نحن و تراثنا الأخلاقي المجلد 3

هوية الکتاب

العتبة العباسية المقدسة

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

نحن وتراثنا الاخلاقي

الجزء الثالث

تحریر

أ.د.عامر عبدزيد الوائلي

2018م

ص: 1

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

ص: 2

هوية الكتاب

الوائلي، عامر عبد زيد

نحن وتراثنا الأخلاقي / تحرير أ.د. عامر عبد زيد الوائلي

الطبعة الأولى، كربلاء، العراق، العتبة العباسية المقدسة

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، 1439ه، 2018م.

ISBN: 9789922604107 (set)

3 مجلد، 24 سم.

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.

1- الأخلاق الإسلامية، 2- الأخلاق - فلسفة . ألف . العنوان

BJ1291 .W35 2018

مركز الفهرسة ونظم المعلومات

ص: 3

الفهرس

المحور الخامس

الاخلاق في الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر

الفلسفة الأخلاقية عند محمد اقبال ... 8

د. رائد جبار كاظم

الأخلاق عند مرتضى المطهري ونقده للنظريات الأخلاقية الغربية ... 36

انتصار سلمان سعد الزهيري

الفكر الأخلاقي عند محمد باقر الصدر... 85

رائد جبار كاظم

الأخلاق الوضعية ( الاجتماعية ) عند علي الوردي ... 126

قيس ناصر راهي

أخلاق المثاليّة المُعدَّلة عند توفيق الطويل ... 148

غيضان السيد علي

الدرس الأخلاقي في مشروع طه عبد الرحمن المقاصدي ...171

محمد شهيد

نقد قيم الحوار مقاربة للمنهج النقدي عند طه عبد الرحمن ...981

طارق الفاطمى

اخلاقية الحب دراسة في النظرية الاخلاقية عند العلامة الطباطبائي ... 206

محمد عبد المهدي سلمان الحلو

النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية ... 722

علي شيراوني

ص: 4

المحور السادس

المشاريع الغربية

نسيان التخلق.. القيم الغربية وإشكالية الدلالة ... 246

شريف الدين بن دوبه

علم الأخلاق الوسطى عند أرسطو ... 274

مصطفى النشار

الأخلاق في تاسوعات أفلوطين «تحليل لمفاهيم الاخلاقية» ... 297

جملى حليل نعمة المعله

المذاهب الأخلاقية للحداثة ... 329

عبد الحميد يوسف

في المتاهة الكانطية : محاولة في نقد القانون الأخلاقي الكانطي ... 341

إدريس هاني

اشكالية الحرية في فلسفة كانط ... 873

زيد عباس الكبيسي

الأخلاق الذاتية الكانطية والخدمة الإلهية ... 423

هادي قبيسي

الالتزام الأخلاقي مباحثة برغسون مع كانط ... 434

مونيك كاستيلو

المشروع الأخلاقي الغربي مقاربة نقدية ... 451

عامر عبد زيد الوائلي

ص: 5

مناقشة لأطروحات ( جيمس ستيريا ) الأخلاقية ... 471

مازن المطوري

أخلاقيات ما بعد الحداثة ... 194

محمود حيدر

جدلية السعادة والقلق في ظل التقنية بين مارتن هيدجر واولريش بيك ... 529

علاء كاظم الربيعي

ص: 6

المحور الخامس

الاخلاق في الفكر الاسلامي الحديث والمعاصر

ص: 7

الفلسفة الأخلاقية عند محمد اقبال

اشارة

د. رائد جبار کاظم(1)

المقدمة

كثيرة هي الكتابات والدراسات العربية والاسلامية والأجنبية التي تناولت فكر وفلسفة وأدب المفكر الاسلامي محمد اقبال من، زاوية الاصلاح والسياسة والتجديد وفلسفة الدين وعلم الكلام، ولكن ليست هنالك دراسة مستقلة وموسعة تتناول الفكر الأخلاقي أو فلسفة الأخلاق في فكر محمد اقبال، رغم أن فكره أخلاقي بامتياز، ويتضح ذلك جلياً فيما كتب من كتابات ودوواين شعرية كثيرة تحمل الطابع الاصلاحي والتربوي والأخلاقي والنهضوي بالمجتمع الاسلامي، وصدح اقبال و صدع في مواضع كثيرة داعياً الإنسان المسلم لأن يصلح فكره وواقعه وأخلاقه وبناء ذاته بناءاً سليماً وفق ما جاء به الاسلام ونبيه الكريم(صلی الله علیه و آله و سلم)و ودستوره القويم (القرآن الكريم)، ففيه الصلاح والنجاح والفلاح في الدارين، وقد قدم اقبال فلسفة ومشروعاً كاملاً في هذا المجال (اصلاح الأخلاق)، على مستوى الفرد والمجتمع، من خلال فلسفة الذات (خودي) ، التي كانت جوهر فكره وأساس فلسفته والشغل الشاغل لأدبه

ص: 8


1- الجامعة المستنصرية - كلية الآداب - قسم الفلسفة : يؤكد الباحث ان الأفكار الاصلاحية عند محمد اقبال، كانت تهدف الى التغيير والاصلاح وتحقيق النهضة على مستوى الفرد والمجتمع ، واصلاح الأخلاق من خلال فلسفته الأرتقاء بالإنسان والمجتمع المسلم، ومحاولة التركيز على المحتوى الداخلي للانسان وأصلاح جوهره وتنقية النفس من كثير من الأمراض التي تفتك بالإنسان أخلاقياً، في مواجهة الجهل والمرض والتخلف، الجهل بالعلوم العملية فان الإسلام الحي الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور. إن أمتياز فلسفة اقبال بأنها فلسفة أخلاقية مميزة، منسجمة تماماً مع الفكر الاسلامي، وهذا يتضح جلياً في فلسفته وكتاباته ومحاضراته وأشعاره الفلسفية والاجتماعية والاصلاحية. المحرر

وشعره، وقد صاغها من مصادر فكرية ومعرفية وثقافية عدة، هندية واسلامية وغربية، ولكن هدفها الأساس يحمل طابع الأصلاح والبناء والتصحيح والتجديد والنهضة بالأمة الاسلامية والأخذ بيدها نحو الكمال والنجاح والتقدم بين الشعوب والأمم، والهم الاسلامي كان الشغل الشاغل لفكر محمد اقبال

لقد سعى اقبال الى اقامة فلسفته الأخلاقية على دعامة الدين والعقل، والايمان القلبي والمعرفة العقلية، وهذا ما يذكرنا بفلاسفة الاسلام وبالمتصوفة والعرفاء ممن وفقوا بين الفلسفة والدين، لأقامة فلسفة أخلاقية تمزج بين الجانبين، مع التأكيد على الجانب المهم للروح والبعد المعنوي لبناء شخصية الانسان، وتحقيق التوازن المادي والروحي، الجسدي والنفسي، الفردي والاجتماعي، الأيماني القلبي والعقلي، وقد توسع اقبال في شرح فلسفته وتوضيحها في كتاباته ودواوينه الشعرية ومحاضراته الفكرية والثقافية.

أدرك اقبال أن الاسلام يمثل ثورة روحية وفكرية على كل الأفكار والعقائد الزائفة التي كانت منتشرة في مجتمع الجزيرة العربية والمنطقة آنذاك، وقد حمل النبي محمد(ص) مشعل التغيير والتنوير والاصلاح والتجديد في بنية وواقع ذلك المجتمع الجاهلي المتهرى والمتخلف، الذي فيه من العادات والتقاليد البالية ما يشمئز منها وجدان الانسان، من خلال التجاوز على كرامة الإنسان وحقوقه، واستغلال قوة الرجل في عشيرته وكثرة أمواله وتجارته وولده ليستغل الناس ويستعبدهم في تحقيق مصلحته وزيادة ثرواته وجاهه، ليكون شريفاً قوياً مهاباً في مجتمعه، وهذا الحال شاهده اقبال بعينه في المجتمع الهندي، حيث وجود طبقة الأشراف والأغنياء وطبقة الفقراء والكادحين وما يقع من ظلم وحيف من قبل الطبقة الأولى على الطبقة الثانية، ولذلك لابد من الثورة على الظلم والظالمين وتحقيق العدل والمساواة والرحمة بين الناس.

في بحثنا هذا نسعى لمحاولة الكشف وبيان فلسفة اقبال الاخلاقية التي صاغها من خلال مشروعه الفكري والفلسفي الاسلامي، من خلال كتاباته وقصائده

ص: 9

الشعرية ومحاضراته وخطبه التي كان لها الدور الكبير في تحقيق الثورة والاصلاح على الواقع الفاسد وارشاد الناس نحو الطريق القويم، ومحاولة كشف الزائف من السليم من الأفكار والعادات والتقاليد والاخلاق داخل المجتمع الاسلامي، ومحاربة الدعوات الصوفية الفاسدة التي تدعو الناس للكسل والانحلال والخضوع والذل والزهد في الحياة، وهذه دعوات كاذبة تقف ورائها أجندات خارجية وداخلية هدفها انحلال المجتمع وسباته ليغط بنوم عميق من أجل نهبه واستغلاله وإماتة طاقاته، والبديل لذلك الحال في نظر اقبال هو تحقيق أخلاق السمو والرفعة والقوة والجهاد والمواجهة، لمحاربة الخصم ودحض فلسفته الزائفة، من خلال التربية والعمل والحركة والأخذ برسالة الاسلام الحركية وما جاء به القرآن الكريم من أخلاق الفضيلة والعمل ومحاربة الجمود والتقليد الأعمى.

فلسفة الذات عند اقبال فلسفة لاصلاح الأخلاق

الفلسفات والأفكار الاصلاحية التي انتشرت في العالمين العربي والاسلامي كانت تهدف الى التغيير والاصلاح وتحقيق النهضة على مستوى الفرد والمجتمع، واصلاح الأخلاق كان أحد الأمور المهمة التي سعى لها جمع من المصلحين والمفكرين، ومن أجل ذلك قدموا مشاريع فكرية وثقافية اصلاحية، تهدف الى انتشال الإنسان العربي والمسلم من حاله المأساوي ومحاولة استعادة دوره وبناء ذاته وحثه على فلسفة العمل ومقاومة الضعف والكسل والانحلال، وكانت لكتابات محمد اقبال الشعرية والنثرية، وخطبه السياسية صدى قوي في أرجاء الهند، وملأت حكمه الآفاق، وقد عُرف بحركته الإصلاحية التجديدية النهضوية التي تدعو إلى مواكبة حركة التقدم والازدهار في الميادين كافة، مع الالتزام بالشريعة الإسلامية السمحاء. فالإسلام في

نظر مفکريه، دين حركي يدعو إلى التطور والاجتهاد وليس ديناً سكونياً منغلقاً(1).

ولعل سائلا يسأل: ماهي دوافع اقبال لاختيار فلسفته (فلسفة الذات)؟ وهل كانت من واقعه ومحيطه أم كانت منطلقة فلسفة مثالية لا تمت الى واقع بصلة؟ وما هو

ص: 10


1- ينظر: محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. نقله للعربية عباس محمود. دار آسیا. 1985. ص 168 وما بعدها.

السائد من الافكار والافعال والسلوك في محيطه آنذاك؟ لقد رأى اقبال الكثير من يثير علامات التعجب والاستفهام في واقعه، فقد رأى اقبال(1):

1- الجهل والمرض والتخلف الجهل بالعلوم العملية وبأساليب المدنية والتنظيم الاجتماعي. والإسلام الحي الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور صار عنواناً للذلة والفقر والضياع في نظر المسلمين المتزمتين، والفهم الخاطئ للإسلام من قبل المسلمين.

2- فساد العقيدة وتحول التوحيد الإسلامي إلى وثنية مستترة وراء عبادة الأهواء والحكام والأصنام البشرية، ولهذا يقول إقبال: إن الأصنام ما زال المسلمون يعبدونها حتى اليوم، وإن ادعوا الإيمان بالله، وإن لهذه الأصنام صوراً عدة وألواناً شتى.

3- الزهد في الحياة وانتشار الرهبنة بانتشار الروح الجبرية والتواكلية، وهناك التصوف العجمي السلبي. كما يقول إقبال الذي أبعد الناس عن العمل، فاستسلموا للأقدار، وقالوا ماذا نعمل أمام قضاء الله وقدره. أنثور ونتمرد على سُنن الله وإرادته؟ فكل شيء آت منه ولا مرد لقضائه، ولكن إقبال رأى أن هذا التواكل أنسى المسلمين إن لهم إرادة مضمونها الحرية والاختيار لا الجبر والقهر ، وأن الإنسان مخير وليس مسيراً.

4- إقبال الشباب المسلم على الحضارة الغربية، مبهورين بمفاتنها ومباهجها البراقة الزائفة إذ لم يجدوا في واقعهم سوى المرض والتخلف والرجعية، فأقبلوا على حضارة الغرب من دون نقد أو تمحيص، واعتقدوا أن كل ما يأتي به الغرب هو الدواء الشافي المعافي لأمراضهم ، مما جعلهم يفقدون الثقة بأنفسهم، وأصبحوا مقلدين ومتبعين لا يعرفون أي معنى للإبداع والإنشاء بعد ما كانوا هم المبدعين المنسيين. فالإسلام ليس مجرد غذاء روحي للإنسان فحسب كما يظن بعضهم، بل يمثل أيضاً حاجة يومية وعملية للحياة أجمع..

ص: 11


1- ينظر : محمد الكتاني. الإسلام والتطور في ضوء فلسفة محمد إقبال. مجلة الثقافة (السورية) كانون الثاني. دمشق. 1979. ص 4.

5- أن المسلمين ليسوا كما كانوا سابقاً يتحملون المصاعب والمشاق من أجل الوصول إلى الأهداف والغايات السامية، فهم اليوم ينشدون السكون والدعة ولو عاشوا في أكناف العبودية وخمول الذكر، وإقبال يرى أن السعادة والنجاح لا تأتي إلا بعد شقاء وعناء وألم، ومن طلب العُلا سهر الليالي.

لقد رأى إقبال كل ذلك أمام عينيه، مما دعاه إلى وضع العلاج الناجع والدواء الشافي وتحسين واقعه السيئ كي ينهض بالأمة الإسلامية نحو الجد والاجتهاد والعمل المتواصل، لأنه من دون عمل وسعي جاد لا تكون هناك ثمرات، والعمل أساس فلسفة الذات عند إقبال(1).

ولا بد للناس من أن يعودوا لرشدهم ووعيهم عن طريق ذواتهم لأنها مصدر الحركة والعمل ومصدر النور والحياة ومركز الإنسانية ومدار الخلود. يجب أن يرجع الإنسان إلى ذاته، فيعرف ما يضعفها فيتركه، وما يقويها فيعمله وينفي عنها الخوف والجبن، وعليه أن يتخطى العقبات في سبيل الحياة، وهي المادة، ولكن المادة فی نظر إقبال ليست شراً كما يقول حكماء الإشراق بل هي تعين الذات على الرقي، فإن قوى الذات الخفية تتجلى فى مصادمة هذه العقبات(2).

وهكذا آمن إقبال بالإنسان ووجوده أشد الإيمان فذات الإنسان في نظر إقبال هی أصل الكون، وإهمال الذات وعدم الشعور بها وعدم وعيها الوعي التام هو الجهل والبلاء المؤدي إلى خراب العالم. وكان إقبال يرى إن ذلك لا يكون ألا من خلال فهم الإسلام فهماً صحيحاً وتدبر آياته ومعرفة أوامره ونواهيه، فيقول: إن (العالم اليوم أصبح مفتقراً إلى تجديد بسيولوجي والدين الذي هو في أسمى مظاهره ليس عقيدة فحسب أو كهنوتاً أو شعيرة من الشعائر، هو وحده القادر على إعداد الإنسان العصري إعداداً خُلقياً يؤهّله لتحمل التبعة العظمى التي لابد من أن يتمخص عنها تقدم العلم الحديث، وأن يرد إليه تلك النزعة من الأيمان، التي تجعله قادراً على

ص: 12


1- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز. تر: د. عبد الوهاب عزام. دار المعارف. مصر . 1956. ص 13-14 ود. طه عبد الرحمن. سؤال الأخلاق، ط1، المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب. 2000 م. ص 198-199.
2- محمد إقبال . ديوان الأسرار والرموز . ص 17.

الفوز بشخصيته في الحياة الدنيا، والاحتفاظ بها في دار البقاء)(1). ويقول إقبال إن الإنسانية تحتاج اليوم إلى ثلاثة أمور(2).

1- تأويل الكون تأويلاً روحياً.

2- تحرير روح الفرد.

3- وضع مبادئ أساسية ذات أهمية عالمية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحي.

لقد توهم بعض الفلاسفة والمتصوفه بأن المثل الأعلى للإنسان هو في سلب الذات وأماتتها وإذلالها حتى تؤهل للفناء في ذات الله ، وأصحاب وحدة الوجود - فی نظر إقبال - يرون أن مقصد حياة الإنسان أن يفني نفسه في الحياة المطلقة أو (أنا) المطلق، كما تفنى القطرة في البحر(3).

ويرى إقبال أن أصل هذه الأفكار ومصدرها هو التصوف العجمي (التصوف السلبي) كما يسميه، الذي يدعو إلى إماتة الذات وليس إحياءها، وعكس هذا التصوف، التصوف الإسلامي (التصوف الايجابي) الذي يُحي (خودي) الذات، ويبلغ بها إلى أعلى المقامات(4).

يقول إقبال: (إن التصوف العجمي الذي شاع بين المسلمين أخذ من رهبانية كل أمة، وجهد أن يجذب إليه: كل نحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الأحكام الشرعية)(5).

ويقول أيضاً: (كما أن أمم الشرق المتفلسفة تميل إلى أن تعدّ (أنا) أي الذات، في

ص: 13


1- محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. ص 217.
2- محمد اقبال . المصدر نفسه، ص 207.
3- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 16 . ومحمد إقبال. ديوان جاويد نامة- رسالة الخلود تر: د. محمد السعيد جمال الدين. مطابع سجل العرب. القاهرة. 1974، ص17.
4- د. عبد الوهاب عزام. محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره. ب - ت . ص 62.
5- محمد إقبال . ديوان الأسرار والرموز . ص 11.

الإنسان من خداع الخيال. وتعد الخلاص من هذا الغُل نجاة... واختلطت في عقول الهنادك وقلوبهم، النظريات والعمليات اختلاطاً عجيباً ودقق حكمائهم في حقيقة العمل، وانتبهوا إلى نتيجة مفادها: أن حياة (أنا) الذات أصل المصائب والآلام)(1).

كُل هذه السلبيات دعت إقبال إلى توخي الحذر من هذه الفلسفات، والعمل على إيجاد فلسفة جديدة نابعة من الدين الإسلامي، تؤدي إلى كمال الإنسان والإنسانية و خلودهما، وهذا لا ينال إلا بالعمل، وفلسفة الذات هي الفلسفة الجديدة التي جاء بها إقبال، معارضاً ورافضاً بها كل الفلسفات السلبية، السكونية الجامدة(2).

وتعني هذه الفلسفة أن الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي، وحيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء، والخالق كذلك فرد، ولكنه فرد لا مثيل له(3).

ويرى إقبال أن هدف الإنسان الديني والأخلاقي هو في إثبات ذاته وليس نفيها، وعلى قدر تحقيق انفراده أو وحدته يقرب من هذا الهدف.

قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)(تخلقوا بأخلاق الله) فبقدر اتصالنا بالله تعالى، وبقدر تخلقنا بأخلاقه وتشبهنا به سبحانه، ننال السمو والكمال ويصير الواحد منا فرداً بغير مثيل، كما أن الخالق فردُ لا مثيل له، وليس هذا القرب - كما يقول إقبال - هو أن يُفني الإنسان وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو على عكس هذا يمثل الخالق في نفسه.

ويرى إقبال أن الحياة رقي مستمر ونشاط متجدد، تُسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها، وحقيقتها أن تخلق مطالب ومثلاً جديدة. وقد خُلق من أجل اتساعها وترقيها وقهر العقبات والمشقات، الحواس الخمس والعقل(4).

ص: 14


1- المصدر نفسه، ص: 13.
2- عصام الدين حواس. ثورة الأخلاق. المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر. دار الكتاب العربي. القاهرة. ب . ت . ص 168 .
3- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 16.
4- عبد الوهاب عزام. محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره. ص 56.

وليست المادة والطبيعة شراً، بل هي تعين الذات (خودي) على الكفاح والجهاد، وتتجلى قوى الذات الخفية في مصادمة هذه العقبات(1).

وتبلغ الذات منزلة الاختيار بهذا الجهاد والعمل المتواصل الذي فيه ديمومة الذات وخلودها لا في الاسترخاء فالذات - كما يقول إقبال - فيها اختيار وجبر، وتنال الحرية الكاملة إذا قاربت الذات الآلهية المطلقة، والحياة جهاد لتحصيل الاختيار، ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها(2).

والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يتمتع بالحرية والمسؤولية تجاه ما يفعل، قال تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنهُ كان ظلوماً جهولاً(3)*. ويفسر إقبال هذه المسؤولية والأمانة بأنها تشكيل الإنسان لمصيره بمحض إرادته(4).

وفي ذات الإنسان قوة خلاقه وحيوية تدفع بالإنسان نحو الكمال وهي قوة العشق التي تحول القطرة إلى درة، يقول إقبال للإنسان (أخرج النغمة التي في قرار فطرتك. يا غافلاً عن نفسك. أخلها من نغمات غيرك(5).

فلسفة الذات (خودي) فلسفة الشخصانية الاسلامية

لعل سألا يسأل ماذا يقصد إقبال بكلمة (خودي )؟ ولماذا استخدم هذا المصطلح الفارسي من دون غيره من المصطلحات؟ وما هو معنى هذا اللفظ في اللغة الفارسية ؟(6).

ص: 15


1- أحمد حيدر . إعادة أنتاج الهوية. ط1، دار الحصاد. دمشق.1997. ص166.
2- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 16-17.
3- سورة الأحزاب الآية 72.
4- محمد الكتاني. محمد إقبال مفكراً إسلامياً. ط1، دار الثقافة. الدار البيضاء. المغرب. 1978، ص80.
5- د. عبد الوهاب عزام. محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره. ص7.
6- رجعنا إلى معاجم وقواميس اللغة الفارسية لنتعرف على معنى كلمة (خودي) فوجدنا أن مصدرها هو (خود) وهو ضمير بعنوان الضمير المشترك للمتكلم والمخاطب والشخص الغائب. ويعني به النفس والذات للشخص. حسن عميد. فرهنك عميد . قاموس فارسي فارسي مطبعة سبهر1342شمسي - 1963م. ص 548. وكلمة (خودي) تدل بالعربية على معنى ( معرفة . أنانية. وجود). محمد التونجي. المعجم الذهبي (قاموس فرهنك طلائي) فارسي - عربي. ط1، دار العلم للملايين بيروت. 1969م. ص 246.

لم يكن من السهل على إقبال أن يتخذ لفظاً أو مصطلحاً لفلسفته في الذات بصورة بسيطة، وكان اختياره للفظة (خودي) اختياراً شاقاً ، وقد تعرض للنقد الشديد من قبل المثقفين لاختياره هذه الكلمة التي تعني لدى عامة الناس الأنانية والفردية ولكن إقبال لم يقصد بها هذا المعنى الشائع.

ويرى إقبال في سبب اختياره لكلمة (خودي) في بناء فلسفته كان بالغ الصعوبة ولم يصل اليها الا بعد جهد شديد. فمن وجهة النظر الأدبية فيها عدد من المثالب ونواحي النقص، ومن الناحية الأخلاقية تُستعمل عادة في كل من الفارسية والأردو الكلمات الأخرى للحقيقة الغيبية لكلمة (أنا) فكلها بمعنى سيء. كذلك الحال مع على نفس الدرجة من السوء، ومثل أنا، شخص، نفس . وكلمة (مين) على نفس القدر ذلك وحرصاً على متطلبات الشعر، فقد الفيت أن من السوء. ومع كلمة (خودي) أكثرها مناسبة(1).

ولم يقصد إقبال بكلمة (خودي) المعنى العام المعروف لدى الجميع (الفردية والأنانية والأثرة) وإنما يعني بها الإحساس بالنفس أو تعيين الذات،(2)ومن الناحية الأخلاقية يقصد بها الاعتماد على الذات، واحترام الذات، والثقة بالذات، والحفاظ عليها وتأكيد وجودها.

وإقبال يعني ب- (خودي) أيضاً (الشخص والشخصانية) وهذا ما ارتآه محمد عزيز الحبابي في كتابه (الشخصانية الإسلامية) ونحن نتفق معه في هذا الرأي(3).

ونرى أن السبب الرئيسي في اختلاف الباحثين والدارسين بشأن أهی فلسفة إقبال، فلسفة الذات أم فلسفة الأنا أم الفلسفة الشخصانية، يرجع إلى صعوبات النقل

ص: 16


1- ينظر: محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 14-15 و د. أحمد معوض. العلاقة محمد إقبال. حياته وآثاره. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 1980، ص330.
2- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 15.
3- يقول الحبابي (أن كلمة شخص في نظرنا أقرب إلى الصواب من الذاتية. ألسنا نرى أن لفظ «شخص» ينحصر في الدلالة على الإنسان، في حين أن كلمة (ذات) يشترك فيها الإنسان والحيوان بل حتى الأشياء، نقول الرجل «ذاته» والحصان «ذاته» والورقة «ذاتها»)الشخصانية الإسلامية. ط2، دار المعارف. القاهرة. ب.ت. ص 21-22.

والترجمة من لغة إلى أخرى(1). وهذا ما أكده مجموعة من الباحثين أيضاً(2). كما أن مصطلح الذات بحد ذاته يعد من المشكلات الفلسفية(3). إذ إن أصحاب المعاجم والقواميس الفلسفية اختلفوا في تعريفها.

إن هدف إقبال في بناء فلسفته هو في إثبات الذات وتحقيق وجودها وتحصينها، لكي تبلغ أعلى المنازل وتصل إلى درجة الكمال متمثلة بمرتبة (الإنسان الكامل)، وليس بإماتتها وأفناها في الذات الآلهية. فقد رفض إقبال هذا الرأي الذي جاء به أصحاب وحدة الوجود من اتباع محي الدين بن عربي (ت 638 ه) وسبينوزا (ت 1677م) وهيجل (ت 1831م )(4).

ويرى إقبال بأن على أمم الشرق والأمة الإسلامية أن تنهض إلى العمل، لأن الإسلام يرى أن خلود (أنا) الذات في العمل(5). وعلى أمم الشرق أن تفهم أسرار الحياة، وأن تنظر إلى أمم الغرب التي امتازت بين الأمم بالعمل.

وتأكيد إقبال على العمل نابع من تأكيد الدين الإسلامي له. قال تعالى «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون»(6).

وقال تعالى «وأبتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك»(7).

ص: 17


1- يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941م) لو أن قصيدة من الشعر تُرجمت إلى جميع اللغات الممكنة، فجميع تلك الترجمات مهما نبذل فيها من محاولات لحسن السبك والصياغة، ومهما نزد عليها من محسنات وتنقيحات لكي تعطي صورة تزداد أقتراباً من القصيدة فما هي بمعطية أبداً المعنى الباطن للأصل الذي نُقلت عنه. هنري برجسون. الفكر والواقع المتحرك. فصل المدخل إلى الميتافيزيقا. ت: سامي الدروبي. طبعة الأوابد. ب.ت. ص 177-178.
2- ينظر : د. عبد العزيز المقالح. إقبال ومعركة التحديث والتواصل. مجلة دراسات يمنية. العدد. 54. صنعاء. 1418- 1997. ص.9. والمقالح أيضاً. نماذج من شعر إقبال. مجلة دراسات يمنية. العدد 58. صنعاء. 1419ه- - 1998 م. ص12.
3- ينظر: أحمد حيدر. نحو حضارة جديدة. ط 1 ، مطبعة الإنشاء 1969. ص214.
4- الموسوعة العربية الميسرة. المجلد الأول. أشراف محمد شفيق غربال. دار نهضة لبنان. بيروت. 1980م.ص 183-184.
5- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص 13-14.
6- سورة التوبة. الآية 105.
7- سورة القصص. الآية 77.

ولا بد من أن يقوم هذا العمل على تقوية الذات التي هي مركز الكون، فيقول إقبال في ديوانه (أسرار الذات) عن الذات(1):

هيكل الأكوان من آثارها كل ما تُبصر من أسرارها

نفسها قد أيقظت حتى انجلى - عالم الأفكار ما بين الملا

ألف كون مختف في ذاتها -غيرها يُثبت من اثباتها

ونظرة إقبال هذه في تأكيد الذات وجعلها أصل الكون، وبوجودها توجد الأشياء، قريبة من نظرة الفلسفة المثالية الذاتية، التي تؤكد أولوية الذات وأنها مصدر الوجود والمعرفة، ولولاها لما عرفت الأشياء.

ويقول إقبال مؤكداً ما قلناه (ولما كانت حياة العالم من قوة الذات. فإنما تكون الحياة بقدر استحكام هذه الذات وصلابتها )(2).

فدعوة إقبال هذه ترشدنا وتحثنا الى معرفة النفس معرفة دقيقة وصحيحة، فألف باء السلوك الحسن والأخلاق العملية هو أن تعرف نفسك بنفسك، فتعرف مواضع النقص لتكملها، وأن تعرف حسناتها فتنميها، وسيئاتها فتقلع عنها، فمعرفة النفس مبدأ كل علم وفضيلة، ومعرفة النفس مفتاح معرفة الله الحق المبين(3).

ويدعونا الدين والعلم والفلسفة إلى معرفة النفس، قال تعالى «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنهُ الحق »(4).

وكانت حكمة سقراط التي يرددها على الدوام تلك الحكمة الخالدة «اعرف نفسك بنفسك».

ص: 18


1- محمد إقبال. المصدر السابق. ص 13.
2- محمد إقبال. ديوان أسرار الذات. ص 13-14.
3- منصور رجب علي. تأملات في فلسفة الأخلاق . ط3، مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة. 1961، ص 9-8.
4- سورة فصلت. الآية 83 .

وأن تلك الدعوة لمعرفة النفس التي أهتم بها إقبال في فلسفة الذات إنما هي بالأصل دعوة لسمو الأخلاق، وبناء الشخصية الإسلامية الصحيحة كي نصل إلى مرحلة الإنسان الكامل الذي يرتفع من الحيوانية الدنيا إلى الإنسانية العليا)(1). ولا يستطيع الإنسان بلوغ درجة الكمال واستحكام الذات عند إقبال - إلا بتوليد وخلق المقاصد، فإن حياة الذات عنده إنما تكون بهذه المقاصد، إذ يقول : إن بقاء الحياة أنما يكون بالأهداف، وجرس قافلتها إنما هو من المقاصد. فالحياة كامنة في البحث. وأصلها خاف في الأمل فاحفظ الأمل في قلبك حياً نابضاً، حتى لا تستحيل حفنة ترابك مزاراً، وتكون حياتك موتاً)(2).

ويدعو إقبال، الإنسان إلى أن يكون قوياً، لأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، ويقول عن القوة (عندما أقول (كن قوياً كالماس) فلا أعني ما يعنيه نيتشه في الصلابة أو قسوة الفؤاد أو انعدام الرحمة، وإنما أعني تكامل عناصر قوة الذات بحيث يمكنها أن تسد الطريق على قوى التدمير بوسائلها تجاه الخلود الذاتي)(3).

والذات تضعف وتقوى وكل ما يقويها هو خير وكل ما يضعفها هو شر، وليست هناك أعمال تورث اللذة وأعمال تورث الألم . بل هناك أعمال تكتب للنفس البقاء أو تكتب لها الفناء، ومبدأ العمل الذي يكتب للنفس البقاء - كما يقول إقبال - هو احترامي للنفس في وفي غيري من الناس(4).

- مراحل تربية الذات عند اقبال

لعل سائلا يسأل ما الغاية التي كان ينشدها إقبال من فلسفته في إثبات الذات؟ لقد أراد إقبال أن يصل إلى حقيقة عالية وغاية عظمى من إثبات الذات ألا وهي الوصول إلى درجة الإنسان الكامل، هذا الإنسان ذو الشخصية القوية، والطاقات الخلاقة المبدعة.

ص: 19


1- د. ماهر كامل. وعبد المجيد عبد الرحيم . مبادئ الأخلاق. ط1، مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة. 1958، ص4.
2- أحمد معوض. العلامة أحمد إقبال. ص 343.
3- المصدر نفسه، ص.332.
4- محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. 137.

ولعل سائلا آخر يسأل كيف يتسنى لنا الوصول إلى هذا المقام السامي وبأي وسيلة نبلغه ؟

يكون ذلك بنظر اقبال بالتربية الإسلامية الصحيحة، وبالمراحل التي حددها في فلسفته، إذ يقول اقبال في مقاله الذي بعثه إلى الأستاذ المستشرق الأنكليزي نیکلسون : أشرت في فصول هذا المثنوي لأسرار خودي، إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية، وبينت أن لكمال الذات ثلاث مراحل(1):

1- إطاعة القانون الإلهي.

2- ضبط النفس.

3- النيابة الإلهية.

1- إطاعة القانون الإلهي:

يوجه إقبال حديثه للإنسان ويدعوه إلى طاعة الله تعالى التي هي أول مراحل تربية الذات. وإنما تكون الطاعة بالانقياد للأوامر الإلهية ونواهيها. وعلى المؤمن أن يعلم أن كل ما أتى به الله تبارك وتعالى، إنما هو لمصلحة البشر والإنسانية أجمع.

ومن واجب العبد، المملوك، المخلوق، إطاعة السيد، المالك، الخالق الذي يُريد صلاحه في الدنيا والآخرة. ومهما كانت شدة هذه الواجبات فأنها لصلاح الإنسان، ولا يحمّل الله، الإنسان ما لا طاقة له به ، قال تعالى «من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها»(2).

ويضرب إقبال مثلاً عن الإنسان المطيع، ويشبهه بالجمل الذي يسير بأثقاله صابراً محتملاً، ولا يحسب ذلك ألماً بل هو لذة، ويقول إن الطاعة تجعل في الجبر الاختبار، ويكون الإنسان حراً عندما يُقيد نفسه بالشريعة، يقول إقبال(3):

ص: 20


1- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز ص 19.
2- سورة فصلت. الآية 46.
3- محمد إقبال. ديوان أسرار الذات. ص 38-37.

ألفة الكد شعار الجمل *** شيمة الصبر وقار الجمل

صامت الاخفاق يمشي ماضياً *** زورقاً في البيد يسري هادياً

فاحمل الفرض قوياً لا تهب *** وأرجون من عنده حسن المآب

أجهدن في طاعة يا ذا الخسار *** فمن الجبر سيبدو الاختيار

ولاشك في أن طاعة الله تبعث في النفس النور والقوة وتغمرها حيوية وطاقة لا توصف.

وأن المجتمع الذي يتمسك أفراده بطاعة الله تعالى والعمل في حدود شرائعه وأحكامه سيكون مجتمعاً عادلاً متفاهماً يعيش في ظل المودة والسلام، ويدعو الإسلام إلى بناء المجتمع الفاضل الذي تسود فيه القيم الأخلاقية التي تضبط سلوك الإنسان وتبقيه في إطار إنسانيته(1).

2- ضبط النفس:

المرحلة الثانية بعد طاعة الله تعالى، هي ضبط النفس الإنسانية، وردعها عن كل ما حرمه الله، فالنفس لها نوازع وأغراض وتحتدم فيها مشاعر ومطالب وتعتمل فيها شهوات ورغبات، فلو سارت وراء هواها لألقيت في التهلكة، لهذا فمن الضروري ضبط النفس وكبح جماح شهواتها ونوازعها الشريرة، بالرياضة الروحية وممارسة السلوك الحسن وتهذيب الأخلاق(2). يقول إقبال بخصوص ضبط النفس مشبهاً إياها بالجمل(3):

جمل نفسک تربو بالعلف *** فی اباء وعناد وصلف

فکن الحر وقدها بزمام *** تبلغن من ضبطها أعلی مقام

ص: 21


1- د. محسن عبد الحميد. منهج التغيير الاجتماعي في الإسلام. مطبعة الزمان. بغداد. 1986. ص107.
2- د. نجيب الكيلاني. إقبال الشاعر الثائر. الدار العلمية. ط2. 1391-1971. ص 63.
3- محمد إقبال. ديوان أسرار الذات. ص39.

من تمسك بعصا من «لا اله» *** فلتحطم طلسم الخوف يداه

كل من بالحق أحيا نفسه *** لا ترى الباطل يحني رأسه

وخير سبيل لضبط النفس عند اقبال هو في الحفاظ على الفرائض الدينية، فالصلاة درة التوحيد، والحج الأصغر لقلب المسلم وهي تعبر عن مكنون شوق الإنسان إلى من يستجيب لدعائه في سكون العالم المخيف(1). والصوم وأن كان فيه جوع وعطش إلا أنه خير ضابط للجسد. والحج على أنه هجرة عن الأهل والوطن، فهو نور لقلب المؤمن والزكاة وأن كان فيها أنفاق المال، إلا أنها درس في التعاون والمساواة ومحبة الآخرين(2). قال الله تعالى «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»(3).

ويُعد ميدان ضبط النفس وتربيتها من أصعب الميادين، وليس لكل إنسان القدرة على ذلك، إلا بالطاعة والصبر ولأيمان بقيمة الأهداف والمقاصد ، وما تتركه العقيدة الإسلامية من دور تنموي وبناءي على الذات الإنسانية.

3- النيابة الألهية (الخلافة):

إذا تمكن الإنسان بطاقاته التي وهبها له الله تعالى من طاعة المولى وضبط النفس، فقد صار إنساناً بمعنى الكلمة، بحيث أنه أصبح سيد نفسه وليس عبداً لها، فهو الذي يقودها وليس هي . فعندئذ يبلغ الإنسان المرحلة الثالثة وهيالنيابة الآلهية (الخلافة) ويصير الإنسان مدلول الآية القرآنية الكريمة «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة»(4).

وهذه المنزلة أسمى منازل العارفين الذين يتخلقون بأخلاق الله والذين «يحبهم ويحبونه»(5). والذين «لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون»(6). ويصف إقبال هذا

ص: 22


1- محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. ص 107.
2- د. أحمد معوض . العلامة محمد إقبال. ص 352 353.
3- سورة آل عمران. الآية 92.
4- سورة البقرة. الآية 30.
5- سورة المائدة. الآية 54.
6- سورة الأنبياء. الآية 27.

الإنسان الكامل المتعالي على هواه وشهواته بقوله :(1)

نائب الحق على الأرض سعيد *** حكمه في الكون خلد لا يبيد

هو بالجزء وبالكل خبير *** وبأمر الله في الأرض أمير

هو في الناس بشير ونذير ***وهو جندي وراع وأمير

ويصف إقبال (الإنسان الكامل) أيضاً في ديوانه (جاويد نامة) رسالة الخلود ويقول فيه : بأنه (هو كليم وهو مسيح وهو خليل، وهو محمد، هو الكتاب، هو جبريل، ففيه تنعكس صفات الأنبياء جميعاً، ولكنه ليس بنبي. (هو شمس كائنات أهل القلوب، من شعاعه حياة أهل القلوب) فأولياء الله يتلقون منه الفيوضات الروحانية)(2).

ورأى بعض الباحثين أن إقبالا تأثر بفلاسفة الإسلام (بفكرة الإنسان الكامل) ومنهم الحلاج وجلال الدين الرومي وعبد الكريم الجيلي والشيخ أحمد السرهندي وغيرهم(3). وبفلاسفة الغرب أيضاً ومثلهم جوته وفخته ونيتشه و برجسون(4).

قوة الذات في مقاومتها، وضعفها في تكاسلها

فيما سبق ذكرنا أن إقبال يهدف إلى تقوية الذات وتحصينها، وقال إن كل ما يقوي الذات هو خير، وكل ما يضعفها فهو شر، في الدين والفن والأخلاق. فما يقوي الذات عند اقبال مجموعة أمور التي منها :

1- الحب والعشق: تُستحكم الذات بالمحبة والعشق، ويحذر إقبال من أن يُفهم من هذين المفهومين بأنهما يعنيان جلب السرور الفردي، وإنما يمثلان قوة روحية حيوية خلاقة تدفع الفرد لأن يُحيي الحياة.

ص: 23


1- محمد إقبال. ديوان أسرار الذات. ص 41.
2- محمد إقبال. ديوان جاويد نامة (رسالة الخلود) ترجمه عن الفارسية نثراً د. محمد السعيد جمال الدين. مطابع سجل العرب. القاهرة. 1974.. ص 335.
3- د. أحمد معوض . العلامة محمد إقبال. ص 400.
4- ينظر : ميلود خلف الله. النزعة التجديدية عند محمد إقبال . رسالة ماجستير . جامعة بغداد - كلية العلوم الإسلامية. قسم أصول الدين. 1420-2000. ص 121-122 .

وكثيراً ما كتب إقبال عن دور الحب والعشق شعراً ونثراً، والعشق كما يصفه أبو النحر الهندي (هو الشيء الذي يقوي الذات وينميها، ويدفعها إلى الكمال الخالد. والعشق ومعناه جذبك الشيء أو طلبك إياه لتجعله جزءاً من نفسك، وأسمى صور هذا العشق وأعلاها وأفخمها هو توليد المقاصد والآمال(1).

فالعشق والمحبة يمثلان شحنة وطاقة روحية للذات، تدفعها نحو الأمام، ونحو العلو والارتقاء، ولولا العشق لما بقيت الحياة.

2- الفقر : لقد أكثر إقبال من ذكر كلمة الفقر في كتاباته، وعدَّها صفة من صفات الإنسان المؤمن، ولا يقصد بها المعنى الدارج المعروف وهو عدم امتلاك المال وقلته (الفقر المادي) وإنما يقصد بها الترفع عن مكافت هذا الع-الم، وخلاص النفس من قيد التملك والطمع.

وهذا المعنى شبيه بتعريف المتصوفة للفقر، في قصيدة له عنوانها (فقر الصالحين) يقول إقبال :(2)

يا عبيد الماء والطين اسمعوا *** ما هو الفقر الغني الأرفع

هو عرفان طريق العارفين *** وارتواء القلب من عين اليقين

ذلك الفقر عزيز في غناه *** هامة الجوزاء من أدنى خطاه

3- الشجاعة : ليست البطولة الجسدية تجاه الأشياء هي الشجاعة فحسب، وإنما تكون الشجاعة روحية ومعنوية أيضا، فقد يكون الإنسان شجاعاً بقوته الجسدية ولكنه ضعيف معنوياً. فلا بد للمؤمن الحقيقي من أن يقوي ذاته بالشجاعتين لأن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، كما قال رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)في المجالات كافة.

ص: 24


1- د. حميد مجيد هدو. إقبال الشاعر والفيلسوف والإنسان. ط 1 مطبعة الغري الحديثة. النجف الأشرف. 1383 ه- 1963. ص 159. ود. نجيب الكيلاني. إقبال الشاعر الثائر . ص 56.
2- محمد إقبال . ديوان والآن ماذا نصنع يا أمم الشرق. ترجمه نشراً محمود أحمد غازي. وشعراً الصاوي على شعلان. ط ، 1 دار الفكر . دمشق . 1408 ه- . 1988م. ص 72.

والشجاع عند إقبال هو الذي يناضل من أجل الحياة ويسعى إلى مرتبة الكمال، إذ يقول :(1)

أقو يا مؤمن بالله القوي تحكمن في ذلك البكر الأبي فبالصبر والقوة وخوض الصعاب يعلو من سفل، وبالضعف والجبن يدنو من علا وإن كان الجبل(2).

4- النشاط الخلاق: كان إقبال يبث في الناس روح القوة والعشق والسعي الجاد من أجل بناء الذات والحياة، فالدنيا وإن هي ليست بدار القرار ولكنها مزرعة الآخرة والجسر الموصل إليها . فحدَّر إقبال الناس من تواكلهم وعدم سعيهم الجاد لكسب الرزق الحلال، فيقول للإنسان: (لا تبغ رزقك من نعمة غيرك، ولا تستجد ماءً ولو من عين الشمس، واستعن الله وجاهد الأيام، ولا تُرق ماء وجه الملة البيضاء. طوبى لمن يحتمل الضُّر من الحرور والظمأ ، ولا يسأل الخضر كأساً من ماء الحياة)(3). يقول إقبال في ديوانه (بيام مشرق)(4):

ونفسك فاشحذن في كل آن *** وعش أمضى من السيف اليماني

ففي الأخطار للهمم أختبار *** لأرواح وأجساد عيار

هذا فيما يقوي الذات وينميها ويربيها من عوامل فاعلة تحقق له النجاح والتفوق في حياته وتجاوز الازمات والمصاعب والمحن. أما فيما يخص العوامل والامور التي تضعف الذات فيرى اقبال انها تتمثل في:

1- الخوف: يُعد عامل الخوف من العوامل القوية المضعفة للنفس (الذات) التي تذهب بهيبتها وكرامتها، فأكد علماء النفس أن معظم حالات الاختلال العقلي التي تصيب البشر أصلها الخوف، وهو بعكس عامل الشجاعة والقوة الخلاقة، ويصف

ص: 25


1- محمد إقبال . ديوان أسرار الذات . ص 40.
2- ينظر : المصدر نفسه، ص38.
3- د. عبد الوهاب عزام. محمد إقبال سيرته وفلسفته وشعره. ص 78.
4- محمد إقبال . ديوان بیام مشرق . ص 60.

إقبال الخوف قائلاً :(1)

إن الخوف من أي شيء سوى الله أمر يدعو للسخرية.

فهو لص في قافلة الحياة.

ومن أدرك سر المصطفى.

يرى الكفر مختفياً في الخوف.

2- التسول: لا يفهم من هذه الكلمة المعنى المعروف لدى العامة، وإنما يقصد به إقبال كل ما ينال بغير جهد شخصي، فالذي يرث مال غيره يُعد في نظر إقبال سائلاً، والذي يتبع أفكار غيره أو يدعيها لنفسه سائل أيضاً.(2)ويحذر إقبال المسلم المؤمن من هذه الرذيلة فيقول(3):

أيها الجابي من الأسد الخراج *** صرت كالثعلب خباً باحتياج

ذلك الأعواز أصل العلل *** كل آلامك من ذا المعضل

وعن الرحل ترجل كعمر *** أحذرن من منة الناس الحذر

3- العبودية : الاستسلام للآخرين، وإخضاع النفس لهم، وطلب الحوائج من غير أهلها، هي العبودية، ولا عبودية إلا لله الواحد الأحد. ولإقبال في العبودية منظومة بعنوان (بندكي نامة) رسالة العبودية، يقول فيها(4).

إن القلب يموت في الجسد بالعبودية، وتستحيل الروح عبئاً على الجسد بالعبودية. وبالعبودية يحل ضعف الشيخوخة في الشباب، وبالعبودية تسقط الأنياب من أسد الغاب.

وبالعبودية يتفرق محفل الأمة فرداً فرداً، ويكون هذا وذاك في صراع مع هذا وذاك .

ص: 26


1- مهدي حمود الفلوجي. إقبال شاعراً ومفكراً. مجموعة من الكلمات والخطب والمحاضرات التي ألقيت بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد محمد إقبال. بغداد. 1977. ص 81.
2- محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . ص.19.
3- المصدر نفسه، ص 23.
4- محمد إقبال. رسالة العبودية . تر: د. أحمد معوض. ضمن كتاب العلامة محمد إقبال. ص404.

4- إنكار الذات: سعى بعض الأشخاص إلى ممارسة الطرائق الصوفية العتيقة ووسائلها البالية، كالتقشف المفرط، وحرمان النفس من أبسط متطلباتها، وإذلالها، وفقدها عزتها كي تصل إلى مرحلة الفناء في ذات الله كما يدعون، فرفض إقبال هذا اللون من هذه الممارسات والطقوس، لأنها في نظره من اختراع الأمم المغلوبة التي خدعت الأمم الغالبة عن نفسها وزينت لها نفي الذات.

ويضرب إقبال مثلاً لنا على ذلك، أن هناك قطيعاً من الغنم هاجمته الأسود وتسلطت عليه، ففكر كبش في أمر جماعته، فأتته فكرة هي في أن يضعف قوة الأسود وسلطانها، فادعى أنه نبي مرسل للأسود، ويصوّر إقبال هذا الحدث في قوله(1):

قد سمعنا أن في عصر قديم *** جمع ضأن كان في مرعى يُقيم

وفرت نسلاً بذا المرعى الخصيب *** فارغات البال من ليث وذيب

دهمتها الأسد من آجامها *** ناشرات الذعر في أيامها

آية القوة حكم قاهر *** سرها الظاهر فتح ظافر

وانبری کبش ذكي ذو عمر *** جرب الأحداث من حلو ومُرّ

فادعى في القوم دعوى ملهم *** مرسل للأسد شراب الدم

إنما القوة خسران مبين *** خصت الجنة بالمستضعفين

ويصل اقبال الى غاية فلسفته وهدفها الأساس فيقول عن نفي الذات: (وعندما لم أشجب نفي الذات، فلا أعني نفي الذات بالمعنى الأخلاقي، لأن نفي الذات بالمعنى الأخلاقي مصدر لقوة الذات، لكني بنفي الذات أدين تلك الأنماط السلوكية التي تؤدي إلى القضاء على الأنا كقوة غيبية، لأن ذلك يعني تحلل الأنا وعدم قدرتها على الاستمرار الأبدي الذاتي)(2).

ص: 27


1- محمد إقبال. ديوان أسرار الذات. ص 28-27.
2- أحمد معوض . العلامة محمد إقبال. ص 332.

إذن فدعوة إقبال هي دعوة أخلاقية، تربوية، عملية، تدعو الإنسان إلى بناء شخصيته (ذاته) وتنظيم سلوكه، فنظريته هي نظرية في بناء السلوك الفردي السليم المؤدي إلى سلامة المجتمع والجماعة معاً.

المجتمع بيخودي بوصفه مكملاً للذات وأخلاق الجماعة

بعد أن سعى إقبال في فلسفة الذات، إلى بناء الإنسان بناءً عالياً، وأقام له شخصية صلبة، ومنزلة، متمثلة بالإنسان الكامل، ينتقل إلى القسم الثاني من فلسفته، وهو اللاذات (بيخودي) المجتمع، ليتمم بناء فلسفته بناءً تاماً. فهذا القسم يُعد ضرورة مكملة للقسم الأول، فالفرد لا يستطيع العيش بمفرده بمعزل عن الآخرين.

فإقبال وإن آمن أشد وأعمق الإيمان بذات الإنسان. إلا أنه لم يهمل دور المجتمع وأثره في هذا البناء. فالمحيط له دور كبير في تربية الإنسان وبنائه - وهذا ما أكده في ديوانه (رموز بيخودي) رموز نفي الذات الذي يُعد الجزء المتمم للديوان الأول (أسرار خودي) أسرار إثبات الذات.

تُعد مسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع من المسائل التي اهتم بدراستها علما النفس والاجتماع. ولا سيما علم الاجتماع الذي يدرس السلوك الجمعي (الاجتماعي)، الإنساني للأفراد، وتأكيد أهمية التفاعل الإنساني الذي يُعبر عن سلوك الإنسان في علاقته بإنسان آخر(1).

يقسم الباحثون بشأن مسألة العلاقة بين الفرد والمجتمع إلى فريقين: فريق يدعو أو يناصر الفردية، ويرى أن لا علاقة للفرد بالمجتمع. وفريق آخر يعطي الأولوية للمجتمع ويعد الفرد نتاجاً للمجتمع(2).

ولكن لدى كلا الفريقين نصف الحقيقة، لأن الحياة لا تقوم إلا بالتوفيق بين الفرد

ص: 28


1- د. محمد عاطف غيث. علم الاجتماع . ج 1 دار المعرفة الجامعية. 1990. ص 113.
2- ينظر: د. محمد عاطف غيث. المصدر نفسه، ص 200-201. ود. سيد أبراهيم الجيار. التوجيه الفلسفي والاجتماعي للتربية. مكتبة غريب. القاهرة. 1977. ص 79.

والمجتمع، لأن حاجة الفرد إلى المجتمع ليعيش، وحاجة المجتمع إلى الفرد ليستمر في الوجود.

وهذا ما ذهب إليه إقبال في القسم الثاني من فلسفته (نفي الذات)، فإنه وإن جعل الفرد مركز الحياة إلا أنه لم يهمل دور المجتمع في تربية وترقية وبناء الذات (الفرد) لأن الإنسان كائن اجتماعي ثقافي يعيش في مجتمع، وهو لذلك يجد نفسه مرتبطاً بعلاقات متعددة مع الآخرين أو كما يقول محمد عزيز الحبابي. (الشخص واقع يتمتع باستقلال ذاتي وباستقلال ترابطي، لأن (الأنا) في الإسلام - معشري)(1).

إن الذوات (الأفراد) وإن تباينت فيما بينها، إلا أن الترابط بينهم يكون عن طريق الألفة والمحبة التي تقوم بين (الأنا) و (الغير) كما يقول الفلاسفة المعاصرون أو بين (المؤمنين). كما عبر الرسول الكريم(صلی الله علیه و آله و سلم)في قوله (والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا، حتى تحابوا)(2).

ويؤكد إقبال في كتاباته أهمية الجماعة (الأمة) للفرد ولا سيما في ديوانه رموز نفي الذات الذي عرض فيه هذه المسألة فيقول :(3)

رحمة للفرد حجر الأمة *** کامل جوهره في الملة

فالزمن الجمع جهد المستطاع *** في ذرا الأحرار كن مثل الشعاع

وأحفظن ما قاله خير البشر *** كل شيطان من الجمع نفر

فردنا مرآته أُمته *** وكذا مرآتها صورته

ويرى إقبال أن المسلم الملتزم بالشريعة هو الوحدة التي يقوم عليها رقي الجماعة الإسلامية. وأن ارتقاء الجماعة لا يكون إلا بارتقاء الأفراد، ويقول في ديوانه (بانك

ص: 29


1- محمد عزيز الحبابي. الشخصانية الأسلامية. ط2،دار المعارف. القاهرة. ب. ت. ص 28.
2- د. عثمان أمين. الجوانية أصول عقيدة وفلسفة ثورة. دار القلم. 1964. ص 114-115. وينظر : د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) الشخصية الأسلامية. ط3، دار العلم للملايين. بيروت. 1980، ص 185.
3- محمد إقبال. ديوان رموز نفي الذات: ترد. عبد الوهاب عزا.م ص 81.

درا) أي صلصلة الجرس : (إن وجود الفرد قائم بارتباطه بالملة أما وهو منفرد فليس هو بشيء. فمثله كمثل الموج، يكون في البحر، أما في خارج البحر فلا وجود له)(1).

فالفرد عند إقبال وإن كان مستقلاً بشخصيته وذاته، إلا أنه غير منفصل عن المجتمع . فأنا وأنت - في نظر إقبال - لبنه مميزة في بناء الوجود الكبير، وكل لبنه تتعاون مع أختها من أجل بناء الفرد والمجتمع، وبقوة وكمال تربية الفرد لذاته واستحكامها تقوى الأمة وبعدل ونظام الأمة يقوى الفرد ويسمو بذاته فوق السماء، وجوهر فلسفة إقبال أن غاية الجماعة سعادة الفرد وأن الفرد. لا يفنى من أجل الجماعة(2).

ويقول إقبال عن أهمية الجماعة : (وإنها لحقيقة سيكولوجية أن الاجتماع ينمي قوى الإدراك عند الرجل العادي، ويعمق شعوره، ويحرك إرادته إلى درجة لا يعرفها في عزلته ووحدته)(3).

وغايته هي إنشاء الفرد الفاضل في ظل المجتمع الفاضل الذي لا يتكون إلا بجهود الصالحين والخيرين، الذين يسعون إلى نشر الخير والفضيلة، ويحاربون الشر والفساد والرذيلة.

ويصف إقبال هذه الأمة المثالية بقوله : (إنها تعلو فوق الأمم لأنها أمة نيطت بها الإمامة في الدنيا والآخرة، فهي لا تني عن مواصلة أمور الخلق، لأن النوم والتعب محرمان عليها)(4).

وعلى الأمة الإسلامية أن تسعى إلى الطاعة والتربية، ولا بد لها من أن تعرف هدفها والمقصد الذي تبغيه، فالأمة الغافلة عن المقاصد، جاهلة، حتى يبعث الله تعالى إليها هادياً يخرجها من الظلمات إلى النور.

ص: 30


1- محمد إقبال. ديوان بانك درا. صلصلة الجرس. ص.190. نقلاً عن د. أحمد معوض. العلامة محمد إقبال. ص 360 .
2- محمد إقبال. ديوان رموز نفي الذات. هامش ص 84.
3- محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. ص 107.
4- نجيب الكيلاني. إقبال الشاعر الثائر. ص 67.

يجذب الإنسان شطر المقصد *** جاعل الشرع زماماً في اليدِ

نكتة التوحيد يوحيها إليه *** أدب الطاعة يمليه عليه

وتنتعش الأمة بمجيء الهادي، فيمدها بالعدل والإحسان والطاعة والانضباط، ويوقظها من سباتها العميق ويحرر الناس من عبادة الأوثان والبشر، ويعيدهم للقانون والسنن:

ويفكّ العبد من أغلاله *** ويجير القن من أقياله

قائلاً أن لست عبداً فاعلم *** أترى قدرك دون الصنم

ویرى اقبال أن هناك مجموعة من الأركان المهمة التي على الأمة الإسلامية أن تلتزم بها وتمثل جوهر عقيدتها وحيوتها وهذه الأركان الاساسية تتمثل في:

1- التوحيد:

هو جوهر العقيدة، ليس إلا رفضاً لعبودية البشر في مختلف ضروبها وأشكالها، وهذا تحرير للإنسانية من مهانة الرق والاستعباد(1).

والتوحيد هو روح الدين الإسلامي والديانات السماوية الأخرى. وهو الإكسير الذي يُحيل التراب ذهباً والسر الذي يتجلى منه الدين والشرع والحكمة والقوة والسلطان. وهو الدواء الذي يميت الخوف والشك ويُحيي العمل والأمل(2). ويرى إقبال أن سر نجاح المسلمين يكمن في إيمانهم العميق بمبدأ وركن التوحيد الذي هو أساس وحدة الدين والمسلمين(3). وأنه السبيل الوحيد لاستئصال العلل الخبيثة التي تعوق تقدمنا وتسد علينا مسالك الحياة وتعطلها. ويُعين إقبال هذه العلل وهي اليأس والحزن والخوف. ويعدّها من أمهات الخبائث(4)، وعلاج هذه الخبائث هو التوحيد:

ص: 31


1- د. بنت الشاطئ. الشخصية الإسلامية. ص184.
2- د. عبد الوهاب عزام. محمد إقبال سيرته وفلسفته و شعره. ص 96.
3- ينظر: محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. ص169.
4- ينظر : محمد إقبال. ديوان رموز نفي الذات. ص 89.

ويخاطب إقبال المسلم مذكراً إياه بحقيقة التوحيد وتأثيره في صياغة روحه وكيانه الذي هو أساس الفرد والدين، يقول في قصيدة (جواب شكوى):(1)

أعد من مشرق التوحيد نوراً *** يتم به اتحاد العالمينا

وأنتَ العطر في روض المعالي *** فكيف تعيش محتبساً دفينا

وأنتَ نسيمه فاحمل شذاه *** ولا تحمل غبار الخاملينا

2- الرسالة:

هي الركن الثاني للأمة الإسلامية، ورسالة الإسلام قائمة منذ بعث الرحمن، خليله إبراهيم(علیه السّلام)أبو الأنبياء ودليلهم إلى الطريق، ومنذ أوحى الله تعالى لإبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، توالت الرسالات الآلهية، حتى خُتمت برسالة الإسلام، الرسالة المحمدية، وأعلن الرسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم)أن (لا نبي بعد)(2). ودور الرسالة عظيم، فيها تجمع أشتات الأفراد، وتنتظم الأمة، فيوحد كثرتها، وتحكم ألفتها، ولولا الرسالة لما كان هناك مجتمع صالح، لأن الرسالة للأفراد وللأمة كالروح للجسد، فيقول إقبال(3):

بالرسالات بدا تكويننا *** شرعنا منها، ومنها ديننا

وإن مقصد الرسالة المحمدية، المساواة والأخوة والحرية، فقد كان الإنسان قبل ذلك عبداً للملوك والقسيسين من النصارى والمجوس والبراهمة حتى بعث الرسول(صلی الله علیه و آله و سلم)فأعطى كل ذي حقٍ حقه، وحرر الناس من أغلال الذل والعبودية، وأخرجهم من ذل معصية الله إلى عز طاعته. وفي ذلك يقول اقبال:(4)

ص: 32


1- محمد حسن الأعظمي والصاوي علي شعلان. فلسفة إقبال والثقافة الإسلامية في الهند وباكستان. ط2، دار الفكر. دمشق. 1935-1975. ص 103.
2- د. أحمد معوض. العلامة محمد إقبال. ص 367.
3- محمد إقبال. ديوان رموز نفي الذات. ص95.
4- المصدر نفسه، ص 98.

عزمه هد قديمات الصور *** وبني حصناً جديداً للبشر

بثّ روحاً أحيت الموتى بها *** وافتدى الأعبد من أربابها

مولد مات به العصر القديم *** وبيوت النار والوثن حطيم

ورسالة الأمة الإسلامية ليس لها نهاية زمانية ومكانية إذ إنها رسالة لكل زمان ومكان، إنها خالدة، يقول إقبال(1):

قلبنا الخفاق يابى موطنا *** ريحُه العاصف تأبى مسكنا

ليس من روم و هند قلبنا *** ما سوى الإسلام فيه أرضنا

والإنسان على وفق هذا النظام وهذه العقيدة سيبلغ أعلى مستويات الرقي والإبداع والسمو الروحي والأخلاقي والفكري.

ويوصي إقبال المسلمين بالتوجه نحو مركزهم الكعبة المشرفة، لأن في ذلك قوة للفرد والمجتمع، فيقول: (فلو أنكم - أيها المسلمون - ركزتم جهودكم وأنظاركم ووليتم وجوهكم شطر كعبة الإسلام وجعلتموه رائدكم وقائدكم واقتبستم مشاعركم واتجاهاتكم من عناصره التي تصب القوة والحياة لتجمعت قواكم المتفرقة وتوحدت مواهبكم المنتشرة من جديد ولوضعتم لوجودكم التأمين والضمان الوثيق ضد عوامل الدمار والهلاك)(2).

ويكون توسيع حياة الأمة بتسخير قوى العالم، فكلما سخّر المؤمن العالم المحسوس لنفسه أدى به ذلك إلى معرفة أكبر لعالم الغيب .

ويرى إقبال أن اختيار قبلة واحدة للمسلمين أريد به أن يكفل وحدة الشعور للجماعة(3).

ص: 33


1- المصدر نفسه. ص 102.
2- محمد حسن الأعظمي والصاوي علي شعلان. فلسفة إقبال. ص 41.وكلام إقبال هذا مأخوذ من خطبته التي ألقاها في الرابطة الإسلامية بمدينة الله آباد بالهند. في 29/ كانون الأول .1930م.
3- محمد إقبال. تجديد التفكير الديني. ص 108 .

وذهب بعض الباحثين إلى القول أن إقبال أراد بذلك أن يضمن تحقيق التضامن والوحدة الإسلامية، التي لا تكون إلا بالانطلاق من الذات نحو الآخرين، وهذا لا يكون إلا بالتغير الايجابي(1).

الخاتمة

محمد اقبال مفکر مسلم سعى من خلال فلسفته الأرتقاء بالإنسان والمجتمع المسلم، ومحاولة التركيز على المحتوى الداخلي للانسان وأصلاح جوهره وتنقية النفس من كثير من الأمراض التي تفتك بالإنسان أخلاقياً، ومن خلال بحثنا هذا الذي سعى الى متابعة الفكر الاخلاقي وفلسفة الاخلاق عند محمد اقبال خلصنا بالنتائج الآتية:

1- امتياز فلسفة اقبال بأنها فلسفة أخلاقية مميزة، منسجمة تماماً مع الفكر الاسلامي، وهذا يتضح جلياً في فلسفته وكتاباته ومحاضراته وأشعاره الفلسفية والاجتماعية والاصلاحية.

2- كانت فلسفة اقبال (فلسفة (الذات) فلسفة أخلاقية تربوية، تهدف الى تطهير المجتمع الاسلامي من الأخلاقيات الزائفة، أخلاق الخرفات والدجل والشعوذة، وقيام أخلاقيات هادفة، أخلاق العمل والتواصل والحركة والتطور.

3- قيام فلسفة الأخلاق عند اقبال على أسس دينية وفلسفية، فهو في هذا الشأن توفيقي يذكرنا بفلاسفة الاسلام التوفيقين الذين وفقوا بين الفلسفة والدين والحكمة والشريعة.

4- للمجتمع الدور الكبير في صياغة أخلاق الفرد والجماعة، والعلاقة بين الإنسان والمجتمع علاقة جدلية، علاقة تأثر وتأثير، وأحدهما يترك أثره على الآخر.

5- من أجل تحقيق سمو ورفعة وتكامل الإنسان لابد من سيره على أسس أخلاقية

ص: 34


1- د. فهمي جدعان أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط3، دار الشرق. عمانالأردن. 1988 - ص 423 .

وتربوية دينية مهمة، وأن يتخذ من أصول عقيدته الاسلامية طاقة روحية جوهرية ترفعه نحو مقامات علوية سامية.

6- محاولة اقبال محاربة ومواجهة التصوف السلبي، التصوف الطرقي، الذي يدعو الى فناء النفس وإماتتها وأذلالها، وبيان قيمة التصوف الأيجابي، الذي يزرع في النفس الطاقة والأمل والغنى والتكامل، من خلال المحبة والعشق والعمل، وهذا بدوره ما يعزز من قيمة الأخلاق في نفس الإنسان المسلم.

ص: 35

الأخلاق عند مرتضى المطهري ونقده للنظريات الأخلاقية الغربية

اشارة

د انتصار سلمان سعد الزهيري(1)

المقدمة:

إن للأخلاق موقعا محوريا في أسس التفكير الفلسفي، وقد شكلت ركنا مهما من أركان الفلسفة إلى جانب المباحث الأخرى، كنظرية الوجود والمعرفة فضلاً عن مبحث القيم الذي يدخل ضمنها فلسفة الأخلاق، وتكمن أهميتها لما تعرضه من مفاهيم أخلاقية تحتفظ بحيويتها على مر الزمان، ولقرب هذه المفاهيم واتصالها بالإنسان، فالفضيلة والسعادة والخير والشر والضمير والإلزام الأخلاقي كل هذه المفاهيم الأخلاقية كثيرا ما شغلت اهتمام الإنسان وأرهقت تفكيره، ولهذا كان جديرا بالإنسان العاقل الذي جبل على حب الخير الذي يستدعيه تفكيره وبمثالية عالية أن يسعى في الاقتراب من المنظومات الأخلاقية التي من خلالها يتم تحقيق سعادة الإنسان، ولهذا سعى المفكرون إلى الاقتراب من هذه المنظومات الأخلاقية لما

ص: 36


1- مدرسة فلسفة الأخلاق جامعة الكوفة كلية الاداب: تؤكد الباحثة إن رأي المطهري يتفق مع الفلاسفة الإسلاميين : في إعطاء العقل الأهمية الكبرى في الفعل الأخلاقي وقدرته الكبيرة في التميز بين الخير والشر، اذ ان غاية المطهري واضحة وهي ما للعبادة من تأثير على الجانب الروحي والأخلاقي والاجتماعي والتربوي عند الإنسان وخاصة ونحن على يقين ما تعنيه العبادة في الإسلام، فلها دور مهم في تربية وإصلاح الفرد وإصلاح المجتمع الإسلامي، فهي تحمل في طياتها أهدافا أخلاقية سامية منها تنظيم حياة المجتمع وقيادة أفراده نحو التربية الصالحة لأنها تعد المحور المنظم لتكوين حياة المجتمع على وفق أسس إسلامية وتقوية أواصر إفراده وإشاعة روح التلاحم فالإنسان يفعل الخير و يدعو له وينهى عن الشر ويتجنبه من هنا نعطي للعبادة الدور المهم للإنسان. المحرر

فيها من خير وإصلاح في إعلاء شأن الإنسان نحو الخلق السامي وتحقيق سعادته خاصة وقد عصف الفكر الإنساني بفلسفات أخلاقية غربية كالفلسفة المادية الماركسية ، والوجودية، والوضعية المنطقية، هذه الفلسفات منها ما جاء بمفاهيم أخلاقية خاوية لا تحقق سعادة الإنسان ومنها من رأى أن القيم الأخلاقية ما هي إلا أفكار فارغة ليس لها من المبادئ والقيم أي اعتبار وهذا أدى إلى ضياع الإنسان وانهيار أخلاقه، وفي مقابل هذه الاتجاهات الغربية انبرت فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة عرضت موضوعات ومفاهيم أخلاقية بروح الإسلام وأصالته وان تقف بوجه هذه الفلسفات الغربية، ومن هذه الفلسفات الأخلاقية الإسلامية ظهرت منظومة المطهري الأخلاقية الإسلامية، والمطهري من الشخصيات الإسلامية المعاصرة التي أسهمت في إثراء المعرفة الفكرية في الساحة الإسلامية المعاصرة وكان صاحب منظومة فكرية متكاملة شملت مختلف العلوم الفكرية الفلسفية والاجتماعية والسياسية والفقهية فضلا عن المنظومة الأخلاقية.

المبحث الأول، الفعل الأخلاقي عند المطهري ومميزاته

أولاً - الفعل وأنواعه.

يقصد بالفعل هو ((العمل ، والهيئة العارضة المؤثرة في غيره بسبب التأثير، ويطلق الفعل في علم الأخلاق على التأثير الصادر عن الموجود العاقل من جهة كونه متعلقاً بغرض، مثل فعل الشجاع فهو فعل إرادي ولا يشترط في هذا الفعل أن يكون مصحوباً بحركة محسوسة دائماً، لأنه يمكن أن يكون وقوفاً على الحركة أو كفاً عنها))(1). ومهما اختلف الفلاسفة في آرائهم في الفعل، إلا أنهم يتفقون على القول في تعريف الفعل الأخلاقي، فهو النشاط الإرادي الذي يترتب عليه أثر حسن أو سيء، أما بالنسبة إلى صاحبه أو إلى الآخرين أو كلاهما معاً(2). والمطهري يحدد نوعين من الأفعال التي يقوم بها الإنسان، وهما(3):

ص: 37


1- صليبا، د. جميل: المعجم الفلسفي، ج2، منشورات ذوي القربي، قم، 1385ه، ص 152.
2- يُنظر : إبراهيم، د. زكريا ، المشكلة الخلقية، ط1، دار مصر للطباعة والتأليف، 1969م، ص 18
3- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ترجمة: جعفر صادق الخليلي، مطبعة شريعت قم، 2005، ص 20.

أ - الفعل الاعتيادي أو الطبيعي.

يُعرف المطهري الفعل العادي بأنه: ((سلسلة الأفعال التي نقوم بها وهي تكون طبيعية، ولا يعتقد بأنها خلقية))(1)وهي تشمل جميع الأفعال الطبيعية التي يقوم بها الإنسان في حياته الاعتيادية، ومن ثم لا يمكن أن نعدها من الأفعال الأخلاقية(2).

إنّ الأفعال الطبيعية لا تستحق أن يثنى الإنسان عليها، ويمكن أن تقدر قيمتها بالقيمة المادية، و فعل أي إنسان سواء أكان عاملاً أو مهندساً يمكن أن تقابله قيمة مادية، وبناءً على هذا تكون قيمة الأفعال أو الأعمال الاعتيادية هي القيمة المادية(3). ويوضح المطهري أن الفعل الاعتيادي أو الطبيعي يكون سلوكاً مشتركاً بين الإنسان والحيوان، وهو واضح جداً، ومعياره أنه يكون مقتضى للغريزة المشتركة بين الإنسان والحيوان، ويكون ناشئاً من غريزة الإنسان الطبيعية(4).

ويتضح أن المطهري قد أضفى على الفعل الطبيعي القيمة المادية، وهذا يدل على أن غايته واضحة في غرض الفعل الطبيعي عند الإنسان والحيوان إنما يكون دائماً موجهاً نحو الوصول إلى غاية وتحقيق المنفعة، والمصلحة الخاصة.

ب - الفعل الأخلاقي.

يُعرف المطهري الفعل الأخلاقي بأنه: ((الفعل الجدير بالثناء والشكر والذي ينظر إليه البشر بنظرة الإعجاب والرضا والذي تكون له قيمة عالية لا يمكن أن تكون القيم المادية ، فهو أعلى من أن يُقيم بالمال أو الأشياء المادية، فالفعل الخلقي له قيمة أعلى وله أهمية أكبر من أي قيمة أي إن له قيمة معنوية عالية))(5). ويرى المطهري أن الإنسان يقوم بعدة أفعال له قدرة واستطاعة أن يفعلها، وهذه الأفعال تكون أسمى من مستوى

ص: 38


1- مطهري، التربية والتعليم في الإسلام ،ط4،ترجمة علي الهاشمي، دار الهادي، بيروت، 2005م، ص57.
2- يُنظر: مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 57.
3- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص21.
4- يُنظر : مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 66.
5- المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص 20-21.

الفعل الطبيعي أو الحيواني، الذي يصدر من الحيوان على وفق طبيعته وغريزته، وهذه الأفعال تسمى بالأفعال الإنسانية أو الأخلاقية، والمقصود من هذه الأفعال هو أن تكون على مستوى الإنسانية، ولا تكون على المستوى الحيواني، أي إن هذه الأفعال تعد سلسلة من الأعمال التي يؤديها الإنسان فقط وعلى المستوى الإنساني(1).

لقد أعطى المطهري للفعل الأخلاقي القيمة المعنوية التي لا يمكن أن تقاس بأي ثمن، ولهذا فهو فعل يسمو فوق كل المعايير المادية، فهو فعل يتسم بالثناء والتكريم وهو خاص بالإنسان فقط لأنه يخضع إلى معايير وضوابط السلوك الإنساني التي بها يمكن أن نميز خيره من شره حسنه من قبحه، ضاره من نافعه، وتشخيصه للفعل الخلقي كان واضحاً من أنه فعل ليس الغاية منه تحقيق المنافع الفردية والمصلحة الشخصية، بل تجريده من هذه المعاير.

ثانياً: نماذج من الفعل الأخلاقي.

اختار المطهري بعض من النماذج للفعل الخلقي نعرضها لما فيها من المواعظ والأحكام الأخلاقية.

النموذج الأول: العفو .

يُعرف العفو بأنه : (أن تستحق حقاً فتسقطه وتبرأ عنه من قصاص أو غرامة)(2). وهو . محو الشيء وإزالته، ويقال عفا عن الذنب أي لم يعاقب عليه(3). في نموذج العفو يذكر المطهري أن الخطأ أو الجنحة(4)أو الجناية التي يرتكبها شخص ما يكون خطأه على نوعين: أحدهما مرتبط بذلك الشخص فقط، مثل الغيبة والتهمة، إذ تصدران

ص: 39


1- يُنظر: مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص65.
2- الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى (ت 1091ه) : المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء ، ج5، ط2، صححه وعلق عليه: على أكبر الغفاري، مؤسسة الإعلمي، بيروت، 1983م، ص 318.
3- يُنظر : الهاشمي، عبد الله الأخلاق والآداب الإسلامية، ط1، دار الأمين، بيروت، 2006م، ص 321.
4- الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها بإحدى العقوبتين الحبس الشديد أو البسيط أي أكثر من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات أو الغرامة، ينظر: نذير عبد الرحمن حياوي، قانون العقوبات، ط3، منشورات المكتبة القانونية، بغداد، 1969م، ص13.

من المغتاب والمتهم، فليس لذلك ارتباط بحق المجتمع العام، أما الآخر فيكون فيه الخطأ مرتبطاً بذلك الشخص من جهة وبالمجتمع من جهة أخرى، فله جنبتان فردية واجتماعية، ويعطي المطهري لذلك مثالاً واضحاً جداً وهو كالقاتل الذي يقتل إنساناً فعمله هذا له جنبتان، واحدة مرتبطة بالفرد، والأخرى بالمجتمع، وفي الحالتين يستطيع صاحب الحق المجني عليه التجاوز عن حقه والإعراض عنه، أي إذا طلب القاتل العفو ومنحه أصحاب الحق (أب ، أم ، ابن المقتول) عفوهم وتجاوزوا وعفوا عن الجاني، فهذا عمل أخلاقي(1).

إن تحديد المطهري للعفو وعده إياه من الأفعال الأخلاقية، هو متوافق مع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومنهج أهل البيت، إذ أكد القرآن على فضيلة العفو عند الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: *فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةٌ * يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ * وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ * وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَة مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ * فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*(2).وقال الله تعالى * وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ * وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا * أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لكُمْ * وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ*(3).

ومن الواضح أن القرآن الكريم قد قرن بالعفو الصفح، والصفح هو الأعراض عن الذنب، صفح عنه أي اعرض عن ذنبه وتركه(4).

وقال النبي محمد(صلی الله علیه و آله و سلم): ((يا علي ثلاث من مكارم الأخلاق، تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك))(5). وقال : الإمام علي(علیه السّلام): ((شيئان لا يوزن ثوابهما ، العفو والعدل))(6). وقال(علیه السّلام)أيضاً ((اجعل جزاء النعمة عليك العفو عمن

ص: 40


1- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص 22
2- سورة المائدة، الآية 13.
3- سورة النور، الآية 22
4- يُنظر : محمد بن ابي بكر، الرازي (ت 666ه) ، مختار الصحاح، دار الرسالة، الكويت، 1983م، ص364.
5- الصدوق، الخصال، ص 125.
6- الواسطي، علي بن محمد كافي الدين ألليثي الوسطي، (ت - ق6 ه)، عيون الحكم والمواعظ، ط1 تحقيق: حسين الحسيني، البير جندي، مؤسسة دار الحديث، (من دون تاریخ)، ص 297.

أساء إليك))(1).

النموذج الثاني : عرفان الإحسان والوفاء.

يذكر المطهري أن النموذج الثاني من الفعل الخلقي هو عرفان الإحسان والوفاء، والعرفان تجاه المحسن، فالبعض يعرفون حق من أحسن إليهم، ومد يد المعروف نحوهم، ويعملون بمقتضاه إلى آخر العمر ، ولا ينسون هذا الإحسان أبداً حتى وإن انقضت سنوات عدة، فإذا إحتاج إليه من سبق منه الإحسان له، فإنه يبادر فوراً إلى رد الإحسان إليه وهذا عمل أخلاقي))(2).ويستشهد المطهري بالآية القرآنية الكريمة، قال تعالى* هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ*(3)، وقال: الأمام علي(علیه السّلام):((من أحسن الإحسان الإيثار))(4).

إن لهذا الفعل الأخلاقي أثراً كبيراً في أخلاقيات الإنسان، فكم من إنسان قد قدم إحساناً لأخيه الإنسان ولم يقدر فعله فعلينا أن لا ننكر من مد لنا يد العون والمساعدة وإن انقضت السنين، وأخلاقنا تلزمنا بعدم نكران الإحسان ونسيانه، وعدم نسيان من كان له الفضل علينا ومقابلة إحسانهم بالإحسان مثله.

النموذج الثالث : الرحمة والرأفة بالحيوانات.

الرحمة هي مبعث الخيرات ومعدن الفضائل، والشفقة هي الرحمة بخلق الله تعالى والرأفة بهم(5)، والرأفة كمال الرحمة، فإنها ارق من الرحمة وهي اشد

ص: 41


1- المصدر نفسه، ص 80.
2- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص23.
3- سورة الرحمن، الآية 60 .
4- الريشهري، محمد، میزان الحکمة، ج1، ط1، دار الحديث، قم، 1416ه، ص 16.
5- يُنظر : الهاشمي، عبد الله، الأخلاق والآداب الإسلامية، ص321.

الرحمة، والرؤوف شديد الرحمة، إن الرأفة والرحمة متقاربان، وضدهما القسوة والغضب، والرأفة والرحمة فسرتا برقة القلب(1).

ويرى المطهري أنَ الرأفة بالحيوانات وإن كانت هذه الحيوانات قبيحة أو نجسة، إلا أن الرأفة والشفقة عليها عمل أخلاقي، وفي هذا النموذج من الفعل الأخلاقي يستشهد المطهري بقصة فيها عبرة أخلاقية تحكي أن رجلاً في الصحراء رأى كلباً قد أجهده العطش، فقد رق قلب الرجل على الكلب، فأخرج له مقداراً من الماء وسقاه، فأنقذه من العطش الهلاك، بعد هذا نزل الوحي السماوي على النبي محمد(صلی الله علیه و آله و سلم)بأن شكر الله له وكتبه من أهل الجنة(2). إن الله سبحانه و تعالى حينما أوجب على الإنسان أن یرحم أخاه الإنسان أوجب عليه أن يرأف بالحيوان، فالدين الإسلامي هو الذي ضرب المثل الأعلى في الرفق بالحيوان، فقد ورد في القرآن الكريم، قوله تعالى: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى(3)*.وذكر في السنة النبوية أحاديث تدل على الرأفة بالحيوان، إذ قال:رسول الله(صلی الله علیه و آله و سلم): ((اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة وكلوها صالحة))(4).

إن الرحمة والرأفة من الأفعال الأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان، وهذا ما أكد عليه الدين الإسلامي، فالدين الإسلامي دين رحمة يأمرنا بأن يكون فينا جانب كبير من الرحمة والرأفة، كيف لا وهذا الدين صادر من رب الرحمة وهو المتصف بالرحمة وهو الرحمن الرحيم، قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ * وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(5)*. وقال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىَ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةٌ

ص: 42


1- الخميني، روح الله جنود العقل والجهل ، ط1، ترجمة: أحمد الفهري منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت، 2001م ، ص 219.
2- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص23-24.
3- سورة طه، الآية 54.
4- السجستاني، سليمان بن الأشعث (ت 275ه)، سنن أبي داود، ج1، ط1، تحقیق سعید محمد ألحام، دار الفكر، بيروت، 1410 ه، ص574.
5- سورة الأعراف، الآية 151.

وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رضْوَانَ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رعَايَتِهَا * فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ * وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ*(1).وقال رسول الله (ص) ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))(2).

إنّ الرحمة والشفقة هما بالفعل من الأعمال الأخلاقية التي تجعل من الإنسان لين القلب رحيم مع الآخرين في تعامله، وهذا ما يجعل الإنسان يطمع في رحمة الله تعالى، والرحمة عند الإنسان تعد فضيلة من الفضائل الأخلاقية التي تدفع إليها العواطف النبيلة وإحساس الإنسان الفاضل، لتكن الرحمة والرأفة سمتين أخلاقيتين كل إنسان، وليرحم الإنسان أخاه الإنسان، فالرحمة فعل أخلاقي عظيم، ولم لا تكون فينا ولنا خالق رحيم ؟!

ثالثاً: مميزات الفعل الأخلاقي.

أ- اختصاص الأخلاق بالإنسان.

الإنسان هو مفتاح المشكلة الأخلاقية وعمادها، وهو غايتها وعنوانها، فالأخلاق أمر خاص بالإنسان، ففي الأخلاق الخيرة سعادة الإنسان، وفي الأخلاق السيئة شقاؤه(3). توجد ضرورة تحكم تلازم القيم الأخلاقية مع الإنسان، وحاجة الإنسان إلى هذه القيم حاجة دائمة فبواسطتها تتحقق إنسانيته، وبالأخلاق ينتقل إلى حيز التأثير الواسع،فالقيم الأخلاقية تعود إلى الشخص بوصفه حاملاً للفعل الأخلاقي(4)، والفعل الأخلاقي فعل خاص بالإنسان، وهو وحده الكائن الأخلاقي الذي يبغي بطبيعته إلى تحقيق شخصيته العاقلة بسلوكه العاقل(5).

ص: 43


1- سورة الحديد، الآية 27.
2- الترمذي، محمد بن عيسى،(ت 279ه) ، سنن الترمذي ، ج3، ط1، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، بيروت، 1983م، ص 217.
3- ينظر: السحمراني، د. أسعد الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة، دار النفائس، بيروت، 2005م، ص22.
4- المصدر نفسه، ص 28-29.
5- يُنظر: التلوع، د. أبو بكر إبراهيم، الأسس النظرية للسلوك الأخلاقي، منشورات جامعة قان يونس، بنغازي، ليبيا، 1995م، ص22.

ويرى المطهري أنّ الإنسان هو المسؤول عن فعله الأخلاقي، وهو بهذا يتفق مع النظرة القرآنية القائلة بمسؤولية الإنسان عن أفعاله(1). إذ ورد قوله تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا*(2)، فالإنسان خلق وهو جدير بتحمل المسؤولية، فوضع محلا للابتلاء والتمحيص، فهو خليفة الله، وله رسالة، وعليه واجبات، وطلب منه أن يعمر الأرض(3). إذ ورد قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَة إِني جَاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً*قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِني أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ*(4).

ويقسم المطهري أفعال الإنسان على ثلاثة أقسام(5):

أفعال أخلاقية حين يكون الإنسان فيها أرفع من الحيوان.

أفعال منافية للأخلاق حين يكون الإنسان فيها أدنى من الحيوان.

إنّ أفعال الإنسان هي عنوان مصيره الذي سيؤول إليه في الدنيا والآخرة، أي إنّ الإنسان سيلاقي نتيجة أعماله سواء كانت خيراً أو شراً، فالإنسان هو المسؤول عن أعماله على وفق العدالة الإلهية التي جعلت أعمال الإنسان مناطة به(6).

ب- صدور الفعل الأخلاقي عن ذات عاقلة تميز الخير من الشر.

يعرف العقل بأنه ((جوهر روحاني خلقه الله متعلقاً ببدن الإنسان، وقيل العقل نور في القلب يعرف الحق والباطل))(7). والعقل ((قوة يجوز بها التميز بين الأمور القبيحة والحسنة))(8). إنّ الحكم على الأعمال الأخلاقية، أي تحديد خيرها من شرها، يتم

ص: 44


1- يُنظر : مطهري، الإنسان في القرآن، ط1، ترجمة ونشر دار الإرشاد ،لبنان، 2009 م، ص252-253 .
2- سورة الإنسان، الآية 3.
3- يُنظر : مطهري، الإنسان الكامل، ص 23.
4- سورة البقرة، الآية 30.
5- يُنظر : مطهري، الإنسان الكامل، ص 164.
6- يُنظر : مشكور، سامي شهيد، الأخلاق عند فلاسفة المغرب العربي. إشراف د. علي حسين الجابري، أطروحة دكتوراه (غير منشورة) مقدمة إلى مجلس كلية الآداب، جامعة الكوفة، 2005 م، ص 11-12.
7- الجرجاني، علي بن محمد(ت 816ه)، التعريفات، مطبعة مصطفى الباب الحلبي، القاهرة 1938 م، ص 132.
8- الحفني، د. عبد المنعم ، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ط3، مكتبة مدبولي، القاهرة 2000م ، ص536.

بالعقل، فليس هناك قوة طبيعية في الإنسان يحكم بها على الأعمال الأخلاقية إلاّ العقل، وليس في الإنسان حاسة بها يمكن أن يدرك الخير والشر، فالناس إذا عملوا عملاً ولاحظوا أن نتائجه حسنة، حكموا بخيرته، في حين إذا لاحظوا أن نتائجه سيئة حكموا بالشر، فالقوة التي بها يمكن أن يعرفوا ويميّز الخير من الشر هي العقل(1).

وللعقل أثر كبير في بناء كيان الإنسان وسلوكه العملي، فبه يكتسب نوراً يحقق به إنسانيته في وجوده ومجتمعه، وللعقل تأثير كبير في تحول الحياة بعيداً عن الجمود، وله قدرة على أن يرتفع بالإنسان من مستوى الحياة الحيوانية إلى ما فوق سلطة الأهواء وسيطرة الغرائز(2).للعقل وظيفة مهمة في الحياة الأخلاقية لدى الإنسان، إذ يعد دافعاً مهاً من دوافع الفعل الأخلاقي(3)،ويشير القرآن الكريم إلى مقام العقل السامي، في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةٌ مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُه*قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ*إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(4)*.

ويصرح القرآن الكريم بأن الأساس في تعاسة الإنسان ودخوله في عالم الخسران والضياع والعاقبة التعيسة، وسقوطه في وحل الذنوب هو عدم الإفادة من العقل هذه القوة الإلهية العظيمة، وهذه القدرة الجبارة، و الجوهرة الثمينة والنعمة الربانية، إن أساس معرفة الله تعالى ومعرفة سلوك طريق السعادة والنجاة إنما يقع في ضمن مسؤولية العقل الإنساني(5). ورد عن الإمام الباقر(علیه السّلام)قال : ((لما خلق الله العقل، استنطقه، ثم قال له اقبل فاقبل، ثم قال له أدبر ، فأدبر ، ثم قال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا اكملتك إلا فيمن أحب، إما إني إياك أأمر، وإياك انهى وإياك

ص: 45


1- يُنظر: أمين، د. احمد الأخلاق، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1931م، ص 29.
2- يُنظر: اللاري، مجتبى الموسوي، رسالة الأخلاق، ط1، ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، الدار الإسلامية، بيروت، 1989 م، ص 90-91.
3- يُنظر: ليلي، وليالم، مقدمة في علم الأخلاق، ترجمة وتقديم: د. علي عبد المعطي محمد، دار المعارف، مصر، 2000 م ، ص 200.
4- سورة آل عمران، الآية 118.
5- يُنظر : الشيرازي، ناصر مكارم، الكشكول الأخلاقي، ط1، أعداد و تنظیم حسین الحسینی، دار جواد الأئمة، بيروت، 2010م، ص 19.

أعاقب، وإياك أثيب))(1). وقال أيضا ((إنما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما أتاهم من العقول في الدنيا))(2). وورد عن الإمام الصادق(علیه السّلام)أنه سئل : ما العقل ؟ قال (ما) عبد به الرحمن واكتسب به الجنان))(3)وفي تفضيل حجية العقل يورد الإمام موسى بن جعفر الكاظم(علیه السّلام)قال : ((حجة الله على العباد النبي، والحجة فيما بين العباد وبين الله العقل))(4).

يتضح مما تقدم الأهمية الكبيرة التي يضعها القرآن الكريم للدور الرئيس الذي يتخذه العقل في بناء الإنسان، وكذلك الأهمية الكبيرة التي تؤسسها السنة النبوية ومنهج الأئمة عليهم السلام في توسيع أهمية أفاق العقل ودوره الفعال في الاستدلال عند الإنسان.

وعرف الفلاسفة ما للعقل من مقام رفيع وفضل عظيم، فأولوه جل اهتمامهم ورجعوا إليه في كل أمورهم، وتأسيساً لذلك كان للعقل دور هام في الفعل الأخلاقي وهذا ما سار عليه معظم الفلاسفة المسلمين، فقد عرف الكندي: ((العقل هو جوهر بسيط مدرك للأشياء بحقائقها))(5). لقد استند الكندي على أساس أن قيام الفعل الإنساني يبنى على العقل، والإنسان هو المسؤول الأول عن فعله والمتحمل مسؤولية فعله بمفرده، وأن العقل هو الذي يميز بين الخير والشر والجميل والقبيح(6).

أما المعلم الثاني الفيلسوف الفارابي ، فهو يرى أن الإنسان خص من بين الكائنات الحية بالعقل، وهذه الخاصية هي التي جعلته إنسانا متميزاً عن غيره من المخلوقات، وبالعقل يدرك الإنسان مطلوبة(7)، وبالعقل يستطيع الإنسان أن يحصل على العلوم

ص: 46


1- الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329ه)، الأصول من الكافي، ج1، ط5، تحقيق علي اكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، من دون تاريخ ص 10.
2- البرقي، احمد بن محمد (ت 274ه)، المحاسن، ج 1، تحقيق جلال الدين الحسيني، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1370ه- ، ص 195.
3- الكليني : الأصول من الكافي، ج 1، ص 11.
4- المصدر نفسه، ج 1، ص 16.
5- الكندي، رسائل الكندي الفلسفية، ج1، ط2، تحقيق: د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1978م، ص 113.
6- يُنظر: زيعور، د. علي، الحكمة العملية أو الأخلاق والسياسة والتعاملية، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1988م، ص245.
7- يُنظر : الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ط1، حقق وقدم وعلق عليه : د. جعفر إل ياسين، دار المناهل، بيروت، 1985م ، ص 78-79.

والصناعات، وبه يميز بين الجميل والقبيح من الأفعال والأخلاق، وبه يدرك ما يجب أن نعمل، أولا نعمل، وبه ندرك النافع والضار والملذ والمؤذي(1)، والعقل هو أسمى وأعلى قوة في جسم الإنسان وهو أفضل من القوى الأخرى(2).

والفارابي يجعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله ومختارا لها لكونه يمتلك العقل، فالعمل عند الفارابي تابعا للعقل وليس العكس والحاكم على فعل ما بأنه خير أو شر هو العقل، ولذلك لا يصدر السلوك الخلقي إلا عن التعقل(3). والتعقل عنده هو ((القدرة على جودة الروية واستنباط الأشياء التي هي أجود وأصلح فيما يعمل ليحصل بها الإنسان خير عظيم في الحقيقة وغاية شريفة فاضلة فالإنسان العاقل هو القادر على جودة استنباط ما هو أفضل وأصلح في بلوغ خيرات ما يسره))(4).

ويعرف الشيخ الرئيس ابن سينا العقل (انه قوة يوجد التميز بين الأمور القبيحة والحسنة)(5). إن الإنسان بعقله يتمكن من أن يدرك السعادة وذلك لأنه بالعقل يميز بين الخير والشر ويسعى إلى عمل الفضيلة ويبتعد عن الرذيلة، لذلك يميل إلى الخير ويتجنب الشرا(6).

فيحدد ابن سينا ان (الأفعال التي تصدر من الإنسان إنما تصدر بلغة التعقل والروية)(7).

يتفق رأي المطهري مع الفلاسفة الإسلاميين في إعطاء العقل الأهمية الكبرى في

ص: 47


1- يُنظر : الفارابي، السياسة المدنية، ط1، تحقيق: د. فوزي متري نجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959م،ص32-33. وكذلك أيضا، الفارابي، فصول منتزعة، فصل 38،تحقيق وتقديم وتعليق د. فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت، 1986م، ص 55.
2- مطلك، فضيلة عباس، نظرية السعادة في الفلسفة الإسلامية من الكندي إلى الغزالي، رسالة ماجستير (غير منشورة)، مقدمة إلى مجلس كلية الآداب جامعة بغداد، 1976 م ص 62.
3- مشکور، سامي شهيد، الأخلاق عند فلاسفة المغرب العربي، ص 31.
4- الفارابي : فصول منتزعة، فصل 39،تحقيق وتقديم وتعليق .د. فوزي متري نجار ، دار المشرق، بيروت، 1986م، ص 55.
5- ابن سينا، تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، ط 1 ، مطبعة هندية، مصر، 1908م، ص 79.
6- يُنظر : التكريتي، د. ناجي، الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام، ط1، دار الأندلس، بغداد، 1979م، ص 208 .
7- ابن سينا، عيون الحكمة، ط2، حققه وقدم له د. عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، 1981 م، ص41.

الفعل الأخلاقي وقدرته الكبيرة في التميز بين الخير والشر، وهو يعطي للعقل المنزلة الرفيعة، وقام بجهود علمية وعملية كبيرة لتعين منزلة العقل الحقيقية في التفكير الإنساني ليحافظ على شعلته الثمينة وليعطيه منزلته الرفيعة المقدسة(1). وحول أهمية واعتبار العقل يرى المطهري أنه يثبت بالعقل نفسه، أي إن العقل بذاته يدل على حجيته كما الشمس نفسها دليل على وجود الشمس(2).

ويؤكد المطهري الدور الأساس للعقل في تحديد الفعل الإنساني إذ يرى: ((أنَ العقل دليل حاذق للإنسان، هذا العقل منحه الله تعالى للإنسان ليميز بين النور والظلمات، بين طريق الكمال وطريق الانحراف وان الطبيعة البشرية للإنسان تدل على انه قد يسلك الطريق الصحيح بحكم عقله، وقد لا يسلك هذا الطريق بحكم خطئه وجهله واتخاذه هواه إلها فيسير نحو الانحراف والتردي))(3).

يشبه المطهري سلطة العقل عند الإنسان بالسلطة التشريعية(4)، وهو يعدّه أحد موجهي الإنسان ومحدداً لمسار حياته، فبفضل هداية وتوجيه العقل يقلع الإنسان عن اللذات على الرغم من ميولاته الغريزية، ولأجل الحياة الآخرة الدائمة النفع يضحي بالمنفعة الآنية في سبيل الفضيلة الأخلاقية، فهو يتحمل الألم كي يتخلص بشكل تام من قيد الخضوع للغرائز الدنيئة، ويتحرر منها إلى عالم أعلى وارفع، إنّ الحرية في سلطة العقل متاحة للإنسان كي يتأمل ويقارن بين الحسن والقبيح من الأخلاق، فيقدم على عملية الترجيح بين الفعل والترك، ففي سلطة العقل لا تستبد الدوافع الغريزية في حكمها، فالحكم يكون للعمل الحسن الذي يحدده العقل بالمقارنة، فتكون للإنسان الحرية الكاملة في ظل نعمة العقل، فالعقل يمنح الإنسان المقدرة

ص: 48


1- يُنظر : دجاكام .د. علي نسبية المعرفة في الفكر الإصلاحي الديني المطهري أنموذجاً، مجلة المنهاج، ترجمة دلال عباس، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، لبنان، العدد 33 ، 2004م، ص80.
2- يُنظر: عباس نیکزاد، التوفيق بين الدين والعقل في مدرسة الحكمة المتعالية، ترجمة علي إل دهر الجزائري، مركز الحضارة، لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2010 م، ص199.
3- مطهري، مرتضى، الإسلام ومتطلبات العصر، ط1، ترجمة علي هاشم، مراجعة الدكتور محمود البستاني، دار الأمير ، لبنان، 1992م، ص 36.
4- يُنظر : الطباطبائي، محمد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، ج2 ، ط2، تقديم وشرح: مرتضى مطهري، ترجمة عمار أبو رغيف، المؤسسة العراقية للنشر والتوزيع، بغداد، 2010م، ص 196 (الهامش).

على تشريع الواجب والقانون و الأخلاق، وهو الذي هيأ الإنسان ليتحمل مسؤولية الأمانة ليكون إنسانا ذا شخصية أخلاقية(1).

إذن يتبين لنا أن المطهري يجعل حاكمية العقل على الغرائز على أساس أن سلطة العقل على الإنسان أوسع من سلطة الغرائز، وبناءً على هذا يكون المخالف لسلطة العقل مفارقاً للسلوك الأخلاقي العقلي.

ج صدور الفعل الأخلاقي عن إرادة حرة.

تُعد مسألة حرية الإرادة من المسائل التي أخذت جزءاً كبيراً ومجالاً واسعاً في الدراسات الفلسفية والكلامية، وكان لها شأن خاص في الفكر الإسلامي. وتعرف الإرادة بأنها ((صفة توجب الحي حالاً يقع منه الفعل على وجه دون وجه، وفي الحقيقة هي ما لا يتعلق دائماً بالمعدوم فإنها صفة تخصص أمراً ما لحصوله ووجوده))(2).وتعرف أيضاً بأنها: ((طلب الشئ أو شوق الفاعل إلى الفعل))(3). والإرادة في علم الأخلاق الاستعداد الأخلاقي عند الإنسان وباتجاه محدد وحالة معينة(4). وبذلك تكون الإرادة عند الإنسان على نوعين، الأول هو الإرادة الصالحة التي يقدم الإنسان بها على الفعل الحسن، وتكون هذه الإرادة موجهة عنده نحو الخير، والنوع الثاني هو الإرادة السيئة التي يقدم الإنسان بها على العمل القبيح، فتكون إرادة موجهة نحو الشر(5).والإرادة هي فعل صادر عن تصميم عقلي واع لأداء فعل معين الغرض منه تحقيق غاية محددة، وبناء على هذا يكون الفعل الإرادي وليد قرار ذهني سابق(6). و الإرادة لا تقوم على الرغبة والنزوع فحسب، بل تقوم أيضا على التفكير والوعي المستقل(7).

ص: 49


1- يُنظر : الطباطبائي، محمد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، ج2 ، تقديم وشرح: مرتضى مطهري ص195- 196 (الهامش).
2- الجرجاني، التعريفات، ص 10-11.
3- صليبا، د. جميل، المعجم الفلسفي، ج 1، ط 1 ، ذوي القربى، قم، 1385ه، ص 57.
4- يُنظر : بدوي، د. عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، ج3، منشورات ذوي القربى، قم، 2008م، ص 16.
5- يُنظر : صليبا، د جميل ، المعجم الفلسفي، ج 1، ص 58-59.
6- يُنظر : مدكور ، د. إبراهيم، المعجم الفلسفي، المطابع الأميرية، القاهرة، 1983م، ص7.
7- يُنظر : العاتي،د. إبراهيم، الإنسان في الفلسفة الإسلامية (نموذج الفارابي) الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1993م، ص216.

وتعد الإرادة العنصر الذي يعتمد عليه الإنسان عند كل سلوك حر(1)، وهي قرار جازم يتخذه الإنسان للقيام بعمل أو مجموعة من الأعمال أو للتصرف تصرفاً معيناً في موقف معين(2). والإرادة قوة محركة للإنسان عنها تصدر كل الأعمال الإرادية، وجميع ملكات الإنسان وقواه تكون في سبات حتى توقظها الإرادة فمهارة الصانع ، وقوة عقل المفكر ، وذكاء العامل، والشعور بالواجب، ومعرفة ما ينبغي وما لا ينبغي، كل هذه لا أثر لها في الحياة ما لم تدفعها قوة الإرادة، وكلها لا قيمة لها ما لم تحولها الإرادة إلى عمل، وللإرادة نوعان من العمل، فقد تكون دافعة وقد تكون مانعة، أي إنها تارة تدفع الإنسان إلى عمل فتحمله على القراءة والتأليف، وتارة تمنعه عن المسير فتحرم عليه القول أو الفعل، وهي بنوعيها منبع لكل الخيرات والشرور فجميع الفضائل والرذائل ناشئة عن الإرادة(3). فهي التي تقوم ماهيتنا هي نحن وهي شخصنا وحدنا بوضعنا وقدرتنا المزدوجة على الطاعة والعصيان، وعليها يترتب على قدر ما يحسن أو يسي في استعمالها سعادة الإنسان أو شقاءه علوه أو سقوطه(4).

وعرف الفارابي، الإرادة بأنها ((نزوع إلى ما أدرك وعن ما أدرك، إما بالحس، وإما بالتخيل، وإما بالقوة الناطقة ، وحكمه فيه أن يؤخذ أو يترك))(5). ويرى أن الإرادة هي من مميزات الفعل الإنساني، وتتصف بأنها إرادة خلقية تقوم على اختيار الإنسان فهو الذي يختار الجميل والنافع(6).

أما ابن سينا، فالإرادة عنده ((قوة من القوة المحركة، تتلقى أوامرها من القوة النظرية))(7). ويرى الغزالي (ت 505ه) أنّ الإرادة هي نشاط الذات المتحركة العاملة

ص: 50


1- يُنظر: مهدي، علي صاحب، التربية والأخلاق عند المؤمن، مطبعة الحوادث، بغداد، 1978م، ص33.
2- يُنظر : المصدر نفسه، ص 75.
3- يُنظر أمين .د. أحمد الأخلاق، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969م، ص 53.
4- أرسطو طاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس ، ج 1 ، ترجمه من اليونانية إلى الفرنسية بار تملي سانتهلير، نقله إلى العربية احمد لطفي السيد، دار الكتب المصرية، القاهرة 1924م، مقدمة المترجم، ص 13.
5- الفارابي، أراء أهل المدينة الفاضلة، ط2، تقديم وتعليق د: ألبير نصري ،نادر دار المشرق، المطبعة الكاثوليكية، بیروت، 1968م، ص89.
6- يُنظر : الفارابي، فصول منتزعة، فصل 73، ص 80.
7- ابن سينا، رسالة في معرفة النفس الناطقة وأحوالها (ضمن كتاب أحوال النفس)، تحقيق: د، احمد فؤاد الإهواني،القاهرة، 1952م، ص89.

وعنوان حياتها ، وأنها تجمع بهذا المعنى الوظائف النفسية إذ تعمل متآخية متآزرة للرد على البواعث والأفكار المختلفة وبهذا تصطبغ الشخصية الإنسانية بصبغة الإرادة التي تمثل حاضر الشخص بكل قواه الذهنية والجسمية والعملية(1).

أما مفهوم الحرية، فهي: ((الملكة الخاصة التي تميز الكائن الحي الناطق، من حيث هو موجود عاقل يصدر في أفعاله عن إرادته هو، لا عن أية إرادة أخرى غريبة عنه))(2)، ولما كان يميز بين نوعين من الأفعال هما الأفعال الاضطرارية والأفعال الاختيارية التي تعد كبقية الأفعال الخلقية التي تصدر عن روية وتدبر، وعليه فقد عرف الفعل الحر بأنه الفعل المختار الصادر عن روية وتعقل وتدبر، وفي الاصطلاح الفلسفي هو اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده(3).

ويتصف الفعل الخلقي بصفة أساسية وهي الإرادة، فلا يمكن أن نسمي فعلاً ما بأنه فعل أخلاقي إلا إذا كان صادراً عن إرادة حرة حكيمة(4). ولو لم تكن إرادة الإنسان حرة في اختيار الخير والشر، لكانت التكاليف الأخلاقية والأمر والنهي نوعاً من العبث، ولما كان هناك أي معنى للثواب والعقاب والمدح والذم(5).

والحرية شرط رئيس لكل الأفعال الخلقية وما يرتبط بها من مقاصد ونوايا ومواقف إرادية خلقية، فلا يمكن أن نتحدث عن الأخلاقيات إلا إذا كان الإنسان يمتلك الحرية التي تمكنه من عمل الخير وترك الشر، ولو لم نكن نمتلك حرية في الاختيار بين الخير والشر، فلا يمكن أن نحاسب على جميع تصرفاتنا فلا يمكن أن ندم عليها(6).

ص: 51


1- يُنظر: الغزالي، أبو حامد، إحياء علوم الدين ، ج 3 ، مكتبة عبد الوكي ألدروبي، دمشق، 1978م ص 45.
2- إبراهيم، د. زكريا مشكلة الحرية ، ط3، مكتبة مصر، 1971م، ص 18.
3- ينظر: إبراهيم د. زكريا، مبادئ الفلسفة والأخلاق، ط1، مكتبة مصر، القاهرة، 1969م، ص 66. وأيضاً ينظر: د. زكريا إبراهيم، مشكلة الحرية، ص6.
4- ينظر: العزام د. محفوظ علي، الأخلاق في الإسلام بين النظرية والتطبيق، ط1، دار الهداية، مصر، 1986م، ص 13.
5- ينظر: زقزوق، د. محمود حمدي، مقدمة في علم الأخلاق، ط3، دار القلم ، الكويت، 1983م، ص34.
6- المصدر نفسه، ص 35.

ويعد الإنسان موجوداً أخلاقياً لأنه كائن عاقل يمتلك من الفكر والإرادة ما يستطيع به تجاوز مستوى الغريزة والسمو إلى مستوى السلوك الأخلاقي الحر(1).

تعد حرية الإرادة والاختيار من الموضوعات ذات الأثر الكبير في حقل أخلاقية الفعل ، إذ لو لم يكن الإنسان مختارا في أفعاله لصار البحث في موضوع الأخلاق ضربا من العبث ولبطلت التشريعات والتكاليف الإلهية لأن الإنسان في هذه الحالة سوف يكون مكلفا بما لا يطاق ولهذا صار الاختيار عند الإنسان مدار التكاليف الشرعية(2).

فالأمامية اعتقدت في حرية الإرادة للفعل الإنساني وأرجعته إلى الأمر بين الأمرين، عن الإمام الصادق(علیه السّلام)قال : ((لاجبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين))(3)وخلاصة اعتقادهم أن أفعالنا من جهة هي أفعال حقيقية ونحن أسبابها الطبيعية وهي تحت قدرتنا واختيارنا ومن جهة أخرى هي مقدوره لله تعالى وداخلة في سلطانه لأنه تعالى هو مفيض الوجود ومعطيه فلم يجبرنا على أفعالنا حتى يكون قد ظلمنا في عقابنا على المعاصي لان لنا القدرة والاختيار فيما نفعل، ولم يفوض إلينا خلق أفعالنا حتى يكون قد أخرجها عن سلطانه، بل له الخلق والحكم والأمر وهو قادر على كل شيء(4).

أما المعتزلة فارتبطت عندهم الإرادة الإنسانية بحرية الفعل الإنساني، فالفعل الإنساني لا يمكن أن يكون فعلاً حقيقياً ما لم يكن فعلاً حراً ومرتبطاً بالوعي الذاتي الإرادي للفاعل، وحين بحث المعتزلة مسألة الإرادة عدوها الأداة التي يحقق بها الإنسان اختياره(5). وأكد المعتزلة أن الله تعالى خلق العبد وترك له خلق أفعاله، فالفعل الصادر من العبد تابع لإرادته واختياره، والله تعالى ليس له سلطان في هذا،

ص: 52


1- إبراهيم، د. زكريا ، المشكلة الخلقية، دار مصر للطباعة، القاهرة، 1966م، ص 31
2- ينظر: النراقي، جامع السعادات، ج1، ص132
3- الصدوق، الهداية، ط1، مؤسسة الهادي، قم، 1418ه، ص18.
4- يُنظر : المظفر، محمد رضا المظفر ، عقائد الأمامية، ط2، مركز الأبحاث العقائدية، 1424ه،39-38 .
5- يُنظر : داود، عبد الباري محمد، الإرادة عند المعتزلة والأشاعرة، دار المعرفة الجامعية، ص 61-62.

وعليه يكون العبد خالقا لفعله(1)، فقد عدت حرية الإرادة الإنسانية هي أساس أصول المعتزلة ويتعذر قيام الأخلاق من دونها، فاتفقت المعتزلة على أن العبد قادر فاعل لأفعاله خيرها وشرها، وعليها استحق الإنسان على ما يفعله الثواب أو العقاب في الدار الآخرة(2).

أما الأشاعرة ، فقد استند موقفهم من أفعال الإنسان إلى قضية رئيسة وهي ما شاء الله أن يكون كان وما لا يشاء لا يكون(3)، وعدوا فعل العبد واقعاً بقدرة الله وحدها(4)، وهذا يعني أن الفعل تابع لقدرة الله واختياره، وليس للإنسان قدرة لاختيار الفعل أو التأثير فيه، لأنه محل الفعل ليس إلا، وهذا ما بعرف بالكسب، ويرى أبو الحسن الأشعري (ت 324) ، أنَ ((معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة، فيكون كسبا لمن وقع بقدرته))(5). فالأفعال مخلوقة لله وأن الله هو الفاعل الحقيقي لها، وما الإنسان إلا مكتسبها من انه لو كان الإنسان هو الفاعل حقاً لأفعاله لأتت على نحو ما يشتهيه وبقصد، فالفعل لا يحدث حقيقته إلا من محدث أحدث قاصداً إليه فقد وجب أن يكون محدث الفعل هو الله(6).

وبناءً على هذا فقد رأى الأشعرية أن الله هو الموجد لأفعال العبد بأجمعها، الاختيارية والاضطرارية، وليس لقدرة الإنسان أي تأثير لوجودها سوى أنه محل لها، ومع هذا فهو مكتسب لأفعاله، وبسبب هذا الكسب يستحق الثواب والعقاب(7).

أما أهم من قال بحرية الإرادة في الفلسفة الإسلامية، فهو الفارابي، إذ جعل الاختيار أساساً للفعل الأخلاقي، لأنه مقتصر على الإنسان، وبالاختيار يستطيع الإنسان أن يفعل المحمود والمذموم ، والجميل والقبيح، وعليه يكون الثواب

ص: 53


1- ينظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، تحقيق: عبد العزيز الوكيل، طبعة الحلبي، 1968م، ص 39.
2- ينظر : عبد الباري محمد داود، الإرادة عند المعتزلة والأشاعرة، ص 66.
3- ينظر: صبحي، د. احمد محمود، في علم الكلام ، ج2 ، ط5 ، دار النهضة العربية، بيروت، 1985م، ص77.
4-
5- الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ،ج2، ط2، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية 1955 م، ص542..
6- المصدر نفسه، 547.
7- ينظر : مغنية، محمد جواد، معالم الفلسفة الإسلامية، ط3، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1982م، ص 121-120

والعقاب(1). وتابعه ابن سينا في هذا الرأي في حرية الإرادة للفعل الأخلاقي، فالإنسان مخير في أن يفعل الفعل أولا(2).

أما المطهري، فهو من القائلين بحرية الإرادة في الفعل الأخلاقي عند الإنسان، إذ يرى : ((أن الإنسان خلق مختاراً حراً بمعنى أنه أعطي فكراً وإرادة وهو في أعماله ليس كالحجارة تدحرجه فيتدحرج ويسقط متأثراً بجاذبية الأرض دون أن تكون له أية إرادة، أو كالنبات ليس له إلا طريق واحد يوجد بتوفر شروط معينة وينمو بالشكل المعتاد، أو كالحيوان الذي يؤدي أعماله بتأثير غريزي، إن الإنسان يجد نفسه دائماً على مفترق طرق ليختار منها ما شاء وبإرادة حريته ووفق مشيئته ونوعية تفكيره وهو ليس مجبراً على أي سلوك، وإنما يتبع السلوك حسب فكره واختياره وهنا تبرز مقوماته الشخصية وصفاته الروحية والأخلاقية))(3).

إنَّ وقوف الإنسان بين مفترق الطرق، واختياره لأحدهما ، دليل على أنّ الإنسان حرٌّ في إرادته بدلالة إدراكه لهذا المفترق، ولو لم يكن حراً في إرادته لتصور طريقاً واحداً فحسب، وغاب عنه ما في الواقع من تعدد الطرق، وتفهم الباحثة أن مفترق الطرق هو الدليل العقلائي الذي اعتمده المطهري في إثبات حرية الإرادة.

يوضح المطهري أن الإرادة هي قوة باطنة فهي ترتبط بعقل الإنسان خلافاً للميل الذي يرتبط بطبيعة الإنسان فالميل هو من جنس الجاذبية أي إن الأشياء المراءة تجذب الإنسان نحوها، وكلما يكون الميل شديدا يسلب اختيار الإنسان بمقدار معين، أي إن الإنسان يخضع لسيطرة قوى خارجة عن إرادته، بعكس الإرادة فإن الإنسان يخرج نفسه عن تأثير القوى الخارجة بواسطة الإرادة، فكلما كانت الإرادة أقوى يكون اختيار الإنسان أكثر ويمتلك نفسه وعمله ومصيره(4). وأراد المطهري من موضوع حرية الإرادة التأكيد على مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وبهذا ينفي أن يكون

ص: 54


1- العاتي، د. إبراهيم، الإنسان في الفلسفة الإسلامية، ص216.
2- ينظر: ابن سينا، عيون الحكمة، ص 41.
3- ينظر: المطهري، الإنسان والفضاء والقدر، ط1، ترجمة محمد علي التسخيري، دار المشرق للطباعة والنشر، طهران، 1385ه- . ش ص 62-63 .
4- ينظر : مرتضى مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 191.

للقضاء والقدر أثر في نشوء الفعل الإنساني، ويشبه المطهري الإرادة بالقوة التنفيذية عند الإنسان(1).

ويرى المطهري أنّ حرية الفعل الإنساني ناتجة من تفكير الإنسان وقواه الإدراكية، فالإرادة الحرة ترفض الخضوع لأي مؤثر خارجي يجبر الإنسان على عمل ما(2).

وتأسيساً لهذا نجد أن جوهر السلوك الأخلاقي عند الإنسان في رأي المطهري يكون نابعاً من إرادة حرة، والإرادة الحرة تعني الإرادة المسبوقة بالتعقل والتفكير، والتعقل هو الذي يجعل الإنسان حراً في اختياره طريقاً من طريقين إما طريق السعادة والنجاة أو طريق التعاسة والشقاء ورؤية المطهري هذه تنجم مع الرؤية القرآنية في حرية الإرادة،قال تعالى في محكم كتابه الكريم: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)*.

المبحث الثاني، نقد المطهري للنظريات الاخلاقية الغربية

عرض المطهري أهم النظريات الأخلاقية في الفعل الأخلاقي، وتميّز أسلوبه في العرض أسلوباً واضحاً، ثم عمد إلى نقد هذه النظريات، فالنزعة النقدية عنده كانت واضحة الملامح ، فهي أحد أسس شخصيته الفكرية، فقد سلك أسلوباً نقدياً اتجاه بعض النظريات الغربية، ولم يقع في فخ التماهي أو الذوبان معها منطلقاً من اعتزازه بالهوية الأصيلة للدين الإسلامي وفهمه ووعيه لأسسها. وتوجد نظريات في الفعل الأخلاقي قد نقدها المطهري، وهي كالآتي:

أولاً: نظرية العاطفة.

تعد نظرية العاطفة من النظريات الأخلاقية القديمة، والمطلع على مصادر

ص: 55


1- ينظر: المصدر نفسه، ص 73.
2- ينظر: مطهري، كلمات في الطريق، ص 58.
3- سورة الإنسان، الآية 3.

تأريخ الأخلاق يمكن أن يحدد معالم هذه النظرية في تاريخ الفكر الفلسفي الهندي والمسيحي ،القديم، فتأريخ الأخلاق في الفكر الهندي القديم حدد مذهبين أخلاقيين أحدهما يتلو الآخر، فنجد البراهمة(1)وبعدها البوذية(2). فالبوذية قد جاءت تجديداً للبراهمة وإصلاحاً لها(3). لقد جاءت البراهمة بمبادئ أخلاقية تبلغ حد الإعجاب، وتمثلت هذه المبادئ بحب الناس بعضهم لبعض ، واحترام الناس جميعاً، بل وحب كل ماخلق الله من الكائنات الحية، والعفو عن المسيء، وأنّ الذي يعفو عن المسيء يكون مكرماً لدى السماء، والذي يحمل الحقد يذهب إلى الجحيم(4). جاءت البوذية لتتبع أثر البراهمة في تعاليمها، إلا أنها اختلفت عنها في إلغاء نظام الطبقات الذي كان موجوداً عند البراهمة، وبهذا عدت البوذية ثورة اجتماعية أكدت على مبادئ أهمها المساواة والأخوة(5).

وأهم ما جاء في المذهب البوذي ((أخفوا ما عشتم طيبات أعمالكم واظهروا مساوأكم، أحبوا جميع الناس وكل الكائنات ليست الولادة ولا الأم البرهمية هي التي توجد البرهمي الحقيقي، أنا لا أعرف برهمياً إلا الفقير الذي يشتهي في حياته شيئاً، والمسامح الذي بكل براءة و طهارة ووداعة يتحمل السب واللعن والضرب وعذاب السلاسل والأغلال الحديدة بكل صبر و لطافة، والرحيم الذي لا يصرع حيواناً ضعيفاً وقوياً، والمستكين الذي هوجم يظهر لمهاجمه كل لطف ولا يقابله

ص: 56


1- البراهمة: هي اسم لنظام ديني إجتماعي سياسي، وهي الاسم الذي أطلق على الهندوسية ابتداءً من القرن الثامن قبل الميلاد، وذلك نسبة إلى أبراهما، وهو القوة السحرية العظيمة التي تتطلب من أتباعها كثيراً من العبادات، وهذا المذهب على ما توصلت إليه البحوث الآن أقدم ديانة هندية يرجع بعض أناشيدها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ينظر : د. مرحبا، محمد عبد الرحمن المرجح في تاريخ الأخلاق، ط1، مطبعة جروس برس، لبنان، 1988م، ص 186.
2- البوذية : هي تحديث للمذهب البراهمي وإصلاح له، و مؤسس البوذية هو بوذا، ومعناه الحكيم، والبوذية ديانة عالمية تبشر بالخلاص من الألم عن طريق ترك الرغبة، وتحقيق التنوير الأعلى الذي يعرف باسم النيرفانا التي تعني الإشراقة التي أو مضت للمعلم تحت الشجرة المقدسة، فتجلت له عقدة الكون، وقد نشأت البوذية في الهند في القرن السادس قبل الميلاد ينظر: روزنتال، الموسوعة الفلسفية، ترجمة: سمير كرم، مراجعة د. صادق جلال العظم، جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1967م، ص 91.
3- يُنظر: موسى، د. محمد يوسف، تاريخ الأخلاق، ط3، دار الكتاب العربي، مصر، 1953م، ص 21.
4- المصدر نفسه، ص 23.
5- يُنظر : ذكرى، د. أبو بكر، تاريخ النظريات الأخلاقية، ط4، دار الفكر العربي، القاهرة، 1965م، ص9-10.

بالمثل والذي لا يحسد حاسديه يوما على شيء))(1). ومن تعاليم بوذا الأخلاقية العملية لا تقتل كائناً واحترام الحياة يجب أن يمتد إلى أي مخلوق مهما كان تافهاً أو ناقصاً حتى لو كان دودة أو نملة(2).و الاحترام للحياة إنسانية كانت أو حيوانية، فليس البوذي أن يقتل حيوانا في لهو كالصيد أو في الجد كذبحه لأكله، بل الرفق بالحيوان، ولا يراه الخلق بأنه ادنى منه، إن المحبة الشاملة هي من أفضل الإعمال الحسنة،

وهي تحرر القلب القلب من شوائب الشر، لأنها تشرق نورا وبهاء في نفس كل إنسان، ولهذا يجب على كل إنسان أن يغرس في نفسه الحب العميق الصادق السائر الخلق(3). إنّ الحكمة لدى الإنسان الهندي القديم هي نسيج محبوك من العقل والعاطفة وإنّ الأفكار الهندية تبني الإنسان من وجهة قيم القلب وتصر على مثل متعددة هي التسامح والشفقة والمحبة واللاعنف وعدم الخضوع للشهوات وللجسد(4).

هذا موجز لأهم ما جاء به أهم مذهبي مثلا الفكر الأخلاقي الهندي القديم النظريتهم في الأخلاق، والذي أتضح أن معالم فلسفة الأخلاق الهندية هي أخلاق عاطفة أي تجد في حب الغير أساساً لها.

ونجد كذلك معالم نظرية العاطفة واضحة جداً في الفكر الأخلاقي المسيحي، إذ جاءت الفلسفة الأخلاقية للفكر المسيحي بمبادئ أساسية تمثلت في الحب الإلهي والأخوة والتضحية، إن غاية الخالق في هذه الحياة شيء يجسده كل كائن في هذا الكون، فكل شيء في الكون يشير إلى محبة الله لخلقه من ناحية وحب الناس لله من ناحية أخرى، إن محبة الإنسان لله وللآخرين من البشر هو أساس القانون والشريعة الإلهية وأساس الحياة الكريمة، فالغاية الرئيسة للإنسان وواجبه في هذه الحياة أن

ص: 57


1- يُنظر : المصدر نفسه، ص 10.
2- يُنظر : بدوي، د. السيد محمد، الأخلاق بن الفلسفة وعلم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، 2000م،ص 29. وايضاً : البيرثويتزر ، الفكر الهندي (كبار مفكري الهند ومذاهبهم على مر العصور)، ترجمة: يوسف شلب الشام، دار طلاس ،دمشق 1994م ص95
3- يُنظر: شلبي، د. احمد، مقارنة الأديان، ط3، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1973م، ص173.
4- يُنظر : زيعور، د. علي الفلسفة الهندية، ط1، دار الأندلس، بيروت، 1980م، ص 163.

يتصرف على وفق إرادة الله هذه المعاني العميقة للمحبة ما أشارت إليه الفلسفة المسيحية§ُنظر: التلوع، د. أبو البكر إبراهيم، الأسس النظرية للسلوك الأخلاقي، منشورات قان يونس، بن غازي، 1995 م، ص108-107.(1)کرم، د. يوسف، تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط، دار القلم ،لبنان، (من دون تاریخ)، ص 39.(2)يُنظر : التلوع، د، أبو بكر إبراهيم، الأسس النظرية للسلوك الأخلاقي، ص109.(3)المطهري، فلسفة الأخلاق، ص 40.


1- . لذلك يرى القديس أوغسطين ((أن الفضيلة الكبرى محبة الله واضع النظام والمعين نفسه غاية لنا، نفسه غاية لنا، وهي تتضمن سائر الفضائل، فهي تتضمن سائر الفضائل، فهي الحكمة من حيث أنها الوصول إلى قيم الخير، وهي الفطنة من حيث أنها تجعلنا نحذر كل ماخلا الله ،وهی الشجاعة بفضل قوة اتحادنا بالله،وهي العدالة من حيث أنها فوز فالسعادة والفضيلة متطابقتان، وما الفضائل الأرضية إلا وسائل لغاية أبعد منها ))
2- . إن الفلسفة المسيحية أوجدت في فضيلة المحبة، والتضحية ومساعدة الآخرين غاية أساسية، لذلك أولتها اهتماماً فائقاً، وبذلك أصبحت محبة الآخرين من القيم الأخلاقية السامية التي تميزت بها أخلاق المسيحية
3- . لقد عرض المطهري نظرية العاطفة ومن ثم وجه إليها بعض الانتقادات في نقاط محددة فهو يرى ((أن نظرية العاطفة هي من النظريات القديمة في مجال بيان المعيار في كون الأفعال الأخلاقية، والحاصل أن القائلين بهذه النظرية ويؤكدون أن مبدأ كل فعل أنساني هو الإحساس والعاطفة وهما المحركان نحو الفعل، ولولا المبدأ لاستحال صدور فعل من الإنسان والفعل الأخلاقي هو ما ينشأ من مبدأ وميل لا ربط له بشخص الفاعل بل هو مرتبط بالآخرين، وهذا الميل أو المبدأ هو ما يصطلح عليه بالعاطفة وأن الهدف منه ليس وصول الخير للذات بل وصوله للآخرين، وعلى هذا يكون الفعل الأخلاقي مبدأ وهدفاً خارج من دائرة الأنا لأن الميل للفعل سببه الآخرون، كما أن الهدف هو تجاوز الذات والخروج من دائرة الأنا والإنسان الأخلاقي هو الذي يخترق دائرة الأنا ليصل إلى الآخرين))

كل دين قد أوصى بالمحبة ومعظم المدارس الفلسفية تتثبت بمبدأ المحبة، وبعض الأديان أفضل ما فيها هو أنّ المحبة تشكل محور الأخلاق فيها، وهناك أديان أخرى تعد المحبة أحد عناصر الأخلاق الدخيلة في تركيبها(1).

لقد أوضح المطهري أنّ محور الأخلاق الهندية هي العاطفة، وقد بقيت هذه النظرية وامتدادها إلى الفلسفة الهندية المعاصرة، فهو يستشهد بمذهب غاندي(2).حيث تعمل نظرية العاطفة في فلسفة غاندي الأخلاقية على مبدأ (أهمسا) وهي تعني عدم العنف والصدق والأمانة وضبط النفس عن الشهوات، (أهمسا) هي يجب أن نمتنع عن الإيذاء وعن الكذب وعن السرقة وعن الطمع والكف عن الحقد لجميع المخلوقات الحية وفي جميع الأوقات والأحوال وعدم الكراهية واختيار المودة والعطف والابتهاج و الاتجاه نحو الأشياء المفيدة والمعزة والحسنة وتجنب عن السيئة، لأنّ هذه الأعمال هي ما ينتج عنها الهدوء والصفاء في الفكر لذلك يجب أن نكون مجردين عن الحسد وشاعرين بآلام الغير وفي حين آخر نكره الإثم إلا أننا يجب أن نحب الآثمين(3).

يبين المطهري أن غاندي قد توصل في كتابه (هذا هو مذهبي) إلى ثلاثة أسس رئيسية وهي(4):

توجد في هذا العالم معرفة واحدة وهي معرفة النفس وتعد هذه المعرفة أساس في الفلسفة الهندية.

إن كل من عرف نفسه عرف ربه وعرف حقيقة العالم.

ص: 59


1- ينظر: المصدر نفسه، ص 41.
2- غاندي : هو موهان داس کارا ماتشاند الشهير بغاندي (1869-1948م) زعيم حركة التحرير الوطني الهندية ومؤسس الأيديولوجية والخطط المعروفة بالغاندية، كان غاندي من الناحية الفلسفية مثالياً موضوعياً يوحد في مذهبه بين الله والحقيقة وكان يعتقد أنّ أدراك الحقيقة ينشأ من تهذيب الذات الأخلاقي. ينظر : روزنتال، الموسوعة الفلسفية، ص 318، وأيضاً ينظر: عباس محمود العقاد، روح عظيم ألمهاتما غاندي، منشورات فن للطباعة، القاهرة، 1999م، ص 23
3- ينظر: الحسيني، السيد أبي النصر أحمد، الفلسفة الهندية، ط1، مطبعة مصر، القاهرة، 1960م، ص99-100.
4- المطهري، فلسفة الأخلاق، ص41-42.

في العالم هناك قدرة واحدة وهي قدرة السيطرة على النفس والتمكن من تطويقها، وبتعبير غاندي إن من يسيطر على نفسه وذاته يمكن أن يسيطر على العالم ويوجد في هذا العالم شئ جميل وهو حب الآخرين وحب الذات.

وهنا يؤكد المطهري على النقطة الثالثة خاصة الغاية الأساسية التي جعلته يستشهد بكلام غاندي، لأنه أثبت فيها أن الأخلاق الهندية هي أخلاق عاطفة وتعتمد هذه الأخلاق على حب الآخرين.

أما بالنسبة لمطهري لنقده نظرية العاطفة الخاصة بالفعل الخلقي، فهو لا يريد أن ينقدها نقداً تاماً لأنه من جهة يرى أن بعض أرائها ما يقبل ومن جهة أخرى ما ينقد، ولذلك فقد حدد نقده لها بالنقاط الآتية:

1- يذكر المطهري ((أنه لا يمكن عد كل محبة أخلاقاً وإن كانت تلك المحبة قابلة للمدح والثناء وليس كل فعل ممدوح أو مذموم يعد أخلاقياً أو غير أخلاقي، فالفارس القوي يمدح على قوته وشجاعته ولا يعد ذلك أمراً أخلاقياً، لأن الأخلاقية تتضمن عنصر الاختيار والاكتساب لملكات غير غريزية فإذا كان الشيء الجميل الحسن فطرياً غريزياً في الإنسان بحيث لن يكتسبه اختيارا فهو وان كان رائعاً ومحموداً إلاّ انه لا يدخل تحت عنوان الأخلاق))(1).

ولتوضيح هذا يعطي المطهري مثالاً واضحاً وهو حب الأم لولدها فإنها بطبيعة حبها له تقدم على سلسلة من التضحيات والأعمال وهي ناتجة من العواطف السامية والعظيمة التي تشعر بها اتجاه ولدها وهذه الأفعال لا يمكن عدها أفعالاً خلقية، لأنها خاضعة لإجبار وإلزام طبيعي من حيثية الأمومة الغريزية التي تمتلكها الأم، فشعورها وحبها اتجاه ولدها لا يمكن أن تشعر به اتجاه الأطفال الآخرين لذلك لا يمكن أن نعد هذا الحب فعلاً خلقياً إذ لابد من أن تكون للأخلاق من دائرة أوسع(2).

ص: 60


1- المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص 43.
2- يُنظر: مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 66.

2- يرى المطهري أن نطاق الأخلاق غير محصور في حب الغير، بل إنه نطاق أوسع من حدود ذلك، إذ إن هنالك كثيرا من الأفعال والسلوكيات النبيلة والعظيمة التي يمارسها كثير من الناس، وهي بحد ذاتها أفعال قابلة للمدح والتقدير والثناء، وهذه الأفعال تكون لا علاقة لها بحب الغير ويرد المطهري أمثلة على هذه الأفعال مثل الإيثار الذي يعد أعلى درجات الكرم والإحسان، وكذلك الأفعال التي يقدم عليها رجال وهم يقدمون أرواحهم ويبذلون مهجهم في ما إذا خيروا بين عزتهم وكرامتهم أو بين أن يستسلموا أو يخضعوا للذلة والمهانة، هذه الأفعال التي تتمثل في التضحية والإباء والشموخ هي قمة الأخلاق ولا ربط لها بمحبة الآخرين(1).

وفي هذه النقطة من النقد يشكل المطهري على قول غاندي (في العالم خيرُ واحد وهو حب الآخرين)) في حين يرى المطهري أن في العالم أنواعا كثيرة من الخير وتكون غير حب الآخرين(2).

3- النقطة الأخرى التي تورد على هذه النظرية هي عن معنى حب الإنسان وفهم معنى الإنسانية، وهذه بحد ذاتها تحتاج إلى تفسير، ويتساءل المطهري في ذلك هل إن حب الإنسان مقصور على الإنسان فقط أو قابل لأن يحب الأحياء الأخرى؟ مثلاً على القصة السابقة الذكر وهي عطف الإنسان على الحيوان، هل هذا العمل لا يعد من الأخلاق لأن الحيوان ليس إنساناً؟ وهل يتعين على الإنسان أن يقصر حبه على أبناء نوعه فحسب ولا ينبغي له أن يحب بقية الأحياء ؟ يوضح المطهري أنه لا ينبغي أن نقول حب الإنسان، وإنما نقول حب الأحياء، أو حب كل الأشياء لأنها مخلوقات الله(3).

فالإنسانية على حد تعبيره ((هي شعار يردده كثيرون وهو بحاجة إلى فهم وتفسير دقيقين كي لا يختلط مفهوم بمفهوم آخر لتحل اللاإنسانية محل الإنسانية، فالمراد بالإنسانية الأصيلة هي محبة البشر والشفقة عليهم والرأفة بهم لأنها تعني تقديس

ص: 61


1- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص 44.
2- المصدر نفسه، ص 44.
3- يُنظر : المصدر نفسه، ص 44-45.

المثل والقيم الإنسانية النبيلة، فالإنسان إنسان جدير بالحب بقدر ما يحمل من المثل الإنسانية، وساقط عن الاعتبار بقدر تخليه عن الإنسانية وخلعه ثوبها))(1).

ولتوضيح محتوى هذه النقطة أكثر يقدم المطهري مقارنة واضحة لشخصيات إنسانية كان لها دور مهم في المجتمع البشري، كشخصية الرسول محمد(ص) وهی شخصية عظيمة وكاملة وكانت هذه الشخصية مصدر خير للإنسان ونجاته من الهلاك فقد كان يعطف ويشفق حتى على الإنسان الذي لا يمتلك قيماً أخلاقية، لأنه يريد الأخذ بيده والبلوغ إلى مستوى الإنسانية ولذلك فقد كان الرسول الأكرم رحمة للعالمين مؤمنهم وكافرهم، في مقابل هذه الشخصية هناك شخصية (الحجاج بن يوسف الثقفي)(2)، (جنكيز خان)(3)، هؤلاء قد افتقدوا وتجردوا من شيء كبير جداً وهو المثل الإنسانية، إنهم في الحقيقة والواقع أشخاص ضد الإنسانية وضد الإنسان(4).

لقد ناقش المطهري نظرية العاطفة ووجه إليها بعض نقاط النقد السابقة الذكر أعلاه وبناءاً على ذلك نجد أن نقده كان موجه لهذه النظرية على أساس أن العاطفة نحو الغير هي ليست من الأفعال الأخلاقية هذا من جانب، ومن جانب آخر هو يرى أن نظرية العاطفة جديرة بالقبول من أن المحبة هي مبدأ تؤكد عليه كل الأديان السماوية، وديننا الإسلامي هو دين خير ومحبة.

ثانياً : نظرية الواجب.

الواجب هو: ((مقولة أخلاقية تشير إلى الضرورة الأخلاقية لأداء التزامات

ص: 62


1- المصدر نفسه، ص 45.
2- الحجاج بن يوسف الثقفي (40-95ه) ولد في الطائف ثم انتقل إلى الشام حيث ولاه عبد الملك بن مروان العراق وحكم عشرين سنة أراق فيها دماء المسلمين فهو داهية وسفاك ينظر: الزركلي، خير الدين، الإعلام لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ، ج 2، ط3، دار العلم، بيروت، 1969م، ص175.
3- جنكيز خان (1155-1227م) قائد مغولي مؤسس أكبر إمبراطورية في العالم، وهو واحد من أطغى طغاة البشرية سفك دماء الملايين اغلبهم من المسلمين، من اجل بناء إمبراطورية يهدف من خلالها إلى أن يكون سيد العالم والزعيم الأوحد للمعمورة كلها، فأصبح اسمه مرادفا لكل معاني الوحشية والبربرية والهمجية الدموية والدمار. ينظر : جون، مان، جنكيز خان حياته - انتصاراته، ط1، ترجمة: ادوار أبو حمرة، دار الحكايات ،لبنان، 2013م، ص 20.
4- ينظر: المطهري، فلسفة الأخلاق، ص46.

معينة))(1). والواجب بوجه عام هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه إلى مفسدة، ولهذا فهو يسمى في فلسفة كانت الأمر المطلق، وهو الأمر الجازم الذي يتقيد به المرء لذاته، من دون أن تتعلق به لذة أو منفعة(2)و يعد الفيلسوف الألماني كانت (1724-1804م) من أشهر وأقوى المدافعين عن المذهب الأخلاقي الذي يركز مفهومه عن الواجب ، وكثيراً ما قد يوصف هذا الفيلسوف، أنه فيلسوف الواجب، وقد عد فكره الأخلاقي ثورة على المذاهب الأخلاقية التي كانت سائدة في عصره مثل مذهب السعادة(3).

إن موقف كانت من المسائل الأخلاقية موقف واضح وصريح، وقد توصل في كتابه (نقد العقل النظري) إلى نتيجة رئيسة أن أي ميتافيزيقا لا يمكن أن توضع في موضع علمي قط، وأن أي منها لن تستطيع أبداً أن تظهر قضاياها الجدلية كمبادئ مسلمة، ولا أن تسوغها كقاعدة تجريبية، وأن الفلاسفة الذين يدعون بناء تعاليمهم الأخلاقية على الميتافيزيقا الإلهية كانت أو الحادية قد حكموا على أنفسهم بالفشل، لذلك قد رفض كانت أن يؤسس الأخلاق على أسس نفعية(4).

أوضح كانت أن الدين لا يمكن أن يقوم على أساس من العلم والعقل ولذلك يجب أن يرتكز على دعامة من الأخلاق لأنه إذا بني على عمد من اللاهوت العقلي فإننا قد عرضناه إلى أخطر الأخطار لنترك العقل ولنشيد الإيمان على ما هو فوق العقل وهي الأخلاق، ولكن يجب أن تكون قاعدة الدين الأخلاقية مطلقة مستقلة بذاتها غير مستمدة من التجربة الحسية المعرضة للشك وإلا يفسدها العقل ببحوثه وقضاياه، أي أن یجب تستمد القاعدة الأخلاقية من باطن النفس مباشرة، وبذلك تكون لدينا مبادئ أخلاقية فطرية تنشأ في الإنسان بطبيعته فيستلهمها ويستوحيها من دون أن يلجأ في تحديد سلوكه إلى علم أو تجربة، ولذلك يعد قانون الأخلاق ناشئاً فينا قبل التجربة

ص: 63


1- روزنتال، الموسوعة الفلسفية، ص572.
2- يُنظر : صليبا، د. جميل، المعجم الفلسفي، ج2، ص 542.
3- يُنظر : رشوان، د. محمد مهران، تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، دار قباء، القاهرة، 1998، ص154.
4- يُنظر : كرسون، أندريه، الأخلاق في الفلسفة الحديثة، ترجمة د. عبد الحليم محمود، د. أبو بكر ذكرى، دار أحياء الكتب العربية، القاهرة، 1948م ، ص 59.

وإن الأوامر الأخلاقية التي تكون قاعدة للدين عامة مطلقة مستمدة من فطرة الإنسان، وان تجارب الحياة تنهض دليلا قوياً على وجود هذا الباعث الفطري على الأخلاق(1).

إن الباعث الفطري الذي كان يقصده كانت في الأخلاق هو الضمير، ويحدده بأنه ذلك الصوت الذي يصيح فينا صيحة التأنيب ثم يدعونا إلى الالتزام بالسلوك باتجاه الصواب، وهو الذي لا ينفك عنا ويأمرنا أن نعمل على نحو يصح أن يكون قانوناً عاماً للبشر ، وهو يرى أن هذا القانون الأخلاقي المفطور في نفوسنا يعمل على وفق ما يأمر به الواجب بغض النظر عن نتائجه وأحكامه، لأنه لم يستمد من التجربة وهو فطري طبيعي فينا(2).

ويعرف كانت الواجب بأنه ((ضرورة القيام بفعل عن احترام للقانون))(3). وهذا يوضح بأن كل أفعالنا هي ما تتفق مع الواجب(4). ويصرح كانت ((أن الأفعال الإنسانية لا تكون خيراً لأنها صدرت عن ميل مباشر أو دفعت إليها رغبة في تحقيق مصلحة شخصية، بل تكون خيراً لأنها صدرت من أجل الواجب، أي لا يكفي أن يكون الفعل الخلقي مطابقاً في نتائجه لمبدأ الواجب، بل يتحتم أن يجئ طبقاً للواجب أي أن يصدر عن احترام لمبدأ الواجب، فكم من أفعال تدفع إليها الرغبة في تحقيق منفعة شخصية، ومع هذا تتفق نتائجها مع مقتضيات الواجب)) (5). حتى الإرادة الخيرة التي يعدها كانت شرط ضروري لصبغ أي فعل بصبغة الأخلاقية فهي أرادة الفعل بمقتضى الواجب من دون أي اعتبار أخر وهذا يعني أن الإرادة الخيرة لا تخضع لأي قانون آخر سوی قانون الواجب فكل فعل أخلاقي ينبغي أن يؤدي احتراماً للواجب وتقديراً له وحده(6). لهذا فالواجب عند كانت لا يطلب من أجل منفعة أو بلوغ سعادة بل يطلب

ص: 64


1- أمين، د. أحمد، د. زكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، ج1، ط4 ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1959م، ص296 297.
2- يُنظر : المصدر نفسه، ص 298-299.
3- كانت، إيمانويل، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم د. عبد الغفار مكاوي، مراجعة د. عبد الرحمن بدوي، الدار القومي للطباعة والنشر، القاهرة، 1965م، ص27.
4- المصدر نفسه، ص44.
5- الطويل، د. توفيق الفلسفة الخلقية، ط1، دار المعارف،، الإسكندرية، 1960م، ص231.
6- يُنظر : رشوان، د. محمد مهران، تطور الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربية، ص 157-160.

لذاته فليس الأخلاق هي اللذة الذي يعلمنا كيف نكون سعداء بل هي المذهب الذي يعلمنا كيف نكون جديرين بالسعادة(1).

يحدد كانت أوامر القانون على الفعل الخلقي بأنها أوامر مطلقة ومثاله لا تكذب لا تسرق لا تشهد الزور وبناءا على ذلك يتضح أن الفعل الأخلاقي هو فعل إنسان يطيع أمراً مطلقاً لا شرط فيه أي أطيع القانون ولا أعصيه(2).

لقد استطاع كانت ومن فكرة الواجب أن يستنبط ما يسميه مصادرات العقل العملي، إنها مصادرات أو فروض لأنها لا تقبل البرهنة العقلية وهي موضوعات للاعتقاد أي للإيمان غير العقلي، وهذه المصادرات هي ثلاث:

أ- الحرية ، وتنبع من ضرورة إطاعة الواجب ذلك أن الالتزام يفترض أن يكون المرء حراً، ولا معنى للالتزام من دون افتراض الحرية في الإنسان.

ب - يعد كانت خلود النفس من الموضوعات التي يتم البرهنة عليها من خلال العقل العملي بعد أن عجز العقل النظري عن ذلك، ويبرهن كانت على هذا الأمر من خلال تصوره للأمر الواجب فالإخلاص التام للواجب لا يمكن تحقيقه في هذه الدنيا، ولهذا نميل إلى الاعتقاد في أمكان تزايد الكمال إلى غير نهاية، وهو أمر لا يتصور إلا بافتراض أن النفس خالدة وذلك لا يمكن بلوغ الكمال في هذا الوجود المكاني و الزماني، لأن الإرادة موزعة بين الحساسية الذاتية الخاصة وبين العقل الكلي، وتبعاً لذلك الكمال الأخلاقي لا يتيسر تحقيقه في هذا العالم بل يتم بواسطة التقدم إلى غير نهاية، وهو كمال وتقدم يقتضيان شخصية توجد باستمرار ومن ثم النفس خالدة وخلودها أمر يقتضيه العقل العملي وان لم يستطيع العقل النظري إثباته(3).

ج - وجود الله، يوضح كانت أن أثبات وجود الله، قائم على أساس الشعور بالواجب يتضمن العقيدة في الجزاء في المستقبل أي في الخلود، فإن الخلود لا بد

ص: 65


1- المصدر نفسه، ص 163.
2- يُنظر : جعفر، د. عبد الوهاب، مذكرة في فلسفة الأخلاق، دار المعارف، الإسكندرية، 1991م، ص 250-251.
3- يُنظر : بدوي، د. عبد الرحمن، الأخلاق النظرية، وكالة المطبوعات، الكويت، 1975م، ص 266-267.

من أن يتبعه فرض وجود علة متكافئة مع معلولها أي لابد من أن يكون قد أنشأ هذا الخلود من هو خالد، فإذا لا بد من التسليم بوجود الله وهذا ليس برهانا بالعقل بل هو مستمد من شعورنا الفطري بقانون الأخلاق(1).

بعد التوضيح الموجز لنظرية الواجب عند كانت نبين توضيح بسيط نفهم من خلاله كيف تصور كانت الخير الأعظم واجتماع الفضيلة والسعادة، يوضح كيف نتصور اجتماع الفضيلة والسعادة هذه صعوبة، وقد لاحظ أن الرواقية والأبيقورية قديماً كانا على اتفاق في التوحيد بين الفضيلة والسعادة، وأن كان الرواقيون قد رأوا أن طلب السعادة فضيلة في حين ذهب الأبيقوريون على عكسهم إلا أن طلب الفضيلة سعادة ویری كانت أن رأي الرواقيين باطل لأن الفضيلة معنى عقلي والسعادة معنى حسي، ومرد الأولى إلى قانون الفضيلة ومرد الثانية إلى قانون الطبيعة، وبطلان الرأي الأبيقوري أوضح من ذلك فإن طلب السعادة غاية قصوى كفيل بإفساد الأخلاقية بل إن طلبها يفسد الفعل الخلقي(2).

يعد المطهري نظرية الواجب من النظريات التي تحتوي على ملاحظات هامة ورفيعة، ويعرف المطهري واجب كانت بالوجدان ، وهو يرى أنه لا ينبغي أن ننفي هذا الوجدان لأن النظرة الإسلامية قد عرفت هذا الوجدان بأنه وجدان خلقي بالإنسان، وورد ذكره في القرآن الكريم (بالنفس اللوامة) قال تعالى : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(3)*.

وهذه إشارة واضحة إلى وجود ضمير في الإنسان يرشده إلى عمل الخير وترك عمل الشر، فإذا أقدم على عمل الشر تلومه نفسه فيتضح أن هناك شيئا يدفعه إلى فعل الخير وترك الشر، ويلوم الإنسان بسبب فعله الشر وعلى العكس فإذا أقدم على عمل الخير فإنها ترضى عنه ويشعر بمدحها له(4).

ص: 66


1- يُنظر: أمين، د. أحمد، د. زكي نجيب محمود، قصة الفلسفة الحديثة، ج 1، ص 301-302 .
2- يُنظر: الطويل، د. توفيق، الفلسفة الخلقية، ص245 ، وكذلك د. يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ط5، دار المعارف، الإسكندرية، 1986م . ص 255.
3- سورة الشمس، الآية 8.
4- يُنظر : مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 68-69.

وبناءاً على ذلك وما تحتويه هذه النظرية من أراء قيمة فقد وجه المطهري لها بعض نقاط النقد وهي كالأتي:

1- تحقير الفلسفة.

يرى المطهري أن هذه النظرية قد احتقرت الفلسفة والعقل المحض، فقد قلل كانت من شأن العقل النظري أو ما يسميه بالعقل الخالص ودوره في استكشاف ما وراء الطبيعة الميتافيزيقا فقد أكد كانت أنه لا نستطيع أثبات شيء من هذه المسائل عن طريق العقل النظري، ويرى المطهري هذا اشتباه واضح منه ومن دون تجاهل لدور الوجدان أو إنكاره، ويؤكد المطهري انه من الممكن أن نثبت وعن طريق العقل النظري حرية الإنسان واختياره وبقاء النفس وخلودها ووجود الله ، وان الأوامر الأخلاقية المستلهمة من الوجدان يستطيع العقل النظري إدراكها وإصدارها ولو من باب التأييد للوجدان(1). واعتراض المطهري على كانت في هذه النقطة اعتراض مقبول ، لان المطهري في هذا الاعتراض كان متابعا لآراء الفلاسفة المسلمين.

لقد استند الفلاسفة المسلمون على الدليل العقلي في إثبات وجود الله والمتمثل بدليل واجب الوجود وممكن الوجود(2). إن دراسات الفلاسفة المسلمين في إثبات وجود الله كانت دراسات قيمة وعظيمة ووافية جدا تمثلت في دراسات فلسفة الإلهيات عند الفارابي وابن سينا والرازي وابن رشد وغيرهم من الفلاسفة حيث اعتمدوا الأدلة الفلسفية الخالصة التي تعتمد على مقدمات عقلية ليس للتجربة شيء في إثباتها، ولذلك فقد كان الدليل العقلي دليلاً برهانياً ذا قيمة منطقية عالية استند عليه الفلاسفة في إثبات وجود الله تعالى، ومن هنا فالعقل النظري قادر أن يثبت وجود الله والنفس.

2- فصل الكمال عن السعادة.

النقد الآخر الذي يوجهه المطهري لنظرية كانت يتصل بتفكيك كانت الكمال

ص: 67


1- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص 69.
2- يُنظر : إبراهيم، د.نعمة محمد، الفلسفة الإسلامية، ج1، ط1، دار الضياء، النجف الأشراف،،2007م، ص127.

وفصله عن السعادة ويرى المطهري أن هذا خطأ كبيرا لأن الكمال لا ينفك عن السعادة وان كل كمال هو في ذاته نوع من أنواع السعادة، وان غاية الأمر أن السعادة غیر محصورة في اللذات الحسية، وأن كانت قد حصر السعادة في نطاق ضيق للغاية، في هذه النقطة يرى المطهري أن كانت في نظريته أكد أن الإنسان يشعر بمرارة شديدة في داخله عندما يخالف ضميره، هذا مقبول إلا أننا نتساءل إذا كان الإنسان يشعر بالمرارة والألم عندما يخالف ضميره، فكيف لا يشعر باللذة والسعادة عندما يطيعه هنا يشعر الإنسان باللذة والسعادة وتكون هذه اللذة ذات مستوى رفيع وعالِ لأنها لذة من نوع خاص(1).

ويذكر المطهري مثالا لأجل التوضيح الأكثر لذلك يشير: ((إنّ الإنسان الذي يقدم على عمل الإيثار تصحبه حالة من النشوة الروحية ويفيض قلبه سروراً لأنه يعتبر ما أصابه من مشقة وكدح في سبيل إسعاد الآخرين وراحتهم نوعاً من اللذة والمسرة التي لا يشعر بها في اللذات الحسية))(2).

إنَّ اللذة الحسية في رأي المطهري هي لذة عضوية ومتعلقة بحركة خارجية، مثل لذة الغذاء أو لذة عضو الشم أو اللمس، وهنالك لذات أخرى لا ترتبط بالجسم مثل لذة البطولة عند الإنسان الشجاع ، ولذة العالم الذي يكتشف حقيقة علمية هذه لذات يراها المطهري أنها خارجة عن الجسم وهي لذات غير حسية بل هي لذات معنوية، ويؤكد أن الإنسان الذي يصل إلى درجة كبيرة أي انتقاله إلى مرحلة عالية مرحلة الملكوت واتصاله بالله تعالى وتجاوزه المرحلة الحيوانية هو إنسان سعيد أم شقي ؟ والجواب واضح جداً هو إنسان سعيد وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنَ السعادة لا يمكن فصلها عن الكمال، والسعادة المنفكة عن الكمال هي سعادة اللذة الحسية أما السعادة الحقيقية المطلقة لا يمكن فصلها عن الكمال(3).

ص: 68


1- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص69.
2- يُنظر : المصدر نفسه، ص 70.
3- المطهري، فلسفة الأخلاق، ص 70.

إن نقد المطهري لكانت في هذه المسألة نقد واضح، وقد جاء متفقاً مع بعض لمذاهب الأخلاقية الأخرى والأفكار التي حددت في مذهبها الأخلاقي في عدم الفصل بين الكمال أو الخير الأعلى والسعادة. إن الأخلاق في فلسفة أرسطو الأخلاقية هي أخلاق سعادة ، ولذا كان البحث عن السعادة هو المطلب الأسمى للإنسان وخيره الأعلى وغايته القصوى، فالفضيلة والنجاح والسعادة كلها ألفاظ مترادفة ولها معنى واحد ، لذا كانت غاية أخلاق أرسطو تهدف إلى تحقيق السعادة وهي الغاية القصوى للحياة، وهذه السعادة إنما تطلب لذاتها لا لأجل شيء آخر(1).

يرى أرسطو : ((أن السعادة تعمل على تحقيق شيء نهائي كامل مكتف بنفسه مادام انه غاية جميع الأعمال الممكنة للإنسان وهي بلا معارضة اكبر الخيرات أی الخير الأعلى))(2).

لقد تابع الفلاسفة المسلمون هذا الرأي ولم يفصلوا الكمال عن السعادة وكان لهم في هذا الموضوع في الدراسات الأخلاقية دراسات وافية تمثلت بأكبر فلاسفة الفكر الإسلامي.

حيث أشار الفيلسوف الفارابي إلى عدم الفصل بينهما، وفي رأي له يذكر: ((إما أن السعادة غاية ما يتشوقها كل إنسان، وان كل من ينحو بسعيه نحوها فإنما ينحوها على أنها كمال ما ، فذلك ما لا يحتاج في بيانه إلى قول، إذا كان من غاية الشهرة، وكل كمال غاية يتشوقها الإنسان فإنما يتشوقها على أنها خير ما ، فهو لا محالة مؤثر ولما كانت الغايات التي تشوق على أنها خيرات مؤثرة كثيرة ، كانت السعادة أجدى الغايات المؤثرة))(3).

أما الفيلسوف ابن سينا فقد كانت له دراسة وافية عن السعادة وهي(رسالة في السعادة) وهي رسالة ضمن مجموعة رسائل ابن سينا، فقد كان رأيه موافقا لأرسطو

ص: 69


1- ينظر : مرحبا، د. محمد عبد الرحمن، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ، ج 1 ، منشورات عويدات، بیروت، 2007م، ص204-205.
2- أرسطو طاليس، علم الأخلاق إلى نيقو ما خوس، ج 1، ص.192.
3- الفارابي، التنبيه على سبيل السعادة، ص47.

والفارابي في عدم الفصل بين السعادة والكمال ، وقد عد ابن سينا أن الخير الأعلى هو السعادة ، وفي ذلك يرد)) : غاية الخير هو بلوغ السعادة، والسعادة الحقيقية هی المطلوبة بذاتها والمستأثرة بعينها ، ومن الظاهر أن ما يستأثر لذاته وسائر الأشياء يستأثر لأجله أفضل حقيقة في ذاته مما يستأثر لغيره، أي ليس لذاته إذن فالسعادة هی أفضل سعي لتحصيله))(1). إن ابن سينا يؤكد هنا أن كل إنسان يبحث عنا الخير والذي هو السعادة في ذاتها.

من هنا يتضح أن المطهري في نقده لكانت في هذه النقطة جاء مدعوماً بآراء الفلاسفة الكبار الذي كان لنظرياتهم الأخلاقية في الفكر الفلسفي شأنا كبيرا وقيمة عالية في الدراسات الفلسفية.

2 - مطلقية أحكام الوجدان.

إنّ المطهري ينتقد كانت في هذه المسألة لأنه يرى أن كل أحكام الوجدان أو ما يسميه كانت بالواجب هي أحكام ليست مطلقة، وأن موضوع الإطلاق الذي ينسبه كانت لأحكام الوجدان قد أشكل عليه بعض الفلاسفة الغربيين أنفسهم وزعموا أن الوجدان ليست له أحكام مطلقة بالمقدار الذي يعطيه كانت لنظريته هذه، حيث توجد أحكام مطلقة وأخرى مقيدة ومن الأحكام المطلقة العدل والظلم، فإن الإنسان العاقل يحكم بحسن العدل وقبح الظلم بنحو مطلق إلا أن هناك أحكام مقيدة مثل الصدق، والصدق مقيد بالمبدأ التي تعتمد عليه فلسفة الصدق وقد يحدث أن ينقلب الصدق من مبدأ إلى أخر فينقلب من حسن إلى قبيح ومن ممدوح إلى مذموم، إلا أن المطهري يرى أن ما ذكره كانت في نظريته من أن الوجدان يأمر بالصدق مطلقاً بلا رعاية للمصلحة وهذا رأي تنقصه الدقة(2).

ويعطي المطهري مثالاً لهذه المسألة : ((لو إن ظالماً يلاحق رجلا ما ليقتله ظلماً وعدوانا، وقد استخبر احد عنه وعن مكانه فماذا نجيبه ؟)) إن قال لا اعلم عنه شيئا

ص: 70


1- (ابن سینا، رسالة في السعادة، حيدر أباد، دائرة المعارف العثمانية، 1353ه، ص 222.
2- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص 71-72.

فهو كذب لا يرتضيه وجدان ،كانت وان اخبره بمكانه سيقتله بغير وجه حق،هل الوجدان يأمرنا بالصدق مطلقا ايا كانت النتيجة؟ يرى المطهري أن هذا لا يمكن لأن الوجدان لا يرتضي ذلك ابدا فهو لا يرتضي الظلم وإهدار حق الآخرين وهذا حكم غير مقيد بعدم الكذب أن للمطهري هدفاً واضحاً من ذكر المثال أعلاه وهو لتحديد أن ليس كل الأحكام الأخلاقية هي إحكام مطلقة، وان جوز الفقه الإسلامي الكذب في موارد معينة وهي متى ما ترتب عليه مصلحة للفرد وإنقاذه وليس هدف الإسلام أن يجوز الكذب ليستغله الفرد ويتعود عليه ويستعمله في مواضع آخرى، وهذا ما جوزه الفقه الإسلامي يسمى هنا (بالتورية) والمقصود فيها لمن اضطر أن يكذب لمصلحة فهل يخطر في ذهنه شيء ويطلق في لسانه شيء، ويحث المطهري بعدم ممارسة الفرد الكذب المذموم المحرم باسم التورية كما يفعل بعض الأفراد(1).

ثالثاً: نظرية برتراند رسل.

لقد اشتهر الفيلسوف برتراند رسل(2)بآرائه ونظرياته الفلسفية التي تناولت مواضيع عدة ولا سيما في مجال الأخلاق، فهو يعد من الفلاسفة المعاصرين التي اتسعت كتابته وتنوعت مواضيعها فقد كتب في الفلسفة والرياضيات والمنطق واللغة فضلا عن ذلك كتب في الموضوعات الاجتماعية والتربوية والأخلاق والسياسة، ولم يترك مجالاً من مجالات العلوم المختلفة إلا ونجد له رأياً وتعليقاً عليه وهو من الفلاسفة الذي ترك مؤلفات فلسفية كثيرة وفي موضوعات مختلفة. وله دراسات في مجال الأخلاق وجدت في معظم كتبه(3)التي تناولت مواضيع متعددة في هذا الجانب، وقبل أن نعرض نقد المطهري لنظرية رسل في الأخلاق لابد من إطلالة واضحة لنظريته ومن ثم نورد نقد المطهري لهذه النظرية ..

ص: 71


1- المصدر نفسه، ص 73-75.
2- برتراند رسل (1872-1970م) فيلسوف وعالم منطق انكليزي ساهم مساهمة كبيرة في تطوير المنطق الرياضي الحديث وهو من طور المنطق الحديث وحسن لغة الرموز المنطقية. ينظر : فؤاد كامل وآخرون، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 220
3- أهم كتبه في الأخلاق هي: المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، التربية والنظام الاجتماعي، الزواج والأخلاق، في التربية، الفوز بالسعادة، السلطة والفرد.

ينظر رسل إلى الأخلاق على أنها : ((تختلف عن العلوم وذلك في أنّ مادتها الأساسية المشاعر والانفعالات وليست المدركات الحسية، وينبغي أن نفهم ذلك بمعناه الدقيق ،أي إن المادة هي المشاعر والانفعالات نفسها وليست واقعة، فالواقعة هي بمعنى أن لدينا حقيقة علمية مثل أية حقيقة علمية أخرى، ونحن نعرف وجودها بواسطة الإدراك الحسي بالطريقة المعتادة، ولكن الحكم الأخلاقي لا يقرر حقيقة واقعة، بل يقرر أملاً في شيء ما أو خوفاً منه، أو رغبة في شيء ما أو عزوفا عنه، أو حباً لشيء ما أو كراهية له، وان كان ذلك كله كثيراً ما يحدث في صورة مقنعة، وينبغي أن يوضع مثل هذا الحكم في صيغة التمني أو الأمر لا في صورة عرض لحقائق معينة، و أن العبارات الأخلاقية لا يمكن إثبات صحتها أو عدم صحتها عن طريق جمع الوقائع))(1).

إنّ الحكم الأخلاقي عند رسل هو ليس تقريراً لواقعة أو وصفاً لحقيقة ما، وإنما هو انفعال معبر عن حالة نفسية أشبه بانفعال الغضب أو الفرح فكل اختلاف بين الناس على تقدير الأفعال هو تقدير خلقي وهو من قبيل اختلافهم في الذوق، ولذلك فإن العبارات الدالة على الأحكام الأخلاقية تتميز بان قائلها يعبر بها عن رغبة يتمنى أن يطبقها جميع الناس في سلوكهم، ويتضح هنا أنّ رسل قد جعل من العبارات الأخلاقية عبارات ليس ذات صدق موضوعي إنما هی عبارات نفسية اجتماعية لأنها تدور حول ما يرغب فيه الناس وكيف يصلون إليه(2).

إنّ المبدأ الأخلاقي الأسمى الذي اعتمد عليه رسل هو: ((اعمل العمل الذي ينشأ عنه التنسيق بين رغبات أفراد المجتمع، وذلك أفضل من العمل الذي يؤدي إلى التنافر بين هؤلاء الأفراد، وهذا المبدأ ينطبق على كل مجتمع صغير أو كبير، وينطبق على رغبات الفرد الواحد وعلى أفراد الأسرة، والمدينة، والوطن، وكما ينطبق على العالم كله إذا كان العمل الفردي ذا أثر في العالم كله))(3).

ص: 72


1- برتراند راسل، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ط1، ترجمة عبد الكريم أحمد، مراجعة حسن محمود، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1960م، ص 15.
2- يُنظر: محمود،: د. زکی نجیب، برتراند رسل، ط2، دار المعارف، مصر، 1965م، ص125. وأيضاً. فؤاد كامل وآخرون، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 215.
3- د. محمود زكي نجیب، براتراند راسل، ص 123-124.

ويتضح مما تقدم أن رسل قد جعل الرغبات الإنسانية هي أساس الفعل الأخلاقي، لأنه كان يعتقد بأن صواب الفعل الإنساني مرهون بالتوجيه السليم لرغباته فنشاط الإنسان إنما هو نشاط يستلزم الضبط والتوجيه الأهداف وبلورة الغايات(1). لهذا عد المبدأ الأخلاقي الذي وضعه رسل في الأخلاق هو ((مبدأ الأخذ والعطاء أو التراضي الاجتماعي، ولا يعتمد هذا المبدأ على الدين ولا على الخرافة، وإنما ينبعث بصفة عامة عن الرغبة في حياة هادئة، فعندما أريد شيئا من البطاطس مثلا فإني قد أتسلل ليلاً واستولي على بعض منه من حقل جاري وجاري قد ينتقم بأن يسرق الفاكهة من شجرة تفاحي، وهكذا فإن كلاً منا سيجد نفسه في حاجة إلى حارس يبقى يقظاً طوال الليل ضد مثل هذه الاعتداءات ويكون هذا غير مريح ويسبب إزعاجاً في النهاية سنرى أن الأمر يكون أقل إزعاجاً أو كثر راحةً لو أنّ كل منا احترم مال الآخر))(2)، لكي يعيش الإنسان أكثر استقراراً واقل إزعاجاً أن هنالك طريقاً واحداً يوصل الإنسان إلى هذا الاستقرار ويبين في ذلك ((إنّ ذكاء الإنسان قد دله على أن الانفعالات كثيراً ما تكون من عوامل إخفاقه، وأن رغباته يمكن إشباعها بصورة أتم، وأن سعادته تكون أكمل وأنه لو لم يكن هناك سوى الذكاء وحده، لما كان هناك مكان للأخلاق))(3).

يتبين أنّ غاية الأخلاق أو الفعل الأخلاقي عند رسل هو تحقيق غاية وتنفيذ الرغبة الفردية وبذلك فقد حدد الفعل الأخلاقي بأنه الفعل الذي يصدر عن قصدنا وكامل إرادتنا وينظر إليه على أنه فعل صائب بغض النظر عن نتائجه ما دام يمكن أن يحقق غايات الفرد وينفذ رغباته(4). لذلك نظر إلى القواعد والأفعال الخلقية على أنها قواعد عملية ضرورية للحياة إلا أنّ معظم هذه القواعد وفي قسمها الأعظم يعتمد على أفكاراً خرافية، وما غاية الحياة التي يسعى إليها كل إنسان إلا تحقيق السعادة ويمكن للإنسان أن يصل إلى هذه السعادة بمكافحة الخوف والتأكيد على الشجاعة عن

ص: 73


1- يُنظر : عويصة، كامل محمد، برتراند راسل فيلسوف الأخلاق والسياسة، ط1، دار الكتب العالمية، بيروت، 1993م، ص 23.
2- برتراند راسل، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ص26.
3- المصدر نفسه، ص 9.
4- ينظر: العزاوي، هبة عادل، فلسفة الأخلاق عند براتراند راسل، رسالة ماجستير، أشراف ا.د. ناجي التكريتي، مقدمة إلى مجلس كلية الآداب، جامعة بغداد، قسم الفلسفة، 2001 م، ص 30.

طريق التربية(1). بعد الدراسة الموجزة لنظرية رسل في الأخلاق نورد أهم نقاط النقد التي وجهها المطهري لهذه النظرية.

1- يرى المطهري أنّ الأخلاق التي ينشدها رسل هي أخلاق نفعية مادية تفتقر إلى ثوب القداسة والقيمة الرفيعة فهي لا تهدف إلى شيء سوى المنفعة، فما يقوله راسل عن الأخلاق لا يرتفع عن المصلحة، بل هو المصلحة بعينها، وهذا خلاف للشعارات التي يبغي إليها، وهو من الأشخاص الذين تتناقض شعاراتهم لفلسفتهم فهو معروف بإنسانيته والدفاع عن حقوق المحرومين في حين نجد فلسفته قائمة على أساس حب الفرد لمصلحته الخاصة وطلبه للسعادة والكسب والسعي للمنفعة وبهذا فقد انخدع كثيرون بشعاراته الأخلاقية(2).

ترى الباحثة أن نقد المطهري وارد في هذه النقطة وذلك لأن الأخلاق الفردية التي ينشدها رسل تتضح هنا هو تمسك الإنسان بالأنا الذاتية وعدم الاتجاه نحو الأخلاق التي تتجه نحو الفعل الأخلاقي المنطلق من أحساس الإنسان لنوع وقيمة هذا الفعل الأخلاقي لذلك فالأخلاق الفردية أخلاقاً خالية من القيم الرفيعة ولا يمكن عدها إلا أخلاقاً جعلت الإنسان ينظر إلى نفسه من خلال جوانبه المادية والسعي إلى إشباع رغباته، لذلك من الضروري أن ننقد هذه الأخلاق خاصة وان الإنسان يعيش ويتعايش مع مجتمع تربطه معه علاقات أخلاقية وكذلك علاقات اجتماعية وحضارية، فالإنسان يستمد من المجتمع إنسانيته وقيمه الأخلاقية فيكون على صلة وثيقة بمجتمعه وأفراده، فلا يمكن للإنسان أن يتجه نحو الأخلاق التي تكون الغاية منها تحقيق المنفعة الشخصية والرغبات الفردية.

2- إنّ ما ذكره رسل في المثال سابقا في التسلل ليلا وسرقة بطاطس الجار وقيام الجار بسرقة الفاكهة من شجرة تفاحي وحاجة كل من الجار إلى أن يبقى يقظا طوال الليل وهذا أمر غير مريح ويسبب إزعاجاً ولكي يكون الأمر اقل إزعاجا وأكثر راحةً

ص: 74


1- ينظر: بوشنسكي، أ. م ، الفلسفة المعاصرة في أوربا، ترجمة: د. عزت ،قرني عالم المعرفة، الكويت، 1992م، ص 80.
2- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص212.

لو أن كل من الجيران احترم حق الآخر ، يرى المطهري أن مسألة الاحترام وعدم التجاوز على الآخر رأي مقبول في حالة توازن القوى، لكن كيف سيكون الأمر إذا كانت إحدى القوتين أقوى وأشد بأساً من القوى المقابلة لها فما ذكره رسل لا يكون له أثر أصلاً لان الطرف الأقوى يدرك أنّ الطرف الآخر الضعيف لا يمكنه المساس بمصالحه والاعتداء عليه حتى ولو بعد مائة عام(1). يرى المطهري أنّ هذه النظرية تزلزل قاعدة الأخلاق من الأساس لأن الأخلاق تكون حاكمة في الموضع الذي تتساوى فيه القدرات بحيث يخشى الطرف المقابل بقدر ما يخشاه الطرف الآخر ويكون في مأمن بنفس المقدار الذي يكون فيه مأمن الطرف الآخر ولهذا فان أفكار راسل تنعدم فيها الأخلاق لأنها تعطي للقوي الحق في استخدام قوته ضد الآخرين لأنه ما من احد يستطيع أن يأمر القوي بالكف والوقوف عن إيذاء الآخرين وصده عن القيام بالأعمال المؤذية ضد الغير، لأنه إن لم يكن ضعيفاً فليس هناك من سبب يدعوه للكف عن ذلك العمل ومن هنا فان هذه النظرية تجيز للقوي أن يفعل ما يشاء(2)وهنا يحدد المطهري أنّ الأخلاق الفكرية أو أخلاق الذكاء عند رسل هي أخلاق تكون حاكمة على أساس المنافع الفردية(3). وأن شعارات المحبة والسلام للإنسان التي نادت بها فلسفة رسل تختلف عن واقعيتها، لأنّ فلسفته تقتلع جذور المحبة الإنسانية خاصة وانه يعتقد أن المصلحة الفردية هي أساس الأخلاق الاجتماعية، وهذه الأخلاق الفردية هي التي تحكم سلوك الفرد وتصرفاته وان مصلحته الشخصية هي التي تجعله يكون مرتبطا بالتعاون مع الآخرين(4).

3- الإشكال الآخر الذي يورده المطهري هو في الغاية من الأخلاق وهو منع تجاوز القوى وهو في ذروة قوته، ورأي المطهري الوارد هنا استناداً على ما جاءت به الشريعة الإسلامية والأخلاق القرآنية وهو منع التجاوز على الغير وإن كان الإنسان

ص: 75


1- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص213
2- يُنظر : مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص71.
3- يُنظر : المطهري، التكامل الاجتماعي للإنسان، ص31.
4- يُنظر : المصدر نفسه، ص 31.

أعلى درجة من القوة(1)ويستشهد المطهري في ذلك بقول الإمام علي عليه السلام ((أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة))(2).

ولهذا يرى المطهري أن ما جاءت به نظرية رسل في أن ((الأخلاق القائمة على المنافع لا تنفع إلا في حالة تعادل القوى وتكافئها هذا فيما لو تساوت القوتان أما لو تفاوتتا فلا مكان للأخلاق وعلى هذا فأخلاق رسل ليست أخلاقاً بل مضادة للأخلاق لأن الأخلاق تساوي القيمة والقداسة وشيئاً أعلى من المنافع المادية))(3).

وإشكال المطهري في هذه النقطة وارد بناءً على أنّ الشريعة الإسلامية تمنع وتحد من تجاوز الإنسان على أخيه الإنسان، وإن امتلك أكبر قوة والإنسان لا يقاس بمدى قوته باتجاه الغير، وإنما بأخلاقيات أفعاله فهو مهما بلغ من القوة والقدرة يجب أن تبقى في طباعه ونفسه الأخلاقية العفو والتسامح وعدم التجاوز على الغير.

المبحث الثالث ، نظرية المطهري الأخلاقية (نظرية العبادة)

العبادة تعني الطاعة والتعبد والتنسك، وأصل العبودية الخُضُوع والذل(4). والعبادة ((هو فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه))(5). والعبودية تعني الانقياد والطاعة والالتزام بعبادة الله تعالى دون سواه والامتثال لأوامره ونواهيه بلا إضافة وبدعة وتقصير ونقصان ولا إشراك احد معه بل الإخلاص له وحده سبحانه وتعالى(6). لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ليعبده وحده ويمتثل لأوامره، فعبادة الله وطاعته واجب وتكليف، وما على الإنسان إلا الاستجابة والامتثال لأوامر الله تعالى وطاعته(7). قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ*(8)

ص: 76


1- يُنظر : مطهري، التربية والتعليم في الإسلام.
2- يُنظر : الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص 120.
3- المطهري : فلسفة الأخلاق، ص 212-213.
4- يُنظر : الرازي، مختار الصحاح ، ص408.
5- الجرجاني، التعريفات، ص 27.
6- يُنظر : الميلاني، محمد، معجم الكلام، مطبعة تابان، غيران، 1417ه، ص 249 .
7- يُنظر : المطهري، طهارة الروح، ط1، ترجمة: خليل زامل العصامي، مطبعة ظهور، قم، 1386ش، ص 19.
8- سورة الذاريات، الآية 56 .

وتعد نظرية العبادة من النظريات المطروحة التي في ضوئها يحدد الفعل الخلقي للإنسان، وهذه النظرية تفسر جميع الأفعال الأخلاقية التي يقوم بها الإنسان ويشهدها جميع بني البشر، بأنها أفعال تمتاز بالشرف والسمو والثناء والمدح والرفعة، وهذه الأفعال تختلف عن سائر الأفعال الطبيعية عند الإنسان، لذلك فجميع ما يصدر من هذه الأفعال الأخلاقية إنما هي من سنخ العبادة(1).

ويعد المطهري من القائلين لهذه النظرية، فبعد العرض المسبق الذي عرض بنقده للنظريات الفعل الأخلاقي، يعرض المطهري نظريته في الفعل الأخلاقي بعرضه أن الأخلاق تدخل في ضمن موضوع العبادة، فهذه النظرية مرجع أساسي للأفعال الجميلة والأخلاق الحميدة، أي بمعنى أن السلوكيات الأخلاقية تُعد من مقولة العبادة(2).

ويشير المطهري أنه قد اثبت أن للإنسان نوعين من الشعور أحدهما الشعور الظاهري الذي يكون الإنسان على اطلاع مباشر عليه، أما الآخر فهو الشعور الباطني ويكون خارج عن سلطة الشعور الظاهري ولا اطلاع للإنسان عليه ، ولدعم رأيه هذا بتمسك المطهري بآراء علماء النفس الذين يعتقدون أن القسم الأكبر من الشعور الإنساني مغفول عنه و ما هو منظور عند الإنسان الجزء الصغير منه، ولهذا يرى المطهري أن في داخل ضمائرنا وفي باطننا سلسة من الأفكار والإحساسات والمعلومات والميول وقد نتصور انه لاشيء من وراء ذلك إلا أنه في الواقع توجد معلومات ومدركات ومشاعر ورغبات كثيرة مترسبة في أعماقنا ونحن عنها غافلون وقسم منها خاف عن ظاهر شعورنا(3). ويتضح هنا أن المطهري من الشعور الأخلاقي هو نفس الشعور الباطني وهو بحد ذاته شعور بمعرفة الله تعالى.

إِنَّ نظرية العبادة التي يعرضها المطهري هي: ((الخروج من دائرة الذات المحدودة والضيقة، والخروج من محدودية الآمال والتمنيات والانطلاق و العروج إلى الكمال

ص: 77


1- ينظر: المطهري، طهارة الروح، ص 31-32.
2- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص 94-95
3- يُنظر : المصدر نفسه، ص 95.

المطلق، لأن في العبادة التجاءً وانقطاعاً واستنجاداً بالمعبود وتحرراً من الأنا وعبادة الذات والأفعال))(1).

يتضح من تعريف المطهري للعبادة هنا تأكيد الاتصال بين الإنسان والله أي توثيق الصلة بينهما اتصال الإنسان بالله أي اتصاله بالكمال المطلق والعروج إليه، فالإنسان لا يمكن أن يتصل بالمطلق العالي إلا بواسطة نظريه العبادة، فالعبادة هنا هي تجرد الإنسان من الأنا والذات المحدودة هذه الأنا النازعة نحو الشهوات والملذات ، فبالعبادة يخرج الإنسان عن شهواته الدنيوية والاتجاه نحو الحق تعالى لأنه اتجاه نحو الكمال والعدل والخير والتخلق بذاته تعالى، فالعبادة هي من تتوق بالإنسان وتشد به نحو الخير ليتحلى ويمتثل بالصفات الأخلاقية الحميدة والتخلص من عبودية الأنا المحددة.

ولهذا يقر المطهري بأن الحس الخلقي يوصل إلى الله، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن معنى الأخلاق من مقولة العبادة، فالإنسان يمارس سلسلة من السلوكيات الأخلاقية في حياته، إذ يقبل عليها برغبة وشوق، فإن خالف هواه فيها ومنافعه الشخصية ارتقى إلى كمالاته المنشودة، لأن الأخلاق توصل إلى المطلق، فالمطهري يرى أن الحس الأخلاقي غير منفصل عن معرفة الله سبحانه، فالحس الأخلاقي هو حس معرفة الله (تعالى) وإدراك وجوده(2).

ويرى المطهري إنّ لله نوعين من القوانين قوانين، مثبتة في فطرة الإنسان وأخرى ليست موجودة في فطرته بل هي متفرعة عنها حيث يتم بيانها وتقريرها من قبل الأنبياء عليهم السلام فقط، ومع تأييد الأنبياء القوانين الفطرية فأنهم يأتون بقوانين أضافية أخرى للبشرية تتلاءم وتنسجم مع عمق روح الإنسان وقلبه وفطرته، لكن بنكهة جديدة ومن خلال معرفة الإنسان لله تعالى يستطيع تمييز تلك القوانين والحصول لرضا الله سبحانه(3)، ويدرك الإنسان وجود الله تعالى بفطرته وعن طريق

ص: 78


1- المصدر نفسه، ص 97-98.
2- يُنظر : المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص 101.
3- نراقي، د، احمد، مطهرى ونظرية فطرت، مجلة كيان، العدد 12، أنشارات صدرا، طهران، 1372ش، ص 29.

حاسة باطنية لاشعورية يدرك وجود الله تعالى كذلك يدرك قانون الله ويعرف ما فيه رضاه فهو بالفطرة يتجه نحو رضاه تعالى وان كان لا يعلم بأنه يسير في هذا الاتجاه وهنا يستشهد المطهري بعابد الوثن (حاتم الطائي) بالرغم من شركه إلا أن الأفعال الأخلاقية التي كانت تصدر منه وهي الكرم هي أفعال فطرية لاشعورية(1).

وبناءاً على ما تقدم يتوصل المطهري إلى حقيقة كاملة وهي اعتبار الأخلاق من العبادة على اعتبار إن الإنسان يقدم على إتباع مجموعة من التعاليم الإلهية بقدر عبادته لله تعالى وبطريق اللاشعور ووقت ما تتحول عبادته اللاشعورية إلى عبادة شعورية واعية تصبح كل أعماله وسلوكياته ذات صبغة أخلاقية بلا فرق بين عمل وآخر حتى أكله ونومه(2).

يتبين مما عرضه المطهري في نظرية العبادة وتأييده لهذه النظرية وعدها أساس الأفعال الأخلاقية إنما كان يهدف إلى غايات محددة وهي توثيق صلة الإنسان بالله تعالى وهذه الصلة لا يمكن أن تتم إلا من خلال نظرية العبادة وبذلك يضع المطهري هذه النظرية ويجعلها الأساس في الأخلاق ليجعل الإنسان على معرفة تامة بالله تعالى أي الوصول إلى العالم الآخر عالم الكمال المطلق، كذلك أراد المطهري من عرضه هذه النظرية لأجل تأسيس الأخلاق على الدين، فالأخلاق البشرية لا تنهض من دون الدين ولا تستقيم بلا دين مؤيد وداعم لها، ويرى المطهري أن التجارب قد أوضحت انه انه في الموضع الذي يفرق فيه بين الدين والأخلاق تكون الأخلاق متأخرة جدا فالدين دعامة الأخلاق الإنسانية وعمادها والضامن والمتكفل الوحيد التطبقها واستمرارها(3).

ورأي المطهرى هنا جاء رأياً متفقاً مع رأي أستاذه الفيلسوف محمد حسين الطباطبائي الذي ربط الأخلاق بالدين، فهو يرى أن الأخلاق ترتبط ارتباطاً شديداً بالعقيدة من ناحية وبالفعل والعمل من ناحية أخرى، إن الإيمان يمثل الخلفية التي يستند إليها النظام الأخلاقي خاصة أن الإيمان بشيء ما يستوجب حتما وجود أخلاق

ص: 79


1- يُنظر : المطهري، فلسفة الأخلاق، ص102.
2- المطهري ، فلسفة الأخلاق، ص103.
3- يُنظر: مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص74.

تتناسب مع ذلك الإيمان أو الاعتقاد، وعلى هذا الأساس يوجد نوع من التناسب بين الإيمان والأخلاق ، فالإيمان يؤدي وظيفة مهمة في نشوء أخلاقيات الإنسان، بل حتى في بقائها فضلاً عن أن الأخلاق مكفولة بشكل أو بآخر بالإيمان، أو إن علاقة الإيمان بالأخلاق تتمثل في كون الإيمان يكفل الأخلاق ويدعمها(1).

ولذلك يقول الطباطبائي : ((إذا أريد للأخلاق الفاضلة أن تبقى وتستمر فلا بد من وجود ما يضمن ذلك ويحافظ على استمراره ، وما ذلك إلا التوحيد ومن الواضح انه في حال عدم إيمان الناس بالمعاد لن يكون هناك ما يمنع البشر من الجري وراء الأهواء والشهوات أو الوقوف بوجه الملذات، فالتوحيد هو القاعدة الصلبة التي يقف عليها صرح السعادة الإنسانية والأخلاق الكريمة))(2).

وتأسيسا على ما تقدم يمكن أن نوضح أن المطهري في عرضه نظرية العبادة و إرجاع الفعل الأخلاقي إليها، يتبن لنا أن المطهري كان يتوخى جوانب مهمة لعرضه هذه النظرية، ذلك لأنه لم تقتصر نظرية العبادة عنده على المعنى الديني وارتباط الإنسان بالله تعالى، بل يجعل لها معنى أخلاقيا له تأثير على الإنسان، ولهذا يرى المطهري ما للعبادة من أثر روحي وأخلاقي كبير مؤثر على الإنسان في العودة إلى الذات، يقول المطهري في ذلك: ((إن العلاقة بالماديات والغرق فيها تفصل الإنسان عن شخصيته الواقعية وتجعله بعيدا عن نفسه، كذلك وبنفس النسبة ترجع العبادة بالإنسان إلى نفسه وذاته وشخصيته الواقعية فهي توقظ الإنسان وتبث فيه الوعي ، فبالعبادة يقظة الإنسان وهي تنقذ الإنسان الغريق والفاني في الأشياء من أعماق بحار الغفلات، فالإنسان في ظل العبادة وذكر الله یری نفسه كما هي عليه وينتبه إلى نقصانها وانكسارها وينظر من خلال أضواء العبادة إلى الحياة والزمان والمكان، وبالعبادة يدرك دناءة آماله وحقارة مناه المادية المحدودة، فيحاول أن يفر منها ويتحفز للسير وبلوغ مركز الوجود))(3).

ص: 80


1- يُنظر : الطباطبائي، محمد حسين، بحوث إسلامية، مؤسسة دين ودانش، قم، 1984م، ص88.
2- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج 11، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1362ه، ص155.
3- مطهري، في رحاب نهج البلاغة، ص 201 وأيضاً : المطهري، طهارة الروح ، ص 155.

إن غاية المطهري واضحة وهي ما للعبادة من تأثير على الجانب الروحي والأخلاقي والاجتماعي والتربوي عند الإنسان وخاصة ونحن على يقين ما تعنيه العبادة في الإسلام ، فلها دور مهم في تربية وإصلاح الفرد وإصلاح المجتمع الإسلامي، فهي تحمل في طياتها أهدافا أخلاقية سامية منها تنظيم حياة المجتمع وقيادة إفراده نحو التربية الصالحة لأنها تعد المحور المنظم لتكوين حياة المجتمع وفق أسس إسلامية وتقوية أواصر إفراده وإشاعة روح التلاحم فالإنسان يفعل الخير و يدعو له وينهي عن الشر ويتجنبه من هنا نعطي للعبادة الدور المهم للإنسان.

لذلك يحدد المطهري الفعل الأخلاقي ((هو الفعل الذي لا يكون هدفه تحصيل المنافع المادية أو الدنيوية سواء كان الأثر الذي ينشأ منه في هذه الدنيا هو إيصال النفع إلى الغير أو أي شيء آخر وبناءً على هذا فالجذر الرئيس الذي يجب سقيه هو الاعتقاد بالله))(1).

يرى المطهري ان النظرية العبادة توظيفاتاً أخلاقية، أي إن في العبادات شعائر تؤدي بالإنسان إلى تكامله، يقول الإمام علي(علیه السّلام):((دوام العبادة برهان الظفر بالسعادة))(2)،إن في العبادة شعائر عظيمة هي من تجعل الإنسان يسير في طريق الله، ومن ثم توجه الإنسان إلى طريق التكامل نحو الله تعالى، كذلك إن في العبادة شعائر من تضع الإنسان في تكامل روحي ونفسي، وان هذه الشعائر هي الصلاة والصوم والزكاة والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الشعائر العبادية الأخرى التي تجعل الإنسان يسير إلى الله والى الخير الأخلاقي، ونجد هنا في هذه المسألة أثر صدر الدين الشيرازي واضحاً على نظرية المطهري في تأثير العبادة على المنظومة الأخلاقية عند الإنسان وخروجها من إطارها الديني الاعتقادي إلى الإطار الأخلاقي كي تصل بالإنسان إلى غاية الكمال، لقد أكد صدر الدين الشيرازي ما للعبادة من تأثير على الأخلاق، فهو يرى أن العبادة لها أهداف سلوكية وقيما أخلاقية تحث الإنسان على ممارستها، فيرى أن الشعائر العبادية التي يقوم بها الإنسان من صوم

ص: 81


1- مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 87.
2- الآمدي ، غرر الحكم في درر الكلم، ص5147.

وزكاة وحج تأثير في أخلاقية الإنسان ووصوله إلى الكمال، يقول الشيرازي: ((الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد وغيرها فله تأثير في تنوير النفس وتخليصها من أسر الشهوات وتطهيرها عن غواسق الهيوليات والأعراض من الدنيا إلى الأخرى ومن المنزل الأدنى إلى المحل الأعلى، فلكل عمل منها مقدار معين من التأثير في التنوير والتهذيب....))(1)، ويقول الخميني(قدس سره): ((إن لكل عبادة من العبادات لها أثر خاص يحصل في النفس، مما يقوي الإرادة شيئا فشيئا ويصل بقدرتها إلى حد الكمال))(2). فالعبادة هي من يصل بالإنسان إلى الكمال الإنساني، وتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والراحة والاطمئنان واظفر والرضوان في الآخرة، ويرى المطهري أن العبادة تمثل حاجة روحية ثابتة من حاجات الإنسان، وهو لا يستطيع أن ينفك عنها، ولهذا تعد العبادة مصدراً أساساً من مصادر تكامله وبناء شخصيته الإنسانية الكاملة، وكسب للأخلاق الفاضلة(3)، ولهذا يقول المطهري: ((العبادة مركب يتخذ للتقرب إلى الله وأداة لتكامل الإنسان))(4)، وهو يرى أن الإنسان لا يمكن أن يكون كاملاً إلا بالعبادة(5).

ولهذا تدرج الكثير من الشعائر العبادية التي تمثلها نظرية العبادة، وما هذه الشعائر إلا طرق يمكن أن تصل بالإنسان إلى الكمال الأخلاقي.

واهم هذه الشعائر هي:

1- الصلاة، ويستشهد المطهري بالآية القرآنية الكريمة، قال تعالى: تُلُ مَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ*إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ * وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(6)*.يرى المطهري، في هذه الآية يتجسد ما للصلاة من الأثر الروحي في نفس الإنسان، وهو أن الصلاة ترفع الإنسان إلى الكمال، وهذا

ص: 82


1- الشيرازي، صدر الدين، أسرار الآيات، ص 203.
2- الخميني، الأربعون حديثا، ص.162.
3- يُنظر : المطهري، طهارة الروح، ص30 ، وأيضاً، مطهري التربية والتعليم في الإسلام،ص120.
4- المصدر نفسه: ص151.
5- يُنظر : مطهري، الإسلام ومتطلبات العصر، ص 243.
6- سورة العنكبوت، الآية 45.

الاعتلاء يُنهي الإنسان ويصرفه عن عمل الفواحش والمنكرات والآثام، ولهذا فان في الصلاة استقامة الإنسان وصلاح أخلاقه، وسلامة عقله وروحه، وقلبه(1). يقول النبي الأكرم(صلی الله علیه و آله و سلم): ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً))(2)، وقال الإمام الصادق(علیه السّلام)((نزل جبرائيل على النبي فقال يا محمد : ما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء الفرائض، وإنه ليتنفل لي حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها))(3).

إن الصلاة نموذج للعلاقة بين المخلوق والخالق، وهي وسيلة تحسن خلق الإنسان وتصل به إلى الكمال الخلقي أي الطهارة والنقاء، وتحصنه من رذائل الأخلاق.

2- الصوم، ويرد المطهري من الشعائر الأخرى في فلسفة العبادات هي الصوم، وله تأثير كبير في نفس الإنسان من الناحيتين الفردية والاجتماعية، ففي الصوم تهذيب للنفس وتجفيف لمنابع السوء والشر، فالإنسان يعيش في أيام الصوم مع نفسه أيام خشوع وتخلية لتهذيب هذه النفس من كل المعاصي والمنكرات(4).

3- الزكاة ، يرى المطهري أن فيها نموذجا لحسن علاقات المسلمين بعضهم مع بعض، فتؤدي بهم الزكاة إلى الألفة والمحبة والتعاطف والتراحم الإسلامي فيما بينهم، ويحمي بعضهم بعضاً(5). ويتضح غرض المطهري في توظيف الزكاة توظيفا أخلاقيا بجعلها سببا في إزالة التفاوت الطبقي بين أبناء المجتمع أي الغني والفقير، فبها يرفع هذا التفاوت ويزال الحقد والحسد وذلك لمساعدة الأغنياء الفقراء(6).

4- الجهاد، ويرى المطهري أن فيه عامل تربية وإصلاح للنفس الإنسانية، ويبرز

ص: 83


1- يُنظر : المطهري، طهارة الروح، ص 41.
2- المجلسي، بحار الأنوار، ج 79 ، ص 189.
3- المصدر نفسه، ج72، ص155.
4- يُنظر : مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص235.
5- يُنظر : مطهري، الولاء والولاية، ص 21.
6- يُنظر: مطهري، التربية والتعليم في الإسلام، ص 235.

هذا العامل في نفس الإنسان لما له من دور في تقوية روح الإيمان في نفس الإنسان ومواجهة الموت بكل ثبات وإيمان، فالمسلم في جهاده يواجه الموت بكل عزيمة وشجاعة من اجل دينه وإيمانه، وهو غير مرتاب منه، لهذا رأى المطهري أن في الجهاد عاملا من عوامل تربية أخلاق الإنسان وإصلاحه(1).

5- التقوى، يرى المطهري أن التقوى من الشعائر العبادية التي لها تأثير في كمال روح الإنسان، فالتقوى هي خصيصة روحية أخلاقية، لها من تأثير في نفس الإنسان، فلها في التبصر والرؤية الواضحة، والنجاة من المهالك والشدائد، فالإنسان يقع في ظلمة غبار المعاصي والآثام والأهواء، ولكن ما أن يسطع نور التقوى على الإنسان حتى يتبين له الطريق السليم الذي ينجيه من المهالك ويقيه من الآثام ليصل الإنسان إلى طريق النجاة، فالتقوى هي من تصل بالإنسان إلى أوج الكمال والعزة(2)، ويستشهد المطهري بقوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بمَعْرُوفِ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ * ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ

وَالْيَوْمِ الآخر*وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(3)*.إن العبادة وما تتضمنه من كثير من الشعائر هي من تصل بالإنسان إلى الكمال الإنساني.

ص: 84


1- يُنظر : المصدر نفسه، ص 236.
2- يُنظر : مطهري، التقوى، ط1، ترجمة جعفر صادق الخليلي، دار الإرشاد، بيروت، 2009م، ص192-193.
3- سورة الطلاق، الآية 2.

الفكر الأخلاقي عند محمد باقر الصدر

اشارة

أ.م.د. رائد جبار كاظم(1)

المقدمة

مبحث الأخلاق أحد المباحث المهمة والأساسية في ميدان الدين والفلسفة وعلم الكلام والتصوف، وقد كان للفكر الاسلامي النصيب والحظ الأوفر في حجم الدراسات والكتابات الأخلاقية، في المجال الفقهي والفلسفي والنفسي والاجتماعي، لما للاخلاق من أهمية في تاريخ الشعوب والمجتمعات البشرية، ولذلك أولى الفلاسفة والعلماء والفقهاء الأهمية الكبري لهذا المبحث في كتاباتهم، لتحقيق تقدم ونهضة ونجاح الفرد والمجتمع الاسلامي بين شعوب العالم، فإن كانت المجتمعات البشرية تتسابق وتفتخر في تحقيق نجاحها العلمي والتكنلوجي

ص: 85


1- الجامعة المستنصرية - كلية الآداب - قسم الفلسفة : يؤكد الباحث ان المطلع على فكر الصدر وكتبه وكتاباته ومحاضراته يعي جيداً ويدرك حجم الفكر الاخلاقي في مشروع وخطاب الصدر الفكري، وكأن الصدر قد أدرك خطورة المسألة الأخلاقية وقيم الأخلاق والانقلاب الاخلاقي داخل المجتمعات عامة والمجتمع الاسلامي على وجه التحديد، ولذلك سعى لتقديم مشروع فكري اسلامي متكامل يتسم بالاخلاق والتربية والاصلاح والتغيير من جميع جهاته، فهو قد شخص المشكلة الخلقية في المجتمع الاسلامي وأخذ على عاتقه تقديم نظريته الفكرية في هذا المجال رغم انه لم يترك لنا مؤلفاً محدداً بعينه يتناول قضايا وفلسفة وفقه الأخلاق، ولكن مشروعه الفكري برمته مشروع أخلاقي باختلاف مجالاته الفكرية التي درسها الفقه والاقتصاد والاجتماع والسياسة والفكر والفلسفة والتاريخ، يتضح من خلالها الفكر والنزعة الأخلاقية بأبهى صورها لانه ينتمي الى المدرسة الاسلامية في الأخلاق والى منهج أئمة أهل البيت (ع) في التربية والسلوك والعرفان. يتلخص لنا أن فكر الشهيد الصدر الأخلاقي ينتمي الى أسس دينية بحتة، وأنه يعطي للغيب الدور الكبير في رسم أخلاق الانسان، ويجعل الأخلاق هي الأساس التي تجعل من الإنسان انساناً حقيقياً على وجه الأرض، بل هي التي تحدد خارطة علاقته مع الله تعالى ومع الطبيعة ومع المج- الطبيعة ومع المجتمع، ان خيراً فخير، وان شراً فشر. المحرر

والاقتصادي، فعليها أيضاً أن تتسابق من أجل رقي وتقدم ونجاح أخلاقها وسلوك أفرادها داخل مجتمعاتهم، فهو الضامن المهم والأساس لضبط حركة ومسار ومسيرة المجتمعات، فلا وجود لتقدم مادي وحضاري حقيقي لدى الشعوب مالم يسير الى جنبه التقدم والرقي الأخلاقي، بل للجانب الثاني الأثر الكبير والمهم على الجانب الأول. ولذلك كانت حصة دراسة الاخلاق والفكر الاخلاقي والفلسفة الاخلاقية في الفكر الاسلامي كبيرة جداً قديماً وحديثاً.

فيما يخص المفكر العربي والاسلامي الشهيد محمد باقر الصدر، فإن فكره يعد فكراً أخلاقياً بأمتياز، رغم أنه لم يقدم كتاباً مستقلاً عن الفكر الأخلاقي أو فلسفة الأخلاق أو فقه الأخلاق، ولكن مشروعه الفكري يضج بالفكر الأخلاقي، بل يكاد أن يكون مبدأ الأخلاق هو المحرك الأساس لكل كتابات ومحاضرات ومشروع الصدر، على المستوى الاجتماعي والديني والسياسي والاقتصادي والفقهي والاصولي والفلسفي، فالتجاور بين التربية والأخلاق والسلوك هو الذي جعل مشروع الصدر برمته يكون مشروعاً أخلاقياً عاماً للانسان المسلم، ومنهج الاسلمة هو الطريق الذي اختطه الصدر للسير في رسم مسيرته الحياتية ومساره الفكري، بل كان بشخصه وشخصيته يعد رمزاً أخلاقياً سامياً ومصداقاً حقيقياً للانسان الكامل الذي قدم نفسه قرباناً خالصاً للدين والاخلاق والاسلام.

لقد كانت مؤلفات الصدر برامج نظرية وعملية قدمت للفكر الاسلامي وللواقع والفرد والمجتمع الاسلامي، مقابل المشاريع الفكرية والفلسفية الغربية والأجنبية التي أعطت الأولوية للعقل وليس للدين، من أجل إعطاء الحرية المطلقة للانسان في ممارسة حياته وسلوكه، ولكن بالنسبة للمدرسة الدينية التي منها السيد الصدر، فإنه يولي الدين أهمية كبيرة في صياغة وبناء أخلاق الإنسان المسلم، وأراد الصدر تقديم نظرية اسلامية متكاملة في الدين والدنيا، تحاول أن تناقش قضايا ومشكلات الإنسان وتفرعاتها، الإنسان مع نفسه، ومع خالقه، ومع ومع أخية الانسان، ومع الطبيعة، لتحقيق صورة متكاملة عن الإنسان المسلم ، ذلك الإنسان الذي يستنير بالدين والقرآن والسنة

ص: 86

النبوية، لتحقيق تكامله ووعيه وصياغة قيمه وأخلاقه وبناء حياته ومجتمعه، والسمو نحو مدارج النجاح والتقدم والكمال في حياته.

لقد كان الباحث الجزائري محمد عبد اللاوي على حق حين قال عن الفكر الاخلاقي عند الشهيد الصدر: (فقد طرح الشهيد السيد محمد باقر الصدر المشكلة الأخلاقية بصورة فلسفية مباشرة، من موقع منهجيّة خاصة لا تُحدث قطيعةً بین القضايا. فالمشكلة الأخلاقية طُرحت في كتابات الشهيد بالموازاة مع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والفقهية؛ فالشهيد طرح أصول الفقه وعلم الكلام والفلسفة طرحاً جديداً، وانتهى إلى الانفتاح على إشكالية جديدة في مجال القيم الأخلاقية، فهو كان واعياً وعي مجتهد، بأن تعقد أحوال العصر تقتضي تجاوز حجز الفكر الإسلامي، في دائرة الوعظ والإرشاد في دائرة الرؤية المبسطة لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأحوال العصر تقتضي - في نظر الشهيد - تجاوز النظرة التجزيئية للمبادئ والقيم الإسلامية، للوصول إلى مقاربة فلسفية للمشكلة الأخلاقية)(1).

فالمطلع على فكر الصدر وكتبه وكتاباته ومحاضراته يعي جيداً ويدرك حجم الفكر الاخلاقي في مشروع وخطاب الصدر الفكري، وكأن الصدر قد أدرك خطورة المسألة الأخلاقية وقيم الأخلاق والانقلاب الاخلاقي داخل المجتمعات عامة والمجتمع الاسلامي على وجه التحديد، ولذلك سعى لتقديم مشروع فكري اسلامي متكامل يتسم بالاخلاق والتربية والاصلاح والتغيير من جميع جهاته، فهو قد شخص المشكلة الخلقية في المجتمع الاسلامي وأخذ على عاتقه تقديم نظريته الفكرية في هذا المجال، ولذلك فقد انطلق الصدر من الإنسان ليرسم له خطاه الاخلاقية والتربوية والاصلاحية في الحياة والسياسة والمجتمع والاقتصاد والفكر والثقافة، مقارناً بين الواقع العربي والاسلامي والواقع الاجنبي والغربي على وجه التحديد، فلكل واقع ومجتمع خصوصيته وقضاياه ومشكلاته وحلوله، وليس الإنسان العربي والمسلم ببدع

ص: 87


1- محمد عبد اللاوي. فلسفة الصدر. ط1. مؤسسة دار الاسلام. لندن. 1999. ص 152-151.

عن تلك المجتمعات، فخصوصيته الفكرية والدينية والثقافية والتاريخية جعلت له حدود وجغرافية تربوية وأخلاقية يتحرك وفقها الإنسان العربي والمسلم، غير متجاوزاً أو تاركاً خصوصيه الدينية والروحية التي تميزه عن غيره من الشعوب والمجتمعات، فالإنسان المسلم يتحرك وفق منظومة قيمية وفكرية وثقافية خاصة به شكلت هويته

وطريقة تفكيره وسلوكه وتعامله التي تميزه عن غيره من المجتمعات البشرية

اذن فالفكر الاخلاقي عند الصدر مشروع متكامل مبثوث في جميع كتاباته، بل اننا نرى أن هدف الصدر الاساس في فكره هو ترقية الاخلاق، وهذا الهدف السامي لن يكون الا بتقديم سلسلة من المقدمات لتحقيق ذلك، من خلال النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها، فهي مقدمات أساسية لنجاح وانجاح الفكر والمستوى الاخلاقي لأي انسان، والإنسان المسلم تحديداً.

في هذا البحث سنسلط الضوء على جزء يسير من فلسفة الصدر في مجال الفكر الاخلاقي، على وفق متطلبات مساحة البحث المسموح بها، وحقيقة الأمر أن الموضوع يحتمل الكثير ولا يمكن تغطيته بصفحات بسيطة، بل يحتاج الى دراسة مستقلة ومستفيضة تناقش الاخلاق عند الصدر من جوانب متعددة، ونجزم أن مشروع الصدر الفكري برمته أقيم على أسس أخلاقية، وهذا ما تدل عليه كتابات الصدر وكيفية تناوله للموضوعات على وفق منهج ديني اسلامي معر معرفي، فالاسلمة هی المنهج الصدري المتبع في بناء أفكاره ومشروعه الفكري والديني والفلسفي برمته، والأخلاق هي الموضوع الرئيس التي يهدف اليها الصدر من وراء بناء ذلك المشروع، وهذا ما سيكشفه البحث ويتناوله الباحث في هذه الصفحات استناداً لمصادر وكتابات الصدر ونصوصه في هذا المجال. والله ولي التوفيق.

الإنسان كائن أخلاقي

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خصه الله تعالى بكرامة وامانة العقل بين جميع الموجودات في هذا العالم، ولذلك وصفه الفلاسفة بأنه (حيوان عاقل) فالعقل هو

ص: 88

ميزة ذلك الإنسان ولولاه لا فرق بينه وبين الحيوان الأعجم، وهناك ميزة أخرى تفرق الإنسان أيضاً عن الحيوان وهي ميزة الأخلاق ، ف(الحيوان يخضع للدوافع والانفعالات العمياء، ولا يتصف بالحرية أو القدرة على الاختيار، في حين أن الإنسان يتحكم في أهوائه وانفعالاته، ويشعر بأنه قوة فاعلة وارادة حرة)(1).

وهذا ما يشكل الفارق الكبير بين الإنسان والحيوان أيضاً، ولهذا علماء وفلاسفة الاخلاق حين يدرسون الجانب الاخلاقي بين الإنسان والحيوان ينفون أي قيمة خلقية في سلوك الحيوان، عكس الإنسان الذي يكون سلوكه مقترن بالشرط الاخلاقي، لأن الإنسان يستطيع التحكم بسلوكه وتوجيهه الوجهة التي يريد على وفق عقله وارادته وتفكيره الحر، (فإن الإنسان بين كائنات الطبيعة جميعاً - أقدرها على مراقبة دوافعه، والعمل على قمعها ، وهو أحرصها على تنظيم بواعثه، والاهتمام بابدالها أو اعلائها. وهذا هو السبب في أننا نقول عن الإنسان انه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يستبدل بالنظام الحيوي للحاجات نظاماً خُلقياً للقيم. ومهما كانت درجة الانحطاط الخُلقي التي قد يبلغها الإنسان في بعض الاحيان، فانه لا بد من أن يبقى حيواناً أخلاقياً يمزج الواقع بامثل العليا، ويجمع بين مستوى الغريزة ومستوى الضمير)(2).

ومن هنا عُد الإنسان بأنه (حيوان أخلاقي)، فالأخلاق هي ما تميزه عن الحيوان سلوكه وحياته وانفعالاته، والإنسان هو الكائن الاخلاقي الوحيد الذي يسلك حياته سلوكاً أخلاقياً الى جوار عقله الذي خصه الله به. ومن جميل القول ما قاله المفكر العربي زكريا أبراهيم: (ولسنا في حاجة الى القول بأية نزعة تشبيهية - من أجل العمل على تأكيد «قيمة الانسان» - وانما حسبنا أن نقول ان هذا «الكائن الأخلاقي» الذي نسميه بالإنسان هو - وحده - الذي يحمل «أمانة القيم»(3).

ومن اجل ذلك كان للأخلاق دور كبير في حياة الإنسان والتأكيد عليها ودراستها

ص: 89


1- زكريا أبراهيم. المشكلة الخلقة. مكتبة مصر ودار المرتضى. ب. ت . ص 33.
2- المصدر نفسه. ص 26.
3- المصدر نفسه. ص28.

والاشارة لها في الاديان والفلسفات وتاريخ المجتمعات البشرية، وتوسع الفلاسفة في دراستها في مبحث مستقل في مبحث (فلسفة الأخلاق) في ضمن مجال (فلسفة القيم)، وقد جعلها الفيلسوف اليوناني أرسطو في ضمن القسم العملي من أقسام الفلسفة، الى جانب السياسة وتدبير المنزل، لما لها من أهمية عملية وسلوكية في حياة الانسان، وقد كان أرسطو الواضع الأول لأسس فلسفة الأخلاق في كتابه (الأخلاق النيقوماخية) الذي يعد أكبر وأهم وأقدم كتاب فلسفي في فلسفة الأخلاق.

وليس الفلسفة وحدها فقط من تميزت وتفردت بدراسة مبحث الأخلاق، بل كان الدور الكبير للاديان في توجيه الإنسان توجيهاً أخلاقياً وروحياً وتربوياً، من أجل تحقيق تكامله ودعوته للحد من رغباته وكبح جماح شهواته وتنظيمها على وفق عقله وارداته ومجتمعه، والدين الاسلامي أحد هذه الأديان التي أهتمت بالجانب اللاخلاقي والروحي والجواني للانسان، والعمل على اعلاء قيمته وبيان كرامته، وقد ميزه الله بحمل (الأمانة) وشرفه ب- (الخلافة)، وبهما تميز الإنسان عن باقي الكائنات، وهذه النظر الاسلامية القرآنية هي صميم ما جاء به محمد باقر الصدر في صياغة مشروعه الفكري عامة، وفكره الأخلاقي على وجه التحديد. ولذلك فالصدر آمن في فكره وفلسفته بالقيمة الوجودية للانسان، وبالنزعة الانسانية المشتركة بين البشر ، رغم التعدد والتنوع في ألوان وأشكال البشر واللغات والثقافات، فالإنسان قد خصه الله تعالى بالخلافة وشرفه بحمل الأمانة العظمى، وكرمه وفضله على كثير من مخلوقاته وموجوداته.

ومن خلال قراءتنا لفكر الصدر نجد ان للإنسان في فكره يتصف بفرادة وميزة عن الكائنات والمخلوقات التي خلقها الله في هذا الكون، فهو الكائن الوحيد الذي يتصف بالقيمة الأخلاقية والتربوية والروحية، وهذا يتضح لنا بأبرز صورة حين يعرف الصدر الإنسان تعاريف عدة، لكنها يوحدها الجانب الاخلاقي والقيمي والروحي في السلوك والحياة والعمل، فالإنسان على وفق فكر الصدر هو :

1- ذلك الكائن المتكون من الجانب المادي والجانب الروحي (فليس الإنسان مجرد مادة معقدة، وإنما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادي وآخر لا مادي)

ص: 90

(1).ويرفض الصدر الفلسفات والأفكار التي تنظر للإنسان على انه ذو بعد واحد، فينقد كلا من المادية التي آمنت بجسد الإنسان وحاجاته المادية وأهملت جانبه الروحي، والمثالية التي آمنت بروح الإنسان وأهملت جانبه المادي. والإسلام وحده من بين جميع الأديان والفلسفات جمع ما بين جانبي الإنسان المادي والروحي.(2)

2- ذلك الكائن الحر(3)، الكائن الأرضي المتميز بالإحساس والشعور بالمسؤولية.(4)

3- ذلك الكائن المكلف، والتكليف تشريف من الله سبحانه وتعالى للإنسان وتكريم له، لأنه يرمز إلى ما ميز الله به الإنسان من عقل وقدرة على بناء نفسه والتحكم في غرائزه وقابليته لتحمل المسؤولية خلافاً لغيره من الموجودات(5).

4- ذلك الكائن المتدين، الذي يمثل الدين له عقيدة وشريعة ونظاماً، ولا يستطيع أن يعيش من دون ذلك، فالدين فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها ولا غنى للناس عنه (كما انك لا يمكنك أن تنزع من الإنسان دينه .. هذا الدين لا يمكن إن ينفك عن خلق الله ما دام الإنسان إنسانا، فالدين يعتبر سنة لهذا الإنسان)(6).

5- ذلك الكائن الاجتماعي الذي يميل بطبعه إلى الاستئناس بالآخرين، واجتماعه و الذي أدى إلى نموه وتطوره، وعلى هذا الأساس نشأت المؤسسات عموماً والدولة خصوصاً، فالدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان. وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الأنبياء ورسالات السماء، واتخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنساني وتوجيهه(7).

6- ذلك الموجود الوحيد القادر على التشبه بالله تعالى والتخلق بأخلاقه، وهو

ص: 91


1- محمد باقر الصدر. فلسفتنا. ط2 . دار التعارف. بيروت - لبنان 1419ه- 1998- . ص 334.
2- المصدر نفسه، ص 335.
3- محمد باقر الصدر. الإسلام يقود الحياة، ط2 . مطبعة الديواني. العراق. 1424ه- 2003-م. ص166.
4- المصدر نفسه.
5- محمد باقر الصدر. الفتاوى الواضحة. دار التعارف. بيروتلبنان. 1410ه- -1990-مص125.
6- محمد باقر الصدر. المدرسة القرآنية. دار التعارف. بيروت، 1409ه- 1989- م. ص 90-91.
7- الصدر . الإسلام يقود الحياة. ص 23-24.

بذلك كائن قيمي مؤمن بتحقيق أسمى وأفضل الأخلاق والأهداف من اجل الوصول إلى درجة الكمال (فصفات الله تعالى وأخلاقه من العدل والعلم والقدرة والرحمة بالمستضعفين والانتقام من الجبارين والجود الذي لا حد له، هي مؤشرات للسلوك في مجتمع الخلافة وأهداف للإنسان الخليفة)(1).

7- ذلك الكائن الفريد في خلافته، والوحيد في أمانته، والكبير في تعدد وتنوع أبعاده وعلاقاته، فهو من بين جميع المخلوقات له داخل وخارج وفوق، ومن ثم تتعدد علاقاته بتنوع أبعاده(2).

وهكذا فالإنسان عند الصدر كل لا يتجزأ، إذا اقتطعتنا منه جزءا وفصلناه عن أجزائه الأخرى فانه سيصاب بخلل وستعاق عملية نموه وتكامله لأنه كل متكامل. والإنسان المسلم يعبر عن وجوده الخاص بالتعامل مع الله تعالى بما يملك من قدرة روحية، وبالتفاعل مع الكون بما يملك من قدرة عقلية وفكرية، وبالتفاعل مع المجتمع بما يملك من أخلاق. وهذه العناصر الثلاثة (الروح والعقل والخلق) عند الصدر تعد عناصر أساسية في بناء الإنسان وتكامله(3).

وقد تميزت نظرة الصدر للإنسان بأنها نظرة تكاملية توفق بين أبعاد الإنسان وعلاقاته، وتوفق بين ما هو مادي وما هو روحي.

وذهب الصدر إلى القول بفشل الفلسفات والمذاهب النفسية والاجتماعية التي نظرت للإنسان نظرة مادية وأحادية، متناسية ما للإنسان من جانب روحي يتميز به عن غيره من المخلوقات، وانه ذو أبعاد متعددة وليس ذو بعد واحد(4).

النزعة الانسانية وتأسيس الأخلاق

ص: 92


1- المصدر نفسه.ص169.
2- ينظر: الصدر. المدرسة القرآنية . ص 97 وما بعدها.
3- ينظر: الصدر. رسالتنا. ص 138 .
4- ينظر: الصدر. فلسفتنا . ص 334 وما بعدها. والمدرسة القرآنية. ص 100 والمدرسة الإسلامية . ص 50 وما بعدها واقتصادنا . ج 1 . تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي. ط1. مؤسسة بقية الله. النجف الاشرف.العراق. 1423ه- 2003-م. ص 35 وما بعدها.

النزعة الانسانية شعور ووعي بالحياة الانسانية وبقيمة الإنسان أياً كان وفي أي مكان وزمان، ولا قيمة للانسان ولوجوده في هذه الحياة من دون هذه النزعة الانسانية والايمان المطلق بها هو الذي يجعل للحياة وللوجود وللانسان قيمته العليا فى هذا العالم، ومن دون سيادة هذه النزعة بين الناس لا قيمة ولا طعم لحياة الإنسان وشأنه شأن الحيوان الذي يعيش على وفق نظام غريزي مطلق من دون عقل أو نظام أو تحكم بأنفعالاته وشهوته وأفعاله.

والدين الاسلامي أكد كثيراً في أسسه العقائدية والأصولية والفقهية على النزعة الانسانية لما لها من تأثير على الجانب الاخلاقي والتربوي التكاملي في بناء شخصية الانسان، وهذا لن يكون الا باشاعة هذه النزعة بين الناس، التي تتحذ من الإنسان أينما كان موضوعاً ومنطلقاً لها، انسجاماً مع حقائق الإسلام والقرآن الكريم.

ولم يخرج محمد باقر الصدر عن هذه الدائرة الإسلامية القرآنية ذات النزعة الإنسانية، بل كان احد دعاتها وروادها، وهو ما نجده متجسدا بصورة جلية في فکره وسلوكه، وفي حياته العلمية والعملية والعبادية والجهادية، فهو يعمل على تجسيد كل تلك المثل والقيم الدينية والاسلامية خير تمثيل في مشروعه الفكري والحياتي.

ولمعتقد الإنسان أياً كان، تأثير كبير على سير حياته ويضع الصدر لأي عقيدة يتبناها الانسان، شروطا وسماتا تتميز بها بعضها عن البعض الآخر من العقائد، ف(لا تكون العقيدة إنسانية إلا حين يجد الإنسان في رحابها المجالات التي تهيئ جميع لکافة طاقاته فرص النمو والازدهار، وتوازن بين كافة جوانبه فلا تمكن لجانب بالتنكر لجانب آخر. ومن الواضح إن العقيدة لن تكون كذلك إلا إذا عالجت الواقع الإنساني على أساس الاعتراف بالإنسان كما هو وكما خلقه الله تعالى من غير تحوير، الاعتراف بكل طاقاته وكل حاجاته وكل كيانه اذ المتطور وغير المتطور. وعلى هذا فالإسلام هو الدين الإنساني الوحيد بين العقائد والأديان التي عاصرته أو حدثت بعده

ص: 93

لأنه الدين الوحيد الذي يتجاوب مع الواقع الإنساني بكل حاجاته ومطامحه)(1).

ولعل سائلا يسأل كيف نستطيع أن نقيم عقيدة أو اتجاهاً ما بأنه إنساني وآخر لا إنساني؟ يجيب الصدر بان ذلك يكون بحسب الموقف الذي تتخذه العقيدة من مسائل الإنسان الكبرى كموقف الإنسان إزاء العالم الخارجي، والعقل الإنساني، والحرية الإنسانية، وفكرة التقدم الإنساني المستمر(2). ويقدم الصدر الرؤية الإسلامية وإجابتها عن هذه الأسئلة قبال أراء ووجهات نظر غير إسلامية وضعية كانت ام دينية.

ولابد من أن نعرض للإجابة الإسلامية والصدرية عن هذه الأسئلة لأنها تمثل مدخلاً ضرورياً لبحثنا ذي الجوانب الإنسانية المتعددة.

ففيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالعالم الخارجي (الطبيعة) بين الإسلام مدى العلاقة القوية بين الإنسان والطبيعة فان هذه العلاقة تتسم بالود والثقة والاحترام. ولم يعد الإسلام العالم الخارجي عدواً للإنسان وشراً يجب الفرار منه بل مد جسور والاطمئنان والتقدير بينهما وعد العالم الخارجي مجال كفاح الإنسان ونموه وتمدد قواه وازدهار طاقاته، بعكس بعض النظرات والشعارات الفلسفية والمذهبية والدينية ذات الأفق المحدود والمجال الضيق التي تجعل من العالم الخارجي عدواً لدوداً للإنسان وتصفه بأنه عالم مليء بالشر والخطايا، وانه عامل خطير من عوامل هلاك ودمار الإنسان. وانه يولد واللعنة والخطيئة تلاحقه وتلوث وجوده ودوره في هذه الحياة الدنيا، ولابد له من أن يتطهر من ذنوبه وان يكفر عن خطيئة أبيه الأولى(3).

قال تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾(4)﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وما لها من فروج﴾(5)﴿أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ﴾(6)

وغيرها من الآيات البينات التي تبين علاقة الإنسان بعالمه الخارجي (فعالم

ص: 94


1- محمد باقر الصدر. رسالتنا . ط3.مطبوعات مكتبة النجاح. طهران. 1402 ه- 1982- م. ص 77-78.
2- المصدر نفسه. ص79-78.
3- ينظر المصدر نفسه. ص 78-79
4- سورة يونس/ الآية 101.
5- سورة ق/الآية 6.
6- سورة الشعراء/الآية 7.

الطبيعة عند المسلم هو مظهر قدرة الله عز وجل وعظمته وهو مجال كفاح الإنسان واستفادته، لان عالم الطبيعة قد سخر للإنسان)(1).

ویری الصدر أن رسالتنا وديننا وفلسفتنا إنسانية عالمية ف- (الإسلام دعوة عالمية،وهی عالمية لأنها إنسانية، فدين الفطرة هذا لا يختص بطائفة من الناس دون غيرهم ولا تحجزه حدود وطن عن سائر الأوطان)(2).

ونجد الجانب الانساني بأسمى صوره في المشاعر والعواطف التي يكنها الصدر في نفسه وذلك في موقفه مما تعانيه البشرية من عذاب وقتل وإرهاب في كل مكان من الكرة الأرضية، ونادى كثيرا من اجل رفع الحصار المادي والفكري والاجتماعي المفروض على الإنسان في كل بقاع الأرض. يقول الصدر : (إن إنسانا يعتصر الآخرون طاقاته، ولا يطمئن إلى حياة طيبة واجر عادل وتامين في أوقات الحاجة، لهو إنسان قد حرم من التمتع بالحياة وحيل بينه وبين الحياة الهادئة المستقرة. كما أن إنسانا يعيش مهددا في كل لحظة، محاسبا على كل حركة، معرضاً للاعتقال من دون محاكمة وللسجن والنفي والقتل لادنى بادرة، لهو إنسان مروع مرعوب يسلبه الخوف حلاوة العيش وينغص الرعب ملاذ الحياة. والإنسان الثالث المطمئن إلى معيشته، الواثق بكرامته وسلامته هو حلم الإنسانية العذب، فكيف يتحقق هذا الحلم؟ ومتى يصبح حقيقة واقعه؟)(3).

ويدعونا الصدر إلى محاسبة أنفسنا قبل محاسبة الآخرين وان ننظر في أعمالنا ونختبرها هل هي خالصة لوجه الله تعالى أم لا ؟ إذا لم تكن كذلك فلا نرجو من الله تعالى الأجر والثواب لأن أعمالنا ليست له بل لأشياء أخرى. أما إذا كانت في سبيل الله وبالله ولله تعالى فإنها تعبر بذلك عن صلة التفاعل ما بين الإنسان وربه من جهة، والإنسان وأخيه الإنسان من جهة أخرى والإنسان

ص: 95


1- الصدر. رسالتنا. ص 59.
2- المصدر نفسه. ص 93.
3- محمد باقر الصدر فلسفتنا. ص 30-31 والصدر أيضا. المدرسة الإسلامية. (الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية). بيروت - لبنان 1393ه- 1973-م. ص 71-72.

وعالمه الخارجي من جهة ثالثة. ولدى الصدر نظرة وتفسير جميل حول معنى سبيل الله تعالى كما جاء في القرآن الكريم، فهو يمزج ما بين سبيل الله وسبيل الناس ف- ( سبيل الله هو التعبير التجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان، لأن كل عمل من اجل الله فإنما هو من اجل عباد الله، لأن الله هو الغني عن عباده، ولما كان الإله الحق المطلق فوق أي حد وتخصيص، لا قرابة له لفئة ولا تحيز له إلى جهة، كان سبيله دائماً يعادل من الوجهة العملية سبيل الإنسانية جمعاء. فالعمل في سبيل الله ومن اجل الله هو العمل من اجل الناس ولخير الناس جميعاً وتدريب نفسي وروحي مستمر على ذلك)(1).

- المحتوى الداخلي للانسان أو الفلسفة الجوانية وقيمتها الأخلاقية

يعد الجانب الباطني، الجواني (المحتوى الداخلي) أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، كما تعد هذه المسالة من أهم المسائل التي تميز بها الفكر الإسلامي عن غيره من الأفكار. وهذا واضح من خلال الآيات القرآنية وسنة النبي الاكرم (ص) وآله وأصحابه ونظريات الفلاسفة والمفكرين، ودعواتهم إلى إحياء النفس الإنسانية وبناء الذات بناء سليما بعيدا عن كل انحراف أو مرض، مادي أو فكري أو معنوي. والاهتمام ببناء الذات الذي يعد الأساس البنيوي لكل بناء وتوجه في الاسلام، والاسلام دين جاء من اجل الاصلاح والتغيير والبناء، ولهذا جاءت آيات القرآن صادحة من اجل التغيير الداخلي لمحتوى الإنسان واصلاح سريرته اولاً وقبل كل شيء، قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم*(2). قال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(3)*.

ص: 96


1- محمد باقر الصدر. نظرة عامة في العبادات. ضمن كتاب موجز في أصول الدين. تحقيق ودراسة عبد الجبار الرفاعي. ط2 . دار الشؤون الثقافية بغداد. 2005. ص 266.
2- سورة الرعد/ الآية 11.
3- سورة الشمس / الآية 7-10.

وقال رسول الله (ص) (من أصلح سريرته أصلح الله علانيته).(1)وقال أيضا (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)(2).

وانطلق اغلب الفلاسفة والمفكرين العرب والمسلمين من هذه الحقيقة. فباطن الإنسان هو الذي ننطلق منه نحو البناء الخارجي، وهو القاعدة التي يستند عليها أي عمل تغييري، فالإنسان عالم مترامي الأطراف، يكمن سره وعظمته في جوهره الذي يبين اصل معدنه، لا في ظاهره وماديته، فهو في هذا الجانب شبيه وشريك غيره من المخلوقات، لكن ما يميزه عنها هو تلك النفخة الإلهية التي أسجدت له الملائكة أجمعين،*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(3)*.

وما أجمل ما قاله محمد إقبال (ت 1938) عن قيمة الذات وجوهرها، مبيناً عظمتها وسر خلودها ووجودها :

هيكل الأكوان من آثارها *** كل ما تبصر من أسرارها

نفسها قد أيقظت حتى انجلى *** عالم الأفكار ما بين الملا

ألف كون مختف في ذاتها *** غيرها يثبت من إثباتها

والجوانية - كما يعرفها عثمان أمين (ت 1978م) هي (فلسفة تستند على تزكية الوعي الإنساني وممارسة الحرية النفسية، وتسعى إلى تعميق فهمنا للمقاصد والمعاني والقيم. وان الحياة الإنسانية يجب أن تكون حياةً واعيةً للمقصد الاسنى من خلق الإنسان، وهو إقامة خلافة الله تعالى على الأرض)(4).

وهذا عين ما قال به الصدر في فكره وفلسفته، ويتمثل المحتوى الداخلي للإنسان - عند الصدر - بركنين أساسين لهما دور كبير في توجيه الإنسان وهما: الفكر والإرادة.

ص: 97


1- الكليني. الكافي، ج 8. ط4. دار الكتب الإسلامية. طهران. ص 307.
2- محمد مهدي النراقي. جامع السعادات. ج 3. تحقيق محمد كلانتر. ط4 مؤسسة الاعلمي. بيروت - لبنان.ص 112.
3- سورة الحجر/ الآية 29.
4- د. عثمان أمين. الجوانية. أصول عقيدة وفلسفة ثورة. دار القلم.1964، ص 123.

ولهذين الركنين الدور المهم والأساس في تغيير حركة الفرد والمجتمع، و(المحتوى الداخلي للإنسان هو القاعدة لحركة التاريخ، فالبناء الاجتماعي العلوي بكل ما يضم من علاقات وأنظمة وأفكار وتفاصيل مرتبط بهذه القاعدة، ويكون تغييره وتطوره تابعاً لتغير هذه القاعدة وتطورها، فإذا تغير الأساس تغير البناء العلوي، وإذا بقي الأساس ثابتاً بقى البناء العلوي ثابتا)(1).

وقد أدرك الصدر ضرورة وأهمية الدور الكبير الذي يقوم به المحتوى الداخلي للإنسان في تربيته وتكامله وتحقيق وجوده في حركة وصناعة التاريخ. وتعد هذه المسألة من أمهات المسائل التي اهتم بها الصدر في بناء فلسفته، وذلك لأنه كان يرى أن المحتوى الداخلي يعد الأساس والقاعدة والمنطلق في عملية البناء والإصلاح والتغيير الخارجي(2).

ويرى الصدر أن أساس المشكلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية تكمن في المحتوى الداخلي للإنسان، وان أساس الصراعات والنزاعات تكمن في ذلك التناقض القائم ما بين تلك النفخة الإلهية، وبين ذلك الطين المادي.

ويتمثل المحتوى الداخلي للإنسان عند الصدر في الفكر والإرادة. ويعني بالفكر (الوجود الذهني) الذي يضم تصورات الهدف والرؤية للمستقبل لدى الإنسان.

أما الإرادة، فهي الطاقة التي تحرك الإنسان نحو الأشياء من اجل إيجادها وتحقيقها في الخارج، سواء كانت هذه الأشياء أفعالا وممارسات وسلوكاً للإنسان نفسه، أو أشياء مادية خارجية منفصلة عنه(3).

ومن الواضح أن الإرادة الإنسانية كالفكر، ليست وجوداً مادياً خارجياً، بل هي أمر موجود خلقه الله تعالى في داخل الإنسان وبها كرمه وميزه عن كثير من المخلوقات.

ولكن الفكر والإرادة وان كانا أمرين داخليين في الإنسان، فانهما يتأثران بالمؤثرات والعوامل الخارجية سلباً وإيجابا.

ص: 98


1- الصدر. المدرسة القرآنية. ص 105-106.
2- ينظر: الصدر. المدرسة القرآنية. ص.105 وبحوث إسلامية ص 32.
3- الصدر: المدرسة القرآنية. ص 105..

وهذه سنة إلهية من سنن التاريخ (فالعلاقة بين المحتوى الداخلي للإنسان والبناء الفوقي للمجتمع علاقة تبعية، ومسبب بسبب، وهي تمثل سنة تاريخية)(1).

ومن خلال قوله تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم(2)*نستنتج أن أساس عملية التغيير والإصلاح مرتبطة بالإنسان نفسه، وبمحتواه الداخلي، وأثبتت الآية الكريمة أن هذه القضية قضية شرطية، فالتغير على مستوى القوم (الجماعة) لا يتم إلا بتغيير المحتوى الداخلي لهؤلاء القوم.

فالتلازم قائم بين الاثنين، والثاني شرط تحقق الأول ، ولو كانت العملية خلاف ذلك فان النتائج تكون عكسية، ومن لم يجعل محتواه الداخلي موجهاً ودافعاً له كمن قال فيه تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا نا في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ *(3).

ولذلك اشترط الصدر في عملية التغيير والإصلاح أن تسير عملية الجهاد الأكبر جنباً إلى جنب مع الجهاد الأصغر ، لأن احدهما يكمل الآخر في عملية البناء الذاتي والاجتماعي(4).

ومن الضروري عند الصدر لإصلاح الحياة الإنسانية وتهذيبها، أن يتناول الإصلاح الإنسان نفسه قبل أي شيء آخر ، وان يعاد تكوينه من الداخل على نحو يجعله متجاوباً ومنسجماً مع فطرته ومع أهدافه العليا ومع واقعه(5).

وهذا لن يكون إلا بنفاذ عملية التغيير إلى قلب وأعماق روح الإنسان. ولا يمكن للإنسان أن يمارس عملية التغيير والبناء والاعمار والإصلاح من خلال طرح وإطلاق

ص: 99


1- الصدر. المصدر نفسه، ص 106.
2- سورة الرعد/ الآية 11.
3- سورة البقرة/الآية 204-205.
4- ينظر: الصدر. المدرسة القرآنية. ص 106. والإسلام يقود الحياة ص 190-191.
5- الصدر. رسالتنا. ص99.

الكلمات الصالحة والشعارات الهادفة فحسب (لان الكلمات الصالحة إنما يمكن أن تتحول إلى بناء صالح في المجتمع إذا انبعثت من قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات، وألا فستبقى الكلمات مجرد ألفاظ جوفاء دون أن يكون لها مضمون ومحتوى، فمسالة القلب هي التي تعطي الكلمات معناها ولعملية البناء الخارجي أهدافها ومسارها)(1).

ولعل سائلاً يسأل ما الذي يدفع الإنسان إلى هكذا عمل، ومن الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسان؟ وهل لحركة الإنسان غاية؟

ويجيبنا الصدر عن ذلك بان المثل الأعلى هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للإنسانية، ولهذا المثل الدور الفعال في دفع وتحريك الإنسان نحو الأفعال (إن المحتوى الداخلي للإنسان، يجسد الغايات التي تحرك التاريخ من خلال وجودات ذهنية تمتزج فيها الإرادة بالتفكير، وهذه الغايات جميعا تنبثق عن وجهة نظر رئيسية، إلى مثل أعلى للإنسان في حياته هو الذي يحدد الغايات التفصيلية... فالغايات نفسها محركات للتاريخ، وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كل الغايات وتعود إليه كل الأهداف)(2).

وحركة الإنسان في الوجود، وحركة التاريخ نفسه في نظر الصدر، تتميز عن أي حركة أخرى في الكون، بأنها حركة غائية هادفة وليست عشوائية(3). وان الإنسان في حركته سائر نحو غاية وهدف عظيمين وهو الإمساك باللحظة الزمانية، من اجل تحقيق وجوده التكاملي، وتغيير واقعه نحو الأفضل، وإنشاء حضارة إنسانية تشع نوراً على عموم البشرية. ويتم كل هذا عن طريق إرادة واختيار وفعل الإنسان نفسه. لان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشعر بالمسؤولية التاريخية، وبكينونته وحريته.

والإنسان هو الكائن الوحيد الذي استطاع أن يدخل التاريخ وان يحركه ويصنعه

ص: 100


1- الصدر. المدرسة القرآنية. ص 107.
2- الصدر . المدرسة القرآنية . ص 107-108.
3- المصدر نفسه. ص67.

ويدفعه نحو ما يريد، لا عن طريق جسمه المادي فحسب، وإنما عن طريق محتواه الداخلي وقوة فكره وإرادته وتمسكه بمثله الأعلى الحقيقي، الذي تنبثق منه كل الغايات والأهداف النبيلة.

الأمانة والشعور بالمسؤولية في تحقيق اخلاق الإنسان العامل

أكد الصدر في فكره على مسألة الأمانة وفلسفتها وعظيم أمرها، والذي يلفت انظارنا أن الصدر لم يضع خطا مستقلا للأمانة كما فعل مع الخلافة والشهادة. لأنه رأى أن خط الأمانة مشترك مع خط الخلافة، وهما وجهان لعملة واحدة. وهذا واضح من خلال قوله: (إن الخلافة استئمان، ولهذا عبر القرآن الكريم عنها بالأمانة. والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب، إذ من دون إدراك الكائن انه مسؤول لا يمكن أن ينهض بأعباء الأمانة أو يختار لممارسة دور الخلافة)(1).

وعن هذا التداخل بين الاثنين يقول الصدر: (فالأمانة هي الوجه التقبلي للخلافة، والخلافة هی الوجه الفاعلي والعطائي للأمانة)(2).

وهذا التداخل يعني أن الصدر يرى أن الإنسان مستأمن على الخلافة، ومستخلف على الأمانة. ونرى أن هناك مسائل وملاحظات عدة مهمة تخص موضوع الخلافة والأمانة وهي:

إن الخلافة لم تعرض على الإنسان كالأمانة ولم يخير في تحملها، بل فرض عليه ذلك.

إن الخلافة لم تعرض إلا على الإنسان وحده دون سائر المخلوقات، أما الأمانة فإنها عرضت على السماوات والأرض والجبال.

كل أمين خليفة، وكل خليفة أمين، ولا يحقق الإنسان إنسانيته ووجوده الحقيقي إلا بالتلازم بين الاثنين.

ص: 101


1- الصدر . الإسلام يقود الحياة. ص 165.
2- الصدر . المدرسة القرآنية. ص 101.

إن الأمانة عرضت على الإنسان بعد خلافته، فسبقت خلافته أمانته، وبذلك تكون الخلافة قبلية، والأمانة بعدية.

انه ربما كانت الخلافة والأمانة قد طرحت على الإنسان في وقت واحد. ولكن هذا القول يبطله المفسرون بقولهم إن الأمانة عرضت على آدم وهو إنسان تام وخيره الله تعالى في حملها فعرف ثوابها واجزائها وعقابها(1).

وخُص الإنسان في نظر الصدر بالأمانة من بين جميع الموجودات، مثلما خص بالخلافة ف- (الإنسان هو الكائن الوحيد الذي كان بحكم تركيبه وبنيته وبحكم فطرة الله المركوزة فيه منسجماً دون غيره من الكائنات مع هذه العلاقة الاجتماعية ذات الأطراف الأربعة التي بها تصبح أمانة وخلافة، ومن هنا كان تقبله لها تقبلاً تكوينياً بحكم دخولها في تكوينه الإنساني وفي تركيب مساره التاريخي)(2).

أما فيما يخص تفسير الصدر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسانِ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جهولاً﴾(3)فإنه يرى أن الأمانة هي التكليف الذي به شرف الله تعالى الإنسان وكرمه على مخلوقاته (لأنه يرمز إلى ما ميز الله به الإنسان من عقل وقدرة على بناء نفسه والتحكم في غرائزه وقابلية لتحمل المسؤولية خلافاً لغيره من أصناف الحيوانات ومختلف كائنات الأرض، فإن أدى الإنسان واجب هذا التشريف وأطاع وامتثل، شرفه الله تعالى بعد ذلك بعظيم ثوابه وبملك لا يبلى ونعيم لا يفنى، وان قصر في ذلك وعصى كان جديراً بعقاب الله سبحانه وسخطه، لأنه ظلم نفسه وجهل حق ربه ولم يقم بواجب الأمانة التي شرفه الله بها وميزه عن سائر مخلوقات الأرض)(4).

وعرض الأمانة على السموات والأرض والجبال عند الصدر، لم يكن عرضاً

ص: 102


1- ينظر: القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. مج 1، ج1. تحقيق سالم مصطفى البدري. ط1. دار الكتب العلمية. بيروت. 1420ه- - 2000. ص 16.
2- الصدر . المدرسة القرآنية. ص 101.
3- سورة الأحزاب/الآية 72.
4- الصدر. الفتاوى الواضحة. ص 125.

حقيقياً بل عرضاً مجازياً، إذ لا معنى لعرض الأمانة على هذه الموجودات ولا عبرة في تكليفها، وانه عرضا تكوينيا وليس عرضاً تشريعياً.(1)وقد وضع الله تعالى أمانه في المكان الطبيعي الذي خصص له وفي الموضع المعد له من قبله سبحانه. فليس من المنطقي والطبيعي أن تتولى حمل الأمانة والتكليف والمسؤولية مخلوقات طبيعية لا عقل لها ولا إرادة ولا اختيار، فهذه كلها خاضعة لله ومطيعة له قال تعالى : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهَا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(2)وهناك فرق كبير بين التكليف بالطاعة، والإرغام والإكراه على الطاعة.

والشعور بالمسؤولية هي التي تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وكذلك هي التي تميز بين إنسان وإنسان آخر، وأكثر الناس شعوراً بالمسؤولية أكثرهم معرفة ودراية بثقل الأمانة وقيمتها وأجدر الناس بالشعور بالمسؤولية وبحمل الأمانة هو الإنسان المؤمن، المؤمن بالله وبالإنسان والإنسانية، كما جاء في الحديث النبوي الشريف (لا إيمان لمن لا أمانة له)(3)وفي حديث آخر للرسول الاكرم(صلی الله علیه و آله و سلم)قال فيه : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(4).

فالمسؤولية أمر مهم في حياة الفرد والمجتمع، وعن طريق الشعور بها تتوثق العلاقة ما بين عناصر المجتمع الإنساني، لأنه يمثل مبدءا قيماً وأساسيا في حياة الإنسان ومجتمعه. ومن لا يشعر بالمسؤولية فليس بإنسان، والإنسان هو ذلك الكائن المسؤول، ومسؤوليته تتجسد في أمانته، وأمانته تترجم إلى أقوال وأعمال وأفعال وسلوك. وإذا لم تتجسد الأمانة في كل ذلك فبئس الإنسان وبئس الإنسانية.

ويذهب الصدر إلى إن الشعور الداخلي بالمسؤولية هو الذي يحدد مصير ومستقبل وتاريخ المسيرة الإنسانية، ولهذا الشعور الدور الكبير في تحريك ونهضة وبناء المسيرة الحضارية للإنسان في المجالات كافة.(5)

ص: 103


1- الصدر . المدرسة القرآنية . ص 101.
2- سورة فصلت/ الآية 11.
3- المحدث النوري . مستدرك الوسائل. ج 14، ط1 . مؤسسة آل البيت. قم. 1408ه- ص 6.
4- تاج الدين الشعيري. جامع الأخبار. ط2. دار الرضي. قم 1405ه. ص 119.
5- ينظر: الصدر. نظرة عامة في العبادات. ضمن كتاب موجز في أصول الدين. تحقيق الرفاعي. ص 268-269.

والشعور الداخلي بالمسؤولية في نظر الصدر ناتج من الدور الذي تلعبه العقيدة في حياة الإنسان، فتعد العقيدة جوهر الإنسان ومصدرا أساسيا لحركته. ف(الإنسان الذي ينشيء الحضارات ويعمر الكون ويغني الحياة ويجددها، هو كائن ذو عقيدة يسير عليها في حياته الدنيا. ولم يحدث في الماضي ولن يحدث في المستقبل أيضا أن يوجد مجتمعاً يمارس حياته بغير عقيدة تنظم هذه الحياة)(1).

فللعقيدة الدور الكبير في تحديد سلوك ومصير وحياة وواقع ومستقبل وتاريخ الإنسان والإنسانية في كل زمان ومكان. فقد يسموا الإنسان ويعلوا بعقيدته الصحيحة، وقد ينحدر ويسفل ويفسد بسوء عقيدته التي تحركه.

ويؤكد الصدر على أن الشعور بالمسؤولية يجب أن يكون شعوراً فردياً شخصياً داخلياً من قبل الإنسان نفسه، وبعيدا عن أي رادع أو وازع خارجي. فرقابة الإنسان الداخلية على نفسه هي التي تحدد مسيره في أي مسار من مساراته المتعددة يتجه فمع (أن الضمانات الموضوعية لها دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه، فأنها لا تكفي في أحايين كثيرة بمفردها ما لم يكن إلى جانبها ضمان ذاتي ينبثق عن الشعور الداخلي للإنسان بالمسؤولية، لان الرقابة الموضوعية للفرد مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادة أن تضمن الإحاطة بكل شيء واستيعاب كل واقعه)(2).

ومن وجهة نظر الصدر إن الشعور الداخلي بالمسؤولية يحتاج لكي يكون واقعاً عملياً حياً فى حياة الإنسان إلى إيمان برقابة دائمة ومستمرة لا يعزب عن علمها مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والى مران عملي ينمو من خلاله هذا الشعور ويترسخ بموجبه الإحساس بتلك الرقابة الشاملة والدائمة(3).

وان هذا المران الذي ينمو من خلاله الشعور بالمسؤولية لا يتحقق إلا عن طريق الممارسات العبادية، لان العبادة واجب غيبي. ومعنى ذلك إن ضبطها يكون من

ص: 104


1- الصدر. رسالتنا ص 103.
2- الصدر . نظرة عامة في العبادات ص269.
3- المصدر نفسه. ص269.

داخل الإنسان وليس من قبل رقابة خارجية. ومن خلال هذه الممارسات العبادية ينمو شعور الإنسان بالمسؤولية ويعتاد بذلك على التصرف في حياته بموجب هذا الشعور (ومن هنا كان الإسلام الذي كافح من اجله الأنبياء ثورةً اجتماعيةً على الظلم والطغيان، وعلى ألوان الاستغلال والاستعباد. ومن هنا أيضا كان الأنبياء(علیهم السّلام)وهم يحملون هذا المشعل يستقطبون دائما المعذبين في الأرض من الجماهير البائسة التي مزقتها أساطير الآلهة المزيفة روحيا وشتتها الجاهلية فكرياً، ووقعت فريسة أشكال مختلفة من الاستغلال والظلم الاجتماعي)(1).

وان ثورة الأنبياء(علیهم السّلام)تميزت عن الثورات الاجتماعية الأخرى تميزا نوعيا لأنها:

حررت الإنسان من الداخل، وقد أطلق على هذا التحرير اسم (الجهاد الأكبر).

حررت الإنسان من الخارج، تحرير على مستوى القوم والأمة والمجتمع، وقد أطلق عليه اسم (الجهاد الأصغر).

وهذا الجهادان يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب في عملية التحرير والتغيير. وكما ذكرنا سابقاً أن عملية التغيير الفردي تكون أساس عملية التغيير الاجتماعي.

كذلك فان الجهاد الأكبر يكون أساس عملية التحرير والتغيير وعليه يستند الجهاد الأصغر. لأن الجهاد الأكبر يقوم به الإنسان تجاه نفسه ونوازعه وشهواته، أما الجهاد الأصغر فهو جهاد جماعي يقوم به أفراد المجتمع عموماً تجاه العدو الخارجي.

(الإنسان إذا لم ينفذ بعملية التغيير إلى قلبه وأعماق روحه ولم يبني نفسه بناءً صالحاً لا يمكنه أبدا أن يطرح الكلمات الصالحة، لان الكلمات الصالحة إنما يمكن أن تتحول إلى بناءً صالح في المجتمع إذا انبعثت عن قلب يعمر بتلك القيم التي تدل عليها تلك الكلمات، وإلا فستبقى الكلمات مجرد ألفاظ جوفاء دون أن يكون لها مضمون ومحتوى)(2).

ص: 105


1- الصدر . الإسلام يقود الحياة. ص50.
2- الصدر . المدرسة القرآنية. ص 107.

ومن الأمور المهمة التي يكشفها لنا الصدر ويسلط الضوء عليها هي بيان سبب حدوث الأزمة الروحية والأخلاقية والاجتماعية للإنسان، وعدم الشعور بالعبودية المطلقة لله تعالى، التي يرجع سببها إلى أمرين هما(1):

عدم الشعور التفصيلي بالارتباط بالله تعالى.

عدم وجود أخلاقية الإنسان العامل.

ان علاج وإصلاح ذلك الخلل وتلك الأزمة يكون بعلاج هذين الأمرين من قبل الإنسان نفسه.

فارتباطنا بالله تعالى يعد وقود الحركة وطاقة المسيرة الإنسانية، ومن يفقد ذلك فقد ظل وهوى. وأخلاقية الإنسان العامل لا يمكن أن تتحقق للإنسان إلا إذا عاش حالة كاملة من الاتصال الدائم بالله تعالى واشعر نفسه انه مرتبط بذات مطلقة لا يغيب عن علمها مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.

ويشخص الصدر حالة الإنسان المسلم والأمة الإسلامية، الفاقدة لبريقها والمضيعة لدينها وحضارتها، التي انبهرت بحضارة الغرب وعلومه، وتركت دينها الذي فيه حياتها ورقيها ومصيرها وخيرها كله. ولذلك ضاعت أخلاقنا وقيمنا ومبادئنا وانفصلنا عن ذات الله وشريعته السمحاء، ولأجل بناء شخصيتنا وعلاج حالنا وإحياء امتنا وتحقيق وجودنا لابد من اتباع ما يأتي(2):

شيوع وانتشار أخلاقية التضحية بدلا من أخلاقية المصلحة الشخصية.

الاتجاه إلى التجديد في أساليب العمل.

التمسك بالمثل الأعلى الحق المطلق الذي يعد هدف المسيرة الإنسانية الناجحة .

الربط في التعامل بين ما هو روحي وما هو فكري وما هو أخلاقي، لان الروح والعقل والأخلاق عناصر أساسية في بناء الشخصية الإسلامية.

ص: 106


1- الصدر. محاضرات المحنة وحب الدنيا . المحاضرة الثانية . ص 45.
2- ينظر. الصدر . محاضرات المحنة وحب الدنيا . ص 56 وما بعدها ورسالتنا. ص 138. والمدرسة القرآنية. ص 122 .

الأسس الفكرية لتأسيس أخلاق الإنسان المسلم

تستند مسيرة الإنسان (الخليفة) عند الصدر، على مجموعة من الأسس والمرتكزات التي تلعب دوراً كبيراً في عملية الاستخلاف الرباني، وتعد هذه الأسس التربة والأرضية الصالحة لبناء الفرد والمجتمع الإسلامي، ومن دون هذه الأرضية لا يمكن الوصول إلى القمة وحصول عملية النمو والتكامل في مسيرة الإنسان عموماً، فهي مرتكزات أساسية وجوهرية في عملية صنع وبناء الشخصية الإسلامية وهي(1):

العقيدة: وهي القاعدة المركزية في التفكير الإسلامي، التي تحدد نظرة المسلم الرئيسة إلى الكون بصورة عامة.

المفاهيم : وهى التي تعكس وجهة نظر الإسلام في تفسير الأشياء على ضوء النظرة العامة التي تبلورها العقيدة.

العواطف والأحاسيس التي يتبنى الإسلام بثها وتنميتها إلى صف تلك المفاهيم، لان المفهوم بصفته فكرة إسلامية عن واقع معين يفجر في نفس المسلم شعوراً خاصاً تجاه ذلك الواقع ويحدد نحوه اتجاهه العاطفي.

وهذه الأسس تستند بعضها على بعض، ولا يمكن فصل واحدة عن الأخرى، فالعواطف الإسلامية وليدة المفاهيم الإسلامية، وهذه بدورها موضوعة في ضوء العقيدة الإسلامية الأساسية.

وتعد هذه الأسس برنامجاً دقيقاً ومتيناً لسير عملية الاستخلاف، فالسير عليها يعني نجاح العملية، والانحراف عنها يعني إخفاقها وفشلها ومن ثم موت عملية الاستخلاف ونفادها.

وكل تجربة اجتماعية وكل فكر وفلسفة يحتوي على هذه الأسس الثلاثة، ولكن هناك فرقا بين الأسس الإسلامية القائمة على أساس الشريعة الإلهية السماوية،

ص: 107


1- الصدر. اقتصادنا. ج1 ص 294.والصدر. بحوث إسلامية. ط1. دار الكتاب الإسلامي. 1424ه-2004-م.ص94-93.

والأسس التي تقام على أساس نظام وضعي بشري. فالأسس الأولى معدة إعدادا ربانيا خالصاً لسلامة البشرية واستمرار حياتها. أما الثانية فهي أسس بشرية ذات جوانب شخصية ومصلحية ضيقة لا تخلو من الانحراف والزيغ، لأنها خالية من الشرط الأساسي والجوهري في عملية الاستخلاف وهو وجود المطلق (المستخلف) الذي هو هدف ومنطلق وغاية عملية الاستخلاف.

ويرى الصدر أن نجاح العملية الإنسانية وتمامها مقرون بالسير على هذه الأسس والاستناد اليها، وان عزل كل جزء من المنهج الإسلامي عن بيئته وعن سائر الأجزاء معناه عزله عن شروطه التي يتاح له في ظلها تحقيق هدفه الأسمى.(1)

ويرى الصدر إن هناك مجموعة من الحاجات الثابتة التي تعالجها العبادة في حياة الإنسان هي(2):

الحاجة إلى الارتباط بالمطلق.

الحاجة إلى الموضوعية في القصد وتجاوز الذات.

الحاجة إلى الشعور الداخلي بالمسؤولية.

1- الحاجة إلى الارتباط بالمطلق:

علاقة الإنسان بربه، بمثله الأعلى علاقة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، لأنها علاقة جوهرية، علاقة وثيقة بين طرفين احدهما أصيل والآخر تابع، الواجب والممكن، وحاجة ممكن الوجود إلى واجب الوجود حاجة أساسية لا تغنيها جميع العلاقات وجميع المثل العليا غير المطلقة، لأن الإنسان جاء إلى هذه الأرض ليجسد دور الإله على الأرض في عدله ورحمته وحبه وجماله. عن طريق التخلق بأخلاق الله والتشبه به بقدر طاقته. وإلا سوف تتحقق رؤية ونبوءة الملائكة في الإنسان عندما خاطبت الله تعالى بقولها ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسدُ فِيهَا وَيَسْفكُ الدِّمَاءَ﴾(3).

ص: 108


1- ينظر: الصدر. اقتصادنا . ج 1 . ص 296 . والصدر. أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية. ط1. مركز . الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر. قم . 1425ه- - ص 171 وما بعدها.
2- الصدر . نظرة عامة في العبادات. ص 252.
3- سورة البقرة/الآية 30.

فينبغي علينا أن لا نسير على وفق أهوائنا وشهواتنا، بل نسير على وفق شريعتنا وديننا وعقلنا. وبهداية المطلق سبحانه وتعالى، الذي يعد هدف وغاية ومحرك المسيرة الإنسانية برمتها، لان التحرك الضائع من دون مطلق، تحرك عشوائي كريشة في مهب الريح تنفعل بالعوامل من حولها ولا تؤثر فيها(1).

ويطرح الصدر سؤالين بخصوص الارتباط بالمطلق وهما(2):

ما هي القيمة التي تحققها علاقة الإنسان بربه لهذا الإنسان في مسيرته الحضارية؟ وهل هي قيمة ثابتة تعالج حاجة ثابتة في هذه المسيرة، أم قيمة مرحلية ترتبط بحاجات مؤقتة ومشاكل محدودة، وتفقد أهميتها بانتهاء المرحلة التي تحدد تلك الحاجات والمشاكل؟

ما هو الدور الذي تمارسه العبادة بالنسبة إلى تلك العلاقة ومدى أهميتها، بوصفها تكريساً عملياً لعلاقة الإنسان بالله تعالى؟

يجيب الصدر عن السؤال الأول، بأن القيمة التي تحققها علاقة الإنسان بربه تجعله يتكامل ويسمو ويعلو في عوالم الملكوت، من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فلابد للمسيرة الإنسانية من مطلق، ولابد من أن يكون مطلقاً حقيقياً يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانية ويهديها سواء السبيل، مهما تقدمت وامتدت على خطها الطويل ويمحو من طريقها كل الآلهة الذين يطوقون المسيرة ويعيقونها(3).

فقد صنع ووضع الإنسان عبر مسيرته التاريخية آلهة متعددة أحلها محل المطلق وعاملها معاملته، ويرى الصدر أن تحول النسبي إلى مطلق، إلى اله، يصبح سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراته على التطور والإبداع. قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ الله إلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً﴾(4).

ص: 109


1- ينظر: الصدر . نظرة عامة في العبادات. ص 254.
2- المصدر نفسه.ص252.
3- المصدر نفسه.ص256.
4- سورة الإسراء/الآية 22.

فالله تعالى (المطلق) ليس من صنع ووضع الإنسان كما وضع وصنع الآلهة الأخرى، ولا إفرازا ذهنياً له، بل هو مثلاً أعلى له واقع عيني وهو موجود مطلق في الخارج له قدرته المطلقة وعلمه المطلق وعدله المطلق.

فالسير نحو المطلق كله علم وقدرة وعدل وغنى، وهذا السير يعني أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلاً باستمرار ضد كل جهل وعجز وظلم وفقر، والسير نحو المطلق ليس سيراً عادياً، بل هو سير مليء بالكدح والتعب والسهر والمعاناة، وهو سير ارتقائي متصاعد سائر نحو الكمال قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾(1).

وما دامت أهداف المسيرة المرتبطة بالمطلق تتصف بتلك الصفات فهي إذن ليست تكريساً للإله، وإنما هي جهاد مستمر من اجل الإنسان وكرامته وتحقيق المثل والقيم العليا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنما يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمينَ ﴾(2)و ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(3)

وهذا ما جعل الصدر يفسر الآيات القرآنية التي تحتوي على عبارة (سبيل الله) على أنها تعني تعبير تجريدي عن السبيل لخدمة الإنسان، لان كل عمل من اجل الله فإنما هو من اجل عباد الله(4).

أما فيما يتعلق بجواب السؤال الثاني فيرى الصدر أن العبادة تلعب دوراً تربوياً كبيراً في ترسيخ وتوثيق العلاقة ما بين الإنسان المحدود وربه المطلق. والإنسان ولد بطبيعته وفطرته مشدوداً إلى المطلق، لان علاقته بالمطلق تمثل احد مقومات نجاحه وتغلبه على مشاكله في مسيرته الحضارية. وهو بحاجة إلى سلوك عملي يعمق هذه العلاقة ويوثقها بدلا من أن تضيع أدراج الرياح ف(من دون سلوك معمق قد يضمر هذا

ص: 110


1- سورة الانشقاق / الآية 6.
2- سورة العنكبوت/الآية 6.
3- سورة العنكبوت/الآية 69.
4- ينظر: الصدر. نظرة عامة في العبادات. ص 258 و ص 266 والصدر. المدرسة القرآنية. ص 122-123.

الشعور ولا يعود الارتباط بالمطلق حقيقة فاعلة في حياة الإنسان، وقادرة على تفجير طاقاته الروحية)(1).

فالعبادة في نظر الصدر هي التي تعمق الشعور وترسخه ما بين العبد وربه، فصلاة وصيام وحج وزكاة وجهاد الإنسان المسلم ليست مجرد حرکات ظاهرية يؤديها فحسب، بل يجب أن تكون نابعة من أعماق قلبه ووجدانه وباطنه، لتؤثر على سلوكه الفردي والاجتماعي، وإلا كانت مجرد عبادة سطحية لا تمس الروح والمشاعر والوجدان بشيء.

والارتباط بالمطلق يعد حاجة ثابتة في حياة الإنسان ومسيرته الحضارية والإنسانية، إذ لا مسيرة من دون مطلق تنشد إليه وتستمد منه مثلها، ولا ارتباط حقيقي بالمطلق من دون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكده ويرسخه باستمرار وهذا التعبير العملي يتجسد في العبادة، والعبادة تعد حاجة إنسانية ثابتة لا تنفك عنها حياة ونشاط ومسيرة الإنسان الحضارية والتاريخية والجهادية والاجتماعية والتربوية(2).

2 - الموضوعية في القصد وتجاوز الذات

أكد الإسلام على موضوع النية والقصد، وناقش علماء الإسلام ومفكروه ومتكلموه هذا الموضوع بصورة موسعة .(3)لأن النية مفتاح كل عمل. ولا تصح عبادة من دون نية والنية هي الهدف الذي من اجله يجري العمل ويأتي به، وهي على معان عدة:(4)

النية اللفظية، وهي التي يأتي بها الإنسان عند الوضوء أو الصلاة أو أي عمل آخر لفظا باللسان.

الإحضار الذهني، بمعنى تذكر واستحضار النية اللفظية من دون نطقها.

القصد، وهو انك ماذا تفعل .

الهدف، وهو ما يقصده الفرد في عمله كنتيجة نهائية .

ص: 111


1- الصدر. نظرة عامة فى العبادات، ص 262.
2- المصدر نفسه . ص 264.
3- ينظر : د. عبد الستار نوير. رسالة الإنسان في الحياة ومقتضياتها . ط منقحة دار الثقافة الدوحة. قطر. 1490ه- 1989م. ص 127 و د. محمد الصادق عفيفي الفكر الإسلامي. مكتبة الخانجي. القاهرة. 1977 ص 94 وما بعدها.
4- ينظر : محمد محمد صادق الصدر. فقه الأخلاق. ج1. 138. تحقيق كاظم العبادي. ب.ت. ص 15.

وللنية الدور الكبير والأثر الفعال على العمل ولهذا جاء في الحديث الشريف (نية المرء خير من عمله) و (إنما الأعمال بالنيات ولكل أمري ما نوى)(1)وقد أكد الدين الإسلامي على ضرورة إخلاص النية لله وحده لا شريك له.

ويعرف الصدر النية بأنها : (الإتيان بالفعل من اجل الله سبحانه وتعالى فهي الباعث نحو الفعل، سواء كان سبب هذه النية الخوف من عقاب الله أو رغبة في ثوابه أو حباً له وأيمانا بأنه أهل لأن يطاع)(2).

وتأكيد الإسلام على النية دليل على أهمية دورها وإثرها الكبير على العمل وعلى العبادات والمعاملات، وتعد روح العمل وقلبه. ولذلك قدمت النية وفضلت على العمل نفسه، لان العمل يمثل الجسد والنية تمثل الروح، وصلاح الأول بصلاح الثاني وفساده بفسادها.

وجزاء وثواب الأعمال يكون بحسب النية، إن خيرا فخير وان شرا فشر .

والعبادة في نظر الصدر تقوم بدور كبير في تربية الإنسان على الإخلاص في نيته وأن يكون عمله قربة لله تعالى، لأنه وحده الذي يجازي على الأعمال والأفعال، فيجب أن نجعل راحتنا وتعبنا، وحبنا وكرهنا، وألمنا ولذتنا، وفرحنا وترحنا لله وفي الله وبالله. ومن كان عمله لغير الله فلا يرجو من الله ثوابا ولا جزاءا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب بقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾(3) وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشِرْقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾(4).

فالعبادة والعبودية لله تعالى تربي في الإنسان الجانب الروحي والقلبي من اجل تحقيق مصلحة كبرى وليس من اجل مصلحة ذاتية أو شخصية فردية.

فلا تصح عبادة الإنسان إذا جاءت من اجل مصلحة شخصية خاصة، ولا تقبل إذا

ص: 112


1- محمد مهدي النراقي. جامع السعادات . ج 3 ص 109 وما بعدها.
2- الصدر. الفتاوى الواضحة . ص 138.
3- سورة النور/الآية 39.
4- سورة البقرة/الآية 177.

استهدف من ورائها مجداً شخصياً أو ثناءاً اجتماعياً أو تكريساً لذاته، بل تصبح عملاً محرما. والهدف الأساس من العبادة هو أن يحقق الإنسان القصد الموضوعي بكل تفصيلاته، من نزاهة وإخلاص وإحساس بالمسؤولية، فيأتي العابد بعبادته خالصة لله جلا وعلا وفي سبيله بإخلاص وصدق(1).

فيجب أن نربي أنفسنا على الشعور والإحساس بالمسؤولية، كي نصل إلى مرحلة الكمال. ويجب أن نسموا من مادية الجسد وطينيته إلى روحانية الروح وعالم الملكوت. ويجب أن يكون عملنا خالصاً لوجه الله تعالى وان نضحي بمصالحنا وطموحاتنا الشخصية الضيقة من أجل الأهداف الكبيرة والمصلحة الاجتماعية الإنسانية. ويجب أن نتحلى بأخلاق التضحية والإيثار بدلاً من أخلاقية المصلحة الشخصية(2)فإننا قد ضيعنا كثيرا من طاقاتنا وعمرنا في سبيل العمل للمصلحة الشخصية. وهذا ما جعلنا نخسر كثيرا من الطاقات والثروات والزمن، لأنها لم تكن في سبيل الله والإنسانية وإنما كانت في سبيل الذات والمصلحة الشخصية.

ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى تربية أنفسنا على الموضوعية في القصد وتجاوز حدود الذات في الدوافع، وان نعمل من اجل الجماعة التي نعيش معها وكما قال تعالى : ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾(3)فالعمل تكون له ثماره ونتائجه الطيبة إذا تجاوز الذات والمنافع الشخصية ويكون في سبيل الله والإنسانية.

والعبادة تقوم بدور كبير في تربية الإنسان على الموضوعية في القصد وتجاوز الذات، وتعدّهذه الحاجة ثابتة في حياة الإنسان، يحتاج إليها في كل زمان ومكان وباختلاف الظروف والأحداث، لأنها تربيه على تزكية ذاته

وطهارتها وصفائها.

ص: 113


1- الصدر. نظرة عامة في العبادات. ص 260-261.
2- ينظر: الصدر . المحنة وحب الدنياص56.
3- سورة الرعد/ الآية 11.

والإسلام بصورة عامة يهتم بدوافع العمل أكثر من منافعه، لأنه يعتقد إن قيمته نابعة من الدوافع لا من المنافع، والنية الصالحة أساس العمل الصالح، والعكس بالعكس.(1)

3- الحاجة إلى الشعور الداخلي بالمسؤولية :

تعرضنا فيما سبق لموضوع الشعور بالمسؤولية، كخصيصة من خصائص الإنسان الجوهرية وتعد أس عملية الأمانة التي حملها الإنسان.

ويعد الصدر هذه الحاجة ثابتة في حياة الإنسان أيضا، لأنها تمثل ضرورة من ضرورات تربية الإنسان على الكمال والأخلاق الإسلامية الفاضلة.

يحتاج الإنسان في حياته الاجتماعية من اجل استقراره وتحقيق توازنه إلى ضمانات، تؤدى إلى تحقيق سلامة مسيرته الإنسانية والحضارية. والضمانات عند الصدر على نوعين:

ضمانات موضوعية (خارجية) كالعقوبات التي تضعها الجماعة وتفرضها على الفرد الذي يتجاوز حدوده ويخل بسلوكه في المجتمع.

ضمانات ذاتية (داخلية) وهذه الضمانات يضعها الإنسان بنفسه لنفسه، بإرادته واختياره، وهو شعور داخلي بالمسؤولية(2).

والضمانات الذاتية الداخلية في نظر الصدر أكثر ضرورة وحاجة وأهمية في حياة الإنسان من الضمانات الخارجية الموضوعية، لأنها تربي الإنسان على الشعور بأنه مسؤول أمام سائل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم ما نسر وما نعلن .

صحيح أن الضمانات الموضوعية لها الدور الكبير في ردع الإنسان وإيقافه عند

ص: 114


1- ينظر: الصدر. بحوث إسلامية ص 32 وما بعدها. والإسلام يقود الحياة ص 118 واقتصادنا. ج 1 ص 333 وما بعدها .
2- الصدر . نظرة عامة في العبادات ص 269.

حدوده وتلزمه باحترام القانون، إلا أن الضمانات الذاتية هي التي تسمو بالإنسان وتربيه على احترام قانون الداخل الذي يفرضه عليه ضميره ورقابة الله تعالى عليه. وبذلك يتعمق واقع وحياة الإنسان بالغيب ويشعره دائما انه في رقابة غيبية لا تغيب عنه أبدا، وانه ستعرض عليه أعماله وترد إليه يوم القيامة ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾(1).

وهكذا يترسخ الشعور الداخلي بالمسؤولية من قبل الإنسان يوماً فيوم من خلال الممارسات العبادية التي تشكل ضماناً قوياً لالتزام الفرد الصالح بما عليه من حقوق وواجبات.

العبادة وأثرها في تحقيق التوازن التربوي والاخلاقي للانسان

يتميز الدين الإسلامي عن الأديان الأخرى، سماوية كانت أم وضعية، بأنه قام على أسس إنسانية فطرية وعالمية، لا على أسس شخصية أو قومية أو حزبية أو محلية أو عنصرية ضيقة. وان دل هذا على شيء فانه يدل على عمق النظرة الإلهية التي تتسم بالسعة والشمول والكلية. فالله تعالى حين يسن قانونا فانه لا يضعه لفئة دون فئة ولا لشعب دون آخر، ولا لبلد دون بلد، بل يضعه إلى الناس كافة. فقوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الناس﴾ لا يعني أناسا معينين، وإنما يعني جميع الناس في كل زمان ومكان. لان الناس كلهم عيال الله، البر منهم والفاجر، المؤمن والكافر، الخير والشرير، فكل الناس من طينة واحدة وطبيعة بشرية واحدة، كما جاء في الحديث الشريف (كلكم لأدم وادم من تراب)(2).

وللعبادة آثار وفوائد متعددة على حياة الإنسان بكافة جوانبه وميادينه المتعددة، ولا يقتصر معنى العبادة عند الصدر على أداء أركان الأسلام الخمسة المتعارف عليها بين الناس، بل ان كل عمل إنساني يقصد منه وجه الله تعالى وسبيله فهو عبادة، من قول أو فعل أو حركة.

ص: 115


1- سورة الجمعة/الآية 8.
2- علاء الدين المتقي الهندي. كنز العمال. ج 6. مؤسسة الرسالة. بيروت 1399ه- 1979م. ص 130.

بل انه حتى الأركان الاسلامية الخمسة في نظر الصدر لها أبعاد أخرى غير البعد التعبدي الفردي ، لان هذه الفروض لم تمارس لذاتها، بل لأغراض وأهداف أخرى. (فالجهاد عبادة وهو نشاط اجتماعي، والزكاة عبادة وهي نشاط مالي، والخمس عبادة وهو نشاط اجتماعي مالي أيضا، والصيام عبادة وهو نظام غذائي، والوضوء والغسل عبادتان وهما لونان من تنظيف الجسد)(1).

إذن فالصدر يؤكد على أن مفهوم العبادة يجب أن يخرج من إطاره الضيق المعروف عرفا إلى إطاره الواسع ذي الآفاق السامية. ولهذا فان للعبادة الأثر الكبير والدور المهم في حياة الإنسان ومسيرته الحضارية والإنسانية، في التربية والأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من الجوانب الإنسانية المتعددة.وفيما يأتي سنعرض لأهم الآثار المترتبة التي تتركها العبادة في حياة الإنسان.

1-الأثر التربوي للعبادة:

الإنسان كائن غريزي مثله مثل باقي المخلوقات، إلا أن غريزته هذه تنبع عن طريق العقل والإرادة والوجدان، ولو فقد ذلك لكان كالحيوان بل أضل سبيلاً. وغريزة حب الذات من أهم الغرائز التي تسيطر على الإنسان، بل هي كما يذهب الصدر، أم الغرائز، وكل الغرائز فروع لهذه الغريزة، وإنها اعم وأقدم غريزة في حياة الإنسان. وتعني هذه الغريزة حب اللذة وبغض الألم، والإنسان بطبيعته يحب اللذة ويكره الألم(2).

وتتحكم هذه الغريزة في الإنسان منذ بداية حياته وهي اتجاه أصيل في النفس البشرية، وتدفع الإنسان دائماً إلى تحقيق الخير لذاته وتوفير مصالحه وإشباع رغباته، ولهذا اتجه الإنسان لإقامة العلاقات مع كل أجزاء الكون ومخلوقاته إشباعاً لهذه الغريزة الأصيلة المتأصلة في نفسه، بل إن نشوء المجتمعات قائم على أساس هذه الغريزة لأنها تدفع الإنسان نحو إقامة العلاقات المتعددة، والتجمع مع الآخرين، من اجل إشباع حاجاته وتحقيق مصالحه، ولهذا قيل عنه بأنه حيوان اجتماعي وكائن مدني بالطبع.

ص: 116


1- المصدر نفسه.ص278.
2- الصدر فلسفتنا . ص 32-33 والصدر. المدرسة الإسلامية. ص 78.

وغريزة حب الذات تدفع الإنسان لإشباع حاجاته بشتى الطرق والأساليب، من اجل تحقيق توازنه واستقراره النفسي والشخصي ومصلحته الخاصة وفقاً لميله الفطري على حساب الآخرين. وبذلك ينشأ التصادم والتناقض بين مصلحة الفرد ومصلحة الآخرين من أبناء المجتمع. وهذا السلوك الفردي من قبل الإنسان لو ترك من دون ضبط وإلزام وضمانات وروادع ورقابة ذاتية وموضوعية، توفر له تحقيق التوازن والاستقرار على المستوى الذاتي والموضوعي، تؤدي إلى هلاكه وهلاك المجتمع. ولن يتحقق الاستقرار على المستويين الفردي والاجتماعي في نظر الصدر إلا من خلال (الدين)، الذي يعد طاقة روحية تستطيع أن تعوض الإنسان عن لذائذه المؤقتة التي يتركها في حياته الأرضية املا في النعيم الدائم(1).

فعن طريق الدين وحده يستطيع الإنسان أن يكبح شهواته ويوازن ويوفق بين حاجاته المادية والروحية، ويعرف أن حاجاته الروحية والمعنوية هي أسمى بكثير من الحاجات المادية. لأن تكامله وسموه وقربه من المطلق يتحقق من خلال تربية هذا الجانب من الإنسان.

فيربي الدين الإنسان على كيفية احترام القيم والمباديء الروحية والاجتماعية و هي التي تحقق وجوده وجوهره واستقراره، لا المنافع والحاجات الشخصية الذاتية والمادية. وللعبادة الأثر الكبير في بناء وتربية الإنسان على السلوك الحسن والعمل الصالح.

ولا يقتصر اثر العبادة التربوي على الجانب النفسي والفردي فحسب، بل يجب أن يتعداه إلى جوانب متعددة من الحياة، ومنها الجانب الاجتماعي. فهناك أثر اجتماعي كبير وخطير تقوم به العبادة في حياة الإنسان. فعلاقة الإنسان بربه لا تقتصر على الأثر الفردي الشخصي الضيق، بل تمتد إلى أفق ومجالات أوسع وأرحب. والصدر يؤكد على مسألة مسألة في غاية الأهمية، وهي انه يجب على الفقه أن ينتقل من مستوى الأفراد إلى مستوى المجتمع والمؤسسات وبذلك فتح الصدر الباب على ما يسمى ب(فقه

ص: 117


1- الصدر. بحوث إسلامية ص 142.

النظرية). فيجب أن يكون هناك فقه للاجتماع والاقتصاد والسياسة والقضاء والطب والعلوم كما هو موجود للإفراد على مستوى العبادات والمعاملات(1).

ويحدد الصدر الهدف الذي من اجله يجب أن تتحرك عملية الاجتهاد لتطبيق النظرية الإسلامية للحياة وهو(2):

تطبيق النظرية في المجال الفردي بالقدر الذي يتصل بسلوك الفرد وتصرفاته.

تطبيق النظرية في المجال الاجتماعي وإقامة حياة الجماعة البشرية على أساسها بما يتطلبه ذلك من علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية.

ويعيب الصدر على المجتهدين اشتغالهم بالفقه الفردي فقط، وترك الخوض في الفقه الاجتماعي. وقد أدى انحسار هذا النوع من الفقه - أي الاجتماعي - إلى الانكماش الهدف، واتجاه ذهنية الفقيه حين الاستنباط غالباً إلى الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلاً من الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعية(3).

فيجب أن تسود النزعة الاجتماعية والأثر الاجتماعي للفقه والعبادات والدين بدلاً من النزعة الفردية الشخصية في المجتمع وفي حياة الإنسان عموماً. فالعلاقة العبادية ما بين العبد وربه يجب أن تنعكس على العلاقات المتعددة لإطراف العملية الإنسانية.

فجميع الفرائض والعبادات الإسلامية من صلاة وصيام وحج وزكاة وخمس، كلها تحمل آثاراً اجتماعية بقدر ما تحمل من آثار فردية نفعية ذاتية، بل إن الثمرة والأثر الاجتماعي للعبادة أهم بكثير من الأثر الفردي الشخصي. إذ تربي العبادة الفرد على المحبة والتضحية والإيثار من اجل الجماعة. فالحس والأثر الاجتماعي للعبادة أسمى أنواع الآثار. وإذا لم تؤت العبادة ثمارها بهذا المجال فلا قيمة لها ولا أهمية، بل تشكل عبئا ثقيلا على كاهل من يقوم بها.

ص: 118


1- ينظر: الرفاعي. موجز أصول الدين. ص 49 وما بعدها. وباقر بري. فقه النظرية. بحث في مجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد .11-12 165 وما بعدها وخالد الغفوري. فقه النظرية لدى الشهيد الصدر. مجلة فقه أهل البيت.ص العدد .20 . السنة 5 . 1421ه- - 2001. و مابعدها.
2- الصدر . بحوث إسلامية . ص 66-67.
3- ينظر: المصدر نفسه. ص70و مابعدها.

ويرى الصدر (إن العلاقة الاجتماعية تتواجد غالبا بصورة وأخرى إلى جانب العلاقة العبادية بين الإنسان العابد وربه في ممارسة عبادية واحدة، وليس ذلك إلا من اجل التأكيد على العلاقة العبادية ذات الدور الاجتماعي في حياة الإنسان، ولا تعدّ ناجحة إلا حين تكون قوة فاعلة في توجيه ما يواكبها من علاقات اجتماعية توجيهاً صالحاً)(1). وقد رفض الإسلام العبادة المزيفة الفارغة من محتواها التي تقتصر على الجانب الشكلي والفردي دون الاجتماعي.

2- الأثر الأخلاقي للعبادة:

مما لاشك فيه أن للمباديء والقيم والمثل الروحية تأثيراً كبيراً على حياة الإنسان ومسيرته، وتترك مسحتها الطاهرة عليه وتعاليمها السامية على سلوكه، بل إنها تربيه وتبني شخصيته بناء شامخاً لا اعوجاج فيه.

ومما لاشك فيه أيضا أن الأخلاق أهم مميز يميز سلوك الإنسان عن غيره من المخلوقات، فهو الكائن الوحيد الذي يتصف سلوكه بالصفة الأخلاقية وغير الأخلاقية. أما سلوك الحيوان فلا علاقة له بالأخلاق، لأن سلوكه غير مرتبط بدوافع أخلاقية بل بدوافع غريزية. أما سلوك الإنسان فانه فضلا عن غريزيته فهو سلوك مرتبط

بعقله وإرادته واختياره ومسؤوليته.

والدين الإسلامي دين الأخلاق والتربية والكمال الإنساني، فهو دين يدعو إلى سعادة الإنسانية وهنائها وخيرها وصلاحها، وينبذ ويرفض كل سوء ومكروه يصيب العملية الإنسانية على وجه الأرض. ويدعو الإنسان لأن يعيش فاضلاً وخيراً ونبيلاً، وان يتحلى بكل ما يؤدي إلى سموه وكماله وترك ما يؤدي إلى طلاحه وفساده من قول أو عمل.

وقد جاء الأنبياء والرسل(علیهم السّلام)برسالتهم وكتبهم السماوية المقدسة لبناء شخصية الإنسان، ودعوته لان يتخلق بأخلاق الله تعالى، والاهتمام بجانبه الروحي أكثر من الجوانب المادية والدنيوية الأخرى.

ص: 119


1- الصدر. نظرة عامة في العبادات. ص 285-286.

والأخلاق في الإسلام تمثل قاعدة أساسية للانطلاق نحو الأشياء الأخرى، فعمل الإنسان من دون أساس وقاعدة أخلاقية لا قيمة له ولا مقياس(1). وقيمة العمل في تقدير الإسلام يقاس بما يحمل من جانب إنساني وأخلاقي وتربوي، لا بما يحمل من جانب نفعي ومصلحي وشخصي ، وبما يحمل من قيمة اقتصادية أو مالية ومقياس العمل في الإسلام قائم أيضا على أساس تحقيق النفع الاجتماعي، وان يكون خالصاً لوجه الله وفي سبيله.

ويربي الإسلام الإنسان على حسن الخلق، والعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعامل بالعدل والإحسان مع الآخرين، وتحصيل السعادة واللذة الحقيقية التي لا تزول ابداً.

ويؤكد الصدر في فلسفته وفكره على الدور الأخلاقي الكبير الذي تفرزه العبادة والعبودية المطلقة والدائمة لله تعالى، فكل عمل يصدر من الإنسان يجب أن يكون له أسس أخلاقية وتربوية يستند عليها، وإلا فالعمل من دون وجود هذه الأسس لا قيمة له ولا نفع (فالإسلام إذن لا يقتصر في مذهبه وتعاليمه على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع، وإنما ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية، ليوفق بين المحتوى الداخلي وما يرسمه من مخطط اقتصادي واجتماعي)(2).

فيجب أن تنفذ العبادة إلى باطن الإنسان كي تؤدي دورها التربوي والأخلاقي الكبير في بناء وصنع شخصية الإنسان الإسلامية القرآنية، هذه الشخصية التي يقع عليها العبء الكبير والمسؤولية الخطيرة في توجيه المجتمع الإنساني نحو الهداية والصلاح (والإنسان المسلم يعبر عن وجوده الخاص بالتعامل مع الله جل جلاله بما يملك من قدرة روحية، وبالتفاعل مع الكون بما يملك من قدرة عقلية وفكرية، وبالتفاعل مع المجتمع بما يملك من أخلاق)(3).

ص: 120


1- ينظر: محمد تقي المدرسي. الأخلاق عنوان الأيمان ومنطلق التقدم. مطبعة الرفاه. بغداد. ب.ت. ص 21 وما بعدها و د. محمد الصادق عفيفي. الفكر الإسلامي ص 233 وما بعدها.
2- الصدر. اقتصادنا . ج 1 ص 292.
3- الصدر. رسالتنا. ص 138.

وهذا ما يميز أخلاق الإنسان والمجتمع الاسلامى عن أخلاق غيره من الأفراد والمجتمعات، وما يميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان. فالإنسان المسلم دائماً يلبس الأرض إطار السماء، وينظر إلى عالم الغيب والملكوت نظرة تقديس وإجلال، وينظر إلى مالك الملك بعين القلب، وينتظر ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار، والذي توضع فيه الموازين القسط بالحق، ليفصل بين الناس بالعدل ويعطى كل ذي حق حقه.

ويعيب الصدر على الإنسان المسلم العابد موقفه السلبي تجاه الأرض وما فيها من ثروات وخيرات وكنوز. تمثل ذلك في زهده وقناعته وكسله، وفصله بين الأرض والسماء. مما جعل الإنسان المسلم يعيش حالة من الضياع والفقر والجمود. وهذا ما جعل الإنسان غير المسلم ينظر إليه على انه إنسان أخروي لا علاقة له بالدنيا. ويرى الصدر أن موقف الإنسان المسلم هذا من الأرض موقفاً سلبياً يجب أن يزول وان يحل محله موقفاً ايجابياً نابعا من الإسلام والشريعة المحمدية، التي تؤكد على ضرورة التوفيق ما بين الأرض والسماء، وإلباس الأرض إطار السماء، لا أن يكون الإنسان عبدا للأرض، وبذلك تتحقق خلافة الإنسان لربه وأدائه لأمانته. يقول الصدر: (لا أعرف مفهوماً أغنى من مفهوم الخلافة لله في التأكيد على قدرة الإنسان وطاقاته التي تجعل منه خليفة السيد المطلق في الكون، كما لا أعرف مفهوماً ابعد من مفهوم الخلافة لله عن الاستسلام للقدر والظروف لأن الخلافة تستبطن معنى المسؤولية تجاه ما يستخلف عليه)(1).

وقد يستغرب بعضهم من قولنا إن للعبادة أثرا اقتصاديا. ولكن لا استغراب من هذا الأمر، لان علة ذلك أن الإنسان العابد، والعبودية المطلقة لله تعالى، تخلق إنسانا كاملاً يعمل بمقتضى خلافته وأمانته، ومن ثم سوف يحقق عملية التوازن والاستقرار والضمان والتكافل الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والعدالة في عمليتي الإنتاج والتوزيع، أي إن الإنسان الذي يمارس عبادته بصورة تامة ما بينه وبين ربه سوف يعكس هذه العبادة على علاقاته الأخرى.

ص: 121


1- الصدر. اقتصادنا . ج1 . ص 40-41.

بل أن الصدر يعزو سبب المشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان إلى سوء العلاقة بين الإنسان وربه، وبذلك تنعكس على العلاقات الأخرى. ويتجسد ظلم الإنسان على الصعيد الاقتصادي في سوء التوزيع، ويتجسد كفرانه للنعمة في إهماله لاستثمار الطبيعة وموقفه السلبي منها .

ولكن ما الحل الذي يمكن أن نقوم به من اجل درء الإخطار وحل المشكلة الاقتصادية ؟ إن علاج المشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان عند الصدر يتمثل في(1):

محو الظلم من العلاقات الاجتماعية في التوزيع.

تجنيد كل طاقات الإنسان للاستفادة من الطبيعة واستثمارها.

كما أن تحقيق التوازن بين أطراف عملية الاستخلاف هو الذي يؤدي إلى زوال المشكلة الاقتصادية والاجتماعية، وان ربط العملية العبادية بكل جوانب الحياة هو الذي يؤدي إلى سمو ونمو وتكامل المسيرة الإنسانية. ومثلما تحقق العبادة أثرها النفسي والتربوي والأخلاقي والاجتماعي للإنسان وللإنسانية، كذلك تحقق أثرها الاقتصادي الكبير الذي لا يقل أهمية عن تلك الآثار والجوانب الأخرى.

الخاتمة

بعد هذه الجولة الفكرية والسياحة في الفكر الأخلاقي عند الشهيد محمد باقر الصدر، من خلال محاولتنا الكشف عن أهم الافكار والآراء الأخلاقية التي سجلها الصدر في مشروعه الفكري وفي عموم طروحاته الفكرية والدينية والفلسفية والكلامية، توصلنا الى النتائج الآتية:

1- لم يترك لنا الشهيد الصدر مؤلفاً محدداً بعينه يتناول قضايا وفلسفة وفقه الأخلاق، ولكن مشروعه الفكري برمته مشروع أخلاقي بأختلاف مجالاته الفكرية التي درسها، الفقه والاقتصاد والاجتماع والسياسة والفكر والفلسفة والتاريخ، يتضح من خلالها الفكر والنزعة الأخلاقية بأبهى صورها.

ص: 122


1- المصدر نفسه. ج 1.ص 332.

2- ينتمي الشهيد الصدر الى المدرسة الاسلامية في الأخلاق والى منهج أئمة أهل البيت(علیهم السّلام)في التربية والسلوك والعرفان .

3- محاولة الشهيد الصدر التوفيق بين الأخلاق والفلسفة الاسلامية الدينية التي سار عليها مجموعة من فلاسفة الاسلام، أو يشبه كثيراً ما تناوله كثير من علماء الكلام المسلمين في هذا المجال، من أصحاب الفلسفة الدينية الميتافيزيقية المثالية.

4- الأخلاق في الفكر الصدري تسبق جميع الميادين الأخرى، فكل علم أو فلسفة أو معرفة أو أي فن من الفنون يسبقه فعل أخلاقي يبنى على أسس انسانية، وما لم تكن الأخلاق مقدمته سيكون الأخفاق والفشل مصيره، ونجاح المجتمعات والأمم مرهون بأخلاقها ونقاء النفس وطهارتها.

5- تبين لنا أن الإنسان كائن أخلاقي، وأن الصدر كغيره من المفكرين والفلاسفة والفقهاء والمتكلمين يميز الإنسان بجانبه الأخلاقي والروحي عن غيره من الكائنات في هذا العالم، وبالأخلاق وحدها يتحقق جوهر وجوده وتحقيق أمانته وخلافته على هذه الأرض، على وفق رسالة الدين الاسلامي التي رسمها له الله تعالى لتحقيق نجاحه وجوهر كينونته

6- للعبادة أثر كبير على حياة الإنسان في فكر الصدر ، ويتضح أثرها الكبير على أخلاق وتربية وحياة الإنسان وينعكس ذلك بصورة جلية على المجتمع وعلى الواقع وعلى علاقات الإنسان مع ربه ومع أخيه الإنسان ومع الطبيعة. فعندما يتحقق ذلك التوازن الروحي للانسان تتحقق سلامة المسيرة الانسانية، وتدر الطبيعة على الإنسان الخير الوفير ويتحقق المجتمع التوحيدي الصالح المتسلح بالفضيلة وهو خلاف المجتمع الفرعوني، الذي تسود فيه اخلاق الطغيان والرذيلة .

7- للمثل الأعلى (المطلق) الدور الكبير في حياة الإنسان الفرد والمجتمع ، ويؤثر تأثيراً كبيراً على عملية تكامل الإنسان روحياً ومادياً، بعكس المثل العليا (النسبية) التي تُشكل عاملاً سلبياً في مسيرة الإنسان ومجتمعه وحركة التاريخ والمستقبل.

ص: 123

8- الإنسان أناني بالطبع والطبيعة، وينشد دائماً مصلحته الشخصية على وفق غريزته كالحيوان، ولكنه مميز عنه بالعقل والتمييز وكذلك بالأخلاق، ويستطيع ضبط غريزته وفق عقله وأخلاقه واختياره بين طريق الحق وطريق الباطل، وعلى الإنسان أن يكون مراقباً لنفسه ومجاهداً لها وشاعراً بثقل المسؤولية والامانة، ليصل الى مرحلة الكمال وتحقيق خلافته على أتم وجه.

9- يعد الدين عاملاً مهماً في فكر الصدر ، لضبط ايقاع حركة الإنسان وتوجهه لتحقيق توازنه الروحي والمادي، وجذبه نحو مناطق السمو والرفعة ومحبة الغير واحترامهم والايمان بالآخر كايمانه بذاته، كي لا يكون الإنسان فريسة أنانيته وشهواته الذاتيه. وهو ضامن أكيد لتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

10- يتلخص لنا أن فكر الشهيد الصدر الأخلاقي ينتمي الى أسس دينية بحتة، وأنه يعطي للغيب أثراً كبيرا في رسم أخلاق الانسان، ويجعل الأخلاق هي الأساس التي تجعل من الإنسان انساناً حقيقياً على وجه الأرض، بل هي التي تحدد خارطة علاقته مع الله تعالى ومع الطبيعة ومع المجتمع، ان خيراً فخير، وان شراً فشر.

قائمة المصادر

القرآن الكريم

2 باقر بري. فقه النظرية. بحث في مجلة قضايا إسلامية معاصرة. العدد 11-12 1421ه- - · 2000

3 تاج الدين ألشعيري. جامع الأخبار. ط2 . دار الرضي. قم 1405ه.

4 خالد الغفوري. فقه النظرية لدى الشهيد الصدر. مجلة فقه أهل البيت. العدد 20. السنة 5 .1421ه- .

5 زكريا أبراهيم. المشكلة الخلقة. مكتبة مصر ودار المرتضى. ب.ت

6 عبد الستار نوير. رسالة الإنسان في الحياة ومقتضياتها . ط منقحة دار الثقافة.الدوحة. قطر. 1490ه- - 1989م.

7 عثمان أمين. الجوانية. أصول عقيدة وفلسفة ثورة. دار القلم. 1964 .

8 علاء الدين المتقي الهندي. كنز العمال. ج 6 . مؤسسة الرسالة. بيروت . 1399ه- - 1979م.

ص: 124

9 القرطبي. الجامع لأحكام القرآن. مج 13 . - القرطبي . الجامع لأحكام القرآن. مج 1، ج1. تحقيق سالم مصطفى البدري . ط 1 . دار الكتب العلمية. بيروت. 1420ه- - 2000.

10 الكليني. الكافي. ج 8. ط4. دار الكتب الإسلامية . طهران.

11 المتقي الهندي . كنز العمال ج 6 . مؤسسة الرسالة. بيروت. 1399ه- - 1979م.

2 المحدث النوري. مستدرك الوسائل. ج 14. ط 1 مؤسسة آل البيت. قم 1408ه.

13 محمد إقبال. ديوان الأسرار والرموز . تر د. عبد الوهاب عزام. دار المعارف. مصر .1956م.

4 محمد باقر الصدر أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية. ط1. مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر. قم . 1425ه.

5 محمد باقر الصدر. الإسلام يقود الحياة. ط2. مطبعة الديواني. العراق. 1424ه- 2003 م

6.محمد باقر الصدر. اقتصادنا . ج1. تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي. ط1. مؤسسة بقية الله. النجف الاشرف. العراق. 1423ه- 2003 م.

7 محمد باقر الصدر. بحوث إسلامية . ط1 . دار الكتاب الإسلامي. 1424ه-2004-م.

8 محمد باقر الصدر . رسالتنا . ط3 مطبوعات مكتبة النجاح. طهران. 1402ه- 1982.

9 محمد باقر الصدر. الفتاوى الواضحة دار التعارف. بيروت لبنان 1410ه- 1990-م.

20 محمد باقر الصدر. فلسفتنا . ط2 . دار التعارف. بيروت - لبنان. 1419ه-1998-.

2 محمد باقر الصدر. المدرسة الإسلامية. (الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية). بيروت .لبنان. 1393ه-1973-م.

22 محمد باقر الصدر. المدرسة القرآنية. دار التعارف. بيروت. 1409ه- 1989-م.

23 محمد باقر الصدر. محاضرات المحنة وحب الدنيا. المحاضرة الثانية.

24 محمد باقر الصدر. نظرة عامة في العبادات. ضمن كتاب موجز في أصول الدين. تحقيق ودراسة عبد الجبار الرفاعي. ط2 . دار الشؤون الثقافية بغداد 2005.

25 محمد تقي المدرسي. الأخلاق عنوان الأيمان ومنطلق التقدم. مطبعة الرفاه. بغداد. ب.ت

26 محمد الصادق عفيفي. الفكر الإسلامي. مكتبة الخانجي. القاهرة. 1977.

27 محمد عبد اللاوي. فلسفة الصدر. ط1 . مؤسسة دار الاسلام. لندن. 1420ه - 1999.

28 محمد محمد صادق الصدر. فقه الأخلاق. ج1. 138. تحقيق كاظم العبادي. ب.ت.

29 محمد مهدي النراقي. جامع السعادات . ج 3. تحقیق محمد کلانتر. ط4. مؤسسة الاعلمي. بيروت - لبنان

ص: 125

الأخلاق الوضعية (الاجتماعية) عند علي الوردي

(دراسة تحليلية نقدية)

د. قيس ناصر راهي(1)

المقدمة:

إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ اختلاف الرؤى الفلسفية التي هي من أساسيات حيويته. والبحث الفلسفي الأخلاقي شأنه شأن مجالات الفلسفة الأخرى حضر فيه اختلاف الرؤى لاختلاف منطلقات المهتمين به من الفلاسفة، فبعضهم اهتم بالجانب العقلاني من الطبيعة البشرية، وبعضهم الآخر اهتم بدراسة انفعالات الطبيعة البشرية من دون الاهتمام بعقلانيتها، فالاختلاف الحقيقي يكمن في طبيعة البحث. فرؤى الفلاسفة العقلانيين حول ما ينبغي أن يكون، بدت للمهتمين بانفعالات الطبيعة البشرية أنها تقع خارج دائرة المنطق، ولذلك هي بحاجة الى منطق جديد يوجهها، ويبدو أيضاً أن ذلك ما دفع بعض الفلاسفة الى التشكيك بالقيم المطلقة ولاسيما مع

ص: 126


1- مركز دراسات البصرة والخليج العربي - جامعة البصرة - : يرى الباحث: «أن القيم الأخلاقية على وفق هذه المدرسة تعد واحدة من الأبعاد التي تشكل الهوية الاجتماعية للفرد، وهنا تُغيَّب هوية الفرد من خلال اندماجها بهوية المجتمع الذي ينتمي اليه» ، ويمثل هذا البحث مناقشة هذه الرؤية للمدرسة ممثلة بالوردي وخصوصا تاكيد الباحث على: الوضعية الاجتماعية وكأن الصورة المتشكلة للقيم الأخلاقية من خلالها توحي بأن الفرد مجبر بسلوكه الأخلاقي على وفق المجتمع الذي ينتمي إليه ولا أثر له فيها، إنما المجتمع هو الذي يحدد طبيعة السلوك الأخلاقي للفرد، سواءً أكان مجتمع بدوي أم ريفي أم حضري اذ يخلص الى القول: " فإن الوردي يعد أحد رموز الأخلاق الوضعية الاجتماعية في الفكر العربي المعاصر "، المحرر

تأسیسات البحث الأخلاقي في العصر الحديث - هيوم على سبيل المثال، وربما رواد الأخلاق الوضعية (الاجتماعية) بشكل عام أبرز من مثل هذه الرؤية من خلال نفي القول بالمطلق والتأكيد على دور الأعراف الاجتماعية في انتاج قيم الفرد الأخلاقية.

إن القيم الأخلاقية على وفق هذه المدرسة تعد واحدة من الأبعاد التي تشكل الهوية الاجتماعية للفرد، وهنا تُغيَّب هوية الفرد من خلال اندماجها بهوية المجتمع الذي ينتمي اليه، وقد تمثلت بمظاهر مختلفة بالامكان ملاحظتها من خلال قراءة علي الوردي (للعقل والفرد والمجتمع)، إذ اندمجت أخلاق الفرد بأخلاق البداوة (الشخصية البدوية) وأخلاق الريف (الشخصية الريفية)، فضلاً عن أخلاق الحضر أو المدينة ولم يعد لهوية الفرد من حضور إلا من خلال مجتمعه.

ورغم الجهود الكبيرة التي قدمها الوردي في دراسته للمجتمع العراقي التي حملت بين ثناياها القيم الأخلاقية للمجتمع العراقي فإن تلك القيم تمثل رؤية على وفق مدرسة أخلاقية ألا وهي الوضعية الاجتماعية وكأن الصورة المتشكلة للقيم الأخلاقية من خلالها توحي بأن الفرد مجبر بسلوكه الأخلاقي على وفق المجتمع الذي ينتمي إليه ولا دور له فيها، إنما المجتمع هو الذي يحدد طبيعة السلوك الأخلاقي للفرد، سواءً أكان مجتمعا بدويّاً أم ريفياً أم حضرياً.

هناك مدارس فلسفية أخلاقية عدة، قد قدمت رؤية مغايرة لرؤية الوضعية الاجتماعية في الأخلاق، وأكدت من خلالها على دور الفرد في بناء أخلاقه، إذ إن الفلسفة الأخلاقية عبر تاريخها قد اهتمت بتعريف الخير الأسمى وتحديد القيم الأخلاقية وبيان علاقة هذه القيم بالنشاط الانساني ووضع معايير العدالة والحق والواجب والفضيلة(1). وفي سياق الحديث عن القيم الأخلاقية، إن فلاسفة عدة قد استعملوا الكلمات المرادفة لمفهوم القيمة ، التي منها الخير والمثل الأعلى والكمال، وقد قيل مثلما يتكلم البشر في جميع لغاتهم بالنثر أسلوباً، فإنهم يمارسون كافة القيم سلوكا(2)، وإن لفظ القيمة في علم الأخلاق يطلق على ما يدل عليه لفظ الخير بحيث

ص: 127


1- ينظر: بدوي، محمد، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية ، 2000 ، ص7.
2- ينظر: بسيوني، صلاح، القيم في الاسلام بين الذاتية والموضوعية، دار الثقافة، القاهرة، 1990، ص11.

تكون قيمة الفعل تابعة لما يتضمنه من خير(1)، ولذلك نجد أن القيمة الأخلاقية فكرة عملية لا معنى لها إلا قياساً بالعمل(2).

ومما تجدر الاشاره إليه إن اغلب الفلاسفة وإن اتفقوا على أن القيم الأخلاقية تعنى بمعنى الفضيلة، إلا أن بعضهم درس السلوك الأخلاقي بوصفه موضوعاً أخلاقياً، سواءً أكان يتسق مع الفضيلة أم لا يتسق معها ، وهو ما دعاهم الى تصنيف القيم الى صنفين: صنف مطلق يلتمس لذاته، وصنف نسبي ينشده الناس كوسيلة لتحقيق غاية، وتأتي مهمة العقل لفحص القيمة الصحيحة للخبرات كلها التي يبدو اكتسابها متوقفاً على سلوكنا الى حد ما(3)، والصنف الأول من القيم الأخلاقية لا تتوقف على المنفعة بل هي مستقلة عن كل اعتبار، إنها قيمة في ذاتها(4). وفي بعض الاحيان يخلق المجتمع نسقاً من المفاهيم الأخلاقية لكي يوجه سلوك الناس كالمثل العليا والمبادئ السامية(5).

وما يهدف إليه البحث هنا هو دراسة تمثيل أخلاق الوضعية الاجتماعية عند علي الوردي، إذ إن فرضية البحث ترتكز على القول بأن علي الوردي في دراسته قد وظف الرؤى الفلسفية للوضعية الاجتماعية، لذا توزعت موضوعات البحث الى دراسة: الأخلاق الوضعية الاجتماعية في الفلسفة الغربية، وعلي الوردي ضمن سياق الأخلاق الوضعية الاجتماعية في الفكر العربي، وأخلاق المجتمع العراقي عند علي الوردي تمثيلا لأخلاق الوضعية الاجتماعية، فضلاً عن أخلاق الوضعية الاجتماعية من خلال الافادة من النقد الذي وجهه اليها المهتمون بالشأن الفلسفي الأخلاقي.

ص: 128


1- ينظر: صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، ج الثاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط أولى، 1973، ص 213.
2- ينظر: ديديه، جوليا، قاموس الفلسفة، ترجمة فرانسوا ايوب، مكتبة انطوان ،بيروت، ط أولى، 1992، ص418.
3- ينظر: لالاند ،اندریه، موسوعة لالاند الفلسفية، ج الثالث، ترجمة خليل احمد خليل، عويدات، بيروت، ط ثانية 2001، ص 1523.
4- ينظر: بدوي، عبد الرحمن، موسو عة الفلسفة، ج الثالث، ذوي القربى، قم، ط ثانية، 1420 ه، ص 206-217.
5- ينظر: بودین، روزنتال، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، مراجعة صادق جلال العظم، جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط خامسة، 1985، ص381.

أولاً - الأخلاق الوضعية (الاجتماعية) في الفلسفة الغربية:

إن الأخلاق على وفق الرؤية التقليدية تطمح أن تكون كلية مطلقة، وليدة الضمير الانساني العام أو العقل البشري الكلي، وإن أوامرها لابد أن تكون واحدة بالنسبة الى البشر قاطبة في كل زمان ومكان، وبالمقابل من ذلك هناك من يشتغل وفق الأخلاق الاجتماعية أو الأخلاق الوضعية القائلة بالنسبية التي تقول بأن الظواهر الخُلقية لا تخرج عن كونها ظواهر اجتماعية(1)، إذ حاولت المذاهب الأخلاقية التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وضع أخلاق عملية تحاكي في طابعها الموضوعي شتى العلوم الوضعية الحديثة(2)، وأرادوا أن يجعلوا للأخلاق مثلاً اعلى مستمد من الجماعة التي يعيش فيها الفرد وليس مستمداً من الدين أو من افكار بعض الفلاسفة(3)، وربما ابرز من مثل هذا الاتجاه في بداية أمره هم الوضعيون - الذين هم علماء اجتماع - رأوا أن لعلم الاجتماع وصاية على علم الأخلاق وتبعية ثانيهما لأولهما موضوعاً ومنهجاً، وقيام الأخلاق على هذا النحو يعني أن مجال البحث العلمي ينتهي باستبعاد المطلق من مجال الأخلاق، والتسليم بالنسبية وهذا القول لا يمنع من التمييز بين الخير والشر(4)، وينتمون الى المدرسة الوضعية في الأخلاق التي وصفها زكريا ابراهيم بالصور المقنَّعة للجبرية الميتافيزيقية التي تجعل الفرد خاضعاً لمصير محتوم بعيد عن الحرية والاختيار وتقرير المصير(5)، دعاة الأخلاق الاجتماعية ، ومن فلاسفة وضعيين اعتبروا الظواهر الأخلاقية مجرد وقائع اجتماعية تقبل الوصف والتحليل والتصنيف وذهبوا الى أن لكل شعب من الشعوب أخلاقه الخاصه التي عملت على تحديدها ظروف اجتماعية متعددة(6)، وقد كان أول من وجه الدراسات الأخلاقية الى هذه الناحية هو اوجست كونت (Auguste Comte) (1857-1798

ص: 129


1- ينظر: ابراهيم، زكريا، مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، ص 156.
2- ينظر : المصدر نفسه، ص 161.
3- ينظر : زقزوق، محمد حمدي، مقدمة في علم الأخلاق، دار القلم ،الكويت، ط ثالثة، 1983، ص59.
4- ينظر: الطويل، توفيق، فلسفة الأخلاق نشاتها وتطورها، دار وهدان القاهرة، ط ،ثالثة 1976 ، ص.
5- ينظر: ابراهيم، زكريا، مشكلة الفلسفة، ص161-162.
6- ينظر: ابراهيم، زكريا، المشكلة الخلقية، مكتبة مصر، ص 78.

ومن ثم حذا حذوه دوركهايم (David Emile Durkheim) (1917-1858م) وليفي بریل (Levy Bruhl) (1939-1857م)(1).

إن الأخلاق الاجتماعية على وفق كونت تعتمد على الملاحظة وتنظر الى ما هو كائن بالفعل، لا كما نتصور أن يكون(2)، وإنها «ليست أفكاراً نظرية يضعها فرد معين لا يرتبط بزمان معين ولا بمكان معين، أي فرد ميتافيزيقي لا وجود له في الواقع، ويسعى وراء مثل اعلى من خلق خيال الفيلسوف قلما يتحقق لبعده عن الحياة الواقعية واعتماده في اصوله على قوى داخلية نفسية، ولكن الأخلاق الاجتماعية هی أخلاق وضعية علمية تقوم فعلاً في المجتمعات البشرية، وهي محدودة بزمان معين ومكان معين، وتمثل قوى خارجه من صنع المجتمع نفسه هي الظواهر الأخلاقية التي يخضع لها طواعية لأنها تفوقهم وترفعهم الى مستواها الحضاري»(3). وهذا القول يشير الى تحول البحث الأخلاقي من البحث بما ينبغي أن يكون الى دراسة ما هو كائن، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الفرد اضحى من نتاج الضمير الجماعي.

يعتقد دوركهايم أن منبع القيم الأخلاقية هو الضمير الجماعي الذي هو فرد من نوع جديد منبثق عن تركيب الارواح الفردية، ويشكل تلك الروح الجماعية بالنسبة للفرد، التي هي اكثر استنارة منه ومن ثمَّ اكثر أخلاقية، فهو يحس بها بشكل الزامي کشعور داخلي عميق بالواجب(4). وهذا الرأي يؤكد على حضور الفرد ضمن الجماعة التي تعمل على تشكل قيمه الأخلاقية، ومن ثمّ تكوّن الظواهر الأخلاقية.

ويوضح ليفي بريل مفهوم الأخلاق بالاعتقاد بأنه مجموعة الأفكار والاحكام والعواطف والعادات التي تتصل بحقوق الناس وواجباتهم بعضهم تجاه بعض، التي يعترف بها ويقبلها الافراد بصفة عامة، في عصر معين وفي حضارة معينة، وتطلق هذه

ص: 130


1- ينظر: زقزوق، محمد حمدي، مقدمة في علم الأخلاق، ص 59.
2- ينظر: بدوي، محمد، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، ص 159.
3- عبد الحليم عطية، احمد، الأخلاق في الفكر العربي المعاصر، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1990، ص 52.
4- ينظر: غريغوار ، فرنسوا، المذاهب الأخلاقية الكبرى، ترجمة قتيبة المعروفي، منشورات عويدات، بيروتباريس، ط ثالثة، 1984 ، ص 110.

الكلمة على العلم الذي يدرس هذه الظواهر، وعلى تطبيقات هذا العلم(1). وليس بعيداً عن السياق الاجتماعي للأخلاق يشير ليفي بريل إلى إن الظواهر الأخلاقية ظواهر اجتماعية، فإذا ما فحصنا الظواهر الخلقية من الخارج ودرسناها بطريقة موضوعية من جهة علاقتها بالظواهر الاجتماعية، تبين أنها موضوع للمعرفة مثلها، وهذه هي نظرة علماء الاجتماع، ولكن العامة تنظر الى هذه الظواهر، فتجد أنها تتمثل لدينا في شعورنا الذاتي على هيئة الواجبات وصنوف الندم والشعور بالجدارة، أو عدم الجدارة واللوم والمدح وهلم جرا ، فإن خواصها تظهر في مظهر مختلف، وحينئذ يخيل الينا أن لا علاقة لها إلا بالسلوك وحده وإنها لا تخضع إلا للمبادئ العملية(2).

ويقول ليفي بريل: «لقد كان من العسير أن تجد هذه الفكرة قبولاً حسناً لدى النقاد اللذين لا يفرقون .. بين الوجهه النظرية وبين الوجهه العملية، بل يتصورون، على خلاف ذلك، أن علم الأخلاق نظري ومعياري في آن واحد، وأنه معياري اكثر منه نظريا. ويذهب بعضهم الى حد أن يقصر الأخلاق على تنظيم القواعد التي تصدر عن الضمير العام، أما كل البحوث التي تتجاوز ذلك الحد فهي على كل حال من الكماليات التي لا فائدة فيها، إن لم تكن ضارة»(3). وفي الوقت نفسه، يؤكد بريل بإن علم العادات الأخلاقية لا يمكنه أن يحل محل الأخلاق(4).

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن علم الاجتماع الأخلاقي هو ذلك الفرع السوسيولوجي الذي ينهض بدراسة الظاهرة الأخلاقية، أي إنه يدرس الأخلاق دراسة علمية، ويقترح علماً موضوعياً لتفسير العادات الأخلاقية، كما يتضمن دراسة النظرية الأخلاقية كما يعالجها الفلاسفة، ويجمع في تراثه ما جادت به قرائح الفلاسفة بصدد

تفسير السلوك الخلقي(5).

ص: 131


1- ينظر: بريل، ليفي، الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية، ترجمة محمود قاسم، مراجعة السيد محمد البدوي، وزارة المعارف، مصر، ص .170-169
2- ينظر: المصدر نفسه، ص58.
3- المصدر نفسه، ص 6.
4- ينظر : المصدر نفسه، ص 7.
5- ينظر: محمد اسماعیل، قباري، قضايا علم الأخلاق دراسة نقدية من زاوية علم الاجتماع، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط أولى، 1975 ، ص 17.

ولعل السبب الذي من أجله يحتفظ علم الاجتماع الأخلاقي بمحصلة ما نجم عن تراث الفكر الأخلاقي، هو أن هذه النماذج الفلسفية لم تصدر في الواقع عن العدم، إنما صدرت عن روح العصر، بمعنى ان معايير الفلسفة الخُلقية مشتقة من طبيعة الحياة الاجتماعية التي مرت بها الفلسفة طوال ماضيها الطويل، ففلسفات اللذة والألم والمنفعة والواجب ماهي إلا صور اجتماعية للواقع التاريخي التي مرت به(1).

ويمكن تلخيص سمات هذا الاتجاه على وفق النقاط الآتية(2):

1- إن اصحاب المدرسة الاجتماعية يرفضون توحيد الخلقي والعقلاني، كما يفعل الفلاسفة التقليديون، ومعنى هذا إن الحقيقة الأخلاقية ليست مجرد واقعة ذهنية بل هی ظاهرة موضوعية يمكن ملاحظتها وتصيفها وتحليلها وتفسيرها .

2- نقد الأخلاق المعيارية، نقد ما ينبغي والاشتغال على ما هو كائن.

3- القول بفشل الفلاسفة الذي اشتغلوا على تأسيس أخلاق عامة كلية، لأن المفاهيم الأخلاقية بعيدة عن أن تكون على هذا النحو من البساطة، فضلاً عن أن ما يؤسس له فيلسوف الأخلاق في ضميره لا يعدو كونه مجرد اكتساب من المحيط الذي ينتمي إليه.

4- نقد القول القائل بأن الطبيعة البشرية واحدة في كل مكان وزمان.

وهذا الحديث ينسحب الى المجتمعات المعاصرة التي نتجت فيها فلسفات أخلاقية مرتبطة بواقعها المعيش. وخلاصة القول، إن الأخلاق الاجتماعية تُعنى ببحث ماهو كائن وليس بما ينبغي أن يكون ، وإن القيم مرتبطة بالضمير الذي هو نتاج جماعي، فضلاً عن أن اعتبار الظواهر الأخلاقية ظواهراً اجتماعية، لكن على الرغم من التأكيد على دراسة ماهو كائن، إلا إن ماهو كائن يوصل الى ما ينبغي أن يكون من خلال نقد الأول والتأسيس للثاني البديل .

ص: 132


1- ينظر: المصدر نفسه، ص 19-20.
2- ينظر: ابراهيم، زكريا، مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، ص 157-159.

ثانياً - علي الوردي ضمن سياق (الأخلاق الوضعية الاجتماعية) في الفكر العربي المعاصر

يمكن القول إن الأخلاق الوضعية الاجتماعية في الفكر العربي المعاصر قد اتفقت مع المرتكزات الرئيسة التي قامت عليها الفلسفة الأخلاقية الاجتماعية الغرب، إذ هناك ركيزتان متفق عليهما، وهما، إن الفرد تمثيل لمجتمعه، والثانية إن الضمير مُقيد بما يسود المجتمع.

وفي الفكر العربي المعاصر، تبلورت الدعوة للأخلاق الاجتماعية لدى الرعيل الأول من المفكرين العرب، سواءً أكان مع منصور فهمي وعبد العزيز عزت أم مع محمد بدوي ومحمود قاسم(1). وهذا الأمر في مصر على وفق رأي احمد عبد الحليم عطية، إلا أن الباحث يرى أن الوردي ينتمي الى سياق هؤلاء المفكرين وهذا ما سيتبين لاحقا في ثنايا البحث.

يُعدّ منصور فهمي أول من تأثر بالمدرسة الأخلاقية الاجتماعية من خلال استاذه ليفي بريل الذي يعد واحد من ابرز رواد تلك المدرسة(2)، أما عبد العزيز عزت فيتميز عن منصور فهمي، بأنه استاذاً للفلسفة أما الثاني فهو استاذاً لعلم الاجتماع(3)، فيما جدد محمد بدوي رأي موقف المدرسة الاجتماعية التي ترى أن الإنسان الذي يحيا في مجتمع معين يعكس المبادئ الأخلاقية السائدة في مجتمعه وإن الضمير الأخلاقي يتقيد بما يسود في المجتمع من عادات وتقاليد، ومن هنا فالإنسان يحكم على الافعال والتصرفات لا من خلال ضميره فحسب، بل من خلال ضمير المجتمع(4).وهذه الآراء متماهية مع مواقف رواد الأخلاق الاجتماعية في الفلسفة الغربية، سواءً أكانوا مع كونت ودوكهايم أم مع بريل.

ص: 133


1- ينظر : احمد عبد الحليم عطية، الأخلاق في الفكر العربي المعاصر، ص45.
2- ينظر: المصدر نفسه،ص47.
3- ينظر: المصدر نفسه، ص49.
4- ينظر: المصدر نفسه، ص58.

وربما يقترب حسام الدين الالوسي من الوضعية الاجتماعية حينما يقول: «إن الأخلاق مسألة تاريخية اجتماعية، وإن تجاهل هذين الأمرين أحد أكبر العوامل التي اوقعت بعض المدارس الفلسفية الأخلاقية بالقول بفطرية الضمير ومطلقية القيم الأخلاقية»(1)، وإن التصور الاجتماعي التاريخي للأخلاق يمنح نتائجاً يتمثل بالقول بأن الأخلاق نشأت في طور معين من مراحل اجتماعية البشر، وإنها تطورت من التقاليد والاعراف، وأنها ترتبط بأسس المجتمع المادية ومجمل الظروف الأخرى(2). ولكن هذا القول لا يتماهى مع المدرسة الوضعية فحسب، إنما مع المدرسة البرجماتية أيضا، إذ يقول ديوي: «إن الأخلاق من الناحية العملية هي التقاليد، وهي الأساليب الشعبية، وهي العادات الجماعية المقررة»(3).وإن المجتمع هو الذي يرسم للفرد برنامج حياته اليومية(4).

وإذا عدنا الى الوردي فمن الممكن وضع دراساته وفهمه للفرد والجماعة في ضمن سياق الأخلاق الاجتماعية. فوفق رؤيته، أن الإنسان الفقير لا يفهم الحقيقة إلا على شكل رغيف، أما الغني فنجده يساهم بالمثل العليا، كالجمال الكامل أو الحق المطلق وما الى ذلك من مفاهيم(5)، لذلك على وفق ما اعتقد به أن الفلاسفة قد جانبوا الصواب ولاسيما الذين استنبطوا المثل العليا من عقولهم المجردة ثم يفوضونها الى الناس لأن ما يجري في سلوك الناس هو على نمط ما يحترمه المجتمع، فلو احترم الناس قرداً لصار جميع الناس يحاولون أن يكونوا قرودا(6)؟ وهذا الرأي يعبر عن أن الفقير ينظر للقيم على وفق بيئته الاجتماعية، وكذلك الأمر ينطبق على الغني أيضاً. وفي النتيجة حضور البيئة الاجتماعية وليس المثل العليا كما يتصورها بعض

ص: 134


1- الالوسي، حسام محيي الدين، التطور والنسبية في الأخلاق، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، 1989، ص 6.
2- ينظر: المصدر نفسه، ص 13.
3- ينظر: ديوي، جون، الطبيعة البشرية والسلوك الانساني، ترجمة وتقديم الدكتور محمد لبيب النجيحي، مؤسسة الخانجي، القاهرة، 1963، ص 97.
4- ينظر: بدوي، محمد، الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، ص 113.
5- ينظر: الوردي، على، خوارق اللاشعور أو (اسرار الشخصية الناجحة)، منشورات سعيد بن جبير، ايران، ط أولى، 2005، ص 54.
6- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق (الضائع من الموارد الخلقية) دار الوراق، ط أولى، 2007، ص17.

المهتمين، وإن كان قول الوردي لا يُفهم بالمطلق، إنما على وفق النسبية، لأن البيئة الفقيرة قد انتجت عدداً من الادباء والفنانين.

أما الركيزة الثانية في أخلاق الوضعية الاجتماعية، فترتبط بالذات المثالية التي يطلق عليها اسم الوجدان أو الضمير، فإن جذور هذه الذات مستمدة من قيم المجتمع، فالضمير نسبي يكون بلون المجتمع وهو قد يدفع الإنسان الى القسوة والظلم، إذا كانت القيم الاجتماعية مؤيدة لها، فالضمير صوت المجتمع لا صوت الله حيث كان القدماء يصفون الضمير بأنه (الصوت الالهي في الانسان)، وهناك فرق بين الاثنين فالله رب الناس جميعاً، أما المجتمع فيفضل ابناءه على غيرهم وهو لا يبالي بسفك الدماء ونهب الاموال(1)، وبناءً على ما تقدم، يقرر الوردي أن الإنسان لا يفكر بعقله بل بعقل مجتمعه فهو يميز بين الحسن والقبح حسب ما يوحي المجتمع إليه، إذ إن تفكيره يجري في نطاق القوالب التي وضعها المجتمع له، فهناك افراد خرجوا على القيم المتعارف عليها وهذا أمر يحصل في المجتمعات المفتوحة التي تتصارع فيها الأفكار، أما في المجتمعات المغلقة التي تعيش في عزله فمن الصعب أن يفكر الإنسان بخلاف ما اعتاد عليه ونشأ فيه(2). ويقول الوردي في هذا المقام «إن العقل متحيز في طبيعته لأن هناك عوامل تؤثر في تفكيره من حيث هو لا يدري منها القيم والمعتقدات والعادات والمصلحة والأنوية والعاطفة والثقافة الشخصية»(3).

ثالثاً- أخلاق المجتمع العراقي عند علي الوردي تمثيلاً لأخلاق الوضعية الاجتماعية:

من خلال ما ذكر سابقاً، يتبين تماهي الوردي مع آراء الأخلاق الاجتماعية، إذ أكد على أن الفرد ابن بيئته الاجتماعية وأن الضمير نتاج للضمير الجماعي، لكنه لم يقف عند حد الفلسفة الغربية المتمثلة هنا في الأخلاق الاجتماعية، بل عمل على تبيئتها

ص: 135


1- ينظر: الوردي، علي، الاحلام بين العلم والعقيدة، داركوفان، لندن، ط ثانية، 1994، ص85.
2- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، سعيد بن جبير، قم، ط أولى، 2005، ص 139
3- الوردي، على، خوارق اللاشعور او (اسرار الشخصية الناجحة) ، ص 47.

من خلال دراسة الواقع الذي ينتمي اليه، فوجد أن هذا الواقع فيه أمور يختص بها عن أخلاق البداوة والحضارة، وهنا ذهب أبعد من رواد المجتمعات الأخرى، ألا وهي الأخلاق الاجتماعية الى ابن خلدون ليوظف رؤيته في دراساته. كما لا يفوت على المتتبع لكتابات الوردي أن أخلاق البداوة قد أخذت حيزاً أكبر من الأخلاق الأخرى، بل يمكن عدها مرتكزاً لأخلاق الريف والحضر.

أ- التغالب بوصفه محركاً لقيم البداوة:

قبل الدخول في الحديث عن التغالب لابد من الاشارة الى الاهتمام الذي أولاه الوردي في وصفه لأخلاق البدوي وهذه الأوصاف تتمثل بسمات عدة، منها: الصدق، الأخلاص، الشجاعة، وغيرها من القيم الأخرى. وعلى الرغم مما عُرف به البدوي ، من عصبية تجاه جماعته، حتى أن هذه العصبية تقوم عليها الغلبة، إلا أن الرئاسة التي يسعى إليها، لا تكون إلا بالتغالب على رأي ابن خلدون(1).

إن المتتبع لقيم البداوة يجد أن أولها الصدق، فالبدوي لا يحب الرياء والمراوغة لأنهما يعدّان نوعاً من أنواع الضعف لا تتواءم طبيعة الشجعان، فهو لا يقسم بالله كذباً، وإذا أقسم فهو في الاغلب صادق(2)، وهذا يعني أنهم أي البدو- ميالون الى الصراحة والمجابهة، ومعنى هذا أن خلق النفاق فيهم ضعيف، أما عن وصف القرآن لهم بأنهم أشد كفراً ونفاقاً، فالاعراب هم البدو، وهذا النفاق ليس معناه النفاق الاجتماعي الحديث، لأن مفهوم النفاق الذي جاء به الإسلام ليصف فئة من الناس اظهروا الاسلام واظهروا الكفر ، وقد فرق الاسلام بين المسلم والمؤمن(3).

أما الصفة الأخرى التي يتسم بها البدوي فهي الاخلاص بل هو من أكثر الناس اخلاصاً، لكن بحسب معايير البداوة وطابع ثقافتها الاجتماعية فهي تكون نحو قبيلته،

ص: 136


1- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 19.
2- ينظر: ابن خلدون، عبد الرحمن محمد، مقدمة ابن خلدون، اعتناء ودراسة احمد الزغبي، دار الأرقم، بيروت، ص 161.
3- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 77.

إذ إنه لا يكون ذا اخلاص تجاه قوة غريبة، وإذا انضم الى هذه القوة فإنه لا يحمل نحوها من الولاء مثلما يحمل نحو قبيلته(1). إن هذا الاخلاص بين الفرد وقبيلته عباره عن مصلحة متبادلة فالقبيلة تتقوى بالفرد والعكس صحيح، فبمقدار ما يتوقع الفرد من قبيلته أن تشمله بحمايتها تتوقع القبيلة منه أن يمنحها الولاء والفداء، وهو يسرع الى نجدتها، والنجدة المطلقة هي من خصال البداوة التي لا يمكن الاستغناء عنها(2).

ويعتقد البدو بتوارث القيم أي إن مصدر القيم الوراثة، ولذلك نجدهم يهتمون بالإنسان لكونه يعين صفات الفرد منهم، فهم يعتقدون أن الإنسان يرث صفاته من ابويه، فإذا نشأ الولد بينهم وهو غير متصف بصفاتهم ارتابوا بنسبه، وهم بذلك يجهلون اثر المجتمع في تكوين صفات الفرد(3).

وعلى الرغم من أن الأخلاق التي يؤمن الوردي بدراستها ذات طابع اجتماعي، إلا أن المجتمع الذي يدرسه يجهل الجانب الاجتماعي، ومن الواجب القول أن من أهم الاساسيات التي تقوم عليها الشخصية البدوية هي الاستحواذ(4). ومن هنا فربما للثقافة البدوية ثلاثة أسس (العصبية، الغزو، والمروءة)، ومن الملاحظ أن طابع التغالب موجود في جميع هذه المركبات، فالفرد البدوي يغلب بقبيلته أولاً وبقوة شخصيته ثانياً، وبمرؤته أي فضيلته ثالثاً(5)، والبدو لهم قيم ومثل يؤمنون بها وهذه القيم تتغلغل في اللاشعور، إذ ينشأ عليها الفرد ويعتاد عليها حتى تصبح جزءاً من اسلوب تفكيره(6).

يتبين مما ذكر تماهي الوردي مع قيم البداوة على العكس من القيم الأخرى الموجودة في الريف أو المدينة، فضلاً عن دفاعه عن قيم البداوة، مثلما تبين من

ص: 137


1- ينظر: المصدر السابق، ص 81.
2- ينظر: المصدر السابق، ص49.
3- ينظر : المصدر السابق، ص 50.
4- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 13.
5- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 34.
6- ينظر: الوردي، علي، خوارق اللاشعور ، ص 60 .

خلال حديثه عن الاعراب، ولكنه جعل من التغالب مرتكزاً لفهم قيمهم، وبالنتيجة ستكون انقلاب للقيم المتعارف عليها عند الناس، إذ جعل من التغالب المرتكز الذي تنطلق منه قيم البداوة على الرغم من قوله بالعصبية التي هي المحور الأساس الذي تدور حوله البداوة على وفق رؤية ابن خلدون، التي لم ينكرها الوردي، إلا أنه فهمها من خلال التغال الذي نال أهمية أيضاً عند ابن خلدون.

1- الشجاعة تمثيلاً للتغالب:

إن الشجاعة بوصفها فضيلة تكمن قيمتها «في المجتمع البدوي بقياس الغلبة والاستحواذ»(1)، فالرجل البدوي لا يجد في الحرب برهنة على شجاعته، بل يبرهن بأنه قوي وغلاب في الحرب والسلم معاً، لذلك يحب أن يكون وهاباً بقدر ما يكون نهاباً، فالبخل دليل على الجبن، والقوي لا يبخل لأنه واثق بشجاعته وبها سينال غنائم اخرى(2). وهكذا تكون نزعة التغالب هي المحرك لقيمة الشجاعة ومن الصعب على البدوي أن يكون موضع عطف أو رعاية أو تفضل من الغير، لأن ذلك يدل على الضعف في نظره، فهو يرغب أن يكون غالباً لا مغلوباً، ناهباً لا منهوباً، طالباً لا مطلوباً، قادراً لا مقدوراً عليه، ومشكوراً لا شاكراً(3).

2- الكرم تمثيلاً للتغالب:

إذا كان البخل دليلاً على الجبن، فقيمة الكرم التي هي وسط بين البخل والتبذير لها معنى لدى البدوي يتمثل بوصفها نوعاً من أنواع التعاون بين الشيخ وافراد قبيلته(4)، وللكرم معنى آخر يتمثل بكونه رمزاً للقوة، فالسخاء بالمال علامة من علامات التغالب والبدوي لا يبالي أن يسخو في المال الذي يصل الى يديه، فهو اسخى الناس حين يستغاث به، وقد يبذل في سبيل ذلك حياته ، فضلاً عن المال(5)

ص: 138


1- الوردي، علي، الأخلاق، ص 15
2- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص34.
3- ينظر: المصدر السابق، ص 37.
4- ينظر: الوردي، علي، في الطبيعة البشرية الاهلية، الاردن، ط أولى، 1996، ص 148.
5- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 18.

3- الوفاء تمثيلاً للتغالب:

يحترم البدو الوفاء، فهم يعدون الكلمة ديناً واجب الوفاء، وهذه القيمة أيضا تقوم على اساس التغالب، فالبدوي لا يفي بوعده إلا حين يجد في ذلك اشعاراً أو تمثيلاً لقوته، أما إذا شعر أن الوفاء قد يدل على ضعفه فإنه مضطر أن يكون خائناً وهو يفتخر بذلك(1).

ب- القيم الريفية تمثيلاً سلبياً لقيم البداوة:

على وفق منظور الوردي إن القيم الريفية صورة مشوهة لقيم البداوة، إذ إن المجتمع العراقي في الريف من اكثر المجتمعات انغماساً بالقيم البدوية في محاسنها ومساوئها، ولعل المساوئ اكثر وضوحا من المحاسن(2)، وذلك يعود الى طبيعة الصراع الذي يعانيه الرجل الريفي في العراق من جراء وقوعه بين دافعين هما دافع الربح ودافع المحافظة على القيم البدوية، وهو صراع قلما يعانيه الرجل البدوي فهو بشجاعته يستطيع كسب المال والاعتبار الاجتماعي في ان واحد(3)، فالشجاعة والسيف لا يجديان نفعاً فلابد للرجل الريفي أن يتخذ طريق الكذب والمراوغة إذا أراد العيش(4).

ويعتقد الوردي إذا نظرت الى أخلاق شيوخ الريف تجد أنهم يسعون الى التشبه بالشيخ البدوي في جميع قيمهم من شجاعة وكرم وصدق وامانة ولكن إلى أي مدى يستطيعون ذلك؟(5)لم يستطع الشيخ الريفي تمثيل قيم البدو لأنه أخذ يجنح نحو أخلاق الترف والتملق تجاه الحكومة وأخذ يهمل بالتدريج أخلاق العزة والصراحة التي اتسم اسلافه البدو بها(6)، وعندما تتغير أخلاق وقيم الشيوخ في الريف فلابد

ص: 139


1- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 80.
2- ينظر: الوردي، علي، منطق ابن خلدون، دار کوفان ،لندن، ط ثانية، 1994، ص 258.
3- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص174.
4- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص34.
5- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 164.
6- ينظر: المصدر نفسه، ص 169

من أن تتغير قيم وأخلاق اتباعهم، بل أن قيم الفلاح تفككت أكثر من تفكك قيم الشيوخ بسبب الفقر(1)، فظهر واقع حب الربح والمال لدى بعض الريفيين، ولاسيما المتصلين منهم بالاسواق والمدن، إذ تراه يطالب بالدين الذي له، ويمتنع عن اداء الدين الذي عليه(2)، لأن ذلك تمثيل للقوة والشجاعة، وهذا ما دعاهم الى احتقار بعض المهن (كالبقالة)، لأن الرجل هنا يحمل الميزان بدلاً من أن يحمل السلاح وهذا مخالف لخصال الرجولة والشجاعة(3).

وعلى وفق هذا المنظور أن قيم الريف لا تمتلك مثل تنطوي تحتها بل هي تحاول تقليد قيم البدو، إلا أنهم يعملون على تغييرها على وفق المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي تحيط بهم ، وهي بالنتيجة قيم نسبية، وهذا ما ينطلق الوردي منه، سوا أكان مع البدوي أو مع الريفي أو مع الحضري.

ج- حضور قيم البداوة في القيم الحضرية (المدنية):

يمكن القول إن الوردي في حديثه عن القيم الحضرية لا يمثل قيم المدينة المعاصرة، وإن كان يوحي حديثه بأنه عن المدينة، بل إن حديثه اقرب الى سكنة الحضر (المحلة) بأزقتها، ولا يمكن فهم أخلاق المحلة على وفق أخلاق المدن الجديدة التي تشكلت، إذ إن الأخيرة تختلف في بنيتها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، وهذا يجعل من المدينة مختلفة عن المحلة وما تمتاز به من عصبية اجتماعية، أما عن المدن التي تشكلت فيما بعد فإنها تؤكد على الفردية نوعاً ما، إلا أن الوردي قد فهم المدينة من خلال المحلة وهو ما كان سائداً في عصره.

لقد ورث اهل المدن العراقية قيماً من العهد العثماني، فالنخوة العشائرية تحولت الى نخوة محلية في المدينة حيث تتمثل بدفاعه عن أهل محلته، سواء أكان ظالماً أم مظلوماً حتى أن التربية في المدن تؤكد ذلك، فالأطفال يمارسون هذه العصبية

ص: 140


1- ينظر: المصدر نفسه،ص170.
2- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 37.
3- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 133.

المحلية وقد يؤلفون فيما بينهم عصابة ويحتقرون الطفل الذي لا يسرق وعندما يكبر هؤلاء سينظرون الى الحياة بمنظار القوة والضعف وسيحترمون الرجل الشجاع السفاك بالنسبة لاعدائه واعداء محلته، وهو شهم تجاه اصحابه ولايكاد يستنجد به احد حتى يسرع الى نجدته(1).

وإذا نظرنا الى القيم التي سادت في المجتمع العراقي في المدن في العهد العثماني (كالنخوة والشهامة والوفاء والنجدة .... الخ ) بين ابناء المحلة الواحدة، فقد كان لها جانب حسن لكن لا يمكن لهذه القيم أن تلائم الحضارة الحديثة، لأن الحضارة الحديثة هي الميدان الذي يحصل فيه النزاع من أجل البقاء(2)، وقيمها فيها الشيء الكثير من القيم البدوية، لكنهم لم يحافظوا على نقاوتها كما جاءت من البادية بل شوهوها حتى صارت اكثر بعداً عن تعاليم الدين(3)، وهنا نشأت لديهم مشكلة وهي وقوعهم تحت نظامين متعاكسين من القيم، فهم يحترمون المواعظ البليغة لكنهم لا يستطيعون اتباع ما فيها من مثل عُليا، فهم نشأوا منذ طفولتهم على أخلاق حسبما توحي به قيمهم المحلية، وهي قيم مناقضة لتلك التي تدعو إليها المواعظ الدينية، فالدين يدعو الى العفو والحلم أما القيم المحلية فعلى الضد من ذلك(4). ويمكن القول إن الأخلاق الوعظية قد نالت النقد من الوردي، إذ إن رواد الأخلاق الاجتماعية يرفضون هذا المنحى في الأخلاق.

وللرجل الحضري موقف سلبي من القيم البدوية على الرغم من أنه تأثر بها، فالحضري لايستسيغ القيم البدوية لأنه نشأ على قيم اخرى هي قيم الانتاج والمنفعة، فهو يقدر الناس على اساس براعتهم(5)، ولذلك نجد أن الحضر أخذوا الان على عاتقهم أن يساعدوا البدو على التحضر وعلى تبديل قيمهم التي غدت لا تلائم حياة

ص: 141


1- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 46.
2- ينظر: الوردي، علي، اسطورة الادب الرفيع، دار كوفان للنشر، لندن، ص138
3- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص261
4- ينظر: المصدر نفسه، ص 248.
5- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 15.

الحضارة الجديدة(1)، والقيم في المدن من وفاء وشجاعة...الخ تمثل المنفعة ولاسيما المنفعة في المهنة (2).

هذه الأخلاق في تلك الايام تذكر بشهامتهم وتنسي أنهم لصوص، ولعل اللصوصية من مفاخرهم، إذ هي تدل على الشجاعة، والجبان هو الذي لا يسرق(3). ولعل اشارة الوردي الى اعتبار السرقة شجاعة هي أبرز تمثيل لانقلاب القيم عما هو متعارف عند من يدرس الأخلاق، مع التأكيد على أن السرقة بوصفها شجاعة لا تُعد من سمات الحضر فحسب، بل إن القرى الريفية فيها هذا الأمر كذلك.

وخلاصة القول إن القيم الأخلاقية في العراق ماتزال تحمل في ثناياها بعض قيم البداوة في احترام الغالب واحتقار المغلوب، لكنها قيم ممسوخة خرجت من محيطها الأول وفقدت وظيفتها الأخلاقية فبقيت توجه السلوك كالعقدة النفسية من غير أن يكون لها هدف ملائم في محيطها الجديد(4).

رابعاً - نقد الأخلاق الوضعية (الاجتماعية):

في الواقع لا يمكن تقديم نقد لرؤية ما ، إلا من خلال الكشف عن أخطائها المنهجية وتحديد مفاهيمها بوصفها وسائل لتبليغ آرائها، وفي رؤية الوضعية الاجتماعية فيما يتعلق بالأخلاق، ثمة مواطن ضعف كانت بدورها دعوة لفتح الباب على مصراعيه لنقود شتى قد وجهت لها، سواءً أكانت من النظريات المعيارية التي لم تتورع عن القيام بذلك، إذ لم يرق لها منطلقات تلك الرؤية التي تنكر أهم مبدأ من مبادئ الأخلاق الذي يشتغل على القول على وفق ما ينبغي أم من خلال الأخلاق الوجودية التي وإن قدمت رؤية حول دور الفرد، إلا أن رؤيتها لا تقل تطرفاً عن رؤية الوضعية.

إن علم الأخلاق نظري ومعياري بل إنه معياري أكثر منه نظري، لهذا يلاحظ أن

ص: 142


1- ينظر: الوردي، علي، منطق ابن خلدون، ص 255.
2- ينظر: الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ص 80.
3- ينظر: الوردي، علي، الأخلاق، ص 48.
4- ينظر: المصدر نفسه، ص 51.

قوة البحث الأخلاقي تعتمد على الموازنة بين القسمين وكذلك الموازنة بين دور الفرد ودور المجتمع في تشكيل سلوك الفرد، وليس القول بدور المجتمع فقط أو دور الفرد من دون الاهتمام بدور المجتمع وتأثيره على سلوك الفرد.

ومن الواجب القول، إنه قلما يوافق الفلاسفة على النظرة الوصفية للأخلاق، لأنهم يؤمنون بأن موضوعها يتمثل بفرض القواعد التي ينبغي أن يحتذيها الإنسان بسلوكه، ومن هنا فقد أبى الفلاسفة أن يجعلوا من الأخلاق مجرد دراسة وصفية للعادات والطبائع والسنن والمواضعات بين الناس، انما ذهبوا الى تأكيد القول بأن الدراسة الفلسفية للأخلاق هي دراسة معيارية، وبتعبير آخر هي معيار للخير والشر(1).

يقدم توفيق الطويل وصفا لأخلاق الوضعية الاجتماعية لا يخلو من النقد، إذ يقول: «إن الوضعية ترى أن الأخلاقية تقوم في طاعة الفرد لمواضعات المجتمع، ولكن ما الحال اذا كانت مثل المجتمع العليا هزيلة مريضة؟ كيف يمكن تقوم الأخلاقية في اقرار فساد البيئة وتوكيد مثلها المريضة؟ إن الأخلاقية للتمثل عندئذ في الثورة على الاوضاع البالية والتمرد على القيم التافهة، ابتغاء اصلاحها او وضع قيم سليمة جديدة تأخذ مكانها، وعنئذ يتبين الناقد المحايد أن القيم الجديدة قد صدرت عن الفرد رجعا لفساد المجتمع، وإن كان هذا الفرد نفسه لم يبرأ من تأثير المجتمع الذي يعيش فيه، وبهذا التمرد يتم التطور الروحي وبغيره يقف المجتمع وتجمد الأخلاق ويتعذر التقدم»(2). وإن رؤية الوضعية الاجتماعية فيما يتعلق بالأخلاق تصطدم مع مهمة الأخلاق، إذ ليس مهمة الأخلاق وصف نظام معين من الوقائع ، انما وضع مجموعة من المفاهيم، التي تحدد ما ينبغي أن يكون، و على وفق ذلك فإنه ليس من ، شأن الأخلاق أن تعمل على اكتشاف القوانين - على وفق المعنى العلمي، انما تنحصر مهمتها في تحديد القواعد، ومعنى هذا أن الأخلاق في جوهرها تشريع، تعمل وفق مهمة التكليف والالزام(3).

إن اصحاب النزعات الاجتماعية يحاولون أن يوفروا على إنسان العصر الحديث

ص: 143


1- ينظر: ابراهيم، زكريا، مشكلة الفلسفة، دار مصر للطباعة، ص.152.
2- الطويل، توفيق، فلسفة الأخلاق نشأتها وتطورها، دار النهضة العربية، ط ثالثة، 1976 ، ص 267.
3- ينظر: ابراهيم، زكريا، مشكلة الفلسفة، ص154-155.

مشقة الاختيار، وكأن ليس في السلوك لحظة فردية تتوقف على قرار الذات، إلا أنهم يتناسون القول بأن اصل المشكلة الخُلقية هي في اصلها مشكلة شخصية تقوم على ضرورة الاختيار التي لا مندوحة عنها، ويحاول القائلون بالأخلاق الاجتماعية التأكيد على مسايرة الفرد للجماعة ولقيم المجتمع(1). وفي ذلك يقول زكريا ابراهيم: «وهكذا ينأى اصحاب الأخلاق الوضعية (الاجتماعية) بالشخص الانساني عن مملكة الحرية والاختيار وتقرير المصير ، لكي يهيبوا به - فيما يقوله دعاة الوجودية - أن يسمو بنفسه نحو مستوى الكلية المجردة، حيث في وسعه أن يتخلص من كل مسئولية»(2).

ويمكن القول تماهيا مع رأي أحد الباحثين: «لم تكن دعوة الوضعيين جديدة من كل وجه، فقد سبق الى القول بمقوماته اقرانهم من الحسيين منذ أقدم العصور، فأنكروا كل ما وراء الواقع من حقائق ابستيمولوجية وقيم أخلاقية، وبالنتيجة استخفوا بكل مفكر يضيع جهوده في مثل هذه الأوهام»(3).

ولو رجعنا الى تأسيسات هذا الاتجاه لوجدنا أن آراء مؤسسيه من مثل كونت و دوركهايم وبريل فإننا نجد، إنه لم تبرأ قوانين كونت مؤسس الوضعية من الذاتية ولم تخل من الطابع الميتافيزيقي، واتضح بعده بطلان ما قامت عليه فلسفته، وقد اكد تاريخ الفكر أن العقل لم يبدأ لاهوتيا ويتدرج ميتافيزيقيا وينتهي وضعيا علميا، كما توهم كونت(4). من ناحية أخرى رأى دوركهايم أن منبع القيم الأخلاقية هو الضمير الجماعي، وهذا هو المثل الأعلى أي تلك الروح الجماعية بالنسبة للفرد التي هي اكثر وعيا منه، على أن هذا المفهوم يقودنا ثانية الى فكرة النظام الاعلى، أو بتعبير آخر الى دين الانسانية وعبادة الكائن العظيم على غرار كونت(5). ويتجلى نقص الفهم عند الأخلاق الاجتماعية ولاسيما مع ليفي بريل في عدم اشارته الى شعور الالزام

ص: 144


1- ينظر: ابراهيم، زكريا، المشكلة الخلقية، دار مصر للطباعة، ص79-80
2- المصدر نفسه، ص 80.
3- الطويل، توفيق، فلسفة الأخلاق نشأتها وتطورها، ص 264.
4- ينظر: المصدر والصفحة نفسهما .
5- ينظر: غريغوار، فرنسوا، المذاهب الأخلاقية الكبرى، ترجمة قتيبة المعروفي، منشورات عويدات، بيروتباريس، ط ثالثة، 1984 ، ص 110.

الذي يبدو داخليا في الشعور الأخلاقي، كما يتمثل في تبرير الانسياق الاتباعي في الأخلاق. اذ لم يحدد المعيار الذي سيدلنا على السلوك الذي يجب أن نرغبه ؟(1)وهنا يمكن القول: «بهذا يتداعى اساس النظرية الوضعية في فصل الفرد من المجتمع، وجعله كائنا سلبيا يتلقى نظاما لم يشترك قط في وضعه ولا يملك الا طاعته راضيا او کارها، بل قد يساعدنا فهم العلاقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع على أن ننتهي الى القول بأن الضمير الأخلاقي لا ينبع من ذات الإنسان وحده ولا من خارجه وحده»(2)إلا أنه رغم المآخذ على الوضعية غير أن فضائلها المتمثلة بالكشف عن العلاقات التي تربط بين الحياة الخلقية والحياة الاجتماعية تعد مهمة في البحث الأخلاقي(3).

ومن الواجب القول إن من بديهيات البحث الأخلاقي القول بأن الإنسان حيوان مقوم، ويتجلى نشاطه التقويمي العفوي أو الواعي في أنماط سلوك يألفها ويكررها وإن تكرارها يكسبها العادة، وهذه العادة فردية اجتماعية معاً مادامت سلوكاً(4). وهنا اشارة الى أن أخلاق الفرد تتشكل بسعيه أولاً وبتعبير آخر بوعيه الذي انتج رغبته في السعي لتغيير واقعه الأخلاقي مع عدم انكار دور البيئة الاجتماعية التي ينتمي اليها، إلا أن هذا الدور وإن كان مؤثراً لكنه لا ينكر حضور دور الفرد في تشكيل وتقييم نشاطه الأخلاقي.

إن لدراسة القيم الأخلاقية أهمية كبيرة، فالإنسان يهتم بما أودع فيه من عقل بمعرفة الحقيقة (ما هو كائن) ، ولكنه بما أودع فيه من شعور يهتم بممارسة الخير (ما ينبغي أن يكون)، فالأخلاق تتصل بالناحية الروحية عند الانسان، بحيث ينتظر من الإنسان أن يدرك واجباته وأن يهدف في اعماله الى تحقيق المبادئ الأخلاقية، فكل انسان ملزم لأن يبني تصرفاته ويبررها على وفق مبدأ أخلاقي يسير عليه وإذا لم يتخذ الإنسان لنفسه موقفاً من المشكلات التي يتعرض لها وآثر أن يكون سلبياً، فإن هذه

ص: 145


1- ينظر : المصدر نفسه، ص 109.
2- الطويل، توفيق، فلسفة الأخلاق نشأتها وتطورها، ص 266.
3- ينظر: المصدر نفسه، ص 267.
4- ينظر: العوا، عادل، العمدة في فلسفة القيم، دار طلاس ،دمشق، ط أولى، 1986، ص 9 وما بعدها.

السلبیة هي بالمقابل من الأخلاق(1)، ومع الوضعية الاجتماعية يبدو الأمر وكأن الفرد لا دور له فيما هو كائن لأن سلوكه نتيجة للبيئة التي ينتمي اليها، في حين البحث الأخلاقي يقوم على الموقف مما هو كائن لتشكيل ما ينبغي أن يكون.

الخاتمة:

أولاً وقبل كل شيء، ليس من شك في أن الفلسفة تمتلك خطاباً كونياً - على وفق الفهم السائد ، والفلسفة الأخلاقية المعيارية جزء من ذلك الخطاب، وقد عبرت عن نفسها تعبيراً موحداً رغم تعدد أنماطها، وكانت تسعى الى رفع مستوى وعي الإنسان لما أهله لادراك مثله العليا، وهو ما يتمظهر بجهد الفيلسوف بوصفه انساناً للرقي بنوعه، ونظرة الآخر الإنسان الاعتيادي إليه، فالخطاب الأخلاقي المعياري موجه الى مجموعة واسعة من البشرية، بل إنه خطاب الإنسانية، وهذه النظرة تمثل نظرة أخلاقية كونية متفائلة.

وإذا كان أحد المرتكزات الفلسفية للوردي (الاتجاه السفسطائي)، الذي عُرف بميله نحو النسبية، فإن النسبية هي أيضاً صفة لنتائج بحثه، لأنها صادرة عن عقل نسبي اعترف بهزيمته للوصول الى المطلق. لم يكن الوردي الوحيد الذي درس المجتمع العراقي لكنه انفرد بميزة مهمة وهي نقده اللاذع للمجتمع، وإذا أخذنا جانب القيم الأخلاقية نجد أنه طرح هذا الموضوع بصورة مختلفة قد تعود هذه الصورة في أسسها لرواد الأخلاق الوضعية الاجتماعية. ومن الواجب القول أنه على وفق ماتم دراسته في البحث، فإن الوردي يعد أحد رموز الأخلاق الوضعية الاجتماعية في الفكر العربي المعاصر.

وإن كان الوردي محقاً في جانب إلا أنه قد جانب الصواب في جانب آخر، لأن كلمة ينبغي تعني من بين ماتعني (المثال)، فبعد المثال أو قربه من الإنسان قد لا يحبطه عن الفعل، لكن اختيار المثل المناسب هو الحل، وإلا كيف يقول

ص: 146


1- ينظر: بدوي، محمد الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع، ص 8.

تعالى في كتابه الكريم ((ولله المثل الأعلى)). إلا أن هذا المثل محدد بقدر الطاقة الانسانية، والطاقة تفهم هنا الطبيعة التي قال بها الوردي، ولكن الله جل جلاله هو المثل الأعلى، ولو لم يعلم الله طاقة الإنسان ما حثه على ذلك. وهذا من منظور ديني، وكذلك من منظور الأخلاق الوضعية الاجتماعية كانت دراسات الوردي غارقة في الوصف للجوانب السلبية أو القيم المقلوبة وهذا من ناحية، وإن كشف ماهو كائن، إلا أن هذا لا يؤدي للعمل بما هو ممكن.

إن الإرث الاجتماعي العراقي يمتلك إرثاً من الأفكار والحوادث لا تعد ولا تحصى، أثارت ومازالت تُثير التساؤل والجدل حول مضامينها، بل أثارت الجدل حتى عن طبيعة المجتمع ، ولكن أي مجتمع ؟ هل هو المجتمع البدوي أو المجتمع الريفي أو المجتمع الحضري ؟ وهل مازالت ظواهر هذه المجتمعات موضع الدراسة والاهتمام؟ وهل بقيت هذه التصنيفات إلى اليوم؟ وهذه الأسئلة بحاجة الى اجابات من دراسات أخرى.

ص: 147

أخلاق المثاليّة المُعدَّلة عند توفيق الطويل

(نقد ذاتي للمشاريع الأخلاقية الغربية)

د. غيضان السيد علي(1)

مقدمة

يعد الدكتور توفيق الطويل صاحب نظرة أنطولوجية، إبستمولوجية، أخلاقية تؤمن بأن مشكلة الوجود لا تحل برده إلى المادة وحدها أو الروح وحده، ولكنها تحل بنظرة أوسع وأكثر رحابه، أي برده إلى المادة والروح معا، فهو صاحب مذهب ثنائي في الوجود ومن ثم كان رأيه في المعرفة امتدادا لرأيه في الوجود، تلك المعرفة التي ردها إلى التجربة الحسية والنظر العقلي مجتمعين، وبطبيعة الحال انعكست تلك الآراء على المجال الأخلاقي. وبدا ذلك واضحا في إنكاره لوجهه نظر الطبيعيين من التجريبيين والحسيين التي ترى أن علم الأخلاق علم عملي يهدف إلى تحقيق غاية في حياتنا يقصد الإنسان إلى تحقيقها باعتبارها الخير الأقصى، كما أنكر آراء

ص: 148


1- مدرس الفلسفة الحديثة بكلية الآداب جامعة بني سويف جمهورية مصر العربية: يرى الباحث:» أن الدكتور توفيق الطويل صاحب نظرة أنطولوجية، إبستمولوجية، أخلاقية، تؤمن بأن مشكلة الوجود لا تحل برده إلى المادة وحدها أو الروح وحده، ولكنها تحل بنظرة أوسع وأكثر رحابه ، أي برده إلى المادة والروح معا «اذ اعتبر الطويل أن الفضيلة لا تكون بالاسترسال مع الشهوة ولا تكون أيضًا بإمانتها، وإنما تكون في التوسط والاعتدال وإخضاعها لحكم العقل. وبهذا يرى الباحث وقد كان بإمكانه أن يستخلص هذا الموقف الوسطي ويهتدي إليه من القرآن الكريم وآياته الكثيرة التي ورد فيها لفظ «الوسط» ليفيد المدح والتقدير والاعتدال، فحديث القرآن عن هذه المادة يفهم منه أن التوسط فضيلة من فضائل الإسلام وخلق من أخلاقه . المحرر

المثاليين من الحدسيين في الأخلاق من حيث اعتبارها علما نظريًا يهتم بفهم طبيعة المثل العليا في السلوك الإنساني، ولا يهتم بالكشف عن الطريق التي تؤدي إلى تحقيقها، ولذلك رأى أنه من الأدنى إلى الصواب أن نجمع بين هذين الاتجاهين المتطرفين؛ فتصبح الأخلاق علماً نظريًا وعمليا معًا، فهي دراسة عقلية تهدف إلى فهم طبيعة المثل العليا التي تستغل في حياتنا الدنيا، وهي علم وفن، ومن الضلال أن تقتصر على جانب واحد منها.

ولذلك فإن توفيق الطويل مع تقديره البالغ لمذاهب التجريبيين والوضعيين والمثاليين في الأخلاق، إلا أنه لم يقف منها موقف المؤيد، وإنما ابتكر لنفسه موقفًا يعبر عن وجهه نظره في تحقيق الكمال الأخلاقى من خلال نظرته إلى الإنسان ككائن أخلاقي، وظهر من كتاباته أنه يدين بالولاء لنوع من المثالية الأخلاقية المعدلة التي برئت من التزمت المقيت، وتحررت من قيود النزعة الصورية التي شابت المثالية النقدية الكانطية. فما هي طبيعة هذه المثالية الجديدة، وإلى أي مدى عبرت عن الذات والهوية الإسلامية؟ وما هي المؤثرات التي تأثرت بها وساعدت على ظهورها ونشأتها؟ وما هي مكانتها من المثاليات التقليدية؟ وهل تخلصت من تلك الشوائب التي لحقت بالمثالية النقدية الكانطية المتزمتة ؟ ثم نختتم بوضع المثالية المعدلة في الميزان لنعرف ما لها وما عليها. وهذا ما سنقف عليه من خلال المحاور الآتية:

أولاً : المثالية المعدلة تعبيرًا عن الهوية الإسلامية

انطلق تصور توفيق الطويل الأخلاقي من أن الفضيلة لا تكون بالاسترسال مع الشهوة ولا تكون أيضًا بإماتتها، وإنما تكون في التوسط والاعتدال وإخضاعها الحكم العقل، ويبدو ذلك تشابها واضحًا وتأثراً لا يمكن إنكاره من جانب صاحب «المثالية المعدلة» بأرسطو - رغم المآخذ الكثيرة التي أخذها الطويل على مذهب أرسطو الأخلاقي - فكلاهما رأى أن الفضيلة تعني الاعتدال Moderation، ومن أجل ذلك قامت نظرية الأوساط عند أرسطو التي جعلت الفضيلة وسطاً بين إفراط وتفريط أو بحسب تعبير أرسطو نفسه «وسط بين رذيلتين، إحداهما بالإفراط

ص: 149

والأخرى بالتفريط »(1). وفكرة الوسط هذه وإن نسبت إلى أرسطو واشتهر بها، إلا أنها من الأفكار البديهية التي تهتدي إليها الفطرة وتدل عليها السجيّة، فليس ضروريًا أن يكون أرسطو أول من قال بها في مجال الأخلاق، ولكنه قطعا أول من أصلها وشرحها وجعلها قاعدة أخلاقية فلسفية.

وظهرت هذه القاعدة الأخلاقية عند الطويل؛ إذا يرى أن الإنسان ليس حسًا خالصا ولا عقلاً محضًا، ولكنه يجمع بينهما ولا تستقيم حياته الصحيحة من دونهما معًا، وتكامل النفس يقتضي الإبقاء على قوى الإنسان حسية كانت أو عقلية مع تمكين هذه القوى من أن تؤدي وظيفتها الطبيعية بتوجيه العقل، والموقف الخلقي يقوم على أنَّ الطبيعة البشرية تجمع فعلاً بين نزعات الأثرة والإيثار، ومن الخطأ أن تقوم الأخلاق على الأنانية الموغلة وحدها أو الغيرية الطاغية وحدها، وهو من المؤمنين بقول ليكي Lecky إن الفضل الأكبر في نهضة الأمم وتقدم الحضارات مرجعه إلى مسعی قوم كانوا وهم في غمرة سعيهم الحثيث من أجل مصالحهم الشخصية يعملون عن وعي الترقية مصالح المجموع، ولم يكن قول ليكي هذا ببعيد عن جوهر الدين الإسلامي الذي يدين به توفيق الطويل وتعبر مثاليته المعدلة في أصلها عن تعبير لجوهره الأخلاقي، ذلك الدين الذي أقام شريعته جملة وتفصيلاً على تحقيق مصالح الناس أفرادا وجماعات ومنع المفاسد من حياتهم الخاصة والعامة، وأوضح معالم الطريق أمام العقل البشري حتى لا تضلله الأهواء والشهوات(2).

إذن فقد أثرت دعوة الإسلام إلى الوسطية تأثيراً جما في فكر توفيق الطويل الأخلاقي، تلك الدعوة التي تتفق تمامًا مع مبدأ الوسط الأخلاقي، فتدعو دائماً إلى الاعتدال والتوسط والتوازن في كل شيء لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة : 143). وجاءت مادة «الوسط» في اللغة العربية لتدل على العدل والإنصاف

ص: 150


1- أرسطو: الأخلاق إلى نيقو ماخوس، ترجمة من اليونانية إلى الفرنسية وقدم له بارتلمي سانتهلير، نقله إلى العربية أحمد لطفي السيد [ ك 2 - 65 (ف15)] القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1924، ص 248.
2- زينب عفيفي شاكر : المثالية المعدلة في فلسفة الدكتور توفيق الطويل الخلفية، (مقالة في نقد الفكر الأخلاقي) مقاله بالكتاب التذكاري «الدكتور توفيق الطويل مفكرًا عربيا ورائدا للفلسفة الخلقية - بحوث ودراسات مهداه» المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1995، ص 86.

وعلى البعد بين الإفراط والتفريط، وهي تفيد معنى الخيرية كما تفيدها كلمة السواء والنصفة والعدل، فإذا كان وسط شيء ما له طرفان متساويان في القدر، فإن وسط الشيء أعدله وأفضله، أيضًا يقال من أوسط قومه أي من خيارهم، والرجال الوسيط هوالحسيب بين جماعته. ووردت الكلمة في القرآن الكريم في مواضع عدة تفيد المدح والتقدير، وحديث القرآن عن هذه المادة يفهم منه أن التوسط فضيلة من فضائل الإسلام وخلق من أخلاقه، فالصفة الأساسية الجليلة التي أرادها الله تعالى للأمة الإسلامية هي الوسط، وورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر كلمة (وسطا) في الآية بكلمة (عدلاً)، وقال المفسرون: «أمة وسطاً» أي: أخيارًا وعدولاً. وقد وردت مادة (الوسط) أيضًا كصفة مدح للعبادة في الإسلام، قال تعالى: } حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } (البقرة: 238). وفسر البعض المقصود بالصلاة الوسطى هي الصلاة المتوسطة المعتدلة التي لا نقصان فيها ولا إفراط وتأتي كلمة الوسط في «سورة القلم» بصدد الحديث عن أصحاب الجنة الذين منعوا الزكاة، قال تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} (القلم: (28)، وأوسطهم خيرهم وأعدلهم رأيًا وأمثلهم طريقة وأسرعهم رجعة إلى الله عز وجل. إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة وأقوال الحكماء والعلماء والشعراء التي تشير إلى الوسط وتحمده باعتباره فضيلة خلقية(1). ومن ثم يصرّح الطويل قائلاً ومؤكدًا على موقفه الوسطى الذي يتماشي مع وسطية الدين الإسلامي: «ليس في الإسلام - كما يبدو في القرآن الكريم وسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا الغلو الذي يوجب على الإنسان قتل ميوله وشهواته، ووأد مطالبه وحاجاته، وكراهية اللذة في كل صورها، بل صرّح القرآن بضرورة الجمع بين الدين والدنيا، فأباح للمؤمنين كثيرا من ملذات الحياة {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا* إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ*قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً وْمَ الْقِيَامَةِ * كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف: 31-32). وصرّح القرآن

ص: 151


1- ابن منظور: لسان العرب، الجزء السادس، دار المعارف، د. ت، (مادة وسط) ص 4834 4831-.

بأن الآخرة تنال مع التمتع بنعم الله في الحياة الدنيا إذا قال: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ * وَلَا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77). وفي هذا التيار جرت الصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. فزينة الدنيا وبهجتها، والتمتع باللذاذات والمشتهيات مباح في الإسلام بشرط القصد والاعتدال وحسن النية فيما يقول أئمة الدين نفسه(1). ومن ثم صور الروائي الكبير نجيب محفوظ توفيق الطويل في روايته «القاهرة الجديدة» في شخصية «مأمون رضوان» المتدين المثالي الذي يري في الإسلام عزة المسلمين وحلا لمشاكل المجتمع المعاصر(2).

وإذا ما واصلنا تأصيل المثاليّة المعدلة في الفكر الإسلامي الذي انطلق في جزء كبير منه من الدين الإسلامي، لتبين لنا أنه وضع قواعد المثالية المعدلة من خلال الدعوة إلى الوسطية، تلك الدعوة التي وجدنا صداها يتردد في الفكر الفلسفي الأخلاقي الإسلامي عند الفارابي ومسكويه، وغيرهم ممن قالوا بمبدأ الوسط في الأخلاق، والذي لا يتسع المقام لذكرهم. وهو أمرٌ يجعلنا نؤكد أن المثاليّة المعدلة عند توفيق الطويل تعبر عن الهوية الإسلامية

خير تعبير .

ثانيًا: المثالية المعدلة ونقد المذاهب الأخلاقية الغربية

بعد أن حدد الطويل موضوع علم الأخلاق والمجال الذي ينبغي أن يهتم به فيلسوف الأخلاق راح يوضح مصادر الإلزام الخلقي؛ أي المعايير والضوابط التي في ضوئها نحكم على السلوك البشري بأنه فاضل أو شرير، فبين لنا أن ثمة مدارس واتجاهات غربية كبرى متعددة ومتباينة سعت إلى تفسير مصادر الإلزام، قام بحصرها في اتجاهين رئيسيين هما: التجريبيون والعقليون؛ التجريبيون أو أتباع الاستقراء في مقابل العقليين أو دعاة الفطرة، وعن أولهما صدرت مذاهب المنفعة العامة، ونظرية التطور والنشوء والارتقاء، والمذهب العملي والمذهب الوضعي كما يبدو عند

ص: 152


1- توفيق الطويل : المثل الأعلى بين وأد الشهوة وإشباعها، مجلة علم النفس يوليو، 1952 ص 43.
2- أنظر : نجيب محفوظ : القاهرة الجديدة، مكتبة مصر، القاهرة، د.ت.

المدرسة الاجتماعية الفرنسية ومذهب الوضعية المنطقية المعاصرة، وعن الثاني صدرت مذاهب الحدسيين والمثاليين في مختلف صورهما(1).

وينكر أصحاب المذهب التجريبي - في شتى صوره - ما وراء العالم المحسوس من حقائق وقيم، ونادوا بالوقوف عند الواقع، واصطنعوا مناهج البحث التجريبي في دراسته. وانتهى بهم هذا الموقف إلى رد القانون الخلقي إلى الذات (التجريبية) التي تصدر أحكامها الخلقية، وليس إلى الموضوع الذي تصدر عنه، مع اتفاقهم على إقامة الأخلاقية على وجدان اللذة والألم أو المنفعة والضرر ، فتوقفت على جزاءاتها ونتائجها، وأصبح الخير ما يحقق نفعًا أو يدفع ضرراً ، والشر ما يجلب مضرة أو يعوق منفعة، مع التسوية بين مدلولات اللذة والمنفعة والسعادة، وأصبح الإنسان في تصور هؤلاء الطبيعيين عامة كائن حاس عاطل من القوى الروحية والعقلية، وأضحى هدف الأخلاقية إشباع الأنانية وتوكيد الذات ولو جاء على حساب القيم الروحية العليا، فإذا بهم يسقطون من حسابهم الجانب المشرق الوضاء في طبيعة الإنسان ويقفون عند جانبها البهيمي للبحث في أو حال ذكرياته النابية وأصوله العدوانية ورغباته الجنسية ونحوها، من دون أن يتجاوزوا هذا الواقع الأليم إلى تصوير ما ينبغي أن يكون وهو هدف الفلسفة الأخلاقية الأصيلة .

أما أصحاب المذهب العقلي (على اختلافهم) فقد ضاقوا بتفسير التجريبيين لأخلاقية أفعالنا الإنسانية، فنفروا من القول بذاتية الأحكام الخلقية، ونسبية القيم وتغيرها بتغير الظروف والأحوال، وأنكروا إرجاع الضمير إلى التجربة، ورفضوا ربط الأخلاقية بجزاءاتها ونتائجها .. فرد العقليون الأخلاقية إلى الحدس أو العقل دون الوجدان، وفصلوا بينها وبين إغراء الميول والرغبات والمنافع واللذات، واعتبروا الخيرية Goodness صفة ذاتية عينية تقوم في طبيعة الفعل الخير ولا تتوقف على شعور الفرد أو الجماعة بالاستحسان، وتصوروا الضمير قوة فطرية كامنة في طبائع

ص: 153


1- توفيق الطويل: العقليون والتجريبيون في فلسفة الأخلاق، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة الجزء الأول، المجلد 14، 1952، ص 39.

البشر تدرك الخير وتميز بينه وبين الشر حدسيًا تلقائيًا من دون اعتبار لنتائج الأفعال وآثارها، وجاهروا بأن الأخلاقية تحمل جزاءها في باطنها وتتضمن في ذاتها مبرراتها(1).

وتطرف أصحاب هذا الاتجاه وغلوا في تطرفهم حتى أنهم اعتبروا أن الجسم مبدأ كل شر والعقل مبدأ كل خير ، ومن هنا جاء نفورهم من الجسم، وطالبوا بالعمل على استئصال شهواته وإماتة رغباته ونزواته - على طريقة الصوفية والنساك - فحاربوا الجانب الحيواني في طبيعة الإنسان، وطالبوا بطاعة الواجب لذاته، اعتقادًا منهم بأن الأخلاقية غاية في ذاتها، وليست أداة لغاية تقوم خارجها، وانتهى هذا الموقف بالتضحية بالذات وقمع رغباتها ووأد أهوائها، وتوجيه الأخلاق إلى الإيثار ونكران الذات. وكان من أظهر دلالات التطرف في ذلك الاتجاه هو تصور المتطرفين منهم لفكرة السعادة؛ إذ طلبوا السعادة ابتغاء الفضيلة فضحوا بسعادتهم من أجل غاية غامضة في عقولهم(2).

ولذلك لم يقف الطويل في هذا الصدد لا مع التجريبيين على طول الخط ولا مع العقليين إلى آخر شوطهم؛ لأنه يرى أن كلا الفريقين مخطئ، وأن كلا منهما قد تطرف في اتجاهه فبعد عن الصواب، فكل منهما قد سعى إلى الفصل بين العقل والبدن، فاخضع التجريبيون العقل كلية للتجربة، أما العقليون فقد جعلوا العقل وحده مالكًا للحقيقة المطلقة؛ ولذلك رأي الطويل خطأ وتطرف الفريقين؛ إذ رأى أن فلسفة الأخلاق ينبغي أن تتعامل مع الإنسان كما هو من حيث إنه مؤلف من جسم وعقل، جانب مادي وآخر روحي، إنّه مكون من مادة وصورة، ولا يصح أن نعامله بكونه مادة فقط أو صورة فقط، فالقول بأن حياة الإنسان حياة حيوانية خالصة بعيد عن الصواب بعد القول بأن حياته روحية خالصة، كما ثبت أن تصور حياة الفرد منعزلاً عن غيره بعيد عن الأخلاق بعد القول بفناء الفرد في المجموع، ولذلك نادي بضرورة تكامل الجانبين معًا في مثاليته المعدلة البعيدة عن كل تطرف.

ص: 154


1- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق - نشأتها وتطورها، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1985، ص 486 .
2- المصدر السابق: ص 494 .

ثالثًا - موقف المثالية المعدلة من المثالية النقدية:

كانت الأخلاق المثالية النقدية عند كانط من أهم الاتجاهات الأخلاقية الغربية التي قدمت لها المثالية المعدلة سهام النقد؛ حيث جاءت المثالية المعدلة في الأساس لتعديل وتفادى أوجه النقص والقصور التي وقعت فيها تلك المثالية النقدية، فيقول الطويل: «إنا مع تقديرنا البالغ لمذاهب التجريبيين والوضعيين وأمثالهم ندين بالولاء لنوع جديد من المثالية الأخلاقية المعدلة التي برئت من التزمت المقيت، وتحررت من قيود النزعة الصورية التي شابت المثالية الكانطية المتطرفة»(1)ويصف الطويل مثالية كانط بعدة صفات؛ كأن يصفها بالتطرف، والتشدد، والتزمت المقيت. أو كأن يصفها ب- «المثالية بمعناها الضيق»، فيقول: «والمثالية في معناها الضيق، الاتجاه الذي يجعل الأخلاقية غاية في ذاتها، فيرفض القول بأنها تهدف إلى إسعاد الفرد - كما ذهب قدماء اليونان ومن أخذ برأيهم - أو منفعة المجموع كما قال أتباع المذهب النفعي أو تحقيق الكمال كما قال دعاة التطور وغيرهم من مفكري الأخلاق، أو غير هذا هذا من غايات تقوم خارج الأخلاقية، فالأخلاقية تهدف إلى غاية موضعية يتوخاها الإنسان بما هو إنسان، ومن ثم كانت قيمتها مطلقة، ليست نسبية وإلا استحال قيام مبدأ أسمي للأخلاقية، وبهذا تصبح الإنسانية غاية قصوى للواجب بالذات»(2). مادام الواجب الأخلاقي هو ضرورة أداء الفعل احترامًا للقانون العقلي في ذاته.

ولذلك يستطرد الطويل في نقده لهذه المثالية، ويقرر أنها قد بلغت ذروتها بمعناها الضيق في فلسفة كانط ؛ حيث أوجب صاحبها على الإنسان أن يؤدي الواجب، لذاته بباعث من تقديره العقلي لمبدأ الواجب، ومن غير اعتبار لما يترتب على تأديته من نتائج وآثار ، ومن غير أن تتدخل عواطفه أو ميوله(3). أي إن الأخلاق عنده كما عند غيره من المثاليين علمًا معياريًا وليس وضعيًا، فعالم الأخلاق يدرس ما ينبغي أن

ص: 155


1- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق، ص 40.
2- المصدر السابق، ص 400
3- المصدر السابق، ص 401

يكون عليه سلوك الإنسان، ولا يقف عند وصف هذا السلوك وتقريره كما يفعل عالم النفس وعالم الاجتماع كل منهما في نطاق دراساته ومناهجها.

وقد كان كانط من أنصار المذاهب الديونطولوجية، حيث أنكر ربط الأخلاقية بنتائج الأفعال، من لذات وآلام ومنافع ومضار وجعل قيمة الأفعال قائمة في باطنها وليس في الغايات التي تقوم خارجها، ومن أجل هذا كان مذهبه نظرية في الواجب لا نظرية في الخير (الذي يصيب صاحبه أو غيره من الناس) وقد توصل إلى فكرته بالقول بأن الخيرية صفة الإرادة وحدها، فلا شيء غير الإرادة يمكن أن يكون خيرًا بالذات، والإرادة الخيرة لا تحركها رغبات أو غايات، ولا عواطف ولا شهوات؛ لأن الأفعال التي تصدر عن هذه البواعث تكون قيمتها مشروطة مرهونة بتحقيق هذه الغايات وإشباع تلك الشهوات، وإذا اختفت الميول انعدمت قيمة الأفعال. ومن ثم أراد كانط أن يحرر السلوك الأخلاقي من قيود هذه الميول والأهواء حتى تكون قيمته باطنية مطلقة، وبهذا تستبعد اللذة والمنفعة والسعادة غاية قصوى لأفعال الإنسان الإرادية، فالباعث على فعل الواجب لا يقوم قط في الرغبة في تحقيق غاية، إن الباعث يقوم في الإرادة نفسها، ويجب أن يكون صوريًا لا يستفتي الواقع ولا يستمد من التجربة، ومن ثم كان عاما مطلقًا، وتيسر للإنسان أن يجعل قاعدة تصرفه قانونًا في كل زمان ومكان(1).

ويرى الطويل أن فلسفة كانط الأخلاقية تنطوي على غيره للفضيلة لا تداني، ولكن فيها تطرفًا وغلوا يكاد يتلف بعض جوانبها؛ ولذلك انطلقت المثالية المعدلة تدعم الفضيلة وتتفادى هذا التطرف وذاك الغلو محاولة أن تبقى لها الصفاء الذي يلائم طبيعتها. فما هي تلك المآخذ التي يجب تصحيحها أو تعديلها في هذه المثالية المتزمتة؟

يرى الطويل أن مظاهر الغلو والتطرف والضعف والنقص بادية في نظرية كانط الأخلاقية، وتجلي هذا في صوريتها المتطرفة وتزمتها المقيت. وهو وهو أمر سنوضحه فيما يأتي:

ص: 156


1- المصدر السابق، ص 407.

1- الصورية المتطرفة

كانت أولى المآخذ التي أخذها الطويل على مثالية كانط النقدية أنها صورية متطرفة، فهي عامة ومطلقة ولا تقبل أية استثناءات. فمن المعروف أن المبدأ الصوري في المنطق هو مبدأ التناسق أو توافق التفكير مع نفسه، وهو يساعد الإنسان على عدم الوقوع في الخطأ صوريًا، بمعنى أن تكون نتائج التفكير فيه على اتساق مع مقدماتها من دون اهتمام بمدى مطابقة النتائج للواقع. ومن ثم يجعل كانط القانون الأخلاقي بمثل هذه الصورية فيجعله مطلقًا لابد من أن تخضع له الأفعال الإنسانية في كل زمان ومكان. ومن ثم رأى الطويل أن مثل هذا الأمر المطلق لا يساعدنا على استخلاص واجباتنا في الحياة العملية، حقيقة أن الوعد الكاذب إذا عُمم قانونًا انعدم الوعد وافتقد مدلوله وبذلك يتناقض مع نفسه، ولكن أي تناقض هناك في أن تريد أن يكف كل إنسان عن إعطاء وعد لأحد؟ هذا من غير تناقض؟ وحقيقة أن تعمیم الامتناع عن مساعدة المصاب ينتهي بصاحبه إلى فقدان الأمل في مساعدة الغير له عند الحاجة، فتناقض الإرادة نفسها بذلك، ولكن أي تناقض في أن تريد أن يكف كل إنسان عن مساعدة غيره(1).

كما أن مبدأ كانط الصوري - من وجهة نظر الطويل - يزودنا بقاعدة سلبية مأمونة للسلوك، بمعنى إننا إذا لم نستطع أن نريد لكل إنسان في ظروفنا أن يتصرف كما نتصرف، كنا على يقين بخطأ سلوكنا أخلاقيًا، ولكننا لا نستطيع أن نستخلص من مبدئه قاعدة إيجابية فنهتدي بها - لا فيما يجب الإمساك عن فعله - بل فيما ينبغي

فعله(2).

إذن يعيب توفيق الطويل على كانط تلك الصورية التي وقع فيها ظنًا منه في أنه بوسعه أن يؤسس الأخلاق على أسس صورية أولية سابقة على التجربة، معتقدًا بأن ومن هنا عمل القانون الأخلاقي لا ينصب على مادة الأفعال، بل على صورتها فقط.

ص: 157


1- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق، ص443.
2- المصدر السابق، ص 443.

الطويل على تفادي هذه النزعة الصورية في مثاليته المعدلة. التي رأي فيها أن مجال علم الأخلاق هو المجال الخاص «بالشعور الخلقي» ذلك الشعور الذي يجتمع فيه الهوى مع المثل الأعلى وتتصارع فيها الرغبة والغريزة مع العقل وينشب صراع بين ما أرغب فيه وبين ما ينبغي على أن افعله.

2- التزمت المقيت

وكانت هذه هي أهم المآخذ التي أخذها توفيق الطويل وغيره من نقاد المثالية الأخلاقية الكانطية هو ذاك التزمت والتشدد؛ حيث إن مبدأ كانط يصور قانونًا أخلاقيًا أشد وأعلى مما يتطلب الحس الخلقي عند رجل فاضل، مما يجعله متزمتا متشددًا، وهذا التزمت يبدو في صور شتى: أولها، استبعاد العواطف والميول والدين والقانون الوضعي؛ إذ إن السلوك لكي يكون متمشيا مع القانون الأخلاقي. لا يكفي فيه أن يكون مشروعًا في تعاليم الدين أو مقبولاً عند الرأي العام أو معفيًا من عقوبة القانون الوضعي، فإن الامتناع عن اقتراف الآثام مع وجود ما يغري بها، يتنافي مع الأخلاقية متى كان بوازع من خشية الله واتقاء لعذاب الجحيم أو خوفًا من عقاب ينزله القانون الوضعي أو ينذر به العرف الاجتماعي أو حتى متى جاء تفاديًا لوخزات الضمير ! إنه لا يكون أخلاقيًا إلا متى صدر عن تقدير عقلي لمبدأ الواجب، أي نابعا من العقل الخلقي وحده، مع أن السلوك - كما يرى الطويل - الذي ينبع من الوجدان كثيرا ما يكون أنبل وأسمى عن ذلك الذي يصدر عن العقل، وقد تهكم الشاعر شيللر على ذلك كما سبق أن بينا، إذ يجب أن لا يصدر الفعل الأخلاقي عن باعث من الميل أو العاطفة، وهذا نفسه تشدد لا مبرر له؛ إذ كثيرًا ما يصدر فعل الخير عن عاطفة نبيلة كمحبة البشر، بل تضيف إلى هذا أن الخير كثيرًا ما يؤدي بوازع من طاعة الله ومرضاته، وهنا تظهر شخصية الطويل الذي يقدر دور الإيمان كباعث في السلوك الأخلاقي. وثانيها، منع الاستثناء من القاعدة، جعل كانط المبادئ الأخلاقية مطلقة غير قابلة للاستثناء، وهنا يعترض الطويل على منع الاستثناء فيقول: «إننا نعرف بالحس الخلقي أن ليس ثمة قاعدة أخلاقية بلغت من القداسة حدًا يمنع من أن

ص: 158

نستثنى منها بعض الحالات»(1)، بل ويستشهد بتأكيد جاكوبي Jacobi في حملته على كانط، التي جاهر فيه بأن القانون قد وضع من أجل الإنسان، وليس الإنسان هو الذي خلق من أجل القانون، ومن أجل هذا كان من الضلال أن يطيع الإنسان القانون طاعة عمياء، وعليه أن يستفتى قلبه ، وألا يأذن لهذه الفلسفة الترنسند نتالية الصورية أن تنتزعه من صدره. فيمكن إباحة الكذب في الحروب وعلى المريض وفي الصلح بين المتخاصمين وفي تدليل الزوجة والمبالغة في وصف جمالها من دون أن يكون ذلك خروجًا على الأخلاقية وتعديًا على مبادئها. ولذلك يرى توفيق الطويل أنه يجوز عند الطويل كسر القاعدة الخلقية وعصيانها من أجل قاعدة أسمى بشرط ألا يكون الوازع على كسرها وعصيانها مصلحة شخصية أو نزوة أو هوى طارئ(2). وثالثها، الفصل بين العقل والحساسية؛ إذ ناهض الطويل في مذهبه الأخلاقي الغلو والتطرف في كل مظاهره وألوانه، ولما كان استبعاد الميل أو الوجدان في كل صورة كباعث على الواجب تطرف من قبل كانط، وأن إلحاحه في رد الأخلاقية إلى العقل وحده يظهره مناهضا للحساسية ومطالبًا بمجاهدة نوازعها والعمل على إماتة شهواتها، ومن ثم تم وضعه من قبل بعض النقاد في زمرة الكلبية والرواقية ونساك المسيحية وزهادها، ومن هنا نتبين أن كانط قد فصل بين العقل والحساسية، وتحيز للأول وتطرف في إعلاء شأنه، ومن هنا استحق نقد الطويل الذي عمل على تعديل مثاليته المتزمتة المتطرفة فرأي أن المثالية الأخلاقية الصحيحة لا تستقيم ما لم تظل شخصية الإنسان سليمة متكاملة Integrated وهذا يتعارض مع الفصل الكامل بين شطريها من عقل وحساسية، فالقانون الأخلاقي يتمشى مع منطق العقل لا محالة، ولكن هذا لا يعني قط أنه لا يستمد إلا من العقل، إنه مساير للعقل بالقياس إلى الغاية التي نتوخاها من وراء سلوكنا، وهو إن طالبنا بالحد من جموح الحس وتنظيم مطالبه، لا يقتضينا محاربته ولا إغفال نوازعه(3). ومن أجل هذا قام الطويل بالتعديل والتقويم لهذه المثالية المتزمتة والصورية المتطرفة. وخاصة إذا أضفنا إلى ما تقدم أن كانط كان قد

ص: 159


1- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق، ص 444.
2- المصدر السابق، ص 447.
3- المصدر السابق، ص 448

حرص على استقلال الإنسان واستقلال إرادته عن كل سلطة، وأقام الأخلاق بعيدة عن وحي الدين، ورفض رد الواجب إلى الله، وهو أمر جعل من الطبيعي أن يضيق به رجال اللاهوت، بل أصبح كثيرون ممن يتناولون فكره الديني يشككون في حقيقة إيمانه، وخاصة أنه نقد الأدلة العقلية الممكنة على وجود الله، وأنكر الطقوس والشعائر المصاحبة لكل لدين جميع معتبراً أن الله تعالى غني عن العالمين، وليس هو كسائر المخلوقات البشرية التي تحب التملق والثناء والحمد.

رابعًا: مكانة المثالية المعدلة من المثالية التقليدية

سعت المثالية التقليدية بشكل عام إلى رد كل وجود إلى الفكر بأوسع معاني هذا اللفظ، ومن ثم جاءت رؤيتها للأخلاق مسايرة لتلك الرؤية، لتشير إلى مثل أعلى أو مبدأ أسمى ينبغي أن يسير بمقتضاه السلوك الإنساني بما هو كذلك، أو إقامة مبادئ عامة تستخدم أساسًا للقواعد العملية التي يتطلبها سلوكنا الشخصي وتقتضيها مسيرتنا العملية، والمثالية تعدّ الأخلاقية غاية في ذاتها، أي غاية موضوعية يتوخاها الإنسان بما هو إنسان، وليست وسيلة إلى تحقيق لذة أو سعادة أو كمال أو غير هذا مما يقوم خارج الأخلاقية(1).

ویری توفيق الطويل أن المثالية - بمعناها التقليدي - تقتضي وضع مثل إنساني رفیع يسير بمقتضاه السلوك الإنساني، ولا تقنع بالمثل التي نبتت في حياة المجتمعات البشرية تلقائيا متى اجتمع الناس بعضهم إلى بعض، تلك المثل التي يقنع بدراستها التجريبيون والوضعيون من مفكري الأخلاق من دون أن يبيحوا تجاوزها إلى وضع مثل أعلى، يعبر عما ينبغي أن يكون، إيمانا منهم ينبغي أن يكون، إيمانا منهم بأن الأخلاق متى أريد لها أن تكون علما، أن وجب تتقيد بدراسة الواقع بمناهج استقرائية خالصة، ولا تنصرف عن البحث في الظواهر الخلقية الواقعية إلى البحث في طبيعة الخير وماهية الواجب وغائية السلوك، ووضع مثل أعلى يحمل في باطنه قيمته ويتضمن في ذاته غايته»(2).

ص: 160


1- المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، إصدار مجمع اللغة العربية بإشراف ابراهيم مدكور، القاهرة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983، ص 169 170 (مادة مثالية).
2- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق، ص 484.

وهنا يقرر الطويل أن المثالية - بهذا الشكل - قد ابتعدت عن دنيا الواقع واستخفت بعالم الشهادة واهتمت بالذات العارفة حتى أغرقت فيها الوجود الواقعي، وحصرت نفسها في كيفية المعرفة حتى نسيت الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، واهتمت بالرابطة التي تقوم بين موضوع و محمول..... وفي غمرة الاهتمام بالذات العارفة وصيغها وإطاراتها العامة لم تفرق بين إنسان وإنسان، وإنما حصرت اهتمامها في الإنسان بما هو إنسان أي في الإنسان الذي يمثل البشرية مجردة من قيود الزمان والمكان ومقتضيات الظروف والأحوال، ومن هنا كانت ثورة الكثيرين من الفلاسفة ومدارسهم، وتجلت هذه الثورة في فلسفة الواقعيين الوجوديين والعمليين والبراجماتبين وغيرها

من فلسفات المعاصرين(1)

كما أنه إذا كانت الواقعية تبدو أقرب إلى الصواب من مذاهب المثاليين، فإنها - بدورها - لا تخلو من مآخذ، فالواقعية المادية قد ردت العالم إلى المادة، وجعلت العقل مجرد مظهر لها، وبهذا طمست الجانب الروحي المعقول لهذا الوجود، وفي تصور بقية فروع الواقعية للإدراك الحسي غلو غير مستساغ(2).

ومن ثم رأي الطويل أن المثالية والواقعية تعتبران حتى اليوم مذهبين متعارضين، ولكن الخلاف بينهما قد تغير عما كان عليه حاله في مطلع العصر الحديث، فالمثالية كانت ترى أن مصدر المعرفة قائم في الذات، في حين كانت تراه الواقعية قائماً في الموضوع؛ أي في الشيء المدرك، ولكن الأمر قد تغير اليوم فصارت الواقعية تسلم بأن في المعرفة عنصرًا ذاتيًا، كما أصبحت المثالية أيضًا تسلم بأن في المعرفة عنصرًا موضوعيًا. ووجه الخلاف بينهما يقوم الآن في نوع العلاقة التي تقوم بين الذات والموضوع(3).

ويبدو أن الطويل قد اهتم كثيراً بالتوفيق بين المثالية والواقعية، ولعل اهتمامه هذا

ص: 161


1- توفيق الطويل : أسس الفلسفة، القاهرة، دار النهضة العربية، الطبعة الرابعة، 1964، ص 344-345 .
2- المصدر السابق ص 345.
3- المصدر السابق، ص 345.

كان أحد الروافد المهمة التي ساهمت في تشكيل وتكوين مثاليته المعدلة في مجال الأخلاق؛ حيث إن المثالية التقليدية ترفض - على طول الخط - الموقف التجريبي الذي يتخذ الأخلاقية أداة لتحقيق لذة أو منفعة أو كمال، أو غير هذا من غايات تقوم خارج الأخلاقية نفسها؛ لأن الأخلاقية عند المثاليين - كما سبق القول مرارًا - غاية في ذاتها، أي إنها تهدف إلى تحقيق غاية موضوعية يتوخاها الإنسان بما هو إنسان، ومن أجل هذا كانت قيمتها عامة مطلقة وليست جزئية نسبية، بهذا يطاع الواجب لذاته، وتكون الإنسانية كلها غاية قصوى لمبدأ الواجب ويترتب على هذا انقطاع الصلة بين الأخلاقية وجزاءاتها، ويتأكد القول بأنها تحمل جزاءاتها وتتضمن في ذاتها مبرراتها، وهو رأي فطن إليه أفلاطون قديما ، واحتضنته المثالية التقليدية بعده.

ولكن هذه المثالية التقليدية التي دارت حول مبدأ الواجب بدت متزمتة وجمدت وافتقدت القدرة على الحركة والحياة، واتصفت في تصورهم بالموضوعية الكاملة والمطلقية التي لا تقبل تعديلاً ولا تحتمل تغييراً، مع أن مفهوم القيم - في الحقيقة - مرتبط بالغاية التي يتوخاها الإنسان، وفي ظل هذا اكتفى المعتدلون من المثاليين إن أباحوا الاستثناء من القانون الأخلاقي، وأجازوا كسر القاعدة الخلقية من أجل قاعدة أسمى وأنبل(1).

وجاءت المثالية المعدلة منددة بالتزمت التي اتسمت به المثالية التقليدية ورأت أنه إذا كان من الحكمة ألا تستغني عن قيم أثبتت التجربة الطويلة صوابها، فإن علينا أن نعرف أن معاني القيم وغايات الإنسان ترتبط بروح العصر ومن هنا مست الحاجة إلى تغيير مضمونها أو تعديل محتواها حتى تلائم روح العصر المتطور دوما، وحيث أن الفيلسوف المثالي أصبح يستكين إلى مقعد مريح يطمئن إليه، ثم يأخذ في إصدار أحكام قاطعة في كبرياء عن الواجب، ذاك المبدأ الإنساني الذي يلتقي على طريقة كل الناس في كل زمان ومكان، مع أن كل إنسان لا يشغل باله قط إلا إشباع مطالبة الشخصية ورعاية مصالحه الذاتية، ومن هنا بدت معالم المثالية المعدلة

ص: 162


1- توفيق الطويل: القيم العليا في فلسفة الأخلاق، بحث منشور بكتاب «قضايا من رحاب الفلسفة والعلم» دار النهضة العربية، القاهرة، د.ت ص 96.

كتعديل وتطوير للمثالية التقليدية المتزمتة، فتمثلت في تحقيق الذات بإشباع جميع قواها الحيوية في غير جور على قيم المجتمع أو استخفاف بمعايره، فالإنسان يبدو- في المثالية المعدلة - كلاً متكاملاً يجمع بين الحس والعقل في غير تصارع ينتهي بالقضاء على أحدهما، ويتمثل الإنسان فردًا في أسرة ، ومواطنا في أمة، وعضوًا في مجتمع إنساني، وبهذا يتصل كمال الفرد بكمال المجموع الذي ينتمي إليه، فيختفي النزاع التقليدي بين الأثرة ،والإيثار، ويذوب توكيد الذات ونكرانها، ويظل الإنسان خلال هذا محتفظًا بفرديته واستقلال شخصيته، برغم ولائه للمجموع الذي ينتمي إليه، ومثل هذه المثالية تتيسر في النظام الديمقراطي الصحيح، وهي تتكفل بتكامل الطبيعة البشرية وبها تصبح الأخلاقية مطلبًا ميسور المنال، وليست عبئًا ثقيلاً لا يقوى على حمله إلا الأبطال(1).

وبهذا نكون قد وقفنا على مكانه المثالية المعدلة من المثالية التقليدية التي شابها التزمت المقيت والصورية الخالصة، وكيف بدت الأولى أكثر تناسباً مع روح العلم الحديث والنظريات النفسية الحديثة، وبقدرة الإنسان الذي هو ليس ملاكًا أو حيوانًا، وإنما هو في مكانة وسطى تمثل الاعتدال بكل معانيه .

خامسًا: خصائص المثالية المعدلة

انضم الطويل إلى معسكر المثاليين بالرغم من عدم مسايرته لهم على طول الخط، فاختار اسم المثالية المعدلة «لاتجاهه الخاص بدلاً من أسماء أخرى كالتجريبية المعدلة مثلاً، ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة، ولكن كان بناء على اعتبارات علمية منهجية بحته؛ حيث إنه حسب على المثاليين لأنه كان ينظر إلى علم الأخلاق بمنظوره التقليدي الذي يرى أن هذا المبحث يتضمن دراسة السلوك الإنساني لوضع معايير يقاس بها هذا السلوك من جهة كونه خيراً أو شرًا، أي إن مهمة علم الأخلاق هي تقويم السلوك الإنساني طبقًا لمعايير معينة؛ ولأنه أيضًا يرفض النظر إلى هذا العلم بحسبانه علمًا وضعيًا أو علما تجريبيًا .. كما ذهب التجريبيون والاجتماعيون ومن هم

ص: 163


1- توفيق الطويل: فلسفة الأخلاق، ص 40.

على شاكلتهم، فعلم الأخلاق عنده علم معياري كما كان عند اليونانيين وإنه كذلك وينبغي أن يظل كذلك أيضًا.

أي إن جهود الإنسان عنده تتجه من الناحية الخلقية إلى جعل البيئة ملائمة للمثل الأعلى ومتمشية معه. وهذا المثل لا يقوم في البيئة وإنما يقوم في نفوس الذين يعيشون فيها، وفلسفة الأخلاق لا يعنيها الوصف والتقرير بقدر ما يعنيها تقييم الأفعال وتحديد غاياتها، إنها تريد الوقوف على معرفة السبب الذي أدى إلى إيثار نوع من السلوك على غيره. وهو إلى جانب ذلك يحسب على المثاليين؛ إذ إنه يرفض الغلو بين التيارين التجريبي والمثالي وهو يضرب أحدهما بالآخر ولكنه يبدو إلى المثاليين أقرب منهم إلى الواقعيين وإلى بيان «ما ينبغي أن يكون» أكثر منه إلى «تقرير ما هو كائن»، فكل وسط أقرب إلى أحد الطرفين.

والحقيقة أن الطويل قد انطلق من الثنائية التاريخية في الأخلاق؛ فالفلسفة عموما نوعان مثالية وواقعية، عقلية وحسية، كذلك الأخلاق نوعان معيارية ووصفية، صورية ومادية، ما ينبغي أن يكون، وما هو كائن. ويرى أحد الباحثين أن هذا الوصف من قبل الطويل ليس فقط حكما واقعا بل أيضًا حكم قيمة. فالأخلاق المثالية الصورية المعيارية هی الأخلاق الحقة، والأخلاق الواقعية الحسية الوضعية المادية هي الأخلاق السيئة أو المزيفة مما يدل على عدم الخلط عند الطويل بين علم الأخلاق والسلوك الخلقي؛ علم الأخلاق يصف ويحلل ويعلل ولا يقنن أو يشرع أو يقيم، يرصد ويبين ويوضح ظواهر السلوك ولا يقوم أو يصلح أو يهدي إلى الطريق المستقيم(1).

وتجلت الثنائية في جُل مؤلفاته، التي يسعى فيها إلى فصل النزاع بين الواقعيين والمثاليين، يعرض الواقعي أولاً ؛ فيعرض لمذاهب المنفعة الفردية، والمنفعة العامة، والتطور والمدرسة الاجتماعية والبرجماتية والاشتراكية، ثم المثال ثانيًا مشتملاً مذاهب الحدس والحاسة الخلقية والضمير والواجب والمثالية المحدثة،ویری أن الثنائية الأخلاقية مردها إلى ثنائية المعرفة، والصراع يبين المدرستين المثالية والواقعية

ص: 164


1- حسن حنفي: من المثالية المعتدلة إلى الواقعية الجذرية، مقالة بالكتاب التذكاري عن توفيق الطويل، القاهرة، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1995، ص39.

في الأخلاق، هو في الأساس صراع بين الاستنباط والاستقراء، ويميل عرض المذهبين - على ما به من نزاهة وحيادية - إلى الإيماء بصدق المثالية والاقتراب منها على حساب الواقعية؛ فأحكام الضمير مطلقة والمثل العليا أفكار فطرية والأفعال الخلقية مرهونة ببواعثها ومقاصدها لا بنتائجها، ولكنه بالرغم من ذلك - كما سبق أن أشرنا- كان نزيها موضوعيًا، فلم يؤلف في المثاليين الملائكة فقط، بل ألف في النفعيين الشياطين(1)ولكل اتجاه محاسنه وعيوبه عند الطويل؛ استعمل التعقيبات والمناقشات عقب مذاهب التيارين المتصارعين من أجل التقريب بينهما، ونقد المثالية كما نقد الواقعية من أجل شق طريق ثالث يمثل الوحدة ويزعم القضاء على الثنائية، أطلق عليه المثالية المعدلة لأنه أقرب إلى المثالية منه إلى الواقعية، أقرب إلى بيان ما ينبغي أن يكون أكثر منه إلى تقرير ما هو كائن.

إذن فالطويل قد عمد أولاً - في اتجاهه هذا - إلى القضاء على الثنائية التاريخية في المعرفة من أجل الوصول إلى نظرية متكاملة في المعرفة تجمع بين الحس والعقل بين الاستقراء والاستنباط، لذلك لا تحل مشكلة الوجود بردها إلى المادة وحدها أو إلى الروح وحده؛ بل إلى كليهما معا(2).

وهو هنا يفسر النقيض بالنقيض؛ إذ ترى المثالية أن مصدر المعرفة قائم في الذات، والواقعية تراه في الموضوع، ومع ذلك تسلم المثالية بأن في المعرفة عنصرًا واقعيًا، كما تسلم الواقعية بأن في المعرفة عنصرًا ذاتيًا ووجه الخلاف بينهما فقط في نوع العلاقة بين الذات والموضوع، ويبدو التقابل بين المذهبين في معركة الأفكار الفطرية التي ينكرها المذهب التجريبي ويثبتها المذهب العقلي أو المذهب النقدي، وهنا يأخذ طريق التوسط بين الطريقين فهو أقرب إلى العقل، وإذا كانت الواقعية الساذجة قد ساهمت في قيام المثالية، فإن المثالية الصورية قد ساهمت كذلك في قيام الواقعية الفلسفية بمختلف صورها؛ فقد ابتعدت المثالية عن دنيا الواقع واستخفت بعالم الشهادة واهتمت بالذات العارفة حتى أغرقت فيها الوجود الواقعي وحصرت نفسها في

ص: 165


1- المرجع السابق، ص 40.
2- توفيق الطويل : أسس الفلسفة، ص 257.

كيفية المعرفة حتى نسيت الإنسان والعالم الذي يعيش فيه واهتمت بالرابطة التي تقوم بين الموضوع والمحمول، ولم تفرق بين إنسان وإنسان؛ فأخذت الواقعية ترد العالم إلى الحس، والإنسان إلى الطبيعة، والذات إلى الموضوع(1). وقرر ثانيًا أن يرفض الغلو بین التيارين ويحولهما من ثنائية تاريخية إلى مذهبية بنيوية؛ يضرب أحدهما بالآخر، وإن كان إلى المثاليين أقرب ، يبين عيوب المثالية بمزايا الواقعية، وينقد سيئات الواقعية بحسنات المثالية ويسمى ذلك فضيلة السماحة والاعتدال، ويحكم على التعارض بین المذهبين طبقًا لسماحة العقل من دون تعصب، وتظهر هذه السماحة العقلية في التعقيبات على المذهبين وتجري كلها في اتجاه واحد، يمضى مع الفلسفة العقلية من دون الاستهانة بأهمية الفلسفة التجريبية الوضعية. فالمذهب الطبيعي مع غلوه وتطرفه ينطوي أيضًا على حق لا ريب فيه، والنظرة إلى المشكلة من زاوية واحدة إخلال بين، وأقرب إلى الصواب النظرة المتكاملة، وهذا هو معنى المثالية المعتدلة غير المتطرفة، أو المثالية المعدلة بعد نقد غلو الصورية والتزمت فيها، فهي إذن تلك الفلسفة التي تجمع بين الواقعية والمثالية في إطار المثالية(2).

ومن ثم يمكن القول بأن توفيق الطويل ينظر إلى الإنسان من خلال مثاليته المعدلة على أنه ليس حسًا خالصًا ولا عقلاً محضًا، ولكنه يجمع بينهما ولا تستقيم حياته الصحيحة من دونهما معًا، وتكامل النفس يقتضى الإبقاء على قوى الإنسان حسية كانت أو عقلية مع تمكين هذه القوى من أن تؤدي وظيفتها الطبيعية بتوجيه العقل، والموقف الخلقي يقوم على أن الطبيعة البشرية تجمع فعلاً بين نزعات الأثرة والإيثار، ومن الخطأ أن تقوم الأخلاق على الأنانية الموغلة وحدها أو الغيرية الطاغية وحدها، فإن نهضة الأمم وتقدم الحضارات مرجعه إلى مسعى قوم كانوا وهم في غمرة سعيهم الحثيث من أجل مصالحهم الشخصية يعملون عن وعي لترقية مصالح المجموع، ومن ثم كان الأقرب إلى الصواب أن نجمع بين هذين الاتجاهين المتطرفين، وبذلك تصبح الأخلاق علماً نظريًا عمليًا معًا، أي تصبح دراسة عقلية تهدف إلى فهم طبيعة المثل العليا التي

ص: 166


1- حسن حنفي: من المثالية المعتدلة إلى الواقعية الجذرية، ص49.
2- المرجع السابق، ص 51.

تستغل في حياتنا الدنيا، كما تصبح علم وفن، إذ إن مبادئ الأخلاق لا تحقق غايتها على الوجه الأكمل في مجال الحياة العملية ما لم تسبقها دارسة نظرية تقوم على التعليل والبرهان حتى يتسنى للإنسان أن يعرف الغاية القصوى من وجوده فيتيسر له أن يتصرف في ضوء معرفته ولا تكون حياته مجرد تقليد ومحاكاة تهبط به إلى مرتبة القردة(1).

فتتضح بذلك معالم مثاليته المعدلة؛ حيث يقر بأنه مع تقديره البالغ لمذاهب التجريبيين والوضعيين وأمثالهم يدين بالولاء لنوع جديد من المثالية الأخلاقية المعدلة التي برئت من التزمت المقيت، وتحررت من قيود النزعة الصورية التي شابت المثالية الكانطية المتطرفة، فتمثلت في تحقيق الذات بإشباع جميع قواها الحيوية في غير جور على قيم المجتمع أو استخفاف بمعايره، فالإنسان في هذه المثالية يبدو كلاً متكاملاً يجمع بين العقل والحس في غير تصارع ينتهي بالقضاء على أحدهما(2).

إذن فهي مثالية تساير الطبيعة بخلاف المثالية الكانطية المتطرفة التي تتطلب ملاكًا أو كائنا غير بشريًا، فلا هی تتطلب الحيوانية الخالصة ولا الروحية الخالصة ولكنها وسطاً بينهما. فهي في مسايرتها للطبيعة البشرية تجمع بين رعاية الذات بكل ما تقتضيه من أنانية، وبين الاهتمام بمصالح الغير بكل ما تستلزمه من غيرية وإيثار،من هنا كان من الضلال أن ننجرف بالطبيعة البشرية عن جبلتها، فتقتصر أهدافنا على ما يحقق مصالحنا ويشبع رغباتنا وأهواءنا أو ننزع إلى وقف جهودنا وحياتنا على خدمة الآخرين إلى حد التضحية بمصالحنا الشخصية، فالأخلاقية التي تساير الطبيعة البشرية تقتضي التوفيق بين هاتين النزعتين المتضادتين(3).

ومن هنا كان التزام الطويل بموقف الوسط في الأخلاق والتماسه للسعادة في الفضيلة، والمتعة في الواجب، فكان للحواس دورها وللعقل دوره، تلك تشتهي وهذا ينظم لها طريقة الإشباع، فلا تطغي سعادة الفرد على سعادة المجموع(4).

ص: 167


1- زينب عفيفي: المثالية المعدلة في فلسفة الدكتور توفيق الطويل الخلقية، ص 87.
2- توفيق الطويل : فلسفة الأخلاق، ص 40.
3- فيصل بدير عون: أخلاق البصيرة العقلية عند الطويل، مقالة بالكتاب التذكاري - كلية الآداب - جامعة القاهرة، 1995 ،ص115.
4- زكي نجيب محمود: من زاوية فلسفية، دار الشروق، الطبعة الرابعة، القاهرة، 1993، ص 27.

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يقنع بالواقع، ويتطلع إلى ما ينبغي أن يكون، يضيق بالسلوك الذي تسوق إليه الشهوات والعواطف، ويكبر الذي يجري بمقتضى الواجب، وبذلك كان من الحق أن يقال إن الإنسان لا يكون إنسانًا مميزا من سائر الكائنات بغير مثل أعلى يدين له بالولاء وتتحقق السعادة في حياة راضية مطمئنة تتحقق فيها مطالب الروح وتجاب فيها مطالب الحياة المادية في غير تهور ولا إسراف، ويقوم فيها العقل بتوجيه الإنسان في تصرفاته والعمل على تحقيق مطامحه في نفس الوقت الذي يحد فيه من شهواته ويضبط جموح أهوائه ونزواته، ويقترن هذا كله بتصفية النفس من عبودية الرغبات الجامحة وتخليصها من الأحقاد والضغائن وصنوف الجشع والطمع ونحوه، مما يثير القلق ويورث الهم والشقاء وبهذا تتحقق طمأنينة النفس من دون جور على مطامع الإنسان في هذه الحياة الصاخبة، فإن من يتخلي عن مطامحه يتنازل عن إنسانيته، وبهذا لا يقال في هذه السعادة ما قاله برتراند رسل B. Russel في قصور المذهب الرواقي: إن فيه عزاء للذين عجزوا عن يكونوا سعداء فقنعوا أن يكونوا فضلاء(1).

وهكذا عملت المثالية المعدلة على التوفيق بين الأثرة والإيثار، والجمع بين توكيد الذات ونكرانها وصورت كمال الفرد مقرونا بكمال المجموع الذي ينتمي إليه، وأزالت الصورية الكانطية التي باعدت بين الأخلاقية المعقولة ومبدأ الواجب، وخففت كثيراً من تزمتها وبهذا تكون قد حلت الإشكال الذي حير الأخلاقيين من قديم الزمان وأزالت العداء التقليدي بين دعاة الأنانية وطلاب الغيرية، وسايرت أيضًا منطق الدراسات السيكولوجية الحديثة وأرضت النزعات الاجتماعية، وإذا كانت النفعية التجريبية تزودنا بمادة من غير صورة، ومبدأ الواجب الكانطي يمدنا بصورة من غير مادة، فإن المثالية المعدلة قد جمعت بين ميزاتهما وتحررت من مآخذهما معًا.

ص: 168


1- توفيق الطويل : قصة السعادة في الفكر الفلسفي، ضمن كتاب العرب والعلم في عصر الإسلام الذهبي، ودراسات علمية أخرى، دار النهضة العربية، القاهرة د.ت ص 386.

تعقيب - المثالية المعدلة في الميزان:

إذا كان صاحب المثالية المعدلة قد تأثر كثيراً بصاحب المثالية التقليدية، بل إنه عمل على تعديل ما بمثاليته من تطرف وغلو وصورية وتزمت فالجدير بالذكر أن كليهما قد تأثر بالتيارين عينهما؛ فكانط الذي شطر الفلسفة الحديثة شطرين قد تأثر بالنزعتين العقلية والتجريبية، الأولى وصلته عن طريق أستاذه مارتن كنوتزن Martin Knutzen بالصورة التي صاغها بها ليبنتس وفولف وبومجارتن، وكان كانط لا يبنتسيًا على طريقته، ولم يمنعه من أن يكون لا يبنتسيًا على طريقة، ليبنتس إلا قراءته لنيوتن عن طريق أستاذه أيضًا، أما الثانية فقد وصلته عن طريق ديفيد هيوم الذي تأثر به كثيرا، والذي ساعد على إيقاظه من سباته الدوجماطيقي العميق - حسب مقولة كانط نفسه - فقد حرر هيوم کانط من العقلانية الدوجماطيقية، وانتزعه من بين أيديها،

لا نحو التجريبية المعقلنة عند هيوم، وإنما نحو التجريبية المحضة(1).

وهكذا حسب قوانين الجدل يسير الفكر الكانطي من النقيض إلى النقيض لينتهي إلى مثاليته الكلاسيكية التي بينا ما شابها من نقص وقصور والآن قد حان دور المثالية المعدلة نضعها أيضًا في الميزان لنتعرف على ما قد يشوبها من أوجه نقص وقصور؛ إذ إن شأنها شأن أي عمل بشري يبتعد عن الكمال بقدر ما. فإذا كان الطويل يؤكد في غير موضع من أعماله أن الخلاف بين المثاليين والطبيعيين لا يعدو تفسير المبدأ الأخلاقي وتحليله، وأن هذا الخلاف - كما يرى - لم يمنع من اتفاق المعسكرين على تقديس القيم التقليدية في الأخلاق، ولم يحاول أحد منهم أن يحدث تغييراً أساسيًا في فحوى الأخلاق.

وهذا فيما نرى رأي يبسط المشكلة، إن لم يكن يسطحها؛ لأن تصور المثاليين للأخلاق والقيم (ماهيتها) يختلف كلية عن تصور التجريبيين والوضعيين، ويكفي القول إن الرجل المثالي عند التجريبيين رجل لا وجود له إلا في الخيال والوهم. إن معايير الخير والشر عند كلا الفريقين مختلفة تمامًا؛ وهنا يقول زكي نجيب محمود

ص: 169


1- محمد عثمان الخشت: العقل وما بعد الطبيعة، العقل وما بعد الطبيعة، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ت ص 181.

عن توفيق الطويل: «إنه قد جمع بين طرفين لم يكونا ليتلاقيا لولا قدرته على التوفيق بين الضدين»(1). في حين يميل الاتجاه الحدسي المثالي إلى الحكم على أخلاقية الفاعل حكمًا قبليًا نجد أن التجريبيين يجعلون نتيجة الفعل هي مقياس خيرية الفاعل، في حين يهتم المثاليون بالباعث، نجد أنظار الطبيعيين متجهة صوب الدافع والنتيجة، في حين تلعب النية دورًا رئيسيًا عند المثاليين نجد أن هذا أمر لا يعتد به التجريبيون كثيراً ولا يقفون عنده، وهذا معناه أن الاختلاف ليس شكليًا، ولكنه أمر يتعلق بفهم ماهية الخير والشر ومن ثم معايير السلوك ذاتها. إن أخلاق العبيد في عرف نيتشه ليست من الأخلاق في شيء.... وإن الإرادة الخيرة عند كانط هی الكل في الكل ولا يضيف العقل جديدًا إلى خيرية الفاعل(2).

كما إنه من الممكن أن يؤخذ على الطويل أنه كان بإمكانه أن يستخلص من القرآن الكريم مذهبًا أصيلاً ومتكاملاً في الأخلاق النظرية والعملية لكنه اكتفى ببعض الجوانب البسيطة من الإسلام، وترك كثير من الجوانب الأخلاقية الغزيرة، فأخذ يبحث عن موقفه الوسطي المعتدل داخل الفلسفة الغربية بين العقليين والتجريبيين، وقد كان بإمكانه أن يستخلص هذا الموقف الوسطي ويهتدي إليه من القرآن الكريم وآياته الكثيرة التي ورد فيها لفظ «الوسط» ليفيد المدح والتقدير والاعتدال، فحديث القرآن عن هذه المادة يفهم منه أن التوسط فضيلة من فضائل الإسلام وخلق من أخلاقه.

ص: 170


1- زكي نجيب محمود، من زاوية فلسفية،ص26.
2- فيصل بدير عون: أخلاق البصيرة العقلية عند الطويل، ص-116 117.

الدرس الأخلاقي في مشروع طه عبد الرحمن المقاصدي

اشارة

د. محمد شهید(1)

مقدمة:

دائما كان تقسيم مقاصد الشريعة يخضع لتقسيم يكاد يكون عليه الإجماع وذلك منذ ان اكتمل نضج هذا التخصص خاصة مع أبي إسحاق الشاطبي وسفره المتميز «الموافقات». وهو التصنيف الذي ورثه من سابقيه فقعده وأصله حتى صار هو لب المقاصد وأسسها .

هذا التقسيم يعتمد أساسا ثلاث مراتب : ضرورية وحاجية وتحسينية.

المرتبة الأولى: الضرورية «... فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.. ومجموع

ص: 171


1- استاذ فلسفة من المغرب: يرى الباحث أنه دائما كان تقسيم مقاصد الشريعة يخضع لتقسيم يكاد يكون عليه - الإجماع وذلك منذ ان اكتمل نضج هذا التخصص خاصة مع أبي إسحاق الشاطبي وسفره المتميز «الموافقات». هذا التقسيم يعتمد أساسا ثلاث مراتب ضرورية وحاجية وتحسينية. يمكن اعتبار نظر طه عبد الرحمن يعتمد على أصول ثلاث حددها في الآتي: «- ان الاخلاق صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة لدى الإنسان، وليست مجرد صفات عرضية أو كمالية لا يقدح تركها إلا في مروءته . وان القيمة الأخلاقية أسبق على غيرها من القيم، بحيث لا فعل يأتيه الإنسان إلا ويقع ابتداء تحت التقويم الأخلاقي . وان ماهية الإنسان تحددها الاخلاق وليس العقل، بحيث يكون العقل تابعا للخلاق، فيكون محمودا متى أفاد ومذموما متى أساء، وليس العكس. ويرى الباحث أن هذه المحاولة من طه عبد الرحمن تعدّ محاولة فريدة ومهمة جدا خاصة. المحرر

الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين ،والنفس ،والنسل، والمال، والعقل، وقد قالوا: إنها مراعاة في كل ملة .. »(1)ويقصد بها الأساسات التي لا تستقيم حياة الإنسان أينما كان إلا بها.

والمرتبة الثانية : الحاجيات «.. فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة..»(2)، وهي التشريعات والأحكام التي تعمل على رفع الحرج والضرر عن الإنسان.

وفي المرتبة الثالثة : التحسينيات ... «فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق(3).»، وفي مرتبة أخيرة ما يرتبط بالمكارم والقيم والأخلاق.

لقد كان بموجب هذا التقسيم للمقاصد الشرعية أن تحتل الأخلاق مرتبة متدنية في آخر المراتب، بل في مرتبة لا تشكل مكانة متميزة داخل مصالح الناس، وقد يمكن إغفالها أو عدم ايلائها مكانة في الحياة وفي مراعاة المصالح وفي تغيير واقع الإنسان نحو الأحسن. فقط هي في مرتبة دونية وقد لا يحدث أي خلل بفقدانها وإلا يطرأ أي اضطراب في حياة الناس أصلا.

وهذا التقسيم وان كان تقسيما فنيا وليس اليا بمعنى ان المراتب ليس من اللازم ان تخضع لنفس الترتيب، فإنه قد انتشر وشاع، رغم بعض المراجعات الخجولة التي تعتمد الفكرة الدائرية عوض الفكرة العمودية التي جاء بها الشاطبي، لذلك يقول احد رواد الدرس المقاصدي : ان فكرة المنظومة الدائرية بديلا عن الترتيب التقليدي

ص: 172


1- أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي (790ه) : الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار إحياء التراث العربي - لبنان - ط1، 2001 ، 17/2.
2- الشاطبي : الموافقات في أصول الشريعة، 21/2.
3- الشاطبي : الموافقات في أول الشريعة، 22/2.

جديرة بالاهتمام(1)». بذلك ترتيب المصالح والمقاصد لا يكون ترتيبا جامدا وثابتا بل يمكن ان يتغير على وفق الأحوال وعلى وفق الظروف. وقد ناقش الفقهاء والعلماء ترتيب الكليات الخمس مثلا هل هو ترتيب نهائي توقيفي ؟ أم هو ترتيب توافقي توافق عليه العلماء والمتخصصون فقط ؟ وقد يكون من الأحسن الرجوع الى الموضوع في مصادره لمعرفة تفاصيله وتطوراته.

لكن أحد رواد الدرس الفلسفي المعاصر وأحد كبار المهتمين بالتراث الإسلامي فلسفة ونقدا ومراجعة للمفاهيم والمصطلحات، يطرح إشكالا قد يعيد النظر كليا في ترتيب المقاصد وراجعتها أصلا. إنه طه عبد الرحمن. ورغم ان طه عبد الرحمن لم يخصص كتابا مستقلا في المقاصد إلا أن سعة اطلاعه على العلوم الشرعية وشساعة معرفته بالفلسفة وإدراكه كذلك لاشكلات الإنسان المعاصر .. فقد جعلت منه صاحب نظر ثاقب وفكر متميز في هذا الفن.

يمكن اعتبار نظر طه عبد الرحمن يعتمد على أصول ثلاث حددها في الآتي:

- «ان الاخلاق صفات ضرورية يختل بفقدها نظام الحياة لدى الإنسان، وليست مجرد صفات عرضية أو كمالية لا يقدح تركها إلا في مروءته.

-انالقيمة الأخلاقية أسبق على غيرها من القيم، بحيث لا فعل يأتيه الإنسان إلا ويقع ابتداء تحت التقويم الأخلاقي.

-ان ماهية الإنسان تحددها الاخلاق وليس العقل، بحيث يكون العقل تابعا للخلاق، فيكون محمودا متى أفاد ومذموما متى أساء، وليس العكس(2)».

وإذا كان في الأصلين الأخيرين قد دخل طه عبد الرحمن في نقاش عميق مع الفلاسفة وأهل الاختصاص حول -أولوية الاخلاق عن غيرها من القيم وحول ماهية

ص: 173


1- جمال الدين عطية: نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر - دمشق - ط:1، 2001، ص: 48.
2- طه عبد الرحمن: روح الحداثة : المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء- ط :4 ، 2015 ، ص: 15.

الإنسان، فإنه في الأصل الأول يكون قد احدث ثورة معرفية ومقاصدية حول ضرورية الاخلاق وليس تحسينيتها كما دأب على ذلك المقاصديون وعلى رأسهم الشاطبي. وهو ما يشكل رؤية جديدة تجديدية للمقاصد الشرعية وللتنظير المقاصدي.

ما هي معالم هذه النظرية التجديدية للمقاصد ؟

هل للأخلاق والقيم مكانة فيها ؟

ما هي المكانة التي تحتلها في هذه الرؤية التجديدية التي جاء به طه عبد الرحمن؟

هذا ما سنحاول بسطه في الصفحات الآتية من هذا البحث.

في العدد الثاني بعد المائة لمجلة «المسلم المعاصر» نشر طه عبد الرحمن مقالا عنونه ب- «مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة»(1)علقت عليه هيأة التحرير بما يلي : «هذه المقالة ننشرها بما فيها من أفكار جديدة في مجال المقاصد فتحا لباب الحوار، وعملا لمناقشات جادة، ولا سيما أنها تقدم مشروعا جديدا ومتكاملا في مجال المقاصد الشرعية».

والحقيقة أن هذا المقال خلف ردود فعل متباينة بين مؤيد ومعارض، خصوصا وأن صاحبه قد امتاز بأفكار واجتهادات فيها من الجدة ومن الجرأة ما يدفع المهتم والباحث في هذا المجال إلى الاطلاع على الموضوع وقراءته بكل جدية وتأن.

يبدأ طه عبد الرحمن بملاحظته على الأصوليين، حيث أغفلوا أو بالأحرى لم يولوا عناية كبيرة «لمبحث المقاصد» مقابل الذي أعطوه «لمبحث الأحكام»، وذلك «مع أن القاعدة المقررة أن لكل حكم شرعي مقصدا مخصوصا ، فكان ينبغي ألا تقل عنايتهم بالمقاصد عن عنايتهم بالأحكام»(2).

ثم يحدد الدعاوي التي يسعى إلى إثباتها في هذا المقال ويحددها في ما يأتي:

«أولاها ، أن علم المقاصد هو علم الأخلاق الإسلامي.

ص: 174


1- طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص:41.
2- طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص:41.

والثانية، أن علم الأخلاق الإسلامي يتكون من نظريات مقصدية ثلاث متمايزة ومتكاملة فيما بينها .

والثالثة، أن بعض هذه النظريات المقصدية يحتاج إلى وجوه من التصحيح والتقويم.

والرابعة، أن الأحكام الشرعية تجعل جانبها الأخلاقي يؤسس الجانب الفقهي، كما تجعل جانبها الفقهي يوجه الجانب الأخلاقي»(1).

وقبل تناول الموضوع، يحرر طه عبد الرحمن موضع النزاع بتوضيح مهم، حين

يبين أن العقل ليس هو الحد الفاصل بين البهيمة والإنسان، بل الذي يحدد ذلك هو قوة الخلق «فلا إنسان بغير خلق، وقد يكون العقل ولا خلق معه، لا حسنا ولا قبيحا، وهو حال البهيمة ولو قل نصيبها من العقل عن نصيب الإنسان منه»(2). ثم بعد عرض نقدي سريع لتعريف المقاصد الشرعية، يرى أن المراد بالقول بأن «علم المقاصد ينظر في مصالح الإنسان»، وأنه ينظر في المسالك التي بها يصلح الإنسان، تحقيقا لصفة العبودية لله»(3)، ليستنتج أن «علم الصلاح» هو التعريف الذي يوفي بحقيقة المقاصد الشرعية. وذلك لأنه «يجيب على السؤال الآتي، وهو: كيف يكون الإنسان صالحا؟ أو كيف يأتي الإنسان عملا صالحا ؟ ومعلوم أن الصلاح قيمة خلقية، بل هو القيمة التي تندرج تحتها جميع القيم الخلقية الأخرى، فيكون هو عين الموضوع الذي اختص علم الأخلاق بالبحث فيه ..»(4). ومن ثم فإن «علم المقاصد علم أخلاقي موضوعه الصلاح الإنساني»(5).

أعطى طه عبد الرحمن لفظ «المقصد» تفصيلا قال عنه أنه لم يسبق إليه، وقسمه إلى ثلاث نظريات متكاملة بينها، ليتخذ معنى «المقصد» المعاني الآتية:

ص: 175


1- طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص: 41.
2- نفس المصدر، ص: 42.
3- نفس المصدر، ص : 43.
4- نفس المصدر، ص: 43.
5- نفس المصدر، ص:43.

-المقصود: فيكون معنى «مقاصد الشريعة» هو «مقصودات الشريعة» وهی المضامين الدلالية المرادة للشارع بأقواله التي يخاطب بها المكلفين.

-القصد: فيكون معنى :مقاصد الشريعة« هو :قصود الشارع وقصود المكلف«، ويتعلق الأمر هنا بالمضمون الشعوري .

-الغاية: فيكون مقصد الشريعة» هو «قيم الشريعة»، ويتعلق الأمر هنا بالمضمون القيمي. وهو المعبر عنه عند الأصوليين ب«المصلحة».

وبما أن طه عبد الرحمن يبني هذا المشروع على أساس أخلاقي، فإن «المقصود» يقوم على ركن أساس وهو نظرية الأفعال وهي التي تختص بالبحث في الجوانب الأخلاقية للأفعال البشرية المتأسسة على مفهومين أساسين هما «القدرة» و«العمل».

أما «القصد» فيلزم أن يتأسس على ركن أساس هو نظرية في النيات، تدور على مفهومين أساسين هما «الإرادة» و«الإخلاص».

في حين إن «الغاية» لزم أن تتأسس على ركن أساس ثالث وهو نظرية في القيم، وتدور على مفهومين أساسين هما «الفطرة» و«الإصلاح».

«وعلى الجملة، فإن علم المقاصد يتكون من ثلاث نظريات أخلاقية تحدد بنية الخُلُق الإسلامي، وهذه النظريات هي: «نظرية الأفعال» و«نظرية النيات» و«نظرية القيم»، بحيث تتكون بنية الخلق الإسلامي من عناصر ثلاثة هي: «الفعل» و«النية» و«القيمة» تدخل فيما بينها في علاقات تتفرع على اثنتين أصليتين : إحداهما : «علاقة الفعل بالنية»، فلا فعل بغير نية . والثانية ، «علاقة النية بالقيمة» ، فلا نية بغير قيمة؛ مما يسمح بأن نضع ترتيبا لهذه العناصر الخلقية باعتبار درجتها من الضرورة، فترجع الرتبة الأولى للقيمة والرتبة الثانية للنية والرتبة الثالثة للفعل، فتكون «نظرية القيم»هي الأصل الذي تنبني عليه النظريتان الأخريان: «نظرية النيات» و«نظرية الأفعال»(1).

وبذلك فإن التقسيم الثلاثي الذي اعتاد الأصوليون بناء نظرية المقاصد عليه،

ص: 176


1- نفس المصدر، ص: 46.

والذي بمقتضاه يكون الضروري في المرتبة العليا ثم يليه الحاجي ثم التحسيني في المرتبة الدنيا، هو محل اعتراض عام و خاص عند طه عبد الرحمن.

أما العام فالخلل فيه بكون القيم التي يتكون منها الضروري لا يستقل بها هذا القسم وحده، بل يشاركه فيها كل من الحاجي والتحسيني. ويمثل لذلك بتحريم الزنا الذي يعد حكما يحقق قيمة ضرورية، وتحريم النظر إلى عورة المرأة الذي يحقق قيمة تحسينية، وتحريم تبرج المرأة الذي يحقق قيمة تحسينية. فهي كلها تشترك في حفظ النسل، ولا سبيل إلى استيفاء شرط التباين هنا إلا بإنزال هذه القيم الخمس رتبة تعلو على هذه الأقسام الثلاثة. «وتتفرع عليها هذه الأقسام بتخصيصات ثلاثة مختلفة، ويجوز أن تكون هذه التخصيصات عبارة عن مراتب ثلاث للحفظ، ولنجعلها هي: «الاعتبار» و«الاحتياط والتكريم»، فيشتمل القسم الضروري على ما يعتبر هذه القيم العليا، فيكون أعلى هذه الأقسام درجة، ويشتمل القسم الحاجي على ما يحتاط لهذه القيم، فيكون أوسطها درجة، ويشتمل القسم التحسيني على ما يكرمها، فيكون أدناها درجة »(1).

هذا فيما يخص الاعتراض الخاص.

أما فيما يخص الاعتراض العام فقد قسمها إلى اعتراضات على الشكل الآتي :

-اعتراضات خاصة بالقيم الضرورية :

أولها إخلال بشرط تمام ،الحصر ، ذلك أن الأطوار الإنسانية يمكن أن تفرز كليات أخرى، فيقترح فضلا عن الدين والنفس والعقل والنسل والمال، «حفظ الذكر» و«حفظ العدل» و «حفظ الحرية»و «حفظ التكافل».

ثانيها إخلال بشرط التباين، حيث لا تباين بين هذه القيم، حيث «فلا حفظ للمال بغير حفظ العقل، فيكون العقل جزءا من المال، ولا حفظ للعقل بغير حفظ النسل،

ص: 177


1- نفس المصدر، ص : 50.

فيكون النسل جزءا من العقل، ولا حفظ للنسل بغير حفظ النفس، فتكون النفس جزءا من النسل، ولا حفظ للنفس بغير حفظ الدين، فيكون الدين جزءا من النفس»(1).

ثالثها إخلال بشرط التخصيص ، ف «ليست كل قيمة من القيم أخص من الأصل المحصور الذي هو الشريعة؛ فحفظ الدين الذي اعتبر قيمة من قيم الشريعة، هو كذلك مساو للشريعة، فتدخل تحته القيم الأخرى؛ ولا ينفع أن يقال بأن المراد بالدين في هذا التقسيم هو الاعتقادات والعبادات، فهذا تخصيص بغير دليل؛ لأن الأحكام التي تراعي حفظ القيم الأخرى هي أيضا أحكام تراعي حفظ الدين»(2).

-اعتراضات خاصة بالقيم التحسينية ويتمثل ذلك في كونها تخل بشروط الترتيب، وقد حددها فيما يلي:

* تأخير ما ينبغي تقديمه: يدرج العلماء القيم التحسينية على «مكارم الأخلاق»، ومن ثم إنزال الأخلاق إلى هذه المرتبة - الثالثة - من القيم فيه إيحاء بأنها مجرد صفات، المرء مخير في التحلي بها، بل وكأنها مجرد ترف سلوكي، «وهذا في غاية الفساد، فقد تقدم أن علم المقاصد يبحث في المصالح، وان المصالح ليست إلا علما آخر للقيم الأخلاقية؛ لأنها هي وحدها التي يصلح بها حال الإنسان؛ وإذا كان الأمر كذلك ، لزم أن تكون الأخلاق أولى بالرتبة الأولى من غيرها(3)».

*إهمال رتب الأحكام: في الأمثلة التي يأتي بها الأصوليون في أثناء الحديث عن القيم التحسينية، تندرج ضمن جميع الأحكام الشرعية «بحيث نجد من التحسيني ما هو واجب كالطهارة ، ومنه ما هو محرم كبيع الخبائث وأكلها؛ وإذا كان الأمر كذلك، بطل ما يدعيه الأصوليون من أن القيم التحسينية لا يترتب عليها إخلال بنظام ، ولا حصول إعنات؛ فهل يعقل أن يفرض الشارع شيئا أو يمنع آخر من غير أن يكون في ترك ما فرض أو فعل ما منع مضرة لا يختل

ص: 178


1- نفس المصدر، ص: 51.
2- نفس المصدر، ص: 51.
3- نفس المصدر، ص: 51.

بها نظام الحياة، فردية كانت أو جماعية، وإلا فلا أقل من أن يفسد بها حال الإنسان، إن قليلا أو كثيرا !(1)».

*إهمال الحصر المفيد لعلو الرتبة: انطلاقا من الحديث الشريف: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(2)، فإنه حيثما وجد حكم جاءت به البعثة النبوية، إلا وتضمن خلقا صالحا من اللازم التخلق به، «كما يستفاد من هذه الأداة أن هذه البعثة لا تأتي إلا بمثل هذه الأحكام ذات الآثار الخلقية؛ والبعثة التي تكون بهذا الوصف لا يمكن أن تنزل الأخلاق التي تدعو إليها إلا أعلى الرتب من مراتب الضرورة(3)».

بعد ذلك انتقل طه عبد الرحمن إلى وضع تقسيم جديد للقيم الشرعية، ليحدد معالمه على الشكل التالي:

* القيم الحيوية أو قيم النفع والضرر: بهذه المعاني الخلقية يتقوم ما يلحق البنى الحسية والمادية والبدنية ، «ويكون الشعور الموافق لهذه المعاني الخلقية هو اللذة عند حصول النفع والألم عند حصول الضرر؛ ويندرج في هذه القيم على سبيل المثال، حفظ النفس وحفظ الصحة وحفظ النسل وحفظ المال(4)».

*القيم العقلية أو قيم الحسن و القبح: وهي ما تتقوم بها المحاسن والمقابح التي تعرض للبنى النفسية والعقلية ؛ «ويكون الشعور الموافق لهذه المعاني هو الفرح عند حصول الخير والشر، والقيم التي تندرج تحت هذه المعاني أكثر من أن تحصى؛ ومن الأمثلة عليها: الأمن والحرية والعمل والسلام والثقافة والحوار(5)».

*القيم الروحية أو قيم الخير والشر: وهي ما تتقوم به كل الخيرات والشرور التي «تطرأ على عموم القدرات الروحية والمعنوية، ويكون الشعور الموافق لهذه

ص: 179


1- نفس المصدر، ص: 52.
2- أخرجه البيهقي: «السنن الكبرى» كتاب الشهادات، باب: بيان مكارم الأخلاق ومعاليها، 3213/10.
3- طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة ، ص : 52.
4- نفس المصدر، ص : 52.
5- نفس المصدر، ص: 53.

المعاني هو السعادة عند حصول الصلاح، والشقاء عند حصول الفساد، ويدخل في هذا الصنف الإحسان والرحمة والمحبة والتواضع والخشوع»(1).

هذا فيما يخص معالم التقسيم الجديد الذي يقترحه طه عبد الرحمن، أما فيما يتعلق بخصائصه فقد ذكر بأن الضروريات التي كانت تصنف في المرتبة الأولى في الترتيب القديم للقيم، سوف تصبح بمقتضى الترتيب الجديد - الذي ينبني على ما سبق - يحتل معظمها المرتبة الثالثة مثل حفظ النفس وحفظ النسل وحفظ المال. في المقابل لذلك فإن التحسينيات التي كانت تنزل في المرتبة الثالثة، فقد أصبحت في المقام الأول للترتيب الجديد. ويعلل ذلك بكون الترتيب القديم يقدم اعتبار الجانب المادي من الحياة على الجانب المعنوي. ولأن القيم الخلقية هي الأساس في مقاصد الشريعة وبها يحقق الإنسان إنسانيته، فإن رتبة هذه القيم تحددها قدرتها على تحقيق هذه الغاية .. «وعلى هذا، تكون القيم الروحية - أو قيم الخير والشر - أدل القيم على كمال الإنسانية وتمام العبودية لله، تليها القيم العقلية - أو قيم الحسن والقبح - لأن درجتها من المادية، على توسطها، تنأى بها عن هذا الكمال الإنساني، فتكون لها الرتبة الثانية، ثم تأتي في الرتبة الثالثة القيم الحياتية - أو قيم النفع والضرر - لأن تغلغلها البالغ في الماديات يقطعها عن هذا الكمال الانسانی»(2).

هذه هی أهم الخطوط التي تناولها طه عبد الرحمن في هذا المشروع للتجديد لعلم المقاصد الشرعية. وجدير بالذكر أن طه عبد الرحمن قد كتب مؤلفه «تجديد المنهج في تقويم التراث» الصادر سنة 1994، مع العلم أن هذه الدراسة قد تم نشرها سنة 2002، خصص فيه صفحات عدة تناول فيها «التداخل الداخلي في أصول الفقه: الشاطبي نموذجًا»، يمكن اعتباره باكورة البحث الذي انطلق منه هذا المطلب.

وإذا جاز أن يلاحظ على هذا المشروع الجنيني - باعتباره لم يطوره بعد في كتاب أكثر وضوحا ودقة - فإنه يمكن تسجيل بعض الملاحظات السريعة:

ص: 180


1- نفس المصدر، ص : 53.
2- طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، ص: 53-54.

عند التوقف عند قضية أساس في المقاصد تتعلق بالمصالح الضرورية، يعترض طه عبد الرحمن على الحصر الذي قام به الأصوليون والقاضي بحصرها في خمس (الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، ويرى أنه «لا يمكن التسليم بانحصار الضروريات في خمسة أجناس، لأن ذلك يخل بالشروط المنطقية والمنهجية المطلوبة في التقسيم، فلا يستوفي شرط تمام الحصر ، إذ لا يمنع من دخول عناصر أخرى فيه، فقد أدخل بعضهم العرض والعدل»(1).

ويعدّ هذا الادعاء مغامرة كبيرة، إذ حاول عدد من الأصوليين كسر حاجز الخمس لكنهم لم يأتوا بما يقنع بأنه كلية وعده ضمن الضروريات، وذلك لكونه يندرج تحت كلية سبق أن حددها العلماء وضمن الخمس المعهودة كالذي جاء به محمد الغزالي وابن عاشور وعلال الفاسي أيضا. أو في بعض الأحيان الأخرى تكون هذه الإضافة فضفاضة وواسعة كما سبق مع ابن تيمية أو بعض ما جاء به كذلك ابن عاشور وعلال الفاسي .. وقد سبق الحديث عن هذا في أثناء نقاش عدد الكليات في مبحث الاجتهادات الجزئية.

والحقيقة أن كل الإضافات التي اجتهد العلماء في إضافتها لم تسلم من النقد والمعارضة في أكثر الحالات إن لم يكن في جلها. في الوقت الذي بقيت الكليات، التي جاء بها العلماء قديما منذ الجويني والغزالي وكذلك الشاطبي ومن جاء بعدهم جميعا، صامدة وثابتة أمام كل الزيادات رغم تغير الظروف والملابسات التي عرفتها الأمة. وقد يكون هذا دليلا على قوتها وقوة الأدلة التي تستند عليها.

يرى طه عبد الرحمن أنه لا تباين بين القيم الخمس، وبذلك فلا يكون حفظ للمال من دون حفظ للعقل، وبذلك فالعقل جزء من المال؛ كما أنه لا حفظ للعقل بغير حفظ النسل، وعليه فالنسل جزء من العقل؛ كما أنه لا حفظ للنسل بغير حفظ للنفس، فتكون النفس جزءا من النسل، ولا حفظ للنفس بغير حفظ الدين، فيكون الدين جزءا من النفس.

ص: 181


1- طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، ط:1، 1994، ص: 111.

والظاهر انه هنا لا وجود للاعتراض إذ يقرر الشاطبي أن مصالح الدارين مبنية على الأمور الخمسة المعروفة، حتى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود. وكذلك الحال بالنسبة للأمور الأخروية». فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى. ولو عدم المكلف لعدم من يتدين. ولو عدم العقل لارتفع التدين. ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء. ولو عدم المال لم يبق عيش.. وهذا كله معلوم لا يرتاب فيه من عرف ترتيب أحوال الدنيا وإنها زاد للآخرة»(1)فتوقف كل قيمة على أخرى من الأمور المعلومة.

يخلص طه عبد الرحمن إلى تحديد معالم مشروعه الجديد الذي يقسمه إلى:

-القيم الحيوية أو قيم النفع والضرر ، كحفظ النفس وحفظ الصحة وحفظ النسل وحفظ المال.

- القيم العقلية أو قيم الحسن والقبح، كالأمن والحرية والعمل والسلام والثقافة والحوار.

-القيم الروحية أو قيم الخير والشر، كالإحسان والرحمة والمحبة والتواضع والخشوع.

من جانب آخر وجد من الفلاسفة الغربيين الذين لهم اهتمام كبير بالأخلاق والدين والقيم، على رأسهم الفيلسوف الألماني «ماكس شيلر» (1874-1928)، وقد برز في فلسفة الأخلاق وفلسفة الدين وعلم الاجتماع. وقد أصدر شيلر مجموعة كتب في هذا المجال أهمها : «النزعة الصورية في الأخلاق ونظرية الأخلاق المادية في القيم»و«انقلاب القيم» و«عن الخالد في الإنسان» و«أشكال المعرفة والمجتمع»و«مكان الإنسان في الكون»..

يميز شيلر في أوجه السلوك البشري بين :

-القصد.

ص: 182


1- الشاطبي : الموافقات في أصول الشريعة،15/2.

الغايات.

-الأهداف.

- القيم .

كل القيم عنده تنقسم إلى قيم إيجابية وقيم سلبية، كما تشكل عالما من العلاقات فيما بينها. وكذلك يصنف القيم في مجموعات عليا وسفلى

وعنده - دائماتقسيم للقيم على الشكل الآتي:

- قيم حسية : الممتع وغير الممتع.

- قيم حيوية: النبيل والسوقي.

- قيم روحية : الجميل والقبيح، العدل والظلم، المعرفة الخاصة بالحقيقة.

-قيمتا المقدس والدنيوي(1).

هل يمكن المقارنة بين ما جاء به ماكس شيلر والدعوة التجديدية التي جاء بها طه عبد الرحمن ؟ هل يمكن اعتبار ما جاء به طه عبد الرحمن قراءة إسلامية لهذه الرؤية المؤسسة على القيم التي طورها الفيلسوف الألماني؟

أم هل يمكن اعتبار الطرح الذي جاء به طه عبد الرحمن صادف وناسب ما جاء به ماکس شیلر؟؟!!

لكن الذي لا اختلاف فيه عند الباحثين هو أنه يمكن اعتبار هذه الرؤية التي أوردها طه عبد الرحمن قراءة نقدية للتراث الأصولي الإسلامي والمقصدي، مع الانفتاح على بعض المناهج والأدوات والآليات الفلسفية الغربية، إذ يعتبر نفسه متشددا فی هذا المجال إذ يقول «إن أهم سمة يتميز بها مشروعي (تجديد المنهج في تقويم

ص: 183


1- إ.م. بوشنسكي : الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة: عزت قرني، سلسلة «عالم المعرفة» -الكويت- ع: 165، سبتمبر 1992 ، ص : 191-197.

التراث).. هو الخروج عن الطريق الذي اتبعه مفكرو الغرب والعرب على السواء في تقويم التراث الإسلامي العربي، والذي لا ينبني على التوسل في هذا التقويم بأدوات منهجية مستمدة من خارج هذا التراث، وذلك بأن فتحت طريقا جديدا في التقويم يستمد أدواته من داخل التراث نفسه.. »(1).

إن مشروع طه عبد الرحمن رغم ما يمكن أن يلاحظ عليه من نقص في التفصيل والتطوير، إذ هو في الحقيقة لا يتجاوز بضع ورقات نشرت كما سبق في إحدى المجلات، حيث ينتظر منه أن ينشر أكثر توضيحا وتدقيقا في كتاب أو أكثر لتتبين معالمه الحقيقة ويمكن الحكم عليه واتخاذ موقف علمي دقيق، فهو ذلك مع يستشف منه الجدية في الطرح والعمق في التأصيل، ويفرض احترام الباحث والمتابع المتخصص. ومع كل ذلك فالمشروع يمتاز بالدقة والنضج من حيث البناء النظري والتأسيس لمشروع علمي فيه قراءة نقدية للتراث الأصولي بشكل عام والمقصدي بشكل خاص، فيها جرعات مهمة من الجرأة والشجاعة التي يمتاز بها باحث مدقق من طينة طه عبد الرحمن. لكن هذه الميزات ونقط القوة التي في المشروع يفتقد أغلبها عند تنزيل المشروع ومحاولة تحقيق هذا الطرح على أرض الواقع، خصوصا عند إعطاء نماذج وأمثلة فيما يخص القيم والمصالح التي مثل بها لكل قسم من الأقسام التي عرضها. فالذكر والأمن والحرية والعمل والسلام والثقافة والحوار.. الأمثلة وغيرها من يصعب عدها عدها ضمن الكليات التي تؤسس لمشروع مقاصدي كما يرى طه عبد الرحمن وإن كان الباحث والقارئ يسلم بلا تردد بعدها من المصالح المهمة في حياة الأفراد والجماعات والأمم..

ص: 184


1- طه عبد الرحمن: القول الفلسفي العربي الواقع وشروط الإمكان، في حوار أجراه معه منتصر حمادة، مجلة «المنطلق الجديد» - بيروت - ع: 1 ، خريف 2000 ، ص : 131.

خاتمة:

تعدّ هذه المحاولة من طه عبد الرحمن محاولة فريدة ومهمة جدا خاصة إذا نظرنا إليه من زاويتين :

الزاوية الأولى: أهمية الأخلاق :

ومكانتها الطبيعية في المعرفة الإسلامية، فالإنسان يتميز عن غيره من المخلوقات ليس بكونه يعقل أو ينطق فقط، بل سر وجوهر اختلافه وتميزه هو تخلقه وتحليه بالخلاق التي تزينه، فيكون بذلك على أحسن تقويم كما تروم الشريعة وتهدف الى تحقيقه ..

وغير خفي أهمية الخلاق في حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وذلك لارتباطها الوثيق بين ما هو نظري وما هو عملي، أو بين القولي والفعلي وهو ما يؤكد عليه عادل العوا حين يؤكد: «الأخلاق .. تفكير حي متطور لأنه دائب الاتصال بنشاطي النظر والعمل، القول والفعل. وكلا النظر والعمل يجري في زمان هو حياة الفرد بوصفه عقلا مبدعا، وحياة الناس بوصفهم أعضاء في مجتمع ذي حياة وتطور، أي تاريخ»(1).

لقد أصبح للأخلاق دور هام في الفترة الحالية، وقد يكون وراء ذلك الانهيار الأخلاقي والتدمير المنهجي الذي طال القيم. لقد صار كل شيء اليوم وكأنه«.. يعلن العودة الى الفلسفة الأخلاقية النظرية: نمو تيارات فكرية جديدة، اعتراف بالجدل الأخلاقي وتعدد المناقشات. وعلى هذا النحو يفيد التفكير القيمي والأخلاقي من عناية طريفة. أخلاق نظرية حيايتية، أخلاق نظرية تجارية، إرادة إضفاء الصبغة الأخلاقية النظرية على الشؤون العامة، أو الشؤون السياسية، الأخلاق النظرية والمال .. الخ: كل شيء يجري كما لو ان السنوات الراهنة كانت سني تجدد أخلاقي نظري، سنوات «سني الأخلاق» إذ يبدو لواء الأغراض القيمية بمثابة أقصى صورة

ص: 185


1- عادل العوا: من تقديمه ل: الفكر الأخلاقي المعاصر، جاكلين روس، ترجمة وتقديم عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة - بيروتط:1، 2001، ص:6.

المجتمعاتنا الديمقراطية المتقدمة. أجل، إن الأخلاق النظرية تحتل «المنزلة الأولى وغن الطلب الأخلاقي يبدو أنه ينمو مجددًا»(1).

فضلا عن ما سبق فإن طه عبد الرحمن يثير إشكالات قد تأتي على نظرية المقاصد بشكلها القديم بالانخرام والهدم، ومن ثم إعادة بنائها بناء جديدا يتأسس على الاخلاق. ذلك ان الأصوليين قصروا «القيم التحسينية على «مكارم الاخلاق»؛ لكن إنزال مكارم الاخلاق الرتبة الثالثة من القيم يشعر بأنها مجرد صفات كمالية يخير المرء في التحلي بها، بل قد يتخلى عن بعضها، وهذا في غاية الفساد؛ (و).. علم المقاصد يبحث في المصالح، والمصالح ليست إلا علما آخر للقيم الأخلاقية؛ لأنها هي وحدها التي يصلح بها حال الإنسان ..»(2)وإذا كان الحال كذلك يخلص طه عبد الرحمن- فإن مرتبة المقاصد تكون في الرتبة الأولى بلا شك. ويزداد هذا الاضطراب الذي لاحظه طه عبد الرحمن على الأصوليين حين يسجل عليهم سوء تدبيرهم للأمثلة التي جاءوا بها وهم يفصلون القول في القيم التحسينية فيؤكد: «لقد ضرب الأصوليون على القيم التحسينية أمثلة تدخل في جميع أنواع الأحكام الشرعية، اقتضاء وتخييرا، بحيث نجد من التحسيني ما هو واجب كالطهارات، ومنه ما هو محرم كبيع الخبائث واكلها؛ وإذا كان المر كذلك، بطل ما يدعيه الأصوليون من ان القيم التحسينية لا يترتب عليها إخلال بنظام، ولا حصول إعنات.. »(3)وهذا محال الشريعة وحكمتها الربانية.

الزاوية الثانية: التكامل المعرفي :

إن التنظير المقاصدي إذا بقي حبيس الرؤية الأصولية الضيقة، على أهمية أصول الفقه وما تمتاز به من منهج في النظر، ستفقد الكثير من تميزها وقدرتها على مواكبة التطورات التي يعرفها الإنسان. وإذا كان العلماء قديما في العالم الإسلامي يمتازون

ص: 186


1- جاكلين روس: الفكر الأخلاقي المعاصر، ص: 9.
2- طه عبد الرحمن: سؤال المنهج : في أفق التأسيس لنموذج فكري جديد المؤسسة العربية للفكر والإبداع بیروت - ط : 2 ، 2015 ، ص: 83.
3- طه عبد الرحمن: سؤال المنهج : في أفق التأسيس لنموذج فكري جديد، ص: 83.

بتداخل في التخصصات واطلاع واسع على علوم عدة، فليس فقط لأن التخصصات كانت قليلة وأن العلوم لم تتطور بشكل دقيق كما هو الحال في العصور المتأخرة؛ ولكن ذلك في نظرنا عائد لطبيعة المعرفة فقي الحقل الإسلامي وتميزها بالتداخل المعرفي والتكامل بين العلوم. وغير خفي ان علم أصول الفقه بذاته ظلت علوم متعددة تؤثث حقله ومجاله المعرفي، حيث تداخل وتكامل كل من علوم العربية وعلم الكلام وعلم المنطق والتفسير فضلا عن الحديث وغيره من التخصصات.. وقد يضاف إليها في الوقت الحالي العلوم الإنسانية والفلسفة.. هكذا يكون بين يدي مقاصد الشريعة التي هي مكون مهم من مكونات أصول الفقه جملة أدوات تعينه تجديد إمكاناته وتطوير زوايا نظره خاصة مع التحولات الرهيبة التي يعرفها الإنسان المعاصر في المعرفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد..»وانطلاقا من هذه الرؤية فإن كل قراءة تجديدية واجتهادية يكون مالها الفشل الذريع، لذلك لا بد من مراجعات نقدية دقيقة للتراث الإسلامي تراجع التصنيف الذي اعتمده علماء الإسلام للعلوم، ذلك ان المراجعة والمدارسة الدقيقة الصارمة من قبل أهل الاختصاص هي الكفيلة بتنمية القدرات العلمية والمنهجية للأمة»(1).

لذلك فالرؤية الفلسفية والزاد الهائل من التراث الذي يتمتع به رجل من قيمة طه عبد الرحمن أضاف للتجديد في المقاصدي نفسا وروحا يفتقد المنظرون للمقاصد مما يفتح آفاق كبرى للاجتهاد في المقاصد، وذلك لكونه ينطلق من نظرة أخرى غير النظرة التقليدية عند المعروفة عند الأصوليين.

إن القراءة الأخلاقية للمقاصد التي قام بها طه عبد الرحمن تعدّخطوة مهمة في إعادة قراءة تراثنا من زوايا مختلفة. وستكون هذه التجربة الفريدة أكثر نضجا ان خصص لها طه عبد الرحمن دراسة مستقلة في كتاب منفصل، يبين معالمها ويشرح مراميها بالنفس الفلسفي والعلمي الذي يمتاز به.

ص: 187


1- محمد شهيد: في المشترك الإنساني: تأسيس مقاصدي ، طوب بريس - الرباط- ط : 1 ، 2017 ، ص: 67.

مصادر ومراجع الدراسة:

إ.م. بوشنسكي : الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة: عزت قرني، سلسلة «عالم المعرفة»- الكويت - ع: 165 سبتمبر 1992،

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي(790ه): الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، دار إحياء التراث العربي - لبنان - ط 1 ، 2001

جاكلين روس: الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة وتقديم عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة بيروتط:1، 2001 .

جمال الدين عطية: نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر - دمشق - ط 1 ، 2001.

طه عبد الرحمن: مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة ، ع : 102، س: 62، يناير - فبراير- مارس 2002.

طه عبد الرحمن: القول الفلسفي العربي الواقع وشروط الإمكان، في حوار أجراه معه منتصر حمادة ، مجلة «المنطلق الجديد» - بيروت - ع: 1، خريف 2000.

طه عبد الرحمن: تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي ، ط 1 ، 1994.

طه عبد الرحمن: روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء- ط :4 ، 2015.

طه عبد الرحمن : سؤال المنهج: في أفق التأسيس لنموذج فكري جديد، المؤسسة العربية للفكر والإبداعبيروتط:2، 2015 .

محمد شهيد: في المشترك الإنساني : تأسيس مقاصدي، طوب بريسالرباط- ط :1، 2017.

ص: 188

نقد قيم الحوار مقاربة للمنهج النقدي

عند طه عبد الرحمن

طارق الفاطمي(1)

أخذ السجال في جدلية الأخلاق والدين حيزاً كبيراً من الفكر الإنساني.. من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الحديثة مروراً بالفلسفة الإسلامية، غير أن مثل هذه الجدلية لم تخرج عن فرضيات ثلاث؛ «تبعية الأخلاق للدين» و«تبعية الدين للأخلاق» و «استقلال الأخلاق عن الدين».

تبعية الأخلاق للدين

لقد تقرر في الفلسفة اليونانية أن الأخلاق تابعة للدين ولا تنفك عنه. وهو ما ذهبإليه كبار فلاسفة ولاهوتيي الغرب في ما بعد، وفي مقدمتهم القديس «أوغسطين» والقديس «توماس الأكويني»، وذلك لأنها تتأسس عندهم على أصلين وهما: «الإيمان بالإله» و «إرادة الإله». فتقرر بمبدأ «الإيمان بالإله» أن لا أخلاق إلا بإيمان

ص: 189


1- باحث، وأستاذ فى الدراسات الإسلامية، المملكة المغربية: ما هي أهم الانتقادات التي وجهها الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن للمرجعيات النظرية لقيم الحداثة الغربية.. وما قواعد الحوار الحضاري التي نظر لها ودعا إلى تطبيقها التجاوز الأزمة الحضارية الراهنة؟ هذا البحث يهدف إلى تظهير مواقف عبد الرحمن، وتأصيل المفاهيم التي أسس عليها نظريته في القيم وفي ثقافة الحوار الحضاري، كما يعرض إلى في أبرز انتقاداته لقواعد الحوار وأسسه وخلفياته الفلسفية التي أنتجتها العلمانية على امتداد قرون من اختباراتها وحفرياتها الفكرية العميقة في المجتمعات الغربية . المحرر

وأنه مصدرها وموجهها فكانت الخصال الثلاث التي اعتبرت أمهات الفضائل: الإيمان، والرجاء والمحبة التي تفرعت عنها الفضائل الأخلاقية العقلية الأربعة: العفة والشجاعة والرَّويَّة(1)(أو الحكمة)، والعدل التي تأسست عليها فلسفة الأخلاق الغربية. وأهم الانتقادات التي وجهها طه عبد الرحمن لهذا المبدأ ليس في أصله لأن الأخلاق في نظره لا يكون مصدرها إلا الدين، ولكن الأخلاق في العقيدة المسيحية وقعت في الاضطراب والتذبذب الذي سببه تعدد الآلهة في الفكر العقدي الكنسي، والتجسيم وأنسنة الإله التي حصلت في العقيدة المسيحية. وهو يقارنها بالأخلاق التي مصدرها مصدر واحد وإله متفرد بالجلال والجمال والكمال ما يسميه طه عبد الرحمن العقلانية التوحيدية(2).

أما أصل «إرادة الإله» فقد أنتج ضرورة الالتزام بالأوامر والنواهي، أو ما عرف بنظرية «الأمر الإلهي»، مع كل الاعتراضات التي قدمت عليها وأشهرها السؤال في الخير والشر، وهل إدراكهما عقلي أم غيبي مرتبط بإرادة الإله(3)؟

وهو أحد أوجه الجدل الذي ورثته الفلسفة الإسلامية، وانقسمت حياله الفرق الكلامية في المسألة التي عرفت في كتب الكلام والأصول بالتحسين والتقبيح العقليين. ومن الانتقادات التي يوجهها د. طه للفلسفة الإسلامية والفقهاء والأصوليين خاصة ، وقوعها في إسقاطين أحدهما ترجمة الخصال الأربعة في الفلسفة اليونانية إلى لفظ «الفضائل» مع ما يحمله هذا اللفظ في اللغة العربية من الإيحاء بالكماليات التي تبقى اختياراً لا يصل إلى حد الضرورة والهوية، وقوة الارتباط بالوجود والكينونة الإنسانية(4). وفهم الفقهاء والأصوليون «مكارم

ص: 190


1- اعتبر د. طه عبد الرحمن أن ترجمة الثقافة العربية الإسلامية مصطلح «phronesis» التي تدل على العقل في معناه التدبيري والعملي، بكلمة «حكمة» غير موفق لأن كلمة pكمة في التداول العربي أخص وأشرف بيحتار لها مرادف لفظ «الروية» لما يدل عليه من التوفيق في التدبير العملي.
2- سؤال الأخلاق (ص 33 - 34).
3- تفاصيل المواقف والآراء في شأن هذه النظرية في كتاب «Divine Commands and Morality»
4- سؤال الأخلاق (ص -5453).

الأخلاق» التي ذكرت في الحديث(1)على أنّها لا تكون إلا في المرتبة الأخيرة من المقاصد التي تسمى تحسينية أو كمالية في حين أن ارتباط الأخلاق بالدين وتبعيتها له تقتضي أن تكون في المقام الأول من المقاصد الضرورية التي تتعلق بحفظ الدين لأنها أساسه ومدار أحكامه وشعائره عليها، كما تنص عليه الأدلة الشرعية(2)

تبعية الدين للأخلاق

تفرعت دعوى تبعية الدين للأخلاق في الفلسفة الحديثة على القول ب«مبدأ الإرادة الخيرة للإنسان» أو الإرادة الحسنة أو تسمى أيضاً الإرادة الطيبة، الذي أقام عليه «إيمانويل كانط» صرح نظريته الأخلاقية المتميزة(3).

تتلخص دعوى «كانط» في كون الإرادة الخيرة متسامية في ذاتها لأنها مصدر الواجب الذي يجب أن يلتزمه كل فرد دون طمع في ثواب أو خوف من عقاب لأن الذي يمليه ويفرضه هو «العقل الخالص» الذي يمكن من الجمع بين الفضيلة والسعادة في تصور كانط الموصل إلى «الخير الأسمى»، فيكون بذلك الإنسان هو نفسه مصدر الأخلاق لا قوة أو إرداة أخرى فوقية أو خارجة عنه تتصف بالكمال المطلق. وحسب قول «كانط»: «تبدو الأخلاق غير محتاجة إلى فكرة كائن مختلف وأعلى من الإنسان لكي يعرف هذا الإنسان واجبه، ولا إلى سبب غير القانون نفسه لكي يتبعه (...) ، فإذن بالنسبة للأخلاق، فليست تحتاج مطلقاً إلى الدين، بل تكتفي بذاتها بفضل العقل الخالص العملي»(4).

هكذا فبفضل مبدإ الإرادة الخيرة، يجد «كانط» أن صرح الأخلاق في غنى عن

ص: 191


1- «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، أخرجه الإمام مالك في الموطأ بلفظ «حسن الأخلاق» (2/ 904) في حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق، أحمد في المسند (513/14)، وفي لفظ آخر «مكارم الأخلاق». وسنده قوي
2- سؤال الأخلاق (ص -5150).
3- أسس ميتافيزيقا الأخلاق، كانط دار النهضة العربية 1970م، بيروت لبنان.
4- KANT. E; LA RELIGION DANS LES LIMITES DE LA SIMPLE RESON. P. 23

أن يقام على قاعدة «الإيمان بالإله» أو «إرادته المطلقة» كما هو الحال في الفلسفة اليونانية، ولكن تستتبع الأخلاق الدين كما يستتبع الأصل الفرع ، ذلك ان العقل الذي تنضبط به هذه الإرادة والذي يأمر بطاعة الواجب، يتطلع إلى تحقيق الجمع بين الفضيلة التي تصحب أداء الواجب، وبين السعادة التي لا تصحب بالصرورة الفضيلة.

ويعترض د. طه عبد الرحمن على هذا الطرح بأنه إنما أعاد صياغة الأخلاق الدينية بسلوكه طريقتين : طريق المبادلة وطريق المقايسة.

فتجد أنه استبدال مفاهيم معهودة في النظرية الأخلاقية الدينية بمفاهيم ومقولات أخرى غير معهودة؛ فعوض مفهوم الإيمان بمفهوم العقل، ومفهوم الإرادة الإلهية بمفهوم الإرادة الإنسانية، ومفهوم الإحسان المطلق للإله بمفهوم الحسن المطلق للإرادة، ومفهوم التنزيه بمفهوم التجريد، ومفهوم محبة الإله بمفهوم احترام القانون، ومفهوم التشريع الإلهي للغير بمفهوم التشريع الإنساني للذات، ومفهوم النعيم بمفهوم الخير الأسمى(1).

وتجد أنّه يقدر أحكام نظريته الأخلاق على مثال أحكام الأخلاق الدينية، فيقيس أحكام الدين المنزل على أخلاق الدين المجرد ، فإذا كان في الأولى اللإله هو مصدر التشريع فإنّ العقل في الثانية هو مصدر القوانين، وكما أن الإله في الأولى منزه عن العلل والمصالح الذاتية في وضع تشريعاته للبشر، كذلك العقل الخالص متجرد عن كل البواعث والأغراض في وضع شريعته الإنسانية(2)...

فيتحول بذلك في نظر طه عبد الرحمن الأصل إلى فرع، فبدلان من أن يكون الدين تابعاً للأخلاق في نظر كانط تجده يتحول إلى الأصل الذي تأسست عليه نظرية الأخلاق التي عرف بها.

ص: 192


1- سؤال الأخلاق (ص 39).
2- المصدر نفسه.

استقلال الأخلاق عن الدين

ذهب «دافيد هيوم» رائد دعوة فصل الأخلاق عن الدين واستقلالها عنه، إلى تأسيس نظريته في الأخلاق على مبدأ «لا وجوب من الوجود» التي فصلها في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية»(1). إنّ الأحكام الدينية أحكام خبرية لا تعد أن تكون إخباراً عن المغيّبات، والأخلاق من طبيعة أخرى غير الخبر، فلا يصح استنتاج الأخلاق من أحكام الدين.

ويعدّ «هيوم» أن الأحكام الدينية غير صالحة لأن تؤسس الأحكام الأخلاقية سعيا منه إلى هدم كل الأنساق الأخلاقية في عصره (القرن 18م)، مدعياً أن الأخلاق مصدرها الوجدان الإنساني أو ما سماه الحدس الخلقي في الإنسان، أما الإرادة الإلهية والعقل فلا يمكن أن يكونا مصدراً لمعرفة الخير والشر.

ويعترض د. طه عبد الرحمن على هذا الطرح بأنّ حقيقة الدين أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية، فهو مجموع أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يتضمن الدين إلى جانب الأقوال التي تخبر عن الموجودات، حسية كانت أو غيبية، أقوالاً وجوبية تحدد العلاقات بین هذه الموجودات جلبا للمنفعة ودفعا للمضرة، والأقوال الوجوبية التي تجلب النفع وتدفع الضرر لا تعدو أن تكون أقوالاً أخلاقية فيلزم أن يكون الدين أخلاقياً بقدر ما هو إخباري(2).

والاعتراض الثاني أنّ ما يسميه «هيوم» الحدس الخلقي لا يعد أن يكون الفطرة السليمة التي خلقها الله في الإنسان التي تنطبق عليها صفات التلقائية والجمالية والعملية، التي جاء الدين لصيانتها وإحيائها وإبرازها(3).

ص: 193


1- HUME. D: A treatise of human nature. Oxford. Clarendon Press.
2- سؤال الأخلاق (ص 44).
3- نفسه (ص 46).

نقد الخطاب الفلسفي المعاصر المؤسس للحوار الحضاري

قبل طرح البدائل الفكرية والفلسفية انكب الفيلسوف المفكر طه عبد الرحمن على قراءة ناقدة للمنظومة الأخلاقية التي تعد الخلفية النظرية والبراديغم الموجه للحوار العالمي المعاصر، التي رسمها «بالأخلاق الكلية» وأنتجت على المستوى النظري أخلاق الواجب مع «إيمانويل كانط»، وأخلاق المنفعة مع «جيريمي بنتهام» و«جون مل»(1). وأجمل قصور هذه الأخلاق عن توجيه الإنسانية وبناء مستقبلها وعدم تأهلها لتوصف بالعالمية إلى ثلاثة أسباب: أولا لأنها أخلاق عقلية نظرية مجردة تتنافى مع الفطرة الإنسانية وتناقضها في كثير من الأحيان وتتحول إلى مثالية غير مجربة. وثانيا، لأنّها أخلاق أحادية فردية ليست محل إجماع وتوافق، إذ لم يتبنّها غير الفيلسوف الذي نظر لها وأنتجها. وثالثًا: لأنها أخلاق علمانية تنبذ الدين وتتعالى عنه في زعم أصحابها، ما يجعل المجتمعات المتدينة ترفضها لأنها تناقض منظوماتها الأخلاقية الدينية.

لهذه الأسباب تكون الأخلاق المؤطرة للحوار العالمي غير ناجعة، ولا ينتظر منها أن تكون الأرضية التي تجمع الإنسانية، بل لهذه المواصفات تكون أخلاقاً تعسفية تلغي مكونات كبيرة في العالم ما يفسر اتجاهها إلى العنف والهيمنة والسيطرة والقوة.

أمّا الأخلاق العالمية التي يؤهلها د. طه لأن تقود الإنسانية وتوجهها فهي أخلاق عملية مجربة، ومصادرها متعددة تستوعب وتؤلّف، ذات توجه ديني يجمع ولا يفرق.

ما يؤهل المنظومة الأخلاقية للأمة الإسلامية لأن تكوّن أخلاقاً عالمية، لما ينطبق عليها من تلك المواصفات والخصائص لأن تقود العالم وتوجه أخلاقه، ويكون الحوار المتمثل لهذه الأخلاق والمتشرب لها والمعبر عنها الأداة التي تُبلّغ لتبلغ مداها وتصل الآفاق المقدّرة لها.

ص: 194


1- سؤال العمل (ص 111).

الحاجة إلى الحوار الأخلاقي العالمي

لقد انتهت المنظومة العالمية إلى أهمية الحوار ومركزيته في تحقيق التواصل والسلام بين الشعوب والأمم حول العالم، ما جعلها تنتهي إلى تنظيم مؤتمرات حوار الأديان، والحرص على الإعلانات العالمية لهذه المؤتمرات لتكون الإطار النظري والتطبيقي للمنظومة الأخلاقية العالمية، وتطرح نفسها بديلاً عن الأخلاق العلمانية التي تؤطر هذه المنظومة العالمية الأخلاقية المعاصرة. في أفق اقتراح حلول لأزمات أربع يعيشها العالم في عصرنا، أزمة اقتصادية تتفاقم وما فتئت تداعياتها تهدد العالم بانهيار للأخلاق والقيم، وأزمة بيئة لا مخرج منها إلا بتبني قيم وأخلاق موحدة، وأزمة سياسية تهدد العالم بمزيد من الدمار والاستغلال والاستبداد، وأزمة اجتماعية تهدد بانهيار البنيات الاجتماعية وفي مقدمها الأسرة ومكانة المرأة.

ويكتسي «الإعلان من أجل أخلاق عالمية» في منظور د. طه عبد الرحمن أهميته من جهتين؛ أولها زيادة وعي الديانات بأهمية الحوار والحاجة إليه. وثانيها أن الديانات ما تزال قادرة على قيادة العالم والتنظير لمستقبله في ضوء الأخلاق الدينية، واقتراح حلول ناجعة وفعالة للأزمات التي يعيشها(1).

يتأسس نقد الدكتور طه عبد الرحمن للإعلان العالمي الأخلاقي، وتوصيات مؤتمرات حوار الأديان على تساؤلين أساسيين، وهما يشكلان في نفس الوقت الهدفين اللذين يجب أن تحققهما هذه التجمعات التي يعد انعاقدها انتصاراً وشهوداً للأخلاقية الدينية، كما أن احترام شروطه ومعاييره تعد مؤشرات نجاحها أو فشلها، ومحدد فاصل في قدرتها على الدفاع عن منظومتها الأخلاقية وجعلها عالمية.

أما التساؤل الأول فمفاده هل هذا الإعلان يجعل الدين يتمكن في العالم؟،والثاني هل يحقق الإعلان للخُلقية التقدم في العالم؟

ص: 195


1- سؤال العمل ( ص 119،120).

ويخلص د. طه أن الإعلان العالمي أخل بالشرط الأول في التمكن للدين في مظاهر أربع: حذف التأسيس على الدين ومبادئه ومقاصده ومصادر معرفته. وحذف اسم «الإله»، وحذف الإيمان من سلم القيم الأخلاقية، وحذف العمل الديني الذي هو طريق اكتساب هذه القيم الأخلاقية، ومرقاة لتثبيتها وترسيخها في النفوس.

أما الإخلال بشرط التقدم الخُلقي فيتلخص في ثلاثة مظاهر: الأول يتجلى في أن الإعلان لا يقدر على تحقيق السلام العالمي، باعتباره قيمة إنسانية كبرى، إذ قصر الإعلان الحوار والسلام على أتباع الديانات وأقصى عدد من المكنونات وتناسى أن الدين أداة في أغلب الأحيان ينفعل ولا يفعل في الحياة العامة وتدبير المؤسسات، ولا سلام إلا باستيعاب كل الأطراف التي يشكل أتباع الديانات في العالم جزء منها.

أما المظهر الثاني من مظاهر الإخلال بالتقدم الخلقي اقتصار الإعلان على الحد الأدنى من الأخلاق، بتركيزه على الأخلاق والقيم المشتركة بين الأديان، فوقع في تناقض الحد الأدنى من الأخلاق الذي لا يصل إلى مستوى الحد الأنى في أقل دين من الديانات، مع أن المفترض الأخذ بأفضل الأخلاق من كل دين ومراعاة التفاضل والتفاوت الواقع بين الأديان، لتحقيق التقدم الخلقي حتى ترقى إلى مستوى الأخلاق العالمية.

أما المظهر الثالث فهو افتقاره إلى الركن الأساس في جميع الأديان وهو «الإيمان»، فغياب هذا الركن، وغلبة الطابع الحسي الذي يروم إرضاء غير المؤمنين، جعل الإعلان بعيداً عن التقدم الخلقي المنشود للحوار. فإنكار «ثقافة الإيمان»(1)بتعبير د. طه عبد الرحمن، تعطيل للروح التي تسمو بأخلاق الإنسان إلى أخلاق منزلة من عالم أخر فوقه، يجعل الإعلان لا يعدو أن يكون حساب مصالح.

ص: 196


1- سؤال العمل (ص 132)

التقدم الخُلقي أساساً للحوار الحضاري

التقدم الخُلقي المفقود في «الإعلان من أجل أخلاق عالمية»، جعله وغيره من الإعلانات، لا يرقى لأن يكون مرجعاً للأخلاق العالمية التي ينبني عليها الحوار الحضاري، ما جعل د. طه عبد الرحمن يضع أربعة معايير أساس فضلا عن القيم الإنسانية الكونية المأخوذة من الدين التي نص عليها الميثاق العالمي والمتمثلة في «التضامن» و «التسامح»، و «المسالمة»، و«المساواة». ذلك لأنّه افتقد إلى التنصيص على مصدرين للقيم الأخلاقية العالمية وهما «الإيمان» و«العمل».

والمعايير الأربعة(1)يجب أن تتوفر في دين واحد حتى يستوفي مقومات التقدم الخلقي العالمي، وفي مقدمتها: معيار الوعي بالصلة بين الدين والتخلق، ذلك بالربط بين العمل الديني والسلوك الخلقي، ما يعني أن زيادة العمل الديني والإقبال على أدائه بشروطه ينعكس أثره الإيجابي على الخلق والسلوك.

والمعيار الثاني المتمثل في الأخذ بالتوجيهات الأخلاقية الضرورية على الأقل الخمسة ولم ينص الإعلان إلا على أربعة منها. والمعيار الثالث الذي يمثله التوسع الأخلاقي حيث تشمل المعاملة الإنسانية جوانب مهمة من الممارسة الأخلاقية وتستوعب أكبر قدر من المعاملات الإنسانية وتدخلها في منظومتها الأخلاقية.

والمعيار الرابع المتمثل في التفاضل الأخلاقي، حيث تكون المنظومة الأخلاقية العالمية يمثلها الطور المتقدم من الأخلاق الإنسانية إذ هي تراكم كما تتراكم التجارب والمعارف الأنسانية، فإنّ طور الاكتمال لن يكون إلا مع الدين الخاتم. ما عبر عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وفي رواية «صالح الأخلاق»(2).

وقد أصل الدكتور طه عبد الرحمن لهذه المعايير في كتابه روح الدين، في

ص: 197


1- سؤال العمل ( ص 135)
2- أخرجه الأمام أحمد في المسند (513/14) وغيره وهو صحيح.

فصل العمل الديني وممارسة التشهيد، وميّز ودقق وأصل عدداً من القيم والأخلاق المشتركة في مقدمتها التسامح والتفاضل الديني وحرية الاعتقاد، التي تأسس للحوار ومنطلقاته النظرية.

وبتطبيق هذه المعايير على الدين الإسلامي يجد المتأمل أنّه الأكثر تمثيلا وشمولاً واستيعاباً لهذه المعايير، والدين الأتم والأكمل لقيادة وتوجيه الأخلاق العالمية، وذلك مصداق قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بمَا کنتم فيه تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48] . إذ الدين الخاتم يوافق طور الاكتمال البشري على المستوى الخلقي والإيماني والعملي، ما يؤهله لأن يكون المرجعية والدعوة التي يقبلها العالم وتلبي حاجاته في المجالات المختلفة. ما يجعل الهيمنة بمفهومها الأخلاقي القرآني أساس ومرجعية الحوار الحضاري.

جدلية الحوار والاختلاف

خلق الله تعالى الكون على أسس وقوانين وسنن ثابتة بثها في ثنايا آيات الذكر الحكيم، وأصل هذه القواعد ترجع إلى حقيقة مفادها «وحدانية الخالق واختلاف المخلوق»، وينتج عن هذه الحقيقة المطردة أصلان جعلهما الدكتور طه عبد الرحمن مدار فكره والمرجعية النظرية في تصوره لقواعد الحوار وسننه.

أما الأصل الأول فهو التعدد لا الانفراد، إذ لا حوار إلا بين اثنين فأكثر، وهو ما يحيل على التنوع البشري، والتعدد الإنساني، ويجعل الحوار ضرورة وحاجة للحياة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(1)، ما يرقى بالحوار إلى مستوى الرسالة والأمانة وأساس الاستخلاف الذي جعله الله تعالى مهمة الإنسان في الأرض.

وأما الأصل الثاني فهو الاختلاف لا الاتفاق، وهو أحد القوانين السننية الكبرى

ص: 198


1- سورة الحجرات 13.

التي شيد الله تعالى عليها أساس هذا الكون، وعلّق عليها استمرار الإنسانية وتشييد حضاراتها، وجعلها شرط الاستقرار والأمن العالمي، قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ أَولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ(1)، وقد ذهب جلّ المفسرين للقول بأنّ الله تعالى إنما خلق الناس للاختلاف في مصائرهم وتوجهاتهم واختياراتهم وعقائدهم(2)، وأن الاختلاف أصل وسنة فطرت البشرية عليها.

وقد جمع الدكتور طه عبد الرحمن هذه الحقائق المؤسسة للمرجعية النظرية للحوار الحضاري في قاعدتين: «الأصل في الكلام الحوار»(3)، و«الأصل في الحوار الاختلاف(4)». وجعلها الأساس الفكري والفلسفي الذي يجب أن تقوم عليه ثقافة الحوار الحضاري بين الأفراد والجماعات.

أثبت الدكتور طه عبد الرحمن أن الحوار يقضي تعدد الذوات المتحاورة، وأن تعدد الذوات يعني اختلافها، والاختلاف مع التعدد أمر سنني مستمر في البشرية. ويعترض على هذه النتيجة بما يمكن أن يكون تمثلا وصورة ذهنية نمطية تذهب إلى أن التعدد لا يكون داخل الجماعة لأنها تعني الاتفاق واللُّحمة، والاختلاف يحيل إلى المنازعة والفرقة وهي تناقضات وتقابلات يصعب الجمع العقلي والواقعي بينها ؟

العلاقات الحضارية تنطبق عليها كل المواصفات السابقة، فالاعتراضات على الحوار التي قدمها د. طه عبد الرحمن هي التي أنتجت تصورات ونظريات الخلاف

ص: 199


1- سورة هود 118،119.
2- يرجع إلى اختلاف الأقوال وترجيح شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره جامع البيان (15/ 537).
3- الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (ص 27).
4- المرجع نفسه (ص 28).

والتدافع في العلاقات الحضارية في تفسير ماضيها وواقعها، وتوقع واستشراف مستقبلها، كنظرية صراع الحضارات. ما أحال العالم إلى حلبة لاستعراض القوة والتسارع نحو السيطرة والهيمنة، ما أجج العنف في أنحاء العالم وزعزع الاستقرار والسلام.

والعالم المعاصر يتشوف إلى تنظير تنتج عنه ممارسة وقيم كونية تنقذه من دوامة العنف والعنف المضاد، والصراع للبقاء، وهاجس التنافس للسيطرة، وتعصمه من الكدر والضنك، وتضمن له الراحة والطمأنينة النفسية والاستقرار الاجتماعي، وفوق كل ذلك تملأ الفراغ الروحي الذي خلفه الفكر المادي.

الحوار النقدي

يقترح الدكتور طه عبد الرحمن ليتقبل العقل هذه الإشكالات والتعارضات الظاهرية السابقة، ما اصطلح عليه بالحوار النقدي، أو الحوار العقلي، أو الحوار الإقناعي، أو الحوار الاعتراضي. وهو حوار أصيل في الحضارة والفكر الإسلامي، لأن أصل قواعده مستمد من القرآن الكريم، فوسمه المسلمون ب- «المناظرة». وعرفه بالقول: «هو الحوار الاختلافي الذي يكون الغرض منه دفع الانتقادات أو - قل الاعتراضات - التي يوردها أحد الجانبين المتحاورين على الرأي - أو قل دعوى - الآخر بأدلة معقولة ومقبولة عندهما معًا »(1). ويكون بذلك الإطار النظري المستوعب للاختلاف في جميع أبعاده وتجلياته، سواء كان بين الجماعة الواحدة أو المجتمعات المختلفة، سواء كان دافعه مذهبيًا طائفيًا أو حضاريًا فكرانيًا.

الحوار النقدي في فكر الدكتور طه عبد الرحمن حوار حضاري، باعثه الأخلاق والقيم التي تجمع الإنسانية وتوحد وجهتها، وتقلص هوة الخلاف بينها، لأنّه ينبني على إيمان عميق بالاختلاف وقبول الآخر، لذا فقد جعله ينافي مزالق ثلاثة : العنف(2)والخلاف(3)والفرقة(4).

ص: 200


1- الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (ص33).
2- نفسه (ص 33).
3- نفسه (ص 36).
4- نفسه (ص 35).

يهدف تأسيس قواعد الحوار على أرضية الحوار النقدي الإقناعي إلى ترسيخ القبول بالآخر المخالف، وتشجيع حرية الرأي المبني على أسس استدلالية مقنعة لا مجرد التشهي أو التقليد، وذلك باعتماد الإقناع بالحجة وصحة الاستدلال، والنظر في مناسبته للمجال والحقل المعرفي والموقف الحواري، وطبيعة المحاور، واعتماد الإذعان للصواب في حال ظهور الحق تفاديا لآفتي العنف المادي الجسدي واللفظي، والعنف الرمزي باللجوء إلى الحسم . وبذلك يكون الحوار الإقناعي أسمى مراتب الفكر والتواصل الحضاري.

ينطلق الحوار الحضاري من أرضية مشتركة ليجعل من مقاصده الحفاظ على المشترك الإنساني من المعارف التي تمثلها الوقائع المشتركة في التاريخ الإنساني، والقيم المشتركة التي توحد قناعات الأقوام، وتحفظ مصالحهم وتضبط أحوالهم، والأدلة المشتركة التي تسمح بتبادل الأفكار والتعبير عن القناعات واستمرار جسور الحوار وتفعيل قنواته.

الحوار الاختلافي بين الأمم والحضارات والأقوام، يدعو إلى الاجتهاد وتطوير الملكات والبحث عن حلول وإبداع طرق جديدة وملائمة للاستدلال، وأدوات الإقناع، ما يدفع إلى توليد الأفكار، ولأن الاختلاف بين الأقوام والحضارات المختلفة يكون أشد فإنّه ينشط الحركة الفكرية، فيكون أدعى إلى التفلسف بتعبير الدكتور طه عبد الرحمن(1).

عندما يصير الاختلاف قناعة ترسخ معها احترام الحرية والحفاظ على المشترك، وبنبذ آفات الحوار السابقة (العنف والخلاف والفرقة)، يعوض الحوار والتكامل منطق الهيمنة والسيطرة والقهر والسلطة، حيث يكون الحوار الإقناعي أداة للتكامل الإنساني بحيث يحرص كل قوم على حفظ المشترك القيمي والمعرفي والمصلحي، وتسعى كل أمة إلى الإسهام في هذا التكامل من منظورها الفلسفي في أفق ما وصفه د. طه عبد الرحمن «بالميثاق الفلسفي»(2)على غرار «الميثاق الاجتماعي» الذي

ص: 201


1- الحق العربي في الاختلاف الفلسفي (ص 47).
2- نفسه ص (47) .

يتنازل فيه كل طرف عن وعي وطواعية عن بعض حقوقه واحترام واجباته في سبيل حفظ مصالح الجماعة وتحقيقاً لتكاملها.

المفاهيم الإسلامية الموجهة للحوار الحضاري

إن تأثيل المفاهيم أحد مرتكزات القوة في الخطاب الفكري والفلسفي للدكتور طه عبد الرحمن فنقده للخطاب الفلسفي المعاصر ، والمفاهيم التي أنتجها التي لها حمولة فكرية، وأبعاد تطبيقية تتنافى في أغلب الأحيان مع مقاصد الدين الإسلامي الذي استدل على أنّه المؤهل لأن يمثل الأخلاق العالمية من بين الأديان العالمية، والتوجهات الفكرية المعاصرة، كما بينت في المبحث السابق.

فإنّ نظريته في الحوار تتأسس على مفاهيم أهمها مفهوم المؤاخاة الذي يعوض مفهوم المواطنة الذي أنشأته النظرية الليبرالية والنظرية الجماعانية، ويرتقي بها لتواجه تحديات عالم اليوم(1). والمؤاخاة في منظوره امتداد لمبدأين مبدأ الإخلاص الذي يهبها الإتصال، ومبدأ الأمة الذي يهبها الانفتاح.

مفهوم الإخلاص

الإخلاص يعطي المواطنة الاتصال بين الممارسة الواقعية والأصل الذي يستمد منه، فيرى أن حقوق الغير واجبات إلهية، ولهذا المفهوم بعدين يعدّهما د. طه ركنين أساسيين لتوسيع مفهوم المواطنة، أما الركن الأول فهو «دوام التجرد من أسباب الظلم» ، وأما الركن الثاني فهو «دوام التوجه إلى المتجلي بالحق»(2). فيجد أن تواصله وحواره وصلته بالآخر عبادة وله بها أجر أو وزر، فيحرص على حسن الصلة ومراعاة أمر الله فيها، وقد يتنازل عن بعض حقوقه ارتفاعاً بنفسه عن شرورها وأنانيتها. فهو دائم المراقبة لتصرفاته ما يمنح الغير الشعور بالطمأنينة والعدل.

ص: 202


1- روح الحداثة ( ص 230).
2- نفسه (ص -224 223).

مفهوم الأمة

إن مفهوم الأمة الذي يزيد على مفهوم المواطنة القدرة على الانفتاح والاستيعاب لأنها تتحقق بركنين آخرين هما: «التحقق بالماهية الأخلاقية»، و«تحصيل القدرة على إبداع الأخلاق»(1)، بحيث يصير ميزان التفاضل بين الناس التفاوت في تحصيل الأخلاق والتحقق بها وتمثلها، فتنقل الأمة من مرتبة الامتثال والخضوع للأوامر والنواهي، إلى مرتبة المعاني الجمالية في الامتثال الطوعي بالأخلاق، فتتحول القيم السلوكية إلى مقاصد معرفية في خدمة الإنسانية، ومنها إلى مرتبة إبداع الأخلاق والتفنن في تطبيقها على مجالات الحياة المختلفة. وتصير الموجهة للتصرفات الفردية والجماعية المتنوعة.

مفهوم المؤاخاة

مفهوم الإخلاص المتصل، ومفهوم الأمة المنفتحة، والأركان الأربعة التي تتأسس عليها هذه المفاهيم، التي بمجموعها تشكل مفهوم «المؤاخاة»، الذي يمنح الأمة الإسلامية القدرة على الانفتاح والقدرة على استيعاب التحولات ومواجهة التحديات العالمية، والمهيمنة التي غايتها نشر «أخلاق عالمية»، تستوعب الإنسانية وتحقق

سعادتها .

بهذه الأبعاد الإنسانية الكونية تتأسس ثقافة الحوار، فشتان بين الحوار الذي يحمل الخير للإنسانية، ويحرص على سعادتها الممتدة في الدنيا والآخرة، وبين حوار غايته رعاية مصالح مادية، وتوازنات إقليمية ودولية، وإرضاء الفئات المنتازعة والمفترقة. فهو لا يضمن أن تنحرف إلى المزالق الثلاث التي تنسف الحوار؛ العنف والخلاف والفرقة.

يؤصل د. طه عبد الرحمن ثقافة الحوار بين الشعوب والأمم والأقوام والطوائف والديانات المختلفة، على ثلاثة أسس وهي التي عدّها الأحداث الكبرى الفاصلة

ص: 203


1- نفسه (ص 227).

تاريخ الاكتمال الإنساني والتقدم الخُلقي البشري، أولها الميثاق الأول الذي قال فيه الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172]، حيث يخوّل تمثل أخلاق هذا الميثاق والالتزام بعهده ربط العقل بالشرع فيتحول من طور «التجريد» إلى طور «التسديد» . وثانيهما حدث شق الصدر الشريف للنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم فيرتبط العقل بالقلب، وثالثها حدث تحويل القبلة الذي يخوّل العقل الارتباط بالحس(1).

التطبيقات الأربع للحوار الحضاري

التطبيق الأول:

اتخاذ الميثاق الأول والأخلاق الإنسانية المشتركة والخطاب الالهي الموحد للأمم والأقوام أرضية لجمع الإنسانية على خطاب وقيم وأخلاق مشتركة موحدة، ووجهة واحدة.

التطبيق الثاني:

الإنسان النموذج المتمثل في شخص النبي (ص) الذي اصطفاه ربه بین خلقه وطهر قلبه في مرحلة اكتمال البشرية ليكون القدوة والأسوة التي تصلح لمخاطبة العالم. ما يستوجب التعريف بأخلاقه وسيرته لتكون محور المشروع الأخلاقي العالمي.

التطبيق الثالث:

الإنسان المؤهل للحوار مع العالم ومخاطبته، هو الذي تمكن من الجمع بين العقل والشرع في فكره، وعقله مسدد بمقاصد الشريعة، والمتحقق بالأخلاق المطهرة من العوائق والعوالق. ولا يكون له ذلك إلا بأخلاق متجذرة صارت له سجية وطبعاً، مع صلاح الباطن وسلامة القلب .

ص: 204


1- سؤال الأخلاق (ص- 164 157).

التطبيق الرابع:

أخلاق القبلة عند فقدان الوجهة بتوحيد العالم وانتهاء الحدود، حيث تحتاج الإنسانية إلى توجه مادي يحولها إلى توجه معنوي أخلاقي، لأن التوجه إلى القبلة المادية يورث بالتبع تحصيل وتمثل الأخلاق المعنوية الموحدة للإنسانية، والملبية لحاجاتها الحسية فينقاد بذلك العقل ويصير تبعاً للحس.

المراجع والمصادر العربية

القرآن الكريم.

أسس ميتافيزيقا الأخلاق، إيمانويل كانط، دار النهضة العربية 1970م، بيروت لبنان.

جامع البيان في تأويل القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الأملي، الطبري (ت 310ه)، تحقيق أحمد محمد شاكر نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى سنة (1420 ه- / 2000م) .

الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الثانية 2006م.

روح الحداثة، المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الأولى 2006م.

سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الأولى 2000م.

سؤال العمل، بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم، مركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الأولى 2012م.

مسند أحمد، لأبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني (ت 241 ه)، حققه: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، وآخرون تحت إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، نشرته مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى سنة (1421 ه- / 2001 م).

المراجع الأجنبية:

HUMANE .D: A treatise of human nature Oxford Clarendon Press.

KANT .E ; LA RELIGION DANS LES LIMITES DE LA SIMPLE RESON.

Librairie philosophique J. vrin Paris. 1968

HELM. P: Divine Commands and Morality Oxford University Press. Oxford

1981.

ص: 205

اخلاقية الحب دراسة في النظرية الاخلاقية

عند العلامة محمد حسين الطباطبائي

م.م. محمد عبد المهدي سلمان الحلو(1)

تعددت كتب ومؤلفات العلامة الطباطبائي في مختلف المجالات الفكرية والفلسفية والتفسيرية، ومع هذا التعدّد نجد انه خص نظريته الاخلاقية توزيعا بين ربوع سفره التفسيري (الميزان) والذي يبحر فيه الباحث طويلا لاكتناه نظريته الاخلاقية واستخلاصها من بقية النظريات الأخرى المرتبطة معها لتكوين (نسقا) ببنية عريضة الملامح، موحدة الهدف.

وهذا التعدد والغزارة في التاليف والتدوين النظرياتي جعلت كلمة اهل العلم تتفق على ان العلامة مغلق الفهم والتدبر من قبل الاخرين، بما يشكل صعوبة الولوج الى مبانيه المختلفة، وهي مزية وان مازالت موجودة لغزارة الإنتاج المعرفي وعمقه الفكري، لكن الدراسات الفكرية والبحوث المتعددة التي صدرت عن فكره وتراثه

اخذت تقلل هذا الرأي المتحفظ على صعوبة الولوج في فكره المنظم....(2)

ص: 206


1- طالب دكتوراة في قسم الفلسفة جامعة الكوفة ، يؤكد الباحث ان هذا العالم قد خص نظريته الاخلاقية توزيعا بين ربوع سفره التفسيري (الميزان) اذ يناقش طويلا مفردة الاخلاق بين نسبية الاخلاق او ثبوتيتها، اذ ينقد نسبية الاخلاق ويرفضها فالاخلاق لدية بمثابة الفن الباحث عن الملكات الانسانية، وتميز الفضائل منها من الرذائل، ليستكمل الإنسان بها سعادته العلمية، فيصدر منه من الافعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الانساني، المحرر.
2- محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيع في العالم المعاصر ، ترجمة وتقديم : علي جواد كسار، ج 2، ص 296. (من مقدمة المترجم).

ومن ضمن المشاريع الفكرية التي قدم لها العلامة رؤى واضحة، وافرغ لها مساحة كبيرة من بحثه التفسيري والفلسفي، مفردة الاخلاق، فالعلامة يناقش طويلا مفهومينسبية الاخلاق او ثبوتيتها، ووفق المنهج الذي يتبعه فهو يميل الى ثبوتية الاخلاق، بل ويتبناها، وينقد نسبية الاخلاق ويرفضها، مع بيانه لأهمية الاخلاق في البناء الاجتماعي، فهو يرى ان البناء الاجتماعي يمكن ان يُحدد من خلال الاخلاق المستعملة والكفيلة بصناعته.

تعريف الاخلاق:

الاخلاق: ((هي الفن الباحث عن الملكات الانسانية، المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والانسانية، وتميز الفضائل منها من الرذائل، ليستكمل الإنسان بها سعادته العلمية، فيصدر منه من الافعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الانساني))(1).

وعند استعراض النظرية الاخلاقية بمسالكها المختلفة، وفقا لمنهج تحليلي نجد انطباق التعريف الذي قدمه العلامة على المسلكين الاول والثاني كونهما ذوي بعد اجتماعي، ويفترق فيه عن المسلك الثالث لكونه ذا بعد فردي يتعلق بمفهوم الحب الالهي.

ومن هنا يعرض العلامة الى ثلاثة رؤى، يجمعها كنظريات متفارقة في الاخلاق، لكل رؤية منها مسلك محدد وبناء مختلف، يعتمد العلامة على الثالث منها، ويجعل منه محورا نقديا للأول والثاني على حد سواء، فكيف فصل العلامة النظريات الاخلاقية ؟

النظريات الاخلاقية:

اشارة

يحدد العلامة النظريات الاخلاقية بثلاث نظريات يميز فيها بين اخلاق الدفع، واخلاق الرفع (اخلاق الحب).

ص: 207


1- محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 1، ص 371.
النظرية الاولى: المسلك الاول:

الغاية من هذا المسلك غاية دنيوية، تقوم على الافعال التي يقوم بها الإنسان لجلب الحمد المجتمعي، ينال بها المواظب عليها، والفاعل لها، صفات المدح مثل العادل، والعلم، والعفة بحالتها الوسطية، وهي ما عبرت عنه بتعبير واضح كل الفلسفات الفكرية وخاصة اليونانية منها، فالإنسان في هذا المسلك يحارص على كسب الفضائل - الوسط - لغايات معينة، ولتقريب الصورة يستخدم العلامة مثال الجبن وكيفية التخلي عنه وذلك من خلال ركوب المصاعب بما يزيل رذيلة قائمة تعويضا لفضيلة مرتقبة، ويقوم المسلك على عدة من اقوال المدح المستخدم التي تقوي هذا الاتجاه مثل الجهل عمى، والعلم بصر، او ان العدالة راحة للنفس عن ما يؤذيها من الهم وهي راحة بعد الموت.......

وان هذا المنهج السائد في الثقافات الفلسفية، خاصة اليونانية منها، رغم شيوعه، لكن القرآن لم يؤكد عليه ولم يقويه، كما يوضح العلامة ذلك، فلم يقم المنهج القرآني على غايات مدحية ولغرض مجتمعي دنيوي، وإنما قام القرآن وقوم اخلاقا تقوم على غايات اخروية بديلا عنها(1).

فهنا اصول اخلاقية اربعة عفة شجاعة، حكمة، وعدالة، لكل منها وسط معلوم، توزع بين القوى النفسية الثلاثة، شهوية وغضبية وعاقلة، ومراعاة الوسط بصفة مجتمعة بين هذه القوى الثلاث، يكون الوسط الرابع (العدالة).

فالعفة وسط رفيع بين تفريط وافراط ، يمثل وسط عدلي في القوة الشهوية، وبين التفريط والافراط ، وقوة العفة - الوسط - مزيدا من القوى صعودا نحو الوسط ونزولا منه، بين الخمود والشره، تظهر في افعال النفس من حيث اللبس والاكل والشرب.

والشجاعة، وسط قائم بين افراط وتفريط ايضا في قوة النفس الغضبية، التي بين طرفيها ومركزها مجموعة قوى تحدد حسب قربها او بعدها من المركز، بين تهور

ص: 208


1- الميزان، مصدر سابق، ج1، ص 356.

وجبن، وتبقى وسط الحكمة وسطا للقوة العاقلة تتوسط الافراط (الجربزة) والتفريط (البلادة)، فيكون الباعث لهذه الاخلاق هو قوى النفس، واجتماع الوسط بتمامه يعطي صفة العدالة(1).

ويؤكد العلامة ان حالة الوسط المتقدمة او صفة العدالة لا تحصل في نفس الإنسان الا من خلال تربية الإنسان نفسه على هذه الفضائل قولا وعملا، وهنا ربط واضح ان النظرية الاخلاقية المتقدمة لا الا من خلال معرفتها قولا، ومن ثم تطبيقها عملا حتى تصبح ملكة، يحصل عليها الإنسان من خلال التأمل والتدبر ثم المران عليها ومزاولتها كيما ترسخ في النفس، والغاية هنا اصلاح النفس بتعديل الملكات لكسب الحمد والثناء الجميل(2).

النظرية الثانية (المسلك الثاني):

وان كانت الاخلاق في هذا المسلك لا تقود الا لما يستحسنه الفرد ويدفع به ما يجلب له الذم، على ان يكون المدح والذم له مقبولية مجتمعية حاكمة عليه بالرضا والقبول او بالرفض والصد، وهو ما لم يرتضه العلامة كما يتضح لأنه بهذا الرأي يجعل الرؤية الاخلاقية لا تقوم على اسس واصول ثابته، وانما تقوم على رؤى فكرية نسبية تختلف باختلاف المجتمعات وقبولها او رفضها لهذه السلوكيات مع اهمية قيام البناء الاجتماعي على اصول اخلاقية تحدد هويته، وهي الاخلاق التي تقوم على اصول غائية اخروية وليس اجتماعية دنيوية، ومن هنا يستخدم العلامة مفاهيم قرآنية لبيان هذه الاخلاق تتعلق بالشراء، وايفاء الصابر، والنور والظلمات، اخراج من ظلمات وادخال في نور، واخراج من نور وادخال في الظلمات على وفق الاستجابة لمصدر الهدي القرآن الكريم والرغبة في او الرغبة عن الثواب الاخروي الموعود، وهذه المسلك او النظرية يرجعها العلامة الى ما ورد في القرآن الكريم والاديان السماوية الأخرى، دون ان يرد في الفلسفات الانسانية والبشرية وان حصل

ص: 209


1- الميزان، مصدر سابق، ج 1، ص 371.
2- الميزان، مصدر سابق، ج1، ص354.

اشتراك بينهما كونهما يدعوان الى غاية معينة ويهديان الى سلوكيات محبذة تعتمد على المران والقبول والممارسة.

والعلامة يقسم هذا المسلك من الاخلاق الى صنفين، الصنف الاول ما يتضح فيه الجزاء الاخروي، وصنف ثاني يتعلق بنفس الجزاء الاخروي وارتباط هذا الجزاء بالقضاء والقدر المبرم، وبما يوجب الانصياع والتسليم لهذا القضاء المبرم وفق وجهة واضحة، كون القضاء والقدر انما يمثل امر الله تعالى وان ما كتبه تعالى على الإنسان سيصيبه، ولا يفهم من مقالة العلامة هذه قوله بالجبر وعدم الاختيار بالنسبة الى اعمال الإنسان، بقدر ما يفهم منه الغاية الاخروية في التخلق بأخلاق ضامنها، التخلق بكمالات حقيقية غير ظنية، تعتمد في اصلاحها على الحقائق المرتكزة على القضاء والقدر والتخلق بأخلاق الله تعالى واسماءه وصفاته(1).

وكيما يبعد مسألة الجبر ، يستعرض العلامة هذه الوجهة، فيبين ان القول بالقضاء والقدر انما يبطل الخيارات والاختيارية الدنيوية ومن ثم لا تبقى قيمة واضحة للقول بالثوابت الاخلاقية، او الفضيلة الاخلاقية ! وهذا يقود الى الابتعاد عن السعي في الحصول على الامور الدنيوية، ومن ضمنها المكاسب الاخلاقية، ما زالت هذه الامور تنسب في تحقيقها الى قدر مبرم وقضاء محتوم .

فالعلامة لا يسند فعل الإنسان الى نفسه - الى ذات الإنسان - باختياره المحض من دون ان يكون (الفعل) واقعا كسبب من الاسباب المختلفة، التي تعد بأعداد كبيرة وحافلة (بالآلاف) لصدور الفعل، كفعل الشبع مثلا، فهو لا يتحقق بإرادة محضة من دون ان يكون سببه وباعثه هو الجوع ، ثم تحقيق فعل الاكل، وتوفر المادة الغذائية، وعدم اعتلال الجسم من نوع الطعام المرغوب، وعدم اعتلال الجسم ذاته، وقدرة الإنسان على المضغ، وتوفر الوقت الكافي واللازم لاتمام الطعام، ووجود الطاهي، ولوازم الطبخ، وتوفر ما يلزم للشراء..... وهكذا كثير من الاسباب المترتبة، التي من ضمنها شعور الإنسان بالجوع ، ورغبته في تناول هذه الاطعمة لتحقيق فريضة الاشباع

ص: 210


1- الميزان، مصدر سابق، ج1. ص 361.

من خلال فعل الاكل، فإن الله تعالى قضى على الإنسان كي يشبع، وبقدر سابق، لابد له من أن يأكل، وبذلك يحقق أما سعادته وأما شقاؤه، فلا يمكن ان ينسب له الاختيار كسبب محض وعلة تامة، وان حدث فهذا تصور الجاهل الذي ينسب فعله إليه بعيدا عن الاسباب الظاهرة والخفية: ((على ان نفس اختيار الإنسان يستند الى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان، فالاختيار لا يكون بالاختيار))(1).

وهذا المسلك يختلف كثيرا عن السابق كونه مسلك وارد في القرآن الكريم وشكل محورا لتعاليم الانبياء عليهم السلام، فغايته ليس الحمد والثناء وانما الحصول على السعادة الحقيقية التي دعت لها الشرائع السماوية والكتب المنزلة والرسل الالهية، وان اشترك المسلكان بينهما في غاية قصوى وهي الفضيلة الانسانية الحاصلة عن نفسة طريق العمل، يعبر عنهما العلامة بانهما (اخلاق دفع)، يدفع بهما الإنسان عن اللوم والمضار، ليجلب المحامد والثناء، لكنهما يفترقان ايضا، من ناحية ايصال الإنسان الى الكمال والسعادة الحقيقة، باختلاف المنهج والغاية، ففرق واضح بين: ((قول يدعو الى حق نازل وكمال متوسط ، وقول يدعو الى محض الحق واقصى الكمال))(2).

وينشأ الاختلاف من نوع المعارف المكتسبة التي يحملها المتعلم والمتربي، فقرق بين نهج انساني، يقوم تعليمه على ارث حضاري انساني، وبين نهج يكون ارثه تعاليم الانبياء وما تنزل من كتب سماوية.....

النظرية الثالثة (المسلك الثالث):

وبنفس الفارق الذي يضمنه العلامة للتفرقة بين المسلك الاولى والثاني، من حيث اصابة الكمال ،والحقيقة يمكن استخدامه في الاختلاف بين اخلاق الدفع كما تقدم وبين اخلاق الرفع التي يثريها المسلك الثالث، وهي اخلاق لم ترد في فلسفة ورأي الحكماء، فلم ترد في الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم، انها انما

ص: 211


1- المصدر السابق، ج1، ص 358.
2- الميزان، مصدر سابق، ج 1، ص 361.

وردت في القرآن الكريم حقا، ومثلت بحالة الحب بين الخالق والمخلوق، تجسدت من خلالها العبودية بأوجها، ايمانا ان القوة والعزة لله تعالى، وان كل ما في الكون انما يعود إليه، ويلتمس العزم منه.

وتربية الإنسان هنا تعتمد على رفع الرذيلة لا دفعها كما في المسلك الاول والثاني، على وفق علوم ومعارف تخلصه من هذه الرذائل وصفا وعلما، والمطلوب في هذه الاخلاق هو وجهه تعالى وليس الرضا والقبول المجتمعي، وليس ايضا استحصال القبول في الاخرة، والمدار هو ان العزة لله والقوة لله تعالى بحيث لا يبقى وراء هذه القوة والعزة ما يخشى الإنسان منه او يرتجيه، وهو المالك التي لا تجري كل الاشياء باستقلالية عنه ، له كل ما في السموات، وكل ما في الارض، وكلها تحت قبضته، لا اله الا هو، والاسماء الحسنى له سبحانه، وهو مسلك مبني على التوحيد الخالص، لا شيء غيره : (( وقد اهدى هذا المسلك الى الاجتماع الانساني جما غفيرا من العباد الصالحين والعلماء الربانيين والاولياء المقربين رجالا ونساء، وكفى بذلك شرفا للدين))(1).

ومن النص المتقدم يتضح ان التعريف المتقدم الذي قدمه العلامة للأخلاق لا يشمل المسك الثالث (اخلاق الرفع) ، وانما يشمل المسلكان الأول الثاني (اخلاق الدفع)، لاعتبار ان الدفع الغاية منه غاية واضحة، اما قبول مجتمعي، او جزاء اخروي،وهو هدف وغاية المجموع ، في حين ان اخلاق الرفع ليس غايتها بناء المجتمع بقدر ما كانت غايتها تحقيق غاية فردية، العبودية لله تعالى العلاقة القائمة بين العبد والرب بما يحقق العبودية التي هي غاية يصبو اليها الإنسان : ((فإن بناءه على الحب العبودي، وايثار جانب الرب على جانب العبد، ومن المعلوم ان الحب والوله التيم ربما يدل الإنسان المحب على امور لا يستصوبه العقل الاجتماعي او الفهم العام العادي، الذي هو اساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل احكام و للحب احكام))(2).

ص: 212


1- الميزان، مصدر سابق، ج 1.ص 360.
2- الميزان، مصدر سابق، ج1، ص 361.

ماهية هذا الحب تزيد العلاقة به تعالى قربا وانجذابا وتزيد تفكر العبد بربه، وبأسمائه الحسنى، وصفاته المنزه له عن النقص والعيب، ويزداد انجذاب الإنسان الى الله تعالى، وتزداد مراقبته له تعالى، كأنه يراه، والله تعالى يراه، فتصر العبادة حبا لله تعالى ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لَلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿165﴾)) [البقرة 165] ، والمحب يتبع حبيبه، ويحب آثاره، والرسول صلى الله عليه واله، من تلك الآثار، فيطيع الرسول صلى الله عليه واله، طاعة لله تعالى وحبا له، ويتبع آثاره.

ويصف العلامة هذا الحب بانه خالص لوجه الله تعالى، لا يقف عند شيء كله جمال وحسن، يرجعه الى حسن وجمال وبهاء الله تعالى، فكل آيات الوجود، والآيات الانفسية، تعبر عن جماله وتحكي عنه، حتى يستولي هذا الحب سلطانا على قلب صاحبه، ويؤثر هذا الحب على ايمان الإنسان وادراكه، فلا يرى شيئا الا ويرى

الله تعالى قبله وبعده، ويختلف ادراكه عن ادراك الناس، فتسقط عنه الحواجز وتبقى قائمة بين الله تعالى وبين الناس دونه، ويكون غاية الحبيب هو الله سبحانه، ولا يزال يستولي، فينقطع عن النظر الى آيات الله، وينقطع عن حب كل شيء غيره، فلا يحب: ((شيئا الا الله سبحانه، وفي الله سبحانه))(1).

ولا يفعل العبد المحب من فعل، ولا يترك من ترك، بينه وبين الناس الا وكان بينه وبين الله ما يحدد هذا الفعل، فيترك كل رذيلة انسانية، ويترك الحمد والالتفات الى الدنيا او الاخرة، والتفكير بجنة او نار:((ويكون همه ربه، وزاده عبودیته ودليله حبه))(2).

ص: 213


1- الميزان، مصدر سابق، ج 1، ص 374.
2- الميزان، مصدر سابق، ج1، ص 374.

الاخلاق والتوحيد:

للتوحيد بوصفه فكرةً قائمة اهمية كبيرة في قيام الاخلاق وتقويمها، فان الغاية الاساسية من الاخلاق هو وصول الإنسان الى السعادة، وقيادة المجتمع الى هذه الغاية المنشودة، وهذا التوحيد يعتمد على فكرة اساسية، الايمان بان للعالم خالقا وهو الله

تعالى، الها واحدا ، سرمديا لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولا يغلب في القدرة، خالق الاشياء بأحسن نظام، يؤمن به الإنسان، وينصاع إليه، ويعلم انه راجع إليه تعالى، اما محاسب، واما مثاب، ويتجلى عنصر الحب واضحا هنا، اذ يرى العلامة ان الاخلاق المعتمدة على هذه العقيدة، والمتوج بمراقبة الإنسان لله، على وفق الحب المفروض بالجذب، يكون الحب رادعا للإنسان عن ارتكاب محارم المحبوب واجتناب نواهيه، فلا يبق غاية للإنسان الا رضاه، بعيدا عن التمتع بالدنيا والتلذذ بلذائذها، بل لا يفكر حتى في نفسه، وينعكس هذا الايمان التزاما بقوانين دائرة في المجتمع تحفظ نظامه، وتبقي وجوده، وبذلك يستوجب الحمد ويدخل اسما لامعا في صفحات التاريخ(1).

فالعلاقة بين التوحيد والاخلاق، من اهم ما يشاهد في الدين الاسلامي، ارتباط جميع اجزائه، ارتباطا يؤدي الى الوحدة التامة بينهما، بمعنى ان روح التوحيد سارية في الاخلاق الكريمة التي يندب اليها هذا الدين، وروح الاخلاق منتشرة في الاعمال التي يكلف بها افراد المجتمع، فالجميع من اجزاء الدين الاسلامي ترجع بالتحليل الى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الاخلاق والاعمال، فلو نزل لكان هي، ولو صعدت لكانت هو، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل يرفعه....

- والمحافظة على الاخلاق تحفظ للامة قوتها وهيبتها، ومن هنا تظهر الاخلاق ليس على المستوى الفردي، وانما تتعلق بالمستوى الاجتماعي، فالأخلاق صور محفوظة في اذهان الافراد والجماعات، تتعلق بالإرادة حين تنفيذها، فان ابتعدت الارادة عن التنفيذ لم يكن لهذا القانون اهمية تذكر، وبقي مجرد صورة سواء على مستوى الفرد او مستوى المجتمع، فالأمة تفقد قدرتها وسيطرتها ان تخلت عن

ص: 214


1- الميزان، مصدر سابق، ج8، ص 157..

الاخلاق العالية، وان القانون الذي يكون بحسب الوضع لا يمكن ان يحفظ للامة قوتها، كونه مجرد صورة تتلاشى عند الحدود الخارجية ع سيطرته وقدرته، وبذلك لا بد من ان يكون القانون قائما على اساس قويم من الاخلاق العالية وليس على اساس المصلحة التابعة للأكثرية، فالإسلام لم يُبنَ الا على اساس نظام اخلاقي قويم، بتداخل القانون الاخلاقي مع التربية، ويعود هذا التداخل الى تداخل الدين ذاته مع الإنسان في سره وجهره، وعلى الإنسان ان يؤدي الوظائف المناطة به بأفضل سبيل التقاء من ذاته نفسه، ومن دون ان يكون هناك رقيبا يعتمد عليه(1).

نقد نسبية الاخلاق:

وينقد العلامة ما تقوم به الدول الاخرى من حصّ على القوانين ذات الجوانب الاخلاقية، وان هذا الحصّ لا طائل منه كما يرى العلامة، وذلك يعود الى سببين رئیسین:

أولاً: لان السياسة الاجتماعية المتبعة في هذه الدول، انما تقوم على اساس التناقض والتضاد، وذلك من خلال شعارها: الحرية التامة، فجعلت امتلاك السلطة والنفوذ والمال بيد بعض وحرمت بعضا آخر، مما جعلت تناقضا وتضادا لشعار الحرية المرفوع، انعكس على العلاقات الدولية والمجتمعية بين المجتمعات، فأخذت المجتمعات الكبيرة القوية تسترق وتستبعد لمجتمعات الصغيرة والضعيفة، وتتوسع في حكمها ما استطاعت، والسيطرة والتوسع ما هي الا تناقضات لشعار الحرية والاصلاح والتقوى المرفوع من قبل الامم المستعمرة.

وان كانت هذه الامم تحاول جاهدة ان تجعل من الاخلاق رابطا قانونيا، فتفرضه بضمانة القانون من خلال ما تحوطه من مضامين ذات مفاهيم قانونية اخلاقية، ترتب عليها احكام جزاء، ومهما كات شدة الاحكام فالعلامة يرى انها لا تسد بابا للخلاف القائم في المجتمع، ولا تغني عن طريق تخلف، ولا تقطع دابر الظلم والفساد،

ص: 215


1- الميزان، مصدر سابق، ج4، ص 110.

احكام لا تسري جادة في المجتمع الغربي، فطريق التخلص من الرذائل لا يكون الا باتباع الحق والاخلاق الفاضلة التي تحترم قيم الانسانية من العدل والكرامة والرحمة ونشرها والعمل عليها، وهي بحد ذاتها انعكاس واضح لاخلاق الحب بمفهومها المطلق، وليس بمفهومها وبعدها الاخروي.

ويستعرض العلامة الاخلاق المتبعة بالغرب، ويكشف زيف نظريات العدل والنظام البادي في مفاصل حياتها، بتعريتها من فكرة ضامنة لها، وان كانت فكرة القانون، فالقانون عند الغرب لا يقوم على فكرة اخلاقية، وانما على اساس الفائدة الاجتماعية، التي تقوم على ان فائدة الامم هي المرجوة والمقبولة من دون فائدة الفرد، وان هذه العلاقة انعكست بكل جذورها ليس على علاقة الدولة مع الفرد حصرا، وانما شملت و بتوسع لعلاقة الامم الكبيرة المستعمرة القوية من سيطرة واسترقاق للامم المستضعفة، فتحولت عملية القانون والدعوة الى الحريات والديمقراطية الى حملة جبارة تستهدف السيطرة على الامم فهجرت الالفاظ معانيها وتحولت الى اضداد، واستبدلت الحرية والعدالة والفضيلة الى الرق والظلم والرذيلة، فالسنن والقوانين لا تغادر الضياع والاستهلاك والقيمة الا اذا كان لها عماد توحيدي(1).

-والاخلاق لا يمكن ان تحفظ الا من خلال اعمال صالحة ومعارف حقة تساندها وتحفظها، ويكون شرطها التقوى في القول والعمل وفي التفكر والتذكر والتعقل، والمقارنة بين العلم والعلم هي ما يزيل الرذائل الاخلاقية ويستبدلها بالفضائل الاخلاقية(2).

ثانيا : فكرة الضامن والرادع التي يحصرها العلامة بين (التوحيد - المعاد - العدل)، فلا بد من أن يكون هذا ضامنا لهذه الفكرة الاخلاقية وهو الله تعالى، الذي يمثل كل اسم من اسماءه منبعا خلقيا للعديد من الفضائل، ومن زاوية أخرى ما يمثل هذه الاسماء من جانب العدل والمجازاة، فيجزي المسيء بإساءته، والمحسن بإحسانه،

ص: 216


1- الميزان، ج 11 ص 156.
2- الميزان، ج 5، ص 269-270.

وتكون بذلك رادعا للنفس الانسانية التي لا تحب ولا ترغب الا فيما يحقق رغباتها ومشتهياتها، من دون النظر الى مصلحة ومنفعة الخير ، فلو لم يكن للإنسان رادع او مكافئ لا يستمر في اقتراف الخطايا مهما عظمت، ولهذا يرفض العلامة ان تكون بعض المقولات المنتشرة في اوساط المعمورة بحد ذاتها رادعا للعمل المسيء، وان كات تبذل جهودا كبيرة من التربية والتعليم في سبيل تنميتها مثل (التعلق وحب الوطن)، وما هي الا عواطف قلبية ونزعات باطنية على حد ما يؤكده العلامة.

وتعتمد على فكرة ضامنة (التربية والتعليم) وهي فكرة بحد ذاتها يمكن ان تزول وتتقهقر للأسباب نفسية ذاتية تتبع اللذة الفردية او الجماعية من دون ان يكون لها رادعا اخلاقيا معينا، فالإنسان كما يرى العلامة، لا يقدم على حرمان الا اذا كان هناك رادع يردعه عنه، أو يجزيه على فعل معين من دون ان يكافئ على ذلك بإحسان ظاهر وعاجل، وهنا تظهر فكرة التوحيد جلية عند العلامة في الحفاظ على الاخلاق العالية التي هي جزء من النظام الاسلامي عن طريق طاعة الله سبحانه، والرضوخ إليه، وفقا لاخلاق التي جاء بها الدين الاسلامي، التي سيكافئ الإنسان على العمل بها يوم المعاد بغض النظر عن المدح الفوري الذي يمكن ان يحصله الإنسان جراء عمله للخير او تركه للشر، فالضامن عند العلامة هو (فكرة التوحيد - العدل) فكرة لا تقبل التغيير والابطال وان تركها الإنسان عمدا، فهي باقية وليس على اساس فكرة (حب الوطن) القائمة على تعاليم تربوية سرعان ما تزول....(1).

فهنا منطقان، يشير لهما العلامة، الاول منطق الاحساس الذي يدعو الى النفع الدنيوي، فكلما احس الإنسان نفع احسن وارقى التجأ إليه، وتودد إليه، اما اذا لم يحس بالنفع الافضل، فهو خامد وهامد وهذا ما يرجعه إلى سبب اول.

اما المنطق الآخر فهو منطق التعقل الذي لا يدفع الا الى اتباع الحق ((قُل هَل تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحدَى الحُسنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُم أَن يُصيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عنده أو بأيدينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُتَرَبَّصُونَ ﴿52﴾))[التوبة / 52] التي تبين ان الغاية من

(1) - .

ص: 217


1- الميزان، ج 4، ص 112-110 .

الجهاد كمثل هو ليس لنيل الحسنيين، نصر او شهادة، بقدر ما ان الغاية هو ما يريده الله سبحانه لنا، فهم لا يريدون او يبحثون عن خير او شر وانما غايتهم وجه الله (غاية الحب)، الطاعة المفترضة له سبحانه بغير مقابل(1)، ومن الجدير بالذكر ان منطق التعقل الذي اكده العلامة يعود الى المسلك الثالث من الاخلاق وينطبق عليه.

ويتابع العلامة لبيان ان التوحيد هو المصدر الاساسي الذي يجب ان يكون الفكرة الضامنة للأخلاق، استنادا الى ما اودعه الله تعالى من فطرة في قلب الإنسان ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّين حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿30﴾ [الروم / 30]، وكما أن الإنسان يسلك وعلى وفق الارادة اتباع الاسباب الواقعية التكوينية ، وهي اسباب تسوقها له الحاجة، فيبني الإنسان ما يبتغيه ويسوقه إليه على وفق هذه الاسباب الطبيعية، وان هذا السعي الفطري نحو نظام الاسباب هو ما يريده الإنسان، وما يؤيده الاسلام ايضا، إذ إن مسبب هذه الاسباب هو المسبب الاول، الموجد لهذه الاسباب، فهو تعالى السبب التام فوق كل سبب، وغاية السببية الاعتقاد به سبحانه وبتوحيده، فكان الواجب على الإنسان اتباعه والخضوع له، وبهذا يكون التوحيد الاساس الوحيد الضامن للأخلاق في النظام الاسلامي(2).

فالتوحيد عبارة عن مجموعة من المعارف الالهية التي تخص السبيل القيم الدنيا والاخرة، وهو ما يساعد على طهارة القلب وابتعادها عن كل رذيلة، ويجعل من اسباب تمامية الاخلاق الحياة الاجتماعية الخاضعة لما تقتضيه الربوبية الالهية(3)،وتمامية الاخلاق محورا لسعادة الإنسان روحا وبدنا، التي لا تتحصل الا بالرفض المادي والالتزام بالقيم الاخلاقية الالهية، وتنطوي على سعادة خالصة تتحقق الدراين، الدنيا والاخرة، والسعادة في نظر الاسلام تختلف عن السعادة في نظر الغرب، فسعادة الغرب القائمة على الامور المادية لا يعدها الاسلام سعادة، وهنا

ص: 218


1- الميزان، ج 4، ص 113.
2- الميزان، ج4، ص 115.
3- الميزان، ج 4، ص 109.

يعترف العلامة بواقع الامة المرير والمريض بغياب معنى السعادة مفهوما ومصداقا عن ما جاء به القرآن الكريم، وسبب ذلك اختلال النظم التربوية والفهم للمعايير والضوابط الاسلامية بشكلها الأصيل في عالم اليوم(1).

فالدعامة الأخلاقية التي وضعها العلامة تقوم على ثلاث دعامات اساسية ومنعطفات مهمة، واساسية تشير الى ما يعبر عنها العلامة بالوظيفة، فوظيفة يقوم بها الإنسان ازاء ربه (الحب) ويعبر عنها بالعبودية، ووظيفة يقوم بها اتجاه نفسه وتليبة حاجياته الواقعية وكيفية تلبية هذه الحاجات، ووظيفة تجاه المجتمع وما تمليه مواقفه الايمانية والتزاماته الدينية تجاه ابناء جلدته، وبعطاء كل وظيفة حقها المعهود تحت مفهوم الحب، يصل الإنسان الى السعادة المبتغاة، والسعادة الهدف.

وعندما يجعل العلامة من النظام الاخلاقي ثاني ثلاثة في بوتقة الدين، فليس الاخلاق فرع مستقل بحد ذاته، بل لا بد من ان يكون له كمالا وتواشجا مع فرعيه الاخرين العقائد والفقه (الاحكام العملية)، الايمان بالعقائد والاتباع للمنهج الاخلاقي وتنفيذ احكام الفقه، هو ما يقود الإنسان الى السعادة، وبذلك تكون الاخلاق واقعة من ضمن ثالوث تظهر به قوة الربط بين الدين والاخلاق من خلال ما يدعو إليه الدين باتباع الاحسن، واتخاذ الصفات الانبل المكونة للأخلاق الجميلة والصفات المحمودة، ومن هذه الصفات طلب العم وتحصيل الادب(2).

فما جاء به الاسلام والدين من الاهتمام بالاجتماع لأهميته في تربية اخلاق الفرد والمجتمع ، وان هذا الاهتمام الذي اكد عليه القرآن والدراسة التي قدمها له، لا يجد لها العلامة مثيلا في كل التواريخ والاديان السابقة، لأهميتها الاخلاق ودورها كما مر في بناء النسيج الاجتماعي المنعكس على اخلاق الفرد وتركيبه الاجتماعي(3)، فاتباع اخلاق القرآن وطاعته في احكامه والعلم بها تشكل الايمان الكامل، الذي يكسب

ص: 219


1- الميزان، ج4، ص 108.
2- محمد حسين الطباطبائي، الاسلام الميسر، ص 20-22.
3- الميزان، مصدر سابق، ج4، ص 97.

الإنسان (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وهي من تمامية الحب(1)، واختلافها الواضح عن الاخلاق التي تدعي اليها الامم والاخلاق المصلحية النفعية الفردية التي تقوم وفقا للطبيعة الانسانية الغريزية غير المهذبة الا على اساس البقاء للأقوى: والانتخاب الطبيعي(2).

وبذلك الفعل الاخلاقي القائم على الحب فعلا اختياريا، فهو يفرق بين الفعل الاخلاقي الاختياري من الناحية العقلية، والذي يقوم من الناحية الوصف له بالحسن او القبح، وما يستتبع ذلك من مدح او ذم، او ثواب او عقاب، ويجعل العلامة من هذه القضية قضية عقلية محضة لا يمكن انكارها من قبل عاقل، وهذا الرأي جاء ردا على حتمية الشقاء والسعادة الواردة في بعض الاحاديث المنسوبة الى اهل البيت عليهم السلام، من ان الشقي او السعيد من شقي او سعد في بطن امه !! وهي تربط بين بين السعادة والشقاوة ربطا بين النشأة والممات لا يمكن ان تتجزأ، وجاء الرفض من ناحية مناقشة العلامة لسند الرواية اولا، ومن ثم الضابطة التي وضحها جلية لنا من ارتباط السعادة والشقاء بافعال الإنسان الاختيارية وهو مما لا شك ولا ريب فيه(3)، فالسعادة كغاية والشقاء كنتيجة، هو الارتباط بين ما يناسب الروح من الاعمال والصفات التي يصل اليها خلال عمله وتفكيره ومجاهدته، معتمدا بذلك على العقل، وبين ما يحصل عليه من لذائذ مادية واسترسال في الشهوات الحيوانية التي يصل اليها من خلال الاوهام والخرافات(4).

الأخلاق والآداب:

يعرف العلامة الآداب بأنها: هيئة حسنة ينبغي ان تقع عليها الفعل المشروع،ترد في الدين وعند العقلاء كآداب الصلاة، او آداب ملاقاة الاخوان، وان اختلفت هذه الآداب بين مجتمع ومجتمع آخر، بل وبين جماعة، وجماعة أخرى، فما هو

ص: 220


1- الميزان، مصدر سابق، ج4، ص 62.
2- الميزان، مصدر سابق، ج2، ص، ص305.
3- الميزان، مصدر سابق، ج8، ص 97.
4- الميزان، مصدر سابق، ج8، ص 100.

حسن وجميل عند جماعة قد يكون سيئا وقبيحا عند جماعة أخرى، كما هو فی بعض الاخلاق الغربية المستحسنة، التي تكون قبيحة ومذمومة بالنسبة الى الاخلاق الاسلامية، وان الاختلاف بين المصداق والمفهوم لا يعني الاساءة الى المفهوم، فالمفهوم قائم بذاته كمفهوم واحد، وان اختلفت المصاديق الحاكية عنه في الثقافتين الغربية والاسلامية على سبيل المثال، ويؤكد العلامة، ان الآداب تختلف عن الاخلاق كونها ملكات راسخة روحية تتلبس بها النفوس، والآداب هيئات حسن تتلبس بها الاعمال الصادرة عن الإنسان نتيجة لما يتمتع بها من صفات نفسية مختلفة، فالآداب من منشآت الاخلاق، والأخلاق من مقتضيات الاجتماع(1).

وان ادب الإنسان الذي اشار إليه القرآن الكريم الغاية منه هو توحيد الله تعالى في القول والعمل الذي منه يبدا كل شيء، وإليه يعود كل شيء، فيجري الإنسان في حياته ويعيش بأعمال تحاكي بها عبوديته الخاضعة بكل شيء الى الله تعالى، والتوحيد بهذه السلوكية يسري في باطن الإنسان وظاهره التي تبدو بأقوال الإنسان، وافعاله الحاكية عن العبودية المحضة، وهذه الاعمال مع كونها شرا او خيرا لكنها قائمة على العادة، وهنا يوضح العلامة لنا جانبا مهما من فهل الايمان وهو الالتزام بالقول والعمل اذا اردنا ان يكون العمل ذا تأثير(2).

الحب:

وكي يوضح العلامة الحب، كظاهرة ،اخلاقية ويبين دورها في المجال الحياتي، يستعرض نبذة من اخلاق الانبياء عليهم السلام التي وردت قصصهم في القرآن الكريم،وكانت كل تصرفاهم وجل تحركات طاعة مفروضة لله تعالى، تعبر تعبيرا صادقا عن اندماج صادق بين العبودية (العبد) من جهة الإنسان، وبين الربوبين (الرب) من جهة الله تعالى، فكل سلوك حادث، قائم لوجهه الكريم، غايته السعادة المتحققة برضا الله تعالى، ومن النماذج التي نختارها لبيان مصدر الحب الذي يعرضه العلامة فی

ص: 221


1- الميزان، مصدر سابق، ج6، ص 257.
2- الميزان، مصدر سابق، ج6، ص 258-259.

تفسيره، ما مثله النبي نوح عليه السلام من دعوة صادقة لقومه الى الشريعة الالهية وبدأ خطابه الالهي بكلمة ربي، ربي ان دعوت قومي، وهو ادب استخدمه نبي الله تعالى ابراهيم عليه السلام، في الخطاب: ربي اني اسكنت من ذريتي... والحوار الذي دار بينه عليه السلام وبين النبي اسماعيل يوم الذبح والاجابة بتمام الاستعداد افعل ما تؤمر ...، او ربي ارني انظر اليك...، وما استخدمه يوسف عليه السلام من خيار بين السجن الذي (احب) إليه مما يدعوهن إليه...، فهو عليه السلام لم يترك لشيء في قلبه محلا غير الحب لحبيبه وعندما استعدت امرأة العزيز ب- (هيت لك) ترك النبي يوسف عليه السلام أي سبب من الاسباب الخارجية وتمسك بالله تعالى، (معاذ الله) وهنا يكمن الحب والتوكل بأعلى درجاته(1).

ومعنى الحب ليس معنى غريبا لا يمكن تصوره او لا يجد له مثيلا في الاخلاقيات الاخرى، فيرسم لنا العلامة صورة لأخلاقيات الكبر والعظمة والخيلاء الموجودة في الإنسان المتكبر، فهي صورة ترتسم بصورة كاملة على كافة حركاته وكلماته مع الغير، بحيث ينطبق عليه مفهوم المتكبر الصادرة عن اخلاقياته، وليس ذلك في حالة الكبر والتخيل فقط، وانما تحصل ايضا في حالة المسكنة، فالإنسان المسكين تظهر على تصرفاته وحركاته وكلماته افعال التمسكن، بحيث يصدق عليه مفهوم المسكين(2). وهنا تتجسد حالة يحبهم ويحبونه، الحب المطلق، المتعلق بالذات، والذي يوصف بغير تقييد، او وصف، والذي يكوم من زاويتين او جهتين، من جهة الفوق، الحب من جانب الله تعالى فيبرئهم الله تعالى، من ظلم ومن كل رذيلة، ويطهرهم من كل قذارة معنوية ويحصلون على عصمة ومغفرة الهية لا المعاصي والاثام غير محبوبة له تعالى فما في هذا الآيات من الصفات السالبة الحاكية عن الرذائل الى ان تزول وترتفع عن الإنسان كونها جماع الرذائل الاخلاقية يتصف الإنسان ب- (رفعها - الرفع) اتصافا بما يقابلها من الفضائل، ومن جانب العبد فانهم لا يؤثرون شيئا على عبادة الله تعالى وحبه وطاعته فيؤثرون هذه العبادة على كل شيء ولا يقف امامها حب

ص: 222


1- الميزان، ج 6، ص 123 ، وكذلك: ج11، ص 273.
2- الميزان، مصدر سابق، ج6، ص 261.

المال او الجاه او الميل الى النفس او الاهل او العشيرة، وان حصل مثل هذا الميل فهو في طول الحب الالهي وجزء منه، لأن الإنسان إذا أحبّ شيئاً أحب آثاره(1).

الاخلاق والبعد الاخروي:

تعتمد النظرية الاخلاقية للعلامة الطباطبائي على نقد شامل لنظرية الدفع بمسلكيها، فالله سبحانه يعبد بطرق مختلفة، يختار الإنسان واحدة منها، اما الخوف او الرجاء او الحب، بعد ان يعرف الإنسان بما لا يقبل الشك، ان الحياة الدنيا بما فيها من زبرجد وبهجة ما هي الا محض خيال وهمي، وهي الا محض خيال وهمي وهي ليس بباقية ولا بد من ان تزول، وانه لا بد من أن يؤول امره اما الى جنة أو نار في الاخرة، ((اعْلَمُوا أَنمَّ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿20﴾))/الحديد، وهنا يتجسد الخوف والرجاء، لكن الحب وكما اتضح الفعل الذي لا يرجى فيه الا طاعة الله ورضاه، من دون تعلق باجر اخروي، او مدح دنيوي، وتختلف حاجات الناس وطباعهم في الاستجابة الى هذه الطرق الثلاثة، التي تكون غايتها الأولى بما تنطبع فيهم نفوسهم على الخوف منه تعالى فيترك الذنب خوفا، ويتمسك بالفعل المرجو رجاء طلبه للنعيم بالعمل الصالح، وهاتان الطريقتان: الخوف والرجاء من الطرق والمسالك المنتقدة عند اصحاب الحب الالهي لانهم يعبدون الله تعالى من دون ان يكون لهم طمعا لا في جنة ولا في نار ، فليس للعبد الا ان يعبد ربه، وكل عمل يقومون به لا يرجون الا وجهه، فهو الاول والآخر، وبهذا الخلوص تظهر المحبة الالهية على وجوههم وفي قلوبهم، ومن خواص النفس الانسانية ان تنجذب الى الجميل، فكيف بالجميل على الاطلاق ((ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكيل ﴿102﴾/ الانعام)) وتتجلى العبادة واضحة بالآيات الافاقية والانفسية التي بينها الله تعالى لهم، ومن كانت هذه نظرته فهو لا

ص: 223


1- الميزان، ج5، ص383.

يرى الطريقين الأولين الا شركا في عبادة الله تعالى فالطاعة له، لان الدين ليس الا الحب عندهم، وليس ابتغاء جنة او نار أو سلوك بخوفا او رجاء: ((فهؤلاء يسلكون في معرفة الاشياء عن طريق هداهم إليه ربهم وعرفها لهم، وهو انها آيات له وعلامات لصفات جماله وجلاله، وليس لها من النفسية والاصالة والاستقلال الا انها كرائ تجلى بحسنها ما وراءها من الحسن غير المتناهي، وبفقرها وحاجتها ما احاطته به من الغنى المطلق، وبذلتها واستكانتها ما فوقها من العزة والكبرياء، ولا يلبث الناظر الى الكون بهذه النظرة دون ان تنجذب نفسه الى ساحة العزة والعظمة، ويغشى قلبه من المحبة الالهية ما ينسيه نفسه وكل شيء))(1).

الحب والتوكل:

ومن موارد الحب التوكل، التي يظهرها العلامة انموذجا حيا عن الحب، ومن هنا يحاول العلامة ان يطلعنا على الربط الجمعي بين الحب والتوكل، كونهما السبيل القويم، المسلك للعبادة المعتمد على التوحيد الخالص، ويبقى نظرة الحب هي النظرة الاعلى بين الخوف والرجاء، ولا سيما ان هذه النظرة (الحب) تنظر الى ما دونها من نظرتي الخوف والرجاء، بانها نظرة شرك، مهما بدا فيها من اخلاص، فاخلاصها ليس الا للدين، وليس لرب الدين، فالخوف يدعو الإنسان الى ترك المعاصي والزهد في الدنيا للنجاة في الآخرة، والرجاء يقوده الطمع للعبادة، ويكون دافعا وحافزا لها، فيلتزم الواجبات ويترك الدنيا طلبا للآخرة ، لكن للحب دورا فهو لا يطلب الآخرة، وانما يطهر القلب للتعلق به تعالى ويترك ما دون ذلك، ولكل ما كان في الدنيا من مال او ولد او جاه ليست ذات علقة بالقلب، وحبها انما كان في طول الحب الالهي لان (((حب الشيء حب لأثاره))(2).

واذا كان ينظر لكل شيء اثرا له تعالى، فلا يرى في الكون الا خيرا محضا صادرا عن الجمال المطلق، فكل ما موجود خير وجميل، وكل ما يجري انما يجري على

ص: 224


1- الميزان، مصدر سابق، ج11، ص 160.
2- الميزان، ج 11، ص 160.

وفق ما تقتضيه ارادة الخير والجميل، وبذلك يتبدل الالم الى لذة، والغضب الى سرور وابتهاج، وهذا ما لا تدركه الا النفوس العالية التي احرزت مرتبة الاولياء، الذين وصفهم القرآن الكريم بانهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ((أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنُونَ ﴿62﴾/ يونس)) وبذلك يحصل الولي على درجة القرب والخلوص، بعد ان ترك الوهم وهوى النفس وتلبس الشيطان، فكل ما يظهر او يتراءى لهم ليس الا آية: ((كاشفة عن الحق المتعال، لا حجابا ساترا، فيفيض عليهم ربهم علم اليقين))(1).

وهؤلاء المخلصون - المتوكلون - حقا علي الله تعالى، والمفوضون إليه أمرهم والراضون بقضائه : ((اذ لا يرون الا خيرا ، ولا يشاهدون الا جميلا ، فيستقر في نفوسهم من الملكات الشريفة والاخلاق الكريمة ما يلائم هذا التوحيد، فهم مخلصون للله في اخلاقهم كما كانوا مخلصين له في اعمالهم وهذا معنى الاخلاص))(2).

ومن هنا يظهر الربط الواضح بين الاخلاق الكريمة، المعتمدة على التوحيد، والاخلاق الكريمة الرابطة بين التوحيد والسعادة الانسانية، فالجوهر المعتمد الذي تقوم عليه كل الاصول المختلفة، او ما تقوم عليه شجرة الاخلاق هو التوحيد، وهذه الايمان، واصلها التوحيد، وما تأتيه من الاكل العمل الصالح، اما فروع

الشجرة هي هذه الشجرة فهي التقوى والعفة والمعرفة والشجاعة والعدالة والرحمة، وهي الكلم الطيب والعمل الصالح الذين يشكلان محور الاتصال والقرب من ساحة الفضل والقرب الالهي، والعلامة يشير الى ان السعادة وبثها في نفوس الآخرين هي ما يتم به الكمال النوعي للإنسان في داخل بنائه الاجتماعي، فالسعادة لا تتحقق الا من خلال التعاون على اعمال الحياة بين البشر على الرغم من كثرتها وتنوعها، فالسعادة لا تتحقق الا من خلال التعاون على اعمال الحياة بين البشر على رغم كثرتها وتنوعها، وهذه الكثرة والتنوع لا يحكمه الا القانون العام القائم على الاخلاق الكريمة القائمة على التوحيد.

ص: 225


1- الميزان، مصدر سابق، ج11، ص 161.
2- الميزان، مصدر سابق، ج 11، ص 161.

المصادر والمراجع:

محمد حسين الطباطبائي، الاسلام الميسر ، ترجمة: جواد علي كسار، مؤسسة ام القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الأولى، 1419.

محمد حسين الطباطبائي، الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم - ايران من دون طبعة، من دون تاريخ، الجزء الاول .

محمد حسين الطباطبائي، الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم- ايران، من دون طبعة، من دون تاريخ، الجزء الثاني .

محمد حسين الطباطبائي، الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم- ايران، من دون طبعة، من دون تاريخ، الجزء الرابع .

محمد حسين الطباطبائي الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم- ايران، من دون طبعة من دون تاريخ، الجزء السادس.

محمد حسين الطباطبائي، الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم- ايران من دون طبعة، من دون تاريخ، الجزء الثامن

محمد حسين الطباطبائي، الميزان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم ايران من دون طبعة، من دون تاريخ، الجزء الحادي عشر.

محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيع في العالم المعاصر، ترجمة: جواد علي كسار، مؤسسة ام القرى للتحقيق والنشر، الطبعة الأولى، 1418ه.

ص: 226

النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية

من وجهة نظر الشهيد مطهري

تأليف: علي شيرواني

ترجمة: د. علي الحاج حسن

ملخص

صحيح

ان مسألة النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية (الوحدة، الاتحاد، التمايز، التباين، التعاند و .....) ترتبط بمسألة النسبة بين الدين والاخلاق إلا انها لیست عينها. من هنا يمكن اعتبار الاخلاق مستقلة ومنفصلة عن الدين ومع ذلك يمكن التأكيد على وحدة او اتحاد التجربة الدينية والاخلاقية.

حاولنا في هذا المقال دراسة وتحليل آراء الشهيد مطهري حول بعض المواضيع من قبيل الدين، الايمان، العبادة، القيم الاخلاقية بالاخص نظريته الاخلاقية المختارة (الاخلاق كعبادة) ومن ثم البحث عن الاجابات التي قدمها التي يظهر منه انه يعتقد بان «كل تجربة اخلاقية خالصة هي بحد ذاتها تجربة دينية متحدة معها، وهي لا تنفك ولا تتمايز عنها».

الكلمات المفتاحية: التجربة الدينية، التجربة الاخلاقية، فلسفة الدين، فلسفة الاخلاق، مطهري.

ص: 227

عرض المسألة

تعدّ مسألة النسبة بين الدين والاخلاق مسألة قديمة ترتبط بإطارين هامين واساسيين في الحياة البشرية حيث كانت محل اهتمام كثير من الباحثين. عرضت عددا من النظريات في هذا الخصوص، من جملتها ذاك الطيف الواسع الذي يؤكد على الاتحاد والعينية بين الدين والاخلاق ويقابله طيف آخر يؤكد على التعاند والتنافر الكامل بينهما . اما منشأ الاختلاف بين الجهتين، فهو عدم الاتفاق في تعريف الدين والاخلاق، وقد بقي الخلاف على حاله رغم رفع الموانع.

ان موضوع هذا المقال ليس العلاقة بين الدين والاخلاق، بل النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية، والسؤال الذي يجب ان يُطرح: ما هي النسبة التي تحكم هاتين التجربتين ؟ هل هما نوعان مختلفان من التجارب البشرية؟. اذا كانا نوعين متمايزين فهل يمكن ان يجتمعان ؟ واذا امكن اجتماعهما، فهل يستلزم احدهما الآخر؟ واذا استلزم احدهما الآخر، فهل تستلزم التجربة الدينية، التجربة الاخلاقية (وعلى هذا النحو تكون كل تجربة دينية، اخلاقية ايضا). او ان التجربة الاخلاقية تستلزم التجربة الدينية (وعليه ان تكون كل تجربة اخلاقية دينية ايضاً)؟

واذا لم يكونا نوعين متمايزين ومختلفين من التجارب، فهل يكون اختلافهما لفظي ومن ثم تكون التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية، مصطلحين مختلفين لمعنى واحد؟ واذا لم يكن الأمر على هذا النحو ، هل يكون احدهما اصل، والآخر فرع على سبيل النور والظل ؟ ومع ذلك فأيهما هو الاصل وايهما الفرع(1)؟

صحيح ان السؤال عن النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية ليس بعينه

ص: 228


1- من المفيد لوضوح المسألة الالتفات إلى النسبة بين الادراك الملائم (الكمال) واللذة. في هذا المجال يعتقد عدد من الحكماء المسلمين انهما تجربة. فتجربة اللذة هي بعينها تجربة الادراك الملائم وفي الحقيقة فإن حقيقة اللذة ليست شيئاً آخر سوى ادراك الكمال (الشيرازي، 1981م ، ص 120-124) بينما يعتقد بعضهم انهما تجربتان مختلفتان ولكنهما ملازمان لبعضهما. وعلى هذا النحو تكون اللذة كيفية نفسانية تظهر عند ادراك الأمر الملائم في النفس (مصباح، 1405ق، ص 180).

السؤال عن النسبة بين الدين والاخلاق، إلا انه مرتبط به وعلى الاقل يتضح احدهما من خلال اتخاذ موقف في بعض الموارد عند الآخر(1).

يمكن فهم النسبة بين الدين والاخلاق عند عموم متكلمي الشيعة من خلال نظرية الحسن والقبح الذاتيين والعقليين (الحلي، 1417ق، ص417-420): ان الاخلاق بمثابة مجموعة من القضايا التي توضح الحسن والقبيح، الوجوب وعدم الوجوب في الخصال واما السلوكيات الانسانية الاختيارية فهي اطار عقلي مستقل عن تعاليم الدين الوحيانية، لذلك يعتمد عليها في مقدمات اثبات النبوة الخاصة والعامة واذا كان الدين مستقلاً عنها ثبوتا فهو مرتبط بها في مقام الاثبات.

ان العلاقة بين تعاليم الدين الوحيانية والقضايا الاخلاقية شبيهة من بعض الجهات العلاقة بين تعاليم الدين الوحيانية والفلسفة (التي تعني معرفة الوجود بالاسلوب البرهاني). يشكل الدين والفلسفة مجالين مستقلين، ومع ذلك فهما مرتبطان ببعضهما. يتم اثبات اصل وجود الله تعالى وعدد من اسمائه وصفاته - ان لم نقل جميعها - في الفلسفة باللجوء إلى بديهيات العقل النظري ومن ثم يمكن ايجاد رابطة بين الإنسان وحاملي دين الله. صحيح ان العلاقة بين العقل والوحي ذو وجهين بعد اثبات الو الالهي بواسطة العقل ووضع يد الإنسان في يد الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) - التي هي يد الله - فالتعاليم الوحيانية بمثابة الزيت الذي يوضع في مصباح العقل فيجعله اکثر اشعاعاً ويضيء النص الديني بواسطة نور العقل. وهكذا حال الدين والاخلاق. تصبح العلاقة ذات الاتجاه الواحد بين الدين والاخلاق ذات وجهين بعد اثبات الوحي الالهي وتبدأ العلاقة الديالكتيكية بينهما مما يؤدي إلى نبوغ المعرفتين(2).

ص: 229


1- هذه المسألة هي على اساس الرؤية الصحيحة في مسألة الدين والاخلاق حيث يكون كلاهما عينيان ومن ثمَّ يمتازان عن التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية وهما امران نفسيان الواضح من خلال عقيدة الذين يعتبرون الدين والاخلاق هما عين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية - الذين يبحثون عن جذورهما في وجود الإنسان حيث لا وجود مستقل لهما عن وجود الانسان ان السؤال عن النسبة بين الدين والاخلاق هو بعينه السؤال عن التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية.
2- طبعاً هذا النبوغ اثباتي في الدين فقط؛ وإلا فالدين الالهي يمتلك كافة مراتب الكمال منذ البداية وفي مراحل العلم الالهي على مستوى مقام الثبوت ومن ثمَّ لا مجال للنقص فيه، طبعاً يصح الحديث عن النقصان على مستوى وصول البشر اليه. ويصدق هذا الكلام على الاخلاق ايضاً بالاخص على مبدأ الحسن والقبح الذاتيين.

صحيح ان الحكماء الشيعة ايّدوا اصل الحسن و القبح العقليين، إلا انهم قدموا قراءة وتفسيراً مختلفاً لما قدمه المتكلمون الشيعة فافترقت جهة المتكلم عن الفيلسوف(1). من جملة ذلك انهم يعتقدون ان «العدل الالهي حقيقة واقعية من دون ان يستلزم ان يحكم الذات الالهية المقدسة ومن دون ان يستلزم الاشكال على قاهرية ذات الباري المطلقة. ] من وجهة نظر الفلاسفة [وفسروا الحسن والقبح العقليان بانهما: خارجان [ عن دائرة المعقولات الذاتية التي تمتلك قيمة الكشف واظهار الحقيقة وهما من جملة الافكار العملية الضرورية لذلك، لا تقبل بكونها معياراً ومقياساً لافعال الباري تعالى. اما الحكماء وعلى عكس المتكلمين لم يستفيدوا من هذه المفاهيم على مستوى المعارف الربوبية» (مطهري، 1374، ص 45).

ان دراسة الرؤية النقدية للشهيد مطهري تتطلب مجالاً آخر، إلا اننا نذكر ان المسألة المذكورة في باب التمايز بين رؤية المتكلمين والحكماء الشيعة، لا تؤدي إلى الاختلاف في اصل الاستقلال الثبوتي للدين والاخلاق والعلاقة الثنائية لهما بعد اثبات الدين والوحي الالهي؛ على الرغم التأثير على مستوى ارتباط اثبات الوحي الالهي - وبعبارة اخرى اثبات النبوة الخاصة - بالاخلاق . يعتقد الحكماء ان التمسك بالقضايا الاخلاقية لاثبات النبوة الخاصة غير تام، فيخرج الاستدلال على شكل البرهان ليتشكل على صورة الجدل.

نظرية الشهيد مطهري في باب النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية

لم يستعمل الشهيد مطهري مصطلحي التجربة الدينية والتجربة الاخلاقية ولم يتحدث بصراحة عن النسبة بينهما؛ إلا انه قدم نظرية في باب الفعل الاخلاقي، حيث يمكن من خلالها فهم النسبة بين التجربتين:» ان كل تجربة اخلاقية خالصة هي

ص: 230


1- يجب الالتفات إلى ان الافتراق بين الكلام والفلسفة عند السنة غير موجود عند الشيعة. طبعاً يجب الاشارة إلى انهما اقتربا إلى بعضهما منذ زمان الخواجة نصير الدين الطوسي حتى اذا ما وصلنا إلى الميرداماد وصدر المتألهين شاهدنا القول باتحادهما وفي هذا الزمان فإن ابرز المتكلمين هم ابرز الفلاسفة ايضاً ابرز الفلاسفة ايضاً ومن جملة النماذج الشهيد مطهري.

تجربة دينية وهي متحدة معها وليست غير منفكة عنها فقط، بل هي غير متمايزة عنها ايضاً، وحول الاجتماع يمكن القول انهما مفهومان يصدقان على تجربة واحدة من جهتين وقد يصح القول من جهة واحدة(1).

لتوضيح الشواهد على صحة نسبة هذه الرؤية للشهيد مطهري نعالج المسألة في ضمن قسمين : يتعلق القسم الأول بما ذكره في بحث العدل الالهي اثناء الاجابة على سؤال كلامي حول استحقاق الكافرين الثواب على الاعمال المتصفة بحسن الفعل وحسن الفاعل : ويتعلق القسم الثاني بما ذكره بعد دراسة ونقد النظريات الاخلاقية

المتعددة من امثال» النظرية العاطفية»، «نظرية الارادة»، «النظرية الوجدانية» و«النظرية الجمالية» وقد بَين فيه نظريته المختارة. سيتضح ان هذين القسمين من البحث يتصلان بنقطة مشتركة واحدة.

أ- الميل نحو العدل والاحسان وعلاقتهما بمحبة الله

طرح الشهيد مطهري سؤالاً في بحث العدل الالهي وهو: هل للعمل الحسن الذي يصدر من الكافرين (عمل الخير من غير المسلم) ثواب أم لا (مطهري، 1474، ص 269). وفي الجواب، شرح ونقد رؤيتين احداها افراطية والاخرى تفريطية× الاولى هي التقديسية التي تقول باصالة الاعتقاد وهي شبيهة بمنطق المرجئة التي تنتهي بنفي قيمة العمل والثانية رؤية تنويرية تعتقد باصالة العمل وتنفي قيمة الايمان (م. ن، ص 278-289). ثم بحث حول قيمة الايمان وأوضح ان الكفر الموجب للخروج من الايمان والذي يستحق العذاب هو الكفر الذي ينطلق من العناد واللجاجة (كفر الجحود) وليس الذي ينطلق من الجهل وعدم المعرفة (م. ن، ص 829) ثم درس مراتب التسليم ليشير بعد التمسك بالآيات القرآنية ان «حقيقة الايمان،هي تسلیم القلب» حسب المنطق القرآني (م. ن، ص291). وتسليم القلب - المقابل لتسليم البدن أو تسليم العقل - هو تسليم كافة انحاء الوجود الانساني ونفي اي شكل من الجحود والانكار.

ص: 231


1- لن نتحدث حول اعتقاده بان كل تجربة دينية هي دائماً تجربة اخلاقية ولن ننسب إليه اي نظرية .

وقد شرع الشهيد مطهري الحديث حول الاسلام الحقيقي والاسلام الجغرافي(1)(م. ن، ص 293) يقول: «ان صاحب القيمة من حيث الواقع هو الاسلام الحقيقي.....] وهو الذي يسلم فيه الشخص قلباً امام الحقيقة ..... ] وعلى هذا الاساس [ اذا امتلك الشخص صفة التسليم، وكانت حقيقة الاسلام مخفية عنه الاسباب ما وكان غير مقصر، فالله لن يعذبه على الاطلاق وسيكون من اصحاب النجاة والجنة «(م. ن) . وقد اطلق على هؤلاء الاشخاص «المسلم الفطري» واذا كان لا يمكن اطلاق عنوان المسلمين عليهم إلا انهم ليسوا كفاراً (م. ن، ص 294).

ثم شرع الشهيد مطهري الحديث حول الحسن الفعلي والحسن الفاعلي فاعتبر ان الحسن الفعلي في الاسلام غير كاف للثواب الاخروي على العمل، بل يلزم وجود

الحسن الفاعلي، فالحسن الفعلي بمنزلة البدن والحسن الفاعلي بمنزلة الروح (م. ن، 307) ثم يطرح مسألة لزوم او عدم لزوم الايمان بالله لتحقق الحسن الفاعلي وهل ان قصد التقرب إلى الله مقوم للحسن الفاعلي أم لا. قد يقال اذا أتى الشخص بعمل بقصد التقرب إلى الله او بدافع «الوجدان والعطف والرحمة المستولية على قلبه فهل يكفي ذلك ليتحقق للفعل الحسن الفاعلي»(م . ن) ، وبعبارة اخرى، اذا لم يكن الدافع في الفعل «الانا» ، فهل يتحقق الحسن الفاعلي؛ سواء كان الدافع «الهياً» أو «انسانياً».

صحيح ان الشهيد مطهري يرفض وحدة هذين الدافعين (الله والانسانية)، بل يعتقد باستقلالهما باعتبار «ان كل عمل ينطلق من الاحسان وخدمة خلق الله وبسبب الانسانية، فهو ليس في رديف العمل الذي يكون دافعه للذات فقط. طبعاً الله تعالى لا يترك هكذا اشخاص من دون ثواب»(م . ن ، ص 307) .

ولكن كيف يمكن الجمع بين الرؤيتين: الرؤية التي تعتقد ان الايمان شرط في قبول الاعمال واستحقاق الثواب وهذه الرؤية الوجدانية الشهودية التي تدل عليها

ص: 232


1- قارنوا بين هذا البحث وما ذكره جيمز في كتاب « تنوع التجربة الدينية حول الدين الوضعي والدين الفردي (جیمز 1391، ص 47).

عدد من الروايات التي تبين ان العمل الذي ينطلق من دوافع انسانية هو عمل ذو قيمة وان الله لا يترك هذا العمل من دون ثواب.

ان ضرورة الجمع بين هذين الرؤيتين وازاحة التعارض الظاهري، يقرب الشهيد مطهري بعد كثير من الاحتياط والحفاظ على القيود من الوحدة بين التجربة الاخلاقية الخالصة والتجربة الدينية حيث يقول في اكمال البحث:

«وفي نظري اذا وجد افراد يحسنون إلى الناس الآخرين وحتى إلى الاحياء عموماً لأن «لكل كبد حراء أجراً» من دون انتظار لأي نفع، وحتى أنهم لا يقدمون خدماتهم للبائسين خوفاً من يوم يأتي يصبحون فيه من جملتهم، بل دافع الإحسان والخدمة يقوى في أعماق وجدانهم حتى أنهم ينجزون الخير ولو أنهم يعلمون بأنه لا عائد منه ولا أحد يعلم به ولا أحد يبارك له، وبشرط ان لا يكونوا واقعين تحت تأثير العادة، فلا بد من أن نقول إن هؤلاء يقيناً في أعماق ضمائرهم يوجد نور من معرفة الله. وعلى فرض أنهم ينكرون بألسنتهم فهم قطعاً مقرون في ضمائرهم. أما انكارهم فهو منصب على أشياء موهومة تصوروها مكان الله أو منصب على أمور متخلية تصوروها مكان العودة إلى الله ومكان القيامة. وليس الإنكار في الواقع منصباً على ذات الله تعالى ولا على المعاد الحقيقي.

والتعلق بالخير والعدل والإحسان من جهة كونها خيراً وعدلاً وإحساناً من دون أية شائبة أخرى يكشف عن الحب لذات الجميل على الإطلاق وعليه فنحن نستبعد أن يحشر هؤلاء الناس مع أهل الكفر ولو أنهم كانوا منكرين بألسنتهم. والله أعلم»(م. ن ، ص 309).

الواضح ان محبة «الخير والعدل والاحسان من جهة كونها خير وعدل وإحسان»،هي المصداق التام للتجربة الاخلاقية الخالصة. ان هذه التجربة والميل الداخلي نحو الخير والعدل والاحسان هي قضية نفسانية وقضية واعية قضية نفسانية وقضية واعية عند الانسان، ومن ثمَّ يصدق عليها مفهوم التجربة (244 .swin burne 1991 ، p) وتكون هذه الجذبة وهذا

ص: 233

الميل ذات صبغة اخلاقية بلحاظ المتعلق ؛ لذلك هي تجربة اخلاقية بل مصداقها الخالص، ويعتبر ان هذه الجذبة وهذا الميل هو المؤشر على محبة الله تعالى الذي هو الجمال المطلق، ونحن نعلم ان شلاير ماخر كان يعتبر احساس الشوق والمحبة هذا ليس سوى محبة الذات الالهية اللامتناهية. (شيرواني، 1381، ص

93).

بناءً على ما تقدم من مقدمات، نستنتج ان هذه الحالة - اي الميل نحو الخير والعدل والاحساس بما ان الميل هذا هو خير وعدل و احسان - من وجهة نظر الشهيد مطهري، هي تجربة اخلاقية وفي الوقت عينه مؤشر لحالة يطلق عليها التجربة الدينية.

ب - نظرية الشهيد مطهري الاخلاقية

ان السؤال الاول في بحث الاخلاق هو تعريفه. يعتقد الشهيد مطهري ان «تعريف

الاخلاق ليس بالأمر السهل» (مطهري، 1387ج، ص 162)، ومن هذه الجهة يكون للاخلاق عين مصير الدين)(1)، ولم يتفق الفلاسفة حول ذلك، فقدم كل واحد منهم تعريفاً كانت تتعارض مع بعضها تارة. رجّح عدد من الفلاسفة في هكذا حالات عرض المصاديق البارزة والواضحة والمتفق عليها بدل بذل الجهود القليلة الفائدة لتقديم تعريف جامع ومانع للموضوع ومن ثمَّ العمل على دراسة وتحليل العناصر المقومة. يعتقد الشهيد مطهري «الافضل في هكذا حالات الشروع من الموارد المسلم بها في البحث» (م. ن) .

يعتقد ان الفعل الاخلاقي يقع في مقابل الفعل الطبيعي والعادي (مطهري، 1387الف، ص 470).من جملة خصائص الفعل الطبيعي والاعتيادي من امثال الاكل والشرب انها لا تقبل التحسين والمدح. وفي المقابل فإن اولى خصائص الفعل الاخلاقي انه «يتطلب المدح والثناء والتعظيم والتبجيل» (م . ن ، ص 292) والخاصية الاخرى ان الفعل الاخلاقي يتطلب القداسة وهي العنصر الاساس في الاخلاق (م. ن، ص 47).

ص: 234


1- للاطلاع على منشأ اختلاف المفكرين حول تعريف الدين، راجع مقال المؤلف بعنوان «دراسة تعاريف الدين من وجهة نظر اخرى (فصلية الفكر الديني الحديث، السنة السابعة، شتاء 90،العدد 27). يعتقد الشهيد مطهري ان من جملة اسباب الاختلاف في تعريف الاخلاق، الاختلاف في الرؤى الكونية. (مطهري، 1387 ،الف، ص 289). وتصدق هذه المسألة فيما يتعلق بتعريف الدين ايضاً .

اوضح الشهيد مطهري نماذج من العمل الاخلاقي والروحية الاخلاقية على امتداد التاريخ - امثال «ما عمله بطرس الكبير عندما كان في السن الثالثة والخمسين وكان في أوج سلطته، وقد شاهد زورقاً في شهر كانون الثاني يشرف على الغرق، فالقى نفسه في الماء لمساعدة ركابه في النجاة وقد كانت وفاته على اثر ذلك» (م. ن، 1387ج، ص 162 و 163) وكذلك ايضاً الجرحى المسلمون في ارض المعركة الذين كانوا بحاجة إلى الماء وعندما جاء به شخص رفض الاول الشرب طالباً اعطاءه للثاني والثاني طلب اعطاءه للثالث، حتى استشهدوا جميعاً وكانوا مصداق قوله تعالى:» ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (الحشر /9؛ م.ن، 1387 الف، ص 294) - وبعد تحليل خصائصها في تقابل الافعال، أوضح القيم الخاصة فيها واستنتج ان الفعل الاخلاقي ذو قيمة عند الوجدان البشري؟ وهي قيمة ارفع من القيم المادية التي «يتم تقييمها على اساس المال والبضاعة المادية القابلة للتقييم ( = التسعير....) (م. ن، 305).

وقد اختص الإنسان بالاتيان بهكذا افعال لذلك يمكن القول في تعريف الإنسان انه «حيوان اخلاقي».

بعد اتضاح العمل الاخلاقي وخصوصياته، نصل إلى مرحلة التنظير له. فما هو معيار العمل الاخلاقي؟ ما هو الشيء الذي يضفي على العمل الاخلاقي القداسة والقيمة المعنوية والذي يكون الإنسان خاضعاً امامه فيلهج لسانه بالمدح والثناء؟ قدم الشهيد مطهري في عدد من كتاباته ومحاضراته بالاخص في السنوات العشر الاخيرة من عمره، نظريات متعددة للاجابة على هذا السؤال مراعياً كمال الانصاف والنقد والتقييم.... يعتقد ان الآراء وان اختلفت في هذا الخصوص «فهي في الغالب لیست متضادة ولا متناقضة؛ اي ان كل رأي في الغالب اهتم بزواية مما يجب أن يعمل الإنسان (= العمل الاخلاقي)» . (م. ن، ص 42).

ص: 235

يمكن تصنيف النظريات المتنوعة طبق التقسيم الآتي:

النظرية العاطفية ؛ يمكن توضيح هذه النظرية على شكلين. الشكل الاول عبارة عن العواطف والميول الغيرية والانسانية التي تكون مبدأ الفعل الاخلاقي، وأما فصلها المميز عن غيرها من الافعال فهو «العمل الاخلاقي الاعلى من الميول الفردية، أي عاطفة محبة الغير «(م. ن، 321)؛ وقد يجري الحديث عنها تارة اخرى باعتبارها المبدأ الغائي والهدف للفعل الاخلاقي : «العمل الاخلاقي هو العمل الذي يكون هدف الإنسان فيه هو ايصال الخير إلى الآخرين، وليس إلى الذات» (م.ن، ص 322). طبعاً يمكن جمع التوضيحين. ويكون اساس الاخلاق في هذه النظرية، محبة الآخرين. ومن جملة هذه الاخلاق «الاخلاق الهندية» أو «الاخلاق المسيحية». (م.ن، 323) .

يعتقد الشهيد مطهري ان نصف هذه النظرية صحيح ونصفها الآخر غير صحيح. ان الاعمال الناشئة من عاطفة محبة الناس اخلاقية في كثير من الحالات؛ ولكن اولاً ليست كل محبة عمل اخلاقي، امثال محبة الام لابنها التي هي عمل غريزي وليست اكتسابية، ومن ثم فإن هذه المحبة فاقدة للقيمة الاخلاقية (م. ن، ص 324)؛ثانياً لا يمكن ان تكون الاخلاق محدودة بمحبة الغير. ان بعض الاعمال من قبيل عدم الرضوخ للذل الذي يُعدّ عملاً اخلاقياً، إلا ان مبدأ هذا العمل ليس عاطفة محبة الإنسان وليس هدفه ايصال الخير إلى الآخرين (م. ن ، ص 325)؛ ثالثاً، لا يجب اعتبار متعلق المحبة والعاطفة منحصراً في الانسان، «بل يجب محبة كل شيء». (م. ن، ص 326).طبعاً يبنى هذا النوع من المحبة على الرؤية العرفانية التي تؤدي إلى وجود حالة في الإنسان يعتبر كل الوجود مظاهر للمحبة رابعاً(1)، لا يجب الافراط في تفسير محبة الإنسان حيث تكون النتيجة العداء للانسان؛ يقول سعدي:

ترحم بربلنك تيزدندان ستکماری بود برکوسفندان (م. ن، 330)

[ان الرحمة بالنمر المتوحش هو ظلم بالخراف]

ص: 236


1- لم يميز الشهيد مطهري في آثاره بين هذا الاشكال والاشكال المتقدم فذكرهما تحت عنوان واحد، والظاهر ان المناسب التفكيك بينهما .

«ان المقصود من محبة الانسان ان يكون كل انسان لائقاً بالمحبة بمقدار القيم الانسانية، والإنسان الذي لا حظ له من القيم الانسانية، تليق به المحبة ايضاً بهدف ايصاله إلى القيم الانسانية» (م. ن ، ص 327) .

نظرية الارادة: تقابل الارادة، الميل والشوق المشتركان بين الإنسان والحيوان والارادة مختصة بالإنسان وملازمة للعقل . الارادة هي قوة السيطرة على الميول والعواطف على اساس المصلحة العقلية. والعمل الاخلاقي بناءً على نظرية الارادة التي ايدها الفلاسفة المسلمون، هو العمل الذي يكون مبدأه الارادة والعقل، وليس الميول والعواطف، حتى لو كانت العاطفة تتعلق بالغير. «ان الاخلاق الكاملة،هی الاخلاق التي تخضع لقوة العقل والارادة وتكون الميول الفردية والنوعية والاشواق جمعيها تحت رقابة العقل والارادة»(م. ن، ص 331).

يعتمد على العقل في مكان آخر ليبين رؤية الحكماء. وقد اعتبر الحكماء ان «العقل معيار الاخلاق، إلا انه العقل الحر او الحرية العقلية «(م. ن ، ص 480).

ان جوهر الإنسان على اساس مباني الحكماء المسلمين وبالاخص صدر المتألهين هو القوة العاقلة، ومن ثم فإن الكمال والسعادة النهائيين والواقعيين، هي السعادة العقلية. للعقل بعدان: «بعد نظري يتجه نحو الاعلى ويريد كشف الحقائق (العقل النظري)، وبعد آخر يتجه نحو الاسفل، يريد تدبير البدن على اساس العدل». (م . ن ص 481). الاخلاق هي ان يحكم الإنسان العقل، لتستفيد كل قوة من قوى ، الإنسان على اساس العدل ومن دون افراط وتفريط وهنا يصل العقل إلى الحرية. اذا وصلت قوى الإنسان إلى حد الوسط ونقطة الاعتدال، تتحطم صولة القوى في مواجهة بعضها البعض فيحصل مزاج للانسان لا يزاحم العقل على اثر الميول المتعددة، وفي هذا الحال تكتسب الروح كمالاتها من دون اي مزاحمة من ناحية البدن . (م. ن، ص 482-481)

يتحقق الكمال الحقيقي للانسان من وجهة نظر الحكماء على اثر فعلية العقل

ص: 237

النظري، اي قوة ادراك الحقائق، فيصبح العقل العملي في الحاشية ويتخذ بعداً تمهيداً.

اما الاشكال الجوهري الوارد على هذه الرؤية(1)، فهو ان يصبح العقل هو جوهر الإنسان فقط وتصبح ابعاده الوجودية الاخرى كالوسائل والادوات بينما يعتبر الاسلام ان العقل فرع واحد من وجود الإنسان وليس كافة وجوده (م. ن، 1387ب، ص 187)، الضعف الآخرين في هذه النظرية(2)، سلب «العنصر الاساسي في الاخلاق اي القداسة. وتحصل الاخلاق على القداسة من خلال نفي الذات والانانية...» (م. ن 1387 الف، ص 47) مع العلم ان هذه النظرية التي تهدف إلى اقرار السعادة، تدور حول محور الانا(3).

النظرية الوجدانية: ان العمل الاخلاقي بناءً على هذه النظرية هو العمل الذي يُستلهم من الوجدان (م.ن، ص 332). وقد بنى كانط رؤيته الاخلاقية على هذا الاساس (م. ن، ص 334-449). ان أصل وجود الوجدان الاخلاقي وان يكون طبع الإنسان بحيث يرغب ويبتعد عن الحس والقبيح، فهو صحيح وهناك عدد من الشواهد القرآنية والروائية التي تؤيد ذلك (م. ن ، ص 323) . إلا ان نظرية كانط في هذا الخصوص يعتريها عدد من الاشكالات بسبب الخصائص التي تحيط بها.

صحيح ان نظرية كانط دقيقة، إلا انها لا توضح الحقيقة باكملها. والنظرية صحيحة إلى مستوى الذي يتم الاعتراف فيه بوجود سلسلة الاوامر «يجب» اللامشروطة وكذلك وجود مراكز للالهام، ولكن، اولاً يعتقد كانط ان الشرط اللازم لأخلاقية العمل ان لا يكون ناشئاً من ميل، والحقيقة ان امكان صدور هكذا فعل، محل تأمل. «هل من

ص: 238


1- يشار إلى ان الشهيد مطهري لم يتعرض بالنقد لموقف الحكماء والمسلمين في مكانين بل اكد على ضرورة التفكيك بين عقيدة الفلاسفة المسلمين ورؤية الاسلام ليس من الضرورة ان يتمكن الفلاسفة المسلمون دائماً وفيما كانوا يصرحون به، من توضيح المسائل الاسلامية بشكل كامل (م . ن، ص 332). وقد ذكر الاشكال المتقدم في ابحاث الإنسان الكامل بعد توضيح نظرية الحكماء حول الإنسان الكامل وقد ذكرها تحت عنوان: مدرسة العقليين.
2- أخذ هذا الاشكال من نقده لنظرية الاعتدال الارسطية ومن ثمَّ ليس من القطعي نسبته اليه.
3- اعتبر الشهيد مطهري في عدد من الحالات ان الخروج من محورية الانا شرط لازم للقيمة الاخلاقية وتحدث في مكان آخر امثال بحث «الانا والغير»(م. ن، 1387 الف، ص 409-428) بما يفهم منه انه اراد من نفي محورية الانا في الاخلاق الذات الدانية والحيوانية في الوجود الانساني وليس مطلق الانا.

الممكن ان يطيع الإنسان أمراً لا يميل بطاعته ولا يخاف مخالفته؟ (م.ن، ص62) ثانياً، حذف كانط مفهوم الحسن والخير من الفعل الاخلاقي ووضعه في ارادة الفعل. واما معيار الاخلاق الاساسي طبق رؤيته مكنون في الدافع منه وليس في خصائص الفعل عينه. ومن ثم فالوجدان الذي يتحدث عنه كانط شبيه بالقائد المستبد الذي يصدر اوامره من دون دليل (م. ن، ص 63). ثالثاً، لا يمكن قبول الحكم بعدم اخلاقية الفعل الذي يتضمن خير العموم والذي يميل إليه الشخص بحكم العاطفة الانسانية والميل نحو الخدمة ؛ ويخالف هذا الحكم الوجدان الاخلاقي الذي يؤيده كانط (م. ن)؛رابعاً اذا حصل عمل كالايثار والتضحية انطلاقاً من الحسن الذاتي، فهو في الغالب ذو ماهية اخلاقية، اكثر من كونه عملاً يحصل تحت الضغط والالزام؛ لان الالزام يقلل من حرية الانسان، وكل ما يؤدي إلى التقليل من الحرية، تكون صبغته الاخلاقية ضعيفة (م.ن)؛ خامساً ان كافة احكام الوجدان ليست مطلقة؛ فلزوم الصدق على سبيل المثال ليس حكماً مطلقاً، بل تابع «الفلسفة وقد يفقد الصدق فلسفته» (م . ن، ص 352) مثال ذلك عندما يؤدي الصدق إلى قتل انسان بريء؛ سادساً، فرّق بين الكمال والسعادة. يعتقد ان العقل الاخلاقي يحمل معه كمال الإنسان إلا انه لا يستلزم في نفسه السعادة، مع العلم ان الكمال والسعادة وجها عملة واحدة فلا ينفصلان عن بعضهما البعض (م. ن، ص 349-351).

النظرية الجمالية :

يعتقد افلاطون وبعض الحكماء المسلمين القائلين بالحسن والقبح العقليين ان منشأ القيم الاخلاقية، الجمال العقلي - المقابل للجمال الحسي والخيالي - ويفترق هؤلاء عن بعضهم البعض ان افلاطون يعتبر مركز الجمال هو الروح الفردي التي تتضمن في قواها النفسانية العدالة وقد جعل منها كلاً متناسقاً ومتوازناً ومتعادلاً - الجمال هو التوازن في النسبة بين الاجزاء والكل - بينما اعتبر المتكلمون المسلمون ان مركز الجمال، بعض الاعمال من قبيل الايثار، الاحسان والصدق التي يظهر جميلاً فيها ؛ وبما ان الجمال ذو جاذبية ويؤدي إلى ايجاد الحركة والعشق ويرفع

ص: 239

الإنسان نحو المدح والثناء والتقدير، يكون الشخص المزين بالفضائل والافعال الناشئة من هذه الفضائل حاملاً للقيم الاخلاقية. (راجع: م. ن ، ص 42-45 و 358-374؛ م. ن، 1387 ج، ص 105- 114) . صحيح ان الشهيد مطهري ذكر اشكالات على هذه النظرية بالاخص على آراء افلاطون في توضيح الجمال، وفي تخصيصه بالكل بالمركب من اجزاء ونفي اي نسبية منه وكذلك استقلاله الكامل عن الذهن - (م. ن، 1387 الف، ص 45)، إلا انه ايّد اصل الارتباط بين القيم الاخلاقية ومقولة الجمال ولكن وبما ان هذه المنشأ الاساس لادراك الجمال المعنوي - اي المعرفة الفطرية بالجمال النظرية هي المطلق والجميل على الاطلاق - فلم يبينها واعتبرها ناقصة (م. ن ، ص 386) .

نظرية العبادة: يعتقد الشهيد مطهري ان «اعمق النظريات هي كون الاخلاق نوعا من العبادة(1)؛اي ان طبيعة وماهية الفعل الاخلاقي - في مقابل الفعل الطبيعي - هي طبيعة عبادة ] الله(2)[، إلا انها عبادة غير مقصودة«م. ن ص 106). اما تعريف العبادة، [ فهو كالجمال صعب ولعلها لا تقبل التعريف (م. ن ، ص 119) إلا انها تتضمن اموراً من قبيل الثناء، التقديس، الخضوع، الخروج من الانا المحدودة والخروج من دائرة الآمال المحدودة، تحطيم سجن الذات، التحليق (التقرب)، الانقطاع، الالتجاء والاستعانة. ان العبادة في الحقيقة هي من التجليات الروحية للانسان، والاعمال البدنية امثال الصلاة هي لايجاد هذه الحالة الروحية (م.ن).

بناءً على هذه النظرية، فالذي يأتي بالعمل الاخلاقي، فإن عمله الاخلاقي هو نوع من عبادة الله والعبادة غير الواعية حتى لو لم يدرك الله في شعوره ولم يعتقد به او اعتقد به ولم يأتِ بالعمل لاجل رضا الله (م . ن، ص 376). العبادة هي اكبر واشرف واعظم حالات الانسان. (م.ن، ص 379).

يبدو ان القضية الهامة التي دفعت الشهيد مطهري لتأييد هذه النظرية، هي حلّ هذا الامر المبهم والاجابة على هذا السؤال: كيف يمكن للانسان في بعض الحالات

ص: 240


1- ايد الشهيد مطهري هذه النظرية ولكن لم ينسبها لنفسه فتحدث عنها بعبارة «يقولون» (م. ن، ص 375) ومع ذلك فلم ينسبها لشخص او لمجموعة اخرى.
2- صرح في اماكن اخرى ان متعلق هذه العبادة هو الله (م. ن)

ان يأتي ببعض الاعمال من قبيل الايثار والتضحية فيتجاوز مصالحه الخاصة ويضحي فيجد في التضحية نوعاً من الشرف والعظمة ويشعر ان اتيانه بهذه الاعمال يدفعه نحو التعالي والعظمة والكبرياء مع العلم ان هذه الاعمال لا تفهم ولا تتناسب مع اي منطق حتى منطق العقل الذي يقضي بدفع الضرر عن الذات واستجلاب المصلحة لها . اما الجواب الذي قدمه الشهيد مطهري ان السّر في وجود هكذا حالة عند الإنسان ان «الإنسان مفطور على معرفة الله وان هناك سلسلة من المسائل (= القوانين الاخلاقية) الموجودة بالفطرة في قانون الله ..... وفي اعماق روح الانسان، فهو يعرف هذه القوانين كما يعرف الله، ويعرف رضا الله ويأتي بالعمل في سبيل رضا الله انطلاقاً من فطرته، إلا انه لا يعلم ذلك» (م. ن ، ص 383) .

هنا من يرفض الشهيد مطهري عقيدة الذين يعتبرون الحس الاخلاقي وحس معرفة الله أمرين منفصلين في الوجود الانساني، ويعتقد ان الحس الاخلاقي مرتبط بالكامل بحس معرفة الله حيث يمكن ان يطلق عليه «حس تكليف الله» (م.ن، ص 384) وبذلك يعرف الإنسان الاسلام الفطري ويدرك على سبيل المثال ان العفو، والعطاء والتضحية والفضائل الاخرى هي محل رضا الله تعالى(1).

ص: 241


1- يشار إلى وجود رؤى مشابهة على مستوى الالهيات المسيحيية حيث يمكن مشاهدة نموذج عن ذلك في كتاب «التجربة الاخلاقية العرفانية» من تأليف غري هيرد. ان التجربة العرفانية عند هيرد هي تجربة يتم فيها «معرفة الله بشكل مباشر فيحصل اللقاء المباشر مع الذات الالهية من دون واسطة والتجربة الاخلاقية هي «لقاء الله بواسطة العلاقات والمناسبات الموجودة في عالم الوجود». الواضح ان الذي اطلق عليه التجربة العرفانية هو من مصاديق التجربة الدينية البارزة. يعتقد ان الشخص بامكانه ادراك الذات الالهية عن طريق الأمر العرفاني وعن طريق الامر الاخلاقي. ويبين ان شهودنا الاخلاقي يحدد الوظائف في علاقاتنا مع الآخرين اعم من الموجودات الحية والموجودات غير الحية حتى انه يحدد علاقاتنا بانفسنا. يمكن للامر العرفاني ان يؤثر على بُعدين في الامر الاخلاقي (قبول محبة الله واظهاره). إلا امكان التأثير فهو اقوى في بعد عرض واظهار المحبة. وتؤثر التجربة العرفانية على الفرد وبشكل مبنائي لابراز المحبة الالهية. ويحصل الفرد على ادراك للمحبة الالهية عن طريق المواجهة العرفانية للذات الالهية ومن هنا يبدأ الميل للتضحية والايثار امام موجودات العالم المادي وامام الفرد الآخر ؛ ويتحقق هذا الامر إذا ادرك الشخص المحبة بماهيتها الحقيقية (راجع: هيرد، 1382 ص 126-11).

خلاصة واستنتاج

بناءً على ما تقدم يمكن نسبة نظرية الاتحاد بين التجربة الاخلاقية والتجربة الدينية إلى الشهيد مطهري . اما الاصول التي تتبنى عليها هذه النظرية فهي عبارة:

الايمان بالله هو جوهر الديانة؛

ان حقيقة الايمان بالله هي تسليم امام الارادة الالهية؛

الاسلام الحقيق يختلف عن الاسلام الجغرافي؛

ان ما هو ذو قيمة هو الاسلام الحقيقي؛

الاسلام الحقيقي هو تسليم قلب الإنسان للحقيقة؛

ان الذي استسلم قلبه امام الحقيقة، هو مسلم فطري، حتى لو لم يُسمّ مسلماً ؛

ان العمل الذي يحصل بدافع محبة الإنسان - ليس للذات وليس لله- يمتلك مراتب من الحسن الفاعلي وفاعله مأجور؛

ان الوجدان الاخلاقي عند الانسان، هو مبدأ معرفة الإنسان الفطرية بالله وارادته؛

ان للفضائل والاعمال الاخلاقية، جمالاً عقلياً واما منشأ ادراك الجمال العقلي والفضائل والاعمال الاخلاقية، هو المعرفة الفطرية بجمال الله تعالى؛

ان حب الخير والعدل والاحسان هو علامة وتجلي الحب والعلاقة الفطرية بالله الذي هو الجميل على الاطلاق

العناصر الاساسية للفعل الاخلاقي عبارة عن : الثناء، العظمة، الجلال، القداسة، القيمة المعنوية، احساس الخضوع في مقابله؛

العبادة هي من تجليات روح الانسان، وتتحقق تارة بشكل واع وتارة اخرى

ص: 242

بشكل غير واع وتتضمن المديح التقديس الخضوع، الارتقاء فوق الانا المحدودة، الانقطاع، الالتجاء والاستعانة؛

ان الفعل الاخلاقي الخالص الذي لا شائبة فيه نوع من عبادة الله، حتى لو كان غير واع؛

وقد ذكرت ارجاعات هذه الاصول من خلال كلمات الشهيد مطهري في النص ونضيف :

تتضمن التجربة الواسع، الانفعالات الروحية والنفسانية وافعال الإنسان الاختيارية الواعية(1)؛

ان محبة الله من دون شك هي تجربة دينية من سنخ الانفعال؛

عبادة الله من دون شك تجربة دينية من نوع الفعل او الانفعال.

نستنتج من خلال جمع هذه الاصول الثلاثة الى الاصلين 10 و 13 الآتي؛

ان الذي ترعرع فيه الحس الاخلاقي والذي يميل ويحب الفضائل بشكل عميق ومن دون اي شائبة (صاحب التجربة الاخلاقية بمعناها الاحساسي والانفعالي) يمتلك محبة الله (= صاحب تجربة واحاسيس وعواطف دينية)؛

ان الفاعل الاخلاقي في فعله الاخلاقي الخالص الذي لا يشوبه شائبة (= صاحب التجربة الاخلاقية بمعناها الفعلي) هو يأتي في الحقيقة بعمل عبادي وهو صاحب تجربة دينية بمعناها الفعلي.

ص: 243


1- قد تُخص التجربة في مصطلح التجربة الدينية بما لديه بعداً انفعالياً.

المصادر:

القرآن الكريم

جيمز، ويليام: (1391)، تنوع التجربة الدينية، ترجمة حسين كياني، طهران، انتشار حکمت.

الحلي، الحسن بن يوسف: (1417ق)، كشف المراد، تحقيق حسن حسن زاده، ط ،7، قم، مؤسسة النشر الاسلامي.

الشيرازي، صدر الدين: (1981) ، الحكمة المتعالية في الاسفار الاربعة العقلية، ج4، بيروت، دار احياء التراث العربي.

شيرواني، علي (1390)، «دراسة تعاريف الدين من وجهة نظر اخرى» ، الفكر الديني الحديث، العدد 27 ، ص 29-51 ، قم، جامعة المعارف الاسلامية.

شيرواني، علي (1381)، المباني النظرية للتجربة الدينية، قم، بوستان كتاب.

مصباح، محمد تقي (1405ق)، تعليقة على نهاية الحكمة، قم، دار راه حق.

مطهري، مرتضى (1387الف)، مجموعة ،الآثار، ج 22، ط4 ، طهران، انتشارات صدرا.

مطهري، مرتضى (1387ب)، مجموعة الآثار، ج 23 ، ط4، طهران، انتشارات صدرا.

مطهري، مرتضى (1387ج) ، تعليقات الاستاذ مطهري ج 11، طهران، انتشارات صدرا.

مطهري، مرتضى (1387)، مجموعة الآثار، ج 1، ط6، طهران، انتشارات صدرا.

،هیرد غری کلود: (1382)، التجربة العرفانية والاخلاقية، ترجمة لطف الله جلالي، محمد سوري، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية.

13-Swimburne، Richard، (1991)، The existence of God، New York، oxford

university press.

ص: 244

المحور السادس

المشاريع الغربية

ص: 245

نسيان التخلق .. القيم الغربية وإشكالية الدلالة

اشارة

شريف الدين بن دوبه(1)

الإنسان كائن مثلث الأبعاد، عقل يستقرئ الحق، وحسّ يستقطر الجمال، وإرادة تستقطب الخير . ثلاثية تنصهر فيها كينونة الإنسان، فتكوّن وحدة متعدّدة، وتعدُّد موحد، فالنزوع نحو القيمة تلازم الفعل البشري في جميع أشكاله معرفياً كان أو عملياً، فالحق كمطلوب إنساني، يتصدّر سلّم القيم المعرفية في عالم البشر، ويقع الخير في صلب الفعل الإنساني السوي، أما الجمال فيعمل على إقامة جسر التواصل بين عالم الحق، وعالم الخير مؤسساً عالم الأنموذج في مخيال البشر.

والفصل بين العوالم الثلاثة: الحق، الخير ، والجمال مخاض الشعور بالمحدودية لدى الباحث، لأنّ الإحاطة بحقائق عدّة حقول معرفية، سواء طبيعية كانت، أو إنسانية أمر مسيج بأشواك الشبهات، فالحقائق كما يقول الحسن ابن الهيثم: «منغمسة في الشبهات»(2)، فكان التخصص في مجال بحثي معينا كفيلا ببلوغ بعض الحقائق، وهو التقليد الذي توارثه الفكر البشري، مع العلوم التجريبية، فالتخصُّص ليس وليد

ص: 246


1- شريف الدين بن دوبه، يدخل الباحث في هذه المقالة مدخل الاقتراب المعمّق من أنطولوجيا الأخلاق. أمّا خاصيّة هذه المدخل، ففي مقاربته للمفهوم الأخلاقي الغربي من الناحيتين النظرية والتطبيقية وما تثير كل ناحية منهما من إشكاليات معرفية في دلالتها ومقاصدها لعلّ التحديد الذي يقيمه الكاتب حول دلالات المفهوم إنما يستهدف بيان الإطار النظري للمشكلة الأخلاقية، إذ إن التغير الذي رافق الدلالة في مجال القيم يشكل التعبير الأكثر بياناً عن التصدّعات الأخلاقية الحاصلة في الاجتماع البشري، المحرر.
2- الحسن ابن الهيثم، الشكوك على بطلميوس، تحقيق عبد الحميد صبره، ص: 4.

النزعة التجريبية، بل عائد إلى قصور الطبيعة البشرية عن إدراك الحقيقة الموضوعية، والمطلقة.

ولكن الحنين إلى الأخلاق يبقى يراود البحث عن الحقيقة، فالتمكن من المعارف الدقيقة، والحقائق التجريبية لا يمكن الإنسان من حيازة السعادة، لأنّها متعالية على الدقة، والصرامة العلمية، والمنطقية، فالحضور الأخلاقي في مجالات عدة من الحياة الإنسانية، بشكل قوي يظهر في المرونة الدلالية التي تتسم بها المفاهيم الأخلاقية، ولذا نجد لزاما علينا تحديد الشبكة المفاهيمية التي تؤلّف النسق الأخلاقي.

بداية ينبغي تحديد الغاية من التحديد الدلالي للمفاهيم التي تؤلّف النسق الأخلاقي، فموقع المفاهيم، والتعريفات في النسق يكون بمثابة السفينة التي يقتضي من الباحث أن يستقلها حتى يتمكن من بلوغ ظلال الحقيقة، وهي أيضاً الأدوات المفاهيمية المساعدة على تفكيك الإشكالات الرئيسة في البحث، والمؤسف أن الملمح العام الذي ميز البحث كان نظرياً، حيث سقط المفهوم في صقيع المجرّد، والسؤال الذي تطرحه المفهمة في السياق الأخلاقي، هو كيفية التوفيق بين الطبيعة العملية للأخلاق، والبعد التجريدي للمفاهيم، وكيف كانت الزئبقية التي حايثت الدلالة وراء كل خلاف واختلاف قيميّ وأخلاقي في الفكر الغربي.

وسيكون القصد من التحديد الذي نقيمه للمفاهيم الأخلاقية ليس من قبيل الحذلقة الفكرية، بل بغرض التعليق عليها نظرياً، أو لبيان البعد النظري للمشكلة الأخلاقية، فالتعريف أو المفهمة لا تقدر على تجاوز الشروط المنطقية للتعريف، التي منها مراعاة الوضوح، والدقة في إضافة المصاديق تبعاً للمواصفات الواردة في التعريف، والملاحظ على المفاهيم الأخلاقية مرونة الدلالة فيها، وسنلاحظ عبر القراءة، التناقضات الدلالية التي عرفتها الأخلاق عبر هذه مسارها النظري، فالتغير الذي رافق الدلالة في الأخلاق يعكس الأزمات الأخلاقية، والقيمية عند البشر.

ص: 247

السياق العربي

قال ابن فارس: «الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، والآخر ملامسة الشيء، فأما الأول فقولهم : خلقت الأديم للسقاء، إذا قدرته.. ومن ذلك الخلق وهي السجية لأنّ صاحبها قد قدر عليه، وفلان خليق بكذا، واخلق به، وما أخلقه، أي هو ممن يقدّر في ذلك، والخلاق النصيب، لأنّه قد قدر لكل أحد نصيبه، وأما الأصل الثاني، فصخرة خلقاء، أي ملساء»(1).و في لسان العرب: «اشتقاق خليق وما أخلقه من الخلاقة، وهي التمرين، من ذلك تقول للذي ألف شيئا: صار ذلك له خلقا، أي نمرن عليه، ومن ذلك الخلق الحسن.»(2)، ثم يفسر ابن منظور ذلك بقوله «وحقيقته، أي الخلق، أنّه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخَلق لصورته الظاهرة، وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة»(3).

وفي هذا المعنى يقول الراغب الأصفهاني «الخلقُ في الأصل شيء واحد كالشرب والشرب والصَّرْم والصَّرْم لكن خصّ الخَلْقُ بالهيئات والأشكال، والصور المدركة بالبصر، وخُص الخُلْقُ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظيم )(4). والخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخُلُقه قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُم منَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا * فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فی الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق)(5). وفلان خليق بكذا: «أي كأنه مخلوق فيه ذلك كقولك مجبول على كذا، أو مدعو إليه من جهة الخَلْق .. »(6).

والأخلاق جمع خلق بضمّ الخاء وبضم اللام وسكونها، ويطلق الخلق في اللغة العربية على معان:

ص: 248


1- أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج 2 ص 213.
2- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بیروت.
3- المرجع نفسه.
4- سورة القلم، الآية: 4.
5- البقرة الآية 200.
6- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن تحقيق وضبط محمد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت لبنان ط 1- 1998، ص 164.

جاء في تاج العروس: والخلق بالضمّ السجيّة، وهو ما خلق عليه من الطبع، وقال ابن الأعرابي ، الخلق: المروءة، والخلق: الدين.. والجمع أخلاق»(1).

ويرفض بعض الباحثين التمييز الذي يقيمه بعض اللغويين بين الخلق بالفتح، والخُلق بالضمّ، من مثل المعنى الآتي: «خصّ الخَلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة»(2)لأن استعمال كلمة الخلق والخلق، يكون دوماً متلازمان، فالقول بأنّ فلانا حسن الخلق، والخلق، يعنى بها حسن الظاهر، وحسن الباطن، فيراد بالخلق الصورة الظاهرة، ويراد بالخلق الصورة الباطنة.(3)وخلاصة القول إنّ الناظر في كتب اللغة بجد أن كلمة أخلاق تطلق ويراد بها الطبع والسجية، والمروءة، والدين، وحول هذه المعاني يقول الفيروزابادي «الخُلْقُ بالضم وضمتين السجية، والطبع والمروءة والدين(4)»ويقول ابن منظور: «الخُلُقُ والخُلْقُ السجية .. فهو بضم الخاء وسكونها الدين والطبع والسجية«(5).

ومن خلال هذا العرض نلاحظ ثلاثة أمور هي: الخُلُق يدل على الصفات الطبيعية في خلقة الإنسان الفطرية على هيئة مستقيمة متناسقة، وتدلّ الأخلاق على الصفات المكتسبة حتى أصبحت كأنها خلقت فيه فهي جزء من طبعه، وعليه يكون للأخلاق جانبین: جانب نفسي باطني، وجانب سلوكي ظاهري.

في الاصطلاح:

يعرف «مسكويه»(6)الخلق في قوله : «الخلق حال للنفس داعية إلى أفعالها من غير

ص: 249


1- محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مصطفى حجازي، ج 25 دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، ج25، ص: 275 .
2- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن مرجع سابق، ص 158.
3- کمال الحيدري، مقدمة في علم الأخلاق، دار فراقد ایران. الطبعة الثانية 2004 ص:30.
4- الفيروز ابادي، القاموس المحيط، فصل الخاء : باب القاف، ص 236.
5- لسان العرب مادة: خلق، ج 2 ص1244-1245.
6- أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب الرازي توفي 421 ه- من مؤلفاته : ترتيب السعادات ومنازل العلوم، كتاب الفوز الأصغر، كتاب الهوامل، والشوامل، كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ، كتاب تجارب الأمم وتعاقب الهمم، رسالة في ماهية العدل، رسالة في النفس والعقل، وصية مسكويه لطالب الحكمة، وصية مسكويه.

فكر، ولا روية»(1). وينحو يحي بن عدي نفس النحو الذي حدّ به الخلق مسكويه، والنص التالي يكشف عن مستوى التناص بين التعريفين، يقول يحي بن عدي(2): «إن الخلق هو حال للنفس به يفعل الإنسان أفعاله بلا روية واختيار والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعض الناس لا يكون إلا بالرياضة والاجتهاد وقد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمد.. ومنهم من يصير إليه بالرياضة»(3).

والخلق عند أبي حامد الغزالي(4):«عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلاً وشرعاً، سُميت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً، وإنما قلنا أنّها هيئة راسخة، لأنّ من يصدر عنه بذل المال على الندور لحاجة عارضة، لا يقال خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ..»(5).

الخلق عند الغزالي ليس فعلاً، بل هيئة للنفس وصورتها الباطنة، حيث تكون القابلية والاستعداد لأداء الفعل هي الدلالة الحقيقية لمعنى الخلق، والدلالة التي تأخذها الأخلاق في اللغة العربية تفتقر إلى الدقة، حيث تعتمد الدلالة التي نجدها اللغة على حد تعبير الأستاذة نورة بوحناش(6)«على تحويل الأخلاق إلى حالة تمتزج مع بعض عناصر الشخصية الإنسانية مثل الطبع والعادة والسجيّة»(7).

والدليل الذي تعتمده الأستاذة في تبرير ذلك التعريف الذي يقيمه الجرجاني

ص: 250


1- مسكويه ، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، ص 51.
2- يحيى بن عدي بن حميد ابن زكريا التكريتي، فيلسوف، ومترجم للفلسفة. صرف جلَّ عنايته للمنطق فلقب بالمنطقي. انتهت إليه الرئاسة في المنطق ومعرفة علوم الحكمة، أي الفلسفة، من مؤلفاته: تهذيب الأخلاق، مقال في حالة ترك طلب النسل...
3- يحي بن عدي، تهذيب الأخلاق، دار الشروق، بيروت، 1985 ص: 47 (د.ط).
4- أبو حامد الغزالي عالم إسلامي، غني عن التعريف ، ترك مكتبة ضخمة في الفلسفة والتصوف والفقه.. من أهم مؤلفاته : إحياء علوم الدين، القسطاس المستقيم، المنقذ من الضلال، مقاصد الفلاسفة، تهافت ..الفلاسفة ...
5- الغزالي، أبي حامد، إحياء علوم الدين، ج 3 .
6- أستاذة فلسفة الأخلاق، بجامعة منتوري قسنطينة الجزائر.
7- نورة بوحناش، الأخلاق والرهانات الإنسانية، إفريقيا الشرق، المغرب 2013 ص: 36.

للأخلاق، حيث تصبح الأخلاق سلوكا آليا، يفتقد إلى سمة الإرادة الحرة، التي تتحدّد بها الأخلاق، والتعريف هو: «الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً سميت الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر من الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقاً سيئاً ..(1).

وتورد الأستاذة اعتراضات على التعريف التراثي للخلق، أهمها المطابقة الدلالية بين دلالة الغريزة، والطبيعة الثابتة، المتحكّمة، والمحدّدة للسلوك بطريقة قبليّة، التي يترتب عنها فقدان الحكم الخلقي للمشروعية على قاعدة انتفاء حرية الإرادة عند الفاعل الخلقي، وينتج عن ذلك أيضا تجاهل الضمير المحرك الرئيس للأفعال الخلقية الأصيلة ، تقول : «يكون الخلق في هذا التعريف مجرد وحدة من الوحدات اللاواعية في الشخصية الإنسانية، فهو يرادف الطباع والعادات السلوكية التي لها أبعاد الضرورة النفسية في حين يمتاز الخلق بخاصية الإرادة.. ويظهر أن تعريف الجرجاني وقبله الفكر اليوناني قد أخلط بين مستويين من مستويات الأفعال الأخلاقية: مستوى نفسي أولي، وهو مستوى الغريزة، ومستوى عاقل وواع هو مستوى الضمير»(2).

وما يلاحظ على الحقل التداولي لكلمة أخلاق في اللغات الأخرى وجود بعض الفوارق الدلالية في الاصطلاح اللغوي، فهناك Morale و Ethique.

ويلاحظ المفكر طه عبد الرحمن على الدلالة الفلسفية للأخلاق في الممارسة التراثية الإسلامية «غلبة» صيغة التعريف التي جاءت عند جالينوس في كتابه الأخلاق، وهي: «الخلق حال للنفس داعية للإنسان أن يفعل أفعال النفس بلا روية ولا اختيار ... فالأخلاق في مجال الممارسة الفلسفية الإسلامية المنقولة عن اليونان، إذن عبارة عن أحوال راسخة في النفس رسوخ طبع أو رسوخ تعود، تصدر عنها أفعال توصف بالخير أو بالشر»(3).

ص: 251


1- الشريف الجرجاني، التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، طبعة جديدة 1985 ص: 106.
2- نورة بوحناش، الأخلاق والرهانات الإنسانية، المرجع نفسه ص:37.
3- طه عبد الرحمن ، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي المغربي، الرباط، الطبعة الثانية، ص: 381.

في التراث الغربي

تتقاطع كلمة Morale في اللغات الغربیة فی البناء الصوتی، والدلالی للكلمة، إذ نجدها متقاربة بين الفرنسية والانجليزية، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Mores ومعناها العادة، وتناظرها في اليونانية Ethics وفي اللاتينية Ethica. وتصبح الأخلاق بذلك تعبيراً عن الآداب العامة، أو أخلاقيات الحياة الاجتماعية، ولكن الأخلاق الاجتماعية لا تعكس فقط الآداب العامة، فالأخلاقيات الفردية مرجع ثابت في الخيرية الأخلاقية، و عادة ما يميز في الفكر الأخلاقي بين زاويتين: عملية، ونظرية، تكون الأولى مادة بحثية للأخلاق النظرية، ومجالا معياريا تقاس به صحة، ونجاعة القيم الخلقية، وتظهر ضرورة الإشارة إلى النموذجين في الاختلاف الجلي بين المدارس الخلقية في التعاطي مع المفاهيم، ومع مفهوم الأخلاق ذاته، فالأخلاق العملية تمثل الممارسة الفردية، والجماعية للقيم الأخلاقية، فالفرق بين عالم النظر، وعالم الواقع مسألة بارزة في تاريخ الفكر، فعالم النظر متميز بكماله، وتعاليه، أمّا الممارساتي فسيكون نسبياً، ومتغيراً، ويطلق على الممارسة الجماعية للأخلاق بالعادات الخلقية، وقد أطلقت العادات الأخلاقية على الممارسات الجماعية للقيم الأخلاقية تمييزاً لها عن الممارسة الفردية للأخلاق، التي تترجم عند البعض بالأخلاقية Moralité فهي ممارسة خاصة بجماعة معينة، ونسبية، وقد اهتم بهذا اللون من الممارسات الأخلاقية العالم الاجتماعي الفرنسي لوسيان ليفي بريل(1) Lucien LévyBruhl.

أما الأخلاقية : moralité فهي سمة فردية، قيمة ايجابية أو سلبية من زاوية الخير والشر، تقال إما على الأشخاص، وإما على الأحكام، أو على الأعمال، وهي ممارسة فردية، وشخصية للقيم الخلقية، وفي اعتقادنا أن الأخلاقية محلّ، ومعيار نجاعة القيمة الخلقية، فالواقع أغنى من كل نظرية ، فالعادات الخلقية Moeurs موضوعية،

ص: 252


1- ليفي بريل (1939/1857) فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي.

ومستقلة عن الأفراد، وصاحبة سلطة، فقوة السلطة التي تمتلكها العادات الخلقية، تتضح بشكل جلي في التابوهات Tabout(1)التي تعيشها الجماعات البشرية.

وأهم سمة تميز الأخلاقية النسبية، التغير، فالممارسة الأخلاقية لدى الأفراد تختلف من فرد لآخر، على قاعدة التغاير القائم في الرؤية إلى الكون، فنظرة الشاب، وتطلعه إلى جماليات الحياة تؤسس لاختلاف بينه، وبين الشيوخ، وإذا اعتمدنا التجارب النفسية لوجدنا أن الطفل يعايش لحظة ينعدم فيها الشعور الأخلاقي، ثم يتدرّج الضمير عنده من مرحلة الخطأ إلى مرحلة الندم ، إلى أن يصل إلى قمة الشعور بالقيم الأخلاقية، والذي يصطلح عليه البعض من علماء الأخلاق بسيادة الحب، أي أن تصبح القيمة محل شوق واستقطاب من طرف الإنسان، فالأخلاقية تعبير عن الملمح النسبي في القيم.

أمّا الأخلاق النظرية، أو فلسفة الأخلاق، فهي دراسات تأصيلية، أو تربوية للقيم الأخلاقية، وقد تباينت الرؤى الفلسفية حول المسائل الأخلاقية، ومن بينها الاختلاف حول مفهوم الأخلاق كعلم، حيث تعدّدت وجهات النظر في تعريف هذا العلم تبعاً لاختلاف الغاية منه .. فأصحاب الإتجاه الاجتماعي مالوا إلى المرجعية اللغوية، فعرفوه «بعلم العادات». ومال وإتجاه آخر إلى معيارية العلم، ويعنون بذلك أن علم الأخلاق لا يبحث في أعمال الإنسان الإرادية، التي صارت عادات وتقاليد، من حيث هي أمور حاصلة في الواقع، وإنما يبحث في كيفية توجيهها صوب الطريق السوي، على نهج من قواعده وقوانينه، ثم يحكم عليها حسب المقاييس التي يضعها، وقد وردت لهذا العلم تعريفات عدة أخرى، منها أنّه «علم الخير والشر»، «علم الواجبات».. إلا أن هذه التعاريف وغيرها لا تمس إلا الجانب النظري لهذا العلم، لأن تحصيل قواعده لا يجعل الإنسان بالضرورة ذا أخلاق حسنة.

ص: 253


1- كلمة تابو من لغات سكان جزر المحيط الهادئ، وتعني المحرم أو الممنوع وقد تعني المقدس أحيانا، وهي تشير إلى الأشياء الممنوع على الفرد القيام بها من فعل أو قول لأن هذا يطلق الأرواح الشريرة الموجودة داخلها(والفكرة موجودة تقريبا لدى كل الشعوب البدائية)، وكان الكابتن جيمس كوك أول من ذكرها ونقلها للغرب، والكلمة نفسها موجودة في النصوص التشريعية في تونغا .

وتاريخ الفلسفة الخلقية يكشف عن محاولات تأسيسية، تجريدية، سعى من خلالها الفلاسفة إلى منح القيم الأخلاقية صوراً، وقوالب منطقية مجردة، متعالية، حيث كان القصد في ذلك البحث عن رؤية واحدة للمسار البشري، التي تستند في الأصل إلى وحدة الفطرة البشرية، في الأمل بالسعادة، والحلم بعالم خال من الألم، والهموم ، فالرؤية الكونية التوحيدية للجنس البشري، وللوجود ككل هي الحل لأزمة التنظير، فالنظريات الأخلاقية تؤرّخ بشكل عفوي لأزمات الحياة الأخلاقية في عصرها، فالبحث في.. أو عن الأسس النظرية العامة للفعل الأخلاقي يرتبط بالأزمة، فهي التي تولَّد الهمّة، والحقيقة تكون مرافقة للبحث.

واستقراء الفلسفة في مسارها الأفقي يكشف عن واقع الأزمة الأخلاقية التي حايثت الأخلاق، وقد أخذت هذه الحالة من المحايثة أوجها عدة، وفي مستويات عدة، أهمها الأصول المرجعية للقيم الأخلاقية، حيث يضعنا البحث عن جذور الأخلاق دور فلسفي يصعب علينا الخروج منه ، وما نود التنبيه عليه في هذه المحطة أنّ بعضاً من المفاهيم الأخلاقية، والقيم نتاج فئوي لا يمت بصلة إلى الأخلاق، إذ إن التمرُّد الواقع من الشريحة الواقعة تحت ضغط الطبيعة الماكرة التي تدفع بالكائن إلى الاستمرار في إرضاء نزواته الطبيعيّة، فالرضوخ للنفس يدفع الكائن إلى البحث عن مبررات سلطوية لطمس منظومة القيم، ومنها إضفاء القداسة الوهمية على كل سلوك أو قيمة مصطنعة، والذي جعل من المنظومة الأخلاقية تأليفا بين متناقضات يفترض تجديداً، أو تأويلاً أو تثويراً داخل هذه المنظومة.

والبحث في ثنايا الأنساق الفلسفية يكشف عن الخلاف الذي حايث الإجابة عن سؤال المصدر الذي تعود إليه الأخلاق، فالمدارس الذاتية في جميع العصور تقرّر، وتحاجج في إثبات فردية، وذاتية القيم الأخلاقية، وفي المقابل نجد المدارس المتعالية تدافع عن وجهة نظرها في موضوعية القيم، وكتب التخصص تزخر بذلك، كما ساهمت المدارس الدينية باعتقاداتها المتعددة، وبتوجهاتها المتباينة في تجريد الأخلاق، وسلبها البعد الذاتي الذي تحايث فيه الأخلاق الإرادة الإنسانية، فلا أخلاق

ص: 254

من دون حرية إرادة ووعي فالتجربة الأخلاقية تأصيل لحقيقة الأخلاق، وليس التنظير الذي تصبح الأفكار الأخلاقية في رفوف المكتبات، ويموت المؤلف فيه، بمجرد الكتابة.

وطرحت أيضاً نسبية القيم الأخلاقية بين المجتمعات البشرية، سؤالاً مركزياً عند النخبة الفكرية للجماعات، والفلاسفة بحث فيه هؤلاء عن دواعي الاختلاف بين المعتقدات القيميّة، وقد كانت الرحلات التجارية عاملا من العوامل الذي كشف للفلاسفة، والنخبة العلمية ملامح الأزمة القيمية، والأخلاقية داخل المؤسسات المدنيّة المحليّة، حيث يذكر التاريخ رحلات سقراط، وكثير من فلاسفة الإغريق إلى مصر، فالنهل من علوم الشعوب وحكمتهم مسألة ضرورية عند عاشقي الحقيقة، ولذا نجد أنّ الفلسفة السقراطية نتاج للفلسفات السابقة إغريقية كانت، أو شرقية، أو بتعبير أدق نجد أدق نجد في ثنايا الفلسفة الخلقية السقراطية شذرات، وأصول، وحكم أخلاقية

سابقة.

من مظاهر الأشكلة اختلاف الفلاسفة حول مصدر، وطبيعة القيمة الخلقية التي يتعلّق بها الفاعل الخلقي بالطلب، وكانت صيغة المسألة في الشكل التالي هل القيمة الخلقية كصفة مطلبية متضمنة في الفعل الخلقي، أم خارج جوهر الفعل؟ وهل هي نتاج تجربة أخلاقية فردية؟ أم نتاج تراكمات قيمية تكوّنت بالعادة، والمألوف عبر التاريخ للمجتمع، فكانت الوجهات متعددة، ومتباينة في المدارس الخلقية، ففي البدء كان الإعلان عن ذاتية القيم مع جورجياس، وبروتاغوراس، ثم كانت الفضيلة، والمعرفة عنواناً لتجريد القيم، و قد أقصى سقراط حسب فريدريك نيتشه Nietzsche حق الجسد في بناء القيم الأخلاقية، بتمثله، لروح أبولو(1)، وحمله سيف سلطته فی حربه على حقوق الإنسان الذاتية، التي تبدأ مع الجسد، ثم كانت المذاهب الخلقية المتباينة في اعتقاداتها، وفي القول بذاتية القيم، أو موضوعيتها.

كانت مذاهب السعادة بأنواعها تعبيراً عن ارتباط القيمة بتجربة الفرد الأخلاقية

ص: 255


1- الاله أبولو إله الحكمة، والمعرفة في مقابل الاله ديونيسيوس اله المرح، والخمرة والشهوة.

الذاتية، بداية مع أفلاطون الذي جعل السعادة أو الخير الأمثل في التوازن، والانسجام بين الدوافع، والرغبات المتضاربة، وفكرته في العدل تؤكد ذلك، فالتوازن داخل الموجود ينتج النموذج، والرجل الفاضل، وكذلك الدولة النموذجية.

وبدأت مع أرسطو الرغبة في ضبط الدلالة الموضوعية للسعادة، بالتمييز بين طلب اللذة وطلب السعادة، فكانت السعادة عنده هي الخير الأعظم، الذي يتوخاه الكل، فأسس بذلك أرسطو لمبدأ الغائية في الحياة الأخلاقية، فكانت بذلك الأخلاق الأرسطية أخلاقاً تداعياتية Consequentialisme فالفعل الخلقي عند أرسطو - كما يقول توفيق الطويل -: «هو فعل يقترن في العادة بوجدان من المتعة الذاتية، ولكنّه يجاهر بأنّ الفعل الخلقي لا يكون خيراً لأنه يحقق متعة، بل يقول أنه يحقق متعة لأنه خیر..»(1)ومع مذاهب المنفعة بدأت الطبيعة البشرية في اعتلاء مملكة الإنسان، بعيداً عن سلطة العقل المتحجر في قوالب منطقية مجردة، فكانت المدرسة القورينائية،

والأبيقورية، وأخيراً مذاهب المنفعة العامة.

الإيتيقا: Lethique

«يتساءل المفكر التونسي عبد العزيز العيادي عن دواعي الاستعمال الجديد، فهل هی «شعار نرفعه عالياً لنستعيض به عن لفظ الأخلاق الذي كثيراً ما يرتبط في لغة التداول اليومي كما في الكتابات العالمة إمّا بدلالة التأزّم، وإما بدلالة تحقيرية حيث تصبح الأخلاق مرادفة للمواعظ والأوامر التي يأتيها الغافلون عن كثرة التحولات؟ هل الإتيقا تعبير عن حالة الاستنفار والمسائلة والضيق ومن ثم هي استئناف لتعبئة الوعي الأخلاقي المنهك ؟»(2).

في الاشتقاق

الأصل التداولي لكلمة إيتيقا éthique في اللغات اللاتينية والأنجلوسكسونية،

ص: 256


1- توفيق الطويل، الفلسفة الخلقية، دار النهضة العربية، مصر الطبعة الثانية 1967 ص: 66.
2- عبد العزيز العيادي، ايتيقا الموت والسعادة، دار صامد للنشر تونس، الطبعة الأولى 2005 ص: 24.

هو الكلمة اليونانية éthicos التي تشتق من كلمة éthos وهي كلمة مرادفة لكلمة moralisاللاتينية، المشتقة من Mores وكل من Ethos و Mores يؤدّيان مفهوماً moralis مشتركاً هو العادة.

ولكن جاکلین روس [Jacqueline Russ] تقيم فرقاً جزئياً بين الإيتيقا éthique والأخلاق morales فكلمة éthé la باللغة الإغريقية تعني العادات الأخلاقية، وMores تعني الأعراف(1).

ترجم العرب éthos بلفظة الأخلاق وأشار أرسطو إلى الفرق بين الإيتيقا والأخلاق بقوله : «فإما الفضيلة الإيتقية فهي ربيبة العوائد الحسنة..» أي الأخلاق كما فكر بها العرب مثل مسكويه أو الفارابي نفسه. وعليه، فالإيتيقا ليس خلواً من كل أخلاق Moeurs لكنّها ضد الجهاز الخلقي moral الذي تفرضه ذاتية الإكراه سواء بالدين أو بالدولة.

يتضح ... أن ثمة فرقاً شاسعاً بين ما يصطلح عليه بالأخلاق la morale من جهة أولى وما يصطلح عليه بالإتيقا éthique من جهة ثانية. فالإيتيقا عند «سبينوزا» مثلا، لا تفيد الأخلاق بقدر ما تفيد الفن التجريبي لأنماط الوجود، إنّها مجرد مشكل اختيار شخصي لنمط من أنماط الحياة، بقصدية جمالية الوجود، على اعتبار أنّ الإنسان هو من يأتي بالأخلاق إلى العالم لا العكس. وبخلاف الإتيقا فالأخلاق بما هي كذلك، «غريزة» تعم الكل ولا تقبل بالاستثناء ما دامت تعرض نفسها في صيغة قانون قبلي على الدوام.

من هنا وجب الفصل ما بين الإتيقا التي هي الإتيقا التي هي قانونية بالضرورة، لأنّها تحدّد الخير الحق (...) وتقوم على الاستقلالية الذاتية للكائن الإنساني الحر الذي يمارس مواطنته الكاملة، ولا يشعر بأي فرق سواء تجاه باقي المواطنين في وطنه، أو تجاه باقي

ص: 257


1- جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة بيروت، ط/1. 2001 ص: 11.

ومواطني الدول الأخرى، (ونحن هنا نقترب أكثر من مفهوم المواطن الكوني الذي غدا يتحقق في ظل وسائل الاتصال التكنولوجية الأنترنت مثلا..)، وبين الأخلاق کلزوم وكأوامر تقتضي الطاعة، أي ما ينبغي أن يكونه الكائن لا وفق طبيعته وحريته الإنسانية، وإنما على وفق غايات ومبادئ تستند إلى معيار تيولوجي أو متعالي.

ويبدو أن المرجعية الاشتقاقية للمصطلح طرحت أمام الباحثين إشكالات عدة، أهمُّها الأصل الجماعي للأخلاق، فالأخلاق في صورتها الرهطية لا تمثل إلا جانباً من الجوانب، حيث تكون في صورتها الخارجية مظهراً من مظاهر النفاق الاجتماعي، على قاعدة التطابق الأنطولوجي بين الحقيقة الأخلاقية عند الذات، وفيها، وبين التمظهر الخارجي للقيمة في صورة الفعل، وباستقراء التاريخ نجد أن القيم الأخلاقية المجتمعية كانت دوماً عائقاً أمام التطوّر الحقيقي للقيمة الأخلاقية في الغرب على مستوى التجسيد الفعلي.

كما نلمس تحولاً ، وزحزحة دلالية عند الدهماء حيث تحولت الأخلاق الاجتماعية ذات الطبيعة النسبية، إلى منظومة متعالية، مجردة، التي طرحت أمام الفاعل الأخلاقي إشكالات عملية على مستوى ممارسة القيمة، فكانت لحظة انتقال للإيتيقا من مرحلة أخلاق العادة إلى أخلاق القيمة.

واستطاع المفكّر طه عبد الرحمن أن يفك بعضاً من خيوط الأشكلة التي تحايث اصطلاح الايتيقا، فالايتيقا: «كلمة إغريقية الأصل»[ايتوس] بمد الهمزة المكسورة، يقصد بها «الطبع»، أو الخلق الراسخ في النفس في صيغة القابلية، أو الهيئة التي نجدها في المعنى الآتي: «الصفة السلوكية، محمودة كانت أو مذمومة»، وهو لفظ قريب في النطق من لفظ اتوس بالهمزة المكسورة غير الممدودة ومعناه «العادة»(1).

فهي إذن تحمل دلالتين متقابلتين الطبيعة الراسخة، والعادة المتغيرة، أي القابلة للتشكل.. ومنه أخذت الدراسات التراثية العربية والإسلامية إشكالاتها الأخلاقية

ص: 258


1- طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث، مرجع سابق، ص: 381.

فكانت المواقف الثلاثة في أصل القيم وتصنيفها، فكان: «القول بالطبع»، و«القول بالتعود»، «القول من ثمف بين الطبع والتعود» ويرجع هذا الموقف إلى القول بأنّ القابلية للخلق تكون بالطبع، في حين يكون الرسوخ في الخلق بالتعود(1).

ويفتح المفكّر طه عبد الرحمن باباً للسؤال في الأخلاق النظرية أو الإيتيقا، من حيث التأثيل، أي بالبحث في المرجعية الدلالية التي تؤسس عليها العبارات، أو الاصطلاحات، فالأخلاق النظرية تقوم على النظر، والذي يتضمن في جذره اللغوي على معنى الإبصار، وفي الاصطلاح على الفكر الذي يطلب الظفر بالمعرفة، وتكون المعرفة النظرية مقابلة للمعرفة الضرورية التي يراد بها المعرفة التي تقوم بالفطرة في نفس الإنسان.. وعليه تكون المعرفة النظرية ، أو النظر كخاصية دال على المعرفة الحاصلة بالاستدلال، وفي السياق الأخلاقي تكون الأخلاق النظرية أخلاقاً استدلالية قائمة على الحجة والبرهان، وباللغة المعاصرة تكون هذه الأخلاق مسلماتية، وليست أخلاقاً قابلة للمعايشة والتطبيق.

كما يلتفت الأستاذ طه عبد الرحمن إلى خاصية التجريد التي تضفى على الأخلاق، حيث تضع المتلقي أمام استقبال دلالة البعد عن العمل، والممارسة، فالمعنى الثابت الذي ينشئه المستمع للفظ التجريد هو المقابل لمعنى الممارسة، وعليه تصنف الأفكار، والنظريات التجريدية في خانة الأنساق الميتافيزيقية.

نلمس من خلال القراءة الأولية للدلالات المتضمنة في التعريفات المتعدّدة لكلمة إيتيقا Ethique صعوبة الوقوف على دلالة عامة، وقطعية للكلمة، وتكمن الصعوبة في التفرقة المقامة بين عالم النظر، وعالم الممارسة .

تطلق الإيتيقا على القواعد الأخلاقية اللامشروطة التي تحيل إلى توجه كانطي بين، أو إلى نظريات فلسفية مثل الأخلاق الأرسطية أو الأخلاق السبينوزية، فهي الدراسة الفلسفية ل- Morale للممارسات الأخلاقية، فهي من ثم النظرية النقدية ل-

ص: 259


1- الغزالي، إحياء علوم الدين، ج: 3 - ص 1440

Morale باعتبار هي المضمون العملي ل- Ethique. وتظهر الصعوبة بشكل جلي في تعريفات أندريه لالاند ل- الإيتيقا حيث نجدها تعبر عن البعد النظري للأخلاق تارة، وعن المنحى العملي تارة أخرى، «العلم الذي يتخذ من أحكام القيمة بما أنّها تفرق بين الخير والشر موضوعاً له وهي أيضاً : «مجموع القواعد المعمول بها في مجتمع معين وفترة معينة»(1). وأيضا : العلم الذي يتخذ السلوك البشري في علاقته بالأحكام التقديرية النظرية موضوعاً له، و هي العلم الذي يدرس أحكام القيمة»(2).

والأخلاق Morale عند زريفان طابع مصطنع، وبناء اجتماعي في سياق مجتمع محدد، وهي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد وبين هذا الأخير الخارج... تنظم السلوك البشري داخل المجتمع وتبلغ مداها حينما یتم استبطانها داخلياً من طرف الأفراد، وهي خطوة في اتجاه الإيتيقا ..(3)أما الإيتيقا Ethique: فهي التزام فردي عميق يتجاوزم مجرد الالتزام بما تعاقد عليه المجتمع (الأخلاق).

ومع المدرسة الوضعية المنطقية بدأت الإيتيقا مع لحظة المراجعة، فأصل الخلاف يكمن في الدلالات، والمدخل الأساس لضبط الدلالة هو اللغة، ولم يقف فلاسفة المدرسة عند حدود مراجعة المبادئ المنطقية، والأحكام فيها بل اكتسح التيار الوضعي مجالات أوسع، وكانت الأخلاق حقل مراجعة ونقد، فكانت أسئلة ما بعد الأخلاق، أو الميتا أخلاق، التي اهتمت بدلالة كلمة خير بدلا من الاهتمام بالخير، وهي ما عرفت مع الفيلسوف الإنجليزي جورج ادوادرد مور، الذي «رفض فكرة وجود علاقة تطابق مفهومي بين الخير ومختلف تحديداته»..(4)فالدلالة التي تحملها الأخلاق لا تخرج عن صنفين : نسبيّة ودلالة مطلقة.

الدلالة النسبية : ويقصد بها المفهوم الذي لا يطرح أي خلاف، ويمكن الاقتناع به

ص: 260


1- اندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة وتحقيق: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت، 2001.
2- جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر ، ترجمة عادل العوا، عويدات للنشر و الطباعة بيروت، ط/1. 2001.
3- عامر عبد زيد الوائلي وآخرون، النظرية الأخلاقية، ابن النديم للنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2015، ص: 280.
4- مونيك كانتو، الفلسفة الأخلاقية، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت ط:1 2008، ص66.

بكل سهولة، وهو معنى بسيط، وساذج على حد توصيف الفيلسوف، والذي يظهر في التعريفات ا