميز الاقتصاد العراقي بتعامله التجاري مع الشركات الصينية والتركية والإيرانية وبعض الشركات الخليجية، ويمكن أن نحلل كل شركة أجنبية على حده وكالآتي:

أ - الشركات الصينية: تميزت المنتجات الصينية المغرقة بأنها منتجات تفتقد لمقاييس الجودة والاعتمادية، وغير جيده ومنخفضة الكفاءة، ومنخفضة الأسعار جداً مقارنة بمثيلاتها اليابانية والألمانية وغيرها، مما حول الهيكل السلعي التجاري في الاقتصاد العراقي من هيكل متنوع التصنيع إلى هيكل صيني بامتياز، إذ بلغت قيمة المنتجات الصينية المستوردة حوالي 8 مليار دولار، وبنسبة 3. 24 ٪ من إجمالي الاستيرادات السلعية العراقية البالغة 6، 32 مليار دولار عام(29) 2015.

ب - الشركات التركية: تميزت المنتجات التركية المغرقة بأنها ذات جودة عالية ونوعية ممتازة، وأسعار تنافسية، وعندما تحقق هدف الشركات التركية في تحقيق موطئ قدم في السوق العراقية، وبعد أن علمت أن الشركات التجارية العراقية تحقق أرباحاً كبيرة من ممارسة ظاهرة الإغراق في بيع منتجاتها في العراق، فقد لجأت

ص: 256

تلك الشركات إلى فتح مقار وفروع لها في العراق، فضلاً عن رفع أسعار منتجاتها إلى السعر الذي جرى تحديده من التجار العراقيين في السوق المحلية؛ وبذلك تحولت الإرباح التي كانت يجنيها التجار العراقيون عند بيعهم للسلع في السابق إلى تلك الفروع والمقار التجارية لشركات الأم التركية ومن بين أهم تلك الشركات التركية هي شركة ماكس مول، إذ بلغت قيمة المنتجات التركية المستوردة حوالي 8.5 مليار دولار، وبنسبة 26,2 ٪ من إجمالي الاستيرادات السلعية العراقية عام(30) 2015.

ت - الشركات الإيرانية: تميزت المنتجات الإيرانية المغرقة بالأسواق العراقية بأنها ذات جودة عالية وبنوعية ممتازة، وسلع مخصصة للتصدير، وأسعار منافسة جداً، بيد أن الإغراق الإيراني لمنتجاتها ليس ناتجاً عن خفض أسعارها عن أسعار التكلفة، وإنما ناتج عن انخفاض قيمة العملة الإيرانية (التومان) أمام الدولار، ومن ثم الدينار العراقي، وبالتالي انعكس في زيادة صادرات المنتجات الإيرانية داخل الأسواق العراقية.

ث - الشركات الخليجية: تميزت المنتجات الخليجية ولاسيا السعودية والإماراتية والكويتية بأنها ذات جودة عالية جداً وبنوعية ممتازة، وهي منتجات موجه للتصدير، ويعتقد إنها منتجات لا تهدف إلى إغراق الأسواق العراقية ولكن هدفها الرئيس تصريف إنتاجها والمحافظة على قدرتها التنافسية الخارجية، وبلغت قيمة المنتجات الخليجية المستوردة حوالي 1.5 مليار دولار، وبنسبة 5٪ من إجمالي الاستيرادات السلعية العراقية عام 2015(31).

ص: 257

وتأسيساً على ذلك يتبين أن ظاهرة الإغراق في العراق أكثر خطراً وأكثر تأثيراً على الاقتصاد من ظاهرة الاحتكار؛ وذلك للأسباب الآتية:

1 - أن ظاهرة الإغراق تقضي على الصناعات المنافسة الوطنية بشكل تام، فضلاً عن إضعاف قدرة الدولة على خلق سلع قد تكون منافسة للسلع المغرقة(32).

2 - تؤدي إلى عجز دائم في الميزان التجاري.

3 - تؤدي إلى خفض قيمة الدينار العراقي إمام الدولار.

4 - تؤدي إلى القضاء على القطاع الزراعي لاسيما إذا كانت المنتجات زراعية.

5 - يؤدي إلى انخفاض أسعار المواد الأولية ومن ثم تصديرها إلى الخارج بأسعار بخسة؛ وذلك لعدم استثمارها في التصنيع المحلي الذي جرى القضاء عليه سابقاً.

6 - بناء الاقتصاد على سلع ومنتجات مغرقة تتميز بانخفاض جودنها وكفاءتها وإنتاجيتها وقصر طول عمرها.

7 - تسرب العملة الأجنبية خارج الدورة الاقتصادية مما ينعكس على اتساع فجوة الموارد * بين الإمكانات الاقتصادية والاستثمار الفعلي، ومن ثم يكون الإنتاج تحت خط منحنى إمكانات الإنتاج **، وبالتالي وجود موارد اقتصادية معطلة.

8 - ارتفاع معدل البطالة لوجود موارد اقتصادية معطلة (غير مستثمرة).

ص: 258

2 - الإدارة الكفء وحُسن التدبير

مما لا ريب فيه أن من أهم عناصر العملية الإنتاجية في النشاطات الاقتصادية كافة سواء أكانت نشاطاً إنتاجياً أم خدميا هو الإدارة والتنظيم، فهي المحرك الرئيس لعملية تنظيم بقية عناصر الإنتاج الأخرى (العمل، ورأس المال، والأرض) بحيث تعمل وفق نظم واطر علمية متماسكة.

وتبعاً لهذه الحقيقة فقد أولى أمير المؤمنين أهمية خاصة لكيفية اختيار ولاته، وبالفعل جرى اختيار شخصية بارزة في الإسلام تنطبق عليه معظم صفات الإداري الأمثل وهو مالك الأشتر، وعند التمييز بين مضمون إدارة الدولة في عهد أمير المؤمنين لمالك الأشتر وإدارة الدولة العراقية يتبين أن اعتماد ولاية مصر في عهد أمير المؤمنين على ثقافة الجباية من خلال جمع جباية الخراج وفرض الضرائب والرسوم، بينما اعتمدت الدولة العراقية على ثقافة الريع من خلال جمع الإيرادات النفطية فقط، ولهذا يمكن التمييز بين السياستين لإدارة الموارد المالية وعلى النحو الآتي:

1 - اعتمدت السياسة المالية في عهد أمير المؤمنين على جباية الخراج وفرض الضرائب والرسوم التي تدخل ضمن فقرة الإيرادات الأخرى في الميزانية العامة***، بينما اعتمدت السياسة المالية العراقية على الريع النفطي الذي يدخل ضمن فقرة الإيرادات النفطية.

2 - أن السياسة المالية في عهد أمير المؤمنين تعتمد على مصدر مالي داخلي ناتج عن النشاطات الإنتاجية المحلية، بينما السياسة المالية العراقية تعتمد على مصدر مالي خارجي ناتج ع-ن عوائد الصادرات النفطية.

3 - أن إتباع إحدى السياستين الماليتين الانكماشية أو التوسعية في عهد أمير المؤمنين يجرى عن طريق تغيير مقدار الإيرادات الأخرى المتمثلة في جباية الخراج و / أو

ص: 259

الضرائب و/ أو الرسوم، بينما يجرى ذلك في الاقتصاد العراقي عن طريق تغيير مقدار الإنفاق الحكومي بشقيه الاستثماري والتشغيلي (الجاري).

4 - أن تكوين الثروة عند أمير المؤمنين ناتج عن تراكم رأسمال معبرً عنه بالإنتاج، بينما تكوين الثروة في الاقتصاد العراقي ناتج عن تراكم رأسمال معبرً عنه باستغلال الموارد الطبيعية وتحويلها إلى سلع و / أو خدمات تعود على المبادرة في الإنتاج بالفائدة والربح(33).

5 - أن الإيرادات المالية في عهد أمير المؤمنين تتأثر بالأزمات الاقتصادية الداخلية، بينما العوائد المالية في الاقتصاد العراقي تتأثر بالأزمات الاقتصادية الخارجية، ولاسيما التغيرات في أسعار النفط في أسواق النفط الدولية.

6 - أن السياستين الماليتين الانكماشية والتوسعية تختلفان من حيث الشكل والمضمون ما بين سياسة أمير المؤمنين وسياسة الاقتصاد العراقي، وهو ما سنلحظه لاحقاً.

ويعتقد أن سياسة الجبایة هي من أصعب السياسات التي يجرى تطبيقها من خلال جباية الخراج واستقطاع الضرائب وفرض الرسوم؛ وذلك لاتساع حجمها، واستمرارها على مدى الزمن، وتحتاج إلى كوادر وظيفية كثيرة ومتخصصة، فضلاً عن صعوبة الكشف عن حالات التزوير والتهرب الضريبي والفساد الإداري والهدر المالي، بينما تُعد سياسة الإنفاق سياسة سهلة التنفيذ يمكن إجرائها بجهود قليلة، ووقت قصير، وكوادر وظيفية معينة ومحددة المهام، فضلاً عن سهولة الكشف عن حالات الفساد الإداري والهدر المالي فيها لتميزها بمبدأ الشفافية. وعلى الرغم من ذلك كله لم تنجح السياسة المالية الإنفاقية في العراق، وظلت السياسة تراوح في مكانها بتتبع تنفيذ المشاريع المحالة للتعاقد من عدمه، فضلاً عن البحث عن نسبة التنفيذ، وأهملت الالتزام بمعايير تنفيذ العقد، ومن ثم كفاءة المشروع وجودته.

ص: 260

3 - الأزمة أو الدورات الاقتصادية

لقد عالج عهد أمير المؤمنين حدوث الأزمات الاقتصادية من خلال السياسة المالية عن طريق تخفيض بعض أو كل موارد الإيرادات المالية. أما علاجها في الوقت الحالي فيجرى من خلال آلية السياسة المالية بالتحكم في حجم الإنفاق الحكومي والضرائب والدين العام؛ وذلك من أجل محاربة التضخم والانكماش(34)، وتحقيق حالة التوازن، ولمعالجة حالات الاختلال في الاقتصاد الكلي والمتمثلتين:

أ - الفجوة الانكماشية: وهي قصور الطلب الكلي عن العرض الكلي.

ب - الفجوة التضخمية: وهي زيادة الطلب الكلي عن العرض الكلي.

يجرى إتباع إحدى الآليتين وهما السياسة المالية التوسعية أو السياسة المالية الانكماشية، ويمكن التمييز ما بين السياستين الماليتين بالآتي:

- عند بروز الفجوة الانكماشية؛ نتيجة وقوع أزمة اقتصادية، أو كما عبر عنها عليه السلام «فأن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو أحالة أرض اغتمرها غرق...»، فيجرى اللجوء إلى سياسة مالية توسعية، أما زيادة الإنفاق الحكومي أو تخفيض الضرائب، بيد أن هناك اختلافاً بين السياستين من منظور العهد، ومن منظور وزارة المالية العراقية على نحو أن اللجوء إلى السياسة المالية التوسعية في عهده لمالك الأشتر ناجمة عن أزمة داخلية فقط، فيجرى تخفيض جباية الخراج و / أو الضرائب و/ أو الرسوم؛ وذلك لتجاوز الأزمة، وهذا يُعد بمثابة سياسة لإعادة توزيع الدخل لإعادة الطلب الكلي إلى مستواه السابق من دون وقوع آثار اقتصادية سلبية. أما لجوء السياسة المالية التوسعية في وزارة المالية العراقية ليس بالضرورة ناجمة عن أزمة داخلية ولكن قد تكون ناجمة عن انتعاش في الإيرادات

ص: 261

النفطية، ومن ثم يجرى زيادة الإنفاق الحكومي؛ وذلك لتجاوز الأزمة أو لتنشيط الاقتصاد، وهذا يُعد بمثابة ضخ سيولة نقدية للاقتصاد لإعادة الطلب الكلي إلى مستواه السابق مع ملاحظة بعض الآثار الاقتصادية السلبية مثل ارتفاع الأسعار.

- عند بروز الفجوة التضخمية، نتيجة قصور العرض الكلي عن الطلب الكلي، فلم يشر عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الحالة لا من بعيد ولا من قريب؛ وذلك كما يعتقد إنها نادرة الحدوث ويمكن تجاوزها من دون تدخل حكومي من خلال آلية السوق في تحديد الأسعار، أما في حالة حدوث الفجوة في الاقتصاد العراقي فيجرى علاجها من خلال إتباع السياسة المالية الانكماشية عن طريق تخفيض الإنفاق الحكومي.

4 - مبدأ الشفافية

لقد شدد أمير المؤمنين (عليه السلام) على مبدأ الشفافية في الحكم من خلال محاربة الفساد والمفسدين وينأى النفس عن الهوى، فبدأ بنفسه قبل سواها، فمع أهل الكوفة تحدث الإمام (عليه السلام) فقال «يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فأنا خائن»، وقال في موردً آخر «أني والله ما أرزؤكم شيئاً، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من بيتي «أو قال من المدينة»(35)، ويبتعد الإمام بعيداً عن مبدأ الشفافية في الحكم ويرى ضرورة الاهتمام الشديد بسد حاجة المحرومين والمعوزين بعدها مسؤولية إنسانية ودينية كبيرة فيقول عليه السلام «ولو شئت لا هتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقيدني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أن أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى»(36)، هذه هي نفس إمامكم فهي نفس محمد (صلى الله عليه

ص: 262

وآله وسلم) ولا يرضى إلا أن يكون عبدا شكورا، وقد لخص عليه السلام ما يرغب به في الحياة بقوله «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد»(37).

أما مبدأ الشفافية في الحكم في العراق فيقصد به مبدأ خلق بيئة تكون فيها المعلومات المتعلقة بالظروف والقرارات والأعمال الحالية متاحة ومنظورة ومفهومة، بيد أن تطبيق ذلك على الواقع اكتنفه الغموض والجدل الحاد؛ وذلك لاتساع الهوة ما بين المصلحة الخاصة (الشخصية) والمصلحة العامة (الحكومية)، وقد أشار إدموند فيليبس حول السبب الرئيس لاندلاع الثورة في مصر، فأجاب لم يكن ذلك بسبب «سوء عدالة توزيع الدخل والثروة»، كم ترى النظرية الاقتصادية سابقاً، ولكنها بسبب «سوء عدالة توزيع الفرص، والدخول في سوق العمل بصورة عادلة»(38)، وبذلك أشار فيليبس بشكل واضح على تفشي ظاهرة الفساد الإداري والهدر المالي في معظم حكومات البلاد العربية، والعراق حاله حال باقي الدول العربية في ذلك.

ونظراً لتفشي الفساد وبمشاركة بعض السياسيين بقصد أو بدون قصد في ترسيخه. وهو أمر جعل من النظام السياسي الديمقراطي في العراق في حالة عدم استقرار وتعثر أمام ممارسة الفساد بأنواعه المختلفة في جميع الوزارات والهيئات الحكومية، وهو أمر يستلزم تفعيل روح المواطنة بين الناس للوقاية منه؛ لا بهدف المحافظة على الثروة فقط، وإنما لحفظ هيبة الدولة والنظام السياسي الذي هو أقدس. بيد أن جميع تلك العبارات النرجسية يمكن أن تذهب مع الريح، إذا ما طبقنا شعار الثورة الأمريكية القائل «لا ضرائب من دون تمثيل برلماني» وتعُلمنا سياسة الريع أن العكس صحيح أيضاً أحياناً(39). وهو أمر يدل على أن في الدولة الريعية مفسدة، وأن فرض الضرائب إصلاح من خلال تحويل دور الحكومة من موزعة للريع إلى

ص: 263

جابيةً للضرائب، وينبغي المضي قدماً في هذا الاتجاه إلا أنه سيلزم كثير من الوقت تی «تسبق سلاحف العدالة أرانب الفساد «على حد قول القاضية السابقة إيفا جولي(40)، فثقافة الريع والثقافة الفئوية مصدرا الفساد إن لم نقل إنهما الفساد نفسه، بالاقتصاد الريعي يولد الفساد في الاقتصاد؛ والاتكال على الريع لإنتاج الثروة يغيب المجهود وتحمل المخاطر، ومن ثم تغيب المساءلة والمحاسبة(41).

5 - الحكم الرشيد

أن طرح مصطلح الحكم الرشيد يعني الطريقة التي تباشر بها السلطة إدارة موارد الدولة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق التنمية(42)، وهذا يدل بالتأكيد على وجوب توفر الثلاثية التراتبية: السلطة (الرأس) التي تستمدها الحكومة من علم السياسة، والإدارة (اليد) التي تستمدها الحكومة من علم الإدارة، والموارد الاقتصادية والاجتماعية (الأداة) التي تستمدها الحكومة من علم الاقتصاد، بهدف نشر مفاهيم: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتعددية السياسية، والشفافية ومحاربة الفساد، بيد إن فقدان أي عنصر من عناصر هذه الثلاثية سيولد اختلالاً في إدارة الحكم الرشيد، ومن ثم ستتفكك العلاقة الترابطية بين الرأس واليد والأداة.

ولهذا يمكن تشخيص حالة الدولة العراقية من خلال تطبيق إدارة الحكم الرشيد عليه، فنجد أن الدولة العراقية قد وقعت في شرك الحلقة المفرغة؛ وذلك لانفصام العلاقة التراتبية ما بين العناصر الثلاثة أعلاه، فالسلطة منتخبة بشكل ديمقراطي على الرغم من ما يشوبها بعض الممارسات غير مناسبة، بيد أن الإدارة التي تمثل يد السلطة انتابها خلل كبير من خلال المحاصصة السياسية والمذهبية، ومن ثم فقد أدارت السلطة الموارد الاقتصادية في العراق بشكل مباشر من دون استخدام اليد التي تمثلها الإدارة، وبالتالي تفشي الفساد الإداري والهدر المالي واحتل مراتب متقدمة جداً في نقاط مدركات الفساد بحسب مؤشر الشفافية لمنظمة الشفافية العالمية.

ص: 264

ثانياً: السياسة الاقتصادية في عهد أمير المؤمنين

السياسة بشكل عام هي فن إدارة الواقع، أي بمعنى هي أداة تحقيق الأهداف والمصالح الاقتصادية، ومن ثم يمكن تعريف السياسة الاقتصادية على أنها مجموعة من الإجراءات والتدابير التي تتخذها الإدارة الحكومية بهدف تحقيق المصلحة العامة للدولة من خلال إدارة الموارد الاقتصادية(43). وقد استند أمير المؤمنين في سياسته الاقتصادية على إدارة الموارد الاقتصادية البشرية منها والطبيعية وفق العدالة الإلهية، وعندما سئل عليه السلام أيهما أفضل العدل أو الجود فقال عليه السلام «العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام، والجود عارض خاص، فالعدل اشرفهما وأفضلهما»(44).

وبذلك أسس عليه السلام مبدأ الشفافية في كل تجلياتها في إدارة الحكم من حُسن اختيار عماله وولاته إلى ابسط الخدمات ومنها الحفاظ على البيئة الطبيعية (الماء، والهواء، والنبات، والحيوان)، ووفق رؤية أسلامية، ومذهب اقتصادي أسلامي، ومؤكداً على تعزيز الملكية العامة لأنها تحقق الإيرادات العامة، التي لا يستفيد منها الجيل الحالي فقط، ولكن الأجيال القادمة، فضلاً عن ضمان استثمار الموارد بصورة جيدة(45)، لزيادة الإنتاج المحلي؛ وهو بذلك وضع الأسس الموضوعية لتحقيق التنمية المستدامة في سياسته الاقتصادية مستفيداً من الأسس الذاتية المستندة إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «لا ضرر ولا ضرار»، ومن ثم وضع عليه السلام سياسة اقتصادي-ة إسلامية متكاملة لا ينتابها الظلم والجور ومستندة على عدالة توزيع الفرص في عموم المجتمع وهو ما توصل إليه مؤخراً العالم الاقتصادي أدموند فيليبس كما أشرنا سابقاً.

ص: 265

المبحث الثالث: الدروس المستفادة لكتاب أمير المؤمنين

لتحقيق التنمية المستدامة في العراق

أولاً: الدروس التنموية

لقد أکد أمير المؤمنين (عليه السلام) بحسب رؤيته على أن الوظيفة الرئيسة في الدولة آنذاك سواءً في ولاية مصر أم غيرها من الأمصار، تتمثل بشقين هما: جباية الخراج، وجمع الضرائب من الصناع والرسوم من التجارة، ولكن وفق شروط بعدم التحايل والغش والاحتكار والتطفيف بالميزان، بمعنى أن الوظيفة الرئيسة لعماله الولاة بشكل عام تعتمد على جباية الإيرادات الضريبية لتمويل بيت مال المسلمين (خزينة الدولة)، وان حجم التجارة الخارجية لا تعمل وفق نظريات التجارة الخارجية المعمول بها حالياً مثل نظرية الميزة المطلقة، ونظرية الميزة النسبية، ونظرية هكشر - أولين وغيرها، وإنما تعتمد على تبادل السلع بنظام المقايضة في كثير من الأحيان، ومن ثم فأن التجارة تعمل على سد نواقص السوق وليس لخلق السوق.

وإذا ما أسقطنا الوظيفة الرئيسة في الدولة وفق رؤية الإمام على الوظيفة الرئيسة في العراق، يتبين أن الفجوة بينهما كبيرة جداً ولا يمكن ردمها بأي شكل من الأشكال، فالوظيفة الرئيسة في العراق هي في كيفية صرف النفقات الاستثمارية بدلاً من جباية الضرائب، وتدمير الصناعة الوطنية من خلال إغراق الأسواق بالمنتجات والسلع المستوردة، وبدلاً من أن تكون التجارة محفزة للنمو أصبحت مثبطة للنمو؛ وذلك لتحول الاقتصاد العراقي المتنوع إلى اقتصاد طفيلي تنتشر فيه محلات بيع المفرد،

ص: 266

بحيث أصبحت هذه الظاهرة منتشرة في المناطق السكنية والأزقة، ومن ثم أصبح العراق أكبر سوق استهلاكي بالعالم بحسب معيار حجم السكان.

ثانياً: الدروس الإصلاحية

لقد أخفقت معظم السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومة العراقية المنتخبة في معالجة المشكلات التي تعرض لها الاقتصاد العراقي، ولاسيما تلك التي تناولتها الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة. ولعل السبب في ذلك يكمن في:

1 - عدم توخي الحذر من المخاطر الناجمة من عدم توظيف الأدوات الاقتصادية التحليلية المتمثلة بالسياسات الاقتصادية الملائمة، واقتصار الأمر في ذلك على اختيار السياسة التي تخدم طبقة أو فئة اجتماعية معينة دون سواها، وهو أمر جعل من السياسة أداة لتحقيق المصالح الطبقية أو الفئوية.

2 - كثرة عدد المستشارين في الحكومة العراقية بعد عام 2003 للرؤساء والنائبين والمحافظين بهدف الارتقاء بالرأي السديد والناجع، فمعظمهم يلجئون إلى زيادة عدد المستشارين لاعتقادهم بأن زيادة المستشارين سيؤدي إلى الرأي السديد، ولم يعلموا بأنه ما دام صاحب القرار غير متخصص بالشأن الذي يريد أن يقرره فينبغي عليهم تقليل آراء عدد المستشارين إلى حوالي ثلاثة فقط لاختيار الرأي السديد والناجع، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك بقوله «إذا ازدحم الجواب خفي لصواب»(46)، أما إذا كان صاحب القرار متخصصاً بالشأن الذي يتولاه، فلا مانع من كثرة المستشارين له؛ وذلك لقدرته على اختيار الرأي السديد والناجع.

3 - أن الإدارة العليا للمؤسسة العامة اختارت إداريين وفنيين يسعون في الغالب إلى تحقيق مصلحة الإدارة (المدير) أكثر مما يحققون المصلحة المؤسسة العامة. بل

ص: 267

وكثيراً ما يجتمع حول هذه الإدارة انتهازيون يجيدون التملق والنفاق أكثر مما يُحسنون عملهم، فضلاً عن بعض القيادات البعثية.

4 - البحث عن القدوة يستلزم إيجاد قادة ووزراء يتسمون بالورع عن محارم الله والصدق والشجاعة والأمانة والإيثار والعلم وغيرها. وقد أشار المهاتما غاندي (Mahatma Gandhi) ذات مرة عن الفساد عندما سأل: «كيف يستطيع راسمو السياسات أن يحكموا على مزايا أي أجراء»، أجاب: « تذكروا وجه أفقر شخص رأيتموه واسألوا أنفسكم إذا كانت الخطوة التي تفكرون فيها ستعود بالنفع عليه»(47)، أي أن مكافحة الفساد تبدأ بالنفس الإنسانية أولاً وتنتهي بعموم المجتمع وذلك لضمان تطبيق جميع التشريعات والقوانين النافذة بعدالة وبدون تمييز.

5 - أن تفشي ظاهرة الفساد في العراق هي مسؤولية مشتركة تشترك فيها الحكومة والمجتمع في آن واحد. ولطالما أنتشر الفساد في أحدهما، فُعل الآخر للتفاعل معه. بيد أن العامل الأول في تفشي الفساد هو الحكومة لأنها صاحبة تقديم الخدمات، بينها المجتمع يمثل مستلم الخدمات(48) 6 - عدم الاهتمام بمراكز التفكير (مراكز البحوث الأكاديمية وغير الأكاديمية) وعدم استشارتهم، ينعكس على تدهور عملية صنع القرار ومراحله، ومن ثم اتخاذ القرار الناجع.

7 - تفاقم ظاهرة البطالة المقنعة بعد عام 2003 بشكل كبيرة؛ وذلك بسبب فتح باب إعادة التعيين، وعودة المفصولين غير السياسيين، فضلاً عن فتح باب التعيينات الجدد وبشكل مفرط ومن دون تخطيط استراتيجي.

ص: 268

8 - إجراء تغييرات هيكلية في فلسفة التعليم العالي من خلال البحث على العلماء والكفاءات، وقد كان محقاً الصحفي توماس فريدمان في جريدة النيوريوك تايمز الأمريكية عندما قال إن النظم في الدول النفطية لن تنقب عن العقول المحلية طالما إنه بإمكانها التنقيب عن النفط واستخدام إيراداته لشراء الولاءات(49).

ثالثاً: الدروس المؤسساتية

لقد اختلفت وجهات نظر المجتمعات نحو الإدارة، وتسنم المهام الإدارية ولاسيما المناصب العليا منذ تلك العصور وحتى عصرنا الحالي، فالبعض عد المنصب غنيمة يستغله لتحقيق مصلحته الشخصية، والبعض الآخر عده تكليفاً وليس تشريفاً بهدف تحقيق المصلحة العامة؛ وهذا الاختلاف ناتج من ثقافة المجتمعات ووجهة نظر هم اتجاه أيهما أهم، هل المصلحة الخاصة أو المصلحة العامة؟ فمن وجهة نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) أكد لعماله أنهم مجرد خدام للرعية، والولاية ليست تشريفاً له، وإنما خدمة عامة يأخذون عليها أجراً، ويبتغون الفضل والثواب من الله (عز وجل) إذا أحسنوا عملهم(50)، فضلاً عن أنها مسؤولية يمكن أن يثاب ويجزى عنها أو يعاقب عليها، وقد عبر الإمام (عليه السلام) عن ذلك عندما عرضت عليه الخلافة، فالمنطلقات السياسية لمفهوم الإمامة تختلف عن المنطلقات السياسية لمفهوم الخلافة، وأن التطبيق السياسي الواقعي لمفهوم الإمامة حتها سيصطدم بما آل إليه المجتمع من تغييرات وهذا ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) بقوله «دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول وإن الآفاق قد اغامت، والمحجة قد تنكرت واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول قائل، وعتب العائب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا

ص: 269

لكم وزير خير لكم مني أميراً»(51)، ويستدل من ذلك أن إدارة المناصب العليا في الدولة تفرض عليك مهاماً لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال ولو على نفسك، لتجنب الوقوع في المحذور.

أما وجهة نظر الحكومة العراقية، فقد نظرت إلى إدارة الحكم والمناصب العليا على أنها استحقاق انتخابي، بدليل أن بعض النواب قد تسنموا مناصب وزارية في أكثر من دورة انتخابية لوزارات مختلفة، وقد انسحب الأمر إلى الوظائف الحكومية الأخرى؛ بذريعة المحاصصة الحزبية، والطائفية المقيتة، والمحسوبية والمنسوبية، وقد أشار تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المتخصص إلى أن الحكومة العراقية بعد عام 2003 لم تدعم الجهود الرامية لمشروع إصلاح نظام الوظائف في الدولة، وأن أحد الأهداف الرئيسة للمشروع كان تحويل الوظائف الحكومية إلى نظام يعتمد الكفاءة والمهنية، فضلاً عن صياغة لائحة قانون عصري للوظائف الحكومية كي يقدم إلى مجلس النواب(52).

وتأسيساً على ذلك فقد فقدت السلطة الحكومية في العراقية يدها القوية المتمثلة بالإدارة السديدة لإدارة الموارد الاقتصادية بالشكل الذي يحافظ عليها من جهة وينميها من جهة أخرى.

ص: 270

الخاتمة

أن الاستنتاج الرئيس الذي جرى التوصل إليه هو تطابق فرضية البحث مع الواقع الاقتصادي في العراق، وهو إن الابتعاد عن تطبيق الاقتصاد الإسلامي في الاقتصاد العراقي سيفاقم المشكلات الاقتصادية والإدارية إلى درجة الوقوع في شرك دوامة الحلقة المفرغة، وما عهد أمير المؤمنين المالك الأشتر إلا صورة مبسطة لإدارة الحكم والاقتصاد الإسلامي.

وللتغلب على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية لابد من الرجوع إلى تحليل عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر ودراسته دراسة مستفيضة نابعة لا لغاية له، وإنما بعده وسيلة ووثيقة دستورية واجبة النفاذ لتحقيق التنمية الإلهية المستندة إلى كتاب الله (عز وجل) وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته الطاهرة (عليهم السلام). وأول ما نبتدئ به من قمة الهرم وهو وجوب انتخاب شخصية قادرة على فهم واستنباط الأحكام الاقتصادية والإدارية والسياسية من خطب و روایات وعهود أمير المؤمنين (عليه السلام) لعماله وولاته، لجعله قدوة لإدارة حكم العراق، وفق السياقات القانونية النافذة، ومن ثم اختيار وزراء ومحافظين لهم قدرات إدارية متميزة، وليس كما هو حال اليوم وهو اعتماد أشخاص تعلموا الإدارة بالممارسة وهنا كمن الخطر في إدارة شؤون العراق السياسية والإدارية والاقتصادية، وبالتالي انتشرت ظاهرة الفساد الإداري، وظاهر الهدر المالي، وظاهرة البطالة، وظاهرة فقدان الهوية الوطنية، وظاهرة المحاصصة الحزبية، وظاهرة الطائفية المقيتة، وظاهرة المحسوبية والمنسوبية، وغيرها من الظواهر الدخيلة على المجتمع العراقي؛ بحيث أصبح المجتمع كله يتمنى الرجوع إلى أيام زمان - فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ويُعدها أكثر تطوراً وازدهاراً من أيام

ص: 271

القرن الحادي والعشرين، عدا بعض الطبقات أو الفئات المستفيدة التي تُعد هذه الأيام هي العصر الذهبي لها وبامتياز، وترى لا ضرورة لإجراءات الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية لا وفق خطب وروايات وعهود أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا لغيره، وإنما يقتصر رأيها في إجراء الانتخابات الشكلية المعتادة، كأن المجتمع العراقي يعيش في دولة العدل لصاحب العصر والزمان (عجل).

ص: 272

الهوامش

1 - فليح سوادي، عهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى والي مصر الصحابي مالك الأشتر رضوان الله عليه، الطبعة الأولى، العتبة العلوية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، النجف الأشرف، 2010، ص 15.

2 - إقبال الأعمال، السيد أبن طاووس، ج 3، ص 300.

3 - بصائر الدرجات، محمد الصفار، ج 4، ص 41.

4 - https:// formus.alkafeel.net/ showthread. php? t= 61944 5 - مركز الأبحاث العقائدية. 6247/ http://www.aqaed.com/faq | 6 - http://www.al-milani.com/library/lib-pg. php?booid=18mid=208pgid=2331 7 - فليح سوادي، مصدر سابق، ص 7.

8 - المصدر نفسه، ص 7.

9 - د. خضر عبد الرضا جاسم الخفاجي، الفكر العسكري وعدله الإسلامي في عهد الخليفة علي ابن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه)، مجلة كلية التربية للبنات، العدد (1)، كلية التربية للبنات، جامعة بغداد، 2010، ص 39.

10 - نهج البلاغة، ص 443.

11 - محمد الفضل اللنكراني، الدولة الإسلامية: شرح لعهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي، الطبعة الأولى، مرکز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، قم، 2009، ص 9.

ص: 273

12- ولاية الفتنة الكبرى من تاريخ مصر. http://egypthistory.net/0646/%D988%%D984%%D8%A7% D8%A9 13 - مصدر سابق.

* ونصبه على ولاية أذربيجان 14 - محمد الفاضل اللنكراني، مصدر سابق، ص. ص 29 - 31.

15 - فليح سوادي، مصدر سابق، ص 7.

16 - المصدر نفسه، ص 25.

17 - المصدر نفسه، ص 22.

18 - المصدر نفسه، ص 23.

19 - د. خولة عيسى صالح الفاضلي، المضامين الاقتصادية والعدل الاجتماعي في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، مجلة التراث العلمي العربي، العدد (2)، مركز إحياء التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، 2014، ص 55.

20 - د. علي زعيتر، الاقتصاد والدين: أوراق في الاقتصاد والتنمية الزراعية، الطبعة الأولى، دار الولاء لصناعة النشر، بيروت، 2016، ص. ص 93 - 94.

21 - فليح سوادي، مصدر سابق، ص 23.

22 - فليح سوادي، مصدر سابق، ص. ص 15 - 16.

23 - خطاب المرحلة (211)... يوم النزاهة والعدالة والنظام الأمثل للحكم. http://www.alfadhela.org.iq/ArticlePrint.aspx?ID=2036 24 - فليح سوادي، مصدر سابق، ص 21.

ص: 274

25 - المصدر نفسه، ص 22.

26 - المصدر نفسه، ص 15.

27 - د. حمید الجميلي، دراسات في اقتصادات الغات في ضوء نتائج جولة أورغواي اللمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الأولى، بغداد، 1998، ص 35.

28 - د. سمير محمد عبد العزيز، التجارة العالمية بين الجات 1994 ومنظمة التجارة العالمية، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الإسكندرية، 2001، ص 201.

29 - مناخ الاستثمار في الدول العربية 2016: مؤشر ضمان لجاذبية الاستثمار، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، الكويت، 2016، ص 145.

30 - المصدر نفسه، ص 145.

31 - مناخ الاستثمار في الدول العربية 2016: مؤشر ضمان لجاذبية الاستثمار، مصدر سابق، ص 145.

32 - د. محمد صالح الشيخ، الإغراق و أثره على التنمية الاقتصادية في الدول النامية، وقائع المؤتمر العلمي السنوي الثالث عشر للمدة (11 - 9) مايو 2004، الجوانب القانونية والاقتصادية لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية، كلية الشريعة والقانون/ جامعة الإمارات العربية المتحدة، غرفة تجارة وصناعة دبي، وآخرون، الطبعة الأولى، دبي، 2004، ص 1330.

* لمزيد من المعلومات راجع:

- د. هيثم عبدالله سلمان، علاقة النمو بالإصلاح الاقتصادي في العراق بعد عام 2003، مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية، العدد (81)، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، شباط 2015، ص 291.

ص: 275

** ويقصد به أقصى كمية من الإنتاج يمكن لاقتصاد ما الحصول عليها مع أخذ معارفه التكنولوجية وكمية المدخلات المتاحة له في الاعتبار.

*** في الميزانية العامة الختامية يجري تقسيم الإيرادات العامة إلى قسمين رئيسين هما: الإيرادات النفطية (تشمل عوائد الصادرات النفطية + إيرادات بيع المنتجات أو المشتقات النفطية المحلية) والإيرادات الأخرى (تشمل ضريبة الدخل وضريبة الشركات والرسوم والجباية وغيرها) 33 - د. زياد حافظ، البنية الاقتصادية والنظام السياسي والفساد في الوطن العربي، في البنية الاقتصادية والأقطار العربية وأخلاقيات المجتمع، تحریر: د. زياد حافظ، وآخرون، الحلقة النقاشية التي أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد، الطبعة الأولى، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، نیسان 2009، ص 67.

34 - عبد المنعم راضي، النقود والبنوك، الطبعة الأولى، مکتبة عين شمس، القاهرة، 1998، ص 297.

35 - رضا الحسيني، السيرة الاقتصادية للإمام علي (علية السلام)، ترجمة: علاء رضائي، الطبعة الأولى، دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت 2014، ص 49 36 - بحار الأنوار.

http:// www.haydarya.com/ maktaba _ moktasah/ 03/ book _ 42/ 40/ a35.html 37 - نهج البلاغة. http://www.islamology.com/Resources/Nahj_Imam/Letters/

ص: 276

book/45.htm 38 - ثناء فؤاد عبدالله، حول النمو الاقتصادي وسياسات التنمية في الوطن العربي، في النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية في الدول العربية: الأبعاد الاقتصادية، مجموعة مؤلفين، الطبعة الأولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بیروت، كانون الثاني 2013، ص 398.

39 - ألان نويل، النفط والديمقراطية: عندما يكون الريع إعاقة، تحریر: برتران بادي، دومينيك فيدال، في سلسلة أوضاع العالم 2011، الطبعة الأولى، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2011، ص 184.

40 - د. هيثم عبدالله سلمان، دور المرض الهولندي ولعنة الموارد في تفشي ظاهرة الفساد في العراق، مجلة الاقتصادي الخليجي، العدد (25)، مركز دراسات البصرة والخليج العربي، جامعة البصرة، 2015، ص 20.

41 - د. زياد حافظ، مصدر سابق، ص 97.

42 - د. عبد اللطيف مصطیفی، د. عبد الرحمن سانية، دراسات في التنمية الاقتصادية، الطبعة الأولى، مکتبة حسن العصرية للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 2014، ص. ص 205 - 206.

43 - د. هيثم عبدا لله سلمان، أثر سياسات الطاقة العالمية على اقتصادات بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مجلة التعاون، العدد (84)، الأمانة العامة المجلس التعاون لدول الخليج العربية، الرياض، تموز 2014، ص 31.

44 - نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 591.

45 - د. رضا صاحب أبو حمد، السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام)، الطبعة الأولى، مركز الأمير لإحياء التراث الإسلامي، النجف الأشرف، 2006،

ص: 277

ص 26.

46 - نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 550.

47 - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية 2005 التعاون الدولي على مفترق طرق: المعونة والتجارة والأمن في عالم غير متساو، الأمم المتحدة، نيويورك، 2005، ص 77.

48 - د. هيثم عبدالله سلیمان، دور المرض الهولندي ولعنة الموارد في تفشي ظاهرة الفساد في العراق، مصدر سابق، ص 16.

49 - Thomas L. Friedman, The World is Fiat: A Brief History of the Twenty - First Century, New York, 2005, p 460.

50 - د. حسين علي الشرهان، منهج أمير المؤمنين عليه السلام في معالجة الفساد المالي، مجلة المبين، العدد (1)، الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، كربلاء المقدسة، 2016، ص 76.

51 - د. نغم حسن الكنعاني، المواقف السياسية للأئمة الأثني عشر (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، دار المحبين للطباعة والنشر، ق م، 2015، ص 125.

52 - د. کاظم جواد شبر، أوضاع الإدارة العامة في العراق: الصعوبات القائمة والعلاجات المقترحة، سلسلة إصدارات مركز البيان للدراسات والتخطيط 11، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، تموز 2016، ص 11.

ص: 278

قائمة المصادر

أولاً: المصادر العربية الكتب 1 - ألان نويل، النفط والديمقراطية: عندما يكون الريع إعاقة، تحریر: برتران بادي، دومينيك فيدال، في سلسلة أوضاع العالم 2011، الطبعة الأولى، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2011.

2 - إقبال الأعمال، السيد أبن طاووس، ج 3.

3 - بصائر الدرجات، محمد الصفار، ج 4.

4 - ثناء فؤاد عبدالله، حول النمو الاقتصادي و سياسات التنمية في الوطن العربي، في النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية في الدول العربية: الأبعاد الاقتصادية، مجموعة مؤلفين، الطبعة الأولى، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بیروت، كانون الثاني 2013.

5 - حمید الجميلي، دراسات في اقتصادات الغات في ضوء نتائج جولة أورغواي للمفاوضات التجارية المتعددة الأطراف، دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الأولى، بغداد، 1998.

6 - رضا الحسيني، السيرة الاقتصادية للإمام علي (علية السلام)، ترجمة: علاء

ص: 279

رضائي، الطبعة الأولى، دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2014.

7 - رضا صاحب أبو حمد، السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام)، الطبعة الأولى، مركز الأمير لإحياء التراث الإسلامي، النجف الأشرف، 2006.

8 - سمير محمد عبد العزيز، التجارة العالمية بين الجات 1994 ومنظمة التجارة العالمية، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، الإسكندرية، 2001.

9 - عبد اللطيف مصطیفی، د. عبد الرحمن سانية، دراسات في التنمية الاقتصادية، الطبعة الأولى، مکتبة حسن العصرية للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 2014.

10 - عبد المنعم راضي، النقود والبنوك، الطبعة الأولى، مکتبة عين شمس، القاهرة، 1998.

11 - علي زعيتر، الاقتصاد والدين: أوراق في الاقتصاد والتنمية الزراعية، الطبعة الأولى، دار الولاء لصناعة النشر، بيروت، 2016.

12 - فليح سوادي، عهد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى والي مصر الصحابي مالك الأشتر رضوان الله عليه، الطبعة الأولى، العتبة العلوية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، النجف الأشرف، 2010.

13 - کاظم جواد شبر، أوضاع الإدارة العامة في العراق: الصعوبات القائمة والعلاجات المقترحة، سلسلة إصدارات مركز البيان للدراسات والتخطيط 11، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، تموز 2016.

14 - محمد الفضل اللنكراني، الدولة الإسلامية: شرح لعهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي، الطبعة الأولى، مرکز فقه الأئمة الأطهار (عليهم ص: 280

السلام)، قم، 2004.

15 - مناخ الاستثمار في الدول العربية 2016: مؤشر ضمان لجاذبية الاستثمار، المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، الكويت، 2016.

16 - نغم حسن الكنعاني، المواقف السياسية للأئمة الأثني عشر (عليهم السلام)، - الطبعة الأولى، دار المحبين للطباعة والنشر، قم، 2015.

17 - نهج البلاغة.

الدوريات 1 - حسين علي الشرهان، منهج أمير المؤمنين عليه السلام في معالجة الفساد المالي، مجلة المبين، العدد (1)، الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، كربلاء المقدسة، 2016.

2 - خضر عبد الرضا جاسم الخفاجي، الفكر العسكري وعدله الإسلامي في عهد الخليفة علي ابن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه)، مجلة كلية التربية للبنات، العدد (1)، كلية التربية للبنات، جامعة بغداد، 2010.

3 - خولة عيسى صالح الفاضلي، المضامين الاقتصادية والعدل الاجتماعي في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، مجلة التراث العلمي العربي، العدد (2)، مركز إحياء التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، 2014.

4 - هيثم عبدالله سلمان، أثر سياسات الطاقة العالمية على اقتصادات بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مجلة التعاون، العدد (84)، الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الرياض، تموز 2014.

ص: 281

5 - هيثم عبدالله سلمان، دور المرض الهولندي ولعنة الموارد في تفشي ظاهرة الفساد في العراق، مجلة الاقتصادي الخليجي، العدد (25)، مركز دراسات البصرة والخليج العربي، جامعة البصرة، 2015.

6 - هيثم عبدالله سلمان، علاقة النمو بالإصلاح الاقتصادي في العراق بعد عام 2003، مجلة العلوم الاقتصادية والإدارية، العدد (81)، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، شباط 2015.

المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية 1 - زیاد حافظ، البنية الاقتصادية والنظام السياسي والفساد في الوطن العربي، في البنية الاقتصادية والأقطار العربية وأخلاقيات المجتمع، تحریر: د. زياد حافظ، وآخرون، الحلقة النقاشية التي أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد، الطبعة الأولى، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، نیسان 2009.

2 - محمد صالح الشيخ، الإغراق وأثره على التنمية الاقتصادية في الدول النامية، وقائع المؤتمر العلمي السنوي الثالث عشر للمدة (11 - 9) مايو 2004، الجوانب القانونية والاقتصادية لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية، كلية الشريعة والقانون / جامعة الإمارات العربية المتحدة، غرفة تجارة وصناعة دبي، وآخرون، الطبعة الأولى، دبي، 2004.

ص: 282

التقاریر الدولیة 1 - برناج الأمم المتحدة الإنمائي، تقریر التنمیة البشریة 2005 التعاون الدولي علی مفترق طرق: المعونة والتجارة والأمن في عالم غیر متساو، الأمم المتحدة، نیویورك، 2005.

المواقع الإلكترونية 1. بحار الأنوار a35.html http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/03/book_42/40 a35 html 2. خطاب المرحلة (211)... يوم النزاهة والعدالة والنظام الأمثل للحكم.http://www.alfadhela.org.iq/ArticlePrint.aspx?ID=2036 3. مركز الأبحاث العقائدية. 6247/http://www.aqaed.com/faq.

4. نهج البلاغة book/45.htm http://www.islamology.com/Resources/Nahj_Imam/Letters/ 5. ولاية الفتنة الكبرى من تاريخ مصر.

http://egypthistory.net/0646/%D9%88%D9%84%D8%A7%D8 6. https://forums.alkafeel.net/showthread.php?t=61944 7. http://www.almilani.com/library/lib-pg.php? booid=18mid=208pgid ثانیاً: المصادر الأجنبیة 1. Thomas L. Friedman The World is Fiat: A Brief History of the Twenty – First Century New York،2005،p 460.

ص: 283

ص: 284

إدارة الدولة في ضوء عهد الإمام علي(عليه السلام) إلى مالك الأشتر النائب أحمد الاسدي الناطق الرسمي بأسم هيئة الحشد الشعبي م. فراس تركي عبد العزيزالمسلماوي ص: 285

اشارة

ص: 286

المقدمة

يمثل النظام الإداري في الإسلام وسمو آدابه جانباً مهماً من عظمة وعبقرية التراث الإسلامي الحضاري، الذي يتعيّن أن يكون محطّ الأنظار والتقدير. ففي مبادئ ومآثر و آداب دولة الإسلام أغنى الكنوز القانونية والإدارية والفكرية، و أرقى النظم السياسية، وأروع الأحداث التاريخية، وأسمى المواقف الإنسانية.

فالنظام الإداري لدولة الإسلام وأدبه في التعامل مع الأفراد والجماعات، والمؤسس على مبادئ الشريعة السمحاء، هو أكثر ما نحتاج إليه في زماننا الحاضر، عالم المادة والابتعاد عن المُثُل، والتخلي عن الأخلاق والفضيلة، والتهرّب من إنسانية الإنسان ومبرر وجوده.

الإسلام ليس ديناً وعبادات فحسب، وإنما هو ايضاً نظام شامل وكامل للحياة البشرية، وقد اهتم بنظام الدولة وعلاقاتها بالأفراد والجماعات وتنظيم أمورهم. والنظام الإداري في الإسلام وآدابه في التعامل، وما يشمل من مبادئ وسلوكيات لا يقل في الرّقي والتمدن عن أحدث النظم الحديثة للدولة العصرية.

فنظام الدولة في الإسلام وأدبياته نموذج مثالي حضاري لأرقى النظم المنشودة، وهو يستحق الاهتمام والدراسة، لأنه بحق مفخرة من المفاخر الجديرة بالتقدير.

وقد قامت النظرة الإسلامية للدولة وآدابها على أساس أن تكون الدولة فاضلة، وتتفق مبادؤها مع الضمير الإنساني في أرقى طموحاته، بحيث يتساوى مع الآخرين في الحقوق والواجبات، ويقوم مجتمعه على الأخلاق والفضيلة.

ص: 287

لقد أخذ النظام الإسلامي بمبدأ خضوع الحكام لسيادة القانون، ووضع الضمانات الكفيلة بتحقيق هذا الغرض على أفضل وجه، بحيث تكون سلطات الحاكم مقيدة بأحكام الشريعة، ويُراعى مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إذ إن الإسلام سبق الأنظمة الحديثة، في فصل السلطات وتنظيمها، وسنشير إليها خلال البحث، مع بيان الأدلة على ذلك من وثيقة الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر. وتقوم رقابة قضائية على تصرفات الحكام والمحكومين على حد سواء، فكانت دولة الإسلام بذلك أول دولة قانونية تسلك هذا الطريق.

والأدب الإسلامي للدولة لم يكتف باحترام الحقوق الإنسانية للمسلمين فقط، بل أفرد معاملة راقية لغير المسلمين من أتباع الديانات السماوية.

وأمام قدسية هذه الشريعة وخلودها، وغنى كنوزها، وعظمة تراثها، ورقي أنظمتها، لا يكون بمقدار الباحث - وهو في رحاب هذا الصرح الحضاري الكبير - إلا أن يغرف من كنوز الشريعة وكتبها، هذه الجواهر الثمينة، التي تزين بحثه.

ومن هذه الكنوز العظيمة (نهج البلاغة) للإمام علي (عليه السلام) الذي تضمّن شتى العلوم والمعارف، والأنظمة التي تُسيّر حياة البشرية، وتنظّم عملها، والتي فيها تتحقق السعادة والرفاهية للمجتمع، في حال تطبيقها.

تناولنا في هذا البحث الجانب التطبيقي لإدارة الدولة عند الإمام علي (عليه السلام)، بدراسة تحليلية لعهد الإمام إلى مالك الأشتر، إذ إن هذا العهد يمثل من أروع الوثائق الإسلامية الحضارية في التنظيم الإداري.

وقد تضمن البحث تمهيد ومبحثين، وخاتمة، بينا في التمهيد، المحاور الرئيسية في هذا العهد، موضحين التقسيم الرئيسي للمجتمع في الإسلام، تمهيداً للدخول في

ص: 288

التقسيم الثانوي للمجتمع.

وتناولنا في المبحث الاول، نظام الطبقات الوظيفية في الدولة وتوزيع الأدوار، مشيرين إلى علاقة التفاعل والارتباط الوثيق بين الطبقات الاجتماعية، موضحين الأدلة على التلاحم والترابط بين الطبقات كافة. أما المبحث الثاني فتناول الوصف التفصيلي للطبقات الوظيفية (الجند، القضاة، العمّال، الوزراء، المستشارين)، مفصّلين الحديث عن كل طبقة على شكل نقاط، توخياً للسهولة، وطلباً للفائدة.

وتوج البحث بالخاتمة، التي تضمنت الاستنتاجات التي توصل إليها الباحثيَن من خلال الدراسة آملين أن يكون هذا البحث، خطوة في تقدم العلم، وخدمة الإنسانية.

الباحثيَن

ص: 289

ص: 290

تمهيد

«هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اَللهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلمُؤمِنِينَ مَالِكَ بْنَ اَلْحَارِثِ اَلْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا وَاِسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلاَدِهَا»(1) ابتدأ الإمام علي (عليه السلام) هذا العهد بتحديد السلطة التي أسندها لمالك الأشتر (وهو مالك بن الحارث النّخعي - ت 37 ه / 657 م - أمير وقائد شجاع)(2) وهي أربعة أمور:

الأمر الأول: (جباية الأموال) وهي الوظائف المالية، بالمصطلح المعاصر (وزارة المالية).

الأمر الثاني: (جهاد العدو) وهي الشؤون الحربية، بالمصطلح المعاصر (وزارة الدفاع).

الأمر الثالث: (استصلاح أهلها) وتشمل الأمن والثقافة والصحة ووظائف الدولة والخدمات وما إلى ذلك من الشؤون الاجتماعية.

الأمر الرابع: (عمارة البلاد) وتعم الزراعة والصناعة والتجارة والإسكان والمواصلات(3).

بهذه الأمور الأربعة يتقوم صلب العدل الاجتماعي والرفاهية الإنسانية والسعادة البشرية، وبقيام الحاكم بها يكون قد أدى دورا إسلامياً رائداً في بناء المجتمع الصالح الذي ينشده الأنبياء ويدعو إليه المصلحون(4).

ونستوضح من هذا النص دقة التنظيم الادراي عند الإمام علي (عليه السلام) فهي نظرة شاملة لتنظيم البلاد والعباد، وبالتعبير المعاصر (برنامج كامل لتشکیل

ص: 291

الحكومة). كما انه في هذه الوثيقة المهمة ينظم علاقة الرعية بالحاكم، فيبين حق الطاعة على الرعية للحاكم في حدود مصالحهم وما يعود عليهم بالنفع والخير ويبيّن ايضاً حق الرعية على الحاكم أن يستجيب لمطالب الرعية. يقول الإمام (عليه السلام):

«وَلْیَکُنْ أَحَبَّ اَلْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي اَلْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي اَلْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَى اَلرَّعِیَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ اَلْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَی اَلْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ اَلْخَاصَّةِ یُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا اَلْعَامَّةِ»(5).

يبيّن الإمام في هذا النص أن على الحاكم قبل كل شيء أن يعمل لمصلحة الجميع بلا استثناء، فأن تعذر عليه، أخذهم بالأهم الأعم، وهو مصلحة الأكثرية، أما إذا طلبت الأقلية من الحاكم أن يغدق عليها الامتيازات التي تمكنها من رقاب الأكثرية واستغلالهم فعليه أن يرفض ولا يستجيب، من الجهة الدينية فواضح الحرام لأنه ظلم وجور، أما من الوجهة السياسية التنظيمية، فأن سخط العامة یهزُّ کیان الدولة بالإضرابات والمظاهرات، وربما بالثورة المسلحة، أما سخط الأقلية فلا يترتب عليه أي محذور، ومن اجل هذا فهو مغفور برضا العامة، وهذا ما أراده بقوله: (وأن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة).

يعلّق ابن أبي الحديد في شرحه عن هذا النص قائلاً: (ثم عرفه أن قانون الإمارة الاجتهاد في رضا العامة فإنه لا مبالاة بسخط خاصة الأمير مع رضا العامة فأما إذا سخطت العامة لم ينفعه رضا الخاصة)(6).

وقد نصت عليها في المادة الأولى الدساتير التي وضعتها المجالس النيابية في الشرق والغرب(7). وهي بالذات عناها الإمام بقوله هذا، ومعناه إن الحاكم وکیل عن الجماعة لتأمين غاياتها وأهدافها، وممثل للسلطة لا مالك لها، وانه يبقى في الحكم

ص: 292

ما كان أميناً و مخلصاً.

وهذه هي الحكومة التي تنشدها جميع الشعوب ويؤمن بها كل فیلسوف و مشرّع يهدف إلى الخير والصالح العام، ويتغنى بها الأدباء والشعراء الأحرار.

لقد اعتنى الإمام (عليه السلام) في مدة حكمه، بحماية مبدأ الكرامة، ونبّه عماله على رعاية هذه المسألة، ففي عهده إلى مالك الأشتر يقول: (و أشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة و المحبّة لهم و اللطف بهم. و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان إمّا أخ لك في الدّين و إمّا نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل، و تعرض لهم العلل، و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ فأعطهم من عفوك و صفحك)(8).

هذا الكلام، وان كان في ظاهره دستوراً أخلاقياً، لكنه يمكن أن يؤسّس لمباني التعامل بين الحكومة والشعب(9) والإسلام يعترف بوجود طبقتين رئيسيتين في المجتمع:

1 - طبقة الحكام.

2 - طبقة الرعية.

وبين هاتين الطبقتين انسجام رائع ووفاق تام، فنرى الطبقة الحاكمة تنظر إلى الرعية نظرة ملؤها الحب و الإشفاق، وتضع نصب عينها هدفاً واحداً، وهو تحقيق السعادة لهذه الطبقة، بل أن هذا هو الداعي لها لتولي منصب الحكم، وليس تبغي وراء ذلك تحقيق إي مکسب شخصي أو مصلحة ذاتية(10). ووجود هاتين الطبقتين أمر ضروري في المجتمع، وكل طبقة تشتمل على تقسم آخر (ثانوي)، فطبقة الحكام تتألف من (الخليفة العام) ويكون في المركز الرئيس للدولة الإسلامية، و(الولاة) وهم اليد اليمنى للخليفة يستعين بهم على تسيير أمور البلاد الإسلامية، فيعين والياً على كل مصر ليكون بمثابة الإمام فيه، وهو يحكم باسم الخليفة. ومن هؤلاء مالك الأشتر

ص: 293

الذي ولاه الإمام (عليه السلام) مصر. أما الطبقة الرئيسة الثانية (طبقة الرعية) تحتوي على سبع طبقات نتناولها تفصيليا في هذا البحث.

السلطات التي أسندت إلى مالك الأشتر (جباية الأموال) » بالمصطلح المعاصر (وزارة المالیة) (جهاد العدو) » بالمصطلح المعاصر (وزراة الدفاع) (استصلاح أهلها) » بالمصطلح المعاصر (تشمل الأمن و الثقافة و الصحة و وظائف الدولة و الخدمات و الشؤون الاجتماعية) (عمارة البلاد) » تعمّ الزراعة و الصناعة و التجارة و الأصناف و المواصلات

ص: 294

المبحث الاول: نظام الطبقات الوظيفية في الدولة وتوزيع الأدوار

من وصية الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر:

(و أعلم أنّ الرّعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، و لا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود اللهّ. و منها كتّاب العامّة والخاصّة. و منها قضاة العدل. و منها عمّال الإنصاف و الرّفق. و منها أهل الجزية و الخراج من أهل الذّمّة و مسلمة النّاس. و منها التّجّار و أهل الصّناعات. و منها الطّبقة السّفلى من ذوي الحاجة و المسكنة و کلاّ قد سمّى اللهّ سهمه)(11) عهد الإمام إلى مالك الأشتر هو الموضع الوحيد في نهج البلاغة، الذي يتعرض فيه الإمام للتقسيم الطبقي للرعية، فهو يقسمها إلى سبع طبقات هي:

الطبقة الأولى: الجند.

الطبقة الثانية: كتاب العامة والخاصة.

الطبقة الثالثة: القضاة.

الطبقة الرابعة: عمال الإنصاف والرفق، وهم موظفو الدولة.

الطبقة الخامسة: أهل الجزية والخراج.

أهل الخراج: هم الذين يدفعون الضريبة، على الأرض، وهم من المسلمين.

أهل الجزية: هم من غير المسلمين الذين يقبلون بشروط المسلمين و عهودهم ويدفعون الجزية..

ص: 295

الطبقة السادسة: التجار وأهل الصناعات.

الطبقة السابعة: الطبقة السفلة من ذوي الحاجات والمسكن.

إن تشكيل المجتمع من هذه الطبقات، أمر ضروري وهام فلا يصلح بدون ذلك، فكل طبقة ضرورية للمجتمع وتحتاج من اجل بقاءها إلى بقية الطبقات، إذ انه عليه السلام بعد أن يقسم الطبقات الاجتماعية يبيّن التفاعل والارتباط الوثيق بين الطبقات والحاجة إليها، فأنه يحصرها ضمن خمس طبقات، حيث يدرج القضاة والعمال والكتّاب في طبقة واحدة، ويمكن تسميتها بطبقة (الإداريين). وفيما يلي الحديث عن احتياجات المجتمع إلى كل طبقة.

أولاً: طبقة الجند:

يقول عليه السلام في بيان الحاجة إلى هذه الطبقة «فالجنود بإذن اللهّ حصون الرّعيّة، و زين الولاة، و عزّ الدّين، و سُبل الأمن، و ليس تقوم الرّعيّة إلاّ بهم.»(12) نستوضح من كلامه عليه السلام أن كيان المجتمع سوف يهتز و ينهار بدون الجنود، و ذلك للمهامّ الكثيرة و الخطيرة التي تعتمد عليهم. فهم:

1 - الحصن المنيع في وجه الأعداء فيحرسون الحدود و يحمون الثغور.

2 - إن الحاكم يستمد قوته و هیبته و طاعة الرعية له من الجند.

3 - إن الدين الإسلامي يشكّل مجموعة من الأنظمة والتعاليم التي تضمن للإنسان السعادة والاستقرار، بشرط أن يلتزم به الناس، و طبقة الجند تشكّل القوّة التي تلزم الناس بإتباع تلك الأنظمة والتعاليم و احترامها، و هذا هو عزّ الدين.

4 - الجند يحفظ الأمن داخل البلاد، فيمنع القوي من الإعتداء على الضعيف و يردع المجرمين عن العبث بحياة الآخرين و ممتلكاتهم. فالجنود، حصون الرعية يمنعون

ص: 296

التعدّي، فيأمن كل فرد لحمايتهم، وهم عزّ الدين حيث يقمعون المنحرف الأثيم و الخارج عن القانون.

إن الانحرافات تموت بوجودهم لأنّ بقوّتهم يصدّون المتطاول على الشريعة و المنتهك لهذا الدين، و لا تسعد الرّعية و لا تقوم إلاّ بوجودهم، و كيف تسعد الرعية إذا كانت مهدّدة في مصالحها و منافعها، وهل يعطي الأمان و الدعة إلاّ القوّة التي يشكّلها الجند و حزمه المتين.(13)

ثانياً: طبقة أهل الخراج

أهل الخراج هم الفلاحون الذين يدفعون الضرائب عن الأرض و في بيان أهميّتهم للمجتمع يقول عليه السلام: «ثمّ لا قوام للجنود إلا بما يخرج اللهّ لهم من الخراج الّذي يقوون به في جهاد عدوّهم، و يعتمدون عليه فيما يصلحهم، و يكون من وراء حاجتهم.».(14) لا حياة للدولة، لا للجنود فقط، أو لأية هيئة أو فرد إلا بالنفقة الكافية لسدّ الحاجات، و من البداهة أنّه لا مورد للدولة إلا فرض الضرائب و جبايتها.(15) فالخراج المورد الأهم الذي تعتمد عليه الدولة في سدّ احتياجاتها المادية، و أولى تلك الاحتياجات و أهمّها هي الحفاظ على الجند، بأن يدفع لهم ما يقوم بحالهم و يصلح شأنهم. إذن فطبقة أهل الخراج تعتبر ضرورية بالنسبة لطبقة الجند، وحيث أنّ طبقة الجند ضرورية لطبقات المجتمع كلّها كما سبق فهذا يعني أنّ طبقة أهل الخراج ضرورية للمجتمع بأسره.

ص: 297

ثالثاً: طبقة الإداريين:

الإداريون هم الكتّاب و القضاة و الموظّفون حيث جمعهم الإمام في طبقة واحدة حينما تكلم عن الحاجة إلى الطبقات الاجتماعية. يقول الإمام عليه السلام في بيان أهمية هذه الطبقة «ثمّ لا قوام لهذين الصّنفين إلا بالصّنف الثّالث من القضاة و العمّال و الكتّاب لما يحكمون من المعاقد، و يجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور و عوامّها».(16) القضاة معرفون وهم الذين يحكمون بين الناس في النزاعات و الاختلافات في الحقوق. أما الكتّاب فهم على صنفين:

1 - کتاب العامة: وهم الذين يحررون الشؤون العامة كالضرائب وغيرها.

2- کتاب الخاصة: وهم الذين يحررون للوالي، والقاضي، وأمير الجيش، ومن إليهم.

و العمّال هم الموظفون الذين يعيّنهم الوالي من أجل تسيير أمور البلاد. وهؤلاء الثلاثة يشكّلون الهيئة الإدارية الضرورية للمجتمع.

رابعاً: التجّار و الصنّاع:

أما التجّار و الصنّاع فيقول عليه السلام فيهم في معرض بیان احتیاج طبقات المجتمع لهم:

«و لا قوام لهم جميعا إلاّ بالتّجّار و ذوي الصّناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، و يقيمونه من أسواقهم، و يكفونهم من التّرفّق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم.».(17) فالتّاجر والصانع يتولّى كلّ واحد منهما مهمّة تعتبر متمّمة للآخر، فالتّاجر يوفّر

ص: 298

للصانع المواد التي يحتاجها في عمله، و الصانع يأخذ هذه المواد فيصنعها و يعيدها للتاجر کي يتولّى توزيعها. و بذلك تتأمّن متطلّبات بقية الطبقات التي تحتاجها من أجل معيشتها، و تتمكّن من أن تنصرف إلى أعمالها.

خامساً: الطبقة السفلى:

و يقول عليه السلام في هذه الطبقة:

«ثمّ الطّبقة السّفلى من أهل الحاجة و المسكنة الّذين يحقّ رفدهم و معونتهم. و في اللهّ لكلّ سعة، و لكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه، و ليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه اللهّ من ذلك إلاّ بالاهتمام و الاستعانة باللهّ، و توطين نفسه على لزوم الحقّ، و الصّبر عليه فيما خفّ عليه أو ثقل.».(18) الطبقة السفلى، هم أولئك الذين لا يستطيعون العمل للقيام بسدّ احتياجاتهم، الكبر أو علّة، أو إنهم يستطيعون العمل ولكن ما ينتجونه لا يكفيهم. فهؤلاء يجب على سائر الطبقات الأخرى المتمكّنة أن تمدّ لهم يد العون، على أنّهم مسؤولية الحاكم بشكل خاصّ. فعليه بنفسه أن يبحث عنهم و يحدد حاجاتهم ثم يقدّم لهم العون.

و بعد إن بيّن عليه السلام طبيعة احتياجات طبقات المجتمع إلى بعضها البعض، انتقل إلى تفصيل أحوال كلّ طبقة على حده، والهدف من ذلك هو التوصل إلى طبيعة العلاقات التي يفترض أن تنشأ بينها و بين الحاكم، و أحياناً من أجل الدلالة على كيفية إنشاء تلك الطبقات من أساسها كما في الجند و القضاة، و في المبحث الثاني سنتحدّث عن كلّ طبقة من هذه الطبقات و ذلك بما تحدّث به الإمام عليه السلام.

ص: 299

المبحث الثاني: الوصف التفصيلي للطبقات الوظيفية

الطبقة الأولى: الجند

الحديث عن الجند في عهد مالك الأشتر يتناول النقاط الخمس التالية:

أولاً: المواصفات التي يجب تحققها في قادة الجند.

ثانياً: في كيفية إختيار القادة.

ثالثاً: في طريقة تعامل الحاكم معهم. رابعاً: في ضرورة التقريب بين القائد و جنوده.

و فيما يلي نتناول بالبحث كلّ واحدة من هذه النقاط على حدة، و ذلك بما نستفيده من كلمات الإمام علي (عليه السلام) في نهجه العظيم.

أولاً: الشروط و المواصفات التي يجب أن يتصف بها قادة الجند.

يقول الإمام (عليه السلام): «فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك للهّ و لرسوله والإمامك، و أنقاهم جيبا، و أفضلهم حلما ممّن يبطیء عن الغضب، و يستريح إلى العذر، و يرأف بالضّعفاء و ينبو على الأقوياء. و ممّن لا يثيره العنف و لا يقعد به الضّعف.».(19)

ص: 300

بمعنى أن يكون ناصح لأمّته و مهمته، و المخلص لدينه و ضميره، و الحليم الذي يملك نفسه، و يكظم غيظهُ، و يقبل العذر، و يرحم الضعيف، و يشتد على القوي كي لا يطمع في جوره و تحيزه، (و ممن لا يثيرهُ العنف) أي يصبر على الكلمة القاسية و الحركة النابية، و يتمهّل حتى يتدبر العواقب، فيعمل بموجبها، شأن العاقل الحكيم.

(ولا يقعد به الضعف) إذا سكت لا يسكت عن عجز بل لحكمة و رويّة، و بكلمة ثانية، يلين من غير ضعف، و يقوي من غير عنف.(20) فالضمان الأكيد لعدم طغیان قادة الجيش، و انحرافهم هو في كونهم واجدين لهذه الصفات التي يذكرها الإمام (عليه السلام) فإن قيادة الجيش عبء ثقيل و خطير للغاية، لأن مصير الأمة بكيانها، و جميع مقدراتها منوط بالجيش و قائده، و بالتالي فإن أعظم القادة على الإطلاق هو الذي يعرف متى يحجم و متی یُقدم، و لا يثير حرباً إلاّ لضرورة قاهرة، ولا يستعمل العنف إلاّ مرغماً، للقضاء على الجريمة، لأن الحرب و القسوة شرٌّ بطبيعتها تماماً كالكيّ بالنار، و هو أخر الدواء.

(هذه المزايا وحدها هي التي تتمكن من بعث روح الاعتماد والمطالبة بها. ولا يمكن التفكير بقائد عام أو قائد في ساحة القتال تجرد عن هذه الصفات)(21)

ص: 301

ثانياً: كيفية اختيار قادة الجند:

بعد أن أوضح عليه السلام الصفات التي يجب توفّرها في قادة الجند، بَيَّنَ المواطن التي يتوافر فيها المتصفون بالصفات التي اشترطها و ذلك ليسهل الإختيار و التعيين على الحاكم، فقال عليه السلام: «ثمّ ألصق بذوي الأحساب و أهل البيوتات الصّالحة و السّوابق الحسنة. ثمّ أهل النّجدة و الشّجاعة و الخاء و السّماحة، فإنّهم جماع من الكرم، و شعب من العرف.»(22).

ففي مجتمع الإمام كانت البيوتات الصالحة تهتمّ بتربية أبنائها على ما در جت هي عليه، من الجود و الشجاعة والكرم، فيرشد الإمام عليه السلام إلى أفضلية اختيار قادة الجند من هذه البيوتات ذات الحسب و النسب إذ غالباً ما تتواجد الصفات المطلوبة للقائد في هذه البيوتات، و الاّ فمجرّد النسب دون التحلّي بهذه الصفات لا يجدي شيئاً و لا يمنح أيّة ميزة.

ذكر الأستاذ عبد الوهّاب في مقال بعنوان «الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة» و نقل الكاتب قول الإمام: «ثم ألصق بذوي الأحساب و أهل البيوتات» و علّق عليه قائلا: «إن نغمة البيوتات و الأحساب قد تبدو شاذة، و لكن ينبغي أن لا نرتاع لها و لنكمل استماعنا بأنشودة الإمام الحبيبة، فإن وصيته بذوي الأحساب لا تنافي الديمقراطية فهو لم يدعُ إلى تمييزهم، و انّما دعا إلى الانتفاع بما عندهم، و كثيراً ما يتّسق نبل الأخلاق مع نبل الدم، ثم أنّ الإمام أتبع قوله ذلك بقوله: و السوابق الحسنة ثم أهل النجدة و السماحة. وهؤلاء يكونون من هذه الطبقة كما يكونون من تلك دون تمييز».(23) و علیه یکون ذكر البيوتات و الأحساب وسيلة، و العدل هو الهدف و الغاية.

ص: 302

ثالثاً: طريقة تعامل الحاكم مع القادة:

إن الجند خطر و ضرورة في آن واحد، هم خطر. «لأن الطبقة التي ينتمون إليها هي أقوى طبقات الأمة كلّها، فالجيش طوع أمرهم، و السلاح تحت أيديهم، و لا قوّة تمنعهم من الثورة، إذا ما أرادوا... و هم ضرورة لأنّ وجودهم يحفظ الأمن و يصون الدولة، و يردع السفيه، و يضرب على يد المعتدي».(24) وقد تحرّز الإمام من هذا الخطر بأن تشدّد في كيفية اختيارهم، و فرض مواصفات معيّنة يجب أن تكون متوفّرة فيهم. و لكن هذا وحدهُ ليس كافياً لضمان عدم الإنحراف و العصيان، فإن هؤلاء هم مطالب و احتیاجات كسائر الناس، فإذا لم يستطيعوا الحصول على متطلّباتهم بالطرق المشروعة، فربّما اضطروا للجوء إلى طرق أخرى، لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح المجتمع و الناس. ومن هنا يرى الإمام بأنّ على الحاكم أن يواصل تفقّدهُ لأحوال القادة، من أجل أن يتعرَّف عن كثب على طبيعة احتياجاتهم و يقوم بتلبيتها، و بهذا يقول عليه السلام: «ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّده الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمنّ(20) في نفسك شيء قوّيتهم به. ولا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به و إن قلّ فإنّه داعية لهم إلى بذل النّصيحة لك و حسن الظّنّ بك. ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به. و للجسيم موقعا لا يستغنون عنه.»(26).

على الحاكم أن يضع نفسهُ منزلة الوالد بالنسبة لقادة الجند، و انطلاقاً من ذلك عليه أن يعمل على تقويتهم بشتّى الطرق الممكنة، دون أن يجعل للخوف موضعاً في نفسه من أن يصبح بعض هؤلاء القادة من القوة بحيث ينافسونه على منصبه، فهو کالوالد لهم، و كما أنّ الوالد يعمل جاهداً من أجل أولاده و تأمين مستقبل مشرق لهم دون أن يقلق من أن يصبحوا ذات يوم في مركز أفضل من مركزه، فكذلك يجب أن

ص: 303

يكون الحاكم مع قادة جنده، عليه أن يفتخر بهم إذا ما أصبحوا أقوياء منيعين، لا أن يعظم عليه هذا الأمر و يقلقهُ.

ثمّ ينبّه الإمام إلى أمرٍ هامٍ يجب على الحاكم ملاحظته، و هو أن عليه أن يبذل أقصى جهده من أجل كسب ثقة قادة جنده و حسن ظنّهم، لأنّه لو تمّ لهُ ذلك فإنّهم بعد هذا لا يدّخرون جهداً في سبيله و يكونون لهُ نعم الناصح الغيور. و أما كيف يكسب الحاكم ثقة هؤلاء القادة؟ فهو أن يقف عند كلّ ما يعاهدهم به ولا يعدوهُ أبداً حتى لو كان أمراً ليس بشديد الأهمية، فهم عندما يلاحظون اهتمامهُ من أجل الوفاء بأقل الأمور فإنهم حينئذ تزداد ثقتهم به و يزداد تسليمهم و نصحهم له(27).

ومن فوائد تفقّد الحاكم لقادة جنده هو أنه يستطيع التعرّف عن كثب على ذوي البلاء الحسن فيشجّعهم على ذلك ليكونوا قدوة لغيرهم، يقول الإمام (عليه السلام):

«فانسخ في آمالهم، و واصل في حسن الثّناء عليهم، و تعدید ما أبلی ذوو البلاء منهم. فإنّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم تهزّ الشّجاع و تحرض النّاكل إن شاء اللهّ.».(28) هذه الفقرة من كلام الإمام «تدلّ على مدى خبرته بالنفس البشرية و كيفية التعامل مع مختلف أنواع البشر، فنرى أنّه يهتم كثيراً بالكلمة الحسنة».(29) إذ إنّ الإمام يوصي الحاكم بأن ينظر في أفعال قادة جنده فإذا ما وجد من أحدهم بلاءاً حسناً، فعليه أن لا يبخل عليه بحسن الثناء و الإطراء فإن ذلك يفتح باب المنافسة على مصراعيه حيث يرى بقية القادة أن العمل الحسن معترف به من قبل الحاكم و يُقابَل بالثناء والشكر، و هذا ما يدفعهم إلى المزيد من النشاط والإخلاص في العمل.

ص: 304

كما أن حسن الثناء على ذوي البلاء الحسن يدفع الناكل إلى أنّ يعيد النظر في موقفه، حيث يرى أن نتيجة نكوله لا تنقلب إلاّ عليه، فيحاول حينئذٍ تصحیح سلوكه. و هذا بخلاف ما لو إنهال الحاكم على الناكل باللؤم و التقريع، فإنّ ذلك يعطي نتائج عكسية تماماً، إذ يشعر الناكل حينئذ بالحقد و الضغينة فيزيد في نكوله و جحوده.

رابعاً: ضرورة التقريب بين القائد و جنوده

إن الانسجام و التفاهم بين القائد و جنوده يعطي ثمرات عملية، ظاهرة، فعطف القائد على الجندي يعطي هذا الأخير شعوراً بالمحبة و وجوب التفاني في سبيل قائده، كما يشعر بأن الانتصار على العدو هو إنتصار لهُ بالذات، يقطف ثمراتهُ بنفسه لا أنّه مجرَّد أداة في يد القائد يوجّهه كيف يشاء.

و للإمام علي عليه السلام طريقة لبقة و فريدة من نوعها، من أجل تحقيق التقارب والانسجام بين القائد و جنوده، و هو يوضّحها في عهده للأشتر بقوله: «و لیكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، و أفضل عليهم من جدته بما يسعهم و يسع وراءهم من خلوف أهلهم حتّى يكون همّهم هما واحدا في جهاد العدوّ.».(30) فالإمام يوصي الحاكم بأن يقرِّب إليه أولئك القادة الذين يسيرون بالحسنى في جنودهم، وهذا يعني إعطاء ميزة لهم على غيرهم، مما يفتح باب المنافسة بين القادة جميعاً ليحظوا بمنزلة القرب من الحاكم.

«كما أنّ المحبّة و العطف و الخلق الحسن شروط لازمة في حصول هذا الشعور عند الجنود فإنّ تأمين الناحية الاقتصادية شرط لازم أيضاً».(31) وقد أدرك الإمام عليه السلام أهمية التقارب و الإنسجام بين القادة و الجنود، فعلى القائد أن يتحلّى بالأخلاق الحسنة و يسير بها بين جنوده، فيعطف عليهم و يشفق

ص: 305

على ما يصيبهم، ثم عليه أن يولي اهتمامهُ عائلة الجندي فترة غيابه فيقوم باحتياجاتها حتّى ينصرف الجنديّ إلى جهاد عدوِّه وقد اطمأنّ على عائلته التي خلّفها وراءه.

الطبقة الثانية: القضاة

إن منصب القضاء من المناصب الحسّاسة و شديدة الأهمية في الدولة، و مردّ ذلك إلى المهام الخطيرة الموكولة لمن يتولّى هذا المنصب، أي القاضي، فهو يفصل بين المتخاصمين، فيحكم بالأموال و الممتلكات لشخص و ينزعها عن آخر، إذ إنّ مهمّتهم تطبيق القانون في المجتمع(32). و حدیث الإمام في نهج البلاغة عن طبقة القضاة ينحصر فيما يلي:

أولاً: اختيار القضاة و مواصفاتهم.

ثانياً: حقوق القضاة على الحاكم.

ثالثاً: استقلال القضاء.

رابعاً: وجوب مراقبة القضاة.

أولاً: اختيار القضاة و مواصفاتهم:

قال عليه السلام «ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه(33) الخصوم، ولا يتمادى في الزّلّة، و لايحصر(34) من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، و لا تشرف نفسه على طمع، و لا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، و أوقفهم في الشّبهات، و آخذهم بالحجج، و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصر مهم عند اتّضاح الحكم. ممّن لا يزدهيه إطراء و لا يستميله إغراء. و أولئك قليل.»(35).

ص: 306

نستوضح من هذا النص أن الإمام عليه السلام أشار إلى أن القاضي يختار بالتعيين الا بالإنتخابات، حيث قال عليه السلام (ثم أختر للحكم)، و على هذا المبدأ معظم الدول.

«و لا يتنافي التعيين مع استقلال القضاة عن الحاكم الذي يختارهم، حيث ينصرف كلّ فريق بعد التعيين إلى مهمّته و اختصاصه».(36) كما أنّه عليه السلام يشير إلى مواصفات مهمّة ينبغي أن تكون في القاضي و يمكن لنا أن نتناولها على شكل نقاط هي:

1 - أن يكون القاضي (ممّن لا تضيق به الأمور) أي يجب أن يكون عالماً مجتهداً يستخرج الأحكام من مصادرها، و يطبّقها على مواردها.

2 - (لا تمحکه الخصوم). و في تفسيره أقوال أرجحها أن يكون القاضي واسع الصدر، يتحمّل ما يجري ويحدث عادة بين الخصوم من المهاترات، شريطة أن لا تمس هيبة القاضي و القضاء.

3 - (لا يتهادى في الزَّلة _أي الخطأ_ ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه) إذا أخطأ، ثم عرف الصواب فعليه أن يرجع إليه، ولا يصرّ على خطأه، فإن الرجوع عن الخطأ فضيلة.

4 - (لا تشرف نفسه على الطمع) أن يكون عفيفاً لا يقضي بالهوى، ولا يقبل الرشی، يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا الصدد: (أن يكون صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه).

5 - (لا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه). لا يُعلن الحكم النهائي إلا بعد التحرّي و الوقوف على جهات الدعوى بأكملها، و البحث عمّا يتّصل بالحادثة حكماً و موضوعاً. وهذه هي طريقة العلماء، فإنّهم لا يبتون بشيء إلا بعد الاستقراء

ص: 307

التام، و الملاحظات الدقيقة و الوثوق بما يقولون.

6 - (أوقفهم في الشبهات). ليس المراد بالوقوف هنا الإحجام عن الحكم، لأن القاضي ملزم بفصل الخصومات، و أيضاً ليس المراد به العمل بالاحتياط، و إنما المراد بالوقوف هنا الرجوع إلى أصل صحيح مع النص.

7 - (آخذهم بالحجج) كالإقرار و الشهود و اليمين و القرائن القطعية التي تنشأ من السير في الدعوى و ملابساتها.

8 - (أقلهم تبرماً بمراجعة الخصم) أي يفسح المجال للخصم ليدلي بكلّ ما لديه، و يستمع إليه القاضي بصدر رحب، و خلق کریم.

9 - (أصبرهم على تكشف الأمور) دؤوب في البحث و التتبع لا يعرف الكسل و الملل.

10 - (أصر مهم عند اتضاح الحكم). متى اتضح الحقّ فلا أمل في غيره، و لا قضاء إلا به، ولا مضيّ إلا عليه مهما تكن الظروف و العواقب حتى ولو كانت قصاً اللسان، و قطعاً للرأس.

11 - (لا يزدهيه الإطراء) لا يطرب للمديح إلا جاهل كفيف، و أحمق سخيف لا كبير ولا صغير إلا بعد العرض على الله.

12 - (لا يستميله إغراء) أبداً، لا يكون ولن يكون مع القوى على الضعيف، ومع الغني على الفقير، بل يأخذ هذا من ذاك، ليستقیم میزان الحق و العدل.

(أولئك) الذين تكاملت فيهم هذه الصفات (قلیل) بلا ريب، ومع هذا فعلی الحاكم أن يتحرى و يبحث عنهم، و يقدم من هو أعرف بالشريعة و أصول المحاكمات، و أصلب في الحق، و أكثر تفطناً لأهداف الخصوم و خداعهم.(37)

ص: 308

ثانياً: حقوق القضاة على الحاكم:

لقد أدرك الإمام (عليه السلام) أن طبائع البشر ليست واحدة ولا متشابهة، و أن المركز الذي يشغله كلّ فرد في المجتمع يؤثّر على طباعه و سلوکه، و بالتالي تختلف طريقة التعامل معهُ عن بقية الأفراد الذين يشغلون مراکز مختلفة، فالناس لا يساسون جميعاً بعصاً واحدة.(38) ومن هنا فقد وضح الإمام (عليه السلام) برنامجاً خاصّاً في كيفية التعامل مع كلّ طبقة من طبقات المجتمع.

و السلطة القضائية من أعظم سلطات الدولة، بها يفرق بين الحقّ و الباطل، و بها ينتصف للمظلوم من الظالم. و حين تجنح الظروف بهذه السلطة إلى الإسفاف فإنّها لا تنزل إلى الحضيض وحدها و إنّما تجرّ معها المجتمع كلّه أو بعضهُ.(39) ومن هنا وجب أن يكون القاضي مأموناً من الإنحراف و الزيغ، و هذا الإنحراف منشؤه أحد أمرين:

أحدهما: الخضوع للإغراءات المادية، فيحكم بغير الحقّ طمعاً في الرشوة، تدفع إليه.

ثانيهما: الخضوع للتهديد و التخويف، بأن يكون أحد المتخاصَمين يشغل منصباً هامّاً في المجتمع مما يجعل القاضي يتحرّز عن الحكم في غير مصلحته.

وقد عالج الإمام (عليه السلام) كلاً من الأمرين بما يناسبهُ. أما الأمر الأول فإنه (عليه السلام) قد أدرك أن القاضي لم يكن ليخون ما يمليه عليه ضميرهُ لولا حاجته إلى المال، فإذا قضيت جميع متطلّباته الحياتية بحيث لا يشغل فكرهُ في القضايا المادية، فإنه لن يكون من السهل بعد ذلك قبوله الرشوة، لذلك أمر عليه السلام أن يدفع إلى القاضي ما يقوم بجميع متطلّباته و یزید عنها، فيقول: «و أفسح لهُ في البذل ما يزيل

ص: 309

علتهُ، و تقل معه حاجته إلى الناس»(40) و أما بالنسبة إلى الأمر الثاني الذي قد ينحرف القاضي بسببه، و هو خوفه على مركزه أو حياته، فإن علياً (عليه السلام) يضع حدّاً لهذا الخوف و يقتلعه من جذوره، و ذلك بتقديم الضمانات إلى القاضي بحيث يطمئن من خلالها على أنّ أحداً لن يمسه بسوء فيما لو حکم بعلمه و قناعاته. فنراهُ عليه السلام يوصي بمنح القاضي مكانة قريبة من الحاكم بحيث يطمئن على أنّ أحداً لن يستطيع الدسَّ عليه أو تشوية سمعته.

فيقول عليه السلام:

«و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك».(41)

ثالثاً: استقلال القضاء:

قال (عليه السلام): (فمنها جنود اللهّ. و منها كتّاب العامة و الخاصّة. و منها قضاة العدل. و منها عمّال الإنصاف و الرّفق.)(42) قسم الإمام علي (عليه السلام) الطبقات الوظيفية إلى فئات، منها الجنود والولاة والقضاة و الكتّاب، وهو بهذا التقسيم يومئ إلى فصل السلطة القضائية عن غيرها، واستقلالها بذاتها، لتفعيل دور القضاء وتحقيق العدل بين الرعية.

فكيف يمكن تصور أن تكون السلطة التنفيذية خصماً وحكماً في نفس الوقت. فكان لابد من فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية واستقلالها، بتعبير أصحاب القانون المعاصرين (لا حصانة بلا استقلال، ولا استقلال بلا حصانة).

ومن المعلوم أن التشريع في الإسلام لله وحده و أن الطريق إلى معرفته (القرآن

ص: 310

والسنة). ويمكن لنا إعطاء دليل عملي على استقلال القضاء عند الإمام علي عليه السلام، عندما تولى الحكم، فقد خضع عليه السلام لصلاحية القضاء، فلم يكن له أن يقضي لنفسه، كما لا يجوز له أن يشهد لنفسه.(43) فقد روي أن الإمام علياً (عليه السلام) لمّا رجع من قتال معاوية، وجد درعه المفقود بید رجل يهودي كان يسعى لبيعها، ولمّا أصرّ هذا على أن الدرع له، اختصم الاثنان أمام القاضي شُريح. فطلب القاضي من الإمام أن يثبت دعواه. فأتی بخادمه قنبر وابنه الحسن شاهدين. فرفض القاضي شهادة الابن لوالده، فقال علي (عليه السلام): (سبحان الله، رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته. سمعت رسول الله يقول: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة). ولمّا أصرّ القاضي على موقفه، طلب الإمام علي عليه السلام من اليهودي أن يأخذ الدرع، لأنه لم يكن له شهود غير من ذُکر. فما كان من اليهودي إلاّ أن تأثر بهذا العدل، وباحترام الإمام علي لاستقلال القضاء. فقال: (أشهد أن الدرع لك، وان دینکم هو الحق. قاضي المسلمين يحكم على أمير المؤمنين ويرضى. أشهد أن لا اله إلاّ الله، وأشهد أن محمد رسول الله). فسرّ الإمام علي بإسلام اليهودي، ودفع إليه الدرع تبرعاً.(44) ومما تقدم يتبيّن لنا، أن الإمام علي (عليه السلام) هو أول من أشار إلى استقلال القضاء، وأعطاه أهمية كبرى، من أجل تحقيق العدل في المجتمع. وليس كما يذهب إليه الباحثون في القانون، بأن مبدأ فصل السلطات مرتبط باسم (مونتسکیو) في كتابه (روح الشرائع) المنشور سنة 1748 م، الذي قال فيه بوجود ثلاث سلطات في الدولة (تشريعية، تنفيذية، قضائية).(45)

ص: 311

رابعاً: وجوب مراقبة القضاة:

لقد وضع الإمام (عليه السلام) كافة الاحتياطات اللازمة من أجل الإطمئنان على صلاح مركز القضاء، فقد رأينا كيف يشترط في القاضي أن تتحقق فيه مواصفات خاصة لا تتواجد إلا في القلّة من الناس. ثمّ يمنح القاضي من الأموال و الإمكانات المادية ما يتيح له حياة كريمة لا يضطر معها إلى قبول الرشوة، و بعد ذلك يوصي بتقريبه من الحاكم كي يأمن على نفسه و ماله.

و لكنه عليه السلام مع كلّ هذه الاحتياطات يرى وجوب مراقبة القاضي و مراجعته أحكامه فمن عهده للأشتر: «ثمّ أكثر تعاهد قضائه».(46) أي يتعاهد الحاكم قضاء قاضيه، و ينظر فيما أصدرهُ من الأحكام، فإن ذلك كفيل بأن يمسك القاضي عن الإنحراف، و يستقیم به على السنن الواضحة لأنّه حينئذ يعلم أن المراقبة ستكشف أمر الحكم الجائر.(47) ومن الجدير بالذكر أن الإمام عليه السلام قد سجل بما شرعه في طبقة القضاة سبقاً عظيماً على إنسان اليوم، و ذلك لأن استقلال مركز القضاء و عدم تأثره بأي سلطة أخرى، و تأمين الناحية الاقتصادية للقاضي، و نظام التفتيش القضائي، جهات تنبه لها الإمام و جعلها واقعاً يخلّف في حياة المجتمع آثارهُ الخيرة.

ص: 312

الطبقة الثالثة: العمّال

العمّال، هم موظفوا الدولة الإسلامية، وهم أداة الحاكم في تنفيذ أوامره و الوجه الذي يعرف به بين الناس، فإذا كانت طبقة العمّال فاسدة فإن هذا يكشف عن فساد الحاكم و عدم أهليته، بينما صلاح هذه الطبقة و استقامتها يعني صلاح الحاكم، و استقامتهُ. لذا كانت هذه الطبقة موضع اهتمام الإمام و حديثه عنها يتعلّق بعدّة نقاط:

أولاً: صفات طبقة العمال و معايير التعيين و الاختبار.

ثانياً: حقوق العمال على الحاكم.

ثالثاً: عدم إغفال مراقبتهم للتأكد من استقامتهم.

و فيما يلي نستعرض كلمات الإمام فيما يتعلّق بكلّ واحدة من هذه النقاط:

أولاً: صفات طبقة العمّال و معايير التعيين و الاختبار:

يوضح عليه السلام هذا الأمر في عهده للأشتر حين يوصيه بقوله:

«ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا، و لا تولّهم محاباة و أثرة، فإنّهما جماع من شعب الجور و الخيانة، و توخّ(48) منهم أهل التّجربة و الحياء من أهل البيوتات الصّالحة و القدم في الإسلام المتقدّمة، فإنّهم أكرم أخلاقا، و أصحّ أعراضا، و أقلّ في المطامع إشراقا(49)، و أبلغ في عواقب الأمور نظرا.».(50) فأهمّ ما يجب ملاحظته في العمّال هو الكفاءة هذا المنصب، و هذه الكفاءة لا تعرف إلاّ بالامتحان و الاختبار، فالذي يفوز بهذا الاختبار يكون مؤهّلاً لهذا المنصب و الاّ فلا. فتعيين العمّال يجب أن يخضع لهذا الأمر لا أن يكون عن محاباة و آثرة، لأن المحاباة و الآثرة تجمعان تحت لوائهما الجور و الخيانة.(51)

ص: 313

من خلال هذا النص نستوضح أن الامام عليه السلام وضع آلية لتعيين العمال تتمثل بثلاثة أمور:

أولها: أن يكون من أهل الخبرة في مجال عمله، ولا يجوز أن تتدخل المحبة و الميل لإنسان في تعيينه في غير مجاله الذي يستطيع أن يعمله ضمنه.

ثانيهما: أن يكون من أهل الحياء و أصحاب البيوتات الصالحة فإن من كان من أهل الحياء يخجل أن يقصّر في أعماله و كذلك أصحاب البيوتات الصالحة يمنعها صلاحها من تعمّد التقصير فإنّ الصلاح قرين الإخلاص و الإتقان.

ثالثهما: أن يكون من أصحاب القدم في الإسلام، فإنه يكون على علمٍ بدقائق الأحكام، وأثبت عقيدة من الداخل.(53)

ثانياً: حقوق العمّال على الحاكم

يعلَّق الإمام علي عليه السلام أهمية كبيرة على العامل الاقتصادي في حياة البشر، لذلك نراه يؤكّد دائماً على وجوب تأمين الوفرة المادية للجميع، و خاصة لأصحاب المراكز الحسّاسة و الهامّة في المجتمع، و ذلك ليس لأفضليتهم على سائر الناس، بل من أجل ضمان عدم خيانتهم لما تحت أيديهم كما هو الحال بالنسبة للعمّال، فمن عهده للأشتر في تتمة حديثه عن العمّال: «ثمّ أسبغ(53) عليهم الأرزاق فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم، و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، و حجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا(54) أمانتك.».(55) فعلى الحاكم أن ينظر في احتياجات عمّاله فيقوم بها، لأنه بذلك يصلح أمرهم فيتمكّنوا من التفرّغ لأعمالهم الموكولة إليهم دون الحاجة إلى عمل آخر يرتزقون منه، هذا فيما لو كانوا أمناء، أما لو كانوا من الذين تضعف أنفسهم أمام الإغراءات المادية و يصبرون على الشدّة، فإنّ إسباغ الأرزاق عليهم رادع لهم عن الخيانة في الأموال

ص: 314

التي تحت أيديهم.(56) فإذا خان العامل بالرغم من الضمانات المادية المقدمة لهُ، فإن الحجة تكون قائمة عليه، فيتمكن الحاكم من معاقبته، و أخذه بذنبه، إذ لا عذر لهُ على الاختلاس ليتمسَّك به.

ثالثاً: عدم إغفال مراقبة العمّال:

انطلاقاً من أهمية و خطورة الدور الذي يقوم به العمّال، فإنّ الإمام يشير إلى أن الضمانات السابقة كلّها ليست كافية وحدها للإطمئنان إليهم والوثوق بهم. فبالرغم من الدقة في اختيارهم، و بالرغم من الضمانات المادية المقدمة لهم، فإنّ الإمام یری وجوب مراقبتهم و تتبّع أعمالهم. كتب في عهده: «ثمّ تفقّد أعمالهم، و ابعث العيون من أهل الصّدق و الوفاء عليهم، فإنّ تعاهدك في السّرّ لأمورهم حدوة(57) لهم على استعمال الأمانة و الرّفق بالرّعّية.».(58) نستوضح من هذا النص دقة التنظيم الإداري عند الإمام عليه السلام، حيث يأمر الحاكم بإنشاء جهاز رقابي سري، من أجل مصلحة الرعية، في أن يؤدّي العمّال واجباتهم بصورة جيدة و أمينة، مع الرفق بالرعية، «فإنهم إذا عرفوا أن هناك مراقباً لهم و متفقد لأعمالهم يجيدون العمل و يتقنوه».(59) ويجب أن يكون للحاکم عدة أشخاص من أهل الدين و الأمانة الموثوق بهم، تكون مهمّتهم مراقبة العمّال، فإذا أحسّوا منهم أي خيانة أو انحراف كتبوا بذلك على الفور

ص: 315

إلى الحاكم. «و لا بدّ من التزام السريّة التامة في شخصية هؤلاء الرقباء»(60). فمعرفة العامل بوجود رقیب مجهول عليه يدفعهُ إلى التزام الحذر من جميع الناس، و بذلك لا تتاح له فرصة للخيانة، أما لو عرف الرقيب بعينه فيكفيه حينئذٍ الاحتراز منه شخصياً و بالذات.

ثم لو تبيّن للحاكم بواسطة رقبائه أن بعض العمّال قد خان أمانتهُ، فإن واجبهُ أن يتصرَّف على الفور، و يقرر عليه السلام ما يجب عليه فعلهُ بقوله:

«فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه و أخذته بما أصاب من عمله، ثمّ نصبته بمقام المذلّة و وسمته بالخيانة، و قلّدته عار التّهمة».(61) فطالما أن العيون و الرقباء الذين اختارهم الحاكم لمراقبة العمّال هم من أهل الثقة و الأمانة، فإن شهادتهم عليه بالخيانة تكفي في قيام الحجة على الحاكم من أجل معاقبته . و أول ما يعاقب به هو عزله عن عمله، و استرداد ما نهبهُ من الأموال، و تعذيبه جسدياً بالجلد. و فوق هذا كلّهُ يوضع في مقام المذلة فيشهّر به ليكون عبرة لغيره.

ص: 316

الطبقة الرابعة: الوزراء

الوزراء هم الجهاز الأعلى للدولة، إليهم يرجع تصريف الأعمال، و بهم تحدد سياسة الدولة، و منهم يصدر القرار بالحرب والسلم. فبقدر صلاحهم ووعيهم يكون صلاح الدولة و استقرارها، بينما فسادهم يعني خراب الدولة بلا شك.

و حديث الإمام عن هذه الطبقة يتعلق بأربعة أمور:

أولاً: مواصفات الوزراء.

ثانياً: آليات و معايير اختيار الوزراء.

ثالثاً: التخصص في توزيع المهام على الوزراء.

رابعاً: في كيفية التعامل معهم.

و فيما يلي تفصيل الكلام عن كلّ ذلك.

أولاً: مواصفات الوزراء:

لقد حدّد الإمام هذه المواصفات في عهده للأشتر حيث يقول:

«إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا و من شركهم في الآثام فلا يكوننّ لك بطانة فإنّهم أعوان الأثمة و إخوان الظّلمة، و أنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم و نفاذهم، و ليس عليه مثل آصارهم(62) و أوزارهم ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثا على إثمه. أولئك أخفّ عليك مؤونة، و أحسن لك معونة، و أحنى عليك عطفا، و أقلّ لغيرك إلفا(63) فاتّخذ أولئك خاصة لخلواتك و حفلاتك».(64) الوزير يجب أن يكون من أخير الناس، وهذا أمر يعود لجسامة المهمة الموكولة إليه، فإليه يعود أمر تصريف أعمال الدولة، و الرعية تتخذهُ مثلاً أعلى لها فينبغي أن

ص: 317

يكون نِعمَ القدوة.

ثم يجب أن يكون الوزير ذا خبرة في أحوال مجتمعه حتى يتمكن من القيام بمهمّته على أكمل وجه، و بعد هذا يجب أن يكون لديه سجل عدلي نظيف فلا يكون ممّن سبق له العمل مع الحكّام الظالمين، لأنّه بمعونته لهم و تأييد أعمالهم قد تعوّد على الظلم، ولا ضمانة في أنه يغير منهجه فيما لو عيّن وزيراً للحاكم العادل، كما أنّ الصورة التي تعرفها الرعية عن هذا الوزير لا يمكن محوها بسهولة، فهو عنوان الظلم والفساد بنظرها، ولا يمكن أن تغيّر فكرتها بسرعة.(65) ويشير الإمام عليه السلام لعامله: دع أهل السوابق في المثالب و الجرائم حتى و لو بلغوا الغاية من الوعي و الذكاء، فإنّهم يخادعون و يضلّلون، و عليك بأهل الدين و الصلاح، فإنهم لا يغشون من استنصحهم، و لا يرون لهم فضلاً عليه، و فيهم الكثير من أهل الرأي السليم و العقل الحكيم.(66) أي اختيار الإنسان الطاهر الذي لم يتدنس، و يندفع بإخلاص و يعاون برغبة و يسعى بعطف و حنان كي يثبت الحقّ و يدفع الباطل و يعمل بمقتضى باطنه و طهارة ضميره.

ثانياً: آليات و معايير اختيار الوزراء.

فيما لو وجدت هذه الصفات المتقدمة في شخص ما، فهل هذا كافٍ من أجل تعيينه في منصب الوزير، أم أن هناك أموراً أخرى يجب ملاحظتها؟ يجيب الإمام عليه السلام عن ذلك بقوله:

«ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك و استنامتك(67) و حسن الظّنّ منك،

ص: 318

فإنّ الرّجال يتعرّفون(68) لفراسات الولاة بتصنّعهم و حسن خدمتهم، و ليس وراء ذلك من النّصيحة والأمانة شيء، و لكن اختبرهم بما ولوا للصّالحين قبلك فاعمد الأحسنهم كان في العامّة أثرا، و أعرفهم بالأمانة وجهاً، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك للهّ ولمن و ليت أمره»(69).

إن الاستقامة و الصلاح و الأمانة، صفات حميدة يَدّعيها كلّ إنسان و يحاول إثباتها لنفسه، و قد ينجح أحياناً في كسب ثقة الناس و الاعتراف له بكلّ ذلك، و لكنّه في الواقع يكون بريئاً من هذه الصفات بعيداً عنها.

و هذه الصفات مطلوبة بشكل أكيد وضرورية في الذي يتولّى منصب الوزير، فالحاكم عندما يريد اختيار وزرائه عليه أن يبحث عن مواطن هذه الصفات، و لكن عليه أن لا يؤخذ بالظواهر، و الطريقة الصحيحة لمعرفة الحال هي بالاختبار. فعلى الحاكم أن يختبر حال المرشّحين لمنصب الوزير، و أسهل طريقة توصلهُ إلى غايته هي أن يبحث عن الوزراء الذين كانوا في معونة الحكام الصالحين قبلهُ فينظر إلى كيفية سلوكهم معهم و إلى أثرهم في الناس.

ثالثاً: التخصص في توزيع المهام على الوزراء.

الوزراء يرجع إليهم أمر تصريف شؤون الدولة بالكامل، و بالطبع فإنّ المهام كثيرة و متنوعة، لذا كان من الصعب إيجاد شخص واحد له خبرة بجميع هذه الأمور، ولو وجد هذا العبقريّ فإنه يصعب عليه القيام بها جميعاً، بل إنّ بعضها یرهقهُ و يتبعهُ.

ومن هنا يقرَّر الإمام (عليه السلام): «و اجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها، ولا يتشتّت عليه كثيرها».(70)

ص: 319

فالطريقة الصحيحة لضمان قيام الوزراء بشؤون الدولة على أكمل وجه، هي توزيع المهام عليهم، و بذلك يتفرَّغ كل وزير لمهمتّهُ و يصبح مسؤولاً عنها. و بذلك أيضاً يتمّ القضاء على التواكل، إذ لو أصبحت بجملتها واجبة على الوزراء جميعاً دون تحديد مهمة كل واحد منهم، فإن ذلك يؤدّي بلا شك إلى اضطراب الأعمال و عدم تصريفها على الوجه الصحيح.

وقال الباحثون: «إن هذا المبدأ لم تهتد إليه المدنية الاّ حديثاً».(71) في حين أننا نجد أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى هذا المبدأ «توزيع المهام أو التخصص» قبل أربعة عشر قرن.

رابعاً: تعامل الحاكم مع الوزراء:

إن الوزراء حيث كانوا محيطين بالحاکم و مطّلعين على أكثر أموره، فإن مهامهم توجيه النصح والإرشاد عليه بما فيه صلاح المجتمع، فإذا رأوا من الحاكم أي خطأ أو غفلة فعليهم تنبيهه على ذلك، و أرشادهُ إليه، ثم يظهرون معارضتهم لهُ، و بهذا يقول الإمام (عليه السلام):

«ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك، و أقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللهّ لأوليائه واقعا ذلك من هواك، حيث وقع، و الصق بأهل الورع و الصّدق، ثمّ رضهم(72) على أن لا يطروك(73) ولا يبجّحوك(74) بباطل لم تفعله، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزّهو و تدني من العزّة.».(75) فصراحة الموقف أمر مطلوب من الوزير، فإذا رأى من الحاكم أي خطأ فعليه مصارحتهُ به حتى ولو كانت الصراحة مرة أحياناً، و على الوزير أن لا يمدح الحاكم بشيء لم يفعلهُ ولا يزيد في كثرة الإطراء على ما يفعله، فإنّ ذلك يحدث

ص: 320

الزهو في نفس الحاكم.

«مهمة الوزراء قول الحق مهما كان قاسياً، و على الوالي أن يتقبّل ذلك مهما يكن تأثيرهُ عليه».(76) و من واجبات الحاكم أن يظهر رغبتهُ لمثل هذه الأمور في وزرائه، و عليه تشجيهم على الصراحة معه، و أفضل طريق لذلك هو أن يقرّب إليه أولئك الذين يتمتّعون بهذه الصراحة في الموقف، فذلك وحده يكون حافزاً للآخرين على الإقتداء بهم.

ص: 321

الطبقة الخامسة: طبقة المستشارين

المستشارون يلعبون دوراً هاماً في توجيه رأي الحاكم، بعد إمداده بالمعلومات و التحليلات. ولما كانوا بهذا التأثير، كان لابدّ من التأني في اختيارهم لأنّ السياسة ستنطبع، بحدود معينة بطابعهم، لذلك يوصي الإمام مالك الأشتر عندما ولاهُ مصر، فيقول له:

«و لا تُدخلنَّ في مشورتك بخيلاً يَعدلُ بك عن الفضلِ(77) ويَعدُك(78) الفقر، ولا جباناً يضعفُكَ عن الأمورِ، ولا حريصاً يزیِّنُ لك الشّرَه بالجور فإن البخلَ و الجبنَ و الحرصَ غرائز شتى(79) يجمعها سوءُ الظن باللهِ».(80) نستوضح من هذا النص أن الإمام يشير إلى عدم الأخذ برأي (الجبان و البخيل والحريص) لأنّهم سواء في القبض و الإمساك، و لكن الحريص أكثر جشعاً و شرهاً، يكدح ليل نهار في السعي لدنياه، أما البخيل فقد يكون كسولاً.

فالبخيل يأمرك بالإمساك و يخوفك الفقر، و الجبان يأمرك بالاستسلام حرصاً على الحياة، و يأمرك الحريص بالكدح لمجرد الجمع و الإدخار.(81) و الجبن و البخل و الحرص، يتولد من الوهم و الخيال أو كما قال الإمام عليه السلام يجمعها سوء الظن بالله الذي كتب على نفسه الرحمة، قال تعالي: «وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» [يوسف: 87] أما عن كيفية تعاطي الحاكم مع الاستشارة، فقد حدّدها الإمام علي عليه السلام بوضوح، إذ أعتبر أن على المستشار إسداء المشورة للحاكم. و للحاكم أن يأخذ برأيه أو يخالفه، فإذا خالفه، كما إذا وافقه، فعلى المشير أن يطيع الحاكم.

ص: 322

فقد قال لإبن عباس: «لك أن تشير عليّ و أرى فإذا عصيتك فأطعني»(82).

و النص واضح الدلالة في أنّ على المستشار إعطاء الرأي فقط و عليه طاعة الحاكم إن أخذ برأيه أو خالفه.

الطبقات الوظيفية طبقة الجند طبقة القضاة طبقة العمّال طبقة الوزراء طبقة المستشارين 1- مواصفات قائد الجند.

2 - کیفیة اختیار قائد الجند.

3 - تعامل الحاکم مع القادة.

4 - ضرورة تقریب بین القائد وجنوده.

1 - اختیار القضاة وصفاتهم.

2 - حقوق القضاة علی الحاکم.

3 - استقلال القضاء.

4 - وجوب مراقبة القضاة.

1 - صفات طبقة العمال ومعاییر التعیین والإختبار.

2 - حقوق العمال علی الحاکم.

3 - مراقبة العمال.

1 - مواصفات الوزراء.

2 - آلیات و معاییر اختیار الوزراء.

3 - التخصص في توزیع المهام علی الوزراء.

4 - تعامل الحاکم مع الوزراء.

1 - صفات المستشارین.

2 - أهمیة هذه الطبقة.

ص: 323

الخاتمة

من خلال البحث و الدراسة في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، توصل البحث إلى جملة من الإستنتاجات، نعرضها على شكل نقاط كما يأتي:

اولاً: إن الإمام علي (عليه السلام) أقام نظاماً إدارياً محكياً، حدّد فيه الوظائف، و أوضح طرق تعيين الموظفين، و بيّن واجباتهم و حقوقهم، و وضع أسس الثواب و العقاب، و المسؤولية الإدارية بشكل عام.

ثانياً: إن النظام الإداري عند الإمام (عليه السلام) يمسي بكل سهولة ويسر نظاماً متجاوزاً للحقب التاريخية، صالحاً لكل زمان و مکان، على أن ينظر إلى المضامين لا إلى الأشكال التي يمكن أن تتغير مع تغير الأحوال من زمان إلى زمان.

ثالثاً: إن الأساس عند الإمام علي (عليه السلام) هو مبدأ فصل السلطات التنفيذية، التشريعية، القضائية) و هي من المبادئ العصرية المهمة في المجال القانوني، تنتزع سلطة التشريع من الحاكم، أي السلطة التنفيذية، خوفاً من أن يأتي بالقوانين التي تمنحهُ حرية التصرف، فتصبح صلاحياته مطلقة تحددها مصلحته و رغباته، و هذا الأمر ركّز عليه الإمام كثيراً.

رابعاً: يتضح من خلال هذا البحث، إن الدين الإسلامي ليس احکاماً خاصة بالعلاقات المباشرة بين الإنسان و الخالق متمثلة بالصلاة و الصيام فقط، كما يفهم العدد الأكبر من المفكريين العصريين في العالم، بل أنه نظام لكل نواحي الحياة الإنسانية، سواء في جانبها الفردي أو في جانبها الاجتماعي.

خامساً: الحديث عن إدارة الدولة من خلال كلمات الإمام علي (عليه السلام) في نهج

ص: 324

البلاغة، إنما يكون في الواقع وجهة نظر الإسلام، و ما دور نهج البلاغة إلا دور الناطق عما جاء به الإسلام.

سادساً: يتبيّن من خلال هذه الدراسة، إن الإسلام يقيم العلاقات بين الناس و ينظمها لصالح الجميع بلا إستثناء، إن أمكن و إلاّ قدم مصلحة الغالبية على الأقلية، و هذا واضح الدلالة من خلال النصوص التي عرضناها في عهد الإمام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر.

سابعاً: إن أول من أشار إلى نظام الطبقات الاجتماعية هو الإمام علي (عليه السلام)، و الموضع الوحيد الذي ذكره هو عهد مالك الأشتر حين ولاهُ مصر. و ليس کما ذهب البعض بأن أول من أشار إلى الطبقات الاجتماعية هو ابن خلدون في مقدّمته. و أول من نظّر ها (أوغست کونت).

ثامناً: نجد في كلام الإمام (عليه السلام) تشریعاً عمالياً ناضجاً إلى أبعد الحدود، و مستوعباً تمام الإستیعاب، و هو على نضجه الكامل و إستيعابه التام، سبق التشريعات العمالية الحديثة بأكثر من ألف و أربعمائة عام.

تاسعاً: كما إننا لاحظنا أن الإمام (عليه السلام) يستعمل جملة من المصطلحات التي يستعملها اليوم النظام الإداري منها (نظام، وزیر، مستشار، طبقات العامة، الخاصة) و غيرها.

عاشراً: برهن الإمام (عليه السلام) في عهده للأشتر، أنه على وعي تام في توزيع المهام و الأعمال، بالمصطلح المعاصر، نظام التخصص الوظيفي.

أحد عشر: إن الإمام (عليه السلام) ركّز على مبدأ الثواب والعقاب) و ما يترتّب عليه من منافع للمجتمع، و أقام نظاماً رقابياً سرياً، من أجل أن يؤدي الموظفون

ص: 325

أعمالهم بصورة جيدة، مع الرفق بالرعية.

اثنا عشر: يتضح من خلال البحث دقة تحديد صلاحية الحاكم وفق نظام محدد، و هذا يكشف الوعي الكامل في التنظيم الإداري عند الإمام علي (عليه السلام).

ثلاثة عشر: تقسيم الطبقات الوظيفية، و بیان واجباتها تجاه الحاكم و حقوقها عليه، و بیان كيفية تعامل الحاكم معها، كلّ هذا يبين التنظيم الدقيق و الإدارة الجيدة.

أربعة عشر: إن هذه الأنظمة التي يطرحها الإمام (عليه السلام) قابلة للإستمرار و البقاء، لأنها مستمدة من دين الحياة، و خاتم الأديان جميعاً. (الإسلام العظيم) خمسة عشر: إن الأنظمة التي أكتشفها العصر الحديث، بعد قرون من الزمن، و مسيرة من التضحيات البشرية، تبيّنَ لنا من خلال هذه الدراسة أن أكملها موجود في نهج البلاغة منها على سبيل المثال نظام الضمان الاجتماعية، وهو أخر ما توصلت إليه حضارة القرن العشرين، و تعتبر من مفاخر الإنسانية الحديثة. ولكن هذه الفكرة قد أدركها الإمام علي (عليه السلام) قبل قرون من الزمن، مع فارق هام بين الضمان الاجتماعي في العصر الحديث و بين ما قرره علي (عليه السلام)، إذ أن ضمان معيشة الفرد بمفهوم المجتمعات الحديثة إنما هو من باب (الشفقة و الإحسان)، بينما يعتبرهُ علي (عليه السلام) حقاً ثابتاً له، و يعطى من دون أي تمنُّنٍ أو افتخارٍ.

وفي الختام نُعرب عن اللذة التي حصل عليها الباحثيَن من خلال دراسة هذا الموضوع و في هذا النهج العظيم الذي قيل عنه (کلام فوق المخلوق و دون الخالق). آملين أن يكون هذا البحث خطوة في تقدّم المسيرة العلمية، و إثراء المكتبة العربية.

ص: 326

الهوامش

1 - الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 83.

2 - لويس عجيل ومجموعة من المؤلفين، المنجد في الأعلام، ص 50.

3 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ج 4، دار العلم للملايين، ص 47.

4 - السيد عباس علي الموسوي، شرح نهج البلاغة، ج 5، دار الرسول الأكرم، ص 32.

5- الشيخ محمد عبده، شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 86.

6 - ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، الجزء السابع عشر، ص 36.

7 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ج 4، ص 54.

8 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 84.

9 - د. السيد مصطفی محقق، حقوق الإنسان وإشكاليات النظرية والتطبيق عند الإمام علي (عليه السلام)، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، ص 141.

10 - علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، منشورات الدار العالمية، ص 47.

11 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 89.

12 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 90.

13 - السيد عباس على الموسوي، شرح نهج البلاغة، الجزء الخامس، ص 49. 14 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 90.

15 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 67.

16 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 90.

17 - م.ن.، ص 90.

18 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 91.

ص: 327

19 - نهج البلاغة، ج 2، ص 91.

20 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 71.

21 - توفيق الفكیكي، الرّاعي والرّعية، مؤسسة الوفاء، ص 90.

22 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 91.

23 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 71 - 72.

24- محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 38 - 39.

25 - يتفاقم: يعظم، و تفاقم الأمر: صار عظيماً.

26 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 91 - 92.

27 - علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، منشورات الدار العالمية، ص 75 76.

28 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 92.

29 - علي سُليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 77.

30 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 92.

31 - محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 45.

32 - على سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 81.

33 - تحمکه الخصوم: أي تجعله عسر الخلق.

34 - يحصر: أي يضيق صدره.

35 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 94.

36 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 70.

37 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ص 76 - 77.

ص: 328

38 - علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 85 - 86.

39 - محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 46.

40 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 95.

41 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 95.

42 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 89 - 90.

43 - سمير عالية، نظام الدولة والقضاء والعرف في الإسلام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ص 71.

44 - د. سمير عالية، م. ن، ص 72.

45 - د. عصام سليمان، الأنظمة البرلمانية بين النظرية والتطبيق، ص 25.

46 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، 94.

47 - محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 51.

48 - توخ: أي اطلب و تحرَّ.

49 - اشراقاً: تطلعاً.

50 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 95.

51 - علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 90.

52 - السيد عباس علي الموسوي، شرح نهج البلاغة، ج 5، ص 57 - 58.

53 - اسبغ عليهم الأرزاق: أي أوسع لهم فيها و أكملها.

54 - ثلموا: أي خانوا و نقصوا في أداء الأمانة.

55 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 95.

56 - علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 92.

ص: 329

57 - حدوة: أي حثّ و دفع لهم.

58 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 96.

59 - السيد عباس علي الموسوي، شرح نهج البلاغة، الجزء الخامس، ص 59.

60 - علي سليان محفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 92.

61 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 96.

62 - أصارهم: أي الآثام.

63 - إلفاً: أي محبة.

64 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 87 - 88.

65 - علي سليان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، ص 97.

66 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 59 - 60.

67 - الاستنامة: الثقة و الركون.

68 - يتعرفون: يتوسلون.

69 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 98.

70 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 99.

71 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 92.

72 - رضهم: أي عوّدهم.

73 - يطروك: أي يزيدوا في مدحك.

74 - يبجحوك: يفرحوك.

75 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 88.

76 - د. محمد طي، الامام على و مشكلة نظام الحكم، ص 178.

ص: 330

77 - الفضل: هنا الإحسان بالبذل.

78 - يعدك: يخوفك من الفقر.

79 - غرائز شتی: طبائع متفرقة تجتمع في سوء الظن بكرم الله و فضله.

80 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص 87.

81 - محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 59.

82 - شرح بن أبي الحديد، ج 19، ص 291.

ص: 331

فهرس المصادر والمراجع

القرآن الكريم - أحمد الزيدي، القائد العلم مالك الأشتر النخعي، دار الهادي، ط.1، 1998.

- توفيق الفكيكي، الرّاعي والرّعية، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط.3، 1983.

- د. سمير عالية، نظام الدولة والقضاء والعرف في الإسلام، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط.1، 1997.

- عباس علي الموسوي، شرح نهج البلاغة، ج 5، دار الرسول الأكرم، ط.1، 1998 م.

- د. عصام سليمان، الأنظمة البرلمانية بين النظرية والتطبيق، الحلبي، بيروت، ط. 1، 2009.

- علي سليمان يحفوفي، الطبقات الاجتماعية، منشورات الدار العالمية، بيروت، ط.1، 1981.

- لويس عجيل ومجموعة من المؤلفين، المنجد في الأعلام، دار المشرق، بيروت، ط 24، لا.ت.

- محمد باقر المحمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ج 2، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط.1، 1976.

- محمد عبده، شرح نهج البلاغة، ج 3، دار الهدى الوطنية، بيروت، لا. ت.

- د. محمد طي، الإمام ومشكلة نظام الحكم، الغدير للطباعة، بيروت، ط.1، 1997 م.

ص: 332

- د. مصطفى محقق، حقوق الإنسان وإشكاليات النظرية والتطبيق عند الامام علي (عليه السلام)، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، ط. 2008،1.

- محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، المطبعة العلمية في النجف الأشراف، 1965.

- محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، ج 4، دار العلم للملايين، بيروت، لا.ت - نوري حاتم، النظام السياسي في عهد الإمام علي لمالك الأشتر، مؤسسة المرتضى العالمية، بيروت، ط.1،1994

ص: 333

ص: 334

إدارة الدولة دراسة مقارنة بين النظام الاداري الاسلامي والنظم الادارية المعاصرة (حكومة الإمام علي عليه السلام إنموذجا) م. م. محسن وهيب عبد

اشارة

ص: 335

ص: 336

الفصل الاول: التمهید

بسم الله والحمد لله ولا حول ولا قوة الا بالله وصلى الله على خير خلق الله محمد واله ومن ولاهم لا سيما بقية الله واللعن الدائم على الظالمين اعداء الله.

هناك مواضيع فيها تخليط كبير لها مساس في محور بحثنا لابد من التفاهم فيها قبل ولوج موضوع محورنا البحثي هذا وهي:

1 - الاسلام مفهوم يعرف من خلال مصاديقه:

حين اخترت هذا المحور من محاور المؤتمر للكتابة فيه اعتبرت انه يعني: (ادارة الدولة في النظام الاسلامي من خلال طاعة المعصوم) فلا اسلام بطاعة الخطاء الظالم، فلفظ الاسلام اليوم لا يدل في الواقع على معناه الحق بما اراد الله ان يكون، وكل ما موجود من الاسلام من عناوين: التاريخ والدين والعقائد والتراث بل وتصرفات لما يزعمون انهم قادة الاسلام، انما تحكي الانحراف والكذب والتأطير المحرم بما اخرج الاسلام عن كونه الفطرة.

قال الله تعالى: «بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهَم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(*) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(1).

ص: 337

ولنسم الاسماء بمسمياتها ذلك ليكون بحثنا مدار دراسة معيارية مقارنة مع بقية نماذج ادارات الدول في العالم بما فيها الادارات التي تدعي الاسلام قديما وحاضرا.

فإدارة الدول؛ هي فن السياسة في تاريخ البشر، وهي في الواقع ما تحكيه اخلاق الحاكمين وسيرتهم ولا شيء غير هذا، ولا وجود في التاريخ البشري لنظام اداري حاكم قائم وفق عقيدة وضعية او سماوية اوفلسفة ثابتة على الاطلاق.

ولذا فان الله تعالى عندما الزم البشر بطاعة المعصوم انما اسس لنظام الملة، حيث تتطابق توجهات قوة السلطة التي تمنح بديهيا للحاكم مع العدل؛ فادارة الدولة في نظام الملة؛ انما هو استحقاق الاعتقاد الصادق بالحق، بل الاعتقاد عند المعصوم هو العمل بالعدل، وكلاهما يتطابقان مع الحق.

فما لم يلتفت اليه الكثير من الاكاديميين حتى من اصحاب الاختصاص في السياسة ومن اعلى مستوياتها هو؛ ان ادارة الدول تنحصر بسلوك واخلاق الحاكمين وسيرتهم، فتفصح عن معادنهم وعقدهم النفسية ولا شيء غير هذا.

فلا وجود في التاريخ البشري لنظام اداري حاكم كان يستند لعقيدة سياسية حاكمة وينبثق عنها او يستنبط ادارته من نظرية سياسية وضعية او سماوية غير المعصوم.

فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ غرباتشوف(2) زعيم الاتحاد السوفيتي انطلق من الشيوعية لتحطيمها، ورودلف هتلر انطلق من الجمهورية الفاضلة لهتكها(3)... وصدام انطلق من (امة واحدة ذات رسالة خالدة) فجعلها جذاذا...الخ الم تكن السياسة وحيث ما حلت السياسة حكاية لمصائب كل العالم وويلاته وحروبه في التأريخ وكلها انطلقت من عقائد تز تزعم العدل والرحمة وغايات سامية؟؟؟!!!

ص: 338

واليوم عندنا في العراق بلغ الفساد اعلى مستوياته في التاريخ انطلاقا من سياسيين يؤمنون بعقائد توكد الورع والتقى والزهد والانتساب الى امير المؤمنين عليه السلام وحسب ما اوصى به ال محمد صلوات الله عليه!!! اذن: ادارات الدول تتعين من خلال مديريها ولا تتعين بنظمها وعقائدها المعلنة لانها تنجز وتتشخص بمؤهلات وشخصية القائم عليها، لسبب بديهي هو؛ لان من حتم الادارة تمتع المدير بالمال و بالقوة والسلطة والحاكمية (وهذه متوافرات الترف) كضرورة لنفاذ النظام، فاذا امتلك غير المعصوم السلطة والقوة والحاكمية فلا ضمان ضد الانحراف لانه سيكون مترفا، قال الله تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(*) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى»(4).

وقد وجدنا في الاسلام ان مجرد استلام الحاكمية من قبل غير المعصوم لم يتورع عن التأطير المحرم، ليسد ثلمة صنعها في كمال التشريع.

فانقلاب السقيفة بذاته هو تأطير للاسلام الحق في مصدريه الكتاب والسنة، فقد طُعن الرسول صلى الله عليه واله باطار: (مات ولم يوص). والطعن بيّن واضح من معنی؛ ترك النبي امته للعبث تواجه مصيرها، ومن ثم تعمد الانقلابيون المؤطرون نكث ميثاقهم في البيعة لعلي عليه السلام يوم غدير خم، فكان في ذلك هدم جوهر الدين القائم على الاختيار والاصطفاء، باطار الفلتة العبثية(5).

فالوصية المؤكدة لعلي عليه السلام واليا واماما بعد الرسول في حجة الوداع وفي غدير خم، الغيت بالحاكمية والقوة والسلطة اللازمة لادارة الدولة، والوصية بالعترة مع الكتاب عاصمين من الضلال صارت في اطار الجرح والتعديل والتشكيك. بالرغم من تحذير الرسول صلى الله عليه واله من التأطير(6).

ص: 339

ولذا فان الله تعالى عندما الزم البشر بطاعة المعصوم بما اسمته سيدتنا الزهراء عليها السلام(نظام الملة)؛ انما اسس لادارة الدول بما يتطابق خيارت الحاكم في القول والفعل والقوة والسلطة مع العدل ويتطابق العمل مع الاعتقاد بل الاعتقاد عند المعصوم هو العمل وكلاهما يتطابقان مع العدل والحق.

نعم في نظام الملة تبقى نظم ادارة الدول هي سيرة المدير ايضا، لكنها هنا سيرة يحتج بها ويلزم بها الرعية لانها لا تخرج عن الحق ولا تجانب العدل، وتسهم في سلوك ادارة الدولة الجمعي.

فعندما تمنح السلطة والقوة للحاكم حتما لضروات تنفيذ النظام، فلا ضمان في غير المعص-وم من الظلم والقبح.

ويكفي دليلا على صحة ما ندعي ان السياسة كما عرفناها واقعا من تاريخ البشر والى الان؛ هي الاداء السلطوي في ادارة الدولة وشؤون الناس، وفي الاعم الاغلب حيازة للحاكمين لموفرات الترف: الجاه والمال والسلطان والوقت على حساب الكادحين المحرومين والفقراء من ابناء جلدتهم، وان القرف وسوء الظ-ن والتندر عند الناس في تلازم مع السياسة والسياسيين في كل دول العالم وعلى مر العصور والاسوء ما في السياسة انها شر لابد منه، وهكذا قال الامام علي (عليه السلام): (أسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتن تدوم)(7) وهو تشبيه ملفت جدا لضرورة الحاكم مهما كان، لبقاء وقيام المجتمعات الانسانية واستمرارها، ونحن نجد بالمقارنة مع السائد من نظم السياسة على تعددها وما برز عنها من الادارات الحكمية في المجتمعات الانسانية على مر التاريخ صنفان:

اولا - ادارة الدولة في ضوء ان الحكم والسلطة الله وملاك النظام في هذا العدل

ص: 340

الكوني البديهي. والنظام الوحيد في العالم من هذا النموذج هو حكم الانبياء والمعصومين. وسيكون موضوع بحثنا هذا انشاء الله تعالى، عبارة عن رؤية لنظام حكم وإدارة دولة وفقا لوصايا وعهود الامام علي عليه السلام والمعصومين عليهم السلام) کنموذج معياري للمقارنة مع واقع الأدرات الاخرى المعروفة.

ثانيا - ادارة الدولة في ضوء اصل الحكم والسلطة للبشر وملاك النظام هو عقد نفسية الحاكم(8) وفهمه لعقيدته الشخصية في تحصيل العدل او الامن والاستقرار الاجتماعي.

وكل ادارات الدول في العالم من غير النموذج الاول هي من هذا النوع ولذا فهي الغالبة والمعرّفة لمفاهيم السياسة والتي تضع الخطوط الحمراء واللخضراء في سياسات الدول، ولهذا السبب نجد أن معظم اصحاب الذوق الرفيع والإنسانية فضلا عن الورعين في عقائد السماء يترفعون عن السياسة والسياسيين، باعتبارهما عنوان الترف والمترفين، وسبب الحروب والضلال في هذا العالم. ومن يلج السياسة من أصحاب الدين يجد نفسه في اطاراتها كبيدق لايتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له شاء ام ابی.

2 - العقيدة الكاملة للاسلام تتجسد في نظام الملة:

(العقيدة): هي الحكم الذي لا يُقبل الشك فيه لدى معتقده(9).

بمعنى أن كل علم انعقد عليه قلب الانسان او انطوت عليه نفسه فهو عقيدة.

لكن كما هو واضح من واقع الانسان والعقيدة أن العلم او الحكم العقلي لا يصبح عقيدة إلا إذا كان جوابا لسؤال مهم في وجود الانسان و حياته وعقله، او انه استجابة الحاجة من حاجات الانسانية.

ص: 341

والعقيدة؛ مصطلح حديث جاء من لفظ لا وجود له لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله(10).

ولكن بما أن العقيدة في معناها تشمل الدين، صارت تطلق على الدين وذلك واضح من قول امير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد رضوان الله عليه.

(یا کمیل بن زیاد، معرفة العلم دین یدان به)(11).

او كما قال عليه السلام: (یا کمیل محبة العالم دین یدان به)(13).

اذن نستطيع أن نقول أن العقيدة الكاملة: هي العلم الذي يجيب على كل تساؤلات الانسان عن كونه ومآله والمعرفة المقنعة التي تستجيب لكل حاجاته.

والاسلام عقيدة كاملة لانها قررت ان؛ کتاب الله تبيانا لكل شيء(13). وان في تشريعات الاسلام - بقراءته الصحيحة - استجابة لكل حاجات الانسان من قبل أن يولد الى ما بعد ان يموت کا يعرف المؤمنون به.

فالعقيدة الاسلامية الحق باتفاق كل المؤمنين بها؛ ادارة كاملة متكاملة لكل ما يتعلق بالانسان.

فما معنى الكمال في الاسلام؟ وما مصدر ذلك الكمال في الاسلام؟ وما هي الادلة العلمية لذلك الكمال؟ وهل في الواقع ثم وجود لنظام اداري اسلامي لدولته؟ وهل من الكال أن يترك امر الامانة على الرسالة وخلافة الرسول للعبث والصدفة؟

ص: 342

الإجابة:

اذا كانت العقيدة؛ هي معرفة تنعقد عليها نفس المعتقد فيها اجابات لتساؤلاته ومنها استجابات لحاجاته؛ لذا فالكمال يعني اجابة العقيدة على كل التساؤلات واستجابتها لكل الحاجات الانسانية.

وبما أن القرآن الكريم هو المرجع الاَوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرّف نفسه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»(14) (15). لذا فان اي عقيدة تخالف القران ليس من الكمال بل ليس من الدين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: (إذا أتاكم عني حديث فأعرضوه على کتاب الله وحجة عقولكم فإن وافقهما فأقبلوه وإلا فاضربوا به عرض الجدار)(16)، ونقل الحديث الشيخ أبو الفتوح في تفسيره)(17).

وكمال الاسلام من المسلمات عند المسلمين، فقد قال الله تعالى في صریح آیاته: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»(18).

وقال رسول الله صلى الله عليه واله في وصف دقة معاني الكمال: (ما ابتدعت بدعة إلا رفعت مثلها من السنة)(19) فانما الكمال ينتقص بالوضع والتأطير، لأنه يرفع السنة بالبدعة فيا ليس من الكمال بدعة.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله (إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار)(20).

ص: 343

ثم ان الاسلام دين الفطرة فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»(21). فهناك تطابق تام بين الدين في اصوله العقائدية وبين الفطرة.

اذن؛ من کمال العقيدة أن تختار قادتها وليس أن يُختارون لها.

من كمال العقيدة؛ نجد الضمان الالهي الرسالي العاصم من الضلال(23):

ان الضمان الوحيد لتفادي السياسة ومساوئها جاء فقط و فقط في القراءة الصحية للاسلام، حیث یکون مدير ادارة الدولة والامين على رسالتها هو المعصوم وبطاعته يتحقق نظام ملتها.

الا ان المجتمعات الانسانية برمتها لم ترتقَ إلى فهم هذا الضمان فلا تعتقد به بالرغم مما تعانيه من عسف من واقع السياسة على طول تاريخ البشرية وبكل مزاعمها والوانها.

ولان نظام طاعة المعصوم (نظام الملة) غير معرّف اجتماعيا حتى من الذين يؤمنون به (حيث قام في فترة محدودة في دولة النبي صلى الله عليه واله وفي خلافة الامام علي عليه السلام). لذا فان المعرّف من السياسة اليوم (فن معرفة ادارة الدول)؛ نجده في احسن احواله هو:

معرفة ادارة السلطة بما يكفل احکام القبضة على مقاليد الحكم وإدارة الدولة وسياسة الناس بأقل الكلف وأيسر الجهود واقل المشاكل. أي ادارة السلطة بتوفير الامن الوقت والجهد والمال.

ص: 344

وهذا ما أفلحت فيه الى حد ما ادارات الدول الغربية اخيرا، ولكنها بقيت بعيدة جدا عن تحقيق العدل، ومعظم مفكريهم يتوقعون ثورة لمجتمعاتهم لما تعانيه من ظلم وعسف تطيح برؤوس السلطات السياسية عندهم(23) ولذا فان سكوتهم الى الان ياتي بسبب عدم توفر البديل. ((ويتنبأ البعض بثورة واسعة النطاق ضد هذا الوضع))(24).

3 - اطروحة تطابق السلطة في ادارة الدول مع العدل:

منذ فجر تاريخ البشرية والناس يفكرون بكل شيء، ولكن هناك ما يمنعهم ان يفكروا في احوال تطابق السلطة مع ألعدل: متى؟ وأين؟ وكيف؟ حتى في دراساتهم العليا التي لم تترك مساحة من الفكر الا ودخلتها!!! فهذه الأطروحة الانسانية مهملة مع انها الاهم في تاريخ البشر، باعتبارها الحالة الأشد مساسا في حياة الناس دمائهم وأوطانهم واعراضهم وأرزاقهم. او كما وصف الامام علي عليه السلام السياسة فقال:

((وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي... فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعيّةُ واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتُركت محاجّ السنن، فعُمل بالهوى، وعُطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يُستوحش لعظیم حقّ عُطّل، ولا لعظيم باطل فُعِل!))(25).

ص: 345

(فهنالك تذلّ الأبرار، وتعزّ الأشرار، وتعظم تبعات اللهَّ سبحانه عند العباد، فعليكم بالتناصح في ذلك، وحسن التعاون عليه، فليس أحد - وإن اشتدّ على رضى اللهَّ حرصه، وطال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللهَّ سبحانه أهله من الطاعة له. ولكن من واجب حقوق اللهَّ على عباده: النصيحة بمبلغ جهدهم، والتعاون على إقامة الحقّ بينهم، وليس امرؤٌ - وإن عظمت في الحقّ منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته - بفوقِ أن يعان على ما حمّله اللهَّ من حقّه. ولا امرؤ - وإن صغّرته النفوس، واقتحمته العيون - بدون أن يعين على ذلك أو يُعان عليه)(26).

اذن الاطروحة الأهم في تاريخ البشر وحاضرهم ومستقبلهم مهملة!!!

الظواهر والسنن الكونية الدافعة لقيام ادارات الدول:

على اساس من اصل الحاكمية كان في تاريخ البشرية ظاهرتان مؤسستين للنظم الادارية للحكم؛ الأولى ظاهرة سماوية الهية، والأخرى ارضية وضعية.

1 - ظاهرة ارسال الرسل عليهم السلام من اقوى الظواهر في تاريخ البشر فلا يسع المنكر ان ينكرها ولو كان ملحد لانها واقع، وهي تأتي دوما بحاكميه الهية مفوضة إلى رسول او وصي مختار ومكلف من قبل الله تعالى ينشد محاربة الظلم ومنابذة الظالمين في المجتمعات ويؤسس لادارة حاكمة تشيع القيم الانسانية وفضائل الرقي البشري وفق نموذج انساني ميداني معصوم على رأس تلك الادارة، وعلى هذا تقوم ادارة المجتمع وللدولة، وتلك الادارة مسجلة معروفة ولكنها غير موجودة.

2 - ظاهرة قيام الادارات الحاكمة بسلطة وحاكمية الملك او السلطان او الامبراطور او رئيس الجمهورية او نوع من انواع المترفين وفق عقد اجتماعي مفّعل او صوري

ص: 346

يعتبر جوهر النظام الاداري الحاكم او ربما بدون ذلك العقد، ولكن هذا النوع من النظم الحاكمة بدون عقد اجتماعي في طريقها إلى الانقراض او لم تعد موجودة اليوم الا في اداراة الجزيرة العربية المتخلفة.

فإذن؛ هناك نظامان اداریان لقيام الدول في تاريخ البشر: الاول المنبثق عن ظاهرة الرسل عليهم السلام ولا وجود له الا بما يمثله نظام الملة وسنفصل فيه في لاحق البحث.

والثاني بأشكاله المتعددة هو السائد الآن، والقائم بظاهرة الترف وقيادة المترفين، ويظن الناس وكثير من الأكاديميين انه منبثق من فلسفات الحكم والسياسة في العالم، ولكن اداء السياسيين يطغى على تلك الفلسفات مهما كانت الرقابة دقيقة وقوية.

اننا نعلم بالمتابعة التاريخية والتدقيق الميداني؛ ان ادارة الدولة والنظم الادارية الحاكمة في العالم وعلى طول التاريخ - کما مرّ معنا -؛ هي سلوك عملي للحاکم المترف في سياسة وإدارة شؤون الدولة و الناس وكيفية ممارسة السلطة عليهم من خلال مؤسسات الدولة؟ ولذا فان هناك فرق شاسع بين السياسة في ميدانها باعتبارها ادارة لحكم الدولة وشؤون الناس من جهة، وعلم وفلسفة السياسة ونظرياتها ونظمها المسجلة في ادارة الحكم من جهة أخرى، وهذا مما يقع التخليط فيه كثيرا ان السياسة في واقعها هي حيز كبير جدا من التغيرات في ادارة الحكم من خلال تلاعب السياسيين بالمسلّمات الدينية بالنسبة للنوع الأول من الادارات الدينية من خلال التأطير والتجاهل والتجهيل.

او هي التلاعب بالدساتير الوضعية للنظام الإداري بالتذييل والحذف او التجاهل علنا للمسلّمات التي تقوم عليها تلك النظم بما يخدم الحاكم.

ص: 347

ولذا فان الاسلام (الحق) في ادارته للحكم يشترط العصمة في الحاكم لتحقيق هدفه في العدل، ففي غير المعصوم يستحيل أن يبلغ النظام الاداري للحكم غايته في العدل.

فالإمام او راس الدولة المسؤول عن تنفيذ ادارة الدولة لبلوغ العدل الالهي هو منصوص مصطفی مختار مسدد و مکلف، وهو اما ان يباشر الوحي ومسدد به کالنبي او هو مطهر تطهيرا تكوینیا بإرادة الله تعالى ولاجل إرادته من الرجس فلا يأتي منه الظلم، او هو من يندبه المعصوم وكيلا عنه وفق النظام الذي اسس له المعصوم وبالأصول المنطقية والمرتكزات العقلية وتحت رقابة المعصوم وعهده وفق (نظام الملة) التي عرفته لنا سيدتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها.

مفارقات بين النظم الادارية للدول تبرز في سياساتها

ما عرفناه على طول التاريخ الإنساني، وما نراه اليوم من افعال السياسيين هو مصداق لحقيقة عدم تطابق خيارات السياسي مع خيارات عقيدته التي أعتنقها وصار الى المنصب بموجبها، بل ليس هناك تطابقا في نمط الاداء حتى لمعتنقي العقيدة السياسية الواحدة، بل الواقع لا يوجد في التاريخ نمط ثابت لسياسة سياسي واحد في وظيفته، ما عدا المعصوم والذي كان الامام علي عليه السلام نموذجا اوحداله بعد الرسول صلى الله عليه واله.

ان نفور الناس عموما والمتميزين بقدر من العلم والانسانية خصوصا من السياسة والسياسيين والتندر عليهم في كل زمان ومكان، سببه هذا التناشز في الاداء الاداري المجاني حتى لنظام وفلسفة الحكم التي تشكل جزء من عقيدة السياسي الحاكم الذي يتلازم كثيرا مع التفريط في أعراض الناس ودمائهم وأوطانهم.

ص: 348

اما ادارة الدولة عند المعصوم؛ فهو أداء ينجز بالحق ويهدف إلى العدل ويبدأ من الرحمة ويهدف للكمال، ولذا فقوله وفعله حجة يحتج بها على سائر الناس.

ومثل ما لدينا كم لا يحصى من انماط الأداء السياسي مستقرأً لبني البشر على مر التاريخ، فلا يوجد لدينا الانمط تاريخي واحد للأداء الاداري للمععصوم هو اداء الامام علي عليه السلام في خلافته الراشدة الحكيمة.

والسبب - کما اسلفنا هو ان السياسة تتحتم من خلال امرين هما:

الامر الاول: حتم تمتع مدير الدولة السياسي بالسلطة لكي يتمكن من ادارة الدولة وشؤون الناس وهذا الحتم له اصلان:

الاصل الاول في السلطة ولاية الله تعالى وحاکمیته المطلقة مفوضة إلى المختار من خلقه.

الاصل الثاني - ولاية الانسان وسلطته على ذاته ومنها فرض حاکمیته على غيره.

الامر الثاني: الملاك المعتمد في السلطة وتنفيذ تلك الحاكمية والغاية منها وهو العدل.

والمقصود بالملاك؛ هو الاساس الكوني والتكويني الذي يستند اليه الحاكم في سلطته ويسعى إلى تحقيقه في المجتمع؛ وهو العدل، والمقصود بالعدل معرفة الحق واجراء الامور وفقه، والعدل سنة كونية بدهية ولبداهتها يصعب توضيحها، فالعدل يعرّف بعدم الظلم، والظلم معرف بنشوزه عن المعروف و بالصفة الجامعة للقبائح، فهو نشاز بمخالفته العدل السنة البديهية الكونية فكل منکر نشاز ومقرف ومرفوض ليس من العدل. والحق؛ هو الصدق الثابت في واقع الكون والكائنات وتقوم به وعليه، وهو ما يُبرز في انجازات من يتولى السلطة.

ص: 349

والغالب في ملاك السياسة وفي الادارة الحكمية لجميع الحاكمين في العالم؛ هو العدل وتحقيق العدالة، فليس هناك سياسي واحد يحترم نفسه في تاريخ العالم يعلن ان غايته من ادارة الدولة وسياسة الناس العسف والظلم الاماندر کما هي الحال عند ملوك بني امية(27).

وعلى العموم فان الغاية المعلنة في الاصلين هي تحقيق العدل. لكنه عند المعصوم ملاك للفعل وعند غيره مبرر للفعل.

وبالرغم من محدودية الاصلين ووحدة الملاك تعددت النظريات السياسية ومناهج ادارات الدول..لماذا؟ لاننا عرفّنا ادارة الدولة بانها السياسة، وعرفنا السياسة هي سيرة الحاكم، والسيرة في كل الاحوال هي حكم عقلي عملي لا يصيب العدل الا اذا كان حقا فاذا وقعت كل سلوكات الساسة على الحق تقاربت، لان الحق واحد لا يتعدد، واما اذا ابتعدت عن الحق؛ تفرقت وتباينت تلك السلوكات وهكذا هي النظريات السياسية ومنهاج الادارات الحكمية للدول والناس متكثرة.

4 - نظام الملة لادارة الدولة في الاسلام:

من معاني الكال في العقيدة الاسلامية الحق، أن الأمناء عليها وعلى صيانة كمالها مختارون مصطفون من قبل الله تعالى مطهرون بارادته جل وعلا ولارادته حجة على الناس، ولا يتحقق الكمال في النظام الاداري للحكم في الاسلام الا بوجود هؤلاء المعصومين على راس السلطة في الامة بما سمته سيدتنا الزهراء بنظام الملة، وهو يعني طاعة المعصومين. فما نظام الملة؟ وما اهميته في موضوع النضج السياسي للامة؟

ص: 350

قالت سیدتنا الزهراء عليها السلام في خطبتها المشهورة في المسجد النبوي بُعيد وفاة ابيها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، لتبين لنا ماهيات الروابط الدينية وامهات المعاني الجامعة في الاسلام العظيم، ومنها نظام الملة(28):

(... فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة. وإمامتنا أماناً للفرقة، والجهاد عزَّاً للإسلام، والصبر معونة على إستيجاب الأجر، والأمر...)).

وقول المعصومة فاطمة عليها السلام حجة على الجميع(29)، فانما الامام علي عليه السلام موصى من قبل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، بان ينفذ ما املی رسول الله صلى الله عليه واله على فاطمة، ولذا نراها صلوات الله عليها تؤكد تلك الحجة فتقول لمن يعي القول:

(أيّها الناس،، اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمد صلّى الله عليه وآله أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً، لقد جاء کم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي من دون نسائکم، وأخا ابن عمي دون رجالکم، ولنعم المعزّى إليه صلّى الله عليه وآله، فبلغ الرسالة صادعاً بالنذارة. مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارباً ثبجهم، آخذاً بأكظامهم داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة يجفّ الأصنام وینکث الهام، حتى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشیظ النفاق، وانحلت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص، في نفر من البيض الخماص. وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب.... الخطبة).

ص: 351

5 - دعامتا النظم الادارية للحكم في الدول:

1 - دعامة قوة السلطة لتحقيق حاکمية النظام الإداري في الدولة ولإمكان سياسة الناس وادارة شؤونهم.

2 - سلطة وقوة فرض العدل كوسيلة لبلوغه كغاية لادارة الحكم في الناس سواء حق ام مدعی.

فالاديان كلها عقائد تفترض أن السلطة والحاكمية لله فقط جعلها للانسان كخليفة في الأرض واختار واصطفى من ابناء الانسان الصالحين فانتدب منهم ائمة طهرهم بارادته وعصمهم لحجته ومنع غيرهم منعا باتا من تولي الامامة في الناس قال تعالى: «لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» وكان ذلك منه جل وعلا ضمانا لشيوع العدل وسيلة وغاية في نظام ملته.

لذا يتقرر ان النظام الاداري الوحيد في معاني الكمال ومن اصل الكمال هو نظام يستند الى حاكمية الله تعالى ويعتمد سلطة المعصوم المختار من قبل الله تعالى ليتحقق به العدل وسيلة وغاية اذا لاشطط، و كل العقائد التي تستند الى سلطة وحاكمية غير حاکمية الله تعالى والامين فيها على النظام غير معصوم ولا يطيع المعصوم فلا ضمان منه ان يكون ظالما.

يشير الإمام زين العابدین (عليه السلام) في جواب له، عندما قيل له:

(یا بن رسول الله فما معنى المعصوم؟.

فقال (عليه السلام): (هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن، لا يفترقان إلى يوم القيامة، والإمام يهدي إلى القرآن، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله عز وجل: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»(30).

ص: 352

6 - الرقابة والمحاسبة روح ادارة الدولة الاسلامية:

الدنيا دار بلاء وممر الى مستقر والعقاب والثواب مبدأ يستدعي عدم الغفلة وهو اساس لضمان الفوز بالرضا والقبول من الله تعالى وعدم الاخذ بهذا المبدأ والتحسب يعني الخسران في كل مشاريع الانسان وآماله في الدنيا والاخرة ومن اهمها ادارات الدول.

ان المحاسبة والمراقبة جوهر نظام الملة؛ فطاعة المعصوم في اوامره ونواهيه، تصدق في التأسي بسيرته وهي محض المراقبة للذات ولمن يؤمنه على الناس من عماله:

فقد جاء في ظلال نهج البلاغة: (كان الإمام يضع العيون على عماله يراقبون تصرفاتهم، و يتتبع بنفسه اخبارهم)(31)، و في الخطبة (44) اشارة الى احد عمال الامام وهو مصقلة بن هبيرة وقد هرب الى معاوية لأن الإمام طالبه بحق المسلمين، و كان عاملا له على بلدة من بلاد العجم تسمی اردشیر خرة، و كان قد بلغ الإمام ان مصقلة قبل هروبه الى معاوية كان يحرم المسلمين من أموالهم، ويؤثر بها أرحامه، و أبناء قبيلته، فكتب اليه بذلك، وقال له من جملة ما قال عليه السلام: ان هذه الأموال حق للمسلمين اكتسبوها بالجد و الجهاد، و أنت أجير لهم، و قائم على ما فيه حياتهم، و عليك ان لا تستهين بشيء منه... الكتاب(32).

عنه (عليه السلام) - في عهده إلى مالك الأشتر (اعلمْ أنّ الرعيّة طبقات... ثمّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ رِفدهم ومعونتهم. وفي اللهَّ لكلٍّ سعة، ولكلٍّ على الوالي حقّ بقدر ما يُصلحه(33).

وكان علي السلام مبصر العماله فيما يعهد اليهم؛ فعنه (عليه السلام) - من كتابه إلى بعض عمّاله، وقد بعثه على الصدقة : (إنّ لك في هذه الصدقة نصيباً مفروضاً،

ص: 353

وحقّاً معلوماً، وشركاء أهل مسكنة، وضعفاء ذوي فاقة، وإنّا موفّوك حقّك، فوفِّقهم حقوقهم، وإلّا تفعل فإنّك من أكثر الناس خصوماً يوم القيامة، وبُؤسی لمِن خصمُه عند اللهَّ الفقراء والمساكين، والسائلون، والمدفوعون، والغارمون، وابن السبیل!(34) ولاهمية الرقابة على العمال والمكلفين من موظفي الدولة يفرض على العمال ايضا ضمان من يكلفهم بالعمل في ادارة الدولة أن يضعوا عليهم عيونا لكي لا ينحرفوا عن خط نظام الملة فنرى في كتاب من الإمام عليّ (عليه السلام) إلى عمّاله: (بسم اللهَّ الرحمن الرحیم. من عبد اللهَّ عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأكتابي هذا من العمّال: أمّا بعد فانّ رجالاً لنا عندهم بيعةٌ خرجوا هرّاباً فنظنّهم وجّهوا نحو بلاد البصرة، فاسأل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كلّ ناحيةٍ من أرضك، ثمّ اكتب اليّ بما ينتهي اليك عنهم، والسلام)(35).

فالامام عليه السلام لا يعالج الأمور بالمواعظ والخطب، وإنما يعالج بحماية مال الامة من اللصوص والمستغلين، بالرقابة والمحاسبة، ووضع العيون على موظفي الدولة، وبصرفه في موارده المرضية عند الله.

(فكان عينا لا تنام عن مراقبة ولاته على الامصار: وعن التعرف على أموال الامة وطرق جبايتها وطرق توزيعها. وكم من وال عزل وحوسب حسابا عسيرا لانه خان أو ظلم أو استغل. وكم من كتاب كتبه عليه السلام إلى ولاته يأمرهم أن يلزموا جادة العدل فيمن ولوا عليهم من الناس)(36).

يقرر الامام آن على الحاكم ألا يغفل عن تعقب الحاشية والعال ومن يكلفهم بشؤون ادارة الدولة ومراقبتها، فيلزمه بانتخاب رقباء من أهل الدين والمعرفة والامانة يبثهم في أطراف البلاد، ويجعلهم عيونا له على عماله، يراقبونهم في أعمالهم،

ص: 354

المحور الاداري والاقتصادي الجزء الرابع ويرصدون مبلغ ما يتمتع به هؤلاء الولاة من خبرة في الادارة، وقدرة على التنظيم، ومعرفة بوجوه الاصلاح، ثم يرفعون ذلك كله إليه باعتباره راس الدولة ومديرها؛ فينكل بالمنحرف الذي خان أمانته، ويستأدیه ما حاز لنفسه من أموال المسلمين، ويجعله عبرة لغيره. ويشجع الصالح في نفسه، الصالح في عمله. ويرشد المخطى إلى وجه الصواب. بهذا التدبير الرقابي الحسابي يمسك الوالي عن الاسراف، ويحمله على العدل في الرعية، لأن المسؤول حين يعلم أن ثمة عينا ترقب أفعاله يحذر من الخروج عن الجادة الصالحة الى الى جادة المترفين اعداء الله. وهذا التدبير الذي نهجه الامام هو ارقى بكثير من نظام التفتيش المعمول به الآن في ادارات الدول.

قال عليه السلامه المالك الاشتر رضوان الله عليه: (.. ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والأمانة عليهم، فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة، ولرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فان أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك اخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا. فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة)(37).

فلم نعلم في ادارات الدول الا ان یکون المخبر السري للدولة على الرعية وليس على الراعي.. ومن اجل ادارة اسلامية بالمعنى الدقيق يجب ان يكون راس النظام في الملة رقيبا حسیبا قبل أن يكون حاكما والا فان النفوس ميالة إلى الترف المردي ثم النزوع إلى الجدل مع غايات الرسل واهداف السماء.

ص: 355

الفصل الثاني: غياب مصداق ادارة الدولة العادلة في الاسلام

ليس من الانصاف ان نطلق صفة الاسلام علی ای ماکان، اذا كان فاقدا لعناصر الكمال الكوني والتكويني، نعم نجد كثيرا من الناس وحتى اكاديميين يطلقوا صفة الاسلام على الهيئات والنظم والتنظيمات بل وعلى الدول والاحزاب وهذا ليس من الانصاف، لماذا؟ لأن الناقص في ذاته لايضفي الكمال على غيره فيكون طعنا بالاسلام.. ونحن انما نجد من الاسلام حالين:

- اسلام مؤطر، وهو بقية انقلاب السقيفة (الفلتة العبثية) وتراثه وتاريخه الملطخ بالدم والعمار، فالاسلام المؤطر هو بقية مملكات وراثية اتخذت من الاسلام غطاءً، وتسلطت باسمه وتحت عناوینه والاسلام منها براء.

- اسلام محفوظ في ملة كامنة في ثلة يتهمها المؤطرون بالرفض لانهم رفضوا الانقلاب على الرسالة الكاملة الخاتمة منذ وفاة نبي الاسلام صلی الله عليه واله.

والاسلام المحفوظ يمثل خصما قويا للاسلام المؤطر يرون فيه الوريث الحقيقي والقادم للاسلام لا مخال ولذا فانهم يستعدون بالفتنة وكل ما يؤخر هذا الحتم بالمؤمرات والتعاون حتى مع الشيطان.

ص: 356

1 - السعي للكمال سنة كونية والانقلاب عليه طاريء وهو الى زوال:

ان اقصاء المطهرین بارادة الله و المختارين لامامة الناس المعصومين؛ هي مخالفة بينة جدا لمحكم كتاب الله و مخالفة لوصايا رسوله صلى الله عليه واله، ومجافية للعقل والسنن الكونية، بل هو خروج على ابسط معاني الوفاء للنبي في عترته صلوات الله عليهم وهو يقول: (... فانظروا كيف تخلفوني فيهم؟)(38). وقد حذرت سیدتنا الزهراء تحذيرا شديدا من عواقب تلك المخالفة التي اعقبت وفاة رسول الاسلام صلى الله عليه وآله، في نفس الخطبة التي مرّ ذكرها؛ حيث وصفت الانقلاب على الاسلام في تلك المخالفة بقولها صلوات الله عليها:

(زعمتم خوف الفتنة!!! «أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ»(39)، فهيهات منكم! وكيف بكم؟! وأنى تؤفكون؟! وكتاب الله بين أظهركم أموره ظاهرة وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة وزواجره لائحة وأوامره واضحة وقد خلفتموه وراء ظهوركم.. أرغبة عنه تریدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ»(40)، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثم أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهمال سنن النبي الصفي تشربون حسوا في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضراء، ويصير منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشا وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ»(41).

ص: 357

ولم يكن قولها عليها السلام هذا الا الحق والصدق والعدل وهي تعلن للملأ:

(أيها الناس اعلموا أني فاطمة و أبي محمد (صلى الله عليه واله) أقول عودا وبدوا ولا أقول ما أقول غلطا ولا أفعل ما أفعل شططا) «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»(42) (43).

ان طوفان الفتنة وظلامها وجدل ظواهر الأرض مع ظواهر السماء، طاعة العدو المضل المبين؛ جعل الناس ينسون قول الرسول الأعظم صلى الله عليه واله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) او من مات وليس في عنقه بيعة الإمام مات ميتة جاهلية)(44)، بل أطّروه ووظفوه ليكون الطلقاء (وابناء فتيات قريش ذوات الرايات الحمر) ائمة وقادة والمطهرون بارادة الله وبنص الكتاب خوارجا!!!؟؟؟ وفي القران الكريم توكيد لضرورة وجود و فعالية المعصوم في قيادة الأمة ففي كثير من الايات نجد هذا المعنى حيث تقترن طاعة هؤلاء الأئمة النذر، أو الهداة الذين ولّاهم الله تعالى أمور عباده، وأمر عباده بطاعتهم وبالإقتداء بهم، قال تعالى: «أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ..»(45).

وقوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا»(46).

وقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»(47).

ص: 358

ومثل ذلك الحث على طاعة المعصوم كثير جداً في القرآن..

وفي هذا بیان قراني واضح محكم لتلازم الضرورتين، ضرورة وجوب وجود الإمام المعصوم؛ الرسول النبي؛ أو النذير الهادي، في كل زمان ومكان، وضرورة وجوب طاعته امتثالاً لأمر الله تعالى.

إن هناك تساؤلات تتبادر في نفس كل إنسان باحث عن الحقيقة، من أي جنس او أي لون او قوم؛ نجد في إجابتها، وجوب وجود المعصوم، ووجوب طاعته، بما يعني لزوم تحقيق الضرورتين معاً، لتحقيق معاني إرادة الله تعالى في خلق الإنسان كخليفة يدير دولته في الأرض؛ كما قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(48).

من هذه التساؤلات:

لاتترك ظاهرة ارسال الرسل الى البشر تترا حجة؛ بان الله تبارك وتعالى قد اختار افضل خلقه لقيادتهم ورفدهم بوحيه فرفع القصور عن عقولهم ليعلموا الناس الفضائل ويزرعوا القيم الانسانية الراقية فيعز على الله تعالى أن يختار النطف النجسة المحرمة بل کما یقول امام التفسير الألوسي في تفسيره؛ يجل الله تعالى ان يصطفي ابناء الزنا لامره(49).

فهل تصح الإمامة بمعناها الكوني لغير المعصوم؟. او هل تصح الا مع الاعلم و الافضل من البشر؟ والجواب واضح لكل ذي بصيرة.

ص: 359

فإن الولاية على الناس تبلغ غاية صحتها في الاعلم الورع وكمالها في المعصوم، فلا يشك احد في انه؛ لو توفر - على فرض - رجلين؛ احدهما معصوم، والثاني لا تتحرز عصمته؛ عندها نتساءل: مع من منهما يتحقق العدل؟ مثلا؛ کما توفر نبي الرحمة المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، وابو سفيان.. او في الزمن الذي تلاه، کما توفر معاوية وعلي عليه السلام.. او کما لوتوفر الحسين عليه السلام السبط سيد شباب اهل الجنة عليه السلام، ویزید بن معاوية، وهكذا تستمر السلسة في التساؤل الى الان... أيهما یکون أصلح للولاية على أموال الناس واعراضهم وحرياتهم وحقوقهم ودينهم...؟ لا احد يشك في الجواب؛ ان الافضل هو الرسول محمد صلى الله عليه واله لا ابا سفيان والامام علي عليه السلام لا معاوية والسبط الحسين عليه السلام لا یزید.... وهكذا تستمر الحال في صحتها.

2 - هل تلازم السلطة والقوة في ادارة الدول القائمة حق ام باطل؟

ان ادارة الدولة: تعني قيمومة مقننة للسلطة او القوة من قبل مؤسسة الدولة ورجالها لبسط العدل في الرعية كما هو مفروض.

فمن المعروف؛ ان من ابسط مباديء الفيزياء ان لا يمكن انجاز فعل بدون قوة وان ادارة الكون كله يتم بالاساس بقوة مقننة بصرامة وبدقة لتحرکه باتجاه الكمال ولديمومته و لحفظ سريانه في حيز مرسوم بحكمة وتدبير..

ولولا هذه القوة لا يمكن أن ينجز اي فعل او اي كائن او اي ظاهرة. ومن صفات القوى الكونية البديهية المنجزة للكائنات والظواهر انها:

- رحيمة ولو كانت قاسية متنافرة فلا كون ولا كائنات. وهكذا يجب ان تكون في

ص: 360

ادارة الدولة - ومتلازمة مع الحق والعدل، ولولا هذا التلازم فلا كون. وهكذا يجب ان تكون في ادارة الدولة.

- سارية وقائمة بالزمان والمكان فلا فراغ، وهكذا يجب ان تكون في ادارة الدولة - وكل القوى الكونية المنجزة للكون من سنخ واحد. ولذا فالخروج عن سنخ القوى الكونية بصفاتها خروج على العدل والرحمة.

ولذا لا سبيل لنظام اداري ينشد العدل والرحمة إلا بالقوة والسلطة المنطبقة مع الحق والعدل التي تتصف بتلك الصفات الكونية ولا تتحقق تلك المطابقة الا مع الشخص الذي لايصدر منه الباطل والقبح وهو المدعوم المختار المكلف للقيام بالمهمة من قبل الله تعالى.

والامامية هم الوحیدون في الكون الذين ينشدون انطباق القوة والعدل في ادارة دولتهم؟ اما في النظم الادارية للحكم المعروفة في التاريخ وحاليا نجد ان؛ الحاكمية والسلطة صلاحية وميزة يمنحها المجتمع بموجب عقد اجتماعي للحاكم مسوغا للحاكمية التي لايمكن ان تتم بدون القوة التي لاضمان بعدلها.

3 - مسوغات قيام إدارات الدول:

هناك مسوغات عقلية اساسها مسوغات ذاتية لنشوء النظام كحاجة بيولوجية بديهية لان الدولة وكما هو مفروض توفر للرعية القدرة والوقت والجهد والأمان والضمان لمستقبل مستقر.. وهذا الدافع الذاتي لضرورة قيام الدولة يأتي من:

اولا - الامامة سنة كونية بديهية تصير مع العقل سنة تكوينية وارادة دافعة لقيام الامام على راس ادارة الدولة في المجتمعات:

ص: 361

فما ان يفتح الانسان عينيه على الواقع وفي وقت مبكر جدا من عمره؛ يجد بديهيا؛ انه يولد في عائلة لها رب، وفي عشيرة لها شيخ، وفي اسرة لها عميد، وفي دولة لها زعيم او رئيس وفي امة لها امام بر او فاجر، وان كان في جيش فلابد له قائد، وان كان في مديرية فلابد له مدير... الخ، ويجد من نفسه وفي ذاته يجد لجوارحه اماما يوجهها هو العقل، فمن منطلق بديهي سواء شعر ام لم يشعر يجد نفسه منتظما في منظومة كونية تكوينية بديهية يحكمها الامام مهما تكن تسميته، ولأن الكون كله بتفاصيله قائم على منهج الاختيار والاصطفاء فإذن لابد ان يختار الانسان ما اختار خالق الكون وبارئه ومصوره نظاما لملته وسياسة لمقاليد الحكم وإدارة الدوله حاكما فليس له ان يشذ عن هذا النسق الكوني البديهي المعبر عن مشيئة الله تعالى.

ثانيا - الاصطفاء والاختيار منهج الفطرة والدين وجوهرهما:

الدين هو عينة من الاحكام المختارة المصطفاة، قال الله تعالى في ذلك: «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»(50) ويتحقق منهج الاختيار هذا في واقع الدين ومعانيه من الحقائق القرآنية التالية:

أ - ان الله تعالى في دينه اختار الخير ودل عليه، وشخص الشر ونهى عنه. فدين الله تعالى هو الخضوع للعمل بما اختاره الله على انه حق وخير وإحسان، والانتهاء عما نهى عنه على انه باطل وشر وقبح، فهو اختيار محض لا خيار للانسان فيها يجب عليه او فيما هو محرم عليه، الا اذا اختار ان يخرج عن هذا النسق الكوني اللطيف ويكذب على نفسه.. قال الله تعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ»(51).

ص: 362

فلله الامر من قبل ومن بعد «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(52).

ب - الله تعالى يختار الائمة والرسل ليكونوا حججا على بريته:

لان المسؤول عن ادارة الدولة والنظام الاسلامي القائم على اختيار الله تعالى يتحتم عليه ان ينفذ خيارات الله تعالى في كونه وكائناته دون خطأ وسهو، وهذا لا يصح ولا يصدق الا اذا كان هذا الشخص المكلف من قبل الله معصوما ومسنودا، ولذا يتأكد مبدأ الاصطفاء والاختيار من قبل الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (*) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(53).

فالله تعالى وحده هو من يصطفي: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ»(54).

وليس لاحد غيره جل شانه الاختيار في الدين «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(55) وقد تعين بموجب الاية الشرك على مخالفي اختيار الله تعالى.

وفي اية اخرى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(56) وهنا تعين الفساد والضلال عى مخالفي خيار الله.

فالامامة المرضية عند الله لا تعتبر الا وفق شرط مهم يؤكد ما نذهب اليه وهو العدل التكويني في الشخص المختار: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ص: 363

قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» (57).

4 - الانقلاب على جوهر الدين ونظام ملته:

عندما يتعين بديهيا وعقلا، وبتوكيد قرآني محكم لا لبس فيه ان الاختيار والاصطفاء هو جوهر الدين؛ فان انقلاب السقيفة العبثي (اوفلتة السقيفة كما يسميها عمر بن الخطاب)(58)، قد افرغ الدين من جوهره ومنهجه في الاختيار عندما فتح الباب لمن هب ودب؛ ان يكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه واله وامينا على رسالة الاسلام الخاتمة الكاملة واميرا للمؤمنين من غير المختارين المنصوص عليهم المكلفين بادارة المنهج الاسلامي ونظام الملة.

ودليل افراغ الدين من محتواه؛ هو ان وصل ابناء الزانيات واللوطيون من امثال الوليد بن يزيد وغيره الى منصب خلافة رسول الله صلى الله عليه واله وكانت له امانة الرسالة الالهية الكبرى، وحشي الله ان يرضى بذلك فهو اعز واجل من ان يامر بطاعة ظالم او يجعل حججه من النطف الحرام كما يقول الالوسي في تفسيره.

5 - القوة والسلطة من اجل العدل:

ما ينشده العقل ويتطلبه الدين في سعيهما للكمال سنة كونية بديهية وحيازة القوة والسلطة في ادارات الدول للحاكم او للامام، انما يأتي بقصد العدل غاية ووسيلة، لكن تاريخ العالم كله لم يحدثنا عن حالة واحدة على مرّ التاريخ تحقق فيها العدل بعناصره الكونية والتكوينية في ادارة دولة ما.

ذلك لان مسوغات السلطة وصلاحياتها للحاكم والحاكمية في ادارة الدول ومن اجلها تتحدد في مصدرين: المصدر الرسالي السماوي والمصدر الانساني الارضي وهما:

ص: 364

اولا - في حاكمية الله تعالى؛ فان السلطة المطلقة في الكون والتكوين هي للمكون الخالق البارئ المصور جل وعلا يفوضها سبحانه ويمنح صلاحيات سلطتها الى من يختار ويصطفي من رسله او ممن يطهرهم بارادته ولارادته، فيرفع عن عقلهم القصور، ولذا فلن تخطئ القوة محالها فيهم ولن يصدر من المكلف الرباني بادارة الدولة الظلم اوالقبح. لكنه نموذج محدود لانه معتم عليه وغير معرّف.

ثانيا - في حاكمية الانسان لذاته: يرفض المترفون وعلى مرّ التاريخ البشري ان تكون الحاكمية للسماء ويزعمون ان العدل اذا كان مسوغا لحيازة القوة والسلطة فهم الاقدر على اقامة العدل وليس ان نترك الامر لمجهول ليتحقق العدل على يديه.

ان ظلم الانقلابيين في الاسلام المدعين انهم يمثلون الدين، وظلم الكنيسة في المسيحية لا وامر المسيح سلام الله عليه، وظلم الحخامات اليهود في اليهودية لانبياء الله في واقع الناس قد اعطى مسوغا لحاكمية الانسان وتفوقا لتخليصهم من حاكمية السماء المدعاة التي انقلب عليها المدعون على أمانتها.

ولكن في كل الاحوال لازال العدل مبررا للحاكمية في الناس وفي قيام النظم الادارية للدول مهما كان نوعها. ولان محورنا في البحث هو بالأصل: ادارة للدولة في النظام الاسلامي لنقارن به النظم الاخرى فسيكون مطلوبا ان نبحث في الفصل التالي الحلقة المفقودة بين ادرات الدول كنظام وبين العدل كغاية سامية.

ص: 365

الفصل الثالث: الحلقة المفقودة بين اداراة الدولة كسلطة وبين العدل كغاية

على مرّ التاريخ؛ لم يفكر العالم بعلمائه وعباقرته وبفلاسفته ومثقفيه وجامعاته بأطروحة عنوانها (كيف ومتى واين يتحقق ضمان العدل في ادارات الدول؟)، لان المؤمنين قطعا يثقون بان الله تعالى عادل ويطلب العدل وهو تعالى منزه عن العبث والظلم ولن يخلق العالم لشيء من العبث، واننا لا نشك بان غير المؤمنين ينشدون العدل ايضا فالظلم نشاز، وحتى الظالم نفسه لو ظلم لجار من الظلم..

اذن؛ من وراء هذا التواطوء على الظلم على طول التأريخ؟ ولصالح من تجري الامور على ماهي عليه من قبول السياسة على انها شر لابد منه؟ الجواب باختصار يكمن في حالة الجدل الكوني بين ظواهر كونية انسانية ثلاث؛ ظاهرة الرسل عليهم السلام، وظاهرة الترف والمترفين، وظاهرة الاستلاب.

فما تعنى هذه الجدلية بين الظواهر الانسانية الثلاث في قيام ادارات الدول؟

1 - جدلية الظواهر الكونية التاريخية الثلاث وتعثر النظام الاداري الرباني:

ظواهر الرسل، والترف(59)، والاستلاب(60) الرسل عليهم السلام؛ هم أطروحة السماء، وحتم التكوين، فهم فيض لطف الله وعدله الذي لا ينقطع عن مخلوقاته، تَجَسَدَ في ظاهرة كونية دائمة؛ رسل الله، يحملون العدل والرحمة رسالة في عقيدة الى الناس تترا، فيجسدون العدل والرحمة في

ص: 366

الفعل والقول ضمن منهج رباني موجه ضد الظلم، باعتبار الظلم هو المعنى الجامع لكل ماهيات القبح، ابتداءً بالشرك فانه ظلم عظيم، قال تعالى: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»(61)، مع شعور عظيم بالمسؤولية اتجاه البشرية المعذبة.

فالإنسانية اليوم وبسبب اهمالها لظاهرة الرسل عليهم السلام ومعانيها العظيمة، صارت تعاني وتتعذب بسبب عاملين؛ احدهما خارج على الذات الانسانية، هو الترف والمترفين، والثاني ذاتي؛ هو الاستلاب، حيث الغالبية من البشر يعانون من الاستلاب الذي يفقدهم قدرتهم على التفكير الصحيح واتخاذ القرار الصائب حيث تكمن مصلحتهم.

اما المترفون، وإقصاءً لأهداف الرسل؛ يستغلون اخوتهم من البشر وبدون ادنى شعور بالمسؤولية، فيسخرونهم لحيازة المزي-د م-ن مصالح القوة والسلطان والاثراء الفاحش على حساب تضييع حقوقهم.

واما الاستلاب، فهو عارض نفسي ينشأ من اللاوعي شعور باطن، اما بالدونية حيث يظن الانسان ان الآخرين افضل منه، او الفوقية حيث يظن الفوقي انه افضل من الآخرين، او النفعية حيث تتحد منفعته الشخصية بعقيدته فلا يرى غيرها، او النفاق، حيث يظهر المرء الايمان ويبطن الكفر، وهذا الشعور بالاستلاب يمنع المصاب به في الغالب من الخيار الصحيح الذي يوافق نظام الملة، لان خياراته بالحتم تتبع لدافع ما استلب به، فيستغله المترف لمصالحه، بل وحتى ضد مصالح المستلب ذاته، فلا المستلب يعلم ما ستتمخض عنه نتائج فعله، ولا المترف له شعور بالمسؤولية اتجاه هذا المستلب المسكين.

والاستلاب، من الظواهر التي تستطيل في الامم والشعوب وبصعب تمييزها لانها تحيى وتنشط في اللاوعي ويستغلها المترفون ايها استغلال في قهر الشعوب.

ص: 367

وعلى ضوء هذا الصراع بين الرسل ورسالاتهم والمترفين وتدخلاتهم والمستلبين وغفلتهم يضيع الانسان وميزاته الراقية وينظر الى المعصوم والعصمة على انه مغالاة في الاعتقاد وليس وسيلة لتجسيد مشيئته جل وعلا في كونه وكائناته.

وقد يصدق - كما نرى - ان يبتلي كلا من المنتظر المعصوم والمبتلي بالانتظار حتى يعرف المستلب نتائج خيارات فعله الخطل ضد الحق واللطف والكمال ولو متاخرا فيصحح مسيرته، او يكسب المظلومية التي هي بحد ذاتها غاية في نفسها تنغص على المترف الظالم ترفه وتحطم تكبره واستكباره.

لأن هناك عاملان يساعدان المترف في كسب الجدل(الصراع) ضد المعصوم والانسانية، هما:

اولا - امتلاك المترف وسائل الاستلاب القوة والسلطان والمال والوقت؛ التي هي دوافع للفعل ضد المستلبين. والمستلبون بحاجة ماسة للمال والقوة والوقت والجاه، فيضطرون لاتباع المترف ضد المعصوم وهو بالواقع ولاية المستلب ضد نفسه.

ثانيا - هو عدم شعورالمترف باي قدر من المسؤولية اتجاه ابناء جلدته البشر او اتجاه ربه وخالقه المنعم عليه، ولا يستحق من الله تعالى الرحمة واللطف فيبوء اما بالاملاء(62)، او يخسر بالاستدراج(63).

تحصل حالة الترف عند الغنى وغياب الرقابة والمحاسبة التي تحدثنا عنها في الفصل الاول كضمان من ضمانات عدم الترف، ويأتي من وافرات المال والوقت والقوة وهي نعمُ تستحق الشكر وتوجب الزكاة، فان لم تشكر صرفت في معصية طبقا للقاعدة المعروفة عن المعصوم:

ان (ما لم يصرف في طاعة يصرف في معاصي) وعندها يترتب غضب الجبار على العصاة والعادون ويبتلعهم ناموس الاملاء او الاستدراج، فيكونوا خدما لإبليس

ص: 368

واعداء الله وللإنسان.

ويحصل الدور في الجدل عندما ينزلق مسؤولو ادارات الدول الى الترف بامتلاك المال والوقت والقوة والجاه وعندها يصبح محاربا الله ورسالته حتى ولو كان يدعي انه من المؤمنين كما هو قارون وكان من قوم موسى. وهكذا يستمر الجدل.

ومن يفتقد لتلك الوافرات يبتلى بالاستلاب. ولذا فان المترفين اكثر علما بأحوال الاستلاب وحاجات المستلبين فتكون سبيلا لاستغلال المستلبين وتوجيههم لصالح المترفين ضد الانبياء واتباعهم.

عن ابي عبدالله «عليه السلام» قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم نبعث لجمع المال ولكن بعثنا لإنفاقه (. عنه) قال: انفق بالخلف واعلم انه من لم ينفق في طاعة الله ابتلى بأن ينفق في معصية الله...)(64).

عن الصادق عليه السلام: واعلم أنَّه من لم ينفق في طاعة الله أبتلي بأن ينفق في معصية الله عزً وجلّ، ومن لم يمش في حاجة ولي اللهّ أبتلي بأن يمشي في حاجة عدو الله عزَّ وجلّ)(65).

ومن كلمات مولانا الكاظم (عليه السلام): إيّاك أن تمنع في طاعة الله فتنفق مثليه في معصية الله - الخ(66).

فالترف والاستلاب هما سبب الحلقة المفقودة بين العدل كهدف والسلطة كوسيلة كما هو بالضبط ما يحصل على مر التاريخ البشري، حيث يستغل المترفون الطغاة الناس المستلبين ضد الانبياء والرسل والائمة من المعصومين. وكلهم كما يحكي القرآن الكريم ضحايا لهذه الجدلية المربكة في تاريخ البشر يتوضح في تخاصم

ص: 369

اهل النار(67).

ان هذه الجدلیة لا زالت وستستمر سارية، لتوافر مشخصاتها في المجتمع ولكي تتغير فلابد ان تتغير النفوس.. فقد قال الله تعالى:

(...إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)(68).

انه فعل العدو العتيد للانسانية؛ (ابليس)، وشركه (ابنائه)؛ ابناء فتيات قريش من ذوات الرايات الحمر الذين تصدوا للأمامة وخلافة الرسالة، والذين يرفعون شعار(انا خير منه) ويجسدونه ضد المطهرين بارادة الله المختارين للولاية على الامة، وهم المنقلبون على الرسالة فقد ابطنوا الكفر واظهروا الايمان ليجتازوا الى نيل قوة سلطة النبوة، فان الانقلاب على الكتاب والسنة مهمته الاجهاز على امتدادها الطبيعي والمتمثل بالأمام المعصوم المنصوص عليه والمكلف من قبل الله تعالى بامتداد ظاهرة الرسل، وهم عترة النبي الخاتم المطهرين بارادة الله تعالى ولإرادته.

فخلال الفترة الممتدة بين الانقلاب على الرسالة (في السقيفة) وامتداداتها، الى خلافة معاوية؛ تحقق لمعاوية ان يحوز مختصات الترف، فاستغل الاستلاب باشاكله المختلفة و دوافع الاستلاب في الامة ضد الامام المنصوص المختار من قبل الله تعالى واسس للمملكة الاموية الوراثية العضوض بديلا للاسلام الحق بما حذر منه النبي صلى الله عليه واله.

ص: 370

2 - واقع جدل الظواهر الثلاث يغلب تحذيرات الرسالة:

صدرت عن النبي صلى الله عليه واله تحذيرات رسالية من استمرار جدلية الظواهر الثلاث في الأمة كما في الأمم السابقة:

بامر من الله تعالى وبمسؤولية الرسالة الخاتمة حذر الرسول الاكرم صلى الله عليه واله الأمة من أن تتردى إلى ما تردت له الأمم السابقة؛ فدأب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله؛ يؤشر الخلل في الامة والانحراف الذي سيصيب الناس من بعده، وكان صلى الله عليه و آله، يرى مما يوحى اليه ان امته لا تختلف عن بقية الأمم، تسري عليها سنن ما قبلها، سنن التاريخ و جدلیاته وحتمياته، وقد خبرهم مرارا وتكرارا؛ لكي يوطن الصالحون أنفسهم فيتهيئوا للفتن بعده، صونا للدين وحفظا لنظام الملة، ولكي تكون حجة على المارقين والناكثين لعهده صلى الله عليه وآله، الا أن الأمة في غالبيتها الساحقة - مع الأسف - لن تعبأ لتحذيراته، ولو لا تضحيات اهل البيت عليهم السلام والثلة المرابطة معهم من المؤمنين الصالحين الذين وطنوا انفسهم التحذيرات من لا ينطق عن الهوى، لكنابل والعالم كله يرى في حثالات البشر وابناء الزانيات من الأمويين و العباسيين والتكفريين هم مثلوا الاسلام وهم حاملوا رسالة الله تعالى التي وطدها النبي محمد صلى الله عليه واله. فقد روي عنه صلى الله عليه وآله انه قال كما في الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن؟)(69).

ومن صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ قال: قال رسول الله: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مآخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قيل له: يا رسول الله كفارس والروم ؟ قال من الناس إلا أولئك(70).

ص: 371

ولم يمض على وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أكثر من ثلاثين سنة وإذا بنا نشاهد أن حزب الشيطان (حزب ابناء فتيات قريش ذوات الرايات الحمر) الذي وقف معارضا في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدة واحد وعشرين عاما قد تربع على عرش الخلافة، ليغيرها إلى ملك وراثي عضوض کان حذر رسول الله منه، يتداوله بنو امية فيما بينهم حتی توارثه یزید و بنو مروان وبعد ذلك آل الأمر إلى بني العباس الذين استمروا على نهج بني امية؟! فهل هناك انحراف أكبر من هذا الانحراف عن مسار الرسالة الرحمة.

والغريب ان تحذيرات الرسول وتنبيهاته لم تكن عامة وغير مشخصة بل كانت دقيقة ومشخصة بالاسماء والعناوين اللذين سينقلبون وللذين يرتدون وللذين سیؤذون اهله وحاملي مشيئة الله تعالى في رسالة الاسلام (عليهم السلام) من بعده.

قال الرسول صلى الله عليه وآله لاصحابه:

(ان اهل بیتی سيلقون من بعدي من امتی قتلا وتشريدا، وان اشد قومنا لنا بغضا بنو امیه و بنو المغيره وبنو مخزوم)(71).

وقال الرسول لأصحابه:

(اذا بلغت بنو امیه اربعين اتخذوا عباد اللهّ خولا، ومال الله نحلا، وكتاب اللهّ دغلا)(72).

وقال الرسول يوما امام اصحابه:

(ويل لبنی امیه، ويل لبنی امیه، ويل لبنی امیه)(73).

وقال الرسول يوما لاصحابه:

ص: 372

(شر العرب بنو امیه).. قال ابن حجر صح وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال أمير المومنين علي عليه السلام: (لكل امه آفه و آفه هذه الامه بنو امیه)(74).

ولقد نازع معاوية الحسن عليه السلام خلافة الاسلام وهو يعلم انه اجدر بها ومكلف بارتحالها ثم قتله بالسم، وقتل یزید الحسين عليه السلام وسبا عيال النبي وبناته واستمرت مملكة الأمويين حتى اخذها منهم العباسيون، وكان ذلك على مرآی من الامة وعلى مسافة زمنية قريبة من تحذيرات الرسول صلى الله عليه وآله.

فاذا كانت الامة مستلبة فما بال علمائها الى الان يتبعون النهج الأموي المتمثل بنهج الفتنة نهج التكفير والابادة واكل الاكباد والتمثيل بالضحايا، وتبعيتهم هذه على علم من تحذيرات رسول الاسلام صلی الله عليه وآله التي تنقلها لهم صحاحهم؟!

3 - تحذيرات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تغيرنظام الاختيار الرباني لادارة الدولة الى ملك عضوض:

تقبلت الامة الاسلامية تاريخها المزيف الاسود الملطخ بالعار كمسلمات، وبدون تمحيص او تحقيق او تدقیق، هذا لانها مستلبة بالفوقية والدونية وبالنفعية والنفاق الذي حذر منه الرسول الاكرم، بالاضافة الى انها متخلفة ثقافيا وحضاريا قريبة من الجاهلية في جانب، ثم انها ضحية مناهج اعداء عقيدتها في الجانب الآخر منذ اول يوم والى يومنا هذا.

ومن المسلمات، التي يعتمدها الغالب ممن يدّعون الاسلام؛ هي المسالة التاريخية المخجلة؛ والمتجسدة في الانحراف بالاسلام ورسالة الرحمة، وتحويلها إلى ملك عضوض على يد أعداء الإسلام، الطلقاء الادعياء الامويين.

ص: 373

الا اننا للأنصاف لابد ان نذكر النابهين منهم، فمثلا؛ قد أدرك الكاتب العصري المصري خالد محمّد خالد في كتابه: (أبناء الرسول في كربلاء) البُعد الحقيقي لهدف معاوية حين قال في كتابه هذا: «فها هو ذا معاوية لا يكتفي باغتصابه الخلافة، ثمّ لا يرغب وهو على وشك لقاء ربه في التكفير عن خطئه، تاركاً أمر المسلمين للمسلمين... بل يمعن في تحويل الإسلام إلى مُلك عضوض وإلى مزرعة أموية، فيأخذ البيعة ليزيد کوليّ عهد له. يأخذها بالذهب وبالسيف»(75).

والمصيبة ان هذا الانحراف كان مصدر قلق للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وحذر كثيرا منه لكن دون جدوى:

ففي رواية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً ثم كائن عتواً وجبرية، وفساداً في الأمة، يستحلون الحرير والخمور، یرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل)(76).

والانكى من هذا ان علماء الامة الذي يفترض انهم يظهروا علمهم اذا ظهرت الفتن، هؤلاء العلماء يدلسون على تحذيرات الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، لصالح الانحراف فيحرفوا الكلم عن مواضعه لغيروا معنى الحديث لعن الله الافاكين: ففي رواية أبي داود بسنده عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك - أو ملکه - من يشاء)(77).

یعنی ان الله تعالى اعطى الملك بماشاء وكما شاء لبني امية الطلقاء وكأن الله قد تخلا - والعياذ بالله - عن الرسالة والرسول!!!

ص: 374

الا ان الواقع يؤيده كل الرواة، حيث رووا عن رسول الله صلى الله عليه واله: (أنّ ما بعد الثلاثين سنة مُلْكٌ عضوض لا خلافة)(78).

وفي واقع التاريخ ایضا؛ كان بني امية راس حربة المشركين والكفار في حرب نبي الاسلام؛ فكانوا على رأس الحملات المضادة للنبي صلى الله عليه وآله ولرسالته السمحاء. سيَّما وأنهم يعتبرون أنفسهم غرماء مجد للهاشميين.

قال ابن الأثير في النهاية: 3 / 253: وفيه “ثم يكون ملك عضوض” أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا، والعضوض من أبنية المبالغة في اللغة. وقال ايضا في ج 1 / 236:) ثم يكون ملك وجبروت ”أي عتو وقهر.

هكذا انتهى النظام الاداري الإسلامي لإدارة الدولة بعد انقلاب السقيفة مباشرة وفيما تبعه من القراءة الخاطئة للإسلام في تشعبات المذاهب التي تنهل من السقيفة، فلا يمكنه العودة الى وضعه الحق مع احتدام عناصر الجدل الثلاث وغياب المعصوم لحكمة يبتغيها الحكيم جل وعلا.

ص: 375

الفصل الرابع ادارة الدولة وفق (نظام الملة)

اذا كانت الحجة للتخلي من مسؤوليات تشخیص و تعیین کیفیات قیام ادارة دولة ترضي الله ورسولة في الناس وفي المجتمع الامامي خصوصا زمن الغيبة وهم يعلمون الاسلام الحق اولا، ولان نظام الملة بلاء نغرق فيه جميعا اذا اما ابرزناه ببيانه وتفاصيله الصحيحة.. اي اذا كانت الحجة هي القهر والظلم والاستهداف من قبل اعداء الله ورسوله كما كان في سابق الزمان اسباب حقيقية تمنع الامامية من ادارة انفسهم او دولتهم حسب نظامهم الذي يعتقدون فيه وهو نظام الملة، فما من سبب يمنعهم اليوم من اقامة نظام ملتهم اليوم مع الاعتراف بصعوبة ذلك في بعض الاصقاع، فالمعصومون عليهم السلام مهدوا في الامة لشكل نظام الملة استعدادا لفترة غياب الامام المنصوص ابتداء من الامام علي عليه السلام في رسائله وعهوده الى عماله في الامصار ثم توکد اکثر في زمان الامام الصادق والى الهادي عليها السلام بما سیاه بعض الكتاب بنظام الوكلاء.

1 - تخلف الامامية عن حكم انفسهم:

بالرغم من أن الأمامية يملكون افضل احسن العقائد السياسية لحكم البشر في العالم على الاطلاق الا انهم تخلفوا عن حكم انفسهم وفق تلك العقائد لاسباب منها:

1 - ان عقيدتهم السياسية (ادارة الحكم عندهم) اعمق بكثير من وعيهم من مستواهم الفكري ومحتواهم الثقافي الجمعي، ذلك الذي اصطلحت عليه او سمته الزهراء

ص: 376

سلام الله عليها بنظام الملة.

فعقيدتهم في ادارة نظام الحكم تعتمد عقيدة الاختيار والاصطفاء التي هي اساس الدين، بل اساس الكون كله حيث ان امر الولاية والسلطة والحكم اصلا لله تعالى يختار له ويكلف من يشاء من عباده قال تعالى: «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ»(79). وبشكل ادق يقول تعالى: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ»(80).

والاصطفاء والاختيار مبدأ كوني وسنة بديهية يتحقق بها ليس فقط الدين بل النسق الكوني حيث تجسد ارادة الله تعالى في كائناته. وهذا الفهم لايتيسر لجميع الامامية.

2 - ان الحكم عند الامامية يرتبط بالعصمة؛ لأن ملاك السياسة العدل وليس غير العدل بديلا. واي احد غير المعصوم يزعم انه يسير في الناس وفق ارادة الله تعالى في العدل فهو كاذب ما دام يحتمل منه الخطاء فالظلم، في حين ان عهد الله تعالى لا ينال الظالمين.

ومع ان الأرض لا تخلوا في زمانها و مکانها من المعصوم - حسب العقيدة الامامية - الا انهم تشعبوا في نظرياتهم المرجعية خلال زمن الغيبة وفق خمسة اجتهادات لم تحقق لهم الحكم المباشر عدا واحدة هي: (ولاية الفقيه في ايران) وهي الان في سبيل التجربة الا انها اثبتت مقاومة ناجحة في جدلیات الصراع مع المترفين.

وللانصاف نقول ان المرجعية تحقق جزء من نظام الملة فهي على مر التاريخ ادارة داخل ادارات الدول الظالمة تقوى وتضعف حسب الظروف وقوة قيادية المرجع.

ونحن نرى ان نظام الملة يمكن ان يتحقق في جزء كبير منه من خلال توصيات

ص: 377

المعصوم في نموذج مرجعي سنفصله انشاء الله تعالى بعد ذكر النماذج الخمسة المعرفة في الفصل الأخير من هذا البحث.

2 - معاني القيادة والادارة تتشخص في حدود الولاية المرجع:

شاهدنا على مر تاريخ المرجعيات الشيعية، أن آليات اقتران معنى القيادة تتشخص في المرجع ضمن نطاق حدود الولاية التي يؤمن بها المرجع على الناس، ثم نرى انه هو الذي يحدد نموذج تلك القيادة لمرجعيته.

وعلى اساس من هذا، رأينا في واقع تاريخ المرجعية صوراً لهذا المعنى في النماذج القيادية للمراجع منذ الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد فقيه الطائفة وشيخها (قدس الله سره)، ولحد الآن، من خلال استقراء منطقي لواقع المرجعية في قيادة الأمة زمن الغيبة.

3 - الائمة يمهدون لنظام الملة في زمن الغيبة بنظام الوكلاء

اكد ائمتنا المعصومون من العترة الهادية؛ صلوات الله عليهم دورهم القيادي الديني في أوساط الجماعة الصالحة، وأوضحوا أهمية الولاء لهم، وأخذت تتسع الرقعة الجغرافية لأتباع أهل البيت ((عليهم السلام)) مع توسع جغرافيا الاسلام، واحتاجت الامة الى من يستجيب الى حاجاتها ويجيب على تساؤلاتها ويكون حلقة وصل بينهم وبين أئمتهم ((عليهم السلام)).

بادر الأئمة ((عليهم السلام)) الى تعيين الثقاة من الوكلاء معتمدين لهم في مختلف المناطق، وأرجعوا إليهم الأتباع... وذلك في اطار بناء ادارة نظام الملة النظام الذي يحفظ في تركيبته الحق والعدل؛ صونا لدين الله تعالى بالرغم من وجود الإدارات الظالمة في زمن الغيبة التي يحتجب بها امام الزمان عن الناس، فلا ينفرط النظام الذي

ص: 378

به کمال الدین وتمام النعمة.

ولقد اهتم الأئمة عليهم السلام بالتحضير لهذا النظام لحين الغيبة اعتبارا من الامام الصادق عليه السلام.

4 - شروط معتبرة في الوكيل المعتمد:

كان ائمتنا عليهم السلام يعتبرون الوثاقة و العدالة شرطين أساسيين في الوكيل فضلاً عن إيمانه ومعرفته بأحكام الشريعة وشؤونها، ولباقته السياسية وقدرته على حفظ أسرار الإمام وأتباعه من الحكّام وعيونهم.

نظام الوكلاء فنيا؛ يشبه التنظيم الهرمي في الحركات الحديثة المنظمة، فالوكلاء منهم من يرتبط بالإمام ((عليه السلام)) بشكل مباشر ومنهم من يرتبط به بواسطة وکیل آخر يعتبر محوراً لمجموعة من الوكلاء في مناطق متقاربة. ويعود تاريخ تأسيس هذا النظام إلى عصر الإمام الصادق ((عليه السلام)) أو من سبقه من الأئمة ((عليهم السلام)) غير أنه قد اتّسع نطاقه وبدأ يتكامل بعد عصر الإمام الصادق ((عليه السلام)) نظراً للتطورات السياسية والمشاكل الأمنية التي أخذت تحيط بالجماعة الصالحة وتهدد وجودهم وكيانهم.

ومنذ عصر الإمام الجواد ((عليه السلام)) و حتی ابتداء الغيبة الصغری کان لهذا النظام دور فاعل وكبير جداً في حفظ کیان الجماعة الصالحة ووقايته من التفتت والانهيار، اتّباعا بالواقع لوصية الزهراء عليها السلام باعتبار طاعة المعصوم هي جوهر النظام في حفظ ملة الاسلام.

وايضا بفضل هذا النظام والعناصر الفاعلة فيه أصبح الانتقال إلى عصر غيبة الإمام المهدي ((عليه السلام)) میسوراً، وقلت المخاطر الناشئة من ظاهرة الغيبة

ص: 379

للإمام المعصوم الى حدّ كان نظام الوكلاء بكل خصائصه قد تطوّر الى نظام المرجعية الحالية، فالمرجع يقوم اليوم بدور الإمام الموجّه لمجموعة الوكلاء... وهو الذي يقوم بدور النيبابة بين الإمام والوكلاء وبين الإمام واتباع الإمام عبر هؤلاء الوكلاء الذين قاموا بدور همزة الوصل المهمة وحقّقوا بذلك جملة من مهامّ الأئمة ((عليهم السلام)).

ان نظام الملة بني باختيار الله تعالى للمعصومين، منذ خلق آدم الى الحجة المهدي عليهما السلام، وان تعدد الأئمة عليهم السلام وتباعدهم في الأزمان والأماكن؛ كان واحدا من الضمانات الإلهية ضد انحراف البشر، ولذا مارس الأئمة نفس الاسلوب في الوكلاء ان بعض الوكلاء انحرف عن نظام الملة، بالاستلاب، لكن تعدد الوكلاء وتباعدهم الجغرافي يضمن بقاء نظام الملة، لانه يصون دين الأمة في ثلتها الصالحة ويحصنها ضد الانحراف العقائدي وبهذا يحمي ثقافة الشريعة وعقيدة الملة في نظامها.

وعليه فلولا نظام الملة السماوي لما بقي بعد تولى الأمويين والعباسيين والعثمانيين من الملة شيء على الاطلاق، فقد كان نظام الملة خير وسيلة لإعداد الجماعة الصالحة للدخول في عصر الغيبة والحيلولة دون تأثير صدمة الغيبة والانقطاع عن الإمام المعصوم ((عليه السلام)) على أتباع أهل البيت ((عليهم السلام)) الذين ألفوا رؤية الإمام واللقاء به خلال قرنين ونصف قرن من الزمن.

ص: 380

5 - لكي يكون النظام المرجعي ادارة لنظام الملة(81):

في خطبة سيدة الاسلام جوامع المفاهيم اذ قالت: (...فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة. وإمامتنا أماناً للفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام، والصبر معونة على إستيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة... الخطبة)*.

ان كثير من تلك المفاهيم لا تجد تفاعلا منا معها بل ولا يدرك احدنا معانيها؛ ففي دعاء الافتتاح مثلا؛ نطلب من الله تعالى الدولة الكريمة لكننا ليس بمستوى الطلب لا من ناحية الاستعدادت اللوجستية ولا ثقافيا ولا ايديولوجيا ولا حتى بصدق النية، بل وحتى على مستويات معروفة قد لا يكونون بمستوى الوعي السياسي لنظام الملة، الذي وجدناه جاهزا مؤسسا من قبل اهل البيت عليهم السلام في كل ما فصلوا لنا بقراءة معصومة من دين الله تعالى بدمائهم وتضحياتهم الجسام.

فمثلا؛ نجد في التاريخ مثلا من يروي؛ ان من المعترضين على الحسن عليه السلام في صلحه مع معاوية، حجر بن عدي؛ وحجر هذا بدرجة عظيمة من الايمان والتشيع، وليس لمن مثلي ان يقيم حجر على عظمة قدره وتصاغري، ولكن اعتراضه على الامام عليه السلام والنص المنقول عنه بما يوصف تصرف المعصوم لا يفسر الا بفقدانه لنظام الملة ولو ظرفيا - من خلال الفتنة - لانها كانت فتنة كبرى.

هذا المثال وغيره في التاريخ كثير، بل التاريخ كله يحكي ما خسرته الانسانية عموما والامة الاسلامية خصوصا، وما عانته بسبب فقدانها لنظام الملة؛ والذي كان نتيجة لتعمد الأمة عدم الاعتبار بالمعصوم ومعاني العصمة في مخالفة صريحة لكتاب

ص: 381

الله تعالى، ووصية رسوله المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، فما المعصوم الا الهادي بكتاب الله تعالى وما كتاب الله الا سبيل العصمة المنزلة من الله الى البشر.

6 - استشعار العجز ازاء المعصوم:

الذي يجب أن نعمل به هو ان نستشعر العجز ازاء المعصوم کما نستشعره ازاء القران الكريم على الاقل لنكون دوما في حال يقضة من أن لا تكون بمستوى الاستجابة لما يريده المعصوم، وهذا مما يجعلنا نتفحص دوما کمال نشاطاتنا في الدين طبقا لمبدأ الرقابة وعدم الغفلة.

وان النماذج التي استقر أنها للمرجعيات الشيعية في التاريخ بمقدار ما تحقق من نظام الملة تحتاج إلى البحث فيها من مقدار ما تستوعبه من توصيات الائمة وما فعلوه لحفظ الدين والملة.

ان حكم الله في خلقه واحد(82) وان مخالفة المعصوم؛ هي مخالفة كتاب الله و مخالفة رسوله، بل هو خروج على الاسلام.

فغاية الولاية؛ تتحقق في المعصوم دون غيره، لان به يتحقق المعنى الكوني للإمامة ولا يتحقق معنى الخلافة في الأرض، ولا نجد له مصداقا، إلا في المعصوم.

وفي القرآن الكريم، حيث يأمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر، ويقرن طاعتهم بطاعته، فإنه - جل وعلا - يقصد بهم، المعصومين دون غيرهم.

وفي ذلك معيار لصحة الاعتقاد لا يعدمه أولي الألباب، لكن الذين في قلوبهم زيغ، يرون أن الله يأمر بطاعة الظالمين إذا كانوا أمراء! أو متسلطين من خلال دست الحكم!

ص: 382

فقوله تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»(83).

هو من المحكم؛ فالله جل شأنه وتعالى اسمه، معروف ليس نكرة، والرسول (صلى الله عليه وآله) كذلك مشخّص و معروف وليس نكرة أيضا، فهل ضمن هذا السياق، يصح أن يكون أولو الأمر نكرات مجهولين وظالمين؟؟؟؟ إن الله تعالى لا يأمر بطاعة مجهولين نكرات؛ ولا يجعل طاعة مجهولين نكرات، قرينة لطاعته جل وعلا، لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء، وقد كتب على نفسه الرحمة، ولا يكون سبحانه سبباً في ظلم أحد، فلا يظلم ربك أحداً، فهو سبحانه يأمر بالقسط.

يحقق النظام المرجعي بصورة ما قدرا من نظام الملة لكنه لا يمكن ان يكون بوضعه الحالي نظاما اداريا لدولة عصرية مقتدرة الا مع التعديلات المطلوبة شرعا والمنصوص عليها من قبل أئمتنا باعتبار أن نظام الملة يتلخص بطاعة الامة للإمام المعصوم.

اذن النظام المرجعي يمكن ان يمثل نظام الملة مع تحقق وصایا وعهود المعصومين عليهم السلام في ادارة الدولة.

ص: 383

الفصل الخامس: نماذج من النظام المرجعي وامكان تمثيله لنظام الملة في الادارة:

1 - تقارب النماذج المرجعية مع نظام الملة وتباعدها:

2 - استقرأنا تاريخيا نماذج المرجعيات الدينية على اساس امکان قيادتها للامة وادارتها للنظام المرجعي داخل نظام الدول فوجدنا النماذج التالية:

أ -: نموذج المرجعية التي تمثل قيادة مباشرة للناس بدون وجود دستور إسلامي حاكم.

هذا النموذج للقيادة المباشرة للأمة، كانت في أحيان كثيرة تبرزه في المراجع ظروف تحكم الأمة فينبري بعض المراجع بالتقدم لاحتلال مواقعهم القيادية في أوقات المحنة القيادة الأمة إلى حيث الخلاص ورضا الله سبحانه وتعالى.

مثلما كان قد حدث للإمام المجدد السيد محمد حسن الشيرازي «قدس سره» (1230 - 1312 ه) الذي قاد الأمة من سامراء في ثورة التنباك في إيران ودحر قوات بريطانيا! آنذاك.

ومثله ما حصل للإمام الشيخ محمد کاظم الخرساني في ثورة الدستور، ومثله ما حصل للإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي في قيادة الأمة في ثورة العشرين في العراق.

ونحن إذنبرز هذه الأمثلة لنماذج القيادة المباشرة للمرجعية فلا يعني بالضرورة أن المرجع لا تكون له القيادة المباشرة إلا من خلال فراغ سياسي في واقع الأمة يتقدم

ص: 384

له المرجع ليتولاه، إنما نجد أن المرجع الذي يعيّ مهام موقعه في الأمة يكون دوماً نبه يقظ واع فهو المبادر لاستلام القيادة المباشرة، والساعي إليها عزاً للمؤمنين ونصراً للدين، مع كون الدستور المتحكم غير إسلامي، فلابد من الاعتقاد بان مجرد وجود المرجع الواعي لمهامه اليقظ المشاريع اعداء الأمة هو ضمان لأمن الامة وصمام امانها.

والسبب هو أن التركيبة الواقعية الهرمية للتقليد والمرجعية؛ إنما هي أسلوب فني حکيم ودقيق في توفير إمكانات القيادة المباشرة للمرجع على الأمة من خلال القاعدة العقلية الرصينة: (ان عمل العامي باطل بدون تقليد). وهو نظام؛ يهدف لربط الرجل ابتداءً من سن البلوغ، والنساء ابتداءً من تجاوز عمرها السنة القمرية التاسعة بالمرجع.

وقد اتخذ كثير من مراجعنا العظام، أساليب تنظيمية دقيقة في جميع وعاة الأمة لبلوغ إمكانات القيادة المباشرة للأمة بهم.. فقد احكم المرجع الاعلى انذاك السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدس سره) - خلال عقد الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي - صلته بالأمة من خلال وكلائه، ونشر الوعي من خلال مكتباته في كل .

إن مجرد تطبيق هذا الأسلوب بأبعاده الواعية لمعاني نظام الملة في الدين عند الناس ومعاني الإمامة عند المرجع، يحقق القيادة المباشرة للمرجع في الأمة سواء كان الدستور المتحكم علمانياً أو إسلامياً شكلاً.

وبسبب عدم وعي الأمة لتمام نظام الملة، وذلك - ربما - بسبب قوته الروحية وعمقه الفكري وعمليته باعتباره نظاما کونیا ربانیا، مما يبخس حق الامام وكذا يبخس حق المرجع، ونجد ان التقصير واضح جدا من لدن الامة اتجاه ائمتها

ص: 385

ومراجعها مع الاسف.

ليس من الصعب ان يكون هناك منهجا ثقافيا للتوعية بأهمية المرجع يصاحب عمليات التبليغ التي يقوم بها الخطباء الحسينيون في الامة الا ان الخشية أن يتخذ ذلك للتمجيد بأشخاص بعينهم وليس لمبدأ نظام الملة الكوني.

ب: نموذج القيادة غير المباشرة للمرجع من خلال دستور إسلامي حاكم.

وهو نموذج محدود جداً كان يمثله السيد شريعة مداري «قدس سره»، وكان يرى هذا النفر من المراجع أن في الدستور ضمانا لحقوق الأمة في زمن الغيبة، وإن دور المرجع في هذه الحالة دور المستشار الذي يصنع التوجيه ويراقب تطبيق الدستور، ويرون أن الولاية تتحقق للمرجع القائد غير المباشر من خلال ممارسة دستورية في حدود النص الشرعي في غيبة الإمام (عج).

ولكن المرجع الكبير الميرزا النائيني (قدس سره) يعيب على هذا النموذج رأيه، ولقد جاء في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) ما قاله الإمام الحجة (عج) في الرؤيا للميرزا النائيني (قدس سره).

والذي يظهر منه؛ هو أن الذي يتولى الحكم بغير ما تأهل له من الله تعالى، واحتل المنصب في حكم الناس، هو بالأصل غاصب سود الله تعالى وجهه بالغصبية، وقد تلوثت يداه بهذه الجريمة، والدستور الذي يسمونه اسلامي؛ هو بمثابة ما يغسل به الغاصب يديه الملوثتين بالغصب.

وطلب الدستورية والاكتفاء بها، هو كإجبار الأمة (الامرأة السوداء المسترقة) التي تلوثت يدها على غسلها، أي الدستورية محاولة لتغطية واقع سيئ، وهو فعل لا يعني شيئاً أمام واقع الغصب والعبودية لغير الله تعالى.

ص: 386

ج: نماذج المراجع من يرى أن حدود ولايته العامة تحقق له في مقلدیه فقط.

ومن خلال الرابطة الدينية التي تجمع الناس على رسالته العملية وعلى وكلائه الذين ينقلون للناس فتاواه؛ فولايته لا تتجاوز الحسبة(84).

وكثير من المراجع الكرام رحمهم الله وأغلب المراجع في زمن الغيبة هم من هذا النوع، لا قيادة مباشرة ولا طمع لهم في دستور إسلامي يتحكم في الأمة، بل قيادة غير مباشرة بعيدة عن السياسة بمعناها الليبرالي الذرائعي المقيت، بل ويرى بعضهم القليل أن التدخل في هذا النوع من السياسة الفاجرة خروج عن الدين، فهم نموذج لقيادة غير مباشرة وبدون دستور، فهم يرون السياسة الحق في انطوائهم جميعاً على عداوة الظلم ورفضه من أي كان.. ورفض الظالمين وبغضهم، وهو بحد ذاته هو جوهر السياسة في الاسلام واساس نظام الملة الذي تمثل المرجعية امتدادا له.

بمعنى ان نظام الملة (الذي هو طاعة المعصوم وبغض الظلم والظالمين)، وفي ادنی الاحوال لم يفرض ولم يوجه الى الابتعاد عن السياسة. فان رفض الظالمين هو الاساس الحقيقي الذي تبناه ائمتنا عليهم السلام بدمائهم لتصح معه عقيدتنا ولولاه فقد ضاع الدين.

د: نموذج المراجع من يرى أن الولاية لا تتحقق للمرجع ومهما كانت حدودها إلا من خلال قيادة مباشرة للامة ودستور إسلامي.

فيكون له بذلك ما يقترب مما يكون للإمام المعصوم، سواء كانت المرجعية شخصية اعتبارية لمجلس قيادي من الفقهاء أو مجتهد ولي فقيه.

وقد تحقق هذا النموذج للقيادة والولاية المطلقة في أطروحات الجمهورية الإسلامية للإمام الخميني «قدس سره»، في اجتهاد ولاية الفقيه مع أنه ليس صاحب

ص: 387

النظرية الأسبق، بل قد يكون المجلسي صاحب البحار «قدس سره»، قد حظى بمثل هذا النموذج مع فارق في البيئة والمحيط؛ وكان للإمام محمد باقر الصدر «قدس سره» رسالة في طروحات الجمهورية الإسلامية بلغها إلى الإمام الخميني إبان الثورة الاسلامية الايرانية.

ه: ومن المراجع من يرى أن الولاية لا تتحقق للمرجع ومهما كانت حدودها إلا من خلال أجهزة مؤسساتية:

فقد تعدى هذا النموذج من المراجع توقیفات ارتباط المرجع على الوكلاء والرسالة العملية إلى بناء جسور أخرى لربطه بالأمة وربط الأمة به.

فكان له مجتهدون مستشارون في مكتبه، وكان له وكلاء في كل الأصقاع الإسلامية، وكان له مبلغون ورسل، وكان له مؤسسات ثقافية وإعلامية، وكان له تنظیمات ومنظمات للوعي والتوعية والعمل والنظم وكان له مكتبات وفروع لها في سائر البلاد الإسلامية، واما اليوم فلكثير من المراجع فضائيات تبث لمدة 24 ساعة.

إن هذه الروابط تمكن المرجع ان احسن السياسة الاعلامية إلى شرائح الامة المختلفة؛ أن يحكم السيطرة في الأمة من أجل قيادة مباشرة وإلى وعي وصحوة تطالب بدستور إسلامي في أوساط الأمة الإسلامية.

ويمكن بيان أمثلة لنماذج من هذه المرجعيات، كان ينشدها الشهيد الصدر الأول «قدس سره» في مشروعه (المرجعية الرشيدة..) والسيد الإمام الشيرازي (محمد الحسيني «قدس سره» (في مشروعه شورى الفقهاء). كعناوين لكتب تحتوي نظریات لكننا نحتاج إلى آليات مدروسة لإمكان التطبيق لبناء ادارة نظام الملة داخل ادارات الدول الظالمة لنستطيع تقيم قدرتها في قيادة الناس والمجتمع وادارة الصراع

ص: 388

مع المترفين.

ونحن عندما نستعرض التاريخ السياسي لمرجعيات الامامية؛ قد لا نذكر فترات من التاريخ تتداخل فيها هذه النماذج كلها أو بعضها، ولكن ما لا يتفق في تاريخ مرجعيات الامامية أن تخلو فترة من فترات هذا التاريخ من واحدة من هذه النماذج.

3 - وصايا معصومة تحتاجها النماذج المستقرأة للمراجع لكمال نظام الملة:

هناك ملاحظة مهمة جدا أن جميع تلك النماذج تنطوي على اهداف ظاهرة الرسل وهي انها جميعا (تنبذ الظلم وتبغض الظالمين وتسعى لبناء المجتمع على القيم الراقية والفضائل وفق نموذج انساني معصوم يجدونه مكتوبا في سيرة أئمتهم من اهل بیت الطهر عليهم السلام الا ان المطلوب في هذا النموذج هو ما طلبه المعصوم ممن اختارهم للعمل معه في ادارة المجتمع او الدولة خارج العمل الحوزوي العالمي ويمكن ن نلخصه بما يلي:

أ - جهاز للرقابة والمحاسبة يشرف عليه مجتهد منتخب بمواصفات الامام في عهده المالك الأشتر المار ذکرها، يراقب بسرية العاملين مع المرجع سواء في مكتبه او الوكلاء في الامصار.

ب - جهاز للاعلام والتوعية يحارب الترف والمترفين ويسعف المستلبين وفق سياسة استراتجية تقيه من الانزلاق للبروباجندا لتكون حصرا في خدمة اهداف نظام الملة.

ت - ان يكون المرجع بمثابة عامل الامام عليه السلام على الامة بزمانه ومكانه فيتطلب منه ان يقوم بها طلبه اللامام من عماله.

ص: 389

فقد امر الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام من عماله:

1 - معيار الكفاءة والامانة:

(لا تقبلن في استعمال عمالك وأمرائك شفاعة إلا شفاعة الكفاية والأمانة). وهكذا فان کون المرجع، فنحن لم نر في تاريخ المرجعية من اخضع جاشیته ووكلائه والعاملين معه الى هذا الضابط.

2 - معيار النجاح في الاختبار:

وقال عليه السلام لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) حين ولاه مصر:

(ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا توهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا. ثم أسبغ عليهم الارزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك.

3 - المراقبة والتقييم:

(ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله

ص: 390

فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله)(85).

فاذا كان لابد من دور للاستشارة عند المرجع ووكلائه كما هو حال المستشارين الذين هم اليوم امتیاز وخصيصة الحاكم، ليرضيهم اويسترضي بهم؛ فان الامام عليه السلام يدقق في مواصفات اختيارهم، فلنطلع، وليكن النموذج المقترح للمرجعية ذي صلة:

4 - الاعلاميون:

(ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الاخلاق، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملا، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مکاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما يأخذ لك ويعطي منك. ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك استنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شئ، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم بالامانة وجها، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره، واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابیت(86) عنه ألزمته)(87). وهذا ضابط ومعيار لم نعهده في مرجعياتنا ولا حتى في دولة ولاية الفقيه التي احد نماذجا لادارات التي تمثل نظام الملكة في زمن الغيبة.

ص: 391

ولعظم المهمة وخطر سياسة الناس وولايتهم يقول الامام علي عليه السلام:

(إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به)(88).

ومعناه: أن الله تعالى العاصم من الضلال، منح الحاكم نبياً أو إماماً أو غيرهما ممن تتوفر فيه شروط الحاكم المسلم حق الحكم بين الناس بمضامين الوحي، قال تعالى: «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ»(89).

فالتشريع الإسلامي يوجب على الحاكم المراقبة التامة لنفسه ولحاشيته وللعاملين معه، و محاسبته المحاسبة الشديدة، وعزله حين المخالفة والإصرار عليها، فلابد ان يفهم بذلك بوضوح. والتاريخ الإسلامي مملوء بوفرة من شواهد محاسبة الأمام علي عليه السلام لمن عينهم من الحكام المسلمين(90). وهذا ما نود ان نراه في نماذج المرجعيات العتيدة التي لم تخذل الناس على مر التاريخ.

هذا وان نظام الملة نظام سیاسی کوني لايختص بالشيعة، لانه يعطي القيادة العلم والاتقی والارقي في ميزات الانسانية، التي يكون معها قادرا على ان لا يظلم بل ويطهر السياسة من الظلم.

بقي علينا أن نؤكد العلاقة التلازمية بين المرجعية الحالية ونظام الملة الكوني:

ص: 392

4 - استيعاب النظام المرجعي لنظام الملة الكوني، او الاساس الشرعي للنظام المرجعي عند الامامية:

تتحقق القراءة الصحيحة للإسلام في اطروحة العصمة، لأنها تتبنى نظام الملة الذي عرّفته سیدتنا الزهراء عليها السلام، بأنه يتجسد في طاعة الناس للمعصوم، وكل ما جاء فيما قدمنا إلى الآن انما هو تعريف لمفهوم نظام الملة، وكل التفاصيل التي تلت انما جاءت بقصد استيفاء معاني ذلك النظام باعتباره النظرية السياسية الربانية لنظم امور الامة، بل ولسياسة الناس جميعا، ولأن المرجعية الدينية في مذهب الامامية القائمة على نظام الاجتهاد والتقليد، هو استيعاب تام لنظام الملة في زمن الغيبة؛ فقد اوضحنا أن بروز مفهوم المرجعية كان استجابة لأمر الله تعالى في كتابه المجيد:

«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(91).

على اساس هذه الاية كان الاجتهاد واجب کفائي. وعملا بوصايا المعصومين عليهم السلام لحال غيبة المعصوم؛ جاء تقرير الرجوع الى الحجة من بعدهم؛ فعن الإمام الحجة عليه السلام:

((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم. وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فانه ثقتي وكتابه كتابي. وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شکه. وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام. وأما محمد بن شاذان بن نعيم فانه رجل من شيعتنا أهل البيت. وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فانه ملعون وأصحابه ملعونون فلا تجالس أهل مقالتهم فاني منهم برئ وآبائي عليهم السلام منهم براء. وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل

ص: 393

شيئا منها فأكله فانما يأكل النيران. وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث. وأما ندامة قوم شكوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال ولا حاجة لنا إلى صلة الشاكين. وأما علة ما وقع من الغيبة فان الله عزوجل يقول: «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلکم تسؤكم، إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي. وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فان ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدی)(92)) (93) وفي توصيف ادق لمن تتحقق به المرجعية الرشيدة من الفقهاء، جاء عن الإمام زین العابدين؛ علي بن الحسين عليه السلام:

(فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا لبعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فانه من ركب من القبائح والفواحش مواكب فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا کرامة. وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عن أهل البيت لذلك، لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بحملهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا، ليدخروا من الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم)(94).

وزيادة في الايضاح لمعنى الافضل في التصدي للمرجعية جاء عن الإمام الهادي عليه السلام:

ص: 394

(...لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الدالين عليه، والداعين إليه، والذابين عن دينه بحجج الله... ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، کما یمسك صاحب السفينة سكانها، اؤلئك هم الأفضلون عند الله عز وجل)(95).

وعن الإمام زين العابدين عليه السلام، وصية واضحة لمعنى المرجع الذي يجب على الناس التمسك به:

(الرجل كل الرجل؛ نعم الرجل هو الذي جعل هواه لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذل مع الحق، اقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم إن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤدية إلى دوام النعيم.. فذلكم الرجل نعم الرجل، فيه تمسكوا، وبسنته فاقتدوا أو إلى ربکم فيه فتوسلوا، فانه لا ترد دعوته ولا تخيب له طلبة)(96).

وكما نری من اوامر ووصايا المعصومين عليهم السلام لنا؛ كان الفقهاء ورواة حديث أهل البيت (عليه السلام) هم ترجمة واقعية من لدن الإمام لمعنى المرجعية، والتي كما هي الحال ليس في شخص واحد بل هي مجموعة مراجع نذروا أنفسهم لله تعالى كما يصفهم القران بالطائفة النافرة. وكأنهم عليهم السلام، يقولون: الأجدر بالقيادة والحكم بين الإنسانيين؛ هو الأكمل فيهم، فان كان للكمال قياس الميزات الانسانية للرقي، فليس غير الأعلم الورع جديرا بهذه المهمة الأقرب للإمام المعصوم في صفاته واخلاقه.

ص: 395

مستخلص البحث

لم يتسن للاسلام في قراءته الصحية ان يشكل دولته بعد استشهاد الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، التي اشرنا إلى أنها تتحدد بالضبط في قيام نظام الملة والذي بدوره يتحدد بطاعة المعصوم ولكن الثلة المؤمنة بنظام الملة شكلت على الدوام ادارة اسلامية داخل الدول الظالمة على مر التاريخ تمثل بالنظام المرجعي، وقد بيّنا من خلال هذا البحث نماذج تاريخية من النظام المرجعي، کادرات اسلامية تنظم امور الامة خلال زمن الغيبة وتستجيب لحاجاتها وتجيب على اسئلتها.

تتعين ادارة الدول بمديريها، وان السياسات في طول التاريخ وعرضه ترسمها سيرة السياسيين لا علاقة لها بمنهجهم ولا عقيدتهم ولا الفلسفة التي ينتمون اليها ومع هذا فالحاجة لهم لابد منها، وادارات الدول ضرورة لا يمكن الاستغناء عنا، ولذا قلنا: (ان السياسة شر لابد منه).

وعن اطروحة تطابق نظام ادارة الدولة مع العدل المهلة، قلنا أن السبب فياستبعادها هي؛ حالة جدل ازلي بين ظواهر ثلاثة هي ظاهرة رسل الله الى الناس تترا، بحيث لا يخلو منهم زمان ولا مكان، وظاهرة الترف والمترفين اعداء الله ورسله المتواجدون دوما تواجد ابليس، وظاهرة الاستلاب التي يعاني منه الانسان اما وشعوبا الموجود وجود الجهل.

فالترف: هو وافرات المال والوقت والقوة والسلطان، وما لم يصرف من هذه الوافرات في طاعة الله يصرف معصيته وطاعة الشيطان.

وعندما يكون الانسان مستلبا لا رادة له، والمترفون يدعونه لوافراتهم ويستغلونه بها، يقف الرسل واوصياؤهم واتباعهم عاجزون في مهامهم لدحر مشاريع الظلم

ص: 396

وبسط العدل ولا زال الجدل محتدما على هذه الشاكلة لا ينقذ البشرية منه الا طاعة المعصوم.

وكان هذا هو السبب لا غيره ليكون المعصوم على راس الدولة لبسط العدل وتحقيق اطروحة السماء في ادرات الدول، ولولا البلاء الراتب للحسين عليه السلام واهل البيت صلوات الله عليهم لما كان هناك اثر لمعاني ادارة الله تعالى في الأرض، كما تراه في النظام المرجعي على تلون نماذجه.

فالحسين عليه السلام بنی بدمه نظام الملة وبمظلومیته حفظ الثلة المؤمنة وبنهضته اسس للملة الصادقة واقعا رسالیا ممتدا، ثم أن اجتهادات علماء ال محمد في نماذج مرجعياتهم التي شرحناه في البحث متوافقة مع الممكن انتروبولوجيا من الأدرات الصادقة زمن الغيبة.

فنوذج ولاية الفقيه تليق بايران لاغلبية الثلة الصادقة هناك ولا يليق في مكان اخر، ونحن في البلدان الاخرى نرى لطفا في قيام النماذج المتوافقة لحفظ الدين وصون ثلته الصادقة.

فائمتنا عليهم السلام کانوا مرجعا للامة حتى المتسلطون انفسهم كانوا يرجعون لهم عند المشاكل الكبرى ويديرون الناس بما اراد الله تعالى وكأنهم دولة من داخل دولة الظالمين، وكذلك مراجعنا حفظهم الله تعالى كانوا يديرون الناس وكأنهم دولة داخل دولة وانهم ليعلمون ان لمراجعنا سلطة على الأمة اقوى واكبر مما لهم، ولذا فان كل الحكام الظالمين على مر التاريخ كانوا يحاولون كسب ود مراجعنا ويتحاشون الاحتكاك بهم.

ولكي تكون ادارات نظام الملة في مؤسساتنا المرجعية اقدر واوفي واقرب لنظام

ص: 397

الملة لابد لهم من الاخذ بوصايا الامام المانعة من الترف والانزلاق مع المترفين من خلال اجهزة المراقبة والمحاسبة والعيون التي جعلها الامام على الولاة والموظفين والعمال لديه ولم يجعلها على الناس كما يفعل الطغاة. ثم لم يلبس نفسه عليه السلام التنزيه وهو المعصوم علیه السلام فقال: (فلا تكفّوا عنّي مقالة بحقّ، أو مشورة بعدل؛ فإنّي لست في نفسي بفوق ما أن أُخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي، إلّا أن يكفي اللهَّ من نفسي ما هو أملك به منّي، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوکون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى)(97).

ولم يحط ذاته عليه السلام بهالة الحكم وقدسية السلطة وهو المفوض من السماء والمختار بنص الكتاب والسنة ذلك ليضرب المثل لمن يكون على راس ادارة دولة الاسلام او نظام ملته ان لايحيط نفسه وحاشيته بالقدسية فانما نحن جميعا خطاءون.

وعلى هذا الأساس تجرأنا وقلنا مانريد من اجل ادارة اصدق في الاسلام واقرب لنظام الملة في زمن الغيبة؛ من اجل ادارة اسلامية بالمعنى الدقيق يجب ان يكون راس النظام في الملة سواء كان والیا او مرجعا أن يكون رقيبا حسیبا قبل ان يكون مرجعا او حاکما والا فان النفوس ميالة الى الترف المردي ثم النزوع إلى الجدل مع غايات الرسل واهان السماء لصالح الشيطان.

ص: 398

الهوامش

1 - الروم: 29، 30 2 - ميخائيل سيرغي فيتش غورباتشوف: كان يشغل منصب رئيس الدولة في الاتحاد السوفييتي السابق بين عامي 1988 و1991 فهو رئيس الحزب الشيوعي السوفيتي بين عامي 1985 و1991. كان يدعو إلى إعادة البناء أو البريسترويكا. شارك رونالد ريغان في إنهاء الحرب الباردة وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1990. آتت البريسترویکا ثمارها في 26 ديسمبر 1991 عندما توارى الإتحاد السوفيتي في صفحات التأريخ بعد توقيع بوريس يلتسن على اتفاقية حل إتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية 3 - كان هتلر ينطلق من تيار عرقي ضارب الجذور في الفلسفة الاوربية بدأ مع ابيقور وطوره نیتشه واكمله هيجل؛ يعتبر العرق الابيض او الرجل لاصهب الذي يسميه توينبي (NORDYMAN)، هو الذي يجب أن يقود العالم فقط، وهو الأصل في فقرة من جمهورية افلاطون الفاضلة تعتبر الرجل الاشقر منبع التفكير والقيادة والاخرون جنود وعبيد.

4 - العلق - 6 - 7.

5 - سمى عمر بن الخطاب بيعة أبي بكر يوم السقيفة بانها فلتة (صحيح البخاري - (ج 6 / ص 2503). و جامع الأحاديث - (ج 26 / ص 227)، و الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم - (ج 1 / ص 28.

6 - قال رسول الله صلى الله عليه واله: ((إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك

ص: 399

ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنکم کما لعنهم). أخرجه أبو داود، والبيهقي عن ابن مسعود) وللحديث أطراف أخرى منها: "إن بني إسرائيل لما وقع فيهم النقص"، "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي". ومن غريب الحديث: "ولتأطرنه على الحق أطرأ": أي لتردنه إلى الحق. "ولتقصرنه على الحق قصرًا": أي لتحبسنه عليه وتلزمنه إياه (جامع الأحاديث (8 / 441)، و أخرجه أبو داود (4 / 121، رقم 4336)، والبيهقي (10 / 93، رقم 19983). أبي يعلى في مسنده ج 8 / ص 449 ح 5035، وأخرجه الطبرانی کما في مجمع الزوائد (7 / 269) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا: الشجرى في أماليه (2 / 230). ويقول جامع الأصول من أحاديث الرسول (أحاديث فقط) (1 / 109): ورواية الترمذي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما وقَعَتْ بنو إسرائيل في المعاصي، نَهتْهُم علماؤهم، فلم ينتَهُوا، فجالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِم، وآکَلُوهم وشَاربوهم، فضربَ اللهُ قُلُوبَ بعضهِم ببعض، ولعنهم على لسان داود و عیسی بن مریم، ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون» فجَلسَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وكان مُتَّكئًا، فقال: «لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطِروهم على الحق أطرًا». وفي المعجم الكبير (10 / 146) قال: تأطرونه تقهرونه). ولذا فان التاطير الايديولوجي بدعة اتي بها الانقلابيون في السقيفة وكانت سبب الانحراف عن الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله مباشرة مع ان الرسول صلى الله عليه واله حذر من التأطير ومنعه منعا باتا کما مرّ توثيقه.

7 - البحار: 75 / 359 / 74. و أعلام الدين في صفات المؤمنين - (ج 12 / ص 12)، و میزان الحكمة - (ج 4 / ص 17) (724)، و بحار الأنوار - العلامة

ص: 400

المجلسي - (ج 72 / ص 359)، وشرح نهج البلاغه (جعفری) - (ج 6 ص 322)، شرح نهج البلاغة - ابن ابی الحدید - (ج 6 / ص: 323).

8 - مثلا في خلافته؛ نفی عمر بن الخطاب أبو ذؤيب وهو رجل من بني سليم، الانه أجمل الناس وأملحهم، إلى البصرة خوف من ان تفتتن به نساء المدينة (ذكر الحادثة ابن أبي الحديد في شرح النهج، وفي طبقات ابن سعد 3 / 285، وفي تاريخ الطبري 4 / 557، وفي بحار الأنوار - العلامة المجلسي - (ج 31 / ص 24).

9 - المعجم الوسيط (2 / 136) 10 - يقول معجم المناهي اللفظية ومعه فوائد في الألفاظ للشيخ بكر أبو زيد (31 / 56)، في (مجلة مجمع اللغة العربية بمصر) بحثٌ للأستاذ عبدالصبور شاهين بعنوان: ((حول كلمة عقيدة)) استقرأ فيه عدم وجود هذه اللفظة في: الكتاب أو السنة، ولا في أُمهات معاجم اللغة، وأن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها (عقائد) هو القشيري (م سنة 437 ه) في ((الرسالة)) كما في أولها، ومن بعده أبو حامد الغزالي م سنة 505 ه، جاء بمفردها (عقيدة)، وهي: على وزن فِعيلة جمعها: فعائل، مثل: صحيفة وصحائف.

11 - أعلام الدين في صفات المؤمنين (7 / 22) 12 - بحار الأنوار - العلامة المجلسي (1 / 188) 13 - اشارة لقوله تعالى في سورة النحل: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْیاناً لِكُلِّ شَيْءٍ).

14 - النحل - 89 15 - الحديث النبوي (6 / 5) 16 - تفسير الرازي (5 / 149، و (5 / 253)، و(5 / 489) وتفسير اللباب لابن عادل (5 / 214)، وفي جامع لطائف التفسير (21 / 347)، و ایضا جامع

ص: 401

الطائف التفسير (24 / 128) 17 تفسيره ابي الفتوح: ج 3، ص 392، وعن شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني (4 / 65) 18 - المائدة - 3.

19 - الإبانة الكبرى لابن بطة العكبري: (1 / 12) 20 - السنن الكبرى للنسائي (1 / 550) 21 - الروم: 30 22 - قول رسول الله صلى الله عليه واله في حديث الثقلين المتواتر: (خلفت فیکم الثقلين؛ كتب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي... الحيث 23 - يقول شيللير: ((على أن تضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من اجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية فالحكام لا يلجئون الى التضليل الإعلامي - کما يوضح فرير - إلا عندما يبدأ الشعب في الظهور ولو بصورة فجة؛ كإرادة اجتماعية، في مسار العملية التاريخية"، "إما قبل ذلك؛ فلا وجود للتضليل بالمعنى الدقيق للكلمة، بل نجد بالأحرى قمعا شاملا، ذا لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين، عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع)). يراجع النص في شيللير، أ، هربرت، "المتلاعبون بالعقول"، سلسلة عالم المعرفة، العدد)106)، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، تشرین الأول 1986، ص 5.

24 - John Curley,”The Future of the America Capitalism”, Quarter ly Review of Economics and Business.

25 - تصنيف نهج البلاغة : ج: 1، ص: 661، لبيب بیضون. وشرح نهج البلاغة -

ص: 402

ابن ابي الحديد (236 / 4)، نهج البلاغه - خطبه (31 / 10) الخطبة التي خطبها عليه السلام بصفين.

26 - نهج البلاغة: الخطبة: 216. وايضا راجع الكافي: 8 / 352 / 550.

27 - يتباهى معاوية واحفاده بملاك سياستهم الظلم: جاء في سير أعلام النبلاء: 3 / 146 / 25، البداية والنهاية: 8 / 131؛ کشف الغمّة: 2 / 167. و مقاتل الطالبيين (ص 70) وإرشاد المفيد (ص 191) وشرح ابن أبي الحديد (16 / 46) وبلفظ آخر في النصائح الكافية (ص 149)، وفي دراسات في الكافي للكليني والصحيح للبخاري - (ج 12 / ص 11): قال معاوية في النخيلة بعد صلحه مع الحسن مباشرة: (إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك. وانما قاتلتكم لاتأمر عليکم وقد اعطاني الله ذلك وانتم کارهون) فقتاله للحسن عليه السلام وازهاق الآلاف الارواح لم يكن من اجل العدل بل الامرة والتامر. وهذا الخليفة الأموي الوليد بن يزيد وفي نفس الملاك يتباهی بغايته الظلم ایضا:

ينشد الوليد بن يزيد:

فدع عنك ادکارك آل سعدی *** فنحن الأكثرون حصى ومالا ونحن المالكون الناس قسرا *** نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا *** وما نألوهم إلا خبالا (انظر: ابن أبي الحديد عز الدين عبد الحميد المعتزلي (شرح نهج البلاغة) مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1، بیروت - 1990 م، ج 2، ص 85 - 86).

28 - انظر مصادر حديث سيدتنا فاطمة هذا في:

1 - كتاب البيع للإمام الخميني، ج 2، ص 110 - طبعة النجف عام 1385.

ص: 403

2 - الموسوعة الفقهية الميسرة ج 1 - الشيخ محمد علي الأنصاري.

3 - دلائل الإمامة - محمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص 113، 4 - السقيفة وفدك - الجوهري: ص 141، 5 - الاحتجاج ج 1 - الشيخ الطبرسي: ص 134، 6 - بحار الأنوار ج 29 - العلامة المجلسي: ص 223، 7 - مواقف الشيعة ج 1 - الأحمدي الميانجي: ص 460 7 - کشف الغمة ج 2 - ابن أبي الفتح الإربلي: ص 110، 8 - اللمعة البيضاء - التبريزي الأنصاري: ص 527، 9 - الأنوار العلوية - الشيخ جعفر النقدي: ص 295، 10 - مجمع النورين - الشيخ أبو الحسن المرندي: ص 128، 11 - صحيفة الزهراء (عليه السلام) - جمع الشيخ جواد القيومي: ص 222، 12 - مجمع البحرین ج 4 - الشيخ الطريحي: ص 232، * (خطبة الزهراء عليها السلام)، نقلا عن عبد الله بن الحسن باسناده عن آبائه، قال: أنه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكا و بلغها ذلك الاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها وأقبلت في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (ص (حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة فجلست ثم أنت أنَةً أجهش القوم لها بالبكاء فأرتج المجلس ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم. افتتحت الكلام بحمد الله و الثناء عليه والصلاة على رسوله فعاد القوم في بكائهم فلما أمسكوا عادت في كلامها:

29 - عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: «نَحْنُ حُجج الله على خلقه،

ص: 404

وجّدتنا فاطمة عليها السلام حُجّة الله علينا».

30 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (معاني الأخبار)، مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط1 (1361 ه). ص: 132.

31 - في ظلال نهج البلاغة - ج: 1: ص: 197.

32 - نهج البلاغة : الخطبة: 44.

33 - نهج البلاغة: الكتاب 53، تحف العقول: 132) وفيه «في في ء اللهَّ» بدل «في اللهَّ» وراجع دعائم الإسلام: 3571.

34 - نهج البلاغة: الكتاب 26.

35 - الغارات: 1 / 337، بحارالأنوار: 33 / 607 / 628.

36 - لنظر في نهج البلاغة - رقم الخطبة : 127 37 - عهد الامام عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه.

38 - المستدرك على الصحيحين للحاكم (10 / 377)، المسند الجامع (5 / 200)، أخرجه عَبْدِ الله بن أحمد 1 / 118 (952)، و أخرجه أحمد 4 / 371 (19528)، وأخرجه ابن أبي شيبة (6 / 133، رقم 30081)، وابن سعد (2 / 194)، وأحمد (3 / 17، رقم 11147)، وأبو يعلى: (2 / 297، رقم 1021). و أخرجه الترمذی (5 / 663، رقم 3788)، وقال : حسن غريب. و أخرجه الطبرانی (5 / 166، رقم 4971).

39 - التوبة - 49.

40 - آل عمران - 85.

41 - المائدة - 50.

42 - التوبة - 128.

ص: 405

43 - وردت مصادر حديث سيدتنا الزهراء هذا في الصفحات السابقة.

44 - عن سلمان، ومن أبي ذر، ومن المقداد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من مات وليس له امام، مات ميتة جاهلية. ثم عرضه على جابر وابن عباس، فقالا: صدقوا وبروا، وقد شهدنا ذلك وسمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وان سلمان قال: يا رسول الله انك قلت: من مات وليس له إمام، مات ميتة جاهلية، من هذا الامام یا رسول الله؟ قال: من أوصيائي، یا سلمان، فمن مات من امتي وليس له إمام منهم يعرفه فهي ميتة جاهلية، فان جهله وعاداه، فهو مشترك، وان جهله ولم يعاده ولم يوال له عدوا فهو جاهل وليس بمشرك ((رواه الصدوق في الاکمال (ص 431). السنن الكبرى للبيهقي (8 / 157)، الإبانة الكبرى لابن بطة (1 / 149)، والجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (2 / 219)،، أخرجه مسلم (3 / 1478، رقم 1851). وأخرجه أيضًا: أبو عوانة (4 / 415، رقم 7153)، والبيهقي (8 / 156، رقم 16389).

45 - الأنعام - 90.

46 - النساء - 64.

47 - النساء - 59.

48 - البقرة: 30 49 - تفسير الألوسي (ج: 11 ص: 484).

50 - البقرة: 132 51 - النحل: 116 52 - القصص: 68 53 - آل عمران: 33، 34

ص: 406

54 - الحج: 75 55 - القصص: 68 56 - الأحزاب: 36 57 - البقرة: 124 58 - سمى عمر بن الخطاب بيعة أبي بكر يوم السقيفة بانها فلتة (صحيح البخاري - (ج 6 / ص 2003). و جامع الأحاديث - (ج 26 / ص 227)، والجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم - (ج 1 / ص 28.

59 - الترف، هو الاستكبار في النفوس ورفع شعار ابلیس ضد ادم عليه السلام من قبل المترفين على ابناء جلدتهم البشر (انا خير منه)، ويتجسد معنى الترف؛ بالتمتع بوافر الوقت والمال والقوة والسلطان دون الشعور بأي قدر من المسؤولية اتجاه الناس المحتاجين من هذه الوافرات، لذا فالله تعالى يسمي الترف جريمة والمترفين مجرمين.. قال تعالى: (فلولا كان من القرون من قبلكم اولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض الا قليلا من انجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمین) (هود - 116) ولقد كان الترف والاستكبار سببا في تدمير کثیر من القرى من المجرمين على مر التاريخ، قال تعالى: واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (الإسراء - 16) وكان المترفون اخبث والد اعداء الانبياء والرسل والائمة المعصومين عليهم السلام، فهم كفرة او منافقون يسفهون الرسل والانبياء والأئمة عليهم السلام ويصدون الناس عن الهدى.. قال الله تعالى: (وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة واترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم ياكل مما تاكلون منه ويشرب مما تشربون) (المؤمنون - 33) في الواقع؛ المترفون كفار الا ان يضطروا

ص: 407

للنفاق کما هي حال معاوية مع الحسن عليه السلام قال الله تعالى: وما ارسلنا في قرية من نذير الا قال مترفوها انا بما ارسلتم به کافرون (سورة سبأ - 34) ويشخصهم تعالى انهم يمجدون القومية ويتعنصرون لقومهم ليس لشيء، الا لأن فيها عودة الى عناصر متوافراتهم القوة والمال والسلطة والجاه.. قال تعالى مخاطبا نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله: (وكذلك ما ارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها انا وجدنا آباءنا على امة وانا على اثارهم مقتدون (الزخرف - 23).

60 - الاستلاب؛ هو شعور من اللاوعي يسيطر على المرء ويشكل عاملا في توجيه احكامه العقلية.

61 - لقمان - 13.

62 - قال الله تعالى في الإملاء للمترفين: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّماَ نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ(*) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلىَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلىَ الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهُ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران / 178، 179] 63 - قال تعالى في الاملاء والاستدراج: وَالَّذِینَ کَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِ جُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (*) وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف/ 182، 183] 64 - مشكاة الأنوار - (ج 1 / ص 141)، 65 - جامع الأخبار - (ج 23 / ص 12) 66 - تحف العقول - (ج : 1: ص: 95)، و سفينة البحار: ج 78 / 320.

67 - (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (*) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا

ص: 408

مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (*) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (*) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (*) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (*) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ(*)) [ص: 59 - 64] 68 - سورة الرعد - 11 69 - جامع الاصول ج 10 ص 409 وتراه في مشكاة المصابیح ص / 320. العَضوض: البِئْر البعيدة القعر (المجلسي: 8 / 323).

70 - أخرجه الطيالسي (ص 289، رقم 2178)، وأحمد (3 / 84، رقم 11817)، والبخاری (3 / 1274، رقم 3269)، ومسلم (4 / 2054، رقم 2669)، وابن حبان (15 / 95، رقم 6703).

71 - المستدرك للحاکم 4 / 478 وصححه.

72 - المستدرك للحاكم، 4 / 479 وکنز العمال، 9 / 39 واخرجه ابن عساکر کما روی صاحب الكنز 73 - الاصابه لابن حجر، 1 / 353 و السيوطي في الجامع الكبير 6 / 39، 1354 ,91 74 - کنز العمال 6 / 91.

75 - خالد محمد خالد، (ابناء الرسول في كربلاء) المقطم للنشر والتوزيع، القاهرة - 1995: ص: 36.

76 - الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: دلائل النبوة ص 481 (دار الباز - مكة المكرمة 1977 م).

77 - سنن أبي داود 2 / 515 (ط الحلبي - القاهرة 1371 ه / 1952 م). 78 - انظر: سنن أبي داود 4 / 210 ح 4646 و 4647، سنن الترمذي 4 / 436

ص: 409

ح 2226، السنن الکبری للنسائي - 5 / 47 ح 8155، مسند أحمد 5 / 221، مسند أبي يعلى 2 / 177 ح 873، المعجم الكبير 1 / 55 ح 13 و ص 89 ح 136 وج 7 / 83 - 84 ح 6442 - 6444، مشکل الآثار 4 / 215 ح 3657، المستدرك على الصحيحين 3 / 75 ح 4438 و ص 156 ح 4697، تخریج أحاديث العقائد النسفية - للسيوطي -: 231.

79 - القصص: 68 80 - الحج: 75 81 - انظر مصادر حديث سيدتنا فاطمة هذا في:

1 - كتاب البيع للإمام الخميني، ج 2، ص 110 - طبعة النجف عام 1385.

2 - الموسوعة الفقهية الميسرة ج 1 - الشيخ محمد علي الأنصاري.

3 - دلائل الإمامة - محمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص 113، 4 - السقيفة وفدك - الجوهري: ص 141، 5 - الاحتجاج ج 1 - الشيخ الطبرسي: ص 134، 6 - بحار الأنوار ج 29 - العلامة ألمجلسي: ص 223، 7 - مواقف الشيعة ج 1 - الأحمدي الميانجي: ص 460، 7 - کشف الغمة ج 2 - ابن أبي الفتح الإربلي: ص 110، 8 - اللمعة البيضاء - التبريزي الأنصاري: ص 527، 9 - الأنوار العلوية - الشيخ جعفر النقدي: ص 295، 10 - مجمع النورين - الشيخ أبو الحسن المرندي: ص 128، 11 - صحيفة الزهراء (عليه السلام) - جمع الشيخ جواد القيومي: ص 222،

ص: 410

12- مجمع البحرین ج 4 - الشيخ الطريحي: ص 232، * (خطبة الزهراء عليها السلام)، نقلا عن عبد الله بن الحسن باسناده عن آبائه، قال: أنه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة عليها السلام فدكا و بلغها ذلك الاثت خمارها على رأسها و اشتملت بجلبابها وأقبلت في المني من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (ص (حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم فنيطت دونها ملاءة فجلست ثم أنَت أنةً أجهش القوم لها بالبكاء فأرتج المجلس ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم. افتتحت الكلام بحمد الله و الثناء عليه والصلاة على رسوله فعاد القوم في بكائهم فلما أمسكوا عادت في كلامها: 82 - (الخطبة 181، 330) وقال (عليه السلام) في معرض حديثه عن معصية ابلیس: کلاّ ما كان اللهّ سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا. إنّ حكمه في أهل السّماء و أهل الأرض لواحد.

83 - النساء - 59.

84 - الحسبة في اللغة: هي من العد والحساب، وتأتي بمعنى طلب الأجر والمثوبة من الله عز وجل. أما في الإصطلاح فقد عرفها جمهور الفقهاء بأنها: ولاية دينية حماية للدين من الضياع، و تحقيقا لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقا لشرع الله تعالى.

85 - نهج البلاغة ج 3، ص: 98.

86 - تغابیت أي تغافلت عن عيب في كتابك كان ذلك العيب لاصقا بك 87 - نهج البلاغة ج 3 ص: 98 - 99.

88 - نهج البلاغة، ج 4 ص: 283.

ص: 411

89 - النساء - 105.

90 - يقرأ المزيد من الاطلاع على هذه الشواهد: الميرزا النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة.

91 - التوبة - 122.

92 - بحار الأنوار - العلامة المجلسي قدس سره (53 / 181) 93 - الاحتجاج للطبرسي ج 2 / ص: 543.

94 - الاحتجاج للطبرسي: ج 2 / ص/ 510 - 512 / ح 337 95 - الصراط المستقيم للبيضاني: ج 3: ص: 56 99 - الاحتجاج للطبرسي: ج 2: ص: 159: ح: 192 97 - الكافي: 8 / 355 / 550 عن جابر عن الإمام الباقر (علیه السلام)، نهج البلاغة: الخطبة 216 وفيه «التقيّة» بدل «البقيّة».

ص: 412

المصادر:

1 - القران الكريم.

2 - نهج البلاغة.

3 - الرازي؛ منتجب الدين علي بن عبيد الله بن بابویه (الاربعون حدیثا عن أربعين شیخا، من أربعين صحابیا)، مؤسسة الامام المهدي عليه السلام؛ الطبعة الأولى؛ مطبعة: أمير، قم المقدسة. 1408 ه. ق.

4 - الخوارزمي؛ محمّد بن أحمد المؤيّد، (مقتل الحسين (عليه السلام))، ط 1. انوار الهدی - قم المقدسة، ایران.

5 - الطبراني؛ سليمان بن أحمد الطبراني أبو القاسم، (معجم الطبراني الكبير)، تحقيق؛ حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، مصر.

6 - النَّبهانيِّ؛ یوسف بن إسماعيل (الشَّرف المؤبَّد لآل محمَّد صلى الله عليه)، (ط 1. مصر).

7 - الحضرمي؛ ابی بکر شهاب الدين العلوي، (رشفة الصادی من بحر فضائل بنی النبي الهادی) تحقیق علي عاشور (ط 1. القاهرة دار الكتب العلمية - 1998.

8 - الزرندي؛ محمد بن يوسف الحنفي، (نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين)، ط 1، دار احیاء التراث، بیروت - 2004 - م.

9 - الجاحظ: عمرو بن بحر (البيان والتبيين) تحقيق؛ عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، ط 7، مصر- 1998 م - 1414 ه، 10 - ابن حسنویه، جمال الدين؛ (در بحر المناقب) (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري).

ص: 413

11 - ألتستري؛ نور الله الحسيني المرعشي (إحقاق الحق وإزهاق الباطل)، نشر مكتبة اية الله المرعشي ألنجفي، قم المقدسة - إيران.

12 - الذهبي، شمس الدين ابو عبد الله محمد بن احمد بن عثمان بن قایماز (میزان الإعتدال في نقد الرجال)، ط 1. دار الفکر، بیروت.

13 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (علل الشرائع) دار التراث - بیروت، ط 1 (1408 ه).

14 - السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (تاریخ الخلفاء)، (ط. الشريف الرضي. قم المقدسة).

15 - المعجم الكبير للطبراني، ط 2. دار احیاء التراث العربي.

16 - المناقب المرتضوية للحنفي الترمذي، (ط. بمبئي)، (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري).

17 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الخصال) تحقيق علي أكبر غفاري، مؤسسة الأعلمي - بيروت، ط 1، (1410 ه).

18 - الديلمي؛ شیرویه بن شهردار بن شیرویه بن فناخسرو، أبو شجاع الديلميّ الهمذاني (فردوس الاخبار)، (على ما في مناهج الفاضلين للحمويني: (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري):

19 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، (ثواب الأعمال وعقاب الأعمال)، تحقیق علي اكبر الغفاري، مكتبة الصدوق - طهران.

20 - ابن أبي شيبة؛ أبي بكر عبد الله بن محمد العبسي، (المصنف في الأحاديث والاخبار)، ط. دار الفكر، بیروت لبنان.

21 - الدمشقي؛ احمد بن يوسف (اخبار الدول وآثار الاول) (ط. بغداد)، (عنه

ص: 414

احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري).

22 - المالكي؛ المكي المشهور بابن الصباغ بن محمد بن احمد (الفصول المهمة في معرفة احوال الأئمة)، ط 2، طبع دار الأضواء بيروت - 1988م.

23 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (أمالي الصدوق)، مؤسسة الأعلمي - بيروت، طه، (1400 ه) 24 - ابن الأثير؛ أبو الحسن عز الدين علي بن أبي الكرم (أسد الغابة في معرفة الصحابة) تحقیق على محمد معوض وعادل احمد، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى (1415 ه).

25 - التميمي، عبد الواحد لامدي (غرر الحکم و درر الكلم) تحقیق، میر سید جلال الدين محدث الأرجوي - جامعة طهران، ط 3 (1360 ه).

26- كفاية الطلب للگنجي الشافعي: 318 (ط 3. دار احياء تراث اهل البيت (عليه السلام)).

27 - الكشف والبيان للثعلبي (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري ) 9 / 137 28 - اسد الغابة للجزري: 4 / 101 (ط. دار احیاء التراث العربي).

29 - مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 137 ح 14640 (ط. دار الفكر - بيروت).

30 - الشجري؛ الجرجاني، يحيى (المرشد بالله) بن الحسين (الموفق) بن إسماعیل بن زيد الحسني) ترتيب الأمالي الخميسية، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - 1422 ه - 2001 م.

31 - الطوسي؛ أبو جعفر محمد بن الحسن (أمالي الطوسي) تحقیق مؤسسو البعثة، دار الثقافة - قم، ط 1 (1414 ه).

ص: 415

32 - ارجح المطالب للامرتسري، (ط. لاهور) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري: 6 / 251).

34 - نشر العلمين للسيوطي، ط. حیدر آباد الدكن، (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري: 13 / 266).

35 - الشهيد الأول، أبو عبد الله محمد بن مكي العاملي الجزيني (الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة) تحقیق داود الصابري مشهد ط 1، (1365 ه).

36 - البيان والتبيين: 2 / 30 (ط 2. دار ومكتبة الهلال، بیروت) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري): 9 / 476.

37 - الشامي، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (الترغيب والترهيب من الحديث الشریف) تحقيق مصطفی محمد عمارة، دار إحياء التراث - بيروت، ط 3، (1388 ه).

38 - التذكرة لابن الجوزي: 374 (ط. الغري) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري: 12 / 454).

39 - اهل البيت لتوفيق أبو علم: ص 115 (ط. السعادة بالقاهرة) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري):

19 / 4.

40 - مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: ص 101 ح 25 (ط 1. انوار الهدى قم المقدسة).

41 - الشافعي، کمال الدین محمد بن طلحة، (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول) النسخة المخطوطة في مكتبة آية الله المرعشي - قم.

42 - ابن کثیر الدمشقي؛ اسماعیل بن عمر القرشي، (البداية والنهاية)، ط. دار عالم الكتب، بیروت - 1424 ه - 2003 م.

ص: 416

43 - الطبرسي؛ أبو علي الفضل (مشكاة الأنوار في غرر الأخيار)، دار الكتب الإسلامية - طهران ط 1 (1385 ه).

44 - الشريف الرضي، أبو الحسن محمد أبو الحسين بن موسى الموسوي (نهج البلاغة) تحقيق كاظم المحمدي و محمد الدمشقي - انتشارات الإمام علي (عليه السلام) - قم، الطبعة الثانية (1369 ه).

45 - جوامع السياسة الالهية لابن تيمية، (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري: 8 / )546).

46 - الشريف الرضي، أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي (المجازات النبوية) تحقيق طه محمد الزيني - مكتبة بصيرتي - قم.

47 - السيوطي؛ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (الدر المنثور في التفسير المأثور)، دار الفكر - بيروت ط 1 / 1414 ه).

48 - السبزواري؛ محمد بن محمد الشعيري (جامع الأخبار) أو معارج اليقين في أصول الدين، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليه السلام) - قم ط 1 (1413 ه).

49 - البيهقي؛ أبو بکر احمد بن الحسين بن علي (السنن الكبرى) تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 (1414 ه).

50 - الرضا؛ علي بن موسی (علیه السلام)، (فقه الرضا، المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام))، تحقيق مؤسسة أهل البيت (عليه السلام) المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام) - مشهد ط 1، (1406 ه).

51 - الطوسي؛ أبو جعفر محمد بن الحين (اختیار معرفة الرجال - رجال الكشي)، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مؤسسة أهل البيت (عليه السلام) - قم، ط 1،

ص: 417

(1404 ه).

52 - الطبرسي؛ أبو علي الفضل بن الحسن (مجمع البيان في تفسير القرآن)، تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي، وفضل الله اليزدي الطبطبائي، دار المعرفة - بيروت، ط 2، (1908 ه).

53 - الراوندي؛ قطب الدين، أبو الحسين عيد بن عبد الله (قصص الأنبياء) تحقیق غلام رضا عرفانیان - مشهد، (1309 ه).

54 - الراوندي؛ قطب الدين أبو الحسين سعيد بن عبد الله (الدعوات)، تحقيق و نشر مؤسسة المهدي (عج) ط 1 (1407 ه).

55 - الراوندي، قطب الدين أبو الحسين سعيد بن عبد الله (الخرائج والجرائح) تحقیق ونشر، مؤسسة الإمام المهدي (عج) - قم ط 1 (1409 ه).

56 - الراوندي، فضل الله بن علي الحسيني (نوادر الرواندي)، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، ط 1، (1370 ه).

57 - الثعلبي؛ أحمد أبو إسحاق الثعلبي، (الكشف والبيان (تفسير الثعلبي))، دار إحياء التراث العربي سنة النشر: 1422 - 2002.

58 - الديلمي، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن (أعلام الدين في صفات المؤمنين) تحقيق ونشر، مؤسسة ل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) - قم ط 2 (1414 59 - الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي (ط. مصطفى محمد بمصر) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري):

60 - ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، (سنن ابن ماجة) تحقیق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث - بیروت، ط 1 (1414 ه).

61 - الحويزي، عبد علي بن جمعة العروسي، (تفسیر نور الثقلين) تحقيق السيد هاشم

ص: 418

الرسولي المحلاتي، المطبعة العلمية، قم.

62 - الحلي؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إدريس (النوادر مستطرفات السرائر)، تحقیق نشر، مؤسسة الإمام المهدي (عج) - قم ط 1 (1908 ه).

63 - الحلي؛ أبو جعفر محمد بن منصور بن احمد بن إدريس (السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي) تحقيق نشر مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط 2 (1410 ه).

64 - الطبرسي؛ أبو علي الفضل بن الحسن (أعلام الوری بأعلام الهدی) تحقیق علي أكبر الغفاري، دار المعرفة - بيروت، ط 1 (1399 ه).

65 - الطريحي؛ فخر الدين (مجمع البحرین) تحقیق احمد الحسيني، مكتبة نشر الثقافة الإسلامية - طهران، ط 2، (1408 ه).

66 - الحر العاملي؛ محمد بن الحسن، (وسائل الشيعة) طبع بیروت - 1391 ه 67 - ابن قتيبة؛ أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري، (عيون الأخبار)، ط. دار الكتب المصرية، (تصویر: دار الكتاب العربي (سنة النشر - 1363 ه.

68 - التميمي، عبد الواحد لامدي (غرر الحکم و درر الكلم) تحقیق، میر سید جلال الدين محدث الأرجوي - جامعة طهران، ط 3 (1360 ه).

69 - البيهقي؛ أبو بکر احمد بن الحسين (شعب الإيمان) تحقيق أبو هاجر محمد العبد ابن بسيني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 (1410 ه).

70 - البيهقي؛ أبو بکر احمد بن الحسين بن علي (السنن الکبری) تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 (1414 ه).

71 - النسائي ؛ ابو عبد الرحمن احمد بن شعيب، (خصائص امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه) طُبع بمطبعة التقدّم بجوار القطب الدردير - بمصر - سنة 1319 ه. الناشر في إيران؛ (منشورات مكتبة الصدر - طهران (أُوفسيت)).

ص: 419

72 - البرقي، أبو جعفر احمد بن محمد بن خالد (المحاسن) تحقيق مهدي الرجائي، المجمع أبو بكر أحمد بن علي (تاریخ بغدادا مدينة السلام) المكتبة السلفية، المدينة المنورة.

73 - الانطاكي، محمد مرعي امين، (لماذا اخترت مذهب اهل البيت عليهم السلام)، ط، مؤسسة تحقيقات و نشر معارف اهل البيت عليهم السلام، ایران.

74 - الأبشيهي؛ شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح، (المستطرف في كل فن مستظرف دار، ط 2، الكتب العلمية، بيروت - 1986.

75 - ابن حجر العسقلاني، (لسان الميزان)، طبع. حیدر آباد (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري) 76 - ابن عساكر الدمشقي، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله (تاریخ دمشق) تحقیق علي البشري، دارا لفكر - بيروت ط 1 (1415 ه).

77 - أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (تاريخ اليعقوبي) دار صادر - بيروت - ب.ت.

78 - الخوارزمي؛ الموفق بن احمد بن محمد المكي (المناقب) تحقیق: مالك المحمودي الناشر: مؤسسة النشر الاسلامية الطبعة: الثانية، قم المقدسة - 1411 ه.

79 - أبو حنيفة، النعمان بن محمد بن منصور بن احمد بن حيون التميمي المغربي (دعائم الإسلام وذكر الحلال والحرام القضايا والأحكام) دار المعارف - مصر، ط 2، (1389 ه).

80 - الطبرسي؛ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (الاحتجاج على أصل اللجاج)، تحقيق إبراهيم البهادري ومحمد هادي، دار الأسوة - طهران، الطبعة الأولى (1413 ه).

ص: 420

81 - ابن هلال الثقفي، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد (الغارات) تحقیق جلال الدین المحدث - طهران ط 1 (1395).

82 - ابن منظور؛ أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم، (لسان العرب) دار صادر، سنة النشر: 2003 م.

83 - ابن همام، أبو علي محمد بن همام الإسكافي (التمحيص) تحقيق نشر مدرسة الإمام المهدي (عج) - قم، ط 1 (1404 ه).

84 - ابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري (سيرة ابن هشام (السيرة النبوية))، تحقيق مصطفی سقا إبراهيم الأنباري، مكتبة المصطفى - قم ط 1 (1355 ه).

85 - ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم (لسان العرب) دار صادر - بيروت - ط 1 (1410 ه).

86 - الدهلوي أمان الله . (تجهيز الجيش) (مخطوط)، (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري: 5 / 56.).

87 - ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن یزید القزويني، (سنن ابن ماجة) تحقیق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث - بيروت، ط 1 (1414 ه).

88 - ابن کثیر، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر البصري الدمشقي (نهاية البداية والنهاية في الفتن والملاحم) تحقيق الشيخ محمد فهيم أبو عبيه، مكتب النصر الحديث، الرياض، ط 1 (1998 م).

89 - السيوطي؛ ابو الفضل جلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر، (الخصائص الكبری)، نشر وتوزيع دار الکتب العلمية، بيروت، لبنان - 1405 ه - 1985 م.

90 - ابن المغازلي؛ علي بن محمد بن الطيب بن أبي يعلى، (مناقب امير المؤمنين علي بن

ص: 421

ابي طالب)، طبع دار مكتبة الحياة بيروت لبنان.

91 - ابن عساكر الدمشقي، علي بن الحسين بن هبة الله (تاریخ دمشق) ترجمة الإمام علي) تحقیق محمد باقر المحمودي، دار التعارف - بيروت ط 1 (1395 ه).

92 - ابن عساكر الدمشقي، أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله (تاریخ دمشق) تحقیق علي البشري، دارالفکر - بیروت ط 1 (1415 ه).

93 - ابن طاووس، أبو القاسم علي بن موسى الحلي (مهج الدعوات ومنهج العبادات)، دائرة الذخائر - قم، ط 1 (1406 ه).

94 - ابن الرازي؛ أبو محمد جعفر بن احمد بن علي القمي (جامع الأحاديث) تحقیق السيد محمد الحسيني النيسابوري، الحضرة الرضوية المقدسة - مشهد، ط 1 (1413 ه).

95 - الطرابلسي؛ أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (کنز الفوائد) إعداد عبد الله نعمة، دار الذخائر - قم ط1، (1410 ه).

96 - ابن طاووس، أبو القاسم علي بن موسی الحلي (الملاحم والفتن)، مؤسسة الأعلمي- بيروت، ط 1، (1408 ه).

97 - إبن حمویه؛ إبراهيم بن محمد بن أبي بكر (درر السمطين) (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري:

4 / 93).

98 - ابن طاووس الحسيني، أبو القاسم رضي الدين علي (کشف المحجة لثمرة المهجة) تحقيق محمد الحوت - مكتبة الإعلام الإسلامي - قم - ط 1 (1412 ه).

99 - ابن طاووس، أبو القاسم علي بن موسی الحلي (فتح الأبواب) تحقیق حامد الخفاف مؤسسة أهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) - قم، ط 1 (1409 ه).

100 - ابن طاووس؛ أبو القاسم علي بن موسى الحلي (سعد السعود)، مكتبة

ص: 422

الرضي - قم، ط 1 (1363 ه).

101 - البغدادي؛ الحافظ ابو بکر، (تاریخ بغداد)؛ (ط. دار الكتب العلمية بیروت)، 102 - ابن طاووس؛ أبو القاسم علي بن موسی الحلي (الدروع الواقية) تحقیق نشر مؤسسة آل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) - قم ط 1 (1414 ه) 103 - الخلوتي؛ الجراحي المردي حسام الدين، (آل محمد) نسخة من مكتبة السيد الاشكوري بقم. (آل محمّد کتاب جمع فيه المؤلف (2337) حديثا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وفي آله عليهم السلام، وهناك نسخة مصوّرة عن نسخة الأصل بخط المؤلّف، وهو كتاب كبير. طبعته مكتبة المفيد في بيروت سنة 1415).

104 - ابن طاووس؛ أبو القاسم علي بن موسی الحلي (إقبال الأعمال) تحقیق جواد القيومي مكتب الإعلام الإسلامي - قم، ط 1 (1414 ه).

105- ابن عساکر؛ ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي، (تاريخ مدينة دمشق) تحقیق عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر - 1415 ه.

106 - الاهوازي؛ أبو محمد الحسين بن سعيد الكوفي (الزهد)، تحقيق غلام رضا عرفانیان - قم، ط 2 (1402 ه).

107 - الشافعي؛ المقدسي شهاب الدين ابو محمد عبد الرحمن بن اسماعیل بن ابراهيم، (عقد الدرر في اخبار المنتظر)، ط 1. انتشارات مسجد جمکران، قم المقدسة، ایران.

108 - الأميني؛ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه التبريزي (کامل الزیارات) المطبعة الرضوية، النجف الأشرف، ط 1 (1359 ه).

109 - الأصبهاني، محمد باقر الخوانساري (روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات) إعداد أسد الله إسماعیلیان - قم، ط 1 (1390).

ص: 423

110 - الأصبهاني؛ أبو نعيم، أحمد بن عبد الله (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) دار الكتاب العربي - بيروت، ط 2 (1387 ه).

111 - الطباطبائي؛ محمد حسين (الميزان في تفسير القرآن) إسماعیلیان - قم - ط 2 (1393 ه).

112- ابن أبي الحديد عز الدين عبد الحميد بن محمد المعتزلي (شرح نهج البلاغة) تحقیق؛ محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث - بيروت - ط 2 (1387 ه).

113 - الأسدي؛ أبو العباس أحمد بن محمد بن فهد الحلي (عدة الداعي ونجاة الساعي)، أحمد موحدي، مكتبة وحداني - طهران.

114 - ابن شهر آشوب؛ المازندراني، رشيد الدين محمد بن علي (مناقب آل أبي طالب) المطبعة العلمية - قم.

115 - ابن شعبة؛ أبو محمد الحسن بن علي الحراني (تحف العقول عن آل الرسول)، تحقیق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط 2 (1909 ه).

116 - ابن فرخ؛ أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار القمي، (بصائر الدرجات)، مكتبة آية الله المرعشي - قم، ط 1 / (1404 ه).

117 - ابن الرازي؛ أبو محمد جعفر بن احمد بن علي القمي (جامع الأحادیث) تحقيق السيد محمد الحسيني النيسابوري، الحضرة الرضوية المقدسة - مشهد، ط 1 (1413 ه).

118 - ابن الأشعث؛ أبو الحسن محمد بن محمد الكوفي (الجعفريات) أو (الأشعثيات)، مكتبة نینوی - طهران - طبع في ضمن قرب الإسناد.

119 - الهيثمی؛ ابو الحسن علي بن أبي بكر بن سلیمان نور الدين (مجمع الفوائد ومنبع الزوائد)، طبع دار المامون للتراث

ص: 424

120 - ابن أبي فراس، ورام أبو الحسين (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر)، دار التعارف ودار صعب، بيروت.

121 - احمد بن حنبل، (فضائل الصحابة)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، طبع جامعة أم القرى، السعودية - 1402 ه - 1983 م.

122 - الجزري؛ مجد الدين الشيباني الموصلي، (المختار من مناقب الاخیار)، دار زايد للنشر والتوزيع.

124 - المختار لمجد الدين الجزري، (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري).

124 - ابن أبي الحديد عز الدين عبد الحميد بن محمد المعتزلي (شرح نهج البلاغة) تحقیق، محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث - بيروت - ط 2 (1387 ه).

125 - المناقب المرتضوية للمولى محمد صالح الكشفي الحنفي الترمذي: (ط. بمبئي) عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري): 5 / 7.

126 - ابن أبي جمهور؛ محمد بن علي إبراهيم الإحسائي (عوالي اللآلي العزيزية في الأحاديث الدينية)، تحقيق مجتبى العراقي، مطبعة سيد الشهداء (عليه السلام) - قم - ط 1 (1403 ه) 127 - الصدوق؛ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (معاني الأخبار) تحقیق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي - قم، ط 1 (1361 ه).

128 - ابنا بسطام النيسابوريان (طب الأئمة (عليه السلام)) تحقیق محسن عقيل، دار المحجة البيضاء - بيروت ط 1 (1414 ه) 129 - حمادي؛ عمار: (الأسس الثقافية للغرب؛ جولة في مراحل تكون الثقافة الغربية) ط 1، دار الهادي، بيروت - 1425 ه، 1 - الآلوسي، أبو الفضل 130 شهاب

ص: 425

الدين السيد محمود (روح المعاني في تفسير القرآن) دار إحياء التراث - بيروت - ط (1405 ه).

130 - النعماني؛ أبو عبد الله محمد بن إبراهيم (الغيبة) تحقیق، علي أكبر الغفاري مكتبة الصدوق -طهران.

131 - النسائي؛ أبو عبد الله أحمد بن شعیب (سنن النسائي) دار المعرفة - بيروت - ط 3، (1414 ه).

132 - الذّهبي؛ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (سير أعلام النبلاء)، بیروت - مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة - 1413 ه 133 - الأصفهاني؛ الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله، (حلية الاولياء وطبقات الاصفیاء)، بيروت - دار الكتب العلمية.

134 - الحسكاني؛ عبد الله بن عبد الله بن أحمد المعروف (شواهد التنزيل لقواعد التفضيل) مجمع إحياء الثقافة الاسلامية الطبعة الأولى 1411 ه 135 - الحرّاني؛ أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحلبي (تحف العقول عن آل الرسول)، طبع إيران 1379 ه.

136 - البخدشي؛ الميرزا محمد بن رستم بن قباد الحارثي (مفتاح النجا في مناقب آل العبا) (مخطوط) (عنه احقاق الحق وازهاق الباطل للتستري) (النسخة الاصلية مصنفة في لاهور عام 1124 ه).

137 - النووي؛ يحي بن شرف محي الدين أبو زکریا (حلية الأبرار وشعار الأخيار)، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مطبعة الملاح - دمشق - 1391 ه - 1971 م.

138 - الاربلي؛ ابو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح، (کشف الغمة في معرفة الأئمة)،، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان الطبعة: الثانية

ص: 426

- 1985 م.

139 - المتقي؛ الهندي علي بن حسام الدين، (کنز العمال في الأقوال والأفعال) / ط 1، الرسالة، بيروت - 1989 م. 140 - مسلم؛ ابي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (صحیح مسلم) دار الكتب العلمية - بيروت لبنان.

141 - ابن ماجة: أبي عبد الله محمد بن یزید القوزيني: سنن ابن ماجه دار السلام للتوزيع والنشر - الرياض 142 - ابو داوود، سلیمان بن الاشعث السجستاني؛ (سنن أبي داود) دار الكتب العلمية - لبنان بيروت 143 - النسائي؛ ابو عبد الرحمن احمد بنشعيب بن علي النسائيدار السلام للنشر والتوزيع - الرياض.

144 - احمد بن حنبل ؛ (المسند)، دار الحديث - القاهرة 145 - البخاري؛ ابي عبد الله محمد بن اسماعیل بنابراهيم الجعفي (صحيح البخاري) وهو المسند الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه واله وسنته وايامه - مؤسسة الرسالة ناشرون - الموسوعة الحديثية.

146 - الدار قطني؛ علي بن عمر (سنن الدار قطني) تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.

147 - خالد محمد خالد، ابناء الرسول في كربلاء) دار المقطم للنشر والتوزيع، القاهرة - 1995.

148 - الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: (دلائل النبوة)، دار الباز - مكة المكرمة 1977 م).

ص: 427

ص: 428

ملامح المذهب الاقتصادي الاسلامي في عهد الامام علي (علیه السلام) الى مالك بن الحارث الاشتر (رحمه الله) واليه على مصر أ.م.د. طالب حسین فارس جامعة كربلاء كلية الادارة والاقتصاد / قسم الاقتصاد

اشارة

ص: 429

ص: 430

المقدمة:

تتزايد الحاجة في كل يوم إلى معرفة أدق وأعمق و أصدق للصورة النظرية الكاملة للمذهب الاقتصادي الاسلامي ومن منابعه الاصيلة و الاساسية والمتمثلة بالنصوص الاسلامية ألأم (الكتاب و السنة) ثم النصوص الصادرة في ضوئهما مثل النصوص الواردة عن الامام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة، ومن أشمل النصوص للصورة الاسلامية عن المذهب الاقتصادي الاسلامي التي وردت في نهج البلاغة هو؛ عهد الامام علي ع الى مالك بن الحارث الاشتر واليه على مصر، فقد أحتوى العهد على ملامح لصورة متكاملة للمذهبية الاسلامية في ابعادها الاقتصادية و السياسية والاجتماعية و الاخلاقية و العقائدية وغيرها، وقد صبت في قالب واحد متکامل يعبر عن المخطط الاسلامي العام لبناء المجتمع الصالح، على أسس الرؤية الكونية الاسلامية والغايات العليا تعبر عنها و نظرية العدالة المتولدة منها، ومن أهم ميزات صورة المذهب الاقتصادي الاسلامي التي تضمنها العهد هي أولا: حالة الترابط بين البعد النظري و العملي في صورة واحدة مما يجعل العهد عينة مثالية للنصوص التي تصلح أن تكون مادة متكاملة لأستخلاص المفردات النظرية التي تبني منها عناصر المذهب الاقتصادي الاسلامي، ثانياً: كما أن هنالك ميزة أخرى هي السياق الترابطي بين البعد الاقتصادي مع الابعاد الأخرى مما يسمح لعملية البحث العلمي ممارسة استخلاص الصورة النظرية في عملية تجريد نظري غنية بالجذور المرتبطة بالموضوع قيد البحث و في ذات الوقت تعطي مرونة التعامل حلقات الترابط الضرورية بحكم طبيعة الموضوع وغايات البحث و أهدافه.

ص: 431

مشكلة البحث:

يمكن صياغة مشكلة البحث بالتساؤل العلمي التالي: ما هي ملامح المذهب الاقتصادي الاسلامي في عهد الامام علي ع الى مالك بن الحارث الاشتر واليه على مصر ذلك النص الاسلامي الذي تميز بخصائص المادة العلمية الغنية بالمفردات النظرية اللازمة لتوصيف الملامح الاساسية للمذهب الاقتصادي الاسلامي.

فرضية البحث:

ينطلق البحث من فرضية أساسية تتمثل؛ عهد الامام علي ع الى مالك بن الحارث الاشتر واليه على مصر هو مادة علمية غنية بالمفردات النظرية اللازمة لتوصيف الملامح الاساسية للمذهب الاقتصادي الاسلامي لما تميز به من شمول و تکامل في بناء أستراتيجية المذهبية الاسلامية الشاملة في بناء المجتمع الصالح.

هدف البحث:

يهدف البحث إلى أستخلاص توصيف نظري لملامح المذهب الاقتصادي الاسلامي کما يقدمها عهد الامام علي ع الى مالك بن الحارث الاشتر واليه على مصر بوصفه نص أسلامي غني بملامح هذه الصورة، للوصول أفضل صياغة علمية في توظيف النص قيد البحث في أغناء الرصيد العلمي المتنامي في مجال المذهب الاقتصادي الاسلامي.

منهجية البحث:

يعتمد البحث المنهج التكاملي في البحث العلمي الذي يجمع بين الاستنباط و الاستقراء من خلال تحليل موضوعي للنص في سياق أستقراء المفردات النظرية المستهدفة و توحيدها في دائرة الموضوع قيد البحث ثم نظم المفردات المستخلصة في قالب نظري واحد يمثل الصورة النظرية المستهدفة للمذهب الاقتصادي الاسلامي.

ص: 432

هيكل البحث:

وفقا لمتطلبات الاجابة عن الأسئلة التي تطرحها مشكلة البحث و البرهنة على فرضية البحث تم تقسيم هيكل البحث إلى ثلاثة مباحث؛ أختص الأول بالاطار المنهجي لتوظيف النصوص في البحث العلمي في الفكر الاقتصادي الاسلامي فيما تناول الثاني متضمنات العهد من المفردات البنائية لنظرية العدالة و الفلسفة العامة للمذهب الاقتصادي الاسلامي ثم بحث الثالث متضمنات العهد من مفردات الهيكل النظري للمذهب الاقتصادي الاسلامي.

المبحث الأول: الإطار المنهجي لتوظيف النصوص في البحث العلمي في الفكر الاقتصادي الاسلامي

تمهيد:

في هذا المبحث سنتناول منهجية توظيف النصوص في البحث العلمي في الفكر الاقتصادي الاسلامي من زاوية استكشاف أطار التحليل الملائم لتوظيف مضامين النص قيد البحث في التوصل إلى استخلاص توصيف نظري لملامح المذهب الاقتصادي الاسلامي کما يقدمها عهد الامام علي ع الى مالك بن الحارث الاشتر واليه على مصر بوصفه نص إسلامي غني بملامح هذه الصورة، للوصول أفضل صياغة علمية في توظيف النص قيد البحث في إغناء الرصيد العلمي المتنامي في مجال المذهب الاقتصادي الاسلامي.

ص: 433