نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله المجلد 3

هوية الکتاب

نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الکوفة

ISBN 9789933582395 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1208 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة:

IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم تصنيف BP38.02.M8 N5 2018 LC المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق). العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الأولى. بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم. سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386). سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1). تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - قضائه - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسير. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات. مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر. اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة. اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق). عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 1

اشارة

ISBN 9789933582395 رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1208 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة:

IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم تصنيف BP38.02.M8 N5 2018 LC المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق). العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الأولى. بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم. سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386). سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية: (1). تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الأخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - قضائه - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسير. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات. مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الأشتر. اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة. اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق). عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة المؤتمرات العلمية (1) نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر رحمه الله أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الکوفة لسنة 1438 ه - 2016 م (المحور الإداري والاقتصادي) الجزء الثالث اصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1439 ه - 2018 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف: 07728243600 - 07815016633 الموقع الالكتروني: www.inahj.org الايميل:

Inahj.org@gmail.com تنويه: إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

الحكم الرشيد في إدارة مؤسسات الدولة قراءة على هدي عهد أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)

اشارة

اعداد د. مازن مهدي حبيب العقابي

ص: 5

ص: 6

المصطلحات والمختصرات

المصطلح أو المختصر المعني العهد عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) عامة الناس المواطنين UNDP برنامج الأمم المتحدة الأنمائي المؤسسة الوزارة أو الهيئة أو الشركة أو الدائرة.

E-G Electronic governance Governance- Governance G-G G-C Governance- Citizen G-B Governance -Business

ص: 7

ص: 8

المستخلص

يحاول الباحث أن يببيّن بأن وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) عبارة عن منهجية متكاملة لأدارة شؤون الدولة سواء في ذلك العصر أو عصرنا اليوم عصر المعلوماتية وثورة الاتصالات ووسائل الاعلام المختلفة، ومن خلال اعتماد منهجية الحكم الرشيد في ادارة مؤسسات الدولة، وهذه المنهجية التي تتألف من عناصر ومستويات ومتطلبات أمنية، تعمل اليوم الدول جاهدة من اجل السير بخطى واسعة لتطرح نفسها بأسلوب مختلف الأعتماد وتطبيق منهجية تحاكي منهجية الحكم الرشيد التي أوصى بها أمير المؤمنين الأمام علي (عليه السلام).

ص: 9

الفصل الأول: المبحث الأول - المنهجية

المقدمة:

في العام الثالث عشر من البعثة النبوية الشريفة وفي شهر محرم كان الأيذان بهجرة المسلمين من مكة المكرمة الى يثرب، والموافق للعام 622 م، والذي اعتبر فيما بعد بداية لتقويم عُرِف بالتقويم الهجري، وكانت الغاية من هذه الهجرة هو لنشر الاسلام وتعالميه السمحاء في مجتمع من الممكن ان يتقبل انشاء دولة الحكم الرشيد (الدولة العادلة)، والتي تعتمد تشريعاتها وتطبيقاتها على منهجية واحكام السماء، والذي جسده الرسول الاعظم (صل الله عليه واله وسلم) من خلال المؤاخاة بين المهاجرين والانصار، والشورى في الامر و نشر العدالة والمساواة بين المجتمع في المدينة المنورة فضلاً عن مساعدة الضعفاء، والمعاملات الانسانية حتى في وقت الحرب، ومحاربة الكفار والفاسدين حيث استمرت هذه المنهجية كما يرى العديد من الباحثين لغاية وفاة الرسول (صل الله عليه واله وسلم)، ثم تجددت ظهور هذه المنهجية في ايام حكم الامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام).

عندما اتخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) من مدينة الكوفة عاصمة للدولة الاسلامية حيث سعى لتطبيق منهجية الحكم الرشيد التي جاءت برسالة الاسلام على لسان خاتم الانبياء الرسول الاعظم محمد (صل الله عليه واله وسلم)، ويتجلى هذا النهج في وصية أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الاشتر عندما ولاه مصر حيث اوصاه ب (استصلاح اهلها و جباية خراجها و عمارة بلادها و جهاد عدوها) حيث بيّن الإمام (عليه السلام) من خلال وصيته بضرورة وضع برنامج لادارة الحكم قائم على البناء المعرفي للفرد والمجتمع وايجاد بيئة معرفية فضلاً عن الجانب الاقتصادي والجوانب

ص: 10

الاجتماعية والخدمية ولاسيما الجانب العسكرية أو الامني.

ولكن الفاسدون استمروا في محاربة منهجية السماء وعملوا من اجل تشويهها وتحريفها وسرقة ما تحقق من بناء على المستوى الديني والاجتماعي والسياسي واتبعوا سياسة الترهيب والترغيب في الزيف والتحريف ولغاية عصرنا هذا ولكن السؤال الذي يتبادر الى اذهان الكثيرين ما هو دورنا اليوم وكيف يمكن أن نوجد أنموذجاً لمنهجية الاسلام الأصيل مطرزة بتطبيق حديث وهذا ما سيجري تناوله في هذا البحث.

أولاً / مشكلة الدراسة:

يمكن ايجاز مشكلة الدراسة أو البحث التي يحاول الباحث معالجتها ووضع حلول مناسبة لها من خلال النقاط الأتية:

1- انتشار حالات الفساد الإداري والمالية في المؤسسات العامة والتي امست ظواهر في المجتمع.

2- ازدیاد حالات الفقر والعوز في المجتمع وظهور الطبقية المجتمعية وزيادة الفجوة بين افراد المجتمع.

3- ضياع وهدر في ميزانية الدولة.

4- اهدار لكرامة المواطن واذلاله في الوقوف والانتظار طويلاً؛ لغرض الحصول على خدمة معينة.

5- التعصب في الرأي وعدم قبول الآخر بحجة الأفضلية والأحقية.

6- اختیار مسؤولين غير كفوئين مما يعود سلباً على تقديم الخدمات.

7- ضعف المنظومة الأمنية التي أوصلت البلد الى ما هو عليه اليوم.

ص: 11

ثانياً / هدف الدراسة:

يهدف الباحث من خلال دراسته الى التأكيد على أن منهجية الحكم الرشيد التي جاءت في العهد هي اصل قديم لمفهوم حديث يسمى اليوم بالحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات (الحوكمة الألكترونية)، وكيف يمكن تطوير المنهجية الحديثة من خلال تناول محاور العهد، والذي من الممكن أن يؤسس لمنهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) وبشكل متكامل من الممكن الاستفادة منها واعتمادها لأيجاد حكماً رشیداً لأدارة شؤون الدولة كافة.

ثالثاً / أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة في معالجتها لمواضيع مهمة وخطيراً جداً تمس أمن الوطن والمواطن سواء كان هذا الأمن (غذائي أو سياسية أو بيئي أو اقتصادي أو اصحي أو شخصي فضلاً عن الأمن الأجتماعي)، ووفق منظمة تحرص على تقديم الأفضل وتسعى للوصل الى رضا المستفيدين وفق منهجية الحكم الرشيد.

ص: 12

المبحث الثاني: عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه)

أولاً / سند العهد:

هذا العهد رواهمحمّد بن الحسن الطوسي من أعلام القرن الخامس، فيذكر الشيخ الطوسي سنداً صحيحاً عند المشهور للعهد، وكذلك النجاشي الذي هو أحد رجالات العلم في الطائفة الإمامية أيضاً روى العهد بطريق آخر صحيح عند المشهور، ورواه الشريف الرضي أخو الشريف المرتضى في كتاب نهج البلاغة، ورواه أيضاً ابن أبي شعبة الحرّاني الذي كان يعيش في أواسط القرن الرابع المعاصر للشيخ الصدوق في کتابتحف العقول، ورواهالقاضي النعمان، وهو من علماء الإمامية، وكان قاضياً أيام حكمالفاطميينفيمصر في القرن الرابع والخامس، رواه في كتابهدعائم الإسلام، إذن عهد مالك الأشتر له العديد من المصادر (1).

ثانياً / نص العهد (2).

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أمر به عبد الله عليٌ أميرُ المؤمنينَ مالكَ بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسنه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه. وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.

ص: 13

ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت.

وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته.

ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير.

وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطا من إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده.

ص: 14

ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.

وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضی العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الاعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغرك لهم وميلك معهم. (3)

وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عیوبا الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد. واقطع عنك سبب كل وتر. وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن إلى تصدیق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين. ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله.

إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام! فلا يكونن لك بطانة، فإنهم أعوان الأئمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لم يعاون ظالم على ظلماً ولا آثما على إثمه. أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا،

ص: 15

وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك.

ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما کره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع، والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهُم على أن لا يطروك، ولا يَجَحُوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدث الزهوة، وتدني من الغِرَّرة. ولا يكون المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه.

واعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استکراهه إياهم على ما ليس قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن فیکون الأجر لمن سنها. والوزر عليك بها نقضت منها. (4)

وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء، في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك. واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه، عهداً منه عندنا محفوظاً!

ص: 16

فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم. ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم. ثم لا قوام الهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها. ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم.

ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه. وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيباً، وأفضلهم حلماً، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء. ومن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف. ثم الصق بذوي الأحساب و أهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف.

ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه. وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو. فإن عطفك عليهم يعطف

ص: 17

قلوبهم عليك. (5)

وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم، وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم. فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلی ذوو البلاء منهم. فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله . ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلی، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً.

واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.

ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحکه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفي إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل.

ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه

ص: 18

بالهوى، وتُطلب به الدنيا!

ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا توهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا. ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك.

ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة (6)

وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحاً وصلاحهم صلاح لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً، فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من

ص: 19

الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر. (7)

ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مکاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما يأخذ لك ويعطي منك. ولا يُضعف عقداً اعتقده لك، ولا يَعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شئ. ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثراً، وأعرفهم بالأمانة وجهاً، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره. واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها، ومهما كان في كتابك من عيب فتغابیت عنه ألزمته.

ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً، المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح، في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. اعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً، واحتکاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة. فامنع من

ص: 20

الإحتكار فإن رسول الله، منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً، بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع. فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به، وعاقب في غير إسراف.

ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤسى والزمني، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكلٌّ قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم.

واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في غير موطن: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع». ثم احتمل الخرق منهم والعيّ، ونحِّ عنك الضيق والأنَفَ يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته. وأعط ما أعطيت هنيئاً، وامنع في إجمال وإعذار. (8)

ص: 21

ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها: منها إجابة عمالك بما يعيى عنه كتابك. ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك. وأمض عمله فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية. وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك، إقامة فرائضه التي هي له خاصة. فأعط من بدنك في ليلك ونهارك، ووفِّ ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص، بالغاً من بدنك ما بلغ. وإذا أقمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين وجهني إلى اليمن: كيف أصلي بهم؟ فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم، الله وكن بالمؤمنين رحيما.

وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور. والإحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطية، أو فعل كريم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة.

ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال. ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس، في شرب أو عمل

ص: 22

مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابراً محتسباً، واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة.

وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقاً برعيتك، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق. ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك والله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن. (9)

وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحُط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر! فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره. فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه.

ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من فيه طلبة، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك.

ص: 23

إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها! والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.

وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالى: «كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ». وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه. وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.

املك حمية أنفك، وسورة حدك، وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الإختيار. ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك. والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا، أو فريضة في کتاب الله، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا تكون لك علة عند تسرع

ص: 24

نفسك إلى هواها، فلن يعصم من السوء ولا يوفق للخير الا الله تعالى. (10)

وقد كان فيما عهد اليّ رسوله في وصايا «تحضيضاً على الصلاة والزكاة وما ملكت ایمانكم» فبذلك اختم لك ما عهد، ولا قوة الاّ بالله العظيم.

وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه، من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، وإنا إليه راغبون. والسلام على رسول الله وآله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيرا (11).

ثالثاً / دراسة العهد من قبل بعض الباحثين:

تناول دراسة العهد العديد من الباحثين والمفكرين سواء الاسلاميين منهم أو غير الاسلاميين وقد صنفوا في العهد الى أكثر من ثلاثين محوراً اساسياً تناوله العهد لتطبيق حكماً رشيداً جاءت به النظرية الاسلامية وكما يأتي:

1. السيرة الحسنة (الامر بالتقيد بالقانون وضبط النفس).

2. العلاقة مع الرعية (العمل الصالح والرحمة بالناس والعفو).

3. عدم التكبر (اطاعة القانون وعدم التكبر).

4. العدل والانصاف (الحذر من ظلم العباد و سخط الناس).

5. الوشاة (المخبر والواشي).

6. الاستشارة (الحذر من اختيار المستشار البخيل والجبان).

7. دور الوزراء وصفاتهم (عدم استخدام مسؤول سابق خائن لشعبه).

8. الاحسان، السنة (الاحسان وحسن الظن).

9. دور العلماء (مجالسة العلماء والخبراء).

ص: 25

10. العلاقة بين طبقات المجتمع (مراعاة المستضعفين من الناس).

11. دور قادة الجيوش والعلاقة بهم (صفاة قادة الجيش ورعايتهم للجنود).

12. اختيار القضاة (استخدام التقاة الصادقين).

13. الشبهات (نهي المسؤول عن التسرع والاستئثار).

14. اختيار العمال والولاة (اختيار المحافظين، اختيار المديرين والقضاة).

15. خيانة العمال (مراقبة اعمال المحافظين والمسؤولين المقربين).

16. الخراج ومالية الدولة (توفير الخدمات للناس أولاً ثم الضرائب)

17. الكتاب وأصحاب الديوان (اختيار السكرتير والجهاز الاداري والمالي).

18. التجار والاحتكار (منع الاحتكار ومعاقبة المحتكر).

19. الاهتمام بالفقراء (رعاية ذوية الدخل المحدود من الناس).

20. اصحاب الحاجات والمصالح (رعاية الايتام والمسنين).

21. واجبات الحاكم (لقاء المسؤول المباشر مع الناس وادابه).

22. أداء الفرائض (امامة الناس في الصلاة وبساطتها).

23. عدم الاحتجاب عن الناس (عدم اطالة الاحتجاب عن الناس).

24. دور الحاشية (الحذر من الحاشية ومراقبتهم).

25. العلاقة بالأعداء والعهود معهم(الحفاظ على العهد مع العدو).

26. اخذ العبرة ممن سبقه في الحكم.

27. اجابة المسؤولين في درجة اقل.

28. جدولة العمل العمل اليومي وبذل الجهد.

29. الركون الى الصلح ومنع الحرب.

30. حفظ حرمة دم المواطن.

31. النهي عن المنة واعجاب المسؤول بنفسه.

ص: 26

32. التجارة والصناعة.

33. رعاية وجهاء الناس.

34. ادامة العمل الجيد السابق.

35. الدعاء لنفسه ولمالك بالتوفيق وعاقبة الشهادة.

نلحظ من خلال ما تقدم من هذا التنصيف الذي جاء به بعض الباحثين بأن العهد تناول مفاصل ادارة الدولة كافة؛ لاعتمادها كمنهجية الحكم الرشيد في ادارة شؤون الدولة ولتطبيق النظرية الاسلامية الصحيحة، فلم يترك العهد شاردة ولا واردة الاّ وتناولها بدأً من الحاكم وسيرته الخاصة ووعيه وارادته في اعتماد هذه المنهجية مروراً بعلاقته بعامة الناس (المواطنين) والعلاقة بين بعضهم البعض، والاهتمام ببعض الشرائح المهمة في المجتمع، وكيفية التواصل وبين المواطنين والحاكم، واختيار العاملين في ادارة الدولة، معززاً العهد بالاهتمام بالجانب الاقتصادي والقائمين عليه، فضلاً توظيف الموارد في عمارة الدولة، وكيفية حماية ارض الدولة من خلال الاختيار المناسب عن لقادة الجيش والجنود.

رابعاً / قالوا في العهد:

بعد ان اطلع العديد من الباحثين والمهتمين في الرسائل الحقوقية، وادارة شؤون المنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية، كانت لهم الكثير من الاقوال والتمجيد بوصف العهد وكما يأتي لبعض منهم:

- ميشيل هاملتون مورغان: جاء في كتاب los history الموجود حاليا في مكتبة الكونغرس الامريكي بواشنطن لمؤلفه الكاتب الامريكي المعاصر ميشيل هاملتون مورغان الذي يذكر فيه اعجابه الفائق بالسياسة الحكيمة لشخص خليفة المسلمين

ص: 27

علي بن ابي طالب بعد ان اطلع على رسائله التي حررها الى ولاته في الامصار الاسلامية ومنهم مالك الاشتر مؤكدا عليهم ان يعاملوا المواطنين من غير المسلمين بروح العدل والمساواة في الحقوق والواجبات. فالكاتب الاجنبي اعتبر ذلك انعكاسا صادقا لسلوكيات الخليفة الحميدة المؤطرة بفضائل الاخلاق التي اهلته للدخول في تاريخ الانسانية من ابوابه العريضة. (13) (14)

- المؤرخ المصري «توفيق أبو العلم»: كان علي بن ابي طالب شخصية خصبة، انه كان مظهراً من مظاهر التكامل الانساني، بعد ان انتخبه المسلمون خليفة للمسلمين، بدأ بتطبيق برنامجه الاصلاحي في اشاعة العدل والمساواة بين ابناء الامة الاسلامية بصرف النظر عن دينهم ومذهبهم ولغتهم ولون بشرتهم واتجاهاتهم السياسية والاجتماعية. لقد امر الولاة ان يكونوا رحماء مع رعاياهم كما تجلى ذلك في رسالة الامام عام 656 م الى والي مصر مالك الاشتر. (15)

- الكاتب المسيحيّجورج جرداققال: هل عرفت إماماً لدين يوصي ولاته بمثل هذا القول في الناس: «فإنّهم إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، أعطِهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه.

ص: 28

الفصل الثاني: المبحث الأول: الحكم الرشيد

المقدمة:

سنتناول في هذا المبحث الحكم الرشيد لغة واصلاح، ومعنى الحكم الرشيد في القرآن الكريم فضلاً عن الحكم الرشيد في عن الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات والاتصالات، وما هي المنهجية التي تتبعها اليوم الدول التي تدعي بأنها تسعى لتطبيق الحكم الرشيد، وما توصل اليه اخر الباحثين في هذا المجال.

أولاً / معنى الحكم الرشيد لغة واصطلاح:

الحكم الرشيد من صفات الله (عز وجل) الحكم والحاكم. بمعنى هو القاضي يحكم الأشياء ويتقنها. وقيل حكيم ذو الحكمة أي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وبمعنى قادر عليه. حكمت بمعنى منعت: قيل الحاكم بين الناس، لأنه يمنع الظالم عن الظلم. أصل الحكومة رد الرجل عن الظلم، والحكم: هو القضاء وجمعه أحكام، حكم: قضى، والحاكم منفذ الحكم». وحديثاً، الحكم هو ما تفعله الدولة، والحكم الرشيد هو ما يجب أن تفعله الدولة، ويعبر بعض الباحثين والكتاب عن الحكم الرشيد ب (الحاكمية، الحكم الراشد، الحكم السليم، والحكم الصالح) والتي لها نفس المضمون (16) (17)

ص: 29

ثانياً / الحكم الرشيد في القرآن الكريم:

ان الله (سبحانه وتعالى) أوهب الحكم لبعض الصالحين من عباده وعلى رأسهم الانبياء، ونلاحظ ان الله (عز وجل) يذكر كذلك هبته لهم العلم النافع والرشيد لحكمهم وتحكم الآيات برشد حکمھم کما جاء في قوله تعالى: «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا» - النمل (15)، وقوله تعالى: «وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ» - البقرة (251)، وقوله تعالى عن ال ابراهيم: «فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» - النساء (54)، وكذلك في الحديث عن نبي الله يوسف (عليه السلام) قوله تعالى: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ» - يوسف (101)، وقوله تعالى عن ذي القرنين «وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا» - الكهف (83-84)، بل ان الله سبحانه وتعالى أوضح انه سبحانه ارسل الرسل ومعهم الكتب اي المنهج الرشيد ليقوم الناس بالقسط فلا عدل، ولا سعادة ولا رشد بدون اتباع سبل الانبياء كما في قوله تعالى «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» الحديد (25).

ص: 30

ثالثاً / الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات:

هو المستقبل الذي تسعى إليه البلدان جاهدة نحو تشكيل حكومة خالية من الفساد أو هو الاستخدام التكنولوجي الذي يساعد في ادارة الحكم وصولاً الى رضا المستفيد، بينما يعرف برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP) «فهو ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والادارية؛ لإدارة شؤون الدولة على المستويات كافة، ويشمل الاليات والعمليات، والمؤسسات التي من خلالها يعبّر المواطنون والمجموعات عن مصالحهم، ویمارسون حقوقهم القانونية ويوفون بالتزاماتهم ويقبلون الوساطة لحل خلافاتهم (19)، وفي اعتقادي ان الحكم الرشيد «عبارة عن منهجية تستخدم في ادارة شؤون الدولة حاکماً و محکومین و تسعى للوصول الى رضا المستفيدين من خلال الاعتماد على مجموعة من العناصر (الشفافية، المشاركة، العدالة والمساواة، الموثوقية، الفاعلية، المساءلة، الاتقان الاداري، الخدمة التنظيمية، التكاملة، التنبوء) معززة بالمكونات الرئيسة لمنظومة التنيمية الموسعة، وقد يتنوع تطبيق هذه المنهجية من فترة الى اخرى وحسب التطورات التي تحدث» (20).

رابعاً / مكونات الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات:

يتألف مخطط الحكم الرشيد من عناصر ومستويات ومتطلبات أمنية وكما موضح في الاشكال رقم (1، 2، 3). (21)

ص: 31

عناصر الحكم الرشيد الحوكمة الالكترونية

- الشفافية - المشاركة - الموثوقية - العدالة والمساواة - الفاعلية - المساءلة - الاتقان الاداري - الخدمة التنظيمية - التكاملية - التنبؤ8

الشكل رقم (1) يوضح عناصر الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance) مستويات الحكم الرشيد الحوكمة الالكترونية مستويات الحوكمة الالكترونية مستوی حکومي - اعمال (G-B) مستوي حکومي - مواطن (G-C) مستوى حکومي - حکومي (G-G)

الشكل رقم (2) يوضح مستويات الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance)

ص: 32

المتطلبات الأمینة المعلومات

- حفظ المعلومات - إدارة المعلومات - مخاطر المعلومات - أجهزة المعلومات - إدامة المعلومات - تحديات المعلومات - أنظمة المعلومات - إقتصادية المعلومات

الشكل رقم (3) يوضح المتطلبات الامنية للحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance)

الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية)

عناصر الحوكمة الالكترونية

- السفاقیه - المشارکة - الموثوقة - العدالة والمساواة - الفاعلیه - المساعله -الاتقان الاداری - الخدمة التنظیمية - التكاملية - التنسو

مستويات الحوكمة الالكترونية مستوی حکومي - اعمال (G-B) مستوي حکومي - مواطن (G-C) مستوى حکومي - حکومي (G-G)

متطلبات أية المعلومات

-حفظ المعلومات - أجهزة المعلومات - انظمة المعلومات - إدارة المعلومات - إدامة المعلومات - اقتصادية المعلومات - مخاطر المعلومات - تحدیات المعلومات

الشكل رقم (4) يوضح الهيكل الشامل لمنهجية الحكم الرشيد أو الحوكمة الالكترونية

ص: 33

يظهر من خلال الشكل رقم (4) الهيكل الشامل لمنهجية الحكم الرشيد التي تتألف من عشرة عناصر وثلاث مستويات وثمانية متطلبات أمنية مرتبطات مع بعضها البعض لتكون هیکلاً معايير اساسية لادارة الدولة وفيما يأتي تفاصيل لكل عنصر من هذه العناصر والمتطلبات الامنية فضلاً عن المستويات، حيث ان لكل عنصر من العناصر أو مطلب أمني له معايير وشروط يجب ان تتبعها الدولة لايجاد البيئة الداعمة لمفهوم الحكم الرشید.

ص: 34

المبحث الثاني: منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية)

تتألف منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) من عشرة عناصر وثلاثة مستويات وثمانية متطلبات أمنية والتي سيجري تناولها وبيان كل منها في الأشكال الأتية: (23)

1- عناصر الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance) (24)

تتألف عناصر الحكم الرشيد أو الحوكمة (Governance) من عشرة عناصر وهي کما موضحة في الأشكال الأتية في أدناه:

- عنصر الشفافية وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى الشفافية وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (5)

ص: 35

الشفافية تفصح ادارة المنظمة بوضوح تام عن النتائج التشغيلية والاستثمارية لجميع اعمالها. تعلن الحوافز والمكافأت التشجيعية التي تمنحها الادارة للموظفين داخل المنظمة. لا تتأخر المنظمة في توضيح السياسات الخاصة باجراءات العمل. تعد المنظمة مبدأ الشفافية اداة رئيسة في مواجهة الفساد بأنواعه المختلفة. الشكل رقم (5) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر الشفافية في منهجية الحكم الرشید

ص: 36

- عنصر المشاركة وماذا تعني؛

يمكن ان نبين معنى المشاركة وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (6) (25)

المشاركة تعقد الادارة المنظمة لقاءات واجتماعات دورية مع الموظفين لغرض تبادل وجهات النظر الخاصة بالعمل.

یتصف الهیکل التنظیمي للمنظمة بالمرونة ويعا يكفل حق مشاركة الجميع في عملية صنع القرارات التنظيمية المختلفة.

أن المناخ التنظيمي في المنظمة يعزز القرارات التشاركية في الجوانب الفنية والادارية.

تشيع القيادات العليا روح التعاون المتبادل بين الموظفين واداراتهم.

الشكل رقم (6) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر المشاركة في منهجية الحكم الرشيد

ص: 37

- عنصر الموثوقية وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى الموثوقية وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (7).

الموثوقية تحرص المنظمة على مشاركة المستفيدين في تقديم الأفكار الجديدة. لا تفتقر النظرة إلى الاليات المتحددة لتعمیق معرفتها بحاجات المستفيدين وتلبيتها. تخصص المنظمة ما يكفي من الوقت لتقييم جودة الخدمات التي تقدمها المنظمة. تعد المنظمة على مصادر متعددة من أجل الحصول على افكار مبتكرة لتحسين خدماتها.

الشكل رقم (7) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر الموثوقية في منهجية الحكم الرشيد

ص: 38

- عنصر العدالة والمساواة وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى العدالة والمساواة وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (8). (27)

يخضع جميع الموظفين للقواعد المحددة للسلوك الاداري و على اختلاف مستوياتهم الإدارية. تتسم قرارات العمل المتخذة من قبل المدير بعدم التحيز. تمنح المكافات التشجيعية بناءا على مستوى الأداء الفعلي. تقدم الادارة تفسيرات مقعة عند اتخاذها القرارات الخاصة بالتوظيف والنقل والترقية.

الشكل رقم (8) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر العدالة والمساواة في منهجية الحكم الرشید

ص: 39

- عنصر الفاعلية وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى الفاعلية وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (9). (28)

الفاعلية تمتلك المنظمة معرفة بطبيعة التغييرات التنظيمية المطلوب احداثها عند تنقية البرامج الجديدة. تحدد ستراتيجية المنظمة في المستويات العلیا للإدارة مع مشاركة بسيطة للادارات الوسطى. يلتزم المديرون والموظفون في جميع اجزاء المنظمة يتحقیق الاهداف العامة. تتميز العمليات الداخلية في المنظمة بالانسيابية العالية بسبب وضوح المسارات الوظيفية لكل من يعمل في المنظمة.

الشكل رقم (9) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر الفاعلية في منهجية الحكم الرشيد

ص: 40

- عنصر المساءلة وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى المساءلة وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (10). (29)

المساءلة تسم عملية التنظيم بالتحديد الواضح لانشطة ومسؤوليات كل مركز وظيفي. تنقذ الاجراءات التي تضمن تحقيق اعداد التقارير المالية النزيهة. تلتزم جميع الوحدات الادارية بعملية مراجعة اجراءات الشراء والتجهيز الخاصة بها. تتبنى ادارة المنظمة مبدأ الرقابة الذاتية وتحاول نشره في كل اجزاء المنظمة.

الشكل رقم (10) یوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر المساءلة في منهجية الحكم الرشید

ص: 41

- عنصر الأتقان الاداري وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى الأتقان الاداري وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (11). (30)

الأتقان الأداري تتوفر لدى المنظمة اجهزة ذات كفاءة وفاعلية عالية تستخدم في انجاز المهام. تقوم الادارة باجراء اصلاحات و تغییرات ادارية بشكل دوري ومتواصل. تسعى ادارة المنظمة للقضاء على الفساد الاداري والمالي وتقليل الاخطاء الفنية في الاداء. تتجه ادارة المنظمة نحو توزيع الصلاحيات بين المستويات الادارية المختلفة للوحدات التابعة تقوم الإدارة لها.

الشكل رقم (11) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر الاتقان الاداري في منهجية الحكم الرشید

ص: 42

- عنصر الخدمة التنظيمية وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى الخدمة التنظيمية وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (12). (31)

الخدمة التنظيمية تهدف المنظمة الى تعزيز وبناء قطاع عام يتسم بالكفاءة والفاعلية وقادر على خدمة المجتمع. يتسم الهيكل التنظيمي في وحدات الخدمة العامة التابعة للمنظمة بالتخصص الوظيفي ورصانة التأهيل والترشيق الاداري. تؤكد ادارة المنظمة على وجوب عملية تقييم البيئة المؤسسية التي تعمل فيها وتعرض نتائج التقييم على مجلس الادارة وتناقش بشكل تفصيلي. يشمل تقييم الأداء وتصحيحه جميع المستويات الادارية ولا يستثني اي موظف او مدیر من تقييم الاداء.

الشكل رقم (12) یوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر الخدمة التنظيمية في منهجية الحكم الرشيد

ص: 43

- عنصر التكاملية وماذا تعني:

يمكن ان نبين معنى التكاملية وكيفية اعتمادها من قبل المؤسسات من خلال الشكل رقم (13). (32)

التكاملية يتخذ المديبرون القرارات بشكل اقل عدائية واكثر قدرة على تحديد ما يمثل المصلحة العامة للمنظمة والمجتمع معا. يلتزم جميع من في المنظمة بقواعد المحاسبة عن مستويات أدائهم وهم متهینين دائما للمسائلة عن طبيعة مهامهم. تهتم ادارة المنظمة باراء ومقترحات التطوير لجميع الموظفين سواء الفنيين أو الأداريين. لا تتنازل المنظمة عن حقوق موظفيها في الحصول على المعلومات الجديدة المتعلقة بادائهم لاعمالهم. الشكل رقم (13) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد عنصر التكاملية في منهجية الحكم الرشید

ص: 44

- عنصر التنبوء وماذا يعني:

يمكن ان نبين معنى التنبوء من الاطلاع على التجربة المصرية الخاصة بأستمارة الحصر الحيازي وكما يأتي: (33)

التنبوء والحيازة الالكترونية مثالاً

* اعلنت جمهورية مصر العربية انه خلال عام 2016 سيجري اطلاق استمارة الحصر الحيازي في القطاع الزراعي ومن خلال هذه الاستمارة سيتم حصر مالكي قطع الاراضي الزراعي فضلاً عن مستاجريها.

* سيتم ربط استمارة الحصر الحيازي بالرقم القومي للشخص المعني.

* فوائدها (التنبوء باستهلاك المياه ونوع ومساحة المحاصيل الزراعية وتحسين سياسة تسعيرها والحد من التعديلات على الاراضي الزراعية الخصبة والخيارات الوهمية).

* ان تطبيق الحيازة الالكترونية سيشمل مساحةً تقدر ب (9) ملايين فدان يستفيد منها (6) ملايين مزارع.

* ان هذا التطبيق يمكن من (توفير الرؤية لمتخذي القرار في رسم الاستراتيجيات والسياسات الزراعية والسمادية على المستوى القومي واتخاذ القرارات المناسبة)

وهكذا يمكننا ان نتنبأ بكميات المياه التي تحتاجها فضلاً عن نوع المحاصيل التي ستزرع في اي مكان وحسب جاهزية الارض واحتياجات المواطنين بالاضافة الى الاماكن التي ستسوق لها.

ص: 45

2- مستويات الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance):

تتألف من ثلاثة مستويات: (34) (35)

أ- المستوى (حكومي - حكومي) ومختصره (G-G) وهو المستوى المتعلق ما بين الوزارات والمؤسسات الحكومية وكيفية التنسيق ما بينها من حيث الوثائق والمعلومات وطرح نفسها كوحدة واحدة.

ب- المستوى (حكومی - مواطن) ومختصره (C- G) وهذا المستوى متعلق بالعلاقة ما بين المواطن والحكومة من ناحية تقديم الخدمات للمواطنين بطريقة سهلة وذات جودة عالية وبما يحفظ كرامة وحقوق المواطنين وتكون وتكون من خلال الموقع الرسمي أو ما يسمى بوابة الحكومة الالكترونية.

ت- المستوى (حكومي - اعمال) ومختصره (G-B) ويختص هذا المستوى بالجانب المتعلق بالعقود والمناقصات فضلاً عن التسجيل والتعاملات مع الشركات سواء كانت شركات محلية أو دولية فضلاً عن التسهيلات التي تخص جانب الاستشمار.

وكما موضح في الشكل رقم (2).

ص: 46

3- المتطلبات الأمنية للحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية E-Governance):

تتألف المتطلبات الأمنية للحكم الرشيد أو الحوكمة (Governance) من ثمان متطلبات وهي کما موضحة في الأشكال (3).

أ- حفظ المعلومات: ويمكن بيان معنی حفظ المعلومات من الشكل رقم (14) (36)

متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية حفظ المعلومات يمتلك المديرون وعياً كافياً وألماماً واضحاً بموضوع الحوكمة الالكترونية. توجد في المنظمة تشكيلات خاصة بالأمن الالكتروني ورسم سياسات الدفاع والهجوم الإلكتروني. تضع ادارة المنظمة مكافأت لمن يساعدها في كشف الخروقات الالكترونية التي قد تحدث خلال الداء الأعمال وتقديم الخدمات. تعمل الإدارة على تعزيز الثقة والامن لدى الموظفين في استعمال تكنولوجيا الاتصالات وبما يوفر أمن المعلومات والخصوصية والسرية في عمليات الاتصال. الشكل رقم (14) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن حفظ المعلومات في منهجية الحكم الرشید

ص: 47

ب. اجهزة المعلومات: ويمكن بيان معنى اجهزة المعلومات من الشكل رقم (15) (37) (38)

متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية

اجهزة المعلومات توقر ادارة المنظمة مواقع حكومية وأماكن تواجد رسمية تعمل على صيانة أنظمتها. ضرورة اجراء مسح راداري لاسلكي بين فترة واخرى للتأكد من عدم وجود أجهزة تنصت الكترونية. تحظى المنظمة بقوانين تعاقب المتسللين وقراصنة المعلومات وبما يوفر الحماية للانظمة المعتمدة فیها. تلجأ إدارة المنظمة الي استخدام برامج معالجة الفايروسات الحديثة (الأنتي فایروس) لحماية اجهزتها من الدخول لغير المصرح له ونشر الفايروس عبر الانترنت.

الشكل رقم (15) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن أجهزة المعلومات في منهجية الحكم الرشيد

ص: 48

ت. أنظمة المعلومات: ويمكن بيان معنى أنظمة المعلومات من الشكل رقم (16) (39) (40).

متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية انظمة المعلومات يجري تحويل الاشخاص الذين يدخلون مواقع نظام المعلومات (حجرة الكومبيوتر أو مركز المعلومات) بشكل دقيق وواضح. هناك شروط تؤكد عليها ادارة المنظمة وهي شروط محددة وواجية التنفيذ عند نقل وتخزين المعلومات في جميع اجزاء المنظمة. يجري اعداد نسخ اضافية مسائدة لكل البرمجيات وملفات البيانات حتى يمكن استعادتها في حالة الكوارث او حالة الفقدان. لا يمكن اختراق انظمة المعلومات وقواعد البيانات داخل المنظمة وذلك لتطبيق آليات تشفير عالية الجودة يجري صيانتها باستمرار.

الشكل رقم (16) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن أنظمة المعلومات في منهجية الحكم الرشید

ص: 49

ث. ادارة حفظ المعلومات: ويمكن بيان معنى ادارة المعلومات من الشكل رقم (17) (41) (42)

متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية ادارة المعلومات تلجأ المنظمة الي وضع مقاييس لامن وسلامة المعلومات التي تحتاجها الانجاز اعمالها. وجود تنسيق لاعمال الامن في المنظمة بكل قطاعاتها وادارائها واقسامها. تستخدم ادارة الاقسام والشعب الكلمات المفتاحية الخاصة بكل جهاز حاسوب مستخدم بحيث لا يستطيع اي موظف ان يستخدم حاسوب موظف اخر. يوجد تنسيق عالي لاعمال الامن في المنظمة بما يشمل جميع اداراتها واقسامها وشعبها التنظيمية. الشكل رقم (17) یوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن ادارة المعلومات في منهجية الحكم الرشيد

ص: 50

ج. ادامة المعلومات: ويمكن بیان معنی حفظ المعلومات من الشكل رقم (18) (43) (44) متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية ادامة المعلومات ترتبط جميع الحواسيب في المنظمة بحاسوب واحد رئيس يسيطر عليه المدير العام أو من یخوله. توکد ادارة المنظمة على تنفيذ حملات وبرامج للتوعية والتدريب على أمن المعلومات. تتوفر أنظمة مقومات طوارئ بديلة عن انظمة المعلومات الأصلية في المنظمة. تصدر الادارة تقارير مستمرة عن الاحداث التي تتعرض لها المنظمة فيما يخص أمن المعلومات.

الشكل رقم (18) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن أدامة المعلومات في منهجية الحكم الرشید

ص: 51

ح. اقتصادية المعلومات: ويمكن بیان معنی اقتصادية المعلومات من الشكل رقم (19) (45) (46) متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية اقتصادية المعلومات يحاول المديرون تقليل الاضرار المادية عن طريق التعلم من الازمات الماضية وضمان عدم تكرارها مستقبلاً. تؤكد ادارة المنظمة على حماية البنية الاساسية أو التحتية المسائدة. تحرص الإدارة على أن تكون التكاليف قليلة وواضحة بالنسبة للأفراد وبما يرتبط يحفظ و ادامة المعلومات. يجري الوصول الى البيانات التي يحتاجها المديرين والموظفين بشكل غير مكلف.

الشكل رقم (19) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن أقتصادية المعلومات في منهجية الحكم الرشيد

ص: 52

خ. مخاطر المعلومات: ويمكن بيان معنى مخاطر المعلومات من الشكل رقم (20) (47) (48) متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية مخاطر المعلومات ينبغي زيادة الوعي بالمخاطر التي تواجه نظم المعلومات واللجوء المستمر لطرائق التأمين والانقاد المتوافرة من اجل التغلب على تلك المخاطر. لا تعاني الادارات في اقسام المنظمة من ضياع المعلومات القيمة والمهمة بمرور الزمن. تمتلك المنظمة قانونا داخليا خاصا بها يؤكد فرض العقوبات على جواسيس المعلومات ويمنع الانتهاكات ولصوصية المعلومات التي ترتبط باعمال وتعاقدات المنظمة. تتميز اعمال المنظمة بعدم الارتباك والمصداقية في اعلان المعلومات الخاصة بصفقاتها أمام الرأي العام والأجهزة الرقابية المسؤولة.

الشكل رقم (20) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن مخاطر المعلومات في منهجية الحكم الرشيد

ص: 53

د. تحديات المعلومات: ویمکن بیان معنی تحديات المعلومات من الشكل رقم (21) (49) (50) متطلبات أمنية المعلومات في الحوكمة الالكترونية تحديات المعلومات يوجد اطار عام لمساعدة المسؤولين في المنظمات العامة والخاصة لتطوير وتنفيذ مقاييس واجراءات وتعاملات متناسقة مع أمن المعلومات ونظمها. تلقى المنظمة تعاون دولي متميز في تحقيق أمن نظم المعلومات التي تعتمدها في كافة اقسامها وشعبها التنظيمية. تقدم المنظمة في جميع اعمالها تسهیلات اتصال الإدارة بالموظفين من جهة وبالزبائن من جهة اخرى. تمتلك المنظمة دليل تعريفي رسمي يبين للمديرين والموظفين فيها طبيعة التطبيقات التي ترتبط بكل من يتعامل مع البيانات والمعلومات داخل المنظمة. الشكل رقم (21) يوضح المحاور الرئيسة لأعتماد أمن تحديات المعلومات في منهجية الحكم الرشيد

ص: 54

الفصل الثالث المبحث الأول عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) ومحاكاته لعصر ثورة المعلومات

المقدمة:

بعد ان بينّا في المبحث الثاني من الفصل الثاني معنى الحكم الرشيد، والتعريف الخاص بالامم المتحدة والذي مضمونه «ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والادارية؛ لإدارة شؤون الدولة على المستويات كافة، ويشمل االيات والعمليات، والمؤسسات التي من خلالها يعبّر المواطنون والمجموعات عن مصالحهم، ویمارسون حقوقهم القانونية ويوفون بالتزاماتهم ويقبلون الوساطة لحل خلافاتهم (51)، منظمة الأمم المتحدة والتي لا يخفي بأنها تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أن هذه المبتنيات التي تعتمدها اليوم لقياس ترتيب الدول في ممارسة تطبيق منهجية الحكم الرشيد من خلال تقاریریها التي تقوم بأعدادها ونشرها كل عامين، فقد شرعت بها بعد الألفية الثانية الميلادية، في حين نجد أن الأمام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) قد تناول هذه المنهجية كلها في اجزاء من العهد و بتفصيلاً أكثر دقة ومحاكاة لواقع ادارة الدولة، ومما تقدم في العرض سنجري عملية محاكاة ما بين منهجية الحكم الرشيد بمفهوم اليوم (الحوكمة الالكترونية) وعهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) نبیّن کیف

ص: 55

ان العهد قبل اكثر من الف واربعمائة عام كان اكثر شمولية في مفهوم ادارة الدولة وفق منهجية الحكم الرشيد.

أولاً / توظيف العهد والأمم المتحدة:

اعتمدت الرسالة في الأمم المتحدة؛ كونها من أوائل الرسائل الحقوقية، والتي تحدد الحقوق الواجبات بين الدولة والشعب؛ هذا العهد وصل إلى أذن الأمين العام للأُمم المتحدة عبر زوجته السويدية [5]، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة «إنّ هذه العبارة من العهد يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم»، والعبارة هي: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق» [6]، وهذه العبارة جعلت كوفي عنان ينادي بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام لمالك الأشتر، وترشيحه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت لمدّة سنتين في الأمم المتحدة صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد علي بن أبي طالب المالك الأشتر كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي [7]، وقد تمّ بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة غير عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر کمصادر للقانون الدولي.

ص: 56

ثانياً / المحاور الرئيسية والفرعية للعهد والسعي لأقامة للحكم الرشيد:

يتألف العهد من اربعة محاور رئيسة لايجاد الحكم الرشيد وهي:

1. استصلاح أهلها.

2. جباية خراجها.

3. عمارة بلادها.

4. جهاد عدوها.

أما المحاور الفرعية فقد تناول العديد من الباحثين والكتّاب واشاروا الى ما يزيد عن الثلاثين محور فرعي يفترض على الحاكم ان يراعيها من اجل ايجاد بيئة مؤاتية لتطبيق الحكم الرشيد وهذه المحاور هي:

1- السيرة الحسنة (الامر بالتقيد بالقانون وضبط النفس).

2- العلاقة مع الرعية (العمل الصالح والرحمة بالناس والعفو).

3- عدم التكبر (اطاعة القانون وعدم التكبر).

4- العدل والإنصاف (الحذر من ظلم العباد و سخط الناس).

5- الوشاة (المخبر والواشي).

6- الاستشارة (الحذر من اختيار المستشار البخيل والجبان).

7- دور الوزراء وصفاتهم (عدم استخدام مسؤول سابق خائن لشعبه).

8- الاحسان، السنة (الاحسان وحسن الظن).

9- دور العلماء (مجالسة العلماء والخبراء).

10- العلاقة بين طبقات المجتمع (مراعاة المستضعفين من الناس).

ص: 57

11- دور قادة الجيوش والعلاقة بهم (صفاة قادة الجيش ورعايتهم للجنود).

12- اختيار القضاة (استخدام التقاة الصادقين).

13- الشبهات (نهي المسؤول عن التسرع والاستئثار).

14- اختبار العمال والولاة (اختيار المحافظين، اختيار المديرين والقضاة).

15- خيانة العمال (مراقبة اعمال المحافظين والمسؤولين المقربين).

16- الخراج ومالية الدولة (توفير الخدمات للناس أولاً ثم الضرائب)

17- الكتاب وأصحاب الديوان (اختيار السكرتير والجهاز الإداري والمالي).

18- التجار والاحتكار (منع الاحتكار ومعاقبة المحتكر).

19- الاهتمام بالفقراء (رعاية ذوية الدخل المحدود من الناس).

20- اصحاب الحاجات والمصالح (رعاية الايتام والمسنين).

21- واجبات الحاكم (لقاء المسؤول المباشر مع الناس وادابه).

22- أداء الفرائض (امامة الناس في الصلاة وبساطتها).

23- عدم الاحتجاب عن الناس (عدم اطالة الاحتجاب عن الناس).

24- دور الحاشية (الحذر من الحاشية ومراقبتهم).

25- العلاقة بالأعداء والعهود معهم (الحفاظ على العهد مع العدو).

26- اخذ العبرة ممن سبقه في الحكم.

27- اجابة المسؤولين في درجة اقل.

28- جدولة العمل العمل اليومي وبذل الجهد.

29- الركون الى الصلح ومنع الحرب.

30- حفظ حرمة دم المواطن.

31- النهي عن المنة واعجاب المسؤول بنفسه.

32- التجارة والصناعة.

ص: 58

33- رعاية وجهاء الناس.

34- ادامة العمل الجيد السابق.

35- الدعاء لنفسه ولمالك بالتوفيق وعاقبة الشهادة.

يتبيّن لنا ومن خلال اطلاعنا على المحاور الرئيسة والفرعية ان العهد قد أسس منهجية لأدارة شؤون الدولة ووفق معايير حقوق الانسان وجعل السمات الانسانية الرفيعة هي المعيار الاساس في كل شأن تتناوله الدولة؛ ليعزز مفهوم ومنهجية الحكم الرشيد في ايجاد الدولة العادلة.

ثالثاً / العهد ومحاكاته لمنهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات:

يتألف العهد من اربعة محاور رئيسة، وكما ان منهجية الحكم الرشید (- E-Gover nance) تتألف من ثلاثة محاور رئيسة، ولما فيهما من تشابه كبير بين أصل قدیم ومفهوم حدیث، يمكن محاكاتهما من خلال الأتي:

1) المحاور الرئيسة للعهد:

بينّا سلفاَ ان العهد حدد اربعة محاور رئيسية في منهجية ادارة الدولة، وهي

(أ. استصلاح أهلها، ب. جباية خراجها، ت. عمارة بلادها، ث. جهاد عدوها).

2) منهجية الحكم الرشيد (E-Governance) في عصر ثورة المعلومات:

وضحنا في الفصل الثاني ان منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) تتألف من (أ. عناصر الحكم الرشید، ب. مستويات الحكم الرشید، ت. المتطلبات الأمنية للحكم الرشید).

ص: 59

واذا اردنا عمل محاكاة ما بين المحاور الرئيسة للعهد ومنهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات فنلاحظ الأتي:

- محور (استصلاح اهلها) في العهد يحاكي عناصر الحكم الرشيد والمستوى (حكومي - حكومي) لمنهجية الحكم الرشيد (E-Governance) في عصر ثورة المعلومات.

- محوري (جباية خراجها، و عمارة بلادها) في العهد يحاكي مستويات الحكم الرشيد (E-Governance) في عصر ثورة المعلومات، وهي ثلاثة مستويات (حكومي حكومي) (G-G)، و (حكومي - مواطن) (G-C)، و (حكومي اعمال) (G-B).

- محور (جهاد عدوها) في العهد يحاكي المتطلبات الأمنية للحكم الرشید (- E-Gover nance) في عصر ثورة المعلومات.

وكما موضح في الشكل رقم (23)

ص: 60

مخطط لمنهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) في عصر ثورة المعلومات (52) الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) عناصر الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) - الشفافية - المشاركة - العدالة والمساواة - الموثوقية - الفاعلية - المساءلة - الاتقان الاداري - الخدمة التنظيمية - التكاملية مستويات الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) مستوى حكومي - اعمال (G.-B.) مستوى حكومي - مواطن (G.-c.) مستوى حكومي - حكومي (G.-G.) المتطلبات الامنية للمعلومات - حفظ المعلومات - أجهزة المعلومات - أنظمة المعلومات - إدارة المعلومات - إدامة المعلومات - تحديات المعلومات الشكل رقم (22) مخطط لمنهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) في عصر ثورة المعلومات

ص: 61

ادناه مخطط يوضح محاكاة المحاور الرئيسة للعهد مع منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات. (53)

1. استصلاح أهلها 1. استصلاح أهلها الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) عناصر الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) - الشفاهیة - المشاركة - العدالة والمساواة - الموثوقية - الفاعلية - المساءلة - الاتقان الاداري - الخدمة التنظيمية - التكاملية - التبوء مستويات الحكم الرشيد الحوكمة الإلكترونية مستوى حكومي - اعمال (G.-B.) مستوى حكومي - مواطن (G.-c.) مستوى حكومي - حكومي (G.-G.) متطلبات أمنية المعلومات للحكم الرشيد - حفظ المعلومات - أجهزة المعلومات - أنظمة المعلومات - إدارة المعلومات - إدامة المعلومات - اقتصادية المعلومات - مخاطر المعلومات - تحديات المعلومات العهد 2. جباية خراجها. 3. عمارة بلادها. 4. جهاد عدوها. الشكل رقم (23) يوضح محاكاة المحاور الرئيسة للعهد مع مخطط منهجية الحكم الرشید (الحوكمة الالكترونية (54)

ص: 62

المبحث الثاني المحاور الفرعية للعهد

أولاً / المحاور الفرعية للعهد والتنمية المستدامة:

تناولنا سلفاً بأن المحاور الفرعية للعهد قد زادت عن الثلاثين محور کما يرى الكثير من الباحثين، وفي اعتقادي أن الكثير من هذه المحاور قد تكون في محتوى تطبيق منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية)، ولكي نحاكي المحاور الفرعي للعهد مع عصر ثورة المعلومات نعتقد بأن هذه المحاور ولعل الكثير منها على وجه الخصوص يكون ضمن منظمة التنمية المستدامة والتي تشمل:

أ) الأمن الغذائي.

ب) الأمن السياسي.

ت) الأمن البيئي.

ث) الأمن الاقتصادي.

ج) الأمن الصحي.

ح) الأمن الشخص.

خ) الأمن الاجتماعي.

ولعل الشكل رقم (24) يوضح ذلك: (55)

ص: 63

الأمن الغذائي الأمن السياسي الأمن الاجتماعي منظومة التنمية الأمن الشخصی الأمن البيئي الأمن الاقتصادي الصحي الشكل رقم (24) يوضح منظومة التنمية المستدامة

أن مفهوم التنمية الموسع ينظر اليه «كعملية لتوسيع حريات البشر»، حيث ينصب الاهتمام على توسيع «قدرة» الناس ليحيوا حياة يثمنونها، أو يرغبون في تحقيقها، حيث يلعب مفهوم «القدرة» دورا محوريا في التحليل كبديل لمفهوم الدخل في تعريف رفاه الناس وفيما يسعون إلى تحقيقه وفي تقييم الأداء التنموي عموما.

وبذلك تم التركيز على خمسة جوانب اعتبرت ذات علاقة بعدد من قضايا السياسات التنموية التي تتطلب اهتماما خاصا، وتتميز هذه الجوانب بأن كلا منها يساهم في توسيع قدرة الفرد للعيش بحرية، وهي «الحريات السياسية، والتسهيلات الاقتصادية، والفرص

ص: 64

الاجتماعية، وضمانات الشفافية، والأمن الوقائي».

- الحريات السياسية

تعنى الحريات السياسية بمعناها العريض، بما في ذلك الحقوق المدنية، بالفرص المتاحة للناس ليقرروا من سيحكمهم وعلى أي مبادئ، وليراقبوا وينتقدوا ويحاسبوا السلطات، وليعبروا عن آرائهم من خلال صحافة حرة، وليقرروا الانضمام لمختلف الأحزاب السياسية. وتشتمل الحريات السياسية على الاستحقاقات المتوفرة في النظم الديموقراطية بمعناها الواسع بما في ذلك فرص السجال السياسي والمعارضة والنقد وحرية المشاركة السياسية.

- التسهيلات الاقتصادية

تهتم التسهيلات الاقتصادية بالفرص المتاحة للأفراد لاستغلال الموارد الاقتصادية لأغراض الاستهلاك والإنتاج والتبادل. وتعتمد الاستحقاقات الاقتصادية للفرد على ما يملكه من موارد أو ما هو متاح منها لاستخدامه وعلى ظروف التبادل مثل الأسعار النسبية وعمل الأسواق. وللمدى الذي يترتب فيه على عملية التنمية زيادة ثروات الأمم، تنعكس هذه الزيادة في تعزيز مقابل للاستحقاقات الاقتصادية للسكان.

- الفرص الاجتماعية:

تتعلق الفرص الاجتماعية بالترتيبات الاجتماعية في المجالات التي تؤثر في الحريات الحقيقية المتاحة للأفراد ليعيشوا حياة طيبة، كالترتيبات المتعلقة بالتعليم والصحة. ولا تقتصر أهمية مثل هذه الخدمات للحياة الخاصة للأفراد فحسب وإنما تمتد لتؤثر على تفعيل مشاركتهم في النشاطات الاقتصادية والسياسية.

ص: 65

نلاحظ ومن خلال بيان معنى التنمية الموسعة أن مفهوم التنمية بشكل عام قد استند الى المحاور الفرعية للعهد في اعتماد تطبيق منظومة التنمية، ويظهر جلياً في الأبواب السبعة التي تتناولتها التنمية من أمن (غذائي، وسياسي وصحي، وبيئي، واقتصادي، وشخصي، واجتماعي) وفي الواقع ان العهد قد خاض في تفاصيل اكثر شمولية ودقة من حيث مراعاة حتى الاحاسيس والمشاعر لعامة الناس (الموطنين) ومراعاتهم، فضلاً عن وضع منظومة اخلاقية وفكرية ومعرفية؛ لأختيار الأشخاص الذين يعملون في الخدمة العامة بدأً من الوزراء والقضاة والمستشارين، والمحافظين... الخ، وحتى كيف يمكن متابعتهم، والتواصل مع عامة الناس (المواطنين)، وبما يضمن حفظ کرامتهم دون تمييز باللون أو العرق أو الطائفة أو الدين، وجعل السمات الأنسانية هي المعيار الأساس في ادارة شؤون الدولة.

ثانياً / قراءة العهد في ظل الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية):

تناولنا فيما تقدم العهد وقراءة بعض الباحثين والكتاب له، وما أشاروا به من مميزات قد استفاد منها ووظفها أناس لا يدينون بالديانة الأسلامية، وجعلوا من العهد منهاج لأدارة شؤون بلادهم، وطرحوا هذا المنهاج بأسلوب معاصر يعتمدون فيه على ما توصلوا اليه من تكنولوجيا، ويسوقوه الينا على أنه منهاج التطور والادارة السليمة من خلال استثمار الوقت والطاقة والعمل وفق حقوق الأنسان ليطرحوا مفهوم لمنهجية الحكم الرشيد التي تناولها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وطبقها في الكوفة ایام خلافته (36 ه - 40 ه)، وفصلها وأوصى بها لمالك الأشتر (رضي الله عنه) عام (37 ه)، لذا فأن هذا البحث المتواضع ارد به الباحث أن يوضح استناد منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) الى منهاج الحكم الرشيد في العهد، وكيف تمكّن الباحث من خلال قراءة العهد ومحاكاته مع منهجية الحوكمة الألكترونية من ان

ص: 66

يطوّر هذه المنهجية ووفق ما توصل اليه العلم لأعتماد منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) وبشكل اكثر دقة وواقعية لأعتمادها وتطبيقها في ادارة مؤسسات الدولة كافة، ويمكن بيان ذلك من خلال الشكل رقم (25) حيث نؤكد على ضرورة مراعاة تطبيق منظمومة التنمية المستدامة في كل محور من محاور منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات (الحوكمة الألكترونية).

ص: 67

(56) الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) عناصر الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) - الشفافية - المشاركة - العدالة والمساواة - الموثوقية - الفاعلية - المساءلة - الاتقان الاداري - الخدمة التنظيمية - التكاملية - التنبوء مستويات الحكم الرشيد الحوكمة الالكترونية مستوى حكومي - اعمال (G.B.) مستوى حكومي - مواطن (G.-C.) مستوى حكومي - حكومي (G-G.) متطلبات أمنية المعلومات للحكم الرشيد - حفظ المعلومات - أجهزة المعلومات - أنظمة المعلومات - إدارة المعلومات - إدامة المعلومات - إقتصادية المعلومات - مخاطر المعلومات - تحديات المعلومات الأمن الغذائي الأمن السياسي الأمن اجتماعی الأمن الشخصي الأمن البيئي الأمن الأقتصادي الأمن الضحي منظومة التنسیة الشكل رقم (25) يوضح منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الالكترونية) المعززة یالتنمیة المستدامة

ص: 68

الفصل الرابع: المبحث الأول الأستنتاجات

توصل الباحث الى مجموعة من الاستنتاجات التي يمكن ايجاز ابرزها كما يأتي:

1- أن منهجية الحكم الرشيد التي جاء بها الدين الأسلامی، قد ظهرت و تجلّت في عهد الأمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه).

2- أن منح أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) العهد لمالك الأشتر (رضي الله عنه) يدل على أن الأمير (عليه السلام) كان على يقين من وعي واردة مالك الأشتر في تطبيق العهد، وهذا ما يفسر تسأل البعض عن سبب اختيار مالك الأشتر (رضي الله عنه) عمن سواه.

3- أن اعتماد منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات؛ لأدارة شؤون البلاد يتطلب بالدرجة الأساس وجود وعياً وأرادةً سياسية لأعتماده وتطبيقه.

4- أن العهد قد تضمن أربعة محاور رئيسة لأعتماد منهجية الحكم الرشيد وهي تتطابق مع منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات (الحوكمة الألكترونية).

5- أن المنظمات الدولية قد وظفت واستثمرت العهد الى حد اعتبرته نبراساً تحتذي

ص: 69

بحذوه، وتستنير به، لتأسس منهجية الحكم الرشيد.

6- أن هذه المنهجية لم تطبق ولم ترى النور الاّ في فترة حكم الأمام علي (عليه السلام) (36 ه - 37 ه).

7- أن ما يسمى اليوم بالأنظمة الديمقراطية المتطورة في البلدان الغربية قد طبقت واعتمدت على مفاهیم قد تضمنها العهد لتُصبح کما نرى اليوم هي محطات لأمنيات الشباب للعيش فيها والتنعم بأنظمتها.

8- أن فقرات العهد كانت أكثر شمولية ودقةً وتفصيلاً مما وصلت اليه منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات (الحوكمة الألكترونية).

9- أن شمولية العهد جعلت الباحث يعتقد بضرورة تضمين منظمومة التنمية المستدامة في منهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية) لتكوين منهجية أكثر دقة وواقعية سعياً لأقامة الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات.

10- أن العهد لم يترك شاردة ولا واردة تخص ادارة الدولة وشؤونها حاکماً و محکومین.

11- أن كل من يسعى لأدارة شؤون الدولة عليه أن يجعل من العهد منهجه في تطبيق برامجه ويراقب تطبيقها وفق مؤشرات ومحددات العهد؛ كي ينشأ أنموذجاً للحكم الرشید.

12- أن اعتماد منهجية العهد وتطبيقها في ادارة شؤون الدولة تمّكن من القضاء على كل ظواهر الفساد في المؤسسات كافة، وتوجد بيئة مؤاتية للتعايش السلمي وفق معايير السمات الأنسانية الرفيعة.

13- ضرورة حث طلبة الدراسات العليا لتناول الوثائق التأريخي في رسائلهم

ص: 70

وأطاريحهم مثل العهد وغيره ودراستها بشكل معاصر، من اجل فهم ومحاكاة هذه الوثائق للزمن الحاضر وما يستشرف به للمستقبل، لا ان يجرِ تناولها بشكل سرد تأريخي.

14- أن فهمنا لمضمون العهد يرتب علينا السعي من اجل ايجاد بيئة داعمة ومؤاتية لتطبيق منهجية الحكم الرشيد ووفق الحوكمة الألكترونية التي تتطابق مع منهجية العهد وتحاكي عصر ثورة المعلومات.

ص: 71

المبحث الثاني: التوصيات

يمكن ايجاز أبرز هذه التوصيات كما يأتي:

1- يوصي الباحث لأعتماد منهجية الحكم الرشيد في عصر ثورة المعلومات؛ لأدارة شؤون البلاد وفي جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية.

2- ضرورة السعي لأيجاد عناصر قدرة تمكّن من نشر الوعي والأرادة السياسية لأعتماد منهجية الحكم الرشيد في ادارة شؤون الدولة.

3- ضرورة تناول ودراسة سياسة الرسول الأعظم (صل الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الآطهار في ادارة شؤون البلاد والعباد، وبطرق تحاكي الواقع وتستشرف المستقبل.

4- توظيف العهد أو اجزاء منه للاستفادة في ادارة شؤون المؤسسات كافة.

5- السعي لأيجاد أنموذج يعتمد العهد كمنهاج في تطبيق الحكم الرشيد (الحکومة الألكترونية) ولعل أمانات العتبات المقدسة الأولى لتكن أنموذجاً.

6- السعي للابتعاد عن الشخصنة والعمل لطرح منهجية الحكم الرشيد للعهد كتطبيقات تدّل على معدن مؤسسيها والمطالبين بها.

7- ضرورة اعتماد مؤسسات الدولة لمنهجية الحكم الرشيد (الحوكمة الألكترونية)، والتي جرى التعديل عليها، وتكاملها من قبل الباحث بعد دراسة العهد.

8- يوصي الباحث بضرور التنسق مع الجامعات؛ لغرض حث طلبة الدراسات العليا

ص: 72

على تناول العهد أو اجزاء منه في رسائهم وأطاريحهم.

9- التنسق مع وزارة التربية لغرض تناول اجزاء من العهد في مناهجهم الدراسية.

10- جعل العهد معياراً للنزاهة ومعالج لظواهر الفساد في البلاد.

11- السعي بوسائل مختلف من اجل الأيمان بضرورة التعايش السلمي واحترام الأخر تمهيداً لبيئة الحكم الرشيد.

12- التواصل مع البلدان الأخرى على أساسس منهجية العهد في تقبل الأخر وايجاد أنموذج للحكم رشيد في التعاملات الدولية.

ص: 73

الهوامش

1- الشيخ محمد السند، بحوث معاصرة في الساحة الدولية، ص 363 - 364.

2- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

3- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

4- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

5- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

6- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)،العتبة العلوية المقدسة، 2012.

7- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية

ص: 74

المقدسة، 2012.

8- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

9- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

10- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

11- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

12-

13- ميشيل هاملتون، التاريخ الضائع، مكتبة الكنغرس واشطن، 2007.

14- اسلام بوك، لنتعرف على شخصية الامام علي عليه السلام، ----،

15- توفيق ابو العلم، في علي بن ابي طالب، اهل البيت، القاهرة، 2003.

16- العجلوني، د. محمد، أثر الحكم الرشيد على التنمية الاقتصادية

ص: 75

المستدامة في الدول العربية، جامعة اليرموك، الاردن 2010.

17- العقابي، د.مازن، "الحوكمة الالكترونية والحكومة الالكترونية"، مركز النور للدراسات، 2015.

18- -----،-----، "أركان الحكم الرشيد العادل من القرآن"، مجلة بدر، 2013.

19- العقابي، د.مازن، متطلبات أمنية المعلومات في ظل الحوكمة الالكترونية، أطروحة دكتوراه، العراق، 2014.

20- اعداد الباحث.

21- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

22- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

23- الصيرفي، محمد، اصلاح التطوير الأداري كمدخل للحكومة الألكترونية، ط (1)، دونلبد للنشر، مصر.

24- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

25- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

26- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

ص: 76

27- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

28- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

29- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

30- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

31- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

32- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

33- العقابي، د.مازن، "من اين نبدا بالحوكمة الألكترونية، مركز النور للدراسات، 2015.

34- العبود، فهد بن ناصر، الحكومة الألكترونية، ط (1)، عمان، 2005.

35- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

36- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

37- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية،

ص: 77

بغداد، 2014.

38- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية،بغداد، 2016.

39- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

40- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيا الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية، بغداد، 2016.

41- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

42- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية،بغداد، 2016.

43- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية،بغداد، 2016.

44- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

45- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية،

ص: 78

بغداد، 2014.

46- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية،بغداد، 2016.

47- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية، بغداد، 2016.

48- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

49- العقابي، د.مازن، "مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني"، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية،بغداد، 2016.

50- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

51- العقابي، د.مازن، متطلبات أمنية المعلومات في ظل الحوكمة الالكترونية، أطروحة دكتوراه، العراق، 2014.

52- اعداد الباحث، متطلبات أمنية المعلومات في ظل الحوكمة الالكترونية، 2014.

53 - اعداد الباحث

54- اعداد الباحث.

ص: 79

55- المناور، فيصل، "مؤتمر لبناء وتنمية القدرات المؤسسية "الكويت، 2014.

56- اعداد الباحث.

ص: 80

المصادر

1- الشيخ محمد السند، بحوث معاصرة في الساحة الدولية، ص 363-364.

2- المستشار فليح سوادي، عهد الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

3- ميشيل هاملتون، التاريخ الضائع، مكتبة الكنغرس واشطن، 2007.

4- اسلام بوك، لنتعرف على شخصية الامام علي عليه السلام، -----،

5- توفيق ابو العلم، في علي بن ابي طالب، اهل البيت، القاهرة، 2003.

6- العجلوني، د. محمد، أثر الحكم الرشيد على التنمية الاقتصادية المستدامة في الدول العربية، جامعة اليرموك، الاردن 2010.

7- العقابي، د.مازن، «الحوكمة الالكترونية والحكومة الالكترونية»، مركز النور للدراسات، 2015.

8- ----، ----، «أركان الحكم الرشيد العادل من القرآن»، مجلة بدر، 2013.

9- العقابي، د.مازن، متطلبات أمنية المعلومات في ظل الحوكمة الالكترونية، أطروحة دكتوراه، العراق، 2014.

10- العقابي، د.مازن، المتطلبات الأمنية في ظل الحوكمة الألكترونية، بغداد، 2014.

11- الصيرفي، محمد، اصلاح التطوير الأداري كمدخل للحكومة الألكترونية، ط (1)، دونلبد للنشر، مصر.

12- العقابي، د.مازن، «من اين نبدا بالحوكمة الألكترونية، مركز النور للدراسات، 2015.

ص: 81

13- العبود، فهد بن ناصر، الحكومة الألكترونية، ط (1)، عمان، 2005.

14- العقابي، د.مازن، «مؤتمر عن دور الحوكمة الألكترونية في رفع مستوى الاداء المؤسسي لاسيما الأمني»، مركز النهرين للدراسات الأستراتيجية، بغداد، 2016.

15- المناور، فيصل، «مؤتمر لبناء وتنمية القدرات المؤسسية» الكويت، 2014.

ص: 82

مبادئ الإدارة وفق المنهج القرآني منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) نموذجاً ممثلاً برسالته لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حين ولاه مصر

اشارة

د. علي فرحان عبدالله الفكيكي الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية - لندن

ص: 83

ص: 84

مقدمة:

أن مبادئ ومفاهيم الإدارة وفق المنهج القرآني مثلت ثقافة شؤون الحياة اليومية من خلال المسؤولية والمسائلة والمحاسبة والرقابة والتخطيط والتنظيم ودرجة أداء العمل وإتقانه قبل أن تنطلق الشعارات في العصر الحالي وهذا دليل على أن منهج القرآني منهج رباني جاء كاملاً شاملاً لكافة مجالات العمل دون تخصيص أو تحديد. حيث يتميز المنهج القرآني بخصائص لا تتميز بها المناهج الأخرى، مما جعله أفضل المناهج فهو منهج رباني يسعى إلى تكوين الإنسان الصالح. والإسلام هو دين الفطرة. فهو يهتم بجميع جوانب الإنسان الجسمية والروحية و العقلية ونشاطه الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و غير من الأنشطة، ويشمل دنيا الإنسان و آخرته، بل ويشمل النية بها ولو لم يفعل، ومن هنا فهو أشمل منهج عرفته البشرية.

لقد أكد الامام علي (عليه السلام) في عهده للأشتر على جملة من القواعد والقوانين التي تُدار وتُحكم من خلالها الدولة، وتُراعي شؤون الرعية، فحينما توجه مالك لادارة شؤون مصر كان مزوداً بدستور حكم ناضج ومكتمل القواعد والشروط، وبما يوفر العدل والمساواة ويحفظ كرامة الانسان وحقوقه، ويؤكد على عمارة البلاد وإستصلاحها، والابتعاد عن الطمع وحب الشهوات، والالتزام بالذكر الحسن، والعمل الصالح. کما أكد العهد على الرحمة بالرعية واللطف بهم، وعدم ظلم الآخرين. وقد نال هذا العهد من الاهتمام والدراسة والتمحيص والتفسير والشرح والبيان ما لم ينله نص آخر مماثل له في التوجه على مر العصور، وقد تُرجم إلى كثير من لغات العالم، وفي بعض اللغات تُرجم وشرح مراراً وتكراراً، وهذا دليل على قيمة المعاني الانسانية العظيمة التي يحتويها هذا

ص: 85

العهد، وتناوله مختلف شؤون الحياة أولاً، وواجبات الحاكم والحكومة ثانياً. (1). فقد أراد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، أن يكون خطاباً موجهاً لجميع حكام المسلمين، وغير المسلمين من خلال شخص واحد أراده أن يكون حاكماً على مصر، وهو مالك الأشتر، الصديق الصدوق للإمام علي (عليه السلام).

وفي ضوء ما ء ما تقدم تكونت هيكلية البحث من مقدمة وأربعة مباحث وعلى النحو الاتي:-

المبحث الأول: المنهجية العلمية للبحث.

المبحث الثاني: مفهوم ومبادئ الإدارة من منظور الفكر الغربي.

المبحث الثالث: مبادئ الإدارة وفق المنهج القرآني.

المبحث الرابع: الاستنتاجات والتوصيات.

ص: 86

المبحث الأول: المنهجية العلمية للبحث

اولاً: - مشكلة وأهمية البحث:

إنَّ موضوع الإدارة الإسلامية من المواضيع الهامة وتكتسب أهميتها من كونها مرتبطة بحياة البشر وتنظيم شؤون حياتهم في الدنيا والآخرة. ومهما تطورت الأساليب الإدارية المعاصرة فهي لا تتجاوز إمكانات وقدرات البشر المحدودة. حيث اكدت العديد من الدراسات السابقة على ان دراسة الفكر الإداري وفق المنهج القرآني لم يحظ بعد بالاهتمام الكافي حسب علم الباحث في حين إن المتأمل يجد أن هذا المنهج متكامل وشامل، كما إن هذه الدراسة محاولة لتقديم ملامح المنهج القرآني لتحديد منهجيات العمل والإدارة في شتى المجالات، والذي يحفظ للأمة ثقتها بنفسها وبمنهجها في الحياة والعمل ويقطع الطريق على حملات التشكيك في قدرة الأمة على البقاء والريادة.

ثانياً: - الهدف من البحث:

يهدف هذا البحث إلى استعراض أحد الجوانب الإدارية المهمة وهو مبادئ الإدارة وفق المنهج القرآني - منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) نموذجاً ممثلاً برسالته لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حين ولاه مصر.

ولتحقيق هذا الهدف الرئيس سيتم السعي لتحقيق الأهداف الفرعية الآتية:-

1- استثارة همم المسلمين بضرورة العودة لهذا الأصل العظيم في الإدارة الإسلامية وبيان

ص: 87

أن عطاءه متجدد.

2- نشر الوعي الإسلامي عن ذلك الجانب من الإدارة ومحاولة الاستفادة منه على جميع المستويات.

3- تقدیم بديل للإدارة ليحل محل المنهج الغربي، وذلك عن طريق بيان أهمية الجانب العقائدي في الإدارة الإسلامية.

4- الإسهام في إثراء المكتبات بدراسة علمية في مجال الإدارة.

رابعاً: - منهج البحث:

تقتضي سلامة الوصول إلى نتائج إيجابية للبحث، أن يتبع المنهج الوصفي، من خلال الاطلاع على الكتب والمقالات والدوريات والرسائل العلمية والدراسات العربية الإسلامية والأجنبية.

خامساً: - حدود البحث:

يلتزم الباحث بتوضيح أهم وابرز مبادئ الإدارة وفق المنهج القرآني - منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) نموذجاً ممثلاً برسالته لمالك الأشتر (رضي الله عنه) حين ولاه مصر.

ص: 88

المبحث الثاني: مفهوم ومبادئ الإدارة من منظور الفكر الغربي

منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ووهبهُ نعمة العقل والتفكير والتدبر والتحليل واكتشاف الحقائق كلفهُ بإدارة الأرض وعمارتها وخلافتها، ولا يخفى على أحد أن العمارة والإدارة والخلافة تحتاج إلى عوامل إنتاجية مكملة (الموارد الطبيعية، التقنيات، رأس المال، موارد بشرية) للوصول إلى مخرجات تلك الفعاليات وما يترتب عليها من أثار على مختلف الأزمنة والعصور. لقد تبين للإدارة الحديثة بعد دراسة معمقة حول أهمية عناصر الإنتاج وتحديد أولوياتها أن توفر موارد مادية، طبيعية، تقنية، معلوماتية... لا يمكن أن تصل إلى المصدر الحقيقي لتكوين القدرات التنافسية المستمرة أن لم يتوفر فيها عنصرين رئيسيين هما موارد بشرية مختارة بدقة ومعدة وفق أسس مهنية وعلمية، وقيادات مؤثرة مطلعة على أنماط وقوانين وأنظمة العمل. اذ أن مساهمة القيادات الإدارية في خلق أجواء العمل الجماعي بين العاملين ومختلف الإدارات والفروع، ونشر الوعي التنظيمي الداعي للمشاركة وتناقل الأفكار وإنشاء أنظمة للاتصال بين مختلف المستويات تتميز بالسهولة والأنسابية في حركتها تركت بصمة واضحة في التقدم الحاصل في مختلف المجالات التي نشهدها اليوم. (2).

- مفهوم الإدارة:

أصل كلمة إدارة (Administration) لاتيني بمعنى (To Serve) أي (لي يخدم) والإدارة بذلك تعني «الخدمة» على أساس أن من يعمل بالإدارة يقوم على خدمة الآخرين. وفي ظل الاهتمام الذي حظيت به الإدارة إلا أن تعريفاتها التي قدمها العلماء

ص: 89

والرواد قد تباينت، شأنها في ذلك شأن كثير من مصطلحات العلوم الإنسانية، فكل منهم قد تأثر بمدخل معين. وقد عرفها:-

1- النمر بأنها: «النشاط الموجه نحو التعاون المثمر والتنسيق الفعّال بين الجهود البشرية المختلفة العاملة من أجل تحقيق هدف معين بدرجة عالية من الكفاءة»(3).

2- الصباب بأنها: «عملية توجيه الجهود البشرية بشكل منظم لتحقيق أهداف معينة». (4).

3- مصطفى والنابة بأنها: عملية تنظيم تتكامل فيها الجهود لتنظيم الموارد البشرية والمادية نحو هدف مشترك.

4- الجضعي بانها: «عملية اجتماعية مستمرة تسعى إلى استثمار القوى البشرية والإمكانات المادية من أجل تحقيق أهداف مرسومة بدرجة عالية من الكفاءة، (6).

- الإدارة هل هي علم أم فن؟

الإدارة مزيج من العلم والفن، فهي علم لأن لها مبادئ وقواعد وأصولاً علمية متعارفاً عليها، وتقوم على توظيف مناهج البحث العلمي في استكشاف نظرياتها وفحصها، وفي الوقت ذاته هي فن لأنها تعتمد على القدرات الإبداعية والمهارات، فإن الفصل في هذا الموضوع هو القول إن الإدارة هي فن استخدام العلم. (7).

ومن هذا التعريف يمكن استخلاص العناصر التالية:-

- أن الإدارة عملية تتضمن وظائف عدة هي التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة.

- أنها اجتماعية فهي لا تنشأ من فراغ، بل تنشأ داخل مجموعة منتظمة من الأفراد وتأخذ في الحسبان مشاعرهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم.

ص: 90

- أنها وسيلة وليست غاية فهي وسيلة تنشد تحقيق أهداف مرسومة.

- أنها تعتمد على استثمار القوى البشرية والإمكانات المادية المتاحة.

- أنها تسعى إلى تحقيق الأهداف بدرجة عالية من الكفاءة.

- علاقة الإدارة بأخلاقيات المهنة

المهم في التعريفات الإدارية الوصول إلى الإنتاج المادي بغض النظر عن الوسائل، وهنا تتميز الإدارة الإسلامية حين تنظر إلى الإنتاج على أنه وسيلة لعبادة الله، يجب أن لا يتعارض مع الهدف والغاية ويكون منضبطاً بشروطها. لتوضيح العلاقة بين الإنتاجية الجيدة ووضع العمال أجرى عالم الاقتصاد الإنجليزي آدم سميث في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي دراسة عن أسباب ازدهار وتدهور ثروات الأمم، فلاحظ في كتابه (ثروة الأمم) الارتباط الوثيق بين جودة الإنتاج وغزارته، والارتباط بين عدم جودته وضآلته، وتوصل إلى أن سبب التفاوت يعود إلى وضع العاملين بين حالتي الإلزام والالتزام، فالذي يعمل بأخلاقيات المهنة بدافع الالتزام يكون دقيق الإنتاج وغزيره، أما الذي يعمل بدافع الإلزام فهو ركيك الإنتاج وضئيله. (8).

- مبادئ الإدارة الرئيسة عند تايلور:-

1- تحديد نوع وكمية العمل المطلوب أداؤه من كل فرد (وهو ما يطلق عليه اليوم تحديد الاختصاصات والمسؤوليات) بناء على دراسة علمية وليس على مجرد التخمين من جانب الإدارة.

2- الاختيار العلمي للشخص الذي يناسب الوظيفة المسنودة إليه.

3- اقتناع كل من هيئة الإدارة والعاملين بعدالة التنظيم الإداري واحترام مبادئه.

ص: 91

4- تقسيم الواجبات والمسؤوليات؛ فتختص الإدارة بمهمة التخطيط ويترك للعمال مهمة التنفيذ.

- مبادئ الإدارة الرئيسة عند هنري فايول:-

1- مبدأ روح الاتحاد او التعاون: إن روح الاتحاد والانسجام بين الأفراد العاملين في المنشأة تعتبر قوة لها، وبذلك وجب أن تبذل الجهود لتدعيمها. (إن بث الفرقة بين قوى الأعداء لإضعافهم يعتبر عملاً يتصف بالمهارة، بينما بث الفرقة بين نفس الفريق الذي ينتمى إليه الشخص يعبر إثماً كبيراً).

2- مبدأ خضوع المصالح الفردية للمصلحة العامة: أن الفرد يعمل لصالح المجتمع، إذ أن المجتمع أهم من الفرد. ويتطلب هذا المبدأ تغليب مصلحة المنشأة على مصلحة أحد موظفيها.

3- مبدأ المساواة: إن تشجيع القوى العاملة أو الموظفين على أداء وظائفهم بأعلى ما في طاقاتهم وقدراتهم وإحساسهم بالولاء والإخلاص لعملهم ورئيسهم يتطلب ضرورة اتباع مبدأ المساواة.

4- مبدأ مكافأة الأفراد: يقول هنري فايول في كتابة (الإدارة العامة والصناعية) إن دفع الأجور أو المرتبات بطريقة عادلة تؤثر تأثيراً ملحوظاً على تقدم المنشأة.

5- مبدأ المسؤولية والسلطة: السلطة هي ممارسة حق يخول لصاحبه إصدار أوامر ويكون على مرؤوسيه الطاعة.

6- مبدأ النظام والطاعة: ترجع أهمية النظام إلى قدرته على توفير حسن سير العمل في المنشأة، والنظام يعني إطاعة الأوامر وتنفيذها وتنفيذ ما اتخذ من قرارات.

7- مبدأ وحدة الأمر: يجب ألا يتلقى الموظف تعليماته إلا من رئيس واحد فقط، وهو

ص: 92

رئيسه المباشر، إذ أن عدم احترام هذا المبدأ ينتج عنه الاستهانة بالسلطة والإخلال بالنظام.

8- مبدأ وحدة التوجيه: يعني رئيساً واحداً وخطة واحدة لتحقيق هدف واحد، وهذا المبدأ لا يتعارض مع مبدأ وحدة الأمر؛ وذلك لأن وحدة الأمر تمارس على الأشخاص فقط.

9- مبدأ تدرج السلطة: ينبغي ضرورة توضيح تسلسل الرئاسات من أعلى المستويات إلى أدناها وتوضيح نطاق الإشراف.

10- مبدأ الترتيب: ترتيب الأشياء والأفراد، فهو يقول فيما يتعلق بترتيب الأشياء (إن كل شيء يجب أن يكون له مكان، وأن يوضع كل شيء في مكانه الخاص، ويستهدف ذلك أن يوضع كل موظف في المكان المناسب له).

11- مبدأ استقرار الموظفين: يتطلب الموظف الجديد بعض الوقت للاعتياد على عمله الجديد حتى يتمكن من أدائه بنجاح، وهذا يضمن استمرار الموظف في العمل فيه بعد التدريب.

ص: 93

المبحث الثالث: مبادئ الإدارة وفق المنهج القرآني

ان الرسول الاكرم (صلى الله عليه {واله} وسلم) هو الذي وضع اللبنة الأولى للتنظيم الإداري في الدولة الإسلامية، بعد الهجرة من مكة الى المدينة، فقد كانت الفترة التي مكثها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة فترة لتأسيس العقيدة الإسلامية، ولما هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، بدأ تأسيس الدولة، ووجدت الأحكام التي تنظم فوضى المجتمع فشرعت الأحكام التي تنظم علاقات أفراد المسلمين بعضهم ببعض، وعلاقتهم بغيرهم في حالة السلم وحالة الحرب، وبجانب الأحكام التي تبين العبادات، وجدت أحكام المعاملات من بيع وتجارة ورهن وغيرها، وأحكام الحرب، والعنائم والعقوبات، والمواريث، والوصايا، والقضاء، فالدولة الإسلامية تكونت بعد هجرة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بجانب كونه رسولاً يبلغ عن ربه كان رئيساً للدولة، فقد كان للرسول سلطة التنفيذ، كما كان له ايضاً سلطة القضاء، فتولى القضاء بنفسه، وولى غيره (11).

إذ إن المنهج الإسلامي يقدم مفهوما للإدارة يتصف بالشمولية والإطلاق بعيدا عن الانحصار المعرفي في إزاء التعامل مع المفهوم المجرد للإدارة، إن كلمة الفكر الإداري الإسلامي كما عرفها د. حمدي عبد الهادي تعني «الآراء و المبادىء والنظريات التي سادت حقل الإدارة، ودراسة وممارسة عب العصور والأزمنة، ويعتب فكرا إسلاميا هذه الآراء والمبادىء والنظريات وذلك بالاستناد إلى توجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة». (12).

ص: 94

- تعريف الإدارة لغة

وردت عدة تعريفات للإدارة في معاجم اللُّغة، إذ جاء تعريفها في "لسان العرب" في مادة (دوّر): من دار الشيء دورانا، وأداره عن الأمر. ويقال: أدرت فلاناً عن الأمر إذا حاولت إلزامه إياه وأدرته عن الأمر إذا طلب منه. (13). ويقال: «أدار الوزير العمل: أشرف عليه». (14).

- تعريف الإدارة في الإسلام:

1- عرفها المزجاجي (15) بأنها: نشاط جماعي مشروط يقوم به الراعي مع موظفي العاملين في جميع الأجهزة الحكومية من خلال تقديم سلعة مشروعة إلى الجمهور بلا تمييز، شعوراً منهم بأمانة الإدارة أثناء ممارساتهم الإدارية وفقاً لأنظمة وتعليمات مصدرها الشريعة الإسلامية، سعياً لتحقيق أهداف عامة مباحة من أجل توفير الأمن والرخاء والنماء للبلاد والعباد.

2- عرفها المطيري (16) بأنها: الإدارة التي يتحلى أفرادها بالسلوك الإسلامي عند أدائهم لأعمالهم، ويقومون بواجباتهم الوظيفية بجميع مستوياتها وفقاً للشريعة الإسلامية

- النظام الإداري في الإسلام:

أن النظام الإداري في الإسلام هو مجموعة الأحكام والتشريعات لتنظيم جهود البشر جماعيا وفرديا وتوجيههم وجهة هادفة لتحقيق مصالحهم، وسد حاجاتهم الدنيوية والأخروية وحفزهم بها إلى فعل الخير والبعد عن الشر ومنع الإفساد في الأرض. (17).

ص: 95

- النظرية الإسلامية:

أنها مجموعة من المفاهيم والأفكار والأحكام والقيم والأهداف المرتبطة بإعداد الإنسان المسلم حسب الأصول الإسلامية اعتبارا من أسسها ومناهجها وأساليب تحقيقها وتنفيذها. وترتكز النظرية الإسلامية على النقاط التالية (18):-

1- مستمدة في أساسها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

2- تتصف بالشمولية.

3- تشتمل على المعرفة والأساليب والوسائل والإدارة، وهي بهذا تختلف عن النظريات الأخرى.

4- تعمل على توجيه السلوك الإنساني وقيمه.

5- تعتمد على التفاعل ما بين النظرية والممارسة العملية، فالإسلام دين عمل وجهاد.

- مقارنة بين مفهوم الإدارة العامة المعاصرة والإدارة الإسلامية:

ان الناظر إلى مفهوم الإدارة العامة المعاصرة والإدارة العامة الإسلامية من خلال التعريفات السابقة يجدهما يتفقان في أنَّهما من الأساليب والنظم والمناشط الإدارية التي تؤديها منظمات وأجهزة الدولة، والتي تهدف بصفة أساسية إلى تحقيق الصالح العام والمنفعة العامة في المجتمع من خلال استغلال الموارد المتاحة في البيئة المعينة خلال فترة زمنية محددة. ولكن نجد أنَّ التمايز واضح والفرق بينها في بعض الجوانب الأساسية، فنجد أنَّ الإدارة العامة الإسلامية محورها الأساس العقيدة والإيمان وبهما يتجاوز الفرد المسلم المنافع الشخصية الدنيوية إلى سعة التكليف الرباني الذي يجعل الحياة كلها لله، وأنَّ غاية خلق الإنسان هو العبادة والخلافة في الأرض تحقيقاً لقوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ

ص: 96

الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ». (19).

أمَّا الفكر الإداري الغربي فهو يعالج المشكلة الإدارية في إطار نظريات ذات نظرة جزئية غير شاملة لا تضع اعتباراً ولا حيزاً لما وراء المادة والمنفعة، بل تركِّز بصفة أساسية على المنافع الشخصية أو الجماعية أو المنافع المشتركة في إطار العلاقات بين الدول دون أدنى نظرة للدين والعقائد. (20). حيث أنَّ الإدارة العامة الإسلامية تتفوَّق على الإدارة العامة المعاصرة بالآتي (21):-

1- الإدارة العامة الإسلامية تسعى بصفة أساسية لخدمة الأهداف المشروعة من خلال مناشطها الخدمية والسلعية المباحة يحكمها في ذلك الإيمان والعقيدة الربانية.

2- يؤدِّي المكلَّف العمل في الإدارة الإسلامية عمله على أساس أنه على قيمة إيمانية يسعى من خلالها للعبادة. كما إن التعامل في الإدارة الإسلامية يتم على أساس الأخوة الإسلامية والمساواة واحترام إنسانية العامل ونوع العمل.

- المنهج الإداري الإسلامي:

1- استمدت الحضارة الإسلامية أسسها الإدارية من القرآن الكريم والسنة النبوية ونهج أهل البيت عليهم السلام.

2- تضمنت الكثير من الأفكار والمفاهيم الإدارية عالية المستوى للتطبيق في كل مكان وزمان.

3- ينظر إلى الإنسان على أنه كائن اجتماعي يحتاج للاحترام والتقدير والرضا كما يحتاج لأجرته.

4- عرفت الدولة الإسلامية نظامي المركزية واللامركزية في الإدارة، وتفويض السلطة والمسؤولية، وتقسيم العمل.

ص: 97

- المبادئ الإدارية التي أكد عليها اميرالمؤمنين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام ):

اشارة

استلم الإمام علي (عليه السلام) الخلافة في (25) ذي الحجة عام (35 ه)، فوجد الأوضاع متردّية بشكل عام، وعلى أثر ذلك وضع خطّة إصلاحية شاملة، ركّز فيها على شؤون الإدارة، والاقتصاد، والحكم، وفي ما يلي بعض المبادئ الإدارية التي أكد عليها (عليه السلام) في رسالته (22)* إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) عندما ولاه مصر:-

اولاً:- مبداء العلاقات الإنسانية: أول شيء أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) به مالكاً الأشتر، الذي عيّنه والياً له على مصر، أن يكون محبَّاً للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى. ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة. إذ قال (عليه السلام): «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ، یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ».

ثانياً: - مبدأ التواضع: ويقصد به الخضوع والإذعان للحق والابتعاد عن الزهو والإعجاب بالنفس وهذه صفة لازمة لكل إنسان يقدر نفسه حق قدرها ويريد لها الخير، وقيل في تعريف التواضع: (هو ضبط النفس عن الكبر والعجب والغرور ومعرفة النفس قدرها)، ويقول تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا». (23).

يقول الامام (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه): «إیّاكَ والإعجابَ بِنَفسِكَ،

ص: 98

والثِّقَهَ بِما یُعجِبُكَ مِنها، وحُبَّ الإطراءِ؛ فإنَّ ذلِكَ مِن أوثَقِ فُرَصِ الشَّیطانِ فی نَفسِه، لِیَمحَقَ ما یَکونُ مِن إحسانِ المُحسِنینَ».

ويقول ايضاً (عليه السلام) في بعض رسائله إلى عمّاله: «واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وأَلِن لهم جنابك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك».

ثالثاً: - مبداء المساواة: قال تعالى في كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ». (24). وقال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لأفرق بين عربي ولأ اعجمي ولأ ابيض ولأ اسود الأ بالتقوى». حيث حرصت السنة النبوية - باعتبارها أصلا من أصول الإسلام على المساواة بين الناس في القيمة البشرية، وعدها من الأمور الأساسية.

وقد ألزم الإمام (عليه السلام) عُمّاله وَوُلاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم. وتجسّدت فيما يأتي:-

أ- المساواة في الحقوق والواجبات.

ب- المساواة في العطاء.

ج- المساواة أمام القانون. وقدد حدد (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه) شروط الحاكم العادل: «اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ، وَلَا یَتَمَادَی فِی الزَّلّةِ، وَلَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ، وَلَا یَکْتَفِی بِأَدْنَی فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ،

ص: 99

وَأَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَی تَکَشُّفِ الْأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ، مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ، وَلَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِیلٌ».

رابعاً:- مبداء العدل: أنَّ الناس فيهم المحسن والمسيء، فلا تجوز المساواة بين الصنفين؛ لأنَّ في ذلك قطعاً لسُبُل الإحسان، وتقليلاً للفاعلين له، وتشجيعاً للمسيئين على الإساءة، وهذا خلاف المباني الإلهية والإسلامية؛ لأنَّ الله يأمرُ بالعدل والإحسان وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.

وكي لا يتساوى المحسن والمسيء، فتتهرأ القيم وتتآكل المثل، ويصاب الناس بالخيبة من عدالة الدولة، دعا الإمام عليعليه السلام) إلى إثابة المحسن، وإشعاره بقيمة عمله، ومعاقبة المسيء، وتنبيهه على دناءة ما فعله، وهذا كله ليس بقصد الإثابة والعقاب فحسب، وإنّما للإثابة أهدافٌ ومعانٍ ساميةٌ، وكذا العقوبة فهي ليست عقوبة تنكيل بقدر عقوبة تأديب، لذا نراه (عليه السلام) قد أوصى الاشتر (رضي الله عنه) بقوله: «وَلَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِی ذلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَی الْإِسَاءَةِ، وَأَلْزِمْ کُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ».

ومن أسمى المبادئ التي امتاز بها الإسلام عما عداه من النظم الوضعية، وقد حث الإسلام على التزام العدل في كل الأمور التي يزاولها وقد حذر الإسلام من أن تدخل مراكز الناس الاجتماعية وأنسابهم في خضوعهم لمقتضى العدل، فالقانون الإسلامي يطبق على كل أفراد الأمة، ولا فرق بين حاكم ومحكوم. (25)

خامساً:- مبدأ الشورى: كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عله السلام) حريصاً على التزام منهج الشورى في تصرفاته وأعماله وقراراته، ومما أوصى به أمير المؤمنين علي(عليه السلام) لمالك الأشتر: «وَلَاتُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بَخِیلاً یعْدِلُ عَنِ الْفَضْلِ،

ص: 100

وَ یعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلَاجَبَاناً یضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلَاحَرِیصاً یزَینُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ».

إن المستشار منصب دقيق وحساس وذو تأثير بالغ على الحاكم وقراراته المهمة التي يتخذها، فكم من حاكم ورطته استشارة خاطئة، وكم من فتنة أشعلها مستشار أحمق، ولا يكفي أن تكون للمستشار خبرة إدارية سابقة بل يجب أن تتوفر فيه خصال خلقية ونفسية سامية، ويتجرد من صفات سلبية كالجبن والبخل والطمع ستؤثر حتماً على استشاراته، وهذا أحد معالم ارتباط السياسة بالأخلاق عند الإمام علي (عليه السلام). وبعد نهيه عن الاستعانة بمستشاري السوء يطالب الإمام الحاكم بمناقشة شؤون الحكم والبلد وتدارسها مع العلماء والحكماء لأنهم الأقدر على تشخيص مصالح البلاد والعباد وإعطاء الرأي السديد الذي ينشده الحاكم. (26).

أن الحاكم إذا لم يكن له مستشارون فلا يعلم محاسن دولته ولا عيوبها وسوف يغيب عنه الكثير في شؤون الدولة وقضايا الحكم، وكان يعلم أن الشورى تعرفه ما يجهله، وتضع أصابعه على مالا يعرفه، وتزيل شكوكه في كل الأمور التي يقدم عليه.

سادساً: - مبداء العمل الجماعي: عرَّض الامام (عليه السلام)، أقسام الرعية وأصنافها، وبيّن أن كل قسمٍ منها يحتاج للقسم الآخر ومرتبط به ارتباطاً عضوياً، حيث إنَّ كل تلك الأقسام تشكِّل نظاماً متكاملاً متماسكاً، فهي بمثابة الجسم الواحد، وعيّن لكل صنف مسؤوليته ومهمته حتى لا تتداخل الأمور وبالتالي تسود الفوضى. وفي حديثه عن كل صنفٍ من الأصناف. (27). يقول (عليه السلام) للأشتر (رضي الله عنه): «وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ، وَ لاَ غِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ: فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ، وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ

ص: 101

وَ الْخَاصَّةِ، وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ، وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ، وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَاتِ وَ الْمَسْکَنَةِ، وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ، وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ وَ فَرِیضَةً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً».

سابعاً:- مبدأ اختيار الاصلح لاداء العمل: حينما باشر الإمام (عليه السلام) خلافته، كانت الدولة قد أصابها انحراف كبير من جراء ظلم الولاة وفساد بطانتهم ومعاونيهم، ولذا فإنها كانت تحتاج للتغيير والتصحيح، خاصة في مفاصلها الرئيسة المتمثلة في الولاة وكبار الموظفين. ولقد سارع الإمام لتغيير الولاة المفسدين الذين كانوا السبب المباشر في ثورة الناس على عثمان، واستبدلهم بولاة صالحين من خيار الصحابة المشهود لهم بالتقوى والورع كمحمد ابن أبي بكر وقيس بن سعد بن أبي عبادة وسهل بن حنيف الأنصاري وغيرهم. (28).

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكِّد على ضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويؤكِّد على اختيار أصحاب الكفاءات وأهل الورع والعفة والسياسة والحياء، وحذر من الاختيار القائم على المحاباة والذي تجرع الناس منه الغُصص والويلات.

يقول (عليه السلام) للأشتر (رضي الله عنه): «ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَراً، وَلاَ تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَتوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَيَاءِ، مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَالْقَدَمِ فِي الاْسْلاَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاَقاً، وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وَأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً، وَأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الاْمُورِ نَظَراً. ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الاْرْزَاقَ، فَإِنَّ ذلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاَحِ أَنْفُسِهِمْ، وَغِنىً لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ».

ص: 102

إذ كان اختيار الامام (عليه السلام) للموظفين بناءاً على شروط، فانه كان يضعهم تحت التجربة لمدة من الزمن. فيقول(عليه السلام) للأشتر (رضي الله عنه): «فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ، [وَ أَنْقَاهُمْ] جَيْباً، وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِى الْأَحْسَابِ، وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ، وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ. ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ؛ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ، وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ».

وكان الامام (عليه االسلام) يراقب أدائهم من خلال مجموعة من الطرق التي وضعها، فإذا لمس من هؤلاء أي خيانة لأمانتهم عزلهم وعاقبهم، وإذا لمس منهم تقصير في أداء أعمالهم، كتب إليهم من أجل تنبيههم الى الخلل، الذي ربما يكون غير مقصود. إذ يقول (عليه السلام) للأشتر (رضي الله عنه): «ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاِمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ. وَتَحَفَّظْ مِنَ الاْعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَة اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اكْتَفَيْتَ بِذلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ».

ثامناً:- مبداء محاسبة النفس: ان هذا المبداء هو لغرض المحافظة على النظام من الاهمال والتقصير في اداء الواجبات فمحاسبة النفس كل يوم عمّا عملته، من خلال ضبط النفس وصيانتها عن الاخلال بالواجبات ومقارفة المحرمات وعن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية، فلما رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي عليهم الجهاد الأكبر قيل: يا رسول الله وما الجهاد

ص: 103

الأكبر؟ قال: جهاد النفس. ثم قال: أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه. (29).

أن أعظم الجهاد في الإسلام هو جهاد النفس، الذي عبر عنه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ب «الجهاد الأكبر» أي هو جهاد أعظم من جهاد العدو الذي عبر عنه بالجهاد الأصغر. وإذا لم يتوفر في الإنسان الجهاد الأكبر بالمعنى الواقعي أساسا فلن ينتصر في جهاده على أعدائه. (30).

تاسعاً: - مبداء الإشراف والرقابة: أنّ الرقابة في فلسفة الإمام علي (عليه السلام) لم تكن رقابة طائشة، أو مُستَفِزّة، أو رقابة تجريم أو تنكيل، بل كانت رقابة تحصين ووقاية ضد الآفات الاجتماعية التي تؤدي إلى ضياع حقوق الأفراد والمجتمع، ومن ثُمَّ تؤدي إلى ضعف الروابط الاجتماعية بين أفراد الأمة الواحدة، بعد ضعف الوازع الديني الذي هو - كما هو معلوم - من الأسباب الرئيسة للانحراف بالأمة عن مسارها الصحيح الذي أراده لها المشرع العظيم. نستطيع أن نتلمس ذلك كله من خلال النصوص التي وردت إلينا عن الإمام علي (عليه السلام)، وهو يوصي عامله على مصر بضرورة تعاهد عماله بالمراقبة، وتفقد شؤونهم، والسؤال عن أحوالهم؛ ليتضح لنا كم كان هدف الرقابة نبيلا، وكم كانت غايتها سامية جليلة، هدفها حفظ الدين والناس. وتبدأ الرقابة في فكر الإمام (عليه السلام) من أصغر الأمور، وتصحيح الأوضاع منذ بدايتها، وليس انتظار الأمور حتى تكبر، وتتفاقم، ثم يكون التنكيل والانتقام، وبالمحصلة فالرقابة في فكرِه (عليه السلام) إنّما هي تحصين العمال ضد الغش والخيانة، وبعبارة أخرى هي وقاية وليست علاجا، وقد قيل قديما: درهمُ وقاية خيرٌ من قنطار علاج. (31).

إذ أوصى الإمام علي (عليه السلام) الأشتر (رضي الله عنه): «ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ وَلاَ تَدَعْ

ص: 104

تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَا لاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ».

وكذلك يقول (عليه السلام) لأشتر (رضي الله عنه): وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ.

ص: 105

الخاتمة:

«تكريماً لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أصدرت الأمم المتحدة، في العام 2002، تقريراً باللغة الإنكليزية بمائة وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسین البيئة والمعيشة والتعليم، حيث تم فيه اتخاذ الإمام عليّ (عليه السلام)، من قبل المجتمع الدولي شخصيةً متميزة، ومثلاً أعلى في إشاعة العدالة، والرأي الآخر، واحترام حقوق الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وتطوير المعرفة والعلوم، وتأسيس الدولة على أسس التسامح والخير والتعددية، وعدم خنق الحريات العامة. وقد تضمن التقرير مقتطفات من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام الموجودة في نهج البلاغة، التي يوصي بها عماله، وقادة جنده، حيث يذكر التقرير أنَّ هذه الوصايا الرائعة تعد مفخرة لنشر العدالة، وتطوير المعرفة، واحترام حقوق الإنسان. وشدد التقرير الدولي على أن تأخذ الدول العربية بهذه الوصايا في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لأنها (لا تزال بعيدة عن عالم الديمقراطية، ومنع تمثيل السكان، وعدم مشاركة المرأة في شؤون الحياة، وبعيدة عن التطور وأساليب المعرفة). والملاحظ أنَّ التقرير المذكور قد وزع على جميع دول الأمم المتحدة، حيث اشتمل على منهجية أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في السياسة والحكم، وإدارة البلاد، والمشورة بين الحاكم والمحكوم، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، وتحقيق مصالح الناس، وعدم الاعتداء على حقوقهم المشروعة. وتضمن التقرير الدولي أيضاً شروط الإمام عليّ (عليه السلام) للحاكم الصالح، التي وردت في نهج البلاغة، وفيها يقول (عليه السلام): (إنَّ من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس). واقتبس التقرير الدولي مقاطع من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام لعامله على مصر مالك الأشتر، التي

ص: 106

يؤكد فيها على استصلاح الأراضي والتنمية ويقول: (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأنَّ ذلك لايدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً). وورد في التقرير الدولي أيضاً أساليب الإمام عليّ (عليه السلام)، في محاربة الجهل والأمية، وتطوير المعرفة، ومجالسة العلماء، حيث يقول (عليه السلام): (وأكثر من مدارسة العلماء، ومنافسة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك). ومن شروط الحاكم العادل أخذ التقرير الدولي قول أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، الذي قال فيه: (ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه؛ وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم في الحجج، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم؛ ممن لايزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليلون، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً). إنَّ هذا التقرير يبين أنَّ علياً بن أبي طالب (عليه السلام) يعد مفخرة يحار الإنسان إلى أي جانب منها يشير. وكيف لا؟ وهو قد تربى على صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان مما أنعم الله عزوجل به على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أنه كان في حجر رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم)، وكان أول ذكر من الناس آمن برسول الله، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى (32).

ص: 107

المبحث الرابع: الاستنتاجات والتوصيات

اولاً:- الاستنتاجات:

1- عرف المسلمون الإدارة ومارسوها في كافة شؤونهم ونشاطاتهم الدينية والدنيوية.

2- أنَّ مبادئ الإدارة في السنة النبوية الطاهرة محورها الأساس العقيدة والإيمان وبهما يتجاوز الفرد المسلم المنافع الشخصية الدنيوية إلى سعة التكليف الرباني الذي يجعل الحياة كلها لله، وأنَّ غاية خلق الإنسان هو العبادة والخلافة في الأرض.

3- أن منهج الامام علي (عليه السلام) يمتلك مفهوماً خاصاً للإدارة، يختلف عن ما هو في الفكر الغربي، فهي يسعى بصفة أساسية لخدمة الأهداف المشروعة يحكمها في ذلك الإيمان والعقيدة الربانية.

4- أصدرت الأمم المتحدة، في العام 2002، تقريراً باللغة الإنكليزية بمائة وستين صفحة، أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان وتحسين البيئة والمعيشة والتعليم، حيث تم فيه اتخاذ الإمام عليّ (عليه السلام) من قِبَل المجتمع الدولي شخصيةً متميزة، ومثلاً أعلى في إشاعة العدالة، والرأي الآخر، واحترام حقوق الناس جميعاً مسلمين وغير مسلمين، وتطوير المعرفة والعلوم، وتأسيس الدولة على أسس التسامح والخير والتعددية، وعدم خنق الحريات العامة.

5- المستشاريين القانونيين للأمم المتحدة قد إعتمدوا رسالة الإمام علي صلوات الله عليه لمالك الأشتر (13 صفحة تقريبا) و مقولة (الخلق صنفان، إما أخ لك في الدين او

ص: 108

نضير لك في الخلق) كمصادر للتشريع القانوني لهيئة الأمم المتحدة.

6- يؤدِّي المكلَّف العمل في الإدارة من المنظور الاسلامي عمله على أنه على قيمة إيمانية يسعى من خلالها للعبادة، وعلى أساس الأخوة ة والمساواة واحترام إنسانية العامل ونوع العمل.

7- أن النظام الإداري في الإسلام والسنة النبوية ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)، هو «مجموعة الأحكام والتشريعات التي شرعها الإسلام لتنظيم جهود البشر جماعيا وفرديا وتوجيههم وجهة هادفة لتحقيق مصالحهم وسد حاجاتهم الدنيوية والأخروية وحفزهم بها إلى فعل الخير والبعد عن الشر ومنع الإفساد.

8- تتبنى الإدارة الغربية التخطيط والتركيز على الزبائن وهي ربحية دنيوية هدفها الاساسي هو ارضاء المستهلك لتحقيق اهدافها وفي مقدمة تلك الاهداف تحقيق الربحية.

ثانياً:- التوصيات:

1- العناية بتقوية الجوانب المعنوية المتصلة بإدارة من المصادر الاسلامية لدى جميع الافراد بدون استثناء وفي جميع القطاعات.

2- التخلق بأخلاقيات القيادة إلاسلامية الناجحة، وذلك من خلال تهيئة كوادر مؤهلة ذات قدرات ومهارات متميزة لما لذلك من دور كبير في تحقيق الاهداف.

3- الاهتمام بمبادئ الإدارة على وفق المنهج الإسلامي في جميع القطاعات، لما لها من قوة عقائدية وأخلاقية في تحقيق التطوير والإصلاح المنشود.

4- من الأهمية تطبيق منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) للإدارة في في جميع

ص: 109

المؤسسات الدولة ويفضل تدريسها في مرحلة الاعدادية والجامعة.

5- اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، وتبادل الرأي والاحترام المتبادل والعلاقة الدافئة بين الرؤساء والمرؤوسين.

6- تنمية وتشجيع روح الإبداع والابتكار لدى العاملين ولقد كان الإسلام سباقاً إلى تنمية روح الابتكار والاجتهاد.

7- تهيئة المناخ الباعث على الإتقان بما يوفره من ضمانات الحرية والشورى والمشاركة والتفويض والعدل والحوافز الملائمة والتكريم والتكافل، ذلك المناخ الذي يشجع العاملين على الحوار الحر المبدع والذي ينمي قدرات الحوار والمشاركة في اتخاذ القرارات والموضوعية في معالجة وجهات النظر المختلفة.

8- تشکیل وحدة إدارية في كل مؤسسة تهتم بالقيم الإسلامية المحفزة على تجويد العمل، وإخلاص العمل لله عز وجل، والأمانة في أداء الأعمال، التعاون من أجل الصالح العام، لزيادة حماس الموظفين ووضعهم على الخط الصيحيح.

9- تشجيع الباحثين على النشر في المجلات العالمية، وذلك من خلال تغطية للنفقات المترتبة على الباحث والمرتبطة بعملية النشر.

ص: 110

الهوامش

1- المالكي، صبيح مزعل جابر والعباسي عماد الدين عبد الرزاق: التناص بين عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر والرسالة الخامسة (في نصيحة الملوك) لسعدي الشيرازي، مجلة جامعة بابل، المجلد 22، العدد 2، 2014. ص 301 (بتصرف).

2- الحسيني، صلاح هادي: القيادة الإدارية وأثرها في إدارة الموارد البشرية استراتيجي، دراسة ميدانية في المنظمات الحكومية في محافظة الناصرية - العراق، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الإدارة والاقتصاد في إلاأكاديمية العربية، في الدنمارك وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير، في إدارة الأعمال، قسم الإدارة، كلية الإدارة والاقتصاد، الأكاديمية العربية في الدنمارك. 2009.

3- النمر، سعود وآخرون، الإدارة العامة - الأسس والوظائف، الطبعة الخامسة، الرياض، المملكة العربية السعودية. 2001. ص 5.

4- الصباب، أحمد عبد الله، أصول الإدارة الحديثة، الطبعة الرابعة، 1992. ص 19.

5- مصطفی، عبد الحميد و النابة، نجاة عبد الله: الإدارة التربوية: مفهومها - نظرياته - وسائلها، الطبعة الاولى، الإمارات للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة. 2005. ص 9.

6- الجضعي، خالد: الإدارة - النظريات والوظائف، الطبعة الاولى، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2006. ص 18.

7- المصدر نفسه. ص 19.

8- الحميد، عبد الواحد بن خالد: ورقة مقدمة لندوة "أخلاقيات العمل في القطاعين الحكومي والأهلي" بعنوان "دور وزارة العمل في تنظيم وضبط أخلاقيات العمل في القطاع الخاص"، المنعقدة في معهد الإدارة العامة، الرياض، المملكة العربية

أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول ص: 111

السعودية. 2005، ص 4.

9- مطاوع، إبراهيم وأمينة أحمد: الأصول الإدارية للتربية، دار الشرق للطباعة والنشر، جدة، المملكة العربية السعودية، 1996..ص 35.

10- مطاوع، ابراهيم: الإدارة التربوية في الوطن العربي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، 2003. ص 35.

11- محمد، رأفت عثمان: الفكر الإداري في الإسلام، وقائع ندوة (31)، الإدارة في الإسلام، التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة بالتعاون مع جامعة الازهر بالقاهرة، المملكة العربية السعودية، للفترة 15 - 119 / 9 / 1990. ص 123.

12- الضحيان، عبد الرحمن إبراهيم: الإدارة في الإسلام: الفكر والتطبيق، الطبعة الاولى، دار الشرق، جدة، المملكة العربية السعودية. 1986. ص 59.

13- ابن منظور، محمد بن مکرم: لسان العرب، مادة - دور، الجزء الرابع، صحَّحها: أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1995. ص 448.

14- الصيني، محمد وحيمور، حسن: معجم الطلاب، مادة (أدار)،مكتبة لبنان، بيروت. لبنان، 1991. ص 50.

15- المزجاجي، أحمد بن داود: مقدمة في الإدارة العامة الإسلامية، الطبعة الاولى، الشركة الخليجية للطباعة والتأليف، جدة، المملكة العربية السعودية، 2000.

16- المطيري، حزام بن ماطر: الإدارة الإسلامية - المنهج والممارسة، الطبعة الاولى، مطابع الفرزدق، توزيع دار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، المملكة

ص: 112

العربية السعودية، 1997. ص 36.

17- سارة، إحسان: الإدارة والقضاء الإداري في الإسلام، الطبعة الاولى، دار يافا العلمية، عمان، الأردن. 2000. ص 23.

18- الشلعوط، فريز محمود أحمد: نظريات في الإدارة التربوية، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2002. ص 73 - 74.

19- سورة الذاريات، الآية: 56.

20- الختم، خالد سر: علم الإدارة في الإسلام بين التنظيم والمنظور، شركة دار الحكمة للطباعة والنشر، الخرطوم بحري، السودان، 1998. ص 118.

21- احمد، سعيد سلمان: الادارة العامة العربية الاسلامية مفاهيم ونظرات تأصيلية، مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الاسلامية، السودان، العدد التاسع (عدد خاص)، 2004. ص 262.

22* الرسالة التي أرسالها الامام علي بن ابي طالب(عليه السلام) إلى مالك بن الاشتر النخعي (رضي الله عنه) عندما ولاه الحكم في مصر. فهي عهد في كيفية إدارة الدولة وسياسة الحكومة ومراعاة حقوق الشعب وفيه نظريات الإسلام في الحاكم والحكومة ومناهج الدين في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحرب والإدارة الأُمور العبادية والقضائية.

23- سورة القصص، الايه: 83.

24- سورة.الحجرات، الآية: 13.

25- محمد رافت عثمان: مصدر سابق، ص 135

26- العاتي، ابراهيم: الرؤية السياسية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) - دراسة تحليلية في عهده إلى واليه على مصر مالك الأشتر، ط 1، مطبعة الضياء للطباعة

ص: 113

والتصميم، النجف الأشرف، العراق. 2010. ص 62.

27- فايز، علي شكر: الرعية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، //:http تاریخ ،www.haydarya.com/maktaba_moktasah/17/16.htm الزيارة: 2016/11/20.

28- العاتي، ابراهيم: مصدر سابق. ص 62.

29- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي: معاني الأخبار، المتوفي سنة 381 ه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، مصادر الحديث الشيعية، القسم العام، المكتبة الشيعية الناشر انتشارات إسلامي الحوزة العلمية، قم المشرفة، ایران، جميع الحقوق محفوظة ل مؤسسة آية الله العظمى الميلاني لإحياء الفكر الشيعي. 1959. ص 160.

30- الشيرازي، ناصر مكارم: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، طبعة جديدة منقحة، المجلد السابع، مصادر التفسير، المكتبة الشيعية، جميع الحقوق محفوظة ل مؤسسة آية الله العظمى الميلاني لإحياء الفكر الشيعي، ص 184.

31- صياح، رحيم علي، والشمري، عبد الحميد حمودي الشمري: الفكر الرقابي عند الإمام علي (عليه السلام)، مجلة جامعة بابل، المجلد 22، العدد1، 2014، ص 42 - 43.

32- قاسم خضير عباس: الإمام علي وتكريمه من قبل الأمم المتحدة، موقع العتبة الباسية المقدسة، الرابط: .https://forums.alkafeel.net/showthread php?t=55487 تاريخ الزيارة: 2016/11/32.

ص: 114

المصادر

- القرآن الكريم.

- الاحاديث النبوية الشريفة.

- نهج البلاغة.

اولاً: المصادر العربية:

1- ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، مادة - دور، الجزء الرابع، صحَّحها: أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1995.

2- احمد، سعيد سلمان: الادارة العامة العربية الاسلامية مفاهيم ونظرات تأصيلية، مجلة جامعة القرآن الكريم والعلوم الاسلامية، السودان، العدد التاسع (عدد خاص)، 2004.

3- الجضعي، خالد: الإدارة - النظريات والوظائف، الطبعة الاولى، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2006.

4- الحسيني، صلاح هادي: القيادة الإدارية وأثرها في إدارة الموارد البشرية استراتيجي، دراسة ميدانية في المنظمات الحكومية في محافظة الناصرية - العراق، رسالة مقدمة إلى مجلس كلية الإدارة والاقتصاد في إلا أكاديمية العربية، في الدنمارك وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير، في إدارة الأعمال، قسم الإدارة، كلية الإدارة والاقتصاد، الأكاديمية العربية في الدنمارك. 2009.

5- الحميد، عبد الواحد بن خالد: ورقة مقدمة لندوة «أخلاقيات العمل في القطاعين الحكومي والأهلي» بعنوان «دور وزارة العمل في تنظيم وضبط أخلاقيات العمل

ص: 115

في القطاع الخاص»، المنعقدة في معهد الإدارة العامة، الرياض، المملكة العربية السعودية. 2005.

6- الختم، خالد سر: علم الإدارة في الإسلام بين التنظيم والمنظور، شركة دار الحكمة للطباعة والنشر، الخرطوم بحري، السودان، 1998.

7- سمارة، إحسان: الإدارة والقضاء الإداري في الإسلام، الطبعة الاولى، دار يافا العلمية، عمان، الأردن. 2000.

8- الشلعوط، فريز محمود أحمد: نظريات في الإدارة التربوية، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2002.

9- الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي: معاني الأخبار، المتوفي سنة 381 ه، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، الناشر انتشارات إسلامي الحوزة العلمية، قم المشرفة، ايران، جميع الحقوق محفوظة ل مؤسسة آية الله العظمى الميلاني لإحياء الفكر الشيعي. 1959.

10- الصباب، أحمد عبد الله، أصول الإدارة الحديثة، الطبعة الرابعة، 1992.

11- صياح، رحيم علي، والشمري، عبد الحميد حمودي الشمري: الفكر الرقابي عند الإمام علي (عليه السلام)، مجلة جامعة بابل، المجلد 22، العدد 1، 2014.

12- الصيني، محمد وحيمور، حسن: معجم الطلاب، مادة (أدار)، مكتبة لبنان، 12 بيروت، لبنان، 1991.

13- الضحيان، عبد الرحمن إبراهيم: الإدارة في الإسلام: الفكر والتطبيق، الطبعة الاولى، دار الشرق، جدة، المملكة العربية السعودية. 1986.

ص: 116

14- العاتي، ابراهيم: الرؤية السياسية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) - دراسة تحليلية في عهده إلى واليه على مصر مالك الأشتر، ط 1، مطبعة الضياء للطباعة والتصميم، النجف الأشرف، العراق. 2010.

15- المالكي، صبيح مزعل جابر والعباسي عماد الدين عبد الرزاق: التناص بين عهد الإمام علي (عليه السلام) الى مالك الأشتر والرسالة الخامسة (في نصيحة الملوك) لسعدي الشيرازي، مجلة جامعة بابل، المجلد 22، العدد 2، 2014.

16- محمد، رأفت عثمان: الفكر الإداري في الإسلام، وقائع ندوة (31)، الإدارة في الإسلام، التي نظمها المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك الإسلامي للتنمية بجدة بالتعاون مع جامعة الازهر بالقاهرة، المملكة العربية السعودية، للفترة من 15-1990/9/19.

17- المزجاجي، أحمد بن داود: مقدمة في الإدارة العامة الإسلامية، الطبعة الاولى، الشركة الخليجية للطباعة والتأليف، جدة، المملكة العربية السعودية، 2000.

18- مصطفی، عبد الحميد و النابة، نجاة عبد الله: الإدارة التربوية: مفهومها - نظرياته - وسائلها، الطبعة الاولى، الإمارات للنشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة. 2005.

19- مطاوع، إبراهيم وأمينة أحمد: الأصول الإدارية للتربية، دار الشرق للطباعة والنشر، جدة، المملكة العربية السعودية، 1996.

20- مطاوع، ابراهيم: الإدارة التربوية في الوطن العربي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر، 2003.

ص: 117

21- المطيري، حزام بن ماطر: الإدارة الإسلامية - المنهج والممارسة، الطبعة الاولى، مطابع الفرزدق، توزيع دار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1997.

22- النمر، سعود وآخرون: الإدارة العامة - الأسس والوظائف، الطبعة الخامسة، الرياض، المملكة العربية السعودية. 2001.

ثانياً: المصادر الالكترونية:

قاسم خضير عباس: الإمام علي وتكريمه من قبل الأمم المتحدة، موقع العتبة الباسية المقدسة، الرابط: https://forums.alkafeel.net/showthread.php?t=55487 الزيارة: 2016/11/32.

فايز، علي شكر: الرعية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر، ،http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/17/16.htm تاريخ الزيارة: 2016/11/20

ص: 118

مبادئ الإدارة والقيادة في عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

الشيخ سجاد الربيعي

ص: 119

ص: 120

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله المصطفی محمد (صلى الله عليه واله وسلم) وعلى أصحابه المنتجبين الميامين

تعد الوثيقة الادارية التاريخية التي ضمنها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عهدا لمالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه)، من الوثائق الادارية الاسلامية التي ازدهرت بها كتب التاريخ والتراث الاسلامي والسيرة العلوية الشريفة. حيث تعتبر هذه الوثيقة من المستندات التي احتوت على أسس ومبادئ أستندت من كتاب الله الكريم والسنة النبوية المطهرة، وتمثل نظاما إداريا متكاملا في جوانبه. والتي عكست الصورة الناصعة للحكم الإسلامي الحقيقي، من خلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين الراعي والرعية، وكيفية توزيع وتصريف الاعمال وتقديم المصالح العامة على المصالح الشخصية، وليست فقط تتسم بالطابع الديني فحسب بل تعدت النظم العلمية في الادارة ونظام الحكم. فجاء بحثنا الموسوم في عنوانه «مبادئ الادارة والقيادة في عهد الامام امير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله علیه) دراسة تحليلية»

ص: 121

أهداف البحث:

الهدف من الدراسة هو تحديد المعالم الاساسية للنظام الإداري في النظرية الاسلامية.

وتتركز أهداف البحث على النقاط التالية.

1- ابراز الفكر الاداري والقيادي للأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من خلال رسالة العهد التي خطها لواليه على مصر الصحابي الجليل مالك الاشتر (رضوان الله عليه).

2- تسليط الضوء على الاسس والمبادئ الادارية والقيادية في العهد.

3- التأكيد على المعايير الخلقية التي يتسم بها المسؤول الاداري في المنظومة الادارية والقيادية.

4- ابراز عنصر العدالة والمساواة في نظام الحكم.

5- التأكيد على عامل اللين والعطف والشفقة والتعامل الحسن في المنظومة الادارية.

ومن خلال هذا البحث نتعرف على المبادئ الادارية الاساسية في عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الاشتر، المتمثلة بالخصائص والعناصر والواجبات والمهام الملقاة على عاتق المدير والتي يجب تحققها في المنظومة الادارية.

ص: 122

تتركز مبادئ الادارة في العهد على المطالب التالية:

اولا - الادارة من موقع العبودية (مبدأ الاعتقاد)

قوله (عليه السلام) (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ) (1)

يريد الامام ان يسلط الضوء على سلوكيات المدراء وانطباعاتهم وتصوراتهم وهما في موقع المسؤولية، هناك انطباعات وسلوكيات تدفع الانسان نحو التسلط وحب الدنيا وحب الجاه. ماذا تكون خلفية من يحمل هذه السلوكيات والانطباعات فيمن يكون في موقع السلطة، لاشك ولا ريب أنه حينما يصل الى موقع المسؤولية سيتخذ مجموعة من الاجراءات القاسية والقرارات الظالمة ويسير نحو الانحراف في تضيع الاهداف وخدمة الناس، ويعتقد بان من يعمل تحت أمرته هو عبد ويتعامل تعامل المولى مع عبده، وليس تعامل مسؤول مع مرؤوسين يستحقون الاهتمام والرعاية كما هو في فكر الإمام (عليه السلام)

وهناك من ينظر الى موقع المسؤولية على انها محطة لهداية الناس وخدمتهم ومحطة يؤتمن فيها على مصالح الناس يضمن من خلالها حقوق الاخرين. فالجانب السلوكي والمعتقد له أثر كبير في مسار أداء المدراء على كافة الاصعدة، ممكن ان يلعب المدير دورا بارزا وسلوكا مغايرا لمعتقداته، لكن على المستوى البعيد لا يستطيع المدير أن يخفي تأثير معتقداته. الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقدم مفتاحا سحريا من مفاتيح النجاح والتفوق في الادارة لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) وهو العبودية لله تعالى والاعتقاد بالمبدأ.

وهذه القضية ليست قضية من القضايا الثانوية أو قضية لا صلة لها بموضوع الادارة

ص: 123

والقيادة. العبودية لله استحضار العلاقة بين الانسان وربه لها الأثر العميق في مجمل السلوك الاداري في كافة المراتب، هذا الاستحضار يجعل الانسان المسؤول والقيادي یمارس علاقة الإنسانية وفق النظرية الاسلامية، وليست العلاقة السلطوية مع غيره من العاملين تحت امرته. من هنا يشير الأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) واصفا حالة التعامل والانسجام في النظام الاداري وفق الرؤية الاسلامية.

(فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا یَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَی بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ..... أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ وَلَيْس شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ المضطَهَدِینَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ) (2)

فينبغي للإنسان المتصدي الارتباط بالمبدأ متوكلا عليه سبحانه وتعالى. قال (عليه السلام).

(وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِیمِ قُدْرَتِهِ عَلَی إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَة أَنْ یُوَفِّقَنِی وَإِیَّاكَ لِمَا فِیهِ رِضَاهُ مِنَ الاْقَامَةِ عَلَی الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیْهِ وَإِلَی خَلْقِهِ مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَجَمِیلِ الاْثَرِ فِی الْبِلاَدِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَضْعِیفِ الْکَرَامَةِ وَأَنْ یَخْتِمَ لِی وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ إِنّا إِلَیْهِ راجِعُونَ وَالسَّلاَمُ عَلَی رسول الله صلی الله علیه و آله الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ وَسَلَّمَ تَسْلِیماً کَثِیراً وَالسَّلاَمُ.)

ص: 124

فيتحصل من ذلك: ان الرؤية الاسلامية التي يحملها المسؤول (العبودية لله والايمان بالمبدأ) هما الركنان الأساسيان في تحقيق الأهداف الادارية في مسارات صحيحة

ثانيا - وحدة الاوامر وسلسلة المراتب:

قوله (عليه السلام) (وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ وَ لاَ غِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَاتِ وَ الْمَسْکَنَةِ وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّی اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ وَ وَضَعَ عَلَی حَدِّهِ فَرِیضَةً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِیِّهِ (صلی الله علیه و آله) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَ زَيْنُ الْوُلاَةِ وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الاَمْنِ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَيَکُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْکُتَّابِ لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَیَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَیُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَذَوِی الصِّنَاعَاتِ فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَیُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَیَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ مَا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ وَفِی اللَّهِ لِکُلٍّ سَعَهٌ وَلِکُلٍّ عَلَی الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یُصْلِحُهُ وَلَیْسَ یَخْرُجُ الْوَالِی مِنْ حَقِیقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِالِاهْتِمَامِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَتَوْطِینِ نَفْسِهِ عَلَی لُزُومِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَیْهِ فِیمَا خَفَّ عَلَیْهِ أَوْ ثَقُلَ) (3)

يستعرض الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذ المقطع من العهد الشريف، موضحا فيه كل النشاطات والافعال ذات السياق الواحد التي تخضع لإدارة المدير الذي يكون مشرفا على كل الممارسات المطلوبة من قبل المرؤوسين في مبدأ توحید

ص: 125

الاوامر وسلسة المراتب، حتى لا يكون هناك خلل في العملية الاشرافية والرقابية التي يتولى أمرها المدراء في المنظومة الادارية.

ومقصودة (عليه السلام) من قوله (واعلم أن للرعية طبقات) ليس اثبات الطبقات بهذا المعنى بل بیان اختلاف الرعية في ما تتصداه من شؤون الحياة البشرية، حيث ان الانسان مدني الطبع يحتاج الى حوائج كثيرة في معاشه من المأكل والملبس والمسكن ولا يقدر فرد واحد بل افراد على إدارة كل هذه الامور فلابد وان ينقسم الرعية بحسب مشاغله إلى طبقات ويتصدى كل طبقة شأنا من الشؤون وشغلا من المشاغل، ثم يتبادل حاصل أعمالهم بعضهم مع بعض حتى يتم أمر معيشتهم ويكمل حوائج حياتهم (4).

كل واحد من هذه المستويات يمتلك صلاحية لما دونه من سلطة، وهذا يعد تنظيما للحياة البشرية في جميع جوانبها المختلفة على اساس تسلسل المراتب، فسلسلة المراتب عند الإمام (عليه السلام) تبدأ من المسؤول وتنتهي عند الامام ثم الله تعالى فوق الامام وعلى الجميع.

فسلسلة المراتب هي نوع من بسط النفوذ والرؤية السلطوية، ومن الظواهر التي نشاهدها كل يوم في حياتنا الاجتماعية، ينبغي للمدير ضمن الصلاحيات الممنوحة له في التسلسل الوظيفي ان يكون مرنا لكي يستشعر النتائج الإيجابية في التسلسل الرتبي لما دونه، فالرؤية الاسلامية في الادارة لها ابعاد واسعة في العمل ولم تكن نوعا من الطبقية والتميز بين الافراد وإنما هي حالة تنظيمية للعمل وادارة شؤون الناس

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالة بعثها الى الاشعث بن قیس عامله على اذربيجان (وان عملك ليس لك بطعمة لكنه في عنقك).. أنت موظف، والوظيفة أمانة في عنقك لله والمسلمين، وليست مزرعة لك ومتجرا (وأنت مسترعي لمن فوقك).

ص: 126

إن عليك لحسيبا ورقيبا، وهو الخليفة، يحصي عليك جميع أعمالك، ويأخذك بها ان خنت وخالفت (ليس لك ان تفتات في رعية) أي تستبد وتستغل الرعية التي أنت لها خادم وأجير. (5)

يعتبر الامام (عليه السلام) أن الوظيفة التي انيطت بالشخص ليست هي غنيمة وانما هي امانة، واداء الامانة على أحسن وجه من الامور الشرعية الواجبة في الشريعة المقدسة، فالمنصب عند امير المؤمنين (عليه السلام) انما هو امانة يؤتمن عليها في أي موقع من مواقع المسؤولية

قد قيل لحكيم: ما بال انقراض دولة آل ساسان؟ قال: لأنهم استعملوا أصاغر العمال على أعاظم الأعمال فلم يخرجوا من عهدتها، واستعملوا أعاظم العمال على أصاغر الأعمال فلم يعتنوا عليها، فعاد وفاقهم إلى الشتات ونظامهم إلى البنات. وإذا اعتبرت القوة في العمّال فكيف بنفس الأئمة المفوض إليهم إدارة الأمّة (6)

فيتحصل: ان سلسة المراتب هي عملية توزيع الصلاحيات والعمل الجماعي، الذي هو سمة من سمات المنظومة الادارية في الاسلام، فان العمل المشترك الجماعي يمثل القاعدة المثلى للإدارة الصحيحة الناجحة التي تستنفر الطاقات والامكانيات

البشرية والمادية في خدمة الادارة الصالحة التي تعتمد على توزيع الصلاحيات من المسؤول الاعلى لمن هو دونه في سلسلة المراتب

ثالثا - تزكية النفس وكسر الشهوات:

قوله (عليه السلام) (وَأَمَرَهُ أَنْ یکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَ یزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ... وإياك والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء فَإِنَّ ذَلِكَ مِن أَوثَقِ فُرَصِ الشَّيطَانِ فِي نَفسِهِ) (7)

ص: 127

الجمحات لغة: (جمع): فعل، جَمَح / جَمَح إلى يَجمَح، جُموحًا وجَمحًا وجِماحًا، فهو جامِح وجَموح، والمفعول مجموح إليه. وجمح الرجل أي ركب رأسه وهواه ولم يمكن رده، وجمح إلى الشيء: أسرع إليه، قال تعالى: (لَوْ یَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَیْهِ وَ هُمْ یَجْمَحُونَ (8)

الجمحات: منازعة النفس الى الشهوات ومآربها ونزعها بكفها وعدم تمكنها من الاسترسال في الشهوات، وان يكون اميرا عليها ومسيطرا وقامعا لها من التهور والانهماك (9)

الاطراء: لغة: مصدر أطرى، معتلًّا، وهو مجاوزة الحدّ في المدح و المبالغة فيه، يقال: أطرى فلانٌ فلاناً، إذا بالغ في المدح عليه، وأطر أو إطراء مهموزا مدحه بما ليس فيه. (10)

منه قوله (عليه السلام) في ذم الاطراء

(الصق بأهل الخير والورع ورضهم على أن لا يطروك فإن كثرة الاطراء مدن من الغرة والرضا بذلك يوجب من الله المقت. (11)

أقول: يأمر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الاشتر

(رضوان الله عليه) أن يكسر نفسه من الشهوات وامام المغريات والطموحات والميول الشخصية، ويطلب الامام عليه السلام منه أن يمسك نفسه عند الجموح والتردد، فالنفس بطبعها أمارة وتبعث نحو السوء تتمرد وتنزع للوصول الى مآربها وشهواتها وتغري صاحبها وتحمله الى المهالك الامارحم الله. ويؤيد هذا المعنى ما ورد عن مولانا الامام زین العابدين (عليه السلام) بخصوص النفس الامارة، حيث يرسم الامام زین العابدین علی ابن الحسين (عليه السلام) في المناجاة الثانية من المناجاة الخمسة عشر المعرفة، النفس الامارة بكل وضوح ويشكو إلى الله تعالى منها بهذه الكلمات

ص: 128

(بوصفه قدوة لعموم الناس ويقول) (13) (إلهي إليك أشكو نفسا بالسوء أمارة، وإلى الخطيئة مبادرة، و بمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل طويلة الأمل، إن مسها الشر تجزع، وإن مسها الخير تمنع، ميالة إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تسرع بي إلى الحوبة وتسوفني بالتوبة) (13).

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام ورد في غرر الحكم إن هذه النفس لأمارة بالسوء، فمن أهملها جمحت به إلى المآثم) (14) وعنه (عليه السلام): إن نفسك لخدوع، إن تثق بها يقتدك الشيطان إلى ارتكاب المحارم) (15)، و عنه (عليه السلام): کن أوثق ما تكون بنفسك، أحذرما تكون من خداعها) (16)

والامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع يشير الى نقطة مهمة، يقول ان من أخطر المخاطر على الانسان هو التصدي لإدارة أمور الناس من دون وجود قدرة على التحكم بالنفس

الامام (عليه السلام) يعبر عن الموقع الاداري بانه السلطة والنفوذ و محطة اساسية لانطلاق الشهوات، فيكون ضعيفا أمام المغريات والملذات والشهوات

وهناك من يستطيع أن يميز بين المحطتين، محطة الانطلاق الى الخدمة وتقديم المصلحة العامة في تحقيق الاهداف والسعي لقضاء حوائج الناس، ومحطة يعبر عنها حكام الجور (فرصة لإشباع الرغبات والشهوات النفسية والتمتع بالملذات) (17)

يقول الإمام (عليه السلام) في أحد حكمه في تأیید ما نحن فيه (من ملك استأثر) (18) الاستئثار لغة (استأثر بالسُّلطة: استبدَّ بها) (19)، يعني الاستبداد فيقال هذا رجل مستبد برایه، وهذا مدير مستبد، وهذا رب أسرة مستبد، معناه كل من يصل الى

ص: 129

موقع المسؤولية ولم يكن محكما لنفسة يصاب بالاستئثار، فيتحول الى ملكة راسخة في النفس الانسانية

فاذا استطاع تحكيم النفس والسيطرة عليها فيتحول الاستئثار الى تواضع ومحبة وخدمة للناس، يقول (عليه السلام) (ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّةً وَبِطَانَةً فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَتَطَاوُلٌ وَقِلَّةُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ) (20)

نلاحظ كيف الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير الى مخاطر الاستبداد، بقوله (من استبد برأيه هلك) (ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم) (21). أي من اراد عقلا أكبر فلیشاور الرجال، لأنه في مشورتهم مشاركة في عقولهم، ينبغي للإنسان ان يستشير الاخرين ويسمع لهم (الحكمة ضالة المؤمن) (22)

ان الادارة في الرؤية الاسلامية وعهد الإمام (عليه السلام) يجب ان لا تكون خاضعة لتأثيرات النفس وجموحاتها، لابد ان تكون هناك تحکیم وسيطرة وتطبيع على ذلك في اداء الواجبات الادارية المتمثلة بالأشراف والتنظيم والرقابة والتخطيط واستثمار الطاقات وتحقيق الاهداف وخدمة الناس من اجل طرح ادارة ناجحة لها تأثيراتها في نمو الفكر البشري

رابعا - الراي العام ومبدأ التوقعات:

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْكَ ذَخِیرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ) (23)

ص: 130

هذه المقطع من العهد على ايجازه يحمل معاني مهمة كثيرة في المنظومة الادارية من هذه المعاني ان الامام يستحضر في ذهن الاشتر (رضوان الله عليه) الابعاد التاريخية لمصر والحكومات التي حكمت بلاد مصر وطبيعة نظام الحكم فيها من الظلم والعدل والجور، ونظر الناس الى الوالي ونظر الوالي اليهم والاجراءات التي يتخذها بعد ما كان ينظر اليها من بعيد وهي تحت سلطة الحكومات العادلة والحكومات الظالمة (لابد من الفحص عن هذه الدول والفحص عن ما هي عادلة أو جائرة (24)

المقصود من هذه الدول هي العمال الاسلامين بعد فتح مصر، وهل يصح التعبير عنهم بانها دول ولو باعتبار شمول السلطة الاسلامية (25). يريد الامام (عليه السلام) ان يقول إن ذاكرة التاريخ ذاكرة قوية فالناس لا تنسى ما جرى عليها وعلى الامم الاخرى، لان الناس يعايشون الحكومات وتجاربهم ويحفظون كل ما جرى، لان الذاكرة التاريخية اقوى من الطغاة والظالمون، فلأتنسى الناس ما حدث عليها من ظلم وجور واضطهاد وعدل كل شيء محفوظ في ذاكرة الناس ويتحدثون به في اوساط المجتمع حتى اصبح بعض الاشخاص فيهم بمثاية تاريخ مكتوب ويرجع اليهم كمصدر أساسي عند الحاجة في تدوين الاحداث التاريخية

فمنهج الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو تنشيط الذاكرة فيذكر الناس دائما بما مضى، وهو المنهج المطابق للقران الكريم عندما يتحدث عن الامم الماضية وسب هلاكها، فعلينا دائما ان نتمتع بزخم تاريخي وحضاري وان ننطلق ونبدأ من حيث انتهى الاخرون.

يقول الامام أمير المؤمنين في خطبة له تأييدا لما نحن فيه.

(أُوصِیکُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَی اَللَّهِ اَلَّذِی أَلْبَسَکُمُ اَلرِّیَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَیْکُمُ اَلْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ

ص: 131

أَحَداً یَجِدُ إِلَی اَلْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِیلاً لَکَانَ ذَلِكَ سُلَیْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَیْهِ اَلسَّلاَمُ اَلَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِیمِ اَلزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَی طُعْمَتَهُ وَ اِسْتَکْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِیُّ اَلْفَنَاءِ بِنِبَالِ اَلْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَةً وَ اَلْمَسَاکِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَکُمْ فِی اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَیْنَ اَلْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْعَمَالِقَةِ أَیْنَ اَلْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْفَرَاعِنَةِ أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ اَلرَّسِّ اَلَّذِینَ قَتَلُوا اَلنَّبِیِّینَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ اَلْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ اَلْجَبَّارِینَ أَیْنَ اَلَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَ عَسْکَرُوا اَلْعَسَاکِرَ وَ مَدَّنُوا اَلْمَدَائِنَ ومنها قَدْ لَبِسَ لِلْحِکْمَةِ جُنَّتَهَا وأَخَذَهَا بِجَمِیعِ أَدَبِهَا مِنَ الاْقْبَالِ عَلَیْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا وَالتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِی یَطْلُبُهَا وحَاجَتُهُ الَّتِی یَسْأَلُ عَنْهَا فَهُو مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الاْسْلاَمُ وضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ وأَلْصَقَ الأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّةٌ مِنْ بَقَایَا حُجَّتِهِ خَلِیفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِیَائِهِ. (26)

الامام (عليه السلام) يستعرض في هذ المقطع من الخطبة المراحل التاريخية المهمة التي مرت على الامم وعاشوا الناس احداثها في ظلال حكوماتها. الامام (عليه السلام) يسلط الضوء على تاريخ البشرية السالفة فيتطرق الى ذو النفوذ والقدرة من غير الانبياء المرسلين، الفراعنة وابناء الفراعنة واصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين يتحدث عنهم القرآن الكريم «وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا» (27) «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ» (28)، وقد ذكرهم القرآن مرتين، مما يبين كم كان لهم من التأثير، وقد وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عندهم وذكرهم وذكر بهم، هؤلاء كانوا معاندين وقفوا بوجه الحق «قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَأَطفَئُوا سُنَنَ المُرسَلِينَ وَأَحيَوا سُنَنَ الجَبَّارِينَ أَينَ الَّذِينَ سَارُوا بِالجُيُوشِ وَهَزَمُوا بِالأُلُوفِ وَعَسكَرُوا العَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا المَدَايِنَ» والحقيقة خلدوا لكي يكونوا

ص: 132

ملعنة للتاريخ

اَلَ: لمَّا دَخَلَ النَّاسُ مَعَ عَلِيٍّ (عليه السلام) المَدَائِنَ ووقف عند طاق کسری، تَمَثَّلَ رَجُلٌ مِن أَصحَابِهِ: يقال له الحر بن سهم بن الطريف فستشهد ببيتين من الشعر معروف للأسود بن يعفر* (29):

ماذا أؤمل بعد ال محرق *** تركوا منازلهم وبعد إياد

أهل الخو رنق والسدير وبارق *** والقصر ذو الشرفات من سنداد

ارضا تخيرها لدار أبيهم *** كعب بن هامة وأبن أم دؤاد

جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَكَانِ دِيَارِهِم *** فَكَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادِ

نزلوا بأنقرة يسيل عليهم *** ماء الفرات يجيئ من اطراد

وَإِذَا النَّعِيمُ وَكُلُّ مَا يُلهَي بِهِ يَوماً *** يَصِیرُ إِلَى بِلًى وَنَفَادِ

فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): لَا تَقُل هَكَذَا، وَلَكِن قُل كَمَا قَالَ الله: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ» (30)، إنَّ هَؤُلَاءِ القَومَ كَانُوا وَارِثِينَ فَأَصبَحُوا مَورُوثِينَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ القَومَ استَحَلُّوا الحُرُمَ فَحَلَّت بِهِمُ النِّقَمُ، فَلَا تَستَحِلُّوا الحُرُمَ فَتَحُلَّ بِكُمُ النِّقَمُ (31)

ينبغي للإنسان ان يعيش حياته بطريقة أذا مات بكى عليه الناس، ولاتبكيه الناس إلا حينما يفتقدونه فيذكرونه ويتأسفون على فقده بسبب اثارة الطيبة معهم.

عن ضرار بن ضمرة قال: أوصى أمير المؤمنين عليه السلام

بنيه فقال: يا بني عاشروا الناس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم

ص: 133

بكوا عليكم، ثم قال:

أريد بذاكم أن تهشوا لطلقتي *** وأن تكثروا بعدي الدعاء على قبري

وأن يمنحوني في المجالس ودهم *** وإن كنت عنهم غائبا أحسنوا ذكري (32)

وقال ابن عباس: سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أوصني فقال: لا تحدث نفسك بفقر، ولا بطول عمر (33)، يدل هذا الحديث على أن الناس تشخص في ذاكرتها الانسان العادل ذو الاخلاق الحسنة،

نحن بحاجة ماسة الى تعزيز هذه المفاهيم وترسيخها بشكل اكبر ليكون البناء الاجتماعي سليما في مجتمعنا في دائرة المسؤولين واصحاب المناصب، ونستطيع بناء دولة على اسس صحيحة وفق منهج الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في تنظيم وتكيف القانون نحو السلوك العادل.

ثم ينتقل الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهدة لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) الى استعراض المعايير الاساسية في نجاح المنظومة الإدارية في تحقيق الاهداف لمن يتصدى لإدارة الامور.

ص: 134

خامسا: معايير نجاح المنظومة الإدارية

أولا - الاعمال الصالحة: يقول (عليه السلام) (فَلْیَکُنْ أحَبَّ الذَّخائرِ إلَیكَ ذَخیرَةُ العَمَلِ الصّالِحِ) (34)

هنا يذكر الامام (عليه السلام) أن واحدة من هذه المعايير التي يستدل بها على صلاح المسؤول والمتصدي هو تقيم الناس له من خلال الحديث عنه وبيان اعماله الصالحة.

انطباعات وتصورات الراي العام وتقيم اداء المسؤول تمثل واحدة من المداخل التي يستدل من خلالها على صلاح المسؤول ورشدة وحسن اداءه. لذا نلاحظ الامام (علیه السلام) يؤكد في هذا المقطع من العهد الشريف على العمل الصالح الذي يعد من الذخائر النفيسة للإنسان المتصدي وغيره، ونتيجة هذا العمل يتحقق الاحترام والتقدير والمحبة في قلوب الناس التي تحضي بتأييد من الله سبحانه وتعالى، ومن خلال حسن ظن الناس و تقيمها يكون قادرا على النفوذ الى قلوب الناس والسيطرة على عواطفهم من دون حاجة الى اظهار حالات التصنع والتظاهر بأمور معينه، ومن دون الحاجة الى المكر والخداع او التخويف والترهيب واستخدام الاساليب المغرية، وتضيع اموال بيت المال لأجل استمالة قلوب الأخرين وضمانة السمعة الجيدة. فمعيار الراي العام في تقيم المسؤول هو العمل الصالح الذي يقوم به المتصدي فالحديث عنه بخير واحترام ونعته بصفاته الواقعية يعد من العطايا الالهية لا يحتاج اليها استخدام الطرق الملتوية.

ص: 135

ثانيا - الشح بالنفس والبخل عليها:

قوله (علیه السلام) (وشُحَّ بِنَفسِكَ عَمّا لا یَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفسِ الإِنصافُ مِنها فیما أحَبَّت أو کَرِهَت) (35)

ثم ينتقل الامام (علیه السلام) بوصية الى مالك الاشتر (رضوان الله عليه) في كيفية التعامل مع آراء الناس بقوله (وشُحَّ بِنَفسِكَ عَمّا لا یَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفسِ الإِنصافُ مِنها فیما أحَبَّت أو کَرِهَت).

الشح في اللغة: البُخل مَع حِرصٍ. تقول: شَحَّ يَشُحُّ مِن باب قَتَل، وفي لُغة مِن بابَي ضَرَب وتَعِب، ورجل شحيح وقوم شِحاح وأشِحَّة وأشحاء، وتَشاحَّ القوم: إذا شَحَّ بعضهم على بعض) (36)

تتضمن هذه العبارة من العهد الشريف مضامين عالية في الادب القيادي والإداري في المنظومة الاسلامية، فهي تخاطب المسؤول الذي يتحمل المسؤولية تجاه الاخرين بان يسيطر على قواه النفسية وان يكبح جماح نزواته ورغباته ومشاعره وأنانية والذي يؤكد عليه الإمام (عليه السلام) هو أن يستطيع الإنسان عند فوران الشهوة وثورة الغريزة أن يضبطها ويجعلها تحت إرادته، وبعكس ذلك أذا سيطر هوى النفس على فكر الإنسان وعقله وقواه وملكاته الأخرى فإنه سيقود صاحبه إلى وادي الهلكة والخسران (37)، ويؤكد هذا المعنى الامام الصادق (عليه السلام) بقوله (احذروا اهوائکم کما تحذرون اعدائكم، فليس شيء اعدى للرجال من اتباع اهوائهم و حصائد السنتهم) (38)، وفي غرر الحكم عن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) (أملكوا أنفسكم بدوام جهادها. (39) يريد الامام (علیه السلام) من المسؤول ان يكون بخيلا مع نفسه، وان يكون شديدا عليها في مالا يحل له في القضايا التي لا يسمح له كمسؤول أن يمارسها او يقوم بها،

ص: 136

فيتعامل بشح وبخل واقتصاد شديد ومراقبة وحزم كبير مع نفسه، وهذا يتحقق بعدم السماح لها بأن تنطلق لتحب کما تريد وتکرہ کما تريد (فَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وَيَجعَلَ الله فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا) (40) لعل النفس تحب اشياء تضر بها وهي لا تعلم، ولعلها تكره أشياء تنفعها وهي ايضا لا تعلم.

أذن هذه النفس تميل نحو أمور وتحجم عن أمور، وهي من الممكن أن تحجم عن الحق وتميل إلى الباطل، فمن حق النفس على صاحبها انصافها

ثالثا - التحكم بالنفس والسيطرة عليها:

ان السيطرة على النفس أحدى العوامل لنجاح المسؤول في مهمة المناطة به، باعتباره أنه ضمن دائرة السلطة والنفوذ والرغبات والامكانيات والامتيازات التي تمنح بعناوين متعددة، هذه يمكن أن توقع الانسان في المهالك وتحكيم الانا وعدم السيطرة عليه.

يعبر الأمام (عليه السلام) الى ذلك بقوله (فَاملِك هَوَاكَ) اشارة الى ان الانسان أو المسؤول في أطار مسؤولية لابد ان يكون مسلطا على كل ما يملكه من قوى نفسانية وتحكيم العقل في سلوكياته وانطباعاته، يشير الامام (عليه السلام) الى هذا المعنى في رسالة بعثها الى الاسود بن قطبه الذي كان قائدا للجيش في منطقة حلوان الواقعة غرب ايران الذي تسمه اليوم بمدينة سربل زهاب على ما يذكره المؤرخون.* (41)

(أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل، فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل، فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه، واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيما ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة، وأنه لن يغنيك عن الحق شيء أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك فإن الذي

ص: 137

يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك والسلام. (42)

المعنى: ان الوالي إذا اختلف هواه ونساق وراء رغباته ونزواته وميولاته فيكون الحاكم هنا الهوى والشهوات، فتكون سلوكياته وانطباعاته في مسؤولياته موافقة لحكم الهوى فلاينتصر عدلا لاحد، فيما لو كان الخصمان عنده سواء بل كان هواه وميله إلى أحدهما أكثر ظلم وجار.

ويؤكد هذ المعنى ايضا كلام الامام (عليه السلام) في معنى الفتن والبدع الذي يتعبر منشأهما هو هو طغيان الهوى على العقل.

يقول عليه السلام (إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى) (43).

اساس الفتن والبدع أمرين:

1- اتباع اهواء النفس والاحكام الموضوعة المخالفة لكتاب الله والسنه النبوية الشريفة

2- تحريف القوانين لصالح الأطماع الشخصية وغياب العدل وتضيع الوظائف والاقبال على البدع (44)،

يقول (عليه السلام) إن المذاهب الباطلة و الآراء الفاسدة التي يفتتن الناس بها أصلها اتباع الأهواء و ابتداع الأحكام التي لم تعرف يخالف فيها الكتاب و تحمل العصبية و الهوى على تولي أقوام قالوا بها على غير وثيقة من الدين و مستند وقوع هذه الشبهات

ص: 138

امتزاج الحق بالباطل من قبل بعض الساسة بالشكل الذي يصعب تميزه على الناس، وادنى ذلك هو خداع الراي العام ببعض العناوين كحقوق الانسان والرفق بالحيوان ويوم العامل واطباء بلا حدود ومنظمة العفو الدولية.. الخ فالحكومات الاستكبارية تتشدق بالديمقراطية وضرورة الرجوع الى آراء الشعب فاذا تم ذلك وجرت الامور خلافا لمصالحها اللامشروعة عمدت الى الانقلاب أو أثارة الفتن وإظهار البدع. (45)

هكذا يربي الامام (عليه السلام) المسؤول في المنظومة الإدارية والقيادية على الاخلاق الحسنه والحميدة في كيفية التعامل في مثل هكذا ظرف، من هذا المنطلق اصبح مناهج حكومة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتفل بها في المحافل الدولية والمؤتمرات العلمية، بالرغم من قصر مدة خلافة (سلام الله عليه) التي استغرقت سوى اربع سنوات ونيف، وتبقى كلماته (عليه السلام) تقرع اسماع العالم عندما اوصى ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) (والله الله في القرآن ولا يسبقنكم إلى العمل به غيركم).

منه اشار (علیه السلام) (كم من عقل أسير عند هوى أمير) (46)، الهوى هو الحاكم فيصبح العقل الذي هو أميرا اسيرا للهوى وللنزوات والرغبات.

وفي كلام آخر يصف فيه السعادة والشقاء. يقول (عليه السلام) (السعيد من وعظ بغيره فاتعظ، روضوا أنفسكم على الأخلاق الحسنة، فان العبد المسلم يبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم) (47) وعنه (عليه السلام) (الشقي من انخدع لهواه وغروره) (48).

ص: 139

سادسا: ما يجب على المسؤول اجتنابه في المنظومة الإدارية:

قوله (عليه السلام) (وشُحَّ بِنَفسِكَ عَمّا لا یَحِلُّ لَكَ) (49)

يتضح من عبارة الامام (عليه السلام) ان على المسؤول ان يمسك نفسه عما لا يحل ان يصدر منها وان كان حلالا على غيرك وجائز منه، كونك متصديا للمسؤولية يجب ان يحملك المزيد من الالتزام.

وقد وردت في هذا الموضوع العديد من النصوص التي تمثل درسا عظيما لعلي (عليه السلام) في المنظومة القيادية، منها رسالة (علیه السلام) الى عثمان ابن حنيف والي البصرة، يوبخه فيها لستجابة لدعوة أحد الاعيان والاثرياء في البصرة لمأدبة طعام، تصلح الرسالة ان تكون درسا كبيرا للسالكين في طريق الحق والايمان ودرسا مها في الإدارة والقيادة.

(أَمّا بَعدُ يَا ابنَ حُنَيفٍ فَقَد بلَغَنَيِ أَنّ رَجُلًا مِن فِتيَةِ أَهلِ البَصرَةِ دَعَاكَ إِلَي مَأدُبَةٍ فَأَسرَعتَ إِلَيهَا تُستَطَابُ لَكَ الأَلوَانُ وَ تُنقَلُ إِلَيكَ الجِفَانُ وَ مَا ظَنَنتُ أَنّكَ تُجِيبُ إِلَي طَعَامِ قَومٍ عَائِلُهُم مَجفُوّ وَ غَنِيّهُم مَدعُوّ فَانظُر إِلَي مَا تَقضَمُهُ مِن هَذَا المَقضَمِ فَمَا اشتَبَهَ عَلَيكَ عِلمُهُ فَالفِظهُ وَ مَا أَيقَنتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَل مِنهُ أَلَا وَ إِنّ لِكُلّ مَأمُومٍ إِمَاماً يقَتدَيِ بِهِ وَ يسَتضَيِءُ بِنُورِ عِلمِهِ أَلَا وَ إِنّ إِمَامَكُم قَدِ اكتَفَي مِن دُنيَاهُ بِطِمرَيهِ وَ مِن طُعمِهِ بِقُرصَيهِ أَلَا وَ إِنّكُم لَا تَقدِرُونَ عَلَي ذَلِكَ وَ لَكِن أعَيِنوُنيِ بِوَرَعٍ وَ اجتِهَادٍ وَ عِفّةٍ وَ سَدَادٍ فَوَاللّهِ مَا كَنَزتُ مِن دُنيَاكُم تِبراً وَ لَا ادّخَرتُ مِن غَنَائِمِهَا وَفراً وَ لَا أَعدَدتُ لبِاَليِ ثوَبيِ طِمراً وَ لَا حُزتُ مِن أَرضِهَا شِبراً وَ لَا أَخَذتُ مِنهُ إِلّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ وَ لهَيِ َ فِي عيَنيِ أَوهَي وَ أَوهَنُ مِن عَفصَةٍ مَقِرَةٍ) (50)

ص: 140

يخاطب الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته المسؤولين ويحذرهم من ان يعرضوا ويضعوا انفسهم للشبهات مع الاثرياء فيتحسس الفقراء من فقرهم ولو على مستوى تلبية الدعوة تناول الطعام. الاسلام ليس لديه مشكله مع الغني ولامع من يمتلك المال، ولكن المشكلة مع من يطرد الفقراء ويقرب الاغنياء، فلا مانع من أن يستجيب المسؤول لمائدة طعام يجلس عليها الغني والفقير

وهناك ملاحظة آخري يطرحها الامام (عليه السلام) حول الدعوة الى المأدبة متمثلة من وجود اموال مشتبه فيها (فَانْظُر إلی مَا تَقْضِمُهُ مِنْ هذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَیْكِ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ وَ مَا أیْقَنْتَ بِطِیبِ وَجْهِهِ فَنَلْ مِنْهُ) والملاحظة الأخرى أن الامام (عليه السلام) يؤكد على ان الولاة والمسؤولين في الحكومة الاسلامية يشكلون مبدأ القدوة (أَلاَ وَ إِنَّ لِکُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً یَقْتَدِی بِهِ وَ یَسْتَضِیءُ بِنُورِ عِلْمِهِ) الاقتداء هو ان يقفوا إالى جانب الناس وجمهور المستضعفين والمحرومين وان لا يعتنوا أبدا بالطبقة المترفة الذين تزداد توقعاتهم ونقل معونتهم، والتجارب تؤكد على أن المحرومين المستضعفين هم أول المدافعين عن الدين والبلاد الاسلامية في مواقع الخطر والظروف الصعبة (51)

ثم يطلب الامام (عليه السلام) من المتصديين الإعانة على إدارة الدولة وتسير امورها بالورع عن ارتكاب المحارم وتعني في الحقيقة حالة التقوى في حدودها العالية، وان يكون المسؤول مجتهدا يعني يبذل الجهد الكبير في تحقيق العدالة وحماية المستضعفين والمحرومين، ویرید ایضا الإمام (عليه السلام) من العاملين معه في حكومة الاعانة بعفة وسداد والعفة: بمعنی حفظ النفس في مقابل الشهوات والنوازع المختلفة، والسداد يعني انتخاب الطريق الصحيح والمستقيم في اجتناب الطرق المختلفة التي تقود الانسان إلى المتاهة والضلالة (52).

ص: 141

هذا هو منهج الإمام (عليه السلام) في تعامله مع المسؤولين والولاة في المنظومة القيادية في حفظ الاسلام وتقديم افضل ما تجود به النفس في خدمة الناس والمجتمع

سابعا - وسائل التحكم والسيطرة على النفس:

ان الشح بالنفس والبخل عليها وامساكها عن الهوى والانجرار وراء الانحرافات لها وسائل و مستلزمات ومعايير تحکیم وسيطرة: من هذه الوسائل

أولا - التقوى:

قوله (عليه السلام) (أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ) (53)

التقوى لغة:- قال الراغب الاصفهاني في المفردات (وقي: الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال: وقيت الشيء أقيه وقاية ووقاء. قال (فوقاهم الله، ووقاهم عذاب السعير، ومالهم من الله واق، مالك من الله من ولي ولا واق، قوا انفسكم وأهليكم نارا، والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف، هذا تحقيقه وصار التقوى في تعاريف الشرع حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المباحات، لما روي: الحلال بين والحرام بين، ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه) (54)

والتقوی اصطلاحا: (عبارة عن الاجتناب عن محارم الله تعالى، والقيام بما او جبه عليهم من التكاليف الشرعية، والمتقي هو الذي يتقي بصالح عمله عذاب الله، وهو مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه، كما يقال: اتقي السهم بالترس، أي

ص: 142

جعله حاجزا بينه وبين السهم) (55)

ويشير الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الى هذا المعنى بقوله (أوصیکم عباد الله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم. وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله. فإن التقوى في اليوم الخرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة. مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ. الم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد الله ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل ما أسدی)

ولذلك نجد ان أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما يتحدث عن المنظومة القيادية وعن النجاح في الدور القيادي، يقف عند خصيصة التقوى ويعتبرها مفتاح التسديد والنجاح وذخيرة يوم الآخر الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون.

ثانيا - العقل:

من الامور المهمة والتي تساعد المسؤول والمتصدي للقيادة والإدارة هو التعقل والتدبير والنظر في الامور وضرورة وضع كل آمر موضعه بلا استبطاء أو عجلة وعدم الانجرار وراء الرغبات والاهواء.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفا ثمرات العقل وهو وضع الامور في مواضعها

قوله (عليه السلام) (وَإیّاكَ وَالعَجَلَةَ بِالاُمورِ قَبلَ أوانِها أوِ التَّسَقُّطَ فیها عِندَ إمکانِها أوِ اللَّجاجَةَ فیها إذا تَنَکَّرَت أوِ الوَهنَ عَنها إذا استَوضَحَت فضَع کُلَّ أمرٍ مَوضِعَهُ وَأوقِع کُلَّ أمرٍ مَوقِعَهُ) (56)

العقل لغة: العقل نقيض الجهل،، يقال عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل،

ص: 143

أو انزجر عما كان يفعله. وجمعه عقول. ورجل عاقل وقوم عقلاء. وعاقلون. ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم وافر العقل (57).

العقل هو السور المانع والحصن، والعقل من العقال أي عقال من الجهل، هذه هي فائدة العقل للإنسان الذي يستعمل عقله دائما في اتخاذ قراراته الصائبة ويسور مواقفه واقواله وسلوكياته خشية الوقوع في الجهل.

فقد ورد التأكيد عليه في الكثير من النصوص الشرعية.

منها ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) قوله في وصف العقل (إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فعن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدء وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب) (58). فقد شبه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) النفس والهوى (بأخبث الدواب) أي الدابة التي لم تعقل، تهرب وتتيه كذلك النفس اذا لم تعقل فإنها تكون في تيه.

وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (العقل يوجب الحذر.) (59)، - الجهل يوجب الغرر) (60)

وعنه (عليه السلام) في وصيته لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) قال (وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّهِّ فِيهِ رِضاً فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلَادِكَ وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَاتَّهِمْ فِی ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ) (61)

ص: 144

فالإنسان حينما يستعمل عقله يتعامل بحذر في أقواله وأفعاله. وعنه (عليه السلام) (العقل أقوى أساس) (62)، أقوى أساس يمكن أن يعتمده الانسان في تفجير طاقاته وفق الرؤية الاسلامية الصحيحة، فيكون تفكيره منسجم مع الفطرة والمنطق

وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) (للحازم من عقله عن كل دنية زاجر) (63) الحزم هو ثمرة العقل، فالإنسان الذي يحتاط في قراراته يعمل ضمن أطار العقل في تدبير الأمور، وله الارادة في اختيار تنفيذ القرارات المنسجمة وفق العقل والحكمة، فيكون محصنا لنفسه ويجد فيها مناعة من الوقوع في الخطأ وعدم الصواب والانحراف.

فيتحصل: ان استحضار العقل في السلوك والاداء والمواقف، يترك آثارا في مساحات الحياة، فالعاقل يرفض كل ما يتنفر منه العقل كظلم الاخرين والعمل بالباطل.

فينبغي للمسؤول والمتصدي ان يشح بنفسه و يقمع هواه بعقله ويمنع نفسه من الوقوع في المنزلقات كالشبهات والمواقف السيئة.

المداهنة: مداهنة: (اسم) مصدر دَاهَنَ (مُدَاهَنَةُ المَسؤُولِينَ: المَلاَيَنَةُ، المَدارَاةُ (64)

والمداهنة هي التغطية على الحقيقة كما في الدهن الذي يستعمله الانسان فیستر به البشرة ويغطيها. (65)

إن أخطر شيء على المتصدي للمسؤولية الإدارية هو حينما يعتبر المسؤول نفسه في حالة استثناء عن الآخرين، وهذا ما يسمى بالاستثناءات كل ما هو ممنوع على الرعية جائز على الوالي، ويعتبر هذا تجاوز على المحظورات والقوانين في إدارة الدولة، حيث يشير الامام (عليه السلام) في هذ المقطع محذرا الولاة بالالتزام بالمواثيق المطلوبة وعدم الانجرار مع الاهواء والرغبات النفسية بالمداهنة مع الاخرين، يريد الامام (عليه السلام) ان يقول لا تبرر المواقف والاخطاء لأجل مصلحتك الشخصية فتضيع حقوق

ص: 145

الرعية بالظلم والعدوان عليها من أجل مراعاة مشاعر الاخرين، يقول عليه السلام. (وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ) ألزمته أي حاسبة بحق وعدل من دون تملق وتزلف.

وقال صلى الله عليه وسلم محذرا من التملق (ليس من اخلاق المؤمن التملق) (66)، وفيها تضيع للمبادئ والمثل من أجل الدنيا. وقد وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الظاهرة موقفا متشددا، فلقد شجبها ومنع التعامل بها لأنها من الأساليب الملتوية في السلوك، والتي تعبر عن عدم استقامة الشخصية وخواء الضمير، وهي من الظواهر التي لا تليق مع أخلاقية المؤمن بتاتا لكونها تتجه نحو المخلوق وتهجر الخالق.

وفي وصية لكميل بن زیاد (رضوان الله عليه) (یا کمیل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنيا حتى لا أعصي، ولا مائلا لطعام الاعراب حتى انحل، إمرة المؤمنين وادعى بها (67).

أذا في منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) في القيادة والإدارة عدم المداهنة وإظهار خلاف الواقع وخلاف ما يعتقدون، وعلة التحذير من المداهنة هي أنها تفتح الباب أمام الإنسان للهجوم على المعصية، فمجرد أن يبدأ بالمداهنة حتى ينزلق في طريق المعاصي والابتعاد عن السياقات الصحيحة

ثامنا: الانصاف والعدل مع الرعية:

قوله (عليه السلام) أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ،..... وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَیْنِ الْوُلاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیَّةِ،.... ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً

ص: 146

وَلَا ضَعَةُ امرِئٍ إِلَى أَن تَستَصغِرَ مِن بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيما (68)

هذا المقطع من العهد الشريف يشير إلى مبدأ آخر من مبادئ الإدارة في المنظومة الإسلامية يسمى (الانصاف)، حيث يشرف على مجموعة من السلوكيات والأفعال والأقوال العادلة، والذي يؤدي تطبيقه إلى زيادة روح الوفاء والولاء والإيثار والتضحية لدى الأفراد العاملين مما يحفزهم الى تقديم الافضل.

والانصاف: أن تعطي غيرك من الحق من نفسك مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرضا والغضب، مع من تحب ومع من تكره وهو لا يكون إلا بين اثنين، أو أمرين، أو أمر ذي طرفين (69) يؤكد الإسلام على أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها،. ولعل أروع تعبير عنه ما رواه صاحب البحار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يحب الأخيه ما يحب لنفسه) (لا يستكمل المرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (70)

الانصاف: يعني الوسطية والموضوعية والدقة في تقيم الامور، وألا يحكم المسؤول العواطف والمشاعر والانانيات فينتقم من كل ملا يظهر له الولاء والمحبة،: لأن الوجه في تمكين الظالم مع القدرة على منعه أنه سبحانه مکنه ليعدل فظلم، لأن القدرة على الانصاف قدرة على الظلم (71).

جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله علمني عملا ادخل به الجنة فقال: ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم وما كرهت ان يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم (72)

ص: 147

أهمية الانصاف والحث عليه في النظرية الاسلامية:

يؤكد الإمام (عليه السلام) على الدور الذي يلعبه المسؤول في المنظومة الادارية، من عدم استغلال المنصب للوصول الى الاهداف الشخصية. يقول (عليه السلام) في أحد حكمه تأییدا لهذا المعنى (الانصاف يستديم المحبة.) (73) عنه (عليه السلام): الإنصاف زين الإمرة (74) وقال (عليه السلام): الإنصاف يألف القلوب (75).

فيتحصل: إن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما يطلب من الوالي أن يكون منصفا، هذا معناه أن تقيمه من قبل الاخرين مرهون بعدم تعاطيه المطلق مع رغباته النفسية فيما يحب ويكره، هذا هو منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) و عدالة، فلقد كان منصفا في تعامله مع الناس، فيعطينا درسا في كيفية تعامل المسؤول إداريا أن يكون منصفا وعادلا مع الناس لكي يحقق الاهداف المطلوبة في المنظومة الإدارية.

تاسعا - الانضباط والمساواة:

قوله (عليه السلام) لَا یکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِی ذلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ وَتَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَی الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ کُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.... فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَةً بَعْدَ نَهْیِكَ إِیَّاهُ فَنَکِّلْ وَ عَاقِبْ فِی غَیْرِ إِسْرَافٍ (76)

يوصي الامام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد بعدة وصايا تعد أصلا من الاصول مهمة للإدارة الجيدة المنسجمة مع الرؤية الاسلامية القائمة على اساس العدل، والعدل هو وضع الشيء في موضعه، فيتعامل مع المحسن بما ينسجم مع إحسانه، ويتعامل مع المسيء بما ينسجم مع إساءته، وبناء على هذا المبدأ فإن الادارة الصحيحة المنسجمة مع الاسلام هي الإدارة التي تفرق في نظرتها بين العامل الخادم والعامل الخائن، فتکافی الخادم وتعاقب الخائن أولا، وثانيا أن يكون المعيار في تشجيع الافراد هو ما يقومون به

ص: 148

من أعمال وما يترتب عليها من نتائج، فلو غیب عنصر الترغيب والترهيب في النظام وتمتع المحسن بذات الحقوق والامتيازات التي يحظى بها المسيء. فالمسؤول الناجح هو من يميز بين الأفراد في التعامل بين المحسن والمسيء في مدى الالتزام بالضوابط الإدارية وإطاعة الأوامر وتنفيذها وجعل سلوكهم مطابقاً لها.، بما ينسجم مع الإحسان ولإساءته، ومن هنا تظهر أهمية العدالة في التعامل مع من هو تحت إدارته وقيادته.

عاشرا: معايير تقيم العاملين في المنظومة الإدارية:

من هنا ينبغي لنا الاشارة الى المعايير والأدوات الرئيسية لتقيم والتميز والفرز العاملين في المنظومة الإدارية في الفهم الاسلامي:

أولا - المعايير الأخلاقية:

من العوامل والادوات الاخلاقية التي من خلالها يتم تقيم وتميز العاملين هو عامل التقوى، والنزاهة، وعامل الحياء، والصدق، والورع، والإيثار الانتصار لله سبحانه وتعالى، الانسان الذي يمتلك هذه الادوات، يخاف الله ويتقيد بالضوابط الشرعية، وغيره اعني بذلك الانسان غير الملتزم الذي لا يمتلك من هذه الادوات أي شيء، ينظر الى العمل على انه فرصة للتلاعب والاستحواذ على المناصب، فينبغي للمسؤول ان يميز من خلال تقيمه بين كلا النوعين من الانسان، لكي يبقي العمل بيد أمينه لا تمتد الى الحرام.

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهدة لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) ضرورة التوخي والعمل بهذه الادوات في المنظومة الإدارية.

يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهدة لمالك الاشتر (رضوان الله عليه)

ص: 149

ضرورة التوخي والعمل بهذه الادوات في المنظومة الإدارية.

(أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ) يسلط الضوء على عامل التقوى والايثار، ثم يشدد على حسن الاختيار أصحاب الاخلاق والسمعة الحسنة والتجربة والحياء واصحاب معرفة فيما تؤول اليه الامور (فإنهم اكرم اخلاقا... وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ..... واصحاب سمعة حسنة في المجتمع (إِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ).

ثم أن الإمام (عليه السلام) يطلب من المسؤولين ان يكون هناك رقابة إدارية تستطيع التميز والتقييم العاملين في مورد النزاهة والقدرة وعدم الوشاية والتحلي بالأخلاق الفاضلة (وَأَنْقَاهُمْ جَیباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ یبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَیسْتَرِیحُ إِلَی الْعُذْرِ وَیرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَینْبُو عَلَی الْأَقْوِیاءِ وَمِمَّنْ لَایثِیرُهُ الْعُنْفُ، وَلَایقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ... وان يكون قادرا على الإعانة ومواساة الآخرين. مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ وَ أَفْضَلَ عَلَیهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا یسَعُهُمْ وَ یسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ حَتَّی یکُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَیهِمْ یعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیكَ.... وعدم الوشاية والنميمة .. وَلْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِكَ مِنكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُم لِمَعایِبِ النّاسِ (77)

ثانيا - معيار الافضلية:

يؤكد الامام (عليه السلام) على عامل التفضيل بين الافراد في المنظومة الإدارية و في مساحات العمل اليومي للعاملين، يقول (عليه السلام)

(أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ وَلَا یَتَمَادَی فِی الزَّلَّةِ وَلَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ وَلَا یَکْتَفِی بِأَدْنَی

ص: 150

فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وَأَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَأَصْبَرَهُمْ عَلَی تَکَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَلَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ وَأُولَئِكَ) (78)

ثالثا - معيار الكفاءة والامانة والعلم والابداع والتواضع وحب الصالحين وبغض الظالمين:

يشير الامام (عليه السلام) الى أدوات وعوامل آخر للتقيم الافراد العاملين في المنظومة الإدارية، والتأكيد عليها، يقول: (عليه السلام)

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ وَلاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ فِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الاُمُورِ فَإِنَّ...... الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ)..... وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَان فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ) (79)

رابعا - معيار المعرفة والاختيار وتوزيع الاعمال:

يوصي الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكا (رضوان الله علیه) بعدم الاعتماد على المعرفة الشخصية أثناء تقيم العاملين في المنظومة الإدارية، واعتمادها كعنصر أساسي في العمل.

ص: 151

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالاَمَانَةِ شَيْءٌ وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ..... ثم (عليه السلام) يستعرض طريقة تقيم توزيع الاعمال. يقول: وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ (80)

الحادي عشر - الرقابة والتحكيم والتقويم:

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ وَابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ...... وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِی حَوَاشِی بِلَادِكَ وَاعْلَمْ مَعَ ذلِكَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً وَشُحّاً قَبِیحاً وَاحْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَکُّماً فِی الْبِیاعَاتِ وَذلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَعَیبٌ عَلَی الْوُلَاةِ..... وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا یَصِلُ إِلَیْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُولئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیَةِ وَالتَّوَاضُعِ فَلْیَرْفَعْ إِلَیْكَ أُمُورَهُمْ...... ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ...... وَ تَفَقّد أَمرَ الخَرَاجِ بِمَا يُصلِحُ أَهلَهُ فَإِنّ فِي صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِم صَلَاحاً لِمَن سِوَاهُم وَ لَا صَلَاحَ لِمَن سِوَاهُم إِلّا بِهِم. (81)

توضیح: الرقابة لغة: رقب في أسماء الله تعالى: الرقيب: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وفي الحديث: ارقبوا محمدا في أهل بيته، أي أحفظوه فيهم. (82)

أما في الاصطلاح فتعني عملية التحقق من مدى انجاز الأهداف المرجوة، والكشف عن الصعوبات في تحقيق هذه الأهداف، والعمل على إزالتها في اقصر وقت ممكن (83)

التقويم: حكم العقلي والنظرة العميقة على الاشياء من خلال تقدير و تحکیم نتائج

ص: 152

الأمور وتفحصها.

يتناول الامام (عليه السلام) في هذه المقاطع من العهد الشريف لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) عناصر ثلاث أساسية في المنظومة الإدارية، ينبغي توفرها في كل من يتصدى للمسؤولية الإدارية، يتم من خلالها اکتشاف مواطن الاختلاف في نتائج العمل، ويجب الاستفادة من هذه النتائج لغرض تحسين أساليب الإدارة بشكل أفضل والاشراف على برامج وخطط العمل وتشخیص موارد الانحراف في أثناء ضهورها والعمل على إيجاد الطرق الكفيلة لإصلاحها

الثاني عشر - التحفيز:

قوله (عليه السلام) (وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَالْبَعِیدِ وَکُنْ فِی ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَیثُ وَقَعَ...... فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ (84)

يتناول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) عنصرا آخر من عناصر مبادئ الادارة في المنظومة الإدارية: وهو عنصر التحفيز.

التحفيز لغة: نقول حفَّزَهُ حَفزاً، أي: حثَّهُ وحرَّكهُ، ومنه يتضح أن التحفيز يدل على تلك العوامل الخارجية التي تدفع الفرد إلى الحركة والقيام بعمل ما (تَحَفَّزَ تهيَأ للمُضِي فيه. (85)

التحفيز: هو العملية التي تسمح بدفع الأفراد وتحريكهم من خلال دوافع معينه نحو سلوك معين أو بذل مجهودات معينة قصد تحقيق هدف (86)

ومن الآيات القرآنية التي تستخدم اسلوب التحفيز ما ورد في قوله تعالى.

ص: 153

«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» (87)

«فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا» (88)

ومن كلام له (عليه السلام) في التزهيد من الدنيا والترغيب في الاخرة واستنهاض النفوس وتذكيرها بما ستؤول إليه (أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ، وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَ لا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ. إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ:

مَا تَرَكَ؟ وَ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ، وَ لا تُخَلِّفُوا كُلّاً فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ) (89)

الثالث عشر:- تغليب المصالح العامة على المصالح الشخصية (الأرستقراطية):

قوله (عليه السلام) (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.... وَإِيَّاكَ وَالاِسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ وَعَمَّا قَلِيل تَنْکَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الاُمُورِ وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ. (90)

يتحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف، عن محورية العلاقة بين الامة والقائد في المنظومة الادارية.

ص: 154

يجبان لا يكون الهدف هو ارضاء السلطة الحاكمة ومايسمى بالطبقة الارستقراطية اصحاب المصالح الخاصة، بل ينبغي ان يكون الهدف هو خدمة الناس وماتريده الامة

الأرستقراطية أرستقراطية: (اسم مصدر صِنَاعِيٌّ يَنتَمِي إلَى الطبقة الأرستقراطية: طَبَقَةٌ عُليَا فِي المُجتَمَعِ، يَملِكَ أَفرَادُهُا الشَّرَفَ والجَاهَ والسُّلطَةَ. (91)

يتحدث الامام (عليه السلام) عن هاتين الطبقتين من الناس في عهده لمالك (رضوان الله علیه) بقوله (وَلَیسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِی مَؤُونَةً فِی الرَّخَاءِ وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِی الْبَلَاءِ وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَأَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ (92)

الرابع عشر: معايير نجاح المنظومة الادارية: لذا يشير الامام (عليه السلام) من خلال هذا المقطع الى معايير ثلاث ناجحة في المنظومة الادارية.

أولا - حالة الاعتدال والوسطية: ويتمثل بقوله (عليه السلام) (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ) (93) إشارة الى الدفاع عن الحق شرط أساسي وموقوف على الحق.

ليس المراد من مراعاة الحق والعدل هو قيام المدينة الفاضلة في عالم الاذهان، وهذا ما يؤدي بدوره إلى تحجيم القرارات العملية والدفع بالحاكم إلى المثالية.

ولذلك يحث الإمام (عليه السلام) الحاكم بقوله (أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ) إلى الأخذ بنظر الاعتبار الواقع والامكانيات المتاحة في المجتمع، وعليه فهو يوصي الوالي والحاكم بمراعاة كل ما من شأنه التقرب من الحق، وعدم التهرب من المسؤولية بذريعة تعذر

ص: 155

إقامة الحق بكل ما لهذه الكلمة من معنى (94). أن المهم هو تحقيق رضا الغالبية الساحقة من الناس لا الأقلية من أصحاب الثروة من الانتهازين الذين يعيشون في بلاط الحاكم أو السلطان، ويقول الإمام (عليه السلام) (فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ) (95)

كما حدث في زمان عثمان حيث إن سوء سياسته وعدم تأديته الحقوق العمومية صار سببا لنقمة عامة الجيش الإسلامي، فانحازوا من مصر والكوفة واجتمعوا في المدينة وحصروا عثمان ولم يقدر خاصته کمروان بن الحكم وسائر رجال بني أمية مع کمال نفوذهم ودهائهم أن يصدوا سيل الثائرين والمهاجمين حتى قتل عثمان في داره وألقي بجسده إلى البقيع وتبعه ما تبعه من الحوادث الهامة (96).

إذن ينبغي على المسؤول في المنظومة الإدارية الناجحة أن يتخذ أسلوب الوسطية في مجمل أدائه من خلال تقدير ظروف وقدرات الناس المسؤول عنهم، فعندما يريد أن يصدر أوامره لابد أن تكون هذه الأوامر منسجمة مع الحالة الوسطية وخالية من حالة الإفراط والمبالغة. وهذا هو منهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترسيخ أسس الاعتدال والوسطية في قلوب وأذهان الناس.

ومن كلام له (عليه السلام) (الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله) (97)

ثانيا - العدالة والمساواة:

يطلب الإمام (عليه السلام) بوصية لمالك (رضوان الله عليه) التعامل بالعدل مع الجميع، فلا يكفي أن يكون عادلا مع البعض وغير عادلا مع البعض الآخر، عدم استثناء أحد في خصوص العدالة يقول (عليه السلام) (وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ). (98)

ص: 156

يعتبر العدل من الخصائص الاسلامية والقيم الانسانية العليا في المنظومة الإدارية المتمثلة بالإدارة المثلى للرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) بحكم القران الكريم (وَأُمِرتُ لِأَعدِلَ بَینَکُمُ) (99)

وسئل الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) (أيما أفضل العدل أو الجود) فقال عليه السلام: العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص. فالعدل أشرفهما وأفضلهما (100)

وعنه (عليه السلام) (من كمال السعادة السعي في صلاح الجمهور) (101)

فاذا أردنا ان نبني مجتمعا صالحا وفق النظرية الاسلامية ومنهج علي (عليه السلام) ان نشعر الجميع بحقوق المواطنة الصالحة ومن هذه الحقوق العدل.

ثالثا - رضا الناس:

يشير الإمام (عليه السلام) في المقطع الى مسألة أخرى في تغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة في المنظومة الإدارية. وهو رضا الناس.

لا يتحدث الامام (عليه السلام) عن رضا الناس بأجمعهم، لأن رضاهم غاية لا تدرك، ولا تتيسر لكل احد حتى الانبياء والاوصياء لم يستطيعوا أن يحققوا رضا عامة الناس، لكن يعتبر الامام (عليه السلام) إن إرادة الامه لها السبق على إرادة الحكومة، مما يدعوا ان تكون المالكية الشرعية للدولة هو الشعب (الأمه) وتكون الحكومة في خدمة الشعب وملبية لمطالبه و تحقيق طموحاته، من خلال معالجة مشاكله وأزماته.

وتأييدا لذلك في خصوص ما نحن فيه ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان كيفية معالجة آراء الناس و تحقیق رضاهم، قال (عليه السلام) في مورد رفضه

ص: 157

لبيعة

(دَعُونِی وَالَتمِسُوا غَیْرِی فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَ لَا تَثْبُتُ عَلَیْهِ الْعُقُولُ وَ إِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَ الَمحَجَّةَ قَدْ تَنَکَّرَتْ. وَ اعْلَمُوا أَنِیّ إِنْ أَجَبْتُکُمْ رَکِبْتُ بِکُمْ مَا أَعْلَمُ وَ لَمْ أُصْغِ إِلَی قَوْلِ الْقَائِلِ وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ وَ إِنْ تَرَکْتُمُونِی فَأَنا کَأَحَدِکُمْ وَ لَعَلّی أَسْمَعُکُمْ وَ أَطْوَعُکُمْ لِمَنْ وَلَّیْتُمُوهُ أَمْرَکُمْ وَ أَنَا لَکُمْ وَزِیراً خَیْرٌ لَکُمْ مِنّی أَمِیراً) (102)

يقول (عليه السلام) للناس نحن في ميدان ومعترك فيه اختلافات والتباسات وبدع حادثة تخلفت من جراء غصب الخلافة من قبل الحكام الماضين، وسرتم بسيرتهم وتابعتم طرقهم وسلوكياتهم في الحكم في توزيع الاموال التي كانت خلاف السنه النبوية، فلا تستطيعون بهذه الصورة أن تنسجموا مع الرؤية الحقة.

يريد الإمام (عليه السلام) ان يقول للناس إن تحقيق العدالة أمر صعب في حد نفسها واجرائها فمن لم يذق طعمها أصعب واشكل فإن قلب المنافق بمعزل عن القيام بالحق وعقله بعيد عن درك الحقائق والفائل الانسانية (103)

إن الإمام (عليه السلام) كان ينتمي الى مدرسة تملي عليه القيام بالمسؤولية واحياء الدين ومفاهيمه السامية وتعاليمه الحقه ويسير في الناس بما يعلم وان تعارضت أهدافه مع أهداف الناس ولايأبه بعتب العاتب وان كلف ذلك حياته، لأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك

ص: 158

الخامس عشر: المركزية في القرار:

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا یعْیا عَنْهُ کُتَّابُكَ وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ یوْمَ وُرُودِهَا عَلَیكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ) (104)

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع الشريف من العهد حول السلطة التنفيذية، المتمثلة بالمسؤولين والعاملين في المنظومة الإدارية الذين تفوض لهم الاعمال و مباشرتها بأنفسهم، يلزم على المسؤول فيما بينه وبين العاملين معه، أن يتصدى بنفسه على إجابات العمال، من الواضح أن كبار المسؤولين لا يتمكنون من القيام بكافة مهامهم، فيضطرون لتفويض البعض منها لمساعديهم ومستشارهم، ولكي يستطيع المسؤول من ممارسة إشرافه على سير مهام مساعديه، فإن عليه أن يفرق بين الاعمال ذات الأولوية عن تلك الثانوية غير الضرورية، فيباشر الأعمال ذات الأولوية على نحو يعين لها أوقاتها بالسرعة والدقة بالاستعانة بمساعديه في سائر الأعمال فلا يؤجل عمل اليوم الى غدا (105)

السادس عشر: ستر العيوب:

قوله (عليه السلام) (وَلْیکُنْ أَبْعَدَ رَعِیتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ فِی النَّاسِ عُیوباً الْوَالِی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلَا تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَیكَ تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَكَ وَاللَّهُ یحْکُمُ عَلَی مَا غَابَ عَنْكَ فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ یسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیتِكَ أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ کُلِّ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ وَتَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَایضِحُ لَكَ (106)

يتحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) عن سمات الاشخاص الواجب إبعادهم عن المنظومة الادارية،

ص: 159

في مجملهم هؤلاء يشكلون خطرا على سمعة وقرار الذي يصدر من المسؤول الإداري، ويشير الإمام (عليه السلام) الى صنفين من هؤلاء الناس، الصنف الأول الانتهازين المتتبعون لعيوب الناس ونقاط الضعف والقصور فيهم ما يسمى (النمائم والوشاة)، والصنف الثاني ما يسمى بالسعاة في الناس عند السلاطين الامام (عليه السلام) يشير إلى صفة ورذيلة من الرذائل الخلقية والتي أعتبرها الاسلام من أقبح الرذائل وهو النميمة والوشاية.

ثم يبين الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) أولوية المسؤول أو الحاكم في المنظومة الإدارية، ستر عيوب الناس (فِی النّاسِ عُیُوبا الْوالی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَها).

ثم ينهى الامام (عليه السلام) المسؤول من تتبع عثرات الناس وعيوبهم (فَلا تَکْشِفَنَّ عَمّا غابَ عَنكَ مِنها) أي لا ينبغي البحث عن العيوب الخفية للناس، کالتصنت عليهم أو الاطلاع على خفايا حياتهم الشخصية. كما ورد في القران الكريم بالنهي عن التجسس وَلا تَجَسَّسُوا) (107)

السابع عشر - حفظ الاسرار:

قوله (عليه السلام): (ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ) (108)

يتحدث الامام امير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد، حول مبدأ آخر من مبادئ الإدارة في الاسلام، وهو مبدأ حفظ الاسرار في المنظومة الادارية.

لان المدير في الإدارة بحاجة الى جمع المعلومات حول لياقة العاملين معه، وقدراتهم وإمكاناتهم وذكائهم وتجاربهم وسوابقهم الحسنة والسيئة وذلك بهدف اختيار الاصلح

ص: 160

من بينهم لتسلم المسؤوليات، وفي حال أنتشار هذه المعلومات في المؤسسة أونقلها الى الاشخاص أنفسهم فقد يؤدي ذلك الى اثار نفسية وردود فعل غير مناسبة، تؤدي الى أنهيار المنظومة الإدارية.

ما يسمى اليوم بالذاتية أي موظفي الدوائر المختصة بالملفات والاوراق السرية، أسماه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكتاب، فوصف الامام (عليه السلام) لمالك على أن يكونوا خير الكتاب (فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ)، لأنهم المكلفون بحفظ أسرار الدولة وصيانة خططها والوثائق الخاصة برجال معينين (109) التي يجب إخفاءها من الغير ممن لا يحتاطون بحفظها، وايداعها لدى الامناء ممن يمتلكون الاخلاق الفاضلة، فحفظ الاسرار في المجال الإداري يؤمن المنظومة الادارية من الوقوع في الاخطار، وتحفظ للإنسان كرامة ومكاسبه، وتحقق له الاهداف المستقبلية، وسد الابواب والطرق أمام المنافسين من الاعداء. وفي هذا المجال ورد عن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره (110)

الثامن عشر - تأثيرالعلاقات القريبة للمدراء واهتما مهم بالعاملين معهم:

قوله (علیه اسلام) (ثُمَّ الْصَقْ بَذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَالاْحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالسَّماحَةِ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ) (111)

يتحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف في وصية لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) حول مبدأ آخر من مبادئ الادارة في الاسلام، تأثير العلاقات المتبادلة بين المدير والعاملين معه في المنظومة الادارية، والتي من خلالها تترتب القضايا المعنوية في تقوية الاطر الادارية وتحفيز العاملين نحو العمل، وهو

ص: 161

ما يسمى بالاصطلاح العلمي والمنطقي بعلم النفس التحليلي، وعنصر أختيار أفضل الرجال لقيادة الجيش في تولية المهام والوظائف ألإدارية.

الامام (عليه السلام) يشرح لمالك (رضوان الله عليه)، في كيفية اختيار الموظفين في دوائر الدولة كالجند ورؤساء الامراء وغيرهم، بعد مراعاة العناصر التالية:

1- المرؤة والنسب: ومن معاني المروءة أنها (آداب نفسانيَّة، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات من أصحاب الشخصيات المتميزة) (112) النسب: هو البعد الاجتماعي الذي يمتلكه الانسان الذي يتأثر بالعامل الوراثي، للأسرة والقبيلة،

2- البيوتات الصالحة: إشارة إلى الاسر والعوائل النظيفة والمرموقة في المجتمع (113)

3- السوابق الحسنة: إشارة الى السمعة الجيدة التي تمتلكها هذه البيوتات، والتي جعلت عموم الناس تتحدث بسجاياهم الحسنة.

4- النجدة: يريد الامام (عليه السلام) ان يشير الى نقطة مهمة، وهو لابد من التميز بين شخصيتين عند الناس، الشخصية الاولى التي تمتلك عنصر الروح العالية في التضحية والمكانة الاجتماعية. وبين الشخصيات الانتهازية أصحاب المطامع الشخصية، لم يكن لهم اهتمام بروح المحبة وخدمة الناس. فيقول الامام (علیه السلام) الصق باهل النجدة أصحاب الروح والهمة العالية، هؤلاء لم يتكاسلوا في أمر ما.

5- الشَّجَاعَةِ والسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ: من يتصف بالشجاعة يتحلى أيضا بالنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم، والسَّخَاءِ: عبارة عن الجود والكرم، والسخي هو الجواد الكريم. السَّمَاحَةِ: هي المساهلة والسلاسة واللين في التعامل وسعة الصدر والاتصاف بالحلم

ص: 162

التاسع عشر - الإحسان والمرتب والمكافأة:

قوله (عليه السلام) (ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاس، ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وغِنًی لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وحُجَّةٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ (114)

يتحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه المقاطع في وصية لمالك (رضوان الله عليه) حول عناصر آخر في المنظومة الادارية، ويجب على المسؤول الاداري العمل بها، وهما عنصر الإحسان الى الناس، وتوزيع الحقوق والمكافأة الشهرية. يقول (عليه السلام) (تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا) أحد العناصر المهمة في نجاح المنظومة الادارية في المهمة المناطة بها، لابد من توفر عنصر الاحسان للأخرين

وقال (عليه السلام) في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) :العدل الانصاف، والاحسان: التفضل (115)

ثم ينتقل الامام (عليه السلام) الى عنصر آخر من مبادئ الادارة في الفهم الاسلامي، وهو مبدأ المكافأة والحقوق الشهرية، (وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاس، ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ وغِنًی لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وحُجَّةٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ

ص: 163

العشرون - المشورة:

قوله (عليه السلام) (وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بِخِیلاً یَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَیَعِدُكَ الْفَقْرَ وَلاَ جَبَاناً یُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَلاَ حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّهِ) (116)

يتحدث الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) عن محور آخر من محاور العمل في المنظومة الادارية، وهو كيفية تمكين المسؤول من اختيار مستشاريه الاكفاء في شؤون الادارة، ليستطيع من خلال ذلك الاستفادة من أفكارهم وتجاربهم العملية وآراءهم المدروسة والمبنية على الاسس المنطقية.

المشورة: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض الآخر من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه. (117)

إن مسألة المشورة والاستشارة تعد من أهم المسائل الاجتماعية في الحياة الانسانية، وهناك نصوص عديدة من السنة الشريفة تؤكد على مبدأ التشاور. منها ما ورد عن النبي: (صلى الله عليه واله وسلم) (من أراد أمرا فشاور فيه وقضى هدي لأرشد الأمور) (118)

وعن أمير المؤمنين: (عليه السلام) قال: سئل رسول الله: (صلى الله عليه واله وسلم) عن العزم فقال: (مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم) (119)

وعنه (عليه السلام): (حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء ويضم إلى علمه علوم الحكماء) (120)

وعنه (عليه السلام): (من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ) (121)

لذا نرى تأكيد الامام (علیه السلام) في وصيته لمالك الاشتر: (رضوان الله عليه)، لكل

ص: 164

من يتصدى ويتحمل المسؤولية أن يختار مستشاريه بشكل دقيق، ويحذر الامام (عليه السلام) من ادخال اصناف ثلاثة من الناس في المشورة، ممن يحملون الصفات الاخلاقية المذمومة التي نهى عنها الاسلام، البخل، الجبن، الحرص.

فيتحصل: إن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحذر المسؤولين من إدخال الاصناف الثلاثة في المنظومة الإدارية، بهدف الاستحواذ على كل شيء بغير حق

ثم يقول (عليه السلام) إن الاصل في هذه الخصال (البخل، الجبن، الحرص والطمع) هو سوء الظن بالله سبحانه وتعالى.

ويؤكد الامام (عليه السلام) أن هناك معايير ومواصفات إيجابية للمستشارين ينبغي للمسؤول النظر والتفحص فيها، وهي على سبيل الحصر، (الصدق، العقل، الاخلاص، الشجاعة، الدراية، التجربة والاختصاص، تغليب المصالح العامة على المصالح الشخصية)، ويحذر (عليه السلام) اضافتا الى الصفات الثلاثة التي مر ذكرها من المواصفات السلبية الاخرى للمستشارين، وهي (الكذب، التهور، ضيق الافق، الجهل والجهال...)

وعنه (عليه السلام): (لا تستشير الكذاب فإنه كسراب، يقرب إليك البعيد ويبعد عليك القريب) (122)

ص: 165

الخاتمه والاستنتاجات

بالنظر لأهمية مفهوم مبادئ الإدارة والقيادة، فقد توصل الباحث الى ان دراسة هذه المبادئ وتحليلها نستطيع من خلالها ايجاد نظام إداري يكفل الاستقرار الوظيفي في إدارة البلاد، ويضمن سلامة الاهداف في المنظومة الادارية القيادية.

الباحث على التركيز الاعلامي في طرح موضوعات العهد في الجانب الاداري والقيادي في المراكز العلمية كالجامعات والمعاهد، ويوصي بالاهتمام العلمي به.

ص: 166

الهوامش

1- نهج البلاغة: رسالة 53

2- نهج البلاغة: رسالة 53

3- نهج البلاغة: 53

4- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: للعلامة المحقق ميرزا حبيب الله الخوئي: ج 20: ص 175

5- في ظلال نهج البلاغة: محمد جواد مغنية الجزء: 3 ص 389

6- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظر الجزء: 1 ص 327

7- نهج البلاغة: 53

8- معجم المعاني: للسيوطي: مادة جمح

9- شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: ج 17 ص 23

10- لسان العرب: ابن منظور: ج 8: ص 160: وينظر مجمع البحرین، ج 2، ص 1101. والصحاح : ج 1: ص 403

11- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 81

12- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 10 ص 294

13- الصحيفة السجادية لأمام زين العابدين (عليه السلام) مناجاة الشاكين ليوم السبت

14- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170. وينظر ميزان الحكمة: محمد الري شهري الجزء : 4 ص 3325

15- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170

16- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170

ص: 167

17- اخلاقيات الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): هادي المدرسي: ص 334

18- نهج البلاغة: حكمة 160

19- معجم المعاني الجامع: للسيوطي: مادة (استأثر)

20- نهج البلاغة: 53

21- نهج البلاغة: حكمة 161

22- نهج البلاغة: حكمة 80

23- نهج البلاغة: 53

24- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: للخوئي: ج 20: ص 152

25- المصدر نفسه: ص 152

26- نهج البلاغة: خطبة 182

27- الفرقان: 38

28- ق: 12

29- ورد في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: ج 13، ص 18، ط تراثنا الأسود بن يعفر (ويقال يُعفر، بضم الياء) ابن عبد الأسود بن جندل بن سهم بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن تميم. وأم الأسود بن يعفر رهم بنت العباب، من بني سهم بن عجل. شاعر متقدم فصيح، من شعراء الجاهلية، ليس بالمكثر. وجعله محمد بن سلام في الطبقة الثامنة مع خداش بن زهير، والمخبل السعدي، والنمر بن تولبٍ العكلي، وهو من العشي ويقال العشو بالواو المعدودين في الشعراء.

30- كان فصيحاً جواداً، نادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كفّ بصره ويقال له أعشى بني نهشل

31- الدخان: الايات 27، 26، 25، 28

32- نهج السعادة: ج 2 ص 135، ط 1 وينظر بحار الانوار

ص: 168

33- بحار الأنوار: العلامة المجلسي الجزء: 75 ص 77

34- المصدر نفسة: ص 77

35- نهج البلاغة: 53

36- نهج البلاغة: رسالة 53

37- الصحاح للجوهري: ج 1: ص 378 وينظر: المصباح المنير: للفيومي: ج 1 ص 306، ومفردات القرآن: للراغب الاصفهاني: ص 446

38- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 10 ص 302

39- اصول الكافي ج 2 باب اتباع الهوى حديث 1 وينظر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي الجزء 21 ص 267

40- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 89

41- النساء: 19

42- أسد الغابة: ص 48 (انه الاسود بن زيد بن قطبة الانصاري: يقال انه ممن شهد بدرا)

43- نهج البلاغة: رسالة 59 وينظر: بحار الأنوار: العلامة المجلسي الجزء: 33 ص 511

44- نهج البلاغة خطبة 50

45- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 2 ص 357

46- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 2 ص 360 - 361

47- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 381

48- الخصال: الشيخ الصدوق ص 621

49- ميزان الحكمة: محمد الري شهري الجزء: 2 ص 1478 وينظر: نهج البلاغة: الخطبة 86، والكتاب 78.

ص: 169

50- نهج البلاغة: 53

51- نهج البلاغة: رسالة 45

52- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 10 ص 141

53- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: ج 10 ص 145

54- نهج البلاغة: 53

55- المفردات في غريب القرآن: الراغب الاصفهاني: ص 530 مادة: (وقى)

56- نهج البلاغة: 53

57- معجم الأدباء: ياقوت الحموي (11/ 72 - 77) والسير) 7/ 429 - 431

58- تحف العقول عن آل الرسول (ص) ابن شعبة الحراني ص 15

59- عيون الحكم والمواعظ علي بن محمد الليثي الواسطي ص 24

60- المصدر نفسة: ص 24

61- نهج البلاغة: 53

62- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 35

63-يون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 403

64- معجم المعاني الجامع: للسيوطي (مادة: داهن)

65- لسان العرب: مادة دهن

66- جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر الجزء 1 ص 131: وينظر ملامح القيادة الناجحة في ضوء منهجية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) مقارنات دراسية في سيكولوجية السلوك التنظيمي المعاصر: محمد عبد الرضا هادي الساعدي: ص 226

67- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني ص 175

68- نهج البلاغة: 53

ص: 170

69- کنز العمال: للمنتقى الهندي ج 9 ص 335

70- بحار الأنوار: ج 69 ص 257 ب 114 ضمن ح 20، وينظر فقه العولمة: السيد محمد الحسيني الشيرازي ص 126

71- الكافي في الفقه: أبو الصلاح الحلبي ص 59

72- وسائل الشيعة (آل البيت): الحر العاملي الجزء: 15 ص 287

73- غرر الحكم: 269: 1

74- غرر الحكم: 805،

75- غرر الحکم: 805، 9983، 971

76- نهج البلاغة: 53

77- نهج البلاغة: 53

78- نهج البلاغة: 53

79- نهج البلاغة: 53

80- نهج البلاغة : 53

81- نهج البلاغة: 53

82- لسان العرب، ابن منظور ج 1، ص 424.

83- الرقابة على السلع والأسعار في الفقه الإسلامي: ظاهر فريدة حسين طه رسالة ماجستير (نابلس، جامعة النجاح، 2011 م)، ص 3.

84- نهج البلاغة: 53

85- تاج العروس: (مادة حفزه)

86- اسرار القيادة عند أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام): جمیل کمال: ص 69

87- الأعراف: 96

ص: 171

88- نوح: 10-11-12

89- نهج البلاغة: خطبة 203: وينظر أمالي الصدوق: مجلس 23

90- نهج البلاغة: 53

91- معجم المعاني: للسيوطي (ارستقراطية)

92- نهج البلاغة: 53

93- نهج البلاغة: 53

94- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص 86

95- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج 10، ص 320

96- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: میرزا حبیب الله الخوئي: ج 20: ص 164

97- نهج البلاغة: حكمة 90

98- نهج البلاغة: 53

99- الشوری: 15

100- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) الجزء: 4 ص 102 حكمة 437

101- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 469: حكمة 30

102- نهج البلاغة: خطبة 92

103- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي: ج 8، ص 260

104- نهج البلاغة: 53

105- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص 146

106- نهج البلاغة: 53

107- الحجرات: 12

ص: 172

108- نهج البلاغة: 53

109- الحكم الإسلامي في مدرسة الامام علي (عليه السلام): محمد تقي المدرسي: ص 197

110- غرر الحكم

111- نهج البلاغة: 53

112- مصباح المنير: للفيومي: ج 8: ص 446

113- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج 10: ص 371

114- نهج البلاغة: 53

115- نهج البلاغة: الحديث: 231

116- نهج البلاغة: 53

117- مفردات الفاظ القرآن الكريم: الراغب الاصفهاني ص 470

118- الدر المنثور: لجلال الدين السيوطي: ج 6: ص 10

119- تفسير ابن كثير القرشي: ج 1، ص 430

120- غرر الحكم: ح 496

121- نهج البلاغة: ج 4، ص 42، الحكمة 173

122- غرر الحكم: ج 6: 310

ص: 173

المصادر

أ

1- القران الكريم

2- الصحيفة السجادية: للأمام زین العابدین (عليه السلام)، تحقيق:: حاج عبد الرحيم أفشاري زنجاني: سنة الطبع: 1404 - 1363 ش المطبعة: مؤسسة النشر الإسلامي الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسین بقم المشرفة

3- الشرح الكبير: عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي شمس الدين أبو الفرج، المحقق دار المنار

4- الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري، المحقق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين سنة النشر: 1990

5- اخلاقیات الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): السيد هادي المدرسي، الطبعة الأولى، 1431 ه، 2010 م، مؤسسة الباقر للطباعة والنشر

6- الكافي: للشيخ محمد بن يعقوب الكليني (ت 329 ه)

7- الاغاني: أبو الفرج علي بن الحسين القرشي الأصبهاني أو الأصفهاني (284 ه - 897 م، مطبعة دار صادر بیروت، سنة الطبع سنة 1952 - 1994 م

8- المعيار والموازنة: الشيخ الاقدم أبي جعفر الإسكافي محمد بن عبد الله المعتزلي، دار محمودي للطبع والنشر، 1981 م

ص: 174

9- المستدرك على الصحيحين المؤلف: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الظبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفي: 405 ه) تحقیق: مصطفى عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، 1411 - 1990

10- الامثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مکارم الشيرازي الناشر: مدرسة الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الطبعة: الأولى التصحيح الثالث 1426

11- اصول الكافي: ثقة الاسلام الكليني، الناشر: دار المرتضى للطباعة والنشر والتوزيع - بیروت لبنان الطبعة: الاولى 2005

12- أسد الغابة في معرفة الصحابة: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد، المعروف ابن الأثير، الناشر: دار ابن حزم، الطبعة: الأولى سنة النشر: 1415 ه - 1994 م

13- العقد الفريد (ط. العلمية): أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي المحقق: مفيد محمد قميحة، سنة النشر: 1404 - 1983

14- البدعة واثارها الموبقة: جعفر السبحاني

15- الخصال: الشيخ الصدوق ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي صححه وعلق عليه: علي اكبر الغفاري الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة الجماعة المدرسین بقم المشرفة، سنة الطبع: 18 ذي القعدة الحرام 1403 - 1362 ش

16- الصراط المستقيم: زين الدين أبي محمد علي بن يونس العاملي النباطي البياضي

ص: 175

تحقيق محمد الباقر البهبودي

17- الأمالي: شيخ الطائفة ابي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، تحقيق وتصحيح: بهراد الجعفري - الاستاذ علي اكبر الغفاري الناشر: دار الكتب الاسلامية قم 1414 هجريّة الطبعة: الاولى 1964 م

18- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر النخعي: الشيخ محمد الفاضل اللنكراني، تحقيق ونشر مرکز فقه الائمة الاطهار (عليهم السلام) 1425 ه

19- الرقابة على السلع والأسعار في الفقه الإسلامي: ظاهر فريدة حسين طه رسالة ماجستير (نابلس، جامعة النجاح، 2011 م)

20- اسرار القيادة عند أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام): جمیل کمال، الطبعة الأولى، إصدارات مبرة سيد الشهداء (عليه السلام) الكويت 2016

21- الحكم الإسلامي في مدرسة الامام علي (عليه السلام): السيد محمد تقي المدرسي، الطبعة الاولى، 1431 ه، 2010 م، مركز العصر للثقافة والنشر

22- المحجة البيضاء في تهذیب الاحياء: تأليف المولى محسن الفيض الكاشاني صححه وعلق عليه: علي اکبر الغفاري الناشر: منشورات مؤسسة الاعلمي للمطبوعات الطبعة: الثانية 1983

23- الحرية السياسية دراسة مقارنة في المعالم والضمانات: فاضل الصفار، الناشر: دار العلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع، 2006 م

24- الدر المنثور: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفي: 911 ه) دار

ص: 176

الفكر - بيروت، 2010 م

ب

25- بحار الانوار الجامع لدرر أخبار الأئمة الاطهار: الشيخ محمد باقر المجلسي، الناشر: دار احیاء التراث العربي - بيروت لبنان الطبعة: الثالثة المصححة 1983

ت

26- تفسير الميزان: للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائ. مؤسسة الاعلمي، بيروت، الطبعة الثانية

27- تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: السيد حیدر الآملي، حققه وقدم له وعلق عليه: السيد محسن الموسوي التبريزي، الناشر: العهد الثقافي نور على نور الطبعة: الثانية

28- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري الطبعة: الثانية سنة الطبع: 1404 - 1363 ش المطبعة: الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسین بقم المشرفة

ج

29- جامع بیان العلم وفضله: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفي: 463 ه) تحقيق: أبي الأشبال الزهيري الناشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، 1414 ه - 1994 م

30- جامع السعادات: المولى محمد مهدي النراقي، دار النشر اسماعیلیان قم المقدسة، سنة الطبع 1428

ص: 177

د

31- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظري، الناشر: الدار الاسلامية للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة: الثانية 1988

32- دائرة معارف القرن العشرين: محمد فريد وجدي، سنة النشر: 1971

ر

33- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: تأليف: المولى محمد تقي المجلسي الاول تحقيق: علي بناه الاشتهاردي - حسين الموسوي الكرماني الناشر: بنیاد فرهنك اسلامي حاج محمد حسین کوشانيور الطبعة: الاولى

س

34- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (السلسلة الصحيحة (المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف سنة النشر: 1415 ه - 1995

ص: 178

ش

35- شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد المعتزلي تحقيق: محمد ابراهيم الناشر: دار الكتاب العربي - دار الاميرة للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة: الاولى 2007

ص

36- صفوة شروح نهج البلاغة: جمعة اركان التميمي، الناشر: د.م. تاريخ الطبع: 2000

ع

37- عيون الحكم والمواعظ: فخر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الليثي الواسطي المحقق: الشيخ حسين حسني البيرجندي الناشر: دار الحديث، الطبعة: الأولى 1376 هجري شمسي

ف

38- فقه الرضا: علي ابن بابويه القمي، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - قم المشرفة الطبعة الأولى، سنة الطبع شوال 1406 المطبعة: الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام) مشهد المقدسة

39- فقه الدولة بحث مقارن في الدولة ونظام الحكم على ضوء الكتاب والسنة والانظمة الوضعية: فاضل الصفار: الناشر، دار الانصار مطبعة باقري، الطبعة الاولى 1426 ه - 2005 م

40- في ظلال نهج البلاغة: محمد جواد مغنية: الناشر: دار العلم للملايين - بيروت لبنان الطبعة: الثالثة 1979

ص: 179

ك

41- کنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي المتقی بن حسام الدين الهندي البرهان فوري والمشهور بالمتقي الهندي، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط دائرة المعارف العثمانية (النظامية) بحیدر آباد 1313

ل

42- لسان العرب: محمد بن مکرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي. ولد في محرم سنة 630 ه / 1232 م

م

43- مفاتیح الجنان: للسيخ عباس القمي (رضوان الله عليه)

44- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: للعلامة المحقق میرزا حبیب الله الخوئي: الطبعة الأولى - 1422 ه، 2003 م، دار احیاء التراث العربي للطباعة والنشر بيروت

45- معجم المعاني: مروان العطية: الطبعة الأولى: 2012 م

46- معجم الفروق اللغوية: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعید بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفي: نحو 395 ه، المحقق: الشيخ بیت الله بیات، ومؤسسة النشر الإسلامي الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين با قم (الطبعة: الأولى، 1412 ه)

47- مجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطريحي المحقق: السيد احمد الحسيني الناشر: انتشارات مرتضوي المطبعة: طراوت طهران إيران الطبعة: الثانية - 1365 ه

ص: 180

48- مصباح البلاغة مستدرك نهج البلاغة الموسوم بمصباح البلاغة في مشكاة الصياغة من تأليفات حسن المير جهاني الطباطبائي المحمد آبادي الجرقويي الأصبهاني، طبع بتاریخ 1388 ه

49- میزان الحكمة: محمد الريشهري، الناشر: دار الحديث قم، الطبعة الأولى سنة النشر 1422 ه

50- مستدرك الوسائل: لميرزا حسين النوري الطبرسي المعروف ب المحدث النوري من (علماء الشيعة (المتوفي سنة 1320 ه - سنة الطبع 1245 ه، 1320 قم، مؤسسة آل البيت لأحياء التراث والنشر

51- مفردات القران: للراغب الاصفهاني: الناشر: دار القلم - الدار الشامية سنة النشر:

1430 - 2009

52- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: سید محمد تقي التقوي، الطبعة الاولى مؤسسة التاريخ العربي، سنة الطبع، 2015 م، 1436 ه

53- مختلف الشيعة في احكام الشريعة: العلامة الحلي ابي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الاسدي الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسین بقم الشرفة الطبعة: الاولى 1372 ه

54- معجم الأدباء إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، ياقوت الحموي، الناشر: دار الغرب الإسلامي سنة النشر: 1993.

55- ملامح القيادة الناجحة في ضوء منهجية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) مقارنات دراسية في سيكولوجية السلوك التنظيمي المعاصر: محمد عبد الرضا هادي

ص: 181

الساعدي: الطبعة الأولى 1435 ه 2014 م، مطبعة ذوي القربی

56- موسوعة الإمام العسكري (عليه السلام): مؤسسة ولي العصر (عجل الله فرجه الشريف) للدراسات الإسلامية، محل النشر قم المقدسة

57- مکارم الأخلاق: تأليف الشيخ الجليل رضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي رحمه الله ، سنة الطبع: 1392 - 1972 م

ن

58- نهج البلاغة: خطب وكتب الامام علي بن ابي طالب، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الثانية 1980.

59- نفحات الولاية شرح عصري جامع لنهج البلاغة: الشيخ ناصر مکارم الشيرازي: سنة الطبع الطبعة: الاولى 1426

60- نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: الشيخ محمد باقر المحمودي الطبعة الأولى 1396 - 1976 دار التعارف للمطبوعات بيروت - شارع سوريا - بناية درویش

ص: 182

ه-

61- هداية الأمة إلى أحكام الأئمة (عليه السلام): محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين المعروف بالشيخ الحر العاملي

و

62- وسائل الشيعة: للشيخ المحدث محمد بن الحسن بن الحر العاملي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لأحياء التراث - بیروت، الطبعة الاولى 1413 ه - 1993، دار إحياء التراث العربي - بيروت

ص: 183

ص: 184

الفكر الإداري في عهد مالك بين النظرية والتطبيق

اشارة

أ. د حسين علي الشرهاني م. م رزاق فزع جنجر

ص: 185

ص: 186

المقدمة

يعد عهد الإمام علي عليه السلام لمالك النخعي رضي الله عنه موسوعة متكاملة لجميع قضايا الحكم والإدارة، اشتمل على اعلى درجات التطور الانساني والتقدم الفكري، واختصر التجربة الإنسانية الايجابية على طول تاريخها، واسمى ما بلغته من رقي وابداع، ومهما وصلت أنظمة الحكم والادارة في التاريخ فإنها تبقى عاجزة عن ان تأتي بنظرية ادارية اقتصادية قانونية انسانية متكاملة كما جاء في هذا العهد، لذلك مهما حاولت الاقلام ان تكتب فيه فإنها تبقى قاصرة عن الوصول الى غاياته او ما جاء فيه من قيم عليا ونظریات عملية وعلمية.

لذلك حاولنا في بحثنا المختصر هذا ان نركز على جزئية بسيطة في هذا العهد، فتناولنا منهج الامام علي عليه السلام في ادارته للدولة، واستخلصنا مجموعة من المبادئ الرئيسة التي تضمنها العهد لتكون مرتكزات لبحثنا، ثم اردفنا ذلك بالممارسات العملية التي طبقها الإمام عندما مارس الحكم، في محاولة لربط النظرية بالتطبيق العملي الذي كان سابقا للنظرية. وهذا المنهج الذي اتبعناه وان كان لا يرقى الى مستوى العهد، لكنه يبقى محاولة لفهم بعض جوانبه، لاسيما ان ضيق مساحة البحث دفعنا الى انتقاء بعض النقاط وليس كل ما جاء في العهد، فأخذنا مبدأ الرقابة الذاتية ومبدأ الرقابة الشعبية على الموظف والتي ثبتها الإمام عليه السلام في عهده، والممارسات العملية المتعلقة بهما، ثم اخذنا المزايا الاخلاقية التي يجب ان يتحلى بها كبار الموظفين، والحفاظ على دماء الرعية.

ثم ناقشنا طبيعة اختيار الكادر الاداري ومواصفاته كما ورد في العهد مع التركيز على طبيعة اختيار الامام للموظفين (عمال، ولاة، کتاب) کمارسة عملية، واردفنا ذلك بالأساليب الوقائية التي حددها الامام في عهده لمالك، حتى لا يسمح للفساد الاداري والمالي بالتسلل الى مرافق الدولة.

ص: 187

البحث

طرح الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) للعالم في عهده لمالك الاشتر النظرية السياسية للإسلام، واسلوب الحكم والادارة وفق نسق علمي مترابط ومنسجم، فكان هذا العهد اهم وثيقة تاريخية تهدف الى ارساء قواعد العدل والمساواة، وهو اسمی صك لحقوق الانسان استله الامام علي (عليه السلام) من المنهج القرآني والنبوي.

لاريب ان العهد امتاز بالشمولية والاحاطة بظواهر الحكم وخفاياه، ذلك لان مؤسس العهد (عليه السلام) يعتبر منظومة شاملة لكل العلوم والمعارف الكونية والانسانية (1)، على هذا فقد اقتبسنا من العهد بعض الفقرات التي تناولت الجوانب الادارية في الحكم.

مفهوم الادارة:

الادارة هي فن قيادة وتوجيه أنشطة جماعة من الناس نحو تحقيق هدف مشترك (2)، وتعرف ايضاً بانها نشاط انساني تعاوني لتحقيق اهداف مشتركة في احسن وجه واقصر وقت وباقل التكاليف (3)، ويلاحظ ان التعريفين السابقين جمعا الصفة الانسانية والصفة الفنية للعمل الاداري، زيادة على انهما لم يحددا وظيفة بعينها بل کانا شمولیان وعامان (4).

ومن التعاريف النموذجية للادارة العامة هي تنظيم وادارة الافراد والموارد لتحقيق الاهداف الحكومية (5)، وتعرف ايضاً انها فن ادارة الاعمال في مجال شؤون الدولة، كما يمكن تعريف الادارة بانها عملية اجتماعية مستمرة تعمل على استغلال الموارد المتاحة استغلالا امثل، عن طريق التخطيط والقيادة والرقابة للوصول الى هدف محدد (6).

ص: 188

نخلص الى ان العملية الادارية لا تتوقف طالما ان حاجات الفرد والجماعة لا تنقطع ولا تقف عند حد معين، كما ان قوام تلك العملية الادارية المستمرة هو العنصر الانساني، والموارد المعنوية المتمثلة بالأفكار و النظريات والأساليب التي ترسم ملامح العملية الادارية وقدرتها على استخدام الموارد المتاحة وقيادة الناس، ومن قوامها ايضا الموارد المادية الذي تشمل الاموال والادوات والمعدات والالات التي يجب توافرها لكي تقوم الادارة بوظائفها من تخطيط وتنظيم وقيادة ورقابة (7).

أهمية العهد

ابطلت حكومة الامام علي (عليه السلام) النظرة الشائعة التي تقضي بان مفاهیم الادارة القديمة تبني على مجموعة من النصائح والارشادات التي توجه الى الحكام والاداريين، وانها تختلف عن الادارة الحديثة من حيث الموضوعية والتطبيق العلمي، ويمكن ان نرى ذلك بوضوح من خلال التطبيقات العملية في مؤسسات الدولة ابان خلافة الامام علي (عليه السلام) ومقارنتها مع فقرات العهد الذي دونه الإمام (عليه السلام) لمالك الاشتر (8).

ولا شك بان الغاية الاساسية عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هي اقامة دولة الحق المستندة الى الحكم الإلهي ونشر العدل والفضيلة، وقد طبق المفاهيم التي طرحها على ارض الواقع ولم يكن كلامه مجرد تنظير لا مصداق له، لذلك كان عهده لمالك الاشتر منهجاً متكاملاً في السياسة والحكم والادارة، وليس هذا الحديث من باب التحيز للمنهج العلوي ولا من قبل المبالغة، وإنما کلام مبني على أساس البحث والدراسة. حيث توفرات في ذلك المنهج عناصر جعلته يفوق غيره من المناهج الأخرة، ومن تلك العناصر:

ص: 189

العنصر الاول:- إن ما يقدمه هذا المنهج ليس نتاج اجتهاد بشري وفرضيات وضعها إنسان فهي قابلة للصحة أو الخطأ، وإنما هي حدود وتعليمات وتشريعات صدرت عن الباري عز وجل (9).

العنصر الثاني:- إن ما يقدمه لنا هذا المنهج هو نظام تم تطبيقه على ارض الواقع، واثبت نجاعته ونجاحه، فقاد الدولة الإسلامية الى بناء حضارة امتدت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب (10).

العنصر الثالث:- ملائمته كل زمان ومكان (مرونة المنهج العلوي) (11).

العنصر الرابع :- إن الادارة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) لیست فعلاً میکانیکياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظیم و نظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى (12).

العنصر الخامس:- الانسانية وكمالها وتكاملها هدف اسمي في منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم (13).

العنصر السادس:- الحالة الاجتماعية في منهج امير المؤمنين (عليه السلام)، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة من أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوی

ص: 190

القوانين الصارمة، كما هي البيروقراطية (14) وغيرها من نظريات الادارة العلمية (15).

العنصر السابع:- الهدفية في المنهج الاداري العلوي، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضا إلى تحقيقها في الحياة (16).

في السنة الثامنة والثلاثين للهجرة (658 م) بعث خليفة المسلمين الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى مالك بن الحارث النخعي الاشتر رضوان الله تعالى عليه بكتاب حين ولاه مصر (17) والتي عرف فيما بعد ب (عهد الاشتر) والذي اشتمل على قواعد نظام الإدارة الإسلامية وحقوق الراعي والرعية في المنهج الإسلامي، لذا جاءت عنایتنا تبحث في هذه الوثيقة الدستورية الراقية في محاولة لاستخلاص القواعد الأساسية للنظام الإداري في المنهج العلوي الإسلامي، ولا إثبات أسبقية ذلك النظام الإداري الإسلامي في وضع الأسس الإدارية وتوزيع المسؤوليات بالاعتماد على البناء الوظيفي للهيكل الإداري والتوزيع الأفقي للطبقات الإدارية والاجتماعية بدلا من التوزيع العمودي، الذي أتت به النظريات الإدارية الحديثة والممارسات الإدارية القديمة بما في ذلك الممارسات التاريخية، وتتجه النظريات الحديثة اليوم إلى إلغائه والاعتماد على التوزيع الأفقي بكونه بديلا أكثر فعالية عنه.

اهداف العهد العامة:

لخص الإمام (عليه السلام) المهمات السياسية والإدارية لمالك في عهد التولية بالمرتكزات الاربعة الآتية: جباية الخراج، وجهاد العدو، واستصلاح الناس، وعارة البلاد (18).

ص: 191

جباية الخراج:- وإنما بدأ بجباية الخراج لأنه مصدر التمويل الرئيس وعماد اقتصاد الدولة وإدامة أجهزتها. وثني بالدفاع عن الأرض وجهاد العدو، ثم أتم ذلك باستصلاح الناس، وأراد بذلك إدارة شؤونهم ورعاية مصالحهم وتحقيق العدالة بينهم، وختم مهماته بعمارة البلاد وتنمية الاقتصاد و توفير أسباب الطمأنينة للقوى المنتجة. وقبل تفصيل الحديث عن هذه المحاور الأربعة حرر الإمام فقرة أوجز فيها الإشارة إلى فئات المجتمع الذي وجه إليه مالكا، وسماهم طبقات (19) وفيها: جنود الله (العسكريون) ومنها كتاب العامة والخاصة (من يقوم بشبه مهام الوزراء) ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق (الإداريون والجباة) ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس (المزارعون ومربو الماشية والأنعام)، ومنها التجار، وأهل الصناعات (الحرفيون) ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة (فقراء المدن والريف).

جهاد العدو: حين شرع الإمام (عليه السلام) بتفصيل الحديث عن حقوق فئات المجتمع وواجباتها بدأ بالحديث عن الجنود الممثلين لتشكيلات الحرس النظامي والمقاتلين من المجاهدين المندوبين للدفاع أو الفتح. فامتدحهم بأنهم «حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلاّ بهم (20) ولا بد من تموينهم بما لدى الدولة من موارد مالية تتمثل في عائدات الخراج والجزية وأموال الزكاة، وتوفير مستلزماتهم حتى يمكنهم الدفاع عن عهدتهم، فضلا عن احتياجهم إلى طبقات المجتمع من إداريين وتجار وحرفيين يوفرون لهم مستلزماتهم وسلعهم وعددهم مما لا يقوم به غيرهم، ورسم (عليه السلام) بان يختار لقيادتهم والإمرة عليهم أقومهم سيرة وأكثرهم تحريا للعدل والإنصاف، وحدد لذلك شرائط و ضوابط لخصها بالقول: «فول من جنودك انصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وأطهرهم جيبا وأفضلهم حلما، ممن يبطيء عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويراف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء (21) وفي

ص: 192

هذا النص حذر الإمام (عليه السلام) من خطرين: الأول: خطر الفساد، الذي شهد ما شهد منه في زمانه، قبل توليه الأمر، وانتهى بثورة أدت إلى مصرع عثمان بن عفان.

والثاني: خطر الاستبداد الذي يعطل أحكام الشريعة، فجعل الحلم والأناة والرأفة بالضعفاء والحزم مع الأقوياء المتنفذين شرطا في من يتولى المسؤولية ومیزانا لاختياره (22).

استصلاح أهلها:- ويعني بالاصلاح الاجتماعي، والاهتمام برعاية شؤون الأمة والمجتمع، وضرورة توعية المواطنين على مبادئ الحق والعدل، وارادة البناء، ومشاريع الخير والبر والاحسان، وتنمية مواهبهم، وصقل قدراتهم، وتحرير طاقات الافراد، وخلق التوازن الاجتماعي، واشاعة ثقافة الوحدة والاخاه، والتعاون والتكافل، وترسيخ مفاهیم المحبة والاخاء والتسامح والايثار، وتحقيق الانسجام بين المكونات الاجتماعية (23).

وعبارة بلادها:- إن اعمار البلاد والتنمية الاقتصادية في منهج الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) لا يتوقف عند حدود توفير الخدمات، وتحقيق الرفاهية الاقتصادية، بل هو برنامج متكامل من حيث التخطيط والعمل لكي يحكم كل مناحي الحياة، وذلك من خلال فتح افاق تنموية رحبة في مجالات التعليم، والصحة، والثقافة، والادب، والتكنولوجيا، بهدف توجية الامة بكل قطاعاتها الى الاستثمار بالشكل الذي يخدم حياة الانسان الفردية والاجتماعية، ومراعاة الصالح العام في الحاضر والمستقبل (24).

كانت هذة الاركان الاربعة المهمة التي تقوم عليها الدولة، وتبنى عليها مؤسسات المجتمع المدني، فهي تغطي بشكل عام الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وافاق التنمية والاعمار، اذا ما تفاعلت بصورة وثيقة فيما بينها، حيث ان العلاقة بين تلك الجوانب تحتاج الى قيادة ادارية واعية تمتلك القدرة على التخطيط والموازنة، بشكل

ص: 193

لايطغى جانب على جانب اخر، كأن تنفرد السياسية على الجوانب الاخرى، او يكون الاقتصاد اهم من التمنية والمجتمع، وذلك تلافيا لتدهور النظام، وبالتالي فشل وانهيار الحكومة.

بيد ان هذه البرنامج الكامل لم يجد له مجالاً للتطبيق العمليّ في مصر نتيجة عمليّة الاغتيال الّتي جرت لمالك الأشتر، ولكنها طبقت في حكومة الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقد جسدها امير المؤمنين (عليه السلام) باعتبارة رئيساً نموذجياً عادلاً للدولة الاسلامية، ورائداً عظيما من رواد الحضارة الانسانية.

السياسة الادارية في حكومة الامام علي (عليه السلام):

عندما تولى الإمام علي (عليه السلام) الخلافة كانت الدولة الاسلامية تعيش ظروفاً غير طبيعية، لكنه (عليه السلام) كان على قدر المسؤولية ولم تهمه هذه الظروف بل اصر على اصلاح كل مرافق الدولة، فترك لنا ارثاً عظيماً سواء على مستوى النظرية او التطبيق الفعلي، واول ما بدأ به هو انه طرح برنامجاً اصلاحياً متكاملاً في الخطبة التي القاها في يوم توليه للخلافة، فقال فيها: ((أما بعد فإنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر، فعمل بطريقة ثم جعلها شوری بین ستة فأفضى الأمر إلى عثمان، فعمل ما أنكرتم وعرفتم ثم حصر وقتل، ثم جئتموني طائعين فطلبتم إلي، وإنما أنا رجل منکم، لي ما لكم وعلي ما عليكم، وقد فتح الله الباب بينكم وبين أهل القبلة، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، ولا يحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع الأمر، وأني حاملكم على نهج نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، ومنفذ فيكم ما أمرت به، إن استقمتم لي، والله المستعان، ألا ان موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته كموضعي منه أيام حياته، فأمضوا لما تأمرون به، وقفوا عند ما تنهون عنه، ولا تعجلوا في أمر

ص: 194

حتى نبينه لكم، فإن لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا، ألا وان الله عالم من فوق سمائه وعرشه، إني كنت کارها للولاية على أمة محمد، حتى أجتمع رأيكم على ذلك، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أيما وال ولي الأمر من بعدي أقيم على حد الصراط، ونشرت الملائكة صحيفته، فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله، وان كان جائرا أنتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله، ثم يهوي إلى النار فيكون أول ما يتقيها به أنفه وحر وجهه، ولكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترککم) (25).

ثم ألتفت (عليه السلام) يميناً وشمالاً، فقال: ((إلا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا، فاتخذوا العقار وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة الحسان، فصار ذلك عليهم نارا وشنارا، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأمرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون، ويقولون حرمنا ابن أبي طالب من حقوقنا، إلا وایما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يرى الفضل له على من سواه لصحبته، فإن الفضل النير غدا عند الله، وثوابه وأجره على الله، وایما رجل استجاب الله وللرسول فصدق ملتنا، ودخل دیننا واستقبل قبلتنا، فقد أستوجب حقوق الإسلام وحدوده، فانتم عباد الله، والمال مال الله يقسم بينكم بالسوية، لا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله غداً أحسن الجزاء، وأفضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين جزاء، وما عند الله خير للأبرار))(26).

لقد لخص الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في هذه الخطبة الكثير من الأشياء، وأوضح للمسلمين انه عازم على تغيير اوضاع الدولة الإسلامية وارجاعها الى ما كانت عليه عهد رسول الله صلي الله عليه وآله، فبدأ بخطوات على الصعيد العملي فألغى نظام التفاوت الطبقي بين المسلمين الذي سنه عمر بن الخطاب، وغير الكادر الاداري الفاسد

ص: 195

بموظفين على درجة كبيرة من النزاهة والكفاءة والامانة مع اخضاعهم للتجربة وعدم السماح لهم باستغلال وظائفهم والتجاوز على الاموال او الرعية، وذلك عبر تأسيسه لنظام رقابي شامل يشرف عليهم، کما اصلح نظام الضرائب و نظام جبايتها، ورفع الحيف عن الرعايا وراعي اهل الذمة من غير المسلمين وضمن حقوقهم (27).

النظام الإداري للحكومة والولاية

لقد كان ابن أبي الحديد في منتهى الدقة والإنصاف حين وصف هذا (العهد) بأنه)): نسيج وحده، ومنه تعلّم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة ... وحقیق مثله أن يُقتني في خزائن الملوك)) (28).

يصطلح النظام الإداري الإسلامي على الأفراد المنتمين لذلك النظام بتسمية هي (الرعية)، فقد جاء في وصية الامام علي (عليه السلام) للاشتر: ((... وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظيرُ لك في الخلقِ يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على ايديهم في العمد والخطأ فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه وصفحه فانك فوقهم ووالي الامر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك امرهم وابتلاك بهم)) (29)، وان المسؤول الاول عن ادارة شؤون ومصالح الرعية هو الخليفة (الراعي)، الذي بدورة باختيار الطاقم الاداري و اسناد المهام الادارية اليهم، والغرض من هذا الاسناد هو الاعانه لعدم امكانية الفرد بطاقته البشرية المحدودة على القيام بذلك بمفرده، لذلك كان يستعين بالولاة لادارة الامصار البعيدة عن مركز الخلافة، ويامرهم باتخاذ النمط الاداري المعمول به في حكومة المركز، فقد جاء في عهده (عليه السلام) للاشتر حين ولاه على مصر: ((... ثم اعلم یا مالك اني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدلٍ وجور وأن الناس

ص: 196

ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عبادهِ)) (30)

يعتمد النظام الاداري الإسلامي في توزيعه للعمل على تقسيم المجتمع (الرعية) الى ثماني طبقات وظيفية في خط افقي تكون الادارة العليا للمؤسسه طبقة واحدة من تلك الطبقات أي انها تتربع فوق هرم النظام الاداري، ويلغي هذا التوزيع الغاء کاملا للتوزيع العمودي لما يترتب عليه من تفاضل وتمايز بين الافراد في غير مواد التفاضل، کما هو الحال في التنظيمات الادارية الحديثة، اذ ليس في هذا النظام ما يمثل الهرم في التوزيع، وانما تمثل جزء منها وهي حالة فريدة لم تتكرر في أي نظام اداري بما في ذلك الانظمة الحديثة التي تدعو اعتماد الهيكلية الافقية بدلا من العمودية (31)، فقد جاء في عهد الامام للاشتر مایؤكد ذلك بقوله: ((... واعلم ان الرعية طبقات ولا يصلح بعضها الا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الانصاف والرفق ومنها اهل الجزية والخراج من اهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار واهل الصناعات و منها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكل قد سمى الله له سهمه ووضع على حده فريضة في كتابة اوسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) عهد منه عندنا محفوظاً)) (32)

وقد كان الامام حريصاً على تبيان كل توجيهاته لموظفيه حتى يعرفوا حدود مسؤولياتهم تجاه الرعية ويتجنبوا الاهمال والتقصير، وسنحاول ان نوجز ما جاء في میثاق عهد الدولة وفقاً للمبادئ الاتية:

ص: 197

أولاً: الرقابة الذاتية على النفس

ان النظام الاداري الإسلامي متداخل مع النظام الاجتماعي الاسلامي لدرجة يبدو معها النظام اجتماعيا لا اداريا ولعل هذا السبب هو ما حال دون اعتماد الباحثين في المجال الاداري لهذا النص لاستخلاص النظام الاداري الاسلامي، وفي مقابل ذلك، فان الانظمة الادارية الاخرى لم تكن تعر أي عناية تذكر للبعد الاجتماعي في النظام الاداري حتى العقد الثالث من القرن الماضي، اذ بدا المفكرون الاداريون يربط الادارة بالبعد الاجتماعي الذي تطور في ما بعد، ولا يزال قيد التطور في محاولة لمعالجة ما خلفته نظريات الادارة البحته - غير المعتمدة على البعد الاجتماعي - من نظرات و قصور (33).

اوضح الإمام (عليه السلام) ان للموظف الذي تخوله السلطة وتمنحه مجموعة من الصلاحيات يجب ان لا ينتظر الرقابة منها، بل يجب ان يكون لديه وازع داخلي يمنعه من الإخلال بعمله ((املك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك)) (34)، لان هذه الرقابة تمنعه من التجاوز على الرعية اذا تحققت شروطها ومنها: إنصاف الله والناس من نفسه وخاصة أهله والمقربين من أعوانه، فيؤدي ذلك الى ترويض النفس واجبارها على كسر الشهوات (38)، ينطلق الامام علي (عليه السلام) من القاعدة الالهية التي نصت عليها الاية الكريمة ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا))(35) وقد كان امير المؤمنين (عليه السلام) الانسان الكامل في تزكية النفس وترويضها فهو القائل: ((وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيئة الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما)) (36)، وقوله: ((وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق)) (37).

ص: 198

فاللبنة الأولى التي وضعها أمير المؤمنين (عليه السلام) هنا في منهجة بناء الذات الإنسانية وصيرورتها صالحةً في حركتها البشرية حياتيا في معاملاتها مع الناس أو ربها سبحانه وتعالى، وهي رياضة النفس البشرية نظريا وعمليا بمعنی تمرینها وتدريبها وبصورة مستمرة عمليا على التقوى النفسية والسلوكية في تعاطيها الحياتي الخاص والعام، وتعطي عملية ترويض النفس قيماً انسانية وادارية لإقبال الدولة وقيامها عنده (عليه السلام) ويحددها بثلاث هي:

أولاً: العدل: حيث يقول (عليه السلام): ((ما حُصِّن الدولُ بمثل العدل)) (38)، حيث يكون العدل، قيمة سياسية أولى، بمثابة سور يحمي الدولة من السقوط أمام العدوان الخارجي.

ثانياً: الحِذقُ (المهارة): وبُعد النظر، والقدرة على دقة التصرف في الأمور، حيث يقول (عليه السلام): ((أماراتُ الدول إنشاء الحِيلَ) (39).

ثالثاً: اليقظة والانتباه: حيث يقول (عليه السلام): ((من دلائل الدولة قلة الغفلة)) (40)، وقوله (عليه السلام): ((من أمارات الدولة التيقظ لحراسة الأمور))(41).

ويحذر (عليه السلام) منذ البداية من الإنسان الذي تسيطر عليه نفسه الامارة بالسوء من ان يتصدى لنشوء وتأسيس الدولة وادارتها، حيث يقول (عليه السلام): ((إحذر الشرير عند إقبال الدولة لِئلا يُزيلها عنك، وعند إدبارها لِئلا يُعين عليك)) (42).

ان مبدأ الرقابة الذاتية على النفس تقدم للمسؤول او الحاكم نموذج من اسلوب السلطة العليا في الاسلام، وتوضح تكليف إمام المسلمين. وما يجب على من يكون

ص: 199

إمام المسلمين وخليفة الله، وفي هذا الشأن يقول (عليه السلام): ((أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش...)) (43)

لذا نرى ان بعض من الحكام، انحرفوا عن القوانين الإسلامية، فأخذوا بجمع الأموال والانسياق وراء مشتهيات النفس وترك أحكام الله، فكان المسلمون يردون عليهم ويهددونهم ويقتلون بعضهم، ويثورون ضد آخرين منهم.

ثانياً: الرقابة الشعبية على عمل الموظف

يعد هذا المبدأ من المبادئ المهمة جداً لنجاح العمل الاداري، وقد خول الإمام (عليه السلام) الرعية بمراقبة الموظف وتشکیل رأي عام على تصرفاته فكان الكتاب بمثابة تخويل للرعية لمراقبة الموظف، ((إن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقوله فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على السن عباده)) (44)، وهذا يعني ان الامام جعل معیار رضا الرعية (الرأي العام) شرطاً في نجاح الموظف. لان الرأي العام يعد مصدرا رئيسا في الضغط الايجابي على الكادر الاداري للتعامل بإيجابية مع الوظيفة.

وهذا الاجراء جعل من سكان تلك الولايات سواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة يراقبون تصرفات الولاة والعمال، ويشخّصون الأخطاء التي تحصل من هؤلاء، وأمرهم بإيصال أي سلبية يرونها في ولاياتهم إليه مباشرة، أما عن طريق الكتابة له، أو عن طريق المجيء الى العاصمة وتقديم الشكاوي (45)، لذلك اعتمد مجموعة من الوسائل، من أجل تفعيل الرقابة الإدارية على العمال والولاة، ومن هذه الوسائل التي اعتمدها المخاطبة المباشرة للناس عندما يعين أحد الأشخاص في عمل ما، وهذه المخاطبة على نوعين إما

ص: 200

إلقاء كلمة يجعل فيها الرعية رقيبة على الوالي أو العامل، أو إلزام هؤلاء بقراءة كتب التعيين على الناس عندما يتولوا أعمالهم، ويمكن التعرف على النوع الأول من الخطاب الموجه من الخليفة للناس، عندما ولى عبد الله بن عباس على البصرة بعد معركة الجمل، إذ خطب الناس في المسجد وقال لهم: ((يا معشر الناس قد استخلفت عليكم عبد الله بن العباس، فأسمعوا له وأطيعوا أمره ما أطاع الله ورسوله، فإن أحدث فيكم أو زاغ عن الحق فأعلموني أعزله عنكم،...)) (46)، وهذا يعني أن أمر بقاء الوالي أو عزله مرتبط بطاعته لله والرسول (صلى الله عليه واله وسلم) أولا، والعمل بمبادئ الإسلام التي تقوم على العدل والمساواة، ثم جعل الناس مصدر الرقابة على الوالي، فهو باق في عمله مادام يعمل بالحق، فإذا زاغ عن هذا المنهج فإن الخليفة خول الناس بالكتابة له، وبالفعل فقد كتبت قبيلة تميم إحدى القبائل التي كانت تسكن البصرة للخليفة، ان الوالي عبد الله بن عباس كان يستعمل الشدة في معاملتهم، نتيجة لأنهم ساندوا المتمردين في معركة الجمل (47)، فأرسل الخليفة للولي كتابا يلومه فيه على هذا التصرف غير المقبول بحق الناس، لاسيما أن الخليفة أصدر عفوا عاما عن كل المشتركين بتلك المعركة، ولم يستخدم وسائل انتقامية مع أعدائه، فكتب له: ((وقد بلغني تنمرك لبني تميم، وغلظتك عليهم ...، فأربع أبا العباس رحمك الله فيما جرى على يدك ولسانك من خير أو شر، فإنا شريكان في ذلك، وكن عند صالح ظني بك، ولا يفيلن رأيي فيك)) (48).

أما قراءة كتب تعيين الولاة والعمال على الناس، من أجل أن يكونوا مراقبين لأداء هذا الوالي أو العامل، ويمكن أن نأخذ مثلا على ذلك كتاب تعیین قیس بن سعد بن عبادة عندما ولاه على مصر، إذ كتب لأهل مصر: ((وقد بعثت إليكم قیس بن سعد الأنصاري أميراً فوازروه وأعينوه على الحق، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدة على مريبكم والرفق بعوامكم وخواصكم، وهو من أرضى هديه وأرجو صلاحه ونصيحته، نسأل الله

ص: 201

لنا ولكم عملا زاكيا وثوابا جزيلا ورحمة واسعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) (49)، وهذا معناه أن الخليفة عرف الرعية بحقوقهم، بحيث لا يستطيع أي والي أن يتجاوز على حقوقهم، رغم ثقة الخليفة بقيس وبسيرته.

كذلك كتاب تعيين محمد بن ابي بكر الذي ولاه الخليفة على مصر بعد عزل قيس بن سعد، إذ قرأه الوالي الجديد على أهل مصر عندما وصل إليها، وفي هذا الكتاب توصيات وتشديد على الوالي في الحفاظ على حقوق الرعية، ونلمس تعريف الناس بحقوقهم وواجباتهم التي حددها الخليفة لهذا الوالي، والتي عرفها الناس من خلال قراءة هذا الكتاب عليهم، لذلك لا يستطيع أن يتلاعب بالأموال أو يظلم أحداً، وسنذكر جزءاً من هذا الكتاب: ((هذا ما عهد به أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر، أمره بتقوى الله والطاعة له في السر والعلانية، وخوف الله في المغيب والمشهد، وأمره باللين للمسلم وبالغلظة على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمة، وبالإنصاف للمظلوم، وبالشدة على الظالم، وبالعفو عن الناس، وبالإحسان ما استطاع، والله يجزي المحسنين، ويعذب المجرمين، وأمره أن يدعو من قلبه الى الطاعة والجماعة، ..... وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل ولا ينتقص ولا يبتدع، ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمون عليه من قبل)) (50).

كذلك فإن الخليفة قد أعطى الحق للناس بالكتابة إليه مباشرة، في حال ظلمهم الوالي أو تجاوز على الأموال، لأن الوالي يعد أعلى سلطة في الولاية، فتكون الشكوى مقدمة الى من هو أعلى منه في هرم السلطة وهو الخليفة، وقد رأينا ذلك في كتابة قبيلة تميم للخليفة عن تجاوز الوالي عليهم، لكن هذا الأمر سبقه توجيهات للولاة وعمال الخراج، في تلقي الشكاوى المباشرة من الناس، سواء كانت هذه الشكاوى على العمال الذين يعينهم الوالي في الإدارة المالية، أو الذين يعملون في جباية الضرائب من الناس (51)، ويمكن أن نعرف

ص: 202

هذا الأمر عندما نقرأ بعض فقرات الكتاب الذي أعطاه الخليفة لمالك بن الحارث الاشتر لما ولاه على مصر: ((أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك ألا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله، كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع أو يتوب، وليس شيء أدعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته، من إقامة على ظالم فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد)) (52)، ويمكن القول إن مثل هذا التوصيات لم تكن موجهة لمالك الأشتر فقط، بل هي تعلیمات يعمل عليها جميع الولاة والعمال في أرجاء الدولة الإسلامية، وجميع أوامر التعيين التي أصدرها الخليفة لهؤلاء الموظفين كانت تتضمن تعلیمات قريبة من هذا النص، ولا يخفى أن الهدف من هذا النص، هو أن الوالي يجب أن يستشعر هموم الناس البسطاء، ويعالج أي ظلم يقع عليهم، وهذه هي المرحلة الأولى التي أرادها الخليفة من الولاة والعمال، لذلك أوصاهم بضرورة أن تكون أبوابهم مفتوحة لاستقبال الناس في ولاياتهم، دون أن يكون هناك حجاب يفصلهم عن رعيتهم، أو وجود مجموعة من الأشخاص يشكلون حاجزا بين الوالي أو العامل وبين الناس، فكتب بعض الكتب لهؤلاء في المعنى المتقدم، إذ تذكر الروايات أنه كتب المالك الاشتر: ((وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور)) (53)، وفي كتاب آخر وجهه الى قيس بن سعد: ((فألن حجابك، وافتح بابك، واعمد إلى الحق)) (54)، وفي بعض الحالات التي يقع الظلم على الرعية من الوالي نفسه، ولا يجدون في ولاياتهم من ينصفهم منه، يكتبون الى الخليفة مباشرة، وهذه الكتابة لم تقتصر على المسلمين فقط، بل تعدت ذلك الى غير المسلمين، لأن رعايا الدولة لم يكونوا من المسلمين فقط، بل كان هناك مجاميع كبيرة تعيش في ظل الدولة من الفلاحين والصناع والتجار من غير المسلمين، ففي رواية أن الدهاقين في ولاية أصفهان كتبوا الى الخليفة، إن عامل الخراج عمرو بن سلمة الارحبي

ص: 203

كان لا يعاملهم باحترام، ويقسو عليهم ويحتقرهم، لذلك كتب اليه الخليفة كتابا يأمره بتغيير هذا السلوك، مع هؤلاء الفلاحين الذين هم الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة، ونموذج التعايش بين المسلمين وغيرهم، وعليه فإن عدم دخولهم للإسلام يجب أن لا يكون مدعاة لاحتقارهم، ((أما بعد فإن دهاقین بلدك شكوا منك غلظة وقسوة، واحتقارا وجفوة، ونظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم، ولا يقصوا ويجفوا لعهدهم)) (55).

وعندما تحدث خيانة من أحد العمال، كان الناس الذين يسكنون في تلك الولاية، أحد المصادر التي يعتمد عليها نظام الرقابة، من أجل تأكيد أو نفي التهمة عن شخص الوالي أو العامل، ومن الأمثلة على ذلك الشكوى التي قدمها بعض المسلمين، الذين كانوا يسكنون في إصطخر ضد عامل هذه المدينة المنذر بن الجارود العبدي، ومفاد هذه الشكوى إن هذا العامل سرق بعض الأموال من تلك المدينة، لذلك عندما وردت للخليفة نفس هذه المعلومات من جهاز العيون، أحضر هذا العامل وعاقبه وعزله عن تلك الولاية (56).

وفي بعض الحالات كان الناس يفدون الى الخليفة من أجل تقديم الشكاوى ضد الولاة والعمال، إذ تذكر الروايات أن سوده بنت عمارة ومجموعة من قومها، قدموا الى العاصمة لتقديم شكوى ضد عامل الصدقات في المنطقة التي يسكنون فيها، لأنه كان لا يلتزم بالأوامر التي أصدرها الخليفة، والمتعلقة في كيفية جباية هذه الصدقات، مما نتج عنه ظلم في الجباية والتوزيع، وكانت هذه المرأة هي التي تحدثت مع الخليفة عن الأمر لذلك عندما سمع الخليفة هذه الشكوى تأثر كثيرا نتيجة للإساة التي صدرت من هذا العامل، وبکی لأن الظلم وقع على رعايا دولته، ثم رفع يديه الى السماء وقال: ((اللهم أني لم أمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك))، ثم كتب كتابا الى العامل يأمره بحفظ الأموال التي بحوزته، لحين تعيين شخص آخر يتولى المهمة بدلا عنه: ((بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 204

: «قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»، فإذا قرأت كتابي هذا فأحتفظ بها في يدك من عملنا، حتى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام)) (57) لكن هذا الإجراء الذي اتخذه الخليفة تبعه بالتأكيد تدقيق في صحة الشكوى المقدمة من الأهالي ضده، إذ ليس من المعقول أن يعاقبه بدون تدقيق، وربما الشخص الذي سيقبض الأموال منه كان هو الذي يدقق في هذه الشكوى (58).

ثالثاً: تجنب التكبر والشعور بالعظمة والاستبداد

كان منهج الإمام (عليه السلام) في ادارته للدولة عماله يقوم على قاعدة رئيسة مفادها ان الولاة والعمال ليسوا اكثر من موظفين لهم واجبات محددة، ولا يحق لهم ان يستغلوا الوظيفة باي شكل من الاشكال، او يتكبروا على الناس ويشعروا بالأبهة ويرتدوا رداء الكبرياء على عباد الله، لذلك كانت توجيهات العهد واضحة في هذا الباب: ((وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك به أبهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على مالاتقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك ويفي إليك ما عزب من عقلك، وإياك ومساماته في عظمته، أو التشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال فخور)) (59)، وهذا القول يردع الوالي عن عن الطغيان ويضمن عدم تكبره، وضمان له من التجبر، وهما اشد ما يفسد الدول ويخرب المجتمعات وينقض العمران. وقديما قيل: من استبد برأيه هلك. وقيل: ما خاب من استشار. وقيل مشاورة العقلاء مشاركة لهم في عقولهم (60).

ص: 205

رابعاً: الحفاظ على الدماء

كان الانسان في دولة الامام علي (عليه السلام) يمثل اعلى قيمة، فسعى من خلال توجيهاته وممارساته العملية الى الحفاظ عليه وعلى كرامته، فحذر مالكاً. مع قربه الشديد منه - من التجاوز على الدماء، بل ذهب اكثر من ذلك عندما حذره من ان أي تجاوز على الدماء سيقابله الاقتصاص من شخص الوالي، ((إياك والدماء وسفكها بغير حلها، «فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة. فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام فإنذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولاعندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن)) (61).

إن آفة الابتلاء بسفك الدماء بغير حلها، وهو أخطر ما امتحن الناس به، وشهدوا ما شهدوا منه من أهوال في عهود الطغاة من الذين استحوذوا على مقاليد الأمور بعد استشهاده (عليه السلام) وانقضاء عهده الشريف، فهذه الآفة المهلكة، كما يبصرها الإمام (عليه السلام) و كما شهدت به الوقائع التاريخية وما تزال تشهد به اليوم تستدعي عند الله النقمة، وزوال النعمة، وتعجيل الأجل، وتعظيم التبعة، وتتقدم - لشناعتها عند الله - غيرها من الخطايا في المساءلة يوم الحساب.

يعقد جورج جرداق (62) مبحثين مهمين في كتابه ((الإمام علي صوت العدالة الإنسانية)) يشغل الأول منها خمسا وأربعين صفحة وعنوانه ((علي ومبادئ الثورة الفرنسية))، ويشغل الثاني منها عدة صفحات وعنوانه ((وثيقة حقوق الإنسان))، وفيه يربط بين مبادئ هذه الوثيقة وتعليمات الإمام (عليه السلام) ووصاياه إلى ولاته وعماله ومرؤوسيه، الأمر الذي يوحي بأن الإمام (عليه السلام) قد سبق في فكره ورؤياه فلاسفة الثورة الفرنسية والمشرعين العالميين في عصرنا هذا بعدة أجيال ومراحل.

ص: 206

خامساً: النهي عن الاحتجاب عن الرعية

من القواعد الهامة التي وضعها الإمام علي عليه السلام لموظفيه انه يجب ان يكون التواصل مع الرعية من دون حجاب، فيكون الوالي والعامل متابعاً لأحوال مواطنيه، ويكون المواطن على معرفة تامة بما يدور في الدولة، فيشعر انه جزء مهم وفاعل فيها، لذلك وجه مالكاً بعدم الاحتجاب فقال له في العهد: ((فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عنالرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوادونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليستعلى القول سمات يعرف بها الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوقبلين الحجاب فإنها أنت أحد رجلين: إما امرء سخت نفسك بالبذل في الحقففيم احتجابك؟ من واجب حق تعطيه؟ أو خلق کریم تسديه؟ وإما مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليكمالا مؤونة عليك فيه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف)) (63)، وهذذا يعني ان الوالي على مساس مباشر مع الناس حتى لا تكثر التكهنات وتسود الظنون، ويحرم اصحاب الحاجات من قضاء حاجاتهم، فيتعرف على شؤونهم مباشرة من دون وساطات قد تزيف الامور.

من يتصفح سيرة الامام علي (عليه السلام) يجده اكثر التصاقا بالناس وحضوراً معهم في السراء والضراء، وهذه الصفة الاخلاقية من اهم الاسباب التي رسخت محبة الإمام (عليه السلام) في قلوب الناس، وجعلته لايغيب عن ذاكرة الامة مع مرور الزمن، ويمكننا تلخيص السيرة العملية لامير المؤمنين (عليه السلام) ونهجه في التعامل مع الجماهير بما يلي:

ص: 207

1- مساواته (عليه السلام) لنفسه مع اضعف الناس حالاً.

2- البساطة في العيش، والابتعاد عن مظاهر البذخ التي يمارسها اكثر الحكام.

3- الاهتمام بتأمين حوائج الناس بنفسه (عليه السلام).

4- حفظ كرامة الجماهير، والتواضع امامهم، ومعاملتهم باحسان.

5- مواساة المستضعفين، والسعي الدؤوب في تأمين مستوي معيشي لائق بهم.

6- تطبيق العدل والمساواة في المجتمع، وازلة الفوارق الطبقية بين افراد المجتمع.

7- اعتبار نفسه (عليه السلام) وولاته خداماً للمجتمع، وحراساً لرعاية مصالح الناس.

8- رعاية حقوق آحاد المجتمع بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية.

9- عدم الحد من الحريات المشروعة للناس حتى بالنسبة للذين خالفوه ولم يبايعوه، وتحذيره لولاته بعد ايقاع العقوبة بأحد الا بعد ارتكابه جريمة تخالف الشرع.

10- الاقرار بدور الامة وانعقادها في امر القيادة السياسية والادارية والاجتماعية (64).

سادساً: الحذر من البطانة

سعى الامام علي (عليه السلام) الى تحقيق اعلى درجات العدالة في المجتمع الاسلامي، وان يتمتع الجميع بالحقوق نفسها بغض النظر عن القرابة مع الحاكم، وقد شهدت مدة حکم عثمان بن عفان استئثاراً بالسلطة والاموال والاقطاعات من قبل بطانته المتمثلة ببنی امية، فوضع الامر حدا لهذه الآفة التي فتكت بالمجتمع وشککت بعدالة الاسلام، والزم بقية الموظفين بالالتزام التام بنهج الخلافة، فكتب في عهده لمالك: ((ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول وقلة انصاف، فاحسم مؤونة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لاحد منخاصتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة، تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك، يحملون مؤونته على غيرهم،

ص: 208

فيكون مهنأذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة، والزم الحق من لزمه منالقريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك و خواصك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فان مغبة ذلك محمودة، وان ظنتالرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك، واعدل عنهم ظنونهم باصحارك، فإنفي ذلك اعذارا تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق)) (65)، وقد ارتبط هذا الإجراء ارتباطاً بنهج الاصلاح الذي اتبعه الإمام (عليه السلام) في خلافته، وهو في الوقت نفسه يراعي مبدأ حقوق الإنسان الذي نادت به المنظمات في العصر الحديث.

وقد كانت توجيهات الامام تحمل بين طياتها تشخیصاً دقيقاً لواقع هذه الطبقة فعدها طبقة نفعية غير مستعدة للتضحية عندما تتعرض الدولة لأزمة، وهي اثقل طبقة من حيث المؤونة في اوقات الرخاء، اي انها ليس لها الا ادوار سلبية في الدولة، وكان هذا التشخيص بناءً على تجارب شخصية مر بها الإمام (عليه السلام)، إذ تعامل مع هذه الطبقة في عهد عثمان بن عفان وكيف اسهمت في الثورة عليه وقتله من قبل المسلمين، وقد حجمها عندما تولى الخلافة وسحب امتیازاتها وصادر اموال الدولة التي استحوذوا عليها بحكم قربهم من عثمان بن عفان.

كما انه (عليه السلام) لم يسمح لأقربائه بتولي المسؤوليات في الدولة او استغلال قربهم منه، فجعل الإمام (عليه السلام) هذا الامر نظاماً عاما في الدولة، وفرض على الولاة الحذر من استغلال المقربين منهم لسلطاتهم: ((وأَلزِم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبة ذلك محمودة)) (66)، ونظراً لقرب المستشارين والوزراء من الحاكم بطبيعة موقعهم ووظيفتهم، فان الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) يشركهم في بطانة الحاكم، غير انه لتميز مكانتهم فانه (عليه السلام) يفرد لهم فقرة تفعيلية توضح

ص: 209

للحاكم من يمكن ان يعتمدهم مستشارين ومن يجب عليه ان يبعدهم ويبتعد عنهم، فيبدأ باكثر الاخلاق دمامة التي تمتاز بها بطانة السوء وهي البخل، قال تعالى «وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ» (67)، فيقول: ((ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل أي يمنعك ببخله عن البذل والإحسان والعطاء، ويعدك الفقر)) (68) أي يخوفك من الفقر إذا ما بادرت بالبذل والعطاء ف ((البخيل بعيد عن الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار)) (69) كما يقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم و ((جاهل سخي احب إلى الله من عابد بخيل)) (70).

وأما الصفة الأخرى الواجب تجنبها في المستشارين فهي الجبن فيقول (عليه السلام): ((ولا جباناً يضعفك عن الامور)) إذ كما يقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم ((لا ينبغي للمؤمن ان يكون بخيلاً ولا جباناً)) (71).

أما الصفة الثالثة المبغوضة في المستشار بحسب نص الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) فهي الحرص، قال (عليه السلام) ((ولا حريصاً يزين لك الشرة بالجور)) (72)

ويلخص الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) بعد ذلك السبب الجامع لذم هذه الصفات في الانسان عموما وفي المستشار بخاصة فيقول: ((فان البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله)) (83) أي أن هذه الصفات هي صفات مناقضة للايمان بالله عزه وجل، وبالتالي فان تواجدها في بطانة الحاكم وخاصته أو في أي جزء من أجزاء ادارة الدولة انما تترتب عليه المفاسد والمظلوميات وانتهاك الحقوق (73).

ص: 210

وعليه، فإن مواصفات البطانة السيئة والمستشارين التي يجب على الحاكم أو المدير ان يتجنبها ويتحاشاها حسب ما يفهم من النص هي من يتصف افرادها باي من الصفات الآتية: ((الحقد، الضغينة، الحسد، الوشاية، الانتقاص من الناس واظهار عيوبهم، السعي للمآرب والمكاسب الشخصية بدون وجه حق كالانتفاع من العطايا الخاصة أو المناصب أو الصلاحيات أو ما إلى ذلك من مكاسب دنيوية، الجشع، البخل، الجبن، الحرص، قلة المروءة، الكذب، قلة الغيرة، الانجرار وراء هوى النفس ورغباتها، التدليس والمخادعة واخفاء العيوب بقصد الغش) (74).

سابعاً: طبيعة اختيار العمال والولاة

وضع الإمام علي (عليه السلام) منهاجاً متكاملاً عند اختياره للعمال والولاة، فراعی فيهم الكفاءة والخبرة والسمعة الطيبة والانتساب الى البيوتات الصالحة والالتزام الديني والتربية العالية، وذلك حفاظاً على ادارة الدولة بصورة امثل، لاسيما بعد الاعتراضات التي واجهت الخليفة عثمان عندما حول الدولة الاسلامية الى ضيعة لبني امية بعد ان ولاهم على ولايات المسلمين وتغافل عن سوء تصرفهم، فبدأ الإمام بتصحيح الأوضاع في كل مفاصل الدولة الإسلامية فكان تغيير الكادر الاداري على رأس سلمه الإصلاحي، لذلك الزم ولاته باتباع النهج نفسه في ولاياتهم، لاسيما ان النظام الإداري للدولة الإسلامية كان يقوم على اللامركزية، إذ أن الولايات الإسلامية كانت تتمتع بنوع من الحكم اللامركزي مع ارتباطها بالمركز، أي ان الولاة كان عندهم حيز من الحرية في إدارة ولاياتهم، ويعود ذلك الى اتساع الدولة الإسلامية، وصعوبة الاتصالات بين الولايات والمركز، كذلك بعد المسافة ووعورة الطرق، الأمر الذي أدّى الى إعطاء الولاة مجموعة من الصلاحيات، لتسهيل حكم ولاياتهم، لكن على الرغم من مميزات هذا النظام، فإنه قد يعد خطرا إذا ما تَوّلى أشخاص غير مناسبين إدارة هذه الولايات، وهذا

ص: 211

ما لمسناه من خلال التأكيد الشديد للإمام (عليه السلام) لواليه على مصر اذ قال له: ((وتوخَّ منهم اهل التجربة والحياء من اهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فإنهم أكرم اخلاقاً وأصحُّ اعراضاً واقل في المطامع إشراقاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً)) (75) ويحذر الامام مالكا ان يكون الاختیار بناءً على المحاباة والأثرة، ويحدد له بان يكون الاختیار بناءً على الاختبار والتجربة، وان يراعی بالاختيار اولئك الذين يتمتعون بحياء يمنعهم من استغلال وظائفهم، وهذا الحياء قرنه الامام عليه السلام بالتربية العالية في البيوت الصالحة التي تعلم ابنائها فضائل الاخلاق

وهذه النقاط الرئيسة لها انعكاسات ايجابية على الادارة، لان الاختیار بناءً على الشروط المتقدمة يعني اختيار عمال على درجة عالية من الاخلاق يعني انهم قادرين على صيانة انفسهم من الوقوع في الخيانة، واستغلال وظائفهم، لاسيما انه اوصاه بان يعطيهم رواتب تتناسب مع عملهم حتى لا ينظروا الى الاموال التي تحت ایدیهم، وهي في حجة على هؤلاء ان خانوا اماناتهم، عندما تولى الامام علي (عليه السلام) الخلافة سعى لتطبيق هذه السياسة على أرض الواقع، بعد أن شخص العلل وحاول أن يضع لها حلولا، وكان رأيه إن إحدى الآفات الرئيسية التي سببت الأزمة السياسية والاقتصادية، هي تعيين أشخاص غير مناسبين في المواقع الإدارية، لاسيما ماله مساس مباشر بأموال المسلمين، لذلك كان رأي الخليفة علي (عليه السلام) معالجة هذه المشكلة بالتحديد، وأول إجراء اتخذه هو تغيير الكادر الإداري في عهد عثمان بن عفان، وهذا التغيير لم يكن من أجل التغيير فقط، بل من أجل معالجة المشكلة السياسية والاقتصادية التي تعاني منها الدولة الإسلامية، وهذه المعالجة كانت ترتكز على إصلاح الإدارة المالية للدولة الإسلامية، وهذا الإصلاح يقوم على اختيار موظفين كفوئين قادرين على صيانة أموال المسلمين، وهؤلاء الموظفون هم الولاة وعمال الحراج والجزية والصدقات، واختيارهم

ص: 212

كان يعتمد على مجموعة من المعايير وضعها الخليفة علي بن ابي طالب، مع ارتباط هذا الاختيار للموظفين الكفوئين، بنظام رقابي شديد طبقه على ولايات الدولة الإسلامية، والقائمة التي اختارها الخليفة علي بن ابي طالب للعمل کولاة وعمال خراج تتوفر فيها الصفات المذكورة انفاً، فقسم كبير من هؤلاء الذين اختارهم لهذه الوظائف هم من الصحابة الأوائل الذين سبقوا الناس في دخول الإسلام، وهم من أهل الورع والتقوى وعاشوا مع الرسول فترة من الزمن تعلموا من خلالها الفقه الإسلامي، ولم يؤشر عليهم سلبيات في الفترة التي سبقت خلافة علي بن ابي طالب، لذلك فإنهم قادرون على تطبيق تعاليم الإسلام في الولايات والمدن التي تقع تحت سلطتهم، وهو أمر مهم في الإصلاح الاقتصادي الذي انتهجه الخليفة، لان هؤلاء يتحلون بصفات الإيمان والعلم بالأحكام الشرعية، والشجاعة والبذل والتضحية، وهذه هي صفات المسلمين الأوائل (76).

ومن هذه الأسماء عثمان بن حنيف الذي ولاة الخليفة على ولاية البصرة، وهو أحد الصحابة من الأنصار أسلم عند هجرة الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى المدينة، واشترك في معركة احد وجميع المعارك التي بعدها، وكذلك اخاه سهل بن حنيف الذي ولاه الخليفة علي بن ابي طالب على المدينة، كان من خيار الصحابة الأوائل أسلم عند هجرة الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وهو من الصحابة الذين اشتركوا في معركة بدر الكبرى وجميع المعارك التي بعدها، ومن الذين ثبتوا يدافعون عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم في معركة احد عندما حاصره المشركون وفر أغلب الصحابة، إذ بایعه على الموت في تلك المعركة. كما عين الخليفة أبا ایوب الأنصاري على المدينة، وهو من الصحابة الأوائل من الأنصار أسلم قبل هجرة الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى المدينة، وبايع بيعة العقبة عندما كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم في مكة، وبعد وصول الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى المدينة سكن في بيته، واشترك ابو ایوب في

ص: 213

معركة بدر وجميع المعارك التي بعدها، ومن الولاة الآخرين حذيفة بن اليمان الذي كان واليا على المدائن، وهو من الصحابة الأوائل من حلفاء الأنصار، اشترك في معركة احد وجميع المعارك التي بعدها، وكانت له مكانة كبيرة عند الرسول صلى الله عليه واله وسلم، واشترك في الفتوحات الإسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وكان أحد قادة الجيوش الإسلامية في هذه الفتوحات.

ومن الولاة الآخرين عبد الله بن عباس الذي ولاه الخليفة على البصرة، وهو من قدماء الصحابة، أسلم في مكة وهاجر مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم إلى المدينة، وكان يسمى البحر لسعة علمه ويسمى حبر الأمة، وهو ابن عم الرسول صلى الله عليه واله وسلم والخليفة علي بن ابي طالب، ومن المقربين من الخليفة وسيرته كانت محمودة في عهد الحكام بعد الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وهو من الفقهاء المعروفين في عهدهم (77).

كان قیس بن سعد بن عبادة والي مصر من أوائل الصحابة، وهو ابن سعد بن عبادة أحد سادات الخزرج الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه واله وسلم قبل هجرته الى المدينة، وأحد النقباء الأثني عشر الذين أختارهم الرسول صلى الله عليه واله وسلم ليكونوا ممثلين عنه في المدينة، وقيس من شجعان العرب وكرمائهم المشهورين، وذو رأي صائب و من بیت سیادة، وكان صاحب شرطة رسول الله، وكان أبو قتادة الأنصاري والي المدينة من أوائل الصحابة من الأنصار، اشترك في معركة احد وجميع معارك المسلمين، وكان يسمى فارس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وكان قرظة بن كعب الأنصاري من الصحابة الأوائل، اشترك في معركة احد مع الرسول والمعارك التي تلتها، وكان أحد إبطال المسلمين في الفتوحات الإسلامية (78).

ص: 214

ومن الولاة الآخرين الذين اعتمد عليهم الخليفة في إدارة الدولة الإسلامية عمر بن أبي سلمة الذي وليَ على البحرين و فارس قبل معركة صفين، وهو ابن الصحابي أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي أول من هاجر الى المدينة من المسلمين، ثم اشترك في معركة بدر وأحد، فجرح في معركة أحد ثم توفي بعد هذه المعركة متأثرا بهذا الجرح، وعندما استشهد تزوج الرسول صلى الله عليه واله وسلم أمه أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة، فكان عمر قد تربى في حجر الرسول، وكان يسمى ربيب الرسول، وكان مخنف بن سلیم والي الإمام على أصبهان، وهو من الصحابة أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه واله وسلم وسكن في الكوفة، وكذلك كان الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي أحد عمال الإمام على منطقة الجبل، وهو من الصحابة أسلم في عهد الرسول، وكان فاضلا خيرا له دين وعبادة سكن الكوفة بعد تأسيسها، وكان عبد الرحمن بن أبزي الذي ولاه الخليفة على خراسان، من الصحابة الأوائل وروي عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم بعض الأحاديث (79).

وسنكتفي بهذا الإيجاز السريع عن سيرة الولاة والعمال، الذين اختارهم الخليفة علي من أجل العمل في الولايات الإسلامية، وهؤلاء الذين ذكرناهم هم من الصحابة فقط، أما الآخرون فقد كانوا من التابعين الذين عاشوا مع الصحابة وتعلموا منهم، والهدف من هذا الإيجاز التعرف على دقة اختيار الخليفة لعماله، والذي يعني معالجة للمشاكل الاقتصادية والمالية التي خلفتها الفترة الماضية، فهؤلاء لم يكن من بينهم من أتهم بسرقة أموال المسلمين أو قصر في المهمة الموكلة إليه، إذ لم تسجل كتب التاريخ وغيرها أي تصرف سيء قام به هؤلاء الموظفون، سواء لأموال المسلمين أو لإدارة الدولة أو للرعايا الذين كانوا ولاة عليهم (80).

ص: 215

ثامناً: طبيعة اختيار الكادر الاداري

نهج الإمام (عليه السلام) في ادارته للدولة الاسلامية منهجاً دقیقاً مترابطاً لا توجد فيه ثغرات، فالتفت الى كل المفاصل وعالج سلبياتها ووضع حلول لكن مشکلات الدولة، ولم تكن حلوله مبنية على النتائج فقط، بل انه اوجد علاج استباقي وقائي، فرکز على حسن اختيار الموظف وضرورة تمتعه بمميزات تتناسب مع الوظيفة المكلف بها، حتى يضمن احسن اداء وظيفي، لذلك كان العهد فيه توجیهات دقيقة لمالك للالتزام بهذا المنهج، فحدد له الكيفية التي يختار ها کادره الاداري، - وقد قدمنا في النقطة السابقة توصياته في اختيار العمال، وكان من ضمن هذا الكادر الكتاب الذين يمثلون في الوقت الحاضر مدراء المكاتب او امناء السر او حتى الوزراء في الحكومات التي تعتمد النظام الفدرالي (11)، فكتب له: ((ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق، ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلافلك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مکاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك وفيما يأخذ لك ويعطي منك. ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك)) (82)، وهذا تفصيل دقيق لمواصفات الموظف الذي يشغل هذه الوظيفة المهمة، فكان معیار الاخلاق على رأس هذه المواصفات، زيادة على تمتعه بالحكمة والكياسة والحنكة والقدرة على الحفاظ على الاسرار، لاسيما انه يتعامل مکاتبات الوالي ومراسلاته مع عماله وقادة الجيش وغيرهم، كما اشترط فيه ان يكون خبيرا في المكاتبات متقناً لها، حتى لا تلتبس عليه الأمور ويكون ضابطاً لعمله (83).

ثم ينتقل الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في الفقرة الثالثة والخمسين من عهده لبيان الاسلوب الامثل لتوزيع المهام بين الكتاب، فيؤكد على مبدأ التخصصية

ص: 216

في العمل من جهة وتوزيع العمل في مجموعات من الجهة الاخرى، فيقول ((واجعل لرأس كل امر من امورك رأسا منهم)) أي انه لا يجب ان تستند المهام للكتاب بصورة عشوائية وانما يجب ان يختص كل كاتب بعمل ما من جملة الاعمال، والسبب في ذلك هو ان هذه المهام والاعمال کما سبقت الإشارة تمتاز بالحساسية من جانب وتحتاج الى الكفاءة العالية من جانب لآخر ولذلك كان من بين الاشتراطات حضور البديهية وعدم الغفلة، ولا يمكن تحصيل المستوى العالي من الكفاءة المهنية والقدرة على القيام بالعمل بوجهه الصحيح الا من خلال امرين:

1- المداومة على ممارسة نفس العمل، والذي يضمن تعزيز المهارة حتى تتحول الى مقدرة تلقائية لدى الفرد على القيام بالعمل.

2- التفرغ للقيام بالعمل وعدم التشتت بسبب الانشغال بالعديد من الاعمال، لان المطلوب بالدرجة الاولى هو ((الكيف)) وليس ((الكم)) في العمل (84).

ولم يقتصر تحديد مواصفات الموظف على الكتاب والعمال وغيرهم بل شمل القضاة الذين ترتكز عليهم العدالة وهم الوجه القانوني للدولة، فحدد له طبيعة اختيارهم، ووضع شروطاً عدة لذلك والزمه باتباعها، منها انه يجب ان يكون انبه الناس عقلاً واكثرهم وعياً بالأمور، لا يتعب من تحري الحق ولا يأنف من الرجوع عن الخطأ ومراجعة احكامه، ويكون صارما ان تبين له الحكم بعيدا عن الطمع والاغراء، كما اشترط عليه ان يجري على القضاة ارزاقاً كافية تكفل لهم حياة كريمة حتى لا يقعوا في مهاوي الاغراء، وفي الوقت نفسه اشترط عليه ان يعطيهم الدافع المعنوي فيرفع مكانتهم في المجتمع، ولا يسمح بالتجاوز عليهم، وبذلك يكون للقاضي منزلة خاصة في الدولة والمجتمع فيضمن بذلك استقلال القضاء وقوته، ((ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك، في نفسك ممن لاتضيق به الأمور، ولا تمحکه الخصوم، ولا

ص: 217

يتمادى في الزلة، ولايحصر من الفي إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، و آخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصر مهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه، و افسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قدكان أسيرا في أيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا) (85).

ان الحديث عن كفاءة الامام علي (عليه السلام) لاتستوعبها وریفات هذا البحث لذلك سنكتفي بالقول بان علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان قبل توليه الخلافة يمثل ما تمثله اليوم محاكم التمييز التي تملك الحق في ابرام الاحکام ونقضها، فقد عد الامام (عليه السلام) وجود اخطاء في القضاء دليل على سلبية الحكم لذلك حين كان بعض الحكام بعد الرسول (صلى الله علیه و آله) يصدر احکاماً في قضايا معينة وهو يظن انه فصل فيها وفقاً لكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله، فكان علي (عليه السلام) يملك سلطة التدخل ووقف تنفيذ الحكم الصادر عن الخليفة ثم تعاد القضية إلى المناقشة ليدلي فيها علي (عليه السلام) برأيه وقضائه، ويبدو ان ما كان يمارسه الامام (عليه السلام) هو تأكيد لحق المحكوم عليهم بتمييز الاحكام الصادرة ضدهم امام جهة ذات امكانية علمية وقدرة قضائية اسمى من الجهة المصدرة للاحکام، فيقول الامام علي (عليه السلام) ((لا عدل افضل من رد المظالم ((وان)) احسن العدل نصرة المظلوم)) (86).

اما في السيرة العملية للامام (عليه السلام) اثناء خلافته، فقد تطور القضاء في عهده اذ كان الامام المجدد الامثل لمفاهيم القضاء والمطور الأفضل للمجتمع الاسلامي والمفسر الاعظم لبواطن الشريعة ووضعها مواضعها مما يلائم الظروف على صعيد التطور

ص: 218

ومسايرة الزمن على مدى التقدم فهو (عليه السلام) اول من فرق بين الشهود، واثبت محاضر التسجيل، ناهيك عن وضع الامام (عليه السلام) بعض العلوم الاخرى مثل علم النفس والبايولوجي والرياضيات وغيرها من العلوم في خدمة العملية القضائية وتحقيقاً للعدالة في المجتمع، فضلاً عن ذلك كان الامام (عليه السلام) اول من اسس دیوان ((متابعة المظالم))، وكان هدفه النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضد الولاة والحكام اذا انحرفوا عن طريق الحق وجاروا على الرعية، وسلبوهم حقوقهم المادية والمعنوية وفي ذلك كله تأكيد دعوة الامام ضرورة تطوير القضاء وتقديم أفضل اداء ممكن لازالة الظلم (87).

تاسعاً: السياسة الوقائية والقضاء على الفساد

وتبدأ الرقابة في فكر الإمام (عليه السلام) من أصغر الأمور، وتصحيح الأوضاع منذ بدايتها، وليس انتظار الأمور حتى تكبر، وتتفاقم، ثم يكون التنكيل والانتقام، وبالمحصلة فالرقابة في فكرِه (عليه السلام) إنّما هي تحصين العمال ضد الغش والخيانة وبعبارة أخرى هي وقاية وليست علاجا، وقد قيل قديما: ((درهمُ وقاية خيرٌ من قنطار علاج)) (88)، ونستطيع أن نتلمس ذلك كله من خلال النصوص التي وردت إلينا عن الإمام علي (عليه السلام)، وهو يوصي عامله على مصر بضرورة تعاهد عماله بالمراقبة، وتفقد شؤونهم، والسؤال عن أحوالهم؛ ليتضح لنا كم كان هدف الرقابة نبيلا، وكم كانت غايتها سامية جليلة، بقوله: ((ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُهُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلاَ يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ، وَلاَ تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ. وَلاَ تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطيِفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَا لاً عَلَى جَسِيمِهَا، فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لاَ يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ (89).

فالرقابة عند الإمام علي (عليه السلام)) إنّما هي منع الانزلاق في مهاوي الخطأ

ص: 219

والظلم، وليس القبض على العامل متلبسا بجُرمِه، فالربح كل الربح في تحصين العمال والولاة من الخيانة للإمام والأمة، كما أن الرقابة في فلسفة الإمام علي (عليه السلام) كلها حُنوٌّ ومودة، وهي کتفقد الوالدين لشؤون ولدهما، والوقوف على احتياجاته؛ لتجنيبه ما يكره وما يكرهون من الأمور، فهي أذن رقابة الأب العطوف، وليست رقابة المتسلط الجبار (90).

لقد كان الخليفة علي بن ابي طالب (عليه السلام) يختار العمال وفق معايير خاصة منها الأمانة والدين والخبرة وغيرها، إلا أنه لم يكتف بهذا الإجراء بل تعداه الى وضع نظام متكامل يدقق على العمال أعمالهم، وجزء من هذا النظام كان العيون التي يستقي منها الخليفة معلوماته عن تصرفات هؤلاء الولاة والعمال في ولاياتهم البعيدة عن مرکز الدولة، ويمكن أن نقول إن هذه النظام يشبه نظام الاستخبارات في وقتنا الحالي، لأن هؤلاء العيون لا يعرفهم سوى الخليفة، ويكتبون إليه مباشرة عن السلبيات والإيجابيات التي يرونها في مناطق عملهم، لذلك نرى أن الخليفة علي بن ابي طالب (عليه السلام) كان يعلم بكل الأشياء التي تجري في الولايات الإسلامية، وقد أدَّى هذا النظام الرقابي فاعليته في مراقبة تصرفات الموظفين التابعين للدولة الإسلامية، لأن الولاة كانوا حذرين في التعامل مع أموال المسلمين، وأصبحت لديهم قناعة أنهم لم يكونوا مطلقي اليد بهذه الأموال، وليس لديهم أي حصانة إذا خانوا الأمانة التي في أيديهم، لذلك كانوا حريصين على أداء أعمالهم بصورة جيدة (91).

ومن خلال وصية الامام علي لمالك الاشتر ندرك بان هناك جهازين للعيون، أحدهما تابع للخليفة يراقب الولاة والعمال، والآخر تابع للولاة يراقب عمال الخراج والجزية، لاسيما أن الدولة الإسلامية كانت مترامية الأطراف، وعلى الرغم من أن المصادر لا تذكر لنا أسماء العيون، الذين كان يضعهم الخليفة في الولايات والمدن التابعة لها، فإن وجودهم

ص: 220

كان أكيدا وغير قابل للشك، لأن الإجراءات التي اتخذها الخليفة علي بن ابي طالب بحق بعض الولاة والعمال، تبين أنه كان يعتمد على العيون في معرفة الأخبار، إذ جاء في أغلب الكتب التي وجهها لولاته وعماله الذين تجاوزوا على أموال المسلمين، كذلك في الأخطار التي تتعرض لها الولايات والمدن الإسلامية عبارة (قد بلغني)، وفي هذا دلالة على أن الذي أبلغ الخليفة علي بن ابي طالب هي العيون التي وضعها في كل أرجاء الدولة الإسلامية، وفي أحيان أخرى نراه يصرح أن مصدر معلوماته جاء عن طريق عيونه، کما في الكتاب الذي وجهه الى قثم بن عباس والي مكة، عندما وجَّه معاوية حملة على هذه المدينة، إذ قال له: ((فإن عيني بالمغرب كتب إلي يخبرني ...))، وتبين كتب الخليفة الى الولاة والعمال حجم المعلومات (الاستخبارية)، التي كانت تصل للخليفة عن تصرفات هؤلاء الولاة والعمال (92).

وقد وجَّه (عليه السلام) كتباً شديدة اللهجة الى مجموعة من الولاة بناءا على هذه المعلومات، مع العلم إن قسم منهم كان من كبار الصحابة مثل عثمان بن حنيف وعبد الله بن عباس، لأنه بالرغم من الثقة التي أعطاها لهؤلاء الولاة، كان يريد أن يحمي الناس من هؤلاء، إذا ما استعملوا صلاحياتهم بصورة غير شرعية، كذلك كان يريد أن يحميهم من أنفسهم أيضا، ومن الأمثلة على المعلومات التي وصلت للخليفة عن الولاة، إن والي البصرة عثمان بن حنیف قبل دعوة أحد أغنياء البصرة لتناول وجبة طعام في بيته، فكتب له الخليفة كتابا بهذا الشأن، وسوف نأخذ جزء من هذا الكتاب من أجل التعرف على رقابة الخليفة على ولاته وعماله: (أما بعد یا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة قد دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل لك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو........، ألا وان لكل مأموم إمامة يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وان إمامكم قد اكتفى من دنیاه بطمريه، ومن

ص: 221

طعامه بقرصيه، ألا وأنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد...)) (93).

وعلى الرغم من أن المعلومات التي بلغت الخليفة جاءت عن طريق العيون، لكن ربما تكون هذه العيون التي أبلغت الخليفة غير معينة من قبله، بل تطوع من بعض المسلمين الذين يسكنون في هذه الولاية، مثل كتاب أبو الأسود الدؤلي (123) الى الخليفة يخبره عن تصرف والي البصرة عبد الله بن عباس، الذي أصبح واليا بعد عثمان بن حنیف، إذ كتب له أن الوالي أخذ عشرة آلاف درهم من بيت المال، فكتب الخليفة للوالي يأمره برد هذه الأموال، وبالفعل أرجعت هذه الأموال الى بيت المال، وكتب الى أبي الأسود الدؤلي (أما بعد فقد فهمت كتابك، ومثلك نصح الإمام والأمة، ووالى على الحق، وفارق الجور، وقد كتبت الى صاحبك، فيما كتبت فيه من أمره ولم أعلمه بكتابك فيه، فلا تدع إعلامي ما يكون بحضرتك، مما النظر فيه للأمة صلاح)، ومن خلال قراءة هذا الرد نستنتج أنه عين أبا الأسود عينا للدولة بصورة رسمية في تلك الولاية (94).

وعلى الرغم من الشدة التي أتصف بها الخليفة مع العمال المقصرين، إلا أننا في الوقت نفسه نلمس منه حرصه على عدم تصديق كل المعلومات التي ترد إليه، فقد كان يرسل الى الولاة والعمال الذين ترد معلومات عنهم، ويتبع معهم مجموعة من الإجراءات لمعرفة حقيقة هذه الأعمال، ولا يعاقب أحداً منهم إلا عندما يقر على نفسه بارتكاب الجناية، وفي الحالات التي كانت فيها المعلومات الواردة صحيحة، فإن الخليفة كان يحاسب هؤلاء المقصرين، وأول هذه العقوبات هو عزلهم عن العمل في إدارة الدولة، واسترجاع ما أخذوه من أموال بالنسبة للمتجاوزين على أموال المسلمين (95).

ص: 222

ولابد من الإشارة الى نقطة مهمة جدا، وهي ظهور سلبيات على الولاة وعمال الخراج، مع أن الخليفة كان يدقق في اختيار هؤلاء، ولا يُعيَّن أحداً منهم إلا بعد توفر مجموعة من المميزات فيه كما ذكرنا سابقا، ونحن نعتقد أن هذه المسألة كانت للخليفة علي بن ابي طالب أكثر من كونها عليه، لأن هذه السلبيات كانت موجودة بكثرة في الفترة التي سبقت خلافته، والفترة التي تلتها، لكن لم تكن هناك محاسبة لهؤلاء، فلم يضطر أحد من الولاة أو العمال أن يهرب بأموال المسلمين، مادام يتصرف كيفما يشاء ودون حساب، أما في عهد علي بن ابي طالب فقد اختلفت الأمور، فهو لا يرضى بأي تصرف مهما كان بسيطا، إذا لمس فيه إساءة للمسلمين أو لأموالهم، كما أن هؤلاء الذين عينهم ممن توافرت فيهم الصفات المطلوبة لإشغال هذه الوظائف، ولم تسجل عليهم ملاحظات قبل قيامهم بالعمل، والسلبيات التي ظهرت كانت بعد مباشرتهم في أعمالهم، لذلك لا يتحمل الخليفة الإساءات التي ظهرت منهم، لاسيما أنه لم يسمح لهم بالاستمرار في الإساءة، فعزل قسم منهم وعاقب القسم الآخر (96).

ثم ان الخليفة علي بن ابي طالب (عليه السلام) اتخذ اسلوباً اخر من الرقابة الإدارية وهو التفتيش الاداري على الموظفين الذين يعملون بمعيتهم، وكان هذا النظام يستند على محورين مهمين، أولهما إرسال مفتشين الى المناطق، وثانيهما استدعاء الخليفة لهؤلاء الولاة ومراجعة حساباتهم المالية، والتدقيق عن تصرفاتهم (97).

وهؤلاء المفتشين لم يحدد لهم الخليفة وقت من أجل القيام بهذا العمل، بل يرسلهم حسب الحاجة الى هذا الإجراء، كما أنه لا يوجد موظفين خاصين للقيام بهذه المهمة، بل كان الخليفة يرسل من يثق به من أجل القيام بهذه المهمة، ومن النصوص الواردة لنا عن هذا الإجراء هو تكليف الخليفة لمالك بن کعب الأرحبي عامل عين التمر، بالقيام بمهمة التفتيش في أراضي السواد، أما الجانب الآخر من التفتيش فهو إرسال الخليفة للعمال

ص: 223

والولاة من أجل الحضور الى العاصمة وتدقيق حساباتهم وأعمالهم، وهذا الإجراء كان مكملاً لإرسال الموظفين الى الولايات، ويمكن أن نلمس من خلال الرواية التي تذكر إن الخليفة أرسل الى والي اذربيجان الأشعث بن قیس (129) من أجل الحضور الى العاصمة، بعد أن بلغه ان هذا الوالي أخذ بعض الأموال من ولايته، فلما حضر الى العاصمة ألزمه إرجاع الأموال إلى بيت المال (98).

ص: 224

الخاتمة

نحن اليوم بأمس الحاجة الى استلهام الدروس والعبر من تجربة الإمام علي (عليه السلام) في الحكم، لاسيما ونحن نعاني نكوصاً كبيراً في كل جوانب الحياة وعلى جميع المستويات سواء كانت السياسية او الادارية او الاجتماعية او الاقتصادية، وبعد ان فشلت القوى السياسية الاسلامية في تطبيق نظرية الامام علي (عليه السلام) في الحكم التي طالما نادت بها قبل ان تتسلم الحكم. فأصبنا بإحباط كبير نتيجة لهذه التجربة الفاشلة التي اساءت للنظرية الاسلامية في الحكم، فساد شعور اليأس من تحقيق الأهداف التي طالما نشدناها.

والذي نعيشه اليوم من انتكاسة هو نسخة قريبة من تجربة عثمان بن عفان في الحكم اذ استلم الحكم على اساس تطبيق النظرية الاسلامية، لكنه عندما تولى الخلافة لم يستطع كبح جماح اقاربه، الذين اعتبروا الخلافة ملكا لهم يستطيعون التصرف به كما يشاؤون، کما عبر ابو سفیان بن حرب بن امية عن هذا المعنى بقوله: ((اعندكم احد من غير كم، قالوا: لا، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به ابو سفیان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة...))، وحسب المعنى المتقدم فإن خلافة المسلمين أصبحت ملكا لبني أمية، فأصبحت الدولة واموالها مغنما لهم، واعتبروا العباد خولا لهم، ولم ينته الامر الا عندما ثار المسلمون وقتل عثمان بن عفان.

ص: 225

الهوامش

1. جرداق، الامام علي صوت العداة الانسانية، ص 25.

2. عبد الوهاب، مقدمة في الادارة، ص 12.

3. المرجع نفسه، ص 12.

4. المرجع نفسه، ص 12.

5. الهواري، الادارة، ص 4.

6. حسن الشيخ، ملامح من الفكر الاداري في عند الامام علي (عليه السلام)، ص 14.

7. شنشل، نظام الحكم والادارة (عهد الامام علي بن ابي طالب لمالك الاشتر)، ص 44.

8. المرجع نفسه، ص 45.

9. المرجع نفسه، ص 45.

10. المرجع نفسه، ص 45.

11. المرجع نفسه، ص 45.

12. المرجع نفسه، س 45.

13. المرجع نفسه، ص 45.

14. البيروقراطية: وتعني باللغات الأوربية ((مکتب)) أي تنظيم وادارة الدولة ومؤسساتها عن طريق المكاتب. ينظر: كشك، اسس الادارة العلمية، ص 38.

15. حسن الشيخ، ملامح من الفكر الاداري في عند الامام علي (عليه السلام)، ص 15.

ص: 226

16. شنشل، نظام الحكم والادارة، ص 46.

17. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 6/ 74؛ الطبري، تاریخ، 5/ 95.

18. الشامي، البرنامج الامثل لادارة الدولة وقيادة المجتمع، ص 141.

19. المرجع نفسه، ص 142.

20. المرجع نفسه، ص 142.

21. المرجع نفسه، ص143.

22. المرجع نفسه، ص 143.

23. المرجع نفسه، ص 144.

24. المرجع نفسه، ص 145.

25. الشرهاني، التغيير في السياسية المالية، ص 122.

26. المرجع نفسه، ص 122.

27. المرجع نفسه، ص 122.

28. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 6/ 73.

29. المصدر نفسه، 6/ 73.

30. المصدر نفسه، 6/ 74.

31. شنشل، نظام الحكم، ص 50.

32. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 6/ 75.

33. شمس الدين، نظام الحكم والادارة في الاسلام، ص 68؛ شنشل، نظام الحكم، ص 50.

34. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 5/ 75.

ص: 227

35. سورة الشمس، الايات ((9 - 10).

36. المجلسي، بحار الانوار، 22/ 125.

37. المصدر نفسه، 22/ 125.

38. المصدر نفسه، 22 / 125.

39. المصدر نفسه، 22 / 125.

40. المصدر نفسه، 22/ 125.

41. المصدر نفسه، 22 / 125.

42. المصدر نفسه، 22/ 125.

43. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، من رسالة امير المؤمنين لواليه على البصرة

44. المصدر نفسه، 6/ 76.

45. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 155.

46. ابن ابی الحدید، شرح، 6/ 152.

47. المصدر نفسه، 6/ 264.

48. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 156.

49. المرجع نفسه، ص 157.

50. المرجع نفسه، ص 158.

51. المرجع نفسه، ص 158.

52. المرجع نفسه، ص 158.

53. المرجع نفسه، ص 159.

54. المرجع نفسه، ص 159.

ص: 228

55. المرجع نفسه، ص 159.

56. المرجع نفسه، ص 160.

57. المرجع نفسه، ص 160.

58. المرجع نفسه، ص 160.

59. ابن ابی الحدید، شرح، 5/ 25.

60. ابو جناج، قراءة في عهد التولیه، ص 6.

61. ابن ابي الحديد، الشرح 5/ 70.

62. الامام علي صوت العدالة الإنسانية 1/ 352.

63. ابن ابي الحديد، الشرح 5/ 70.

64. عبد الله، نظرية التنظيم والادارة في فكر الامام علي، ص 198.

65. ابن ابي الحديد، الشرح 5/ 70.

66. المصدر نفسه، 5/ 70.

67. سورة محمد، الآية 38.

68. المجلسي، بحار الانوار، 22/ 153

69. المصدر نفسه، 22/ 150.

70. المصدر نفسه، 22/ 156.

71. شنشل، نظام الحكم، ص 189؛ نادر، النظام الاداري الإسلامي، ص 163.

72. المرجع نفسه، ص 189.

73. المرجع نفسه، ص 189.

74. المرجع نفسه، ص 189.

ص: 229

75. ابن ابی الحدید، شرح، 5/ 50.

76. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 176.

77. المرجع نفسه، ص 167.

78. المرجع نفسه، ص 167.

79. المرجع نفسه، ص 167.

80. المرجع نفسه، ص 167.

81. شنشل، نظام الحكم، ص 190.

82. ابن ابی الحدید، شرح، 5/ 55.

83. شنشل، نظام الحكم، 190.

84. المرجع نفسه، ص 190.

85. ابن ابی الحدید، شرح، 5/ 60.

86. السعد، حقوق الانسان عند الامام علي، ص 96.

87. المرجع نفسه، ص 97.

88. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 210.

89. ابن ابی الحدید، شرح، 5 / 66.

90. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 210.

91. المرجع نفسه، ص 210.

92. المرجع نفسه، ص 211.

93. ابن ابی الحدید، شرح،

94. الشرهاني، التغيير في السياسة المالية، ص 210.

ص: 230

95. المرجع نفسه، ص 211.

96. المرجع نفسه، ص 211.

97. المرجع نفسه، ص 212.

98. المرجع نفسه، ص 213.

ص: 231

المصادر

- القران الكريم

- ابن أبي الحديد، ابو حامد عبد الحميد بن هبه الدين المدائني، شرح نهج البلاغة، ط 2، دار احياء الكتب العربية، بيروت، (1384 ه/ 1965 م).

- الطبري، محمد بن جریر، تاریخ الرسل والملوك، تحقیق: محمد ابو الفضل ابراهیم، طة، دار المعارف، القاهرة، (1428 ه/ 2006 م).

- المجلسي، محمد باقر بن محمد الاصفهاني، بحار الانوار الجامعة لدرر اخبار الائمة الاطهار، ط 2، مؤسسة الوفاء، بیروت، (1403 ه/ 1983 م)

المراجع

- ابو جناج، صاحب، السياسة الادارية عند الامام علي، قراءة في عهد التوليه لمالك الاشتر، (د. م).

- جرداق، جورج، الإمام علي بن أبي طالب صوت العدالة الإنسانية، الطبعة الأولى سنة 1958.

- حسن الشيخ، محمد، ملامح من الفكر الاداري في عند الامام علي (عليه السلام)، ط1، دار البيان العربي، بيروت، 1993.

- السعد، غسان، حقوق الانسان عند الامام علي، ط 2 ، بغداد، 2008 م.

- الشامي، حسين بركة، البرنامج الامثل لادارة الدولة وقيادة المجتمع في عهد الامام علي المالك الاشتر، ط 2، دار الاسلام، بغداد، 2008.

ص: 232

- الشرهاني، حسين، التغيير في السياسة المالية للدولة الاسلامية في خلافة علي بن ابي طالب، ط 1، تموز للطباعة والنشر، دمشق، 2013 م.

- شمس الدين، أية الله، محمد مهدي، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، الطبعة الثالثة، 1412 ه - 1992 م، دار الثقافة للطباعة والنشر.

- شنشل، قلاح حسن، نظام الحكم والادارة في الاسلام عهد الامام علي بن ابي طالب المالك الأشتر، رسالة ماجستير منشورة على صفحات الانترنیت.

- كشك، محمد بهجت جاد الله، اسس الادارة العلمية، (د. م).

- عبد الله، عیسی مكي، نظرية التنظيم والادارة في فكر الامام علي، ط 1، مكتبة الروضة الحيدرية، النجف، 2009.

- عبد الوهاب، علي محمد، مقدمة في الادارة، معهد الإدارة العامة، 1982.

- الملاح، نادر، النظام الإداري الإسلامي، الطبعة الأولى، 1429 ه - 2008 م إدارة المكتبات العامة.

- الهواري، سید، الادارة، مكتبة عين شمس، القاهرة، 1982.

ص: 233

ص: 234

النشاط التجاري في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)

اشارة

المدرس الدكتور جمعه ثجيل الحمداني المدرس الدكتور حيدر عبد العالي جامعة ذي قار / كلية الاداب / قسم التاريخ

ص: 235

ص: 236

المقدمة

لعل اصعب مايواجه الباحث هو ان يضع خطاً حاسماً يفصل بين مرحلتين تأريخيتين لمجتمع ما، لأن تحول المجتمع من حالة الى حالة اخرى بطيء وتدريجي، ولذلك فمن العسير تعيين وحدة زمنية والقول بأنها خاتمة عهد وبداية عهد جديد.

وهذه الصعوبة التي نواجهها هنا حين نبغي وضع تحديد زماني دقيق للمرحلة التأريخية التي بدأت الامة المسلمة تشهد فيها الانحراف الصريح عن مبادئ الاسلام، ولكننا نستطيع ان نشهد هذا التحول واضحا منذ بداية النصف الثاني من عهد عثمان.

ولكي يستوفي الباحث شروط البحث الموضوعي، الا يكتفي بالظواهر فقط، بل نمضي في البحث عن جذور هذه الظواهر في تصرفات الجماعات والرجال الذين صاغوا تاریخ لهذ الفترة، منبهين الى اننا هنا انما نبحث عن طبيعة الاحداث واليتها، ومدی مساهمتها في التعجيل بظهور هذا التيار الجديد في الحياة الاسلامية، لاعتقادنا بان هذه الاحداث كغيره في الاحداث الاجتماعية الهامة لم تكن وليدة اندفاعات وقتية، وانما كانت نتيجة للظروف الاجتماعية التي سبقتها.

ومن الناحية الاقتصادية تحديدا فأن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) سوی بين المسلمين في العطاء، فلم يفضل احداً منهم على احد، وجرى على مبدأ التسوية في العطاء ابو بکر مدة حكمه، اما عمر فقد جرى حين فرض العطاء في سنة عشرين للهجرة على مبدأ التفضيل عندما دون الدواوين وفرض العطاء سنة عشرين للهجرة. ففضل السابقين على غيرهم، وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الانصار كافة، وفضل العرب على العجم، وفضل الصريح على المولى (1).

ص: 237

وقد ولد هذا المبدأ فيما بعد اسوأ الاثار في الحياة الاسلامية، حيث انه وضع اساس تكون الطبقات في المجتمع الاسلامي، وجعل المزية الدينية من سبل التفوق المادي، وزود الاستقراطية القريشية التي مكنت لنفسها من جديد بتمكن ابي بكر من الحكم بمبرر جديد الاستعلاء والتحكم بمقدرات المسلمين، فجميع امتیازات الفضيل تجعل القريشيين افضل في العطاء من غير القرشيين (2). وهذا يعني ان قريشا افضل الناس، لانها قريش، وكفى بهذا مبررا للتحكيم والاستعلاء.

وقد كون هذا المبدأ سببا جديدا من اسباب الصراع القبلي بين ربیعه ومضر، وبين الأوس والخزرج بما تضمن من تفضیل ئر مضر على سائر ربيعة، وتفضيل الأوس على الخزرج. وقد ارسي هذا المبدأ اول اساس من اسس الصراع العنصري بين المسلمين العرب وغيرهم من المسلمين بما جرى عليه عمر من تفضيل العرب على العجم والصريح على المولى (3).

وعندما جاء عثمان سار على نفس المبدأ الذي سار عليه عمر في التمييز بين في العطاء، فظهرت الاثار الضارة لهذا الترسيخ في الحياة الاسلامية. وكانت من اهم العوامل التي مهدت للفتنة بين المسلمين.

أدت سياسة عثمان التي ارتكزت على محاباة بني أميه، وسوء توزيع الثروة في الدولة، ورفع أسوا الناس على رقاب المؤمنين، وتركيز السلطة في يد عائله بعينها دون اعتبار للأهلية، والكفاءة الى تمرد عامة الشعب، وتذمر الصحابه حتى انتهى الأمر بمقتله (4).

ان التاريخ علمنا ان وراء كل ثوره تحدث اسبابا سياسية واخرى اجتماعية أو ثقافية، وأسبابا اقتصادية، والذي يهمنا في هذا البحث هو الاسباب الاقتصادية التي أدت الى اندلاع الثورة والتي لم يركز عليها المؤرخون والكتاب ولم يعطوها اهميتها التي تستحقها

ص: 238

في مقتل عثمان بن عفان تحديداً.

أن المشكلة التي سببت الثورة على عثمان و مقتله كان أساسها أنحرافاً اقتصادياً مادياً بالدرجة الاولى وهو ما يظهر من عبارة الامام علي عليه السلام التي قالها للمهاجرين والانصار بعد مقتل عثمان، و حينما آتوه وقالوا له: «هلم نبايعك، فقال:... أني قد كنت کارها لأمركم فأبيتم الا أن أكون علیکم. ألا وانه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم، رضيتم؟ قالو نعم، قال اللهم أشهد ثم بايعهم على ذلك (5).

وهذا يدل على أن الامام علي عليه السلام قد شخص العله التي قامت من أجلها الثورة، وهو الانحراف الاقتصادي الذي بدا واضحا للعيان من خلال تأثيره الكبير على المجتمع الاسلامي أنذاك، ولو لم يكن هذا الانحراف علاقة باجری، ما كان الامام علي عليه السلام قد خصه بالذكر في عهد البيعة الذي له منزلة الدستور.

واستناداً لكل ما تقدم نستطيع القول: ان الفكر الاقتصادي عند الامام علي (عليه السلام) يحتل مساحة واسعة في كيفية ادارة الدولة من خلال نشاطها الاقتصادي، وكانت التجارة وحركة الاسواق وسبل السيطرة عليها وتحريكها من الامور التي لم تغب عنه (عليه السلام) في تلك المرحلة. وسيتضح ذلك من خلال المباحث القادمة.

ص: 239

تمهید

أول شيء أوصى امير المؤمنين (عليه السلام) به مالك الاشتر، الذي عينه والياً على مصر، ان يكون محبا للرعية، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من اهل الاديان الاخرى، ولا يخفى ان في ذلك تثبيتاً لانسانية الاسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة.

قال (عليه السلام): ((وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولاتكونن عليهم سبعاً ضارياً، فأنهم صنفان: أما أخ لك في الدين، واما نظير لك في الخلق).

ثم دعاه أن لا يميز بين القريب والبعيد في عطاءاته من بیت المال، وقد عانى الناس من التمييز في العطاء اثناء العهد السابق، فكان ذلك من الاسباب التي دعتهم الى الثورة على الخليفة الثالث.

ثم تعرض (عليه السلام) لاقسام الرعية واصنافها وبين ان كل قسم منها يحتاج للقسم الاخر ومرتبط به ارتباطا عضوياً، حيث ان كل تلك الاقسام تشكل نظاما متكاملا ومتماسكاً، فهي بمثابة الجسم الواحد، وعين لكل صنف مسؤوليته ومهمته حتى لا تتداخل الامور وبالتالي تسود الفوضى.

وفي حديثه عن كل صنف من الاصناف كان امير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد على ضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ويؤكد على اختيار اصحاب الكفاءات وحذر من الاختيار القائم على المحاباة والذي تجرع الناس منه الغصص والويلات. قال (عليه السلام): (واعلم ان الرعية طبقات، لايصلح بعضها الا ببعض، ولاغنى ببعضها

ص: 240

عن بعض، فمنها: جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها: قضاة العدل، ومنها: عمال الانصاف والرفق، ومنها اهل الجزية والخراج من اهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها: التجار واهل الصناعات، ومنها: الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سم الله سمه ووضعه على حده فريضة في كتابه او سنة نبيه (صلى الله عليه واله وسلم).

واكثر ما تحدث امير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه للأشتر (رضوان الله عليه) عن الطبقة السفلى اي

الفقيرة، وهذه الطبقة تشكل القسم الاكبر في المجتمع في كل زمان ومكان، ولهذا جعل كل تلك الطبقات لحماية ومساعدة هذه الطبقة، حتى تنهض مما هي فيه وتنعم بالعدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ولو يصار الى تأدية حقوقها كاملة في كل زمان لنهضت، ولكن هيهات!! في ان ينتهي عهد، حتى يأتي عهد جديد يعمق هوة الفقر والمسكنة، وهكذا تتوسع هذه القشرة وتكبر وتتأصل جذورها اكثر فأكثر.

وقد سطر امير المؤمنين (عليه السلام) جاهداً لرفع الغبن والحيف عن هذه الطبقة خلال الفترة القصيرة التي حكمها، وقد نجح الى حد بعيد في هذا الاتجاه، وان كانت المدة التي حكم فيها غير كافية لقلع جذور الفقر والاستضعاف.

يقول جورج جرداق في كتابه: ((علي وحقوق الانسان)))): ان لعلي بن ابي طالب في حقوق الانسان اصولا واراء، تمتد لها في الارض جذور وتعلوها فروع)) وقال في حكاية اخرى من الكتاب: ((له شأن اي شأن، وآراؤه فيها (حقوق الانسان) تتصل اتصالاً كثيراً بالاسلام يومذاك، وهي تدور على محور من رفع الاستبداد والقضاء على التفاوت الطبقي.

ص: 241

قال عليه السلام: ((ثم الله الله في الطبقي السفلى، من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين واهل البؤس والزمن؛ فأن هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ الله ما استحفظك من حق فيهم)).

وقد ذكر هذه الطبقة حقوقاً مفصلة كحقوق العامة، الا انها اكثر الحاحً هنا. والملاحظ ان الامير (عليه السلام) طلب من واليه على مصر ان يشرف بنفسه على اوضاع هذه الفئة، مضافاً الى الاشراف العام وحذره من التهاون في تنفيذ حاجياتهم، واداء حقوقهم المالية والقانونية والشرعية.

قال عليه السلام: ((واجعل لهم قسما من اهل بیت مالك، وقسماً من غلات صوافي الاسلام في كل بلد))، ثم قال عليه السلام في موضع اخر: ((واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تقرع لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك)).

ص: 242

المبحث الأول: النشاط التجاري وحركة الأسواق

التجارة والأسواق عند العرب

يتفق المؤرخون على ان العرب كانوا أقدم تجار في العالم، وان جزيرتهم كانت أول المواضع التي شهدت أقدم حركة للتجارة بين الدول، إذ تمتعت هذه الجزيرة بموقع استراتيجي مهم، فهي وسط العالم القديم وعلى طريق التجارة العالمية ولاسيما الطرق التي تصل الشرق الأقصى والهند ببقية أنحاء العالم، وان الرأي القائل بان العرب وخاصة في جاهليتها كانت أمة منعزلة عن العالم لا تتصل بغيرها أي اتصال، وان الصحراء من جانب والبحر من جانب حصراها وجعلاها منطقة معزولة عمن حولها. هو رأي خاطئ (6).

وقد كانت جزيرة العرب طريقاً عظيماً للتجارة، فطوراً تنقل غلاتها إلى ممالك أخرى كالشام ومصر، وأهم هذه الغلات البخور الذي يكثر في الجنوب ولاسيما ظفار، وطوراً تنقل غلات بعض الممالك إلى بعضهم الآخر. لذا صارت التجارة عصب الحياة الاقتصادية لأكثر الدول التي تكونت في هذه الربوع وغلبت الصفة التجارية على المجتمعات الحضرية، واتسع المجال للتبادل الثقافي بين مراكزها التجارية والثقافات الأجنبية في بعض الفترات (7).

وعندما جاء الإسلام أباح كل وسيلة شرعية وكريمة للكسب، ومن هذه الوسائل

ص: 243

التجارة، فقد كان سيد الكائنات محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يعمل في هذه المهنة الشريفة، إذ خرج (صلى الله عليه وآله وسلم) تاجراً إلى الشام في مال خديجة بنت خويلد التي عرضت عليه ان يخرج في مالها تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره لما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه. فخرج (صلى الله عليه و آله وسلم) في مالها حتى قدم الشام (8).

ويبدو ان النشاط التجاري كان كبيراً إلى درجة ان بعض الصحابة (رضی الله عنه) قد مارسوا التجارة مثل عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، وامتلك هؤلاء ثروات طائلة وكبيرة ليس أدل على ذلك من ان سعید بن المسيب ذکر ان زید بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسّر بالفؤوس، غير ما خلف من الأموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار. وهو الأقل ثروة من بين هؤلاء (9).

وقد ذكر الشيخ الكليني (10) العديد من الأحاديث الصادرة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بين فيها آداب التجارة وضوابطها وأحكامها وأهميتها في النهج الاقتصادي الإسلامي. وأوضح ان الإمام علي (عليه السلام) كان يحث الناس على مزاولتها وعدم تركها، حيث يقول (عليه السلام): (تعرضوا للتجارة فان فيها غنی لكم عما في ايدي الناس) (11) وقال عليه السلام: (اتجروا بارك الله فيكم، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: ان الرزق عشرة اجزاء، تسعة في التجارة وواحد في غيرها) (12)، ونقل الشيخ الصدوق (13) قول امير المؤمنين عليه السلام: (تسعة اعشار الرزق في التجارة، والخير الباقي في السابياء، يعني الغنم)، ولم يقتصر الامر في ذكر الاحاديث التي تحث على مزاولة التجارة على الامام علي عليه السلام فقط، بل ان الائمة الاطهار الاخرون حذوا حذوهم في حثهم المسلمين على مزاولة التجارة وبيان محاسنها، وفي هذا قال الامام الصادق عليه السلام: (ان التجارة تزيد في العقل) (14)،

ص: 244

وقال أيضاً: (ترك التجارة ينقص العقل) (15)، وأكد أيضاً: (ان من طلب التجارة استغني عن الناس وان كان معيلاً لان تسعة أعشار الرزق في التجارة) (16)، وهذا يؤكد أفضلية العمل التجاري عند الإمام علي وباقي الائمة الاطهار (عليه السلام) على الأعمال والمهن الأخرى على الرغم من ان كل عمل، وكل تخصص له دوره المعروف في إدامة ونجاح عجلة الحياة الاقتصادية.

وهكذا شجع الإسلام التجارة بعدّها وسيلة مهمة لتلبية ما تحتاجه متطلبات الحياة اليومية. إلا ان ما ورثه العرب من تمسكهم بالعادات القبلية والأفكار الجاهلية، كانت من العوامل التي تعرقل حركة النشاط التجاري منها ان التوفير كان ينظر اليه بازدراء، كما ان الاقتصاد كان يُعدّ بخلاً (17). فكان الناس يستهزئون بالتجار لان خطة التاجر الناجح كانت تقوم على الاعتماد على فضول الأموال الصغيرة من القراريط والدوانق والأرباع والإنصاف. فالتجار كانوا يجمعون ثرواتهم من صغائر الأموال لتصبح بعد ذلك ادخارات أي أموالاً مؤهلة للاستثمار (18)، وهذا ما لا يقره الفكر القبلي في بداية نشوء الدولة الإسلامية.

أما من الناحية الاجتماعية فكان ينظر إلى التجار على أنهم أقل مكانة اجتماعية من الأشراف والملوك، وتتفاوت هذه النظرة على التجار بتفاوت أصناف التجار في أطوارهم (19). إلا ان هذا لا يعني أن التجار كانوا لا يحظون بالاحترام، وابرز مثال على ذلك ما روي عن امیر

المؤمنين عليه السلام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال لزينب العطارة: (إذا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله. فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا بعتِ فأحسني ولا تغشي فانه اتقى الله وأبقى للمال) (20). ونستفيد من هذا الحديث الشريف ان هذه التاجرة كانت تحظى بالاحترام

ص: 245

الكبير من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمزاولتها هذه المهنة الشريفة. وقد كان رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يحثها على مزاولة عملها وفي الوقت نفسه على الالتزام بضوابط العمل التجاري. وهناك العديد من الأحاديث التي تؤكد المكانة المحترمة التي يحظى بها التاجر في الإسلام. فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: (لا تدعوا التجارة فتهونوا، اتجروا بارك الله لكم) (21).

وقد رافق هذا النشاط نشاط الحركة في الأسواق التي أخذت تتطور حتى أصبحت لها أهمية خاصة في حياة العرب قبل الإسلام وبعده. وقد كان لهذه الأسواق أهمية كبيرة. فقد أفادت البدو الذين كانوا يأخذون مبالغ مالية نظير الحماية والخدمة في القوافل الوافدة إلى الأسواق (22).

وقد كانت هذه الأسواق في عصر ما قبل الإسلام معروفة ومحددة العدد. الا ان المؤرخين اختلفوا في عددها فمنهم من ذكر انها عشرة أسواق، ومنهم من قال انها أكثر من ذلك (23).

وكان نشاط هذه الأسواق يقتصر في الأعم الأغلب على ما كان يجاوره من الأحياء والقرى، وما ينزل بساحته من القبائل کسوق هجر وحجر اليمامة (24)، ومنها ما كان عاماً تفد اليه الناس من أطراف شبه جزيرة العرب مثل سوق دومة الجندل وسوق صنعاء وسوق عكاظ وسوق عدن وغيره (25).

أما أسواق العرب في الإسلام فقد أصبحت تحتوي على كل أنواع البضائع المعروفة لهم، وأهم هذه الأسواق هو سوق المربد في البصرة (26).

ومن خلال الروايات التي نقلها الشيخ الكليني (27) يتضح لنا ان العمل في الأسواق يحظى بأهمية بالغة في النهج الاقتصادي الإسلامي لهذا كان الإمام الصادق (عليه السلام)

ص: 246

يبحث معاذ

بياع الأكسية على مزاولة العمل في السوق فيقول له: (يا معاذ أضعفت عن التجارة أو زهدت فيها؟ ثم يقول له لا تتركها فان ترکها مذهبة للعقل اسع على عيالك وإياك ان يكونوا هم السعاة عليك). أما الإمام الكاظم (عليه السلام) فكان يقول للسائل: (إعد إلى عزِّك - وكان يعني السوق-) (28).

وقد كانت الرقابة على الاسواق في عهد امير المؤمنين (عليه السلام)، تحظى بأهمية بالغة منه (عليه السلام) مباشرة، وهذا يدل على الحنكة والخبرة الاقتصادية الكبيرة التي كان (عليه السلام) يتمتع بها، لان ترك الاسواق دون مراقبة سيؤدي الى نتائج وخيمة نتيجة تلاعب الباعة والمضاربين في الاسواق، والتي تؤدي في النهاية الى استغلال الطبقات الفقيرة التي دائما ما تكون هي المتضرر الاكبر من هذه المخالفات الحاصلة في الاسواق. لهذا نرى ان الإمام (عليه السلام) يراقب هذه الاسواق ليس عن كثب فقط، بل مباشرة من قبله شخصيا. فقد ورد عنه (عليه السلام) انه وقف على خیاط، فقال: یا خیاط ثكلتك الثواكل، صلب بالخيوط ودققَ الدروز، وقارب الغرز، فأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: يحشر الخياط الخائن وعليه قميصا ورداء مما خاط وخان فيه، واحذروا السقطات فصاحب الثوب احق بها ولاتتخذ بها الايادي تطلب بها المكافئات (29).

وقال (عليه السلام) في ضوء متابعاته وتوجيهاته لنشاط الاسواق: ((لايقعدن في السوق الا من يعقل الشراء والبيع)) (30).

وكان (عليه السلام) يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار خذوا الحق واعطوا الحق تسلموا، ولاتردوا قليل الربح فتحرموا كثيره (31)، وعن الامام الباقر

ص: 247

(عليه السلام) قال: ((كان امير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرة من القصر فيطوف في اسواق الكوفة سوقا سوقا ومعه الدرة على عاتقه وكان لها طرفان وكانت تسمى السبيبة فيقف على اهل كل سوق فينادي: يا معشر التجار اتقوا الله عز وجل فاذا سمعوا صوته (عليه السلام) القوا ما بأيديهم وارعوا اليه بقلوبهم وسمعوا باذانهم فيقول (عليه السلام): قدموا الاستخارة وتبركوا بالسهولة واقتربوا من المقتاعين وتزينوا بالحلم وتناهوا عن اليمين وجانبوا الكذب وتجافوا عن الظلم وانصفوا

المظلومين ولاتقربوا الربی واوفوا الكيل والميزان ولاتبخسوا الناس اشيائهم ولا تعثوا في الارض

مفسدين. فيطوف الإمام (عليه السلام) في جميع اسواق الكوفة ثم يرجع فيقعد للناس.)) (32)

وفي اثناء جولاته عليه السلام في سوق الكوفة جاءه يوما الاصبغ بن نباته وقال له: ((انا اكفيك هذا يا امير المؤمنين واجلس في بيتك فقال له عليه السلام: مانصحتني يا اصبغ، وكان يركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الشهباء ويطوف في الاسواق سوقا سوقا، فأتي يوما طاق اللحامين فقال: يا معشر القصابين لاتعجلوا الانفس قبل ان تزهق، وایاکم والنفخ في اللحم، ثم اتى الى التمارين فقال: اظهروا من رديء بیعکم ماتظهرون جيده، ثم اتى السماكين، فقال: لاتبيعوا الا طيبا، وایكم وماطفا، ثم اتى الكناسة وفيها انواع التجارة من نحاس وقماط وبائع ابل وصيرفي وبزاز وخياط، فنادى باعلى صوت: يا معشر التجار ان اسواقكم هذه يحضرها الايمان فشوبو ایمانکم بالصدقة وكفوا عن الخلف، فان الله تبارك وتعالى لا يقدس من حلف باسمه كاذبا)) (33).

ص: 248

المبحث الثاني: السلوكيات والمظاهر المنهي عنها شرعاً في الأسواق في عهد الامام علي (عليه السلام)

أولاً: الاحتكار:

ومن السلوكيات والمظاهر اليومية في الأسواق والتي كان الامام عليه السلام يراقبها عن كثب: الاحتكار: والاحتكار يعني حبس السلعة والامتناع عن بيعها بقصد أغلاء السعر (34)، وهو مأخوذ من الحكر وهو الظلم (35)، والالتواء، والعسر، وسوء المعاشرة (37). واحتكار الطعام يعني احتباسه تربصاً وانتظاراً للغلاء. وأصل الاحتكار الجمع والإمساك (37). والحكرة اسم من الاحتكار (38).

وقد حصر الشيعة الامامية الطعام الذي يتحقق فيه الاحتكار في سبعة أشياء هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب والزيت والملح (39)، وقد ذكر الشيخ الكليني خمسة من هذه المواد لقول الإمام علي (عليه السلام): (ليس الحكرة إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن) (40).

وقد أولى النهج الاقتصادي الإسلامي هذه المشكلة كغيرها من المشاكل اهتمامه البالغ ووضع لها الاحتياطات الوقائية والعلاجية كافة. ذلك ان غايته إصلاح الفرد والمجتمع معاً.

وحين يقول الفقهاء ان الاحتكار هو الحبس لم يكونوا يقصدون ان كل حبس هو احتكار محرم بل لا بد من توفر شروطه وهو الإضرار بالناس. لذلك نقل الشيخ

ص: 249

الكليني (41) قول الإمام علي (عليه السلام) بهذا الخصوص: (الحكرة ان يشتري طعاماً ليس في المصر غيره فيحتكره فان كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس ان يلتمس بسلعته الفضل)، وقال (عليه السلام) حين سئل عن حبس الزيت: (ان كان عند غيرك فلا بأس بإمساکه).

ويرى الشيخ الكليني (42) ان الاحتكار في الطعام لا يتحقق إلا إذا كانت هناك حاجة شديدة لهذا الطعام وأصنافه. أي شحتها أو نفاذها من السوق حيث لا يوجد منها في البلد، وهنا يصبح الاحتكار محرماً. فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: (الحكرة في الخصب أربعون يوماً وفي الشدة والبلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوماً في الخصب فصاحبه ملعون، وما زاد على ثلاثة أيام في العسرة فصاحبه ملعون)، وفي قول آخر له (عليه السلام): (ان كان الطعام كثيراً يسع الناس فلا بأس به وان كان قليلاً لا يسع الناس فانه يكره ان يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام).

وعند التدقيق في الحديثين السابقين للإمام علي (عليه السلام) نجد دقة الحسابات العلمية والموضوعية للفكر الاقتصادي الإسلامي الذي لا يقيد حركة الأسواق وحرية التجار في التصرف بما لديهم من البضائع المطلوب تداولها في الأسواق بمجردان التاجر تصرف في بضاعته وحجبها عن الأنظار، فما دامت السلع معروضة في الأسواق من قبل تجار آخرین وأوضاع البلد في حالة استقرار فلا يوجد تأثير سلبي على السوق في حالة حجبها، أما اذا كانت الأوضاع في حالة غير اعتيادية كأن تكون السلع شحيحة او يكون البلد في ظروف استثنائية كظروف الحرب مثلاً فالاحتكار هنا يجب محاربته بكل الطرق التي شرعها الإسلام لحماية المجتمع من جشع المستغلين.

وقد أشار الامام علي وفي إطار المعالجات التي ينبغي اتخاذها لمواجهة الآثار السلبية للاحتكار إلى الفكر الاقتصادي الثاقب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ذكر

ص: 250

ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

أمر أحد المحتكرين ببيع سلعته بأي سعر يشاء وذلك عندما نفذ الطعام على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه المسلمون وقالوا له: (یا رسول الله قد نفذ الطعام ولم يبق شيء إلا عند فلان فمره ببيعه للناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا فلان ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفد إلا شيئاً عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه) (43)، وعن الامام علي (عليه السلام) انه قال: (ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم ان تخرج الى بطون الاسواق وحيث تنظر الابصار اليها، فقيل لرسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) لو قومَت عليهم، فغضب رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حتى عرف الغضب في وجهه، انا اقوم عليهم؟! انما السعر الى الله يرفعه اذا شاء ويخفضه اذا شاء) (44). وهذا يعني ان الفكر الاقتصادي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو إلى وفرة المواد الغذائية وبيعها مع غلاء سعرها لان هذا أفضل بكثير من حبسها أو عدم وجودها وذلك لتجنب الآثار السلبية السيئة الناتجة من الاحتكار لان هذه الآثار قد تتعدى الجانب الاقتصادي إلى التأثير على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، بل وحتى السياسية أحياناً. وقد يكون الاحتكار في أحيان كثيرة سبباً من أسباب قلة فرص العمل وازدياد البطالة، لان حجب السلع عن التبادل يؤدي إلى قلة عمليات البيع والشراء وتحريك الأسواق.

والاحتكار حرمه الشارع ونهی عنه لما فيه من الجشع والطمع وسوء الخلق، والتضييق على الناس، فقد ورد عن الامام علي (عليه السلام) انه كتب للاشتر حين ولاه مصر بخصوص الاحتكار: ((... ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات الى ان قال: واعلم مع ذلك ان في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فأمنع الاحتكار، فأن رسول الله

ص: 251

(صلى الله عليه واله وسلم) منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا، في موازين عدل، واسعارا لاتجحف بالفريقين البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه، فنكل به وعاقبه من غیر اسراف (45) ثم الله الله في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين واهل البؤس والزمني، فأن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ الله ما استحفضك من صفة فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الاسلام في كل بلد، فأن للاقصى فيها مثل الذي للادنی...)).

وقال (عليه السلام): (المحتكر محروم نعمته)، وقال: (الاحتكار شيمة الفجار)، وقال: (المحتکر بخیل جامع لمن لا يشكره وقادم على من يعذره) (46) وقال: (المحتكر اثم عاص) (47).

ولم يكتف (عليه السلام) بالاقوال بل ترجمها الى اجراءات وافعال فقد نقل عنه انه مر بشط الفرات فأذا كدس الطعام لرجل من التجار حبسه ليغلي به، فأمر به فأحرق. ونقل عنه (عليه السلام) انه كتب الى رفاعه: انه عن الحكره، فمن ركب النهي فأوجعه، ثم عاقبه بأظهار ما احتكر (49).

ثانياً: الربا

الربا في اللغة: الزيادة (50)، وربا الشيء: إذا زاد على ما كان عليه فعَظمَ فهو يربو ربواً (51). أي يأخذ أكثر مما يعطي. وإنما قيل للرابية لارتفاعها ولزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها (52). ويعني الربا أيضاً الفائدة الفاحشة (53).

وفي الاصطلاح يعني الربا: فضل أحد المالين المتجانسين على الآخر بلا عوض، شرط لأحد العاقدين. ويعني أيضاً الزيادة على رأس المال قلت أو كثرت

ص: 252

في أشياء مخصوصة (54).

والربا في الجاهلية هو ان يكون على الرجل دين لرجل، فيحل الدين فيقول له صاحب الدين: تقضي أو تربي، فأن أخره زاد عليه وأخره (55).

والربا محرم في جميع الأديان السماوية، ومحظور في اليهودية، والمسيحية، والإسلام.

وقد حارب الإسلام الربا و تشدد بشكل حازم مع المرابين، لان الكسب عن طريقه خروج على الأساس الشرعي للاكتساب. قال تعالى في كتابه العزيز: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» (56) أي يذهب ببركته ويهلك المال الذي دخل فيه، (ويربي الصدقات) أي يضاعف ثوابها ويبارك فيها ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره، (والله لا يحب كل كفار أثيم) فالكفار عظیم الكفران والأثيم عظيم الإثم (57).

وقد حرص الامام علي (عليه السلام) على ذكر الأحاديث التي تحث الناس على عدم التعامل بالربا في الحياة اليومية والابتعاد عنه، فقد أكد ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في توصياته

للناس كان ينهاهم عن التعامل بالربا بعدّه سلوكية سيئة تضر بالفرد والمجتمع. ففي حديث له (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من باع واشتري فليحفظ خمس خصال وإلا فلا يشترين ولا يبيعن الربا والحلف وكتمان العيب والحمد إذا باع والذم إذا اشتری) (58). وفي باب التشديد في حرمة أكل الربا لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) آكل الربا ومؤكله.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتجول في أسواق الكوفة، ويقول مخاطباً أهل

ص: 253

السوق: (قدموا الاستخارة وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين وتزينوا بالحلم وتناهوا عن اليمين وجانبوا الكذب وتجافوا عن الظلم وأنصفوا المظلومين ولا تقربوا الربا) (59). فيطوف (عليه السلام) في جميع أسواق الكوفة ليوضح للناس الضوابط الأخلاقية التي يفرضها الشرع على المسلم في تعاملات السوق اليومية، ومنها الابتعاد عن الربا.

ولكي يعزز الامام علي (عليه السلام) محاربة النهج الاقتصادي الإسلامي لظاهرة الربا في المجتمع، ويوضح أيضاً عدم ابتعاد هذا النهج عن الجانب التعبدي والأخلاقي. ينقل لنا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر مخاطباً التجار: (يا معشر التجار الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، والله للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا إيمانكم بالصدق، التاجر فاجر والفاجر في النار إلا من أخذ الحق وأعطى الحق) (60).

وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شديداً في الترهيب والتحذير من مخاطر التعامل بالربا. فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (لدرهم ربا أشد عند الله - تعالى - من ست وثلاثين زنية في الخطيئة) (61)، وفي قول آخر له (صلى الله عليه وآله وسلم) : (الربا سبعون باباً أيسرها ان ينكح الرجل أمه) (62). ولهذا عد الإمام علي (عليه السلام) (کسب الربا أخبث المكاسب) (63).

الآثار السلبية للتعامل بالربا

ان المجتمع المكي الذي ولد فيه الإسلام كان مركزاً للتجارة الرأسمالية، فسكان مكة كانوا يستثمرون أموالهم بالتجارة وبالقرض بفائدة، ويهدفون من وراء ذلك إلى تنمية رؤوس أموالهم (64). فسعر الفائدة ثمن يجيء دون أن يقابله أي عمل أو مخاطرة، وفي

ص: 254

هذا التعامل خروج بالنقود عن وظيفتها الأصلية مما يستتبع أضراراً اقتصادية واجتماعية جسيمة (65). ومع تعاظم المال والاستثمار الربوي كان الأغنياء يزدادون ثراءً، في حين ان المعدمون والفقراء من أحرار القبيلة يزدادون ضنكاً وفقراً، وتتوضح معالم التفاوت الاقتصادي والتمايز الاجتماعي إلى درجة انقسم فيها المجتمع المكي إلى طبقتين غير متناسبتي العدد والعدة هما طبقة التجار والمرابين وطبقة الفقراء والمستضعفين والأرقاء (66).

وكان طبيعياً ان يتدخل الإسلام في هذا الوضع من المعاملات وان يفضح هذا الاستغلال الذي يقطع صلات المودة والرحمة بين الناس ويؤدي بهم إلى الابتعاد عن عمل الخير.

وقد اشار الامام علي (عليه السلام) في تحذيراته عن التعامل بالربا الى امر مهم جدا تجسد بقوله (عليه السلام): (إنما حرم الله عز وجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف) (67)، فإباحة الربا واتخاذ النقود متجراً يجعل معظم رأس المال في أكثر الأحيان مدخراً ومرتكزاً في موضع واحد دون ان يتقلب في الشؤون النافعة المثمرة، وذلك لا الشيء إلا لان الرأسمالي يرجو ارتفاع سعر الربا في السوق فيحول دون جریان النقود إلى تجارة البلاد وصناعتها وزراعتها ولا يسمح له بالجريان إلا إذا وافق ذلك مصلحته الشخصية (68).

ان خطورة التعامل بالربا دفعت النهج الاقتصادي الإسلامي ان يكون شديداً في التحذير من مخاطر هذه الآفة الكبيرة والمضرة بالمجتمع في حالة الاستمرار بها أو تعاطيها. فقد شمل الترهيب والتحذير كل من كان وسيلة يسهل ترویج هذه المعاملة، ولم يقتصر الترهيب على المرابي فقط. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (آكل الربا ومؤکله وكاتبه وشاهديه فيه سواء) (69).

ص: 255

ومن الآثار السلبية الأخرى للربا هو إضعافه لروح التعاون بين الناس، وكثيراً ما يؤدي إلى نشوء العداوة بين الأفراد، لان من عادة المرابي ان يكون جشعاً نهماً، قاسي القلب، غلیظ الطبع، لا يتورع أن يسفك دم مَدِينِه الفقير إذا اقتضى الأمر، ومهما رأى من فقر مدينه وحاجته فان ذلك لا يعنيه في شيء إنما الذي يعنيه بالدرجة الأولى ان يضيف إلى دراهمه درهماً، ولو مات الفقير جوعاً وهماً.

أما من الناحية الاجتماعية فانه يؤدي إلى خلق طبقة مترفة لا تعمل شيئاً، كما يؤدي إلى تضخيم الأموال في أيديها دون جهد مبذول، فتكون النباتات الطفيلية تنمو على حساب غيرها.

ويعد الربا عاملاً مهماً من عوامل تشجيع المتعاملين به على الكسل والابتعاد عن العمل. وفي هذا الإطار قال الإمام الصادق (عليه السلام): (عدو العمل الكسل) (70). والإسلام يمجد العمل ويكرم العاملين، ويجعله أفضل وسيلة من وسائل الكسب، وقد أشار الشيخ الكليني (71) في هذا الأمر إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام): (إياك والكسل والضجر فأنهما يمنعناك من حظك من الدنيا والآخرة). كما يؤدي الربا أيضاً إلى ضعف الشعور الديني في نفس الفرد المسلم عندما يرى ان ما يطبق في الأرض غير ما ينزل من السماء.

وهكذا أعلنها الإسلام حرباً شعواء على الربا وعلى المرابين الذين يسلبون أموال الناس ويأكلونها ظلماً وعدواناً. ويستغلون ضعف الفقراء وحاجتهم إلى المال.

ومع كل هذا فالإسلام لا يقف أبداً في طريق التائبين العائدين لطريق الحق. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ

ص: 256

وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (72)، وهذا يعني ان الإسلام جاء بالحكم القاطع في تحريم الربا وهو محاربة من كان مصراً على التعاطي به. أما في حالة التوبة والرجوع إلى طريق الهداية فلكم رؤوس أموالكم. أي إبطال الزيادة وجعل أصل المال ملكاً لذويه (73).

ومن نافلة القول ان نبين هنا ان بعض الكتاب العرب المعاصرين وبعض المستشرقين من المتحاملين على الدين الإسلامي الحنيف يؤكدون ان الربا هو مفتاح الرخاء الاقتصادي، ولذا فاضت كتاباتهم بالقول ان الإسلام بتحريمه للربا جعل

تجارة المال في العالم الإسلامي حكرة في أيدي المسيحيين واليهود، وان منع الربا يعد عاملاً من عوامل عرقلة نمو الصيرفة والائتمان، وان الإسلام بتحريم الربا بدائي ومتخلف يمنع تابعيه من سلوك الطريق إلى الرخاء الاقتصادي.

يقول رودنسون (74): ان الدليل على ان تحريم الربا لم يؤدِ إلى كثير من الآثار العملية، هو ان فقهاء الشريعة بذلوا الكثير من الجهد لاكتشاف أساليب يدورون بها من حول التحريم النظري، أساليب عرفت في العربية باسم ((الحِيَل)). وذكر رودنسون على سبيل المثال واحدة من هذه الحيل هي: (أبيع هذا الكتاب الذي أمامي بمئة وعشرين قرشاً على ان يدفعها لي بعد سنة، ثم أشتريه منه على الفور بمئة قرش أدفعها له نقداً. وإذ ذاك لا أكون قد أقرضت بفائدة بل أكون بعت واشتريت!).

ويبدو ان هؤلاء يقتبسون هذه الحيل المبتذلة وينسبونها إلى الفقهاء لتشويه صورة الإسلام، نعم ان هذه القصص موجودة في الكتب العربية ولكنها ليس بالصورة التي يصورها هؤلاء، فكتب الجاحظ (75) مثلاً مليئة بالقصص والحكايات الظريفة التي لم يقصد بها الإساءة للفقه الإسلامي، وإنما هي قصص تحدث في كل زمان و مکان، استطاع

ص: 257

الجاحظ من خلالها ان يتحف المكتبة العربية بالمزيد من المؤلفات الأدبية الثمينة. كما ان هذه الحيل لو حصلت فعلاً وهي على الأرجح حاصلة على مر العصور فأنها لا تمثل إلا فئة قليلة لا تحسب على الإسلام وأهله.

ومن الجدير بالذكر ان الإسلام لم يكن أول من حارب الربا، فقد وجد في المجتمعات القديمة فلاسفة نادوا بتحريم الربا وشنعوا على من يتعامل به، ومن هؤلاء أرسطو فیلسوف اليونان الشهير. فقد نادي بتحريم الربا لانه طريق غير طبيعي وغير معقول لاستثمار الأموال وقال: (الأرض يمكن ان تخرج نباتاً والدابة يمكن ان تلد دابة مثلها، ولكن كيف يتصور ان يلد الدرهم، أو الدينار درهماً آخر أو دینار آخر. لقد خلقته الطبيعة عقيماً، ويجب ان يبقى كذلك) (76).

ص: 258

ثالثا: الحلف في الشراء والبيع

ومن الظواهر السيئة التي نهی عنها النهج الاقتصادي الإسلامي ظاهرة الحلف في الشراء والبيع.

فقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (إياكم والحلف فانه ينفق السلعة ويمحق البركة) (77)، وفي قول آخر له: (يا معشر السماسرة اقلوا الأيمان فأنها منفقة للسلعة محقة للبركة) (78).

نستشف مما تقدم ان وصايا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) في التشديد على الإنسان المسلم للالتزام بضوابط وتعاليم النهج الاقتصادي الإسلامي، انما تعود بالمنفعة على جميع المسلمين وفي جميع المجالات الدينية منها والأخلاقية والاجتماعية إضافة إلى جانبها الاقتصادي الكبير الواضح للعيان، فلو دققنا في معنى الأحاديث وتطبيقها من الناحية العملية لوجدنا دقة حسابات الفكر الاقتصادي الإسلامي. فالغش والتدليس والاحتكار والربا كلها عوامل تؤدي إلى شحة السلع عن السوق، وتقليل فرص العمل في المجتمع إضافة إلى العوامل السلبية الأخرى المضرة بالناس وهذا يعني ان الالتزام بتعاليم الإسلام والابتعاد عن الطرق غير المشروعة في تعاملات الأسواق اليومية انما تعود بالفائدة الاقتصادية الكبيرة للمجتمع.

ص: 259

الهوامش

1. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 152

2. شمس الدين، ثورة الحسين (عليه السلام) ص 37

3. المصدر نفسه، ص 138

4. للمزيد ينظر: ابن سعد، الطبقات الکبری، ج 6، ص 24، ج 7، ص 396. ترجمة عبدالله بن سعد بن أبي سرح؛ خليفة ابن خياط العصفري، تاریخ خليفة بن الخياط، ص 115

5. الطبري، تاريخ الطبري، ج 3، ص 450؛ ابن الأثير، الکامل، ج 3، ص 139

6. الدوري، مقدمة تاريخ صدر الاسلام، ص 38؛ دلو، جزيرة العرب، ص 135

7. الهمذاني، صفة جزيرة العرب، ص 219

8. ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 121

9. المسعودی، مروج الذهب، ج 2، ص 352؛ ابن خلدون، المقدمة، ص 214

10. فروع الكافي، ج 5، ص 156 وما بعدها

11. المصدر نفسه، ص 149

12. الصدوق، من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 192

13. الصدوق، الخصال، ص 446

14. الصدوق، من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 191

15. الصدوق، من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 192

16. المصدر نفسه والصفحه

17. الدوري، تاريخ العراق الاقتصادي، ص 138

18. الجاحظ، البخلاء، ص 15، 31، 56

ص: 260

19. ابن خلدون، المقدمة، ص 400

20. الكليني، فروع الكافي، ج 5، ص 151

21. المصدر نفسه، ص 153

22. شوقي ضيف، العصر الجاهلي، ص 76؛ ياسين، تطور الاوضاع الاقتصادية، ص 56

23. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 230؛ التوحيدي، الأمناع والمؤانسة، ج 1، ض 64

24. الافغاني، اسواق العرب، ص 217 - 224

25. المصدر نفسه والصفحة

26. اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 230

27. الكافي، ج 5، ص 156

28. المصدر نفسه والصفحة

29. الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 13، ص 295

30. الكليني، الكافي، ج 5، ص 154؛ من لایحضره الفقيه؛ ج 3، 193

31. حسن القبانجي، مسند الامام علي (عليه السلام)، ج 6، ص 16

32. الكليني، الكافي، ج 5، ص 151

33. الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، جج، ص 235

34. فتح الله، معجم الفاظ الفقه الجعفري، ص 31

35. الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 404

36. الزمخشري، اساس البلاغة، ص 136

37. الزمخشري، الفائق، ج 3، ص 44

38. ابو حبيب، القاموس الفهي

ص: 261

39. مجموعة مؤلفين، موسوعة جمال عبد الناصر، ج 3، ص 196

40. الكافي، ج 5، ص 165

41. المصدر نفسه والصفحة

42. الصدوق، من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 267

43. الكليني، فروع الكافي، ج 5، ص 164

44. الصدوق، من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 265

45. نهج البلاغة، الشيخ محمد عبده، ج 3، ص 99

46. الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج 13، ص 276

47. القاضي النعمان، دعائم الاسلام، ج 2، ص 35

48. المتقي الهندي، کنز العمال، ج 4، ص 182

49. القاضي النعمان، دعائم الاسلام، ج 2، ص 36

50. الرازي، مختار الصحاح، ص 178

51. القرطبي، الجامع الاحکام القران، ج 3، ص 235

52. الفراهيدي، العین، ج 2، ص 94

53. فتح الله، معجم الفاظ الفقه الجعفري، ص 203

54. الجرجاني، التعريفات، ص 146

55. ابو حبيب، القاموس الفقهي، ص 143

56. البقرة، الآية 276

57. البيضاوي، تفسير البيضاوي، ج 1، ص 162

58. الكافي، ج 5، ص 151

59. الطوسي، النهاية، ص 371

60. الكافي، ج 5، ص 150

ص: 262

61. الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 4، ص 117

62. ابن ماجة، سنة ابن ماجة، ج 2، ص 764

63. الكليني، فروع الكافي، ج 2، ص 153

64. رودنسون، الاسلام والرأسمالية، ص 43

65. الكبيسي، الحاجات الاقتصادية، ص 191

66. دلو، جزيرة العرب، ص 180

67. سبط ابن الجوزی، تذکرة الخواص، ص 43

68. الكبيسي، الحاجات الاقتصادية

69. الكافي، ج 5، ص 153

70. الكليني، فروع الكافي، ج 5، ص 154

71. المصدر نفسه والصفحة

72. البقرة الايات 278 - 280

73. الطبري، جامع البیان، ج 3، ص 148؛ الطوسي، التبیان، ج 2، ص 366

74. الاسلام والرأسمالية، ص 50

75. البخلاء، ص 50

76. خروفة، نظرات في الاسلام، ص 180

77. الكافي، ج 5، ص 154

78. المصدر نفسه والصفحة

ص: 263

قائمة المصادر والمراجع

اولاً: القران الكريم

ثانياً: المصادر الاولية:

- ابن الاثير، ابو الحسن عز الدين بن أبي الكرم بن عبد الكريم الشيباني (ت 630 ه / 1232 م)

1- الكامل في التاريخ، (دار صادر، بیروت، د.ت)

- الجاحظ، ابو عثمان عمرو بن بحر (ت 255 ه / 869 م)

2- البخلاء، تحقيق: عباس عبد الستار، (دار ومكتبة الهلال، بیروت، 1408 ه/ 1988 م).

- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد الخضري (ت 808 ه/ 1404 م)

3- المقدمة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 1428 ه/ 2007 م).

ابن خیاط، ابو عمر خليفة بن خياط العصفري (ت 240 ه/ 854 م)

4- طبقات خليفة، تحقیق: سهیل زکار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1414 ه/ 1993 م)

- الزمخشري، جار الله محمد بن عمر (ت 538 ه/ 1144 م)

5- الفائق في غريب الحديث، ط1، (دار الكتب العلمية، بيروت، 1417 ه/ 1996

ص: 264

- الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (ت 721 ه / 1320 م)

6- مختار الصحاح، تحقیق: احمد شمس الدين، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415 ه/ 1994 م).

- سبط ابن الجوزي، ابو المظفر شمس الدين بن فرغلي (ت 654 ه / 1256 م)

7- تذكرة الخواص، (مطبعة مصر، قم، 1427 ه/ 2006 م)

- ابن سعد، محمد بن سعد بن منبع الزهري البصري، (ت 230 ه / 845 م)

8- الطبقات الکبری، (دار صادر، بیروت، د.ت)

الصدوق، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 381 ه/ 991 م)

9- من لا يحضره الفقیه، تحقيق: علي اکبر غفاري، ط 1، (مؤسسة النشر الاسلامي لجماعة المدرسين، قم، د.ت)

- الطبري، ابو جعفر محمد بن جرير (ت 310 ه / 922 م)

10- تاریخ الامم والملوك، ط 4، (مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بیروت، 1403 ه/ 1983 م)

11- جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقیق: خليل الميس، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1415 ه/ 1995 م).

- الفيروز آبادي، محب الدين محمد بن يعقوب (ت 817 ه/ 1415 م)

12- القاموس المحيط، تحقیق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، ط 2، (دار احیاء التراث العربي، بیروت، 1424 ه/ 2003 م).

ص: 265

- القاضي النعمان، ابو حنيفة بن محمد بن منصور التميمي المغربي (ت 363 ه/ 973 م)

13- دعائم الاسلام وذكر الحلال والحرام والقضايا والاحكام عند اهل بيت الرسول عليه افضل السلام، تحقیق: آصف بن علي اصغر فيضي، ط 1، دار المعارف، القاهرة، 1383 ه/ 1963 م).

- القرطبي، ابو عبدالله محمد بن احمد الانصاري (ت 671 ه/ 1273 م)

18- الجامع لاحکام القرآن، ط 2، (دار احیاء التراث العربي، بیروت، 1405 ه/ 1985 م).

- الكليني، ابو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق (ت 329 ه / 941 م)

15- الكافي، تحقيق: علي اكبر الغفاري،، ط 3، (مطبعة حيدري، طهران، 1388 ه/ 1978 م).

- المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام (ت 975 ه/ 1567 م)

16- کنز العمال في سنن الاقوال والافعال، تحقیق: الشيخ بكري حياني، (مؤسسة الرسالة، بیروت، 1409 ه/ 1989 م)

- المسعودي، ابو الحسن بن علي بن الحسين بن علي (ت 345 ه / 956 م)

17- مروج الذهب ومعادن الجواهر، ط 1، (شركة ابناء شريف الانصاري للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 1428 ه/ 2007 م)

- الميرزا نوري، حسين الطبرسي (ت 1320 ه/ 1903 م)

18- مسترك الوسائل و مستنبط المسائل، ط 1، (مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)

ص: 266

لأحياء التراث، بیروت، 1408 ه/ 1987 م).

- الهمذاني، الحسن بن احمد بن يعقوب (ت 334 ه/ 945 م)

19- صفة جزيرة العرب، تحقیق: محمد بن علي الاكوع، (دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1409 ه/ 1989 م).

- أبن هشام عبد الملك الحميري (ت 218 ه/ 833 م)

20 - السيرة النبوية، تحقیق: محيي الدين عبد الحميد، ط 1، (مطبعة المدني القاهرة، 1383 ه/ 1963 م).

21- تاريخ اليعقوبي، (دار صادر، بیروت، د.ت).

- اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب بن واضح الكاتب (ت 292 ه/ 918 م)

ثالثا: المراجع الحديثة

1- الافغاني، سعید

2- اسواق العرب في الجاهلية والاسلام، (دار الافاق العربية، بیروت، 1413 ه / 1993 م).

3- امین، احمد

4- فجر الاسلام، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1425 ه/ 2004 م).

5- دلو، برهان الدين

6- جزيرة العرب قبل الاسلام التاريخ الاقتصادي - الاجتماعي - السياسي، ط 2، (دار الفارابي، بیروت، 1425 ه/ 2004 م).

ص: 267

7- الدوري، عبد العزيز

8- مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ط 1، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1425 ه/ 2005 م)

9- تاريخ الطرق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، ط 4، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1419 ه/ 1999 م).

10- رودنسون، مکسیم

11- الاسلام والرأسمالية، تقريب: نزيه الحكيم، ط 4، دار الطليعة للطباعة والنشر، بیروت، 1402 ه/ 1982 م).

12- شمس الدين، الشيخ محمد مهدي

13- ثورة الحسين (عليه السلام) ظروفها الاجتماعية واثارها النفسية، تحقيق: سامي الغريري الغراوي، (مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، قم، د.ت)

14- القبانجي، حسن

15- مسند الامام علي (عليه السلام)، ط 1، (مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بیروت، 1421 ه/ 2000 م).

16- الكبسي، حمدان عبد المجيد

17- الحاجات الاقتصادية في المذهب الاقتصادي والايلامي، ط 1، (مطبعة العاني، بغداد، 1407 ه/ 1987 م).

ص: 268

التنمية الاقتصادية في فكر اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) دراسة في ضوء عهده لعاملة على مصر مالك الاشتر رضوان الله عليه

اشارة

أ. د. زمان عبيد وناس

ص: 269

ص: 270

((وإن افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد))

أمير المؤمنين علي عليه السلام

على الرغم من ان لفظ التنمية ومصطلحاتها مفهوم معاصر، إلا ان السير على خطاها عمليا لم يكن غائبا في عصر النبوة، لان النبي وعلي بن ابي طالب عليهم افضل الصلاة والسلام كانوا ينهجون بمقتضى امر الحكم المطلق، الله عز وجل، فالنظرية الاقتصادية الاسلامية متكاملة بكل جوانبها، ومنها التنموية، وان لم تسمها بألفاظها، فلم تشأ هذه القاعدة الاقتصادية أو النظرية ان تجعل الانسان يعيش عبثا، من غير قوانين تحكم ديمومة استمرار نوعه، التي من اهم شرائطها: حفظ امنه، و تامین معاشه، وتطور نوعه، وکمال عقله وصحته، وكيف ان يتركه العقل المطلق - خالقه سبحانه - ويعمل فيها العقل الناقص - البشر - لذا فان هذا لا يعني ان الفكر الاقتصادي الاسلامي لا يعی مدلولاته التي كانت تعني اتخاذ مجموعة تدابير أو سياسات اقتصادية تؤدي الى زيادة معدلات النمو الاقتصاد المجتمع الاسلامي بالاعتماد على قواه الذاتية - قوة العمل واستغلال الموارد الاولية الامثل - لديمومة استمرار التنمية والنمو وتوازنه تحقيقا لحاجات المجتمع المادية، وصولا الى اكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية، وإن الالفاظ الدالة على هذا المفهوم، كانت تطلق بمصطلحات مغايرة بلفظها لكنها مشابهة لفلسفة المعنى والتطبيق، مثل الاعمار، والغراس، والنماء، والمنافع، والاحياء. (1)

=ثم ان ذلك النظام قد جعل الانسان محور تلك العملية، فقال تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (2) وان اختلفت التفاسير والآراء في مقصد القران الكريم من لفظ خليفة، هل هو المعنى العام المطلق ام الخاص الذي يراد

ص: 271

به معشر الانبياء والاولياء، فكل ذلك مرجعه ان الانسان هو محور الاستخلاف، قال تعالى: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (3)، وهؤلاء من تقع على عاتقهم مسؤولية السعي لوضع السياسات والادوات للظواهر الاقتصادية المختلفة للنهوض بواقع الامة أو المجتمع، سيما واننا نتحدث عن وصيةٍ لولي من اولياء الله سبحانه، كتبها لاحد عماله يضع فيها قواعد تنموية غاية في الدقة والاهمية الاقتصادية التي كانت ملحة آنذاك، بل يجوز لنا القول - بعد البحث فيها - يمكن ان تكون دستور اساسي للعاملين في وضع رؤى تطور الانظمة الاقتصادية الموصلة الى رقي المجتمعات ورفاهها المعيشي، لان ما فيها من افکار تنموية يحاكي وبصورة اعمق احدث النظريات الموضوعة اليوم عن الية النهوض الاقتصادي وديمومة نموه.

علي بن ابي طالب عليه السلام منهجا للنبوة:

ان سياسة التنمية بعيدة الغور، قد يتصورها البعض هي مجرد الحث على العمل واتقانه لحدوث التغيير، لكن في واقع حالها هي اعمق من ذلك، ومدلولاتها العملية في الفكر الاقتصادي الاسلامي موجودة، وان دولة الاسلام طبقتها بأروع ما يمكن ان تحققه من حركة نهضوية اقتصادية زمن النبي صلى الله عليه واله، حتى يجدونا الامر للقول: انها مفخرة انسانية، فهي أنموذج يمكن تطبيق فلسفتها في كل زمان ومكان لبناء اقتصاد مزدهر، مع علمنا بالفارق الزمني الذي نحن نتحدث فيه، لكن اذا ما اتخذنا دلیل او دلیلين على قولنا نجده نافع لبيان الحجة وايصال الفكرة، والبرهنة على ان خطط النبي صلى الله عليه واله التنموية هي مدرسة متكاملة يمكن العمل وفق منهاجها في وقت نشاء.

ص: 272

ومن هذه الشواهد التي اخترناها كيفما اتفق - لان الشواهد في عهد النبي صلى الله عليه واله كثيرة جدا - وثيقة المدينة (4)، فلم نأتي تأويلا في حدثها أو نحملها ما لا تطيق، وللناقد الخبير ان يجد صحة ما ندعيه فيها، فالوثيقة هذه الم تعن فقط في وضع الية الكم الناس في المدينة او سیاستها ورسم صلة الناس ببعضهم البعض وقيام التكافل بينهم حسب، بل هي اعمق في دلائلها من ذاك، فمنظور الحكم لمن آمن بالله وحده لا شريك له بيد النبي صلى الله عليه واله، وهو المعني الاول بسياسة الدنيا و تنظیم امور الدين، وهو المرجع الوحيد لهم في بيان امر الله جل علاه، وهذا لا يحتاج الى توثيق، وإن قلنا: ان هناك من لا يؤمن بالنبوة في المدينة، مثل اليهود او حتى المنافقين، لكن هذا امر محسوم لا جدال فيه، إذن السؤال «ما المغزى من وراء ذلك؟ والجواب هو ان الدافع من بناء نظام عام يحكم المدينة عاصمة الدولة المرتقبة يهدف بأصله الى اقامة تنمية حقيقة شاملة، اذ من دونها لا يمكن ان تكون دولة، فلا امة من غير مجتمع متماسك ولا دولة من غير ارض مصانة معروفة حدودها، وكل هذا يبني بعنصر المواطنة وبناء النفس على الولاء للوطن والامة والدين، ومن ذا تكون بواكير التنمية ومنها الاقتصادية، فأقام النبي صلى الله عليه واله مجتمع متماسك موحد، فبدل أن يقيم افراد الامة ولاءاتهم للعشيرة والقبيلة أقامها للمجتمع، ثم عرفهم ان المجتمع لا يمكن ان يقوم الا اذا كانت له ارض يعمرها، وبهذا بنی صلى الله عليه واله عنصر المواطنة، والصق الفرد بالوطن، ليقيم بعد ذلك الركن الثالث (الدولة) التي حكمها بحكم الله عز وجل وفق ايديولوجية شرحها القران الكريم واضحة، فصارت هذه الدولة وذاك المجتمع محكوم بقانون يسير فيه التنظيم شؤون حياته وتطورها ورفاهية العيش في حياة آمنة، وهذه من اهم انماط التنمية واعظمها، لان التنمية الاقتصادية تبدأ أولا بالفرد والمجتمع - العامل البشري - وهذا برای علماء الاقتصاد المعاصرين (5).

ص: 273

ثم وضع سياسة اقتصادية وفق ايديولوجية مدروسة تمثل روح الدولة والمجتمع الاسلامي، وبعد لجأ الى النهوض المعرفي والامني والمستوى المعاشي للامة، وبنى فرضية المساواة والعدالة بين أفراد الأمة، وكان هذا مغزى الوثيقة المدنية التي تضاف الى اهدافها المشهورة.

والمثال الثاني فتح خيبر (6): ففي الجزء الذي فتح عنوة منها، ترك الارض لليهود حتى يقوموا بواجب الارض وابقى المسلمين خارج حدود العمل المباشر بها، مقابل ان لهم خراجها على القسمة بينهم واليهود، وقد علل بعضهم ان سبب ابعاد المسلمين عن الضرب في الارض هو لدواعي الحاجة الماسة للمقاتلة من جهة وان المسلمين ليسوا اهل دراية بمزاولة الزراعة من جهة اخرى، لكن الامر لا يتعلق بهذا الراي ابدا، فمن باب الجهاد فكل مؤمن مکلف بواجبه عند الحاجة وان كان يزاول مهن او حرف تطلبتها ضروریات الحياة، فالتخلف عن الجهاد بفتوى النبي صلى الله عليه واله ادخله بإشکال شرعي، لذا العمل لم يكن عائق ابدا امام جهاد المسلمين، والادلة هي كثيرة، فضلا عن دعوته صلى الله عليه واله للمسلمين بضرورة مزاولة الاعمال بمختلف اشكالها تحقيقا للتكامل الاقتصادي في الدينة، ثم الم يكن اهل المدينة اهل زرع وحرث حتى انه صلى الله عليه واله جعل الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة لانهم اهل زرع وهم اخبر الناس به. (7)

لكن مرد ذلك انه صلى الله عليه واله كان يصبوا الى تمتين اقتصاده وتطويره بما يحقق التنمية الفعلية وتحسين مستوى العيش لكل سكان دولته، بما في ذلك اليهود انفسهم - اهل خیبر - اي معالجة متوسط مستوى دخل الفرد في المجتمع في مفهومنا الحالي، وارتفاعه بنسب مذكورة تصاعدية عما كان سائدا قبل الفتح، فدخول خیبر ضمن معادلة ارض الدولة حقق امرين؟ الاول: هو دخول اصل نماء جديد، اي مورد اولي

ص: 274

يساعد على قيام نشاط اقتصادي مستمر محقق لقيم انتاجية نافعة للامة والمجتمع، تزيد من طاقاتها الانتاجية، التي تنعكس بدورها على تحسين مستوى الدخل في المدينة أو على اقل تقدير توفير مستلزمات الحياة الرئيسة - الغذاء - وان هذه القيم المنفعية، هي التي تشكل الزيادة في الانتاج بالمقارنة مع نسبة السكان، أي مسلمي المدينة المنورة، ثانيا: دخول قوة بشرية عاملة الى حدود الدولة، بمعنى ولادة قوة عمل منتجة صانعة للقيم الانتاجية والمنافع، وهم هؤلاء اليهود الذين شاركتهم الدولة الاسلامية في ناتج قوة عملهم مناصفةً لقاء بقائهم عاملين في ارض الدولة، والمناصفة في انتاج ارض خيبر من قوة عمل اليهود هو الفائض المتحقق لسكان المدينة، الذي حقق فعليا تنمية اقتصادية اسهم بشكل كبير في تطوير اقتصاد دولة المدينة وتدفع فيما بعد بحركة السوق وتنشيط الصنائع المختلفة فيه.

وبما ان الارض صارت بعد الفتح من فيء المسلمين، إلا انه ابقاها بید اهل الذمة لیستحصل على نافع ناتجهم، ثم لتكون سبب في معاشهم فلا يجوز تركهم بعد ان صاروا في ذمة الاسلام من غير مأوى يأويهم أو سبب يعيلهم، هذا الى جانب الرحمة في مفهوم النبوة «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (8)، وان ترك جمع کثيف من البشر من غير اسباب الكسب وطلب الرزق سيثقل كاهل الدولة، فكيف لها ان تعيل جموع البطالة والعاطلين عن العمل وهم قوة عاملة نافعة، القوة البشرية الفاعلة الجديد المسافة الى الدولة.

باختصار كان هذا البناء البشري والتغيير الحقيقي في الانظمة الاقتصادية التي اتبعها النبي صلى الله عليه واله على قاعدة للأيديولوجية الاسلامية التي فرضها الله سبحانه في محكم كتابه الكريم - مع تحقيق عدالة اجتماعية - هي التي حسنت جودة الانتاج وزادة قيمه المنفعية، ورفعت مستويات دخل الافراد بشكل ملحوظ عصر النبوة، ابتداءً من

ص: 275

توفير مستلزمات الحياة الملحة - الغذاء - وصولا الى السير نحو بناء اقتصاد متکامل بانت فيه بواكير النهوض والانتعاش نهاية مدة حياته الشريفة، التي رافقتها تنمية صحية ومعرفية ملموسة بين افراد الامة، فكانت دوافع الاستدامة في التنمية موجودة، ولو قُدر للأمور ان تسير وفق نصابها لكان وضع دولة الاسلام على نهجه السليم قد مضى حتى يومنا.

ومن هذا المنهل شرب علي بن ابي طالب عليه السلام، واعيا مدركا لكل جزئياته، فعمل على نهجه ولم يغير قيد انملة، ومصداق قولنا كم النصوص الواردة عنه قولا او فعلا بين طي الكتب، ولولا اننا معنيون فقط بوصيته لعامله على مصر مالك الاشتر رضي الله عنه لقيدنا منها ما يظهر انماط اوامره وافعاله في السير بالبلاد نحو التنمية الاقتصادية، في كل بقعة من الارض دانت لسلطان حكمه ونفاذ رأيه وأمره، لكن قبل ان نمضي قدما في فرضية بحثنا التي هي التنمية الاقتصادية في فكر علي بن ابي طالب عليه السلام دراسة في نصوص وصيته وعهده التي هي بمثابة دستور حکم اعطاها لعامله مالك وأمره الاخذ بها، نجد من الواجب والمفيد ان نتعرض لمفهوم التنمية الاقتصادية وفلسفتها إجمالا، ليتمكن القارئ او الباحث من فهم ما نكتبه وان امير المؤمنين عليه السلام قد وصل في فلسفته لإدارة الدولة إلى هذا المضمون الاقتصادي وحث عليه وأمر، كما اننا جعلناها معيارية وضابطة تحكم بحثنا، والشواهد التي تأتي بها من نص العهد المالك الاشتر، لثبات فكرة التنمية الاقتصادية عند أمير المؤمنين قولا وفعلا من عهده ذلك، علما ان عصر أمير المؤمنين علي عليه السلام کان ازهى عصور الاسلام اقتصاديا بعد النبي صلى الله عليه واله، ولو لا اننا في بحث مقتضب ومعني بالتنمية الاقتصادية في العهد فحسب لبينا بالأدلة المحاكية لواقعية ما جرى فعله اصلا على الارض أبان مدة حكمه للامة الاسلامية التي دامة اربعة سنوات، وعلى هذا فان منهاجه كان منهاجا مطابقاً لمنهاج النبوة.

ص: 276

مفهوم التنمية الاقتصادية وضوابطها:

ان الدافع وراء عرض مفهوم التنمية الاقتصادية باسلوب مبسط مقتضب هو لوضع معیارية وضابطة في شرح فرضية بحثنا، وقد سبق التنويه عن ذلك، فربما قال قائل: ان النصوص الواردة لأمير المؤمنين علي عليه السلام في متن هذا البحث قد اقحمت في غير محلها، وانها في بعدها الفلسفي لا تمثل هذا المفهوم - التنمية الاقتصادية - بل حتى في معناها اذا لم يكن باللفظ، فلا اثر لهذه الفكرة آنذاك، لذا نبين ان المعنى المؤدي هو نفسه لان الرؤية الاقتصادية كانت حاضرة في استدامة رخاء الاقتصاد ونماء انتاجه - خراجه - لتحقيق رفاهية الامة والناس، والاخذ بيدها، ووضع التدابير نحو التسارع في ازدياد قيم الانتاج لسد الحاجات واقامة الحياة الكريمة حتى للطبقة السفلى على حد وصفه عليه السلام التي كان يريد بها اقتصاديا المعوزين والفقراء، فامر عامله ان يراعي فيهم حقهم من الحاصل المتحقق من منافع الانتاج.

وقبل وضع المعايير والضوابط لابد من ايجاد تعریف مناسب نختصر فيه نقل آراء المختصين من فقهاء الاقتصاد في عصرنا الحديث وتعريفاتهم أو تعليلاتهم لهذا المفهوم موضوع البحث، والخوض فيها طويلا، الا انه يمكننا اجمال فكرتها بانها مجموعة اجراءات وتدابير اقتصادية هادفة الى تحقيق تغيير هيكلي في المنظومة الاقتصادية لبناء آلية اقتصادية تتضمن تحسين مستويات المعيشة بمقتضيات الزيادة الحقيقية في الناتج الاقتصادي للامة، والمؤدية الى رفاهية الفرد والمجتمع في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية، على ان يكون التوزيع العادل لمنافع الانتاج والعمل هو الحاكم الاساس المعمول به في الدولة (9)، علما ان التغيير الهيكلي في الاسلام قد تحقق بالتحول من المضاربة على قاعدة الربا أو راس المال الحاكم الى قاعدة المساواة في حق العيش والعمل، واصل أيديولوجيته قد بينها القران الكريم تفصيلياً، اما عصر خلافة

ص: 277

امير المؤمنين فصار الحال العود به الى هذا النهج بدل العمل بالراي قبالة هذا أو الايثار على حساب الامة، أو لنقل: الاستمرار بإدامة هيكلية ذلك الاقتصاد، مع مراعاة عامل الزمان والمكان وطبيعة السوق السائدة وحاجات الناس الملحة، فلكل زمان شروطه اللازمة.

اي ان المفهوم المقصود - سواء في حال لفظه الحالي أو هيكلية الانظمة الاقتصادية الاسلامية وعملها في حينها - يسعى الى تحسين جودة الحياة التي تجري دفتها برفع مستوى الإنتاج، ليفي بتلية الحاجات الاساسية للأفراد، في الامة او المجتمع وتوزيعه بشكل عادل. (10)

اما ضوابط تحقيق التنمية فيمكن اجمالها بنقاط هي:

1- تخصيص القوانين والروابط التي تحكم العلاقات الاقتصادية المختلفة.

2- السياسة الاقتصادية.

3- العمل وفق فکر اقتصادي - أيدولوجية - وفي الاسلام الفكر الاسلامي. (11)

وتنفيذ أو يجاد هذه الضوابط ستقود بالضرورة إلى تحقق العوامل الاتية:

أ. رفع مستوى المعيشة بشكل يضمن توفير فرص عمل أكبر، وتعليما أفضل، واهتماما اوسع بقيم المجتمع الثقافية والانسانية - البشرية - التي تؤدي في نهايتها الى توفير الرفاهية المادية للأفراد والامة.

ب- زيادة في قيم الانتاج وتوسيع توزيع السلع الأساسية المساعدة والمقومة للحياة، مثل الغذاء والسكن والامن، على ان تكون هذه الزيادة بمستوى أعلى من مستوى النمو السكاني، فتباين الفرق بين نمو الاقتصاد ونمو السكان يولد الاستدامة في التنمية الاقتصاد.

ص: 278

ج- توسيع نطاق الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، لخلق فضاءات عمل، أو تطوير قطاعات الاقتصاد المختلفة وفق الفكر الاقتصادي المتاح في الامة، الذي سيخلص افرادها من العبودية والمحسوبية ويحررهم من الجهل والمعاناة الانسانية.

د- التوزيع العادل الناتج الامة واشباع الحاجات.

ه- ترشيد الاستثمار، اي استثمار الارض والموارد الاولية المتاحة وطاقة افراد الامة ومنهجتها، وفق تحديد المعايير الخاصة بتقييم الاستثمار، وتحديد أولويات الانتاج وضمان توافره، وتحديد منفعة الفرد الى جانب منفعة الامة. (12)

و- احترام عنصر العمل بوصفه الاساس لتحقيق المكاسب، لأنه من اهم عناصر الانتاج.

وهذه هي جملة الضوابط والعوامل ان وجدت في اي اقتصاد كانت التنمية الاقتصادية، سواء اطلقنا عليها هذا المفهوم بلفظه الحالي المعاصر ام بلفظ آخر، فالحاكم هو ايجاد السبل السالفة الذكر والاخذ بها وتفعيلها في اقتصاد البلدان في اي زمان ومكان.

التنمية الاقتصادية في ضوء العهد لمالك الاشتر:

مثل عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام لعامله الاشتر منهاجا عاما لسياسة دولته الاقتصادية، اذ كانت ضوابطها قاعدة نافذة في جميع المدن والاقاليم التي خضعت الإدارته عليه السلام.

ومن اولى تلك الضوابط التي وجدت في نص العهد وهي تطابق في عملها تلك التي بينها في مبحث تعریف مفهوم التنمية، تخصيص القوانين والروابط التي تحكم العلاقات الاقتصادية في جميع مظاهر انشطتها، سواء بين الانسان والالة - أو اصل النماء - وفق أمر العمل الصالح بمقتضى الامر الشرعي لتحقيق المنفعة الاجتماعية، أو الانسان وأخيه

ص: 279

الانسان في حقل النشاط أو الحرفة ذاتها، وبعبارة اخرى ان يحكم الدين والشريعة الاسلامية العلاقة بين الإنسان وعمله - العمل الصالح - لان العمل منعزلا عن روح الشريعة قد لا يصل به الى متوخي الاسلام من تحقيق المنافع المشتركة للامة من غير ان تترك اي ضرر سواء على الصعيد الاقتصادي او الانساني والاجتماعي.

إذاً وفق هذه القاعدة فان الرابط والقوانين التي أوصى بها امير المؤمنين عليه السلام، حد الله عز وجل في سياسة الاقتصاد و تحکیم قانونه في ممارسة الانشطة الاقتصادية، أذ امر عامله بضرورة مراعاة الله في اتباع ((فرائضه وسننه التي لا يسعد إلا باتباعها))(13) فقال له: ((وليس يخرج الوالي من حقيقة ما الزمه الله من ذلك الا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه وثقل)) (14) والحق في هذا مجموع الاوامر الشرعية، ثم قال عليه السلام: ((واردد الى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الامور ... فالرد على الله، الاخذ بمحكم كتابه، والرد الى الرسول والاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة)) (15)، فلزوم الطاعة لا تكون إلا بتحکیم قانون الله سبحانه، الجامع لكل معاملات المسلمين في العبادات واسباب الحياة الاخرى التي منها المعاملات الاقتصادية بوصفها من اهم الصلات الجامعة بين افراد الامة، المسببة الطلب الارزاق والمكاسب في الحياة الدنيا، إذ من غيرها لا يمكن للإنسان الاستمرار على البسيطة، وبهذا فالقوانين القرآنية هي الاساس الذي جرت عليه المظاهر الاقتصاد في الدولة الاسلامية تبعا لأيديولوجيتها.

اما سياسة الدولة في قيام مشروعها التنموي الاقتصادي في هذا العهد، فيتمثل بمجموعة الاجراءات والادوات والوسائل المعدة مسبقا لتسمح بتحقيق مجموعة من الاهداف المحددة للوصول الى استدامة تطور ناتج العمل بكيفية تتناسب و تطور المجتمع او الامة بشريا - منها زيادة نسبة السكان - وحضاريا، على أن هذه السياسة بأدواتها لم

ص: 280

تترك الرأي المطلق للعاملين في أي مجال كان، سواء في التشريع او الاقتصاد، وإنما نابعة من روح الفكر الاسلامية، فالنظرية الاقتصادية الاسلامية موردها الله عز وجل وقد حد حدودها في كتابه العزيز، لذا كان لازما لأولي الامر الاخذ في حدودها واتباع سياستها في وضع الادوات والوسائل المحقق للمنافع المستدامة وأخذ الاجراءات الموائمة لروح العصر الذي هو فيه بالنهج على فلسفتها، لان فيها رقي دولة الاسلام، و من هذا كانت سیاسة أمير المؤمنين عليه السلام في العمل، ووضع الاجراءات والوسائل المناسبة لرفع مستوى الانتاج والمكاسب للمجتمع، وقد تمثلت بالحفاظ على تنوع المكاسب واصناف الحرف والعمل الاقتصادي، وتسهيل مهمة كل منها في ممارسة نشاطها بحرية وفق معيارية السوق السائدة المتفقة مع الشريعة وصولا الى تحقيق اعلى مستويات الانتاج، وفرض مراقبة السوق ومنع الربا والاحتكار مع حرية العمل، وان للأفراد كافة حق في اسواقهم، وما الوالي في مكان عمله إلا مراعيا أمينا على مصالح الناس، ملتزما في تفعيل أدواته ووسائله في مراقبة انشطة العمل والمضاربة في السوق، فقال عليه السلام لمالك: ((وليكن البيع بيعا سمحا بموازین عدل واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل وعاقب من غير اسراف)) (16) ثم اوجب عليه السلام الاهتمام باهل المكاسب لانهم عماد السوق واصل التنوع في النشاط الاقتصادي وديمومته ومنعته، فقال لمالك: ((ولا قوام لهم جميعا [اي الامة] إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من اسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم [اي العمل] مما لا يبلغه رزق غيرهم)) (17) فالإشارة للتجار واصحاب المكاسب في هذا النص دالة على أهمية التنوع في المكاسب.

ثم بعد ذاك لابد من استدامة المرافق الانتاجية وعمارتها، واصل النماء والكسب في البلاد قبل النظر الى ناتجها، فكثرة الاستنزاف لموارد البلاد من غير اصلاح يضعف من

ص: 281

طاقتها في قادم الايام، واولها الارض، فكثير من نتاجها يشكل موردا هاما للصناعة وسبب لنقل البضاعة والتجارة من بلد الى آخر، فقال عليه السلام: ((وليكن نظرك [اي مالك] في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغیر عمارة، أخرب البلاد واهلك العباد، ولم يستقم مره الا قليلا)) (18)، وفضلا عن وسائل العمارة كان لابد لوالي مصر من ادراك ترابط المصالح بين افراد الامة كل بحسب فئته الحرفية والاجتماعية، وكل واحدة قائمة على الاخرى في معاشها وكسب قوتها، وسياستهم لا تكون الا بمراعاة تنوعهم، والفرض لهم من خراجهم الذي فرضه هم ممن تقع ارزاقهم عليه او المحتاجين من فاقة أو لسوء الم بتجارته او عمله، فقال عليه السلام: ((وأعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، منها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها الاصناف والرفق، ومنها اهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى وذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله سهمه ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنته، تنبیه عهدا منه عندنا محفوظاً)) (19)، ومن جملة هذه النصوص تُبين ما أمر به أمير المؤمنين علي عليه السلام مالك رضي الله عنه وما عليه ان ينهج من سياسة، يسوس فيها اقتصاد البلاد والعباد، وما يتخذ من ادوات واجراءات ووسائل لتحقيقها.

أما ضابطة القانون القاضي تطبيقه في السياسة الاقتصادية، فالذي ظهر في كل ما قدمناه ان الشريعة الاسلامية هي الأيديولوجية الاسلامية المركزية للفقه الاقتصادي الواجب الحكم بها، إذ قال عليه السلام لمالك: ((فالرد على الله، الاخذ بمحكم كتابه، والرد الى الرسول، الاخذ بسته الجامعة غير المفرقة)) (20) وهذا ما قد سقناه سابقاً.

وبعد الضوابط، كان لابد لمالك الاشتر رضي الله عنه من عوامل لازم الاخذ بها

ص: 282

للوصول الى بناء تنمية اقتصادية حقيقة، وفي ذلك العصر تعني نمو الانتاج المحلي وزيادة وارداته، التي تضفي الى رفع المستوى المعيشي للأفراد وتكافؤ الفرص، وهذا من أول عوامل التنمية الاقتصادية، فقال أمير المؤمنين له: ((وتفقد امر الخراج بما يصلح أهله، فان في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله)) (21) وصلاح الناس من الخراج رفع لمستواهم المعاشي وتامين الحاجات الاساسية من الغذاء، سيما الطبقة التي وصفها عليه السلام بانها السفلى - اي انها تقع في اسفل اناس اقتصادياً لعوزهم وفقرهم، والا في غيرها فكل الناس سواء عند الله سبحانه - فقال: ((الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين واهل البؤسي، والزمني، فان في هذه الطبقة قانعا ومعترا، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الاسلام في كل بلد)) (22) فالرفع عن كاهل هؤلاء تدفع بنشاط الاقتصادي للبلد نحو الاتزان، وان تجعل منهم قوة عاملة لها القدرة على الإسهام في اصناف العمل بعد ان تأمن على قوتها وتصح ابدانها لوفرة الطعام، سيما اذا ما أتيحت لهم فرصة العمل.

ويلي ذلك عامل العدل والمساواة بين الناس ورضا الرعية، وان ما اتينا به أنفا فيه اشارات العدل والمساواة، واستزادةً من ذلك أمره عليه السلام القاضي باتباع الحق والعدل بين الناس، فقال: ((وليكن أحب الامور اليك اوسطها في الحق واعمها في العدل واجمعها لرضى الرعية)) (23) وقال عليه السلام ايضا: ((واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، والطف بهم)) (24) وايضا ((انصف الله وانصف الناس من نفسك... ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عبادة)) (25)، وان ابلغ معنى في مفهوم هذا العامل قوله عليه السلام وهو يوصي مالك رضي الله عنه: ((وإن افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد)) (26).

ص: 283

ومن مظاهر المساواة في العهد لمالك، قول أمير المؤمنين عليه السلام له وهو يوصیه بالناس: ((فانهم صنفان اما اخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق)) (27)، ثم بیَّن له ان تمام الاستقامة باستشارة العلماء واستصلاح الناس ((واستصلاح اهلها)) (28)، اي احوالهم جميعها ومنها المعرفية، فقال في الاستشارة: ((واکثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكاء في تثبیت ما صلح عليه امر بلادك)) (29).

وكذا لابد للوالي من زيادة منافع الناس، ففي ذلك جلبة لخير البلاد، لان زيادة التي نقصدها هي زيادة في مستويات الانتاج، سواء كان ذلك برفع قابلية الارض على الانتاج بعد عمارتها، او بتسهيل السوق لأهل الصناعات والتجار، فمن هذه المنافع الواردة لبيت المال - الخراج - يقتات جند الامة فهم ((حصون الرعية ... وليس تقوم الرعية لا بهم)) (30) فقال الامام علي عليه السلام: ((ولا قوام للجند الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم)) (31) - والامن كذا من عوامل التنمية الاقتصادية - وهو ايضا عائد للصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب ارباب الوظائف ((لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع)) (32) ناهيك عن الطبقة السفلى الذي قال عليه السلام فيهم: ((واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الاسلام)) (33).

ولا غرو ان عامل الزيادة في قيم الانتاج للمظاهر الاقتصادية كافة في البلد لا يمكنها ان تنشأ إلا بمراعاة ديمومتها وعمارتها ((فان العمران محتمل ما حملته)) (34)، وقبلها استصلاح الناس، ووضع استراتيجيات العمل بمقتضاها، فعهِد عليه السلام لمالك قائلا: ((وجاهد عدوها، واستصلح اهلها، وعمارة بلادها)) (35) وقال ايضاً: ((وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة)) (36) وهذا نص سبق ان سقناه، اما الناس واستصلاحهم واحوالهم فأمره عليه

ص: 284

السلام إن عانوا ضائقة فعليه العون والرفق، وقال: وان ((شكوا ثقلا أو علة او انقطاع شرب أو بالة او احالة ارض اغتمرها غرق، أو اجحف بها عطش، خفف عنهم بما ترجوا ان يصلح به امرهم، ولا يثقلك عليك شيء خففت به المؤونة عنهم، فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك... فان العمران محتمل ما حملته، وانما یؤتی خراب الارض من اعواز اهلها)) (37) والنص بيّن، سيما في القول: ان العمران محتمل ما حملته، اي انك بقدر عمر انك تأتي منافعك الى بيت مالك.

كما شدد عليه السلام على حرية حركة السوق والمضاربة فيه على نمطية قوانين الاسلام التي سبق وان بیناها، وذلك لزيادة ريع البلد وكثرة ودائع بيت ماله، وان يكون البيع ((سمحا بموازین عدل واسعار لا تجحف بالفريقين)) (38) اي على اساس السعر العادل الموافق لعملية العرض والطلب الموافقة لطبيعة السوق السائدة في البلد، بما يحفظ حق التجار والصناع والناس اجمع، وان يا من السوق من عوالق الخطر والركود والانهيار، فقل موصياً: ((فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل وعاقب من غير اسراف)) (39).

ومن العوامل الاخرى الهامة، توسيع نطاق الخيارات الاقتصادية، بمعنى تعدد أوجه ومظاهر النشاط الاقتصادي في الامة والبلد، والاتجاه به نحو الشمولية في الانتاج، بين زراعية وصناعية وتجارية، فإحداها تكمل الاخرى او تقومها، وما سقناه سابقا من نصوص يعوضنا عن الاطالة، اذ سبق وان قلنا ان امير المؤمنين قد استوصی مالك خيرا بالتجار والعمال من اهل الحرف والصناع ووصف بانهم ((موارد المنافع)) (40)، والزراعة ايضا، فقال عليه السلام لمالك: ((وليكن نظرك في عمارة الارض...)) (41) الى اخر الكلام الذي شرح فيه سبل الارتقاء بواقع الزراعة والعاملين فيها لجلب المنافع.

وبعد فان من العوامل التوزيع العادل لناتج الامة بين افرادها، واشباع الحاجات المختلفة، ونحن في خضم بحثنا أوردنا نصوص بینت وصية أمير المؤمنين المالك الاشتر

ص: 285

يحثه فيها على اشراك افراد الامة - مصر - بمواردها، فقال على سبيل المثال: ((وتفقد امر الخراج بما يصلح اهله... لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله)) (42) وقال عليه السلام ايضا: ((ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤنة عنهم)) (43) أو انه قال لمالك واجعل لهم قسما من بيت مالك وصوافي الاسلام في كل بلد، وبهذا نصل من العهد لمالك الى الانسجام بين مصلحة الفرد والامة، سيما في الجزء الذي جاء فيه ربط ارزاق الناس بعضها ببعض، فالجميع يعمل في منظومة اقتصادية تأتي نفعها للأفراد في الامة.

ومن النظرة العميقة للعهد الذي بين ايدينا نلحظ فكرة ترشيد الاستثمار، اي السياسة الموضوعة لتطبيق كيفية استغلال الموارد المتاحة للدولة، وتحديد کميتها ونوعيتها واصنافها، وكانت معياريتها الحديث في العهد عن تأمين العيش الآمن للسكان وتوفير كمية الانتاج الملائمة لحاجاتهم، فضلا عن اتساع نطاق عمارة الارض واستثمارها، وفتح المجال للتجار والصناع في العمل السمح وحمايتهم، وتحديد العائد المباشر منهم بوصف نشاطهم ومكاسبهم ((موارد المنافع)) (44) وهذا اصلا من محددات الاتجاه بحسب الاهمية في النشاط الاقتصادي، علما ان العائد المباشر كان يرافقه العائد الاجتماعي - المنفعة الاجتماعية - اذ سبق وقلنا ان في الوصية أو العهد ما يشير الى دفع افراد الامة نحو تعدد انشطتهم الاقتصادية التي فيها منفعتهم - منفعة الفرد - الى جانب منفعة الامة، كما انها لا تهمل عنصر العمل بوصفه الاساس في ايجاد المكاسب، فقال عليه السلام: ((وامض لكل يوم عمله)) (45)، وهذا في المطلق يدل على ان العمل هو الركيزة الاصل في نشوء الفوائد.

وختام بحثنا نكرر القول على الرغم من خلو العهد من لفظ تنمية إلا ان الضابط والمعيار الذي جعلناه شرطا لتقييم وجود فعل التنمية الاقتصادية من عدمه، قد دل يقينا انها تحاكي بالفعل مفهوم التنمية الاقتصادية وبأبعد صورها، اذ هدفت الى تحسين

ص: 286

مستوى الحياة للأفراد ورفع مستواهم المعاشي مع مراعاة مصلحة الفرد والامة على حد سواء، وبما ان العهد بقی آنذاك، بعد استشهاد مالك رضي الله عنه، بعيدا عن التطبيق في مصر، إلا أنه مثل سياسة امير المؤمنين اقتصاديا، والكوفة خير دليل على ذلك، ومن السهل لكل باحث ان يقيم له معیارية يقيس منها انماط الاقتصاد و مستوى التنمية اذا ما رجع الى المصادر التي تعنى بذلك.

ص: 287

ثبت الهوامش:

- راجع بن سلام، ابي عبيد القاسم بن سلام (ت 224 ه)، کتاب الاموال، تحقیق، محمد عمارة، دار الشروق (بيروت: 1989 م) ص 376 - 379؛ الترمذي، محمد بن عیسی (ت 279 ه)، السنن، تحقيق بشار عواد، دار الغرب الاسلامي (بيروت: 1998 م) ج 3، 59؛ النسائي، ابو عبد الرحمن احمد بن شعیب (ت 303 ه)، السنن الكبرى، تحقیق حسن عبد المنعم، مؤسسة الرسالة (بيروت: 2001 م) ج 5، ص 323.

2- سورة البقرة، آية 30.

3- سورة النجم، اية 39.

4- ابن هشام، ابو محمد عبد الملك بن هشام (183 ه)، السيرة النبوية، تحقيق مجدي فتحي السيد، دار الصحابة للتراث (طنطا: 1990م) ج 2، ص 126 - 129.

5- ومن هؤلاء العلماء میر وکنید لیبرج، راجع احمد، كبداني سيدي، اثر النمو الاقتصادي على عدالة توزيع الدخل في الجزائر مقارنة بالدول العربية، اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية العلوم الاقتصادية، جامعة ابي بكر بلقيد - تلمسان، الجزائر 2013، ص 20.

6- ابن اسحاق، محمد بن اسحاق بن يسار (ت 151 ه)، السيرة النبوية، قطاع الثقافة القاهرة: د/ ت) مجلد 2، ج 4، ص 146 - 156؛ مجلد 2، ج 5، ص 157 - 158؛ ابن هشام، السيرة النبوية، ج 3، ص 331 - 347.

7- ابو داود، سلیمان بن الاشعث بن اسحاق (ت 275 ه)، السنن، تحقیق محمد محي الدين عبد الحميد (بیروت: د /ت) ج 3، ص 246.

ص: 288

8- سورة الأنبياء، اية 107.

9- راجع الادهن، فرهاد محمد علي، التنمية الاقتصادية الشاملة من منظور اسلامي، مؤسسة دار التعاون للطباعة والنشر (القاهرة: 1994 م) ص 64 - 65، احمد، اثر النمو الاقتصادي على عدالة توزيع الدخل، ص 20.

10- راجع الادهن، التنمية الاقتصاد الشاملة من منظور اسلامي، ص 64.

11- راجع م. ن، ص 76 - 78.

12- راجع الادهن، التنمية الاقتصادية الشاملة، ص 82 - 100.

13- سوادي، فليح، عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الى واليه على مصر مالك الاشتر، نشر قسم الشؤون الفكرية بالعتبة العلوية (النجف:2010) ص 15.

14- م. ن، ص 20.

15- م. ن، ص 21.

16- م. ن، ص 25.

17- م. ن، ص 20.

18- م. ن، ص 23.

19- م. ن، ص 19.

20- م. ن، ص 21.

21. م. ن، ص 23.

22- م. ن، ص 25.

23- م. ن، ص 17.

ص: 289

24- م. ن، ص 15.

25- م. ن، ص 16.

26- م. ن، ص 21.

27- م. ن، ص 15 - 16.

28- م. ن، ص 15.

29- م. ن، ص 19.

30- م.ن، ص 19.

31- م. ن، ص 19.

32- م. ن، ص 19.

33- م. ن، ص 25.

34- م. ن، ص 24.

35- م. ن، ص 15.

36- م. ن، ص 23.

37- م. ن، ص 23 - 24.

38- م. ن، ص 25.

39- م. ن، ص 25.

40- م. ن، ص 25.

41- م. ن، ص 23.

42- م. ن، ص 23.

ص: 290

43- م. ن، ص 23.

44- م. ن، ص 25.

45- م. ن، ص 27.

ص: 291

ص: 292

الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام) وصيته لمالك الاشتر أنموذجا

اعداد ا. م. د أنمار عبد الجبار جاسم

ا. م. د ضرغام سامي عبد الأمير

ص: 293

ص: 294

ملخص البحث:

إن العهد العلوي يعد من أروع التشريعات التي سنَت للعلاقة بين الحاكم والمحكومين، من هنا قررت الأمم المتحدة في بداية الألفية الجديدة توصية عالمية من قبل (كوفي عنان) للأنظمة في العالم بالأخذ به لما ورد فيه من قيم ومثل تؤسس للعدالة الإنسانية، والمساواة، والتوزيع العادل للثروة، والرأفة بالمجتمع، وتنظيم العلاقات الحكومية فالنظرية الإدارية التي شرعها، وقننها أمير المؤمنين، في الحكم. من حيث العدالة والمساواة والإخلاص بالعمل تعد من أروع وأعظم التشريعات والتعليمات والوصايا والعهود في التأريخ البشري، وقد أستقي منها الغرب والشرق دروس وعِبر في الكيفية التي يتولى فيها الحاكم وشرعيته وتعامله مع شعبه والإنسانية. فالإمام علي بن ابي طالب النموذج الإنساني في التقوى، والزهد، والعدل، والاستقامه، والفروسيه، والشجاعة ورجل الانسانية الذي تدفقت منه الحكمة، والفلسفة، والعلم، هذا الحكيم والفيلسوف الزاهد الذي تشرب بالعلم والحكمة من ابن عمه سید الانبياء والمرسلين الرسول الاعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال: خير الناس من نفع الناس، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، لا فرق بين اعجمي وعربي الا بالتقوى، الناس سواسية كأسنان المشط، لقد تربى سيد الفصاحة والبلاغة والفروسية في كنف وأحضان النبوة، ليترجم ذلك عمليا في أفعاله وأقواله، ويقدم لنا وللتأريخ البشري قناديل مضيئة ومشاعل يقتدى بها، لذلك اهتم البحث بالفكر الإداري للإمام علي واختار الباحثان وصيته (عليه السلام) الى عامله على مصر مالك بن الاشتر النخعي أنموذجا لهذا الفكر وتناولوها بمجموعة من المحاور وتوصلا إلى مجموعة من التوصيات في نهاية البحث.

ص: 295

المقدمة:

کتاب نهج البلاغة واحد من الكتب المهمة في التراث العربي الإسلامي، وكان له من الشهرة بحيث ذاع صيته في الآفاق الإسلامية، واهتم به العلماء من حيث شرحه والتعليق عليه، وهذا الكتاب جمعه السيد الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى الموسوي العلوي (ت 406 ه) من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وأصبح للكتاب أهمية كبيرة في مجال العلم والمعرفة فكان مادة غنية في المجالس العلمية.

وقد احتوى على مادة مهمة ورد فيها ذكر لبعض الشخصيات المهمة منها مالك الأشتر رضي الله عنه، فقد عهد إليه أمير المؤمنين عليه السلام بولاية مصر، ويعد هذا العهد جزء من كتاب نهج البلاغة، فقد ورد فيه وصية الإمام عليه السلام لمالك الأشتر بالترفق وحسن المعاملة مع أهل مصر، فكان هذا العهد كان نظام یُهتدى به، وشريعة يُجری عليها، وسنة يُأخذ بها، وفيه كنز ثمين لحسن السياسة وأدب الحكام. كما إن هذا الصحابي دور مهم في حياة الإمام علي عليه السلام حتى إنه لما سمع بخبر موت الأشتر قال: «لله در مالك، وما مالك لو كان من جبل لكان فندا، ولو كان من حجر لكان صلدا، أما والله ليهدن موته عالماً وليفرحن عالماً على مثل مالك فلتبكي البواكي»، فالحاكم يمثل الجموع بلا إستئثار أو فردانية أو إستغلال بل يعمل لصالح الرعية وحفظ مصالحها و تحقیق العدالة. لا كما تقوله الميكافيلية من أجل مصلحتك فليسحق الآخرين، التي أرست قيم السياسة المشوهة التي تستبيح الكرامات، والحرمات لمآرب ذاتية (الغاية تبرر الوسيلة) تخص الحاكم وكيفية قيادته وكأنما الناس قطيع وليس ببشر. أو السياسة الغربية والشرقية بمبادئها التي تدعي كما شرعها فلاسفة اللبرالية بسياسة الخطوة خطوة، أو خطوتين الى الامام و خطوة الى الخلف، أو خذ وطالب، أو إكذب إكذب حتى يصدقك الناس،

ص: 296

أو بديماغوجية الاعلام المضلل والمصالح الاستعمارية والاستعبادية التي جلبت مئات الحروب في تأريخنا الانساني وملايين الضحايا والمعاقين والمشردين والجياع، وهذه صورة العالم البائسة أمام مرأى ومسمع الامم المتحدة والجمعية العامة والمنظمات الدولية، فأين العدالة في توزيع الثروات وحقوق الانسان، والفقراء بالارضلا أحد يسمع صرخاتهم وحشرجات الالمم المتكسرة بصدورهم، فيما يجسد العهد العلوي أرقى التقنينات والاطر الانسانية لحياة يسودها الرخاء وينعم بها الانسان بالسعادة، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي دون حروب أو عنف أو تسلط، فالفكر الإداري عند الإمام علي عليه السلام يمتاز بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرك في أُفق الادارة هو الإنسان ولیس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية، إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الأداة أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ هذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة.

وسيتناول البحث شخصية مالك الأشتر ودوره في حياة الإمام علي عليه السلام، مع التركيز على عهد الإمام علي عليه السلام له من خلال نهج البلاغة، فضلاً عن الروايات التاريخية، متبعين المنهج العلمي التاريخي في تقصي الحقائق.

ص: 297

اسمه ونسبه وولادته:

هو مالك بن الحارث بن عبد يَغوث بن مسَلِمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج بن يَعرُب بن قحطان. ولد في اليمن في بني نخع، الذين انتقلوا إلى الكوفة بعد امتداد الإسلام، ثم توزّع أفراد نخع على مدن العراق. لذلك تعد الكوفة موطنه. ولم تذكر لنا المصادر التاريخية تاريخاً محدّداً لولادته، والثابت إنه ولد في عهد ما قبل الإسلام. ويرى الشيخ عبد الواحد المظفر: أن ولادته كانت قبل البعثة، معتمداً في هذا الاستنتاج على قول مالك الأشتر لعائشة لما عاتبته في شأن ابن أختها عبد الله بن الزبير لما صرعه يوم الجمل (1):

فنجاه مني أكله وشبابه *** وإني شيخ لم أكن متماسكاً

وعمر عبد الله بن الزبير كان حينذاك (36) سنة لأنه ولد عام الهجرة، ومعركة الجمل كانت سنة (36 ه)، والشيخ الذي لم يتماسك لابد أن يكون عمره أكبر على أقل تقدير بالضعف، فيقدر عمره آنذاك بسبعين سنة، لذلك يكون قد ولد قبل البعثة، لأن المدة من البعثة إلى معركة الجمل (59) سنة. ويضيف المظفر: إنه ربما تجاوز هذا السن، لأن الإنسان عندما يبلغ السبعين سنة يكون شیخاً، لكنه لا يكون غير متماسك، فلا بد أن يكون حينها قد تجاوز السبعين (2).

إسلامه ومواقفه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

أسلم على عهد الرسول وثبت على إسلامه ووصل في إيمانه درجة شهد بها الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن هل كانت له صحبة ودور في عصر الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)؟

هناك رأي يعتقد أن مالك الأشتر عاصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنه لم

ص: 298

يره ولم يسمع حديثه، وذُكر عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنه المؤمن حقاً».

أما أبن حجر فذكر: أن مالك الأشتر سمع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجعل له صحبة، وكان ممن شهد بايع تحت الشجرة. ويبدو أن قول أبن حجر ومن أخذ برأيه هو الأقرب للحقيقة، لأن مواقفه تدل على تمسك وقوة وصلبة، كما أن مكانته بين الصحابة ودوره يثبت ذلك (3).

لقبه:

لُقِّب ب (الأشتر) لأن إحدى عينيه شُتِرَت - أي شُقّت - في معركة اليرموك. والتصق به هذا اللقب (الأشتر) حتى كاد لا يعرف إلا به، ولذا عندما صرخ ابن الزبير من تحت الأشتر: «اقتلوني ومالكا» لم يعلم أحد من الناس من يقصد ولو قال: اقتلوني والأشتر لقتلا جميعاً (4).

ولقب بألقاب أخرى، غير الأشتر، منها كبش العراق، وهي استعارة، لأن قطيع الضان يتبع الكبش، كذلك الجنود يتبعون الرئيس أو القائد. وقد تلقب مالك الأشتر بهذا اللقب بصفين. فعندما أقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده، أقبل الناس على الأشتر، وقالوا يوم من أيام الأول، قد بلغ لواء معاوية حيث ترى، فأخذ الأشتر لواءه وحارب القوم حتى أجبرهم على العودة على أعقابهم. ولما كان مالك حامل راية الإمام علي عليه السلام وقائد قواته لذا لقب بكبش العراق (5).

وقال النجاشي في هذه الحادثة شعراً جاء فيه (6):

دعونا لها الكبش كبش العراق *** وقد خالد العسكر العسكر

ص: 299

فضلاً عن ذلك فقد ورد هذا اللقب في أبيات أخرى قالها مقاتل من أهل الشام في سواد الليل، جاء فيها (7):

ثلاث رهط هموا أهلها *** وإن يسكنوا تخمد الوقده

سعيد بن قيس وكبش العراق *** وذاك المسود من كندة

وهناك لقب آخر هو الأفعى العراقية، وجاء ذلك في شعر قاله مالك في نفسه، في معركة صفين (8):

إني أنا الأشتر معروف شتر *** إني أنا الأفعى العراقي الذكر

لست من الحي ربيعة أو مضر *** لكنني من مذحج الغر الغرر

صفاته:

وقد كان مالك رضي الله عنه يجمع بين اللين والعنف فيسطوا في موضع السطوة ويرفق في موضع الرفق.

كان طويل القامة، مهيب الطلعة، وقد كان فارساً مغواراً متمرساً على فنون القتال، واتصف بالشجاعة والشهامة، فلم يكن أحد يتجرأ على مبارزته وكان عالماً، شاعراً، وكان سيد قومه بلا منازع (9).

استشهاده:

بعد حياة حافلة بالعز والجهاد، وتاريخ مشرق في نصرة الإسلام والنبوة والإمامة، كتب الله تعالى لهذا المؤمن الكبير خاتمةً مشرِّفة، هي الشهادة. فكان لمعاوية طمع في مصر، لقربها من الشام ولكثرة خراجها، فبادر معاوية بإرسال الجيوش إليها، وعلى رأسها

ص: 300

عمرو بن العاص، ومعاوية بن حديج ليحتلَّها. فكان من الخليفة الشرعي الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن أرسل مالكَ الأشتر (رضوان الله عليه) والياً له على مصر. فاحتال معاوية في قتله (رضوان الله عليه) داشاً إليه سُمّاً، واختلفت الروايات فيمن نفذ أمر معاوية، فالبعض يرى أنه رجل من أهل الخراج يثق به، وهو الجايستار. وقيل: كان دهقان القُلزُم، وكان معاوية قد وعد هذا ألا يأخذ منه الخراج طيلة حياته إن نفذ مهمته الخبيثة تلك. فسقاه السم وهو في الطريق إلى مصر. وقيل إن من نفذ المؤامرة نافع مولى عثمان بن عفان. فقضى مالك الأشتر (رضوان الله عليه) شهيداً عام (38 ه). بينما ذكر البعض أنه استشهد سنة (37 ه). وهناك من ذكر أنه استشهد سنة (39 ه) (10).

موقف الإمام علي عليه السلام من خبر أستشهاد الأشتر:

ذكرت الرواية التاريخية، أن الإمام لما بلغه خبر استشهاد مالك الأشتر، حزن الإمام علیه حزنا شديدا. فجعل يتلهّف ويتأسف على فقدان الأشتر ويقول: «لله دُرُّ مالك! وما مالك؟! لو كان جَبَلاً لكان فِندا، ولو كان حجَراً لكان صَلدا، أمَا واللهِ ليَهُدّنّ موتُك عالَما، ولَيُفرِحَنّ عالَما، على مِثل مالكٍ فلتَبكِ البواكي «.وقال عليه السّلام بعد استشهاد مالك: «رحم الله مالك فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «.وكانت فرحة معاوية أشد، فقال عمرو بن العاص مُعرِباً عن شماتته: إنّ لله جنوداً من عسل وقال معاوية: إنّه لكان لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان: قُطِعت إحداهما بصِفِّين. يعني عمّار بن ياسر وقُطعت الأُخرى اليوم - يعني مالك الأشتر [بعد أن امتدّ العمر به فنال ما كان يتمنّاه أن يقضي مظلوماً على أيدي أعداء الله وقد حاربهم جهده، فاستجاب الله دعوته وأمنيته، إذ كان يقول: يا ربِّ جنّبني سبيلَ الفجرة ولا تُخيّبني ثواَب البررة واجعَل وفاتي بأكفِّ الكفرة (11).

ومن كتاب للإمام علي (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر لما بلغه توجّده من عزله

ص: 301

بالاشتر عن مصر، ثم توفي الاشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها: «وَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الاْشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ، وَإِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الجَهْدِ، وَلاَ ازدِياداً لَكَ فِي الْجِدِّ، وَلَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ، لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَؤُونَةً، وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلاَيَةً. إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلاً لَنَا نَاصِحاً، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاَقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاَهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ. فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ، وَامْضِ عَلَى بَصيرَتِكَ، وَشَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ، وَادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ، وَأَكْثِرِ الاِسْتِعَانَةَ بِاللهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ، وَيُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ» (12).

أما عن قبره، فذكر أنه دفن في العريش، وقيل بالقلزم، وقیل نقل إلى المدينة فدفن بها، وقيل أنه ببعلبك، ويرجح الشيخ عبد الواحد المظفر أنه نقل إلى المدينة ودفن بها، لأن أصحابه يخافون أن يدفنوه في موضع يصل إليه معاوية، فيمثل به لشدة عداوته له (13).

مواقفه في عهد أبي بكر وعمر وعثمان:

يعُدَّ مالك من بين المجاهدين الذين أبلَوا بلاءً حسناً في حروب الردَّة. فضلاً عن أنه ذُكر في جملة المحاربين الشُّجعان الذين خاضوا معركة اليرموك، وهي المعركة التي دارت بين المسلمين والروم سنة (13 ه). وثمَّة إشارات تدل على أن مالكاً كان قبل اليرموك يشارك في فتوح الشام، ويدافع عن مبادئ الإسلام. وحينما كان المسلمون في الشام يقاتلون الروم، كان إخوانهم يقاتلون الفرس في جهة العراق، لذا احتاجوا إلى المَدد لمجابهة كسرى، فكان المدد الذي توجه إلى الشام ألفَ فارس. فيهم هاشم بن عُتبة بن أبي وقّاص، وقيس بن هُبيرة المُراديّ، ومالك الأشتر، فالتحقوا بجيش اليرموك الذي خفّ عبؤه بعد فتح دمشق، فتوجه إلى العراق ليحسم معركة القادسيّة هناك (14).

ص: 302

كما ذكر أن أبو عبيدة بن الجرّاح سَيَّر جيشاً مع مَيسَرة بن مَسروق العَبسيّ، فسلكوا درب (بغراس) من أعمال أنطاكية إلى بلاد الروم.. فلقي جمعاً للروم معهم عربٌ من قبائل غسّان وتَنُوخ وإياد يريدون اللَّحاق بهرقل، فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثمّ لحق به مالك الأشتر النّخَعيّ؛ مدداً من قِبل أبي عبيدة وهو بأنطاكية. فيما نقل ابن أعثَم في (الفتوح) أنّ الأشتر تزعّم جيشاً قوامُه ألف فارس ليفتح (آمُد) و (مِيافارقين)، فلمّا رأى مالك حصانةَ حصنِ آمُد أمر جيشَه بالتكبير وتعالت أصواتهم بالتكبير، فظنّ العدوّ أنّهم عشرة آلاف، فأرسلوا إلى الأشتر في طلب الصلح، وكذلك فعل أهل ميافارقين حيث صالحوه وانتهى الأمر بنصر المسلمين. وشهد فتح مصر واختط بها، وكان من الفرسان. وكان فيمن سار من مصر إلى المدينة المنورة في عهد الخليفة الثالث،. فحين دَبَّ الخلاف والاختلاف بين المسلمين، بسبب المخالفة للتعاليم القرآن الكريم وسنة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لم يَسَع الأشترَ السكوتُ، فجاهد في سبيل الله (15).

دوره في عهد أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):

وفي خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحكومته، كانت مواقف الأشتر واضحة جَليَّة المعالم، فهذا الرجل الشجاع أصبح جُندياً مخلصاً لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يفارق الإمام (عليه السلام) قطٌّ، كما كان من قَبلِ تَسَلُّمِ الإمام لخلافَتِهِ. فلم يَرِد ولم يصدُر إلا عن أمر الإمام علي (كرم الله وجهه) حتى جاء المدح الجليل على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكان أن كتب (رضي الله عنه) في عهده له إلى أهل مصر، حين جعله والياً على هذا الإقليم (16):

«أما بعد، فقد بَعثتُ إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيّامَ الخوف، ولا يَنكُل عن الأعداء ساعاتِ الرَّوع، أشدُّ على الفُجار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث أخو مَذحِج، فاسمَعوا له وأطيعوا أمرَه فيما طابَق الحقّ، فإنه سيفٌ من سيُوف الله، لا كليلُ

ص: 303

الظُّبّة، ولا نابي الضَّريبة. فإن أمَرَكم أن تَنفِروا فانفِروا، وإن أمَرَكم أن تُقيموا فأقيموا؛ فإنّه لا يُقدِم ولا يُحجِم ولا يُؤخِّر ولا يُقدِّم إلاّ عن أمري.»

وكتب عليه السلام له يوماً: وأنت مِن آمَنِ أصحابي، وأوثقهم في نفسي، وأنصحِهم وأراهُم عندي. كما أن الأمام علي (عليه السلام) ذكره بقول يبين رأيه فيه، وهي شهادة على ما كان يتصف به من صفات حيث جاء في كتاب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى أميرين من أُمراء جيشه: «وَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمَا وَعَلَى مَنْ فِي حَيِّزِكُمَا مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الأَشْتَرَ، فَاسْمَعَا لَهُ وَأَطِيعَا، وَاجْعَلاَهُ دِرْعاً وَمِجَنّاً؛ فَإِنَّهُ مِمَّنْ لاَ يُخَافُ وَهْنُهُ، وَلاَ سَقْطَتُهُ، وَلاَ بُطْؤُهُ عَمَّا الإِسْرَاعُ إِلَيْهِ أَحْزَمُ، وَلاَ إِسْرَاعُهُ إِلَى مَا الْبُطْءُ عَنْهُ أَمْثَلُ» (17).

وهذه الأقوال الشريفة أنما هي أمثلة جاءت من مواقف مالك الأشتر المهمة في عصر الأمام علي (عليه السلام)، ومن أبرازها:

أولاً: كان من أوائل الذين بايَعَ الإمامَ علياً (عليه السلام) على خلافته لحقة، ويعرف عن مالك شدته في الحق وتعصبه للإمام علي ومن مظاهر هذه الشدة أنه كان يهدد المترددين والمتوقفين عن بيعة الإمام ويجبرهم على بيعته، لكن أمير المؤمنين (عليه السلام) أمره بتركهم ورأيَهُم (18).

ثانياً: زَوَّد أميرَ المؤمنين (عليه السلام) بالمقاتلين والإمدادات من المحاربين في معركة الجمل، مستثمراً زعامته على قبيلة مِذحج خاصة، والنَّخَع عامة، فحشَّد منهم قواتٍ مهمة. فضلاً عن إنه وقف على ميمنة الإمام (عليه السلام) في تلك المعركة.

ثالثاً: وفي مقدمات معركة صفين عمل مالك الأشتر على إنشاء جسر على نهر الفرات ليعبر عليه جيش الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيقاتل جيش معاوية بن أبي سفيان. وكان له بَلاء حَسَن يوم السابع من صفر عام (37 ه) حين أوقع الهزيمة في جيش معاوية.

ص: 304

ولمّا رفع أهل الشام المصاحف، يخدعون بذلك أهل العراق، ويستدركون انكسارهم وهلاكهم المحتوم، انخدع الكثير، بَيد أن مالكاً لم ينخدع ولم يتراجع حتى اضطَرَّهُ أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الرجوع. کما اضطُرَّ إلى قبول صحيفة التحكيم - وكان لها رافضاً - خضوعاً إلى رضى إمامه (عليه السلام). كما كان من المعارضين لوقف القتال في صفين واختاره الإمام حکما بينه وبين معاوية إلا أن الخوارج رفضوا هذا الاختيار الخوفهم من أن يتسبب الأشتر في تفجر الصراع من جديد بعد أن توقف بسبب طلب التحكيم (19).

مصر في عهد الإمام علي عليه السلام:

أثناء الصراع بين الإمام ومعاوية كانت أبصار الإمام تتجه نحو مصر التي بدأ يحرك فيها معاوية أنصاره بدعم من عمرو بن العاص الذي كان قد اتفق مع معاوية على أن يعطيه ولاية مصر مقابل الوقوف إلى جواره ضد الإمام علي (عليه السلام). وكان الإمام قد عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر وأقام مكانه محمد بن أبي بكر (20). إلا أن الواضح من سير الأحداث أن محمد بن أبي بكر لم تكن لديه القدرة التي تعينه على مواجهة مثيري الفتن والمتآمرين لحساب معاوية. وهنا قرر الإمام أن يرسل مالك الأشتر إلى مصر لحسم الصراع الدائر هناك وتسلم زمام القيادة من محمد بن أبي بكر. وقد أحدث هذا القرار هزة كبيرة لمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص اللذان كانا يخشیان مالك الأشتر أشد الخشية واضعين في حسابهم الآثار المترتبة على وصوله إلى مصر وتسلمه زمام القيادة في حكمها. لقد كان معاوية يدرك تماما أن وصول مالك إلى مصر يعني ضياعها وخروجها عن دائرة نفوذه، ومن ثم سعی عمرو بن العاص إلى تحريضه للعمل على الحيلولة دون وصول مالك الأشتر لمصر (21).

ص: 305

ومن عهد للأمير المؤمنين (عليه السلام) كتبه للأشتر النَّخَعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر محمّد بن أبي بكر رحمه الله، وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن (22). كما في النص الكامل للوصية.

وذكر ابن أبي الحديد أن معاوية بن أبي سفيان كان قد أخذ هذا العهد بعد قتل مالك الأشتر، وكان «ينظر فيه، ويعجب منه، ويفتي به، ويقضي بقضاياه وأحكامه. وهذا العهد صار إلى معاوية لما سم الأشتر ومات قبل وصوله مصر، فلما بلغ علياً عليه السلام أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد عليه حزناً» (23).

خصائص الإدارة عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي (عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة لا هو الإنسان وليس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الاداة أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ لهذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل من أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة. إستناداً إلى هذه الرؤية الشمولية عند أميرالمؤمنين (عليه السلام) فانّ الادارة هي كيانٌ حيّ ينبض بالحياة فهي متصفة بالصفة الانسانية والصفة التنظيمية والصفة الجماعية والصفة الهدفية. فهي إذن كيانٌ إجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. وسنأتي على توضيح أهم تلك الصفات فيما يأتي: (24)

ص: 306

أولاً: الصفة الإنسانية:

يمتاز فكر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتناسق والتعاضد لأنّ رؤيته للحياة رؤية شاملة لكل أبعادها وأركانها وأجزائها. فالاقتصاد متداخل مع السياسة وهما يعتمدان على الادارة، فإذا ما تتبعنا حلقات فكر الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) لوجدنا أنها تستمد مِن رؤيته الثابتة عن الإنسان، طبيعته، وأساليب رقيه، مشاكله وكيفية مواجهته لها، فكان لابُدَّ مِن عرض رؤية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإنسان قبل أن نستعرض نظريته في الادارة. ذلك لأنّ الادارة في المنظور الإسلامي ليست أدوات صماء، بل هي تقوم على أكتاف البشر، والبشر فيهم عوامل قوة وعوامل ضعف. وبقدر تفعيل عوامل الخير وتحريك الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الادارة الجيدة.

فالمدير الجيد هو الذي يعرف طبيعة الناس الذين يتعامل معهم، ويعلم ما الذي يُحركهم وماذا يثبّط عزائمهم يعرف متى يتقدمون ومتى يتأخرون وما مِن نظرية إدارية قائمة عَلى رؤية أصحاب هذه النظرية إلى الإنسان، فالرأسمالية الاحتكارية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مُن اللحم الصماء تتعامل معه بطريقة خاصة تقوم على هذه الرؤية، فهي لا تُعير أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية. إذن النظرية الإدارية المتكاملة هي التي تبدأ أولاً بالإنسان. ماهيته، وممّ يتكون، وكيف يتعامل مع الحياة وماهي مشاكله وكيف يتقدم وماهو السبيل إلى توجيهه الوجهة الصحيحة. (25)

ص: 307

ثانياً: الصفة التنظيمية:

يبتدأ الفكر الإداري في الإسلام بالتركيز على النظم والنظام، فأكبر مصداقٍ للنظم هو تنظيم شؤون الدولة وأُمور المجتمع، وقد جاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في البلاد العربية، وتقدّم المسلمون لأنهم كانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، إنتصروا في الحرب لأنهم أوجدوا نظاماً للقتال. وانهالت عليهم الثروات لأنهم وضعوا نظاماً للاقتصاد يقوم على تحريك الموارد المجمدة التي كانت بيد الأغنياء واستطاعوا أن يوجدوا دولتهم لأنهم أقاموها على أساس مِن التنظيم ونشروا العلم لأنهم وضعوا نظاماً للتعليم. وهكذا سادت الادارة المنضبطة سائر أرجاء البلاد الاسلامية بفضل الحث المتواصل على التنظيم والنظام. ويمكننا القول بكل ثقة: بفضل التنظيم إستطاع المسلمون أن يكتسحوا العالم ويوصلوا الإسلام إلى آخر بقعةٍ مُن بقاع الأرض. وعلى هذا النسق أعار أمير المؤمنين (عليه السلام) إهتماماً كبيراً لنظم الأُمور و تنظیم الشؤون حتى أنه لم ينس أن يوصي أولاده وأصحابه وجميع المسلمين في آخر كلمة له قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى بنظم أمرهم. (26)

ثالثاً: الصفة الجماعية:

لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على المدير. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ما تكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في البيروقراطية. تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تیلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل. وقد زخرَ فکر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ

ص: 308

ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة. فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة من فكر الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها: (27)

رابعاً: الصفة الهدفية:

الحياة لم تُخلق عبثاً، فهي لم تخلق بالصدفة - كما يذهب البعض - ولا خلقتها الطبيعة العمياء - كما يقول آخرون - ولم تخلق الدنيا نفسها - كما هو رأي البعض - بل خلقها خالق قدیر متعال، عالم قادر رازق حكيم عادل، فمن الخطأ أن يعتقد المرء بأنّ لهذا الوجود خالق ثم يقول باللاهدفية، فأينما رميت ببصرك فثمة دليل قاطع على هدفية الكون والحياة، هذا ما يؤكده لنا في كلماته الرائعة. ومن خلال هذا العهد المبارك وما ورد فيه من فقرات تتضح لنا الرؤيا الادارية للامام علي (عليه السلام) فيما ياتي (28):

الرأفة بالرعية:

يقنن الامام للعالم في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) إسلوب الحكم والرأفة بالرعيه في نسق علمي ومعرفي وحضاري، تنهل جميع الشعوب من عهده المبارك الذي يعد اهم وثيقة تأريخيه في اقامه العدل والمساواة، إستقاها أمير البلاغة وسيد الفصاحة من المنهج القرآني والنبوي الشريف، فالعهد العلوي صك لحقوق الانسان المستل من الشرع المقدس. كما ورد في القرآن الكريم (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى

ص: 309

وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي).

يذكر الشيخ المفيد: فخرج مالك الأشتر رضي الله عنه فأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر، وقدَّم أمير المؤمنين عليه السلام أمامه كتاباً إلى أهل مصر:

بسم االله الرحمن الرحيم

سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبيه محمد وآله، وإني قد بعثتُ إليكم عبداً من عباد الله لاينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر، من أشد عبيد الله بأساً، وأكرمهم حسباً، أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الأشتر، لانابي الضرس ولاكليل الحد، حليمٌ في الحذر، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإن أمركم بالنفير فانفروا وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لايقدم ولا يحجم إلا بأمري، فقد أثرتكم به على نفسي نصيحة لكم، وشدة شكيمة على عدوكم. عصمكم الله بالهدى وثبتكم التقوى، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (29)

التجارة والحياة الاقتصادية:

بالطبع سايكولوجيه النفس البشريه مجبولة على حب المال، والسلطه؛ لذلك يقع المحذور دوما من خلال الانجراف وراء المغريات الماديه عند الحاكم او سواه الا الانبياء والمعصومون ومن ينهج وفق الجادة المستقيمه ويتصف بالنزاهة والاخلاص، من هنا وثيقة العهد العلوي هي محاولة تأسيسيه معرفيه وفكريه واخلاقيه وروحيه لتجنيب الحاكم الهفوات في ادارته، وهي وصايا بالرفق بالتجار، والاغنياء، والفقراء، وادارة

ص: 310

الشؤون الاقتصاديه بحنكة ودرايه دون التفريط بأي حقوق. فالعامل الاقتصادي له الدور الاساس في تلبية حاجات الناس وإشباع رغباتهم وتوفير المواد والمستلزمات الضرورية لأدامة الحياة، وقد أكد على منع الاحتكار والتلاعب بالاسعار واللهاث وراء الجشع وكان الامام يقول: لو كان الفقر رجلا لقتلته!!. وماجاع فقير الا بما مُتع غني فما ورد بالعهد الشريف مثالا على ما اقوله (30).

سترضي بالتجار وذوي الصناعات وأوصي بهم خيرا والمقيم بهم والمضطرب بماله والمترفق بيديه فإنهم سواد المناخ أسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح في برك ويحرك شهبك وجيلك وحيث لايلتم الناس لمواضعها ولايحترثون عليها فإنهم سلم لالتحاق یا ثقة وصلح لا تخشى عائلته وتقصد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك. واعلم مع ذلك أن كثير منهم ضيقاً فاحشا وشحاً قبيحاً احتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب معزه إنعامه و بحيث على الولاة فامنع من الاحتكار فان رسول الله (صلى الله عليه واله) منع منه وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين البذل ولا يحيف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكره بعد نهيك إياه فشكل به وعاقبته في غير إسراف ثم الله الله في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم من المساكين، والمحتاجين وأهل البؤس والزمن فان هذه الطبقة قانعاً ومعتراً واحفظ لله ما ستحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من نحلات صواني الاسلام في كل بلد فان للأقصى منهم مثل الذي للادني وكلاً قد استرعیت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر فانك لاتعذر بتضيعيك التامة لاحكامك الكثير المهم فلاتشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم وتفقد امور من لا يصل أليك منهم ممن تقتحمه. العيون وتحقره الرجال من اهل الخشية والتواضع فليرفع اليك امورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار الى الله يوم تلقاه، فان هؤلاء من بين الرعية احوج إلى الانصاف من غيرهم وكل فاعذر الى الله في تأدية حقه اليه وتعهد اهل اليتم وذوي

ص: 311

الرقة في السن ممن لا حيلة لهه ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على اقوام طلبوا العافية فصيروا انفسهم ووثقوا بصدق موعد الله لهم واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفزع لهم بيه محصر وتجاس لهم مجلسا عاما، فتواضع فيه لله الذي خلقك وتقصد عنهم جندك واعوانك احراسك وشرطك متى يكلمك متکلم غير متمتع فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لن تقدس امة لايؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متمع ثم احتمل الخرق منهم والعي ونج عنهم الفرق والانفة يبسط الله عليك بذلك اکتاف رحمته ويوجب لك ثواب طاعته واعط ماعطيت هنيئاً وامتع في اجمال واعذار. ثم امور من امورك لابد لك من مباشرتهم منها اجابة عمالك منها يعيا عنه كتابك ومنها: اصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك فيما تخرج به صدور اعدائك لكل يوم عمله فان لكل مافيهثم انظر في حال كتابك امورك خيرهم، واخصصت رسائلتك التي تدخل فيها مكائدك واسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الاخلاق فمن لاتبطره الكرامة فيجتري بها عليك في خلافلك بحضرة ملاء ولاتقصر به الغفلة عن ایراد امکانیات عمالك عليك، واصدار جواباتها عل الصواب عنك فيما يأخذلك ويعطي منك، ولاتضعف عقداً اعتقده لك ولا يعجز عن اطلاق ماعقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور فان الجاهل بقدر تقره يكون بقدر غيره اجهل. بالنفس فيقول الوالي مالي وللبلاد وعمراتها اليوم هنا وغداً لاعلم اين المقر فلابد من جمع المال على عجل اما جشعا وحباً في المال او طلباً لارضاء من قوته بالتملق والتظاهر بالاخلاص في اداء الواجب اوليذل الرشاد والهدايا لحواشي الملوك والحكام ليدفعوا عنه طائلة الحساب، او يكفوا عنه اذي الوشاة ويؤكد عليها ان ذلك سبيل معوج وسیاسة فاشلة ويستكثر على الولاة للسالكين هذا السبيل عدم اتعاطتم بمن كان قبلهم واعتبارهم بها تالوه من الفشل وسوء المنقلب (31).

ص: 312

الكاتب والمفكر بنظر الامام علي (عليه السلام):

للفكر والعلم والثقافة والادب حيز في العهد العلوي الشريف، فالكاتب الورع والعالم الناصح صوت للشعب والرعية، أما أديب السلطان وبوقه فهو مضلل ومنتفع من الفتات الذي يغدق عليه وبالتالي تغيب الحقيقة ويضل الحاكم بغيه ويمارس الاستبداد لتتورم عقدة الذات وبالتالي يصبح دكتاتورا ماردا. فلابد من وجود کاتب بارع بمختلف وسائل المعارف خبير بأحوال الرجال، محيط بما يجد من الاحداث والامور ورتبة الكاتب اليوم في مكتب رئاسة الوزراء وزير الدولة والمستشار الشخصي أو الاعلامي ولهذا تجد امير المؤمنين يؤكد اهتمامه في ان يكون كتاب ولاته حاوین لافضل الصفات، والملكات الثقافية، والمعرفية، يرى ضرورة توفرها فيمن يشغل هذا المنصب، بأن لاتیطره الكرامة والمركز الذي يحصل عليه من الوالي فيجاهر بالعصيان والمخالفة والتشدق والتباهي بل التواضع يسمو بالكاتب والعالم والمفكر، وان لا يكون من العقل إلى درجة التهاون باداء واجباته اليومية، كما يوصي عليه الوالي امتهان كاتبه واظهار احتقاره يملأ من الناس في نقض تصرفاته وانتقاصها ويرى (عليه السلام) اهم صفة في الكاتب والموظف القريب من الحاكم ان يكون عاقلا متزناً لايجهل قدر نفسه، فمن يجهل قدر نفسه فهو بقدر الغير اجهل. يذكر المفكر الشهيد عزيز السيد جاسم (حين تتنوع مسؤوليات الوالي، وتتعدد فإنه يعمد في علاقاته بالناس إلى استخدام أدواته السياسية والوظيفية، فتنشأ شبكة من الاداريين والمسؤولين الثانويين، الذين يكونون البيروقراطية الجديدة المحيطة بالوالي، فتحلّ مراكز جديدة بالمعنى السياسي والاقتصادي تؤثر على التوجه السياسي العام للوالي، فتحرفه كما تشاء إرادتها ومصالحها فالبيروقراطية المصلحية، المنتفعة بلا مشروعية، هي آفة السلطة) (32).

ص: 313

ويحذر العهد العلوي من:

الخيانة وقلدته عار التهمة وتفقد امر الخراج بما يصلح اهله فان في صلاحه وصلاحاً لمن سواهم لمن سواهم الابهم لا بالناس كلهم عيال على الخراج واهله وليكون لمنظرك في العمارة و من طلب الخراج بغیر عمارة اخرب البلاد واهلك العباد ولم يستقم امره الا قليلا فان شکوی ثقلا او علة اوانقطاع شرب او حالة ارض اغتمرتها غرق او جحف بها عطش خفقت عنها بما نرجو ان يصلح بها امرهم ولايثقل عليك شيء خفقت به المؤنة فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزين ولايتك ماحملته وانما یؤتی خراب الارض من اعواز اهلها وانما يعوز اهلها لاشرف انفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر وتحديد مابل ذو البلاء منهم، فان كثرة الذكر في افعالهم تهز الشجاع وتحرض التاكل ان شاء الله ثم اعرف لكل امرىء الى غيره ولاتقتصرن به دون غاية بلائه ماكان صغيراً ولاضيعة امري الى ان تستصغر بلائه مان عظيما. واردد الى الله ورسوله مايخلعك من الخطوب ويشتمل عليك من الامور فقد قال الله تعالى لقوم احب ارشادهم (يا أيها الذين آمنوا اطیعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منکم فان تنازعتم في شي فردوه الى الله والرسول) فالرد الى الله الاخذ بحكم كتابه والرد الى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المقرقة ثم اخذ اختر للحكم بين الناس. (33)

الضرائب وإثقال كاهل الرعية:

أكد الامام على الرفق بالمجتمع بجميع النواحي الاقتصادية، والاجتماعية، والتشريعية. ومنها الضرائب الباهضة الاتاوات نظام الاكراه کما تفعله النظم الفاشية والدكتاتورية والتوليتارية التي تستعبد البشر. فالرحمة واللين والصفح من سمات الحاكم الرؤوف. يقول: د. جورج جرداق في كتابة - الامام علي صوت العدالة الانسانية (أيها الدهر، ليتك كنت تجمع كل ما أوتيت من قوة. وأنت أيتها الطبيعة ليتك تجمعين كل

ص: 314

قواك ومواهبك لخلق إنسان عظیم. نبوغ عظیم. بطل عظيم. ومن ثم ليمنح الوجود مرة ثانية رجلاَ كعلي). (34)

لذلك بقول: عذر المعتذر والكف عن ارهاق المواطنين بالضرائب والرسوم الثقيلة خاصة اذا تعرضت معاملهم الى العطل والافات من انقطاع شرب: أي ماتشرب منه وتسقى به الانهار والابار أي مايبل الارض من ندی ومطر في الارض افضل رعيتك في نفسك ممن لاتضيق به الامور ولا تمكنه الخصوم ولايتمادى ولايحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بادعاء فهم دون اقصاه وقفهم في الشبهات واخذهم بالحجج واقلهم تبرماً بمراجعة الخصم واصبرهم على تكشف الامور واحرمهم عند اتضاح الحكم محده لايزد ه اطراء ولا يستميل إغراء وأولئك قليل ثم اكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل مایزیل علته وتقل معه حاجته الى الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك لياس بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظرا بليغا فان هذا الدين قد كان اسيرا في ايدي الاشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. ثم انظر في امور عمالك فاستعملهم اختیارا، ولا تولهم محاياة وإثره قاتهم جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم اهل التجربة والحياء من اهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فانهم اكرم اخلاقا واضح اعراضاً واقل في المطامع اشراقا وابلغ في عواقب الامور نظيرا فالجنود باذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعزالدين ورجال الامن وليس تقوم الرعية الاهم ثم لاقوام الجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه خيما يصلح ويكون من وراء حاجتهم ثم الاقوام لهذين الصنفين الا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكموا من المعاقب ويجمعون المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوام الاقوام لهم وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من اسوامهم ويكفونهم

ص: 315

من الترفق بأيديهم مالا يبلغه رفقا غيرهم. (35)

ثم الطبقة السفلي من اهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من ذلك الاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه او ثقل قول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولا مامك واتقاهم حسيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطیعن العفيف ويستريح الى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على الأقوياء وممن لا يثيره العنف ولا يقصد به الضعف. ثم الصق بذوي الاحساب واهل البيوتات الصالحه والسوابق الحسنه ثم اهل النجده والشجاعه والسخاء والسماحه فأنهم جماع من الكرم وشعب من العرف. ثم تفقد من امورهم ما يتفقد الولدان من ولدهما ولا يتفاقم في نفسك شي قويتهم به ولا تحقرن لطفاً تعاهدتم به وإن قل فأنه داعية لهم الى بذل النصيحه لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطیف امورهم إتکالاً على جسيمها فأن لليسير من لطفك موظعاً ينتفعون به و للجسيم موقعاً لايستغنون عنه وليكن أثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وافضل عليهم من جندك فيما يسعهم وما يسع من ورائهم من خلق اهليهم حتى يكون همهم هماً وأخذاً في جهاد العدو فأن عطف عليهم يعطف قلوبهم عليك وإن أفضل قوة عين الولاة أستقامة الورك في البلاد وظهور مودة الرعية وانهم لاتظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصبح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة الامور وقلة أستثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم فافسح في امالهم واوصل في حسن الثناء عليهم مثل ارائهم ونفاذهم وليس عليه مثل اصارهم واوزارهم ممن لم يعادون ظالماً على ظلمه ولااثما على اثمه أولئك اخف عليك موؤنة واحسن لك معونة واحنى عليك عطفاً واقل لغيرك الغاً فاتخذ اولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك يقول: الشيخ ايه الله محمد باقر الناصري في كتابه عن العهد العلوي (ينهى (عليه السلام) عن استيراز

ص: 316

من كان للأشرار قبلك وزيراً خاصة منهم من شارك في إثم أو عان في الظلم فإياك واتخاذهم بطانة فإنهم قلما يصلحوا وعلى فرض صلاحهم فان الناس لا يركنون أليهم ویرون فيهم مثل الانتهازي المتلون وذلك يجر الطعن على الدولة ويشجع الخصوم على التشهير بالحكم وانك بمقياس الفضيلة والتقوی ستجد حينما تطلب خيراً منهم ممن لم يعادون ظالماً على ظلمه). (36)

المال العام وسرقته:

يقول الشهيد الدكتور علي شريعتي: الامام علي بمحنه الثلاث كتب الى بعض عماله يهدده بالقتل لما بلغه من انه اختلس من بیت المال (فاتق الله وارده إلى هؤلاء القوم اموالهم فأنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ولاضربنك بسيفي الذي ماضربت به أحداَ الا دخل النار) الخيانة الاقتصادية في الاموال العامة حكمها القتل عند علي إنها مسألة فقهية، اقتصادية، حقوقية وإجتماعية. (37)

في عهد علي عليه السلام كان التساوي في الاستهلاك كما كان التساوي في العطاء، والجميع شركاء في بيت المال. يذكر العلامة هادي المدرسي (ومن هنا كان قرار الامام علي عليه السلام العدول عن تمييز الناس في العطاء والعودة إلى نظام المساواة قراراَ هامّاَ، لأَنه كان يعني انقلاباَ اجتماعيّاَ بكل ماتعنيه الكلمة. كما كان ردّ فعل ملأ قریش وأبنائهم ضد الإمام وقراره هذا بداية الثورة المضاده ضدّ حكمه، والّتي قادها ابن أبي سفیان (معاوية) من موقعه، وفعل مع الإمام مافعله أبوه مع رسول الله، ومافعله ابنه فيما بعد مع الإمام الحسين عليه السلام إن الحاكم، والمسؤول، والوزير، والموظف الذي يسرق من المال العام هو يسرق شعب بأكمله لان المال الجميع شرکاء به، فكثرة السراق اليوم تدمي القلب. وتحزن الشريف. وتدعو الى الوقوف بوجهها من قبل جميع المؤسسات الحكومية والشعبية. يذكرأ - محمد دكير: في مناقشته لكتاب الحكومة لمحمد

ص: 317

جواد لاريجاني ص (642) (38) (مسألة كفاءة الحكومة مرتبطة بالأركان الأساسية لعمل الحكومة أي:

1- فهم الوضع الحقيقي.

2- اختيار الوضع المنشود.

3- كيفية التخطيط لبرنامج العمل وتنفيذه.

وقد عالج المؤلف قضايا مرتبطة بهذه المفاهيم لأنها تتعلق بالبحث العام في أسس فاعلية أي نظام، مثل دور الخبرة والتَخصص، البرمجة، صناعة القرار فإنتشار الفساد المالي، والاداري، والتزوير، والتحريف، في عالمنا المعاصر دلیل انحراف عن المثل والقيم الانسانية التي شرعنها الله وأرساها الرسل والأئمة من أجل حفظ الحقوق وعدم التعدي على العباد والبلاد.

ص: 318

الخلاصة:

ان العهد العلوي يعد من أروع التشريعات التي سنت للعلاقة بين الحاكم والمحكومين، من هنا قررت الامم المتحدة في بداية الالفية الجديدة توصية عالمية من قبل (كوفي عنان) للأنظمة في العالم بالاخذ به لما ورد فيه من قيم ومثل تؤسس للعدالة الانسانية، والمساواة، والتوزيع العادل للثروة، والرأفة بالمجتمع، وتنظيم العلاقات الحكومية.

التوصيات:

1- على كل حاکم يدعي بأنه مسلم الالتزام بتحقيق العدالة بين جميع افراد المجتمع وفق القيم والمثل التي أسس لها القرآن الكريم وعدم الاستئثار بالسلطة ومنافعها الزائلة.

2- على الحكومات تدريس العهد العلوي لمالك الاشتر بجميع المراحل الدراسية ليتعلم الابناء ماهية الواجبات و ماهية الحقوق.

ص: 319

الهوامش

(1) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بیروت 2008، ص 12.

(2) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بیروت 2008، ص 22.

(3) أبن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت 852 ه). الإصابة في معرفة الصحابة، دار العلوم الحديثة، القاهرة، 1328 ه، 3/ 482، ص 234.

(4) ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (ت 630 ه). الكامل في التاريخ، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، ص 125.

(5) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، إيران، د.ت، ص 21.

(6) المرزباني، ابو عبد الله محمد بن عمران بن موسي (ت 384 ه/ 944 م)، معجم الشعراء، تحقیق عبد الستار احمد فراج، عيسى البابي وشركاه، القاهرة، 1960، ص 29.

(7) ان عبد ربه، شهاب الدين احمد بن محمد الأندلسي (ت 328 ه/ 939 م) العقد الفريد، دار ومكتبة الهلال، بیروت 1986، ص 43.

(8) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، إيران، د.ت، ص 20.

(9) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بیروت 2008، ص 44.

(10) الطبري، أبو جعفر محمد بن جریر (ت 310 ه)، تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو

ص: 320

الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، 4/ 308، ص 56، الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت 2008، ص 127.

(11) ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبي الفضل احمد بن علي (ت 852 ه). فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الكتب العلمية، بيروت، 1989، 2/ 159، ص 127.

(12) ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبي الفضل احمد بن علي (ت 852 ه).

التقريب، بيروت، 1989، ص 34.

(13) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت 2008، ص 39.

(14) البلاذري، احمد بن يحيى بن جابر (ت 279 ه). فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت، 1983.

(15) ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي (ت 314 ه/ 927 م). الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند د.ت، ص 65.

(16) البلاذري، احمد بن يحيى بن جابر (ت 279 ه). فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت 1983، ص 87.

(17) ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي (ت 314 ه/ 927 م). الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند د.ت، ص 69.

(18) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م). شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م، 1959، 18/ 95.

ص: 321

(19) نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، إيران، د.ت، ص 65.

(20) ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي ت 314 ه/ 927 م الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، د.ت.، ص 35.

(21) ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (ت 630 ه). الكامل في التاريخ، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، ص 14.

(22) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت 2008، ص 31.

(23) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م). شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م، 1959، 18/ 95.

(24) أبن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد (ت 463 ه)، الانباه على قبائل الرواة، المكتبة الحيدرية، النجف 1966، ص 87.

(25) المسعودي، ابو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346 ه/ 957 م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط 4، مطبعة السعادة مصر 1964، ص 96.

(26) ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي ت 314 ه/ 927 م الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، د.ت، ص 65.

(27) أبن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد (ت 463 ه)، الانباه على قبائل الرواة، المكتبة الحيدرية، النجف 1966، ص 95.

(28) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني

ص: 322

(ت 656 ه/ 1258 م). شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م، 1959، 18/ 95، ص 95. (29) ابن عبد ربه، شهاب الدین احمد بن محمد الأندلسي (ت 328 ه/ 939 م). العقد الفريد، دار ومكتبة الهلال، بیروت 1989، ص 123.

(30) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م). شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م، 1909، 18/ 95، ص 99.

(31) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بیروت 2008، ص 65.

(32) المسعودي، ابو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346 ه/ 957 م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقیق محمد محي الدين عبد الحميد، ط 4، مطبعة السعادة مصر 1964، ص 65.

(33) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمی للطباعة، بیروت 2008، 87.

(34) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م، 1959، 18/ 95، ص 119.

(35) الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بیروت 2008، ص 75.

(36) ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م)، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار

ص: 323

إحياء الكتب العربية، د.م، 1959، 18/ 95، ص 92.

(37) علي شريعتي، الامام علي بمحنه الثلاث، دار الاعلمين، بيروت 2000، ص 54.

(38) محمد دكير، الحكومة لمحمد جواد لاريجاني، دار التراث، بيروت 1999، ص 77.

ص: 324

المصادر:

1- ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي ت 314ه/ 927 م الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، د.ت.

2- ابن حجر، شهاب الدين أبي الفضل احمد بن علي العسقلاني (ت 852 ه/ 144 م)، التقريب د.م، د.ت.

3- ابن عبد ربه، شهاب الدین احمد بن محمد الأندلسي (ت 328 ه/ 939 م). العقد الفريد، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1986.

4- المرزباني، ابو عبد الله محمد بن عمران بن موسى (ت 384 ه/ 944 م)، معجم الشعراء، تحقيق عبد الستار احمد فراج، عيسى البابي وشركاه، القاهرة،1960.

5- المسعودي، ابو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت 346 ه/ 957 م)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، ط 4، مطبعة السعادة مصر 1964.

6- نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، إيران 1989.

7- الطبري، أبو جعفر محمد بن جریر (ت 310 ه)، تاريخ الطبري، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الرابعة، دار المعارف، القاهرة، 4/ 308.

8- أبن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي (ت 852 ه). الإصابة في معرفة الصحابة، دار العلوم الحديثة، القاهرة، 1328 ه، 3/ 482.

9- الشيخ عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية مالك الأشتر النخعي، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت 2008.

10- أبن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد (ت 463 ه)، الانباه على قبائل

ص: 325

الرواة، المكتبة الحيدرية، النجف 1966.

11- ابن الأثير، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري (ت 630 ه). الكامل في التاريخ، تحقيق أبي الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987.

12- ابن اعثم، ابو محمد احمد الكوفي (ت 314 ه/ 927 م). الفتوح، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، د.ت.

13- ابن حجر العسقلاني، شهاب الدين أبي الفضل احمد بن علي (ت 852 ه). فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار الكتب العلمية، بيروت، 1989، 2/ 159.

14- ابن أبي الحديد، عز الدين ابو حامد بن هبه الله بن محمد بن محمد بن الحسين المدائني (ت 656 ه/ 1258 م). شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، د.م 1959.

15- البلاذری، احمد بن یحیی بن جابر (ت 279 ه)، فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بیروت، 1983.

16- الحموي، شهاب الدين ابو عبد الله یاقوت بن عبد الله الرومي البغدادي (ت 626 ه/ 1228 م). معجم البلدان، دار صادر، بیروت 1955.

17- المرزباني، ابو عبد الله محمد بن عمران بن موسي (ت 384 ه). معجم الشعراء، تحقیق عبد الستار احمد فراج، عيسى البابي وشركاه، القاهرة، 1960، ص 363.

18- محمد دكير، الحكومة لمحمد جواد لاريجاني، دار التراث، بیروت 1999.

19- علي شريعتي، الامام علي بمحنه الثلاث، دار الاعلمين، بیروت 2000.

ص: 326

القيادة والإدارة الناجحة في فكر الامام علي (عليه السلام )

اشارة

حنان عباس خيرالله

ص: 327

ص: 328

المقدمة

ان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام سعى إلى وضع أسس ودعائم الدولة المتحضرة التي تقوم على احترام حقوق الإنسان واحترام إنسانية الإنسان، وقد سعى الإمام عليه السلام سعياً حثيثاً في سبيل تحقيق ذلك، الأمر الذي كلّفه حياته الشريفة، إذ عاداه مجتمعه الذي تعود على نظام الطبقية.

انّ الإمام عليه السلام، قد سبق العصور والأزمنة بفكرة الثاقب ورؤاه العظيمة، إلاّ ان المجتمع آنذاك لم يكن متفهماً وواعياً بما فيه الكفاية لما كان يريده الإمام عليه السلام، وبالنتيجة لم يستفد ذلك المجتمع من تلك الوصايا النورانية التي تعد بحق لبنات بناء الدولة المتحضرة.

وتعدّ العدالة المحور الأكثر بروزا في منهج حكمه عليه السلام، وقد بلغ من اقتران اسم الامام أمير المؤمنين عليه السلام بالعدالة، وامتزاجه بها، قدراً كبيراً، إذ صار اسم على عنواناً للعدالة، وصارت مفردة العدالة توحي باسم (علي) صلوات الله عليه.

لا تزال الفرصة سانحة، وبإمكان عالم اليوم المليء بالحروب والدمار والأزمات، أن يعود إلى ذلك النهج النير، نهج الإمام علي عليه السلام، فهو يكفينا لإقامة الدولة الصالحة والعصرية المتحضرة، وكذا العودة إلى كتابه إلى واليه على مصر، الشهيد مالك الأشتر رضوان الله عليه، لننهل من ذلك المعين العذب، وهو يوصي عامله على مصر بأدق الأمور، وفي شتی میادین إدارة الدولة.

ص: 329

مفهوم القيادة

تعددت وتنوعت واختلفت تعاريف مفهوم «القيادة» وذلك حسب اختلاف الزمان والمكان ولكن في مجمل التعاريف نجد أنها تركز على عدة عناصر أبرزها: فن إدارة الأفراد، تحقيق الهدف باستخدام الكفاءة العالية، تحمل اقل التكاليف أو الخسائر.

التعريف اللغوي للقيادة:

هي كلمة يونانية الأصل مشتقة من الفعل «يفعل» او يقوم بمهمة ما «والقيادة حسب رأي (ارندت) تقوم على علاقة اعتمادية تبادلية بين من يبدءا الفعل وبين من ينجزه، اما معناها في اللغة العربية» فالقود هو نقيض السوق، يقود الدابة من أمامها ويسوق من خلفها، إن القود من أمام والسوق من خلف، والانقياد معناه الخضوع، وجمع قائد قادة وقواد». (1)

تعريف القيادة اصطلاحا

القيادة: هي منصب ذو سلطه قانونية والتي من خلالها يمارس القائد سلطته على مرؤوسيه بفضل رتبته ومنصبه، وأيضا القدرة على التأثير على الآخرين،، والقائد لا يمكن ان يكون قائد اذا قام بجهود قليلة لإدارة مرؤوسيه وإلهامهم، بل عليه ان يبذل الجهود المضنية لكي يصبح قائدا (2).

وهي أيضا «الأخذ بالزمام والسير نحو غاية مرسومة» والقائد عند العرب الأقدمين هو «المرشد، الدليل، الهادي» (3).

ويبدو أن أبسط تعريف للقيادة هو أن نقول: "هي عملية تحريك الناس نحو الهدف". (4)

ص: 330

وقالوا في القيادة أيضا: «ليست القيادة خلق شيء بقدر ما هي خلق رجال أو السيطرة عليهم وحبهم والحول على محبتهم وعظمه هذه المهمة ناشئة عن توحيد الصفوف في سبیل واجب مقدس» (5)

يحمل معنى القيادة في الفكر الإسلامي بعضا من المعاني المتعلقة بهداية الناس وإرشادهم وتولي أمورهم، ومن معانيها ما يلي:

الإمامة:

ويؤخذ منها (الإمام)، وتعني: «من يأتم الناس به من رئيس أو غيرة، ومنه إمام الصلاة»، ويعني أيضا: الخليفة. (والامامة) تعني: "ریاسة المسلمون" (6).

وتعني (الإمامة) أيضا: «التقدم والقصد إلى جهة معينة» وكذلك «الهداية والإرشاد» وكذلك «الأهلية لان يكون المرء قدوه».

(7) والإمام يعني هنا: من يؤم الناس ويقتدي به في أمور الدين والدنيا وهو أيضا قائد المسلمين وهاديهم ومرشدهم وزعيمهم ورئيسهم الأعلى وحاكمهم، والدليل على أن منصب الإمام في الإسلام أمر لا غنى عنة ويستحيل انتفائه، هو أن صلاتهم لا تصح بدون (إمام)، فلا بد من شخص يتولى إمامتهم في الصلاة وعليهم أن يطيعوه ويقتدوا بة ولا يجوز مخالفته وعصيانه.

قال تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ».

وقال أيضا: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ».

قال تعالى: مخاطبا إبراهيم علية السلام: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا». (8)

ص: 331

الولاية:

وتعني في اللغة «السلطان» ومنها الولي وهو كل من ولي أمرا أو قام به، وكذلك الوالي أي الذي يتولى أمر البلاد والعباد ويرعى شؤونهم.

والوالي هو القائد والمتصرف بشؤون الناس والقائم على رعايتهم وإرشادهم، وفي ذلك يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «كلكم راع ومسئول عن رعيته،...» رواة البخاري.

مما سبق يبدو لنا أن القيادة في الإسلام تعني في جملتها: كل من يتولى شيئا من أمر المسلمين العامة، فالإمام قائد، والأمير قائد، والمرأة في بيتها قائدة لأسرتها، والعبد الذي يرعی مال سيدة قائد، والموظف العام قائد في إدارته ومكتبة، ورب الأسرة قائد لأسرته، وقائد الجيش والشرطة قائد، ... الخ، فالقيادة هنا المسؤولية التي توجب على من يحملها ان يقوم بها بأمانة وإخلاص ويرعاها حق رعايتها، وصولا بهذه المجموعة التي يتولى شانها الى الأهداف التي تطمح الوصول إليها.

هذا وقد ارتبطت القيادة في الإسلام بالجندية ارتباطا وثيقا لان أمر الجيش يحتاج إلى قائد بارع، محنك، حازم، كفؤ، قوي، ولذلك فان قائد الجند في الإسلام هو صاحب مدرسة ورسالة، ولنا في رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) القدوة الحسنة، فلقد كان الرسول الكريم هو المعلم الذي تنزل علية الوحي برسالة الإسلام ليبلغها للناس وصاحب المدرسة التي تخرج فيها قادة أمم وأبطال حرب ورجال إصلاح وعلماء وفلاسفة ورواد حضارة» (9)

ص: 332

الفكر القيادي عند الامام علي (عليه السلام)

لقد تأكد للجميع ان الامام امير المؤمنين علي عليه السلام وفق السنة المطهرة خير البرية وهو وصيه ووراث علمه وهو الذي يتمتع بكل صفات القيادة الناجحة، وهو القائد الشرعي المفترض الطاعة.

اعتمد الامام امير المؤمنين عليه السلام في منهجه للحكم اختياره لعناصر الدولة الناجحة ومنها النظرية الاسلامية المستمدة من القران الكريم لما يتضمنه القران من مؤشرات واضحة في السياسة والحكم والقضاء والقانون والاخلاق وما يتضمنه من المبادئ العامة التي تصون المجتمع وتحفظه من الازمات.

وقال الامام علي (عليه السلام): «يا أيّها الناس إنّ أحقّ الناس بهذا الامر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله» (10).

فالعمل السياسي والفكري النهضوي الذي يستهدف في تحرکه اقامة الدولة والمجتمع الصالح يتطلّب قيادة اسلامية عالمة بالاحكام والقوانين التشريعية ومصادرها الاساسية، لأن الأحكام والتشريع هو العمود الفقري لجسم الدولة وهو يحدد مسيرتها وأطارها الفكري العام. والفقيه، العالم هو صام الأمان لتنفيذ مبادئ الشريعة على أساس قدراته الفقهية التشريعية الفذة حتى لا تتخبط مسيرة الدولة في متاهات القوانين الوضعية..

ص: 333

الشروط التي يجب ان تتوفر في الحاكم

ان الامام علي (عليه السلام) وضع شروطا في نهج البلاغة يجب ان تتوافر في الحاكم الصالح وهي:

1- ان يكون کریم النفس لئلا يدفعه الطمع وشدة الحرص على العدوان على اموال المسلمين.

2- ان يكون عالما لأنه قائد المسلمين الاعلى لذا يجب ان يهديهم ولو كان جاهلا لأضلهم.

3- يجب ان يكون رحب الصدر لين العريكة.

4- ان يكون عادلا في اعطاء الاوامر فيساوي بين الناس في العطاء ولا يفضل قوما على اخر على حساب اخرین استجابة لشهوات نفسه وميول قلبه.

5- ان يكون نزيها في القضاء فلا يرتشي لان ذلك يؤذن بذهاب العدل في الاحكام.

6- ان يكون عالما بالسنة فيجري الحدود ولو على اقرب الناس اليه ويعطي الحق من نفسه كما يطلبه من غيره وفي هذا قال الامام عليه السلام:

7- ((وقد علمتم انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين البخيل فتكون في اموالهم نهمته ولا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوم. ولا المرتشي بالحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الامة)) (11).

ص: 334

وظائف الحاكم عند الامام علي (عليه السلام)

تقديم المصالح العامة

مما يوجب على الحاكم سن القوانين والمقررات، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان الحقوق العامة والأخذ على يد مخالفي القانون فيما إذا طالت عامة الأمة بعض الأضرار والخسائر .

ولذلك كان يوصي مالك الأشتر واليه على مصر بالعمل الجاد الذي يجلب رضی العامة، وإن استبطن سخط الخاصة، وذلك لأن هذا المعنى أقرب للعدالة وأبعد عن الظلم والجور: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها الرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة) (12).

ويطالب الحاكم في موضع آخر بالحيلولة دون تدخل خاصته وبطانته من الذين يتصفون بالأنانية وعدم مراعاة الإنصاف في المجالات الاقتصادية، ولا يهمهم سوى ضمان مصالحهم الشخصية في الشؤون الاقتصادية للبلاد. وكذلك اجتثاث جذور الظلم المتأصلة فيهم من خلال إغلاق كافة السبل التي تمهد لتحقيق أطماعهم وجشعهم: (ثم أن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال) (13).

إعانة الفقراء

يؤكد الإمام (عليه السلام) على الحاكم أن يولي اهتماما فائقا لفقراء المجتمع، بهدف إجراء العدالة الاجتماعية في مجالها الاقتصادي. في حين يقود عدم الاكتراث لهذا الأمر

ص: 335

وعدم الاهتمام بالفقراء وإيجاد السبل التي تكفل رفع حالة الفقر عنهم بالتدريج، الى شیوع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، وبالتالي تفشي الجريمة في المجتمع. ولذلك يوصي الولاة باستخدام أفراد يضطلعون بهذه الوظيفة، ليمدوه بالتقارير والمعلومات المفصلة التي تستعرض أوضاع الفقراء والمعوزين بغية تلبية حاجاتهم والقضاء على فقرهم.

مما لا شك فيه أن هذه الطبقة إنما استحقت هذه العناية الخاصة بفعل ضعفها وعدم قدرتها على المطالبة بحقوقها، وعليه فالحاكم مكلف بالنظر في أمرهم وإحقاق حقوقهم، والحذر من أي غفلة وإهمال بهذا الشأن: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنی... فلا يشغلنك عنهم بطر، فانك الا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم) (14).

التساهل والرفق

المحور الآخر من محاور وظيفة الحاكم تجاه الأمة الرفق بالناس حين التعامل معهم، عليه ألا يكلف الأمة فوق طاقتها بما يرهقها ويثقل كاهلها، وإن أدني ما يترتب على الرفق بالأمة كسب ودها و ثقتها. الأمر الذي يجعل الحاكم يشعر بالدعم والإسناد الذي يتطلبه في مواقع الحاجة: (واعلم أنه ليس شي بادعى الى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المكونات وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم) (15).

وقال (عليه السلام) بشان الضرائب وضرورة التخفيف من عبئها على الأمة: (فان شکوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب... خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شي خففت به المئونة عنهم فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك... فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به) (16).

ص: 336

إن الرفق والتخفيف عن الأعباء لا يختص بالأمور المادية فقط، بل يشمل حتى الأمور العبادية ومراعاة أحوال الناس، وهذا ما أكده وطالب به ولاته حيث قال: (وإذا قمت في صلاتك للناس، فلا تكونن منفرا، ولا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سالت رسول الله حين وجهني الى اليمن كيف أصلي بهم؟ فقال: صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما) (17).

المباشرة بالنظر في أمور الناس ومعالجة مشاكلهم:

یری إن إحدى وظائف الحاكم تتمظهر في سماعه مباشرة لشكاوى الناس والنظر فيها بدون واسطة: (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع) (18).

تعليم الناس وإيقافهم على الحقائق:

الوظيفة الأخرى التي يمارسها الحاكم إنما تتمثل في تعليم الأمة وجعلها ملمة بأغلب الأمور، وهناك أسلوبان يمكن من خلالها تحقيق هذا الأمر. احدهما: الأسلوب التعليمي الذي يمكن ملاحظته من خلال تأكيدات الإمام (عليه السلام) لولاته بالاهتمام بهذا الموضوع. فقد جاء في تأكيده لوالي مكة: (أما بعد، فأقم للناس الحج وذكرهم بأيام الله، واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي، وعلم الجاهل، وذاكر العالم، ولا يكن لك الى الناس سفير إلا لسانك، ولا حاجب إلا وجهك، ولا تحجبن ذا حاجة عن لقائك بها (19).

كما يجب إيقاف واطلاع الأمة على الحقائق. فقد تسود المجتمع بعض حالات سوء الظن تجاه الحاكم أو الحكومة، الأمر الذي يتطلب منه ممارسة وظيفته في كشف النقاب

ص: 337

عن الأمور الغامضة التي تساور أذهان الناس.

فقد أوصى مالكا بهذا الشأن قائلا: (وإن ظنت الرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك و اعدل عنك ظنونهم باصحارك فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك) (20). وقد كان هذا الأسلوب مشهودا في سيرة الإمام علي (عليه السلام)، بحيث لم تطرأ أدنی شبهة لأي من الأفراد، إلا وانبرى لإزالتها والقضاء عليها من خلال التعرض لها بكلماته أو كتبه ورسائله التي كان يبعثها.

اساسيات القيادة الادارية

الرقابة:

أما الرقابة وصيانة الحقوق و الواجبات الاجتماعية تُعدُّ من أساسيات النظام السياسي الإسلامي، وقد بذل الاسلام جهوداً حثيثةً في سبيل ضمان الحقوق الفردية والاجتماعية للمجتمع، وعلى سبيل المثال، اننا عندما ندرس النصوص النبوية. فان هناك اهتماماً واضحاًمن قبل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لتنظيم الاقتصاد الاسلامي وتطبيقه في مجالات متعددة حتى لا يتم استغلال و احتكار البضائع من قبل المتلاعبين بالسوق.

وفي رسالة الامام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر، لما أراد توليته على مصر أمره (عليه السلام) أن يردع المحتكرين، و يقف أمام تصرفاتهم بحزم و قوة. إذ قال (عليه السلام): «.. فامنع من الاحتكار، فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازین عدل، و أسعاره لا تجحف بالفريقين، من البائع و المبتاع، فمن قارف کره، بعد نهيك إياه، فنكل به، و عاقبه من غير اسراف..» (21).

ص: 338

هذه النصوص التاريخية، تدلل على الذهنية الاجتماعية التي تتحرك من خلالها القيادة الاسلامية، المتجسدة بشخص الامام علي (عليه السلام) لتنظيم الحياة الاقتصادية في المجتمع على أساس المتابعة الميدانية اليومية لوضع حداً للتلاعب بالشؤون الاقتصادية العامة التي تحرك اقتصاد المسلمين آنذاك، وهذا ما يمكن فهمه من خلال بعض اللقطات الفكرية للقرآن الكريم كما في حركة نبي الله شعیب (عليه السلام) قال تعالى: «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ» (22).

وقوله تعالى: «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ..» (23).

فقد كان أصحاب الأموال و التجار يستغلون المستضعفين، و يتعدون على حقوقهم من خلال التطفيف كحالة لها ترويج لا يستند الى أي قاعدة و منطلق صحيح لهذا أراد شعيب أن يكون و يحقق معنى العدالة الاجتماعية في الجانب الاقتصادي الذي هو عصب حياة الناس والذي تستوفي منه الدقة في المتابعة والصيانة الذي يتحرك من خلالها القائد الرسالي لتثبيت أواصر الاخوة و تحقيق العدالة..

کما رفض الامام بشدة سلبية المجتمع تجاه الخطأ اياً كان مصدره او التردي من أي جهة يأتي، إذ يقول مخاطباً ابناء الامة: «وقد ترون عهود الله منقوصة فلا تغضبون... [ويحملهم المسؤولية قائلاً] وكانت امور الله عليكم ترد و منكم تصدر واليكم ترجع، فمکنتم الظلمة من منزلتكم او القيتم اليهم از متكم وسلمتم امور الله في ايديهم يعملون بالشبهات ويسيرون في الشهوات" (24) وقال الامام: «ايها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم» (25).

ص: 339

ان تحميل الامام ابناء الامة مسؤولية الانحراف او الخطأ في المجتمع بشكل عام وقياداته بشكل خاص، ليس بعيداً عن منح الامام للامة الحق في تقييم العمل والاداء السياسي بموضوعية وعقلانية قبل اتخاذ موقف ما، إذ قال (عليه السلام) «اذا رأيتم الخير فأعينوا عليه. واذا رأيتم شراً فاذهبوا عنه» (26) و «رحم الله رجلاً رای حقاً فأعان علیه او رأي جوراً فرده» (27)، ويبلغ الامام درجة في انصاف الامة تاركاً لها حق تقييم ادائه ففي احدى خطبه (عليه السلام) يقول: "اما بعد فاني خرجت من حيي هذا اما ظالماً او مظلوماً واما باغياً او مبغياً عليه، وانا اذكر الله من بلغه کتابي هذا لما نفر الي، فان کنت محسناً اعانني وان كنت مسيئاً استعتبني» (28).

ان الامام لم ينظر إلى مسألة المراقبة الدقيقة من الامة للحاكم وسياسته على انها حق فحسب، ولكنها واجب كذلك. وترافقت هذه النصوص القانونية مع سيرة عملية مميزة للامام فقد كان يطالب الأمة بمراقبته قائلاً: «یا اهل الكوفة ان خرجت من عندكم بغير رحلي وراحلتي وغلامي فانا خائن» (29).

فالاسراف والتعدي الخطير لهذا المرض الاجتماعي يتطلب من القيادة العقائدية الموقف الرسالي الحازم لفرض صيانة عقائد الناس وتنظيم حياتهم الاخلاقية والاجتماعية، لأنها قد تتعرض في بعض الظروف لحالات الانهيار بعدما تداخلت فيها بعض الثقافات المادية المنحرفة وأننا عندما ندرس حالة المجتمعات الغربية التي أطلقت الحريات سواء كان في جانبها الاقتصادي أو الجنسي، فان مجتمعاتها لا زالت تعيش مشاكل مادية و نفسية جسيمة، والتي تثير حولها المشاكل الاجتماعية الفكرية نتيجة لهذه الانحلالية والاباحية المطلقة والتي تستدعي الى الصيانة وتنظيم العلاقات على ضوء الاسس الصحيحة والسليمة لضمان حياة مجتمع أفضل.

ص: 340

المساواة والعدالة:

عانت البشرية منذ فجر تاريخها الطويل الكثير من ألوان الظلم و الطغيان نتيجة الممارسات الحكام الظلمة عبر هذا التاريخ، لهذا كانت البشرية بحاجة ماسة الى العدل والمساواة بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا ما يتطلب وجود حاکم عادل لقيادة البشرية نحو شاطيء الامان. ومن أهم الشروط لتولي منصب القيادة العامة للمسلمين أن يكون الحاكم عادل في تطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية، و خلق جوّ المساواة بين أفراده.. قال القلقشندي الشافعي من ضمن ما ذكر من شروط في صفاة الحاكم: «العاشر العدالة: فلا تنعقد امامة الفاسق، وهو التابع لشهوته، المؤثر لهواه من ارتكاب المحظورات والاقدام على المسكرات، لأن المراد من الامام مراعاة النظر للمسلمين، والفاسق لم ينظر لنفسه في أمر دينه، فكيف ينظر في مصلحة غيره!» (30).

وقال عبد القادر البغدادي والثاني - العدالة والورع و أقل ما يجب له من هذه الخصلة أن يكون ممن يجوز قبول شهادته تحملاً و أداءاً» و «كما يستفاد من روايات اشتراط العدالة فيما امامة الجماعة فلئن كانت العدالة شرطاً في الامامة لصلاة الجماعة فما ظنك بإمامة الامة في حلها و ترحالها و التصرف في مقدّراتها، و تؤيد هذا الشرط رواية سدير» (31).

والرواية مروية عن أبي جعفر (عليه السلام) إذ قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تصلح الامامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، و حلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم» (32).

من الاولويات و المهام الاساسية التي تكون مورد اهتمام القيادة الاسلامية هي اقامة العدل، وتحقيق المساواة الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، وهذه الخصوصية تعد من

ص: 341

اساسيات وجود الدولة الاسلامية قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ (33)

وهذه هي القاعدة والمنطلق لأصول الحكم وأخلاقيته في المفهوم الاسلامي فلا يحق للقائد التجاوز على الحدود الشرعية والقواعد الاساسية في الفكر الاسلامي، لانّ هناك رقابة الهية مستمرة ترقب تحركات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو الامام (عليه السلام)، أو القائد الفقيه، وتسدده في خطواته ما دامت تنسجم مع الخط الاسلامي الصحيح.

ففي حديث للامام الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إذ قال لعمر بن الخطاب: «ثلاث أن حفظتهن و عملت بهن كفتك ما سواهن وان تركتهن ينفعك شيء سواهن قال: وما هن يا أبا الحسن؟ قال: «اقامة الحدود على القريب و البعيد و الحكم بكتاب الله في الرضا و السخط والقسم بالعدل بين الاحمر والاسود» قال عمر: لعمري لقد أوجزت و أبلغت» (34).

فإقامة العدل ركيزة من ركائز الاسلام. لانها تعزز وحدة الأمة، و تذوب شخصيتها في الكيان الاسلامي الذي تجسد القيادة الاسلامية الواعية وجوده من خلال الخصائص الاساسية لقيام الدولة الاسلامية، و تحقيق معنى المجتمع الاسلامي الصالح.

ص: 342

العلاقة الإنسانية ومودة الأُمة

هناك ترابطٌ قوي بين اهتمام الوالي بالعدل والإحسان وبين ظهور مودة الرعية للوالي ونصحهم في ذلك، وقد قال علي (عليه السلام):

(وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَیْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیَّةِ، وَإِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، وَلَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ وَتَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ) (35).

وينفكّ عن هذا الارتباط الجندي الذي لا يمكنه التضحية في ساحة الوغى أو النصح لولاته إذا كان لا يرغب بهم ولا يميل إلى ودهم، حيث يستثقل وجودهم مع دولهم ويتمنّى زوالها لّما عاناه منهم.

أما إذا كان الأمر عكس ذلك، فإنهم (لا يستبطوا انقطاع مدتهم، بل يعدون زمنهم قصيراً يطلبون طوله) (36).

حيث ربط الإمام علي (عليه السلام) بين ما سبقَ وما لَحق من تبادل النصح والمحبة بين الجند والوالي، وبين ما يتبع ذلك من واجبات وحقوق، فالقائد الذي له صفاتٌ جيدةٌ له أثرٌ كبيرٌ على المعنويات والمجتمع بصورة عامّة.

التعاون بين الحاكم والشعب

يقول الامام علي (عليه السلام): ((واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حقوق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لا لغتهم وعزا لدينهم فليست تصلح الرعية الا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة الا باستقامة الرعية فاذا ادت الرعية الى الوالي حقه وادى الوالي اليها حقها

ص: 343

عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت واعتدلت معالم العدل وجرت على اذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء واذا غلبت الرعية واليها او اجحف الوالي برعيته اختلفت هناك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثرة الادغال في الدين وترکت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الاحکام وكثرت على النفوس)) إلى أن يقول: "فعليكم بالتناسخ في ذلك وحسن التعاون عليه ثم يقول ولكن من واجب حقوق الله على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على اقامة الحق بينهم" (37).

فعلى الرعية ان تعطي الوالي ما عليها من حقوق فتطيعه اذا امر و تجيبه اذا دعا وتنصحه اذا استنصحها وعلى الوالي اذا حصل على ذلك ان يستغله في اصلاح شؤون رعيته ولكن حين لا تبذل الرعية للوالي طاعتها ولا تمحضه نصيحتها لا تلبي دعوته اذا دعاها فان الوالي سيكون مضطرا لان يمضي وقته في رعاية مصالح نفسه ويهمل مصالح رعيته وينتج عن ذلك شيوع الظلم وسيطرة الظلمة وانحراف وفساد الدولة.

ص: 344

الخاتمة

مما سبق تبين لنا أن الادارة عند أمير المؤمنين(عليه السلام) ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حل نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.

وكذلك الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالإدارة الجيدة التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.

أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنها المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البيروقراطية.

لابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.

ص: 345

الهوامش

1- عبيدات، زهاء الدين، القيادة والإدارة التربوية في الإسلام، دار البيارق، عمان، 2001، ص ص 41، 40.

2- هيز، صامويل، وليم توماس، تولي القيادة، فن القيادة العسكرية، ترجمه سامي هاشم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1984. ص 18 - 20.

3- المناف، جميل كاظم، القيادة والأزمة الحضارية، دار الرشيد، بغداد، 1980، ص 40.

4- انظر الموقع الالكتروني www.islammemo.cc

5- ج. كورتوا، لمحات في فن القيادة، تعريب هيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1986، ص 11.

6- إبراهيم مدكور، المعجم الوجيز، منشورات مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1989، ص 25.

7- عبيدات، القيادة والإدارة التربوية، ص 46.

8- البقرة، آية: 124.

9- محفوظ، محمد جمال الدين، المدخل إلى العقيدة والاستراتيجية العسكرية الإسلامية، الدار المصرية للكتاب، القاهرة، 1976، ص 308.

10- نهج البلاغة.

11- نهج البلاغة رقم النص 131 / شرح الدكتور صبحي الصالح ص 188.

12- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 86.

13- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 104.

ص: 346

14- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 88.

15- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص ص 88 - 89.

16- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص ص 96 - 97.

17- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 103.

18- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 102.

19- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 128.

20- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 105.

21- عبدة، نهج البلاغة، ج 3، ص 100.

22- هود : اية 84

23- الأعراف: اية 85.

24- الرضي، الشريف، (الجامع)، نهج البلاغة، تعلیق و فهرسة د. صبحي، خطبة 105، 187.

25- الرضي، خطبة 166، ص 297.

26- الرضي، خطبة 176، ص 313.

27- الرضي، الخطبة 205، ص 405.

28- الرضي، کتاب 57، ص ص 575 - 576.

29- العاملي، الحر، وسائل الشيعة، تحقيق مؤسسة ال البيت لاحياء التراث، (د.م، د.ت)، ج 11، ص 81.

30- القلقشندي، أحمد بن علي بن أحمد الفزاري، مآثر الاناقة في معالم الخلافة، ط 2، الكويت، 1985، ج 1 ص 36.

ص: 347

31- الحائري، كاظم، أساس الحكومة الاسلامية، ص 60.

32- المصدر نفسه، ص 159.

33- النساء: 105.

34- العاملي، وسائل الشيعة، ج 18 ص 156.

35- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 53.

36- عبده، نهج البلاغة، ج 3، ص 93.

37- الرضي، نهج البلاغة، رقم النص 216، ص 232.

ص: 348

لمحة عن المبادئ الاقتصادية الاجتماعية من خلال عهد الامام علي (عليه السلام) الى مالك بن الاشتر

اشارة

م.د. رغد جمال مناف مركز إحياء التراث العلمي العربي/ جامعه بغداد

ص: 349

ص: 350

إن نظرة سريعة عن واحدة من أهم اللوائح والقوانين التي تحدثت بها كتب التاريخ والقانون، لأنها نظمت حقوق الانسان الاجتماعية والاقتصادية والانسانية، وماله وعليه من حقوق وواجبات، ليضمن له حياة كريمة حرة سعيدة كما ارادها الله تعالى، وطبقها الامام علي (عليه السلام) عندما تولى الخلافة، عمد الى تحقيق العدالة الاجتماعية بكل مقوماتها، ليعيش الانسان حرا کریما، وهي من اهم سمات حكمه التي امتاز به، وهذا مسطر في كتب التاريخ وفي وصاياه التي ذكرها في كتابه نهج البلاغة، ومنها وصيته لعامله مالك بن الاشتر، وكيف يطلب منه معاملة الرعية والإحسان اليهم، فقد شرع الامام علي في اتخاذ جملة من الاصلاحات الاجتماعية الاقتصادية، اثناء حكمه في مدينة الكوفة، وهذا ما سنتحدث عنه تفصيلا في ثنايا بحثنا. وهذا ما جسده في كتابه العهد الذي عهد به الى واليه على مصر مالك بن الاشتر، وضمّنه الخطوط العامّة والأمور المفصليّة للحكم وإدارة البلد بما يرضي الله تعالى، ويحفظ حقوق الرعية بمختلف طبقاتها، وخاصة الطبقة التي عانت الكثير من الظلم والماسي في زمن الخليفة عثمان بن عفان، فالأمام علي (عليه السلام) بفكره الثاقب وروحه المحبة والتواقة للعدالة وضع دستور رصين، وقانون متكامل يقضي على الحاكم ان يجعل رعيته نصب عينيه، حتى لا تغرق سفينة حكمه ويؤول امره الى الضياع، كما ان الامام قد فصل في كتاب العهد الدين عن السياسة، وهذا ما تناوله الامام علي (عليه السلام) في رسالةً مفصّلةً بهذا الخصوص في كتابه نهج البلاغة، وألزم الوالي مالك بن الاشتر بتطبيق مضامینها، قائلا: «هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ، حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا»، وسنتطرق ايضا الى الاعمال الاقتصادية ثم

ص: 351

نعرج على الأعمال الاجتماعية التي قام بها الامام علي (عليه السلام)، اثناء توليه الحكم الاسلامي، مع اعطاء لمحة تعريفية عن واليه مالك بن الاشتر، فاصبح عهد الامام علي (عليه السلام) وثيقة اقتصادية اجتماعية ودستورا لحماية الأفراد

1- مضامين عهد الامام علي (عليه السلام) لواليه مالك بن الاشتر:

من كتاب له (عليه السلام) كتبه للاشتر النخعي لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب امر اميرها محمد بن أبي بكر، و هو اطول (عهد) كتبه و جمع فيه كل ما يضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والانسانية فقال الامام (سلام الله علیه): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ «هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ، حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا أَمَرَهُ بِتَقْوَی اللّهِ وَإِیْثَارِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِی لَایَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا وَلَا یَشْقَی إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا وَأَنْ یَنْصُرَ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَیَدِهِ وَلِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَیَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللّهُ....... إلى آخر العهد الطويل». (1) ذكرنا ما طوى عليه عهد الامام علي (عليه السلام) لواليه مالك بن الاشتر، وبناءا عليه استخرجنا من المبادئ وسياسية الامام الاقتصادية والاجتماعية لتوفير الرفاهية لابناء أمته بمختلف الطوائف والفئات وهذا ما سناتي للحديث عنه في السطور القادمة.

ص: 352

2- لمحة عن الأعمال الاقتصادية للإمام علي (عليه السلام):

كان ولا يزال الامام علي (عليه السلام) الرائد الأول والمصلح الاجتماعي الذي عني بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، حتى اصبحت قوانينه مصدرا للتشريع واساسا لتحقيق العدل الاجتماعي، ليضمن للفرد حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، فقد تبنی فكرا اجتماعيا ليغطي احتياجات الانسان في حياته، وهذا ما اكد عليه في خطبه ورسائله وأوامره فهي زاخرة بإرشاداته فكان اول عمل بدا به هو تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية وسنبدأ بالحديث عن الجانب الاقتصادي لأنه عصب الحياة والدولة.

كانت اولى مهام الامام (عليه السلام) ان يجسد العدالة الاقتصادية بين جميع الناس، وفق الشريعة الاسلامية، فبدا اول خططه الاقتصادية بجملة من الامور وهي منها: الغي السياسة المالية و الاجتماعية و الادارية التي كان معمولا بها قبله، فقام باسترجاع الاموال التي تصرف بها بنو امية من بيت مال المسلمين، ومن ثم ابعد الولاة الذين أساؤوا التصرف و خالفوا أمر الله تعالى، و تخطوا منهجه الذي وضعه لعباده، طبق سياسة المساواة في توزيع المال، والغي دور الطبقية والتمييز و الاثرة، كما قال: «أن المال مال الله، ألا و إن إعطاء المال في غير حقه تبذير و إسراف» (2).

وله ايضا قول اخر يحث على تحقيق العدالة الاقتصادية لكل فرد :«ألا لا يقولن رجال منكم غدا قد غمرتهم الدنيا فامتلكوا العقار، و فجروا الأنهار، و ركبوا الخيل، و اتخذوا الوصائف المرققة، إذا منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا» (3).

کما عامل الامام (عليه السلام) افراد الامة الاسلامية بعدالة لا فرق لديه بين غني او فقير، كلهم متساوون لديه، فبدا بتوزيع الحقوق والمسؤوليات بين الافراد وهذا ما

ص: 353

اکده في احدى خطبه قائلا: «و الله لأن أبيت على حسك (4) السعدان (5) مسهدا، أو اجر في الأغلال مصفدا، أحب إلي من أن ألقى الله و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، و غاصبا لشيء من الحطام، و الله لو اعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، و إن دنیاکم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي و لنعيم يفنی و لذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل و قبح الزلل و به نستعين» (6).

3- بعض من ملامح افكار الامام علي (عليه السلام)، والتي تتضمن سياسته الاقتصادية:

تبنى الإمام (عليه السلام) نظاما اقتصاديا عادلا، ليضمن لا بنائه الحياة المترفة، فقسم المال بالتساوي، فساوي في العطاء كما فعل الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) من قبله، ليحقق التوازن والعيش المرفه للإنسان، كما الغي اشكال التمييز في توزيع المال على الناس، موكدا ان التقوى والسابقية في الاسلام والجهاد، والصحبة للرسول (صلی الله عليه واله) امور لا تمنح اصحابها مراتب او مميزات في الدنيا، وانما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الآخرة، ومن كان له قدم في ذلك، فالله تعالى يتولى جزاءه، أما في هذه الدنيا فإن الناس سواسية في الواجبات الحقوق المالية. (7)

ويلحظ من النص ان الإمام (عليه السلام) طبق سياسية المساواة الاقتصادية موكدا ذلك في احدى خطبه قائلا: «ألا وایما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يرى أن الفضل له على سواه لصحبته فإن الفضل النيّر غداً عند الله وثوابه وأجره على الله.»، وله قول آخر: «وأيما رجل استجاب له وللرسول فصدق ملتناً ودخل في ديننا واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده. فأنتم عباد

ص: 354

الله، والمال مال الله يقسم بینکم بالسوية لا فضل فيه لاحد على احد، وللمتقين عند الله غدا احسن الجزاء وافضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين اجرا ولا ثوابا، وما عند الله خير للابرار..» (8).

وذكرت الروايات التاريخية ان عقيل اخو الامام (عليه السلام) من المعترضين على سياسة التسوية في العطاء، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال: لما ولي علي (عليه السلام) صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «اما اني والله ما ارزؤكم من فيئكم هذا درهماً ما قام عذق بيثرب، فلتصدقكم انفسكم افتروني مانعا نفسي ومعطيكم قال: فقام اليه اخوه عقيل فقال: فتجعلني واسود في هذه المدينة سواء، فقال: اجلس، ما كان ههنا احد يتكلم غيرك وما فضلك عليه الا بسابقة او تقوى». (9)

ويبدو من خلال قرائتنا للنصوص التاريخية التي اشادت بعدالة الامام (سلام الله عليه) الاقتصادية، ليقيم مجتمعا عادلا ومتوازنا لا يوجد مكان فيه للإقطاعية او الرأسمالية، او التسليط على رقاب الناس ولا يوجد فيه فقير و محروم و بائس، وينطبق هذا الامر حتى مع اولاده واخوته وما حادثة اخيه عقيل المشهورة في كتب التاريخ الا دلیل ساطع على عدالته، وبموقفه هذا ترك لنا دروسا وعبر تدل على عدالته الاقتصادية بين الرعية.

وجاء ما يوكد ما ذكرناه عن عدالة الامام (عليه السلام) الاقتصادية فقد قال في احدى خطبه بعد بیعته بالخلافة قائلا: «خطب امير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان ادم لم يلد عبداً ولا امة، وان الناس كلهم احرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمنّ به على الله عز وجل، الا وقد حضر شيء ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر فقال مروان لطلحة والزبير:

ص: 355

ما اراد بهذا غیرکما، قال فأعطي كل واحد من المسلمين ثلاثة دنانير، واعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد غلام اسود، فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا امير المؤمنين هذا غلام اعتقته بالأمس تجعلني واياه سواء؟ فقال (عليه السلام): اني نظرت في كتاب الله فلم اجد لولد اسماعيل على ولد اسحاق فضلا».(10)

كان طلحة والزبير اول المعترضين على سياسة التسوية في العطاء، واخذ يعدان العدة النقض البيعة والتجهز للحرب فتكلما مع الإمام (عليه السلام) و حاولا ان يفضلهما في العطاء لانهم هم الأسبقية في الاسلام وصرحا بان الخليفة عمر كان يفضّلهما في العطاء، ولكن هذا التفضيل لم يكن ليجد مكانه في حكومته (عليه السلام): «روينا عن امير المؤمنين علي (عليه السلام) انه امر عمار بن یاسر وعبيد الله بن ابي رافع وابا الهيثم بن التيهان أن يقسموا فينا بين المسلمين، وقال لهم: اعدلوا فيه ولا تفضلوا احدا على احد، فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس فاقبل اليهم طلحة والزبير، ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير فقال طلحة والزبير: ليس هكذا يعطينا عمر، فهذا منكم او عن امر صاحبكم؟ قالوا: بل هكذا امرنا امير المؤمنين (عليه السلام) فمضيا اليه فوجداه في بعض امواله قائما في الشمس على اجير له يعمل بين يديه، فقالا له: ترى ان ترتفع معنا الى الظل؟ قال: نعم. فقالا له: انا اتينا الى عمالك على قسمة هذا الفيء فأعطوا كل واحد منا مثل ما اعطوا سائر الناس قال: وما تريدان؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر، قال: فما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطيكما؟ فسكتا، فقال: اليس كان رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم) يقسم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة؟ قالا نعم، قال: فسنة رسول الله (صلى الله عليه واله) اولى بالاتباع ام سنة عمر؟ قالا: بل سنة رسول الله، ولكن یا امیر المؤمنين لنا سابقة وعناء وقرابة، فان رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل، قال: سابقتكما

ص: 356

اسبق ام سابقتي؟ قالا: سابقتك، قال: فقرابتكا أقرب أم قرابتي؟ قالا: قرابتك، قال: فعناؤکما اعظم ام عنائي؟ قالا: بل انت يا امير المؤمنين اعظم عناءا، قال: فو الله ما انا واجيري هذا واوما بيده الى الاجير الذي بين يديه في هذا المال الا بمنزلة واحدة، قالا: جئنا لهذا وغيره، قال: وما غير؟ قالا: اردنا العمرة فأذن لنا، قال : انطلقا فمت العمرة تریدان، ولقد أنبئت بأمرکما ورأيت مضاجعکما، فمضيا وهو يتلو وهما يسمعان» فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّمَا یَنْکُثُ عَلَی نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَی بِمَا عَاهَدَ عَلَیْهُ اللَّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْرًا عَظِیمًا. (11) سعى الإمام (عليه السلام) الى تأسيس نظام مالي له اسس وقواعد مغايرة عما عمل بها في زمن الخليفة عثمان بن عفان، فكان من ضمن الاعمال التي قام بها الامام (سلام الله عليه) محاسبة المفسدين الذين نهبوا اموال المسلمين بغير حق، فاصدر اوامره بجمع الاموال المسروقة والمختلسة من بيت المال واعادتها الى خزينة الدولة، فقد تميزت سياسة امير المؤمنين بالعدالة والصرامة وعدم المداهنة مع اي طرف مهما علا شانه او قرب نسبه، فقد كان جل اهتمامه بشريحة الفقراء والمساكين واهل الحاجة، مما جعل منهجه في السياسة الاقتصادية يعتمد مبدا توزيع الاموال بصورة عادلة وسريعة على مستحقيها فوجه اهتمامه الى اعمار الاراضي لاستيعاب العاطلين عن العمل وزيادة الانتاجية الغذائية لسد حاجة المجتمع، وهذا هو ما اكد أمير المؤمنين المالك الاشتر ضرورة اصلاح الارض قبل اخذ الخراج منها حيث قال له: «ليَكُن نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرضِ أَبلَغَ مِن نَظَرِكَ فِي استِجلَابِ الخَرَاجِ، لِأَنّ ذَلِكَ لَا يُدرَكُ إِلّا بِالعِمَارَةِ وَ مَن طَلَبَ الخَرَاجَ بِغَيرِ عِمَارَةٍ أَخرَبَ البِلَادَ، وَ أَهلَكَ العِبَادَ». (12)

نلحظ من خلال النصوص المذكورة اعلاه ان سياسة الامام علي (عليه السلام) الاقتصادية عادلة في توزيع المال خلقت له مشاکلا سياسية واجتماعية واقتصادية مع جيشه الذي تخاذل جيشه وتوجهه صوب معاوية وتنكر له الاعيان من البلاد وقاطعته

ص: 357

قبائل قريش الاقطاعية، مما دعا ابن عباس الى توجيه النصح الى الامام وعرض عليه حالة جيشه فقال: يا أمير المؤمنين، فضل العرب على العجم، وفضل قريشا على سائر العرب، فنظر له الامام بطرف عينه فقال: «اتأمروني ان اطلب النصر بالجور، لا والله ما افعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، والله لو كان مالهم لي لواسیت بينهم، فكيف وانما من اموالهم.» (13)

ويبدو من النص ان الإمام (سلام الله عليه) يهدف الى تطبيق مبدا العدالة الاقتصادية، وضمان حقوق الافراد بغض النظر عن دينه فهم جميعا لديه متساوون في الحقوق والواجبات.

وعرف الامام (عليه السلام) بشدة زهده و حرصه الشديد على توفير الرفاه الاقتصادي للأمة التي اضطلع بقيادتها، فكان يقسم الذهب و الفضة بين الناس، ويطعمهم اللحم و الخبز (14). و يعمل كل ما في وسعه لرفع غائلة الفقر عنهم، و كان بیت المال لا يكاد ترد إليه الأموال حتى يبادر الإمام (عليه السلام)، إلى توزيعها على الناس بالتساوي، لإعطاء كل ذي حق حقه، متبعا منهجا عادلا في توزيع الاموال، فها هو يخاطب الزبير و طلحة حينما كبر عليهما منهاج المساواة في العطاء، حيث قال: «فو الله ما أنا و أجيري هذا إلا بمنزلة واحدة» (15).

وفي حادثة اخرى فقد جاءه عاصم بن میثم، و كان الإمام (عليه السلام) يقسم اموالا فقال:

«يا أمير المؤمنين في شيخ مثقل فقال الإمام (عليه السلام): «و الله ما هو بكد يدي ولا بتراثي عن والدي، و لكنها أمانة أوعيتها». (16)

نستنتج من النص ان الامام (سلام الله عليه) يرى هذه الاموال، امانة في رقبته لا

ص: 358

يمكنه التصرف بها، الا حسب ما جاء به الاسلام، لينال رضا الله تعالى، وليرفع المستوى المعاشي للإنسان، فيكون مجتمعا متكاملا يكفل العيش للجميع، وهذه المسال فيها بعد نظر كبير، لان الامام اتراد تحقيق عدالة اجتماعية للجميع في ظل حكومته.

وفي احدى الروايات التي تبرز عدالة الامام وسعيه الدؤب لتحقيق العدالة بين ابناء رعيته، بغض النظر عن صلة القرابه، «فقد جاءه عبد الله بن زمعة وهو من شيعته يطلب منه مالا فقال له الإمام (عليه السلام): «إن هذا المال ليس لي ولا لك، وانما فيء للمسلمين وجلب أسيافهم فان شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، الا فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم» (17)

ويلحظ اصرار الامام (سلام الله عليه) على تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ايا كان الشخص فقد ذكرت احدى الروايات «انه قد جاءه عمرو بن العاص ليلة و هو في بيت المال يتولى بعض شؤون المسلمين، «فأطفا الإمام (عليه السلام) السراج و جلس في ضوء القمر، فالسراج ملك الامة، فلا يصح أن يستضيء به ابن العاص، و هو في زيارة خاصة للإمام (عليه السلام)». (18)

ونستدل من هذه الحادثة حرص الامام على أموال الامة، و عمله الدائب من اجل مصلحتها مصلحتها، وإسعادها و هدایتها و اصلاح شأنها، فهو يعلمنا كيفية الحفاظ على الحق العام دون الخاص، ويهدينا الى فكر اقتصادي عادل.

ولم يكتف الامام (سلام الله عليه) بتعديل النظام الاقتصادي فبدا باسترداد الاموال التي تدفقت على فئة من الناس من غير حق، ومراقبة طرق جبايتها، وكيفية توزيعها فئات الامة، كما شدد على مراقبة ولاته في الامصار، ويحيط علما بتصرفاتهم وممارساتهم، ومن هنا تجد الكثير من النصوص التي يوجه فيها الإمام (عليه السلام)، واليا او جابيا للمال

ص: 359

باستعمال الطريقة المثلى في عمله المناط به، في حين نلاحظ نصوصا يوبخ فيها الإمام (عليه السلام)، ذلك الوالي او يستدعيه للحساب او يعزله عن منصبه لخيانة الأمانة التي انيطت به (19).

وتستمر عدالة الامام الاقتصادية فيتفقد بنفسه الاسواق من ناحية المكاييل و المعروض من السلع و طبيعة المعاملات فيها، ويرشد الضال، ويهدي المقصر الى طريق الحق، و یامر بكل معروف، وينهى عن كل منكر (20)، ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك ألا تفعل تظلم، و من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده (21).

وبالنظر للأهمية البالغة التي تمثلها جباية الاموال في الدولة الاسلامية، باعتبارها عنصرا هاما من عناصر الاقتصاد الاسلامي، ليضمن حقوق الافراد في املاك الدولة، فأولى عناية فائقة بطرق جباية الاموال، وحرص على أن يلتزم موظفوها بأقصى درجات العدل والفضيلة والنبل، والشعور بالمسؤولية فليست مهمتهم فقط جمع المال من اجل المال، وإنما ينبغي عليهم أن يلتزموا الحق في تعاملهم مع الافراد، ليعكسوا عدالة الإسلام، فلا ينبغي ان يغضبوا احدا من الناس، ولا يسيؤوا معاملة احد، ولا يضربوا انسانا من اجل درهمً، ولا يجوز ان يعتدوا على مال امرئ من المسلمين او من غيرهم ممن يتمتع بحق التابعية للدولة الاسلامية. (22)

عمد الإمام (عليه السلام) الى تنظيم الحياة الاقتصادية للافراد، وذلك عن طريق تنظيم مستوى معاشي جيد، فعزم على التزام خطة لمراقبة السوق، من ناحية البيع والشراء، وطبيعة ما يعرض للبيع، للحيلولة دون التطفيف في المكاييل والتلاعب بالأسعار أو الغش، فعن الامام الباقر (عليه السلام) قال: كان امير المؤمنين (عليه السلام) كل بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً، ومعه الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان، وكانت تسمى السبيبة، فيقف على سوق فينادي: يا معشر التجار قدموا الاستخارة،

ص: 360

وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن الكذب، واليمين، وتجافوا عن الظلم، وانصفوا المظلومين ولا تقربوا الربا (29)،مستندا في عمله هذا الى الآية القرآنية «وأوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين» (23)

كان الامام (عليه السلام) يحرص بشدة لرفع غائلة الفقر والظلم عن الامة، فاتبع منهجا معينا اثناء فترة خلافته كالاتي: «.. ولو شئت لاهتديت الطريق الى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي الى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع أو أبيت مبطاناً، وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى؟ أأقنع من نفسي بأن يقال هذا: أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟» (24).

4- الجانب الاجتماعي:

إذا كانت جميع جوانب الدولة الإسلامية قد تناولتها يد الاصلاح لتحقيق الرفاهية والسعادة، للإنسان، فإن الإمام (عليه السلام) قد خطا في سبيل تحقيق أفضل صورة للعدالة الاجتماعية وفقاً للتصورات الإسلامية، فقد شهد المجتمع الإسلامي بجميع قطاعاته وقواه عدالة رائدة كالتي شهدها أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منطلقاتها وأبعادها. وفيما يلي شواهد من تلك التجربة التاريخية المشعة التي تفيأت الأمة ظلالها، فقد شهدت قطاعات الأمة الاسلامية في عهد الامام صورا رائعة في كيفية التعامل مع الرعية بالرفق واللين، مع رعاية شؤونها، والمساواة في العطاء بين جميع افرادها من خلال النصوص ذكرها الامام في كتابه نهج البلاغة: «المال مال الله يقسم بينكم بالسوية لا فضل لأحد على أحد»، وقال ايضا: «وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودان

ص: 361

الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارهاً» (25).

ويبدو من النص ان الامام قاد الامة الاسلامية الى تدبير شوؤنها، ورعاية امورها، ليحقق لها السعادة، في رواية تاريخية عن الحكم حيث قال: «شهدت علياً، وأتى له بزقاق من عسل، فدعا اليتامى وقال: ذوقوا، والعقوا، حتى تمنيت أني يتيم، فقسمه بين الناس وبقي منه زق، فأمر أن يسقاه أهل المسجد» (26)

وفي رواية اخرى قال: انطلقت مع غلام علي (عليه السلام)، اسمه قنبر فإذا هو يقول: قم يا أمير المؤمنين فقد خبات لك خبيئا قال (عليه السلام): وما هو، ويحك!! قال: قم معي قم معي.، فقام فانطلق به الى بيته، واذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا وفضة، فقال: يا أمير المؤمنين، رايتك لا تترك شيئا الا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال، فقال علي (عليه السلام): ويحك يا قنبر، لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة ثم سلَّ سيفه، وضربها ضربات كثيرة، فانتثرت.. ثم دعا بالناس، فقال: اقسموه بالحصص، ثم قام الى بيت المال، فقسم ما وجد فيه، ثم رأى في البيت ابرا ومسال فقال: ولتقسموا هذا.. » (27).

ويلحظ من النص ان الامام يدعو الى العدالة الاجتماعية بين افرادها، بالتساوي في الحقوق والواجبات، وكان يهدف الى ايجاد قوانين اجتماعية تهدف الى حرية الفرد ليعيش حرا كريما.

وفي رواية اخرى عن الحكَم قال: إن عليا قسم فيهم الرمّان حتى أصاب مسجدهم رمانات، وقال: أيها الناس أنه يأتينا أشياء نستكثرها إذا رأيناها، ونستقلها إذا سبع قسمناها، وإنا قد قسمنا كل شيء أتانا، قال: وأتته صفائح فضة فكسرها، وقسمها بيننا، كما عين الامام (علیه السلام) عامر بن النباح مؤذنه امينا لبيت المال في الكوفة، فجاءه

ص: 362

الى علي بن ابي طالب (عليه السلام) فقال: يا امير المؤمنين امتلا بيت المال من صفراء وبيضاء، فقال علي: الله أكبر، ثم قام متوكئا على يد ابن التياح، فدخل بيت المال وهو يقول:» هذا جناي وخياره فيه وكل جان يده الى فيه، ثم نودي في الناس، فأعطى علي، جميع ما في بيت المال وهو يقول: «يا بيضاء، ويا صفراء، غري غيري حتى لم يبق فيه درهم ولا دينار، ثم أمر بتنظيفه، فصلى فيه ركعتين (عليه السلام)» (28).

ويدل النص على الشدة في الزهد، والرغبة الشديدة في تحقيق المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين افراد الامة جميعا.

في احدى الروابات عن ابي النوار ذكر ان: رأيت عليا (عليه السلام) وقف على خياط فقال له: «یا خیاط صلب الخيط، ودقق الدرز، وقارب الغرز، فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول «يؤتى يوم القيامة بالخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاطه، وخان فيه، فيفتضح على رؤوس الأشهاد»، ثم قال: «يا خياط إياك والفضلات والسقطات فإن صاحب الثوب أحق بها..» (29).

ذكرت الرويات التاريخية حادثة عن عدالة الامام (سلام الله عليه) الاجتماعية، ورد انه (علیه السلام) مر بشيخ نصراني كبير مكفوف البصر يسال الناس الصدقة فقال امير المؤمنين (عليه السلام): ما هذا؟ قالوا: نصراني، فقال (عليه السلام): استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه؟ انفقوا عليه من بيت المال. (30)

نلحظ من لهجة الامام (عليه السلام) (ما هذا)، تدلنا على شدّة امتعاض الامام وغضبه من تلك الصورة التي راى بها ذلك الشيخ النصراني، فامر الامام بان يخصّصوا له مرتبا ثابتا من بيت مال المسلمين، ليصونوا كرامة الشيخ النصراني، فلم ينظر (عليه السلام) الى دين ذلك الرجل، او معتقده، او مذهبه، او بل نظر الى انسانيته، فهو انسان

ص: 363

يعيش في دولة الاسلام يحق له ان تصان كرامته وتحفظ حرمته وهو في اخر ايامه.

حتى ان الامين العام للامم المتحدة اقتبس في تقريره الدولي مقاطع من وصايا امير المؤمنين (عليه السلام) لعامله على مصر مالك الاشتر، التي يوكد فيها على استصلاح والتنمية ويقول: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب لأنَّ ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً. (31)

ولابد من الاشارة الى ان عهد الامام (عليه السلام) الى واليه مالك ابن الاشتر قد انطوى على أفكار اجتماعية غاية في الاهمية، فقد تناول الامام (عليه السلام) تركيبة المجتمع، والقوى المؤثرة، فقد ركز الامام (عليه السلام) على اهمية الزراعة والتجارة، ودور والقضاة والولاة والجنود في بناء المجتمع، مع تحديد كيفية التعامل مع تلك الفئة الهامة في المجتمع، وحدد مسؤوليات الدولة تجاه كل واحدة من تلك الفئة الفاعلة في الحياة العامة، ولم ينس حتى فئة اليتامى وكبار السن، ليضمن لهم كل المستلزمات الحياتية. (32)

ص: 364

الهوامش

1- ابن ابو طالب، علي، نهج البلاغة، شرح وضبط نصوصه، محمد عبده، تبويب صبحي الصالح، الدار الاسلامية، بيروت، (دت)، ج 1، ص 247.

2- ابن ابو طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 126.

3- ابن ابو طالب، نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، مكتبة المثنى، بغداد، (دت)، ج 1، ص 126.

4- الحسك: نبات له ثمرة خشنة تعلق باصواف الغنم، ينظر: ابن منظور، ابو الفضل جمال الدين بن محمد بن مکرم الافريقي المصري، (ت 711 ه)، لسان العرب، دار صادر، بیروت، 2000، ج 10، ص 411.

5- السعدان: الشجر الشائك، ينظر: ابن منظور، لسان العرب، ج 12، ص 145.

6- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 125.

7- الانصاري، محمد علي، اهل البيت امامتهم، حياتهم، ط 1، مجمع الفكر الاسلامي، قم، 1424 ه، ص 235 - 238.

8- الحليلي، جواد جعفر، امير المومنين علي ابن ابي طالب، ط 2، مطبعة الارشاد، بيروت، 2001، ق 1، ص 12 - 19.

9- للمزيد من التفاصيل ينظر: البلاذري، احمد بن يحيى بن جابربن داود الطائي، (ت 279 ه)، انساب الاشراف، تح: احسان عباس، جمعية المستشرقين الالمانية، بيروت، 1979، ج 2، ص 136. الانصاري، اهل البيت،ص 238 - 240.

10- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 198 - 199.

11- سورة الفتح، آية 48.

ص: 365

12- جرادق، جورج، روائع نهج البلاغة، ط 2، مركز الغدير للدراسات الاسلامية، (د-م)، 1997، ص 163.

13- الحليلي، امير المومنين، ق 1،ص 14 - 19.

14- ابن شهر آشوب، محمد المازندراني، مناقب ال ابن ابي طالب، تح: يوسف البقاعي، دار الاضواء، لبنان، (د-م)، ج 2، ص 97.

15- ابن شهر آشوب، نفس المصدر، ج 2، ص 97 - 98.

16- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 269.

17- المجلسي، حسين بن محمد تقي، بحار الانوار، دار المحصوصة، الهند، 1297 ه، ج 4، ص 330.

18- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 136؛ ابن شهر شوب، المناقب، ج 2، ص 111.

19- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 232؛ المجلسي، بحار الانوار، ج 1، ص 115.

20- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 131 وص 200؛ ابن شهر اشوب، المناقب، ج 2، ص 110.

21- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 412.

22- جرداق، روائع نهج، ص 163.

23- سورة هود، آية 84 - 86.

24- الانصاري، اهل البيت، ص 238 - 240.

25- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 198 - 199.

26- سبط ابن الجوزي، شمس الدين ابو المظفر بن فرغلي بن عبد الله البغدادي ابي عبد الرحمن، ت (654 ه)، تذكرة خواص الامة، ط 1، دار العلوم، بيروت،

ص: 366

2004، ص 117 - 118.

27- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 418؛ القمي، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابوية، ت (381 ه)، امالي الصدوق، تقديم: حسين الاعلي، منشورات موسسة الاعلمي، بيروت، 28 - القمي، المصدر نفسه، ص 135 - 136؛ المجلسي، بحار الانوار، ج 1، ص 104. د-ت)، ص 134.

29- الانصاري، اهل البيت، 214 - 215.

30- الاديب، عادل، دورائمة اهل البيت في الحياة السياسية، دار المعارف، لبنان، (د-ت)، ص 45.

31- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 1، ص 291.

32- ابن ابي طالب، نهج البلاغة، ج 2، ص 36 - 37.

ص: 367

قائمة المصادر

1- القرآن الكريم.

2- البلاذري، احمد بن يحيى بن جابر بن داود الطائي،(ت 279 ه)، انساب الاشراف، تح: احسان عباس، جمعية المستشرقين الالمانية، بيروت، 1979.

3- سبط ابن الجوزي، شمس الدين ابو المظفر بن فرغلي بن عبد الله البغدادي ابي الفرج عبد الرحمن،ت (654 ه)، تذكرة خواص الامة، ط 1، دار العلوم، بيروت، 2004.

4- ابن شهر آشوب، محمد المازندراني، مناقب آل ابن ابي طالب، تح: يوسف البقاعي، دار الاضواء، لبنان، (د-م).

5- ابن ابو طالب، علي، نهج البلاغة، شرح وضبط نصوصه، محمد عبده، تبويب صبحي الصالح، الدار الاسلامية، بيروت، (د=ت).

ابن ابو طالب، نهج البلاغة، شرح محمد عبدة، مكتبة المثنى، بغداد، (دت).

6- القمي، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابوية، ت (381 ه)، امالي الصدوق، تقديم: حسين الاعلي، منشورات موسسة الاعلمي، بيروت، (دت).

7- المجلسي، حسين بن محمد تقي، بحار الانوار، دار المحصوصة، الهند، 1297 ه.

8- ابن منظور، ابو الفضل جمال الدين بن محمد بن مكرم الافريقي المصري، (ت 711 ه)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، 2000.

9- النسائي، ابو عبد الرحمن بن شعیب، ت (303)، خصائص امير المومنين علي بن ابي طالب، تح: احمد ميرين البلوشي، ط 1،مطبعة الفيصل، مكتبة المعلا، الكويت، 1986.

ص: 368

المراجع

1- الاديب، عادل، دور ائمة اهل البيت في الحياة السياسية، دار المعارف، لبنان، (د-ت).

2- جرادق، جورج، روائع نهج البلاغة، ط 2، مركز الغدير للدراسات الاسلامية، (د-م)، 1997.

3- الانصاري، محمد علي، اهل البيت امامتهم، حياتهم، ط 1، مجمع الفكر الاسلامي، قم، 1424 ه.

4- الحليلي، جواد جعفر، امير المومنين علي ابن ابي طالب، ط 2، مطبعة الارشاد، بيروت، (د-ت).

ص: 369

ص: 370

مفردات بناء الدولة في فكر أمير المؤمنين علي عليه السلام عهده الى مالك الأشتر (رضي الله عنه) انموذجا

اشارة

أ. م. د عبد الحسين العَمري كلية الآداب / جامعة ذي قار

أ. م. د إحسان التميمي كلية التربية ابن رشد / جامعة بغداد

ص: 371

ص: 372

ملخص

في تاريخ الأمم والشعوب، يبرز قادة عظام يضعون لها أساسات بنائها بشكل علمي صحيح، دون النظر إلى مصالحهم الخاصة، أو ما يمكن أن يحصلوا عليه من منافع ومغانم، هم وأتباعهم، مستنيرين بفلسفة التخطيط الاستراتيجي التي يؤمنون بها، ناظرين إلى الأهداف البعيدة التي يمكن أن تنتج عن هذا التخطيط؛ لأن التأسيس بشكل علمي سيشكل ركناً هاماً من أركان التطور الحضاري وإقامة العدالة في الأرض، بل هو الركن الأهم في ذلك.

ويأتي هذا البحث لاستقراء ذلك في فكر أمير المؤمنين عليه السلام بوصفه واضعاً أسس الدولة الحديثة وقد سبق زمنه في هذا المضمار، حتى غدت آراؤه تتماشى مع أحدث النظم السياسية والادارية التي وصل اليها العالم المتقدم.

ص: 373

توطئة

مفهوم الدولة المتحضرة أو ما يُصطلح عليه بالدولة الحديثة في وقتنا الحاضر، يعد من المفاهيم ذات الابعاد المختلفة؛ لأن ذلك ينبني في وجوده على أكثر من رکن هام، يتجاوز في ذلك الأطر العامة إلى المفصليات الدقيقة في حياة المجتمعات البشرية التي تقوم عليها، منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية ... الخ؛ إذ إن ذلك من شأنه تقويض وجودها، إذا ما حصلت أية انتكاسة في طبيعة بناء الدولة من جهة تلك المفصليات في وجود الدولة، بل ربما تسحبها تلك الانتكاسة أو الانتكاسات في تنفيذ تلك المفردات إلى التدمير الذاتي، إذا ما حصلت من دون فهم لحركية بناء الدولة وديمومة وجودها على وفق المفهوم القرآني «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ» (1).

ولابد هنا من تعريف للدولة التي يرى بعض الباحثين أنها (منظمة الجماعة التي تعتبر وظيفتها الاحتفاظ بالإمكانيات الخارجية الضرورية لحياة أفضل يمكن للإنسان أن يحياها)(2)، وبالمقابل (نحن مدينون لها بالولاء على أساس أنه عندما نطيع أوامرها فنحن في الواقع نطيع هيأة من الهيئات وظيفتها نشر الرخاء الذي ينطوي عليه رخاؤنا الشخصي) (3)، لذلك تعد الدولة هي (قمة الوعي المعرفي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع... فهي بنية فوقية لبنية تحتية)(4) تستمد شرعية وجودها من وجود تلك البنية التحتية التي تمثل أساس وجودها وكينونتها.

ومن هنا تتصف فكرة بناء الدولة بأنها من العمق بدرجة تحتاج إلى عقود متطاولة للوصول إلى الشكل المثالي الممكن للدولة، ولعل خير مثال على ذلك، الدول الغربية التي احتاجت إلى عشرات القرون من حيث الزمن، وإلى أنهار من الدماء لكي تستقر على

ص: 374

وضعها الحالي من حيث السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر والتحضر العلمي والتطور التقني؛ لأن استقرار النظام السياسي الذي يتسم بالعدالة والإنصاف، ينعكس ايجاباً على حالة المجتمع علمياً وثقافياً واقتصادياً.

ولعل المستقرئ لحياة الدولة الاسلامية الأولى، وتحديداً منذ بدء نشوئها وحتى خلافة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، يجد أنها لم تكن بتلك السمات التي من الممكن توافرها في دولة أصبحت تسيطر على أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، بل إنها كانت تسيّر أمورها بشكل قريب من الدولة القبلية منها إلى الدولة المدنية؛ إذ إنها لم تكن قد هضمت تصورات الدين الجديد عن مفهوم الدولة المدنية التي يريدها الإسلام من حيث حفظ الحقوق والحريات العامة والخاصة والعدالة والاعتماد على مبدأ الكفاءة بالإضافة إلى شيوع المساواة بين أفرادها، لتعيد انتاجها بشكل يتوائم و تحولات عصرها، أي لتجعل القوانين والتعليمات وسواها إلى مؤسسات تقود الدولة بما يجعلها دولة حقيقية، دون النظر إلى من هو الحاكم أو الشخص الذي يقود السلطة.

إلا أن عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) يعكس رؤية جديدة عن مفهوم الدولة وطبيعتها وكيفية بنائها، تماثل أحدث النظريات الفكرية في بناء الدولة الحقيقية القائمة على المرتكزات المعنوية المتمثلة بالعلاقة الإنسانية التي يجب توافرها بين الحاكم والمحكوم، فضلاً عن مرتكزاتها المادية التي تعدّ هي قوام الدولة بطبيعة الحال، ولبيان ذلك؛ لابد من تقسيم ذلك إلى جزأين هما:

- المقومات الروحية والمعنوية.

- المقومات الفنية والمادية.

ص: 375

أولا - المقومات الروحية والمعنوية الذاتية

يختزل عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك الأشتر تلك العلاقة إلى مجموعة هامة من المقومات ذات البعد العقلي والروحي والنفسي هي:

1- التقوى والايثار والاتباع: حدد ذلك بقوله (عليه السلام) (أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا، وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ، جَلَّ اسْمُهُ، قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ، وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ).

يبني الإمام (عليه السلام) فكرته بصيغة الفعل الطلبي الحازم، لتنطلق من الذات إلى الفضاء الأخلاقي المهيمن على كينونة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فأول ما يأمر به عامله مالك الأشتر (رضي الله عنه) هو (التقوى والايثار والاتباع)؛ لأن ذلك سيكون أساساً مکيناً يمكن البناء عليه فيما بعد، فالتقوی ابتداءً هي التي تعطي دافعاً للسلوك الايثاري، والايثار هو الذي يدفع بالفرد إلى اتباع الفكرة الصحيحة وشخوصها الفاعلة، وهي بالنتيجة تؤدي إلى فناء الذات من أجل الآخر (المثال) الذي يكون ترجمة لمفهوم العشق الرباني أو الحب الذي قالت به الآية الكريمة «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ...» (5)، مما يعني أن اتباع المثال أو القدوة سيكون سبباً في الوصول إلى الرضا والحب، وهي فضيلة نفسانية تصدر عن تلك الهيأة (6)، وبذلك يؤسس الإمام (عليه السلام) لمفهوم الترفع عن الصغائر الدنيوية الناتجة عن السلطة من خلال اتصاف الحاكم بالتقوى والايثار واتباع قدوته المثال التي يعني بها نفسه؛ إذ لا يمكن أن تكون التقوى تالية للفعل السلطوي، فشهوة السلطة ومفاتنها ومعطياتها ستكون دافعاً قوياً إلى الظلم والعصيان وسلب الناس حقوقهم.

ص: 376

وبذلك حدد الإمام (عليه السلام) فيما بعد نتيجة التقوى الذاتية التي تنفتح باتجاه المجتمع سلوكياً لاسيما أنها ستعطي الانطباع الحقيقي لدى أفراد المجتمع تجاه الحاكم ومدى صدقيته في التعامل معهم، وهذه النتيجة هي السعادة والرضا عن الذات من خلال اتباع الفرائض والسنن الالهية التي تتجسد في المثال والقدوة، فالرضا عن الذات لن يكون حقيقياً ما لم يكن نابعاً عن الضمير الحي والاستشعار الحقيقي لمعاناة الآخر (المحكوم) والسعي في قضاء حوائجه وتلبية متطلباته، ومراودة المثال في سلوكه الناصع حينما يحدده الإمام (عليه السلام) بقوله (أَلَا وَإِنَّ لِکُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً، یَقْتَدِی بِهِ، وَیَسْتَضِیءُ بِنُورِ عِلْمِهِ. أَلَا وَإِنَّ إِمَامَکُمْ قَدِ اکْتَفَی مِنْ دُنْیَاهُ بِطِمْرَیْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَیْهِ، أَلَا وَإِنَّکُمْ لَاتَقْدِرُونَ عَلَی ذَلِكَ، وَلَکِنْ أَعِینُونِی بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَعِفَّهٍ وَسَدَادٍ)، وهذا المثال أو القدوة هو نقطة الهدف السلوكي إلى مرضاة الله والسعادة التي حددها النص آنفاً.

ثم يردف بجملة طلبية أخرى، كأنما فيها تتمة المعن الذي بدأ به النص/ العهد، هو قوله (...وَأَمَرَهُ أَنْ یکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَ یزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ....)، وهو يأمره بالرياضة النفسية التي تفضي إلى فهم حركة الحياة بشكلها الحقيقي، من خلال استعماله للفعل (یکسر) الذي يعني هنا القطيعة التامة مع غرائز النفس وشهواتها، وأعقب ذلك بمنعها لحظة جماحها.

2- قراءة التاريخ واستنطاقه: تعد مهمة قراءة التاريخ السياسي للدولة من قبل الحاكم الجديد مهمة غاية في الدقة التشخيصية لعلل الفساد والانهيار الذي ينتاب المجتمعات؛ لأن فهم التاريخ وحركته بشكل صحيح سيحوّل بوصلة الفكرة السياسية من الظلم إلى العدالة ومن القسوة إلى الرحمة و من الاستبداد إلى الحرية، بما يجعل وظيفة التاريخ حاضرة بكل تفاصيله أمام قيادة الدولة لتجعل منها دروساً في سياسة المجتمع؛ إذ إن (التاريخ علم حركة الانسان من خلال محيطه في الزمان)

ص: 377

(7) أو هو (حركة الكائن في الزمان والمكان) (8)، فالتاريخ مليء بالعبر والعظات التي تنبئ عن ما جرى سابقاً، وهو ما أراده بقوله (ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ، أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ، مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ، وَأَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاهِ قَبْلَكَ، وَیَقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ، وَإِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ. فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْكَ ذَخِیرَهُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَامْلِكْ هَوَاكَ، وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لاَ یَحِلُّ لَكَ، فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ)، في هذه الجزئية من العهد، أراد الإمام (عليه السلام) أن يتخذ من حركة التاريخ ليس فقط جانباً وعظياً بل اتخذ أيضاً منه منهجاً للنقد السياسي المبطن والموجه، والتربية السياسية والتوجيه الحضاري للفرد / الوالي، وللمجتمع / الرعية، وعلى هذا الأساس جرى التشخيص من قبل الإمام على (عليه السلام) للذين سلفوا من الحاكمين و السلاطين والولاة والأمراء الذين مرّوا على البلاد؛ لأنهم لم يكونوا على مقاس واحد أو على نمط محدد.

3- الرحمة والمحبة للرعية واللطف بهم: لأن الدولة تتجسد في شخص أو مجموعة أشخاص فهي تتزامن بين الفرد والمجتمع؛ إذ تتداخل هذه المفاهيم فيما بينها الفرد - المجتمع الدولة، فهذا يعني تساؤلاً عن الوظائف غير المادية التي تمارسها الدولة مع أفرادها، ولعل الرحمة لهم و بهم والعطف عليهم واللطف بهم وعليهم من تلك الوظائف التي من الواجب ممارستها مع الأفراد، وعليه أمر الإمام علي (عليه السلام) عامله مالكاً بذلك حينما قال له (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَاتَکُونَنَّ عَلَیهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ، یفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ، وَیؤْتَی عَلَی أَیدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلَ الَّذِی تُحِبُّ

ص: 378

أَنْ یعْطِیكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَ وَآلِی الْأَمْرِ عَلَیكَ فَوْقَكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ! وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، وَابْتَلَاكَ بِهِمْ)، فاستشعار الرحمة من قبل الوالي للرعية وإظهار اللطف بهم يجعلهم يجدون الأمن والأمان من قبل هذا الوالي، وبالنتيجة من قبل الدولة التي يمثله الوالي بشخصه المعنوي.

إن البعد الأخلاقي في كلمات الإمام (عليه السلام) واضح للعيان، فالأخلاق هي التي يجب أن تحكم الوعي والسلوك لدى الوالي، فالدولة ممثلة بشخص الوالي لا يمكن أن تتخذ العنف وسيلة تجاه المواطنين، بل عليها أن تمارس معهم أقصى درجات المحبة واللطف بهم.

4- تواضع الوالي ووعيه بذلك: كثيراً ما يحدث للوالي أو السلطان أن يشمخ على المجتمع، وأن يمارس سلطته بتكبر عارم حينما يستغل سلطته وقوته في سبيل ذلك، وهو بهذا السلوك الفج يؤسس لهوة واسعة بينه وبين المجتمع، وقد راعى الإمام علي (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) موضوع البحث، ما سماه بعض البحاثين الغربيين المعاصرين بثلاثية سياسة الدولة التي تقوم على الفردانية، المساواتية، وما بعد المادية) (9) التي تترابط فيما بينها لتؤسس مجتمعاً منسجماً مع ذاته، ففي حين تكون الرحمة واللطف بالرعية هي من القيم ما بعد المادية، تكون المساواة والانصاف للمجتمع تقع تحت مفهوم المساواتية، كذلك يقع التواضع والنظر إلى الذات على أنها جزء من منظومة كونية يهيمن عليها الله تعالى، كل ذلك يقع تحت مفهوم الفردانية التي لا يقصد منها السلطوية بقدر ما يقصد منها اقامة القانون واجراء العدالة بين الأفراد، وهو ما قصده الإمام علي (عليه السلام) بقوله في عهده إلى مالك (وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِیهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَهً أَوْ مَخِیلَةً، فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ، وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَی مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ ذلِكَ یُطَامِنُ

ص: 379

إِلَیْکَ مِنْ طِمَاحِكَ، وَیَکُفُّ عَنْکَ مِنْ غَرْبِكَ، وَیَفِیءُ إِلَیْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ! إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ اللهِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ، فَإِنَّ اللهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ، وَيُهِينُ كُلَّ مُخْتَال.

أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ... (،لأن الأخلاق لابد لها من عمل تطبيقي يجعلها منظورة للمجتمع، ولا بد أن تكون الأخلاق مقرونة بالمعرفة، وهو ما أراده الإمام (عليه السلام) بقوله (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ)، لأن عمومية العدل والبحث عن رضا الرعية الجمعي، ينتمي إلى دائرة الأخلاق التي يتم من خلالها ترجمة مفهوم الإرادة الإلهية والإيمان به بعيداً عن الصورة الاسلامية الدينية التقليدية، وهو ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) في مكان آخر حينما قال في عهد لمالك (وَلَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ، أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ)؛ ولأن (الإيمان هو عبارة عن التصديق اليقيني بالوجود الغيبي للإله عن طريق القلب) (10)، فهذا يعني أن الأخلاق هي عملية رسم طريق الحياة الطيبة للبشر بغض النظر عن مرجعياتهم أو منطلقاتهم الفكرية أو الدينية، وهو ما أوضحه أمير المؤمنين (عليه السلام) بصراحة عالية.

ص: 380

ثانياً - المقومات الفنية والمادية

تعد المقومات المادية والفنية أحد أركان بناء الدولة الهامة التي لا تقوم ديمومة الدولة الا بها، وهي على قسمين:

1- المقومات الفنية: تتكون المقومات الفنية من جهاز الدولة الإداري والقوانين التي تنظم عمل الدولة، ويعد الجهاز الإداري للدولة هو المنفذ الفعلي لكل القوانين والأنظمة والتعليمات التي تتخذها الدولة،

أما الجهاز الإداري كما يراه أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى الأشتر فهو الآتي:

أ- المستشارون: وهؤلاء الأفراد هم الذين يقدمون المشورة للوالي في أمور الدولة والناس، وقد حدد أمير المؤمنين (عليه السلام) مواصفات هؤلاء بقوله (وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بِخِیلاً یَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ، وَیَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلاَ جَبَاناً یُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلاَ حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّهِ)، وقد وضع تلك المواصفات بناء على تعادلية الفعل والفعل المضاد الناتج عنه، ومن خلال مراعاة ذلك يتم بناء الدولة بطريقة صحيحة لكي ينشأ مجتمعاً صالحاً واعياً لمهماته.

ب- الوزراء: وهم الدائرة القريبة من الوالي، وهم طريق الناس إليه، وطريقه إليهم، وهو يحدد مواصفات هؤلاء وطبيعتهم وتاريخهم وحياتهم، كل ذلك ذكره في قوله (شَرّ وُزَرَائِكَ مَن كَانَ لِلأَشرَارِ قَبلَكَ وَزِيراً، وَ مَن شَرِكَهُم فِي الآثَامِ، فَلَا يَكُونَنّ لَكَ بِطَانَةً، فَإِنّهُم أَعوَانُ الأَثَمَةِ، وَ إِخوَانُ الظّلَمَةِ)، وهي إشارات تحمل في طياتها تشخيصاً دقيقاً للطبيعة النفسية التي نشأ عليها هؤلاء في ظل الطغاة، كونهم باعوا ضمائرهم ونشأوا على سلوك غير متزن مع الطغاة ؛ لذلك من غير المعقول أن يكونوا وزراء أو مستشارين في

ص: 381

حكومة تروم العدل والانصاف بين أفراد الرعية، كما أن هؤلاء لن يصلحوا لأن يكونوا بطانة للوالي؛ لأنهم كانوا أعواناً للظلمة والآثمين، وبذلك يشير إلى المضامين النفسية التي تربّى عليها هؤلاء وافرازات تلك المضامين سلوكياً سواء قصدوا ذلك أم لم يقصدوا.

ج- الجند: قال عنهم في العهد (بِإِذنِ اللهِ، حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَزَينُ الوُلَاةِ، وَعِزُّ الدِّينِ، وَسُبُلُ الأَمنِ، وَلَيسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِم)، وفي الوقت ذاته أوضح أسلوب اختيار قيادات الجند وماهي المواصفات التي يجب أن يتحلى بها هؤلاء القادة الذين سيكون لهم الأثر الكبير في ديمومة وجود الدولة، وقوله في هذا المضمار واضح جدا، هو (فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ، وَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً، وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ)، وهذه المواصفات تجمع بين المواصفات النفسية والعقلية والروحية.

د- عمال الخراج: وقد وصفهم بأنهم سند الجند، فقال ( اَلَّذِي يَقْوُونَ بِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصْلَحَهُمْ، وَ يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ)؛ لأنهم هم الذين يوفرون المال من خلال جبايته من الأفراد، فالدولة لا تقوم من دون اقتصاد قوي يكفل لها مقومات استمراريتها في تأدية واجباتها تجاه المجتمع.

ه- القضاة والعمال والكتاب: وهم قوام للصنفين السابقين كما وصفهم بقوله (ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهَذَيْنِ اَلصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ اَلثَّالِثِ مِنَ اَلْقُضَاةِ وَ اَلْعُمَّالِ وَ اَلْكُتَّابِ، لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ اَلْمَعَاقِدِ، وَ يَجْمَعُونَ مِنَ اَلْمَنَافِعِ، وَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ اَلْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا). فهذا الصنف هو من يقوم بإدارة الدولة بكافة مرافقها الإدارية الداخلية.

ص: 382

أما الشق الآخر من المقومات الفنية فهو يقوم على جملة من القوانين والتعليمات التي تنظم الحياة اليومية للمجتمع والعلاقة بينه وبين الدولة بوصفها راعية المجتمع والمسؤولة المباشرة عن توفير الأمن والعدل والمساواة والانصاف بين الأفراد، دون تمييز عرقي أو ديني أو حزبي أو أي شيء آخر، وعليه قال الإمام علي (عليه السلام) لواليه الأشتر في تنظيم تلك العلاقة بين الدولة ممثلة بشخص الوالي، والمجتمع بوصفه الطرف الأضعف في معادلة العلاقة بين هذين الركنين، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ المضطَهَدِینَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ)، ويستمر أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المنوال الداعي إلى الإنصاف والعفو وعدم الظلم وإشاعة روح التسامح، وأن تتحمل الدولة عبء الأفراد، وأن لا تكون قاسية معهم وأن تتعامل معهم معاملة الأب الحاني على ولده وهو قوله (واعْلَمْ أَنَّه لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِه مِنْ إِحْسَانِه إِلَيْهِمْ، وتَخْفِيفِه الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِ اسْتِكْرَاهِه إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَه قِبَلَهُمْ)، كما رسم سياسة الأمن في البلاد من خلال تفصيل الكلام بشكل دقيق في هذا المضمار، وهو قوله (أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ حِقْد، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلِّ وِتْر، وَتَغَابَ عَنْ كلِّ مَا لاَ يَضِحُ لَكَ، وَلاَ تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاع، فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌ، وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ)، وبيّن طبيعة متابعة الولاة والعمال لأجل مراقبتهم بشكل دقيق، قوله (ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِی السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَی اسْتِعْمَالِ الْأَمَانةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِیَّةِ)، ثم بيّن كيفية التعامل

ص: 383

مع الناس من حيث الاساءة والاحسان، بقوله (وَلَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَهٍ سَوَاءٍ، فَإِنَّ فِی ذلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ، وَتَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ عَلَی الْإِسَاءَهِ، وَأَلْزِمْ کُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ)، كما بيّن أهمية السيرة الصالحة من الذين سبقوا من المسلمين، وحضّه على اتباعها فهي مما درجت عليه الأمة، قائلاً: (وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالَحِةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ، وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ، وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ، فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا، وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا)، وفي مقابل ذلك كله، يؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) على مسألة غاية في الأهمية وهي مدارسة العلماء والحكماء بغية الوصول إلى أفضل السبل لكي تكون هناك دولة مستقرة صالحة بصلاح أمرائها وأفرادها؛ لأن الاستنارة بآراء العلماء والحكماء تعدّ سبيلاً مستقيماً للبحث في أفضل السبل الناجعة لوضع الحلول لمشكلات المجتمع والدولة، قائلاً (وَأَکْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَهَ الْحُکَمَاءِ، فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ)؛ لأن في مدارسة العلماء والحكماء أسلوباً في الحكم يؤدي إلى نجاحه.

كما أن وضع قوانين تحفظ حقوق الضعفاء والأيتام والمساكين، تعدّ هي الأخرى في صلب عملية بناء الدولة داخلياً، قائلاً (ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَی مِنَ الَّذِینَ لَاحِیلَةَ لَهُمْ وَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَی وَالزَّمْنَی، فَإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظْ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیتِ مَالِكَ، وَقِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ، فَإِنَّ لِلْأَقْصَی مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَی، وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ، فَلَایشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لَاتُعْذَرُ بِتَضْییعِكَ التَّافِهَ لِأَحْکَامِكَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ فَلَاتُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ، وَلَاتُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ، وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَایصِلُ إِلَیكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیونُ، وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ، فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیةِ وَ التَّوَاضُعِ،

ص: 384

فَلْیرْفَعْ إِلَیكَ أُمُورَهُمْ، ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَی اللَّهِ تَعَالَی یوْمَ تَلْقَاهُ، فَإِنَّ هؤُلَاءِ مِنْ بَینِ الرَّعِیةِ أَحْوَجُ إِلَی الْإِنْصَافِ مِنْ غَیرِهِمْ، وَکُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَی اللَّهِ فِی تَأْدِیةِ حَقِّهِ إِلَیهِ وَتَعَهَّدْ أَهْلَ الْیتْمِ وَذَوِی الرِّقَّةِ فِی السِّنِّ مِمَّنْ لَاحِیلَةَ لَهُ، وَلَا ینْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ، وَذلِكَ عَلَی الْوُلَاةِ ثَقِیلٌ، وَ الْحَقٌّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ؛ وَقَدْ یخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَی أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَوَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ).

ومن المقومات الفنية الأخرى، وضع سياسة أمنية تقوم على جملة من الإجراءات الفنية التي تعمل الدولة من خلالها على حفظ أسرارها وأن تختار الذين يتصفون بالإخلاص والأمانة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) عن تلك المسألة (ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ، وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ، فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ وَلاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ، وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ، فِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ، وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ، وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ، وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الاُمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ)، بعد ذلك بيّن أسلوب اختيار هؤلاء من خلال جملة من الوصايا التي تعدّ منهاج عمل للوالي في اختيار الأشخاص، قائلاً (ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالاَمَانَةِ شَيْءٌ، وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَان فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ، وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ، لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا، وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ)، ومن هذه المعايير عدم حسن الظن بهم الا بعد الاختبار، الأمانة التي تعدّ خصيصة هامة

ص: 385

في اختيارهم، تاريخ الأشخاص وسيرة حياتهم، السمعة الحسنة لدى الناس عنهم.

2- المقومات المادية: تتلخص المقومات المادية في الموارد المالية والاقتصادية بكل أشكالها من زراعة وصناعة ونشاط تجاري تقوم به الدولة ممثلة بجهازها الإداري، أو الأفراد بشكل شخصي، وقد حدد ذلك الإمام علي (عليه السلام) في عهده على الشكل الآتي:

أ- التجار وذوو الصناعات: وهؤلاء هم القوة الاقتصادية المحركة للبلاد داخلياً؛ لأنهم هم الذين يحركون اقتصاد الدولة، وهم الذين جرت تسميتهم بالقطاع الخاص في عصرنا الحاضر، وقد ذكرهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله (وَلاَ قِوَامَ لَهمْ جَميعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَام يَجتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهمْ مِنَ التَّرفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرهِمْ)، بما يعني أن هؤلاء هم عصب اقتصاد الدولة، ولابد من الاهتمام بهم لذلك السبب.

ب- الخراج: لأن قوة اقتصاد الدولة يقوم على طبيعة الخراج ومستوى تحصيله؛ لذلك وصفه الإمام علي (عليه السلام) بقوله (وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ، لاَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ).

ج- الزراعة وعمارة الارض: تعد الزراعة مورداً هاماً للدولة، ومصدراً يغذي المجتمع بالغلات والأموال، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله (وَلْيَکُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الاَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لاَنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً. فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً، أَوْ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أَوْ

ص: 386

أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ یَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ).

د. نزاهة الولاة والأمراء والكتّاب: تعدّ نزاهة الولاة والامراء والكتّاب من المهمات التي تتسب ربما في هدر المال العام، أو تتسبب في نشوء طبقة من المعتاشين الطفيليين على الأموال العامة؛ لذلك نبّه أمير المؤمنين (عليه السلام) واليه على مصر إلى تلك المسألة وما لها من أهمية قصوى في حفظ المال العام، وجاء ذلك في قوله (عليه السلام) في عهده إلى الأشتر (ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وَابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لاُمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الاْمَانَةِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.

وَتَحَفَّظْ مِنَ الاَعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَة اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ، اکْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وَأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ)؛ لأن متابعة العمّال والولاة والأمراء بطريقة سرية يجعلهم في غير مأمن من وقوع العقاب عليهم في حالة خيانتهم.

ص: 387

خلاصة البحث

يعدّ البحث في مفردات بناء الدولة في فكر أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، من خلال عهده إلى واليه على مصر مالك الأشتر (رضي الله عنه)، يعدّ محاولة في فهم طبيعة الدولة في فكر الإمام (عليه السلام) وكيف يرى الدولة؟ وماهي طبيعتها؟ وأدواتها الإجرائية؟.

وقد حاول البحث - بشيء موجز - الإجابة عن تلك التساؤلات، من خلال بيان مفردات بناء الدولة وماهية تلك المفردات!، وقد بين البحث توصيف تلك المقومات التي تقوم بها، من مقومات مادية وفنية وروحية ومعنوية.. الخ.

کما حاول البحث استنطاق النصوص بشكل مختصر عن مسألة بناء الجانب الانساني والقانوني والأمني والمالي، وأثر ذلك في عملية بناء الدولة الحقيقية التي تقوم على أساس الانصاف والعدالة والأمن.

ص: 388

الهوامش

1- سورة الحشر الآية (2).

2- الدولة نظرياً وعملياً 44، هارولد لاسكي، اعداد وتنفيذ سعيد شحاته، الهيأة العامة لقصور الثقافة، بيروت - لبنان، ط 2 - 2012 م.

3- المصدر نفسه والصفحة.

4- الدولة والمجتمع 179، د. محمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - سوريا، د. ط، د.ت.

5- سورة آل عمران الآية (31).

6- ونحن هنا قلبنا فكرة ابن مسكويه الذي يقول في كتابه تهذيب الأخلاق (هيأة نفسانية تصدر عنها هذه الفضيلة) 125

7- حركة التاريخ عند الإمام علي (عليه السلام) دراسة في نهج البلاغة 7، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط 1 - 1405 ه - 1985 م.

8- المصدر نفسه 15.

9- علم النفس السياسي رؤى نقدية 43، كريستيان تيليغا، ترجمة أسامة الغزولي، سلسلة عالم المعرفة العدد 2016، 436 م.

10- سؤال الأخلاق - مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية - 31، طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب، ط 1 - 2000 م.

ص: 389

المصادر والمراجع

- تهذيب الأخلاق، ابو علي احمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، دراسة وتحقيق: عماد الهلالي، منشورات الجمل، بغداد - بيروت، ط 1 - 2011 م.

- الدولة نظرياً وعملياً، هارولد لاسكي، اعداد وتنفيذ سعيد شحاته، الهيأة العامة لقصور الثقافة، بيروت - لبنان، ط 2 - 2012 م.

- الدولة والمجتمع، د. محمد شحرور، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق سوريا، د. ط، د.ت.

- حركة التاريخ عند الإمام علي (عليه السلام) دراسة في نهج البلاغة 7، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، ط 1 - 1405 ه - 1985 م.

- سؤال الأخلاق - مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية-، طه عبدالرحمن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب، ط 1 - 2000 م.

- علم النفس السياسي رؤى نقدية، كريستيان تيليغا، ترجمة أسامة الغزولي، سلسلة عالم المعرفة العدد 436، 2016 م.

ص: 390

البناء الاداري الرصين للدولة العربية الاسلامية عهد الإمام علي (علیه السلام) الى مالك الأشتر (رحمه الله) أنموذجاً

اشارة

أ. د. عباس جبير سلطان التميمي

أ. د. انتصار لطيف حسن السبتي

ص: 391

ص: 392

المقدمة

سعى الاسلام منذ أن تم تبليغ الرسول محمد ص بهذه الرسالة الى وضع أساس رصين للدولة الاسلامية التي سوف تنشأ حتى هذا المسمى النقي المختوم، متخذةً من تجارب الأمم التي طمرت والتي سبقتها عبرة، في تجاوز ما تم الوقوع به من مخالفات أو الخروج عن النهج الذي رسمه الله جلَّ علاه لعباده في الارض، من خلال إرسال أنبيائه الكرام.

فوضع الله جلَّ علاه كل ما يريد قوله في دستور متجدد والمتمثل بالقرآن الكريم، فتم البناء ضمن هذه الخريطة الصحية التي كانت غايتها سمو ورفعة مكانة العباد في أرض الله جلَّ علاه، ولكي يبن من خلال هذا الدستور الالهي حقوق وواجبات عباده، فمن عمل عملاً صالح تم جزاءه ومن فعل العكس تمت عقوبته، و بهذا الإطار تم التعامل مع الرعية.

ولم يكتفِ الله سبحانه وتعالى بهذا الامر، وإنما أوعز الى رسوله محمد ص بما وهبه الله من صفات بشرية كرجاحة عقل وسعة الافق، أن ينظم لرعاياه دستور بشري أخر ينظم فعاليات الحياة اليومية والمتمثل بوثيقة المدينة، التي بينت خارطة العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين سواء بالحقوق أو الواجبات، وكانت بمثابة دستور عالمي استفادت منه حضارات الماضي والحاضر في أخذ مضامين كثيرة منه، وبهذا فقد تم الاحكام في وضع أساس متين لهذه الدولة التي ختم الله بها أديان السماوية.

ولكن النفس البشري وما يوسوس لها الشيطان من الخروج على ما تم وضعه من اسس صحيحة وصحية من قبل الرحمن، ولهذا فقد تم الانحراف على رسم لهم من منهج، ولذلك جاء دور أهل البيت عليهم السلام في تصحيح هذا الانحراف والذي كان ثمنه

ص: 393

كبير من قبلهم عليهم السلام بأن دفعوا ثمن ذلك حياتهم عندما وقف شياطين الارض وقفوا بكل ما يملكون من قوة ضد هذا التصحيح. وقد أكد الرسول محمد بنص صریح بأتباع أهل البيت عليهم السلام من بعده بقوله ص «يا أيها الناس إني تركت فيكم أن اخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ...»(1)

وما وصية الامام علي عليه السلام لمالك الأشتر، إلا استلهام و فهم حقيقي للمبادئ التي أكد عليها القرآن المجيد والإسلام الحنيف والتي تم تبليغها عن رسوله محمد (صلی الله عليه وآله) الى عباده، وهي تأكيد على إنسانية الاسلام وقدسية البشر، فلا يمكن لأي منا استعباد الآخر أو ظلمه أو الاستيلاء على ما يملكه، وكل ما في الارض هو ملك الله وحده لا شريك أخر فيه، وأن الحكام الذي يحكمون في الارض هم منظمون لسير الانسان، وأن حكمهم هو تطبيق ما جاء في دستور الله (القرآن) وما تركه النبي (صلى الله عليه وآله) لهم وما وجاء به أقرب الناس للرسول وهم اهل بیته.

وقد تضمن العهد عدة محاوروعنوانات وصلت إلى أربعين فقرة منها، السيرة الحسنة، العلاقة مع الرعية، عدم التكبر، الانصاف، العدل، الوشاة، الاستشارة، دور الوزراء وصفاتهم، الاحسان، السنة الصالحة، دور العلماء، العلاقة بين طبقات المجتمع، دور قادة الجيوش والعلاقة بهم، اختيار القضاة، الشبهات، اختيار العمال والولاة، خيانة العمال، الخراج ومالية الدولة، الكتاب وأصحاب الديوان، فنون الكتاب، التجار والاحتكار، الاهتمام بالفقراء، اصحاب الحاجات والمصالح، واجبات الحاكم، أداء الفرائض، عدم الاحتجاب عن الناس، دور الحاشية، الاستفادة من العلماء، العلاقة بالأعداء والعهود معهم.

الباحثان.

ص: 394

نبذة مختصرة عن الوالي مالك الأشتر

وهو ومالك بن الحارث بن عبد يغوث الكوفي، المعروف بالأشتر، من أصحابة أمير المؤمنين عليه السلام ومن أثبتهم. (2)

أدرك رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهو من ثقاة التابعين. وكان رئیس قومه، وكان الإمام عليّ عليه السلام يثق به ويعتمد عليه، وطالما كان يُثني على وعيه وخبرته وبطولته وبصيرته وعظمته، ويفتخر بذلك، أوّل حضور فاعل له كان في فتح دمشق و حرب اليرموك، وفيها أُصيبت عينه فاشتُهر بالأشتر، عاش مالك في الكوفة، وكان طويل القامة، عريض الصدر، عدیم المثيل في الفروسيّة. وكان لمزاياه الأخلاقيّة ومروءته ومَنعته وهيبته وأُبُهته وحياته، تأثير عجيب في نفوس الكوفيّين، نُفي مع عدد من أصحابه إلى حمص في أيّام عثمان بسبب اصطدامه بسعید بن العاص والي عثمان، ولمّا اشتدّت نبرة المعارضة لعثمان عاد إلى الكوفة، ومنع والي عثمان - الّذي كان قد ذهب إلى المدينة آنذاك - من دخولها. واشترك في ثورة المسلمين على عثمان، وتولى قيادة الكوفيّين الّذين كانوا قد توجّهوا إلى المدينة، وكان له دور حاسم في التصدي والوقوف بوجه الخليفة عثمان بن عفان. (3)

توفي سنة 39 ه وهو في طريقه إلى مصر لأداء مهامه الموكلة إليه، فتأثر الإمام لوفاته كثيراً حتى ظن بعض النخعيين أن الإمام فقط هو صاحب المصيبة. وجاء عن هذا الأمر «شهادته قلد الإمام (عليه السلام) مالك ولاية مصر فخرج إليها، وسارت قافلته لا تلوي على شيء فلما انتهت إلى إبلة (البصرة) التقى به نافع مولى عثمان بن عفان، وقد أرسله معاوية لاغتياله، وكان لبقاً فقال له مالك: ممن أنت؟ من أهل المدينة من أيهم؟ فأخفى نسبه وموضعه وقال: مولى لعمر بن الخطاب أين تريد؟ مصر ما حاجتك؟ أشبع من الخبز، فرق له مالك وقال له: سأصيبك من الخبز، وسار مالك ومعه عميل معاوية حتى انتهى إلى القلزم فنزل ضيفاً عند امرأة، جهينة فرحبت به، وسألته أي الطعام أحب إليك

ص: 395

فقال الحيتان، فقدمت له ما اشتهى فلما تناول الطعام أصابه عطش شديد فأخذ يكثر من شرب الماء، فقال له نافع مولى عثمان لا يقتل سمه إلاّ العسل، فدعا الأشتر بإحضاره من ثقلهِ فلم يكن فيه فبادر نافع قائلاً هو عندي علي به، فأحضره وكان قد دس فيه سماً قاتلا فتناوله، ولم يكن حسرات، من أن تقطعت أمعاؤه وأخذ الموت يدنو إليه وطلب إحضار نافع فوجده منهزماً، وعرف مالك ما دبره له هذا العميل، ولم يلبث إلا قليلاً حتى طويت حياته التي كانت صفحة من الشرف والكرامة والجهاد في سبيل الله، وقد جعل الخبيث يردد (إنّ لله تعالى جنوداً من عسل) (4).

ولما انتهى النبأ المفجع بشهادة مالك ذابت نفسه أسي وحسرات، وأخذ يذرف الدموع قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله رب العالمين اللهم إني احتسبته عندك فإن موته من مصائب الدهر، وأضاف قائلاً: رحم الله تعالى مالكاً فقد وفي بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، وإنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فغنها من أعظم المصائب، واخذ الإمام يتلهف على فقده ويقول بحرارة: لله در مالك لوكان من جبل لكان فنداً ولو كان من حجر لكان صلداً أما والله ليهدني موتك، وأضاف: على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود کمالك لقد عرض شهادة مالك حياة الإمام، فقد خسر أعظم شخصية تساعده على محن الدنيا وكوارث الأيام، وسر معاوية بسمة لمالك، وخطب الناس قائلاً: أما بعد: فإنه کانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن یاسر، وقطعت الأخرى اليوم وهو مالك الأشتر. (5)

البِناءُ لغة

تأتي كلمة بناء عند أهل اللغة بعدد معاني، فتأتي بمعنى الحائطُ، والبيوتات التي تسكنها العرب في الصحراء، وسبب تسميته بالبِناءُ «من حيث كان البناء لازماً موضعاً

ص: 396

لا يزول من مكان الى غيره، وليس كذلك سائر الآلات المنقولة المبتذلة كالخيمة والمظلة والفسطاط والسرادق ونحو ذلك، وعلى أنه مذ أوقع على هذا الضرب من الاستعمالات المزولة من مكان إلى مكان لفظ بناء تشبيهاً بذلك من حيث كان مسکوناً وحاجز أو مظلاًّ بالبناء من الأجر والطين والجص. (6)

من هنا نستدل على أن البناء يجب أن يكون ثابت، ولا يمكن أن نطلق على المتحرك بناء، لان من صفات البناء السكون والثبات.

وتأتي بمعنى الانسان، لان الانسان مجموعة من المكونات ولا يقتصر على جزء معين، فكل الاجزاء والاجهزة التي خلق فيه والتي خصص لكل جهاز من أجهزته وظيفة معين تتكامل من غيرها من الاجهزة يشكل وحدة متكاملة من البناء، ومن هنا جاءت قدسية الانسان لأنه من بناء الله وحده، فالاعتداء عليه يمثل الاعتداء على الله جلَّ علاه، فقد جاء عن سليمان عليه السلام «من هدم بناء ربه تبارك وتعالى فهو ملعون؛ يعني من قتل نفساً بغير حق، لان الجسم بنیان خلقه الله وركبه (7).

البناء في القرآن

وردت كلمة بناء في عدد من الايات الكريمة لتعطي معنى واحد وهو الثبات.

كقوله تعالى: «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (8)

وقوله تعالى: «لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (9)

و قوله تعالى: «قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ

ص: 397

السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ» (10)

وقوله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا» (11)

وقوله تعالى: «قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ» (12)

وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» (13)

وقوله تعالى: «وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا» (14)

وقوله تعالى: «أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ» (15)

وقوله تعالى: «أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ» (16) وقوله تعالى: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» (17)

وقوله تعالى: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ» (18)

وقوله تعالى: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ» (19) وقوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (20)

وقوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (21)

ص: 398

وقوله تعالى: «وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ» (22)

«لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ» (23)

الرصانة لغة

جاءت هذه الكلمة عند أهل اللغة بمعنى المحكم الذي ولا يمكن النفاذ من خلاله لقوته وتماسکه کما ورد عند أبن منظور بتفاصيلها بقوله:» رصن: رَصُنَ الشيءُ، ورَصانَةُ، فهو رَصين: ثبت، وأَرصنَه: أَثبته وأَحكمه، ورَصنَ: أكمله، والرَّصِ: المحكم الثابت، ورَصَنتُ الشيء معرفةً؛ أي علمته، ورجل رصين: کرَزِينِ، وقد رَصُنَ...»(24)

النظم الادارية من خلال عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر

النظم الادارية: نشأت النظم الادارية للدولة الاسلامية مع قيامها، فكانت حاجتها لبعض هذه النظم من أجل سيرها وتنظيمها، وكانت بشكل مبسط لبساطة القائمين عليها، وبعد توسع الدولة العربية الاسلامية وكثرة من دخل الاسلام من كافة الامم استحدثت مؤسسات ادارية أخرى لمتطلبات أدارة الدولة، وهكذا تدرجت النظم الادارية في الظهور من سعت الدولة وقد تكاملت هذه المؤسسات في العهد العباسي، فأصبحت أنموذج يصدر لكثير من البلدان الاسلامية وغير الاسلامية والتي مازالت مستمر الى يومنا هذا وأن تغيرت بعض أسمائها ولكن مضمون عملها بقية كما هو يدار من قبل القائمين عليها، فأصبحت هذه النظم قوانين تحكمها، ومعايير في متوليها فلا يمكن أن يتولاها إلا اذا توفرت به مجموعة من الصفات تؤهله لنيل رئاسة المؤسسة الادارية وينطبق الأمر على العاملين فيها، وهذا ما دونته كتب الاحکام السلطانية التي تعد بمثابة دساتير أدارية يمكن الرجوع اليها للوقوف على التفاصيل مما يدلل على

ص: 399

الرصانة التي أوجبتها الدولة العربية الاسلامية في هيكلها الاداري. (25)

ومن ما جاء في عهد الامام علي الى واليه مالك بن حارث الاشتر عندما ولاه مصر يكشف لنا دقة ما استرسلنا به وما أكدنا عليه وهذا ما سوف نبینه من خلال الوقوف على هذا العهد وهذه الوثيقة المهمة التي وضعت الاساس للتعامل السليم مع الرعية والبناء الصحيح والصحي لمقومات الدولة التي لا يمكن أن تسقط لو اتبعت ما جاء في هذا العهد وطبقته، والذي استلهمت مبادئه من القرآن الكريم وما أكد عليه الاسلام الصحيح.

المهنية في ادارة الدولة

ولا جل رصانة الدولة وبنائها بناء صحيح وماجاء في عهد الامام عليه السلام لواليه مالك الاشتر يؤكد ذلك بقوله: «ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا..» (26)

فهو يؤكد على صفات من توكل له المسؤولية التي يجب أن تتوفر به، فلا يمكن أن تكون هناك رصانة أذا أعتمد الوالي أو ولي الامر على أقاربه أو معارفه في أدارة الرعية والدوله وهم لا يفقهون من الأمر شيء، أكد (عليه السلام) على المهنية في إدارة الدولة، وهذا الامر تم استلهامه من القرآن الكريم بقوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ» (27)

وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ» (28)

ص: 400

عدالة الحاكم او الوالي

وهي من المهمات التي اكد عليها الدين الاسلامي بأن من يتولى رئاسة الرعية يجب أن يتصف بالعدالة، لانه خليفة الله في أرضه كما جاء في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (29)

وقوله تعالى: «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ» (30)

وأما العدالة فتكون في مقدمة ما يسعى اليه في تسير أمور الرعية، فبدون العدالة لاتستمر الدولة بل ويعجل هذا الأمر من سقوطها كما جاء في كتاب الله المجيد كقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (31)

وقوله تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (32) وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (33)

وقوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (34)

وجاء رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) « إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة،

ص: 401

وأناهم مجلساً، إمام عادل، وإبغض الناس إلى الله، وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر» (35)

وجاء عن أبن الازرق «لا عمارة بدون عدل» (36)

وهذا أول شيء أوصى الإمام (عليه السلام) به واليه مالك الأشتر، أن يكون محبَّاً للرعيتة، محترماً لمشاعر الناس من أي فئة كانوا، سواء كانوا مسلمين أم من أهل الأديان الأخرى. ولا يخفى أن في ذلك تثبيتاً لإنسانية الإسلام واحترامه لمشاعر الناس، وتقوية لبنية النظام والحكومة.

«أشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطا، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك! وقد استكفاك أمرهم، و ابتلاك بهم» (37).

وهذا مأكده الرسول محمد ص (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالامير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته...» (38)

ومن واجباته الوالي أن لا يكون بينه وبين شعبه أو رعاياه حاجب يفصله عنهم أو هو جاء لخدمتهم وتنظيم حياتهم وتلبية حاجاتهم وهو بمثابة الاب في عائلته وهذا ما جاء في عهد الامام عليه السلام بقوله: «وأما بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور. والإحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ویشاب الحق بالباطل. وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت

ص: 402

أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطية، أو فعل کریم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة.» (39)

وكان من ضمن واجبات الخليفة أو السلطان أو رئيس الدولة عند تعينه لاحد ثقاته أن يوصیه بجملة من الامور التي تعد بمثابة منهاج يجب أن يتبعه هو معرفة تاريخ المصر أو الولاية والوقوف على خلجات أو نفوس لما لتاثير الطقس والموقع في سلوكياتهم وهذا ما أوردته الوثيقة وأكد عليه الامام على لواليه الاشتر بقوله «هذا ما أمر به عبد الله عليٌ أميرُ المؤمنينَ مالكَ بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه. وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها عند الجمحات، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله، ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت أو كرهت (40)

ومن واجبات الوالي، اذا اعطى عفو لمسيء، هذا لا يعني ضعف الوالي أو حكومته وأنما ليعطي فرصة أخرى له، لعله يستفاد منها، فليس هناك أنسان معصوم من الخطأ،

ص: 403

وهذا مما میز اصالة الدين الاسلامي والدولة التي يطمح لها وهي دولة العدل والسلوك وهذا ما أكده الامام علي في عهده للمالك بقوله: «ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير. (41)

وقد أوصاه أن يكون عادلا فإذا ما تخذ قرار خطأ فلا بأس أن يظهر لهم ويعتذر عن فعلته فهو إنسان يخطأ ويصيب ولكن العيب أن يصر على خطئه ويستمر «وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقاً برعيتك، وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق»(42)

وما أوصاه في هذا المجال جملة من الامور لتكون له خارطة طريق لحكم عادل يرضاه الله ونبيه (صلى الله عليه وآله) والمؤمنون وهي «وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين» (43)

«وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالى: كَبُرَ مَقتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفعَلُونَ.» (44)

«وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه.» (45)

«وإياك والإستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما یعنی به مما قد وضح للعيون، فإنه

ص: 404

مأخوذ منك لغيرك. وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم.» (46)

«املك حمية أنفك، وسورة حدك، وسطوة يدك وغرب لسانك. واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الإختيار. ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.» (47)

وقوله تعالى أبلغ في هذا الامر بقوله تعالى: «وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (48)

وقوله تعالى في أية أخرى: «لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» (49)، وبهذا فأن الامام علي (عليه السلام) لم يخرج في عهده لواليه عن صميم الاسلام الساعي للعدالة وكرامة الانسان وقدسيته ومسؤولية الحاكم في استلهامه روح هذه القيم وتطبيقها.

ومن أجمل ما أوصى به الامام علي (عليه السلام) وهذا اليوم مفقود و سبب بلاء أمتنا في هذا البند، فعندما يتبدل الحاكم أو تنتهي ولايته ويجي حاكم أخر يبدأ بتسقيط من قبله من الحكام ليظهر أنه الأفضل منه «والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدته مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها.» (50)

الترف والفساد

جاء الدعوة الى الاسلام من خلال الفقراء ولله جل علاه أرادة في هذا الأمر فلم ينزله على المترفين من أهل قريش بل أنزله على أفقر فقرائهم، وكانت مادة الاسلام من هؤلاء، وكان الرسول محمد (صلى الله علیه و آله) يرعى الغنم لاغنياء قريش بقيراط (51)، وانطبق

ص: 405

الامر حتى على الانبياء الذين سبقوا الرسول محمد ص، واكد الله هذا الامر بقوله تعالى «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى» (52)، وأن أحد أسباب سقوط الدول أنغاس حکامها بالترف وترك الرعية وشؤونهم ومعاشهم، وهذا مأكد عليه ابن خلدون بقوله:» الاستكثار من ذلك والتأنق فيه بمقدار ما حصل من الرياش والترف وما يدعو إليه من توابع ذلك، فتذهب خشونة البداوة وتضعف العصبية والبسالة ...» (53)

وفي موضع أخر لابن خلدون قوله «وذلل أن الامة إذا غلبت وملکت ما بأيدي أهل الملك قبلها كثر ریاشها ونعمتها فتكثر عوائدهم، ويتجاوزون ضرورات العيش وخشونته الى نوافله ورقته وزينته، ويذهبون الى اتباع من قبلهم في عوائدهم وأحوالهم، وتصير لتلك النوافل عوائد ضرورية في تحصيلها، وينزعون مع ذلك الى رقة الاحوال في المطاعم والملابس والفرش ولآنية، ويتفاخرون في ذلك فيه من الامم...» (54)

وهذا ما أكد عليه عهد الامام الى مالك الاشتر «وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطا من إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل محتال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حرباً حتى ينزع ويتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد.» (55)

ومن واجبات الحاكم أن يكون على مسافة متساوية مع رعيته من خلال تعامله، وقد أكد الله سبحانه وتعالى على هذا الامر بقوله تعالى: وكذلك جعلناك«وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا

ص: 406

شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ» (56)

«وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضی العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الاعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة. وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم..» (57).

من الامور التي أكد عليها الامام علي في عهده لواليه أن لا يظهر عيوب رعاياه، فأن ذلك يظهر حقد الاخر ويتربص بالدولة ليساعد على سقوطها، فأحترام الموطن والإنسان سيجعله أكثر وطنية، وأن لا يصدق كل ما توتي له من عيونه أو ساعاته ولا يتخذ أي حكم إلا بعد التأكد من مصادر معلومات أخرى. فقال الله تعالى عن النهام «وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ» (58)

فلنمام أكثر كفراً من الالحاد والتثليث والفسق والظلم (59)

«وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها. فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك. فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعیتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد. واقطع عنك سبب كل وتر. وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن إلى تصدیق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه

ص: 407

بالناصحين..» (60)

ومن واجبات الوالي الأمور المسلمين متابعة راعياه وخاصة الفقراء منهم والموعزين فهؤلاء حق الحاكم في متابعتهم والسؤال عنهم وتوفر ما يحتاجون اليه من المعيشة لان كرامة الانسان مكفولة في الدين الاسلامي حتى لا يتحول المحتاج الى التجاوز على الآخر مما يؤدي الى عدم الاستقرار والفوضى، وقد جاء في كتابالله العزيز ما يؤكد هذا بقوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (61)

وقوله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا» (62).

وقوله تعالى «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (63).

وقوله تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (64).

وهذا مأكد عليه الامام علي (عليه السلام) في عهده المالك الاشتر حينما يوصیه به الطبة من المجتمع «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين،

ص: 408

وأهل البؤسي والزمني، فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً. واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكلٌّ قد استرعیت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمة العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن، ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل. وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم.» (65)

المشورة

جاءت الكلمة استشار عند أهل اللغة تعني، الفَحلُ الناقَةَ، والمتشير: من يعرف الحائل من غيرها. (66)

وجاء في تعريفها: «اجتماع على أمر ليشير كل واحد برأيه» (67).

المشورة من أهم الأمور التنظمية التي يسعى من خلالها الى اتخاذ الرأي الصائب، من أجل بناء صحيح، فكما نعلم أن العقل الإنساني لا يدرك كل ما يحيط به الى درجة الكمال، وعدم الاستداد بالرأي لان الاستبداد يعني التهلكة وسرعة الخراب الى الدولة ومن هنا أكد الله جلَّ علاه على هذا الامر بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» (68).

وجاء في فائدة المشورة «أعلموا أن المستشير وإن كان أفضل رأياً من المشير فإنه يزداد

ص: 409

برأيه رأياً - کما تزداد النار بالسليط ضوأً...» (69)

والنصيحة والمشورة من سنن المرسلين عليهم السلام (70)، كما جاء في قوله تعالى وهو ينصح نبيه نوح عليه السلام

بقوله تعالى: «وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (71).

إضافة الى ما ذكر فيجب أن تكون هناك صفات في يجب أن تتوفر في المراد استشارتهُ، وأول هذه الصفات يجب أن يكون صادق مع المشير وقد وضع الفقهاء اثنی عشر صفة للمستشار يجب أن يتحلى بها. (72)

وهذا ما أكد عليه الامام علي عليه السلام في عهده لمالك الذي سبق كل ما ورد باستثناء القرآن الكريم الذي استهم الامام فكره وفلسفته منه، «ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله ..» (73)

وقد طلب الامام علي من واليه أن يضيف في الاستشارة من العلماء وأن يشركهم في الامر من خلال الارسال اليهم او حضوره عندهم، حتى لو لم يكونوا من ضمن النظومة الحكومية بقوله له «وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء، في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك.» (74).

وطلب من واليه أن يعطي أهتمامه إلى علية القوم في مصر أو ولايته ولا يقلل من شأنهم بقوله (عليه السلام): «ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف، ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن

ص: 410

في نفسك شي قويتهم به. ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه» (75).

ثم نبهه الى أمر هام وهو أن لا يمنح عماله ويهبهم ما لا يملكه أو أملاك عامة تعود فائدتها الى الدولة أو أنها تعود ملك خاص الى الافراد فيقوم بنزعها وهبتها الى حاشيته وبطانته، أو أنها تشكل لرعاياه مصدر حياتهم كالنهار أو الآبار فلا يجوز ذلك منه» ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول، وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس، في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والآخرة» (76).

ومن صلاحيات الوالي اعلان الحرب إذا رأى ذلك ضرورة، ولكن العدو اذا طلب الصلح، فعلى الوالي أن يرضخ لهذا الامر خوفا على المسلمين وعوائلهم ولان الحرب تكلف أموال وهي الخيار الاخير في حالة عدم التوصل الى حل، ولكن الصلح أحياناً هو استعداد العدو لتكملة عدته بشكل نهائي للهجوم بشكل أقوى مستغل ما تم اعطائه من وقت أضافي، مما يدلل على عقلية الامام علي (عليه السلام) العسكرية الفذة وهو يوصي واليه أن يتوخي الحذر بقوله له: «ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك. ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن، وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحُط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد علیه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود.

ص: 411

وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر! فلا تغدرن بذمتك، ولا تخیسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره. فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله فيه طلبة، فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك، إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم التبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها! والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن. وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم» (77).

وبهذا فأن الامام علي كان أسبق الفقهاء في أرساء هذه الوظيفة الادارية وهي الباب الذي أعتمده الفقهاء في ما بعد في علومهم.

مؤسسة الوزارة

الوزارة: وهي ام الخطط السلطانية والرتب الملوكي (78)، لأن صاحبها يتقاسم المسؤولية مع رئيس الدولة، وقد اشتقت من كلمة الوزارة لتعطي المعاني الآتية الوزر؛ تعني الثقل (79)، لانه يحمل اثقال المسؤولية، وذلك تاتي من الازر وهو (الظهر) الذي يسند عليه البدن، ومن الوزر وهو الملجا (80)، ومنه قوله تعالى «کَلا لَا وَزَر» (81) أي

ص: 412

ملجا لان الحاكم يلجا إلى رايه ومعونته.

والدال من كلمة الوزير واشتقاقاتها بأنها عربية صرفه و قد اوردها القران الريم في أحدى اياته، قال تعالى: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (82).

فقد أكد الامام علي (عليه السلام) على واليه أن يتخذ بطانة تامر بالعروف وتنهى عن المنكر،، وقد وضع الفقهاء صفات لهولاء البطانة والمقربين لأولي الامر (83)

وبهذا فإن ما جاء به عهد الامام علي يؤكد أن منصب الوزارة موجود في العهد الراشدي،

«إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام! فلا يكونن لك بطانة، فإنهم أعوان الأئمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثما على إثمه. أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك و حفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع، والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضهُم على أن لا يطروك، ولا يَبجَحُوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تُحدث الزهوة، وتدني من الغِرَّة» (84).

- الدواوين

ظهرت الدواوين مع ظهور الدولة العربية الاسلامية لحاجة الدولة لها لكونها تساد في تنظيم سير الرعية، فالقضاء کان مؤسسة مهمة في حياة المجتمع، وكذلك ديوان الجند في تسجيل اسماء المقتلة ورواتبهم، وكذلك من يساعد اولي الامر في ادارة الدولة أن الخليفة

ص: 413

أو الوالي لا يستطيع ادارة جميع مرفقات الدولة لوحده، لان الانسان محدود بطاقة فلا بد من أن يشاركه في هذا العمل، ويؤكد هذا الأمر الله جلَّ علاه بقوله تعالى: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (85)

«وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا» (86)

«وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» (87)

أما أبن خلدون فيقول في المشاركة أولي الأمر «أعلمة أن السلطان في نفسه ضعيف يحمل أم ثقيل، فلا بد له من الاستعانة بأبناء جنسه، وإذا كان يستعين بهم في ضرورة معاشه وسائر مهنه فما ظنك بسياسة نوعه ومن استرعاه الله من خلقه وعباده، وهو محتاج الى حماية الكافة من عدوهم بالمدافعة عنهم، والى كف عدوان بعضهم على بعض في أنفسهم بأمضاء الاحکام الوازعة فيهم، وكف العدوان عليهم في أموالهم بإصلاح سابلتهم - والى حملهم على مصالحهم، وما تعمهم به البلوى في معاشهم ومعاملاتهم من تفقد المعاش والكاييل والموازين، حذراً من التطفيف، والى النظر في السكة بحفظ النقود التي يتعامل بها من الغش، والى سياستهم بما يريده منهم من الانقياد له والرضاء بمقاصده منهم وأنفراده بالمجد دونهم فيتحمل من ذلك فوق الغاية من معاناة القلوب...» (88) ويختم قوله بحكمة: «لمعاناة نقل الجبال من مكانها أهون عليَّ من معاناة قلوب الرجال» (89) مما يؤكد ثقل المسولية في تسير الرعية لاختلاف الاهواء بينهم، وهذا ما أكده الامام علي عليه السلام في عهده لمالك جاء فيه

«واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا بعض، ولا غنى ببعضها عن بعض. فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل

ص: 414

الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه، عهداً منه عندنا محفوظاً!...» (90)

وهنا يفصل عليه السلام وظيفة كل مؤسسة.

مؤسسة القضاء

يعد منصب القضاء من أهم المناصب في الدولة العربية الإسلامية لمكانته المقدسة بالإضافة إلى ذلك يشكل المؤشر على عدالة الحاكم وحكومته في المجتمع وهو من أهم المؤسسات الإدارية التي يتحقق بها القسط وتحفظ بها الحقوق وصيانة الاعراض والاموال فقد عد العدل جزء من تعاليم الإسلام وركيزة من ركائزه التي لابد منها لا غنى عنها، وكان أول من تولى القضاء في الدول العربية الإسلامية الرسول (صلى الله عليه وآله). (91)

تعريف القضاء

لفظ القضاء ياتي في اللغة على انحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه يقال قضي الحكم اذا فصل في الحكم وقضى دين أي قطع والغريمة فبله في الاداء وقضيت الشيء احکمت عمله (92) وفيه قوله تعالى «إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (93) أي احكمه وانفذه.

وأصبح القضاء علم قائم بذاته من خلال الشروط والصفات التي يجب أن تتوفر في متوليها وهي: الإسلام، العقل، الذكورية، الحرية، البلوغ. (94) العدالة، العلم سلامة الحواس (السمع، البصر واللسان) (95).

وهذا مأكده الامام علي (عليه السلام) في متولي القضاء في عهده الى مالك الاشتر بقوله: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحکه

ص: 415

الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفي إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنی فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم. ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء. وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك. فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى، وتُطلب به الدنيا» (96)

أكد على مؤسسة القضاء وأهميتها في فصل النزاعات بين الخصوم واستقرار المجتمع، وكذلك عمال القصبات والولايات التي تبعد عن العاصمة او المصر، وكذلك حاجة الدولة الى الكتاب في تسجيل الصادر والوارد من أموال الدولة أو الكتاب الرسائل أو نحوهم، وهي من وظائف الدولة ومقوماتها، وقد وضعت قوانين لمتولي هذه الوظائف، ولا يمكن أن يتولاها اي شخص إلا اذا توفرت به الصفات التي تؤهله لرئاسة أو العمل فيها وهذا ما أكده العهد الامام مالك جاء فيه «ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.» (97)

ديوان الجند

فواجب هؤلاء الحماية الرعية والدولة ولا يمكن أي دولة أن تقوم بدون جيش يحميها ويحمي مؤسساتها وشعبها وإلا تكون لقمة سهلة لمن يريد افتراسها» فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم» (98)

وفضل الامام علي عليه السلام أن يكون رؤساء الجند من القبيل الذي أخذ من الجند

ص: 416

لان هولاء له سطوة على ابناء عشيرتهم «وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو. فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.» (99)

وأكد عليه (عليه السلام) أن مؤسسة الجيش من أهم المؤسسات ويجب أن يتعامل معها بالعدل والإنصاف، أضافة الى زرع الثقة بأنفسهم، ولا يستصغر العمل البطولي أذا صدر من صغير العمر، ولا تصغر عمل الكبير، فأن ذلك يؤدي إلى انهيار الحالة المعنوية عند أفراد الجيش

«وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم، وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم. فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلی ذوو البلاء منهم. فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع و تحرض الناكل إن شاء الله. ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلی، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً، ولا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما، واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ..» فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة.» (100)

رواتب الجيش

حدد عليه السلام لواليه الاشتر عطاء الجد وعدالة العطاء بدون تميز بقوله عليه

ص: 417

السلام «ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم.» (101)

العيون

لابد للخليفة أو الوالي من متابعة سير الرعية دون علمهم ليقف على صدق التعامل معه أو مع غيره، ولان أدارة الدولة من مسؤوليته فيجب أن يعرف ويعلم بكل صغيرة وكبيرة عن طريق أعوان له، وهو لا تجسس عليهم من أجل الضرر أو الاساءة اليهم بقدر متابعة أعمالهم ومكافئتهم وهم يعلمون ذلك أنهم مراقبون، فيجب عليهم الاخلاص في ما أوكلَّ إليهم من مسؤوليات، وهذا الامر معمول به الى يومنا هذا والذي يعرف هيئة الرقابة المالية کما موجود في العراق، واستحدثت رقابة جديدة التي تعرف اليوم في بلادنا بالنزاهة، ووضع الامام علي (عليه السلام) صفات هؤلاء العيون مما يدلل على خطورة عمل هؤلاء في ما ينقل الى الخليفة أو الوالي وما جاء عنه في عهده الى مالك الاشتر يؤكد ذلك بقوله: ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية. وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة» (102)

مؤسسة الحسبة

الحسبة هي الامر بالعروف إذا ظهر ترکه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله. (103)

ومتوليها مسؤول عن حالة الاسواق واستقرارها ووجد هذه المؤسسة منذ وجود الدولة العربية الاسلامية وكان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقوم بها (104)

ص: 418

وأوجب الفقهاء في متوليها جملة من الشروط، لانها أصبحت علم قائم بد ذاته له قوانينه (105) ومن هذه الشروط الواجب «...ان يكون حرا، عادلا، فقيها، عارفا بالاحكام الشرعية، ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، ذكرا، مسلما، ذا أناة وحلم وتيقظ وفهم عارفا بجزئيات الأمور وسياسات الجمهور، لا يستنفره طمع ولا تلحقه اهواء، ولا تاخذه في الله لومة لائم مع مهابة تمنح من الادلال عليه وترهب الجاني لديه». (106)

أما الشروط الواجب توفرها في متوليها فمنها «...ان يكون حرا، عادلا، فقيها، عارفا بالاحكام الشرعية، ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، ذكرا، مسلما، ذا أناة وحلم وتيقظ وفهم عارفا بجزئيات الأمور وسياسات الجمهور، لا يستنفره طمع ولا تلحقه اهواء، ولا تاخذه في الله لومة لائم مع مهابة تمنح من الادلال عليه وترهب الجاني لديه». (107)

أما موقعها فهي «... ما بين خطة القضاء وخطة الشرطة، جامعة بين نظر شرعي وديني وزجر سیاسي سلطاني، فلعموم مصلحتها وعظيم منفعتها...» (108)

ويلخص ابن خلدون هذه ا