نهاية الأحكام في معرفة الأحكام المجلد 2

هوية الكتاب

المؤلف: الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

المحقق: السيد مهدي الرجائي

الناشر: دار الأضواء

الطبعة: 1

الموضوع : الفقه

تاريخ النشر : 1406 ه.ق

الصفحات: 578

نسخة غير مصححة

الكتب بساتین العلماء

نهاية الأحكام في معرفة الأحكام

ص: 1

اشارة

ص: 2

الكتاب: نهاية الأحكام في معرفة الأحكام

المؤلف: العلامة الحلي (قدس سره)

الناشر: مؤسسة اسماعيليان - قم

الطبعة: الثانية

عدد النسخ 2000 نسخة

تاريخ النشر: 1410 هجري قمري

الطباعة والتجليد: مؤسسة اسماعيليان

القطع: وزيري

ص: 3

ص: 4

مؤسسة آل البيت عليهم السلام

7

نهاية الأحكام في معرفة الأحكام

الجزء الأوّل

تأليف: العلامة الحلي

الحسن بن يوسف بن علي المطهر الحلي

648 - 736 ه

تحقيق: السيد مهدي الرجائي

مؤسسة اسماعيليان

للطباعة والنشر والتوزيع

قم - ايران - تلفون 25212

ص: 5

ص: 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة

المقصد الثالث: في باقي الصلوات

اشارة

و فيه فصول:

ص: 7

ص: 8

الفصل الأول: ( في صلاة الجمعة )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في الشرائط )
اشارة

ويزيد الجمعة على الشرائط في اليومية بأمور ستة : الأول الوقت. الثاني السلطان. الثالث العدد. الرابع الجماعة. الخامس الوحدة. السادس الخطبتان. فهنا مباحث :

البحث الأول: ( في الوقت )
اشارة

الجمعة واجبة بالنص والإجماع ، قال اللّه تعالى ( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ ) (1) وقال علیه السلام في خطبة : اعلموا أن اللّه قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا ، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي وله إمام عادل استخفافا بها أو جحودا بها ، فلا جمع اللّه شملهم ولا بارك اللّه له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ألا ولا زكاة له ، ألا ولا حج له ، ألا ولا صوم

ص: 9


1- سورة الجمعة : 9.

له ، ألا ولا بر له حتى يتوب ، فإن تاب تاب اللّه عليه (1).

وقال الباقر علیه السلام : فرض اللّه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة ، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عز وجل في جماعة ، وهي الجمعة ، ووضعها عن تسعة الحديث (2).

وأجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعة على الأعيان ، لقوله علیه السلام : الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة ، أو صبي ، أو مريض (3).

ولا خلاف في أن الجمعة كسائر الفرائض في الأركان والشرائط ، لكنها تختص بأمور زائدة ، منها ما هو شرط في صحتها ، ومنها شروط زائدة في لزومها ، ومنها آداب ووظائف ، وقدم الشرائط لتقدمها طبعا ، وهي ستة : الأول الوقت. الثاني السلطان. الثالث العدد. الرابع الخطبتان. الخامس الجماعة. السادس الوحدة.

أما الوقت : فلا خلاف في اشتراطه ، فلا مدخل للقضاء في الجمعة على صورتها إجماعا ، بخلاف سائر الصلوات ، فإن الوقت ليس شرطا لها ، وإنما هو شرط في إيقاعها أداء.

وأول وقتها زوال الشمس كالظهر على الأصح ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كان يصلي الجمعة بعد الزوال ، وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي (4). وقال الصادق علیه السلام : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلي الجمعة حين زوال الشمس قدر شراك (5). ولأنها بدل عن عبادة فلا يحسب قبل وقتها كالتيمم.

ص: 10


1- وسائل الشيعة 5 - 7 ح 38 ، سنن ابن ماجة 1 - 343.
2- وسائل الشيعة 5 - 6 ح 19.
3- وسائل الشيعة 5 - 6 ح 24.
4- جامع الأصول 6 - 374.
5- وسائل الشيعة 5 - 18 و 30.

وقال المرتضى : يجوز أن يصلي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة.

وآخر وقتها إذا صار ظل كل شي ء مثله ، لأنه علیه السلام كان يصلي دائما بعد الزوال بلا فصل. فلو جاز التأخير لفعله في بعض الأوقات للبيان ، كغيرها من الصلوات.

وليس بقاء الوقت شرطا ، فلو انعقدت الجمعة وتلبس بالصلاة - ولو بالتكبير - فخرج الوقت قبل إكمالها أتمها جمعة ، إماما كان أو مأموما ، لأنه دخل فيها في وقتها ، فوجب إتمامها كسائر الصلوات ، ولأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط ، فلا يسقط مع التلبس بفوات البعض كالجماعة.

فروع :

الأول : لو أدرك المسبوق ركعة مع الإمام ، صحت له الجمعة إن كان تكبيرة افتتاحه وقعت في الوقت ، ثم يقوم لتدارك الثانية وإن كان الوقت خارجا.

الثاني : لو غفلوا عن الصلاة حتى ضاق الوقت ، فإن علم الإمام اتساعه لخطبتين خفيفتين وركعتين خفيفتين ، وجبت الجمعة ، وكذا لو أدرك مع الخطبتين ركعة واحدة ، بل تكبيرة الإحرام لا غير معهما ، صحت الجمعة عندنا.

الثالث : يستحب تعجيل الجمعة كغيرها من الصلوات.

الرابع : فرض الوقت للجمعة (1) ، وهي قائمة بنفسها ، ليست ظهرا مقصورة ، فليس له إسقاط الجمعة بالظهر ، لأنه مأمور بالجمعة ، فيكون منهيا عن الظهر فلا تقع عن الواجب ، ولقوله علیه السلام : كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة (2).

ص: 11


1- في « ق » الجمعة.
2- وسائل الشيعة 5 - 6 ح 22.

الخامس : لو فاتت الجمعة صلى الظهر أربعا بنية الأداء إن كان وقت الظهر باقيا ، وإن خرج الوقت صلى أربعا بنية قضاء الظهر لا الجمعة ، لأنه مع خروج وقت الجمعة تسقط الجمعة ويجب الظهر أداء ، لسعة وقت الظهر وإمكان فوات الجمعة مع بقائه ، فيكون الفائت بعد فوات الجمعة هو الظهر ، لانتقال الوجوب إليه.

ولو فاتته الجمعة بعد انعقادها ، بأن زوحم وخرج الوقت قبل إدراك ركعة مع الإمام ، استأنف الظهر ولا يبني على الجمعة ، لتغاير الفرضين.

السادس : لو صلى المكلف بالجمعة الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة ، لم تصح صلاته ويجب عليه السعي إلى الجمعة ، فإن صلاها برئت ذمته ، وإلا أعاد الظهر ، لأن ما فعله أولا لم يكن واجبا عليه.

ولا فرق في صحة الظهر المفعولة بعد فوات الجمعة بين أن يكون قد ترك الجمعة عمدا أو لضرورة.

ولو صلى الظهر وشك هل صلى قبل صلاة الإمام أو بعدها؟ فالأصل البقاء.

ولو صلى الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة ، فإن علم أنه يفوته إدراكها ، صحت صلاته وإلا فلا. وفوات الجمعة برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.

السابع : من لا تجب عليه الجمعة - كالمسافر والعبد - له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام ومعه وبعده ، وإن جاز أن يصلي جمعة ، لأن الجمعة غير واجبة عليه ، فصح منه الظهر في أوله كالبعيد. ولا يستحب له تأخير ظهره حتى يفرغ الإمام ، لأن فرضه الظهر ، فيستحب تقديمها.

فإذا حضر أصحاب الأعذار الجمعة وجبت عليهم ، وسقط عنهم فرض الوقت ، لأنها سقطت عنهم لعذر تخفيفا ، ووجبت على أهل الكمال ، لانتفاء المشقة في حقهم ، فإذا حضروا سقطت المشقة المبيحة للترك.

ص: 12

ولو صلوا الظهر في منازلهم ثم حضروا الجمعة ، لم تبطل ظهرهم ، سواء زال عذرهم أو لا.

ويستحب الجماعة لمن فاتته الجمعة في الظهر ، وكذا لأصحاب الأعذار ، لعموم قوله علیه السلام : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين درجة (1).

ويستحب لذوي الأعذار السعي إلى الجمعة وإن صلوا الظهر ، طلبا لفضيلة الجماعة ، كما يستحب في الظهر.

ويحرم إنشاء السفر لمن وجبت عليه الجمعة واشتملت الشرائط فيه بعد الزوال قبل الصلاة ، لقوله علیه السلام : من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره ، ولا يعان على حاجته (2). ولأنه مخاطب بالسعي ، فلا يجوز العدول عنه ، وسواء كان لأجل الجهاد أو لغيره.

أما (3) مع الضرورة ، كخائف فوات الصحبة مع ضرورته إليها ، والخوف على النفس ، أو المرض ، أو المال ، أو على من يجري مجراه من ولد ورفيق وحيوان محترم ، يجوز له ترك الجمعة للمشقة.

ويجوز السفر قبل الزوال. ويكره بعد الفجر.

البحث الثاني: ( السلطان )
اشارة

ويشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه ، عند علمائنا أجمع ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يعين لإقامة الجماعة ، وكذا الخلفاء بعده ، كما عين للقضاء. وكما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام ، فكذا إمام الجمعة.

ص: 13


1- وسائل الشيعة 5 - 371 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 86 ما يشبه ذلك.
3- في « ق » إلا.

ولرواية محمد بن مسلم قال : لا تجب الجمعة على أقل من سبعة : الإمام ، وقاضيه ، ومدعي حقا ، ومدعى عليه ، وشاهدان ، ومن يضرب الحدود بين يدي الإمام (1).

والسلطان عندنا هو الإمام المعصوم ، فلا تصح الجمعة إلا معه ، أو مع من يأذن له. هذا في حال ظهوره.

أما في حال الغيبة فالأقوى أنه يجوز لفقهاء المؤمنين إقامتها ، لقول زرارة : حثنا الصادق علیه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه ، فقلت : نغدوا عليك ، فقال : لا إنما عنيت عندكم (2). وقال الباقر علیه السلام لعبد الملك : مثلك يهلك ولم يصل فريضة فرضها اللّه ، قلت : كيف أصنع؟ قال : صلوا جماعة. يعني صلاة الجمعة (3).

ومنع جماعة من أصحابنا ذلك ، لفقد الشرط ، والباقر والصادق علیهماالسلام لما أذنا لزرارة وعبد الملك جاز لوجود المقتضي ، وهو إذن الإمام.

ويشترط في نائب الإمام أمور :

الأول : العدالة ، لأن الاجتماع مظنة التنازع ، والحكمة تقتضي عدمه ، وإنما يحصل بالسلطان ، ومع فسقه لا يزول لتبعية أفعاله قوته الشهوية ، ولأنه ليس محلا للأمانة فلا يصلح للإمامة ، لجواز أن يصلي صلاة باطلة ، ولقوله تعالى ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (4) والايتمام ركون إليه.

ولقوله علیه السلام : لا تؤمن امرأة رجلا ولا فاجر مؤمنا (5). وسئل الرضا علیه السلام رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال : لا (6).

ص: 14


1- وسائل الشيعة 5 - 9 ح 9.
2- وسائل الشيعة 5 - 12 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 12 ح 2.
4- سورة هود : 113.
5- وسائل الشيعة 5 - 392 مع تفاوت.
6- وسائل الشيعة 5 - 393 ح 10.

الثاني : البلوغ شرط ، فلا تصح إمامة الصبي ، لعدم التكليف في حقه ، ولأنه إن لم يكن مميزا لم يعتد بفعله ، وإلا عرف بترك المؤاخذة على فعله ، فلا يؤمن ترك واجب أو فعل محرم ، ولأن العدالة شرط وهي منوطة به.

الثالث : العقل ، لعدم الاعتداد بفعل المجنون. ولو كان يعتوره فكذلك ، لجواز أن يحصل له حالة إمامته.

الرابع : الذكورة ، فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى.

الخامس : الحرية ، والأقوى اشتراطها ، لأنها من المناصب الجليلة فلا يليق بالعبد ، ولأن العبد لا تجب عليه ، فلا يكون إماما كالصبي.

السادس : طهارة المولد ، فلا تصح إمامة ولد الزنا ، لنقصه ، فلا يناط به المناصب الجليلة.

السابع : السلامة من الجذام والبرص والعمى ، لقول الصادق علیه السلام خمسة لا يؤمون الناس على كل حال : المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، وولد الزنا ، والأعرابي (1). وأما الأعمى فلأنه لا يتمكن من التحرز عن النجاسات غالبا.

فروع :

الأول : لو خفي فسق الإمام ، ثم ظهر بعد الصلاة ، أجزأ للامتثال. وكذا لو ظهر كفره ، سواء كان مما يخفى كالزندقة أو لا كالتهود والتنصر.

ولو شك في إسلامه ، لم تنعقد صلاته ، لأن ظهور العدالة شرط وهو منتف مع الشك. وكذا لو بان كونه جنبا أو محدثا ، ويحتمل البطلان إن لم يتم العدد إلا به ، لأن الجماعة شرط ، وإنما يرتبط بالإمام ، فإذا بان أن الإمام لم يكن مصليا بان أنه لا جماعة ، وأن أحد شروط الجمعة قد فات ، بخلاف سائر

ص: 15


1- وسائل الشيعة 5 - 397 ح 1.

الصلوات ، لأن الجماعة ليست شرطا ، وغايته أن يصلي منفردا. ويشكل بأن حدث الإمام لا يمنع صحة الجماعة ، وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل بحاله.

الثاني : المخالف في فروع الفقه مع اعتقاد الحق ، لا يمنع الإمامة. ولو اعتقد المجتهد شيئا من الفروع وفعل ضده مع بقاء اعتقاده قدح في عدالته. وكذا المقلد إذا أفتاه العالم. أما لو عدل من عالم إلى أعلم أو مساو ، لم يقدح في عدالته.

الثالث : لو حضر إمام الأصل ، لم يأمّ غيره إلا مع العذر إجماعا ، لتوقف الايتمام على إذنه ، فليس لغيره التقدم عليه ، وكذا نائب الإمام ، ولقول علي علیه السلام : إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمع بالناس ، ليس ذلك لأحد غيره (1).

الرابع : لا يشترط في الإمام أن يكون ممن يجب عليه الجمعة ، فللمسافر أن يكون إماما مع الإذن ، لأنه ممن تصح منه الجمعة ، فكان إماما كالحاضر.

وهل يصح أن يكون متنفلا؟ كمسافر صلى الظهر ثم حضر ، إشكال ، ينشأ : من أنه لا بد في العدد المشروط ، من أن يكونوا مصلين فرض الجمعة فكذا الإمام ، ومن جواز اقتداء المفترض بالمتنقل في صورة المصلي ثانيا. أما لو صلى الصبح قضاء ، أو غيرها من الفرائض ، فالأقوى صحة الايتمام به ، لأنها صلاة فرض فأشبهت الجمعة كغيرها من الفرائض.

الخامس : لو قام إمام الجمعة إلى ركعة ثالثة سهوا ، فاقتدى به إنسان وأدرك جميع الركعة ، لم يحسب له ، لأنها غير محسوبة للإمام ، والزيادة يمكن الاطلاع عليها بالمشاهدة وإخبار الغير ، فلا تجزيه ، كما لو اقتدى بالمرأة ، بخلاف الحدث ، فلا ينعقد له بها جمعة ولا ظهر.

السادس : لو لم يدرك مع الإمام المحدث إلا ركوع الثانية ، احتمل أن

ص: 16


1- وسائل الشيعة 5 - 36 ح 1 ب 20

يكون مدركا للجمعة ، لأنه لو أدرك كل الركعة لكانت محسوبة له ، فكذا إذا أدرك ركوعها ، كالركعة المحسوبة للإمام ، والأقوى عدم الإدراك ، لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع خلاف الحقيقة ، إنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوبا من صلاة الإمام ليتحمل به ، فأما غير المحسوب فلا يصلح للتحمل عن الغير.

بخلاف ما لو أدرك الركعة بكمالها ، لأنه قد فعلها بنفسه ، فتصح على وجه الانفراد إن تعذر تصحيحها على وجه الجماعة ، وهنا لا يمكن التصحيح على سبيل الانفراد ، فإن الركوع لا يبتدأ به.

السابع : إذا أحدث الإمام في صلاة الجمعة أو غيرها من الفرائض ، أو خرج بسبب آخر ، جاز أن يستخلف غيره ليتم بهم الصلاة ، لأن النبي علیه السلام خرج فأتم الصلاة التي ابتدأ بها أبو بكر. وقول علي علیه السلام : من وجد أذى ، فليأخذ بيد رجل فليقدمه (1). يعني إذا كان إماما ، ولأن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإمام ، فإذا قدم من يصلح للإمامة كان كما لو أتمها ، فلا ينفك المأموم من الجماعة والعمل بالفضيلة فيها.

ولا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإمام بعد الخطبتين قبل التحريم وبعدها ، فإذا استخلف صلى بهم من غير خطبة ، لخروج العهدة عنها بفعلها أولا.

ولو أحدث بعد التحريمة ، استخلف سواء صلى ركعة أولا ، وأتمها جمعة.

وإنما يستخلف من هو بشرط الإمامة. ولا يشترط فيه سماعه للخطبة ولا الإحرام مع الإمام للرواية. ولو لم يستنب الإمام ، أو مات ، أو أغمي عليه ، فإن كان بعد ركعة استناب المأمومون ، وللواحد منهم أن يتقدم ، لأن الإمام قد خرج والمأمومون في الصلاة ، وهي جمعة انعقدت صحيحة بإذن الإمام فيتمونها جمعة. ولا يفتقر إلى إذن مستأنف.

ص: 17


1- وسائل الشيعة 4 - 1345 ح 8.

ولو لم يستنيبوا أو بقي واحد ومن لا يصلح للإمامة ، أتموها جمعة فرادى. وكذا لو كان قبل صلاة ركعة.

ولو تعمد الإمام الحدث فكالسهو فيه.

وهل يجب اتحاد الإمام والخطيب؟ الأقرب المنع ، لجواز تعدد الأئمة في صلب الصلاة ، مع احتماله ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله تولاهما.

ولا يجب على المأمومين استئناف نية القدوة ، لأنه خليفة الأول ، والغرض من الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الأول. ويحتمل الوجوب ، لوجوب تعيين الإمام في الابتداء.

ولو استناب المأمومون ، لم تبطل صلاة المتلبس وأتم جمعة ، وغيره كذلك على الأقوى ، لأنها جمعة مشروعة.

وينبغي أن يستخلف على قرب ، وليس شرطا. فلو قضوا ركنا فالأقرب جواز الاستخلاف إن جوزنا تجديد نية الاقتداء للمنفرد ، وعلى المسبوق أن يراعي نظم صلاة الإمام ، فيقعد في موضع قعوده ، ويقوم في موضع قيامه ، لأنه اقتدى به والتزم ترتيب صلاته ، ولا يتابعه في القنوت بل يقف قائما ، ولا في التشهد بل يقعد ساكتا. وإذا تمت صلاة المأمومين ، قام الخليفة لتدارك ما عليه ، فإن شاء المأمومون فارقوه وسلموا ، ويستحب أن يشير إليهم بالتسليم. وإن شاءوا صبروا جالسين ليسلموا معه.

ولو أحدث بين الخطبة والصلاة ، جاز أن يستخلف في الصلاة ، لأن التعدد قد جاز في الصلاة ، وهي عبادة واحدة ، فهنا أولى. وكذا لو أحدث في أثناء الخطبة وشرطنا الطهارة.

ولو صلى مع الإمام ركعة من الجمعة ، ثم فارقه لعذر ، لم تبطل صلاته ، وجاز له أن يتمها جمعة. ولو فارقه لا لعذر فإشكال.

ولو أتم الإمام ولم يتم المأمومون ، بأن كانوا مسبوقين ، ولم يستخلف الإمام

ص: 18

جاز لهم أن يستخلفوا كغير الجمعة. وكذا لو كانوا مقيمين وهو مسافر في إحدى الرباعيات.

البحث الثالث: ( العدد )
اشارة

لا تنعقد الجماعة بالواحد ، بل لا بد من العدد إجماعا ، لأن تسميتها « جمعة » من الاجتماع المستلزم للتكثر ، ولأن الإمام شرط وإنما يتحقق مسماه بالمأموم.

والأقرب عندنا أن أقل عدد يجب معه الجمعة خمسة نفر الإمام أحدهم ، لتوجه الخطاب بصيغة الجمع ، والاستيطان شرط وهو مظنة التنازع ، فلا بد من حاكم يفصل بين المتنازعين فوجب الثالث ، ثم لما اعتورت الحوادث للإنسان وجب أن يكون للحاكم نائب يقوم مقامه عند العوارض فوجب رابع ، ثم لما كان التنازع مظنة الافتراء احتيج إلى من يستوفي الحدود بإذن الحاكم مباشرة فوجب خامس. فالأمور الضرورية التي لا بد من حصولها في الاجتماع خمسة نفر.

ولقول الباقر علیه السلام : لا تكون الخطبة والجمعة وصلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط الإمام وأربعة (1).

ويشترط في العدد أمور :

الأول : الذكورة ، فلا تنعقد بالنساء ولا بالرجال إذا كمل العدد بامرأة أو خنثى مشكل ، أما الخنثى الملحق بالرجال فرجل.

الثاني : التكليف ، فلا ينعقد بالصبي وإن كان مميزا ، ولا بالمجنون وإن لم يكن مطبقا ، إلا أن يكون وقت الإقامة مفيقا.

الثالث : الحرية ، على الأقوى ، فلا تنعقد بالعبد ، قنا كان أو مدبرا أو

ص: 19


1- وسائل الشيعة 5 - 7 ح 2.

مكاتبا أو أم ولد ، لأنه لو انعقدت به لانعقدت بجماعتهم منفردين كالأحرار.

الرابع : الحضر ، على الأقوى ، فلا تنعقد بالمسافر ، وهو الذي يجب عليه القصر. فلو وجب عليه التمام ، كالعاصي بسفره ، ومن قصر سفره عن المسافة ، ومن يتكرر سفره كالملاح ، ومن نوى الإقامة في بلد الجمعة عشرة أيام ، أو أقام أزيد من ثلاثين ، وجبت عليه الجمعة ، لأن السفر غير مؤثر في القصر ، فلا يؤثر في إسقاط الجمعة.

الخامس : الإسلام ، فلا تنعقد بالكافر إجماعا ، وتنعقد بالفاسق بلا خلاف.

السادس : عدم العلم بحدث أحدهم ، فلو أحدث أحدهم مع العلم به والعدد يتم به ، لم تنعقد ما لم يتطهر. ولو لم يعلم ، صحت الجمعة للمتطهرين. وكذا لو ظهر حدث أحدهم وكان جاهلا به ، كواجد المني على الثوب المختص به ، فإن الجمعة تصح لغيره ، ويقضي هو الظهر.

ولا يشترط الصحة ، ولا زوال الموانع من المطر والخوف ، فلو حضر المريض أو المحبوس بالمطر أو الخائف ، وجبت عليهم وانعقدت بهم ، لأن سقوطها عنهم لمشقة السعي ، فإذا تكلفوه زالت المشقة ، فزال مانع الوجوب والانعقاد به.

ولا يشترط دوام العدد في الصلاة ، فلو انعقدت بهم ، ثم انفضوا أو ماتوا أو تجدد عذر كالحدث وغيره بعد تكبيرة الإحرام ، لم تبطل الجمعة ، بل يتمها الباقي جمعة ركعتين ، لأن الأصل عدم اشتراط الاستدامة ، ولأن الصلاة افتتحت جمعة.

وقال علیه السلام : الصلاة على ما افتتحت عليه. ولأنهم انفضوا عن النبي (ص) ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، وفيهم نزلت ( وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً ) (1) ثم إنه بنى على الصلاة وهو الرامي ، ولأنهم شرطوا أربعين ، لأن بقاء العدد عنده لا يتعلق باختياره ، وفي الابتداء يمكن تكليفه بأن لا يحرم حتى

ص: 20


1- سورة الجمعة : 11.

يحضروا ، والشي ء قد يشترط في الابتداء دون الدوام كالنية.

فروع :

الأول : لا اعتبار بانفضاض الزائد على العدد إجماعا ، لأنه ليس بشرط في الابتداء ، فكذا في الاستدامة.

الثاني : العدد المعتبر في الصلاة معتبر في الكلمات الواجبة من الخطبة ، لأن الخطبة ذكر واجب في الجمعة ، فيشترط حضور العدد فيه كتكبيرة الإحرام.

فلو انفضوا قبل الخطبة ، لم يخطب حتى يجتمع العدد وهو الخمسة عندنا. وإن كان في أثناء الخطبة فالركن المأتي به في غيبتهم غير محسوب ، بخلاف ما لو انفضوا في الصلاة. والفرق أن كل مصل يصلي لنفسه ، فجاز أن يتسامح في نقصان العدد في الصلاة ، وفي الخطبة الخطيب لا يخطب لنفسه ، وإنما غرضه إسماع العدد وتذكرهم ، فإذا خطب ولا مستمع ، أو مع نقصان عدد المستمعين ، فات مقصود الخطبة.

الثالث : لو عاد العدد بعد انفضاضهم في أثناء الخطبة بنى ، لجواز البناء في الصلاة لمن سلم ناسيا ، ففي الخطبة أولى ، سواء طال الفصل أو قصر ، لأن الغرض الوعظ والتذكر ، وهو حاصل مع تفرق الكلمات.

الرابع : لو لم يعد الأولون وعاد عدد غيرهم ، فالأقرب وجوب إعادة الخطبة ، سواء طال الفصل أو لا.

ولو عاد الأولون وقد انفضوا بعد الفراغ من الخطبة صلى بهم ، سواء طال الفصل أو لا ، لأن الأقرب عدم اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة للأصل. ويحتمل عدم الإعادة في الأول ، لأنهم قد ينفضون ثانيا ، فيعذر في ترك إعادتها.

الخامس : كما لا يشترط دوام العدد ، كذا لا يشترط دوام الجماعة بعد التحريم ، فلو تحرم بالعدد ثم انفضوا أو ماتوا كلهم ، أتم هو الجمعة ، لأن

ص: 21

الشروع وقع والشروط موجودة ، فلا يضر الانفراد بالعدد بعده.

ولا فرق بين أن ينفضوا قبل ركعة أو بعدها. ويحتمل اشتراط الركعة ، فلو انفضوا قبلها فلا جمعة ، والأقوى حينئذ أن يصلوها ظهرا ، لأنها صلاة صحيحة ، فجاز العدول عنها إلى الواجبة.

وهل يشترط كمال الركعة؟ الأقرب ذلك ، فلو انفضوا بعد الركوع وقبل السجود الثاني فلا جمعة. ويحتمل الاكتفاء بالركوع ، لأنه كاف في إدراك الركعة للمسبوق ، فكذا هنا.

البحث الرابع: ( الجماعة )
اشارة

الجماعة شرط في الجمعة ، فلا تصح الانفراد بالجمعة وإن حصل العدد ، بل لا بد من الارتباط الحاصل بين صلاتي الإمام والمأموم ، لأنه علیه السلام لم يصلها إلا كذلك وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي (1).

ولأن الجمعة صلاة تجمع الجماعات ، والغرض منها إقامة الشعار وإظهار اتفاق الكلمة ، وبفوات الجماعة يفوت الغرض. وما رواه زرارة قال : فرض اللّه من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة ، واحدة فرضها اللّه في جماعة ، وهي الجمعة (2).

وهي شرط في الابتداء دون الاستدامة ، فلو ابتدأ منفردا ثم ائتم به في الأثناء لم تنعقد. ولو ابتدأ إماما ثم انفض العدد بعد التحريم ، لم تبطل ، ويحتمل بعد الركعة.

وهل يجب أن ينوي الإمام نية الإمامة؟ الأقرب ذلك هنا خاصة.

ولا يشترط التساوق بين تكبيرة الإمام والمأمومين ، ولا بين نيتهما على

ص: 22


1- جامع الأصول 6 - 374.
2- وسائل الشيعة 5 - 3 ح 1.

الأقوى. بل يجوز أن يتقدم الإمام بالنية والتكبير ، ثم يتعقبه المأمومون ، نعم لا يجوز أن يتأخروا بالتكبير عن الركوع. فلو ركع ونهض قبل تحريمهم فلا جمعة. وإن لحقوا به في الركوع ، صحت جمعتهم. ولا يشترط أن يتمكنوا من قراءة الفاتحة.

وإن لحقوا به في الركوع ، فالأقرب صحة الجمعة. ولو لم يلحقوا به إلا بعد الركوع ، لم يكن لهم جمعة ، والأقرب أنه لا جمعة للإمام أيضا ، لفوات الشرط وهو الجماعة في الابتداء والأثناء. وحينئذ فالأقرب جواز عدول نيته إلى الظهر. ويحتمل الانقلاب إلى النفل ، والبطلان ، والصحة جمعة إن لحقوه قبل فوات ركوع الثانية.

وإذا انعقدت الجمعة ودخل المسبوق ، لحق الركعة إن كان الإمام راكعا ، ويدرك الجمعة إن أدركه راكعا في الثانية ، ثم يتم بعد فراغ الإمام ، لقوله علیه السلام : من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ، ومن أدرك دونها صلاها أربعا (1).

ولأن الأعذار تعتور الإنسان غالبا ، فلو كلف الإدراك من أول التحريم حصلت المشقة ، فإنه الغرض في حق الأكثر ، وهو مناف للحكمة ، فاعتبر إدراك ركعة من الركعتين ، كإدراك المبيت بإدراكه إلى نصف الليل.

ويدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا ، وإن لم يدرك تكبيرة الركوع. ويكفي اجتماعه مع الإمام في جزء من الركوع ، لقول الصادق علیه السلام : إذا أدركت الإمام وقد ركع فكبرت وركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة ، وإن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك (2).

وللشيخ قول : إنه إن أدرك تكبيرة الركوع أدرك الركعة وإلا فلا ، وليس عندي بعيدا من الصواب ، لقول الباقر علیه السلام لمحمد بن مسلم : إن لم

ص: 23


1- جامع الأصول 6 - 427 ، سنن ابن ماجة 1 - 356.
2- وسائل الشيعة 5 - 442 ح 2.

يدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة (1). ولفوات واجب الركوع ، فيكون قد أدركه في المستحب ، فلا تحصل الركعة بالمتابعة فيه ، لفوات الركوع الواجب.

فروع: ( يتعلق بالمسبوق )

الأول : لا يشترط إدراك الخطبة ، لأن إدراك أول الركعة ليس شرطا ، فالخطبة أولى.

الثاني : لو ذكر ترك سجدة سهوا ، وشك أهي من التي أدركها مع الإمام أو الثانية؟ قضاها وسجد للسهو إن كان بعد التسليم ، وإن كان قبله فالأقرب فعلها قبله وإعادة التشهد ، لأنه شاك في الأولى وقد فاتت وهو مأموم أيضا ، فلا عبرة بشكه فيها فيتعين للأخرى ، ويحتمل المساواة للأولى ، فيسلم ثم يقضي ، وعلى التقديرين يدرك الجمعة ، إذ لا يضر الركعة فوات سجدة سهوا.

الثالث : لو كبر والإمام راكع فرفع ، فإن أتى بالذكر قبل أن يخرج الإمام في نهوضه عن حد الراكعين ، صحت له تلك الركعة ، وإن لم يلحق ذلك ، فإن كان في الثانية فاتته الجمعة ، وإن كان في الأولى ، احتمل الذكر ثم يلحق بالإمام في السجود ، لكن في إدراكه للجماعة في أبعاض هذه الركعة إشكال ، والاستمرار على حاله إلى أن يلحق الإمام في ثانيه ويتم مع الإمام ، والاستيناف.

الرابع : لو شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا؟ رجحنا جانب الاحتياط على الاستصحاب.

الخامس : لو أدرك مع الإمام ركعة ، فلما جلس مع الإمام ذكر أنه ترك فيها سجدة ، فإنه يسجد ويدرك الركعة ، لأنه صلى مع الإمام ركعة ، وفعل

ص: 24


1- وسائل الشيعة 5 - 441 ح 2.

السجدة في حكم متابعته ، فلم يمنع ذلك من إدراكها ، وكذا لو ذكرها بعد تسليم الإمام ، لأن فوات السجدة الواحدة لا يقتضي فوات الركعة.

السادس : لو قام الإمام إلى الثالثة سهوا ، فأدركه فيها ، فصلاها معه ، لم يكن مدركا للجمعة إجماعا ، لأنها زيادة ، وهل يعدل إلى الظهر أو يستأنف؟

الأقرب الثاني ، وهل له التنفل؟ إشكال.

السابع : لو ذكر الإمام ترك سجدة لا يعلم موضعها بعد أن قام إلى الثالثة سهوا ، وقلنا بالإبطال بكل سهو يلحق الأولين ، أو ذكر ترك سجدتين ، بطلت صلاته ، ولو قلنا بالتلفيق ، تمت صلاته ، لأن المتروك إن كان من الأولى فقد تمت بالثانية وكانت الثالثة ثانية ، وإن تركها من الثانية تمت بالثالثة ، ولا يتم جمعة المأموم اللاحق في الثالثة ، لجواز أن تكون هي من الثانية ، فيتم بالثالثة ، فلم تكن الثالثة من أصل الجمعة ، لأن المحسوب منها للإمام سجدة واحدة.

ولو ذكر الإمام أنها من الأولة ، أدرك المأموم الجمعة ، لأن الأولى تمت بالثانية وكانت الثالثة ثانيته وقد أدركها المأموم.

فروع: ( يتشعب عن شرط الجماعة يتعلق بالإمام )

الأول : لو كان الإمام متنفلا بأن يكون مسافرا قد صلى الظهر أولا ، فإن فرض تم العدد به فلا جمعة ، إذ ليس من أهل التكليف بها ، فلا يتعلق وجوب غيره به على إشكال. وإن تم بغيره احتمل جواز الاقتداء به ، كما يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل وعدمه لنقص صلاته.

الثاني : لو كان الإمام عبدا ، فالأقرب أنه إن أتم العدد به ، لم تصح الجمعة ، وإلا صحت كالمسافر ، لأن العدد قد تم بصفة الكمال ، وجمعة العبد صحيحة وإن لم يلزمه.

ص: 25

الثالث : قال الشيخ (1) : أقسام الناس في الجمعة خمسة ، منهم من تجب عليه وتنعقد به ، وهو الذكر الحر البالغ ، العاقل ، الصحيح السليم من العمى والعرج والشيخوخة التي لا حراك معها ، الحاضر أو من هو بحكمه.

ومنهم من لا تجب عليه ولا تنعقد به ، وهو الصبي والمجنون والعبد والمسافر والمرأة ، لكن تصح منهم إلا المجنون.

ومنهم من تنعقد به ولا تجب عليه ، وهو المريض والأعمى والأعرج ، ومن كان على رأس أكثر من فرسخين.

ومنهم من تجب عليه ولا تنعقد به ، وهو الكافر ، لأنه مخاطب بالفروع عندنا.

الرابع : لا تصح إمامة الصبي ، لأنه لا جمعة عليه ، وإذا فعلها لا يسقط بها الفرض عن نفسه ، إذ لا فرض عليه ، بخلاف العبد والمسافر ، فإنهما يسقطان بهما فرض الظهر إن جوزنا إمامتهما. ويحتمل الجواز كسائر الفرائض إن جوزنا إمامته فيها.

الخامس : إذا استخلف الإمام من اقتدى به قبل حدثه ، صح. وإن استخلف غيره ، لم يصح ، ولم يكن لذلك الغير أن يصلي الجمعة ، لأنه لا يجوز ابتداء جمعة بعد انعقاد جمعة ، ولو صح منه الجمعة ، لكان مبتدئا بها بعد انعقاد جمعة الإمام والقوم ، بخلاف المأموم يدخل في صلاة الجمعة ، فإنه تابع للقوم لا مبتدئ. وهل يصح ظهرا له أو ينقلب نفلا؟ الأقرب الأول إن عدل بالنية إليها ، وإلا فلا. أما المأمومون فإنهم يتمون الجمعة ، لأنها وقعت أولا صحيحة ، ويحتمل اشتراط فعل ركعة تامة.

فروع: ( يتعلق بالزحام )

الأول : إذا ركع مع الإمام في الأولى ، ثم منعه الزحام عن السجود ، لم

ص: 26


1- المبسوط 1 - 143.

يجز له أن يسجد على ظهر غيره أو رأسه أو رجله ، عند علمائنا أجمع ، بل ينتظر حتى يتمكن من السجود على الأرض ، لقوله علیه السلام : ومكن جبهتك من الأرض (1). وليس له الإيماء به ، ولا أن يتمها ظهرا ، لأن إقامة الجمعة واجبة ، فلا يجوز الخروج قصدا مع توقع إدراكها.

ثم إن تمكن من السجود قبل ركوع الإمام في الثانية سجد كما يمكن ، ثم ينهض إلى الثانية ويركع مع الإمام للحاجة والضرورة ، ومثله وقع في صلاة عسفان ، حيث سجد النبي علیه السلام وبقي صف لم يسجد معه ، وليس له أن يركع مع الإمام قبل قضاء السجدتين ، لئلا يزيد ركنا ، ويستحب للإمام تطويل القراءة ليلحق به.

الثاني : لو سجد ولحق الإمام ، فوجده راكعا في الثانية ، انتصب واجبا ، لوجوبه وتمكنه منه ، ويترك القراءة لسقوطها عنه ، وخوف فوت الركوع الواجب.

ولو وجده قد قام من ركوع الثانية ، لم يقم ، بل يجلس إلى أن يسلم الإمام ، ثم يقوم ويأتي لثانية ، وليس له أن يتابع الإمام في سجدتيه ، لئلا يزيد ركنا.

ولو وجده وقد سلم ، فالأقوى إدراكه للجمعة ، لأنه أدرك الركوع الأول فيتم ما عليه.

الثالث : لو لم يتمكن من السجود حتى يركع في الثانية ، لم يتابعه في الركوع ، بل يراعي ترتيب صلاته ، لئلا يزيد ركنا ، ويوالي بين ركوعين في ركعة واحدة ، فإن ركع عامدا ، بطلت صلاته ، وعليه أن يبتدئ الإحرام بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع.

وإن كان ناسيا أو جاهلا ، احتمل ذلك أيضا ، لأن زيادة الركن مطلقا مبطلة. والصحة ، لأن حكم الايتمام قد يخالف الانفراد ، كما لو سبق إلى

ص: 27


1- جامع الأصول 6 - 253.

ركوع أو سجود ناسيا قبل الإمام ، فإنه يرجع إلى حاله ثم يعيد مع إمامه.

فحينئذ لا يعتد بركوعه ولا تبطل صلاته ، فإذا سجد معه بعد الركوع حسب له السجدتان ، لأنا أمرناه بالسجود ، فقدم عليه شيئا غير معتد به ولا مفسد ، فإذا انتهى إليه وجب أن يقع عن المأمور به.

ويحتمل أن يعيدهما ، لأنه فعلهما على قصد الثانية ، فلا يقع عن أولاه ، كما لو نسي سجدة من ركعة ، ثم سجد لتلاوة أو سهو ، لا يقوم مقامها ، فإن قلنا بالأول فالحاصل ركعة ملفقة ويدرك بها الجمعة.

الرابع : إذا لم يركع في الثانية مع الإمام كما هو الواجب عليه ، بل انتظره إلى أن سجد الإمام وهو المأمور به ، فهو مقتد قدوة حكمية ، لوقوع السجود بعد الركوع الثاني للإمام ، ويدرك به الجمعة ، لأنه أدرك ركعة ملفقة. وإذا سجد مع الإمام نوى بسجدتيه أنهما لركعته الأولى ، فإن نوى بهما للثانية ، فالوجه بطلان الصلاة ، لإخلاله بركن في الأولى وهو السجدتان. وبركن في الثانية وهو الركوع.

ولو لم ينو بهما شيئا ، فالوجه البطلان ، لأنه مقتد بالإمام وهو في حكم التابع له في أفعاله ، وقد سجد الإمام للثانية ، فينصرف فعل المأموم إليه أيضا تحقيقا للاقتداء. وهل له أن يسجد قبل سجود الإمام؟ إشكال ، أقربه المنع ، بل يتابع الإمام ، فإذا سلم الإمام اشتغل بتدارك ما عليه ، لأنه إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فأشبه المسبوق.

الخامس : إذا ركع الإمام في الثانية ، فاشتغل بالسجدتين ، ثم نهض فوجد الإمام راكعا ، تابعه وسقطت عنه القراءة كالمسبوق ، ويسلم معهم ويتم جمعته. وإن وجده قد رفع رأسه من الركوع ، لم يتابعه في السجود على ما تقدم ، بل إما ينوي الانفراد ويتم الجمعة ، لإدراكه الركعة ، على إشكال من حيث إنه فاته السجدتان معه ، وإما أن يستمر على حاله إلى أن يسلم الإمام ، ثم يتم ما عليه. ويحتمل أن يجلس متابعة للإمام ولا يسجد. فإذا سلم الإمام ، قام فأتم ما بقي عليه.

ص: 28

السادس : لو لم يتمكن من السجود ، حتى سجد الإمام في الثانية ، تابعه في السجود إجماعا ، ويحصل ركعة ملفقة. ولو لم يتمكن حتى يتشهد الإمام سجد ، فإن أدرك الإمام قبل السلام ، أدرك الجمعة وقام فأتم ما بقي عليه. وإن لم يدركه حتى سلم ، فكذلك على إشكال.

السابع : لو كان الزحام في سجود الثانية ، وقد صلى الأولى مع الإمام ، سجد متى تمكن قبل سلام الإمام أو بعده وصحت جمعته. ولو كان مسبوقا لحقه في الثانية ، فإن تمكن قبل سلام الإمام سجد وقد أدرك ركعة ، وإن لم يتمكن حتى سلم الإمام فإشكال.

الثامن : لو زوحم عن ركوع الأولى حتى سجد الإمام ، ركع ولحقه وتابعه في السجود ، وإن وجده قد نهض إلى الثانية سجد ولحقه ، ولو لم يتمكن حتى يركع (1) الإمام في الثانية ، ركع ويعتد له بالركعة الثانية ، وتكون أولى له.

التاسع : لو زوحم عن سجود الأولى ، فقضاه قبل ركوع الإمام في الثانية ، ثم ركع مع الإمام فزوحم عن السجود ، فقضاه بعد جلوس الإمام للتشهد ، تبع الإمام في التشهد وتمت جمعته ، لأنه أدرك جميع الصلاة بعضها فعلا وبعضها حكما ، فيثبت له حكم الجماعة.

العاشر : لو زوحم عن الركوع والسجود في الأولى ، صبر حتى يتمكن منها ، ثم يلتحق للرواية (2) ، فإن لحق الإمام راكعا في الثانية ، تابعه وأدرك الجمعة ، ولو لحقه رافعا من ركوع الثانية ، ففي إدراك الجمعة إشكال ، ينشأ : من أنه لم يلحق ركوعا مع الإمام ومن إدراك ركعة تامة في صلاة الإمام حكما.

ولو لم يتمكن من القضاء حتى ركع الإمام في الثانية ، فزوحم عن المتابعة حتى سجد الإمام ، أتمها ظهرا.

الحادي عشر : النسيان عذر كالزحام ، فلو تأخر سجوده عن سجود

ص: 29


1- في « س » ركع.
2- وسائل الشيعة 5 - 32.

الإمام بالنسيان ، ثم سجد في حال قيام الإمام ، فالحكم كما تقدم في الزحام ، لأنه عذر ، وكذا لو تأخر لمرض.

ولو بقي ذاهلا عن السجود ، حتى ركع الإمام في الثانية ثم تنبه ، فإنه كالمزحوم يركع مع الإمام.

ولو تخلف عن السجود عمدا حتى قام الإمام وركع في الثانية أو لم يركع ، ففي إلحاقه بالمزحوم إشكال.

الثاني عشر : الزحام كما يفرض في الجمعة يفرض في غيرها ، وذكر في الجمعة ، لأن وقوعه أكثر فيها ، لأن الجماعة شرط فيها ، ولا سبيل إلى المفارقة ما دام يتوقع إدراك الجمعة ، بخلاف باقي الصلوات ، والحكم في غير الجمعة كالحكم فيها.

البحث الخامس: ( الوحدة )

الوحدة شرط في الجمعة ، فلا تنعقد جمعتان بينهما أقل من فرسخ ، سواء كانتا في مصر واحد أو مصرين ، وسواء فصل بينهما نهر عظيم أو لا ، عند علمائنا أجمع ، لقول الباقر علیه السلام : لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال (1) ، وإذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء وهؤلاء ، لأن النبي علیه السلام لم يجمع إلا في مسجد واحد ، وكذا الخلفاء بعده.

وإذا لم يجز إقامتها في مساجد البلد كسائر الجماعات واحتمل تعطيل المساجد ، عرف أن المقصود إظهار شعار الاجتماع واتفاق كلمة المسلمين ، فليقتصر على الواحد ، لأنه أفضى إلى هذا المقصود ، ولأنه لا ضبط بعد مجاوزة الواحدة ، ومع بعد المسافة يشق الإتيان ، فلا بد من تقدير يرفع المشقة. والقدر الذي يمكن تكليفه لأكثر الناس فرسخ ، فكان الاعتبار به.

ص: 30


1- وسائل الشيعة 5 - 16 ح 1.

فلو احتاج من بعد بأقل من فرسخ إلى مركوب وتمكن منه وجب ، إما بالتملك ، أو الاستيجار ، أو العارية ، وهل يجب قبول الهبة أو العارية؟ إشكال.

فإن صليت جمعتان بينهما أقل من فرسخ ، فله صور :

الأول : أن تسبق إحداهما الأخرى ، فالسابقة صحيحة ، لاجتماع الشرائط فيها ، واللاحقة باطلة ، والسبق يحصل بالتحريم ، فالتي سبق عقدها على الصحة هي الصحيحة ، وإن تقدمت الثانية في الخطبة أو التسليم أو كانت جمعة السلطان ، لأنه لا بد من إذنه ، والاعتبار إنما هو بتمام التكبير ، حتى لو سبقت إحداهما بهمزة التكبير والأخرى بالراء ، فالصحيحة هي التي سبقت بالراء ، لأنها هي التي تقدم تكبيرها.

ولو شرع الناس في صلاة الجمعة ، فأخبروا أن طائفة أخرى سبقتهم بها وفاتت الجمعة عليهم ، استأنفوا الظهر ، وهل لهم أن يتموها ظهرا؟ الأقوى المنع ، لظهور البطلان.

الثاني : أن تقع الجمعتان معا ، فيتدافعان وتبطلان معا ، ويستأنف واحدة إن وسع الوقت ، وإلا صلوا الظهر.

الثالث : أن يشكل الحال ، فلا يدري أوقعتا معا ، أو سبقت إحداهما ، فيعيدون جمعة وظهرا ، لاحتمال الاتفاق ، فلا جمعة ، فتجب إعادتها. والتقدم ، فيعلم وقوع جمعة صحيحة ، فلا يصح عقد أخرى ، فوجبت الصلاتان معا.

الرابع : أن تسبق إحدى الجمعتين على التعيين ، ثم تلتبس ، فلا تخرج واحدة من الطائفتين عن العهدة ، إذ لا يقين لإحداهما بصحة جمعته ، والأصل بقاء الفرض في ذمتهم ، وليس لهم إعادة جمعة ، لأنه قد وقعت في البلد جمعة صحيحة ، فلا سبيل إلى تعقبها بأخرى ، بل تصلي الطائفتان الظهر ، فمن لا جمعة له ، صحت له الظهر.

ص: 31

الخامس : أن تسبق إحداهما ولا تتعين ، كما لو سمع مريضان أو مسافران تكبيرتين متلاحقتين وهما خارج المسجد ، وأخبراهم الحال ولم يعرفا من تقدم تكبيرة ، فلا يخرجون عن العهدة ، لأن كل واحدة يجوز أن تكون هي المتأخرة ، فيحتمل ضعيفا استيناف جمعة إن بقي الوقت ، لأن المفعولتين باطلتان غير مجزيتين ، فكأنه لم يقم في البلد جمعة أصلا.

والحق ما تقدم في الصورة الرابعة ، من أنهم يصلون الظهر ، لأن إحداهما صحيحة في علم اللّه تعالى ، وإنما لم يخرجوا عن العهدة للإشكال.

ولهذه الصور الخمس نظائر في نكاحين عقدهما وليان ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى.

البحث السادس: ( الخطبتان )
وفيه أقطاب :
القطب الأول: ( في واجباتها )
اشارة

من شرائط الجمعة تقديم خطبتين ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لم يصل الجمعة إلا بخطبتين متقدمتين وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي (1). ولأنه تعالى أوجب السعي إلى ذكر اللّه تعالى ، والمراد به الخطبة ، فيستلزم وجوبها ، ولأنهما أقيمتا مقام الركعتين ، والبدل كالمبدل في الحكم ، وقال الصادق علیه السلام : لا جمعة إلا بخطبة (2).

ويجب أمور :

الأول : التعدد ، فلا يجزي الخطبة الواحدة ، امتثالا لفعله عليه

ص: 32


1- جامع الأصول 6 - 374.
2- وسائل الشيعة 5 - 16 ح 9.

السلام : ولأنهما أقيمتا مقام ركعتين ، فالإخلال بإحداهما إخلال بركعة.

الثاني : يجب في كل خطبة منهما حمد اللّه تعالى ، ويتعين « الحمد لله » لأنه علیه السلام داوم على ذلك ، ولقول الصادق علیه السلام : يحمد اللّه (1). والأقرب إجزاء « الحمد للرحمن ».

الثالث : الصلاة على النبي وآله علیهم السلام في كل خطبة ، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر اللّه افتقرت إلى ذكر رسوله ، كالأذان والصلاة ، ولقول الصادق علیه السلام : ويصلي على محمد وآله (2).

الرابع : الوصية بالتقوى في كل واحدة منهما ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله واظب عليها في خطبته ، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير.

ولا يجوز الإخلال به ، ولأن الصادق علیه السلام قال : ثم توصي بتقوى اللّه (3) ، والأقرب أنه لا يتعين لفظ « الوصية » لأن غرضها الوعظ ، فبأي لفظ وعظ حصل الغرض.

ولا يكفي الاقتصار على التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها ، لأنه قد تتواصى به المنكرون للمعاد ، بل لا بد من الحمل على طاعة اللّه تعالى والمنع من المعاصي.

ولا يجب في الموعظة فصل وكلام طويل ، بل لو قال : « أطيعوا اللّه » كفاه ، لكن الأفضل فيه استعطاف القلوب وتنبيه الغافلين.

الخامس : قراءة القرآن في كل واحدة من الخطبتين ، لأنه علیه السلام كان يقرأ فيها.

وهل تجب سورة تامة؟ قال الشيخ : نعم ، لقول الصادق علیه السلام :

ص: 33


1- وسائل الشيعة 5 - 38 ح 2.
2- نفس المصدر.
3- نفس المصدر.

تقرأ سورة قصيرة من القرآن (1) ، ولأنهما بدل فيجب فيهما القراءة على حد ما يجب في المبدل.

فروع :

الأول : ظاهر كلام المرتضى الاكتفاء بمسمى القرآن ، فحينئذ يكفي آية واحدة تامة الفائدة ، ولا فرق بين أن يكون في وعد ووعيد ، أو حكم ، أو قصص.

الثاني : لا يكفي آية فيها وعظ عنهما.

الثالث : الأقرب على قول السيد الاكتفاء بشطر آية إذا تمت الفائدة بها ، أما لو قال « ثم نظر » لم يكف وإن عد آية ، لأنها غير مفهم.

الرابع : كلام السيد يقتضي عدم وجوب القراءة في الثانية ، وعليه دلت رواية سماعة عن الصادق علیه السلام (2).

الخامس : كلام المرتضى يقتضي وجوب الاستغفار للمؤمنين في الثانية في مقابلة القراءة المختصة بالأولى ، وعليه دلت رواية سماعة (3). وكلام الشيخ يقتضي عدم وجوب الدعاء للمؤمنين للأصل.

السادس : كلام الشيخ يقتضي وجوب الصلاة على النبي صلی اللّه علیه و آله في الخطبتين ، لقوله تعالى ( وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ) (4) أي لا أذكر إلا وتذكر معي. ولم يوجب الشهادة بالرسالة فيهما.

وكلام المرتضى يقتضي وجوب الشهادة بالرسالة في الأولى ، والصلاة عليه في الثانية.

ص: 34


1- نفس المصدر.
2- نفس المصدر.
3- نفس المصدر.
4- سورة ألم نشرح : 4.

السابع : لا تصح الخطبة إلا بالعربية ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله داوم على ذلك. ولو كان المستمع ممن لا يفهم العربية ، فالأقوى الخطبة بغيرها ، إذ القصد الوعظ والتخويف ، وإنما يحصل بفهم كلامه.

ويجب أن يتعلم واجد العربية في الخطبة ، كالعاجز عن التكبير بالعربية ، فلو مضت مدة إمكان التعلم ولم يتعلم ، عصى وتصح الجمعة.

الثامن : ينبغي أن تكون السورة خفيفة ، ويجوز أن يقرأ إحدى العزائم ، فينزل ويسجد لو قرأ السجدة. ولو كان المنبر عاليا لو نزل لطال الفصل ، نزل أيضا ، وإن أمكنه أن يسجد عليه فعل.

التاسع : لا يجوز أن يقتصر على آيات تشتمل على الأذكار ، لأنه لا تسمى خطبة. ولو أتى ببعضها في ضمن آية ، لم يمنع.

القطب الثاني: ( في شرائط الخطبتين )

وهي ستة :

الأول : الوقت ، وهو ما بعد الزوال ، فلا يجوز تقديمها ولا شي ء منها على الأصح ، لأنه علیه السلام كان يخطب بعد الزوال ، ولو جاز التقديم لقدمها ، تخفيفا على الباكرين ، وإيقاعا للصلاة في أول الوقت.

وللشيخ قول بجواز إيقاعها قبل الزوال ، بحيث إذا فرغ منها زالت الشمس.

الثاني : تقديمهما على الصلاة ، بخلاف صلاة العيد ، لأنه علیه السلام كذا فعل في الموضعين ، لأنهما شرط في الجمعة ، والشرط متقدم ، بخلاف العيد.

الثالث : القيام فيهما عند القدرة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله ومن بعده لم يخطبوا إلا من قيام ، ولأنه ذكر يختص بالصلاة ليس من شرطه القعود ،

ص: 35

فكان من شرطه القيام كالقراءة والتكبير ، فإن عجز فالأولى أن يستنيب غيره.

ولو لم يفعل وخطب قاعدا أو مضطجعا ، جاز كالصلاة ، ويجوز الاقتداء به ، سواء قال لا أستطيع أو سكت ، بناء على الظاهر من أن قعوده للعجز ، فإن بان أنه كان قادرا ، فهو كما لو بان أن الإمام محدث.

الرابع : الجلوس بينهما ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله ومن بعده جلسوا بينهما دائما (1) ، ويجب فيه الطمأنينة كالجلسة بين السجدتين.

ولو خطب قاعدا لعجزه عن القيام لم يضطجع بينهما للفصل ، بل يفصل بسكتة ، كما في الفصل في الصلاة قاعدا.

الخامس : شرط بعض علمائنا طهارة الحدث والبدن والثوب والمكان من الخبث ، اتباعا لما جرت السنّة عليه في الأعصار ، ولأن الخطبتين بدل ، ولأن الموالاة بينهما وبين الصلاة واجبة عند آخرين ، وعلى هذا يشترط ستر العورة ، لأنهما بدل.

وقيل : لا يشترط ، لأنه ذكر يتقدم الصلاة فأشبه الأذان.

وعلى الأول لو كان جنبا وقرأ عزيمة لم تصح الخطبة ، لأن القراءة شرط ، وهي محرمة.

ولو سبقه الحدث في الخطبة ، لم يعتد بما يأت به حال الحدث. فإن تطهر وعاد ، فالأقرب البناء وإن طال الفصل.

السادس : رفع الصوت بالخطبتين ، فإن الوعظ الذي هو الغاية إنما يحصل بالاستماع المشترط برفع الصوت ، ولأنه علیه السلام كان إذا خطب رفع صوته كأنه منذر جيش ، فلو خطب سرا بحيث لا يسمعه العدد ، لم تحسب.

ولو رفع الصوت قدر ما يبلغ ، لكن كانوا أو بعضهم صما ، فالأقرب الإجزاء ، كما لو سمعوا ولم يفهموا.

ص: 36


1- جامع الأصول 6 - 433.

السابع : العدد ، قال الشيخ : شرط الخطبتين العدد المشترط في الجمعة (1) ، لأنهما ذكر هو شرط في الجمعة ، فكان من شرطه حضور العدد كالتكبير ، ولأن وجوب الخطبة تابع لوجوب الجمعة التابع لحضور العدد.

فلو انفضوا في الأثناء فالمأتي به حال غيبتهم غير محسوب ، لأن القصد بها الإسماع ، فإن عادوا قبل طول الفصل جاز البناء ، وكذا إن طال على إشكال ، لأن الوعظ يحصل معه تفرق الكلمات.

ولو اجتمع بدل الأولين العدد ، فلا بد من استيناف الخطبة مطلقا ، ولو انفضوا بعد تمام الخطبة وعادوا قبل طول الفصل ، بنيت الصلاة على الخطبة ، وكذا إن طال على إشكال.

والعدد إنما هو شرط في واجبات الخطبة دون مستحباتها.

الثامن : نية الخطبة من فرضها ، لأنها عبادة فافتقرت إلى النية كالصلاة.

التاسع : الترتيب بين أجزاء الخطبة الواجبة ، فلو قدم على الحمد غيره ، أو قدم الوعظ على الصلاة استأنف ، للتأسي به صلی اللّه علیه و آله .

القطب الثالث: ( في الإصغاء )

الأقرب وجوب الإنصات ، وهو السكوت ، والاستماع ، وهو شغل السمع بالسماع ، لقوله تعالى ( وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) (2) ذكر في التفسير أن الآية وردت في الخطبة ، وسميت « قرآنا » لاشتمالها عليه ، فلا يحل له الكلام.

ويحتمل الكراهة ، ولأن رجلا دخل والنبي صلی اللّه علیه و آله يخطب يوم

ص: 37


1- المبسوط 1 - 146.
2- سورة الأعراف : 204.

الجمعة ، فقال : متى الساعة؟ فأومي إليه بالسكوت ، فلم يقبل وأعاد الكلام فقال النبي صلی اللّه علیه و آله بعد الثالثة : ما ذا أعددت لها؟ فقال : حب اللّه ورسوله ، فقال : إنك مع من أحببت (1) ، ولم ينكر عليه.

وهل يحرم الكلام على الخطيب في الأثناء؟ الأقرب المنع للأصل ، ولأنه علیه السلام كلم قتلة ابن أبي الحقيق وسألهم عن كيفية قتله في الخطبة (2). وإنما حرم على المستمع لئلا يمنعه عن السماع.

وللشيخ قول بالتحريم ، والأصل فيه أن الخطبتين إن جعلناهما بمثابة الركعتين حرم الكلام ، وإلا فلا ، والخلاف في كلام لا يتعلق به غرض مهم. أما لو رأى أعمى يقع في بئر ، أو عقربا تدب على إنسان ، فأنذرهما ، أو علم إنسانا شيئا من الخير أو نهاه عن منكر ، فإنه لا يحرم ، ويستحب الاقتصار على الإشارة إن كفت في الغرض.

ويجوز الكلام قبل الشروع في الخطبة ، وبعد الفراغ منها ، لأنه ليس وقت الاستماع. وكذا يجوز حالة الجلوس بين الخطبتين على الأقوى.

ويجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكانا.

ويجوز رد السلام ، بل يجب ، لأنه كذلك في الصلاة ، ففي الخطبة أولى.

وكذا يجوز تسميت العاطس ، وهل يستحب؟ يحتمل ذلك ، لعموم الأمر به ، والعدم ، لأن الإنصات أهم ، فإنه واجب على الأقوى ، بخلاف التسميت.

وهل يجب الإنصات على من لا يسمع الخطبة؟ الأولى المنع ، لأن غايته الاستماع ، فله أن يشتغل بذكر وتلاوة ، ويحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط ، ولا يتداعى إلى منع السامعين عن السماع ، ولا تبطل جمعة المتكلم وإن حرمناه

ص: 38


1- سنن الترمذي 4 - 595.
2- سنن البيهقي 3 - 222.

إجماعا ، والخلاف في الإثم وعدمه.

فإذا صعد الخطيب المنبر ، فيستحب لمن ليس في الصلاة أن لا يفتتحها ، سواء صلى السنّة أو لا ، ومن كان في الصلاة خففها ، لئلا يفوته سماع أول الخطبة ، ولقول أحدهما علیهماالسلام : إذا صعد الإمام المنبر فخطب ، فلا يصلي الناس ما دام الإمام على المنبر (1) ، والكراهة تتعلق بالشروع في الخطبة لا بالجلوس على المنبر ، لقول أحدهما علیهماالسلام : فخطب ، ولأن المقتضي للمنع السماع.

ولو دخل والإمام في آخر الخطبة وخاف فوت تكبيرة الإحرام ، لم يصل التحية ، لأن إدراك الفريضة من أولها أولى.

وأما الداخل في أثناء الخطبة ، فالأقرب أنه كذلك ، للعموم ، ولأن رجلا جاء يتخطى رقاب الناس ، فقال له رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : اجلس فقد آذيت وآنيت (2) ، ولأنه يستحب له السماع من أول الخطبة ، فالبعض أولى.

ويجب أن يرفع الإمام صوته بالخطبة ، بحيث يسمع العدد المعتبر من أهل الكمال ، وهل يحرم الكلام على من عدا العدد؟ إشكال.

القطب الرابع: ( في سنن الخطبة )

وهي أمور :

الأول : الخطبة على المنبر ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لما دخل المدينة خطب مستندا إلى جذع ، فلما بني له المنبر صعد عليه ، ولاشتماله على الإبلاغ للبعيد.

الثاني : وضع المنبر على يمين المحراب ، وهو الموضع الذي يكون على يمين

ص: 39


1- وسائل الشيعة 5 - 39 ح 3.
2- سنن ابن ماجة 1 - 354.

الإمام إذا استقبل ، لأن منبره علیه السلام كذا وضع.

الثالث : أن لا يكون المنبر كبيرا ، بحيث يضيق المكان على المصلين ، إذا لم يكن المسجد متسعا للخطبة.

ولو لم يكن منبر ، خطب على موضع مرتفع يبلغ صوته الناس.

الرابع : التسليم على من عند المنبر إذا انتهى إليه ، لاستحباب التسليم للواردين ، وكان علیه السلام إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر ثم يصعد ، فإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد.

الخامس : التسليم على الناس إذا صعد على المنبر وانتهى إلى الدرجة التي تلي موضع القعود ، وتسمى « المستراحة » اقتداء به علیه السلام ، وقول علي علیه السلام : من السنّة إذا صعد الإمام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس (1). ولا يسقط بالتسليم الأول ، لأن الأول مختص بالقريب من المنبر ، والثاني عام.

السادس : أن يجلس بعد السلام على المستراح ، ليستريح عن تعب الصعود ، لأنه علیه السلام كان يخطب خطبتين ويجلس جلستين (2) ، والمراد هذه الجلسة التي قبل الخطبتين ، وقال الباقر علیه السلام : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون (3).

السابع : بلاغة الخطيب بحيث لا يكون مؤلفة من الكلمات المبتذلة ، لأنها لا تؤثر في القلوب ، ولا من الكلمات الغريبة الوحشية ، لعدم انتفاع الناس بها ، بل تكون قريبة من الأفهام ناصة على التخويف والإنذار.

الثامن : أن لا يطول فيها ، لقوله علیه السلام : قصر الخطبة وطول الصلاة من فقه الرجل (4) ، ولا يقصرها بل تكون وسطا.

ص: 40


1- وسائل الشيعة 5 - 43 ح 1.
2- جامع الأصول 6 - 433.
3- وسائل الشيعة 5 - 43 ح 2.
4- جامع الأصول 6 - 436.

التاسع : أن لا تشتمل الخطبة على ما يستنكره عقول الحاضرين ، لقول علي علیه السلام : كلموا الناس على قدر عقولهم ، أتحبون أن تكذبوا اللّه ورسوله؟.

العاشر : أن يأتي بالكلمات على تأنّ وترتيب وسكون ، ولا يمدها مدا يشبه الغناء ، ولا يدرجها بحيث لا يفهم.

الحادي عشر : كون الخطيب مواظبا على الصلوات حافظا لمواقيت الفرائض ، ليقع وعظه في القلوب بموقع.

الثاني عشر : أن يستدبر القبلة ، ليستقبل الناس بوجهه ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا ، لأنه علیه السلام كان إذا خطب استقبل الناس بوجهه واستقبلوه وكان لا يلتفت (1) ، ولو خطب مستقبلا للقبلة ومستدبرا للناس ، جاز وإن خالف السنّة.

الثالث عشر : أن يكون صادق اللّهجة لا يلحن في الخطبة.

الرابع عشر : أن لا يضع يمينه على شماله كما في الصلاة ، بل يشغل بما يعتمد عليه يسراه ، ويقبض باليمين حرف المنبر.

الخامس عشر : أن يعتمد على سيف أو عنزة أو عصا ونحوها ، اقتداء بالنبي علیه السلام ، فإنه كان يعتمد على عنزته اعتمادا ، وقال الصادق علیه السلام : ويتوكأ على قوس أو عصا (2).

السادس عشر : أن يكون متعمما شتاء وصيفا مرتديا ، لأنه أدخل في الوقار ، وأن يكون التردي ببرد يمنية لأنه علیه السلام كان يتعمم ويرتدي ويخرج في الجمعة والعيدين على أحسن هيئة.

ص: 41


1- جامع الأصول 6 - 436.
2- وسائل الشيعة 5 - 38 ح 2 ب 24.
المطلب الثاني: ( في من يجب عليه )
اشارة

شرائط الوجوب عشرة : الأول البلوغ ، الثاني العقل ، الثالث الذكورة ، الرابع الحرية ، الخامس السلامة من المرض ، السادس السلامة من العمى ، السابع السلامة من العرج ، الثامن عدم الشيخوخة المانعة من الحراك ، التاسع أن لا يكون مسافرا ، العاشر : أن لا يكون على رأس أكثر من فرسخين.

وليس الإسلام شرطا في الوجوب ، لأن الكفار عندنا مخاطبون بالشرائع ، والعقل شرط في الوجوب والصحة معا ، والبواقي شرط في الوجوب لا الصحة.

ويستحب إحضار الصبي الجمعة للتمرين ، خصوصا المراهق ، ولا يجب على المرأة إجماعا ، لقوله علیه السلام : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا على امرأة أو مسافر أو عبد أو صبي أو مريض (1) ، فإن حضرن الجمعة صحت منهن ولم تنعقد بهن.

ويستحب للعجائز الحضور مع إذن أزواجهن ، لانتفاء الفتنة فيهن. ويكره للشواب لما فيه من الافتتان.

والعبد لا تجب عليه لجمعة ، لما تقدم في الحديث ، ولأنه محبوس على السيد فأشبه المحبوس في الدين ، ولا فرق بين المخارج وغيره ، فإن أذن له السيد استحب له الحضور ، فإن حضر حينئذ وجبت عليه ، ولا يجب عليه الحضور ، لأن الحقوق الشرعية تتعلق بخطاب الشرع لا بإذن السيد.

والقن والمدبر والمكاتب بنوعيه وأم الولد سواء ، لبقاء الرق ، وكذا لو انعتق بعضه ، فإن هايأه مولاه واتفقت الجمعة في يومه ، فالأقرب عدم الوجوب ، ولو ألزمه مولاه بالحضور ، احتمل الوجوب ، لوجوب طاعته في غير العبادة ، ففيها أولى.

ص: 42


1- وسائل الشيعة 5 - 5 ح 16 ، جامع الأصول 6 - 425.

والمريض لا جمعة عليه ، للحديث ، وللمشقة ، سواء خالف زيادة المرض ، أو المشقة غير المحتملة ، أو لا ، ولو كان المريض قريبه ، أو ضيفه ، أو زوجته ، أو مملوكه ، جاز له ترك الجمعة لأجل تمريضه مع الحاجة إليه. وكذا يترك لصلاة الميت وتجهيزه.

ولو كان المريض أجنبيا لا صحبة له معه ، وكان له من يمرضه ، لم يترك الجمعة له. ، إن لم يكن جاز له تركها للقيام بأمره.

وكذا لو كان عليه حق قصاص يرجو بالاستتار الصلح جاز ، ولو كان عليه حد قذف ، لم يجز له الاستتار عن الإمام لأجله وترك الجمعة ، لأنه حق واجب ولا بدل له ، وكذا غيره من الحدود المتعلقة به لله (1) تعالى بعد ثبوتها بالبينة.

والمديون المعسر يجوز له الاختفاء ، وكذا الخائف من ظالم على مال ، أو نفس ، أو ضرب ، أو شتم.

والأعمى لا يجب عليه وإن كان قريبا من الجامع ، يتمكن من الحضور إليه بقائد أو بغيره ، وسواء وجد قائدا أو لا ، للمشقة ، ولقول الباقر علیه السلام : فرض اللّه الجمعة ووضعها عن تسعة ، وعد منها الأعمى (2).

والأعرج والشيخ الذي لا حراك به لا جمعة عليهم ، للمشقة ، ولقول الباقر علیه السلام : والكبير (3) ، ولو لم يبلغ العرج الإقعاد ، فإن حصلت مشقة سقطت ، وإلا وجبت ، والحر الشديد والبرد كذلك.

والمطر المانع من السعي والوحل مسقطان للمشقة ، وقال الصادق علیه السلام : لا بأس أن تدع الجمعة في المطر (4) ، وهو وفاق.

والمسافر لا تجب عليه إجماعا ، لقوله علیه السلام : الجمعة واجبة إلا على

ص: 43


1- في « ق » للقيام.
2- وسائل الشيعة 5 - 2 ح 1.
3- نفس المصدر.
4- وسائل الشيعة 5 - 37.

خمسة ، وعد منها المسافر (1). وقول الباقر علیه السلام : ووضعها عن تسعة ، وعد منهم المسافر (2).

ولأن الجمعة ظهر مقصورة بشرائطه أو كالظهر ، والمسافر يباح له القصر دون تلك الشرائط ، فلم يكن لاعتبارها في حقه وإيجاب الجمعة معنى ، ولأنه خفف منه العبادات الراتبة فغيرها أولى.

وإنما تسقط مع إباحة السفر لا حظره ، لمنافاة التحريم الترخيص في سفر القصر ، فلو لم يوجبه كما لو كان دون المسافة ، أو كان سفره أكثر من حضره ، وجبت عليه ، ولو كان القصر غير واجب ، كما في المواضع التي يستحب فيها الإتمام ، احتمل الوجوب والاستحباب.

ولو نوى المسافر إقامة عشرة أيام ، صار بحكم المقيم ، ووجبت عليه الجمعة ، وتنعقد به الجمعة حينئذ قطعا ، وفيما لم ينو قولان.

ومن كان بينه وبين الجمعة أكثر من فرسخين ، لم يجب عليه الحضور عندنا ، بل إن وجدت الشرائط في حقه ، وجب عليه إقامة الجمعة عنده أو يحضر ، وإن لم تحصل الشرائط لم تجب عليه الإقامة عنده ولا الحضور عندنا.

ومن كان بينه وبين الجمعة فرسخان فما دون ، وجب عليه : إما إقامة الجمعة عنده إن حصلت الشرائط ، أو الحضور عندنا ، إلا أن يكون بينه وبين الجامع أقل من فرسخ ، فيجب عليه الحضور عندنا.

ويشترط الزيادة على الفرسخين بين منزله والجامع الذي يقام فيه الجمعة ، لا بين البلدين ، فلو كان بين البلدين أقل من فرسخين ، وبين منزله والجامع أزيد من فرسخين ، فالأقرب السقوط ، لأنه المفهوم من كلام الباقر علیه السلام في قوله « تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين » (3).

ص: 44


1- وسائل الشيعة 5 - 5 ح 16.
2- وسائل الشيعة 5 - 2 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 11 ح 2.

ومن شرائط الوجوب على المأموم أن لا يكون قد صلى العبد في ذلك اليوم ، فلو اتفقا في يوم واحد ، تخير من صلى العيد في حضور الجمعة عدا الإمام ، فإنه يجب عليه الحضور.

ويستحب له إعلامهم ذلك ، لقوله علیه السلام : أيها الناس قد اجتمع عيدان في يوم ، فمن أراد أن يشهد الجمعة فليشهد ، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف (1) ، ولأن الجمعة زادت على الظهر بالخطبة وقد جعلت في يوم العيد ، ولما فيه من المشقة بالعود.

ويستحب له الحضور ، أما الإمام فيجب عليه لإقامتها مع من يحضر ، وإذا حضر المتخير ، وجب عليه الجمعة كالمسافر.

فروع في صفات النقصان :

الأول : الخنثى المشكل كالمرأة ، لاحتمال أن تكون أنثى ، فلا يلزم بالشك.

الثاني : من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها وصلاها ، انعقدت جمعته وأجزأه ، لأنها أكمل في المعنى وإن كانت أقصر في الصلاة ، فإذا أجزأت الكاملين الذين لا عذر لهم ، فلئن تجزي أصحاب العذر كان أولى.

الثالث : الذين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع هل لهم أن ينصرفوا ويصلوا الظهر؟ أما الصبي والمرأة فلهم ذلك ، لأن المانع من وجوب الجمعة عليهم الصفات القائمة بهم ، وهي لا ترتفع بحضورهم.

أما الباقون فالأقرب أن لهم ذلك إن خرجوا قبل دخول الوقت. وإن دخل الوقت وأقامت الصلاة لزمتهم الجمعة ، وإن تخلل زمان بين دخول الوقت وإقامة الصلاة ، ولا مشقة في الانتظار حتى تقام الصلاة ، لزمه ذلك ، وإن لحقته مشقة ، لم تلزمه.

ص: 45


1- جامع الأصول 7 - 96 ، وسائل الشيعة 5 - 116.

ولو أحرموا بالجمعة ، لم يجز لهم الانصراف ، وليس لهم أداء الظهر مع الحضور ، لانتفاء موجب الترخص.

الرابع : لا يشترط في إقامة الجمعة دار إقامته ، بل يجوز إقامتها خارج البلد حيث يقام العيد ، للأصل.

ولا يشترط الأبنية التي يستوطنها المقيمون للجمعة ، بل تجب على أهل القرى وقاطني الخيام وإن كانوا يرحلون وينزلون للعموم ، وقياسا على ما لو انهدمت الأبنية وأقاموا عليها.

وليس من الشرط إقامتها في كن أو مسجد ، بل يجوز إقامتها تحت السماء في خارج البلد وغيره.

الخامس : العذر المبيح لترك الجمعة ، تبيحه وإن طرأ بعد الزوال ، لكن يحرم إنشاء السفر بعد الزوال ، لوجوب الجمعة عليه ، فلا يجوز الاشتغال بما يؤدي إلى تركها ، كالتجارة واللّهو ، ولأن الوجوب متعلق بأول الوقت ، وهو وإن كان موسعا في أوله.

لكن هذه الصلاة تخالف غيرها ، فإن الناس فيها تبع للإمام ، فلو عجلها تعينت متابعته وسقطت خيرة الناس فيه ، وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة ، فتعين عليه انتظاره.

ويجوز قبل الزوال بعد الفجر على كراهية ، لأنه لم يدخل وقت وجوب الجمعة فأشبه قبل الفجر ، لكن الجمعة وإن دخل وقتها بالزوال فهي مضافة إلى اليوم ، ولذلك يعتد بالغسل قبل الزوال ، ويجب السعي لمن بعد داره قبل الزوال ، فلهذا كره السفر بعد الفجر.

ولو كان السفر واجبا كالحج والجهاد ، أو مندوبا كالزيارة ، فالأقرب عدم الكراهية ، وليس كون السفر طاعة عذرا في إنشائه بعد الزوال ، وإن كان في واجب إذا لم يخف فوته.

ولو احتاج إلى السفر وخاف فوت الرفقة ونيل الضرر لو تخلف ، جاز له

ص: 46

أن يسافر وإن كان بعد الزوال للعذر.

السادس : المعذور قد يرجو زوال عذره قبل فوات الجمعة ، كالعبد يتوقع العتق ، والمريض يتوقع البرء ، فالأقوى عندي أنه يستحب له تأخير ظهره إلى اليأس عن درك الجمعة ، وهو رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية ، لأنه ربما يزول عذره ويتمكن من فرض أهل الكمال.

ولو كان لا يرجي زوال عذره استحب له تقديم ظهره ، تحصيلا لفضيلة أولوية الوقت.

السابع : ذو المنزل البعيد إذا انتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السعي لم يدرك الجمعة ، فقد حصل الفوات في حقه.

الثامن : إذا اجتمع معذورون ، استحب لهم الجماعة في الظهر ، لعموم الترغيب الوارد في الجماعة ، ولا يستحب لهم الإخفاء ، إلا أن يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام ، بأن كان عذرهم خفيا.

التاسع : لو صلى المعذور قبل فوات الجمعة ، صحت ، لأنها فرضه ، فإن زال العذر وأمكنه إدراك الجمعة ، لم تجب عليه ، لبراءة ذمته بأداء فرضه ، كما لو برأ المريض ، أو أقام المسافر ، أو أعتق العبد.

أما لو صلى الخنثى المشكل الظهر ، ثم تبين أنه رجل قبل فوات الجمعة ، فإنه تلزمه الجمعة ، لأنه ظهر كونه رجلا حين صلى الظهر.

ولو صلى الصبي الظهر ثم بلغ ، فالأقوى عندي وجوب الجمعة عليه.

وهؤلاء المعذورون يستحب لهم حضور الجمعة وإن لم يلزمهم ، فإن كانوا قد صلوا الظهر ، استحب لهم إعادة الجمعة ، والفرض هو الظهر السابقة.

ولو زال العذر في أثناء الظهر ، احتمل الاستمرار ، لأنه دخل في فرضه مشروعا فلا يبطله ، والعدول إلى النفل ثم يصلي الجمعة ، لوروده فيما هو مستحب ، ففي الواجب أولى.

العاشر : من لا عذر له إذا صلى الظهر قبل فوات الجمعة ، لم تصح

ص: 47

صلاته ، لأن الجمعة فرض قائم بنفسه (1) بالأصالة لا بدل على غيره ، وإلا لجاز تركها والاشتغال بالمبدل ، وإنما قضيت أربع ركعات مع فواتها وزاد عدد القضاء ، لأن الخطبتين قائمة مقام الركعتين.

ولو أثم أهل البلد بترك الجمعة فصلوا الظهر ، وصلى من هو بصفات الكمال الظهر لتعذر العدد ، ثم صلوا الجمعة ، فالوجه صحة ظهره وعدم وجوب الجمعة في حقه ، لبراءة ذمته بما فعله ، إذ الواجب عليه الظهر عند فقد الشرائط التي من جملتها العدد.

المطلب الثالث: ( في ماهيتها )

الجمعة ركعتان كسائر الصلوات ، وإنما تتميز عنها بما تقدم من الشرائط وبما يأتي من الآداب ، ويسقط معها الظهر إجماعا.

ويستحب أن يقرأ في الأولى بعد الحمد الجمعة ، وفي الثانية بعدها المنافقين ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كذا فعل (2) ، وقول الصادق علیه السلام : إذا كان صلاة الجمعة فاقرأ سورة الجمعة والمنافقين (3).

ولو قرأ غيرهما عمدا لم تبطل جمعته للأصل ، ولقول الكاظم علیه السلام وقد سأله علي بن يقطين عن الرجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمدا؟ قال : لا بأس بذلك (4).

ولو قرأ غير الجمعة في الأولى عمدا أو سهوا ، احتمل قراءتها في الثانية ليدرك فضلها ، وقراءة المنافقين لأنه محلها ، ولو قرأ في الأولى المنافقين قرأ في الثانية الجمعة ، تحصيلا لفضلهما معا.

ص: 48


1- في « ق » بنفسها.
2- جامع الأصول 6 - 439.
3- وسائل الشيعة 4 - 815 ح 4.
4- وسائل الشيعة 4 - 817 ح 1.

ويستحب الجهر بالقراءة في الجمعة إجماعا ، وفي الظهر يومها قولان ، الاستحباب مطلقا ، لقول الصادق علیه السلام وقد سأله الحلبي عن القراءة يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا أجهر بالقراءة؟ قال : نعم (1).

والاستحباب جماعة ، لقول الصادق علیه السلام : صلوا في السفر صلاة جمعة جماعة بغير خطبة وأجهروا بالقراءة (2) ، وقيل : يمنع الجهر في الظهر جماعة ، لأن جميلا سأل الصادق علیه السلام عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال : يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ، ولا يجهر الإمام ، إنما يجهر إذا كانت خطبة (3) ، وهو أحوط.

المطلب الرابع: ( في آدابها )

وهي :

الأول : يستحب الزينة يوم الجمعة بحلق الرأس إن كان من عادته ، وإلا غسله بالخطمي ، وقص الأظفار ، وأخذ الشارب ، والتطيب ، ولبس أفضل الثياب ، والسعي على سكينة ووقار ، والغسل مقدما على الصلاة.

قال الصادق علیه السلام : ليتزين أحدكم يوم الجمعة ، ويتطيب ، ويسرح لحيته ، ويلبس أنظف ثيابه ، وليتهيأ للجمعة ، ويكون عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار (4).

الثاني : يستحب السواك وقطع الرائحة الكريهة ، لئلا يؤذي غيره ، ولبس الثياب البيض ، فإنها أفضل ، لقوله علیه السلام : أحب الثياب إلى اللّه تعالى البيض يلبسها أحياؤكم ويكفن فيها موتاكم (5).

ص: 49


1- وسائل الشيعة 4 - 819.
2- وسائل الشيعة 4 - 820 ح 6.
3- وسائل الشيعة 4 - 820 ح 8.
4- وسائل الشيعة 5 - 78 ح 2.
5- وسائل الشيعة 2 - 750.

وينبغي للإمام الزيادة في التجمل ، لأنه المنظور إليه ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يعتم ويرتدي ويخرج في الجمعة والعيدين في أحسن هيئة.

الثالث : يستحب المباكرة إلى الجامع ، لقوله علیه السلام : من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر (1). وقال الصادق علیه السلام : إن الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن أتاها ، وإنكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سعيكم إلى الجمعة (2).

الرابع : المشي ، فلا ينبغي الركوب ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله ما ركب في عيد ولا جنازة قط ، فالجمعة أولى ، إلا أنه لم ينقل فيها قول عنه علیه السلام ، لأن باب حجرته في المسجد.

الخامس : الدعاء أمام التوجه ، لقول الباقر علیه السلام للسمال : ادع في العيدين ويوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء « اللّهم من تهيأ وتعبأ » إلى آخره (3).

السادس : الغسل ، وقد تقدم ، ولا يكفي التيمم عنه ، ولو لم يجد الماء سقط لا إلى بدل ، إذ الغرض منه قطع الروائح الكريهة ، والتيمم لا يفيد هذا الغرض.

ووقته : للمختار من طلوع الفجر الثاني ، لقوله علیه السلام : من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة الحديث (4).

ص: 50


1- سنن أبي داود 1 - 91.
2- وسائل الشيعة 5 - 70 ح 1.
3- الإقبال ص 292.
4- سنن أبي داود 1 - 91.

ومتى تعتبر الساعات المذكورة في الحديث؟ الأقرب أنها من أول طلوع الفجر الثاني ، لأنه أول اليوم شرعا.

وقال بعض الجمهور : من أول طلوع الشمس ، لأن أهل الحساب منه يحسبون اليوم ويقدرون الساعات.

وقال بعضهم : من وقت الزوال ، لأن الأمر بالحضور حينئذ يتوجه إليه ، ويبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الأمر فيه أعظم ، ولأن الرواح اسم للخروج بعد الزوال ، وليس بجيد ، لاشتمال الحضور قبل الزوال على الحضور حالة الزوال وزيادة ، فزاد الثواب باعتباره ، وذكر الرواح لأنه خروج لأمر يؤتى به بعد الزوال.

وليس المراد من الساعات الأربع والعشرون التي تقسم اليوم والليلة عليها ، وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه ، إذ لو كان المراد الساعات المذكورة لاستوى السابق والمسبوق في الفضيلة إذا جاءا في ساعة واحدة على التساوق ، ولاختلف الأمر باليوم الشاتي والصائف ، ولفاتت الجمعة في اليوم الشاتي إن جاء في الساعة الخامسة.

السابع : ترك التخطي لرقاب الناس ، ولا بأس بذلك للإمام للحاجة ، وكذا لو ضاق المكان وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ، وليس له إقامة غيره ليجلس موضعه وإن كان معتادا به ، وله أن يبعث من يأخذ له موضعا فإذا حضر تنحى المبعوث ، ولو فرش له ثوب فجاء آخر ، لم يجز له أن يجلس عليه ، فإن رفعه أو نحاه وجلس مكانه ، دخل في ضمانه.

الثامن : إذا حضر قبل الخطبة يستحب له الاشتغال بالذكر والتلاوة والصلاة على النبي وآله علیهم السلام والتنفل.

ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي وآله علیهم السلام يوم الجمعة وليلة الجمعة ، لقوله علیه السلام : أقربكم مني في الجنة أكثركم صلاة علي

ص: 51

فأكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر (1).

وقال الصادق علیه السلام : إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في أيديهم أقلام من الذهب وقراطيس الفضة لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد وعلى آل محمد علیهم السلام فأكثروا منها ، ثم قال : إن من السنّة أن تصلي على محمد وعلى أهل بيته في كل جمعة ألف مرة وفي سائر الأيام مائة مرة (2).

التاسع : يستحب الدعاء في الوقت الذي يرجى استجابة الدعاء ، وهو ما روي عن الصادق علیه السلام الساعة التي تستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف ، وساعة أخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس (3).

العاشر : لو لم يكن الإمام مرضيا ، استحب للمصلي تقديم ظهره على صلاة الإمام ، ويجوز أن يصلي معه ركعتين ثم يتم الظهر بعد فراغ الإمام ، لقول الصادق علیه السلام في كتاب علي علیه السلام : إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم ولا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين آخرتين (4) ، ولو صلى في منزله أولا جاز ، لأن الباقر علیه السلام كان يصنع ذلك (5).

الحادي عشر : يستحب التنفل يوم الجمعة زيادة على نوافل الظهر بأربع ركعات ، والسر (6) فيه أن الساقطة ركعتان ، فيستحب الإتيان ببدلهما ، والنافلة الراتبة ضعف الفرائض.

ص: 52


1- وسائل الشيعة 5 - 72 ح 6.
2- وسائل الشيعة 5 - 72 ح 5.
3- وسائل الشيعة 5 - 46 ح 1 ب 30.
4- وسائل الشيعة 5 - 44 ح 1.
5- وسائل الشيعة 5 - 44 ح 3.
6- في « ق » السبب.

ويستحب تقدم العشرين قبل الزوال ، لقول الكاظم علیه السلام : إنها قبل الزوال (1).

ويستحب ست عند انبساط الشمس ، وست عند ارتفاعها ، وست بين الظهرين ، وركعتان عند قيام الشمس ، ولو صلى الجميع بين الظهرين ، أو بعد العصر جاز.

المطلب الخامس: ( في المحرمات )

ويحرم يوم الجمعة شيئان :

الأول : البيع وقت النداء لا قبله ولا بعد الصلاة إجماعا ، قال تعالى ( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) (2).

والنداء الذي يتعلق به التحريم هو النداء الذي يقع بعد الزوال والخطيب جالس على المنبر ، لأنه تعالى علق التحريم بالنداء ، وإنما ينصرف إلى الأذان الذي فعله النبي صلی اللّه علیه و آله .

ولو جوزنا الخطبة قبل الزوال ، كما ذهب إليه بعض علمائنا ، لم يشرع الأذان قبله ، وهل يحصل التحريم حينئذ؟ إشكال ، أقربه ذلك ، لحصول الغاية.

ويكره البيع بعد الزوال قبل النداء ، لما فيه من التشاغل عن التأهب للجمعة.

ولو كان بعيدا من الجمعة يفتقر إلى قطع المسافة قبل الزوال ، وجب السعي وحرم البيع إن منع وإلا فلا.

ص: 53


1- وسائل الشيعة 5 - 22.
2- سورة الجمعة : 9.

ولو لم يمنع البيع عن سماع الخطبة ، ولا من التشاغل بالجمعة ، أو منع ولم نوجب السماع ، ولا حرمنا الكلام ، احتمل التحريم للعموم ، ويختص التحريم بمن يجب عليه السعي ، لا كالعبيد والمسافرين.

ولو كان أحد المتبايعين مخاطبا دون الآخر ، حرم بالنسبة إلى المخاطب إجماعا ، والأقوى عندي التحريم في حق الآخر ، لقوله تعالى ( وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (1). ولو تبايع المخاطبين بالجمعة فعلا حراما.

والأقوى عندي انعقاد البيع ، لعدم اقتضاء النهي في المعاملات الفساد ، وأصالة الصحة لوجود المقتضي ، وهو البيع الصادر من أهله في محله.

والأقوى عندي تحريم غير البيع مما يشبهه من العقود ، كالإجارة والنكاح والصلح وغيرها ، للمشاركة في العلة.

الثاني : الأذان الثاني بدعة عند علمائنا ، لقول الباقر علیه السلام : الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة (2) وسماه الثالث بالنسبة إلى الإقامة ، ولأن النبي صلی اللّه علیه و آله لم يفعله إجماعا.

وشرع للصلاة أذانا واحدا وإقامة ، والزيادة الثالثة بدعة ، لأن الأذان كان يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وعلى عهد أبي بكر وعمر ، فلما كان زمن عثمان كثر الناس بالزوراء أمر بالأذان الثالث.

ويستحب الأذان بعد جلوس الإمام على المنبر.

وأذان العصر مكروه يوم الجمعة ، بل إذا فرغ من الظهر صلى العصر بغير أذان ، للمشقة بالمصير إلى الجامع ، والإعلام قد حصل.

ص: 54


1- سورة المائدة : 2.
2- وسائل الشيعة 5 - 81 ح 1.

الفصل الثاني: ( في صلاة العيدين )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( الشرائط )

صلاة العيدين واجبة على الأعيان عند علمائنا أجمع ، لقوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (1) وفي مشهور التفسيرات المراد صلاة العيد ، وقوله تعالى ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى ) (2) والمراد زكاة الفطرة وفطرة العيد ولأنه علیه السلام داوم عليها ولم يخل بها في وقت من الأوقات.

ولو كانت مندوبة لأخل بها في وقت ما بيانا للحكم ، أو لنص على ذلك ، ولقول الصادق علیه السلام : صلاة العيد فريضة (3) ، ولأنها لو لم يجب لم يجب قتال تاركها كغيرها من السنن ، ولأنها من شعائر الدين الظاهر وأعلامه ، فيكون واجبة على الأعيان كالجمعة.

وشرائطها : شرائط الجمعة إلا الخطبتين ، فإنهما وإن وجبتا فيهما لكنهما

ص: 55


1- سورة الكوثر : 2.
2- سورة الأعلى : 14.
3- وسائل الشيعة 5 - 95.

ليستا شرطا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلاها بشرائط الجمعة وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي (1) ، ولأن كل من أوجبها على الأعيان اشترط ذلك ، وقد بينا وجوبها على الأعيان ، ولقول الباقر علیه السلام : لا صلاة يوم الفطر ولا الأضحى إلا مع إمام (2).

وتجب على كل من تجب عليه الجمعة ، وتسقط عمن تسقط عنه الجمعة. وهل يشترط بين فرض العيدين بعد فرسخ ، كما قلناه في الجمعة؟ إشكال ، ينشأ من عدم نص علمائنا على كونه شرطا بالخصوصية ، حيث عدوا شرائط الجمعة.

ووقتها : من طلوع الشمس إلى الزوال ، عند علمائنا أجمع ، لأن عبد اللّه بن بسر صاحب رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خرج في يوم عيد الفطر أو أضحى ، فأنكر إبطاء الإمام ، فقال : إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه ، وذلك حين صلاة التسبيح (3) ، وقول الصادق علیه السلام : ليس في الفطر ولا الأضحى أذان ولا إقامة أذانهما طلوع الشمس ، فإذا طلعت فاخرجوا (4).

ويستحب تأخيرها إلى أن تبسط الشمس ، ليتوفر الناس على الحضور.

ويستحب في الفطر الإصباح بها أكثر ، لأن من المسنون يوم الفطر أن يفطروا أولا على شي ء من الحلوة ثم يصلي ، وفي الأضحى لا يطعم شيئا حتى يصلي ويضحي ، ويكون إفطاره على شي ء مما يضحي به ، لأن الأفضل إخراج الفطرة قبل الصلاة ، فيؤخرها ليتسع الوقت لذلك ، وفي الأضحى يقدمها ليضحي بعدها.

ووقت الخروج إلى العيد بعد طلوع الشمس ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يخرج كذلك ، وقال الصادق علیه السلام : إذا طلعت فاخرجوا (5).

ص: 56


1- جامع الأصول 6 - 374.
2- وسائل الشيعة 5 - 96 ح 1.
3- جامع الأصول 7 - 86.
4- وسائل الشيعة 5 - 102 ح 5.
5- وسائل الشيعة 5 - 102.

ولو فاتت لم تقض ، فرضا كانت أو نفلا ، عمدا كان الفوات أو نسيانا ، عند أكثر علمائنا ، لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة ، فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة ، ولقول الباقر علیه السلام : من لم يصل مع الإمام في جماعة ، فلا صلاة له ولا قضاء عليه (1) ، ولأصالة البراءة السالم عن اقتضاء الأمر تعقب القضاء.

قال الشيخ : وإن شاء من فاتته أن يصلي أربعا أو اثنتين من غير أن يقصد القضاء ، لقول الصادق علیه السلام : من فاتته صلاة العيد فليصل أربعا (2).

ولو أدرك الإمام في التشهد جلس معه ، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين إن قلنا بالقضاء مستحبا ، يأتي فيهما بالتكبير.

ولو أدركه في ركوع الثانية ، وجبت المتابعة ، لأنه مدرك للصلاة حينئذ فيركع ويتابع الإمام ، فإذا سلم قام فقضى الركعة الثانية.

ولو أدركه بعد رفع رأسه من الركوع فاتته الصلاة.

ولو أدركه في أثناء التكبير تابعه في الباقي ، فإن تمكن بعد ذلك من التكبير ولاء ، أتى بما فاته ، وإلا سقط.

ويحرم السفر بعد طلوع الشمس على المكلف بها حتى يصلي العيد ، لأنه مخاطب بالصلاة ، فيحرم عليه تركها.

ويكره بعد الفجر قبل طلوع الشمس ، لقول الصادق علیه السلام : إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت في البلد ، فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد (3) ، وليس للتحريم ، لأصالة البراءة.

أما من كان بينه وبين العيد ما يحتاج معه إلى السعي قبل طلوع الشمس ، ففي تسويغ السفر له نظر ، أقربه المنع ، ولا بأس به قبل طلوع الفجر إجماعا.

ص: 57


1- نفس المصدر.
2- وسائل الشيعة 5 - 99 ح 2.
3- وسائل الشيعة 5 - 133 ح 1.

ولو أصبح يوم الثلاثين صائما ، فشهد اثنان برؤية الهلال في ليلة فعدلا قبل الزوال ، خرج الإمام وصلى بالناس العيد لبقاء الوقت ، ولو عدلا بعد الزوال ، أو شهدا بعده سقطت ولا قضاء.

ويكره مزاحمتها بنافلة قبلها أو اتباعها بالنافلة إلى الزوال (1) ، سواء الإمام والمأموم ، لأنه علیه السلام خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يتنفل قبلها ولا بعدها (2). ورأى علي علیه السلام قوما يصلون قبل العيد ، فقال : ما كان يفعل ذلك على عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، وقال الباقر علیه السلام في صلاة العيدين ليس قبلها ولا بعدها صلاة (3).

نعم يستحب صلاة ركعتين في مسجد النبي صلی اللّه علیه و آله لمن كان بالمدينة قبل خروجه إلى العيد ، لقول الصادق علیه السلام : ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا بالمدينة ، تصلي في مسجد الرسول علیه السلام في العيد قبل أن يخرج إلى المصلى ليس ذلك إلا بالمدينة ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فعله (4).

ولو أقيمت صلاة العيد في المسجد لعذر ، استحب صلاة التحية ، ولو دخل المأموم والإمام يخطب اشتغل بالتحية لأنه موضعها ، ولا يشتغل بالقضاء للعيد.

أما لو أقيمت في المصلى اشتغل بسماع الخطبة لا بالصلاة ، لأن المصلي لا تحية له ، ولا يشتغل بقضاء العيد ، لقول الصادق علیه السلام : يجلس حتى يفرغ من خطبته ثم يقوم فيصلي (5).

ولو فقدت الشرائط أو بعضها ، سقط الوجوب دون الاستحباب.

ص: 58


1- كذا في « ر » و « س » وفي « ق » بنافلة الزوال.
2- جامع الأصول 7 - 84.
3- وسائل الشيعة 5 - 95 ح 2.
4- وسائل الشيعة 5 - 102 ح 10.
5- وسائل الشيعة 5 - 99 ح 1 ب 4.

ويستحب الإتيان بها حينئذ جماعة وفرادى سفرا وحضرا ، لأنها عبادة فات شرط وجوبها ، فاستحب الإتيان بها كالحج ، وقول الصادق علیه السلام : من لم يشهد الجماعة في العيدين فليغتسل وليتطيب بما وجد وليصل وحده كما يصلي في الجماعة (1).

ويستحب إذا صلاها في جماعة الخطبة ، كما في الواجبة ، أما المنفرد فالأقرب أنه لا يخطب.

المطلب الثاني: ( في ماهيتها )
اشارة

هذه الصلاة ركعتان كالصبح ، إلا أنه يزيد فيها تسع تكبيرات ، خمسا في الأولى وأربعا في الثانية على الأشهر ، غير تكبيرة الافتتاح ، لأنه علیه السلام كذا فعل (2) ، ولقول الصادق علیه السلام : ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات ، ثم يركع ، ثم يقرأ في الثانية ويكبر أربعا (3).

وموضع هذه التكبيرات بعد القراءة قبل الركوع في الركعتين معا على الأقوى ، لأنه قنوت في صلاة فرض ، فيكون بين القراءة والركوع كاليومية ، ولقول الصادق علیه السلام : ثم يقرأ ثم يكبر خمس تكبيرات ، ثم يكبر ويركع بالسابعة ، ثم يقوم فيقرأ ثم يكبر أربع تكبيرات قال : وكذا صنع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ويقنت عقيب كل تكبيرة ويدعو بما شاء (4).

والأفضل ما نقل عن أهل البيت علیهم السلام لأنهم أعرف بما يناجي به الرب تعالى ، لاستفادة علومهم من الوحي.

قال الباقر علیه السلام : كان أمير المؤمنين علیه السلام إذا كبر في

ص: 59


1- وسائل الشيعة 5 - 98 ح 1.
2- جامع الأصول 7 - 85.
3- وسائل الشيعة 5 - 107.
4- وسائل الشيعة 5 - 105 ح 2.

العيدين قال بين كل تكبيرتين : « أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللّهم أهل الكبرياء والعظمة ، وأهل الجود والجبروت ، وأهل العفو والرحمة ، وأهل التقوى والمغفرة ، أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا ، ولمحمد صلی اللّه علیه و آله ذخرا ومزيدا ، أن تصلي على محمد وآل محمد ، كأفضل ما صليت على عبد من عبادك ، وصل على ملائكتك ورسلك ، واغفر للمؤمنين والمؤمنات ، اللّهم إني أسألك خير ما سألك عبادك المرسلون ، وأعوذ بك مما استعاذ منه عبادك المرسلون (1).

واختلف علماؤنا في وجوب التكبيرات الزائدة والقنوت بينهما ، فقال الشيخ : باستحبابهما ، للأصل ، وقال الآخرون بوجوبهما للتأسي ، وتنزيلا لفعله علیه السلام على أفضل مراتبه وهو الوجوب ، وللفرق بين هذه الصلاة واليومية.

ويستحب رفع اليدين عند كل تكبيرة ، لقوله علیه السلام : لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن ، وذكر من جملتها تكبيرات العيدين ، وسأله يونس عن تكبيرات العيدين ، فقال : يرفع يديه مع كل تكبيرة (2) ، ولأنه تكبير فاستحب فيه الرفع كاليومية.

ويتعين الفاتحة في كل ركعة إجماعا ، وتجب سورة أخرى معها تامة في كل ركعة ، وليست معينة وجوبا ، بل يستحب في الأولى بعد الحمد الأعلى ، وفي الثانية بعده والشمس ، لقول الباقر علیه السلام : يقرأ في الأولى « سبح اسم ربك الأعلى » وفي الثانية « والشمس وضحيها » (3).

ويستحب الجهر بالقراءة فيهما إجماعا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله فعل ذلك (4) ، والدعاء بدعاء الاستفتاح عقيب تكبير الإحرام ، وهو « وجهت وجهي » إلى آخره.

ص: 60


1- وسائل الشيعة 5 - 131 ح 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 136.
3- وسائل الشيعة 5 - 107 ح 10.
4- وسائل الشيعة 5 - 137 ح 1 ب 32.

ويجب بعدها الخطبتان ، وقد أجمع العلماء على أنهما بعد الصلاة في العيدين ، لأنه علیه السلام فعل ذلك ، وقول الصادق علیه السلام : الخطبة بعد الصلاة (1).

ولا يجب استماعهما ولا حضورهما ، ولهذا أخرتا عن الصلاة ، ليتمكن المصلي من تركهما ، لقوله علیه السلام بعد صلاته : إنا نخطب ، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب (2).

فروع :

الأول : لو نسي التكبير أو بعضه ، ثم ذكر قبل الركوع فعله ، لأنه في محله ، وإن ذكره بعد الركوع لم يلتفت ، لفوات محله ولا يقضيه ، وإن قلنا بوجوبه للأصل ، خلافا للشيخ ، ولو قلنا بتقديمه على القراءة وقلنا بوجوبه فذكره في الأثناء ، كبر ثم استأنف القراءة ، ولو ذكره بين القراءة والركوع كبر ، وهل يعيد القراءة؟ إشكال ، ينشأ من أنها وقعت صحيحة ، ومن تقديم التكبير.

الثاني : لو شك في عدد التكبير ، فإن كان لم يقرأ بنى على اليقين ، ولو كان قد قرأ أو في الأثناء فالأقرب الاستمرار وعدم الالتفات للانتقال.

الثالث : لو قدمه على القراءة ناسيا وقلنا بتأخره ، أعاد لبقاء موضعه.

الرابع : لو أدرك المأموم بعض التكبيرات مع الإمام ، أتم مع نفسه قبل أن يركع ، ثم يدرك الإمام ، فإن خاف فوت ركوع الإمام كبر بغير قنوت ، فإن خاف الفوت تركها وقضى بعد التسليم عند الشيخ ، وعلى ما اخترناه فلا قضاء.

ولو أدرك الإمام وهو راكع ، كبّر للافتتاح وركع معه ، ولا يقضي

ص: 61


1- وسائل الشيعة 5 - 107 ح 9.
2- جامع الأصول 7 - 94.

التكبير ، لأنه ذكر فات محله فيفوت ، كذكر الركوع والسجود.

الخامس : الخطبتان هنا كما في الجمعة إجماعا ، إلا أنه ينبغي أن يذكر في خطبة الفطر ما يتعلق بالفطرة ووجوبها وشرائطها وقدر المخرج وجنسه ومستحقه ووقته ، وفي الأضحى حال الأضحية وما يتعلق بها واستحبابها وما يجري فيها ووقت ذبحها وكيفية تفريقها وغير ذلك.

السادس : ينبغي أن يخطب قائما ، لأنه علیه السلام خرج يوم فطر أو أضحى فخطب قائما ، ثم قعد ، ثم قام (1). وقال أحدهما علیهماالسلام : يخطب قائما ويجلس بينهما كالجمعة (2) ، وينبغي أن يجلس بينهما لما تقدم من الحديث ، وهل القيام والجلوس واجبان؟ الأقرب ذلك.

وإذا صعد سلم كالجمعة ، وهل يجلس بعد التسليم قبل الخطبة؟

إشكال ، ينشأ من المساواة للجمعة ، فيجلس للاستراحة عن تعب الصعود ، وللتأهب للخطبة ، وتأهب الناس لاستماعها ، ومن أن الجلوس في الجمعة لانتظار الأذان.

السابع : يستحب للنساء استماع الخطبتين كالرجال ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لما صلى العيد قام متكئا على بلال ، فأمر بتقوى اللّه وحث على طاعته ووعظ الناس فذكرهم ، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن (3).

وقالت أم عطية : كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى يخرج البكر والحيض يرجون بركة ذلك اليوم (4).

والأولى بالصواب أن لا يخرجن من بيوتهن ، لقول الصادق علیه السلام : لا يخرجن (5) ، وقد روى عبد اللّه بن سنان قال : إنما رخص رسول اللّه صلى

ص: 62


1- جامع الأصول 7 - 92.
2- وسائل الشيعة 5 - 110.
3- جامع الأصول 7 - 89.
4- جامع الأصول 7 - 99.
5- وسائل الشيعة 5 - 134 ح 2.

اللّه عليه وآله للعواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق (1).

المطلب الثالث: ( في سننها )

وهي أمور :

الأول : يستحب الغسل يومي العيدين إجماعا ، لأن عليا علیه السلام كان يفعله ، ووقته بعد طلوع الفجر ، لإضافته إلى اليوم ، ولحصول الغرض من التطيب ، وقطع الرائحة الكريهة معه.

وكما يستحب الغسل نهارا كذا يستحب ليلا استحبابا عاما لحاضر العيد وغيره ، لأنه يوم زينة. ولو احتاج إلى قصد العيد من قرية قبل الفجر ، فالأولى جواز إيقاعه حينئذ للضرورة ، فإن تمكن من إعادته بعده أعاد.

الثاني : يستحب أن يتطيب يوم العيد ، ويتنظف بحلق الشعر ، وقلم الأظفار ، وقطع الروائح الكريهة ، وأن يلبس أفخر ثيابه ، سواء خرج إلى الصلاة أو قعد في بيته ، ويتعمم شتاء أو صيفا ، قال علیه السلام : ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته وعيده (2).

ويحرم على الرجال التزين بالحرير دون النساء ، لأنه علیه السلام قال وفي يديه قطعتان ذهب وحرير : هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها (3) ، والقز من الحرير ، ولا بأس بالممتزج من الإبريسم وغيره ، وإن كان الإبريسم أكثر ما لم يخرج.

الثالث : يستحب إذا تزين القصد إلى الصحراء ، فإن الإصحار بها أفضل ، إلا بمكة فإن المسجد أولى من الصحراء ، لفضيلة البقعة ، ولا يلحق

ص: 63


1- وسائل الشيعة 5 - 1133 ح 1.
2- سنن ابن ماجة 1 - 348.
3- سنن ابن ماجة 2 - 1189.

بيت المقدس به ، أما سائر البلاد فالإصحار أفضل ، سواء اتسع المسجد للناس أو لا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يخرج إلى المصلى ويترك مسجده (1) ، ولا يترك الأفضل مع قربه ويقصد الأنقص مع بعده ، مع شرف مسجده.

وقيل لعلي علیه السلام : قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس ، فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال : أخالف السنّة إذن ولكن يخرج إلى المصلى (2). وقال الصادق علیه السلام : يخرج الإمام إلى البر حيث ينظر إلى آفاق السماء (3). وقال الصادق علیه السلام : السنّة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين إلا أهل مكة فإنهم يصلون في المسجد (4).

ولا ينبغي للإمام أن يستخلف أحدا يصلي العيدين في المساجد بضعفة الناس ، لسقوط الصلاة عن العاجز.

وقال الباقر علیه السلام : قال الناس لأمير المؤمنين علیه السلام : ألا تخلف رجلا يصلي العيدين بالناس؟ فقال : لا أخالف السنّة (5).

الرابع : يستحب الخروج ماشيا على سكينة ووقار ذاكرا ، للإجماع ، وأن يكون حافيا ، لأنه أبلغ في الخضوع ، ومشى الرضا علیه السلام إلى المصلى حافيا (6) ، ولو كان عذر جاز الركوب.

ويستحب في العود المشي أيضا إلا من عذر ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا (7).

الخامس : الأذان والإقامة في العيدين بدعة إجماعا ، لأن النبي صلى اللّه

ص: 64


1- وسائل الشيعة 5 - 117 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 119 ح 9.
3- وسائل الشيعة 5 - 118 ح 6.
4- وسائل الشيعة 5 - 118 ح 8.
5- وسائل الشيعة 5 - 119 ح 9.
6- وسائل الشيعة 5 - 120 ح 1.
7- جامع الأصول 7 - 97.

عليه وآله صلى غير مرة بغير أذان ولا إقامة (1). وسئل الصادق علیه السلام عن صلاة العيدين فيها أذان وإقامة؟ قال : لا ، ولكن ينادي « الصلاة » ثلاثا (2).

ولو قال : « الصلاة جامعة » أو « هلموا إلى الصلاة » جاز ، لكن الأفضل التوقي من عبارة الأذان مثل « حي على الصلاة ».

السادس : لا ينقل المنبر من موضعه ، بل يعمل منبرا من طين ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لم ينقله. وقال الصادق علیه السلام : لا يحرك المنبر من موضعه ، ولكن يصنع شبه المنبر من طين يقوم عليه فيخطب الناس (3) وعليه إجماع العلماء.

السابع : يستحب أن يسجد على الأرض ، لأن الصادق علیه السلام أتي بخمرة يوم الفطر فأمر بردها وقال : هنا كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يحب أن ينظر إلى آفاق السماء ويضع جبهته على الأرض (4).

الثامن : يستحب أن يطعم في الفطر قبل خروجه ، فيأكل شيئا من الحلوة ، وبعد عوده في الأضحى مما يضحى به ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع (5).

ولأن الفطر واجب ، فاستحب تعجيله لإظهار المبادرة إلى الطاعة ، وليتميز عما قبله من وجوب الصوم وتحريم الأكل ، بخلاف يوم النحر ، حيث لم يتقدمه صوم واجب وتحريم الأكل ، فاستحب تأخير الأكل فيه ليتميز عن الفطر.

ويستحب أن يأكل في الفطر شيئا من الحلوة ، لأن النبي صلى اللّه عليه

ص: 65


1- جامع الأصول 7 - 87.
2- وسائل الشيعة 5 - 101 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 137.
4- وسائل الشيعة 5 - 118 ح 5.
5- جامع الأصول 7 - 97.

وآله قل ما كان يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا ، أو أقل من ذلك وأكثر (1).

التاسع : يستحب التكبير في عيد الفطر على الأقوى للأصل ، وقيل : بالوجوب لقوله تعالى ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ ) (2) قال المفسرون : لتكملوا عدة صوم رمضان ، ولتكبروا اللّه عند إكماله على ما هداكم.

وكان النبي صلی اللّه علیه و آله يخرج يوم الفطر والأضحى رافعا صوته بالتكبير (3). وقال الصادق علیه السلام : أما إن في الفطر تكبيرا ، ولكنه مستحب (4).

وهو عقيب أربع صلوات : أولاهن مغرب ليلة الفطر ، وآخرهن صلاة العيد ، وسئل الصادق علیه السلام عن التكبير أين هو؟ فقال علیه السلام : في ليلة الفطر في المغرب والعشاء والفجر وصلاة العيد (5).

ويستحب رفع الصوت به ، لأن فيه إظهارا لشعائر الإسلام.

العاشر : ويستحب التكبير أيضا في الأضحى بمعنى عقيب خمس عشرة صلاة : أو لها ظهر الفجر وآخرها صبح الثالث من أيام التشريق ، لقوله تعالى ( وَاذْكُرُوا اللّهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ) (6) وهي أيام التشريق ، وليس فيها ذكر زائد مأمور به سوى التكبير ، لأن عليا علیه السلام كبّر كما قلناه (7).

وقول الصادق علیه السلام : التكبير في أيام التشريق عقيب صلاة الظهر

ص: 66


1- جامع الأصول 7 - 97.
2- سورة البقرة : 185.
3- جامع الأصول 7 - 86.
4- وسائل الشيعة 5 - 133 ح 2.
5- وسائل الشيعة 5 - 123 ح 6.
6- سورة البقرة : 203.
7- وسائل الشيعة 5 - 125 ح 6.

يوم النحر ، ثم يكبّر عقيب كل فريضة إلى صبح الثالث من أيام التشريق (1).

ولأن الناس تبع للحاج ، والحاج يقطعون التلبية مع أول حصاة ، ويكبرون مع الرمي ، وإنما يرمون يوم النحر ، فأول صلاة بعد ذلك الظهر ، وآخر صلاة يصلون بمنى فجر الثالث من أيام التشريق.

وإن كان بغير منى ، كبّر عقيب عشر صلوات : أولها ظهر النحر ، وآخرها صبح الثاني من أيام التشريق ، لقول الصادق علیه السلام : التكبير في الأمصار عقيب عشر صلوات ، فإذا نفر الحاج النفر الأول أمسك أهل الأمصار ، ومن أقام بمنى فصلى الظهر والعصر فليكبر (2) ، ولأن الناس في التكبير تبع للحاج ، ومع النفر الأول يسقط التكبير ، فيسقط عمن ليس بمنى. والأقرب استحباب هذا التكبير ، لأصالة البراءة.

والأشهر في صفته أن يقول في عيد الفطر : اللّه أكبر ( مرتين ) لا إله إلا اللّه واللّه أكبر على ما هدانا ، وله الحمد على ما أولانا ، ويزيد في الأضحى : ورزقنا من بهيمة الأنعام للرواية (3).

والتكبير عقيب الفرائض المذكورة دون النوافل ، لقول الباقر والصادق علیهماالسلام : التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة ، وفي سائر الأمصار عقيب عشر صلوات آخرها صبح الثالث أو الثاني (4) ، ولأنها نوافل فلا يكبر عقيبها ، كنوافل عرفة.

وإذا أدرك المأموم بعض صلاة الإمام ، أتم بعد تسليم إمامه ، ولا يتابعه في التكبير ، لأن الإمام يكبر بعد خروجه ، فإذا أتم المأموم صلاته كبر عقيبها.

وهو مستحب للجامع والمنفرد ، والحاضر والمسافر ، في بلد كان أو في قرية ، صغيرة أو كبيرة ، ذكرا كان أو أنثى ، حرا أو عبدا ، لعموم الأخبار.

ص: 67


1- وسائل الشيعة 5 - 124 ح 4.
2- وسائل الشيعة 5 - 123 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 124.
4- وسائل الشيعة 5 - 123 ح 2.

وقول علي علیه السلام : وكل من صلى وحده (1).

وإذا فاتته صلاة من هذه الصلوات ، فقضاها كبّر وإن فاتت أيام التشريق ، لقوله علیه السلام : من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته (2) ، ولو ترك الإمام التكبير كبر المأموم ، ولو نسي التكبير ، كبّر حيث ذكر.

الحادي عشر : يستحب إحياء ليلتي العيدين بفعل الطاعات ، لقوله علیه السلام : من أحيا ليلتي العيدين لم يمت قلبه يوم يموت القلوب (3) ، وما يضاف إلى القلب فإنه أعظم وقعا ، لقوله تعالى ( فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) (4) وموت القلب الكفر في الدنيا والفزع في الآخرة.

الثاني عشر : يستحب إذا مشى في طريق أن يرجع في غيرها ، لأنه علیه السلام فعلها (5) ، قصدا لسلوك الأبعد في الذهاب ، ليكثر ذهابه بكثرة خطواته إلى الصلاة ، ويعود في الأقرب لأنه أسهل ، وهو راجع إلى منزله ، أو ليشهد له الطريقان ، أو ليتساوي أهل الطريقين في التبرك بمروره وسرورهم برؤيته ، وينتفعون بمسألته ، أو ليتصدق عليهما ، أو ليتبرك الطريقان بوطئه عليهما فيتابع للتأسي. وإن اختص المعنى به كالرمل والاصطباغ في طواف القدوم فعله هو وأصحابه ، لإظهار الجلد للكفار وبقي سنّة بعده.

الثالث عشر : يترك السلاح ، فإن الخروج به مكروه ، لمنافاته الخضوع والاستكانة ، إلا مع خوف العدو ، لقول الباقر علیه السلام : نهى النبي صلی اللّه علیه و آله أن يخرج السلاح في العيدين إلا أن يكون عدوا ظاهرا (6).

الرابع عشر : يستحب التعريف عشية عرفة بالإحضار في المساجد ، لما

ص: 68


1- وسائل الشيعة 5 - 98 ما يدل على ذلك.
2- عوالي اللئالي 3 - 107.
3- وسائل الشيعة 5 - 138 ح 1 و 2.
4- سورة البقرة : 283.
5- جامع الأصول 7 - 98.
6- وسائل الشيعة 5 - 116.

فيه من الاجتماع لذكر اللّه تعالى ، وفعله ابن عباس بالبصرة ، وقول الصادق علیه السلام : من لم يشهد جماعة الناس في العيدين ، فليغتسل وليتطيب وليصل وحده كما يصلي في الجماعة (1).

وفي يوم عرفة يجتمعون بغير إمام في الأمصار يدعون اللّه عز وجل.

ص: 69


1- وسائل الشيعة 5 - 98 ح 1.

ص: 70

الفصل الثالث: ( في صلاة الآيات )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في الكيفية )
اشارة

هذه الصلاة ركعتان تشتمل كل ركعة على خمس ركوعات وسجدتين ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله ركع خمس ركوعات ثم سجد سجدتين ، وفعل في الثانية مثل ذلك (1) ، وصلى علي علیه السلام مثل ذلك (2) ، وقال الباقر علیه السلام : هي عشر ركوعات بأربع سجدات (3).

وكيفيتها : أن ينوي ويكبّر للافتتاح ، ثم يقرأ الحمد وسورة أيها شاء أو بعضها ، ثم يركع فيذكر اللّه تعالى ، ثم ينتصب ، فإن كان قد قرأ أولا السورة كملا قرأ الحمد ثانيا وسورة أو بعضها ، ثم يركع ويذكر اللّه تعالى ، ثم ينتصب ، فإن كان قد أتم السورة قرأ الحمد وسورة أو بعضها ، وهكذا خمس مرات ، ثم يسجد سجدتين بعد انتصابه من الخامس بغير قراءة ، ثم يقوم فيعتمد في الثانية ما فعله في الأولى إلا النية وتكبيرة الإحرام ، ثم سجد مرتين

ص: 71


1- جامع الأصول 7 - 125.
2- وسائل الشيعة 5 - 150 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 149 ح 2.

كالأولى ، ثم يتشهد ويسلم.

وكل قيام لم يكمل فيه السورة إذا انتصب من الركوع بعده ، يتمم السورة أو بعضها من غير أن يقرأ الحمد ، لقول أحدهما علیهماالسلام : تبدأ فتكبر لافتتاح الصلاة ، ثم تقرأ أم الكتاب وسورة ثم تركع ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة ، ثم تركع الثالثة ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة ، ثم تركع الرابعة ، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب وسورة ، ثم تركع الخامسة ، فإذا رفعت رأسك قلت : سمع اللّه لمن حمده ، ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين ، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى ، قال قلت : وإن هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات يفرقها بينها؟ قال : أجزأه أم القرآن في أول مرة ، وإن قرأ خمس سور فمع كل سورة أم القرآن (1).

ولا خطبة لهذه الصلاة ولا النفل ، ولا يجوز أن يصلي على الراحلة ولا مشيا إلا مع الضرورة ، لأنها فريضة للرواية (2).

فروع :

الأول : لو قرأ في القيام الأول الحمد وبعض السورة ، هل يتعين عليه في الثاني الابتداء من الموضع الذي انتهى إليه ، أو يجوز له أن يقرأ من أي موضع اتفق؟ الأحوط الأول.

الثاني : لو قرأ بعض السورة في الأول ، هل يجوز له العدول إلى سورة أخرى؟ ظاهر كلامه في المبسوط (3) ذلك. فيتعين أن يقرأ الحمد أولا على إشكال ، ينشأ من سقوط وجوبها في البعض ، ففي الجميع أولى ، ومن وجوب الحمد مع السورة الكاملة.

ص: 72


1- وسائل الشيعة 5 - 149 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 157.
3- المبسوط 1 - 173.

الثالث : لو قرأ بعض السورة في الأولى ، وسوغنا العدول أو الابتداء بأي موضع شاء ، جاز له أن يبتدئ من أول السورة التي قطعها. ولو لم نجوزها فهل يجوز الابتداء من أول السورة؟ الأقرب ذلك.

وعلى التقديرين هل يتعين الفاتحة حينئذ؟ إشكال ، ينشأ من إجزاء بعضها بغير الحمد فالكل أولى ، ومن وجوب قراءة الحمد مع الابتداء بأول السورة.

الرابع : هل يجب إكمال السورة في الخمس؟ الأقرب ذلك ، لصيرورتها حينئذ بمنزلة ركعة ، فيجب فيها الحمد وسورة.

وهل يجوز أن يقرن بين سورتين أو ثلاث؟ الأقرب ذلك ، لجواز أن يقرأ خمس سور وسورة واحدة فجاز الأوسط.

الخامس : أنه يجوز أن يقرأ في الخمس سورة وبعض أخرى ، فإذا قام إلى الثانية ، فالأقرب وجوب الابتداء بالحمد ، لأنه قيام عن سجود ، فوجب فيه الفاتحة ، ثم يبتدئ بسورة من أولها ، ثم إما أن يكملها ، أو يقرأ بعضها. ويحتمل ضعيفا أن يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه أولا من غير أن يقرأ الفاتحة ، لكن يجب أن يقرأ الحمد في الثانية ، بحيث لا يجوز له الاكتفاء بالحمد مرة في الركعتين.

وهل يجوز أن يقرأ الحمد في الركعتين وسورة واحدة فيهما؟ الأقرب المنع.

السادس : الأقرب أنه إذا قرأ في قيامه بعض سورة ، أن لا يقرأ في القيام الذي يليه بعضا من أخرى ، بل إما أن يكمل الأولى ، أو يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه بعضها.

ص: 73

المطلب الثاني: ( في السنن )

وهي :

الأول : يستحب إيقاعها تحت السماء ، لأنه سائل لرد النور فأشبهت صلاة الحوائج والاستسقاء ، وقول الباقر علیه السلام : وإن استطعت أن تكون صلاتك بارزا ألا يجنك بيت فافعل (1).

الثاني : الجماعة ، لاشتمالها على سؤال فأشبهت الاستسقاء ، وصلاها النبي صلی اللّه علیه و آله في جماعة (2).

وكذا ابن عباس في عهد علي علیه السلام ، وقول الصادق علیه السلام : إذا انكسفت الشمس أو القمر ، فإنه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى الإمام يصلي بهم (3).

الثالث : يستحب أن يدعو بالتوجه عقيب تكبيرة الافتتاح كغيرها من الفرائض.

الرابع : يستحب أن يقرأ بسور الطوال مع السعة مثل الكهف والأنبياء ، لأن الباقر علیه السلام كان يستحب أن يقرأ فيها بالكهف والحجر ، إلا أن يكون إماما يشق على من خلفه (4).

الخامس : يستحب الإطالة بقدر الكسوف ، لأن الباقر علیه السلام قال : كسفت الشمس في زمن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فصلى بالناس ركعتين وطوّل حتى غشي على بعض القوم ممن كان وراءه من طول القيام (5). ولأن الغرض استدفاع الخوف وطلب رد النور ، فينبغي الاستمرار باستمراره.

ص: 74


1- وسائل الشيعة 5 - 151 ح 6.
2- جامع الأصول 7 - 110.
3- وسائل الشيعة 5 - 157 ح 2.
4- وسائل الشيعة 5 - 151 ح 6.
5- وسائل الشيعة 5 - 154 ح 1.

السادس : يستحب إطالة السجود والركوع ، وينبغي أن يكون زمان ركوعه بقدر قراءته ، لقول الباقر علیه السلام : وتطيل القنوت على قدر القراءة والركوع والسجود ، فإن تجلى قبل أن يفرغ فأتم ما بقي (1) ، وقال الباقر علیه السلام : ويطيل الركوع والسجود (2).

السابع : يستحب أن يكبّر كلما انتصب من الركوع إلا في الخامس والعاشر ، فإنه يقول : سمع اللّه لمن حمده ، ولأن الركوعات وإن تكررت فهي تجري مجرى ركعة واحدة ، فيكون « سمع اللّه لمن حمده » في آخرها كغيرها من الفرائض.

الثامن : يستحب أن يقنت خمس مرات في القيام الثاني من الركوعات والرابع والسادس والثامن والعاشر ، لقول الباقر والصادق علیهماالسلام : والقنوت في الركعة الثانية قبل الركوع ، ثم في الرابعة والسادسة والثامنة والعاشرة (3) ، ولأنه سائل والقنوت مظنة الإجابة فشرع ، كما قنت النبي صلی اللّه علیه و آله على المشركين.

التاسع : يستحب الجهر بالقراءة في الكسوفين ، لأن النبي وعليا علیهماالسلام جهرا بالقراءة في كسوف الشمس (4) ، ولو خافت ، لم يكن به بأس.

المطلب الثالث: ( في الموجب )

هذه الصلاة تجب عند كسوف الشمس وخسوف القمر ، لقوله علیه السلام : إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا (5).

ص: 75


1- وسائل الشيعة 5 - 151 ح 6.
2- نفس المصدر.
3- وسائل الشيعة 5 - 149 ح 1.
4- جامع الأصول 7 - 108.
5- جامع الأصول 7 - 126.

وتجب عند الزلزلة ، لأنه علیه السلام علل الكسوف بأنه آية من آيات اللّه يخوف بها عباده ، وصلى ابن عباس للزلزلة ، وقال الباقر والصادق علیهماالسلام : إن صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر والرجفة والزلزلة عشر ركعات وأربع سجدات (1). ولأن المقتضي وهو الخوف موجود ، فثبت معلوله.

وتجب أيضا لأخاويف السماء ، كالظلمة الشديدة العارضة ، والحمرة الشديدة ، والرياح العظيمة المخوفة السود والصفر والصيحة ، لعموم قوله علیه السلام : إن هذه الآيات (2) ، وقول الباقر علیه السلام : كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن (3) ، ولوجود العلة فيه وهو الخوف.

ولا تجب لغير هذه من الأمور المخوفة كالسبع واللص وغيرهما.

وهل تجب في كسف بعض الكواكب بعضا ، أو كسف أحد النيرين بشي ء من الكواكب؟ كما قال بعضهم إنه شاهد الزهرة في جرم الشمس كاسفة لها ، إشكال ينشأ من عدم النص وأصالة البراءة وخفائه ، لعدم دلالة الحس عليه ، وإنما يستند في ذلك إلى قول من لا يوثق به كالمنجم ، ومن كونه آية مخوفة ، فشارك النيرين في الحكم ، والأقوى الأول.

المطلب الرابع: ( في الوقت )
اشارة

وقت صلاة الكسوف والخسوف من حين الابتداء في الكسف إلى ابتداء الانجلاء ، لزوال الحذر وحصول رد النور ، وقول الصادق علیه السلام : إذا انجلى منه شي ء فقد انجلى (4).

ص: 76


1- وسائل الشيعة 5 - 149 ح 1.
2- المتقدم آنفا.
3- وسائل الشيعة 5 - 144 ح 1.
4- وسائل الشيعة 5 - 146 ح 3.

وأما الرياح المظلمة والظلمة والحمرة الشديدتين ، فوقت صلاتها مدتها.

والزلزلة وقتها مدة العمر ، فيصلي أداء وإن سكنت ، وكذا الصيحة ، لأنها من قبيل الأسباب لا الأوقات ، لتعذر الصلاة فيه لقصوره جدا. ويحتمل أن يكون سببا للفورية ، فيجب الابتداء بالصلاة حين وقوعه.

ويمتد الوقت بامتداد الصلاة ، ثم يخرج ويصير قضاء ، لكن الأول أولى. ويحتمل في البلاد التي تستمر فيها الزلزلة زمانا طويلا كون الوقت منوطا بها.

والضابط : أن كل آية يقصر زمانها عن فعل العبادة فإنها سبب ، وما لا يقصر فإنها وقت ، ولو قصر في بعض الأوقات سقطت.

وإذا علم بالكسوف أو الخسوف وأهمل الصلاة عمدا أو نسيانا حتى خرج الوقت ، قضاها واجبا ، سواء احترق جميع القرص أو بعضه ، لعموم قوله علیه السلام : من فاتته صلاة فريضة فليقضها إذا ذكرها (1). وقول الباقر علیه السلام : من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها (2). وقول الصادق علیه السلام في صلاة الكسوف : إن أعلمك أحد وأنت نائم ، فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل ، فعليك قضاؤها (3).

وقول الشيخ : إن احترق البعض وتركها نسيانا لم يقض (4) ، إن قصد الحقيقة فليس بجيد ، وإن قصد الجهل فحق.

ولو لم يعلم الكسوف حتى انجلى ، فإن كان قد احترق القرص كله وجب القضاء ، وإلا فلا على الأقوى ، لقول الصادق علیه السلام : إذا انكسف القمر ولم تعلم حتى أصبحت ، ثم بلغك فإن احترق كله فعليك القضاء ، وإن

ص: 77


1- جامع الأصول 6 - 134 مع تفاوت يسير.
2- وسائل الشيعة 5 - 350.
3- وسائل الشيعة 5 - 156 ح 10.
4- المبسوط 1 - 172.

لم يحترق كله فلا قضاء عليك (1) ، وقال علیه السلام أيضا : إذا انكسفت الشمس كلها ولم تعلم وعلمت فعليك القضاء ، وإن لم يحترق كلها فلا قضاء عليك (2).

ولأصالة براءة الذمة مع عدم الاستيعاب ، وعموم من نام عن صلاة أو نسيها معه ، والتخصيص للتفريط والإهمال للعبادة ، وترك التعرض لاستعلام حال النيرين ، وطول مدة الاستيعاب وقصور مدة غيره.

أما جاهل غيرهما مثل الزلزلة والرياح والظلمة الشديدة ، فيحتمل سقوطها عنه ، للأصل وزوال الموجب وهو الحذر ، بخلاف العامد لتفريطه ، فجاز أن يعاقب بالقضاء. ووجوب قضائها لعموم الأخبار. ويحتمل في الزلزلة قويا الإتيان بها ، لأن وقتها العمر.

ولا تسقط هذه الصلاة بغيبوبة الشمس منخسفة ، عملا بالاستصحاب. وكذا الخسوف لا يسقط صلاته بغيبوبة القمر منخسفا إجماعا ، ولا يسقطان بستر السحاب إجماعا ، لأصالة البقاء.

ولو طلعت الشمس والقمر منخسفة ، لم تسقط صلاته ، عملا بالموجب ، وكذا لو طلع الفجر.

ولو فرغ من الصلاة قبل الانجلاء فالمشهور سقوط الوجوب للامتثال ، إذ ليس مقتضى الأمر التكرار ، نعم يستحب إعادة الصلاة ، لأن المقتضي للمشروعية باق ، وقول الصادق علیه السلام : إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد (3) ، وليس للوجوب ، لقول الباقر علیه السلام : فإذا فرغت قبل أن ينجلي فاقعد وادع اللّه حتى ينجلي (4). وأوجب بعض علمائنا الإعادة ، ومنع منها آخرون وجوبا واستحبابا.

ص: 78


1- وسائل الشيعة 5 - 155 ح 4.
2- وسائل الشيعة 5 - 155 ح 2.
3- وسائل الشيعة 5 - 153 ح 1.
4- وسائل الشيعة 5 - 151 ح 6.

ويستحب الدعاء والذكر والاستغفار والتكبير والتضرع إلى اللّه تعالى ، لقوله علیه السلام : فافزعوا إلى ذكر اللّه تعالى ودعائه واستغفاره (1). وقالت أسماء : كنا نؤمر بالعتق في الكسوف (2) ، ولأنه محذور فيبادر إلى طاعة اللّه تعالى ليكشف عن عباده.

وأي وقت حصل السبب ، وجبت الصلاة ، وإن كان أحد الأوقات الخمسة ، لأنها صلاة فرض فلا يتناولها النهي ، وقوله علیه السلام : فإذا رأيتم ذلك فصلوا (3) ، وقول الصادق علیه السلام : وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس وعند غروبها (4) ، ولأنها ذات سبب.

ولو اتفق وقت فريضة حاضرة ، فإن اتسع الوقتان قدم الحاضرة استحبابا ، لأن العناية بها أتم ، ولهذا شرع لها قطع الكسوف لو دخلت لا وجوبا ، لأنها موسعة.

ولو تضيق الوقتان ، قدمت الحاضرة وجوبا ، ثم إن فرط في صلاة الكسوف بالتأخير وجب القضاء ، وإلا فلا.

ولو تضيقت إحداهما تعينت للتقديم ، ثم يصلي الأخرى بعدها ، جمعا بين الفريضتين.

ولو ضاق وقت الكسف عن إدراك ركعة ، لم تجب ، بخلاف الزلزلة ، فإنها سبب في الوجوب لا وقت له.

ولو اتسع لركعة وقصر عن أخف صلاة ، احتمل الوجوب ، لقوله علیه السلام : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (5). ومن استحالة فرض

ص: 79


1- جامع الأصول 7 - 118.
2- جامع الأصول 7 - 115.
3- جامع الأصول 7 - 123.
4- وسائل الشيعة 5 - 146.
5- سنن ابن ماجة 1 - 356.

وقت لعبادة يقصر عنها عقلا ، إلا أن يكون القصد القضاء ، ولم يثبت القصد هنا.

فلو اشتغل أحد المكلفين بها في الابتداء ، وخرج الوقت وقد أكمل ركعة ، فعلى الأول يجب عليه الإكمال ، ولا يجب على الثاني. أما الآخر فلا يجب عليه القضاء على التقديرين.

ولو ضاق الوقت عن العدد ، لم يجز الاقتصار على الأقل.

ولو اتسع للأكثر ، لم يجز الزيادة ، لأنها فريضة مقدرة شرعا ، فلا يجوز الزيادة عليها ، كالفرائض اليومية.

فروع :

الأول : لو تلبس بصلاة الكسوف وتضيق وقت الحاضرة وخاف فوتها لو أتم الكسوف ، قطعها إجماعا وصلى الحاضرة ، لقوله الصادق علیه السلام تخشى فوت الفريضة قال : اقطعوها وصلوا الفريضة وعودوا إلى صلاتكم (1). إذا ثبت هذا.

فإذا قطع وصلى الفريضة هل يستأنف الكسوف ، أو يبتدئ من حيث قطع؟ الشيخان والمرتضى على الثاني للرواية (2) ، ويحتمل الأول ، لأنه فعل كثير ، والرواية متأولة بالعود إلى ابتداء الصلاة.

الثاني : لو اشتغل بالكسوف وخشي فوت الحاضرة لو أتمها ، وفوت الكسوف لو اشتغل بالحاضرة ، احتمل تقديم الحاضرة ، لأولويتها فيقطع

ص: 80


1- وسائل الشيعة 5 - 147 ح 3.
2- وهي صحيح محمد بن مسلم وبريد بن معاوية عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه علیهماالسلام قالا : إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف أن يذهب وقت الفريضة ، فإن تخوفت فابدأ بالفريضة واقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف ، فإذا فرغت من الفريضة فارجع إلى حيث كنت قطعت واحتسب بما مضى. وسائل الشيعة3. 148 ح 4. والرواية صريحة في القول الثاني ، فالتأويل غير صحيح.

الكسوف ، وإتمامه لأولويته بالشروع فيه ، والنهي عن إبطال العمل. ويحتمل إتمامها إن أدرك من الحاضرة بعدها ركعة وإلا استأنف.

الثالث : لو خالف ما أمر به من تقديم الحاضرة لو خاف فوتها ، فاشتغل بالكسوف أو بإتمامه ، احتمل عدم الإجزاء ، سواء ظهر بطلان ظن الضيق أو لا ، لأنه فعل منهي عنه ، فلا يقع عبادة متقربا بها ، والإجزاء إن كذب الظن ، سواء الابتداء والإتمام ، ويحتمل الفرق.

الرابع : لو اتسع وقت الحاضرة وشرع القرص في الكسوف ، أو حدثت الرياح المظلمة ، فالوجه تقديم الكسوف والآيات ، لاحتمال قصور الزمان ، فيفوت لو اشتغل بالحاضرة.

الخامس : الزلزلة متأخرة عن الحاضرة مطلقا ، إن قلنا وقتها العمر ، وإن قلنا وقتها حدوثها ، وجب (1) وإن سكنت فكالكسوف.

السادس : لو اتفقت مع منذورة موقتة ، بدأ بما يخاف فوتها ، ولو أمن ، تخير.

السابع : الكسوف أولى من النافلة الموقتة ، كصلاة الليل وغيرها ، فإن خاف فوتها واتسع وقت الكسوف ، فالكسوف أولى ، ثم يقضي النافلة.

الثامن : لو اجتمع الكسوف والعيدين والجنازة ، قدم ما يخشى فوته ، ولا امتناع في اجتماع الكسوف والعيد ، والعادة لا تخرج نقيضها عن الإمكان ، واللّه على كل شي ء قدير ، والفقهاء يفرعون الممكن وإن لم يقع عادة ، ليبينوا الأحكام المنوطة بها ، كما يفرضون ما يوجد.

ثم وإن اقتضت العادة عدم كسف الشمس إلا في التاسع والعشرين من الشهر ، فإنا نفرض الصلاة في الرياح والزلزلة وباقي الآيات ، فلو خاف خروج وقت العيد ، قدمت صلاته ولم يخطب لها حتى يصلي الكسوف ، فإذا صلى الكسوف خطب للعيد خاصة.

ص: 81


1- في « ق » ويجب.

التاسع : لو اجتمع الخسوف والجمعة ، فإن اتسع وقت الجمعة ، بدأ بالخسوف ويقصر في قراءته ، فإذا فرغ اشتغل بخطبة الجمعة.

العاشر : لو اجتمع في الموقف حالة الكسوف قدمت صلاته على الدعاء. ولو خسف القمر بعد الفجر من ليلة المزدلفة وهو بها صلى الخسوف وإن فاته الدفع إلى منى قبل طلوع الشمس ، وكذا لو كسفت الشمس يوم التروية بمكة ، صلى الكسوف وإن فاته فعل الظهر بمنى.

المطلب الخامس: ( في اللواحق )

وهي :

الأول : هذه الصلاة واجبة على الأعيان ، على الرجال والنساء والخناثي ، والحر والعبد ، والحاضر والمسافر ، والصحيح والمريض ، للعموم ، وقال الصادق علیه السلام : لما قبض إبراهيم ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله جرت ثلاث سنن : أما واحدة فإنه لما مات كسفت الشمس لفقد ابن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فصعد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه يجريان بأمره مطيعان له ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ، ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف (1) ، والأمر للوجوب.

وقالت أسماء بنت أبي بكر : فزع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يوم كسفت الشمس ، فقام قياما ، فرأيت المرأة التي أكبر مني والمرأة التي أصغر مني قائمة ، فقلت أنا أحرى بالصبر على طول القيام.

الثاني : هذه الصلاة فرض مع الإمام وغيبته ، لعموم الأخبار ، وقول الصادق علیه السلام في صلاة الكسوف : تصلي جماعة وفرادى (2) ، ولأنها صلاة

ص: 82


1- وسائل الشيعة 5 - 143 ح 10.
2- وسائل الشيعة 5 - 157 ح 1 و 3.

لا يشترط البنيان والاستيطان في أدائها ، فلا يشترط الجماعة.

الثالث : قد بينا استحباب الجماعة في هذه الصلاة ، ويستحب للعجائز ومن لاهية له الصلاة مع الرجال ، ويكره ذلك للشواب ، ويستحب لهن الجماعة تصلي بهن إحداهن.

الرابع : لو أدرك المأموم الإمام راكعا في الأولى أدرك الركعة.

ولو أدركه في الركوع الثاني أو الثالث ، ففي إدراك تلك الركعة إشكال ، فإن منعناه استحب المتابعة حتى يقوم من السجود في الثانية ، فيستأنف الصلاة معه. فإذا قضى صلاته أتم هو الثانية ، ويحتمل الصبر حتى يبتدئ بالثانية.

ويحتمل المتابعة بنية صحيحة ، فإذا سجد الإمام لم يسجد هو بل ينتظر الإمام إلى أن يقوم ، فإذا ركع الإمام أول الثانية ركع معه عن ركعات الأولى ، فإذا انتهى إلى الخامس بالنسبة إليه سجد ، ثم لحق الإمام ويتم الركعات قبل سجود الثانية.

الخامس : لو شك في عدد الركوعات ، احتمل البناء على الأقل ، لأصالة عدم الزيادة ، والبطلان لشغل الذمة بيقين ، فلا يخرج عن العهدة بدونه.

ص: 83

ص: 84

الفصل الرابع: ( في صلاة النذر )

صلاة النذر واجبة بحسب ما نذره إجماعا ، ولقوله تعالى ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) (1) وقوله تعالى ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (2).

ويشترط فيه ما يشترط في الفرائض اليومية من الطهارة والاستقبال وغيرهما إجماعا ، إلا الوقت ، ويزيد الصفات التي عينها في نذره ، وإنما تنعقد لو وقع في طاعة ، أما لو وقع في معصية فلا.

ولو عين الزمان تعين ، سواء اشتمل على المزية كيوم الجمعة أو لا ، لأن البقاء غير معلوم ، والتقدم ممنوع ، لأنه فعل الواجب قبل وجوبه ، فلا يقع مجزيا ، كما لو صلى الفرض قبل وقته.

ولو قيده بأحد الأوقات الخمسة ، فالأقرب الانعقاد ، لاختصاص الكراهة بالنوافل وهذه فرض.

ولو قيد النذر بزمان فأوقعها في غيره ، لم يجز. ثم إن كان الفعل متقدما على الزمان ، وجب عليه الإعادة عند دخول الوقت ، فإن أهمل وجب القضاء والكفارة ، وإن تأخر الفعل ، فإن كان لعذر أجزأ ولا كفارة ، وإن كان لغير

ص: 85


1- سورة الإنسان : 7.
2- سورة المائدة : 1.

عذر ، فإن أوقعه بهيئة القضاء أجزأ وكفر ، وإلا وجب عليه الفعل ثانيا والكفارة.

ولو نذر إيقاعه في زمان يتكرر مثله كيوم الجمعة ، لم يجب في الأولى إلا مع النذر ، بل يجزيه فعلها في أي جمعة شاء ، فإن أوقعها في يوم خميس لم يجزيه ، ووجب إيقاعها في الجمعة الأخرى أداء لا قضاء.

ولو قيد نذر الصلاة بمكان ، فإن كان له مزية تعين كالمسجد. وإن لم يكن له مزية ، فالأقوى عدم وجوب القيد ، فيجوز إيقاعها حينئذ في أي موضع شاء.

أما لو كان له مزية في مكان ، فصلاها في أعلى ، فالأقرب الجواز ، لأن زيادة المزية بالنسبة إلى ذي المزية ، كذي المزية بالنسبة إلى غير ذي المزية. ويحتمل العدم ، لأنه نذر انعقد فلا يجوز غيره ، فإن قلنا بالجواز فلا بحث ، وإلا وجب القضاء.

ولو قيده بزمان ومكان ، فأوقعها في ذلك الزمان في غير ذلك المكان مما يساويه أو يزيد عليه في المزية ، أجزأ على إشكال ، وإلا وجب القضاء في ذلك المكان بعينه ، والكفارة لفوات الوقت.

ولو أطلق العدد أجزأه ركعتان إجماعا ، والأقوى إجزاء الواحدة للتعبد بمثلها في الوتر. ولو صلاها ثلاثا أو أربعا أجزأ إجماعا ، وفي وجوب التشهدين إشكال ، ولو صلاها خمسا ، فإشكال.

ولو قيد نذره بعدد ، تعين إن تعبد بمثله إجماعا ، وإن أطلق احتمل وجوب التسليم عقيب كل ركعتين ، ووجوبه عقيب أربع أو ما زاد على إشكال ، وإن لم يتعبد بمثله كالخمس والست قيل : لا ينعقد ، ويحتمل انعقاده لأنه عبادة ، وعدم التعبد بمثلها لا يخرجها عن كونها عبادة.

ولو قيد النذر بقراءة سورة معينة ، أو آيات مخصوصة ، تعين ، وهل يسقط وجوب السورة الكاملة لو قيد النذر بآيات معينة؟ الوجه ذلك ، ويحتمل وجوب السورة.

ص: 86

فلو نذر آيات من سورة معينة وقلنا بوجوب السورة ، وجب هنا عين تلك السورة ، ولو كانت الآيات من سور متعددة ، وجب قراءة سورة اشتملت عليها بعض تلك الآيات ، وقراءة باقي الآيات من غير سورة ، ويحتمل إجزاء غيرها من السور ، فيجب قراءة الآيات التي نذرها.

ولو نذر النافلة في وقتها صارت واجبة. فلو نذر العيد المندوبة أو الاستسقاء في وقتهما لزمه ، ولو نذرهما في غير وقتهما ، فالأقرب عدم الانعقاد. وكذا لو نذر صلاة على هيئتهما ، أو هيئة صلاة الكسوف على إشكال ، ينشأ من أنها طاعة تعبد بمثلها في وقت فكذا في غيره.

ولو نذر إحدى المرغبات وجبت ، فإن كانت مقيدة بوقت تقيد النذر به وإن أطلقه ، كما لو نذر نافلة الظهر أو صلاة الليل ، وإلا فلا. ولو كان الوقت مستحبا لها ، كصلاة التسبيح المستحب إيقاعها يوم الجمعة ، لم تنعقد إلا مع تقيد النذر به.

ولو نذر صلاة الليل وجب ثمان ركعات ، ولا يجب الدعاء ، وكذا لو نذر نافلة رمضان ، لم يجب الدعاء المتخلل بينها إلا مع التقييد.

ولو نذر الفريضة اليومية ، فالوجه الانعقاد ، لأنها طاعة بل أقوى الطاعات لوجوبها ، والفائدة وجوب الكفارة مع المخالفة.

ولو نذر النافلة على الراحلة ، انعقد المطلق لا المقيد لأولوية غيره ، وكذا لو نذر إيقاع النافلة في إحدى الأماكن المكروهة ، ولو فعل ما قيد النذر به أجزأه.

ولو نذر التنفل جالسا ، أو مستدبرا ، فإن أوجبنا القيام أو الاستقبال ، احتمل بطلان النذر ، كما لو نذر الصلاة بغير طهارة ، والانعقاد للمطلق ، فيجب الضد ، وإن جوزنا إيقاعها جالسا أو مستدبرا ، أجزأ لو فعلها عليهما (1) أو قائما أو مستقبلا.

واليمين والعهد في ذلك كله كالنذر.

ص: 87


1- في « س » عليها.

ص: 88

الفصل الخامس: ( في الصلوات المندوبة )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في النوافل اليومية )

النوافل : إما راتبة ، أو غير راتبة ، والراتبة : إما أن تتبع الفرائض أو لا. فالتابعة للفرائض ثلاث وعشرون ركعة : قبل الصبح ركعتان ، وقبل الظهر ثمان ، وكذا قبل العصر ، وبعد المغرب أربع ، وبعد العشاء ركعتان من جلوس تعدان بركعة.

لقول الصادق علیه السلام : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يصلي من التطوع مثلي الفرض ، ويصوم من التطوع مثلي الفرض (1).

وقال الصادق علیه السلام : كان النبي صلی اللّه علیه و آله يصلي ثمان ركعات للزوال ، وأربعا الأولى ، وثمان بعدها ، وأربعا العصر ، وثلاثا المغرب ، وأربعا بعدها ، والعشاء أربعا ، وثمان صلاة الليل ، وثلاثا الوتر ، وركعتي الفجر ، وصلاة الغداة ركعتين (2).

ص: 89


1- وسائل الشيعة 3 - 32 ح 4.
2- وسائل الشيعة 3 - 33 ح 6.

وفي خبر آخر : وركعتين بعد العشاء كان أبي يصلاهما وهو قاعد وأنا أصليهما وأنا قائم (1).

وقال الكاظم علیه السلام : أنا أصلي واحدة وخمسين ، ثم عد بأصابعه حتى قال : وركعتين من قعود تعدان بركعة من قيام (2).

وغير التابعة للفرائض : صلاة الليل ، وفيها فضل كثير وثواب جزيل. قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : يا جبرئيل عظني قال : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه ، شرف المؤمن صلاته بالليل ، وعزه كف الأذى عن الناس (3). ومدح اللّه تعالى أمير المؤمنين علیه السلام بقوله ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ) (4) وآناء الليل ساعاته.

وهي في المشهور إحدى عشر ركعة : ثمان صلاة الليل ، واثنتان للشفع ويوتر بواحدة ، والوتر عندنا واحدة ، وما تقدم عليها ليس منها ، لأن ابن عباس روى أن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : الوتر ركعة من آخر الليل (5).

ويستحب فيه القنوت والدعاء بالمرسوم في جميع السنة ، لأن عليا علیه السلام قال : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول في آخر وتره : « اللّهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك عنك ، لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » (6) وكان للدوام.

وينبغي أن يقنت بالأدعية المأثورة عن أهل البيت علیهم السلام . وينبغي

ص: 90


1- وسائل الشيعة 3 - 34 ح 9.
2- وسائل الشيعة 3 - 33 ح 7.
3- وسائل الشيعة 5 - 269 ح 3.
4- سورة الزمر : 9.
5- سنن ابن ماجة 1 - 372.
6- سنن ابن ماجة 1 - 373.

الاستغفار فيه سبعين مرة ، والدعاء بعد الرفع من الركوع.

ويستحب أن يقرأ في الأولتين من صلاة الليل الحمد مرة والإخلاص ثلاثين مرة ، والإطالة مع سعة الوقت ، والتخفيف مع قصوره ولو بقراءة الحمد وحدها ، فإن ضاق الوقت عن الصلاة صلى الركعتين وأوتر بعدهما ، ثم صلى ركعتي الفجر والغداة وقضى ما فاته. ولو كان قد تلبس بأربع ، زاحم بها الفريضة.

وأن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جانبه الأيمن ، ويقرأ خمس آيات من آخر آل عمران ، ويدعو بالمنقول ، ولو سجد عوض الضجعة جاز ، لقول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع (1).

ويستحب زيادة على الرواتب التنفل بين المغرب والعشاء بأربع : اثنتان ساعة الغفلة ، واثنتان بعدها ، فقد قيل في تأويل قوله تعالى ( تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ) (2) أنهم كانوا يتنفلون ما بين المغرب والعشاء.

وقال الصادق علیه السلام : تصلي ركعتين تقرأ في الأولى الحمد ، ومن قوله تعالى ( وَذَا النُّونِ ) - إلى قوله ( نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وفي الثانية الحمد و ( عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ ) إلى آخر الآية ، ثم يدعو بدعائها ويسأل اللّه حاجته (3).

وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : أوصيكم بركعتين بين العشاءين ، يقرأ في الأولى الحمد وإذا زلزلت ثلاث عشرة مرة ، وفي الثانية الحمد مرة والإخلاص خمس عشرة مرة ، فمن فعل ذلك في كل شهر كان من الموقنين ، فإن فعل ذلك في كل سنة كان من المحسنين ، فإن فعل ذلك في كل جمعة كان من المصلحين ، فإن فعله في كل ليلة زاحمني في الجنة ولم يحص ثوابه إلا اللّه تعالى (4).

ص: 91


1- سنن ابن ماجة 1 - 378 ، سنن أبي داود 2 - 21.
2- سورة السجدة : 16.
3- وسائل الشيعة 5 - 249 ح 2.
4- وسائل الشيعة 5 - 247 ح 1 ب 17.

وقال علي بن بابويه : أفضل النوافل ركعتا الفجر ، وبعدهما ركعة الوتر ، وبعدها ركعتا الزوال ، وبعدهما نوافل المغرب ، وبعدها تمام صلاة الليل ، وبعدها نوافل النهار (1).

ويكره الكلام بين المغرب ونوافلها ، لأن الصادق علیه السلام نهاه عن الكلام (2).

ويستحب أن يسجد للشكر بعد السابعة ، لئلا يفصل بين الفريضة ونافلتها ، وقال الهادي علیه السلام : ما كان أحد من آبائي يسجد إلا بعد السابعة (3).

وأما صلاة الضحى فإنها بدعة عند علمائنا ، قالت عائشة : ما رأيت النبي صلی اللّه علیه و آله يصلي الضحى قط (4).

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلا ما حدثني أحد أنه رأى النبي صلی اللّه علیه و آله يصلي الضحى إلا أم هانئ فإنها حدثت أن النبي صلی اللّه علیه و آله دخل بيتها يوم فتح مكة ، وصلى ثماني ركعات ما رأته قط صلى صلاة أخف منها ، غير أنه كان يتم الركوع والسجود (5) ، وأنكر علي علیه السلام صلاة الضحى.

وسئل الباقر والصادق علیهماالسلام عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة؟ فقال : إن النبي صلی اللّه علیه و آله صعد على منبره ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان في النافلة جماعة بدعة ، وصلاة الضحى بدعة ، فلا تجمعوا في رمضان بصلاة الليل ، ولا تصلوا الضحى ، فإن ذلك بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة سبيلها إلى النار (6).

ص: 92


1- من لا يحضره الفقيه 1 - 314.
2- وسائل الشيعة 3 - 63.
3- وسائل الشيعة 4 - 1058 ح 1.
4- جامع الأصول 7 - 74.
5- جامع الأصول 7 - 75.
6- وسائل الشيعة 5 - 192 ح 1.

وقوله علیه السلام : « الصلاة خير موضوع » لا تنافي ما قلناه ، فإنه لو صلى هذه الصلاة نافلة مبتدأة جاز ، لكن الممنوع صلاتها مع اعتقاد مشروعيتها في هذا الوقت بالخصوصية.

المطلب الثاني: ( في نافلة شهر رمضان )

يستحب نافلة شهر رمضان ، لقوله علیه السلام : من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه (1).

وقال الصادق علیه السلام : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا جاء شهر رمضان زاد في الصلاة وأنا أزيد فزيدوا (2).

وإنه أفضل من غيره من الشهور ، واختص بليلة القدر وليلة الفرقان. وزيادة تضاعف الحسنات تناسب مشروعية زيادة أهم العبادات في نظر الشرع ، وهي الصلاة.

وقدرها ألف ركعة ، لقول الصادق علیه السلام : تصلي في شهر رمضان ألف ركعة (3) ، وقد روي زيادة على الألف مائة ركعة ليلة النصف ، تقرأ في كل ركعة الحمد مرة والإخلاص مائة مرة (4) ، وهذه الألف زيادة على النوافل اليومية.

وفي توزيعها وجهان :

الأول : أن يصلي في كل ليلة عشرين ركعة ، ثم في الليالي الأفراد ، وهي ليلة تسع عشرة وإحدى وعشرين وثلاث وعشرين في كل ليلة زيادة مائة ،

ص: 93


1- سنن ابن ماجة 1 - 526.
2- وسائل الشيعة 5 - 174 ح 2.
3- وسائل الشيعة 5 - 178 ح 1.
4- وسائل الشيعة 5 - 177 ح 1.

ثم زيادة عشر في العشر الأواخر ، لرواية سماعة (1).

الثاني : أن يصلي كذلك ، إلا أنه يقتصر في ليالي الأفراد على مائة ، فيبقى عليه ثمانون يصلي في كل جمعة عشر ركعات بصلاة علي وفاطمة وجعفر علیهم السلام ، وفي ليلة آخر جمعة من الشهر عشرين بصلاة علي ، وفي عشية تلك الجمعة ليلة السبت عشرين بصلاة فاطمة علیهاالسلام ، لرواية المفضل بن عمر عن الصادق علیه السلام وإسحاق بن عمار عن الكاظم علیه السلام (2).

والمشهور في ترتيب العشرين أنه يصلى بعد المغرب ثماني ركعات ، والباقي بعد العشاء ، لرواية مسعدة (3).

وفي رواية سماعة يصلي بعد المغرب اثني عشر ركعة ، والباقي بعد العشاء ، وكذا في ترتيب الثلاثين والمائة أيضا.

وروي أن عليا علیه السلام كان يصلي في آخر عمره في كل يوم وليلة من شهر رمضان ألف ركعة (4).

وكيفية هذه النوافل : أن يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة أخرى ، وقد روي أن يقرأ في المئات في كل ركعة الحمد مرة والإخلاص مائة مرة (5).

ولا تجوز الجماعة في هذه الصلاة ، قال زيد بن ثابت : إن الناس اجتمعوا فلم يخرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فرفعوا أصواتهم ، وحصبوا الباب ، فخرج مغضبا وقال : ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنها ستكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم ، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (6).

ص: 94


1- وسائل الشيعة 5 - 180 ح 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 178 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 179 ح 2.
4- وسائل الشيعة 5 - 176 ح 1 ب 5.
5- وسائل الشيعة 5 - 184.
6- جامع الأصول 7 - 81.

ولو كانت الجماعة مستحبة لم يزهد فيها.

وقال الباقر والصادق علیهماالسلام : إن النبي صلی اللّه علیه و آله خرج أول ليلة من شهر رمضان ليصلي ، فاصطف الناس خلفه ، فهرب إلى بيته وتركهم ، ففعل ذلك ثلاث ليال ، وقام يوم الرابع على منبره وقال : أيها الناس إن الصلاة بالليل في رمضان نافلة في جماعة بدعة ، فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان في صلاة الليل ، فإن ذلك معصية ، وكل بدعة ضلالة سبيلها إلى النار. ثم نزل وهو يقول : قليل في سنّة خير من كثير في بدعة (1).

وينبغي أن يفصل بين كل ركعتين بالتسليم ، ويدعوا بعدهما بالمأثور عن أهل البيت علیهم السلام .

ولا يستحب قيام ليلة الشك ، لأنها لم تثبت من رمضان ، فصلاة رمضان فيها بدعة.

ويستحب أن يقرأ في ليلة ثلاث وعشرين سورة العنكبوت والروم وألف مرة إنا أنزلناه. قال الصادق علیه السلام : من قرأ سورتي العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين ، فهو واللّه يا أبا محمد من أهل الجنة لا أستثني فيه أبدا ، ولا أخاف أن يكتب اللّه علي في يميني إثما ، وأن لهاتين السورتين من اللّه مكانا (2).

المطلب الثالث: ( في باقي النوافل الموقتة )

يستحب من النوافل الموقتة صلوات ، وأهمها ما نذكره :

الأول : صلاة ليلة الفطر ، وهي ركعتان يقرأ في الأولى الحمد مرة والإخلاص ألف مرة ، وفي الثانية الحمد مرة والإخلاص مرة واحدة ، ويدعو بعدهما بالمنقول.

ص: 95


1- وسائل الشيعة 5 - 192 ح 1.
2- وسائل الشيعة 7 - 264 ح 1.

الثاني : يستحب أن يصلي أول يوم من ذي الحجة صلاة فاطمة علیهاالسلام ، وفيه زوّجها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله من علي علیه السلام ، وروي أنه اليوم السادس ، ثم يدعو بالمنقول.

الثالث : يستحب أن يصلي يوم الغدير ركعتين قبل الزوال بنصف ساعة ، بعد أن يغتسل ، يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة وكل واحدة من الإخلاص والقدر وآية الكرسي عشر مرات ، ثم يدعو بالمنقول.

وروى أبو الصلاح استحباب الجماعة فيها والخطبة والتصافح والتهاني ، لبركة هذا اليوم وشرفه بتكميل الدين (1).

الرابع : يستحب أن يصلي يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة ، وهو يوم الصدقة بالخاتم قبل الزوال بنصف ساعة ركعتين ، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وكل واحد من الإخلاص وآية الكرسي إلى قوله ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) والقدر عشر مرات.

قال الشيخ : وهذه الصلاة بعينها رويناها في يوم الغدير ، وهو يعطي أن آية الكرسي في صلاة الغدير إلى قوله ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .

الخامس : يستحب أن يصلي يوم المباهلة ، وهو الخامس والعشرين من ذي الحجة ما شاء ، ويستغفر اللّه عقيب كل ركعتين سبعين مرة ، ويدعو بالمنقول.

السادس : يستحب أن يصلي صلاة عاشوراء ، وهي أربع ركعات يحسن ركوعها وسجودها ، ويسلم بين كل ركعتين ، يقرأ في الأولى بعد الحمد الجحد ، وفي الثانية الحمد والإخلاص ، وفي الثالثة الحمد والأحزاب ، وفي الرابعة الحمد والمنافقون أو ما تيسر ، ثم يسلم ويحول وجهه نحو قبر الحسين علیه السلام الحديث (2).

ص: 96


1- الكافي لأبي الصلاح الحلبي ص 160.
2- وسائل الشيعة 5 - 225 ح 1.

السابع : يستحب أن يصلي ليلة نصف رجب اثنتي عشرة ركعة ، يقرأ في كله الحمد وسورة ، فإذا فرغ قرأ الحمد والمعوذتين وسورة الإخلاص وآية الكرسي أربع مرات ، ويدعو بالمنقول.

الثامن : يستحب أن يصلي ليلة المبعث ، وهي ليلة السابع والعشرين من رجب أي وقت كان من الليل اثنتي عشرة ركعة ، يقرأ في كل ركعة الحمد والمعوذتين والإخلاص أربع مرات ، ثم يدعو بالمنقول.

التاسع : يستحب أن يصلي يوم المبعث اثنتي عشرة ركعة ، يقرأ في كل ركعة الحمد ويس ، فإذا فرغ قرأ الحمد أربع مرات ، وكذا الإخلاص والمعوذتان ، ودعا بالمنقول.

العاشر : يستحب أن يصلي في أيام رجب ثلاثين ركعة ، في كل ركعة الحمد مرة والإخلاص ثلاث مرات والجحد ثلاث مرات ، يصلي عشرا في العشر الأول ، وعشرا في الأوسط ، وعشرا في الأخير ، ويدعو بالمنقول.

الحادي عشر : يستحب أن يصلي ليلة نصف شعبان أربع ركعات ، يقرأ في كل ركعة الحمد والإخلاص مائة مرة ، ويدعو بالمنقول. وروي استحباب مائة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة والتوحيد عشر مرات (1). وروي فيها صلوات كثيرة (2) ، وهي ليلة مولد القائم علیه السلام .

الثاني عشر : يستحب أن يصلي كل ليلة جمعة اثنتي عشرة ركعة بين العشاءين ، يقرأ في كل ركعة الحمد والإخلاص أحدا وأربعين مرة ، وروي ركعتان في كل واحدة الحمد والزلزلة خمس عشرة مرة (3) وغيرها من الصلوات (4).

ويصلي يوم الجمعة صلاة النبي صلی اللّه علیه و آله ، وهي ركعتان يقرأ في

ص: 97


1- وسائل الشيعة 5 - 177 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 237 ب 8.
3- وسائل الشيعة 5 - 75 ح 3.
4- راجع وسائل الشيعة 5 - 221 - 297.

كل ركعة الحمد وإنا أنزلناه خمس عشرة مرة ، فإذا ركع قرأها خمس عشرة مرة فإذا انتصب قرأها خمس عشرة مرة ، فإذا سجد قرأها خمس عشرة مرة ، فإذا رفع رأسه قرأها خمس عشر مرة ، فإذا سجد ثانيا قرأها خمس عشرة مرة ، ثم يرفع رأسه من السجود إلى الثانية ، ويصلي كذلك ، فإذا سلم دعا بالمنقول.

وصلاة علي علیه السلام وهي أربع ركعات ، يقرأ في كل ركعة الحمد وخمسين مرة الإخلاص ، ثم يدعو بالمنقول.

وصلاة فاطمة علیهاالسلام ركعتان ، يقرأ في الأولى الحمد مرة والقدر مائة مرة ، وفي الثانية الحمد والإخلاص مائة مرة ، ثم يدعو بالمنقول.

وصلاة جعفر بن أبي طالب علیه السلام وهي صلاة التسبيح وصلاة الحبوة أربع ركعات بتسليمتين ، يقرأ في الأولى الحمد والزلزلة ، وفي الثانية الحمد والعاديات ، وفي الثالثة الحمد والنصر ، وفي الرابعة الحمد والتوحيد ، وإذا فرغ من القراءة في كل ركعة قال خمس عشرة مرة : « سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » ثم يركع ويقولها عشرا ، ثم يرفع رأسه ويقولها عشرا ، ثم يسجد ويقولها عشرا ، ثم يرفع رأسه ويقولها عشرا ، ثم يسجد ثانيا ويقولها عشرا ، ثم يجلس ويقولها عشرا ، ثم يقوم إلى الثانية ، وكذا باقي الركعات ، ثم يدعو بالمنقول.

والصلاة الكاملة ، وهي أربع ركعات قبل الزوال ، يقرأ في كل ركعة الحمد عشر مرات ، وكذا المعوذتان والتوحيد والجحد وآية الكرسي والقدر و « شهد اللّه » فإذا فرغ استغفر اللّه مائة مرة ودعا بالمنقول.

وصلاة الأعرابي ، وهي عشر ركعات ، يصلي ركعتان ثم يسلم ، ويصلي أربعا ثم يسلم ، ويصلي أربعا أخرى عند ارتفاع نهار الجمعة ، يقرأ في الأولى الحمد مرة والفلق سبع مرات ، وفي الثانية الحمد مرة والناس سبع مرات ، فإذا سلم قرأ آية الكرسي سبع مرات ، ثم يصلي ثماني ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد مرة والإخلاص خمسا وعشرين مرة ، ثم يدعو بالمنقول.

وصلاة الحسين علیه السلام أربع ركعات بثمانمائة مرة الحمد

ص: 98

والإخلاص ، يقرأ في الأولى بعد التوجه الحمد خمسين مرة وكذا الإخلاص ، فإذا ركع قرأ الحمد عشرا والإخلاص عشرا ، وكذا في الأحوال في كل ركعة مائتي مرة ، ثم يدعو بالمنقول. ويستحب ختم القرآن يوم الجمعة.

وصلاة الحاجة روي عن الباقر علیه السلام ركعتين يدعو بعدها بالمنقول (1). وعن الصادق علیه السلام : صوم الأربعاء والخميس والجمعة ، ثم يغتسل يوم الجمعة ويلبس ثوبا نظيفا ، ثم يصعد إلى أعلى موضع في داره ويصلي ركعتين ، ويدعو بالمنقول (2).

وكذا يستحب في النوافل المنقولة يوم الجمعة. وقد ذكرناها في كتاب تذكرة الفقهاء إجمالا ، وذكرها الشيخ في المصباح تفصيلا.

وكذا يستحب صلاة باقي الأسبوع ، فإن لكل يوم صلاة خاصة به ذكرناها في كتاب تذكرة الفقهاء.

ويستحب أن يصلي في أول كل شهر ما كان الباقر علیه السلام يصليه ، وهو في أول كل يوم منه ركعتان ، يقرأ في الأولى الحمد مرة والإخلاص لكل يوم إلى آخره ، وفي الثانية الحمد مرة والقدر والإخلاص ، ويتصدق بما تيسر ، يشتري به سلامة ذلك الشهر كله (3).

وصلاة الشكر مستحبة عند رفع النقم وتجدد النعم ، وهي ركعتان يقرأ في الأولى الحمد والتوحيد ، وفي الثانية الحمد والجحد ، ويدعو بالمنقول.

وصلاة الاستخارة مستحبة ، كان زين العابدين علیه السلام إذا هم بأمر حج أو عمرة أو بيع أو شراء أو عتق تطهر ثم صلى ركعتين للاستخارة يقرأ فيهما الحشر والرحمن والمعوذتين ، ثم يدعو بالمنقول (4). وقد رويت صلاة كثيرة للحاجة والاستخارة وغيرهما (5).

ص: 99


1- وسائل الشيعة 5 - 258 ح 8.
2- وسائل الشيعة 5 - 259 ح 10.
3- وسائل الشيعة 5 - 286 ح 1 ، والرواية في أبي جعفر محمد بن علي الرضا علیه السلام .
4- وسائل الشيعة 5 - 204 ح 3.
5- راجع وسائل الشيعة 5 - 204 - 221 و 255 - 261.

ويستحب صلاة التحية عند دخول المساجد وصلاة الإحرام.

المطلب الرابع: ( في صلاة الاستسقاء )

قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إذا غضب اللّه على أمة ، ثم ينزل بها العذاب ، غلت أسعارها وقصرت أعمارها ، ولم تربح تجارتها ، ولم تزك ثمارها ، ولم تعذب أنهارها ، وحبس عنها أمطارها ، وسلط عليها أشرارها (1).

وقال الصادق علیه السلام : إذا فشت أربعة ظهرت أربعة ، إذا فشى الزنا ظهرت الزلازل ، وإذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية ، وإذا جار الحكام في القضاء أمسك القطر من السماء ، وإذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين (2).

والاستسقاء مشروع بالكتاب والسنّة والإجماع ، قال اللّه تعالى ( وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ) (3) وقال تعالى ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ) (4).

وأصاب أهل المدينة قحط فبينا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يخطب إذ قام رجل فقال : هلك الكراع والشاء فادع اللّه أن يسقينا ، فمد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يديه ودعا والسماء كمثل الزجاجة ، فهاجت رحى ثم أنشأت سحابا ، ثم اجتمع ، ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا قبل منازلنا ، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى ، فقام إليه الرجل أو غيره فقال : يا رسول اللّه تهدمت البيوت واحتبس الركبان ، فادع اللّه أن يحبسه ، فتبسم رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ثم قال : حوالينا ولا علينا ، فتصدعت

ص: 100


1- وسائل الشيعة 5 - 168 ح 2.
2- وسائل الشيعة 5 - 168 ح 1.
3- سورة البقرة : 60.
4- سورة نوح : 10.

السماء حول المدينة كأنه الليل (1).

وقال الباقر علیه السلام صلى رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله الاستسقاء ركعتين (2) ، وصلى أمير المؤمنين صلاة الاستسقاء وخطب طويلا ثم بكى وقال : سيدي ساخت جبالنا ، وأغبرت أرضنا ، وهامت دوابنا ، وقنط ناس منا ، وتاهت البهائم وتحيرت في مراتعها ، وعجت عجيج الثكلى على أولادها ، وملت الدوران في مراتعها حيث حبست عنها قطر السماء ، فدق بذلك عظمها ورق لحمها وذاب شحمها وانقطع درها ، اللّهم ارحم أنين الأنة ، وحنين الحانة ، وارحم تحيرها في مراتعها وأنينها في مرابضها (3).

ويستحب فيه الصلاة عند قلة الأمطار وغور الأنهار والآبار والجدب ، عند علمائنا أجمع لما تقدم ، وقول الصادق علیه السلام في الاستسقاء يصلي ركعتين (4) ، وهذه الصلاة ليست واجبة إجماعا.

وهي ركعتان يقرأ في كل ركعة الحمد وسورة ، ويكبر فيهما تكبير العيد ، لأن الباقر علیه السلام قال : إن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى صلاة الاستسقاء وكبر فيها سبعا وخمسا (5). وقال ابن عباس : خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله متذللا متواضعا ، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد (6).

ويقرأ فيهما أي سورة شاء. ويحتمل كما في العيد ، لأن الصادق علیه السلام سئل عن كيفية صلاة الاستسقاء؟ فقال : مثل صلاة العيد (7).

ويقنت عقيب كل تكبيرة زائدة ، كما في العيد ، إلا أنه يدعو هنا بالاستعطاف وسؤال الرحمة وإنزال الغيث وتوفير الماء ، وأفضل ما يقال ما نقل

ص: 101


1- جامع الأصول 7 - 135 ، وفيه وإنها لفي مثل إلا كليل.
2- وسائل الشيعة 5 - 163 ح 6.
3- من لا يحضره الفقيه 1 - 338.
4- وسائل الشيعة 5 - 163 ح 6.
5- وسائل الشيعة 5 - 163 ح 3.
6- جامع الأصول 7 - 129.
7- وسائل الشيعة 5 - 162 ح 1.

عن أهل البيت علیهم السلام .

ويستحب أن يصوم الناس لهذه الصلاة ثلاثة أيام ، يخطب الإمام يوم الجمعة ويشعر الناس بذلك ، ويأمرهم بصوم السبت والأحد والاثنين ، أو الأربعاء والخميس والجمعة ، ويخرج بهم اليوم الثالث ، لاستجابة دعاء الصائم ، قال علیه السلام : دعوة الصائم لا ترد (1).

ويستحب الإصحار بها ، لأنه علیه السلام خرج بالناس إلى المصلى يستسقى وقال علیه السلام : مضت السنّة أنه لا يستسقى إلا بالبراري حيث ينظر الناس إلى السماء (2). ولا يستسقى في المساجد إلا بمكة لشرف البقعة ، فإنه يصلى في مسجدها الحرام ، لأنهم في الصحراء ينظرون ما ينشأ من السحاب أو ينزل من الغيث.

والاستحباب إخراج الصبيان والنساء والبهائم ، ولا يحمل ذلك إلى المصلى.

وهل يخرج المنبر؟ قال المرتضى : نعم ، لقول الصادق علیه السلام لمحمد بن خالد : يخرج المنبر ، ثم يخرج كما يخرج يوم العيدين ، وبين يديه المؤذنون في أيديهم عنزهم ، حتى إذا انتهى الإمام إلى المصلى صلى بالناس ركعتين بغير أذان ولا إقامة (3). وقيل : لا يخرج ، بل يعمل شبه المنبر من طين.

ويستحب أن يخرج الناس حفاة على سكينة ووقار ، لأنه أبلغ في الخضوع والاستكانة ، ولقول الصادق علیه السلام : يخرج كما يخرج في العيدين (4).

وأن يتنظف الخارج بالماء وما يقطع الرائحة من سواك وغيره ، ولا يتطيب ، لأن التطيب للزينة وليس يوم زينة.

ص: 102


1- سنن ابن ماجة 1 - 557.
2- وسائل الشيعة 5 - 166 ح 1.
3- تهذيب الأحكام 3 - 149 ح 5.
4- نفس المصدر.

ويخرج في ثياب بذلته وتواضعه ، ولا يجدد لأن النبي صلی اللّه علیه و آله خرج متبذلا متواضعا متضرعا (1) ، ويكون مشيه وجلوسه وكلامه في تواضع واستكانة.

وأن يخرج الناس كافة ، لأن اجتماع القلوب على الدعاء مظنة الإجابة. ويخرج الإمام من كان ذا دين وصلاح وستر وعفاف وعلم وزهد ، لقرب دعائهم من الإجابة.

ويخرج الشيوخ والعجائز والأطفال ، لأنهم أقرب إلى الرحمة وأسرع للإجابة ، قال علیه السلام : لو لا أطفال رضع وشيوخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا (2). ولا يخرج الشواب من النساء ، ليؤمن الافتتان بهم.

ويمنع الكفار من الخروج معه وإن كانوا أهل ذمة ، لأنه مغضوب عليهم ، ولئلا يصيبهم عذاب فيعم من حضرهم ، فإن قوم عاد استسقوا ، فأرسل اللّه تعالى عليهم ريحا صرصرا فأهلكتهم.

ويكره إخراج المتظاهر بالفسق والخلاعة (3) والنكر من أهل الإسلام.

ويخرج بالبهائم ، لأنهم في مظنة الرحمة وطلب الرزق مع انتفاء الذنب ، وقد جعلها علیه السلام سببا في دفع العذاب بقوله « وبهائم رتع » ولأن سليمان علیه السلام خرج يستسقي فرأى نملة قد استلقت على ظهرها وهي تقول : اللّهمّ أنا خلق من خلقك وليس بنا غنى عن رزقك ، فقال سليمان علیه السلام : ارجعوا فقد شفعتم بغيركم.

وينبغي أن يأمر الإمام بالخروج من المظالم والاستغفار بالمعاصي ، وترك التشاجر ، والصدقة. ويفرق بين الأطفال وأمهاتهم ، ليكثر البكاء والخشوع بين يدي اللّه تعالى ، فربما أدركهم بلطفه.

ص: 103


1- جامع الأصول 7 - 128.
2- سنن البيهقي 3 - 345.
3- خلع خلاعة : انقاد لهواه وتهتك ، استخف.

ويخرج هو والقوم يقدمونه ذاكرين مستغفرين إلى أن ينتهوا إلى المصلى ، ولا أذان ولا إقامة إجماعا ، بل يقول المؤذن « الصلاة » ثلاثا. وفي أي وقت خرج جاز وصلاها ، إذ لا وقت لها إجماعا.

ويجوز فعلها في الأوقات المكروهة ، لأنه ذات سبب. وتصلى جماعة وفرادى ، لأنه علیه السلام صلاها في جماعة ، ولأن المراد بركتهم.

وتصح من المسافر والحاضر وأهل البوادي وغيرهم ، لعموم الحاجة. وإذا صليت جماعة لم يشترط إذن الإمام ، لأن علة تسويغها حاصل ، فلا يشترط إذن الإمام كغيرها من النوافل.

ويستحب إذا فرغ من الصلاة أن يخطب ، اقتداء بفعله علیه السلام ، فإذا صعد المنبر جلس بعد التسليم ، كما في باقي الخطب ، ويخطب بالخطبة المروية عن علي علیه السلام (1). والأقرب أنه يخطب خطبتين ، للنص على مساواة العيد.

ويستحب أن يستقبل الإمام القبلة بعد فراغه من الصلاة قبل الخطبة ، ويكبر اللّه تعالى مائة مرة ، ثم يلتفت عن يمينه ويسبح اللّه تعالى مائة مرة ، ثم يلتفت عن يساره ويهلل اللّه مائة مرة ، ثم يستدبر القبلة ويستقبل الناس ويحمد اللّه تعالى مائة مرة ، يرفع بذلك صوته ، والناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات ، لما فيه من إيتاء الجهات حق الأذكار ، إذ لا يعلم جهة الرحمة وللرواية (2). واختلف علماؤنا في تقديم الأذكار على الخطبة وتأخيرها.

ويستحب للإمام بعد الفراغ من الخطبة تحويل الرداء ، فيجعل الذي على يمينه على يساره ، والذي على يساره على يمينه قبل الأذكار ، لقول الصادق علیه السلام : ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره ، والذي على يساره على يمينه ، ثم يستقبل القبلة ، فيكبر اللّه مائة (3). وفي

ص: 104


1- راجع من لا يحضره الفقيه 1 - 338.
2- وسائل الشيعة 5 - 163 ح 2.
3- نفس المصدر.

رواية : إذا أسلم الإمام قلب ثوبه بقلب الرداء ، ليقلب اللّه تعالى ما بهم من الجدب إلى الخصب (1). ولا فرق بين أن يكون الرداء مربعا أو مقورا (2) لأنه علیه السلام حول رداءه وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر ، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن (3).

ويستحب الإكثار من الاستغفار ، والتضرع إلى اللّه تعالى ، والاعتراف بالذنب ، وطلب المغفرة والرحمة ، والصدقة ، لأن المعاصي سبب انقطاع الغيث ، والاستغفار يمحو المعاصي المانعة من الغيث ، فيأتي اللّه تعالى به.

فإن تأخرت الإجابة ، استحب الخروج ثانيا وثالثا وهكذا إلى أن يجابوا ، لقوله علیه السلام : إن اللّه يحب الملحين في الدعاء ، ولحصول السبب والخروج ثانيا كالخروج أولا.

ولو تأهبوا للخروج فسقوا قبل خروجهم لم يخرجوا ، وكذا لو سقوا قبل الصلاة لم يصلوا ، لانتفاء المقتضي. نعم تستحب صلاة الشكر ، وسؤال الزيادة ، وعموم الخلق بالغيث. وكذا لو سقوا عقيب الصلاة ، فإذا كثر الغيث وخافوا ضرره دعوا اللّه تعالى أن يخففه وأن يصرف مضرته عنهم ، تأسيا به علیه السلام .

ويجوز أن يستسقي الإمام بغير صلاة ، بأن يستسقي في خطبة الجمعة والعيدين ، وهو دون الأول في الفضل.

ويستحب لأهل الخصب أن يدعو لأهل الجدب ، لأنه تعالى أثنى على قوم دعوا لإخوانهم في قوله تعالى ( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا ) (4).

ولو نذر الإمام أن يستسقي انعقد نذره ، لأنه طاعة ، فإن سقي الناس ، ففي وجوب الخروج لإيفاء النذر إشكال ، ينشأ من حصول الغرض فلا فائدة

ص: 105


1- وسائل الشيعة 5 - 165.
2- في « س » مدورا.
3- جامع الأصول 7 - 129.
4- سورة الحشر : 10.

في الصلاة ، وفي انعقاد النذر لأنه صلاة ، فلا يخرج عن العهدة بدونه ، وحصول الغاية لا تسقط الواجب. وليس له إخراج غيره ولا إلزامه بالخروج. ولو لم يسقوا ، وجب عليه الخروج بنفسه ، وليس له إلزام غيره بذلك ، بل يأمرهم أمر ترغيب.

ولو نذر أن يخرج بالناس ، انعقد نذره في حقه خاصة ، ووجب عليه إشعار غيره وترغيبه في الخروج ، فإن فعل وإلا لم يجز جبره عليه. وحكم غير الإمام لو نذر كالإمام.

ويستحب أن يخرج فيمن يطيعه من أهله وأصحابه ، فإن أطلق النذر لم تجب الخطبة ، ولو نذرها خطب. ولو نذر أن يخطب على المنبر انعقد نذره ، ولم يجز أن يخطب على حائط وشبهه.

ولو نذر الاستسقاء ، لم تجب الصلاة ولا الصوم. ولو نذر أن يستسقي بصلاة ، جاز أن يصلي أين شاء ، ويجزيه في منزله. ولو قيد صلاته في المسجد وجب ، فإن صلاها في الصحراء حينئذ قال الشيخ : لا تجزيه (1) ، وفيه إشكال ، ينشأ من أولوية إيقاعها في الصحراء.

المطلب الخامس: ( في الأحكام )

التطوع قائما أفضل ، لأنه أشق فيزيد الثواب بزيادة المشقة ، وقال علیه السلام : من صلى قائما فهو أفضل ، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم (2).

ويجوز الجلوس إجماعا ، ولهذا الحديث ، وقول الباقر علیه السلام : ما أصلي النوافل إلا قاعدا مذ حملت هذا اللحم (3) ، ولأنه قد يشق على كثير ، فلو

ص: 106


1- المبسوط 1 - 135.
2- جامع الأصول 6 - 214.
3- وسائل الشيعة 4 - 696 ح 1.

لم يشرع الجلوس لزم الحرج ، أو ترك النوافل.

وإذا صلى جالسا احتسب كل ركعتين من جلوس بركعة من قيام ، لأن أجره أجر نصف القائم ، فاستدرك أجر القائم بتضعيف العدد ، وقال الصادق علیه السلام : يضعف ركعتين بركعة (1). ولو احتسب بركعتين جاز للرواية والوجه (2) عندي في الجمع بين الروايتين التضعيف مع عدم العذر ، وعدمه مع ثبوته.

وإذا صلى جالسا استحب أن يتربع حال قراءته ويثني رجليه راكعا وساجدا. ولو قام للركوع بعد فراغ القراءة كان أفضل ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يصلي بالليل قائما ، فلما أسن كان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين ثم ركع (3).

والنوافل التي لا سبب لها هي ما يتطوع به الإنسان ابتداء ، وهي أفضل من نفل العبادات ، لأن فرض الصلاة أفضل من جميع الفرائض ، والتنفل بالليل أفضل ، لقوله تعالى ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ ) (4) ولأنه وقت غفلة الناس فكانت العبادة فيه أشد خلاصا من الرياء. ولا يستحب استيعاب الليل بالصلاة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى بعض أصحابه عن فعل ذلك.

والأفضل في النوافل كلها أن يصلي ركعتين كالرواتب ، إلا الوتر وصلاة الأعرابي ، سواء نوافل الليل والنهار ، لقوله علیه السلام : مفتاح الصلاة الطهور ، وبين كل ركعتين تسليمة (5). ومنع الشيخ من الزيادة على الركعتين ، لأنها عبادة شرعية فتقف على مورد النص. وروى عنه علیه السلام : صلاة

ص: 107


1- وسائل الشيعة 4 - 697 ح 3.
2- وسائل الشيعة 4 - 697 ح 1.
3- جامع الأصول 6 - 215.
4- سورة الإسراء : 79.
5- سنن ابن ماجة 1 - 101 و 419.

الليل والنهار مثنى مثنى (1). وثبت أن تطوعاته علیه السلام كذلك.

وقال في الخلاف : لا يجوز الاقتصار على الواحدة إلا في الوتر ، لأنه علیه السلام نهى عن البتيراء. يعني الركعة الواحدة.

وإذا نوى النفل مطلقا صلى ركعتين ، لأنه الكيفية المشروعة ، ولو نوى أربعا سلم عن ركعتين ، ولو شرع بنية ركعتين ، ثم قام إلى الثالثة سهوا عاد ، وإن تعمد بطل.

والنوافل الموقتة تقضى لو فاتت ، لعموم من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها (2) والأقرب جواز قضائها في الأوقات الخمسة ، لأنها ذات سبب هو الذكر ، ويقضي سواء فاتت منفردة أو منضمة إلى الفرائض التابعة لها.

ص: 108


1- سنن ابن ماجة 1 - 419.
2- جامع الأصول 6 - 134.

المقصد الرابع: في النوافل

اشارة

وفيه فصول :

ص: 109

ص: 110

الفصل الأول: ( في الجماعة )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في فضيلة الجماعة )

أركان الصلاة وشروطها لا تختلف بين أن يؤدي على سبيل الانفراد أو بالجماعة ، لكن الأداء بالجماعة أفضل ، والإجماع والأحاديث دلا على فضلها قال علیه السلام : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (1). قال الصادق علیه السلام : الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ بأربع وعشرين درجة تكون خمسة وعشرين صلاة (2).

والصلاة : إما واجبة ، أو مندوبة ، فالمندوبة لا جماعة فيها ، إلا ما تقدم من صلاة الاستسقاء والعيدين المستحبين ، وأما الواجبة ، فمنها ما تجب الجماعة فيها ، كالجمعة والعيدين الواجبين ، ومنها ما تستحب كالفرائض الخمس اليومية والآيات.

وليست الجماعة في الفرائض اليومية فرض عين ، لقوله علیه السلام :

ص: 111


1- سنن ابن ماجة 1 - 259.
2- وسائل الشيعة 5 - 371 ح 1.

صلاة الرجل مع الواحد أفضل من صلاته وحده (1).

ولا يحسن أن يقال : الإتيان بالواجب أفضل من تركه. وليست أيضا فرض كفاية ، لأنها خصلة مشروعة في الصلاة لا تبطل الصلاة بتركها ، فلا تكون مفروضة ، كسائر السنن المشروعة في الصلاة ، ولأصالة البراءة ، فلو امتنع أهل بلدة من إقامتها ، لم يقاتلوا عليه ، لكن يستحب حثهم عليها وترغيبهم فيها ، ويحتمل قتالهم عليها كالأذان ، لأنها من شعائر الإسلام وأعلامه.

وكما تستحب للرجال كذا تستحب للنساء ، لكن في حق الرجال آكد ، وليست مكروهة لهن ، لأنه علیه السلام أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها (2) ، وإذا صلين جماعة وقفت الإمامة وسطهن ، وجماعتهن في البيوت أفضل.

ويجوز للعجائز حضور المساجد لأمن الافتتان ، لأنه علیه السلام نهى النساء عن الخروج إلى المساجد في جماعة الرجال إلا عجوزا في منقلها والمنقل الخف. وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء.

ولو صلى الرجل في بيته برفيقه أو زوجته أو ولده ، أدرك فضيلة الجماعة ، لكنها في المساجد أفضل ، لقوله علیه السلام : صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة (3).

وكلما كثرت الجماعة فيه من المساجد ، كان الفضل فيه أكثر ، فلو كان بالقرب منه مسجد قليل الجمع وبالبعد كثير الجمع ، فالأفضل قصد الأبعد ، إلا أن تتعطل الجماعة في القريب بعدوله عنه ، إما لكونه إماما ، أو لأن الناس يحضرون بحضوره ، فيكون في القريب أفضل ، أو أن يكون إمام البعيد لا يرتضى به.

ص: 112


1- وسائل الشيعة 5 - 374 ح 14.
2- سنن أبي داود 1 - 161.
3- صحيح مسلم 1 - 540 الرقم 781.

وإذا رأى رجلا يصلي وحده ، استحب أن يصلي معه ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله رأى رجلا يصلي وحده فقال : ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه (1) ، فجعل الصلاة معه بمنزلة الصدقة عليه.

ويستحب أن يمشي على عادته إلى الجماعة ، ولا يسرع إلا أن يخاف فوتها ، فيستحب محافظة على إدراك فضيلة الجماعة.

ويكره ترك الجماعة ، إلا لعذر إما عام ، كالمطر ليلا ونهارا ، لقوله علیه السلام : إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال (2) ، أو الريح العاصفة ليلا ونهارا ، لأنه علیه السلام كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح ألا صلوا في رحالكم (3).

وإما خاص كالمرض ، قيل : يا رسول اللّه ما العذر؟ حيث قال علیه السلام : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ، فقال : خوف أو مرض.

ولا يشترط أن يبلغ مبلغا يجوز العقود في الفريضة معه ، لكن المعتبر أن يلحقه مشقة كمشقة الماشي في المطر ، وكالمتمرض وكالخوف على نفسه ، أو ماله ، أو على من يلزمه الذب عنه من سلطان يظلمه ، أو يخاف من غريم يلازمه أو يحبسه إن رآه وهو معسر لا يجد وفاء.

ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه ، بل عليه الحضور وتوفية ذلك الحق.

أو أن يكون عليه قصاص ولو ظفر به المستحق قتله ، وكان يرجو العفو مجانا أو على مال ، وكذا حد القذف.

أو أن يدافعه الأخبثين أو الريح ، فإن الصلاة مكروهة حينئذ ،

ص: 113


1- سنن أبي داود 1 - 157.
2- سنن ابن ماجة 1 - 302.
3- نفس المصدر ، جامع الأصول 6 - 372.

والمستحب أن يفرغ نفسه ثم يصلي وإن فاتته الجماعة ، قال علیه السلام : لا يصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين (1). ولو خاف خروج الوقت بدأ بالصلاة ، ولا يجوز قضاء حاجته مع التمكن.

أو يكون به جوع شديد وقد حضر الطعام والشراب ونفسه تتوق إليه ، فيبدأ بالأكل والشرب. قال علیه السلام : إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة ابدءوا بالعشاء (2). ولو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالأكل ، قدم الفريضة.

أو يكون عاريا لا لباس له ، فيعذر في التخلف ، سواء وجد ما يستر به العورة أو لم يجد ، وفي حكمه من لا يجد ثياب التجمل وهو من أهله.

وشدة الحر والبرد عذران عامان ، وإرادة السفر وخوف فوت الرفقة ، ومنشد الضالة أعذار خاصة ، وكذا غلبة النوم وأكل شي ء من المؤذيات كالثوم والبصل.

قال الشيخ : يكره تكرر الجماعة في المسجد الواحد ، فإذا صلى إمام الحي في مسجد وحضر قوم آخرون صلوا فرادى (3) ، لما فيه من اختلاف القلوب والتهاون بالصلاة مع إمامه.

والأقوى عندي استحباب الجماعة لكن لا يؤذنون ما دامت الصفوف الأولى لم يتفرقوا ، لأن الذي رواه أبو علي الجبائي عن الصادق علیه السلام كراهة أن تؤذن الجماعة الثانية إذا تخلف أحد من الأولى ودخل رجلان المسجد وقد صلى علیه السلام بالناس فقال لهما : إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه ولا يؤذن ولا يقيم (4) ، ولأن العذر قد يحصل فلو منعوا من الجماعة فاتهم أجرها وللعموم ، ولقوله علیه السلام : ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (5).

ص: 114


1- صحيح مسلم 1 - 393 الرقم 560.
2- صحيح مسلم 1 - 392 الرقم 557.
3- المبسوط 1 - 152.
4- وسائل الشيعة 5 - 466 ح 3.
5- سنن أبي داود 1 - 157.

ومحل الجماعة الفرض دون النفل كما قلناه ، لأنه علیه السلام أمرهم بالتنفل في بيوتهم (1).

المطلب الثاني: ( في الشرائط )
اشارة

وهي ثمانية (2) : الأول العدد. الثاني عدم تقدم المأموم على إمامه في الموقف. الثالث الاجتماع في الموقف. الرابع عدم الحيلولة المانعة من المشاهدة. الخامس عدم علو الإمام على المأموم بالمعتد به. السادس نية الاقتداء. السابع توافق نظم الصلاتين. الثامن إدراك الإمام قارئا أو راكعا. التاسع المتابعة ، فهنا مباحث :

البحث الأول: ( العدد )

وأقله اثنان إمام ومأموم. فلو نوى الواحد الإمامة أو الايتمام ، لم يصح نيته ، وفي بطلان الصلاة إشكال ينشأ من بطلان النية لبطلان ما نواه وتعذره ، ومن بطلان الوصف فيقع لاغيا وبقي الباقي على حكمه.

ولا يشترط زيادة على الاثنين إجماعا ، ولقوله علیه السلام : الاثنان فما فوقهما جماعة (3) ، ولأن المعنى المشتق منه موجود فيهما. ولا يشترط اتحادهما نوعا ، فيجوز للرجل والمرأة أو الصبي أو الخنثى عقد الإمامة.

وكذا يجوز للنساء أن يصلين جماعة في الفرض والنفل كالرجال ، لأنه علیه السلام أمر أم ورقة بنت عبد اللّه بن الحارث بن نوفل وكان يزورها ويسميها

ص: 115


1- صحيح مسلم 1 - 540.
2- كذا في النسخ الثلاثة ، وهي تسعة.
3- وسائل الشيعة 5 - 380 ح 6.

الشهيدة بأن تؤم أهل دارها وجعل لها مؤذنا (1). وسئل الصادق علیه السلام هل تؤم المرأة النساء؟ فقال : لا بأس (2) ، ولأنهن من أهل الفرض ، فسنت لهن الجماعة كالرجال ، وهو مستحب لا مكروه ، وتقف في وسطهن للرواية (3) ، ولأن ذلك أستر كالعراة ، فإن تقدمت صحت الصلاة ، كالرجل لو صلى وسط الرجال.

والحرة بالإمامة أولى من الأمة ، كالحر مع العبد ، لأنها أكمل ، ولأنها تستتر في الصلاة. ولو تقدمت الأمة ، جاز وإن صلت مكشوفة الرأس لصحتها ولأنه فرضها. فإن أعتقت في الأثناء ، أو قبل الصلاة ولم تعلم وعلمت الحر ، جاز لها الايتمام بها ، لأنها صلاة مشروعة. وكذا العالم بنجاسة ثوب إمامه الجاهل بها ، إن لم توجب الإعادة في الوقت لو علم.

ويصح أن يؤم الرجل النساء الأجانب ، لأنه علیه السلام صلى بأنس وبأمه أو خالته. وكذا يصلي بالصبي في الفرض والنفل الذي يسوغ الجماعة فيه ، لأنه علیه السلام أم ابن عباس وهو صبي.

وللخنثى أن تؤم المرأة ، لأن أدون أحوالها المساواة ، ولا يجوز أن يؤم مثلها ولا رجلا ولا أن تأتم بالمرأة لجواز أن تكون امرأة والمأموم رجلا.

البحث الثاني: ( في عدم التقدم في الموقف )

لا يجوز أن يتقدم المأموم إمامه في الموقف ، فإن فعل بطلت صلاته ، سواء تقدم عند التحريم أو في الأثناء ، لأنه علیه السلام تقدم وكذا الصحابة والتابعون ، ولأنه أخطأ موقفه إلى موقف ليس بموقف لأحد من المأمومين

ص: 116


1- سنن أبي داود 1 - 161 ، جامع الأصول 6 - 379.
2- وسائل الشيعة 5 - 408 ح 11.
3- وسائل الشيعة 5 - 406.

بحال ، فلم تصح صلاته ، كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام في المسجد.

ولأنه يحتاج في الابتداء والمتابعة إلى الالتفات إلى ورائه ، والاعتبار في التقدم والمساواة في العقب ، فلو تقدم عقب المأموم بطلت ، وإن ساواه صحت.

ولو كان المأموم أطول يخرج عن حد الإمام في ركوعه وسجوده ، فالأولى الصحة ، ولو كانت رجل الإمام أكبر ، فوقف المأموم بحيث يحاذي أطراف أصابعه أصابع الإمام ولكن يقدم عقبه على عقب إمامه ، فالوجه البطلان. ويحتمل الصحة ، لأنه حاذى الإمام ببعض بدنه واعتبارا بالأصابع.

ولو كانت رجل المأموم أطول ، فوقف بحيث يكون عقبه محاذيا لعقب الإمام ، وتقدمت أطراف أصابعه فالوجهان ، والأقرب اعتبار العقب والأصابع معا ، والأفضل تأخر المأموم عن الإمام.

ولو جمعوا في المسجد الحرام ، فالمستحب أن يقف الإمام خلف المقام ، ويصف الناس خلفه. ولو استداروا بالكعبة فإشكال ، ينشأ من أنه تقدم أم لا ، فإن جوزناه وكان بعضهم أقرب إلى البيت ، فإن كان متوجها إلى الجهة التي توجه إليها الإمام ، بطلت صلاته لتقدمه ، وإن كان متوجها إلى غيرها ، احتمل ذلك لئلا يكون متقدما حكما ، والجواز لأنه لم يظهر منكره ، ولعدم ضبط القرب من البيت من جميع الجهات للمشقة.

ولو صلوا داخل الكعبة فالأقرب وجوب اتحاد الجهة ، ويحتمل جواز الاختلاف. فإن كان أحدهم أقرب من الإمام إلى الجدار ، فإن اتحدت الجهة بطلت صلاته ، وإلا فالوجهان. وهل يجوز تقابل الإمام والمأموم إشكال.

ولو وقف الإمام في الكعبة والمأموم خارجا ، ففي جواز المخالفة في الاستقبال إشكال. ولو انعكس الفرض جاز ، لكن لو توجه إلى الجهة التي توجه إليها الإمام فإشكال ، ينشأ من أنه يكون سابقا على الإمام.

ص: 117

ثم المأموم إن كان واحدا ذكرا ، وقف على يمين الإمام استحبابا لا وجوبا للأصل ، فإن خالف بأن وقف خلفه أو على يساره ، لم تبطل صلاته. قال ابن عباس : بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلی اللّه علیه و آله يصلي فقمت عن يساره ، فأخذني بيمينه فحولني عن يمينه (1). وقال أحدهما علیهماالسلام : الرجلان يؤم أحدهما الآخر يقوم عن يمينه (2).

ولا فرق بين البالغ والصبي في ذلك ، فإن جاء مأموم آخر ، وقف على يساره وأحرم ، ثم إن أمكن تقدم الإمام وتأخر المأمومين لسعة المكان من الجانبين تقدم أو تأخر ، والأولى تقدم الإمام ، لأنه يبصر قدامه فيعرف كيف يتقدم.

ويحتمل أولوية تأخرهما ، لقول جابر : صليت مع النبي صلی اللّه علیه و آله فقمت عن يمينه ثم جاء آخر فقام عن يساره ، فدفعنا جميعا حتى أقامنا من خلفه (3). ولو لم يمكن إلا التقدم أو التأخر لضيق المكان من أحد الجانبين ، حافظوا على الممكن.

هذا إذا لحق في القيام ، وإن لحق الثاني في التشهد أو السجود ، فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا.

ولو حضر معه في الابتداء رجلان أو رجل وصبي ، قاما خلفه صفا واحدا. ولو لم يحضر معه إلا الإناث ، وقفن خلفه صفا ، سواء كانت واحدة أو اثنتين أو ثلاثا.

ولو حضر رجل وامرأة قام الرجل عن يمينه والمرأة خلف الرجل.

ولو حضرت امرأة مع رجلين أو رجال ، أو رجل وصبي ، قام الرجلان ، أو الرجل والصبي خلف الإمام صفا ، وقامت المرأة خلفهما.

ص: 118


1- جامع الأصول 6 - 389.
2- وسائل الشيعة 5 - 379.
3- سنن ابن ماجة 1 - 312.

ولو كان معه رجل وامرأة وخنثى ، وقف الرجل عن يمينه والخنثى خلفهما ، لاحتمال أن تكون امرأة ، والمرأة خلف الخنثى لاحتمال أنه رجل.

ولو حضر رجال وصبيان ، وقف الرجال خلف الإمام في صف أو صفوف ، والصبيان خلفهم ، ولو قصد تعليم الصبيان وتمرينهم لم يكن بأس ، بأن يكون بين كل رجلين صبي.

ولو حضر معهم نساء آخر ، صف النساء عن صف الصبيان ، كل هذا استحباب لا تبطل الصلاة بمخالفته إلا في موضعين :

الأول : تقدم المأموم على الإمام مبطل إجماعا منا.

الثاني : تقدم المرأة على الرجل ، أو اتفاقهما في صف واحد على الخلاف ، سواء كانت مقتدية به ، أو بإمامه أو منفردة ، ولو كانوا عراة ، وقفوا صفا واحدا.

ولو دخل رجل والقوم في الصلاة ، كره أن يقف منفردا خلف الصف ، بل إن وجد فرجة أو سعة في الصف دخل ، وله أن يخرق الصف الآخر إن لم يجد فرجة فيه ووجدها في صف قبله ، لأنهم قصروا حيث لم يتموه. ولو لم يجد فرجة وقف منفردا ، ولا يجذب إليه أحدا ، لئلا يفوت عليه الصف الأول ، ولو جر إليه غيره ، استحب للمجرور أن يساعده ، ليحصل له فضيلة الموقف.

ويستحب أن يلي الإمام أهل النهى والفضل ، لأنهم أشرف ، ليردوا الإمام لو غلط. وقال النبي صلی اللّه علیه و آله : ليليني منكم أولو الأحلام ، ثم الذين يلونهم ثم الصبيان (1). وقال الباقر علیه السلام : ليكن الذين يلون الإمام أولو الأحلام (2).

والعراة كغيرهم في استحباب الجماعة ، ويجلس وسطهم ويصلون

ص: 119


1- جامع الأصول 6 - 388.
2- وسائل الشيعة 5 - 386 ح 2.

جلوسا ، ويتقدمهم بركبتيه للرواية (1). ويومون للركوع والسجود. ويكون السجود أخفض.

ولو تقدمت سفينة المأموم ، فإن استصحب نية الايتمام ، بطلت صلاته ، لفوات الشرط ، وهو عدم التقدم ، خلافا للشيخ. ولو عدل إلى نية الانفراد ، صحت.

البحث الثالث: ( في الاجتماع في الموقف )

يجب العلم بالأفعال الظاهرة للإمام ، ليتمكن من متابعته ، وإنما يكون بالمشاهدة للإمام ، أو لبعض الصفوف ، أو بسماع صوت الإمام ، أو صوت المترجم في حق الأعمى والبصير الذي لا يشاهد لظلمة وغيرها ، أو بهداية غيره إن كان أصم (2) أو في ظلمة.

فإن كان الإمام والمأموم في مسجد واحد ، صح الاقتداء ، إن لم يتباعد المأموم عن الإمام بما يعد تباعدا فاحشا في العرف ، إلا مع إيصال الصفوف ، فإنه يصح الاقتداء وإن بعد جدا ، لقول الباقر علیه السلام : إذا صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى ، فليس ذلك لهم بإمام ، وأي صف كان أهله يصلون وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة (3).

ولا فرق في المنع من التباعد بين أن بجمعهما مسجد أو لا للعموم والقرب والبعد الحوالة فيهما على العرف لعدم التنصيص. نعم يستحب أن

ص: 120


1- صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه علیه السلام قال : سألته عن قوم صلوا جماعة وهم عراة؟ قال : يتقدمهم الإمام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس. وسائل الشيعة1. 328 ح 1.
2- خ ل : أعمى.
3- وسائل الشيعة 5 - 462 ح 2.

يكون بين الصفين ، أو بين الصف والإمام قدر مسقط الجسد ، ليحصل التشبيه في قوله تعالى ( كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) (1) وقال الباقر علیه السلام : يكون ذلك قدر مسقط الجسد (2).

وينبغي تسوية الصفوف. والوقوف عن يمين الإمام أفضل ، لقول البراء بن عازب : كان يعجبنا عن يمين رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (3). ولأن الإمام يبدأ بالسلام عليهم.

وينبغي أن يقف الإمام في مقابل وسط الصف ، لقوله علیه السلام : وسطوا الإمام وسدوا الخلل (4).

ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه في ملكه أو غيره ، أو بالعكس ، أو كانا خارج المسجد ، أو كانا في مسجدين ، صحت الصلاة مع عدم البعد المفرط كالمسجد الواحد.

وحيلولة الطريق بين الإمام والمأموم لا يمنع الجماعة ، مع انتفاء البعد ، لأن أنسا كان يصلي في بيت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الإمام ، وبينه وبين المسجد طريق ولم ينكر عليه ، ولأن ما بينهما يجوز الصلاة فيه فلا يمنعها.

وأما النهر الحائل بينهما ، فإن كان مما يتخطى ، صحت الجماعة إجماعا ، وإن كان مما لا يتخطى ، فإن كان بعيدا في العادة منع من الجماعة ، وإلا فلا.

والجماعة في السفن المتعددة جائزة ، اتصلت أو انفصلت ، ما لم يخرج إلى حد البعد ، أو يقدم المأموم على الإمام ، أو حصول حائل يمنع من المشاهدة ، لإمكان الاستطراق ، والماء مانع كالنار ، فلا يؤثر في جواز الايتمام. ولو تقدمت سفينة المأموم ، فإن استصحب نية الايتمام ، بطلت صلاته لاختلال الشرط ، وإلا صحت.

ص: 121


1- سورة الصف : 4.
2- وسائل الشيعة 5 - 462 ح 1.
3- جامع الأصول 6 - 392.
4- جامع الأصول 6 - 395.
البحث الرابع: ( في عدم الحيلولة بين الإمام والمأموم الذكر )

ولا تصح الجماعة وبين الإمام والمأموم الذكر حائل يمنع المشاهدة للإمام أو المأموم ، سواء كان الحائل من جدران المسجد أو لا ، وسواء كانا في المسجد أو لا ، لتعذر الاقتداء ، ولأن المانع من المشاهدة مانع من اتصال الصفوف ، بل هو أبلغ في ذلك من البعد.

ولقول الباقر علیه السلام : وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى ، فليس تلك لهم بصلاة ، فإن كان بينهم سترة أو جدار ، فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب (1).

ولو كان الحائل مخرما يمنع من الاستطراق دون المشاهدة ، كالشبابيك والخيطان المخرمة التي لا تمنع من مشاهدة الصفوف فقولان : المنع ، لقول الباقر علیه السلام : إن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام (2) ، والجواز ، إذ القصد من التخطي العلم بحال الإمام ، ومع المشاهدة تحصل ذلك. ويحتمل المنع عن المانع من المشاهدة.

أما المقاصير غير المخرمة فإن الصلاة فيها باطلة ، لوجود الحائل ، وقول الباقر علیه السلام : هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس ، وإنما أحدثها الجبارون ، وليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة (3).

ولو كان الحائل قصيرا يمنع حالة الجلوس خاصة ، فالأقرب الجواز ، للعلم بحال الإمام حينئذ.

ولو وقف الإمام في بيت وبابه مفتوح ، فوقف مأموم خارجا بحذاء

ص: 122


1- وسائل الشيعة 5 - 462 ح 2.
2- وسائل الشيعة 5 - 462 ح 4.
3- وسائل الشيعة 5 - 460 ح 1.

الباب ، بحيث يرى الإمام أو بعض المأمومين ، صحت صلاته. وكذا إن صلى قوم عن يمينه وشماله أو من ورائه ، فإن صلاتهم صحيحة. وإن لم يشاهدوا من في البيت لمشاهدتهم هذا الخارج المشاهد لمن في البيت.

فإن وقف بين يدي هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو شماله ، لا يشاهدون من في المسجد ، لم تصح صلاتهم ، إذا لم يكونوا على سمت المحاذي للباب.

ولو وقف الإمام في محراب داخل في الحائط ، صحت صلاة من خلفه ، لأنهم يشاهدونه. وكذا باقي الصفوف التي من وراء هذا الصف الأول ، أما من على يمين الإمام أو شماله ، فإن حال بينهم وبين الإمام حائل ، لم تصح صلاتهم ، وإلا صحت ، لقول الصادق علیه السلام : لا بأس بوقوف الإمام في المحراب (1).

ولو صلى في داره وبابها مفتوح يشاهد الإمام أو بعض المأمومين ، صحت صلاته وإن لم يتصل الصفوف ، إذا لم يتباعد بالمعتد.

ولو صلى بين الأساطين ، فإن اتصلت الصفوف به ، أو شاهد الإمام ، أو بعض المأمومين ، صحت صلاته ، لقول الصادق علیه السلام : لا أرى بالصفوف بين الأساطين بأسا. (2).

هذا في حق المأموم الذكر ، أما المرأة فيجوز أن تصلي من وراء الجدار مقتدية بالإمام وإن لم تشاهده ولا من يشاهده ، للرواية (3) ، وللأصل ، ولحكمة الجمع بين الستر وإحراز فضيلة الجماعة ، سواء كانت حسناء شابة ، أو شوهاء عجوزا.

والماء ليس بحائل مع المشاهدة وعدم البعد المفرط ، خلافا لأبي الصلاح (4).

ص: 123


1- وسائل الشيعة 5 - 461 ما يدل على ذلك.
2- وسائل الشيعة 5 - 460 ح 2.
3- وسائل الشيعة 5 - 461 ح 1.
4- الكافي ص 144.
البحث الخامس: ( في عدم العلو )

يشترط في الجماعة أن لا يعلو الإمام على المأموم بما يعتد به ، فلو صلى الإمام على موضع مرتفع بما يعتد به والمأموم أسفل ، لم تصح صلاة المأموم ، سواء أراد تعليتهم (1) أو لا ، لأن عمار بن ياسر قام على دكان بالمدائن والناس أسفل منه ، فأخذ حذيفة بيده حتى أنزله ، فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله يقول : إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم ، قال عمار : فلذلك اتبعتك (2). وكذا فعل عبد اللّه بن مسعود بحذيفة (3).

وقول الصادق علیه السلام : إن كان الإمام على شبه دكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم (4) ، ولأنه قد يخفى عليه أفعال الإمام حينئذ.

ولو صلى على مرتفع لا يعتد به ، صح.

وهل يتقدر الارتفاع بشبر أو بما لا يتخطى؟ الأقرب الثاني.

ولو كان الإمام على سطح والمأموم على آخر وبينهما طريق ، صح مع التباعد وعدم علو سطح الإمام.

ويجوز أن يكون المأموم أعلى من الإمام بما يعتد به كالسطح وشبهه ، سواء كان خارج المسجد والإمام فيه ، أو كانت الصلاة جمعة أو غيرها ، لقول الصادق علیه السلام : إن كان الإمام أسفل من موضع المأموم فلا بأس (5). وللأصل.

ص: 124


1- كذا في « ق » و « ر » وفي « س » تعلمهم.
2- جامع الأصول 6 - 408.
3- جامع الأصول 6 - 408.
4- وسائل الشيعة 5 - 463 ح 1.
5- وسائل الشيعة 5 - 463 ذيل ح 1.
البحث السادس: ( في نية الاقتداء )

يشترط في الاقتداء أن ينوي المأموم الاقتداء ، وإلا لم تكن صلاته صلاة جماعة ، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نواه ، وعليه الإجماع.

ولا يكفي نية الجماعة ، لاشتراكها بين الإمام والمأموم ، فليس في نية الجماعة ربط الفعل بفعل الغير ، ولأن المأموم يسقط عنه وجوب القراءة الثانية على المنفرد. فإذا لم ينو الاقتداء ، انعقدت صلاته منفردا ، فإذا ترك القراءة ، بطلت صلاته ، وكذا لو قرأ معتقدا عدم الوجوب.

ولا يكفي المتابعة من غير نية في الاقتداء ، فإن تابع من غير نية الاقتداء ، صحت صلاته إذا فعل ما يفعله المنفرد ، للامتثال ، ولم يحصل منه سوى مقارنة فعله بفعل غيره.

ولو شك هل نوى الاقتداء أم لا؟ احتمل أن يكون حكمه حكم الشاك في أصل النية ، فإن كان المحل باقيا استأنف ، وإلا فلا التفات ، ويبني على ما فعله معه إن كان متابعا تاركا للقراءة ، فهو مأموم وإلا فمنفرد.

ولو كان ذلك قبل القراءة ، فإن جوزنا ايتمام المنفرد في الأثناء ، جدد نية الايتمام ، وإلا احتمل البطلان والتخيير والانفراد ، واحتمل مخالفته للشك في أصل النية (1) ، إذ لا يمكن الاستمرار هنا على نية الاقتداء ، ولا على نية الانفراد ، لتضاد حكمهما.

ويجب أن ينوي الاقتداء بإمام معين ، إما بالاسم ، أو الصفة ، ولو بكونه الإمام الحاضر ليمكن متابعته.

ولو عين وأخطأ ، بأن نوى الاقتداء بزيد ، فبان أنه عمرو ، بطلت صلاته ، لأنه لم ينو الاقتداء بهذا المتبوع وما نواه لم يقع له ، لعدم إمكانه.

ص: 125


1- في « ق » و.

وكذا لو عين الميت في صلاة الجنازة وأخطأ ، وجب عليه إعادة الصلاة.

ولو نوى الاقتداء بالحاضر ، فاعتقده زيدا فكان غيره ، فالوجه البطلان.

ولو كان بين يديه اثنان ، ونوى الاقتداء بأحدهما لا بعينه ، لم تصح صلاته ، لعدم إمكان متابعتهما على تقدير الاختلاف ولا أولوية.

ولو نوى الايتمام بهما معا ، لم تصح ، للاختلاف.

ولو نوى الاقتداء بالمأموم ، لم تصح صلاته.

ولا فرق بين أن يكون عالما بالحكم ، أو جاهلا به أو للوصف. فلو خالف المأموم سنّة الموقف ، فوقف على يسار الإمام ، فنوى الداخل الاقتداء بالمأموم ظنا أنه الإمام ، لم تصح صلاته.

ولو ظن أنه مأموم ، فنوى الاقتداء به جاهلا بالحكم ، فبان منفردا ، فالأقوى الصحة ، لأنه لم ينو الباطل في نفسه ولا في ظنه ، ولو كان عالما بالحكم ، فالأقوى البطلان ، لأنه دخل دخولا باطلا في ظنه ، وإن لم يكن مطابقا.

ولا يشترط أن ينوي الإمام الإمامة ، فلو صلى منفردا ، فدخل قوم ، فصلوا بنية الاقتداء ، صحت صلاتهم وإن لم يجدد نية الإمامة. وكذا لو صلى بنية الانفراد مع علمه بأن من خلفه يأتم به ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى منفردا ثم لحقه من ائتم به ، ولأن أفعال الإمام مساوية لأفعال المنفرد ، ولا مخالفة بينهما في الهيئات والأحكام.

وهل يشترط ذلك في الجمعة وما يشترط فيه الجماعة؟ إشكال ، ينشأ من أنها لا تقع إلا جماعة ، ولا يكفي نية الجمعة المستلزمة لنية مطلق الجماعة ، لاشتراكها بين الإمام والمأموم ، ومن عدم وجوب التعرض للشرائط في النية.

وإذا صلى اثنان فنوى كل منهما أنه إمام لصاحبه ، صحت صلاتهما ، لأن كلا منهما قد احتاط لصلاته فيما يجب على المنفرد ، ولقول علي علیه السلام ،

ص: 126

صلاتهما تامة (1). وعذر في نية الإمامة وإن لم يكن مأموم ، لتوهمه ايتمام صاحبه به ، فإن لم يكن هناك مأموم ، وجوز أن يحضر في الأثناء ، أو لم يجوز ، ففي جواز انضمام نية الإمام إشكال.

ولو نوى كل منهما أنه مأموم لصاحبه ، بطلت صلاتهما إجماعا ، لإخلالهما بشرط الصلاة وهو القراءة الواجبة ، لقول علي علیه السلام : صلاتهما فاسدة ليستأنفا (2).

ولو شك كل منهما هل نوى الإمامة أو الايتمام؟ بعد الفراغ من الصلاة ، احتمل الصحة ، لأنه شك في شي ء بعد الفراغ منه. والبطلان لعدم تيقن (3) براءة ذمته مما هو ثابت بيقين.

ولو شكا في أثناء الصلاة أيهما إمام ، بطلت صلاتهما ، إذ لا يمكن مضيهما في الصلاة واقتداء أحدهما بالآخر.

ولو ائتم السابق بركعة فما زاد ، صح في الفرض والنفل ، لأن جابرا وجبارا دخلا المسجد وقد أحرم علیه السلام وحده ، فأحرما معه في الفرض ، ولم ينكر عليهما.

ولو عين الإمام إمامته بمعين ، فأخطأ لم يضر ، لأن أصل النية غير واجب عليه ، والخطأ لا يزيد على الترك.

ولو لم ينو الإمامة أصلا ، صحت الجماعة ، والأقرب أنه يدرك فضيلتها ، لحصولها من غير نية ، ولأن المأموم نال فضيلتها بسببه. ويحتمل العدم ، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى (4).

ولو أحرم منفردا ، ثم نوى الايتمام ، قال الشيخ : تصح الجماعة ،

ص: 127


1- وسائل الشيعة 5 - 420 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 420 ح 1.
3- في « ق » يقين.
4- وسائل الشيعة 1 - 34.

لإجماع الفرقة ، وللأخبار عنهم علیهم السلام ، وللأصل ، ولأنه يجوز النقل من الايتمام إلى الانفراد للحاجة ، فجاز العكس طلبا للفضيلة.

لا يقال : ورد إبطال الفرض مع إمام الأصل والنقل إلى النفل مع غيره ، فلو جاز النقل إلى الايتمام كان أولى.

لأننا نقول : بمنع الأولوية ، تحصيلا لفضيلة الجماعة من أول الصلاة.

إذا أثبت هذا فإن كان قد سبق الإمام بركعة ، لم يتابعه في القيام إلى الرابعة ، بل يجلس ويتشهد ، ثم إن شاء سلم بنية المفارقة ، وإن شاء انتظر مطولا في الدعاء إلى أن يفرغ الإمام ويسلم معه. ويجوز أن يحرم مأموما ثم يصير إماما في موضع الاستخلاف ، أو إذا نوى المفارقة ثم ائتم به غيره ، وكذا لو نقل نيته إلى الايتمام بإمام آخر.

ولو أدرك نفسان بعض الصلاة ، أو ائتم مقيمان بمسافر فسلم الإمام ، جاز أن يأتم أحدهما بالآخر.

ولو نوى الإمام الايتمام بغيره ، لم يصح.

ويجوز للإمام نقل النية من الايتمام إلى الانفراد إجماعا منا ، لأنه علیه السلام صلى يوم ذات الرقاع بطائفة ركعة ، ثم خرجت من صلاته وأتمت منفردة. وقال الصادق علیه السلام في الرجل صلى خلف إمام فسلم قبل الإمام ، قال : ليس بذلك بأس (1) ، ولأن الجماعة ليست واجبة ابتداء فكذا استدامة ، لأن التطوعات لا تجب بالشروع ، ولأنه استفاد بصلاة الإمام فضيلة الجماعة ، فتزول بالخروج الفضيلة دون الصحة.

ولو نوى الانفراد قبل شروع الإمام في القراءة ، قرأ هو ، ولو كان بعد فراغه ، ركع ولم يقرأ. ولو كان بعد الفاتحة ، فالأقرب الاجتزاء بها عنها فيقرأ السورة. ولو كان في الأثناء ، فالوجه الابتداء من أول الحمد ، مع احتمال القراءة من موضع المفارقة. وكذا لو كان في أثناء السورة.

ص: 128


1- وسائل الشيعة 5 - 465 ح 4.

ولو صلى مع جماعة فحضرت جماعة أخرى ، فعدل نيته إلى الايتمام بإمامتهم ، فالوجه الجواز. ولو أراد أن يصلي صلاته بصلاة الجماعة ، وجب نية الاقتداء.

ولو أحدث الإمام ، فاستخلف غيره ، لم يحتج المأموم إلى تجديد نية الايتمام بالخليفة ، لوجود نية الاقتداء في الابتداء والخليفة كالنائب. ويحتمل وجوب نية الاقتداء ثانيا.

البحث السابع: ( في توافق نظم الصلاتين )

يشترط توافق نظم صلاة الإمام والمأموم في الأركان والأفعال ، فلا تصح مع الاختلاف ، كاليومية مع الجنازة أو الخسوف أو العيد ، للنهي عن المخالفة. وعدم جواز الموافقة هنا ، لئلا يخرج صلاة المأموم عن هيئتها.

ولا يشترط اتحاد الصلاتين نوعا ولا صنفا ، فيجوز للمفترض الاقتداء بالمتنفل ، لا مطلقا بل في صورة النص ، وهو ما إذا قدم فرضه. ويجوز العكس مطلقا ، لأن معاذا كان يصلي مع النبي صلی اللّه علیه و آله العشاء ، ثم يرجع فيصليها بقومه (1) ، هي له تطوع ولهم مكتوبة. ولأن الرضا علیه السلام أمر محمد بن إسماعيل بن بزيع بذلك.

وكذا يجوز لمن صلى الظهر أن يصلي العصر خلف من يصلي الظهر وبالعكس ، سواء اتفق العدد أو اختلف ، كالصبح قضاء مع الظهر.

وكذا يجوز للقاضي أن يصلي خلف المؤدي وبالعكس ، لأن الصادق علیه السلام سئل عن إمام صلى العصر وهي لهم ظهر؟ قال : أجزأت عنه وأجزأت عنهم (2). ولأنهما صلاتان متفقتان في الأفعال الظاهرة ، فيصحان جماعة

ص: 129


1- سنن أبي داود 1 - 163.
2- وسائل الشيعة 5 - 453 ح 1.

وفرادى ، فجاز أن يكون المأموم في إحداهما والإمام في الأخرى ، كالمتنفل خلف المفترض.

وهل يصح أن يصلي الجمعة خلف المتنفل بها؟ كالمعذور إذا قدم ظهره ، أو خلف مفترض بغيرها؟ كقاضي الصبح ، الأحوط المنع ، والأقرب جواز صلاة المتنفل بمثله في مواضع مخصوصة ، كالاستسقاء والعيدين المندوبين ، دون غيرهما.

وإذا كانت صلاة المأموم ناقصة العدد ، لم يجز له المتابعة ، بل يتخير بين التسليم عند الفراغ ، وبين الصبر إلى أن يفرغ إمامه.

ولو انعكس الحال ، تخير عند قعود الإمام للتشهد بين المفارقة فيتم قبل سلامه ، وبين الصبر إلى أن يسلم ، فيقوم ويأتي بما بقي عليه.

ولو قام الإمام إلى الخامسة سهوا ، لم يكن للمسبوق الايتمام فيها.

ويستحب للمنفرد إعادة صلاته مع الجماعة ، إماما كان أو مأموما. وهل يجوز فيهما؟ الأقرب ذلك في صورة واحدة ، وهي ما إذا صلى إمام متنفل بصلاته بقوم مفترضين ، وجاء من صلى فرضه فدخل معهم متنفلا ، أما لو خلت الصلاة عن مفترض ، فإشكال.

ويستحب إعادة الصلاة للمنفرد في جميع الصلوات اليومية في أي وقت كان ، للعموم وقول الصادق علیه السلام في الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة ، أيجوز أن يعيد صلاته معهم؟ قال : نعم وهو أفضل (1) ، ولا كراهة في الفجر والعصر ، لأنها ذات سبب.

البحث الثامن: ( إدراك الركوع )

من أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك تلك الركعة ، لقوله علیه السلام :

ص: 130


1- وسائل الشيعة 5 - 456 ح 9.

من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة ، فليضف إليها أخرى ، ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخيرة ، فليصل الظهر أربعا (1). ولأنه أدرك معظم أركان الركعة ، لأن القراءة ليست ركنا.

ولا يشترط إدراك تكبيرة الركوع ، خلافا للشيخ ، وقد سبق في الجمعة.

وإذا أدركه راكعا ، كبر للافتتاح واجبا ، وكبر ثانيا للركوع مستحبا ، لأنه ركوع معتد به ، ومن انتقل إلى ركوع معتد به فمن سننه التكبير ، كالإمام والمنفرد.

ولو خاف رفع الإمام ، كبّر للافتتاح خاصة ونوى الوجوب. وليس له أن ينوي الافتتاح والركوع لتضاد الوجهين.

ولو كبّر ولم ينو أحدهما ، احتمل البطلان ، لعدم نية الافتتاح وصلاحية الفعل لهما ، والصحة ، لأن قرينة الافتتاح تصرفها إليه ، ويعارض بأن قرينة الهوى تصرفها إليه.

ولو رفع الإمام رأسه مع ركوع المأموم ، فإن اجتمعا في قدر الإجزاء من الركوع أجزأه ، وإلا فلا.

ولو رفع الإمام رأسه من الركوع ، ثم ذكر أنه نسي التسبيح ، لم يكن له الرجوع إلى الركوع ، فإن رجع جاهلا بالحكم فدخل مأموم معه ، لم يكن مدركا للركعة ، لأنه ركوع باطل.

ولو شك هل رفع رأسه قبل ركوعه ، فالأقوى عدم إدراك الركعة ، لأن الأصل عدم إدراك الركوع ، ولأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع على خلاف الحقيقة ، لا يصار إليه إلا عند يقين الركوع. ويحتمل الرجوع إلى أصالة بقاء الإمام في الركوع في زمان الشك.

وإن أدركه بعد الركوع والأذكار ، لم يكن مدركا للركعة ، وعليه أن يتابعه في الركن الذي أدركه فيه وإن لم يكن محسوبا له.

ص: 131


1- سنن ابن ماجة 1 - 356 ، جامع الأصول 6 - 427.

وإن أدركه بعد رفعه من الركوع ، استحب له أن يكبّر للهوي إلى السجود ، ويسجد معه السجدتين ، ولا يعتد بهما ، بل إذا قام الإمام إلى اللاحقة ، قام ونوى وكبر للافتتاح ، وإن شاء انتظره حتى يقوم فيستفتح معه.

وإنما لم يعتد بالسجدتين ، لأن زيادتهما زيادة ركن فتبطل الصلاة بهما. وقال الصادق علیه السلام : إذا استقبل الإمام بركعة فأدركت وقد رفع رأسه فاسجد معه ولا تعتد بهما (1). ولو كان السجود للركعة الأخيرة فعل ما قلناه ، فإذا سلم الإمام ، قام فاستقبل صلاته بنية منفردة وتكبير متجدد.

ولو أدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة ، كبر للافتتاح خاصة وجلس معه في تشهده ذاكرا ، وإن شاء سكت إلى أن يفرغ الإمام ويسلم ، فيقوم إلى صلاته. ولا يكبّر للهوي ، لأن الجلوس في القيام لم يشرع في الصلاة ، فلا يكبّر له. ولا يحتاج إلى استيناف تكبير آخر للافتتاح ، لأنه لم يزد ركنا تبطل الزيادة به سهوا ، بخلاف القيام بعد السجدتين ، لأنهما ركن مبطل ، والجلوس هنا ليس مبطلا ، لأنه من أفعال الصلاة تحصيل للجماعة.

وإذا لحقه بعد رفعه من سجود الثانية ، تخير بين أن يكون للافتتاح خاصة ، ويجلس متابعة لإمامه ، فإذا قام إلى الثالثة قام معه ، ولا يتابعه في التكبير ، لأنه قيام أول بالنسبة إليه ، فاذا صلى ركعتين مع الإمام ثم سلم الإمام ، قام إلى ثالثته مكبرا ، إن قلنا باستحبابه في قيام الثالثة ، لا يقوم إلى ابتداء ركعة. وإن شاء صبر بعد التكبير إلى أن يقوم الإمام إلى الثالثة ، وإذا كبّر وجلس معه لم يتشهد متابعة له ، لأن المتابعة تجب في الأفعال دون الأذكار ، وهذا ليس موضع التشهد.

وإذا قام مع الإمام إلى أولاه وهي ثالثة الإمام ، لا يقرأ دعاء الاستفتاح.

ولو كبّر المأموم وقصد أن يقعد ، فقام الإمام قبل أن يقعد المأموم ، دعا

ص: 132


1- وسائل الشيعة 5 - 449 ح 2.

للاستفتاح. والفرق أنه وجد منه في الأول الاشتغال بعد الافتتاح بفعل وجب عليه الإتيان به ، فلم يبق حكم الاستفتاح. وهنا لم يشتغل بفعل ، فيؤمر بدعائه.

وهل تحصل فضيلة الجماعة لو أدركه بعد الرفع من الركوع الأخير؟ إشكال ، ينشأ من فوات الجماعة. ومن رواية مرسلة عن محمد بن مسلم قلت له : متى يكون مدركا للصلاة مع الإمام؟ قال : إذا أدرك الإمام وهو في سجدته الأخيرة من صلاته. فهو مدرك لفضل الصلاة مع الإمام (1).

وإذا كبّر الإمام ثم أحس بداخل في المسجد ، لم يستحب له الزيادة في التلاوة لغرض الالتحاق ، لأنه يحصل من إدراك الركوع. ولو زاد في القراءة ، لم تكره. ولو ظن أنه يفوته الركوع ، فالأقرب استحباب زيادة القراءة ، تحصيلا لفضيلة الجماعة للداخل.

وكذا لو أحس به وهو في الركوع ، استحب له تطويله ليلحق به ، لأنه فعل يقصد به التقرب إلى اللّه تعالى بتحصيل ثواب لمسلم. قال الباقر علیه السلام : انتظره مثلي ركوعك (2).

ولو دخل المأموم المسجد فركع الإمام ، فخاف فوت الركوع ، جاز أن يكبّر ويركع ويمشي راكعا حتى يلتحق بالصف قبل رفع رأس الإمام ، أو يأتي آخر فيقف معه ، ولا تبطل بالمشي في الركوع ، لأنه من أفعال الصلاة لإدراك الصف ، وتحصيلا لسنّة الموقف ، وفعل ذلك جماعة من الصحابة ، ولقول أحدهما علیهماالسلام : يركع قبل أن يبلغ القوم ويمشي وهو راكع حتى يبلغهم (3).

ويجوز أن يركع ويسجد في مكانه ، ثم يقوم إلى الثانية ويمشي في قيامه.

ولو كان بعيدا من الصف ، فإن لم يخرج عن حد البعد المبيح للايتمام ،

ص: 133


1- وسائل الشيعة 5 - 448 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 450 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 443 ح 1.

فالوجه أنه يقف وحده ، لئلا يفعل فعلا كثيرا. فإن مشى ، احتمل الجواز لأنه من أفعال الصلاة ، والمنع لكثرته.

وإذا كان لا يصح أن يأتم به لبعده ، فالوجه أنه ليس له أن يركع ، بل يصبر حتى يلتحق بالإمام في الثانية. وإن كان لا يصح للحائل ، لم يجز له أن يشرع حتى يخرج عن الحائل.

ولو ركع دون الصف ومشى ، فسجد الإمام قبل التحاقه ، سجد على حاله وقام والتحق بالصف ، فإن ركع الإمام ثانيا ، ركع ومشى في ركوعه وصحت صلاته ، لقول الصادق علیه السلام : إذا خفت أن يركع قبل أن تصل إليه فكبر واركع ، فإن رفع رأسه فاسجد مكانك ، فإذا قام فالحق بالصف ، وإن جلس فاجلس مكانك ، فإذا قام فالحق بالصف (1).

ولو رفع رأسه من الركوع ثم دخل الصف قبل إتمام الركعة ، صحت صلاته. لأن أبا بكرة دخل ورسول اللّه صلی اللّه علیه و آله راكع فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ، فلما فرغ علیه السلام قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة : أنا فقال علیه السلام : زادك اللّه حرصا. ولم يأمره بالإعادة.

وما يدركه المسبوق مع الإمام ، يكون أول صلاته وإن كانت آخر صلاة الإمام عند علمائنا ، لقول علي علیه السلام : يجعل ما أدرك مع الإمام من الصلاة أولها (2).

وقال الباقر علیه السلام : إذا أدرك الرجل بعض الصلاة جعل أول ما أدرك أول صلاته. إذا أدرك من الظهر أو العصر ركعتين يقرأ فيما أدرك مع الإمام مع نفسه أم الكتاب وسورة ، فإن لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب ، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما ، لأن الصلاة إنما تقرأ

ص: 134


1- وسائل الشيعة 5 - 443 ح 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 446 ح 6.

فيهما في الأولتين (1). ولأنها ركعة مفتتحة بالإمام فكانت أول صلاته كالمنفرد ، وللإجماع على أنه إذا أدرك ركعة في المغرب صلى أخرى وجلس للتشهد ، ويجهر في الثانية ويسر في الثالثة.

ولو أدرك الأخيرتين من الرباعية ، استحب القراءة لا وجوبا ، لسقوطها عن المأموم ، ويقرأ في الأخيرتين الحمد وحدها مسرا فيها. ولو لم يقرأ مع الإمام ، أو قرأ مستحبا في الأولتين ، لم يسقط التخيير بعد مفارقة الإمام ، وإن كان الإمام قد سبّح في أخيرتيه ، لأنهما آخرتان (2) فلا يسقط حكم التخيير فيهما. وقيل : يجب القراءة ، لئلا تخلو صلاته عن القراءة.

البحث التاسع: ( في المتابعة )

يجب على المأموم أن يتابع الإمام ، ولا يتقدم عليه في الأفعال ، لقوله علیه السلام : لا تبادروا الإمام ، فإذا كبّر فكبّروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا (3). والمراد من المتابعة أن يجري على أثر الإمام ، بحيث يكون ابتداؤه بكل واحد منهما متأخرا أو مصاحبا أو متقدما على فراغه.

وهل يجب التأخير في التكبير؟ إشكال ، ينشأ من قوله علیه السلام : فإذا كبّر فكبّروا (4) ، ومن أصالة العدم.

أما الركوع والسجود وسائر الأركان ، فإنه يجوز المساوقة ، لأن الإمام حينئذ في الصلاة ، فينتظم الاقتداء به.

ولو رفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبل إمامه. أو أهوى إليهما ، فإن كان ناسيا عاد إلى المتابعة ، لأن النسيان يسقط معه اعتبار الزيادة. وسئل

ص: 135


1- وسائل الشيعة 5 - 445 ح 4.
2- في « ق » آخريتان.
3- جامع الأصول 6 - 401.
4- نفس المصدر.

الكاظم علیه السلام عن رجل ركع مع الإمام يقتدي به ، ثم رفع رأسه قبل الإمام؟ قال : يعيد ركوعه (1) وسئل الصادق علیه السلام عن الرجل يرفع رأسه من السجود قبل أن يرفع الإمام رأسه من السجود؟ قال : فليسجد (2). ولا تعد هذه زيادة في الحقيقة ، لأن فعل المأموم تابع لفعل الإمام وهو واحد فكذا متابعه. وهل العود واجب؟ الأقرب المنع.

وإن كان عامدا صبر ، ولم يجز له الرجوع ، لأنه يكون قد زاد ركنا من غير عذر ، ولأنه برفعه عمدا قبل إمامه يجري مجرى عدول نية الاقتداء فيما سبقه فيه. وسئل الصادق علیه السلام عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الإمام أيعود فيركع إذا أبطأ الإمام؟ قال : لا (3). وكذا لو كان الإمام ممن لا يقتدى به ، لأنه منفرد ، فيقع سجوده وركوعه في محله ، فلا يسوغ له العود في العمد والنسيان.

تذنيب :

أطلق علماؤنا الاستمرار مع العمد ، والوجه عندي التفصيل ، فإن المأموم إن سبق إلى ركوع بعد فراغ الإمام من القراءة استمر. وإن كان قبل فراغه ولم يقرأ المأموم ، أو قرأ ومنعناه منها ، أو قلنا أن المندوب لا يجزي عن الواجب ، بطلت صلاته ، وإلا فلا.

وإن كان إلى رفع أو سجود أو قيام عن تشهد ، فإن كان بعد فعل ما يجب من الذكر ، استمر وإن لم يفرغ إمامه منه. وإن كان قبله ، بطلت وإن كان قد فرغ إمامه.

ولو فرغ المأموم من القراءة قبل الإمام ، استحب له أن يسبّح ، تحصيلا لفضيلة الذكر ، ولئلا يقف صامتا. وسئل الصادق علیه السلام أكون مع الإمام

ص: 136


1- وسائل الشيعة 5 - 447 ح 2. و 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 447 ح 1.
3- وسائل الشيعة 5 - 448 ح 6.

فأفرغ من القراءة قبله؟ قال : أمسك آية ومجد اللّه وأثن عليه ، فاذا فرغ فاقرأ الآية واركع (1).

ويستحب أن يبقي آية من السورة للرواية (2) ، ثم يتم القراءة إذا ركع إمامه ليركع عن قراءة. والظاهر أن هذا فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ، أو أن يكون الإمام ممن لا يقتدى به ، لأن الإنصات إلى قراءة الإمام أفضل.

ولو ركع الإمام ولم يركع المأموم حتى رفع الإمام رأسه ، لم تبطل صلاته وإن تأخر عنه بركن كامل.

ولو تأخر عنه بركنين لغير عذر ، ففي الإبطال إشكال ، ينشأ من عدم المتابعة. ومن أصالة الصحة ، ولو كان لعذر ، جاز قطعا.

ولو كان الإمام سريع القراءة والمأموم بطيئها ولم يسمع ولا همهمة في الجهرية ، وكان إخفاتا ، فركع الإمام قبل الإتمام تابعه ، لعدم وجوب القراءة ووجوب المتابعة. ولو أمن الرفع قبل الإكمال ، جاز له الإكمال ثم يلتحق به.

ولو حضر المأموم والإمام في أثناء القراءة فكبّر ، وركع الإمام قبل إتمام قراءة المأموم ، تابعه في الركوع وسقط عنه باقي القراءة ، لعدم وجوبها.

وإذا ترك الإمام شيئا من أفعال الصلاة ، فإن كان فرضا لم يتابعه المأموم على تركه ، كما لو قام في موضع قعوده وبالعكس ولم يرجع بعد ما سبّح به المأموم ، لأنه إما عامد فتبطل صلاته ، أو ساه فلا يترك العامد.

وإن ترك مندوبا ، فإن كان في الاشتغال بها تخلف فاحش ، لم يأت به المأموم ، لأن المتابعة أولى من فعل المندوب. ولو أمن التخلف ، جاز الإتيان بها ، كجلسة الاستراحة والقنوت إذا لحقه على القرب.

وإذا صلى منفردا ثم وجد جماعة ، استحب له تلك الصلاة على ما تقدم ، ويتابع الإمام في العدد. فلو كانت المغرب صلاها ثلاثا لا غير.

ص: 137


1- وسائل الشيعة 5 - 432 ح 1.
2- نفس المصدر.

ولو صلى الفريضة في جماعة ، ففي استحباب إعادتها في جماعة أخرى إشكال ، ينشأ من العموم ، ومن حصول فضيلة الجماعة ، فلا وجه للإعادة. ويحتمل الإعادة وإن كان إماما. ويحتمل الإعادة أيضا إذا حصل في الجماعة الثانية زيادة فضيلة ، بأن يكون الإمام أعلم ، أو أورع ، أو كون الجمع أكثر ، أو كون المكان أفضل.

وإذا أعيدت الصلاة نوى نيتها ، فلو أعاد الظهر نوى الظهر وكذا البواقي. وهل ينوي الفرض؟ إشكال ، ينشأ من عدم الوجوب ، ومن كونها إعادة فيأتي بالمثل ، والأول أقوى. فإن قلنا بالثاني فالفرض الأصلي هو الأول. ويحتمل أن ينوي الظهر ولا يتعرض للفرض ، ويكون ظهره نفلا كصلاة الصبي.

المطلب الثالث: ( في صفات الإمام )
اشارة

يشترط في إمام الصلاة شروط ، ينظمها قسمان : عامة وخاصة.

البحث الأول: ( في الشرائط العامة )
اشارة

وهي البلوغ ، والعقل ، والإسلام ، وطهارة المولد ، والختان.

الأول : البلوغ ، فلا تصح إمامة غير المميز ، وأما المميز فقولان : المنع في الفرض وهو الأقوى ، لقول علي علیه السلام : لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم ، ولا يؤم حتى يحتلم ، فإن أمّ جازت صلاته وفسدت صلاة من خلفه (1).

ولأن الإمامة من المناصب الجليلة ، وهي تناسب حالة الكمال ، والصبي

ص: 138


1- وسائل الشيعة 5 - 398 ح 7.

ينحط درجته عنها ، ولأنه عارف بعدم المؤاخذة ، فلا يؤمن أن يترك شرطا ، لعدم الزاجر في حقه ، ولأنها فريضة فلا تصح إمامته فيها كالجمعة.

والجواز ، لقول علي علیه السلام : لا بأس أن يؤذن الغلام الذي لم يحتلم وأن يؤم (1). وفي الطريق ضعف (2).

وهل تصح إمامته في النفل؟ إن قلنا إن فعله شرعي جاز ، لأنه يترخص فيها ما لا يترخص في الفرض ، وإلا فلا. ولا خلاف في أن البالغ أولى منه.

الثاني : العقل ، فلا تصح إمامة المجنون إجماعا ، لعدم تحصيله والاعتداد بفعله ، وكما لا تصح إمامة المطبق ، فكذا من يعتوره حالة جنونه. ويجوز حالة إفاقته على كراهة ، لإمكان أن يكون قد احتلم حال جنونه ولا يعلم ، ولئلا يعرض له الجنون في الأثناء.

الثالث : الإسلام شرط في الإمام إجماعا ، فلا تصح إمامة الكافر ، وإن كان أمينا في مذهبه أو مستترا به ، لقوله تعالى ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (3) ولأن الأئمة ضمناء والكافر ليس أهلا لضمان الصلاة.

ولا تصح خلف من يشك في إسلامه ، لأن الشك في الشرط شك في المشروط.

وإذا صلى الكافر ، لم يحكم بإسلامه بذلك ، سواء صلى في دار الحرب أو دار الإسلام. ولو سمعت منه الشهادتان ، فالأقرب الحكم بإسلامه ، وكذا في الأذان.

الرابع : الإيمان شرط في الإمام ، فلا تصح إمامة من ليس بمؤمن من أهل البدع ، والأهواء ، سواء أظهر البدعة أو لا ، لاندراجه في قوله تعالى ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (4) وقال جابر : سمعت رسول اللّه صلى اللّه

ص: 139


1- وسائل الشيعة 5 - 398 ح 8.
2- لطلحة بن زيد ، وهو عامي المذهب.
3- سورة هود : 113.
4- سورة هود : 113.

عليه وآله على منبره يقول : لا يؤمن امرأة رجلا ولا فارج مؤمنا إلا أن يقهره سلطان ، أو يخاف سوطه أو سيفه (1). وقال الباقر والصادق علیهماالسلام : عدو اللّه فاسق لا ينبغي لنا أن نقتدي به (2).

ولا فرق في بطلان إمامته بين أن يكون إماما لمحق أو مثله ، ولا بين أن يستند في مذهبه إلى شبهة أو تقليد ، ولا بين أن يكون عدلا في مذهبه أو فاسقا.

الخامس : العدالة شرط في الإمام ، فلا تصح خلف الفاسق وإن اعتقد الحق ، عند جميع علمائنا ، لقوله تعالى ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (3) والفاسق ظالم ، وقوله علیه السلام : ولا فاجر مؤمنا (4). وقول الصادق علیه السلام : ولا تصل خلف الفاسق وإن كان يقول بقولك ، والمجهول ، والمتجاهر بالفسق وإن كان معتقدا (5). وقول الباقر علیه السلام : لا تصل إلا خلف من تثق بدينه وأمانته (6). وسئل الرضا علیه السلام رجل يقارف الذنوب وهو عارف بهذا الأمر ، أصلي خلفه؟ قال : لا (7) ، ولعدم يقين البراءة.

ولو كان فسقه خفيا وهو عدل في الظاهر ، فالأقرب أنه لا يجوز للعارف بحاله الايتمام به ، لأنه ظالم عنده ، ولا فرق في ذلك بين الفرائض اليومية والجمع والأعياد.

أما المخالف في الفروع الاجتهادية باجتهاد ، فيصح أن يكون إماما ، لانتفاء فسقه.

ولو علم أنه ترك واجبا أو شرطا يعتقده المأموم دون الإمام ، فالوجه عدم

ص: 140


1- سنن البيهقي 3 - 90.
2- وسائل الشيعة 5 - 392 ما يدل على ذلك.
3- سورة هود : 113.
4- سنن البيهقي 3 - 90.
5- وسائل الشيعة 5 - 392 ح 4.
6- وسائل الشيعة 5 - 393 ح 8.
7- وسائل الشيعة 5 - 393 ح 10.

جواز الاقتداء به ، لأنه يرتكب ما يفسد به صلاته في نظر المأموم ، فلا تصح إمامته له ، كالمخالف في القبلة. فلا تصح لمن يعتقد وجوب السورة بعد الحمد الصلاة خلف من لا يعتقد وجوبها وإن قرأها ، لأنه يعتقد إيقاعها على جهة الندب ، فلا تجزي عن الواجب. وكذا لا يصح أن يصلي من يعتقد تحريم لبس السنجاب مثلا خلف من يعتقد تسويغه حال لبسه.

ولو فعل الإمام شيئا يعتقد تحريمه من المختلف فيه ، فإن كان ترك ما يعتقده شرطا للصلاة أو واجبا فيها ، فصلاته فاسدة ، لأنه مأمور بالعمل باجتهاده ، فصلاة من يأتم به كذلك ، وإن اعتقد تسويغ الترك ، لأنه صلى خلف من يعتقد بطلان صلاته ، ومن شرط القدوة إسقاط صلاة الإمام القضاء.

وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في غير الصلاة ، كنكاح المخلوقة من الزنا ، فإن داوم عليه فهو فاسق لا يجوز الصلاة خلفه ، وإلا فلا ، وإن كان الفاعل عاميا وقلد من يعتقد جوازه ، لم يكن عليه شي ء ، لأن فرضه التقليد.

وإن كان يفعل ما يعتقد تحريمه في الصلاة ، كالقرآن بين السورتين ، بطلت صلاة المأموم وإن اعتقد تسويغه.

ولو كان المأموم يعتقد وجوب التسبيحات الثلاث في الركوع أو السجود ، والإمام يعتقد الواحدة. أو كان المأموم يعتقد وجوب غير التسبيح ، والإمام يعتقد إجزاء مطلق الذكر ، احتمل جواز الايتمام ، بناء على الظاهر من إتيان الإمام بالمستحب رغبة في السنّة ، أو للخلاص من الخلاف ، والوجه المنع ، كما لو عرف أنه لم يأت بها.

تذنيب :

لو احتاج إلى أحد الإناءين المشتبه أحدهما بالمضاف ، وأوجبنا استعمال أحدهما بعد الاجتهاد مع التيمم ، أو اشتبه ثلاثة أواني واجتهد فيها ثلاثة ، فاستعمل كل واحد منهم واحدا بأداء اجتهاده إلى إطلاقه ، وكان المطلق

ص: 141

واحدا ، لم يجز لأحدهم الايتمام بصاحبه على إشكال.

وإن كانا اثنين وأراد أحدهما الاقتداء بآخر ، فإن ظن إطلاق إناء صاحبه كما ظن إطلاق إنائه ، جاز الاقتداء به قطعا ، وليس له الاقتداء بالثالث. وإن لم يظن إلا إطلاق إنائه ، فالأقرب المنع من القدوة ، لأنه متردد في أن المستعمل للمضاف هذا أو ذاك ، وليس أحدهما أولى ، فلا يأتم بهما كالخنثى لا يجوز الايتمام به ، لتعارض احتمالي الذكورية والأنوثية.

ويحتمل أن يقتدي بأيهما شاء دون جمعهما في فرضين ، لأنه لا يدري كون إناء الإمام مضافا. وإذا لم يعلم المأموم من حال الإمام ذلك ، سومح وجوز الاقتداء.

ولو اقتدا بهما في فرضين ، احتمل وجوب إعادتهما معا ، لبطلان إحداهما لا بعينها. ويحتمل إعادة الثانية خاصة ، لأنه لو اقتصر على الاقتداء الأول لم يكن عليه قضاء.

ولو كانت الأواني خمسة والمضاف واحد ، وظن كل من الخمسة إطلاق إنائه ، ولم يظن شيئا من حال الأربعة الباقية ، وأم كل واحد منهم صاحبه في واحدة من الخمس والبدأة بالصبح ، احتمل إعادة الصلوات الأربع على كل واحد منهم التي كان مأموما فيها ، وأن يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأموما ، فيعيد كلهم العشاء إلا إمام العشاء ، فإنه يعيد المغرب.

وإنما أعاد العشاء لأن في ظنهم يتعين الإضافة في حق إمام العشاء ، وإنما أعاد هو المغرب ، لصحة الصبح والظهرين له عند أئمتها وهو متطهر في ظنه ، فيتعين بزعمه الإضافة في إناء صاحب المغرب.

وكذا لو سمع من بين خمسة صوت حدث ، ونفاه كل واحد عن نفسه.

السادس : طهارة المولد شرط في الإمام عند علمائنا ، لقوله علیه السلام : ولد الزنا شر الثلاثة (1) ، وإذا كان شره أعظم من شر أبويه ولا تصح

ص: 142


1- وسائل الشيعة 5 - 397 ما يدل على ذلك.

إمامتهما فكذا هو. وقال الباقر علیه السلام : لا تقبل شهادة ولد الزنا ولا يؤم الناس (1). ولأنه غير مقبول الشهادة ، فلا يصلح (2) للإمامة ، لأنها تتضمن معنى الشهادة بأداء ما وجب عليه من الأفعال.

وأما من جهل حاله ، أو لم يعرف أبوه ، فالوجه صحة إمامته ، عملا بظاهر العدالة ، والأحسن كراهته ، لأن الإمامة من المناصب الجليلة ولا تليق بمثله ، لنقصه بعدم العلم بأبيه.

وكذا لا تصح إمامة ولد الشبهة ، والمنفي باللعان.

السابع : الختان شرط في الإمام لا مطلقا ، بل إذا كان بالغا ممكنا من الختان وأهمل كان فاسقا ، فلا يصلح (3) للإمامة باعتبار فسقه ، وقول علي علیه السلام : الأغلف لا يؤم القوم وإن كان أقرأهم ، لأنه ضيع من السنّة أعظمها ، ولا تقبل له شهادة ، ولا يصلى عليه ، إلا أن يكون ترك ذلك خوفا على نفسه (4). وهو دليل شرط المكنة.

أما إذا لم يكن متمكنا منه ، أو ضاق الوقت من غير تفريط بالإهمال ، فإن الصلاة خلفه جائزة ، لاقتضاء التعليل في الرواية ذلك.

ولو اتفق البلوغ في أول الوقت ، ففي جواز الابتداء (5) بالصلاة قبله إشكال.

ولو جهل الحكم ، فالأقرب جواز الصلاة خلفه ، لأنه قد يخفى مثله على الآحاد.

ص: 143


1- وسائل الشيعة 18 - 276 ح 4.
2- في « س » تصح.
3- في « س » تصح إمامته.
4- وسائل الشيعة 5 - 396 ح 1.
5- في « س » الاقتداء.
البحث الثاني: ( في الشرائط الخاصة )

وهي :

الأول : الذكورة ، وهي شرط في حق المأمومين الذكور والخناثي خاصة ، فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى المشكل إجماعا ، لقوله علیه السلام : ألا لا يؤمن امرأة رجلا (1) ، ولأن المرأة لا تؤذن للرجال ، فلا تكون إمامة لهم كالكافر. ولا فرق في ذلك بين الفرائض والنوافل.

ويجوز للرجل أن يصلي بالنساء والخناثي ، وإن كن أجنبيات ولا رجل معهن.

والخنثى المشكل تجوز أن تكون إماما للمرأة ، لأن أقل أحواله أن تكون كذلك ، ولأنه تصلح أن تكون إماما لها. ولا تجوز أن تكون إماما لرجل ولا لخنثى ، لجواز أن يكون المأموم رجلا والإمام امرأة.

فلو صلى الرجل أو الخنثى خلف امرأة أو خنثى ، بطلت صلاة المأموم خاصة ، ولا فرق بين أن ينوي الإمام استتباع الرجال أو النساء.

ولو ائتم الرجل بمن ظنه رجلا ، فبان كونه امرأة أو خنثى مشكلا ، لم يجب القضاء ، لأن المأخوذ عليه العمل بالظن ، خصوصا الخنثى قد يستتر ويخفى غالبا ، ولو كلف العلم بعدمه لزم (2) الحرج.

ولو ائتم خنثى بمثله ، أو رجل بخنثى مع العلم بكونه خنثى مشكلا ، وجب القضاء ، لبطلان الاقتداء. فلو لم يقض حتى ظهر كون الإمام رجلا ، فالأقوى عدم سقوط القضاء ، لأنه كان ممنوعا من الاقتداء به ، للتردد في حاله ، والتردد مانع من صحة الصلاة ، وإذا لم تصح فلا بد من القضاء. ويحتمل ضعيفا الصحة ، لأنه مأمور بالاقتداء بالرجال وقد حصل.

ص: 144


1- سنن البيهقي 3 - 90.
2- في « ق » لزمه.

وكذا لو اقتدى خنثى مشكل بامرأة ، ثم بان كون المأموم امرأة ، ولم تقض حتى ظهرت الأنوثية.

وكذا لو اقتدى خنثى بخنثى ولم يقض المأموم حتى بانا رجلين أو امرأتين ، أو كون الإمام رجلا ، أو كون المأموم امرأة.

ومن نظائره ما لو باع مال أبيه على ظن الحياة ، فبان ميتا ، ففي الصحة وجهان.

ولو وكل وكيلا في شراء وباع ذلك الشي ء من انسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد وكان قد اشتراه ، ففي الصحة الوجهان.

الثاني : القيام في إمامة القائم ، فلا يؤم القاعد القائم عند جميع علمائنا ، لقوله علیه السلام : لا يؤمن أحد بعدي جالسا (1). وقول علي علیه السلام : لا يؤم المقيد المطلقين (2). ولأن القيام ركن ، فلا تصح إمامة العاجز عنه القادر عليه كغيره من الأركان ولا فرق بين الإمام الراتب وغيره ، ولا بين الإمام الأصلي وغيره. ولا فرق في بطلان صلاتهم بين أن يصلوا قياما خلفه أو جلوسا ، ولا بين أن يكون مرضه مما يرجى برؤه أو لا.

ولو صلى قائما فاعتل في قيامه فجلس ، أتموا الصلاة من قيام بنية الانفراد ، فإن استخلف أو استخلفوا صلوا جماعة ، وإلا انفردوا. ولا يجوز الايتمام به ، لأن القعود مانع من الابتداء فكذا يمنع من الاستدامة.

ويجوز للعاجز أن يؤم بمثله إجماعا. ولا يجوز للمومي أن يكون إماما للقاعد ، ولا للمستلقي أن يكون إماما للمضطجع.

ولا يجوز للعاجز عن ركن إمامة القادر عليه ، كالعاجز عن الركوع أو السجود ، ولو اختلفا في المقدور عليه لم يجز الايتمام ، وإن كان المأموم عاجزا عن الأقل.

ولا يجوز أن يؤم المقيد المطلقين ، لعجزه عن القيام ، ولا صاحب الفالج

ص: 145


1- وسائل الشيعة 5 - 415 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 411 ح 1 و 3.

الأصحاء. ويجوز للأعرج أن يؤم الأصحاء.

ولو عجز عن القيام إلا بما يعتمد عليه ، فاعتمد حال قيامه ، فالأقوى صحة إمامته بالصحيح ، لأن المنع - وهو إمامة القاعد - غير ثابت هنا. والأقوى في الراكع خلقة المنع من إمامته بالسليم ، ويجوز بمثله. وفي جوازه بالأدون إشكال.

ويجوز إمامة أقطع اليدين والرجل بالصحيح دون أقطع الرجلين. ويجوز إمامة الخصي والجندي.

الثالث : القراءة شرط في إمامة القراء ، فلا يجوز أن يأتم قارئ بأمي في الجهرية والسرية. ونعني بالأمي من لا يحسن القراءة ، أو لا يحسن الفاتحة ، لأن القراءة واجبة مع القدرة. ومع الإتمام بالأمي تخلو الصلاة عن القراءة ، ولأن الإمام بصدد تحمل القراءة عن المأموم بحق الإمامة بدلالة المسبوق ، فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل.

ولا فرق بين أن يقرأ المأموم لنفسه في السرية أو الجهرية أو لا يقرأ. فلو صلى القارئ خلف الأمي ، بطلت صلاة المأموم خاصة ، لاختصاص المنع به.

أما لو كان القارئ مرضيا عند الأمي ، فالأقرب وجوب الايتمام بالقارئ ، فإن أخل بطلت صلاته مع المكنة ، لأنه متمكن من الإتيان بالصلاة على وجهها وهي القراءة ، فوجب عليه.

ويجوز أن يأتم الأمي بمثله إن عجز الإمام والمأموم عن التعلم ، أو ضاق الوقت دونه ، لتساويهما.

ولو تمكن أحدهما من التعلم والوقت متسع ، بطلت صلاته ، إماما كان أو مأموما. أما المأموم فإن كانت صلاة الإمام باطلة ، لتمكنه دون تمكن المأموم ، لم يصح الاقتداء به أيضا.

ويجب على الأمي الاشتغال بالتعلم دائما إلا وقت الضرورة ، كالأكل

ص: 146

والشرب وقضاء الحاجة وضيق وقت الفريضة ، وتحصيل ما لا بد منه من القوت الحافظ للنفس ولعياله ، والاشتغال بالمندوب ليس عذرا.

ولو أم الأمي قارئا وأميا معا ، أعاد القارئ خاصة ، وكذا الأمي إن وجد قارئا مرضيا ، أو تمكن من التعلم قبل خروج الوقت ، وإلا فلا.

ولو كان أحدهما يحسن الفاتحة والآخر السورة ، فالأقرب وجوب الايتمام بمن يحسن الفاتحة ، للإجماع على أولويتها ووجوبها عند الأكثر.

ولو جوزنا انقلاب المأموم إماما لإمامه ، ائتم جاهل الفاتحة بعارفها ، فإذا فرغ نوى الثاني الايتمام بالأول. ولو كان معهما ثالث لا يعرف شيئا ، ائتم بعارف الفاتحة ، فإذا فرغ نقل نيته إلى الايتمام بالثاني. وفي وجوب ذلك إشكال.

هذا إذا كانا مرضيين ، ولو كان جاهل الفاتحة مرضيا ، وجب على جاهلها الايتمام به على إشكال.

ولو كان أحدهما يعرف بعض الفاتحة والآخر سورة كملا ، احتمل تخير ايتمام أحدهما بالآخر ، وأولوية إمامة عارف بعض الفاتحة.

ولو جهل القارئ حال الأمي ، فأحرم مأموما معه ، ثم علم في الأثناء ، نقل النية إلى الانفراد وجوبا. ولو كانت الصلاة سرية ، أو بعد عنه ، أو جوز غفلته عن الجهر ، ولم يعلم حاله حتى فرغ من صلاته خلفه ، صحت صلاته ، لأنه يبني على الظاهر. ويحتمل المنع ، لأن العدالة شرط وقد جهل المأموم بها.

ولو أم الأخرى مثله ، صحت صلاتهما ، لتساويهما في العجز. ولا يجوز أن يؤم بالصحيح وإن كان أميا ، لتمكنه من التكبير والذكر. ويحتمل الجواز ، لأن الإمام لا يتحمل التكبير وهما سواء في القراءة. والوجه الأول ، لتمكنه من بدلها.

ويجوز إمامة الأصم بالسليم ، لأنه لا يخل بشي ء من واجبات الصلاة.

ولو أحسن كل منهما بعض الفاتحة ، فإن اتحد صح ايتمام أحدهما

ص: 147

بصاحبه ، لتساويهما. وإن اختلف لم يصح ، لأن كلاّ منهما أمي بالنسبة إلى صاحبه باعتبار ما جهله.

الرابع : اللحن في القراءة الواجبة ، إن فعله عمدا مع تمكنه من التعلم ، أبطل صلاته ، لأنه ليس بعربي ، والقرآن عربي ، ولا فرق بين أن يختلف المعنى ، كمن يكسر كاف « إياك » أو لا كمن يفتح كاف « إياك ».

وإن كان سهوا ، لم تبطل صلاته ، ولا صلاة من خلفه. وإن كان جاهلا ، فإن تمكن من التعلم واتسع الزمان ، بطلت صلاته وصلاة من خلفه ، لأنه كالعامد. ولو لم يتمكن أو ضاق الوقت من غير تفريط ، صح أن يكون إماما لمثله.

والأقرب أنه لا تصح إمامته بالمتقن ، لأنه متمكن من الصلاة بقراءة صحيحة ، فلا يجوز العدول إلى الفاسد.

ولو كان لحن أحدهما مختلا ولحن الآخر غير مختل ، فالأقوى جواز اقتداء الأول بالثاني دون العكس.

الخامس : لا يصح أن يؤم مئوف اللسان صحيحه ، لوجوب القراءة في حق الصحيح ، لتمكنه منها ، ومع عجز الإمام لا يصح التحمل ، فلا يصح الاقتداء. ويصح أن يؤم مثله إذا تساويا في النطق.

ولو تمكن من إصلاح لسانه فأهمل ، لم تصح صلاته مع سعة الوقت ولا صلاة من خلفه.

ولو كان ألثغ يبدل حرفا بآخر مع تمكنه من التعلم لم تصح ، كمن يبدل الحاء بالخاء أو بالهاء ، أو يبدل الميم في « المستقيم » بالنون ، أو السين بالثاء ، أو الراء بالغين.

وإن لم يطاوعه لسانه ، أو كان ولم يمض من الزمان ما يمكنه التعلم فيه ، أو لم يجد المرشد ، صحت صلاته دون صلاة من خلفه ، ولو تمكن من التعلم ، لم تصح صلاته ووجب عليه قضاؤها ، فلا يصح الاقتداء به.

ص: 148

وكذا من في لسانه رخاوة تمنع أصل التشديدات.

ومن لا يفصح ببعض الحروف ، كالضاد والقاف ، لا تصح إمامته للعارف ، لأنه أمي بالنسبة إلى الفصيح ، ويجوز أن يؤم مثله.

ولو أبدل الضاد في « المغضوب » أو « الضالين » وغيرهما بالظاء ، لم تصح صلاته مع إمكان التعلم.

وتكره إمامة التمتام ، وهو الذي يردد التاء ثم يأتي بها ، والفأفاء ، وهو الذي يردد الفاء ثم يأتي بها ، لأنهما لا ينقصان شيئا ، ويزيدان زيادة يعذران فيها.

ولو كان له لثعة خفيفة تمنع من تخليص الحرف ، ولكن لا يبدله بغيره ، جاز أن يكون إماما للقار.

السادس : الأجذم والأبرص لا يؤمان الصحيح على الأقوى ، لنفور النفس عنهما ، فلا يحصل الانقياد إلى طاعتهما ، وقول الصادق علیه السلام : خمسة لا يؤمون الناس على كل حال : المجذوم ، والأبرص ، والمجنون ، وولد الزنا ، والأعرابي (1). ويجوز إمامتهما لمثلهما وإمامة كل واحد للآخر.

السابع : الأعرابي وهو الذي لا يعرف محاسن الإسلام لا يؤم المهاجرين ، لقوله تعالى ( الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ ) (2) ولأنه لا يعرف تفاصيل أحكام الصلاة ، وللحديث السابق. وكذا غيره من العوام إذا لم يعرف شرائط الصلاة على التفصيل.

ولو كان الأعرابي قد دخل البناء وعرف أحكام الصلاة على التفصيل وما يكفيه اعتماده في التكليف وتدين به ، ولم يكن ممن يلزمه المهاجرة وجوبا ، جازت إمامته مطلقا ، لوجود الشرائط فيه ، وانتفاء الموانع عنه.

ص: 149


1- وسائل الشيعة 5 - 397 ح 1 و 399 ح 5.
2- سورة التوبة : 97.

والضابط فيه : إنه إن عرف الواجب من المندوب ، صح الايتمام به ، وإلا فلا.

ولا يجوز أن يكون إماما لمثله على إشكال ، أقربه الجواز مع عدم وجوب القضاء للصلاة ، والمنع لا معه.

البحث الثالث: ( فيمن تكره إمامته )

الأول : تكره إمامة المحدود بعد توبته ، لأن فسقه وإن زال بالتوبة ، لكن نقص منزلته وسقوط محله في القلوب باق.

الثاني : تكره إمامة السفيه ، لقول أبي ذر : إن إمامك شفيعك إلى اللّه ، فلا تجعل شفيعك سفيها ولا فاسقا (1).

الثالث : في كراهة إمامة الأعمى إشكال ، أقربه المنع ، لقول الصادق علیه السلام : لا بأس بأن يصلي الأعمى بالقوم وإن كانوا هم الذين يوجهونه (2). وقول علي علیه السلام : لا يؤم الأعمى في الصحراء إلا أن يوجه إلى القبلة (3). ولأنه فاقد حاسة لا يختل به شي ء من شرائط الصلاة ، فأشبه الأصم ، نعم البصير أولى لتوقيه من النجاسات.

الرابع : كره الشيخ إمامة العبد إلا لأهله ، لقول علي علیه السلام : لا يؤم العبد إلا أهله (4). وليس للتحريم ، لأن أحدهما علیهماالسلام سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به وكان أكثرهم قرانا؟ فقال : لا بأس (5). ولأنه من أهل الأذان ، فكان من أهل الإمامة ، لاشتراكهما في الإمامة.

ص: 150


1- وسائل الشيعة 5 - 392 ح ط.
2- وسائل الشيعة 3 - 235 ح 1 و 5 - 409 ح 1.
3- وسائل الشيعة 3 - 235 ح 3 و 5 - 410 ح 7.
4- وسائل الشيعة 5 - 401 ح 4 ، وكلام الشيخ في الخلاف 1 - 209.
5- وسائل الشيعة 5 - 400 ح 2.

وحكم المعتق بعضه والمكاتب وأم الولد والمدبر حكم الرق.

الخامس : يكره أن يأتم الحاضر بالمسافر وبالعكس ، وليس محرما ، لأن الأصل الجواز ، واشتمال الايتمام لكل واحد منهما بصاحبه على المفارقة يقتضي الكراهة.

وقال الصادق علیه السلام : لا يؤم الحضري المسافر ، ولا المسافر الحضري ، فإن ابتلي بشي ء من ذلك فأم قوما حاضرين ، فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمهم فأمهم وإذا صلى المسافر خلف المقيم ، فليتم صلاته ركعتين ويسلم ، وإن صلى معهم الظهر فليجعل الأولتين الظهر والأخيرتين العصر (1).

ولو لم تحصل المفارقة ، فالأقرب زوال الكراهة كالغداة والمغرب ، وكذا لو صلى الإمام ركعتين ثم حضر المسافر.

السادس : يكره أن يأتم المتوضئ بالمتيمم ، فإن فعل صح إجماعا ، لأن عمرو بن العاص صلى بأصحابه متيمما وبلغ النبي صلی اللّه علیه و آله فلم ينكره ، ولأنه متطهر طهارة صحيحة فأشبه المتوضئ. وأما الكراهة فلنقص طهارته ، وقول علي علیه السلام : لا يؤم المقيد المطلقين ، ولا يؤم صاحب الفالج الأصحاء ، ولا صاحب التيمم المتوضئين (2).

ويجوز للطاهرة أن تأتم بالمستحاضة ، لأنها متطهرة فأشبهت المتيمم. وكذا يصح ايتمام الصحيح بصاحب السلس ، لأنه متطهر ، والحدث الموجود غير مانع. وأن يأتم الطاهر بمن على بدنه أو ثوبه نجاسة كالمجروح.

وليس للمتوضئ ولا للمتيمم الايتمام بعادم الماء والتراب ، سواء أوجبنا عليه الصلاة أو لا ، لأنه غير متطهر.

وقال الشيخ : يجوز للمكتسي أن يأتم بالعريان ، وفيه نظر ، لأن العاري

ص: 151


1- وسائل الشيعة 5 - 404 ح 6.
2- وسائل الشيعة 5 - 411 ح 1.

إن صلى قاعدا لم يصح الايتمام به ، وإن صلى قائما موميا ، لم يصح الايتمام به حالة الركوع والسجود. ولو كان المكتسي يصلي بالإيماء لمرض ، جاز أن يأتم بالعريان حينئذ.

ولا يجوز للقادر على الاستقبال الايتمام بالعاجز عنه ، ويصح لمماثله.

ولو صلت الحرة خلف أمة مكشوفة الرأس صح ، فإن أعتقت في الأثناء وكانت السترة قريبة ، فأخذتها وأتمت الصلاة ، صح استمرار الايتمام ، وإلا نوت المأمومة المفارقة. وكذا العاري يجد السترة في الأثناء.

السابع : يكره أن يؤم قوما يكرهون الايتمام به ، لقوله علیه السلام : ثلاثة لا يتجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون (1).

المطلب الرابع: ( في ترجيح الأئمة )

إذا حضر إمام الأصل ، لم يجز لأحدهم التقدم عليه ، وتعين هو للإمامة ، لقوله تعالى ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) وقال تعالى ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) (3) وهو خليفته ، فيكون له هذه المنزلة ، ويجوز مع العذر الاستنابة.

ويحصل في غيره أولوية التقدم إذا كثروا بأمور :

الأول : القراءة ، فإذا تعددت الأئمة ، قدم من يختاره المأمومون ، فإن اختلفوا قدم من يختاره الأكثر ، فإن تساووا قدم الأقرأ ، والأصل في التقديم بالفضائل ما روي عنه علیه السلام قال : يؤم القوم أقرأهم لكتاب اللّه (4).

ص: 152


1- جامع الأصول 6 - 380.
2- سورة النساء : 59.
3- سورة الحجرات : 1.
4- جامع الأصول 6 - 373.

فإن كانوا في القراءة سواء ، فأعلمهم بالسنّة ، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم بالهجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء ، فأكبرهم سنا.

ولأن القراءة ركن في الصلاة ، فكان الأعلم فيها أولى ، كالقادر على القيام مع العاجز عنه.

وقدم بعض علمائنا الأفقه على الأقرأ ، لانحصار القراءة التي يحتاج إليها في الصلاة وهو يحفظها ، وعدم انحصار ما يحتاج إليه من الفقه ، لعدم انضباط الوقائع الجزئية والحوادث. وقد يعرض له في الصلاة ما يحتاج إلى الفقه في معرفته. والحديث متأول ، فإن الصحابة كانوا إذا تعلموا القرآن تعلموا معه أحكامه.

إذا ثبت هذا فإن أحد القارئين يرجح على الآخر بكثرة القرآن ، فإن تساويا في قدر ما يحفظانه وكان أحدهما أجود قراءة وأشد إخراجا للحروف من مواضعها ، فهو أولى. وإن كان أحدهما أقل حفظا والآخر أجود قراءة ، فالأجود أولى.

الثاني : إذا تساووا في القراءة قدم الأفقه لما تقدم في الحديث وقيل : يقدم الأسن ثم الأفقه لقول الصادق علیه السلام : يؤم القوم أقرؤهم للقرآن ، فإن تساووا فأقدمهم هجرة ، فإن تساووا فأسنهم ، فإن كانوا سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنّة (1).

ولو اجتمع فقيهان أحدهما أقرأ والآخر أفقه ، قدم الأقرأ على أحد القولين ، والأفقه على الآخر. ولو تساووا في القراءة والفقه قدم الأقدم هجرة ، والمراد به سبق الإسلام ، أو من كان أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته يتقدم بذلك ، سواء كانت الهجرة قبل الفتح أو بعده.

وللشيخ قول : إنه مع التساوي في الفقه يقدم الأشرف ، فإن تساووا قدم

ص: 153


1- وسائل الشيعة 5 - 419 ح 1.

الأقدم هجرة ، فإن تساووا في الهجرة ، إما لهجرتهما معا ، أو لعدمها عنهما ، قدم الأسن (1) ، لحديث الصادق علیه السلام (2) ولأنه أحق بالتقديم والإعظام.

واختلف ، فقيل : أن يمضي عليه في الإسلام أكثر ، فلا يقدم شيخ أسلم اليوم على شاب نشأ في الإسلام.

فإن تساووا في السن قدم الأصبح وجها ، والمراد به إما أحسنهم صورة ، أو أحسنهم ذكرا بين الناس.

فإن تساووا في ذلك ، قدم الأشرف ، وهو الأعلى في النسب ، والأفضل في نفسه ، والأرفع قدرا.

فإن تساووا في ذلك ، قدم الأورع والأتقى ، وليس المراد مجرد العدالة ، بل ما يزيد عليه من العفة وحسن السيرة. والأقوى عندي تقديم هذا على الأشرف نسبا ، لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا.

فإن تساووا في ذلك كله فالقرعة ، لأنهم تساووا في الاستحقاق وتعذر الجمع ، فلا بد من القرعة ، لعدم التخصيص من غير مخصص.

ولو قدم المفضول على الفاضل في هذه المراتب كلها جاز ، لأنها إمامة خاصة ، بخلاف الإمامة العامة.

الثالث : صاحب المنزل أولى بالإمامة فيه من غيره ، وإن كان الغير أقرأ وأفقه إجماعا ، لقوله علیه السلام : لا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه (3). والمراد بالتكرمة الفراش ، وقيل : المائدة. وقال الصادق علیه السلام : لا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله وفي سلطانه (4).

ص: 154


1- المبسوط 1 - 157.
2- المتقدم آنفا.
3- جامع الأصول 6 - 373.
4- وسائل الشيعة 5 - 419 ح 1.

ولو كان في المنزل إمام الحق فهو أولى ، لأنه الحاكم المطلق ، وأم النبي صلی اللّه علیه و آله غسان بن مالك وأنسا في بيوتهما.

وإمام المسجد الراتب أولى من غيره ، لأنه في معنى صاحب المنزل والسلطان ، ولقوله علیه السلام : من زار قوما فلا يؤمهم (1) ، وهو عام في المسجد ، ولو أذن صاحب المنزل أو السلطان لغيره كان أحق.

والوالي من قبل السلطان أولى من صاحب المنزل والمسجد ، لأنه نائب الأولى فكان له منزلة المنوب.

ولو دخل السلطان بلدا له فيه خليفة ، فهو أولى من خليفته ، لأصالة ولايته.

والسيد أولى من العبد في بيت العبد ، لأنه صاحب البيت. ولو اجتمع العبد وغير سيده ، فالعبد أولى باعتبار المنزل.

ولو اجتمع مالك الدار ومستأجرها فيها ، فالمستأجر أولى ، لأنه أحق بالمنفعة والاستيلاء. ولو كان المالك ممن لا يصلح للإمامة فقدم غيره ، ففي أولويته إشكال.

ولو اجتمع المكاتب والسيد في دار المكاتب ، فالأقرب أن المكاتب أولى ، لقصور يد السيد عن أملاك المكاتب.

والمالك أولى من المستعير ، لنقص تصرف المستعير ، إذ للمالك عزله متى شاء.

ولو حضر جماعة المسجد ، استحب لهم مراسلة إمامة الراتب ، فإن حضر وألا يقدم أحدهم. ولو خافوا فوت أول الوقت وآمنوا الفتنة جمعوا.

وهل يقدم أولاد من تقدمت هجرته؟ الأقرب ذلك من حيث شرف النسب ، لا من حيث تقدم الهجرة.

ص: 155


1- جامع الأصول 6 - 375.

ولو اجتمع مالكا الدار ، لم يتقدم غيرهما ، ويتقدم أحدهما بإذن الآخر أو القرعة.

المطلب الخامس: ( في اللواحق )

وهي :

الأول : لو كان الإمام ممن لا يقتدى به ، لم يجز الاقتداء ، فإن احتاج إلى الصلاة معه ، تابعه في الأفعال وقرأ مع نفسه ، وإن كانت الصلاة جهرية للضرورة ، ولا يعيد لاقتضاء الأمر الإجزاء.

الثاني : لو كان الإمام كافرا ولم يعلم المأموم ، ثم علم في الأثناء ، عدل إلى الانفراد واجبا ، فإن لم يفعل واستمر على الاقتداء بطلت صلاته ، لإخلاله بالشرط.

ولو علم بعد الفراغ ، صحت صلاته على الأقوى ، للامتثال بفعل المأمور به ، فيخرج عن العهدة ، إذ هو مكلف بالظاهر. وسئل الصادق علیه السلام عن قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال ، وكان يؤمهم رجل ، فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي؟ قال : لا يعيدون (1).

ولا فرق بين كون الكفر مما يستتر به عادة كالزندقة أو لا. وقيل : يعيد مطلقا ، لأنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة ، فتبطل صلاته. كما لو ائتم بمجنون (2) ، وينتقض بالمحدث.

ويحتمل الفرق بين الخفي وغيره ، لمشقة الوقوف عليه. ويعزر الكافر إذا أم ، لأنه غاشّ.

ولو صلى خلف من أسلم من الكفار ، فلما فرغ من صلاته قال : لم أكن

ص: 156


1- وسائل الشيعة 5 - 435 ح 1.
2- في « ق » المجنون.

أسلمت ولكن تظاهرت بالإسلام ، لم يلزمه قبول قوله لكفره ، ولا إعادة عليه.

ولو كان يعرف لرجل إسلام وارتداد ، فصلى آخر خلفه ولم يعلم في أي الحالين صلى خلفه ، لم يعد ، لأن الشك بعد الفراغ غير مؤثر.

الثالث : لو كان الإمام جنبا أو محدثا ، لم تصح صلاته ، سواء علم بحدث نفسه أو لا ، وتصح صلاة من خلفه إذا لم يعلم بحدثه للامتثال ، ولأن الباقر علیه السلام سأله محمد بن مسلم عن الرجل يؤم القوم وهو على غير طهر ولا يعلم حتى تنقضي صلاته؟ قال : يعيد ولا يعيد من خلفه وإن أعلمهم أنه على غير طهر (1). ولأنه لا علامة للمتطهر من المحدث ، فلم يوجد من المأموم تقصير في الاقتداء.

ولو أحدث الإمام في الأثناء فعلم به المأموم ، وجب أن ينوي الانفراد ، فإن استمر على نية الايتمام بطلت صلاته. وإذا كان حدثه بعد إكمال القراءة ، ركعوا منفردين أو يقدمون غيره ، وإن كان قبل القراءة ، اشتغلوا بها ، وكذا لو كان في الأثناء ، ويحتمل الإتمام من حيث قطع.

ولو أخبر الإمام بعد فراغه أنه محدث أو جنب ، لم يلتفت إليه في بطلان صلاة المأموم.

ويستحب للإمام أو المأمومين إذا أحدث الإمام ، أو أغمي عليه ، أو جن ، أو مات ، أن يقدم من يؤم من الجماعة ويتم بهم الصلاة لا وجوبا ، لأصالة البراءة.

ويكره أن يستنيب المسبوق ، لقول الصادق علیه السلام : فلا ينبغي له أن يقدم إلا من قد شهد الإقامة (2). ويجوز أن يستنيب المنفرد والسابق ، فإن استنابه جاز أن يستنيب ثانيا.

ولا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يكون الإمام قد سبقه الحدث ، أو

ص: 157


1- وسائل الشيعة 5 - 434 ح 4.
2- وسائل الشيعة 5 - 439 ح 2.

أحدث عمدا ، فيجوز للمحدث عمدا أن يستنيب هو أو المأمومون ، ولا يشترط الاستخلاف ، فلو تقدم بنفسه جاز أن يتموا معه الصلاة.

ولو استخلف اثنين حتى يصلي كل واحد بطائفة ، جاز في غير الجمعة ، وفيها إشكال ، ينشأ من المنع من تعدد الأئمة في الابتداء فكذا في الأثناء ، ومن كون الجمعة واحدة في الحقيقة.

الرابع : إذا بلغ الطفل سبع سنين ، كان على أبيه أن يعلمه الطهارة والصلاة ، ويعمله الجماعة وحضورها ليعتادها ، لحصول التمييز للصبي في هذا السن.

وإذا بلغ عشر ضرب عليها ، وإن كانت غير واجبة ، لما فيه من اللطف ، وهو الاعتياد والتمرين ، ولقوله علیه السلام : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع (1). وكذا يفعل ولي الصبي ووصيه ، وقال الصادق علیه السلام : مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، فإنا نأمر أولادنا بالصلاة وهم أبناء خمس ، ونضربهم عليها وهم أبناء سبع (2).

وقد روي عن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : إذا بلغ الصبي سبع سنين أمر بالصلاة ، فإذا بلغ عشرا ضرب عليها ، فإذا بلغ ثلاث عشرة فرقوا بينهم في المضاجع ، فإذا بلغ ثماني عشرة علم القرآن ، فإذا بلغ إحدى وعشرين انتهى طوله ، فإذا بلغ ثماني وعشرين كمل عقله ، فإذا بلغ ثلاثين بلغ أشده ، فإذا بلغ أربعين عوفي من البلوى الثلاث : الجذام والجنون والبرص ، فإذا بلغ الخمسين حبب إليه الإنابة ، فإذا بلغ الستين غفرت ذنوبه ، فإذا بل السبعين عرفه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين كتبت الحسنات ولم تكتب السيئات ، فإذا بلغ التسعين كتب أسيرا لله في أرضه ، فإذا بلغ المائة شفع في سبعين من أهل بيته وجيرانه ومعارفه (3).

ص: 158


1- جامع الأصول 6 - 133.
2- وسائل الشيعة 3 - 12 ح 5.
3- جامع الأصول 6 - 132 ، سنن أبي داود 1 - 133 ، رووا صدر الحديث.

إذا عرفت هذا فإن الصلاة تجب عليه مع البلوغ لا قبله ، لقوله علیه السلام : رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ الحلم (1).

الخامس : إذا شرع إنسان في نافلة ، فأحرم الإمام ، قطعها إن خاف الفوات ، تحصيلا لفضيلة الجماعة ، سواء خاف فوت النافلة أو لا ، ولو لم يخف فوات الجماعة ، أتم النافلة ثم دخل في الفريضة.

ولو كان في فريضة ، استحب له أن ينقل نيته إلى النافلة ويكملها ركعتين ، ثم يدخل مع الإمام في الصلاة ، للحاجة إلى نيل الجماعة.

ولو كان إمام الأصل ، قطع الفريضة ، كما يقطع النافلة لغيره ، ثم يدخل معهم في الجماعة ، لأن متابعته أولى.

ولو كان الإمام ممن لا يقتدى به ، استمر على حاله ، لأنه ليس بمؤتم في الحقيقة وللرواية (2).

ولو تجاوز في الفريضة ركعتين ، ثم أحرم الإمام. فإن كان إمام الأصل ، قطعها واستأنف معه ، لما فيه من المزية المقتضية للاهتمام بمتابعته. وإن كان غيره ، فالأقرب الإتمام ثم الدخول معه على سبيل إعادة المنفرد مع الجماعة.

ولو ابتدأ بقضاء الظهر ، ثم شرع الإمام في صلاة الصبح ، وخاف أن يتمم ركعتين نافلة فاتته الصلاة مع الإمام ، فإن كان إمام الأصل أبطل صلاته ، وإلا فالوجه إتمام القضاء وتفويت الجماعة ، لأن تداركها إنما هو بنقل النية من الفرض إلى النفل ، ولا يحصل التدارك بذلك.

السادس : ينبغي للإمام أن يخفف صلاته بتخفيف الأذكار ، وتكميل أفعالها من ركوع وسجود وقيام. قال أنس : ما صليت خلف أحد قط أخف ولا أتم صلاة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (3).

ص: 159


1- الخصال ص 162.
2- وسائل الشيعة 5 - 458 ح 2.
3- جامع الأصول 6 - 384.

ولو أحب المأمومون خلفه التطويل ، لكان أولى ، لقوله علیه السلام : أفضل الصلاة ما طال قنوتها (1).

السابع : لا يجب على المأموم القراءة في الجهرية والإخفاتية ، سمع قراءة الإمام أو لا. ولا يستحب في الجهرية مع السماع ، لقوله تعالى ( فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (2) نزلت في بيان الصلاة. وقوله علیه السلام : وإذا قرأ فأنصتوا (3) ، وقول الصادق علیه السلام : إذا كنت خلف إمام تولاه وتثق به ، فإنه يجزيك قراءته ، وإن أحببت أن تقرأ فاقرأ فيما يخافت فيه ، فإذا جهر فأنصت ، قال اللّه تعالى ( وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (4) ولأنها قراءة لا تجب على المسبوق ، فلا تجب على غيره.

وهل تحرم القراءة لو سمع ولو مثل الهمهمة؟ قال الشيخان : نعم ، لقول الصادق علیه السلام : من رضيت به فلا تقرأ خلفه (5) ، والنهي للتحريم. ولو لم يسمع ولا همهمة في الجهرية ، فالأفضل القراءة لا واجبا ، لقول الصادق علیه السلام : إذا كنت خلف من ترضى به في صلاة يجهر فيها فلم تسمع قراءته فاقرأ ، وإن كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ (6). وقال الرضا علیه السلام في الرجل يصلي خلف من يقتدى به يجهر بالقراءة فلا يسمع القراءة قال : لا بأس إن صمت وإن قرأ (7).

ويستحب للأصم أن يقرأ مع نفسه ، لأنه لا يسمع همهمة ، والأقرب أن له التوجه ، أما الاستعاذة فلا إلا مع القراءة.

ولو كانت الصلاة سرا قال الشيخ : يستحب قراءة الحمد خاصة (8) ،

ص: 160


1- جامع الأصول 6 - 264.
2- سورة الأعراف : 204.
3- سنن ابن ماجة 1 - 276.
4- وسائل الشيعة 5 - 424 ح 15.
5- وسائل الشيعة 5 - 424 ح 14.
6- وسائل الشيعة 5 - 423 ح 7.
7- وسائل الشيعة 5 - 424 ح 11.
8- المبسوط 1 - 158.

لقول الصادق علیه السلام : فإن لم تسمع فاقرأ (1). وهو يعطي استحباب القراءة في الإخفاتية.

ولا يستحب القراءة في سكتات الإمام ، لقول الصادق علیه السلام : لا ينبغي له أن يقرأ يكله إلى الإمام (2). ولو لم يقرأ مطلقا صحت صلاته ، لقوله علیه السلام : من كان له إمام فقراءته له قراءة (3).

ولو كان الإمام ممن لا يرتضى به وجبت القراءة ، فإن كانت جهرية جاز أن يخافت للضرورة ، وقول الصادق علیه السلام : يجزيك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس (4). فإن لم يتمكن من السورة الأخرى ، فالأقوى الاجتزاء بالفاتحة. ولا يجب إعادة الصلاة وإن كان في الوقت. ولو عجز عن إكمال الفاتحة ، فالوجه إعادة الصلاة.

ولو فرغ المأموم من القراءة قبل الإمام ، استحب له أن يسبح ، تحصيلا لفضيلة الذكر ، ولئلا يقف صامتا ، ولقول الصادق علیه السلام : أمسك آية ومجد اللّه وأثن عليه ، فإذا فرغ فاقرأ الآية واركع (5).

إذا ثبت هذا فإنه يستحب أن يمسك عن قراءة آخر الآيات من السورة ، فإذا فرغ الإمام قرأ هو تلك الآية ليركع عن قراءة. والظاهر أن ذلك في الصلوات السرية ، لأن الإنصات في الجهرية أفضل ، أو أن يكون الإمام ممن لا يقتدى به.

الثامن : يستحب للإمام أن يسمع من خلفه القراءة والتشهد وذكر الركوع والسجود ، لقول الصادق علیه السلام : ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كلما يقول ، ولا ينبغي لمن خلفه أن يسمعه شيئا مما يقول (6).

ص: 161


1- وسائل الشيعة 5 - 422 ح 1 و 5.
2- وسائل الشيعة 5 - 423 ح 8.
3- سنن ابن ماجة 1 - 277 الرقم 850.
4- وسائل الشيعة 5 - 428 ح 4.
5- وسائل الشيعة 5 - 432 ح 1.
6- وسائل الشيعة 5 - 452 ح 3.

التاسع : ينبغي للإمام أن لا يبرح من مكانه حتى يتم المسبوق ما فاته ، لأن إسماعيل بن عبد الخالق سمعه يقول : لا ينبغي للإمام أن يقوم إذا صلى حتى يقضي كل من خلفه ما فاته من الصلاة (1).

العاشر : يكره التنفل بعد الإقامة ، لأنه وقت القيام إلى الفريضة ، فلا يشتغل بغيرها.

ص: 162


1- وسائل الشيعة 5 - 451 ب 51.

الفصل الثاني: ( في صلاة السفر )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( القصر ومحله )

القصر جائز في الصلاة الرباعية بإجماع العلماء ، والأصل فيه الآية (1) ، وفعل النبي صلی اللّه علیه و آله حيث قصر في أسفاره حاجا وغازيا ، حتى أن جاحده كافر ، لأنه جحد ما علم ثبوته من الدين ضرورة.

ومحله الصلاة والصوم ، أما الصلاة ففي الفرائض الرباعية منها خاصة ، وهي الظهر والعصر والعشاء ، وفي النوافل نوافل الظهرين والوتيرة بشرط الأداء في السفر. فلا قصر في الغداة والمغرب بالإجماع.

والقصر في الرباعية بحذف الشطر الأخير ، فيقتصر على الأولتين منها ، ولا يجوز الاقتصار على أقل منها في سفر خوف وأمن ، لأن أسفار النبي صلی اللّه علیه و آله قد كانت مع الخوف ولم ينقص عن ركعتين.

ولا قصر في القضاء إذا فات في الحضر ، وإن كان حال القضاء مسافرا أو حاضرا وقد تخلل السفر بينهما ، لانتفاء العذر وقت استقرارها.

ص: 163


1- وهي ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) سورة النساء : 101.

ولو تركها في السفر ثم ذكرها في السفر ، قضاها قصرا ، لوجود العذر حالة الوجوب ، وإن تخلل الحضر بينهما. ولو ذكرها في الحضر ، قضاها قصرا ، لأن القضاء يعتبر بالأداء ، وإنما يقضي ما فاته والفائت ركعتان. وقال علیه السلام : من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته (1).

ولو تردد في أنها فائتة في الحضر أو السفر ، فالوجه وجوب صلاتي تمام وقصر ، ويحتمل الأول خاصة والثاني خاصة ، لأصالة البراءة عن الزائدة على الواحدة وعلى الركعتين ، وأصالة الحضر وتوقف يقين البراءة على الجمع.

المطلب الثاني: ( في تجدد السفر على الحضر وبالعكس )

لو سافر بعد دخول الوقت ومضي وقت الطهارة والصلاة ، فالأقرب وجوب الإتمام ، لأن الصلاة تجب بأول الوقت وقد أدرك وقت الوجوب ، فلزمه التمام كالحائض والمغمى عليه ، وقول الصادق علیه السلام : لبشير النبال وقد خرج معه حتى أتينا الشجرة : يا نبال قلت : لبيك ، قال : إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك ، وذلك لأنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج (2).

وللشيخ قول بجواز القصر ، لكن يستحب التمام ، لعموم الآية ، ولأنه مسافر قبل خروج الوقت ، فأشبه ما لو سافر قبل الوجوب ، ولأنه مؤد للصلاة ، فوجب أن يؤديها بحكم وقت فعلها ، ولأن الاستقرار إنما يكون بآخر الوقت ، ولهذا لا يعصي لو مات وقد أخر الصلاة. بخلاف الحائض ، فإنه مانع من الصلاة ، فإذا طرأ الحيض وقت الإمكان في حقها في ذلك القدر ، فكأنها أدركت جميع الوقت ، بخلاف المسافر فإنه غير مانع ، ولأن الحيض لو أثر لأثر في إسقاط الصلاة بالكلية.

ص: 164


1- عوالي اللئالي 3 - 107.
2- وسائل الشيعة 5 - 537 ح 10.

والقول بالسقوط مع إدراك وقت الوجوب بعيد. والسفر يؤثر في كيفية الأداء في أصل الفعل ، فأشبه ما لو أدرك العبد من الوقت قدر ما يصلي فيه الظهر ، ثم عتق فلزمه الجمعة دون الظهر.

ولأن الصادق علیه السلام سأله إسماعيل بن جابر يدخل وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج قال : صل وقصر ، فإن لم تفعل فقد واللّه خالفت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (1). ويمكن حملها على ما لو خرج في ابتداء الوقت.

ولو دخل الوقت وهو في السفر ، ثم حضر قبل خروجه وقبل صلاته ، فالأقرب وجوب الإتمام ، لانتفاء سبب الترخص ، ولقول الصادق علیه السلام حيث سأله إسماعيل بن جابر يدخل علي وقت الصلاة وأنا في السفر ، فلا أصلي حتى أدخل أهلي أصلي وأتم (2). قال الشيخ : ولو بقي ما يقصر عن التمام صلى قصرا وإلا أتم (3).

ولو سافر وقد بقي من الوقت مقدار ركعة أو ركعتين ، قال الشيخ : فيه خلاف بين أصحابنا (4) ، فمن قال الأداء يحصل بإدراك ركعة وجب القصر ، لإدراك الوقت مسافرا ، وإن قلنا إن بعضها قضاء والبعض أداء لم يجز القصر ، لأنه غير مؤد لجميع الصلاة في الوقت.

ولو سافر وقد بقي من الوقت أقل من ركعة ، وجب القضاء تماما إجماعا ، لفواتها حضرا.

ولو سافر وحضر قبل الصلاة بعد دخول وقتها ، ثم فاتته ، قضاها تماما على ما اخترناه من وجوب الإتمام في الموضعين ، لأن القضاء تابع للأداء. ومن اعتبر حال الوجوب ، وجب الإتمام في الأولى والقصر في الثانية. ومن اعتبر في القضاء حال الفوات عكس ، وبالأول رواية عن الباقر علیه السلام حيث سأله

ص: 165


1- وسائل الشيعة 5 - 535 ح 2 ذيل الحديث.
2- وسائل الشيعة 5 - 535+ 2 صدر الحديث.
3- الخلاف 1 - 225.
4- الخلاف 1 - 225.

زرارة في رجل دخل عليه وقت الصلاة في السفر ، فأخر الصلاة حتى قدم ، فنسي حين قدم أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها : يصليها صلاة المسافر ، لأن الوقت دخل عليه وهو مسافر ، كما ينبغي له أن يصليها عند ذلك (1).

المطلب الثالث: ( في وجوب القصر )

القصر عزيمة في الصلاة والصوم ، واجب لا رخصة يجوز تركه ، فلو أتم عامدا عالما بوجوب القصر عليه ، بطلت صلاته عند جميع علمائنا ، لقوله تعالى ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ) (2) أوجب القصر في الصوم بنفس السفر. وقصر الصلاة ملازم إجماعا.

ولم يزل علیه السلام مواظبا على قصر الصلاة ، ولو كان رخصة يجوز تركها لعدل إلى الأصل ليعرف الأحكام. وسأل الحلبي الصادق علیه السلام قال : صليت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر؟ قال : أعد (3) ، ولأن الأخيرتين يجوز تركهما إلى غير بدل ، فلم تجز الزيادة عليهما كالصبح.

ولا يتغير فرض المسافر بالايتمام بالمقيم عند علمائنا ، فلو ائتم بمقيم صلى ركعتين وسلم ولم يجز له الايتمام ، سواء أدرك أول الصلاة أو آخرها ، لأن فرضه القصر ، فلا يجوز له الزيادة. كما لو صلى الفجر خلف من يصلي الظهر ، ولقول الصادق علیه السلام في المسافر يصلي خلف المقيم ركعتين ويمضي حيث شاء (4).

ولو ائتم المقيم بالمسافر وسلم الإمام في ركعتيه ، أتم المقيم إجماعا. ولو أتم المسافر عمدا ، بطلت صلاته للزيادة ، وصلاة المأمومين المقيمين ، للمتابعة في صلاة باطلة.

ص: 166


1- وسائل الشيعة 5 - 535 ح 3.
2- سورة البقرة : 185.
3- وسائل الشيعة 5 - 531 ح 6.
4- وسائل الشيعة 5 - 403 ح 2.

ولو أم المسافر المسافرين فأتم ناسيا فإن كان الوقت باقيا أعاد ، وإلا صحت صلاتهم ولو ذكر الإمام بعد قيامه إلى الثالثة ، جلس واجبا وحرم عليه الإتمام. ولو علم المأموم أن قيامه لسهو ، لم يتابعه وسبّح به ، فإن لم يرجع فارقه ، فإن تابعه بطلت صلاته للزيادة ، ولا تبطل صلاة الإمام إن كان آخر الوقت.

وإذا دخل المسافر بلدا وأدرك الجمعة ، فأحرم خلف الإمام ينوي قصر الظهر لم يجز ، لوجوب الجمعة عليه بالحضور.

والقصر في الصلاة إنما هو في عدد الركعات لا في غيره ، وهو واجب على ما تقدم في كل سفر جمع الشرائط الآتية ، إلا في أربعة مواطن : مسجد مكة ، ومسجد النبي صلی اللّه علیه و آله بالمدينة ، وجامع الكوفة ، والحائر على ساكنه السلام على الأقوى ، فإن الإتمام في هذه المواضع أفضل وإن جاز القصر ، لقول الصادق علیه السلام : تتم الصلاة في المسجد الحرام ، ومسجد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، ومسجد الكوفة ، وحرم الحسين علیه السلام (1).

وهل يستحب الإتمام في جميع مكة والمدينة؟ قال الشيخ : نعم ، لدلالة الرواية عليه ، ومنع قوم ، وعمم المرتضى استحباب الإتمام عند قبر كل إمام. والمراد بالحائر ما دار سور المشهد عليه دون سور البلد.

ولو فاتت هذه الصلاة ، احتمل وجوب القصر مطلقا ، لفوات محل الفضيلة وهو الأداء ، ووجوب القصر إن قضاها في غيرها ، لفوات محل المزية وهو المكان. والتخيير إن قضاها فيها ، لأن القضاء تابع للأداء مطلقا ، لأن الأداء كذلك.

ويستحب أن يقول المسافر عقيب كل صلاة : « سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » ثلاثين مرة ، فإن ذلك جبران لصلاته على ما روي.

ص: 167


1- وسائل الشيعة 5 - 546 ح 14.

ولأنها تقع بدلا عن الركعات في شدة الخوف. ويحتمل الاختصاص بالمقصورة : لقول العسكري علیه السلام : يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها : « سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » ثلاثين مرة لتمام الصلاة (1). والمراد بالوجوب شدة الاستحباب.

ولو سافر بعد الزوال قبل التنفل ، استحب له قضاء النافلة ولو في السفر ، لحصول السبب وهو الوقت.

المطلب الرابع: ( في الشرائط )
اشارة

وهي خمسة : الأول قصد المسافة. الثاني الضرب في الأرض. الثالث استمرار القصد. الرابع عدم زيادة السفر على الحضر. الخامس : إباحة السفر.

البحث الأول: ( قصد المسافة )

قصد المسافة شرط في القصر ، فالهائم الذي لا يدري أين يتوجه وهو راكب التعاسيف وإن طال سفره - لا يجوز له القصر. بل لا بد من ربط القصد بمقصد معلوم ، لأن مطلق السفر غير كاف ، بل لا بد من طوله ، وهذا لا يدري أن سفره طويل أو لا.

ولو استقبلته برية واضطر إلى قطعها ، أو ربط قصده بمقصد معلوم بعد ما هام على وجهه أياما ، فهو منشئ للسفر من حينئذ. وكذا طالب الآبق إذا قصد الرجوع أين لقيه.

والمسافة شرط في القصر ، فلا يجوز في قليل السفر إجماعا ، لقوله عليه

ص: 168


1- وسائل الشيعة 5 - 542 ح 1.

السلام : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان (1). وقال الصادق علیه السلام : القصر في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلا (2). ولأن سبب الرخصة المشقة ، ولا مشقة مع القلة.

وحد المسافة : ثمانية فراسخ ، فلو قصد الأقل لم يجز القصر ، ولا تحتسب مسافة الإياب في الحد ، إلا أن يقصد الرجوع ليومه ، لأن سماعة سأله عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال : في مسيرة يوم ، وذلك بريدان ثمانية فراسخ (3). وسئل الصادق علیه السلام عن القصر قال : في بريدين ، أو بياض يوم (4).

ولو كانت المسافة أربعة فراسخ وقصد الرجوع ليومه ، وجب القصر أيضا ذاهبا وجائيا ، لأنه قد شغل يومه بالسفر ، فحصلت المشقة المنتجة للقصر. ولقول الباقر علیه السلام : إذا ذهب بريدا ورجع بريدا فقد شغل يومه (5).

ولو كانت المسافة ثلاثة فراسخ ، فقصد التردد ثلاثا لم يقصر ، لأنه بالرجوع انقطع سفره ، وإن كان في رجوعه لم ينته إلى سماع الأذان ومشاهدة الجدران.

والفرسخ : ثلاثة أميال إجماعا ، والميل الهاشمي منسوب إلى هاشم جد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أربعة آلاف خطوة واثني عشر ألف قدم ، لأن كل خطوة ثلاثة أقدام ، وهو أيضا أربعة آلاف ذراع لأن المسافة تعتبر بمسير اليوم للإبل السير العام ، وهو يناسب ما قلناه ، وهو قدر مدّ البصر من الأرض.

ولو لم يعلم المسافة وشهد عدلان ، وجب القصر.

ولو شك ولا بينة ، وجب التمام لأصالته ، فلا يعدل عنه إلا مع

ص: 169


1- جامع الأصول 6 - 445.
2- وسائل الشيعة 5 - 491 ح 3.
3- وسائل الشيعة 5 - 492 ح 8.
4- وسائل الشيعة 5 - 492 ح 11.
5- وسائل الشيعة 5 - 496 ح 9.

اليقين. وكذا لو اختلف المخبرون ، بحيث لا ترجيح. ولو تعارضت البينات وجب القصر ، ترجيحا لشهادة الإثبات.

وهذا التقدير تحقيق لا تقريب ، فلو نقصت المسافة شيئا قليلا لم يجز قصر ، لأنه ثبت بالنص لا بالاجتهاد. ولا اعتبار بتقدير الزمان ، فلو قطع المسافة في أيام متعددة ، وجب القصر في الجميع ، وكذا لو قطعها في بعض يوم.

ولا فرق بين البر والبحر في ذلك ، فلو سافر في البحر وبلغت المسافة فله القصر ، وإن قطع المسافة في أقل زمان ، لأن المعتبر المسافة. واعتبار المسافة من حد الجدران دون البساتين والمزارع.

ولو كان لبلد طريقان ، أحدهما مسافة دون الآخر ، فسلك الأقصر لم يجز القصر ، سواء علم أنه القصير أو لا ، لانتفاء المسافة فيه. وإن سلك الأبعد وجب القصر ، سواء قصد الترخص أو غيره من الأغراض لوجود المقتضي. وإذا سلك الأبعد ، قصر في طريقه وفي البلد وفي الرجوع ، وإن كان بالأقرب ، لأنه مسافة ولا يخرج عن حكم السفر إلا بالوصول إلى بلده.

ولو سلك في مقصده الأقصر ، أتم في الطريق وفي البلد ، فإذا رجع فإن كان فيه أتم في رجوعه أيضا. وإن رجع بالأبعد قصر في رجوعه لوجود المقتضي. ولا يقصر في البلد حال قصد الرجوع بالأبعد ، لأن القصد الثاني لا حكم له قبل الشروع فيه.

وطالب الآبق والهائم إذا رجعا إلى بلادهما ، فإن كان بين قصد الرجوع وبين البلد مسافة ، قصرا حين الارتحال ، لأنهما قد أنشئا السفر ، وإلا فلا.

ولو بلغه أن عبده في بلد ، فقصده بنية أنه إن وجده في الطريق رجع ، لم يكن له الترخص ، لعدم جزم السفر. ولو جزم على قصد البلدة ، ثم عزم في الطريق على الرجوع إن وجده ، قصر إلى وقت تغير نيته وبعده ، إن كان قد قطع مسافة وبقي على التقصير ، وإلا أتم.

ص: 170

والأسير في أيدي المشركين ، أو في يد الظالم ، إن عرف مقصدهم وقصده ترخص ، وإن عزم على الهرب متى قدر على التخلص لم يترخص. ولو لم يعرف القصد ، لم يترخص في الحال ، لعدم علمه بالمسافة ، فإن ساروا به المسافة ، لم يقصر أيضا إلا في الرجوع.

ولو سافر بعبده أو ولده أو زوجته أو غلامه ، فإن عرفوا المقصد وقصدوا السفر ترخصوا. ولو عزم العبد على الرجوع متى أعتقه مولاه ، والزوجة متى طلقها ، أو على الرجوع وإن كان على سبيل التحريم كالإباق والنشوز ، لم يترخصوا لعدم القصد ، وإن كان ترك القصد حراما.

ولو لم يعلموا المقصد ، لم يترخصوا ، لانتفاء اختيارهم ، وإنما سفرهم بسفر غيرهم ولا يعرفون مقصدهم. ولو نووا مسافة القصر ، فلا عبرة بنية العبد والمرأة ، ويعتبر نية الغلام ، فإنه ليس تحت يد الأمير.

ومنتظر الرفقة إذا غاب عنه الجدران والأذان ، يقصر إن عزم على السفر ، وإن لم تحصل الرفقة إلى شهر ، وإن تردد في السفر إن لم تحصل الرفقة ، لم يقصر ، إلا أن يكون قد قطع مسافة فيقصر إلى شهر.

ولو قصد ما دون المسافة فقطعه ، ثم قصد ما دون المسافة فقطعه ، وهكذا دائما ، لم يقصر وإن تجاوز مسافة القصر. وكذا لو خرج غير ناو مسافة ، لم يقصر وإن قطع أزيد من المسافة. نعم لو رجع قصر مع بلوغ المسافة ، لوجود قصد المسافة. وسأل صفوان الرضا علیه السلام عن الرجل يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل ، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان؟ قال : لا يقصر ولا يفطر ، لأنه لم يرد السفر ثمانية فراسخ ، وإنما خرج ليلحق بأخيه فتمادى به السير (1).

ولو قصد ما دون المسافة أولا ، ثم قصد المسافة ثانيا ، قصر حينئذ لا قبله.

ص: 171


1- وسائل الشيعة 5 - 503 ح 1.

ولا يجب القصر هنا بنفس القصد ولا بغيبوبة الجدران وخفاء الأذان ، بل بنفس الشروع وإن شاهد الجدران أو سمع الأذان ، لو كان عند تغير المقصد (1).

البحث الثاني: ( الضرب في الأرض )

ولا يكفي في القصر قصد المسافة دون الضرب في الأرض إجماعا لأنه الشرط ، لقوله تعالى ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) (2) فإن مجرد النية لا تجعله مسافرا ، ولكنه تعالى ربط القصر بالضرب في الأرض لا بقصده.

بخلاف ما لو نوى المسافر الإقامة في موضع ، فإنه يصير مقيما ، لأن الأصل الإقامة والسفر عارض ، فيجوز العود إلى الأصل بمجرد القصد. ولا يكفي في العود من الأصل إلى العارض ، كمال القنية لا يصير مال تجارة بالنية ، ومال التجارة تصير مال قنية بها.

ولا يشترط انتهاء المسافة إجماعا ، لتعلق القصر بالضرب ، وهو يصدق في أوله. ولا اختلاف الوقت إجماعا ، فلو خرج نهارا قصر وإن لم يدخل الليل وبالعكس ، لوجود الشرط بدونه.

بل الشرط في إباحة القصر في الصلاة والصوم غيبوبة جدران البلد وخفاء أذانه ، لأن القصر مشروط بالسفر ، ولا يتحقق في بلده ولا مع مشاهدة الجدران ، فلا بد من تباعد يطلق على من بلغه اسم السفر.

ولا حد بعد مفارقة المنازل سواه ، ولأنه علیه السلام كان يقصر على فرسخ من المدينة (3). وقال الصادق علیه السلام : إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر (4).

ص: 172


1- في « ق » لو كانا عند تغير القصد.
2- سورة النساء : 101.
3- جامع الأصول 6 - 445.
4- وسائل الشيعة 5 - 506 ح 3.

وكما أن مبدأ القصر ذلك ، فكذا هو منتهاه ، فلا يزال مقصرا إلى أن يشاهد الجدران أو يسمع الأذان ، لقول الصادق علیه السلام : إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر ، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك (1).

ولا عبرة بأعلام البلدان ، كالمنابر والقباب المرتفعة عن اعتدال البنيان ، إحالة للمطلق في اللفظ على المتعارف. والاعتبار بمشاهدة صحيح الحاسة ، وسماع صحيح السمع ، دون بالغ النهاية فيهما ، وفاقد كمال إحداهما.

ولا عبرة بالبساتين والمزارع ، فيجوز القصر قبل مفارقتها مع خفاء الجدران والأذان ، لأنها لم تبن للسكنى. ولا فرق بين أن تكون محوطة أو لا ، إلا أن تكون فيها دور وقصور للسكنى ، في طوال السنة أو في بعض فصولها ، ولا فرق بين البلد والقرية في ذلك.

ولو كان لبلده سور ، فلا بد من خفائه وإن كان داخله مزارع أو مواضع خربة ، لأن جميع ما في داخل السور معدود من نفس البلد ومحسوب من موضع الإقامة. ولو كان خارج السور دور متلاصقة ، لم يعتد بها لصدق هذه الدور خارج البلد. ولو جمع سور قرى متفاصلة ، لم يشترط في المسافر من إحداهما مجاوزة ذلك السور ، بل خفاء جدار قريته وأذانها ، إلا أن يشملها مع الباقي اسم البلدة.

والخراب الذي بين العمارات معدود من البلد ، كالنهر الحائل بين جانبي البلد ، فلا يترخص بالعبور من أحد الجانبين إلى الآخر. ولو كانت البلدة خربة لا عمارة فرآها ، لم يعتد به ، لأن الخراب ليس موضع إقامة.

ولو سكن في الصحراء أو واد ، لم يشترط قطعه ، بل خفاء الأذان.

ولو كانت البلدة على موضع مرتفع ، اشترط خفاء الآذان دون خفاء الجدران ، وكذا لو كانت في موضع منخفض أو كان ساكنا في الخيام ، ويحتمل خفاء الجدران المقدر.

ص: 173


1- نفس المصدر.

ولو اتصل بناء إحدى القريتين بالأخرى ، فسافر من إحداهما على طريقه الأخرى ، اشترط مفارقتهما معا ، لصيرورتهما كقرية واحدة. ولو كان بينهما فصل ، اعتبر مفارقة قريته خاصة.

ولو كانت الخيام متفرقة ، فلا بد من مجاوزتها ما دامت تعد حلة (1) واحدة ، والخانان كالقريتين ، ويعتبر مع مجاوزة الخيام مجاوزة مرافقها ، كمطرح الرماد وملعب الصبيان والنادي ومعاطن الإبل ، لأنها تعد من جملة مواضع إقامتهم.

ولو قصد المسافة وخرج ، فمنع عن السفر بعد خفاء الجدران والأذان ، فإن بقي على نية السفر لو زال المانع ، قصر إلى شهر. ولو غير النية أو تردد ، أتم ، لانتفاء الشرط وهو القصد.

ولو سافر في المركب فردته الريح بعد خفائهما حتى ظهر أحدهما ، أتم لدخوله في الحضر.

ولو أحرم في السفينة قبل أن يسير وهي في الحضر ، ثم سارت حتى خفي الأذان والجدران ، لم يجز له القصر ، لأنه دخل في الصلاة على التمام.

ولو خرج من البلد إلى حيث يجوز له الترخص ، فرجع إليه لحاجة عرضت له ، لم يترخص حال رجوعه وخروجه ثانيا من البلد ، لخروجه عن اسم المسافر بعوده إلى بلده ، فإذا وصل إلى حد الخفاء قصر. ولو كان غريبا ، فله استدامة الترخص وإن دخل إلى البلد. ولو كان رجوعه بعد قطع المسافة ، فإنه يقصر في رجوعه وخروجه ثانيا.

البحث الثالث: ( استمرار القصد )

واستمرار قصد السفر شرط في القصر ، فلو قطع نية السفر في أثناء

ص: 174


1- في « س » حلقة.

المسافة ، أتم لخروجه عن حكم المسافر.

ولو قطع المسافة ثم غير نية السفر وعزم على الرجوع ، قصر.

وإن عزم على المقام عشرة أيام ، أتم. وإن ردد نيته ، قصر ما بينه وبين ثلاثين يوما ، ثم يتم بعد ذلك.

وتحمل نهاية السفر بأمور ثلاثة :

الأول : العود إلى الوطن ، بأن يرجع إلى الموضع الذي يشترط مجاوزته في ابتداء السفر ، وفي معناه الوصول إلى المقصد الذي عزم على الإقامة فيه إقامة تقطع الرخصة ، أو إلى موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر.

الثاني : نية إقامة عشرة أيام في أي موضع يراه ، سواء صلح للإقامة فيه ، كالعمران أو لا كالمفاوز.

الثالث : إقامة ثلاثين يوما على التردد وسيأتي.

ويجب القصر ما دام مسافرا ، وإن أقام في أثناء المسافة ، أو وصل إلى مقصد إذا لم يعزم للإقامة عشرة أيام ، ما لم تزد إقامته على ثلاثين يوما. فلو نوى إقامة عشرة أيام فيه ، أو في أثناء المسافة ، وجب الإتمام.

وإن نوى أقل من عشرة ، قصر ، لقول علي علیه السلام : يتم الصلاة الذي يقيم عشرا ، ويقصر الصلاة الذي يقول أخرج اليوم أخرج غدا شهرا (1). وقول الباقر علیه السلام : إن دخلت أرضا وأيقنت أن لك بها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة ، وإن لم تدر مقامك فيها ، تقول : غدا أخرج أو بعد غد ، فقصر ما بينك وبين شهر (2).

ولا يكتفي بنية إقامة ثلاثة غير يومي الدخول والخروج. ولا يشترط مقام خمسة عشر.

ص: 175


1- وسائل الشيعة 5 - 529 ح 20.
2- وسائل الشيعة 5 - 526 ح 9.

ولو ردد نيته فيقول : اليوم أخرج غدا أخرج ، قصر إلى ثلاثين يوما ، ثم يتم بعد ذلك ولو صلاة واحدة للرواية (1).

ولا فرق بين المحارب وغيره في وجوب الإتمام بعد شهر ، وفي وجوب الإتمام لو نوي إقامة عشرة ، لعموم الحديث. والأولى اعتبار الثلاثين ، للتقدير به في بعض الروايات ، قال الباقر علیه السلام : فإن لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم (2).

فلو كان الشهر هلاليا وأقام من أوله إلى آخره ونقص يوما ، قصر على هذه الرواية وللاستصحاب ، ولأن الشهر كالمجمل والثلاثين كالمبين ، وعلى رواية الشهر يتم.

ولو دخل بلدا في طريقه ، فقال : إن لقيت فلانا فيه أقمت عشرة ، قصر إلى أن يلقاه ، أو يمضي ثلاثون يوما ، فإن لقيه حكم بإقامته ما لم يغير النية قبل أن يصلي تماما ولو فريضة واحدة.

ولو نوى أنه متى قضيت حاجته خرج ، فإن عرف أن الحاجة لا تنقضي في عشرة صار بحكم المقيم ، وإلا قصر إلى شهر.

ولو نوى في بعض المسافة إقامة عشرة أيام ، انقطع سفره ، فإذا خرج إلى نهاية السفر ، فإن كان بين موضع الإقامة والنهاية مسافة ، قصر ، وإلا فلا.

ولو عزم في ابتداء السفر على الإقامة في أثناء المسافة ، فإن كانت بين الابتداء وموضع الإقامة مسافة قصر ، وإلا فلا ، ويتم مع نية الإقامة عشرة ، وإن بقي على العزم على السفر.

ولو كان له في أثناء المسافة ملك قد استوطنه ستة أشهر ، انقطع سفره بوصوله إليه ، ووجب عليه الإتمام ، سواء عزم على الإقامة فيه أو لا ، لأنه مقيم في بلده. وسأل محمد بن إسماعيل بن بزيع الرضا علیه السلام عن الرجل

ص: 176


1- وسائل الشيعة 5 - 527 ح 12.
2- نفس المصدر.

يقصر في ضيعته ، قال : لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام ، إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه ، فقلت : ما الاستيطان؟ فقال : أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر ، فإذا كان كذلك يتم فيها متى يدخلها (1).

ولا يشترط توالي الأشهر ، بل لو استوطنه ستة أشهر ملفقة وجب الإتمام ، ولا استيطان الملك بل البلد الذي فيه الملك ، ولا كون الملك صالحا للسكنى.

فلو كان له مزرعة أو نخل واستوطن ذلك البلد ستة أشهر أتم ، لقول الصادق علیه السلام في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها ، قال : يتم الصلاة ، ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة ولا يقصر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها (2).

ولو انتقل الملك عنه ، ساوى غيره من البلاد.

ويشترط ملك الرقبة ، فلو استأجر أو استعار أو ارتهن لم يلحقه حكم المقيم ، وإن تجاوزت مدة الإجارة عمره.

ولو غصب ملكه ، لم يخرج عن حكم المقيم. وهل يعتبر مدة الغصب من الستة الأشهر؟ إشكال.

ولو كان بين منشإ سفره والملك الذي قد استوطنه ستة أشهر ، أو ما نوى فيه المقام عشرة أيام مسافة ، قصر في الطريق خاصة. ولو قصر عن المسافة ، لم يقصر ، ولا يضم ما قبله إلى ما بعده ، لأن عبد الرحمن بن الحجاج سأل الصادق علیه السلام عن الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض ، فيخرج فيطوف فيها ، أيتم أم يقصر؟ قال : يتم (3).

وكما تعتبر المسافة بين ابتداء السفر وموضع إقامته أو بلد استيطانه ، كذا

ص: 177


1- وسائل الشيعة 5 - 522 ح 11.
2- وسائل الشيعة 5 - 521 ح 5.
3- وسائل الشيعة 5 - 525 ح 2.

تعتبر بينهما وبين مقصده ، فإن كان مسافة قصر في الطريق ، وإن قصر أتم فيهما. ولو كان بين مبدإ السفر وبينهما (1) مسافة وقصر ما بينهما وبين المقصد عنها ، قصر في المسير إليهما دونهما ، ودون المسافة بينهما وبين مقصده ، ودون مقصده أيضا.

ولو انعكس الفرض ، أتم في مبدإ السفر وبينهما ، وقصر في السفر بينهما إلى مقصده وفي مقصده. ولو قصرا معا فلا قصر في شي ء من الجميع ، وإن زاد المجموع على المسافة.

ولو تعددت المواطن ، أو ما نوى الإقامة فيه عشرة ، قصر بين كل موطن بينهما مسافة خاصة دون المواطن ، ودون ما قصر عن المسافة.

ولو اتخذ الغريب بلدا دار إقامته ولم يكن له فيه ملك ، كان حكمه حكم الملك. فلو اجتاز عليه وجب الإتمام فيه ، ما لم يغير نية الإقامة المؤبدة فيه. ولو اتخذ بلدين فما زاد موضع إقامته ، كانا بحكم ملكه وإن لم يكن له فيهما ملك.

ولو نوى الإقامة في بلد قبل وصوله إليه عشرة أيام ، وبينه وبين المبدإ مسافة ، قصر في الطريق إلى أن ينتهي إلى ذلك البلد ، ويحتمل إلى أن ينتهي إلى مشاهدة الجدران أو سماع الأذان ، لصيرورته بحكم بلده. وكذا يتم إذا خرج منه إلى أن يخفى عليه الأذان والجدران ، مع احتمال القصر من حين الخروج.

البحث الرابع: ( عدم زيادة السفر على الحضر )

يشترط في القصر أن لا يزيد سفره على حضره ، كالمكاري والملاح والراعي والبدوي الذي يطلب القطر والنبت ، والذي يدور في إمارته ، والذي

ص: 178


1- في « س » منتهاه.

يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والبريد. على معنى أن أحد هؤلاء إذا حضر بلده ، ثم سافر منه قبل إقامته عشرة أيام فيه ، وجب عليه التمام.

فإن أقام عشرة ثم خرج ، قصر في خروجه ، لقول الباقر علیه السلام : سبعة لا يقصرون الصلاة : الجابي الذي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي ، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر ، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل (1).

وإنما شرطنا العشرة ، لانقطاع السفر بها ، ولقول الصادق علیه السلام : المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام ، قصر في سفره بالنهار وأتم بالليل ، وعليه صوم شهر رمضان. وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر ، قصر في سفره وأفطر (2).

ولو أقام أحدهم في بلده خمسة أيام ، فالأشهر وجوب الإتمام ليلا ونهارا. ولو أقام في غير بلده عشرة ، فإن نواها خرج مقصرا ، وإلا فلا. ولا يشترط النية في إقامته في بلده ، بل نفس الإقامة.

ومن كان منزله في سفينة ، لا يقصر ، لأنه مقيم في مسكنه ، فأشبه النازل في بلده. والمعتبر صدق اسم المكاري والملاح وغيرهما ، سواء صدق بأول مرة أو بأزيد.

وهل يعتبر هذا الحكم في غيرهم ، حتى لو كان غير هؤلاء يتردد في السفر ، يعتبر فيه ضابط الإقامة عشرة أو لا؟ إشكال ، من حيث المشاركة في المعنى ، والاقتصار على مورد النص.

ص: 179


1- وسائل الشيعة 5 - 516 ح 9.
2- وسائل الشيعة 5 - 519 ح 5.
البحث الخامس: ( في إباحة السفر )

يشترط في القصر إباحة السفر ، فلا يترخص العاصي بسفره ، كالآبق ، والعاق ، والناشز ، والغريم مع القدرة على الأداء ، وقاطع الطريق ، وطالب الزنا بامرأة ، وطالب قتل من لا يستحق قتله ، وتابع الجائر ، وطالب الصيد لهوا ، وبطرا ، وقاصد مال غيره ، والخارج على إمام عادل ، والخارج إلى بلد ليعمل فيه المعاصي.

لقوله تعالى ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ ) (1) قال الصادق علیه السلام : الباغي باغي الصيد لهوا ، والعادي السارق ، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطر إليها ، هي حرام عليهما ، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين ، فليس لهما أن يقصرا في الصلاة (2).

ولأن الرخصة (3) ثبت تخفيفا وإعانة على السفر ، ولا سبيل إلى إعانة العاصي فيما هو عاص به.

ولا يشترط انتفاء المعصية في سفره ، فلو كان يشرب الخمر في طريقه ويزني ترخص ، إذ لا تعلق للمعصية بما هو سبب الرخصة ، فلا يمنع من السفر ، وإنما يمنع من المعصية. ولو كانت المعصية جزءا من داعي السفر لم يترخص ، كما لو كانت كل الداعي.

ولو أحدث نية المعصية بعد السفر مباحا ، انقطع ترخصه ، لأنها لو قارنت الابتداء لم تفد الرخصة ، فإذا طرأت قطعت كنية الإقامة.

ولو انعكس الفرض ، فأنشأ السفر على قصد معصية ، ثم تاب وبدل قصده من غير تغيير صوب السفر به ، ترخص حينئذ إن كان منه إلى مقصده مسافة القصر وإلا فلا.

ص: 180


1- سورة البقرة : 173.
2- وسائل الشيعة 5 - 509.
3- في « ق » القصر.

ولو ابتدأ بسفر الطاعة ، ثم عدل إلى قصد المعصية ، انقطع ترخصه حينئذ ، فإن عاد إلى سفر الطاعة ، عاد إلى الترخص إن كان الباقي مسافة ، وإن لم يكن لكن بلغ المجموع من السابق والمتأخر مسافة ، احتمل القصر ، لوجود المقتضي ، وهو قصد المسافة مع انتفاء مانعية قصد المعصية. والمنع اعتبارا بالباقي ، كما لو قصد الإقامة في أثناء المسافة.

ولا يترخص العاصي بسفره في تناول الميتة عند الاضطرار ، لما فيه من التخفيف على العاصي ، وهو متمكن من دفع الهلاك عن نفسه ، بأن يتوب ثم يأكل ، ويحتمل الجواز ، لاشتماله على إحياء النفس المشرفة على الهلاك ، ولأن المقيم متمكن من تناول الميتة عند الاضطرار ، فليس ذلك من رخص السفر ، فأشبه تناول الأطعمة المباحة لما لم يكن من خصائص السفر ، لم يمنع منه العاصي بسفره ، والأشهر الأول.

ولو عدم الماء في سفر المعصية ، وجب التيمم ، ولم يجز له ترك الصلاة ، والأقرب عدم وجوب الإعادة ، لاقتضاء الأمر الإجزاء.

ولو وثب من بناء عال أو من جبل متلاعبا ، فانكسرت رجله ، صلى قاعدا ولا إعادة ، لأن ابتداء الفعل باختياره دون دوام العجز.

والسفر لزيارة القبور والمشاهد يوجب الرخص ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كان يأتي قبا راكبا وماشيا ويزور القبور ، وقال : زوروها تذكركم الآخرة (1).

ولو سافر للتنزه والتفرج ، فالأقرب الترخص لإباحته ، أما اللاهي بسفره كطالب الصيد لهوا وبطرا ، فإنه لا يقصر ، لأن زرارة سأل الباقر علیه السلام عمن يخرج من أهله بالصقورة والكلاب يتنزه الليلة والليلتين والثلاث هل يقصر من صلاته أم لا؟ فقال : لا يقصر إنما خرج في لهو (2). ولأن اللّهو حرام فالسفر له معصية.

ص: 181


1- سنن ابن ماجة 1 - 500 الرقم 1569.
2- وسائل الشيعة 5 - 511 ح 1.

ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله ، وجب القصر في الصلاة والصوم إجماعا ، لقول الصادق علیه السلام : إن خرج لقوته وقوت عياله ، فليفطر وليقصر ، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة (1).

ولو كان الصيد للتجارة ، فكذلك على الأقوى لإباحته. وقول الشيخ : يقصر في الصلاة دون الصوم ، ليس بمعتمد ، لقول الصادق علیه السلام : إذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت (2).

ولو قصد مسافة ، ثم عدل في أثنائها إلى الصيد لهوا ، أتم عند عدوله وقصر عند عوده.

وسالك الطريق المخوف اختيارا مع عدم التحرز عاص ، ليس له الترخص.

المطلب الخامس: ( فيما ظن أنه شرط وليس كذلك )

وهو أمور خمسة :

الأول : لا يشترط في القصر وجوب السفر عند علمائنا ، لأنه تعالى علق القصر على الضرب في الأرض.

الثاني : لا يشترط كون السفر طاعة ، فيجب الترخص في المباح ، لما تقدم.

الثالث : لا يشترط الخوف ، بل يجب القصر في سفر الأمن ، لقول يعلى بن أمية لعمر : ما بالنا نقصر وقد آمنا؟ فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله . فقال : صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته (3). وسافر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بين مكة والمدينة

ص: 182


1- وسائل الشيعة 5 - 512 ح 5.
2- وسائل الشيعة 7 - 130 ح 1.
3- سنن ابن ماجة 1 - 339 الرقم 1065.

آمنا لا يخاف إلا اللّه تعالى وصلى ركعتين (1).

الرابع : نية القصر ليست شرطا فيه ، فلو صلى ولم ينو القصر وجب.

وكذا لو نوى الإتمام ، لأن المقتضي لوجوب الإتمام والقصر ليس هو القصد التابع لحكمه تعالى بل حكمه تعالى ، فلا يتغير الفرض بتغير النية ، بل لو نوى المخالف ، لم يجز ووجب ما حكم به تعالى.

ولو نوى الإتمام في المواطن الأربعة التي تستحب فيها الإتمام لم يجز. وكذا لو نوى القصر ، بل يبقى على التخيير عملا بالاستصحاب.

ولو كان في الصلاة فشك هل نوى الإقامة أم لا؟ لزمه القصر عملا بالاستصحاب.

ولو وصل إلى بلده في السفينة ، فشك هل هي بلدة إقامته؟ فالأقرب وجوب القصر ، للاستصحاب ، مع احتمال الإتمام ، لوقوع الشك في سبب الرخصة.

ولو صلى أربعا سهوا ، ثم عزم على إقامة عشرة قبل التسليم ، احتمل أن يقوم فيصلي ركعتين غيرهما ، لأنه ساه في فعلهما ، فلا يحتسب به عن الفرض. ولو قصد الإتمام ساهيا ، أعاد في الوقت خاصة.

الخامس : لا يشترط في القصر عدم الايتمام بالمقيم ، فلو ائتم مسافر بمقيم قصر المسافر ، وقد تقدم.

المطلب السادس: ( في بقايا مباحث هذا الباب )

وهي :

الأول : الواجب على المسافر القصر عندنا ، فلو أتم عامدا أعاد في الوقت

ص: 183


1- جامع الأصول 6 - 445.

وخارجه ، سواء قعد قدر التشهد أو لا ، لأن الزيادة في الفريضة عمدا مبطلة (1). وقول ابن عباس : من صلى أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين. وسئل الصادق علیه السلام صليت الظهر أربع ركعات وأنا في السفر؟ قال : أعد (2).

ولو أتم جاهلا بوجوب القصر ، لم يعد مطلقا عند أكثر علمائنا ، لقوله علیه السلام : الناس في سعة ما لم يعلموا. وقول الباقر علیه السلام : إن كان قد قرأت عليه آية التقصير وفسرت له أعاد ، وإن لم يكن قرأت عليه ، ولم يعلمها لم يعد (3).

وإن أتم ساهيا ، أعاد في الوقت لا خارجه ، لأنه لم يفعل المأمور به على وجهه ، فيبقى على عهدة التكليف ، وبعد الوقت يكون قضاء ، والأصل عدمه. وقول الصادق علیه السلام في الرجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات إن ذكر في ذلك اليوم فليعد ، وإن لم يذكر حتى مضى ذلك اليوم فلا إعادة (4).

الثاني : لو قصر المسافر اتفاقا من غير علم بوجوبه ، أو جهل المسافة فاتفق الإصابة ، لم يجزيه الصلاة ، لأن القصر إنما يجوز مع علم السبب أو ظنه ، فالدخول الذي فعله منهي عنه في ظنه ، فلا يقع مجزيا.

ولو ظن المسافة فأتم ، ثم علم القصور ، احتمل الإجزاء للموافقة ، ولرجوعه إلى الأصل ، وعدمه لإقدامه على عبادة يعتقد فسادها ، فلا تقع مجزية عنه.

الثالث : الشرائط في قصر الصلاة والصوم واحدة إجماعا ، وكذا الحكم

ص: 184


1- سنن أبي داود 2 - 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 531 ح 6.
3- وسائل الشيعة 5 - 531 ح 4.
4- وسائل الشيعة 5 - 530 ح 2.

على الأقوى ، لقول الصادق علیه السلام : إذا قصرت أفطرت ، وإذا أفطرت قصرت (1).

الرابع : إذا نوى المسافر إقامة عشرة في بلد ، أتم على ما تقدم. فإن رجع عن نيته ، قصر ما لم يصل تماما ولو صلاة واحدة. فلو صلى صلاة تمام ولو كانت واحدة أتم ، لأن مجرد النية غير كاف في الإقامة ، فإذا صلى على التمام ، فقد ظهر حكم الإقامة فعلا ، فانقطع السفر بالنية والفعل ، ثم لا يصير مسافرا بالنية ، بل بالضرب في الأرض.

ولو لم يصل صلاة واحدة على التمام ، كان سفره باقيا ، ولقول الصادق علیه السلام لما سأله أبو ولاد كنت نويت الإقامة بالمدينة عشرة أيام ثم بدا لي بعدها فما ترى؟ إن كنت صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام ، فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها ، وإن كنت دخلتها وعلى نيتك التمام فلم تصل فيها فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك ، فأنت في تلك الحال بالخيار ، إن شئت فانو المقام عشرا وأتم ، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر ، فإذا مضى شهر فأتم الصلاة (2).

ولو رجع عن نية الإقامة في أثناء الصلاة ، فالأقرب أنه إن تجاوز في صلاته فرض القصر ، بأن ركع في الثالثة وجب الإتمام ، وإلا جاز القصر ، لأن المناط في وجوب الإتمام صلاة تامة ولم توجد في الأثناء.

ولو رجع عن نية الإقامة بعد خروج وقت الصلاة ولم يصل ، فإن كان الترك لعذر مسقط ، صح الرجوع ووجب القصر ، وإن لم يكن لعذر مسقط ، لم يصح ووجب الإتمام إلى أن يخرج على إشكال.

ولو نوى الإقامة فشرع في الصوم ، فالوجه أنه كصلاة الإتمام. لأنه أحد العبادتين المشروطتين بالإقامة ، فقد وجدت النية وأثرها ، فأشبه العبادة

ص: 185


1- وسائل الشيعة 7 - 130 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 532 ح 1.

الأخرى. ويحتمل صحة الرجوع ، لعدم المناط وهو الصلاة التامة. وإذا جعلنا الصوم ملزما للإقامة ، فإنما هو الصوم الواجب المشروط بالحضر ، أو النافلة إن شرطنا في صحتها الإقامة.

ولو شرع في نوافل النهار ، فالأقرب أنه كالفرض.

الخامس : لو أحرم بنية القصر ، ثم نوى في الأثناء المقام عشرة أيام ، أتم الصلاة تماما ، لوجود نية الإقامة المنافية لنية السفر.

وإذا دخل بنية القصر ، ثم نوى الإتمام ، لم يجز له الإتمام عندنا ، لأنه غير فرضه إلا أن ينوي المقام عشرا.

السادس : لو أراد السفر إلى بلد ثم إلى آخر بعده ، فإن كان الأول مما يقصر في مثله قصر ، وإلا فلا إن نوى الإقامة في الأقرب عشرة ، وإلا قصر إن بلغ المجموع المسافة ، ولو دخل الأقرب وأراد الخروج إلى الآخر ، اعتبرت المسافة إليه.

ولو قصد بلدا ، ثم قصد أن يدخل في طريقه إلى بلد آخر يقيم فيه أقل من عشرة ، لم يقطع ذلك سفره ، واعتبرت المسافة من البلد الذي أنشأ منه السفر إلى البلد الذي قصده.

ولو خرج إلى الأبعد ، فخاف في طريقه ، فأقام يطلب الرفقة أو ليرتاد الخبر ، ثم طلب غير الأبعد الذي قصده أولا جعل مبتدئا للسفر من موضع إقامته لارتياد الخبر ، لأنه قطع النية الأولى. ولو لم يبد له لكن أقام أقل من عشرة ، قصر.

السابع : لو فارق البلد إلى حيث غاب الأذان والجدران ، ثم عاد إلى البلد لحاجة عرضت له ، لم يترخص في رجوعه وخروجه ثانيا ، إلى أن يغيب عنه الأذان والجدران ، إلا أن يكون غريبا عن البلد ، أو قد بلغ سيره الأول مسافة ، فله استدامة الترخص ، وإن كان قد أقام أكثر من عشرة في بلد الغربة.

ص: 186

الثامن : لو عزم على إقامة عشرة في غير بلده ، ثم خرج إلى ما دون المسافة عازما على العود والإقامة ، أتم ذاهبا وعائدا وفي البلد. وإن لم يعزم على الإقامة بعد العود ، فالأقوى التقصير.

التاسع : لو قصر في ابتداء السفر ، ثم رجع عن نية السفر ، لم يجب عليه الإعادة ، لأنها وقعت مشروعة ، ولا فرق بين بقاء الوقت وخروجه.

العاشر : لا يفتقر القصر إلى نية ، بل يكفي نية فرض الوقت.

الحادي عشر : لو خرج إلى البلد والمسافة طويلة ، ثم بدا له في أثناء السفر أن يرجع ، فقد انقطع سفره بهذا القصد ، ولم يكن له أن يقصر ما دام في ذلك الموضع ، إلا أن يكون على حد المسافة بينه وبين مبدإ سفره ، فإذا ارتحل عنه فهو سفر جديد ، فإن كان بينه وبين مقصده مسافة قصر ، وإلا فلا.

ولو توجه إلى مكان لا يقصر إليه الصلاة ، ثم نوى مجاوزته إلى بلد يقصر إليه الصلاة ، فابتداء سفره من حين غيّر النية ، فإنما يترخص إذا كان من ذلك الموضع إلى مقصده الثاني مسافة.

ولو خرج إلى سفر طويل على قصد الإقامة في كل أربعة فراسخ عشرة أيام ، لم ترخص ، لانقطاع كل سفر عن الأخرى.

الثاني عشر : هل يحتسب يوما الدخول والخروج من جملة العشرة؟ إشكال ، ينشأ من أن المسافر لا يستوعب النهار بالسير ، إنما يسير في بعضه ، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار ، ولأنه يوم الدخول في شغل الخط وتنضيد الأمتعة ، ويوم الخروج في شغل الارتحال ، وهما من أشغال السفر. ويحتمل احتسابهما لا بأجمعهما ، بل يلفق من حين الدخول إلى حين الخروج.

ولو دخل ليلا لم يحتسب بقية الليل ، ويحسب الغد ، والعشرة يعتبر فيها الليل بأيامها.

الثالث عشر : لو كان عالما بوجوب القصر مطلقا ، واستحباب الإتمام في

ص: 187

المواطن الأربعة ، ثم جهل حد موضع الحائر مثلا ، فتوهم دخول ما ليس منه فيه ، احتمل إلحاقه بجاهل وجوب القصر ، إذ لا فرق بين الجهل بوجوب القصر مطلقا ووجوبه في هذا الموضع ، وبالعالم. وكذا لو جهل المكاري وشبهه وجوب القصر لو أقام عشرة.

ص: 188

الفصل الثالث: ( في صلاة الخوف )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في مشروعيتها )

وهي ثابتة بالنص والإجماع ، قال اللّه تعالى ( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) (1) الآية ، وصلاها رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في عدة مواطن (2). واتفق العلماء إلا من شذ على أن حكمها باق بعد النبي صلی اللّه علیه و آله ، لأن ما ثبت في حقه علیه السلام كان ثابتا في حقنا ، إلا أن يقوم المخصص ، لأنه تعالى أمرنا باتباعه.

وسئل عن القبلة للصائم؟ فأجاب علیه السلام بأنني أفعل ذلك ، فقال السائل : لست مثلنا ، فغضب وقال : إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي (3). ولو اختص بفعله لما كان الإخبار بفعله جوابا ، ولا غضب من قول السائل « لست مثلنا » لأن قوله حينئذ يكون صوابا. وكان أصحابه علیه السلام يحتجون بأفعاله وينتمون بها أقواله. وصلى علي عليه

ص: 189


1- سورة النساء : 102.
2- جامع الأصول 6 - 470.
3- جامع الأصول 7 - 165.

السلام صلاة الخوف ليلة الهرير (1).

وقيل : إنه قبل نزول آية الخوف كان الحكم تأخير الصلاة إلى أن يحصل الأمن ثم يقضى ، ثم نسخ إلى صلاة الخوف ، ولهذا أخر النبي صلی اللّه علیه و آله أربع صلوات يوم الخندق.

وهي مشروعة في السفر إجماعا ، وفي الحضر عند جميع علمائنا ، لقوله تعالى ( وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ ) (2) وهو عام ، ولأنها حالة خوف ، فجاز صلاة الخوف فيها كالسفر.

المطلب الثاني: ( في كيفيتها )
وفيه مباحث :
البحث الأول: ( في القصر )

صلاة الخوف إن كانت في السفر ، قصرت في العدد إجماعا ، سواء صليت جماعة أو فرادى ، لاستقلال السفر بالقصر ، وإنما يقصر الرباعيات خاصة إلى ركعتين ، وأما البواقي فعلى عددها في الحضر إجماعا.

وإن صليت في الحضر ، فكذلك على الأقوى ، سواء صليت جماعة أو فرادى ، لقوله تعالى ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ ) (3) وليس المراد بالضرب سفر القصر ، وإلا لكان اشتراط الخوف لغوا. ولأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى صلاة الخوف في المواضع التي صلاها ركعتين ، ولم يرو

ص: 190


1- وسائل الشيعة 5 - 487 ح 10.
2- سورة النساء : 102.
3- سورة النساء : 101.

عنه أنه صلى أربعا في موضع البتة.

وسأل زرارة الباقر علیه السلام عن صلاة الخوف وصلاة السفر تقصران؟ فقال : نعم ، وصلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه (1).

ولم يشترط الجماعة. ولأن المشقة بالإتمام أكثر من المشقة في السفر ، فكان الترخص فيه أولى.

البحث الثاني: ( في صورها )

وهي أربع صورة الأول : ذات الرقاع ، وسميت بذلك لأن فيه جبلا ألوانه مختلفة ، بعضها أحمر وبعضها أسود وبعضها أصفر. وقيل : إنه موضع مر به ثمانية نفر حفاة ، فتشققت أرجلهم وتساقطت أظفارهم ، فكانوا يلفون عليها الخرق ، فسميت لذلك « ذات الرقاع ».

وصورتها : أن يفرقهم الإمام فرقتين ، لينحاز بطائفة إذا التحم القتال واحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة إلى حيث لا يبلغهم سهام العدو ، فيصلي بهم ركعة ، فإذا قام إلى الثانية انفردوا واجبا وأتموا والأخرى تحرسهم ، ثم تأخذ الأولى مكان الثانية ، وتنحاز الثانية إلى الإمام وهو ينتظرهم ، فيقتدون به في الثانية ، فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ولحقوا به وسلم بهم ، فتحصل للطائفة الأولى تكبيرة الافتتاح وللثانية التسليم. لأنه علیه السلام صلى كذلك ، وكذا وصفها الصادق علیه السلام للحلبي (2).

الثاني : صلاة عسفان ، وعسفان قرية جامعة على اثني عشر فرسخا من مكة.

ص: 191


1- وسائل الشيعة 5 - 478 ح 1.
2- وسائل الشيعة 5 - 480 ح 4.

وصورتها : أن يقوم الإمام ويصف المسلمين صفين وراءه ، ويحرم بهم جميعا ويركع بهم ، ويسجد بالأولى خاصة وتقوم الثانية للحراسة ، فإذا قام الإمام بالأولى سجد الصف الثاني ، ثم ينتقل كل من الصفين مكان صاحبه ، فإذا ركع الإمام ركعوا جميعا ، ثم يسجد بالصف الذي يليه ، ويقوم الثاني الذي كانوا أولا لحراستهم ، فإذا جلس بهم سجدوا وسلم بهم جميعا.

ولم يثبت عندي نقلها عن أهل البيت علیهم السلام .

الثالث : صلاة بطن النخل ، وقد روي أنه علیه السلام صلى الظهر ، فصف بعض أصحابه خلفه ، وبعضهم جعله بإزاء العدو للحراسة ، فصلى ركعتين ثم سلم ، ثم انطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم للحراسة ، ثم جاء أولئك فصلى بهم الظهر مرة ثانية ركعتين ، الأولى له فرض والثانية سنّة (1).

وهذه لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ، ولا إلى تعريف كيفية الصلاة ، ولا إلى كلفة ، بل ليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل والمأموم مفترض ، وليس فيها مخالفة لصلاة الآمن أيضا.

وأما ما روي أنه علیه السلام صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعتين من غير تسليم ، حتى كانت له أربعا وللمأمومين ركعتين ، ومن أنه صلى بكل طائفة ركعة ، فيكون له ركعتان وللمأمومين ركعة واحدة ، فبعيد من الصواب في النقل.

الرابع : صلاة شدة الخوف وسيأتي بيانها.

البحث الثالث: ( في الشرائط )

يشترط في صلاة ذات الرقاع أمور :

ص: 192


1- جامع الأصول 6 - 465.

الأول : كون الخصم في غير جهة القبلة ، بحيث لا يتمكن من الصلاة حتى يستدبر القبلة ، أو يكون عن يمينه ، أو شماله ، أو حصول حائل يمنع من رؤيتهم لو هجموا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله فعلها على هذه الصورة فيجب متابعته ، ولو قيل بعدمه أمكن ، وفعل النبي صلی اللّه علیه و آله وقع اتفاقا.

الثاني : كون الخصم قويا ، بحيث يخاف هجومه على المسلمين متى اشتغلوا بالصلاة ، وإلا انتفى الخوف الذي هو مناط هذه الصلاة.

الثالث : أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم أن يفترقوا فرقتين ، يقاوم كل فرقة العدو ، وإلا لم يتحقق هذه الصلاة.

الرابع : عدم الحاجة إلى زيادة التفريق على فرقتين ، وإلا يحصل لكل فرقة أقل من ركعة فلا يتحقق الايتمام.

وهذه الصلاة تخالف غيرها في وجوب الانفراد للمؤتم ، وانتظار الإمام للمأموم ، وايتمام القائم بالقاعد.

ويشترط في صلاة عسفان أمور ثلاثة :

الأول : أن يكون العدو في جهة القبلة ، لأنهم لا يمكنهم حراستهم في الصلاة إلا كذلك ، ليشاهدوهم فيحرسوهم.

الثاني : أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم معها حراسة بعضهم بعضا ، وأن يفترقوا فرقتين يصلي معه إحداهما ويحرس الثانية معه.

الثالث : أن يكونوا على قلة جبل ، أو مستوى الأرض ، لا يحول بينهم وبين أبصار المسلمين حائل من جبل وغيره ، ليتوقوا كبساتهم والحملات عليهم ، ولا يخاف كمين لهم.

ص: 193

البحث الرابع: ( في أحكام صلاة ذات الرقاع )

وهي :

الأول : يستحب للإمام في صلاة ذات الرقاع تخفيف قراءة الأولى ، لما هم به من حمل السلاح. وكذا يخفف في كل فعل لا يفتقر فيه الانتظار. وكذا الطائفة التي تفارقه وتصلي لنفسها يستحب لها التخفيف.

الثاني : إذا قام الإمام إلى الثانية ، تابعه الطائفة الأولى ، فإذا انتصبوا نووا مفارقته ، لأنه لا فائدة لهم في مفارقته قبل ذلك ، لاشتراكهم في النهوض ، ولأن الرفع من السجدة الثانية من الركعة الأولى. ولو فارقوه بعد الرفع من السجود الثاني جاز ، وإذا انفردوا بقي الإمام قائما ينتظرهم حتى يسلموا ، وحتى تجي ء الطائفة الثانية تدخل معه.

والأقوى أنه يقرأ في انتظاره ، لأنه قيام للقراءة ، فيجب أن يأتي بها فيه ، فيطول حينئذ القراءة حتى يفرغ الطائفة الأولى ويلتحق به الثانية. فإذا جاءت الطائفة الثانية ، فإن كان فرغ من قراءته ركع بهم ، ولا يحتاج المأمومون إلى قراءة. ولو ركع عند مجيئهم أو قبله ، فأدركوه راكعا ركعوا معه ، وصحت لهم الركعة مع تركه للسنة. ولو أدركوه بعد رفعه ، فاتتهم الصلاة.

الثالث : إذا صلى الركعة الثانية بالفرقة الثانية وجلس للتشهد ، قامت الفرقة إلى صلاتها ، ويطول الإمام في تشهده بالدعاء حتى يدركوه ويتشهدون ثم يسلم بهم ، ولا يحتاجون إلى الجلوس معه والتشهد ، لأنها لا تعود إليه ليسلم معه ، فلا فائدة في تطويله عليها بالجلوس معه ، مع أن مبنى هذه الصلاة على التخفيف.

ولو تابعوه في الجلوس جاز ، لكن لا يتشهدون بل يذكرون اللّه تعالى ، فإذا سلم الإمام قاموا فأتموا صلاتهم ، ثم تشهدوا وسلموا. وبه رواية عن الصادق علیه السلام (1).

ص: 194


1- وسائل الشيعة 5 - 480.

الرابع : إذا قامت الفرقة الثانية إلى الثانية حال تشهد الإمام ، لا تنوي الانفراد حال قيامها إلى الثانية ، فإن نووه ففي جواز نية الاقتداء بعده للتسليم وجهان.

الخامس : للإمام ثلاث انتظارات : ينتظر الأولى في الركعة الثانية حتى يفرغ. وانتظار آخر فيها للطائفة الثانية حتى تأتي وتحرم معه ، وكلاهما في حكم انتظار واحد لاتصاله. والثالث للطائفة الثانية حال تشهده حتى تتم الصلاة.

السادس : لو انتظر الثانية بعد رفعه من السجود الأخير من الركعة الأولى ، فإن كان لعذر لمرض أو ضعف جاز ، ولو كان عن قدرة وتركه عمدا إلى مجي ء الثانية قال الشيخ : بطلت صلاته دون الأولى (1) ، لأنها فارقته حين رفع الرأس.

وأما الثانية فإن علمت أن ذلك تبطل (2) صلاته وتابعته ، بطلت صلاتها ولو اعتقدت عذرا أو جوزت ذلك ، لم تبطل صلاتها ، لأن الظاهر من حاله العذر.

ولو فعله سهوا ، لحقه حكم سهوه دون الطائفة الأولى ، لأنها برفع الرأس قد فارقته ، وفي بطلان الصلاة عندي بذلك إشكال.

السابع : لو أراد أن يصلي بهم المغرب صلاة ذات الرقاع ، تخير الإمام بين أن يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين ، وبين العكس. لأن عليا علیه السلام صلى ليلة الهرير بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين (3).

واختلف في الأولوية ، فيحتمل الأولى ، لأن عليا علیه السلام فعله ، ولأن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام والتقدم ، فينبغي أن تزيد الثانية في الركعات لينجبر نقصهم وتساوي الأولى. ويحتمل الثاني ، لئلا يكلف الثانية

ص: 195


1- المبسوط 1 - 164.
2- في « س » مبطل.
3- وسائل الشيعة 5 - 480.

زيادة جلوس ، وهي مبنية على التخفيف.

الثامن : إذا صلى بالأولى ركعتين ، جاز أن ينتظر الثانية في التشهد الأول وفي القيام الثالث ، فقيل : الأول أولى ، ليدركوا معه ركعة من أولها. وقيل : الثاني ، لأن القيام مبني على التطويل ، والجلسة الأولى على التخفيف. فإن انتظرهم في القيام ، فالأولى أن يفارق (1) الأولى عند الانتصاب. وإذا صلى بالثانية الثالثة وجلس للتشهد ، قامت الطائفة ولا تتشهد.

وإن صلى بالأولى ركعتين ، تشهد طويلا ، ثم أتمت الأولى صلاتها وسلمت وقامت ، وتجي ء الثانية فينهض الإمام ويصلي بهم الثالثة ، وإن شاء تشهد خفيفا ثم قام إلى الثالثة ، وقامت الأولى وطول في القراءة حتى يتم ويأتي الثانية.

التاسع : لو صلى بالأولى ركعة ، طول قراءة الثانية ، ونوت الأولى مفارقته حين انتصابها ، وخففت وصلت الثانية وتشهدت خفيفا ، وقامت إلى الثالثة وتشهدت خفيفا وسلمت ، ثم تجي ء الثانية فتدخل معه في ثانيته ، فإذا جلس للتشهد جلسوا معه يذكرون اللّه تعالى من غير تشهد. فإذا قام إلى الثالثة قاموا معه ، فإذا جلس للتشهد الثاني جلسوا وتشهدوا خفيفا ، وطول هو إلى أن يتموا ، ثم يتشهدون خفيفا ويسلم بهم.

العاشر : لو قلنا بوجوب الإتمام في الحضر ، صلى بالأولى ركعتين وتشهد بهم ، ثم يقوم إلى الثالثة فيطول القراءة ، ويخففون ويتمون أربعا ويمضون إلى موقف أصحابهم ، ويجي ء أصحابهم فيركع بهم الثالثة ، وهي أولى لهم ، ثم يصلي الرابعة ويطول في تشهده حتى يتم صلاتهم أربعا ، ثم يسلم بهم ، فيكون انتظار الثانية في الثالثة والتشهد الثاني.

ويجوز أن ينتظر في التشهد الأول.

وقسمتهم فرقتين أولى من قسمتهم أربعا ، لقلة المخالفة وقلة الانتظار.

ص: 196


1- في « ق » يفارقه.

فإن فرقهم أربعا ، جاز للأصل ، وجواز المفارقة مع النية ، فيصلي بالأولى ركعة ، ثم يقوم إلى الثانية ، فيطول القراءة إلى أن تصلي الطائفة ثلاث ركعات ، ثم تذهب فتجي ء الثانية فيصلي بهم الثانية ، ويطول في تشهده أو قيامه في الثالثة ، حتى تتم صلاتها أربعا ، ثم تأتي الثالثة فيصلي بهم ركعة ، ويقوم إلى الرابعة ويطول حتى يتم من خلفه أربعا ، ثم يأتي الرابعة فيصلي بهم تمام الرابعة ، ويطول تشهده حتى يتم أربعا ، ثم يسلم بهم.

وقال في الخلاف : تبطل ، لأنها مقصورة ، ولو قلنا بالشاذ من قول أصحابنا ينبغي البطلان أيضا ، لأنها لم يثبت لها في الشرع هذا الترتيب (1).

ويمنع عدم المثل ، فإن الانتظار ومفارقة الإمام ثابتان ، والزيادة في أعمال الصلاة غير مبطلة ، كما لو طول القيام قارئا ، ولأن الحاجة قد تدعو إليه ، بأن يكون العدو من أربع جهات ، ويكون في المسلمين كثرة ، فيكون في التفريق صلاح الحرب والصلاة.

ولا يجب في هذا التفريق سجود ، ولو صلى بطائفة ثلاث ركعات وبأخرى ركعة ، فالأقرب الجواز.

والأقرب جواز أن يفرقهم في السفر والحضر في المغرب ثلاث فرق ، وكذا في الرباعية ، فيصلي بطائفة ركعتين وبكل طائفة ركعة.

الحادي عشر : لا تجب التسوية بين الطائفتين ، للأصل ، بل صلاحية الحارسة (2) للحراسة.

ولو خاف اختلال حالهم واحتيج إلى إعانتهم بالطائفة الأخرى ، فللإمام أن يكب بمن معه على العدو ويبنوا على صلاتهم. ويجوز أن تكون الطائفة واحدا ولا تجب الثلاثة للأصل ، ولأن الواحد يسمى طائفة.

الثاني عشر : يجب أخذ السلاح في الصلاة ، لقوله تعالى ( وَلْيَأْخُذُوا

ص: 197


1- الخلاف : 1 - 256.
2- في « س » الحراسة.

أَسْلِحَتَهُمْ ) (1) والأمر للوجوب ، ولا تبطل الصلاة بتركه إجماعا. ولا فرق في وجوب الأخذ بين الطاهر والنجس للحاجة ، ولأنه مما لا تتم الصلاة فيه منفردا.

ولو منع شيئا من واجبات الصلاة ، حرم الأخذ إلا مع الضرورة ، فيومي بالممنوع كالركوع والسجود.

ولو كان مما يتأذى به غيره ، كالرمح في وسط الناس ، لم يجز. ولو كان في حاشية الصفوف جاز ، لعدم الأذى به.

الثالث عشر : يجوز أن يصلي الجمعة في الخوف على صفة ذات الرقاع ، بأن يفرقهم فرقتين. إحداهما تقف معه للصلاة فيخطب بهم ويصلي بهم ركعة ، ثم يقف بهم في الثانية فيتم صلاتها ، ثم تجي ء الثانية فتصلي معه ركعة جمعة بغير خطبة كالمسبوق. فإذا تشهد وطول ، أتموا الثانية وسلم بهم ، لعموم الأمر بالجمعة. ويجوز أن يخطب بالفرقتين معا ، ثم يفرقهم فرقتين.

وتجب هذه الصلاة بشروط الحضر ، وكون الفرقة الأولى كمال العدد. فلو تم العدد بالثانية ، لم تصح الخطبة للفرقة الأولى. فلو لم يخطب ، لم تصح. ولو خطب لها ثم مضت إلى العدو قبل الصلاة وجاءت الأخرى ، وجب إعادة الخطبة. فإن بقي من الأولى كمال العدد ، جاز أن يعقد الجمعة لبقاء العدد الذي سمع الخطبة معه.

ولو كملت الأولى العدد ، ونقصت الثانية ، صحت الجمعة لهما. ولو انعكس الفرض فلا جمعة ، لأنه لا يصلي بالأولى إلا الظهر ، فلا يجوز أن يصلي بعدها جمعة نعم يجوز أن يستنيب من يصلي بهم الجمعة منهم فيخرج عن هذه الصلاة ولا يجوز أن يصلي الجمعة على صفة صلاة بطن النخل ، إذ لا جمعتان في بلد.

ويجوز أن يصلي على صفة صلاة عسفان ، بل هو أولى إن سوغناه مطلقا ، أو لم يتقدم أحد الصفين ويتأخر الآخر كثيرا.

ص: 198


1- سورة النساء : 102.

الرابع عشر : يجوز أن يصلي صلاة الاستسقاء على صفة صلاة الخوف ، فيصلي بالأولى ركعة ، ثم ينتظر حتى يتم ، ويصلي بالثانية أخر وينتظر حتى يتم.

ويجوز أن يصلي العيدين والخسوفين في الخوف جماعة على صفة المكتوبة ، فيصلي بالأولى ركعة مشتملة على خمس ركوعات ، وينتظر حتى يتم في الثانية ، وكذا بالثانية. ويجوز أن يصلي الكسوفين فرادى ، بخلاف العيدين.

الخامس عشر : قد بينا أن حكم السهو مختص بمن يختص به سببه. وللشيخ قول بتعدي حكمه إلى المأموم لو سها الإمام ، فعلى هذا لو سها في الأولى ، لزم حكمه الطائفة الأولى ، فيشير إليهم بالسجود بعد فراغهم.

ولو سها بعد مفارقتهم له ، لم يلحقهم حكمه ، لصيرورتهم منفردين. فإن سهوا بعد سهوه في ثانيتهم ، انفردوا بسجوده ، وفي الاكتفاء بالسجدتين قولان.

أما الطائفة الثانية فيلحقهم سهو الإمام فيما تابعته فيه دون الأولى ، قال : وإن تابعته فيه كان أفضل ، ولم يتعرض لسهوه حال انتظاره. ويحتمل المتابعة ، لأنها في حكم ايتمامه.

السادس عشر : لا حكم لسهو المأمومين حال المتابعة عندنا ، بل حالة الانفراد ، ومبدؤه رفع الإمام من سجود الأولى. ويحتمل اعتداله في قيام الثانية. والأولى عندي إيقاع نية الانفراد.

ولو سهت الطائفة الثانية في الركعة الثانية ، فإن نوت الانفراد سجدت ، وإلا احتمل ذلك أيضا ، لأنهم ينفردون (1) بها حقيقة ، وعدمه لأنهم مقتدون ، لعدم احتياجهم إلى إعادة نية الاقتداء.

ولا يرتفع حكم السهو بالقدوة الطارية إن جوزنا نية اقتداء المنفرد. وفي المزحوم إذا سها في وقت تخلفه إشكال.

ص: 199


1- في « س » منفردون.
المطلب الثالث: ( في صلاة شدة الخوف )

وهي تثبت عند التحام القتال ، وعدم التمكن من تركه لأحد ، أو عند اشتداد الخوف ، وأن يلتحم القتال فلم يأمنوا هجومهم عليهم لو ولوا عنهم أو انقسموا ، وحينئذ يصلون رجالا ومشاة على الأقدام وركبانا ، مستقبل القبلة واجبا مع الإمكان ، وغير مستقبلها مع عدمه على حسب الإمكان.

فإن تمكنوا من استيفاء الأركان وجب ، وإلا أومئوا لركوعهم وسجودهم ، ويكون سجودهم أخفض من الركوع. ولو تمكنوا من أحدهما خاصة وجب.

ويجوز لهم التقدم والتأخر ، لقوله تعالى ( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً ) (1) وعن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : مستقبل القبلة وغيره مستقبلها. وقول الباقر علیه السلام في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة وتلاحم القتال : يصلي كل إنسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه (2).

وهي صلاة صحيحة لا يجب قضاؤها ، لاقتضاء الأمر الإجزاء. ولا يجوز تأخير الصلاة إذا لم يتمكن من إيقاعها إلا ماشيا ، لعموم « فرجالا ».

ولو انتهت الحال إلى المسايفة وتمكن من الصلاة مع الأعمال الكثيرة ، كالضرب المتواتر والطعن المتتابع ، وجب على حسب حاله بالإيماء في الركوع والسجود ، مستقبل القبلة إن أمكن وإلا فلا ، ولا إعادة عليه لاقتضاء الأمر الإجزاء.

ويجب الاستقبال مهما أمكن ، فإن تعذر فبتكبيرة الافتتاح ، لقول الباقر علیه السلام : غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه (3). فإن لم يتمكن

ص: 200


1- سورة البقرة : 239.
2- وسائل الشيعة 5 - 486 ح 8.
3- وسائل الشيعة 5 - 487 ح 11.

سقط ، لقوله علیه السلام في حال المطاردة : يصلي كل إنسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه (1). ويسجد الراكب على قربوس سرجه إن لم يتمكن من النزول ، فإن عجز أومأ ، لقول الباقر علیه السلام : ويجعل السجود أخفض من الركوع (2).

ولو تمكن من الاستقبال في الأثناء ، فالوجه الوجوب. ويحتمل سقوطه للمشقة ، ولقول الباقر علیه السلام : ولكن أينما دارت دابته (3).

ولو تمكن من النزول على الأرض واستيفاء السجود في الأثناء ، وجب ويبني. فإن احتاج إلى الركوب ركب وبنى ، وإن كثر الفعل للحاجة. ولو علم حالة تمكنه من النزول احتياجه إلى ركوب في الأثناء ، احتمل الوجوب وعدمه.

ولو اشتد الحال عن ذلك وعجز عن الإيماء ، سقطت عنه أفعال الصلاة من القراءة والركوع والسجود ، واجتزأ عوض كل ركعة بتسبيحة واحدة ، وصورتها « سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ».

ولا بد من النية ، لقوله علیه السلام : إنما الأعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى (4) ، ولأنها فعل يجامع القتال ، فلا تسقط به.

ويجب أيضا تكبيرة الافتتاح ، لقوله علیه السلام : تحريمها التكبير (5) ، ولتمكنه منها.

وفي وجوب القراءة والتشهد إشكال ، ينشأ من تمكنه منهما ، ومن اختصاص التشهد بحال الجلوس والقراءة بالقيام ، وأصالة البراءة. والأقرب وجوب هذه الصيغة على هذا الترتيب ، للإجماع على إجزائه. ويجزي هذه

ص: 201


1- وسائل الشيعة 5 - 486 ح 8.
2- وسائل الشيعة 5 - 484 ح 8.
3- نفس المصدر.
4- وسائل الشيعة 1 - 34 ح 7.
5- سنن أبي داود 1 - 16.

الأذكار عن أذكار الركوع والسجود والقراءة ، لأنها أذكار مختصة بهيئة وقد سقطت فتسقط.

ويجب في الثنائية تسبيحتان وفي الثلاثية ثلاث ، لأنها على عدد الركعات ، ولقول الصادق علیه السلام : أقل ما يجزي في حد المسايفة من التكبير تكبيرتان لكل صلاة إلا صلاة المغرب ، فإن لها ثلاثا (1). وهل يجوز الزيادة؟ الأقرب المنع ، إن قصد عوض ركعة ، والجواز مع عدمه.

وحكمه في حال الأذكار حكم المصلين من وجوب الطهارة وتحريم وغير ذلك. وهل تبطل بالسهو في عددها؟ إشكال ، ينشأ من مساواتها للركعات ، ومن اختصاص المبطل بعدد الثنائية من الركعات الحقيقية لا من البدل ، فعلى الأول يستأنف ، وعلى الثاني يأتي بما شك فيه ، لأصالة العدم.

ولو أمن أو تمكن من الصلاة على الأرض ، أو على الدابة بعد التكبيرتين ، سقطت عنه للاجتزاء بفعل المأمور به ، ولقول الباقر علیه السلام : إذا كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال ، فإن أمير المؤمنين علیه السلام ليلة صفين - وهي ليلة الهرير - لم تكن صلاتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند كل صلاة إلا بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء ، فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة (2).

ولو أمن أو تمكن بعد تكبيرة واحدة ، فالوجه سقوط ركعة عنه ووجوب الإتيان بالأخرى ، مع احتمال وجوب الجميع.

ولو صلى ركعة حالة الأمن فاشتد الخوف ، احتمل الإتيان بتكبيرة واحدة.

ص: 202


1- وسائل الشيعة 5 - 485 ح 3.
2- وسائل الشيعة 5 - 486 ح 8.
المطلب الرابع: ( في بقايا مسائل هذا الباب )

وهي :

الأول : يجوز للرجال لبس الحرير حالة الحرب على ما بيناه. وكذا لبس الديباج الصفيق (1) الذي لا يقوم غيره مقامه في القتال. ولا يجوز لبس الأعيان النجسة ، إلا مع الضرورة.

ويجوز أن يلبس فرسه ودابته جلد الميتة والكلب والخنزير مع الحاجة لا بدونها. وهل يجوز أن يحلل كلبه بجلد كلب مع عدم الحاجة؟ الأولى المنع ، لعموم ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) (2) وهو يقتضي تحريم وجوه الانتفاع.

ويجوز تسميد الأرض والزرع بالزبل والعذرة النجسة ، والاستصباح تحت السماء خاصة بالدهن النجس نجاسة عرضية لا ذاتية كشحم الميتة.

الثاني : إذا صلى على صفة صلاة عسفان ، صلى الصفان معه إلى الاعتدال عن ركوع الأول ، فإذا سجد سجد معه أحد الصفين ، وكذا في الثانية ، فالكل يركعون معه في الركعتين ، وإنما الحراسة في السجود.

الثالث : لو رتب الإمام القوم صفوفا ، وحرس صفان أو صف أو ثلاثة جاز. ولو حرس فرقتان من صف واحد أو من صفين أو ثلاث في الركعتين على التناوب جاز أيضا. ولو حرس في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت ولحقت جاز.

ولو لم يتقدم الصف الثاني إلى موقف الأول ، ولا تأخر الأول عن مكانه إلى الثاني جاز. والأقوى عندي جواز هذه الصلاة إن لزم كل طائفة مكانهم ، أو كان التقدم والتأخر من الأفعال القليلة.

الرابع : لو عرض الخوف الموجب للإيماء ، أو الركوب في الأثناء ، أتم

ص: 203


1- ثوب صفيق : كثيف نسجه.
2- سورة المائدة : 3.

موميا أو راكبا. وكذا بالعكس لو صلى بالإيماء للخوف أو راكبا ، فآمن إما لانهزام العدو أو للحاق النجدة ، لم يجز الإتمام بالإيماء ولا راكبا ، لزوال العذر ، فينزل لإتمامها بركوع وسجود.

ولو ترك الاستقبال حالة نزوله استأنف ، لإخلاله بالشرط حالة الأمن. ولو فعله حالة ركوبه ، جاز للحاجة. وعلى هذا التفصيل حكم الإخلال بشي ء من واجبات الصلاة.

الخامس : لو صلى حالة الشدة راكبا ، جاز أن يصليها جماعة وفرادى ، والجماعة أفضل لعموم الترغيب فيها ، ولأن كل ركوب لا يمنع من الصلاة منفردا لا يمنع في الجماعة كالسفينة.

ولو صلوا حال الشدة غير مستقبلين القبلة جاز. وهل يجوز الاقتداء حينئذ؟ إن اتحدت الجهة جاز ، وإلا كان كالمستديرين حول الكعبة.

السادس : يجوز أن يضرب في الصلاة الضربة الواحدة والطعنة ، وإن لم يحتج إليها ، لأنها فعل قليل ، وكذا الاثنتان. وبالجملة ما لا يعد كثيرا ، فإن فعل الكثير بطلت صلاته إلا مع الحاجة فيجوز.

ويجوز أن يصلي ممسكا بعنان فرسه ، لأنه يسير. وإن نازعه فجذبه إليه جذبة أو جذبتين أو ما زاد ، جاز مع الحاجة.

السابع : لو رأوا سوادا أو إبلا أو أشخاصا ، فظنوهم عدوا ، فصلوا صلاة الشدة ، ثم ظهر كذب الظن ، لم تجب إعادة الصلاة ، لأنها وقعت مشروعة ، والأمر يقتضي الإجزاء ، وسواء كان الوقت باقيا أو لا.

وكذا لو رأوا عدوا فصلوا صلاة الشدة ، ثم بان بينهم حائل من نهر أو خندق مانع من الوصول.

ولو كان بينهم وبين العدو خندق أو نهر ، فخافوا إن تشاغلوا بالصلاة طموا الخندق أو النهر ، أو نقبوا الحائط ، جاز أن يصلوا صلاة الشدة.

الثامن : يجوز أن يصلي صلاة الخوف بصفة ذات الرقاع أو بطن النخل في

ص: 204

الأمن ، وأما عسفان فإن لم يكن هناك تقدم وتأخر أو كان قليلا ، جاز أيضا ، وإن كان كثيرا لم تصح صلاة المأمومين ، وصحت صلاة الإمام.

أما صلاة الشدة ، فلا يجوز حالة الأمن بحال. وقال الشيخ : لا يجوز صلاة الخوف في طلب العدو ، لانتفاء الخوف (1). فإن قصد صلاة الشدة فحق قال : وكل قتال واجب كالجهاد ، أو مباح كالدفع عن المال ، يجوز أن يصلي فيه صلاة الخوف والشدة (2). وأما المحرم فلا تجوز صلاة الخوف ، فإن صلوا صحت صلاتهم ، لأنهم لم يخلوا بركن ، ولو صلوا صلاة الشدة ، بطلت. والوجه في الصورة الأولى الجواز ، وإلا لوجبت الإعادة.

ولو انهزم العدو ، فلم يأمن المسلمون كرتهم عليه ورجوعهم ، جاز أن يصلوا صلاة الخوف لوجود المقتضي.

التاسع : كل أسباب الخوف يجوز معها القصر والصلاة بالإيماء مع الحاجة إليه. ولو عجز عنه صلى بالتسبيح ، إن خشي من الإيماء ، سواء كان الخوف من لص أو سبع أو غرق أو حرق.

ولا قضاء عليه ، لأنه تعالى علق القصر على الخوف ، وهو يشعر بالعلية. والتعليق ب- « الذين كفروا » للأغلبية ، فلا يعدم الحكم بعدمه.

ولأن الصادق علیه السلام سئل عن الرجل يخاف من لص أو عدو أو سبع كيف يصنع؟ فقال علیه السلام : يكبّر ويومي برأسه (3). وقال الباقر علیه السلام : الذي يخاف اللص والسبع يصلي صلاة المواقفة إيماء على دابته (4).

ولأن في التأخير تغريرا بالصلاة ، وتكليفه بالاستيفاء تكليف بما لا يطاق ، فكلف على حسب حاله ، فلا يعيد للامتثال. ولا فرق بين السفر والحضر ، لأن المناط الخوف.

ص: 205


1- المبسوط : 1 - 167.
2- المبسوط 1 - 168.
3- وسائل الشيعة 5 - 482 ح 1.
4- وسائل الشيعة 5 - 484 ح 8.

ولو خاف المحرم فوت الوقوف ، لم يجز القصر ولا الإيماء.

والمديون المعسر لو عجز عن إقامة بينة الإعسار وخاف الحبس فهرب ، جاز أن يصلي في هربه صلاة الشدة.

ولو كان عليه قصاص وتوقع العفو من مستحقه مع سكون الغليل فهرب ، لم تجز صلاة الشدة لعصيانه بهربه.

ويجوز أن يصلي صلاة الشدة حال المدافعة عن ماله ، وإن لم يكن حيوانا.

والموتحل والغريق يصليان بحسب الإمكان ، فإن تمكنا من الركوع والسجود وجبا ، وإلا أومئا ، ولا يقصر أحدهما عدد صلاته إلا في سفر أو خوف.

والأسير إذا خاف على نفسه إن صلى والمختفي في موضع ، يصليان كيف ما أمكنهما. ولو كان المختفي مضطجعا لا يتمكن من القعود ، صلى على حاله ولا قضاء.

ص: 206

المقصد الخامس: في الجنائز

اشارة

وفيه فصول :

ص: 207

ص: 208

الفصل الأول: ( في مقدمته )

يستحب للإنسان ذكر الموت والاستعداد له ، لقوله علیه السلام : أكثروا من ذكر هادم اللذات ، فما ذكر في كثير إلا قلله ، ولا في قليل إلا كثره (1).

وعنه علیه السلام أنه قال : استحيوا من اللّه حق الحياء ، فقيل : يا رسول اللّه وكيف نستحي من اللّه حق الحياء؟ قال : من حفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وترك زينة الحياة الدنيا ، وذكر الموت والبلى ، فقد استحيا من اللّه حق الحياء. (2).

وقال الصادق علیه السلام : من عد غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت (3).

وينبغي للمريض الصبر ، وترك الشكاية ، مثل أن يقول : ابتليت بما لم يبتل به أحد وشبهه. ولا يتمنى الموت وإن اشتد مرضه ، لقوله علیه السلام : لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به ، وليقل : اللّهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي (4).

ص: 209


1- وسائل الشيعة 2 - 649 ح 5.
2- جامع الأصول 4 - 353.
3- وسائل الشيعة 2 - 651 ح 2.
4- جامع الأصول 3 - 107 ، وسائل الشيعة 2 - 659 ح 2.

وينبغي التوبة والاستغفار ، لما فيه من إسقاط الذنب ، قال علیه السلام في آخر خطبة خطبها : من تاب قبل موته بسنة تاب اللّه عليه. ثم قال : وإن السنة لكثيرة ، ومن تاب قبل موته بشهر تاب اللّه عليه. ثم قال : وإن الشهر لكثير ، ثم قال : ومن تاب قبل موته بيوم تاب اللّه عليه. ثم قال : وإن يوما لكثير ، ومن تاب قبل موته بساعة تاب اللّه عليه. ثم قال : والساعة لكثيرة ، من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده إلى حلقه - تاب اللّه عليه (1).

ويحسن ظنه بربه ، قال علي علیه السلام قبل موته بثلاث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى (2). وروي : أن اللّه تعالى يقول : أنا عند ظن عبدي بي (3).

وتجب الوصية على كل من عليه دين ، ويستحب لغيره ، قال علیه السلام : من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية (4).

ويستحب عيادة المريض إلا في وجع العين ، قال البراء : أمرنا النبي صلی اللّه علیه و آله باتباع الجنائز وعيادة المريض (5).

وعن علي علیه السلام : أن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح وكان له خريف في الجنة ، ومن أتاه مصبحا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يمسي وكان له خريف في الجنة (6).

وقال علي علیه السلام : ضمنت لستة الجنة : رجل خرج لصدقة فمات فله الجنة ، ورجل خرج يعود مريضا فمات فله الجنة ، ورجل خرج مجاهدا في

ص: 210


1- وسائل الشيعة 11 - 371 ح 6.
2- وسائل الشيعة 2 - 659 ح 2.
3- وسائل الشيعة 11 - 180 ح 1 و 8.
4- وسائل الشيعة 13 - 352 ح 8.
5- سنن ابن ماجة 1 - 461.
6- وسائل الشيعة 2 - 637 ح 3.

سبيل اللّه فمات فله الجنة ، ورجل خرج حاجا فمات فله الجنة ، ورجل خرج إلى الجمعة فمات فله الجنة ، ورجل خرج في جنازة فمات فله الجنة (1).

ويستحب له أن يأذن لهم في الدخول ، فإذا طال مرضه ترك وعياله. وينبغي تخفيف العيادة ، إلا أن يطلب المريض الإطالة.

ويستحب للداخل عليه الدعاء له ، لأن جبرئيل علیه السلام أتى النبي صلی اللّه علیه و آله فقال : يا محمد اشتكيت؟ قال : نعم ، قال : بسم اللّه أرقيك من كل شي ء يؤذيك من شر كل نفس أو عين أو حاسد اللّه يشفيك (2).

ويستحب أن يلي المريض أشفق أهله به ، وأعلمهم بسياسته ، وأتقاهم لله تعالى ليذكره بربه والتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والوصية ، وإذا رآه منزولا به تعاهد تقطير ماء أو شراب في حلقه. وأن يندي شفتيه بقطنة ، ويستقبل به القبلة ، لقوله علیه السلام : خير المجالس ما استقبل به القبلة.

ويلقنه قول « لا إله إلا اللّه » لقوله علیه السلام : لقنوا موتاكم « لا إله إلا اللّه » (3) وعنه علیه السلام : من كان آخر كلامه « لا إله إلا اللّه » دخل الجنة (4). وقال علیه السلام : من كان آخر قوله عند الموت « أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » إلا هدمت ما قبلها من الخطايا والذنوب ، فلقنوها موتاكم ، فقيل : يا رسول اللّه كيف هي للأحياء؟ قال ، هي أهدم وأهدم (5).

وينبغي أن يكون ذلك في لطف ومداراة ، ولا يكرر عليه ولا يضجره ، فإن تكلم بشي ء أعاد تلقينه ليكون « لا إله إلا اللّه » آخر كلامه.

ص: 211


1- وسائل الشيعة 2 - 635 ح 8.
2- سنن ابن ماجة 2 - 1164.
3- سنن ابن ماجة 1 - 464.
4- وسائل الشيعة 2 - 664 ح 6.
5- وسائل الشيعة 2 - 664 ح 10.

ص: 212

الفصل الثاني: ( في الاحتضار )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في ما يفعل به قبل الموت )
وفيه بحثان
البحث الأول: ( في توجيهه )

الأقوى أنه إذا تيقن الولي نزول الموت بالمريض ، أن يوجه إلى القبلة واجبا ، لأن عليا علیه السلام قال : دخل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق ، وقد وجه إلى غير القبلة ، فقال : وجهوه إلى القبلة ، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة (1). والأمر للوجوب. وكيفيته : أن يلقى على ظهره ، ويجعل باطن قدميه إلى القبلة ، بحيث لو جلس لكان مستقبلا ، لقول الصادق علیه السلام : يستقبل بوجهه القبلة ، ويجعل باطن قدميه مما يلي القبلة (2) ، وقيل : إنه مستحب للأصل.

ص: 213


1- وسائل الشيعة 2 - 662 ح 6.
2- وسائل الشيعة 662 ح 3.
البحث الثاني: ( في باقي الأفعال )

يستحب أمور :

الأول : نقله إلى مصلاه إذا تعسر عليه خروج الروح ، قال الصادق علیه السلام : إذا عسر على الميت موته ونزعه قرب إلى المصلى الذي كان يصلي فيه (1).

الثاني : أن يلقن الشهادتين وأسماء الأئمة علیهم السلام . قال الباقر علیه السلام : لو أدركت عكرمة عند الموت لعلمته كلمات ينتفع بها ، قلت : جعلت فداك وما تلك الكلمات؟ قال : هو ما أنتم عليه ، فلقنوا موتاكم عند الموت شهادة « أن لا إله إلا اللّه » والولاية (2).

وقال الصادق علیه السلام : اعتقل لسان رجل من أهل المدينة على عهد رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فقال له : قل : لا إله إلا اللّه ، فلم يقدر عليه فأعاد عليه رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فلم يقدر عليه ، وعند رأس الرجل امرأة ، فقال لها : هل لهذا الرجل أم؟ فقالت : نعم يا رسول اللّه أنا أمه ، فقال لها : أفراضية أنت عنه أم لا؟ فقالت : بل ساخطة ، فقال صلی اللّه علیه و آله : فإني أحب أن ترضى عنه ، فقالت : رضيت عنه لرضاك يا رسول اللّه.

فقال له قل : لا إله إلا اللّه ، فقال : لا إله إلا اللّه. فقال قل : يا من يقبل اليسير ، ويعفو عن الكثير ، اقبل مني اليسير ، واعف عني الكثير ، إنك أنت العفو الغفور ، فقالها ، فقال له : ما ذا ترى؟ قال : أسودين قد دخلا علي. قال : فأعدها ، فأعادها ، فقال : ما ترى؟ قال : قد تباعدا عني ودخل الأبيضان وخرج الأسودان فما أراهما ، ودنا الأبيضان مني يأخذان بنفي ، فمات من ساعته (3).

ص: 214


1- وسائل الشيعة 2 - 669 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 665.
3- وسائل الشيعة 2 - 668 ح 3.

الثالث : يستحب أن يلقن كلمات الفرج ، قال الصادق علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله دخل على رجل من بني هاشم وهو في النزع ، فقال قل : « لا إله إلا اللّه الحليم الكريم ، لا إله إلا اللّه العلي العظيم ، سبحان اللّه رب السماوات السبع ، ورب الأرضين السبع ، وما فيهن وما بينهن ، ورب العرش العظيم ، وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين » فقالها ، فقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : الحمد لله الذي استنقذه من النار (1).

الرابع : يستحب أن يقرأ عنده شيئا من القرآن ، قال الكاظم علیه السلام لابنه القاسم : قم يا بني واقرأ عند رأس أخيك « والصافات صفا » حتى تستتمها ، فلما بلغ « أهم أشد خلقا أم من خلقنا » قبض الفتى ، فلما سجي وخرجوا عنه ، أقبل عليه يعقوب بن جعفر ، فقال : كنا نعهد الميت إذا نزل به نقرأ عنده « يس » فصرت تأمرنا ب- « الصافات » فقال : يا بني لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل اللّه راحته (2).

وكما يستحب قراءة القرآن قبل خروج روحه ، فكذا بعده استدفاعا عنه.

المطلب الثاني: ( في ما يكره )

يكره أن يقبض على شي ء من أعضائه إن حركها ، ولا يمنع منه ، ولا يظهر له الجزع لئلا يضعف نفسه ، فيكون إعانة على موته.

ويكره أن يحضره جنب أو حائض ، لقول الصادق علیه السلام : لا يحضر الحائض الميت ولا الجنب عند التلقين ، ولا بأس أن يليا غسله (3).

وقال علي بن أبي حمزة للكاظم علیه السلام : المرأة تقعد عند رأس المريض وهي حائض في حد الموت ، فقال : لا بأس أن تمرضه ، فإذا خافوا

ص: 215


1- وسائل الشيعة 2 - 666 ح 2.
2- وسائل الشيعة 2 - 670 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 671 ح 2.

عليه وقرب ذلك فلتنح عنه وعن قربه ، فإن الملائكة تتأذى بذلك (1).

ويكره بعد الموت أن يترك على بطن الميت حديدا وغيره. قال الشيخ : سمعناه مذاكرة ، لأنه أمر شرعي ، فيقف على النقل ولم يوجد. وقال ابن الجنيد : يضع على بطنه شيئا يمنع من ربوها.

المطلب الثالث: ( في ما بعد الموت )

يستحب بعد الموت أمور :

الأول : إغماض عينيه ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ، ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله فقال : لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير ، فإن الملائكة يؤمنون على ما يقولون ، ثم قال : اللّهم اغفر لأبي سلمة ، وارفع درجته في المقربين المهديين ، واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر له يا رب العالمين ، وافسح له في قبره ، ونور له فيه (2) ، ولأن الصادق علیه السلام غمض لابنه إسماعيل (3) ، ولأن فتح عينيه يقبح منظره ، ويحذر معه دخول الهوام إليها ، وبعد الإغماض يشبه النائم.

الثاني : شد لحيته بعصابة عريضة ، لئلا يسترخي لحياه ، وينفتح فوه ، ويدخله الهوام ، ويقبح منظره ، ويؤمن من دخول ماء الغسل فيه. ولما مات إسماعيل شد الصادق علیه السلام لحيته (4).

الثالث : تليين مفاصله ، فإن ذلك إبقاء للينها ، فيرد ذراعيه إلى عضديه ويمدهما ، ويرد فخذيه إلى بطنه ويمدهما ، ورجليه إلى فخذيه ويمدهما ، فإن ذلك

ص: 216


1- وسائل الشيعة 2 - 671 ح 1.
2- سنن ابن ماجة 1 - 467.
3- وسائل الشيعة 2 - 672 ح 3.
4- نفس المصدر.

يعين الغاسل على تمديده وتكفينه.

الرابع : تغطيه بثوب ، لأنه أستر له ، وسجي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله بثوب حبرة (1). وغطى الصادق علیه السلام ابنه إسماعيل بملحفة (2).

الخامس : تجريد ثيابه ، فإنه لا يؤمن معها الفساد ، فإنها تحميه ، ولئلا يخرج منه شي ء يفسد به ويتلوث بها إذا نزعت عنه.

السادس : وضعه على لوح أو سرير ، ولا يترك على الأرض ، لأنه أسرع لفساده ، ويخاف نيل الهوام له.

السابع : مد يديه إلى جنبيه وساقيه إن كانت منتصبتين ، لأنه أطوع للغاسل.

الثامن : يسرج عنده مصباح إن مات ليلا إلى الصباح ، لأن الباقر علیه السلام لما قبض أمر الصادق علیه السلام بالسراج في البيت الذي يسكنه ، حتى قبض أبو عبد اللّه علیه السلام ، ثم أمر الكاظم بمثل ذلك في بيت أبي عبد اللّه علیه السلام (3).

التاسع : ينبغي أن يكون عنده من يذكر اللّه تعالى ، ولا يترك وحده ، لقول الصادق علیه السلام : ليس من ميت يموت ويترك وحده إلا لعب الشيطان في جوفه (4).

العاشر : يستحب تعجيل أمره ، والمسارعة إلى تجهيزه إن تيقن موته بإجماع العلماء ، لأنه صون له وأحفظ من أن يتغير وتصعب معاناته ، وقال علیه السلام : إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فلا

ص: 217


1- جامع الأصول 11 - 391.
2- وسائل الشيعة 2 - 672 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 673 ب 45.
4- وسائل الشيعة 2 - 671 ب 42.

ينبغي لجيفة مسلم أن يحبس بين ظهراني أهله (1). وقال علیه السلام : كرامة الميت تعجيله (2).

وقال علیه السلام : لا ألقين رجلا منكم مات له ميت ليلا فانتظر الصبح ، ولا رجلا مات له ميت نهارا فانتظر به الليل ، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس ولا غروبها ، عجلوا بهم إلى المضاجع يرحمكم اللّه تعالى ، فقال الناس : وأنت يا رسول اللّه يرحمك اللّه (3).

ولا بأس أن ينتظر به قدر ما يجمع له جماعة ، لما يؤمل من الدعاء له إذا صلوا عليه.

ولو اشتبه الموت ، لم يجز التعجيل به حتى تظهر علاماته ، ويتحقق العلم به إجماعا. قال الصادق علیه السلام : خمسة ينتظر بهم إلا أن يتغيروا : الغريق ، والمصعوق ، والمبطون ، والمهدوم ، والمدخن (4).

ويصبر عليه ثلاثة أيام حتى يتيقن موته ، أو يتغير ، لقول الصادق علیه السلام وقد سئل كيف يستبرأ الغريق؟ : يترك ثلاثة أيام قبل أن يدفن ، فيغسل ويدفن (5).

وقد دفن جماعة أحياء اشتبه موتهم على أهلهم ، وخرج بعضهم.

وشاهدت واحدا في لسانه وقفة فسألته عن سببها؟ فقال : مرضت مرضا شديدا ، فاشتبه الموت فغسلت ودفنت في أزج ، ولنا عادة إذا مات شخص فتح عنه باب الأزج بعد ليلة أو ليلتين ، إما زوجته أو أمه أو أخته أو ابنته ، فتنوح عنده ساعة ، ثم تطبق عليه هكذا يومين أو ثلاثا ، ففتح علي فعطست فجاءت أمي بأصحابي فأخذوني من الأزج ، وذلك منذ سبع عشرة سنة.

ص: 218


1- سنن أبي داود 2 - 200.
2- وسائل الشيعة 2 - 676 ح 7.
3- وسائل الشيعة 2 - 675 ح 1.
4- وسائل الشيعة 2 - 676 ح 2.
5- وسائل الشيعة 2 - 677 ح 4.

والمصلوب لا يترك على خشبته أكثر من ثلاثة أيام ، ثم ينزل بعد ذلك ويدفن قال الصادق علیه السلام : قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن (1).

الحادي عشر : يستحب إعلام المؤمنين بموته ، ليتوفروا على تشييعه ، لقوله علیه السلام : لا يموت منكم أحد إلا آذنوني به (2). وقال الصادق علیه السلام : ينبغي لأولياء الميت أن يؤذنوا إخوان الميت بموته ، يشهدون جنازته ويصلون عليه ويستغفرون له ، فيكتب لهم الأجر وللميت الاستغفار ، ويكتسب هو الأجر بما اكتسب لهم (3).

الثاني عشر : ويسارع في قضاء دينه ، لقوله علیه السلام : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه (4). ولو تعذر إيفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل عنه ، كما فعل علي علیه السلام لما أتى النبي صلی اللّه علیه و آله بجنازة ، فقال : هل على ميتكم دين؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه ، فلم يصل عليها ، فقال علي علیه السلام : صل عليها يا رسول اللّه وعليّ دينه ، فصلى عليها (5).

ويستحب المسارعة إلى تفريق وصيته ، ليعجل له ثوابها بجريانها على الموصى له.

ص: 219


1- وسائل الشيعة 2 - 678 ح 1.
2- سنن ابن ماجة 1 - 489.
3- وسائل الشيعة 2 - 762 ح 1.
4- سنن ابن ماجة 2 - 806 الرقم 2413.
5- وسائل الشيعة 13 - 151 ح 2 و 3.

ص: 220

( الفصل الثالث ): ( في تغسيله )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في الكيفية )
وفيه مباحث :
البحث الأول: ( في مقدماته )

وهي مستحبات تسع :

الأول : إذا أراد غسله ، استحب أن يفضي به إلى مغتسله ، ويكون ما يلي رأسه مرتفعا ، وما يلي رجليه منحدرا ، لئلا يجتمع الماء تحته ، ثم يوضع على مرتفع من لوح أو سرير ، لأنه أحفظ لجسده من التلطخ.

الثاني : أن يستقبل به القبلة على هيئة الاحتضار ، لقول الصادق علیه السلام وقد سئل عن غسل الميت؟ قال : يستقبل باطن قدميه القبلة حتى يكون وجهه مستقبل القبلة (1).

ص: 221


1- وسائل الشيعة 2 - 661 و 688 و 682.

وقد اختلف في وجوب هذا الاستقبال كالاحتضار.

الثالث : أن يحفر لمصب الماء حفيرة يدخل فيها الماء ، فإن تعذر جاز أن يصب إلى البالوعة. ويكره الكنيف ، لأن العسكري علیه السلام كرهه (1).

الرابع : يغسل تحت سقف ، ولا يكون تحت السماء ، قالت عائشة : أتانا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ونحن نغسل ابنته ، فجعلنا بينها وبين السقف سترا. وعن الصادق علیه السلام : إن أباه علیه السلام كان يحب أن يجعل بين الميت وبين السماء سترا (2). ولما فيه من كراهية مقابلة السماء بعورته.

وينبغي أن يكون في بيت أو يستر عليه بثوب ، لئلا ينظر إلى الميت.

الخامس : يستحب تجريد الميت من قميصه ، بأن فتق جيبه وينزع من تحته ، لئلا يكون فيه نجاسة تلطخ أعالي بدنه ، فإن هذا الحال مظنة النجاسة ، وتجريده أمكن لغسله.

وليس واجبا ، بل يجوز أن يغسل وعليه القميص ، لكن الأول أولى ، لما فيه من الاستظهار بالغسل ، ولأن ثوبه ينجس بالغسل ، وربما لا يطهر فينجس به الميت.

السادس : إذا جرده ستر واجب العورة واجبا ، واستحب ما بين السرة والركبة. ولا يجب ستر عورة الصبي ، ولو كان الغاسل أعمى ، أو وثق من نفسه بكف البصر عن العورة ولو غلطا لم يجب الستر ، إذ الفائدة منع الإبصار وقد حصل ، لكن يستحب تحفظا عن الغير والغلط.

السابع : يستحب أن يلين أصابعه برفق ، لأن انقباض كفه يمنع من الاستظهار على تطهيرها ، وإن تعسرت تركها ، ولأنه لا يؤمن انكسار عضو.

وكذا يستحب تليين مفاصله ، لأنه أمكن للغاسل في تمديده وتكفينه وتغسيله.

ص: 222


1- وسائل الشيعة 2 - 720 ب 29.
2- وسائل الشيعة 2 - 720 ح 2.

وذلك مستحب في موضعين عند الموت قبل قسوتها ، وإذا أخذ في غسله ، وبعد الغسل لا يلين شيئا منه لعدم الفائدة.

الثامن : يستحب أن يؤخذ شي ء ، من السدر فيطرح في إجانة ويضرب ضربا جيدا حتى يرغو ، ويؤخذ رغوته فيطرح في موضع نظيف لغسل رأسه وجسده للرواية (1). ولو تعذر السدر فالخطمي.

التاسع : يستحب للغاسل أن يلف على يديه خرقة ينحيه بها وباقي جسده يغسله بغير خرقة. ويبدأ بغسل فرجه بماء السدر والحرض لقول الصادق علیه السلام : ثم ابدأ بفرجه بماء السدر والحرض فاغسله ثلاث غسلات (2).

ولو كان على بدنه نجاسة ، وجب أن يبدأ بإزالتها إجماعا ، لأن المراد تطهيره ، فإذا وجب إزالة الحكمية عنه فالعينية أولى. وليكون ماء الغسل طاهرا. وفي رواية يونس عنهم علیهم السلام : امسح بطنه مسحا رقيقا ، فإن خرج منه شي ء فانقه (3).

البحث الثاني: ( في كيفية الغسل )

تجب فيه النية على الغاسل عند بعض علمائنا ، لأنه عبادة فتجب فيه النية. ويحتمل العدم ، لأنه تطهير من نجاسة الموت ، فأشبه غسل النجاسة من الثوب.

ويجب أن يغسله ثلاث مرات عند أكثر علمائنا ، بماء قد طرح فيه يسير من السدر ، بحيث لا يخرجه عن الإطلاق ، فإن أخرجه عنه لم يصح ، لصيرورة الماء مضافا غير مطهر ، وينبغي أن يكون قدر سبع ورقات من سدر.

الثانية : بماء قد طرح فيه كافور خالص غير مخرج عن الإطلاق أيضا.

ص: 223


1- وسائل الشيعة 2 - 680 ح 3.
2- وسائل الشيعة 2 - 682 ح 5.
3- وسائل الشيعة 2 - 681 ح 3.

الثالثة : بماء قراح ، لقول الصادق علیه السلام : يغسل الميت ثلاث غسلات : مرة بالسدر ، ومرة بالماء يطرح فيه الكافور ، ومرة أخرى بالماء القراح (1). والأمر للوجوب.

ويجب في كل غسلة الترتيب ، يبدأ بغسل رأسه ، ثم بشقه الأيمن ، ثم بشقه الأيسر مستوعبا ، لقول النبي صلی اللّه علیه و آله لما توفت ابنته للنساء ابدأن بميامنها (2). وقول الصادق علیه السلام : إذا أردت غسل الميت إلى أن قال : ويغسل رأسه ثلاث مرات بالسدر ، ثم سائر جسده ، وابدأ بشقه الأيمن - إلى أن قال : - فاغسله مرة أخرى بماء كافور ، ثم اغسله بماء غسلة أخرى (3). وقول الباقر علیه السلام : غسل الميت مثل غسل الجنب (4).

وهل يسقط الترتيب بالغمس في الكثير؟ إشكال.

والواجب جعل السدر في الأولى خاصة ، والكافور في الثانية خاصة.

فلو غير الترتيب فغسله أولا بالقراح وثانيا بالسدر ، أو الكافور وثالثا بالآخر ، احتمل الطهارة ، لحصول الإنقاء المقصود من الغسلات ، والعدم ، لمخالفة الأمر. ولو غير ترتيب كل غسلة أعاد على ما يحصل معه الترتيب كالجنابة.

ويستحب أن يبدأ بغسل يديه قبل رأسه ، ثم يغسل رأسه يبدأ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر. وأن يغسل كل عضو منه في كل غسلة ثلاث مرات للرواية (5).

وإذا فرغ من غسل رأسه وضعه على جانبه الأيسر ليبدو له الأيمن ، فيغسله في كل غسلة من قرنه إلى قدمه. ثم يضعه على جانبه الأيمن ليبدو له

ص: 224


1- وسائل الشيعة 2 - 681 ح 4.
2- سنن ابن ماجة 1 - 469.
3- وسائل الشيعة 2 - 680 ح 2.
4- وسائل الشيعة 2 - 685 ح 1.
5- وسائل الشيعة 2 - 680 ح 2.

الأيسر ، فيغسله من قرنه إلى قدمه. ولا يغسل أكثر من ثلاث مرات ، لأنه أمر شرعي فيقف على الإذن.

ولا ينبغي وضع السدر صحيحا بل مطحونا ، لأن المراد التنظيف وإنما يحصل به.

ولو تعذر السدر أو الكافور أو هما ، فالأقوى عدم سقوط الغسلة ، لأن وجوب الخاص يستلزم وجوب المطلق.

ولو لم يجد السدر ، ففي تغسيله بما يقوم مقامه من الخطمي أو نحوه إشكال ، ينشأ من عدم النص ، وحصول الغرض. ولو غسله بذلك مع وجوده لم يجز ، وكذا لو غسله بالقراح من غير سدر وكافور ، وفي حصول التطهير إشكال.

والغريق يغسل واجبا.

ولا فرق في ذلك كله بين الرجل والمرأة والكبير والصغير.

ويستحب مسح بطنه في الغسلتين الأولتين قبلهما رقيقا ، لخروج ما لعله بقي مع الميت ، لاسترخاء الأعضاء وعدم القوة الماسكة ، وبقاؤه يؤدي إلى خروجه بعد الغسل ، فيؤذي الكفن ، إلا الحامل لئلا يخرج الولد ولا يمسح في الثالثة عند علمائنا ، لحصول المطلوب بالأولتين.

وإذا خرج من الميت شي ء بعد غسله ثلاثا ، فإن لم يكن ناقضا كالدم غسل ، وإن لم يكن نجسا فلا بأس. وإن كان أحد النواقض ، فالأقوى الاكتفاء بغسل النجاسة دون إعادة الغسل ، لقول الصادق علیه السلام : ولا تعد الغسل (1).

ص: 225


1- وسائل الشيعة 2 - 723 ح 1.
البحث الثالث: ( في بقايا مسائله )

قيل : باستحباب وضوء الميت ، لقول الصادق علیه السلام : في كل غسل وضوء إلا غسل الجنابة. وقيل : بعدمه ، لأنه كغسل الجنابة ، فإن قلنا باستحبابه منعنا المضمضة والاستنشاق ، لئلا يدخل الماء جوفه.

ويستحب إمرار يد الغاسل على جسد الميت ، فإن خيف من ذلك لكونه مجدورا أو محترقا ، اكتفى بصب الماء عليه ، لقول الباقر علیه السلام : المجدور والكسير والذي به القروح يصب عليه الماء صبا (1).

فإن خيف من صب الماء يمم بالتراب إجماعا ، لتعذر الماء. ولأن قوما أتوا النبي صلی اللّه علیه و آله فقالوا : يا رسول اللّه مات صاحب لنا وهو مجدور ، فإن غسلناه انسلخ ، قال : يمموه (2).

وكذا ييمم الميت لو فقد الماء ، أو تعذر الوصول إليه ، أو وجد المضاف ، أو النجس ، أو اضطر الحي إلى شربه.

وإذا مات الجنب : أو الحائض أو النفساء ، كفى غسل الموت إجماعا ، قال الباقر علیه السلام في الجنب : إذا مات ليس عليه إلا غسل واحد (3). ولا يجب التسمية في غسل الميت للأصل.

ويستحب في كل غسلة صاع ، والواجب الإنقاء ، لقول العسكري علیه السلام : حده يغسل حتى يطهر (4). وينبغي أن يبدأ في كل غسلة بيديه وفرجه مبالغة في الإنقاء.

ويستحب للغاسل أن يذكر اللّه تعالى عند غسله ، وقال الباقر عليه

ص: 226


1- وسائل الشيعة 2 - 702 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 703 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 721 ح 4.
4- وسائل الشيعة 2 - 718 ح 2 ب 27.

السلام : أيما مؤمن غسل مؤمنا فقال إذا قلبه : « اللّهم هذا بدن عبدك المؤمن وقد أخرجت روحه وفرقت بينهما ، فعفوك عفوك » إلا غفر له ذنوب سنته إلا الكبائر (1).

ويستحب وقوف الغاسل على جانبه الأيمن. ويكره جعله بين رجليه ، لقول الصادق علیه السلام : ولا يجعله بين رجليه في غسله ، بل يقف من جانبه (2).

ويشترط في الماء الطهارة إجماعا ، فإن النجس لا يطهر غيره. والإطلاق ، فإن المضاف غير مطهر. وينجس بما يلاقيه من النجاسة ، والأقوى على قول المرتضى ذلك ، لأنه عبادة فأشبهت الوضوء. ولو جعلناه كغسل النجاسة انسحب على قوله الجواز.

والملك والإباحة ، فلا يجوز الغسل بالماء المغصوب مع علم الغاصب ، ولا يحصل به الطهارة ، فإن جعلناه إزالة النجاسة احتمل الطهارة. ولو كان الغاسل جاهلا أجزأ كالوضوء. وكذا يجب كون الكافور والسدر مملوكين. ولو غسله في مكان مغصوب ، فإن جعلناه عبادة محضة ، فالأقوى عدم الإجزاء ، وإن جعلناه إزالة نجاسة أجزأ.

وإذا تعذر استعمال الماء وجب التيمم بتراب مملوك له طاهر أو مباح مطلق ، وهل ييمم ثلاثا أو مرة؟ الأقرب الأول ، لأنه بدل عن ثلاثة أغسال. ويحتمل الثاني ، لاتحاد غسل الميت.

وإذا فرغ من غسله شفه بثوب مستحبا ، لئلا يسرع الفساد إلى الكفن مع البلل وللرواية (3).

ص: 227


1- وسائل الشيعة 2 - 690 ح 1.
2- المعتبر ص 74.
3- وسائل الشيعة 2 - 680 ح 2.
البحث الرابع: ( في المكروهات )

يكره إقعاد الميت وعصره قاعدا ، لأن في إقعاده أذى له ، وفي رواية حمران بن أعين : إذا غسلت الميت فارفق به ولا تعصره. وفي أخرى : ولا تعصروا له مفصلا (1).

ويكره أيضا قص أظفاره ، وترجيل شعره عند جميع علمائنا. وكذا حلق العانة ، ونتف الإبط ، وحف الشارب ، لأن الساقط منه يوضع في كفنه ، فلا معنى لقص ذلك مع القول بوضعها في الكفن. وقول الصادق علیه السلام : لا يمس من الميت شعر ولا ظفر ، وإن سقط منه شي ء فاجعله في كفنه (2).

ويحرم حلق رأسه ، قال الشيخ : إنه بدعة (3). ويكره تسريح اللحية ، وإن كانت ملبدة ، لأدائه إلى سقوط شي ء من شعره.

ولا يختن الميت إذا لم يكن مختتنا وإن كان كبيرا. وكذا لو وصل عظمه بعظم ميتة لم تقلع ، لأنه صار جزءا منه ، فصار كله ميتا.

وينبغي إخراج الوسخ من بين أظفاره بعود ليّن ، وإن شد عليه قطنا ويتبعها به كان أولى. وليس من السنّة ظفر شعر الميت ، لئلا يسقط منه شي ء.

ويكره إسخان الماء إلا لضرورة ، كالبرد المانع للغاسل عنه ، لقول الباقر علیه السلام : لا يسخن الماء للميت (4). ولأن المراد شد الميت بالماء البارد ، ولهذا طرح الكافور فيه ليشده ويبرده ، والمسخن يرخيه ، فإن احتيج إلى الإسخان زالت الكراهة. ولو تعذر ولم يتمكن الغاسل منه للبرد يممه.

ولا يستحب الدخنة بالعود ولا بغيره ولا التجمير عند الغسل ، لأن

ص: 228


1- وسائل الشيعة 2 - 692 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 694 ح 1.
3- الخلاف 1 - 282.
4- وسائل الشيعة 2 - 693 ح 1.

الاستحباب أمر شرعي ، فيقف على دلالته. قال الباقر علیه السلام : لا تقربوا موتاكم النار (1). يعني الدخنة.

المطلب الثاني: ( في الغاسل )
اشارة

الأصل أن يغسل الرجل مثله والمرأة مثلها. وليس للرجل أن يغسل المرأة إلا بأحد أسباب ثلاثة : الزوجية والمحرمية والملك.

فهنا مباحث :

البحث الأول: ( في الزوجية )

يجوز للرجل أن يغسل زوجته اختيارا ، عند أكثر علمائنا ، لأن فاطمة علیهاالسلام أوصت أن تغسلها أسماء بنت عميس وعلي علیه السلام ، فكان علي علیه السلام يصب الماء عليها (2). وسئل الصادق علیه السلام عن الرجل يخرج إلى السفر ومعه امرأة يغسلها؟ قال : نعم وأخته (3).

وللشيخ قول آخر بالمنع ، إلا مع عدم النساء من وراء الثياب ، لأن الموت فرقة تبيح الأخت والرابعة [ أي الفرقة ] (4) فحرمت اللمس والنظر كالمطلقة بائنا.

وكما يجوز للرجل أن يغسل زوجته ، فكذا الزوجة أن تغسل زوجها اختيارا ، والمطلقة رجعيا كالزوجة ، والبائن أجنبية.

ولا فرق بين الزوجة الحرة والأمة والمكاتبة والمتولدة ، وغير المدخول بها ،

ص: 229


1- وسائل الشيعة 2 - 735 ح 12.
2- وسائل الشيعة 2 - 717.
3- وسائل الشيعة 2 - 705.
4- الزيادة من « ر ».

كالمدخول بها لوجود المقتضي وهو الزوجية.

ولو كانت ذمية ، لم يجز له غسلها ، لأن المسلم لا يغسل الكافر ، والأقرب أن لكل من الزوجين تجريد صاحبه عند غسله كمجانسه. ويجوز لأم الولد أن تغسل مولاها. ولو لم يكن أم ولد احتمل ذلك كأم الولد ، والمنع ، لانتقال الملك إلى غيره ولم يكن بينهما من الاستمتاع ما تصير (1) به في معنى الزوجات.

البحث الثاني: ( الملك )

يجوز للسيد غسل أمته ومدبرته وأم ولده ، لأنهن في معنى الزوجية ، في اللمس والنظر والاستمتاع ، فكذلك في الغسل كالحرة ، والأقوى أن المكاتبة كالأجنبية ، لتحريمها على المولى بعقد الكتابة. سواء كانت مطلقة أو مشروطة.

ولو كانت الأمة مزوجة أو معتدة ، لم يكن للسيد تغسيلها ، ولا لها تغسيل السيد. ولو انعتق بعضها فكالحرة الأجنبية ، أما المولى منها من الزوجات والإماء والمظاهر منها ، فإنهن كالزوجات.

البحث الثالث: ( المحرمية )

للرجل أن يغسل من ذوي أرحامه محارمه من وراء الثياب عند عدم الزوج والنساء ، ونعني بالمحارم من لا يحل له وطؤها بالنسب أو الرضاع ، كالبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت ، لتسويغ النظر إليهن في الحياة.

أما من ليس من المحارم من ذوي الأرحام ، كبنت العم وبنت الخال ، فإنهن كالأجنبيات.

ص: 230


1- في « س » يصيره.

ولو مات الرجل ولم يوجد رجل مسلم يغسله ولا زوجة ، جاز أن يغسله بعض محارمه من وراء الثياب ، لقول الصادق علیه السلام في الرجل يموت وليس عنده من يغسله إلا النساء هل يغسله النساء؟ قال : يغسله امرأته أو ذات محرمة ، ويصب عليه الماء صبا من فوق الثياب (1).

ولا يجوز أن يغسل الرجل الأجنبية ، ولا الأجنبية الرجل ، لتحريم النظر.

وللنساء غسل الطفل مجردا من ثيابه إجماعا ، وإن كان أجنبيا اختيارا أو اضطرارا ، لأن المرأة تربيه ولا تنفك عن الاطلاع على عورته. واختلف في تقديره ، والأقرب أنه ابن ثلاث سنين ، لأن الصادق علیه السلام سئل إلى كم يغسله النساء؟ فقال : إلى ثلاث سنين (2). وقيل : إلى خمس.

وكذا يغسل الرجل الصبية عند جميع علمائنا إذا كانت بنت ثلاث سنين مجردة ، وإن كانت أجنبية لأنها ليست محل الشهوة.

ولا يشترط في الغاسل البلوغ ، بل يجوز تغسيل المميز. وكذا يصح أن يغسل المحرم الحلال وبالعكس.

البحث الرابع: ( في حالة الاضطرار )

إذا مات الرجل وليس هناك رجل مسلم ولا زوجته ، غسلته محارمه من وراء الثياب ، لقول الصادق علیه السلام : إذا مات الرجل مع النساء ، غسلته امرأته ، فإن لم تكن امرأته غسلته أولاهن به ، ويلف على يديها خرقة (3).

ولو لم يكن هناك محرم وكان هناك ذات رحم غسله كذلك.

ص: 231


1- وسائل الشيعة 2 - 706 ح 4.
2- وسائل الشيعة 2 - 712 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 706 ح 6.

ولو لم يكن هناك ذات رحم وكان هناك رجال كفار ونساء مسلمات ، أمر بعض النساء رجلا كافرا بالاغتسال ، وعلمته غسل أهل الإسلام ثم يغسله ، لقول الصادق علیه السلام في مسلم مات وليس معه رجل مسلم ولا امرأة مسلمة من ذوي قرابته ومعه رجال نصارى ونساء مسلمات ، قال : يغتسل النصارى ثم يغسلونه فقد اضطر (1).

ولو لم يكن معه أحد من الكفار ، دفن من غير غسل ولا تيمم ، لأن نظر الأجنبيات إليه حرام.

ولو ماتت امرأة مسلمة وليس هناك زوج ولا ذو رحم ولا نساء ، دفنت بثيابها ولا يغسلها الأجنبي ولا ييممها ، لتحريم النظر واللمس ، ولقول الصادق علیه السلام : تدفن ولا تغسل (2). وروي أنهم يغسلون محاسنها يديها ووجهها (3) ، لأنه مواضع التيمم.

ولو كان مع الرجال الأجانب نساء كافرات ، أمر الرجال المسلمون امرأة من الكفار بالاغتسال ، ثم يعلمها غسل المسلمات فتغسلها ، لقول الصادق علیه السلام عن المرأة المسلمة تموت وليس معها امرأة مسلمة ولا رجل مسلم من ذوي قرابتها ، معها نصرانية ورجال مسلمون ، قال : تغتسل النصرانية ثم تغسلها (4).

وغسل الكافر والكافرة إما تعبد ، أو لزوال النجاسة الطارية. وإذا غسله الكافر أو الكافرة لتعذر المسلم والمسلمة ، ثم وجد مسلم أو مسلمة ، فالوجه إعادة الغسل ما لم يدفن ، لأن تسويغه للضرورة وقد زالت.

وهل يجب على من مسه بعد هذا الغسل الغسل أو لا؟ إشكال ، أقربه الوجوب ، لعدم حصول الطهارة به.

ص: 232


1- وسائل الشيعة 2 - 704 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 709 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 710 ح 1.
4- وسائل الشيعة 2 - 704 ح 1.

ولو كان الميت خنثى مشكلا ، فإن كان صغيرا ، فلكل من الرجال والنساء غسله. وإن كان كبيرا ، فإن كان له ذو رحم من الرجال أو النساء غسله ، وإن لم يكن احتمل دفنه من غير غسل ، وشراء جارية من تركته تغسله ، فإن لم تكن تركة فمن بيت المال ، ويبعد بانتفاء الملك عنه بموته.

وإذا حصل جماعة يصلحون للغسل ، فأولاهم به أولاهم بالميراث. ولو كان الميت امرأة ، فالزوج أولى بها من كل أحد في جميع أحكامها. ولو كان القريب أو الزوج أو الزوجة كافرا فكالمعدوم.

المطلب الثالث: ( في المحل )
اشارة

ومباحثه ثلاثة (1) :

البحث الأول: ( من يجب غسله )

يجب تغسيل الميت المسلم ومن هو بحكمه ، وتكفينه والصلاة عليه ودفنه ، على الكفاية بإجماع علماء الإسلام ، فإن أعرابيا سقط عن بعيره فرفص فمات ، فقال النبي صلی اللّه علیه و آله : اغسلوه بماء وسدر (2).

وحينئذ يحرم أخذ الأجرة على الواجب في هذه الأحوال ، لا على المستحب. ولا يجب على المسلمين بذل ماء الغسل وثياب الكفن إجماعا.

وفي تغسيل الميت ثواب عظيم ، قال الصادق علیه السلام : من غسل ميتا فستر وكتم خرج من الذنوب كما ولدته أمه (3).

ويجب تغسيل كل ميت مسلم ومن هو بحكمه من أطفالهم للأمر به. ولا

ص: 233


1- كذا في النسخ الثلاثة وهي ستة.
2- سنن ابن ماجة 2 - 1030.
3- وسائل الشيعة 2 - 692 ح 2.

يجوز تغسيل الكافر ، فإن كان ذميا أو مرتدا ، قريبا كان أو أجنبيا ، لانتفاء قبوله للطهارة ، ولعدم الصلاة عليه والدعاء له ، وأولاد المشركين كآبائهم. ويغسل ولد الزنا. والمخالف يغسل غسلة.

ويجب تغسيل أموات المسلمين من الكبار والصغار ، لأن الملائكة غسلت آدم علیه السلام ، وقالوا لولده : هذه سنّة موتاكم.

ولو وجد ميت لا يعلم أمسلم هو أو كافر؟ اعتبر بالعلامات كالختان ، فإن لم يكن هناك علامة ، غسل وصلي عليه إن كان في دار الإسلام ، وإلا فلا.

البحث الثاني: ( في السقط والأبعاض )

السقط إذا كمل له أربعة أشهر ، وجب أن يغسل ، لرواية أحمد بن محمد عمن ذكره قال : إذا أتم السقط أربعة أشهر غسل (1). ولو كان له أقل من أربعة أشهر ، لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه ، بل يلف في خرقة ويدفن إجماعا.

وإذا وجد بعض الميت ، فإن خلا عن عظم لف في خرقة ودفن من غير غسل ، ويجب على من مسها غسل يده دون الغسل. وإن كان فيه عظم ، فإن كان الصدر كان حكمه حكم الميت في أحكامه كلها ، من التغسيل والتكفين والصلاة عليه ، وفي وجوب تحنيطه إشكال ، ينشأ من اختصاص وجوبه بالمساجد ، ومن الحكم بالمساواة. وأما غير الصدر فإنه يغسل ويلف في خرقة ويدفن ولا يصلى عليه ، ويجب على من مسه الغسل.

قال سلار : ويحنط (2). وهو حق إن كان أحد المساجد ، وإلا فلا لأصالة البراءة.

ص: 234


1- وسائل الشيعة 2 - 695 ح 2.
2- المراسم ص 630.

ولو أبينت قطعة من حي ، فإن كانت ذات عظم ، وجب غسلها ولفها في خرقة ودفنها ، وإلا لفت في خرقة ودفنت.

البحث الثالث: ( في الشهيد )

إن مات في المعركة لا يغسل ولا يكفن ، بل يصلى عليه عند جميع علمائنا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كذا فعل وأمر بدفن شهداء أحد من غير تغسيل ولا كفن ، وقال : زملوهم بدمائهم ، فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك (1).

ولو نقل من المعركة وبه رمق ، أو انقضى الحرب وبه رمق ، غسل وكفن ، سواء أكل أو لا وصى أو لم يوص ، للأصل ، ولقول الصادق علیه السلام : الذي يقتل في سبيل اللّه يدفن بثيابه ولا يغسل ، إلا أن يدركه المسلمون وبه رمق ، ثم يموت بعد فإنه يغسل ويكفن ويحنط ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ، لكنه صلى عليه (2).

واختلف في الشهيد لو كان جنبا ، فالمرتضى أوجب غسله ، لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي صلی اللّه علیه و آله : ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله (3) ، فقالوا : إنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج للقتال. وقال الشيخ : لا يغسل للعموم (4).

وكذا لو طهرت المرأة من الحيض أو النفاس ثم استشهدت ، لم تغسل للعموم.

ولا فرق في الشهيد بين الرجل والمرأة والصبي والكبير والرضيع والحر

ص: 235


1- جامع الأصول 11 - 430.
2- وسائل الشيعة 2 - 700 ح 9.
3- وسائل الشيعة 2 - 698 ح 2.
4- الخلاف 1 - 288.

والعبد ، لأنه مسلم قتل في معركة المشركين فكان كالبالغ والحر ، ولأنه كان في قتلى أحد وبدر أطفال لحارثة بن النعمان وعمر بن أبي وقاص ، ولم ينقل أن النبي صلی اللّه علیه و آله غسلهم. وفي يوم الطف قتل رضيع الحسين علیه السلام ولم يغسله.

البحث الرابع: ( في شرط الشهيد )

وله شرطان : الأول : تسويغ القتل بين يدي الإمام. الثاني : الموت في المعركة بسبب.

فلو قتل أهل البغي واحدا من أهل العدل فهو شهيد لا يغسل ولا يكفن ، لأن عليا علیه السلام لم يغسل من قتل معه (1). وأوصى عمار أن لا يغسل ، وقال : ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم. وأوصى أصحاب الجمل أنا مستشهدون غدا ، فلا تنزعوا عنا ثوبا ، ولا تغسلوا عنا دما.

ولو قتل أهل العدل رجلا من البغاة ، غسل وكفن وصلي عليه ، وهو أحد قولي الشيخ (2) ، لقوله علیه السلام : صلوا على من قال « لا إله إلا اللّه » (3). ولأنه مسلم قتل بحق فأشبه النصراني. وفي موضع آخر قال : إنه كافر لا يغسل ولا يصلى عليه (4). لأنهم جماعة ليس لهم منعة وقوة باينوا أهل الحق بدار وقتال ، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم كأهل الحرب.

وشرط الشيخان في سقوط غسل الشهيد أن يقتل بين يدي إمام عادل في نصرته ، أو من نصبه.

ويحتمل اشتراط تسويغ القتال ، فقد يجب القتال وإن لم يكن هناك إمام ،

ص: 236


1- وسائل الشيعة 2 - 699 ح 4.
2- الخلاف 1 - 290 مسألة 61.
3- أورده الشيخ في الخلاف 1 - 290.
4- الخلاف 1 - 290 مسألة 59.

بأن يدهم المسلمين عدو ، فإنه يجب على كل أحد دفعه ، لقولهم علیهم السلام : اغسل كل الموتى إلا من قتل بين الصفين.

وكل مقتول في غير المعركة يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه ، وإن قتل ظلما ، أو دون نفسه أو أهله أو ماله ، عند جميع علمائنا ، لقوله علیه السلام : اغسل كل الموتى إلا من قتل بين الصفين (1).

والنفساء تغسل وتكفن ويصلى عليها إجماعا. وكذا المطعون والمبطون والغريق والمهدوم عليهم ، وتسميتهم شهداء باعتبار الفضيلة ، وقد صلى النبي صلی اللّه علیه و آله على امرأة ماتت في نفاسها.

ولا فرق بين أن يقتل الشهيد بالحديد ، أو بالخشب ، أو بالصدم ، أو اللطم باليد والرجل ، عملا بإطلاق اللفظ. ولو عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بين يدي العدو ، لأنه قتل بين الصفين.

ولو وجد غريقا أو محترقا في حال القتال ، أو ميتا لا أثر فيه ، لم يغسل عند الشيخ ، لاحتمال موته بسبب من أسباب القتال. وقال ابن الجنيد : يغسل لأصالة وجوبه.

ولو حمل عليهم فتردى في بئر ، أو وقع من جبل ، أو سقط من فرسه ، أو رفسه فرس غيره ، فهو شهيد. ولو انكشف الصف عن مقتول من المسلمين لم يغسل ، وإن لم يكن به أثر.

البحث الخامس: ( في المقتول غير الشهيد )

كل مقتول غير شهيد يجب أن يغسل ويكفن ، فلو قتل اللص رجلا غسل وكفن ، سواء قتل بحديد أو غيره ، لأن عليا علیه السلام قتل بحديد وغسل ، وكذا عمر.

ص: 237


1- وسائل الشيعة 2 - 698 ح 3.

ولو قتل اللص وقاطع الطريق غسلا وكفنا ، لأن الفسق لا يمنع وجوب هذه الأحكام.

ومن وجب عليه القود أو الرجم ، يؤمر بالاغتسال والتخيط والتكفين ، ثم يقام عليه الحد ويدفن ، لأن الصادق علیه السلام قال : المرجوم والمرجومة يغسلان ويحنطان ويلبسان الكفن قبل ذلك ويصلى عليهما (1).

والمقتص منه بمنزلة ذلك يغتسل ويتحنط ويلبس الكفن ويصلى عليه. والمراد بالصلاة بعد الموت.

وإذا قتل قودا أو رجما ، لم يجب غسله ثانيا. وهل يغسل ثلاثا بالسدر والكافور والقراح أو بالأخير خاصة؟ إشكال ، أقربه الأول ، لأن الإحالة إلى المعهود ولو مسه بعد القتل لم يجب عليه الغسل لأنه متطهر بغسله السابق وهو هنا غسل الأموات.

ولو مسه بعد القتل ، لم يجب عليه الغسل ، لأنه متطهر بغسله السابق ، وإلا انتفت فائدته ، وتقديم الغسل يمنع من تجديد النجاسة بالموت ، لتحقق الطهارة به. ولا يجب بمس الشهيد الغسل لطهارته.

ولو اغتسل المقتول قودا فمات قبل القتل ، وجب أن يغسل ويكفن ثانيا ، ويجب على من مسه الغسل ، لعدم تأثير السابق في الموت حتف الأنف ، وكذا لو قتل لغير ما اغتسل له ، كما لو وجب قتله بالزنا ، فاغتسل أولا وأمر الحاكم بقتله فيه ، فحضر ولي القصاص وطالب به ، فالأقرب وجوب الاغتسال ثانيا على إشكال.

البحث السادس: ( في المحرم )

المحرم كالمحل في وجوب تغسيله ، إلا أنه لا يقرب الكافور ، ولا غيره

ص: 238


1- وسائل الشيعة 2 - 703 ب 17.

من أنواع الطيب في تغسيله ولا حنوطه ، لقوله علیه السلام : لا تقربوه طيبا ، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا (1). ولا يمنع من المخيط ولا تغطية الرأس والرجلين ، لأن محمد بن مسلم سأل الباقر والصادق علیهماالسلام عن المحرم كيف يصنع به إذا مات؟ قال : يغطي وجهه ويصنع به كما يصنع بالحلال ، غير أنه لا يقرب طيبا (2).

وقال المرتضى وابن أبي عقيل : إحرامه باق ، فلا يخمر رأسه. ويغسل كما يغسل الحلال ، ولا يكفي صب الماء عليه ، وتغطى رجلاه ووجهه. ويجوز أن يلبس المخيط ، ولو كانت امرأة ألبست القميص وخمر رأسها ولا تقرب طيبا ، ويغطى وجهها.

ولا تلحق المعتدة بالمحرم ، لأن وجوب الحداد للتفجع على الزوج وقد زال بالموت. ولا يلحق المعتكف بالمحرم وإن حرم عليه الطيب حيا.

ولا فرق بين الحج والعمرة ، ولو أفسد حجه بالجماع ، فكالمحرم الصحيح ، لمساواته له في الأحكام.

ولو مات عقيب التحلل الأول - وهو عقيب الحلق أو التقصير المحلل لما عدا الطيب والنساء ، فكالمحرم. أما لو تحلل الثاني - وهو عقيب طواف الزيارة المحلل للطيب - ففي إلحاقه بالمحرم من حيث أنه لم يحل مطلقا ، لتحريم النساء عليه ، أو بالمحلل لإباحة الطيب له حيا فكذا ميتا إشكال ، والأخير أقرب.

ص: 239


1- سنن ابن ماجة 2 - 1030.
2- وسائل الشيعة 2 - 696 ح 2.

ص: 240

الفصل الرابع: ( في تكفينه )

وفيه مطلبان :
المطلب الأول: ( في تحنيطه )

إذا فرغ من غسله نشفه بثوب لئلا تبل أكفانه ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله قال لأم سليم : فإذا فرغت منها فألقي عليها ثوبا نظيفا. وفي حديث ابن عباس أن النبي صلی اللّه علیه و آله لما غسل جففوه بثوب.

ثم ينقل إلى أكفانه المبسوطة المعدة له برفق مستورا بثوب ، فيجعل عليها مستلقيا ، لأنه أمكن لإدراجه فيها.

ثم يحنطه واجبا ، بأن يمسح مساجده السبعة بالكافور بأقل اسمه ، وأقل فضله درهم ، وأزيد منه أربعة مثاقيل ، والأكمل ثلاث عشر درهما وثلث ، لأن جبرئيل علیه السلام نزل بأربعين درهما من كافور الجنة ، فقسمه النبي صلی اللّه علیه و آله بينه وبين علي علیه السلام وفاطمة علیهاالسلام أثلاثا (1). وهل كافور الغسلة من هذه الثلاثة عشر وثلث أو لا؟ قولان.

ص: 241


1- وسائل الشيعة 2 - 730 و 731.

ولا يقوم غير الكافور مقامه ، فلا يجوز استعمال المسك وغيره ، إلا الذريرة ، لأن الميت كالمحرم.

ولو تعذر الكافور سقط الحنوط لعدم تسويغ غيره. ولا يجب استيعاب المساجد بالمسح.

المطلب الثاني: ( في تكفينه )
وفيه مباحث :
البحث الأول: ( في جنسه )

يحرم التكفين في الحرير المحض للرجال والنساء عند علمائنا ، لما فيه من إتلاف المال ، ولأن أحدا من الصحابة والتابعين لم يفعله. ولو كان سائغا لفعلوه ، لأنهم كانوا يفتخرون بجودة الأكفان ، وقد استحب الشارع تجويدها. وسأله الحسين بن راشد عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل القصب اليماني من قز وقطن هل يصلح أن يكفن فيها الموتى؟ قال : إذا كان القطن أكثر من القز فلا بأس (1) ، دل بمفهومه على التحريم مع صرافة القز.

والقصب ضرب من برود اليمن يسمى بذلك ، لأنه يصنع بالقصب ، وهو ينبت باليمن. ويحتمل عندي كراهة ذلك للمرأة ، لإباحته لها في الحياة.

ويستحب أن يكون الكفن قطنا محضا أبيض أجما ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كفن في القطن الأبيض.

وقال علیه السلام : البسوا من ثيابكم البياض ، فإنه أطهر وأطيب ، وكفنوا فيه موتاكم (2). وقول الصادق علیه السلام : الكتان كان لبني إسرائيل

ص: 242


1- وسائل الشيعة 2 - 753 ح 1 ب 23.
2- سنن ابن ماجة 2 - 1181 ، وسائل الشيعة 2 - 750.

يكفنون به ، والقطن لأمة محمد صلی اللّه علیه و آله (1).

ويكره الكتان عند علمائنا ، لقول الصادق علیه السلام : لا يكفن الميت في كتان (2). وكذا يكره الممتزج بالحرير.

ويشترط أن يكون مما يجوز فيه الصلاة ، فلا يصح التكفين في الجلود. لأنها (3) تنزع عن الشهيد ، مع أنه يدفن بجميع ما عليه ، ولا يناسب تكفين غيره بها. والأقرب جواز التكفين بالصوف والشعر والوبر ، لجواز الصلاة فيها. وفي جلود ما يؤكل لحمه إذا كان مذكى إشكال.

ويشترط فيه أيضا الطهارة إجماعا ، فلا يجوز أن يكفن في النجس ، لأنه لو لحقه نجاسة بعد التكفين وجب إزالته فقبله أولى. وأن يكون مملوكا ، فلا يجوز التكفين في المغصوب إجماعا ، لقبح التصرف في مال الغير بغير إذنه.

ويكره أن يكفن في الثياب السود إجماعا ، لأن وصف البياض بالطيب والطهور في كلامه علیه السلام يدل بمفهومه على كراهة ضده ، ولأنها ثياب مثله ، ولقول الصادق علیه السلام : لا يكفن الميت بالسواد (4). وكذا يكره تكفين الرجل والمرأة بالمعصفر وغيره.

البحث الثاني: ( في قدره )

ويجب عند أكثر علمائنا للرجل والمرأة ثلاثة أثواب : مئزر ، وقميص هو البقيرة (5) ، وإزار ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كفن في ثلاثة أثواب سحولية (6) ،

ص: 243


1- وسائل الشيعة 2 - 751 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 751 ح 2.
3- في « ق » فإنها.
4- وسائل الشيعة 2 - 751 ح 1 ب 21.
5- كذا في « ق » و « ر » وفي « س » هو القبر.
6- جامع الأصول 11 - 414.

وسحول بفتح السين مدينة باليمن والسحول بضم السين الثياب البيض. قال الصادق علیه السلام : كفن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في ثوبين سحوليين ، وثوب حبرة يمنية عبري (1).

وقال الباقر علیه السلام : الكفن المفروض ثلاثة أثواب تامة ، لا أقل منه يواري به جسده كله ، فما زاد فهو سنة حتى يبلغ خمسة ، فما زاد فمبتدع (2).

وعند بعض علمائنا الواجب لفافة تستر الميت وتعم البدن ، وما زاد مستحب للأصل.

ولو لم يوجد الثلاث ، اكتفي بما يوجد. ولو قصر الثوب عن جميعه ، ستر رأسه وجعل على رجليه حشيشا. ولو لم يكف إلا العورة ، وجب الستر بها ، لأنها أهم من غيرها ، ولا فرق بين الرجل والصبي.

ويستحب زيادة حبرة يمنية منسوبة إلى اليمن ، عبرية منسوبة إلى العبر وهو جانب الوادي ، غير مطرز بالذهب ، لأن الباقر علیه السلام قال : كفن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في ثلاثة أثواب : برد حبرة أحمر ، وثوبين أبيضين (3) ، وكفن علي علیه السلام ابن حنيف في برد أحمر (4). وكفن الحسن علیه السلام أسامة بن زيد في برد أحمر حبرة (5).

ويستحب أن يزاد الرجل فرقة لشد فخذيه طولها ثلاثة أذرع ونصف في عرض شبر إلى شبر ونصف ، ويسمى « الخامسة » يلف بها فخذاه لفا شديدا.

ويستحب للرجل أيضا العمامة تبنى عليه محنكا ، ويخرج طرفاها من الحنك ، ويلقيان على صدره ، لقول الباقر علیه السلام : أمر النبي صلی اللّه علیه و آله بالعمامة (6). وقال الصادق علیه السلام : العمامة سنّة (7). وليست

ص: 244


1- وسائل الشيعة 2 - 726 ح 4.
2- وسائل الشيعة 2 - 726 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 726 ح 3.
4- وسائل الشيعة 2 - 726 ح 3.
5- نفس المصدر.
6- وسائل الشيعة 2 - 726 ح 1.
7- نفس المصدر.

من الكفن ، فلو سرقها النباش لم يقطع وإن بلغت النصاب ، لأن القبر حرز الكفن خاصة.

فللرجل خمسة غير العمامة ، الواجب منها ثلاثة : أما المرأة فيستحب لها الخمسة أيضا ، وزيادة لفافتين أو لفافة ونمطا ، فيكون المستحب لها سبعة ، ويعوض عن العمامة بقناع.

ولا يجوز الزيادة على ذلك في الرجل والمرأة ، لما فيه من إضاعة المال المنهي عنه.

البحث الثالث: ( في الكيفية )

إذا أراد تكفينه يستحب له أن يغتسل أولا ، فإن لم يفعل استحب له أن يتوضأ ، فإن لم يتفق غسل يديه إلى ذراعيه ، لأنه استظهار في التطهير ، ولقول العبد الصالح علیه السلام : يغسل الذي غسله يديه قبل أن يكفنه إلى المنكبين ثلاث مرات ، ثم إذا كفنه اغتسل (1). وهذا الوضوء كاف عن وضوء الصلاة مع انضمام الغسل.

ثم يطيب الكفن بالذريرة ، لقول الصادق علیه السلام : وتبسط اللفافة طولا ويذر عليها من الذريرة (2).

ويستحب أن يؤخذ أحسن اللفائف (3) وأوسعها ، فتبسط أولا ليكون الظاهر للناس أحسنها ، كالحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه. ويجعل عليها حنوطا ، ثم تبسط الثانية التي تليها في الحسن (4) والسعة ، ويجعل فوقها ذريرة أيضا ، ثم ينقل الميت إليها.

ص: 245


1- وسائل الشيعة 2 - 761 ح 2.
2- وسائل الشيعة 2 - 746.
3- في « ق » اللفافين.
4- في « ف » الجنس.

ويستحب أن يكتب على الحبرة والقميص واللفافة والجريدتين أنه يشهد الشهادتين ، ويسمى الأئمة علیهم السلام واحدا واحدا ، لأن الصادق علیه السلام كتب في حاشية كفن ولده إسماعيل « يشهد أن لا إله إلا اللّه » (1). ويكون ذلك بتربة الحسين علیه السلام ، فإن تعذر فبالإصبع. ويكره أن يكتب بالسواد.

ويستحب أن يجعل بين أليتيه شيئا من القطن الخالص من جنسه ، لئلا يخرج منه شي ء ، ولا يدخل في دبره ، بل يبالغ في إدخاله بين أليتيه.

ثم يشد فخذيه بالخامسة ، يضم فخذيه ضما شديدا. ويضع على المذاكير شيئا من القطن ، ثم يخرج رأسها من تحت رجليه إلى الجانب الأيمن ، ويغمزها في الموضع الذي لف فيه الخرقة ، ويلف فخذيه من حقويه إلى ركبتيه لفا شديدا ، ثم يأخذ الإزار فيوزره به ، ويكون عريضا يبلغ من صدره إلى الرجلين ، فإن نقص عنه لم يكن به بأس.

ثم يحنط مساجده بالكافور ، فإن فضل منه شي ء ، جعله على صدره ومسحه به ، ثم يرد القميص عليه ، ويأخذ الجريدتين ويجعل إحداهما من جانبه الأيمن مع ترقوته ويلصقها بجلده ، والأخرى من الأيسر ما بين القميص والإزار.

ويعممه فيأخذ وسط العمامة فيثنيها على رأسه بالدور ، ويحنكه بها ، ويطرح طرفيها على صدره. ولا يعممه عمة الأعرابي بغير حنك. ثم يلفه في اللفافة فيطوي جانبها الأيسر على جانبه الأيمن ، وجانبها الأيمن على جانبه الأيسر. ثم يصنع بالحبرة أيضا مثل ذلك ، ولو لم يوجد حبرة استحب التعويض بلفافة أخرى ، ويعقد طرفيها مما يلي رأسه ورجليه.

والواجب من ذلك أن يوزره ، ثم يلبسه قميصه ، ثم يلفه بالإزار.

ص: 246


1- وسائل الشيعة 2 - 757 ح 1.
البحث الرابع: ( في محل الكفن )

محل كفن الرجل تركته إجماعا ، ويقدم الواجب على جميع الديون والوصايا ، لقول الصادق علیه السلام : ثمن الكفن من جميع المال (1). مقدم على جميع الديون والوصايا ، ولو ضاقت التركة قدم الكفن وضاع الدين.

ولو لم يخلف شيئا أصلا ، لم يجب على أحد بذل الكفن عنه ، قريبا كان أو بعيدا ، سواء وجبت النفقة عليه في حياته أو لا ، للبراءة الأصلية ويدفن عريانا. ولو كان في بيت المال فضل ، كفن منه.

وكذا الماء والكافور والسدر إلا المملوك ، لكن يستحب استحبابا مؤكدا.

وأما المرأة فإن كان لها زوج كان كفنها عليه ، عند جميع علمائنا ، سواء كانت موسرة أو معسرة ، لقول علي علیه السلام : على الزوج كفن امرأته إذا ماتت (2).

وأما المملوك ، فيجب على مولاه بالإجماع ، لاستمرار حكم رقبته إلى الوفاة.

وإنما يخرج من صلب التركة الكفن الواجب ، وهو القميص والإزار واللفافة خاصة بأدون ثمن يكون ، ولا فرق بين أن يوصي به أو لا. أما الزائد على الواجب ، فإن اتفق الورثة عليه ولا دين ، أو كان ووافق صاحبه ، أو كان فاضلا عنه ، أو أوصى به ، وهو يخرج من الثلث أخرج.

ولو تشاح الورثة ولا وصية ، أو ضاق الثلث عنه ، اقتصر على ما يحتمله الثلث.

ولو أوصى بإسقاط الزائد على الواجب ، نفدت وصيته.

ص: 247


1- وسائل الشيعة 2 - 758 ب 31.
2- وسائل الشيعة 2 - 759 ح 1.

ولو أوصى بإخراج الكفن من عين فتعذرت ، فإن لم ترد الوصية على الواجب ، أخرج من غيرها وكانت العين ميراثا. ولو زادت وهو يخرج من الثلث ، أخرج الواجب من غيرها ، وسقط الزائد مطلقا.

ولو أوصت الزوجة بالكفن ، صحت من الثلث في الواجب وغيره ، لأنه ينزع منها. ولو كان الزوج فقيرا لا يزيد ما معه عن قوت يوم وكانت موسرة ، أخرج الكفن من تركتها. ولو ملك ما يقصر عن الواجب ، أخرج منه قدر ما معه والباقي من تركتها.

ولا فرق بين أن تكون الزوجة صغيرة أو كبيرة ، مدخولا (1) بها أو لا ، حرة أو أمة.

أما غير الكفن من ماء الغسل والسدر والكافور ، فالأقرب أنه على الزوج أيضا.

البحث الخامس: ( في بقايا مسائله )

الأول : إذا أخذ السيل الميت ، أو أكله السبع وبقي الكفن ، كان للورثة دون غيرهم ، لأن الميت لا يملك شيئا ، وهذا عين تركته. ولو تبرع أجنبي به ، فالأولى أنه للورثة أيضا.

الثاني : يستحب الجريدتان من النخل مع جميع الأموات ، لقوله علیه السلام : خضروا صاحبكم (2) ، أي اجعلوا معه جريدة خضراء. وقول الصادق علیه السلام : يوضع للميت جريدة في اليمين والأخرى في اليسار ، فإن الجريدة تنفع المؤمن والكافر (3).

ص: 248


1- في « ق » دخل.
2- وسائل الشيعة 2 - 739 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 737 ح 6.

ولو كان هناك تقية ولم يتمكن من وضعها في الكفن ، طرحت في القبر. فإن لم يقدر ، دفن بغير جريدة.

ويستحب أن يكونا رطبتين ، لأن القصد استدفاع العذاب ما دامت رطبة ، قيل للصادق علیه السلام : لأي شي ء يكون مع الميت جريدة؟ قال : يتجافى عنه العذاب ما دامت رطبة (1).

ويستحب أن يكون من النخل ، فإن تعذر فمن السدر ، فإن تعذر فمن شجر رطب. ويكون قدر كل واحدة قدر عظم الذراع.

الثالث : يكره تجمير الأكفان ، لعدم الأمر به ، ولقول الصادق علیه السلام : لا تجمروا الأكفان ، ولا تمسوا موتاكم بالطيب إلا بالكافور ، فإن الميت بمنزلة المحرم (2).

الرابع : يستحب سحق الكافور باليد. ولا ينبغي أن يكون فيه شي ء من المسك والعنبر. ويكون من الجيد الخالص لا المغشوش بالنار.

الخامس : يكره أن يوضع شي ء من الكافور والمسك والقطن في سمع الميت وبصره وفيه وجرحه النافذ ، إلا أن يخاف خروج شي ء منها ، فيوضع عليه القطن عند علمائنا ، لأن ذلك يفسدها فتجتنب. وقال الصادق علیه السلام : لا تجعل في مسامع الميت حنوطا (3).

السادس : يكره قطع الكفن بالحديد ، قال الشيخ : سمعناه مذاكرة من الشيوخ وعليه كان عملهم ، ولا بد له من أصل ، وكذا بل الخيوط التي يخاط بها الكفن بالريق.

السابع : يكره أن يعمل لما يبتدئ من الأكفان أكمام ، ولو كفن في قميص كان يلبسه لم يقطع كمه وكان جائزا. وسئل الصادق علیه السلام الرجل

ص: 249


1- وسائل الشيعة 2 - 736 ح 4.
2- وسائل الشيعة 2 - 734 ح 5.
3- وسائل الشيعة 2 - 747 ح 4.

يكون له قميص أيكفن فيه؟ فقال : اقطع أزراره قلت : وكمه؟ قال : لا إنما ذلك إذا قطع له وهو جديد لم يجعل له كما. فأما إذا كان ثوبا لبيسا فلا يقطع منه إلا أزراره (1).

الثامن : إذا سقط من الميت شي ء ، غسل وجعل معه في أكفانه إجماعا ، لأولوية جميع أجزاء الميت في موضع واحد.

التاسع : الشهيد لا يكفن كما لا يغسل ، بل يدفن بثيابه ، ولو جرد كفن ولا يدفن عريانا.

ص: 250


1- وسائل الشيعة 2 - 756 ح 2 ب 28.

الفصل الخامس: ( في الصلاة عليه )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( المحل )

يجب الصلاة على كل ميت مسلم ، ومن هو بحكمه إذا بلغ ست سنين خاصة وصدره ، شهيد وغيره.

فلا يجوز الصلاة على الكافر ذميا كان أو مرتدا أو غيرهما بإجماع العلماء ، ولقوله تعالى ( وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ) (1) ولا يجب على المسلمين تكفينه ولا دفنه ولا غسله وإن كان ذميا ، لأن الذمة قد انتهت بالموت.

والصبي من أولاد المسلمين إن بلغ ست سنين وجبت الصلاة عليه ، لأنه الحد الذي يؤمر معه بالصلاة.

ولا يجب لو نقص سنه عن ذلك للأصل ، ولأن الصلاة على الميت استغفار وشفاعة ، فلا معنى للشفاعة فيمن لا يؤمر بالصلاة وجوبا ولا ندبا. وسئل الصادق علیه السلام متى تجب عليه؟ قال : إذا كان ابن ست سنين (2).

ص: 251


1- سورة التوبة : 84.
2- وسائل الشيعة 2 - 787 ح 1.

نعم تستحب الصلاة عليه ، لقول الكاظم : يصلي على الصبي على كل حال ، إلا أن يسقط لغير تمام (1).

ولو خرج بعضه واستهل ، ثم مات ، استحب الصلاة عليه وإن كان الخارج أقله ، لحصول الشرط وهو الاستهلال.

ولا تستحب الصلاة على السقط.

ولو وجد ميت لا يعلم كفره ولا إسلامه ، فإن كان في دار الإسلام ألحق بالمسلمين ، وإلا فبالكفار.

ولو امتزج أموات المسلمين بأموات الكفار ، صلي عليهم جميعا بنية إفراد الصلاة على المسلمين خاصة. ويجوز أن يصلى على كل واحد واحد بنية الصلاة عليه إن كان مسلما ، سواء كان المسلمون أكثر أو أقل.

يصلى على كل مظهر للشهادتين من سائر فرق الإسلام. ولا يصلى على أطفال المشركين ، لإلحاقهم بآبائهم.

ولا تجب الصلاة على كل من اعتقد ما يعلم بطلانه من الدين كالخوارج والغلاة. وتجب على الفاسق ، لقوله علیه السلام : صلوا على كل بر وفاجر (2).

ويشترط حضور الميت عند جميع علمائنا ، فلا يجوز الصلاة على الغائب عن البلد ، وإلا لصلي على النبي صلی اللّه علیه و آله في الأمصار ، وكذا الأعيان من الصحابة ، ولو فعل ذلك لاشتهر وتواترت مشروعيته ، ولأن حضور الجنازة شرط كما لو كانت في البلد.

وصلاة النبي صلی اللّه علیه و آله على النجاشي إما بمعنى الدعاء له ، أو أن الأرض زويت له فأرى الجنازة ، ويؤيد الأول ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم

ص: 252


1- وسائل الشيعة 2 - 789 ح 4.
2- سنن ابن ماجة 1 - 488 ما يشبه ذلك.

قلت له : فالنجاشي لم صلى عليه النبي صلی اللّه علیه و آله فقال : لا إنما دعا له (1).

وليس ظهوره شرطا ، فلو دفن قبل الصلاة عليه صلى على القبر ولم ينبش إجماعا. والعاري يترك في القبر وتستر عورته بالتراب ، ثم يصلى عليه ثم يدفن.

وإذا دفن الميت قبل الصلاة عليه ، صلي على قبره ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى على قبر مسكينة دفن ليلا (2). وصلى على قبر رجل كان يقيم بالمسجد دفن ليلا.

واختلف في تقدير الصلاة على القبر ، فقال بعض علمائنا : يصلى عليه يوما وليلة لا أزيد. وقال آخرون : إلى ثلاثة أيام ، ولا يجوز الصلاة بعدها ، لقول الكاظم علیه السلام : لا يصلى على المدفون (3). خرج ما قدرناه بالإجماع ، فيبقى الباقي على المنع.

ولا يصلى على المدفون إذا كان قد صلي عليه قبل دفنه ، عند جميع علمائنا. ولو دفن بغير صلاة ، ثم قلع صلي عليه مطلقا.

ويصلى على الشهيد عند جميع علمائنا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله خرج يوما صلى على أهل أحد صلاته على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر. وقال ابن عباس : إن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى على قتلى أحد ، وكان يقدمهم تسعة تسعة وحمزة عاشرهم (4). وقال الصادق علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كفن حمزة في ثيابه ولم يغسله ، ولكنه صلى عليه (5).

ويصلى على المقتول ظلما ، أو دون ماله أو نفسه أو أهله ، عند جميع

ص: 253


1- وسائل الشيعة 2 - 795 ح 5.
2- جامع الأصول 7 - 155.
3- وسائل الشيعة 2 - 795 ح 8.
4- سنن ابن ماجة 1 - 485.
5- وسائل الشيعة 2 - 700 ح 9.

علمائنا ، لعموم « صلوا على من قال لا إله إلا اللّه » (1).

ويصلى على الصدر والقلب ، أو الصدر وحده عند جميع علمائنا ، لأن الصلاة تثبت لحرمة النفس ، والقلب محل الأعراض النفسانية ، ومنه ينبت الشرايين السارية في البدن ، وهو الرئيس على جميع الأعضاء ، فكأنه الإنسان حقيقة ، ولقول الكاظم علیه السلام في الرجل يأكله السبع ، فيبقى عظامه بغير لحم ، قال : يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن (2).

فإذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب. ولا فرق بين الرأس وغيره من الأعضاء.

ولو وجد الصدر بعد دفن الميت ، غسل وصلي عليه ودفن.

ولو أبينت القطعة من حي في المعركة ، دفن من غير غسل ولا صلاة. وإن كان فيها عظم ، لأنها من جملة لا يغسل على إشكال ، ينشأ من اختصاص الشهادة بالجملة.

والمرجوم يصلى عليه بعد قتله. وكذا المرجومة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله رجم الغامدية وصلى عليها ، فقال عمر : ترجمها وتصلي عليها؟ فقال : لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو سعتهم (3). ويصلي الإمام وغيره.

ويصلى على ولد الزنا إجماعا ، لأنه مسلم فيندرج تحت العموم. ويصلى أيضا على النفساء ، وعلى كل مسلم وإن كان تاركا للصلاة ، أو منع زكاة ماله. وعلى الغالي وهو الذي يكتم غنيمته أو بعضها ليأخذه لنفسه. وكذا قاتل نفسه عمدا.

ولا فرق في وجوب الصلاة بين الذكر والأنثى ، والحر والعبد ، والفاسق

ص: 254


1- الخلاف 1 - 390.
2- وسائل الشيعة 2 - 815 ح 1.
3- جامع الأصول 4 - 282.

والعدل ، لأن هشام بن سالم سأل الصادق علیه السلام عن شارب الخمر والزاني والسارق يصلى عليهم إذا ماتوا؟ فقال : نعم (1).

المطلب الثاني: ( في المصلي )

أولى الناس بالصلاة أولاهم بالميراث ، لقوله تعالى ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ ) (2) وهو أولى من الوصي إذا أوصى إليه الميت بالصلاة عليه ، للآية ، ولأنها ولاية يترتب العصبات ، فكان الولي أولى ، كولاية النكاح. وقول الصادق علیه السلام : يصلي على الجنازة أولى الناس بها ، أو يأمر من يحب (3). وهو أولى من الوالي للآية والخبر.

نعم إمام الأصل أولى من كل أحد. ويجب على الولي تقديمه ، لأن عليا علیه السلام قال : الإمام من صلى على الجنازة. وقال علیه السلام : إذا حضر سلطان اللّه جنازة ، فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه ولي الميت وإلا فهو غاصب (4).

ولو لم يقدمه الولي ، فالأولى أن له التقدم ، لأن له من الولاية ما كان للنبي صلی اللّه علیه و آله ، وقد قال اللّه تعالى ( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (5) ويحتمل المنع ، لما تقدم من حديث علي علیه السلام .

وإذا تعدد الأولياء كان الأب أولى من الجد ، لأنه الوارث له دونه ، ومن الولد وإن شاركه ، لأنه أرق وأشفق عليه ، فدعاؤه لابنه أقرب إلى الإجابة. والجد للأب أولى من الأخ للأبوين. والابن وإن نزل أولى من الجد ، لأنه أحق

ص: 255


1- وسائل الشيعة 2 - 814 ح 1.
2- سورة الأحزاب : 6.
3- وسائل الشيعة 2 - 801 ح 1 و 2.
4- وسائل الشيعة 2 - 801 ح 4.
5- سورة الأحزاب : 6.

بالميراث منه. والأكثر نصيبا أولى ، كالعم أولى من الخال ، والأخ للأب أولى من الأخ للأم.

ولو عدم العصبات ، احتمل تقديم المعتق ، لقوله علیه السلام : الولاية لحمة كلحمة النسب (1) ، ولأنه أحق بالميراث.

والزوج أولى من كل أحد ، لأن الصادق علیه السلام سئل عن المرأة تموت من أحق بالصلاة عليها؟ قال : زوجها ، قلت : الزوج أحق من الأب والولد والأخ؟ قال : نعم (2).

وإنما يتقدم الولي إذا كان بشرائط الإمامة ، وقد تقدمت في الجماعة. فإن لم يستكملها استناب ، فمن قدمه فهو بمنزلته. وليس للنائب أن يستنيب ، لاختصاصه باعتقاد إجابة دعائه.

وينبغي للولي أن يقدم الهاشمي ، مع اجتماع الشرائط ، لقوله علیه السلام : قدموا قريشا ولا تقدموها (3) ، وليس له التقدم بدون إذن الولي إجماعا.

والحر البعيد أولى من العبد القريب. والفقيه العبد أولى من غيره الحر. فإن اجتمع صبي ومملوك ونساء ، فالمملوك أولى لصحة إمامته.

وإذا ازدحم الأولياء قدم الأقرأ ، فالأفقه ، فالأسن كالمكتوبة ، لعموم قوله علیه السلام يؤمكم أقرؤكم (4). فإن تساووا وتشاحوا أقرع ، لتساوي حقوقهم.

ولو لم يكن معه إلا نساء ، صلين عليه جماعة ، تقف إمامتهن وسطهن من غير بروز ، لأنهن من أهل الجماعة ، وكان لهن الجماعة هنا كالرجال. وصلى

ص: 256


1- صحيح مسلم 2 - 1144 ما يشبه ذلك.
2- وسائل الشيعة 2 - 802 ح 1 و 2.
3- كنز العمال 6 - 198.
4- جامع الأصول 6 - 376.

أزواج النبي صلی اللّه علیه و آله على سعد بن أبي وقاص (1). وسئل الباقر علیه السلام المرأة تؤم النساء؟ قال : لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها ، تقوم وسطهن وتكبّر ويكبّرن (2).

ويجوز للشابة أن تخرج إلى الجنازة على كراهية ، لما فيه من الافتتان ، وقال الصادق علیه السلام : ليس ينبغي للشابة أن تخرج إلى الجنازة تصلي عليها ، إلا أن تكون امرأة دخلت في السن (3).

وإذا صلت المرأة على الميت ، سقط الفرض عن الرجال ، وإن كانت حال اختيار. وكذا لو صلى الفاسق منفردا ، لأنه فرض كفاية قام به من يصح إيقاعه منه ، فتسقط عن الباقين. أما الصبي فلا يسقط الفرض بصلاته ، وإن كان مراهقا.

وإذا صلى العراة ، وقفوا صفا كالنساء ، ويقف إمامهم وسطهم ، ولا يتقدمهم لئلا تبدو عورته.

وجامع الشرائط ليس له التقدم إلا بإذن الولي المكلف ، وإن لم يكن جامعا لها ، لأنه حق له ليس لأحد مزاحمته فيه. ولو لم يكن هناك ولي يقدم بعض المؤمنين.

وإذا اجتمع جنائز وتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم ، قدم أولاهم بالإمامة في الفرائض. ويحتمل تقديم من سبق ميته. ولو أراد ولي كل ميت إفراد ميته بصلاته جاز إجماعا.

ص: 257


1- جامع الأصول. 153.
2- وسائل الشيعة 2 - 803 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 818 ح 3.
المطلب الثالث: ( في الكيفية )
وفيه مباحث :
البحث الأول: ( في المقدمات المستحبة )

يستحب تشييع الجنائز بالإجماع ، وقد أمر النبي صلی اللّه علیه و آله به وحث عليه (1). قال الباقر علیه السلام : من شيع جنازة امرئ مسلم أعطي يوم القيامة أربع شفاعات ، ولم يقل شيئا إلا قال الملك : ولك مثل ذلك (2).

ومراتبه ثلاث :

الأول : أن يصلي وينصرف.

الثاني : أفضل منه أن يتبعها إلى القبر ، ثم يقف حتى يدفن ، لقول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ، ومن شهد حتى يدفن كان له قيراطان ، قيل : وما القيراطان؟ قال : مثل الجبلين العظيمين (3).

الثالث : أن يقف بعد الدفن فيستغفر له ويدعو له بالرحمة ويسأل له التثبيت ، لأنه علیه السلام كان إذا دفن ميتا وقف فقال : استغفروا له واسألوا اللّه له التثبيت ، فإنه الآن يسئل (4). قال علي علیه السلام : من تبع جنازة كتب له أربع قراريط : قيراط لاتباعه إياها ، وقيراط للصلاة عليها ، وقيراط للانتظار حتى يفرغ من دفنها ، وقيراط للتعزية (5).

ص: 258


1- جامع الأصول 11 - 418.
2- وسائل الشيعة 2 - 820 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 823.
4- جامع الأصول 11 - 436.
5- وسائل الشيعة 2 - 822 ح 1.

ويستحب لمشيع الجنازة أن يكون متخشعا متفكرا في حاله ، متعظا بالموت وبما يصير إليه الميت ، ولا يتحدث بشي ء ، من أحوال الدنيا ، ولا يضحك.

وأن يكون ماشيا خلف الجنازة ، متبعا لها أو إلى أحد جانبيها من غير تقدم عليها ، لأن المستحب التشييع والمشيع متأخر ، ولأنها متبوعة فكانت متقدمة. وسأل أبو سعيد الخدري أمير المؤمنين علیه السلام فقال : أخبرني يا أبا الحسن عن المشي مع الجنازة؟ فقال : فضل الماشي خلفها على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على المتطوع ، فقلت : أتقول هذا برأيك أم سمعته من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ؟ فقال : بل سمعته من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله (1).

وقال الباقر علیه السلام : المشي خلف الجنازة أفضل من بين يديها (2).

وإذا رأى مع الجنازة منكرا ، أنكره إن تمكن. فإن لم يقدر على إزالته ، لم يمتنع لأجله من الصلاة عليه ، لسقوط الإنكار مع العجز ، فلا يسقط الواجب ، قال زرارة : حضرت في جنازة فصرخت صارخة ، فقال عطاء : لتسكتن أو أرجع ، فلم تسكت فرجع ، فقلت ذلك للباقر علیه السلام فقال : امض بنا فلو أنا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم (3).

ويجوز للمشيع أن يجلس إذا تبع الجنازة قبل أن توضع في اللحد من غير كراهة ، للأصل ، ولقول علي علیه السلام : قام رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وأمر بالقيام ، ثم جلس وأمر بالجلوس (4).

وقال عبادة بن الصامت : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد ، فاعترض بعض اليهود وقال : إنا لنفعل

ص: 259


1- بحار الأنوار 81 - 284.
2- وسائل الشيعة 2 - 824 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 818 ح 1.
4- جامع الأصول 11 - 426.

ذلك ، فجلس وقال : خالفوهم (1).

ويستحب لمن رأى جنازة أن يقول : « الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم ».

ويستحب تربيع الجنازة ، وهو حملها من جوانبها الأربع عند جميع علمائنا ، لقول الصادق علیه السلام : يبدأ في الحمل من الجانب الأيمن ، ثم يمر عليه من خلفه إلى الجانب الآخر ، حتى يرجع إلى المقدم ، كذلك دور الرحى (2).

وينبغي أن يبدأ بمقدم السرير الأيمن ، ثم يمر عليه إلى مؤخره ، ثم بمؤخر السرير الأيسر ويمر عليه إلى مقدمه.

وينبغي أن يمشي بالجنازة وسطا بغير إسراع ، لقوله علیه السلام : عليكم بالقصد في جنائزكم ، ولأنه قد ورد : من مشى خلف جنازة كتب له بكل خطوة قيراطا من الأجر (3).

البحث الثاني: ( في المكروهات )
اشارة

يكره الركوب خلف الجنازة مع القدرة على المشي ، لأنه علیه السلام خرج في جنازة ، فرأى ناسا ركبانا ، فقال : ألا تستحيون أن ملائكة اللّه على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب (4). وقال الصادق علیه السلام : خرج رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في جنازة يمشي ، فقال بعض أصحابه : ألا تركب؟فقال : إني أكره أن أركب والملائكة يمشون (5).

ولو احتاج إلى الركوب ، زالت الكراهة إجماعا. والكراهة إنما تثبت في

ص: 260


1- جامع الأصول 11 - 423.
2- وسائل الشيعة 2 - 830 ح 5.
3- وسائل الشيعة 2 - 821 ح 6.
4- وسائل الشيعة 2 - 827 ح 3 ، جامع الأصول 11 - 420 - 421.
5- وسائل الشيعة 2 - 827 ح 1 ، جامع الأصول 11 - 421.

التشييع لا في العود ، لأن عليا علیه السلام كره أن يركب الرجل مع الجنازة في بدائه إلا من عذر ، وقال : يركب إذا رجع (1).

ويكره إتباع الميت بنار إجماعا ، ولقول الصادق علیه السلام : إن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى أن يتبع الجنازة بمجمرة (2).

ولو اتفق الدفن ليلا واحتيج إلى المصباح جاز إجماعا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج. وسئل الصادق علیه السلام عن ذلك؟ فقال : إن ابنة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أخرج بها ليلا ومعها مصابيح (3).

ويكره اتباع النساء الجنائز ، لقول أم عطية : نهينا عن اتباع الجنائز (4). ولأنه مناف للستر ، ولأنه علیه السلام خرج فإذا نسوة جلوس ، فقال : ما يجلسكن؟ فقلن : ننتظر الجنازة ، قال : هل تغسلن؟ قلن : لا ، قال : هل تحملن؟ قلن : لا ، قال : هل تدلين فيمن يدلي؟ قلن : لا قال : فارجعن مأزورات غير مأجورات (5).

ولا يستحب لمن مرت به الجنازة القيام ، لذمي كانت أو لمسلم ، لأن زرارة قال : مرت جنازة فقام الأنصاري ولم يقم الباقر علیه السلام ، فقال له : ما ذا أقامك؟ فقال : رأيت الحسين بن علي يفعل ذلك ، فقال الباقر علیه السلام : واللّه ما فعل ذلك الحسين ولا قام لها أحد منا أهل البيت قط ، فقال الأنصاري : شككتني أصلحك اللّه وقد كنت أظن أني رأيت (6).

ص: 261


1- وسائل الشيعة 2 - 827 ح 2.
2- وسائل الشيعة 2 - 734 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 832 ح 4.
4- جامع الأصول 11 - 420 ، سنن ابن ماجة 1 - 502.
5- سنن ابن ماجة 1 - 502 - 503.
6- وسائل الشيعة 2 - 839 ح 1.
تتمة :

يجب تقديم الغسل والتكفين على الصلاة على الميت ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كذا فعل ، وقال الصادق علیه السلام : لا يصلى على الميت بعد ما يدفن ولا يصلى عليه وهو عريان (1).

البحث الثالث: ( في واجبات الصلاة )

القيام شرط في الصلاة مع القدرة ، فلا تجوز الصلاة قاعدا ولا راكبا مع الاختيار ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى دائما قائما ، وقال : صلوا كما رأيتموني أصلي (2).

ويجب أن يقف المصلي وراء الجنازة مستقبل القبلة ورأس الميت على يمينه غير متباعد عنها كثيرا.

وتجب النية ، لأنها عبادة فلا بد فيها منها. والتكبير خمس مرات بينها أربعة أدعية عند علمائنا كافة ، لأن زيد بن أرقم كبّر على جنازة خمسا ، وقال : كان النبي صلی اللّه علیه و آله يكبرها (3). وعن حذيفة أن النبي صلی اللّه علیه و آله فعل ذلك. وكبّر علي علیه السلام على سهل بن حنيف خمسا (4). وقال الباقر علیه السلام : كبّر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله خمسا (5).

وروى الصدوق في العلل : أن اللّه عز وجل فرض على الناس خمس صلوات ، فجعل للميت من كل صلاة تكبيرة (6). وفي أخرى : أن اللّه تعالى فرض

ص: 262


1- وسائل الشيعة 2 - 795 ح 8.
2- جامع الأصول 6 - 374.
3- جامع الأصول 7 - 143.
4- وسائل الشيعة 2 - 777 ح 1.
5- وسائل الشيعة 2 - 773 ح 8.
6- وسائل الشيعة 2 - 774 ح 14.

على الناس خمس فرائض : الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، والولاية ، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة (1).

ولا ينبغي الزيادة ، لأنها كيفية شرعية ، فتقف على مورده. وما روي عن النبي صلی اللّه علیه و آله أنه كبّر على حمزة سبعين (2) ، وعن علي علیه السلام أنه كبّر على سهل بن حنيف خمسا وعشرين (3) ، إنما كان في صلوات متعددة.

قال الباقر علیه السلام ، كان إذا أدركه الناس قالوا : يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل بن حنيف ، فيضعه فيكبّر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات (4).

ولو كبّر الإمام أكثر من خمس لم يتابعه المأموم ، لأنها زيادة غير مسنونة.

ويجب الدعاء عقيب الأربع الأول بين كل تكبيرتين على الأقوى ، لأن القصد الدعاء. فلو لم يكن واجبا لم تجب الصلاة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله كذا فعل.

ويجب أن يدعو عقيب الأولى بأن يشهد الشهادتين ، ثم عقيب الثانية بأن يصلي على النبي وآله علیهم السلام ، ثم عقيب الثالثة بالدعاء للمؤمنين ، ثم عقيب الرابعة بالدعاء للميت ، ثم ينصرف عقيب الخامسة. لقول الصادق علیه السلام : كان رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله إذا صلى على ميت كبّر وتشهد ، ثم كبّر وصلى على الأنبياء ودعا ، ثم كبّر ودعا للمؤمنين ، ثم كبّر الرابعة ودعا للميت ، ثم كبّر وانصرف (5).

ص: 263


1- وسائل الشيعة 2 - 775 ح 16.
2- وسائل الشيعة 2 - 777 ح 3 و 5 و 6.
3- وسائل الشيعة 2 - 777 ح 1 و 5.
4- وسائل الشيعة 2 - 778 ح 5.
5- وسائل الشيعة 2 - 763 ح 1.
البحث الرابع: ( في المستحبات )

ويستحب أمور :

الأول : الطهارة ، وليست شرطا عند علمائنا كافة ، بل يجوز للمحدث والجنب والحائض أن يصلوا على الجنائز ، مع وجود الماء والتراب والتمكن منهما ، لأن الغاية الكلية الدعاء للميت ، والطهارة ليست شرطا فيه.

ولقول الصادق علیه السلام وقد سأله يونس بن يعقوب عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء؟ : نعم إنما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل ، كما تكبّر وتسبح في بيتك على غير وضوء (1). وسأله محمد بن مسلم عن الحائض تصلي على الجنازة؟ قال : نعم (2).

لكن تستحب ، لأن عبد الحميد سأل الكاظم علیه السلام أيجزيني أن أصلي على الجنازة وأنا على غير وضوء؟ فقال : تكون على طهر أحب إليّ (3).

ويجوز التيمم مع وجود الماء ، وهو أقل فضلا من الطهارة ، لأن الطهارة ليست شرطا ، ولأن سماعة سأله عن رجل مرت به جنازة وهو على غير طهر ، قال : يضرب يديه على حائط لين فيتيمم (4). ولا يجوز أن يدخل بهذا التيمم في شي ء من الصلاة المفروضة والمندوبة ، فقد الماء أو لا.

الثاني : تستحب الجماعة ، وليست شرطا إجماعا ، وتستحب للنساء أن يصلين جماعة ، ولو كن مع الرجال تأخرن مؤتمات بهن. وهل يحرم التقدم على الرجال؟ أو المقارنة لو قلنا به في الفريضة؟ إشكال.

ولو كان فيهن حائض انفردت وحدها بصف ، والأولى إلحاق النفساء بها دون المستحاضة. ولو تعددت فالأولى اجتماعهن في صف منفرد عن الباقيات.

ص: 264


1- وسائل الشيعة 2 - 799 ح 3.
2- وسائل الشيعة 2 - 800 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 798 ح 2.
4- وسائل الشيعة 2 - 799 ح 5.

الثالث : تستحب كثرة المصلي وليست شرطا ، بل يجزي الواحد وإن كان امرأة ، لأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة ، فلم يكن من شرطها العدد كغيرها.

الرابع : يستحب أن يتحفى المصلي إن كان عليه نعل ، لما فيه من الاتعاظ والخشوع ، ولقوله علیه السلام : من أغبرت قدماه في سبيل اللّه حرمهما اللّه على النار.

الخامس : يستحب وقوف الإمام عند وسط الرجل وصدر المرأة ، لقول علي علیه السلام : من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها ويكون مما يلي صدرها ، وإذا صلى على الرجل فليقم في وسطه (1). ولأنه أبعد عن محارمها فكان أولى.

السادس : يستحب جعل الرجل مما يلي الإمام ، والمرأة مما يلي القبلة لو اجتمعا إجماعا ، لأن أم كلثوم وابنها وضعا كذلك (2). ولقول أحدهما علیهماالسلام : الرجل مما يلي الإمام (3). ولأن الرجل يكون إماما في جميع الصلوات ، فكذا هنا.

ولو كان كلهم رجالا ، استحب تقديم الأفضل إلى الإمام. ولو كان مع الرجل والمرأة صبي له ست سنين فصاعدا ، جعل مما يلي الرجل والمرأة وراءه ، ولو كان أقل أخر عن المرأة ، لعدم وجوب الصلاة عليه فأخر.

ولو كان معهم عبد وخنثى ، جعل الرجل مما يلي الإمام ، ثم العبد ، ثم الخنثى ، ثم المرأة ، ثم الصبي.

السابع : يستحب رفع اليدين في أول تكبيرة إجماعا ، واختلف في البواقي ، فالأقوى عندي كذلك ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله كان يرفع يديه في كل تكبيرة (4). وصلى الصادق علیه السلام على جنازة فكبّر خمسا ،

ص: 265


1- وسائل الشيعة 2 - 805 ح 1 ب 27.
2- جامع الأصول 7 - 151.
3- وسائل الشيعة 2 - 810 ح 10.
4- جامع الأصول 7 - 143.

ويرفع يديه مع كل تكبيرة (1).

الثامن : تستحب الصلاة في الأمكنة المعتادة. ويجوز أن يصلي في المساجد ، والأولى تجنبه إلا بمكة ، لقوله علیه السلام من صلى على جنازة في المسجد فلا شي ء له (2).

وقال أبو بكر بن عيسى بن أحمد العلوي : كنت في المسجد فجي ء بجنازة ، فأردت أن أصلي عليها ، فجاء الكاظم علیه السلام ، فوضع مرفقه في صدري وجعل يدفعني حتى أخرجني من المسجد ، ثم قال : يا أبا بكر إن الجنائز لا يصلى عليها في المسجد (3). وليس للتحريم ، لأن الصادق علیه السلام سئل يصلى على الميت في المسجد؟ فقال : نعم (4).

البحث الخامس: ( في اللواحق )

وهي :

الأول : إذا صلوا جماعة ، استحب أن يتقدم الإمام إن كان رجلا غير عريان (5) ، ويقف المأمومون خلفه صفوفا ، وأقل الفضل ثلاثة صفوف.

ولو كانا اثنين وقف الآخر خلفه ، بخلاف الجماعة ، ولا يقف على يمينه ، لقول الصادق علیه السلام في الاثنين : يقوم الإمام وحده والآخر خلفه ولا يقوم إلى جنبه (6).

وأفضل الصفوف هنا آخرها ، لقول الصادق علیه السلام : قال رسول

ص: 266


1- وسائل الشيعة 2 - 785 ح 1.
2- جامع الأصول 7 - 154.
3- وسائل الشيعة 2 - 807 ح 2.
4- وسائل الشيعة 2 - 806 ح 1 ب 30.
5- في « س » و « ر » عار.
6- وسائل الشيعة 2 - 805 ح 1.

اللّه صلی اللّه علیه و آله : خير الصفوف في الصلاة المقدم ، وفي الجنائز المؤخر ، قيل : ولم؟ قال : صار سترة للنساء (1). ويستحب تسوية الصفوف.

الثاني : لو اجتمعت جنائز الرجال ، جعل رأس الأبعد عند ورك الأقرب وهكذا صفا مدرجا ، ثم يقف الإمام وسط الصف للرواية (2). ويحتمل التسوية.

ولو اجتمع الرجل والمرأة جعل رأس المرأة عند وسط الرجل ، ليقف الإمام موضع الفضيلة فيهما.

والأفضل تعدد الصلوات بتعدد الجنائز ، لأن القصد بالتخصيص أولى منه بالتعميم ، فإن كان هناك عجلة ، أو خيف على الأموات ، صلى على الجميع صلاة واحدة. وإذا تعددت الصلاة ، فالأولى تقديم من يخاف عليه ثم الأفضل.

ولو اختلفوا في الحكم ، فكان بعضهم ممن يجب الصلاة عليه والباقي لا يجب ، لم يجمعهم بنية متحدة الوجه ، لتضادهما.

الثالث : يكبّر على المخالف أربع تكبيرات ، لاعتقاده الاكتفاء بذلك.

الرابع : لا قراءة في الصلاة عند علمائنا كافة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لم يوقت فيها قولا ولا قراءة (3). وقال الباقر علیه السلام : ليس في الصلاة على الميت قراءة ولا دعاء موقت (4) ، ولأن ما لا ركوع فيه لا قراءة فيه كسجود التلاوة.

ولا يستحب دعاء الاستفتاح ، لاستحباب التخفيف في هذه الصلاة. ولا التعوذ ، لانتفاء سببه وهو القراءة ، ويستحب الإسرار بالدعاء ، لأنه أبعد من الرياء وأقرب إلى القبول.

ص: 267


1- وسائل الشيعة 2 - 806 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 810.
3- جامع الأصول 7 - 145.
4- وسائل الشيعة 2 - 783 ح 1.

الخامس : لا تسليم في هذه الصلاة ، بل يكبّر للخامسة وينصرف ، وهو يقول : عفوك عفوك. عند جميع علمائنا ، لقول ابن مسعود : لم يوقت رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله في صلاة الميت قولا. وقول الباقر والصادق علیهماالسلام : ليس في الصلاة على الميت تسليم (1) ، ولأنه ليس لها حرمة الصلاة ، لإيقاعها من غير طهارة ولا قراءة ، فلا يشرع لها التسليم.

السادس : إذا فرغ من الصلاة يستحب أن لا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة.

السابع : الميت إن كان مؤمنا دعا له في الرابعة ، وإن كان منافقا دعا عليه فيها ، وإن كان مستضعفا دعا له بدعاء المستضعفين وهو « ربنا اغفر ( لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) » وإن جهله سأل اللّه تعالى أن يحشره مع من كان يتولاه. وإن كان طفلا سأل اللّه أن يجعله له ولأبويه فرطا.

لأن النبي صلی اللّه علیه و آله حضر جنازة عبد اللّه بن أبي سلول فقيل : يا رسول اللّه ألم ينهاك اللّه أن تقوم على قبره؟ قال : ويلك ما يدريك ما قلت ، إني قلت : اللّهم احشر جوفه نارا واملأ قلبه نارا وأصله نارك (2).

وصلى الحسين علیه السلام على منافق فقال : اللّهم العن عبدك فلانا ، واخزه في عبادك ، وأذقه أشد عذابك ، فإنه يوالي أعداءك ، ويعادي أولياءك ، ويبغض أهل بيت نبيك (3).

وقال علي علیه السلام في الصلاة على الطفل : اللّهم اجعله لنا ولأبويه فرطا وأجرا (4).

وصلى الباقر علیه السلام على من لا يعرفه ، فقال : اللّهم هذا عبدك ولا

ص: 268


1- وسائل الشيعة 2 - 784 ح 2 ب 9.
2- وسائل الشيعة 2 - 770 ح 4.
3- وسائل الشيعة 2 - 771 ح 6.
4- وسائل الشيعة 2 - 787 ب 12.

أعلم منه شرا ، فإن كان مستوجبا فشفعنا فيه واحشره مع من كان يتولاه (1). وقال الباقر علیه السلام : إذا صليت على المؤمن فادع له ، وإن كان مستضعفا فكبّر وقل : اللّهم اغفر للذين تابوا الآية (2).

الثامن : تكره الصلاة على الجنازة مرتين ، سواء اتحد المصلون أو تعددوا على الأقوى ، لأن المراد المبادرة ، ولسقوط الفرض بالصلاة الأولى فالثانية تطوع ، والصلاة على الميت لا يتطوع بها. وقول الصادق علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله صلى على جنازة ، ثم جاءه قوم وقالوا : فأتنا الصلاة ، فقال : إن الجنازة لا يصلى عليها مرتين ادعوا له وقولوا خيرا (3).

وقال بعض علمائنا : من فاتته الصلاة على الجنازة ، فله أن يصلي عليها ما لم يدفن ، فإذا دفن فله أن يصلي في القبر يوما وليلة ، أو ثلاثة أيام على الخلاف ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله صلى على قبر المسكينة (4) والظاهر أنها دفنت بعد الصلاة. وصلى علي علیه السلام على سهل بن حنيف خمسا وعشرين تكبيرة (5) ، إما لتعظيمه وإظهار شرفه ، أو لتلاحق من لم يصل.

التاسع : يصلى على الجنائز في الأوقات الخمسة المكروهة ، لأن أبا هريرة صلى على عقيل حين اصفرت الشمس. وقول الباقر علیه السلام : يصلى على الجنائز في كل ساعة ، لأنها ليست صلاة ركوع وسجود ، وإنما يكره عند طلوع الشمس وغروبها التي فيها الركوع والسجود (6). ولأنها واجبة فلا تكره ، ولأنها ذات سبب فلا تكره ولا تحرم.

العاشر : إذا حضرت جنازة وقت فريضة ، فإن خيف فوات أحدهما تعينت ، ولو لم يخف فالأولى تقديم اليومية. ولو صلى على الميت أولا جاز ،

ص: 269


1- وسائل الشيعة 2 - 769 ح 7.
2- وسائل الشيعة 2 - 768 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 782 ح 23.
4- جامع الأصول 7 - 155.
5- وسائل الشيعة 2 - 777 ح 1.
6- وسائل الشيعة 2 - 797 ح 3.

لأنهما فرضان فيتخير بينهما ، ولقول الباقر علیه السلام : عجل الميت إلى قبره إلى أن يخاف فوت الفريضة (1). وقول الصادق علیه السلام : ابدأ بالمكتوبة قبل الصلاة على الميت ، إلا أن يكون الميت مبطونا أو نفساء (2) ، ومع التعارض يثبت التخيير.

الحادي عشر : لو فاته بعض الصلاة مع الإمام وأدركه بين تكبيرتين ، كبّر ودخل معه ، ولا ينتظر الإمام حتى يكبر اللاحقة ، لأنه أدرك الإمام وقد فاته بعض صلاته ، فيدخل ولا ينتظره كسائر الصلوات.

وإذا أتم الصلاة قضى ما فات مع الإمام ، لقوله علیه السلام : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا (3) ، وقول الصادق علیه السلام لما سأله عيص عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة؟ قال : يتم ما بقي (4). ولأنه دخل في فرض فوجب إكماله.

فإن تمكن في القضاء من الأدعية فعل ، وإن ضاق الوقت لخوف رفع الجنازة ، تابع التكبير ولاء ، لقول الصادق علیه السلام : إذا أدرك الرجل التكبيرة والتكبيرتين في الصلاة على الميت ، فليقض ما بقي متتابعا (5).

ولو رفعت الجنازة قبل إتمامه ، أتم وهي على أيدي الرجال.

ولو رفعت أتم على القبر ، لقول الباقر علیه السلام : يتم التكبير وهو يمشي معها. وإذا لم يدرك التكبير كبّر على القبر. وإن أدركهم وقد دفن ، كبّر على القبر (6).

ولو سبق المأموم الإمام بتكبيرة فصاعدا ، استحب له أن يعيدها مع

ص: 270


1- وسائل الشيعة 2 - 808 ح 2 ب 31.
2- وسائل الشيعة 2 - 807 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 792 ب 17 ما يشبه ذلك.
4- وسائل الشيعة 2 - 793 ح 2.
5- وسائل الشيعة 2 - 792 ح 1 ب 17.
6- وسائل الشيعة 2 - 793 ح 5.

الإمام ، تحصيلا لفضيلة الجماعة في جميع الصلاة.

الثاني عشر : لو صلى بعض التكبيرات ، فحضرت جنازة أخرى في الأثناء ، تخير الإمام في إتمام صلاته على الأولى ، ثم يستأنف أخرى على الثانية. وفي الاستيناف عليهما معا بعد إبطال ما كبّر. والأفضل إفراد كل جنازة بصلاة ما لم يخف على الميت.

ولو اختلف الوجه بأن جاء من يستحب الصلاة عليه وقد دخل في الواجبة ، فالأقوى وجوب الإكمال واستحب الثانية. ولو انعكس الفرض ، جاز الإتمام والاستيناف ، ولو خيف على الجنائز ، استحب الاستيناف ، كما يستحب الجمع ابتداء معه.

ص: 271

ص: 272

الفصل السادس: ( في دفنه )

وفيه مطالب :
المطلب الأول: ( في واجبه )

أجمع علماء الإسلام على وجوب دفن الميت المسلم على الكفاية ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله أمر به وفعله مع كل ميت (1).

والواجب : حفرة تحرسه عن السباع ، ويكتم رائحته عن الناس. ويجب انضجاعه على جانبه الأيمن موجها إلى القبلة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله دفن كذلك. وعمل عليه الصحابة والتابعون ، ويجب اتباع فعله صلی اللّه علیه و آله .

المطلب الثاني: ( في مستحباته )

وهي :

الأول : يستحب تعميق القبر قدر قامة ، أو إلى الترقوة ، لقول الصادق

ص: 273


1- جامع الأصول 11 - 433.

علیه السلام : حد القبر إلى الترقوة (1). ويكره الزيادة ، لأن الصادق علیه السلام قال : إن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع (2).

الثاني : أن يجعل له لحد ، بأن يحفر إذا بلغ أرض القبر في حائطه مما يلي القبلة مكانا يوضع فيه الميت ، وهو أفضل من الشق ، وهو أن يحفر في قعر القبر شقا شبه النهر يوضع الميت فيه ويسقف عليه بشي ء ، لقوله علیه السلام : اللحد لنا والشق لغيرنا (3). وقال الصادق علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله لحد له أبو طلحة الأنصاري (4).

ولو كانت الأرض رخوة يخاف من اللحد الخسف فالشق أولى. وقال بعض علمائنا : يعمل له شبه اللحد من بناء ، تحصيلا للفضيلة.

الثالث : سعة اللحد بحيث يقدر الجالس فيه من الجلوس ، لقوله علیه السلام : وأوسعوا (5). وقول الصادق علیه السلام : وأما اللحد فقدر ما يتمكن فيه من الجلوس (6).

الرابع : وضع الجنازة على الأرض عند الوصول إلى القبر ، وإنزاله إليه في ثلاثة دفعات ولا يفدحه بالقبر دفعة واحدة ، لأنه أبلغ في التذلل والخضوع ، ولقول الصادق علیه السلام : ينبغي أن يوضع الميت دون القبر هنيئة ثم واره (7).

فإن كان رجلا جعل الميت عند رجل القبر ، ويسل من قبل رأسه ، ويبدأ برأسه كما خرج من الدنيا. وإن كان امرأة جعلت قدام القبر مما يلي القبلة ،

ص: 274


1- وسائل الشيعة 2 - 836 ح 1 ب 14.
2- وسائل الشيعة 2 - 836 ح 1 ب 14.
3- سنن ابن ماجة 1 - 496.
4- وسائل الشيعة 2 - 836 ح 1 ب 15.
5- سنن ابن ماجة 1 - 497.
6- وسائل الشيعة 2 - 836 ح 2 ب 14.
7- وسائل الشيعة 2 - 837 ح 1.

وتنزل عرضا عند علمائنا. لأن النبي صلی اللّه علیه و آله سل من قبل رأسه سلا.

وروى محمد بن عطية مرسلا قال : إذا أتيت بأخيك إلى القبر فلا تفدحه به ، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ أهبته ثم ضعه في لحده (1). وقال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إن لكل بيت بابا ، وباب القبر من قبل الرجلين (2). وقال الصادق علیه السلام : إذا دخل الميت القبر إن كان رجلا سل سلا ، والمرأة تؤخذ عرضا (3).

الخامس : نزول الولي أو من يأمره به إلى القبر في الرجل ، لطلب الرفق به ، وقول علي علیه السلام : إنما يلي الرجل أهله (4). ولحد النبي صلی اللّه علیه و آله العباس وأسامة (5).

ويجوز أن يكون شفا أو وترا ، للحاجة وطلب الأسهل في أمره. وسأل زرارة الصادق عليه عن القبر كم يدخله؟ قال : ذلك إلى الولي إن شاء أدخل وترا ، وإن شاء شفعا (6).

ويكره نزول ذي الرحم ، لأنه يقسي القلب ، بل يوليه غيره. أما المرأة فالأولى أن ينزلها ذو الرحم ، لأنها عورة ، قال الصادق علیه السلام : قال أمير المؤمنين علیه السلام : قضيت السنّة من رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله أن المرأة لا يدخل قبرها إلا من كان يراها في حياتها (7).

والزوج أولى من كل أحد ، فإن لم يكن زوج ولا ذو رحم فالنساء أولى ، فإن تعذر فالأجانب الصلحاء.

ص: 275


1- وسائل الشيعة 2 - 838 ح 2.
2- وسائل الشيعة 2 - 849 ح 4 و 7.
3- وسائل الشيعة 2 - 849 ح 5.
4- وسائل الشيعة 2 - 852 ب 26.
5- جامع الأصول 11 - 392.
6- وسائل الشيعة 2 - 850 ح 1.
7- وسائل الشيعة 2 - 853 ح 1 ب 26.

السادس : يستحب أن يوضع تحت رأس الميت لبنة أو لوح أو شي ء مرتفع ، كما يصنع بالحي ، ويدنى من الحائط ، لئلا ينكب ، ويسند من ورائه بتراب ، لئلا ينقلب. قال الصادق علیه السلام : يجعل للميت وسادة من تراب ، ويجعل خلف ظهره مدرة لئلا يستلقي (1).

ولا ينبغي جعل مضربة ولا مخدة في القبر ، لما فيه من إتلاف المال وعدم ورود النص. وروي أنه جعل في قبر النبي صلی اللّه علیه و آله قطيفة حمراء (2).

السابع : يستحب للنازل حل أزراره والتحفي وكشف رأسه. قال الصادق علیه السلام : لا تنزل إلى القبر وعليك عمامة ولا قلنسوة ولا رداء ولا حذاء وحل أزرارك ، قلت : والخف؟ قال : لا بأس (3).

وأن يكون متطهرا قال الصادق علیه السلام : توضأ إذا أدخلت الميت القبر (4).

الثامن : الدعاء عند معاينة القبر ، فيقول : « اللّهم اجعلها روضة من رياض الجنة ، ولا تجعلها حفرة من حفر النار ».

وإذا تناوله قال : « بسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله ، اللّهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ، هذا ما وعد اللّه ورسوله ، وصدق اللّه ورسوله ، اللّهم زدنا إيمانا وتسليما ».

وإذا وضعه في اللحد قال : « بسم اللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملة رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله اللّهم عبدك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللّهم افسح له في قبره وألحقه بنبيه ، اللّهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به ».

فإذا وضعت اللبن فقل : « اللّهم صل وحدته ، وآنس وحشته ، وأسكن

ص: 276


1- وسائل الشيعة 2 - 842 ح 5.
2- جامع الأصول 11 - 393.
3- وسائل الشيعة 2 - 840 ح 4.
4- وسائل الشيعة 2 - 877 ح 1.

إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك.

فإذا خرجت من قبره فقل : « ( إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) ، و ( الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) ، اللّهم ارفع درجته في أعلى عليين ، واخلف على عقبه في الغابرين ، وعندك نحتسبه يا رب العالمين ».

التاسع : يحل عقد كفنه من عند رأسه ورجليه ، لأن عقدها كان لخوف انتشارها وقد أمن ذلك ، ولما أدخل النبي صلی اللّه علیه و آله نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع الأحلة بفيه.

ولا يشق الكفن ، لأنه إتلاف مستغنى عنه ، وقد أمر النبي صلی اللّه علیه و آله بتحسين الكفن ، وتخريقه ينافي حسنه.

العاشر : يستحب أن يضع خده على التراب ، وأن يضع معه شيئا من تربة الحسين علیه السلام ، للأمن والستر واستدفاع العذاب.

فقد روي أن امرأة كانت تزني وتحرق أولادها خوفا من أهلها ، فلما ماتت دفنت فقذفتها الأرض ، ودفنت ثانيا وثالثا فجرى ذلك ، فسألت أمها الصادق علیه السلام عن ذلك وأخبرته بحالها ، فقال : إنها تعذب خلق اللّه بعذاب اللّه ، اجعلوا معها شيئا من تربة الحسين علیه السلام ففعل فاستقرت (1).

الحادي عشر : إذا وضعه في اللحد لقنه الولي أو من يأمره ، وهو التلقين الثاني. قال الصادق علیه السلام : إذا وضعته في اللحد ، فضع فمك على أذنه وقل : « اللّه ربك ، والإسلام دينك ، ومحمد نبيك ، والقرآن كتابك ، وعلي إمامك (2). ثم يشرج عليه اللحد باللبن والطين ، قال الصادق علیه السلام : ويضع الطين واللبن (3).

ثم يخرج من قبل الرجلين ، لما تقدم من أنه باب القبر. وقال الباقر عليه

ص: 277


1- وسائل الشيعة 2 - 742 ح 2.
2- وسائل الشيعة 2 - 863 ح 1 و 843 ح 3.
3- وسائل الشيعة 2 - 848 ح 6.

السلام : من دخل القبر فلا يخرج منه إلا من قبل الرجلين (1).

الثاني عشر : إهالة التراب عليه ، وكذا يهيل الحاضرون بظهور الأكف مسترجعين ، لأن الكاظم علیه السلام حثى التراب على القبر بظهر كفيه (2).

ثم يقول : اللّهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ، هذا ما وعد اللّه ورسوله ، وصدق اللّه ورسوله قاله الصادق علیه السلام (3). وقال علي علیه السلام : من حثى على قبر ميت وقال هذا القول أعطاه اللّه بكل ذرة حسنة (4). ثم يطم القبر.

الثالث عشر : أن يرفع مقدار أربع أصابع لا أزيد ، ليعلم أنه قبر فيتوقى ويترحم عليه. ورفع قبر النبي صلی اللّه علیه و آله قدر شبر (5). وقال علیه السلام لعلي علیه السلام : لا تدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته (6) وعن أحدهما علیهماالسلام : ويلزق القبر بالأرض إلا قدر أربع أصابع مفرجات (7).

الرابع عشر : تربيع القبر مسطحا ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله سطح قبر ابنه إبراهيم ، وسطح قبر النبي علیه السلام ولا يفعل به غير السنّة. وعن أحدهما علیهماالسلام : ويربع قبره (8).

الخامس عشر : ثم يصب عليه الماء من أربع جوانبه ، مبتدئا بالرأس دورا ، فإن فضل من الماء شي ء صبه على وسط القبر. وقال الصادق علیه السلام : السنّة في رش الماء على القبر أن يستقبل القبلة ، ويبدأ من عند الرأس إلى عند

ص: 278


1- وسائل الشيعة 2 - 850 ح 1 ب 23.
2- وسائل الشيعة 2 - 854 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 854 ح 2.
4- وسائل الشيعة 2 - 855 ح 4.
5- وسائل الشيعة 2 - 857 ح 8.
6- جامع الأصول 11 - 434.
7- وسائل الشيعة 2 - 856.
8- وسائل الشيعة 2 - 858 ح 9.

الرجلين يدور على القبر من الجانب الآخر ، ثم يرش على وسط القبر (1).

السادس عشر : ثم يضع الحاضرون الأيدي عليه مترحمين مفرجات الأصابع. قال الباقر علیه السلام : إذا حثي عليه التراب وسوي قبره ، فضع كفك على قبره عند رأسه وفرج أصابعك واغمز كفك عليه بعد ما نضج بالماء (2). وقال الباقر علیه السلام بعد أن وضع كفيه على القبر : « اللّهم جاف الأرض عن جنبيه ، وأصعد إليك روحه ، ولقه منك رضوانا ، وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه عن رحمة من سواك » (3) ثم مضى.

السابع عشر : ثم يلقنه بعد انصراف الناس عنه وليه مستقبلا للقبر والقبلة ، وهو التلقين الثالث عند علمائنا.

قال الصادق علیه السلام : ما على أهل الميت منكم أن يدرءوا عن ميتهم لقاء منكر ونكير ، قلت : كيف يصنع؟ قال : إذا أفرد الميت فليتخلف عنده أولى الناس به ، فليضع فمه عند رأسه ، ثم ينادي بأعلى صوته يا فلان بن فلان أو فلانة بنت فلانة هل أنت على العهد الذي فارقتنا على شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عليا أمير المؤمنين ، وأن ما جاء به محمد صلی اللّه علیه و آله حق ، وأن الموت والبعث حق ، واللّه يبعث من في القبور ، قال فيقول منكر ونكير : انصرف بنا عن هذا فقد لقن حجته (4).

وينبغي أن يسمى الأئمة علیهم السلام واحدا واحدا ، لأنه موضع الحاجة إليه.

الثامن عشر : يستحب تعليم القبر بحجر ، أو خشبة ، ليعرفه أهله فيترحمون عليه ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لما مات عثمان بن مظعون وأخرج بجنازته فدفن أمر علیه السلام رجلا يأتيه بحجر فلم يستطع حمله ، فقام رسول

ص: 279


1- وسائل الشيعة 2 - 859 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 860 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 882 ح 1.
4- وسائل الشيعة 2 - 863 ح 1.

اللّه صلی اللّه علیه و آله فحسر عن ذراعيه ثم حملها فوضعها عند رأسه ، وقال : أعلّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله (1).

المطلب الثالث: ( في المحرمات )

يحرم نبش القبور بإجماع العلماء ، لأنه منكر وهتك لحرمة الميت ، إلا في مواضع :

الأول : إذا وقع في القبر ما له قيمة ، جاز نبشه لأخذه ، حفظا للمال عن الضياع.

ولو دفع أهل الميت القيمة إليه ، لم يجب أخذها. ولا فرق بين أن تكون القيمة قليلة أو كثيرة ، لكن يكره في القليلة.

الثاني : لو دفن في أرض مغصوبة ، أو مشتركة بينه وبين غيره ولم يأذن الشريك ، فلمالكها قلعه ، لأنه عدوان فيجب إزالته.

ولو استعار للدفن ، جاز الرجوع قبله ، ويحرم بعده لأن نبش القبر محرم ، ولأن الدفن مؤبد إلى أن يبلي الميت ثم تعود إلى مالكها.

الثالث : لو كفن في ثياب مغصوبة ودفن ، نبش إن طلب مالكها عين ماله ، لأنه ملك الغير ، فلا ينتقل منه.

الرابع : لو دفن ولم يغسل قال الشيخ : لا ينبش (2). ويحتمل عندي جوازه. وكذا لو دفن إلى غير القبلة. وكذا لو دفن ولم يكفّن. والوجه أن لا ينبش ، إذ المقصود ستره وقد حصل.

ولو دفن قبل الصلاة ، فالوجه أنه لا ينبش لاستدراكها بفعلها على القبر.

ص: 280


1- جامع الأصول 11 - 435.
2- الخلاف 1 - 298.

الخامس : أن يبلى الميت ويصير رميما ، فإنه يجوز نبشه لدفن غيره فيه ، أو لمصلحة المالك المعير.

ولو شك رجع إلى أهل الخبرة ، ويختلف باختلاف الأهوية والترب. فإن نبش فوجد فيه عظاما ، دفنها وحفر في غيره.

ويحرم دفن غير المسلمين وأطفالهم في مقبرة المسلمين ، سواء كان حربيا أو مرتدا أو كافرا أو ذميا بإجماع العلماء ، لئلا يتأذى المسلمون بعذابهم ، إلا الذمية الحامل من المسلم ، فإنها تدفن في مقبرة المسلمين ، لرحمة ولدها لأن له حرمة أجنة المسلمين ، ولهذا لو سقط لم تدفن إلا في مقابرهم. ويستدبر بها القبلة على جانبها الأيسر ، ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن.

ويحرم قطع شي ء من أعضاء الميت والتمثيل به كالحي ، وشق بطنه إلا الحامل إذا لم يمت ولدها بموتها ، فإنه يشق بطنها من الجانب الأيسر ويخرج الولد ويخاط الموضع ، لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي فجاز ، كما لو خرج بعضه حيا ، ولم يتمكن من إخراج باقيه إلا بالشق ، ولقول الكاظم علیه السلام : يشق عن الولد (1). والخياطة لحرمة الميتة.

ولو شك في حياته ، فالأولى الصبر حتى يتيقن الحياة أو الموت ، ويرجع في ذلك إلى قول العارف.

ولو مات الولد خاصة ، أدخلت القابلة ، أو من يقوم مقامها ، أو الزوج ، أو غيره عند التعذر - وإن كان أجنبيا - يده في فرجها وقطع الصبي ، ويخرج قطعة قطعة ، لأن حفظ حياة الأم أولى من حفظ بنيه الميت وللرواية (2).

ولو بلع الميت جوهرة أو مالا لغيره ، قال الشيخ : الأولى أن لا يشق جوفه ، لعموم قوله علیه السلام : حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا (3).

ص: 281


1- وسائل الشيعة 2 - 674 ح 6.
2- وسائل الشيعة 2 - 673 ح 3.
3- الخلاف 1 - 298.

ويحتمل عندي جواز الشق ، لما فيه من رفع الضرر عن المالك بدفع ماله إليه وعن الميت بإبراء ذمته وعن الورثة بحفظ التركة لهم.

ولو كان المال له ، لم يشق بطنه عند الشيخ ، لأنه ماله استهلكه في حياته ، فلم يثبت للورثة فيه حق. ويحتمل الشق ، لأنها صارت ملكهم بموته فهي كالمغصوبة.

ولو أذن المالك في الابتلاع ، صار كماله ، فإن قلنا بشقه هناك شق هناك. وهل يكون للورثة؟ الأقرب أنه على ملك صاحبه ، إلا أن يكون قد وهبه إياه ، فيخرج عن ملكه بالإتلاف. وإذا منعنا من الشق كما اختاره الشيخ أخذت قيمة ما ابتلعه من مال غيره من التركة ، لأنه حال بينه وبين صاحبه.

ولو لم يترك الميت تركة وتطاولت المدة وبلي الميت ، جاز النبش وإخراج ذلك المال ، لعدم المثلة حينئذ ، وكذا لو كان له.

ولو كان في أذن الميت حلقة ، أو في يده خاتم ، أخذ. فإن تصعب توصل إلى إخراجه أو كسره ، للنهى عن تضييع المال. ولا يجوز خرق أذن الميت ولا قطع إصبعه.

المطلب الرابع: ( في المكروهات )

وهي :

الأول : يكره أن يهيل ذو الرحم التراب على رحمه ، لأن بعض أصحاب الصادق علیه السلام مات له ولد ، فحضره الصادق علیه السلام ، فلما ألحد تقدم أبوه يطرح التراب ، فأخذ الصادق علیه السلام بكفيه وقال : لا تطرح عليه التراب ، ومن كان منه ذا رحم فلا يطرح عليه التراب ، فقلنا : يا ابن رسول اللّه تنهانا عن هذا وحده ، فقال : أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الأرحام ، فإن ذلك يورث القسوة في القلب ، ومن قسى قلبه بعد من ربه (1).

ص: 282


1- وسائل الشيعة 2 - 855 ح 1.

الثاني : يكره أن يطرح في القبر من غير ترابه ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى أن يزاد في القبر على حفيرته ، وقال : لا تجعل في القبر من التراب أكثر مما خرج منه (1). وعن الصادق علیه السلام قال : إن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه (2).

الثالث : يكره تسنيم القبور ، لأن السنّة التسطيح ، وقبور المهاجرين والأنصار بالمدينة مسطحة ، وهو يدل على أنه المتعارف.

الرابع : يكره نقل الميت من بلد موته بإجماع العلماء ، لقوله علیه السلام : عجلوهم إلى مضاجعهم (3). نعم يستحب نقله إلى أحد مشاهد الأئمة علیهم السلام رجاء لشفاعته وتبركا بتربته وتباعدا عن عذاب اللّه تعالى.

اما لو دفن في غير المشاهد ، فإنه لا يجوز نقله وإن كان إلى أحد المشاهد ، لإطلاق تحريم النبش. وسوغه بعض علمائنا ، وقال الشيخ : سمعناه مذاكرة.

الخامس : يكره دفن ميتين في قبر واحد إذا دفنا ابتداء. أما لو دفن أحدهما ثم أريد نبشه ودفن آخر فيه قال في المبسوط يكره (4) ، والوجه المنع ، لأنه صار حقا للأول ، فلم يجز مزاحمته بالثاني ، نعم لو كان في أزج وضع لدفن الجماعة كان مكروها لا محرما.

السادس : يكره حمل ميتين على جنازة واحدة. لأن العسكري علیه السلام لما كتب إليه الصفار ، وقع : لا يحمل الرجل والمرأة على سرير واحد (5).

السابع : يكره فرش القبر بالساج إلا مع الحاجة كنداوة الأرض ، لما فيه

ص: 283


1- وسائل الشيعة 2 - 864 ح 1.
2- وسائل الشيعة 2 - 864 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 676 ح 7 ما يشبه ذلك ، سنن أبي داود 3 - 202.
4- المبسوط 1 - 187.
5- وسائل الشيعة 2 - 868 ب 42.

من إتلاف المال لغير غرض ، أما مع الضرورة فإنه جائز ، دفعا للمشقة ، وللرواية (1).

الثامن : يكره تجصيص القبور إجماعا ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله نهى عنه (2) ، وقال الكاظم علیه السلام : لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه (3).

التاسع : يكره تطيينه بعد اندراسه لهذه الرواية ، ولا بأس به ابتداء للرواية.

العاشر : يكره البناء على القبر ، لما تقدم في الرواية (4). ونهى النبي صلی اللّه علیه و آله أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يقعد عليه ، وأن يكتب عليه (5). ولأنه من زينة الدنيا فلا حاجة بالميت إليه.

الحادي عشر : يكره تجديد القبور ، لقول علي علیه السلام : من حدد قبرا أو مثّل مثالا فقد خرج من الإسلام (6). ورواه محمد بن الحسن الصفار بالجيم (7) ، أي جدد بناها أو يطينها. وحكي أنه لم يكره دفنها. وقال البرقي بالجيم والثاء (8) ، أي يجعل القبر جدثا مرة أخرى. وقال سعد بن عبد اللّه بالحاء من حد (9) وعني التسنيم ، وقال المفيد بالخاء المعجمة (10) وهي شقها من خددت الأرض أي شققتها.

الثاني عشر : يكره الجلوس على القبر ، والاتكاء عليه ، والمشي عليه ، لأنه علیه السلام نهى عن الجلوس على القبر ، وقال : لأن أطأ على جمرة أو سيف أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم (11) ولأن فيه نوع استهانة. ولا

ص: 284


1- وسائل الشيعة 2 - 853 ح 1 ب 27.
2- جامع الأصول 11 - 434.
3- وسائل الشيعة 2 - 869 ح 1.
4- نفس الرواية المتقدمة.
5- وسائل الشيعة 2 - 869 ح 2.
6- وسائل الشيعة 2 - 868 ح 1.
7- وسائل الشيعة 2 - 868 ح 1.
8- وسائل الشيعة 2 - 868 ذيل ح 1.
9- وسائل الشيعة 2 - 868 ذيل ح 1.
10- وسائل الشيعة 2 - 868 ذيل ح 1.
11- جامع الأصول 11 - 443.

فرق بين كراهة الجلوس للغائط وغيره.

الثالث عشر : التغوط بين القبور ، لما فيه من تأذي المسترحمين والمترددين لزيارتهم. وقال النبي صلی اللّه علیه و آله : لا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق.

الرابع عشر : يكره المقام عندها ، لما فيه من ترك الرضا بقضائه تعالى ، أو للاشتغال عن مصالح المعاد والمعاش ، أو لعدم الاتعاظ.

الخامس عشر : يكره أن يتخذ مساجد ، لقوله علیه السلام : لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (1).

المطلب الخامس: ( في اللواحق )

وهي :

الأول : يستحب أن يدفن الميت في أشرف البقاع ، فإذا كان بمكة ففي مقبرتها. وكذا بالمدينة ومشاهد الأئمة علیهم السلام ، وفي المقبرة إن كثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم ، وكذا في البقاع الشريفة ، لأن موسى علیه السلام لما حضرته الوفاة سأل اللّه تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رميته بحجر ، قال النبي صلی اللّه علیه و آله : لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر (2).

الثاني : ينبغي جمع الأقارب في الدفن ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لما دفن عثمان بن مظعون قال : أدفن إليه من مات من أهله (3) ، ولأنه أسهل لزيارتهم وأكثر للترحم عليه. وينبغي تقديم الأب ، ثم من يليه في السن ، والفضيلة إذا أمكن.

ص: 285


1- وسائل الشيعة 2 - 887 ح 2 ب 65.
2- صحيح البخاري 2 - 98 ط مصر.
3- جامع الأصول 11 - 435.

وينبغي دفن الشهيد حيث قتل ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله قال : ادفنوا القتلى في مضاجعهم (1).

ولو طلب بعض الورثة الدفن في المسبلة والبعض في الملك ، دفن في المسبلة ، لأنه أقل ضررا على الورثة.

فإن تشاحا في الكفن ، قدم قول من يكفنه من ملكه ، لأن فيه منة يتضرر بها الوارث. ولو أوصى بأن يدفن في داره ، كان من الثلث.

وينبغي أن يكون للإنسان مقبرة يدفن فيه أهله وأقاربه. ولو تشاح اثنان في الدفن في المسبلة ، قدم قول أسبقهما ، كما لو تنازعا في رحال الأسواق. فإن تساويا أقرع.

الثالث : يجوز الدفن ليلا ، لأن ذا النجارين دفن ليلا ، واستقبل رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله القبلة ، وقال : اللّهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه.

ودفن علي علیه السلام فاطمة علیهاالسلام ليلا. وكذا لو دفن أبو بكر وعثمان وعائشة.

الرابع : إذا دفن جماعة في قبر استحب تقديم الأفضل إلى القبلة. ولو كان رجلا وصبيا فالرجل إلى القبلة.

وينبغي وضع حاجز بين كل اثنين ، ليكونا كالمنفردين. ولو خدد لهم أخدود وجعل رأس كل واحد عند رجل الآخر جاز ، وإن كان اللحد أفضل.

الخامس : لو مات في سفينة في البحر ولم يقدر على الشط ، غسل وكفن وصلي عليه وثقل ليرسب في الماء ، ويجعل في خابية ويسد رأسها ويلقى في البحر. لأن المقصود من دفنه ستره وهو يحصل بذلك ، ولقول الصادق علیه السلام : ولو مات في بئر فإن أمكن إخراجه وجب تحصيلا للتغسيل وغيره ،

ص: 286


1- سنن أبي داود 3 - 202.

إن تعذر إلا بالتمثيل به لم يجز وطمت وكانت قبره ، لقول الصادق عليه لسلام : ويجعل قبرا (1).

ولو اضطر إلى البئر إلى استعمالها وخافوا التلف ، جاز إخراجه بكلاليب وإن تقطع إذا لم يمكن إلا بذلك. وكذا لو كان طمها يضر بالمارة ، سواء أفضى إلى المثلة أو لا ، لما فيه من الجمع بين الحقوق من نفع المارة وغسل الميت وحفظه من المثلة ببقائه ، لأنه ربما أنتن وتقطع.

السادس : الشهيد يدفن بثيابه أصابه الدم أو لا إجماعا ، لقول النبي صلی اللّه علیه و آله : ادفنوهم بثيابهم (2). والأقوى وجوب دفن السروال أيضا لأنه من الثياب ، ولا يكفن إلا أن يجرد ، فإن لم يجرد لم يجز تجريده وتكفينه. نعم يجوز أن يزاد على ثيابه ، لأن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله دفن حمزة في ثيابه التي أصيب فيها وزاده برداء فقصر عن رجليه فدعى بآخر فطرح عليه ، وصلى عليه سبعين تكبيرة (3). وفي رواية أنه كان جرد (4).

ولا يدفن معه الفرو والقلنسوة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله أمر في قتلى أحد بأن ينزع عنهم الحديد والجلود. وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم ، ولا يدفن معه الخف ولا الفرو ، فإن أصابهما الدم دفنا معه (5).

السابع : لو خرج من الميت نجاسة بعد التكفين لاقت كفنه ، غسلت ما لم يطرح في القبر ، فإن طرح قرضت ، لقول الصادق علیه السلام : إذا خرج من منخر الميت الدم أو الشي ء وبعد الغسل فأصاب العمامة أو الكفن قرض بالمقراض (6).

الثامن : إذا نزل الميت القبر قال الشيخ : استحب أن يغطى القبر

ص: 287


1- وسائل الشيعة 2 - 875 ب 51.
2- جامع الأصول 11 - 430.
3- وسائل الشيعة 2 - 700 ح 8.
4- وسائل الشيعة 2 - 700 ح 7.
5- وسائل الشيعة 2 - 701 ح 10.
6- وسائل الشيعة 2 - 723 ح 4.

بثوب ، سواء كان الميت رجلا أو امرأة ، لأن النبي صلی اللّه علیه و آله لما دفن سعد بن معاذ ستر قبره بثوب. وقال الصادق علیه السلام : وقد مد على قبر سعد بن معاذ ثوب ، والنبي صلی اللّه علیه و آله شاهد فلم ينكر ذلك (1). ولأنه يحل عقد كفنه وسيوبه وجعل ما ينبغي ستره. وعند المفيد يستحب في المرأة دون الرجل.

التاسع : لا يمنع أهل الميت من رؤيته وتقبيله ، لأن جابرا لما قتل أبي جعل يكشف الثوب عن وجهه ويبكي والنبي صلی اللّه علیه و آله لا ينهاه. وقبل رسول اللّه صلى عليه وآله عثمان بن مظعون وهو ميت ، حتى كانت الدموع تسيل (2). وكشف الصادق علیه السلام عن وجه إسماعيل بعد أن كفن فقبل وجهه.

العاشر : المقتول الذي يجب تغسيله يغسل عنه الدم أولا ، ويبدأ بيديه ودبره ويربط جراحاته بالقطن والحنوط. وإذا وضع عليه القطن عصبه ، وكذا موضع الرأس والرقبة ، ويجعل له من القطن شيئا كثيرا ، ويدر عليه الحنوط ، وإن استطاع أن يعصبه فعل. وإن كان الرأس قد بان من الجسد غسل الرأس إذا غسل اليدين وسفله ، ويوضع القطن فوق الرقبة ، ويضم إليه الرأس ، ويجعل في الكفن. وإذا دفن تناول الرأس والجسد وأدخله اللحد ووجهه إلى القبلة ، روى ذلك العلاء بن سيابة عن الصادق علیه السلام (3).

الحادي عشر : إذا اجتمع أموات بدأ بمن يخشى فساده ، فإن لم يكن قال في المبسوط : الأولى تقديم الأب ، ثم الابن وابن الابن ، ثم الجد. ولو كان أخوان في درجة قدم الأكبر ، فإن تساويا أقرع. وتقدم أسن الزوجتين ، ويقرع إن تساويا (4). وللولي التخيير.

ص: 288


1- وسائل الشيعة 2 - 875 ب 50.
2- جامع الأصول 11 - 403.
3- وسائل الشيعة 2 - 701 ب 15.
4- المبسوط 1 - 176.

الثاني عشر : يستحب للمصاب الاستعانة باللّه والصبر واستنجاز ما وعد اللّه تعالى عليها في قوله ( وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (1).

وليتحفظ من التكلم بشي ء ينحبط أجره به ويسخط ربه مما يشبه التظلم والاستغاثة ، فإن اللّه تعالى عدل لا يجور ولا يدعو على نفسه ، لنهي النبي صلی اللّه علیه و آله عنه.

ويحتسب ثواب اللّه ويحمده. قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : إذا قبض ولد المؤمن واللّه أعلم بما قال العبد ، فيسأل الملائكة قبضتم ولد فلان المؤمن؟ فيقولون نعم ربنا ، فيقول : فما ذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك ربنا واسترجع ، فيقول عز وجل ، ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد (2).

الثالث عشر : البكاء جائز إجماعا وليس بمكروه ، قبل خروج الروح وبعدها ، قال الصادق علیه السلام : إن رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا ، وقال كانا يحدثاني ويؤنساني فذهبا جميعا (3).

ويجوز النوح والندب بتعداد فضائله واعتماد الصدق ، لأن فاطمة علیهاالسلام كانت تنوح على النبي صلی اللّه علیه و آله ، فتقول : يا أبتاه من ربه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبرائيل أنعاه ، يا أبتاه أجاب ربا دعاه (4).

ولو اقترن بالكذب والدعاء بالويل والثبور ، لم يجز. ويجوز الوقف على النائحة لأنه فعل سائغ فجاز الوقف عليه كغيره.

الرابع عشر : يجوز شق الثوب على موت الأب والأخ ، لأن العسكري

ص: 289


1- سورة البقرة : 157.
2- وسائل الشيعة 2 - 896 ح 1.
3- وسائل الشيعة 2 - 922 ح 6.
4- وسائل الشيعة 2 - 922.

علیه السلام شق على أبيه الهادي علیه السلام من خلف وقدام (1). ولا يجوز للرجل شقه على غيرهما. أما المرأة فيجوز مطلقا.

الخامس عشر : كل ما يفعل من القرب والطاعات يهدي ثوابه إلى الميت ، فإنه يصله وينفعه ، قال اللّه تعالى ( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا ) (2) ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) (3) وقال رجل للنبي صلی اللّه علیه و آله : إن أمي ماتت أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال : نعم (4). وقال الصادق علیه السلام : يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء ، ويكتب أجره للذي يفعله وللميت (5). وقال النبي صلی اللّه علیه و آله : من دخل المقابر ، فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ ، وكان له بعدد من فيها حسنات (6). ولا فرق بين الواجبات والصدقة والدعاء والاستغفار وغيرها ، لقول الصادق علیه السلام : من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا ، أضعف له أجره ، ونفع اللّه به الميت (7).

السادس عشر : يستحب تعزية أهل الميت إجماعا ، لقوله علیه السلام : من عزى مصابا فله مثل أجره (8). وقال علیه السلام : من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبر بها (9). وقال علیه السلام : التعزية تورث الجنة (10).

والمراد منها تسلية أهل المصيبة ، وقضاء حقوقهم ، والتقرب إليهم ، وإطفاء نار الحزن عنهم ، وتسليتهم بمن سبق من الأنبياء والأئمة عليهم

ص: 290


1- وسائل الشيعة 2 - 916 ح 3.
2- سورة الحشر : 10.
3- سورة محمد : 19.
4- جامع الأصول 7 - 316.
5- وسائل الشيعة 2 - 655 ح 3.
6- راجع جواهر الكلام 4 - 22. سنن أبي داود6. 191.
7- وسائل الشيعة 2 - 655 ح 4.
8- وسائل الشيعة 2 - 871 ح 2 ، جامع الأصول 11 - 445.
9- وسائل الشيعة 2 - 872 ح 9 و 7.
10- وسائل الشيعة 2 - 871 ح 8 و 6.

السلام ، ويذكرهم الثواب على الصبر واللحاق بالميت.

ويجوز قبل الدفن وبعده ، قال هشام بن الحكم : رأيت الكاظم علیه السلام يعزي قبل الدفن وبعده (1).

ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة من الكبار والصغار ، خصوصا من ضعف منهم عن تحمل المصيبة. ولا فرق بين الرجل والمرأة ، لقوله علیه السلام : من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة (2).

ويجوز تعزية الكفار ، فيقول له : أخلف اللّه عليك. وفي تعزية المسلم بالكافر أعظم اللّه أجرك وأخلف عليك.

وليس في التعزية شي ء موظف ، قال زين العابدين علیه السلام : لما توفي رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول : إن في اللّه عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ما فات ، فباللّه فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب.

ويكفي في التعزية أن يراه صاحب المصيبة. وقال الصادق علیه السلام : كفاك من التعزية أن يراك صاحب المصيبة » (3).

قال الشيخ : يكره الجلوس للتعزية يومين أو ثلاثة (4). وأنكره ابن إدريس ، لأنه تزاور مستحب.

ولا يجوز أن يتميز صاحب المصيبة عن غيره بإرسال طرف العمامة ، وأخذ ميزر فوقها. قال الشيخ : إلا على الأب والأخ لا غيرهما (5). والوجه عندي الجواز ، لأن الصادق علیه السلام لما مات إسماعيل تقدم السرير بغير رداء ولا حذاء. وقال علیه السلام : ينبغي لصاحب المصيبة أن يضع رداءه حتى يعلم

ص: 291


1- وسائل الشيعة 2 - 872 ب 47.
2- جامع الأصول 11 - 444.
3- وسائل الشيعة 2 - 874 ح 4.
4- المبسوط 1 - 189.
5- نفس المصدر.

الناس أنه صاحب المصيبة (1). وقد نهي من وضع الرداء عن مصيبة الغير.

السابع عشر : يستحب إصلاح طعام لأهل الميت يبعث به إليهم إجماعا ، إعانة لهم وجبرا لقلوبهم ، ولأنهم مشتغلون بمصابهم وبالواردين إليهم من إصلاح طعام لأنفسهم. ولما جاء نعي جعفر علیه السلام قال رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم (2). وقال الصادق علیه السلام : لما قتل جعفر أمر رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله فاطمة علیهاالسلام أن تأتي أسماء بنت عميس ونساءها وأن تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام ، فجرت بذلك السنّة (3).

الثامن عشر : يستحب زيارة المقابر ، لقوله علیه السلام : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الموت. وقال الرضا علیه السلام : من أتى قبر أخيه المؤمن من أي ناحية يضع يده وقرأ إنا أنزلناه سبع مرات أمن من الفزع الأكبر (4).

ولا يكره ذلك للنساء ، لأن فاطمة علیهاالسلام كانت تأتي قبور الشهداء في غداة كل سبت فتأتي قبر حمزة علیه السلام ، وتترحم عليه وتستغفر له (5).

تم الجزء الأول من كتاب « نهاية الإحكام في معرفة الأحكام » بعون اللّه تعالى وحسن توفيقه ومنّه.

ويتلوه في الجزء الثاني إن شاء اللّه تعالى كتاب الزكاة وفيه مقاصد ، والحمد لله وحده وصلى اللّه على سيدنا محمد خير خلقه النبي وعترته الطاهرين. فرغ المصنف ( قدس اللّه روحه ) من تصنيفه في شعبان سنة خمس وسبعمائة.

ص: 292


1- وسائل الشيعة 2 - 675.
2- وسائل الشيعة 2 - 890. ب 68 جامع الأصول2. 445.
3- وسائل الشيعة 2 - 889 ح 7.
4- وسائل الشيعة 2 - 881 ح 1.
5- وسائل الشيعة 2 - 879 ح 2.

كتاب الزكاة

اشارة

وفيه مقاصد

ص: 293

ص: 294

المقصد الأول: في زكاة المال

اشارة

وفيه فصول :

ص: 295

ص: 296

الفصل الأول: ( في الشرائط العامة )

مقدمة :

الزكاة لغة : النمو والزيادة ، سميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه. وهي في الشريعة : عبارة عن حق تجب في المال المخصوص على شرائط مخصوصة.

وهي واجبة بالنص والإجماع. قال اللّه تعالى ( وَآتُوا الزَّكاةَ ) (1) وقال تعالى ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) (2) وبعث رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله معاذا إلى اليمن ، فقال : أعلمهم أن اللّه تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد في فقرائهم (3). وقال علیه السلام : مانع الزكاة في النار (4).

وهي أحد الأركان الخمسة في الإسلام. وأجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها ، فمن أنكر وجوبها جاهلا (5) به وكان ممن يجهل ذلك ، إما لقرب عهده بالإسلام ، أو لبعده عن أهله ، بأن يكون من أهل بادية بائنة عن

ص: 297


1- سورة البقرة : 43 و 83 و 110 و 277 وغيرها.
2- سورة فصلت : 7
3- جامع الأصول 5 - 295.
4- وسائل الشيعة 6 - 17 ح 27 ما يشبه ذلك.
5- في « س » جهلا.

الأمصار ، عرّف وجوبها ولا يحكم بكفره ، لأنه معذور.

وإن كان مسلما نشأ في الإسلام وعرف محاسنه ، فهو مرتد ، لأنه جحد ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام ، ولا يكاد يخفى عليه حاله ، فجحوده لها إنما يكون لتكذيبه الكتاب والسنّة المتواترة.

فإن منعها مع اعتقاد وجوبها ، أخذها الإمام منه قهرا وعزره ، ولا يأخذ زيادة عليها.

وإن غل ماله فكتمه حتى لا يأخذ الإمام زكاته فظهر عليه ، لقوله علیه السلام : ليس في المال حق سوى الزكاة (1).

ولو لم يدفعها إلاّ بالقتال ، وجب ، لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا يحكم بكفره لقتاله عليها. ولا يسبى هو ولا ذريته. فإن ظفر الإمام به دون ماله ، دعاه إلى أدائها واستتابه ثلاثا ، فإن تاب وأدى ، وإلا قتل.

ولا يحكم بكفره ، لأنها من فروع الدين ، فلم يكفر تاركه كالحج ، وإذا لم يكفر بتركه لم يكفر بالقتال عليه كأهل البغي.

ولو لم يكن في قبضة الإمام واعتصم بقوم ، قاتلهم الإمام لمساعدتهم إياه على الامتناع من أداء الواجب ، وهو محرم.

واعلم أن الشروط العامة أربعة يشتمل عليها أربعة مباحث :

البحث الأول: ( البلوغ )

البلوغ شرط في وجوب الزكاة ، فلا تجب زكاة العين على الصبي عند علمائنا كافة ، لقوله علیه السلام : رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق (2). وقول الباقر علیه السلام : ليس في مال اليتيم زكاة (3). ولأن الزكاة

ص: 298


1- سنن ابن ماجة 1 - 570 الرقم 1789
2- سنن ابن ماجة 1 - 658 الرقم 3041
3- وسائل الشيعة 6 - 58 ح 8.

تكليف ، وهو منوط بالبلوغ ، ولأنها عبادة فلا تجب عليه كالصلاة والحج.

والأصح أنها لا تجب في غلاتهم لما تقدم ، ولقول الصادق علیه السلام : وليس على جميع غلاته من نخل أو زرع أو غلة زكاة (1).

ولا تجب أيضا في مواشيهم على الأصح. لعموم « ليس على مال اليتيم زكاة » (2).

ولو اتجر له الولي في ماله إرفاقا به وشفقة عليه ، استحب له إخراج الزكاة عن الطفل عند علمائنا ، لقول الصادق علیه السلام : ليس في مال اليتيم زكاة إلاّ أن يتجر به (3). ولأنه مال تجارة فاستحب فيه الزكاة كمال البالغ.

ولو ضمن الولي المال واتجر لنفسه ، كان الربح له إن كان مليا ، وعليه الزكاة استحبابا ، لأن له ولاية الاقتراض منه فملك ، وكان النماء له وكان ضامنا ، لأنه ملكه بالقرض ، ولقول الصادق علیه السلام وقد سأله منصور بن الفضل (4) عن مال اليتيم يعمل به : إذا كان عندك مال وضمنته ولك الربح وأنت ضامن للمال ، وإن كان لا مال لك وعملت به ، فالربح للغلام وأنت ضامن (5).

ولو لم يكن مليا وإن كان وليا. [ أو لم يكن وليا. وإن كان مليا (6) ] وضمن واتجر لنفسه ، ضمن المال لليتيم ، وكان الربح لليتيم ولا زكاة ، لأن الولي إنما له الاقتراض مع المصلحة ، وهي منتفية مع عدم الملاءة ، فكان الاقتراض باطلا.

وكذا لو كان مليا ولم يكن وليا ، إذ لا ولاية لغير الولي ، والربح نماء مال

ص: 299


1- وسائل الشيعة 6 - 56 ح 11.
2- المتقدم آنفا.
3- وسائل الشيعة 6 - 57 ح 1 و 2.
4- في الوسائل : منصور الصيقل.
5- وسائل الشيعة 6 - 58 ح 7.
6- الزيادة من « ر » و « س ».

الطفل ، فلا يملكه. العامل إذا اشترى بالعين ، ولا زكاة لأنها تجارة باطلة ، ولما رواه سماعة قال : قلت للصادق علیه السلام الرجل يكون عنده مال اليتيم فيتجر به أيضمنه؟ قال : نعم ، قلت : فعليه زكاة؟ قال : لعمري لا أجمع عليه خصلتين : الضمان والزكاة (1).

ويستحب في غلات الطفل ومواشيه على رأي ، ويتناول التكليف بالإخراج الولي وجوبا إن قلنا بالوجوب ، واستحباب إن قلنا به ، كما يخرج عنه قيم المتلفات وأروش الجنايات ونفقة الأقارب ، وتعتبر نية الولي في الإخراج كما تعتبر النية من رب المال.

ولا فرق بين المميز وغيره ، ولا بين المراهق وغيره في جميع ما تقدم ، لصدق وصف الصغر عليهم.

البحث الثاني: ( العقل )

العقل شرط في وجوب الزكاة ، فلا تجب زكاة العين على المجنون ، عند علمائنا أجمع ، لأن مناط التكليف معدوم ، ولقوله علیه السلام : وعن المجنون حتى يفيق (2).

وكذا لا تجب في غلاته ومواشيه على الأصح ، لكن تستحب.

ولو كان الجنون يعتوره أدوارا ، اشترط في الوجوب العقل طول الحول. ولو عرض له الجنون في أثنائه ، سقط اعتبار ذلك الحول.

وابتداء الحول من حين العود إلى الصحة ، لسقوط التكليف به.

وحكم المغمى عليه حكم المجنون.

ص: 300


1- وسائل الشيعة 6 - 58 ح 5.
2- سنن ابن ماجة 1 - 658
البحث الثالث: ( الحرية )

الحرية شرط في وجوب الزكاة ، فلا تجب على العبد ، لأنه غير مالك عندنا ، لقوله تعالى ( ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ ءٍ ) (1) وقوله تعالى ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ) (2) ولأنه مال فلا يملك بالتمليك كالدابة.

أما على قول بعض علمائنا ، فإنه يملك فاضل الضريبة. وأرش الجناية وما يملكه مولاه ، فتجب الزكاة عليه. ويحتمل أن لا تجب لنقص الملك فيه.

وعلى ما اخترناه تجب الزكاة على المولى ، لأنه مالك لما تجب فيه الزكاة.

والمدبر وأم الولد كالقن ، أما المكاتب فإن كان مشروطا فكالقن لا زكاة عليه ، لأن ما في يده لمولاه ، فلا زكاة عليه ولا على المولى أيضا ، لأنه ممنوع من التصرف فيه ، ولقوله علیه السلام لا زكاة في مال المكاتب (3). ولأنه ممنوع من التصرف بغير ، الاكتساب.

ولو عجز فرده مولاه إلى الرق ، ملك المولى المال تبعا له ، واستقبل الحول حينئذ وضمه إلى ماله وكمل به النصاب.

وأما المطلق : فإن لم يؤد شيئا ، لم تجب عليه زكاة ، لأنه بعد مملوك فلا يملك المال ملكا تاما ، وهو ممنوع من التصرف فيه بغير الاكتساب.

وإن قد أدى تحرر منه بقدر ما أدى وكان الباقي رقيقا. فإذا ملك مالا قسط على نسبة الحرية والرقية ، فإن كان نصيب الحرية نصابا ، وجب عليه فيه الزكاة ، لأنه مالك ملكا تاما فكان كالحر.

ص: 301


1- سورة النحل : 75.
2- سورة الروم : 28.
3- وسائل الشيعة 6 - 60 ح 5.

وكذا من انعتق بعضه بغير المكاتبة إن بلغ نصيب الحرية نصابا ، وجب فيه الزكاة ، وإلا فلا.

وإذا أعتق المكاتب ، استقبل الحول مما في يده من حين العتق ، لأنه وقت استقرار الملك ، فلو ظهر بطلان العتق : إما بأن كان المدفوع معيبا ، أو ملك الغير ، أو أعتق الوارث وهناك دين خفي ولا شي ء بعد دفع الزكاة ، استردها ، لظهور عدم الاستحقاق وكون المدفوع مال الغير.

البحث الرابع: ( الملك التام )
اشارة

يشترط في وجوب الزكاة تمامية الملك ، فلا تجب الزكاة على غير مالك إجماعا. وأسباب نقص الملك ثلاثة :

السبب الأول: ( منع التصرف )

فلو منع المالك من التصرف في ماله ، لم تجب الزكاة فيه ، لأن التمكن من التصرف طول الحول شرط في الوجوب ، فلا تجب في المغصوب ، ولا الضال ، ولا المجحود بغير بينة ، ولا المسروق. لأنه ملك خرج عن يده وتصرفه وصار ممنوعا منه ، فلم يلزمه زكاته ، كمال المكاتب. وقول الصادق علیه السلام : لا صدقة على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك (1).

وإذا عاد صار كالمستعاد يستقبل به حولا من حين العود والتمكن من التصرف. ولا يجب عليه الزكاة عما مضى ، سواء عاد بتمامه أو لا.

نعم يستحب له إذا عاد بعد سنين أن يزكيه لسنة واحدة ، لقول الصادق علیه السلام : فإذا عاد خرج زكاة لعام واحد (2).

ص: 302


1- وسائل الشيعة 6 - 63 ح 6.
2- وسائل الشيعة 6 - 63 ح 7.

ولو غصبه (1) في أثناء الحول ثم عاد ، استأنف من حين العود ، لعدم الشرط حالة الغصب ، فيعدم المشروط.

والضال كالمغصوب لا زكاة فيه ، لأن النسيان عذر. وكذا لو دفنه في داره وضل عنه ، لأن المقتضي للوجوب وهو التمكن من التصرف منتف.

ولو أيسر المالك وحيل بينه وبين ماله ، فلا زكاة ، وإن تمكن من التصرف فيه بالبيع وشبهه ، لنقص التصرف. ولو تمكن من أنواع التصرفات فيه ، وجب لوجود الشرط ، وهو إمكان التصرف.

وأما الدين : فإن كان على معسر ، أو جاحد ، أو مماطل ، أو كان مؤجلا ، لم تجب فيه الزكاة ، لأن الشرط وهو التمكن من التصرف مفقود ، ولقول الصادق علیه السلام : كل دين يدعه صاحبه إذا أراد أخذه فعليه زكاته ، وما لا يقدر على أخذه فليس عليه زكاته (2). والمؤجل لا يقدر على انتزاعه ، فلم يكن متمكنا من التصرف.

وإن كان على ملي باذل ، فالأقوى عدم الوجوب أيضا ، سواء كان من النعم أو لا ، لأنه غير متعين ، وللمديون الخيار في تعيين القضاء من أي جهة شاء ، وإنما يتعين بالقبض ، فيكون ملكه ناقصا ، ولأنه غير تام ، فأشبه عوض المنفعة (3) ولقول الصادق علیه السلام : ليس في الدين زكاة (4).

فإذا قبضه ، استقبل الحول من حين القبض ، ولا يزكيه عما مضى ، ولا يحتسب من الحول أيضا ، لقول الكاظم علیه السلام وقد سأله إسحاق بن عمار الدين عليه زكاة؟ قال : لا حتى يقبضه ، قلت : فإذا قبضه عليه زكاة؟ قال : لا حتى يحول عليه الحول في يده (5).

ص: 303


1- في « س » غصب.
2- وسائل الشيعة 6 - 64 ح 5 و 14.
3- وسائل الشيعة 6 - 64 ح 4.
4- في « ق » فأشبه عرض النفقة.
5- وسائل الشيعة 6 - 62 ح 3.

وأما الغائب : فإن كان مقدورا معلوم علیه السلام ة ، وجبت الزكاة عليه ، لوجود المقتضي جامعا للشرائط. وينبغي أن يخرج في بلد المال ، ولو أخرج في غيره جاز ، ولا فرق بين أن يكون مستقرا في بلد أو سائرا. وإن لم يكن مقدورا عليه فلا زكاة ، لعدم التمكن منه.

والمستودع إذا جحد الوديعة ، فكالغاصب ، ولو كان له بينة وقدر على انتزاعه ، وجبت الزكاة.

ولو اشترى نصابا معينا ولم يقبضه حتى مضى حول في يد البائع ، فإن كان ممنوعا من قبضه ، أما من البائع أو من غيره ، فلا زكاة ، أما على البائع فلانتقال ملكه عنه ، وأما على المشتري فلعدم تمكنه من التصرف. وإن لم يكن ممنوعا من التصرف ولا من القبض ، وجبت عليه الزكاة ، لوجود المقتضي جامعا لشرائطه.

ولو لم يكن معينا ، كان كالدين ، ولو قبضه جرى في الحول من حينئذ ، سواء كان في مدة الخيار أو لا ، لأنه مالك تام الملك. وكذا لو شرط البائع خيارا لم يمنع وجوب الزكاة على المشتري ، إلا أن يفسخ قبل الحول.

والوقف من الغنم السائمة لا زكاة فيه لنقص التصرف ، ولأن الزكاة تجب في العين ، فتخرج عن الوقف.

السبب الثاني: ( تسلط الغير عليه )

فلا تجب في المرهون وإن كان في يده ، لأن تسلط الغير يمنع المالك من التصرف فيه. ولو كان قادرا على الافتكاك ، وجبت الزكاة ، لتمكنه من التصرف ، ولا يخرجها من النصاب ، لتعلق حق المرتهن به تعلقا مانعا من تصرف الراهن.

ولو رهن ألف درهم على ألف اقترضها وبقيت في يده حولا ، وجبت عليه الزكاة فيها لأنه ملك بالقرض ما اقترضه ، وهو متمكن من فك الرهن.

ص: 304

ومال القرض إن تركه المقترض بحاله حولا ، سقطت الزكاة عن المقترض ، لخروجه عن ملكه ، ووجبت على المقترض ، لأنه ملكه بالقرض ، ولقول الباقر علیه السلام : القرض زكاته على المقترض أن كان موضوعا عنده حولا (1). وليس على المقرض زكاته لأنه مال المقترض ليس ذلك لأحد غيره.

ولا زكاة في منذور الصدقة ، لتسلط حق الفقراء عليه إذا كان النذر قبل الحول ، ولو كان بعده لم ينعقد في الفريضة إذا نوى غير الزكاة فلم يضمنها.

ولو نذر جعل هذه الأغنام ضحايا. أو هذا المال صدقة قبل الحول ، سقطت الزكاة أيضا ، بل كان السقوط أقوى من منذور الصدقة ، لأن هذا خرج بالنذر عن ملكه ، بخلاف منذور الصدقة ، فإنه لا يخرج إلا بالصدقة.

ولو نذر الصدقة بأربعين شاة وأطلق ، لم تسقط الزكاة ، لأن الدين غير مانع. ولو كان النذر مشروطا ، احتمل الوجوب إذا حال الحول قبل الشرط ، لأنه مال مملوك حال عليه الحول. وعدمه ، لمنعه من التصرف فيه ، وهو الأقوى.

ولو استطاع بالنصاب ووجب الحج ، ثم مضى الحول على النصاب ، فالأقوى عدم منع الحج من الزكاة ، لتعلقها بالعين.

ولو اجتمع الدين والزكاة ، قدمت الزكاة ، لتعلقها بالعين والدين بالذمة.

ولو حجر الحاكم على المالك لإفلاسه ، ثم حال الحول ، فلا زكاة ، لأنه ممنوع من التصرف.

ولو استقرض الفقير نصابا وتركه حولا ، وجبت الزكاة عليه ، لأنه مالك نصابا ، والدين لا يمنع الزكاة لأنها متعلقة بالعين والدين متعلق بالذمة ، فيغاير المحل ، فلا منافاة.

ولو حجر عليه الحاكم بعد الحول ، لم تسقط الزكاة وتناول الحجر ما عدا الزكاة. وإن حجر قبل الحول ، فلا زكاة ، للمنع من التصرف وتسلط حق الغير

ص: 305


1- وسائل الشيعة 6 - 67.

عليه ، سواء قسمه الحاكم ، أو عينه من غير قسمة أو لا.

ولو اشترط المقترض الزكاة على المالك (1) ، لم يصح ، وكان الزكاة عليه ، لمخالفة الشرط مقتضى الدليل. وإن أبطلنا القرض لبطلان الشرط ، فالزكاة على المالك إن تمكن من التصرف ، وإلا فلا.

ولو عزل لأهله نفقة هي نصاب ، فإن كان حاضرا وحال الحول عليها ، وجبت الزكاة ، لأنها لم تخرج عن ملكه بمجرد العزل ، وهو متمكن من التصرف بحضوره.

وإن غاب قبل الحول ، فلا زكاة فيها ، لأنها في معرض الإتلاف.

ولو كسب نصابا ، وجب الخمس حال حصوله ، لكن أخره الشارع حولا إرفاقا به ، فإذا حال الحول فلا زكاة ، لتعلق الخمس به أولا ، فنقص عن النصاب.

السبب الثالث: ( عدم قرار الملك )

فلا يجري الموهوب في الحول إلا بعد القبول والقبض ، لأنه قبله غير مملوك ، ولا فرق بين المتهب الأجنبي والقريب ، لأن ملك الأجنبي وإن كان متزلزلا إلا أنه تام ، ولا يزول إلا بالرجوع.

ولو أوصى له بنصاب اعتبر الحول بعد الوفاة والقبول لتمام الملك لا بأحدهما ، نعم يشترط إمكان التصرف.

ولو استقرض نصابا ، جرى في الحول حين القبض ، لأن الملك يحصل به.

ولا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة ، سواء كانت جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة ، وسواء اختاروا التملك أو لا لأن الغانمين وإن ملكوا الغنيمة

ص: 306


1- في « س » على المقرض حال القرض.

باختيار التملك إلا أن ملكهم في غاية الضعف ولهذا يسقط بمجرد الإعراض. وللإمام أن يقسمها بينهم قسمة تحكم ، فيخص بعضهم ببعض الأنواع وبعض الأعيان إن اتحد النوع.

ولا يجوز مثل هذه القسمة في سائر الأملاك المشتركة إلا بالتراضي. وإنما يملك الغانم بالقسمة ، ولا يكفي عزل الإمام إلا بعد قبض الغانم.

ولو أصدقها نصابا معينا ، ملكته بالإصداق ، سواء دخل بها أو لا ، فإن قبضها إياه ، أو مكنها من التصرف فيه جرى في الحول حينئذ ، وإلا فلا. فإن حال الحول وهو مقبوض ، وجبت الزكاة عليها ، لاستقرار الملك حولا.

فإن طلقها قبل الدخول أخذ الزوج النصف كملا ، وكان حق الفقراء عليها أجمع ، لأنها مالكة للنصاب حولا ، وزوال ملكها عن النصف بالطلاق بعد استحقاق الفقراء لا يؤثر فيه لاستقرار الحكم بوجود علته التامة.

وإن كانت قد أخرجت الزكاة من العين ثم طلق ، أخذ نصف الصداق من الموجود ، ويجعل المخرج من نصيبها ، فإن تساوت القيم وكانت أغناما ، مثلا أخذ عشرين منها. وإن تفاوت أخذ النصف بالقيم ، ويحتمل أخذ نصف الأغنام الباقية ونصف قيمة الشاة المخرجة.

وإن كانت قد أخرجت من غير العين ، رجع الزوج بنصف الأربعين ، لأن الزكاة وإن تعلقت بالعين إلا أنها ليست على سبيل الشركة. ولو تلف النصف بتفريطها ، تعلق حق الساعي بالعين وضمنت للزوج.

ولو آجر داره حولين بأربعمائة درهم وقبضها ، وجب عند كمال الحول الأول زكاة الجميع ، وإن كان في معرض التشطير بالانهدام ، لثبوت الملك التام في الجميع. ولهذا لو كانت الأجرة جارية حل وطؤها ، والسقوط بالانهدام لا يوجب ضعف الملك ، كالزوجة تلزمها زكاة الصداق قبل الدخول ، وإن كان في معرض السقوط بارتدادها ، أو سقوط نصفه بالطلاق.

ويحتمل أن يقال : إنما يملك الموجر الأجرة شيئا فشيئا ، فحينئذ لا يجري

ص: 307

نصاب الزكاة في الحول الأول إلا عما تبين بعد تمامه لا غير ، إن تساوت أجرة السنين ، أو كانت أجرة المثل في الأول أكثر.

تتمة :

تشتمل على مسائل :

الأول : إمكان الأداء شرط في الضمان دون الوجوب ، فلو أتلف النصاب بعد الحول قبل إمكان الأداء ، وجبت عليه الزكاة ، سواء قصد بذلك الفرار أو لا. وكذا لو تلف بغير فعله بعد تمكنه من الأداء بعد الحول ، لأنه قصد بحبس الحق عن المستحق ، سواء طولب بالأداء أو لا.

ولو لم يتمكن من الأداء بعد الحول وتلف المال بغير تفريط منه ، لم يضمن ، كما لو جن بعد دخول وقت الصلاة قبل تمكنه من الأداء.

ولو تلف البعض بعد الحول قبل التمكن من الأداء ، سقط من الواجب على النسبة.

فلو حال الحول على خمس من الإبل ، ثم تلفت واحدة قبل التمكن من الإخراج ، سقط خمس الشاة ووجب الباقي ، لأنه قد استقر بالإمكان.

الثاني : الكافر عندنا مخاطب بفروع العبادات ، لوجود المقتضي وهو عموم الأمر السالم عن معارضة الكفر ، لعدم صلاحيته للمانعية ، لتمكنه من الفعل بتقديم الإسلام كالمحدث ، فحينئذ إذا ملك نصابا وحال عليه الحول وهو على الكفر ، وجب عليه الزكاة لكن لا يصح منه أدائها إلا بعد الإسلام.

فإذا أسلم بعد الحول سقطت عنه ، لقوله علیه السلام : الإسلام يجب ما قبله (1). ولو أسلم قبل الحول بلحظة ، وجبت الزكاة. ولو كان الإسلام بعد الحول ولو بلحظة ، فلا زكاة ، سواء كان المال باقيا أو تالفا بتفريط منه ، أو بغير تفريط. أما المسلم فإذا تمكن من الأداء بعد الوجوب وأهمل ضمن ، وكذا المرشد.

ص: 308


1- الخصائص الكبرى 1 - 349.

ولو قلنا بوجوب الزكاة في غلاة الأطفال والمجانين ومواشيهم ، ففرط الولي ، أو أتلف ، فالضمان عليه لا عليهما ، لسقوط التكليف في حقهما.

الثالث : مال اللقطة يجري في الحول من حين الملك ، وهو بعد حولان : حول التعريف ونية التملك عندنا ، وعند الشيخ أنه يدخل في ملكه بغير اختياره بعد حول التعريف ، فيبتدأ الحول من حينئذ وإن لم ينو التملك.

ص: 309

ص: 310

الفصل الثاني: ( في الشرائط الخاصة )

اشارة

إنك ستعلم أن الأجناس التي تجب فيها الزكاة تسعة ، تنقسم أقساما ثلاثة : الأنعام ، والغلاة ، والنقدان. فهنا مباحث :

البحث الأول: ( في شرائط الأنعام )
اشارة

وهي أربعة :

الأول : النصاب ، وسيأتي في كل جنس من الأجناس عند تفصيل الكلام فيها.

الثاني : الحول ، ولا خلاف بين العلماء في اعتباره في الأنعام والنقدين وزكاة التجارة ، لعموم قوله علیه السلام : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1). خرج عنه الغلاة ، فيبقى معمولا (2) به في الباقي.

والأصل فيه : أن ما اعتبر فيه الحول مرصد للنماء ، كالأنعام مرصدة للذر والنسل ، وعروض التجارة مرصدة للربح ، وكذا الأثمان ، فاعتبر له الحول ، فإنه مظنة النماء ، ليكون إخراج الزكاة من الربح فإنه أسهل ، ولأن الزكاة

ص: 311


1- سنن ابن ماجة 1 - 571 الرقم 1792.
2- في « س » معلولا.

وجبت مواساة. ولم تعتبر حقيقة النماء ، لكثرة اختلافه وعدم انضباطه ، فاعتبرت مظنته ، ولأنها تتكرر في هذه الأموال ، فلا بد لها من ضابط ، لئلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الفرض الواحد ، فينفد مال المالك.

أما الزرع والثمار فهي نماء في نفسها تكامل (1) عند إخراج الزكاة منها ، فتؤخذ الزكاة منها حينئذ ، ثم تعود في النقص لا في النماء ، فلا تجب فيها زكاة ثانية ، لعدم إرصادها للنماء ، ولقول الباقر والصادق علیهماالسلام : كل ما لم يحل عليه الحول عند ربه فلا زكاة عليه (2).

ويتم الحول بمضي إحدى عشرة شهرا كاملة عند استهلال الثاني عشر ، لقول الصادق علیه السلام : إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت عليه الزكاة (3). والأقرب احتساب الثاني عشر من الحول الأول.

وإذا دخل الثاني عشر ، وجبت الزكاة إن استمرت شرائط الوجوب في المال طول الحول ، ولا يكفي طرفاه. فلو اختل بعض الشرائط قبل كمال الحول ثم عاد ، استؤنف الحول من حين العود.

فلو عاوض النصاب بمثله ، أو بغير جنسه في أثناء الحول ، سقط اعتبار الأول واستؤنف الحول للثاني من حين ملكه ، لأنه أصل بنفسه ، فلم يبن على حول غيره ، ولقوله علیه السلام : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (4). ولو استرجع الأول ، استأنف الحول في الراجع من حين رجوعه أيضا.

ولو باع بعض النصاب قبل الحول ، أو أتلفه قصدا للفرار ، سقطت ، سواء كان قبل الحول بقليل أو كثير ، لأنه نقص قبل تمام حوله ، فلم تجب فيه الزكاة ، كما لو أتلفه لحاجته.

ولو باعه بشرط الخيار ثم استرده ، استأنف الحول ، لزوال ملكه بالبيع.

ص: 312


1- في « س » تكاملت.
2- وسائل الشيعة 6 - 82 ح 1.
3- فروع الكافي 3 - 526.
4- سنن ابن ماجة 1 - 571.

ولو حال الحول على النصاب الذي اشتراه بالخيار ولم تنقض مدته ، وجبت فيه الزكاة ، لوجود المقتضي. فإن اختار البائع الرجوع ، رجع في العين لتعلق حقه أولا ، وكانت الزكاة على المشتري. ولو كان قد أخرجها كان للبائع المطالبة بالقيمة عن المخرج.

ولو وجد المشتري به عيبا قبل إخراج زكاته ، فله الرد ، فإن الزكاة وإن وجبت في العين عندنا إلا أنه ليس باعتبار استحقاق الفقراء جزءا من العين ، بل بمعنى تعلق وجوبه به ، كتعلق الأرش بالجاني ، فإذا رد النصاب ، أخرج الزكاة من مال آخر. ولو أخرج الزكاة لم يكن له رد الباقي ، لما فيه من تفريق الصفقة ، ولحدوث عيب التنقيص.

ولو كان البيع فاسدا ، انقطع الحول به ، لعدم تمكن المالك من التصرف فيه ، ولا زكاة على المشتري ، لعدم تملكه له.

والسخال لا تعد مع الأمهات إلا بعد سومها ، وليس حول الأمهات حولها ، لقوله علیه السلام : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1). وابتداء حولها من حين السوم.

ولو كان عنده أربع ، ثم نتجت واحدة ، وجبت الشاة إذا استغنت السخلة بالرعي حولا. ولا فرق بين أن يكمل النصاب بالسخال أو بالأمهات ، في عدم ضمها إليها.

ولو كان عنده نصاب ، فنتج في أثناء الحول ، اعتبر لها حول بانفرادها ، ولا يكون حول أمهاتها حولها ، لقول الباقر علیه السلام : ليس في صغار الإبل والبقر والغنم شي ء إلا ما حال عليه الحول عند الرجل ، وليس في أولادها شي ء حتى يحول عليه الحول (2).

ص: 313


1- سنن ابن ماجة 1 - 571.
2- وسائل الشيعة 6 - 84 ح 5.
فروع :

الأول : لا فرق في عدم الانضمام بين أن يحدث قبل تمام الحول أو بعده ، ولا بين أن يحدث من نفس المال ، أو يستفيدها بالشراء والإرث والهبة وشبهها ، ولا بين أن يكون حدوث الفروع بعد بلوغ الأمهات نصابا أو لا.

الثاني : إذا حال على السخال الحول سائمة ، وجبت الزكاة ، وإن لم يكن معها كبار.

الثالث : لو باع النصاب بخيار فلم ينقض الحول حتى رد ، استقبل البائع به حولا من حين الرد ، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما ، لأنه تجديد ملك.

الرابع : لو تلف بعض النصاب قبل الحول ، فلا زكاة ، وبعده يجب في الجميع إن فرط وإلا فبالنسبة.

الخامس : لو ملك خمسا من الإبل نصف حوله ، ثم ملك أخرى ، ففي كل واحدة عند كمال حولها شاة ، لوجود المقتضي وهو تملك النصاب حولا.

ولو تغير الفرض بالثاني ، بأن ملك إحدى وعشرين ، وجبت الشاة عند تمام حول الخمسة الأولى ، لوجود المقتضي. وإذا كمل حول أحد وعشرين ، وجبت عليه أحد وعشرين جزءا من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض ، لأنه يصدق عليه أنه ملك ستة وعشرين من الإبل حولا ، وقد أخرج عن الخمس ما وجب عليه ، فيجب في الثاني بالنسبة من بنت المخاض.

ولو ملك عشرين من الإبل نصف حول ، ثم ملك عشرة أخرى ، وجب عند كمال حول العشرين أربع شياه ، فإذا كمل حول العشرة وجب ثلث مخاض. فإذا حال حول ثاني على العشرين ، فعليه ثلثا بنت مخاض.

[ فإذا حال الحول على العشر ، فعليه ثلث بنت مخاض (1) ].

ص: 314


1- الزيادة غير موجودة في « ق ».

وعلى هذا إذا حال الحول الثاني على الخمسة في الصورة الأولى ، وجب عليه خمسة أجزاء من ست وعشرين جزءا من بنت مخاض. فإذا كمل الحول الثاني لأحد وعشرين ، وجب عليه أحد وعشرون جزءا من ستة وعشرين جزءا من بنت مخاض.

ويحتمل في صورة الثلاثين ، وجوب أربع شياه عند كمال حول العشرين ، وشاتين عند كمال حول العشر وهكذا. لأن كلا منهما نصاب ، بخلاف الصورة الأخرى ، لأنا لو اعتبرنا كل واحد منهما بانفراده ، لم تجب في الواحدة الزائدة شي ء ، وهو ضرر على الفقراء.

السادس : لو ملك ثلاثين بقرة ستة أشهر ، ثم ملك عشرا ، وجب عند تمام حول الثلاثين تبيع أو تبيعة ، وعند تمام حول العشر ربع مسنة. فإذا تم حول الآخر على الثلاثين ، وجب عليه ثلاثة أرباع مسنة. وإذا حال آخر على العشرة ، فعليه ربع مسنة.

ويحتمل قويا وجوب التبيع عند كل حول للثلاثين ، وربع المسنة عند كل حول للعشرة.

ويحتمل أن لا ينعقد الحول على العشرة حتى يتم حول الثلاثين ، ثم يستأنف الحول على الجميع.

السابع : لو ملك أربعين من الغنم ، ثم ملك أربعين أخرى بعد ستة أشهر ، فعند تمام حول الأولى تجب فيها شاة ، فإذا تم حول الثانية ، فالوجه عدم وجوب شي ء فيها ، لأن الثمانين ملك لواحد ، فلا تجب فيها أكثر من شاة ، كما لو ملكها دفعة.

ولقول الباقر والصادق علیهماالسلام في الشاة في كل أربعين شاة شاة ، وليس فيما دون الأربعين شي ء. ثم ليس فيهما شي ء حتى تبلغ عشرين ومائة ، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها شاتان (1).

ص: 315


1- وسائل الشيعة 6 - 78 ح 1.

فإن تلفت الأولى قبل الحول فابتداء حول الثانية من حين ملكها لا من حين تلف الأولى ، لأن المقتضي لعدم الاحتساب - وهو وجوب الشاة في الأولى مفقود وعدم اعتباره لو وجبت الشاة لسلامة نصابها لا يخرجها عن حصولها في ملكه حولا.

وإن تلفت بعده ، فابتداء حول الثانية من حين انتهاء حول الأولى.

ولو ملك في الثانية ما يغير الفرض ، كما لو ملك مائة ، وجب عليه عند كمال حول الأولى شاة ، فإن كمل حول الثانية ، وجب ما يخصها من الشاة الثانية كما تقدم.

الثامن : قد بينا أن المرتد تجب عليه الزكاة ، فإن كان ارتداده عن فطرة بعد الحول ، وجب إخراج الزكاة ، فإن كان قبله استأنف ورثته الحول حينئذ ، لتجدد ملكهم حين الارتداد. وإن كان عن غير فطرة لم يزل ملكه ، وإذا حال الحول وهو باق لم يحجر عليه وجبت الزكاة ، وإلا فلا.

التاسع : لو كان عنده أربعون شاة ، فضلت واحدة ثم عادت قبل حؤول الحول أو بعده ، قال الشيخ : وجبت عليه شاة (1). لأن النصاب والملك وحولان الحول قد حصلت فيه ، وإن قلنا إنها حين ضلت انقطع الحول ، لأنه لم يتمكن من التصرف فيها مثل مال الغائب ، فلا يلزمه شي ء وإن عادت كان قويا.

وما قواه الشيخ هو الحق ، لكن ينبغي مراعاة الاسم هنا ، فلو ضلت لحظة ، ثم عادت لم يعتد بها ووجبت الزكاة ، لصدق ملكه النصاب حولا.

الشرط الثالث : السوم ، وهو قول علمائنا أجمع ، لقوله علیه السلام : في سائمة الغنم الزكاة (2). دل بمفهومه على نفيها عن المعلوفة ، وعن علي علیه السلام : ليس في البقر العوامل صدقة (3). وقال الباقر والصادق عليهما

ص: 316


1- المبسوط 1 - 203.
2- وسائل الشيعة 6 - 81 ح 6 ما يدل على ذلك.
3- وسائل الشيعة 6 - 81 ح 5.

السلام : ليس على المعلوفة شي ء ، إنما ذلك على السائمة الراعية (1). ولأن الزكاة تجب في المال النامي والعلف يستوعبه.

ويشترط سومها طول الحول ، لأن السوم شرط في الزكاة ، فاعتبر في جميع الحول كالملك وكمال النصاب ولأن العلف مسقط والسوم موجب ، فلما اجتمعا غلب المسقط ، كما لو ملك نصابا بعضه سائمة وبعضه معلوفة.

ولا يكفي السوم أكثر الحول ، وللشيخ قول أنه لو علفها بعض الحول اعتبر الأغلب. وليس بجيد.

فلو اعتلفت ولو يوما في أثناء الحول ثم عاده إلى السوم استؤنف الحول حينئذ. ويحتمل اعتبار الاسم وصدقه ، فإن صدق عليها السوم طول الحول مع العلف يوما وجبت الزكاة. أما اللحظة الواحدة فلا عبرة بها ، ولا يخرج عن كونها سائمة.

ولا فرق في الإسقاط بالعلف بين أن يعلفها مالكها ، أو غيره بإذنه ، أو بغير إذنه من مال المالك ، أو اعتلفت من نفسها. ولا بين كون العلف لعذر كالثلج أو لا ، لانتفاء الشرط في هذه الأحوال كلها.

ولا زكاة في السخال حتى تستغني عن الأمهات وتسوم حولا لما تقدم. ولو علفها الأجنبي من مال نفسه ، احتمل السقوط ، لانتفاء الشرط. والوجوب ، لمساواته السوم في خفة المئونة عن المالك.

الشرط الرابع : أن لا تكون عوامل ، لقوله علیه السلام : ليس على البقر العوامل شي ء (2). وقول الباقر والصادق علیهماالسلام : ليس على الإبل والبقر العوامل شي ء ، إنما الصدقة على السائمة الراعية (3). ولأن مناط الوجوب النمو ، والإيجاب في العوامل ينافيه. والأصح عدم اشتراط الأنوثية عملا بالعموم.

ص: 317


1- وسائل الشيعة 6 - 80 ح 1.
2- وسائل الشيعة 6 - 80.
3- وسائل الشيعة 6 - 81 ح 5.
البحث الثاني: ( في شرائط الغلاة )

وهي ثلاثة :

الأول : النصاب ، وسيأتي.

الثاني : بدو الصلاح ، فلا تجب الزكاة قبله بالإجماع ، لأن الوجوب يتناول الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، وإنما يسمى بذلك بعد بدو الصلاح فلا وجوب قبله.

ونعني به اشتداد الحب واحمرار الثمرة أو اصفرارها وانعقاد الحصرم على الأقوى ، لنص أهل اللغة على أن البسر نوع من التمر ، وإذا وجب في البسر فكذا في الحب المشتد والحصرم ، لعدم القائل بالفرق.

الثالث : تملك الغلة بالزراعة لا بغيرها ، فلو اشترى الغلة أو الثمرة بعد بدو الصلاح ، فالزكاة على البائع ، لأن السبب وجد في ملكه فيوجد المسبب.

ولو اشترى الزرع أن الثمرة قبل بدو الصلاح ، ثم بدا صلاحها في ملكه ، فالزكاة عليه.

ولو مات المالك وعليه دين مستوعب ، فالزكاة واجبة إن مات بعد بدو الصلاح ، لتعلق الزكاة بالعين ، فهي أولى من الدين المتعلق بالذمة.

ولو مات قبل بدو الصلاح ، فلا زكاة ، سواء قلنا بانتقال التركة إلى الوارث ، أو قلنا إنها على حكم مال الميت ، لمنع الوارث من التصرف فيها ، فانتفى شرط الوجوب. ولو لم يستوعب الدين التركة ، فإن فضل قدر النصاب ، وجبت الزكاة ، لانتقال التركة إلى الوارث.

وعامل المساقاة والمزارعة ، تجب عليه الزكاة ، إن بلغ نصيبه النصاب على الأقوى ، لأنه ملك نصابا قبل بدو الصلاح.

ص: 318

البحث الثالث: ( في شرائط النقدين )
اشارة

وهي ثلاثة :

الأول : النصاب ، وسيأتي.

الثاني : الحول. وهو حول الأنعام ، وقد سبق.

الثالث : كونهما مضروبين دراهم ودنانير منقوشين بسكة المعاملة ، أو ما كان يتعامل بها ، فلا زكاة في السبائك والنقار ، لأنها تجري مجرى الأمتعة ، ولقول الكاظم علیه السلام : ليس في سبائك الذهب ونقار الفضة زكاة ، وكل مال لم يكن ركازا فلا زكاة فيه. قال علي بن يقطين قلت : وما الركاز؟ قال : الصامت المنقوش (1). وعن الصادق والكاظم علیهماالسلام : ليس على التبر زكاة ، إنما هي على الدنانير والدراهم (2).

والحلي ، لا زكاة فيه سواء كان محرما كحلي المرأة للرجل أو محللا ، لقوله علیه السلام : ليس في الحلي زكاة (3). وقول الصادق علیه السلام وقد سأله بعضهم في الحلي زكاة ، فقال : لا (4). ولأنه معد للانتفاع لا للاستمناء ، فأشبه ثياب البذلة والعوامل ، ولأن الزكاة تجب في مال تام والنقد غير تام في نفسه ، إنما يلحق بالناميات لكونه متهيأ للإخراج وبالصياغة بطل التهيؤ.

فروع :

الأول : لو فر بسبك الذهب والفضة ، فإن كان قبل الحول ، فلا زكاة ، وإلا وجبت. وقد تقدم مثله.

الثاني : لا يضم الدراهم إلى النقار ، ولا السبائك إلى الذهب.

ص: 319


1- وسائل الشيعة 6 - 105 ح 2.
2- وسائل الشيعة 6 - 106 ح 5.
3- وسائل الشيعة 6 - 106 ح 2.
4- وسائل الشيعة 6 - 106 ح 4.

الثالث : لو كان الحلي معدا للإجارة أو غيرها من وجوه الاكتساب ، لم تجب فيه الزكاة ، لعدم الشرط وهو النقش.

الرابع : لو كسرت بعد نقشها ، فإن خرجت عن النقش بالكلية وصارت مطحونة ، سقطت الزكاة عنها ، وإلا وجبت.

الخامس : لو صاغ الدراهم أو الدنانير حليا محرما أو محللا ، فلا زكاة إن كان قبل الحول وإن قصد الفرار ، كما قلنا لو عاوض النصاب بمثله في الحول ، أو أخرجه بسبب من الأسباب.

ولو باع في الأثناء بطل الحول ، لخروجه عن ملكه ، فإن عاد بفسخ العيب أو خيار ، استؤنف الحول حين العود ، لتجدد الملك حينئذ.

ص: 320

الفصل الثالث: ( في المحل )

اشارة

إنما تجب الزكاة عند علماء آل محمد علیهم السلام في تسعة أجناس : الإبل والبقر والغنم ، والحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والذهب والفضة. لأصالة البراءة ، وقول الصادق علیه السلام : الزكاة على تسعة أشياء : الذهب والفضة ، والحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والإبل والبقر والغنم. وعفا رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله عما سوى ذلك (1). ويستحب فيما يأتي :

فهنا مطالب :

المطلب الأول: ( في زكاة الأنعام )
وفيه مباحث :
البحث الأول: ( في زكاة الإبل )
اشارة

وفيه مقامات :

ص: 321


1- وسائل الشيعة 1 - 34 ح 4 و 5.
المقام الأول: ( في مقادير النصب والفرائض )

وهي اثنا عشر نصابا : الأول : خمس. الثاني : عشر. الثالث : خمسة عشر. الرابع : عشرون. الخامس : خمس وعشرون. السادس : ستة وعشرون. السابع : ستة وثلاثون. الثامن : ست وأربعون. التاسع : إحدى وستون. العاشر : ستة وسبعون. الحادي عشر : إحدى وتسعون. الثاني عشر : مائة وإحدى وعشرون.

للإجماع على أنه لا زكاة فيما دون الخمس. وقال الباقر والصادق علیهماالسلام : ليس في الإبل شي ء حتى تبلغ خمسا ، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة ، ثم في كل خمس شاة حتى تبلغ خمسا وعشرين ، فإذا زادت عن خمس وعشرين ففيها بنت مخاض ، فإذا لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكرا إلى خمس وثلاثين ، فإذا زادت على خمس وثلاثين فابنة لبون إلى خمس وأربعين ، فإذا زادت فحقة إلى ستين ، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين ، فإذا زادت فابنتا لبون إلى تسعين ، فإذا زادت فحقتان إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون (1). وليس في شي ء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف.

إذا عرفت هذا ففي كل خمس من الإبل شاة إلى خمس وعشرين ، فإذا بلغت ذلك ففيها خمس شياه ، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون ، ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ ستة وأربعين ففيها حقة ، ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ إحدى وستين ففيها جذعة ، ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ ستة وسبعين ففيها بنتا لبون ، ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ إحدى وتسعين ففيها حقتان ، ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ مائة وإحدى وعشرين ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين بنت لبون ، وهكذا في الزائد مطلقا ، ففي كل مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون. ثم ليس فيها شي ء إلى أن تبلغ مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا

ص: 322


1- وسائل الشيعة 6 - 73 ح 3.

لبون ، ثم ليس فيها شي ء حتى تبلغ مائة وأربعين ففيها حقتان وبنت لبون وهكذا.

المقام الثاني: ( في الأسنان )

الشاة المأخوذة في الإبل والغنم أقلها الجذع من الضأن ، وهو ما كمل سبعة أشهر. ومن المعز الثني ، وهو ما كمل سنة ودخل في الثانية ، لقول سويد بن غفلة : أتانا مصدق رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله قال : نهينا أن نأخذ المواضع وأمرنا بالجذعة والثنية (1). والخيار إلى المالك (2) في إخراج أيهما شاء ، لإجزاء كل منهما. ويجزي الذكر والأنثى ، لصدق الإطلاق فيهما.

وبنت المخاض : ما كمل لها سنة ودخلت في الثانية ، فصارت أمها ماخضا أي حاملا.

وبنت اللبون : هي التي لها سنتان ودخلت في الثالثة ، فصارت أمها ذات لبن.

والحقة : ما كمل لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة ، فاستحقت أن يطرقها الفحل وأن تحمل.

والجذعة : ما كمل لها أربع سنين ودخلت في الخامسة ، وهي أعلى أسنان الإبل المأخوذة في الزكاة.

وليس كون الأم ماخضا شرطا في بنت المخاض ، وإنما ذكر ذلك للتعريف بغالب حالها. وكذا بنت اللبون.

ص: 323


1- جامع الأصول 8 - 326.
2- في « س » الباذل.
المقام الثالث: ( في الإبدال )
اشارة

من وجب عليه سن من الإبل وليست عنده ، بل أرفع منها بدرجة ، أو أنزل بدرجة ، دفع ما عنده واسترجع من العامل شاتين ، أو عشرين درهما ، أو دفع ذلك إليه ، إلا في بنت المخاض فلا يأخذ أنزل منها ، لأنها أدون أسنان الإبل إلا بالقيمة السوقية ، وإلا الجذعة فإنه لا يأخذ أعلى منها إلا بالقيمة أيضا ، لأنها أعلى أسنان ما يؤخذ في الزكاة.

لقوله علیه السلام : ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة ، فإنه تقبل منه الحقة ، ويجعل معها شاتين إن استيسر ماله أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين (1).

ونحوه عن علي علیه السلام وساق في الحديثين أسنان الإبل ، فلو وجبت عليه بنت مخاض وعنده بنت لبون دفعها واسترجع شاتين أو العشرين.

وكذا بين بنت اللبون والحقة والجذعة ، ولا جبران بين بنت المخاض وابن اللبون ، بل يجبر علو سنه نقص ذكوريته.

فلو وجب عليه بنت مخاض وليست عنده وعنده ابن لبون ذكر دفعه ولا شي ء له ولا عليه ، لقول علي علیه السلام : ومن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون ، فإنه يقبل منه وليس معه شي ء (2).

فروع :

الأول : لو وجد من وجب عليه سن الأعلى والأدون ، تخير في دفع أيهما شاء ، فإن دفع الأعلى استرجع من المصدق وإن دفع الأدون دفع الجبران ، ولا

ص: 324


1- وسائل الشيعة 6 - 87 ، جامع الأصول 8 - 310.
2- نفس المصدر من الوسائل.

خيار للعامل في ذلك بل للمالك ، لأن التخيير في الرواية له ، وكذا له أخذ الشاتين أو الدراهم وفي دفع الشياه أو الدراهم لاقتضاء « أو » ذلك.

الثاني : الظاهر أن الشرع بنى هنا على الغالب من مساواة المدفوع مع أخذ الجبران ، أو استرداده الفريضة ، أو نقصها عنه بشي ء يسير أو زيادتها عليه كذلك ، فلو نقصت نقصانا فاحشا أو زادت كذلك ، فالوجه الرجوع إلى القيمة السوقية ، أو دفع ما يساوي مع الجبران الفريضة.

فلو دفع عن بنت اللبون حقة واسترجع الشياه أو الدراهم فساوى الباقي من الحقة بعد دفع الراجع بنت المخاض ، فالأقرب عدم الإجزاء.

الثالث : لو تضاعفت الدرجة ، احتمل وجوب القيمة السوقية ، اقتصارا بالتقدير الذي لا يعقل معناه على مورده وتضاعف الشياه والدراهم ، لأن مساوي المساوي مساو.

الرابع : إنما يجزي ابن اللبون مع عدم بنت المخاض ، سواء تمكن من شرائها أو لا.

ولو كان عنده بنت مخاض مريضة فكالمعدومة ، لأنها غير مقبولة.

ولو كان عنده بنت مخاض أعلى صفة من الواجب فإن تبرع بها كان أفضل وإلا أجزأه ابن اللبون أو يشتري بنت مخاض على صفة الواجب.

ولو عدم بنت المخاض وعنده ابن لبون وبنت لبون ، تخير في دفع ابن اللبون من غير جبر ، ودفع بنت اللبون مع استرجاع الجبران.

ولو عدم بنت المخاض وابن اللبون ، جاز أن يشتري أيهما شاء ، لأنه مع ابتياعه يكون واجدا لابن اللبون فأجزأه.

الخامس : لا يجزي الحقة عن بنت اللبون ، ولا الجذع عن الحقة ، لأنه تخط عن موضع النص في التقديرات. نعم يجزي لو ساواه قيمة على سبيل القيمة ، كغيره من أنواع القيم.

ص: 325

السادس : يجزي بنت اللبون عن بنت المخاض ، والحقة عن بنت اللبون ، والجذعة عن الحقة ، لأنها تجزي مع استرجاع الجبران ، فمع عدمه أولى. ويجزي عن أزيد من نصاب السفلى فعنه أولى.

وهل تجزي بنت المخاض عن خمس شياه مع قصور قيمتها عنها؟

إشكال ، ينشأ : من أنه غير الواجب ، فلا تجزي إلا بالقيمة والتقدير القصور ، فيكون قد أدى بعض الواجب. ومن أجزائها عن ست وعشرين ، فعن خمس وعشرين أولى. وعلى هذا لو أخرج بنت المخاض عن شاة واحدة لنقص قيمتها عنها ، فالإشكال بحاله ، والأول أقوى. وكذا البحث لو أخرج عن الجذعة بنتي لبون.

السابع : يخرج عن الإبل من جنسها ، فعن البخاتي بختية ، وعن العراب عربية ، وعن السمان سمينة وعن المهازيل مهزولة.

ولو اجتمع الصنفان في نصاب ، أخرج فريضة بالنسبة بعد التقسيط. ويحتمل إجزاء أيهما شاء إذا كانت بالصفة الواجبة ، لأنهما في الزكاة جنس واحد.

الثامن : يجوز أن يدفع عن الإبل من شياه البلد وغيرها وإن كان أدون قيمة ، لتناول الاسم لهما ، أما الغنم فالفريضة تجب في العين ، فلا تدفع من غير صنفها إلا بالتقويم على إشكال.

التاسع : أسنان غير الإبل إنما تنتقل عنها إلى غيرها بالتقويم ، فلو وجب عليه تبيع أو تبيعة وعنده مسنة أو بالعكس ، دفعها إن شاء أو غيرها بالقيمة.

العاشر : لو كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة ، فله أن يعدل إلى السن السفلى مع دفع الجبران ، وليس له أن يصعد مع أخذ الجبران ، لأن الجبران أكثر من الفضل الذي بين الفرضين. وقد يكون الجبران من الأصل ، فإن قيمة الصحيحين أكثر من قيمة المريضين ، وكذلك قيمة ما بينهما ، فلم يجز الصعود وجاز النزول ، لأنه متطوع.

ص: 326

ولو كان المخرج ولي يتيم ، لم يجز له دفع الفضل ، فيجب شراء الفضل من غير المال.

الحادي عشر : لو اجتمع نصابان ، تخير المالك ، كما في مائتين يجوز له دفع أربع حقاق ، أو خمس بنات لبون. ولا يجزي حقتان وبنتا لبون ونصف إلا بالقيمة ، لأن التشقيص عيب. ويجزي في أربعمائة أربع حقاق وخمس بنات لبون ، لانتفاء المانع.

البحث الثاني: ( في زكاة البقر )

للبقر نصابان :

الأول : ثلاثون ، وفيه تبيع أو تبيعة ، وهو ما كمل سنه ودخل في الثانية فيتبع أمه في الرعي ، أو تبع قرنه أذنه.

الثاني : أربعون وفيها مسنة ، وهي ما كمل لها سنتان ودخلت في الثالثة ، وهكذا فيما زاد في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ، وفي كل أربعين مسنة. ولا يجز المسن عن أربعين ، ويجزي عن ثلاثين لإجزاء التبيع فالمسن أولى ، ولا شي ء فيما نقص عن ثلاثين إجماعا.

ولما بعث النبي صلی اللّه علیه و آله معاذا أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة (1).

وقال الباقر والصادق علیهماالسلام في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ، وليس في أقل من ذلك شي ء حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة ، ثم ليس فيها شي ء حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان ، ثم في سبعين تبيع أو تبيعة ومسنة ، وفي ثمانين مسنتان ، وفي تسعين ثلاث تبايع (2).

ص: 327


1- جامع الأصول 8 - 322.
2- وسائل الشيعة 6 - 77 ب 4.

والجاموس كالبقر بالإجماع.

ولا يجزي الذكر في الزكاة أصلا إلا في البقر ، وابن اللبون ليس بأصل بل هو بدل عن ابنة مخاض. وإنما يجزي الذكر في البقر عن الثلاثين ، وما تكرر منها كالستين والسبعين ، وما تركب من الثلاثين وغيرها كالتسعين. وأما الأربعون وما تكرر منها فلا يجزي في فرضها الذكور ، إلا أن يخرج عن المسنة تبيعين.

ولو بلغت البقر مائة وعشرين اتفق الفرضان ، فيتخير المالك بين إخراج ثلاث مسنات أو أربعة أتبعة.

هذا كله إذا كانت البقر أناثا ، ولو كانت كلها ذكورا أجزأ الذكر منها بكل حال ، لأن الزكاة مواساة فلا يكلف المشقة بالإخراج من غير ماله. ويحتمل عدم إجزاء الذكور في الأربعينات ، لورود النص على المسنة.

ولا زكاة في بقر الوحش ، لعدم انصراف الإطلاق إليه ، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام ، فأشبهت الوحوش.

البحث الثالث: ( في زكاة الغنم )

وللغنم خمس نصب :

الأول : أربعون ، وفيها شاة.

الثاني : مائة وإحدى وعشرون ، وفيها شاتان.

الثالث : مائتان وواحدة ، وفيها ثلاث شياه.

الرابع : ثلاثمائة وواحدة ، وفيها أربع شياه على الأقوى.

الخامس : أربعمائة ، ففي كل مائة شاة. وهكذا فيما زاد أبدا في كل مائة شاة.

ولا خلاف في النصب الثلاثة السابقة ، بل في الرابع ، فقيل : إنه ينتقل

ص: 328

الفرض إليه في كل مائة شاة ، وتظهر الفائدة في الوجوب والضمان.

والأصل في ذلك الرواية الصحيحة عن الباقر والصادق علیهماالسلام في الشياه في كل أربعين شاة شاة ، وليس فيما دون الأربعين شي ء حتى تبلغ عشرين ومائة ، فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها شاتان ، وليس فيها أكثر من شاتين حتى تبلغ مائتين ، فإذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك ، فإذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه ، ثم ليس فيها شي ء أكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاثمائة فإذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه ، فإذا زادت واحدة ففيها أربع حتى تبلغ أربعمائة ، فإن بلغت أربعمائة كان على كل مائة شاة وسقط الأمر الأول ، وليس على ما دون المائة بعد ذلك شي ء ، وليس في النيف (1) شي ء وقالا : كل ما لا يحول عليه الحول عند ربه فلا شي ء عليه ، فإذا حال عليه الحول وجب عليه (2).

البحث الرابع: ( في الأشناق )

كل ما نقص عن النصاب يسمى في الإبل « شنقا » وفي البقر « وقصا » وفي الغنم وباقي الأجناس « عفوا ».

فلو كان عنده تسع من الإبل ، كان النصاب فيها خمسا والأربع شنق لا شي ء فيه ، ولا يتعلق الزكاة به. فلو تلف بعد الحول أربع بغير تفريط ، وجبت الشاة كملا.

لقوله علیه السلام : ليس في الزائد شي ء حتى تبلغ ستا وثلاثين ، فإذا بلغتها ففيها بنت لبون (3). وقول الباقر والصادق علیهماالسلام في زكاة الإبل ليس في النيف شي ء ، وليس في الكسور شي ء (4). ولو تلف خمس بغير

ص: 329


1- في « ق » الوصف.
2- وسائل الشيعة 6 - 78 ح 1.
3- وسائل الشيعة 6 - 74 ح 6.
4- وسائل الشيعة 6 - 74 ح 6.

تفريط ، سقط خمس الشاة.

ولو حال الحول على ثلاثمائة وواحدة من الغنم ، ثم تلف بغير تفريط مائة ، سقطت من أربع شياه مائة جزء من ثلاثمائة جزء. ولو تلفت واحدة لا غير ، سقط من ثلاثمائة جزء وجزء من أربع شياه جزء واحد.

هذا إن أوجبنا في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه ، وإن أوجبنا في كل مائة شاة ، فتلفت من ثلاثمائة وواحدة شاة واحدة ، لم تسقط من ثلاث شياه شي ء ، لأنهم أوجبوا في كل مائة شاة ، والشاة التالفة زائدة على ما علقوا الوجوب به ، ولا يلزم من كون الشاة شرطا في تغير الفرض ووجوب شاة في كل مائة تعلق الوجوب فيها ، وهو المراد بقولنا « وتظهر الفائدة في الوجوب والضمان ».

ولو تلف مائة ، وجب شاتان ، لانعقاد النصاب أولا على وجوب كل مائة. ويحتمل وجوب ثلاث ، لأنه مالك لمائتين وواحدة حولا.

ولو اشترك اثنان في نصاب واحد ، فلا زكاة ، سواء كانت الخلطة خلطة أعيان أو أوصاف ، لأن كل واحد منهما يقصر نصيبه عن النصاب ، فلا زكاة لعدم الشرط ، ولأن النصاب شرط كالحول ، فكما لا يبنى حول شخص على آخر ، فكذا في النصاب.

ولا فرق بين الأنعام وغيرها في عدم الاعتداد بالخلطة.

ولا يفرق بين مالي شخص واحد وإن تباعدا ، فلو كان له عشرون من الغنم في بلد ومثلها في آخر وسامت حولا ، وجبت الشاة. كما لا يجمع بين مالي شخصين ، وإن اتفقا في المرعى والمسرح والراعي والفحل وغيرها.

ولو باع صاحب النصاب نصفه قبل الحول ، فلا زكاة.

ولو استأجر راعيا بشاة من النصاب قبل الحول ، سقط الحول ، سواء أفردها أو خلطها ، لنقصان الملك عن النصاب.

ص: 330

البحث الخامس: ( في صفة الفريضة )

لا تؤخذ المريضة من الصحاح ، لأنها أقل من الواجب ، فلا تكون مجزية ، لقوله تعالى ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) (1).

ولا الهرمة ، ولا ذات العوار وهي المعيبة ، لقوله علیه السلام : لا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق (2). والمراد بتيس الغنم فحلها ، لنقصه وفساد لحمه ، أو للانتفاع بضرابه ، إلا أن يكون جميع المال من جنس المأخوذ ، فيجوز.

ولا تؤخذ الذكر من الإناث في الإبل والبقر ، لأن في الأنوثة رفق في الذر والنسل ، إلا في التبيع من البقر وابن اللبون عوضا عن بنت المخاض. والأقرب جواز الذكر في الغنم ، لقوله علیه السلام في أربعين شاة (3). والشاة تقع على الذكر والأنثى.

ولو كان نصاب الغنم ذكرانا كله ، أجزأ الذكر قطعا ، وهل يجزي في البقر والإبل لو كانت ذكرانا كلها؟ إشكال ، ينشأ : من نصه علیه السلام على الأنثى في فرائض الإبل والبقر ، وقال : من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا (4). ولأن فرائض الإبل تتغير بزيادة السن ، فإذا جوزنا إخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفريضتين ، لأنه يخرج ابن اللبون عن ست وعشرين ويخرجه عن ست وثلاثين.

ومن أن الزكاة تجب في العين ، فلا يكلف شراء الأنثى كالمعيب ، وحينئذ فالأقرب عدم وجوب الأخذ بالنسبة ، فلا يشترط أخذ ابن لبون من ست وعشرين قيمته دون قيمة ابن لبون يأخذه من ستة وثلاثين ، ويكون بينهما في

ص: 331


1- سورة البقرة : 267.
2- جامع الأصول 8 - 321.
3- وسائل الشيعة 6 - 78.
4- جامع الأصول 8 - 310.

القيمة كما بينهما في العدد ، ويكون الفرض بصفة المال للأمر بالمطلق.

ولو كثرت قيمة المعيبة ، فالأقرب عدم إجزائها عن الصحيحة ، للنهي عن أخذها ، ولاشتماله على الإضرار بالفقراء ، ولهذا يستحق ردها في البيع وإن كثرت قيمتها. ويحتمل قويا الإجزاء إذا اشتمل على قيمة الصحيحة.

ولو اشتمل المال على صحاح ومراض ، أخرج صحيحة قيمتها على قيمة المالين ، أو معيبة كذلك.

ولو كان النصاب كله مراضا إلا بقدر الفرض ، فإن تطوع به وإلا أخرج مريضة على قدر النسبة أو صحيحة كذلك. فلو كان الأربعون مراضا إلا واحدة أخرج شاة بقيمة تسعة وثلاثين جزءا من أربعين جزءا من مريضة وجزءا من أربعين من صحيحة.

ولو كان نصف النصاب صحاحا ونصفه مراضا ، ووجب فيه حقتان أو ابنتا لبون ، جاز إخراج حقة مريضة وأخرى صحيحة ، أو بنتي لبون كذلك.

ولا اعتبار بقلة المعيب وكثرته على إشكال ، فله إخراج ما عيبه أفحش عن النصاب المعيب.

ولو وجد المعيب وزيادة آخر مغاير ، فالوجه عدم الإجزاء ، لأن النصاب كالصحيح بالنسبة إلى الزائد.

ولا تؤخذ الربى ، وهي التي قد وضعت ولدها وهي تربيه إلى خمس عشر يوما ، وقيل : إلى خمسين.

والضابط استغناء الولد عنها ، لما فيه من الإضرار بالمالك.

ولا الماخض وهي الحامل. ولا الأكولة وهي السمينة المعدة للأكل. لقوله علیه السلام : إياك وكرائم أموالهم (1).

ص: 332


1- وسائل الشيعة 6 - 84 و 91.
البحث السادس: ( في اللواحق )

الأول : قد سبق أن نصب الإبل إنما تستقر إذا زادت على مائة وعشرين ، ولا يكفي الزيادة بشقص واحدة ، بل لا بد من زيادة واحدة كملا ، لأن في بعض الروايات عن الباقر والصادق علیهماالسلام تفسير الزيادة بالواحدة قالا علیهماالسلام : فإذا بلغت عشرين ومائة ففيها حقتان طروقة الفحل ، فإذا زادت واحدة على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون (1).

الثاني : في مائة وعشرين حقتان ، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون ، وهل للواحدة قسط من الواجب؟ يحتمل العدم ، لقوله علیه السلام : في كل أربعين بنت لبون (2). ولو كان لها قسط ، لكان في كل أربعين وثلث بنت لبون ، والأقوى الثبوت ، لأن الواجب بالواحدة يتعلق الوجوب بها كالعشارة وغيرها.

فلو تلفت الواحدة بعد الحول وقبل إمكان الأداء ، سقط من الواجب جزء من مائة وإحدى وعشرين جزءا.

الثالث : لا يتعين الواجب بعد الثلاثين إلا بزيادة عشر ، فإذا وجب عدد من بنات اللبون ثم زادت عشر أبدلت بنت اللبون بحقة ، فإن زادت عشرا أخرى أبدلت أخرى. وهكذا إلى أن يصير الكل حقاقا.

فإذا زادت بعد ذلك ، أبدلت الحقاق كلها بنات اللبون وزيدت واحدة ، ففي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات.

فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها بنتا لبون وحقة ، وإذا صارت مائة وأربعين ففيها بنت لبون وحقتان ، فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق ، فإذا

ص: 333


1- وسائل الشيعة 6 - 72 ح 1.
2- نفس المصدر.

صارت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون ، فإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات لبون وحقة.

فإذا بلغت مائة وثمانين ففيها بنتا لبون وحقتان ، فإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون ، وهكذا دائما.

الرابع : لا تجزي الخنثى عن الأنثى في الإبل ، والمسنة تجزي عن الذكر فيهما ، فتجزي الخنثى من أولاد اللبون ، لأنه إما ذكر ويؤخذ بدلا من بنت المخاض ، أو أنثى وهو بالجواز أولى ، ولا جبران له لجواز الذكورية.

الخامس : الضأن والمعز جنس واحد ، يكمل أحدهما بالآخر في نصاب الغنم. كما أن الجاموس والعراب في البقر جنس. وكما في الإبل العراب والبخاتي بالإجماع.

السادس : الأقرب أنه لا يتعين عليه غالب غنم البلد ، فلو كان الغالب الضأن أجزأه المعز وبالعكس ، لقوله علیه السلام في خمس من الإبل شاة (1). واسم الشاة يقع عليهما ، فصار كالأضحية لا يتعين فيها غنم البلد.

السابع : قد بينا أن الأقرب إجزاء بعير عن شاة ، وهل يقع الكل فرضا؟ يبنى على أن الشاة الواجبة في الإبل أصل بنفسها أو بدل عن الإبل ، احتمال ينشأ : من أن اقتضاء ظاهر النص الأول. ومن أصالة وجوب جنس المال ، إلا أن إيجاب بعير قبل كثرة الإبل إجحاف برب المال ، وإيجاب شقص بعير يشق عليه ، لنقصان القيمة وعسر الانتفاع ، فعدل الشارع إلى الشاة إرفاقا وتسهيلا.

فإن جعلنا الشاة أصلا ، فإذا أخرج البعير كان كله فرضا كالشاة. وإن جعلناها بدلا ، فإذا أخرج بعيرا كان الواجب أقل من خمسة ، لأنه يجزي عن ستة وعشرين ، وحصة كل خمس خمس إلا خمس خمس.

ص: 334


1- وسائل الشيعة 6 - 72.

ولو أخرج بعيرا عن عشر من الإبل ، أو خمس عشرة ، أو عشرين. فإن قلنا إنه يقع فرضا كله لو أخرجه عن الخمس لم يجزيه عن العشر ، بل لا بد من بعيرين أو بعير وشاة ، وفي الخمس عشرة ثلاثة أبعرة ، أو بعيرين أو شاة ، أو شاتين وبعير ، أو ثلاث شياه. وإن قلنا الفرض أقل من خمسة ، أجزأ ويكون متبرعا في العشر الزائد.

الثامن : يجوز أن يخرج حقا عن بنت مخاض ، لإجزاء ابن اللبون فالحق أولى.

ولو أخرجه بدلا عن بنت اللبون ، لم يجز لاختصاص النص بمورده ، وليس هو في معناه ، لأن تفاوت السن بين بنت المخاض وابن اللبون متفاوت يوجب ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع.

والتفاوت بين بنت اللبون والحق لا يوجب اختصاص الحق بهذه القوة ، بل هي موجودة فيهما جميعا ، فلا يلزم من جبر تلك الزيادة الفضيلة الأنوثية جبر هذه الزيادة هنا لها.

التاسع : لو فقد صاحب المائتين الحقاق وبنات اللبون ، تخير في شراء أيهما شاء ، كما يتخير في إخراج أيهما شاء لو وجدهما ، لكن الأفضل إخراج الحقاق ، لأن الاعتبار في زكاة الإبل بزيادة السن ما أمكن ، إلا أن الشرع ارتقى في نصبها إلى منتهى الكمال في الأسنان ، ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد ، وذلك يشعر بزيادة الرغبة في علو السن. ولا يجب عليه تحصيل الصنف الأفضل وإن كان أنفع للمساكين.

ويجوز أن لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون ، بل ينزل أو يصعد مع الجبران ، فإن شاء جعل بنات اللبون أصلا وينزل منها إلى خمس بنات مخاض ، فأخرجها مع خمس جبرانات. وإن شاء جعل الحقاق أصلا وصعد منها إلى أربع جذاع ، فأخرجها وأخذ أربع جبرانات.

وفي جواز جعل الحقاق أصلا والنزول منها إلى أربع بنات مخاض مع ثمان جبرانات ، أو جعل بنات اللبون أصلا والصعود منها إلى خمس جذاع ويأخذ

ص: 335

عشر جبرانات مع جواز التضعيف ، إشكال ينشأ : من الجواز هناك فليجوّز هنا ، لأنه هو بعينه. ومن إمكان تقليل الجبران بجعل الجذاع بدل الحقاق ، وبنات المخاض بدل بنات اللبون.

ولو كان عنده أحد الصنفين ، لم يجز له العدول إلى بدل الآخر مع الجبران.

العاشر : لو بلغت البقر مائة وعشرين ، كان حكمها في التخيير بين إخراج أيّ الفرضين شاء حكم المائتين في الإبل.

الحادي عشر : الشاة المأخوذة جبرانا بين الأسنان بصفة المخرج عن خمس من الإبل. ولا يشترط فيها الأنوثة ، فالدراهم المخرجة هي النقرة المضروبة بسكة المعاملة ، وكذلك دراهم الشرعية حيث وردت.

ولو افتقر الإمام إلى إعطاء الجبران ولم يكن في بيت المال دراهم ، باع شيئا من مال المساكين وصرفه إلى الجبران.

الثاني عشر : لو أخرج بدل الجذعة ثنية ولم يطلب جبرانا ، جاز وقد زاد خيرا. ولو طلب الجبران فالقيمة السوقية ، ولا يسترد الشاتين أو العشرين درهما ، لأن المؤدى ليس من أسنان الزكاة ، فأشبه ما لو أخرج فصيلا لم يبلغ أسنان الزكاة ، مع الجبران الناقص عن القيمة السوقية.

الثالث عشر : على ما اخترناه من جواز الجبران في الدرجتين لو ارتقى إلى ثلاث درج ، بأن يعطي بدل الجذعة عند فقدها وفقد الحقة وبنت اللبون بنت مخاض مع ثلاث جبرانات ، أو يعطي مكان بنت المخاض عند فقدها وفقد بنت اللبون والحقة جذعة ويأخذ ثلاث جبرانات جاز.

وهل يجوز الصعود والنزول بدرجتين أو ثلاث مع القدرة على الدرجة القريبة؟ الأقرب المنع ، للاستغناء عن أخذ الجبرانيين ببدل الأدنى. ويحتمل الجواز ، كما لو لم يجد الدنيا فإنها ليست واجب ماله ، فوجودها بمثابة عدمها.

ولو وجب عليه بنت لبون وعنده حقة وبنت مخاض ، احتمل وجوب بنت

ص: 336

المخاض مع دفع الجبران ، لأنها أقرب وجواز دفع الحقة واسترجاع ضعف الجبران.

الرابع عشر : يجوز أن يخرج عن جبرانيين شاتين وعشرين درهما ، كما يخرج عن كفارتين صنفين ولا يجوز أن يخرج عن جبران واحد شاة وعشرة دراهم ، لاقتصاء النص التخيير بين شاتين وعشرين درهما ، فلا يثبت خيار ثالث ، كما لا يكسوا خمسة ويطعم خمسة.

ولو كان المالك هو الآخذ ورضي بالتفريق جاز ، لأنه حقه وله إسقاطه بالكلية.

الخامس عشر : في جواز إخراج قيمة الشاتين ، أو العشرين درهما من غيرهما مع النقصان عن القمية السوقية في المجبور والقيمة إشكال ، أقربه المنع.

أما لو ساوى المجبور كبنت مخاض مثلا مع قيمة الشاتين من غير الدراهم ، فإنه يجزي على أنه قيمة [ بنت اللبون ] (1).

السادس عشر : لو وجب عليه بنت لبون ولم يجدها ، ووجد ابن لبون وحقة ، فأراد أن يعطي ابن اللبون مع الجبران ، احتمل الجواز ، لأنه بمنزلة بنت المخاض في نظر الشرع ، والأقرب المنع.

ولو كان له ثلاثون من الإبل نصفها مراض ونصفها صحاح ، وقيمة الصحيحة أربعة والمعيبة دينارين ، قسط المأخوذ على ست وعشرين ، خمسة عشرة منها صحاح ، لأن الزكاة لا تقسط على الشق عندنا.

السابع عشر : لو باع السائمة بيعا فاسدا ، لم يزل الملك ، ووجب الزكاة عليه إن لم يمنع من الاسترداد ، وهل يقوم ترك الاسترداد لجهله بالحكم مقام المنع؟ إشكال.

ولو علفها المشتري ، فالأقوى انقطاع الحول ، لأنه مأذون في التصرف

ص: 337


1- الزيادة من « ق ».

من جهة المالك ، فأشبه علف الوكيل.

ولو باع معلوفة بيعا فاسدا فأسامها المشتري ، فهو كما لو أسامها الغاصب لا ينقطع به الحول إلا باعتبار الغصب ، فلو غصب من يتمكن المالك من الانتزاع منه ، لم تسقط الزكاة.

الثامن عشر : لو باع المالك النصاب قبل الحول ، فرده المشتري بعيب سابق قبل كمال الحول ، استأنف المالك الحول ولا يبني ، سواء ردّه بعد القبض أو قبله ، وسواء رده بقضاء القاضي أو لا.

ولو مضى الحول في يد المشتري ، وجبت الزكاة عليه ، لأنه مالك نصاب حال عليه الحول ، فإن لم يخرج الزكاة فليس له الرد ، لأن للساعي أخذ الزكاة من العين لو تعذر أخذها من المشتري ، فلا يخلو وجوب الزكاة فيه من عيب حادث ، ولا يبطل حق الرد بالتأخير إلى أن يؤدي الزكاة ، لعدم تمكنه من الرد قبله ، وإنما يبطل الحق بالتأخير مع التمكن.

ولا فرق بين ما يجب أخذ الزكاة من جنسه كالغنم والبقر ، أو من غير جنسه كالإبل التي تجب فيها الغنم.

وإن كان قد أخرج الزكاة ، فإن كان من غير المال فله الرد ، لأنه لم يتصرف في المبيع. ويحتمل عدم الرد ، لأن الذي أخرجه عوضا قد يخرج مستحقا ، فيتبع الساعي عين النصاب ، وإن كان من العين سقط الرد ، لحدوث العيب عنده بالتشقيص وله الأرش.

التاسع عشر : لو مات المالك ، استأنف ورثته الحول من حين موته وتمكنهم منه. ولا يشترط علمهم بالسوم ، فلو سامت حولا بعد موت المالك ولم يعلم الورثة ، وجبت الزكاة ، لوجود السبب التام.

المطلب الثاني: ( في زكاة النقدين )
اشارة

أما الذهب فله نصابان :

ص: 338

الأول : عشرون مثقالا ، وفيه نصف مثقال ، فلا شي ء فيما نقص عن عشرين مثقالا بالإجماع ، ولقول رسول اللّه صلی اللّه علیه و آله : ليس عليك في الذهب شي ء حتى يبلغ عشرين دينارا ويحول عليها الحول ففيها نصف دينار (1). وقال الباقر علیه السلام : ليس فيما دون العشرين مثقالا من الذهب شي ء ، فإذا كملت عشرين مثقالا ففيها نصف مثقال (2).

الثاني : أربعة مثاقيل ولا شي ء في الزائد على العشر مثقالا من الذهب حتى تبلغ أربعة مثاقيل وفيها قيراطان ، وهكذا ليس في الزائد على أربعة وعشرين مثقالا شي ء إلا أن تزيد أربعة مثاقيل أخر فيكون فيها قيراطان ، وهكذا دائما بالغا ما بلغ.

لقول الباقر والصادق علیهماالسلام : ليس فيما دون العشرين مثقالا شي ء ، فإذا بلغ ففيه نصف مثقال ، إلى أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار ، إلى ثمانية وعشرين ، فعلى هذا الحساب كل ما زاد أربعة (3). ولأصالة البراءة فيما نقص عن الأربعة.

ولا يعتبر في نصاب الذهب نصاب الفضة ، فلو قصرت قيمة العشرين عن نصاب الفضة - وهو مائتا درهم - وجبت الزكاة ، للخبر (4).

وأما الفضة فلها نصابان :

الأول : مائتا درهم ، فلا شي ء فيما نقص عن مائتي درهم ، بالإجماع المنعقد بين علماء الإسلام ، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم بالإجماع.

الثاني : أربعون درهما ، ولا شي ء في الزائد على المائتين إلى أن يبلغ الزائد على المائتين أربعين درهما. وهكذا ليس في الزائد على المائتين والأربعين شي ء

ص: 339


1- وسائل الشيعة 6 - 94.
2- وسائل الشيعة 6 - 93 ح 5.
3- نفس المصدر.
4- وسائل الشيعة 6 - 101 ب 5.

إلى أن يبلغ مائتي درهم وثمانين درهما ففيها سبعة دراهم. وهكذا بالغا ما بلغ.

فروع :

الأول : لو نقص أحد النصب في النقدين ، سقطت الزكاة فيه وإن خرج بالتام ، لعدم مناط الوجوب. ولا فرق بين النقص اليسير والكثير ، فلو نقص ولو حبة فلا زكاة. أما لو اختلفت الموازين فنقص يسيرا في بعضها وكمل في الباقي ، وجبت الزكاة عملا بالاحتياط.

الثاني : الاعتبار في الوزن بميزان أهل مكة ، وفي الكيل بمكيال المدينة ، والدنانير لم تختلف المثقال فيها في جاهلية ولا إسلام.

وأما الدراهم فإنها كانت مختلفة الأوزان. والذي استقر عليه الأمر في الإسلام أن وزن الدرهم الواحد ستة دوانيق ، كل عشرة منها سبعة مثاقيل من ذهب ، والدانق ثمان حبات من أوسط حب الشعير.

والسبب فيه أن غالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصر النبي صلی اللّه علیه و آله والصدر الأول بعده نوعان : البغلية والطبرية ، والدرهم الواحد من البغلية ثمانية دوانيق ، ومن الطبرية أربعة دوانيق ، فأخذوا واحدا من هذه وواحدا من هذه وقسموها نصفين وجعلوا كل واحد درهما في زمن بني أمية وأجمع أهل ذلك العصر على تقدير الدراهم الإسلامية بها.

فإذا زادت على الدرهم الواحد ثلاثة أسباعه كان مثقالا ، وإذا نقصت من المثقال ثلاثة أعشاره كان درهما ، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وسبعان.

قال المسعودي : إنما جعل كل عشرة دراهم بوزن سبعة مثاقيل من الذهب ، لأن الذهب أوزن من الفضة ، فكأنهم جربوا قدرا من الفضة ومثله من الذهب ، فوزنوهما فكان وزن الذهب زائدا على وزن الفضة بمثل ثلاثة

ص: 340

أسباعها. واستقرت الدراهم في الإسلام على أن كل درهم نصف مثقال وخمسه.

وبها قدر نصب الزكاة ، ومقدار الجزية ، والديات ، ونصاب القطع في السرقة ، وغير ذلك.

الثالث : قد بينا أنه لو نقص النصاب عن القدر ولو قل ، سقطت الزكاة منه ، لعموم قوله علیه السلام : ليس فيما دون خمسة أوساق صدقة (1). والأوقية أربعون درهما.

وأنه لا فرق بين أن يروج رواج التمام ، أو يفضل عليه ، وبين أن لا يكون ، وفضله على التمام إنما يكون لجودة النوع ، ورواجه رواج التام قد يكون للجودة ، وقد يكون لنزارة القدر الناقص ووقوعه في محل المسامحة.

الرابع : يشترط ملك النصاب بتمامه في جميع الحول ، ولا يكفي طرفاه ، لقوله علیه السلام : لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (2). والحادث بعد نقصان النصاب لم يحل عليه الحول.

الخامس : لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر ، لأنهما جنسان مختلفان ، فأشبها غيرهما من النصب. نعم لو كانا للتجارة ضم أحدهما إلى الآخر.

وكذا يكمل جيد الجنس الواحد برديه. وليس المراد بذلك الخالص والمغشوش ، بل الجودة هنا النعومة والصبر على الضرب ، والرداءة الخشونة والتعنت عند الضرب ، ويخرج من كل واحد بقدره. ولو تعسر اعتبار ذلك أخرج من الوسط.

ولو أخرج الجيد عن الردي ، كان أفضل ، وفي إجزاء العكس إشكال ، أقربه ذلك إن صدق الاسم.

ص: 341


1- جامع الأصول 5 - 318.
2- جامع الأصول 5 - 315.

ولو تساوى العيار واختلفت القيمة كالرضوية والراضية ، استحب التقسيط وأجزأ التخيير على إشكال. وكذا لو أسقط السلطان معاملة سكة مساوية في العيار ، فصارت أقل قيمة.

السادس : يجوز إخراج الصحيح عن المكسور ، بل يستحب. ولا يجوز العكس مع نقص القيمة عنه.

ولو اجتمع المستحقون ، صرف إليهم الدينار الصحيح ، أو إلى واحد بإذن الباقين لو أراد التعميم.

السابع : لا زكاة في المغشوش حتى يبلغ صافيها نصابا ، أو يكمل به نصاب الجيد ، سواء كان الغش أقل أو لا ، لقوله علیه السلام : ليس فيما دون خمس أوساق زكاة (1) ، وإذا بلغ الصافي منها نصابا ، أخرج قدر الواجب خالصا ، أو أخرج من المغشوش ما يعلم أنه مشتمل على قدر الواجب.

ولو أخرج عن مائتي درهم خالصة خمسة دراهم مغشوشة ، لم يجز ، كما لو أخرج مريضة عن الصحاح ، بل هنا أولى ، لأن الغش ليس بورق والمريضة إبل ، فإن أخرج فالأقرب أن له الاسترجاع إن كان بين عند الدفع أنه يخرج عن هذا المال ، لأنه دفع دفعا فاسدا. وكما لو عجل الزكاة فتلف المال. ويحتمل العدم ، كما لو أعتق رقبة معيبة ، فإنه يكون متطوعا بها.

ولا ينبغي للإمام ضرب الدراهم المغشوشة ، لئلا يحصل الغش لبعض الناس من بعضهم ، فإن كانت الدراهم المغشوشة مضبوطة العيار ، صح التعامل بها بعد بيان حالها.

ولو كان مقدار النقرة منها مجهولا ، احتمل صحة التعامل بها ، لأن القصد رواجها ، وهي رائجة لمكان السكة. ولأنه يجوز بيع المعجونات والغالية وإن اختلفت أقدارها. والمنع لأنها مقصودة باعتبار ما فيها من النقرة ، وهي مجهولة القدر. والإشارة إليها لا تفيد الإحاطة بقدر النقرة.

ص: 342


1- جامع الأصول 5 - 318.

فعلى الأول لو باع بدراهم وأطلق ونقد البلد مغشوشة ، صح العقد ووجب من ذلك النقد. وعلى الثاني لا يصح.

الثامن : لو جهل مقدار الغش ، فإن أخرج عن المغشوش من الصافي بقدره أجزأ ، وإن ماكس ألزم التصفية مع علم النصاب ، لأن الخروج عن العهدة إنما يتم به.

ولو جهل بلوغ الصافي النصاب ، لم يجب التصفية ، لأصالة البراءة ، وعدم البلوغ.

ولو علم النصاب وقدر الغش ، أخرج عن الخالصة مثلها وعن المغشوشة مثلها.

ولو كان الغش مما تجب فيه الزكاة ، وجبت الزكاة عنهما.

فإن أشكل الأكثر منهما ولم يمكن التمييز ، بأن كان قدر أحد النقدين ستمائة والآخر أربعمائة ، أجزأه إخراج ستمائة من الأكثر قيمة وأربعمائة من الأقل. ويجوز أن يبني على ظنه لو اتفق ، لأنه الراجح ، فيتعين العمل به عند التعارض.

ويجوز امتحانه بالماء ، بأن يوضع قدر المخلوط من الذهب الخالص في ماء ويعلم على الموضع الذي يرتفع إليه الماء ، ثم يخرج ويوضع مثله من الفضة الخالصة ويعلم على موضع الارتفاع أيضا ، وتكون هذه العلامة فوق الأولى ، لأن أجزاء الذهب أشد اكتثارا ، ثم يوضع فيه المخلوط وينظر إلى ارتفاع الماء به هل هو إلى علامة الذهب أقرب أو إلى علامة الفضة.

التاسع : لو كان بيده مائة نقدا وله دين مائة أخرى على باذل ، وأوجبنا الزكاة في الدين ، وجبت الزكاة عليه في الجميع ، لأنا إنما نوجب في الدين لو كان تأخره ممن له فكأنه مقبوض.

ولو تعسر الأخذ بعد الحول ، وجب أن يخرج نصيب المائة التي بيده من الزكاة.

ص: 343

العاشر : لا زكاة في شي ء من نفائس الجواهر ، كاللؤلؤ والياقوت وغيرهما. وإنما تجب في النقدين خاصة بشرط أن يكونا مضروبين منقوشين كما تقدم ، فلا زكاة في الحلي وإن كان محرفا ، خلافا لبعض علمائنا في المحرم إذا فر به من الزكاة ، فعلى قوله تجب الزكاة.

سواء كان التحريم لعينه كالأواني والقصاع والملاعق والمجامر المتخذة من الذهب والفضة ، أو باعتبار القصد ، كما لو قصد الرجل تحلي النساء الذي اتخذه أو ورثه أو اشتراه ، كالسوار والخلخال أن يلبسه أو يلبسه غلمانه ، أو قصدت المرأة تحلي الرجال ، كالسيف والمنطقة أن تلبسه جوارها أو غيرهن من النساء. وكذا لو أعد (1) الرجل حلي الرجال لنسائه وجواريه ، أو أعدت المرأة حلي النساء لزوجها وغلمانها ، فكل ذلك محرم تجب فيه الزكاة.

وحكم القصد الطاري بعد الصياغة حكم المقارن ، فلو اتخذه على قصد استعمال محظور ، ثم غير قصده إلى مباح بطل الحول ، فلو عاد إلى القصد الفاسد ابتدئ حول الزكاة. ولو لم يقصد استعمالا مباحا ولا محرما فلا زكاة لعدم الشرط وهو النقش أو تحريم الاستعمال.

وكذا لا زكاة لو اتخذ الحلي ليؤاجره ممن له استعماله وإن اتخذ للنماء ، لأنه لا اعتبار بالأجرة هنا ، لأنها كأجرة العوامل.

ولو انكسر بحيث لا يمنع الاستعمال ، لم يؤثر في السقوط. ولو لم يصلح للاستعمال واحتاج إلى سبك وصوغ جديد ، سقطت الزكاة ، لخروجه عن صفة التحريم. ولو كان بحيث يمنع الاستعمال ، لكن لا يحتاج إلى صوغ جديد بل يقبل الإصلاح باللحام ، لم يسقط ، لدوام صورة الحلي المحرم.

الحادي عشر : أصل الذهب التحريم على الرجال ، واستثني اتخاذ أنف لمن جدع أنفه ، لأن رجلا قطع أنفه يوم الكلاب ، فاتخذ أنفا من فضة فأنتن عليه ، فأمره النبي صلی اللّه علیه و آله أن يتخذ أنفا من ذهب. ولأنه في محل

ص: 344


1- في « س » اتخذ.

الحاجة. وفي معنى الأنف السن والأنملة.

ولا يجوز لمن قطعت يده أو إصبعه اتخاذهما من الذهب. ولا أن يتخذ الرجل لخاتمه سنا أو أسنانا من الذهب. ولا التمويه بالذهب في خاتم وثوب وغيرهما من ملابس الرجال.

وحكم الخنثى حكم الرجل ، لجواز ك