أحاديث ومعجزات المعصومين علیهم السلام المجلد 2

هوية الكتاب

أحاديث ومعجزات المعصومين

نبذة عن حياة المعصومين عليهم السلام

الجزء الثاني

والدة آية اللّه السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي

ص: 1

اشارة

ص: 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ

نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

ص: 3

ص: 4

المقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

أمّا بعد: فهذا مختصر في أحوال المعصومين الأربعة عشر (عليهم أفضل الصلاة والسلام) بدءً من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وانتهاءً بالإمام المهدي المنتظر (عجل اللّه تعالی فرجه الشريف).

أسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يوفقنا للإقتداء بهم والإهتداء بنورهم وأن ينفع بهذا الكتاب إنه سميع الدعاء.

قم المقدسة

والدة السيد محمدرضا الحسيني الشيرازي

ص: 5

ص: 6

الفصل الأول: الرسول الأعظم محمد بن عبد اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم)

اشارة

ص: 7

ص: 8

الرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله وسلم) في سطور

الاسم: محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) .

الألقاب: حبيب اللّه، صفي اللّه، عبد اللّه، خاتم النبيين، إلى غيرها من الألقاب الكثيرة (1).

ص: 9


1- ومن ألقابه (صلی الله عليه وآله وسلم) أيضاً وأوصافه: نعمة اللّه، خيرة اللّه، خلق اللّه، سيد المرسلين، إمام المتقين، رسول الحمّادين، رحمة العالمين، قائد الغرّ المحجّلين، خير البرية، نبي الرحمة، صاحب الملحمة، محلّل الطيّبات، محرّم الخبائث، مفتاح الجنة، دعوة إبراهيم، بشرى عيسى، خليفة اللّه في الأرض، زين القيامة، صاحب اللواء، واضع الإصر والأغلال، أفصح العرب، سيد ولد آدم، ابن العواتك، ابن الفواطم، ابن الذبيحين، ابن بطحا ومكة، العبد المؤيّد، الرسول المسدّد، النبي المهذّب، الصفي المقرّب، الحبيب المنتجب، الأمين المنتخب، صاحب الحوض والكوثر، والتاج والمغفر، والخطبة والمنبر، والركن والمشعر، والوجه الأنور، والخد الأقمر، والجبين الأزهر، والدين الأظهر، والحسب الأطهر، والنسب الأشهر، محمد خير البشر، المختار للرسالة، الموضّح للدلالة، المصطفى للوحي والنبوة، المرتضى للعلم والفتوة والمعجزات والأدلّة، نور في الحرمين، شمس بين القمرين، شفيع من في الدارين، نوره أشهر، قلبه أطهر، شرائعه أظهر، برهانه أزهر، بيانه أبهر، أمته أكثر، صاحب الفضل والعطاء، والجود والسخاء، والتذكر والبكاء، والخشوع والدعاء، والإنابة والصفاء، والخوف والرجاء، والنور والضياء، والحوض واللواء، والقضيب والرداء، والناقة العضباء، والبغلة الشهباء، قائد الخلق يوم الجزاء، سراج الأصفياء، تاج الأولياء، إمام الأتقياء، خاتم الأنبياء، صاحب المنشور والكتاب، والفرقان والخطاب، والحق والصواب، والدعوة والجواب، وقائد الخلق يوم الحساب، صاحب القضيب العجيب، والفناء الرحيب، والرأي المصيب، المشفق على البعيد والقريب، محمد الحبيب، صاحب القبلة اليمانية، والملّة الحنيفية، والشريعة المرضية، والأمة المهدية، والعترة الحسنية والحسينية، صاحب الدين والإسلام، والبيت الحرام، والركن والمقام، والصلاة والصيام، والشريعة والأحكام، والحلّ والحرام، صاحب الحجّة والبرهان، والحكمة والفرقان، والحق والبيان، والفضل والإحسان، والكرم والامتنان، والمحبّة والعرفان، صاحب الخُلق الجلي، والنور المضيء، والكتاب البهي، والدين الرضي، الرسول النبي الأمّي، صاحب الخُلق العظيم، والدين القويم، والصراط المستقيم، والذكر الحكيم، والركن والحطيم، صاحب الدين والطاعة، والفصاحة والبراعة، والكر والشجاعة، والتوكل والقناعة، والحوض والشفاعة، صاحب الدين الظاهر، والحق الزاهر، والزمان الباهر، واللسان الذاكر، والبدن الصابر، والقلب الشاكر، والأصل الطاهر، والآباء الأخاير، والأمّهات الطواهر، صاحب الضياء والنور، والبركة والحبور، واليمن والسرور، واللسان الذكور، والبدن الصبور، والقلب الشكور، والبيت المعمور... انظر المناقب 1: 152. هذا وقد أورد ابن شهر آشوب عن القرآن الكريم أربعمائة اسم ولقب له (صلی الله عليه وآله وسلم) : انظر: 1: 150؛ عنه بحار الأنوار، 16: 101، ح4.

الكنية: أبو القاسم، وأبو الطاهر، وأبو الطيّب، وأبو المساكين، وأبو الدرّتين، وأبو الريحانتين، وأبو السبطين، وفي التوراة: أبو الأرامل، وكنّاه جبرئيل (عليه السلام) بأبي إبراهيم(1).

الأب: عبد اللّه.

الأم: آمنة بنت وهب.

الأجداد: عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، ابن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن الياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن

ص: 10


1- المناقب 1: 154.

عدنان. روي أنه (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا»(1). وكلّهم كانوا مؤمنين باللّه عزّوجلّ، وهكذا جدّاته (صلی الله عليه وآله وسلم) إلى آدم وحواء (عليهما السلام) .

محل الولادة: داره المباركة بمكة المكرمة.

زمان الولادة: عند طلوع الفجر من يوم الجمعة 17 ربيع الأول بعد قدوم الفيل بشهرين وستة أيام (2).

المرضعة: ثويبة عتيقة أبي لهب، ثم حليمة السعدية(3).

بعض المعاجز التي حدثت عند ولادته: حُجب إبليس والشياطين عن السماوات السبع، سقوط جميع الأصنام على وجهها، وارتجس أيوان كسرى وانشق من وسطه وسقطت منه أربعة عشر شُرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك ألف سنة، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً حتى عبرت دجلة وانسربت في بلادهم، وانفصم طاق كسرى من وسطه وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً والملك مخرساً لا يتكلّم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها (4).

ص: 11


1- كشف الغمة 1: 15.
2- انظر كشف الغمة 1: 14.
3- بحار الأنوار 15: 281، ح25.
4- انظر روضة الواعظين 1: 65-66 ؛ وراجع كمال الدين وتمام النعمة 1: 191-192، ح40؛ تفسير نور الثقلين 3: 5، 17؛ وإعلام الورى: 11؛ والخرائج والجرائح 2: 510؛ وأمالي الشيخ الصدوق: 285، المجلس48، ح1.

بعض الأوصاف: كان (صلی الله عليه وآله وسلم) وسيماً جميلاً عدلاً سوياً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، واسع الجبين، له نور يعلوه، قيل لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) : صف لنا نبينا (صلی الله عليه وآله وسلم) كأننا نراه، فإنّا مشتاقون إليه، فقال (عليه السلام) : «كان النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) أبيض اللون مشرباً بحمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، كثّ اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة، كأنما عنقه إبريق فضة، يجري في تراقيه الذهب، له شعر من لبتّه إلى سرّته كقضيب خيط إلى السرّة، وليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن(1) الكفّين والقدمين، شثن الكعبين، إذا مشى كأنّما ينقلع من صخر، إذا أقبل كأنّما ينحدر من صبب، إذا التفت التفت جميعاً بأجمعه كلّه، ليس بالقصير المتردّد، وبالطويل الممعّط، وكان في وجهه تداوير، إذا كان في الناس غمرهم، كأنّما عرقه في وجهه اللؤلؤ، عرقه أطيب من ريح المسك، ليس بالعاجز وباللئيم، أكرم الناس عشرة، وألينهم عريكة، وأجودهم كفّاً، من خالطه بمعرفة أحبه، ومن رآه بديهه هابه، غرة بين عينيه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى اللّه عليه وآله وسلم تسليما»(2).

البعثة النبوية: يوم الاثنين 27 رجب، بعد أربعين سنة من مولده الشريف وقد تكامل واشتدت قواه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

الزوجات: خديجة (عليها السلام) ولم يتزوّج عليها في حياتها (عليها السلام) بأخرى، ثم تزوّج

ص: 12


1- شثن في وصفه (صلی الله عليه وآله وسلم) : شثن الكفين والقدمين، بمفتوحة فساكنة، أي إنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد في الرجال لأنه أشد لقبضهم، انظر (مجمع البحرين 6: 271 مادة شثن).
2- أمالي الشيخ الطوسي: 340-341، المجلس 12، ح695.

بعدها بأم سلمة، ومارية القبطية، وأمّ حبيبة، وعائشة، وحفصة وغيرها.

وفي (إعلام الورى) ذكر أزواجه (صلی الله عليه وآله وسلم) كالتالي:

الأولى: خديجة بنت خويلد.

الثانية: سودة بنت زمعة.

الثالثة: عائشة بنت أبي بكر.

الرابعة: أمّ شريك، وأسمها غزية بنت دودان.

الخامسة: حفصة بنت عمر.

السادسة: أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأسمها رملة.

السابعة: أمّ سلمة، وهي بنت عمّته عاتكة بنت عبد المطلب، وقيل: هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني فراث بن غنم.

الثامنة: زينب بنت جحش.

التاسعة: زينب بنت خزيمة الهلالية.

العاشرة: ميمونة بنت الحارث.

الحادية عشرة: جويرية بنت الحارث من بني المصطلق.

الثانية عشرة: صفية بنت حي بن أخطب النضري.

وقد تزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم) عالية بنت ضبيان وطلقّها حين أُدخلت عليه.

وقد تزوّج قتيلة بنت قيس أُخت الأشعث، فمات (صلی الله عليه وآله وسلم) قبل أن يدخل بها وقيل: إنه (صلی الله عليه وآله وسلم) طلقّها.

وتزوّج فاطمة بنت الضحّاك وخيّرها حيث نزلت آية التخيير، فاختارت الدنيا وفارقها، وتزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم) سني بنت الصلت فماتت قبل أن تدخل عليه، وتزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم) أسماء بنت النعمان وطلقّها ولم يدخل بها، وتزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم)

ص: 13

مليكة الليثية وسرّحها ومتّعها، وتزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم) عمرة بنت يزيد وردّها، وتزوّج (صلی الله عليه وآله وسلم) ليلى بنت الخطيم وأقالها، ومات (صلی الله عليه وآله وسلم) عن عشر، واحدة لم يدخل بها، وقيل: عن تسع(1).

الأولاد: القاسم، عبد اللّه، إبراهيم، أمّ كلثوم، رقية، زينب، فاطمة، وكلّهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية(2).

مدة العمر الشريف: 63 سنة.

تاريخ الوفاة: يوم الاثنين 28 صفر سنة 11 هجرية.

مكان الوفاة: في بيت فاطمة (عليها السلام) بالمدينة المنوّرة.

المدفن: في داره (صلی الله عليه وآله وسلم) بالمدينة المنوّرة وهو اليوم في المسجد النبوي الشريف.

غسّله وكفّنه ودفنه: الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) .

خليفته ووصيه والإمام من بعده: علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم السجاد، ثم الباقر، ثم الصادق، ثم الكاظم، ثم الرضا، ثم الجواد، ثم الهادي، ثم العسكري، ثم المهدي المنتظر (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

أعظم شخصية في التاريخ

لم تبرز على طول التاريخ شخصية مثل شخصية النبي محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ؛ وذلك أولاً لما شرّفه اللّه عزّوجلّ حيث اختاره من بين الخلق أجمعين وجعله سيد أنبيائه والمرسلين وأشرف المخلوقين من الأولين والآخرين.

ص: 14


1- إعلام الورى: 142.
2- الخصال 2: 404، باب السبعة، ح115.

وثانياً، لما قام به النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم) من تغييرات جذرية في التاريخ الإنساني، وقد اعتبر أحد الكتّاب الغربيين في كتابه (الخالدون المائة) الرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله وسلم) في المرتبة الأولى من عظماء التاريخ البشري، كما واعتبره أعظم شخصية في تاريخ العالم بما حقّقه من نجاح عظيم في إبلاغ رسالته وتأسيسه لدولة إسلامية كبيرة، وحضارة عريقة ظلّت تغذّي العالم بالعلم والمعرفة والعطاء لقرون عديدة، بل وستبقى خالدة إلى يوم يبعثون.

يقول الدكتور (مايكل هارث) أستاذ الرياضيات والفلك والفيزياء في الجامعات الأمريكية وخبير هيئة الفضاء الأمريكية:

«لقد اخترت محمداً أول هذه القائمة.. ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك.. ولكن محمد هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي.. وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً وبعد 13 قرناً من وفاته، فإنّ أثر محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ما يزال قوياً متجدداً»(1).

أخلاق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم)

اشارة

من الأسس التي قامت عليها حركة الرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله وسلم) وانطلقت عبرها نحو النجاح، هي الأخلاق الرفيعة التي تمثّلت في شخصية رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، حتى أثنى اللّه عزوجل على أخلاقه في القرآن الكريم، فقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ}(2).

ص: 15


1- ولأول مرة في تاريخ العالم 1: 8.
2- سورة القلم: 4.

وكان (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول في دعائه: «اللّهم حسّن خُلقي»(1).

ويقول (صلی الله عليه وآله وسلم) : «اللّهم جنبني منكرات الأخلاق»(2).

فاستجاب اللّه تعالى دعاءه وأنزل عليه القرآن وأدَّبه به، فكان خُلقه القرآن، كما ورد في الروايات.

قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة فسألتها عن أخلاق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟

فقالت: أما تقرأ القرآن.

قلت: بلى.

قالت: كان خلق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) القرآن (3).

نعم، إنه (صلی الله عليه وآله وسلم) أُدّب بالقرآن وأدّب الخلق به، ومن هنا قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق»(4).

مع ابنة حاتم الطائي

روي عن الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «لما أُتي بسبايا طي وقعت جارية في السبي، فقالت: يا محمد، إن رأيت أن تخلّي عنّي ولا تشمت بي أحياء العرب، فإنّي بنت سيد قومي، وإنّ أبي كان يحمي الذمار(5) ويفك العاني(6) ويشبع الجائع ويطعم الطعام ويفشي السلام

ص: 16


1- المحجة البيضاء 4: 119.
2- المحجة البيضاء 4: 119.
3- راجع البداية والنهاية 6: 39.
4- مكارم الأخلاق: 8.
5- الذمار: ما تجب علی أهله حمايته وحفظه، سمّي ذماراً لأنه يجب علی أهله التذمّر له أي الغضب.
6- العاني: الأسير.

ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء.

فقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه... خلّوا عنها، فإنّ أباها كان يحب مكارم الأخلاق وإنّ اللّه يحب مكارم الأخلاق.

فقام أبو بردة بن دينار، فقال: يا رسول اللّه، اللّه يحب مكارم الأخلاق؟

فقال: والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا حسن الأخلاق» (1).

تواضعه (صلی الله عليه وآله وسلم)

ومن سجايا أخلاقه (صلی الله عليه وآله وسلم) العظيمة: التواضع في كل شيء حتى إنّ فراشه كان من أشمال وادي القرى محشوّاً وبراً، وقيل: كان طوله ذراعين أو نحوهما وعرضه ذراع وشبر(2).

وإنه (صلی الله عليه وآله وسلم) لم يتخذ مضجعاً، إن فرشوا له اضطجع، وإن لم يفرش له اضطجع على الأرض.

وروي عن ابن عباس أنه قال: كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير(3).

أخلاق الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) في التوراة والإنجيل

وقد وصف اللّه تعالى خاتم أنبيائه محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) في الكتب السماوية قبل أن يبعثه، ففي التوراة في السفر الأول قال: أحمد عبدي المختار، لا فظّ ولا

ص: 17


1- البداية والنهاية 5: 80.
2- راجع مكارم الأخلاق: 37.
3- بحار الأنوار 16: 222، ح19.

غليظ، ولا صخّاب(1) في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته طيبة، وملكه بالشام(2) يأتزر على وسطه، هو ومن معه وعاة للقرآن والعلم، يتوضّأ على أطرافه.

وكذلك نعته في الإنجيل، فعن سهل مولى عتيبة: إنه كان نصرانياً من أهل مريس(3) وكان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفاً لعمّي فقرأته حتى مرّت بي ورقة فأنكرت كتابتها حين مرّت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء - أي كانت ملصقة بما قبلها بمادة صمغية - قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) : أنه لا قصير ولا طويل، أبيض ذو ضفيرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الإحتباء(4)، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصاً مرقوعاً، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد(5).

أخلاقه (صلی الله عليه وآله وسلم) مع أعدائه

نعم كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حسن الخُلق حتى مع أعدائه، وكم من المشركين والكفار أسلموا لما رأوه من عظيم خلقه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

ففي حرب جاء رجل من المشركين حتى قام على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟

ص: 18


1- الصّخاب: من الصخب وهو الصياح وشدة الصوت. راجع لسان العرب 1: 521 (صخب).
2- راجع الخرائج والجرائح 1: 79.
3- بنومريس: كزُبير بطن من العرب. راجع كتاب جمهرة العرب 2: 237.
4- الإحتياط: أن يضم الإنسان ساقيه إلی بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشد عليهما.
5- الطبقات الكبرى 1: 272.

فقال: «اللّه»، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) السيف وقال: «من يمنعك مني»؟

فقال: كن خير آخذ.

قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «قل: أشهد أن لا إله إلا اللّه».

فقال الأعرابي: لا أقاتلك ولا أكون معك ولا أكون مع قوم يقاتلونك.

فخلّى (صلی الله عليه وآله وسلم) سبيله.

فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس(1).

مع اليهودية

روى أنس: أن يهودية أتت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) بشاة مسمومة ليأكل منها فيموت، فجيء بها إلى النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فسألها عن ذلك؟

فقالت: أردت لأقتلك.

فقال: «ما كان اللّه يسلطك على ذاك».

قالوا: ألا تقتلها.

قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لا»(2).

تحمله (صلی الله عليه وآله وسلم) للأذى

وقد آذى المشركون رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بشتى أنواع الأذية، فقابلهم (صلی الله عليه وآله وسلم) بالعطف والحنان، فلم يدعُ عليهم بنزول العذاب، بل أخذ يستغفر لهم ويدعو لهم بالرحمة ويقول: «اللّهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(3).

ص: 19


1- راجع بحار الأنوار 20: 175.
2- دلائل النبوة 4: 259.
3- المناقب 1: 192.

فإنّ المشركين كانوا يحضّون سفهاءهم لإلقاء التراب على وجهه ورأسه (صلی الله عليه وآله وسلم) . وإنهم كانوا يطرحون الفرث والدم والشوك على بابه وربما على رأسه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

وإنّ أميّة بن خلف تجاوز على النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) في وجهه، فاحمر وجه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ولم يقل شيئاً.

وقد كثر تعدّيهم وإيذائهم لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «ما أُوذي نبي مثل ما أُوذيت»(1).

ولكنه (صلی الله عليه وآله وسلم) عفا عن جميعهم وصفح، وقال لهم جميعاً حينما دخل مكة منتصراً: «اذهبوا فأنتم الطُلقاء»(2).

وهل هناك في التأريخ قائد بهذه العظمة وبهذا الخلق السامي غير رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟

أخلاقه (صلی الله عليه وآله وسلم) مع نسائه

المرأة في المجتمع الجاهلي لم يكن لها أيّ احترام وتقدير، بل كان يتعامل معها كما يتعامل مع الدواب أو أقل شأناً، فلا حقوق للنساء ولا قيمة لهن عند الجاهليين.

وخلاصة القول: إنّ كلمة المرأة كانت تعني الذليلة، الحقيرة، حتى إنهم كانوا يئدونها وهي حيّة، فقال تعالى: {وَإِذَا ٱلْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٖ قُتِلَتْ}(3).

ص: 20


1- المناقب 3: 247.
2- المناقب 1: 209.
3- سورة التكوير: 8-9.

في هكذا مجتمع بعث رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأمر بإكرام المرأة واحترامها، وكان هو (صلی الله عليه وآله وسلم) خير أسوة حسنة في ذلك، فكان تعامله (صلی الله عليه وآله وسلم) مع نسائه وبناته وغيرهن من النساء كأخته الرضاعية، في غاية اللطف والمحبة والتقدير، حتى روي عن أنس أنه قال: «ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) »(1).

ولم يحدّثنا التاريخ قط أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ضرب يوماً ما زوجته أو شتمها أو صاح في وجهها مع أنّ بعض أزواج النبي كنّ يؤذينه (صلی الله عليه وآله وسلم) ولا يراعين الآداب والأخلاق المناسبة مع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى أنزل قول اللّه تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمَلَٰئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَٰتٖ مُّؤْمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبْكَارًا}(2).

فكان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يعفو ويصفح ويبتسم ويغض الطرف..

وفي يوم من الأيام جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهي خولة بنت حكيم السلمي - على بعض الروايات - ووهبت نفسها للنبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فقالت عائشة: ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر؟

فنزلت الآية المباركة: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ...}(3).

ص: 21


1- ذخائر العقبى في مناقب ذوي: 154.
2- سورة التحريم: 3-5.
3- سورة الأحزاب: 50.

فقالت عائشة: ما أرى اللّه إلا يسارع في هواك!

فقال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) بكل أخلاق وعفو وصفح: «إنّك إن أطعت اللّه سارع في هواك»(1).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عند عائشة ذات ليلة، فقام يتنفّل، فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده، فظنّت أنه قد قام إلى جاريتها، فقامت تطوف عليه، فوطئت على عنقه و هو ساجد باك يقول: سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء إليك بالنعم، وأعترف لك بالذنب العظيم، عملت سوءً وظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ برحمتك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا أبلغ مدحك والثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أستغفرك وأتوب إليك، فلما انصرف قال: يا عائشة لقد أوجعت عنقي، أيّ شي ء خشيت أن أقوم إلى جاريتك»(2).

وهكذا في عشرات الموارد التاريخية التي يتجلى فيها عظيم أخلاقه (صلی الله عليه وآله وسلم) مع زوجاته، بل ومع كل امرأة، ويتضح شديد احترامه للمرأة وتقديره لها.

وببركة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أخذت المرأة مكانتها في المجتمع آنذاك، ووصلت إلى ما وصلت إليه من مراحل عالية في مختلف ميادين الحياة مع رعاية الموازين الشرعية.

ص: 22


1- بحار الأنوار 22: 181.
2- بحار الأنوار 22: 245، ح14.

وفي يومنا هذا نرى الغرب قد جعل من المرأة سلعة اقتصادية ودعائية فحسب، فحطّ من كرامتها وعزّتها، فصارت المرأة تعاني من مشاكل كثيرة لم تر مثلها طيلة التاريخ، ولا حلّ لها إلا بالرجوع إلى التعاليم الإسلامية التي سنّها رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بأقواله وأفعاله الحكيمة تجاه المرأة.

أخلاقه (صلی الله عليه وآله وسلم) مع أصحابه

كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في قمّة الأخلاق عند ما يتعامل مع أصحابه، فإنّ الإنسان الخلوق مع أعدائه يكون ذا خلق سام مع أصدقائه وأصحابه بطريق أولى.

وقد وصف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) بقوله: «كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة(1)،

وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لم أر قبله ولا بعده مثله (صلی الله عليه وآله وسلم) »(2).

وينقل الإمام الحسن (عليه السلام) عن الإمام الحسين (عليه السلام) في حديث له، قال: سألت أبي عن سيرته (صلی الله عليه وآله وسلم) في جلسائه، فقال (عليه السلام) : «كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) دائم البُشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخَّاب، ولا فحَّاش، ولا عيَّاب، ولا مدَّاح، يتغافل عمّا لايشتهي، فلا يؤيس منه، ولا يخيب فيه مؤمّليه»(3).

ص: 23


1- العريكة: الطبيعة، يقال فلان لين العريكة إذا كان سلسلاً مطواعاً منقاداً قليل الاخلاف والنفور.
2- مكارم الأخلاق: 18.
3- معاني الأخبار: 83، ح1.

ما رُوي عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) في مكارم الأخلاق

وهناك روايات كثيرة وردت عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حُسن الأخلاق، نكتفي ببيان بعضها رعاية للإختصار:

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه تعالى حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال»(1).

وعن معاذ قال: أوصاني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: «وأوصيك بتقوى اللّه، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ولين الكلام، وبذل السلام، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، وحُسن العمل، وقصر الأمل، وحُب الآخرة، والجزع من الحساب، ولزوم الإيمان، والفقه في القرآن، وكظم الغيظ، وخفض الجناح، وإياك أن تشتم مسلماً، أو تطيع آثماً، أو تعصي إماماً عادلاً، أو تكذّب صادقاً، أو تصدّق كاذباً، واذكر ربك عند كل شجر وحجر، وأحدث لكل ذنب توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية»(2).

زواجه (صلی الله عليه وآله وسلم) من خديجة

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لما أراد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أن يتزوج خديجة بنت خويلد (عليها السلام) أقبل أبو طالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش، حتى دخل على ورقة ابن نوفل عم خديجة، فابتدأ أبو طالب بالكلام، فقال: الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وأنزلنا حرماً آمناً، وجعلنا

ص: 24


1- المحجة البيضاء 4: 122؛ وراجع بحار الأنوار 16: 287، ح142، وفيه عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «بعثت بمكارم الأخلاق ومحاسنها».
2- تحف العقول: 26.

الحكام على الناس، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إنّ ابن أخي هذا - يعني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) - ممّن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به رجل إلا عظم عنه، ولا عدل له في الخلق، وإن كان مقلّاً في المال، فإنّ المال رفد(1) جار وظل زائل، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها وأمرها، والمهر عليّ في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله، وله ورب هذا البيت حظ عظيم ودين شائع ورأي كامل.

ثم سكت أبو طالب (عليه السلام) ، وتكلّم عمّها وتلجلج(2) وقصر عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر، وكان رجلاً من القسيسين، فقالت خديجة مبتدئة: يا عمّاه إنك وإن كنت أولى بنفسي منّي في الشهود، فلست أولى بي من نفسي، قد زوّجتك يا محمد نفسي والمهر عليَّ في مالي، فأمر عمّك فلينحر ناقة فليوالم بها وأدخل على أهلك.

قال أبو طالب: أشهدوا عليها بقبولها محمداً وضمانها المهر في مالها.

فقال بعض قريش: يا عجباه المهر على النساء للرجال!.

فغضب أبو طالب (عليه السلام) غضباً شديداً وقام على قدميه وكان ممّن يهابه الرجال ويكره غضبه، فقال: إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طُلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر، وإذا كانوا أمثالكم لم يزوّجوا إلا بالمهر الغالي.

ونحر أبو طالب ناقة، ودخل رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بأهله.

فقال رجل من قريش يقال له عبد اللّه بن غنم:

ص: 25


1- الرِفد: بالكسر هو العطار والصلة، وبالفتح مصدر بمعنی الإعطاء والإعانة. راجع الصحاح 2: 241-242.
2- تلجلج: أي تتردّد.

هنيئاً مريئاً يا خديجة قد جرت***لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجته خير البرية كلّها***ومن ذا الذي في الناس مثل محمد محمد

وبشّر به البرَّان عيسى ابن مريم***وموسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرت به الكتّاب قدماً بأنّه***رسول من البطحاء هاد ومهتد»(1)

بعثته الشريفة (صلی الله عليه وآله وسلم)

بعث رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) نبياً إلى البشرية في يوم الاثنين 27 من شهر رجب، بعد أربعين سنة من مولده الشريف في غار حراء، حيث نزل عليه جبرائيل وقال له: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ}(2) وأبلغه بأنه قد بعث من قبل رب العالمين بالدين الإسلامي وأنه خاتم الأنبياء وأنّ الإسلام خاتم الأديان.

وفي الحديث عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) أنه قال: «فلما استكمل أربعين سنة ونظر اللّه عزّوجلّ إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلّها وأطوعها وأخشعها وأخضعها، أذن لأبواب السماء ففتحت، ومحمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا، ومحمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فأُنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) وغمرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوّق بالنور طاووس الملائكة هبط إليه،وأخذ بضبعه(3) وهزّه، وقال: يا محمد اقرأ.

قال: وما أقرأ؟

ص: 26


1- الكافي 5: 374، ح9.
2- سورة العلق: 1.
3- الضبع: وسط العضد أو الإبط.

قال: يا محمد {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(1).

ثم أوحى إليه ربه عزّ وجلّ»(2).

من معجزاته (صلی الله عليه وآله وسلم)

اشارة

من علائم النبوة المعجزات، حيث إنّ اللّه عزّوجلّ يمنح رسله المعاجز، حتى يتبيّن للناس صدقهم، فمن معاجز النبي موسى (عليه السلام) كانت العصا، ومن معاجز النبي عيسى (عليه السلام) كان شفاؤه للأكمه والأبرص وإحيائه للموتى بإذن اللّه.

أمّا معاجز نبي الإسلام محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) فهي كثيرة جداً، حتى ذكر ابن شهر آشوب أنّه كانت للنبي (صلی الله عليه وآله وسلم) أربعة آلاف وأربعمائة وأربعين معجزة.

وقد كان له (صلی الله عليه وآله وسلم) معاجز جميع الأنبياء (عليهم السلام) إضافة إلى معاجزه الخاصة التي لم تكن لغيره من الأنبياء والمرسلين (صلوات اللّه عليهم أجمعين)(3).

القرآن الكريم

إنّ أقوى وأبقى معجزة من معاجزه (صلی الله عليه وآله وسلم) هو القرآن الكريم، الذي عجزت الجن والإنس أن يأتوا حتى بجزء سورة من مثله.

وقد عجز بلغاء العرب وفصحاؤها عن ذلك، واعترفوا بهذا العجز والانكسار، بعد أن حاولوا كراراً ومراراً بإتيان مثله، ولا يخفى أنّهم كانوا سادة البلاغة بحيث لم يتفوّق على بلاغتهم أحد، وكانوا يعلقون أشعارهم

ص: 27


1- سورة العلق: 1- 5.
2- بحار الأنوار 17: 309، ح15.
3- المناقب 1: 144.

وقصائدهم البليغة على الكعبة ويتفاخرون بها(1) ولكن مع ذلك باءت محاولاتهم بالفشل؛ لأنّ القرآن لم يكن كلام البشر حتى يتمكنوا من الإتيان بمثله بل هو كلام اللّه عزّوجلّ.

شقّ القمر

روى أكثر المفسرين في قوله تعالى: {ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}(2)، أنه بعدما طلب مشركوا قريش في مكة من النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) معجزة أشار النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) إلى القمر فانشق فلقتين، وفي رواية: أنها كانت في ليلة الرابع عشر من ذي الحجّة.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اجتمع أربعة عشر رجلاً من أصحاب العقبة ليلة أربع عشرة من ذي الحجة، فقالوا للنبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : ما من نبي إلا وله آية، فما آيتك في ليلتك هذه؟

فقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : ما الذي تريدون؟

فقالوا: إن يكن لك عند ربك قدر فأمر القمر أن ينقطع قطعتين.

فهبط جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا محمد، إنّ اللّه يُقرئك السلام ويقول لك: إنّي قد أمرت كل شيء بطاعتك.

فرفع رأسه، فأمر القمر أن ينقطع قطعتين فانقطع قطعتين، وسجد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) شكراً لله وسجد شيعتنا...» الحديث(3).

ص: 28


1- اشتهر منها قصائد المعلقات السبع التي تعتبر أفضل ما قيل شعراً في ذلك الزمان.
2- سورة القمر: 1.
3- البرهان في تفسير القرآن 5: 214، ح10261.

ردّ الشمس

عن أسماء بنت عميس، قالت: إنّ علياً (عليه السلام) بعثه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حاجة في غزوة حنين، وقد صلّى النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) العصر ولم يصلّها علي (عليه السلام) .

فلما رجع وضع (صلی الله عليه وآله وسلم) رأسه في حجر علي (عليه السلام) وقد أوحي إليه، فجلّله بثوبه ولم يزل كذلك حتى كادت الشمس تغيب، ثم إنه سري عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: «أصلّيت يا علي».

فقال: «لا».

قال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : «اللّهم ردّ على علي الشمس».

فرجعت حتى بلغت نصف المسجد، قالت أسماء: وذلك بالصهباء(1)(2).

شهادة الظبية

ومن معاجزه (صلی الله عليه وآله وسلم) تكلّم الحيوانات معه وشهادتها برسالته (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقد روي: أنّ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) كان يمشي في الصحراء، فناداه مناد: يا رسول اللّه، مرّتين.

فالتفت فلم ير أحداً.

ثم ناداه، فالتفت فإذا هو بظبية موثقة.

فقالت: إنّ هذا الأعرابي صادني ولي خشفان(3) في ذلك الجبل، أطلقني حتى أذهب وأرضعهما وأرجع.

ص: 29


1- الصهباء: سميت بذلك لصهوبة لونها، وهو حمرتها أو شقرتها، وهو اسم موضع بينه وبين خيبر روحة. معجم البلدان 3: 435.
2- الخرائج 1: 52، ح81.
3- الخشف: ولد الظبي أول ما يولد.

فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «وتفعلين»؟

قالت: نعم إن لم أفعل عذّبني اللّه عذاب العشّار.

فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها.

فجاء الأعرابي، فقال: يا رسول اللّه أطلقها.

فأطلقها (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه(1).

علمه (صلی الله عليه وآله وسلم) بما في الضمير

عن ابن عباس قال: دخل أبو سفيان على النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) يوماً فقال: يا رسول اللّه، أريد أن أسألك عن شيء.

فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إن شئت أخبرتك قبل أن تسألني؟».

قال: افعل.

قال: «أردت أن تسأل عن مبلغ عمري».

فقال: نعم يا رسول اللّه.

فقال: «إني أعيش ثلاثاً وستين سنة».

فقال: أشهد إنك صادق.

فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «بلسانك دون قلبك»(2).

وهناك المئات من المعاجز التي ذكرها التاريخ لنا ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب (مدينة المعاجز) (3) وقد اكتفينا بهذا المقدار تيمناً وتبركاً.

ص: 30


1- قصص الأنبياء للراوندي: 310-311، ح385.
2- بحار الأنوار 18: 107، ح6.
3- للعلامة السيد هاشم البحراني (قدس سره) .

رحلة إلى السماء

لقد أسري برسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ليلاً بجسده الشريف وفي حال اليقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، والتقى هناك بالأنبياء (عليهم السلام) وصلى بهم إماماً، ثم أسري به من بيت المقدس إلى مسجد الكوفة ثم عرج بشخصه بصحبة جبرئيل إلى السماوات، فرأى مكتوباً على باب كل سماء، وعلى كل حجاب من حجب النور، وعلى كل ركن من أركان العرش: «لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين».

فلما بلغ سماء الدنيا رأى آدم (عليه السلام) فرحب آدم به (صلی الله عليه وآله وسلم) وأقر بنبوته وولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ثم عرج به إلى السماء الثانية والثالثة إلى السابعة ولقي فيها الأنبياء (عليهم السلام) وكلهم يرحب به ويسلم عليه ويقر بنبوّته وولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ثم رفع إلى سدرة المنتهى ورأى فيها بخط من نور: استوص بعلي خيراً؛ فإنه سيد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجلين.

ثم دنا (صلی الله عليه وآله وسلم) من ربّه، أي من ملكوت ربّه، لأنّ اللّه ليس بجسم وليس له مكان، فناجاه ربّه، فكان مما ناجاه به: «بك وبعلي وبالأئمة من ولده أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي»(1).

وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «عُرج النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) مائة وعشرين مرّة، ما من مرة إلا وقد أوصى اللّه عزّ وجلّ فيها النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) بالولاية لعلي والأئمة (عليهم السلام) أكثر ممّا أوصاه بالفرائض»(2).

ص: 31


1- راجع ولأول مرة في تاريخ العالم 1: 63.
2- الخصال 2: 600-601، ح3.

بعض غزوات النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)

اشارة

بعض غزوات النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) (1)

غزوة بدر

في السنة الثانية من الهجرة خرج تسعمائة وخمسون رجلاً من مشركي قريش من مكة لقتال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، حاملين أدوات الطرب ومصطحبين النساء المغنيّات للهو واللعب. وخرج رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) مع ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من المدينة إلى أن وصلوا إلى أرض بدر، وبدأت الحرب أوزارها بعد أن بعث إليهم الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) من ينصحهم ويدعوهم إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا أن يحاربوا الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فوقع الحرب بينهم، وكان الإمام علي (عليه السلام) يهجم على القوم كالليث الغضبان، حتى قتل منهم ستة وثلاثين رجلاً، وقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: «لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة، إذ أقبل حنظلة بن أبي سفيان فلما دنا منّي ضربته ضربة بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض قتيلاً»(2).

وقُتل من المشركين في معركة بدر سبعون رجلاً من أبطالهم، وانهزم جيش المشركين بفضل اللّه تعالى.

غزوة أُحد

أُحد: هو جبل معروف بالقرب من المدينة المنورة، كان يبعد عنها فرسخاً واحداً، وقد هجم كفار مكة على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لينتقموا من قتلاهم في بدر ويقتلوا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) والمسلمين كافة، فبدأ القتال وبان

ص: 32


1- للتفصيل راجع كتاب ولأول مرة في تاريخ العالم ج1-2 للإمام الشيرازي.
2- انظر إعلام الورى: 77.

الانكسار على المشركين، ولكن بعض المسلمين خالفوا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فيما أمرهم به، فاستغلّها الكفار وهجموا ثانية على المسلمين فقتلوا الكثير منهم، حيث استشهد في هذه الغزوة سبعون رجلاً من أصحاب النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وفرّ الكثير من المسلمين، وبقي مع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) الخلّص الأوفياء وعلى رأسهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حتى هتف جبرائيل: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي »(1).

وكان من الشهداء حمزة عم النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) سيد الشهداء، وجاء رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) على جسده، فلما رأى ما فعل به حزن حزناً شديداً وبكى عليه، فلما رجع الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة كان يسمع بكاء النوائح على قتلاهن، فترقرقت عيناه وبكى ثم قال: «لكن حمزة لا بواكي له اليوم»، فسمعه جماعة فقالوا لنساء الأنصار: لا تبكيّن امرأة قتيلها حتى تبكي حمزة سيد الشهداء (عليه السلام) ثم تبكي على قتيلها، فاتُخذت سنّة فإذا مات الميّت منهنّ بدأن البكاء على حمزة ثم بكين على ميّتهن(2).

معركة الخندق

وفي السنة الخامسة من الهجرة اجتمع المشركون والكفار لقتال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) من كل قبيلة وحزب، واتفقوا مع اليهود في محاربة النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فخرج أبو سفيان بأربعة آلاف رجل من قبائل أسلم وأشجع وكنانة وفزرة وغطفان، وهكذا كانت القبائل تلتحق بهم إلى أن بلغوا عشرة

ص: 33


1- الإرشاد 1: 84.
2- إعلام الورى: 85.

آلاف نفراً.

فلما بلغ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) تجمّع الأعداء بهذا الكم الهائل لقتاله شاور المسلمين في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، فاستحسن رأيه، وأمر (صلی الله عليه وآله وسلم) بحفر الخندق، فكان كل عشرة رجال يحفرون أربعين ذراعاً..

وكان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بنفسه الشريفة يعمل معهم ويساعدهم ترغيباً لهم، إلى أن كمل حفر الخندق.

فأقام المشركون على الخندق بضعة وعشرين ليلة في تشديد وتضييق على المسلمين حتى عبر عمرو بن عبد ود الخندق وكان شجاعاً يُخاف منه، فأصاب المسلمين الذعر والخوف الشديد إلى أن قتله أمير المؤمنين في قصة مفصلة، وقد قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حقّ علي (عليه السلام) يومذاك: «ضربة علي يوم الخندق تعدل (أو أفضل من) عبادة الثقلين إلى يوم القيامة»(1).

سر النجاح

إنّ من أهم الأُسس التي قامت عليها مسيرة الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) والتي كان لها الدور الأساسي في نجاحها هو أسلوب السلم واللاعنف، وعدم اللجوء إلى العنف والإرهاب، وهذا الأسلوب هو من معاجزه الكبيرة التي تدل على عظمته وعبقريّته (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فمع كل المواجهات الصعبة والمضايقات التي لاقاها من أعدائه لم يلجأ إلى العنف أبداً، ولم يبدأهم بحرب إطلاقاً، فكانت حروبه دفاعية بأجمعها يدافع فيها عن المسلمين.

فالسلام هو شعار الإسلام، ولذلك يقول اللّه تعالى: {ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ

ص: 34


1- الصحيح من السيرة للسيد جعفر مرتضى العاملي 9: 16.

كَافَّةً}(1)

ولهذا السبب تقدّم الإسلام واستطاع أن يغزو العالم وينشر حضارته وأفكاره في كل بقعة من بقاع الأرض، وبه تحقّق ذلك النجاح التاريخي الكبير.

يقول اللّه تعالى حول استخدام سياسة السلم واللين، والابتعاد عن العنف والغلظة، واستخدام سياسة العفو، والاعتماد على منهج الشورى، كأسلوب في الإقناع والتفاهم الحر والحوار السلمي والمشاركة في اتخاذ القرار: {فَبِمَا رَحْمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}(2).

ولقد عفا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عن كفار قريش الذين قاتلوه وآذوه وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»(3)، وأمر أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) بأن ينادي: اليوم يوم المرحمة.. اليوم تحفظ الحرمة(4).

وقد أعطاهم رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حرب حنين الغنائم الكثيرة، وعفا عن وحشي قاتل عمه حمزة، وعن غيره...

وعلى إثر ذلك أخذ الإسلام ينتشر انتشاراً سريعاً بعد أن انبهر الناس بأخلاقيات الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) وعفوه وحلمه وصبره وسلمه.

يقول المستشرق (إميل دير مانجم) في كتابه (حياة محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ):

«إنّ محمداً رسول الإسلام قد أبدى في أغلب حياته اعتدالاً لافتاً للنظر،

ص: 35


1- سورة البقرة: 208.
2- سورة آل عمران: 159.
3- إعلام الورى: 112.
4- ولأول مرة في تاريخ العالم 2: 54.

فقد برهن انتصاره النهائي على عظمة نفسيته قلّ أن يوجد لها مثيل في التاريخ، إذ أمر جنوده بالعفو عن الضعفاء المسنّين والأطفال والنساء، وحذّرهم من أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار أو يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم أن لا يجرّدوا السيوف إلا في حالة الضرورة القاهرة»(1).

حجّة الوداع وغدير خم

اشارة

في السنة العاشرة من الهجرة النبوية حج رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حجّته الأخيرة المسمّاة بحجّة الوداع، وعند الرجوع من مكة إلى المدينة نزل بغدير خم، وكان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن بتنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفة في الأمة من بعده، حيث قال تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}(2).

فخطب رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في الناس وقال في خطبته: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟»

قالوا: اللّهم بلى.

فقال لهم - وقد أخذ بضبعی(3) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فرفعهما حتى بان بياض إبطيهما - : «فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

ص: 36


1- ولأول مرة في تاريخ العالم: 15.
2- سورة المائدة: 67.
3- الضبع: وسط العضد أو الإبط. راجع القاموس المحيط 2: 992 مادة (ضبع).

ثم أمر (صلی الله عليه وآله وسلم) المسلمين أن يهنّئوا علياً (عليه السلام) بخلافته من بعده ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ويبايعوه على ذلك، ففعل الناس كلّهم.

ثم أمر (صلی الله عليه وآله وسلم) جميع النساء بذلك، حيث وُضع طست فيه ماء وكفّ علي (عليه السلام) في الماء فكانت المرأة تأتي وتجعل كفّها في الماء وتبايع علياً (عليه السلام) .

ويذكر المؤرخون: أن من جملة من بايع علياً (عليه السلام) في ذلك اليوم عمر بن الخطاب حيث جاء إليه وقال: (بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)(1).

قصيدة الغدير

وأنشأ حسّان بن ثابت قصيدة في ذلك حيث قال:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم***بخم واسمع بالرسول مناديا

وقال فمن مولاكم ووليكم***فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنت وليّنا***ولن تجدنّ منّا لك اليوم عاصيا

فقال له قم يا علي فإنّني***رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه***فكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا: اللّهم وال وليه***وكن للذي عادا علياً معاديا(2)

وفاته (صلی الله عليه وآله وسلم)

بعد قصة الغدير بأشهر قليلة، مرض النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى إذا كان يوم الاثنين 28 من شهر صفر سنة 11 من الهجرة النبوية التحق بالرفيق الأعلى، وقيل:

ص: 37


1- كشف الغمة 1: 237.
2- إعلام الورى: 133.

سنة 10 من الهجرة(1)، وكان لرسول اللّه 63 سنة، فحينما كان (صلی الله عليه وآله وسلم) في مرض موته نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: «السلام عليك يا أبا القاسم».

فقال: «وعليك السلام يا جبرئيل، أدن منّي حبيبي جبرئيل».

فدنا منه، فنزل ملك الموت - ودخل على الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) بإذن منه (صلی الله عليه وآله وسلم) - فقال له جبرئيل: «يا ملك الموت، احفظ وصيّة اللّه في روح محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) » وكان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وملك الموت آخذ بروحه (صلی الله عليه وآله وسلم) (2).

وروي عن ابن عباس: أنّ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في ذلك المرض كان يقول: ادعوا إليّ حبيبي، فجعل يُدعى له رجل بعد رجل فيعرض عنه، فقيل لفاطمة: أمضي إلى علي، فما نرى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يريد غير علي، فبعثت فاطمة (عليها السلام) إلى علي (عليه السلام) فلما دخل، فتح رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عينيه، وتهلّل وجهه ثم قال: «إليّ يا علي إليّ يا علي»، فما زال (صلی الله عليه وآله وسلم) يدنيه حتى أخذه بيده وأجلسه عند رأسه ثم أُغمي عليه.

فجاء الحسن والحسين (عليهما السلام) يصيحان ويبكيان، حتى وقعا على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فأراد علي (عليه السلام) أن ينحّيهما عنه، فأفاق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ثم قال: «يا علي، دعني أشمُهما ويشمّاني وأتزوّد منهما ويتزوّدان مني، أما إنّهما سيظلمان بعدي ويُقتلان ظلماً، فلعنة اللّه على من يظلمهما» يقول ذلك ثلاثاً.

ثم مدّ (صلی الله عليه وآله وسلم) يده إلى علي (عليه السلام) فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه، ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه مناجاة طويلة، حتى خرجت

ص: 38


1- بحار الأنوار 22: 503، ح1.
2- أمالي الشيخ الصدوق: 637، المجلس 92، ح6.

روحه الطيبة (صلوات اللّه عليه وآله)، فانسلّ علي (عليه السلام) من تحت ثيابه وقال: «أعظم اللّه أجوركم في نبيّكم، فقد قبضه اللّه إليه».

فارتفعت الأصوات بالضجّة والبكاء.

فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : ما الذي ناجاك به رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟

فقال: «علّمني ألف باب يفتح لي من كل باب ألف باب»(1).

ولا يخفى أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فارق الدنيا مسموماً.

فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) : «سمّت اليهودية النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) في ذراع. قال: وكان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يحب الذراع والكتف ويكره الورك لقربها من المبال قال: لما أُتي بالشواء أكل من الذراع وكان يحبّها فأكل ما شاء اللّه ثم قال الذراع: يا رسول اللّه إنّي مسموم، فتركه وما زال ينتقض به سمّه حتى مات (صلی الله عليه وآله وسلم) »(2).

وقيل غير ذلك.

فإنا لله وإنا اليه راجعون.

نبذة من كلماته (صلی الله عليه وآله وسلم) الشريفة

الخطوة المحبوبة

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «ما من خطوة أحب إلى اللّه من خطوتين: خطوة يسد بها مؤمن صفّاً في سبيل اللّه، وخطوة يخطوها مؤمن إلى ذي رحم قاطع يصلها، وما من جرعة أحب إلى اللّه من جرعتين: جرعة غيظ يردّها مؤمن

ص: 39


1- بحار الأنوار 22: 510-511، ح9.
2- بصائر الدرجات 10: 503، ح6.

بحلم، وجرعة جزع يردّها مؤمن بصبر، وما من قطرة أحب إلى اللّه من قطرتين: قطرة دم في سبيل اللّه، وقطرة دمع في سواد الليل من خشية اللّه»(1).

لا للتشبيه

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «قال عزّوجلّ: ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي، وما عرفني من شبّهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني»(2).

الشفاعة

عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال: «قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : من لم يؤمن بحوضي فلا أورده اللّه حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله اللّه شفاعتي، - ثم قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : - إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل»(3).

حب أهل البيت (عليهم السلام)

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «حبّي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط»(4).

المسجد والاغتياب

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة عبادة ما لم

ص: 40


1- الامالي للشيخ المفيد: 11، المجلس الأول، ح8.
2- امالي الشيخ الصدوق: 6، المجلس الثاني، ح3.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 136، ح35.
4- الخصال 2: 360، ح49.

يُحدث»، قيل: يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وما الحدث؟ قال: «الغيبة»(1).

إيّاكم والدَين

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إيّاكم والدَّين فإنّه همّ بالليل وذلّ بالنهار»(2).

وقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الدَّين راية اللّه عزّوجلّ في الأرض، فإذا أراد أن يذلّ عبداً وضعه في عنقه»(3).

لا للغيبة

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الغيبة أشد من الزنا» فقيل: ولم ذاك يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟ قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «صاحب الزنا يتوب فيتوب اللّه عليه، وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب اللّه عليه، حتى يكون صاحبه الذي يحلّه»(4).

لا تمزح كثيراً

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «كثرة المزاح يذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك يمحو الإيمان، وكثرة الكذب يذهب بالبهاء»(5).

المكر والخديعة في النار

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع، فإنّي سمعت جبرئيل يقول: إنّ المكر والخديعة في النار.

ص: 41


1- وسائل الشيعة 4: 116، ح4665.
2- علل الشرائع 2: 527، ح1.
3- بحار الأنوار 100: 142، ح7.
4- مستدرك الوسائل 9: 114، ح10396.
5- روضة الواعظين 2: 419.

ثم قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : ليس منّا من غشّ مسلماً وليس منّا من خان مسلماً.

ثم قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : إنّ جبرئيل الروح الأمين نزل عليّ من عند رب العالمين، فقال: يا محمد، عليك بحسن الخُلق، فإنّ سوء الخُلق يذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإنّ أشبهكم بي أحسنكم خُلقاً»(1).

من سنن المرسلين

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أربع من سنن المرسلين: العطر والنساء والسواك والحناء»(2).

وقّفوهم إنّهم مسؤولون

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت»(3).

الزهد والتواضع

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً(4)، وحلب العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي»(5).

ص: 42


1- أمالي الشيخ الصدوق: 270-271، المجلس 46، ح5.
2- الخصال 1: 242، ح93.
3- بحار الأنوار 7: 258، ح1.
4- مؤكفاً: من اكف الحمار: شدّ عليه الأكفه أي البرذعة وهي جلته.
5- وسائل الشيعة 12: 62، ح15651.

الحياء من اللّه

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «استحيوا من اللّه حق الحياء».

قالوا: وما نفعل يا رسول اللّه؟

قال: «فإن كنتم فاعلين فلا يبيتنّ أحدكم إلا وأجله بين عينيه، وليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر القبر والبلى، ومن أراد الآخرة فليدع زينة الحياة الدنيا»(1).

من مقوّمات البلاء

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إذا عملت أمّتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء».

قيل: وما هي يا رسول اللّه؟

قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «اتخذوا الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته وعقّ أمّه، وبرّ صديقه وجفا أباه، وشرب الخمر ولبس الحرير والديباج، واتخذوا المعازف والقيان(2)،

وأُكرم الرجل مخافة شرّه، وكان زعيم القوم أرذلهم، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وارتفعت الأصوات في المساجد فليتوقّعوا خلالاً ثلاثاً ريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً»(3).

تعلّموا من الغراب

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «تعلّموا من الغراب خصالاً ثلاثاً: استتاره بالسفاد(4)،

ص: 43


1- قرب الإسناد: 23.
2- القيان: هي الجارية غنّت أو تغنّ. راجع النهاية 4: 135.
3- مشكاة الأنوار: 88-89.
4- السفاد: نزو الذكر علی الأنثی. لسان العرب: سفد.

وبكوره في طلب الرزق، وحذره»(1).

أنا شفيع لهؤلاء

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريّتي من بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه»(2).

الصدقة

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الصدقة تمنع ميتة السوء»(3).

من حقوق المؤمن

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «من ردّ عن عرض أخيه المسلم وجبت له الجنة البتة»(4).

إصلاح ذات البين

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام»(5).

ص: 44


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 257، ح10.
2- كشف الغمة 1: 399.
3- ثواب الأعمال: 140.
4- وسائل الشيعة 12: 292، ح16334.
5- غوالي اللآلي 1: 266، ح62.

الفصل الثاني: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

اشارة

ص: 45

ص: 46

أمير المؤمنين (عليه السلام) في سطور

الاسم: علي (عليه السلام) .

الألقاب: أمير المؤمنين، وهذا يختص به (عليه السلام) دون غيره. ومنها: يعسوب الدين، والمرتضى، والصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، والولي، والوصي، و...(1).

ص: 47


1- ومن ألقابه أيضاً: مبير الشرك والمشركين، والبوار الهلاك والمبير المهلك وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، يقال: نكث الحبل والعهد فانتكث أي نقضه فانتقض وهي إشارة إلى أصحاب الجمل طلحة والزبير، حيث بايعاه بالمدينة ونكثا عهده وخرجا عليه وقاتلاه، والقسوط: الجور والعدول من الحق.. وهذه حال معاوية وأصحابه، فإنّهم عدلوا عن الحق فجاروا عن القصد وطلبوا ما ليس لهم، والمارقين: وهذه صفة الخوارج؛ لأنهم مرقوا عن الإسلام وخرجوا من الدين. انظر كشف الغمة 1: 67. ومن ألقابه (عليه السلام) : مولى المؤمنين، وشبيه هارون، والمرتضى، ونفس الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وأخ الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وزوج البتول، وسيف اللّه المسلول، وأبو السبطين، وأمير البررة، وقاتل الفجرة، وقسيم الجنة والنار، وصاحب اللواء، وسيد العرب، وخاصف النعل، وكشّاف الكرب، وذو القرنين، والهادي، والفاروق، والداعي، والشاهد، وباب المدينة، وبيضة البلد، والولي، والوصي، وقاضي دين الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ومنجز وعده (صلی الله عليه وآله وسلم) . قال الخوارزمي: «وأنا أقول في ألقابه: هو أمير المؤمنين، ويعسوب المسلمين، وغرّة المهاجرين، وصفوة الهاشميين، وقاتل الكافرين والناكثين والقاسطين والمارقين، والكرار غير الفرار، فصّال فقار كل ذي ختر بذي الفقار، قسيم الجنة والنار، مقعص الجيش الجرّار، لاطم وجوه اللجين والنضّار بيد الاحتقار، أبو تراب مجدّل الأتراب معفرين بالتراب، رجل الكتيبة والكتاب والمحراب والحراب والطعن والضراب، والخير الحساب بلا حساب، مطعم السغاب بجفان كالجواب، رادّ المعضلات بالجواب الصواب، مضيف النسور والذئاب بالبتار الماضي الذباب، هازم الأحزاب، قاصم الأصلاب، جزار الرقاب، باب القراب مفتوح الباب إلى المحراب عند سد أبواب سائر الأصحاب، جديد الرغبات في الطاعات، بالي الجلباب، رثّ الثياب، روّاض الصعاب، معسول الخطاب، عديم الحجاب والحجاب، ثابت اللبّ في مدحض الألباب... صاحب القرابة والقربة، كاسر أصنام الكعبة، مناوش الحتوف، قتّال الألوف، مخرّق الصفوف، ضرغام يوم الجمل، المردود له الشمس عند الطفل، حليف البيض والأسل، شجاع السهل والجبل، زوج فاطمة الزهراء سيدة النساء، مذلّ الأعداء معزّ الأولياء، أخطب الخطباء قدوة أهل الكساء، إمام الأئمة الأتقياء، الشهيد أبو الشهداء، أشهر أهل البطحاء... إلخ. انظر كشف الغمة 1: 69-71. ومن ألقابه (عليه السلام) أيضاً: قائد الغرّ المحجّلين، وقامع المارقين، وصالح المؤمنين، والصدّيق الأعظم والفاروق الأكبر وقسيم الجنة والنار.. والمنحة الكبرى، وحيدرة الورى، وصاحب اللواء، والذائد عن الحوض، وأمير الإنس والجان، والذابّ عن النسوان، الأنزع البطين، والأشرف المكين، وكاشف الكرب، ويعسوب الدين، وباب حطّة، وباب التقادم، وحجّة الخصام... أنظر الفضائل: 175. وعن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) قال: «خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالكوفة بعد منصرفه من النهروان، و بلغه أنّ معاوية يسبّه ويلعنه ويقتل أصحابه، فقام خطيباً فحمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وذكر ما أنعم اللّه على نبيّه وعليه، ثم قال: لولا آية في كتاب اللّه ما ذكرت ما أنا ذاكره في مقامي هذا، يقول اللّه عزّو جلّ: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (سورة الضحى: 11) اللّهم لك الحمد على نعمك التي لا تُحصى، وفضلك الذي لا يُنسى. يا أيها الناس، إنّه بلغني ما بلغني وإنّي أراني قد اقترب أجلي وكأنّي بكم وقد جهلتم أمري وأنا تارك فيكم ما تركه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) كتاب اللّه وعترتي وهي عترة الهادي إلى النجاة خاتم الأنبياء وسيد النجباء والنبي المصطفى. يا أيها الناس، لعلّكم لا تسمعون قائلاً يقول مثل قولي بعدي إلا مفتر وأنا أخو رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وابن عمّه وسيف نقمته وعماد نصرته وبأسه وشدّته، أنا رحى جهنم الدائرة، وأضراسها الطاحنة، أنا مؤتم البنين والبنات، أنا قابض الأرواح وبأس اللّه الذي لا يردّه عن القوم المجرمين، أنا مجدّل الأبطال وقاتل الفرسان ومبيد من كفر بالرحمن، وصهر خير الأنام، أنا سيد الأوصياء ووصي خير الأنبياء، أنا باب مدينة العلم وخازن علم رسول اللّه ووارثه، وأنا زوج البتول سيدة نساء العالمين فاطمة التقيّة الزكيّة، البّرة المهديّة، حبيبة حبيب اللّه وخير بناته وسلالته وريحانة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، سبطاه خير الأسباط وولداي خير الأولاد، هل أحد ينكر ما أقول؟ أين مسلمو أهل الكتاب، أنا أسمي في الإنجيل إليا، وفي التوراة بري ء، وفي الزبور أري، وعند الهند كبكر، وعند الروم بطريسا، وعند الفرس حبتر، وعند الترك بثير، وعند الزنج حيتر، وعند الكهنة بوي ء، وعند الحبشة بثريك، وعند أمّي حيدرة، وعند ظئري ميمون، وعند العرب علي، وعند الأرمن فريق، وعند أبي ظهير، ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا أن تغلبوا عليها فتضلّوا في دينكم، يقول اللّه عزّوجلّ: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ} (سورة التوبة: 119) أنا ذلك الصادق، وأنا المؤذّن في الدنيا والآخرة، قال اللّه عزّوجلّ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ} (سورة الأعراف: 44) أنا ذلك المؤذّن، وقال: {وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} (سورة التوبة: 3) فأنا ذلك الأذان، وأنا المحسن يقول اللّه عزّوجلّ: {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} (سورة العنكبوت: 69)، وأنا ذو القلب فيقول اللّه عزّوجلّ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} (سورة ق: 37)، وأنا الذاكر يقول اللّه عزّوجلّ: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} (سورة آل عمران: 191)، ونحن أصحاب الأعراف، أنا وعمّي وأخي وابن عمّي. واللّه فالق الحبّ والنوى، لا يلج النار لنا محب، ولا يدخل الجنة لنا مبغض، يقول اللّه عزّوجلّ: {وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّا بِسِيمَىٰهُمْ} (سورة الأعراف: 46)، وأنا الصهر يقول اللّه عزّوجلّ: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} (سورة الفرقان: 54)، وأنا الأذن الواعية يقول اللّه عزّوجلّ: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَٰعِيَةٌ} (سورة الحاقة: 12)، وأنا السلم لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول اللّه عزّوجلّ: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ} (سورة الزمر: 29)، ومن ولدي مهدي هذه الأمة. ألا وقد جعلت محنتكم ببغضي يعرف المنافقون، وبمحبّتي امتحن اللّه المؤمنين، هذا عهد النبي الأمي إليَّ: أنه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق. وأنا صاحب لواء رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في الدنيا والآخرة، ورسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فرطي وأنا فرط شيعتي، واللّه لا عطش محبّي ولا خاف وليّي، أنا ولي المؤمنين واللّه وليّي، حسب محبّي أن يحبّوا ما أحب اللّه وحسب مبغضي أن يبغضوا ما أحب اللّه. ألا وإنه بلغني أن معاوية سبني ولعنني، اللّهم اشدد وطأتك عليه وأنزل اللعنة على المستحقّ آمين ربّ العالمين، رب إسماعيل وباعث إبراهيم إنك حميد مجيد، ثم نزل عن أعواده، فما عاد إليها حتى قتله ابن ملجم لعنه اللّه» بحار الأنوار 35: 46-47، ح1.

ص: 48

ص: 49

الكنى: أبو الحسن، أبو الحسين، أبو تراب، أبو الريحانتين، أبو السبطين، أبو شبّر، أبو النورين.

الأب: أبو طالب بن عبد المطلب بن هشام.

الأم: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

الأجداد: عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن كلاب، بن مرّة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن نضر، ابن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان. وكلّهم كانوا مؤمنين باللّه عزّوجلّ، وهكذا جدّاته إلى آدم وحواء (عليهما السلام) .

محل الولادة: الكعبة المعظّمة، حيث لم يولد ولن يولد فيه أحد سواه من لدن آدم (عليه السلام) وإلى يوم القيامة(1) وهذه فضيلة خصّه اللّه تعالى بها إجلالاً لمحلّه ومنزلته وإعلاء لقدره.

زمان الولادة: يوم الجمعة 13رجب، بعد ثلاثين سنة من عام الفيل(2)، وقبل البعثة النبوية بعشر سنوات.

مدة عمره الشريف: 63 سنة.

تاريخ استشهاده: ضُرب بالسيف على رأسه في فجر 19/ شهر رمضان/ 40ه- وكان في محراب مسجد الكوفة يصلي إلى ربه، وانتقل إلى رحمة اللّه تعالى في ليلة الجمعة 21 من نفس الشهر.

ص: 50


1- إعلام الورى: 153.
2- المناقب 3: 307.

قاتله: أشقى الأولين والآخرين ابن ملجم المرادي(1).

مدفنه: النجف الأشرف حيث مزاره الآن.

زوجاته: فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ولم يتزوّج عليها في حياتها، ومن بعدها تزوج بخولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، وأمّ حبيبة، وأمّ البنين بنت حزام الكلابية، وليلى بنت مسعود، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأمّ مسعود، وأمّ سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفية، وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وكان يوم قتله (عليه السلام) عنده أربع حرائر في نكاح وهن: أمامة بنت أبي العاص، وليلى بنت مسعود التميمية، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأمّ البنين الكلابية، وأمّهات أولاد ثمانية عشر أمّ ولد(2).

أولاده: من فاطمة الزهراء (عليها السلام) : الحسن والحسين ومحسن وزينب وأمّ كلثوم، وقيل: وسكينة أيضاً(3).

ص: 51


1- قتله اللعين وقد خرج (عليه السلام) الى صلاة الفجر ليلة 19 من شهر رمضان وهو ينادي: الصلاة الصلاة في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على أمّ رأسه وكان قد رصده من أول الليل لذلك، وكان سيفه مسموماً فمكث يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثم قضى نحبه. انظر إعلام الورى: 154.
2- كشف الغمة 1: 442.
3- وجاء ذكرهم وعددهم وأسماء أمّهاتهم بشيء من التفصيل في (إعلام الورى: 203-204) بما يلي: وهم سبعة وعشرون ولداً وأنثى: الحسن والحسين وزينب الكبرى وزينب الصغرى المكنّاة بأمّ كلثوم أمّهم فاطمة البتول (عليها السلام) سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ومحمد المكنّى بأبي القاسم أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، والعباس وجعفر وعثمان وعبد اللّه الشهداء مع أخيهم الحسين (عليه السلام) بكربلاء (رضي اللّه عنهم) أمّهم أمّ البنين بنت حزام بن خالد بن دارم، وكان العباس يكنّى: أبا قربة؛ لحمله الماء لأخيه الحسين (عليه السلام) ، ويقال له: السقّاء، قُتل وله أربع وثلاثون سنة، وله فضائل، وقُتل عبد اللّه وله خمس وعشرون سنة، وقُتل جعفر بن علي وله تسع عشرة سنة. وعمر ورقية أمّهما أمّ حبيب بنت ربيعة وكانا توأمين، ومحمد الأصغر المكنّى بأبي بكر وعبيد اللّه الشهيدان مع أخيهما الحسين (عليه السلام) بطف كربلاء أمّهما ليلى بنت مسعود الدارمية، ويحيى أمّه أسماء بنت عميس الخثعمية وتوفّي صغيرا قبل أبيه، ورملة أمّها أمّ سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، ونفيسة وهي أمّ كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، ورقية الصغرى، وأمّ هانئ وأمّ الكرام وجمانة المكنّاة بأمّ جعفر وأمامة وأم سلمة وميمونة وخديجة وفاطمة، لأمّهات أولاد شتى. وأعقب (عليه السلام) من خمسة بنين الحسن والحسين ومحمد والعباس وعمر - ومن المعلوم - أنّ فاطمة (عليها السلام) أسقطت بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ذكراً كان سمّاه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو حمل محسناً، فعلى هذا يكون أولاده ثمانية وعشرون ولداً واللّه أعلم. أمّا زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فتزوّجها عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وولد له منها علي وجعفر وعون الأكبر وأمّ كلثوم أولاد عبد اللّه بن جعفر، وقد روت زينب عن أمّها فاطمة (عليها السلام) أخباراً. وأمّا رقية بنت علي (عليه السلام) فكانت عند مسلم بن عقيل، فولدت له عبد اللّه قتل بالطف وعلياً ومحمداً ابني مسلم. وأمّا زينب الصغرى فكانت عند محمد بن عقيل فولدت له عبد اللّه وفيه العقب من ولد عقيل. وأمّا أمّ هانئ فكانت عند عبد اللّه الأكبر بن عقيل بن أبي طالب فولدت له محمداً قتل بالطف وعبد الرحمن. وأمّا ميمونة بنت علي (عليه السلام) فكانت عند عبد اللّه الأكبر بن عقيل فولدت له عقيلاً. وأمّا نفيسة فكانت عند عبد اللّه الأكبر بن عقيل فولدت له أمّ عقيل. وأمّا زينب الصغرى فكانت عند عبد الرحمن بن عقيل فولدت له سعيداً وعقيلاً، وأمّا فاطمة بنت علي (عليه السلام) فكانت عند محمد ابن أبي سعيد بن عقيل فولدت له حميدة. وأمّا أمامة بنت علي (عليه السلام) فكانت عند الصلت بن عبد اللّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فولدت له نقية وتوفيّت عنده.

المتولّي لغسله وكفنه ودفنه: كان الإمام الحسن (عليه السلام) يغسله، والإمام الحسين (عليه السلام) يصب الماء عليه، وكان جبرائيل وميكائيل يحملان مقدّم الجنازة والإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) مؤخّرها حتى وصلوا إلى النجف الأشرف ودفنوه في حفرته.

ص: 52

أول الناس إسلاماً

لقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول من آمن بالرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) من الرجال، وكانت أمّ المؤمنين خديجة أول امرأة آمنت به (صلی الله عليه وآله وسلم) .

وفي الحديث عن سلمان (رحمه الله) عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «أولكم وروداً على الحوض أولكم إسلاماً: علي بن أبي طالب»(1).

وقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (عليها السلام) : «زوّجتكِ أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً»(2).

وروى الشيخ المفيد (رحمه الله) عن يحيى بن عفيف عن أبيه قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب بمكة قبل أن يظهر أمر النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فجاء شاب فنظر إلى السماء حين تحلقت الشمس، ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، ثم جاء غلام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، ثم رفع الشاب فرفعا، ثم سجد الشاب فسجدا، فقلت: يا عباس، أمر عظيم.

فقال العباس: أمر عظيم، أتدري من هذا الشاب؟ هذا محمد بن عبد اللّه ابن أخي.

أتدري من الغلام؟ هذا علي بن أبي طالب ابن أخي. أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد. إنّ ابن أخي هذا حدّثني: إنّ ربّه ربّ السماوات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه، ولا واللّه ما على ظهر

ص: 53


1- الصراط المستقيم 1: 235، ح9.
2- الارشاد 1: 36.

الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة(1).

وعن أبي ذر الغفاري (رحمه الله) قال: سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول لعلي (عليه السلام) : «أنت أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل...»(2).

أكثر الناس علماً

وقد ورد في الأخبار الكثيرة المعتبرة، المتواترة من طرق الخاصة والعامة، أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»(3).

وقال علي أمير المؤمنين (عليه السلام) : «سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي بطرق السماء أخبر منكم بطرق الأرض»(4).

وقد قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أقضاكم علي»(5).

في رواية أخرى عنه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «... أعلمكم علي»(6).

ومثلها عشرات الروايات التي ذكرها الفريقان في علم علي (عليه السلام) وفضائله، حيث يستفاد منها أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أعلم الناس بعد

ص: 54


1- الإرشاد 1: 29-30.
2- بحار الأنوار 22: 435، ح49.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 345، المجلس 55، ح1؛ وشرح نهج البلاغة 7: 219؛ والمستدرك على الصحيحين 3: 137، ح4637؛ والمعجم الكبير 11: 65، ح11061.
4- غرر الحكم ودرر الكلم: 403، 85.
5- المناقب 4: 11.
6- الكافي 7: 424، ح6.

رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) (1).

وكان (عليه السلام) ملجأ لتفسير القرآن ولفهم الأحكام الشريعة الإسلامية، وكان هو المرجع دون غيره حينما كان يختلف المسلمون فيما بينهم، حتى أنّ عمر بن الخطاب صرّح في عشرات المواضع لعلّها تبلغ السبعين بقوله المشهور: «لولا علي لهلك عمر»(2).

المجاهد الأكبر

كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الأول في جهاده ودفاعه عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في الحروب والغزوات، فلا أحد من المسلمين يصل إليه في هذه الفضيلة، ولم يدّع ذلك أحد.

فقد قتل في غزوة بدر الكبرى صناديد العرب وشجعان المشركين وفرسانهم، فإنّ نصف قتلى المشركين في تلك المعركة قُتلوا على يده (عليه السلام) والنصف الآخر على يد سائر المسلمين والملائكة التي نزلت لنصرتهم(3).

وفي غزوة أحد كان هو في رأس الصامدين الذين لم يفرّوا بل بقوا

ص: 55


1- قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «لقد علّمني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ألف باب يفتح كل باب ألف باب» انظر بحار الأنوار 26: 29، ح36، وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» وسائل الشيعة 27: 34، ح33146، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «لم يجد جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) حملة لعلمه حتى كان يتنفس الصعداء ويقول على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ بين الجوانح منّي علماً جماً، هاه هاه، ألا لا أجد من يحمله، ألا وإنّي عليكم من اللّه الحجّة البالغة...» انظر بحار الأنوار 3: 225، ح15.
2- المناقب 2: 362.
3- راجع المناقب 3: 119.

يحمون رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى أُثخن بالجراح وقتل أبطال المشركين وصناديدهم فنادى جبرئيل (عليه السلام) بين الأرض والسماء: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي»(1).

وفي يوم الأحزاب (الخندق) قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حقّه حينما قتل عمرو بن عبد ود فوقع الفتح والظفر للمسلمين: ­«ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين»(2).

وقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لمبارزة علي بن أبي طالب (عليه السلام) لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة»(3).

وفي غزوة خيبر قتل مرحب اليهودي وأخذ باب الحصن فقلعها بيده الشريفة وقذفها مسافة أربعين ذراعاً ولم يقدر على رفعها خمسون نفراً، وكان النصر على يديه (صلوات اللّه عليه)(4).

وفي غزوة حنين خرج رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في عشرة آلاف مقاتل فتعجّب البعض من كثرتهم فحسدهم وانهزم جيش المسلمين على كثرتهم، ولم يبق مع الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) إلا نفر قليل كان على رأسهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فجاهد بشجاعة لم ير مثلها، وقاتل جيوش المشركين إلى أن هزمهم وبعد ذلك رجع المسلمون المنهزمون(5).

ص: 56


1- المناقب 3: 124.
2- إقبال الأعمال: 467؛ وغوالي اللآلي 4: 86، ح102؛ والطرائف 2: 519.
3- راجع الطرائف 2: 514.
4- راجع روضة الواعظين 1: 120.
5- راجع إعلام الورى: 197.

إلى غيرها من الغزوات التي كتب اللّه النصر للمسلمين فيها ببركة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) المباركتين.

الإمام الأول

كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الخليفة الأول لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حيث نص الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) على خلافته وإمامته من بعده كراراً ومراراً، وأخذ البيعة من المسلمين على ذلك، ولكن بعض المسلمين تآمروا بعد الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) وانقلبوا على أعقابهم، فتركوا علياً (صلوات اللّه عليه) وأجبروا المسلمين على بيعة من عيّنوه، كما أجبروا علياً (عليه السلام) على البيعة لكنه لم يبايع، وكان يقول: إنّي أحق بهذا الأمر منكم.

وممّا يدل على خلافة الإمام وإمامته (عليه السلام) مضافاً إلى أفضليته على جميع الخلق بعد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وكونه الأعلم والأفقه والأقضى، أحاديث كثيرة رواها الفريقان، نشير إلى بعضها:

عن قيس عن أبي هارون قال: أتيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدراً؟

قال: نعم.

قال سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول لفاطمة (عليها السلام) وقد جاءته ذات يوم تبكي وتقول: يا رسول اللّه عيرّتني نساء قريش بفقر علي!.

فقال لها النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : أما ترضين يا فاطمة أنّي زوّجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علما، إنّ اللّه تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فجعله نبياً، واطلع إليهم ثانية فاختار منهم بعلك فجعله وصياً، وأوحى

ص: 57

اللّه إليّ أن أنكحك إيّاه، أما علمت يا فاطمة أنك لكرامة اللّه إيّاك زوّجك أعظمهم حلماً وأكثرهم علماً وأقدمهم سلماً، فضحكت فاطمة (عليها السلام) واستبشرت.

فقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «يا فاطمة إنّ لعلي ثمانية أضراس(1) قواطع لم يجعل اللّه لأحد من الأولين والآخرين مثلها، هو أخي في الدنيا والآخرة وليس ذلك لأحد من الناس، وأنت يا فاطمة سيدة نساء أهل الجنة زوجته، وسبطا الرحمة سبطاي ولده، وأخوه المزيّن بالجناحين في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، وعنده علم الأولين والآخرين، وهو أول من آمن بي وآخر الناس عهداً بي، وهووصيّي ووارث الوصيين»(2).

وروى أحمد بن حنبل (بسنده) قال: نشد علي (عليه السلام) الناس في الرحبة: من سمع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خم إلاّ قام، قال: فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول لعلي (عليه السلام) يوم غدير خم: «أليس اللّه أولى بالمؤمنين؟»، قالوا: بلى، قال: «اللّهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»(3).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى اصطفاني واختارني وجعلني رسولاً وأنزل عليّ سيد الكتب، فقلت: إلهي، وسيدي! إنك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيراً، تشد به عضده

ص: 58


1- أي مناقب.
2- بحار الأنوار 40: 17، ح34.
3- مسند احمد 1: 118.

وتصدق به قوله، وإنّي أسألك يا سيدي وإلهي، أن تجعل لي من أهلي وزيراً تشدّ به عضدي، فجعل اللّه لي علياً وزيراً وأخاً، وجعل الشجاعة في قلبه وألبسه الهيبة على عدوّه، وهو أول من آمن بي وصدّقني، وأول من وحد اللّه معي، وإني سألت ذلك ربي عزّوجلّ فأعطانيه، فهو سيد الأوصياء، اللحوق به سعادة والموت في طاعته شهادة، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي، وزوجته الصديقة الكبرى ابنتي، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي، وهو وهما والأئمة من بعدهم حجج اللّه على خلقه بعد النبيين، وهم أبواب العلم في أُمّتي، من تبعهم نجا من النار، ومن اقتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم، لم يهب اللّه عزّوجلّ محبّتهم لعبد إلا أدخله اللّه الجنة»(1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لعلّي (عليه السلام) : «هذا أول من آمن بي، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المسلمين والمال يعسوب الظالمين(2) - وفي موضع آخر - والمال يعسوب الكفار»(3).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب»(4).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «يا علي! أنت صاحب حوضي وصاحب لوائي،

ص: 59


1- أمالي الشيخ الصدوق: 21-22، المجلس 6، ح5.
2- مجمع الزوائد 9: 102.
3- اليقين: 511.
4- المستدرك على الصحيحين 3: 127.

ومنجز عداتي، وحبيب قلبي ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي، وأنت أمين اللّه على أرضه، وأنت حجّة اللّه على بريّته، وأنت ركن الإيمان وعمود الإسلام، وأنت مصباح الدُجى وأنت منار الهدى، وأنت العلم المرفوع لأهل الدنيا، من اتّبعك نجا ومن تخلّف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح، وأنت الصراط المستقيم، وأنت قائد الغر المحجلين، وأنت يعسوب المؤمنين، وأنت مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كل مؤمن ومؤمنة، لا يحبّك إلاّ طاهر الولادة، ولايبغضك إلاّ خبيث الولادة، وما عرج بي ربي عزّوجلّ إلى السماء وكلمني ربي إلاّ قال لي: يا محمد اقرأ علياً منّي السلام، وعرِّفه أنه إمام أوليائي، ونور أهل طاعتي، فهنيئاً لك هذه الكرامة»(1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «عليّ باب علمي ومبيّن لأمّتي ما أُرسلت به من بعدي، حبّه إيمان وبغضه نفاق، والنظر إليه برأفة ومودّة وعبادة» الحديث(2).

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «علي بن أبي طالب أقدم أُمّتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأصحّهم ديناً، وأفضلهم يقيناً، وأحلمهم حلماً، وأسمحهم كفّاً، وأشجعهم قلباً، وهو الإمام والخليفة بعدي»(3).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «نزل جبرائيل صبيحة يوم فرحاً مستبشراً... وقال: ... قرّت عيني بما أكرم اللّه به أخاك ووصيك وإمام أُمتك عليّ بن أبي طالب! فقلت: ولم أكرم اللّه أخي وإمام أمّتي؟ قال: باهى بعبادته البارحة

ص: 60


1- بحار الأنوار 38: 100، ح20.
2- كنز الفوائد 2: 67.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 8، المجلس 2، ح6.

ملائكته وحملة عرشه، وقال: ملائكتي! انظروا إلى حجّتي في أرضي بعد نبيي وقد عفّر خدّه بالتراب تواضعاً لعظمتي، أُشهدكم أنه إمام خلقي ومولى بريتي»(1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «يا علي، أنت أخي وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوة وأنت المجتبى للإمامة، وأنا صاحب التنزيل وأنت صاحب التأويل، وأنا وأنت أبوا هذه الأمة. يا علي، أنت وصيي وخليفتي ووزيري ووارثي وأبو ولدي، شيعتك شيعتي وأنصارك أنصاري وأولياؤك أوليائي وأعداؤك أعدائي. يا علي، أنت صاحبي على الحوض غداً، وأنت صاحبي في المقام المحمود، وأنت صاحب لوائي في الآخرة، كما أنت صاحب لوائي في الدنيا، لقد سعد من تولاك وشقي من عاداك، وإنّ الملائكة لتتقرّب إلى اللّه تقدّس ذكره بمحبّتك وولايتك، واللّه إنّ أهل مودّتك في السماء لأكثر منهم في الأرض، يا علي أنت أمين أمّتي وحجّة اللّه عليها بعدي، قولك قولي، وأمرك أمري، وطاعتك طاعتي، وزجرك زجري، ونهيك نهيي، ومعصيتك معصيتي، وحزبك حزبي وحزبي حزب اللّه، {وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ}(2)(3)».

وفي مسند أحمد بسنده عن عمرو بن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط(4) فقالوا: يا ابن عباس، إمّا أن تقوم معنا وإما أن

ص: 61


1- التحصين لابن طاووس: 616.
2- سورة المائدة: 56.
3- بشارة المصطفى: 55.
4- رهط الرجل: عشيرته وأهله. لا واحد له من لفظه. النهاية 2: 283 (رهط).

تخلونا هؤلاء، قال: فقال ابن عباس: بل أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدءوا فتحدّثوا فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أفّ وتفّ وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لأبعثنّ رجلاً لا يخزيه اللّه أبداً يحبّ اللّه ورسوله» قال: فاستشرف لها من استشرف، قال: «أين علي؟» قالوا: هو في الرحل يطحن، قال: «وما كان أحدكم ليطحن؟» قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث (صلی الله عليه وآله وسلم) (1) في عينيه ثم هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إيّاه، فجاء بصفيّة بنت حيي.

قال: ثم بعث فلاناً بسورة التوبة فبعث علياً خلفه فأخذها منه قال: «لايذهب بها إلا رجل منّي وأنا منه».

قال: وقال لبني عمّه: «أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة» قال: وعلي معه جالس فأبوا، فقال علي: «أنا أواليك في الدنيا والآخرة» قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أنت وليّي في الدنيا والآخرة» قال: فتركه ثم أقبل على رجل منهم فقال: «أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة» فأبوا، قال: فقال علي: «أنا أواليك في الدنيا والآخرة» فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) :«أنت وليّي في الدنيا والآخرة».

قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة.

قال: وأخذ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: «{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(2)».

ص: 62


1- النفث: شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل لايكون إلا ومعه شيء من الريق. النهاية 5: 88.
2- سورة الأحزاب: 33.

قال: وشرى علي نفسه لبس ثوب النبي (عليه السلام) ثم نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمون رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فجاء أبو بكر وعلي نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنه نبي اللّه، قال: فقال: يا نبي اللّه، قال: فقال له علي: «إنّ نبي اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه» قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل علي يُرمى بالحجارة كما كان يُرمى نبي اللّه وهو يتضوّر(1)

قد لفّ رأسه في الثوب لايخرجه حتى أصبح ثم كشف عن رأسه، فقالوا: ...كان صاحبك نرميه فلايتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك.

قال: وخرج بالناس في غزوة تبوك قال: فقال له علي: «أخرج معك؟» قال: فقال له نبي اللّه: «­لا» فبكى علي، فقال له: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي».

قال: وقال له رسول اللّه: «أنت وليّي في كل مؤمن بعدي».

وقال: «سدّوا أبواب المسجد غير باب علي»، فقال: فيدخل المسجد جُنباً وهو طريقه ليس له طريق غيره.

قال وقال: «من كنت مولاه فإنّ مولاه علي» (2) الحديث.

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ وصيّي وخليفتي وخير من أترك بعدي، ينجز موعدي ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب»(3).

ص: 63


1- يتضوّر: الصياح والتلوّي. الصحاح 2: 723 (ضور).
2- مسند أحمد 1: 330-331.
3- بحار الأنوار 38: 1، ح1.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : يا بني عبد المطلب.. إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني اللّه تبارك وتعالى أن أدعوكم، فأيّكم يُوَازرني على أمري على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ ... قال (عليه السلام) : ... قلت: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّ قال: هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا...» (1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في حديث: «... ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ ما تريدون من عليّ؟ إنّ علياّ منّي وأنا منه وهو وليّ كل مؤمن بعدي»(2).

وعن ابن عباس قال: تصدّق عليّ (عليه السلام) بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ (صلی الله عليه وآله وسلم) للسّائل: «من أعطاك هذا الخاتم؟» قال: ذاك الراكع، فأنزل اللّه فيه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}(3)(4).

وروی الحافظ الحسكاني في شواهد التنزيل : عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ}. قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (5).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه قد فرض عليكم طاعتي ونهاكم عن معصيتي، وفرض عليكم طاعة علي بعدي ونهاكم عن معصيته، وهو وصيي

ص: 64


1- تفسير فرات الكوفي: 301، ح406.
2- بحار الأنوار 38: 149-150، ح118.
3- سورة المائدة: 55.
4- بحار الأنوار 35: 185، ح4.
5- شواهد التنزيل 1: 209، ح216.

ووارثي، وهو منّي وأنا منه، حبّه إيمان وبغضه كفر، محبّه محبّي ومبغضه مبغضي، وهو مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كل مسلم ومسلمة، وأنا وهو أبوا هذه الأمة»(1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه عزّوجلّ، يسبّح اللّه ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق اللّه آدم بألف عام، فلمّا خلق اللّه آدم (عليه السلام) أودع ذلك النور في صلبه، فلم يزل أنا وعلي في شيء واحد، حتى افترقنا في صلب عبد المطلب فَفِيَّ النبوة وفي عليّ الخلافة» (2).

وعن أنس بن مالك قال: كنت جالساً مع النبيّ (صلی الله عليه وآله وسلم) إذ أقبل عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) فقال النبيّ (صلی الله عليه وآله وسلم) : «يا أنس أنا وهذا حجّة اللّه على خلقه» (3).

وعن جابر بن عبد اللّه، قال: لقد سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: «في علي خصالاً لو كانت واحدة منها في رجل اكتفى بها فضلاً وشرفاً: قوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : من كنت مولاه فعلي مولاه، وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي منّي كهارون من موسى.

وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي منّي وأنا منه. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي منّي كنفسي طاعته طاعتي ومعصيته معصيتي. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : حرب علي حرب اللّه وسلم علي سلم اللّه. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : ولي علي ولي اللّه وعدّو علي عدّو اللّه. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي حجّة اللّه على عباده، وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : حب علي إيمان وبغضه كفر. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : حزب علي حزب اللّه وحزب أعدائه حزب الشيطان. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي مع

ص: 65


1- ينابيع المودة 1: 369-370، ح3.
2- ينابيع المودة 1: 47، ح8.
3- تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) 42: 308 الرقم: 8853.

الحق والحق معه لا يفترقان. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : علي قسيم الجنة والنار. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : من فارق علياً فقد فارقني ومن فارقني فقد فارق اللّه. وقوله (صلی الله عليه وآله وسلم) : شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة» (1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ ابن أبي طالب، فإنّه أوّل من يراني وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحق والباطل»(2).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان كذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب فإنّه الفاروق بين الحق والباطل»(3).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في مرض موته: «أيّها الناس يوشك أن أُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي وقد قدّمت إليكم القول معذرة منّي إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب اللّه عزّوجلّ وعترتي أهل بيتي، ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فرفعها فقال: هذا مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض فأسألهما ما خُلّفت فيهما»(4).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا وأصحابه على الحق - يعني عليّاً (عليه السلام) - »(5).

ص: 66


1- ينابيع المودة 1: 172-173، ح22.
2- تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) 42: 450 الرقم: 9026.
3- المناقب 3: 91.
4- مناقب أهل البيت (عليهم السلام) للشيرواني: 174.
5- كنز العمال 11: 621، ح33016.

من خصائص الإمام (عليه السلام)

هناك مجموعة كبيرة من خصائص أمير المؤمنين (عليه السلام) نتطرّق إلى بعضها بإيجاز واختصار.

1: نصرة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في الضّراء والسّراء كما قال تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}(1).

والمراد من صالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2).

2: اتخاذ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) أخاً لنفسه دون غيره، حيث آخى الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين بعضهم البعض، وآخى بينه وبين علي (عليه السلام) مرّتين(3).

3: الصعود على كتف النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لكسر الأصنام(4).

ص: 67


1- سورة التحريم: 4.
2- راجع تفسير القمي 2: 377. تفسير سورة التحريم، وفيه عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: {إِن تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} إلى قوله: {وَصَٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: «صالح المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ».
3- راجع علل الشرائع 1: 170، ح2؛ وراجع أمالي الشيخ الصدوق: 346، المجلس 55، ح4.
4- انظر كشف اليقين: 446؛ وإرشاد القلوب 2: 229؛ والفضائل: 97، وفيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «دعاني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو بمنزل خديجة (عليها السلام) ذات ليلة، فلما صرت إليه قال: اتّبعني يا علي، فما زال يمشي وأنا خلفه ونحن نخرق دروب مكة حتى أتينا الكعبة، وقد أنام اللّه تعالى كل عين، فقال لي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : يا علي، قلت: لبّيك يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، قال: اصعد على كتفي ثم انحنى النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فصعدت على كتفه، فقلبت الأصنام على رؤوسها ونزلت وخرجنا من الكعبة حتى أتينا منزل خديجة (عليها السلام) ، فقال لي: أول من كسر الأصنام جدك إبراهيم (عليه السلام) ثم أنت يا علي آخر من كسر الأصنام». الحديث.

يقول ابن العرندس في قصيدته:

وصعود غارب أحمد فضل له***دون القرابة والصحابة أفضلاً(1)

4: فضيلة خبر الطائر، حيث أكل الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) مع علي (عليه السلام) الطائر المشوي الذي أنزله جبرئيل من الجنة(2).

5: حديث المنزلة، حيث قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك فأنت خليفتي.. أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى

ص: 68


1- الغدير 7: 8.
2- راجع الخصال 2: 580، ح1؛ وأمالي الشيخ الصدوق (رحمه الله) : 655، المجلس 94، ح3، وفيه عن أبي هدبة قال: رأيت أنس بن مالك معصوباً بعصابة فسألته عنها، فقال: هي دعوة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت له: وكيف يكون ذلك؟ فقال: كنت خادماً لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأهدي إلى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) طائر مشوي، فقال: «اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر» فجاء علي (عليه السلام) فقلت له: رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يده الثانية فقال: «اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر» فجاء علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت: رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عنك مشغول، وأحببت أن يكون رجلاً من قومي، فرفع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يده الثالثة، فقال: «اللّهم ائتني بأحب خلقك إليك وإليّ يأكل معي من هذا الطائر» فجاء علي (عليه السلام) فقلت: رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عنك مشغول وأحببت أن يكون رجلاً من قومي» فرفع علي (عليه السلام) ، صوته فقال: «وما يشغل رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عني؟» فسمعه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فقال: «يا أنس من هذا؟» فقلت: علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «ائذن له» فلما دخل، قال له: «يا علي إنّي قد دعوت اللّه عزّوجلّ ثلاث مرّات أن يأتيني بأحب خلقه إليه وإليّ يأكل معي من هذا الطائر ولو لم تجئني في الثالثة لدعوت اللّه باسمك أن يأتيني بك»، فقال علي (عليه السلام) : «يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) إني قد جئت ثلاث مرّات كل ذلك يردّني أنس ويقول: رسول اللّه عنك مشغول» فقال لي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «يا أنس ما حملك على هذا؟» فقلت: يا رسول اللّه سمعت الدعوة فأحببت أن يكون رجلاً من قومي».. الحديث.

إلا أنه لا نبّي بعدي»(1).

6: حديث الراية، حيث قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لأعطيّن الراية غداً رجلاً يحب اللّه ورسوله، ويحبّه اللّه ورسوله، كرّار غير فرّار»(2).

7: حديث يوم الغدير الذي هو أشهر من النار على علم، ورواه متواتراً الفريقان في كتبهم المعتبرة(3).

8: ردّ الشمس مرّتين، منها بحضرة النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) حيث قال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) : «اللّهم إنّ عبدك علي احتبس نفسه على نبيك فردّ عليه شرقها»(4).

ومرّة أخرى بعد الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) (5).

9: كونه (عليه السلام) بمنزلة نفس رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بصريح الآية الشريفة : {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ}(6). حيث صرّح المفسّرون أنّ المراد من {أَنفُسَنَا} علي بن أبي طالب (عليه السلام) (7).

10: زواجه (عليه السلام) من فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيث ورد أنه لولا علي (عليه السلام) لم يكن لفاطمة (عليها السلام) كفو، وقد ورد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

ص: 69


1- كشف الغمة 1: 228.
2- الاحتجاج 1: 272.
3- للتفصيل راجع موسوعة الغدير للعلامة الأميني (رحمه الله) .
4- علل الشرائع 1: 351-352، ح3.
5- علل الشرائع 1: 352، ح4.
6- سورة آل عمران: 61.
7- راجع تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 658، ح374؛ وتفسير العياشي 1: 177، ح58؛ وتفسير فرات الكوفي: 85، ح61 و62 و63 وغيرها من التفاسير.

عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) ، قال: «قال لي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : يا علي لقد عاتبتني رجال من قريش في أمر فاطمة وقالوا: خطبناها إليك فمنعتنا وتزوّجت علياً، فقلت لهم: واللّه ما أنا منعتكم وزوّجته، بل اللّه تعالى منعكم وزوّجه، فهبط عليّ جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: يا محمد إنّ اللّه جلّ جلاله يقول: لو لم أخلق علياً لما كان لفاطمة ابنتك كفو على وجه الأرض آدم فمن دونه»(1).

إلى غيرها من الخصائص والفضائل الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

إنّ اللّه قد زوّجكما في السماء

أكابر قريش وبعضهم من أهل الفضل والسابقة في الإسلام والشرف والمال خطبوا فاطمة الزهراء (عليه السلام) ولكن كلما ذكرها له (صلی الله عليه وآله وسلم) أحدهم، أعرض عنه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بوجهه حتى كان الرجل منهم يظن أنّ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ساخط عليه، فقيل لعلي (عليه السلام) : لم لا تخطب فاطمة؟ فواللّه ما نرى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يحبسها إلا عليك.

فتقدم علي (عليه السلام) لخطبتها، فلما عرض أمره على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) تهلّل وجهه (صلی الله عليه وآله وسلم) فرحاً وسروراً، وقال له: فهل معك شيء أزوّجك به؟.

فقال علي (عليه السلام) : أملك سيفي ودرعي وناضحي وما لي شيء غير هذا.

فقال الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) : أمّا سيفك تجاهد به في سبيل اللّه، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك، ولكني قد زوّجتك بالدرع ورضيت بها منك، يا علي أبشر فإنّ اللّه تعالى قد زوّجكما في السماء قبل أن أزوّجك في الأرض.

فانطلق علي (عليه السلام) وباع الدرع بأربعمائة درهم وأتى به إلى رسول

ص: 70


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 225، ح3.

اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فأمر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بعض أصحابه أن يشتري بالدراهم ما يصلح لفاطمة (عليها السلام) في بيتها، فانطلق واشترى:

1: فرشاً من خيش مصر محشوّاً بالصوف.

2: نطعاً من أدم.

3: وسادة من أدم حشوها من ليف النخل.

4: عباءة خيبرية.

5: قربة للماء.

6: كيزاناً.

7: جراراً.

8: مطهرة للماء.

9: سراً من صوف.

10: رحى لليد.

فلما وضع ما اشتراه بين يدي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) نظر إليه فبكى وجرت دموعه ثم رفع يده إلى السماء وقال: اللّهم بارك لقوم جلّ آنيتهم الخزف(1).

وهذا الدعاء يشمل من حينه كل زواج يتم ببساطة وسهولة وبلا تشريفات وتعقيدات إلى يوم القيامة، وعلينا إذا أحببنا أن يشملنا هذا الدعاء ويشمل أبناءنا وبناتنا أن نلتزم بذلك، ولا نطلب سوى الكفاءة والأهلية من حسن الخلق والتدين، كما في الحديث الشريف: «إذا جاءكم من ترضون

ص: 71


1- راجع بحار الأنوار 43: 120، ح30.

خلقه ودينه فزوّجوه»(1).

أمير زاهد

من أهم ما يراه المتتبّع في أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) زهده (عليه السلام) ، حيث كان (عليه السلام) أزهد الناس بعد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فلم يشبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً، والأهم في كل ذلك أنه لم يتغيّر زهده حتى طيلة فترة حكمه وخلافته، حيث كان يحكم أكبر دولة على وجه الأرض، فكانت بلاده تشتمل على ما يقارب خمسين دولة حسب خارطة اليوم، ولكنه كان بنفس الزهد الذي كان فيه قبل خلافته.

قال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب(2).

وروي عن نضر بن منصور عن عقبة بن علقمة، قال: دخلت على علي (عليه السلام) فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته وكسر يابسة، فقلت: يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا؟

فقال لي: «يا أبا الجنوب كان رسول اللّه (عليه السلام) يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا - وأشار إلى ثيابه - فإذا لم آخذ به خفت ألا ألحق به»(3).

الخوف من اللّه

قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) في منتهى درجة الخوف من اللّه عزّوجلّ،

ص: 72


1- الكافي 5: 347، ح2.
2- راجع المناقب 2: 94، وفيه عن عمر بن عبد العزيز قال: ما علمنا أحداً كان في هذه الأمة أزهد من علي بن أبي طالب بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) .
3- شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد 2: 201.

فكان يغشى عليه بعض الليالي خوفاً من اللّه وخشية منه تعالى.

يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) : - وهو سيد الساجدين الذي لم يكن يفتأ عن عبادة اللّه تعالى حتى لقّب بذي الثفنات وزين العابدين - : «من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب»(1).

نعم كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كما وصفوه: أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً.

كثرة الفضائل

إن فضائل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أكثر من أن تعدّ أو تحصى، حيث إنّ اللّه عزّوجلّ أخذ يباهي بعلي (صلوات اللّه عليه) ملائكة السماء(2)

وقد أنزل في شأنه (عليه السلام) أكثر من ثلاثمائة آية في كتابه العزيز، على أقل التقادير، حيث روى القندوزي الحنفي في كتابه (ينابيع المودة)، قال: أخرج الطبراني عن ابن عبّاس قال: نزلت في علي (عليه السلام) أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه(3).

وقد ذكر الفقيه المحقّق آية اللّه العظمى السيد صادق الشيرازي في كتابه

ص: 73


1- إعلام الورى: 260.
2- راجع المناقب 2: 65، وفيه بسنده عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة أنه قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «أوحى اللّه إلى جبرئيل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عُمر أحدكما أطول من عُمر صاحبه، فأيّكما يؤثر أخاه؟ فكلاهما كرها الموت، فأوحى اللّه إليهما ألا كنتما مثل وليّي علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد نبيّي فآثره بالحياة على نفسه ثم ظلّ (أو رقد) على فراشه، يقيه بمهجته، إهبطا إلى الأرض جميعاً فاحفظاه من عدّوه، فهبط جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه، وجعل جبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب واللّه يباهي به الملائكة».
3- ينابيع المودة 1: 377، ح15.

القيّم (علي في القرآن) أكثر من سبعمائة آية نزلت في فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

وكيف لا يكون كذلك، وقد قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) «ذكر علي عبادة»(1).

وقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «النظر إلى وجه علي عبادة»(2).

نعم كان ما ذكرناه فهو إشارة عابرة إلى شيء من عظيم فضائله (عليه السلام) التي ملأت الخافقين على رغم أنه قد كتم شيعته فضائله خوفاً، وكتم أعداؤه فضائله حسداً، ومع ذلك ترى الإنس والجن عجزوا عن عدّ فضائله.

وفي الصراط المستقيم: في حديث الدوانيقي كم تروي في علي حديثاً؟ فقال: عشرة آلاف، قال رجل لابن عباس: ما أكثر مناقب علي إنّي لأحسبها ثلاثة آلاف! فقال: أو لا تقول هي إلى ثلاثين ألف أقرب. قال المرتضى سمعت عمر بن شاهين وهو شيخ مقدّم في الرواية يقول: جمعت من فضائل علي ألف جزء، وقال ابن حنبل: ما جاء لأحد من الصحابة ما جاء لعلي.

وروى المطرزي عن الخوارزمي مسندا إلى ابن عباس قول النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : لو أنّ الغياض(3)

أقلام والبحار مداد والجن حساب والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب.

أبا حسن لو أنّ ذا الخلق تاجروا***بحبّك يا مولاي ما كان أخسروا

ولو كانت السبع السماوات كاغذا***وكانت بعون اللّه تطوى وتنشر

وكانت جميع الإنس و الجن كتب***وكان مداد القوم سبعة أبحر

ص: 74


1- العمدة: 365، ح711.
2- العمدة: 366، ح712.
3- الغياض: جمع غيضة، وهي الأجمة والموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتفّ.

ولو كانت الأشجار جمعاً بأسره***تقصص أقلام وتبرى وتحضر

لكلّت أياديهم وأفنى مدادهم***وما حصلوا معشار من فضل حيدر(1)

فزت ورب الكعبة

كان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أول مظلوم بعد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، حيث غصب حقّه وهتكت حرمته ولم يعرفوه حقّ معرفته، حتى ضاق صدره من الدنيا وما فيها، وكان (عليه السلام) يخبر مراراً عن استشهاده بيد أشقى الأولين والآخرين ابن ملجم، وكان يقول وهو يمسح لحيته الشريفة: ­«ما يحبس أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم»(2)، وصعد المنبر في شهر رمضان الذي استشهد فيه وأخبر أصحابه بأنّهم سيحجّون هذا العام ولا يكون هو فيهم(3).

وكان (عليه السلام) يبيت في ذلك الشهر ليلة عند ولده الإمام الحسن (عليه السلام) وليلة عند الإمام الحسين (عليه السلام) وليلة عند زينب (عليها السلام) وليلة عند أمّ كلثوم (عليها السلام) ، وكان يفطر عندهم ولم تتجاوز لقماته الثلاث، فسئل عن سبب ذلك، فأجاب (عليه السلام) إنه قد دنا أجله ويريد لقاء ربّه وهو خميص(4).

ولما كان في يوم الثامن عشر من شهر رمضان صلّى العشائين وأفطر على قرص واحد وملح الجريش، ثم أخذ يأتي إلى صحن الدار وينظر إلى

ص: 75


1- الصراط المستقيم 1: 153-154.
2- انظر بحار الأنوار 34: 48، ح911.
3- الإرشاد 1: 320، وفيه عنه (عليه السلام) : «أتاكم شهر رمضان وهو سيد الشهور وأول السنة وفيه تدور رحى السلطان ألا وإنكم حاجوا العام صفاً واحداً وآية ذلك أني لست فيكم»، فكان أصحابه يقولون: إنه ينعى إلينا نفسه.
4- راجع الإرشاد 1: 320، وفيه: قال (عليه السلام) : «يا بني يأتي أمر اللّه وأنا خميص..».

السماء ويقول: هي واللّه الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) (1).

وكان يكثر في تلك الليلة قراءة قوله تعالى: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ}(2).

وكان يقول: «اللّهم بارك لنا في لقائك»(3).

فلما أصبح (عليه السلام) وأراد الخروج للصلاة أنشد يقول:

اُشدد حيازيمك للموت فإنّ الموت لاقيكا***ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا(4)

ثم ذهب للصلاة إلى مسجد الكوفة، فكان في الركعة الأولى بعد أن رفع رأسه من السجود إذ ضربه اللعين ابن ملجم على أم رأسه.

فسقط في المحراب وهو يقول: فزت وربّ الكعبة(5).

ونادى جبرئيل بين السماء والأرض: تهدمت واللّه أركان الهدى، وانطمست واللّه نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت واللّه العروة الوثقى، قُتل ابن عم محمد المصطفى، قُتل الوصي المجتبى، قُتل علي المرتضى(6).

قال أبو الفرج: لما ضُرب علي (عليه السلام) جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو، فلما نظر إلى جرح أمير المؤمنين (عليه السلام) دعا بريّة شاة حارّة، فاستخرج منها عرقاً، فأدخله في الجرح، ثم نفخه ثم

ص: 76


1- راجع روضة الواعظين: 136.
2- سورة البقرة: 156.
3- بحار الأنوار 42: 277.
4- روضة الواعظين: 132.
5- راجع المناقب 3: 312.
6- بحار الأنوار 42: 282.

استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، فقال: يا أمير المؤمنين أعهد عهدك فإنّ عدوّ اللّه قد وصلت ضربته إلى أمّ رأسك(1).

ولما كان في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان فاضت روحه المقدسة إلى رياض القدس والجنان، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(2).

من وصايا الإمام (عليه السلام)

قال الإمام الحسن (عليه السلام) : «لما حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي فقال:

هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمد رسول اللّه وابن عمّه وصاحبه، وأول وصيتي: أنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأنّ محمداً رسوله وخيرته، اختاره بعلمه وارتضاه لخيرته، وإنّ اللّه باعث من في القبور، وسائل الناس عن أعمالهم، وعالم بما في الصدور.

ثم إنّي أوصيك يا حسن، وكفى بك وصياً بما أوصاني به رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فإذا كان ذلك يا بني - أي إذا ظهرت الفتن عليك وخانك الناس ولم تنصرك - فالزم بيتك وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همّك.

وأوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلّها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد في العمل، والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم، والتواضع فإنّه من أفضل العبادة، وقصر الأمل، وذكر

ص: 77


1- بحار الأنوار 42: 234، ح41.
2- راجع في تاريخ شهادته (عليه السلام) بحار الأنوار 42: 200، ح2 و 4؛ العدد القوية: 235.

الموت، والزهد في الدنيا، فإنك رهن موت وغرض بلاء وطريح سقم.

وأوصيك بخشية اللّه في سر أمرك وعلانيته، وأنهاك عن التسرّع بالقول والفعل، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به، وإذا عرض شيء من أمر الدنيا فتأنّه حتى تصيب رشدك فيه، وإيّاك ومواطن التهمة، والمجلس المظنون به السوء، فإنّ قرين السوء يغيّر جليسه، وكن لله يا بني عاملاً، وعن الخنى(1) زجوراً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً، وواخ الإخوان في اللّه، وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك، وأبغضه بقلبك، وزايله بأعمالك، لئلّا تكون مثله، وإيّاك والجلوس في الطرقات، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم.

واقتصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه، والزم الصمت تسلم، وقدّم لنفسك تغنم، وتعلّم الخير تعلم، وكن لله ذاكراً على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر منهم الكبير، لا تأكلن طعاماً حتى تصدّق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنّة لأهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوّك، وعليك بمجالس الذكر، وأكثر من الدعاء، فإنّي لم آلك يا بنّي نصحاً، وهذا فراق بيني وبينك» الحديث(2).

معاوية في شهادة الإمام (عليه السلام)

ولما وصل خبر استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى معاوية فرح بذلك،

ص: 78


1- الخنی: الفحض من القول.
2- أمالي الشيخ المفيد: 220، المجلس 26، ح1.

وقال: إنّ الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه، ثم تمثل بهذا الشعر وقال:

قل للأرانب تربّع حيثما سلكت***وللظباء بلا خوف ولا وحذر(1)

نبذة من كلماته (عليه السلام) الشريفة

اشارة

نبذة من كلماته (عليه السلام) الشريفة(2)

توصية الفقهاء والحكماء

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «كانت الفقهاء والحكماء إذا كاتب بعضهم

ص: 79


1- راجع المناقب 2: 86، وفيه: ولما نعي بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل عمرو ابن العاص على معاوية مبشراً فقال: إن الأسد المفترش ذراعيه بالعراق لاقى شعوبه فقال معاوية الشعر.
2- جمع الشريف الرضي (عليه السلام) بعض كلام مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه نهج البلاغة، قال السيد الرضي (رحمه الله) في مقدمة الكتاب: ومن عجائبه (عليه السلام) التي انفرد بها أنّ كلامه الوارد في الزهد والمواعظ والتذكير والزواجر إذا تأمله المتأمّل، وفكّر فيه المتفكر لم يعترضه الشك في أنه كلام من لا حظّ له في غير الزهادة ولا شغل له بغير العبادة، قد قبع في كسر بيت أو انقطع إلى سفح جبل لا سمع إلاّ حسه، ولا يرى إلاّ نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب مصلتاً سيفه، فيقطّ الرقاب ويجدّل الأبطال، وهو مع تلك الحال زاهد الزهاد وبدل الأبدال. وهذه من فضائله العجيبة وخصائصه اللطيفة التي جمع بها بين الأضداد، وألّف بين الأشتات. ويمتاز كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بخصوصيات منها: 1: الجمال والفصاحة والانسجام التي لم ير لها نظير، فهو (فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق). 2: تأثيره العجيب في النفوس و النفوذ إليها. فلم يختص ذلك بزمانه بل ما زال كلامه وبعد 14 قرناً له تأثير كبير على كل سامع. وحقا هو فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق. ولقد اعترف أكابر الفصحاء وأعاظم البلغاء بالفخر والاعتزار به. ولم يكن نهج البلاغة مقتصراً على ذلك من ناحية ألفاظه، بل إنه من حيث المضمون كان كذلك.

بعضاً، كتبوا بثلاث ليس معهن رابعة: من كانت الآخرة همّه كفاه اللّه همه من الدنيا، ومن أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته، ومن أصلح فيما بينه وبين اللّه أصلح اللّه فيما بينه وبين الناس»(1).

دع ما لا يعنيك

مرّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) برجل يتكلّم بفضول الكلام، فقال: «يا هذا إنك تملي على كاتبيك كتاباً إلى ربك فتكلّم بما يعنيك ودع ما لا يعنيك»(2).

لا غنى كالعقل

وقال (عليه السلام) : «صدر العاقل صندوق سره، ولا غنى كالعقل، ولا فقر كالجهل، ولا ميراث كالأدب، ولا مال أعود من العقل، ولا عقل كالتدبير»(3).

من آثار الجهل

وقال (عليه السلام) : «الناس أعداء ما جهلوا»(4).

بين العقل والجهل

وقال (عليه السلام) : «لا عدة أنفع من العقل، ولا عدو أضر من الجهل»(5).

ص: 80


1- من لا يحضره الفقيه 4: 396، ح5845.
2- بحار الأنوار 5: 327، ح21.
3- بحار الأنوار 1: 94، ح27.
4- نهج البلاغة، قصار الحكم: 172 و 438.
5- مستدرك الوسائل 11: 206، ح12751.

القدر ومعناه

وقال (عليه السلام) عندما سُئل عن القدر: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه»(1).

إلى شيعته

وقال (عليه السلام) لشيعته: «كونوا في الناس كالنحلة في الطير، ليس شيء من الطير إلا وهو يستضعفها، ولو يعلمون ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم، لكل امرئ ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب»(2).

الدنيا والزهد فيها

وقال (عليه السلام) : «ازهدوا في هذه الدنيا التي لم يتمتّع بها أحد كان قبلكم، ولا تبقى لأحد من بعدكم، سبيلكم فيها سبيل الماضين، قد تصرّمت وآذنت بانقضاء، وتنكر معروفها، فهي تخبر أهلها بالفناء، وسكانها بالموت، وقد أمرّ منها ما كان حلواً، وكدر منها ما كان صفواً، فلم تبق منها إلا سملة كسملة الإداوة، أو جرعة الإناء، لو تمززها العطشان لم ينقع بها، فأذِّنوا بالرحيل من هذه الدار المقدّر على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من الحياة، المذلّلة فيها أنفسهم بالموت، فلا حي يطمع في البقاء، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون، ولا يعلّلكم الأمل، ولا يطول عليكم الأمد، ولا تغروا منها بالآمال. ولو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم مثل حنين الحمام، وجأرتم جأر متبتلي

ص: 81


1- نهج البلاغة، قصار الحكم: 287.
2- أمالي الشيخ المفيد: 130-131، المجلس 15، ح7.

الرهبان، وخرجتم إلى اللّه تعالى من الأموال والأولاد، التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة أحصتها كتبته وحفظتها ملائكته لكان قليلاً فيما أرجو لكم من ثوابه، وأتخوف عليكم من عقابه، جعلنا اللّه وإياكم من التائبين العابدين»(1).

شهر رمضان

وقال (عليه السلام) : «عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار والدعاء، فأمّا الدعاء فيدفع عنكم به البلاء، وأمّا الاستغفار فيمحي ذنوبكم»(2).

الخير كلّه

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «جمع الخير كلّه في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام، فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فِكرةً، وكلامه ذكراً، وبكى على خطيئته، وأمن الناس من شره»(3).

الاستعداد للموت

وقال (عليه السلام) : «كم من غافل ينسج ثوباً ليلبسه وإنّما هو كفنه، ويبني بيتاً ليسكنه وإنّما هو موضع قبره»، وقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : ما الاستعداد للموت؟ قال: «أداء الفرائض واجتناب المحارم والاشتمال على المكارم، ثم

ص: 82


1- بحار الأنوار 70: 107-108، ح109.
2- الكافي 4: 88، ح7.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 109، المجلس 23، ح6.

لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، واللّه ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه»، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: «أيها الناس، إنّ الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، فحذوا من ممرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففي الدنيا حييتم - حبستم - وللآخرة خلقتم، وإنّما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إنّ العبد إذا مات قالت الملائكة: ما قدّم، وقال الناس: ما أخّر، فقدّموا فضلاً يكن لكم، ولا تؤخّروا كلاً يكن عليكم، فإنّ المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على الصراط بها مسلكه»(1).

وصيّة اللّه لموسى (عليه السلام)

وقال (عليه السلام) : «قال اللّه تبارك وتعالى لموسى (عليه السلام) : يا موسى، احفظ وصيّتي لك بأربعة أشياء: أولهن ما دمت لا ترى ذنوبك تغفر فلا تشتغل بعيوب غيرك، والثانية ما دمت لا ترى كنوزي قد نفدت فلا تغتمّ بسبب رزقك، والثالثة ما دمت لا ترى زوال ملكي فلا ترج أحداً غيري، والرابعة ما دمت لا ترى الشيطان ميتاً فلا تأمن مكره»(2).

ما هو الإسلام

وقال (عليه السلام) : «لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد

ص: 83


1- أمالي الشيخ الصدوق: 110، المجلس 23، ح8.
2- الخصال 1: 217، ح41.

بعدي، الإسلام: هو التسليم، والتسليم هو التصديق، والتصديق هو اليقين، واليقين هو الأداء، والأداء هو العمل، إنّ المؤمن أخذ دينه من ربّه ولم يأخذه عن رأيه، أيّها الناس دينكم دينكم تمسّكوا به، ولا يزيلنّكم ولا يردنّكم أحد عنه، لأنّ السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، لأنّ السيئة فيه تغفر والحسنة في غيره لاتقبل»(1).

والإخلاص على خطر

وقال (عليه السلام) : «الدنيا كلّها جهل إلا مواضع العلم، والعلم كلّه حجّة إلا ما عمل به، والعمل كلّه رياء إلا ما كان مُخلَصاً، والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له»(2).

كفى بك أدباً

وقال (عليه السلام) : «العلم وراثة كريمة، والآداب حلل حسان، والفكرة مرآة صافية، والاعتبار منذر ناصح، وكفى بك أدباً لنفسك تركك ما كرهته من غيرك»(3).

لا تلومنّ إلا نفسك

وقال (عليه السلام) : «من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن، ومن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وكل حديث جاوز اثنين فشا، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت

ص: 84


1- معاني الأخبار: 185-186، ح1.
2- التوحيد: 371، ح10.
3- أمالي الشيخ المفيد: 336، المجلس 39، ح7.

من أخيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً، وعليك بإخوان الصدق فكثر في اكتسابهم عدة عند الرخاء، وجنداً عند البلاء، وشاور حديثك الذين يخافون اللّه، وأحبب الأخوان على قدر التقوى»(1).

بين العالم والجاهل

وقال (عليه السلام) : «المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح، وركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل؛ لأنّ العالم تأتيه الفتنة فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل فينسفه نسفاً، وقليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة»(2).

من علامات المرائي

وقال (عليه السلام) : «للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا اثني عليه، وينقص إذا ذم»(3).

طلاقة الوجه

وقال (عليه السلام) : «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بطلاقة الوجه وحسن اللقاء، فإنّي سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم...»(4).

ص: 85


1- بحار الأنوار 75: 33، ح113.
2- الاختصاص: 245.
3- تنبيه الخواطر 1: 187.
4- أمالي الشيخ الصدوق: 446، المجلس 68، ح9.

ص: 86

الفصل الثالث: الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

اشارة

ص: 87

ص: 88

السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في سطور

الاسم: فاطمة (عليها السلام) .

ومن ألقابها (عليها السلام) : الصدّيقة، المباركة، الطاهرة، الزكية، الرضية، المرضية، المحدّثة، الزهراء(1)،

البتول، الحوراء، الحرّة، السيدة، العذراء، مريم الكبرى، الصدّيقة الكبرى، ويقال لها في السماء: النورية، السماوية، الحانية(2).

الكنية: أمّ أبيها، أمّ الحسنين، أمّ الحسن، أمّ الحسين، أمّ المحسن، أمّ الأئمة(3).

الأب: رسول اللّه محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) .

الأم: السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) .

زمان الولادة: 20/ جمادى الثانية/ 5 سنوات بعد البعثة(4).

مكان الولادة: مكة المكرّمة.

الزوج: الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .

ص: 89


1- أمالي الشيخ الصدوق: 592، المجلس 86، ح18.
2- المناقب 3: 357.
3- راجع المناقب 3: 357.
4- إعلام الورى: 147.

الأولاد: الحسن، الحسين، زينب، أمّ كلثوم، محسن السقط.

مدّة العمر: 18 سنة وسبعة أشهر(1).

زمان الاستشهاد: بعد وفاة الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) ب- 40 أو 72 أو 75 أو 90 يوماً، وقيل: أربعة أشهر(2).

مكان الاستشهاد: المدينة المنوّرة.

المدفن: المدينة المنوّرة، لكن لا يعلم أين موضع قبرها وذلك عملاً بوصيتها لتبقى ظلامتها(3).

قام بتغسيلها وتكفينها ودفنها: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

الولادة المباركة

عن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : كيف كان ولادة فاطمة (عليها السلام) ؟

فقال (عليه السلام) : «­نعم، إنّ خديجة لما تزوّج بها رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) هجرتها نسوة مكة، فكن لا يدخلن عليها ولا يسلّمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فلما حملت بفاطمة، كانت فاطمة (عليها السلام) تحدّثها من بطنها وتصبرها، وكانت تكتم ذلك من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فدخل رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يوماً فسمع خديجة تحدث

ص: 90


1- راجع إعلام الورى: 147.
2- راجع المناقب 3: 357.
3- قيل: إنها (عليها السلام) دفنت في بيتها، وقيل: قبرها بين قبر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ومنبره، راجع المناقب 3: 357.

فاطمة، فقال لها: يا خديجة من تحدّثين؟

قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني ويؤنسني.

قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني [يبشرني] أنّها أنثى وإنها النسلة الطاهرة الميمونة، وإنّ اللّه تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه»(1).

تفسير بعض ألقابها (عليها السلام)

عن يونس أنّه قال: «..قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أتدري أيّ شيء تفسير فاطمة؟» قلت: أخبرني يا سيدي، قال: «فطمت من الشر»(2).

وقد روت الخاصة والعامة بطرق معتبرة أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّما سُميت فاطمة فاطمة لأنّ اللّه عزّوجلّ فطم من أحبها من النار»(3).

وفي رواية أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) سُئل ما البتول؟ فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «البتول التي لم تر حمرة قط»(4).

قال العلّامة المجلسي (رحمه الله) : إنّ الصدّيقة بمعنى المعصومة.

والمباركة: بمعنى كونها ذات بركة في العالم والفضل والكمالات والمعجزات والأولاد.

والطاهرة: بمعنى طهارتها من صفات النقص.

ص: 91


1- أمالي الشيخ الصدوق: 593-594 المجلس 87، ح1.
2- علل الشرائع 1: 178، ح3.
3- معاني الأخبار: 64، ح14.
4- علل الشرائع 1: 181، ح1.

والزكية: بمعنى نموها في الكمالات والخيرات.

والراضية: بمعنى رضاها بقضاء اللّه تعالى.

والمرضيّة: بمعنى مقبوليتها عند اللّه تعالى.

والمحدّثة: بمعنى حديث الملائكة معها.

والزهراء: بمعنى نورانيتها ظاهراً وباطناً(1).

من فضائلها (عليها السلام)

في الحديث القدسي عن اللّه عزّوجلّ: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(2).

وعن الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «فاطمة بضعة منّي، من سرّها فقد سرّني، ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة أعزّ الناس عليّ»(3).

وعن عائشة أنّها قالت: ما رأيت من الناس أحداً أشبه كلاماً وحديثاً برسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه رحب بها، وقبّل يديها، وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبّلت يديه(4).

وعن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لو كان الحُسن هيئة لكانت فاطمة، بل هي أعظم، إنّ فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً»(5).

ص: 92


1- راجع بحار الأنوار 43: 10-19.
2- مجمع النورين: 14.
3- بحار الأنوار 43: 23، ح17.
4- الأمالي للطوسي: 400، المجلس 14، ح892.
5- مائة منقبة: 135، المنقبة 67.

وعن فاطمة الزهراء (عليها السلام) : «إنّ اللّه تعالى خلق نوري وكان يسبّح اللّه جلّ جلاله ثم أودعه شجرة من شجر الجنة فأضاءت»(1).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : «لولا أنّ أمير المؤمنين تزوّجها لما كان لها كفؤ إلى يوم القيامة على وجه الأرض، آدم فمن دونه»(2).

وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) : «لا يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمد أو أحمد أو علي أو الحسن أو الحسين.. أو فاطمة من النساء»(3).

وعن الإمام الحجة (عليه السلام) : «وفي ابنة رسول اللّه لي أسوة حسنة»(4) الحديث.

وقد استدل الفقهاء بهذه الأحاديث على أفضلية فاطمة الزهراء (عليها السلام) على جميع الخلق من الأنبياء والأولياء وغيرهم، عدا أبيها رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وبعلها أمير المؤمنين (عليه السلام) (5).

عبادتها (عليها السلام)

عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنه قال: «رأيت أمّي فاطمة (عليها السلام) قائمة في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت: يا أمّاه لم تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟، قالت: يا بني

ص: 93


1- بحار الأنوار 43: 8، ح11.
2- الخصال 2: 414، ح3.
3- الكافي 6: 19، ح8.
4- الغيبة للطوسي: 286.
5- راجع من فقه الزهراء (عليها السلام) للإمام الشيرازي، ج1 المقدمة.

الجار ثم الدار»(1).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لسلمان: «يا سلمان، ابنتي فاطمة ملأ اللّه قلبها وجوارحها إيماناً إلى مشاشها(2) تفرّغت لطاعة اللّه»(3) الحديث.

وقال الحسن البصري: إنّه ما كان في الدنيا أعبد من فاطمة (عليها السلام) كانت تقوم حتى تتورّم قدماها(4).

الأعمال البيتية

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «رأى النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فاطمة (عليها السلام) وعليها كساء من أجلة(5) الإبل، وهي تطحن بيديها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة.

فقالت: يا رسول اللّه، الحمد لله على نعمائه والشكر على آلائه، فأنزل اللّه: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}(6)»(7).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) : «إنّها (عليها السلام) كانت عندي... وأنّها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت(8) يداها، وكسحت

ص: 94


1- دلائل الإمامة: 152.
2- المشاشة: هي رؤوس العظام اللينة. راجع الصحاح (مشش) 3: 1019.
3- المناقب 3: 337.
4- بحار الأنوار 43: 76، ح62.
5- الجُل: واحد جلال، الدواب، وجمع الجلال أجلة. انظر الصحاح 4: 1658 (مادة جلل).
6- سورة الضحى: 5.
7- بحار الأنوار 43: 85-86، ح8.
8- مجلت يده: أي ثخن جلده وتعجّر وظهر فيه ما يثبه البثر من العمل بالأشياء الصلبة الخشتة. النهاية 4: 80.

البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد...»(1).

الحجاب كرامة المرأة

عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: «استأذن أعمى على فاطمة (عليها السلام) فحجبته، فقال لها النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : لم تحجبينه، وهو لا يراك؟

قالت (عليها السلام) : يا رسول اللّه إن لم يكن يراني فإنّي أراه وهو يشمّ الريح.

فقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : أشهد أنّك بضعة منّي»(2).

وقال (عليه السلام) : «سأل رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أصحابه: عن المرأة ما هي؟

قالوا: عورة.

قال: فمتى تكون أدنى من ربها؟

فلم يدروا.

فلما سمعت فاطمة ذلك، قالت: «أدنى ما تكون من ربّها أن تلزم قعر بيتها»، فقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّ فاطمة بضعة منّي»(3).

وقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لها: «أيّ شيء خير للمرأة؟».

قالت: «أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل»، فضمّها إليه وقال: «ذرّية بعضها من بعض»(4).

ص: 95


1- بحار الأنوار 43: 82، ح5.
2- دعائم الإسلام 2: 214، ح792.
3- راجع مستدرك الوسائل 14: 182، ح16450.
4- بحار الأنوار 43: 84، ح7.

تسبيح الزهراء (عليها السلام)

قد كثرت الأحاديث في فضل تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) وثوابه، ومنها ما جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «ما عبد اللّه بشيء أفضل من تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فاطمة، إنّ تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) في كل يوم دبر كل صلاة، أحب إليَّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم»(1).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «يا أبا هارون، إنّا لنأمر صبياننا بتسبيح فاطمة (عليها السلام) كما نأمرهم بالصلاة، فالزمه فإنّه ما لزمه عبد فشقي»(2).

أمّا كيفية تسبيح الزهراء (عليها السلام) أن تقول: أربعاً وثلاثين مرّة (اللّه أكبر)، وثلاثاً وثلاثين مرّة (الحمد لله)، وثلاثاً وثلاثين مرّة (سبحان اللّه)، فيكون المجموع مائة(3)، والدوام عليه يوجب السعادة ويبعد الإنسان عن الشقاء وسوء العاقبة كما ورد في بعض الروايات.

دعاء لرفع الحُمّى

روي عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها - خاطبت سلمان الفارسي (رحمه الله) - فقالت: «إنّ سرك أن لا يمسّك أذى الحُمّى ما عشت في دار الدنيا، فواظب عليه» أي الدعاء.

ثم قال سلمان: علِّميني هذا الحرز، فقالت:

ص: 96


1- غوالي اللآلي 1: 333، ح91.
2- أمالي الشيخ الصدوق: 579، المجلس 85، ح16.
3- الكافي 3: 342، ح9.

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، بسم اللّه النور، بسم اللّه نور النور، بسم اللّه نور على نور، بسم اللّه الذي هو مدبّر الأمور، بسم اللّه الذي خلق النور من النور، الحمد لله الذي خلق النور من النور، وأنزل النور على الطور، في كتاب مسطور، في رقّ منشور، بقدر مقدور، على نبيّ محبور، الحمد لله الذي هو بالعزّ مذكور، وبالفخر مشهور، وعلى السرّاء والضرّاء مشكور، وصلى اللّه على سيّدنا محمد وآله الطاهرين».

قال سلمان: فتعلمتهن فواللّه ولقد علمتهن أكثر من ألف نفس من أهل المدينة ومكة ممّن بهم علل الحُمّى فكل برئ من مرضه بإذن اللّه تعالى(1).

صلاة الاستغاثة بها (عليها السلام)

وقد روي أنه «إذا كانت لك حاجة إلى اللّه وضقت بها ذرعاً، فصلّ ركعتين، فإذا سلّمت كبّر ثلاثاً وسبّح تسبيح فاطمة (عليها السلام) ثم اسجد وقل مائة مرّة: (يا مولاتي فاطمة أغيثيني) ثم ضع خدّك الأيمن على الأرض وقل كذلك، ثم ضع خدّك الأيسر على الأرض وقل كذلك، ثم عد إلى السجود وقل كذلك مائة مرّة وعشر مرّات، واذكر حاجتك تُقضى»(2).

الحج والعمرة قبل النوم

روي عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها قالت: «دخل عليّ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وقد افترشت فراشي للنوم، فقال لي: يا فاطمة لا تنامي إلا وقد عملت أربعة، ختمت القرآن، وجعلت الأنبياء شفعاءك، وأرضيت المؤمنين عن نفسك،

ص: 97


1- مهج الدعوات: 7.
2- مستدرك الوسائل 6: 313، ح6891.

وحججت واعتمرت!...

فقلت: يا رسول اللّه أمرت بأربعة لا أقدر عليها في هذا الحال.

فتبسّم (صلی الله عليه وآله وسلم) وقال: إذا قرأت: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} ثلاث مرّات فكأنّك ختمت القرآن، وإذا صلّيت عليّ وعلى الأنبياء قبلي كنّا شفعائك يوم القيامة، وإذا استغفرت للمؤمنين رضوا كلّهم عنك، وإذا قلت: «سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر» فقد حججت واعتمرت(1).

شهادتها (عليها السلام)

شهادتها (عليها السلام) (2)

تُعد أكبر مصيبة في تاريخ الإسلام فقد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) والذي تلته شهادة الزهراء (عليها السلام) .

وقد كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يصف ابنته فاطمة (عليها السلام) بأنها بضعة منه (صلی الله عليه وآله وسلم) وأنّها أمّ أبيها، وقد قال (صلی الله عليه وآله وسلم) مراراً وكراراً: فداها أبوها... .

ولكن القوم لم يراعوا فيها حق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ولا حقها، حيث جرت على فاطمة الزهراء (عليها السلام) مصائب عظيمة وجليلة.

فقد هجم الثاني - بأمر الأول - مع مجموعة من الأوباش على دارها، وجمعوا حطباً، فأمر بحرق الدار ثم ضرب برجله الباب، ولما أحسّ بأنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) لاذت وراء الباب عصرها (عليها السلام) بين الحائط والباب حتى انكسر ضلعها وأسقطت جنينها الذي سمّاه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) مُحسناً، ولكزها

ص: 98


1- عوالم العلوم 11: 857، ح12.
2- راجع بحار الأنوار 43: 181 وما بعدها؛ روضة الواعظين 1: 150 وما بعدها؛ المناقب 3: 362 وما بعدها.

الملعون قنفذ بنعل السيف، وضربها بالسوط على عضدها حتى صار كمثل الدُملج، فمرضت (عليها السلام) مرضاً شديداً، ومكثت أربعين ليلة في مرضها، وقيل: 75 يوماً، وقيل: 90 يوماً، وهي تعاني من آلامها وتشكو إلى اللّه من ظلمها، ومن بعد ذلك توفّيت شهيدة مظلومة، وقد أوصت بأن يُخفى قبرها ولا يحضر جنازتها من ظلمها، وبذلك أثبتت ظلامتها وظلامة بعلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفضحت الظالمين والغاصبين للخلافة إلى يوم القيامة.

صُبّت عليّ مصائب لو أنّها***صبّت على الأيام صرن لياليا

ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله)

روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن ابن عباس، قال: إنّ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام) فلمّا رآه بكى (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ثم قال: «إليّ إليّ يا بنيّ»، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى.

ثم أقبل الحسين (عليه السلام) فلمّا رآه (صلی الله عليه وآله وسلم) بكى، ثم قال: «إليّ إليّ يا بنيّ»، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى.

ثم أقبلت فاطمة (عليها السلام) ، فلمّا رآها بكى (صلی الله عليه وآله وسلم) ثم قال: «إليّ إليّ يا بنية»، فأجلسها بين يديه.

ثم أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) فلمّا رآه بكى (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ثم قال: «إليّ إليّ يا أخي»، فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن.

فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، ما ترى واحداً من هؤلاء إلا بكيت، أو ما فيهم من تسرّ برؤيته؟.

ص: 99

فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «والذي بعثني بالنبوّة، واصطفاني على جميع البرّية، إني وإيّاهم لأكرم الخلق على اللّه عزّوجلّ، وما على وجه الأرض نسمة أحب إليّ منهم.

أمّا علي بن أبي طالب (عليه السلام) : فإنّه أخي وشقيقي، وصاحب الأمر بعدي، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو مولى كل مسلم، وإمام كل مؤمن، وقائد كل تقي، وهو وصيّي وخليفتي على أهلي وأمّتي في حياتي وبعد موتي، محبّه محبّي ومبغضه مبغضي، وبولايته صارت أمّتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة، وإنّي بكيت حين أقبل لأنّي ذكرت غدر الأمة به حتى أنه ليُزال عن مقعدي وقد جعله اللّه له بعدي، ثم لا يزال الأمر به حتى يُضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته... .

وأمّا ابنتي فاطمة: فإنّها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة منّي، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله ظهر نورها لملائكة السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول اللّه عزّوجلّ لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي، قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أُشهدكم أنّي قد آمنت شيعتها من النار.

وإنّي لما رأيتها ذكرتُ ما يصنع بها بعدي، كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها، وانتهكت حرمتها، وغُصبت حقّها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها وهي تنادي: يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث،

ص: 100

فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة، وتتذكر فراقي أخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة... .

فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدّم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك: اللّهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلّل من أذلّها، وخلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين» الحديث(1).

رواية سليم بن قيس

وروى سليم بن قيس الهلالي عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لابنته فاطمة (عليها السلام) : «... إنّك أول من يلحقني من أهل بيتي وأنت سيدة نساء أهل الجنة، وسترين بعدي ظلماً وغيظاً حتى تضربي ويكسر ضلع من أضلاعك، لعن اللّه قاتلك ولعن اللّه الآمر والراضي والمعين والمظاهر عليك وظالم بعلك وابنيك...»(2).

وقد أشار بعض علماء العامّة أيضاً إلى ظلامة الزهراء (عليها السلام) وما ورد عليها من المصائب:

يقول البلاذري وهو من علماء العامّة في كتابه (أنساب الأشراف)(3): «إنّ أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة، فتلقته

ص: 101


1- أمالي للشيخ الصدوق: 112-114، المجلس24، ح2.
2- كتاب سليم بن قيس 2: 907، ح61.
3- أنساب الأشراف 1: 586.

فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك مُحرقاً عليَّ بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك».

وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(1):

«جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم... ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى بايعوا أبا بكر».

وقال اليعقوبي في (تاريخه) (2): «وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار وخرج علي ومعه السيف، فلقيه... عمر فصرعه وكسر سيفه، ودخلوا الدار فخرجت فاطمة، فقالت: واللّه لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري ولأعجنّ إلى اللّه...».

وقال الطبري في (تاريخه)(3): «أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين، فقال: واللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة».

وذكر ابن عبد ربّه في (العقد الفريد)(4): «الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة، فأمّا علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبوبكر، عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت

ص: 102


1- شرح نهج البلاغة 6: 48.
2- تاريخ اليعقوبي 2: 126.
3- تاريخ الطبري 2: 443.
4- العقد الفريد 5: 13.

فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة، فقالت: يا ابن الخطاب، أجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة».

وقال ابن قتيبة الدينوري في كتابه (الإمامة والسياسة): «وإنّ أبابكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي (كرم اللّه وجهه)، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها.

فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة.

فقال: وإن.

فخرجوا فبايعوا إلا علياً، فإنّه زعم أنّه قال: «حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن».

فوقفت فاطمة (رضي اللّه عنها) على بابها، فقالت: «لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقّاً».

فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟

فقال أبوبكر لقنفذ وهو مولى له: أذهب فادع لي علياً.

قال: فذهب إلى علي، فقال له: «ما حاجتك؟»

فقال: يدعوك خليفة رسول اللّه.

فقال علي: «لسريع ما كذبتم على رسول اللّه».

فرجع فأبلغ الرسالة.

قال: فبكى أبو بكر طويلاً، فقال عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلّف عنك

ص: 103

بالبيعة.

فقال أبوبكر لقنفذ: عد إليه فقل له: خليفة رسول اللّه يدعوك لتبايع.

فجاءه قنفذ فأدّى ما أمر به، فرفع علي صوته، فقال: «سبحان اللّه لقد ادّعى ما ليس له».

فرجع قنفذ، فأبلغ الرسالة.

فبكى أبو بكر طويلاً، ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة، فدقّوا الباب، فلمّا سمعت (فاطمة) أصواتهم نادت بأعلى صوتها: «يا أبت يا رسول اللّه، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة».

فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا علياً، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع.

فقال: «إن أنا لم أفعل فمه»؟

قالوا: إذاً واللّه الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك.

فقال: «إذاً تقتلون عبد اللّه وأخا رسوله».

قال عمر: أمّا عبد اللّه فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لايتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟

فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه.

فلحق علي (عليه السلام) بقبر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يصيح ويبكي وينادي يا: {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}(1).

ص: 104


1- سورة الأعراف: 150.

فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة، فإنّا قد أغضبناها.

فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما.

فأتيا علياً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها، فلم ترد عليهما السلام.

فتكلّم أبو بكر، فقال: يا حبيبة رسول اللّه، واللّه إنّ قرابة رسول اللّه أحبّ إليّ من قرابتي، وإنك لأحب إليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول اللّه إلا أنّي سمعت أباك رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا نورّث، ما تركناه صدقة»!.

فقالت: «أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتفعلان به؟»

قالا: نعم.

فقالت: «نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟»

قالا: نعم سمعناه من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

قالت: «فإنّي أشهد اللّه وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه».

فقال أبو بكر: أنا عائذ باللّه تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبوبكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: «واللّه لأدعونّ عليك في كل صلاة أصلّيها»، ثم خرج باكياً، فاجتمع إليه الناس، فقال لهم:

ص: 105

يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي».(1)

الحديث

إلى غير ذلك ممّا هو كثير...

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

من وصاياها (عليها السلام)

ورد أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) لما نُعيت إليها نفسها دعت أمّ أيمن وأسماء بنت عميس ووجّهت خلف علي (عليه السلام) وأحضرته، فقالت: «يا ابن عم، أنه قد نُعيت إليَّ نفسي وإنّني لأرى ما بي لا أشك إلا أنّني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي».

قال لها علي (عليه السلام) : «أوصيني بما أحببت يا بنت رسول اللّه»، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت.

ثم قالت: «يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني؟».

فقال (عليه السلام) : «معاذ اللّه أنت أعلم باللّه وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من اللّه أن أوبخك غداً بمخالفتي، فقد عزّ عليّ بمفارقتك بفقدك، إلا أنه أمر لابد منه، واللّه جدّد عليّ مصيبة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وقد عظمت وفاتك وفقدك فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها، هذه واللّه مصيبة لا عزاء عنها، ورزية لا خلف لها».

ثم بكيا جميعاً ساعة، وأخذ علي (عليه السلام) رأسها وضمها إلى صدره، ثم قال:

ص: 106


1- الإمامة والسياسة 1: 30-31.

«أوصيني بما شئت فإنّك تجديني وفياً أمضي كل ما أمرتني به وأختار أمرك على أمري».

ثم قالت: «جزاك اللّه عنّي خير الجزاء يا ابن عم، أوصيك أولاً: أن تتزوّج بعدي بابنة أمامة فإنّها لولدي مثلي، فإنّ الرجال لابد لهم من النساء».

ثم قالت: «أوصيك يا ابن عم أن تتخذ لي نعشاً فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته».

فقال لها: ­«صفيه إليّ».

فوصفته، فاتخذه لها، فأول نعش عمل في الأرض ذاك.

ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقّي؛ فإنّهم أعدائي وأعداء رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وأن لا يصلّي عليّ أحد منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار...»(1).

وقد عمل بكامل وصيتها (عليها السلام) أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه).

في اللحظات الأخيرة

لما حضرتها (عليها السلام) الوفاة أمرت أسماء بنت عميس أن تأتيها بالماء، فتوضأت، وقيل: اغتسلت ودعت الطيب فتطيّبت به، ودعت ثياباً جدد فلبستها، وقالت لأسماء: «إنّ جبرئيل (عليه السلام) أتى النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسّمه أثلاثاً، ثلث لنفسه وثلث لعلي وثلث لي، وكان أربعين درهماً، فقالت: يا أسماء ائتيني ببقية حنوط والدي من موضع كذا

ص: 107


1- روضة الواعظين 1: 150-151.

وكذا، فضعيه عند رأسي، فوضعته، ثم تسجّت بثوبها وقالت: «انتظريني هنيهة، وثم ادعيني، فإن أجبتك وإلّا فاعلمي أنّي قد قدمت على أبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ».

فانتظرتها هنيهة، ثم نادتها... فلم تجبها... فنادت: يا بنت محمد المصطفى، يا بنت أكرم من حملته النساء، يا بنت خير من وطأ الحصى، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى، قال: فلم تجبها.. فكشفت الثوب عن وجهها، فإذا بها قد فارقت الدنيا [مظلومة شهيدة]، فوقعت عليها تقبّلها وهي تقول: فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام.

فبينا هي كذلك دخل الحسن والحسين (عليهما السلام) فقالا: «يا أسماء ما يُنيم أمّنا في هذه الساعة؟».

قالت: يا ابني رسول اللّه ليست أمكما نائمة قد فارقت الدنيا... .

فوقع عليها الحسن يقبّلها مرّة، ويقول: «يا أمّاه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني» قالت: وأقبل الحسين يقبّل رجلها ويقول: «يا أمّاه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن يتصدّع قلبي فأموت».

قالت لهما أسماء: يا ابني رسول اللّه انطلقا إلى أبيكما عليّ فأخبراه بموت أمّكما.

فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء، فابتدرهما جميع الصحابة، فقالوا: ما يبكيكما يا ابني رسول اللّه، لا أبكى اللّه أعينكما، لعلّكما نظرتما إلى موقف جدكما (صلی الله عليه وآله وسلم) فبكيتما شوقاً إليه؟

فقالا: «لا أو ليس قد ماتت أمنّا فاطمة (صلوات اللّه عليها).

قال: فوقع علي (عليه السلام) على وجهه يقول: «بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت

ص: 108

بك أتعزّى ففيم العزاء من بعدك؟»(1).

ولما توفيّت (عليها السلام) صاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول اللّه.

وأقبل الناس إلى علي (عليه السلام) وهو جالس والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما، وخرجت أمّ كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجلّلة برداء عليها تسحبها وهي تقول: يا أبتاه يا رسول اللّه الآن حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده أبداً.

عند ما هدأت العيون

واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون أن تخرج الجنازة فيصلّون عليها، وخرج أبو ذر، فقال: انصرفوا فإنّ ابنة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) قد أخّر إخراجها في هذه العشية، فقام الناس وانصرفوا... .

فلما أن هدأت العيون ومضى من الليل، أخرجها علي والحسن والحسين (عليهم السلام) وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبوذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه، صلّوا عليها ودفنوها(2).

وروي: ولما صار بها إلى القبر المبارك خرجت يد تشبه يد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فتناولها(3).

ص: 109


1- بحار الأنوار 43: 186-187، ح18.
2- روضة الواعظين 1: 151-152.
3- راجع المناقب 3: 365.

نعم دفنت فاطمة الزهراء (عليها السلام) في جوف الليل وسوىّ علي (عليه السلام) أربعين قبراً حتى لا يعرف قبرها، وذلك عملاً بوصيتها (عليها السلام) ليكون حجة لمن أراد أن يعرف الحق إلى يوم القيامة(1).

مناجاة مع الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)

ولما دفنها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في تلك الليلة نفض يده من تراب القبر فهاج به الحزن فأرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: «السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك وقرّة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك، قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري، وضعُف عن سيدة النساء تجلّدي، إلّا أنّ في التأسّي لي بسنتك والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع التعزّي، ولقد وسدتك في ملحود قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري وغمّضتك بيدي وتوليت أمرك بنفسي.

نعم، وفي كتاب اللّه أنعم القبول {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ}(2)، قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول اللّه، أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد، لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار اللّه لي دارك التي فيها أنت مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرّق اللّه بيننا والى اللّه أشكو. وستنبئك ابنتك بتظاهر أمّتك عليّ وعلى هضمها حقّها فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها، لم

ص: 110


1- راجع بحار الأنوار 29: 390 ، و 43: 171، ح11.
2- سورة البقرة: 156.

تجد إلى بثه سبيلاً وستقول ويحكم اللّه وهو خير الحاكمين.

سلام عليك يا رسول اللّه، سلام مودع لاسئم ولا قال، فإن انصرف فلا عن ملالة وإن أُقم فلا عن سوء ظنّي بما وعد اللّه الصابرين، الصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتلبّث عنده معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية، فبعين اللّه تدفن بنتك سراً، ويهتضم حقّها قهراً، ويمنع إرثها جهراً، ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر، فإلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات اللّه عليها وعليك ورحمة اللّه وبركاته»(1).

علي (عليه السلام) يرثيها

وأنشأ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعد وفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هذه الأبيات:

أرى علل الدنيا علي كثيرة***وصاحبها حتى الممات عليل

***

لكل اجتماع من خليلين فرقة***وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد***دليل على أن لا يدوم خليل(2)

وأنشأ (عليه السلام) أيضاً:

نفسي على زفراتها محبوسة***يا ليتها خرجت مع الزفرات

ص: 111


1- بحار الأنوار 43: 210-212، ح40.
2- شرح الأخبار 3: 71.

لا خير بعدك في الحياة وإنّما***أبكي مخافة أن تطول حياتي(1)

درر من كلماتها (عليها السلام)

نحن الوسيلة

قالت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) : «واحمدوا الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السماوات والأرض إليه الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه، ونحن خاصته ومحل قدسه، ونحن حجّته في غيبه ونحن ورثة أنبيائه»(2).

خالص العبادة

وقالت (عليها السلام) : «من أصعد إلى اللّه خالص عبادته أهبط اللّه عزّوجلّ له أفضل مصلحته»(3).

أكرموا النساء

وقالت (عليها السلام) : «خياركم ألينكم مناكب وأكرمهم لنسائهم»(4).

وفي نصرة الحق

وعن أبي محمد (عليه السلام) قال: «قالت فاطمة (عليها السلام) وقد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شيء من أمر الدين، إحداهما معاندة والأخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحاً شديداً، فقالت فاطمة (عليها السلام) : إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشد من فرحك، وإنّ حزن

ص: 112


1- بحار الأنوار 43: 213، ح44.
2- شرح نهج البلاغة 16: 211.
3- تنبيه الخواطر 2: 108.
4- دلائل الإمامة: 76.

الشيطان ومردته بحزنها عنك أشد من حزنها، وإنّ اللّه عزّوجلّ قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها، واجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معانداً مثل ألف ألف ما كان معداً له من الجنان»(1).

البشر في وجه المؤمن

وقالت (عليها السلام) : «البشر في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنة، والبشر في وجه المعاند المعادي يقي صاحبه عذاب النار»(2).

أبوا هذه الأمة

وقالت (عليها السلام) : «أبوا هذه الأمة محمد وعلي، يقيمان أودهم، وينقذانهم من العذاب الدائم إن أطاعوهما، ويبيحانهم النعيم الدائم إن وافقوهما»(3).

من شروط قبول الصيام

وقالت (عليها السلام) : «ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه»(4).

لا عذر بعد يوم الغدير

ولما مُنعت (عليها السلام) من فدك وخاطبت القوم...، قالوا لها: يا بنت محمد، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ما عدلنا بعلي أحداً، فقالت (عليها السلام) :

ص: 113


1- الاحتجاج: 18.
2- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 354، ح243.
3- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 330، ح191.
4- دعائم الإسلام 1: 268.

«وهل ترك أبي يوم غدير خم لأحد عذراً»(1).

من هو الشيعي؟

وقال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فسليها عني أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟

فسألتها، فقالت (عليها السلام) : «قولي له: إن كنت تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه، فأنت من شيعتنا وإلا فلا».

فرجعت فأخبرته فقال: يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا؟ فأنا إذاً خالد في النار، فإنّ من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار.

فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال لها زوجها.

فقالت فاطمة (عليها السلام) : «قولي له: ليس هكذا، [فإن] شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبّينا وموالي أوليائنا ومعادي أعدائنا والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعدما يطهّرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا، أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا»(2).

تعليم المسائل الشرعية

وعن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال: «وحضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ، فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر

ص: 114


1- بحار الأنوار 30: 124، ح2.
2- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 308، ح152.

صلاتها شيء وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة (عليها السلام) عن ذلك.

ثم ثنت، فأجابت، ثم ثلثت فأجابت إلى أن عشرت، فأجابت ثم خجلت من الكثرة، فقالت: لا أشق عليك يا بنت رسول اللّه.

قالت فاطمة (عليها السلام) : هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكرائه مائة ألف دينار أيثقل عليه؟

فقالت: لا.

فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من مليء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليّ»(1).

إلى غيرها من الروايات والخطب الواردة عن فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها)، وعلى رأسها خطبتها العظيمة في المسجد النبوي الشريف التي احتجت فيها على القوم، فطالبت بحق زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) في خلافة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وحقّها في فدك، وأتمت الحجّة على الجميع.

ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة كتاب «من فقه الزهراء (عليها السلام) » للإمام الشيرازي (قدس سره) و«العوالم ومستدركاتها» للبحراني (رحمه الله) المجلّد الخاص بفاطمة الزهراء (عليها السلام) ، وكتاب «الاحتجاج» للطبرسي (رحمه الله) وكتاب «سليم بن قيس الهلالي» وغيرها.

ص: 115


1- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 340، ح216.

ص: 116

الفصل الرابع: الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)

اشارة

ص: 117

ص: 118

الإمام الحسن (عليه السلام) في سطور

الاسم: الحسن (عليه السلام) .

الأب: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

الأم: السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

الكنية: أبو محمد وأبو القاسم(1).

الألقاب: السيد، السبط، الأمير، الحجّة، البر، التقي، الأثير، السبط الأول، الزكي، المجتبى، الزاهد، و...(2).

بعض أوصافه (عليه السلام) : كان أبيض مشرباً بحمرة، أدعج العينين(3)، سهل الخدّين، دقيق المسربة(4)، كثّ اللحية، ذا وفرة، كأنّ عنقه إبريق فضة، عظيم الكراديس(5)، بعيد ما بين المنكبين، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير،

ص: 119


1- المناقب 4: 29.
2- انظر المناقب 4: 29.
3- الدعج والدعجة: السواد، وقيل: شدّة السواد، وقيل: الدعج شدّة سواد العين وشدّة بياض بياضها، وقيل: شدة سوادها مع سعتها. انظر لسان العرب 2: 271 مادة (دعج).
4- المسربة، بضم الراء: الشعر المستدق النابت وسط الصدر إلى البطن، وفي الصحاح: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر السرة، وقال سيبويه: ليست المسربة على المكان ولا المصدر وإنما هي اسم للشعر. لسان العرب 1: 465 مادة (سرب).
5- الكُرْدوس: فِقْرة من فِقَر الكاهل. وكل عظم تام ضخم فهو كردوس، وكل عظم كثير اللحم عظمت نحضته كردوس، وقالوا: الكراديس رؤوس العظام واحدها كردوس، وكل عظمين التقيا في مَفصِل فهو كردوس. انظر لسان العرب 6: 195 مادة (كردس).

من أحسن الناس وجهاً، وكان يخضب بالسواد، وكان جعد الشعر حسن البدن(1).

تاريخ الولادة: ليلة الثلاثاء، ليلة النصف من شهر رمضان المبارك، السنة الثالثة من الهجرة النبوية الشريفة(2).

مكان الولادة: المدينة المنورة.

مدة العمر: 47 عاماً.

تاريخ الشهادة: 7 صفر، عام 50 للهجرة، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة سبع وأربعين للهجرة(3).

مكان الشهادة: المدينة المنورة.

القاتل: جعدة بنت الأشعث بن قيس، وقيل: جون بنت الأشعث(4)، بأمر من معاوية.

وسيلة القتل: السم الذي أرسله معاوية بعد أن كان قد ضمن لجعدة مبلغ مائة ألف درهم وأن يزوّجها يزيد ابنه(5).

المدفن: البقيع الغرقد في المدينة المنورة.

نقش خاتمه: العزّة لله(6).

ص: 120


1- ذخائر العقبى: 127-128.
2- إعلام الورى: 205.
3- انظر بحار الأنوار 44: 149، ح18.
4- راجع بحار الأنوار 44: 149، ح18.
5- العدد القوية: 351.
6- الكافي 6: 474، ح8.

التسمية المباركة

عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «لما ولدت فاطمة (عليها السلام) الحسن (عليه السلام) قالت لعلي (عليه السلام) : سمّه. فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فجاء رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ... ثم قال لعلي (عليه السلام) : هل سمّيته؟

فقال: ما كنت لأسبقك باسمه.

فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : وما كنت لأسبق باسمه ربّي عزّوجلّ.

فأوحى اللّه تبارك وتعالى إلى جبرئيل: أنه قد ولد لمحمد ابن، فاهبط، فاقرأه السلام وهنّه وقل له: إنّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون.

فهبط جبرئيل (عليه السلام) فهنّأه من اللّه تعالى ثم قال: إنّ اللّه جلّ جلاله يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون.

قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : وما كان اسمه؟

قال: شبّر.

قال: لساني عربي.

قال: سمّه الحسن، فسمّاه الحسن»(1).

وعن عمران بن سلمان وعمرو بن ثابت قالا: الحسن والحسين اسمان من أسامي أهل الجنة ولم يكونا في الدنيا(2).

ص: 121


1- علل الشرائع 1: 137، ح5.
2- المناقب 3: 398.

الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) يذكر فضائله (صلی الله عليه وآله وسلم)

عن البراء بن عازب، قال: رأيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) والحسن (عليه السلام) على عاتقه وهو يقول: «اللّهم إنّي أحبّه فأحبّه»(1).

وعن عائشة: أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) كان يأخذ حسناً فيضمّه إليه ثم يقول: «اللّهم، إنّ هذا ابني وأنا أحبّه فأحبّه وأحبّ من يحبّه»(2).

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»(3).

وعن أبي ذر الغفاري (رضوان اللّه عليه) قال: رأيت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقبّل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهو يقول: «من أحبّ الحسن والحسين وذريتهما مخلصاً، لم تلفح النار وجهه ولو كانت ذنوبه بعدد رمل عالج(4)، إلا أن يكون ذنبه ذنباً يخرجه من الإيمان»(5).

وعن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: «من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني»(6).

وعن حذيفة بن اليمان، قال: بينا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في جبل - إلى قوله - : إذ أقبل الحسن بن علي (عليهما السلام) يمشي على هدوء ووقار، فنظر إليه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) -

ص: 122


1- صحيح البخاري 4: 217.
2- كنز العمال 13: 652، ح37653.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 33، ح56.
4- عالج: موضع بالبادية بها رمل، وهو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض. لسان العرب، مادة علج.
5- كامل الزيارات: 51، ح4.
6- كشف الغمة 1: 527.

إلى قوله - فقال (عليه السلام) : «إنّ جبرئيل يهديه وميكائيل يسدّده وهو ولدي والطاهر من نفسي، وضلع من أضلاعي، هذا سبطي وقرّة عيني، بأبي هو» وقام رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وقمنا معه وهو يقول له: «أنت تفاحتي وأنت حبيبي ومهجة قلبي»، وأخذ بيده فمشى معه ونحن نمشي حتى جلس وجلسنا حوله، فنظر إلى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو لا يرفع بصره عنه، ثم قال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إنّه سيكون بعدي هادياً مهدياً، هذا هديّة من رب العالمين لي ينبئ عنّي، ويعرِّف الناس آثاري، ويحيي سنّتي، ويتولّى أموري في فعله، ينظر اللّه إليه فيرحمه، رحم اللّه من عرف له ذلك، وبرَّني فيه وأكرمني فيه»(1).

وروي عن أبي هريرة أنه قال: رأيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) يمص لعاب الحسن والحسين كما يمصّ الرجل التمرة(2).

وعن عبد اللّه بن شيبة عن أبيه أنه: دعي النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) إلى صلاة والحسن متعلّق به فوضعه النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) مقابل جنبه وصلّى، فلما سجد أطال السجود، فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فلما سلّم قال له القوم: يا رسول اللّه لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها كأنّما يوحى إليك؟ فقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «لم يوح إليّ ولكن ابني كان على كتفي فكرهت أن أعجله حتى نزل» أو في رواية: «إن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته»(3).

ص: 123


1- العدد القوية: 42-43.
2- المناقب 3: 385.
3- المناقب 4: 24.

وقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «إن الحسن والحسين شنّفا(1) العرش، وإن الجنة قالت: يا رب أسكنتني الضعفاء والمساكين، فقال اللّه لها: ألا ترضين أني زينت أركانك بالحسن والحسين؟ قال: فماست كما تميس العروس فرحاً»(2).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «حدّثني أبي عن أبيه (عليهما السلام) : إنّ الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره، شهق شهقة يُغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّوجلّ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل اللّه الجنة ويعوذ به من النار، وكان (عليه السلام) لا يقرأ من كتاب اللّه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} إلا قال: لبيك اللّهم لبيك، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكراً لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة وأفصحهم منطقاً»(3).

وحج خمساً وعشرين حجّة ماشياً وقاسم اللّه تعالى ماله مرّتين وفي خبر: قاسم ربّه ثلاث مرات(4).

وجاء في روضة الواعظين عن الفتّال: أنّ الحسن بن علي (عليه السلام) كان إذا

ص: 124


1- الشنف: قرط يلبس في أعلی الأذن. الصحاح (شنف).
2- الإرشاد 2: 127.
3- الأمالي للشيخ الصدوق (رحمه الله) : 178-179، المجلس 33، ح8.
4- المناقب 4: 14.

توضّأ ارتعدت مفاصله واصفرّ لونه، فقيل له في ذلك، فقال: «حقّ على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفرّ لونه وترتعد مفاصله». وكان (عليه السلام) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: «إلهي، ضيفك ببابك، يا محسن، قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم»(1).

في كرمه (عليه السلام)

جاء بعض الأعراب إلى الإمام الحسن (عليه السلام) ، فقال (عليه السلام) : «أعطوه ما في الخزانة» فوجد فيها عشرون ألف دينار، فدفعها إلى الأعرابي، فقال الأعرابي: يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنثر مدحتي؟

فأنشأ الحسن (عليه السلام) :

نحن أُناس نوالنا خضل***يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا***خوفاً على ماء وجه من يسل

لو علم البحر فضل نائلنا***لغاض من بعد فيضه خجل(2)

وروي: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) سمع رجلاً يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف الحسن (عليه السلام) إلى منزله فبعث بها إليه(3).

وجاءه (عليه السلام) رجل يشكو إليه حاله وفقره وقلّة ذات يده بعد أن كان مشرباً، فقال (عليه السلام) له: «يا هذا حق سؤالك يعظم لديّ، ومعرفتي بما يجب لك يكبر لديّ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات اللّه عزّوجلّ قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت عنّي

ص: 125


1- المناقب 4: 14.
2- بحار الأنوار 43: 341، ح14.
3- مستدرك الوسائل 7: 269-270، ح8209.

مؤونة الاحتفال والاهتمام بما أتكلّفه من واجبك فعلت».

فقال: يا ابن رسول اللّه، أقبل القليل وأشكر العطية واعذر على المنع.

فدعا الحسن (عليه السلام) بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها، وقال: «هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم» فأحضر خمسين ألفاً.

قال: «فما فعل الخمسمائة دينار؟».

قال: هي عندي.

قال: «أحضرها».

فأحضرها فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل، وقال: «هات من يحملها لك»، فأتاه بحمَّالين، فدفع الحسن (عليه السلام) إليه رداءه لكِرى الحمَّالين، فقال مواليه: واللّه ما بقي عندنا درهم، فقال (عليه السلام) : «لكنّي أرجو أن يكون لي عند اللّه أجر عظيم»(1).

التواضع شيمة العظماء

مرّ الإمام الحسن (عليه السلام) على فقراء وقد وضعوا كسيرات على الأرض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلمّ يا ابن بنت رسول اللّه إلى الغداء.

فنزل وقال: «إنّ اللّه لا يحب المستكبرين» وجعل يأكل معهم حتى اكتفوا، والزاد على حاله ببركته (عليه السلام) ثم دعاهم إلى ضيافته وأطعمهم وكساهم(2).

من حقوق الحيوان

عن نجيح قال: رأيت الحسن بن علي (عليه السلام) يأكل وبين يديه كلب، كلما

ص: 126


1- مستدرك الوسائل 7: 270، ح8210.
2- بحار الأنوار 43: 351-352، ح28.

أكل لقمة طرح للكلب مثلها، فقلت له: يا ابن رسول اللّه ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟

قال: «دعه، إنّي لأستحيي من اللّه عزّوجلّ أن يكون ذو روح ينظر في وجهي وأنا آكل ثم لا أطعمه»(1).

حسن الخلق

وروي أنّ غلاماً له (عليه السلام) جنى جناية توجب العقاب فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي {وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ}(2).

قال: «خلّوا عنه».

فقال: يا مولاي {وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}(3).

قال: «عفوت عنك».

قال: يا مولاي {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}(4).

قال (عليه السلام) : «أنت حرّ لوجه اللّه ولك ضعف ما كنت أعطيك»(5).

اللّه أعلم حيث يجعل رسالته

روي: أن شامياً رأى الإمام الحسن (عليه السلام) راكباً، فجعل يلعنه والحسن (عليه السلام) لايرد، فلما فرغ أقبل الحسن (عليه السلام) فسلم عليه وضحك، فقال: «أيّها الشيخ

ص: 127


1- بحار الأنوار 43: 352، ح29.
2- سورة آل عمران: 134.
3- سورة آل عمران: 134.
4- سورة آل عمران: 134.
5- راجع بحار الأنوار 43: 352، ح29.

أظنك غريباً ولعلك شبّهت، فلو استعتبتنا اعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حرّكت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كبيراً».

فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}(1)، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق اللّه إليّ، والآن أنت أحبّ خلق اللّه إليّ، وحوّل رحله إليه وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم(2).

في عظمته (عليه السلام)

عن محمد بن إسحاق، قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ما بلغ الحسن (عليه السلام) ، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما مرّ أحد من خلق اللّه إجلالاً له، فإذا علم قام ودخل بيته فمرّ الناس، ولقد رأيته في طريق مكة ماشياً فما من خلق اللّه أحد رآه إلا نزل ومشى(3).

وعن أنس، قال: لم يكن منهم أحد أشبه برسول اللّه من الحسن بن علي(4).

ص: 128


1- سورة الأنعام: 124.
2- المناقب 4: 19.
3- المناقب 4: 7.
4- كشف الغمة 1: 522.

وقيل له: فيك عظمة قال: «لا بل فيّ عزّة، قال اللّه تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}(1)»(2).

صلحه (عليه السلام) مع معاوية

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(3).

إنّ من أهم القضايا السياسية في تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) صلحه مع معاوية ابن أبي سفيان.

فإنّ صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كان بأمر من اللّه ورسوله (صلی الله عليه وآله وسلم) وكان مطابقاً للحكمة والسياسة الرشيدة، وفي صالح المسلمين والمؤمنين تماماً(4)،

مضافاً إلى أنّ الإمام (عليه السلام) استطاع بذلك أن يفضح معاوية لجميع الناس ويسلب الشرعية منه، ولولا صلح الإمام الحسن (عليه السلام) لاندرست معالم الدين وقواعده ولما تمكن الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته المباركة... .

فبعدما حارب الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية... أخذ معاوية يخدع جيش الإمام بالمال ويشتري أنصار الإمام (عليه السلام) واحداً بعد واحد وفوجاً بعد فوج، ثم طرح على الإمام (عليه السلام) الصلح وأراد أن يصوّر للناس أنّ الإمام يطلب الرئاسة الدنيوية ولا يهتم بإراقة دماء المسلمين.

ص: 129


1- سورة المنافقون: 8.
2- كشف الغمة 1: 574، ذكر الإمام الثاني أبي محمد الحسن التقي (عليه السلام) التاسع في كلامه (عليه السلام) ومواعظه.
3- علل الشرائع 1: 211، ح2؛ وانظر غوالي اللآلي 4: 93، ح130.
4- راجع الإرشاد 2: 10.

فرأى الإمام (عليه السلام) أن استمرار القتال يوجب إضعافاً لجبهته (وهي جبهة الحق) وانتصاراً لجبهة الباطل (وهي جبهة معاوية) كما يوجب القضاء على ذرّية الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) بأجمعهم من دون جدوى ومن دون أن ينفضح بذلك معاوية، فيكون ذلك تقوية لبني أمية وسبباً للعبهم بالإسلام والمسلمين.

فلم يكن استمرار الحرب موجباً لفضح معاوية وإنّما الذي يفضحه كان هو الصلح المشروط، وذلك لأنّ معاوية سيخالف جميع بنود الصلح على رغم توقيعه عليها، وسيعرف المسلمون غدره وخيانته وعدم أهليّته للخلافة... فلكل ذلك ولحقن دماء الأبرياء ولفضح معاوية وسلب الشرعية عنه، قبل الإمام (عليه السلام) بالصلح المشروط.

وممّا يدل على هذا الكلام: أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) عاش إماماً بعد أخيه الحسن (عليه السلام) في عهد معاوية طيلة عشرة سنوات ولم يقم بثورته المباركة، ولكن بعد ما جاء يزيد وكان متجاهراً بالفسق والفجور، قام الإمام الحسين (عليه السلام) بتلك النهضة المباركة وقتل فيها شهيداً ليحيي دين جده رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بدمه الطاهر.

نعم قد خالف معاوية تلك الشروط التي كانت في معاهدة الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام) ، وكفى بمخالفته وزراً عليه... فعرف التاريخ كذب معاوية ومكره ولعبه بدين اللّه وبالمسلمين، وقد قال معاوية: إنّي واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ولالتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون(1).

ص: 130


1- الإرشاد 2: 14.

قال الطبرسي (رحمه الله) في كتابه الاحتجاج، عن زيد بن وهب الجهني، قال: لما طُعن الحسن بن علي (عليه السلام) بالمدائن أتيته وهو متوجّع، فقلت: ما ترى يا ابن رسول اللّه فإن الناس متحيّرون؟ فقال: - مشيراً إلى أصحابه الذين تركوه وخالفوه - «ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي، واللّه لئن آخذ من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي، خير من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي!، واللّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلماً، واللّه لئن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمنّ عليّ، فيكون سنة(1) على بني هاشم آخر الدهر، ولمعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحيّ منّا والميت»(2).

وفي تحف العقول عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «اعلم أنّ الحسن بن علي (عليه السلام) لمّا طُعن واختلف الناس عليه سلّم الأمر لمعاوية فسلّمت عليه الشيعة: (عليك السلام يا مذلّ المؤمنين)!، فقال (عليه السلام) : ما أنا بمذلّ المؤمنين ولكنّي معزّ المؤمنين، إنّي لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلّمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها»(3).

شهادته (عليه السلام) المؤلمة

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «قال الحسن (عليه السلام) لأهل بيته إنّي أموت بالسم، كما مات رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

ص: 131


1- في بحار الأنوار: «فتكون سبة على بني هاشم» 44: 20، ح4.
2- الاحتجاج 2: 290.
3- تحف العقول: 308.

فقالوا: ومن يفعل ذلك؟

قال: امرأتي جعدة بنت الأشعث بن قيس، فإنّ معاوية يدسّ إليها ويأمرها بذلك.

قالوا: أخرجها من منزلك وباعدها من نفسك.

قال: كيف أخرجها ولم تفعل بعد شيئاً ولو أخرجتها ما قتلني غيرها، وكان لها عذر عند الناس.

فما ذهبت الأيام حتى بعث إليها معاوية مالاً جسيماً، وجعل يمنّيها بأن يعطيها مائة ألف درهم أيضاً، ويزوّجها من يزيد، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الحسن (عليه السلام) ، فانصرف (عليه السلام) إلى منزله وهو صائم، فأخرجت له وقت الإفطار وكان يوماً حاراً شربة لبن وقد ألقت فيها ذلك السم، فشربها وقال: يا عدوة اللّه قتلتيني، قتلك اللّه، واللّه لا تصيبين منّي خلفاً ولقد غرّك وسخر منك، واللّه يخزيك ويخزيه»(1).

فاسترجع الإمام (عليه السلام) وحمد اللّه على نقله له من هذه الدنيا إلى تلك الدنيا الباقية ولقائه جده وأبيه وعميه حمزة وجعفر (عليهم السلام) فمكث (عليه السلام) يومين ثم مضى.

هول المطلع

قال الإمام الحسين (عليه السلام) : «لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوفاة بكى، فقيل له: يا ابن رسول اللّه أتبكي ومكانك من رسول اللّه الذي أنت به، وقد قال فيك رسول اللّه ما قال، وقد حججت عشرين حجة ماشياً، وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات، حتى النعل والنعل؟

ص: 132


1- الخرائج والجرائح 1: 241-242.

فقال (عليه السلام) : إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبة»(1).

موعظة أخيرة

عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي توفّي فيه وبين يديه طست يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه اللّه، فقلت: يا مولاي، مالك لا تعالج نفسك؟

فقال: «يا عبد اللّه بماذا أعالج الموت؟»

قلت: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ}(2).

ثم التفت إليّ فقال: «واللّه، لقد عهد إلينا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة، ما منّا إلا مسموم أو مقتول»، ثم رفعت الطست وبكى (صلوات اللّه عليه).

قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول اللّه.

قال: «نعم، استعدّ لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئاً فوق قوتك إلا كنت فيه خازناً لغيرك، واعلم أنّ في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وفي الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك، فإن كان ذلك حلالاً كنت قد زهدت فيها، وإن كان حراماً لم يكن فيه وزر فأخذت

ص: 133


1- الأمالي للشيخ الصدوق: 222، المجلس 39، ح9.
2- سورة البقرة: 156.

كما أخذت من الميتة، وإن كان العتاب فإنّ العتاب يسير، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزّاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان فاخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عزّ طاعة اللّه عزّوجلّ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإذا أردت منه معونة أعانك، وإن قلت صدَّق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك بفضل مدَّها، وإن بدت عنك ثلمة سدها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتدأك، وإن نزلت إحدى الملمّات به ساءك، من لا تأتيك منه البوائق(1)، ولا يختلف عليك منه الطرائق، ولا يخذلك عند الحقائق، وإن تنازعتما منقسماً آثرك».

قال: ثم انقطع نفسه، واصفرّ لونه حتى خشيت عليه، ودخل الحسين (صلوات اللّه عليه) والأسود بن أبي الأسود، فانكب عليه حتى قبّل رأسه وبين عينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعاً.

فقال أبو الأسود: إنّا لله، إنّ الحسن قد نُعيت إليه نفسه، وقد أوصى إلى الحسين (عليه السلام) (2).

الوصية الخالدة

عن ابن عباس، قال: دخل الحسين بن علي (عليه السلام) على أخيه الحسن بن علي (عليه السلام) في مرضه الذي توفّي فيه، فقال له: «كيف تجدك يا أخي؟».

ص: 134


1- البوائق: جمع بائقة وهي الداهية والشر الشديد. المصباح المنير: 66.
2- بحار الأنوار 44: 138-140، ح6.

قال: ­«أجدني في أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، وأعلم أنّي لا أسبق أجلي...» ثم أمره (عليه السلام) بكتابة الوصية، فقال: «اُكتب هذا:

هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي: أوصى أنّه يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنه يعبده حقّ عبادته لا شريك له في الملك، ولا ولي له من الذلّ، وأنه {خَلَقَ كُلَّ شَيْءٖ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}(1)،

وأنه أولى من عبد وأحق من حمد، من أطاعه رشد، ومن عصاه غوى، ومن تاب إليه اهتدى، فإنّي أوصيك يا حسين بمن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك: أن تصفح عن مسيئهم وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفاً ووالداً، وأن تدفنني مع جدّي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فإنّي أحق به وببيته ممّن أدخل بيته بغير إذنه ولا كتاب جاءهم من بعده، قال اللّه تعالى فيما أنزله على نبيّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في كتابه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ}(2) فواللّه ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده، فإن أبت عليك الإمرأة فأنشدك اللّه بالقرابة التي قرب اللّه عزّوجلّ منك، والرحم الماسّة من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، أن لا تهريق فيَّ محجمة من دم حتى نلقى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده»(3).

ثم قُبض (عليه السلام) ، فغسّله الإمام الحسين (عليه السلام) .

ص: 135


1- سورة الفرقان: 2.
2- سورة الأحزاب: 53.
3- الأمالي للطوسي: 158-160، المجلس 6، ح267.

ثم لما أراد أن يدفنه مع رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، حال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان وغيرهم، ورموا جثمان الإمام (عليه السلام) بالسهام حتى أخرج من جنازته سبعون سهماً، فأراد بنو هاشم المجادلة، فقال الإمام الحسين: «اللّه اللّه لا تضيّعوا وصية أخي واعدلوا به إلى البقيع؛ فإنّه أقسم عليَّ إن أنا منعت من دفنه مع جده (صلی الله عليه وآله وسلم) أن لا أخاصم فيه أحداً، وأن أدفنه بالبقيع مع أمّه (عليها السلام) » فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها (عليها السلام) . وقبره (عليه السلام) جنب جدته فاطمة بنت أسد (عليها السلام) (1)، حيث مزاره الآن، وقد هدمه أعداء الإسلام، نسأل اللّه أن يوفّق المسلمين لإعادة بناء تلك الأضرحة المباركة في البقيع الغرقد.

الإمام الحسين (عليه السلام) يرثي أخاه

ولما وضعوه في لحده أنشد الإمام الحسين (عليه السلام) :

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي محاسني***ورأسك معفور وأنت سليب

أو أستمتع الدنيا لشيء أحبّه***ألا كل ما أدنى إليك حبيب

فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة***عليك وما هبت صبا وجنوب

وما هملت عيني من الدمع قطرة***وما أخضر في دوح الحجاز قضيب

بكائي طويل والدموع غزيرة***وأنت بعيد والمزار قريب(2)

وقال (عليه السلام) :

إن لم أمت أسفاً عليك فقد***أصبحت مشتاقاً إلى الموت(3)

ص: 136


1- انظر بحار الأنوار 44: 141، ح7، و ص157، ح25؛ وراجع الإرشاد 2: 19.
2- المناقب 4: 45.
3- المناقب 4: 45.

في فضل زيارته (عليه السلام) والبكاء عليه

كان قبر الإمام الحسن (عليه السلام) في البقيع الغرقد مزاراً للمسلمين والمؤمنين أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، إلى أن جاء الوهابيون فهدموا تلك القبور الطاهرة، في 8 شوال عام 1344ه(1).

قل للذي أفتى بهدم قبورهم***أن سوف تصلى في القيامة ناراً

فقد قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في ابنه الإمام الحسن (عليه السلام) : «... فلا يزال الأمر به حتى يُقتل بالسم ظلماً وعدواناً، فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته، ويبكيه كل شيء حتى الطير في جو السماء والحيتان في جوف الماء، فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب، ومن زاره في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام»(2).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «بينا الحسن بن علي (عليه السلام) في حجر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) إذ رفع رأسه، فقال: يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟، قال: يا بني من أتاني زائراً بعد موتي فله الجنة، ومن أتى أباك زائراً بعد موته فله الجنة، ومن أتى أخاك زائراً بعد موته فله الجنة، ومن أتاك زائراً بعد موتك فله الجنة»(3).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «إنّ الحسين بن علي (عليه السلام) كان يزور قبر

ص: 137


1- الموافق 21/ 4/ 1925م.
2- الأمالي للشيخ الصدوق: 114-115، المجلس 24، ح2.
3- تهذيب الأحكام 6: 20، ح1.

الحسن ابن علي (عليه السلام) كل عشية جمعة»(1).

وروي: كان محمد بن الحنفية (رضي اللّه عنه) يأتي قبر الحسن بن علي (عليهما السلام) ، فيقول: «السلام عليك يا بقية المؤمنين، وابن أول المسلمين، وكيف لا تكون كذلك وأنت سليل الهدى وحليف التقى وخامس أصحاب الكساء، غذّتك يد الرحمة، ورُبّيت في حجر الإسلام، ورضعت من ثدي الإيمان، فطبت حياً وطبت ميتاً، غير أنّ الأنفس غير طيبة لفراقك ولا شاكة في الجنان لك، ثم يلتفت إلى الحسين (عليه السلام) فيقول: السلام عليك يا أبا عبد اللّه وعلى أبي محمد السلام»(2).

نبذة من درر كلماته (عليه السلام)

من هو القريب

قال الإمام الحسن المجتبى (صلوات اللّه وسلامه عليه): «القريب من قرّبته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من بعّدته المودة وإن قرب نسبه، لا شيء أقرب إلى شيء من يد إلى جسد، وإنّ اليد تغل فتقطع، وتقطع فتحسم»(3).

التقية

وقال (عليه السلام) : «إنّ التقية يصلح اللّه بها أمة، لصاحبها مثل ثواب أعمالهم، فإن تركها أهلك أمة، تاركها شريك من أهلكهم، وإنّ معرفة حقوق الإخوان يحبب إلى الرحمن، ويعظّم الزلفى لدى الملك الديّان، وإنّ ترك قضائها

ص: 138


1- وسائل الشيعة 14: 408، ح19475.
2- تهذيب الأحكام 6: 41، ح1.
3- وسائل الشيعة 12: 52، ح15621.

يمقت إلى الرحمن ويصغر الرتبة عند الكريم المنان»(1).

حب الدنيا

وقال (عليه السلام) : «من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد حرصاً على الدنيا لم يزدد منها إلا بعداً، وازداد هو من اللّه بغضاً، والحريص الجاهد والزاهد القانع كلاهما مستوف أكله غير منقوص من رزقه شيئاً، فعلام التهافت في النار؟! والخير كلّه في صبر ساعة واحدة تورث راحة طويلة، وسعادة كثيرة»(2).

ممّن تطلب حاجتك

وقال (عليه السلام) : «إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها» قيل: يا بن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ومن أهلها؟ قال: «الذين قص اللّه في كتابه وذكرهم، فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ}(3) قال: هم أولو العقول»(4).

من آداب المائدة

وقال (عليه السلام) : «في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها، أربع منها فرض، وأربع سنّة، وأربع تأديب، فأمّا الفرض: فالمعرفة والرضا والتسمية والشكر، وأمّا السنّة: فالوضوء قبل الطعام والجلوس على الجانب الأيسر والأكل بثلاث أصابع ولعق الأصابع، وأمّا التأديب فالأكل

ص: 139


1- وسائل الشيعة 16: 222، ح21412.
2- إرشاد القلوب 1: 24.
3- سورة الرعد: 19؛ سورة الزمر: 9.
4- الكافي 1: 19، ح12.

ممّا يليك وتصغير اللقمة وتجويد المضغ وقلّة النظر في وجوه الناس»(1).

هذه هي العبودية

عن محمد بن علي (عليه السلام) قال: «قال الحسن (عليه السلام) : إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى عشرين مرّة من المدينة على رجليه»(2).

من كفل لنا يتيماً

وقال (عليه السلام) : «من كفل لنا يتيماً قطعته عنّا محنتنا [محبتنا](3)

باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه، قال اللّه عزّوجلّ: يا أيّها العبد الكريم المواسي، أنا أولى بالكرم منك، اجعلوا له ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر وضمّوا إليها ما يليق بها من سائر النعم»(4).

طالب الدنيا

وقال (عليه السلام) : «الناس طالبان، طالب يطلب الدنيا حتى إذا أدركها هلك، وطالب يطلب الآخرة حتى إذا أدركها فهو ناج فائز»(5).

ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) في الكتب السماوية

وقال (عليه السلام) : «من دفع فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) على جميع مَن بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فقد كذّب بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر

ص: 140


1- من لا يحضره الفقيه 3: 359، ح4270.
2- كشف الغمة 1: 567.
3- كذا في الأصل.
4- غوالي اللآلي 1: 17، ح3.
5- إرشاد القلوب: 24.

كتب اللّه المنزلة؛ فإنّه ما نزل شيء منها إلا وأهم ما فيه بعد الأمر بتوحيد اللّه تعالى والإقرار بالنبوة: الاعتراف بولاية علي والطيبين من آله (عليهم السلام) »(1).

حقوق الإخوان

وقال (عليه السلام) : «أعرف الناس بحقوق إخوانه وأشدهم قضاء لها، أعظمهم عند اللّه شأناً، ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند اللّه من الصديقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقّاً»(2).

حقناً للدماء

وقال (عليه السلام) في صلح معاوية: «أيها الناس، إنكم لو طلبتم ما بين جابلقا وجابرسا(3) رجلاً جده رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ما وجدتم غيري وغير أخي، وإنّ معاوية نازعني حقاً هو لي، فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها، وقد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت، وقد رأيت أن أسالمه، وأن يكون ما صنعت حجّة على من كان يتمنّى هذا الأمر، وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين»، وفي رواية أخرى قال (عليه السلام) : «إنّما هادنت حقناً للدماء وصيانتها وإشفاقاً على نفسي وأهلي والمخلصين من أصحابي»(4).

وروي أنّه قال (عليه السلام) : «يا أهل العراق إنّما سخى عليكم بنفسي ثلاث:

ص: 141


1- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 88-89، ح46.
2- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 325، ح173.
3- جابلق وجابلص مدينتان إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب ليس وراءهما إنسي (لسان العرب 10: 35 مادة (جبلق).
4- المناقب 4: 34.

قتلكم أبي! وطعنكم إياي، وانتهابكم متاعي»(1).

حجج اللّه على الخلق

وقال (عليه السلام) : «إنّ لله مدينتين إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب، فيها خلق لله لم يهموا بمعصية اللّه تعالى قط، واللّه ما فيهما ولا بينهما حجّة لله على خلقه غيري وغير أخي الحسين»(2).

حقّ العبادة

وقال (عليه السلام) : «من عبد اللّه، عبَّد اللّه له كل شيء»(3).

لا تطع الهوى

وقال (عليه السلام) : «إن لم تطعك نفسك فيما تحملها عليه ممّا تكره، فلا تطعها فيما تحملك عليه فيما تهوى»(4).

نفسك نفسك

وقال (عليه السلام) : «إنّ اللّه تعالى لم يجعل الأغلال في أعناق أهل النار لأنّهم أعجزوه، ولكن إذا أطفأ بهم اللّهب أرسبهم في قعرها».

ثم غشي عليه (عليه السلام) فلما أفاق من غشوته، قال: «يا ابن آدم نفسك نفسك فإنّما هي نفس واحدة إن نجت نجوت وإن هلكت لم ينفعك نجاةٌ من نجاةٍ»(5).

ص: 142


1- بحار الأنوار 44: 56-57، ح6.
2- المناقب 4: 40.
3- تنبيه الخواطر 2: 108.
4- تنبيه الخواطر 2: 113.
5- إرشاد القلوب 1: 36.

هذه هي التجارة المربحة

وقال (عليه السلام) : «لقد أصبحت أقوام كانوا ينظرون إلى الجنة ونعيمها والنار وجحيمها يحسبهم الجاهل مرضى وما بهم مرض، أو قد خولطوا وإنّما خالطهم أمر عظيم خوف اللّه ومهابته في قلوبهم، كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا من حاجة وليس لها خلقنا ولا بالسعي لها أمرنا، أنفقوا أموالهم وبذلوا دماءهم واشتروا بذلك رضى خالقهم، علموا أنّ [اللّه] اشترى منهم أموالهم وأنفسهم بالجنة فباعوه، وربحت تجارتهم وعظمت سعادتهم، وأفلحوا وانجحوا، فاقتفوا آثارهم رحمكم اللّه واقتدوا بهم»(1).

من مكارم الأخلاق

وقال (عليه السلام) : «العقل حفظ قلبك ما استودعته، والحزم أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك، والمجد حمل المغارم وابتناء المكارم، والسماحة إجابة السائل وبذل النائل، والرقة طلب اليسير ومنع الحقير، والكلفة التمسّك لمن لا يؤاتيك والنظر بما لا يعنيك، والجهل سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها والامتناع عن الجواب، ونعم العون الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحاً»(2).

أبيات من أشعاره (عليه السلام)

قل للمقيم بغير دار إقامة***حان الرحيل فودع الأحبابا

ص: 143


1- إرشاد القلوب 1: 76.
2- العدد القوية: 32.

إنّ الذين لقيتهم وصحبتهم***صاروا جميعاً في القبور ترابا(1)

وله (عليه السلام) :

ذري كدر الأيام إن صفاءها***تولى بأيام السرور الذواهب

وكيف يغر الدهر من كان بينه***وبين الليالي المحكمات التجارب(2)

وله (عليه السلام) :

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني***وشربة من قراح الماء تكفيني

وطمرة من رقيق الثوب تسترني***حياً وان مت تكفيني لتكفيني(3)

ص: 144


1- بحار الأنوار 43: 340-341، ح14.
2- بحار الأنوار 43: 340، ح14.
3- المناقب 4: 15.

الفصل الخامس:الإمام الحسين (عليه السلام)

اشارة

ص: 145

ص: 146

الإمام الحسين (عليه السلام) في سطور

الاسم: الحسين (عليه السلام) .

الأب: الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

الأم: السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

الكنية: أبو عبد اللّه، والخاص أبو علي(1).

الألقاب: الشهيد، السعيد، الرشيد، الطيب، الوفي، الزكي، المبارك، التابع لمرضاة اللّه، السبط، السيد، الدليل على ذات اللّه عزّوجلّ، سيد شباب أهل الجنة، سيد الشهداء(2).

ص: 147


1- المناقب 4: 78.
2- كشف الغمة 2: 4. وفي (المناقب) إنّ من ألقابه أيضاً: السبط الثاني، الإمام الثالث، أفضل ثقات اللّه، المشغول ليلاً ونهاراً بطاعة اللّه، الشاري بنفسه لله، الناصر لأولياء اللّه، المنتقم من أعداء اللّه، الإمام المظلوم، الأسير المحروم، الشهيد المرحوم، القتيل المرجوم، الإمام الشهيد، الولي الرشيد، الوصي السديد، الطريد الفريد، البطل الشديد، الطيب الوفي، الإمام الرضي، ذو النسب العلي، المنفق الملي، منبع الأئمة، شافع الأمة، سيد شباب أهل الجنة، عبرة كل مؤمن ومؤمنة، صاحب المحنة الكبرى والواقعة العظمى، عبرة المؤمنين في دار البلوى، من كان بالإمامة أحق وأولى، المقتول بكربلاء، ثاني السيد الحصور يحيى ابن النبي الشهيد زكريا، زين المجتهدين، سراج المتوكلين، مفخر أئمة المهتدين، بضعة كبد سيد المرسلين، نور العترة الفاطمية، سراج الأنساب العلوية، شرف غرس الأحساب الرضوية، المقتول بأيدي شر البرية، سبط الأسباط، طالب الثأر يوم الصراط، أكرم العتر، أجل الأسر، أثمر الشجر، أزهر البدر، معظم مكرم، موقر منظف مطهر، أكبر الخلائق في زمانه في النفس، وأعزم في الجنس، أذكاهم في العرف، أوفاهم في العرف، أطيب العرق، أجمل الخلق، أحسن الخلق، قطعة النور، لقلب النبي سرور، المنزه عن الإفك والزور. انظر المناقب 4: 78.

نقش الخاتم: كان له خاتمان نقش أحدهما: (إنّ اللّه بالغ أمره)، ونقش الآخر: (لا إله إلا اللّه عُدَّةً للقاء اللّه)(1).

مكان الولادة: المدينة المنوّرة.

زمان الولادة: يوم الخميس أو يوم الثلاثاء 3 شعبان عام 4 من الهجرة النبوية المباركة، عام الخندق(2).

مدة العمر الشريف: 56 سنة وأشهراً، منها ست سنين وأشهر مع جده رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وثلاثون سنة مع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد وفاة النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وكان مع أخيه الحسن (عليه السلام) بعد وفاة أبيه (عليه السلام) عشر سنين، وبقي بعد وفاة أخيه (عليه السلام) إلى وقت مقتله (عليه السلام) عشر سنين(3).

زمان الشهادة: يوم العاشر من محرم الحرام عام 61 هجري وقيل: عام 60 ه- وهو بعيد(4).

مكان الشهادة: أرض كربلاء / العراق.

القاتل: شمر بن ذي الجوشن بأمر من عبيد اللّه بن زياد ويزيد بن معاوية

ص: 148


1- أمالي الشيخ الصدوق: 131، المجلس 27، ح7.
2- انظر المناقب 4: 76.
3- كشف الغمة 2: 40.
4- كشف الغمة 2: 40.

ابن أبي سفيان.

المدفن: كربلاء المقدسة، حيث مزاره الآن.

الولادة الطاهرة

روي عن أسماء أنّها قالت: لما ولدت فاطمة (عليها السلام) الحسين (عليه السلام) جاءني النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: «هلمّي ابني يا أسماء».

فدفعته إليه في خرقة بيضاء، ففعل به كما فعل بالحسن (عليه السلام) ، قالت: وبكى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ثم قال: «إنه سيكون لك حديث، اللّهم ألعن قاتله، لا تعلمي فاطمة بذلك».

قالت أسماء: فلما كان في يوم سابعه جاءني النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: «هلمّي ابني، فأتيته به ففعل به كما فعل بالحسن (عليه السلام) ، وعقّ عنه كما عقَّ عن الحسن كبشاً أملح وأعطى القابلة الورك ورجلاً، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر ورقاً(1)، وخلّق رأسه بالخلوق(2)، وقال: «إنّ الدم من فعل الجاهلية» قالت: ثم وضعه في حجره ثم قال: «يا أبا عبد اللّه عزيز عليّ»، ثم بكى.

فقلت: بأبي أنت وأمي فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأول فما هو؟

قال: «أبكي على ابني، تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية لعنهم اللّه لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر باللّه العظيم».

ثم قال: «اللّهم إني أسألك فيهما - الحسن والحسين (عليهما السلام) - ما سألك

ص: 149


1- الورق: المال من دراهم وابل وغير ذلك، راجع لسان العرب 10: 375 مادة (ورق).
2- الخلوق كرسول: ما يتخلّق به من الطيب، قال البعض وهو مائع فيه صفرة. المصباح المنير، مادة (خلق).

إبراهيم (عليه السلام) في ذريته، اللّهم أحبهما وأحبّ من يحبّهما والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض»(1).

قصة فطرس

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : «إن الحسين بن علي (عليه السلام) لما وُلد أمر اللّه عزّوجلّ جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) من اللّه ومن جبرئيل.

قال: فهبط جبرئيل، فمرّ على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له: فطرس، كان من الحملة، بعثه اللّه عزّوجلّ في شيء فأبطأ عليه، فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى وُلد الحسين بن علي (عليه السلام) ، فقال الملك لجبرئيل: يا جبرئيل أين تريد؟

قال: إنّ اللّه عزّوجلّ أنعم على محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) بنعمة فبعثت أهنئه من اللّه ومنّي.

فقال: يا جبرئيل احملني معك لعل محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) يدعو لي.

قال: فحمله.

قال: فلما دخل جبرئيل على النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) هنأه من اللّه ومنه وأخبره بحال فطرس.

فقال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) : قل له تمسّح بهذا المولود وعد إلى مكانك، فتمسّح فطرس بالحسين بن علي (عليه السلام) وارتفع.

فقال: يا رسول اللّه، أما إنّ أمتك ستقتله وله عليّ مكافأة ألا يزوره زائر إلا

ص: 150


1- بحار الأنوار 44: 250-251، ح1.

أبلغته عنه، ولا يسلِّم عليه مسلّم إلا أبلغته سلامه، ولا يصلّي عليه مصلّ إلا أبلغته صلاته ثم ارتفع»(1).

جبرائيل يهزّ مهد الحسين (عليه السلام)

وروي في أحاديث عديدة من طرق الخاصة والعامّة أنّه طالما كانت تنام فاطمة الزهراء (عليها السلام) فإذا بكى الحسين (عليه السلام) في المهد يأتي جبرئيل (عليه السلام) ويحرّك مهده ويتكلّم معه حتى يسكت من البكاء، ولما كانت تفيق من النوم ترى المهد يتحرّك وتسمع الكلام لكن لا ترى أحداً، فلما سألت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، قال لها: «إنّه جبرئيل»(2).

الشفاعة المقبولة

روى ابن شهر آشوب في مناقبه عن الإمام محمد بن علي (عليه السلام) أنه قال:

«أذنب رجل ذنباً في حياة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فتغيب حتى وجد الحسن والحسين (عليهما السلام) في طريق خال، فأخذهما فاحتملهما على عاتقيه، وأتى بهما النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا رسول اللّه، إنّي مستجير باللّه وبهما.

فضحك رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى رد يده إلى فمه، ثم قال للرجل: اذهب وأنت طليق.

وقال للحسن والحسين (عليهما السلام) : قد شفّعتكما فيه أي فتيان، فأنزل اللّه تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ

ص: 151


1- الأمالي للشيخ الصدوق: 137-138، المجلس 28، ح8.
2- انظر المناقب 3: 337.

ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}(1)»(2).

الفضائل الجمة

قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً، حسين سبط من الأسباط»(3).

وقال (صلی الله عليه وآله وسلم) : «من أحبّ أن ينظر إلى أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء، فلينظر إلى الحسين»(4).

وعن سلمان الفارسي (رحمه الله) ، قال: دخلت على النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فإذا الحسين (عليه السلام) على فخذيه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: «أنت سيد بن سيد، أنت إمام ابن إمام، أنت حجّة بن حجّة أبو حجج، تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم»(5).

وعن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: «دخلت أنا وأخي على جدّي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى ثم قال لنا: بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما اللّه منّي ومن أبيكما وأمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم كلّهم في الفضل والمنزلة سواء»(6).

ص: 152


1- سورة النساء: 64.
2- المناقب 3: 400.
3- الإرشاد 2: 127.
4- المناقب 4: 73.
5- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 52، ح17.
6- كشف الغمة 2: 511.

وعن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول للحسين (عليه السلام) : «يا حسين، أنت الإمام ابن الإمام، تسعة من ولدك أئمة أبرار تاسعهم قائمهم» فقيل: يا رسول اللّه، كم الأئمة بعدك؟ قال: «اثنا عشر من صلب الحسين»(1).

من ثمار الجنة

عن أم سلمة أنّها قالت: إنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) دخلا على رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وبين يديه جبرئيل، فجعلا يدوران حوله يشبّهانه بدحية الكلبي، فجعل جبرئيل (عليه السلام) يوميء بيده كالمتناول شيئاً، فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة فناولهما، وتهلّل وجهاهما، وسعيا إلى جدّهما، فأخذ منهما فشمّهما، ثم قال: «صيرا إلى أمكما بما معكما وابدءا بأبيكما»، فصارا كما أمرهما، فلم يأكلوا حتى صار النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) إليهم فأكلوا جميعاً، فلم يزل كلّما أكل منه عاد إلى ما كان حتى قبض رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، قال الحسين (عليه السلام) : «فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حتى توفّيت، فلما توفّيت فقدنا الرمان، وبقي التفّاح والسفرجل أيام أبي، فلما استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد السفرجل وبقي التفّاح على هيئته عند الحسن (عليه السلام) حتى مات في سمّه، وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت عن الماء فكنت أشمّها إذا عطشت فيسكن لهب عطشي، فلما اشتدّ عليّ العطش عضضتها وأيقنت بالفناء»، قال علي بن الحسين (عليه السلام) : «سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلما قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه فالتمست ولم ير لها

ص: 153


1- كفاية الأثر: 30-31.

أثر، فبقي ريحها بعد الحسين (عليه السلام) ، ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في أوقات السحر فإنّه يجده إذا كان مخلصاً»(1).

التواضع شيمة العظماء

روى العياشي وغيره أنه مرّ الحسين بن علي (عليه السلام) بمساكين قد بسطوا كساءً لهم فألقوا عليه كسراً فقالوا: هلمّ يا ابن رسول اللّه.

فثنّى وركه فأكل معهم، ثم تلا: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}(2).

ثم قال: «قد أجبتكم فأجيبوني».

قالوا: نعم يا ابن رسول اللّه وتعمى عين، فقاموا معه حتى أتوا منزله، فقال للرباب: «أخرجي ما كنت تدّخرين»(3).

أسوة في الجود والكرم

قدم أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدلّ على الحسين (عليه السلام) ، فدخل المسجد فوجده مصلياً، فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يخب الآن من رجاك ومن***حرّك من دون بابك الحلقة

أنت جواد وأنت معتمد***أبوك قد كان قاتل الفسقة

لولا الذي كان من أوائلكم***كانت علينا الجحيم منطبقة

قال: فسلّم الحسين (عليه السلام) وقال: «يا قنبر هل بقي شيء من مال الحجاز؟».

ص: 154


1- المناقب 3: 391-392.
2- سورة النحل: 23.
3- تفسير العياشي 2: 257، ح15.

قال: نعم أربعة آلاف دينار.

فقال: «هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا»، ثم نزع (عليه السلام) بُرديه ولفّ الدنانير فيهما وأخرج يده من شق الباب حياءً من الأعرابي وأنشأ:

خذها فإنّي إليك معتذر***واعلم بأنّي عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغداة عصاً***أمست سمانا عليك مندفقة

لكن ريب الزمان ذو غير***والكف منّي قليلة النفقة

قال: فأخذها الأعرابي وبكى، فقال له: «لعلك استقللت ما أعطيناك»؟.

قال: لا ولكن كيف يأكل التراب جودك(1).

وعن عمرو بن دينار، قال: دخل الحسين (عليه السلام) على أسامة بن زيد وهو مريض وهو يقول: واغمّاه.

فقال له الحسين (عليه السلام) : «وما غمّك يا أخي؟».

قال: ديني وهو ستون ألف درهم.

فقال الحسين (عليه السلام) : «هو عليّ».

قال: إني أخشى أن أموت.

فقال الحسين (عليه السلام) : «لن تموت حتى أقضيها عنك».

قال: فقضاها قبل موته(2).

هذا وقد وجدوا على ظهر الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطف أثراً، فسألوا الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن ذلك؟

فقال:«هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل واليتامى

ص: 155


1- المناقب 4: 65-66.
2- بحار الأنوار 44: 189، ح2.

والمساكين»(1).

وقد نُسب إليه فيما أنشده (عليه السلام) في الجود والكرم:

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها***على الناس طراً قبل أن تتفلّت

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت***ولا البخل يبقيها إذا ما تولّت(2)

فضح الظالمين

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «مات رجل من المنافقين، فخرج الحسين بن علي (عليه السلام) يمشي، فلقي مولى له فقال له: أين تذهب؟

فقال: أفرّ من جنازة هذا المنافق أن اُصلي عليه.

قال: قم إلى جنبي فما سمعتني أقول فقل، قال: فرفع يده وقال: اللّهم العن عبدك ألف لعنة مختلفة، اللّهم أخز عبدك في بلادك وعبادك، اللّهم أصله حر نارك، اللّهم أذقه أشد عذابك، فإنه كان يوالي أعدائك ويعادي أوليائك ويبغض أهل بيت نبيك»(3).

واقعة عاشوراء

قال سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات اللّه وسلامه عليه) في وصيته (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية يبين فيها (صلوات اللّه عليه) بعض أهداف خروجه، فدعا بدواة وبياض وكتب:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي

ص: 156


1- المناقب 4: 66.
2- بحار الأنوار 44: 191، ح3.
3- قرب الإسناد 1: 59، ح190.

طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لاشريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأنّ الجنة والنار حق، {وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}(1)، وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي (صلی الله عليه وآله وسلم) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحق {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ}(2)، وهذه وصيتي يا أخي إليك {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(3)»(4).

وعن عبد اللّه بن منصور وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي الحسين (عليهما السلام) ، فقلت: حدّثني عن مقتل ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقال: حدّثني أبي عن أبيه (عليه السلام) ، قال: «لما حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد لعنه اللّه فأجلسه بين يديه فقال له: يا بني إنّي قد ذللّت لك الرقاب الصعاب ووطدت لك البلاد وجعلت الملك وما فيه لك طعمة، وإنّي أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم، وهم: عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه ابن الزبير والحسين بن علي، فأمّا عبد اللّه بن عمر فهو

ص: 157


1- سورة الحج: 7.
2- سورة الأعراف: 87.
3- سورة هود: 88.
4- بحار الأنوار 44: 329-330، ح2.

معك فالزمه ولا تدعه، وأمّا عبد اللّه بن الزبير فقطّعه إن ظفرت به إرباً إرباً، فإنّه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته ويؤاربك(1) مؤاربة الثعلب للكلب، وأمّا الحسين فقد عرفت حظّه من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو من لحم رسول اللّه ودمه، وقد علمت لا محالة أنّ أهل العراق سيخرجونه إليهم، ثم يخذلونه و يضيعونه، فإن ظفرت به فاعرف حقّه و منزلته من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فإنّ لنا به خلطة ورحماً، وإيّاك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروهاً.

قال: فلما هلك معاوية وتولّى الأمر بعده يزيد (لعنه اللّه) بعث عامله على مدينة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو عمّه عتبة بن أبي سفيان، فقدم المدينة وعليها مروان بن الحكم وكان عامل معاوية، فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد، فهرب مروان فلم يقدر عليه، وبعث عتبة إلى الحسين بن علي (عليهما السلام) ، فقال: إنّ أمير المؤمنين! أمرك أن تبايع له.

فقال الحسين (عليه السلام) : يا عتبة قد علمت إنّا أهل بيت الكرامة ومعدن الرسالة وأعلام الحق، الذين أودعه اللّه عزّوجلّ قلوبنا وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن اللّه عزّوجلّ، ولقد سمعت جدّي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ الخلافة محرّمة على ولد أبي سفيان، وكيف أبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) هذا؟!

فلما سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم، إلى عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين! من عتبة بن أبي سفيان، أما بعد فإنّ الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام.

ص: 158


1- واربه: داهاه وخاتاه وخادعه.

فلما ورد الكتاب على يزيد لعنه اللّه كتب الجواب إلى عتبة: أمّا بعد فإذا أتاك كتابي هذا فعجّل عليّ بجوابه وبيّن لي في كتابك كل من في طاعتي أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي (عليه السلام) .

فبلغ ذلك الحسين (عليه السلام) فهمّ بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق، فلما أقبل الليل راح إلى مسجد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ليودع القبر، فلما وصل إلى القبر سطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه، فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع القبر، فقام يصلّي فأطال فنعس وهو ساجد، فجاءه النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو في منامه، فأخذ الحسين وضمّه إلى صدره وجعل يقبّل عينيه ويقول: بأبي أنت، كأنّي أراك مرملاً بدمك بين عصابة من هذه الأمة يرجون شفاعتي ما لهم عند اللّه من خلاق، يا بنيّ، إنّك قادم على أبيك وأمّك وأخيك وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة، فانتبه الحسين (عليه السلام) من نومه باكياً، فأتى أهل بيته فأخبرهم بالرؤيا، وودّعهم وحمل أخواته على المحامل وابنته وابن أخيه القاسم بن الحسن ابن علي (عليه السلام) ، ثم سار في أحد وعشرين رجلاً من أصحابه وأهل بيته، منهم أبو بكر بن علي ومحمد بن علي وعثمان بن علي والعباس بن علي وعبد اللّه بن مسلم بن عقيل وعلي بن الحسين الأكبر وعلي بن الحسين الأصغر (عليه السلام) .

وسمع عبد اللّه بن عمر بخروجه فقدم راحلته وخرج خلفه مسرعاً فأدركه في بعض المنازل، فقال: أين تريد يا ابن رسول اللّه؟

قال: العراق.

قال: مهلاً ارجع إلى حرم جدك.

فأبى الحسين (عليه السلام) عليه.

ص: 159

فلما رأى ابن عمر إباءه، قال: يا أبا عبد اللّه، اكشف لي عن الموضع الذي كان رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقبّله منك.

فكشف الحسين (عليه السلام) عن سرته، فقبّلها ابن عمر ثلاثاً وبكى، وقال: أستودعك اللّه يا أبا عبد اللّه، فإنّك مقتول في وجهك هذا.

فسار الحسين (عليه السلام) وأصحابه، فلما نزلوا ثعلبية وردّ عليه رجل يقال له: بشر ابن غالب، فقال: يا ابن رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّوجلّ: {يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَٰمِهِمْ}(1).

قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عزّوجلّ: {فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ}(2).

ثم سار (عليه السلام) حتى نزل العذيب، فقال فيها قائلة الظهيرة، ثم انتبه من نومه، فقال له ابنه: ما يبكيك يا أبة؟

فقال: يا بني إنّها ساعة لا تكذّب الرؤيا فيها وإنّه عرض لي في منامي عارض، فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى الجنة.

ثم سار (عليه السلام) حتى نزل الرهيمة، فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنّى: أبا هرم، فقال: يا ابن النبي ما الذي أخرجك من المدينة؟

فقال (عليه السلام) : ويحك يا أبا هرم، شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم اللّه، ليقتلني ثم ليلبسنهم اللّه ذلّاً شاملاً

ص: 160


1- سورة الإسراء: 71.
2- سورة الشورى: 7.

وسيفاً قاطعاً وليسلطنّ عليهم من يذلّهم.

قال: وبلغ عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه الخبر و إنّ الحسين (عليه السلام) قد نزل الرهيمة، فأرسل إليه الحر بن يزيد في ألف فارس، قال الحر: فلما خرجت من منزلي متوجهاً نحو الحسين (عليه السلام) نوديت ثلاثاً: يا حر أبشر بالجنة، فالتفت فلم أر أحداً، فقلت: ثكلت الحر أمه يخرج إلى قتال ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) و يبشر بالجنة! فرهقه عند صلاة الظهر، فأمر الحسين (عليه السلام) ابنه فأذّن وأقام، وقام الحسين (عليه السلام) فصلّى بالفريقين، فلما سلّم وثب الحر بن يزيد، فقال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته.

فقال الحسين: وعليك السلام من أنت يا عبد اللّه؟

فقال: أنا الحر بن يزيد.

فقال: يا حر، أعلينا أم لنا؟

فقال: الحر واللّه يا ابن رسول اللّه، لقد بعثت لقتالك، وأعوذ باللّه أن أحشر من قبري وناصيتي مشدودة إلى رجلي، ويدي مغلولة إلى عنقي، وأكبّ على حرّ وجهي في النار، يا ابن رسول اللّه، أين تذهب ارجع إلى حرم جدّك فإنّك مقتول.

فقال الحسين (عليه السلام) :

سأمضي فما بالموت عار على الفتى***إذا ما نوى حقاً و جاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه***وفارق مثبوراً و خالف مجرما

فإن متّ لم أندم وإن عشت لم ألم***كفى بك ذلاً أن تموت و ترغما

ص: 161

إلى أن قال: ثم سار (عليه السلام) حتى نزل كربلاء، فقال: أيّ موضع هذا؟

فقيل: هذا كربلاء يا ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقال (عليه السلام) : هذا واللّه يوم كرب وبلاء، وهذا الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، ويباح فيه حريمنا.

فأقبل عبيد اللّه بن زياد بعسكره حتى عسكر بالنخيلة، وبعث إلى الحسين (عليه السلام) رجلاً يقال له: عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس، وأقبل عبد اللّه بن الحصين التميمي في ألف فارس، يتبعه شبث بن ربعي في ألف فارس، ومحمد بن الأشعث بن قيس الكندي أيضاً في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد على الناس، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، فبلغ عبيد اللّه بن زياد أنّ عمر بن سعد يسامر الحسين (عليه السلام) ويحدّثه ويكره قتاله، فوجّه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، و كتب إلى عمر بن سعد: إذا أتاك كتابي هذا، فلا تمهلنّ الحسين بن علي وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار.

فلما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد لعنه اللّه أمر مناديه فنادى: أنا قد أجلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم.

فشقّ ذلك على الحسين (عليه السلام) وعلى أصحابه، فقام الحسين (عليه السلام) في أصحابه خطيباً، فقال: «اللّهم إني لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون وأنتم في حلّ من بيعتي ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمّة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وتفرّقوا في سواده؛ فإنّ القوم إنما يطلبوني ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري».

ص: 162

فقام عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال: يا ابن رسول اللّه، ماذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيّدنا وابن سيّد الأعمام وابن نبيّنا سيّد الأنبياء؟ لم نضرب معه بسيف ولم نقاتل معه برمح لا واللّه، أو نرد موردك ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا وخرجنا مما لزمنا.

وقام إليه رجل يقال له: زهير بن القين البجلي، فقال: يا ابن رسول اللّه، وددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت ثم نُشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة، وإنّ اللّه دفع بي عنكم أهل البيت.

فقال (عليه السلام) له ولأصحابه: جزيتم خيراً.

ثم إنّ الحسين (عليه السلام) أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق، وأمر فحشيت حطباً، وأرسل علياً ابنه (عليه السلام) في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء وهم على وجل شديد.

وأنشأ الحسين (عليه السلام) يقول:

يا دهر أف لك من خليل***كم لك في الإشراق و الأصيل

من طالب و صاحب قتيل***والدهر لا يقنع بالبديل

وإنّما الأمر إلى الجليل***وكل حيّ سالك سبيلي

ثم قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء، يكن آخر زادكم وتوضأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم.

ثم صلّى (عليه السلام) بهم الفجر وعبّأهم تعبئة الحرب وأمر بحفيرته التي حول عسكره فأضرمت بالنار ليقاتل القوم من وجه واحد.

إلى أن قال: فبلغ العطش من الحسين (عليه السلام) وأصحابه فدخل عليه رجل

ص: 163

من شيعته يقال له: يزيد بن الحصين الهمداني، قال إبراهيم بن عبد اللّه - راوي الحديث - : هو خال أبي إسحاق الهمداني، فقال: يا ابن رسول اللّه، تأذن لي فأخرج إليهم فأكلّمهم، فأذن له فخرج إليهم، فقال: يا معشر الناس، إنّ اللّه عزّوجلّ بعث محمداً بالحق بشِيراً ونذِيراً {وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}(1) وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه!

فقالوا: يا يزيد، فقد أكثرت الكلام فاكفف، فواللّه ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله.

فقال الحسين (عليه السلام) : اقعد يا يزيد.

ثم وثب الحسين (عليه السلام) متوكئاً على سيفه فنادى بأعلى صوته، فقال: أنشدكم اللّه هل تعرفوني؟

قالوا: نعم، أنت ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وسبطه.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جدي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ أمي فاطمة بنت محمد؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أول نساء

ص: 164


1- سورة الأحزاب: 46.

هذه الأمة إسلاماً؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ سيد الشهداء حمزة عمّ أبي؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: فأنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جعفر الطيار في الجنة عمّي؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللّه وأنا متقلّده؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللّه أنا لابسها؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: فأنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ علياً كان أولهم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وأنّه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟

قالوا: اللّهم نعم.

قال: فبم تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض غداً يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ولواء الحمد في يدي جدّي يوم القيامة؟

قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً.

فأخذ الحسين (عليه السلام) بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع و خمسين سنة ثم قال: اشتدّ غضب اللّه على اليهود حين قالوا: {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}(1) واشتد غضب اللّه على النصارى حين قالوا: {ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}(2)

واشتد غضب اللّه

ص: 165


1- سورة التوبة: 30.
2- سورة التوبة: 30.

على المجوس حين عبدوا النار من دون اللّه، واشتد غضب اللّه على قوم قتلوا نبيّهم، واشتد غضب اللّه على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن نبيهم.

وهجم القوم على الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه، فقتلوا جميع أصحابه وأقربائه وإخوانه وأولاده حتى الطفل الرضيع حيث ذبحوه من الوريد إلى الوريد ومن الأذن إلى الأذن.

ولم يبق إلا الإمام الحسين (عليه السلام) وحيداً فريداً بين الأعداء، فأخذ ينادي: هل من ناصر ينصرني هل من معين يعينني هل من ذاب يذب عن حرم رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ولكنهم هجموا عليه فأخذ يقاتلهم مقاتلة الأبطال، حتى اثخن بالجراح، فقتله اللعين شمر بن ذي الجوشن وسنان الأيادي(1).

الشهادة المفجعة

في الرواية: أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) بعد استشهاد أنصاره وأهل بيته وقف وحيداً فريداً في ظهر عاشوراء، فنظر يميناً وشمالاً فلم ير أحدا فرفع رأسه إلى السماء، فقال: «اللّهم إنّك ترى ما يصنع بولد نبيك»، وحال بنو كلاب بينه وبين الماء... .

وقد رُمي الإمام (عليه السلام) بسهم فوقع في نحره، وخرّ عن فرسه، فأخذ السهم فرمى به وجعل يتلقّى الدم بكفه فلما امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته ويقول: «ألقى اللّه عزّوجلّ وأنا مظلوم متلطّخ بدمي»، ثم خرّ على خدّه الأيسر صريعاً.

وأقبل عدوّ اللّه سنان بن أنس الأيادي وشمر بن ذي الجوشن العامري

ص: 166


1- راجع الأمالي للصدوق: 151-164، المجلس 30، ح1.

(لعنهما اللّه) في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين (عليه السلام) ، فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون أريحوا الرجل، فنزل سنان بن أنس الأيادي (لعنه اللّه) وأخذ بلحية الحسين (عليه السلام) وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول: واللّه إنّي لأجتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول اللّه وخير الناس أباً وأماً... .

وأقبل فرس الحسين (عليه السلام) حتى لطّخ عرفه وناصيته بدم الحسين وجعل يركض ويصهل، فسمعت بنات النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) صهيله فخرجن فإذا الفرس بلا راكب فعرفن أنّ حسيناً (عليه السلام) قد قُتل... .

وخرجت أمّ كلثوم بنت الحسين (عليه السلام) واضعة يدها على رأسها تندب وتقول: «وا محمداه... هذا الحسين بالعراء قد سلب العمامة والرداء»(1).

حرق الخيام والأسر

ثم هجموا على خيام الرسالة فأحرقوها ونهبوا ما فيها، ثم أخذوا العيال والأطفال أسارى إلى الكوفة وإلى الشام ومعهم الرؤوس الطاهرة.

وأقبل سنان حتى أدخل رأس حسين بن علي (عليه السلام) على عبيد اللّه بن زياد وهو يقول:

املأ ركابي فضة و ذهبا***إنّي قتلت الملك المحجبا

قتلت خير الناس أماً وأبا***وخيرهم إذ ينسبون نسبا

فقال له عبيد اللّه بن زياد: ويحك فإن علمت أنّه خير الناس أباً وأمّاً لم قتلته إذاً؟!

ص: 167


1- للتفصيل انظر بحار الأنوار 44: 321؛ وروضة الواعظين 1: 188. وأيضاً (أمالي الشيخ الصدوق) و(إرشاد الشيخ المفيد) و(اللّهوف) لابن طاووس، و(مثير الأحزان) لابن نما، و(مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني، وغيرها كثير، فراجع.

فأمر به فضربت عنقه، وعجل اللّه بروحه إلى النار(1).

إلى آخر ما جرى من مصائب عظيمة على عيال الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) في الكوفة وفي الشام وفي الطريق.

البكاء على الحسين (عليه السلام)

ورد في الروايات: عن أبي عمارة المنشد قال: ما ذكر الحسين (عليه السلام) عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) في يوم قط فرئي أبو عبد اللّه في ذلك اليوم متبسّماً قط إلى الليل(2).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «قال الحسين بن علي (عليه السلام) : أنا قتيل العبرة لايذكرني مؤمن إلا استعبر»(3).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) : «إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا، وهتك فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) حرمة في أمرنا، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، وأورثتنا يا أرض كرب وبلاء أورثتنا الكرب البلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء يحط الذنوب العظام»، ثم قال (عليه السلام) : «كان أبي (عليه السلام) إذا دخل شهر المحرم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة

ص: 168


1- راجع الأمالي للصدوق: 151-164، المجلس 30، ح1.
2- كامل الزيارات: 101، ح5.
3- بحار الأنوار 44: 284، ح19.

أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) »(1).

بكاء الكون بأجمعه

عن ميثم التمار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أنّه يبكي عليه - أي على الحسين (عليه السلام) - كل شيء حتى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحر، والطير في السماء، ويبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض، ومؤمنو الإنس والجن وجميع ملائكة السماوات والأرضين، ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً»(2).

وعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إن أبا عبد اللّه (عليه السلام) لما مضى بكت عليه السماوات السبع والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهن، ومن يتقلب في الجنة والنار من خلق ربنا، وما يرى وما لا يرى»(3).

وعن عمار بن أبي عمار قال: أمطرت السماء يوم قتل الحسين (عليه السلام) دماً عبيطاً(4).

وعن نضرة الأزدية قالت: لما قتل الحسين أمطرت السماء دماً وحبابنا وجرارنا صارت مملوءة دماً(5).

وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «يا زرارة، إنّ السماء بكت على الحسين (عليه السلام) أربعين

ص: 169


1- الأمالي للشيخ الصدوق: 128، المجلس 27، ح2.
2- علل الشرائع 1: 228، ح3.
3- كامل الزيارات: 197-198، ح2.
4- بحار الأنوار 45: 217، ح41.
5- المناقب 4: 54.

صباحاً بالدم، وإنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وإنّ الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، وإنّ الجبال تقطعت وانتثرت، وإنّ البحار تفجرّت، وإنّ الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحسين (عليه السلام) ، وما اختضبت منا امرأة ولا ادَّهنت ولا اكتحلت ولا رجَّلت حتى أتانا رأس عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، وما زلنا في عبرة بعده، وكان جدّي (عليه السلام) إذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه، وإنّ الملائكة الذين عند قبره ليبكون فيبكي لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة»(1).

نوح الملائكة

وسُمع نوح الملائكة في أول منزل نزل جيش يزيد قاصدين إلى الشام، ومعهم الأسرى والرؤوس الطاهرة:

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً***أبشروا بالعذاب والتنكيل

كل أهل السماء يدعو عليكم***من نبي ومرسل وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وصاحب الإنجيل(2)

نوح الجن

ولما قُتل الحسين (عليه السلام) بكت عليه الجنّ وسُمع لهم هذه الأبيات:

يا عين جودي بالعبر***وابكي فقد حقّ الخبر

ابكي ابن فاطمة الذي***ورد الفرات فما صدر

الجن تبكي شجوها***لما أتي منه الخبر

ص: 170


1- مستدرك الوسائل 10: 313-314، ح12077.
2- المناقب 4: 63.

قُتل الحسين ورهطه***تعساً لذلك من خبر

فلأبكينك حرقة***عند العشاء وبالسحر

ولأبكينك ما جرى***عرق وما حمل الشجر(1)

وحتى الحيوانات

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «بأبي وأمّي الحسين المقتول بظهر الكوفة، ولكأنِّي أنظر إلى الوحش مادة أعناقها على قبره من أنواع الوحش، يبكونه ويرثونه ليلاً حتى الصباح، فإن كان ذلك فإياكم والجفا»(2).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «بكت الإنس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي (عليه السلام) حتى ذرفت دموعها»(3).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) : «اتخذوا الحمام الراعبية في بيوتكم فإنّها تلعن قتلة الحسين (عليه السلام) ولعن اللّه قاتله»(4).

مواساة الأنبياء (عليهم السلام)

اشارة

لقد شارك الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) الإمام الحسين (عليه السلام) في مصيبته وواسوه ببكائهم عند ذكره (عليه السلام) وربما بدمائهم أيضاً عند وصولهم إلى أرض كربلاء المقدّسة، وذلك محبّة منهم للسبط الشهيد (عليه السلام) ومواساة لجدّه الحبيب (صلی الله عليه وآله وسلم) مع أنّ واقعة عاشوراء لم تكن حدثت بعدُ، وربما كان

ص: 171


1- كامل الزيارات: 97-98، ح11.
2- مستدرك الوسائل 10: 258، ح11965.
3- بحار الأنوار 45: 205، ح8.
4- الكافي 6: 547-548، ح13.

الفاصل بين مواساة الأنبياء (عليهم السلام) والواقعة آلاف السنين، ولكن وعلى الرغم من ذلك ولعظمة الفاجعة فقد واسوه (عليه السلام) وشاطروه بالمصاب.

وهناك روايات عديدة في هذا المجال ممّا يدل على استحباب المواساة مع الإمام الحسين (عليه السلام) بالدم وبمختلف أنواع العزاء، وقد أفتى بذلك الفقهاء والمراجع.

مواساة آدم (عليه السلام) بدمه

ففي الروايات: «إنّ آدم (عليه السلام) لما هبط إلى الأرض لم ير حواء فصار يطوف الأرض في طلبها، فمرّ بكربلاء فاغتم وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) ، حتى سال الدم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر(1) فعاقبتني به؟ فإني طفت جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض.

فأوحى اللّه تعالى إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين (عليه السلام) ظلماً، فسال دمك موافقة لدمه.

فقال آدم: يا رب أيكون الحسين (عليه السلام) نبياً؟

قال: لا، ولكنّه سبط النبي محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقال: ومن القاتل له؟

قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض.

فقال آدم: فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟

فقال: العنه يا آدم، فلعنه أربع مرات ومشى خطوات إلى جبل عرفات

ص: 172


1- كان الذنب الأول ترك الأولى. انظر بحار الأنوار 11: 85.

فوجد حوّاء هناك»(1).

نوح (عليه السلام) ومصيبة الحسين (عليه السلام)

وروي: «أنّ نبي اللّه نوح لما ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا، فلما مرّت بكربلاء أخذته الأرض وخاف نوح الغرق، فدعا ربّه، وقال: إلهي طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض... .

فنزل جبرئيل (عليه السلام) ، وقال: يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين (عليه السلام) سبط محمد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء.

فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل؟

قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات، فسارت السفينة حتى بلغت الجوديّ واستقرّت عليه»(2).

إبراهيم (عليه السلام) وشجّ الرأس للحسين (عليه السلام)

وروي: «أنّ نبي اللّه إبراهيم (عليه السلام) مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً فعثرت به وسقط إبراهيم وشجّ رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار، وقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟

فنزل إليه جبرئيل (عليه السلام) ، وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه.

فرفع إبراهيم (عليه السلام) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً، وأمّن فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أيّ شيء عرفت حتى تؤّمن على دعائي؟

ص: 173


1- بحار الأنوار 44: 242-243، ح37.
2- بحار الأنوار 44: 243، ح38.

فقال: يا إبراهيم أنا أفتخر بركوبك عليّ، فلمّا عثرتُ وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد لعنه اللّه تعالى»(1).

إسماعيل (عليه السلام) ولعن قاتل الحسين (عليه السلام)

وروي: «أنّ نبي اللّه اسماعيل (عليه السلام) كانت أغنامه ترعى بشط الفرات، فأخبره الراعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً، فسأل ربّه عن سبب ذلك، فنزل جبرئيل (عليه السلام) ، وقال: يا إسماعيل سل غنمك فإنّها تجيب عن سبب ذلك... .

فقال لها: لم لا تشربين من هذا الماء؟

فقالت بلسان فصيح: قد بلغنا أنّ ولدك الحسين (عليه السلام) سبط محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) يقتل هنا عطشاناً فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه.

فسألها عن قاتله، فقالت: يقتله لعين أهل السماوات والأرضين والخلائق أجمعين.

فقال إسماعيل: اللّهم العن قاتل الحسين (عليه السلام) »(2).

دم موسى (عليه السلام) مواساة لدم الحسين (عليه السلام)

وروي: «أنّ نبي اللّه موسى (عليه السلام) كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون (عليه السلام) ، فلما جاء إلى أرض كربلاء انخرق نعله، وانقطع شراكه(3)، ودخل الخسك في رجليه وسال دمه، فقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟

ص: 174


1- بحار الأنوار 44: 243، ح39.
2- بحار الأنوار 44: 243-244، ح40.
3- شراك النعل: سيره علی ظهر القدم.

فأوحى اللّه إليه أنّ هنا يقتل الحسين (عليه السلام) ، وهنا يسفك دمه، فسال دمك موافقة لدمه.

فقال: رب ومن يكون الحسين (عليه السلام) ؟

فقيل له: هو سبط محمد المصطفى وابن علي المرتضى (عليهما السلام) .

قال: ومن يكون قاتله؟

فقيل: هو لعين السمك في البحار، والوحوش في القفار، والطير في الهواء.

فرفع موسى (عليه السلام) يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه»(1).

سليمان (عليه السلام) في كربلاء

وروي: «أنّ نبي اللّه سليمان كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء، فمرّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلاء، فأدارت الريح بساطه ثلاث دورات حتى خاف السقوط فسكنت الريح، ونزل البساط في أرض كربلاء.

فقال سليمان للرّيح: لم سكنتي؟

فقالت: إنّ هنا يقتل الحسين (عليه السلام) .

فقال (عليه السلام) : ومن يكون الحسين؟

فقالت: هو سبط محمد المختار، وابن عليّ الكرار.

فقال: ومن قاتله؟

قالت: لعين أهل السماوات والأرض يزيد.

فرفع سليمان يديه، ولعنه ودعا عليه وأمّن على دعائه الإنس والجن

ص: 175


1- بحار الأنوار 44: 244، ح41.

فهبّت الريح وسار البساط»(1).

عيسى (عليه السلام) يلعن قاتل الحسين (عليه السلام)

وروي: «أنّ نبي اللّه عيسى (عليه السلام) كان سائحاً في البراري ومعه الحواريّون فمرّوا بكربلاء، فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق، فتقدّم عيسى (عليه السلام) إلى الأسد، فقال له: لم جلست في هذا الطريق؟ وقال: لا تدعنا نمر فيه؟

فقال الأسد بلسان فصيح: إنّي لم أدع لكم الطريق حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين (عليه السلام) .

فقال عيسى (عليه السلام) : ومن يكون الحسين (عليه السلام) ؟

قال: هو سبط محمد النبي الأمّي وابن علي الوليّ (عليهما السلام) .

قال: ومن قاتله؟

قال: قاتله لعين الوحوش والذباب والسّباع أجمع خصوصاً أيام عاشوراء.

فرفع عيسى (عليه السلام) يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمّن الحواريّون على دعائه، فتنحّى الأسد عن طريقهم ومضوا لشأنهم»(2).

الشعائر الحسينية

اشارة

من أهم المستحبات الشرعية هي إقامة الشعائر الحسينية بمختلف أصنافها، من إقامة المجالس وعقد الندوات والمواكب والبكاء واللطم والزنجيل والتطبير وما أشبه، وقد أفتى الفقهاء بجوازها بل استحبابها(3).

ص: 176


1- بحار الأنوار 44: 244، ح42.
2- بحار الأنوار 44: 244، ح43.
3- راجع كتاب: (التطبير شعار ومنار) لناصر المنصور وكتاب (الشعائر الحسينية) لآية اللّه الشهيد السيد حسن الشيرازي (رحمه الله) .

وقد ورد عن الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: «ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة إلا بوّأه اللّه بها في الجنة حقباً»(1).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) : «من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»(2).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : «من ذكر الحسين (عليه السلام) عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب، كان ثوابه على اللّه عزّوجلّ، ولم يرض له بدون الجنة»(3).

يوم عاشوراء والاشتغال بالعزاء

عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى اللّه له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل اللّه عزّوجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادخر فيه لمنزلة شيئاً لم يبارك له فيما ادخر، وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد اللّه بن زياد وعمر بن سعد لعنهم اللّه إلى أسفل درك من النار» (4).

ص: 177


1- الأمالي للشيخ المفيد: 340-341، المجلس 40، ح6.
2- الأمالي للشيخ الصدوق: 73، المجلس 17، ح4.
3- بحار الأنوار 44: 291، ح33.
4- الأمالي للشيخ الصدوق: 129، المجلس 27، ح4.

زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)

قال الإمام الصادق (عليه السلام) : «إن الحسين بن علي عند ربّه ينظر إلى موضع معسكره ومن حله من الشهداء معه، وينظر إلى زواره، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند اللّه عزّوجلّ من أحدكم بولده، وإنّه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه (عليهم السلام) أن يستغفروا له ويقول: لو يعلم زائري ما أعدّ اللّه له كان فرحه أكثر من جزعه، وإنّ زائره لينقلب وما عليه من ذنب»(1).

وعن الرضا (عليه السلام) : «يا بن شبيب، إن سرّك أن تلقى اللّه عزّوجلّ ولا ذنب عليك فزر الحسين (عليه السلام) »(2).

عند شرب الماء

عن داود الرقي، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا استسقى الماء، فلما شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بدموعه، ثم قال: «يا داود لعن اللّه قاتل الحسين (عليه السلام) وما من عبد شرب الماء فذكر الحسين وأهل بيته ولعن قاتله إلا كتب اللّه عزّوجلّ له مائة ألف حسنة، وحطَّ عنه مائة ألف سيئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنّما اعتق مائة ألف نسمة، وحشره اللّه عزّوجلّ يوم القيامة ثلج الفؤاد»(3).

ص: 178


1- بشارة المصطفى: 77-78.
2- الأمالي للشيخ الصدوق: 129-130، المجلس 27، ح5.
3- الكافي 6: 391، ح6.

درر من كلماته (عليه السلام)

المؤمن لا يسيء

قال الإمام الحسين (عليه السلام) : «إيّاك وما تعتذر منه، فإنّ المؤمن لا يسيء ولايعتذر، والمنافق كل يوم يسيء ويعتذر»(1).

لا تبخل

وقال (عليه السلام) : «مالك إن لم يكن لك كنت له فلا تبق عليه، فإنّه لا يبقى عليك وكله قبل أن يأكلك»(2).

أحسن الكلام

وقال (عليه السلام) لابن عباس يوماً: «يا ابن عباس، لا تكلمنّ فيما لا يعنيك فإنّني أخاف عليك فيه الوزر، ولا تكلمنّ فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعاً، فرب متكلّم قد تكلّم بالحق فعيب، ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً، فإنّ الحليم يقليك، والسفيه يرديك، ولا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا مثل ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه، وأعمل عمل رجلٍ يعلم أنه مأخوذ بالإجرام، مجزى بالإحسان والسلام»(3).

عليك بالرفق

وقال (عليه السلام) : «من أحجم عن الرأي وعييت به الحيل كان الرفق مفتاحه»(4).

ص: 179


1- تحف العقول: 248.
2- بحار الأنوار 68: 357، ح21.
3- كنز الفوائد 2: 32.
4- أعلام الدين: 298.

رضا اللّه لا رضا الناس

وسأله رجل عن خير الدنيا والآخرة؟ فقال (عليه السلام) : «بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد، فإنّ من طلب رضا اللّه بسخط الناس كفاه اللّه أمور الناس، ومن طلب رضا الناس بسخط اللّه وكله اللّه إلى الناس والسلام»(1).

قبول العطاء

وقال (عليه السلام) : «من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم»(2).

صفات شيعتنا

وقال رجل للحسين بن علي (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه أنا من شيعتكم.

قال (عليه السلام) : «اتق اللّه ولا تدعينّ شيئاً يقول اللّه تعالى لك كذبت وفجرت في دعواك، إنّ شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل(3)، ولكن قل: أنا من مواليكم ومن محبّيكم»(4).

علموا أولادكم

أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) على الحسين ابنه (عليه السلام) ، فقال له: «يا بني ما السؤود؟».

قال: «اصطناع العشيرة احتمال الجريرة».

قال: «فما الغنى؟» قال: ­«قلّة أمانيك والرضا بما يكفيك».

ص: 180


1- الاختصاص: 225.
2- بحار الأنوار 68: 357، ح21.
3- الدغل: دخل في الأمر المفسد. النهاية 2: 123.
4- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 309، ح154.

قال: «فما الفقر؟» قال: «الطمع وشدّة القنوط».

قال: «فما اللؤم؟» قال: «إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه».

قال: «فما الخرق؟» قال: «معاداتك أميرك ومن يقدر على ضرك ونفعك».

ثم التفت (عليه السلام) إلى الحارث الأعور، فقال: «يا حارث علّموا هذه الحكم أولادكم؛ فإنّها زيادة في العقل والحزم والرأي»(1).

أكرم وجهك

وقال الإمام الحسين (عليه السلام) : «صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك فأكرم وجهك عن ردّه»(2).

السلام والتحية

وقال (عليه السلام) : «للسلام سبعون حسنة، تسع وستون للمبتدئ، وواحدة للرادّ»(3).

الإجمال في الطلب

وقال (عليه السلام) لرجل: «يا هذا، لا تجاهد في الرزق جهاد المغالب، ولا تتكل على القدر اتكال مستسلم، فإنّ ابتغاء الرزق من السنة، والإجمال في الطلب من العفّة، ليست العفّة بمانعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، وإنّ الرزق مقسوم، والأجل محتوم، واستعمال الحرص طالب المأثم»(4).

ص: 181


1- معاني الأخبار: 401، ح62.
2- كشف الغمة 2: 32.
3- تحف العقول: 248.
4- أعلام الدين: 428.

من أتانا أهل البيت (عليهم السلام)

وقال (عليه السلام) : «من أتانا لم يعدم خصلة من أربع: آية محكمة، وقضية عادلة، وأخاً مستفاداً، ومجالسة العلماء»(1).

زائر الحسين (عليه السلام)

وقال (عليه السلام) : «أنا قتيل العبرة قتلت مكروباً، وحقيق عليَّ أن لا يأتيني مكروب قط إلا ردّه اللّه وأقلبه إلى أهله مسروراً»(2).

للقارئ دعوة مستجابة

وقال (عليه السلام) : «من قرأ آية من كلام اللّه تعالى عزّوجلّ في صلاته قائماً يكتب اللّه له بكل حرف مائة حسنة، فإن قرأها في غير الصلاة كتب اللّه له بكل حرف عشراً، فإن استمع القرآن كان له بكل حرف حسنة، وإن ختم القرآن ليلاً صلّت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن ختمه نهاراً صلت عليه الحفظة حتى يمسي، وكانت له دعوة مجابة، وكان خيراً له مما بين السماء إلى الأرض».

قلت: هذا لمن قرأ القرآن فمن لم يقرأه؟

قال: «يا أخا بني أسد، إنّ اللّه جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما سمعه معه أعطاه اللّه ذلك»(3).

الصدقة المقبولة

ذكر عنده (عليه السلام) رجل من بني أمية تصدق بصدقة كثيرة، فقال (عليه السلام) :

ص: 182


1- بحار الأنوار 44: 195، ح9.
2- كامل الزيارات: 109، ح7.
3- عدة الداعي: 287-288، ح9.

«مثله مثل الذي سرق الحاج وتصدّق بما سرق، إنّما الصدقة صدقة من عرق فيها جبينه، واغبر فيها وجهه، مثل علي (عليه السلام) ، ومن تصدّق بمثل ما تصدق به؟»(1).

من دخل المقابر

وقال (عليه السلام) : «من دخل المقابر فقال: اللّهم ربّ هذه الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليهم روحاً منك وسلاماً منّي، كتب اللّه بعدد الخلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات»(2).

بين المخاطر

قيل للحسين بن علي (عليه السلام) : كيف أصبحت يا ابن رسول اللّه؟

قال (عليه السلام) : «أصبحت ولي ربّ فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، ولا أجد ما أحب، ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإن شاء عذبني، وإن شاء عفا عنّي، فأي فقير أفقر مني»(3).

من أحبّك نهاك

وقال (عليه السلام) : «العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف التقوى، والقنوع راحة الأبدان، ومن أحبّك نهاك، ومن أبغضك

ص: 183


1- دعائم الإسلام 1: 244.
2- بحار الأنوار 99: 300-301، ح31.
3- جامع الأخبار: 90.

أغراك»(1).

من نعم اللّه عليكم

وقال (عليه السلام) : «يا أيّها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولاتحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، واكسبوا الحمد بالنجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّاً، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فاللّه له بمكافأته، فإنّه أجزل عطاءً، وأعظم أجراً.

واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم اللّه عليكم فلا تملّوا النعم فتحور نقماً.

واعلموا أنّ المعروف مكسب حمداً ومعقّب أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً مشوهاً تنفر منه القلوب وتغضّ دونه الأبصار.

أيّها الناس، من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإنّ أجود الناس من أعطى من لا يرجو، وأن أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإن أوصل الناس من وصل من قطعه، والأصول على مغارسها بفروعها تسمو، فمن تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً، ومن أراد اللّه تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومن نفّس كربة مؤمن فرّج اللّه عنه كرب الدنيا والآخرة، ومن أحسن أحسن اللّه إليه، واللّه يحب المحسنين»(2).

ص: 184


1- أعلام الدين: 298.
2- كشف الغمة 2: 29-30.

معارف القرآن

وقال (عليه السلام) : «كتاب اللّه عزّوجلّ على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء»(1).

إيّاك والظلم

وقال (عليه السلام) : «أي بني، إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا اللّه جلّ وعزّ»(2).

عليكم بالتقوى

وقال (عليه السلام) : «أوصيكم بتقوى اللّه وأحذركم أيامه وأرفع لكم إعلامه، فكان المخوف قد أفد بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الأجسام في مدّة الأعمار، كأنكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها، ومن علوّها إلى سفلها، ومن أنسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا اللّه وإياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجانا وإياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه.

عباد اللّه، فلو كان ذلك قصر مَرْماكم ومدى مظعنكم، كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص

ص: 185


1- جامع الأخبار: 41.
2- تحف العقول: 246.

منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ {لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَٰنِهَا خَيْرًا قُلِ ٱنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}(1).

أوصيكم بتقوى اللّه فإنّ اللّه، قد ضمن لمن اتقاه أن يحوّله عما يكره إلى ما يحب، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}(2) فإيّاك أن تكون ممّن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإنّ اللّه تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء اللّه»(3).

الخوف من اللّه

قيل للإمام الحسين (عليه السلام) يوماً: ما أعظم خوفك من ربك؟ قال: «لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف اللّه في الدنيا»(4).

ص: 186


1- سورة الأنعام: 158.
2- سورة الطلاق: 3.
3- بحار الأنوار 75: 120-121، ح3.
4- المناقب 4: 69.

الفصل السادس: الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)

اشارة

ص: 187

ص: 188

الإمام زين العابدين (عليه السلام) في سطور

الاسم: علي (عليه السلام) .

الأب: الإمام الحسين (عليه السلام) .

الأم: شاه زنان(1) بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وقيل: إنّ اسمها (شهربانو)(2).

الكنية: أبو محمد، والخاص: أبو الحسن، ويقال: أبو القاسم(3).

الألقاب: زين العابدين، سيد الساجدين، سيد العابدين، الزكي، الأمين، السجاد، ذو الثفنات(4).

بعض الأوصاف: أسمر دقيق.

نقش الخاتم: وما توفيقي إلا باللّه(5).

مكان الولادة: المدينة المنورة.

ص: 189


1- بمعنى: ملكة النساء.
2- الإرشاد 2: 137.
3- المناقب 4: 175.
4- ومن ألقابه أيضاً: زين الصالحين، وارث علم النبيين، وصي الوصيين، خازن وصايا المرسلين، إمام المؤمنين، منار القانتين والخاشعين، المتهجد، الزاهد، العابد، العدل، البكّاء، إمام الأمة، أبو الأئمة. انظر المناقب 4: 175.
5- بحار الأنوار 46: 14، ح29.

زمان الولادة: يوم الخميس 15 جمادى الآخرة، وقيل: يوم الخميس لتسع خلون من شعبان، سنة 38 للهجرة، قبل وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) بسنتين. وقيل: سنة 37، وقيل: سنة 36، فبقي مع جده أمير المؤمنين (عليه السلام) أربع سنين ومع عمه الحسن (عليه السلام) عشر سنين ومع أبيه عشر سنين. وقيل: مع جدّه سنتين ومع عمّه اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه ثلاث عشر سنة(1).

مدة العمر: 57 عاماً.

زمان الشهادة: 25/ محرم/ 95 ه، وقيل: سنة 94 ه(2).

مكان الشهادة: المدينة المنورة.

القاتل: هشام بن عبد الملك حيث سمّه بأمر الوليد بن عبد الملك(3).

المدفن: البقيع الغرقد في المدينة المنورة مع عمه الإمام الحسن (عليه السلام) (4)،

حيث مزاره الآن، وقد هدم الوهابيون هذه البقاع الطاهرة.

الأخلاق الكريمة

وقف على الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) رجل فأسمعه وشتمه، فلم يكلمه، فلما انصرف قال لجلسائه: «قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا ردّي عليه».

فقالوا له: نفعل ولقد كنا نحب أن تقول له ونقول.

ص: 190


1- المناقب 4: 175.
2- بحار الأنوار 46: 152، ح14.
3- المناقب 4: 176.
4- المناقب 4: 176.

قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: {وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}(1)،

فعلمنا أنه لا يقول له شيئاً، فخرج حتى أتى منزل الرجل فصرخ به، فقال: «قولوا له هذا علي بن الحسين».

قال: فخرج إلينا متوثّباً للشر وهو لا يشك أنه إنما جاءه مكافئاً له على بعض ما كان منه.

فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام) : ­«يا أخي إنك كنت قد وقفت عليّ آنفاً فقلت وقلت، فإن كنت قلت ما فيَّ فاستغفر اللّه منه، وإن كنت قلت ما ليس فيَّ فغفر اللّه لك».فقبّل الرجل بين عينيه وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحق به(2).

وورد أيضاً أنه قد انتهى الإمام (عليه السلام) ذات يوم إلى قوم يغتابونه، فوقف عليهم فقال: «إن كنتم صادقين فغفر اللّه لي، وإن كنتم كاذبين فغفر اللّه لكم»(3).

عفو وموعظة

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «كان بالمدينة رجل بطال يضحك الناس منه، فقال: قد أعياني هذا الرجل أن أضحكه، يعني علي بن الحسين (عليه السلام) .

قال: فمرّ علي (عليه السلام) وخلفه موليان له، فجاء الرجل حتى انتزع رداءه من رقبته ثم مضى، فلم يلتفت إليه علي (عليه السلام) ، فاتبعوه وأخذوا الرداء منه فجاءوا

ص: 191


1- سورة آل عمران: 134.
2- الإرشاد 2: 145-146.
3- الخصال 2: 518، ح4.

به فطرحوه عليه، فقال لهم: من هذا؟

فقالوا له: هذا رجل بطّال يضحك أهل المدينة.

فقال: قولوا له: إنّ لله يوماً يخسر فيه المبطلون»(1).

خدمة الرفقة

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا؟

قالوا: لا.

قال: هذا علي بن الحسين (عليهما السلام) .

فوثبوا فقبّلوا يده ورجله وقالوا: يا بن رسول اللّه أردت أن تصلينا نار جهنم، لو بدرت منّا إليك يد أو لسان، أما كنا قد هلكنا آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا؟

فقال: إني كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني فأعطوني برسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ما لا أستحق، فإنّي أخاف أن تعطوني مثل ذلك فصار كتمان أمري أحبّ إليّ»(2).

مع الفقراء

روي: أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم، وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب حتى يأتي باباً باباً، فيقرعه، ثم يناول من يخرج إليه،

ص: 192


1- أمالي الشيخ الصدوق: 220-221، المجلس 39، ح6.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 145، ح13.

وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه.

فلما توفّي (عليه السلام) فقدوا ذلك، فعلموا أنه كان علي بن الحسين (عليه السلام) .

ولما وُضع (عليه السلام) على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل مما كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين»(1).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «لقد كان - علي بن الحسين (عليهما السلام) - يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة، وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والأضراء والزمنى والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده، ومن كان لهم منهم عيال حمله من طعامه إلى عياله، وكان لا يأكل طعاماً حتى يبدأ ويتصدق بمثله»(2).

الرفق بالحيوان

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «لقد حج الإمام زين العابدين (عليه السلام) على ناقة له عشرين حجّة فما قرعها بسوط، فلما توفّت أمر بدفنها لئلا تأكلها السباع»(3).

في عبادته (عليه السلام)

أفلا أكون عبداً شكورا

أتت فاطمة بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى جابر بن عبد اللّه، فقالت له: يا صاحب رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، إنّ لنا عليكم حقوقاً، ومن حقّنا عليكم إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكروه اللّه وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا

ص: 193


1- وسائل الشيعة 9: 397، ح1235.
2- وسائل الشيعة9: 398، ح12325.
3- الخصال 2: 518 ح4.

علي بن الحسين (عليه السلام) بقية أبيه الحسين (عليه السلام) قد انخرم أنفه ونقبت جبهته وركبتاه وراحتاه، أذاب نفسه في العبادة.

فأتى جابر إلى بابه واستأذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه، قد أنصبته العبادة، فنهض علي (عليه السلام) فسأله عن حاله سؤالاً خفياً، أجلسه بجنبه.

ثم أقبل جابر يقول: يا بن رسول اللّه، أما علمت أنّ اللّه خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟

فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) : «يا صاحب رسول اللّه، أما علمت أنّ جدي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد هو بأبي وأمّي حتى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً!».

فلما نظر إليه جابر وليس يُغِني فيه قول، قال: يا بن رسول اللّه، البقيا على نفسك، فإنّك من أسرة بهم يستدفع البلاء، وتستكشف اللأواء، وبهم تستمسك السماء.

فقال: «يا جابر، لا أزال على منهاج أبوي مؤتسياً بهما حتى ألقاهما».

فأقبل جابر على من حضر، فقال لهم: ما رئي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين (عليه السلام) إلا يوسف بن يعقوب (عليه السلام) ، واللّه، لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف(1).

ص: 194


1- المناقب 4: 148-149.

من يقوى على عبادة علي (عليه السلام)

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «لقد دخل ابنه أبو جعفر (عليه السلام) عليه - أي على الإمام السجاد (عليه السلام) - فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفرّ لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر (عليه السلام) : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر، فالتفت إليّ بعد هنيهة من دخولي وقال:

يا بنيّ، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً، ثم تركها من يده تضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) »(1).

خوفاً من اللّه

وعن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) : «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا قام في الصلاة تغيّر لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ عرقاً»(2).

ألف ركعة

عن الإمام الباقر (عليه السلام) : «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة... .

وكان إذا قام في صلاته غشي لونَهُ لَونٌ آخر.

وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل.

ص: 195


1- كشف الغمة 2: 85.
2- الكافي 3: 300، ح5.

كانت أعضاؤه ترتعد من خشية اللّه.

وكان يصلي صلاة مودع يرى أنه لا يصلي بعدها أبداً»(1).

سيد الساجدين

عن الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ أبي علي بن الحسين (عليهما السلام) ما ذكر نعمة اللّه عليه إلا سجد.

ولا قرأ آية من كتاب اللّه عزّوجلّ فيها سجود إلا سجد.

ولا دفع اللّه تعالى عنه سوءً يخشاه أو كيد كايد إلا سجد.

ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد.

ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد.

وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي السّجاد لذلك»(2).

أين زين العابدين؟

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين زين العابدين؟ فكأنّي أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) يخطر بين الصفوف»(3).

ذو الثفنات

عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «لقد كان يسقط منه كل سنة سبع ثفنات

ص: 196


1- الخصال 2: 517، ح4.
2- علل الشرائع 1: 232-233، ح1.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 331، المجلس 53، ح12.

من مواضع سجوده؛ لكثرة صلاته وكان يجمعها فلمّا مات دفنت معه»(1).

وقال الإمام محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) : «كان لأبي (عليه السلام) في موضع سجوده آثار ناتية، وكان يقطعها في السنة مرّتين في كل مرّة خمس ثفنات فسمّي ذا الثفنات لذلك»(2).

بين يدي اللّه عزّوجلّ

عن الإمام الباقر (عليه السلام) : «لقد صلّى - علي بن الحسين (عليه السلام) - ذات يوم، فسقط الرداء عن أحد منكبيه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته، فسأله بعض أصحابه عن ذلك؟

فقال: ويحك أتدري بين يدي من كنت، إن العبد لا تقبل من صلاته إلا ما أقبل عليه منها بقلبه.

فقال الرجل: هلكنا.

فقال: كلا إنّ اللّه عزّوجلّ متمّم ذلك بالنوافل»(3).

سيد الزاهدين

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ولقد سألت عنه - الإمام السجاد (عليه السلام) - مولاة له، فقالت: أطنب أو اختصر؟

فقيل: بل اختصري.

فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً، ولا فرشت له فراشاً ليلاً قط»(4).

ص: 197


1- وسائل الشيعة 11: 542، ح15489.
2- علل الشرائع 1: 233، ح1.
3- بحار الأنوار 46: 61-62، ح19.
4- المناقب 4: 155.

بين السجّاد والخليل (عليهما السلام)

عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «قال علي بن الحسين (عليه السلام) مرضت مرضاً شديداً فقال لي أبي (عليه السلام) : ما تشتهي؟

فقلت: أشتهي أن أكون ممّن لا أقترح على اللّه ربّي سوى ما يدبره لي.

فقال لي: أحسنت، ضاهيت إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث قال له جبرئيل (عليه السلام) : هل من حاجة؟ فقال: لا أقترح على ربّي بل حسبي اللّه ونعم الوكيل»(1).

في صحراء عرفات

عن الإمام الباقر (عليه السلام) ، قال: «نظر علي بن الحسين (عليهما السلام) يوم عرفة إلى قوم يسألون الناس، فقال: ويحكم أغير اللّه تسألون في مثل هذا اليوم؟!، إنّه ليرجى في مثل هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكون سعيداً»(2).

الحبّ في اللّه

قال له رجل: إنّي لأحبّك في اللّه حباً شديداً، فنكس (عليه السلام) رأسه ثم قال: «اللّهم إنّي أعوذ بك أن أُحَبَّ فيك وأنت لي مبغض» ثم قال له: «أحبك للذي تحبّني فيه»(3).

مدرسة الدعاء

إنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان حاضراً في يوم عاشوراء، وقد شاء اللّه

ص: 198


1- دعوات الراوندي: 168، ح468.
2- مستدرك الوسائل 10: 35، ح11391.
3- تحف العقول: 282.

عزّوجلّ أن تحفظ ذرية رسوله (صلی الله عليه وآله وسلم) وأن لا تخلو الأرض من الحجّة، فأصيب الإمام (عليه السلام) بمرض شديد لا يقوى على الحركة والقيام، فلم يتمكن من الدفاع عن أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) والشهادة في سبيله، إلا أنه كان السر في إحياء واقعة عاشوراء وعدم طمسها.

فقد بدأ الإمام (عليه السلام) بعد واقعة عاشوراء بتوعية الأمة، وفضح بني أمية، وذلك عبر مدرسة الدعاء والبكاء.

فالصحيفة السجادية تشتمل على عشرات الأدعية المأثورة عن الإمام علي ابن الحسين (عليه السلام) في مختلف المجالات، وهي مدرسة متكاملة توجب وعي الأمة وسوقها إلى الإيمان والفضيلة والتقوى.

البكاء ثورة

أمّا البكاء، فهو سلاح المظلوم، وقد كان بكاء الإمام زين العابدين (عليه السلام) ثورة في وجه الطغاة، حيث كان الإمام (عليه السلام) يبكي وبشدّة على ظلامة أبيه الحسين (عليه السلام) في كل موقف وعند كل مناسبة وأمام جميع الناس وكان يذكّرهم بأنّ أباه الحسين (عليه السلام) قتل عطشاناً مظلوماً.

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «ولقد كان (عليه السلام) بكى على أبيه الحسين (عليه السلام) عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: يا ابن رسول اللّه، أما آن لحزنك أن ينقضي؟

فقال له: ويحك، إنّ يعقوب النبي (عليه السلام) كان له اثنا عشرة ابناً، فغيب اللّه عنه واحداً منه، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حياً في الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمّي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي

ص: 199

حزني؟»(1).

كيف لا أبكي

وكان (عليه السلام) إذا أخذ إناء ليشرب الماء - تذكر عطش أبيه الحسين (عليه السلام) ومن معه - فيبكي حتى يملأها دمعاً.

فقيل له في ذلك.

فقال: «وكيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش»(2).

ثواب البكاء

وكان الإمام (عليه السلام) يحث الناس على البكاء على أبيه الحسين (عليه السلام) ويبيّن لهم ثواب ذلك.

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «كان علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (عليه السلام) حتى تسيل على خدّه بوّأه اللّه تعالى في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خدّيه فيما مسّنا من الأذى من عدونا في الدنيا بوّأه اللّه منزل صدق، وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة أو أذى فينا صرف اللّه من وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخط النار»(3).

تربية المجتمع

وكان الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يشتري العبيد والإماء، ثم يربيهم تربية

ص: 200


1- الخصال 2: 518-519، ح4.
2- بحار الأنوار 46: 109، ح1.
3- ثواب الأعمال: 83.

إسلامية حسنة ويثقفهم بالمعارف الدينية والأحكام الشرعية، ويعلّمهم أخلاق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وتفسير القرآن، ثم يعتقهم في سبيل اللّه عزّوجلّ، فكانوا نواة الخير في المجتمع آنذاك والناس يرجعون إليهم في معرفة أحكام الدين والقرآن.

من كراماته (عليه السلام)

حجر أسود

عن أبي الخير علي بن يزيد أنه قال: كنت مع علي بن الحسين (عليه السلام) عندما انصرف من الشام إلى المدينة، فكنت أحسن إلى نسائه، وأتوارى عنهم إذا نزلوا وأبعد عنهم إذا رحلوا، فلما نزلوا المدينة بعثوا إليّ بشيء من حليهن، فلم آخذه وقلت: فعلت هذا لله ولرسوله... .

فأخذ علي بن الحسين (عليه السلام) حجراً أسود صمّاً فطبعه بخاتمه، وقال: «خذه وسل كل حاجة لك منه».

قال: فواللّه الذي بعث محمداً بالحق لقد كنت أسأله الضوء في البيت فينسرج في الظلماء، وأضعه على الأقفال فتفتح لي، وآخذه بيدي وأقف بين أيدي السلاطين فلا أرى إلا ما أحب(1).

هذا ابن فاطمة

روي: أنه حج هشام بن عبد الملك فلم يقدر على الاستلام - استلام الحجر - من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام، فبينما

ص: 201


1- دلائل الإمامة: 201، ح119.

هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين (عليه السلام) وعليه إزار ورداء من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة، بين عينيه سجادة كأنّها ركبة عنز، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتى يستلمه هيبة له.

فقال شامي: من هذا يا أمير؟

فقال: لا أعرفه، لئلّا يرغب فيه أهل الشام.

فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّي أنا أعرفه.

فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟

فأنشأ:

يا سائلي أين حلّ الجود والكرم***عندي بيان إذا طلّابه قدموا

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته***والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم***هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي أحمد المختار والده***صلّى عليه إلهي ما جرى القلم

لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه***لخرّ يلثم منه ما وطي القدم

هذا علي رسول اللّه والده***أمست بنور هداه تهتدي الأمم

هذا الذي عمّه الطيار جعفر***والمقتول حمزة ليث حبه قسم

هذا ابن سيدة النسوان فاطمة***وابن الوصي الذي في سيفه نقم

إذا رأته قريش قال قائلها***إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يكاد يمسكه عرفان راحته***ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

وليس قولك من هذا بضائره***العرب تعرف من أنكرت والعجم

ينمي إلى ذروة العز التي قصرت***عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يغضي حياء ويُغضى من مهابته***فما يكلّم إلا حين يبتسم

ينجاب نور الدجى عن نور غرته***كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

ص: 202

بكفّه خيزران ريحه عبق***من كف أروع في عرنينه شمم

ما قال لا قط إلا في تشهده***لولا التشهّد كانت لاؤه نعم

مشتقة من رسول اللّه نبعته***طابت عناصره والخيم والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا***حلو الشمائل تحلو عنده نعم

إن قال قال بما يهوى جميعهم***وإن تكلم يوما زانه الكلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله***بجده أنبياء اللّه قد ختموا

اللّه فضله قدما وشرفه***جرى بذاك له في لوحه القلم

من جدّه دان فضل الأنبياء له***وفضل أمته دانت لها الأمم

عمّ البرية بالإحسان وانقشعت***عنها العماية والإملاق والظلم

كلتا يديه غياث عمّ نفعهما***يستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره***يزينه خصلتان الحلم والكرم

لا يخلف الوعد ميموناً نقيبته***رحب الفناء أريب حين يعترم

من معشر حبّهم دين وبغضهم***كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبّهم***ويستزاد به الإحسان والنعم

مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم***في كل فرض ومختوم به الكلم

إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم***أو قيل من خير أهل الأرض قيل هُم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم***ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت***والأُسد أُسد الشرى والبأس محتدم

يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم***خيم كريم وأيد بالندى هضم

لا يقبض العسر بسطاً من أكفّهم***سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا

إن القبائل ليست في رقابهم***لأولية هذا أو له نعم

من يعرف اللّه يعرف أولية ذا***فالدين من بيت هذا ناله الأمم

بيوتهم في قريش يستضاء بها***في النائبات وعند الحكم إن حكموا

ص: 203

فجده من قريش في أرومتها***محمد وعلي بعده علم

بدر له شاهد والشعب من أحد***والخندقان ويوم الفتح قد علموا

وخيبر وحنين يشهدان له***وفي قريظة يوم صيلم قتم

مواطن قد علت في كل نائبة***على الصحابة لم أكتم كما كتموا

فغضب هشام ومنع جائزته وقال: ألا قلت فينا مثلها؟!

قال: هات جداً كجدّه، وأباً كأبيه، وأمّاً كأمّه، حتى أقول فيكم مثلها.

فحبسوه بعسفان بين مكة والمدينة، فبلغ ذلك علي بن الحسين (عليه السلام) فبعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: «أعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به».

فردّها وقال: يا ابن رسول اللّه، ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله ولرسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئاً.

فردّها إليه وقال: «بحقّي عليك لما قبلتها فقد رأى اللّه مكانك وعلم نيتّك فقبلها»(1).

فأين ربك؟

خرج علي بن الحسين (عليه السلام) إلى مكة حاجاً حتى انتهى إلى بين مكة والمدينة، فإذا هو برجل يقطع الطريق، فقال لعلي بن الحسين (عليهما السلام) : أنزل.

قال (عليه السلام) : «تريد ماذا؟».

قال: أريد أن أقتلك وآخذ ما معك.

قال (عليه السلام) : «فأنا أُقاسمك ما معي وأحلّلك».

ص: 204


1- بحار الأنوار 46: 124-127، ح17.

قال: فقال اللص: لا.

قال: «فدع معي ما أتبلّغ به».

فأبى.

قال: «فأين ربّك؟».

قال: نائم!.

قال: فإذا أسدان مقبلان بين يديه فأخذ هذا برأسه وهذا برجليه.

قال: «زعمت إنّ ربك عنك نائم»(1).

حينما تشكو الظبية

روي: بينا علي بن الحسين (عليهما السلام) كان جالساً مع أصحابه إذ أقبلت ظبية من الصحراء حتى قامت بحذاه وضربت بذنبها وحمحمت، فقال بعض القوم: يا ابن رسول اللّه، ما تقول هذه الظبية؟

قال: «تزعم أنّ فلان بن فلان القرشي أخذ خشفها بالأمس وأنّها لم ترضعه منذ أمس شيئاً»، فوقع في قلب رجل من القوم شيء.

فأرسل علي بن الحسين (عليهما السلام) إلى القرشي فأتاه، فقال له: «ما لهذه الظبية تشكوك؟».

قال: وما تقول؟

قال: «تقول: إنّك أخذت خشفها(2)

بالأمس في وقت كذا وكذا، وأنّها لم ترضعه شيئاً منذ أخذته، وسألتني أن أبعث إليك فأسألك أن تبعث به إليها

ص: 205


1- المناقب 4: 140.
2- الخشف: ولد الظبي أول ما يولد.

لترضعه وتردّه إليك».

فقال الرجل: والذي بعث محمداً (صلی الله عليه وآله وسلم) بالحق لقد صدقت عليّ.

قال: فأرسل إلى الخشف فجيء به.

قال: فلما جاء به أرسله إليها، فما رأته حمحمت وضربت بذنبها ثم رضع منها... .

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) للرجل: «بحقّي عليك إلا وهبته لي».

فوهبه له.

ووهبه علي بن الحسين (عليهما السلام) لها، وكلّمها بكلامها.

فحمحمت وضربت بذنبها وانطلقت وانطلق الخشف معها.

فقالوا: يا ابن رسول اللّه ما الذي قالت؟

قال: «دعت لكم وجزتكم خيراً»(1).

شهادته (عليه السلام) وسبب ذلك

كانت شهادة الإمام زين العابدين (صلوات اللّه وسلامه عليه) في يوم 25 من شهر محرم الحرام عام 94 للهجرة (2).

وقيل: كانت يوم السبت لأحد عشر ليلة بقيت من المحرم أو لاثنتي عشرة سنة خمسة وتسعين للهجرة، وله يومئذ (57 سنة) وقيل: (59 سنة) وقيل: (54 سنة)(3).

ص: 206


1- كشف الغمة 2: 109-110.
2- مصباح المتهجد: 787، المحرم.
3- انظر الكافي 1: 468، ح6؛ والمناقب 4: 175؛ وراجع بحار الأنوار 46: 152، ح14.

وقد سمّه الوليد بن عبد الملك، فقضى نحبه مسموماً شهيداً، ودفن في البقيع الغرقد(1) حيث مزاره الآن، وقد هدم الوهابيون تلك المزارات الطاهرة.

الوصية

روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «لما حضرت علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة ضمّني إلى صدره، ثم قال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي (عليه السلام) حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه به، قال: يا بنيّ إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا اللّه»(2).

وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: «لما حضر علي بن الحسين (عليه السلام) الوفاة، أغمي عليه ثلاث مرّات، فقال في المرة الأخيرة: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ}(3) ثم توفّي (عليه السلام) »(4).

درر من كلماته (عليه السلام)

الدنيا قنطرة

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام) يوماً لأصحابه: «إخواني، أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدنيا؛ فإنّكم عليها حريصون وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم (عليه السلام) للحواريين، قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً، تلكم الدار الدنيا

ص: 207


1- المناقب 4: 176.
2- أمالي الشيخ الصدوق: 182، المجلس 34، ح10.
3- سورة الزمر: 74.
4- تفسير القمي 2: 254.

فلاتتخذوها قراراً»(1).

أحبكم إلى اللّه

عن أبي حمزة الثمالي، قال: إنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقول لأصحابه: «إن أحبكم إلى اللّه عزّوجلّ أحسنكم عملاً.

وإن أعظمكم عند اللّه عملاً أعظمكم فيما عند اللّه رغبة.

وإنّ أنجاكم من عذاب اللّه أشدكم خشية لله.

وإنّ أقربكم من اللّه أوسعكم خلقاً.

وإنّ أرضاكم عند اللّه أسبغكم على عياله.

وإنّ أكرمكم عند اللّه جلّ وعزّ أتقاكم لله تعالى»(2).

الموت عند المؤمن والكافر

قيل له (عليه السلام) : ما الموت؟

قال (عليه السلام) : «للمؤمن كنزع ثياب وسخة قملة، وفكّ قيود وأغلال ثقيلة، والاستبدال بأفخر الثياب وأطيبها روائح وأوطأ المراكب وآنس المنازل، وللكافر كخلع ثياب فاخرة، والنقل عن منازل أنيسة، والاستبدال بأوسخ الثياب وأخشنها، وأوحش المنازل وأعظم العذاب»(3).

فلان وفلان؟

وقال (عليه السلام) : «ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم

ص: 208


1- أمالي الشيخ المفيد: 43، المجلس 6، ح1.
2- تنبيه الخواطر 2: 46-47.
3- معاني الأخبار: 289، ح4.

ولهم عذاب أليم: من جحد إماماً من اللّه، أو ادّعى إماماً من غير اللّه، أو زعم أنّ لفلان وفلان في الإسلام نصيباً»(1).

كل الخير

وقال (عليه السلام) : «فقد رأيت الخير كلّه قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس، ومن لم يرج الناس في شيء وردّ أمره في جميع أموره إلى اللّه عز وجل استجاب اللّه عز وجل له في كل شيء»(2).

حقوق الأخوان

وقال (عليه السلام) : «يغفر اللّه للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع حقوق الإخوان»(3).

الصبر

وقال (عليه السلام) في جملة وصاياه (عليه السلام) لابنه: «يا بني اصبر على النوائب، ولاتتعرّض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته له»(4).

بين الدنيا والآخرة

وقال (عليه السلام) : «إنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا.

ص: 209


1- تفسير العياشي 1: 178، ح65.
2- الكافي 2: 148، ح3.
3- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) : 321، ح166.
4- المناقب 4: 165.

ألا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة.

ألا إنّ الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً والتراب فراشاً والماء طيباً وقرضوا من الدنيا تقريضاً.

ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب.

ألا إنّ لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل النار في النار معذّبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياماً قليلة، فصاروا بعقبى راحةٍ طويلة، أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم، وأمّا النهار فحكماء علماء، بررة أتقياء، كأنّهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها»(1).

لا تصحبنّ خمسة

عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: «أوصاني أبي، فقال: يا بني، لاتصحبنّ خمسة، ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق.

فقلت: جعلت فداك يا أبة من هؤلاء الخمسة؟

قال: لا تصحبّن فاسقاً، فإنّه يبيعك بأكلة فما دونها.

فقلت: يا أبة وما دونها؟

ص: 210


1- الكافي 2: 131-132، ح15.

قال: يطمع فيها ثم لا ينالها.

قال: قلت: يا أبة ومن الثاني؟

قال: لا تصحبنّ البخيل، فإنّه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه.

فقلت: ومن الثالث؟

قال: لا تصحبنّ كذاباً، فإنّه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرب منك البعيد.

قال: فقلت: ومن الرابع؟

قال: لا تصحبنّ أحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك.

قال: قلت: يا أبة من الخامس؟

قال: لا تصحبنّ قاطع رحم فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب اللّه في ثلاثة مواضع»(1).

أربع أعين

وقال (عليه السلام) : «ألا إنّ للعبد أربع أعين، عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد اللّه بعبد خيراً فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه»(2).

احذر الأحمق

وقال (عليه السلام) : «كَفّ الأذى رفض البذاء، واستعن على الكلام بالسكوت فإنّ

ص: 211


1- كشف الغمة 2: 81.
2- الخصال 1: 240، ح90.

للقول حالات تضر، فاحذر الأحمق»(1).

الصدق والوفاء

وقال (عليه السلام) : «خير مفاتيح الأمور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء»(2).

مسكين ابن آدم

جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) يشكو إليه حاله، فقال (عليه السلام) : «مسكين ابن آدم، له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن، ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فأمّا المصيبة الأولى: فاليوم الذي ينقص من عمره.

قال: وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شيء.

والثانية: أنه يستوفي رزقه فإن كان حلالاً حوسب عليه، وإن كان حراماً عوقب عليه.

قال: والثالثة أعظم من ذلك».

قيل: وما هي؟

قال: «ما من يوم يمسي إلا وقد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنة أم على النار»(3).

أكبر ما يكون ابن آدم

وقال (عليه السلام) : «أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من أمه».

ص: 212


1- بحار الأنوار 75: 161، ح22.
2- أعلام الدين: 300.
3- بحار الأنوار 75: 160، ح21.

قالت الحكماء: ما سبقه إلى هذا أحد(1).

ثلاث خصال

وقال (عليه السلام) : «لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وشفاعة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وسعة رحمة اللّه»(2).

الخوف والحياء

وقال (عليه السلام) : «خف اللّه تعالى لقدرته عليك واستحي منه لقربه منك»(3).

لا للعداوة

وقال (عليه السلام) : «لا تعاديّن أحداً وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك؛ فإنّه لا تدري متى تخاف عدوك ومتى ترجو صديقك، وإذا صليت فصل صلاة مودع»(4).

الشرف في التواضع

وقال (عليه السلام) : «لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به، ولا تزهد في مراجعة الجميل وإن كنت قد شهرت بخلافه، وإيّاك والرضا بالذنب فإنّه أعظم من ركوبه، والشرف في التواضع والغنى في القناعة»(5).

ص: 213


1- الاختصاص: 342.
2- أعلام الدين: 299.
3- بحار الأنوار 75: 160، ح22.
4- بحار الأنوار 75: 160، ح22.
5- أعلام الدين: 299.

ص: 214

الفصل السابع: الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

اشارة

ص: 215

ص: 216

الإمام الباقر (عليه السلام) في سطور

الاسم: محمد (عليه السلام) .

الأب: الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) .

الأم: فاطمة بنت الإمام الحسن (عليه السلام) ، وهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويين.

الكنية: أبو جعفر.

الألقاب: الباقر، الشاكر، الهادي، الأمين، الشبيه، الصابر، الشاهد(1).

الأوصاف: ربع القامة، دقيق البشرة، جعد الشعر، أسمر، له خال على خدّه، وخال أحمر في جسده، ضامر الكشح، حسن الصوت، مطرق الرأس(2).

نقش الخاتم: (العزّة لله جميعاً) (3)، وقيل: إنّه (عليه السلام) كان يتختّم بخاتم جدّه الحسين (عليه السلام) ونقشه: (إنّ اللّه بالغ أمره)(4).

مكان الولادة: المدينة المنورة.

زمان الولادة: يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الجمعة، أول رجب ، وقيل: الثالث

ص: 217


1- راجع كشف الغمة 2: 117؛ دلائل الإمامة: 216.
2- المناقب 4: 210.
3- راجع تهذيب الأحكام 1: 31-32، ح22.
4- راجع الكافي 6: 474، ح8.

من صفر، سنة 57 هجري(1).

مدّة العمر: 57 سنة.

مدّة إمامته: 19 سنة، وقيل: 18 سنة(2).

وكان (عليه السلام) حاضراً في واقعة الطف وعمره 4 سنوات(3).

مكان الشهادة: المدينة المنورة.

زمان الشهادة: يوم الاثنين 7 / ذو الحجة / 114 هجري، وقيل: قبض في شهر ربيع الأول 114 هجري(4).

القاتل: إبراهيم بن الوليد بن يزيد(5).

وسيلة القتل: السم.

المدفن: البقيع الغرقد في المدينة المنورة.

وقد هدم الوهابيون قبره الشريف في 8 شوال 1344 هجرية(6).

أشبه الناس بالرسول الأعظم (صلی الله عليه وآله وسلم)

عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أنه قال: فإذا مضى للحسين أقام بالأمر بعده علي ابنه وهو الحجة والإمام ويخرج اللّه من صلبه ولداً سميي وأشبه الناس بي، علمه علمي، وحكمه حكمي، هو الإمام والحجة بعد أبيه...(7) الحديث.

ص: 218


1- المناقب 4: 210.
2- المناقب 4: 210.
3- بحار الأنوار 46: 216، ح15.
4- دلائل الإمامة: 94؛ وروضة الواعظين 1: 207.
5- دلائل الإمامة: 94.
6- انظر كتاب (البقيع الغرقد) للإمام الشيرازي (قدس سره) .
7- كفاية الأثر: 164.

النبي الأكرم (صلی الله عليه وآله وسلم) يقرؤه السلام

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وكان رجلاً منقطعاً إلينا أهل البيت، وكان يقعد في مسجد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وهو معتجر(1) بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر.

فكان يقول: واللّه ما أهجر، ولكنّي سمعت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقول: إنك ستدرك رجلاً منّي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول.

قال: فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض المدينة إذا مرّ بطريق في ذاك الطريق كُتَّاب فيه محمد بن علي، فلما نظر إليه قال: يا غلام أقبل، فأقبل.

ثم قال له: أدبر، فأدبر.

ثم قال: شمائل رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) والذي نفسي بيده، يا غلام ما اسمك؟

قال: اسمي محمد بن علي بن الحسين.

فأقبل عليه يقبّل رأسه ويقول: بأبي أنت وأمّي، أبوك رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يقرئك السلام»(2).

باقر العلوم

كان الإمام الباقر (عليه السلام) أعلم أهل زمانه، وقد استفاد من مدرسته العلمية آلاف من التلامذة، وقد عرّفهم الإمام (عليه السلام) علوم الإسلام وتفسير القرآن

ص: 219


1- اعتجر العمامة: لبسها.
2- الكافي 1: 469-470، ح2.

والأحكام الشرعية وسنة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) .

وقد اعترف بكثير علمه جميع المسلمين.

عن عمرو بن شمر، قال: سألت جابر بن يزيد الجعفي فقلت له: ولم سُمّي الباقر باقراً؟

قال: لأنه بقر العلم بقراً، أي شقّه شقّاً وأظهره إظهاراً(1).

وفي الصواعق المحرقة: «أبو جعفر محمد الباقر سمّي بذلك: من بقر الأرض أي شقها وأثار مخبآتها ومكامنها؛ فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة اللّه، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة، وكفاه شرفاً: أنّ ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير: رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) يسلّم عليك، فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: كنت جالساً عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم ولده، ثم يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فأقرئه منّي السلام.

توفّي (عليه السلام) سنة سبع عشرة عن ثمان وخمسين سنة مسموماً كأبيه، وهو

ص: 220


1- علل الشرائع 1: 233، ح1.

علوي من جهة أبيه وأمّه، ودفن أيضاً في قبّة الحسن والعباس بالبقيع، وخلّف ستة أولاد»(1).

وكان (عليه السلام) علماً يضرب به الأمثال بكثرة علمه ويقال:

يا باقر العلم لأهل التقى***وخير من لبّى على الأجبل(2)

وعن عبد اللّه بن عطاء المكي أنه قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنّه صبي بين يدي معلّمه(3).

وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمد بن علي (عليه السلام) شيئاً قال: حدّثني وصي الأوصياء ووارث علوم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) (4).

وعن محمد بن مسلم أنه قال: ما شجرني في قلبي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام) ، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث(5).

الذكر الدائم

كان الإمام الباقر (عليه السلام) قمّة في العبادة والتقوى، والزهد عن الدنيا.

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال:

«كان أبي (عليه السلام) كثير الذكر لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر اللّه، وآكل

ص: 221


1- الصواعق المحرقة: 201.
2- انظر الإرشاد 2: 157.
3- بحار الأنوار 46: 286، ح2.
4- خاتمة المستدرك الوسائل 4: 213.
5- الاختصاص: 201.

معه الطعام وإنه ليذكر اللّه، ولقد كان يحدّث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر اللّه، وكنت أرى لسانه لازقاً بحنكه يقول: لا إله إلا اللّه، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا ومن كان لا يقرأ منّا أمره بالذكر»(1).

من أخلاقه (عليه السلام)

حسن المداراة

روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن محمد بن سليمان عن أبيه، قال:

كان رجل من أهل الشام يختلف إلى أبي جعفر (عليه السلام) وكان مركزه بالمدينة فكان يقول له: يا محمد، ألا ترى أنّي إنّما أغشي مجلسك حياءً منّي منك ولا أقول إنّ أحداً في الأرض أبغض إليّ منكم أهل البيت، وأعلم إنّ طاعة اللّه وطاعة رسوله وطاعة أمير المؤمنين في بغضكم، ولكن أراك رجلاً فصيحاً لك أدب وحسن لفظ، فإنّما اختلافي إليك لحسن أدبك!.

وكان أبو جعفر (عليه السلام) يقول له خيراً، ويقول: لن تخفى على اللّه خافية.

فلم يلبث الشامي إلا قليلاً حتى مرض واشتدّ وجعه، فلما ثقل دعا وليّه وقال له: إذا أنت مددت عليّ الثوب فأت محمد بن علي (عليهما السلام) وسله أن يصلّي عليّ، وأعلمه إنّي أنا الذي أمرتك بذلك.

قال: فلما أن كان في نصف الليل ظنّوا أنه قد برد وسجوّه، فلما أن أصبح الناس خرج وليه إلى المسجد، فلما أن صلّى محمد بن علي (عليهما السلام) وتورّك، وكان إذا صلى عقب في مجلسه، قال له: يا أبا جعفر إنّ فلان الشامي قد

ص: 222


1- الكافي 2: 498-499، ح1.

هلك وهو يسألك أن تصلّي عليه.

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «كلا إنّ بلاد الشام بلاد صرد والحجاز بلاد حرّ ولهبها شديد، فانطلق فلا تعجلنّ على صاحبك حتى آتيكم».

ثم قام (عليه السلام) من مجلسه فأخذ (عليه السلام) وضوءً، ثم عاد فصلّى ركعتين ثم مدّ يده تلقاء وجهه ما شاء اللّه، ثم خرّ ساجداً حتى طلعت الشمس ثم نهض (عليه السلام) ، فانتهى إلى منزل الشامي فدخل عليه، فدعاه فأجابه، ثم أجلسه وأسنده ودعا له بسويق فسقاه وقال لأهله: «املئوا جوفه وبرّدوا صدره بالطعام البارد».

ثم انصرف (عليه السلام) فلم يلبث إلا قليلاً حتى عوفي الشامي، فأتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: أخلني، فأخلاه فقال: أشهد أنك حجّة اللّه على خلقه وبابه الذي يؤتى منه، فمن أتى من غيرك خاب وخسر وضلّ ضلالاً بعيداً.

قال له أبو جعفر (عليه السلام) : «وما بدا لك؟».

قال: أشهد أنّي عهدت بروحي وعاينت بعيني فلم يتفاجأني إلا ومناد ينادي أسمعه بأذني ينادي وما أنا بالنائم: ردّوا عليه روحه فقد سألنا ذلك محمد ابن علي (عليه السلام) .

فقال له أبو جعفر: «أما علمت أنّ اللّه يحب العبد ويبغض عمله، ويبغض العبد ويحب عمله» - أي إنك كنت مبغوضاً لدى اللّه لكن عملك وهو حبّنا مطلوباً عنده تعالى - .

قال الراوي: فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر (عليهما السلام) (1).

ص: 223


1- بحار الأنوار 46: 233-234، ح1.

لا، أنا باقر

قال نصراني للإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : أنت بقر!.

قال: «أنا باقر».

قال: أنت ابن الطباخة.

قال: «ذاك حرفتها».

قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية.

قال: «إن كنت صدقت غفر اللّه لها، وإن كنت كذبت غفر اللّه لك».

فأسلم النصراني(1)

ببركة أخلاقه (عليه السلام) .

قمّة الجود والكرم

قال سفيان: ما لقينا أبا جعفر (عليه السلام) إلا وحمل الينا النفقة والصلة والكسوة، فقال: «هذه معدة لكم قبل أن تلقوني»(2).

استنفق هذه

وعن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) الحاجة وجفاء الإخوان!.

فقال (عليه السلام) : «بئس الأخ أخ يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً»، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم، فقال: «استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني»(3).

ص: 224


1- المناقب 4: 207.
2- بحار الأنوار 46: 288، ح7.
3- الارشاد 2: 166.

من كراماته ومعاجزه (عليه السلام)

إحضار الميت

عن أبي عيينة قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فدخل رجل، فقال: أنا من أهل الشام أتولاكم وأبرأ من عدوكم وأبي كان يتولى بني أميّة وكان له مال كثير ولم يكن له ولد غيري، وكان مسكنه بالرملة وكانت له جنينة يتخلّى فيها بنفسه، فلما مات طلبت المال فلم أظفر به ولا أشك أنه دفنه وأخفاه منّي.

قال أبو جعفر (عليه السلام) : «أفتحب أن تراه وتسأله أين موضع ماله؟».

قال: إي واللّه إنّي فقير محتاج.

فكتب أبو جعفر (عليه السلام) كتاباً وختمه بخاتمه ثم قال: «انطلق بهذا الكتاب الليلة إلى البقيع حتى تتوسطه، ثم تنادي: يا درجان يا درجان، فإنّه يأتيك رجل معتم فادفع إليه كتابي وقل: أنا رسول محمد بن علي بن الحسين، فإنه يأتيك به فاسأله عمّا بدا لك».

فأخذ الرجل الكتاب وانطلق.

قال أبو عيينة: فلما كان من الغد أتيت أبا جعفر (عليه السلام) لانظر ما حال الرجل فإذا هو على الباب ينتظر أن يؤذن له، فأذن له فدخلنا جميعاً، فقال الرجل: اللّه يعلم عند من يضع العلم، لقد انطلقت البارحة وفعلت ما أمرت، فأتاني الرجل فقال: لا تبرح من موضعك حتى آتيك به، فأتاني برجل أسود فقال: هذا أبوك!.

قلت: ما هو أبي.

ص: 225

قال: بل غيره اللّهب ودخان الجحيم والعذاب الأليم.

فقلت له: أنت أبي؟

قال: نعم.

قلت: فما غيّرك عن صورتك وهيئتك؟

قال: يا بني، كنت أتولى بني أمية وأفضلهم على أهل بيت النبي بعد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) فعذبني اللّه بذلك، وكنت أنت تتولاهم فكنت أبغضك على ذلك، وحرمتك مالي فزويته عنك، وأنا اليوم على ذلك من النادمين، فانطلق يا بني إلى جنينتي فاحتفر تحت الزيتونة وخذ المال وهو مائة ألف وخمسون ألفاً، فادفع إلى محمد بن علي (عليه السلام) خمسين ألفاً والباقي لك.

ثم قال: فأنا منطلق حتى آخذ المال وآتيك بمالك.

قال أبو عيينة: فلما كان من قابل دخلت على أبي جعفر فقلت: ما فعل الرجل صاحب المال؟

قال: «قد أتاني بخمسين ألف درهم فقضيت منها ديناً كان عليّ وابتعت منها أرضاً بناحية خيبر، ووصلت منها أهل الحاجة من أهل بيتي»(1).

الطعام واللبنة

عن قيس بن الربيع قال: كنت ضيفاً لمحمد بن علي (عليه السلام) وليس في منزله غير لبنة، فلما حضر العشاء قام فصلى وصليت معه، ثم ضرب بيده إلى اللبنة فأخرج منها مشعلاً ومائدة مستوٍ عليها كل حار وبارد، فقال: «كل...».

فأكلت، ثم رفعت المائدة في اللبنة، فخالطني الشك حتى إذا خرج

ص: 226


1- الخرائج والجرائح 2: 597-598، ح9.

لحاجته قلّبت اللبنة فإذا هي لبنة صغيرة، فدخل (عليه السلام) وعلم ما في قلبي، فأخرج من اللبنة أقداحاً وكيزاناً وجرة فيها ماء فشرب وسقاني، ثم أعاد ذلك إلى موضعه وقال: «مثلك معي مثل اليهود مع المسيح (عليه السلام) حين لم يثقوا به»، ثم أمر اللبنة أن تنطق، فتكلمت(1).

التفاحة والحجر

عن جابر بن يزيد قال: خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام) وهو يريد الحيرة، فلما أشرفنا على كربلاء قال لي: «يا جابر هذه روضة من رياض الجنة لنا ولشيعتنا، وحفرة من حفر جهنم لأعدائنا»، ثم قضى ما أراد والتفت إليّ وقال: «يا جابر».

قلت: لبيك.

قال لي: «تأكل شيئاً؟».

قلت: نعم...

فأدخل (عليه السلام) يده بين الحجار فأخرج لي تفاحة لم أشم قط رائحة مثلها لا تشبه فاكهة الدنيا، فعلمت أنها من الجنة فأكلتها، فعصمتني عن الطعام أربعين يوماً لم آكل ولم أحدث(2).

الأعمى والرؤية

عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أنا مولاك ومن شيعتك، ضعيف ضرير اضمن لي الجنة.

ص: 227


1- دلائل الإمامة: 95-96.
2- دلائل الإمامة: 221.

قال: «أو لا أعطيك علامة الأئمة؟».

قلت: وما عليك أن تجمعها لي؟

قال: «وتحب ذلك؟».

قلت: كيف لا أحب؟

فما زاد أن مسح (عليه السلام) على بصري، فأبصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالساً.

قال: «يا أبا محمد، مدّ بصرك فانظر ماذا ترى بعينيك».

قال: فواللّه ما أبصرت إلا كلباً وخنزيراً وقرداً.

قلت: ما هذا الخلق الممسوخ؟

قال: «هذا الذي ترى هذا السواد الأعظم لو كشف الغطاء للناس ما نظر الشيعة إلى من خالفهم إلا في هذه الصور، - ثم قال: - يا أبا محمد إن أحببت تركتك على حالك هكذا وحسابك على اللّه، وإن أحببت ضمنت لك على اللّه الجنة ورددتك إلى حالتك الأولى».

قلت: لا حاجة لي إلى النظر إلى هذا الخلق المنكوس، ردّني ردّني، فما للجنة عوض.

فمسح (عليه السلام) يده على عيني فرجعت كما كنت(1).

شهادته (عليه السلام) وسببها

اشارة

قُبض الإمام الباقر (عليه السلام) بالمدينة في ذي الحجة، وقيل: في شهر ربيع الأول، سنة (114ه) وله (عليه السلام) من العمر سبع وخمسون سنة(2).

ص: 228


1- الخرائج والجرائح 2: 821-822، ح35.
2- إعلام الورى: 264.

وقد سمّه إبراهيم بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ودفن في البقيع الغرقد(1) حيث مزاره الآن وقد هدم الوهابيون تلك البقاع الطاهرة.

إقامة المأتم

روي أنّ أبا جعفر (عليه السلام) أوصى بثمانمائة درهم لمأتمه(2)

وكان يرى ذلك من السُنة... .

وروي أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: قال لي أبي: «يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تَندُبنَنِي عشر سنين بمنى أيام منى»(3).

أولاده (عليه السلام)

وأولاد الإمام الباقر (عليه السلام) سبعة: منهم جعفر الصادق وهو الإمام من بعده، وكان يكنّى به، وعبد اللّه الأفطح، وعبد اللّه، وإبراهيم، وعلي، وأمّ سلمة، وزينب من أمّ ولد، وقيل: له (عليه السلام) ابنة واحدة هي أمّ سلمة(4).

درر من كلماته (عليه السلام)

الحلم والعلم

قال الإمام الباقر (عليه السلام) : «ما شيب شيء بشيء أحسن من حلم بعلم»(5).

كل الكمال

وقال (عليه السلام) : «الكمال كل الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة،

ص: 229


1- انظر بحار الأنوار 46: 217، ح19.
2- راجع الكافي 3: 217، ح4.
3- تهذيب الأحكام 6: 358، ح146.
4- انظر المناقب 4: 210.
5- الإرشاد 2: 167.

وتقدير المعيشة»(1).

مكارم الدنيا والآخرة

وقال (عليه السلام) : «ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم إذا جهل عليك»(2).

الوصايا العظيمة

وقال (عليه السلام) في وصيته لجابر بن يزيد الجعفي: «يا جابر، اغتنم من أهل زمانك خمساً: إن حضرت لم تعرف، وإن غبت لم تفتقد، وإن شهدت لم تشاور، وإن قلت لم يقبل قولك، وإن خطبت لم تزوّج.

وأوصيك بخمس: إن ظُلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن، وإن كُذّبت فلا تغضب، وإن مدحت فلا تفرح، وإن ذممت فلا تجزع.

وفكّر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك، فسقوطك من عين اللّه جلّ وعزّ عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة ممّا خفت من سقوطك من أعين الناس، وإن كنت على خلاف ما قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك.

واعلم بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا إنّك رجل صالح لم يسرك ذلك.

ولكن أعرض نفسك على كتاب اللّه، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر؛ فإنّه لا يضرك ما

ص: 230


1- الكافي 1: 32، ح4.
2- بحار الأنوار 75: 173، ح5.

قيل فيك.

وإن كنت مبايناً للقرآن، فماذا الذي يغرك من نفسك؟ إنّ المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرة يقيم أودها ويخالف هواها في محبّة اللّه، ومرّة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه اللّه فينتعش، ويقيل اللّه عثرته فيتذكر ويفزع إلى التوبة والمخافة، فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف، وذلك بأنّ اللّه يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}(1).

يا جابر، استكثر لنفسك من اللّه قليل الرزق تخلصاً إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله إزراء على النفس وتعرضاً للعفو، وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم، واستعمل حاضر العلم بخالص العمل، وتحرّز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ، واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف، واحذر خفي التزين بحاضر الحياة، وتوقّ مجازفة الهوى بدلالة العقل، وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم، واستبق خالص الأعمال ليوم الجزاء، وانزل ساحة القناعة باتقاء الحرص، وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع ببرد اليأس، وسد سبيل العجب بمعرفة النفس، وتخلّص إلى راحة النفس بصحة التفويض، واطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخطأ، وتعرّض لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات، واستجلب نور القلب بدوام الحزن، وتحرّز من إبليس بالخوف الصادق، وإياك والرجاء

ص: 231


1- سورة الأعراف: 201.

الكاذب؛ فإنّه يوقعك في الخوف الصادق، وتزيّن لله عزّوجلّ بالصدق في الأعمال، وتحبب إليه بتعجيل الانتقال، وإيّاك والتسويف؛ فإنّه بحر يغرق فيه الهلكى، وإيّاك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب، وإيّاك والتواني فيما لا عذر لك فيه فإليه يلجأ النادمون، واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم وكثرة الاستغفار، وتعرّض للرحمة وعفو اللّه بحسن المراجعة، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء والمناجاة في الظلم، وتخلّص إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق واستقلال كثير الطاعة، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر، والتوسل إلى عظيم الشكر بخوف زوال النعم، واطلب بقاء العز بإماتة الطمع، وادفع ذلّ الطمع بعز اليأس، واستجلب عزّ اليأس ببعد الهمّة، وتزوّد من الدنيا بقصر الأمل، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة، ولا إمكان كالأيام الخالية مع صحة الأبدان، وإيّاك والثقة بغير المأمون فإنّ للشرّ ضراوة كضراوة الغذاء.

واعلم، أنّه لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا خوف كخوف حاجز، ولا رجاء كرجاء معين، ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كغلبة الهوى، ولا نور كنور اليقين، ولا يقين كاستصغارك الدنيا، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك، ولا نعمة كالعافية، ولا عافية كمساعدة التوفيق، ولا شرف كبعد الهمة، ولا زهد كقصر الأمل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات، ولا عدل كالإنصاف، ولا تعدّي كالجور، ولا جور كموافقة الهوى، ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا خوف كالحزن، ولا مصيبة كعدم العقل، ولا عدم عقل كقلّة اليقين، ولا قلّة يقين كفقد الخوف، ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف،

ص: 232

ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها، ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة الهوى، ولا قوة كرد الغضب، ولا معصية كحب البقاء، ولا ذلّ كذلّ الطمع.

وإيّاك والتفريط عند إمكان الفرصة، فإنّه ميدان يجري لأهله بالخسران»(1).

أصبحت محزونا

وقال (عليه السلام) لجابر يوماً: «أصبحت واللّه يا جابر محزوناً مشغول القلب».

فقلت: جعلت فداك، ما حزنك وشغل قلبك كل هذا على الدنيا؟

فقال (عليه السلام) : «لا يا جابر، ولكن حزن هم الآخرة.

يا جابر، من دخل قلبه خالص حقيقة الإيمان شغل عمّا في الدنيا من زينتها، إنّ زينة زهرة الدنيا إنّما هو لعب ولهو، {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْأخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ}(2).

يا جابر، إنّ المؤمن لا ينبغي له أن يركن ويطمئن إلى زهرة الحياة الدنيا.

واعلم أنّ أبناء الدنيا هم أهل غفلة وغرور وجهالة، وأنّ أبناء الآخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون، أهل العلم والفقه، وأهل فكرة واعتبار واختبار، لايملّون من ذكر اللّه.

واعلم يا جابر، إنّ أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمئونتهم يسيرة، إن نسيت الخير ذكروك، وإن عملت به أعانوك، أخروا

ص: 233


1- تحف العقول: 284-286.
2- سورة العنكبوت: 64.

شهواتهم ولذّاتهم خلفهم، وقدّموا طاعة ربهّم أمامهم، ونظروا إلى سبيل الخير وإلى ولاية أحبّاء اللّه فأحبّوهم وتولوهم واتبعوهم، فأنزل نفسك من الدنيا كمثل منزل نزلته ساعة ثم ارتحلت عنه، أو كمثل مال استفدته في منامك ففرحت به وسررت، ثم انتبهت من رقدتك وليس في يدك شيء؛ وإنّي إنّما ضربت لك مثلاً لتعقل وتعمل به إن وفّقك اللّه له.

فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين اللّه وحكمته، انصح لنفسك وانظر ما اللّه عندك في حياتك، فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك، وانظر فإن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم، فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله، فلما ناله كان عليه وبالاً وشقي به، ولرب كاره لأمر من أمور الآخرة قد ناله فسعد به»(1).

لا تقل هكذا

عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: كان رجل جالساً عند أبي، فقال: «اللّهم أغننا عن جميع خلقك.

فقال له أبي (عليه السلام) : لا تقل هكذا، ولكن قل: أغننا عن شرار خلقك؛ فإنّ المؤمن لا يستغني عن أخيه المؤمن»(2).

السعي في حوائج الأخوان

وقال (عليه السلام) : «ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته قضيت أو لم تقض إلا ابتلي بالسعي في حاجة من يأثم عليه

ص: 234


1- بحار الأنوار 75: 165-166، ح2.
2- مستدرك الوسائل 5: 263، ح5830.

ولايؤجر»(1).

نتيجة البخل

وقال (عليه السلام) : «ما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما رضي اللّه، إلا أُبتلي أن ينفق أضعافاً فيما يسخط اللّه»(2).

أوصاف الشيعة

وقال (عليه السلام) لجابر: «يا جابر، أيكتفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فواللّه ما شيعتنا إلا من اتقى اللّه وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشّع، وكثرة ذكر اللّه، والصوم والصلاة، والتعهّد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء».

فقال جابر: يا ابن رسول اللّه لست أعرف أحداً بهذه الصفة.

فقال (عليه السلام) : «يا جابر لا يذهبنّ بك المذاهب، أحسب الرجل أن يقول: أحب علياً (عليه السلام) وأتولاّه؟! فلو قال: إنّي أحب رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ورسول اللّه خير من علي (عليه السلام) ثم لا يعمل بعمله ولا يتبع سنته ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا اللّه واعملوا لما عند اللّه، ليس بين اللّه وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى اللّه وأكرمهم عليه أتقاهم له، وأعملهم بطاعته، واللّه ما يتقرّب إلى اللّه جلّ ثناؤه إلا بالطاعة، ما معنا براءة من النار ولا على اللّه لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، لا تنال ولايتنا إلا

ص: 235


1- تحف العقول: 293.
2- الاختصاص: 242.

بالورع والعمل»(1).

الصدقة

وقال (عليه السلام) : «الصدقة يوم الجمعة تضاعف، لفضل الجمعة على غيره من الأيام»(2).

ص: 236


1- الأمالي للشيخ الصدوق: 625-626، المجلس 91، ح3.
2- ثواب الأعمال: 185.

الفصل الثامن: الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

اشارة

ص: 237

ص: 238

الإمام الصادق (عليه السلام) في سطور

الاسم: جعفر (عليه السلام) .

الأب: الإمام الباقر (عليه السلام) .

الأم: فاطمة أمّ فروة، بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر(1).

الكنية: أبو عبد اللّه، وأبو إسماعيل، وأبو موسى(2).

الألقاب: الصابر، الفاضل، الطاهر، الصادق، القائم، الكافل، المنجي(3).

الأوصاف: ربع القامة(4)،

أزهر الوجه، حالك الشعر جعد، أشم الأنف(5)، أنزع رقيق البشرة على خدّه خال أسود، وعلى جسده خيلان حمرة(6).

نقش الخاتم: «اللّه وليّي وعصمتي من خلقه»(7).

مكان الولادة: المدينة المنورة(8).

ص: 239


1- الكافي 1: 472.
2- المناقب 4: 281.
3- بحار الأنوار 47: 9، ح5.
4- ربع القامة: أي بين الطويل والقصير.
5- أشم الأنف: رأي أقنی الأنف ضيّق للنخرين ليس بأفطس فإن الفطسة عيب وعامة والحج الإلهية سليمة عن العيوب والعامات خلفا ودينا.
6- المناقب 4: 281.
7- الكافي 6: 474، ح8.
8- المناقب 4: 279؛ الإرشاد 2: 179؛ إعلام الورى: 271.

زمان الولادة: عند طلوع الفجر من يوم الجمعة(1) 17/ ربيع الأول/ 83 هجري(2).

مدة العمر: 65 سنة(3).

مدة الإمامة: 34 سنة(4).

مكان الشهادة: المدينة المنورة.

زمان الشهادة: 25/ شوال/ 148هجري(5).

القاتل: المنصور العباسي، حيث قتله بالسم(6).

وسيلة القتل: العنب المسموم.

المدفن: البقيع الغرقد في المدينة المنورة، وقد هدم الوهابيون قبره الشريف مع قبور سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في البقيع.

وقد تتلمذ على يديه وفي جامعته العلمية أكثر من أربعة آلاف رجل(7)، وقيل: عشرون ألفاً.

وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وأبيه الإمام الباقر (عليه السلام) أكثر الروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث انتشر الوعي الإسلامي والفقه المحمدي ببركتهم.

ص: 240


1- وقيل: يوم الاثنين، انظر المناقب 4: 279؛ الإرشاد 2: 179.
2- وقيل: سنة (86ه) انظر المناقب 4: 280، وقيل: سنة (80ه)؛ راجع كشف الغمة 2: 155.
3- وقيل: ثمان وستين سنة، راجع كشف الغمة 2: 187.
4- إعلام الورى: 272.
5- وقيل: في النصف من رجب (سنة 148ه)، انظر إعلام الورى: 271.
6- المناقب 4: 280.
7- انظر الإرشاد 2: 179.

أفقه الناس

سئل أبو حنيفة: من أفقه من رأيت؟

قال: جعفر بن محمد (عليه السلام) ، لما أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة.

ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته فدخلت عليه وجعفر (عليه السلام) جالس عن يمينه، فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة.

قال: «نعم أعرفه».

ثم التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة، ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك.

فجعلت ألقي عليه، فيجيبني، فيقول: «أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعناكم وربما تابعناهم، وربما خالفنا جميعاً»، حتى أتيت على الأربعين مسألة، فما أخل منها بشيء.

ثم قال أبو حنيفة: «أليس إنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟»(1).

بين يدي اللّه عزّوجلّ

عن مالك بن أنس إمام المالكية إنه قال:

كان جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إمّا صائماً، وإمّا قائماً، وإما ذاكراً، وكان (عليه السلام) من عظماء العبّاد وأكابر الزهاد الذين

ص: 241


1- المناقب 4: 255.

يخشون اللّه عزّوجلّ، وكان كثير الحديث، طيّب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) اخضرّ مرّة واصفرّ أخرى حتى ينكره من يعرفه. ولقد حججت معه سنة فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد أن يخرّ من راحلته، فقلت: قل يا ابن رسول اللّه، ولابد لك من أن تقول، فقال (عليه السلام) : «يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول: (لبيك اللّهم لبيك) وأخشى أن يقول عزّوجلّ لي: لا لبيك ولا سعديك»(1).

من أخلاقه (عليه السلام)

الزهد شيمة الأولياء

دخل على أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) بعض أصحابه فرأى عليه قميصاً فيه قب(2)

قد رقعه، فجعل ينظر إليه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «ما لك تنظر؟».

فقال: قب ملقى في قميصك.

قال: فقال لي: «اضرب يدك إلى هذا الكتاب، فاقرأ ما فيه».

وكان بين يديه كتاب أو قريب منه، فنظر الرجل فيه، فإذا فيه: لا إيمان لمن لا حياء له، ولا مال لمن لا تقدير له، ولا جديد لمن لا خلق له(3).

العفو أقرب للتقوى

أتى رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إنّ فلاناً ذكرك، فما ترك شيئاً من الوقيعة والشتيمة إلاّ قاله فيك.

ص: 242


1- الأمالي للشيخ الصدوق: 169، المجلس 32، ح3.
2- أي رقعة.
3- الكافي 6: 460، ح3.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) للجارية: «ائتيني بوضوء».

فتوضأ (عليه السلام) ودخل.

فقلت في نفسي: يدعو عليه.

فصلّى (عليه السلام) ركعتين، فقال: «يا رب، هو حقّي قد وهبته، وأنت أجود منّي وأكرم فهبه لي، ولا تؤاخذه بي، ولا تقايسه».

ثم رقّ فلم يزل يدعو، فجعلت أتعجب(1).

هكذا الحلم

بعث أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) غلاماً له في حاجة فأبطأ، فخرج الصادق (عليه السلام) في أثره، فوجده نائماً!.

فجلس (عليه السلام) عند رأسه يروّحه حتى انتبه.

فلما انتبه قال (عليه السلام) : «يا فلان، واللّه ما ذاك لك، تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار»(2).

أنتِ حرّة لوجه اللّه

روي أنّ سفيان الثوري دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) فرآه متغيّر اللون، فسأله عن ذلك؟

فقال: «كنت نهيت أن يصعدوا فوق البيت، فدخلت فإذا جارية من جواريّ ممّن تربّي بعض ولدي قد صعدت في سلم والصبي معها، فلما بصرت بي ارتعدت وتحيّرت وسقط الصبي إلى الأرض فمات، فما تغيّر

ص: 243


1- مشكاة الأنوار: 217.
2- المناقب 4: 274.

لوني لموت الصبي وإنّما تغير لوني لما أدخلت عليها من الرعب».

وقال لها الإمام (عليه السلام) : «أنتِ حرّة لوجه اللّه مرّتين لا بأس عليك» مرتين(1).

مع قاطع الرحم

عن سالمة مولاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) قالت: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) حين حضرته الوفاة وأغمي عليه، فلما أفاق قال: «أعطوا فلاناً سبعين ديناراً وأعطوا فلاناً كذا وفلاناً كذا».

فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟!

قال: «تريدين أن لا أكون من الذين قال اللّه عزّوجلّ: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ ٱلْحِسَابِ}(2).

نعم يا سالمة، إنّ اللّه تعالى خلق الجنة فطيّبها وإن ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم»(3).

صدقة السر

عن معلّى بن خنيس، قال: خرج أبو عبد اللّه (عليه السلام) في ليلة قد رشّت السماء وهو يريد ظلّة بني ساعدة(4)، فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء، فقال: «بسم اللّه اللّهم ردّ علينا».

ص: 244


1- العدد القوية: 155.
2- سورة الرعد: 21.
3- الغيبة للطوسي: 197.
4- الظُلَّة بضم المعجمة: شيء كالصُفَّة يستتر به من الحر والبرد. ومنه ظُلة بني ساعدة ونحوها، مجمع البحرين 5: 417 (مادة ظلل).

قال: فأتيته فسلّمت عليه.

فقال: «أنت معلّى؟».

قلت: نعم جعلت فداك.

فقال لي: «التمس بيدك فما وجدته من شيء فادفعه إليّ».

قال: فإذا بخبز منتشر فجعلت أدفع إليه ما وجدت، فإذا أنا بجراب من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمله عنك؟

فقال: «لا، أنا أولى به منك، ولكن امض معي».

قال: فأتينا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخره، ثم انصرفنا.

فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟

فقال: «لو عرفوا لواسيناهم بالدقة، والدقة هي الملح، إنّ اللّه لم يخلق شيئاً إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة، فإنّ الرب تبارك وتعالى يليهما بنفسه، وكان أبي إذا تصدّق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه وقبله وشمّه ثم ردّه في يد السائل؛ وذلك أنها تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل، فأحببت أن أناول ما ولاها اللّه تعالى، إنّ صدقة الليل تطفئ غضب الرب وتمحق الذنب العظيم وتهون الحساب، وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر، إنّ عيسى ابن مريم (عليه السلام) لما مر على البحر ألقى بقرص من قوته في الماء، فقال له بعض الحواريين: يا روح اللّه وكلمته، لم فعلت هذا هو من قوتك؟ قال: فعلت هذا لتأكله دابة من دواب الماء وثوابه عند اللّه العظيم»(1).

ص: 245


1- ثواب الأعمال: 144.

طلب المعيشة

عن أبي عمرو الشيباني، قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له والعرق يتصابّ عن ظهره، فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك.

فقال لي: «إنّي أحبّ أن يتأذّى الرجل بحرّ الشمس في طلب المعيشة»(1).

إنّه وفى بعهده

كان رجل من ملوك أهل الجبل يأتي الإمام الصادق (عليه السلام) في حجّه كل سنة، فينزله أبو عبد اللّه (عليه السلام) في دار من دوره في المدينة، وطال حجّه ونزوله في بيت الإمام (عليه السلام) فأعطى الرجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عشرة آلاف درهم ليشتري له داراً في المدينة(2)، وخرج إلى الحج.

فلما انصرف من الحج أتى إلى الإمام (عليه السلام) فقال: جعلت فداك اشتريت لي الدار؟

قال: «نعم».

وأتى (عليه السلام) بصكّ فيه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما اشترى جعفر بن محمد لفلان بن فلان الجبلي، له دار في الفردوس حدّها الأول رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) والحدّ الثاني أمير المؤمنين (عليه السلام) والحدّ الثالث الحسن بن علي (عليه السلام) والحدّ الرابع الحسين بن علي (عليه السلام) ».

فلما قرأ الرجل ذلك قال: قد رضيت جعلني اللّه فداك.

ص: 246


1- وسائل الشيعة 17: 39، ح21924.
2- حتى لا يزاحم الإمام بكثرة مجيئه والبقاء عنده.

قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّي أخذت ذلك المال ففرقته في ولد الحسن والحسين وأرجو أن يتقبل اللّه ذلك ويثيبك به الجنة».

قال: فانصرف الرجل إلى منزله، وكان الصك معه.

ثم اعتل علّة الموت، فلما حضرته الوفاة جمع أهله وحلّفهم أن يجعلوا الصك معه، ففعلوا ذلك.

فلما أصبح القوم غدوا إلى قبره فوجدوا الصك على ظهر القبر مكتوب عليه: «وفى وليّ اللّه جعفر بن محمد»(1).

هكذا تكون التوبة

عن أبي بصير، قال: كان لي جار يتّبع السلطان، فأصاب مالاً فاتخذ قياناً(2)، وكان يجمع الجموع ويشرب المسكر ويؤذيني، فشكوته إلى نفسه غير مرّة فلم ينته، فلما ألححت عليه قال: يا هذا أنا رجل مبتلى وأنت رجل معافى فلو عرّفتني لصاحبك رجوت أن يستنقذني اللّه بك.

فوقع ذلك في قلبي، فلما صرت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ذكرت له حاله.

فقال (عليه السلام) لي: «إذا رجعت إلى الكوفة فإنه سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمد: دع ما أنت عليه وأضمن لك على اللّه الجنة».

قال: فلما رجعت إلى الكوفة أتاني فيمن أتى فاحتبسته حتى خلا منزلي فقلت: يا هذا إني ذكرتك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: «اقرأه السلام وقل له: يترك ما هو عليه وأضمن له على اللّه الجنة».

ص: 247


1- المناقب 4: 233.
2- القيان: جمع القينة وهي الجارية المغنّية.

فبكى، ثم قال: اللّه أقال لك جعفر هذا؟

قال: فحلفت له أنّه قال لي ما قلت لك.

فقال لي: حسبك. ومضى، فلما كان بعد أيام بعث إليّ ودعاني فإذا هو خلف باب داره عريان، فقال: يا أبا بصير، ما بقي في منزلي شيء إلا وقد أخرجته وأنا كما ترى.

فمشيت إلى إخواننا فجمعت له ما كسوته به، ثم لم يأت عليه إلا أيام يسيرة حتى بعث إليّ أني عليل فأتني.

فجعلت أختلف إليه وأعالجه حتى نزل به الموت، فكنت عنده جالساً وهو يجود بنفسه، ثم غشي عليه غشية، ثم أفاق، فقال: يا أبا بصير قد وفى صاحبك لنا، ثم مات.

فحججت فأتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) فاستأذنت عليه، فلما دخلت قال ابتداءً من داخل البيت، وإحدى رجليّ في الصحن وأخرى في دهليز داره: «يا أبا بصير قد وفينا لصاحبك»(1).

من كراماته ومعاجزه (عليه السلام)

عُرضت عليّ أعمالكم

عن داود بن كثير الرقي أنه قال: كنت جالساً عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ قال لي مبتدئاً من قبل نفسه: «يا داود، لقد عرضت عليَّ أعمالكم يوم الخميس، فرأيت فيما عرض عليَّ من عملك صلتك لابن عمك فلان فسّرني ذلك، أنّي علمت أن صلتك له أسرع لفناء عمره وقطع أجله».

ص: 248


1- كشف الغمة 2: 194.

قال داود: وكان لي ابن عم معاند خبيث بلغني عنه وعن عياله سوء حاله، فصككت له نفقة قبل خروجي إلى مكة، فلما صرت بالمدينة أخبرني أبو عبد اللّه (عليه السلام) بذلك(1).

مع الحيوان المفترس

عن أبي حازم عبد الغفار بن الحسن أنه قال: قدم إبراهيم بن أدهم الكوفة وأنا معه، وذلك على عهد المنصور، وقدمها أبو عبد اللّه جعفر بن محمد العلوي، فخرج جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يريد الرجوع إلى المدينة، فشيّعه العلماء وأهل الفضل من الكوفة، وكان فيمن شيّعه سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، فتقدم المشيّعون له (عليه السلام) فإذا هم بأسد على الطريق.

فقال لهم إبراهيم بن أدهم: قفوا حتى يأتي جعفر (عليه السلام) ، فننظر ما يصنع.

فجاء جعفر (عليه السلام) فذكروا له حال الأسد.

فأقبل أبو عبد اللّه (عليه السلام) حتى دنا من الأسد، فأخذ بأذنه حتى نحّاه عن الطريق، ثم أقبل عليهم، فقال: «أما إنّ الناس لو أطاعوا اللّه حقّ طاعته لحملوا عليه أثقالهم»(2).

اجلس في التنور

روي عن مأمون الرقي، قال: كنت عند سيدي الصادق (عليه السلام) إذ دخل سهل ابن حسن الخراساني فسلّم عليه ثم جلس، فقال له: يا ابن رسول اللّه،

ص: 249


1- بحار الأنوار 23: 339، ح12.
2- عدة الداعي: 96-97.

لكم الرأفة والرحمة وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟

فقال له (عليه السلام) : «اجلس يا خراساني رعى اللّه حقّك».

ثم قال: «يا حنفية، أسجري التنور»، فسجرته حتى صار كالجمرة وابيضّ علوّه، ثم قال (عليه السلام) : «يا خراساني، قم فاجلس في التنور».

فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول اللّه، لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك اللّه.

قال: «قد أقلتك».

فبينما نحن كذلك، إذ أقبل هارون المكي ونعله في سبابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول اللّه.

فقال له الصادق (عليه السلام) : «ألق النعل من يدك واجلس في التنور».

قال: فألقى النعل من سبابته ثم جلس في التنور.

وأقبل الإمام (عليه السلام) يحدّث الخراساني حديث خراسان حتى كأنّه شاهد لها، ثم قال: «قم يا خراساني وانظر ما في التنور».

قال: فقمت إليه فرأيته متربعاً، فخرج إلينا وسلّم علينا.

فقال له الإمام (عليه السلام) : «كم تجد بخراسان مثل هذا؟».

فقلت: واللّه ولا واحداً.

فقال (عليه السلام) : «لا واللّه ولا واحداً، أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(1).

ص: 250


1- المناقب 4: 237.

سبائك الذهب

عن جمع من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) أنّهم قالوا:

كنّا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، فقال: «لنا خزائن الأرض ومفاتيحها، ولو شئت أن أقول بإحدى رجلي: أخرجي ما فيك من الذهب لأخرجت».

قال: فقال بإحدى رجليه فخطّها في الأرض خطاً فانفجرت الأرض، ثم قال بيده، فأخرج سبيكة ذهب قدر شبر فتناولها، ثم قال: «انظروا فيها حساً حسناً لاتشكوا - ثم قال -: انظروا في الأرض»، فإذا سبائك في الأرض كثيرة بعضها على بعض يتلألأ.

فقال له بعضنا: جعلت فداك أعطيتم كل هذا وشيعتكم محتاجون؟!

فقال: «إنّ اللّه سيجمع لنا ولشيعتنا الدنيا والآخرة يدخلهم جنات النعيم ويدخل عدونا الجحيم»(1).

إحياء الموتى بإذن اللّه

عن المفضّل بن عمر، قال: كنت أمشي مع أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) بمكة إذ مررنا بامرأة بين يديها بقرة ميتة وهي مع صبية لها تبكيان.

فقال (عليه السلام) لها: «ما شأنك؟».

قالت: كنت أنا وصبياني نعيش من هذه البقرة وقد ماتت، لقد تحيّرت في أمري.

قال: «أفتحبين أن يحييها اللّه لك؟».

ص: 251


1- بصائر الدرجات 1: 374، ح1.

قالت: أو تسخر منّي مع مصيبتي؟.

قال: «كلّا ما أردت ذلك».

ثم دعا (عليه السلام) بدعاء، ثم ركلها برجله وصاح بها، فقامت البقرة مسرعة سوية.

فقالت: عيسى ابن مريم ورب الكعبة.

فدخل الصادق (عليه السلام) بين الناس فلم تعرفه المرأة(1).

منطق الطير

عن جابر أنه قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فبرزنا معه فإذا نحن برجل قد أضجع جدياً ليذبحه فصاح الجدي، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «كم ثمن هذا الجدي؟».

فقال: أربعة دراهم.

فحلّها من كمه ودفعها إليه وقال: «خلّ سبيله».

قال: فسرنا، فإذا بصقر قد انقضّ على دراجة، فصاحت الدراجة، فأومأ أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى الصقر بكمّه فرجع عن الدراجة.

فقلت: لقد رأينا عجباً من أمرك؟!

قال: «نعم، إنّ الجدي لما أضجعه الرجل ليذبحه وبصر بي قال: أستجير باللّه وبكم أهل البيت ممّا يُراد بي، وكذلك قالت الدراجة، ولو أنّ شيعتنا استقامت لأسمعتهم منطق الطير»(2).

ص: 252


1- الخرائج والجرائح 1: 294.
2- الخرائج والجرائح 2: 616، ح15.

في شهادته (عليه السلام) مسموماً

توفّي الإمام الصادق (عليه السلام) مسموماً شهيداً في شهر شوال سنة (148ه)، وقد أطعمه المنصور الدوانيقي العنب المسموم، وكان عمره الشريف حين استشهاده خمساً وستين سنة، وقيل: كان عمره الشريف ثمان وستين سنة(1).

قال الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) : «إنّي كفنّت أبي في ثوبين شطويين(2) كان يحرم فيهما، وفي قميص من قمصه، وعمامة كانت لعلي بن الحسين (عليه السلام) ، وفي برد اشتريته بأربعين ديناراً»(3).

وروي عن عثمان بن عيسى عن عدّة من أصحابنا، قال: لما قبض أبو جعفر (عليه السلام) أمر أبو عبد اللّه (عليه السلام) بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبد اللّه، ثم أمر أبو الحسن موسى (عليه السلام) بمثل ذلك في بيت أبي عبد اللّه (عليه السلام) حتى أُخرج به إلى العراق ثم لا أدري ما كان(4).

وعن أبي بصير أنه قال: دخلت على أمّ حميدة أعزّيها بأبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: «اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة»، قالت: فلم نترك أحداً إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم ثم قال: «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة»(5).

ص: 253


1- انظر بحار الأنوار 47: 1، ح1 و3 و4.
2- الشطوية: ضرب من ثياب الكتان، يعمل بأرض يقال لها: شطا. كتاب العين 6: 275 مادة (شطو).
3- الكافي 3: 149، ح8.
4- تهذيب الأحكام 1: 289، ح11.
5- الأمالي للشيخ الصدوق: 484، المجلس 73، ح10.

دررٌ من كلماته (عليه السلام)

العمل على اليقين

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لحمران بن أعين: «يا حمران، أنظر من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة؛ فإنّ ذلك أنفع لك ممّا قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربّك عزّوجلّ.

واعلم أنّ العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه عزّوجلّ من العمل الكثير على غير يقين.

واعلم أنّه لا ورع أنفع من تجنب محارم اللّه عزّوجلّ، والكفّ عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزئ، ولا جهل أضرّ من العُجب»(1).

هكذا المعاشرة

وقال (عليه السلام) : «عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنه لابد لكم من الناس، إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته... والناس لابد لبعضهم من بعض»(2).

زيارة الأخوان

وقال (عليه السلام) : «من زار أخاه لله لا غير، التماس موعد اللّه وتنجّز ما عند اللّه، وكّل اللّه به سبعين ألف ملك ينادونه: ألا طبت وطاب لك الجنة»(3).

ص: 254


1- الاختصاص: 227، حديث في زيارة المؤمن لله.
2- أمالي الشيخ المفيد: 185-186، المجلس 23، ح12.
3- مصادقة الإخوان: 56، ح4.

حوائج الناس

وقال (عليه السلام) : «اتّقوا اللّه وكونوا إخوة بررة متحابّين في اللّه، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا وتذاكروا أمرنا وأحيوه»(1).

وقال (عليه السلام) : «لأن أمشي مع أخ لي في حاجة حتى أقضي له، أحب إليّ من أن أعتق ألف نسمة وأحمل على ألف فرس في سبيل اللّه مسرجة ملجمة»(2).

كن وصي نفسك

وقال رجل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أوصني، فقال (عليه السلام) : «أعد جهازك، وقدّم زادك لطول سفرك، وكن وصي نفسك، ولا تأمن غيرك أن يبعث إليك بما يصلحك»(3).

تحفة الصائم

روي: أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) كان إذا صام يتطيّب بالطيب، ويقول: «الطيب تحفة الصائم»(4).

أُولئك أوليائي

وقال (عليه السلام) في وصيّته لعبد اللّه بن جندب: «يا عبد اللّه، لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور، فما يقصد فيها إلا أولياءنا، ولقد جلت الآخرة في

ص: 255


1- الكافي 2: 175، ح1.
2- المؤمن: 48، ح113.
3- الأمالي للشيخ الصدوق: 281، المجلس 47، ح12.
4- وسائل الشيعة 10: 92، ح12924.

أعينهم حتى ما يريدون بها بدلاً».

ثم قال: «آه آه على قلوب حشيت نوراً وإنّما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الأرقم والعدو الأعجم، أنسوا باللّه واستوحشوا ممّا به استأنس المترفون، أولئك أوليائي حقّاً وبهم تكشف كل فتنة وترفع كل بلية.

يا ابن جندب، حقّ على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيئة استغفر منها؛ لئلّا يخزى يوم القيامة، طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من نعيم الدنيا وزهرتها، طوبى لعبد طلب الآخرة وسعى لها، طوبى لمن لم تلهه الأماني الكاذبة».

ثم قال (عليه السلام) : «رحم اللّه قوماً كانوا سراجاً ومناراً، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم، ليس كمن يذيع أسرارنا.

يا ابن جندب، إنّما المؤمنون الذين يخافون اللّه ويشفقون أن يسلبوا ما أعطوا من الهدى، فإذا ذكروا اللّه ونعماءه وجلوا وأشفقوا وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً؛ ممّا أظهره من نفاذ قدرته وعلى ربّهم يتوكلون.

يا ابن جندب، قديماً عمر الجهل وقوي أساسه، وذلك لاتخاذهم دين اللّه لعباً حتى لقد كان المتقرّب منهم إلى اللّه بعلمه يريد سواه، أولئك هم الظالمون.

يا ابن جندب، لو أنّ شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة ولأظلّهم الغمام ولأشرقوا نهاراً ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولما سألوا اللّه شيئاً إلا أعطاهم.

يا ابن جندب، لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلا خيراً، واستكينوا

ص: 256

إلى اللّه في توفيقهم وسلوا التوبة لهم، فكل من قصدنا ووالانا ولم يوال عدونا وقال ما يعلم وسكت عمّا لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة.

يا ابن جندب يهلك المتكل على عمله، ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة اللّه».

قلت: فمن ينجو؟

قال: «الذين هم بين الرجاء والخوف، كأنّ قلوبهم في مخلب طائر شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العذاب.

يا ابن جندب، من سرّه أن يزوّجه اللّه الحور العين ويتوجّه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور.

يا ابن جندب، أقلّ النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شيء أقل شكراً من العين واللسان، فإنّ أمّ سليمان قالت لسليمان (عليه السلام) : يا بنّي إيّاك والنوم؛ فإنّه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم.

يا ابن جندب، إنّ للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه ومصائده».

قلت: يا ابن رسول اللّه وما هي؟

قال: «أمّا مصائده فصد عن بر الإخوان، وأمّا شباكه فنوم عن قضاء الصلوات التي فرضها اللّه، أما إنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام إلى بر الإخوان وزيارتهم، ويل للساهين عن الصلوات النائمين في الخلوات المستهزئين باللّه وآياته في الفترات، أولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم اللّه يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.

يا ابن جندب، من أصبح مهموماً لسوى فكاك رقبته فقد هون عليه الجليل، ورغب من ربّه في الربح الحقير، ومن غشّ أخاه وحقّره وناوأه

ص: 257

جعل اللّه النار مأواه، ومن حسد مؤمناً إنماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء.

يا ابن جندب، الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه يوم بدر وأحد، وما عذّب اللّه أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.

يا ابن جندب، بلّغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبنّ بكم المذاهب فو اللّه لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الإخوان في اللّه، وليس من شيعتنا من يظلم الناس.

يا ابن جندب، إنّما شيعتنا يعرفون بخصال شتى: بالسخاء و البذل للإخوان، وبأن يصلوا الخمسين ليلاً ونهاراً، شيعتنا لا يهرون هرير الكلب ولا يطمعون طمع الغراب، ولا يجاورون لنا عدواً، ولا يسألون لنا مبغضاً ولو ماتوا جوعاً، شيعتنا لا يأكلون الجري ولا يمسحون على الخفّين، ويحافظون على الزوال، ولا يشربون مسكراً».

قلت: جعلت فداك فأين أطلبهم؟

قال (عليه السلام) : «على رؤوس الجبال وأطراف المدن، وإذا دخلت مدينة فسل عمّن لا يجاورهم ولا يجاورونه فذلك مؤمن، كما قال اللّه: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ}(1)، واللّه لقد كان حبيب النجار وحده.

يا ابن جندب، كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك، وكل البر مقبول إلا ما كان رئاء.

ص: 258


1- سورة يس: 20.

يا ابن جندب، أحبب في اللّه واستمسك بالعروة الوثقى واعتصم بالهدى يقبل عملك، فإنّ اللّه يقول: إلا مَن {وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ}(1)

فلا يقبل إلا الإيمان، ولا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بيقين، ولا يقين إلا بالخشوع، وملاكها كلها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلاً، واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

يا ابن جندب، إن أحببت أن تجاور الجليل في داره وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نصب عينك، ولا تدّخر شيئاً لغد، واعلم أنّ لك ما قدّمت وعليك ما أخّرت.

يا ابن جندب، من حرم نفسه كسبه فإنّما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه، من يثق باللّه يكفه ما أهمّه من أمر دنياه وآخرته، ويحفظ له ما غاب عنه، وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبراً، ولكل نعمة شكراً، ولكل عسر يسراً، صبّر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال أو رزية، فإنّما يقبض عاريته ويأخذ هبته؛ ليبلو فيهما صبرك وشكرك، وارج اللّه رجاء لا يجرّيك على معصيته، وخفه خوفاً لا يؤيسك من رحمته، ولا تغترّ بقول الجاهل ولا بمدحه؛ فتكبر وتجبر وتعجب بعملك، فإنّ أفضل العمل العبادة والتواضع، فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك، ما خلفته وراء ظهرك، واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إلا إلى ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فإنّ من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظّك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى ولا جزعاً في الفقر، ولا تكن فظاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن

ص: 259


1- سورة طه: 82.

واهناً يحقّرك من عرفك، ولا تشار من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تطع السفهاء، ولاتكن مهيناً تحت كل أحد، ولا تتكلنّ على كفاية أحد، وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل قلبك قريباً تشاركه، واجعل عملك والداً تتبعه، واجعل نفسك عدواً تجاهده وعارية تردّها، فإنّك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ودللت على الدواء، فانظر قيامك على نفسك، وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر لها، ولكن أتبعها بأفضل منها، فإنّ ذلك أجمل بك في أخلاقك، وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت تعد حليماً، جاهلاً كنت أو عالماً، فإنّ الصمت زين لك عند العلماء وستر لك عند الجهال.

يا ابن جندب، إنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) قال لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم مرّ بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفاً عنها كلّها أم يردّ عليها ما انكشف منها؟ قالوا: بل نردّ عليها، قال: كلّا، بل تكشفون عنها كلّها، فعرفوا أنّه مثل ضربه لهم، فقيل: يا روح اللّه وكيف ذلك؟ قال: الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها.

بحق أقول لكم إنّكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، إيّاكم والنظرة فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد، إنّما الناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا اللّه على العافية.

ص: 260

يا ابن جندب، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وسلّم على من سبّك، وأنصف من خاصمك، واعف عمن ظلمك، كما أنّك تحب أن يعفى عنك فاعتبر بعفو اللّه عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجّار، وأنّ مطره ينزل على الصالحين والخاطئين.

يا ابن جندب، لا تتصدّق على أعين الناس ليزكوك، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك؛ فإنّ الذي تتصدق له سراً يجزيك علانية على رؤوس الأشهاد في اليوم الذي لا يضرّك أن لا يطلع الناس على صدقتك، واخفض الصوت إنّ ربك الذي يعلم ما تسرّون وما تعلنون، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه، وإذا صمت فلا تغتب أحداً، ولاتلبسوا صيامكم بظلم، ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس، مغبرّة وجوههم شعثة رؤوسهم يابسة أفواههم؛ لكي يعلم الناس أنّهم صيامى.

يا ابن جندب، الخير كلّه أمامك وإنّ الشر كلّه أمامك، ولن ترى الخير والشر إلا بعد الآخرة؛ لأنّ اللّه جلّ وعزّ جعل الخير كلّه في الجنة والشر كلّه في النار؛ لأنّهما الباقيان، والواجب على من وهب اللّه له الهدى، وأكرمه بالإيمان، وألهمه رشده، وركب فيه عقلاً يتعرف به نعمه، وآتاه علماً وحكماً يدبر به أمر دينه ودنياه، أن يوجب على نفسه أن يشكر اللّه ولا يكفره، وأن يذكر اللّه ولاينساه، وأن يطيع اللّه ولا يعصيه؛ للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، وللحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوقاً، وللجزيل الذي وعده والفضل الذي لم يكلّفه من طاعته فوق طاقته وما يعجز عن القيام به، وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك، وندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلّفه، وهو معرض عمّا أمره، وعاجز عنه قد لبس ثوب

ص: 261

الاستهانة فيما بينه وبين ربه، متقلّداً لهواه، ماضياً في شهواته، مؤثراً لدنياه على آخرته، وهو في ذلك يتمنّى جنان الفردوس، وما ينبغي لأحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الأبرار، أما إنّه لو وقعت الواقعة وقامت القيامة وجاءت الطامة ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء وبرز الخلائق ليوم الحساب أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة، وبمن تحل الحسرة والندامة، فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الآخرة.

يا ابن جندب، قال اللّه جلّ وعزّ في بعض ما أوحى: إنّما أقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا يتعظم على خلقي، ويطعم الجائع ويكسو العاري، ويرحم المصاب، ويؤوي الغريب، فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نوراً، وفي الجهالة حلماً، أكلؤه بعزّتي، واستحفظه ملائكتي، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها، ولا تتغير عن حالها.

يا ابن جندب، الإسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروءته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شيء أساس وأساس الإسلام حبّنا أهل البيت.

يا ابن جندب، إنّ لله تبارك وتعالى سوراً من نور محفوفاً بالزبرجد والحرير منجداً بالسندس والديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا وبين أعدائنا، فإذا غلى الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الأكباد من طول الموقف، أدخل في هذا السور أولياء اللّه فكانوا في أمن اللّه وحرزه، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلّذ الأعين، وأعداء اللّه قد ألجمهم العرق وقطعهم الفرق

ص: 262

وهم ينظرون إلى ما أعد اللّه لهم، فيقولون: {مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ}(1)

فينظر إليهم أولياء اللّه فيضحكون منهم، فذلك قوله عزّوجلّ: {أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ}(2)

وقوله: {فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ}(3)

فلا يبقى أحد ممّن أعان مؤمناً من أوليائنا بكلمة إلا أدخله اللّه الجنة بغير حساب»(4).

من أضرار العجلة

وقال (عليه السلام) : «مع التثبّت تكون السلامة، ومع العجلة تكون الندامة، ومن ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه»(5).

مكارم الأخلاق

وقال (عليه السلام) : «إنّا لنحب من شيعتنا من كان عاقلاً عالماً فهماً فقيهاً حليماً مدارياً صبوراً صدوقاً وفياً».

ثم قال (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى خصّ الأنبياء (عليهم السلام) بمكارم الأخلاق، فمن كانت فيه فليحمد اللّه على ذلك ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى اللّه وليسأله إياه».

قال: قلت: جعلت فداك وما هي؟

قال (عليه السلام) : «الورع والقنوع والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء

ص: 263


1- سورة ص: 62.
2- سورة ص: 63.
3- سورة المطففين: 34-35.
4- تحف العقول: 301-307.
5- الخصال 1: 100، ح52.

والشجاعة والغيرة والبر وصدق الحديث وأداء الأمانة »(1).

المروّة

وقيل له (عليه السلام) : ما المروءة؟ فقال (عليه السلام) : «لا يراك اللّه حيث نهاك ولا يفقدك من حيث أمرك»(2).

عليكم الورع

وقال (عليه السلام) : «اتقوا اللّه، اتقوا اللّه، عليكم بالورع وصدق الحديث وأداء الأمانة وعفّة البطن والفرج، تكونوا معنا في الرفيع الأعلى»(3).

الشيعة أحق بالورع

وقال (عليه السلام) : «إنّ أحق الناس بالورع آل محمد وشيعتهم؛ كي تقتدي الرعية بهم»(4).

من هم الشيعة

وقال (عليه السلام) : «إنّما شيعة جعفر من عفّ بطنه وفرجه، واشتد جهاده وعمل لخالقه، ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر»(5).

من أدعيته (عليه السلام)

وكان من دعاء له (عليه السلام) حينما استدعاه المنصور فكفى اللّه شرّه:

ص: 264


1- أمالي الشيخ المفيد: 192-193، المجلس 23، ح22.
2- تحف العقول: 359.
3- بحار الأنوار 67: 306، ح28.
4- بشارة المصطفى: 141.
5- صفات الشيعة: 11، ح21.

«اللّهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليَّ، ولا أهلك وأنت رجائي، اللّهم أنت أكبر وأجل ممّا أخاف وأحذر، اللّهم بك ادفع في نحره واستعيذ بك من شره»(1).

تحت ميزاب الكعبة

كان الإمام الصادق (عليه السلام) تحت الميزاب ومعه جماعة إذ جاءه شيخ، فسلّم ثم قال: يا ابن رسول اللّه، إنّي لأحبّكم أهل البيت وأبرأ من عدوكم، وإنّي بليت ببلاء شديد وقد أتيت البيت متعوذاً به ممّا أجد وتعلقت بأستاره، ثم أقبلت إليك وأنا أرجو أن يكون سبب عافيتي مما أجد، ثم بكى وأكب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يقبّل رأسه ورجليه.

وجعل أبو عبد اللّه (عليه السلام) يتنحّى عنه، فرحمه وبكى ثم قال: «هذا أخوكم وقد أتاكم متعوذاً بكم فارفعوا أيديكم»، فرفع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يديه ورفعنا أيدينا ثم قال:

«اللّهم إنّك خلقت هذه النفس من طينة أخلصتها، وجعلت منها أولياءك وأولياء أوليائك، وإن شئت أن تنحّي عنها الآفات فعلت، اللّهم وقد تعوّذنا ببيتك الحرام الذي يأمن به كل شيء، اللّهم وقد تعوّذ بنا وأنا أسألك يا من احتجب بنوره عن خلقه، أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، يا غاية كل محزون وملهوف ومكروب ومضطر مبتلى، أن تؤمنه بأماننا مما يجد، وأن تمحو من طينته ما قدر عليها من البلاء، وأن تفرّج كربته يا أرحم الراحمين». فلما فرغ (عليه السلام) من الدعاء انطلق الرجل فلما بلغ

ص: 265


1- كشف الغمة 2: 159.

باب المسجد رجع وبكى، ثم قال: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}(1)، واللّه ما بلغت باب المسجد وبي مما أجد قليل ولا كثير ثم ولى(2).

بعض أشعاره (عليه السلام)

في المعصية

قال (عليه السلام) : «ما أحب اللّه عزّوجلّ من عصاه»، ثم تمثل فقال:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه***هذا محال في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته***إن المحب لمن يحب مطيع(3)

في الموت

وقال (عليه السلام) :

اعمل على مهل فإنك ميت***واختر لنفسك أيها الإنسان

فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى***وكأن ما هو كائن قد كان(4)

وقال (عليه السلام) :

لكل أناس دولة يرقبونها***ودولتنا في آخر الدهر تظهر(5)

ص: 266


1- سورة الأنعام: 124.
2- دعوات الراوندي: 204-205، ح557.
3- الأمالي للشيخ الصدوق: 489، المجلس 74، ح3.
4- روضة الواعظين 2: 491.
5- بحار الأنوار 51: 143، ح3.

الفصل التاسع: الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)

اشارة

ص: 267

ص: 268

الإمام الكاظم (عليه السلام) في سطور

الاسم: موسى (عليه السلام) .

الأب: الإمام الصادق (عليه السلام) .

الأم: حميدة المصفاة.

الكنية: أبو الحسن الأول، أبو الحسن الماضي، أبو علي، أبو إبراهيم(1)، وقيل: أبو إسماعيل(2).

الألقاب: الكاظم، الصابر، العبد الصالح، الأمين، باب الحوائج، النفس الزكية، زين المجتهدين، الوفي، الزاهر، السيد، الطيب، المأمون و...(3).

الأوصاف: كان (عليه السلام) أزهر إلا في الغيظ لحرارة مزاجه، ربع تمام، خضر حالك، كث اللحية(4).

نقش الخاتم: (حسبي اللّه)(5)، وفيه وردة وهلال، وفي رواية: «الملك لله وحده»(6).

ص: 269


1- انظر المناقب 4: 323.
2- بحار الأنوار 48: 11، ح8.
3- راجع المناقب 4: 323.
4- المناقب 4: 323.
5- الكافي 6: 473، ح4.
6- بحار الأنوار 48: 11، ح9.

مكان الولادة: الأبواء(1).

زمان الولادة: يوم الأحد / 7 صفر / 128 هجرية، وقيل: عام 129 هجرية(2).

مدة العمر الشريف: 55 سنة.

مدة الإمامة: 35 سنة.

مكان الشهادة: بغداد، في سجن السندي بن شاهك.

زمان الشهادة: يوم الجمعة 25/رجب/ 183 هجرية(3).

القاتل: السندي بن شاهك بأمر من هارون العباسي.

وسيلة القتل: السُم الذي دسه في الرطب(4).

المدفن: مقابر قريش وتعرف اليوم بالكاظمية، بجنب بغداد.

عاش فترة طويلة من عمره الشريف في ظلمات سجون حكام العباسيين.

من عظمته (عليه السلام)

عن هشام بن أحمر قال: قال الصادق (عليه السلام) : «يا ابن أحمر، إنّها - أمّ الإمام الكاظم - تلد مولوداً ليس بينه وبين اللّه حجاب»(5).

وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في حقّه:

هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجّد، الجاد في الاجتهاد،

ص: 270


1- الأبواء: منزل بين مكة والمدينة.
2- الكافي 1: 476.
3- تهذيب الأحكام 6: 81.
4- بحار الأنوار 48: 247، ح56.
5- إعلام الورى: 310.

والمشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظماً، كان يجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه، ولكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف في العراق بباب الحوائج إلى اللّه، لنجح المتوسلين إلى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بأنّ له عند اللّه تعالى قدم صدق ولا يزول(1).

وقال ابن الأثير: كان (عليه السلام) يلقّب الكاظم لأنه كان يحسن إلى من يسيء إليه وكان هذا عادته أبداً(2).

هذا سيد ولدي

عن يزيد بن سليط أنه قال: لقينا أبا عبد اللّه (عليه السلام) في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي أنت وأمّي، أنتم الأئمة المطهرّون، والموت لا يعرى أحد منه، فأحدث إليّ شيئاً ألقيه إلى من يخلفني.

فقال لي: «نعم، هؤلاء ولدي، وهذا سيّدهم - وأشار إلى ابنه موسى (عليه السلام) - وفيه العلم والحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم، وفيه حسن الخلق وحسن الجوار، وهو باب من أبواب اللّه تعالى عزّوجلّ، وفيه أخرى هي خير من هذا كلّه».

فقال له أبي: وما هي بأبي أنت وأمي؟

قال: «يخرج اللّه منه عزّوجلّ غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها

ص: 271


1- كشف الغمة 2: 212.
2- انظر الكامل في التاريخ 6: 164.

وفهمها وحكمها وخير مولود»(1)

الحديث.

بين يدي اللّه عزّوجلّ

روي أنّ الإمام الكاظم (عليه السلام) كان يقوم الليل للتهجّد والعبادة حتى الفجر، فيصلّي صلاة الفجر ويبدأ بالتعقيب إلى طلوع الشمس، ثم يظلّ ساجداً إلى قبيل الزوال، وكان كثيراً ما يقول: «اللّهم إنّي أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب» ويكرّر هذا الدعاء(2).

وكان من دعائه (عليه السلام) أيضاً: «عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك»(3).

وكان (عليه السلام) يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع، وكان أوصل الناس لأهله ورحمه وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل(4).

وفي السجود دائماً

عن عبد اللّه الفروي عن أبيه قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي: أدن، فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي: أشرف إلى البيت في الدار، فأشرفت.

فقال: ما ترى في البيت؟

قلت: ثوباً مطروحاً.

ص: 272


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 23-24، ح9.
2- راجع وسائل الشيعة 7: 10، ح8574.
3- كشف الغمة 2: 228.
4- الإرشاد 2: 231.

فقال: أنظر حسناً.

فتأملت ونظرت فتيقنت، فقلت: رجل ساجد.

فقال لي: تعرفه؟

قلت: لا.

قال: هذا مولاك.

قلت: ومن مولاي؟

فقال: تتجاهل عليّ.

فقلت: ما أتجاهل ولكني لا أعرف لي مولى.

فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إني أتفقده الليل والنهار، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها(1).

وعند تذكر النعمة

وعن هشام بن أحمر، قال: كنت أسير مع أبي الحسن (عليه السلام) في بعض أطراف المدينة إذ ثنى رجله عن دابته فخر ساجداً فأطال وأطال، ثم رفع رأسه وركب دابته.

فقلت: جعلت فداك قد أطلت السجود؟!.

فقال (عليه السلام) : «إنّني ذكرت نعمة أنعم اللّه بها عليّ، فأحببت أن أشكر ربي»(2).

ملامح عن شخصيته (عليهم السلام) المباركة

كان الإمام الكاظم (عليه السلام) أكثر صلة لرحمه من غيره، وأكثر صلة لفقراء

ص: 273


1- أمالي الشيخ الصدوق: 146-147، المجلس 29، ح18.
2- الكافي 2: 98، ح26.

المدينة حتى أنه كان يحمل إليهم كل ليلة الذهب والفضة والخبز والتمر، وهم لايعرفونه(1)، ومن كرمه إعتاق ألف مملوك في سبيل اللّه عزّوجلّ.

وروي عنه (عليه السلام) الأحاديث الكثيرة، وكان (عليه السلام) أفقه أهل زمانه، وأحفظهم لكتاب اللّه، وأحسنهم صوتاً لتلاوة القرآن، وكان يتلوه بحزن حتى كان يبكي كل من سمعه، ولقّبه أهل المدينة بزين المجتهدين، وقيل له (عليه السلام) الكاظم لما كظمه من الغيظ وصبره على ما لقي من ظلم الظالمين حتى قتل في سجنهم(2)،

وكان (عليه السلام) يقول: «إنّي لأستغفر كل يوم خمسة آلاف مرة»(3).

وقال الخطيب البغدادي: أخبرنا الحسن بن محمد يحيى العلوي حدثني قال: كان موسى بن جعفر (عليه السلام) يُدعى العبد الصالح من عبادته واجتهاده، روى أصحابنا: أنه دخل مسجد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فسجد سجدة في أول الليل وسمع وهو يقول في سجوده: «عظم الذنب عندي فليحسن العفو عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة» فجعل يرددها حتى اصبح(4).

وفي خبر: أنّ المأمون قال لما رأى الإمام (عليه السلام) داخلاً على هارون العباسي: «إذ دخل شيخ مسخّد قد أنهكته العبادة كأنه شنّ(5) بال، قد كُلِم من السجود وجهه وأنفه»(6).

ص: 274


1- انظر الإرشاد 2: 231.
2- راجع المناقب 4: 323.
3- وسائل الشيعة 16: 86، ح21054.
4- تاريخ بغداد 13: 29، الرقم 6987.
5- الشن: القربة من الجلد المدبوغ.
6- مستدرك الوسائل 8: 270، ح9420.

وقد ورد في الصلوات الواردة على الإمام الكاظم (عليه السلام) : «حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة»(1).

سجن هارون

لقد تعرض الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى الكثير من المعاناة ومن ظلم الطغاة في عصره، حتى اشتهر (عليه السلام) باسم الكاظم للغيظ، على إثر ما لاقاه من ظلم الحكام والناصبين والحاقدين على أهل بيت النبوة (عليهم السلام) .

الحقد والحسد

وقد وردت في هذا الشأن روايات كثيرة، فعن صالح بن علي بن عطية، قال: كان السبب في وقوع موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى بغداد أنّ هارون العباسي أراد أن يقعد الأمر لابنه محمد بن زبيدة، وكان له من البنين أربعة عشر ابناً، فاختار منهم ثلاثة: محمد بن زبيدة وجعله ولي عهده، وعبد اللّه المأمون وجعل الأمر له بعد ابن زبيدة، والقاسم المؤتمن وجعل له الأمر من بعد المأمون، فأراد أن يحكم الأمر في ذلك ويشهره شهرة يقف عليها الخاص والعام، فحج في سنة تسع وسبعين ومائة وكتب إلى جميع الآفاق، يأمر الفقهاء والعلماء والقراء والأمراء أن يحضروا مكة أيام الموسم، فأخذ هو طريق المدينة.

قال: علي بن محمد النوفلي فحدثني أبي أنه كان سبب سعاية يحيى بن خالد بموسى بن جعفر (عليه السلام) وضع هارون ابنه محمد بن زبيدة في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فساء ذلك يحيى وقال: إذا مات هارون

ص: 275


1- بحار الأنوار 99: 17، ح10.

وأفضي الأمر إلى محمد انقضت دولتي ودولة ولدي، وتحوّل الأمر إلى جعفر بن محمد بن الأشعث وولده، وكان قد عرف مذهب جعفر في التشيّع، فأظهر له أنه على مذهبه فسر به جعفر، وأفضى إليه بجميع أموره، وذكر له ما هو عليه في موسى بن جعفر (عليهما السلام) .

فلما وقف على مذهبه سعى به إلى هارون، وكان هارون يرعى له موضعه وموضع أبيه من نصرة الخلافة، فكان يقدم في أمره ويؤخر، ويحيى لا يألو أن يخطب عليه، إلى أن دخل يوماً إلى هارون فأظهر له إكراماً وجرى بينهما كلام مزية جعفر لحرمته وحرمة أبيه، فأمر له هارون في ذلك اليوم بعشرين ألف دينار، فأمسك يحيى عن أن يقول فيه شيئاً حتى أمسى، ثم قال لهارون: يا أمير، قد كنت أخبرتك عن جعفر ومذهبه فتكذب عنه، وهاهنا أمر فيه الفيصل، قال: وما هو؟ قال: إنّه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرج خمسه فوجه به إلى موسى بن جعفر، ولست أشك أنه قد فعل ذلك في العشرين الألف دينار التي أمرت بها له.

فقال هارون: إنّ في هذا لفيصلاً، فأرسل إلى جعفر ليلاً، وقد كان عرف سعاية يحيى به فتباينا، وأظهر كل واحد منهما لصاحبه العداوة، فلما طرق جعفر رسول هارون بالليل خشي أن يكون قد سمع فيه قول يحيى، وأنّه إنّما دعاه ليقتله، فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنّط بهما، ولبس برده فوق ثيابه وأقبل إلى هارون، فلما وقعت عليه عينه وشم رائحة الكافور ورأى البردة عليه، قال: يا جعفر، ما هذا؟

فقال: يا أمير، قد علمت أنه سعى بي عندك، فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن أن يكون قد قرح في قلبك ما يقول علي، فأرسلت إليّ

ص: 276

لتقتلني.

قال: كلّا ولكن قد خبرت أنك تبعث إلى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه، وأنك قد فعلت بذلك في العشرين الألف دينار، فأحببت أن أعلم ذلك؟

فقال جعفر: اللّه أكبر يا أمير، تأمر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها، فقال هارون لخادم له: خذ خاتم جعفر وانطلق به حتى تأتيني بهذا المال، وسمّى له جعفر جاريته التي عندها المال، فدفعت إليه البدر بخواتيمها، فأتى بها هارون، فقال له جعفر: هذا أول ما تعرف به كذب من سعى بي إليك، قال: صدقت يا جعفر، انصرف آمنا فإنّي لا أقبل فيك قول أحد.

قال: وجعل يحيى يحتال في إسقاط جعفر(1).

قيل: وكان ممّن سعى بموسى بن جعفر (عليه السلام) يعقوب بن داود، وكان يرى رأي الزيدية(2).

وعن علي بن محمد بن سليمان النوفلي، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي البلاد قال: كان يعقوب بن داود يخبرني أنه قد قال بالإمامة، فدخلت عليه بالمدينة في الليلة التي أخذ فيها موسى بن جعفر (عليه السلام) في صبيحتها فقال لي: كنت عند الوزير الساعة - يعني يحيى بن خالد - فحدثني أنه سمع هارون يقول: عند قبر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) كالمخاطب له: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، إني أعتذر إليك من أمر قد عزمت عليه، فإنّي أريد أن آخذ موسى بن

ص: 277


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 69-71، ح1.
2- بحار الأنوار 48: 210، ح8.

جعفر فأحبسه؛ لأنّي قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً تسفك فيها دماؤهم!! وأنا أحسب أنه سيأخذه غداً، فلما كان من الغد أرسل إليه الفضل بن الربيع، وهو قائم يصلي في مقام رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فأمر بالقبض عليه وحبسه(1).

وقال الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) : «لما دخلت على هارون سلمت عليه، فرد عليّ السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبى إليهما الخراج؟

فقلت: يا أمير، أعيذك باللّه {أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}(2)

وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كذب علينا منذ قبض رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بما علم ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جده رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟

فقال: قد أذنت لك.

فقلت: أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت فناولني يدك جعلني اللّه فداك.

فقال: ادن، فدنوت منه، فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلاً، ثم تركني وقال: اجلس يا موسى فليس عليك بأس، فنظرت إليه فإذا أنه قد دمعت عيناه فرجعت إلى نفسي، فقال: صدقت وصدق جدك (صلی الله عليه وآله وسلم) ، لقد تحرّك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت عليّ الرقة وفاضت عيناي، و أنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحداً،

ص: 278


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 73، ح3.
2- سورة المائدة: 29.

فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك، ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط، فاصدقني عمّا أسألك ممّا في قلبي.

فقلت: ما كان علمه عندي فإنّي مخبرك إن أنت آمنتني.

قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معشر بني فاطمة.

فقلت: ليسأل الأمير عمّا شاء.

قال: أخبرني لم فضلّتم علينا، ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب، ونحن وأنتم واحد إنا بنو العباس وأنتم ولد أبي طالب وهما عما رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وقرابتهما منه سواء؟

فقلت: نحن أقرب.

قال: وكيف ذلك؟

قلت: لأنّ عبد اللّه وأبا طالب لأب وأمّ، وأبوكم العباس ليس هو من أمّ عبد اللّه ولا من أمّ أبي طالب.

قال: فلم ادّعيتم أنكم ورثتم النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) والعم يحجب ابن العم وقبض رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وقد توفّي أبو طالب قبله والعباس عمّه حيّ؟

فقلت له: إن رأى الأمير أن يعفيني من هذه المسألة ويسألني عن كل باب سواه يريده.

فقال: لا أو تجيب.

فقلت: فآمنّي.

فقال: قد آمنتك قبل الكلام.

ص: 279

فقلت: إنّ في قول علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذ ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أنثى لأحد سهم إلا للأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعمّ مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب، إلا أن تيماً وعدياً وبني أميّة قالوا: العم والد رأياً منهم بلا حقيقة ولا أثر عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) ، ومن قال بقول علي (عليه السلام) من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دراج يقول في هذه المسألة بقول علي (عليه السلام) وقد حكم به، وقد ولّاه الأمير المصرين، الكوفة والبصرة، وقد قضى به، فأنهي إلى الأمير ، فأمر بإحضاره وإحضار من يقول بخلاف قوله، منهم: سفيان الثوري وإبراهيم المدني والفضيل بن عياض، فشهدوا أنّه قول علي (عليه السلام) في هذه المسألة، فقال لهم: فيما أبلغني بعض العلماء من أهل الحجاز، فلم لا تفتون به وقد قضى به نوح بن دراج؟ فقالوا: جسر نوح وجبناً، وقد أمضى الأمير قضيته بقول قدماء العامة عن النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (علي أقضاكم)، وكذلك قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا، وهو اسم جامع، لأنّ جميع ما مدح به النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) أصحابه من القراءة والفرائض والعلم داخل في القضاء.

قال: زدني يا موسى.

قلت: المجالس بالأمانات و خاصة مجلسك.

فقال: لا بأس عليك.

فقلت: إنّ النبي لم يورّث من لم يهاجر ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر.

فقال: ما حجّتك فيه؟

فقلت: قول اللّه تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن

ص: 280

وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ}(1) وإنّ عمّي العباس لم يهاجر.

فقال لي: أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحداً من أعدائنا أم أخبرت أحداً من الفقهاء في هذه المسألة بشيء؟

فقلت: اللّهم لا، وما سألني عنها إلا الأمير.

ثم قال: لم جوزّتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ويقولون لكم يا بني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وأنتم بنو علي، وإنّما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي (صلی الله عليه وآله وسلم) جدّكم من قبل أمكم؟

فقلت: يا أمير، لو أنّ النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟

فقال: سبحان اللّه ولم لا أجيبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك.

فقلت: لكنّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لا يخطب إليّ ولا أزوجه.

فقال: ولم؟

فقلت: لأنه (صلی الله عليه وآله وسلم) ولّدني ولم يلدك.

فقال: أحسنت يا موسى.

ثم قال: كيف قلتم إنّا ذرية النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) والنبي (صلی الله عليه وآله وسلم) لم يعقّب، وإنّما العقب للذكر لا للأنثى وأنتم ولد الإبنة ولا يكون لها عقب؟

فقلت: أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفيتني عن هذه المسألة.

فقال: لا أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم

ص: 281


1- سورة الأنفال: 72.

وإمام زمانهم كذا أنهي إليّ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجّة من كتاب اللّه تعالى، فأنتم تدّعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلا وتأويله عندكم واحتججتم بقوله عزّوجلّ: {مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلْكِتَٰبِ مِن شَيْءٖ}(1) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم؟

فقلت: تأذن لي في الجواب؟

قال: هات.

قلت: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم {بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ}(2) من أبو عيسى يا أمير؟

فقال: ليس لعيسى أب.

فقلت: إنّما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام) وكذلك ألحقنا بذراري النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) من قبل أمنا فاطمة (عليها السلام) ، أزيدك يا أمير؟

قال: هات.

قلت: قول اللّه عزّوجلّ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ}(3) ولم يدع أحد أنه أدخل النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين، فكان تأويل قوله عزّوجلّ: {أَبْنَاءَنَا} الحسن والحسين و

ص: 282


1- سورة الأنعام: 38.
2- سورة الأنعام: 84-85.
3- سورة آل عمران: 61.

{نِسَاءَنَا} فاطمة و{أَنفُسَنَا} علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

إنّ العلماء قد أجمعوا على أنّ جبرئيل (عليه السلام) قال يوم أحد: يا محمد إنّ هذه لهي المواساة من علي قال: لأنّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل: وأنّا منكما يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح اللّه عزّوجلّ به خليله (عليه السلام) إذ يقول: {فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَٰهِيمُ}(1) إنا معشر بني عمّك نفتخر بقول جبرئيل: أنه منّا.

فقال: أحسنت يا موسى ارفع إلينا حوائجك، فقلت له: أول حاجة أن تأذن لابن عمّك أن يرجع إلى حرم جدّه وإلى عياله.

فقال: ننظر إن شاء اللّه تعالى(2).

ولكنه أنزله عند السندي بن شاهك، ثم أمر بقتله (عليه السلام) بالسم.

قمة التقوى

استعمل هارون العباسي مختلف أساليب التعذيب الروحي والجسدي لإيذاء الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) .

وقد أرسل يوماً إلى السجن جارية لها جمال ووضاءة ليرى ما يفعله الإمام (عليه السلام) .

وأنفذ الخادم ليتفحّص عن حالها، فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها وهي تقول: «قدوس، سبحانك سبحانك».

فأتى بها ترتعد شاخصة نحو السماء بصرها.

ص: 283


1- سورة الأنبياء: 60.
2- بحار الأنوار 48: 125-129، ح2.

فقال: ما شأنك؟

قالت: هكذا رأيت العبد الصالح.

فما زالت كذلك حتى ماتت(1).

من كراماته ومعجزاته (عليه السلام)

طي الأرض

عن إسماعيل بن سلام وابن حميد قالا: بعث إلينا علي بن يقطين فقال: اشتريا راحلتين وتجنبا الطريق ودفع إلينا مالاً وكتباً حتى توصلا ما معكما من المال والكتب إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام) ولا يعلم بكما أحد.

قالا: فأتينا الكوفة فاشترينا راحلتين وتزودنا زاداً وخرجنا نتجنب الطريق، حتى إذا صرنا ببطن الرمة(2)،

شددنا راحلتنا ووضعنا لهما العلف وقعدنا نأكل، فبينا نحن كذلك إذا راكب قد أقبل ومعه شاكري(3)، فلما قرب منّا فإذا هو أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقمنا إليه وسلمنا عليه ودفعنا إليه الكتب وما كان معنا.

فأخرج (عليه السلام) من كمه كتباً فناولنا إياها فقال: «هذه جوابات كتبكم».

قال: قلنا: إن زادنا قد فني، فلو أذنت لنا فدخلنا المدينة فزرنا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وتزودنا زاداً.

ص: 284


1- انظر المناقب 4: 297.
2- بطن الرُمّة: منزل يجتمع فيه أهل الكوفة والبصرة إذا أرادوا المدينة، كما في معجم البلدان 4، 290.
3- شاكري: فارسية بمعنى الخادم.

فقال: «هاتا ما معكما من الزاد» فأخرجنا الزاد إليه، فقلّبه بيده، فقال: «هذا يبلغكما إلى الكوفة، وأمّا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فقد رأيتماه، إنّي صليت معهم الفجر، وأنا أريد أن أصل معهم الظهر انصرفا في حفظ اللّه»(1).

سلّم على مولاك

عن يعقوب السرّاج أنه قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى (عليه السلام) وهو في المهد فجعل يسارّه طويلاً، فجلست حتى فرغ، فقمت إليه فقال لي: «أدن إلى مولاك فسلّم عليه».

فدنوت فسلمت عليه!.

فردّ عليّ بلسان فصيح، ثم قال لي: «اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنّه اسم يبغضه اللّه»، وكانت ولدت لي بنت فسميتها بالحميراء، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «انته إلى أمره ترشد»، فغيرت اسمها(2).

يا أسد اللّه خذ عدو اللّه

عن علي بن يقطين أنه قال: استدعى هارون العباسي رجلاً يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ويقطعه ويخجله في المجلس، فانتدب له رجل معزم(3)،

فلما أحضرت المائدة عمل ناموساً(4)

على الخبز، فكان كلما رام خادم أبي الحسن (عليه السلام) تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، واستفز هارون الفرح والضحك لذلك.

ص: 285


1- رجال الكشي: 436-437، ح821.
2- الإرشاد 2: 219.
3- معزم: الرجل الذي عنده الغريمة. لسان العرب 12: 400 (مادة عزم).
4- الناموس: ما تنفس به من الاحتيال.

فلم يلبث أبو الحسن (عليه السلام) أن رفع رأسه إلى أسد مصور على بعض الستور فقال له: «يا أسد اللّه خذ عدوّ اللّه».

قال: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترست ذلك المعزم.

فخرّ هارون وندماؤه على وجوههم مغشياً عليهم وطارت عقولهم خوفاً من هول ما رأوه.

فلما أفاقوا من ذلك بعد حين، قال هارون لأبي الحسن (عليه السلام) : أسألك بحقّي عليك لما سألت الصورة أن تردّ الرجل.

فقال (عليه السلام) : «إن كانت عصا موسى (عليه السلام) ردّت ما ابتلعته من حبال القوم وعصيّهم فإنّ هذه الصورة ترد ما ابتلعته من هذا الرجل» فكان ذلك أعمل الأشياء في إفاقة نفسه(1).

ومثل هذه المعجزة وردت أيضاً عن الإمام الرضا (عليه السلام) والمأمون العباسي في قصة مفصلة(2).

ولادة اللبوة

عن علي بن أبي حمزة البطائني أنه قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في طريق، إذ استقبلنا أسد ووضع يده على كفل بغلته، فوقف له أبو الحسن (عليه السلام) كالمصغي إلى همهمته، ثم تنحّى الأسد إلى جانب الطريق وحول أبو الحسن (عليه السلام) وجهه إلى القبلة، وجعل يدعو بما لم أفهمه، ثم

ص: 286


1- أمالي الشيخ الصدوق: 148-149، المجلس 29، ح19.
2- انظر عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 171، ح1.

أومئ إلى الأسد بيده أن أمض، فهمهم الأسد همهمة طويلة وأبو الحسن (عليه السلام) يقول: «آمين آمين» وانصرف الأسد.

فقلت له: جعلت فداك عجبت من شأن هذا الأسد معك؟

فقال: «إنّه خرج إليّ يشكو عسر الولادة على لبوته، وسألني: أن أسأل اللّه أن يفرج عنها، ففعلت ذلك، وألقي في روعي أنها تلد ذكراً، فخبرته بذلك.

فقال لي: امض في حفظ اللّه فلا سلّط اللّه عليك، ولا على ذريتك، ولا على أحد من شيعتك، شيئاً من السباع، فقلت: آمين»(1).

السجين الحر

حُبس علي بن المسيب مع الإمام الكاظم (عليه السلام) في بغداد، وبعدما طال حبسه واشتد شوقه إلى عياله قال (عليه السلام) له: اغتسل.

فاغتسل.

فقال: غض عينيك.

فغض.

فقال: افتح.

ففتح، فرآه عند قبر الحسين (عليه السلام) فصليا عنده وزاراه.

ثم قال: غمض... وقال: افتح فرآه معه عند قبر الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقال: هذا بيتك فاذهب إلى عيالك وجدّد العهد وارجع إليّ، ففعل.

فقال: غمض... وقال: افتح ففتح، فرآه معه فوق جبل قاف(2)، وكان

ص: 287


1- المناقب 4: 298.
2- جبل قاف: قيل هو الجبل المحيط بالأرض. معجم البلدان 4، 298.

هناك من أولياء اللّه أربعون رجلاً فصلى (عليه السلام) وصلوا مقتدين به، ثم قال: غمّض... وقال: افتح، ففتح فرآه معه في السجن(1).

ريش من أجنحة الملائكة

عن المفضل بن عمر، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فبينا أنا جالس عنده إذ اقبل موسى (عليه السلام) ابنه وفي رقبته قلادة فيها ريش غلاظ، فدعوت به فقبلته وضممته إليّ، ثم قلت لأبي عبد اللّه: جعلت فداك أي شيء هذا الذي في رقبة موسى (عليه السلام) ؟

فقال: «هذا من أجنحة الملائكة».

قال: فقلت: وإنّها لتأتينكم؟

قال: «نعم، إنّها لتأتينا وتتعفر في فرشنا، وإنّ هذا الذي في رقبة موسى من أجنحتها»(2).

مع بشر الحافي

مرّ الإمام الكاظم (عليه السلام) على دار بشر ببغداد، فسمع أصوات الغناء والطرب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البيت فرمت بها في الدرب، فقال (عليه السلام) لها: يا جارية صاحب هذا الدار حرّ أمّ عبد؟

فقالت: بل حرّ.

فقال (عليه السلام) : صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه...

فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟

ص: 288


1- راجع منتهى الآمال 2: 326.
2- بصائر الدرجات 1: 93، ح13.

فقالت: حدثني رجل بكذا...

فخرج بشر حافياً حتى لقي مولانا الكاظم (عليه السلام) فتاب على يديه(1).

في شهادته (عليه السلام) مسموماً

لقد قضى الإمام الكاظم (عليه السلام) عدّة سنين من حياته الشريفة في ظلمات السجون، بعيداً عن أهله وأصحابه وشيعته، وممنوعاً من نشر علومه، فقد أمر هارون العباسي بإلقاء القبض على الإمام (عليه السلام) فألقت الشرطة عليه القبض وهو (عليه السلام) قائم يصلي عند رأس جده رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فقطعوا عليه صلاته ولم يمهلوه أن يتمها، فقيدوه في ذلك الحرم الشريف، وهو (عليه السلام) يشكو إلى جده قائلاً: «إليك أشكو يا رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) »(2).

فسير بالإمام (عليه السلام) معتقلاً إلى البصرة، فلما انتهوا به (عليه السلام) إلى البصرة دفعوه إلى عيسى بن أبي جعفر فحبسه.

فتفرّغ الإمام (عليه السلام) في الحبس للعبادة وأقبل على عبادة اللّه فارغ البال، يقضي أغلب أوقاته في الصلاة والسجود والدعاء... واعتبر تفرّغه للعبادة من أعظم نعم اللّه التي منحها له، فكان (عليه السلام) يشكر اللّه على تلك الحالة، ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنك تعلم إني كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك، اللّهم وقد فعلت فلك الحمد»(3).

فأوعز هارون العباسي إلى عيسى في البصرة يطلب منه اغتيال الإمام (عليه السلام)

ص: 289


1- راجع منتهى الآمال 2: 299.
2- المناقب 4: 327.
3- الإرشاد 2: 240.

وقتله!، فكتب إليه عيسى طلب إعفاءه من ذلك وقال: قد اختبرت طول مقامه بمن حبسته معه عيناً عليه... فلم يكن منه سوء قط، ولم يكن عنده تطلع إلى ولاية ولا خروج ولا شيء من أمر الدنيا... فإن رأى الأمير أن يعفيني من أمره، أو ينفذ من يتسلمه مني، وإلا سرحت سبيله(1).

فأمره هارون بحمل الإمام (عليه السلام) إلى بغداد.

فحُمل (عليه السلام) إلى بغداد مقيداً...

فانتهوا به إلى بغداد وأخبروا هارون بذلك، فأمر باعتقاله (عليه السلام) عند الفضل ابن الربيع، فبقي عنده مدّة طويلة.

فأراده هارون على شيء من أمره، فأبى، فكتب إليه بتسليمه إلى الفضل ابن يحيى، فتسلّمه منه وجعله في بعض حجر داره، ووضع عليه الرصد وكان (عليه السلام) مشغولاً بالعبادة، يحيي الليل كله صلاة وقراءة للقرآن ودعاء واجتهاداً، ويصوم النهار في أكثر الأيام ولا يصرف وجهه من المحراب.

فوسّع عليه الفضل بن يحيى و أكرمه.

فاتصل ذلك بهارون وهو بالرقة، فكتب إليه ينكر عليه توسعته على موسى (عليه السلام) ، ويأمره بقتله، فتوقف عن ذلك، ولم يقدم عليه.

فاغتاظ هارون لذلك، ودعا مسروراً الخادم فقال له: اخرج على البريد في هذا الوقت إلى بغداد، وادخل من فورك على موسى بن جعفر (عليه السلام) فإن وجدته في دعة ورفاهية، فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمد ومره بامتثال ما فيه، وسلّم إليه كتابا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره فيه بطاعة

ص: 290


1- انظر الإرشاد 2: 240.

العباس بن محمد.

فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثم دخل على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فوجده على ما بلغ هارون، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى فركب معه وخرج مشدوهاً دهشاً، حتى دخل على العباس بن محمد فدعا العباس بسياط وعقابين وأمر بالفضل فجرد وضربه السندي بين يديه مائة سوط وخرج متغير اللون خلاف ما دخل، وجعل يسلم على الناس يميناً و شمالاً.

فأمر هارون بتسليم موسى (عليه السلام) إلى السندي بن شاهك(1).

يقول الفضل بن الربيع: قد أرسلوا إليّ غير مرة يأمرونني بقتله، فلم أجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني(2).

وعلى رغم محاولات هارون العباسي لكنه شاع ذكر الإمام (عليه السلام) وانتشرت فضائله ومآثره في بغداد وفي كثير من البلاد الإسلامية، فضاق هارون من ذلك وعزم على قتل الإمام (عليه السلام) ، فلم يجد شريراً أسوء من (السندي بن شاهك)، فنقل الإمام (عليه السلام) إلى سجنه، وأمره بالتضييق عليه، فبالغ السندي في أذى الإمام (عليه السلام) والتضييق عليه، ثم أمره هارون بأن يقتل الإمام (عليه السلام) بالسم، فناوله رطباً مسموماً، فقضى الإمام (عليه السلام) نحبه مظلوماً

ص: 291


1- راجع الإرشاد 2: 241.
2- بحار الأنوار 48: 211، ح9.

مسموماً شهيداً (1).

درر من كلماته (عليه السلام) الشريفة

الإحسان إلى الإخوان

قال الإمام الكاظم (عليه السلام) لعلي بن يقطين: «كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان»(2).

الزهد حقيق في هذا

وقال (عليه السلام) لما حضر عند قبر من القبور: «إنّ شيئاً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإنّ شيئاً هذا أوله لحقيق أن يخاف من آخره»(3).

بين الذنب والبلاء

وقال (عليه السلام) : «كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون»(4).

تقسيم الوقت

وقال (عليه السلام) : «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة اللّه، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات، لا تحدّثوا أنفسكم بفقرٍ

ص: 292


1- انظر الإرشاد 2: 242؛ وكشف الغمة 2: 234.
2- بحار الأنوار 10: 247، ح14.
3- وسائل الشيعة 16: 15، ح20840.
4- تحف العقول: 410.

ولا بطول عمرٍ، فإنّه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدّثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لأنفسكم حظاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال وما لا يثلم المروّة وما لاسرف فيه، واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنّه روي: ليس منّا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه»(1).

من استوى يوماه

وقال (عليه السلام) : «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة»(2).

معنى حسن الجوار

وقال (عليه السلام) : «ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى»(3).

لا تترك الأمر بالمعروف

وقال (عليه السلام) : «إنّما هلك من كان قبلكم بما عملوا من المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك، إنّ اللّه جلّ وعلا بعث ملكين إلى مدينة ليقلباها على أهلها، فلما انتهيا إليها وجدا رجلاً يدعو اللّه ويتضرّع إليه، فقال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الرجل الداعي؟

فقال له: رأيته ولكن امضي إلى ما أمرني به ربّي.

ص: 293


1- تحف العقول: 409-410.
2- بحار الأنوار 75: 327، ح5.
3- تحف العقول: 409.

فقال الآخر: ولكنّي لا أحدث شيئاً حتى ارجع، فعاد إلى ربه فقال: يا رب إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعو ويتضرع إليك؟!

فقال عزّوجلّ: امضِ لما أمرتك فإنّ ذلك رجل لم يتغيّر وجهه غضباً لي قط»(1).

شدّة الجور

وقال (عليه السلام) : «يعرف شدة الجور من حكم به عليه»(2).

عيال الرجل

وقال (عليه السلام) : «إنّ عيال الرجل أسراؤه فمن أنعم اللّه عليه نعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أوشك أن تزول عنه تلك النعمة»(3).

من أنواع الصدقة

وقال (عليه السلام) : «ضمنت لمن اقتصد أن لا يفتقر، واعلم أنّ نفقتك على نفسك وعيالك صدقة، والكاد على عياله من حل كالمجاهد في سبيل اللّه»(4).

الحلاقة وآدابها

وقال (عليه السلام) : «إذا أخذت من شعر رأسك فابدأ بالناصية ومقدّم رأسك والصدغين إلى القفا، فكذلك السنة، وقل:

بسم اللّه وباللّه وعلى ملّة إبراهيم وسنة محمد وآل محمد حنيفاً مسلماً وما

ص: 294


1- فقه الرضا (عليه السلام) : 375.
2- بحار الأنوار 75: 326، ح3.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 442، المجلس 68، ح3.
4- فقه الرضا (عليه السلام) : 255.

أنا من المشركين، اللّهم أعطني بكل شعرة وطاقة في الدنيا نوراً يوم القيامة، اللّهم أبدلني مكانه شعراً لا يعصيك، تجعله زينة لي ووقاراً في الدنيا، ونوراً ساطعاً يوم القيامة.

ثم تجمع شعرك وتدفنه وتقول: اللّهم اجعله إلى الجنة ولا تجعله إلى النار وقدس عليه ولا تسخط عليه، وطهّره حتى تجعله كفارة وذنوباً تناثرت عني بعدده، وما تبدله مكانه، فاجعله طيباً وزينة وقاراً ونوراً في القيامة منيراً يا أرحم الراحمين، اللّهم زيّني بالتقوى وجنّبني وجنّب شعري وبشري المعاصي وجنبني الردى، فلا يملك ذلك أحد سواك»(1).

المعالجات الطبية

وقال (عليه السلام) : «ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم فإنّه بمنزلة البناء، قليله يجر إلى كثيره»(2).

من آداب الحجامة

عن محمد بن رباح القلاء، قال: رأيت أبا إبراهيم (عليه السلام) يحتجم يوم الجمعة، فقلت: جعلت فداك تحتجم يوم الجمعة؟!

قال (عليه السلام) : «أقرأ آية الكرسي، فإذا هاج بك الدم ليلاً كان أو نهاراً فاقرأ آية الكرسي واحتجم»(3).

ص: 295


1- بحار الأنوار 73: 84، ح2.
2- علل الشرائع 2: 465، ح17.
3- الخصال 2: 390، ح83.

خلقة الإنسان

وقال (عليه السلام) : «خلق اللّه عالمين متصلين: فعالم علويّ وعالم سفليّ، وركب العالمين جميعاً في ابن آدم، وخلقه كروياً مدوراً، فخلق اللّه رأس ابن آدم كقبة الفلك، وشعره كعدد النجوم، وعينيه كالشمس والقمر، ومنخريه كالشمال والجنوب، وأذنيه كالمشرق والمغرب، وجعل لمحه كالبرق، وكلامه كالرعد، ومشيه كسير الكواكب، وقعوده كشرفها، وغفوه كهبوطها، وموته كاحتراقها.

وخلق في ظهره أربعاً وعشرين فقرة كعدد ساعات الليل والنهار، وخلق له ثلاثين معى(1)، كعدد الهلال ثلاثين يوماً، وخلق له اثنى عشر عضواً... وعجنه من مياه أربعة:

فخلق المالح في عينيه، فهما لا يذوبان في الحر ولا يجمدان في البرد، وخلق المر في أذنيه لكي لا تقربهما الهوام، وخلق المني في ظهره لكيلا يعتريه الفساد، وخلق العذب في لسانه، فشهد آدم أن لا إله إلا اللّه، وخلقه بنفس وجسد وروح، فروحه التي لا تفارقه إلا بفراق الدنيا، وبنفسه التي يرى بها الأحلام والمنامات، وجسمه هو الذي يبلى ويرجع إلى التراب»(2).

بين الداء والدواء

عن معاوية بن حكيم قال: سمعت عثمان الأحول يقول: سمعت أبا

ص: 296


1- معي: المَعَى والمِعَى من أعفاج البطن مذكر، والجمع الأمعاء. أنظر لسان العرب 15: 287 مادة (معي).
2- الاختصاص: 142-143.

الحسن (عليه السلام) يقول:

«ليس من دواء إلا وهو يهيج داءً، وليس شيء في البدن أنفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه»(1).

علامات الدم

وقال (عليه السلام) : «علامات الدم أربع: الحكة، والبثرة، والنعاس، والدوران»(2).

دعاء الخروج من البيت

عن الرضا (عليه السلام) قال: «كان أبي (عليه السلام) إذا خرج من منزله قال:

بسم اللّه الرحمن الرحيم خرجت، بحول اللّه وقوته لا بحولي وقوتي، بل بحولك وقوتك يا رب، متعرضاً به لرزقك، فأتني به في عافية»(3).

التكلّم في ذات اللّه

وقال (عليه السلام) : «من تكلّم في اللّه هلك، ومن طلب الرئاسة هلك، ومن دخله العجب هلك»(4).

مؤونة الدين والدنيا

وقال (عليه السلام) : «اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة، فأمّا مؤونة الدنيا فإنّك لا تمدّ يدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجراً قد سبقك إليه، وأمّا مؤونة الآخرة فإنّك لاتجد أعواناً يعينونك عليه»(5).

ص: 297


1- الكافي 8: 273، ح409.
2- الخصال 1: 250، ح115.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 6، ح11.
4- تحف العقول: 409.
5- تهذيب الأحكام 6: 377، ح224.

من صفات الوسواس

وقال (عليه السلام) : «أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفتّ الطين، وتقليم الأظفار بالأسنان، وأكل اللحية، وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن»(1).

إذا غلب الجور

وقال (عليه السلام) : «إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لأحد أن يظن بأحد خيراً حتى يعرف ذلك منه»(2).

قل الحق دائماً

وقال (عليه السلام) : «قل الحقّ وإن كان فيه هلاكك فإنّ فيه نجاتك، ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإنّ فيه هلاكك»(3).

من أقسام الشكر

وقال (عليه السلام) : «التحدث بنعم اللّه شكر، وترك ذلك كفر، فارتبطوا نعم ربكم بالشكر، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا البلاء بالدعاء، فإن الدعاء جنة منجية ترد البلاء وقد أبرم إبراماً»(4).

القرآن شفاء

وقال (عليه السلام) : «في القرآن شفاء من كل داء»(5).

ص: 298


1- بحار الأنوار 10: 246، ح10؛ وبحار الأنوار 75: 320، ح3.
2- الكافي 5: 298، ح2.
3- الاختصاص: 32.
4- وسائل الشيعة 7: 40، ح8660.
5- فقه الرضا (عليه السلام) : 342.

الصدقة ودواء المرضى

وقال (عليه السلام) : «داووا مرضاكم بالصدقة، واستشفوا بالقرآن، فمن لم يشفه القرآن فلا شفاء له»(1).

النفس وهواها

وقال (عليه السلام) : «اتق المرتقى السهل إذا كان منحدره وعراً»(2).

وقال (عليه السلام) : «كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تدع النفس وهواها، فإنّ هواها في رداها، وترك النفس وما تهوى أذاها، وكفّ النفس عمّا تهوى دواها»(3).

مكافأة المعروف

وقال (عليه السلام) : «المعروف غلّ لا يفكه إلا مكافأة أو شكر»(4).

لا تذلّ نفسك

وقال (عليه السلام) لرجل: «لا تمكّن الناس من قيادك فتذل»(5).

الإنفاق في الطاعة

وقال (عليه السلام) : «إيّاك أن تمنع في طاعة اللّه، فتنفق مثليه في معصية اللّه»(6).

ص: 299


1- مستدرك الوسائل 2: 98، ح1526.
2- الكافي 2: 336، ح4.
3- الكافي 2: 336، ح4.
4- بحار الأنوار 75: 333، ح8.
5- قرب الإسناد: 309، ح1204.
6- تحف العقول: 408.

عون الضعيف

وقال (عليه السلام) : «عونك للضعيف من أفضل الصدقة»(1).

بين الجاهل والعاقل

وقال (عليه السلام) : «تعجّب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل»(2).

اصبر عند المصيبة

وقال (عليه السلام) : «المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان»(3).

لو ظهرت الآجال

وقال (عليه السلام) : «لو ظهرت الآجال افتضحت الآمال، من ولده الفقر أبطره الغنى، من لم يجد للإساءة مضضاً لم يكن للإحسان عنده موقع، ما تسابّ اثنان إلا انحط الأعلى إلى مرتبة الأسفل»(4).

من أدعيته (عليه السلام)

دعاء لدفع البلاء

عن أبي عبد اللّه بن الفضل عن أبيه الفضل، قال: كنت أحجب هارون فأقبل عليّ يوماً غضبان وبيده سيف يقلّبه، فقال لي: يا فضل بقرابتي من رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لئن لم تأتني بابن عمي الآن لآخذن الذي فيه عيناك!.

ص: 300


1- بحار الأنوار 75: 326، ح3.
2- تحف العقول: 414.
3- مستدرك الوسائل 2: 445، ح2420.
4- بحار الأنوار 75: 333، ح8.

فقلت: بمن أجيئك؟

فقال: بهذا الحجازي.

فقلت: وأيّ الحجازي؟

قال: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

إلى أن قال: فدخلت على هارون فإذا هو كأنّه امرأة ثكلى قائم حيران، فلما رآني قال لي: يا فضل.

فقلت: لبيك.

فقال: جئتني بابن عمي؟

قلت: نعم.

قال: لا تكون أزعجته؟

فقلت: لا.

قال: لا تكون أعلمته أني غضبان، فإنّي قد هيجت على نفسي ما لم أرده؟ إئذن له بالدخول.

فأذنت له، فلمّا رآه وثب إليه وعانقه. ورحّب به ثم أمر بإكرامه وأذن له بالانصراف.

فتبعته (عليه السلام) فقلت له: ما الذي قلت حتى كفيت أمر هارون؟

فقال: «دعاء جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلا وهزمه، ولا إلى فارس إلا قهره، وهو دعاء كفاية البلاء».

قلت: وما هو؟

قال: «قلت: اللّهم بك أساور، وبك أحاول، وبك أجاور، وبك أصول،

ص: 301

وبك انتصر، وبك أموت، وبك أحيا، أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

اللّهم إنك خلقتني ورزقتني، وسترتني عن العباد بلطف ما خوّلتني وأغنيتني، إذا هويت رددتني، وإذا عثرت قوّمتني، وإذا مرضت شفيتني، وإذا دعوت أجبتني، يا سيدي إرض عنّي فقد أرضيتني»(1).

دعاء لدفع الأعداء

عن علي بن يقطين، قال: أنهي الخبر إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) وعنده جماعة من أهل بيته، بما عزم موسى بن المهدي في أمره.

فقال لأهل بيته: «ما تشيرون؟».

قالوا: نرى أن تتباعد عنه، وأن تغيّب شخصك منه فإنه لا يؤمن شرّه.

فتبسم أبو الحسن (عليه السلام) ثم قال:

زعمت سخينة أن ستغلب ربها***وليغلبن مغلب الغلاب

ثم رفع (عليه السلام) يده إلى السماء فقال:

«اللّهم كم من عدو شحذ لي ظبة مديته، وأرهف لي شبا حدّه، وداف لي قواتل سمومه، ولم تنم عنّي عين حراسته، فلما رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح، وعجزي عن ملمّات الحوائج، صرفت عنّي ذلك بحولك وقوتك، لابحولي وقوتي، فألقيته في الحفير الذي احتفره لي خائباً مما أمّله في دنياه، متباعداً مما رجاه في آخرته، فلك الحمد على ذلك قدر استحقاقك سيدي. اللّهم فخذه بعزتك، وافلل حدّه عنّي بقدرتك، واجعل له شغلاً فيما يليه،

ص: 302


1- راجع عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 76-78، ح5.

وعجزاً عمّن يناويه، اللّهم وأعدني عليه عدوى حاضرة تكون من غيظي شفاءً ومن حقّي عليه وفاءً، وصل اللّهم دعائي بالإجابة، وانظم شكايتي بالتغيير، وعرّفه عمّا قليل ما وعدت الظالمين، وعرفني ما وعدت في إجابة المضطرين، إنك ذو الفضل العظيم، والمن الكريم».

قال: ثم تفرق القوم، فما اجتمعوا إلا لقراءة الكتاب الوارد عليه بموت موسى بن المهدي(1).

التعوّذ من خصلتين

عن الفضل بن يونس عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال: «أكثر من أن تقول: اللّهم لا تجعلني من المعارين، ولا تخرجني من التقصير».

قال: قلت: أما المعارون فقد عرفت أنّ الرجل يعار الدين، ثم يخرج منه، فما معنى: لا تخرجني من التقصير؟

فقال: «كل عمل تريد به اللّه عزّوجلّ فكن فيه مقصّراً عند نفسك، فإنّ الناس كلّهم في أعمالهم فيما بينهم وبين اللّه مقصّرون، إلا من عصمه اللّه عزّوجلّ»(2).

بعض ما نسب إليه (عليه السلام) من الشعر

أفعال العباد

لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها***إحدى ثلاث خلال حين نبديها

ص: 303


1- بحار الأنوار 48: 217-218، ح17.
2- الكافي 2: 73، ح4.

أما تفرد بارينا بصنعتها***فيسقط اللوم عنّا حين نأتيها

أو كان يشركنا فيه فيلحقه***ما سوف يلحقنا من لائم فيها

أو لم يكن لإلهي في جنايتها***ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها(1)

اللجوء إلى اللّه

أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء***وقوتي إذا أردت الطعاما (2)

ص: 304


1- إعلام الورى: 308-309.
2- كشف الغمة 2: 214.

الفصل العاشر: الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

اشارة

ص: 305

ص: 306

الإمام الرضا (عليه السلام) في سطور

الاسم: علي (عليه السلام) .

الأب: الإمام الكاظم (عليه السلام) .

الأم: نجمة، وفي المناقب: أمّه أمّ ولد يقال: لها (سكن النوبية)، ويقال: (خيزران المرسية) ويقال: (نجمة) رواه ميثم، ويقال: (صقر) وتسمّى (أروى أمّ البنين)، ولما ولدت الرضا (عليه السلام) سمّاها (الطاهرة)(1).

الكنية: أبو الحسن، والخاص أبو علي(2).

الألقاب: الرضا(3)، الصابر، الفاضل، الرضي، قرة عين المؤمنين، سراج اللّه، نور الهدى، كفو الملك، ربّ السرير، والصديق(4).

نقش الخاتم: (ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه)(5).

مكان الولادة: المدينة المنورة.

زمان الولادة: الخميس 11/ ذي القعدة / 148ه(6)، أو يوم الجمعة،

ص: 307


1- المناقب 4: 367.
2- المناقب 4: 366.
3- وسمي (عليه السلام) الرضا؛ لأنه كان رضا لله تعالى في سمائه ورضا لرسوله والأئمة (عليهم السلام) بعده في أرضه، وقيل: لأنه رضي به المخالف والمؤالف. انظر المناقب 4: 367.
4- المناقب 4: 366.
5- الكافي 6: 473، ح5.
6- إعلام الورى: 313.

وقيل: يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة 153ه(1)

وروى الإربلي: أمّا ولادته (عليه السلام) ففي الحادي عشر. ذي الحجّة سنة 153ه- بعد وفاة جده أبي عبد اللّه جعفر (عليه السلام) بخمس سنين(2).

مدة العمر الشريف: 49 سنة(3).

مدة الإمامة: عشرون سنة(4).

مكان الشهادة: خراسان.

زمان الشهادة: آخر شهر صفر 203 هجرية، وقيل 202هجرية(5).

القاتل: المأمون العباسي.

وسيلة القتل: العنب المسموم، وفي كشف الغمة: ماء الرمان ، المسموم(6).

المدفن: أرض طوس بخراسان حيث مزاره الآن، في القبة التي فيها هارون إلى جانبه ممّا يلي القبلة (7).

الإمام الصادق (عليه السلام) يصفه

عن يزيد بن سليط في حديث عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال مشيراً

ص: 308


1- المناقب 4: 367.
2- كشف الغمة 2: 259.
3- كشف الغمة 2: 267.
4- المناقب 4: 367؛ وانظر كشف الغمة 2: 270.
5- كشف الغمة 2: 267.
6- كشف الغمة 2: 281؛ وانظر إعلام الورى: 340.
7- المناقب 4: 367.

إلى أولاده: «هؤلاء ولدي، وهذا سيدهم - وأشار إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) - وفيه العلم والحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم...».

ثم قال: «يخرج اللّه عزّوجلّ منه غوث هذه الأمة وغياثها، وعلمها ونورها، وفهمها وحكمها، وخير مولود وخير ناشئ، يحقن اللّه به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلمّ به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل به القطر، ويأتمر به العباد، خير كهل وخير ناشئ، يبشر به عشيرته قبل أوان حلمه، قوله حكم، وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه»(1).

يا أبا الحسن الرضا

عن سليمان بن حفص، قال: كان موسى بن جعفر (عليهما السلام) يسمي ولده علياً (عليه السلام) : الرضا، وكان يقول: «ادعوا إليّ ولدي الرضا، وقلت لولدي الرضا، وقال لي ولدي الرضا، وإذا خاطبه قال: يا أبا الحسن (عليه السلام) »(2).

الولادة المباركة

عن السيدة نجمة (عليها السلام) والدة الإمام الرضا (عليه السلام) أنّها قالت: «لما حملت بابني لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتحميداً من بطني، فيفزعني ذلك، فإذا انتبهت لم أسمع شيئاً، فلما وضعته وقع إلى الأرض واضعاً يده على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلّم،

ص: 309


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 24، ح9.
2- بحار الأنوار 49: 4، ح6.

فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر (عليه السلام) فقال لي: هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك.

فناولته إيّاه في خرقة بيضاء، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات وحنكه به، ثم رده إليّ فقال: خذيه فإنّه بقية اللّه في أرضه»(1).

أخلاقيات

هكذا تكون المعاشرة

عن إبراهيم بن العباس أنه قال:

ما رأيت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) جفا أحداً بكلامه قط.

وما رأيت قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه.

وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها.

ولا مدّ رجليه بين يدي جليس له قط.

ولا اتكأ بين يدي جليس له قط.

ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قط.

ولا رأيته تفل قط.

ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسّم.

وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسائس.

وكان (عليه السلام) قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح. وكان كثير الصيام، فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ويقول: «ذلك صوم الدهر».

ص: 310


1- كشف الغمة 2: 297-298.

وكان (عليه السلام) كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنّه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه(1).

وعلى الحصير

عن محمد بن أبي عباد أنه قال: «كان جلوس الرضا (عليه السلام) على حصير في الصيف ، وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب، حتى إذا برز للناس تزين لهم»(2).

أعلم الناس

عن إبراهيم بن العباس أنه قال: ما رأيت الرضا (عليه السلام) يُسأل عن شيء قط إلا علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيب فيه، وكان كلامه كلّه وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كل ثلاثة ويقول: «لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاثة تختمت، ولكنّي ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي أيّ شيء نزلت، وفي أيّ وقت؛ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام»(3).

الجود والكرم

عن اليسع بن حمزة، قال: كنت في مجلس أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أحدثه، وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل

ص: 311


1- بحار الأنوار 49: 90-91، ح4.
2- كشف الغمة 2: 316.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 180، ح4.

عليه رجل طوال آدم، فقال له: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، رجل من محبّيك ومحبّي آبائك وأجدادك (عليهم السلام) مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله عليّ نعمة، فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي توليني عنك؛ فلست موضع صدقة.

فقال له (عليه السلام) : «اجلس رحمك اللّه»، وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا، فقال: «أتأذنون لي في الدخول؟».

فقال له سليمان: قدم اللّه أمرك.

فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: «أين الخراساني؟».

فقال: ها أنا ذا.

فقال: «خذ هذا المائتي دينار واستعن بها في مئونتك ونفقتك وتبرك بها، ولا تصدّق بها عنّي، واخرج فلا أراك ولا تراني».

ثم خرج (عليه السلام) فقال له سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟

فقال: «مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أما سمعت حديث رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : المستتر بالحسنة يعدل سبعين حجّة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له، أما سمعت قول الأول:

متى آته يوماً لأطلب حاجةً***رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه»(1)

ص: 312


1- الكافي 4: 23-24، ح3.

في تشييع جنازة المؤمن

قال موسى بن سيار: كنت مع الرضا (عليه السلام) وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعت واعية فاتبعتها، فإذا نحن بجنازة.

فلما بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه، ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها.

ثم أقبل عليّ وقال: «يا موسى بن سيار، من شيع جنازة وليّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه».

حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل، فأخرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت، فوضع يده على صدره، ثم قال: «يا فلان بن فلان أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة».

فقلت: جعلت فداك هل تعرف الرجل، فواللّه إنّها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا؟

فقال لي: «يا موسى بن سيار، أما علمت أنا معاشر الأئمة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللّه تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا اللّه الشكر لصاحبه»(1).

مع الخدم

روي عن ياسر الخادم أنه قال: كان الرضا (عليه السلام) إذا خلا جمع حشمه كلّهم عنده، الصغير والكبير، فيحدّثهم ويأنس بهم ويؤنسهم.

وكان (عليه السلام) إذا جلس على المائدة لا يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس

ص: 313


1- بحار الأنوار 49: 98-99، ح13.

والحجّام إلا أقعده معه على مائدته(1).

عن ياسر الخادم ونادر قالا: قال لنا أبو الحسن (عليه السلام) : «إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا».

ولربما دعا (عليه السلام) بعضنا فيقال له: هم يأكلون، فيقول: «دعوهم حتى يفرغوا»(2).

من كراماته ومعجزاته (عليه السلام)

لترونّه عن قريب

عن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي، قال: كنّا حول أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ونحن شبّان من بني هاشم، إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو رثّ الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئة جعفر بن عمر.

فقال الرضا (عليه السلام) : «لترونّه عن قريب كثير المال كثير التبع»(3).

فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولّيَ المدينة وحسنت حاله، فكان يمرّ بنا ومعه الخصيان(4) والحشم(5).

لو زاد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لزدناك

عن أبي حبيب النباجي أنه قال: رأيت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في المنام وقد

ص: 314


1- وسائل الشيعة 24: 265، ح30505.
2- المحاسن 2: 423-424، ح214.
3- أي كثير الخدم الذين يتبعونه.
4- المراد بهم الغلمان الخصيان.
5- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 208-209، ح11.

وافى النباج(1) ونزل في المسجد الذي ينزل الحجّاج في كل سنة، وكأنّي مضيت إليه وسلّمت عليه ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقاً من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، وكأنّه قبض قبضةً من ذلك التمر فناولني، فعددته فكان ثماني عشرة تمرة، فتأوّلت إنّي أعيش بعدد كل تمرة سنة... .

فلما كان بعد عشرين يوماً كنت في أرض تعمر بين يدي للزراعة، إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا (عليه السلام) من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه.

فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) وتحته حصير مثل ما كان تحته (صلی الله عليه وآله وسلم) ، وبين يديه طبق خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه.

فردّ السلام عليّ واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ... .

فقلت له: زدني منه يا ابن رسول اللّه.

فقال (عليه السلام) : «لو زادك رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) لزدناك»(2).

قميصاً للكفن

عن الريّان بن الصلت أنه قال: لما أردت الخروج إلى العراق وعزمت على توديع الرضا (عليه السلام) فقلت في نفسي: إذا ودّعته سألته قميصاً من ثياب

ص: 315


1- النباج: اسم لموضع، قال الجوهري: والنباج قرية بالبادية أحياها عبد اللّه بن عامر، وقال الأزهري: وفي بلاد العرب نباجان، أحدهما على طريق البصرة، يقال له: نباج بني عامر وهو بحذاء فَيْدَ، والنباج الآخر نباج بني سعد بالقريتين. انظر لسان العرب 2: 372 مادة (نبج).
2- إعلام الورى: 321-322.

جسده لأكفّن به، ودراهم من ماله أصوغ بها لبناتي خواتيم.

فلما ودعته شغلني البكاء والأسف على فراقه عن مسألة ذلك، فلما خرجت من بين يديه صاح بي: «يا ريّان ارجع»، فرجعت.

فقال (عليه السلام) لي: «أما تحب أن أدفع إليك قميصاً من ثياب جسدي تكفّن فيه إذا فني أجلك؟

أو ما تحب أن أدفع إليك دراهم تصوغ بها لبناتك خواتيم؟».

فقلت: يا سيدي قد كان في نفسي أن أسألك فمنعني الغم بفراقك.

فرفع (عليه السلام) الوسادة وأخرج قميصاً فدفعه إليّ، ورفع جانب المصلى فأخرج دراهم فدفعها إليَّ، وعددتها فكانت ثلاثين درهماً(1).

عين الماء

عن محمد بن حفص، قال: حدثني مولى العبد الصالح أبي الحسن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) ، قال: كنت وجماعة مع الرضا (عليه السلام) في مفازة(2)

فأصابنا عطش شديد ودوابنا حتى خفنا على أنفسنا.

فقال لنا الرضا (عليه السلام) : «ائتوا موضعاً» وصفه لنا فإنّكم تصيبون الماء فيه.

قال: فأتينا الموضع فأصبنا الماء وسقينا دوابنا حتى رويت وروينا ومن معنا من القافلة، ثم رحلنا فأمرنا (عليه السلام) بطلب العين، فطلبناها فما أصبنا إلا بعر الإبل ولم نجد للعين أثراً(3).

ص: 316


1- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 211-212، ح17.
2- المفازة: الفلاة لا ماء فيها.
3- بحار الأنوار 49: 37، ح20.

ماذا يحدث لآل برمك؟

روي عن محمد بن الفضل، قال: لما كان في السنة التي بطش هارون بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وحبس يحيى بن خالد ونزل بهم ما نزل، كان أبو الحسن (عليه السلام) واقفاً بعرفة يدعو ثم طأطأ رأسه فسئل عن ذلك؟

فقال: «إنّي كنت أدعو اللّه على البرامكة قد فعلوا بأبي (عليه السلام) ما فعلوا فاستجاب اللّه لي فيهم اليوم». فلما انصرف لم يلبث إلا يسيراً حتى بطش بجعفر وحبس يحيى وتغيرت أحوالهم(1).

قال مسافر: كنت مع الرضا (عليه السلام) بمنى فمرّ به يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى وجهه من الغبار، فقال الرضا (عليه السلام) : «مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة».

ثم قال (عليه السلام) : «وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين (وضمّ بين إصبعيه)».

قال: مسافر فما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه(2).

إنه يشتهي من هذه الدنانير

عن الريان بن الصلت أنه قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) بخراسان وقلت في نفسي: أسأله عن هذه الدنانير المضروبة باسمه.

فلما دخلت عليه قال لغلامه: «إنّ أبا محمد يشتهي من هذه الدنانير التي عليها اسمي فهلم بثلاثين درهماً منها».

فجاء بها الغلام فأخذتها ثم قلت في نفسي: ليته كساني من بعض ما عليه.

ص: 317


1- كشف الغمة 2: 303.
2- إعلام الورى: 325.

فالتفت (عليه السلام) إلى غلامه فقال: «وقل لهم لا يغسلون ثيابي وتأتي بها كما هي»، فأتيت بقميص وسروال ونعل(1).

مات البطائني

عن الحسن بن علي الوشاء، قال: دعاني سيدي الرضا (عليه السلام) بمرو، فقال (عليه السلام) : «يا حسن، مات علي بن أبي حمزة البطائني في هذا اليوم، وأدخل في قبره الساعة ودخلا عليه ملكا القبر فسألاه من ربك؟

فقال: اللّه.

ثم قالا: من نبيك؟

فقال: محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) .

فقالا: من وليك؟

فقال: علي بن أبي طالب (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

قال: الحسن (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

قال: الحسين (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

قال: علي بن الحسين (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

قال: محمد بن علي (عليه السلام) .

ص: 318


1- الخرائج والجرائح 2: 768-769، ح88..

قالا: ثم من؟

قال: جعفر بن محمد (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

قال: موسى بن جعفر (عليه السلام) .

قالا: ثم من؟

فلجلج.

فزجراه وقالا: ثم من؟

فسكت.

فقالا له: أفموسى بن جعفر أمرك بهذا.

ثم ضرباه بمقمعة(1)

من نار فألهبا عليه قبره إلى يوم القيامة».

فخرجت من عند سيدي فأرّخت ذلك اليوم فما مضت الأيام حتى وردت كتب الكوفيين بموت البطائني في ذلك اليوم، وإنه دخل قبره في تلك الساعة(2).

كفّ عنه

قال أحمد بن عمر الحلال: سمعت الأخرس بمكة يذكر الرضا (عليه السلام) فنال منه، قال: فدخلت مكة فاشتريت سكيناً فرأيته فقلت: واللّه لأقتلنّه إذا خرج من المسجد، فأقمت على ذلك.

فما شعرت إلا برقعة أبي الحسن (عليه السلام) : «بسم اللّه الرحمن الرحيم بحقّي

ص: 319


1- المقمعة بالكسر: حديدة يُضرب بها الإنسان ليذل.
2- المناقب 4: 337.

عليك لما كففت عن الأخرس فإنّ اللّه ثقتي وهو حسبي»(1).

أتدري ما يقول العصفور؟

عن سليمان الجعفري، قال: كنت مع أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حائط له، إذ جاء عصفور فوقع بين يديه وأخذ يصيح ويكثر الصياح ويضطرب، فقال لي: «يا سليمان تدري ما تقول العصفور؟».

قلت: لا.

قال: «إنّه يقول: إنّ حيّة تريد تأكل أفراخي في البيت، فقم فخذ النبعة في يديك - يعني العصا - وأدخل البيت واقتل الحية».

فأخذت النبعة ودخلت البيت وإذا حية تجول في البيت فقتلتها(2).

ولاية العهد

إنّ المأمون العباسي لما رأى ضعف الدولة العباسية لكثرة الحروب الداخلية، ولمعرفة الناس بأنّ بني العباس قد غصبوا الخلافة التي هي حق آل محمد وأهل بيته الأطهار (عليهم الصلاة والسلام) ورأى المكانة الكبيرة التي يمتاز بها الإمام الرضا (عليه السلام) خاف على ملكه، فأخذ يحتال للسيطرة على الأمور، حيث لم يكن بإمكانه أن يسجن الإمام (عليه السلام) ويقتله كما سجن أبوه هارون العباسي من قبل الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) .

فرأى أفضل طريقة للسيطرة على الأمور هو أن يتظاهر بحبّ أهل البيت (عليهم السلام) وحب الإمام الرضا (عليه السلام) ، ويدعو الإمام إلى خراسان ويعرض

ص: 320


1- بصائر الدرجات: 252، ح6.
2- المناقب 4: 334.

عليه الخلافة، فإذا لم يقبل أجبره على قبول ولاية العهد، ثم يقضي على الإمام (عليه السلام) بالسم، فتلتبّس الأمور على الناس.

فدعا المأمون الإمام (عليه السلام) إلى خراسان وأجبره على الخروج من المدينة، فأخذ الإمام (عليه السلام) يودع أهله وعياله ويبكي ويقول: هذا سفر لا رجعة فيه والملتقى يوم القيامة عند اللّه عزّوجلّ.

فلما وصل الإمام الرضا (عليه السلام) إلى خراسان عرض المأمون عليه السلطة فلم يقبل الإمام (عليه السلام) بذلك، ثم عرض عليه ولاية العهد فلم يقبل أيضاً.

فأجبر الإمام (عليه السلام) وهدده بالقتل!.

فرضي الإمام (عليه السلام) كارهاً لذلك، وشرط على المأمون شروطاً أدت إلى فضح المأمون وكشفت عن حيلته وخداعه للناس، حيث شرط الإمام (عليه السلام) أن لايتدّخل في أي أمر حكومي، ولا ينصب أحداً، ولا يعزل شخصاً أبداً، إلى غير ذلك من الشروط، وكانت النتيجة في صالح الإمام (عليه السلام) وقد عرف الناس أن الحق في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) دون غيره(1).

في طريقه (عليه السلام) إلى خراسان

قد مرّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان على العديد من البلاد التي وقعت في طريقه، وكان الناس يجتمعون حوله لكي يستضيئوا بنور وجهه ويهتدوا بهديه، ويروا ملامح رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في وجهه المشرق، وكانوا يطلبون منه أن يحدّثهم بحديث عن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وآبائه الأطهار (عليهم السلام) .

ص: 321


1- انظر عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 138.

فلما وصل الإمام (عليه السلام) إلى نيسابور، اجتمع عنده عشرات الآلاف وعد من المحابر أربع وعشرون ألفاً... فحدّثهم بحديث (سلسلة الذهب)، وقال (عليه السلام) :

«حدّثني أبي موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) قال:

حدّثني أبي جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) ، قال:

حدّثني أبي محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) ، قال:

حدّثني أبي علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) ، قال:

حدّثني أبي الحسين بن علي شهيد أرض كربلاء (عليهما السلام) ، قال:

حدّثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شهيد أرض الكوفة، قال:

حدّثني أخي وابن عمي محمد رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ، قال:

حدّثني جبرئيل (عليه السلام) ، قال:

سمعت ربّ العزّة سبحانه وتعالى يقول:

كلمة لا إله إلا اللّه حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي».

فقال الراوي: صدق اللّه وصدق جبرئيل وصدق رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وصدق الأئمة (عليهما السلام) .

ثم قال (عليه السلام) : «بشروطها، وأنا من شروطها»(1).

في شهادته (عليه السلام) مسموماً

عن أبي الصلت الهروي، قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) إذ قال لي: «يا أبا الصلت أدخل هذه القبة التي فيها قبر

ص: 322


1- انظر كشف الغمة 2: 307؛ أمالي الشيخ الصدوق: 235، المجلس41، ح8.

هارون فأتني بتراب من أربع جوانبها».

قال: فمضيت فأتيت به.

فلما مثلت بين يديه قال لي: «ناولني من هذا التراب» وهو من عند الباب، فناولته فأخذه وشمّه ثم رمى به.

ثم قال: «سيحفر لي ههنا قبر وتظهر صخرة لو جمع عليها كل معول بخراسان لم يتهيأ قلعها».

ثم قال في الذي عند الرجل والذي عند الرأس مثل ذلك.

ثم قال: «ناولني هذا التراب فهو من تربتي».

ثم قال: «سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل وأن يشق لي ضريحة فإن أبوا إلا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبراً، فإنّ اللّه عزّوجلّ سيوسعه لي ما شاء، فإذا فعلوا ذلك فإنك ترى عند رأسي نداوة، فتكلّم بالكلام الذي أعلمك فإنه ينبع الماء حتى يمتلئ اللحد وترى فيه حيتاناً صغاراً فتفتت لها الخبز الذي أعطيك فإنها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة، فالتقطت الحيتان الصغار حتى لا يبقى منها شيء ثم تغيب، فإذا غابت فضع يدك على الماء وتكلّم بالكلام الذي أعلمك، فإنّه ينضب ولا يبقى منه شيء ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون... .

ثم قال (عليه السلام) : «يا أبا الصلت، غداً أدخل إلى هذا الفاجر فإن خرجت وأنا مكشوف الرأس فتكلم أكلمك، وإن خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني».

قال أبو الصلت: فلما أصبحنا من الغد لبس (عليه السلام) ثيابه وجلس في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب الأمير.

ص: 323

فلبس (عليه السلام) نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عنب، وأطباق فاكهة بين يديه وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه.

فلما بصر المأمون بالرضا (عليه السلام) وثب إليه وعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه معه ثم ناوله العنقود، وقال: يا ابن رسول اللّه هل رأيت عنباً أحسن من هذا؟

فقال الرضا: «ربما كان عنباً حسناً يكون من الجنة».

فقال له: كل منه.

فقال له الرضا (عليه السلام) : «أو تعفيني منه؟».

فقال: لابد من ذلك، ما يمنعك منه لعلك تتهمنا بشيء؟ فتناول العنقود فأكل منه ثم ناوله... .

فأكل منه الرضا (عليه السلام) ثلاث حبّات ثم رمى به وقام.

فقال له المأمون: إلى أين؟

قال: «إلى حيث وجهتني».

وخرج (عليه السلام) مغطّى الرأس، فلم أكلمه حتى دخل الدار، ثم أمر أن يغلق الباب، فغلق ثم نام على فراشه... .

فمكثت واقفاً في صحن الدار مهموماً محزوناً، فبينما أنا كذلك إذ دخل عليّ شاب حسن الوجه، قطط الشعر(1)،

أشبه الناس بالرضا (عليه السلام) ، فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟

فقال: «الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار

ص: 324


1- رجل قطط الشعر: قصير الشعر جعده.

والباب مغلق».

فقلت له: ومن أنت؟

فقال لي: «أنا حجّة اللّه عليك، يا أبا الصلت أنا محمد بن علي».

ثم مضى نحو أبيه (عليه السلام) فدخل، وأمرني بالدخول معه، فلما نظر إليه الرضا (عليه السلام) وثب إليه وعانقه، وضمّه إلى صدره، وقبّل ما بين عينيه، ثم سحبه سحباً إلى فراشه، وأكبّ عليه محمد بن علي (عليه السلام) يقبّله ويساره بشيء لم أفهمه، ورأيت على شفتي الرضا (عليه السلام) زبداً أشد بياضاً من الثلج، ورأيت أبا جعفر يلحسه بلسانه، ثم أدخل يده بين ثوبه وصدره، فاستخرج منها شيئاً شبيهاً بالعصفور فابتلعه أبو جعفر، وقضى الرضا (عليه السلام) .

فقال أبو جعفر (عليه السلام) : «قم يا أبا الصلت فائتني بالمغتسل والماء من الخزانة».

فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء.

فقال: «ائتمر بما آمرك به».

فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل وماء، فأخرجته وشمرّت ثيابي لأغسله معه، فقال لي: «تنح يا أبا الصلت، فإنّ لي من يعينني غيرك»، فغسّله.

ثم قال لي: «ادخل الخزانة فأخرج إليّ السفط(1) الذي فيه كفنه وحنوطه».

فدخلت، فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة، فحملته إليه، فكفنه وصلّى عليه، ثم قال: «ائتني بالتابوت».

فقلت: أمضي إلى النجار حتى يصلح تابوتاً.

ص: 325


1- السفط: ما يعبأ فيه الطيب ونحوه.

قال: «قم، فإنّ في الخزانة تابوتاً».

فدخلت الخزانة فإذا فيه تابوتاً لم أر مثله [لم أره قط]، فأتيته فأخذ الرضا (عليه السلام) بعد أن كان صلّى عليه، فوضعه في التابوت وصفّ قدميه، وصلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتى علا التابوت وانشقّ السقف، فخرج منه التابوت ومضى.

فقلت: يا ابن رسول اللّه الساعة يجيئنا المأمون فيطالبني بالرضا (عليه السلام) فما أصنع؟

فقال: «اسكت فإنّه سيعود يا أبا الصلت، ما من نبي يموت في المشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا جمع اللّه عزّوجلّ بين أرواحهما وأجسادهما».

فما تمّ الحديث حتى انشق السقف ونزل التابوت، فقام (عليه السلام) فاستخرج الرضا (عليه السلام) من التابوت ووضعه على فراشه، كأنّه لم يغسل، ولم يكفن، وقال: «يا أبا الصلت، قم فافتح الباب للمأمون».

ففتحت الباب فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكياً حزيناً! قد شقّ جيبه ولطم رأسه! وهو يقول: يا سيداه، فجعت بك يا سيدي، ثم دخل وجلس عند رأسه، وقال: خذوا في تجهيزه، وأمر بحفر القبر.

فحضرت الموضع وظهر كل شيء على ما وصفه الرضا (عليه السلام) ، فقال بعض جلسائه: ألست تزعم أنه (عليه السلام) إمام.

قال: نعم، قال: لا يكون إلا مقدّم الرأس، فأمر أن يحفر له في القبلة.

فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي، وأن أشق له ضريحه.

فقال: انتهوا إلى ما يأمركم به أبو الصلت، سوى الضريحة، ولكن يحفر ويلحد، فلما رأى ما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك، قال المأمون: لم

ص: 326

يزل الرضا (عليه السلام) يرينا عجائبه في حياته حتى أراناها بعد وفاته(1).

في ثواب زيارته (عليه السلام)

بضعة رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم)

عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ، قال: «قال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : ستدفن بضعة منّي بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلا أوجب اللّه عزّوجلّ له الجنة وحرّم جسده على النار»(2).

إذا دفن في أرضكم بضعتي

قال رجل من أهل خراسان لأبي الحسن (عليه السلام) : يا ابن رسول اللّه، رأيت رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في المنام كأنّه يقول لي : كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي واستحفظتم وديعتي وغيّب في ثراكم نجمي؟

فقال الرضا (عليه السلام) : «أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة من نبيّكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب اللّه تبارك وتعالى من حقّي وطاعتي، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنّا شفعاءه يوم القيامة نجى، ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس»(3).

من زارني في غربتي

وروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «واللّه، ما منا إلا مقتول شهيد».

ص: 327


1- أمالي الشيخ الصدوق: 661-665، المجلس 94، ح17.
2- جامع الأخبار: 31.
3- أمالي الشيخ الصدوق: 64، المجلس 15، ح10.

فقيل له: فمن يقتلك يا ابن رسول اللّه؟

قال: «شرّ خلق اللّه في زمانه، يقتلني بالسم ويدفنني في دار مضيّعة وبلاد غربة، ألا فمن زارني في غربتي كتب اللّه عزّوجلّ له أجر مائة ألف شهيد، ومائة ألف صدِّيق، ومائة ألف حاج ومعتمر، ومائة ألف مجاهد، وحشر في زمرتنا وجعل في الدرجات العليا من الجنة رفيقا»(1).

من زارني على بعد داري

وقال (عليه السلام) : «من زارني على بعد داري ومزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتّى أخلّصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً، وعند الصّراط، وعند الميزان»(2).

من زارني عارفاً بحقّي

وقال (عليه السلام) : «إنّي سأقتل بالسّمّ مظلوماً فمن زارني عارفاً بحقّي غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر»(3).

درر من كلماته (عليه السلام) الشريفة

العقل والجهل

قال الإمام الرضا (عليه السلام) : «صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله»(4).

ص: 328


1- روضة الواعظين: 233.
2- وسائل الشيعة 14: 551، ح19799.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 261، ح27.
4- علل الشرائع 1: 101، ح2.

ممّا يبغضه اللّه

وقال (عليه السلام) : «إن اللّه يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال»(1).

كيف أصبحت

وقيل له (عليه السلام) كيف أصبحت؟

فقال (عليه السلام) : «أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا»(2).

الرضى بالقليل

وقال (عليه السلام) : «من رضي من اللّه عزّوجلّ بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل»(3).

من بكى علينا

وقال (عليه السلام) : «من تذكّر مصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»(4).

البكاء على الحسين (عليه السلام)

وقال (عليه السلام) : «فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذّنوب العظام».

ثم قال (عليه السلام) : «كان أبي (عليه السلام) إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً

ص: 329


1- تحف العقول: 443.
2- بحار الأنوار 75: 339، ح1.
3- كشف الغمة 2: 310.
4- وسائل الشيعة 14: 502، ح19693.

وكانت الكآبة تغلب عليه حتّى يمضي منه عشرة أيّامٍ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الّذي قتل فيه الحسين (عليه السلام) »(1).

زيارة قبر أبي (عليه السلام)

وقال (عليه السلام) : «من زار قبر أبي ببغداد كمن زار قبر رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) وقبر أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه إلا أنّ لرسول اللّه ولأمير المؤمنين صلوات اللّه عليها فضلهما»(2).

ممّا ينفي الفقر

وقال (عليه السلام) : «إسراج السّراج قبل أن تغيب الشّمس ينفي الفقر»(3).

لا تدع الطيب

وقال (عليه السلام) : «ينبغي للرّجل أن لا يدع أن يمسّ شيئاً من الطّيب في كلّ يومٍ، فإن لم يقدر فيومٌ ويومٌ لا، فإن لم يقدر ففي كلّ جمعةٍ لا يدع ذلك»(4).

ما بين الطلوعين

وقال (عليه السلام) في قول اللّه عزّوجلّ: {فَٱلْمُقَسِّمَٰتِ أَمْرًا}(5):

«الملائكة تقسّم أرزاق بني آدم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس، فمن ينام فيما بينهما

ص: 330


1- أمالي الشيخ الصدوق: 128، المجلس 27، ح2.
2- الكافي 4: 583، ح1.
3- وسائل الشيعة 5: 320، ح6667.
4- من لا يحضره الفقيه 1: 425، ح1256.
5- سورة الذاريات: 4.

ينام عن رزقه»(1).

التكبيرات الخمس

عن الحسين بن النضر، قال: قال الرضا (عليه السلام) : «ما العلّة في التّكبير على الميّت خمس تكبيراتٍ؟».

قال: رووا أنّها اشتقّت من خمس صلواتٍ.

فقال (عليه السلام) : «هذا ظاهر الحديث، فأمّا في وجهٍ آخر فإنّ اللّه فرض على العباد خمس فرائض: الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والولاية، فجعل للميّت من كلّ فريضةٍ تكبيرةً واحدةً، فمن قبل الولاية كبّر خمساً، ومن لم يقبل الولاية كبّر أربعاً، فمن أجل ذلك تكبّرون خمساً ومن خالفكم يكبّر أربعاً»(2).

شاب المنظر

وعن أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام) : ما علامة القائم فيكم إذا خرج؟

قال: «علامته أن يكون شيخ السن شاب المنظر، حتى أنّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة ودونها، وإنّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتيه أجله»(3).

إقبال القلوب وإدبارها

وقال (عليه السلام) : «إنّ للقلوب إقبالا وإدباراً ونشاطاً وفتوراً، فإذا أقبلت بصرت

ص: 331


1- من لا يحضره الفقيه 1: 504، ح1450.
2- وسائل الشيعة 3: 76-77، ح3061.
3- منتخب الأنوار المضيئة: 38.

وفهمت، وإذا أدبرت كلّت وملّت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها»(1).

خصال الديك

وقال (عليه السلام) : «في الديك خمس خصال من خصال الأنبياء: معرفته بأوقات الصلوات والغيرة والشجاعة والسخاوة وكثرة الطروقة»(2).

من آداب المعاشرة

وقال (عليه السلام) : «لا تبذل لإخوانك من نفسك ما ضرّه عليك أكثر من نفعه لهم»(3).

ثمانية من قضاء اللّه

وقال (عليه السلام) : «ثمانية أشياء لا تكون إلا بقضاء اللّه وقدره: النوم واليقظة والقوة والضعف والصحة والمرض والموت والحياة»(4).

بل قد نجا

وقال (عليه السلام) : «قيل لرسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : يا رسول اللّه، هلك فلان، يعمل من الذنوب كيت و كيت، فقال رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) : بل قد نجا، ولا يختم اللّه تعالى عمله إلا بالحسنى، وسيمحو اللّه عنه السيئات ويبدلها له حسنات، إنّه كان مرّة يمّر في طريق عرض له مؤمن قد انكشف عورته، وهو لا يشعر فسترها

ص: 332


1- مستدرك الوسائل 3: 55، ح3005.
2- مكارم الأخلاق: 130.
3- وسائل الشيعة 16: 316-317، ح21646.
4- بحار الأنوار 5: 95، ح17.

عليه، ولم يخبره بها مخافة أن يخجل، ثم إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه، فقال له: أجزل اللّه لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك الحساب، فاستجاب اللّه له فيه، فهذا العبد لا يختم له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن، فاتصل قول رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) بهذا الرجل، فتاب وأناب، وأقبل إلى طاعة اللّه عزّوجلّ، فلم يأت عليه سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة، فوجه رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) في أثرهم جماعة، ذلك الرجل أحدهم، فاستشهد فيهم»(1).

من أشعاره (عليه السلام)

لا تعيبنّ الزمان

عن الريّان بن الصلت أنه قال أنشدني الرضا (عليه السلام) لعبد المطلب:

يعيب الناس كلّهم زماناً***وما لزماننا عيب سوانا

نعيب زماننا والعيب فينا***ولو نطق الزمان بنا هجانا

وإنّ الذئب يترك لحم ذئب***ويأكل بعضنا بعضاً عياناً

لبسنا للخداع مُسُوكَ طيب***وويل للغريب إذا أتانا (2)

الدنيا والموت

وروي أنّ المأمون كتب للرضا (عليه السلام) فقال: عظني.

فكتب (عليه السلام) إليه:

إنّك في دنيا لها مدة***يقبل فيها عمل العامل

ص: 333


1- بحار الأنوار 5: 155، ح7.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 177، ح5.

أما ترى الموت محيطاً بها***يسلب منها أمل الآمل

تعجل الذنب بما تشتهي***وتأمل التوبة من قابل

والموت يأتي أهله بغتة***ما ذاك فعل الحازم العاقل(1)

المُنى

روى محمد بن يحيى بن أبي عباد عن عمّه أنه قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يوماً ينشد شعراً، وقليلاً ما كان ينشد شعراً:

كلنا نأمل مداً في الأجل***والمنايا هن آفات الأمل

لا تغرنك أباطيل المنى***والزم القصد ودع عنك العلل

إنّما الدنيا كظل زائل***حل فيه راكب ثم رحل(2)

أعذر أخاك

حضر أحدهم مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) فقال: شكا رجل أخاه، فأنشأ يقول (عليه السلام) :

أعذر أخاك على ذنوبه***واستر وغط على عيوبه

واصبر على بهت السفيه***وللزمان على خطوبه

ودع الجواب تفضلا***وكل الظلوم إلى حسيبه(3)

ص: 334


1- الاختصاص: 98.
2- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 177، ح7.
3- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 176-177، ح4.

الفصل الحادي عشر: الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)

اشارة

ص: 335

ص: 336

الإمام الجواد (عليه السلام) في سطور

الاسم: محمد (عليه السلام) .

الأب: الإمام الرضا (عليه السلام) .

الأم: سبيكة (1).

الكنية: أبو جعفر الثاني(2)

والخاص أبو علي (3).

الألقاب: التقي، الجواد، المختار، المنتجب، المرتضى، القانع، العالم، النجيب، المتوكل، المتقي، الزكي.

الأوصاف: أبيض معتدل، وقيل: شديد الأدمة(4).

نقش الخاتم: نعم القادر اللّه.

مكان الولادة: المدينة المنورة.

زمان الولادة: 10/ رجب / 195 للهجرة.

مدة العمر: خمس وعشرون سنة(5).

مدة الإمامة: 17 سنة.

ص: 337


1- وسمّاها الإمام الرضا (عليه السلام) : خيزران وكانت من أهل بيت مارية القبطية، انظر المناقب 4: 379.
2- كشف الغمة 2: 369.
3- دلائل الإمامة: 209.
4- المناقب 4: 387.
5- المناقب 4: 379؛ كشف الغمة 2: 369.

مكان الشهادة: بغداد.

زمان الشهادة: يوم السبت / آخر ذي القعدة / 220 هجري.

القاتل: المعتصم، وذلك بواسطة زوجة الإمام (عليه السلام) أمّ الفضل بنت المأمون العباسي(1).

وسيلة القتل: السم.

المدفن: دفن بجنب جدّه الإمام الكاظم (عليه السلام) في الكاظمية.

شبيه عيسى ابن مريم (عليه السلام)

عن حكيمة بنت الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أنها قالت:

لما حضرت ولادة الخيزران أم أبي جعفر (عليه السلام) دعاني الرضا (عليه السلام) فقال لي: «يا حكيمة أحضري ولادتها وادخلي وإيّاها والقابلة بيتاً»، ووضع لنا مصباحاً وأغلق الباب علينا... .

فلما أخذها الطلق، طفئ المصباح وبين يديها طست، فاغتممت بطفئ المصباح، فبينما نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر (عليه السلام) في الطست، وإذ عليه شيء رقيق كهيئة الثوب، يسطع نوره حتى أضاء البيت فأبصرناه، فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء... .

فجاء الرضا (عليه السلام) ففتح الباب وقد فرغنا من أمره، فأخذه فوضعه في المهد، وقال لي: «يا حكيمة ألزمي مهده».

قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأشهد أنّ محمداً رسول اللّه».

ص: 338


1- بحار الأنوار 50: 7، ح8.

فقمت ذعرة فزعة، فأتيت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت له: لقد سمعت من هذا الصبي عجباً.

فقال: «وما ذاك؟».

فأخبرته الخبر.

فقال: «يا حكيمة ما ترون من عجائبه أكثر»(1).

شبيه موسى بن عمران

عن كليم بن عمران أنّه قال: قلت للرضا (عليه السلام) : ادع اللّه أن يرزقك ولداً.

فقال: «إنّما أرزق ولداً واحداً وهو يرثني».

فلما ولد أبو جعفر (عليه السلام) قال الرضا (عليه السلام) لأصحابه: «قد ولد لي شبيه موسى ابن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى ابن مريم قدست أمّ ولدته، قد خلقت طاهرة مطهرة».

ثم قال الرضا (عليه السلام) : «يقتل غصباً فيبكى له وعليه أهل السماء، ويغضب اللّه تعالى على عدوّه وظالمه، فلا يلبث إلا يسيراً حتى يعجّل اللّه به إلى عذابه الأليم وعقابه الشديد».

وكان (عليه السلام) طول ليلته يناغيه في مهده(2).

من عظيم فضائله (عليه السلام)

عن أبي يحيى الصنعاني، قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فجيء

ص: 339


1- المناقب 4: 394.
2- بحار الأنوار 50: 15، ح19.

بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير، فقال: «هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه»(1).

ما صنع بأمي الزهراء (عليها السلام)

عن زكريا بن آدم قال: إنّي لعند الرضا (عليه السلام) إذ جيء بأبي جعفر (عليه السلام) له وسنّه أقل من أربع، فضرب بيده إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء وهو يفكر، فقال له الرضا (عليه السلام) : «بنفسي أنت لم طال فكرك؟».

فقال: «فيما صنع بأمّي فاطمة، أمَ واللّه لأخرجنّهما ثم لأحرقنّهما ثم لأذرينّهما ثم لأنسفنّهما في اليم نسفاً».

فاستدناه (عليه السلام) وقبّل ما بين عينيه ثم قال: «أنت لها» (يعني الإمامة)(2).

من كرمه (عليه السلام)

كان الإمام الجواد (عليه السلام) يبعث إلى المدينة كل عام بأكثر من ألف ألف درهم.

وأتاه رجل فقال له: أعطني على قدر مروءتك.

فقال (عليه السلام) : «لا يسعني».

فقال: على قدري.

فقال (عليه السلام) : «أما ذا فنعم، يا غلام أعطه مائة دينار»(3).

ص: 340


1- الكافي 1: 321، ح9.
2- دلائل الإمامة: 401.
3- كشف الغمة 2: 368.

بعض كراماته ومعاجزه (عليه السلام)

سمّه أحمد

حج إسحاق بن إسماعيل في السنة التي خرجت الجماعة إلى أبي جعفر (عليه السلام) ، قال إسحاق: فأعددت له في رقعة عشرة مسائل لأسأله عنها وكان لي حمل، فقلت: إذا أجابني عن مسائلي سألته أن يدعو اللّه لي أن يجعله ذكراً.

فلما سألته الناس قمت والرقعة معي لأسأله عن مسائلي، فلما نظر إليّ قال لي: «يا أبا يعقوب سمّه أحمد».

فولد لي ذكراً فسميته أحمد(1).

دفاعاً عن المظلوم

عن علي بن جرير، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) جالساً وقد ذهبت شاة لمولاة له، فأخذوا بعض الجيران يجرونهم إليه يقولون: أنتم سرقتم الشاة.

فقال لهم أبو جعفر: «ويلكم خلّوا عن جيراننا فلم يسرقوا شاتكم، الشاة في دار فلان، فأخرجوها من داره».

فخرجوا فوجدوها في داره.

فأخذوا الرجل وضربوه وخرقوا ثيابه وهو يحلف أنه لم يسرق هذه الشاة، إلى أن صاروا به إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: «ويحكم ظلمتم الرجل، فإنّ الشاة دخلت داره وهو لا يعلم».

ثم دعاه فوهب له شيئاً بدل ما خرق من ثيابه وضربه(2).

ص: 341


1- بحار الأنوار 50: 58، ح38.
2- كشف الغمة 2: 367.

عافاك اللّه

وعن محمد بن عمير بن واقد الرازي، قال: دخلت على أبي جعفر بن الرضا (عليه السلام) ومعي أخي وبه بهر(1) شديد، فشكا إليه ذلك البهر، فقال (عليه السلام) : «عافاك اللّه ممّا تشكو».

فخرجنا من عنده وقد عوفي، فما عاد إليه ذلك البهر إلى أن مات(2).

أهذه عمامتك؟

وعن القاسم بن المحسن، قال: كنت فيما بين مكة والمدينة فمر بي أعرابي ضعيف الحال، فسألني شيئاً فرحمته، فأخرجت له رغيفاً فناولته إيّاه، فلما مضى عنّي هبت ريح زوبعة فذهبت بعمامتي من رأسي فلم أرها كيف ذهبت ولا أين مرّت.

فلما دخلت المدينة صرت إلى أبي جعفر بن الرضا (عليه السلام) ، فقال لي: «يا قاسم، ذهبت عمامتك في الطريق؟».

قلت: نعم.

فقال: «يا غلام أخرج إليه عمامته».

فأخرج إليَّ عمامتي بعينها.

قلت: يا ابن رسول اللّه، كيف صارت إليك؟

قال (عليه السلام) : «تصدقت على الأعرابي، فشكره اللّه لك ورد إليك عمامتك

ص: 342


1- البهر بالضم: تتابع النفس يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعدو والمرض الشديد. مجمع البحرين 3: 231 مادة (بهر).
2- كشف الغمة 2: 367.

وإنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين»(1).

مع بنت المأمون

عن حكيمة بنت الرضا (عليه السلام) قالت: لما توفّي أخي محمد بن الرضا (عليه السلام) صرت يوماً إلى امرأته أمّ الفضل بسبب احتجت إليها فيه، قالت: فبينا نحن نتذاكر فضل محمد (عليه السلام) وكرمه وما أعطاه اللّه من العلم والحكمة، إذا قالت امرأته أمّ الفضل: يا حكيمة، أخبرك عن أبي جعفر بن الرضا (عليه السلام) بأعجوبة لم يسمع أحد مثلها.

قلت: وما ذاك؟

قالت: إنه كان ربما أغارني مرّة بجارية ومرّة بتزويج فكنت أشكو إلى المأمون فيقول: يا بنية، احتملي فإنّه ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) فبينا أنا ذات ليلة جالسة إذ أتت امرأة، فقلت: من أنت وكأنّها قضيب بان أو غصن خيزران؟

قالت: أنا زوجة لأبي جعفر.

قلت: من أبو جعفر؟

قالت: محمد بن الرضا (عليه السلام) وأنا امرأة من ولد عمار بن ياسر.

قالت: فدخل عليَّ من الغيرة ما لم أملك نفسي فنهضت من ساعتي فصرت إلى المأمون وقد كان ثملاً من الشراب، وقد مضى من الليل ساعات فأخبرته بحالي وقلت: إنّه يشتمني ويشتمك ويشتم العباس وولده!.

قالت: وقلت ما لم يكن، فغاظه ذلك منّي جداً ولم يملك نفسه من السكر، وقام مسرعاً، فضرب بيده إلى سيفه وحلف أنه يقطعه بهذا السيف ما بقي في يده وصار إليه.

ص: 343


1- الخرائج والجرائح 1: 377-378.

قالت: فندمت عند ذلك، وقلت في نفسي: ما صنعت هلكت وأهلكت.

قالت: فعدوت خلفه لأنظر ما يصنع، فدخل إليه وهو نائم، فوضع فيه السيف فقطعه قطعة قطعة، ثم وضع السيف على حلقه فذبحه وأنا أنظر إليه وياسر الخادم، وانصرف وهو يزبد مثل الجمل.

قالت: فلما رأيت ذلك هربت على وجهي حتى رجعت إلى منزل أبي فبت بليلة لم أنم فيها إلى أن أصبحت، قالت: فلما أصبحت دخلت إلى المأمون وهو يصلي وقد أفاق من السكر.

فقلت له: يا أمير، هل تعلم ما صنعت الليلة؟

قال: لا واللّه، فما الذي صنعت ويلك؟

قلت: فإنّك صرت إلى ابن الرضا (عليه السلام) وهو نائم فقطعته إرباً إرباً، وذبحته بسيفك، وخرجت من عنده.

قال: ويلك ما تقولين؟

قلت: أقول ما فعلت.

فصاح: يا ياسر، وقال: ما تقول هذه الملعونة ويلك؟

قال: صدقت في كل ما قالت.

قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هلكنا وافتضحنا، ويلك يا ياسر، بادر إليه فأتني بخبره، فركض إليه ثم عاد مسرعاً فقال: يا أمير البشرى.

قال: فما وراءك؟

قال: دخلت إليه فإذا هو قاعد يستاك وعليه قميص ودواج(1)، فبقيت

ص: 344


1- الدواج: اللحاف.

متحيّراً في أمره، ثم أردت أن أنظر إلى بدنه هل فيه شي من الأثر فقلت له: أحب أن تهب لي هذا القميص الذي عليك أتبرك به، فنظر إليَّ وتبسّم كأنّه علم ما أردت بذلك.

فقال: «أكسوك كسوة فاخرة».

فقلت: لست أريد غير هذا القميص الذي عليك، فخلعه وكشف لي بدنه كله، فو اللّه، ما رأيت أثراً، فخرّ المأمون ساجداً ووهب لياسر ألف دينار، وقال: الحمد لله الذي لم يبتلني بدمه.

ثم قال: يا ياسر، أما مجيء هذه الملعونة إليَّ وبكاؤها بين يدي فأذكره، وأمّا مضيي إليه فلست أذكره.

فقال ياسر: يا مولاي، واللّه ما زلت تضربه بسيفك وأنا وهذه ننظر إليك وإليه حتى قطعته قطعة قطعة، ثم وضعت سيفك على حلقه فذبحته وأنت تزبد كما يزبد البعير.

فقال: الحمد لله.

ثم قال لي: واللّه لئن عدت بعدها في شيء ممّا جرى لأقتلنّك.

ثم قال لياسر: احمل إليه عشرة آلاف دينار، وقد إليه الشهري الفلاني، وسله الركوب إليّ، وابعث إلى الهاشميين والأشراف والقواد ليركبوا معه إلى عندي ويبدؤوا بالدخول إليه والتسليم عليه.

ففعل ياسر ذلك، وصار الجميع بين يديه وأذن للجميع بالدخول، وقال: «يا ياسر، هذا كان العهد بيني وبينه؟»

قلت: يا ابن رسول اللّه (صلی الله عليه وآله وسلم) ليس هذا وقت العتاب، فو حق محمد وعلي (عليهما السلام) ما كان يعقل من أمره شيئاً.

ص: 345

فأذن للأشراف كلّهم بالدخول... ثم قام فركب مع الجماعة وصار إلى المأمون فتلقّاه وقبل ما بين عينيه وأقعده على المقعد في الصدر، وأمر أن يجلس الناس ناحية، فخلا به فجعل يعتذر إليه.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام) : «لك عندي نصيحة فاسمعها منّي».

قال: هاتها.

قال: «أشير عليك بترك الشراب المسكر».

فقال: فداك ابن عمك قد قبلت نصحك(1).

الأوراق النقدية

عن إبراهيم بن سعيد، قال: رأيت محمد بن علي (عليه السلام) يضرب بيده إلى ورق الزيتون فيصير في كفه ورقاً(2)

فأخذت منه كثيراً وأنفقته في الأسواق فلم يتغير(3).

من علامة الإمام

عن عمارة بن زيد، قال: رأيت محمد بن علي (عليه السلام) فقلت له: يا ابن رسول اللّه ما علامة الإمام؟

قال: «إذا فعل هكذا» ووضع يده على صخرة فبان أصابعه فيها، ورأيته يمدّ الحديدة بغير نار، ويطبع الحجارة بخاتمه(4).

ص: 346


1- راجع الخرائج والجرائح 1: 372-375، ح2.
2- الورق: اسم للدراهم. كتاب العين 5: 210 مادة (ورق).
3- دلائل الإمامة: 398.
4- دلائل الإمامة: 399.

استجابة دعائه (عليه السلام)

ذكر القطب الراوندي في كتابه عن ابن أرومة أنه قال: إن المعتصم دعا بجماعة من وزرائه، فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى (عليه السلام) زوراً واكتبوا أنه أراد أن يخرج.

ثم دعاه فقال: إنك أردت أن تخرج عليّ.

فقال (عليه السلام) : «واللّه ما فعلت شيئاً من ذلك».

قال - المعتصم -: إن فلاناً وفلاناً شهدوا عليك، واُحضروا، فقالوا: نعم هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك.

قال وكان جالساً في بهو، فرفع أبو جعفر (عليه السلام) يده، فقال: «اللّهم إن كانوا كذبوا عليّ فخذهم».

قال: فنظرنا إلى ذلك البهو(1)

كيف يزحف ويذهب ويجيء، وكلما قام واحد وقع.

فقال المعتصم: يا ابن رسول اللّه إنّي تائب ممّا فعلت فادع ربك أن يسكنه.

فقال: «اللّهم سكنه، وإنّك تعلم أنّهم أعداؤك وأعدائي فسكن»(2).

سبيكة من ذهب

عن إسماعيل (عياش) بن عباس الهاشمي، قال: جئت إلى أبي جعفر (عليه السلام) يوم عيده فشكوت إليه ضيق المعاش، فرفع المصلى وأخذ من التراب

ص: 347


1- البهو: البيت المقدّم أمام البيوت، أو المكان المخصّص لاستقبال الضيوف.
2- الخرائج والجرائح 2: 670-671، ح18.

سبيكة من ذهب، فأعطانيها، فخرجت بها إلى السوق فكان فيها ستة عشر مثقالاً من ذهب(1).

معجزة الفصد

عن الحسين بن أحمد التميمي، قال: استدعى - الإمام الجواد (عليه السلام) - فاصداً في أيام المأمون، فقال: «أفصدني في العرق الزاهر».

فقال له: ما أعرف هذا العرق يا سيدي ولا سمعته، فأراه إيّاه، فلما فصده خرج منه ماء أصفر فجرى حتى امتلأ الطست، ثم قال: «أمسكه».

فأمر (عليه السلام) بتفريغ الطست ثم قال: «خل عنه» فخرج دون ذلك، فقال: «شدّه الآن» فلما شدّ يده أمر له بمائة دينار فأخذها وجاء إلى بخناس، فحكى له ذلك!.

فقال: واللّه ما سمعت بهذا العرق مذ نظرت في الطب، ولكن ههنا فلان الأسقف قد مضت عليه السنون فامض بنا إليه، فإن كان عنده علمه وإلا لم نقدر على من يعلمه. فمضينا ودخلا عليه وقص القصص، فاطرق ملياً، ثم قال: يوشك أن يكون هذا الرجل نبياً أو من ذرية نبيّ(2).

مأتم خير الورى

دعا أبو جعفر (عليه السلام) يوماً بجارية فقال: «قولي لهم يتهيئون للمأتم».

قالوا: مأتم من؟

قال: «مأتم خير من على ظهرها».

ص: 348


1- كشف الغمة 2: 368.
2- المناقب 4: 389.

فأتى خبر أبي الحسن (عليه السلام) بعد ذلك بأيام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم(1).

اسمع وعه

عن أبي سلمة، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وكان بي صمم شديد فخبر بذلك لما أن دخلت عليه.

فدعاني إليه فمسح يده على أذني ورأسي، ثم قال: «اسمع وعه».

فو اللّه، إني لأسمع الشيء الخفي عن أسماع الناس من بعد دعوته(2).

ثلاث رقاع

وعن أبي هاشم الجعفري، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي ثلاث رقاع غير معنونة، فاشتبهت عليّ فاغتممت لذلك غماً.

فتناول إحداهن وقال: «هذه رقعة ريّان بن شبيب».

ثم تناول الثانية، فقال: «هذه رقعة محمد بن حمزة».

وتناول الثالثة، وقال: «هذه رقعة فلان» فبهت فنظر إليَّ وتبسم (عليه السلام) (3).

في شهادته (عليه السلام) مسموماً

جعل المعتصم العباسي يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر (عليه السلام) فأشار على ابنة المأمون زوجة الإمام (عليه السلام) بأن تسمّه، لأنّه وقف على انحرافها عن أبي جعفر (عليه السلام) وشدّة غيرتها عليه، لتفضيله أمّ أبي الحسن ابنه (عليه السلام) عليها.

ص: 349


1- المناقب 4: 389.
2- بحار الأنوار 50: 57، ح35.
3- إعلام الورى: 349.

فأجابته إلى ذلك وجعلت سمّاً في عنب رازقي ووضعته بين يديه... .

فلما أكل (عليه السلام) منه، ندمت وجعلت تبكي، فقال: «ما بكاؤك واللّه ليضربنك اللّه بعقر لا ينجبر، وبلاء لا ينستر» فماتت بعلّة في أغمض المواضع من جوارحها، صارت ناصوراً فأنفقت مالها وجميع ما ملكته على تلك العلّة، حتى احتاجت إلى الاسترفاد(1).

وقبض (عليه السلام) مسموماً مظلوماً في سنة عشرين ومائتين من الهجرة في يوم الثلاثاء لخمس خلون من ذي الحجة، وله أربع وعشرون سنة وشهور، لأنّ مولده كان في سنة خمس وتسعين ومائة، عليه السلام(2).

درر من كلماته (عليه السلام)

الثقة باللّه

قال الإمام الجواد (عليه السلام) : «الثقة باللّه تعالى ثمن لكل غال وسلّم إلى كل عال»(3).

بين السر والعلانية

وقال (عليه السلام) : «لا تكن ولياً لله في العلانية، عدواً له في السر»(4).

بيت في الجنة

وقال (عليه السلام) : «من استفاد أخاً في اللّه فقد استفاد بيتاً في الجنة»(5).

ص: 350


1- الاسترفاد: الاستعانة. مجمع البحرين (رفد) 3: 54.
2- انظر بحار الأنوار 50: 17، ح26.
3- أعلام الدين: 309.
4- أعلام الدين: 309.
5- بحار الأنوار 75: 78، ح51.

العمل على غير علم

وقال (عليه السلام) : «كيف يُضيَّع من اللّه كافله، وكيف ينجو من اللّه طالبه، ومن انقطع إلى غير اللّه وكله اللّه إليه، ومن عمل على غير علم ما أفسد أكثر مما يصلح»(1).

مصاحبة الشرير

وقال (عليه السلام) : «إيّاك ومصاحبة الشرير، فإنّه كالسيف يحسن منظره ويقبح أثره»(2).

ثلاث خصال للمؤمن

وقال (عليه السلام) : «المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من اللّه، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه»(3).

لا تعادي أحداً

وقال (عليه السلام) : «لا تعاد أحداً حتى تعرف الذي بينه وبين اللّه تعالى، فإن كان محسناً لا يسلّمه إليك، وإن كان مسيئاً فإنّ علمك به يكفيكه فلا تعاده»(4).

لا تطع الهوى

وقال (عليه السلام) : «من أطاع هواه أعطى عدوّه مناه»(5).

انظر كيف تكون

قال له رجل: أوصني، قال (عليه السلام) : «وتقبل»؟ قال:نعم.

ص: 351


1- أعلام الدين: 309.
2- بحار الأنوار 75: 364، ح5.
3- بحار الأنوار 75: 358، ح1.
4- أعلام الدين: 309.
5- بحار الأنوار 67: 78، ح11.

قال (عليه السلام) : «توسّد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنّك لن تخلو من عين اللّه فانظر كيف تكون»(1).

لين الجنب

وقال (عليه السلام) : «ثلاثة يبلغن بالعبد رضوان اللّه تعالى: كثرة الاستغفار، وخفض الجانب، وكثرة الصدقة»(2).

الشركاء في الظلم

وقال (عليه السلام) : «العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء»(3).

حسن الخلق

وقال (عليه السلام) : «عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه»(4).

من أمل إنساناً

وقال (عليه السلام) : «من أمل إنساناً فقد هابه، ومن جهل شيئاً عابه، والفرصة خلسة، ومن كثر همّه سقم جسده»(5).

مصيبة الشامت

وقال (عليه السلام) : «الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها»(6).

ص: 352


1- تحف العقول: 455.
2- بحار الأنوار 75: 81، ح74.
3- كشف الغمة 2: 348.
4- صحيفة الرضا (عليه السلام) : 67، ح122.
5- بحار الأنوار 75: 79، ح61.
6- كشف الغمة 2: 349.

دعائم التوبة

وقال (عليه السلام) : «التوبة على أربعة دعائم: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وعمل بالجوارح، وعزم أن لا يعود».(1)

عمل الأبرار

وقال (عليه السلام) : «ثلاث من عمل الأبرار: إقامة الفرائض، واجتناب المحارم، واحتراس من الغفلة في الدين»(2).

من أدعيته (عليه السلام)

وكان من دعاء للإمام الجواد (عليه السلام) :

«يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت اللّه لا إله إلا أنت، ولا خالق إلا أنت، تفني المخلوقين وتبقى أنت، حلمت عمّن عصاك، وفي المغفرة رضاك»(3).

ومن دعاء له (عليه السلام) :

«يا ذا الذي كان قبل كل شيء ثم خلق كل شيء ثم يبقى ويفنى كل شيء، يا ذا الذي ليس كمثله شيء، ويا ذا الذي ليس في السماوات العلى ولا في الأرضين السفلى ولا فوقهن ولا تحتهن ولا بينهن إله يعبد غيره لك الحمد حمداً لا يقوى على إحصائه إلا أنت فصل على محمد وآل محمد صلاة لا يقوى على إحصائها إلا أنت»(4).

ص: 353


1- بحار الأنوار 75: 81، ح74.
2- كشف الغمة 2: 349.
3- كمال الدين 1: 267، ح11.
4- المقنعة: 320.

ص: 354

الفصل الثاني عشر: الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)

اشارة

ص: 355

ص: 356

الإمام الهادي (عليه السلام) في سطور

الاسم: علي (عليه السلام) .

الأب: الإمام الجواد (عليه السلام) .

الأم: السيدة سمانة المغربية.

الكنية: أبو الحسن(1)،

ويقال له (عليه السلام) : أبو الحسن الثالث.

الألقاب: النقي، الهادي، النجيب، المرتضى، العالم، الفقيه، الناصح، الأمين، المؤتمن، الطيب، المتقي، المتوكل، العسكري(2)،

المفتاح. وأشهرها الهادي.

الأوصاف: ربع القامة، وسيع الحاجبين، له وجه حسن، يميل إلى الحمرة والبياض(3).

نقش الخاتم: (اللّه ربي وهو عصمتي من خلقه).

وقيل: نقشه ثلاثة أسطر: (ما شاء اللّه، لا قوة إلا باللّه، استغفر اللّه)(4).

مكان الولادة: المدينة المنورة، قرية صريا(5).

ص: 357


1- المناقب 4: 401.
2- المناقب 4: 401؛ وانظر بحار الأنوار 50: 115-116، ح4.
3- راجع بحار الأنوار 50: 116، ح8.
4- دلائل الإمامة: 411.
5- وهي قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) على ثلاثة أميال من المدينة. انظر المناقب 4: 382.

مدّة العمر: 42 سنة وسبعة أشهر، وقيل: إنّ عمره الشريف 40 سنة(1).

مدّة الإمامة: 33 سنة، وقيل: وتسعة أشهر(2).

مكان الشهادة: سرّ من رأى (سامراء)(3).

زمان الشهادة: 3 / رجب / 254 ه، وقيل: سنة 250 يوم الاثنين من رجب، وقيل: 8/ رجب/ 254 ه(4).

القاتل: المعتز العباسي، قتله بالسم(5).

المدفن: مدينة سامراء في العراق حيث مزاره الآن.

السجن: عاش الإمام (عليه السلام) مدّة من عمره الشريف في سجون الظالمين.

الوالدة المكرمة

كانت والدة الإمام (عليه السلام) من المؤمنات القانتات الصادقات الصابرات الخاشعات المتصدّقات الصائمات العفيفات الذاكرات لله كثيراً.

روى علي بن مهزيار عن الإمام (عليه السلام) أنّه قال: «أمّي عارفة بحقّي وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبّار عنيد، وهي مكلوءة(6)

بعين اللّه التي لا تنام، ولا تتخلف عن أمّهات الصدّيقين والصالحين»(7).

ص: 358


1- دلائل الإمامة: 409.
2- دلائل الإمامة: 410؛ المناقب 4: 401.
3- إعلام الورى: 355.
4- دلائل الإمامة: 409.
5- وقال ابن بابويه: سمه المعتمد. انظر المناقب 4: 401.
6- مكلوءة: أي محفوظة. راجع المحيط في اللغة 6، 327.
7- دلائل الإمامة: 410.

وربما يفهم من هذا الحديث عصمتها الصغرى، كما هو الحال بالنسبة إلى سائر أمهات الأئمة (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

هكذا يعلّم أصحابه

عن أبي هاشم الجعفري، قال: أصابتني ضيقة شديدة فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) فأذن لي.

فلما جلست قال: «يا أبا هاشم، أيّ نعم اللّه عزّوجلّ عليك تريد أن تؤدّي شكرها؟».

قال أبو هاشم: فوجمت(1)

فلم أدر ما أقول له.

فابتدأ (عليه السلام) فقال: «رزقك الإيمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذّل.

يا أبا هاشم، إنّما ابتدأتك بهذا لأنّي ظننت أنك تريد أن تشكو إليّ من فعل بك هذا، وقد أمرت لك بمائة دينار فخذها»(2).

من أخلاقه (عليه السلام)

كان (