أحاديث ومعجزات المعصومين علیهم السلام المجلد 3

هوية الكتاب

أحاديث ومعجزات المعصومين

من معاجز المعصومين عليهم السلام

لقاء الموعود

الأربعون حديثا

المحاضرات

الجزء الثالث

والدة آية اللّه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي

ص: 1

اشارة

ص: 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ

نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

ص: 3

ص: 4

من معاجز المعصومين (عليهم السلام)

اشارة

ص: 5

ص: 6

من معاجز المعصومين (عليهم السلام)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد فمن المباحث المهمّة المطروحة في سيرة الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام) هي مسألة معجزاتهم التي أقاموها على أحقّانيّتهم في دعواهم، فمثل هذه المعجزات كانت ومازالت محطّ أنظار وتعجّب البشر، فهي من جانب يعجز الناس العاديون عن المجيء بمثلها.

ومن جانب آخر هي شاهد صدق على مدّعاهم وكرامتهم عند اللّه تعالى، وإلا فمن المحال على الإنسان العادي أن يأتي بمثل ما أتى به الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام) من معاجز خارقة.

بل إنّ المعجزات علامة دعم وتأييد السماء لمن يأتي بها، لذا كان الناس يطالبون مدّعي النبوة - بل حتى الأئمة الأطهار (عليهم السلام) - بالمعجزة البيّنة الدالة على صدقهم في مدّعاهم، فإن أقاموا لهم المعجزات صدّقوهم وآمنوا بهم واتبعوهم في دعاويهم، وإن لم يأتوا بالمعاجز أو كان ما أتوا به غير خارق للعادة ردّوا دعواهم وكذّبوهم.

بالطبع المجيء بالمعجز غير مقتصر على طلب التصديق بالدعوى، بل

ص: 7

أحيانا يكون المعجز داعياً لتثبيت العقائد ودفع الشبهات وبيان المكانة والمقام عند اللّه عزّ وجلّ، ولذا كان الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) يأتون بالمعاجز بين الفترة والأخرى.

نعم ليس من دأب الأنبياء والأئمة الأطهار (عليهم السلام) الاعتماد على المعاجز في كل دعاويهم، بل عادة ماكانوا يتكلون على الأمور الطبيعية ويأخذون بالأسباب ويتفادون الأمور غير الطبيعية في حياتهم وسيرتهم، ولكن هذا لايمنع من إقامتهم للمعجزات عند وقت الحاجة.

وفي هذا الكتاب خصصنا البحث عن معاجز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) التي ظهرت منهم في حياتهم لما في هذه المعاجز من بيان مقاماتهم الرفيعة عند اللّه عزّ وجلّ وكرامتهم عليه، وإظهار أحقّانيّتهم في الإمامة وأنّهم امتداد النبوة الخاتمة التي جاء بها سيد المرسلين (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

علاوة على ذلك بيان المعاجز له دور كبير في توطيد العلقة بين الناس والأئمة (عليهم السلام) ، لإدراكهم أنّهم يتبعون أناس لهم مقامات رفيعة عند اللّه لايشاركهم بها أحد من الأولين ولا الآخرين.

وقبل أن نستعرض معاجز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) لابأس أن نذكر بعض الأمور حول المعجزة، فنقول: المعجزة لغة: هي الأَمرُ الخارقُ للعادةِ يُظهره اللّه على أَيدي أنبياءه وأوصيائه.

لماذا المعجزة؟

سؤال مهم يُطرح في مباحث العقائد وفي كثير من البحوث الفكرية والفقهية وغيرها، والجواب على هذا السؤال يحل كثيراً من الإشكالات لدى

ص: 8

الناس، فلماذا يزوّد اللّه تعالى أنبيائه وأوصيائه (عليهم السلام) بالمعجزات؟ وما هي الدواعي لذلك؟ وفي جواب السؤال نقول: المعجزة هي علامة خارقة خارجة عن المألوف والمعتاد تدل على صدق الأنبياء والأوصياء في مدّعاهم، وهي تحدّي قاطع لمخالفي الأنبياء والأوصياء ممّن يشككون في دعاواهم.

بالطبع لابد في المعجزة من التحدّي والشواهد على ذلك كثيرة، ومنها أنّ القرآن تحدّی المشركين علانية ودعاهم أن يأتوا بسورة، قال تعالى: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٖ ظَهِيرًا}(1).

وقال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}(2).

وقال عزّ وجلّ: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٖ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٖ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}(3).

وقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٖ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}(4).

وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٖ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}(5). ولايخفى أنّ كثيراً من عامة الناس فضلاً

ص: 9


1- سورة الإسراء: 88.
2- سورة القصص: 49.
3- سورة هود: 13.
4- سورة البقرة: 23.
5- سورة يونس: 38.

عن علمائهم وسادتهم وكبارهم لما يشاهدون معاجز الأنبياء (عليهم السلام) وتحدّيهم لهم بأمر خارق للعادة يسلّمون أمامهم وتبطل حججهم وتدحض دعاويهم ماخلا بعض المعاندين ممّن يجحدون بالمعاجز وقلوبهم مستيقنة بها. من جانب آخر للمعجزات شرائط، واللّه سبحانه وتعالى يدعم الأنبياء والأوصياء بالمعاجز تصديقاً لهم، علماً أنّ المعاجز لا تتعلق بزمان مخصوص، ولا ببقعة معيّنة، ولا يستعين صاحبها بآلة ولا أداة، وإنّما يظهرها اللّه عزّ وجلّ على يده عند دعائه ودعواه.

الفرق بين المعجزة والسحر

هناك عدّة فوارق بين المعجزة والسحر، ومنها:

1- أنّ المعجزة خارقة للعادة: أي إنّها تأتي مخالفة لقوانين الكون، فهي من اللّه تعالى، وأمّا السحر فإنّه يحدث بحسب قوانين يمكن تعلّمها فهو من الساحر.

2- المعجزة لا ينتج عنها إلا الخير، أمّا السحر فلا يصدر منه الخير.

3- المعجزة لا يمكن إبطالها، أمّا السحر فإنّه يمكن إبطاله، ومعلوم أنّ السحر لا يتم إلا بالاستعانة بالشياطين.

4- المعجزة تجري على يد النبي والإمام (عليه السلام) ، وهو خير الناس علماً وعملاً وخلقاً، والسحر يجري على يد الساحر، وهو شرّ الناس علماً وعملاً وخلقاً، والنفوس تنفّر منه ومن صاحبه.

5- المعجزة ليس لها سبب، ولهذا لا يستطيع غير النبي والإمام (عليهما السلام) أن يأتي بمثلها، أمّا السحر فله أسباب معروفة، وهي الطلاسم والشعوذة وتسخير

ص: 10

الجن وما شابه التي تقال وتكتب ويستعان فيه بالجن، فكل من تعلّم ذلك وفعله حصل له ما يريد من السحر، أمّا المعجزة فلا تستفاد بالتعلّم والتجربة.

6- أنّ السحر لا يحصل إلا بالتعليم والتلمذة، والمعجزة ليست كذلك.

7- أنّ السحر لا يكون موافقاً لمطالب الطالبين، بل مخصوص بمطالب معيّنة محدودة، والمعجزة موافقة لمطالب الطالبين وليس لها مطالب مخصوصة.

8- أنّ السحر مخصوص بأزمنة معيّنة أو أمكنة معيّنة أو شرائط مخصوصة، والمعجزة لا تعيّن لها بالزمان ولا بالمكان ولا بالشرائط.

9- أنّ السحر قد يتصدّى بمعارضة ساحر آخر إظهارا لفخره، والمعجزة لا يعارض لها آخر.

10- أنّ السحر يحصل ببذل جهد في الإتيان به، والمعجزة ليس فيها بذل الجهد والمشقّة وإن ظهرت ألف مرّة.

11- أنّ الساحر لا يأمر إلا بما هو خلاف الشرع والملّة، وصاحب المعجزة لا يأمر إلا بما هو موافق له إلى غير ذلك من وجوه المفارقة.

الفرق بين المعجزة والكرامة

هناك شبهة تثار بين بعض الناس مفادها: إذا كانت المعاجز مختصّة بالأنبياء بماذا نفسّر بعض الأعمال الغريبة التي تصدر من البعض، كأن يطوي الإنسان الأرض بلحظات، ويتنقّل بين البلدان، ويقطع المسافات الطويلة، أو يشافي مريضاً عجز الأطباء عن علاجه، أو يوجد ضالة إنسان فقدها في بلد آخر؟

ص: 11

وفي جواب السؤال نقول: الفرق بين المعجزة والكرامة في عدّة جهات ومنها:

أنّ الاِتيان بالعَمَلِ الخارق للعادة الذي يقترن مع دعوى النبوّة، ويتّفق مع الادّعاء، يسمّى (معجزة)، وأمّا إذا صدر العملُ الخارقُ للعادة من عبدٍ للهِ صالحٍ لم يَدَّعِ النبوّةَ سُمِيّ (كرامة).

ولا عجب في أنّ عباد اللّه الصالحين من غير الأنبياء قادرون على الإتيان بالأعمال الخارقة للعادة، كما يشهد بذلك القران الكريم في عدّة مواطن, منها:

1- حادثة نزول مائدة سماويّة على السيدة مريم أ ُمّ النبي عيسى (عليه السلام) , حيث أخبر القرآن الكريم عن هذا الحدث, فقال في شأن مريم: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا}(1).

2- حادثة انتقال عرش بلقيس ملكة سبأ في سرعة خاطفة من اليمن إلى فلسطين على يد وصي النبي سليمان (آصف بن برخيا), فكذلك أخبر القرآن عن هذه الحادثة, فقال في شأن آصف بن برخيا: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}(2).

ومن دون شك وريب أنّ اللّه سبحانه هو المتصرّف في المكان والزمان على حدّ سواء، فهو يطوي الأرض لأوليائه، ويعرج بنبيّه إلى سدرة المنتهى، وغيرها... ويرجعه في جزء يسير من ليلة مباركة، ويطوي السماء كطيّ

ص: 12


1- سورة آل عمران: 37.
2- سورة النمل: 40.

السجلّ للكتب، ويقارب بين مكانّي عرش بلقيس، وعرش سليمان، حتى يجرّ آصف بن برخيا عرشها إليه، ويصبح في بيت المقدس، بعد أن كان في اليمن، كما أنّ اللّه تعالى يمد الأرض، ويسطحها، ويجعل الجبال كالعهن المنفوش ووو... .

فإذا اخذنا ذلك كلّه بعين الاعتبار , وأنّ مريم (عليها السلام) ليست من الأنبياء ومع ذلك جرى معها ما هو خارق للعادة... وأنّ آصف بن برخيا أيضاً ليس بنبي ومع ذلك جرى معه ما هو خارق للعادة, فمن باب أولى حصول ذلك كلّه مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) , ألا ترى أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في شأن آصف: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ}, ف- (آصف بن برخيا) كان وزيرا لسليمان, وعنده علماً من الكتاب, وكان عنده أيضاً اسم اللّه الأعظم على ما قيل, واستطاع من خلال ذلك, التصرّف في التكوينات حتى بعرش ملكة سبأ في أقل من طرفة عين، فإذا كان هذا ثابت لوزير نبي اللّه سليمان, فما ظنّك بأهل البيت (عليهم السلام) , الذين هم أفضل من جميع الأنبياء ما خلا نبينا محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) , فإنّهم أفضل وأعظم في ولايتهم, فكما أنّ (آصف بن برخيا)، استخدم ولايته بما عنده من اسم اللّه الأعظم, فكذلك أئمتنا (عليهم السلام) حسبما وردت من أحاديث مأثورة وشواهد تدل على أنّه كان عندهم اسم اللّه الأعظم, وخصوصاً أنّ الأحرف التي عندهم من اسم اللّه الأعظم أكثر من الأحرف التي كانت عند آصف بن برخيا، كما ورد في الحديث الشريف عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفاً، وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الأرض كما كانت، أسرع من طرقة عين، ونحن عندنا من

ص: 13

الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف واحد عند اللّه استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم(1).

ثم إنّ وصي سليمان (آصف بن برخيا) عنده بعض من علم الكتاب, كما هو واضح في قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ}, حيث وصف علمه الذي ورثه من سليمان بأنّه علم من بعض الكتاب, أيّ بعض من القرآن; إذ الكتاب هو القرآن الشامل لكلّ الكتب... ومنه يتضح أنّ الكتاب له وحدة واحدة وهو القرآن، أي: أنّ المعارف السماوية وحقائقها كلّها أودعت في القرآن الكريم، وإذا كان آصف بن برخيا قد علم بعض حقائق القرآن فكيف بمَن أُحيط بعلمه كلّه ظاهراً وباطناً وهو رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأوصيائه الحجج المعصومين من أهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) ؟

الفرق بين المعجزة والشعبذة

لايخفى أنّ هناك عدة فوارق بين المعجزات والشبعذة وأضرابها، منها:

1- أنّ المعجزة لا تكون إلا على يد رسول أو وصي رسول، والشعبذة تظهر على يد وضعيّي الناس، فإذا بحث الناس عن أسبابها وجدوها جوفاء، بخلاف المعجزة فهي لا تزداد إلا ظهور صحة لها، ولا تنكشف إلا عن حقيقة فيها.

2- أنّ المعجزة ربما لم يعلم - من تظهر عليه - مخرجها وطريقها، وكيف تتأتّى وتظهر. والشعبذة إنّما يهتدي صاحبها إلى أسبابها، ويعلم أنّ من شاركه فيها أتى بمثل ما أتى هو به.

3- أنّ المعجزة يجري أمرها مجرى ما ظهر في عصا موسى - على نبينا

ص: 14


1- الكافي 1: 230، ح1.

وعليه السلام - من انقلابها حيّة تسعى حتى انقادت له السحرة. والشعبذة تلتبس على أكثر الحاضرين.

4- أن المعجزة تظهر عند دعاء الرسول أو الوصي ابتداءا من غير تكلّف آلة وأداة وإنها تتحقق بمجرّد أن يدعو لله تعالى أن يفعل ذلك.

والشعبذة مخرقة وخفّة يد تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدّرة لها، وحيل متعلّمة أو موضوعة، ويمكن المساواة فيها، ولا يتهيأ ذلك إلا لمن عرف مبادئها، ولابد له من آلات يستعين بها في إتمام ذلك ويتوصّل بها إليه.

5- المعجزة أمر يتعذّر على كل من في العصر مثله عند التكلّف والاجتهاد على المشعوذين، فضلا عن غيرهم، كعصا موسى الذي أعجز السحر أمره مع حذقهم في السحر وصنعته.

والشعوذة مخرقة وخفّة تظهر على أيدي المحتالين بأسباب مقدرة تخفى على قوم دون قوم.

6- المعجزة تظهر على أيدي من عرف بالصدق والصيانة والصلاح والسداد، والشعوذة تظهر على أيدي المحتالين والخبثاء والأرذال.

7- المعجزة يظهرها صاحبها متحدّياً، ودلائل العقل توافقها على سبيل الجملة ويباهي بها جميع الخلائق، ولا تزيده الأيام إلا وضوحاً، ولا تكشف الأوقات إلا عن صحته.

وقفة عند الولاية التكوينية

بما أنّ البحث معقود لبيان معاجز أهل البيت (عليهم السلام) فجدير بنا أن نشير إلى

ص: 15

نبذة مختصرة عن الولاية التكوينية، فإنّ كثيراً من معاجز أهل البيت (عليهم السلام) كانت من خلال ولايتهم التكوينية وخضوع الكون لهم لذا ولكي يستتبّ البحث نبيّن بعض الحقائق عن الولاية التكوينية، فنقول:

بغضّ النظر عن المعنى اللغوي للولاية التكوينية فإنّ هذه المفردة لم ترد في القرآن الكريم، أو في الأحاديث الشريفة لنبحث عن تفسير خاص لها في ضوء النصوص الشريفة، وإنّما هي اصطلاح استعمله العلماء، بل ذكر البعض أنّه لا وجود لهذا المصطلح إلاّ في كلمات المتأخّرين.

ومن الملاحظ للمتتبّع لأقوال العلماء، الذين تداولوا هذا المصطلح، أنّهم اختلفوا في تفسيره لدرجة أنّه إذا قرأنا أو سمعنا عن أحدهم إنكاره للولاية التكوينيّة، وعن آخر إثباته لها، فإنّ هذا لا يعني كونهما مختلفين، فقد يكون لكلٍّ منهما تفسيرٌ للولاية التكوينيّة يختلف عن تفسير الآخر، مع اتفاقهما في المضمون.

وبما أنّه ليس الهدف في هذا المقام إحصاء تفسيرات الولاية التكوينيّة المتعدِّدة، فإنّا نكتفي منها بعرض المعنى الأكثر شهرة من بين التفاسير وهو: ولاية التصرّف في الكون، والمقصود من كون النبيّ أو الإمام له ولاية التصرُّف في التكوين، أي أنّ اللّه تعالى أفاض عليه نوعًا من السلطة على إحداث أمورٍ لا تحدث في العادة، كإبراء المرضى بمجرّد المسح عليهم، وإحياء الموتى، وتسخير الريح لتنقل له ما يريد، وهكذا.

أمّا الأدلة على أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لديهم الولاية التكوينية:

1- أنّ مثل آصف بن برخيا الذي لديه علم من الكتاب لديه القدرة أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد الطرف، وأهل البيت (عليهم السلام) لديهم علم

ص: 16

الكتاب كلّه فمن المسلّم أنّهم لديهم تلك الولاية والقدرة على التصرّف بالكون.

2- في الخبر عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبداللّه (عليه السلام) وأبي جعفر (عليه السلام) ، وقلت لهما: أنتما ورثة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ؟

قال (عليه السلام) : نعم.

قلت: فرسول اللّه وارث الأنبياء علم كلما علموا؟

فقال لي (عليه السلام) : نعم.

قلت: أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى وتبرئوا الأكمه والأبرص؟ فقال لي (عليه السلام) : نعم بإذن اللّه.

ثمّ قال (عليه السلام) : أدن منّي يا أبا محمّد، فمسح يده على عيني ووجهي، وأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شي ء في الدار. قال (عليه السلام) : أتحبّ أن تكون هكذا، ولك ما للنّاس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنّة خالصاً؟». قلت: أعود كما كنت، قال: فمسح على عيني فعدت كما كنت، قال علي: فحدّثت ابن أبي عمير، فقال: أشهد أنّ هذا حقّ كما أنّ النهار حقّ(1).

3- قدرتهم على مايريدون: وهناك الكثير من الروايات تؤكد أنّ اللّه تعالى أعطى الأئمة (عليهم السلام) قدرة يستطيعون أن يفعلوا من خلالها كل ما يريدون.

وهذه الروايات جاءت بتعبيرات متعدّدة، نذكر منها:

ص: 17


1- بصائر الدرجات 1: 269، ح1.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه أقدرنا على ما نريد من خزائن الأرض، ولو شئنا أن نسوق الأرض بأزمّتها لسقناها(1).

وعن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: إنّ اللّه يقول في كتابه {وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}(2) وفقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فعندنا مايُسيّر به الجبال وتُقطع به البلدان وتُحيى به الموتى بإذن اللّه ونحن نعرف ما تحت الهواء وإن كان، وإنّ في كتاب اللّه لآيات ما يُراد بها أمر إلا من الأمور التي أعطاها اللّه الماضين التبيين والمرسلين إلا وقد جعله اللّه ذلك كله لنا في أمّ الكتاب(3).

والروايات بمجموعها مع ملاحظة اشتمالها على روايات صحيحة السند تدل على ثبوت مثل هذه القدرة للأنبياء والأولياء وعلى رأسهم النبي الأكرم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) .

ص: 18


1- دلائل الإمامة: ص226، ح15.
2- سورة الرعد: 31.
3- بصائر الدرجات 1: 115، ح3.

من معاجز النبي الأعظم (صلی اللّه عليه وآله وسلم)

اشارة

هو محمد بن عبداللّه بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي ابن كلاب ابن مرّة ابن كعب ابن لؤي ابن غالب ابن فهر ابن مالك ابن النضر ابن كنانة ابن خزيمة ابن مدركة ابن إلياس ابن مضر ابن نزار ابن معد ابن عدنان، وفي الخبر أنه ص قال: إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا(1).

والده: عبداللّه أحد الذبيحين وقصّته مشهورة، توفّي في المدينة ودفن في دار النابغة الجعدي(2) وعمره على قول ثمان وعشرون قبل أن يولد الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

ولا يخفى أنّ آباء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) جميعهم كانوا مؤمنين، وقد استدل لذلك بأكثر من دليل منها قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لم يزل ينقلني اللّه من أصلاب الطاهرين إلى

ص: 19


1- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 1: 155.
2- هو أبو ليلى حسان بن قيس بن عبد اللّه بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، كان سيداً في قومه، قدم على الرسول (عليهما السلام) سنة (9ه) وأنشده شعراً فأعجب به الرسول (عليهما السلام) ، ثم شهد معركة صفين مع علي بن أبي طالبA وكان في ذلك الحين يسكن الكوفة، وهو شاعر مخضرم مطبوع فصيح يجري في شعره على السليقة، وإنّما سمي (النابغة) لأنه أقام مدة لا يقول الشعر، ثم نبغ، فقيل له: (النابغة)، وهو من الشعراء المخضرمين الذين عاشوا في الجاهلية والإسلام، وهو أسنُّ من النابغة الذبياني، وقارب عمره مائة وثمانين سنة.

أرحام المطهرات، حتى أخرجني في عالمكم، ولم يدنسني بدنس الجاهلية(1)، مع الإلتفات إلى أنّ الكافرين نجس كما في الآية المباركة(2).

ومنها أيضاً قوله تعالى: {ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ}(3)، وفي الحديث عن ابن عباس في بيان معنى الآية، قال: من نبي إلى نبي ومن نبي إلى نبي حتى أخرجك نبياً(4).

وفي الخبر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) قال: واللّه ما عبد أبي، ولا جدّي عبدالمطلب، ولا هاشم، ولا عبد مناف صنماً قط، قيل: وماكانوا يعبدون؟

قال (عليه السلام) : كانوا يصلّون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام) متمسكين به(5).

والدته: آمنة بنت وهب الكلابية وهي من السيدات الشريفات ذات مقام عظيم ويكفي في بيان منزلتها أنّها حازت شرافة الولادة بالنبي (عليهما السلام) وأمومته فيشملها حديث الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهّرة، فضلاً عن كونها زوجة لعبداللّه والد النبي الذي تسابقت النساء للزواج منه.

وقد ترحّم النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عليها وزار قبرها وبكاها، ومن المستحبات الواردة في أعمال المدينة المنورة هي زيارة قبرها والدعاء عنده.

الولادة: اتفقت الإمامية إلا من شذّ منهم على أنّ ولادة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول عند طلوع الفجر عام الفيل،

ص: 20


1- بحار الأنوار 15: 117.
2- قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}. سورة التوبة: 28.
3- سورة الشعراء: 218-219.
4- تفسير مجمع البيان 7: 207.
5- كمال الدين 1: 174، ح32.

بمكة المكرمة، في شعب أبي طالب في الدار التي اشتراها محمد بن يوسف أخو الحجاج أحد ورثة عقيل بن أبي طالب بمائة ألف دينار، ثم حولتها أُمّ الرشيد (الخيزران) إلى مسجد يصلي فيه الناس ويزورنه ويتبركون به(1) إلى أن هدمه الوهابيون وجعلوه مربطاً للدواب، وقد رافقت ولادته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) علامات كثيرة أشار إليها الشيخ الصدوق (رحمه اللّه) في حديث له(2).

ألقابه: نقل المجلسي (رحمه اللّه) في البحار باب أسمائه وألقابه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنّ الباري تعالى سمّاه في القرآن بأربعمائة اسم ثم ذكرها، منها العالم، الحاكم، الخاتم، العابد، الساجد، الشاهد، المجاهد، الطاهر، الشاكر، الصابر، الذاكر، القاضي، الراضي، الداعي، الهادي، القارئ، التالي، الناهي، الآمر، الصادع، الصادق، القانت، الحافظ، الغالب، العائل، الضال، الكريم، وغيرها من الأسماء الأخرى التي المذكورة في القرآن الكريم مع بيان الآيات الدالة عليها(3).

كناه: أبو القاسم، وأبو الطاهر، وأبو الطيب، وأبو المساكين، وأبو الدرتين، وأبو الريحانتين، وأبو السبطين، وفي التوراة كنيته أبو الأرامل، وكنّاه جبرئيل بأبي إبراهيم لولده إبراهيم، وقد كني (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بأبي القاسم لولده القاسم، وقيل: لأنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقسم الجنة يوم القيامة.

صفته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : في الحديث عن الإمام الحسن (عليه السلام) ، قال: هذه صفة جدّي محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كثّ اللحية، عريض الصدر، طويل العنق، عريض الجبهة،

ص: 21


1- راجع الكافي 1: 439.
2- أمالي الصدوق: 360، المجلس الثامن والأربعون، ح444.
3- بحار الأنوار 16: 101، ح40.

أقنى(1) الأنف، أفلج(2) الأسنان، حسن الوجه، قطط الشعر، طيّب الريح، حسن الكلام، فصيح اللسان(3)، وفي الخبر: أنّ بعضهم قال لأميرالمؤمنين (عليه السلام) : يا علي صف لنا نبينا (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كأننا نراه، فإنّا مشتاقون إليه؟ فقال (عليه السلام) : كان نبي اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أبيض اللون، مشرباً حمرة، أدعج(4) العين، سبط(5) الشعر، كثّ اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة(6)، كإنّما عنقه إبريق فضّة، يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبته(7) إلى سرته كقضيب خيط إلى السرة، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكفين والقدمين، شثن(8) الكعبين، إذا مشى كإنّما ينقلع(9) من صخر، إذا أقبل كإنّما ينحدر من صبب، إذا التفت التفت جميعاً بأجمعه كلّه، ليس بالقصير المتردّد، ولا بالطويل الممّعط(10)، وكان في الوجه تدوير، إذا كان في الناس غمرهم، كإنّما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرقه أطيب من ريح المسك، ليس بالعاجز ولا

ص: 22


1- أقنی الأنف: أي محدب الأنف.
2- أفلاج: الفلج فرجة ما بين الشنايا والرباعيات. النهاية 3: 468.
3- تفسير القمي 2: 271.
4- الدعج: سواد العين.
5- سبط الشعر: يسكون الباء أو كسرها أي المترسل.
6- المسربة: الشعر وسط الصدر إلی البطن.
7- اللبة هي المنحر.
8- أي تميل أقدامه إلی الغلظة والقصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ويحمد في الرجال ويذم في النساء. النهاية مادة: شثن.
9- المراد به: أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يرفع رجليه من الأرض رفعاً بيّناً بقوة لايمشي مشي احتشام واختيال.
10- المتمعط: أي الساقط شعر الرأس اكثرة سمّه.

باللئيم، أكرم الناس عشرة، وألينهم عريكة(1)، وأجودهم كفّاً، من خالطه بمعرفة أحبّه، ومن رآه بديهة هابه، عزه بين عينيه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى اللّه عليه وآله وسلم تسليماً(2).

بوّابه: أنس بن مالك، الذي كتم حديث الغدير حينما ناشد أميرالمؤمنين (عليه السلام) كل من سمع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم الغديرأن يقوم ويشهد له، فلم يقم أنس مدّعياً أنه كبر ونسى، فدعا عليه أميرالمؤمنين (عليه السلام) بالبرص فابتلي به، حتى أنه آلى على نفسه بعد ذلك أن لا يكتم حديثاً في فضائل الإمام علي (عليه السلام) .

وقد أشار إلى هذه القضية الزاهي(3)

في قصيدة له قائلاً:

ذاك الذي استوحش منه أنس***أن يشهد الحق فشاهد البرص

إذ قال: من يشهد بالغدير لي؟***فبادر السامع وهو قد نكص

فقال: أنسيت فقال: كاذب***سوف ترى ما لا تواريه القمص(4)

شاعره: حسّان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري الخزرجي، كان عثمانياً، وهو القائل:

يا ليت شعري وليت الطير تخبرني***ما كان بين علي وابن عفانا

ضحوا بأشمط(5) عنوان السجود به***يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

ص: 23


1- العريكة: الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة إذا كان سلساً مطاوعاً منقاداً قليل الخلاف والنفور.
2- أمالي الطوسي: 340، ح695.
3- أبو القاسم الزاهي (ولد في 318 وتوفي 352)، ترجمه العلامة الأميني في الغدير 3: 390.
4- الغدير 1: 194.
5- الأشمط: هو الذي خالط بياض رأسه سواداً.

لتسمعن وشيكاً في ديارهم***اللّه أكبر يا ثارات عثمانا(1)

ولما عزل أميرالمؤمنين (عليه السلام) قيس بن سعد بن عبادة عن مصر وجاء إلى المدينة جاء إليه حسان شامتاً ومؤنّباً فزجره قيس وأخرجه، وكان حسّان جباناً، وقد مدح أمير المؤمنين (عليه السلام) في أول أمره ولكنّه تخلّف عنه في النهاية، ومنه يظهر سر تقييد دعاء النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) له حيث قال: لا زلت مؤيداً بروح القدس ما دمت ناصرنا.

خاتمه: في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: إنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يتختّم بيمينه(2)، وفي خبر آخر قال (عليهم السلام) : كان خاتم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من ورق(3).

مختصّاته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : هناك مجموعة من المختصّات التي اُختصّ بها النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) دون سواه ذكرها الفقهاء في الكتب الفقهية نشير إليها باختصار وهي:

أولاً: جواز العقد زيادة على أربع.

ثانياً: العقد بلفظ الهبة.

ثالثاً: وجوب تخييره النساء.

رابعاً: تحريم نكاح الإماء عليه بالعقد.

خامساً وسادساً: حرمة الاستبدال بنسائه والزيادة عليهن.

سابعاً: تحريم زوجاته على غيره.

ثامناً: عدم وجوب القسمة بين الأزواج.

ص: 24


1- بحار الأنوار 38: 266.
2- وسائل الشيعة 5: 82، ح5982.
3- الكافي 6: 468، ح2.

تاسعاً: وجوب إجابة المرأة إذا رغب فيها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

عاشراً: وجوب السواك عليه.

الحادي عشر: وجوب الوتر عليه.

الثانّي عشر: وجوب الأضحية عليه.

الثالث عشر: وجوب قيام الليل والتهجّد فيه.

الرابع عشر: تحريم الصدقة الواجبة عليه.

الخامس عشر: تحريم خائنة الأعين عليه: وهي الغمز بها بمعنى الإيماء بها إلى مباح من ضرب وقتل على خلاف ما تشعر به الحال.

السادس عشر: إباحة صوم الوصال له.

السابع عشر: وجوب إنكار المنكر إذا رآه.

الثامن عشر: وجوب مشاورة أصحابه في الأمر.

التاسع عشر: تحريم الخط والشعر عليه.

العشرون: تحريم نزع لامة الحرب إذا لبسها حتى يلقى عدوه ويقاتل.

الحادي والعشرون: تحريم أن يمد عينيه إلى ما متع اللّه به الناس.

الثانّي والعشرون: تفضيل زوجاته على غيرهن.

الثالث والعشرون: جعل زوجاته أمهات المؤمنين.

الرابع والعشرون: تحريم أن يسألهن غيرهن شيئاً إلا من وراء حجاب.

الخامس والعشرون: تحريم رفع صوت غيره عليه ومناداته من وراء الحجرات.

السادس والعشرون: وجوب الصلاة عليه في الصلاة.

السابع والعشرون: أبيح له دخول مكة بغير إحرام خلافاً لأمته.

ص: 25

الثامن والعشرون: أنه كان يبصر وراءه كما يبصر أمامه.

التاسع والعشرون: أنه كان تنام عينه ولا ينام قلبه.

الثلاثون: أن شريعته نسخت سائر الشرائع.

الحادي والثلاثون: أنه خاتم النبيين.

من معاجزه (صلی اللّه عليه وآله وسلم)

قلع الشجرة بعروقها

ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته القاصعة قال: لقد كنت معه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يا محمد أنّك قد ادّعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنّك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب.

فقال لهم: وما تسألون؟

قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك.

فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه على كل شيء قدير، فإن فعل ذلك بكم أتؤمنون تشهدون بالحق؟

قالوا: نعم.

قال: فإنّي سأريكم ما تطلبون، إنّي لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير، وأنّ فيكم من يطرح في القليب ومن يحزب الأحزاب، ثم قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أيتّها الشجرة إن كنت تؤمنين باللّه واليوم الآخر وتعلمين إنّي رسول اللّه فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن اللّه.

فالذي بعثه بالحق، لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دويّ شديد وقصف

ص: 26

كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رأس رسول اللّه وببعض أغصانها على منكبيّ، وكنت عن يمينه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّاً واستكباراً: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دوياً فكادت تلتف برسول اللّه.

فقالوا كفراً وعتوّاً: فمرّ هذا النصف فليرجع إلى نصفه، فأمره (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فرجع.

فقلت أنا: لا إله إلا اللّه، إنّي أول مؤمن بك يا رسول اللّه، وأول من آمن بأنّ الشجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تصديقاً لنبوتك وإجلالاً لكلمتك.

فقال القوم: بل ساحر كذّاب، عجيب السحر، خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك غير هذا؟! يعنونني(1).

خروج الماء من بين يديه

كان النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في سفر وشكا أصحابه العطش وكانوا بمعرض التلف، فقال: كلاّ إنّ معي ربّى عليه توكلت، ثم دعا بركوة(2) فصبّ فيها ماء ما كان يروى إنسانا واحداً، وجعل يده فيها فنبع الماء من بين أصابعه وصيح في الناس اشربوا، فشربوا وسقوا حتى نهلوا وعلوا - النهل الشرب الأول وقد نهل بالكسر وأنهلته أنا لأن الإبل تسقى في أول الورد فترد إلى العطن ثم

ص: 27


1- نهج البلاغة، الخطبة: 192، الخطبة القاصعة.
2- الركوة بالضم: إناء صغير من جلد يشرب فيها الماء.

تسقى الثانية وهي العلل فترد إلى المرعى والعطن والمعطن واحد الأعطان والمعاطن وهي مبارك الإبل عند الماء لتشرب علا بعد نهل - وهم ألوف وهو يقول: أشهد أنّي رسول اللّه حقّاً(1)(2).

شجرة مباركة

عن هند بنت الجون قالت: نزل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومج(3) في عوسجة إلى جانب الخيمة، فأصبحنا وهي كأعظم دوحة(4)، وجاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس(5) ورائحة العنبر وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا بريء، وما أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا درّ لبنها، وكنّا نسمّيها المباركة، وينتابنا من البوادي من يستشفي بورقها ويتزوّد منها، حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها، واصغر ورقها، ففزعنا فما راعنا إلا نعي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

ثم إنّها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك، من أسفلها إلى أعلاها، وبعدها تساقط ثمرها ذهب، فما شعرنا إلا بمقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فما

ص: 28


1- لما ادعى مسيلمة الكذاب النبوة أتته امرأة وطلبت منه أن يدعو اللّه لمائها ونخلها كما دعا محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأولئك القوم في بئرهم، ففعل مسيلمة مثل ما فعل رسول اللّه وتفل في البئر، فغار ماؤهاويبس نخلها.
2- كشف الغمة 1: 24.
3- مج: أي قذف الماء من فمه، والعوسجة: من شجر البادية.
4- لدوحة: الشجرة العظيمة المثمرة.
5- الورس: نبات حبه كالسمسم أصفر اللون يصبغ به كالزعفران.

أثمرت بعد ذلك، وكنّا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينا نحن فزعون مهمومون إذ أتانا خبر مقتل الحسين (عليه السلام) ، ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت(1).

ياعجباً للذئب يتكلّم

روي أنّ رجلاً(2) كان في غنمه فأخذ منه الذئب شاة فأقبل يعدو خلفه فطرحها، وقال بلسان عربي فصيح: تمنعني رزقاً ساقه اللّه إليّ؟ فقال الراعي: يا عجباً للذئب يتكلّم.

قال: أنتم أعجب في شأنّكم عبرة للمعتبرين، هذا محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يدعو إلى الحقّ ببطن مكة وأنتم عنه لاهون، فأبصر الرجل رشده وهداه اللّه وأقبل إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وأبقى لعقبة شرفاً وكانوا يُعرفون ببني مكلّم الذئب(3).

لم تروا ما رأيت

روي أنّ أبا جهل اشترى من رجل طارئ(4) من العرب على مكة إبلاً، فبخسه حقّه وثمنه، فأتى نادي قريش فذكّرهم حرمة البيت، فأحالوه على محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) استهزاءاً به لقلّة منعته(5) عندهم، فأتى محمداً (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فمضى معه، ودقّ على أبي جهل الباب، فخرج متخوّف القلب، وقال: أهلا ًيا أبا القاسم - قول الذليل - .

ص: 29


1- كشف الغمة 1: 25.
2- وفي رواية ابن شهرآشوب أن ذلك الرجل كان (جندب بن جنادة) أبا ذر الغفاري (رحمه اللّه) .
3- كشف الغمة 1: 27.
4- الطارئ: الغريب.
5- المنعة: القوة التي تمنع من يريد أحدا بسوء.

فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أعط هذا الرجل حقّه. فأعطاه في الحال. فعيّره قومه، فقال: رأيت ما لم تروا، رأيت فالجاً(1) لو أبيت لابتلعني. فعلموا أنه صدق بما أخبرهم، لبغضه له(2).

حنين الجذع

كان النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يخطب عند جذع شجرة، وذلك في مسجده بالمدينة حيث كان يستند إليه فيخطب الناس، ولما كثر الناس اتخذوا له منبراً، فلما صعده حنّ الجذع حنين الناقة التي فقدت ولدها، فنزل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فضمّه إليه، فكان يئن أنين الصبي الذي يسكت(3).

شاة أمّ معبد

روي أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما هاجر من مكة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد اللّه بن اُريقط الليثي، فمروا على أمّ معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة(4) تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فسألوا تمراً ولحماً ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وإذا القوم مرملون(5)، فقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، فنظر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في كسر خيمتها فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :

ص: 30


1- أي ثعبان.
2- الخرائج والجرائح 1: 24، ح2.
3- إعلام الورى 1: 76.
4- قال ابن منظور في اللسان: البرزة من النساء: الجليلة التي تظهر للناس ويجلس إليها القوم، وامرأة برزة: موثوق برأيها وعفافها، ويقال: امرأة برزة: إذا كانت كهلة لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم. لسان العرب (مادة: برز).
5- المرمل: هو الذي فنی زاده.

ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم.

فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك.

قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أتأذنين في أن أحلبها؟

قالت: نعم بأبي أنت وأمّي إن رأيت بها حلباً فاحلبها. فدعا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم اللّه وقال: اللّهم بارك في شاتها فتفاجّت(1) ودرّت، فدعا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بإناء لها يريض الرهط(2) فحلب فيه ثجا(3) حتى علته الثمال(4)، فسقاها فشربت حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا، فشرب (عليه السلام) آخرهم وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ساقي القوم آخرهم شرباً، فشربوا جميعاً عللاً بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء، فغادوا عندها ثم ارتحلوا عنها. فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزاً عجافاً مزلاً ومخاجهن قليل، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت؟

قالت: لا واللّه، إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت(5).

اُكتب لي أماناً

روي أنّ سراقة بن جعشم الذي تبع النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو متوجّه إلى المدينة طالبا لغرته ليحظى بذلك عند قريش، حتى إذا أمكنته الفرصة في نفسه،

ص: 31


1- تفاجت: أي فتحت ما بين رجليها.
2- يربض الرهط: أي يرويهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يوار أرضه.
3- ثجا: أي انصب بشدة.
4- الثمال. بالضم، جمع ثمالة، وهي الرغوة، وقد أثمل اللبن كثر ثمالته.
5- بحار الأنوار 18: 43، ح30.

وأيقن أن قد ظفر ببغيته، ساخت قوائم فرسه، حتى تغيّبت بأجمعها في الأرض، وهو بموضع جدب وقاع صفصف(1)، فعلم أنّ الذي أصابه أمر سماوي، فنادى: يا محمد أدع ربك يطلق لي فرسي وذمة اللّه علي أن لا أدل عليك أحداً. فدعا له فوثب جواده كأنه أفلت من أ ُنشوطة، وكان رجلاً داهية وعلم بما رأى أنه سيكون له نبأ، فقال: اُكتب لي أماناً، فكتب له فانصرف، قال محمد بن إسحاق: إنّ أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتاً فأجابه سراقة:

أبا حكم واللاّت لو كنت شاهداً***لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه

عجبت ولم تشكك بأنّ محمداً***نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه

عليك بكفّ الناس عنه فإنّني***أرى أمره يوماً ستبدو معالمه(2)

قوم يشكون ملوحة مائهم

روي أنّ قوماً شكوا إليه ملوحة مائهم وأنّهم في جهد من الظمأ وبعد المناهل، وأن لا قوة لهم على شربه، فجاء معهم في جماعة أصحابه حتى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثم انصرف، وكانت مع ملوحتها غائرة، ثم انفجرت بالماء العذب الفرات، فها هي يتوارثها أهلها ويعدونها أسنى مفاخرهم وأجل مكارمهم، وأنّهم لصادقون. وكان ممّا أكد اللّه به صدقه، أنّ قوم مسيلمة سألوه مثلها لما بلغهم ذلك، فأتى بئراً فتفل فيها فعادت ماؤها ملحاً أجاجاً كبول الحمار، وهي إلى اليوم بحالها معروفة المكان(3).

ص: 32


1- القاع الصفصف: المستوية.
2- إعلام الورى 1: 78.
3- إعلام الورى 1: 81.

شفاء صبي

روي أنّ امرأة أتته بصبي لها ترجو البركة بأن يمسّه ويدعو له، وكانت به عاهة، فرحمها - والرحمة صفته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) - فمسح يده على رأس الصبي فاستوى شعره، وبرئ داؤه، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت مسيلمة امرأة بصبي لها فمسح رأسه فصلع وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعاً(1).

إخباره بمكان ناقته

روي أنّ ناقة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) افتقدت فأرجف المنافقون، فقالوا: يخبرنا بأسرار السماء ولا يدري أين ناقته. فسمع (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ذلك فقال: إنّي وإن أخبركم بلطائف السماء لكنّي لا أعلم من ذلك إلا ما علمني اللّه.

فلما وسوس إليهم الشيطان بذلك دلّهم على حالها، ووصف لهم الشجرة التي هي متعلّقة بها، فأتوها فوجدوها على ما وصف قد تعلّق خطامها(2) بشجرة أشار إليها(3).

شكوى بعير إليه

نقل جابر بن عبداللّه الأنصاري: أنّ بعيراً شكى إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عند رجوعه إلى المدينة من غزوة بني ثعلبة، فقال: أتدرون ما يقول هذا البعير؟

قال جابر: قلنا: اللّه ورسوله أعلم. قال: فإنّه يخبر في أنّ صاحبه عمل عليه حتى إذا أكبره وأدبره(4) وأهزله أراد نحره وبيعه لحماً، يا جابر إذهب معه

ص: 33


1- إعلام الورى 1: 82.
2- الخطام ككتاب: كل ما يُجعل في أنف البعير ليقتاد به.
3- الخرائج والجرائح 1: 30، ح25.
4- أي وجده كبيرا «أو جعله كبيرا» في السن مجازاً.

إلى صاحبه فأتني به.

قال: قلت: واللّه ما أعرف صاحبه. قال: هو يدلّك. قال: فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني حنظلة أوبني واقف، قلت: أيّكم صاحب هذا البعير؟

قال بعضهم: أنا، قلت: أجب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) . فجئت أنا وهو والبعير إلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: بعيرك هذا يخبرني بكذا وكذا. قال: قد كان ذلك يا رسول اللّه. قال: فبعنيه.

قال: هو لك. قال: بل بعنيه فاشتراه منه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة، فكان الرجل منّا إذا أراد الروحة والغدوة منحه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) . قال جابر: فرأيته وقد ذهبت دبرته ورجعت إليه نفسه(1).

ردّ كيد أبي جهل

أنّ أبا جهل عاهد اللّه أن يفضخ رأسه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بحجر إذا سجد في صلاته، فلما قام رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يصلي وسجد - وكان إذا صلّى صلّى بين الركنين: الأسود واليمانّي وجعل الكعبة بينه وبين الشام - فحمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منتقعاً(2) لونه مرعوباً، قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقام إليه رجال من قريش، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: عرض لي دونه فحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني(3).

ص: 34


1- إعلام الوری 1: 86.
2- انتقع لونه: تغير واختطف لأمر أصابه كالحزن والفرغ.
3- بحار الأنوار 18: 240، ح86.

من تتهم يارجل؟

روي أنّ رجلاً أتى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: إنّي خرجت وامرأتي حائض ورجعت وهي حبلى! فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من تتهم؟ قال: فلاناً وفلاناً. قال: ائت بهما. فجاء بهما.

فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إن يكن من هذا فسيخرج قططاً(1) كذا وكذا. فخرج كما قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (2).

أدام اللّه جمالك

روي أنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعث إلى يهودي يسأله قرض شيء له، ففعل ثم جاء اليهودي إليه، فقال: جاءتك حاجتك؟ قال: نعم، ثم قال: فابعث فيما أردت ولا تمتنع من شيء تريده. فقال له النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أدام اللّه جمالك.

فعاش اليهودي ثمانين سنة ما رؤي في رأسه طاقة شعر بيضاء(3).

اختفائه عن العوراء أمّ جميل

نقلت أسماء بنت أبي بكر، فقالت: لما نزلت (تبت يدا أبي لهب) أقبلت العوراء أمّ جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول: مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. والنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول اللّه قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك.

فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنها لا ترإنّي وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال، وقرأ:

ص: 35


1- قططا: قصير الشعر وجعده.
2- الخرائج والجرائح 1: 87، ح143.
3- الخرائج والجرائح 1: 87، ح144.

{وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْأخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا}(1) فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا وربّ البيت.

ما هجاك، فولّت وهي تقول: قريش تعلم إنّي بنت سيدها(2).

يسمعون قراءته ولايرونه

عن ابن عباس: أنّ ناساً من بني مخزوم تواصوا بالنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ليقتله منهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته وذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضاً من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلاً، فذلك قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}(3)(4).

ميسرة يروي معجزة للنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم)

عن ابن عباس، قال: كان سبب تزويج النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بخديجة (عليها السلام) ، أنه أقبل

ص: 36


1- سورة الإسراء: 45.
2- تفسير نور الثقلين 5: 697-698، ح4.
3- سورة يس: 9.
4- بحار الأنوار 18: 72.

ميسرة - عبدخديجة - وكان النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد نزل تحت شجرة، فرآه الراهب، فقال:

من هذا الذي معك؟ فقال: من أهل مكة، قال: فإنّه نبي، واللّه ماجلس في هذا المجلس بعد عيسى (عليه السلام) أحد غيره.

قال: فأقبل إلى خديجة فقال لها: إنّي كنت آكل معه حتى أشبع، ويبقى الطعام، فدعت خديجة بقناع عليه رطب، ودعت أختها هالة، وهي امرأة أبي العاص بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد الشمس، ودعت النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص منه شيء(1).

اُدع اللّه أن يردّ إليّ بصري

عن أبي عوف، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فألطفني، وقال: إنّ رجلاً مكفوف.

البصر أتى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه لي أن يردّ إلي بصري.

قال: فدعا اللّه له، فرد عليه بصره.

ثم أتاه آخر، فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه لي أن يرد علي بصري. فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : تثاب عليه الجنة أحب إليك، أم يردّ عليك بصرك؟ فقال: يا رسول اللّه، وإنّ ثوابها الجنة؟! قال: اللّه أكرم من أن يبتلي عبداً مؤمناً بذهاب بصره، ثم لا يثيبه الجنة(2).

ص: 37


1- الثاقب في المناقب: 47، ح12.
2- الثاقب في المناقب: 63، ح37.

كلوا باسم اللّه

روي أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يخرج في الليلة ثلاث مرات إلى المسجد فخرج في آخر ليلة، وكان يبيت عند المنبر مساكين، فدعا بجارية تقوم على نسائه، فقال: إئتيني بما عندكم. فأتته ببرمة ليس فيها إلا شيء يسير، فوضعها.

ثم أيقظ عشرة وقال: كلوا باسم اللّه. فأكلوا حتى شبعوا، ثم أيقظ عشرة، فقال: كلوا باسم اللّه. فأكلوا حتى شبعوا ثم هكذا، وبقي في القدر بقيّة فقال: إذهبي بهذا إليهم(1).

شهادة الجمادات بنبوته (صلی اللّه عليه وآله وسلم)

عن الإمام علي (عليه السلام) ، قال: إنّ رجلاً من ملوك فارس عاقلا أديباً، قال: يا محمد أخبرني إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

قال: وأين اللّه يا محمد؟ قال: بكل مكان موجود، وفي غير شيء محدود.

قال: كيف هو؟ وأين هو؟ قال: ليس كيف ولا أين، لأنّه تبارك وتعالى خلق الكيف والأين.

قال: فمن أين جاء؟ قال: لا يقال: من أين جاء، وإنّما يقال: من أين جاء للزائل من مكان إلى مكان، وربنا تعالى لا يزول.

قال: يا محمد أنّك لتصف أمراً عظيماً، بلا كيف، فكيف لي أن أعلم أنه أرسلك؟ فلم يبق بحضرته ذلك اليوم، لا حجر ولا مدر، ولا شجر، ولا سهل، ولا جبل، إلا قال من مكانه: أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك

ص: 38


1- الخرائج والجرائج 1: 88، ح146.

له، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

فقال الرجل: وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله. فقلت أنا: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمداً رسول اللّه.

فقال: يا محمد، من هذا؟ قال: هذا خير أهلي وأقرب الخلق إليّ، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وروحه من روحي، وهو وزيري في حياتي، وبعد وفاتي، كما كان هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، فاسمع له وأطع، تكن على الحق. ثم سمّاه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : عبد اللّه(1).

وأنذر عشيرتك الأقربين

روي أنّ ابن الكوا قال للإمام علي (عليه السلام) : بما كنت وصي محمد من بين بني عبد المطلب؟ قال: أدن، ما الخير تريد. لما نزل على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ}(2).

جمعنا رسول اللّه ونحن أربعون رجلاً، فأمرني فأنضجت له رجل شاة، وصاعاً من طعام، أمرني فطحنته وخبزته، وأمرني فأدنيته.

ثم قال: فقال: تقدم علي عشرة عشرة من أجلّتهم. فأكلوا حتى صدروا وبقي الطعام كما كان وإنّ منهم لمن يأكل الجذعة(3) ويشرب

ص: 39


1- الثاقب في المناقب: 66-68، ح48.
2- سورة الشعراء: 214.
3- قال ابن الأثير في (النهاية 1: 250، مادة «جذع»): وأصل الجذع من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابا فتيا. فهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية. وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها. ومنهم من يخالف بعض هذا التقدير.

الفرق(1) فأكلوا منها كلّهم أجمعون.

فقال أبو لهب: سحركم صاحبكم، فتفرّقوا عنه.

ودعاهم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثانية ثم قال: أيّكم يكون أخي ووصيي ووارثي؟

فعرض عليهم كلّهم، وكلّهم يأبى حتى انتهى إلي وأنا أصغرهم سناً وأعمشهم(2) عيناً، وأحمشهم(3) ساقاً.

فقلت: أنا. فرمى إلي بنعله فلذلك كنت وصيه من بينهم(4).

ص: 40


1- قال ابن الأثير في (النهاية 3: 437، مادة «فرق»): الفرق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز.
2- العمش: ضعف البصر مع سيلان الدمع.
3- حمش الرجل: صار دقيق الساقين. وهذه الصفات كنايات على أنه عليه السلام، أصغرهم عمراً، وأقلهم مكانة، ولا يعتد به، ولا يؤخذ برأيه، وقد اختاره اللّه تعالى من بينهم للوصاية دون غيره.
4- الخرائج والجرائح 1: 92، ح153.

من معاجز الإمام علي (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم (عليه السلام) .

وفي الخبر عنه (عليه السلام) : أنا اسمي في الإنجيل إليا، وفي التوراة برئ، وفي الزبور أري(1).

والده: أبو طالب مؤمن قريش، شيبة الحمد.

والدته: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

صفته: كان ربعة من الرجال، أدعج(2) العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر، حسناً، ضخم البطن، عريض المنكبين، شئن الكفين(3) أغيد(4) كأن عنقه إبريق فضة، أصلع، كث اللحية، لمنكبيه مشاش(5) كمشاش السبع الضاري، لا يبين عضده من ساعده، وقد أدمجت إدماجا، إن أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه، فلم يستطع أن ينفس، شديد الساعد واليد(6).

ص: 41


1- معاني الأخبار: 59، ح9.
2- إذا كانت العين سوداء شديدا مع سعتها قيل لها: دعجاء ولصاحبها: أدعج.
3- قال الجزري: «شئن الكفين والقدمين» أي إنهما يميلان إلى الغلط والقصر وقيل: هو أن يكون في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال وبذم في النساء. النهاية 2: 204.
4- الاغيد: الذي مالت عنقه ولانت أعطافه.
5- المشاش (بضم الميم) رؤوس العظام اللينة. والسبع الضاري: المعتاد بالصيد لا يصير عنه.
6- كشف الغمة 1: 77.

ألقابه: لقّبه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بأميرالمؤمنين وخصّه بهذا اللقب، ولايجوز هذا اللقلب لغيره حتى لسائر الأئمة (عليهم السلام) .

كنيته المشهورة: أبو الحسن.

نقش خاتمه: الملك لله.

خادمه: قنبر.

قالوا في الإمام علي (عليه السلام)

كثر المادحون لأميرالمؤمنين (عليه السلام) من المخالفين والموافقين حتى فاق كلامهم حدّ الإحصاء، نشير إلى بعضها ومنها:

1- ماورد عن ابن عباس، قال: سمعت عمر وعنده جماعة فذكروا السابقين إلى الإسلام، فقال عمر: أمّا أنا فسمعت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول فيه ثلاث خصال لوددت أن تكون لي واحدة منهن وكانت أحب إلي عما طلعت عليه الشمس كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه إذ ضرب النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على منكب علي (عليه السلام) وقال له: يا علي أنت أول المؤمنين إيماناً، وأول المسلمين إسلاماً، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى(1).

2- قال ابن عباس: علي علم علماً علّمه رسول اللّه، ورسول اللّه علّمه اللّه، فعلم النبي علم اللّه، وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم أصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر(2).

3- مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بملأ فيهم سلمان، فقال لهم سلمان: قوموا

ص: 42


1- الغدير 3: 228.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 2: 30.

فخذوا بحجزة(1) هذا فواللّه لا يخبركم بسرّ نبيكم غيره(2).

4- حذيفة بن اليمان قال: كنا نعبد الحجارة ونشرب الخمر وعلي من أبناء أربع عشرة سنة قائم يصلي مع النبي ليلاً ونهاراً، وقريش يومئذ تسافه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما يذب عنه إلا علي(3).

من معاجزه (عليه السلام)

تأخذ طريق الشام

روي أنّ الإمام علي (عليه السلام) قال يوماً: لو وجدت رجلاً ثقة لبعثت معه بمال إلى المدائن إلى شيعتي. فقال رجل في نفسه: لآتينه ولأقولن: أنا أذهب بالمال، فهو يثق بي، فإذا أخذته، أخذت طريق الشام إلى معاوية.

فجاء إلى علي (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أنا أذهب بالمال.

فرفع رأسه فقال: إليك عنّي، تأخذ طريق الشام إلى معاوية؟!(4).

الإمام علي (عليه السلام) يكلّم الثعبان

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنبر، إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب المسجد، فهمّ الناس أن يقتلوه، فأرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) أن كفّوا فكفّوا، وأقبل الثعبان ينساب حتى انتهى إلى المنبر، فتطاول فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأشار أمير المؤمنين (عليه السلام) [إليه] أن

ص: 43


1- الحجزة: موضع شدّ الإزار. النهاية 1: 344.
2- أمالي، المفيد: 354، المجلس السابع عشر، ح2.
3- شرح نهج البلاغة 13: 234.
4- الخرائج والجرائح 1: 195، ح31.

يقف حتى يفرغ من خطبته.

فلمّا فرغ من خطبته، أقبل عليه، فقال: من أنت؟ فقال: (أنا) عمرو بن عثمان خليفتك على الجنّ، وإنّ أبي مات وأوصانّي أن آتيك فأستطلع رأيك، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين فما تأمرني به وما ترى؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : أوصيك بتقوى اللّه، وأن تنصرف فتقوم مقام أبيك في الجنّ فإنّك خليفتي عليهم، قال: فودّع عمرو أمير المؤمنين (عليه السلام) وانصرف، فهو خليفته على الجنّ، فقلت له: جعلت فداك فيأتيك عمرو وذاك الواجب عليه، قال: نعم(1).

أرنا شيئاً تطمئن به قلوبنا

روى أبو حمزة الثمالي، عن رميلة - وكان ممّن صحب الإمام علي (عليه السلام) - قال: ... وصار إليه نفر من أصحابه فقالوا: إنّ وصي موسى كان يريهم الدلائل والعلامات والبراهين والمعجزات، وكان وصي عيسى يريهم كذلك.

فلو أريتنا شيئاً تطمئن إليه وبه قلوبنا؟

قال: إنكم لا تحتملون علم العالم ولا تقوون على براهينه وآياته. وألحوا عليه.

فخرج بهم نحو أبيات الهجريين حتى أشرف بهم على السبخة، فدعا خفياً، ثم قال: اكشفي غطاءك. فإذا بجنات وأنهار في جانب، وإذا بسعير ونيران من جانب.

فقال جماعة: سحر، سحر.

ص: 44


1- الكافي 1: 396، ح6.

وثبت آخرون على التصديق ولم ينكروا مثلهم، وقالوا: لقد قال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار(1).

الإمام علي (عليه السلام) يكلّم الشمس

عن جابر بن عبد اللّه، قال: لقيت عمّاراً في بعض سكك المدينة فسألته عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فأخبر أنّه في مسجده في ملأ من قومه وأنّه لمّا صلّى الغداة أقبل علينا فبينا نحن كذلك وقد بزغت الشمس إذ أقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقام إليه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقبّل بين عينيه، وأجلسه إلى جنبه حتى مسّت ركبتاه ركبتيه، ثمّ قال: يا علي قم للشمس فكلّمها فإنّها تكلّمك. فقام أهل المسجد وقالوا: أترى عين الشمس تكلّم عليّا؟ وقال بعض: لا يزال يرفع حسيسة ابن عمّه وينوّه باسمه، إذ خرج عليّ (عليه السلام) فقال للشمس: كيف أصبحت يا خلق اللّه؟ فقالت: بخير يا أخا رسول اللّه، يا أوّل يا آخر، يا ظاهر يا باطن، يا من هو بكلّ شيء عليم.

فرجع عليّ (عليه السلام) إلى النبيّ (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فتبسّم النبيّ (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال: يا عليّ تخبرني أو أُخبرك؟ فقال: منك أحسن يا رسول اللّه. فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أمّا قولها لك «يا أوّل» فأنت أوّل من آمن باللّه، وقولها (لك) «يا آخر» فأنت آخر من يعاينني على مغسلي، وقولها «يا ظاهر» فأنت أوّل من يظهر على مخزون سرّي، قولها «يا باطن» فأنت المستبطن لعلمي، وأمّا «العليم بكلّ شيء» فما أنزل اللّه تعالى علماً من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، والتنزيل والتأويل، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه والمشكل إلّا وأنت به

ص: 45


1- الخرائج والجرائح 1: 172، ح2.

عليم، ولو لا أن تقول فيك طائفة من أمّتي ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك مقالاً لا تمرّ بملإ إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون به.

قال جابر: فلمّا فرغ عمّار من حديثه أقبل سلمان، فقال عمّار: وهذا سلمان كان معنا، فحدّثني سلمان كما حدّثني عمّار(1).

أتحب أن أريك كرامتك على اللّه؟

عن عبد اللّه بن مسعود قال: كنّا مع النبيّ (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذ دخل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول اللّه: يا أبا الحسن أ تحبّ أن نريك كرامتك على اللّه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه. قال: فإذا كان غداً فانطلق إلى الشمس معي فإنّها ستكلّمك بإذن اللّه تعالى، فماجت قريش والأنصار بأجمعها، فلمّا أصبح صلّى الغداة وأخذ بيد عليّ بن أبي طالب، وانطلق ثمّ جلسا ينتظران طلوع الشمس، فلمّا طلعت الشمس قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يا عليّ كلّمها فإنّها مأمورة وإنّها ستكلّمك، فقال (عليه السلام) : السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته أيّها الخلق السامع المطيع، فقالت الشمس:

و عليك السلام ورحمة اللّه وبركاته يا خير الأوصياء، لقد أعطيت في الدنيا والآخرة ما لا عين رأت، ولا اذن سمعت، فقال عليّ (عليه السلام) : ما ذا أعطيت؟ فقالت: ولم يؤذن لي أن أخبرك فيفتتن الناس، ولكن هنيئا لك العلم والحكمة في الدنيا والآخرة فأنت ممّن قال اللّه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٖ جَزَاءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(2) وأنت ممّن قال اللّه تعالى

ص: 46


1- تأويل الآيات: 632.
2- سورة السجدة: 17.

[فيه] {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُۥنَ}(1) فأنت المؤمن الذي خصّك اللّه بالإيمان.

وروي أنّ الشمس كلّمته ثلاث مرّات(2).

مايمنعك عن معاوية؟

روي أنّه اختصم رجل وامرأة إليه، فعلا صوت الرجل على المرأة، فقال له الإمام علي (عليه السلام) : إخسأ - وكان خارجياً - فإذا رأسه رأس كلب، فقال رجل: يا أمير المؤمنين صحت بهذا الخارجي فصار رأسه رأس كلب فما يمنعك عن معاوية؟

فقال: ويحك لو أشاء أن آتي بمعاوية إلى ها هنا على سريره لدعوت اللّه حتى فعل.

ولكنّا لله خزّان. لا على ذهب، ولا فضة، ولا إنكار على أسرار تدبير اللّه.

أما تقرأ: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}(3)(4).

الإمام علي (عليه السلام) يكلّم السبع

عن جويرية بن مسهر، قال: خرجت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) نحو بابل، فمضينا بغابة وإذا نحن بالأسد باركا على الطريق وأشباله خلفه، فملت دابّتي

ص: 47


1- سورة السجدة: 18.
2- الثاقب في المناقب: 255، ح3.
3- سورة الأنبياء: 26-27.
4- الخرائج والجرائح 1: 172، ح3.

لأرجع، فقال لي: أقدم يا جويرية بن مسهر، إنّما هو كلب اللّه، ثمّ قال: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَا}(1) الآية، فإذا بالأسد قد أقبل نحوه يبصبص(2) بذنبه وهو يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته، يا ابن عمّ رسول اللّه. فقال: وعليك السلام يا أبا الحارث، ما تسبيحك؟ قال: أقول: سبحان من ألبسني المهابة، وقذف فى قلوب عباده منّي المخافة(3).

لي أمّ عجوز بالكوفة

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ جبير الخابور كان صاحب بيت مال معاوية، وكانت له أمّ عجوز بالكوفة كبيرة، فقال لمعاوية: إنّ لي أمّاً بالكوفة عجوزاً اشتقت إليها، فأذن لي حتى آتيها فأقضي من حقّها ما يجب علي.

فقال معاوية: ما تصنع بالكوفة؟ فإنّ فيها رجلاً ساحراً كاهناً يقال له: علي بن أبي طالب، وما آمن أن يفتنك.

فقال جبير: مالي ولعلي، إنّما آتي أمّي فأزورها وأقضي حقّها. فأذن له.

فقدم جبير إلى عين التمر(4) ومعه مال، فدفن بعضه في عين [التمر]، وقد كان لعلي مناظر، فأخذوا جبيراً بظاهر الكوفة، وأتوا به علياً، فلما نظر إليه قال له: يا جبير الخابور أما إنك كنز من كنوز اللّه، زعم لك معاوية أنّي كاهن ساحر؟!

ص: 48


1- سورة هود: 56.
2- يقال: بصبص الكلب وتبصبص: حرّك ذنبه، والتبصبص: التملّق.
3- المناقب 2: 303-304.
4- عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربي الكوفة، بقربها موضع يقال له «شفاثا...».

قال: إي واللّه، قال ذلك معاوية. ثم قال: ومعك مال قد دفنت بعضه في عين التمر.

قال: صدقت يا أمير المؤمنين، لقد كان ذلك.

قال علي (عليه السلام) : يا حسن ضمّه إليك، فأنزله وأحسن إليه.

فلما كان من الغد دعاه، ثم قال لأصحابه: إنّ هذا يكون في جبل الأهواز في أربعة آلاف مدجّجين في السلاح، فيكونون معه حتى يقوم قائمنا أهل البيت فيقاتل معه(1).

أكثرت الوقيعة في علي (عليه السلام)

قال هاشميّ: رأيت رجلاً بالشام قد اسودّ نصف وجهه وهو يغطّيه فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم قد جعلت للّه عليّ أن [لا] يسألني أحد عن ذلك إلّا خبّرته، كنت شديد الوقيعة في عليّ (عليه السلام) ، كثير الذكر له بالمكروه، فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آت في منامي، فقال: أنت صاحب الوقيعة في عليّ؟ فضرب شقّ وجهي، فأصبحت وشقّ وجهي أسود كما ترى(2).

ارجعي بإذن اللّه

عن الحارث الأعور، قال: خرجنا مع عليّ (عليه السلام) حتى انتهى إلى العاقول(3) فإذا هناك أصل شجرة [يابسة] قد وقع لحاؤها وبقى عمودما، فضربها (عليه السلام) بيده، ثمّ قال: ارجعي بإذن اللّه خضراء مثمرة، فإذا هي تهتز باغصانها،

ص: 49


1- الخرائج والجرائح 1: 186، ح19.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 2: 344.
3- هو منعطف الوادي أو النهر.

حملها كمّثرى، فقطعنا وأكلنا وحملنا معنا، فلمّا كان من الغد غدونا فإذا نحن بها خضراء فيها كمّثرى(1).

سلوني قبل أن تفقدوني

روي عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه كان ذات يوم على منبر البصرة إذ قال: أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرض، فقام إليه رجل من وسط القوم، فقال له: أين جبرئيل في هذه الساعة؟ فرمق بطرفه إلى السماء، ثمّ رمق بطرفه إلى الأرض، ثمّ رمق [بطرفه] إلى المشرق، ثمّ رمق [بطرفه] إلى المغرب، فلم يجد موضعاً، فالتفت إليه، فقال له: يا ذا الشيخ أنت جبرئيل.

قال: فصفق طائراً من بين الناس، فضجّ عند ذلك الحاضرون، وقالوا: نشهد أنّك خليفة رسول اللّه حقّا(2).

ماتصغون ههنا؟

روى عمر بن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: دخل الأشتر على علي (عليه السلام) فسلم، فأجابه فقال علي (عليه السلام) : ما أدخلك علي في هذه الساعة؟

قال: حبك يا أمير المؤمنين.

قال (عليه السلام) : فهل رأيت ببابي أحدا؟ قال: نعم، أربعة نفر.

فخرج الأشتر معه فإذا بالباب: أكمه، ومكفوف، ومقعد، وأبرص.

فقال (عليه السلام) : ما تصنعون ههنا؟ قالوا: جئناك لما بنا. فرجع ففتح حقا له،

ص: 50


1- بصائر الدرجات 1: 254، ح3.
2- الفضائل لابن شاذان: 98.

فأخرج رقاً(1) أبيض، فيه كتاب أبيض، فقرأ عليهم، فقاموا كلهم من غير علّة(2).

الإمام علي (عليه السلام) يحيى الموتى

عن ابن عبّاس، قال: جاء قوم إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقالوا: يا محمد إنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يحيي الموتى؟ فأحي لنا الموتى، فقال لهم: من تريدون؟ قالوا: نريد فلاناً وإنّه قريب عهد بموت، فدعا عليّ ابن أبي طالب فأصغى إليه بشيء لا نعرفه، ثمّ قال [له]: انطلق معهم إلى الميّت فادعه باسمه واسم أبيه.

فمضى معهم حتى وقف على قبر الرجل، ثمّ ناداه: يا فلان بن فلان، فقام الميّت، فسألوه، ثمّ اضطجع في لحده، فانصرفوا وهم يقولون: إنّ هذا من أعاجيب بني عبد المطّلب أو نحوها، فأنزل اللّه عزّ وجلّ {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} - أي يضجّون -(3)(4).

قبران بساحل عدن

روى أبو بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أراد قوم بناء مسجد بساحل عدن، فلما بنوه سقط، فأتوا أبا بكر، فقال: استوثقوا من البناء وافعلوا. ففعلوا وأحكموا فسقط، فعادوا إليه فسألوه، فخطب الناس وناشدهم: إن كان لواحد منكم به علم فليقل.

ص: 51


1- الرق (بفتح الراء): جلد رقيق يكتب فيه.
2- الخرائج والجرائح 1: 196، ح34.
3- سورة الزخرف: 57.
4- مدينة المعاجز 1: 238، ح150.

فقال علي (عليه السلام) : احتفروا في ميمنة القبلة وميسرتها، فإنّه يظهر لكم قبران عليهما كوبة(1) مكتوب عليها: أنا رضوي وأختي حياً ابنتا تبع، متنا لا نشرك باللّه شيئاً، فاغسلوهما وكفّنوهما وصلّوا عليهما وادفنوهما، ثم ابنوا مسجدكم فإنّه يقوم بناؤه. ففعلوا، فكان كذا، فقام البناء(2).

هداية قوم من اليهود

روى عمّار بن ياسر، فقال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ خرج من الكوفة إذ عبر بالضيعة التي يقال لها: النخيلة علی فرسخين من الكوفة فخرج منها خمسون رجلاً من اليهود، وقالوا: أنت عليّ بن أبي طالب الإمام؟ فقال: أنا ذا. فقالوا: لنا صخرة مذكورة في كتبنا، عليها اسم ستّة من الأنبياء، وها نحن نطلب الصخرة فلا نجدها، فإن كنت إماماً فأوجدنا الصخرة. فقال (عليه السلام) : اتّبعوني.

قال عمّار: فسار القوم خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أن استبطن بهم البرّ، وإذا بجبل من رمل عظيم، فقال (عليه السلام) : أيّتها الريح انسفي الرمل عن الصخرة. فما كان إلّا ساعة حتى نسفت الرمل عن الصخرة، وظهرت الصخرة.

فقال (عليه السلام) : هذه صخرتكم. فقالوا: عليها اسم ستّة أنبياء على ما سمعناه وقرأناه في كتبنا، ولسنا نرى عليها الأسماء.

فقال (عليه السلام) : الأسماء التي عليها وفيها فهي على وجهها الذي على الأرض فاقلبوها فاعصوصب(3) عليها ألف رجل فما قدروا على قلبها.

ص: 52


1- الكوبة: حجر مدور. وفي فرج المهموم تربة.
2- الخرائج والجرائح 1: 190، ح25.
3- اعصوصب، كإعشوشب: اجتمع.

فقال (عليه السلام) : تنحّوا عنها. فمدّ يده إليها وهو راكب فقلبها، فوجدوا عليها اسم ستّة من الأنبياء أصحاب الشريعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم أفضل السلام - ومحمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال نفر من اليهود: نشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأنّ محمداً رسول اللّه، وأنّك أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، وحجّة اللّه في أرضه، من عرفك سعد ونجا، ومن خالفك ضلّ وغوى، وإلى الجحيم هوى، جلّت مناقبك عن التحديد، وكثرت آثار نعمك عن التعديد(1).

أنت شهدت موت معاوية؟

روى عوف بن مروان، قال: إنّ راكباً قدم من الشام، فأفشى في الكوفة أنّ معاوية مات، فجيء بالرجل إلى الإمام علي (عليه السلام) ، فقال: أنت شهدت موت معاوية؟

قال: نعم، كنت فيمن دفنه.

فقال له الإمام علي (عليه السلام) : إنك كاذب. فقال القوم: أهو يكذب؟ قال: نعم، لأنّ معاوية لا يموت حتى يملك هذه الأمة، ويفعل كذا، ويفعل كذا بعدما ملك.

فقال القوم: فلم تقاتله وأنت تعلم أنه سيبلغ هذا؟ قال: للحجّة(2).

شاب من بني مخزوم

روى الإمام الصادق (عليه السلام) قال: كان قوم من بني مخزوم لهم خؤولة(3) مع

ص: 53


1- مدينة المعاجز 1: 505، ح326.
2- الخرائج والجرائح 1: 198، ح37.
3- جمع خال، وهو أخو الام.

علي (عليه السلام) .

فأتاه شاب منهم يوماً، فقال: يا خال مات ترب(1) لي فحزنت عليه حزناً شديداً.

قال: فتحبّ أن تراه؟ قال: نعم.

قال: فانطلق بنا إلى قبره. فدعا اللّه وقال: قم يا فلان بإذن اللّه. فإذا الميّت جالس على رأس القبر وهو يقول: ونيه، ونيه، شالا، معناه: لبيك لبيك سيدنا.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : ما هذا اللسان ألم تمت وأنت رجل من العرب؟

قال: نعم، ولكنّي متّ على ولاية فلان وفلان، فانقلب لساني إلى ألسنة أهل النار(2).

أنظروا إلى الشجرة

عن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ، قال: كنّا قعوداً عند أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وهناك شجرة رمان يابسة، إذ دخل عليه نفر من مبغضيه، وعنده قوم من محبّيه، فسلّموا، فأمرهم بالجلوس، فقال عليٌ (عليه السلام) : إنّي أريكم اليوم آية تكون فيكم كمثل المائدة في بني إسرائيل إذ قال اللّه: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُۥ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ}(3).

ثم قال (عليه السلام) انظروا إلى الشجرة وكانت يابسة، وإذا هي قد جرى الماء

ص: 54


1- الترب (بكسر التاء وسكون الراء): الصديق أو من ولد مع الانسان، وبتعبير آخر: من كان على سنه، وفي عمره. جمعها أتراب.
2- الخرائج والجرائح 1: 173، ح5.
3- سورة المائدة: 115.

من عودها، ثم اخضرّت وأورقت وعقدت، وتدلّى حملها على رؤوسنا ثم التفت (عليه السلام) إلينا فقال للقوم الذين هم محبّوه، ومدّوا أيديكم وتناولوا وكلوا فقلنا: بسم اللّه الرحمن الرحيم.

وتناولنا وأكلنا رماناً لم نأكل قط شيئاً» أعذب منه ولا أطيب.

ثم قال (عليه السلام) للنفر الذين هم مبغضوه: مدّوا أيديكم وتناولوا وكلوا فمدّوا أيديهم، فكلّما مدّ رجل يده إلى رمانة ارتفعت، فلم يتناولوا شيئاً، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما بال إخواننا مدّوا أيديهم وتناولوها وأكلوا، ومددنا أيدينا فلم ننل؟

فقال (عليه السلام) : كذلك الجنة، لا ينالها إلا أولياؤنا ومحبونا، ولا يبعد منها إلا أعداؤنا ومبغضونا(1).

الراد على علي (عليه السلام)

روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) : أنّ علياً مر يوماً في أزقة الكوفة، فانتهى إلى رجل قد حمل جريثاً(2) فقال: أنظروا إلى هذا الرجل قد حمل إسرائيلياً.

فأنكر الرجل وقال: متى صار الجريث إسرائيلياً؟!

فقال علي (عليه السلام) : أما إنّه إذا كان اليوم الخامس ارتفع لهذا الرجل من صدغه دخان.

فيموت مكانه. فأصابه في اليوم الخامس ذلك فمات، فحمل إلى قبره.

ص: 55


1- الخرائج والجرائح 1: 220، ح64.
2- ضرب من السمك معروف يشبه الحيات، ويسمى أيضا: الجري، ويقال له بالفارسية: مار ماهي أي: حية السمك.

فلما دفن جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) مع جماعة إلى قبره فدعا اللّه، ثم رفسه برجله فإذا الرجل قائم بين يديه، وهو يقول: الراد على علي كالراد على اللّه، وعلى رسوله.

وقال له: عد في قبرك. فعاد فيه، فانطبق القبر عليه(1).

راهب من أهل الجنة

روي عن أبي سعيد عقيصا قال: خرجنا مع علي (عليه السلام) نريد صفين، فمررنا بكربلاء، فقال: هذا موضع الحسين (عليه السلام) وأصحابه.

ثم سرنا حتى انتهينا إلى راهب في صومعة، وتقطع الناس من العطش وشكوا إلى علي (عليه السلام) ذلك، وأنه قد أخذ بهم طريقاً لا ماء فيه من البر، وترك طريق الفرات.

فدنا من الراهب، فهتف به، وأشرف إليه، فقال: أقرب صومعتك ماء؟

قال: لا. فثنى رأس بغلته، فنزل في موضع فيه رمل، وأمر الناس أن يحفروا هذا الرمل، فحفروا، فأصابوا تحته صخرة بيضاء، فاجتمع ثلاثمائة رجل، فلم يحركوها.

فقال (عليه السلام) : تنحّوا فإنّي صاحبها. ثم أدخل يده اليمنى تحت الصخرة، فقلعها من موضعها حتى رآها الناس على كفّه فوضعها ناحية، فإذا تحتها عين ماء أرق من الزلال وأعذب من الفرات، فشرب الناس وسقوا واستقوا وتزوّدوا، ثم ردّ الصخرة إلى موضعها وجعل الرمل كما كان.

وجاء الراهب فأسلم، وقال: إنّ أبي أخبرني، عن جدّه - وكان من

ص: 56


1- الخرائج والجرائح 1: 174، ح6.

حواري عيسى - : أنّ تحت هذا الرمل عين ماء، وإنّه لا يستنبطها إلا نبي أو وصي نبي.

وقال لعلي (عليه السلام) : أتأذن لي أن أصحبك في وجهك هذا؟

قال (عليه السلام) : الزمني. ودعا له، ففعل، فلما كان ليلة الهرير قتل الراهب فدفنه بيده (عليه السلام) ، وقال: لكأنّي أنظر إليه، وإلى منزله في الجنة، ودرجته التي أكرمه اللّه بها(1).

زلزال يفزع أهل المدينة

عن فاطمة (عليها السلام) ، قالت: أصاب الناس زلزلة على عهد أبي بكر، ففزع الناس إلى أبي بكر وعمر، فوجدوهما قد خرجا فزعين إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فتبعهما الناس حتى انتهوا إلى باب علي (عليه السلام) فخرج إليهم علي (عليه السلام) غير مكترث لما هم فيه، فمضى واتبعه الناس، حتى انتهى إلى تلعة(2)، فقعد عليها وقعدوا حوله، وهم ينظرون إلى حيطان المدينة ترتج جائية وذاهبة.

فقال لهم علي (عليه السلام) : كأنّكم قد هالكم ما ترون؟

قالوا: وكيف لا يهولنا ولم نر مثلها قط؟

قالت (عليها السلام) : فحرّك شفتيه، ثم ضرب الأرض بيده، ثم قال: مالك؟ اسكني.

فسكنت، فعجبوا من ذلك أكثر من تعجبّهم أولا حيث خرج إليهم. قال لهم: أنّكم قد عجبتم من صنيعي؟! قالوا: نعم.

ص: 57


1- بحار الأنوار 33: 42، ح383.
2- التلعة: أرض مرتفعة غليظة العين «(تلع) 2: 71».

قال: أنا الرجل الذي قال اللّه عزّ وجلّ: {وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلْإِنسَٰنُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}(1).

فأنا الإنسان الذي أقول لها: {مَا لَهَا * يَوْمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} إياي تحدث(2).

جار يلعن علياً (عليه السلام)

روى عثمان بن عفان السجزي، قال: خرجت في طلب العلم فدخلت البصرة فصرت إلى محمد بن عباد، صاحب عبادان، فقلت: إنّي رجل غريب أتيتك من بلد بعيد لأقتبس من علمك شيئاً.

قال: من أين أنت؟ قلت: من أهل سجستان.

قال: من بلد الخوارج؟ قلت: لو كنت خارجياً ما طلبت علمك.

قال: أفلا أخبرك بحديث حسن إذا أتيت بلادك تحدّث به الناس؟ قلت: بلى.

قال: كان لي جار من المتعبّدين، فرأى في منامه كأنه قد مات وكفّن ودفن وقال: مررت بحوض النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وإذ هو جالس على شفير الحوض والحسن والحسين (عليهما السلام) يسقيان الأمة الماء، فاستسقيتهما فأبيا أن يسقياني.

فقلت: يا رسول اللّه إنّي من أمتك! قال: وإن قصدت علياً لا يسقيك فبكيت.

وقلت: أنا من شيعة علي. قال: لك جار يلعن علياً ولم تنهه.

ص: 58


1- سورة الزلزلة: 2-4.
2- علل الشرائع 2: 556، ح8.

قلت: إنّي ضعيف ليس لي قوة، وهو من حاشية السلطان.

قال: فأخرج النبي سكيناً مسلولاً وقال: امض واذبحه. فأخذت السكين وصرت إلى داره، فوجدت الباب مفتوحاً، فدخلت فأصبته نائماً فذبحته، وانصرفت إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقلت: قد ذبحته وهذه السكين ملطخة بدمه. قال: هاتها، ثم قال للحسن (عليه السلام) : اسقه ماءاً. فلما أضاء الصبح سمعت صراخاً فسألت عنه فقيل: إن فلاناً وجد على فراشه مذبوحاً، فلما كان بعد ساعة قبض أمير البلد على جيرانه، فدخلت عليه وقلت: أيها الأمير إتق اللّه، إن القوم براء، وقصصت عليه الرؤيا، فخلّى عنهم(1).

مع أصحاب الكهف

روى شريك بن عبد اللّه وهو يومئذ قاض، فقال: بعث النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) وأبا بكر وعمر إلى أصحاب الكهف فقال: ائتوهم فأبلغوهم منّي السلام.

فلما خرجوا من عنده، قالوا لعلي: تدري أين هم؟

فقال: ما كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يبعثنا إلى مكان إلا هدانا اللّه له.

فلما أوقفهم على باب الكهف قال: يا أبا بكر سلم، فإنّك أسنّنا فسلّم فلم يجب، ثم قال: يا أبا حفص سلم، فإنك أسنّ منّي. فسلم، فلم يجب.

قال: فسلّم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فردوا السلام وحيوه، وأبلغهم سلام رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فردوا عليه، فقال أبو بكر: سلهم ما لهم سلمنا عليهم فلم يسلّموا علينا؟ قال: سلهم أنت. فسألهم فلم يتكلّموا، ثم سألهم عمر فلم

ص: 59


1- بحار الأنوار 42: 2، ح3.

يكلّموه، فقالا: يا أبا الحسن سلهم أنت.

قال علي (عليه السلام) : إنّ صاحبي هذين سألاني أن أسألكم: لم رددتم علي ولم تردّوا عليهما؟ قالوا لأنا لا نكلّم إلا نبياً أو وصي نبي(1).

ص: 60


1- الخرائج والجرائح 1: 189، ح24.

من معاجز الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

اشارة

هي السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول الأكرم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

أسمائها (عليها السلام) : أسماء السيدة الزهراء (عليها السلام) كثيرة، وفي الخبر عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: لفاطمة (عليها السلام) تسعة أسماء عند اللّه عزّ وجلّ: فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، والرضية، والمرضيّة، والمحدّثة، والزهراء(1).

الولادة: ولدت السيدة الزهراء (عليها السلام) في العشرين من شهر جمادى الآخرة سنة خمسة بعد الهجرة، ولا يعتنى بقول من ادّعى أنّ ولادتها (عليها السلام) كانت لخمس سنوات قبل البعثة(2).

والدها: خاتم الرسل محمد بن عبداللّه (عليهما السلام) .

والدتها: السيد خديجة بنت خويلد (عليها السلام) .

كنيتها (عليها السلام) : اُمّ الحسن، واُمّ الحسين، واُمّ المحسن، واُمّ الأئمة، واُمّ أبيها، وقيل: إنّ من كناها (عليها السلام) هي: اُمّ الأخيار، واُمّ الفضائل، واًُمّ الأزهار، واُمّ العلوم، واُمُّ الكتاب(3).

ووجه تكنيتها بأمّ أبيها أنّ رسول اللّه (عليهما السلام) كان يظهر محبّتها وإجلالها في

ص: 61


1- أمالي، الصدوق: 592، المجلس السادس والثمانون، ح18.
2- إشارة إلى بعض الأقوال الشاذة بأنّ ولادتها (عليها السلام) كانت قبل البعثة بخمس سنين ومنها.
3- اللمعة البيضاء: 50.

العديد من المواضع أمام المسلمين حيث كان (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقبّل يدها ويخصّها بالزيارة عند عودته إلى المدينة المنوّرة وكونها آخر من يودّعها لدى السفر، وتكنيته (عليهما السلام) إيّاها بأمّ أبيها نوع من إظهار مقامها العظيم.

وقيل: إنّ الوجه في ذلك أنّ الأم أصل الشيء كما في اللغة، والزهراء (عليها السلام) أصل الرسالة المحمدية.

ألقابها (عليها السلام) : وهي أيضاً كثيرة منها: الحورية، الإنسية، العذراء، الشهيدة، الصابرة، قرّة عين المصطفى، العالمة، المعصومة، حاملة البلوى، اُمّ الخيرة، حليفة العبادة، تفّاحة الجنة، المطهرة وغيرها.

من أشعارها (عليها السلام)

نُسب للسيدة الزهراء (عليها السلام) أنّها أنشدت الشعر ومن ذلك:

قل للمغيّب تحت أطباق الثرى***إن كنت تسمع صرختي وندائيا

صبّت عليّ مصائب لو أنها***صبّت على الأيام صرن لياليا

قد كنت ذات حمى بظل محمد***لا أخش من ضيم وكان جماليا

فاليوم أخضع للذليل وأتقي***ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا

فإذا بكت قمرية في ليلها***شجناً على غصن بكيت صباحيا

فلأجعلن الحزن بعدك مؤنسي***ولأجعلن الدمع فيك وشاحيا

ماذا على من شمّ تربة أحمد***أن لا يشم مدى الزمان غواليا(1)

خادمتها

1- السيدة فضّة: وقد وهبها النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لها بعد ما كثرت الفتوح والمغانم

ص: 62


1- الدر النظيم: 198.

من خيبر، ويقال إنها كانت لا تتكلّم إلا بالقرآن مدة عشرين سنة، يقول أبو القاسم القشيري: انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة، فقلت لها: من أنت؟

فقالت: {وَقُلْ سَلَٰمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}(1) فسلّمت عليها، فقلت: ما تصنعين ههنا؟

قالت: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّ}(2).

فقلت: أمن الجن أنت أم من الإنس؟

قالت: {يَٰبَنِي ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ}(3).

فقلت: من أين أقبلت؟

قالت: {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانِۢ بَعِيدٖ}(4).

فقلت: أين تقصدين؟

قالت: {وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ}(5).

فقلت: متى انقطعت؟

قالت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ}(6).

فقلت: أتشتهين طعاماً؟

ص: 63


1- سورة الزخرف: 89.
2- سورة الزمر: 37.
3- سورة الأعراف: 31.
4- سورة فصلت: 44.
5- سورة آل عمران: 97.
6- سورة ق: 38.

فقالت: {وَمَا جَعَلْنَٰهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ}(1) فأطعمتها، ثم قلت: هرولي وتعجّلي، قالت: {لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}(2)، فقلت: أردفك؟

فقالت: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}(3)، فنزلت فأركبتها، فقالت: {سُبْحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا}(4)، فلمّا أدركنا القافلة قلت لها: ألك أحد فيها؟

قالت: {يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِي ٱلْأَرْضِ}(5)، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ}(6)، {يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ}(7)، {يَٰمُوسَىٰ إِنِّي أَنَا ٱللَّهُ}(8) فصحت بهذه الأسماء فإذا بأربعة شباب متوجّهين نحوها، فقلت: من هؤلاء منك؟

قالت: {ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}(9)، فلمّا أتوها فقالت: {يَٰأَبَتِ ٱسْتَْٔجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَْٔجَرْتَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْأَمِينُ}(10)، فكافوني بأشياء، فقالت: {وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَاءُ}(11).

ص: 64


1- سورة الأنبياء: 8.
2- سورة البقرة: 286.
3- سورة الأنبياء: 22.
4- سورة الزخرف: 13.
5- سورة ص: 26.
6- سورة آل عمران: 144.
7- سورة مريم: 12.
8- سورة القصص: 30.
9- سورة الكهف: 46.
10- سورة القصص: 26.
11- سورة البقرة: 261.

فزادوا عليّ، فسألتهم عنها، فقالوا: هذه أمّنا فضة جارية الزهراء (عليها السلام) ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلا بالقرآن(1).

2- اُمّ أيمن: يقول علي بن معمّر: خرجت اُمّ أيمن إلى مكة لمّا توفّيت فاطمة (عليها السلام) ، وقالت: لا أرى المدينة بعدها، فأصابها عطش شديد في الجحفة حتى خافت على نفسها، قال: فكسرت عينها نحو السماء ثم قالت: يا ربّ أتعطشني وأنا خادمة بنت نبيك؟

قال: فنزل إليها دلو من ماء الجنة فشربت، ولم تجع ولم تطعم سبع سنين(2).

فاطمة عند اللّه عزّ وجلّ

للصديقة فاطمة (عليها السلام) مقام عظيم لدى اللّه عزّ وجلّ وجاه رفيع، فمن قبل خلقة البشرية شاءت إرادة الربّ أن تكون لهذه السيدة الجليلة مقامات يطلع عليها ذوو المقامات، فعن عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنه قال: لمّا خلق اللّه آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه، التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجداً وركعاً، قال آدم: يا رب هل خلقت أحداً من طين قبلي؟

قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟

قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش

ص: 65


1- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 3: 344.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 3: 338.

ولا الكرسي، ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة ولا الجن ولا الإنس.

فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا ذو الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزّتي أنه لا يأتيني أحد بمثقال ذرّة من خردل من بغض أحدهم الا أدخلته ناري ولا أبالي، يا آدم هؤلاء صفوتي من خلقي، بهم أنجيّهم وبهم أهلكم، فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل.

فقال النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : نحن سفينة النجاة من تعلّق بها نجا ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى اللّه حاجة فليسأل بنا أهل البيت(1).

فاطمة (عليها السلام) عند النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم)

تظافرت الأخبار عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مقامات السيدة الزهراء (عليها السلام) ومنزلتها العظيمة لديه، علماً أنّ كثيراً من الأخبار الواردة عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في شأن الصديقة الزهراء (عليها السلام) تشير إلى إيذائها ومنها:

قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ فاطمة شعرة منّي، فمن آذى شعرة منّي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه، ومن آذى اللّه لعنه ملء السماوات والأرضين(2).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّما فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني(3).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : فاطمة بضعة منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(4).

ص: 66


1- عوالم العلوم 11: 22، ح4.
2- بحار الأنوار 43: 54.
3- شرح الأخبار 3: 30، ح970.
4- ذخائر العقبى: 38.

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّما فاطمة مضغة منّي، فمن آذاها فقد آذاني(1).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني(2).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : فإنّما ابنتي بضعة منّي، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها(3).

وكان (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقبّل رأسها ويخاطبها قائلاً: فداك أبوك، كما كنت كوني(4).

وفي خبر آخر أنه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) خاطبها قائلاً: فداك أبي وأمّي(5).

وعن عائشة أنها قالت: إنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذا قدم من سفر قبّل نحر فاطمة (عليها السلام) وقال: منها أشم رائحة الجنة(6).

وعن حذيفة قال: كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لا ينام حتى يقبّل عرض وجه فاطمة وبين ثدييها(7).

فاطمة (عليها السلام) عند أميرالمؤمنين (عليه السلام)

كانت للصديقة الزهراء (عليها السلام) منزلة عظيمة لدى أميرالمؤمنين (عليه السلام) حتى أنه كان زواجه منها على الآخرين ويشهد لذلك قوله (عليه السلام) في مناشدة أبي بكر: فأنشدك باللّه أنا الذي اختارني رسول اللّه (عليهما السلام) وزوّجني ابنته فاطمة (عليها السلام) وقال:

ص: 67


1- المستدرك 3: 159.
2- ذخائر العقبى: 37.
3- احقاق الحق 10: 190.
4- إحقاق الحق 10: 185-186.
5- إحقاق الحق 10: 185-186.
6- ينابيع المودة 2: 60.
7- احقاق الحق 10: 185.

اللّه زوّجك إياها في السماء، أم أنت؟

قال: بل أنت(1).

وقال (عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية: منّا النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومنكم المكذّب، ومنّا أسد اللّه ومنكم أسد الأحلاف، ومنّا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية النار، ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمّالة الحطب(2).

وقال (عليه السلام) :

محمد النبي أخي وصنوي***وحمزة سيدالشهداء عمّي

وجعفر الذي يضحي ويمسي***يطير مع الملائكة ابن اُمي

وبنت محمد سكني وعرسي***منوط لحمها بدمي ولحمي

وسبطا أحمد ولداي منها***فأيكم له سهم كسهمي(3)

معاجزها (عليها السلام)

ملائكة تخدم فاطمة (عليها السلام)

روي أنّ سلمان قال: كانت فاطمة (عليها السلام) جالسة، قدّامها رحى تطحن بها الشعير، وعلى عمود الرحى دم سائل، والحسين في ناحية الدار يبكي، فقلت: يا بنت رسول اللّه دبرت(4)

كفاك وهذه فضة!

فقالت: أوصانّي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أن تكون الخدمة لها يوماً ولي يوماً، فكان أمس يوم خدمتها.

ص: 68


1- الاحتجاج 1: 123.
2- نهج البلاغة، الرسائل: 28.
3- الفصول المختارة: 280.
4- دبرت: أي قرحت من مزاولة آلات العمل.

قال سلمان: إنّي مولى عتاقة ما أن أطحن الشعير، أو اُسكت لك الحسين (عليه السلام) ؟

فقالت: أنا بتسكيته أرفق، وأنت تطحن الشعير، فطحنت شيئاً من الشعير فإذا أنا بالإقامة، فمضيت وصلّيت مع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فلما فرغت قلت لعلي (عليه السلام) ما رأيت، فبكى وخرج، ثم عاد يتبسم، فسأله عن ذلك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) وهي مستلقية لقفاها، والحسين (عليه السلام) نائم على صدرها، وقدّامها الرحى تدور من غير يد! فتبسّم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقال: يا علي أما علمت أنّ لله ملائكة سيّارة في الأرض يخدمون محمداً وآل محمد إلى أن تقوم الساعة؟!(1).

تحريم النار عليها (عليها السلام)

عن أنس، قال: سألني الحجّاج بن يوسف عن حديث عائشة، وحديث القدر التي رأت فاطمة بنت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهي تحركها بيدها، قلت: نعم، أصلح اللّه الأمير، دخلت عائشة على فاطمة (عليها السلام) وهي تعمل للحسن والحسين (عليهما السلام) حريرة بدقيق ولبن وشحم، في قدر، والقدر على النار يغلي (وفاطمة (عليها السلام) ) تحرّك ما في القدر بإصبعها، والقدر على النار يبقبق(2)، فخرجت عائشة فزعة مذعورة، حتى دخلت على أبيها، فقالت: يا أبه، إنّي رأيت من فاطمة الزهراء أمراً عجيباً رأيتها وهي تعمل في القدر، والقدر

ص: 69


1- الخرائج والجرائح 2: 530، ح6.
2- البقبقة: حكاية صوت القدر في غليانه.

على النار يغلي، وهي تحرك ما في القدر بيدها!

فقال لها: يا بنية، اكتمي، فإنّ هذا أمر عظيم.

فبلغ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فصعد المنبر، وحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: إنّ الناس يستعظمون ويستكثرون ما رأوا من القدر والنار، والذي بعثني بالرسالة واصطفانّي بالنبوة، لقد حرّم اللّه تعالى النار على لحم فاطمة (عليها السلام) ودمها وشعرها وعصبها، وفطم من النار ذريتها وشيعتها، إنّ من نسل فاطمة من تطيعه النار والشمس والقمر والنجوم والجبال، وتضرب الجن بين يديه بالسيف، وتوافي إليه الأنبياء بعهودها، وتسلم إليه الأرض كنوزها، وتنزل عليه من السماء بركات ما فيها، الويل لمن شك في فضل فاطمة، لعن اللّه من يبغض بعلها ولم يرض بإمامة ولدها، إنّ لفاطمة يوم القيامة موقفاً، ولشيعتها موقفاً، وإنّ فاطمة تُدعى فتلبي، وتشفع فتشفّع على رغم كل راغم(1).

إنّها تحدّثني وتسلّيني

عن ابن عباس، قال: لما تزوّجت خديجة بنت خويلد، رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) هجرها نسوان مكة، وكنّ لا يكلمنها، ولا يدخلن عليها، فلما حملت بالزهراء فاطمة (عليها السلام) كانت إذا خرج رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من منزلها تكلّمها فاطمة الزهراء في بطنها من ظلمة الأحشاء، وتحدّثها وتؤنسها، فدخل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فقال لها: «يا خديجة من تكلّمين؟» قالت: يا رسول اللّه، إنّ الجنين الذي أنا حامل به إذا أنا خلوت به في منزلي كلّمني، وحدّثني من ظلمة الأحشاء.

ص: 70


1- الثاقب في المناقب 1: 293، ح250.

فتبسّم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ثم قال: يا خديجة، هذا أخي جبرئيل (عليه السلام) يخبرني أنّها ابنتي، وأنّها النسمة الطاهرة المطهّرة، وأنّ اللّه تعالى أمرني أن أسمّيها (فاطمة) وسيجعل اللّه تعالى من ذريتها أئمة يهتدي بهم المؤمنون.

ففرحت خديجة بذلك، فلما أن حضر وقت ولادتها أرسلت إلى نسوان مكة أن: يتفضلن ويحضرن ولادتي ليلين منّي ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها: يا خديجة، أنت عصيتنا ولم تقبلي منّا قولنا، وتزوجت فقيراً لامال له، فلسنا نجيء إليك، ولا نلي منك ما تلي النساء من النساء، فاغتمّت خديجة رضي اللّه عنها غمّاً شديداً، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة كأنّهن من نسوة قريش، فقالت إحداهن: يا خديجة، لا تحزني فأنا آسية بنت مزاحم، وهذه صفيّة بنت شعيب، وفي رواية أخري: كلثم بنت عمران أخت موسى (عليه السلام) - وهذه سارة زوجة إبراهيم (عليه السلام) ، وهذه مريم بنت عمران (عليه السلام) ، وقد بعثنا اللّه تعالى إليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء. وجلسن حولها، ووضعت الزهراء فاطمة (عليها السلام) طاهرة ومطهرّة (1).

ضعُفت فاطمة فأعانها اللّه

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: بعث رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى فاطمة (عليها السلام) بمكيال فيه تمر مع أبي ذر (رحمه اللّه) .

قال أبو ذر: فأتيت الباب، وقلت: السلام عليكم. فلم يجبني أحد، فظننت أنّ فاطمة (عليها السلام) بحال الرحى فلم تسمع، ففتحت الباب وإذا فاطمة (عليها السلام) نائمة والحسين يرتضع، والرحى تدور.

ص: 71


1- الثاقب في المناقب: 285، ح244.

قال أبو ذر: فأتيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقلت: يا رسول اللّه، أتوب إلى اللّه مما صنعت إنّي أتيت أمراً عظيماً.

فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : وما أتيت يا أبا ذر؟ فقصّ عليه ما كان، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ضعفت فاطمة فأعانها اللّه على دهرها(1).

وعن زينب بنت علي (عليهما السلام) ، قالت: صلّى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) صلاة الفجر، ثم أقبل بوجهه الكريم على علي (عليه السلام) ، فقال: هل عندكم طعام؟

فقال: لم آكل منذ ثلاثة أيام طعاماً، وما تركت في منزلي طعاماً... .

قال: امض بنا إلى فاطمة، فدخلا عليها وهي تتلوّى من الجوع، وابناها معها، فقال: يا فاطمة، فداك أبوك، هل عندك طعام؟ فاستحيت فقالت: نعم فقامت وصلّت، ثم سمعت حسّاً.

فالتفتت فإذا بصحفة(2) ملأى ثريداً ولحما، فاحتملتها فجاءت بها ووضعتها بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فجمع علياً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، وجعل علي يطيل النظر إلى فاطمة، ويتعجّب، ويقول: خرجت من عندها وليس عندها طعام، فمن أين هذا؟

ثم أقبل عليها، فقال: يا بنت رسول اللّه، أنّى لك هذا؟

قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

فضحك النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقال: الحمد لله الذي جعل في أهلي نظير زكريا ومريم إذ قال لها: {أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن

ص: 72


1- الثاقب في المناقب: 290، ح247.
2- الصحفة: إناء يؤكل فيه، يشبع الخمسة. الصحاح (صحف) 4: 1384.

يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(1).

فبينما هم يأكلون إذ جاء سائل بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت، أطعموني مما تأكلون. فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إخسأ إخسأ ففعل ذلك ثلاثاً، وقال علي (عليه السلام) : «أمرتنا أن لا نردّ سائلاً، من هذا الذي أنت تخسّأه؟» فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يا علي، إنّ هذا إبليس، علم أنّ هذا طعام الجنّة، فتشبّه بسائل لنطعمه منه.

فأكل النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) حتى شبعوا، ثم رفعت الصحفة، فأكلوا من طعام الجنة في الدنيا(2).

كرامة فاطمة (عليها السلام) على اللّه عزّ وجلّ

عن أبي سعيد الخدري، قال: أهديت إلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قطيفة(3) منسوجة بالذهب أهداها له ملك الحبشة، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لأعطيها رجلاً يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله، فمدّ أصحاب محمد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أعناقهم إليها، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أين علي (عليه السلام) ؟

قال عمار بن ياسر: فلما سمعت ذلك وثبت حتى أتيت علياً (عليه السلام) فأخبرته فجاء فدفع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) القطيفة إليه، فقال: أنت لها فخرج بها إلى سوق المدينة فنقضها سلكاً سلكاً، فقسّمها في المهاجرين والأنصار ثم رجع (عليه السلام) إلى منزله وما معه منها دينار، فلما كان من غد استقبله رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ،

ص: 73


1- سورة آل عمران: 37.
2- الثاقب في المناقب: 295-296، ح251.
3- القطيفة: الدثار المخمل، مجمع البحرين 5: 109 مادة (قطف).

فقال: يا أبا الحسن أخذت أمس ثلاثة آلاف مثقال من ذهب فأنا والمهاجرون والأنصار نتغدّى غداً عندك.

فقال علي (عليه السلام) : نعم يا رسول اللّه، فلما كان الغد أقبل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المهاجرين والأنصار حتى قرعوا الباب فخرج إليهم وقد عرق من الحياء لأنه ليس في منزله قليل ولا كثير، فدخل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ودخل المهاجرون والأنصار حتى جلسوا ودخل علي وفاطمة (عليهما السلام) فإذا هم بجفنة(1) مملوة ثريداً عليها عراق(2) يفور منها ريح المسك الأزفر، فضرب علي (عليه السلام) بيده عليها فلم يقدر على حملها فعاونته فاطمة على حملها حتى أخرجها فوضعها بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فدخل (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على فاطمة، فقال: أي بنيّة أنّى لك هذا؟

قالت (عليها السلام) : يا أبت هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : والحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا في مريم بنت عمران(3).

ص: 74


1- الجفنة: القصعة الكبيرة.
2- العراق كغراب جمع العرق بفتح العين وسكون الراء وهو العظم بلحمه، ويطلق أيضاً علی العظم الذي أخذ منه لحمه.
3- سعد السعود: 90.

من معاجز الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) .

والده: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والدته: فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه (عليها السلام) .

ولادته: ولد في المدينة المنوّرة يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر رمضان المبارك سنة اثنتين أو ثلاث من الهجرة، وفي اليوم السابع من ولادته عقّ عنه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بكبش، وقال للسيدة الزهراء (عليها السلام) : احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضّة، فكان الوزن عن شعره بعد حلقه درهما وشيئاً، فتصدّقت به، فصارت العقيقة والتصدّق بوزن الشعر سنّة مستمرة بما فعله النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في حقّ الإمام الحسن (عليه السلام) .

كنيته: أبو محمد وأبو القاسم.

ألقابه: الزكي، والسبط الأول، وسيد شباب أهل الجنة، والأمين، والحجّة، والتقي، الولي، الطيّب.

صفته: عن أميرالؤمنين (عليه السلام) قال: كان الحسن (عليه السلام) أشبه برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه به فيما كان أسفل من ذلك(1).

وعن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من الحسن

ص: 75


1- العمدة: 402، ح822.

بن علي (عليهما السلام) (1).

وقيل في صفته: كان الحسن (عليه السلام) أبيض اللون مشرباً بحمرة، أدعج العينين(2)، سهل الخدين، دقيق المسربة(3)، كثّ اللحية(4)، وكأنّ عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس(5)، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا القصير، مليحاً من أحسن الناس وجهاً.

بوّابه: سفينة.

شاعرته: أم سنان المدحجية وقد عاصرت معاوية ويزيد.

من أشعاره (عليه السلام)

نُسب للإمام الحسن (عليه السلام) أنّه أنشد الشعر ومن ذلك:

نحن أُناس نوالنا خضل***يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا***خوفاً على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل نائلنا***لغاض من بعد فيضه خجل(6)

نقش خاتمه: كان (عليه السلام) له خاتم عقيق أحمر، نقشه: العزّة لله، وخاتم يمانّي نقشه: الحسن بن علي.

وروي أنّ من نقش على فصّ خاتمه مثله، كان له في جميع أموره مهيباً

ص: 76


1- العمدة: 402، ح821.
2- أي شديد سوادهما مع سعتهما.
3- المسربة: ما دقّ من شعر الصدر سائلاً إلى البطن.
4- كث اللحية: قصرها مع كثرة شعرها.
5- الكراديس: رؤوس العظام، وقيل ملتقى كل عظمين ضخمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، وأحدهما كُردوس.
6- المناقب 4: 16.

مصدّقاً عظيماً، والصلاة فيه بسبعين صلاة.

قالوا فيه (عليه السلام)

كثر مادحوا الإمام الحسن (عليه السلام) سواء من الموالين أو المخالفين، فكل أخذ يعبّر باسلوبه وطريقته عن عظمة هذا الإمام العظيم الذي ملأت فضائله الدنيا، فمن الذين أشادوا بمقامه وعلو مرتبه من المخالفين هم:

1- قال ابن حجر: وكان الحسن سيداً كريماً حليماً زاهداً، ذا سكينة ووقار وحشمة جواداً ممدوحاً(1).

2- قال سبط ابن الجوزي: وكان (عليه السلام) من كبار الأجواد، وله الخاطر الوقاد، وكان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحبّه حبّاً شديداً(2).

3- قال أبو نعيم: السيد المحبّب والحكيم المقرّب الحسن بن علي رضي اللّه تعالى عنهما(3).

4- قال ابن شهر آشوب: قال واصل بن عطاء: كان الحسن بن علي (عليه السلام) عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك(4).

5- قال ابن أبي الحديد: وكان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يحبّه، سابق يوماً بين الحسين وبينه فسبق الحسن، فأجلسه على فخذه اليمنى، ثم أجلس الحسين على الفخذ اليسرى، فقيل له: يا رسول اللّه أيّهما أحبّ إليك؟

ص: 77


1- الصواعق المحرقة: 139.
2- تذكرة الخواص: 177.
3- حلية الأولياء 2، 35.
4- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 9.

فقال (عليهما السلام) : أقول كما قال إبراهيم أبونا، وقيل له: أيّ ابنيك أحبّ إليك؟

قال: أكبرهما وهو الذي يلد ابني محمداً(1).

من معاجزه (عليه السلام)

نظير يحيى بن زكريا

روى محمد بن إسحاق قال: إنّ أبا سفيان جاء إلى المدينة لأخذه تجديد العهد من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فلم يقبل: فجاء إلى علي (عليه السلام) ، قال: هل لابن عمّك أن يكتب لنا أماناً؟ فقال: إنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عزم على أمر لا يرجع فيه أبداً. وكان الحسن بن علي (عليهما السلام) ابن أربعة عشر شهراً، فقال بلسان عربي مبين: يا ابن صخر قل: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، حتى أكون لك شفيعاً إلى جدّي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فتحيّر أبو سفيان.

فقال علي (عليه السلام) : الحمد لله الذي جعل في ذرية محمد نظير يحيى بن زكريا - وكان الحسن (عليه السلام) يمشي في تلك الحالة(2).

عسل من سارية المسجد

روى أبو محمد عبد اللّه بن محمد والليث بن محمد ابن موسى الشيباني، قالا: أخبرنا إبراهيم بن كثير، عن محمد بن جبرئيل، فقالا: رأيت الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد استسقى ماء، فأبطأ عليه الرسول، فاستخرج من سارية(3) المسجد ماء فشرب وسقى أصحابه، ثم قال: لو شئت لسقيتكم لبناً وعسلاً.

ص: 78


1- شرح نهج البلاغة 16، 27.
2- الخرائج والجرائح 1: 236، ح1.
3- السارية: الأسطوانة.

فقلنا: فاسقنا. فسقانا لبناً وعسلاً من سارية المسجد، مقابل الروضة التي فيها قبر فاطمة (عليها السلام) (1).

إنّا نعلم المكنون

عن ابن عباس، قال: مرّت بالحسن بن علي بقرة، فقال: هذه حبلى بعجلة اُنثى لها غرّة(2) في جبهتها، ورأس ذنبها أبيض، فانطلقنا مع القصاب، فلما ذبحها وجدنا الأمر على ما ذكر، فقلنا له: أوليس اللّه سبحانه يقول: ويعلم مافي الأرحام، فكيف علمت هذا؟

فقال (عليه السلام) : إنّا نعلم المكنون المخزون المكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرّب ولا نبي مرسل، غير محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وذريته (عليهم السلام) (3).

أوتشتهي الرطب؟

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) في بعض عمره ومعه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته.

فنزلوا في منهل من تلك المناهل تحت نخل يابس قد يبس من العطش، ففرش للحسن (عليه السلام) تحت نخلة، وفرش للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى.

قال: فقال الزبير ورفع رأسه: لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه.

فقال له الإمام الحسن (عليه السلام) : وأنّك لتشتهي الرطب؟

فقال الزبيري: نعم، فرفع يده إلى السماء فدعا بكلام لم أفهمه فاخضرت

ص: 79


1- دلائل الإمامة: 170، ح17.
2- الغرّة بالضم: بياض في الجبهة.
3- دلائل الإمامة: 171، ح20.

النخلة، ثمّ صارت إلى حالها فأورقت وحملت رطباً.

فقال الجمّال الذي اكتروا منه: سحر واللّه.

قال: فقال الحسن (عليه السلام) : ويلك ليس بسحر، ولكن دعوة ابن نبي مستجابة.

قال: فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيها فكفاهم(1).

لو شئت لنزعتهما

نقل ثقيف البكاء، قال: رأيت الحسن بن علي (عليه السلام) عند منصرفه من معاوية، وقد دخل عليه حجر ابن عدي، فقال: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين.

فقال: مه، ما كنت مذلّهم، بل أنا معزّ المؤمنين، وإنّما أردت البقاء عليهم، ثم ضرب برجله في فسطاطه(2)، فإذا أنا في ظهر الكوفة، وقد خرج إلى دمشق ومصر حتى رأينا عمرو بن العاص بمصر، ومعاوية بدمشق، وقال: لو شئت لنزعتهما، ولكن هاه هاه، مضى محمد على منهاج، وعلي على منهاج، وأنا أخالفهما؟! لا يكون ذلك منّي(3).

نحن الأولون والآخرون

عن محمد بن حجارة، قال: رأيت الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد مرّت به صريمة(4) من الظباء، فصاح بهن، فأجابته كلّها بالتلبية حتى أتت بين يديه.

ص: 80


1- الكافي 1، 462، ح4.
2- قال الجوهري: الفسطاط: بيت من شعر، وفيه ثلاث لغات: فُسطاط، وفستاط، وفُسّاط، وكسر الفاء لغة فيهن، الصحاح 3، 1150 (فسط).
3- دلائل الإمامة: 166، ح8.
4- الصريمة: تصغير الصرمة، وهي القطيع من الإبل والغنم، قيل هي: من العشرين إلى الثلاثين والأربعين. النهاية (صرم) 3: 27.

فقلنا: يا بن رسول اللّه، هذا وحش، فأرنا آية من أمر السماء.

فأومأ نحو السماء، ففتحت الأبواب، ونزل نور حتى أحاط بدور المدينة، وتزلزلت الدور حتى كادت أن تخرب.

فقلنا: يا بن رسول اللّه ردّها.

فقال لي: نحن الأولون والآخرون، ونحن الآمرون، ونحن النور، ننور الروحانيين، ننور بنور اللّه، ونروح بروحه، فينا مسكنه، وإلينا معدنه، الآخر منّا كالأول، والأول منّا كالآخر(1).

مائدة من السماء

نقل قبيصة بن إياس، قال: كنت مع الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو صائم، ونحن نسير معه إلى الشام، وليس معه زاد ولا ماء ولا شيء، إلا ما هو عليه راكب.

فلما أن غاب الشفق وصلّى العشاء، فتحت أبواب السماء، وعلق فيها القناديل، ونزلت الملائكة ومعهم الموائد والفواكه وطسوت وأباريق، فنصبت الموائد، ونحن سبعون رجلاً، فأكلنا من كل حار وبارد حتى امتلأنا وامتلأ، ثم رفعت على هيئتها لم تنقص(2).

ديوان شيعتنا

عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: لما وادع الحسن ابن علي (عليه السلام) معاوية وانصرف إلى المدينة صحبته في منصرفه وكان بين عينيه حمل بعير لا يفارقه حيث توجه، فقلت له ذات يوم: جعلت فداك يا أبا محمد هذا الحمل

ص: 81


1- دلائل الإمامة: 168، ح13.
2- دلائل الإمامة: 167، ح10.

لا يفارقك حيث ما توجهت.

فقال: يا حذيفة أ تدري ما هو؟

قلت: لا.

قال: هذا الديوان!

قلت: ديوان ما ذا؟

قال: ديوان شيعتنا فيه أسماؤهم.

قلت: جعلت فداك فأرني اسمي.

قال: اغد بالغداة.

قال: فغدوت إليه ومعي ابن أخ لي وكان يقرأ ولم أكن أقرأ، فقال لي: ما غدا بك؟

قلت: الحاجة التي وعدتني.

قال: من ذا الذي معك؟

قلت: ابن أخ لي وهو يقرأ ولست أقرأ.

قال: فقال لي: اُجلس فجلست، ثم قال: عليّ بالديوان الأوسط.

قال: فأتي به.

قال: فنظر الفتى فإذا الأسماء تلوح، قال: فبينما هو يقرأ إذ قال:

هو يا عمّاه هو ذا اسمي.

قلت: ثكلتك أمّك أنظر أين اسمي.

قال: فصفّح ثم قال: هو ذا اسمك.

قال: فاستبشرنا واستشهد الفتى مع الحسين بن علي (عليهما السلام) (1).

ص: 82


1- بصائر الدرجات 1: 172، ح6.

أنسيتي يا عائشة

روي أنّه لما قدم الإمام الحسن (عليه السلام) من الكوفة بعد شهادة أبيه أميرالمؤمنين (عليه السلام) جاءت النسوة يعزّينه في أمير المؤمنين (عليه السلام) ، ودخلت عليه أزواج النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقالت عائشة: يا أبا محمد ما مثل فقد جدّك إلا يوم فقد أبوك، فقال لها الحسن: نسيت نبشك في بيتك ليلاً بغير قبس بحديدة، حتى ضربت الحديدة كفّك فصارت جرحاً إلى الآن فأخرجت جرداً أخضر فيه ما جمعته من خيانة حتى أخذت منه أربعين ديناراً عددا لا تعلمين لها وزناً ففرقتيها في مبغضي علي (عليه السلام) من تيم وعدي، وقد تشفّيت بقتله، فقالت: قد كان ذلك(1).

أحب أن تريني معجزة

عن جابر، قال: قلت للحسن بن علي (عليهما السلام) : أحبّ أن تريني معجزة نتحدّث بها عنك، ونحن في مسجد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

فضرب برجله الأرض حتى أراني البحور وما يجري فيها من السفن، ثم أخرج من سمكها فأعطانيه، فقلت لابني محمد: احمل إلى المنزل، فحمل فأكلنا منه ثلاثا(2).

وهب لك ذكراً سوياً

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) إلى مكة سنة ماشياً، فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم، فقال: كلاّ إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشتر منه ولا

ص: 83


1- مشارق أنوار اليقين: 129.
2- دلائل الإمامة: 169، ح14.

تماكسه، فقال له: بأبي أنت وأمّي ما قدمنا منزلاً فيه أحد يبيع هذا الدواء فقال له: بلى إنّه أمامك دون المنزل فسارا ميلاً فإذا هو بالأسود، فقال الحسن (عليه السلام) لمولاه: دونك الرجل، فخذ منه الدهن وأعطه الثمن، فقال الأسود: يا غلام لمن أردت هذا الدهن؟

فقال للحسن بن علي. فقال: انطلق بي إليه، فانطلق فأدخله إليه، فقال له: بأبي أنت وأميّ لم أعلم أنّك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك ولست آخذ له ثمناً، إنّما أنا مولاك ولكن ادع اللّه أن يرزقني ذكراً سوياً يحبّكم أهل البيت، فإنّي خلّفت أهلي تمخض(1)، فقال: انطلق إلى منزلك فقد وهب اللّه لك ذكراً سويّاً وهو من شيعتنا(2).

سعي كسعي الولد

يقول محمد بن إسحاق: كان الحسن والحسين (عليهما السلام) طفلين يلعبان، فرأيت الحسن وقد صاح بنخلة، فأجابته بالتلبية، وسعت إليه كما يسعى الولد إلى والده(3).

أتنكرون لابني هذا؟

عن كثير بن سلمة، قال: رأيت الحسن (عليه السلام) في حياة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قد أخرج من صخرة عسلاً ماذياً(4)، فأتيت رسول اللّه فأخبرته، فقال: أتنكرون لابني هذا؟! إنه سيد ابن سيد، يصلح اللّه به بين فئتين، ويطيعه أهل السماء

ص: 84


1- تمخض: أي أخذها المخاض، أي وجع الولادة، وهو الطلق. لسان العرب 7: 228 (مخض).
2- الكافي 1: 463، ح6.
3- دلائل الإمامة: 165، ح4.
4- العسل الماذي: العسل الأبيض. الصحاح 6: 2491 (مذی).

في سمائه، وأهل الأرض في أرضه(1).

أرنا من عجائب أبيك

عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: جاء أناس إلى الحسن (عليه السلام) فقالوا له: أرنا ما عندك من عجائب أبيك التي كان يريناها. قال: أتؤمنون بذلك؟ قالوا كلّهم: نعم، نؤمن به واللّه.

قال: فأحيا لهم ميتاً بإذن اللّه (تعالى)، فقالوا بأجمعهم: نشهد أنّك ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) حقاً، وأنه كان يرينا مثل هذا كثيراً(2).

تظليل الطير على رأسه (عليه السلام)

عن أبي سعيد الخدري، قال: رأيت الحسن بن علي (عليهما السلام) ، وهو طفل، والطير تظلّه، ورأيته يدعو الطير فتجيبه(3).

نبع الماء بين يديه (عليه السلام)

عن أبي الأحوص مولى أم سلمة، قال إنّي مع الحسن (عليه السلام) بعرفات، ومعه قضيب وهناك أُجراء يحرثون، فكلما هموا بالماء أجبل(4)عليهم، فضرب بقضيبه إلى الصخرة، فنبع لهم منها ماء، واستخرج لهم طعاما(5).

ص: 85


1- دلائل الإمامة: 165، ح5.
2- نوادر المعجزات: 106، ح16.
3- دلائل الإمامة: 166، ح6.
4- أجبل القوم: «إذا حفروا فبلغوا المكان الصلب»، الصحاح (جبل) 4: 1650.
5- دلائل الإمامة: 172، ح91.

من معاجز الإمام الحسين (عليه السلام)

اشارة

هو الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والده: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والدته: السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) .

الولادة: في الخامس من شهر شعبان سنة أربع من الهجرة.

كنيته: أبو عبداللّه.

ألقابه: الرشيد، الطيب، الوفي، السيّد، الزكي، المبارك، الشهيد، التابع لمرضات اللّه، المطهر، البر، وأشهر ألقابه ما لقبه به جده رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو: سيد شباب أهل الجنة، فيكون لقب السيّد أشرف ألقابه.

نقش خاتمه: كان له خاتمان، فصُ أحدهما عقيق نقشه: إنّ اللّه بالغ أمره.

وعلى الخاتم الذي أُخذ من يده بعد شهادته: لا إله إلا اللّه عدّة لقاء اللّه.

وعن محمد بن مسلم، قال: سألت الصادق جعفر بن محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن خاتم الحسين بن علي (عليه السلام) إلى من صار؟

وذكرت له إنّي سمعت أنه أخذ من إصبعه فيما أخذ.

قال (عليه السلام) : ليس كما قالوا، إنّ الحسين (عليه السلام) أوصى إلى ابنه علي بن الحسين (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وجعل خاتمه في إصبعه، وفوض إليه أمره، كما فعله رسول اللّه (عليهما السلام) بأمير المؤمنين (عليه السلام) ، وفعله أمير المؤمنين بالحسن (عليه السلام) ، وفعله الحسن

ص: 86

بالحسين (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، ثم صار ذلك الخاتم إلى أبي (عليه السلام) بعد أبيه، ومنه صار إلي، فهو عندي وإنّي لألبسه كل جمعة وأصلي فيه.

قال محمد بن مسلم: فدخلت إليه يوم الجمعة وهو يصلي، فلما فرغ من الصلاة مد إلي يده، فرأيت في إصبعه خاتماً نقشه: لا إله إلا اللّه عدة للقاء اللّه، فقال: هذا خاتم جدي أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السلام) (1).

ومن هنا يتضح أنّ الخاتم الذي قطعوا إصبع الإمام الحسين (عليه السلام) وسلبوه يوم الطف غير هذا الخاتم الذي توارثه الإئمة (عليهم السلام) إماماً بعد إمام.

بوابه: رُشيد الهجري وقيل: يحيى بن الحكم، وقيل: أسعد الهجري.

صفته (عليه السلام) : كان الإمام الحسين (عليه السلام) أبيض اللون، له جمال عظيم ونور يتلألأ في جبينه وخدّه، وكان أشبه الناس بالنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من سرّته إلى كعبه، وكانت أمّه الصديقة فاطمة (عليها السلام) لمّا ترقصه تقول:

أنت شبيه بأبي***لست شبيها بعلي

وروي أنه (عليه السلام) إذا جلس في المكان المظلم يهتدي إليه الناس ببياض جبينه ونحره حيث كان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يكثر من تقبيله في نحره وجبينه(2).

وينقل أنّ ابن زياد لما رأى رأسه الشريف قال: ما رأيت مثل هذا الرأس حسناً(3).

ص: 87


1- أمالي الصدوق: 144، المجلس التاسع والعشرون، ح13.
2- بحار الأنوار 44: 242، ح36.
3- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 75.

علاقة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالإمام الحسين (عليه السلام)

ليس هناك من شك أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يختلف عن سائر الناس العاديين الذين يحبون ويبغضون لأحاسيسهم وعواطفهم وميولاتهم، فهو المعصوم الكامل الذي لا ينطق ولايفعل إلا حسب مايرضي الرب عزّ وجلّ.

ومن يتّتبع سيرة النبي (عليهما السلام) مع الإمام الحسين (عليه السلام) يجد أنّ هناك علاقة وطيدة وحميمة بينهما تتجلى خلال المواقف المختلفة التي كان يتخذها نبي الرحمة (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تجاه الإمام الحسين (عليه السلام) ومن ذلك:

عن يعلي العامري أنّه خرج من عند رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى طعام دعي إليه، فإذا هو بحسين (عليه السلام) يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمام القوم ثم بسط يديه فطفر الصبي هاهنا مرّة وهاهنا مرّة، وجعل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفائه، ووضع فاه على فيه وقبّله، ثم قال: حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ اللّه من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط(1).

وروي أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) خرج من بيت عائشة، فمرّ على بيت فاطمة (عليها السلام) ، فسمع الحسين (عليه السلام) يبكي، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني(2).

وروي أنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) كان يوماً مع جماعة من أصحابه ماراً في بعض الطريق، وإذا هم بصبيان يلعبون في ذلك الطريق، فجلس النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عند صبي منهم وجعل يقبّل ما بين عينيه ويلاطفه، ثم أقعده على حجره

ص: 88


1- كامل الزيارات: 52، ح12.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 71.

وكان يكثر تقبيله، فسئل عن علة ذلك، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّي رأيت هذا الصبي يوماً يلعب مع الحسين (عليه السلام) ورأيته يرفع التراب من تحت قدميه، ويمسح به وجهه وعينيه، فأنا أحبّه لحبّه لولدي الحسين (عليه السلام) ، ولقد أخبرني جبرئيل أنه يكون من أنصاره في وقعة كربلا(1).

من شعره (عليه السلام)

نُسب للإمام الحسين (عليه السلام) أنه أنشد الشعر ومن ذلك:

يادهر أفّ لك من خليل***كم لك في الإشراق والأصيل

من صاحب وطالب قتيل***والدهر لا يقنع بالبديل

وإنّما الأمر إلى الجليل***وكل حيّ سالك سبيل(2)

من معاجز عليه اسلام

ما عند اللّه لأوليائه أكثر

يقول كثير بن شاذان: شهدت الحسين بن علي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقد اشتهى عليه ابنه علي الأكبر عنباً في غير أوانه، فضرب يده إلى سارية المسجد فأخرج له عنباً وموزاً فأطعمه، وقال: ما عند اللّه لأوليائه أكثر(3).

من علمه عليه السلام

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال الحسين (عليه السلام) لغلمانه: لا تخرجوا يوم كذا وكذا، اليوم قد سمّاه، واخرجوا يوم الخميس، فإنّكم إن خالفتموني قطع

ص: 89


1- بحار الأنوار 44: 242، ح36.
2- روضة الواعظين 1: 184.
3- دلائل الإمامة: 183، ح100.

عليكم الطريق، فقتلتم، وذهب ما معكم. وكان قد أرسلهم إلى ضيعة له، فخالفوه وأخذوا طريق الحرّة(1)

فاستقبلهم لصوص فقتلوهم كلّهم، فدخل على الحسين (عليه السلام) والي المدينة من ساعته، فقال له: قد بلغني قتل غلمانك ومواليك، فآجرك اللّه فيهم. فقال: أما إنّي أدلّك على من قتلهم، فاشدد يدك بهم. قال: وتعرفهم؟!

قال: نعم، كما أعرفك، وهذا منهم. لرجل جاء معه، فقال الرجل: يا بن رسول اللّه، كيف عرفتني وما كنت فيهم؟!

قال: إن صدقتك تصدق؟

قال: نعم، واللّه لأفعلن.

قال: أخرجت معك فلاناً وفلاناً، فسمّاهم بأسمائهم كلّهم، وفيهم أربعة من موالي الوالي، والبقية من حبشان أهل المدينة، قال الوالي: وربّ القبر والمنبر، لتصدقني أو لأنشرن لحمك بالسياط.

قال: واللّه ما كذب الحسين (عليه السلام) ، كأنه كان معنا. قال: فجمعهم الوالي فأقروا جميعاً(2).

إحياء إمرأة بإذن اللّه

عن يحيى بن أم الطويل قال: كنا عند الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه شاب يبكي، فقال له الحسين (عليه السلام) : ما يبكيك؟

قال: إنّ والدتي توفيت في هذه الساعة ولم توص، ولها مال وكانت قد

ص: 90


1- الحرّة: أرض ذات حجارة سود كأنّما اُحرقت بالنار.
2- دلائل الإمامة: 185، ح9.

أمرتني أن لا أحدث في أمرها شيئاً حتى أعلمك خبرها، فقال الحسين (عليه السلام) :

قوموا حتى نصير إلى هذه الحرة، فقمنا معه حتى انتهينا إلى باب البيت الذي توفيت فيه المرأة مسجّاة.

فأشرف على البيت، ودعا اللّه ليحييها حتى توصي بما تحب من وصيتها فأحياها اللّه وإذا المرأة جلست وهي تتشهد، ثم نظرت إلى الحسين (عليه السلام) ، فقالت: ادخل البيت يا مولاي ومرني بأمرك، فدخل وجلس على مخدة ثم قال لها: وصي يرحمك اللّه، فقالت: يا ابن رسول اللّه لي من المال كذا وكذا في مكان كذا وكذا فقد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك، والثلثان لابني هذا إن علمت أنه من مواليك وأوليائك، وإن كان مخالفاً فخذه إليك فلا حق في المخالفين في أموال المؤمنين، ثم سألته أن يصلي عليها وأن يتولى أمرها، ثم صارت المرأة ميتة كما كانت(1).

أما تستحي يا أعرابي

عن جابر الجعفي، عن زين العابدين (عليه السلام) قال: أقبل أعرابي إلى المدينة ليختبر الحسين (عليه السلام) لما ذكر له من دلائله، فلما صار بقرب المدينة خضخض ودخل المدينة، فدخل الحسين وهو جنب.

فقال له أبو عبد اللّه الحسين (عليه السلام) : أما تستحي يا أعرابي أن تدخل إلى إمامك وأنت جنب؟ وقال: أنتم معاشر العرب إذا خلوتم خضخضتم.

فقال الأعرابي: يا مولاي قد بلغت حاجتي ممّا جئت فيه.

ص: 91


1- بحار الأنوار 44: 180، ح3.

فخرج من عنده فاغتسل ورجع إليه فسأله عمّا كان في قلبه(1).

قوم تفرّ الحمّى منهم

عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، يحدّث عن آبائه (عليهم السلام) إنّ مريضاً شديد الحمّى، عاده الحسين (عليه السلام) ، فلمّا دخل من باب الدار طارت الحمّى عن الرجل، فقال له: رضيت بما أ ُوتيتم به حقّاً والحمّى تهرب عنكم.

فقال له الحسين (عليه السلام) : واللّه ما خلق اللّه شيئاً إلّا وقد أمره بالطاعة لنا.

قال: فإذا نحن نسمع الصوت، ولا نرى الشخص يقول لبّيك.

قال: أ ليس أمير المؤمنين أمرك أن لا تقربى إلّا عدوا أو مذنبا لتكونى كفّارة لذنوبه، فما بال هذا؟ فكان المريض عبد اللّه بن شداد بن الهادي الليثي(2).

لولا حبوط الأجر

عن الأعمش، قال: قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا الحسين بن علي (عليهما السلام) قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال، فأخبرناه بضعف الناس في الكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزل من الملائكة عدد لا يحصيهم إلا اللّه، وقال: لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم علماً أنّ من هناك مصعدي وهناك مصارع أصحابي، لا ينجو منهم إلا ولدي علي(3).

ص: 92


1- الخرائج والجرائح 1: 246، ح2.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 51.
3- دلائل الإمامة: 182، ح3.

دعوة ابن نبي مستجابة

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: خرج الحسين بن علي (عليه السلام) في بعض أسفاره ومعه رجل من ولد الزبير بن العوام يقول بإمامته، فنزلوا في طريقهم بمنزل تحت نخلة يابسة، قد يبست من العطش، ففرش الحسين (عليه السلام) تحتها، وبإزائه نخلة أخرى عليها رطب، فرفع يده ودعا بكلام لم أفهمه، فاخضرت النخلة وعادت إلى حالها، وأورقت وحملت رطباً، فقال الجمال الذي اكترى منه: هذا سحر واللّه، فقال الحسين (عليه السلام) : ويلك، إنّه ليس بسحر، ولكن دعوة ابن نبي مستجابة.

قال: ثم صعدوا النخلة فجنوا منها ما كفاهم جميعا(1).

نحن وشيعتنا على الفطرة

عن صالح بن ميثم الأسدي، قال: دخلت أنا وعباية بن الربعي على امرأة من بني والبة، قد احترق وجهها من السجود، فقال لها عباية: يا حبابة، هذا ابن أخيك؟

قالت: وأي أخ؟ قال: صالح بن ميثم.

فقالت: ابن أخي واللّه حقّاً، يا بن أخي ألا أحدّثك بحديث سمعته من الحسين ابن علي (عليهما السلام) ؟

قال: قلت: بلى يا عمّة.

قالت: كنت زوارة الحسين بن علي (عليهما السلام) ، فحدث بين عيني وضح(2)، فشقّ

ص: 93


1- دلائل الإمامة: 186، ح10.
2- الوضح: البياض. الصحاح 1: 416 (وضح).

ذلك علي واحتبست عنه أياماً، فسأل عنّي: ما فعلت حبابة الوالبية؟ فقالوا:

إنّها حدث بها حدث بين عينيها. فقال لأصحابه: قوموا حتى ندخل عليها. فدخل علي في مسجدي هذا، وقال: يا حبابة، ما بطأ بك علي؟

قلت: يا بن رسول اللّه ما ذلك الذي منعني إن لم أكن اضطررت إلى المجيء إليك اضطراراً، لكن حدث هذا بي. وكشفت القناع فتفل عليه الحسين بن علي (عليهما السلام) وقال: يا حبابة، أحدثي لله شكراً، فإنّ اللّه قد ذاده عنك(1).

قالت: فخررت ساجدة، فقال: يا حبابة ارفعي رأسك وانظري في مرآتك.

قالت: فرفعت رأسي فلم أجد منه شيئاً.

قالت: فحمدت اللّه وقال لي: يا حبابة نحن وشيعتنا على الفطرة، وسائر الناس منها براء(2).

أحياء عند ربهم يرزقون

عن الحارث بن وكيدة، قال: كنت فيمن حمل رأس الحسين، فسمعته يقرأ سورة الكهف، فجعلت أشك في نفسي وأنا أسمع نغمة أبي عبد اللّه، فقال لي: يا بن وكيدة، أما علمت أنا معشر الأئمة أحياء عند ربنا نرزق؟

قال: فقلت في نفسي: أسرق رأسه، فنادى: يا بن وكيدة، ليس لك إلى ذاك سبيل، سفكهم دمي أعظم عند اللّه من تسييرهم رأسي، فذرهم فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون(3).

ص: 94


1- ذاده عنه: طرده ودفعه.
2- دلائل الإمامة: 187، ح11.
3- دلائل الإمامة: 188، ح14.

ما أنا لهذا ولا لهذا

روى صفوان بن مهران، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: رجلان اختصما في زمن الحسين (عليه السلام) في امرأة وولدها، فقال هذا: لي، وقال هذا: لي، فمر بهما الحسين (عليه السلام) ، فقال لهما: في ماذا تمرجان(1)؟ قال أحدهما: إنّ الامرأة لي، فقال للمدعي الأول: اقعد فقعد، وكان الغلام رضيعاً فقال الحسين (عليه السلام) : يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك اللّه سترك، فقالت: هذا زوجي والولد له ولا أعرف هذا، فقال (عليه السلام) : يا غلام ما تقول هذه؟

انطق بإذن اللّه تعالى، فقال له: ما أنا لهذا ولا لهذا وما أبي إلا راع لآل فلان، فأمر (عليه السلام) برجمها. قال جعفر (عليه السلام) : فلم يسمع أحد نطق ذلك الغلام بعدها(2).

يريدون أن يطأوا الخيل ظهره

روى عبد اللّه الأودي، قال: لما قتل الحسين (عليه السلام) أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضّة لزينب: يا سيدتي إنّ سفينة كسر به في البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث أنا مولى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فهمهم بين يديه حتى وقفه على الطريق والأسد رابض في ناحية، فدعيني أمضي إليه وأعلمه ما هم صانعون غداً، قال: فمضت إليه فقالت: يا أبا الحارث فرفع رأسه ثم قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد اللّه (عليه السلام) ؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد

ص: 95


1- مرج الأمر مروجاً: التبس واختلط فهو مارج، ومويج، المعجم الوسيط 2: 860 (مرج).
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 51.

الحسين (عليه السلام) ، فأقبلت الخيل، فلما نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد - لعنه اللّه - : فتنة لا تثيروها انصرفوا، فانصرفوا(1).

من آثار قتل الإمام الحسين (عليه السلام)

روى ناصح أبي عبد اللّه، عن قريبة جارية لهم، قالت: كان عندنا رجل خرج على الحسين (عليه السلام) ، ثم جاء بجمل وزعفران، قالت: فلما دقّوا الزعفران صار نارا. قالت: فجعلت المرأة تأخذ منه الشيء فتلطّخه على يدها فيصير منه برص.

قالت: ونحروا البعير، قالت: فكلما حزّوا بالسكين صار مكانها ناراً. قالت: فجعلوا يسلخونه فيصير مكانه ناراً. قالت: فقطعوه فخرجت منه النار.

قالت: فطبخوه فكلما أوقدوا النار فارت القدر ناراً. قالت: فجعلوه في الجفنة فصار ناراً. قالت: وكنت صبية يومئذ فأخذت عظماً منه فطينت عليه، فسقط وأنا يومئذ امرأة، فأخذناه نصنع منه اللعب. قالت: فلما حززناه بالسكين صار مكانه ناراً، فعرفنا أنه ذلك العظم فدفناه(2).

ص: 96


1- الكافي 1: 465، ح8.
2- أمالي، الشيخ الطوسي: 727، المجلس 44، ح3.

من معاجز الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والده: الإمام الحسين (عليه السلام) .

والدته: السيدة شهر بانو من بنات ملوك الفرس.

ولادته: ولد (عليه السلام) في المدينة المنوّرة في الخامس من شهر شعبان المعظّم، سنة 38ه- .

كنيته: أبو محمد، ويكنّى بأبي الحسن أيضاً، وبأبي القاسم.

ألقابه: سيد العابدين، وزين العابدين، والمجتهد، والسجّاد، وذو الثفنات، وإنّما لقّب بذي الثفنات لأنّ مواضع سجوده كانت كثفنة البعير من كثرة السجود.

صفاته: كان (عليه السلام) وسيماً جميلاً، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينية سجّادة، أي أثر السجود.

قالوا فيه (عليه السلام)

اتفقت الأمم عبر العصور على جلالة الإمام زين العابدين (عليه السلام) وأفضليته على الناس كافّة، حتى أقرّ مخالفوه أيضاً بقداسته، فممّن أشاد بمقامه (عليه السلام) الشامخ هم:

ص: 97

1- سعيد بن المسيّب، قال: ما رأيت قط أفضل من علي بن الحسين (عليه السلام) ، وما رأيته قط إلا مقتُ نفسي، ما رأيته ضاحكاً يوماً قط(1).

2- الزهري قال: ما رأيت هاشمياً مثل علي بن الحسين (عليه السلام) (2).

3- يحيى بن سعيد، قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) وكان أفضل هاشمي أدركته(3).

4- عمر بن عبدالعزيز قال لأصحابه بعد أن انصرف الإمام السجاد (عليه السلام) من مجلسه: من أشرف الناس؟

فقالوا له: أنتم.

فقال لهم: كلاّ، إنّ أشرف الناس هذا القائم - يعني الإمام زين العابدين (عليه السلام) - من أحب الناس أن يكونوا منه، ولم يحب أن يكون من أحد(4).

من معاجزه (عليه السلام)

ماتقول هذه الظبية؟

عن جابر عن أبي جعفر قال: بينا علي بن الحسين مع أصحابه إذا قبل ظبية من الصحراء حتى قامت حذاه وصوتّت، فقال بعض القوم: يا بن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما تقول هذه الظبية؟ قال: يزعم أنّ فلان القرشي أخذ

ص: 98


1- تأريخ اليعقوبي 2: 303.
2- الإرشاد 2: 141.
3- الطبقات الكبرى 5: 214.
4- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 167.

خشفها بالأمس وأنّها لم ترضعه من أمس شيئاً فبعث إليه علي بن الحسين (عليه السلام) أرسل إلى بالخشف، فلما رأت صوتت وضربت بيديها ثم أرضعته. قال: فوهبه علي بن الحسين (عليه السلام) لها وكلمها بكلام نحواً من كلامها وانطلقت في الخشف معها، فقالوا: يا بن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ما الذي قال؟ قال: دعت اللّه لكم وجزاكم بخير(1).

إخبار الزهري برؤياه

عن الزهري، قال: كان لي أخ في اللّه تعالى، وكنت شديد المحبة له، فمات في جهاد الروم، فاغتبطت به وفرحت أن استشهد، وتمنّيت أنّي كنت استشهدت معه، فنمت ذات ليلة، فرأيته في منامي.

فقلت له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر اللّه لي بجهادي، وحبّي محمداً وآل محمد، وزادني في الجنة مسيرة مائة ألف عام من كل جانب من الممالك بشفاعة علي بن الحسين (عليهما السلام) .

فقلت له: قد اغتبطت أن استشهدت بمثل ما أنت عليه قال: أنت فوقي من مسيرة ألف ألف عام.

فقلت: بماذا؟! فقال: ألست تلقى علي بن الحسين (عليه السلام) في كل جمعة مرة وتسلّم عليه، وإذا رأيت وجهه صلّيت على محمد وآل محمد، ثم تروي عنه، وتذكر في هذا الزمان النكد - زمان بني أمية - فتعرض للمكروه، ولكن اللّه يقيك.

فلما انتبهت، قلت: لعله أضغاث أحلام. فعاودني النوم فرأيت ذلك

ص: 99


1- بصائر الدرجات: 350، ح10.

الرجل يقول: أشككت؟ لا تشك فإنّ الشك كفر، ولا تخبر بما رأيت أحداً، فإنّ علي بن الحسين يخبرك بمنامك هذا كما أخبر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أبا بكر بمنامه في طريقه من الشام. فانتبهت وصلّيت فإذا رسول علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فصرت إليه، فقال: يا زهري، رأيت البارحة كذا وكذا... المنامين جميعاً على وجههما(1).

حيّة تحول دون بناء الكعبة

عن أبان بن تغلب، قال: لما هدم الحجّاج الكعبة فرّق الناس ترابها، فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها، فخرجت عليهم حيّة، فمنعت الناس البناء حتى هربوا فأتوا الحجّاج، فخاف أن يكون قد منع بناها، فصعد المنبر ثم نشد الناس وقال: رحم اللّه عبداً عنده ممّا ابتلينا به علم لما أخبرنا به، قال: فقام إليه شيخ، فقال: إن يكن عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى، فقال الحجّاج: من هو؟ فقال: علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: معدن ذلك فبعث إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فأتاه فأخبره بما كان من منع اللّه إياه البناء، فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام) : يا حجّاج عمدت إلى بناء إبراهيم وإسماعيل فألقيته في الطريق وانتهبته كأنّك ترى أنّه تراث لك، اصعد المنبر وأنشد الناس أن لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئاً إلا ردّه، قال: ففعل وأنشد الناس أن لا يبقى منهم أحد عنده شيء إلا ردّه قال: فردّوه.

فلما رأى جمع التراب أتى علي بن الحسين (عليهما السلام) فوضع الأساس وأمرهم أن يحفروا، قال: فتغيّبت عنهم الحيّة، فحفروا حتى انتهوا إلى موضع

ص: 100


1- الثاقب في المناقب: 363، ح301.

القواعد، قال لهم علي بن الحسين (عليه السلام) : تنحّوا، فتنحّوا فدنا منها فغطاها بثوبه ثم بكى ثم غطاها بالتراب بيد نفسه، ثم دعا الفعلة، فقال: ضعوا بناءكم قال: فوضعوا البناء، فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب فألقي في جوفه فلذلك صار البيت مرتفعاً يصعد إليه بالدرج(1).

أفزعت ياسعيد؟

قال سعيد بن المسيّب: كان القوم لا يخرجون من مكة، حتّى يخرج عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) ، فخرج وخرجت معه، فنزل في بعض المنازل، فصلّى ركعتين وسبّح في سجوده، فلم يبق شجر ولا مدر إلّا سبّحوا معه، ففزعنا منه فرفع رأسه، ثم قال: يا سعيد أفزعت؟

فقلت: نعم يا بن رسول اللّه!

قال: هذا التسبيح الأعظم(2).

شفاء المرضى

قال إبراهيم بن الأسود اليمني، قال: رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) وقد اُوتي بطفل مكفوف، فمسح عينيه فاستوى بصره، وجاءوا إليه بأبكم فكلّمه وأجابه، فجاءوا إليه بمقعد فمسحه، وسعى ومشى(3).

أتدري مايقلن العصافير؟

عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت مع علي بن الحسين (عليه السلام) في داره

ص: 101


1- الكافي 4: 222، ح8.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 136.
3- دلائل الإمامة: 200، ح6.

وفيها عصافير وهي تصوّت، فقال لي: أتدري ما يقلن هؤلاء العصافير؟

فقلت: لا أدري.

قال: يسبّحن ربهن ويهلّلن، ويسألنه قوت يومهن.

ثم قال: يا أبا حمزة، علّمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء(1).

صدّيق امتحن اللّه قلبه

نقل أبو خالد الكابلي فقال: إنّ رجلاً أتى علي بن الحسين (عليه السلام) وعنده أصحابه، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا منجّم وأبي عرّاف(2). فنظر إليه ثم قال له: هل أدلّك على رجل قدمرّ منذ دخلت علينا في أربعة آلاف عالم؟

فقال: من هو.

فقال له: إن شئت أنبأتك بما أكلت وما ادّخرت في بيتك.

فقال له: أنبئني.

فقال له: أكلت في هذا اليوم حيساً(3)، وأمّا ما في بيتك فعشرون ديناراً، منها ثلاثة دنانير دارية.

فقال له الرجل: أشهد أنّك الحجّة العظمى، والمثل الأعلى، وكلمة التقوى.

فقال له: أنت صديق امتحن اللّه قلبك(4).

ص: 102


1- دلائل الإمامة: 205، ح16.
2- العرّاف: كشداد: الكاهن والمنجّم الذي يدّعي علم الغيب.
3- الحيس: هو الطعام المتخذ من التمر والأقط - أي اللبن المحمض المجمد - والسمن. لسان العرب (حيس) 6: 61.
4- دلائل الإمامة: 210، ح23.

هاك ياقليلة اليقين باللّه

روى أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان قائماً في صلاته، حتّى زحف ابنه محمّد، وهو طفل إلى بئر، كانت في دار بعيدة القعر، فسقط فيها فنظرت إليه أمّه فصرخت، فأقبلت تضرب بنفسها من حوالي البيت وتستغيث به، وتقول له: يا بن رسول اللّه، غرق واللّه ابنك محمّد، وهو يسمع قولها ولا ينثني عن صلاته، وهي تسمع اضطراب ابنها في قعر البئر في الماء فتشتدّ، فلمّا طال عليها ذلك قالت له: جزعاً على ابنها ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت النبوة؟!

فأقبل على صلاته، ولم يخرج عنها إلّا بعد كمالها - و - تمامها، ثم أقبل عليها، فجلس على رأس البئر ومدّ يده إلى قعرها، وكانت لا تنال إلّا برشاء(1) طويل، فأخرج ابنه محمّداً، وهو يناغيه(2) ويضحك ولم يبتلّ له ثوب ولا جسد بالماء، فقال: هاك يا قليلة اليقين باللّه، فضحكت لسلامة ابنها، وبكت لقوله: فقال لا تثريب عليك لو علمت أنّني كنت بين يدي جبار لو ملت بوجهي عنه لمال بوجهه عنّي أفمن ترى أرحم بعبده منه؟!(3)

أعطوني موثقاً أن لاتأذوه

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين مع أصحابه في طريق مكة فمرّ به ثعلب وهم يعدون خلفه، فقال علي بن الحسين (عليه السلام) : هل لكم أن تعطوني موثقاً من اللّه تعالى لا تروعون هذا الثعلب حتى ادعوه فيجيء؟

ص: 103


1- الرشاء: رَسَن الدلو، وهو الحبل الذي يتوصل به إلی الماء. النهاية 2: 226 (رشا).
2- يناغيه: يلاطفه ويلاعبه.
3- الدر النظيم: 582.

قالوا نعم، فنادى: يا ثعلب تعال، فأقبل الثعلب إليه ووقف بين يديه فناوله عُراقاً فأخذه وولّى ليأكله فعاد ناداه، فقال: هلّم صافحني، فجاء فتكلّم رجل منهم في وجهه فانصرف، فقال: من فيكم كلمه؟ فقال رجل، أنا، واستغفر(1).

إنّهم يغدرون بك

روى أبو جعفر (عليه السلام) ، فقال: خدم أبو خالد الكابلي علي بن الحسين دهراً من عمره ثم إنه أراد أن ينصرف إلى أهله، فأتى علي بن الحسين (عليه السلام) وشكى إليه شدّة شوقه إلى والديه، فقال: يا أبا خالد يقدم غداً رجل من أهل الشام له قدر ومال كثير وقد أصاب بنتاً له عارض من أهل الأرض ويريدون أن يطلبوا معالجاً يعالجها فإذا أنت سمعت قدومه فأته وقل له: أنا أعالجها لك على أن اشترط لك أنّى أعالجها عليّ ديتها عشرة آلاف فلا تطمأن إليهم وسيعطونك ما تطلب منهم، فلما أصبحوا قدم الرجل ومن معه، وكان من عظماء أهل الشام في المال والمقدرة، فقال: أما من معالج يعالج بنت هذا الرجل؟

فقال له أبو خالد: أنا أعالجها على عشرة آلاف درهم فإن أنتم وفيتم وفيت على أن لا يعود إليها أبداً، فشرطوا أن يعطوه عشرة آلاف، فأقبل إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فأخبره الخبر، فقال: إنّى أعلم أنّهم سيغدرون بك ولا يفون لك انطلق يا أبا خالد فخذ بإذن الجارية اليسرى، ثم قل: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين أخرج من هذه الجارية ولا تعد، ففعل أبو خالد ما أمره

ص: 104


1- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 141.

فخرج منها فأفاقت الجارية. وطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه، فرجع مغتماً كئيباً، فقال له علي بن الحسين: ما لي أراك كئيباً يا أبا خالد؟

ألم أقل لك أنّهم يغدرون بك؟ دعهم فإنّهم سيعودون إليك، فإذا لقوك فقل: لست أعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين فإنّه لي ولكم ثقة، (فأصيب الجارية وعادوا إليه وقال ما أمره به فرضوا)، ووضعوا المال على يدي علي بن الحسين فرجع أبو خالد إلى الجارية فأخذ بإذنها اليسرى ثم قال: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين اُخرج من هذه الجارية ولا تعرض لها إلا بسبيل خير فإنّك إن عُدت أحرقتك بنار اللّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فخرج منها ودفع المال إلى أبى خالد، فخرج إلى بلاده(1).

زعمت أنّ ربك عنك نائم؟

روى يحيى بن العلاء، فقال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: خرج علي بن الحسين (عليهما السلام) إلى مكة حاجا حتى انتهى إلى واد بين مكة والمدينة، فإذا هو برجل يقطع الطريق. قال: فقال لعلي (عليه السلام) : انزل، قال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أقتلك، وآخذ ما معك. قال: فأنا أقاسمك ما معي وأحلّلك. قال: فقال اللص: لا. فقال: دع معي ما أتبلغ به، فأبى عليه. قال: فأين ربك؟

قال: نائم. قال: فإذا أسدان مقبلان بين يديه، فأخذ هذا برأسه، وهذا برجليه. قال: فقال: زعمت أنّ ربك عنك نائم؟(2).

ص: 105


1- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 145.
2- أمالي الطوسي: 673، المجلس 36، ح28.

كلوا من هدية إخوانكم المؤمنين

روى خالد بن عبد اللّه، قال: كان علي بن الحسين (عليه السلام) حاجّاً فجاء أصحابه فضربوا فسطاطه في ناحية، فلما رآه قال: هذا مكان قوم من الجن المؤمنين وقد ضيقتم عليه، فناداه هاتف: يا بن رسول اللّه قرب فسطاطك منّا رحمة لنا، وإن طاعتك مفروضة علينا، وهذه هديتنا إليك فاقبلها، قال جابر: فنظرنا وإذا إلى جانب الفسطاط أطباق مملوءة رطبا وعنباً، وموزاً ورماناً، فدعا زين العابدين (عليه السلام) من كان معه من أصحابه، وقال: كلوا من هدّية إخوانكم المؤمنين(1).

هذا دأبنا ودأبهم

روي أنّ بني مروان لما كثر استنقاصهم بشيعة علي بن الحسين (عليه السلام) شكوا إليه حالهم فدعا الباقر (عليه السلام) وأخرج إليه حقّاً فيه خيط أصفر وأمره أن يحركه تحريكاً لطيفاً، فصعد السطح وحرّكه، وإذا بالأرض ترجف وبيوت المدينة تساقطت حتى هوى من المدينة ستمائة دار، وأقبل الناس هاربين إليه يقولون: أجرنا يا بن رسول اللّه، أجرنا يا ولي اللّه، فقال: هذا دأبنا ودأبهم يستنقصون بنا ونحن نفنيهم(2).

الإمام (عليه السلام) لايقول إلا حقّاً

عن محمد بن ثابت، قال: كنت جالساً في مجلس سيدنا أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) إذ وقف به عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فقال

ص: 106


1- مشارق أنوار اليقين: 138.
2- مشارق أنوار اليقين: 138.

له: يا علي بن الحسين، بلغني أنّك تدّعي أن يونس بن متّى عُرضت عليه ولاية أبيك فلم يقبلها، فحبس في بطن الحوت؟

قال له علي بن الحسين (عليه السلام) يا عبد اللّه بن عمر، وما أنكرت من ذلك؟

قال: إنّي لا أقبله.

فقال: أتريد أن يصح لك ذلك؟

قال له: نعم، قال له: اجلس.

ثم دعا غلامه، فقال له: جئنا بعصابتين. وقال لي: يا محمد بن ثابت، شد عين عبد اللّه بإحدى العصابتين واشدد عينك بالأخرى، فشددنا أعيننا فتكلّم بكلام، ثم قال: حلّوا أعينكم. فحللناها فوجدنا أنفسنا على بساط ونحن على ساحل البحر.

ثم تكلّم بكلام فاستجاب له حيتان البحر إذ ظهرت بينهن حوتة عظيمة فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: اسمي نون.

فقال لها: لم حبس يونس في بطنك؟

فقالت: عرضت عليه ولاية أبيك فأنكرها، فحبس في بطني، فلما أقر بها وأذعن أمرت فقذفته، وكذلك من أنكر ولايتكم أهل البيت يخلد في نار الجحيم.

فقال له: يا عبد اللّه أسمعت وشهدت؟ فقال له: نعم. فقال: شدّوا أعينكم.

فشددناها فتكلّم بكلام ثم قال: حلّوها. فحللناها، فإذا نحن على البساط في مجلسه، فودّعه عبد اللّه وانصرف.

فقلت له: يا سيدي، لقد رأيت في يومي عجباً، فآمنت به، فترى عبد اللّه بن عمر يؤمن بما آمنت به؟

ص: 107

فقال لي: لا، أتحب أن تعرف ذلك؟ فقلت: نعم. قال: قم فاتبعه وماشيه واسمع ما يقول لك.

فتبعته في الطريق ومشيت معه، فقال لي: أنّك لو عرفت سحر عبد المطلب لما كان هذا بشيء في نفسك، هؤلاء قوم يتوارثون السحر كابراً عن كابر، فعند ذلك علمت أنّ الإمام لا يقول إلا حقاً(1).

خذ وسل كل حاجة لك

روى أبو النمير علي ابن يزيد، قال: كنت مع علي بن الحسين (عليه السلام) عندما انصرف من الشام إلى المدينة، فكنت أحسن إلى نسائه وأتوارى عنهم عند قضاء حوائجهم، فلما نزلوا المدينة بعثوا إلي بشيء من حليّهن فلم آخذه، وقلت: فعلت هذا لله (عزّ وجلّ).

فأخذ علي بن الحسين (عليه السلام) حجرا أسود صمّاً فطبعه بخاتمه، ثم قال: خذه وسل كل حاجة لك منه.

فواللّه الذي بعث محمداً بالحق، لقد كنت أسأله الضوء في البيت فينسرج في الظلماء، وأضعه على الأقفال فتفتح لي، وآخذه بيدي وأقف بين يدي السلاطين فلا أرى إلا ما أحب(2).

ما أكثر الحجيج

روي أنّ الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) قال للزهري وهو واقف بعرفات: كم تقدر ههنا من الناس؟

ص: 108


1- دلائل الإمامة: 211.
2- دلائل الإمامة: 201، ح9.

قال: أقدر أربعة آلاف ألف وخمسمائة ألف كلّهم حجّاج قصدوا اللّه بآمالهم ويدعونه بضجيج أصواتهم.

فقال له: يا زهري ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج!

فقال الزهري: كلهم حجاج، أفهم قليل؟

فقال له: يا زهري أدن لي وجهك. فأدناه إليه، فمسح بيده وجهه، ثم قال: انظر.

فنظر إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلّهم قردة، لا أرى فيهم إنساناً إلا في كل عشرة آلاف واحدا من الناس.

ثم قال لي: اُدن منّي يا زهري.

فدنوت منه، فمسح بيده وجهي ثم قال: أنظر. فنظرت إلى الناس، قال الزهري: فرأيت أولئك الخلق كلهم خنازير، ثم قال لي: ادن لي وجهك. فأدنيت منه، فمسح بيده وجهي، فإذا هم كلهم ذئبة إلا تلك الخصائص من الناس نفراً يسيراً.

فقلت: بأبي وأمّي يا بن رسول اللّه قد أدهشتني آياتك، وحيرتني عجائبك!

قال: يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلا النفر اليسير الذين رأيتهم بين هذا الخلق الجم الغفير.

ثم قال لي: امسح يدك على وجهك.

ففعلت، فعاد أولئك الخلق في عيني ناساً كما كانوا أولاً(1).

ص: 109


1- مستدرك الوسائل 10: 40، ح11405.

من معاجز الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

اشارة

هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

والده: هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :

والدته: السيدة فاطمة حفيدة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ، وكنيتها أُمّ فروة، وكان الإمام السجاد (عليه السلام) يسمّيها الصدّيقة، وقد وصفها الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: كانت صدّيقة لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها(1).

وكانت ذات كرامة على اللّه تعالى، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كانت أمّي قاعدة عند جدار فتصدّع الجدار، وسمعنا هدّة شديدة، فقالت بيدها(2):

لا وحقّ المصطفى ما أذن اللّه لك في السقوط، فبقي معلّقاً في الجو حتى جازته، فتصدّق أبي عنها بمائة دينار(3).

وهي المعنية في الخبر الوارد عن سفيان بن مصعب العبدي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: قولوا لأمّ فروة تجيء فتسمع ما صنع بجدّها، قال: فجاءت فقعدت خلف الستر، ثم قال: أنشدنا.

قال: فقلت: (فرو جودي بدمعك المسكوب)، قال: فصاحت وصحن

ص: 110


1- الكافي 1: 469، ح1.
2- أي أشارت بيدها.
3- الكافي 1: 469، ح1.

النساء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) الباب الباب، فاجتمع أهل المدينة على الباب.

قال: فبعث إليهم أبو عبد اللّه (عليه السلام) صبي لنا غشي عليه فصحن النساء(1).

وهي التي روت حديث الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال: إنّي لأدعوا لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مأة مرّة لأنّا... نصبر على ما نعلم ويصبرون على ما لا يعلمون(2).

ولادته: ولد (عليه السلام) بالمدينة المنورة في الثالث من شهر صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة قبل قتل جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) بثلاث سنين.

كناه: له كنية واحدة فقط وهي أبو جعفر.

ألقابه: الشاكر، والهادي، والأمين، والشبيه لشبهه برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، والباقر وهو أشهرها لبقره العلم، ففي الخبر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: إنّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وكان رجلاً منقطعا إلينا أهل البيت وكان يقعد في مسجد رسول اللّه وهو معتجّر(3)

بعمامة سوداء وكان ينادي يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: لا واللّه ما أهجر ولكنّي سمعت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، يقول: أنّك ستدرك رجلاً مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، قال: فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذمرّ بطريق في ذاك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن علي، فلما نظر إليه، قال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال:

ص: 111


1- الكافي 8: 216، ح263.
2- الكافي 1 : 472، ح1.
3- الاعتجار: لف العمامة على الرأس.

شمائل رسول اللّه (عليهما السلام) والذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك؟

قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين، فأقبل عليه يقبّل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمّي أبوك رسول اللّه (عليهما السلام) يقرئك السلام ويقول ذلك، قال: فرجع محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) إلى أبيه وهو ذعر فأخبره الخبر، فقال له: يا بني وقد فعلها جابر، قال نعم قال: الزم بيتك يا بني فكان جابر يأتيه طرفي النهار وكان أهل المدينة يقولون: وا عجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين (عليهما السلام) ، فكان محمد بن علي يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: فجلس (عليه السلام) يحدّثهم عن اللّه تبارك وتعالى، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً أجرأ من هذا، فلما رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحداً قط أكذب من هذا يحدّثنا عمّن لم يره، فلما رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد اللّه، قال فصدّقوه وكان جابر بن عبد اللّه يأتيه فيتعلّم منه(1).

صفته: اسمر معتدل، ربع القامة، رقيق البشرة، جعد الشعر، أسمر، له خال على خدّه وخال أحمر في جسده، ضامر الكشح(2)، حسن الصوت، مطرق الرأس(3).

شاعره: السيد الحميري والكميت الشاعر الموالي المعروف وكان الإمام الباقر (عليه السلام) يكرمه، ففي الخبر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: دخلت عليه

ص: 112


1- الكافي 1: 470، ح2.
2- الكشح: ما بين الخاصرة إلی الضلع الخلف. الصحاح 1: 399.
3- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 3: 210.

فشكوت إليه الحاجة، قال: فقال: يا جابر ما عندنا درهم، فلم ألبث أن دخل عليه الكميت، فقال له: جعلت فداك إن رأيت أن تأذن لي حتى أنشدك قصيدة، قال: فقال: أنشد فأنشده قصيدة، فقال: يا غلام أخرج من ذلك البيت بدرة فادفعها إلى الكميت.

قال: فقال له: جعلت فداك إن رأيت أن تأذن لي أنشدك قصيدة أخرى؟

قال: أنشد فأنشده أخرى، قال: يا غلام أخرج من ذلك البيت بدّرة فادفعها إلى الكميت، قال: فأخرج بدّرة فدفعها إليه، قال: فقال له: جعلت فداك ان رأيت أن تأذن لي أنشدك ثالثة؟

قال له: أنشد، فقال: يا غلام أخرج من ذلك البيت بدرّة فادفعها إليه، قال: فأخرج بدرّة فدفعها إليه، فقال الكميت: جعلت فداك واللّه ما أحبكم لغرض الدنيا وما أردت بذلك إلا صلة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وما أوجب اللّه عليّ من الحق.

قال فدعا له أبو جعفر (عليه السلام) ثم قال: يا غلام ردّها مكانها، قال: فوجدت في نفسي، وقلت: قال: ليس عندي درهم وأمر للكميت بثلثين ألف درهم، قال: فقام الكميت وخرج، قلت له: جعلت فداك قلت ليس عندي دراهم وأمرت للكميت بثلاثين ألف درهم؟

فقال لي: يا جابر قم وادخل البيت، قال: فقمت ودخلت البيت فلم أجد منه شيئاً فخرجت إليه فقال لي: يا جابر ما سترنا عنكم أكثر ممّا أظهرنا لكم، فقام فأخذ بيدي وأدخلني البيت ثم قام وضرب برجله الأرض فإذا شبيه بعنق البعير قد خرجت من ذهب.

ثم قال لي: يا جابر انظر إلى هذا ولا تخبر به أحداً إلا من تثق به من

ص: 113

إخوانك إنّ اللّه أقدرنا على ما نريد ولو شئنا أن نسوق الأرض بأزمتها لسقناها(1).

من شعره (عليه السلام)

نُسب للإمام الباقر (عليه السلام) أنه أنشد الشعر ومن ذلك:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم***لم يبق إلا شامت أو حاسد

بوّابه: جابر الجعفي.

نقش خاتمه: ربّ لا تذرني فرداً، ونُقل أنّ نقش خاتمه الأبيات التالية:

ظنّي باللّه حسن***وبالنبي المؤتمن

وبالوصي ذي المنن***وبالحسين والحسن

قالوا فيه (عليه السلام)

كثر ثناء المادحون على الإمام الباقر (عليه السلام) كل منهم يسابق الآخر بتفاخر لتسجيل كلمته في الثناء عليه ليخلّد اسمه في ديوان المشاهير الذين أطروا على هذا الإمام العظيم (عليه السلام) ، ولو أردنا استقصاء من أثنى بكلمة عليه لطال المقام لذا نقتصر بذكر بعضهم ومنهم:

1- قال الذهبي: محمد بن علي بن الحسين، الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام(2).

2- قال ابن منظور: التبقّر: التوسّع في العلم والمال، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين بن علي الباقر رضوان اللّه عليهم، لأنه بقر العلم وعرف

ص: 114


1- بصائر الدرجات 1: 376، ح5.
2- تذكرة الحفاظ 1: 124.

أصله واستنبط فرعه وتبقّر في العلم(1).

3- قال الفيروز آبادي: والباقر محمد بن علي بن الحسين رضي اللّه تعالى عنهم لتبحّره في العلم(2).

4- قال ابن خلكان: وكان الباقر عالماً سيداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر لأنه تبقّر في العلم أي توسّع والتبقّر التوسع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لأهل التقى***وخير من لبّى على الأجبل(3)

5- قال الطريحي: وتبقّر في العلم: توسع، ومنه سمّي أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لأنه بقر العلم بقراً، وشقّه، وفتحه(4).

6- قال ابن عنبه: وكان واسع العلم، وافر الحلم، وجلالة قدره أشهر من ينبّه عليها(5).

7- قال ابن كثير: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب...، وسمّي بالباقر لبقره العلوم، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدال والخصومات(6).

8- قال ابن حجر: سمّي بذلك لأنه من بقر الأرض أي شقّها، وأثارة

ص: 115


1- لسان العرب 4: 74 مادة (بقر).
2- القاموس المحيط 1: 703.
3- وفيات الأعيان 4: 174.
4- مجمع البحرين مادة بقر.
5- عمدة الطالب: 175.
6- البداية والنهاية 9: 339.

مخبئاتها، ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية السريرة، ومن ثم قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه(1).

من معاجزه (عليه السلام)

ردّوا إليه روحه

قال ابن حمزة: وقد سمعت شيخي أبا جعفر محمد بن الحسين الشوهاني بمشهد الرضا (عليه السلام) في داره، وهو يقرأ في كتابه، وقد ذهب عني اسم الراوي، أنّ فتى من أهل الشام كان يكثر الجلوس عند أبي جعفر (عليه السلام) ، فقال ذات يوم: واللّه ما أجلس إليك حبّاً لك، وإنّما أجلس إليك لفصاحتك وفضلك.

فتبسّم (عليه السلام) ولم يقل شيئاً، ثم فقده بعد ذلك بأيام، فسأل عنه فقيل له: مريض، فدخل عليه إنسان وقال له: يا بن رسول اللّه إنّ الفتى الشامي الذي كان يكثر الجلوس إليك قد توفّي وأوصى إليك أن تصلي عليه.

فقال (عليه السلام) : إذا غسلتموه فدعوه على السرير ولا تكفنوه حتى آتيكم، ثم قام فتطهّر، وصلّى ركعتين، ودعا، وسجد بعده فأطال السجود، ثم قام فلبس نعليه، وتردى برداء رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ومضى إليه.

فلما وصل دخل البيت الذي يغسل فيه وهو على سريره، وقد فرغ من غسله وناداه باسمه، فقال: يا فلان فأجابه ولبّاه، ورفع رأسه وجلس، فدعا (عليه السلام) بشربة سويق فسقاه، ثم سأله: ما حالك؟

فقال: إنه قد قبض روحي بلا شك منّي، وإنّي لما قبضت سمعت صوتاً ما

ص: 116


1- الصواعق المحرقة: 201.

سمعت قط أطيب منه: ردّوا إليه روحه، فإنّ محمد بن علي (عليه السلام) قد سألناه(1).

اسم ندعوا به فنجاب

عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام) إلى الحج وأنا زميله إذ أقبل ورشان(2) فوقع على غرارة(3) محمله، فترنّم، فذهبت لآخذه فصاح بي: مه يا جابر، فإنّه استجار بنا أهل البيت، فقلت: وما الذي شكا إليك؟

قال: شكا إلي أنه يفرخ في هذا الجبل منذ ثلاث سنين، وأنّ حيّة تأتيه تأكل أفراخه، فسألني أن أدعو اللّه عليها ليقتلها، ففعلت، وقد قتلها اللّه.

ثم سرنا حتى إذا كان وقت السحر قال لي: انزل يا جابر، فنزلت، فأخذت بخطام(4) الجمل، فنزل فتنحّى يمنة ويسرة وهو يقول: اللّهم اسقنا، وأظهر لنا ماء، فإذا حجر مربع أبيض بين الرمل فاقتلعه، فنبع له عين ماء صاف، فتوضأنا وشربنا منه، ثم ارتحلنا، فأصبحنا دون قريات ونخل، فعمد أبو جعفر (عليه السلام) إلى نخلة يابسة فدنا منها وقال: أيتها النخلة اليابسة، أطعمينا، فلقد رأيت النخلة تنحني حتى جعلنا نتناول من ثمرها ونأكل، وإذا أعرابي يقول: ما رأيت ساحراً كاليوم؟

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : يا أعرابي، لا تكذبن علينا أهل البيت، فإنّه ليس منا

ص: 117


1- الثاقب في المناقب: 369، ح305.
2- الورشان: طائر من فصيل الحمام.
3- غرارة: وعاء من مشاقة الجوت، يوضع على ظهر الدابة لوضع الأمتعة فيه، ويعرف بالجوالق والخرج أيضاً. أنظر المعجم الوسيط 2: 648، مادة (غرر).
4- أي زمامه.

ساحر ولا كاذب، ولكن علمنا اسماً من أسماء اللّه تعالى، نسأل اللّه به فنعطي، وندعو به فنجاب(1).

سل الناس هل يرونني؟

عن أبي بصير قال: دخلت المسجد مع أبي جعفر (عليه السلام) والناس يدخلون ويخرجون، فقال لي: سل الناس هل يرونني؟ فكل من لقيته قلت له: أرأيت أبا جعفر؟ يقول: لا، وهو واقف حتى دخل أبو هارون المكفوف، قال: سل هذا، فقلت: هل رأيت أبا جعفر؟ فقال: أليس هو بقائم، قال: وما علمك؟ قال: وكيف لا أعلم وهو نور ساطع، قال: وسمعت يقول لرجل من أهل إفريقيا: ما حال راشد؟ قال: خلفته حياً صالحاً يقرئك السلام، قال: رحمه اللّه. قال: مات؟ قال: نعم قال: متى؟ قال: بعد خروجك بيومين، قال: واللّه ما مرض ولا كان به علّة!

قال: وإنّما يموت من يموت من مرض وعلّة، قلت: من الرجل؟ قال: رجل لنا موالياً ولنا محباً، ثم قال: لئن ترون أنه ليس لنا معكم أعين ناظرة، أو أسماع سامعة؟ لبئس ما رأيتم، واللّه لا يخفى علينا شيء من أعمالكم، فاحضرونا جميلاً وعودوا أنفسكم الخير، وكونوا من أهله تعرفون به فإنّي بهذا آمر ولدي وشيعتي(2).

أفتحب أن ترى أباك؟

روى أبو عتيبة قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل رجل، فقال: أنا من

ص: 118


1- الثاقب في المناقب: 390، ح320.
2- الخرائج والجرائح 2: 595، ح7.

أهل الشام أتولاكم وأبرأ من عدوكم، وأبي كان يتولّى بني أمية وكان له مال كثير، ولم يكن له ولد غيري وكان مسكنه بالرملة(1) وكان له جنينة يتخلّى فيها بنفسه، فلما مات طلبت المال فلم أظفر به، ولا أشك أنّه دفنه وأخفاه منّي. قال أبو جعفر: أفتحبّ أن تراه وتسأله أين موضع ماله؟ قال: إي واللّه إنّي لفقير محتاج، فكتب أبو جعفر كتاباً وختمه بخاتمه، ثم قال: انطلق بهذا الكتاب الليلة إلى البقيع حتى تتوسّطه، ثم تنادي: يا درجان يا درجان، فإنّه يأتيك رجل معتم فادفع إليه كتابي، وقل: أنا رسول محمد بن علي بن الحسين فإنّه يأتيك فاسئله عمّا بدا لك، فأخذ الرجل الكتاب وانطلق.

قال أبو عتيبة: فلما كان من الغد أتيت أبا جعفر لأنظر ما حال الرجل فإذا هو على الباب ينتظر أن يؤذن له، فأذن له فدخلنا جميعا، فقال الرجل: اللّه يعلم عند من يضع العلم، قد انطلقت البارحة، وفعلت ما أمرت، فأتاني الرجل، فقال: لا تبرح من موضعك حتى آتيك به، فأتاني برجل أسود، فقال: هذا أبوك قلت: ما هو أبي، قال: غيّره اللّهب ودخان الجحيم والعذاب الأليم، قلت: أنت أبي؟ قال: نعم، قلت: فما غيّرك عن صورتك وهيئتك؟ قال: يا بني كنت أتولّى بني أمية وأفضّلهم على أهل بيت النبي بعد النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فعذّبني اللّه بذلك، وكنت أنت تتولاّهم، وكنت أبغضتك على ذلك وحرمتك مالي فزويته عنك، وأنا اليوم على ذلك من النادمين، فانطلق يا بني إلى جنّتي فاحفر تحت الزيتونة وخذ المال مائة ألف درهم، فادفع

ص: 119


1- الرملة: مدينة بفلسطين، كانت قصبتها وكانت رباطاً للمسلمين وبينها وبين بيت المقدس اثنا عشر ميلا وهي كورة منها.

إلى محمد بن علي (عليهما السلام) خمسين ألفاً والباقي لك، ثم قال: وأنا منطلق حتى آخذ المال وآتيك بمالك، قال أبو عتيبة: فلما كان من قابل سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما فعل الرجل صاحب المال؟ قال: قد أتاني بخمسين ألف درهم، فقضيت منها ديناً كان علي، وابتعت منها أرضاً بناحية خبير، ووصلت منها أهل الحاجة من أهل بيتي(1).

إيّاك أن تعود لمثلها

عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوماً إلى باب أبي جعفر الباقر (عليهما السلام) ، فقرعت الباب، فخرجت إلي وصيفة(2) ناهد، فضربت بيدي إلى رأس ثديها وقلت لها: قولي لمولاك: إنّي بالباب.

فصاح من آخر الدار: أدخل، لا أمّ لك.

فدخلت، وقلت: يا مولاي - واللّه - ما قصدت ريبة، ولا أردت إلا زيادة في يقيني، فقال: صدقت لئن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم، إذن لا فرق بيننا وبينكم! فإيّاك أن تعاود لمثلها(3).

كيف أبوك؟

عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال لرجل من أهل خراسان: كيف أبوك؟

ص: 120


1- إثبات الهداة 4: 115، ح49.
2- قال ابن الأثير: الوصيف العبد، والأمة وصيفة، وجمعها: وضاء ووصائف. النهاية 5: 191 (وصف).
3- الخرائج والجرائح 1: 272، ح2.

قال: صالح.

قال: قد مات أبوك بعدما خرجت، حيث صرت جرجان ثم قال: كيف أخوك؟

قال: تركته صالحاً؟

قال: قد قتله جار له يقال له صالح يوم كذا في ساعة كذا، فبكى الرجل وقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون بما أصبت.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : أُسكن فقد صاروا إلى الجنة والجنة خير لهم ممّا كانوا فيه.

فقال له الرجل: إنّي خلّفت ابني وجعاً شديداً ولم تسألني عنه.

قال: قد برأ وقد زوّجه عمّه ابنته، وأنت تقدم عليه وقد ولد له غلام واسمه علي وهو لنا شيعة، وأمّا ابنك فليس لنا شيعة بل هو لنا عدو.

فقال له الرجل: فهل من حيلة؟

قال: إنه عدو وهو وقيذ(1)(2).

تفاحة من الجنة

عن جابر بن يزيد (رحمه اللّه) ، قال: خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام) وهو يريد الحيرة، فلما أشرفنا على كربلاء قال لي: يا جابر، هذه روضة من رياض الجنة لنا ولشيعتنا، وحفرة من حفر جهنم لأعدائنا.

ثم إنّه قضى ما أراد، ثم التفت إلي وقال: يا جابر. فقلت: لبيك سيدي.

ص: 121


1- الخرائج والجرائح 2: 595، ح6.
2- الوقيذ من الرجال البطيء الثقيل. لسان العرب 3: 519.

قال لي: تأكل شيئاً؟ قلت: نعم سيدي.

قال: فأدخل يده بين الحجارة، فأخرج لي تفاحة لم أشم قط رائحة مثلها، لا تشبه رائحة فاكهة الدنيا، فعلمت أنّها من الجنة، فأكلتها، فعصمتني من الطعام أربعين يوماً، لم آكل ولم أحدث(1).

بوركتم أهل البيت

عن محمد بن مسلم، قال: خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام) ، فإذا نحن بقاع مجدب يتوقّد حرّاً، وهناك عصافير فتطايرن ودرن حول بغلته فزجرها، وقال: لا، ولا كرامة.

قال: ثم صار إلى مقصده، فلما رجعنا من الغد وعدنا إلى القاع، فإذا العصافير قد طارت ودارت حول بغلته ورفرفت، فسمعته يقول: اشربي وأروي، فنظرت وإذا في القاع ضحضاح(2) من الماء، فقلت: يا سيدي، بالأمس منعتها واليوم سقيتها، فقال: اعلم أنّ اليوم خالطها القنابر فسقيتها، ولولا القنابر لما سقيتها، فقلت: يا سيدي، وما الفرق بين القنابر والعصافير؟

فقال: ويحك أمّا العصافير فإنّهم موالي زفر لأنّهم منه، وأمّا القنابر فإنّهم من موالينا - أهل البيت - وأنّهم يقولون في صفيرهم: بوركتم أهل البيت، وبوركت شيعتكم، ولعن اللّه أعداءكم(3).

لقد رأيت عجباً

عن محمد بن مسلم، قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) بين مكة والمدينة

ص: 122


1- دلائل الإمامة: 221، ح145.
2- الضحضاح: الماء اليسير أو القريب القعر.
3- مستدرك الوسائل 16: 124، ح19348.

نسير، أنا على حمار لي، وهو على بغلة له، إذ أقبل ذئب من رأس الجبل حتى انتهى إلى أبي جعفر، فحبس له البغلة حتى دنا منه، فوضع يده على قربوس السرج، ومدّ عنقه إليه وأدنى أبو جعفر أذنه منه ساعة، ثم قال له: امض فقد فعلت.

فرجع مهرولاً. فقلت: جعلت فداك، لقد رأيت عجيباً!

فقال: هل تدري ما قال؟

قلت: اللّه ورسوله وابن رسوله أعلم.

فقال: ذكر أنّ زوجته في هذا الجبل، وقد عسرت عليها ولادتها، فادع اللّه عزّ وجلّ أن يخلّصها، وأن لا يسلّط شيئاً من نسلي على أحد من شيعتكم أهل البيت. فقلت: قد فعلت(1).

اُنظر ولا تخبر به

عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: شكوت إليه الحاجة، فقال: يا جابر، ما عندنا درهم.

قال: فلم ألبث أن دخل الكميت بن زيد الشاعر، فقال له: جعلني اللّه فداك أتأذن لي أن أنشدك قصيدة قلتها فيكم؟

فقال له: هاتها. فأنشده قصيدة أولها: (من لقلب متيّم مستهام)(2).

ولما فرغ منها قال: يا غلام، اُدخل ذلك البيت وأخرج إلى الكميت

ص: 123


1- دلائل الإمامة: 223، ح13.
2- وهي أولى قصائده المعروفة بالهاشميات، ويبلغ عدد أبياتها مائة وثلاثة، انظر شرح هاشمياته لأبي رياش أحمد بن إبراهيم القيسي: 11-42.

بدرّة(1)، وادفعها إليه. فأخرجها ووضعها بين يديه.

فقال له: جعلت فداك، إنّ رأيت أن تأذن لي في أخرى. فقال له: هاتها. فأنشده أخرى، فأمر له ببدرة أخرى، فأخرجت له من البيت.

ثم قال له: الثالثة. فأذن له، فأمر له ببدرة ثالثة، فأخرجت له.

فقال له الكميت: يا سيدي، واللّه ما أنشدك طلباً لعرض من الدنيا، وما أردت بذلك إلا صلة لرسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وما أوجبه اللّه علي من حقّكم.

فدعا له أبو جعفر، ثم قال: يا غلام، ردّ هذه البدر في مكانها. فأخذها الغلام فردّها.

قال جابر: فقلت في نفسي: شكوت إليه الحاجة، فقال: ما عندي شيء، وأمر للكميت بثلاثين ألف درهم!

وخرج الكميت، فقال: يا جابر، قم فادخل ذلك البيت.

قال: فدخلت فلم أجد فيه شيئاً، فخرجت فأخبرته، فقال: يا جابر، ما سترنا عنك أكثر ممّا أظهرناه لك.

ثم قام وأخذ بيدي فأدخلني ذلك البيت وضرب برجله الأرض فإذا شبه عنق البعير قد خرج من ذهب، فقال: يا جابر، انظر إلى هذا ولا تخبر به إلا من تثق به من إخوانك.

يا جابر، إنّ جبرئيل أتى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) غير مرة بمفاتيح خزائن الأرض كنوزها، وخيره من غير أن ينقصه اللّه مما أعد له شيئا، فاختار التواضع لربه

ص: 124


1- البدرة: كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ويقدم في العطايا، ويختلف باختلاف العهود، والغالب أنه عشرة آلاف درهم.

عزّ وجلّ، ونحن نختاره.

يا جابر إنّ اللّه أقدرنا على ما نريد من خزائن الأرض، ولو شئنا أن نسوق الأرض بأزمّتها لَسُقنَاها(1).

ما رأيت رجلاً أعلم منك

عن عطية أخي أبي العوام، قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) في مسجد الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذ أقبل أعرابي على لقوح(2) له، فعقلها ثم دخل، فضرب ببصره يميناً وشمالاً كأنه طائر العقل، فهتف به أبو جعفر فلم يسمعه، فأخذ كفاً من حصا فحصبه(3)، فأقبل الأعرابي حتى نزل بين يديه، فقال له: يا أعرابي من أين أقبلت؟

قال: من أقصى الأرض.

فقال له أبو جعفر: أوسع من ذلك، فمن أين أقبلت؟

قال: من أقصى الدنيا، وما خلفي من شيء، أقبلت من الأحقاف.

قال: أي الأحقاف؟

قال: أحقاف عاد.

قال: يا أعرابي، فما مررت به في طريقك؟

قال: مررت بكذا. فقال أبو جعفر: ومررت بكذا، فقال الأعرابي: نعم، ومررت بكذا.

ص: 125


1- دلائل الإمامة: 224، ح15.
2- اللقوح: الناقة التي تقبل اللقاح، وقيل: الناقة الحلوب.
3- الحصب: الحصی، واحدتها حصبة - كقصبة، وحصبه: رماه بها.

قال أبو جعفر (عليه السلام) : ومررت بكذا؟. فلم يزل الأعرابي يقول: إنّي مررت، ويقول له أبو جعفر: ومررت بكذا، إلى أن قال له أبو جعفر: فمررت بشجرة يقال لها: شجرة الرقاق؟

قال: فوثب الأعرابي على رجليه ثم صفق بيديه، وقال: واللّه، ما رأيت رجلا أعلم بالبلاد منك، أوطأتها؟

قال: لا يا أعرابي، ولكنها عندي في كتاب.

يا أعرابي، إنّ من ورائكم لواد يقال له برهوت تسكنه البوم والهام(1)، تعذب فيه أرواح المشركين إلى يوم القيامة(2).

ص: 126


1- البوم طائر معروف، والهام أنثاه، أو هما اسمان يقعان على طيور الليل عامة، انظر: لسان العرب 12: 61 (بوم)؛ حياة الحيوان 1: 226 و 2: 386.
2- دلائل الإمامة: 229، ح156.

من معاجز الإمام الصادق (عليه السلام)

اشارة

هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

أبوه: الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) .

أمّه: فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وتكنّى أمّ فروة وأمّها أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان يقول: ولدني أبو بكر مرتين(1).

وقد قال الإمام (عليه السلام) في حقّها: كانت أمّي ممّن آمنت واتقت وأحسنت، واللّه يحبّ المحسنين(2).

وعن عبدالأعلى، قال: رأيت أمّ فروة تطوف بالكعبة عليها كساء متنكّرة، فاستلمت الحجر بيدها اليسرى، فقال لها رجل: يا أمة اللّه أخطأت السنّة، فقالت: إنّا لأغنياء عن علمك(3).

وقال المسعودي في إثبات الوصية: وكان أبوها القاسم من ثقات أصحاب علي ابن الحسين (عليهما السلام) ، وكانت من أتقى نساء زمانها، وروت عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أحاديث، منها قوله لها: يا أمّ فروة إنّي لأدعو لمذنبي

ص: 127


1- عمدة الطالب: 176.
2- الكافي 1: 472، ح1.
3- الكافي 1: 428، ح6.

شيعتنا في اليوم والليلة مائة مرة، يعني الاستغفار، لأنا نصبر على ما نعلم، وهم يصبرون على مالا يعلمون(1).

الولادة: ولد الإمام الصادق (عليه السلام) في المدينة المنوّرة يوم الإثنين في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين.

صفته: معتدل أدمي اللون، ربع القامة، أزهر الوجه، حالك الشعر، جعد، أشم(2) الأنف، أنزع رقيق البشرة، على خدّه خال أسود، وعلى جسده خيلان حمرة.

كنيته: أبوعبداللّه، وأبو إسماعيل، وأبو موسى.

لقبه: الصادق، والعاطر، والطاهر، والفاضل، والكافل، والمنجي، والقائم، وأشهرها هو الصادق حيث شاع هذا اللقب وصار بديلاً عن اسمه، وذكر بعض المؤرّخين وجوها لهذا اللقب منها أنّه لقّب بالصادق لصدقه في مقالته، أو لأنه لم يعرف عنه الكذب قط(3).

بوابه: المفضل بن عمر.

نقش خاتمه: اللّه ربّي، عصمني من خلقه، وقيل: ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه استغفر اللّه.

أقام مع جدّه علي بن الحسين (عليه السلام) اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه تسع عشرة سنة، وبعد أبيه أيام إمامته أربعاً وثلاثين سنة.

شاعره: السيد إسماعيل الحميري (رحمه اللّه) الذي كان أبواه ناصبيين، وقد أنكر

ص: 128


1- إثبات الوصية: 154.
2- الأشم: أي الرفيع، وأشم الأنف أي رفيع الأنف.
3- راجع وفيات الأعيان 1: 327؛ والأعلام 1: 126.

الحميري عليهما في بعض أشعاره، وبلغ بهما الأمر أن سعيا به إلى سلطان عصره فأنجاه اللّه بفضل دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) .

وكان لما يسئل: أنّك مع انتسابك إلى قبيلة حمير أنصار معاوية، وكونك من أهل الشام كيف تركت التسنّن واعتنقت التشيع؟

يقول في جوابهم: صبّت عليّ الرحمة صبّا، كما صبت على مؤمن آل فرعون(1).

سمّاه الإمام الصادق (عليه السلام) بالسيد إكراماً له، حيث قال له حينما التقى به: سمّتك أمّك سيّداً ووفّقت في ذلك، فأنت سيد الشعراء، فنظم أبياتاً افتخاراً بذلك قال فيها:

ولقد عجبت لقائل لي مرّة***علاّمة فهم من الفقهاء

سمّاك قومك سيّداً، صدقوا به***أنت الموفّق سيّد الشعراء

ما أنت حين تخصّ آل محمد***بالمدح منك وشاعر بسواء(2)

وعن محمد بن النعمان، قال: دخلت عليه - الحميري - في مرضه بالكوفة، فرأيته وقد أسودّ وجهه وازرقّت عيناه وعطش كبده، فدخلت على الإمام الصادق (عليه السلام) وهو يومئذ بالكوفة راجعاً من عند الخليفة، فقلت له: جعلت فداك إنّي فارقت السيد بن محمد الحميري وهو - لما به - على أسوأ حال من كذا وكذا.

فأمر بالإسراج وركب ومضينا معه حتى دخلنا عليه، وعنده جماعة محدقون به، فقعد الإمام الصادق (عليه السلام) عند رأسه، فقال: ياسيّد، ففتح عينيه

ص: 129


1- مجالس المؤمنين 2: 503.
2- بحار الأنوار 47: 327.

ينظر إليه ولا يطيق الكلام، فحرّك الإمام (عليه السلام) شفتيه، ثم قال له: ياسيّد قل بالحق: يكشف اللّه ما بك ويرحمك ويدخلك جنته التي وعد أوليائه، فقال في ذلك:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر***وأيقنت أنّ اللّه يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت دايناً***به ونهاني سيّد الناس جعفر

وعن الحسين بن علوان، قال: دخلت على السيد إسماعيل الحميري عائداً في علّته التي مات فيها، فوجدته يساق به، وعنده جماعة من جيرانه، وكان جميل الوجه، فبدت في وجهه نكتة سوداء وزادت حتى أطبقت وجهه.

فاغتم من حضر من الشيعة وفرح النواصب، فلم يلبث إلا قليلاً حتى بدت من ذلك المكان لمعة بيضاء حتى أشرق وجهه نوراً، فضحك السيّد وقال:

كذب الزاعمون أنّ علياً***لن ينجي محبّه من هناة

قد وربّي دخلت جنّة عدن***وعفا لي الإله عن سيئاتي

فأبشروا اليوم أولياء علي***وتولّوا علياً حتى الممات

ثم من بعده تولوا بنيه***واحداً بعد واحد بالصفات(1)

من شعره (عليه السلام)

نسب للإمام الصادق (عليه السلام) أنّه أنشد الشعر ومن ذلك:

لو أنّا متنا تركنا***لكان الموت راحة كل شيء

ولكنّا إذا متنا بعثنا***ونسأل بعد ذا عن كل شيء

ص: 130


1- أمالي الشيخ الطوسي: 627، ح1293.

قالوا في الإمام الصادق (عليه السلام)

بلغ مقام الإمام الصادق (عليه السلام) من المنزلة أنّ المخالف والمؤالف أشادوا بمقامه الرفيع وأثنوا عليه، ومنهم:

1- أبو العوجاء، قال: ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا ويتروّح إذا شاء باطناً فهو هذا(1).

2- قال مالك: اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إمّا مصلّ وإمّا صائم وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته يحدث إلا على طهارة(2) وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً علماً وعبادة وورعاً(3).

3- قال المنصور الدوانيقي: إنّ جعفراً كان ممّن قال اللّه فيه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(4)،

وكان ممن اصطفى اللّه وكان من السابقين بالخيرات(5).

4- قال ابو حنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، وكان يقول سلوني قبل تفقدوني فإنه لا يحدثكم بعدي بمثل حديثي(6).

ص: 131


1- الكافي 1: 75، ح2.
2- تهذيب التهذيب 2: 89.
3- النماقب 4: 248.
4- سورة فاطر: 32.
5- تاريخ اليعقوبي 2: 383.
6- الوافي بالوفيات 11: 99.

من معاجزه (عليه السلام)

إبطال سحر السحرة

عن محمد بن سنان قال: وجه المنصور إلى سبعين رجلاً من أهل كابل فدعاهم، فقال لهم: ويحكم أنّكم تزعمون أنّكم ورثتم السحر عن آبائكم أيام موسى (عليه السلام) وأنّكم تفرّقون بين المرء وزوجه، وأنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) ساحر مثلكم، فاعلموا شيئاً من السحر، فإنّكم إن أبهتموه أعطيتكم الجائزة العظيمة والمال الجزيل، فقاموا إلى المجلس الذي فيه المنصور وصوّروا له سبعين صورة من صور السباع لا يأكلون ولا يشربون، وإنّما كانت صور، وجلس كل واحد منهم تحت صورته، وجلس المنصور على سريره ووضع إكليله على رأسه، ثم قال لحاجبه: ابعث إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: فدخل عليه فلما أن نظر إليه وإليهم وبما قد استعدّوا له رفع يده إلى السماء ثم تكلّم بكلام بعضه جهراً وبعضه خفياً، ثم قال: ويحكم أنا الذي أبطل سحركم، ثم نادى برفيع صوته: قسورة خذهم، فوثب كل سبع منها على صاحبه فافترسه في مكانه، ووقع المنصور عن سريره وهو يقول: يا أبا عبد اللّه أقلني فواللّه لا عدت إلى مثلها أبداً، فقال له: قد أقلتك. قال: يا سيدي فردّ السباع إلى ما أكلوا، قال (عليه السلام) : هيهات إن عادت عصا موسى فستعود السباع(1).

آجرت عليك مولاك رفيدا

يقول رفيد مولى يزيد بن عمرو بن هبيرة: سخط علي ابن هبيرة وحلف علي ليقتلني فهربت منه وعذت بأبي عبد اللّه (عليه السلام) فأعلمته خبري، فقال لي:

ص: 132


1- الاختصاص: 368.

انصرف واقرأه منّي السلام وقل له: إنّي قد أجرت عليك مولاك رفيدا فلا تهجه بسوء، فقلت له: جعلت فداك شامي خبيث الرأي.

فقال: اذهب إليه كما أقول لك، فأقبلت، فلما كنت في بعض البوادي استقبلني أعرابي، فقال: أين تذهب إنّي أرى وجه مقتول، ثم قال لي: أخرج يدك، ففعلت، فقال: يد مقتول، ثم قال لي: أبرز رجلك فأبرزت رجلي، فقال: رجل مقتول، ثم قال لي: أبرز جسدك؟

ففعلت، فقال: جسد مقتول، ثم قال لي: أخرج لسانك، ففعلت، فقال لي: امض، فلا بأس عليك فإنّ في لسانك رسالة لو أتيت بها الجبال الرواسي لانقادت لك، قال: فجئت حتى وقفت على باب ابن هبيرة، فاستأذنت، فلما دخلت عليه قال: أتتك بحائن رجلاه يا غلام النطع والسيف، ثم أمر بي فكتفت وشدّ رأسي وقام علي السيّاف ليضرب عنقي، فقلت: أيها الأمير لم تظفر بي عنوة وإنّما جئتك من ذات نفسي وههنا أمر أذكره لك ثم أنت وشأنك، فقال: قل، فقلت: أخلني فأمر من حضر فخرجوا، فقلت له: جعفر بن محمد يقرئك السلام ويقول لك: قد آجرت عليك مولاك رفيداً فلا تهجه بسوء.

فقال: واللّه لقد قال لك جعفر بن محمد هذه المقالة وأقرأني السلام؟!

فحلفت له فردّها علي ثلاثاً ثم حلّ أكتافي، ثم قال: لا يقنعني منك حتى تفعل لي ما فعلت بك، قلت: ما تنطلق يدي بذاك ولا تطيب به نفسي، فقال: واللّه ما يقنعني إلا ذاك، ففعلت به كما فعل بي وأطلقته فناولني خاتمه، وقال: أموري في يدك فدبر فيها ما شئت(1).

ص: 133


1- الكافي 1: 473، ح3.

إحياؤه بقرة

روى المفضل بن عمر، قال: كنت أمشي مع أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) بمكة إذ مررنا بامرأة بين يديها بقرة ميتة، وهي مع صبية لها تبكيان، فقال (عليه السلام) لها: ما شأنك؟

قالت: كنت أنا وصبياني نعيش من هذه البقرة وقد ماتت، لقد تحيّرت في أمري. قال: أفتحبين أن يحييها اللّه لك؟ قالت: أو تسخر منّي مع مصيبتي!؟

قال: كلا ما أردت ذلك، ثم دعا بدعاء، ثم ركضها برجله، وصاح بها، فقامت البقرة مسرعة سوية، فقالت: عيسى بن مريم ورب الكعبة(1).

سيدي ولدي مات

روى جميل بن دراج، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخلت عليه امرأة وذكرت أنّها تركت ابنها وقد قالت بالملحفة على وجهه ميتاً، فقال لها: لعله لم يمت فقومي فاذهبي إلى بيتك فاغتسلي وصلّي ركعتين وادعي وقولي: يامن وهبه لي ولم يك شيئاً جدّد هبته لي ثم حرّكيه ولا تخبري بذلك أحداً، قالت: ففعلت فحركته فإذا هو قد بكى(2).

الفاكهة في غير أوانها

روى داود بن كثير الرقي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فدخل عليه ابنه موسى وهو ينتفض من البرد، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : كيف

ص: 134


1- الخرائج والجرائح 1: 294، ح1.
2- الكافي 3: 479، ح11.

أصبحت؟

قال: أصبحت في كنف اللّه، متقلّبا في رحمة اللّه، أشتهي عنقود عنب جرشي(1) ورمانة خضراء. قال داود: قلت: سبحان اللّه هذا الشتاء!

فقال: يا داود إنّ اللّه قادر على كل شيء، ادخل البستان، فدخلته فإذا شجرة عليها عنقود من عنب جرشي ورمانة خضراء، فقلت: آمنت بسركم وعلانيتكم.

فقطعهما وأخرجهما إلى موسى، فقعد يأكل، فقال: يا داود واللّه لهذا فضل من رزق قديم، خصّ اللّه به مريم بنت عمران من الأفق الأعلى(2).

إحياء الأخ الميّت

قال محمد بن راشد، عن جدّه، قال: قصدت إلى جعفر بن محمد (عليه السلام) أسأله عن مسألة، فقالوا: مات السيد الحميري الشاعر، وهو في جنازته.

فمضيت إلى المقابر فاستفتيته، فأفتاني، فلما أن قمت أخذ بثوبي فجذبه إليه ثم قال: إنّكم معاشر الأحداث تركتم العلم.

فقلت: أنت إمام هذا الزمان؟ قال: نعم.

قلت: فدليل أو علامة؟ قال: سلني عما شئت أخبرك به إن شاء اللّه.

قلت: إنّي أصبت بأخ لي ودفنته في هذه المقابر، فأحيه لي بإذن اللّه.

قال: ما أنت بأهل لذلك، ولكن أخاك كان مؤمناً واسمه عندنا «أحمد».

ودنا من القبر ودعا، قال: فانشق عنه قبره، وخرج إلي - واللّه - وهو يقول: يا

ص: 135


1- جرش: مدينة في اليمن معروفة بخيراتها.
2- الخرائج والجرائح 2: 617، ح16.

أخي اتبعه ولا تفارقه، ثم عاد إلى قبره، واستحلفني على أن لا اُخبر به أحداً(1).

ما دعاك إلى ما صنعت؟

روى عمار السجستاني، قال: كان عبد اللّه النجاشي منقطعاً إلى عبد اللّه بن الحسن يقول بالزيدية فقضى أنّي خرجت وهو إلى مكة فذهب هذا إلى عبد اللّه بن الحسن وجئت أنا إلى أبى عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: فلقيني بعد فقال: استأذن لي على صاحبك، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّه سئلني الاذن له عليك. قال: فقال: ائذن له. قال: فدخل عليه فسأله، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ما دعاك إلى ما صنعت تذكر يوم كذا يوم مررت على باب قوم فسال عليك ميزاب من الدار فسألتهم، فقالوا: إنّه قذر فطرحت نفسك في النهر مع ثيابك وعليك مصبَّغة(2)

فاجتمعوا عليك الصبيان يضحكونك ويضحكون منك، فقال عمار: فالتفت الرجل إلي: فقال ما دعاك أن تخبر بخبري أبا عبد اللّه؟ قال: قلت: لا واللّه ما خبرّته هو ذا قدّامي يسمع كلامي. قال: فلما خرجنا قال لي: يا عمار هذا صاحبي دون غيره(3).

إنّ عدّة الشهور عند اللّه

روى داود بن كثير الرقي، قال: دخلت على أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) بالمدينة، فقال لي: ما الذي أبطأ بك يا داود عنّا؟

فقلت: حاجة عرضت بالكوفة، فقال: من خلّفت بها؟ فقلت: جعلت فداك،

ص: 136


1- الخرائج والجرائح 2: 742، ح60.
2- شدد للكثرة.
3- بصائر الدرجات: 265، ح6.

خلّفت بها عمّك زيداً، تركته راكباً على فرس متقلّداً سيفاً، ينادي بأعلى صوته: سلوني سلوني قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جم، قد عرفت الناسخ من المنسوخ، والمثاني والقرآن العظيم، وإنّي العلم بين اللّه وبينكم، فقال لي: يا داود، لقد ذهبت بك المذاهب، ثم نادى: يا سماعة بن مهران، ائتني بسلّة الرطب، فأتاه بسلّة فيها رطب، فتناول منها رطبة فأكلها واستخرج النواة من فيه فغرسها في الأرض، ففلقت وأنبتت وأطلعت وأغدقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق فشقّها واستخرج منها رقّاً أبيض ففضّه ودفعه إلي، وقال: اقرأه، فقرأته وإذا فيه سطران، السطر الأول: لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه. والثاني: {إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}(1) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي، الخلف الحجّة، ثم قال: ياداود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟

قلت: اللّه أعلم ورسوله وأنتم.

فقال: قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام(2).

سيّدي ماتت أمّي

روى صفوان، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأتاه غلام، فقال: ماتت

ص: 137


1- سورة التوبة: 36.
2- الغيبة للنعماني: 87، ح18.

أمّي. فقال له (عليه السلام) : لم تمت. قال: تركتها مسجّى عليها!

فقام أبو عبد اللّه (عليه السلام) ودخل عليها، فإذا هي قاعدة، فقال لابنها: ادخل إلى أمّك فشهّها من الطعام ما شاءت فأطعمها.

فقال الغلام: يا أمّاه ما تشتهين؟ قالت: أشتهي زبيباً مطبوخاً. فقال له: ائتها بغضارة (1) مملوة زبيباً. فأكلت منها حاجتها، وقال له: قل لها: إنّ ابن رسول اللّه بالباب يأمرك أن توصين. فأوصت، ثم توفّيت.

قال: فما برحنا حتى صلّى عليها أبو عبد اللّه (عليه السلام) ودفنت(2).

تب إلى اللّه عزّ وجلّ

عن أبي كهمس، قال: كنت بالمدينة نازلاً في دار وفيها وصيفة تعجبني، فانصرفت ليلة ممسياً، فاستفتحت الباب، ففتحت لي، فمددت يدي إلى ثدييها فقبضت عليهما.

فلما كان من الغد دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: يا أبا كهمس، تب إلى اللّه عزّ وجلّ ممّا صنعت البارحة(3).

ما فعل أبو حمزة الثمالي؟

عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: ما فعل أبو حمزة الثمالي؟ قلت: خلفته صالحاً.

قال: إذا رجعت فأقرئه السلام، وأعلمه أنّه يموت في شهر كذا، وفي يوم

ص: 138


1- الغضارة: القصعة الكبيرة (فارسية)، جمعها غضائر.
2- الخرائج والجرائح 2: 614، ح13.
3- دلائل الإمامة: 254، ح14.

كذا.

قال أبو بصير: جعلت فداك، واللّه لقد كان فيه أنس، وكان لكم شيعة.

قال: صدقت، ما عند اللّه خير له.

قلت: شيعتكم معكم؟

قال: إذا هو خاف اللّه، وراقب اللّه، وتوقّى الذنوب، فإذا فعل ذلك كان له درجتنا.

قال: فرجعت تلك السنة، فما لبث أبو حمزة إلا يسيراً حتى توفّي رحمه اللّه(1).

أما ترضى أن تكون معنا؟

عن سورة بن كليب، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا سورة، كيف حججت العام؟

قال: قلت: استقرضت حجتي، واللّه إني لأعلم أنّ اللّه تعالى سيقضيها عنّي، وما كان أعظم حجّتي إلا شوقاً إليك، بعد المغفرة، وإلى حديثك.

قال: أمّا حجتك فقد قضاها اللّه من عندي.

ثم رفع مصلّى تحته، فأخرج دنانير، وعدّ عشرين ديناراً، وقال: هذه حجّتك. وعدّ عشرين ديناراً، وقال: هذه معونة لك، تكفيك حتى تموت.

قلت: جعلت فداك، أخبرني، إنّ أجلي قد دنا؟

قال: يا سورة، أما ترضى أن تكون معنا ومع إخوانك فلان وفلان؟! قلت: نعم.

ص: 139


1- دلائل الإمامة: 256، ح19.

قال صندل: فما لبث إلا بقية الشهر حتى مات(1).

أريد علامة على إمامتك

عن أبي بصير، قال: دخلت أبي عبد اللّه (عليه السلام) وأنا أريد أن يعطيني دلالة مثل ما أعطاني أبو جعفر (عليه السلام) .

فلما دخلت عليه، قال: يا أبا محمد، ما كان لك فيما كنت فيه شغل؟!

تدخل على إمامك وأنت جنب؟!

قال: قلت: جعلت فداك، ما فعلت إلا على عمد.

قال: أولم تؤمن؟

قال: قلت: بلى، ولكن ليطمئن قلبي.

قال: قم يا أبا محمد فاغتسل. فاغتسلت وعدت إلى مجلسي، فعلمت عند ذلك أنّه الإمام (عليه السلام) (2).

ص: 140


1- دلائل الإمامة: 257، ح21.
2- مستدرك الوسائل 1: 463، ح1166.

من معاجز الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والده (عليه السلام) : الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) .

والدته: السيدة حميدة البربرية، وهي من أشرف النساء، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في حقّها: حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب، مازالت الأملاك تحرسها حتى اُديت إليّ، كرامة من اللّه لي والحجة من بعدي(1).

ولادته: ولد (عليه السلام) في السابع من شهر صفر المظفّر سنة 128ه- في الأبواء بين المدينة ومكة.

كنيته: أبو الحسن، وأبو إبراهيم، ويُعرف بأبي الحسن الأول.

ألقابه: الصابر، والصالح، والأمين، والزاهر، والوفي، والصابر، والأمين، وأشهرها الكاظم، لقّب به لفرط حلمه، وكظمه الغيظ، وتجاوزه عن المسيئين إليه.

صفته: ذكروا أنّه (عليه السلام) كان أزهر، أسمر غميق، ربع القامة أي متوسطها، كثّ اللحية.

ص: 141


1- الكافي 1: 477، ح2.

نقش خاتمه: الملك لله وحده.

وفي الخبر عن الإمام الرضا (عليه السلام) : وكان نقش خاتم أبي الحسن (عليه السلام) حسبي اللّه، وفيه وردة، وهلال في أعلاه(1).

قالوا فيه (عليه السلام)

1- قال هارون: موسی بن جعفر امام حق(2).

وقال: هذا وارث علم النبيين هذا موسی بن جعفر بن محمد، ان أردت العلم الصحيح فعند هذا(3).

2- قال يحيی بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسی بن جعفر يدعی العبد الصالح من عبادته واجتهاده(4).

3- قال الذهبي: وقد كان موسی من أجود الحكماء، ومن العباد الأتقياء، وله مشهد معروف ببغداد(5).

من معاجزه (عليه السلام)

حيّة تضرب بنابها

عن الأعمش، قال: رأيت كاظم الغيظ (عليه السلام) عند الرشيد وقد خضع له، فقال له عيسى ابن أبان: يا أمير المؤمنين، لم تخضع له؟

ص: 142


1- الكافي 6: 473، ح4.
2- عيون اخبار الرضا (عليه السلام) 1: 91، ح11.
3- الأمالي للصدوق: 376، المجلس الستون، ح1.
4- تهذيب التهذيب 10: 302.
5- ميزان الإعتدال 4: 202.

قال: رأيت من ورائي أفعى تضرب بنابها وتقول: أجبه بالطاعة وإلا بلعتك.

ففزعت منها فأجبته(1).

في حبس هارون

روى غالب بن مرّة ومحمد بن غالب، قالا: كنّا في حبس الرشيد، فأدخل موسى بن جعفر (عليه السلام) ، فأنبع اللّه له عيناً وأنبت له شجرة، فكان يأكل ويشرب ونهنيه، وكان إذا دخل بعض أصحاب الرشيد غابت حتى لا ترى(2).

شجرة مقطوعة

روى الأعمش فقال: رأيت موسى بن جعفر (عليه السلام) وقد أتى شجرة مقطوعة موضوعة فمسها بيده فأورقت، ثم اجتنى منها ثمراً وأطعمني(3).

هذا وقت حاجتك للدراعة

عن علي بن يقطين، قال: كنت واقفاً بين يدي الرشيد إذ جاءته هدايا من ملك الروم، كانت فيها دراعة(4) ديباج مذهبّة سوداء، لم أر شيئا أحسن منها، فنظر إلي وأنا أحد إليها النظر، فقال: يا علي، أعجبتك؟

قلت: إي واللّه يا أمير المؤمنين. قال: خذها. فأخذتها وانصرفت بها إلى منزلي، وشددتها في منديل، ووجهتها إلى المدينة، فمكثت ستة أشهر - أو

ص: 143


1- دلائل الإمامة: 320، ح9.
2- نوادر المعجزات: 327، ح127.
3- إثبات الهداة 4: 272، ح120.
4- الدراعة: جبة مشقوقة المقدّم.

سبعة أشهر - ثم انصرفت يوماً من عند هارون، وقد تغديت بين يديه، فقام إلي خادمي الذي يأخذ ثيابي بمنديل على يديه، وكتاب مختوم، وطينه رطب، فقال: جاء بهذه الساعة رجل، فقال: ادفع هذا إلى مولاك ساعة يدخل. ففضضت الكتاب، فإذا فيه: يا علي، هذا وقت حاجتك إلى الدراعة.

فكشفت طرف المنديل عنها، ودخل علي خادم هارون فقال: أجب أمير المؤمنين. فقلت: أيّ شيء حدث؟ قال: لا أدري، فمضيت ودخلت عليه، وعنده عمر بن بزيع واقفاً بين يديه، فقال: يا علي، ما فعلت الدرّاعة التي وهبتها لك؟

قلت: ما كساني أمير المؤمنين أكثر من ذلك، فعن أيّ دراعة تسألني يا أمير المؤمنين؟

قال: الدراعة الديباج السوداء المذهّبة.

قلت: ما عسى أن يصنع مثلي بمثلها؟! إذا انصرفت من دار أمير المؤمنين دعوت بها فلبستها، وصلّيت بها ركعتين - أو أربع ركعات - ولقد دخل علي الرسول ودعوت بها لأفعل ذلك.

فنظر إلى عمر بن بزيع وقال: أرسل من يجيئني بها. فأرسلت خادمي، فجاءني بها، فلما رآها قال: يا عمر، ما ينبغي لنا أن نقبل قول أحد على علي بعد هذا. وأمر لي بخمسين ألف درهم، فحملتها مع الدراعة، وبعثت بها وبالمال من يومي ذلك(1).

إنه ليعلم متى يموت الرجل

عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت العبد الصالح (عليه السلام) يقول ينعى إلى

ص: 144


1- دلائل الإمامة: 322، ح16.

رجل نفسه، فقلت في نفسي: إنّه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته! فقال شبه المغضب: يا إسحاق، قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا، والإمام أولى ذلك(1).

ماذا فعل أخوك؟

روى علي بن أبي حمزة، فقال: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) إذ أتاه رجل من أهل الري، يقال له (جندب) فسلّم عليه وجلس، فسأله أبو الحسن (عليه السلام) فأحسن السؤال، فقال له: ما فعل أخوك؟ فقال: بخير، جعلت فداك، وهو يقرئك السلام.

قال: يا جندب، أعظم اللّه أجرك في أخيك.

فقال: ورد، واللّه، علي كتابه لثلاثة عشر يوماً بالسلامة. فقال: يا جندب، إنه، واللّه، مات بعد كتابه إليك بيومين، ودفع إلى امرأته مالاً، وقال لها: ليكن هذا عندك، فإذا قدم أخي فادفعيه إليه، وقد أودعته في الأرض، في البيت الذي كان يسكنه، فإذا أنت أتيتها فتلطّف لها، وأطمعها في نفسك، فإنّها ستدفعه إليك.

قال علي بن أبي حمزة: فلقيت جندبا بعد ذلك، فسألته عما كان قال أبو الحسن (عليه السلام) ، فقال: صدق، واللّه، سيدي، ما زاد ولا نقص(2).

هذا كلام أهل الصين

عن إسحاق بن عمار، قال: كنت عنده إذ دخل عليه رجل من أهل

ص: 145


1- بصائر الدرجات 1: 264، ح9.
2- رابع كشف الغمة 2: 241.

خراسان، فكلّمه بكلام لم أسمع قط كلاماً كان أعجب منه، كأنّه كلام الطير، فلما خرج قلت: جعلت فداك، أيّ لسان هذا؟

قال: هذا كلام أهل الصين.

ثم قال: يا إسحاق، ما أوتي العالم من العجب أعجب وأكثر ممّا أوتي من هذا الكلام.

قلت: أيعرف الإمام منطق الطير؟

قال: نعم، ومنطق كل شيء، ومنطق كل ذي روح، وما سقط عليه شيء من الكلام(1).

عصفور يكثر الصياح

روى أحمد بن محمد المعروف بغزال، قال: كنت جالسا مع أبي الحسن (عليه السلام) في حائط له، إذ جاء عصفور فوقع بين يديه، وأخذ يصيح، ويكثر الصياح، ويضطرب، فقال لي: تدري ما يقول هذا العصفور؟

قلت: اللّه ورسوله ووليه أعلم.

فقال: يقول: يا مولاي، إنّ حيّة تريد أن تأكل فراخي في البيت، فقم بنا ندفعها عنه، وعن فراخه.

فقمنا ودخلنا البيت، فإذا حيّة تجول في البيت، فقتلناها(2).

أصبح اليوم رجل له أولاد

روى الحسن بن علي الوشاء، قال: حججت أيام خالي إسماعيل بن

ص: 146


1- دلائل الإمامة: 340، ح40.
2- دلائل الإمامة: 343، ح44.

إلياس، فكتبنا إلى أبي الحسن الأول (عليه السلام) ، فكتب خالي: إنّ لي بنات وليس لي ذكر، وقد قل رجالنا، وقد خلفت امرأتي وهي حامل، فادع اللّه أن يجعله غلاماً، وسمّه.

فوقّع في الكتاب: قد قضى اللّه تبارك وتعالى حاجتك، وسمّه محمداً، فقدمنا الكوفة وقد ولد لي غلام قبل دخول الكوفة بستة أيام، ودخلنا يوم سابعه، قال أبو محمد: فهو واللّه اليوم رجل له أولاد(1).

أتدري أين أنت؟

عن أحمد التبان، قال: كنت نائماً على فراشي، فما أحسست إلا ورجل قد رفسني برجله، فقال لي: يا هذا، ينام شيعة آل محمد؟ فقمت فزعاً، فلما رآني فزعا ضمّني إلى صدره، فالتفت فإذا إنا بأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ، فقال: يا أحمد، توضأ للصلاة.

فتوضأت، وأخذني بيدي، فأخرجني من باب داري، وكان باب الدار مغلقا ً، ما أدري من أين أخرجني! فإذا أنا بناقة معقلة له، فحلّ عقالها وأردفني خلفه، وسار بي غير بعيد، فأنزلني موضعاً فصلّى بي أربعاً وعشرين ركعة. ثم قال: يا أحمد، تدري في أيّ موضع أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، ووليه، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا قبر جدّي الحسين بن علي (عليه السلام) .

ثم سار غير بعيد حتى أتى الكوفة، وإنّ الكلاب والحرس لقيام، ما من كلب ولا حارس يبصر شيئاً، فأدخلني المسجد، وإنّي لأعرفه وأنكره،

ص: 147


1- قرب الإسناد: 332، ح1231.

فصلّى بي سبع عشرة ركعة. ثم قال: يا أحمد، تدري أين أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا مسجد الكوفة، وهذه الطست.

ثم سار غير بعيد وأنزلني، فصلّى بي أربعاً وعشرين ركعة. ثم قال: يا أحمد، أتدري أين أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا قبر جدّي علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

ثم سار بي غير بعيد، فأنزلني، فقال لي: أين أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا قبر الخليل إبراهيم.

ثم سار بي غير بعيد، فأدخلني مكة، وإنّي لأعرف البيت وبئر زمزم وبيت الشراب، فقال لي: يا أحمد، أتدري أين أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذه مكة، وهذا البيت، وهذه زمزم، وهذا بيت الشراب.

ثم سار بي غير بعيد، فأدخلني مسجد النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقبره، فصلّى بي أربعاً وعشرين ركعة. ثم قال لي: أتدري أين أنت؟

قلت: اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا مسجد جدّي رسول اللّه وقبره.

ثم سار بي غير بعيد، فأتى بي الشعب، شعب أبي جبير، فقال: يا أحمد، تريد أريك من دلالات الإمام؟ قلت: نعم.

ص: 148

قال: يا ليل، أدبر. فأدبر الليل عنّا، ثم قال: يا نهار، أقبل. فأقبل النهار إلينا بالنور العظيم، وبالشمس حتى رجعت بيضاء نقية، فصلينا الزوال، ثم قال: يا نهار أدبر، يا ليل أقبل. فأقبل علينا الليل حتى صلّينا المغرب، قال: يا أحمد، أرأيت؟ قلت: حسبي هذا يا بن رسول اللّه.

فسار حتى أتى بي جبلاً محيطاً بالدنيا، ما الدنيا عنده إلا مثل سكرجة(1)، فقال: أتدري أين أنت؟

قلت اللّه، ورسوله، وابن رسوله، أعلم.

قال: هذا جبل محيط بالدنيا. وإذا أنا بقوم عليهم ثياب بيض، فقال: يا أحمد، هؤلاء قوم موسى، فسلّم عليهم. فسلّمت عليهم فردّوا علينا السلام.

قلت: يا بن رسول اللّه، قد نعست.

قال: تريد أن تنام على فراشك؟ قلت: نعم.

فركض برجله ركضة، ثم قال: نم. فإذا أنا في منزلي نائم، وتوضّأت وصلّيت الغداة في منزلي. والحمد لله أولا وآخراً(2).

اذهب فغير اسم ابنتك

روى يعقوب السراج، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد، فجعل يسارّه طويلاً، فجلست حتى فرغ، فقمت إليه، فقال لي: اُدن من مولاك فسلّم، فدنوت فسلمت عليه فردّ علي السلام بلسان فصيح، ثم قال لي:

ص: 149


1- سكرجة: إناء، صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الأدم. لسان العرب 2: 299 سكرج.
2- دلائل الإمامة: 343، ح45.

اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سمّيتها أمس، فإنّه اسم يبغضه اللّه، وكان ولدت لي ابنة سمّيتها بالحميراء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : انته إلى أمره ترشد، فغيّرت اسمها(1).

سيدي بقيت متحيّراً

علي بن أبي حمزة قال: أخذ بيدي موسى بن جعفر (عليهما السلام) يوما، فخرجنا من المدينة إلى الصحراء فإذا نحن برجل مغربي على الطريق يبكي وبين يديه حمار ميت، ورحله مطروح.

فقال له موسى (عليه السلام) : ما شأنك؟ قال: كنت مع رفقائي نريد الحج فمات حماري ها هنا وبقيت وحدي، ومضى أصحابي وقد بقيت متحيّراً ليس لي شيء أحمل عليه.

فقال موسى (عليه السلام) : لعله لم يمت قال: أما ترحمني حتى تلهو بي، قال: إنّ لي رقية جيدة. قال الرجل: ليس يكفيني ما أنا فيه حتى تستهزيء بي؟!

فدنا موسى (عليه السلام) من الحمار ودعا بشيء لم أسمعه، وأخذ قضيباً كان مطروحاً فنخسه به وصاح عليه، فوثب الحمار صحيحاً سليماً.

فقال: يا مغربي ترى ها هنا شيئاً من الاستهزاء: إلحق بأصحابك. ومضينا وتركناه.

قال علي بن أبي حمزة: فكنت واقفاً يوماً على بئر زمزم بمكة، فإذا المغربي هناك فلما رآني عدا إلي وقَبَّلَني فرحا مسرورا، فقلت له: ما حال حمارك؟ فقال: هو واللّه سليم صحيح وما أدري من أين منَّ اللّه به علي

ص: 150


1- الكافي 1: 310، ح11.

فأحيا لي حماري بعد موته؟

فقلت له: قد بلغت حاجتك فلا تسأل عمّا لا تبلغ معرفته(1).

اشتر لي جارية نبوية

روى الإمام الرضا (عليه السلام) قال: قال أبي موسى (عليه السلام) للحسين بن أبي العلا: اشتر لي جارية نوبية. فقال الحسين: أعرف واللّه جارية نوبية نفيسة أحسن ما رأيت من النوبة، فلو لا خصلة لكانت من شأنك.

قال (عليه السلام) : وما تلك الخصلة؟ قال: لا تعرف كلامك وأنت لا تعرف كلامها.

فتبسّم (عليه السلام) ثم قال: اذهب حتى تشتريها.

فلما دخلت بها عليه، قال لها بلغتها: ما اسمك؟ قالت: مؤنسة: قال: أنت لعمري مؤنسة، قد كان لك اسم غير هذا، وقد كان اسمك قبل هذا حبيبة، قالت: صدقت(2).

عيسى بن مريم وربّ الكعبة

روى عبد اللّه بن المغيرة، قال: مرّ العبد الصالح بامرأة بمنى وهي تبكي وصبيانها حولها يبكون، وقد ماتت لها بقرة، فدنا منها ثم قال لها: ما يبكيك يا أمة اللّه؟ قالت: يا عبد اللّه إنّ لنا صبياناً يتامى وكانت لي بقرة معيشتي ومعيشة صبياني كان منها وقد ماتت وبقيت منقطعا بي وبولدي لا حيلة لنا فقال: يا أمة اللّه هل لك أن أحييها لك؟ فالهمت أن قالت: نعم يا عبد اللّه،

ص: 151


1- كشف الغمة 2: 247.
2- إثبات الهداة 4: 259، ح80.

فتنحى وصلّى ركعتين، ثم رفع يده هنيئة وحرّك شفتيه، ثم قام فصوّت بالبقرة فنخسها نخسة أو ضربها برجله، فاستوت على الأرض قائمة، فلما نظرت المرأة إلى البقرة صاحت وقالت: عيسى ابن مريم وربّ الكعبة، فخالط الناس وصار بينهم ومضى (عليه السلام) (1).

ص: 152


1- الكافي 1: 484، ح6.

من معاجز الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

والده: الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) .

والدته: تدعى تُكتم، وفي ذلك يقول الشاعر لدى مدحه للإمام الرضا (عليه السلام) :

ألا أنّ خير الناس نفساً وولداً***ورهطاً وأجداداً علي المعظّم

أتتنا به للعلم والحلم ثامناً***إماماً يؤدّي حجّة اللّه تكتم(1)

وقيل: إنّ إسمها نجمة وكنيتها أمّ البنين، ونُقل أنّ اسمها خيزران وهي أمّ ولد من أهالي نوبة، وقد سمّاها الإمام الكاظم (عليه السلام) بطاهرة(2).

وقد اشتراها الإمام الكاظم (عليه السلام) بأمر من اللّه عزّوجلّ، ففي الخبر أنّه (عليه السلام) لما ابتاعها - أي تكتم - جمع قوماً من أصحابه، ثم قال: واللّه ما اشتريت هذه الجارية إلا بأمر اللّه ووحيه.

فسئل عن ذلك، فقال: بينا أنا نائم إذ أتاني جدّي وأبي، ومعهما شقّة حرير فنشراها، فإذا قميص وفيه صورة هذه الجارية، فقال: يا موسى،

ص: 153


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 15، ح2.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 17، ح3.

ليكونن من هذه الجارية خير أهل الأرض، ثم أمراني إذا ولدته أن أسمّيه علياً، وقالا لي: إنّ اللّه تعالى يظهر به العدل والرأفة والرحمة، طوبى لمن صدّقه، وويل لمن عاداه وجحده وعانده(1).

وكانت بكراً لما اشترتها السيدة حميدة والدة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وإلى ذلك يشير علي بن ميثم قائلاً: سمعت أبي يقول: سمعت أمّي تقول:

كانت نجمة بكراً لما اشترتها حميدة(2).

كما رأت السيدة حميدة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام وهو يقول لها: ياحميدة، هبي نجمة لابنك موسى (عليه السلام) فإنّه سيلد له منها خير أهل الأرض فوهبتها له(3).

الولادة: ولد الإمام الرضا (عليه السلام) في الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148ه- .

كنيته: أبو الحسن، وقد كنّاه بذلك أبوه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث قال لعلي بن يقطين: ياعلي - وأشار إلى الإمام الرضا (عليه السلام) - هذا إبني سيد ولدي وقد نحلته كنيتي(4).

ألقابه: الرضا، والصابر، والزكي، والولي، وأشهر الرضا، وهناك أكثر من وجه لتلقيبه بالرضا منها ما نقل عن أحمد بن أبي نصر البزنطي، قال: قلت

ص: 154


1- دلائل الإمامة: 348، ح1.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 17، ح3.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 17، ح3.
4- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 21، ح2.

لأبي جعفر محمد ابن علي الثاني (عليهما السلام) : إن قوماً من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك (عليه السلام) إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده، فقال (عليه السلام) : كذبوا واللّه وفجروا بل اللّه تعالى سمّاه الرضا لأنه كان (عليه السلام) رضى لله تعالى ذكره في سمائه ورضى لرسوله والأئمة بعده (عليهم السلام) في أرضه.

قال: فقلت له: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضى اللّه تعالى ولرسوله والأئمة بعده؟

فقال بلى: فقلت له: فلم سمّي أباك (عليه السلام) من بينهم الرضا؟

قال: لأنّه رضى به المخالفون من أعدائه، كما رضى اللّه الموافقون من أوليائه ولم يكن ذلك لأحد من آبائه (عليهم السلام) ، فلذلك سمّي من بينهم الرضا (عليه السلام) (1).

صفته: ذهب كثير من المؤرّخين إلى أنّه (عليه السلام) كان أسمر، وقيل: إنّه كان أبيض معتدل القامة، وإنّه شديد الشبه بجدّه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

شاعره: دعبل الخزاعي الشاعر المعروف صاحب التائية الشهيرة، ممّن عاصر الإمام الصادق والكاظم والرضا والجواد (عليهم السلام) ، اشتهر بولائه لأهل البيت (عليهم السلام) والمعاداة لمخالفيهم حتى ذاع عنه أنه كان يقول: إني أحمل خشبتي مذ أربعين سنة ولا أجد من يصلبين عليها(2).

وعن أبي الصلت الهروي، قال: دخل الخزاعي على علي بن موسى الرضا بمرو، فقال: يا بن رسول اللّه، إنّي قلت فيكم أهل البيت قصيدة

ص: 155


1- علل الشرائع 1: 237، ح1.
2- بحار الأنوار 49: 260، ح14.

وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك وأحب أن تسمعها منّي، فقال الإمام الرضا (عليه السلام) : هات قل. فأنشأ يقول:

ذكرت محل الربع من عرفات***فأجريت دمع العين بالعبرات

فكّ عرى صبري وهاجت صبابتي***رسوم ديار أقفرت وعرات

مدارس آيات خلت من تلاوة***ومهبط وحي مقفر العرصات

لآل رسول اللّه بالخيف من منى***وبالبيت والتعريف والجمرات

ديار علي والحسين وجعفر***وحمزة والسجاد ذو الثفنات

ديار لعبد اللّه والفضل صنوه***نجي رسول اللّه في الخلوات

وهي قصيدة طويلة عدّة أبياتها مائة وعشرون بيتاً، يقول دعبل: لما أنشدت مولاي الرضا (عليه السلام) هذه القصيدة وانتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج***يقوم على اسم اللّه والبركات

يميز فينا كل حقّ وباطل***ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الإمام الرضا (عليه السلام) ثم رفع رأسه إليّ وقال: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟

فقلت: لا يا سيدي إلا أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملَؤها عدلاً، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً(1).

ولمّا فرغ دعبل من إنشاد القصيدة نهض الإمام الرضا (عليه السلام) وقال: لا تبرح.

ص: 156


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 266، ح35.

فأنفذ إليه صرّة فيها مائة دينار واعتذر إليه، فردّها دعبل وقال: واللّه ما لهذا جئت وإنّما جئت للسلام عليه والتبرّك بالنظر إلى وجهه الميمون وإنّي لفي غني، فإن رأى أن يعطيني شيئاً من ثيابه للتبرّك فهو أحب إلي.

فأعطاه الإمام (عليه السلام) جبة خزّ عليه الصرّة، وقال للغلام: قل له: خذ هذه الصرة وإنك ستحتاج إليها ولا تراجعين فيها، فأخذها وأخذ الجبّة(1).

بوّابه: محمد بن الفرات.

نقش خاتمه: حسبي اللّه، وقيل: ما شاء اللّه لا حول ولا قوة إلا باللّه.

قالوا في الإمام الرضا (عليه السلام)

1- قال الحافظ الجويني: مظهر خفيات الأسرار، ومبرز خبيات الأمور الكوامن، منبع المكارم والميامن، ومنبع الأعالي الخضارم والأيامن، منيع الجناب، رفيع القباب، وسيع الرحاب، هتون(2) السحاب، عزيز الألطاف، غزير الأكناف، أمير الأشراف، قرّة عين آل ياسين وآل عبد مناف، السيد، الطاهر، المعصوم، والعارف بحقائق العلوم، والواقف على غوامض أسرار السر المكتوم، والمخبر بما هو آت وعمّا غبر ومضى، المرضي عند اللّه سبحانه برضاه عنه في جميع الأحوال، ولذا لقّب بالرضا علي بن موسى، صلوات اللّه على محمد وآله، خصوصاً عليه، ما سحّ سحاب وهمى، وطلع نبات ونما(3).

ص: 157


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 264، ح34.
2- السحاب الهتون: أي ذو مطر متتابع.
3- فرائد السمطين 2: 187.

2- قال الذهبي: الإمام السيد أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي العلوي المدني، ...كان من العلم والدين والسؤدد بمكان. يقال: أفتى وهو شاب في أيام مالك(1).

3- قال الصفدي: وهو أحد الأئمة الاثني عشر، كان سيد بني هاشم في زمانه، وكان المأمون يخضع له ويتغالى فيه، حتى إنّه جعله وليّ عهده من بعده، وكتب إلى الآفاق بذلك(2).

4- قال اليافعي: فيها (أي سنة 203) توفّي الإمام الجليل المعظّم، سلالة السادة الأكارم، أبو الحسن علي بن موسى الكاظم...، أحد الأئمة الاثني عشر، أولي المناقب، الذين انتسبت الإمامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليه(3).

5- قال ابن الصبّاغ المالكي: قال بعض الأئمة من أهل العلم، مناقب علي بن موسى الرضا من أجلّ المناقب، وأمداد فضائله وفواضله متوالية كتوالي الكتائب، وموالاته محمودة البوادي والعواقب، وعجائب أوصافه من غرائب العجائب، وسؤدده ونبله قد حلّ من الشرف في الذروة والمغارب، فلمواليه السعد الطالع، ولمناويه النحس الغارب(4).

6- قال النسّابة ابن عنبة: علي بن موسى الكاظم ويكنّى أبا الحسن ولم

ص: 158


1- سير أعلام النبلاء 9: 388.
2- الوافي بالوفيات 22: 154.
3- مرآة الجنان 1: 10.
4- الفصول المهمة في معرفة الأئمة 2: 1023.

يكن في الطالبيين في عصره مثله، بايع له المأمون بولاية العهد، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم، ... ثم توفّي بطوس ودفن بها(1).

من معاجزه (عليه السلام)

تحويل التبن ذهباً

روى عمارة بن زيد، قال: رأيت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فكلّمته في رجل أن يصله بشيء، فأعطاني مخلاة(2) تبن، فاستحييت أن أراجعه، فلما وصلت باب الرجل فتحتها فإذا كلّها دنانير، فاستغنى الرجل وعقبه. فلما كان من غد أتيته، فقلت: يا بن رسول اللّه، إنّ ذلك التبن تحوّل ذهباً! فقال (عليه السلام) : لهذا دفعناه إليك(3).

قميص ودراهم

يقول الريان بن الصلت: لما أردت الخروج إلى العراق وعزمت على توديع الإمام الرضا (عليه السلام) ، فقلت في نفسي: إذا ودّعته سألته قميصاً من ثياب جسده لأكفّن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم.

فلما ودّعته شغلني البكاء والأسف على فراقه عن مسألة ذلك، فلما خرجت من بين يديه صاح بي: يا ريان ارجع فرجعت، فقال لي: أما تحبّ أن أدفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفّن فيه إذا فنى أجلك؟

أوما تحبّ أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟

ص: 159


1- عمدة الطالب: 179.
2- المخلاة: ما يوضع فيه العلف للدابة.
3- دلائل الإمامة: 362، ح8.

فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك ذلك فمنعني الغم بفراقك، فرفع (عليه السلام) الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إليّ ورفع جانب المصلّى فأخرج دراهم فدفعها إليّ وعددتها فكانت ثلاثين درهما(1).

تسليم الجمادات على الإمام (عليه السلام)

روى سعد بن سلام، فقال: أتيت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وقد حاس(2) الناس فيه وقالوا: لا يصلح للإمامة، فإنّ أباه لم يوص إليه. فقعد منّا عشرة رجال فكلّموه، فسمعت الجماد الذي من تحته يقول: هو إمامي وإمام كل شيء، وإنّه دخل المسجد الذي في المدينة - يعني مدينة أبي جعفر المنصور - فرأيت الحيطان والخشب تكلّمه وتسلّم عليه(3).

أُكتم ما رأيت

قال إبراهيم بن موسى: ألححت على أبى الحسن الرضا في شيء أطلبه منه وكان يعدني، فخرج ذات يوم يستقبل والى المدينة وكنت معه فجاء إلى قرب قصر فلان فنزل في موضع تحت شجرات ونزلت معه أنا وليس معنا ثالث، فقلت: جعلت فداك هذا العبد قد أظلّنا، ولا واللّه ما أملك درهما فيما سواه، فحكّ بسوطه الأرض حكّاً شديداً ثم ضرب بيده فتناول بيده سبيكة ذهب، فقال: انتفع بها واكتم ما رأيت(4).

ص: 160


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 212، ح17.
2- حاس الناس فيه: أي بالغوا في النكاية فيه.
3- دلائل الإمامة: 363، ح9.
4- بصائر الدرجات 1: 375، ح2.

ما علامة الإمام عندكم؟

روى إبراهيم بن سهل، قال: لقيت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وهو على حماره، فقلت له:

من أركبك هذا، وتزعم أكثر شيعتك أنّ أباك لم يوصك ولم يقعدك هذا المقعد، وادّعيت لنفسك ما لم يكن لك؟

فقال لي: وما دلالة الإمام عندك؟

قلت: أن يكلّم بما وراء البيت، وأن يحيي ويميت.

فقال: أنا أفعل، أمّا الذي معك فخمسة دنانير، وأمّا أهلك فإنّها ماتت منذ سنة وقد أحييتها الساعة وأتركها معك سنة أخرى، ثم أقبضها إلي لتعلم أنّي إمام بلا خلاف. فوقعت علي الرعدة، فقال: أخرج روعك فإنّك آمن.

ثم انطلقت إلى منزلي، فإذا بأهلي جالسة، فقلت لها: ما الذي جاء بك؟ فقالت: كنت نائمة إذ أتاني آت، ضخم، شديد السمرة - فوصفت لي صفة الرضا (عليه السلام) - فقال لي: يا هذه، قومي وارجعي إلى زوجك، فإنّك ترزقين بعد الموت ولداً. فرزقت واللّه(1).

لو زادك جدّي لزدتك

عن أبي حبيب البناجي أنه قال: رأيت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في المنام وقد وافى البنّاج ونزل بها في المسجد الذي ينزله الحاج كل سنة وكإنّي مضيت إليه وسلّمت عليه ووقفت بين يديه ووجدت عنده طبقاً من خوص(2) نخل

ص: 161


1- دلائل الإمامة: 364، ح12.
2- الخوص: ورق النخل.

المدينة فيه تمر صيحانّي فكأنّه قبض قبضة من ذلك التمر، فناولني منه فعددته فكان ثمانية عشرة تمرة، فتأولت أنّي أعيش بعدد كل تمرة سنة.

فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة حتى جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وتحته حصير مثل ما كان تحته وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني، فسلّمت عليه فردّ السلام علي واستدناني، فناولني قبضة من ذلك التمر فعددته فإذا عدده مثل ذلك التمر الذي ناولني رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقلت له: زدني منه يا بن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فقال (عليه السلام) : لو زادك رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لزدناك(1).

غلامك اشتهى العنب

روى عمارة بن زيد، فقال: صحبت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إلى مكة ومعي غلام لي، فاعتلّ في الطريق، فاشتهى العنب ونحن في مفازة(2).

فوجّه إليّ الرضا (عليه السلام) ، فقال: إنّ غلامك اشتهى العنب. فنظرت وإذا أنا بكرم لم أر أحسن منه، وأشجار رمان، فقطعت عنباً ورماناً وأتيت به الغلام، فتزوّدنا منه إلى مكة، ورجعت منه إلى بغداد، فحدّثت الليث بن سعد وإبراهيم ابن سعد الجوهري، فأتيا الرضا (عليه السلام) فأخبراه، فقال لهما الرضا (عليه السلام) : وما هي ببعيد منكما، ها هو ذا. فإذا هم ببستان فيه من كل نوع فأكلنا وادّخرنا(3).

ص: 162


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 210، ح15.
2- المفازة: كمغازة: الفلاة لا ماء فيها. لسان العرب 5: 393.
3- دلائل الإمامة: 364، ح13.

قضى اللّه حاجتك

يقول محمد بن عبد الرحمن الهمدانيّ: ركبني دين ضاق به صدري، فقلت في نفسي: ما أجد لقضاء ديني إلّا مولاي الرضا (عليه السلام) ، فصرت إليه، فقال لي: قد قضى اللّه حاجتك، لا يضيقنّ صدرك، ولم أسأله شيئاً حين قال ما قال!

فأقمت عنده وكان صائما، فأمر أن يحمل إليّ طعاماً.

فقلت: أنا صائم وأنا أ ُحبّ أن آكل معك لأتبرّك بأكلي معك.

فلمّا صلّى المغرب جلس في وسط الدار ودعا بالطعام فأكل وأكلت معه، ثمّ قال: تبيت عندنا الليلة أو تقضي حاجتك فتنصرف؟

فقلت: الانصراف بقضاء حاجتي أحبّ إليّ، فضرب بيده الأرض فقبض منها قبضة، وقال: خذ هذا فجعلته في كمّي فإذا هو دنانير!

فانصرفت إلى منزلي فدنوت من المصباح لأعدّ الدنانير، فوقع في يدي دينار فنظرت فاذا عليه مكتوب:هي خمسمائة دينار نصفها لدينك والنصف الآخر لنفقتك.

فلمّا رأيت ذلك لم أعدّها، فألقيت الدينار فيها، فلمّا أصبحت طلبت الدينار فلم أجده في الدنانير وقد قلّبتها عشر مرّات وكانت خمسمائة دينار!(1)

لحومنا محرّمة على السباع

ذكر أبو عبد اللّه الحافظ النيسابوريّ في كتابه الموسوم «بالمفاخر»

ص: 163


1- الخرائج والجرائح 1: 339، ح3.

ونسب إلى جدّه الرضا (عليه السلام) أنّه قال: دخلت على المأمون وعنده زينب الكذّابة، وكانت تزعم أنّها زينب بنت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وأنّ عليّا (عليه السلام) قد دعا لها بالبقاء إلى يوم القيامة.

فقال المأمون للإمام الرضا (عليه السلام) : سلّم على اختك.

فقال الإمام (عليه السلام) : واللّه ما هي بأختي ولا ولدها عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) .

فقالت زينب: ما هو أخي ولا ولّده عليّ بن أبي طالب.

فقال المأمون للإمام الرضا (عليه السلام) : ما مصداق قولك هذا؟

فقال الإمام الرضا (عليه السلام) : إنّا أهل بيت لحومنا محرّمة على السباع، فاطرحها إلى السباع، فإن تك صادقة فإنّ السباع تعفى لحمها.

قالت زينب: ابتدئ بالشيخ، قال المأمون: لقد انصفت، فقال (عليه السلام) له: أجل، ففتحت بركة السباع، فنزل الإمام الرضا (عليه السلام) إليها، فلمّا رأته بصبصت وأومأت إليه بالسجود، فصلّى فيما بينها ركعتين وخرج منها.

فأمر المأمون زينب أن تنزل، فأبت وطرحت للسباع فأكلتها.

وقد علّق ابن حمزة رضوان اللّه عليه على الحديث، فقال - : إنّي وجدت في تمام هذه الرواية: أنّ بين السباع كان سبعاً ضعيفاً ومريضاً فهمهم شيئاً في اُذنه، فأشار (عليه السلام) إلى أعظم السباع بشيء فوضع رأسه له.

فلمّا خرج قيل له: ما قلت لذلك السبع الضعيف؟ وما قلت للآخر؟

قال (عليه السلام) : إنّه شكى إليّ وقال: إنّي ضعيف، فإذا طرح علينا فريسة لم أقدر على مؤاكلتها، فأشر إلى الكبير بأمري، فأشرت إليه فقبل.

قال: فذبحت بقرة واُلقيت إلى السباع، فجاء الأسد ووقف عليها ومنع

ص: 164

السباع أن تأكلها حتى شبع الضعيف، ثمّ ترك السباع حتى أكلوها(1).

لاتؤخّر صلاتك وادفع الزكاة

روى أبو حامد السندي بن محمد، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أسأله دعاء، فدعا لي، وقال: لا تؤخّر صلاة العصر، ولا تحبس الزكاة.

قال أبو حامد: وما كتبت إليه بشيء من هذا، ولم يطلع عليه أحد إلا اللّه.

قال أبو حامد: وكنت أصلّي العصر في آخر وقتها، وكنت أدفع الزكاة بتأخير الدارهم من أقل وأكثر، بعد ما تحل، فابتدأني بهذا(2).

ص: 165


1- الثاقب في المناقب: 546، ح488.
2- دلائل الإمامة: 370، ح24.

من معاجز الإمام الجواد (عليه السلام)

اشارة

هو الإمام محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

والده: الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) .

والدته: أم ولد يقال لها سبيكة النبوية، وقيل: المريسية وهي قرية في مصر، وقد وصفها رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بخيرة الإماء، فقال: بأبي ابن خيرة الإماء، ابن النبوية(1).

وقد أبلغها الإمام الكاظم (عليه السلام) سلامه، فقال ليزيد بن سليط عندما التقى به طريق مكة وهم يريدون العمرة: إنّي أؤخذ في هذه السنة والأمر هو إلى ابني علي، سمّي علي وعلي: فأمّا علي الأول فعلي بن أبي طالب، وأمّا الآخر فعلي بن الحسين (عليهما السلام) ، أ ُعطي فهم الأول وحلمه ونصره وودّه ودينه ومحنته، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له أن يتكلّم إلا بعد موت هارون بأربع سنين.

ثم قال لي: يا يزيد وإذا مررت بهذا الموضع ولقيته وستلقاه فبشره أنّه سيولد له غلام، أمين، مأمون، مبارك وسيعلمك أنّك قد لقيتني فأخبره عند

ص: 166


1- الكافي 2: 323، ح14.

ذلك أنّ الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية جارية رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أ ُمّ إبراهيم، فإن قدرت أن تبلغها منّي السلام فافعل ذلك(1).

الولادة: ولد (عليه السلام) في العاشر من شهر رجب الأصب.

ألقابه: الجواد، القانع، المرتضى، وأشهرها الجواد.

كنيته: أبو جعفر وهي كنية جدّه الإمام الباقر (عليه السلام) ، وربما قيل له أبو جعفر الثاني.

صفته: أبيض معتدل القامة.

شعراؤه: حمّاد، وداود بن القاسم الجعفري.

من شعره (عليه السلام)

نُسب للإمام الجواد (عليه السلام) أنّه أنشد الشعر ومن ذلك:

يا قبر طوس سقاك اللّه رحمته***ماذا ضمنت من الخيرات يا طوس

طابت بقاعك في الدنيا وطاب بها***شخص ثوى بسناآباد مرموس

شخص عزيز على الإسلام مصرعه***في رحمة اللّه مغمور ومغموس

يا قبره أنت قبر قد تضمنه***حلم وعلم وتطهير وتقديس

فخرا بأنّك مغبوط بجثته***وبالملائكة الأطهار محروس

في كل عصر لنا منكم إمام هدى***فربعه آهل منكم ومأنوس

أمست نجوم سماء الدين آفلة***وظل أسد الشرى قد ضمّها الخيس

غابت ثمانية منكم وأربعة***ترجى مطالعها ما حنت العيس

حتى متى يزهر الحق المنير بكم***فالحق في غيركم داج ومطموس(2)

ص: 167


1- الكافي 1: 315، ح14.
2- بحار الأنوار 99: 54، ح11.

بوّابه: عمر بن الفرات، وعثمان بن سعيد السمّان.

نقش خاتمه: نعم القادر اللّه، ومن كثرت شهواته دامت حسراته، وقيل: المهيمن عضدي.

البشارة به (عليه السلام)

قبل أن يطلّ الإمام الجواد (عليه السلام) بمحيّاه المبارك على الدنيا بشّر به رسول اللّه (عليهما السلام) ، فقال: وإنّ اللّه عزّ وجلّ ركب في صلبه - أي في صلب الإمام الرضا (عليه السلام) - نطفة مباركة، طيّبة، زكية، رضية مرضية. وسمّاها محمد بن علي، فهو شفيع شيعته، ووارث علم جدّه، له علامة بينة وحجة ظاهرة(1).

كما بشّر به جدّه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث قال ليزيد بن سليط الزيدي: يا يزيد! وإذا مررت بهذا الموضع ولقيته - أي الإمام الرضا (عليه السلام) وستلقاه، فبشّره: أنه سيولد له غلام، أمين، مأمون، مبارك(2).

أمّا بشارة الإمام الرضا (عليه السلام) فلما خاطب عبدالرحمن بن أبي نجران قائلاً: إنّي أشهد اللّه أنّه لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني اللّه ولداً منّي.

قال عبد الرحمان بن أبي نجران: فعددنا الشهور من الوقت الذي قال، فوهب اللّه له أبا جعفر (عليه السلام) في أقل من سنة(3).

قالوا فيه (عليه السلام)

1- قال محمد بن طلحة الشافعي في حقّه: كان صغير السن، فهو كبير

ص: 168


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 62، ح29.
2- الكافي 1: 315، ح14.
3- إعلام الورى بأعلام الهدى 2: 57.

القدر، رفيع الذكر(1).

2- قال السبط ابن الجوزي: وكان على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود(2).

3- قال ابن حجر الهيثمي: أجلّهم - أي أبناء الإمام الرضا (عليه السلام) - أبا محمد الجواد لكنّه لم تطل حياته(3).

4- قال ابن خلكان: أبو جعفر محمد بن علي الرضا ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر... المعروف بالجواد أحد الأئمة الأثني عشر(4).

5- قال الشيخ محمود الشيخاني: وكان محمد الجواد جليل القدر عظيم المنزلة... قالوا: إنّ كراماته ومكاشفاته كثيرة لاتحمله الدفاتر، ومن كمال علمه أنه غلب في طفوليته قاضي المأمون وهو يحيى بن أكثم(5).

من معاجزه (عليه السلام)

النجاة من السجن

يقول علي بن خالد: كنت بالعسكر فبلغني أنّ هناك رجلاً محبوساً أتي به من ناحية الشام مكبولاً، فقالوا: إنه تنبؤ حق.

ص: 169


1- مطالب السؤول: 303.
2- تذكرة الخواص: 321.
3- الصواعق المحرقة: 123.
4- وفيات الأعيان 4: 175.
5- الصراط السوي: 402.

قال: فأتيت الباب واستأذنت البواب حتى وصلت إليه فإذا رجل له فهم وعقل، فقلت له: يا هذا ما قصّتك؟

قال: إنّي كنت رجلاً بالشام أعبد اللّه تعالى في الموضع الذي يقال إنّه نصب فيه رأس الحسين (عليه السلام) ، فبينما أنا ذات ليلة مقبل على المحراب أذكر اللّه تعالى إذ رأيت شخصاً بين يدي، فنظرت إليه، فقال لي: قم فقمت معه، فمشى بي قليلاً فإذا أنا في مسجد الكوفة، فقال لي: تعرف هذا المسجد؟

فقلت: نعم، هذا مسجد الكوفة.

قال: فصلّى وصلّيت معه، ثم خرج وخرجت معه، ومشى بي قليلاً، فإذا أنا بمكة، فطاف بالبيت فطفت معه، ثم خرج فمشى قليلاً، فإذا أنا بالموضع الذي كنت أعبد اللّه فيه بالشام، وغاب الشخص عن عيني، فبقيت متعجّباً متهوّلاً ممّا رأيت.

فلما كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به، ودعانّي فأجبته، ففعل كما فعل في العام الماضي، فلما أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بالذي أقدرك على ما رأيت منك إلا أخبرتني من أنت؟

فأطرق طويلاً ثم نظر إلي وقال: أنا محمد بن علي بن موسى، وتراقي الخبر إلى محمد بن عبد الملك الزيات فبعث إلي وكبّلني في الحديد، وحملني إلى العراق وحبست كما ترى وادعى علي المحال، فقلت له: فارفع قصتك إلى محمد بن عبد الملك؟

فقال: إفعل. فكتبت عنه قصة شرحت أمره فيها، ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة

ص: 170

ومن الكوفة إلى المدينة ومنها إلى مكة ومنها إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا.

قال علي بن خالد: فغمّني ذلك من أمره، ورققت له، وانصرفت محزوناًعليه، فلما كان من الغد باكرت الحبس لأعلمه بالحال وآمره بالصبر والرضى فوجدت الجند وأصحاب الحرس وصاحب السجن وخلقاً عظيماً من الناس يهرعون، فسألت عن حالهم، فقيل لي: المحمول من الشام المتنبيء افتقد البارحة فلا يدرى أخسفت به الأرض، أم اختطفه الطير، وكان علي بن خالد زيدياً فقال بالإمامة لما رأى ذلك وحسن اعتقاده(1).

أشككت فيما قلت لك؟

روى إبراهيم بن سعد: كنت جالسا عند محمد بن علي (عليه السلام) إذ مرّت بنا فرس أنثى، فقال: هذه تلد الليلة فلوا(2) أبيض الناصية، في وجهه غرّة.

فاستأذنته ثم انصرفت مع صاحبها، فلم أزل أحدّثه إلى الليل حتى أتت الفرس بفلو كما وصف ما فيه.

وعدت إليه، فقال: يا بن سعد، شككت فيما قلت لك بالأمس؟ إنّ التي في منزلك حبلى تأتيك بابن أعور. فولد لي محمد وكان أعور(3).

بل عباد مكرمون

عن أحمد بن محمّد الحضرمي، قال: حجّ أبو جعفر (عليه السلام) ، فلمّا نزل

ص: 171


1- الثابت في المناقب: 511، ح436.
2- الفلو: بضم أوله وكسره، المهر.
3- دلائل الإمامة: 398، ح3.

زبالة(1) فإذا هو بامرأة ضعيفة تبكي على بقرة مطروحة على قارعة الطريق، فسألها عن علّة بكائها، فقامت المرأة إلى أبي جعفر (عليه السلام) وقالت: يا ابن رسول اللّه إنّي امرأة ضعيفة لا أقدر على شيء وكانت هذه البقرة كلّ مال أملكه.

فقال لها أبو جعفر (عليه السلام) : إنّ أحياها اللّه تبارك وتعالى لك ما تفعلين؟ قالت: يا ابن رسول اللّه لأجدّدن للّه شكرا، فصلّى أبو جعفر (عليه السلام) ركعتين ودعا بدعوات، ثمّ ركض برجله البقرة فقامت البقرة وصاحت المرأة عيسى بن مريم، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : لا تقولي هذا بل نحن عباد مكرمون، أوصياء الأنبياء(2).

يا أبا الصلت ضاق صدرك؟

عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهرويّ قال: أمر المأمون بحبسي ودفن الرضا (عليه السلام) فحبست، سنة فضاق عليّ الحبس، وسهرت الليلة ودعوت اللّه تبارك وتعالى بدعاء ذكرت فيه محمداً وآل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وسألت اللّه تعالى بحقّهم أن يفرّج عنّي فلم استتم الدعاءحتّى دخل عليّ أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) .

فقال لي: يا أبا الصلت ضاق صدرك؟

فقلت: إي واللّه.

قال: قم فأخرج، ثم ضرب بيده إلى القيود التي كانت عليّ، ففكّها،

ص: 172


1- زبالة: موضع في طريق الكوفة إلی مكة، وهي قرية عامرة. معجم البلدان 3: 129.
2- الثاقب في المناقب: 503، ح431.

وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمان يرونني، فلم يستطيعوا أن يكلّموني، وخرجت من باب الدار.

ثمّ قال لي: امض في ودائع اللّه تعالى فإنّك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبداً.

فقال أبو الصلت: فلم ألتق إلى المأمون إلى هذا الوقت(1).

أوصيك بأهلي خيراً

عن أبي محمّد الفحّام، قال: حدّثني المنصوريّ، عن عمّ أبيه. وحدّثني عمّي، عن كافور الخادم بهذا الحديث، قال: كان في الموضع مجاور الإمام (عليه السلام) من أهل الصنائع صنوف من الناس، وكان الموضع كالقرية، وكان يونس النقّاش يغشي سيّدنا الإمام ويخدمه، فجاءه يوماً يرعد، فقال له: يا سيّدي أوصيك بأهلي خيراً، قال: وما الخبر؟ قال: عزمت على الرحيل. قال: ولم يا يونس؟ وهو (عليه السلام) يتبسّم قال: قال يونس: ابن بغا وجّه إليّ بفصّ ليس له قيمة، أقبلت أنقشه فكسرته باثنين وموعده غداً - وهو موسى بن بغا - إمّا ألف سوط أو القتل.

قال: امض إلى منزلك، إلى غد فرج، فما يكون إلّا خيراً، فلمّا كان من الغد وافى بكرة يرعد، فقال: قد جاء الرّسول يلتمس الفصّ. قال: امض إليه فما ترى إلّا خيراً. قال: وما أقول له يا سيّدي؟ قال: فتبسّم وقال: امض إليه واسمع ما يخبرك به، فلن يكون إلا خيراً.

قال: فمضى وعاد يضحك. قال: قال لي: يا سيّدي الجواري اختصمن، فيمكنك أن تجعله فصّين حتّى نغنيك؟ فقال سيّدنا الإمام: اللّهمّ لك الحمد

ص: 173


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 245، ح1.

إذ جعلتنا ممّن يحمدك حقّا، فأيش قلت له؟ قال: قلت له: أمهلني حتّى أتأمّل أمره كيف أعمله. فقال: أصبت(1).

هكذوا يقضون الدين

روى أحمد بن سعيد، قال: قال لي منخل بن علي: لقيت محمد بن علي (عليه السلام) بسرّ من رأى فسألته النفقة إلى بيت المقدس فأعطاني مائة دينار ثم قال لي: أغمض عينيك. فغمضتهما، ثم قال: افتح. فإذا أنا ببيت المقدس تحت القبّة، فتحيّرت في ذلك(2).

اتسع بهذا واكتم

عن أبي هاشم، قال: خرجت مع أبي الحسن (عليه السلام) إلى ظاهر سرّ من رأى نتلقّى بعض الطالبيّين، فأبطأ حرسه، فطرح لأبي الحسن (عليه السلام) غاشية السرج، فجلس عليها، ونزلت عن دابّتي وجلست بين يديه وهو يحدّثني، وشكوت إليه قصوريدي: فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالساً، فناولي منه أكفّا وقال: اتّسع بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت، فخبأته معي فرجعنا فأبصرته، فإذا هو يتّقد كالنيران ذهباً أحمر.

فدعوت صائغاً إلى منزلي وقلت له: اسبك لي هذا، فسبكه وقال: ما رأيت ذهباً أجود منه وهو كهيئة الرمل، فمن أين لك هذا؟ فما رأيت أعجب منه؟ قلت: هذا شيء عندنا قديماً تدّخره لنا عجائزنا على طول الأيّام(3).

ص: 174


1- أمالي الشيخ الطوسي: 288، المجلس الحادي عشر، ح559.
2- دلائل الإمامة: 399، ح11.
3- إثبات الهداة 4: 429، ح31.

قوم بهم يشفى المريض

نقل أحمد بن عليّ، فقال: دعانا عيسى بن أحمد القمّي لي ولأبي - وكان أعرج - فقال لنا: أدخلني ابن عمّي أحمد بن إسحاق عليّ بن الحسن، فرأيته وكلّمه بكلام لم أفهمه، فقال له: جعلني اللّه فداك هذا ابن عمّي عيسى بن أحمد، وبه بياض في ذراعه وشيء قد تكتل كأمثال الجوز، قال: فقال لي: تقدّم يا عيسى، فتقدّمت، فقال لي: أخرج ذراعك، فأخرجت ذراعي، فمسح عليها وتكلّم بكلام خفيّ طول فيه، ثمّ قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ التفت إلى أحمد بن إسحاق، فقال: يا أحمد بن إسحاق كان عليّ بن موسى يقول: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى الاسم الأعظم من بياض العين إلى سوادها، ثمّ قال: يا عيسى، قلت: لبّيك، قال: ادخل يدك في كمّك ثمّ أخرجها فأدخلها ثمّ أخرجها، وليس في يده قليل ولا كثير(1).

خبز شعير في حرم جدّي

عن الحسين المكاري، قال: دخلت على أبي جعفر ببغداد وهو على ما كان من أمره، فقلت في نفسي: هذا الرجل لا يرجع إلى موطنه أبداً، وأنا أعرف مطعمه.

قال: فأطرق رأسه، ثم رفعه وقد اصفر لونه، فقال: يا حسين خبز شعير، وملح جريش في حرم جدّي رسول اللّه أحبّ إليّ ممّا تراني فيه(2).

ص: 175


1- دلائل الإمامة: 420، ح16.
2- الخرائج والجرائح 1: 383، ح11.

من معاجز الإمام الهادي (عليه السلام)

اشارة

هو علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

الولادة: ولد (عليه السلام) في منتصف ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة ومئتين في ضاحية من ضواحي المدينة في موضع يقال له صريا.

والده: الإمام محمد الجواد (عليه السلام) .

والدته: هي سمانة المغربية، وكانت تعرف بالسيدة، وهي من أهل الجنة، وكانت تصوم السنة كاملة، وكانت كنيتها أُمّ الفضل(1).

وقد تولّى الإمام الجواد (عليه السلام) تربيتها وتهذيبها، بحيث بلغت من المرتبة أنّها لايقربها شيطان مارد، ففي الخبر عن الإمام الهادي (عليه السلام) قال: أمّي عارفة بحقّي وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة(2) بعين اللّه التي لا تنام، ولا تختلف عن أمّهات الصدّيقين والصالحين(3).

كنيته: أبو الحسن، ويقال له أيضاً: أبو الحسن الثالث.

ص: 176


1- بحار الأنوار 50: 114.
2- أي محفوظة.
3- دلائل الإمامة: 410، ح2.

ألقابه: الهادي، والمتوكل، والناصح، والمتقي، والمرتضى، والفقيه، والأمين، والطيّب، وأشهرها الهادي والمتوكل، ولكنّه (عليه السلام) كان يأمر أصحابه أن يعرضوا عن تلقيبه به لكونه آنذاك لقباً لجعفر المتوكل ابن المعتصم.

صفته: أسمر اللون، معتدل القامة، فيه نداوة، أبيض الوجه مشرباً حمرة، خفيف بروز الخدين، واسع العينين، أزج الحاجبين، بشوش الوجه.

وكان له هيبة عظيمة، يقول محمد بن الحسن الأشتر العلوي: كنت مع أبي على باب المتوكل وأنا صبي في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي وجعفري، ونحن وقوف إذ جاء أبو الحسن الهادي (عليه السلام) ، فترجّل الناس كلّهم حتى دخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجّل لهذا الغلام، وماهو بأشرفنا ولا بأكبرنا سناً؟

واللّه لا ترجلنا له.

فقال أبو هاشم الجعفري: واللّه لتترجلّن له صغرة إذا رأيتموه، فما هو إلا أن أقبل وبصروا به حتى ترجّل له الناس كلّهم، فقال لهم أبو هاشم: ألستم زعمتم أنّكم لا تترجّلون له؟

فقالوا له: واللّه ما ملكنا أنفسنا حتى ترجّلنا(1).

شاعره: العوفي والديلمي.

من أشعاره (عليه السلام)

نسب للإمام الهادي (عليه السلام) أنه أنشد في أكثر من موضع الشعر ومنها:

باتوا على قلل الجبال تحرسهم***غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

ص: 177


1- إثبات الهداة 4: 430، ح32.

واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم***وأسكنوا حفراً يا بئسما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ذفنهم***أين الأساور والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت مُنعِّمَةً***من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم***تلك الوجوه عليها الدود تقتتل

بوّابه: عثمان بن سعيد.

نقش خاتمه: اللّه ربي وهو عصمتي من خلقه.

قالوا في الإمام الهادي (عليه السلام)

ذُكرت في الإمام الهادي (عليه السلام) العديد من الكلمات منها:

1- ما نقله صاحب كشف الغمة، قال: قال بعض أهل العلم: شرف أبي الحسن علي بن محمد الهادي، قد ضرب على المجرّة قبابه، ومدّ على النجوم أطنابه، فما تعد منقبة إلا وله نخيلتها، ولا تذكر كريمة إلا وله فضيلتها، ولا تورد حسنة إلا وله تفصيلها وجملتها، ولا تستعظم حالة سنية إلا وتظهر عليه أدلتها، استحق ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرّد بخصائصه، ومجد حكم فيه على طبعه الكريم فحفظه من الشوب حفظة الراعي لقلائصه(1)، فكانت نفسه مهذّبه، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته عادلة، وخلاله فاضلة، ومبارّه إلى العفاة(2) واصلة، ورباع العرف بوجوده وجودة أهلة، جرى من الوقار والسكينة والطمأنينة والعفّة والنزاهة والخمول في النباهة...، على وتيرة نبوية وشنشنة علوية، ونفس قدسية، لا يقاربها أحد من

ص: 178


1- القلائص، جمع قلوص: وهي الفتية من الإبل.
2- العفاة: المساكين.

الأنام، ولا يدانيها، وطريقة لا يشاركه فيها خلق، ولا يطمع فيها(1).

2- قال الشبلنجي: ومناجاته (رضي اللّه عنه) كثيرة، قال في الصواعق: كان أبو الحسن العسكري وارث أبيه علماً وسخاءاً(2).

3- قال الشيخاني: وكان علي العسكري صاحب وقار وسكون وهيبة وطمأنينة، وعفّة ونزاهة وكانت نفسه زكية وهمّته عليّة وطريقته حسنة مرضية رضي اللّه تعالى عنه وعن سلفه وخلفه(3).

من معاجزه (عليه السلام)

الإخبار عن جُمجمة مغمورة

عن المنتصر بن المتوكل قال: زرع والدي الآس(4) في بستان وأكثر منه، فلما استوى الآس كلّه وحسن، أمر الفراشين أن يفرشوا له على دكان في وسط البستان وأنا قائم على رأسه، فرفع رأسه، إليّ وقال: يا رافضي، سل ربك الأسود عن هذا الأصل الأصفر ماله من بين ما بقي من هذا البستان قد اصفرّ، فإنّك تزعم أنّه يعلم الغيب؟

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه ليس يعلم الغيب، فأصبحت وغدوت إلى أبي الحسن (عليه السلام) من الغد وأخبرته بالأمر، فقال: يا بني، امض أنت واحفر

ص: 179


1- كشف الغمة 2: 399.
2- الصواعق المحرقة: 207.
3- قادتنا كيف نعرفهم 4: 325.
4- الآس: شجر عطر الرائحة، وهو بأرض العرب كثير، ينبت في السهل والجبل، وخضرته دائمة أبداً ويسمو حتی يكون شجراً عظيماً، واحدته: آسة. لسان العرب 6: 19.

الأصل الأصفر فإنّ تحته جمجمة نخرة، واصفراره لبخارها ونتنها.

قال: ففعلت ذلك فوجدته كما قال (عليه السلام) ، ثم قال لي: يا بني لا تخبرن أحداً بهذا الأمر إلا لمن يحدّثك بمثله(1).

خذ عدوّ اللّه

عن زرّافة حاجب المتوكّل أنّه قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلى المتوكّل يلعب لعب الحقّة(2) لم ير مثله، وكان المتوكّل لعّاباً، فأراد أن يخجل الإمام عليّ بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) ، فقال لذلك الرجل: إن أنت أخجلته أعطيتك ألف دينار زكيّة، قال: تقدّم بأن يخبز رقاق خفاف، واجعلها على المائدة وأقعدني إلى جنبه، ففعل وأحضر عليّ بن محمّد (عليه السلام) للطعام وجعلت له مسورة(3) عن يساره، وكان عليها صورة أسد وجلس اللاعب إلى جانب المسورة.

فمدّ عليّ بن محمّد (عليهما السلام) يده إلى رقاقة فطيّرها ذلك الرجل في الهواء، ومدّ يده إلى أخرى فطيّرها ذلك في الهواء، ومدّ إلى أ ُخرى ثالثة فطيّرها فتضاحك الجميع، فضرب عليّ بن محمّد (عليهما السلام) يده على تلك الصورة التي في المسورة وقال: خذ عدوّ اللّه، فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتعلت الرجل، وعادت في المسورة كما كانت، فتحيّر الجميع، ونهض عليّ بن محمّد (عليه السلام) يمضي.

ص: 180


1- مدينة المعاجز 7: 494، ح66.
2- الحقّ والحقّة (بالضمّ): الوعاء من الخشب وغيره، وكان المشعبذين يلعبون بالحقّة نحوا من اللّعب.
3- المسور والمسورة: متّكأ من جلد.

فقال له المتوكّل: سألتك إلّا جلست ورددته، فقال: واللّه لا يرى بعدها، أ تسلّط أعداء اللّه على أولياء اللّه؟! وخرج من عنده فلم ير الرّجل بعد ذلك(1).

الإطلاع على الضمائر

حدّث جماعة من أهل إصفهان، منهم أبو العباس أحمد بن النصر وأبو جعفر محمد بن علوية، قالوا: كان بأصفهان رجل يقال له: عبد الرحمان وكان شيعياً، قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة علي النقي دون غيره من أهل الزمان؟

قال: شاهدت ما أوجب ذلك علي وذلك إنّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل إصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلمين، فكنّا بباب المتوكل يوماً إذ خرج الأمر بإحضار علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر بإحضاره؟

فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قيل: ويقدّر أنّ المتوكل يحضره للقتل، فقلت: لا أبرح من ههنا حتى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو؟

قال: فأقبل راكباً على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرته صفّين ينظرون إليه، فلما رأيته وقع حبّه في قلبي فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأنا دائم الدعاء له، فلما صار بإزائي أقبل إليّ بوجهه، وقال: استجاب اللّه دعاءك، وطوّل عمرك، وكثر مالك وولدك.

ص: 181


1- مدينة المعاجز 7: 472، ح54.

قال: فارتعدت من هيبته ووقعت بين أصحابي، فسألوني وهم يقولون: ما شأنك؟

فقلت: خير، ولم أخبرهم بذلك.

فانصرفنا بعد ذلك إلى إصفهان، ففتح اللّه عليّ الخير بدعائه، ووجوهاً من المال حتى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم، سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفاً وسبعين سنة وأنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي واستجاب اللّه دعاءه في ولي(1).

أتحبّ أن تراهم؟

عن إبراهيم بن بلطون، عن أبيه قال: كنت أحجب المتوكّل، فأهدي له خمسون غلاماً من الخزر وأمرني أن أتسلّمهم وأ ُحسن إليهم، فلمّا تمّت سنة كاملة كنت واقفاً بين يديه، إذ دخل عليه أبو الحسن عليّ بن محمّد النقيّ (عليهما السلام) ، فلمّا أخذ مجلسه أمرني أن أخرج الغلمان من بيوتهم، فأخرجتهم، فلمّا بصروا بأبي الحسن (عليه السلام) سجدوا له بأجمعهم، فلم يتمالك المتوكّل أن قام يجرّ رجليه حتّى توارى خلف السّتر، ثمّ نهض أبو الحسن (عليه السلام) . فلمّا علم المتوكّل بذلك خرج إليّ وقال: ويلك يا بلطون ما هذا الذي فعل هؤلاء الغلمان؟

فقلت: لا واللّه ما أدري، قال: سلهم. فسألتهم عمّا فعلوه، فقالوا: هذا رجل يأتينا كلّ سنة فيعرض علينا الدين، ويقيم عندنا عشرة أيّام، وهو وصيّ نبيّ

ص: 182


1- الخرائج والجرائح 1: 392، ح1.

المسلمين، فأمرني بذبحهم فذبحتهم عن آخرهم. فلمّا كان وقت العتمة صرت إلى أبي الحسن (عليه السلام) ، فإذا خادم على الباب، فنظر إليّ فقال لمّا بصر بي: ادخل فدخلت فاذا هو (عليه السلام) جالس، فقال: يا بلطون ما صنع القوم؟ فقلت: يا ابن رسول اللّه ذبحوا واللّه عن آخرهم، فقال لي: كلّهم؟ فقلت: أي واللّه، فقال (عليه السلام) : أ تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ابن رسول اللّه، فأومى بيده أن أدخل الستر، فدخلت، فإذا أنا بالقوم قعود وبين أيديهم فاكهة يأكلون(1).

إنّهم لايعلمون مانعلم

عن الحسن بن محمّد بن عليّ، قال: جاء رجل إلى عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى (عليهم السلام) وهو يبكي وترتعد فرائصه، فقال: يا ابن رسول اللّه إنّ فلاناً - يعني الوالي - أخذ ابني واتّهمه بموالاتك، فسلّمه إلى حاجب من حجّابه، وأمره أن يذهب به إلى موضع كذا فيرميه من أعلى جبل هناك، ثم يدفنه في أصل الجبل.

فقال (عليه السلام) : فما تشاء فقال: ما يشاء الوالد الشفيق لولده، فقال: اذهب فإنّ ابنك يأتيك غداً إذا أمسيت ويخبرك بالعجب من أمره، فانصرف الرجل فرحاً، فلمّا كان عند ساعة من آخر النهار غدا إذا هو بابنه قد طلع عليه في أحسن صورة، فسرّه وقال: ما خبرك يا بنيّ؟ فقال: يا أبت إنّ فلاناً - يعني الحاجب - صار بي إلى أصل ذلك الجبل، فأمسى عنده إلى هذا الوقت يريد أن يبيت هناك، ثمّ يصعدني من غداة إلى أعلى الجبل ويدهدهني لبئر حفر لي قبراً في هذه الساعة، فجعلت أبكي وقوم موكّلون بي يحفظونني، فأتاني جماعة عشرة

ص: 183


1- الثاقب في المناقب: 529، ح1.

لم أر أحسن منهم وجوهاً وأنظف منهم ثياباً وأطيب منهم روائح، والموكّلون بي لا يرونهم، فقالوا لي: ما هذا البكاء والجزع والتطاول والتضرّع؟

فقلت: أ لا ترون قبراً محفوراً وجبلاً شاهقاً، وموكّلون لا يرحمون يريدون أن يدهدهوني منه ويدفنوني فيه؟ قالوا: بلى أ رأيت لو جعلنا الطالب مثل المطلوب فدهدهناه من الجبل ودفنّاه في القبر، أ تحترز بنفسك فتكون خادماً لقبر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ؟

قلت: بلى واللّه، فمضوا إلى الحاجب فتناولوه وجرّوه وهو يستغيث ولا يسمعون به أصحابه ولا يشعرون به، ثمّ صعدوا به إلى الجبل ودهدهوه منه، فلم يصل إلى الأرض حتى تقطعت أوصاله، فجاء أصحابه وضجّواعليه بالبكاء واشتغلوا عنّي، فقمت وتناولني العشرة فطاروا بي إليك في هذه الساعة، وهم وقوف ينتظرونني ليمضوا بي إلى قبر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لأكون خادماً، ومضى.

وجاء الرجل إلى عليّ بن محمّد (عليه السلام) فأخبره، ثمّ لم يلبث إلّا قليلا حتّى جاء الخبر بأنّ قوماً أخذوا ذلك الحاجب فدهدهوه من ذلك الجبل ودفنه أصحابه في ذلك القبر، وهرب ذلك الرجل الّذي كان أراد أن يدفنه في ذلك القبر، فجعل عليّ بن محمّد (عليه السلام) يقول للرجل: إنّهم لا يعلمون ما نعلم ويضحك(1).

ص: 184


1- الثاقب في المناقب: 543، ح485.

من معاجز الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)

اشارة

هو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

والده: علي بن محمد الهادي (عليه السلام) .

والدته: أمّ ولد يقال لها حديث، وقيل: سوسن.

وكانت من الصالحات، وكفى في فضلها أنّها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) ، فعن أحمد بن إبراهيم قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا، أخت أبي الحسن صاحب العسكر (عليهم السلام) في سنه اثنتين وستين ومائتين فكلّمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها فسمّت لي من تأتم بهم، ثم قالت: والحجّة ابن الحسن بن علي فسمّته، فقلت لها: جعلني اللّه فداك معاينة أوخبراً؟

فقالت: خبراً عن أبي محمد (عليه السلام) كتب به إلى أمّه، فقلت لها: فأين الولد؟

فقالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟

فقالت لي: إلى الجدّة أمّ أبي محمد (عليه السلام) فقلت لها: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟

فقالت: اقتداء بالحسين بن علي (عليهما السلام) فإنّ الحسين بن علي (عليهما السلام) أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر فكان ما يخرج عن علي بن الحسين (عليهما السلام) من

ص: 185

علم ينسب إلى زينب ستراً على علي بن الحسين (عليهما السلام) ، ثم قالت: إنّكم قوم أصحاب أخبار أما رويتم أنّ التاسع من ولد الحسين بن علي (عليهما السلام) يقسّم ميراثه وهو في الحياة(1).

الولادة: ولد في العاشر من شهر ربيع الثاني سنة اثنين وثلاثين ومائتين.

كناه (عليه السلام) : أبو محمد، وأبو الحسن.

ألقابه (عليه السلام) : الخالص، والسراج، والعسكري، والصامت، والهادي، والرفيق، والزكي، والنقي، وكان هو وأبوه وجدّه كل منهم يعرف في زمانه بابن الرضا.

صفته (عليه السلام) : بين السمرة والبياض، وقد وصفه أحمد بن عبيداللّه بن يحيى بن خاقان، فقال: كان رجلاً أسمر اللون، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة(2).

شاعره: ابن الرومي(3).

من أشعاره (عليه السلام)

نُسب للإمام العكسري (عليه السلام) أنّه أنشد الشعر ومن ذلك:

أرى الدنيا تجهز بانطلاق***مشمرة على قدم وساق

فلا الدنيا بباقية لحي***ولا حي على الدنيا بباق

ص: 186


1- كمال الدين: 501، ح27.
2- الكافي 1: 503، ح1.
3- علي بن العباس بن جريج، أبو الحسن، مولى عبيد اللّه بن عيسى بن جعفر يعرف بابن الرومي: أحد الشعراء المكثرين المجودين في الغزل، والمديح، والهجاء، والأوصاف. روى عنه غير واحد من أهل الأدب. راجع تاريخ بغداد 12: 23.

كأن الموت والحدثان فيها***إلى نفس الفتى فرقا سباق

فيا مغرور بالدنيا رويداً***ومنها خذ لنفسك بالوساق(1)

بوّابه: عثمان بن سعيد، ويقال: محمد بن نصير والأول أصح.

نقش خاتمه: سبحان من له مقاليد السموات والأرض، وإنّ اللّه شهيد، واللّه وليي.

قالوا في الإمام العسكري (عليه السلام)

بلغ مقام الإمام العسكري كآبائه الطاهرين (عليهم السلام) بحيث إنّ ألد أعدائهم لا يستطيعون إنكار فضائلهم ومناقبهم بل يقرون بفضلهم ويشهدون بمقاماتهم الحميدة، هذا بالإضافة إلى إشادة الكثير من محبّيهم بفضائلهم وتصريحهم بمقاماتهم محبّة منهم لهم ومودة بهم.

من هنا فقد أشاد بمقام الإمام العسكري (عليه السلام) الكثير من المحبّين والمخالفين ومنهم:

1- قال الوزير عبيداللّه بن يحيى بن خاقان لولده أحمد وهو يحدّثه عن الإمام العسكري (عليه السلام) : يابني، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس، ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا، وإنّ هذا ليستحقها في فضله وعفافه، وهديه وصيانته، وزهده وعبادته، وجميل أخلاقه وصلاحه(2).

2- قال ابن الراوندي فيه: تعظّمه الخاصة والعامّة... ويبجّلونه ويقدّرونه لفضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته... كان جليلاً نيبلاً فاضلاً

ص: 187


1- شرح احقاق الحق 29: 65.
2- الكافي 1: 504، ح1.

كريماً، يحتمل الأثقال ولا يتضعضع للنوائب(1).

3- نقل ابن أبي الحديد قول من قال: من الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق، كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك، فمنهم خلفاء ومنهم مرشحون... وهم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي (عليهم السلام) ، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم(2).

4- قال الحضرمي الشافعي: أبو محمد الحسن الخالص ابن علي العسكري، كان عظيم الشأن جليل المقدار، وقد زعمت الشيعة الرافضة أنّه والد المهدي المنتظر(3).

5- قال سبط ابن الجوزي: وكان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جدّه، ومن جملة مسانيده حديث في الخمر عزيز ذكره جدّي أبو الفرج في كتابه المسمّى (بتحريم الخمر) ونقلته من خطّه(4).

من معاجزه (عليه السلام)

خذ واكتم

روى أبو هاشم أنه ركب أبو محمد (عليه السلام) يوماً إلى الصحراء فركبت معه، فبينما يسير قدامي، وأنا خلفه، إذ عرض لي فكر في دين كان علي قد حان

ص: 188


1- الخرائج والجرائح 2: 901.
2- شرح نهج البلاغة 15: 278.
3- قادتنا كيف نعرفهم 4: 366.
4- تذكرة الخواص: 324.

أجله فجعلت أفكر في أيّ وجه قضاؤه، فالتفت إلي وقال: اللّه يقضيه، ثم انحنى على قربوس سرجه فخطّ بسوطه خطّة في الأرض، فقال: يا أبا هاشم انزل فخذ واكتم، فنزلت وإذا سبيكة ذهب، قال: فوضعتها في خفّي وسرنا.

فعرض لي الفكر، فقلت: إن كان فيها تمام الدين وإلاّ فإنّي أرضي صاحبه بها، ويجب أن ننظر في وجه نفقة الشتاء، وما نحتاج إليه فيه من كسوة وغيرها فالتفت إلي ثم انحنى ثانية فخطّ بسوطه مثل الأولى ثم قال: انزل وخذ واكتم قال: فنزلت فإذا بسبيكة فجعلتها في الخف الآخر وسرنا يسيرا ثم انصرف إلى منزله وانصرفت إلى منزلي.

فجلست وحسبت ذلك الدين، وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب فخرج بقسط ذلك الدين ما زادت ولا نقصت ثم نظرت ما نحتاج إليه لشتوتي من كل وجه فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه على الاقتصاد بلا تقتير ولا إسراف ثم وزنت سبيكة الفضة فخرجت على ما قدرته ما زادت ولا نقصت(1).

سل هذا الذئب

روى عبد اللّه بن محمد، فقال: رأيت الحسن بن علي السراج (عليه السلام) تكلّم للذئب فكلمه، فقلت له: أيها الإمام الصالح، سل هذا الذئب عن أخ لي بطبرستان خلّفته وأشتهي أن أراه.

فقال لي: إذا اشتهيت أن تراه فانظر إلى شجرة دارك بسرّ من رأى.

ص: 189


1- بحار الأنوار 50: 260، ح20.

وكان قد أخرج في داره عيناً تنبع عسلاً ولبناً، فكنّا نشرب منه ونتزوّد(1).

صلاة بين السباع

عن علي بن محمد عن جماعة من أصحابنا قالوا: سلّم أبو محمد (عليه السلام) إلى نحرير وكان يضيق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق اللّه فإنّك لا تدري من في منزلك؟ وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت: إنّي أخاف عليك منه، فقال: واللّه لأرمينه بين السباع، ثم استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها فلم يشكوا في أكلها، فنظروا إلى الموضع، فوجدوه (عليه السلام) قائماً يصلّي وهي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره(2).

ما خلّفك عنا؟

عن محمد بن علي ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: ضاق بنا الأمر، فقال لي أبي: امض بنا حتى نصير إلى هذا الرجل يعني أبا محمد، فإنه قد وصف عنه سماحة، فقلت: تعرفه؟ فقال: ما أعرفه ولا رأيته قط، قال: فقصدناه فقال لي أبي وهو في طريقه: ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا بخمسمائة درهم مائتا درهم للكسوة ومائتا درهم للدين ومائة للنفقة، فقلت في نفسي: ليته أمر لي بثلاثمائة درهم مائة أشتري بها حماراً ومائة للنفقة ومائة للكسوة وأخرج إلى الجبل، قال: فلما وافينا الباب خرج إلينا غلامه، فقال: يدخل علي بن إبراهيم ومحمد ابنه، فلما دخلنا عليه وسلّمنا قال لأبي: يا علي ما خلفك عنّا إلى هذا الوقت؟ فقال: يا سيدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال، فلما

ص: 190


1- دلائل الإمامة: 426، ح2.
2- المناقب 4: 430.

خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرة، فقال: هذه خمسمائة درهم مائتان للكسوة ومائتان للدين ومائة للنفقة وأعطاني صرة فقال: هذه ثلاثمائة درهم اجعل مائة في ثمن حمار ومائة للكسوة ومائة للنفقة ولا تخرج إلى الجبل وصر إلى سوراء فصار إلى سوراء وتزوج بامرأة، فدخله اليوم ألف دينار ومع هذا يقول بالوقف، فقال محمد بن إبراهيم: فقلت له: ويحك أتريد أمراً أبين من هذا؟ قال: فقال: هذا أمر قد جرينا عليه(1).

ضيعتك ترد عليك

عن عمر بن أبي مسلم، قال: قدم علينا بسر من رأى رجل من أهل مصر يقال له: سيف بن الليث، يتظلّم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إياه شفيع الخادم وأخرجه منها فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمد (عليه السلام) يسأله تسهيل أمرها فكتب إليه أبو محمد (عليه السلام) لا بأس عليك، ضيعتك ترد عليك فلا تتقدم إلى السلطان والق الوكيل الذي في يده الضيعة وخوفه بالسلطان الأعظم اللّه رب العالمين فلقيه فقال له الوكيل الذي في يده الضيعة: قد كتب إلي عند خروجك من مصر، أن أطلبك وأرد الضيعة عليك فردها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب وشهادة الشهود ولم يحتج إلى أن يتقدم إلى المهتدي فصارت الضيعة له وفي يده ولم يكن لها خبر، بعد ذلك(2).

قد عوفي ابنك

نقل سيف بن الليث، فقال: خلّفت ابنا لي عليلاً بمصر عند خروجي عنها

ص: 191


1- الكافي 1: 506، ح3.
2- الكافي 1: 511، ح18.

وابنا لي آخر أسن منه كان وصيي وقيمي على عيالي وفي ضياعي فكتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) أسأله الدعاء لابني العليل فكتب إلي: قد عوفي ابنك المعتل ومات الكبير وصيك وقيمك فاحمد اللّه ولا تجزع فيحبط أجرك فورد علي الخبر أنّ ابني قد عوفي من علّته ومات الكبير يوم ورد علي جواب أبي محمد (عليه السلام) (1).

لا تستحي في سؤال حاجتك

نقل أبو هاشم الجعفري، فقال: شكوت إلى أبي محمد (عليه السلام) ضيق الحبس وكتل القيد، فكتب إلي أنت تصلي اليوم الظهر في منزلك فأخرجت في وقت الظهر فصليت في منزلي كما قال (عليه السلام) وكنت مضيقاً فأردت أن أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت، فلما صرت إلى منزلي وجه إلي بمائة دينار وكتب إلي: إذا كانت لك حاجة فلا تستحي ولا تحتشم واطلبها فإنك ترى ما تحب إن شاء اللّه(2).

تحلف باللّه كذبا؟

نقل إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد اللّه ابن عباس بن عبد المطلب، فقال: قعدت لأبي محمد (عليه السلام) على ظهر الطريق فلما مر بي شكوت إليه الحاجة وحلفت له أنه ليس عندي درهم فما فوقها ولا غداء ولا عشاء، قال: فقال: تحلف باللّه كاذبا وقد دفنت مأتي دينار، وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية أعطه يا غلام ما معك، فأعطاني غلامه مائة

ص: 192


1- الكافي 1: 511، ح18.
2- الكافي 1: 508، ح10.

دينار، ثم أقبل علي فقال لي: إنك تحرمها أحوج ما تكون إليها يعني الدنانير التي دفنت وصدق (عليه السلام) وكان كما قال دفنت مأتي دينار وقلت: يكون ظهراً وكهفاً لنا فاضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه وانغلقت علي أبواب الرزق فنبشت عنها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب فما قدرت منها على شيء(1).

ص: 193


1- الكافي 1: 509، ح14.

من معاجز الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)

اشارة

هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

والده: الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) .

والدته: هي السيدة نرجس، وكانت أم ولد.

تاريخ ولادته: في الخامس عشر من شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين.

صفته: شاب مرفوع القامة، حسن الوجه والشعر، يسيل شعره على منكبيه، أقنى الأنف أجلى الجبهة، أبيض مشرب حمرة، حنطي تشوبه صفرة من قيام الليل، متصل ما بين الحاجبين، نور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، على خده الأيمن خال كأنه نجم يتلألأ، مفلج الثنايا، أسود العينين أكحلهما، عريض المنكبين، أشبه الناس بجدّه أميرالمؤمنين (عليه السلام) في بطنه وساقه.

كناه: أبو القاسم.

ألقابه: الحجة، والمهدي، والخلف الصالح، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.

بوّابه: محمد بن عثمان.

ص: 194

من أشعاره (عليه السلام)

نُسب إلى الإمام المهدي (عليه السلام) أنه أنشد الشعر ومن ذلك:

لاترإنّي اتخذت لا وعلاها***بعد بيت الأحزان بيت سرور

ونُسب إليه (عليه السلام) أيضاً:

يقولون لي فضّل علياً عليهما***فلست أقول التبر أعلى من الحصى

إذا أنا فضّلت الإمام عليهما***أكن بالذي فضلته منتقصاً

ألم تر أنّ السيف يُزري بحدّه***مقالة هذا السيف أمضى من العصا

الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) في القرآن

وردت في القرآن الكريم أكثر من آية حول الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) منها:

1- قوله عزّ وجل: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}(1).

حيث قال أبو عبداللّه الكنجي حول الآية: وأما بقاء المهدي (عليه السلام) فقد جاء في الكتاب والسنة، أمّا الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل: {لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} قال: هو المهدي من عترة فاطمة (عليها السلام) (2).

2- قوله عزّ وجل: {وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}(3)، حيث ذكر ابن حجر فيها: قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه من المفسرين إن هذه الآية نزلت في المهدي(4).

ص: 195


1- سورة التوبة: 33.
2- شرح احقاق الحق 19: 700.
3- سورة الزخرف، 61.
4- الصواعق المحرقة: 162.

3- {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ}(1).

الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) في السنة

الأخبار في الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) كثيرة ولا تكاد تحصى، وهي واردة من الفريقين العامة والخاصة، ولو أردنا ذكرها جميعاً لخرج الأمر عن نطاق البحث لذا نقتصر على ذكر بعضها ومنها:

ما ورد عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً فذلك هو المهدي(2).

وعن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته متفكرا ينكت في الأرض، فقلت: ، يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكرا تنكت في الأرض، أرغبة منك فيها؟ فقال: لا واللّه ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما(3).

وعن عبد اللّه بن عمر قال: سمعت الحسين بن علي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول اللّه عز وجل ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، كذلك سمعت رسول

ص: 196


1- سورة القصص، 5.
2- اثبات الهداة 5: 238، ح111.
3- الكافي 1: 338، ح7.

اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول(1).

شباهته (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) بالأنبياء (عليهم السلام)

جمعت في الإمام الحجة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) كثير من خصال الأنبياء (عليهم السلام) وهذا إن دل إنّما هو على كونه (عليه السلام) وريثاً وخليفة لهم، وقد ورد في الأخبار الشريفة كل صفة ورث منهم ومن ذلك:

1- عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنّة من موسى وسنّة من عيسى، وسنّة من يوسف، وسنّة من محمد صلوات اللّه عليهم اجمعين، فأمّا من موسى: فخائف يترقب، وأما من يوسف فالسجن، وأما من عيسى فيقال: إنه مات، ولم يمت، وأمّا من محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فالسيف(2).

2- عن ضريس الكناسي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إنّ صاحب هذا الأمر فيه سنّة من يوسف أبن أمة سوداء، يصلح اللّه عزّ وجل أمره في ليلة واحدة(3).

أقول: لا يخفى أن وجه الشبه كون أمهما أمة وليس الصفة وهي السواد.

3- عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: في القائم منا سنن من الأنبياء: سنة من أبينا آدم (عليه السلام) ، وسنة من نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة

ص: 197


1- كمال الدين 1: 318، ح4.
2- كمال الدين 1: 152، ح16.
3- كمال الدين 1: 329، ح12.

من محمد صلوات اللّه عليهم، فأما من آدم ونوح فطول العمر، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى فالخوف والغيبة، وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأمّا من محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فالخروج بالسيف(1).

4- عن محمد بن مسلم الثقفي الطحان قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلى اللّه عليه وعليهم، فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم إن في القائم من آل محمد (عليهم السلام) شبها من خمسة من الرسل: يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات اللّه عليهم.

فأمّا شبهه من يونس بن متى، فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن.

وأمّا شبهه من يوسف بن يعقوب (عليه السلام) فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من إخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب (عليه السلام) مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته.

وأمّا شبهه من موسى (عليه السلام) ، فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده ممّا لقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن اللّه عز وجل في ظهوره ونصره وأيده على عدوه.

وأمّا شبهه من عيسى (عليه السلام) ، فاختلاف من اختلف فيه، حتى قالت طائفة منهم: ما ولد، وقالت طائفة: مات، وقالت طائفة: قتل وصلب.

وأما شبهه من جده المصطفى (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فخروجه بالسيف، وقتله أعداء اللّه

ص: 198


1- كمال الدين 1: 322، ح3.

وأعداء رسوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف والرعب، وأنه لا ترد له راية(1).

غيبة الإمام الحجة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)

أشار أهل البيت (عليهم السلام) في أخبارهم الشريفة إلى طول غيبة الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) وتعرضوا إلى امتحان المؤمنين وتلاطم الفتن بهم وشدة ما يجري عليهم من محن وصعاب جراء فقدهم إمام زمانهم (عليه السلام) ، فعن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) : منّا اثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحق، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه (عليه السلام) (2).

وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إن أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ جل جلاله فيقول: عبادي وإمائي! آمنتم بسري وصدقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقاً منكم أتقبل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع

ص: 199


1- كمال الدين 1: 327، ح7.
2- كمال الدين 1: 317، ح3.

عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي(1).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : إنّ لصاحب هذا الامر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد، ثم قال: - هكذا بيده(2) - ثم قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة فليتق اللّه عبد وليتمسك بدينه(3).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) ، قال: قال لي: لا بد من فتنة صمّاء صيلم(4) يسقط فيها كل بطانة ووليجة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكل جرَّى وحران، وكل حزين لهفان ثم قال (عليه السلام) : بأبي وأمّي سمي جدي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وشبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام) ، عليه جيوب النور، تتوقد بشعاع ضياء القدس، كم من حرَّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حيران حزين عند فقدان الماء المعين، كأنّي بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على الكافرين(5).

من معاجزه (عليه السلام)

اشارة

عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتّب قال: كنت بالمدينة في السنة

ص: 200


1- كمال الدين 1: 330، ح15.
2- أي أشار بيده، والخارط من يضرب بيده على أعلى الغصن ثم يمدها إلى الأسفل ليسقط ورقه، والقتاد شجر له شوك.
3- الكافي 1: 335، ح1.
4- الصيلم: الأمر الشديد والداهية، والفتنة الصماء هي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في دهائها لأن الأصم لا يسمع الاستغاثة ولا يقلع عمّا يفعله.
5- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 7، ح14.

التي توفّي فيها الشيخ عليّ بن محمّد السمري (قدس سره) ، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمري أعظم اللّه أجرك وأجر إخوانك فيك، فأنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، ولا ظهور إلّا بإذن اللّه، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفيانّي والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

قال: فنسخنا ذلك التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان يوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه(1)، قيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: للّه أمر هو بالغه، وقضى رحمه اللّه، وهذا آخر كلام سمع منه (قدس سره) (2).

قل لأهل مصر

عن أبي رجاء المصري، قال: خرجت في الطلب بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) بسنتين لم أقف فيهما على شيء، فلما كان في الثالثة كنت بالمدينة في طلب ولد لأبي محمد (عليه السلام) بصرياء، وقد سألني أبو غانم أن أتعشّى عنده، وأنا قاعد مفكر في نفسي وأقول: لو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين، فإذا هاتف أسمع صوته ولا أرى شخصه وهو يقول: يا نصر بن عبد ربه قل لأهل مصر: آمنتم برسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حيث رأيتموه؟(3).

ص: 201


1- الخرائج والجرائح 3: 1128، ح46.
2- كمال الدين 2: 516، ح44.
3- كمال الدين 2: 491، ح15.

لا حاجة لنا في مال المرجئي

عن إسحاق بن حامد الكاتب، قال: كان بقم رجل بزّاز مؤمن وله شريك مرجئي فوقع بينهما ثوب نفيس، فقال المؤمن: يصلح هذا الثوب لمولاي، فقال له شريكه: لست أعرف مولاك، ولكن افعل بالثوب ما تحب، فلما وصل الثوب إليه شقّه (عليه السلام) بنصفين طولاً فأخذ نصفه وردّ النصف، وقال: لا حاجة لنا في مال المرجئي(1).

أراد اللّه بك خيرا

عن أحمد بن محمد بن فارس الأديب، قال: سمعت حكاية بهمذان حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني، فسألني أن أكتبها له بخطي، ولم أجد إلى مخالفته سبيلا، وقد كتبتها، وعهدتها على من حكاها.

وذلك أنّ بهمذان أناساً يعرفون ببني راشد، وهم كلّهم يتشيّعون، ومذهبهم مذهب أهل الإمامة، فسألت عن سبب تشيّعهم من بين أهل همدان، فقال لي شيخ منهم رأيت فيه صلاحا وسمتا حسناً: إنّ سبب ذلك أنّ جدّنا الذي ننتسب إليه خرج حاجاً، فقال: إنه لما فرغ من الحج وساروا منازل في البادية، قال: فنشطت للنزول والمشي، فمشيت طويلاً حتى أعييت وتعبت، فقلت في نفسي: أنام نومة تريحني فإذا جاءت القافلة قمت.

قال: فما انتبهت إلا بحرّ الشمس، ولم أر أحداً، فتوحّشت ولم أر طريقاً ولا أثراً، فتوكلت على اللّه تعالى، وقلت: أتوجّه حيث وجّهني ومشيت غير طويل فوقعت في أرض خضراء نضرة كأنّها قريبة عهد بغيث، فإذا تربتها

ص: 202


1- كمال الدين 2: 510، ح40.

أطيب تربة، ونظرت في سواد تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنّه سيف، فقلت في نفسي: ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده ولم أسمع به؟! فقصدته، فلما بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين، فسلّمت عليهما فردّا ردّا جميلاً، وقالا: اجلس، فقد أراد اللّه بك خيراً. وقام أحدهما فدخل، فاحتبس غير بعيد ثم خرج، فقال: قم فادخل. فقمت ودخلت قصراً لم أر شيئاً أحسن ولا أضوأ منه، وتقدم الخادم إلى ستر على بيت فرفعه، ثم قال لي: ادخل، فدخلت البيت وقد علق فوق رأسه من السقف سيفاً طويلا تكاد ظبته تمس رأسه، وكان الفتى يلوح في ظلام، فسلمت، فرد السلام بألطف كلام وأحسنه ثم قال: أتدري من أنا؟

فقلت: لا واللّه. فقال: أنا القائم من آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، أنا الذي أخرج آخر الزمان بهذا السيف - وأشار إليه - فأملا الأرض عدلا كما ملئت جوراً.

قال: فسقطت على وجهي وتعفّرت، فقال: لا تفعل، ارفع رأسك أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها: همذان، قلت: صدقت يا سيدي ومولاي.

قال: أفتحب أن تؤوب إلى أهلك؟

قلت: نعم يا مولاي، وأبشّرهم بما يسّر اللّه تعالى. فأومأ إلى خادم وأخذ بيدي وناولني صرّة، وخرج بي ومشى معي خطوات، فنظرت إلى ظلال وأشجار ومنارة ومسجد، فقال: أتعرف هذا البلد؟ قلت: إن بقرب بلدنا بلدة تعرف بأسد آباد وهي تشبهها. فقال: أتعرف أسد آباد؟ فامض راشداً. فالتفت ولم أره.

ودخلت أسد آباد، ونظرت فإذا في الصرّة أربعون - أو خمسون ديناراً - فوردت همدان وجمعت أهلي وبشّرتهم بما يسّر اللّه تعالى لي، فلم نزل بخير

ص: 203

ما بقي معنا من تلك الدنانير(1).

الزم دار جعفر بن محمد (عليه السلام)

أبو محمد الحسن بن وجناء النصيبي قال: كنت ساجداً تحت الميزات في رابع أربع وخمسين حجة بعد العتمة، وأنا أتضرع في الدعاء إذ حركني محرّك، فقال: قم يا حسن بن وجناء، قال: فقمت فإذا جارية صفراء نحيفة البدن أقول: إنّها من أبناء أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي وأنا لا أسألها عن شيء حتى أتت بي إلى دار خديجة (عليها السلام) وفيها بيت بابه في وسط الحائط وله درج ساج يرتقى، فصعدت الجارية وجاءني النداء: اصعد يا حسن، فصعدت فوقفت بالباب، فقال لي صاحب الزمان (عليه السلام) : يا حسن أتراك خفيت علي واللّه ما من وقت في حجك إلا وأنا معك فيه، ثم جعل يعد علي أوقاتي، فوقعت مغشياً على وجهي، فحسست بيد قد وقعت علي فقمت، فقال لي: يا حسن الزم دار جعفر بن محمد (عليهما السلام) ، ولا يهمنك طعامك ولا شرابك ولا ما يستر عورتك، ثم دفع إلي دفترا فيه دعاء الفرج وصلاة عليه، فقال: بهذا فادع، وهكذا صل علي، ولا تعطه إلا محقي أوليائي فإنّ اللّه جلّ جلاله موفقك فقلت: يا مولاي لا أراك بعدها؟ فقال: يا حسن إذا شاء اللّه، قال: فانصرفت من حجّتي ولزمت دار جعفر بن محمد (عليهما السلام) فأنا أخرج منها فلا أعود إليها إلا لثلاث خصال: لتجديد وضوء أو لنوم أو لوقت الإفطار، وأدخل بيتي وقت الإفطار فأصيب رباعيا مملوءا ماء ورغيفا على رأسه وعليه ما تشتهي نفسي بالنهار، فآكل ذلك فهو كفاية لي، وكسوة الشتاء في

ص: 204


1- الثاقب في المناقب: 605، ح553.

وقت الشتاء، وكسوة الصيف في وقت الصيف، وإني لأدخل الماء بالنهار فأرش البيت وأدع الكوز فارغاً فأوتي بالطعام ولا حاجة لي إليه فاصدق به ليلاً كيلا يعلم بي من معي(1).

ص: 205


1- كمال الدين 2: 444، ح17.

ص: 206

لقاء الموعود

اشارة

ص: 207

ص: 208

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد فقبل وفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري بستة أيام ورد التوقيع الشريف من المولى صاحب العصر والزمان الحجّة بن الحسن (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) وفيه: يا علي بن محمد السمري اسمع! أعظم اللّه أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن اللّه تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم(1).

وقد كثر الحديث حول مفاد هذا التوقيع الشريف وكيفية الجمع بين ظاهره من تكذيب مدّعي المشاهدة وبين المستفاض بين الإمامية من تشرّف البعض به صلوات اللّه عليه خاصة أنّ بعض من تشرّفوا بلقياه (عليه السلام) من أعلام الطائفة ممّن يصعب جداً القول بتكذيبهم في تشرّفهم بالمولى (عليه السلام) .

ولذا لابد من البحث عن التوجيه السليم لمعنى التوقيع والجمع بينه وبين

ص: 209


1- الغيبة للطوسي: 395.

ما استفاض لدى الإمامية من تشرّف البعض بلقياه صلوات اللّه عليه ومنهم العلماء الأعلام أمثال السيد بحر العلوم، والمقدّس الأردبيلي، والعلامة الحلّي وغيرهم من عظماء الطائفة.

كما ينبغي البحث عن فوائد التشرّف بالمولى صاحب العصر والزمان (عليه السلام) وآثارها على الناس وبيان بعض الحقائق المهمة في ذلك، إذ إنّ البعض من ذوي السرائر المريضة استغلّوا هذا الموضوع الحسّاس وسخّروه في الوصول إلى أهدافهم ومقاصدهم السيئة.

من هو الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)؟

الروايات المصرّحة أنّ الامام المهدي (عليه السلام) من ولد فاطمة (عليها السلام) وأنّه النجل التاسع للإمام الحسين (عليه السلام) باتت متواترة، وقد صرّح نفس العامّة بها منها الحديث الوارد عن الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) حيث قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ هذا الأمر لاينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، يقول الراوي: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من قريش(1).

وعلى كلّ فإنّ الإمام المهدي (عليه السلام) تنصّ عليه روايات العامّة أيضاً إلاّ أنّهم يؤلّونها ويوجهونها لأمور سياسية خاصّة بهم بينما التزم الشيعة بإعتقادهم به وبقوا ينتظرونه ويدعون للظهور والفرج.

الولادة المباركة

كانت ولادة الامام المهدي (عليه السلام) في سامراء، في اليوم الخامس عشر من

ص: 210


1- صحيح مسلم 6: 3.

شهر شعبان سنة 255 ه، واسمه اسم رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أي محمّد وقد نصّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على ذلك في أحاديثه الشريفة منها قوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخُلقاً، تكون به غيبة وحيرة(1).

أما ألقابه الشريفة فهي كثيرة منها: الحجّة، المهدي، الصاحب، المنتظر، المؤمّل، وأشهرها المهدي.

وكنيته: أبو صالح، وأبو القاسم.

المهدي (عليه السلام) في القرآن

هناك الكثير من الآيات الكريمة الدالة على الإمام المهدي (عليه السلام) وأنّه الإمام الثاني عشر من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) ، وقد صرّح بدلالتها علماء السنّة أنفسهم.

فمن هذه الآيات الدالة على إمام العصر والزمان (عليه السلام) هي:

1-

قوله تعالى في سورة البقرة: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}(2).

فقد روى الحافظ سليمان القندوزي في «ينابيع المودة» عن جابر بن عبداللّه الأنصاري قال: دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وسأله عن أشياء الى أن قال: سُئِلَ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عن أوصيائه، فعدّهم النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) له، الى أنْ قال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : فبعده ابنه محمد، يدعى بالمهدي، والقائم، والحجّة، فيغيب، ثم يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً

ص: 211


1- كمال الدين 1: 286، ح1.
2- سورة البقرة: 2-3.

كما ملئت جوراً وظلماً، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّته، أولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه وقال: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}(1).

2- قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}(2).

فقد نقل كل من «الكنجي» و«الشبلنجي» في كتابيهما «البيان» و«نور الأبصار» أنّ المراد من الآية هو المهدي من ولد فاطمة(3).

3- قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}(4).

فمن كلام لمحمد بن ابراهيم «الحمويني» قال: قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديث: أنه قيل له (عليه السلام) : يابن رسول اللّه ومن القائم منكم أهل البيت (عليهم السلام) ؟

قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهّر اللّه به الأرض من كل جور ويقدّسها من كل جرم وظلم(5).

ولمن أراد المزيد من الإطلاع على الآيات المباركة المؤوّلة في إمام العصر والزمان (عليه السلام) فليراجع كل من:

ص: 212


1- ينابيع المودة 3: 283، ح2.
2- سورة التوبة: 33؛ سورة الصف: 9.
3- البيان في أخبار صاحب الزمان: 73.
4- سورة الحجر: 36-38؛ سورة ص: 79-81.
5- فرائد السمطين 2: 337، ح590؛ كمال الدين: 372، ح5.

1- غاية المرام للعلامة السيد هاشم البحراني.

2- الإمام المهدي (عليه السلام) في القرآن لآية اللّه العظمى السيد صادق الشيرازي حفظه اللّه.

3- فرائد السمطين آخر المجلد الثاني.

المهدي (عليه السلام) في السنة

إنّ الروايات الشريفة الواردة في الإمام الحجّة (عليه السلام) فاقت حدّ الإحصاء وقد نقلها الفريقان بطرق صحيحة معتبرة لايمكن الخدش فيها أبداً.

فمن الأخبار الواردة عن العامة هي:

* عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: أبشرو بالمهدي رجل من قريش من عترتي(1).

* عن ابن مسعود عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: يلي رجل من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يلي(2).

* عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي لاثنا عشر، أولهم أخي وآخرهم ولدي، قيل: يا رسول اللّه ومن أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلّي خلفه،

ص: 213


1- كنز العمال 14: 261-262، ح38653.
2- كنز العمال 14: 264، ح38661.

وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(1).

* وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لاتقوم الساعة حتى يملك الأرض رجل من أهل بيتي أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً، يكون سبع سنين(2).

وغيرها من الروايات الكثيرة التي يجدها القاريء في مصادرهم المعروفة.

أمّا الروايات الواردة في شأن الامام المهدي (عليه السلام) من قبل أهل البيت (عليهم السلام) فمنها:

* قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : المهدي ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأ عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(3).

* قال الامام الحسين (عليه السلام) : منّا اثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يحي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كلّه ولو كره المشركون، له غيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: متى الوعد إن كنتم صادقين؟ أمّا الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (4).

* عن يونس بن عبدالرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليه السلام)

ص: 214


1- إعلام الوری 2: 173-174.
2- كنز العمال 14: 270، ح38690.
3- كمال الدين 1: 286، ح1.
4- كمال الدين 1: 317، ح3.

فقلت له: يابن رسول اللّه أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء اللّه عزّوجلّ ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون، ثم قال (عليه السلام) : طوبى لشيعتنا، المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، وهم واللّه معنا في درجاتنا يوم القيامة(1).

* عن الريان بن الصلت، قال: قلت للإمام الرضا (عليه السلام) : أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال (عليه السلام) : أنا صاحب هذا الأمر ولكنّي لست بالذي أملأها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني، وإنّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه حتى لو مدّ يده الى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى (عليه السلام) ، وخاتم سليمان (عليه السلام) ذاك الرابع من ولدي، يغيّبه اللّه في ستره ما شاء، ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(2).

هل ولد الإمام الحجّة (عليه السلام) ؟

لقد أثار البعض شبهاته وأخذ يخالف الأدلّة الكثيرة المصرّحة بولادة الإمام الحجّة (عليه السلام) فأنكر ولادته مع أنّ الأدلّة الدالة على هذا المطلب كثيرة

ص: 215


1- كمال الدين 2: 361، ح5.
2- كمال الدين 2: 376، ح7.

ومنها:

1- تصريح الإمام العسكري (عليه السلام) بالولادة: وقد ورد ذلك في حديث صريح في الكافي الشريف رواه عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمد (عليه السلام) : جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل، قلت: ياسيدي هل لك ولد؟ فقال: نعم(1).

2- تصريح القابلة: وهي السيدة حكيمة أُخت الإمام وعمّة الإمام، وبنت الإمام حيث إنّها صرّحت بالولادة ليلة المولد وقد تولّت بنفسها أمر السيّدة نرجس بإذن من الإمام العسكري (عليه السلام) .

3- عشرات الشهادات برؤية الإمام (عليه السلام) : إذ إنّ العشرات من خلّص المؤمنين والعلماء الأعلام وفّقوا للإلتقاء به، وقد سجّل العديد من المؤلّفين هذه اللقاءات في مصنّفاتهم ومنهم السيد هاشم البحراني في كتابه: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي. حيث ذكر فيه (79) شخصاً شاهد الإمام (عليه السلام) في طفولته أو في غيبته الصغرى، وأحصى الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي ما يقارب من (304) ممّن رأى الإمام وشهد بوجوده، كما أحصى الشيخ الصدوق القريب من غيبة الإمام (عليه السلام) (64) شخصاً شهد بوجود الإمام (عليه السلام) هذا فضلاً عن وكلائه (عليه السلام) في الغيبة الصغرى الذين كانوا يلتقون به.

4- تصريح علماء السنّة بالولادة: حيث صرّح الكثير منهم بولادته، وقد نقل أنّ عددهم أكثر من مئة عالم ذكرهم الشيخ مهدي فقيه إيماني في

ص: 216


1- الكافي 1: 328، ح2.

كتابه: المنتظر في نهج البلاغة.

الجدير ذكره أنّ بعض من صرّح بولادته (عليه السلام) كان في عصر الغيبة منهم:

أ: أبو بكر الروياني، محمد بن هارون المتوفّى عام 307 ه- ذكر ذلك في كتابه (المسند).

ب: أحمد بن إبراهيم بن علي الكندي، وهو من تلامذة ابن جرير الطبري المتوفّى عام 310 .

ج: محمد بن أحمد بن أبي الثلج المتوفّى عام 322 ه- ذكره في «مواليد الأئمّة» وهو مطبوع ضمن كتاب (الفصول العشرة في الغيبة) للشيخ المفيد(1).

مشكلة طول العمر

من الإشكالات المعروفة التي يردّدها مخالفوا الشيعة ويشنّعوا به عليهم هو مسألة طول عمر الإمام (عليه السلام) حيث إنّ عمره تجاوز الألف عام، فهل من الممكن أن يعيش الإنسان إلى هذا الحدّ؟

ولايخفى أنّ الجواب على هذا السؤال سهل وبسيط وهو كالتالي:

أ: إنه هذا غير مستحيل على اللّه تعالى فهو إذا أراد شيئاً إنّما يقول له كن فيكون ولا داعي للاستغراب منه.

ب: إنّ هذا حاصل فنبي اللّه نوح (عليه السلام) الذي نصّ القرآن على أنّه مكث

ص: 217


1- للمزيد من الاطلاع على مثل هذا الموضوع راجع كلمات أعلام السنة في كل من: 1- معجم البلدان 4: 123؛ 2- الفتوحات المكيّة 3: ب 366؛ 3- الفصول المهمّة: 292؛ 4- تذكرة خواص الأمّة: 363؛ 5- ينابيع المودة: 472.

في قومه ألف إلاّ خمسين عاماً، فلماذا نقبل ذلك لنبي اللّه نوح الذي لا يعلم أنّ هذه السنين كانت تمام عمره أم أيّام دعوته فقط، ونرفضه بالنسبة للإمام الحجّة (عليه السلام) ؟ وكذا الحال بالنسبة لنبي اللّه عيسى (عليه السلام) الذي صرّح القرآن أنّه لم يصلب، ناهيك عن الخضر الذي نصّت الروايات على رجعته هو ونبي اللّه عيسى (عليه السلام) في عهد الإمام المهدي (عليه السلام) .

ج: وردت الكثير من الأخبار في أحوال المعمّرين ومنهم: سلمان المحمّدي الذي نقلت السير أنّه لقي نبي اللّه عيسى (عليه السلام) وبقي إلى زمان النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، بل أنّ أصحاب الحديث نقلوا أنّ الدجّال كان في زمن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وهو باق إلى وقت الظهور.

ناهيك أنّ العرب قالت: إنّ لقمان بن عاد عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وعاش ربيع بن ضبع ثلاثمائة وأربعين سنة، وعاش المتوغر بن ربيعة ثلاثمائة وثلاثين سنةً(1).

غيبته (عليه السلام)

من الاعتقادات المهمّة للشيعة في الإمام المهدي (عليه السلام) أنّه غاب عن الأنظار وسيظهر في يوم لا محالة لينقذ الناس من ظلمات الجور ويخلّص البشرية من عذاب الاستكبار والطغيان الموجود في كل مكان.

وقد أشكل على غيبته فقيل: ما هي فائدة إمام غائب لا نراه ولا يرانا؟

وفي جوابه نقول: إنّ لوجوده (عليه السلام) فوائد كثيرة نذكر بعضها:

ص: 218


1- لمزيد من الاطّلاع على هذا المبحث راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني (قدس سره) 1: 44؛ 2: 151؛ 2: 65؛ 3: 68؛ 4: 68؛ 7: 281؛ 10: 336.

1- هداية الأُمّة: فالإمام (عليه السلام) يهدي الأمّة ويسوقها نحو الهداية حتّى لو كان غائباً وهناك العديد من الشواهد على ذلك منها قضية الشيخ المفيد في قصة المرأة المتوفّاة وما جرى لطفلها.

2- أنّه يحفظ النظام: وهذا لانحسّ به نحن إلاّ أنّه واقع حتماً ويؤكّده الحديث المعروف: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت(1).

3- باب الغوث: ففي أوج الشدّة والمحنة ولمّا تغلق الأبواب المفتوحة يتوجّه الناس نحو باب الإمام الحجّة (عليه السلام) ويستغيثون به فيخلّصهم من مشاكلهم والقصص الدالّة على ذلك بالمئات.

من علامات الظهور

إنّ علامات ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) كثيرة جداً وقد أشار إليها الشيخ الصدوق (قدس سره) في كتابه «كمال الدين» والشيخ الطوسي في كتابه «الغيبة» إلاّ أنّ العلامات الحتمية منها كما صرّح بذلك بعض المحقّقين خمسة أُشير إليها في الخبر التالي:

عن أبي عبداللّه (عليه السلام) : خمس قبل قيام القائم (عليه السلام) : اليماني، والسفياني، والمنادي ينادي بين السماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية(2).

شبهات وردود

هناك بعض الشبهات المطروحة حول الإمام المهدي (عليه السلام) لا بأس من ذكرها، منها:

ص: 219


1- بصائر الدرجات 1: 488، ح3.
2- كمال الدين 2: 649، ح1.

1- كيف يستطيع الإمام (عليه السلام) عند ظهوره من قمع الظالمين على ما هم عليه اليوم من القوّة والسلطة والتطور في كل المجالات؟

وفي جوابه نقول: إنّ الإمام (عليه السلام) مؤيّد من اللّه تعالى وهو ناصره كما نصر جدّه الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) على قريش وهيمنتها وهو لايملك من العدّةِ والعددِ إلاّ قليلاً.

ثانياً: الإمام الحجّة (عليه السلام) عنده الإرادة التكوينية فمتى يريد يشير بإشارة يعطّل كل أنظمة الخصم.

ثالثاً: ربّما يكون تدخّل الإعجاز في القضية وعندئذ لا مجال للاستبعاد أصلاً.

2- إنّ غيبة الإمام (عليه السلام) تدفع الشيعة إلى الجلوس والكفّ عن العمل والانتظار فقط؟

ويرد على ذلك أنّ القضية بالعكس تماماً فهو لمّا يظهر يظهر بالخلّص من المؤمنين، فإذا كان الناس لم يعملوا ويتحرّكوا لهداية الأُمّة كيف يكونوا من الخلّص الذين يناصروا الإمام (عليه السلام) ؟

من جانب آخر أنّ العمل الصالح هو الوسيلة الوحيدة للحوز على رضا الإمام (عليه السلام) فإذا جلس الإنسان وسلّم أمره أمام الباطل فبماذا يواجه الامام (عليه السلام) عند ظهوره؟ فالعمل إذن هو الطريق الوحيد للقاء الإمام بوجه مشرق.

ص: 220

فصل: وظيفتنا في عصر الغيبة

لايخفى أنّ البشرية عامة والشيعة خاصة لديهم وظيفة ومسؤولية عظيمة تجاه إمام العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) نشير إلى بعضها بإيجاز وهي:

1- معرفة المُنتَظَر: إنّ الذي يراجع كتب اللغة يجدها تُعرّف الانتظار أنّه بمعنى: إرتقاب حضور أحد وتوقّع الشيء، فيقال: نظرته إذا ارتقبت(1).

وبالطبع فإنّ مَنْ يترقّب حضور أحد وينتظر قدومه من المفترض له أن يهيّىء نفسه ويعدّها للقاء هذا المنتظر القادم الذي بقي يترقّب ويتوقّع حضوره ويعد اللحظات والدقائق لساعات اللقاء التي ينتظرها.

وفي واقع الأمر إنّ الإنسان إذا عرف قدر الشخص الذي ينتظره ويترقّب قدومه وأدرك مقامه فإنّ انتظاره يختلف عمّا لو كان لايعرف عنه شيئاً، فإذا كان لايعرف عنه شيئاً ربّما لايتوقّع قدومه أصلاً بل ولايحب قدومه لجهله بحقيقته، أمّا إذا عرف مقام ذلك الشخص الذي ينتظره واكتشف عظمة قدره فإنّه بلا ريب سيعدّ اللحظات والدقائق وينتظره على أحرّ من الجمر إلى أن يوفّق للقائه والتشرّف بخدمته. ومن هنا كان من اللازم الضروري على المنتظرين لبقية اللّه الأعظم (أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه

ص: 221


1- لسان العرب 5: 219 (نظر).

الفداء) أن يطالعوا ويبحثوا عن عظمة الإمام الذي ينتظرونه ومدى قداسته وعظمة شأنه الرفيع الذي أشار إليه أهل البيت (عليهم السلام) في رواياتهم المختلفة، ومنها ما عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه سُئل هل وُلد القائم (عليه السلام) ؟ فقال (عليه السلام) : لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي!(1) فهذا صادق آل محمّد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يتمنّى أن يكون خادماً لمهدي آل محمد طوال حياته؟! فهل نحن كذلك؟! وهل نحن حقّاً «خدام للمهدي» (عليه السلام) أم أنّ هذا اللقب ندّعيه مجرّد ادّعاء ليس إلاّ؟!

ففي الحديث عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لابد من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض، وكل حرّى وحرّان وكل حزين لهفان، ثم قال (عليه السلام) : بأبي وأمّي سمّي جدّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام) ، عليه جيوب النور تتوقد بشعاع ضياء القدس، كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين، كأنّي بهم آيس ما كانوا، نودوا نداء يسمع من بُعد كما يسمع من قرب يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على الكافرين(2).

وعن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلمّا تفرّق من كان عنده قال لي: يا أبا حمزة من المحتوم الذي حتمه اللّه قيام قائمنا، فمن شك في ما أقول لقي اللّه وهو به

ص: 222


1- غيبة النعماني: 245، ح46.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 7، ح14.

كافر... بأبي واُمّي المسمّى باسمي والمكنّى بكنيتي السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يا أبا حمزة من أدركه فلم يسلم له فما لمحمّد وعلي (عليهما السلام) قد حرّم اللّه عليه الجنة ومأواه النار وبئس مثوى الظالمين(1).

ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال: فانظروا أهل بيت نبيّكم فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجنّ اللّه الفتنة برجل منّا أهل البيت. بأبي ابن خيرة الإماء(2).

وعن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضّل بن عمرو وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبداللّه الصادق (عليه السلام) فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح خيبري مطوّق بلا جيب مقصّر الكمين وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ذات الكبد الحرّى، قد نال الحزن من وجنتيه وشاع التغيير في عارضيه وأبلى الدموع محجريه وهو يقول: سيدي غيبتك نفت رقادي وضيقت عليّ مهادي وابتزّت منّي راحة فؤادي، سيّدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد(3).

أفهل دقّقنا في هذه الروايات العظيمة؟ هل لاحظنا أنّ الأئمة جميعاً يبدون فداءهم لإمام الزمان (عليه السلام) قائلين: بنفسي... بأبي وأمي... فيما إمامنا الصادق (عليه السلام) تتقطع أوصال قلبه بسبب غيبة الإمام (عليه السلام) وهو لا يخاطبه إلا بقوله: «سيدي»!!

وهنا نقطة مهمّة; وهي أنّ مخاطبة الإمام الصادق (عليه السلام) للإمام

ص: 223


1- الغيبة للنعماني: 86، ح17.
2- بحار الأنوار 34: 118، ح951.
3- كمال الدين 2: 352-353، ح51.

المهدي (عليه السلام) بقوله: «سيدي» دليل على أنّ الإمام المهدي أفضل منه وأعلى مرتبة منه، وهذا مصداق لما ورد عنهم (عليهم السلام) من قولهم: «أفضلنا قائمنا». ويتبيّن من الأحاديث الشريفة أنّ أفضل الخلق بعد أهل الكساء الخمسة هو الإمام المهدي (عليه السلام) ثم بقية الأئمة الثمانية من ذرية الإمام الحسين (عليهم السلام) .

2- ماذا ننتظر؟كانت هذه قطرة من بحر فضائل إمام العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) الذي سيجلب للبشرية السعادة العظمى في الدارين، والآن لابأس أن نتساءل وإيّاكم: ماذا ننتظر؟! وبعبارة أخرى: ما الذي سيجلبه الإمام المنتظر (صلوات اللّه وسلامه عليه) معه للبشرية جمعاء من خيرات وبركات حرموا منها بل لم يسمعوا بها.

ولقائل أن يقول هنا: لماذا تذكرون مثل هذه الأمور؟ وفي جوابه نقول: إنّ البشرية إذا عرفت ماذا سيقدّم لها منقذ البشرية من بركات وخيرات فإنّ شوقها إليه سيكون أكثر واستعدادها للقائه وتهيّؤها لمجيئه سيكون أفضل، فضلاً عن تأكيدها وإصرارها على الاتصال به وتتبّع أخباره حتى يظهر وتنتهي آلام الانتظار التي تقطّع قلوب المنتظرين.

ولنذكر نبذه مختصرة حول ما سيحّققه الإمام الحجّة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) للبشرية عند ظهوره وذلك على لسان أهل البيت (عليهم السلام) الذين ينطقون بلسان الوحي:

(1) العدالة: ففي عالم الظلم والطغيان ومع إعاثة الظلمة ظلمهم في العالم بأسره تتجّلى عظمة الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يبيد الجبابرة والعتاة ويقضي على الطغاة وينشر العدالة الحقيقية التي حرم منها الناس طيلة حياتهم، فعن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنّه قال: المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(1).

ص: 224


1- شرح الأخبار 3: 379، ح1253.

وعن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابنه الحسين (عليه السلام) ، فقال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول اللّه سيّداً، وسيخرج من صلبه رجلاً باسم نبيّكم فيشبهه في الخلق والخلق يخرج على حين غفلة من الناس وإماتة من الحق وإظهار من الجور واللّه لو لم يخرج لضرب عنقه، يفرح لخروجه أهل السماء، وسكانها يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(1).

وبطبيعة الحال فإنّ البشرية وهي تعاني مضض الظلم وتتجرّع آهات الجور يحقّ لها أن تستبشر بظهور إمام همام كهذا يسعدها بالعدالة ويجعلها تعيش تحت ظل القسط.

(2) الأمن والأمان: حيث ينشر صاحب العصر والزمان (عليه السلام) الأمن والأمان للبشرية التي قضت عمرها في الاضطراب والخوف من الحروب والجور وما أشبه ذلك من المخاطر الصعبة التي تهدّد حياتها وتنغّص عليها رغد العيش، وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له قائلاً: حتى تمشي المرأة بين العراق والشام، لاتضع قدميها إلاّ على النبات، وعلى رأسها زينتها، لايهيجها سبع، ولا تخافه(2).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : وتخرج العجوز... الضعيفة من المشرق، تريد المغرب لاينهاها أحد(3).

(3) الانتعاش المعيشي: فبعد أن تعيش البشرية الفقر والحرمان وتقاسي مضض الجوع وما أشبه من مشاكل الفقر يطلّ عليها عالم آخر مليء

ص: 225


1- الغيبة للشيخ الطوسي: 190.
2- الخصال 2: 626.
3- تفسير العياشي 2: 61، ح49.

بالانتعاش والغنى بحيث لايبقى فقير أو محتاج إلا واستغنى حتى تصبح الثروات لا قيمة لها! وإلى ذلك يشير رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في حديث له قائلاً: أبشركم بالمهدي يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسّم المال صحاحاً، فقال رجل: ما صحاحا؟ قال: بالسوية بين الناس، ويملأ اللّه قلوب أمّة محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) غنى ويسعهم عدله حتى يأمر مناديا ينادي يقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل واحد فيقول: ائت السدان - يعني الخازن - فقل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له: أحث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسا أعجز عمّا وسعهم فيردّه ولايقبل منه، فيقال له: إنّا لانأخذ شيئاً أعطيناه(1).

وعن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قال: تتنعم أمّتي في زمن المهدي (عليه السلام) نعمة لم يتنعّموا قبلها قط: يرسل السماء عليهم مدراراً ولاتدع الأرض شيئاً من نباتها إلا أخرجته(2).

(4) الألفة والمحبّة: ففي عهد إمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) تنتشر المحبّة والألفة والمودّة بين الناس بعد أن يكونوا متخاصمين كل منهم يسعى جاهداً من أجل أذيّة أخيه في البشرية.

ولايخفى أنّ إيجاد الألفة بين القلوب يحتاج إلى عناية خاصة وولاية

ص: 226


1- كشف الغمة 2: 483.
2- كشف الغمة 2: 473.

تكوينية عامّة بحيث يؤلّف بين قلوب البشرية على خلافاتها واختلاف مشاربها وكثرة نزاعاتها الشديدة وعداواتها المكنونة. فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: قلت يا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أمنّا آل محمّد المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لا بل منّا يختم اللّه به الدين كما فتح بنا، وبنا ينقذون من الفتن كما أنقذوا من الشرك، وبنا يؤلّف اللّه بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً كما ألّف بينهم بعد عداوة الشرك...، إخواناً في دينهم(1).

(5) إعزاز الدين: وهذا من أهم الأمور التي يجلبها بقية اللّه الأعظم (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) للبشرية حيث يعزّ الإسلام والعقيدة بعد تكالب الطغاة والمنافقون على محوه فيعيد للإنسانية عزّة الدين ويجعلها تلامس بنفسها عزّ الإسلام، فعن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقول: ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه، ويفرُّ منهم بقلبه فإذا أراد اللّه عزّوجلّ أن يعيد الإسلام عزيزاً قصم كلّ جبار عنيد وهو القادر على ما يشاء أن يصلح أمة بعد فسادها. فقال (عليه السلام) : يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام لايخلف وعده وهو سريع الحساب(2).

(6) تكامل العقول: ففي عهد إمام العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) تتكامل العقول البشرية وتنضج الألباب ويصبح الناس حكماء فقهاء، وإلى ذلك يشير الإمام

ص: 227


1- كشف الغمة 2: 473.
2- كشف الغمة 2: 473.

الباقر (عليه السلام) قائلاً: تؤتون الحكمة في زمانه - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - حتى أنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى وسنّة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (1).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: إذا قام قائمنا (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم(2).

وغير هذه الأمور من البركات والسعادات التي يجلبها الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) معه للبشرية، ولهذا فمن المفترض أن تدرك البشرية أنّها تنتظر كل خير بانتظارها لإمام الزمان (عليه السلام) ولو اطّلع الناس على مثل هذه الأمور وأدركوا حقيقتها لماتوا شوقاً إليها، إلا أنّه يبقى القول أنّ أمامهم وظيفة تتجسّد في خدمته والتعجيل في ظهوره (عليه السلام) .

3- المنتظرون... مَن هُم؟

بعد أن عرفنا شيئاً قليلاً عن إمام الزمان المنتَظَر لابأس أن نسلّط الأضواء على صفات المنتظرين، وإلا فأيّ إنسان يمكن أن يدّعي أنه منهم والحال أنّه لايحرّك ساكناً من أجل فرج مهدي آل محمّد (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف). وبعبارة أخرى: حتى يكون الإنسان من المنتظرين لابد أن تكون فيه خصال منها:

* المعرفة: بحيث يعرف المنتظِر إمام زمانه وإلاّ فإنّه يموت ميتة جاهلية وهذه المعرفة لابد أن تكون عملية بحيث يطرق المنتظر أبواب أهل البيت (عليهم السلام) ويرى أحاديثهم حول إمام الزمان ومدى قدسيته العظيمة ثم يسعى جاهداً أن يتقرّب إليه بالخصال الحميدة والصفات الممدوحة التي ترضي قلبه (عليه السلام) وقد

ص: 228


1- الغيبة للنعماني: 238-239.
2- الكافي 1: 25، ح21.

دعا الأئمة (عليهم السلام) لمثل هذه المعرفة في أحاديثهم، فعن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن قول اللّه: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِۢ بِإِمَٰمِهِمْ}(1) فقال (عليه السلام) : يا فضيل اعرف إمامك، فإنّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا، بل بمنزلة من قعد تحت لوائه، قال: وقال بعض أصحابه: بمنزلة من استشهد مع رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) (2).

* إدخال السرور على قلبه: وهو أن تكون سيرة المنتظر لإمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) مرضيّة عنده بحيث أنّه يبقى مسروراً وراضيا عنه، وبالطبع فإنّ الذي يرضى عليه ولي اللّه الأعظم (عليه السلام) يكون مرضياً عند اللّه تعالى حتماً.

* التركيز على العلم: إذ أنّ أهل البيت (عليهم السلام) لهم اعتناء خاص بالعلم والعلماء خاصة إذا كان العلم مصحوباً بالعمل فإنّه سيكون محلّ اهتمامهم (عليهم السلام) ، ولذا من المفترض لمن ينتظرون إمام العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) أن يتسلّحوا بسلاح العلم لينالوا المراتب المقرّبة منه (عليه السلام) .

4- من وظائف المنتظرين: هناك وظائف للمنتظرين ينبغي لهم أن يقوموا بها على أكمل وجه وهي:

(1) العمل لتعجيل الفرج: وذلك من خلال الدعاء والتوسّل والتمهيد لظهور منقذ البشرية (عليه السلام) الذي سيأتي حتماً هو وأنصاره لينقذوا البشرية من ظلمات الضياع. ويكون هذا العمل بالخدمة المتواصلة، والذوبان في فداء

ص: 229


1- سورة الإسراء: 71.
2- الكافي 1: 371، ح2.

إمام الزمان (عليه السلام) ، والتبشير بظهوره، ودعوة الناس إلى التمسّك بحبل ولايته وولاية آبائه الطاهرين عليهم أفضل الصلاة وأتمّ السلام.

(2) توثيق الارتباط به: من خلال الدعاء لفرجه فإنّ في ذلك فرجنا كما ورد في التوقيع الشريف والوارد عنه (عليه السلام) (1) علماً أنّ هناك مجموعة من الأدعية لفرج إمام العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) منها دعاء الندبة ودعاء العهد، وزيارة آل ياسين وصلاة صاحب الزمان المذكورة في مسجد السهلة وما أشبه ذلك. وقد ورد عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: فلما طال على بني إسرائيل العذاب ضجّوا وبكوا الى اللّه أربعين صباحاً، فأوحى اللّه إلى موسى وهارون يخصلّهم من فرعون، فحطّ عنهم سبعين ومئة سنة، قال: وقال أبو عبداللّه (عليه السلام) : هكذا أنتم لو فعلتم لفرّج اللّه عنّا، فأمّا إذا لم تكونوا فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه(2).

(3) خدمة الناس: وهذا من أفضل الأمور التي يرضى لها بقية اللّه الأعظم (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) ولايخفى أنّ ذلك يحتاج إلى إخلاص في العمل وهمّة في التحرّك حتى يصل المكلّف إلى الخدمة الحقيقية التي ترضي قلب الإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) عنه.

ص: 230


1- ورد التوقيع عن الامام الحجة (عليه السلام) أنه كتب: واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فانّ ذلك فرجكم، الغيبة للطوسي: 292-293.
2- تفسير العياشي 2: 154، ح49.

فصل: تأمّلات في التوقيع الشريف

اشارة

بعد هذه النبذة المختصرة عن إمام الزمان (عليه السلام) نعود إلى التوقيع الشريف الذي ذكرناه في مقدّمة البحث ونقول: ما المراد من التوقيع الشريف؟

وهل أنه ينافي ماهو مشهور لدى الإمامية من تشرّف العديد بالمولى صاحب الزمان (عليه السلام) خاصة أنّ بعض ماينقل كاد يبلغ الاستفاضة؟

والإجابة على السؤال بأمور منها:

الأول: ذهب البعض إلی أنّ المراد بادّعاء المشاهدة مع النيابة الخاصة وإيصال الأخبار من الإمام (عليه السلام) إلى الشيعة، فالإمام بهذا التوقيع الشريف أغلق باب إدعاء السفارة الخاصة.

الثاني: أنّ من تشرّفوا بلقاء الإمام المهدي (عليه السلام) لم يدّعوا المشاهدة بل معظمهم لم يخبروا أحداً بتشرّفهم بلقياه صلوات اللّه عليه، وإنّما ظهر الأمر دون إرادتهم فلا يشملهم حديث المولى (عليه السلام) .

الثالث: ذهب البعض أنّ المراد بالمشاهدة أي حين يتشرّف بلقاء الإمام (عليه السلام) يدرك ملياً أنّ في خدمته ومعظم من تشرّفوا بلقاء الإمام الحجّة (عليه السلام) وحظوا بعناياته لم يلتفتوا إلى أنّ الذي كانوا في خدمته هو الإمام (عليه السلام) .

ص: 231

من فوائد اللقاء بإمام الزمان (عليه السلام)

بين الحين والآخر يعترض البعض على مسألة نشر لقاءات البعض بإمام الزمان (عليه السلام) ويقول: ما الفائدة من ذكر هكذا قصص؟ ولماذا نروّج لها؟ أليس أنّ ترويج قصص كهذه يفتح الباب أمام البعض من ذوي النفوس الضعيفة كي يضحكوا على عقول البسطاء من خلال ادّعاءاتهم التشرّف بلقيا إمام الزمان (عليه السلام) ؟

مثل هذه التساؤلات عادة ما تصدر ممّن لايعرف السرّ والحكمة في ظهور الإمام الحجّة (عليه السلام) للبعض ومخالفة القاعدة الأساسية في عصر الغيبة وهي عدم اتصال أحد بإمام الزمان (عليه السلام) وغيبته عن الجميع.

ولو كان أمثال هؤلاء يعرفون فوائد الحكمة في تشرّف البعض بلقاء إمام الزمان (عليه السلام) لما صدرت منهم مثل هذه التساؤلات، ولذا وجدت من اللازم بمكان أن نبيّن فوائد التشرف بإمام الزمان (عليه السلام) والحكمة في بيان أمثال هذه القصص، فنقول:

في كل عصر عندما يتعرّض الناس إلى المحن والفتن عادة ما يلوذون إلى أئمّتهم وساداتهم ويتوسّلون بهم كي يعينوهم في إنقاذهم ممّا هم فيه.

ومثل هذه التشرّفات واللقاءات بالمولى (عليه السلام) لها إيحاءاتها الكثيرة ومنها:

1- أننا لنا راعي يرعانا ويشملنا بألطافه وعناياته ولولا عناياته لضعنا، ففي توقيع الإمام الحجّة بن الحسن صلوات اللّه عليه إلى الشيخ المفيد بن النعمان قال (عليه السلام) : فإنّا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالذُل الأذى الذي أصابكم، مذ جنح كثير منكم، إلى ما كان السلف

ص: 232

الصالح عنه شاسعا ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون، إنا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم ولولا ذلك لنزل بكم اللاواء واصطلمكم الأعداء(1).

2- تقوية عقائد الناس: ففي كل زمان تتعرّض عقائد الموالين للشبهات من المخالفين والمغرضين، ومن الشبهات التي نثار حول عقيدة الإمامية بإمام الزمان (عليه السلام) ، أنكم تعتقدون بامام لاوجود له، أو أين إمامكم عنكم لماذا لايراه أحد؟

مقابل شبهات كهذه وغيرها تكون التشرّفات واللقاءات بالإمام المهدي (عليه السلام) خير جواب وأصدق معزّز لقلوب الشيعة المنتظرين له (عليه السلام) .

3- تسديد المولى صاحب العصر (عليه السلام) لبعض الناس أمثال تسديده للعلامة الحلّي أو الشيخ المفيد وغيرهم من العلماء الذين حظوا بتسديدات خاصة من الإمام (عليه السلام) .

4- زياد ارتباط الناس بالإمام (عليه السلام) وأنّهم لو تهيّأة الشرائط يمكن أن يتشرّفوا بلقاء إمام زمانهم (عليه السلام) وينالوا عناياتهم وبركاته.

5- ردّ شبهات المناوئين ممّن يدّعون خرافة وجود إمام الزمان (عليه السلام) ووجوده بعد هذه الفترة الطويلة من ولادته وغيبته.

6- تأكيد مايذهب إليه الإمامية من أنّ الإمام (عليه السلام) يدير الكون له السلطة على حلّ مشاكل الناس مهما كانت مشاكلهم عصيبة.

روى في كشف الغمة عن السيد باقي بن عطوة العلوي الحسيني: أنّ أباه

ص: 233


1- الخرائج والجرائح 2: 903.

عطوة كان به أدرة(1).

وكان زيدي المذهب وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية ويقول: لا أصدّقكم ولا أقول بمذهبكم حتى يجيء صاحبكم - يعني المهدي - فيبرئني من هذا المرض، وتكرّر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا فأتيناه سراعا، فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نر أحداً فعدنا إليه وسألناه، فقال: إنه دخل إليّ شخص، وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صاحب بنيك قد جئت لأبرئك ممّا بك، ثم مدّ يده فعصر قروتي ومشى ومددت يدي فلم أر لها أثرا، قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبه واشتهرت هذه القصّة وسألت عنها غير ابنه فأخبر عنها فأقرّ بها(2).

ضربة من صفين

نقل محيي الدين الإربلي: أنه حضر عند أبيه ومعه رجل فنعس فوقعت عمامته عن رأسه فبدت في رأسه ضربة هائلة فسأله عنها، فقال له: هي من صفّين، فقيل له: وكيف ذلك ووقعة صفين قديمة؟! قال: كنت مسافرا فصاحبني إنسان من غزة، فلما كنّا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفّين فقال لي الرجل: لو كنت في أيام صفّين لرويت سيفي من عليّ وأصحابه. فقلت: لو كنت في أيام صفّين لرويت سيفي من معاوية وأصحابه.

ص: 234


1- آدر كآزر: من به الأدرة وهو انفتاق الصفاق بحيث يقع القصب في الصفن ويكون الخصية منتفخاً بذلك.
2- كشف الغمة 2: 497.

وها أنا وأنت من أصحاب علي (عليه السلام) ومعاوية فاعتركنا عركة عظيمة واضطربنا، فما أحسست بنفسي إلا مرميا لما بي، فبينما أنا كذلك وإذا بإنسان يوقظني بطرف رمحه ففتحت عيني فنزل إليّ ومسح الضربة فتلاءمت . فقال: إلبث هنا، ثم غاب قليلا وعاد ومعه رأس مخاصمي مقطوعا، والدواب معه، فقال (عليه السلام) لي: هذا رأس عدوك وأنت نصرتنا فنصرناك: ولينصرن اللّه من نصره(1) فقلت: من أنت؟ فقال (عليه السلام) : فلان بن فلان يعني صاحب الأمر (عليه السلام) ثم قال لي: وإذا سئلت عن هذه الضربة فقل: ضربتها في صفّين(2).

لقد أذن اللّه لك

روي عن عليّ بن إبراهيم بن مهزيار، قال: حججت عشرين حجّة أطلب بها عيان الإمام(3) فلم أجد إليه سبيلا، إذ رأيت ليلة في نومي قائلا يقول: يا عليّ بن إبراهيم قد أذن اللّه لك، فخرجت حاجّا نحو المدينة، ثمّ إلى مكّة وحججت، فبينا أنا ليلة في الطواف إذ أنا بفتى حسن الوجه، طيّب الرائحة طائف(4) فحسّ قلبي به، فابتدأني فقال لي: من أين؟ قلت: من الأهواز.

فقال: أ تعرف الخصيبي؟ قلت: رحمه اللّه، دعي فأجاب، فقال:

رحمه اللّه، فما أطول ليله، أ فتعرف عليّ بن إبراهيم؟ قلت: أنا هو. قال:

أُذن لك صر إلى رحلك و صر إلى شعب بني عامر تلقاني هناك، فأقبلت

ص: 235


1- إشارة إلى سورة الحج: 40 {وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ}
2- بحار الأنوار 52: 75.
3- يقال: لقيه أو رآه عيانا: أي مشاهدة لم يشكّ في رؤيته إيّاه.
4- طائف: أي طائف حول البيت.

مجدّا حتّى وردت الشعب فإذا هو ينتظرني، و سرنا حتّى تخرّقنا(1) جبال عرفات، و سرنا إلى جبال منى، و انفجر الفجر الأوّل و قد توسّطنا جبال الطائف، فقال: انزل، فنزلنا و صلّينا صلاة الليل ثمّ الفرض، ثمّ سرنا حتّى علا ذروة الطائف، فقال: هل ترى شيئا؟ قلت:

أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقّد البيت نورا.

فقال: هنّاك الأمل و الرجاء، ثمّ صرنا في أسفله، فقال: انزل فهاهنا يذلّ كلّ صعب، خلّ عن زمام الناقة، فهذا حرم القائم لا يدخله إلّا مؤمن يدلّ(2)؛ ودخلت عليه فإذا أنا به جالس قد اتّشح ببردة و تأزّر بأخرى، و قد كسر بردته على عاتقه و إذا هو كغصن بان ليس بالطويل الشامخ و لا بالقصير اللازق، بل مربوع(3) مدوّر الهامة، صلت الجبين، أزجّ الحاجبين، أقنى

ص: 236


1- تخرّقنا - بالخاء المعجمة و الراء المشدّدة: أي قطعنا.
2- من المصدر، يقال: هو يدلّ به: أي يثق به.
3- اتّشح بثوبه: لبسه أو أدخله تحت ابطه فألقاه على منكبه، و تأزر: لبس الإزار. و الإزار: كلّ ما سترك، و الملحفة.و البان: شجر معتدل القوام، ورقه ليّن.و قال ابن الاثير في النهاية 3: 45: في صفته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «كان صلت الجبين» أي واسعه.و قيل: الصلت: الأملس. و قيل: البارز. و قال أيضا في 2: 296: في صفته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «أزجّ الحواجب» الزجّ: تقوس في الحاجب مع طول في طرفه و امتداد.و قال أيضا في 4: 116: في صفته (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : «كان أقنى العرنين» القنا في الأنف: طوله و رقّة ارنبته مع حدب في وسطه. و قال أيضا في 2: 428: و في صفته (عليه الصلاة والسلام): «أنّه سهل الخدّين صلتهما» أي سائل الخدّين، غير مرتفع الوجنتين. و قال أيضا في 2: 229: في صفة الكوثر: «طيبه المسك، و رضراضه التوم». الرضراض: الحصى الصغار. و التّوم: الدّر.

الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضراضة عنبر.

فلمّا أن رأيته بدرته بالسلام، فردّ عليّ أحسن ما سلّمت عليه و سألني عن المؤمنين، قلت: قد ألبسوا جلباب الذلّة و هم بين القوم أذلّاء، قال: لتملكونهم كما ملكوكم، و هم يومئذ أذلّاء، فقلت: لقد بعد الوطن.

قال: إنّ أبي عهد إليّ أن لا أجاور قوما غضب اللّه عليهم، و أمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا وعرها، و من البلاد إلّا قفرها، و اللّه مولاكم أظهر التقيّة، فأنا في التقيّة إلى يوم يؤذن لي فأخرج.

قلت: متى يكون هذا الأمر؟ قال: إذا حيل بينكم و بين الكعبة، فأقمت أيّاما حتّى أذن لي بالخروج، فخرجت نحو منزلي و معي غلام يخدمني فلم أر إلّا خيراً(1).

أوصله حتى الباب

يقول الشيخ محمد الكوفي: لم تكن في السابق وسائل النقل متوفّرة ومتاحة للجميع في طريق العراق إلى الحجاز، ولذا اضطررت أن أذهب إلى بيت اللّه الحرام على ظهر بعير، وبعدما وفقت لأداء مناسك الحج والزيارة عدت إلى العراق، وفي الطريق تخلّفت عن القافلة وضللت الطرق حتى وصلت إلى بعض البرك والمستنقعات فغارت رجلا البعير فيها، ولم يكن بإمكانني النزول عن ظهر البعير وكاد البعير أن يموت.

آنذاك وبعد أن انقطعت بي السبل وضاقت بي الدنيا برحبها صرخت من

ص: 237


1- الخرائج و الجرائح 2: 785، ح111.

أعماق قلبي قائلاً: يا أبا صالح المهدي أدركني، وكرّرت ذلك عدّة مرّات، وفي الأثناء رأيت فارساً يتجه نحوي، وراع انتباهي أنه لم يعبأ بالوحل حيث كان يمشي بدون أيّ اكتراث أو خوف من الغرق في الوحل حتى وصل إليّ وهمس بأُذن البعير بكلمات لم أسمع منها إلا آخرها حيث قال: حتى الباب.

وبعد تلك الكلمات التي كانت بمثابة الوقود للبعير الغارق بالوحل خرج البعير من الوحل ومشى باتجاه الكوفة بسرعة، فالتفت إلى السيد وقلت له: من أنت؟

قال: أنا المهدي.

قلت: أين راك ثانية؟

قال: متى شئت.

ثم بدأ البعير يبتعد شيئاً فشيئاً عن السيد الذي تعلّقت روحي به إلى أن وصلت إلى بوابة الكوفة وسقط البعير على الأرض، فدنوت منه وهمست في أذنه وقلت: حتى الباب، وكررت ذلك، وإذا به ينهض ويعود كما كان إلى أن أوصلني إلى باب منزلي فسقط مرة أخرى وفارق الحياة(1).

يداً بيد مع صاحب العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)

عن الشيخ السلماسي - الذي كان مرافقاً للسيّد بحر العلوم (رحمه اللّه) - أنّه قال: كنّا ذات يوم جالسين في درس السيد بحر العلوم في النجف الأشرف، وكان الميرزا القمّي قد جاء من إيران لزيارة العتبات المقدّسة في طريقه إلى حجّ، فلمّا تفرّق تلاميذه ولم يبق في المجلس إلاّ بعض مريديه قال

ص: 238


1- نقلت القصة في كتاب (والدي) وقصص عجيبة أخرى: 183-184 ولكن بأسلوب آخر.

الميرزا القمّي مخاطباً بحر العلوم: لقد فزت بمرتبة كبيرة بولادة جديدة في الروح والقربى ظاهراً وباطناً، فتصدّق علينا ممّا أنعم اللّه عليك من نعمه التي لا تحصى، فقال السيّد على الفور: ذهبت ليلة أمس إلى مسجد الكوفة لأداء نافلة الليل، مع نيّتي في العودة إلى النجف فجراً، لكي لا يتعطّل الدرس، فلمّا غادرت المسجد هاجني شوق إلى مسجد السهلة في الكوفة، ولكنّي خشيت أن أتأخّر فصرفت الفكر عن ذهني، ولكن شوقي كان يتأجّج فبقيت حائراً متردّداً، وفجأة هبّت زوبعةٌ أثارت غباراً حملتني إلى مسجد السهلة، وما هي إلاّ لحظات حتّى هبطت بي إلى الأرض، فدخلت المسجد وكان خالياً من الناس إلاّ من شخص تبدو عليه سيماء المهابة مستغرقاً في مناجاة مع قاضي الحاجات، فانخلع قلبي لمنظره وارتعشت قدماي لسماع كلماته ودعائه فكأنّي لم أسمع قبله دعاءً ولا مناجاةً، فانهمرت الدموع من عيني... وأدركت على الفور أنّه يُنشئ إنشاءً لا حفظاً عن ظهر قلب، فأصغيت إلى عذب كلماته، مستمتعاً بانسياب مناجاته، حتّى إذا فرغ من دعائه التفت إليَّ وقال: تعال يا مهدي.

فخطوت نحوه خطوات ثمّ توقّفت فقال لي: تقدّم.

فتقدّمتُ نحوه ثمّ توقّفتُ فقال: إنّ الأدب في الإطاعة.

فمشيت نحوه حتّى تلامست أيدينا وأسرَّ لي حديثاً...

يقول الشيخ السلماسي: إنّ السيّد بحر العلوم وصل في روايته عند هذا الحدّ ثمّ سكت(1).

ص: 239


1- بحار الأنوار 53: 235.

سل من إمام زمانك (عليه السلام)

نقل العلامة المجلسي (رحمه اللّه) ، فقال: أخبرني جماعة عن السيد الفاضل مير علاّم، قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدسة بالغري على مشرّفها السلام وقد ذهب كثير من الليل . فبينا أنا أتجول هناك إذ رأيت شخصاً مقبلاً نحو الروضة المقدسة، فأقبلت إليه فلما قربت منه عرفت أنه أستاذنا الفاضل الشيخ أحمد الأردبيلي قدّس اللّه روحه، فأخفيت نفسي عنه حتى أتى الباب وكان مغلقاً فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل الروضة، فسمعته يتكلّم كأنّما يناجي أحداً، ثم خرج وأغلق الباب .

فمشيت خلفه حتى خرج من الغري وتوجّه نحو مسجد الكوفة، فمشيت خلفه بحيث لا يراني، حتى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) عنده، ومكث طويلاً، ثم رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري، وكنت خلفه .

فلما قرب من الحنّانة(1) أخذني سعال لم أقدر على دفعه، فسعلت، فالتفت إلي فعرفني، وقال: أنت مير علاّم؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع ههنا؟

قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدسة إلى الآن، وأقسم عليك بحقّ صاحب القبر أن تخبرني بما جرى لك في هذه الليلة من البداية إلى النهاية.

فقال: أخبرك، على أن لا تخبر به أحداً ما دمت حيّاً: فلمّا توثّق ذلك منّي قال: كنت أفكر في بعض المسائل المستعصية، فوقع في قلبي أن آتي أمير

ص: 240


1- الحنانة: موضع بين النجف والكوفة أقرب إلی النجف فيه مسجد.

المؤمنين (عليه السلام) وأسأله عن ذلك، فلما وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت، فدخلت الروضة وابتهلت إلى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من القبر أن: إئت مسجد الكوفة وسل من القائم (عليه السلام) فإنّه إمام زمانك، فأتيت إلى المحراب وسألته عنها وأجبت . وها أنا أرجع إلى بيتي(1).

لقد ضمّني الإمام (عليه السلام) إلى صدره

نقل الشيخ السلماسي (رحمه اللّه) ، فقال: كنت حاضراً في جلسة للسيد مهدي العلوم، فسأله رجل عن إمكان رؤية الإمام الحجة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)، وكان بيده (الغليان) فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه، وخاطب نفسه بكلام خفي أسمعه، فقال ما معناه: ما أقول في جوابه؟ وقد ضمّني الإمام صلوات اللّه عليه إلى صدره، وورد أيضا في الخبر تكذيب مدعي الرؤية، في أيام الغيبة فكرر هذا الكلام(2).

شفاء الشيخ الحر العاملي

نقل الشيخ الجليل الحر العاملي (رحمه اللّه) ، فقال: عندما كنت في عصر الصبی أصابني مرض شديد جداً حتى اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا وتهيّأوا للتعزية، وأيقنوا أنّي أموت تلك الليلة.

وبينما كنت كذلك وأنا بين النائم واليقظان رأيت النبي والأئمة الاثني عشر صلوات اللّه عليهم، فسلّمت عليهم وصافحتهم واحداً واحداً، وجرى بيني وبين الإمام الصادق (عليه السلام) كلام، ولم يبق في خاطري إلا أنه دعا لي.

ص: 241


1- بحار الأنوار 52: 174.
2- بحار الأنوار 53: 236.

ولما سلّمت على الصاحب (عليه السلام) ، وصافحته، بكيت وقلت: مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض، ولم أقض وطري من العلم والعمل، فقال (عليه السلام) : لا تخف فإنّك لا تموت في هذا المرض بل يشفيك اللّه تعالى وتعمّر عمراً طويلاً، ثم ناولني قدحاً كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عنّي المرض، وجلست وتعجّب أهلي وأقاربي، ولم أحدّثهم بما رأيت إلا بعد أيام(1).

مساعدة العلاّمة الحلّي

نقل في بعض مصنّفات الشيخ علي بن إبراهيم المازندراني الذي كان معاصراً للشيخ البهائي (رحمه اللّه) ، ما مفاده: وهكذا الشيخ الجليل جمال الدين الحلّي كان علامة علماء الزمان... إلى أن. قال: وقد قيل: إنه كان يطلب من بعض الأفاضل كتاباً لينسخه وكان هو يأبى عليه، وكان كتاباً كبيراً جداً فاتفق أن أخذه منه مشروطاً بأن لا يبقى عنده غير ليلة واحدة، وهذا كتاب لا يمكن نسخه إلا في سنة أو أكثر، فأتى به الشيخ (رحمه اللّه) فشرع في كتابته في تلك الليلة فكتب منه صفحات، وإذا برجل دخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز فسلّم وجلس، ثم قال: أيها الشيخ أنت مصطر لي الأوراق وأنا أكتب، فكان الشيخ يمصطر له الورق وذلك الرجل يكتب وكان لا يلحق المصطر بسرعة كتابته، فلما نقر ديك الصباح وصاح وإذا الكتاب بأسره مكتوب تماما . وقد قيل: إنّ الشيخ لمّا مل الكتابة نام فانتبه فرأى الكتاب مكتوبا(2).

ص: 242


1- إثبات الهداة 5: 338-339، ح165.
2- بحار الإنوار 53: 252.

مع العلامة الحلّي (رحمه اللّه)

نقل المحدّث الميثمي في كتابه (دار السلام) عن السيد محمد صاحب المفاتيح بن صاحب الرياض نقلاً عن خط آية اللّه العلامة في حاشية بعض كتبه ما ترجمته بالعربية: خرج ذات ليلة من ليالي الجمعة من بلدة الحلّة إلى زيارة قبر ريحانة رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) وهو على حمار له وبيده سوط يسوق به دابته، فعرض له في أثناء الطريق رجل في زيّ الأعراب فتصاحبا والرجل يمشي بين يديه فافتتحا بالكلام، وساق معه الكلام من كل مقام وإذا به عالم خبير نحرير فاختبره عن بعض المعضلات وما استصعب عليه علمها، فما استتم عن كل من ذلك إلا وكشف الحجاب عن وجهها وافتتح عن مغلقاتها إلى أن انجرّ الكلام في مسألة أفتى به بخلاف ما عليه العلامة، فأنكره عليه قائلا: إنّ هذه الفتوى خلاف الأصل والقاعدة ولا بد لنا في خلافهما من دليل وارد عليهما مخصّص لهما، فقال العربي: الدليل عليه حديث ذكره الشيخ الطوسي في تهذيبه.

فقال العلامة: إنّي لم أعهد بهذا الحديث في التهذيب ولم يذكره الشيخ ولا غيره. فقال العربي: ارجع إلى نسخة التهذيب التي عندك الآن وعدّ منها أوراقا كذا وسطورا كذا فتجده، فلما سمع العلامة بذلك ورأى أنّ هذا إخبار عن المغيبات تحيّر في أمر الرجل تحيّراً شديداً واندهش في معرفته وقال في نفسه: لعل هذا الرجل الذي يمشي بين يدي وأنا راكب هو الذي بوجوده تدور رحى الموجودات وبه قيام. الأرضين والسماوات، فبينما هو كذلك إذ وقع السوط من يده من شدّة التفكر والتحيّر فأخذ ليستخبر عن

ص: 243

هذه المسألة استخباراً منه واستظهاراً عنه أنّ في زمن الغيبة الكبرى هل يمكن التشرّف إلى لقاء سيدنا ومولانا صاحب الزمان، فهوى الرجل وأخذ السوط من الأرض ووضعه في كفّ العلامة وقال: لم لا يمكن وكفّه في كفّك؟ فهوی العلامة من على الدابة منكبا على قدميه وأغمي عليه من فرط الرغبة وشدّة الاشتياق، فلما أفاق لم يجد أحدا فاهتم بذلك هما شديدا وتكدّر ورجع إلى أهله وتصفّح عن نسخة تهذيبه فوجد الحديث المعلوم كما أخبره الإمام (عليه السلام) في حاشية تلك النسخة فكتب بخطّه الشريف في ذلك الموضع: هذا حديث أخبرني به سيّدي ومولاي في ورق كذا وسطر كذا، ثم نقل الفاضل الميثمي عن السيد المزبور طاب ثراه أنه قد رأى تلك النسخة بخطّ العلامة في حاشيته(1).

أطلبوا الرجل

بعد وفاة الشيخ محمد حسن النجفي صاحب كتاب «جواهر الكلام» رجع المسلمون إلى الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه) وطلبوا منه نشر رسالته العملية لتقليده.

فقال لهم الشيخ الأعظم (قدس سره) : مع وجود سعيد العلماء المازندراني الذي هو أعلم منّي ويعيش الآن في بابل، لن أطبع رسالتي العملية.

ولذا فإنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) نفسه عندما كتب رسالة وبعثها إلى سعيد العلماء المازندراني طالباً منه الانتقال إلى النجف الأشرف للتصدّي للمرجعية الدينية، أجابه سعيد العلماء برسالة جاء فيها: صحيح أنّي كنتُ

ص: 244


1- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب 2: 27.

أعلم منك في الفقه عندما كنّا نتباحث أيّام وجودي في النجف الأشرف، ولكن مضت مرور سنوات طويلة عليَّ وأنا أعيش في مدينة بابل بعيداً عن المباحثة والدرس فإنني أعقتد بأعلميّتك أنت!

ومع ذلك فإنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) كان يقول: لا أجد في نفسي اللياقة للتصدّي للمرجعية، إلا أن يُجيزني مولاي ولي العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) بالاجتهاد، ويعيّنني في مقام المرجعية، فإنّي حينئذ فقط سأتصدّى لهذا المقام.

ونتيجة امتناع الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) عن تولّي المسؤولية، فقد كاد أن يقع فراغ كبير في المرجعية الروحية للمسلمين أتباع أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

وذات يوم وبينما كان الشيخ الأعظم في مجلس الدرس وحوله تلامذته، رأوا شخصاً عليه سيماء العظمة والجلال والهيبة والوقار وقد دخل مجلس الشيخ (رحمه اللّه) ووجهه يشع نوراً، فأخذ الشيخ باحترامه وإكباره، وأجلسه إلى جواره دون أن يعلم بهويّته.

وكان الطلاب في أشدّ الاستغراب من هذا الشخص الجليل العظيم، الذي وقع حبّه في قلوبهم. وقد زاد من استغرابهم سؤاله الشيخ الأنصاري، وكأنّه يختبره! أمّا سؤاله فهو: ما هو نظرك في امرأة مُسِخَ زوجها، أي انقلب من حالة الى أخرى؟

لم تكن المسألة مطروحة من قبل في أيّ كتاب من الكتب الفقهية وركن الشيخ الأنصاري أجابه قائلاً: المسألة غير معروفة في كتبنا، ولذا فليس عندي الآن لها جواب.

ص: 245

فردّ الشخص النوراني بقوله: افرض أنّ هذا الأمر حدث ومُسخ الرجل فما هو حكم زوجته؟

قال الشيخ الأعظم (قدس سره) : بنظري أنّه في هذه الصورة على زوجته أن تعتدّ عدّة الطلاق ثمّ تتزوّج بعد ذلك، لأنّ الرجل من ذوي الأرواح في هذه الصورة وإذا مُسخ إلى الجماد فعلى زوجته أن تعتدّ عدة الوفاة لأنّ الرجل فقد الروح.

فقال الرجل أنت المجتهد... أنت المجتهد... أنت المجتهد، ثمّ نهض وخرج من مجلس الدرس!

وبعد قليل، علم الشيخ الأعظم أنّ هذا الشخص النوراني هو الإمام الحجّة المنتظر - أرواحنا لتراب مقدمه الفداء - فقال لتلامذته: اُطلبوا الرجل، فهرع الطلاب في أثره ولكن لم يتمكنوا من اللحاق به صلوات اللّه عليه!

وبعد هذه الإجازة من الإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) تصدّى الشيخ الأعظم للمرجعية التزاماً منه بأمر إمام الإنس والجان الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

على كل فإنّنا نستفيد من هذه القصّة الشريفة عدة أمور منها:

1- شدّة تقوى علمائنا - رضوان اللّه عليهم - حيث إنّه لمجرّد احتماله وجود مَن هو أعلم منه يرفض التصدّي للمرجعية.

2- تدخّل الإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) في الظروف الحرجة التي يمرّ بها الشيعة لأجل إنقاذهم من العمل بلا هدى. وسدّ فراغ المرجعية بتنصيب من هو أهل وكفؤ لتولّي هذه المسؤولية العظيمة.

3- إحاطة الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) وإلمامه بذوق الشريعة، فبالرغم من عدم

ص: 246

عنونة هذه المسألة في الكتب الفقهية إلاّ أنّه استطاع أن يستنبط الجواب الصحيح، وهذا إن دلّ فهو على التأييد الإلهي لعلمائنا الربّانيين.

ونتيجة لهذه الحادثة وأمثالها، مازال المؤمنون في كل مكان يذكرون الشيخ الأنصاري ويمجدونه ويعظّمونه، لأنه وأمثاله من العلماء الأبرار والمراجع الأتقياء الذين كانوا على علاقة خاصة بإمامهم صاحب العصر - صلوات اللّه عليه - ويتمّتعتون بتأييده وإمداده وفيوضاته. جعلنا اللّه ممّن نعرف قدر العلماء(1).

ياقوت الدهّان

ممّا يؤسف له حقاً أنّ بعض الشيعة على مرّ التاريخ يتوانون عن نشر فكر أهل البيت (عليهم السلام) وإيصال صوتهم إلى الآخرين الأمر الذي جعل كثير من الناس يضلّون الطريق ويبتعدون عن خطّ أئمة الهدى (عليهم السلام) .

بالطبع الكثير من الناس وفّقوا لاعتناق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ببركة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الذين كانوا يأخذون بأيديهم وينقذونهم من الشدائد والمحن، فقد نقل الشيخ علي الرشتي - وكان من أجلاء العلماء الأتقياء - قال: سافرت من مدينة كربلاء المقدّسة إلى النجف الأشرف عن طريق «طويريج» فركبنا السفينة، وفيها جماعة كانوا مشغولين باللّهو واللعب وبعض الأعمال المنافية للوقار والأدب، ورأيت رجلاً معهم لا يشاركهم في أعمالهم، بل كان محافظاً على وقاره وأخلاقه، ولا يشترك معهم إلاّ عند تناول الطعام، وكانوا يستهزؤون به ويخاطبونه بكلام لاذع وربما طعنوا في مذهبه!

ص: 247


1- موسوعة القصص والحكايات: 124-125.

فسألته عن سبب ابتعاده عنهم وعدم اشتراكه معهم في اللّهو واللعب؟

فقال: هؤلاء أقاربي، وهم من العامة، وأبي منهم، ولكن والدتي من أهل الإيمان - أي أنّها شيعية - وكنت أنا أيضاً على مذهبهم، ولكنّ اللّه تعالى منَّ عليَّ بالتشيّع ببركة الإمام الحجّة صاحب الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

فسألته عن سبب هدايته وتشرّفه بالتشيع؟

فقال: اسمي: ياقوت، وعملي بيع الدهن في مدينة الحلّة، ثم بدأ يحكي لي قصة هدايته، فقال: خرجت - في بعض السنين - إلى البراري خارج الحلّة لشراء الدهن، فاشتريت كميّة من الدهن ورجعت مع جماعة، ووصلنا ليلاً إلى منزل - في الطريق - فبتنا فيه تلك الليلة، ولما انتبهت من النوم، رأيت أنّ الجماعة قد رحلوا جميعاً، فخرجت في أثرهم وكان الطريق أقفر، والأرض ذات سباع، فضللت الطريق، وبقيت متحيّراً خائفاً من السباع والعطش.

فجعلت أستغيث بأبي بكر وعمر وعثمان!! وأسألهم الإعانة، فلم يظهر منهم شيء! وكنت - فيما مضى - قد سمعت من أمّي أنّها قالت: إنّ لنا إماماً حيّاً يكنّى: أبا صالح، وهو يرشد الضّال ويغيّث الملهوف ويعين الضعيف، فعاهدت اللّه تعالى: إن أغاثني ذلك الإمام أن أدخل في دين أمّي - أي أعتنق مذهب التشيّع - .

فناديت: يا أبا صالح!

وإذا برجل يمشي إلى جانبي معمّم بعمامة خضراء، فدلّني على الطريق، وأمرني بالدخول في دين أمّي، وقال: ستصل إلى قرية جميع أهلها من الشيعة.

ص: 248

فقلت له: إلاّ تأتي معي إلى هذه القرية؟

قال: لا، فقد استغاث بي - الآن - ألف إنسان في أطراف البلاد، وأريد أن أغيثهم.

ثم غاب عنّي فمشيت قليلاً فوصلت إلى القرية وكانت تبعد عن ذلك المنزل - الذي نزلنا فيه - مسافة بعيدة، ووصلت الجماعة إلى تلك القرية بعدي بيوم!

ولما دخلت الحلّة، ذهبت إلى دار السيد مهدي القزويني فذكرت له القصّة، وتعلّمت منه معالم الدين... إلى آخر كلامه.

أقول: مثل هذة القضية لها دلالتها الواضحة ومنها أنّ أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و السلام هم مصدر الرحمة و الهداية لكافّة البشر و ليس للشيعة وحدهم، ولكن ينبغي للمكلفين أن يزيلوا حجب الذنوب و يمدوا أيديهم بكل أخلاص نحوهم ليستنفذونهم من ظلمات الظلال ويدخلونهم في طريق الحق والهداية كما أدخل إمامنا الغائب (عليه السلام) بعنايته الخاصة ياقوت الدهان و هداه إلى مذهب الحق(1).

تشرّف السيد المرعشي بلقاء إمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)

نقل المرجع الديني السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، فقال: كان لي شوق عظيم أيّام دراستي للعلوم الدينية في النجف الأشرف لرؤية مولانا بقيّة اللّه (عليه السلام) ، فأخذت على نفسي عهداً بالذهاب إلى مسجد السهلة سيراً على الأقدام أربعين مرّة ليلة الأربعاء من كلّ أسبوع بنيّة الفوز برؤية طلعة

ص: 249


1- الرجل الصابوني وقصص أخری: 9-10.

الإمام الحجّة (عليه السلام) المباركة، وداومت على ذلك 35 أو 36 ليلة.

وصادف في هذه المرّة أن تأخّر خروجي من النجف باتّجاه مسجد السهلة، وكان الجو ممطراً والسماء غائمة، وكان قرب مسجد السهلة خندق، فلمّا بلغت ذلك الخندق في ذلك الجوّ المظلم أحسست بالخوف يعتريني، وكان خوفي من قطّاع الطرق واللصوص، وبينما كنت في هذا التفكر وإذا بي أسمع خلفي وقع أقدام، فزاد ذلك في فزعي وخوفي، فالتفتُّ إلى الخلف، فشاهدت سيداً عربياً بلباس أهل البادية، فاقترب منّي وسلّم عليَّ بلسان فصيح وقال: سلامٌ عليكم أيّها السيد!

فزال الخوف والفزع عنّي تماماً، وأحسست بالاطمئنان والسكون، وتعجّبت كيف أنّ هذا الشخص التفت إلى كوني سيّد مع أنّ الجوّ كان شديد الظُلمة، وعلى كلّ حال فقد سرنا معاً ونحن نتحدّث، فسألني: أين تذهب؟

أجبت: إلى مسجد السهلة.

قال: لماذا؟

قلت: للتشرّف بزيارة ولي العصر (عليه السلام) .

ثمّ أننا سرنا بُرهة حتى بلغنا مسجد زيد بن صوحان، وهو مسجد صغير يقع بالقرب من مسجد السهلة، فدخلنا المسجد وصلّينا، ثمّ أخذ السيد يقرأ دعاءً فأحسست أنّ الجدران والحجارة كانت تدعو معه، وشعرت بانقلاب عجيب في داخلي أعجز عن وصفه، ولمّا فرغ السيّد من دعائه قال: أيّها السيد أنت جائع، والأحسن أن تتعشّى!

ثمّ بسط منديلاً كان تحت عباءته، وكان فيه ثلاثة أرغفة من الخبز

ص: 250

وخيارتان أو ثلاثة خضراء طازجة كأنّها قُطفت للتّو، وكان الوقت شتاءً والبرد قارساً، ولم يتبادر إلی ذهني من أين لهذا السيّد هذا الخيار الطازج في فصل الشتاء!

ثم أنّي تعشّيت كما أمرني؛ ثمّ قال لي: قم بنا لنذهب إلى مسجد السهلة!

ولمّا دخلنا المسجد انشغل بأداء الأعمال الواردة في مقامات المسجد، وكنت أتابعه في ذلك، ثمّ اقتديتُ به - بلا إختيار - في صلاة المغرب والعشاء.

ولمّا انتهت الأعمال، قال: هل تذهب بعد أعمال مسجد السسهلة إلى مسجد الكوفة كما يفعل الآخرون، أم تبقى هنا؟

أجبتُ: أبقى ها هنا!

ثم أننا جلسنا وسط المسجد في مقام الإمام الصادق (عليه السلام) ، فسألته: هل ترغب في الشاي أو القهوة أو التدخين لأعدّه لكم؟

فأجاب قائلاً: هذه الأمور من فضول المعاش، ولا شأن لنا بمثلها!

فأثّر حديثه بأعماق وجودي بحيث أنّي كلّما تذكّرته اهتزّت أركان وجودي.

وعلى أيّ حال فقد طال المجلس ما يقرب من ساعتين، وتبادلنا الحديث في هذه المدّة في بعض المطالب، أشير إلى بعضها:

1- تكلّمنا عن الاستخارة، فقال: يا سيّد، كيف تستخير بالمسبحة؟

قلت: أصلّي على النبي وآله ثلاث مرّات، وأقول ثلاثاً: أستخير اللّه برحمته خِيَرَةً في عافية، ثمّ آخذ قبضة من المسبحة وأعدّها، فإن بقي منها اثنتان كانت الاستخارة غير جيدة، وإن بقيت منها واحدة كانت الاستخارة

ص: 251

جيّدة.

قال: لهذه الاستخارة بقية لم تصلكم، وهي أنّه إذا بقيت حبّة واحدة فلا تحكموا فوراً أنّ الاستخارة جيدة، بل توقّفوا واستخيروا في ترك العمل، فإن بقي عدد زوج انكشف أنّ الاستخارة الأولى جيدة، وإن بقيت واحدة انكشف أنّ الاستخارة الأولى مخيّرة.

وكان ينبغي - حسب القواعد العلمية - أن أطالبه بالدليل لكنني سلّمتُ وانقدت دون أية مناقشة.

2- من جملة المطالب أنّ السيّد العربيّ أكّد على تلاوة وقراءة هذه السور بعد الصلوات الواجبة: بعد صلاة الصبح سورة (يس)؛ وبعد صلاة الظهر سورة (عمّ)؛ وبعد صلاة العصر سورة (نوح)؛ وبعد صلاة المغرب سورة (الواقعة)؛ وبعد صلاة العشاء سورة (الملك).

3- كذلك أكّد على صلاة ركعتين بين المغرب والعشاء، تقرأ في الركعة الأولى بعد الحمد أيّ سورةٍ شئت، وتقرأ في الركعة الثانية بعد الحمد سورة الواقعة.

4- أكّد على قراءة هذا الدعاء بعد الصلوات الخمس: اللّهمّ سرّحني عن الهموم والغموم ووحشة الصدر ووسوسة الشيطان برحمتك يا أرحم الراحمين.

5- كما أكّد على قراءة هذا الدعاء بعد ذكر الركوع في الصوات اليومية، وخصوصاً في الركعة الأخيرة: اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وترحّم على عجزنا، وأغثنا بحقّهم.

6- امتدح (شرائع الاسلام) للمرحوم المحقّق الحلّي، وقال عنه: كلّه

ص: 252

مطابق للواقع، عدا جزء يسير من مسائله.

7- أكّد على قراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الشيعة ممّن لا وارث لهم، أو لهم وارث لا يذكرهم.

8- إمرار العمامة تحت الحنك وجعل طرفها في العمامة، كما يفعله علماء العرب، فقال: هكذا جاء في الشرع.

9- التأكيد على زيارة سيد الشهداء (عليه السلام) .

10- دعاء لي وقال: جعلك اللّه من خدمة الشرعية.

11- سألتُه: لست أدري أعاقبة أمري إلى خير؟

وهل أنّ صاحب الأمر (عليه السلام) عنّي راضٍ؟

فأجاب: عاقبتك إلى خير، وسعيك مشكور، وأنت مرضيّ عنك.

قلتُ: لا أعلم هل والديَّ وأساتيذي وذوي الحقوق راضون عنّي أم لا؟

قال: جميعهم راضون عنك، وهم يدعون لك.

فسألته أن يدعو لي لأوفّق في التأليف والتصنيف، فدعا لي بذلك.

ثمّ أردت الخروج من المسجد لحاجةٍ ما، فوصلتُ عند الحوض الذي في منتصف طريق الخروج من المسجد، فخطر في ذهني ماحصل لي الليلة، وتساءلتُ في نفسي عن هذا السيّد العربي الذي له كلّ هذا الفضل مَن يكون؟ لعلّه هو بنفسه مقصودي ومحبوبي.

فلمّا خطر هذا المعنى في ذهني عدتُ مضطرباً فلم أر ذلك السيّد، ولم يكن في المسجد أحد، فتيقّنت أنّني رأيتُ صاحب الأمر (عليه السلام) دون أن أعرفه، فأجهشتُ بالبكاء، وبقيت أدور في أطراف المسجد وأكنافه كالمجنون الواله الذي ابتُلي بالهجران بعد الوصل حتّى أصبح الصباح.

ص: 253

تشيّع عالم زيدي ببركة إمام الزمان (عليه السلام)

يتواجد معظم الزيدية في اليمن، وهم ينكرون إمامة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) بدءا من الإمام الباقر وانتهاء بالإمام المهدي صلوات اللّه عليهم أجمعين. فهم يسوقون الإمامة من بعد الإمام زين العابدين إلى ابنه زيد الشهيد (صلوات اللّه عليهما) ومضافا إلى ذلك فإنّهم يختلفون مع الشيعة الإمامية في مفهوم الإمامة وفي مفاهيم عقائدية كثيرة أخرى.

وقد كان أحد علماء هؤلاء الزيدية في اليمن يلقّب عندهم ب- (بحر العلوم) يُنكر وجود صاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف). وكان يظن أنه قادر على نفي وجوده بمكاتبة علماء الشيعة، فكتب رسائل كثيرة إلى علمائنا في زمانه طالباً منهم الأدلّة المقنعة على إثبات وجوده الشريف، وبالطبع فإنّ العلماء الأبرار أجابوه ولكنّه لم يقتنعْ بأجوبتهم وأدلّتهم رغم وضوحها.

فكتب أخيراً رسالةً مفصّلة إلى المرجع الديني الأعلى السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) والذي كان في النجف الأشرف، طالباً منه الأدلّة القاطعة على إثبات وجود الإمام الحجّة صلوات اللّه عليه. فأجابه السيّد الأصفهاني برسالة جاءَ فيها: اقدم إلى النجف الأشرف وسأجيبك شفاهةً عن مسألتك.

ولمّا كان هذا العالم الزيدي طالباً للحقيقة في واقع الأمر فقد شدّ الرحال مع ولده إبراهيم وجمع من مريديه إلى النجف الأشرف. وعندما وصل إليها التقى السيّد الأصفهاني وقال له: لقد جئتُ إلى النجف كما دعوتني وآمل أن تُجيبني كما وعدتني. قال له السيّد: نعم، تعال غداً مساءً إلى منزلي وسأجيبكَ عن سؤالِكَ.

ص: 254

وفي مساء اليوم الثاني جاء بحرُ العلوم اليماني مع ولده إلى منزل السيّد الأصفهاني، وبعد تناول العشاء والبحث في بعض المطالب العلمية حول وجود المولى صاحب العصر والزمان (عليه الصلاة والسلام) انصرف بقيّة الضيوف وبقي بحر العلوم وولده عند السيّد مع بعض الخواص. وبعد انتصاف الليل قال السيّد الأصفهاني لخادمه (مشهدي حسين): احمل السراج وتعال معنا. وقال لبحر العلوم وولده: هيّا بنا نذهب لترون بأنفسكما صاحب الزمان صلوات اللّه عليه!!

يقول السيّد مير جهاني الذي كان في جريان الأحداث: كنّا حضوراً هناك فأردنا أن نذهب معهم إلا أنّ السيّد الأصفهاني لم يقبل وقال: ليأتِ بحر العلوم وولده فقط.

فذهبوا ولم نعرف إلى أين ذهبوا! في اليوم الآخر شاهدنا بحر العلوم وقد بدت عليه وعلى ولده علامات التأثّر. فسألناه عمّا جرى في الليلة السابقة فأجابنا بقوله: نحمد اللّه تبارك وتعالى كثيرا.. فقد تشرّفنا باعتناق مذهبكم ونحن الآن نعتقد بوجود مولانا وليّ العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)!!

فقلتُ له: وكيف ذاك؟ قال: لقد أرانا السيّد الأصفهاني الإمام الحجّة (عليه السلام) ، فعندما خرجنا من المنزل لم نكن ندري إلى أين يذهب بنا السيّد؟ حتّى وصلنا وادي السلام (مقبرة في النجف الأشرف) وفي وسط الوادي كان هناك موقع يسمّي بمقام صاحب الزمان صلوات اللّه عليه. وعندما وصلنا إلى المقام، أخذ السيّد الأصفهاني السراج من خادمه وأخذني معه إلى داخل المقام وهناك جدّد وضوءه وصلّى أربع ركعات في المقام

ص: 255

وتلفّظ ببعض الكلمات التي لم أفهمها في حين كان ابني يضحك على أفعاله تلك!! وفجأةً أضاء الفضاء وحضر مولانا بنوره القدسي... .

ولم يستطع العالم بحر العلوم من أن يكمل كلامه لشدّة تأثّره فبدأ ابنه إبراهيم بإتمام الكلام، فقال: في تلك الأثناء كنتُ خارج المقام وكان أبي والسيّد أبو الحسن الأصفهاني داخل المقام وبعد عدّة دقائق سمعتُ والدي يصيح بصوت عال ثمّ أُغمي عليه. فاقتربتُ منه ورأيتُ السيّد الأصفهاني يدلّك كتفيه حتّى أفاق. وعندما رجعنا من هناك قال لي أبي: لقد رأيتُ بقيّة اللّه وولي العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) وقد شرّفني باعتناق المذهب الشيعي الإثني عشري، ولم يقل أبي أكثر من ذلك.

وبعد عدّة أيّام رجع بحرُ العلوم وولده ومَن معهم إلى اليمن وصار ذلك بسبب في تشيّع أربعة آلاف يماني زيدي واعتقادهم بالمذهب الإثني عشري.

واليوم مازال المذهب الإمامي - مذهب الحقّ - يشق طريقه في أهل اليمن حتى تشيّع مئات الألوف منهم في غضون سنوات قليلة. كل ذلك ببركة ألطاف مولانا بقية اللّه الأعظم صلوات اللّه وسلامه عليه.. وهل يظنون أنّ لا صاحب لنا يرعانا ويحفظ عقيدتنا؟! كلا واللّه بل هو حجّة اللّه على الخلائق وبه يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض. اللّهم ارزقنا التشرّف برؤيته وتقبيل تراب نعليه قريبا عاجلا يا كريم بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين صلواتك عليهم أجمعين(1).

ص: 256


1- توجهات ولي عصر به علما ومراجع: 127-129.

أبو راجح الحمّامي

روی الشيخ المجلسي (رحمه اللّه) عن الشيخ المحقّق شمس الدين محمد بن قارون، قال: كان في مدينة الحلّة رجل يقال له أبو راجح الحمامي و حاكّم ناصبيّ اسمه مرجان الصغير، و ذات يوم أخبروا الحاكم بأنّ أبا راجح يسبّ الصحابة فأحضره و أمر بضربه و تعذيبه فضربوه ضرباً مهلكا فسقطت أسنانه وثم أخرجوا لسانه و أدخلوا فيه إبرة وثقبوا أنفه وجعلوا فيه الثقب خيطاً وشدّو الخيط وجعلوا يدورون به في طرقات الحلّة والناس يضربونه إلی أن سقط علی الارض فأمَرَ الحاكم بقتله فقال بعض الناس: لا تقتلوه فهو شيخ كبير ويسموف يموت من شدّة الضرب وكثرة الجراحات، فتركوه علي الأرض و جاء أهله و حملوه إلي الدار و كان بحالة لا يشك أحد أنه سيفارق الحياة ممّا نزل به من التعذيب الوحشي. وفي صباح اليوم التالي إذا بهم يجدوه قائماً يصلّي وهو علی أحسن حال وقد عادت إليه أسنانه التي سقطت والتأمت جراحاته و لم يبق في بدنه أثر من ذلك التعذيب، فتعجبوا من ذلك و سألوه عن واقع الأمر فأخبرهم أنّه استغاث بالإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) عجّل اللّه ظهور، وتوسّل الي اللّه تعالی به فجاءه الإمام إلي داره فامتلأت الدار نورا. يقول أبو راجح: فمسح الإمام بيده الشريفة علی وجهي و قال لي: أخرج و كدَّ علی عيالك اللّه تعالي، فأصبحت كما ترون وقد ورآه محمد بن قارون و قد أعاد اللّه إليه نضارة الشباب واحمرّ وجهه و اعتدلت قامتته و شاع الخبر في الحّلة(1).

ص: 257


1- بحار الأنوار 52: 70-71، ح55.

أيُقتل ظمآن حسين بكربلاء؟

نقل الخطيب القدير السيد حسين الفالي، فقال: في عصر إحدى الجمع كنت مع أخي المرحوم السيد علي الفالي والسيد كاظم القزويني جالسين في احدى غرفة مدرسة العلامة ابن فهد الحلي (رحمه اللّه) في كربلاء المقدسة، وكانت الغرفة مشرفة على قبر العالم النحرير الشيخ أحمد بن فهد الحلي، وقد دار البحث حول المراد من التوقيع الشريف: من ادّعى المشاهدة فكذّبوه.

وفجأة رأينا الخطيب الشهير الشيخ عبدالزهراء الكعبي (رحمه اللّه) قد أقبل إلى قبر الشيخ ابن فهد الحلي (رحمه اللّه) يقرأ الفاتحة، فدعاه السيد كاظم القزويني (رحمه اللّه) قائلاً: شيخنا حبذا لو تشاركنا الجلسة، فقال الشيخ عبدالزهراء (رحمه اللّه) : اقرأ الفاتحة وآتيكم إن شا اللّه.

وبالفعل ريثما فرغ الشيخ من قراءة الفاتحة أتى إلينا وأطلعناه على البحث، فقال: لقد تشرّفت بخدمة إمام الزمان (عليه السلام) ولكنه اشترط علينا أن لانحدّث أحداً عن ذلك مادام هو في قيد الحياة، فقال: كنت أبحث عن الأشعار المعروفة ومنها الشعر المشهور:

أيُقتل ظمآن حسين بكربلا***وفي كل عضو من أنامله بحر

بحثت كثيراً عن القصيدة وسألت العديد من العلماء والخطباء ومنهم اُستاذي الشيخ محسن أبو الحب، والشيخ هادي الكربلائي، فلم يرشدني أحد منهم إليها، وكان أكثرهم يجيب قائلاً: القصيدة معروفة ولكن ينبغي أن تبحث عنها.

وفي أحد أيام الخريف دخلت حرم الإمام الحسين (عليه السلام) بعد صلاة الظهر

ص: 258

وكان الزوّار آنذاك قليلين جداً، ولما فرغت من الزيارة وكان رذاذ المطر يتساقط، وبينما كنت متجها نحو باب القبلة للخروج ناداني الشيخ عبداللّه الكتبي وكان بيده كتاب، فقال: شيخنا هذا الكتاب ادخرته لك، فجلست عنده وأخذت أقلّب الكتاب وإذا أول قصيدة فيه هي القصيدة التي كنت أبحث عنها وهي قصيدة ابن العرندس.

فقلت له: كم قيمة الكتاب؟

قال: لن أبيعك الكتاب، إن كنت تريده فأقرأ القصيدة كاملة والكتاب لك، فتوجّهت نحو ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) وشرعت بقراءة القصيدة، وبينما كنت أقرأ القصيدة والشيخ عبداللّه يستمع إذا بسيد بزيّ العرب سلّم علينا وجلس إلى جانبي، فغمرتني هيبته وتوقّفت عن القراءة، فأشار إليّ بيده، وقال: استمر في القراءة، فعاودت القراءة من جديد إلى أن بلغت البيت التالي:

أيُقتل ظمآن حسين بكربلا***وفي كل عضو من أنامله بحر

وإذا بالسيد ينقلب ويجهش بالبكاء ويشير بسبابته نحو الضريح المبارك وهو يردّد بصوت عالٍ: أيُقتل...أيُقتل ...أيُقتل، وكلما حاول قراءة البيت لم يستطع من البكاء والعويل.

يقول الشيخ عبدالزهراء (رحمه اللّه) : فأجهشت أنا والشيخ عبداللّه بالبكاء وبقينا مدّة نبكي بروعة، ثم رفعت رأسي فلم أر السيد، فقال الشيخ عبداللّه: أين السيد؟

قلت: لاأعلم، وكلما بحثنا في باحة الحرم الشريف لم نر أحداً.

فقال الشيخ عبداللّه: اخرج من باب القبلة وأنا أخرج من باب الزينبية،

ص: 259

ولنبحث عنه، فخرجنا وبحثنا عنه فلم نجده، وبعد مدّة قرأت في الكتب الروائية صفات إمام الزمان (عليه السلام) فوجدتها نفس صفات ذلك السيد العربي، وقد كتب العلامة الأميني (رحمه اللّه) في الغدير أن هذه القصيدة لا تقرأ في مجلس إلا ويحضره الإمام الحجّة بن الحسن (عليه السلام) (1).

أُكتب كلمة الإمام المهدي (عليه السلام)

نُقل عن الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (رحمه اللّه) أنه قال: عندما كنت في سجون البعثيين في العراق وبينما كنت أقاسي التعذيب القاسي توسلّت ذات مرّة بسيدي ومولاي الإمام المهدي (عليه السلام) أن ينجّيني من السجن وعاهدت الإمام (عليه السلام) أنّني إذا نجيت من السجن أؤلّف كتاباً أجمع فيه بعض المطالب حول الإمام (عليه السلام) .

بقيت بعض الأشهر في سجن بغداد إلى أن خلّصني اللّه تعالى ببركة الإمام المهدي (عليه السلام) .

وبعد مدّة أتاني أحد الأقرباء وقال لي: رأيت في الرؤيا رجلاً ذا هيبة يشعّ وجهه نوراً، قال لي: قل للسيد حسن لقد حان الوقت لأن يفي بعهده مع صاحب الأمر (عليه السلام) في تأليف الكتاب، علماً أنّ ذلك الشخص لم يكن يعرف شيئاً عن عهدي لأنّي لم أحدّث به أحداً، فعزمت على الكتابة وجمعت المصادر اللازمة لتأليف الكتاب.

وبعدة فترة أتاني شخص آخر لم يكن له أية علاقة بالرجل الأول، وقال: رأيت في الرؤيا أنّ صاحب الأمر (عليه السلام) يطالبك بعهدك معه، فشرعت في

ص: 260


1- العنايات الخالدة: 198-199.

تأليف كتاب كلمة الإمام المهدي (عليه السلام) .

يقول السيد حسن: ولما فرغت من تأليف الكتاب رأيت في عالم الرؤيا شخصاً ذا هيبة، طويل القامة، جميل المحيّا، له جلالة الأنبياء وسيماء الصدّيقين، لابساً حلّة بيضاء قد أقبل نحوي، فظننت أنّه الإمام المهدي (عليه السلام) ولذا لما اقتربت منه أخذت يده لأقبّلها، فبدرني هو وقبّل يدي، فعرفت حينها أنّه ليس الإمام وسألته عن نفسه وقلت: من أنت؟

فقال: أنا من قبل وليّ اللّه، وأحسست حينها أنه مبعوث من الإمام (عليه السلام) جاء ليشكرني على تأليف الكتاب(1).

راجع وكيلنا في سامراء

نقل الملا علي الهمداني، فقال: سألت الشيخ المحقق آقا ضياء العراقي عن قبر السيدة زينب (عليها السلام) فنقل لي القصة التالية، فقال: أنّ أحد شيعة القطيف في السعودية قصد زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) ، وفي الطريق نفذت أمواله وبقي حائراً لايستطيع الرجوع إلى وطنه ولا يقدر على مواصلة الطريق، ولذا توسّل بإمام الزمان (عليه السلام) ليخلّصه من هذه الحيرة.

وبينما هو كذلك لايدري ماذا يفعل إذا بسيد نوراني جليل القدر يتعرف عليه ويقدّم له بعض الأموال لتوصله إلى سامراء، وكان ممّا قال له السيد الجليل: راجع في سامراء وكيلنا الميرزا محمد حسن الشيرازي وقل له: السيد مهدي أمر أن تدفع لي من أموالنا التي عنده لتكمل زيارتك إلى جدّي الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) .

ص: 261


1- موسوعة القصص والحكايات: 313.

يقول الزائر القطيفي: لم أعرف من هو الرجل ولا من أين أتى إلا أنّني سألته وقلت له: إذا سألني السيد الشيرازي وقال: من هو السيد مهدي وماهي صفاته ماذا أجيبه؟

فقال السيد مهدي: قل له: العلامة هي أنك سافرت في الصيف برفقة الملا علي كني الطهراني إلى حرم عمّتي السيدة زينب (عليها السلام) ، وكان الحرم مزدحماً بالزوّار فذهبت أنت والملا علي كني إلى سطح الحرم وكانت الأوساخ قد تجمّعت، فنزعت عباءتك وأخذت تكنس سطح الحرم الشريف، بينما كان الملا علي يجمع الأوساخ ويرميها خارج الحرم، فكنت آنذاك حاضراً أشاهدكما.

يقول الزائر القطيفي: لما التقيت بالميرزا الشيرازي (رحمه اللّه) وذكرت له القصة قام واحتضنني وأخذ يقبّل عينيني ويبارك لي هذا التوفيق.

وأضاف الزائر قائلاً: ذهبت إلى الملا علي كني وذكرت له القصة، فقام هو أيضاً إجلالاً لي وقبّل وهو الآخر عينيني إلا أنه كان حزيناً لأنّ الإمام الحجّة (عليه السلام) لم يحولني عليه(1).

منقذ الملهوفين

نقل المرجع الديني الكبير السيد عبدالأعلى السبزواري، فقال: خرجنا إلى الحج مع قافلة الحاج السيد إسماعيل حبل المتين في حافلة باص، ولما بلغنا صحراء السعودية ضلّ السائق طريق مكة وأخذ يجوب بنا الصحراء دون أن يهتدي إلى الطريق حتى نفذ وقود السيارة، فنزلنا في الصحراء

ص: 262


1- السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) : 239-240.

القاحلة التي لا أثر للحياة فيها أبداً.

بقينا مدّة فنفذ مائنا و انتهى طعامنا وأخذ أملنا في النجاة يضعف شيئاً فشيئاً، لحظات كانت في منتهى الرعب وغاية في القساوة حيث بدأ شبح الموت يدنو منّا لحظة بعد أخرى.

البعض استلقى على الأرض وسلّم أمره إلى اللّه، والبعض انطوى على نفسه يائساً من الحياة، وشرع البعض بحفر قبراً لنفسه ليرقد فيه آخر لحظات عمره.

يقول السيد السبزواري: أمّا أنا فأخذت أبحث عن نافذة للهروب منها إلى الحياة وإنقاذ من معي، وبينما كنت أتأمّل في حالنا تذكرة صلاة جعفر الطيار والتوسّل باللّه عزّ وجل بها.

والمعروف أنّ صلاة جعفر الطيار تستغرق وقتاً إلا أنّها مجربة في قضاء الحوائج، ولما شرع بالصلاة وقبيل الفراغ منها إذا بأحد الذين كانوا معنا يناديني قائلاً: اسرع ياسيد، فإننا نتنظرك، نظرت إلى الخلف فرأيت أصحابي كلّهم جالسين في السيارة مستعدّين للحركة.

ولما قربت من السيارة وجدت كل شيء جاهزاً والسيارة تعمل، فتساءلت: ماذا حدث؟

قالوا: جاءنا فارس فأطعمنا وأروانا، وأمر السائق بتشغيل السيارة فاشتغلت، ثم أشار بيده إلى تلك الجهة، وقال: ذاك طريق مكة المكرمة، ولما أراد الرحيل قال: نادوا السيد وأبلغوه سلامي.

فتحركنا نحو الاتجاه الذي أشار إليه فوصلنا إلى مكة سالمين، فسلام اللّه

ص: 263

عليك سيدي ومولاي يا صاحب الزمان يامنقذ الملهوفين(1).

إنّنا نفكر بكم

نقل لنا السيد المرجع السيد محمد الشيرازي الذي عاشرته عقوداً متعدّدة ولم أرمنه إلا الإخلاص للدين والحرص على العقيدة، فقال: ذات مرّة اشتدت بي الأمور حيث ضيّقت الدولة علينا، وأخذوا يطاردون مريديّ ويحاربون مؤسساتي ويتهجمّون عليّ بشتى السبل.

فتوجّهت إلى سيدي ومولاي صاحب الزمان (عليه السلام) بقلب منكسر السؤال التالي يجول في أعماقي وهو: أليس أنّني من خدمة الإمام المهدي (عليه السلام) إذن لماذا لايفكر بي؟ثم استغفرت اللّه عزّ وجلّ من هذا التفكير السلبي.

وفي نفس الليلة رأيت في المنام الإمام المهدي (عليه السلام) وهو معتمّ بعمامة سوداء في زيّ طلاب العلوم الدينية - وكان عمره الشريف كما يبدو في الأربعين - وهو يبادرني بالقول باللغة الفارسية قائلاً: ما بفكر شما بوديم وهستيم وخواهيم بود.

أي: إنّنا نفكر بكم ومازلنا نفكر بكم وسنبقى نفكر بكم(2).

الإمام المنتظر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) يجيب دعوة المشلول

كتب السيد حسن البرقعي إلى أحد العلماء الأعلام، فقال: قد وفّقت لفترة من الزمن لزيارة مسجد جمكران - الذي يبعد عن مركز مدينة قم المقدسة (5) كيلومتر تقريباً - وبعد ثلاثة أسابيع من الزيارة المتواصلة

ص: 264


1- قصص وخواطر: 164-166.
2- كيف ينبغي أن تكون قم المقدسة: 51.

دخلت مقهى قرب المسجد الذي يرتاده زوّار المسجد للراحة وتناول الشاي، فصادفت شخصاً يدعى ب(أحمد البهلواني) وهو من سكان مدينة الري، فحيّاني بتحيّة الإسلام وحييته بحفاوة وإكرام، ولما تعارفنا وتبادلنا السؤال والكلام قال لي: أنا منذ أربعة أعوام مثابر ومواظب على زيارة مسجد جمكران في ليالي الأربعاء من كل أسبوع.

فقلت له: إذن لا بدّ أنك قد رأيت فيه شيئاً ما حتى واظبت على زيارته؟ ومن المعلوم عندنا أنّ كل من يتوجّه إلى مسجد صاحب الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) بنيّة صادقة وفي نفسه حاجة ما لا يرجع من المسجد إلا وهو ثلج الفؤاد قرير العين بقضائها.

فأجاب: نعم لو لم أر شيئاً لما واصلت الزيارة في كل أسبوع على بعد المسافة ووعورة الطريق، ففي السنة الماضية وفي إحدى ليالي الأربعاء للأسف الشديد لم أتمكن من الذهاب إلى زيارة مسجد جمكران وكان تأخيري بسبب حفلة عرس لأحد أرحامنا الذي يقطن قرب مدينة طهران، وبعد ما تمّت مراسم الزواج عدت إلى المنزل وخلدت إلى النوم. وفي منتصف الليل استيقظت من نومي وكنت عطشاناً، فأردت الوقوف إلا أنّني فوجئت بعدم قدرتي على تحريك قدمي بعد عدّة محاولات!

فناديت زوجتي وأيقظتها من نومها، فقلت لها: إنّي لا أستطيع الوقوف وقدمي قد شلّت؟

فأجابتني متحيّرة: ربما أصابك برد؟

فقلت: لسنا في فصل الشتاء.

وبعد عدّة محاولات من تحريك قدمي طلبت من زوجتي أن تخبر

ص: 265

جارنا، ولما أتى طلبت منه أن يحضر الطبيب فوراً رغم أنّ الساعة كانت متأخّرة، إذ لم يكن أمامنا حلّ آخر. فذهب وأحضر الطبيب ففحصني بدقّة ثم ضرب بمطرقة على ركبتي إلاّ أني لم أحس بشيء! ثم وخزني بإبرة في قدمي وكأنّه لم يوخز بعضو من أعضائي، لأنّ قدمي هذه قد شلّت وانفصلت عن جسمي. فلما توصل الطبيب إلى هذه النتيجة كتب لي دواء وذهب ولكنّه قال لجاري: قد أصيب بنوبة عصبية لا يشفى منها. وفي الصباح استيقظ الأطفال وإذا بهم يرون أباهم طريح الفراش لا يقوى على القيام فضجّوا بالبكاء والنحيب والعويل! علمت والدتي بحالي لطمت وجهها وضربت رأسها، وعمّت المصيبة بيتنا.

وفي هذه الحالة وقد اظلمّت الدنيا في عيني وضاقت الأرض بي بما رحبت ولم يبق لي سبيل إلاّ التوسل بصاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) فناجيته بقلب منكسر وبدمع منهمر وبحزن قد خيّم عليّ وقلت له: يا مولاي يا صاحب الزمان في كل أربعاء كنت آتي لخدمتك سوى الليلة الماضية! سيدي لم أرتكب ذنباً فانظر إليّ. وبينما أنا غارق في المناجاة أخذتني سنة من النوم، فرأيت في عالم الرؤيا سيداً أتى نحوي ووضع عصاه بيدي وقال: إنهض!

فقلت: لا أستطيع النهوض يا سيدي.

فكرّر قوله عليّ ثانية. فاعتذرت منه بنفس الجواب.

فأخذ بيدي وحرّكني من مكاني فأفقت من نومي وإذا بقدمي تتحركان، فنهضت من فراشي ووقفت للاطمئنان ثم مشيت وجلست وقمت وكل هذا وأكاد لا أصدق! وخشيت أن تراني والدتي بهذه الحال فيغشى عليها. لذا

ص: 266

رقدت في فراشي ولما جاءت قلت لها: أعطني عصاة أتكئ عليها فيبدو أنّ حالي بدأ يتحسّن بعد توسّلي بولي الأمر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)، ثم طلبت منها أن تدعو جارنا. ولما جاء قلت له: اذهب واطلب من الطبيب أن يأتي وقل له: إنّي شفيت!

فذهب ثم عاد وقال: الطبيب يقول: إنّ هذا الكلام كذب لا صحّة له، لو كان شفي لجاء بنفسه!

فقرّرت أن أذهب بنفسي، ولما رآني أمشي على قدمي لم يصدّق فانبهر وأخذ إبرة ووخزني في قدمي فتأوهت قليلاً وقال متعجباً: ماذا فعلت؟!

فشرحت له توسّلي بولي العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)، فقال: حقّاً هذه معجزة، ولوذهبت أوربا وأمريكا وأنت بتلك الحال لعجزوا عن شفائك(1).

ابك لمصيبة عمّي أبي الفضل العباس (عليه السلام)

نقل السيد محمد علي فشندي وهو من صلحاء مدينة طهران، فقال: كنت في أيام شبابي ملتزماً حدّ الإمكان باجتناب المعاصي، وذهبتُ إلى الحج مراراً علّني أتشرّف برؤية مولاي الحجّة المنتظر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

وفي إحدى السنين كنت متكفّلاً بأمور بعض الحجّاج، وفي ليلة الثامن من ذي الحجّة ذهبت إلى صحراء عرفات ومعي بعض مستلزمات الحجّاج، وكان قصدي أن أصل قبل الحجيج بليلة لأهيّأ المكان المناسب. ولما وصلت إلى صحراء عرفات عصر اليوم السابع جعلت ما كان معي من الوسائل في خيمة قد أُعدّت لنا من قبل.

ص: 267


1- غياث الملهوفين في التوسل بمحمد وآله الطاهرين: 194.

وفي هذه الأثناء، جاءني أحد الشرطة الموكّلين بحراسة الخيام وقال لي: لماذا جئت بكل هذه الأمور قبل الحجاج، فقد تتعرّض للسرقة في هذه الصحراء الواسعة؟ ولذا عليك أن تبقى يقظاً حتى الصباح.

طيلة تلك الليلة كنت مشغولاً بالعبادة والمناجاة وبقيت مستيقظاً إلى منتصف الليل، فرأيت سيداً جليلاً ذا هيبة ووقار جاء إلى خيمتي وناداني باسمي وقال: السلام عليك يا حاج محمد علي!

قلت: وعليك السلام، وقمت من مكاني، فدخل خيمتي. وبعد لحظات جاء جمع من الشباب الذين نبتت لحاهم للتوّ، وكانوا خدم السيد. في البدء خفت منهم ولكن بعد أن تكلّمت عدّة كلمات مع السيد، فارقني الخوف ودخل حبّه في قلبي.

قال لي السيد: يا حاج محمد علي هنيئاً لك… هنيئاً لك.

قلت: ولِمَ؟

قال: لأنّك تبيت في صحراء عرفات في هذه الليلة التي بات في مثلها جدّي الإمام الحسين (عليه السلام) .

قلت: وماذا عليَّ أن أفعل في هذه الليلة؟

قال: تصلّي ركعتين تقرأ في كل ركعة منهما بعد الحمد سورة {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}(1) أحد عشر مرة.

صلّينا مع السيد. وبعد الفراغ من الصلاة قرأ السيد دعاء بمضامين لم أكن قد سمعت بمثلها، وكان يقرأها بتوجّه وخشوع، والدموع تجري من عينيه.

ص: 268


1- سورة الإخلاص: 1.

حاولت أن أحفظ الدعاء ولكن السيد قال: هذا الدعاء خاص بالإمام المعصوم، وإنّك ستنساه.

ثم عرضتُ عليه عقائدي التي أدين بها لله تعالى فأجابني بالصحّة والقبول.

وسألت منه قائلاً: بنظرك أين الإمام الحجّة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) الآن؟

قال: في الخيمة.

فقلت: يقولون إنّ الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) يكون في عرفات يوم عرفة، ففي أيّ مكان من صحراء عرفات يقف؟

قال: في حدود جبل الرحمة.

قلت: فلو ذهب أحد إلى ذلك المكان هل سيراه؟

قال: نعم يراه ولكن لا يعرفه.

قلت: غداً مساء ليلة عرفة، فهل يأتي الإمام الصاحب (عليه السلام) إلى خيام الحجّاج؟

قال: سيأتي إلى خيمتكم، لأنّكم ستتوسّلون بعمّي أبي الفضل العباس (عليه السلام) في الليلة القادمة.

وبعد لحظات فارقني فتشت عنه يميناً وشمالاً إلا أنّي أرَ أحداً، وفجأة انتبهت من غفلتي وعرفت أنّ السيد هو الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

وعلى أيّ حال، جلست أبكي وأنحب وأنشج نشيجاً عالياً حتى سمعني الشرطة فظنوا أنّ السرّاق سرقوا متاعي، فسألوني، فقلت لهم: كنت مشغولاً بالدعاء فاشتد بكائي!

وفي اليوم التالي وصلَتْ مجموعتي إلى عرفات وذكرت القصة لأحد

ص: 269

العلماء المرافقين لنا، فنقلها هو إلى الحجّاج، فازداد شوقهم وحنينهم للمولى (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

وفي غروب ليلة عرفة، صلّينا صلاة المغرب والعشاء، ثم قام ذلك العالِم وبدأ بقراءة مصيبة أبي الفضل العباس (عليه السلام) مع أنّي لم أقل لهم إنّ الإمام المهدي (عليه السلام) قد ذكر لي بأنّنا سنتوسّل بعمّه العباس (عليه السلام) . وكان البكاء والنحيب والخشوع قد خيّم على أجواء المجلس، ولكنّي كنت أترقّب مجيء الإمام المهدي (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)، وكاد المجلس أن ينتهي، فنفد صبري فخرجت من الخيمة، وإذا بي أری الإمام صاحب العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) واقفاً بباب الخيمة يستمع إلى مجلس العزاء ويبكي، فأردت أن أُعلم الناس بوجوده الشريف، فأشار بيده المباركة عليَّ أن أسكت. وكأنّ يداً قد تصرّفت بلساني فلم أستطع التفوّه بحرف واحد، ولذا وقفت بباب الخيمة والإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) واقف بالطرف الآخر، وكنّا نبكي على مصائب أبي الفضل العباس (عليه السلام) ، ولم أقدر أن أتحرّك خطوة واحدة باتّجاهه (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف). ولما انتهت قراءة المصيبة ترك بقية اللّه الأعظم (عليه السلام) المكان وانصرف(1).

حتى في الزواج اطرقوا باب إمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)

الكثير من الناس يتصوّر أنّ أهل البيت (عليهم السلام) يقضون حوائج الآخرة فقط ولا دخل لهم بالحوائج الدنيوية، ولذا فالكثير منهم يبقون حائرين في مشاكلهم الدنيوية لا يعرفون أيّ باب يطرقون، وبمن يتوسّلون ليعينهم على مشاكلهم الدنيوية، والحال أنّ أهل البيت (عليهم السلام) بابهم مفتوح للجميع وفي أيّ

ص: 270


1- ديدار با امام زمان در مكة و مدينه: 126-128.

وقت شاءوا، لا يفرق أكانت حوائجهم دنيوية أم أخروية. والشواهد على ذلك كثيرة؛ منها القصة التالية:

يقول الحاج صادق الكربلائي: واظبت فترة من الزمن على الذهاب إلى مسجد الكوفة للتوسّل بإمام العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) لقضاء حاجتي وهي تسهيل أمر زواجي والظفر بالزوجة الصالحة.

ولا أدري كم ليلة أربعاء مضت على ذهابي من كربلاء إلى الكوفة، إلا أنّني في إحدى الليالي وبعد أن فرغت من صلاة المغرب والعشاء حملت شيئاً من الخبز والطعام وأخذت عصاي وتحركت من كربلاء قاصداً مسجد الكوفة، وفي الطريق وبينما كنت مشغولاً بالذكر والدعاء إذا بي أسمع صوت شخص يقول: يا اللّه يا اللّه. في البدء انتابني الخوف وقلت في نفسي: لا يكن هذا الرجل لصّاً جاء لسرقتي! ولذا أخذت أمشي بسرعة، وبعد دقائق رجعت إلى نفسي وقلت: إذا كان الرجل لصاً فلماذا يسمعني صوته ويقول يا اللّه؟ فأبطأت في مسيري حتى وصل الرجل إليّ وبادرني بالسلام والتحية وقال: حاج صادق تذهب إلى السهلة؟ قلت: حتماً تريد الذهاب إلى السهلة ولذلك تسأل عنها؟

قال: نعم، ففرحت بذلك وسررت حيث وجدت من يرافقني في الطريق ويأنسني من وحشته.

وفي أثناء الطريق شرعنا بقراءة مصائب أهل البيت (عليهم السلام) وإنشاد المصائب وقد بدأ هو أولاً فقرأ مصيبة عبد اللّه الرضيع وكيف أنّ مصابه الجلل أحرق قلوب أهل البيت (عليهم السلام) عندما جاء به سيد الشهداء (عليه السلام) للوداع الأخير، ثم شرعت بقراءة المصيبة وأتذكر أنّني قرأت الأبيات التالية:

ص: 271

كم ذا القعود ودينكم هدمت قواعده الرفيعة***أترى تجيء مصيبة بأمضّ من تلك المصيبة

حيث الحسين على الثرى خيل العدى طحنت ضلوعه***ورضيعه بدم الوريد مخضب فاطلب رضيعه

وفيما كنت أقرأ هذه الأبيات إذا بالرجل يجلس على الأرض فجلست معه وأخذنا نبكي بحرقة وأنين وقد طال بكاؤنا فترة طويلة.

وبعد أن فرغنا من قراءة المصيبة واصلنا مسيرنا نحو السهلة، ولم تمض سوى لحظات إذا به يقول: هذا مسجد السهلة، فاذهب وأدّ أعمالك، ولكن اعلم أنك إذا رجعت إلى كربلاء المقدّسة ستقضی حاجتك.

وبالرغم أنّه صرح بذلك إلا أنّني لم أتوجه إلى مراده، فذهبت إلى مقام الإمام زين العابدين (عليه السلام) واشتغلت بالصلاة والدعاء والتوسّل بصاحب العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

آنذاك راع انتباهي الأمر التالي: ففي كل مرّة عندما آتي إلى المسجد أجده خالياً ليس فيه أحد سوى بعض النيام الذين غرقوا في نومهم، فلماذا المسجد اليوم مزدحم والناس غير نيام؟!

نظرت إلى ساعتي وإذا بها تشير إلى العاشرة ليلاً، فلم أصدّق وتصورت أنها عاطلة، ولما سألت بعض الناس أكدوا لي أنّ الساعة هي العاشرة، فازداد تعجبّي واستولت عليّ الدهشة!

وفجأة ولا أدري كيف أثيرت في نفسي التساؤلات التالية:

يا ترى من كان ذلك الرجل؟ وكيف وصلنا إلى مسجد السهلة بهذه العجالة؟

ص: 272

فعرفت أنّني وفقت لملاقاة سيدي ومولاي الحجّة بن الحسن العسكري (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)، ولكن مع الأسف لم أعرفه وما استفدت من بركاته، ولذا جلست إلى الصباح أبكي وأندب حظّي وأقول: ليتني عرفته واستفدت من وجوده المبارك!

على كل في الصباح وكان يوم الأربعاء عدت إلى كربلاء وذهبت إلى دكاني الذي أعمل فيه مع أخي الأكبر وكان قد تأخّر ذلك اليوم، ولما أتى سألته: أين كنت، فلقد تأخّرت كثيراً؟ فتبسم في وجهي، وقال: كنت أسعى في قضية زواجك واليوم العصر إن شاء اللّه سيتمّ العقد! وبتوفيق من اللّه وعناية إمام العصر والزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) فقد عقدت عصر ذلك اليوم(1).

لوذي بإمام الزمان (عليه السلام)

نُقل عن المرجع الديني الشيخ محمّد علي الأراكي (قدس سره) أنّه قال: أرادت ابنتي أن تتشرّف بحجّ بيت اللّه الحرام، وكانت تخاف أن لا تتمكّن من أداء مناسك الحجّ لشدّة الزحام. قلت لها: إذا داومتِ على ذكر يا حفيظ يا عليم فإنّ اللّه سيعينك على ذلك.

وبالفعل فقد تشرّفت ابنتي بزيارة بيت اللّه الحرام، وبعد عودتها نقلت لي الحكاية التالية وقالت: داومت على ذلك الذكر الشريف ولله الحمد فأدّيت المناسك براحة، إلى أن أردت ذات يوم الطواف وكان جمع من الحجّاج الأفارقة الأشداء يطوفون وكان الزحام شديداً جدّاً، فقلت في نفسي: كيف يمكنني في هذا الزحام الطواف؟ وتحسّرت على وجود رجلٍ محرم معي

ص: 273


1- العنايات الخالدة: 227-229.

حتّى يحافظ عليَّ من مزاحمة الرجال حال الطواف.

وفجأة سمعت صوت شخص يقول لي: لوذي بإمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) حتّى تطوفي على راحتك!

قلت: وأين هو إمام الزمان (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف)؟

قال: هو هذا الرجل الذي يسير أمامك!

نظرت إلى تلك الجهة فرأيت رجلاً جليلاً يمشي أمامي وحوله دائرة مفرغة قطرها حوالي المتر، ولا يدخل أحدٌ من الحجيج في تلك الدائرة، وإذا بالهاتف يقول لي: ادخلي في هذا الحريم وطوفي خلف وليّ العصر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف). وكنت قريبة جدّاً منه بحيث أنّ يدي كانت تصل إليه، وقد مسحت يدي على ثوبه ومسحت بها وجهي وكنت أقول له: سيّدي فديتك نفسي، مولاي فديتك بروحي. كنت مسرورة جدّاً إلى درجة أنّي نسيت أن أُسلّم عليه (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

والحاصل أنّي طفت سبعة أشواط خلف الإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) حول الكعبة بدون أن يلمس بدني رجل غريب، على الرغم من كلّ ذلك الزحام، وكنت أتعجّب كيف لا يدخل أحد من هؤلاء الناس في حريم هذه الدائرة؟!

ويضيف الشيخ الأراكي قائلاً: ولأنّ حاجة ابنتي كانت منحصرة في هذا الأمر، لذا فإنّها لم تطلب شيئاً آخر في تلك الساعة.

لا شكّ أنّ الإمام (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) رحمة للعالمين وخصوصاً لأُولئك الذين يحاولون تطبيق الشريعة والابتعاد عن المعاصي والتنزّه عن المحرّمات حتّى غير الاختيارية منها، كما ورد في الحديث القدسيّ الشريف: من تقدّم إليّ شبرأ

ص: 274

تقدمت منه ذراعاً(1)، فإنّ اللّه تعالى يهيّئ لمثل هذا الإنسان الدليل على الطاعات واجتناب المحرّمات، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، بل إنّ بعض النساء ولأسباب معيّنة قد يصلن إلى الكمال أسرع من الرجال مع ما يتمتّعن به من روح عاطفية لطيفة، وهناك كثير من النساء وصلن إلى حالات كمال عالية وبعضهنّ إلى حالة الارتباط الروحي بالإمام الحجّة (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

إذن فطريق التشرّف بلقاء المهديّ (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف) ليس حكراً على الرجال، وعلى نسائنا السعي والجدّ لنيل هذا الشرف العظيم، وذلك بالطاعات والعبادات وأداء الوظائف الشرعية. خاصة وأننا نجد في بعض الروايات إشارة إلى أنّ من أنصار الإمام صاحب العصر (أرواحنا فداه) خمسون امرأة. فعلى أخواتنا العزيزات أن يدعين اللّه تعالى ليل نهار وأن يعملن بجد واجتهاد ومثابرة من أجل أن يكنّ من هؤلاء.

أشهد أنّ اللّه اصطفاك صغيرا، وأكمل لك علومه كبيرا، وأنك حي لا تموت، حتى تبطل الجبت والطاغوت.

اللّهم صلِّ عليه وعلى خدّامه، وأعوانه على غيبته ونأيه، واستره سترا عزيزا، واجعل له معقلا حريزا، واشدد وطأتك على معانديه، واحرس مواليه وزائريه (2).

ص: 275


1- الرسائل العشر: 416.
2- صدها خاطره و داستان و نكته از حضرت آيت اللّه العظمی اراكي: 275-276.

ص: 276

الأربعون حديثا

اشارة

ص: 277

ص: 278

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد فقد تظافرت الأخبار عن الفريقين بالتأكيد على حفظ أربعين حديثاً، ولذا تسابق كثير من العلماء فضلاً عن غيرهم للامتثال لهذا الحديث فدوّنوا أربعين حديثاً في مباحث مختلف، عقائدية، وفقهية، وغيرها من المجالات.

وببركة هذا الحديث الشريف حُفظ من التراث الروائي العديد من الأخبار وانضمّ إلى المكتبات مصنّفات قيّمة تحوي آراء علمية لعلماء أجلاء ساهموا في شرح الحديث المذكور أو التعليق عليه أو بيان كل ما هو متعلّق به من نكات ومطالب.

وكما يبدو واللّه العالم أنّ لهذا العدد سرّ وحكمة خاصة في مجالات مختلفة جعلت أهل البيت (عليهم السلام) يأكدون عليه في أحاديثهم ومن ذلك ما ورد عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في الإخلاص لله عزّ وجل قال: من أخلص للَّه أربعين يوما فجّر اللَّه ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه(1).

وفي باب الدعاء ورد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من قدّم أربعين رجلا من

ص: 279


1- عدّة الداعي: 232.

إخوانه فدعا لهم ثم دعا لنفسه استجيب له فيهم وفي نفسه(1).

وفي الحديث القدسي عندما كوّن اللّه تعالى طينة نبي اللّه آدم (عليه السلام) ، قال: خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحاً(2).

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه سئل: إنّا روينا عن النّبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أنّه قال: من شرب الخمر لم تحسب صلاته أربعين صاحباً.

فقال (عليه السلام) بعد عدّة كلمات: فهو إذا شرب الخمر بقيت في مشاشه أربعين يوماً على قدر انتقال ما خُلق منه.

ثمّ قال (عليه السلام) : وكذلك جميع غذائه أكله وشربه يبقى في مشاشه أربعين يوماً(3).

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: من لم يأكل اللحم أربعين يوماً تغيّر خلقه وبدنه وذلك لانتقال النطفة في مقدار أربعين يوماً(4).

وروي عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : مَنْ أكل اللحم أربعين صباحاً قسا قلبه(5).

وروي أن ممّا أوصی به رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) : مَن أكل الزيت وادّهن به لم يقربه الشيطان أربعين يوماً(6).

ص: 280


1- الخصال 2: 538، ح3.
2- غوالي اللئالي 4: 98، ح138.
3- تهذيب الأحكام 9: 108، ح203.
4- الكافي 6: 309، ح2.
5- بحار الأنوار 59: 294.
6- المحاسن 2: 485، ح532.

وروي عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من أكل الحلال أربعين يوماً نوّر اللّه قلبه(1).

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: من شرب السويق أربعين صباحاً امتلأ كتفاه قوّة(2).

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : عليكم بالهريسة فإنّها تنشّط للعبادة أربعين يوماً...(3).

وروي الإمام الصادق (عليه السلام) : من أكل رمانة نوّر اللّه قلبه، وطرد عنه شيطان الوسوسة أربعين صباحاً(4).

وروي عن رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين صباحاً(5).

لذا ومن وباب الامتثال لأوامرهم صلوات اللّه عليهم والتطلّع للفوز ببركاتهم وجدت من الجيّد كتابة هذا الكتاب في الأربعين حديثاً في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) التي صارت شعيرة عظيمة من شعائر اللّه يتسابق إليها الصالحون الموالون عبر الزمن متحدّين في ذلك المخاطر والمحن ومقدّمين الغالي والنفيس في سبيل هذه الشعيرة المباركة.

وقد قسّمت البحث إلى قسمين:

الأول: في ظلال الحديث المستفيض عن الفريقين وما فيه من مباحث

ص: 281


1- عدّة الداعي: 153.
2- المحاسن 2: 490، ح569.
3- المحاسن 2: 404، ح104.
4- المحاسن 2: 544، ح848.
5- قرب الإسناد: 122، ح429.

متعدّدة ومداخلات حول الحديث، وحفظ التراث الروائي.

الثاني: أحاديث في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ونبذة حول تأريخ الزيارة وماقدمه الموالون عبر التأريخ من أجل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) .

ص: 282

الفصل الأول: نبذة حول سيرة الشيعة في التعامل مع الأحاديث

اشارة

كل من يلاحظ سيرة الشيعة عبر العصور المختلفة يتجلّى له بوضوح مدى حرصهم على حفظ تراث أهل البيت (عليهم السلام) لاسيما الكم الهائل من أحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ، حيث اعتاد الشيعة على تدوين أحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) .

وما ذلك إلا لمعرفتهم بأهمية الحديث وامتثالهم لوصايا أهل البيت (عليهم السلام) الذين حثّوا على تدوين الأحاديث وحفظها من التلف في أحلك الظروف وأشدّها حيث كانت الحكومات تضايق كل من يتصل بأهل البيت (عليهم السلام) فضلاً عمّن يدون تراثهم ويروجه بين الناس.

ففي الحديث عن محمد بن الحسن بن أبي خالد شينولة، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك إنّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللَّه (عليهما السلام) وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم يرووا عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا، فقال: حدّثوا بها فإنّها حق(1).

وعن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: دخل علي

ص: 283


1- الكافي 1: 53، ح15.

أناس من أهل البصرة فسألوني عن أحاديث وكتبوها، فما يمنعكم من الكتاب؟ أما إنكم لن تحفظوا حتى تكتبوا(1)،

وفي رواية أخرى قال (عليه السلام) : اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا(2).

وعن حمزة بن عبد المطلب بن عبد اللّه الجعفي، قال دخلت على الرضا (عليه السلام) ، ومعي صحيفة أو قرطاس فيه عن جعفر (عليه السلام) : إنّ الدنيا مثلت لصاحب هذا الأمر في مثل فلقة الجوزة، فقال: يا حمزة، ذا واللّه حقّ، فانقلوه إلى أديم(3).

وكان الشيعة يتعرّضون لمضايقات عديدة إثر التفافهم حول أهل البيت (عليهم السلام) وحرصهم على حفظ أحاديثهم ويشهد لذلك ماجرى مع ابن أبي عمير.

فقد روي أنه لما حبس ابن أبي عمير دفنت أخته كتبه في حال استتارها فهلكت الكتب.

كيف نحصّل أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ؟

هناك مبحث مهم ينبغي الوقوف عنده هنيئة وهو: كيف نحصّل أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ؟

قبل أن نجيب على السؤال لا بأس أن نشير إلى نقطة بالغة الأهمية وهي: على طول التأريخ كانت هناك حملة شرسة ضد أهل البيت (عليهم السلام) وحرص

ص: 284


1- بحار الأنوار 2: 153، ح47.
2- الكافي 1: 52، ح9.
3- بصائر الدرجات 1: 408، ح2.

شديد على محو آثارهم والمنع دون وصولها إلى الناس خشية أن يطلع الناس على معارفهم فيتبعونهم، وكما في الحديث: إن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا(1).

ولذا كان أعداء أهل البيت (عليهم السلام) على طول التأريخ يحرصون على أن لايبقى رسم لأهل هذا البيت (عليهم السلام) وقد صرحوا بذلك كراراً ومراراً، ومن ذلك قول معاوية للمغيرة: لو نظرت إلى أخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عنهم اليوم شيء تخافه، وإنّ ذلك ممّا بقي لك ذكره وثوابه؟ فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر أرجو بقاءه؟

ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا إن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبو بكر. ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر.

وإنّ ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات أشهد أنّ محمدا رسول اللّه فأيّ عملي يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك؟ لا واللّه إلا دفنا دفناً(2).

ومن هنا وخشية أن يطّلع الناس على معارف أهل البيت (عليهم السلام) فيتّبعوهم أخذوا يحاربونهم أولاً وبالذات، فعمدوا إلى بثّ التهم والأباطيل حول شخصياتهم حتى أنّ معاوية كما ذكر شيخ المعتزلة الإمام أبو جعفر الإسكافي فيما نقله عنه ابن أبي الحديد: حمل قوما من

ص: 285


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 307، ح69.
2- شرح نهج البلاغة 5: 130.

الصحابة، وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغّب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه(1).

ولما لم يوفّق أعداء أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك عمدوا إلى تحريف كل مايتصل بهم ومن ذلك محاربتهم لأحاديثهم حيث اتّبعوا في ذلك عدّة أمور:

الأول: إتلاف أحاديثهم: وذلك باتلاف الكتب ومحوها من الوجود وقد أسس ذلك أبو بكر حيث أمر بحرق كتب الحديث، وجاء من بعده عمر، فاستشار الصحابة في تدوينها، فأشار عليه عامتهم بذلك ولبث مدّة يفكّر في الأمر، ثم عدل عنه، وقال لهم: إنّي كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ماقد علمتم، ثم تذكرت، فإذا اُناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب اللّه كتباً فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء فترك كتاب السنن(2).

وقد صار ذلك سنّة عند الحكام من بعده حيث كانوا يحرقون الكتب ويتلفونها بشتى الطرق ومنها رميها في الأنهار والصحاري حتى تتلف.

الثاني: دعم كل من يدسّ في أحاديثهم (عليهم السلام) ويضع فيها الموضوعات حتى اُشتهر عن يونس بن عبد الرحمن عن سيدنا أبي الحسن الرضا (عليه السلام) كتب جماعة من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وقال صلوات لله عليه: إنّ أبا الخطاب كذب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه

ص: 286


1- شرح نهج البلاغة 4: 63.
2- تنوير الحوالك: 4.

الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) (1).

وعن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كان المغيرة بن سعد لعنه اللّه يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه - المستترون بأصحاب أبي - يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة لعنه اللّه، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي(2).

وقد أحصى العلامة الأميني (رحمه اللّه) عدد الوضاعين فكانوا سبعمائة، بل يزيدون على ذلك، وكانوا من أجهزة السلطات الأموية والعباسية، فافتعلوا من الأحاديث مايناسب سياستهم ويبرر أفعالهم(3).

الثالث: التضييق على كل من يتصل بأهل البيت (عليهم السلام) وعرقلة اتصالهم بهم بحيث بلغ في بعض الأزمنة أنّ أحداً لايجرأ على الاتصال بهم حتى كان الرجل منهم إذا ابتلي بمسألة دينية يفتعل له حيلة ليصل إلى الإمام (عليه السلام) ويعرف جواب مسألته، يقول هارون بن خارجة: كان رجل من أصحابنا طلّق امرأته ثلاثا، فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء. فقالت امرأته: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) . وكان بالحيرة إذ ذاك أيام أبي العباس.

قال: فذهبت إلى الحيرة، ولم أقدر على كلامه، إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سوادي(4)

ص: 287


1- رجال الطوسي 2: 490، ح401.
2- رجال الطوسي 2: 491، ح402.
3- راجع كتاب الغدير 5: 216.
4- السوادي: الظاهر نسبة إلی السواد ويراد بهارستاق من رساتيق العراق وضياعها سمّي سواداً لخضرته بالنخل والزرع أو إلی السوادية قرية بالكوفة، مراصد الاطلاع 2: 750-751.

عليه جبة صوف يبيع خيارا، فقلت له: بكم خيارك هذا كلّه؟

قال: بدرهم. فأعطيته درهما، وقلت له: أعطني جبّتك هذه، فأخذتها ولبستها وناديت: من يشتري خيارا؟ ودنوت منه، فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار.

فقال (عليه السلام) لي - لما دنوت منه - : ما أجود ما احتلت! أيّ شيء حاجتك؟

قلت: إنّي ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة، فسألت أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء. وإنّ المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) .

فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء(1).

وبالرغم من كل هذه الحروب الضارية ضد أحاديث فقد بلغنا من الأحاديث الكثير وذلك من خلال:

1- الخطب: فقد كانت لأهل البيت (عليهم السلام) خطباً كثيرة في أماكن ومناسبات متعدّدة رواها عنهم الرواة والمحدّثون في كتبهم ومصنفاتهم.

2- الرسائل: حيث بلغتنا مجموعة من رسائلهم وقد جمعت في كتب الأصحاب وتداولت بين الأيدي.

3- المناظرات: حيث روى الرواة الكثير من مناظرات واحتجاجات المعصومين (عليهم السلام) مع غيرهم وقد تعامل العلماء مع هذه المناظرات مثل ما تعاملوا مع الحديث.

4- أجوبة المسائل: كان كثير من الرواة يسألون الأئمة (عليهم السلام) عن مسائل، وهم يجيبون عليها، وقد ذكر علماء الرجال أسماء بعض الرواة كانت لهم

ص: 288


1- الخرائج والجرائح 2: 642، ح49.

مسائل عن الأئمة (عليهم السلام) منهم: إبراهيم بن أبي البلاد، أحمد بن إسحاق بن عبداللّه الأشعري، أحمد بن عمر بن هلال وغيرهم.

5- الإملاء: حيث دوّن الرواة كثيراً ممّا أملاه المعصومون (عليهم السلام) في مجالسهم، فعن عذافر الصيرفي، قال: كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) فجعل يسأله وكان أبو جعفر له مكرها، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني، قم فأخرج كتاب علي، فأخرج كتابا مدرجا عظيما، ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : هذا خط علي وإملاء رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، وأقبل على الحكم، وقال: يا أبا محمد، اذهب أنت وسلمة والمقداد حيث شئتم، يمينا وشمالا، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (عليه السلام) (1).

وعن أبي الوضاح: فحدّثني أبي قال: كان جماعة من خاصة أبي الحسن (عليه السلام) من أهل بيعته وشيعته، يحضرون مجلسه ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن (عليه السلام) بكلمة أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك(2).

وقفة عند حديث الأربعين

من ضمن الأحاديث المستفيضة التي وردتنا من الفريقين حديث من حفظ من أمتي أربعين حديثاً، فقد رواه العامة والخاصة واتفقوا على نقله بعباراته شتى بحيث يطمأن الإنسان إلى صدوره عن المعصومين (عليهم السلام) رغم

ص: 289


1- رجال النجاشي: 360.
2- مهج الدعوات: 220.

اختلاف عباراته وأسانيده، ولا بأس أن ننقل بعض ماورد من ذلك الحديث:

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: من حفظ من أحاديثنا أربعين حديثا بعثه اللّه يقوم القيامة عالما فقيها(1).

وعن أبي الحسن (عليه السلام) ، قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من حفظ من أمّتي أربعين حديثا ممّا يحتاجون إليه من أمر دينهم بعثه اللّه عز وجل يوم القيامة عالما(2).

وعن حنان بن سدير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من حفظ عنّي أربعين حديثا من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما ولم يعذّبه(3).

وعن ابن عباس عن النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، قال: من حفظ من أمّتي أربعين حديثا من السنّة كنت له شفيعا يوم القيامة(4).

وعن أنس، قال: قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من حفظ عنّي من أمّتي أربعين حديثا في أمر دينه يريد به وجه اللّه عزّ وجل والدار الآخرة بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما(5).

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: من حفظ من شيعتنا أربعين حديثا بعثه اللّه عزّ وجل يوم القيامة فقيها عالما، ولم يعذّبه(6).

ص: 290


1- الكافي 1: 49، ح7.
2- ثواب الأعمال: 134.
3- الخصال 2: 542، ح18.
4- الخصال 2: 542، ح16.
5- الخصال 2: 542، ح17.
6- وسائل الشيعة 27: 79، ح33251.

بعض ما كُتب في الأربعين

حرص العديد من الأعلام على تطبيق ما ورد في الحديث المذكور فكتبوا في الأربعين العديد من المصنّفات ومنها:

1- الأربعون حديثاً: للعلامة الميرزا إبراهيم بن الحسين بن علي بن الغفار الدنبلي الخوئي الشهيد في الأكراد بخوي سنة 1325ه- .

2- الأربعون حديثاً: للعلامة إبراهيم بن سليمان القطيفي.

3- الأربعون حديثاً: للعلامة السيد محمد الشهير بالسيد أبي الحسن الرضوي القمّي الكشميري.

4- الأربعون حديثاً في مناقب الفقراء والصالحين: لأبي سعيد أحمد بن الحسن الطوسي.

5- الأربعون حديثاً في فضل الفقراء الصادقين: للفاضل الهندي.

6- الأربعون حديثاً في الفضائل والمناقب: لأسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الحلّي.

7- الأربعون حديثاً: للعلامة إسماعيل بن محمد حسين بن محمد رضا المازندراني الأصفهاني المعروف بخواجوئي.

8- الأربعون حديثاً: للشيخ إسماعيل بن علي نقي الأرومي التبريزي.

9- الأربعون حديثاً في الإمامة وشرحها بالفارسية: للعلامة المجلسي.

10- الأربعون حديثاً في الأصول والفروع والخطب والمواعظ ومايحتاج إليه الناس في أمور دينهم: للعلامة المجلسي، وغيرها من عشرات المصنفات التي كتبت في الأربعين أعرضنا عن ذكرها يمكن من يريد

ص: 291

الاطلاع عليها أن يراجع الذريعة للعلامة الطهراني (رحمه اللّه) حيث ذكرها في كتابه.

وعلى نهج السلف الصالح وجدت من الجدير بي أن أكتب كتابا في الأربعين في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) التي أكد عليها أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم المختلفة وحثّوا الناس إليها لما فيها من الخير الكثير والبركات العجيبة التي قلّما يوفّق الإنسان في سائر الأعمال الأخرى.

في ظلال الحديث

من خلال الروايات التي ذكرناها يظهر عدّة أمور مهمة ينبغي أخذها بعين الاعتبار ومنها:

1- لامجال للتشكيك في سند الحديث فهو من الأحاديث المستفيضة بين الفريقين بل قال بعضهم بتواتره، وقد رواه أصحابنا بطرق كثيرة مع اختلاف في اللفظ.

2- المراد بحفظ الحديث: هناك بحث تناوله الأعلام وهو أنّ المراد بالحفظ عن ظهر القلب أو الأعم؟

ذهب الشيخ البهائي رضوان اللّه عليه في كتابه (الأربعين) إلى الأول وإن لم يبعد أنّ المراد الأعم، فقال: الظاهر أنّ المراد بالحفظ عن ظهر القلب فإنّه هو المتعارف المعهود في الصدر السالف، فإنّ مدارهم كان على النقش في الخواطر لا على الرسم في الدفاتر حتى منع بعضهم بعضهم من الاحتجاج بما لم يحفظه الراوي عن ظهر القلب، وقد قيل: إنّ تدوين الحديث من المستحدثات في المائة الثانية من الهجرة ولا يبعد أن يراد بالحفظ الحراسة

ص: 292

على الاندراس بما يعمّ الحفظ من ظهر القلب والكتابة والفعل بين الناس ولو من كتاب وأمثال ذلك انتهى(1).

وممّا يؤيد كون المراد بالحفظ الأعم ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد على كتابة الحديث وتقييده، ومن ذلك ما ورد عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) : اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا(2).

وعن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: ما يمنعكم من الكتاب؟! إنّكم لن تحفظوا حتى تكتبوا، إنّه خرج من عندي رهط من أهل البصرة يسألون عن أشياء فكتبوها(3).

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال القلب يتكل على الكتابة(4).

وقال أبو عبد اللَّه: احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها(5).

وعن المفضّل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السلام) : اُكتب وبثّ علمك في إخوانك فإن متّ فأورث كتبك بنيك فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم(6).

وعن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: دخل علي أناس من أهل البصرة، فسألوني عن أحاديث وكتبوها، فما يمنعكم من

ص: 293


1- الأربعين: 7.
2- الكافي 1: 52، ح9.
3- مشكاة الأنوار: 142.
4- الكافي 1: 52، ح8.
5- الكافي 1: 52، ح10.
6- الكافي 1: 52، ح11.

الكتاب؟ أما إنّكم لن تحفظوا حتّى تكتبوا(1).

4- هل يلزم الحفظ للأحاديث مع الدراية له أم صرف الحفظ كافٍ في تحقّق الثواب العظيم المذكور في روايات حفظ الأربعين حديثاً؟

قبل الإجابة على السؤال ينبغي الإلتفات إلى أنّ أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) صعبة مستصعبة يختلف الناس في وعيها ودرايتها وبقدر وعي الناس لأحاديثهم (عليهم السلام) تكون منازلهم ومقاماتهم، ويشير إلى ذلك ما قاله أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإنّ المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان، إنّي نظرت في كتاب علي (عليه السلام) فوجدت في الكتاب أنّ قيمة كل امريء وقدره معرفته، إنّ لله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا(2).

وعن جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أنه قال: اعرفوا منازل شيعتنا عندنا على حسب روايتهم وفهمهم عنّا، الخبر(3).

وفي لفظ الكشي: اعرفوا منازل الرجال منّا على قدر رواياتهم عنّا(4).

وقال أبو جعفر (عليه السلام) : يا بني اعرف منازل شيعة علي (عليه السلام) على قدر روايتهم ومعرفتهم(5).

ص: 294


1- مستدرك الوسائل 7: 49-50، ح7623.
2- الأصول الستة عشر: 36.
3- خاتمة مستدرك الوسائل 5: 224.
4- وسائل الشيعة 27: 149، ح33452.
5- مستدرك الوسائل 1: 84، ح38.

وبعد هذه الروايات نقول: لاشك أنّ حفظ الدراية - ولو إلى حدّ ما - هو الغاية القصوى في التعاطي مع الحديث وهذا مايظهر من تأكيد أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم المختلفة على دراية الحديث ومن ذلك: ما عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وإنّ الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها لنا من جميعها المخرج(1).

وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : خبر تدريه خير من عشرة ترويه، إنّ لكل حقّ حقيقة، ولكل صواب نورا، ثم قال: إنّا واللّه لا نعد الرجل من شيعتنا فقيها، حتى يلحن له فيعرف اللحن(2).

وقال (عليه السلام) : عليكم بالدرايات لا بالروايات(3).

وقد اشترط الفيض الكاشاني في تفسير الحديث أن يكون الحفظ حفظ دراية، فقال: وحافظ اللفظ فقط من دون فهم المعنى مأجور مرحوم لقوله (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : رحم اللَّه امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فربّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، إلا أنّ دخوله في هذا الحديث بعيد لأنه ليس بفقيه ولا عالم فكيف يبعث فقيها عالما(4).

ومع ذلك قد يقال: إنّ حفظ أربعين حديثاً بذاته له خصوصية ولو كان حفظ رواية إذ إنّ أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فيها بركات عظيمة ومن

ص: 295


1- معاني الأخبار: 2، ح3.
2- الغيبة للنعمان: 141، ح2.
3- كنز الفوائد 2: 31.
4- الوافي 1: 137.

يحفظها لابد أن تفاض عليه من هذه البركات التي لاتحصل من مورد آخر، نعم مايحصّله حافظ الأحاديث عن دراية يفوق تماما بركات حافظ الحديث حفظ رواية ولكن هذا لايمنع التمسك بإطلاق الحديث ليشمل الحفظ عن دراية.

سيرة السلف في حفظ الأحاديث

حكي عن أحمد بن محمد بن عيسى أنّه جاء إلى حسن بن علي الوشاء وطلب إليه أن يخرج إليه كتاباً لعلاء بن زرين وكتاباً لأبان بن عثمان الأحمر، فلمّا أخرجهما قال: أُحبّ أن أسمعهما، قال: ما أعجلك! اذهب فاكتبهما، فقال: رحمك اللّه ما عليك أذهبُ فأكتبها وأُسمع مَنْ بعدي، فقال له: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنيّ أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمّد(1).

وما عن حمدويه، عن أُيوب بن نوح أنّه وقع عنده دفاتر فيه أحاديث ابن سنان، فقال: أن تكتبوا ذلك فإنّي كتبت عن محمد بن سنان، ولكن لا أروي منه شيئاً، فإنّه قال قبل موته: كلّ ما حدّثتكم فليس بسماع ولا برواية، وإنّما وجدته(2).

وعن الحكم بن مسكين عن رجل من قريش من أهل مكة، قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد، قال: فذهبت معه إليه

ص: 296


1- راجع ملاذ الأخيار 6: 436، ح39.
2- راجع خاتمة مستدرك الوسائل 2: 42.

فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبد اللَّه حدّثنا بحديث خطبة رسول اللَّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في مسجد الخيف، قال: دعني حتى أذهب في حاجتي فإنّي قد ركبت، فإذا جئت حدّثتك. فقال: أسألك بقرابتك من رسول اللَّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما حدّثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته، فدعا به، ثم قال: اكتب...(1).

ص: 297


1- الكافي 1: 403، ح2.

الفصل الثاني: الأربعين في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)

اشارة

1- وجوب زيارته (عليه السلام) : تظافرت الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) في الحثّ على زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) حتى ذهب بعض إلى وجوبها ولو في العمر مرّة(1) امتثالاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال لامرأة: تزورين قبر الحسين؟ قالت: نعم، قال: زوريه، فإنّ زيارة الحسين واجبة(2).

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، فإنّ إتيانه مفترض على كلّ مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة من اللَّه عزّ وجلّ(3).

أقول: ذهب بعض المتقدّمين بسبب هذه الروايات إلى وجوب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ، بينما حمل سائر الفقهاء مثل هذه الروايات على شدّة استحباب زيارته (عليه السلام) لذا حري بالمؤمنين أن لايتركوا زيارته ويواظبوا على

ص: 298


1- فقد استظهر العلامة المجلسي (رحمه اللّه) وجوب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بل كونها من أعظم الفرائض وآكدها، فقال: ولا يبعد القول بوجوبها في العمر مرّة مع القدرة، وإليه يميل الوالد العلامة نوّر اللّه ضريحه. بحار الأنوار 98: 10.
2- كامل الزيارات: 122، ح3.
3- كتاب المزار: 26، ح1.

زيارته ولو بالعمر مرّة.

2- زيارته (عليه السلام) عهد في أعناق الناس: ورد في الخبر عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: إنّ لكلّ إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم(1).

أقول: من مقتضيات الوفاء أن يزور الموالي قبورهم بل يكثر زياراتها خاصة المولی أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) الذي ورد التأكيد علی زيارته.

3- زيارته (عليه السلام) مع الخوف: حثّ أهل البيت (عليهم السلام) إلى زيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام) حتى مع احتمال الخطر وإلى ذلك يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: من أتى قبر الحسين (عليه السلام) في سفينة فتكفت(2) بهم سفينتهم، نادى مناد من السماء: طبتم وطابت لكم الجنّة(3).

أقول: كثير من الأحكام الشرعية يتبدّل الحكم فيها لدى الخوف بخلاف زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فهي محبّذة على أيّ حال حتى مع الخوف ويشهد لذلك، الحديث المذكور وغيره، وقد عقد ابن قولويه في كتابه «كامل الزيارات» باباً تحت عنوان: (من زار الحسين (عليه السلام) وعليه خوف).

4- ثواب زائر الإمام الحسين (عليه السلام) : عن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) إن كان ماشيا كتب اللّه له بكلّ خطوة حسنة ومحى عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه اللّه من المفلحين المنجحين، حتى إذا

ص: 299


1- الكافي 4: 567، ح2.
2- تكفّت السفينة وتكفأت: أي مالت. لسان العرب (كفا) 1: 142.
3- وسائل الشيعة 14: 458، ح19595.

قضى مناسكه كتبه اللّه من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك، فقال: إنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى(1).

أقول: من الأمور المحبّذة المستحبة بشدّة هي المشي إلى زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) فإنّ المشي إلى قبره الشريف يحطّ الذنوب العظام ومانراه اليوم من المشي لزيارته (عليه السلام) منشأه حثّ أهل البيت (عليهم السلام) وتشويقهم للمشي إلى زيارته والتزام السلف الصالح منذ القدم حتى اليوم بالمشي رغم محاربة الحكومات الجائرة لذلك.

5- من أراد جوار النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : عن أبي خالد ذي الشامة، قال: حدّثني أبو أسامة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من أراد أن يكون في جوار نبيّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وجوار عليّ وفاطمة فلا يدع زيارة الحسين بن علي (عليهم السلام) (2).

أقول: من المسلّم أنّ جوار أهل البيت (عليهم السلام) يحتاج إلى حظّ عظيم وتوفيق خاص لا يناله إلا من كان له حظ عظيم، الأمر الذي يكشف عن عظم مقام زوّار الإمام الحسين (عليه السلام) وتوفيقهم الكبير بحيث إنّهم يجاورون أهل البيت (عليهم السلام) .

6- العباد في الحشر يتمنّون أن يكونوا من زائريه: عن عبد اللّه الطحّان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سمعته وهو يقول: ما من أحد يوم القيامة إلا وهو يتمنّى أنّه من زوّار الحسين، لما يرى ممّا يصنع بزوّار الحسين (عليه السلام) من

ص: 300


1- كامل الزيارات: 132، ح1.
2- كامل الزيارات: 137، ح1.

كرامتهم على اللّه تعالى(1).

أقول: من أسماء يوم القيامة (يوم الحسرة) حيث يتحسّر العباد على مافرّطوا في طاعة اللّه عزّ وجلّ ويتمنّون أن يرجعوا إلى الدنيا ويعملوا الصالحات بعد أن تكشف لهم الحقائق ويطّعلوا على ماينفعهم في عالم الآخرة يوم لاينفع مال ولابنون إلا من لقى اللّه بقلب سليم.

ومن أهم الأمور التي يتحسّر العباد على التفريط فيها ويتمنّون أنّهم واظبوا عليها في الدنيا هي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وذلك لعظم ما فيها من بركات ومقام عظيم.

7- أين زوّار الحسين (عليه السلام) ؟: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين زوّار الحسين بن علي؟ فيقوم عنق من الناس لا يحصيهم إلا اللّه تعالى، فيقول لهم: ما أردتم بزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ؟ فيقولون: يا ربّ أتيناه حبّاً لرسول اللّه وحبّاً لعلي وفاطمة ورحمة له ممّا ارتكب منه، فيقال لهم: هذا محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين فالحقوا بهم، فأنتم معهم في درجتهم الحقوا بلواء رسول اللّه فينطلقون إلى لواء رسول اللّه، فيكونون في ظلّه واللواء في يد علي (عليه السلام) حتى يدخلون الجنة جميعا، فيكونون أمام اللواء، وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه(2).

أقول: أن يكون الإنسان في درجة أهل البيت (عليهم السلام) أمر لايتسنّى لأيّ أحد حتى الأنبياء يتمنّون أن يكونوا في درجتهم، ممّا يكشف عن عظم ما يعطاه

ص: 301


1- كامل الزيارات: 135، ح1.
2- كامل الزيارات: 141، ح1.

زوّار المولى أبي عبداللّه الحسين (عليه السلام) حيث يكونوا في درجتهم الرفيعة.

8- العتق من النار والأمن من فزع اليوم الأكبر قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : من زار قبر الحسين (عليه السلام) لله وفي اللّه أعتقه اللّه من النار وآمنه يوم الفزع الأكبر، ولم يسأل اللّه تعالى حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا أعطاه(1).

أقول: العتق من النار والأمن من فزع اليوم الأكبر غاية الصدّيقين وجميع عباد اللّه الصالحين ولذا ورد في الأدعية التأكيد عليهما ومن ذلك ماورد في دعاء المجير حيث يكرّر في عباراته: أجرنا من النار يا مجير. وأيضاً في دعاء الجوشن الكبير: الغوث الغوث خلّصنا من النار يارب.

ومن أهم الأمور التي تؤمن الإنسان يوم القيامة هي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) .

9- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ زيارة الحسين (عليه السلام) أفضل ما يكون من الأعمال(2).

10- عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ويمدّ في العمر ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كلّ مؤمن يقرّ للحسين بالإمامة من اللّه(3).

أقول: تأكيد الإمام (عليه السلام) على أمر الشيعة بزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) يكشف عن عظيم ما فيها من بركات ومنها ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) وهي:

1- زيادة الرزق.

ص: 302


1- كامل الزيارات: 146، ح7.
2- كامل الزيارات: 147، ح6.
3- وسائل الشيعة 14: 445، ح19564.

2- المدّ في العمر.

3- دفع مدافع السوء.

11- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: من لم يزر قبر الحسين (عليه السلام) فقد حرم خيرا كثيراً ونقص من عمره سنة(1).

أقول: من آثار ترك زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) الوضعيّة هي نقاصان العمر وهذا مقابل الإكثار في زيارته فإنّه يوجب طول العمر.

وكل إنسان يرغب في طول العمر ويسعی جاهداً أن ينال ذلك، وعادة ما يطرق أبواب شتی ليحقّق ذلك دون أن يعلم الكثير منهم أن ذلك في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) .

12- عن عبد الملك الخثعمي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: قال لي: يا عبد الملك لا تدع زيارة الحسين بن علي (عليهما السلام) ومر أصحابك بذلك، يمدّ اللّه في عمرك ويزيد اللّه في رزقك، ويحييك اللّه سعيدا ولا تموت الا سعيداً ويكتبك سعيدا(2).

أقول: من الأمور المهمّة لعامة الناس هي تحصيل السعادة فالكثير من الناس يبحث عنها ويقضي عمره فلا يصل إليها والحال أنّ الإمام (عليه السلام) يضمن لزائر الإمام الحسين (عليه السلام) السعادة في مواطن مهمّة جدا وهي:

1- السعادة في الحياة.

2- السعادة عند الممات.

ص: 303


1- كامل الزيارات: 151، ح3.
2- كامل الزيارات: 152، ح5.

3- الكتابة عند اللّه عزّ وجل من السعداء يوم القيامة.

13- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: إنّ زائر الحسين جعل ذنوبه جسرا على باب داره ثم عبرها، كما يخلف أحدكم الجسر وراءه إذا عبر(1).

أقول: إنّ آثار زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) غير مقتصرة على رفع الدرجات وتحصيل المقامات الرفيعة بل هناك آثار أخرى مهمّة لاتقلّ مرتبة عن ذلك ومنها محو الذنوب التي تثقل ظهر الإنسان.

14- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: إنّ الرجل ليخرج إلى قبر الحسين (عليه السلام) ، فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة من ذنوبه، ثم لم يزل يقدّس بكل خطوة حتى يأتيه، فإذا أتاه ناجاه اللّه تعالى فقال: عبدي سلني أعطك، ادعني أجبك، اطلب منّي أعطك، سلني حاجةً أقضيها لك، قال: وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : وحقّ على اللّه أن يعطي ما بذل(2).

أقول: كل خطوة في طريق زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لها آثارها من غفران الذنوب والتقديس، فضلا عن الدعوة المضونة المذخورة للزائر إذا بلغ حرم المولی.

15- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عليهما السلام) لكان تاركا حقّاً من حقوق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، لأنّ حقّ الحسين (عليه السلام) فريضة من اللّه واجبة على كل مسلم(3).

أقول: من الصعب بمكان أن يلقى الإنسان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يوم القيامة -

ص: 304


1- كامل الزيارات: 152، ح1.
2- كامل الزيارات: 132، ح2.
3- تهذيب الأحكام 6: 42، ح87.

ذلك اليوم الذي تذهل فيه المرضعة عمّا أرضعت ويفرّ المرء من بنيه وصاحبته وأخيه - وهو تارك لحقّ من حقوقه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فكيف يرجو تارك حقّ من حقوق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) شفاعته الكبرى يوم القيامة؟

16- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سمعت أبي يقول لرجل من مواليه وسأله عن الزيارة، فقال له: من تزور ومن تريد به؟ قال: اللّه تبارك وتعالى، فقال: من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها اللّه لقي اللّه يوم يلقاه وعليه من النور ما يغشي له كل شيء يراه، واللّه يكرم زوّاره ويمنع النار أن تنال منهم شيئا، وإنّ الزائر له لا يتناهى له دون الحوض، وأمير المؤمنين (عليه السلام) قائم على الحوض يصافحه ويرويه من الماء، وما يسبقه أحد إلى وروده الحوض حتى يروي، ثم ينصرف إلى منزله من الجنّة، ومعه ملك من قبل أمير المؤمنين يأمر الصراط أن يذلّ له، ويأمر النار أن لا يصيبه من لفحها شيء حتى يجوزها، ومعه رسوله الذي بعثه أمير المؤمنين (عليه السلام) (1).

أقول: من آثار زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) الشمول لكرم اللّه يوم القيامة وتذليل صعابها ومنها: النار، وعطش يوم القيامة، والصراط وغيرها.

17- عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: لو يعلم الناس ما في زيارة الحسين (عليه السلام) من الفضل لماتوا شوقا وتقطّعت أنفسهم عليه حسرات، قلت: وما فيه؟ قال: من أتاه تشوّقا كتب اللّه له ألف حجّة متقبّلة وألف عمرة مبرورة وأجر ألف شهيد من شهداء بدر وأجر الف صائم، وثواب ألف صدقة مقبولة، وثواب ألف نسمة أريد بها وجه اللّه، ولم يزل محفوظا سنّته

ص: 305


1- كامل الزيارات: 123، ح1.

من كل آفة أهونها الشيطان، ووكل به ملك كريم يحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحت قدمه.

فإن مات سنته حضرته ملائكة الرحمة يحضرون غسله وأكفانه والاستغفار له، ويشيعونه إلى قبره بالاستغفار له، ويفسح له في قبره مدّ بصره، ويؤمنه اللّه من ضغطة القبر ومن منكر ونكير أن يروّعانه، ويفتح له باب إلى الجنّة، ويعطى كتابه بيمينه، ويعطى له يوم القيامة نورا يضيء لنوره ما بين المشرق والمغرب، وينادي مناد: هذا من زوّار الحسين شوقا إليه، فلا يبقى أحد يوم القيامة إلا تمنّى يومئذ أنّه كان من زوّار الحسين (عليه السلام) (1).

أقول: هذه من الموارد التي يحقّ القول فيها: لقد جفّ القلم ونضب المداد وكلّ اللسان عن بيان مافي الخبر من معاني عظيمة لا يصل العقل إلى بعض حقائقها، فماعسانا أن نقول عن دلالة هذا الحديث وماعسانا أن نبيّن؟

18- عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أربعة آلاف ملك عند قبر الحسين (عليه السلام) شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر إلا استقبلوه، ولا يودّعه مودّع إلا شيّعوه، ولا يمرض إلا عادوه، ولا يموت إلا صلّوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته(2).

أقول: كم هو عظيم زائر الإمام الحسين (عليه السلام) ؟ تستقبله الملائكة وتودّعه وتشايعه وتعوده في مرضه وتحضر جنازته، أليس أن هذه الكرامة الحقيقة

ص: 306


1- كامل الزيارات: 142، ح3.
2- الكافي 4: 581-582، ح7.

والرفعة العظمی؟ نسأل اللّه أن لايحرمنا زيارته.

19- عن الإمام الصادق (عليهما السلام) : أنّ أيام زائري الحسين (عليه السلام) لا تحسب من أعمارهم ولا تعدّ من آجالهم(1).

أقول: ليس المراد أنّ أيام زائري الإمام الحسين (عليه السلام) لاتحسب من أعمارهم أي أنّهم لايجنون منها شيئاً، بل لعل المراد أنهم لا يساءلون عن أعمالهم مادموا في الزيارة، أو أنّ أيام الزيارة ليست من أيام عمر الدنيا بل هي من أيام عالم آخر.

20- عن عبد اللّه بن مسكان، قال: شهدت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وقد أتاه قوم من أهل خراسان فسألوه عن إتيان قبر الحسين (عليه السلام) وما فيه من الفضل، قال: حدّثني أبي عن جدّي أنّه كان يقول: من زاره يريد به وجه اللّه أخرجه اللّه من ذنوبه كمولود ولدته أمّه، وشيّعته الملائكة في مسيره، فرفرفت على رأسه قد صفّوا بأجنحتهم عليه حتى يرجع إلى أهله، وسألت الملائكة المغفرة له من ربّه وغشيته الرحمة من أعنان السماء، ونادته الملائكة: طبت وطاب من زرت، وحفظ في أهله(2).

أقول: ليست آثار زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) مقتصرة علی الزائر فقط بل تشمل أهله وذويه فيحفظون ببركة زيارته للإمام الحسين (عليه السلام) .

21- روی سعيد بن خيثم، عن أخيه معمّر، قال: سمعت زيد بن علي يقول: من زار قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) لا يريد به إلا اللّه تعالى غفر له جميع

ص: 307


1- كامل الزيارات: 136، ح1.
2- كامل الزيارات: 145، ح5.

ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، فاستكثروا من زيارته يغفر اللّه لكم ذنوبكم(1).

أقول: في الخبر دلالة واضحة على الإكثار من زيارة الإمام فحري بالمؤمنين أن يكثروا زيارته ففيها خير الدنيا والآخرة.

22- عن بشير الدهان قال: كنت أحجّ في كل سنّة فأبطأت سنة عن الحج، فلمّا كان من قابل حججت ودخلت علی أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال لي: يا بشير ما أبطأك عن الحج في عامنا الماضي؟ قال: قلت: جعلت فداك ما كان لي علی الناس خفت ذهابه غير أنّي عرّفت عند قبر الحسين (عليه السلام) ، فقال لي: ما فاتك شيء ممّا كان فيه أهل الموقف، يا بشير من زار الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقّه كان كمن زار اللّه في عرشه(2).

23- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: من أتى قبر الحسين (عليه السلام) كتبه اللّه في عليين(3).

أقول: حري بنا أن نعرف المراد بالعليين، وإليكم الحديث التالي يقول جابر الجعفي: كنت محمد بن علي (عليه السلام) ، فقال: يا جابر خلقنا نحن ومجينا من طينة واحدة بيضاء نقية من أعلی عليين، فخلقنا نحن من أعلاها وخلق محبونا من دونها فإذا كان يوم القيامة التفت العليا بالسفلی، وإذا كان يوم القيامة ضربنا بأيدينا إلی حجزة نبينا وضرب أشياعنا بأيديهم إلی حجزتنا، فأين تری يُصيّر اللّه نبيّه وذريته؟ وأين تری يُصيرّ ذريته محبيّها؟ فضرب

ص: 308


1- كامل الزيارات: 145، ح6.
2- كامل الزيارات: 149، ح11.
3- كامل الزيارات: 148، ح9.

جابر يده علی يده، فقال: دخلناها وربّ الكعبة ثلاثاً(1).

24- عن الإمام الصادق (عليه السلام) : إن الحسين (عليه السلام) قتل مكروباً، وحقيق على اللّه أن لا يأتيه مكروب الإرده اللّه مسروراً(2).

25- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: زائر الحسين (عليه السلام) مشفع يوم القيامة لمائة رجل، كلهم قد وجبت لهم النار ممن كان في الدنيا من المسرفين(3).

26- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من أتی قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقد وصل رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ووصلنا وحرمت غيبته، وحرم لحمه علی النار، وأعطاه اللّه بكل درهم أنفقه عشرة ألف مدينة له في كتاب محفوظ، وكان اللّه له من وراء حوائجه، وحفظ في كل ما خلّف، ولم يسأل اللّه شيئاً إلا أعطاه وأجابه فيه، إمّا أن يعجّله، وإمّا أن يؤخّوه له(4).

أقول: كم الآثار التي في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تحيّر العقول، فماذا يعني حرمة غيبته، فمن الواضح أن غيبة المؤمن حرام؟ لعل المراد به أن زائر الإمام الحسين (عليه السلام) من آثار زيارته أن الآخرين لايغتابونه احبّهم وحسن انطباعهم عنه.

27- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان لله ملائكة موكلين بقبر الحسين (عليه السلام) فإذا هم الرجل بزيارته أعطاهم اللّه ذنوبه، فإذا خطا محوها، ثم إذا خطا ضاعفوا حسناته، فما تزال حسناته تضاعف حتى توجب له الجنة، ثم

ص: 309


1- بصائر الدرجات 1: 15-16، ح6.
2- كامل الزيارات: 167، ح3.
3- كامل الزيارات: 165، ح2.
4- كامل الزيارات: 127، ح1.

اكتنفوه وقدّسوه وينادون ملائكة السماء أن قدّسوا زوّار حبيب حبيب اللّه، فإذا اغتسلوا ناداهم محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يا وفد اللّه أبشروا بمرافقتي في الجنة، ثم ناداهم أمير المؤمنين (عليه السلام) : انا ضامن لقضاء حوائجكم ودفع البلاء عنكم في الدنيا والآخرة، ثم اكتنفوهم عن أيمانهم وعن شمائلهم حتى ينصرفوا إلى أهاليهم(1).

28- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: من أراد أن يكون في كرامة اللّه يوم القيامة وفي شفاعة محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فليكن للحسين زائرا ينال من اللّه الفضل والكرامة وحسن الثواب، ولا يسأله عن ذنب عمله في حياة الدنيا، ولو كانت ذنوبه عدد رمل عالج وجبال تهامة وزبد البحر، ان الحسين (عليه السلام) قتل مظلوما مضطهدا نفسه عطشانا هو وأهل بيته وأصحابه(2).

29- عن زيد الشحام، قال: من أراد اللّه به الخير قذف في قلبه حبّ الحسين (عليه السلام) وحبّ زيارته، ومن أراد اللّه به السوء قذف في قلبه بغض الحسين وبغض زيارته(3).

أقول: من علامات من أراد اللّه به الخير أن تراه يحب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) والتعلق بها بل والإكثار منها، ومن علائم الشقاء والسوء أن يبغض الإنسان الإمام الحسين (عليه السلام) وينقض زيارته وذلك الخسران المبين.

30- عن هارون بن خارجة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: وكّل اللّه بقبر الحسين (عليه السلام) أربعة آلاف ملك شعث غُبر يبكونه إلى يوم القيامة، فمن

ص: 310


1- كامل الزيارات: 153، ح3.
2- كامل الزيارات: 153-154، ح6.
3- كامل الزيارات: 142، ح3.

زاره عارفا بحقّه شيّعوه حتى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوة وعشية، وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة(1).

أقول: يبدو من الحديث أنّ هؤلاء الملائكة يرعون زائر الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة زيارته وفي مختلف أحواله سواء زار وعاد سالماً إلی مأمنه، أو زار وتعرّض للمرض أو مات، فهم يرعونه كرامة له.

31- عن عبد اللّه بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ لزوّار الحسين بن علي (عليهما السلام) يوم القيامة فضلا على الناس، قلت: وما فضلهم؟ قال: يدخلون الجنة قبل الناس بأربعين عاما وسائر الناس في الحساب والموقف(2).

أقول: أن يتجاوز الإنسان عقبات يوم القيامة ويعبر مواقفها المهيبة بعد من الأمور المهمة جداً، وكما في الحديث المذكورة أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليس فقط تخلّص الإنسان من هذه الأهوال بل تورده قبل العباد إلی الجنة.

32- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: لو أنّ أحدكم حجّ دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عليهما السلام) لكان تاركا حقّاً من حقوق اللّه وحقوق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، لأنّ حقّ الحسين (عليه السلام) فريضة من اللّه واجبة على كل مسلم(3).

أقول: ليس من السهل أن يترك الإنسان حقّ من حقوق رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، فهو له علی الكون كلّه حق الوجود وحق المنعم نسأل اللّه أن يوفقنا لزيارة

ص: 311


1- الكافي 4: 581، ح6.
2- كامل الزيارات: 137، ح1.
3- كامل الزيارات: 122، ح4.

الإمام الحسين (عليه السلام) ونؤدي حقوق أهل البيت (عليهم السلام) علينا.

33- عن أم سعيد الأحمسية، قالت: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : يا أمّ سعيد تزورين قبر الحسين (عليه السلام) ؟ قالت: قلت: نعم، قال: يا أمّ سعيد زوريه فإنّ زيارة الحسين واجبة على الرجال والنساء(1).

أقول: هذه من الروايات التي استدل بها البعض علی وجوب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) علی الجميع.

34- عن إسحاق بن عمار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس نبي في السماوات والأرض إلا ويسألون اللّه تعالى ان يأذن لهم في زيارة الحسين (عليه السلام) ، ففوج ينزل وفوج يصعد(2).

أقول: يهظر من الرواية أن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ليست بإختيار الإنسان بل لا بد من اذن الهي ليوفّق الإنسان لها بما في ذلك الأنبياء.

35- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: وكّل اللّه بقبر الحسين بن علي (عليهما السلام) سبعين ألف ملك يعبدون اللّه عنده، الصلاة الواحدة من صلاة أحدهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين، يكون ثواب صلاتهم لزوّار قبر الحسين بن علي (عليهما السلام) ، وعلى قاتله لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين أبد الأبدين(3).

أقول: هيننا لزوار الإمام الحسين (عليه السلام) علی هذه المقامات الرفيعة، فمن جانب - كما ذكرنا في بعض الأخبار - تستغفر له الملائكة، وتشايعه في

ص: 312


1- وسائل الشيعة 14: 437، ح19547.
2- كامل الزيارات: 111، ح1.
3- كامل الزيارات: 121، ح1.

سفره، وتعوده في مرضه إذا مرض، وما جانب أخر تهدي ثواب أعمالها له كرامة له لزيارته المولی أبي عبد اللّه (عليه السلام) .

36- عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ قلبي ينازعني إلى زيارة قبر أبيك، وإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفا من السلطان والسعاة وأصحاب المصالح، فقال: يا ابن بكير أما تحبّ أن يراك اللّه فينا خائفا؟ أما تعلم أنّه من خاف لخوفنا أظلّه اللّه في ظلّ عرشه؟ وكان يحدّثه الحسين (عليه السلام) تحت العرش، وآمنه اللّه من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع فإن فزع وقرته الملائكة، وسكنت قلبه بالبشارة(1).

أقول: لا ينبغي للمؤمنين أن يعيقهم الخوف عن زيارة المولی أبي عبد اللّه (عليه السلام) بل إن من يزوره خائفاً يتماز علی من يزوره آمنأ، إذ إن من يزوره خائفاً ينال ثواب زيارة الخائف لأجل أهل البيت (عليهم السلام) وهذا مقام عظيم أشارت الرواية إلی جانب منه وهو أن يظلّه اللّه تعالی تحت عرشه.

37- عن أبي عبد اللّه، قال: إنّ فاطمة بنت محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تحضر لزوّار قبر ابنها الحسين (عليه السلام) فتستغفر لهم ذنوبهم(2).

أقول: أن تستغفر الصديقة الزهراء (عليها السلام) التي يرضی اللّه لرضاها ويغضب لغضبها وسام عظيم لا يناله إلا ذو حظ عظيم، وأن استغفارها (عليه السلام) للزائر موجب لعلو المقام وقيل المراتب الرفيعة.

38- عن ابن سنان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ أباك كان يقول في

ص: 313


1- وسائل الشيعة 14: 457، ح19592.
2- كامل الزيارات: 118، ح4.

الحج يُحسب له بكل درهم أنفقه ألف درهم، فما لمن ينفق في المسير إلى أبيك الحسين (عليه السلام) ؟ قال: يا ابن سنان يحسب له بالدرهم ألف وألف حتى عدّ عشرة، ويرفع له من الدرجات مثلها ورضا اللّه خير له ودعاء محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ودعاء أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) خير له(1).

أقول: إن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تجارة مربحة مع اللّه عزّ وجل، وليس في الوجود تجارة تعود علی الإنسان بهذا النفع العظيم ولكن للأسف كثير من الناس غافلين عن هكذا تجارة.

39- عن ذريح المحاربي، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ما القى من قومي ومن بنيّ إذا أنا أخبرتهم بما في إتيان قبر الحسين (عليه السلام) من الخير إنّهم يكذّبوني ويقولون: إنّك تكذب على جعفر بن محمد، قال: يا ذريح دع الناس يذهبون حيث شاءوا، واللّه إنّ اللّه ليباهي بزائر الحسين والوافد يفده الملائكة المقرّبون وحملة عرشه، حتى أنّه ليقول لهم: أما ترون زوّار قبر الحسين أتوه شوقا إليه وإلى فاطمة بنت رسول اللّه، أما وعزّتي وجلالي وعظمتي لأوجبنّ لهم كرامتي ولأدخلنّهم جنّتي التي أعددتها لأوليائي ولأنبيائي ورسلي.

يا ملائكتي هؤلاء زوّار الحسين حبيب محمد رسولي ومحمد حبيبي، ومن أحبّني أحبّ حبيبي، ومن أحبّ حبيبي أحبّ من يحبّه، ومن أبغض حبيبي أبغضني، ومن أبغضني كان حقّا عليّ أن أعذّبه بأشدّ عذابي، واُحرقه بحرّ ناري، وأجعل جهنم مسكنه ومأواه، وأعذّبه عذابا لا أعذبه أحدا من

ص: 314


1- كامل الزيارات: 128، ح4.

العالمين(1).

أقول: ينبغي للإنسان أن لا يتأثّر بتثبيط وتعير الآخرين، فيوهن أو يضعف عن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بل عليه أن يضع المقامات وآثار الزيارة نصب عينيه ويسعی أن تكون زيارته للإمام الحسين (عليه السلام) شوقاً له ولإهل البيت (عليهم السلام) .

40- روي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) أنه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين والتختّم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم(2).

أقول: إن ما نراه اليوم في زيارة الأربعين من إقبال الملايين علی قبر المولی أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) وتفانيهم من أجل إحياء شعيرة الزيارة هي استجابة واضحة لتلك الدعوة المظلومة التي اطلقها الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء حيث قال: هل من ناصر فينصرنا، ولسان حال الجميع في زيارتهم: لبيك يا داعي اللّه ان كان لم يجبك بدني عند استغاثتك ولساني عند استنصارك فقد أجابك قلبي وسمعي، وبصري.

محاربة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)

لما طلب الإمام الحسين (عليه السلام) لرضيعه الصغير شربة من الماء، فقال بعض جيش عمر بن سعد: لاتبقوا لأهل هذا البيت من باقية، وبالفعل فقد كان القوم يريدون ذلك ولكن ومكروا ومكر اللّه ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره.

فلم يكتف القوم بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بل أرادوا محو كل ماينتسب

ص: 315


1- كامل الزيارات: 144، ح5.
2- تهذيب الأحكام 6: 52، ح122.

إليه خاصة قبره الشريف ولذا كانوا يحاربون كل من يقصده حتى بني أسد لما أرادوا دفن الأجساد كانوا متخوّفين من السلطات، ولما لمحوا سوادا من بعيد تنحّوا جانباً وإذا به الإمام زين العابدين (عليه السلام) فاطمأنّوا أنّه ليس من السلطات وأعانوه على دفن الأجساد.

وكذا الحال بالنسبة للصحابي الجليل جابر بن عبداللّه الأنصاري لما أراد زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) في الأربعين بمعيّة الشيخ الجليل عطية العوفي، حيث زاراه متخفّيان وبخوف شديد، وحينما لمحا سواد من بعيد خافا وتنحّيا عن القبر.

وعلى مرّ التاريخ كانت زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) لاتخلو من الأخطار والمضايقات والخوف الشديد وما ذلك إلا لمحاربة السلطات الظالمة وحكام الجور لها.

يقول يحيى بن المغيرة الرازيّ: كنت عند جَرير ابن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق، فسأله جرير عن خبر النّاس؟ فقال: تركت الرّشيد وقد كَرَبَ قبر الحسين (عليه السلام) وأمر أن تُقطَع السّدرة التي فيه، فَقُطِعت، قال: فرفع جَرير يديه وقال: اللّه أكبر جاءنا فيه حديث من رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أنّه قال: لعن اللّه قاطعَ السّدرة ثلاثاً.

فلم نقف على معناه حتّى الآن ؛ لأنّ القصد بقطعه - تغيير مصرع الحسين (عليه السلام) - حتى لا يقف النّاس على قبره(1).

وذكر الطبري في أحداث سنة 236ه- فقال: وفيها أمر المتوكل بهدم قبر

ص: 316


1- أمالي، الشيخ الطوسي: 325، المجلس الحادي عشر، ح98.

الحسين بن علي وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق، فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه(1).

ونقل علي بن عبد المنعم بن هارون الخديجي الكبير من شاطي النيل، فقال: حدّثني جدّي القاسم ابن أحمد بن معمّر الأسدي الكوفي، وكان له علم بالسيرة وأيام الناس، قال: بلغ المتوكل جعفر بن المعتصم أنّ أهل السواد يجتمعون بأرض نينوى لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، فيصير إلى قبره منهم خلق كثير، فأنفذ قائدا من قوّاده، وضمّ إليه كتفا من الجند كثيرا ليشعب قبر الحسين (عليه السلام) ، ويمنع الناس من زيارته والاجتماع إلى قبره.

فخرج القائد إلى الطف، وعمل بما أمر، وذلك في سنة سبع وثلاثين ومائتين، فثار أهل السواد به واجتمعوا عليه وقالوا: لو قتلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته، ورأوا من الدلائل ما حملهم على ما صنعوا، فكتب بالأمر إلى الحضرة، فورد كتاب المتوكل إلى القائد بالكفّ عنهم والمسير إلى الكوفة مظهرا أنّ مسيره إليها في مصالح أهلها والانكفاء إلى المصر.

فمضى الأمر على ذلك حتى كانت سنة سبع وأربعين، فبلغ المتوكل أيضا مصير الناس من أهل السواد والكوفة إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السلام) ، وأنّه قد كثر جمعهم كذلك، وصار لهم سوق كبير، فأنفذ قائدا في جمع كثير من الجند، وأمر مناديا ينادي ببراءة الذمّة ممّن زار قبر الحسين، ونبش القبر

ص: 317


1- تاريخ الطبري 9: 185.

وحرث أرضه، وانقطع الناس عن الزيارة، وعمل على تتبّع آل أبي طالب (عليهم السلام) والشيعة (رضي اللّه عنهم)، فقتل ولم يتم له ما قدر(1).

وعن سليمان بن غالب الأزدي قال: حدّثني عبد اللّه بن رابية الطوري قال: حججت سنة سبع وأربعين ومائتين فلما صدرت من الحج صرت إلى العراق، فزرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) على حال خيفة من السلطان، وزرته ثم توجهت إلى زيارة الحسين (عليه السلام) فإذا هو قد حرث أرضه، ومخر فيها الماء، وأرسلت الثيران العوامل في الأرض، فبعيني وبصري كنت أري الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتى إذا حازت مكان القبر حادت عنه يمينا وشمالا، فتضرب بالعصا الضرب الشديد، فلا ينفع ذلك فيها ولا تطأ القبر بوجه ولا سبب، فما أمكنني الزيارة فتوجّهت إلى بغداد وأنا أقول:

تاللّه إن كانت أميّة قد أتت***قتل ابن بنت نبيها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها***هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا***في قتله فتتبعوه رميما

فلما قدمت بغداد سمعت العائهة(2) فقلت: ما الخبر؟

قالوا: سقط الطائر بقتل جعفر المتوكل، فعجبت لذلك وقلت: إلهي ليلة بليلة(3).

ص: 318


1- أمالي، الشيخ الطوسي: 329، المجلس الحادي عشر، ح103.
2- العائهة: الصوت المفزع.
3- أمالي، الشيخ الطوسي: 329، المجلس الحادي عشر، ح104.

وعن عمر بن فرج قال: أنفذني المتوكل في تخريب قبر الحسين (عليه السلام) فصرت إلى الناحية، فأمرت بالبقر فمرّ بها على القبور كلّها، فلمّا بلغت قبر الحسين (عليه السلام) لم تمرّ عليه، قال عمّي عمر بن فرج: فأخذت العصا بيدي فما زلت أضربها حتى تكسّرت العصا في يدي، فواللّه ما جازت على قبره ولا تخطّته.

قال لنا محمد بن جعفر: كان عمّي عمر بن فرج كثير الانحراف عن آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأنا أبرء إلى اللّه منه، وكان جدّي أخوه محمد بن فرج شديد المودّة لهم رحمه اللّه ورضي عنه فأنا أتولاه لذلك وأفرح بولادته(1).

ونقل ابن محبوب، فقال: خرجت من الكوفة قاصداً زيارة الحسين (عليه السلام) في زمان ولاية آل مروان - لعنهم اللّه - وكانوا قد أقاموا أناساً من بني أميّة على جميع الطرق، يقتلون من ظفروا به من زوّار الحسين (عليه السلام) فأخفيت نفسي، وسرت حتى انتهيت إلى قرية قريبة من مشهد الحسين (عليه السلام) ، فأخفيت نفسي إلى الليل ثم دخلت الحائر الشريف في الليل، فلما أردت الدخول للزيارة إذ خرج إلي رجل، وقال لي: يا هذا! ارجع من حيث جئت، فقد قبل اللّه زيارتك، عافاك اللّه فإنّك لا تقدر على الزيارة في هذه الساعة، فرجعت إلى مكاني وصبرت حتى مضى أكثر من نصف الليل، ثم أقبلت للزيارة، فخرج إلي ذلك الرجل أيضاً، وقال لي: يا هذا!

ألم أقل لك إنّك لا تقدر على زيارة الحسين (عليه السلام) في هذه الليلة؟

فقلت: ولم تمنعني من ذلك، وأنا قد أقبلت من الكوفة على خوف ووجل من بني أمية أن يقتلوني؟

ص: 319


1- أمالي، الشيخ الطوسي: 325، المجلس الحادي عشر، ح99.

فقال: يا بن محبوب إعلم أنّ إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم اللّه وعيسى روح اللّه، ومحمد حبيب اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) استأذنوا اللّه عزّ وجلّ في هذه الليلة، فأذن لهم بزيارته، فهم عند رأسه من أوّله إلى آخره في جمع من الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين، لا يحصي عددهم إلا اللّه تعالى، وهم يسبّحون اللّه ويقدّسونه، ولا يفترون إلى الصباح، فإذا أصبحت فأقبل إلى زيارته، إن شاء اللّه...(1).

وعن محمد بن الحسين الأشناني، قال: بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها وساعدني رجل من العطّارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمّه ونتحرّى جهته حتى أتيناه، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه وأُحرق، وأجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قطّ كشيء من الطيب، فقلت للعطّار الذي كان معي: أيّ رائحة هذه؟

فقال: لا واللّه ما شممت مثلها كشيء من العطر، فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع، فلما قُتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه(2).

ص: 320


1- مدينة المعاجز 4: 212، ح1236.
2- مقاتل الطالبيين: 479.

المحاضرات

اشارة

ص: 321

ص: 322

إنا أعطيناك الكوثر

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ}(1).

من المشهور في التفاسير أنّ هذه السورة المباركة نزلت في مكة المكرّمة، وقد فسّر المفسّرون الكوثر بعدّة تفاسير منها أنّه نهر في الجنة أشدّ بياضاً من الثلج، وقيل: هي الشفاعة، وقيل:غيرها من المعاني.

ولكن كثير من المفسّرين ذهب إلى أنّ هناك جامعاً لكل المعاني المذكورة وهو الخير الكثير، ومن أبرز مصاديق ذلك الخير هي الذريّة الكثيرة المباركة.

فقد روى المؤرّخون أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما مات أحد أولاده شمت به العاص بن وائل، وقال: إنّ محمداً أبتر، فإن مات مات ذكره، فأنزل اللّه تعالى هذه السورة على نبيّه تسلية له(2).

ص: 323


1- سورة الكوثر، 1-3.
2- سيرة ابن إسحاق: 245 و 272.

وفي تفسير الرازي قال: والقول الثالث: الكوثر أولاده، قالوا: لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت ثم العالم ممتليء منهم، ولم يبق من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به،ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) والنفس الزكيّة وأمثالهم(1).

ذريّة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من صلب علي (عليه السلام)

شاءت إرادة الرب تعالى أن يموت أولاد النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) جميعاً ولايبقى له سوى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وأن تنحصر ذرية النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من صلب أميرالمؤمنين (عليه السلام) وهذه شرافة وخصوصية انحصرت بالنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) دون سائر الأنبياء (عليهم السلام) ، وكرامة للصديقة الزهراء (عليه السلام) والمولى أميرالمؤمنين (عليه السلام) .

قال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه جَعل ذُرِّيَة كلِّ نبيٍّ مِن صُلْبِهِ، وإنّ اللّه عزّ وعلا جعل ذُرِّيّة محمّد مِن صُلبِ عليّ بن أبي طالب(2).

وكان أهل البيت (عليهم السلام) يفتخرون بهذا الوسام على سائر الناس ويعتزّون به والشواهد على ذلك كثيرة منها ما جرى بين الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وهارون العباسي حيث قال هارون للإمام (عليه السلام) : لم جوّزتم للعامّة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) و يقولون لكم: يا بني رسول اللّه، وأنتم بنو علي وإنّما ينسب المرء إلى أبيه وفاطمة إنّما هي وعاء، والنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) جدّكم

ص: 324


1- تفسير الرازي 32: 124.
2- مناقب المغازلي: 61.

من قبل أمّكم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين لو أنّ النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟

فقال: سبحان اللّه ولم لا أجيبه؟! بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك، فقلت: لكنّه (عليه السلام) لا يخطب إليّ ولا أزوّجه.

فقال: ولم؟

فقلت: لأنّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ولدني ولم يلدك. فقال: أحسنت يا موسى.

ثم قال: كيف قلتم إنّا ذريّة النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) ، والنبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لم يعقّب، وإنّما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة، ولا يكون لها عقب؟ فقلت: أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفيتني عن هذه المسألة، فقال:لا أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم، وإمام زمانهم، كذا أُنهي إليّ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجّة من كتاب اللّه تعالى، فأنتم تدّعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو، إلا وتأويله عندكم، واحتججتم بقوله عزّ وجلّ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلْكِتَٰبِ مِن شَيْءٖ}(1) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.

فقلت: تأذن لي في الجواب؟

قال: هات. فقلت: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ}(2) من أبو

ص: 325


1- سورة الأنعام: 38.
2- سورة الأنعام: 84-85.

عيسى يا أمير المؤمنين؟

فقال: ليس لعيسى أب.

فقلت: إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام) ، وكذلك ألحقنا بذراري النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من قبل أُمّنا فاطمة (عليها السلام) (1).

من وصايا النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بذريّته

كثرت وصايا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بالإحسان إلى ذريته والبرّ إليهم ومن ذلك: قول رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :

إني شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتّي، ورجل بذل ماله لذريتّي عند المضيق، ورجل أحبّ ذريتّي باللسان وبالقلب، ورجل سعى في حوائج ذريتّي إذا طردوا أو شرّدوا(2).

وقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتّي من بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه(3).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) :حقّت شفاعتي لمن أعان ذريتّي بيده ولسانه وماله(4).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : أكرموا أولادي وحسنوا آدابي(5).

ولكن وللأسف لم يرع الناس وصايا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) في ذريته بل

ص: 326


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 83-84، ح9.
2- الكافي 4: 60، ح9.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 253-254، ح2.
4- مستدرك الوسائل 12: 376، ح14339.
5- مستدرك الوسائل 12: 376، ح14339.

خالفوا وصيته وعملوا بخلاف ما دعاهم إليه من البر إليهم والإحسان لهم، فضيقوا عليهم البلاد وشرّدوهم في الفلوات وتتبعوهم في الوديان والأمصار والجبال بحيث لايكاد اليوم الإنسان يجد صقعاً من الأصقاع إلا وفيه أثر ذرية الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

يقول عبيد اللّه البزاز النيسابوري: كان بيني وبين حميد بن قحطبه الطائي الطوسي معامله فرحلت إليه في بعض الأيام فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعليّ ثياب السفر لم أغيّرها وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر، فلما دخلت عليه رأيته في بيت يجري فيه الماء، فسلّمت عليه وجلست فأتي بطشت وإبريق فغسل يديه ثم أمرني فغسلت يدي وأحضرت المائدة وذهب عنّى إنّي صائم وأنّي في شهر رمضان ثم ذكرت فأمسكت يدي، فقال لي حميد: ما لك لا تأكل؟ فقلت: أيها الأمير هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي علّه توجب الافطار، ولعل الأمير له عذر في ذلك أو علّة توجب الافطار، فقال: ما بي علّة توجب الافطار وأنّي لصحيح البدن، ثم دمعت عيناه وبكى، فقلت له بعد ما فرغ من طعامه: ما يبكيك أيها الأمير؟

فقال: أنفذ هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب، فلما دخلت عليه رأيته بين يديه شمعه تتقد وسيفاً أخضر مسلولاً وبين يديه خادم واقف، فلما قمت بين يديه رفع رأسه إلي، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال، فأطرق ثم اذن لي في الانصراف، فلم ألبث في منزلي حتى عاد الرسول إلي وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: إنا لله أخاف أن يكون قد عزم على قتلي وأنه لما رآني استحيا منّي، قعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إلي، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟

ص: 327

فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد فتبسّم ضاحكاً ثم أذن لي في الانصراف، فلما دخلت منزلي لم ألبث أن عاد إليّ الرسول، فقال: أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو على حاله فرفع رأسه إلي وقال لي: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟

فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين فضحك ثم قال لي: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم.

قال: فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب شيوخ وكهول وشبّان مقيّدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وكانوا كلّهم علوية من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) ، فجعل يخرج إلي واحداً بعد واحد فأضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر، ثم فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلوية من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) مقيّدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، فجعل يخرج إلي واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر حتى أتيت إلى آخرهم، ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) مقيّدون عليهم الشعور والذوائب، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضاً، فجعل يخرج إلي واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر حتى أتيت على تسعه عشر نفساً منهم وبقي شيخاً منهم عليه شعر، فقال لي: تبّاً لك يا ميشوم! أيّ عذر لك يوم القيامة إذا قدمت علی جدّنا رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد

ص: 328

ولدهم علي وفاطمة (عليهما السلام) ؟!

فارتعشت يدي وارتعدت فرايصي فنظر إلى الخادم مغضباً وزبرني فأتيت على ذلك الشيخ أيضاً فقتلته ورمى به في تلك البئر، فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فما ينفعني صومي وصلاتي؟! وأنا لا أشكّ أنّي مخلّد في النار(1).

موقفنا إزاء التأريخ

من اللازم بمكان أن يكون لنا دور في رفع الظلامة عن ذرية الرسول الأكرم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وذلك من خلال عدّة أمور:

الأول: تدوين ماجرى عليهم عبر التأريخ وتتبّع كل شاردة وواردة نالتهم من غيرهم.

فقد ورد عن أحمد بن عيسى بن زيد قوله: لما عزم هارون العباسي على القبض علينا أنا والقاسم بن إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن، وعبداللّه بن موسى بن عبداللّه بن الحسن قررنا الاختفاء بين المدن، فاختفى عبداللّه في الشام، والقاسم في اليمن، وأنا في الري.

ولما هلك هارون خففنا من تسترنا وأخذنا نظهر في المدن ولكن بتحذّر، إلى أن حان وقت الحج فاجتمعنا في مكة، وجعل كل منا يحكي للآخرين ماذا جرى عليه إبان اختفائه، فقال القاسم: أشدّ ماجرى عليّ هو أنني لما خرجت من مكة باتجاه اليمن مع زوجتي وكانت ابنة عمّي وكانت حاملاً فبقينا في حرّ الصحراء بلا ماء.

ص: 329


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 109، ح1.

وبينما نحن على ذلك الحال وإذا بزوجتي يأخذها الطلق، فحفرت لها حفيرة كي تضع المولود فيها وجعلت أجوب الصحراء علّني أجد جرعة من الماء، وكلما فتّشت عن الماء لم أجد شيئاً فرجعت واليأس مخيّم عليّ فوجدت زوجتي قد ولدت ولداً ولكن غلبها العطش بحيث لم تعد تبصر ماحولها.

فعاودت البحث في الصحراء عن الماء من جديد ولكنّني أيضاً لم أعثر على شيء فرجعت إلى زوجتي وولدي فوجدت زوجتي قد فارقت الدنيا من شدّة العطش ولكن الولد باق على قيد الحياة.

فبقيت متحيّراً ماذا أصنع بهذا الطفل وسط الصحراء بلا أمّ ولا ماء أوحليب؟ هذا وقد أخذ العطش منّي مأخذاً عظيماً، فصلّيت ركعتين لله عزّ وجلّ ودعوته أن يعينني في أمر الطفل، وما أن فرغت من الصلاة وإذا بي أجد الطفل قد التحق بأمّه.

ثم نقل عبداللّه بن موسى قائلاً: أمّا أنا فقد ارتديت لباس المزارعين وخرجت من قرى الشام إلى مواضع العسكر، فرآني أحدهم وسخر بي ثم حمّلني حملاً ثقيلاً، وعندما كنت أتعب وأجلس على الأرض للاستراحة كان يضربني بالسياط بشدّة ويقول: لعنك اللّه ولعن من تنتسب إليهم.

ثم تكلّم أحمد بن عيسى، فقال: أصعب شيء مرّ علي هو: أنّني سكنت مع ولدي محمد في إحدى القرى في أطراف الريّ اسمها ورزنين، وقد تزوجت بامرأة من قبيلة شريرة، وكان الناس يعرفوني فيها بكنيتي وهي: أبو الجصّاص، وكنت يومياً أجالس بعض الشيعة حتى المساء ثم أرجع إلى الجدار وكانت زوجتي تتصور أنّني أغدو إلى العمل علماً أنّ اللّه عز ّ وجلّ رزقني من تلك المرأة ابنة، وكذلك ولدي محمد فقد تزوّج هو أيضاً بامرأة

ص: 330

من بني عبد قيس وهو أيضاً أخفى اسمه ونسبه.

ولما بلغت ابنتي عشرة سنين خطبها رجل من أعيان القرية وكان أخوال البنت يصرّون علي كي أقبل بتزويجها ولم أكن قادراً على إظهار نسبنا فبقيت متحيّراً مدّة، وفي أحدى الليالي سألت اللّه عزّ وجلّ أن يختارها إليها أفضل من أن تتزوج برجل يبغض أهل البيت (عليهم السلام) .

وفي الصباح مرضت بنتي ثم فارقت الدنيا، فخرجت من المنزل لأبشّر ولدي محمد بأنّني استرحت من مصاهرة ذلك الرجل الشرير وإذا بي ألقاه في الطريق وقال لي: رزقني اللّه ولداً واسميته علياً.

يقول أحمد بن عيسى: الآن ولدي محمد في قرية ورزنين ولاعلم لي به(1).

نعم يجب أن ندّون للأجيال ما جری علی ذراري الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) من مآي يثيب لها الرأی يعرف العالم مظلوميتهم ومدی بشاعة ما جری عليهم من ويلات وظلامات لم تجر علی غيرهم.

الثاني: تعريف العالم بذراري النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وطرح الجانب المشرق من سيرتهم وذلك من خلال تسليط الأضواء على سيرة النخبة منهم أمثال العلماء والصلحاء والأولياء.

الثالث: فضح أعدائهم وظالميهم ممّن غصبوا حقوقهم وصبّوا عليهم نيران أحقادهم الدفينة وتعريف العالم بفضائحهم التي سوّدوا بها صفحات التاريخ.

ص: 331


1- راجع مقتل الخوارزمي 2: 107.

ولانبالغ إذا ماقلنا إنّ العالم اليوم لم يدرك حقيقة مافعله أعداء أهل البيت (عليهم السلام) بذراري النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) عبر التاريخ وحسبكم من ذلك فاجعة كربلاء وماجرى فيها من ويلات تذهل العقول وتمضّ القلوب، حيث جزّروهم تجزيراً وإلى ذلك يشير السيد الرضي في أبياته قائلاً:

كربلا لا زلت كربا وبلا***ما لقي عندك آل المصطفى

كم على تربك لما صرعوا***من دم سال ومن دمع جرى

وضيوف لفلاة قفرة***نزلوا فيها على غير قرى

لم يذوقوا الماء حتى اجتمعوا***بحدا السيف على ورد الردى

تكسف الشمس شموس منهم***لا تدانيها علوا وضيا

وتنوش الوحش من أجسادهم***أرجل السبق وأيمان الندا

ووجوها كالمصابيح فمن***قمر غاب ومن نجم هوى

غيرتهن الليالي وغدا***جائر الحكم عليهن البلى

يا رسول اللّه لو عاينتهم***وهم ما بين قتل وسبا

من رميض يمنع الظل ومن***عاطش يسقى أنابيب القنا

ومسوق عائر يسعى به***خلف محمول على غير وطا

جزروا جزر الأضاحي نسله***ثم ساقوا أهله سوق الإما

قتلوه بعد علم منهم***انه خامس أصحاب الكسا

ميّت تبكي له فاطمة***وأبوها وعلي ذو العُلا

ص: 332

من معطيات التوكل

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

عن معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: من أُعطي ثلاثاً لم يمنع ثلاثاً: من أُعطي الدعاء أًعطي الإجابة، ومن أًعطي الشكر أُعطي الزيادة، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية، ثم قال: أتلوت كتاب اللّه عزّ وجلّ: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥ}(1) وقال: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}(2) وقال: {ٱدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(3)(4).

في خضم مشاكل الحياة وابتلائاتها المتعدّدة يجد الإنسان نفسه أمام أمرين لاثالث لهما: فإمّا أن يلجأ إلى اللّه تعالى في حل مشاكله ويستمدّ منه العون في صلاح أموره، أو يخلد إلى الشيطان ويتبع هوى نفسه ويخسر بذلك دنياه فضلاً عن آخرته.

ص: 333


1- سورة الطلاق: 3.
2- سورة إبراهيم: 7.
3- سورة غافر: 60.
4- الكافي 2: 65، ح6.

بالطبع لاتخلو الحياة من الابتلاءات والمحن والفتن، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(1).

وقال عزّ من قائل: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}(2).

ولايخفى أنّ امتحان اللّه العباد له حِكَم كثيرة منها ليميز اللّه الطيّب من الخبيث، قال تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}(3).

بالطبع موفّقية الإنسان في امتحانات الدنيا وعدم سقوطه في مهاوي الدنيا يحتاج إلى توفيق من اللّه، وتوكل من العبد في أموره.

ومن هنا أكد في الإسلام على التوكل بشكل كبير، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥ}(4).

وقال تعالی: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(5).

وقال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}(6).

وقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ}(7).

ص: 334


1- سورة الأنبياء: 35.
2- سورة العنكبوت: 2.
3- سورة آل عمران: 179.
4- سورة الطلاق: 3.
5- سورة المائدة: 23.
6- سورة آل عمران: 122.
7- سورة آل عمران: 159.

وقال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(1).

وقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لو أن رجلاً توكل على اللّه بصدق النيّة لاحتاجت إليه الأُمراء فمن دونهم! فكيف يحتاج هو ومولاه الغني الحميد؟(2)

بل إنّ التوكل من أركان الإيمان وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: الإيمان له أركان أربعة:

التوكل على اللّه، والتفويض إلى اللّه، والتسليم لأمر اللّه، والرضا بقضاء اللّه(3).

حقيقة التوكل

فسّر رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) التوكل في حديث له سأل فيه جبرئيل عن التوكل، فقال: وما التوكل على اللّه عزّ وجل؟ فقال: العلم بأنّ المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى اللّه ولم يرج ولم يخف سوى اللّه ولم يطمع في أحد سوى اللّه فهذا هو التوكل(4).

وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) لما سئل عن حدّ التوكل، قال: أن لاتخاف مع اللّه شيئاً(5).

ص: 335


1- سورة الأنفال: 49.
2- مشكاة الأنوار: 18.
3- تحف العقول: 223.
4- معاني الأخبار: 260-261، ح1.
5- وسائل الشيعة 15: 202، ح20279.

فهم خاطيء عن التوكل

هناك مفهوم خاطيء للتوكل نهى عنه أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديثهم وحذّروا منه، وهو أن يترك الإنسان الأخذ بالأسباب والمسبّبات بذريعة أن ذلك من التوكل، ففي أحد الأيام مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) على قوم، فرآهم أصحّاء جالسين في زاوية المسجد، فقال (عليه السلام) : من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال (عليه السلام) : لا بل أنتم المتأكلة، فإن كنتم متوكلين فما بلغ بكم توكلكم؟ قالوا: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا، قال (عليه السلام) : هكذا تفعل الكلاب عندنا. قالوا: فما نفعل؟ قال: كما نفعل. قالوا: كيف تفعل؟ قال (عليه السلام) : إذا وجدنا بذلنا، وإذا فقدنا شكرنا(1).

وذات يوم رأی رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) قوماً لا يزرعون، قال: ما أنتم؟

قالوا: نحن المتوكلون، قال: لا بل أنتم المتّكلون(2).

وعن علي بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ما فعل عمر بن مسلم؟ قلت: جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة، فقال: ويحه أما علم أنّ تارك الطلب لا يستجاب له، إنّ قوماً من أصحاب رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) لما نزلت: {وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}(3) أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: قد كفينا، فبلغ ذلك النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟ قالوا: يا رسول

ص: 336


1- مستدرك الوسائل 11: 220، ح12798.
2- مستدرك الوسائل 11: 217، ح12789.
3- سورة الطلاق: 2-3.

اللّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة، فقال: إنّه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب(1).

علاوة على ذلك حذّر في الإسلام من التوكل على غير اللّه تعالى، وتظافرت الأدلة علی أنّ من يتكل على الآخرين يكله اللّه تعالى إليهم، ففي الحديث عن الإمام الجواد (عليه السلام) : من انقطع إلى غير اللّه وكله اللّه إليه(2).

وقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : يقول اللّه عزّوجلّ: مامن مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلا ضمنت السماوات والأرض برزقه، فإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته، وإن استغفرني غفرت له(3).

معطيات التوكل

هناك معطيات مهمّة تنعكس على حياة المتوكلين على اللّه تعالى أهمها:

1- الاتكال قوّة: فمن يتكل على اللّه عزّ وجلّ يشعر بقوة عظيمة لأنه يستند إلى القوة المطلقة التي ليس فوقها قدرة أخرى، وإلى ذلك يشير الرسول الأكرم (صلی اللّه عليه وآله وسلم) بقوله: من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه(4).

ص: 337


1- الكافي 5: 84، ح5.
2- بحار الأنوار 68: 155، ح69.
3- أمالي الشيخ الطوسي: 585، المجلس 24، ح15.
4- روضة الواعظين 2: 426.

وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : من توكل على اللّه لايغلب، ومن اعتصم باللّه لايهزم(1).

2- تذليل الصعاب: وهي فائدة كبيرة يطلبها الناس في غير التوكل على اللّه عزّ وجلّ ولايجدونها، بخلاف المتوكلين على اللّه حيث تذلّل لهم الصعاب وتيّسر لهم الأمور، قال (عليه السلام) : من توكل على اللّه ذلّت له الصعاب، وتسهلّت عليه الأسباب(2).

3- التخلّص من عناء الحرص: كثير من الناس يصابون بالحرص الشديد على أمور الدنيا ويبقون حائرين كيف يتخلّصون من ذلك الداء العظيم دون أن يعلموا أنّ التوكل على اللّه تعالى وإيكال الأمور إليه كفيلة بطرد هذا الداء الخطير من حياتهم.

أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: كيف يتخلّص من عناءالحرص من لم يصدق توكله؟(3)

4- كفاية المؤونة: تعهّد اللّه عزّ وجلّ أن يكفي من يتوكل عليه ويصونه من الحاجة إلى الآخرين، بالطبع ذلك مشروط بالثقة باللّه تعالى، ففي الحديث عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا أيها الناس توكلوا على اللّه وثقوا به، فإنّه يكفي ممّن سواه(4).

ص: 338


1- مشكاة الأنوار: 17.
2- عيون الحكم والمواعظ: 426، ح7222.
3- غرر الحكم: 518، حكمة رقم 33.
4- بحار الأنوار 33: 347.

مواطن التوكل على اللّه

التوكل على اللّه تعالى مرغوب في كل الحالات، ولكن هناك بعض المواطن يحتاج فيها الإنسان إلى التوكل على اللّه أكثر من غيرها، من أهم تلك المواطن هي:

الأول: التوكل عند البلاء: لاتخلو حياة الإنسان من الابتلاءات العسيرة التي تلمّ به فتكدّر عليه صفو العيش وحلو الحياة، في مثل هكذا مواطن يحتاج المرء إلى معين يسنده ويشدّ من أزره، ولايوجد خير من اللّه تعالى يتخذه العبد كسند له، ففي الدعاء نقول: يا عِمادَ مَنْ لاعِمادَ لَهُ، يا سَنَدَ مَنْ لاسَنَدَ لَهُ، يا ذُخْرَ مَنْ لا ذُخْرَ لَهُ، يا حِرْزَ مَنْ لا حِرْزَ لَهُ، يا كَهْفَ مَنْ لا كَهْفَ لَهُ، يا كَنْزَ مَنْ لا كَنْزَ لَهُ، يا رُكْنَ مَنْ لا رُكْنَ لَهُ يا غِياثَ مَنْ لاغِياثَ لَهُ، يا جارَ مَنْ لا جارَ لَهُ يا جارِيَ اللّصِيقَ، يا رُكْنِيَ الوَثِيقَ، يا إِلهِي بِالتَّحْقِيقِ(1).

وبالرغم أنّ الباري تعالى تعهّد بأن يكون حسيب من يتوكل عليه، فقال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥ}(2)، ولكن الأمر يحتاج إلى صدق في التوكل وثبات، وتوفيق منه تعالى، ولذا نطلب منه أن يوفّقنا في التوكل عليه حين البلاء، ففي دعاء ليلة عرفة نقول: اللّهم إنّي أعوذ بك فأعذني، واستجير بك فأجرني، واسترزقك فارزقني، و أتوكل عليك فاكفنى، واستنصرك على عدوي فانصرني، واستعين بك فأعنّي، واستغفرك يا إلهي

ص: 339


1- المصباح للكفعمي، دعاء المشلول: 262.
2- سورة الطلاق: 3.

فاغفر لي، آمين آمين آمين(1).

ويقال: إنه لمّا أمر نمرود بجمع الحطب في سواد الكوفة عند نهر كوثى من قرية قطنانا وأوقد النار فعجزوا عن رمي إبراهيم فعمل لهم إبليس المنجنيق فرمي به، فتلقّاه جبرئيل في الهواء، فقال: هل لك من حاجة؟

فقال: أمّا إليك فلا، حسبي اللّه ونعم الوكيل، فاستقبله ميكائيل، فقال: إن أردت أخمدت النار فإنّ خزائن الأمطار والمياه بيدي، فقال: لا أريد، وأتاه ملك الريح، فقال: لو شئت طيّرت النار، قال: لا أريد، فقال جبرئيل: فاسأل اللّه فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي(2).

2- التوكل في الرخاء: كثير من الناس يلجأون إلى تعالى في الشدائد ولكنّهم في الرخاء ينسون ماكانوا عليه من التوسّل والارتباط باللّه، هكذا أناس يصدق عليهم قول اللّه تعالى: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجَْٔرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}(3).

بينما هناك ثلّة من الناس ثابتي الجأش لايلهيهم عن التوكل عن اللّه تعالى شيء، ففي كل حال تجدهم متوكلين على اللّه موفّضي أمرهم إليه لاتغيرهم عن ذلك أمور الدنيا بزبارجها ومغرياتها.

ص: 340


1- مصباح المتهجد 1: 270.
2- بحار الأنوار 68: 156، ح70.
3- سورة النحل: 53-54.

الإمام الرضا (عليه السلام) وقبول ولاية العهد

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

تصادف هذه الليلة ذكرى أليمة على قلوب المؤمنين وهي ذكرى شهادة الإمام علي بن موسى الرضا عليه أفضل صلوات المصلّين، ولذا فإنّ الحديث سيكون حول جانب مهم من حياته صلوات اللّه عليه وهو دوره في قبول ولاية العهد.

الظروف قبل تولّي الإمام (عليه السلام) ولاية العهد

كانت الأوضاع السياسية قبل تولّي الإمام الرضا (عليه السلام) لولاية العهد شديدة جداً على الشيعة خاصة العلويين منهم، وذلك جراء التعامل الفظّ من العباسيين معهم وتشديدهم عليهم بحيث بلغ الأمر أن يقول قائلهم:

يا ليت ظلم بني أمية دام لنا***وعدل بني العباس في النار

ومن هنا وجد المأمون العباسي المعروف بدهائه أنّه أمام خيارين: فإمّا يحذو حذو من مضى من العباسسين و يفتك بالشيعة والعلويين، أو ينهج نهجاً آخر يخمد من خلاله غضب الشيعة وفي مقدمتهم العلويين، فاختار النهج الثاني وابتدع حيلة ولاية العهد التي فرضها على الإمام الرضا (عليه السلام) .

ص: 341

وكان الإمام الرضا (عليه السلام) عارفاً بأهداف المأمون لذا رفض ولاية العهد ولكنّه اُخطر أن يقبلها لما أرغم عليها، ففي الحديث عن الريّان بن الصلت، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، فقلت له: يابن رسول اللّه، إنّ الناس يقولون: إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا!

فقال (عليه السلام) : قد علم اللّه كراهتي لذلك، فلمّا خيّرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أنّ يوسف (عليه السلام) كان نبيّاً رسولاً، فلمّا دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: {ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(1)، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلّا دخول خارج منه، فإلى اللّه المشتكى وهو المستعان(2).

بالطبع قَبِل الإمام الرضا (عليه السلام) ولاية العهد بشرائط أشار إليها في حديث له قائلاً: قد نهاني اللّه عز وجل أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا، فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك على أنّي لا أولّي أحداً ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنّة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً، فرضي منه بذلك وجعله ولّي عهده على كراهة منه (عليه السلام) بذلك(3).

كيفية البيعة

جلس المأمون، ووضع للإمام الرضا (عليه السلام) وسادتين عظيمتين، وأجلس

ص: 342


1- سورة يوسف: 55.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 139، ح2.
3- أمالي، الصدوق: 127، المجلس السادس عشر، ح3.

الرضا (عليه السلام) عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثمّ أمر ابنه العباس أن يبايع له أوّل الناس، فرفع الإمام الرضا (عليه السلام) يده فتلقّى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم، فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة؟

فقال الإمام الرضا (عليه السلام) : إنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس ويده فوق أيديهم، وقامت الخطباء والشعراء فجعلوا يذكرون فضل الإمام الرضا (عليه السلام) .

وقد دعا المأمون الإمام الرضا (عليه السلام) أن يخطب في الناس، بعد البيعة، فقال: اُخطب الناس، وتكلّم فيهم، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال (عليه السلام) : إنّ لنا عليكم حقّاً برسول اللّه، ولكم علينا حقّاً به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحقّ لكم(1).

الإمام (عليه السلام) يخبر بوفاته

روي أنّ أحد خواصّ الإمام (عليه السلام) كان حاضراً مستبشراً في الاحتفال الذي أقامه المأمون بمناسبة قبول الإمام (عليه السلام) بولاية العهد.

فنظر إليه الإمام (عليه السلام) وأومأَ قائلاً: أُدنُ مِنِّي، فلمّا دنا منه همس (عليه السلام) في أُذنه قائلاً: لا تشْغَل قلبَك بِهَذا الأمرِ، ولا تَسْتَبشِر، فَإنّهُ شَيء لا يَتمُّ(2).

التغيرات الحاصلة بعد قبول ولاية العهد

لقد قام المأمون ببعض التغيرات بعد قبول الإمام الرضا (عليه السلام) لولاية العهد، منها:

1- أبدل لبس السواد الذي هو شعار للعبّاسيين بلبس الثياب الخضر الذي

ص: 343


1- الإرشاد 2: 262.
2- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 364.

هو شعار للعلويين.

2- أمر بطبع اسم الإمام الرضا (عليه السلام) على الدراهم.

3- أعلن عن عزمه على صرف مرتّب سنوي بهذه المناسبة السعيدة.

أهداف المأمون الدفينة

كانت للمأمون عدّة أهداف من بيعته للإمام الرضا (عليه السلام) بولاية العهد، منها:

1- تهدئة الأوضاع المضطربة: اضطربت أوضاع الحكم بسبب القتال الدامي بين الأخوين (الأمين والمأمون)، إضافة إلى قيام الثورات والحركات المسلّحة، وازدياد عدد المعارضين لحكمه. فأراد المأمون من تقريب الإمام (عليه السلام) استقطاب أعوانه وأنصاره، وإيقاف حركاتهم المسلّحة ليتفرّغ إلى بقيّة الثائرين والمتمرّدين الّذين لا يُعتد بهم قياساً للثوّار العلويّين.

وأراد كسب ودّ الأغلبيّة العظمى من المسلمين لارتباطهم الولائي والروحي بالإمام (عليه السلام) ، وخاصة أهل خراسان الّذين أعانوه على احتلال بغداد، والشاهد على ذلك استقبال الإمام (عليه السلام) من قبل عشرين ألف عالم وفقيه وصاحب حديث في نيسابور.

وبتقريب الإمام الرضا (عليه السلام) منه يتمكن من امتصاص نقمة المعارضة وتفويت الفرصة عليها للمطالبة بالحكم.

2- إضفاء الشرعيّة: لم يصل المأمون إلى الحكم بطريقة شرعيّة، وكان إقرار حكمه من قبل الفقهاء نابعاً من الترغيب والترهيب، أو استسلاماً للأمر الواقع، وعدم القدرة على تغييره.

لذا، فإنّ التقرّب من الإمام (عليه السلام) يُمكن أن يحقّق له ما يصبو إليه من

ص: 344

إضفاء الشرعيّة على حكمه، مستفيداً من الولاء الفكريّ والعاطفي للإمام (عليه السلام) في نفوس المسلمين.

3- منع الإمام من الدعوة لنفسه: لايخفی أنّ محل إمام يدعو الناس إلی الاعتقاد بإمامته، وقد حاول المأمون الاستفادة من ذلك بأن يكون الإمام الرضا (عليه السلام) ولي عهده، ولما يعتقد الناس بإمامة الإمام الرضا (عليه السلام) الذي هو ولي عهد المأمون يعتقدون بالمأمون، ولذا أشار إلی ذلك في قوله قد كان هذا الرجل مستتراً عنّا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا، ليكون دعاؤه لنا(1).

4- إبعاد الإمام عن قواعده: إنّ وجود الإمام (عليه السلام) في العاصمة بعيداً عن مدينة جدّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) يعني انفصاله عن قواعده الشعبيّة، وتحجيم الفرص المتاحة للاجتماع بوكلائه ونوّابه المنتشرين في شرق الأرض وغربها، ومن جهة أخرى جعل الإمام تحت الرقابة المباشرة من المأمون الّذي قام بتقريب وإغراء هشام بن إبراهيم الراشديّ - وكان من خواصّ الإمام - وولّاه حجابة الإمام (عليه السلام) ، فكان ينقل الأخبار إليه، ويمنع من اتّصال كثير من مواليه به، وكان الإمام (عليه السلام) لا يتكلّم في شيء إلّا أورده هشام على المأمون.

5- إبعاد خطر الإمام عن الحكم القائم: إنّ توسّع القاعدة الشعبيّة للإمام (عليه السلام) كان يشكّل خطراً حقيقيّاً على حكم المأمون بعد التصدّع الّذي حدث في البيت العبّاسي، وخاصّة بعد قيام الثورات المسلّحة، فلو تُرك الإمام (عليه السلام) في المدينة لأدّى ذلك إلى ضعف السلطة القائمة. وبهذا الصدد

ص: 345


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 170، ح1.

قال المأمون: وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينشق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتي علينا ما لا نطيقه(1).

6- تشويه سمعة الإمام (عليه السلام) : أجاب الإمام (عليه السلام) المأمونَ موضِّحاً دوافعه من دعوته لولاية العهد بقوله: تريد بذلك أن يقول الناس: إنّ عليّ بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة(2)؟

وصرّح المأمون بذلك للعبّاسيّين بقوله: ... وكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتّى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر(3).

7- تمزيق جبهة المعارضة: إنّ المعارضين لحكم المأمون سينظرون إلى الإمام الرضا (عليه السلام) على أنّه جزء من الحكم القائم، وتتعمّق هذه النظرة حينما يجدون أنّ بعض ولاة المأمون هم من أهل بيت الإمام (عليه السلام) أو من أتباعه. وحيث إنّ الوالي مكلّف بقمع أيّ حركة مسلّحة، فإنّ المعارضة تجد نفسها أنها وقفت وجهاً لوجه أمام الولاة المحسوبين على الإمام (عليه السلام) ممّا يؤدّي إلى تمزيق جبهة المعارضة. والأهمّ من ذلك أنّ الفساد الإداريّ والحكوميّ سَتُلقى مسؤوليّته على هؤلاء الولاة باعتبارهم من أركان الحكم القائم.

هل حقّق المأمون أهدافه؟

جميع الشواهد والدلائل تدلّ على أنّ المأمون لم يكن جادّاً في عرضه

ص: 346


1- الثاقب في المناقب: 470، ح395.
2- أمالي، الصدوق: 69، المجلس السادس عشر، ح3.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 170، ح1.

للخلافة، وإلا لو كان زاهداً بالخلافة لما قتل من أجل الخلافة أخاه وأتباعه، بل وحتّى وزراءه والقوّاد وغيرهم.

بل خرّب بغداد وأزال كلّ محاسنها من أجل الحصول على الخلافة، فكيف يتنازل عنها بهذه السهولة؟

وهل يمكن أن نصدّق أنّ كلّ ذلك - حتّى قتله أخاه - كان في سبيل مصلحة الأُمّة ولكي يفسح المجال أمام من هو أجدر بالخلافة وأحقّ بها من أخيه ومنه؟

وإذا كان قد نذر أن يولّي الإمام الرضا (عليه السلام) الخلافة لو ظفر بأخيه الأمين - حسبما ورد في بعض النصوص التاريخية - ، فلماذا وكيف جاز له الاكتفاء بتوليته العهد؟!

وكيف استطاع إجباره على قبول ولاية العهد، ولم يستطع إجباره على قبول الخلافة؟ وهل يتّفق ذلك مع إرجاعه للإمام (عليه السلام) عن صلاة العيد لمجرّد شعوره بأنّ الخلافة سوف تكون في خطر لو أنّ الإمام (عليه السلام) وصل إلى المصلى؟!

وعلی كل لم يكن المأمون جادّاً في عرضه للخلافة، نعم كان جادّاً في عرضه لولاية العهد.

ويبقى هنا سؤال: لو أنّ الإمام (عليه السلام) قبل عرض الخلافة، فماذا ترى سيكون موقف المأمون؟!

الجواب: إنّ المأمون كان قد أعدّ العدّة لأيّ احتمال من هذا النوع، وقد كان يعلم أنّه يستحيل على الإمام (عليه السلام) - خصوصاً في تلك الظروف - أن يقبل عرض الخلافة من دون إعداد مسبق لها.

ص: 347

الدور الاجتماعي للسيدة الزهراء (عليها السلام)

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

عندما يتأمّل الإنسان في سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) يجد نفسه أمام بحر متلاطم من الفضائل والمناقب العظيمة التي لم يسجل التاريخ مثلها لامرأة أخرى على مرّ العصور المختلفة، فمن قبل أن تطل هذه السيدة الميمونة على الدنيا حتى ماتت شهيدة مظلومة وأقلام العالم بأسره تدوّن من فضائلها ما يملأ الدنيا كافّة.

فقد كتب كثير من أهل القلم عن هذه الفضائل وتناقلتها الألسن بكثرة ومع ذلك مازالت البشرية مقصّرة تجاه أمّ العترة الأطهار (عليهم السلام) التي ضحّت بنفسها من أجل الولاية واستشهدت مهضومة مظلومة.

ومع الأسف الشديد أنّ العالم حتى اليوم مازال يجهل كثيراً من الجوانب المهمّة من حياة الصديقة الزهراء (عليها السلام) ، فمازال كثير من الناس يجهلون دور هذه الصدّيقة في حفظ الإسلام، والعديد منهم لا يعرف شيئاً عن دورها المهم في تربية المجتمع الإسلامي على مرّ التاريخ وغير ذلك من الجوانب المهمّة في سيرة بضعة المصطفى (عليها السلام) .

ص: 348

من هنا كان من الجدير بنا أن نشير إلى بعض المقتطفات العابرة حول دور الصديقة فاطمة (عليها السلام) في المجتمع، وكيف أنّها أرادت للمجتمع الإسلامي على مرّ العصور أن يعيش تحت ظل السعادة التي جاء بها الإسلام وأكد عليها رسول الرحمة (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

حقائق عن المجتمع الجاهلي

قبل أن نسلّط الأضواء على الدور الاجتماعي للسيد الزهراء (عليها السلام) لا بأس أن نلقي نظرة عابرة على المجتمع قبل مجيئ الإسلام، فقد وصفهم سيّد الموحدين (عليه السلام) قائلاً: «وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خشن، وحيات صم تشربون الكدر، وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم، وتقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، والآثام فيكم معصوبة(1).

وقال أيضاً: فالأحوال مضطربة، والأيدي مختلفة والكثرة متفرقة في بلاء أزل، وأطباق جهل، من بنات موؤودة وأصنام معبودة، وأرحام مقطوعة، وغارات مشنونة...(2).

وهذه السيدة الزهراء (عليها السلام) عبر خطبتها الغرّاء راحت تؤكد تلك المضامين التي أدلى بها أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قالت: «فرأى الأمم فرقاً في أديانها، عكّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها... وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ

ص: 349


1- نهج البلاغة، خطبة: 26.
2- نهج البلاغة، خطبة: 192.

الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون الورق، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم»(1).

دور الزهراء (عليها السلام) في هداية المجتمع

ولكن وبعد أن بعث سيدالمرسلين (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تغيّر ذلك المجتمع ببركة أهل البيت (عليهم السلام) الذين ربّوا المجتمع على الدين وعرّفوا الناس أحكام الإسلام، ومن الذين كان لهم دور بارز في تربية المجتمع الإسلامي هي الصديقة الزهراء (عليها السلام) .

فقد كانت علاقة الصديقة الطاهرة بالمجتمع علاقة وثيقة وإن كانت جليسة الدار وذلك عبر.

1- العلاقة الروحية: فلا يخفى أنّ علاقة المجتمع فيما بينه غير مقتصرة على الجانب المادي فحسب، بل هناك علاقة أهم من العلاقة المادية تربط المجتمعات ألا وهي العلاقة الروحية، فإذا كانت هذه العلاقة متينة مبنية على أسس قويمة يكون المجتمع متقدما لا يهزم أمام العقبات والمشاكل مهما كانت، أمّا إذا المجتمع منهزم روحيا فهو يهزم أمام أبسط المشاكل.

من هنا كانت الصديقة الطاهرة (عليها السلام) تؤكد على البعد الروحي في المجتمع والشواهد على ذلك كثيرة منها ما نقله الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قال: رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه لم لا

ص: 350


1- بحار الأنوار 29: 223-224، ح8.

تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني! الجار ثم الدار(1).

فهنا يتضح كيف كانت تؤكد الصديقة على أن يكون المجتمع مرتبطا روحيا بحيث لاينسى أحدهم الآخرين في أفضل الأوقات وهي ساعة ارتباطه باللّه عزّ وجل وتوجهه إليه.

وفي خبر آخر أنّها عندما سمعت أنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) أراد أن يجعل مهرها من الدراهم اغتنمت الفرصة ونظرت إلى المجتمع ولم تنسه حتى في مثل هذه الأوقات، فقالت لأبيها (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ بنات الناس يتزوجن بالدراهم، فما الفرق بيني وبينهن؟ أسالك أن تردّها وتدعو اللّه تعالى أن يجعل مهري الشفاعة في عصاة أمتك، فنزل جبرئيل (عليه السلام) ومعه بطاقة من حرير مكتوب فيها: جعل اللّه مهر فاطمة الزهراء شفاعة المذنبين من أمة أبيها(2).

بل قدّمت الصديقة فاطمة (عليها السلام) خير تراث لبناء المجتمعات وتربيتها روحيا وذلك عبر المنهاج الروحي العظيم جاء في أدعيتها الشريفة التي تقود المجتمعات إلى السمو روحيا شريطة أن تلتزم بها المجتمعات وتواظب على العمل بها.

ففي كثير من أمور الحياة أعطت الصديقة للمجتمعات تراثا ضخما في الدعاء يعلمهم كيف يتصلون بالخالق سواء في الشدة والضيق أم في المرض أم في النعم والسرّاء أم في غير ذلك من أمور الحياة، وما على المرء إلا أن يتأمل في أدعيتها الشريفة ليلامس كيف يمكن أن تربي هذه الأدعية

ص: 351


1- علل الشرائع 1: 181-182، ح1.
2- إحقاق الحق 10: 367.

المجتمعات على الإتصال باللّه تعالى والتوجه إليه وعدم الغفلة عنه في مختلف ظروف الحياة.

2- العلاقة العلمية: فقد كانت (عليها السلام) عالمة آل محمد (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تنشر من بحر علومها المتلاطم وتعلّم البشرية من معارفها الغزيرة طيلة أيام حياتها، بل كانت تبرز من علومها عندما يحير الآخرون في الجواب ليتعلّم المجتمع الأكبر، ففي الخبر أنّ رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) سأل أصحابه عن المرأة ماهي، فقالوا: عورة، قال: فمتى تكون أدنى من ربّها؟ فلم يدروا، فلما سمعت فاطمة (عليها السلام) ذلك قالت: أدنى ماتكون من ربّها أن تلزم قعر بيتها، فقال رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : إنّ فاطمة بضعة منّي(1).

وعن الإمام العسكري (عليه السلام) قال: حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة (عليها السلام) عن ذلك، فثنّت فأجابتها، ثم ثلثّت إلى عشرت فأجابت، ثم خجلت من الكثرة، فقالت: لا أشقّ عليك يا ابنة رسول اللّه، فقالت فاطمة (عليها السلام) : هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوما يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراؤه مائة ألف دينار أيثقل عليه؟ فقالت: لا. فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملء بين الثرى إلى العرش لؤلؤا فأحرى أن لا يثقل علي(2).

ويكفينا أن نطالع خطبتها الغراء المليئة بالمعارف والأحكام وذلك لما

ص: 352


1- بحار الأنوار 43: 91-92، ح16.
2- تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) : 340، ح216.

رأت المجتمع الإسلامي أخذ يتجه نحو طريق الإنحراف فسعت إلى توعيته من عمق المصيبة وشدّة الخطب علّها تعيده إلى رشده وصوابه، ولكن وللأسف الشديد كان الشيطان قد استحوذ عليهم وأنساهم ذكر اللّه.

3- العلاقة المادية: فقد كان بيت الزهراء (عليها السلام) مأوى وملاذا لكل ذي حاجة في المجتمع، فلايكاد أحد يقصد دارها ويعود خائبا بل يعود مقضيّ الحاجة، قرير العين، مكرما غنيا عن سؤال الآخرين والقصص في هذا المجال كثيرة لا يسعها المقام.

وكان رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إذا قصده صاحب حاجة يبعثه إلى دار الزهراء (عليها السلام) لعلمه أنّها لاتردّ أحدا ولو لم يكن لديها شيء أصلاً وقصّة عقدها المبارك الذي تصدّقت به للمحتاج خير شاهد على ذلك، فضلا عن قصّتها في إطعام الطعام على حبّه للمسكين واليتيم والأسير، وتصدّقها بثوب زفافها وغير ذلك ممّا يطول به المقام بذكره.

ولكن نذكر القصة التالية ليتضح كيف كانت دار الزهراء (عليها السلام) محطّ رحال لكل محتاج، يقول أبو هريرة:

أنّ رجلاً جاء إلى النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فشكا إليه الجوع، فبعث رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلا الماء، فقال (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : من لهذا الرجل الليلة؟ فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام) : أنا يا رسول اللّه، فأتى فاطمة (عليها السلام) فأعلمها، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية ولكنّا نؤثر به ضيفنا، فقال (عليه السلام) : نوّمي الصبية واطفيء السراج، فلما أصبح غدا على رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) فنزل

ص: 353

قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}(1)(2).

4- هداية المجتمع: وهي من أهم ما قامت به الصديقة الزهراء (عليها السلام) ، فلما رأت الأمة قد انقلبت على أعقابها بعد رحيل سيد المرسلين (صلی اللّه عليه وآله وسلم) تصدّت لتوعية المجتمع وتنبيهه من هذه الغفلة الخطرة و خطبت خطبتها المعروفة وخرجت من دارها وهي التي لم يكن يُرى ظلّها علّها تؤثّر عليهم وتعيدهم إلى الصواب ولكن وللأسف الشديد لم يعيروها أيّ اهتمام وتؤازروا في ظلمها وغصبوها حقّها الشرعي الذي نحلها إيّاه رسول اللّه (صلی اللّه عليه وآله وسلم) وقادوا بعلها حاسراً ليبايع بعد أن أسقطوها جنينها، فماتت شهيدة مظلومة فسلام اللّه عليك يا أمّ العترة الأطهار يوم ولدت ويوم عشت ويوم رحلت شهيدة سعيدة.

ص: 354


1- سورة الحشر: 9.
2- بحار الأنوار 36: 59، ح1.

السيدة رقية حقيقة لاتنكر

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

تصادف الليلة ذكرى استشهادة يتيمة الإمام الحسين (عليه السلام) السيدة رقية (عليها السلام) تلك اليتيمة التي جعلها اللّه عزّ وجل باباً من أبواب الحوائج إليه يقصدها الناس من شتى أقطار العالم ويتبركون بمزارها المبارك ويأخذون حوائجهم.

وقد ظهرت في الآونة الأخيرة على الشارع بعض التشكيكات الخاوية حول هذه السيدة الجليلة، ولذا وجدت من اللازم التوقّف عند بعضها وبيان الحقّ فيها.

بنات الإمام الحسين (عليه السلام) في التأريخ

من يتتبّع المصادر التأريخية ويدقّق فيها يجد أنّ بنات الإمام الحسين (عليه السلام) هم: فاطمة الكبرى، سكينة، آمنة، فاطمة الصغرى، رقية، خولة، صفية، اُمّ كلثوم، زبيدة، فاطمة الصغيرة.

وكما يبدو من التواريخ أنّ عدد بنات الإمام الحسين (عليه السلام) أقل من ذلك وإنما سُميت بعض بناته بأكثر من اسم، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء منهم الملا حبيب اللّه شريف الكاشاني، فمثلاً السيدة سكينة لقبها سكينة، أمّا

ص: 355

اسمها فقد ذكر البعض أنه (اُميمة) أو (أمينة) أو (آمنة).

ومن هنا وجدنا من المناسب أن نشير إلى أسماء بنات الإمام الحسين (عليه السلام) حيث ورد في بعض الكتب أنّ له ثلاثة بنات، وفي بعضها أنّ له أكثر من ذلك، بينما ذكر البعض أنّ له بنتين وهو خلاف المشهور.

أمّا الكتب التي تعرّضت إلى بناته فهي:

1- تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) : تأليف المحدّث نصر بن علي الجهضمي المتوفّى 250 ه- ق حيث ذكر أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة وهن: زينب، وسكينة، وفاطمة(1).

2- تأريخ الأئمة (عليهم السلام) : تأليف ابن أبي الثلج البغدادي المتوفّى سنة 322 أو325 ه- ق، وقد ذكر أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة بنات: زينب، سكينة، فاطمة(2).

3- الهداية الكبرى: تأليف أبي عبداللّه الحسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى 334 ه- ق، وقد عدّد أسماء بنات الإمام الحسين (عليه السلام) كالتالي: زينب، سكينة، فاطمة(3).

4- منتخب الأنوار في تأريخ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) : تأليف أبو علي محمد بن همّام بن سهيل الكاتب الإسكافي المتوفّى سنة 336 ه- ق، وقد ذكر أسماء بنات الإمام الحسين (عليه السلام) وهن: زينب، سكينة، وفاطمة(4).

ص: 356


1- تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) : 102.
2- تاريخ الأئمة (عليهم السلام) ، (ضمن مجموعة نفيسة): 18.
3- الهداية الكبرى: 202.
4- منتخب الأنوار: 65.

5- دلائل الإمامة: لمحمد بن جرير الطبري المتوفّى في القرن الخامس، وقد عدّ للإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة بنات وهن: زينب، وسكينة، وفاطمة(1).

6- تاريخ مواليد الأئمة (عليهم السلام) : لابن خشّاب البغدادي المتوفّى سنة 567 ه- ق، وقد ذكر أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) ستة أولاد ذكور وثلاثة بنات وهن: زينب، وفاطمة، سكينة(2).

7- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) : لابن شهر آشهوب المتوفّى سنة 558 ه- ق، وقد ذكر أنّ بنات الإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة سكينة، فاطمة، زينب(3).

8- مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) : لكمال الدين محمد بن طلحة الشافعي المتوفّى سنة 654 ه- ق، وقد ذكر في كتابه أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) أربع بنات ولكنّه لم يذكر منهن سوى زينب، وفاطمة، وسكينة، ولم يذكر اسم الرابعة(4).

9- كشف الغمة في معرفة الأئمة (عليهم السلام) : لعلي بن عيسى الأربلي المتوفّى سنة 693ه- ق، وقد نقل عن ابن طلحة الشافعي أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) أربع بنات ولكنه لما ذكر أسماء ثلاثة منهن، قال: هذا قول المشهور، ثم يضيف قائلاً: لكن القول بأنّ له أربع بنات هو الأشهر(5).

10- كامل البهائي: للمؤرّخ الخبير والعالم المتكلّم، والمحدّث البصير

ص: 357


1- دلائل الإمامة: 181.
2- تاريخ مواليد الأئمة (عليهم السلام) (ضمن مجموعة نفيسة): 21.
3- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4: 77.
4- مطالب السؤول: 257.
5- كشف الغمة 2: 38-39.

عماد الدين حسن بن علي بن محمد بن حسن الطبري الذي فرغ من تأليفه سنة 675 ه- ق وقد ذكر ماوقع على أهل البيت (عليهم السلام) في الشام وأشار إلى شهادة طفلة الإمام الحسين (عليه السلام) في خرابة الشام(1).

وحيث إنّ مؤلّف كتاب (كامل البهائي) أشار إلى شهادة إحدى بنات الإمام الحسين (عليه السلام) في خرابة الشام وذكر اسم بنتين للإمام الحسين (عليه السلام) كانتا مع الأسارى وهن سكينة وفاطمة يظهر أنه قائل بأنّ للإمام الحسين (عليه السلام) أكثر من ابنتين.

11- إشراق الإصباح في مناقب الخمسة الأشباح: تأليف برهان الدين بن إبراهيم بن محمد بن علي بن نزار الصنعاني، وقد ذكر في الصفحة 144 أسماء بنات الإمام الحسين (عليه السلام) وهن: فاطمة، سكينة، وزينب الصغيرة(2).

12- الفصول المهمّة: لابن الصبّاغ المتوفّى سنة 855 ه- ق وقد ذكر أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) أربع بنات وهن: زينب، سكينة، وفاطمة، ولم يذكر اسم الرابعة، وعن كثير من أرباب المقاتل: أنّ الرابعة التي لم يذكر اسمها هي السيدة رقية (عليها السلام) .

12- بحر الأنساب: وهو من تأليف العلامة النسابة أبي محمد السيد حسن المشهور بركن الدين الحسيني الموصلي، وقد ذكر أنّ للإمام الحسين (عليه السلام) ثلاثة بنات.

وفي الصفحة الثانية من الكتاب ذكرت للعبارة للعلامة النسابة آية اللّه

ص: 358


1- كامل البهائي 2: 179.
2- استفدناه من صورة من نسخة خطية بخط المؤلف كتبها سنة 752 قمري، أما أصل الكتاب فهو في المكتبة الخاصة للسيد محمد بن محمد إسماعيل المطهر الموجودة في مدينة صنعاء.

السيد المرعشي النجفي (رحمه اللّه) ، قال فيها: باسمه تعالى. هذا كتاب بحر الأنساب في أنساب العلويين والهاشميين وساير قبائل العرب على طريق التشجير. ألفه العلاّمة النسّابة أبو محمد السيد حسن المشتهر بركن الدين الحسيني نزيل بلدة موصل من علماء القرن الحادي عشر وأجلاّئه، صاحب الآثار النفيسة منها: كتاب اللؤلؤ المضيء في مناقب آل النبي (صلی اللّه عليه وآله وسلم) - وهوكتاب حسن في بابه - وغيره، وهذا السفر الذي بين يديك ألّفه باسم الشريف الجليل السيد حسام الدين مرتضى نقيب الموصلي وذكر فيه عدّة من أعيان ذلك البيت الرفيع ووفياتهم ومواليدهم، وأورد فيه بعض التراجم والأنساب من إفادات جده العلامة النسابة السيد ركن الدين عبداللّه الحسيني من علماء أوائل القرن العاشر وعلماء أواخر التاسع... حرّره العبد المستكين خادم علوم الدين أبو المعالي الحسيني المرعشي النجفي، 11 ذي القعدة 1385 ق قم المشرفة.

وهناك كتب أخرى تُعرّض فيها إلى بنات الإمام الحسين (عليه السلام) نشير إليها باختصار ومنها: حديقة الشيعة للمقدس الأردبيلي، وإثبات الهداة للحر العاملي في ارجوزته، والدوحة المهدية (اُرجوزة الفتوني) للفتوني، ولسان الواعظين للكاظمي، ومواليد الأئمة (عليهم السلام) للسماوي، وملحقات إحقاق الحق للمرعشي النجفي، وغيرها من المؤلفات القيمة.

بعض أسماء السيدة رقية (عليها السلام)

ورد في بعض الكتب أنّ السيدة المدفونة في خربة الشام اسمها رقية وبعضها نصّت على أنّ اسمها زبيدة، وبعضها أنّ اسمها زينب، وبعضها أنّ اسمها فاطمة.

ص: 359

وقد ذكر الشيخ علي الفلسفي في كتابه (حضرت رقية): المشهور أنّ اسمها رقية، وقد طالعت مايقارب عشرين كتاباً تنص على أنّ اسمها رقية، وقد ذكر البعض أنّ لهذه السيدة الجليل أسامي أخرى.

وقد نُسب للسيدة زينب (عليها السلام) أنها خاطبت رأس الإمام الحسين (عليه السلام) أن يكلّم ابنته فاطمة الصغيرة وذلك عندما كانت قافلة الأسارى في سوق الكوفة فقالت:

ياهلالاً لمّا استتمّ كمالاً***غاله خسفه فأبدى غروباً

ماتوهّمت ياشقيق فؤادي***كان هذا مقدّراً مكتوباً

يا أخي فاطم الصغيرة كلمها***فقد كاد قلبها أن يذوبا

عمرها الشريف

كما في العديد من المصادر أنّ عمر السيدة رقية (عليها السلام) حين استشهدت كان ثلاث سنين وستة أشهر، ونقل أيضاً أنّ عمرها أربع سنوات وخمس سنوات وستة سنوات بل قيل أيضا: أنّ عمرها سبعة سنوات، ولكن الذي تميل إليه النفس أنّ عمرها حين استشهدت كان ثلاثة سنوات وستة أشهر وذلك لما اشتهر من أنّ ولادتها (عليها السلام) في الخامس من شهر شعبان سنة 57 قمري وذلك في المدينة، وأنّ شهادتها في الخامس من شهر صفر سنة 61 قمري فدفنت في خرابة الشام بالقرب من قصر يزيد بن معاوية.

مرقدها الشريف

لم يقتصر التشكيك المغرضة على وجود طفلة للإمام الحسين (عليه السلام) استشهدت في الشام بل تجاوز البعض أكثر فراح يشكك في المرقد

ص: 360

الشريف الموجود في الشام مدعياً أنّه لم يثبت لأهل البيت (عليهم السلام) قبر في الشام وماهو موجود لايعلم مدى انتسابه لآل الرسول (صلی اللّه عليه وآله وسلم) .

ونحن في المقام نشير إلى بعض الشواهد التي تقود النفس إلى الاطمينان بأنّ المرقد المشهور اليوم في الشام هو مرقد السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) ، ومن هذه الشواهد هي:

1- مانُقل أنّ السيد إبراهيم الدمشقي أحد أحفاد السيد المرتضى رأت ابنته الكبيرة السيدة رقية (عليها السلام) في عالم الرؤيا وهي تأمرها أن تخبر أباها أن يصلح قبرها من الماء الذي بلغ جسدها الشريف، إلا أنّ السيد لم يصغ لكلام ابنته خوفاً وخشية من أذية العامة له.

وفي الليلة الثانية رأت ابنته الوسطى نفس الرؤيا وأخبرته بأمر السيدة رقية (عليها السلام) ، فبقي خائفاً، ثم رأت ابنته الصغيرة نفس الرؤيا وبقي السيد خائفاً من العامة أن يأذوه لو حفر القبر.

وفي الليلة الرابعة رأى السيد نفسه السيدة رقية (عليها السلام) في عالم الرؤية وهي تعاتبه وتطلب منه أن ينجي جسدها من الماء.

وفي الصباح ذهب السيد إلى والي الشام وقصّ عليه الرؤيا فأمر الوالي علماء الشيعة والعامة في الشام أن يغتسلوا ويلبسوا أطهر ثيابهم يرافقوا السيد إلى الحرم... ولما بلغوا القبر الشريف حاول الكثير أن يفتحوا القبر الشريف لكنّه لم ينفتح إلى أن حاول السيد فانفتح القبر وتنحّى الجميع ماخلا السيد حيث نزل إلى القبر فوجد جسد السيدة رقية (عليها السلام) قد أحاط الماء به من كل صوب.

فأخرج السيد الجسد الشريف وجعله في حجره مدّة ثلاثة أيام قضاها

ص: 361

السيد بالبكاء والعويل ماخلا أوقات الصلاة حتّى فرغوا من تعمير القبر الشريف فأعادوا الجسد داخل القبر(1).

الجدير بالذكر أنّ الشبلنجي الشافعي أيّد القضية قائلاً: إنّ بعض أهل الشام أخبره أنّ للسيدة رقية بنت الإمام علي (عليها السلام) ضريحاً في الشام، ثم نقل قصّة السيد إبراهيم وعلّق عليها قائلاً: نقلت القصة لبعض الأفاضل، فقال: سمعتها من بعض مشايخي(2).

وقد يعترض البعض بأنّ الشبلنجي ذكر أنّ المدفونة بالشام هي رقية بنت الإمام علي (عليها السلام) وليست السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) .

فيقال في جوابه: ذكر الشبلنجي أنّ المدفونة بالشام هي بنت صغيرة دون البلوغ، والسيدة رقية بنت الإمام علي (عليه السلام) - زوجة مسلم بن عقيل - كانت امرأة كاملة، ناهيك أنّ السيدة رقية بنت الإمام علي (عليها السلام) رجعت المدينة مع قافلة الأسارى.

نعم، نقل السبط ابن الجوزي لدى ذكره أولاد الإمام علي (عليه السلام) والصدّيقة الزهراء (عليها السلام) عن ابن إسحاق أنّ للإمام علي (عليه السلام) بنتاً اسمها رقية ماتت وهي صغيرة، قال: محسن مات صغيراً ورقية ماتت صغيرة(3)،

ولايمكن أن تكون هي المقصودة للشبلنجي لأنّها دفنت في المدينة ولم تدفن في الشام.

وقد ذكرت قصة السيد إبراهيم في كتاب (شبهاي مكة) وذكر المؤلّف أنّه التقى بأحد المعمّرين في الشام اسمه ركن الدين محمد، وكان ممّا قال

ص: 362


1- راجع منتخب التواريخ: 338.
2- نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار: 160.
3- تذكرة الخواص: 322.

له: لي من العمر مئة سنة وقد شهدت واقعة تعمير قبر السيدة رقية (عليها السلام) أوائل شبابي وكنت حاضراً في الحرم الشريف، ورأيت جسد السيدة رقية (عليها السلام) وقد حمله السيد إبراهيم الدمشقي(1).

2- نقل آية اللّه الاثنى عشري أنه سمع من الحاج حسن الشيرازي أنّه سمع من السيد محسن الأمين قوله: إنّ نهراً كان بالقرب من حرم السيدة رقية (عليها السلام) جرى ماؤه إلى المرقد الشريف وأوشك أن يخرّب المرقد، فاقترح البعض أن ننقل الجسد الطاهر للسيدة إلى مكان آخر لأننا لانستطيع تغيّر مجرى النهر وقد طلبوا منّي أن أقوم بذلك.

ولمّا لم يجد السيد الأمين مندوحة من استدراك الأمر قبل أن ينبش القبر الشريف فاغتسل ولبس ثوباً أبيضاً وأمر بنبش القبر، ولما بلغوا حجر القبر أمرهم السيد الأمين أن يتوقّفوا كي يزيل حجر اللحد بنفسه، ولما دخل القبر الشريف وما إن رفع حجر اللحد حتی أغمي عليه، فجاء القوم وأخرجوه من القبر.

ولما أفاق السيد أخذ يبكي بلوعة وينوح وهو يقول: ياويلي ياويلي، كانوا قد نقلوا إلينا أن يزيد أمر امرأة تغسل السيد رقية وأنها قد كفّنت، وقد اتضح لي الآن عدم صحّة هذا الكلام، فقد رأيت السيدة قد دُفنت بثيابها ومازال جسدها الطاهر غضّا طرياً، ولن أنقل الجسد الشريف مكانا آخر خشية أن يضيع على الناس أنّ المرقد الموجود هو مرقد السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) ، ثم أمر بتغيير مسار النهر وتعهّد بدفع مخارجه مهما

ص: 363


1- شبهاي مكة: 75.

كانت(1).

3- من المشهور منذ القدم حتى اليوم بين الخواص والعوام زيارتهم المرقد الشريف في الشام على أنه للسيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) ، وقد بلغنا ذلك كابر عن كابر وهذه الشهر تكفي في الدلالة على أنّ المدفونة في القبر الشريف هي السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) .

بالطبع هذه الشهر ليست شهرة بين جماعة أو بلد أو طائفة دون أخرى بل هي شهرة عظيمة بين الشيعة وغيرهم على مرّ العصور.

4- زيارة العديد من أجلاء العلماء للمرقد الشريف على أنّ المدفون فيه هي السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) ومنهم:

أ- الشيخ البهائي (رحمه اللّه) : حيث زار المرقد الشريف في الشام سنة 1030 وساهم في إعمار المرقد المبارك وقد كتبت أشعاراً منسوبة للإمام علي (عليه السلام) على القبة الشريفة(2).

ب- الملا صالح البرغاني: وهو من أكابر علماء القرن الثالث عشر زار المرقد الشريف سنة 1243 لدى عودته من حج بيت اللّه الحرام، ولما تحقّق أنّ القبر الموجود في الشام هو قبر السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) اشترى المنازل التي بقرب الحرم وضمّها للحرم الشريف.

ت- الشيخ عباس القمّي: وقد زار قبر السيدة رقية والسيدة زينب (عليهما السلام) سنة 1358.

ص: 364


1- سحاب رحمت: 772.
2- دائرة المعارف الشيعية 1: 77.

ث- الميرزا جواد التبريزي: وذلك بعد عودته من لندن للعلاج زار قبر السيدة زينب والسيدة رقية (عليهما السلام) .

أجيبونا أيّها المشكّكون

هناك عدّة تساؤلات تطرح نفسها وجدت من الجدير وتوجيهها إلى المشكّكين الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يفسدوا عقائد البسطاء في بعض الشخصيات ومنها السيدة رقية بنت الإمام الحسين (عليها السلام) التي كثر التشكيك حول وجودها ومرقدها وشخصيتها، ومن التساؤلات المطروحة هي:

1- هل أنّ المشككين في وجود السيدة رقية (عليها السلام) لهم تبحّر واطلاع كبير في التاريخ خاصة تأريخ الإمام الحسين (عليه السلام) ؟ وهل لهم معرفة في الأنساب اطلاع على أولاده (عليهم السلام) وأسمائهم وما شابهم؟!

2- هل أنّهم اطلعوا على كافة الكتب القديمة في هذا المجال - أبناء الإمام الحسين (عليه السلام) - الخطّية منها وغيرها وشاوروا المحقّقين والعلماء حول هذا الموضوع قبل أن يحكموا بعدم وجود هذه الشخصية أم أنّهم طالعوا بعض الكتب وحكموا في الموضوع؟!

3- أليس أنّ هذه التشكيكات تجعل الناس يضعون علامة استفهام حول كافة المقاتل والكتب التي ذكرت هذه الشخصية أو أكثرها وتلقّن أعداء أهل البيت (عليهم السلام) الطريقة كيف يهاجمون الشيعة كي يستدلّوا علينا بقولهم: نفس الشيعة يطعنون في كتبهم ومقاتلهم وينكرون هكذا شخصيات؟!

4- أليس أنّ إثارة مثل هذه التشكيكات تؤدّي إلى ضعف عقايد الناس في الشعائر الدينية لأن عوام الناس لايفرقون بين المطالب فيعمّمون الأمر

ص: 365

إلى كافة الشعائر ويشككون في الشعائر كلها؟!

5- بعد مضي كل هذه السنين واعتقاد الناس بهذه الشخصية وتهافتهم على زيارة قبرها لم يوجد مرجع أو عالم يكتشف ماتوصّل إليه المشككون وينهى الناس عن زيارة المرقد وينبههم عن هذا الخطأ الكبير؟!

6- ماذا يعني أنّ المراجع وكبار الدين على مرّ التاريخ يقصدون حرم هذه السيدة ويزورونها ويسألون اللّه عزّوجل بجاه هذه السيدة أن يقضي حوائجهم، أليس أنّ ذلك يدلّ على وجود شخصية عظيمة قصدوه