الفاطميات : مشاعر الولاء في قصائد الزهراء عليها السلام المجلد 3

هوية الکتاب

الفاطميات

مَشَاعِر الولاء في قَصَائِدِ الزهراء علیها السلام

الفاطميات

مَشَاعِرَ الوَلَاءِ في قَصَائِدِ الزَهَرَاءِ علیها السلام

اَلْخَطِيبُ اَلشَّيْخُ عَلِيٌ حَيْدَرُ اَلْمُوَيَّدُ

اَلْجُزْءُ اَلثَّالِثُ

دارالعلوم للتحقيق و الطباعة و النشر و التوزيع

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1426 ه_- 2005م

ص: 1

اشارة

ص: 2

الفاطميات

مَشَاعِرَ الوَلَاءِ في قَصَائِدِ الزَهَرَاءِ علیها السلام

اَلْخَطِيبُ اَلشَّيْخُ عَلِيٌ حَيْدَرُ اَلْمُوَيَّدُ

اَلْجُزْءُ اَلثَّالِثُ

دارالعلوم للتحقيق و الطباعة و النشر و التوزيع

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1426 ه_- 2005م

دارالعلوم للتحقيق والطباعة والنشر والتوزيع

المكتبة: حارة حريك.. بئر العبد - شارع السيد عباس الموسوي - الهاتف: 01/545182 - 03/473919 ص.ب: 13/6080 المستودع: حارة حريك - بئر العبد - مقابل البنك اللبناني الفرنسي - تلفاكس: 01/541650

www.daraloloum.com mail: daraloloum@hotmail.com

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿1﴾

اَلْحَمْدُ لِلَّ_هِ رَ بِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّ حْمَ_ٰنِ الرَّ حِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾ اهْدِنَا الصِّرَ اطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَ اطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴿٧﴾

ص: 5

ص: 6

تقریظ

(بحر السريع)

حلِّقْ أبا أحمد بالذّاتِ *** وتِة على الغابر و الآتي

و اجمع لآل البيت أفضالهم *** ماطاب من نثرٍ و أبيات

و روِّ من عشاقهم غُلَّةً *** تداولوها بالوراثات

حرارة الإيمان من حُبِّهم *** للآلِ من رب السموات

فلیس تطفيها إذن أبحرٌ *** في الأرض أو مدرارُ مُزنات

إلا حديثٌ لاح في أسطرٍ *** خبَّأها الدهر بطيات

الأقصيدٌ صاغهُ شاعرٌ *** و خلَّدَ الشعر بآهات

و أنت إذ تجمعُ لثلاثها *** من قبل ألفٍ جمع أشتات

(ضاءت على الألفين أسرارها) *** عن سيِّدَيْ شباب جنّات

و تارةً بالشعر في فاطمٍ *** محققاً أجلى الروايات

فقلت من شوقي لتأليفكم *** مُقدِّراً تلك الكتابات

أرِّخ (عليٌ شكرتْ جُهدهُ *** الزهراء عند الفاطميات)

السيد محمد رضا القزويني

الكويت 1998/1/26 م

25 رمضان 1418ه_

ص: 7

ص: 8

قافیة الراء

اشارة

ص: 9

ص: 10

(1) منزل الزهراء علیها السلام

(بحر البسيط)

الشيخ إبراهيم آل مبارك البحراني التوبلاني(*)(1)

إِذَا سَرَى البَرْقُ مِنْ نَجْدٍ بِتَذْكَارِ *** فَقَدْ تَذَكَّرْتُ مَا لِلدَّارِ مِنْ جَارِ

حَدِيثنا ذُو شُجُونٍ يَابْنَ جَارَتِنَا *** فَعُدْ عَلَيَّ بِإِيرَادٍ وَإِصْدَارِ

وَ اضْرِبْ لَنَا مَثلاً بِالمُصْطَفَى وَ عَلِي *** المُرْتَضَى فَرَبِيبُ الدَّارِ لِلدَّارِ

وَ انْسِبْ ذِراعاً بِمَا فِيهَا إِلَى عَضُدٍ *** وَ الصِّنْوَ لِلصِّنْوِ فِي طَبْعِ وَ آثَارِ(2)

زَكَّاهُ أَكْرَمَهُ رَبَّاهُ عَلَمَهُ *** مُغَيَّبَاتِ مَضَامِينٍ وَ أَقْدَارِ

وَ اخْتَارَهُ وَ عَلَى عِلْم تَخَيَّرَهُ *** رِدْءًا فَأَصْبَحَ مُختاراً لِمُخْتَارِ

وَ هَلْ تَشُذُّ عَنِ المُخْتَارِ لَحْمَتُهُ *** وَ قَدْ أُنِيطَتْ بِأَعْصَابٍ وَ أَوْتَارِ؟

أَمْ لِلْخَلِيطَيْنِ مِنْ ذَاتٍ إِذَا امْتَزَجَا *** تَزَيُّلٌ بَعْدَ تَكْرِيرِ بِتَكْرَارِ(3)

اللهُ أَعْلَمُ إِذْ سَوَّاهُمَا مَثَلاً *** بِلا مَشِيلٍ وَ لاَيَدْرِيهِمَا دَارِي

فَالمُصْطَفَى مُصْطَفَى مِمَّا بَرَى البَارِي *** وَ المُرْتَضَى مُرْتَضَى مِمَّا ذَرَى الذَّارِي(4)

أَمِيرُ سِلْمِ وَإِسْلَامِ مُسَلَّمَةٌ *** لَهُ وِلايَةُ أَبْرَارٍ وَ فُجَارِ

لاَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ عِبَادَتَهُ *** إِلا بِهِ وَ تَذَكَّرْ مِنْهُ يَا حَارِ

فَإِنَّ فِيهَا لَهُ شَأْنَا وَ مَنْزِلَةً *** وَ لَامَجَالَ لِتَشْكِيكٍ وَ إِنْكَارِ

ص: 11


1- (*) مرت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.
2- الصنو: الأخ الشقيق.
3- تزَيَّل: تغرّق.
4- برا الباري: خلق الخالق. ذرا الذاري: خلق الخالق.

زَوْجُ البَتُولِ أبوالسِّبْطَيْنِ فَارِسُ مَیْدَانِ *** الحُرُوبِ هِزَبْرٌ ضَيْغَمٌ ضَارِي(1)

إِذَا تَضَرَّمَتِ الهَيْجَاءُ فَهُوَ بِهَا *** خَدِينُ مُهْرٍ وَ خَطَارٍ وَ بَتَّارِ(2)

منْ يَقْتَدِحْ لِلْوَغَى نَاراً لِيُسْعِرَهَا *** عَلَى حِمَاهُ رَأَيْنَا قَدْحَهُ الوَارِي؟(3)

يُذْكِي لَظَاهَا وَ يُوقِيهَا وَ قَائِدُهَا *** بِشِلْوِ كُلِّ شَدِيدِ البَأْسِ فَغّارِ(4)

يَشُدُّ فِيهَا وَ يَطْوِيهَا وَ يَنْشُرُهَا *** فَتَسْتَدِيرُ عَلَى قُطْبٍ وَ مِحْوَارِ

يَأْتِي عَلَيْهَا مُغِيراً فِي جَوَانِيهَا *** فَرْداً فَتَحْسَبُهُ جَاءٍ بِجَرَّارِ(5)

وَ العَادِيَاتِ وَ فِيهِ أُنْزِلَتْ وَ بِهِ *** عُرِفْنَ ضَبْحاً وَ سَبْحاً فِي الدَّمِ الجَارِي

وَ سَيْفُهُ ذُو فِقَارِ فِي سَفَاسِفِهِ *** لَمْعُ المَنِيَّةِ خَطَافٌ لأَعْمَارِ

فَقِيلَ لاَسَيْفَ إِلا ذُوالفِقَارِ وَ لاَ *** فَتَى سِوَاهُ لِنَجْدَاتٍ وَ أَخْطَارِ

وَ لَيْسَ ضَرْبَتُهُ الوَطْفَا لِمِعْيَارِ *** وَ لَيْسَ طَعْنَتُهُ النَّجلاً لِمِسْبَارِ(6)

حَمَى عَرِينَ الهُدَى عَنْ كُلِّ عَادِيَةٍ *** وَرَدَّ عَادِيَةَ العُزَّى لأوْجَارِ(7)

وَ امْضَغَ العَابِدِينَ اللّاتَ دَاغِصَةً *** يَسْتَقْذِفُونَ شَطَايَاهَا بِتَعْصَارِ(8)

و مَا عَلَىٰ هُبَلٍ لَوْ أَنَّهُ انْهَبَلَتْ *** أَرْكَانُهُ وَ تَدَاعَتْ بَيْنَ أَمْدَارِ(9)

فَقَدْ رَمَاهُ أَبُو الجُلَّى بِزُلْخَةٍ *** تِسِنُّهُ وَ هُوَ مُنْسُوفٌ مَعَ الذاري(10)

وَهَبَّ عَابِدُهُ يَلْوِي إلى وزَرٍ *** يَنُوءُ عَاتِقُهُ ثِقْلاً بِأَوْزَارِ

ص: 12


1- هزبر و ضيغم: من أسماء الاسد.
2- خدين: الخدين من يخادن أو يصاحب و يصادق الناس كثيراً. الهيجاء: الحرب. خطار: الرمح.
3- يسعرها: يشعلها.
4- يذكي: يوقد. افغار: فتاح واسع.
5- ضبحا: ضبح الخيل في عدوها أي سمع من أفواهها صوت ليس بصهيل و لاحمحمة.
6- الضربة الوطفاء: كثيرة الخير. الطعنة النجلاء: الواسعة. مسبار: ما يُسبَر به الجرح.
7- العُزَّى: اسم صنم. أوجار: ما كان كالكهف في الجبل أو الحفرة التي تُجعل للوحش فإذا مرَّت بها سقطت في تلك الحفرة فأمسكت.
8- اللاَت: اسم صنم. داغصة: لحماً مكتنزاً.
9- هبل: اسم صنم. انهبلت: ثكلت. تداعت: تهادمت و تصدَّعت من غير أن تسقط.
10- زلّخة: المكان الذي يتزحلق منه الصبيان، و زلَّخه بالرمح: شجه.

فَحَصْحَصَ الدِّينُ وَ ارْتِيدَتْ مَرَاتِعُهُ *** وَ ظَلَّ مَقْصِدَ وُفَادٍ وَزُوّار(1)

وَرَاحَ يُوفِدُ فِي عَبْرِ الجَزِيرَةِ مِنْ *** مُبَشِّرِيهِ فَبَحَّارٍ وَ صَحَّارِ

كَالرِّيح أَوْ كَوَمِيضِ البَرْقِ سُرْعَتُهُ *** عَلَى لَطَافَةِ نَسْمَاتٍ بِأَسْحَارِ

حَتَّى تُخَلَّلَتِ الدُّنْيَا مَخَائِلُهُ *** وَ جَاسَ فِي كُلِّ إِقْلِيم وَ أَمْصَارِ

يُمَثِّلُ الدِّينَ وَ الدُّنْيَا بِدَعْوَتِهِ *** كَالشَّمْسِ فِي حُسْنِ تَبْيينِ وَإِظْهَارِ

فَتَدْخُلُ النَّاسُ أَفْوَاجاً حَظَائِرَهُ *** كَمَعْهَدِ بِفُنُونِ الخَيْرِ زَخَّارِ(2)

فَمِنْ مُرَبِّ لِجِيلِ النَّشَءِ تَرْبِيَةً *** تَسْمُو بِهِ لِكَرَامَاتٍ وَأَقْدَارِ

وَ مِنْ مُلَقِّنِ عِلْمٍ تَسْتَنِيرُ بِهِ *** عَيْنُ البَصِيرَةِ رَهَافٌ لأَفكارِ

وَ مِنْ طَبِيبِ لَهُ عِلْمٌ وَمَقْدِرَةٌ *** عَلَى العِلاجِ رَحِيبَ الصَّدْرِ دَوَارِ

وَ مِنْ إِخْوَةِ صِدْقٍ فِي ضَمَائِرِهِمْ *** تَبَادَلُوهَا عَلَى عُسْرٍ وَإِيسَارِ

تِلْكَ المَكَارِمُ لاَقِعْبَانَ مِنْ لَبَنٍ *** شِيبَا بِمَاءٍ وَ لَاتَخْوِيلُ دِينَارِ(3)

وَ لاَتَحَرُّرُ نَفْسٍ فِي تَهَوُّرِهَا *** عَلَى المُجُونِ وَ لاَطَبْلٍ وَمِزْمَارِ(4)

عَلَيْكَ نَفْسَكَ فَاعْمَلْ مَا يُخَلُصُهَا *** فَوْراً وَخَلِّ وَقُودَ النَّارِ لِلنَّارِ

أَنْسَى الزَّمَانَ وَ مَا جَاءَ الزَّمَانُ بِهِ *** لِحَادِثِ لَمْ يَزَلْ يَشْدُو بِتِذْكَارِي

مَاتَ الرَّسُولُ فَمَاتَتْ كُلُّ كَائِنَةٍ *** وَ كُدِّرَتْ صَفْوةُ الدُّنْيَا بِأَكْدَارِ

وَ أَصْبَحَتْ حَرَكَاتُ الكَوْنِ سَاكِنَةً *** وَ الأَرْضُ مُؤذِنَةً مِنْهُ بِتَسْيَارِ

وَ أَظْلَمَتْ صَفَحَاتُ الجَوِّ وَ انْطَبَقَتْ *** دَوَائِرُ الأُفُقِ وَ اصْطَكَّتُ بِإِعْصَارِ

وَ أَظْهَرَ النَّاسُ أَحْقَاداً مُؤَكَّدَةً *** ضَاقَتْ ضَمَائِرُهُمْ مِنْهَا بأَسرارِ

تَقَحَّمُوا مَنْزِلَ الزَّهْرَاءِ وَاجْتَرَمُوا *** وَ أَضْرَمُوا النَّارَ فِي بَابٍ وَأَسْتَارِ(5)

ص: 13


1- حصحص: بان بعد كتمانه.
2- حظائره: المواضع التي يحاط عليها لتأوي إليها الماشية فتقيها البرد و الريح. زخار: ممتلىء.
3- قعبان: الأقداح الضخمة الغلاظ.
4- المجون: المزح وقلة الحياء.
5- في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج2 ص56 قال: لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي علیه السلام و الزبير و أناس من بني هاشم في بيت فاطمة علیها السلام فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. و في كتاب سليم بن قيس طقم ص36 قال: ثم أمر عمر أناساً حوله أن يحملوا الحطب فحملوا الحطب و حمل معهم عمر فجعلوه حول منزل علي و فاطمة و ابناهما علیهم السلام ثم نادي عمر حتى أسمع علياً و فاطمة علیهما السلام والله لتخرجن يا علي علیه السلام ولتبايعن خليفة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و الاَّ أضرمت عليك النار.. فقالت فاطمة علیها السلام: يا عمر ما لنا و لك؟ فقال: افتحي الباب والا احرقنا عليكم بيتكم. فقالت: يا عمر أما تتقي الله تدخل علي بيتي؟ فأبى أن ينصرف و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب. راجع انساب الاشراف للبلادزي، ج1 ص586 و دلائل الإمامة للطبري ص26.

وَ أَخْرَجُوا حَيْدَرَ الكَرَّارَ وَ احْتَشَدُوا *** لِبُغْيَةِ المُلْكِ فِي شَيْءٍ مِنَ الثّارِ(1)

قَادُوهُ سَحْباً وَ تَجْرِيراً لِبَيْعَتِهِمْ *** بَاءَتْ مَرَابِحُهُمْ مِنْهَا بِإِخْسَارِ

أمَّا البَتُولُ فَرَضُوهَا بِحَائِطِهَا *** رَضَاً يُوَجُهُهُمْ لِلنَّارِ وَ العَارِ

وَ أَسْقَطُوهَا جَنِيناً بَعْدَمَا لَطَمُوهَا *** لَطْمَةً بَقِيَتْ مِنْهَا بِآثَارِ(2)

وَ السَّوْطُ أَلَمَ مَثْنَيْهَا عَلَى أَلَمٍ *** لأَقَتْهُ مِنْ رَضٌ أَضْلاعِ وَ أَفْقَارِ(3)

ص: 14


1- في الاحتجاج للطبرسي/ طقم/ ج1 ص109 قال: فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن و انطلقوا بعلي علیه السلام ملبباً بحبل حتى انتهوا به إلى أبي بكر، و في الامامة و السياسة لابن قتيبة ط مصر/ ج1 ص19 قال:... و إن أبابكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي علیه السلام، فبعث اليهم عمر فجاء فناداهم و هم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب و قال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها..
2- في الملل والنحل للشهرستاني، ج1 ص57 قال: إن عمر ضرب بطن فاطمة علیها السلام یوم البيعة حتى ألقت جنيناً من بطنها و كان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها، و ما كان في الدار غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام في الوافي بالوفيات/ ج5 ص347 قال: ان عمر ضرب بطن فاطمة علیها السلام يوم البيعة حتى ألقت المحسن علیه السلام من بطنها. و في لسان الميزان ج1 ص268 أن عمر رفس فاطمة علیها السلام حتى أسقطت بمحسن علیه السلام.
3- في كتاب سليم بن قيس /ط قم/ ص38 قال: . . و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة علیها السلام و صاحت: يا أبتاه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فرفع عمر السيف و هو في غمد فوجاً به جنبها فصرخت یا أبتاه صلي الله علیه و آله و سلم فرفع السوط فضرب به ذراعها.. فنادت: یا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لبئس ما خلفك أبوبكر و عمر، ثم اقتحم قنفذ و أصحابه بغير اذن و ضربها بالسوط فماتت حين ماتت و ان في عضدها مثل الدملج من ضربته... و في الاحتجاج/ ط النجف/ ج ص 109 في خبر طويل قال: فانطلق قنفذ هو و أصحابه بغير اذن و حالت فاطمة علیها السلام بين زوجها و بينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط على عضدها و ألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها...

تَشْكُو إِلَى النَّاسِ لَمْ تُسْمَعْ شِكَايَتُهَا *** فَمِنْ مُهَاجِرَةٍ مِنْهُمْ وَأَنْصَارِ

وَأَتْبَعُوا فِعْلَهُمْ هَذَا بِغَضبِهِمُ *** المِيرَاثَ مِنْهَا بِمَوْضُوعَاتِ أَخْبَارِ(1)

حَتَّى قَضَتْ وَهْيَ حَرَّى القَلْبِ شَاكِيَةٌ *** مِنْ كُلِّ بَاغِ أَثِيمِ القَلْبِ خَتَارِ(2)

ص: 15


1- في كتاب كشف الغمة في معرفة الأئمة ج2 ص102 عن عطية قال: لما نزلت «رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا» [الاسراء الآية 26] دعا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فاطمة علیها السلام فأعطاها فدك. و عن علي بن الحسين علیه السلام قال: أقطع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فاطمة علیها السلام فدك. و في صحيح مسلم/ في كتاب الجهاد/ باب قول النبي صلي الله علیه و آله و سلم لانورث، ج2 عن عائشة: ان فاطمة علیها السلام ابنة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم سألت أبابكر بعد وفاة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ان يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و مما أفاء الله عليه، فقال لها أبوبكر: ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا نورث ما تركنا صدقة»... قالت: و كانت فاطمة علیها السلام تسأل أبابكر نصيبها مما ترك رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم من خيبر و فدك و صدقته بالمدينة فأبى أبوبكر عليها ذلك و قال: لست تاركاً شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يعمل به الا عملت به فإني أخشى ان تركت شيئاً من أمره أن ازيغ فاما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي علیه السلام و العباس، فأما خيبر و فدك فأمسكها عمر و قال: هما صدقة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم كانت لحقوقه التي تعروه و نوائيه و امرهما إلى من ولي الامر...
2- ختّار: خبيث و فاسد نقلت هذه القصيدة عن كتاب المراثي الحسينية ص61.

(2) هي الزهراء علیها السلام

(بحر الوافر)

الشيخ أبو حازم الباوي

كتبتَ الشعرَ فالتمس الشعورا *** فبعضُ الشعرِ يختصرُ العصورا

كمثلِ الجمرِ تستعرُ القوافي *** بأضلاع غدَتْ تردُ البحورا

حليفَ الحرفِ يا وجداً تسامي *** إذا ما الفكرُ قد نبذَ الغُرُورا

نبيَّ الخيرِياخَلقاً و خُلقاً *** بما أضفى على الدُّنيا عبيرا

يَراعِي في مديحكَ راحَ يكبو *** إذا ما الشعرُ أزمعَ أن يمورا(1)

و طيب قد أتيت بكلِّ فجٍ *** و أذكيت المغاورَ و الثغورا

رأيتَ الناس تحسُوا بارتغاءٍ *** فتكرعُ بعد رغوتِها غديرا

فأوردتَ النفاقَ شفيرنارٍ *** و أفعمت الحياة هدَّى و نورا

حبوتَ الدين و الدنيا وليداً *** به زینتَ من ألقٍ دهورا

هي الزهراءُ تُزهرُ كلِّ دينٍ *** إذا ما الليلُ يفتقدُ البدورا

فقد عقمتْ بناتُ الدهرِ جمعاً *** يلدن الروضَ كي يهبَ الزهورا

حباكِ الله في الأكوان مجداً *** و باقي المجدِ يوشكُ أن يبورا

بتولٌ و التقى وجدٌ و شعرٌ *** و قد أعيا الفرزدقَ أو جريرا(2)

و بعلٌ أرهقَ الأوباشَ فتكاً *** بسيفٍ سلِّ كي يبري النحورا(3)

ص: 16


1- يكبو:(كبا ) لوجهه: سقط، فهو (كابٍ). يمورا مارَ: تحرّك.
2- أعيا: (العي) ضد البيان.
3- الأوباش: الكفرة المارقين.

نبيلٌ في احتدامِ الحرب يعفو *** و يشملُ عفوهُ غرّاً غريرا

غداً يغذو اليتامى و هو طاوٍ *** و أشبعَ قرصُهُ سرّاً أسيرا(1)

لوجهِ الله يطعمُ كلِّ آتٍ *** فلايبغي الجزاءَ و لاالشكورا

سمتْ في الكون إيماناً و فخراً *** و عادت تملأُ الدنيا سرورا

فبالزهراء يبسمُ كلِّ باكٍ *** إذا ما القلبُ يفتقدُ الحبورا(2)

حنيني ما بقيتُ إليك يذكو *** كما في القلبِ يوشكُ أن يثورا

بلادي و الهوى شدٌ و جذبٌ *** و غيركِ قد غدتْ تحوي القشورا

إليك القلبُ يرحلُ كلِّ يومٍ *** و في ذكراك يوشكُ أن يطيرا

يمورُ الوجدُ دوماً في ضلوعي *** و يقدحُ في الحشا شوقاً سعيرا

بلادي جنةُ المأوى اخضراراً *** و أمصارُ الورى أضحتْ قبورا

أيا بنتَ الحسينِ فداكِ ناءٍ *** فأنتِ الذكرُ يحتضنُ الزبورا

جميعُ الخلق تطمعُ منك ودّاً *** و تطمعُ أن ترى فيكِ الأميرا

و أضحى ملجأَ للناس جمعاً *** فطبعُ الحرِّ يلتمسُ النصيرا

كشعبي مالقي شعبٌ عذاباً *** فما أبقتْ له الدنيا صدورا

فصدرُ تارةً يقضي ارتهاناً *** و صدر غالَهُ الأوغادُ طَوْرا

فقالوا: جبتمُ الأمصارَ جوعاً *** فلا براً ملكتم أو شعيرا

فقلنا:بل ركبنا كلِّ صعبٍ *** لدينِ للّه لانرجُو شكورا

تركنا في السوادِ كثير مالٍ *** و نملكُ في الورى خيراً و فيرا

سيبقى دأبنا للدين بذلاً *** و إن نلقى الدسائسَ و الشرورا

فما نرجُو ببذل النفس أجراً *** إذا ما الغيرُ يلتمسُ الأُجُورا

ص: 17


1- طاو: الطوى : الجوع.
2- الحبور: السرور.

و صرنا أسوةٌ في الناسِ نسمو *** و يبقى الغيرُ يعجزُ أن يطيرا

ورثنا دمعةَ الزهراءِ حزناً *** فما نالتْ من الدنيا نقيرا(1)

فراحت تملأ الدنيا عطاءً *** و راحت تغرس الدنيا بذورا

هي النور المبلّجُ حين نصحو *** هي الأزهار تحتضن العطور(2)

هي الحزنُ المبيّتُ في فؤادٍ *** غدا في الله محتسباً صبورا

ص: 18


1- أي لم تملك شيئاً من الدنيا.
2- المبلج: المشرق.

(3) بضعتي الزهراء علیها السلام

(بحر الطويل)

الأستاذ أحمد رشيد مندو(*)(1)

خَدِيجَةُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ تَهَنَّتِي *** بِمَا نَلْتِ مِنْ فَضْلٍ بِدُنْيَاكِ وَ الْأُخْرَىٰ

سَبَقَتِ إِلَى الإسلام كُلَّ نِسَائِهِ *** وَ كُنْتِ بِهِ صِدِّيقَةَ المُصْطَفَى الكُبْرَى

عَلَيْكِ رَسُولُ اللهِ أَثْنَى فَلَمْ تُطِقْ *** ثَنَاءَ رَسُولِ اللهِ زَوْجَتُهُ الحَمْرَا(2)

فَقَالَتْ لَهُ كَانَتْ عَجُوزاً كَبِيرَةً *** وَمِنْهَا حَبَاكَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا خَيْرَا(3)

ص: 19


1- (*) هو أحمد ابن الحاج رشيد بن إبراهيم بن أحمد مندو، و مندو لقب أسرته، و هو من أهل الفوعة التابعة لمحافظة إدلب في سوريا و هو من مواليد الفوعة من العرين صالحين سنة ألف و ثلاثمائة و خمس عشرة للهجرة و في السنة العاشرة من عمره تعلم القرآن حسب العادة القديمة، و بعد مضي ثلاثة أشهر ختم القرآن و أولع بمطالعة القصص و أخذ والده يعلمه الخط حيث كان والده خطاطاً، فنشأ على يد والده يكتب و يقرأ قراءة صحيحة و إملاء صحيحاً، و يطالع في كتب التاريخ الإسلامي، يحفظ الاشعار و السير التي تتحدث عن أهل البيت علیهم السلام و فضائلهم و مناقبهم، وبعد أن بلغ السنة الخامسة عشرة من عمره قرأ الأجرومية و قطر الندى في النحو على أحد المعلمين قراءة مجملة بدون تفصيل مبادىء الإعراب، و أحس أن النحو علم شريف فأتقنه. و كان المترجم له من دأبه أن يتصل برجال الفكر و الأدب، و مراراً قام بزيارة لمراجع الدين و منهم السيد أبو الحسن الاصفهاني، و السيد محمد هادي الميلاني و السيد حسين البروجردي و السيد محسن الحكيم. وكان دائماً يشجع على أن يجمع شعره و يطبع فعندما شعر بلزوم تسجيل شعره و تدوينه قام بخطوة أولى، و أول ما طبع له الجزء الأول من ديوانه (سوانح الافكار) في بيروت.
2- الحمرا: أي الحميراء، و هو الأسم الذي كان يطلقه الرسول الله صلي الله علیه . آله و سلم على زوجته عائشة بنت أبي بكر.
3- حباك: أعطاك من غير جزاء.

فَسَاءَ إِمَامَ المُرْسَلِينَ كَلَامُهَا *** وَ كَمْ هِيَ آذَتْهُ وَ أَفْشَتْ لَهُ سِرًا

وَ قَدْ كَانَ يُؤْذِي فَاطِماً هَجْوُ أُمِّهَا *** وَ لَمْ يُرْضِهِ الهَادِي مِنَ الزَّوْجَةِ الغَيْرَىٰ

فَقَامَ يُنَادِيهَا وَ يُعْلِنُ هَجْوَهَا *** وَ عُقْماً بِهَا مِنْ دُونِ شَكٍّ بِهِ تُزْرَى(1)

وَ قَالَ لَهَا بَلْ أَيْنَ مِثْلُ خَدِيجَةٍ *** وَ مَا شَهِدَتْ يَوْماً نَظيرَتَهَا الغَبْرَا

لَقَدْ صَدَّقَتْنِي حِينَ مَا كَانَ غَيْرُهَا *** يُكَذِّبُنِي وَاللهُ يُلْهِمُهَا الصَّبْرًا

وَ فِي المَالِ وَ اسَتْنِي فَأَنْفَقَتْ مَالَهَا *** وَ لَمْ أُبْقِ لاَ بَيْضَاءَ مِنْهُ وَ لاَصَفْرَا(2)

وَ أَعْقَمَكِ الرَّحْمَنُ دُونَ خَدِيجَةٍ *** وَ مِنْهَا حَبَانِي اللهُ ذُرِّيَّةً غَرّا

وَ إِنَّ إِلهَ العَرْشِ طَهَّرَ نَسْلَهَا *** وَ فِي جَنَّةِ الفِرْدَوْس شَادَ لَهَا قَصْرَا(3)

وَ قَدْ أَمَرَ البَارِي وَ أَبْشَرَهَا بِهِ *** وَ أَثْنَى عَلَيْهَا اللَّهُ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَا

وَ مَا أَغْضَبَتْنِي لَحْظَةٌ فِي حَيَاتِهَا *** وَ لَمْ تَعْصِ يَوْماً يَا حُمَيْرَاءُ لِي أَمْرَا

وَ لَوْ بَقِيَتْ لِي مَا تَزَوَّجْتُ فَوْقَهَا *** وَ لاَثَيِّباً أَمْهَرْتُ كلاً وَ لاَبِكْرَا

وَ لَمْ تَلِدِ الأَيَّامُ فِي الكَوْنِ مِثْلَهَا *** وَ فِي عَقْلِهَا مَا شَاهَدَتْ مِثْلَهَا الخَضْرَا

وَ مَا ضَرَبَ الأَمْثَالَ فِي الذِّكْرِ رَبُّهَا *** بِزَوْجَةِ نُوحٍ ثُمَّ لُوطٍ لَهَا زَجْرَا

فَخَلّي لَهَا كُلَّ الفَضَائِلِ وَحْدَهَا *** وَ فِي غَيْرِ خَيْرِ لاتُثِيرِي لَهَا ذِكْرَا

وَ لاَتَحْسُدِيهَا يَا حُمَيْرًا *** فَتِهْلكِي وَ فِي هَجْوِهَا تُؤْذِينَ بَضْعَتِي الزَّهْرَا

وَ إِيَّاكِ دَوْماً عَنْ عَدَاوَةِ فَاطِمٍ *** وَ صِنْوِي عَلِيَّ مَنْ شَدَدْتُ بِهِ الْأَزْرَا(4)

ص: 20


1- تزری: تعاب و يوضع من حقَّها.
2- البيضاء: الدرهم. و الصفراء: الدينار.
3- إشارة إلى ما روي في كتاب البحار ج16 ص80 في حديث طويل عن الصادق علیه السلام: فدخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوماً و سمع خديجة علیها السلام تحدّث فاطمة علیها السلام، فقال لها: يا خديجة علیها السلام، من يحدّثك ؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني و يؤنسني فقال لها: هذا جبرئيل يبشرني أنها أنثى، و أنها النسمة الطاهرة الميمونة، و أن الله تبارك و تعالى سيجعل نسلي منها و سيجعل من نسلها أئمّة في الأمة.
4- الصنو: الأخ الشقيق الأزر الظهر.

وَ إِنْ لَمْ تَكُفّي عَنْ عَدَاوَةِ عِتْرَتِي *** فَفِيهَا تَنَالِينَ النَّدَامَةَ وَ الخُسْرَا

وَ لاَ بُدَّ مِنْ يَوْمٍ تَقُودِينَ عَسْكَراً *** عَلَى جَمَلٍ لَنْ تَرْهَبِي تَرْكَكِ الخِدْرَا

تُرِيقِينَ مِنْ بَعْدِي الدِّمَاءَ وَ أَنْتِ *** لَاتَخَافِينَ فِي إِهْرَاقِهَا العَارَ وَ الوِزْرَا

تَرُومِينَ قَتْلَ المُرْتَضَى خَيْرِ عِتْرَتِي *** وَ تَأْتِينَ فِي هَيْجَائِكِ المُنْكَرَ الإِمْرَا(1)

فَيَمْحَقُ جَيْشَ النَّاكِثِينَ بِسَيْفِهِ *** عَلِيٌّ وَ بَعْدَ الحَرْبِ تَغْدِينَ فِي الْأَسْرَى

يَرُدُّكِ لِلْبَيْتِ الَّذِي قَدْ تَرَكْتِهِ *** وَ كَانَ لَكِ الرَّحْمَنُ صَيَّرَهُ سِتْرَا

رَعَى اللَّهُ قَوْماً حَبَّدُوا بَعْدَ أَحْمَدٍ *** تَبَرُّجَهَا المُزْرِي وَ فِتْنَتَهَا النَّكْرَا

وَ لَمْ يَبْرَحُوا فِي حَرْبِهَا لإِمَامِهَا *** لَهَا عِنْدَهُمْ خَيْرُ المَكَانَةِ وَ الذِّكْرَى

يَقُولُونَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ كَأَنَّهَا *** لَهَا الإِسْمُ هَذَا دُونَ ضَرَّاتِهَا طُرًا

عَفَا اللَّهُ عَمَّا كَانَ مِنْهَا وَ مَا جَرَى *** وَ ضَاعَفَ فِي يَوْمِ الجَزَاءِ لَهَا الأَجْرَا(2)

ص: 21


1- هيجاء: حرب.
2- خواطر الواجب ص52.

(4) الزكية فاطمة علیها السلام

(بحر الكامل)

السيد إسماعيل الحميري(*)(1)

ص: 22


1- (*) هو السيد اسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري. ولد السيد الحميري سنة (105 للهجرة) بعمان و نشأ في البصرة فاستقبل أبواه ولادته بما يستقبل به عادة كرام الآباء ولادات ابنائهم من سرور و ابتهاج، ثم عمدا إليه على عادة العرب إذ ذاك فسمّياه و كنّياه و لقّباه وتأنّقاً في ذلك كله؛ فاختارا منها ما تقبله الاذواق؛ فكان بدعى من ذلك اليوم بإسماعيل، و يكنى بأبي عامر أو بأبي هاشم على اختلاف في الرواية، و يلقّب بالسيد و هو لقب يدل على ذوق و حسن اختيار في أبويه. روي أن الامام الصادق علیه السلام لقي الحميري فقال: سمّتك أمّك سيِّداً وُفقت في ذلك أنت سيد الشعراء. و روى أبوالفرج في الاغاني ج7 ص230 أن أبوي السيد كانا إباضيين و كان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضيَّة، و كان السيد يقول: طالما سُبَّ أميرالمؤمنين علیه السلام في هذه الغرفة، فإذا سُئل عن التشيع من أين وقع له؟ قال: غاصت عليَّ الرحمة غوصاً، و روي عن السيد أن أمه كانت توقظه بالليل و تقول: إني أخاف أن تموت على مذهبك فتدخل النار، فقد لهجت بعليٍّ علیه السلام و ولده علیه السلام فلادنيا و لاآخرة، و لقد نغَّصت علي مطعمي و مشربي و قد تركت الدخول إليها. و روي أيضاً عن السيد: أن أبويه لما علما بمذهبه همّا بقتله فأتى الامير عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك، فأجاره و بوأه منزلاً وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما. و كان السيد الحميري في بداية حياته على العقيدة الكيسانية، يقول بإمامة محمد بن الحنفيَّة و غيبته و له في ذلك شعرُّ، ثم أدركته سعادة ببركة الامام الصادق علیه السلام و شاهد منه حججه القوية و عرف الحق فنبذ ما كان عليه من سفاسف الكيسانية و قال قصيدته المشهورة التي مطلعها: و لما رأيت الناس في الدين قد غووا *** تجعفرتُ باسم الله فيمن تجعفروا فكان يقول: كنت أقول بالغلو و أعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية قد ظللت في ذلك زماناً فمنّ الله عليَّ َبالصادق جعفر بن محمد علیه السلام و أنقذني به من النار، و هداني إلى سواء الصراط فسألته بعدما صحّ عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله عليَّ و على جميع أهل زمانه و أنه الامام الذي فرض الله طاعته و أوجب الاقتداء به، الخ. و السيد الحميري سيد الشعراء حقاً، لكثرة نظمه وجودة شعره فكان همُّه نظم فضائل أميرالمؤمنين علیه السلام روي أن السيد خرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة و قد حمله على فرس و خلع عليه فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب علیه السلام لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا وما عليّ، فجعلوا يحدثونه و ينشدهم حتى أتاه رجلٌ منهم و قال: إن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام عزم على الركوب فلبس ثيابه و أراد لبس الخفِّ فلبس أحد خفَّيه ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضَّ عقابٌ من السماء فحلّق به ثم ألقاه فسقط منه أفعى و انساب فدخل جحراً فلبس الامام علي علیه السلام الخفّ فقال السيد: إني لم أكن قلت في هذا شيئاً، ثمَّ حرَّك فرسه و ثناها و أعطى ما كان معه من المال و الفرس للذي روى له الخبر ثم انشأ يقول و هذا مطلعه: ألا يا قوم للعجب العجابِ *** لخفِّ أبي الحسين و للحُبابِ و قال أبو الفرج في الاغاني ج7 ص236: لا يخلو شعره من مدح بني هاشم و ذم غيرهم ممَّن هو عنده ضدُّ لهم. و روي عن الموصلي عن عمه قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين و ثلاثمائة قصيدة فخلت أني قد استوعبت شعره حتى جلس إليَّ يوماً رجلٌ ذو أطمار رثَّة فسمعني أنشد شيئاً من شعره فأنشدني به ثلاث قصائد لم تكن عندي فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما كلّه ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجباً فكيف و هو لايعلم و إنما أنشد ما حضره و عرفت حينئذ أنَّ شعره ليس مما يُدرك و لايمكن جمعه كلّه. و حكي أنه رئي في بغداد حمالٌ مثقلّ فسأله عن حمله فقال: ميميات السيد الحميري!! و كان «رحمه اللَّه» يملّ الحضور في محتشد لايُذكر فيه آل محمد علیهم السلام و لم يأنس بحفلة تخلو من ذكرهم. و روي عن بعضهم قال: كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلاء فتذاكرنا السيد فجاء و جلس و خضنا في ذكر الزرع و النخل ساعة فنهض فقلنا: يا أبا هاشم ممَّ القيام؟ فقال: إني لأكره أن أطيل بمجلس *** لاذكر فيه لفضل آل محمد لاذكر فيه لأحمد و وصيّه *** و بنيه ذلك مجلسٌ نطفٌ ردي إن الذي ينساهمُ في مجلس *** حتى يفارقه لغيرُ مسدد ومن شعره: وإذا الرجال توسلَّوا بوسيلة *** فوسيلتي حبّي لآل محمد و من أشعاره الخالدة قصيدته العينية و مطلعها: لأم عمرو باللوی مربعُ *** طامسة أعلامها بلقعُ و هي التي أنشدت عند الامام الصادق علیه السلام بعدما قتل زيد بن علي علیه السلام. و في البحار عن أبي الحسن الرضا علیه السلام أنه رأى النبي صلي الله علیه و آله و سلم في منامه مع علي و فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام و ان السيد الحميري بين يديه يقرأ هذه القصيدة فلما فرغ منها قال النبي صلي الله علیه و آله و سلم للرضاء علیه السلام: احفظ هذه القصيدة و مر شيعتنا بحفظها و أعلمهم انَّ من حفظها و أدمن قراءتها ضمنت له الجنة على الله «تعالى»، و قيل ان هذه القصيدة (54) بيتاً و قد تقدم جملة من أعلام الطائفة بشرح هذه القصيدة و قام لفيفٌ من العلماء و الادباء بتخميس هذه القصيدة أيضاً، و قد ذكر الاميني في الغدير عدداً من هؤلاء الاعلام فراجع الغدير ج2 ص224 و من أشعاره الخالدة القصيدة المذهَّبة التي شرحها الشريف الرضي فكان يقول لكل بيت: (سبحان الله ما أعجب هذا الكلام). و في حديث موت السيد الحميري مكرمة خالدة تُذكر مدى الدهر، ذكر المؤرخون أن السيد لما حضرته الوفاة اعترته نكتة سوداء ظهرت في وجهه و هو في حالة نزع و إغماء و قد اجتمع حوله أعداؤه و أشياعه فطبقت وجهه بالسواد فاغتم لذلك من حضره من الشيعة فظهر من المناوئين سرور و شماتة فما لبث أن فتح عينيه إلى ناحية القبلة ثم قال: يا أميرالمؤمنين علیه السلام أيفعل هذا بوليك؟ قالها ثلاث مرات فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلاً حتى بدت في ذلك المكان من جبهته لمعة بيضاء فلم تزل حتى أسفر وجهه و أشرق وافتر ضاحكاً و أنشأ يقول: كذب الزاعمون أن عليّاً *** لن يُنجَي محبّه من هنات قد و ربي دخلت جنة عدن *** وعفا لي الإله عن سيئاتي فانشروا اليوم أولياء علي *** و تولّوا عليا حتى الممات ثم من بعده تولِّوا بنيه *** واحداً بعد واحد بالصفات و قد مر في مقدمة الديوان بعض التفاصيل عن حياته و خصوصياته. حكي أن السيد الحميري رحمه الله توفي ببغداد سنة (179 ه) فبعث الاكابر و الشرفاء من الشيعة سبعين كفناً له فكفَّنه هارون من ماله وردَّ الاكفان إلى أهلها، فكان لموته رنَّة اسى عميقة لدى الشيعة و دفن بالجنينة ببغداد.

ص: 23

مَنْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَصَدَّقَ رَاكِعاً *** يَوْماً بِخَاتَمِهِ وَ كَانَ مُشِيرًا؟

مِنْ ذَاكَ قَوْلُ اللَّهِ إِنَّ وَلِيَّكُمْ *** بَعْدَ الرَّسُولِ لِيُعْلِمَ الجُمْهُورا

وَلَدَى الصِّرَاطِ تَرَى عَلِيًّا وَاقِفَاً *** يَدْعُو إِلَيْهِ وَلِيَّهُ المَنْصُورا(1)

ص: 24


1- في ذخائر العقبى، ج71 عن قيس بن أبي حازم قال: التقى أبو بكر و علي بن أبي طالب الله علیه السلام عنهما فتبسم أبوبكر في وجه علي فقال له: ما لك تبسَّمت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «لا يجوز الصراط إلّا من كتب له علي الجواز». و في ينابيع المودة. الباب 29 عن سلمان الفارسي «رضي الله عنه» قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول لعلي علیه السلام أكثر من عشر مرات: «يا علي علیه السلام إنك و الأوصياء من ولدك أعراف بين الجنة و النار لايدخل الجنة إلّا من عرفكم و عرفتموه، و لايدخل النار إلا من انكركم و انكرتموه».

اللَّهُ أَعْطَى ذَا عَلِيًّا كُلَّهُ *** وَ عَطَاءُ رَبِّي لَمْ يَكُنْ مَحْظُورا(1)

وَ اللَّهُ زَوَّجَهُ الزَّكِيَّةَ فَاطِماً *** فِي ظِلِّ طُوبَى مَشْهَداً مَحْضُورا(2)

كَانَ المَلاَئِكُ ثُمَّ فِي عَدَدِ الحَصَى *** جِبْرِيلُ يَخْطُبُهُمْ بِهَا مَسْرُورا

يَدْعُو لَهُ وَ لَهَا وَكَانَ دُعَاؤُهُ *** لَهُمَا بِخَيْرٍ دَائِماً مَذْكُورا

حَتَّى إِذَا فَرِغَ الخَطِيبُ تَتَابَعَتْ *** طُوبَى تُسَاقِطٌ لُؤْلُوْا مَنْثُورا

وَ تَهِيلُ يَاقُوتاً عَلَيْهِمْ مَرَّةً *** وَ تَهِيلُ دُرّاً تَارَةً وَ شُذُورا(3)

فَتَرَى نِسَاءَ الحُورِ يَنْتَهِبُونَهُ *** حُوراً بذلِكَ يَحْتَذِينَ الحُورَا(4)

فَإِلَى القِيَامَةِ بَيْنَهُنَّ هَدِيَّةٌ *** ذَاكَ النَّارُ عَشِيَّةٌ وَ بُكُورا(5)

ص: 25


1- محظوراً: ممنوعاً.
2- إشارة إلى ما روي في كتاب ذخائر العقبى ص32 قال: و عن أنس قال: بينما رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم في المسجد إذ قال لعلي علیه السلام: هذا جبريل يخبرني أن الله زوجك فاطمة علیها السلام و استشهد على تزويجها أربعين ألف ملك و رواه أيضاً صاحب كنز العمال ج6 ص152. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إن الله أمرني أن أزوج فاطمة علیها السلام من علي علیه السلام.
3- تهيل: تصبَّ. الشذور: خرز يفصل به بين الجواهر و اللؤلؤ الصغير الواحدة شذرة جمع شذور و شذرات.
4- يحتذين: من حذا حذوه. أي فعل فعله و يجوز أن الكلمة مشتقة من الحذية و الحذيا وزن ثريا و هي ما أعطى الرجل لصاحبه من غنيمة أو جائزة رواية المناقب (يهتدين).
5- في أعيان الشيعة (فأتى القيامة). نقلاً من ديوان السيد الحميري ص212.

(5)بعد بيت الأحزان

(بحر الخفيف)

السيد باقر الهندي(*)(1)

ص: 26


1- (*) هو السيد باقر ابن السيد محمد ابن السيد هاشم الهندي، ينتهي نسبه إلى الامام الهادي علیه السلام. ولد في النجف الأشرف في غرة شعبان سنة (1284ه) و قيل (1285ه) و نشأ بها على أبيه فبقي معه حتى عام (1298ه) حيث سافر والده إلى سامراء للحضور في حلقة درس الكبير السيد المجدد الشيرازي فكان مصاحباً له مواظباً على درسه حتى رجع والده إلى النجف عام (1311ه) فرجع معه و عند تواجده في سامراء كان يختلف على بعض الاساتذة اللامعين في العلم و الفضل فأخذ عنهم الاصول و الفقه. ذكره فريق من الاعلام منهم كاشف الغطاء في (الحصون المنيعة) قال: كان عالماً فاضلاً كاملاً أديباً و ذكياً لوذعياً حسن المعاشرة لطيف المحاورة و شاعراً مكثراً تتلمذ على الشيخ محمد طه نجف، و على الميرزا الشيرازي الكبير، و على الميرزا ابراهيم الشيرازي المحلاتي، و جملة من علماء عصره. و ذكره السماوي في (الطليعة) قال: كان فاضلاً أديباً حسن المنثور و المنظوم ذكياً حسن طبقات الناس لطيف المحاضرة، و كان لايكاد يذكر له شيء من المعارف إلاّ و كانت له به معرفة و ظهر له فيها فكر. و ذكره الأمين في (الأعيان) قال كان عالماً فاضلاً أديباً، شاعراً، ظريفاً، حسن الاخلاق، حسن المعاشرة، ذكي الفؤاد دقيق الحس، قوي الشعور. و ذكره شبر في (أدب الطف) فقال: عالم فاضل و اديب شاعر، لطيف، حسن الاخلاق، حلو المعاشرة، ذكي، لامع، نظم فأبدع، و سابق فحلّق. و ذكره ابنه المرحوم السيد حسين الهندي قال: نشأ منشأ طيباً في زمن صالح و تعلَّم القرآن و الكتابة في مدة يسيرة و كان مولعاً بالامور الاصلاحية و له في ذلك مواقف مشهودة، و له مؤلفات، لم تزل مخطوطة نحتفظ بها منها رسالة في (حوادث المشروطة) فيها ما رجال الاصلاح و الدعاة المصلحين، كما كتب في الاخلاق، و كان شديد الولاء لأهل البيت علیهم السلام عظيم التعلق بمودتهم و في الليلة الثالثة من جمادى الثانية من سني إقامتنا بسرِّ من رأى، رأى في المنام كأنه جالس بحضرة ولي الامر و صاحب العصر و هو في قصر مشيد، فجعل يخاطبه قائلاً: سيدي هل يغيب عنك ما حلّ بأسرتك الطاهرة، و لو لم يكن إلا ما جرى على أمك الزهراء علیها السلام، فحنّ الامام علیه السلام و التفت إليه قائلاً. (لاتراني اتخذت لا وعلاها *** بعد بیت الاحزان بیت سرور) ثم بكيا معاً حتى انتبهنا من النوم على صوت بكائه و نبهناه فقص علينا الرؤيا، فاستشعر الوالد من ذلك صحة هذه الرواية (يعني وفاة الصديقة في الثالث من جمادى الثانية) لذا نظم قصيدة على وزنه و رويه تتضمن حادثة الغدير وما جرى على أميرالمؤمنين و الزهراء علیهما السلام و ضمنها هذا البيت، أقول: و قد نقل السيد المقرّم في كتاب فاطمة الزهراء علیها السلام أنه رأى الإمام في المنام ليلة الغدير و هو كثيب حزين مفكر، فيقول له السيد باقر الهندي بعد أن وقع عليه يقبل يديه و قدميه: مالي أراك مفكراً مهموماً و هذه أيام فرح و سرور بيوم الغدير فأجابه الامام علیه السلام: ذكرت أمي الزهراء علیها السلام و حزنها و ما جرى عليها، ثم أنشأ علیه السلام. (لا تراني اتخذت لا وعلاها *** بعد بيت الأحزان بيت سرور) فانتبه السيد يحفظ البيت و نظم قصيدة على وزنه و رويه تتضمن حادثة الغدير و ما جرى على أميرالمؤمنين و الزهراء علیهما السلام و ضمنها هذا البيت: و للمترجَم له شعر كثير و قصائد عديدة في رثاء أهل البيت علیهم السلام و لو جمع شعره لصار ديواناً كبيراً. توفي في النجف الأشرف بمرض ذات الجنب قبل طلوع الشمس من يوم الثلاثاء غرة محرم(1329ه ) عن عمر ناهز الخامسة و الاربعين و دفن مع ابيه في دارهم الواقعة في محلة الحويش.

كُلُّ غَدْرٍ وَ قَوْلِ إِفْكِ وَ زُورِ *** هُوَ فَرْجٌ عَنْ جَحْدِ نَصَّ الغَدِيرِ(1)

فَتَبَصَّرْ تُبْصِرْ هُدَاكَ إِلَى الْحَقُ *** فَلَيْسَ الأَعْمَى بِهِ كَالبَصِيرِ

لَيْسَ تَعْمَى العُيُونُ لكِنَّمَا تَعْمَى *** القُلُوبُ الَّتِي انْطَوَتْ فِي الصُّدُورِ

يَوْمَ أَوْحَى الجَلِيلُ يَأْمُرُ طهَ *** وَ هُوَ سَارٍ أَنْ مُرْ بِتَرْكِ المَسِيرِ

حُطَ رَحْلَ السُّرَى عَلَى غَيْرِ مَاءٍ *** وَ كَلاً فِي الْفَلاَ وَ حَرِّ الهَجِير

ثمَّ بَلَّغْهُمُ وَ الأَ فَمَا بَلَّغْتَ *** وحياً عَنِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ

أَقِمِ الْمُرْتَضَى إِمَاماً عَلَى الخَلْقِ *** وَ نُوراً يَجْلُو دُجَى الدَّيْجُورِ

ص: 27


1- جَحد: إنكار.

فَرَقی آخِذَاً بِكَفِّ عَلِيَّ *** مِنْبَراً كَانَ مِنْ حُدُوجٍ وَكُورِ(1)

وَ دعَا وَ المَلاَ حُضُورٌ جَمِيعاً *** غَيْبَ اللَّهُ رُشْدَهُمْ مِنْ حُضُورِ

إنَّ هذا أمِيرُكُمْ وَ وَلِيُّ الأَمُرِ *** بَعْدِي وَ وَارِثي و وزيري

هُوَ مَوْلًى لِكُلِّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ *** مِنَ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ

فَأَجَابُوا بِأَلْسُن تُظهِرُ الطَّاعَةَ *** وَ الغَدْرُ مُضْمَرٌ فِي الصُّدُورِ

بَايَعُوهُ وَ يَعْدَهَا طَلَبُوا البَيْعَةَ *** مِنْهُ لِلهِ رَيْبُ الدُّهُور

أَسْرَعُوا حِينَ غَابَ أَحْمَدُ لِلْغَدْرِ *** وَ خَافُوا عَوَاقِبَ التَّأْخِيرِ

نَبَدُوا العَهْدَ وَ الكِتَابَ وَمَا جَاءَ *** بِهِ وَ الوَصِيَّ خَلْفَ الظُّهُورِ

خَالَفُوا كُلَّ مَا بِهِ جَاءَ طَهَ *** وَ هُوَ إِذْ ذَاكَ لَيْسَ بِالمَقْبُورِ

عَدَلُوا عَنْ أَبِي الهُدَاةِ المَيَامِينَ *** إِلَى بَيْعَةِ الأَثِيمِ الكَفُورِ

قَدَّمُوا الرِّجْسَ بِالوِلايَةِ لِلأَمْرِ *** عَلَى أَهْلِ آيَةِ التَّطْهِيرِ

لَسْتَ تَدْرِي لِمْ أحْرَقُوا البَابَ بِالنَّارِ *** أَرَادُوا إطفاء ذاك النُّورِ؟(2)

لَسْتَ تَدْرِي مَا صَدْرُ فَاطِمٍ مَا المِسْمَارُ *** مَا حَالُ ضِلْعِهَا المَكْسُورِ؟(3)

ما سُقوط الجنين ما حُمْرَةُ الْعَیْنِ *** وَ مَا بَالُ قُرْطِهَا المَنْثُور؟(4)

ص: 28


1- حُدُوج: الأحمال. الكور: رحل البعير أو الرحل بأداته و هو مما يذلل به البعير و يوطأ.
2- انظر کتاب سلیم بن قيس الهلالي ص408.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى دخول المسمار في صدر فاطمة علیها السلام و كسر ضلعها «سلام عليها» و قد مرَّ الموردان في قصائد سابقة: كتاب سليم بن قيس ص36 و ص37 و ص40 و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص135. و كتاب الاحتجاج ج1 ص109.
4- يشير الشاعر في هذا البيت إلى سقوط الجنين و لطمها على خدها و تناثر قرطها و قد مرَّ كله أما سقوط الجنين فانظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص40 وكتاب مؤتمر علماء بغداد ص135 و كتاب الاحتجاج ج1 ص109 . أما لطمها على خدها و تناثر قرطها فانظر كتاب ارشاد القلوب على لسان فاطمة علیها السلام، عن عوالم العلوم ج2 ص574 و البحار ج8 ص240 ط حجرية.

دَخَلُوا الدَّارَ وَ هْيَ حَسْرَى بِمَرَأَى *** مِنْ عَلِيّ ذَاكَ الأَبِي الغَیُّورِ (1)

وَ اسْتَدَارُوا بَغْياً عَلَى أَسَدِاللَّهِ *** فَأَضْحَى يُقَادُ قَوْدَ الأسيرِ

وَ الْبَتُولُ الزَّهْرَاءُ فِي إِثْرِهِمْ تَعْثُرُ *** فِي ذَيْلِ بُرْدِهَا المَجْرُورِ

بأنِينٍ أوْرَى القُلُوبَ ضِرَاماً *** وَ حَنِين أَذَابَ صُمَّ الصُّخُورِ(2)

وَدَعَتْهُمْ خَلُوا ابْنَ عَمِّي عَلِيًّا *** أَوْ لأَشْكُو إِلَى السَّمِيعِ البَصِيرِ

مَا رَعَوْهَا بَلْ رَوَّعُوهَا وَ مَرُّوا *** بِعَلِيِّ ٍمُلَبَّباً كَالأَسِيرِ(3)

بَعْضُ هَذَا يُرِيكَ مِمَّنْ تَوَلَّى *** بَارِزَ الكُفْرِ لَيْسَ بِالمَسْتُورِ

كَيْفَ حَقٌّ البَتُولِ ضَاعَ عِنَاداً *** مِثْلَ مَا ضَاعَ قَبْرُهَا فِي القُبُورِ؟

قَابَلُوا حَقَّهَا المُبِينَ بِتَزْوِيرٍ *** وَ هَلْ عِنْدَهُمْ سِوَى التَّزْوِيرِ؟

وَ رَووْا عَنْ مُحَمَّدٍ خَبَراً لَمْ *** يَكُ فِيهِ مُحَمَّدٌ بِخَبِيرِ(4)

وَ عَلِيٌّ يَرَى وَ يَسْمَعُ وَ السَّيفُ *** رَهِيفٌ وَ البَاعُ غَيْرُ قَصِيرِ

قَيَّدَتْهُ وَصِيَّةٌ مِنْ أَخِيهِ *** حَمَلَتْهُ مَا لَيْسَ بِالمَقْدُورِ

أَفَصَبْراً يَا صَاحِبَ الأمْرِ وَ الْخَطْبُ *** جَلِيلٌ يُذِيبُ قَلْبَ الصَّبُورِ

ص: 29


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى دخول القوم على الزهراء علیها السلام و هي دون خمار. انظر كتاب سليم بن قيس ص39 قال: قلت لسلمان: أدخلوا على فاطمة علیها السلام بغير إذن؟ قال: إي والله و ما عليها خمار فنادت: يا أبتاه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فلبئس ما خلفك أبوبكر وعمر و عيناك لم تتفقاً في قبرك، تنادي بأعلى صوتها.
2- أورى: أوقد. ضراماً: اتقاداً. صم الصخور: صلابها.
3- ملبياً: مأخوذاً مجروراً. و قد أشار الشاعر في هذه الأبيات الأربعة إلى دفاع الزهراء علیها السلام عن الامام علي علیه السلام. انظر كتاب الكافي ج1 ص490، و كتاب سليم بن قيس الهلالي ص208.
4- يشير الشاعر في هذه الأبيات الثلاثة إلى غصب فدك من الزهراء علیها السلام و اختلاقهم لحديث «نحن معاشر الانبياء لانوِّرث». انظر مسند أحمد ج1 ص9، و السنن الكبرى ج6 ص300، كما في عوالم العلوم ج2 ص626 و ج1 ص13 من مسند أحمد بن حنبل. و العوالم ج2 ص631، انظر كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج16 ص232.

كُمْ مُصابٍ يَطُولُ فِيهِ بَيَانِي؟ *** قَدْ عَرَى الطُّهْرَ فِي الزَّمَانِ القَصِير

كَيْفَ مِنْ بَعْدِ حُمْرَةِ العَيْنِ مِنْهَا *** يَا بْنَ طَهَ تَهْنَى بِطَرْفِ قَرِيرِ(1)

فَابْكِ وَ ازْفَرْ لَهَا فَإِنَّ عِدَاهَا *** مَنَعُوهَا مِنَ البُكَا وَ الزَّفِيرِ؟(2)

وَ كَأَنَّى بهِ يَقُولُ وَ يَبْكِي *** بِسِلُو نَزْرٍ وَ دَمْع غَزير

(لاَ تَرَانِي اتَّخَذْتُ لاَ وَعُلاهَا *** بَعْدَ بَيْتِ الأَحْزَانِ بَيْتَ السُّرُورِ)(3)

فَمَتَى يَا بْنَ فَاطِم تَنْشُرُ الطاغوتَ *** وَ الجِبْتَ قَبْلَ يَوْمِ النُّشُور

فَتُدَارَكَ مِنَّا بَقَايَا نُفُوسِ *** قَدْ أَذِيبَتْ بِنَارِ غَيْظ الصُّدُورِ(4)

ص: 30


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى ما روي من أنهم لطموا الزهراء علیها السلام على خدها وإلى احمرار عينها جراء ذلک. انظر ارشاد القلوب كما في عوالم العلوم ج2 ص574 . و البحار ج8 ص240 (ط حجرية).
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى ما روي من أنهم منعوها علیها السلام من البكاء. ففي البحار ج43 ص177 ضمن ح15 ، و هو حديث طويل قال: اجتمع شيوخ أهل المدينة و أقبلوا إلى أميرالمؤمنين علي علیه السلام فقالوا له علیه السلام: يا أبا الحسن علیه السلام إن فاطمة علیها السلام تبكي الليل و النهار فلا أحد منا يتهنّاً بالنوم في الليل على فرشنا و لابالنهار لنا قرار على أشغالنا و طلب معايشنا و إنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلاً أو نهاراً، فقال: حباً و كرامة... الخ. انظر كتاب المناقب لابن شهر آشوب ج3 ص322 حديث حول منع الزهراء علیها السلام عن البكاء.
3- و ربما (بيت سرور) بدون ألف و لام و على أية حال فإن الشاعر يشير في هذا البيت إلى بيت الأحزان الذي كانت الزهراء علیها السلام تبكي فيه. انظر كتاب البحار ج43 ص177.
4- رياض المدح و الرثاء ص197.

(6) يا إمام الزمان علیه السلام

(بحر الخفيف)

السيد باقر الهندي(*)(1)

تخميس الشيخ قيس العطار(**)(2)

أيُّها السائلي عن المقدور *** كيف أقصَوْا آل البشيرِ النذيرِ

هاكَ قولاً يجلُو عمى الديجورِ *** «كلُّ غدرٍ و قولٍ إفكٍ و زورِ

هو فرعٌ عن جحدِ نصِّ الغديرِ»

***

يومَ كانِ النبيُّ إذ ذاك أشفق *** من عتيقٍ و من أخي الجهلِ أزرق

فإذا شئت أن ترى الجهل يزهق *** «فتبصر تُبصْر هداك إلى الحق

فليسَ ليس الأعمی به کالبصیرِ»

***

كيف جرّوا الإمامَ قسراً يتمتعْ *** و إلى بيعةِ المنافق يدُفعْ

قلْ لمن راحَ في الضلالةِ يرتعْ *** «ليس تعمى العيونُ لكنّما تعمي

القلوبُ التي انطوتْ في الصدورِ»

***

ص: 31


1- (*) مرت ترجمة الشاعر في القصيدة السابقة.
2- (**)مرت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.

هاكَ من حجةِ الوداع نباها *** عن بني المصطفى شفاهاً شفاها

حادثاتٍ حتى العدوّ رواها *** «يوم أوحى الجليلُ يأمرُ طه

و هو سارٍ أن مُرْ بتركِ المسیرِ»

***

لاتخف كُلّ مايلي من بلاءْ *** من بني الجهل إنّهم شرُّ داءْ

أيُّها المصطفى امتثل لنداءْ *** «حُطّ رحلَ السُّرى على غير ماءْ

و كلاً في الفلا و حرّ الهجیر»

***

نادِ فيهم فدينُهُم ليس يُقبلْ *** بسوى البدر حيدرٍ ليس يأفلْ

ليماز المطيعُ ممَّن تبلبلْ *** «ثمّ المبلغهُمُ و الأ فما بَلْلَغْتَ

وحياً عن عن اللطيفِ الخیبرِ»

***

راكعاً جادَ لم يكنْ قطُّ يبخلْ *** و هو في الدين و السياسة أوّلْ

فاجعل الأمرَ فيه والربطَ و الحلْ *** «أقم المرتضى إماماً على الخَلْقِ

و نوراً يجلُو دجي الدیجور»

***

نصّ فيهمْ له بنصِّ جليّ *** و أقمهْ للناس خيرَ وليِّ

نفّذِ الأمر دونَ عيّ وَلَيِّ *** «فرقي آخذاً بكفِّ عليٍّ

منبراً كان من حُدُوج وكُورِ»

***

نكثوا العهدَ بعدَ طه سريعاً *** لُعِنوا، بئسَ ما أَتَوْهُ صنيعا

ص: 32

فكأن لم يقُم ينادي مذيعا *** «و دعا و الملا حضورٌ جميعا

غيَّبَ اللَّه رشدهم من حُضُورِ»

***

رام أن يُنقَذوا من التَيه و الذُلْ *** لو أزاحوا عن صدر هم كامِنَ السَلْ

فرقى المصطفى و قد أَسمَعَ الكُلْ *** «إنّ هذا أميركم و وليُّ

الأمرِ بعدي و وراثي و وزیري»

***

يومَ قامَ النبيُّ غرَّاً و طَوْلا *** عن إلهِ السما يبلِّغ قولا

إنّ هذا بكم أحقّ و أَولى *** «هو مولّى لكلّ من كنت مولاهُ

من اللَّه في جمیعِ الأمورِ»

***

فإذا القوم كالأفاعي رُقْطا *** لم يُراعوا من الأمانةِ قِسطا

كتبوا بينهم كتاباً و شرطا *** «فأجابوا بألسن تظهر الطاعةَ

و الغدر مضمرٌ في الصدورِ»

***

بايعوه لمْ يُظهروا الغيّ و اللَّيْ *** كلّ هيِّ من الحثالات أو بَيْ

يالخطبِ الدهور ما أقبحَ الغِيْ *** «بايعوه و بعدها طلبوا البيعة

منهُ للَّه ريبُ الدهور»

***

أحكموا اليوم عهد غدرٍ إلى الغَدْ *** قبل أن يدفنَ النبيُّ و يُلحدْ

فرغانغلُ حنتمٍ ثم أزبدْ *** «أسرِعُوا حين غابَ أحمدُ للغدْرِ

ص: 33

و خافوا عواقبَ التأخر»

***

يا لشيخين في الضلالةِ ماجا *** و لقوم بإثمها تتناجي

تركُوا العذبَ و استطابوا الأجاجا *** «نبذوا العهدَ و الكتابَ و ما جاءَ

به و الوصيَّ خلفَ الظهورِ»

***

فأبى الله تيمُ أن تعطاها *** أو عدي بأن تدوسَ وِطاها

لُعِنت أمّةٌ أضاعتْ هداها *** «خالفُواكلّ ما بهِ جاءَ طه

و هو إذ ذاك ليسَ بالمقبور»

***

منعَ الطرفُ من لذيذِ المنامِ *** للذي حلَّ بالوصيِّ الإمامِ

آهِ من معشرٍ طغامٍ لئامِ *** «عدلُوا عن أبي الهداةِ الميامينِ

إلي بیعةِ الأثیمِ الکفورِ»

***

بايعُوا آثماً مع الشرك توأمْ *** لم تَرَ العينُ منه أزرى و الأَمْ

يا لجُرح على المدى ليسَ يُلْأَمْ *** «قدَّمُوا الرجس بالولايةِ للأمرِ

على أهلِ آيةِ التطهیرِ»

***

أوَ تَدْرِي بما لهُ الرجسُ سَنّا *** والّذي نالَهُ الملاعينُ مِنّا

أو تدري بِقلبِ فاطمَ أَنَّا *** «أو تدري لِمْ أحرقُوا البابَ بالنَّارِ

أرادوا إطفاء ذاک النورِ»

***

ص: 34

إذ أتى السامريُّ بالبابِ يردسْ *** و ابن قحفٍ من خلفِ ذاك يوسوسْ

أَوَ تَدْرِي بالليل حين يعسعسْ *** «أَوَتَدْرِي ما صدرُ فاطم ما المسمارُ

ما حال ضلعِها المکسورِ»

***

غصبُوا نحلةَ البتولِ من الفَيْ *** فتسنّى قتلُ ابن فاطم للريْ

أَوَ تَدْرِي بما جنى الحقدُ و الغَيْ *** «ما سقوطُ الجنينِ ما حمرةُ العين

وما بالُ قرطِها المنثورِ»

***

ملأ الكفرُ منهم القلبَ ملأَ *** و عن الله لم يزالوا بمنأى

هَدَمُوا الدين ثمَّ عوداً و بدءا *** «دخلوا الدار و هي حسرى بمرأى

من عليٍّ ذاک الأبي الغیور»

***

حَمَلُوا في القلوبِ حقداً و غِلاً *** و أرادُوا إطفاءَ نورٍ تجلّى

نفّذوا خطةَ الصحيفة كُلّا *** «و استدارُوا بغياً على أسدِ اللّهِ

فأضح يقادُ قودَ الأسيرِ»

***

سحبُوا الليثَ ويحهمُ من عرينٍ *** و استغلُّوا وصيةً للدِّينِ

سحبُوهُ بشرِ حالٍ و هُونِ *** «ينظرُ الناسَ ما بهم من مُعينٍ

و ینادي و ما لهُ من نصیرِ»

***

أسقطُوا محسناً قتيلاً مضاما *** حين رضُّوا بالبابِ منها العِظاما

ص: 35

فأشارت إذ لا تطيقُ كلاماً *** «بأنين أورى القلوبَ ضراما

و حنین أذابَ صُمَ الصخورِ»

***

و شكتْ حالها تنادي النبيّا *** يا رسول الإلهِ انظُر إليّا

ثم صاحتْ عسى يعافونَ غيا *** «و دعتهُم خلّوا ابن عمّي عليّا

أو لَأَشكو إلى السمیعِ البصیرِ»

***

ما أصاغُوا لها ففي الأذن و قرُ *** و تمادوا ببغيِّهم و استمرُّوا

ليس عجباً أن يبغض الطُّهرَ عهرُ *** «ما رعَوْها بل روَّعُوها و مَرُّوا

بعليّ ملبّباً كالأسیرِ»

***

قل لمن تاهَ في هواهم وضلّا *** لاهبَ النارِ سوفَ في الحشرِ تصلى

فإذا كنتَ مالكاًويك عقلا *** «بعضُ هذا يريك ممّن تولّى

بارزَ الكفر ليسَ بالمستورِ»

***

قل لمن شَاءَ أن يصحَّ اعتقادا *** خذْ من الآلِ للقيامةِ زادا

و سلٍ النفسَ إن أردتِ رشادا *** «كيف حق البتول ضاعَ عنادا

مثلما ضاعَ قبرُها في القبورِ»

***

وتبرأُ مِمَنْ يهرُّ و يعوِي *** و من الزمرةِ التي الحقَّ تزوي

ص: 36

حيث لمّا قد أفصحَ الحقُّ يروي *** «قابلُوا حقَّها المبينَ بتزويرٍ

و هل عندهُم سوی التزویرِ»

***

غيّروا باختلاقِهِم كُلَّ معلّمْ *** فأضاعوا الميراث و هو مُسَلَّمْ

و افترى شيخُهُم حديثاً مُنَمْنَمْ *** «و رووا عن محمّدِ خبراً لمْ

يكُ فیهِ محمّدٌ بخبیرِ»

***

بالَصَبْرٍ يحيُّر الميتَ و الحَيْ *** ماسمعنا بمثلِ ذلكَ من شَيْ

نَغْلُ تيمٍ يعثو كما شاء بالغيْ *** «و عليٌّ يرى و يسمعُ و السيفُ

رهيفٌ و الباعُ غيرُ قصيرِ»

***

آه لولا القضا و ما خطَّ فيهِ *** لقضى المرتضى على غاصبيهِ

غیر أن الإمامَ فيمايليهِ *** «قيّدتهُ وصيّةٌ من أخيهِ

حمّلَتهُ ماليس بالمقدورِ»

***

يا إمامَ الزمانِ قلبي قد انعطْ *** لأمور لها السماواتُ تنحطْ

جرّد السيف بي أعاديك و اسخطْ *** «أفصبراً يا صاحب الأمرِ و الخطْبُ

جليلٌ يذيبُ قلبَ الصبورِ»

***

فإلامَ البقاءُ في الكتمانِ *** و احتمالَ الأذى منَ العدوانِ

ص: 37

خذ بثاراتِها بأسرع آنِ *** «كم مصابٍ يطولُ فيه بياني

قد عرى الطهر في الزمانِ القصيرِ»

***

أزح الهمَّ يابن فاطمٍ عنها *** و على فادحِ الرزايا أعِنْها

هذه أُمُّك الوديعةُ صُنْها *** «كيف من بعد حمرةِ العينِ منها

یا بن طهَ تهني بطرفِ قریرِ»

***

لك ترنُو من فاطمٍ عيناها *** علّ يوماً تردُّ عنها أساها

فإذا لم تسرّها بشفاها(1) *** «فابكِ وازفر لها فإنَّ عِداها

منعُوها وهامن البكا و الزفيرِ»

***

طهَّر الأرض من نفاقٍ و شركِ *** و اصلبِ القوم حيثُ جاؤوا بإفكِ

فكأنّ الإمام حزنان يحكي *** «و كأنّي به يقولُ و يبكي

بسلوِّ نزر و دمعٍ غزیرِ»

***

لا و حقِّ النبيٍّ لاأنساها *** هي أُمّي التي أضيعَ ثراها

لاتراني و حقُّ جدّيَ طه *** «لاتراني اتّخذت لا و علاها

بعدَ بيتِ الأحزان بیتَ سرورِ»

***

عُطَّ أكبادَهِم فديتُك عَطّا *** إنّهم نثّروا من الأُذنِ قُرْطا

ص: 38


1- أي بشفائها.

عجّل الثارَ لايكن منكَ شحطا *** «فمتى يابنَ فاطمَ تنشرُ الطاغوتَ

و الجبتَ قبلَ يوم النشورِ»

***

يا أنيسَ النفوسِ خير أنيسِ *** أينعتْ منهُمُ ثمارُ رؤوسِ

فاقتطفها بطالعٍ ذي نحوسِ *** «و تداركْ منّا بقايا نفوسِ

قد أُذيبتْ بنارِ غيظٍ الصدورِ»

***

ص: 39

(7) هم قدوتي

(بحر الطويل)

الأستاذ بدر شبيب الشبيب

أيا سائلاً عنِّي إذا شئتَ أن تقرا *** فقلب كتابَ المجدِ لاتتركَنْ سَطْرا

ستعلمْ أني في عيونِ سطورِه *** أُزيّنها كحلاً و أمنحُها سِحرا

و أنّي الذي و الى النبيِّ وآله *** هم قُدوتي دنياهُمُ عدّتي أُخرى

رجالُهُمُ خيرُ الرجالِ مكانةً كفاني بهم *** عزاً کفاني به فخرا

و إن عدَّ غيرِي في المفاخر نسوة *** كفاني إذا ما قلتُ فاطمةَ الزهرا

لئن سادتْ العذراءُ نسوةً عصرها *** فقد سادتِ الزهراء في قدرِها العُصرا

تعجبتُ للتاريخِ يكتُمُ أمرَها *** فساءلتُهُ يوماً فأبدى لِيَ العُذرا

و أعرضَ عني قائلاً إن في فمي *** فقلتُ اقذف الماءَ الذي يورثُ القهرا

و حدّثْ عن الزهراءِ بضعةِ أحمدٍ *** و مَن كانت الآياتُ في حقِّها تترى

ألم تكُ أُمّاً للنبيِّ و كوثراً و كانَ *** رسولُ اللَّه يوصِي بها خَيْرا

فهل حفظُوا بعدَ النبيِّ مقامَها؟ *** فصانُوا لها ودّاً و كانت لهم ذكرى

فقال ليَ التاريخُ و الدمعُ هاطلٌ *** أحلتَ فؤادي منذ ساءلتني جمرا

لقد بدأتْ كلُّ الرزايا برزئها *** و من فدكٍ كانتْ رزيتُنا الكبرى

و كان الذي قد كانَ من أمرِ دارِها *** فظُنَّ به خيراً و لاتكشفنْ سِترا

فقلتُ إذا أحسنتُ ظناً بما جرى *** فما بالُ بنتِ المصطفى و وريتْ عُسرا

فقال كفى لاتستزد من عنائِها *** فقد زدتني همّاً و أرهقتَنِي عُسرا

و لاتطلبِ التفصيل عمّا جرى لها *** و رفقاً بحالِي إن لي كَبِداً حرى

تكلّفني الأيامُ ما لاأُطيقه *** أرى صفوة الأخيار مغبونة جهرا

ص: 40

(8) حق الطهر فاطمة علیها السلام

(بحر البسيط)

الشيخ بهاء الدين العاملي (*)(1)

أهْوَى عَلِيّاً أَمِيرَالمُؤْمِنِينَ وَ *** لاَ أَرْضَى بِسَبُ أَبِي بَكْرٍ وَ لَاعُمَرَا

ص: 41


1- (*) هو الشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي الهمداني العاملي الجبعي. يرجع نسبه إلى الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني من أصحاب أميرالمؤمنين علیه السلام. و همدان قبيلة يمنية قطنت الكوفة بعد الفتح الاسلامي و قد كان لها دور بارز في مؤازرة أميرالمؤمنين علیه السلام و نصرته حتى قال علیه السلام في مدحهم. ألا إِنَّ همدان الكرام أعزةٌ *** كما عز ركن البيت عند مقام أناسٌ يحبون النبي و رهطهُ *** سراعٌ إلى الهيجاء غير كهام إذا كنت بواباً على باب جنّةٍ *** أقُولُ لهمدان ادخُلُوا بسلام و همدان فرع من قبيلة أكبر و هي عاملة من قبائل اليمن التي سكنت جبال الشام و قد عُرفت هذه الجبال باسمها فسُمّيت «جبل عامل». و الجبعي نسبة إلى جبع قرية من قرى جبل عامل و هي الموطن الأصلي لآبائه و أجداده، و إليها ينتسب كثير من علماء جبل عامل. ولد الشيخ البهائي في بعلبك سنة (953 هجرية) و نشأ و ترعرع في أجواء أسرة علمية متدينة وصف ذلك بنفسه قائلاً: «إن آباءنا و أجدادنا في جبل عامل كانوا مشتغلين بالعلم و العبادة و هم أصحاب كرامات و مقامات». فوالده الشيخ حسين بن عبد الصمد بن محمد كان من تلاميذ الشيخ الشهيد الثاني، فهو عالم و محقق و متبحِّر و أديب و شاعر ثقة جليل. انتقل شيخنا البهائي مع والده المقدس من مسقط رأسه بعلبك إلى قزوين عاصمة الصفويين آنذاك و كان عمره سبع سنوات و تتلمذ هناك على والده وثلة من علماء قزوين و أصفهان حتى أذعن له كل مناظر، و سمت منزلته و اقترن بكريمة الشيخ زين الدين علي منشار العاملي شيخ الاسلام في ايران في عصر الشاه طهماسب، و كان من تلامذة الشيخ علي الكركي، و قد حظي الشيخ البهائي بمنزلة رفيعة لدى الشاه عباس الصفوي الأول، و ارتقى أهمّ منصب ديني في الدولة و هو منصب شيخ الاسلام، فرغب في السياحة و محالفة الاسفار، فبدأ بسياحته بحج بيت اللَّه الحرام و مدينة الرسول صلي الله علیه و آله و سلم، حيث استغرقت أربع سنوات، ثم سافر إلى العراق لزيارة المراقد المقدسة، و استقر في مصر سنتين، و ألف فيها كتاب الكشكول و قد جمع فيه من كل فن بدون ترتيب، و هو كتاب فريد في بابه لم يسبقه إليه أحد حوى الكتاب طرائف و حكماً و قصصاً و أخباراً و أشعاراً لطيفة، فبثَّ في ثناياها أفكاراً و أدلة و حججاً تدعو إلى المذهب الصحيح، ثم سافر إلى دمشق فنزل فيها زماناً، و ذهب إلى حلب ثم قدم القدس و مكث فيها زمناً، ثم ذهب إلى هراة وزار بعدها مرقد الامام علي بن موسى الرضا علیه السلام في خراسان، ثم سافر إلى آذربایجان و رجع بعدها إلى اصفهان و قد استغرقت أسفاره ثلاثين سنة، و قد التقى في أسفاره بعلماء و أدباء العالم الاسلامي آنذاك و دخل معهم في حوار علمي و عقائدي و قد سجل لنا التاريخ جزءاً يسيراً من تلك المباحثات و المناظرات، و كان «قدس سره» يحرص على عدم التظاهر بحقيقة مذهبه و يتماشى مع المذهب الشائع هناك لمصالح تبليغية تهدف إلى الدخول إلى قلوب القوم ثم التأثير عليهم و هذا أحد الاسباب التي دعت بعض علماء العامة إلى الادعاء أنه على مذهبهم قال «رضوان الله عليه»: و إني امرؤ لايدرك الدهر غايتي *** و لاتصل الأيدي إلى سبر أغواري أخالطُ أبناء الزمان بمقتضى *** عقولهم كيلا يفوهوا بإنكاري و أظهر أنّي مثلهم تستفزّني *** صروف الليالي بإخلاءٍ و إمرارِ لقد اقترن اسم الشيخ البهائي باختراعاته العلمية العجيبة، و اشتهر بفنونه المعمارية، فمنها هندسة المشهد العلوي في النجف الأشرف على قواعد هندسية فلكية لم تكن لتخطر في بال، إذ جعل الجدار الشرقي من سور المشهد يمتدّ قائماً من الشمال إلى الجنوب بحيث يدل على وقت زوال الشمس عند الظهر بمجرد سقوط أشعتها على وجهه الغربي في مختلف فصول السنة و بحسب منازل الشمس بحيث لايؤثر انتقالها من منزلة إلى منزلة على توقيت ذلك الجدار للزوال بدقة منقطعة النظير، و من إنجازاته هندسة المشهد الرضوي في خراسان على ساكنه ألف تحية وسلام». و من الأسرار الهندسية التي أنجزها هندسته لمئذنتين تقومان إلى الآن في اصفهان يمكن لرجل واحد أن يحتضن إحداهما و يهزها فتهتز المئذنة الأخرى و تتحرك بحركتها بشكل ملحوظ. و من أسراره المعمارية بناء مسجد شاه في أصفهان بحيث يرد الصدى ست أو سبع مرات تحت القبة. و من معاجزه العلمية التي أخذت بألباب العلماء هو الحمام الذي بناه و جعل ماءه يسخن بشمعة واحدة أشعلها بيده فكانت كافية لتسخين الماء لمئات السنين بحيث بقيت مشتعلة تسخن الماء و لاتذوب إلى عهد ليس ببعيد حيث خربتها لجنة من العلماء الأجانب عملت لاكتشاف سرها المدهش فانطفأت الشمعة بين أيديها و لم تدرك سرّ اشتعالها و عدم ذوبانها قروناً عديدة و يرجع البعض هذا التصرف منهم إلى سياسة الغرب المتواصلة في إضعاف الإسلام و المسلمين و تحطيم تراثهم و مفاخرهم. ألف الشيخ البهائي كتباً جليلة في مختلف العلوم و الفنون في التفسير و الحديث و الفقه و الاصول و الفلك و الحساب و اللغة و غيرها. ومن مؤلفاته: 1- الكشكول، 2- المخلاة، 3- خلاصة الحساب، 4- زبدة الأصول، 5- أسرار البلاغة، 6- الحبل المتين، 7- الأربعون حديثاً ، 8- وسيلة الفوز والأمان، 9- الأنوار الإلهية، 10- توضيح المقاصد، 11- حاشية على البيضاوي، 12- الحديقة الهلالية، 13- الدراية فيما يحتاج إليه أهل الرواية، 14- تشريح الافلاك في الهيئة، 15- التحفة الحاتمية، 16- تهذيب البيان، 17- الجامع العباسي، 18- الفوائد الرجالية، 19- مشرق الشمسين وغير ذلك من الكتب القيمة. و توفي قدس سره في الثاني عشر من شهر شوال سنة (1031 هجرية) في أصفهان عن عمر بلغ 77 سنة، و نقل جثمانه الشريف من اصفهان إلى خراسان حيث دفن في داره التي في جوار حرم مولانا الرضا علیه السلام و أصبحت الآن جزءاً من الحرم الرضوي يزورها القاصدون.

ص: 42

وَ لاأَقُولُ إِذَا لَمْ يُعْطِيَا فَدَكَاً *** بِنْتَ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ كَفَرًا

اللهُ يَعْلَمُ مَاذَا يَأْتِيَانِ بِهِ *** يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عُذْرِ إِذَا اعْتَذَرَا(1)

و لبهاء الدين محمد العاملي في جوابه:

يَا أَيُّهَا المُدَّعِي حُبِّ الوَصِي وَ لَمْ *** يَسْمَحْ بِسَبْ أَبِي بَكْرٍ وَ لَاعُمَرَا

كَذَبْتَ وَ اللَّهِ فِي دَعْوَى مَحَبَّتِهِ *** تَبَّتْ يَدَاكَ سَتَصْلَى فِي غَدٍ سَقَرَا(2)

: 43


1- جاء في روضات الجنان ج1 ص372 عن الكشكول للبهائي أن هذه الأبيات أن هذه الأبيات هي لإبن حجر العسقلاني قالها في الاعتذار عن تعديات الشيخين (أبوبكر و عمر) و لعل هذا هو الأصوب مما جاء في نسبتها للكميت الأسدي. كما في الغدير ج2 ص275 الطبعة الثانية بطهران، قال المرزباني في أخبار السيد الحميري: قيل: إن السيد حج أيام هشام فلقي الكميت فسلم عليه و قال أنت القائل: و لاأقول إذا لم يُعطيا فدكاً... إلى آخر الأبيات؟ قال: نعم قلته تقية من بني أمية و في مضمون قولي شهادة عليهما أنهما أخذا ما كان في يدها و جرت بينهما محاججة سلم منها الكميت للسيد قائلاً: أنا تائب إلى الله مما قلت و أنت يا أبا هاشم. يقصد السيد. أعلم وأفقه منا.
2- تبُت: قطعت. تصلى: سقراً تدخلها و تشوى فيها. سقراً : علم من أعلام جهنم.

وَ كَيْفَ تَهْوَى أَمِيرَالمُؤْمِنِينَ وَ قَدْ *** أَصْبَحْتَ فِي سَبِّ مَنْ عَادَاهُ مُفْتَكِرًا

فَإِنْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا نَطَقْتَ بِهِ *** فَابْرَأَ إِلَى اللَّهِ مِمَّنْ خَانَ أَوْ غَدَرَا

وَ أَنْكَرَ النَّصَّ فِي حُمِّ وَبَيْعَتَهُ *** وَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ هَجَرَا

أَتَيْتَ تَبْغِي قِيَامَ العُذْرِ فِي فَدَكٍ *** أَتَحْسَبُ الأَمْرَ بِالتَّمْوِيهِ مُسْتَتِرَا

إِنْ كَانَ فِي غَصْبٍ حَقِّ الظُّهْرِ فَاطِمَةٍ *** سَيُقْبَلُ العُذْرُ مِمَّنْ جَاءَ مُعْتَذِرَا(1)

فَكُلُّ ذَنْبٍ لَهُ عُذْرٌ غَدَاةَ غَدٍ *** وَ كُلُّ ظُلْمٍ يُرَى فِي الحَشْرِ مُغْتَفَرَا

فَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَيَّامُهُ صُرِفَتْ *** فِي سَبِّ شِيخَتِكُم قَدْ ضَلَّ أَوْ كَفَرَا

بَلْ سَامِحُوهُ وَ قُولُوا لاَ نُؤَاخِذُهُ *** عَسَى يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ إِذَا اعْتَذَرَا

فَكَيْفَ وَ العُذْرُ مِثْلُ الشَّمْسِ مُتَّضِحٌ *** وَ الأَمْرُ مُنْكَشِفٌ كَالصُّبْحِ إِذْ ظَهَرَا؟

لكِنَّ إبْلِيسَ أَغْوَاكُمْ وَ صَيَّرَكُمْ *** عُمْياً وَ صُمّاً فَلاَسَمْعاً وَ لاَ بَصَرَا(2)

ص: 44


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى غصب فدك من الزهراء علیه السلام أنظر مسند أحمد ج1 ص9 و السنن الكبرى ج6 ص300 كما في عوالم العلوم ج2 ص626 و ج1 ص13 من كتاب مسند أحمد أيضاً و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص232 و سيرة الحلبي ج3 ص487.
2- أغواكم أضلَّكم و انظر الغدير ج2 ص275.

(9) زهراء علیها السلام يا بنت الرسالة

(بحر الكامل)

الأستاذة تغريد خطّاب

قُدْسِيَّةٌ ذِكْرَى النَّبِيِّ وَآلِهِ *** لأَلا عَابِقَةٌ بِسِرُ وَقَارِ

ذِكْرَى بِنَاءِ المَجْدِ فِي عَلْيَائِهِ *** ذِكْرَى خُلُودِ الحَقِّ وَ الآثَارِ

ذِكْرَىٰ قِيَادَةِ عَالَم بِتَمَامِهِ *** نَحْوَالكَمَالِ بِهِمَّةٍ وَ تَبَارِي

حَيْثُ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ تَبَثَّلَتْ *** تَبْغِي رِضَا رَبِّ الوَرَى الغَفَّارِ(1)

حيْثُ النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَالِ تَكَتَّلَتْ *** تَدْعُو إِلَى الإسلام ذي الأَنْوَارِ

مُتَسَرْ بِلاَتٌ سَاعِيَاتٌ لِلهُدَى *** مُتَفَقِّهَاتٌ عَابِدَاتُ البَارِي(2)

وَ أَمَامَهُنَّ إِمَامَةٌ لمَّاعَةٌ *** مِعْطَاءَةٌ جَادَتْ بِكُلِّ فَخارِ

مُزدَانَةٌ بِالنُّورِ ذَاتُ مَهَابَةٍ *** بِنْتُ الكِرَام سَلِيلَةُ الأَطْهَارِ

هِيَ أُمُّنَا هِيَ حُبُّنَا وَ مَلَاذُنَا *** فِي نُسْخَةِ الأَخْلاقِ وَ الإِكْبَارِ

هِيَ ابْنَةُ المُخْتَارِخَاتَمُ سَيْدٍ *** هِيَ فَاطِمُ الزَّهْرَاءُ وَ الأَزْهارِ

مِنّا السَّلامُ هَدِيَّةٌ أَلآقَةٌ *** يَا أُمُّ كَمْ لِلأُمِّ مِنْ أَسْرَارِ؟(3)

فَالأُمُ عَالَمُ عِزَّةٍ وَ سَعَادَةٍ *** وَ الأُمُّ حُب صَارِمُ الأَوْتَارِ

خَطَّتْ عَلَى التّارِيخِ صَفْحَةَ سُؤْدَدٍ *** فَلَهَا الخُلُودُ عَظِيمَةُ المِقْدَارِ

هِيَ عَالَمٌ بِكَمَالِهِ مُذْ أَرْشَدَتْ *** جِيلاً إِلَى الإِصْلاح و الإِبْصَارِ

***

ص: 45


1- تبتّلت: انقطعت عن الدنيا إلى اللَّه.
2- متسربلات: تسربل بالشيء: تلبَّس به.
3- ألاقة: لمّاعة أو لامعة.

أَرْجُوكِ فَاطِمُ سَامِحِينِي وَ اعْذُرِي *** رَخَمْتُ فَاطِمَ وَ الحَيَاءُ إِزَارِي

لكِنَّنِي أَبْغِي حِكَايَةَ قِصَّةٍ *** لِكَرِيمَةِ الأخْلاقِ خيرَ منارِ

ها ثَوْبُ عُرْسِكِ يَا فَتاةُ فَخَبِّنِي *** ثَوْبُ الزَّفَافِ هَدِيَّةُ المُخْتَارِ

مَنْ طَارِقٌ بَابَ الفَتَاةِ ظُهَيْرَة؟ *** هَلْ مِنْ لِبَاسِ أَوْ نُصَيْفِ إِزَارِ؟؟

حَمَلَتْ فَتَاةُ العُرْسِ ثَوْبَ زَفَافِهَا *** أَهْدَتْهُ رَاجِيّةً رِضَا الغَفَّارِ(1)

فَأَتَاهَا جِبْرِيلُ الأَمِينُ بِحُلَّةٍ *** مِنْ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ وَ الأَنْهَارِ

زُفَّتْ بِهَا بَراقَةً فِي حُسْنِهَا *** مَبْرُوكُ فَاطِمُ تُحْفَةُ الأَبْرَارِ

***

مَنْ يُؤذِهَا يُؤذِ النَّبِيَّ المُصْطَفَى *** بِنْتُ النَّبِيِّ نَقِيَّةُ الأَسْتارِ

بِنْتُ النُّبُوَّةِ قُدْوَةٌ فِي سَعْيِنَا *** بِنْتُ النَّبِيِّ مَنَارَةٌ لِلسَّارِي

بِنْتُ النَّبِيِّ مُدِيرَةٌ لِسُلُوكِنَا *** بِنْتُ النَّبِيِّ عَطِيَّةُ الجَبَّارِ

بِنْتُ النُّبُوَّةِ هُذْبَتْ فِي دَارِهِ *** أَكْرِمْ بِدَارِ نَبِيَّنَا مِنْ دَارِ

***

زَهْرَاءُ يَا بِنْتَ الرِّسَالَةِ هَلْ لَنَا *** تُحْيِي الأَصَالَةَ فِي بَليغ حِوَارِ

زَهْرَاءُ هَلْ مِنْ عَوْدَةٍ فِي سَاحِنَا *** تَدْعُو فَتَاةَ العَصْرِ فِي الأَسْحَارِ؟

ص: 46


1- في نزهة المجالس للصفوري، ج2 ص226. إن النبي صلي الله علیه و آله و سلم صنع لها قميصاً جديداً ليلة عرسها و زفافها و كان لها قميص مرقوع و إذا بسائل على الباب يقول: أطلب من بيت النبوة قميصاً خلقاً فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع فتذكرت قوله «تعالى» «لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ»، آل عمران/ 92 فدفعت له الجديد فلما قرب الزفاف نزل جبرئيل فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم ان الله يقرئك السلام، و أمرني أن أسلّم على فاطمة علیها السلام و قد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من ثياب الجنة من السندس الأخضر، فلما بلغها السلام و ألبسها القميص الذي جاء به لفها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالعباءة ولفّها جبرئيل بأجنحته حتى لايأخذ نور القميص بالأبصار، فلما جلست بين النساء الكافرات، و مع كل واحدة شمعة و مع فاطمة علیها السلام سراج رفع جبرئیل جناحه و رفع العباءة وإذا بالأنوار قد طبقت المشرق و المغرب فلما وقع النور على أبصار الكافرات خرج الكفر من قلوبهن و أظهرن الشهادتين.

زَهْرَاءُ هَلْ مِنْ نَظْرَةِ لِرُبُوعِنَا *** تَهْدِي الجَمِيعَ إِلَى خُطى الأَخْيَارِ؟

زَهْرَاءُ هَلْ مِنْ هَمْسَةٍ تَغْدُوبِهَا *** أَفْكَارُنَا فِي الحَقِّ تَاجَ فَخارِ؟

عُودِي إِلَيْنَا يَا مَلاكُ لِتُوقِظِي *** فَلَبِئْسَ نَوْمُ القَلْبِ وَ الأَفْكَارِ

هَا دَعْوَةُ الزَّهْرَاءِ جَادَتْ بِالنَّدَا *** مَدَّتْ يَداً فِي عَزمِهَا البتّارِ

نَادَتْ نِسَاءَ العَصْرِ فِي صَبْحَاتِهَا *** أَلَمْ يَمُوجٌ بِحَلْكَةِ الأخْطَارِ

***

هَبًا فَتاةَ الدِّينِ هُبِّي لِلْعُلاَ *** دُكِّي صُروحَ الجَهْلِ فِي الأَغْوَارِ(1)

تِيهِي عَلَى شَفَةِ الزَّمَانِ رِسَالَةً *** عُلْوِيَّةٌ تَبْنِي بِلا أَحْجَارِ

نَبَوِيَّةٌ تَبْنِي المَعَانِي فِي الحِجَا *** تُحْيِي النُّفُوسَ مَتِينَةَ الإِعْمَارِ(2)

فَعَقِيقَةٌ وَ نَقِيَّةٌ وَ فَقِيهَةً *** وَ أَصِيلَةٌ وَ عَمِيقَةُ الأَسْرَارِ

***

وَ لْيُزْهِرِ الكَوْنُ الرَّحِيبُ بِأُمَّةٍ *** فِيهَا النِّسَاءُ سَمَتْ بِلاَ إِدْبَارِ

وَ ليَعْدُ عَالَمُنَا نَشِيدَ سَعَادَةٍ *** يَشْدُو بِلاَ نَغَم وَ لاَأَوْتَارِ

وَ لْتَعْدُ أَمَّتُنَا الأَصِيلَةُ عَالَماً *** تَدْعُو إِلَى الإِحْسَانِ فِي الأَمْصَارِ

وَ لْتَعْدُ ذِكْرَى فَاطِمَ الزَّهْرَا عَلَى *** مَرِّ الزَّمَانِ سَخِيَّةَ الأَمْطَارِ

***

زَهْرَاءُ صَبْراً يَا حَبِيبَةُ كَفْكِفِي *** فَلَتُحْيِيَنَّ مَسِيرَةَ الأَبْرَارِ

وَ لَنَدْعُوَنَّ إِلَى الحَقِيقَةِ وَ الهُدَى *** مُتَسَلْحِينَ بِحِكْمَةِ الأَطْهَارِ

وَ لَنَلْفِيَنَّكِ كُلَّ عَامِ نَسْتَقِي *** مِنْ دَلْوِكِ المِعْطَاءِ لَيْلَ نَهَارِ

وَإِلَى اللِّقَاءِ بِهَمْسَةٍ شِعْرِيَّةٍ *** أَلشَّوْقُ فِيهَا لامِعُ الأَسْتَارِ

ص: 47


1- الأغوار: مفردها غور ما انحدر و اطمأنّ من الأرض، أو القعر من كل شيء.
2- الحِجا: العقل.

(10) محمودة الأفعال

(بحر الكامل)

الشيخ جعفر العوامي (أبو المكارم)(*)(1)

إِنَّ البَتُولَة بَضْعَةُ المُخْتَارِ *** مُخْتَارَةٌ فِي عَالم الأَنْوَارِ

قَدْ طُهرَتْ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ فَاغْتَدَتْ *** مَحْمُودَةَ الإِعْلَانِ وَ الإِسْرَارِ(2)

لوْلاً عَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ كُفْوَ لَهَا *** فِيمَا بَرَى البَارِي مِنَ الأَبْرَارِ(3)

ص: 48


1- (*) الشيخ جعفر ابن الشيخ محمد أبو المكارم العوامي. ولد في العوامية من القطيف في 15 جمادى الأولى سنة (1281ه) فنشأ في ظل أبيه أبى المكارم ، و ورث منه السماحة و الفصاحة و الكمال و الجلال و هاجر إلى النجف الأشرف و درس على أساتذتها و علمائها و هجرته كانت في سن مبكِّرة فبقي في النجف الاشرف 18 عاماً و عندما عاد كان ابن 32 سنة فاعتزَّت به القطيف و افتخرت و اقبلت عليه تغترف من علومه و تنهل من فيوضاته. ترجَم له حفيده الشيخ سعيد بن الشيخ علي آل أبي المكارم في كتابه (أعلام العوامية في القطيف،) قائلاً عنه: إنه وحيد العصر و علامة الزمن و عدد مؤلفاته في مختلف العلوم، فذكر من مؤلفاته في الفقه 19 كتاباً وأربعة كتب في الاصول وثلاثة في البيان وأربعة في الاستدلال، وكتابين في المنطق، وسبعة كتب في أهل البيت و دواوين شعره التي أسماها ب_ (جرائد الافكار) و آخر بإسم (نهاية الادراك) على حسب حروف الهجاء إلى غير ذلك من مناظراته و محاججاته عن المبدأ و المذهب و خطبه و مواقفه الاصلاحية. توفي عشية ليلة الاثنين 13محرم (1342ه_) في البحرين، و دفن مع الشيخ ميثم البحراني في صحن مسجده.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى تطهير الله تعالى فاطمة علیها السلام من الرجس. انظر الترمذي ج2 ص209 و مشكل الآثار للطحاوي ج 1 ص335. و ابن الأثير في كتابه أسد الغابة ج2 ص12 كما في كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج1 ص271. و ذكره العسقلاني في كتابه الاصابة ج4 ص378.
3- برا الباري: كلاهما مهموز بمعنى خلق الخالق.

كَلأَ وَ لَوْلاها لما كُفُوا إِلَى *** خَيْرِ البَرِيَّةِ حَيْدَرَ الكَرَّارِ(1)

أَللَّهُ طَهَّرَهَا مِنَ الرِّجْسِ الَّذِي *** شِرْكَ الأَنَامِ وَ سَائِرُ الأَقْذَارِ

فَأَتَتْ عَلَى وَفُقِ الإِرَادَةِ جَوْهَراً *** مُتَألقاً بِالنُّورِ فِي الأَقْطَارِ

صَفّى لَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ فَاغْتَدَتْ *** تَعْلُو عَلَى العَالِينَ فِي المِقْدَارِ

قَدْ جَلَّ عُنْصُرُهَا عَنِ الأَعْرَاضِ أَوْ *** يَدْرِي حَقِيقَتَهَا سِوَى الجَبَّارِ

خُلِقَتْ مِنَ الأَنْوَارِ حِينَ تَكَوَّنَتْ *** وَ تَسَلْسَلَتْ فِي عَالَمِ الأَطْهَارِ

فَانْظُرْ بِعَيْنِ بَصِيرَةٍ فِي شَأْوِهَا *** فِي العَالَمِينَ وَ كُنْ عَلَى اسْتِبْصَارِ

مَا فَاطِمٌ الأَكَأَحْمَدَ فِي الوَرَى *** مَحْمُودَةُ الأَفْعَالِ وَ الآثَارِ(2)

ص: 49


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى كون الزهراء علیها السلام كفؤ لعلي و علي علیه السلام كفؤ لها و لولا لما كان لها كفؤ انظر كتاب البحار ج43 ص92 و كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص29.
2- أنظر كتاب مستدرك الصحيحين ج4 ص272 و كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص40.لقصيدة نقلت عن كتاب العوامية لسعيد أبوالمكارم.

(11) تنادى فاطم علیها السلام

(بحر الكامل)

الشيخ جعفر النقدي(*)(1)

ص: 50


1- (*)هو الشيخ جعفر ابن الحاج محمد النقدي. ولد في مدينة العمارة سنة (1303ه_) و نشأ بها وكان والده الحاج محمد النقدي من سراة مدينة (دزفول) من أمهات مدن خوزستان في إيران انتقل منها إلى العمارة مهاجراً قبل ميلاد ولده و أصبح فيها من أرباب الثراء و ذوي اليسار و الاحسان، و كان له خمسة أولاد رابعهم المترجم له المفضال. فعني بتربيته و غذّاه بروحه العالية فكان مثالاً للأخلاق الكريمة و الاتزان المحبوب، و لأن والده كان لا یتعامل في معاملاته التجارية إلّا نقداً، لذلك لقب بالنقدي. أولع المترجَم له بالعلم و الأدب و هو طفل لم يبلغ العاشرة من عمره، و كان في بدء أمره يقرض الشعر باللغة الفارسية تحت تأثير ظروفه العائلية و تبعاً لاستاذه الذي كان يدَّربه على الكتابة و القراءة باللغة المذكورة لأنه كان جاداً في الشعر الفارسي، و لما رأى والده فيه تلك النزعة الفطرية هاجر إلى النجف الاشرف، و ترك تجارته خدمة للعلم فمهّد السبيل به من العمارة لولده ليقتطف ثمار العلوم من رياضها و لم يمض زمان إلاّ و قد أصبح مرموقاً من بين جميع إخوانه الذين تسابقوا على الفضيلة، حتى فرغ من المقدمات و السطوح و حضر دروس الخارج عند فطاحل العلم و الاجتهاد من أمثال السيد محمد كاظم اليزيدي المتوفى سنة (1337ه_) و الشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكفاية، و المتوفى عام (1331ه_) ، كما درس علم الهيئة و الحساب و باقي الفنون على الحجة السيد هبة الدين الشهرستاني. و بعد وفاة والده سنة (1332ه_ ) تواتر الطلب من أهل العمارة على السيد اليزدي الطباطبائي لإرجاعه إلى بلده و مسقط رأسه ليكون مرشداً و مهذباً و معلماً لهم و قد اشار عليه أستاذه بذلك فرجع إليهم و أقام عندهم يخدم الدين الحنيف و انتفع به الناس، و كان هذا سبباً لأن تجبره الحكومة في ذلك الوقت على تقبل وظيفة القضاء بعد اصرار جمع من اخوانه وأعيان بلده، وذلك في عام (1337ه_)، و استمر قاضياً حتى عام (1343ه_) حيث نقل إلى بغداد لقبول عضوية مجلس التمييز، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى قضاء كربلاء المقدسة، ثم اعيد إلى عضوية مجلس التمييز الجعفري مرة ثانية، ثم إلى قضاء الحلة. و بالاضافة إلى إشغاله لمنصب القضاء كان وكيلاً عاماً لمرجع الطائفة السيد أبو الحسن الاصفهاني (رحمة الله علیه) و كان مثالاً صادقاً للوكيل اللائق بالمرجعية. أما آثاره العلمية فكثيرة تزيد على أربعين كتاباً منها: 1- شرح منظومة السيد العلوم في الفقه، 2- شرح زبدة الأصول، 3- حاشية على شرايع الاسلام، 4- شرح على الروضة البهية، 5- حاشية على معالم الاصول، 6- شرح على تشريح الافلال، 7- الحسام المصقول في نصرة ابن عم الرسول صلي الله علیه و آله و سلم 8- ذخائر القيامة في النبوة والامامة، 9- مواهب الواهب في فضائل آل أبي طالب، 10- الأنوار العلوية و الأسرار المرتضوية، 11- منن الرحمن في شرح قصيدة الشيخ البهائي المسماة وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان، 12- شرح وسيلة النجاة في شرح الباقيات الصالحات لعبد الباقي العمري، 13- خزائن الدرر في ثلاثة مجلدات، 14- كنوز الجواهر في مجلدين، 15- روض النضير 16- الحجاب والسفور، 17- الاسلام والمرأة، 18- الامامين الكاظمين علیهما السلام، 19- غزوات الامام علي علیه السلام، 20- غرَّة الغرر في أحوال الائمة الاثني عشر، 21- ذخائر العقبى، 22- أباة الضيم في الاسلام 23- ضبط التاريخ بالأحرف، 24- تنزيه الاسلام، 25 - الدروس الاخلاقية 26- زينب الكبرى سلام الله علیها، 27 - فاطمة بنت الحسين علیه السلام، 28- المولد النبوي الشريف، و كتب أخرى. توفي في اليوم التاسع من شهر محرم الحرام في سنة (1369ه_) في الكاظمية المقدّسة و في حسينية آل ياسين حيث كان يستمع إلى ذكرى واقعة كربلاء في ضحى النهار و ما إن توغِّل الخطيب في وصف مصرع السبط الشهيد حتى استعبر المترجم له ثم بكى بكاء شديداً و استمر في بكائه حتى لم يشعر الناس إلا و قد أغمي عليه فحركوه و إذا به قد فارق الحياة الدنيا فارتجِّت مدينة الكاظمية لفقده و شيِّع تشييعاً حاراً إلى النجف الأشرف، و دفن يوم العاشر من المحرم في الصحن الحيدري بين مرقدي الامام اليزدي و السيد الداماد.

هَجَرُوا وَ مَا مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَهْجُرُوا *** يَوْماً وَلَكِنَّ القَضَاءَ مُقَدَّرُ

سَارُوا عَلَىٰ عَجَلٍ وَ طَائِرُ مُهْجَتِي *** إِثْرَ الرَّكَائِبِ مُنْجِدٌ وَ مُغَوِّرُ(1)

لَوْ كُنْتَ شَاهِدَنَا صَبِيحَة فَارَقُوا *** لَرَأَيْتَ قَلْبَ الصَّحُرِ كَيْفَ يُفطَّرُ(2)

إنِّي لأخْفِي الوَجْدَ خَوْفَ عَوَا ذِلِي *** جَلَداً وَلكِنَّ المَدَامِعَ تَظْهَرُ

يَا سَاكِنِي الحَيِّ الَّذِي مِنْ دُونِهِ *** تُفْنَى المَوَاضِي وَ الرِّمَاحُ تُكَسَّرُ(3)

ص: 51


1- مهجتي: روحي. مغوّر: ذاهب في الارض.
2- يُفطر: يشقُّ.
3- تثنى: تعطف.

عَطفاً عَلَى قَلْبٍ غَدَا فِي حُبِّكُمْ *** رَهْناً وَ فِي نَارِ الأَسَى يَتَسَعَّرُ(1)

جُودُوا عَلَيَّ وَلَوْ بِطَيْفِ خَيَالِكُمْ *** فَعَسَى كَسِيرُ القَلْبِ يَوْماً يُجْبَرُ

أَمِنَ المُرُوءَةِ أَنْ أَمُوتَ بِلَوْعَتِي *** مَابَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَ أَنْتُمْ نُظَّرُوا؟

تَالِلَّهِ مَا الأَيَّامُ بَعْدَ فِرَاقِكُمْ *** بِيضٌ وَ لاَقَمَرُ اللَّيَالِي مُبْدِرُ

أَهْلَ الحِمَى مَنْ مُنْصِفِي عَنْ غَادَةٍ *** أَمْسَى بِعِزَّتِهَا حِمَاكُمْ يَزْهَرُ

خَوْدٌ مُهَفْهَفَةٌ كَأَنَّ قِوَامَهَا *** غُصْنٌ يُرَنِّحُهُ الهَوَى إِذْ تَخْطُرُ(2)

تَرْنُو بِأَكْحَل نَاظِرِ فَكَأَنَّهَا *** رِيمُ الفَلاَ لَكِنَّهَا لاَ تُذْعَرُ

يَا قَلْبُ دَعْ عَنْكَ المِلاَحَ وَعُجْ إِلَى *** مَدْحِ الوَصِيَّ فَذَا بِشَأْنِكَ أَجْدَرُ

أَلْمُظْهِرُ التَّوْحِيدَ مَنْ لَوْلاهُ مَا *** كَانَتْ مَحَارِيبٌ وَ لَمْ يَكُ مِنْبَرُ

وَ الكَاسِرُ الأَصْنَامَ مِنْ بَيْتٍ بِهِ *** كَانَتْ ولادَتُهُ وَ ثَمَّ المَفْخَرُ

وَ الضَّارِبُ الهَامَ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ *** بَدْرٌ وَ أَحْزَابٌ كَذلِكَ خَيْبَرُ

وَ حُنَيْنُ قَامَ إِلَى السَّمَاءِ حَنِينُهَا *** لَمَّا دَهَاهَا وَ السَّلاَسِلُ تُخْبِرُ

وَ الجِنُّ لِلدِّين الحنيف رِقَابُهَا *** دَانَتْ وَ كَانَتْ قَبْلَ ذلِكَ تَكْفُرُ

وَ النَّاكِئُونَ غَدَتْ بِحَدْسُيُوفِهِ *** وَ القَاسِطُونَ عَلَى الهِدَايَةِ تُجْبَرُ

وَ المَارِقُونَ غَدَتْ عَلَى هَامَاتِهِمْ *** سُحُبُ المَنِيَّةِ مِنْ ظُبَاهُ تُمْطِرُ(3)

أَفْدِي الَّذِي تَخْشَاهُ آسادُ الفَلا *** وَ تَقُومُ بِاسْمِ حُسَامِهِ إِذْ تَعْثُرُ

تَالِلَّهِ مَا الإِسْلاَمُ كَانَ مُسَلَّماً *** وَ الدِّينُ لَمْ يَكُ فِي البَرِيَّةِ يُذْكَرُ

لَوْلاً سَنَا فِرْضَابِهِ المَاضِي الشَّبَا *** يَجْلُو الدَّيَاجِيّ وَ السِّنَانُ الأَزْهَرُ(4)

نَبَاً عَظِيمٌ وَالعَظِيمُ مُعَظَّمٌ *** خَلَقٌ قَدِيمُ و القَدِيمُ مُصَوِّرُ

عَلَّامَ عِلْمٍ مَا عَدَا خَيْرَ الوَرَى *** كُلُّ الوَرَى عَنْ دَرْكِ ذلِكَ تَقْصُرُ

ص: 52


1- يتسعّر: يشتعل.
2- الخود: المرأة الشابة. يُرنحٌ: يُميل. مهفهفة: ضامرة البطن، دقيقة الخصر.
3- الظَّبَى: جمع ظُبَّة، و هي حدّ السیف.
4- القرضاب: السيف القاطع، الشبا: الحدّ.

صُحُفُ الأَنَامِ قَدِ انْطَوَتْ أَخْبَارُهَا *** وَ لِذِكْرِهِ صُحُفُ الفَضَائِلِ تُنْشَرُ

سَل عَنْ عُلاهُ الذِّكْرَ فَهُوَ مُخَبِّرٌ *** عَنْهُ وَ هَلْ بَعْدَ الكِتَابِ مُخَبْرُ

وَ سَلِ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِي فَضْلِهِ *** أَمْسَتْ لَهَا أَيْدِي العُدُولِ تُحَرِّرُ

عَجَبٌ لِقَوْمٍ أَخَرُوهُ أَمَا دَرَوْا *** مَنْ قَدَّمَ الرَّحْمَنُ لَيْسَ يُؤَخَّرُ

عَزَلُوهُ وَ هُوَ الرُّشْدُيَا تَعْساً لَهُمْ *** بَعْدَ النَّبِيِّ وَ لِلضَّلالَةِ أَمَّرُوا

أَفَهَلْ نَسُوا مَا أَحْمَد قَدْ قَالَهُ *** بِغَدِيرٍ حُمَّ أَمْ عَتَوْا وَ اسْتَكْبَرُوا

يَوْمٌ بِهِ جِبْرِيلُ جَاءَ مُخَبْراً *** عَنْ رَبِّهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ المُبْصِرُ

يَا أَيُّهَا المُخْتَارُ بَلِّغْ فِي الفَتَى *** الكَرارِ مَا قَدْ كُنتَ قَبْلاً تَسْتُرُ

وَ اللَّهُ يَدْفَعُ كُلَّ كَيْدٍ خِفْتَهُ *** مِنْ مَعْشَرٍ قَدْ خَالَفُوا وَ تَكَبَّرُوا؟

فَأَقَامَ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ مَا لَهُ *** غَيْرُ الحَدَائِجِ مَا هُنَالِكَ مِنْبَرُ(1)

فرَقَى وَ كَفُّ المُرْتَضَى فِي كَفِّهِ *** وَ غَدَا يُنَادِي وَ البَرِيَّةُ حُضَّرُ

مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا حَيْدَرٌ *** مَوْلاهُ وَاللَّهُ المُهَيْمِنُ يَأْمُرُ

فَهُوَ المُطَاعُ لَكُمْ وَ خَيْرُ رِجَالِكُمْ *** فَدَعَوْا جَمِيعاً بِالقَبُولِ وَ كَبَّرُوا

حَتَّى إِذَا غَابَ النَّبِيُّ تَوَثَّبُوا *** وَ لِدَفَع مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ تَشَمَّرُوا(2)

هَجَمُوا عَلَى سِرِّ الإلهِ وَ أَحْرَقُوا *** بَابَ الهُدَى وَ لِضِلْعِ فَاطِمَ كَسَّرُوا

وَ عَدَوْا عَلَى بِنتِ النَّبِيِّ وَ أَسْقَطُوا *** مِنْهَا الجَنِينَ وَصَفَوَهَا قَدْ كَدَّرُوا

قَادُوا عَلِيًّا فِي حَمَائِلِ سَيْفِهِ *** وَ مِنَ العَجَائِبِ أَنْ يُقَادَ غَضَنْفَرُ

يَا لَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ عَنْهُ حَمْزَةٌ *** إِذْ يَسْتَغِيثُ وَ أَيْنَ عَنْهُ جَعْفَرُ؟

وَغَدَتْ تُنَادِي فَاطِمٌ مِنْ خَلْفِهِمْ *** بِحَشاً تَذُوبُ و مُقلَةٍ تَسْتَعبِرُ

تَمْشِي وَ قَدْ أَحْنَى المُصَابُ ضُلُوعَهَا *** وَ الرِّجْلُ فِي أَذْيَالِهَا تَتَعَثَّرُ

يَا مَعْشَراً ضَلَّتْ بِهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ *** وَ عَمُوا فَمَنْهَجُ رُشْدِهِمْ لَمْ يُبْصِرُوا

خَلُوا ابْنَ عَمِّي أَوْ رَفَعْتُ إِلَى السَّمَا *** كَفِّيْ وَ أَدْعُو وَ الدُّعَاءُ مُؤَثّرُ

ص: 53


1- الحدائج: كالهوادج التي تركب فيها النساء على البعير.
2- تَوَكَّبوا: نهضوا و قاموا. تشمروا مروا مسرعين.

اللهُ أَكْبَرُ يَا صَحَابَةً أَحْمَدٍ *** مَا البُتْمُ يَحْمِلُهُ شَبِيرُ وَ شُبَّرُ

يَا أَيُّهَا المَحْجُوبُ عَنْ أَحْبَابِهِ *** حَتَّى مَ شَخْصُكَ فِي البَرِيَّةِ يَظْهَرُ؟

أَفْدِي شَبا أَسْيَافِكَ اللَّاتِي بِهَا *** تَشْفِي القُلُوبَ وَ كُلُّ كَسْرِ يُجْبَرُ(1)

ص: 54


1- أو يقال: و كلَّ كَسْرِ تُجبِرُ الأنوار العلوية ص363 و القصيدة في فضائل الإمام علي علیه السلام و تنتهي بمصائب الزهراء علیها السلام.

(12) حبيبة خير الرسل صلي الله علیه و آله و سلم

(بحر الطويل)

الشيخ حبيب شعبان(*)(1)

هِيَ الْغِيدُ تَسْقِي مِنْ لَوَاحِظِهَا خَمْرًا *** لِذَلِكَ لاَتَنْفَكُ عُشاقهَا سَكْرَى(2)

صَعَائِفٌ لاَتَقْوَى قُلُوبُ ذَوِي النُّهَى *** عَلَى هَجْرِهَا حَتَّىٰ تَمُوتَ بِهِ صَبْرا

وَ مَا أَنَا مِمَّنْ يَسْتَلِينُ فُؤَادُهُ *** وَ يَنْفُتْنَ بالأَلْحَاظِ فِي عَقْلِهِ سِحْرَا(3)

وَلَا بِالَّذِي يُشْجِيهِ دَارِسُ مَرْبَعٍ *** فَيَسْقِيهِ مِنْ أَجْفَانِهِ أَدْمُعاً حَمْرًا

أَأَبْكِي لِرَسْمِ دَارِسٍ حَكَمَ الْبِلَى *** عَلَيْهِ وَ دَارٍ بَعْدَ سُكَانِهَا قَفْرًا؟

ص: 55


1- (*) هو الشيخ حبيب ابن الحاج مهدي ابن الحاج محمد الشهير بشعبان و آل شعبان من الأسر العريقة في النجف الأشرف. ولد المترجم له في النجف بحدود (1290ه_) و نشأ بها على أبيه و كان بزازاً فعني بتربيته و قرأ القرآن و تعلم الكتابة، ثم وجهه حسب رغبته إلى طلب العلم فقرأ النحو و الصرف و المعاني و البيان و المنطق و الفقه و الاصول. ذكره جمع من الأعلام منهم صاحب الحصون و صاحب الأعيان و صاحب أدب الطف فأجمعوا أنه فاضل ذكي و شاعر لامع و أديب حسن المعاشرة ظريف المحاورة. و كان أبوه من ذوي الحرف في النجف الأشرف فنبا به الدهر و ضاقت يده على إعاشة ولده على ما يريد و هو ذو همّة عليّة وطموح لا متناه في اكتساب العلم و المعرفة فهاجر إلى كربلاء المقدسة في عام (1325ه_) للتزود من العلم هناك، فتتلمذ على الفقيه الاصولي الكبير السيد محمد باقر الطباطبائي و كان ملازماً له مدة طويلة، ثم سافر إلى الهند فركب البحر قاصداً لها فانقطعت أخباره إلى عام (1336ه_) حتى وردت كتب من رامپور تنبىء بوفاته هناك. و للمترجَم له شعر كثير ولكنه لم يجمع في ديوان و أكثر شعره في المعصومين علیهم السلام.
2- الغيد: الفتيات طويلات العنق لينّات الأعطاف واحدتها: غَيْداء. لواحظ: عيون.
3- ينفثن: يرمينّ. الألحاظ: بواطن العيون.

وَ أَصْفِي وِ دَادِي لِلدِّيَارِ وَ أَهْلِهَا *** فَيَسْلُو فُؤَادِي وُدُّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَا

وَ قَدْ فَرَضَ الرَّحْمَنُ فِي الذِّكْرِ رُدَّهَا *** وَ لِلْمُصْطَفَى كَانَتْ مَوَدَّتُهَا أَجْرَا(1)

وَ زَوَّجَهَا فَوْقَ السَّمَا مِنْ أَمِينِهِ *** عَلِيٌّ فَزَادَتْ فَوْقَ مَفْخَرِهَا فَخْرا(2)

وَ كَانَ شُهُودُ الْعَقْدِ سُكَانَ عَرْشِهِ *** وَ كَانَتْ جِنَانُ الْخُلْدِ مِنْهُ لَهَا مَهْرَا

فَلَمْ تَرْضَ إِلا أَنْ يُشَفَعَهَا بِمَنْ *** تُحِبُّ فَأَعْطَاهَا الشَّفَاعَةَ فِي الأُخْرَى(3)

حَبِيبَةُ خَيْرِ الرُّسُلِ مَا بَيْنَ أَهْلِهِ *** يُقَبِّلُهَا شَوْقاً وَ يُوسِعُهَا بِشَرَا

وَ مَهْمَا لِرِيحِ الجَنَّةِ اشْتَاقَ شَمَّهَا *** فَيُنشَنَّ مِنْهَا ذلِكَ العِطْرَ وَ النَّشْرَا(4)

إِذَا هِيَ فِي الْمِحْرَابِ قَامَتْ فَنُورُهَا *** بِزَهْرَتِهِ يَحْكِي لأَهْلِ السَّمَا الزَّهْرَا

وَ إِنْسِيَّةُ حَوْرَاءُ فَالْحُورُ كُلُّهَا *** وَ صَائِفُهَا يَعْدُدْنَ خِدْمَتَهَا فَخْرَا(5)

وَ إِنَّ نِسَاءَ العَالَمِينَ إمَاؤُهَا *** بهَا شُرِّفَتْ مِنْهُنَّ مَنْ شُرِّفَتْ قَدْرَا(6)

ص: 56


1- إشارة إلى ما روي في كتاب ذخائر العقبى ص25 قال: عن ابن عباس قال: لمّا نزلت: «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»[سورة الشورى الآية: 23] قالوا: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال : علي و فاطمة و ابناهما علیهم السلام. رواه الهيثمي أيضاً في مجمعه ج7 ص103 ج9، ص168، نقلاً عن النحوي عن النحوي في تفسيره. و في لسان الميزان للعسقلاني، ج3 ص275. قال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم إن ربك يحبُّ فاطمة علیها السلام، اسجد فسجدت، ثم قال: أن الله يحب الحسن و الحسين علیهما السلام فسجدت ثم قال ان الله يحب من يحبهما.
2- إشارة إلى ما روي في كتاب كنز العمال ج6 ص152 قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إن الله امرني أزوج فاطمة علیها السلام من علي أخرجه الطبراني عن ابن مسعود (أقول): و ذكره الهيثمي أيضاً في مجمعه ج9 ص204 و قال: رواه الطبراني و رجاله ثقات و ذكره المناوي في فيض القدير في المتن ج2 ص215 و ذكره ابن حجر في صواعقه ص74 و قد مرَّ ذلك مراراً فلا نعيد.
3- انظر كتاب ينابيع المودة ج1 ص309.
4- إشارة إلى ما روي في كتاب مستدرك الصحيحين ج3 ص156 روی بسنده عن سعد بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أتاني جبريل عليه الصلاة و السلام بسفرجلة من الجنة فأكلتها ليلة أسري بي فعلقت خديجة علیها السلام بفاطمة علیها السلام فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة علیها السلام.
5- إشارة إلى ما ورد في كتاب تاریخ بغداد ج12 ص331 قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ابنتي فاطمة علیها السلام حوراء آدمية لم تحض و لم تطمث.
6- روي في كتاب ينابيع المودة ج1 ص309 عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: لمّا خلق الله آدم و حواء علیهما السلام أخذا يفتخران في الجنة فقالا: ما خلق الله خلقاً أحسن منّا، فبينما هما كذلك إذ رأيا صورة جارية لها نور شعشعاني يكاد يطفىء الأبصار على رأسها تاج و في أذنيها قرطان قالا: ما هذه الجارية؟ قال الله: هذه صورة فاطمة علیها السلام بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم سيد الأولين والآخرين. قالا: و ما هذا التاج على رأسها؟ قال: هذا بعلها علي بن أبي طالب علیه السلام. قال: و ما هذان القرطان؟ قال: الحسن و الحسين علیهما السلام ابناهما أوجدت ذلك قبل ان أخلقك بألفي عام.

فَلَمْ يَكُ لَوْلاَهَا نَصِيبٌ مِنَ الْعُلَى *** لِأُنْثَى وَ لَاكَانَتْ خَدِيجَةُ الْكُبْرَى

لَقَدْ خَصَّهَا البَارِي بِغُرِّ مَنَاقِبٍ *** تَجَلَّتْ وَ جَلَّتْ أَنْ نُطِيقَ لَهَا حَصْرَا

وَ كَيْفَ تُحِيطُ اللُّسْنُ وَصْفاً بِكُنْهِ مَنْ *** أَحَاطَتْ بِمَا يَأْتِي وَ مَا قَدْ مَضَى خُبْرَا؟(1)

وَ مَا خَفِيَتْ فَضْلاً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ *** فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ قَدْ خَفِيَتْ قَبْرَا؟(2)

وَ مَا شَيَّعَ الأَصْحَابُ سَامِيَ نَعْشِهَا *** وَ مَا ضَرَّهُمْ أَنْ يَعْتَمُوا الْفَضْلَ وَ الأَجْرَا؟(3)

بَلَى جَدَ القومُ النَّبِيَّ وَ أَضْمَرُوا *** لَهُ حِينَ يَقْضِي فِي بَقِيَّنِهِ المَكْرَا؟

لَقَدْ دَحْرَجُوا مُذْ كَانَ حَيَّا دِبَابَهُمْ *** وَ قَدْ نَسَبُوا عِنْدَ الوَفَاةِ لَهُ الهُجْرَا(4)

فَلَمَّا قَضَى ارْتَدُّوا وَ صَدُّوا عَنِ الهُدَى *** وَ هَدُّوا -عَلَى عِلْمٍ- شَرِيعَتِهِ الغَرّا

وَ حَادُوا عَنِ النَّهْجِ القَوِيمِ ضَلالَةٌ *** وَ قَادُوا عَلِيًّا فِي حَمَائِلِهِ قَهْرَا

وَحِيداً مِنَ الأَنْصَارِ لاَحَمْزَةٌ لَهُ *** وَ لاَجَعْفَرُ الطَّيَارُ فَادَّرع الصَّبْرَا(5)

وَطَأطأ لاَجُبْنَا وَ لَوْ شَاءَ لأَنْتَضَى *** الحُسَامَ الَّذِي مِنْ قَبْلُ فِيهِ مَحا الكُفْرَا(6)

ص: 57


1- اللَّسنُ: الألسنة. خُبْراً: تجربة و اختباراً. كنه: حقيقة.
2- إشارة إلى ما روي في كتاب البحار ج8 ص241-240 ط الكمباني: فعمل أميرالمؤمنين علیها السلام بوصيّتها و لم يعلم أحداً بها فاصبح في البقيع ليلة دفنت فاطمة علیها السلام أربعون قبراً جدداً.
3- إشارة إلى ما روي في كتاب دلائل الإمامة للطبري ص46 فغسلها أميرالمؤمنين علیه السلام و لم يحضرها غيره و الحسن و الحسين و زينب و أم كلثوم علیهم السلام و فضة جاريتها و أسماء بنت عميس أخرجها إلى البقيع ليلاً . الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
4- دبابهم: أواني للزيت.
5- أدرع: اتخذ درعاً، و الظاهر أن في هذا البيت و البيت الثاني الذي يليه إيطاء إلا إذا أريد بالأول التجلد و الثاني الحبس.
6- انتضى: سل. الحسام: السيف.

وَلكِنَّ حِلْمَ اللَّهِ جَارٍ وَ إِنَّهُ *** لأَصْبَرُ مَنْ فِي اللهِ يَسْتَعْذِبُ الصَّبْرَا

فَكَابَدَ مَا لَوْ بِالجِبَالِ لَهَدَّهَا *** وَ شَاهَدَ بَيْنَ القَوْمِ فَاطِمَةً حَسْرَى(1)

ص: 58


1- شعراء الغريّ ج3 ص3 و أدب الطف ج8 ص313.

(13) ربيبة الوحي

(بحر الخفيف)

الملا حسن آل جامع

يَا مُصِراً عَلَى الذُّنُوبِ الكِبَارِ *** عَاصِياً أَمْرَ رَبِّهِ الجَبَّارِ

غَارِقَاً طول عُمْرِهِ فِي هَوَاهُ *** غَافِلاً عَنْ حَوَادِثِ الأَقْدَارِ

أفَهَلاً تَفِيقُ مِنْ سِنَةِ الجَهْلِ *** وَ تَحُشَى عَوَاقِبَ الإِصْرَارِ؟

مَا بَرَاكَ الإِلهُ لِلَّهْوِ وَ الخَوْضِ *** وَ حَمْلِ الذُّنُوبِ وَ الأَوْزَارِ(1)

فَأَطِعْهُ تَفُرْ بِجَنَّةِ عَدْنٍ *** وَ تَنَلْ فَضْلَهُ بِدَارِ القَرَارِ

وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلٍ حَيْدَرَ تَسْلَمْ *** فِي غَدِ مِنْ لَهِيبِ حَرِّ النَّارِ

بَطَلٌ قَدْ فَدَى المُؤَيَّدَ بِالنَّفْسِ *** وَ وَاسَاءُ فِي الأُمُورِ الكِبَارِ(2)

ص: 59


1- براك: برأه: أي خلقه من العدم.
2- في كتاب/ علي بن أبي طالب علیه السلام بقية النبوَّة و خاتم الخلافة لعبد الكريم الخطيب/ ص103 قال : لقد دعا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم عليّاً علیه السلام ليلة الهجرة و طلب إليه أن يبيت في المكان الذي اعتاد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أن يبيت فيه و أن يتغطى بالبُرد الحضرميّ الذي كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم يتغطى به حتى إذا نظر ناظر من قريش إلى الدار رأى كأن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نائم في مكانه مغطى بالبرد الذي يتغطى به . و هذا الذي كان من علي علیه السلام في ليلة الهجرة إذا نظر إليه في فجر الأحداث التي عرضت للإمام عليّ علیه السلام في حياته بعد تلك الليلة فإنه يدفع لعين الناظر أمارات واضحة و إشارات دالة على أن هذا التدبير الذي كان في تلك الليلة لم يكن أجراً عارضاً، بل هو عن حكمة لها آثارها... إلى أن قال: إنه إذا غاب شخص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان عليّ هو الشخصية المهيأة لأن تخلفه و تمثل شخصه و تقوم مقامه. حين نظرنا إلى عليّ و هو في برد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و في مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه فقلنا: هذا خلف الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و القائم مقامه.

وَ وَقَاهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحدٍ *** حِينَ فَرَّتْ قَبَائِلُ الْأَنْصَارِ(1)

كمْ أَبَادَ الأبطال فِيهَا وَ قَاسَى *** غَمَرَاتِ الحُرُوبِ وَ الأَخْطَارِ(2)

بَطَلٌ جَدَّلَ ابْنَ وُدَّ وَ أَرْدَى *** مَرْحَباً بِالمُهَنَّدِ البَتّارِ(3)

صَاحِبُ المُعْجِزَاتِ قطب رَحَي *** الدِّينِ مُبِينُ العُلُومِ وَ الأَسْرَارِ

حَاكِمٌ عَادِلٌ حَكِيمٌ شُجَاعٌ *** مَاجِدٌ جَامِعٌ لِكُلِّ فَخَارِ

خَاشِع خاضِعُ إِمَامٌ هُمَامٌ *** عَابِدٌ طَائِعٌ لأَمْرِ البَارِي(4)

آيَةُ اللَّهِ حُجَّةُ اللَّهِ بَابُ اللَّهِ *** ذُو النُّسْكِ سَيِّدُ الأَبْرَارِ

بِوَلاهُ قَدْ أُكْمِلَ الدِّينُ بِخُمِّ *** وَ تَمَّتْ رِسَالَةُ المُخْتَارِ

بَايَعُوهُ يَوْمَ الغَدِيرِ وَ أَخْفُوا *** فِي الحَنَايَا مَا بَانَ مِنْ إِنْكَارِ

أَظْهَرُوا بَعْدَ أَحْمَدٍ كُلَّ حِفْدٍ *** أَضْمَرُوهُ لِلْمُرْتَضَى الكَرَّارِ

نَكَفُوا البَيْعَةَ الَّتِي هِيَ عَقدٌ *** فِي رِقَابِ الوَرَى لِيَوْمِ القَرَارِ(5)

ص: 60


1- في شرح النهج/ لابن أبي الحديد/ ج7 ص301 قال في شرح قوله علیه السلام لابنه الحسن عليه السلام: «لا تدعوَنَّ إلى مبارزة فإن دعيت إليها فأجب فإن الداعي إليها باغ و الباغي مصروع». قال: قد ذكر الحكم ثم ذكر العلة و ما سمعنا أنه علیه السلام دعا إلى مبارزة قط، و إنما كان يُدعى هو بعينه أو يُدعى من يبارز فيخرج إليه فيقتله. دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج علیه السلام فقتل الوليد و اشترك هو و حمزة في قتل عُتبة... و دعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم فخرج إليه فقتله و دعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله... فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ودّ فإنها أجلِّ من أن يقال جليلة و أعظم من أن يقال عظيمة و ما هي إلا كما قال شيخنا أبوالهذيل. و قد سأله سائل أيّما أعظم منزلة عند الله علي أم أبوبكر؟ فقال: يابن أخي واللَّه لمبارزة علي عمراً یوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين و الأنصار و طاعاتهم كلها تُربي عليها فضلاً عن أبي بكر وحده انظر أيضاً شرح النهج، ج19 ص60.
2- قاسي: عايَش أو عانى.
3- أردى: قتل. المهند: السيف.
4- همام: السيد الشجاع السخي.
5- الورى: الخلق.

خلَعُوهَا وَ خَالَفُوا قَوْلَ طَهَ *** يَوْمَ خُمُ في حَيْدَرِ المِغْوَارِ

وَ عَلَيْهِ تَقَحَمُوا الدَّارَ ظُلْماً *** وَ البَتُولُ الزَّهْرَا بِغَيْرِ خِمَارِ(1)

مُذْ رَأَتْهُمْ رَبِيبةُ الوَحْيِ لَاذَتْ *** عَنْهُمُ خِيفَةً بِبَابِ الدَّارِ

عَصَرُوهَا وَ أَسْقَطُوهَا وَ رَضُّوا *** ضِلْعَهَا بَيْنَ بَابِهَا وَ الجِدَارِ

وَ مِنَ العَصْرَةِ الَّتِي قَدْ عَرَتْهَا *** صَدْرُهَا قَدْ أُصِيبَ بِالمِسْمَارِ

لَطَمُوهَا وَ الَهُفَ نَفْسِي عَلَيْهَا *** لَطْمَةً أَثَرَتْ بِعَيْنِ الفَخَارِ

وَ بِحَبْلِ الحُسَامِ قَادَا عَلِيًّا *** يَابِنَفْسِي وَ هُوَ الهِزَبُرُ الضّارِي(2)

وَ أَتَتْ خَلْفَهُ البَتُولَةُ تَعْدُو *** وَ هُيَ تَدْعُو وَ قَلْبُهَا فِي انْكِسَارِ

عَجَباً بِالجِبَالِ قَادُوهُ قَسْراً *** وَ هُوَ حَبْلُ الإِلهِ حَامِي الذِّمَارِ

أَيُّهَا النّاكِثُونَ خَلُوا عَلِيًّا *** أَوْ لأَشْكُو لِلْوَاحِدِ القَهَّارِ

مُذْ رَآهَا اللَّعِينُ رُدَّ إِلَيْهَا *** عَابِساً مُغْضَباً كَلَيْثٍ ضَارِي

أَوْجَعَ البَضْعَةَ البَتُولَة ضَرْباً *** وَ هُيَ تَبْكِي بِدَمْعِهَا المِدْرَارِ

ثُمَّ جَاؤُوا بِهِ لِمَسْجِدِ طَهَ *** مَا لَهُ نَاصِرٌ مِنَ الأَنْصَارِ

وَ عَلَيْهِ سَلُوا السُّيُوفَ وَ قَالُوا *** قُمْ وَ بَايِعْ خَلِيفَةَ المُخْتَارِ

وَ إِلَى قَبْرِ أَحْمَدٍ دَارَ بِالطَّرْفِ *** يُنَادِي يَا صَفْوَةَ الجَبَّارِ

قَائِلاً: يَابْنَ أَمْ بِي غَدَرَ القَوْمُ *** وَ رَامُوا مَذَلَّتِي وَ احْتِقَارِي

وَ أَرَادُوا قَتْلِي عَلَى غَيْرِ جُرْمٍ *** كَأَنَّ مِنِّي عَلَى البَرِيَّةِ جَارِي

ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَا لَقِي مِنْ عِدَاهُ *** يَابِنَفْسِي غَدًا جَلِيسَ الدّارِ

مَا لَهُ نَاصِرٌ يَرَى الأَمْرَ قَدْ *** صَارَ بِأَيْدِي اللِّئَام و الأشرارِ

لَمْ يَزَلْ طُولَ عُمْرِهِ فِي عَنَاءٍ *** لَمْ يَجِدْ رَاحَةٌ أَبُو الأَطْهَارِ(3)

ص: 61


1- خِمار: ما تغطي به المرأة رأسها.
2- الهزبر: الأسد.
3- مهراق المدامع ص25.

(14) كيف لاتبكي

(بحر الكامل)

الأستاذ حسن أحمد العامر(*)(1)

رفقاً بنَفْسِكَ أَيُّهَا المَغْرُورُ *** لاَيَقْعُدَنَّ بِعَزْمِكَ المَقْدُورُ

لاَأَلْفَیَنَّكَ لاَهِياً بمَلَذَّةِ *** تَفْنَى وَ يَبْقَى جُرْمُكَ المَحْظُورُ

وَدَع المَلاهِي لِلْمُرِيدِ فَحَظُّهُ *** نَصَبٌ وَ هَمْ زَادُهُ تَكْرِيرُ

وَاجْهَدْ لِنَفْسِكَ بالتَّقَى مُتَزَوِّداً *** إِنَّ التَّقِيَّ مُؤَيَّدٌ مَنْصُورُ

لاتُنْسِيَنَّكَ لَذَّةٌ بِنَعِيمِهَا *** ذِكْرَ المَمَاتِ فَذِكْرُهُ مَشْكُورُ

لاتُفْتَنَنَّ بِكَثْرَةٍ فَلَعَلَّهَا *** جَوْفَاءُ لاَعُمْرُ وَ لاَتَعْمِيرُ

وَاقْنَع بِرِزْقٍ وَ اقْتَصِدْ بِمَعِيشَةٍ *** وَ انْفِقْ بِعَدْلٍ مَا بِهِ تَبْذِيرُ

كُنْ دَائِماً مُتَذَكَّراً لِمُصِيبَةٍ *** هِيَ فِي فُؤَادِكَ عُمْرُهَا مَسْجُورُ(2)

ذِكْرَى مُصِيبَةِ فَاطِمٍ قَدْ أَشْعَلَتْ *** قَلْبِي هُمُومَاً وَصْفُهَا مَعْسُورُ

لاأَتَّقِي ذِكْرَ المُصَابِ تَجَاهُلاً *** حَاشَا فَقَلْبِي ذَاكِرٌ مَعْمُورُ

لَكِنَّنِي لَاأَسْتَطِيعُ تَصَوُّراً *** كَيْفَ اجْتَمَعْنَ عَلَى البُزَاةِ طُيُورُ(3)

وَ لِحَرْقِ ذَاكَ البَيْتِ أَضْحَى أَمْرُهُم *** عَزْماً وَ أَحْمَدُ لَحْدُهُ مَنْشُورُ

أَوَمَا عَلِمْتَ بأَنَّ بَضْعَةَ أَحْمَدٍ *** طَوَتِ الحَيَاةَ وَ ضِلْعُهَا مَكْسُورُ؟

هَجَمُوا عَلَى تِلْكَ المَصُونَةِ بَيْتَهَا *** حَنَفَاً وَ بُغْضَاً قَادَهُمْ مَغْرُورُ

ص: 62


1- (*) مرت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- المسجور: الملتهب، و سجر التنور: أشعله.
3- البزاة: جمع مفرده البازي: جنس من الصقور.

عَصَرُوا البَتُولَ فَهَشَّمُوا أَضْلَاعَهَا *** وَ إِذَا الجَنِينُ بِقُرْبِهَا مَعْفُورُ(1)

وَ تَنَابَحَتْ حَوْلَ الوَصِيَّ كِلابُهُمْ *** وَ ثَبُوا عَلَيْهِ وَ شَرُّهُمْ مَشْهُورُ

هَجَمُوا فَقَادُوا حَيْدَراً بِنِجَادِهِ *** وَإِذَا الأَمِيرُ بِأَمْرِهِمْ مَأْمُورُ

عَجَباً تُقَادُ وَ أَنْتَ صَقْرُ طُيُورِهَا *** أَتُرَى الصُّفُورُ يَقُودُهَا عُصْفُورُ؟

وَ الَهْفَتَاهُ لِفَاطِمِ مُذْ عَايَنَتْ *** كَبْشَ الكَتِيبَةِ يَنْحَنِي وَ يَسِيرُ(2)

عَجَباً لِصَبْرِكَ يَا عَلِيُّ فَإِنَّهُ *** هَزَّ الرَّوَاسِي فَهيَ مِنْهُ تَمُورُ(3)

قَسَماً بحِلْمِكَ سَيْدي وَ بِسِرِّهِ *** قَسَمٌ لَعَمْرُكَ لَوْ عَلِمْتَ كَبِيرُ

لَوْلاَ احْتِمَالُكَ لِلأَذَى مُتَجَلْدَاً *** مَا كَانَ ذِكْرٌ لِلإِلَهِ يَدُورُ

لَوْلاَ اصْطِبَارُكَ يَا عَلَيَّ لِمَا بَدَا *** شَرْعٌ لأَحْمَدَ قَائِمٌ مَشْهُورُ

أيْنَ الحِميّةُ وَ العِدَى هَجَمَتْ عَلَى *** أَرْضِ الوِلايَةِ ضَرْعُهَا مَبْتُورُ؟

فَعَلَى البَتُولَةِ يَا سَمَاءُ تَفَطَّرِي *** حُزْناً فَإِنَّ فُؤَادَهَا مَفْطُورُ

وَ تَجَلْبَبِي يَا أَرْضُ ثَوْبَ كابَةٍ *** وَ دَعِي السُّرُورَ فَإِنَّهُ مَحْظُورُ(4)

وَ ابْكِي وَ نُوحِي وَ اعْوِلي مِنْ أَجْلِهَا *** دَهْراً طَوِيلاً مَا بِهِ تَفْتِيرُ

وَ لَوْ أَنَّكِ فَارَقْتِ كُلَّ سَعَادَةٍ *** حُزْناً فَلاَسَرَفٌ وَ لاَتَبْذِيرُ

وَ مُرِي العُيُونَ بِصَبٌ حُمْرِ دُمُوعِهَا *** وَ ارْضِي الجُفُونَ فَدَمْعُهَا مَذْخُورُ

عَجَباً لِعَيْنِ كَيْفَ لاتَبْكِي وَ قَدْ *** بَكَتِ الجِنَانُ لأَجْلِهَا وَ الحُورُ؟

ص: 63


1- المعفور: المصروع أو الممرّغ في التراب.
2- كبش الكتيبة: قائدها.
3- تمور: تهتز و تتحرك.
4- تجليبي: البسي الجلباب و الجلباب: الثوب المشتمل على الجسد كله، أو الخمار.

(15) أنتِ رَمْزُ العُلّى

(بحر الخفيف)

السيد حسن الشيرازي(*)(1)

ص: 64


1- (*) هو السيد حسن ابن السيد ميرزا مهدي ابن السيد ميرزا حبيب الله الحسيني الشيرازي. ولد في النجف الأشرف سنة (1354ه_) و نشأ منذ صغره على الايمان و الفضيلة و تكونت شخصيته الدينية الملتزمة المتجذِّرة في أعماق نفسه الكبيرة برعاية والده العالم الورع التقي و المجتهد الكبير المرجع السيد الميرزا مهدي الشيرازي «قدس سره الشریف». أما دراسته العلمية فقد بدأت في كربلاء حيث درس المقدمات و السطوح لدى أساتذتها المعروفين حتى تهيأ للدراسات العليا فدرس الخارج على والده و كذا على العالم الأصولي الكبير السيد هادي الميلاني كما درس العلوم العقلية على الفيلسوف الاسلامي الشهير الشيخ محمد رضا الاصفهاني، و أيضاً حضر دروس الفقيه المحقق الشيخ يوسف الخراساني مثلما درس الفقه و الأصول و الفلسفة لدى أخيه الفقيه المرجع المجاهد السيد محمد الشيرازي (قد سره الشریف) حتى حظي بمرتبة سامية من الكمال و العلم . و كان المترجم له مديراً لمدرسة ابن فهد الحلي الدينية و كنت أنا يومها طالباً فيها في المرحلة الأولى من دروس الحوزة. و منذ أوائل شبابه نهض بأعباء المسؤولية الدينية من كتابة و تأليف و تدريس، و تحقيق و توجيه و قد ساهمت نشاطاته الدينية و خطبه الشجاعة في توعية المجتمع مساهمة كبيرة و نظراً لدوره الكبير في قيادة المجتمع المتحرر سجن و واجه أنواعاً من المتاعب و الصعاب بما هو مشهور و مواقفه الصمودية في وجه الظلم و التعذيب لهي مدرسة في الشجاعة و الاباء و الدفاع عن الحق و الكرامة هاجر من العراق و استقر به المقام في لبنان ليواصل جهاده في سبيل الله، ففي عام (1391ه_) أسس مدرسة الامام المهدي عج الله فرجه الشریف الدينية في بيروت (في منطقة البراجنة) و في نفس السنة في شهر رمضان المبارك اقام فيها مجلساً برج حسينياً المدرسة و دعاني لكي ارتقي المنبر هناك للارشاد و وعظ الناس، و الجدير بالذكر أن من أهم الخطوات التاريخية التي أنشأها المترجم له و التي سوف يذكرها له التاريخ بكل فخر و اعتزاز هي انشاء الحوزة العلمية الدينية في الزينبية بدمشق فهو مُبتكرها و مؤسسها و حاميها و المشرف عليها لحين شهادته، و قد أصبحت هذه الحوزة راسخة الجذور و قائمة ناشطة تؤدي رسالتها على أحسن وجه حتى تخرج منها العديد من الأساتذة و الأفاضل و هم اليوم يمارسون دورهم العلمي فيها. و مما زاد من أهمية الحوزة الزينبية أن علماء و مجتهدين من العراق و إيران هاجروا إليها و هم الآن يُساهمون في تطوير الحركة العلمية فيها و يقومون بوظائفهم الدينية و العلمية ببركتها. كانت للشهيد موهبة كبيرة في الكتابة بأسلوب أدبي راقٍ وقد ألف كتباً دينية و أدبية كثيرة أهمها خواطري عن القرآن في 3 مجلدات كلمة اللَّه، كلمة الرسول الاعظم صلي الله علیه و آله و سلم، كلمة الامام الحسن علیه السلام كلمة الامام المهدي علیه السلام كلمة الاسلام العمل الادبي، الادب الموجه، التوجيه الديني، حديث رمضان الاقتصاد الاسلامي الاشتقاق إله الكون، انجازات الرسول، و غيرها و أخيراً جمع نظمه و شعره في ديوان و هو في طريق إعداده للطبع؛ و تفاصيل جهوده و جهاده في سبيل الدين و المذهب كثيرة مما لايسع المجال لذكرها فتركناها لمظانها. شهادته: في عصر يوم الجمعة 16 جمادى الآخرة سنة (1400ه_) كان يستقل سيارة أجرة في طريقه إلى مجلس تأبين أقامه في بيروت على روح آية الله الشهيد الصدر فهاجمه مجموعة اعداء الله و أصابوه بعدة طلقات في رأسه أدت إلى استشهاده، فكان مصرعه حدثاً جللاً، و نقل جثمانه من بيروت إلى دمشق، و شيِّع في الزينبية تشييعاً ضخماً منقطع النظير، ثم نقل إلى مدينة قم المقدسة و شيّع بمهابة و إجلال و دفن في حرم السيدة فاطمة المعصومة علیها السلام.

نَشْوَةُ العِيدِ مِنْ نَشِيدِ الهَزَارِ *** أَيْقَظَتْ فِي الرُّبَى شَذَا الأَزْهَارِ

وَ اسْتَفَاضَ الوُجُودُ بِشْراً بِذِكْرَى *** فَاطِمَ الطُّهْرِ بَضْعَةِ المُخْتَارِ

حَازَهَا تُحْفَةٌ مِنَ اللَّهِ فِي المِعْرَاجِ *** بَعْدَ الصَّيَامِ وَ الأَذْكَارِ(1)

فَاطِمَا لَفَّهَا القَدَاسَةُ لَفَّ *** الضَّوْءِ لِلشَّمْسِ وَ الشَّذَا لِلْبَهَارِ(2)

ص: 65


1- في ذخائر العقبى ط بيروت ص36 : عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ما لك إذا قبَّلت فاطمة علیها السلام جعلت لسانك في فيها كأنك تريد أن تلعقها عسلاً فقال صلي الله علیه و آله و سلم: إنه لما أسري بي أدخلني جبرئيل الجنة فناولني تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهري فلما نزلت من السماء واقعت خديجة علیها السلام ففاطمة علیها السلام النطفة. و ذكرها الخوارزمي في فضل الحسين، ج1 ص63 في فضائل فاطمة الزهراء علیها السلام، و راجع تاريخ بغداد ج5 ص87 و لسان الميزان لابن حجر ج5 ص160.
2- البهار: الجمال أو نبت طيب الرائحة، و يقال له عين البقر أو بهار البر.

يَا لَهَا نَجْمَةً عَلَتْ فِي لِقَاهَا *** الشَّمُسَ مَتْنَ البُرَاقِ لا الأَمْهَارِ

بَزَغَتْ تَكْسِبُ الوُجُودَ جَمَالاً *** وَ خُلُوداً يَنمُّ عَنْ إِكْبَارِ

أَطْلَقَتْ طَائِرَ الصِّيَاءِ فَسَالَتْ *** فِي الفَيَافِي الرِّمَالُ بِالأَنْوَارِ(1)

وَبَكَى الفَجْرُ فِي الوُرُودِ دُمُوعاً *** شَكَرَتْهَا بِنَفْحِهَا المَوَارِ(2)

نَشَرَتْ فِي فَضا الخُلُودِ جَنَاحَاً *** لَيْسَ تَطْوِيهِ صَوْلَةُ الأَقْدَارِ

حَمَلَتْ صَيتَهَا الأَثِيرَ فَطَارَتْ *** فِي جُفُونِ الأَسْحَارِ فِي الأَقْطَارِ(3)

وَ مَشَتْ خَلْفَهَا الطَّبِيعَةُ قِنَاً *** أَرْهَفَتْ حِسَّهَا عَلَى الأَسْرَارِ

مَلَكَتْ فِي الخُلُودِ عَرْشاً تَخَالُ *** الدَّهرَ لَمْحاً مِنْ صَرْحِهَا النَّوارِ

يَا جَزَاءَ الصَّلاَةِ يَا كَوْثَرَ القُرْآنِ *** يَا مَنْ حَوَيْتِ كُلَّ فَخَارِ(4)

ص: 66


1- الفيافي: الصحاري.
2- الموّار: المثار.
3- الأثير: عند علماء الطبيعة (مادة لا تقع تحت الوزن تتخلل الأجسام و يكون امتداد الصوت و الحرارة بواسطة تموجاتها).
4- في ذخائر العقبى للطبري ص19 فصل في ذكر الحث على الصلاة عليهم. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: الا أهدي لك هدية سمعتها من رسول اللَّه صلي الله علیه و آله و سلم؟ فقلت: بلى فاهدها. قال: سألنا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فقلنا: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم كيف الصلاة عليكم أهل البيت علیهم السلام؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل ابراهيم انك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل ابراهيم انك حميد مجيد. و في جواهر العقدين/ العقد الثاني/ الذكر الثاني/ ص153 في حديث طويل بعد أن أدخل علياً و فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام تحت الكساء: ...اللهم هؤلاء آل محمد صلي الله علیه و آله و سلم فاجعل صلواتك و رحمتك و مغفرتك و بركاتك على آل محمد صلي الله علیه و آله و سلم. و في أسباب النزول للواقدي النيسابوري ط قم ص307 قال: أخبرنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال: كان العاص بن وائل السهمي إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: دعوه فإنما هو رجل أبتر لاعقب له و كان قد توفي قبل ذلك عبداللَّه ابن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و كان من خديجة علیها السلام. لو هلك انقطع ذكره و استرحتم منه فأنزل الله «تعالى» في ذلك. «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» . و راجع تفسير البرهان ج4 ص515 ح3 و راجع أسباب النزول للسيوطي في تفسير الآية من سورة الكوثر.

أَنْتِ رَمْزُ العُلَى فَدَتْكِ السَّجَايَا *** يَا ضَمِيرَ العُصُورِ فَخَرَ نِزَارِ

***

هِيَ رُوحُ الوُجُودِ وَ الجَوْهَرُ الفَرْ *** الَّذِي شَعَ فِي الخَيَالِ السَّارِي

جَلَّ عَقْلُ الفِعَالِ فِينَا مُطِلاً *** مِنْ خِلالِ الخَيَالِ فِي الأَفْكَارِ

رَفْرَقَتْ كَالمُنَى يُثِيرُ جَلالاً *** مِنْ جَبِينِ الشُّعَاع لا الأَوْكَارِ

طَبَّقَ الكَوْنَ فِي ثَوَانٍ بَهَاءً *** رَشَّ فِيهِ نَيَازِكَ الأَسْحَارِ

خَلَفَتْ رَوْعَةٌ تَهُزُ الرَّوَابِي *** بَيْنَ وَحْيِ الأَشْجَارِ وَ الأَطْيَارِ

وَ كَانَ الأَقَاحُ مَيَّاسَةَ الأَعْطَافِ *** تُصْغِي لِلْبُلْبُلِ الهَدَارِ

وَ كَانَ الصَّدَّاحُ جَاءَ بَشِيراً *** لِلسَّمَا لِلْهِضَابِ لِلْأَشْجَارِ

هَذِهِ فَاطِمٌ أَطَلَّتْ عَلَى الأَكْوَانِ *** تُزْرِي بِطَلْعِهِ الأَقْمَارُ(1)

هِيَ أَرْقَى مِنَ الطَّبِيعَةِ كَالأَرْوَاحِ *** مَا رَاقَهَا بَرِيقُ النُّضَّارِ(2)

لَمْ تُزَيِّنُ بِالعِقْدِ عِيداً وَ بِالخَاتَمِ *** كَفَاً وَ مِعْصَماً بِالسِّوَارِ(3)

ص: 67


1- فى ذخائر العقبى للطبري ط بيروت ص54 في حديث طويل. ... فلما أرادت أن تضع بعثت إلى نساء قريش ليأتينها فيلين منها ما يلي النساء فلم يفعلن و قلن: لانأتيك و قد صرت زوجة محمد صلي الله علیه و آله و سلم فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة عليهن من الجمال و النور ما لايوصف، فقالت لها احداهن أنا أمك حواء، و قالت الأخرى: أنا آسية بنت مزاحم و قالت الأخرى: أنا كلثم أخت موسى علیه السلام، و قالت الأخرى: أنا مریم بنت عمران أم عيسى علیه السلام جئنا لنلي من أمرك ما يلى النساء، قالت: فولدت فاطمة علیها السلام فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدة رافعة أصبعها. و في مشارق الأنوار، ص85 جاء بعد حديث طويل عن الولادة: فلما وضعتها اشرقت الدنيا و امتلأت منها الاقطار بالطيب و الأنوار، وفاح عطر العظمة، و امتلأت بيوتات مكة بالنور و لم يبق في شرق الأرض و لاغربها موضع إلا اشرق نوراً و ظهر في السماء نور أزهر لم يكن قبل هذا.
2- النُّضار: الذهب و الفضة و قد غلب المعنى على الذهب أو الجوهر الخالص من التبر أو الخالص من كل شيء.
3- في مكارم الأخلاق للطبرسي ط بيروت الباب الخامس/ في الفصل السادس/ في التزيين للنساء بالحلي و غيره/ في الأسورة/ ص94 عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إذا أراد السفر يكون آخر من يسلم عليه فاطمة علیها السلام، و إذا رجع بدأ بها. فسافر مدة و قد أصاب علي علیه السلام شيئاً من الغنيمة فدفعه إلى فاطمة علیها السلام ثم خرج فأخذت سوارين من فضة شيئاً و علقت على بابها ستراً. فلما قدم رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم توجه نحو بيت فاطمة علیها السلام فنظر فاذا في يدها سواران من فضة و إذا على بابها ستر فرجع و لم يدخل عليها. فدعت ابنيها و نزعت الستر من بابها و خلعت السوارين من يدها ثم دفعت السوارين إلى احدهما و الستر إلى الآخر، ثم قالت لهما: انطلقا إلى أبي فاقرئاه السلام و قولا له ما أحدثنا بعدك غير هذا فما شأنك به؟ فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمهما ثم أمر بذينك السوارين فكسرا فجعلهما دعا أهل الصُفّة. قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل و لاأموال. فقسمه بینهم قطعاً ثم جعل يدعو الرجل العاري منهم الذي لايستتر بشيء فيعطيه قطعة من ذلك الستر. و في كشف الغمة ج1 ص451 في رواية فيها اختلاف قليل إنه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال بعد أن تصدق بالستر و السوارين. «إن هؤلاء أهل بيتي و لاأحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا». و في مكارم الأخلاق أيضاً الباب و الفصل نفسهما عن الكاظم علیه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم دخل على ابنته فاطمة علیها السلام و في عنقها قلادة فأعرض عنها، فقطعتها و رمت بها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم هل انت منّي يا فاطمة علیها السلام ثم جاء سائل فناولته القلادة.

تَنْقُرُ التّبْرَ فِي المَسَاكِينِ كَفٌّ *** خِلْتُهَا لاَتُطِيقُ قَبْضَ النُّضَار

هِيَ كَفٌّ لَمْ تُمْسِكِ التَّبْرَيَوْماً *** فَتَرَاهَا عَدُوَّةَ الدِّينَارٍ

أَغْنَتِ المُعْدَمِينَ بَسْطاً وَلكِنْ *** لَيْسَ فِي بَيْتِهَا مَتَاعُ الدَّارِ(1)

ص: 68


1- في بشارة المصطفى لشيعة المرتضى للطبري، ط النجف الأشرف ص137 في حديث نأخذ موضع الحاجة فيه. وقف أعرابي فقير على باب فاطمة علیها السلام و نادى بأعلى صوته: السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة صلي الله علیه و آله و سلم و مختلف الملائكة. فقالت فاطمة علیها السلام: و عليك السلام فمن أنت يا هذا؟ قال: شيخ من العرب... عاري الجسد جائع الكبد فواسيني يرحمك الله... فعمدت فاطمة علیها السلام إلى جلد كبش مدبوغ كان ينام عليه الحسن و الحسين علیهما السلام، فقالت: خذ هذا أيها الطارق فعسى الله ان يرتاح لك ما هو خير منه قال الاعرابي: يا بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم شكوت اليك الجوع فناولتني جلد كبش، قال: فعمدت إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمها حمزة بن عبد المطلب فقطعته من عنقها و نبذته إلى الأعرابي و قالت: خذه وبعه فعسى الله أن يعوضك به ما هو خير منه. و في مسند أحمد، ج1 ص106: أن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لما زوجه فاطمة علیها السلام بعث معه بخميلة و وسادة من ادم حشوها ليف و رحائين و سقاء و جرتين، فقال علي الفاطمة علیها السلام ذات يوم: والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، قال: و قد جاء الله اباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت: و أنا واللَّه قد طحنت حتى مجلت يداي فأتت النبي صلي الله علیه و آله و سلم فقال: ما جاء بك اي بنيه؟ قالت: جئت لأسلم عليك و استحيت ان تسأله و رجعت فقال: ما فعلت؟ قالت استحييت ان اسأله فاتيناه جميعاً فقال علي علیه السلام: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري و قالت فاطمة علیها السلام: قد طحنت حتى مجلت يداي و قد جاءك الله بسبي وسعه فاخدمنا إلى ان قال: فاتاهما النبي صلى الله عليه و آله و سلم و قد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشفت اقدامهما و إذا غطيا اقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فقال: مكانكما، ثم قال: الا اخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى فقال: كلمات علمنيهن جبرئيل، فقال: تسبّحان في دبر كل صلاة عشراً و تحمدان عشراً وتكبران عشراً و إذا أوتيتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً و ثلاثين واحمدا ثلاثاً و ثلاثين و كبرا أربعاً و ثلاثين قال: فواللَّه ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: فقال له ابن الكواء: و لاليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم و لاليلة صفين.

مَا لَهَا فِي مَبَاهِج الكَوْنِ مَيْلٌ *** وَ لَهَا المَكْرُمَاتُ خَيْرُ شِعَارِ

لاتَقِسُهَا بِرَبَّةِ الخَفْ يَكْفِيهَا *** هُنَافُ الكِتَابِ يَوْمَ الفَخَارِ(1)

***

رَبَّةُ الوَحْي زَوْجُ حَيْدَرَةَ *** الكَرَّارِ أُمُّ الأَئِمَّةِ الأَطْهَارِ(2)

ص: 69


1- يعني بها زبيدة زوجه هارون العباسي التي اتخذت خفاً من الماس كلفت بيت المال خمسين ألف ألف. و في مقتل الخوارزمي ج1 ص52 : عن علي بن موسى الرضا علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: تحشر ابنتي فاطمة علیها السلام: عليها حلة كرامة قد عجنت بماء الحيوان فتنظر إليها الخلائق فيتعجبون منها، ثم تكسى أيضاً حلة من حلل الجنة و هي ألف حلة مكتوب على كل حلة بخط أخضر أدخلوا بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم الجنة على أحسن الصورة و أحسن الكرامة و أحسن المنظر فتزف إلى الجنة كما تزف العروس و يوكل بها سبعون ألف جارية. و في كنز العمال للمتقي الهندي ط بيروت ج12 ح34209 قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إذا کان یوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم و غضوا ابصاركم حتى تمر فاطمة علیها السلام بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم على الصراط، فتمر مع سبعين الف جارية من الحور العين كمر البرق.. و راجع ح34210 ح34211 ح34229 و توجد في المستدرك ج3 ص153.
2- في مسند الإمام الرضا علیه السلام ج1 ص347 ح19 قال: ...فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فاطمة علیها السلام فاحتضنها و قبل فاها و ضمّ علياً إليه و قبل بين عينيه و أجلس الحسن على فخذه الايمن و الحسين علیه السلام على فخذه الأيسر و قبلهما و قال: أنتم أولى بي في الدنيا و الآخرة و الى الله من والاكم و عادى من عاداكم انتم مني و انا منكم إلى آخر الحديث. و في البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، ج1 ص365 ح7 في تفسير قوله «تعالى» من سورة النساء، الآية 31. «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا» عن أبي عبداللَّه علیه السلام قال: الكبائر سبع فينا انزلت و منا استحقت و اكبر الكبائر: الشرك باللَّه و قتل النفس التي حرَّم الله و عقوق الوالدين، و قذف المحصنات، و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف و انكار حقنا أهل البيت علیهم السلام. فاما الشرك باللَّه فان اللَّه قال فينا ما قال و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما قال فكذبوا رسوله و اما قتل النفس التي حرم الله فقد قتلوا الحسين بن علي علیه السلام و أصحابه و اما عقوق الوالدين فإن الله قال في كتابه: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» [سورة الأحزاب: 6] و هو اب لهم فقد عقوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ذريته و أهل بيته علیهم السلام و أما قذف المحصنات فقد قذفوا فاطمة علیها السلام على منابرهم، و أما أكل مال اليتيم فقد ذهبوا بفيئنا في كتاب الله و أما الفرار من الزحف فقد اعطوا اميرالمؤمنين علیه السلام بيعتهم غير كارهين ثم فروا عنه و خذلوه واما انكار حقنا فهذا مما لايتعاجمون فيه.

فَاطِمُ الطُّهْرِ بَسْمَةُ الدَّهْرِ وَ هَجُ *** البَدْرٍ سِرُّ الكِتَابِ طِيبُ النَّجَارِ(1)

قَصُرَ العَقْلُ عَنْ عُلاهَا وَتَاهَ *** الفِكْرُ فِيهَا وَ عَادَ كَالمُخْتَارِ

فِي سُكُوتٍ يَفُوقُ جَهْرَ ابْنِ عِمْرَانٍ *** وَ صَبْراً أَعَزَّ مِنْ ذِي الفقار

أَحْدَقَتْهَا ذَوَائِبُ المَجْدِ *** كَالأَزْهَارِ مَهْمَا تُحَاطُ بِالأَنْوَارِ

إِنْ تَكُنْ حَفَّهَا بُدُور تَمَامِ *** هَالَةُ الشَّمْسِ مَوْكِبُ الأنوارِ

ص: 70


1- النُجار: بضم النون أو كسرها بمعنى الاصل أو الحسب. و في احقاق الحق ج10 ص244 عن أخبار الدول ص87 ط بغداد عن عائشة قالت: إذا أقبلت فاطمة علیها السلام كانت مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و كانت لاتحيض قطُّ لأنها خلقت من تفاحة الجنة و لقد وضعت الحسن علیه السلام بعد العصر و طهرت من نفاسها فاغتسلت وصلت المغرب. و راجع علل الشرائع ج1 ص290 ح1 عن أبي جعفر علیه السلام قال: إن بنات الانبياء «صلوات الله عليهم» لايطمئن إنما الطمث عقوبة و أول من طمئت سارة.

(16) يا كوكب الإيمان

(بحر الكامل)

السيد حسين السيد حسن هاشم

زَهْرَاءُ يَا بِنْتَ النَّبِيِّ المُصْطَفَى *** يَا فَرْعَ دَوْحَةِ أَحْمَدَ المُخْتَارِ

يَا كَوْكَبَ الإِيمَانِ فِي أُفُقِ الهُدَى *** يَسْمُو عَلَى الأَيَّامِ بِالأَنْوَارِ(1)

يَا قِمَّةَ التَّقْوَى وَ مِصْبَاحَ الدُّجَى *** وَ مَنَارَةٌ لِلتَّائِهِ المُحْتَارِ

يَا بِنْتَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةٍ *** يَا قُدْوَةَ الأَخْيَارِ وَ الأَبْرَارِ

يَا مَنْ وَرِثْتِ العِلْمَ عَنْ أَهْلِ النُّهَى *** وَ الوَحْيُ مَدْرَسَةٌ بَنَاهَا البَارِي(2)

يَا مِنْحَةَ اللَّهِ الكَرِيمِ بِأَرْضِنَا *** طَهُرَتْ فَأَعْطَتْ عِتْرَةَ الأَطْهَارِ

خُلِقَتْ لِتُصْبِحَ مِنْ عَلِيَّ زَوْجَةً *** أَكْرِمْ بِزَوْجَةِ حَيْدَرَ الكَرَّارِ(3)

وَلَدَتْ لَنَا حَسَناً حَفِيدَ مُحَمَّدٍ *** وَ ابْنَ الوَصِيِّ القَائِدِ المِغْوَارِ(4)

ص: 71


1- أشار الشاعر في هذا البيت إلى ما ورد من أن الزهراء علیها السلام كوكب دري انظر المناقب لابن المغازلي ص317 كما في الزهراء علیها السلام بهجة قلب المصطفى صلي الله علیه و آله و سلم ص31 و انظر أيضاً كتاب البحار ج43 ص12 و علل الشرائع، ج1 ص215 ح3 و كتاب دلائل الإمامة للطبري ص54.
2- أهل النهي: مفرده النهية و هي العقل، سمي بذلك لأنه ينهى عن القبيح و عن كل ما ينافي العقل و الصواب.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى كون الزهراء علیها السلام خلقت لعلي علیه السلام و خلق علي للزهراء علیها السلام و أحدهما كفؤ للآخر. انظر كتاب البحار ج 43 ص92 و كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص29، و كتاب دلائل الإمامة ص10: قال عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام: لولا أن أميرالمؤمنين علیه السلام تزوّجها لما كان لها كفؤ على وجه الأرض إلى يوم القيامة من آدم فمن دونه».
4- المغوار: كثير الغارات.

حَامَى عَنِ الدِّينِ الحَنِيفِ بِحِلْمِهِ *** بِوَثِيقَةٍ أَمْضَى مِنَ البَتّارِ(1)

كَشَفَتْ نَوَايَا المَاكِرِينَ وَ بَيَّنَتْ *** لِلْمُسْلِمِينَ مَسَاوِيءَ المَكَارِ

وَ تَرَضَّعَ السِّبْطُ الشَّهِيدُ إبَاءَهُ *** مِنْهَا بِفَرْعِ لِلإِبا دَرّارِ

فَحَمَى الشَّرِيعَةَ بِالدِّمَاءِ مُجَاهِداً *** زُمَراً مِنَ التُّجَارِ وَ الفُجَّارِ

وَغَدَا عَلَى شَفَةِ الزَّمَانِ مَدَائِحاً *** صَفَعَتْ عُتُوَّ المُجْرِمِ الجَبَّارِ

نَفْسِي الفِداءُ لِمَنْ بِتَارِيخِ العُلَى *** أَمْسَى مَحَجَّةَ أَشْرَفِ الثُّوَّارِ

زَهْرَاءُ يَا رَمْزَ الصَّلَاح لَنَابِهَا *** مَثَلٌ تَسَامَى فَوْقَ كُلِّ مَنَارِ

فِي يَوْمِ مَوْلِدِهَا الكَرِيمِ تَضَافَرَتْ *** نِعَمُ الوَفَا وَ الحُبِّ وَ الإِيثَارِ(2)

وَ الحِلْم و التَّقْوَى وَ نِبْرَاس الهُدَى *** وَ قَلائِدِ التَّكْرِيم وَ الإِكْبارِ(3)

نَرْجُو شَفَاعَتَهَا غَداً يَوْمَ اللقَا *** عِنْدَ الكَرِيمِ المُنْعِمِ الغَفَّارِ

ص: 72


1- أمضى: أقطع. البّتار: السيف القاطع.
2- تضافرت: تعاونت.
3- نبراس: مصباح.

(17) فأقبلت الزهراء علیها السلام

(بحر الطويل)

الشيخ حسين الشبيب(*)(1)

خَلِيلِيَ دَعْنِي لاَتَلُمْنِي فَقَدْ أَجْرَى *** عَظِيمُ الأسَى مِنْ مُقَلَتِي مُزْنَةٌ حَمْرَا(2)

وَ إِنَّ عَظِيمَ الْوَجْدِ بَيْنَ جَوَانِحِي *** أَثَارَ لَهِيباً شَبَّ فِي مُهْجَتِي جَمْرَا(3)

فَبِاللَّهِ كُفَّ اللُّومَ لاتُوْهِنِ الْحَشَا *** فَتَرْدَادُهُ صَعَبٌ عَلَى الكَبِدِ الحَرَّى

تُحَاوِلُ سَلْوَانِي وَ لاَتَسْتَطِيعُهُ *** لأَنَّ الَّذِي بِي لاتُحِيطُ بِهِ خُبْرَا

فَدَعْ عَنْكَ لَوْمِي لاُتُثِيرُ لَوَاعِجِي *** فَإِنِّي بِمَا قَدْ شَابَ نَاصِيَتِي أَدْرَى(4)

أَتَلْتَذُّ نَفْسِي أَمْ تَطِيبُ جَرَاحَتِي *** وَ قَلْبِيَ هَلْ تَرْجُو بِأَنْ يَسْتَطِعْ صَبْرًا؟

وَ قَدْ رُوِّعَتْ مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ وَ أُسْقِطَتْ *** وَ رُضَّتْ بِجَنْبِ الْبَابِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَا

تَجَرَّى عَلَيْهَا الظَّالِمُونَ عَدَاوَةً *** وَ بُعْضاً لِطَهَ سَيّدِ الأَنْبِيَا طُرَا

أَدارُوهُ حَوْلَ البَابِ جَهْراً وَ أَشْعَلُوا *** بِهِ النَّارَ قَدْ جَاؤُوا بِهِ حَادِثاً نُكْرَا(5)

فَأَقْبَلَتِ الزَّهْرَا إِلَيْهِمْ وَ حَرَّجَتْ *** وَ ذَكَّرَتِ الأَعْدَا فَلَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرَى

فَمَا رَاءَهُمْ إِلا الهُجُومُ بِجَمْعِهِمْ *** عَلَيْهَا جِهَاراً وَ هُيَ يَا لِلإِبَا حَسْرَى

ص: 73


1- (*)مرت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.
2- مُزنة: سحابة ذات ماء.
3- شبَ: أشعل. مهجتي: روحي و قلبي.
4- لواعج: اللاعج هو الهوى المحرق.
5- إشارة إلى ما روي في كتاب سليم بن قيس ص36 عن سلمان: و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه فدخل و الحديث طويل.

مُرَوَّعَةً مَحْرُونَةً مُسْتَضَامَةً *** تَحِنُّ حَنِينَ النِّيبِ مُقْلَتُهَا عَبْرَى(1)

فَلَاذَتْ بِجَنْبِ البَابِ عَنْهُمْ لأَنَّهَا *** بِغَيْرِ قِنَاعٍ كَيْ يَكُونَ لَهَا سِتْرَا

فَعَاجَلَهَا الطَّاغِي وَ دَمْلَجَ زَنْدَهَا *** وَ وَرَّمَ مَتْنَيْهَا وَ أَضْغَطَهَا عَصْرَا(2)

وَ رَوَّعَهَا بِاللَّطْم فَوْقَ خُدُودِهَا *** فَخَرَّتْ وَ مِنْهَا الْعَيْنُ شَاحِبَةٌ حَمْرَا(3)

وَ صَاحَتْ بِصَوْتٍ زَلْزَلَ الْعَرْشِ وَ السَّمَا *** وَ عَطَّلَ أَفَلاكَ السَّمَاءِ عَنِ الْمَجْرَى

شَكَتْ أَعْوَلَتْ نَاحَتْ بَكَتْ وَ تَحَسَّرَتْ *** فَلَمْ تَرَ مَنْ يَرْعَى لِحُرْمَتِهَا قَدْرَا

أَنَا بِنْتُ مَوْلاكُمْ أَنَا بِنْتُ غَوْئِكُمُ *** أُنَادِي وَ مَنْ نَادَيْتُ أَبْدَانِيَ الْعُذْرَا

أَتُكْسَرُ أَضْلاعِي وَ يُحْرَقُ مَنْزِلِي *** وَ يُغْصَبُ فَيْئِي يَا لَهَا فَجْعَةً كُبْرَى(4)

وَ يُسْقَطُ حَمْلِي يَا لَهَا مِنْ مَصَائِبٍ *** عَلَى بُعْدِ طَهَ أَقْبَلَتْ تَتْرَى(5)

أَتَغْدُو يَدِي مِنْ كُلِّ إِرْثِي وَ نِحْلَتِي *** وَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ خَالِيَةً صِفْرَا

وَجُلُّكُمْ رَاضٍ وَ بَعْضُكُمُ بِمَا *** جَنَوْهُ غَداً مُغْضٍ فَبُوءُوا بِهَا خُسْرَا

لأمكُمُ الوَيْلاتُ غَادَرْتُمُ الهُدَى *** بِجُرْحِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لَايَبْرَى

فَلَهْفِي لَهَا كَمْ قَابَلَتْ مِنْ مَصَائِبٍ *** عَجَزْنَا بِأَنْ لاَنَسْتَطِيعَ لَهَا حَصْرَا

أُريعَتْ أُضيمَتْ أُسْقِطَتْ قَتَلُوا ابْنَهَا *** زَوَوَاْ إِرْثَهَا وَ اسْتَغْصَبُوا فَيْتَهَا قَسْرَا(6)

ص: 74


1- النيب: جمع ناب، و هي الناقة المسنة.
2- في البيت إشارة إلى ما روي في البحار ج53 ص 18-19. في حديث المفضل عن الصادق علیه السلام و إدخال قنفذ يده «لعنه الله» يروم فتح الباب و ضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتى صار كالدملج الأسود وركل الباب برجله حتى أصاب بطنها و هي حاملة بالمحسن لستة أشهر و إسقاطها إياه.
3- إشارة إلى ما روي في البحار ج53 ، ص18 و هجوم قنفذ و خالد بن الوليد و صفقه خدَّها حتى بدا قرطاها تحت خمارها و هي تجهر بالبكاء و تقول: وا أبتاه وا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم.
4- فيئي: غنيمتي.
5- تترى: تتابع.
6- زووا: احتازوا و قبضوا و جمعوا. و عن هذا البيت و الأبيات التي تليه انظر السيرة الحلبية ج3 ص362 تجد بعض ما جرى. و دلائل الإمامة للطبري ص46 و فرائد السمطين ج2 ص46.

أُهِينَتْ أُذِلَّتْ كُذِّبَتْ قِيدَ بَعْلُهَا *** أَسِيراً وَ قَدْ كَانَ الأَسودُ لَهُ أَسْرَى

وَ مَاتَتْ وَ زَنْدُ الْغَيْظِ وَارٍ بِقَلْبِهَا *** وَ يَكْفِيكَ حُزْناً أَنَّهَا دُفِنَتْ سِرَا

وَ أُخْفِيَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ قَبْرُهَا *** تُزَارُ وَ لَمْ يَعْرِفْ لَهَا أَحَدٌ قَبْرَا

وَلَكِنْ وَ إِنْ أُخْفِيَ فَقَدْ شَاعَ ذِكْرُهَا *** لَقَدْ عَمَّتِ الدُّنْيَا مَنَاقِبُهَا الغَرَا

رِضَاهَا رِضَى اللَّهِ الجَلِيلِ وَحُبُّهَا *** عَلَى كُلِّ مَنْ قَدْ نَالَهُ نِعْمَةُ كُبْرَى

تَمَسَّك بها تَلقَ المَسَرَّاتِ وَ اتَّخِذْ *** وَلاهَا إِذَا جَارَتْ يَدُ الإِبْتِلا فَخْرَا(1)

ص: 75


1- ديوان الشبيب ج1 ص22.

(18) أحرقوا الباب؟

(بحر الخفيف)

الشيخ حسين الشبيب (*)(1)

أدْهَى مَا كَانَ مِنْ بَلايَا الدُّهُورٍ *** مَوْتُ َطهَ الهَادِي البَشِيرِ النَّذِيرِ

حَيْثُ لَمَّا قَضَى أَبَانَتْ عِدّاهُ *** مَا أَكَنُّوهُ وَ مَا انْطَوَى فِي الصُّدُورِ

مِنْ ضُعُونٍ قَدْ أَضْمَرُوهَا وَ حِقْدٍ *** شَبَّ فِي قَلْبِ كُلِّ عِلْجٍ كَفُورِ(2)

أَظْهَرُوا الحِقْدَ وَ الضَّغَائِنَ إِذْ *** لَمْ يَجِدُوا قُوَّةً لَهُمْ فِي الظُّهُورِ

إِنَّمَا القَوْمُ حَيْثُ لَمْ تَتَأَنَّى *** لَهُمْ إِمْرَةٌ بِسُوءِ النُّفُورِ

أَذْعَنُوا خِيفَةً وَ دَانُوا إِلَيْهِ *** ظَاهِراً وَ الأَحْقَادُ مِلْءُ الصُّدُورِ

مَعَ هَذَا وَ لَمْ يُطِيقُوا اصْطِبَاراً *** أَنْ يَكِيدُوهُ فِي العِشيَ وَ البُكُورِ

كَايَدُوا دَحْرَجُوا الدِّبَابَ وَ فَرُّوا *** يَوْمَ أَحْدٍ وَ زَايَلُوا فِي الأُمُورِ(3)

كَيْ يَنَالُوا أَمْراً لَهُمْ فَأَبَى اللَّهُ *** أَنْ يَنَالُوا إِطْفَاءَ ذَاكَ النُّورِ

سَجَّلُوا بَيْنَهُمْ صَحِيفَةَ شَرِّ *** مَلؤُوهَا بِكُلِّ إِفْكِ وَ زُورِ(4)

صَوَّرُوهَا إِفْكاً وَ رَدَاً عَلَى اللَّهِ *** وَ نَقْضاً لِمَا فِي كِتَابِهِ المَسْطُورِ

وَ ارْتِدَاداً عَنِ الهُدَى وَاقْتِدَاءً *** بِالَّذِينَ ارْتَدُّوا بِمَاضِي الدُّهُورِ

يَوْمَ حَادُوا عَنِ الكَلِيم وَ هَارُونٍ *** إِلَى عِجْلٍ سَامِرِيٌّ كَفُورِ

ص: 76


1- (*)مرت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.
2- الدباب: إناء الزيت و غيره و هو كناية عن الزحلقة عن الطريق أو لعله كناية عن التخاذل و اللَّه العالم.
3- إفك: كذب و زور، كذب و باطل، الشرك باللَّه.
4- علج: الكافر الأجنبي.

فَلَعَمْرِي قَدِ اقْتَدَى القَوْمُ بِالقَوْمِ *** وَ زَادُوا عَلَيْهِمُ فِي أُمُورِ

أَسْقَطُوا حَمْلَ فَاطِمٍ أَحْرَقُوا البَابَ *** فَسَلْهَا عَنْ ضِلْعِهَا المَكْسُورِ(1)

لَطَمُوا خَدَّهَا فَصَاحَتْ وَ أَنَّتْ *** يَوْمَ رِيعَتْ بِمَدْمَعٍ مَنْثُورِ(2)

رَوَّعُوهَا ضَرْباً عَلَى الرَّأْسِ وَ المَتْنِ *** بِلَا خَشْيَةٍ وَ لامَحْذُورِ

غَصَبُوا إِرْثَهَا فَيَالِتُرَاتٍ *** كَانَ مِنْ أَحْمَدٍ لَهَا مَأُثُورِ(3)

ص: 77


1- في الوافي بالوفيات، ج5 ص347. إن عمر ضرب بطن فاطمة علیها السلام يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها... و عن إبراهيم بن سيار بن هانىء النظام أنه قال: إن عمر ضرب بطن فاطمة علیها السلام... إلى آخر الخبر... راجع الملل و النحل للشهرستاني، ج1 ص57. و في مؤتمر علماء بغداد لمقاتل بن عطية ص59: ...و لما جاءت فاطمة علیها السلام خلف الباب لترد عمر...، عصر عمر فاطمة علیها السلام بين الحائط و الباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها و نبت مسمار الباب في صدرها و صاحت فاطمة علیها السلام أبتاه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم، انظر ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة... و في كتاب سليم بن قيس، ط قم، ص36. دعا عمر بالنار فإضرمها في الباب ثم دفعه فدخل فاستقبلته فاطمة علیها السلام و صاحت يا أبتاه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم... و في الاحتجاج، ط النجف، ج1 ص109 في خبر طويل... . ...فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها...
2- في البحار للمجلسي، ج53 ص19، باب ما يكون عند ظهور المهدي (عج اللَّه فرجه الشریف). عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله علیه السلام قال في حديث طويل و هجوم عمر و قنفذ و خالد بن الوليد و صفعة خدها حتى بدا قرطاها تحت خمارها و هي تجهر بالبكاء و تقول: وا أبتاه وارسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ابنتك فاطمة علیها السلام تكذب و تضرب و يقتل جنين في بطنها...
3- في سنن البيهقي، ج6 ص300 باب بيان مصرف أربعة أخماس الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بإسناده عن عائشة قالت: «إن فاطمة علیها السلام أتت أبابكر تلتمس ميراثها من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال لها أبوبكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: لانورث ما تركناه صدقة فغضبت فاطمة علیها السلام و هجرته فلم تكلمه حتى ماتت. و في الاحتجاج للطبرسي، ط النجف، ج1 ص119. عن أبي عبد الله علیه السلام قال: لما بويع أبوبكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار بعث إلى فدك من أخرج وكيل فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم منها. و في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، ج6 ص284 في مسألة غصب فدك قال: سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له: أكانت فاطمة علیها السلام صادقة؟ قال: نعم. فقلت: فلم لم يدفع إليها أبوبكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسّم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته. قال: لو أعطاها اليوم فدک بمجرد دعواها لجاءت إليه غداً و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لأنه يكون قد اسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة و لاشهود. ثم علق على ذلك ابن أبي الحديد قائلاً: و هذا كلام صحيح و ان كان أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.

كُلُّ هَذَا جَرَى عَلَيْهَا بِمَرْأَى *** مِنْ عَلِيّ ذاك الأبِيِّ الغَيُّور

وَ اسْتَدَارُوا عَلَيْهِ جَهْراً وَ قَادُوهُ *** كَفَحْلٍ مُلبّبٍ مَأسُورِ(1)

أَخْرَجُوهُ سَحْباً وَ رَاحُوا يَجُرُّونَ *** بِنَفْسِي أَفْدِيهِ مِنْ مَجْرُورِ

وَ الَّذِي بايَعُوهُ فِي يَوْمِ خُمٍّ *** حَاصَرُوهُ تَباً لَهُمْ مِنْ حُضُورِ

إِنَّهَا النَّكْبَةُ الَّتِي لاسِوَاهَا *** يَا سَمَا يَا جِبَالُ يَا أَرْضُ مُورِي(2)

مَا سَمِعْنَا بِالضَّأْنِ تَفْتَرِسُ الذُّئْبَ *** وَ لَاالصَّقْر طُعْمَةَ العُصْفُورِ(3)

ص: 78


1- في كتاب سليم بن قيس، ط قم، ص37. انطلق قنفذ و اقتحم بيت فاطمة علیها السلام هو و أصحابه بغير إذن و ثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه و كائروه و هم كثيرون فألقوا في عنقه حبلاً ثم انطلقوا بعلي يعتل عتلاً.
2- موري: اضطربي.
3- ديوان الشبيب ج1 ص20.

(19) ذكرتُ باباً

(بحر البسيط)

الشيخ حسين النصراوي

ذرفتُ دمعي و قلبي باتَ مُنكسرا *** و فَرحُ عينيَ جرحاً في الحشا حَفَرَا

ذكرتُ باباً حزيناً دمعُهُ هَطِلٌ *** يشكُو الأسى و مُصاباً فطَّرَ الحجَرا

يشكو مُصاباً مآقي العين تذرفُه *** و الروحُ تذكُرهُ إذْ للفُؤادِ فرى(1)

ينعى البتولَ التي منْ خلفهِ وقفتْ *** و دمعُها مُسبَلٌ لازالَ مُنهمِرا

لمْ أنسها مُذْ أوتْ للبابِ يستُرُها *** فَمُذْ رآها بدا و الحِقدُ قدْ ظَهَرا

عدا وراحَ يُجاري البابَ يدفعُهُ *** فأسقطَ النُّورَ مُذْ ضِلعاً لها كَسَرا

و القلبَ أوجعَهُ و الوجهَ ألَّمَهُ *** و صدرَ فاطِمَ بالمسمار قدْ حَفَرا

و قالَ للعبدِ إضربها فأوجَعها *** لطماً على الوجهِ حَتَّى قِرطَها نَثَرا

و أحرَق البابَ بالنارِ التي سطعتْ *** نُوراً لِفاطِمةٍ ناراً لِمَنْ غَدَرا

لهفي لها ظُلمِتْ و الحُزنُ حيِّرها *** تبكي لأحمدَ أمْ للسقطِ مُذْ عُصِرا

تبَّاً لِظالِمها بُعداً لِمُبْغِضِها *** كأنَّهُ صُمَّ عَنْ قولٍ لها اشتَهَرا(2)

اللَّهُ يرضى لزهراء و إن غضبتْ *** يغضبْ و هلْ أحدٌ قد أنكرَ الخَبَرا

ص: 79


1- فرى: أي تفرّى، انشق و تقطع.
2- تباً: (التباب): الخسران و الهلاك.

(20) بضعة الهادي

(بحر البسيط)

الأُستاذ حميد أحمد المسري(*)(1)

لَقَدْ حَظِيَ الكَوْنُ قِدْماً بِالأَسَارِيرِ *** مُذْ قَدْ بَدَتْ بَضْعَةُ الهَادِي بِتَكْبِيرِ(2)

زَهْرَاءُ تَزْهَرُ فِي الآفَاقِ طَلْعَتُهَا *** فَيَنْجَلِي الكَوْنُ وَضَاءٌ مِنَ النُّورِ(3)

ص: 80


1- (*) هو الاستاذ حمید بن أحمد بن علي بن أحمد المسري. ولد في الكويت في الثالث من شهر شعبان سنة (1368ه_) الموافق (1948م)، في منطقة الشرق شارع الميدان. نشأ و ترعرع و تربى في أحضان أسرته، فنشأ نشأة صالحة كريمة حتى دفعه أبوه الحاج أحمد المسري إلى أحد الكتاتيب عند السيد ماجد البحراني و هو لم يتجاوز التاسعة من آنذاك، فتعلَّم القراءة و الكتابة ثم انتقل إلى المدرسة الجعفرية في الكويت و مديرها آنذاك كان الأستاذ المربي السيد محمد حسن الموسوي الذي كان متخصصاً بالعلم و التقوى و الصلاح فترعرع و نشأ كنفه جيل من الوجهاء و الصالحين حيث غرس في نفوسهم حب الفضيلة و الصلاح، وللَّه در القائل: قم للمعلم وفِّه التبجيلا *** كاد المعلم أن يكون رسولا أكمل المترجم له دراسته الثانوية بكل جدارة و قوة حتى صلب عوده و سمت منزلته. و كان الأستاذ أحمد من صغر سنه هاوياً للشعر و الأدب فأخذ يقرض الشعر و هو في العقد الثاني من عمره و في مرحلة دراسته المتوسطة، و تدرج في سلّم الشعر حتى اصبح شاعراً في كل مناسبة، و قد حالفه التوفيق منذ نعومة أظفاره لأن يكون أكثر نظمه في مدح ورثاء أهل البيت علیهم السلام و نعم التوفيق هو. نُشر له ديوان باسم (رشح الخواطر في مدح محمد صلي الله علیه و آله و سلم و آله الزواهر) و لايزال المترجَم له يمارس دوره الثقافي و الديني في مختلف الأبعاد، وفقه اللَّه لذلك.
2- حَظي: حصل على مكانة عالية الأسارير: جمع سرور و هو الفرح و الغبطة.
3- و لعل مما يشير إلى هذا المعنى ما جاء في معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص64 و علل الشرائع ج1 ص215 رقم3، الطبعة الأولى عن الطالقاني عن الجلودي عن الجوهري عن ابن عمارة عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن فاطمة علیها السلام لم سمّيت زهراء؟ فقال: لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض.

إِشْرَاقَةٌ قَدْ بَدَتْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ *** مَا مِثْلُهَا وَرَدَتْ فِي سَائِرِ الدُّورِ

عَلَتْ عَلَى الشَّمْسِ نُوراً فَاسْتَضَاءَ بِهِ *** كُلُّ الوَرَى لَمْ يَكُنْ عَنْهُمْ بِمَسْتُورِ

مَا الشَّمْسُ مَا الضَّوْءُ مَا الْأَنْوَارُ أَجْمَعُهَا *** يَكِلُّ عَنْ وَصْفِهَا بِالنُّورِ تَعْبِيرِي(1)

فَهْيَ الأَسَاسُ لِنُورِ الكَوْنِ قَاطِبَةً *** مَقولَةٌ فِي حَدِيثٍ غَيْرِ مَنْكُورِ(2)

ص: 81


1- لعل في هذا البيت و ما سبقه من الأبيات و لعل الناظم يشير إلى الرواية المذكورة في كتاب «دلائل الإمامة» للطبري ص8 حيث قال: «...عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد علیه السلام كيف كانت ولادة فاطمة علیها السلام؟ قال نعم إن خديجة علیها السلام لما تزوجها رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم هجرتها نسوة مكة ... فوضعت خديجة علیها السلام فاطمة علیها السلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة و لم يبق في شرق الأرض و لافي غربها موضع إلا أشرق فيه النور، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها، و دخلت عشر من الحور العين مع كل واحد طست من الجنة و إبريق فيه من ماء الكوثر فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها و غسلتها بماء الكوثر، و أخرجت خرقتين بيضاوتين أشد بياضاً من اللبن و أطيب رائحة من المسك و العنبر، فلفتها بواحدة وقنعتها بالأخرى، ثم استنطقتها فنطقت بشهادة أن لا إله إلا الله و أن أباها محمداً صلي الله علیه و آله و سلم سيد الأنبياء، و أن بعلها علياً علیه السلام سيد الأوصياء، و أن ولديها سيدا الأسباط ثم سلمت عليهن، و سمّت كل واحدة باسمها، و ضحكن إليها و تباشرت الحور العين و بشَّر أهل الجنة بعضهم بعضاً بولادتها وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم. و بذلك لقبت الزهراء علیها السلام.»
2- المنكور: المجهول. و ربما أراد في هذا البيت التأكيد على الرواية التي وردت في كتاب «معاني الأخبار» للشيخ الصدوق ص396 «عن سدير الصيرفي عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: خلق نور فاطمة علیها السلام قبل أن تخلق الأرض و السماء فقال بعض الناس: يا نبي الله صلي الله علیه و آله و سلم فليست هي إنسية؟ فقال: فاطمة علیها السلام حوراء إنسية. قال: يا نبي الله صلي الله علیه و آله و سلم و كيف هي حوراء إنسية؟ قال: خلقها الله «عزوجل» من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلما خلق الله «عزوجل» آدم عرضت على آدم قيل يا نبي الله صلي الله علیه و آله و سلم و أين كانت فاطمة علیها السلام؟ قال: كانت في حقّه تحت ساق العرش. قالوا: يا نبي اللَّه فما كان طعامها ؟ قال: التسبيح و التهليل و التحميد فلما خلق الله «عزوجل» آدم و أخرجني من صلبه، أحبّ الله «عزوجل» أن يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة و أتاني بها جبرئيل فقال لي: السلام عليك و رحمة الله وبركاته يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم، قلت: و عليك السلام و رحمة الله حبيبي جبرئيل. فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم إن ربك يقرئك السلام قلت: منه السلام وإليه يعود السلام. قال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم إن هذه تفاحة أهداها الله «عزّوجل» إليك من الجنة. فأخذتها و ضممتها إلى صدري. قال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم يقول الله جل جلاله: كُلها. ففلقتها فرأيت نوراً ساطعاً ففزعت منه فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم ما لك لاتأكل؟ كُلها و لاتخف، فإنَّ ذلك النور نور المنصورة في السماء و هي في الأرض فاطمة علیها السلام. قلت: حبيبي جبرئيل و لم سمّيت في السماء «المنصورة» و في الأرض «فاطمة علیها السلام»؟ قال: سُمّيت في الأرض فاطمة علیها السلام، لأنها فطمت شيعتها من النار و فطم أعداءها عن حبّها و هي في السماء المنصورة و ذلك قول الله «عزوجل»:«وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ» يعني نصر فاطمة لمحبيها.»

هذَا الحَدِيث أَتَى صِدْقاً مَقُولَتُهُ *** عَنْ سَيِّدِ جَاءَنَا لا عَنْ أَسَاطِيرِ(1)

نُورٌ بَدَا فَانْجَلَى عَنْهُ الدُّجَى فَزَهَا *** فِي الخَافِقَيْنِ جَلِيّاً غَيْرَ مَغْمُورِ(2)

وَ أَصْبَحَ الكَوْنُ شَعَاً يَوْمَ مَوْلِدِهَا *** حَتَّى بَدَا كُل مَسْتُورٍ بِدَيْجُورِ(3)

فَالأَرْضُ تَزْهَرُ بِالأَنْوَارِ مُشْرِقَةً *** وَ الفُلْكُ مُزْدَانَةٌ فِي حُسْنِ تَحْبِیرِ(4)

حَكَتْ أَبَاهَا رَسُولَ اللَّهِ فِي خُلُقٍ *** فَشَابَهَتْهُ بِحَزْمٍ ثُمَّ تَدْبِیرِ(5)

صَلَّى عَلَيْهَا مَلِيكُ الخَلْقِ إِذْ بَرَزَتْ *** وَ خَصَّهَا إِذْ تَوَلاهَا بِتَطْهِيرِ(6)

قَدْ خَصَّهَا لِنِسَاءِ الخَلْقِ سَيِّدَةً *** عَلَتْ عَلَى الخَلْقِ فِي فَضْلٍ وَ تَوْقِيرِ(7)

ص: 82


1- عن سيدِّ: المقصود بالسيد هنا هو سيد الكائنات محمد صلي الله علیه و آله و سلم.
2- الدجى: الظلام. الجلي: الظاهر البين. المغمور: الذي علاه الشيء فأخفاه. الخافقَين: هما المغرب و المشرق أو أفقهما لأن الليل و النهار يختلفان فيهما.
3- الشع: الشعاع. الديجور: الظلام.
4- التحبير: التزيين.
5- حکت: شابهت و لعل ما يروى في ذلك ما جاء في ذخائر العقبى للعلامة الحافظ محب الدین أحمد بن عبد الله الطبري ص40 تحت عنوان (ذكر شبهها بالنبي صلي الله علیه و آله و سلم سمتاً) الرواية عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً و دلاً و هدياً و حديثاً برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في قيامه و قعوده من فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.
6- قد يشير في هذا البيت إلى آية التطهير،كما ذكر الطبري في كتابه «ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» ص23 عن أم سلمة «قالت كان النبي الله صلي الله علیه و آله و سلم عندنا منكساً رأسه فعملت له فاطمة علیها السلام حريرة فجاءت و معها حسن و حسين علیهما السلام فقال لها النبي صلي الله علیه و آله و سلم: أين زوجك اذهبي فادعيه فجاءت به فأكلوا فأخذ كساءً فأداره عليهم و أمسك طرفه بيده اليسرى ثم رفع اليمنى إلى السماء و قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي علیهم السلام و حامتي و خاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، أنا حرب لمن حاربهم سلم لمن سالمهم و عدو لمن عاداهم» أخرجه ابن القبالي في معجمه.
7- قريب من ذلك ما جاء في الرواية التي ذكرها الطبري في «ذخائر العقبى» ص43 في فضل فاطمة عن عمران قال: خرجت يوماً فإذا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم قائم فقال لي: يا عمران إن فاطمة مريضة فهل لك أن تعودها قال: قلت فداك أبي و أمي و أي شرف أشرف من هذا قال: فانطلق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و انطلقت معه حتى أتى الباب فقال : السلام عليكم أَدْخُلُ؟ قالت: و عليكم السلام ادخل فقال صلى الله عليه و آله و سلم: أنا و من معي؟ قالت و الذي بعثك بالحق نبياً ما علي إلا هذه العباءة قال: و مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ملاءة خلقة فرمى بها إليها فقال: شدّي بها رأسك ففعلت ثم قالت: ادخل فدخل و دخلت معه فقعد عند رأسها و قعدتُ قريباً منه فقال أي بُنية كيف تجدينكِ قالت: واللَّه يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إني لوجعة و إنه ليزيدني وجعاً إلى وجعي إني ليس عندي ما اكل قال فبكى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و بكت و بكيت معهما فقال لها: أي بنية تصبري مرتين أو ثلاثاً ثم قال لها أي بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين قالت: و أين مريم بنت عمران قال لها أي بنية تلك سيدة نساء عالمها و أنتِ سيدة نساء عالمك و الذي بعثني بالحق لقد زوّجتك سيداً في الدنيا و الآخرة لايبغضه إلاّ منافق».

لَوْلاَ التَّفَاوُتُ فِي تَقْوَى وَ مَعْرِفَةٍ *** مَا مَازَ فَرْدٌ عَلَى فَرْدٍ بِتَقْدِيِرِ(1)

إِنَّ التَّفَاوُتَ فَرْقٌ قَدْ نَمِيزُ بِهِ *** كُلَّ الوَرَى عِنْدَ تَقْدِيمٍ وَ تَأْخِيرِ(2)

فَاللَّهُ فَضَّلَهَا، بِالخُلْقِ جَلَّلَهَا *** مَا مِثْلُهَا خُلِقَتْ فِي سَائِرِ الحُورِ(3)

بِنْتُ النَّبِيِّ نَبِيَّ الخَلْقِ قَاطِبَةً *** مَنْ قَدْ أَتَانَا بِإِنْدَارٍ وَ تَبْشِيرٍ

عَزَّ الخَلائِقُ حَقًّا فِي مَوَدَّتِهَا *** وَ حُبُّهَا الأمْنُ يَوْمَ النَّفْخَ فِي الصُّورِ(4)

ص: 83


1- ماز: عزل الشيء و فرزه عن غيره.
2- التفاوت: الاختلاف و التباعد ما بين الشيئين الاختلاف و التباين في الفضل. الورى: الخلق.
3- جلَّل: عَظَّمَ. و لعل مما يشير إلى بعض ذلك ما ورد في ذخائر العقبى ص48. عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان. العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم، و غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة علیها السلام بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم على الصراط فتمر و معها سبعون ألف جارية من الحور العين كالبرق اللامع».
4- يوم النفخ في الصور: كناية عن يوم القيامة. قد يريد الناظم في هذا البيت أن يشير إلى ما جاء في الرواية المذكورة في (بحار الأنوار) جزء(43) ص64: «عن أبي عبد الله جعفر بن محمد صلى الله عليه و آله و سلم قال: قال جابر لأبي جعفر علیه السلام: جعلت فداك يا بن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حدثني بحديث في فضل جدتك فاطمة علیها السلام إذا أنا حدثت به الشيعة فرحوا بذلك. قال أبوجعفر علیه السلام: حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم. قال: إذا كان يوم القيامة... فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت فيقول الله: يا بیت حبیبي ما التفاتك و قد أمرت بك إلى جنتي؟ فتقول: يا رب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم فيقول اللَّه: يا بنت حبيبي ارجعي فانظري من كان في قلبه حبُّ لك أو لأحد من ذريتك خذي بيده فادخليه الجنة. قال أبوجعفر علیه السلام: والله يا جابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها و محبيها كما يلتقط الطير الحبَّ الجيد من الحب الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا فإذا التفتوا فيقول الله «عزوجل»: يا أحبائي ما التفاتكم و قد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي، فيقولون: يا ربِّ أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا أحبائي ارجعوا و انظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة علیها السلام، أنظروا من أطعمكم لحبِّ فاطمة علیها السلام، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة علیها السلام، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة علیها السلام، انظروا من ردَّ عنكم غيبة في حُبِّ فاطمة علیها السلام خذوا بيده و أدخلوه الجنة. قال أبوجعفر علیه السلام: والله لايبقى في الناس إلا شالاً أو كافر أو منافق فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى: «فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَ لَاصَدِيقٍ حَمِيمٍ» قال أبوجعفر علیه السلام: هيهات هيهات منعوا ما طلبوا. «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ».

أصْفَاكِ رَبُّكِ إِذْ أَتَاكِ مَكْرُمَةً *** مِنَ المَزَايَا بِوَفْرٍ غَيْرِ مَنْزُورِ(1)

بَلَغَتِ بِاللَّهِ فَضْلاً لانَظِيرَ لَهُ *** مُسْتَحْكُمَ الأَصْلِ طَلْقاً غَيْرَ مَحْصُورِ(2)

أَعْطَاكِ رَبُّكِ عِزّاً لا يُشَابِهُهُ *** عِزُ الخَلائِقُ فِي نَبْتٍ وَ تَأْثِيرِ(3)

جُودِي عَلَيْنَا بِفَضْلٍ مِنْكِ نَرْقَبُهُ *** مِنَ السَّمَاءِ بِخَيْرٍ مِنْكِ مَوْفُورِ

بَرَاكِ رَبُّكِ قَبْلَ الخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ *** إِذْ لاَسَمَاءَ وَ لاَ شَيْءٌ بِمَذْكُورِ(4)

يَا بَضْعَةَ القَمَرِ الزَّاكِي الَّتِي ظُلِمَتْ *** فِي حَقِّهَا هُضِمَتْ مِنْ غَيْر تَبْرِير(5)

بِالسَّوْطِ قَدْ ضُرِبَتْ، وَ البَابِ قَدْ عُصِرَتْ *** ثُمَّ انْثَنَتْ تَرَحاً فِي ضِلع مَكْسُورِ(6)

وَ مُحْسِناً أَسْقَطَتْ جَرَاءَ رَفْسَتِهِ *** فَيَالَهُ حَدَتْ مِنْ كَفْ مَغْرُورِ(7)

ص: 84


1- الوفر: الكثير. النزور: القليل.
2- طلقا: أي مطلقاً غير مقيد. جاء في «ذخائر العقبى» أيضاً ص 39 ما للزهراء علیها السلام من فضل عند الله «تعالى» حيث اقترن غضب الله بغضب الزهراء علیها السلام و رضاه برضاها فيقول الطبري: عن علي بن أبي طالب علیه السلام يا فاطمة علیها السلام إن الله عز وجل يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».
3- الثبت: العاقل الراجح الرأي الثابت.
4- براك: بمعنى خلقك.
5- هضمت: ظلمت و انتقص حقها من غير تبرير: أي من غير داع و سبب.
6- انثنت: انعطفت ترحا حزناً.
7- و ما سبقه من الأبيات إشارة إلى ما ورد في كتاب سليم بن قيس: عن سلمان و عبداللَّه بن العباس قالا: توفي رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم يوم توفي فلم يوضع في حفرته، حتى نكث الناس و ارتدوا و أجمعوا على الخلاف و اشتغل علي برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حتى فرغ من غسله و تكفينه و تحنيطه و وضعه في حفرته، ثم أقبل على تأليف القرآن و شغل عنهم بوصية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال عمر لأبي بكر: يا هذا إنَّ الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل و أهل بيته علیهم السلام فابعث إليه فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له:قنفذ، فقال له: يا قنفذ انطلق إلى علي علیه السلام فقل له أجب خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فبعثا مراراً و أبي علي علیه السلام أن يأتيهم، فوثب عمر غضبان و نادى خالد بن الوليد و قنفذ فأمرهما أن يحملا حطباً و ناراً ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي و فاطمة «صلوات الله عليهما» و فاطمة علیها السلام قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها و نحل جسمها في وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم. فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى يا بن أبي طالب علیه السلام افتح الباب فقالت فاطمة علیها السلام: يا عمر ما لنا و لك لاتدعنا و ما نحن فيه. قال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم. فقالت: يا عمر: أما تتقي الله «عزوجل» تدخل علي بيتي و تهجم على داري؟ فأبى أن ينصرف، ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، فأحرق الباب، ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة علیها السلام و صاحت يا أبتاه يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فرفع السيف و هو في غمده فوجاً به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه صلى الله عليه و آله و سلم. فوثب علي بن أبي طالب علیه السلام فأخذ بتلابيب عمر ثم هزّه فصرعه و وجأ أنفه و رقبته و همَّ بقتله فذكر قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و ما أوصاه به من الصبر و الطاعة فقال: والذي كرم محمداً صلى الله عليه و آله و سلم بالنبوِّة يا بن صهّاك لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لاتدخل بيتي فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار و سلَّ خالد بن الوليد السيف ليضرب به علياً علیه السلام فحمل علي علیه السلام عليه بسيفه، فأقسم على علي فكفَّ. و هناك رواية أخرى في كتاب «أمالي الصدوق» ص990-100 [ط الخامسة] جاء فيها عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم کان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن علیه السلام فلما رآه بكى ثم قال: إلى أين يا بني فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى. ثم أقبل الحسين علیه السلام فلما رآه بكى ثم قال: إلى أين يا بني فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى ثم أقبلت الزهراء علیها السلام فلما رآها بكى ثم قال: إليَّ إليَّ يا بنية فأجلسها بين يديه ثم أقبل أميرالمؤمنين علیه السلام فلما رآه بكى ثم قال: إليَّ يا أخي فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن فقال له أصحابه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ما ترى واحداً من هؤلاء إلا بكيت أو ما فيهم من تُسر برؤيته؟ فقال صلي الله علیه و آله و سلم: والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على البرية إني وإياهم لأكرم الخلق على الله «عزوجل» و ما على وجه الأرض نسمة أحب إلي منهم أما علي بن أبي طالب علیه السلام فإنه ... و أما ابنتي فاطمة علیها السلام فانها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين و هي بضعة مني و هي نور عيني و هي ثمرة فؤادي و هي التي بين جنبي و هي الحوراء الإنسية مني قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله ظهر نورها لملائكة السماء كما يظهر نور الكواكب لأهل الأرض، و يقول اللَّه «عزوجل» لملائكته: «يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة علیها السلام سيدة إمائي قائمة بين يدي ترتعد فرائصها من خيفتي و قد أقبلت بقلبها على عبادتي أشهدكم اني قد أمَّنت شيعتها من النار و إني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي كأني بها و قد دخل الذل بيتها و انتهكت حرمتها و غصبت حقها و منعت إرثها و كسر جنبها (كسرت جنبتها) و أسقطت جنينها و هي تنادي يا محمداه صلي الله علیه و آله و سلم فلاتجاب و تستغيث فلاتغاث فلاتزال بعدي محزونة مكروبة باكية تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة و تتذكر فراقي أخرى و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدتُ بالقرآن ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة فعند ذلك يؤنسها الله «تعالى» ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مریم بنت عمران فتقول يا فاطمة علیها السلام إن الله اصطفاك و طهَّرك و اصطفاك على نساء العالمين يا فاطمة علیها السلام اقنتي لربك و اسجدي و اركعي مع الراكعين ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله «عزوجل» إليها مريم بنت عمران تمرضها و تؤنسها فى علتها، فتقول عند ذلك: يا رب إني قد سئمت الحياة و تبرّمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي فيلحقها الله «عزوجل» فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي علیهم السلام فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها و عاقب من غصبها و ذلل من أذلها و خلّد في النار من ضرب جنبها حتى ألقى ولدها فتقول الملائكة عند ذلك آمين».

ص: 85

تَقَبَّلِي مِنْ صَمِيمِ القَلْبِ قَافِيَةً *** فِي الحُسْنِ زَاهِيَةً جَاءَتْ بِتَفْكِيرِي(1)

مَيْمُونَةٌ بِاسْمِكِ العَالِي قَدِ اتَّسَمَتْ *** مَعْلُومَةَ النَّهْجِ نَظْماً غَيْرَ مَنْثُورِ(2)

إِذَا تَلاَهَا امْرُؤٌ هَزَّتْ عَوَاطِفُهُ *** وَ أَرْدَفَتْ طَرَباً مِنْ حُسْنِ تَصْوِيرِ

نَظَمْتُهَا عَبْرَ تَفْكِيرِي بِلا مَلَلٍ *** غَدَتْ بِقُرْءٍ لَهَا بِالكَسْرِ مَجْرُورِ(3)

جَاءَتْ لِتُعْرِب عَنْ حُبِّي لَكُمْ أَبَداً *** وَ يُخْبِرَ النَّظْمُ عَمَّا كَنَّ تَامُورِي(4)

نَظَمْتُ لَفْظِي فَكَانَ النَّظْمُ دَاعِيَةً *** إِلَى نِظَامِ رَفِيعِ القَدْرِ مَنْظُورِ(5)

قَدْ أَرْسَلَتْ عَنْ هُدَى قَلْبِي مُعَلَّمَةً *** فِي حُبّكُمْ قَدْ أَتَتْ مِنْ دُونِ تَغْبِيرِ

ص: 86


1- القافية: القصيدة و العرب تطلق على القصيدة كلها قافية. قالت الخنساء: و قافية مثل حد السنان *** تبقی و یهلک من قالها و قافية: أي وقصيدة.
2- المنثور من الكلام ما كان نثراً و ليس منظوماً.
3- القرء: بضم القاف بمعنى القافية.
4- التامور: القلب.
5- المنظور: الذي يرجى خيره.

كَالشَّمْسِ فِي حُسْنِهَا لِلنَّاسِ زَاهِرَةً *** أَوْ كَوْكَبِ ظَاهِرِ فِي صَوْتِهِ يُورِي(1)

فَالْفِكْرُ فِيهَا غَدَا لِلأَمْرِ مُمْتَيْلاً *** وَ الشَّعْرُ ما بَيْنَ مَسْطُورِ(2)

تَقَبَّلِيهَا فَإِنَّ الفِكْرَ ذُو فَرَطٍ *** قَدْ قَرَّ بِالعَجْزِ مِنْ جَرَّاءِ تَقْصِيريِ(3)

فَالْقَلْبُ فِي سَرَفٍ، وَ الْفِكْرُ فِي دَلَفٍ *** وَ القَصْدُ مَا بَيْنَ مَطوِيٌّ وَ مَنْشُورِ(4)

قَدْ كُنْتُ آمَلُ أنْ أَرْقَى بِرَائِعَةٍ *** لَكِنَّمَا قَدْ جَرَى نَظْمِي بِمَقْدُورِي(5)

صَلَّى إِلهُ الوَرَى أَلْفاً عَلَيْكِ أَتَى *** مُؤَسِّسُ الأَلْفِ َألفاً غَيْرَ مَجْذُورِ(6)

ص: 87


1- يوري: يقدح ضوءاً.
2- المشطور: المقسوم نصفين لأن البيت الواحد من الشعر فيه شطران الأول يسمى الصدر و الثاني يسمى العجز و آخر تفعيلة من الصدر تسمى العروض و آخر تفعيلة من العجز تسمى الضرب. المسطور: وضع الكلمات و الجمل في صفوف (سطر).
3- الفرط: الذي لم يف بحق الأداء، المتهاون.
4- السرف: المولع في الشيء أي مولع في حبكم. الدلف: المقبل على الشيء أي الفكر مقبل على إظهار المعاني. القصد: المعنى الموجود في القلب. المطوي: هو الذي كان في القلب. المنشور: هو الذي ظهر في النظم.
5- الرائعة: المقصود بها القصيدة الجيدة.
6- مؤسس الألف ألفاً: أي الالف هذه مرفوعة إلى أس ألف هكذا (1000) فالعدد (1000) مضروب في نفسه (1000) مرة أي بمعنى واحد بجانبه من اليمين ثلاثة آلاف صفر و عليك الحساب المجذور: حاصل ضرب العدد في نفسه. رشح الخواطر في مدح محمد صلي الله علیه و آله و سلم وآله علیهم السلام الزواهر ص97.

(21) صاحب الطلعة الغزا

(بحر الطويل)

السيد خضر القزويني (*)(1)

إلامَ التَّوَانِي صَاحِبَ الطَّلْعَةِ الغَرًّا *** أَمَا آنَ مِنْ أَعْدَاكَ أنْ تَطْلُبَ الوِتْرَا؟(2)

ص: 88


1- (*) السيد خضر بن علي بن محمد بن جواد بن رضا أبو الأسرة القزوينية و يصل نسبه إلى زيد الشهيد. و هو من أسرة تعرف بآل القزويني، قطنت النجف الأشرف منذ زمن بعيد. ولد المترجم له، في النجف الأشرف عام (1323ه_) و نشأ بها و ترعرع حتى إذا بلغ سنّ رشده ركب طريق الادب و الكمال و ما انفاً عن مجالسة الشعراء و ممارسة الخطباء، فقرض الشعر و هو ابن عشرين عاماً، و قد جمع إلى موهبة النظم و إنشاد الشعر فن الخطابة و التبليغ بأسلوب جديد بليغ فكان خطيباً مفوهاً حباه الله حسن الصوت و جمال الوجه فأصبح يشار إليه بالبنان و ما انفك مثابراً على طلب الفضل و الفضيلة و تحصيل العلوم و الأخلاق، حتى انفرد من بين ذوي الفن بمواهبه العالية و أصبح نابغة من نوابغ الشعراء و الخطاء، و حلّق من بينهم إلى أوج الكرامة و الخلود. أكثر من النظم وأجاد في أكثره، و طرق أبواب الشعر فكان موفِّقا في أغلبها و كان غريد المحافل، و في عصره يعد من المجددين، فكان أدبه أكثر من خطابته و كان المترجَم له مثالاً للخلق الرفيع و النفس العالية، مرموقاً في وسطه محبوباً عند مختلف الطبقات، اريحي الطبع، ذكياً رقيق الأسلوب، و كان وفياً أصدقائه. و كان يختص بفئة طيبة من معشر الشباب الواعي و يمتاز بهم عن سائر الناس، و ما برح يلتقي بهم في معظم الاوقات و من بين هؤلاء الأصدقاء الاوفياء زميله فضيلة السيد مهدي الأعرجي. توفي «رحمة الله» و هو في أوائل العقد الرابع من عمره بعد أن قاسى المرض زمناً و ذلك يوم الثالث من رجب عام 1357ه_ و شيّع تشييعاً معظماً و دفن في الإيوان الذهبي في الحرم الحيدري «المقدس».
2- التواني: الفتور و التقصير. الوتر: الانتقام، بكسر الواو أو فتحها.

فَدَيْنَاكَ لِمَ أَغْضَيْتَ عَمَّا جَرَى عَلَى *** بَنِي المُصْطَفَى مِنْهَا وَ قَدْ صَدَّعَ الصَّخْرَا؟(1)

أَتُغْضِي وَ تَنْسَى أُمَّكَ الظُّهْرَ فَاطِماً *** غَدَاةَ عَلَيْهَا القَوْمُ قَدْ هَجَمُوا جَهْرَا؟(2)

أَتُغْضِي وَ شَبُوا النَّارَ فِي بَابٍ دَارِهَا *** وَ قَدْ أَوْسَعُوا فِي عَصْرِهِمْ ضِلْعَهَا كَسْرَا؟(3)

أَتُغْضِي وَمِنْهَا أَسْقَطُوا الطُّهْرَ مُحْسِناً *** وَ قَادُوا عَلِيَّ المُرْتَضَى بَعْلَهَا قَسْرَا؟

أَتُغْضِي و َسَوْطُ (العَبْدِ) وَ شَّحَ مَتْنَهَا *** وَ مِنْ لَطْمَةِ الطَّاغِي غَدَتْ عَيْنُهَا حَمْرَا؟(4)

أَتُغْضِي وَ قَدْ مَاتَتْ وَ مِلْءُ فُؤَادِهَا *** شَجِّى وَ عَلِيٌّ بَعْدُ شَيَّعَها سِرَّا؟(5)

أَتُغْضِي وَ قَدْ أَرْدَىٰ حُسَامُ (ابْنِ مُلْجَمٍ) *** «عَلِيًّا» وَ طَرْفُ الشِّرْكِ حِينَ قَضَى قَرّا؟

أَتُغْضِي وَ قَدْ أَلْوَىٰ (لَوِيَّا) مُصَابُهُ *** وَ غَادَرَ حَتَّى الحَشْرِ أَكْبَادَهَا حَرَّى؟

أَتُغْضِي وَ قَدْ دَسَّ السُّمَامَ أَخُو الشَّقَا *** إِلَى المُجْتَبَى كَيْمَا بِهِ يَفْجَعُ الزَّهْرَا؟

أَتُغْضِي وَ قَدْ أَوْدَىٰ بِهِ فَتَقَطَّعَتْ *** غَدَاةَ بِهِ أَوْدَىٰ قُلُوبُ الوَرَى طُرَّا؟(6)

أتُغْضِي وَيَوْمَ الطَّف (آلُ أُمَيّةٍ) *** بِقَتْلِ سَلِيل الطُّهْرِ أَدْرَكَتِ الوَتْرَا؟

ص: 89


1- أغضيت: أغضى يُغضي: طبق جفنيه حتى لايُبصر شيئاً، أو سكت و صبر. صدّع: شقَّ.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى هجوم القوم على بيت الزهراء علیها السلام.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى إحراق بيت الزهراء علیها السلام و إلى كسر ضلعها.
4- وشحَّ: ألبسه الوشاح كناية عن أنه اسود متنها علیه السلام من آثار سياطة فكان و شاحاً على متنها. يشير الشاعر في هذا البيت إلى ضرب الزهراء علیها السلام بالسوط و لطمها على خدها. انظر کتاب سليم بن قيس ص36 و ص40 و ص208 و كتاب الاحتجاج ج1 ص109، و كتاب إرشاد القلوب كما في عوالم العلوم ج2 ص574 و كتاب البحار ج8 ص240 ط حجرية.
5- و في هذا البيت إشارة إلى حزن الزهراء علیها السلام و إلى تشييعها سراً إلى قبرها. انظر كتاب البحار ج43 ص183، 195 و ص201. و كتاب مناقب ابن شهر آشوب كما في عوالم العلوم ج2 ص1080. و ج3 ص363. و كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص54 . و ذكره ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب ج4 ص1898 في ترجمة فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم.
6- أودي: أهلك.

أَتُغْضِي وَ فِيهِ مَثَّلَتْ بَعْدَ قَتْلِهِ *** وَ مِنْ دَمِهِ قَدْ رَوَّتِ البِيضَ وَ السُّمْرَا؟(1)

أَتُغْضِي وَ قَدْ طَافَتْ بِرَأْسِ فَخَارِهِ *** عَلَى ذَابِل أَمْسَى يُبَاهِي بِهِ البَدْرَا؟

أتُغْضِي وَ قَدْ سَارَتْ بِرَبَّاتِ خِدْرِهِ *** سَبَايَا وَ سَوْطُ الشِّمْر أَوْسَعَهَا زَجْرَا؟

أَتُغْضِي وَ قَدْ طَافَتْ بِهَا كُلَّ بَلْدَةٍ *** عَلَى هُزَّلٍ تَنْعَى وَ أَعْيُنُهَا عَبْرَى؟

(وَأَعْظَمُ مَا يُشْجِي الغَيُورَ دُخُولُهَا *** إِلَى مَجْلِسٍ مَا بَارَحَ اللَّهْوَ وَ الخَمْرَ)(2)

فَحَتَّى مَتَى تُعْضِي وَ لَمْ تُلْفَ ثَائِراً *** بِوَثْرِ بَنِي الهَادِي الَّذِيْنَ قَضَوْا صَبْرَا

فَهُبْ لَهَا وَاسْقِ حُسَامَكَ مِنْ دِمَا *** عِدَاكَ وَ غَادِرُ نَظمَ هَامَاتِهَا نَثْرَا(3)

ص: 90


1- البيض: السيوف. السمر: الرماح.
2- ضمن الشاعر هذا البيت و هو من قصيدة للحاج محمد علي كمونة.
3- ديوان شعراء الحسين علیه السلام ج1 ص230.

(22) أو الهداة

(بحر البسيط)

زين العابدين الكويتي (*)(1)

ص: 91


1- (*) هو زين العابدين بن حسن بن باقر ذي الرياستين الكويتي و المعروف «بملا عابدين»، ولد في الكويت عام (1866م) و نشأ في أسرة فقيرة ،الحال لم تهيَّأ له أسباب الدرس و التحصيل، غير أن تعطشه للعلم -و قد كان ذكياً سریع البديهة- دفعه لاقتناص أوقات فراغه لتلقيه على أيدي أصحابه ،و رفقائه و بعض من كان يتعاطف معه من المدرسين و الاساتذة. فاستطاع أن يثقف نفسه بنفسه، و ان يشتري عمدة الكتب اللغوية و الأدبية، في اللغتين العربية ،و الفارسية و ان ينكبّ عليها مستجلياً خفاياها و دفائنها. و قد جاء في ديوانه المخطوط (العرصات البديعة و الطرائز اللميعة) قوله: (فوفقت بمرور الزمن لمطالعتي الكتب، حتى نظمت القصائد الفرائد على عناوين شتى في كل فن من التخميس و التضمين و التوشيح و التشطير و التواريخ العددية الأبجدية... مقتحماً مقتحما بجنود الفكر لفنون الشعر العويصة، و رموزه الغالية النفيسة، و همزت جماح الفكر إلى ربواته المغدقة الأنيسة ثم نظمت باللغتين و تكلمت بالعبارتين العربية و الفارسية... و كان ابتدائي في الشعر قبل بلوغي أو ان الحلم في سن الثانية عشرة من عمري). و قد خلَّف لنا الشاعر، آثاراً كثيرة في الشعر و النثر، تربو على أربعين مؤلفاً، و قد لعبت بمعظمها يد العبث و الاقدار و لم يبق منها غير القليل، و لقد جاء على ذكر اسماء مؤلفاته في ديوانه المخطوط (العرصات البديعة ...) و لم يذكر أنه قد طبع شيئاً منها غيركتابه الموسوم ب_ (موعظة الرجال و بلغة الآمال) عربي في بومبي عام (1327ه_)، و قد رأيت له ديوان شعر في أهل البيت علیهم السلام مخطوطاً سمّاه (مرآة العارفين و مشكاة السالكين). فقد ساح في أقطار الخليج و التقى بأمرائها و أثريائها و نقل لي الخطيب اللامع الشيخ جعفر الهلالي: وجدت له شعراً كثيراً في الإحساء و القطيف عند هذا و ذاك. و زين العابدين، خطاط ماهر له لوحات خطية رائعة. وقد اطَّلعت على بعض خطَّة، في حسينية معرفي في الكويت لوحة ملصقة على الجدار فيها قصيدة له يذكر تاريخ تأسيس الحسينية بخَطه الجميل ومثلها في حسينية السيد علي في الكويت منطقة الشرق، فهو آية في الدقة و الحسن و الجمال. و له في الخط أسلوب عجيب يريك زهرة أو رجلاً أو أي صورة تشاء مرسومة على الورق، ثم يفضّ الورقة فتصبح الصورة آية قرآنية أو بيتاً من الشعر أو كلمة، و قد سكبت بخط رائع جذاب. و هذا فن تخصص به و أجاده وآثاره مشهورة في الكويت. وافته المنية رحمه اللَّه عام (1950م) عن عمر ناهزَ الثمانين.

أَرَى البَرَايَا تَسُحُّ الدَّمْعَ مِدْرَارَا *** وَ تَشْتَكِي الهَمَّ أَصَالاً وَ أَبْكَارَا(1)

كَأَنَّمَا شَبَّ فِي أَضْلاعِهَا شَرَرٌ *** مِنْ نَارٍ حُزْنٍ أَرَتْهَا ثُمَّ أَضْرَارَا(2)

فَبَانَ جَيْشُ الأَسَى فِي الكَوْنِ وَ انْصَدَعَتْ *** مِنْهُ الجِبالُ الرَّوَاسِي الشُّمُّ مُذْ صارا(3)

أَلا تَرَى الكَوْنَ دَاجِي اللَّونِ مُنْزَعِجاً *** لِفَقْدِ فَاطِمَ يُبْدِي الحُزْنَ تَكْرَارا؟

فَقْدُ البَتُولَةِ هَدَّ الدِّينَ صَارِخُهُ *** وَ زَلْزَلَ الْأَرْضَ لَمَّا شَاعَ تَذْكَارا

لِبَضْعَةِ المُصْطَفَى أَمْسَى الوَصِيُّ يَرَى *** إِزْهَاقَ نَفْسٍ فَأَجْرَى الدَّمْعَ أَنْهَارا

فَلاَ يُلاَمُ إِذَا مَا بَاتَ فِي جَزَعٍ *** لأَنَّ فِي عَيْنِهَا قَدْ شَامَ آثَارا(4)

وَ حُمْرَةُ العَيْنِ لِلزَّهْرَا لَهَا سَبَبٌ *** وَ تِلْكَ مِنْ لَطْمَةِ الجَانِي إِذْ جَارا(5)

وَ قَدْ رَأَى ضِلْعَهَا المَكْسُورَ حِينَئِذٍ *** أَرَادَ تَجْهِيزَهَا مُذْ رَامَ أَسْتَارا(6)

ص: 92


1- تسحَ: تسيل. أصالاً:جمع أصیل و هو بین العصر و المغرب أو العشي. أبکار: جمع بكرة و هي الصباح.
2- شب: أُشعل و اتقد.
3- انصدعت: انشقت. الجبال الرواسي الشم: الجبال الراسخة الثابتة.
4- شام: يقال مخايل مخايل الشيء: أي تطلع نحوه ببصره منتظراً له، و شام البرقَ: نظر إليه أين يتجه و أين يمطر.
5- في هذا البيت إشارة إلى صفع عمر بن الخطاب وجه الزهراء علیها السلام ظلما و جورا. ففي إرشاد القلوب كما في عوالم العلوم ج2 ص574 و البحار ج8 ص240 ط حجرية، على لسان الزهراء علیها السلام فضربني بيده حتى انتثر قرطي من أذني و جاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلاً بغير جرم، فهذه أمة تصلي عليَّ و قد تبرأ الله و رسوله صلي الله علیه و آله و سلم منهم و تبرأت منهم».
6- يشير الشاعر في هذا البيت إلى كسر ضلع الزهراء علیها السلام و إلى تجهيز الزهراء علیها السلام و دفنها ليلاً انظر کتاب سلیم بن قيس الهلالي ص40 و ص208 و كتاب الاحتجاج، ج1 ص109. أما دفنها ليلاً فانظر المناقب لابن شهر آشوب ج3 ص363. و كتاب ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ص54. و كتاب البحار ج43 ص183. و ذكره ابن عبد البر في كتابه الاستيعاب ج4 ص1898. و الظاهر أن الوزن الشعري يقضي أن نضيف كلمة (لم) أو (لا) حتى يستقيم البيت فيكون هكذا (بنت الرسول صلي الله علیه و آله و سلم رأت ما لايرى أحد).

بِنْتُ الرَّسُولِ رَأَتْ مَا يَرَى أَحَدٌ *** كَمَا رَأَتْ مِنْ عَدُوٌّ كَانَ كَفَّارا

تَنَاهَبُوا فَيْثَهَا وَ الكُلُّ يَرْمُقُهَا *** وَ خَالَفُوا قَوْلَ طَهَ القَوْمُ إِجْهَارا(1)

مِنَ البُكَا مَنَعُوهَا بَعْدَ وَالِدِهَا *** وَ جَرَّعُوهَا كُؤُوسَ المُرٍّ أَطْوَارا(2)

كَانَتْ تَسِيرُ إِلَى ظِلٍّ الأَرَاكَةِ كَيْ *** تَقْضِي لَهَا فِي البُكَا وَ النَّوْحِ أَوْطَارا(3)

لَمْ يَكْفِهِمْ مَا جَنَوْا إِثْماً وَ قَدْ قَطَعُوا *** تِلْكَ الأَرَاكَةَ ظُلماً ثُمَّ إجْبَارا

بَنَى عَلِيٌّ لَهَا بَيْتاً تَنُوحُ بِهِ *** عَلَى فِرَاقِ أَبِيهَا بَعْدَ مَا سَارا

بَنَى لَهَا بَيْتَ أَحْزَانٍ لِتَسْكُنَهُ *** عِنْدَ البُكَاءِ فَتَذْرِي الدَّمْعَ مِدْرَارا

كَانَتْ تَرُوحُ مَعَ ابْنَيْهَا هُنَاكَ إِلَى *** البَيْتِ المُعَيَّنِ أصالاً وَ أَبْكَارا

وَ تَنْثُرُ الدَّمْعَ فِي حُزْنٍ وَ فِي حُرَقٍ *** يُذِيبُ صُمَّ الصَّفَا بِالنَّوْحِ إِذْ غَارَا(4)

ص: 93


1- فيئها: غنيمتها. يرمقها: يطيل النظر إليها و في هذا البيت إشارة إلى اغتصاب فدك من الزهراء علیها السلام انظر مسند أحمد ج1 ص9 و السنن الكبرى ج6 ص300 كما في كتاب عوالم العلوم ج2 ص626، و ج1 ص13 من كتاب مسند أحمد بن حنبل و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص232. و السيرة الحلبية ج3 ص487.
2- و في هذا البيت إشارة إلى منع الزهراء علیها السلام من البكاء فقد جاء في كتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص322 قال: رأس البكائين ثمانية: آدم و نوح، و يعقوب و يوسف و شعيب و داود، و فاطمة علیها السلام، و زين العابدين علیه السلام قال الصادق علیه السلام: أما فاطمة علیها السلام فبكت على رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم حتى تأذى أهل المدينة. فقالوا لها آذيتنا بكثرة بكائك إما أن تبكي بالليل و إما ان تبكي بالنهار، و كانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي. و ذكره الشيخ الصدوق في أماليه ص121 ح رقم5.
3- أوطارا: جمع وطر، و هو الحاجة و البغية.
4- في هذه الأبيات الأربعة إشارة إلى بيت الاحزان الذي بناه لها الإمام علي علیه السلام بعد اعتراضهم على بكائها ليلاً ونهاراً. ففي كتاب البحار ج34 ص177 ضمن حديث طويل قال: «ثم إنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمى بيت الأحزان و كانت إذا أصبحت قدمت الحسن و الحسين علیهما السلام أمامها، و خرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أميرالمؤمنين علیه السلام إليها و ساقها بين يديه إلى منزلها». و في كتاب رحلة ابن جبير ص174 قال: «ويلي هذه القبة العباسية بيت يُنسب لفاطمة علیها السلام بنت الرسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ويعرف ببيت الحزن يقال إنه الذي أوت إليه و التزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى صلي الله علیه و آله و سلم.

تُخَاطِبُ الحَسَنَيْنِ الطُّهْرُ فَاطِمَةٌ *** تَقُولُ أَيْنَ مَضَى مَنْ عَنْكُمُ سَارا

فَأَيْنَ جَدُّكُمُ الهَادِي النَّبِيُّ أَلاَ *** قُولاَ فَفِي مُهْجَتِي قَدْ أَوْقَدُوا النَّارا؟(1)

أَذَابَ جِسْمِي فِي يَوْمِ الرَّحِيلِ وَ كَمْ *** لأَقَيْتُ مِنْ بَعْدِهِ ضَيْماً وَ أَكْدَارا

أَيَّ المَصَائِبِ أَنْسَى بَعْدَ جَدْكُمَا *** إِحْرَاقَ دَارِي أَمِ الظُّلْمَ الَّذِي صَارا؟(2)

ص: 94


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى ما روي من أنَّ الزهراء علیها السلام كانت تخاطب الحسنين علیهما السلام بحزن ولوعة لفقد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم. ففي كتاب البحار ج43 ص181 قال: «و روي أنها ما زالت بعد أبيها صلى الله عليه و آله و سلم مُعصَّبة الرأس ناحلة الجسم، منهدة الركن باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة و تقول لولديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما و يحملكما مرَّة بعد مرَّة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الأرض؟ و لاأراه يفتح هذا الباب أبداً و لايحملكما على عاتقه كما لم يزل يفعل بكما».
2- ففي كتاب الاحتجاج ج1 ص109 قال ضمن رواية طويلة «ثم أمر (يعني عمر) أناساً حوله فحملوا حطبا و حمل معهم فجعلوه حول منزله و فيه علي و فاطمة و ابناهما علیهم السلام ثم نادى عمر حتى أسمع عليا علیه السلام والله لتخرجنَّ و لتبايعنَّ خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أو لأضر منَّ عليك بيتك ناراً ناراً ثم ثم رجع فقعد إلى أبي بكر و هو يخاف أن يخرج علي بسيفه لما قد عرف من بأسه و شدته. ثم قال لقنفذ: إن خرج وإلا فاقتحم عليه فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم ناراً». و في كتاب سليم بن قيس الهلالي ص36 زيادة على ما في الاحتجاج «فقالت فاطمة علیها السلام يا عمر ما لنا و لك؟ فقال: افتحي الباب و إلاّ أحرقنا عليكم بيتكم، فقالت: يا عمر تتقي الله تدخل عليَّ بيتي ؟ فأبى أن ينصرف و دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب ثم دفعه و دخل... الخ . و في ص208 من كتاب سليم قال: «ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب، فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة علیها السلام و صاحت يا أبتاه يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فرفع السيف و هو في غمده فوجاً به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه صلى الله عليه و آله و سلم... الخ. و في كتاب مؤتمر علماء بغداد ص37 إن أبابكر بعد أن أخذ البيعة لنفسه من الناس بالإرهاب و السيف و التهديد و القوة أرسل عمراً و قنفذاً و خالد بن الوليد و أبا عبيدة بن الجراح و جماعة أخرى من المنافقين إلى دار علي و فاطمة علیهما السلام، و جمع عمر على باب فاطمة علیها السلام (ذلك الباب الذي طالما وقف عليه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و قال: السلام عليكم أهل بيت النبوَّة صلى الله عليه و آله و سلم وما كان يدخله إلا بعد الاستئذان) و أحرق الباب بالنار . و لما جاءت فاطمة علیها السلام خلف الباب لترد عمر، و حزبه عصر عمر فاطمة علیها السلام بين الحائط و الباب عصرة شديدة قاسية حتى أسقطت جنينها و نبت مسمار الباب في صدرها و صاحت فاطمة علیها السلام أبتاه يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم انظر ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة فالتفت عمر إلى من حوله و قال: اضربوا فاطمة علیها السلام فانهالت السياط على حبيبة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و بضعته حتى أدموا جسمها».

أَمْ كَسْرَ ضِلْعِي وَ إِسْقَاطَ الجَنِينِ أوِ *** السَّوْطَ الَّذِي اسْوَدَّ كَتْفِي مِنْهُ إِجْهَارا(1)

أمْ مَنْعَهُمْ فِي تُرَاثِي بَعْدَ مَا عَلِمُوا *** أَنَّ النَّبِيَّ حَبانِي ذَاكَ إيثَارا(2)

أَمْ فَوْدَهُمْ لابْنِ عَمِّي يَوْمَ بَيْعَتِهِمْ *** إِلَى الخَلِيفَةِ مَنْ قَدْ بَاتَ مُخْتَارا

أمْ قَطعَهُمْ لأَرَاكٍ أَوْ لِمَنْعِهِمُ *** مِنِّي البُكَا لأَبي مَنْ قَدْ حَمَى الجَارا(3)

ص: 95


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى كسر ضلع الزهراء علیها السلام و إسقاط جنينها و ضربها بالسوط على كتفها . انظر کتاب سلیم بن قيس ص208. و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص37. و في ص40 من كتاب سليم بن قيس قال: و قد كان قنفذ لعنه اللَّه حين ضرب فاطمة علیها السلام بالسوط. حين حالت بينه و بين زوجها. أرسل إليه عمر: إن حالت بينك و بينه فاطمة علیها السلام، فاضربها، فألجأها قنفذ إلى عضادة بابها و دفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنيناً بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلى اللَّه عليها من ذلك شهيدة. و في كتاب الاحتجاج، ج1 ص109 قال: ضمن حديث طويل «فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن و بادر علي إلى سيفه ليأخذه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فضبطوه و ألقوا في عنقه حبلاً أسود و حالت فاطمة علیها السلام بين زوجها و بينهم عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط على عضدها فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملج من ضرب قنفذ اياها فأرسل أبوبكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعها فكسر ضلعاً من جنبها و ألقت جنيناً من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة «صلوات الله عليها».
2- و في هذا البيت إشارة إلى غصب فدك الزهراء علیها السلام انظر مسند أحمد ج1 ص9 و السنن الكبرى ج6 ص300 كما في كتاب عوالم العلوم ج2 ص626 ، و ج1 ص13 من مسند أحمد بن حنبل. و كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص232 و السيرة الحلبية ج3 ص487 فراجع.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى منع الزهراء علیها السلام من البكاء على أبيها و قطعهم الأراكة التي كانت تبكي تحتها و تستظل بظلها. انظرکتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج3 ص322. و الشيخ الصدوق في أماليه ص121 ح رقم 5.

لِلَّهِ صَبْرُ أَبِي الحَمْلَاتِ حِينَ رَأَى *** تِلْكَ المُلِمّاتِ لكِنْ كَانَ صَبّارا

لَوْلاً وَصَايَا رَسُولِ اللَّهِ تَمْنَعُهُ *** لَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ عَلَى الغَبْرَاءِ دَيّارا(1)

يَا بَضْعَةَ المُصْطَفَى أُمَّ الهُدَاةِ أَلاَ *** عَطفاً عَلَى مَنْ لَكُمْ قَدْ صَاغَ أَشْعَارا

فَرِقُّكُمْ عَابِدِينَ انْصَاعَ مُعْتَرِفاً *** بِأَنَّكُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ إِشْهَارا

يَرْجُو الشَّفَاعَةَ مِنْكُمْ يَوْمَ مَوْرِدِهِ *** غَداً فَقَدْ حَمَّلَتْهُ النَّفْسُ أَوْزَارا

عَلَيْكُمُ صَلَوَاتُ اللهِ مَا بَزَغَتْ *** شَمْسٌ وَ مَا قَمَرٌ قَدْ شَعَّ أَنْوَارا(2)

ص: 96


1- الغبراء: الأرض.
2- نقلاً من مرآة العارفين و مشكاة السالكين ص116 مخطوط.

(23) البضعة الغزا

(بحر الطويل)

الحاج سعود الشملاوي(*)(1)

خَدِيجَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ سَمَتْ فَخْرا *** بِتَزْوِيجِهَا لِلْمُصْطَفَى مُنِحَتْ قَدْرا(2)

لَهُ اخْتَارَهَا رَبُّ السَّمَاءِ حَلِيلَةً *** فَفَضَّلَهَا دُنْيَا وَ شَرَّفَهَا أُخْرَى(3)

وَ قَدَّرَ نَسْلَ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِهَا *** وَ صَيَّرَهَا أُمَّاً إلَى البِضْعَةِ الغَرَّا(4)

وَ مُذْ حَمَلَتْهَا زَالَ عَنْهَا هُمُومُهَا *** تُحَدِّثُهَا سِرًّا وَ تُورِثُهَا سَرَّا(5)(6)

وَذِي آيةٌ كُبْرَى لِفَاطِم مَا جَرَتْ *** قَدِيماً لأُنْثَى لا وَ لابَعْدَها تُجْرَى

رَآهَا الْهُدَى تُبْدِي كَلاماً وَ لَمْ يَرَ *** سِوَاهَا فَنَادَى وَ السُّرُورُ مَلاَ الصَّدْرَا(7)

تُنَاجِينَ مَنْ؟ قَالَتْ جَنِينِي يُجِيبُنِي *** فَرَاحَ نَبِيُّ اللَّهِ يُهْدِي لَهَا البُشْرَى

يَقُولُ لَهَا البُشْرَى بِبِنْتِ كَرِيمَةٍ *** بِهَا تَزْهَرُ الدُّنْيَا وَ تَزْدَهِرُ الأُخْرَى(8)

ص: 97


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.
2- سَمَتْ: عَلَتْ و ارتَفَعَتْ.
3- حليلة: زوجة.
4- الغرّا: الغراء مؤنث الاغر: الكريم الأفعال. السيد الشريف و الغُرَّة جمعها غُرَ، و الغُرَّةُ من كل شيء: أوَّلُه و معظمه و طلعتُه. و كل ما بدا لك من ضوءٍ أو صبحٍ فقد بَدَتْ غُرَّتُهُ.
5- في الروض الفائق، ص314. فلما سأله الكفار أن يريهم انشقاق القمر و قد بان لخديجة علیها السلام حملها بفاطمة علیها السلام و ظهر قالت خديجة علیها السلام: واخيبة من كذب محمداً صلي الله علیه و آله و سلم و هو خير رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و نبي فنادت فاطمة علیها السلام من بطنها: يا أماه لاتحزني و لاترهبي فإن الله مع أبي.
6- السَّرّاء: كل ما سَرَّك من الأمور و هي نقيض الضَّرَّاء.
7- تُبدي: تُظْهِر.
8- تَزْهَرُ: تضيء.

وَ نَسْلِيَ مِنْهَا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي *** هُمُ حُجَجُ البَارِي وَآيَتَهُ الكُبْرَى

وَ هُمْ مَدَدٌ لِلدِّينِ مِنْ بَعْدِ غَيْبَتِي *** يُقِيمُونَ لِي شَرْعِي وَ يُبْقُونَ لِي الذِّكْرَى

فَمَا بَرِحَتْ مَسْرُورَةٌ تَحْمِلُ الهَنَا *** وَ تَرْقَبُ يَوْماً فِيهِ تَبْدُو لَهَا السَّرَّا(1)

وَ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِخْرَاجَ قُدْسِهَا *** لِبَادِيَةِ الدُّنْيَا لِتَمْلَأَهَا خَيْرا

تَنَزَّلَ خَيْرَاتُ النِسَاءِ لأُمِّهَا *** لِيَقْبَلْنَها فِي وَضْعِهَا الدّرَّةَ النَّوْرَا(2)

لَهَا حَضَرَتْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ سَارَةٌ *** وَاسِيَةٌ مَعْ كَلْثَمٍ مَعَهَا العَذْرَا

لِيُؤْنِسْنَهَا حَتَّى تَكُونَ بِقُرْبِهَا *** قَرِيرَةَ عَيْنٍ لاَتَرَى عِنْدَهَا عُسْرا

أَحَطَنَ بِهَا يُؤْنِسْنَهَا فَتَمَخَّضَتْ *** بِيُسْرٍ مِنَ الْبَارِي فَأَوْلَدَتِ الزَّهْرَا(3)

أَضَاءَتْ رِحَابَ الدَّارِ مِنْ نُورِ وَجْهِهَا *** كَمَا عَمَّ ذَاكَ النُّورُ دُنْيَا الْوَرَى طُرَّا(4)

فَصَلُّوا عَلَيْهَا وَ النَّبِيِّ وَ بَعْلِهَا *** وَ أَبْنَائِها مَنْ خَيْرُهُمْ أَبَداً يَتْرَى(5)

ص: 98


1- فما برحت: يريد به فما زالت. ترقب: تنتظر، ترتقب.
2- في البحار، ج16 ص80. عندما حضرت الولادة خديجة علیها السلام وصّت إلى نساء قريش و لنساء بني هاشم يجئن ويلين منها ماتلي النساء من النساء فارسلني إليها: عصيتنا و لم تقبلي قولنا و تزوجت محمداً صلي الله علیه و آله و سلم أبي طالب فقيراً لامال له فلسنا نجيء و لانلي من أمرك شيئاً. فاغتمت خديجة علیها السلام لذلك فبینا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة طوال كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن فقالت لها:إحداهن: لاتحزني يا خديجة علیها السلام فإنا رسل ربك إليك و نحن اخواتك: انا سارة و هذه اسية بنت مزاحم و هذه مريم بنت عمران علیها السلام و هذه صفراء بنت شعيب بعثنا الله «تعالى» إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء.
3- تَمَخَضتْ: جاءها مخاض الولادة. وَ خَلُصت إليه.
4- في عوالم العلوم، ج1 ص56 ح1. فوضعت خديجة فاطمة علیها السلام طاهرة مطهرة فلما سقطت إلى الأرض اشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة و لم يبق في شرق الأرض و لاغربها موضع إلا اشرق فيه ذلك النور.
5- يَتري: يُتابع، يُقال جاء القوم تَتْرَى و تَثرى، أي متتابعين، و أصلها وَ تْرَى و تَرِيَ تَرْياً في الأمر: تراخى فيه.

(24) طهارة فاطم علیها السلام

(بحر الكامل)

الأستاذ سعيد العسيلي العاملي(1)

بَحْرَانِ مَوْجُ تُقَاهُمَا زَخَّارُ *** وَ الْمَكْرُمَاتُ بِهَا الحَيَاةُ تُنَارُ(2)

سَطَعتُ بِآفَاقِ الحِجَازِ فَبَدَّدَتْ *** حَلَكَ الظَّلامِ وَ شَعَّتِ الأَقْمَارُ(3)

بَحْرَانِ لَمْ يَتَلاقَيَا إِلَّا عَلَى *** طُهْرٍ بِهِ تَتَفَاخَرُ الأَظهَارُ

مَا بَيْنَ طُهْرِهِمَا كَرَامَةُ خَالِقٍ *** فَتَبَارَكَ الإِيرَادُ وَ الإصْدَارُ

بِهِمَا مِنَ الرَّحْمَنِ نُورٌ بَاهِرٌ *** وَ مِنَ الرَّسُولِ مَهَابَةٌ وَ وَقَارُ

فَرَضَتْ لِقَاءَهُمَا إِرَادَةُ قَادِرٍ *** فَلَنِعْمَ مَا قَدْ شَاءَتِ الأَقْدَارُ

وَ أَقَامَ بَيْنَهُمَا بِطُهْرٍ بَرْزَخٌ *** لايَبْغِيَانِ لَوِ اسْتَبَدَّ الجَارُ(4)

ص: 99


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- زخار: طام ممتلىء. روى السيوطي في الدر المنثور ج6 ص142 قال: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قوله «تعالى» «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ» هما علي و فاطمة علیهما السلام «بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ» هو النبي صلي الله علیه و آله و سلم «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ» هما الحسن و الحسين علیهما السلام [سورة الرحمن آية 19-22] و وردت في مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص318 ، و قد ولد الامام الحسن علیه السلام في شهر رمضان سنة (3ه_) راجع أعلام الورى ص205 و ذخائر العقبي ص118 و كشف الغمة ج2 ص140 و نور الأبصار للشبلنجي ص131 و الطبري ج2 ص485 و537 و فضائل الخمسة ج1 ص288 و الصواعق المحرقة لابن حجر ص138 و تذكرة الخواص ص212.
3- بدّدت: فرّقت. حلك الظلام: شدة سواده.
4- يشير الشاعر في هذه الأبيات السبعة إلى تزويج الزهراء علیها السلام و إلى الآية المباركة في سورة الرحمن رقم (19) ففي البحار ج43 ص104 نقلاً عن أمالي الطوسي قال: عن جابر بن عبد الله قال: لما زوَّج رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فاطمة علیها السلام من علي علیه السلام أتاه أناس من قريش فقالوا: إنك زوَّجت علياً علیه السلام بمهر خسيس. فقال: ما أنا زوَّجت علياً علیه السلام ولكن الله «عز وجل» زوَّجه ليلة أسري بي عند سدرة المنتهى، أوحى اللَّه إلى السدرة أن انثري ما عليك فنثرت الدرَ و الجواهر و المرجان فابتدر الحور العين فالتقطن فهن يتهادينه و يتفاخرن و يقلن هذا من نثار فاطمة علیها السلام بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم. و أما الآية ففي تفسير القمي ج2 ص344 عن يحيى بن سعيد القطان قال: سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: في قوله «تعالى» «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ» قال علي و فاطمة علیهما السلام بحران عميقان لايبغي أحدهما على صاحبه«يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ»[سورة الرحمن الآية 19-20] الحسن و الحسين علیهما السلام ذكره عبد علي الحويزي في تفسيره نور الثقلين ج5 ص191 ح17 و ذكره السيوط في تفسيره الدر المنثور ج6 ص142 عن ابن عباس.

فَلَنِعْمَ غَرْسٌ طَابَ بَيْنَ كِلَيْهِمَا *** أغْنَى الزَّمَانَ وَ طَابَتِ الأَثْمَارُ

أَعْطَتْهُ لِلدُّنْيَا طَهَارَةُ فَاطِمٍ *** نُوراً وَجَادَ بِهِ الفَتَى الكَرَّارُ

زَهْرَاءُ عَالِيَةُ الجَبِينِ شَرِيفَةً *** مَا شَابَهَا ذَنْبٌ وَ لاَأَوْزَارُ

مَعْصُومَةٌ كَالوَرْدِ فِي أَكْمَامِهِ *** وَ العِطْرُ مِنْهَا نَبْعُهُ فَوَّارُ(1)

ص: 100


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى آية التطهير من سورة الأحزاب ففي كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص24 قال: عن أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كان يمر بباب فاطمة علیها السلام ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر و يقول: الصلاة يا أهل البيت علیهم السلام «إنَّما يُريد اللَّه» [ الأحزاب الآية 33] و في مستدرك الصحيحين ج2 ص416 قال: عن ام سلمة «رضي الله عنها» أنها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» قالت فأرسل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى علي و فاطمة و الحسن و الحسين «رضوان الله عليهم أجمعين». فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي. قالت أم سلمة: يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك على خير و هؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق. و في كتاب مجمع الزوائد ج9 ص170 قال: عن شداد أبي عمار. قال: دخلت على واثلة الاسقع و عنده قوم فذكروا علياً رضي الله عنه فلما قاموا قال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم؟ قلت بلى قال: أتيت فاطمة «رضي الله عنها» أسألها عن علي علیه السلام. قالت: توجه إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و معه حسن و حسين علیهما السلام فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و معه حسن وحسين علیهما السلام أخذ كل واحد منهما بيد حتى دخل فأدنى علياً و فاطمة علیهما السلام و أجلس حسناً و حسيناً علیهما السلام كل واحد منهما على فخذه ثم لفَّ عليهم ثوبه أو كساءه ثم تلا هذه الآية«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» و قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي و أهل بیتي أحق. و في كتاب أسد الغابة ج5 ص521 قال عن أم سلمة قالت: في بيتي نزلت«إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ» قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى فاطمة و علي و الحسن و الحسين علیهم السلام فقال هؤلاء أهلي. قالت: فقلت يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أفما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى انشاء الله «عزوجل».

وَ لَهَا مِنَ الهَادِي بَسَامَةُ تَغَرَهِ *** وَ بِوَجْهِهَا مِنْ وَجْهِهِ أَنْوَارُ(1)

قَبَس يَفِيضُ عَلَى الوَرَى مِنْ رُوحِهِ *** فِيهَا وَ دَفْقُ حَنِينِهِ مِدْرَارُ(2)

وَ أَشِعَةٌ مِنْ هَدْيِهِ وَ وَلاَؤُهَا *** فَرْضٌ وَ طَاعَتُهَا هُدًى وَ مَنَارُ

فُرِضَتْ بِأمْرِ اللَّهِ بَلغَ نَصَّهُ *** وَحْيٌ وَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ خِيَارُ(3)

وَ لَهُ بِهَا صَفْوُ الحَدِيثِ كَوَاحَةٍ *** بِرِحَابِهَا تَتَفَتَّحُ الأَزْهَارُ(4)

ص: 101


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى أن فاطمة علیها السلام كانت تشبه أباها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم. ففي كتاب مسند أحمد بن حنبل ج3 ص164 قال: عن أنس بن مالك. قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من الحسن بن علي و فاطمة «صلوات الله عليهم أجمعين». و في المستدرك على الصحيحين ج4 ص272 قال: عن عائشة أم المؤمنين «رضي عنها» قالت: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً و دلاً و هدياً برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في قيامها و قعودها قالت: و كانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه و آله و سلم قام إليها فقَّبلها و أجلسها في مجلسه و كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها و أجلسته في مجلسها... الخ». و ذكره الحافظ الذهبي في تلخيصه في ذيل المستدرك. و في كتاب الاستيعاب ج4 ص1896 قال: عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من فاطمة علیها السلام، و كانت إذا دخلت عليه قام أبيها فقبَّلها و رحّب بها كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه و آله و سلم.
2- مدرار: كثير الخير.
3- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى قوله «تعالى» «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المودة في القربي» حيث فرض الله محبتهم و ولايتهم على المسلمين ففي كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص25 قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت «قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» [الشورى الآية 23] قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال : علي و فاطمة و ابناهما علیهم السلام. و ذكره الزمخشري في تفسيره الكشاف ج3 ص467. و ذكره السيوطي في تفسيره الدر المنثور ج6 ص7.
4- لقد أشاد النبي صلى الله عليه و آله و سلم بقيم فاطمة علیها السلام و مثلها في منتدياته العامة و الخاصة و على منبره ليحفظه المسلمون فقد قال: إن الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك. جاء ذلك في مستدرك الصحيحين ج3 ص153 و تهذيب التهذيب ج12 ص441 و كنز العمال ج7 ص111 و أسد الغابة ج5 ص522 و ميزان الاعتدال ج2 ص72 و ذخائر العقبى ص39 و قال: إنما فاطمة علیها السلام بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها وينصبني ما أنصبها. جاء ذلك في صحيح الترمذي ج2 ص319 و مسند أحمد ج4 ص5 و في صحيح الترمذي قال: فإنما ابنتي -يعني فاطمة علیها السلام- بضعة منّي يريبني ما رابها و يؤذيني ما آذاها، و في كنز العمال ج6 ص219 قال صلي الله علیه و آله و سلم: فاطمة علیها السلام بضعة منّي يبسطني ما يبسطها و يغضبني ما يغضبها. و في أسعد الغابة فاطمة علیها اللام سيدة نساء العالمين راجع ج5 ص522 و في صحيح البخاري، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين راجع حياة الحسين علیه السلام ج1 ص24.

و اللَّه يَغْضَبُ إِن بَدَتْ غَضْبَى وَإِنْ *** رَضِيَتْ سَيَرْضَى لِلرِّضَا الغَفَّارُ(1)

هِيَ بَضْعَةٌ مِنْهُ وَيُؤْذِيهِ إِذَا *** مَا أُوذِيَتْ وَ تُصِيبُهُ الأَكْدَارُ(2)

تَهْدِي مَنِ اتَّبَعَ الضَّلالَ إِلَى الهُدَى *** وَ بِهَا يَلُوذُ الخَائِفُ المُحْتَارُ

وَ قَدِ اسْتَشَفَّ المُصْطَفَى أَنَّ الَّتِي *** نَشَأَتْ وَ فِيهَا عِفَّةٌ وَ فَخَارُ

فِيهَا الأَمَانُ مِنَ الضَّلَالِ وَ نَسْلُهَا *** دُونَ الأنامِ أئِمَّةٌ أَبْرَارُ(3)

ص: 102


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى غضب الله لغضبها علیها السلام و رضاه لرضاها علیها السلام. ففي كتاب مستدرك الصحيحين ج3 ص154 قال: عن علي علیه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لفاطمة علیه السلام: إن الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك. و ذكره ابن الأثير في كتابه أسد الغابة ج5 ص522. و ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة ج4 ص378 و في كتابه تهذيب التهذيب ج12 ص442. و ذكر محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى ص39.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: فاطمة علیها السلام بعضة منّي من آذاها فقد آذاني. ففي كتاب مسند أحمد بن حنبل ج4 ص328 قال: عن المسور بن مخرمة قال: قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إنما هي فاطمة علیها السلام بضعة منّي يريبني ما أرابها و يؤذيني ما آذاها». و ذكره أبو نعيم الأصفهاني في كتابه حلية الأولياء ج2 ص40 و ذكره ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة ج4 ص378. و ذكره في كتابه تهذيب التهذيب ج12 ص441 أيضاً.
3- و في هذا البيت إشارة إلى كون أهل البيت علیهم السلام و منهم الزهراء علیها السلام لأمان لأهل الأرض. ففي كتاب ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري ص17 قال عن أياس بن سلمة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «النجوم أمان لأهل السماء و أهل بيتي أمان لأهل الارض». و عن علي «رضي الله عنه و رضوا عنه» قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء و أهل بيتي علیهم السلام أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي علیهم السلام ذهب أهل الأرض. و ذكر هما القندوزي في ينابيع المودة ج1 ص21 و 22.

فَهُمُ الوِلاةُ هُمُ الأَسَاةُ هُمُ الشَّفَا *** لِلْكَوْنِ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ الأَضْرَارُ

وَ هُمُ الحُمَاةُ هُمُ الغُيُوتُ مِنَ الظَّما *** لِلنَّاسِ إِنْ لَمْ تَنْزِلِ الأَمْطَارُ(1)

ص: 103


1- ملحمة كربلاء ص24 و القصيدة (73) أخذنا منها ما نحن بصدده.

(25) يا فاطمة الزهراء علیها السلام

(بحر الطويل)

السيد شاكر المحنة

يُحلّقُ بي عزّاً و يملؤُني فَخْرا *** إذا ذُكِرَتْ في الناسِ فاطمةُ الزهرا

فؤادُ رسولِ اللَّه و البَضعةِ التي *** لها جَعَل الرحمنُ في ذِكْره ذِكْرا

هي الكوثرُ الصافي هي الطهرُ خالِصاً *** غدى حبُّها فَرضاً و طَاعَتُها أجْرا

و أكرمَها الباري فصارت شفيعةً *** لشيعتها و الناس منْ غيرِهم حَيْرى

بنفسي التي أعْطَتُ إلى اللَّهِ عمرَهَا *** فآونَةً نُسكاً و آونةً صبرا

و قد كابَدَتْ جمرَ الحياة رَضِيَّةً *** لئلا يَرَى في الحشرِ شيعتُها الجَّمْرا

فما شيّدت قصراً و لاكنزت تبراً *** و لم تَرَ للدُّنيا مَقاماً و لاقَدْرا

لذا ذَهَبَتْ كلُّ العروشِ مَضيعَةً *** فلا قيصرٌ في الناسِ ثمَّ و لاكِسرى

و ظلَّ لها عرشٌ لَهُ القلبُ موضعٌ *** و رؤضٌ على رغم التقادُم مُخضرَّا

يُجدِّدُ أحزاني و يُجري مُدامَعي *** إذا اشتقتُ يوماً أن أزور لها قَبرا

فَيَصْدِمُني قولٌ حقيقٌ مُؤَكَّدٌ *** لقد شيّعتْ ليلاً و قد أُلْحدَتْ سرّا

أرى الدَّمْعَ يُطغي كلَّ حُزنٍ وَإِنَّما *** بُكائي عَلى الزَّهْرا يُهيجُ بِيَ الذِّكرى

فأرنو إلى بنتِ النَّبيِّ و قد هوَتْ *** على قَبْرِ طه و هي تحتضِنُ القبرا

تقولُ أبي قد ضيَّعوني و هذِهِ *** فِعالُهم في مُهْجتي تَرَكَتْ سُعْرا

و عن جانبيها تَدْرِفُ الدَّمْعِ أَعيُنٌ *** يعزُّ على المختار رؤيتُها عَبْرى

فهذا حُسَينٌ سِبطُهُ و عزيزُهُ *** و ذا المجتبى يَبْكي وَ ذِي زَيْنَبُ الكبرى

وَ تَطلب منّي الصَّبْرَ مالصبرُ بعدهم *** جميل و قد ودَّعْتُ بعدَهُم الصَّبرا

و يا لائمي كُفَّ الملامَ فإنَّما *** مصيبةُ بنتِ المصطفى تقحِمُ الظَّهرا

ص: 104

وَ خُذني إلى الدّارِ الَّتي فُجِعَت بها *** و قُلْ لي أنَّى أسقطت محسناً قهرا

فأَسأَلُ باب الدار كيفَ احتراقُهَا *** و كيفَ غدا جِفنُ البتولةِ محمَّرا

و أيّ يدٍ شلّاء مدَّت لقدسِها *** فلم تُبقِ للإسلام شأناً و لاقدرا

و يا ضلعَها المكسور أبكيتَ شيعةً *** تَوَدُّ بِبَذلِ الروح لو تجبُرُ الكسرا

ص: 105

(26) فاطمة علیها السلام التقى

(بحر الطويل)

الشريف المرتضى(*)(1)

ص: 106


1- (*) هو السيد أبوالقاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن ابراهيم ابن الامام موسى بن جعفر علیه السلام، بينه و بين أميرالمؤمنين علیه السلام عشرة وسائط من جهة الام و الأب معاً، و بینه و بین الامام موسي بن جعفر علیه السلام خمسة آباه کرام. لقِّب بالمرتضى، و ذي المجدين و الأجلّ الطاهر، و لقِّب بعلم الهدى سنة (420 ه_) و ذلك لأن الوزير أبا سعيد محمد بن الحسن بن عبد الرحيم مرض في تلك السنة فرأى في منامه أميرالمؤمنين علیه السلام يقول له: قل لعلم الهدى يقرأ عليك حتى تبرأ، فقال: يا أميرالمؤمنين علیه السلام و من علم الهدى؟ فقال علي بن الحسين الموسوي: فكتب إليه فقال «رضي الله عنه»: اللَّه اللَّه في أمري فإن قبولي لهذا اللقَّب شناعة عليّ فقال الوزير: واللَّه ما كتبت إليك إلا ما أمرني به أميرالمؤمنين علیه السلام!! ولد السيد الشريف المرتضى علم الهدى في شهر رجب سنة (355 ه_) الموافق (966 م) في بغداد. و كان من صغر سنه شغوفاً بطلب العلم منصرفاً إليه حتى عظم شأنه في مجال الفضل فهو ما بين دراسة و تدريس فقد اتخذ من داره الواسعة مدرسة عظيمة تضم طلاب الفقه و الكلام و التفسير و اللغة و الشعر و الفلك و الحساب و غيرها، حتى سميت دار العلم، و كان له فيها مجلس للمناظرات. و من مكارم أخلاقه أنه كان محباً لتلامذته و ملازميه و الملفت للنظر ما روى المحققون من أن مدرسته كانت جامعة إنسانية، اجتمع فيها كثير من طلاب العلم من مختلف المذاهب و الملل دون تفريق بين ملة و ملة و مذهب و مذهب و هذا يدل على رحابة صدره وسعة أفقه و عمق نظرته الانسانية و ترفعه عن العصبية المذهبية التي كان يعتبرها نابعة من الجهل و ضيق الافق. قال صاحب روضات الجنات: كان الشريف المرتضى أوحد أهل زمانه فضلاً و علماً و كلاماً و حديثاً و شعراً و خطابة و جاهاً و كرماً إلى غير ذلك. قرأ هو و أخوه السيد الرضي على ابن نباتة صاحب الخطب و هما طفلان ثم قرأ كلاهما على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان «قدس سره الشریف» و كان المفيد رأى في منامه أن فاطمة الزهراء علیها السلام دخلت عليه و هو في مسجده بالكرخ و معها ولداها الحسن و الحسين علیهما السلام و هما صغيران فسلمتهما إليه و قالت: علمَّهما الفقه، فانتبه الشيخ و تعجب من ذلك، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر و حولها جواريها و بين يديها ابناها علي المرتضى و محمد الرضي فقام إليهما و سلم عليهما فقالت له: أيها الشيخ هذان ولداي قد احضرتهما اليك لتعلمهما الفقه، فبكى الشيخ المفيد و قصَّ عليها المنام و تولى تعليمهما، و أنعم الله عليهما و فتح الله لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا و هو باق ما بقي الدهر. و كان الشريف المرتضى (قدس سره الشریف) قد شغف بجمع الكتب و أولع باقتنائها و يكفي ما ذكر ان خزائنه ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته و محفوظاته و مقروءاته على ما حصره و احصاه تلميذه أبوالقاسم التنوخي. عاش الشريف المرتضى في أواخر القرن الرابع و أوائل القرن الخامس الهجريين و هي فترة انكماش الدولة العباسية و ضعفها و وهنها أيام سيطرة أمراء الأقاليم على حكم أقاليمهم و تولي بني بويه شؤون السلطة في بغداد. و كان له بفضل ما أوتي من شرف العلم و النسب و ما تحلّى به من غزارة العلم و قوة الشخصية و عزة النفس و وفارة المال و جميل الخصال و سمو الرتبة و جليل المكانة أصدقاء كثر جلّهم من أهل العلم و الأدب و الفضل و الشرف و يكفي أن نذكر بعض أساتذته و تلامذته ممن كانت لهم المراكز و الرتب العلمية و الدينية و الدنيوية. من أساتذته و مشايخه: 1- الشيخ المفيد: العالم المتكلم المشهور و هو محمد بن محمد بن عبدالسلام العكبري البغدادي و المكنى بأبي عبد الله و ابن المعلم. 2- ابن نباتة: الشاعر المشهور صاحب الخطب، و هو أبونصر عبدالعزيز بن عمر بن محمد بن أحمد بن نباتة السعدي. 3- المرزباني: و هو أبوعبدالله محمد بن عمران بن موسیٰ بن عبدالله المعروف بالمرزباني، كان راوية للأخبار و الآداب و الشعر. 4- ابن جنيقا: و هو أبوالقاسم بن عبدالله بن عثمان بن يحيى الدقاق المعروف بابن جنيقا، كان قاضياً محدثاً ثقة مأموناً حسن الخلق. 5- أبوعبدالله القمي: و هو الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه أخو الشيخ الصدوق، كان جليل القدر عظيم الشأن في الحديث. أما تلامذته: 1- الطوسي: هو أبوجعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، الفقيه الاصولي و المحدث الشهير. 2- أبويعلى الديلمي «سالار» و هو محمد بن حمزة أو ابن عبدالعزيز الطبرستاني و كان ينوب عن أستاذه المرتضى في التدريس و هو فقيه متكلم. 3- أبوالصلاح الحلبي: و هو الشيخ تقيّ الدين بن النجم الحلبي خليفة المرتضى في بلاد حلب. 4- أبوالفتح الكراجُكي: و هو الشيخ الامام العلامة أبوالفتح محمد ابن علي بن عثمان الكراجكي، عالم، فاضل، متكلم، فقيه، محدث، ثقة جليل القدر. 5- عماد الدين ذوالفقار: و هو السيد الامام عماد الدين ذوالفقار محمد بن معبد الملَّقب بحميدان، كان فقيهاً عالماً متكلماً و رعاً. و أما تصانيفه: فقد بلغت مائة و سبعة عشر مصنفاً كما ورد في كتابه «رسائل الشريف المرتضى» و أشهر كتبه كتاب الشافي في الإمامة، و كتاب الشيب و الشباب، و كتاب الغرر و الدرر و كتاب تنزيه الانبياء، و كتاب الثمانين، و كان «رحمه الله علیه» يلقب بالثمانين لأمور منها: ان مكتبته كما مر كانت تحتوي على ثمانين ألف كتاب وله من القرى ثمانون قرية تجبى إليه وعمره كان ثمانين سنة وثمانية أشهر، وصنف كتاباً يقال له الثمانون و له ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت طبع ببغداد و قد قيل: لولا الرضي لكان المرتضى أشعر الناس و لولا المرتضى لكان الرضي أعلم الناس و قال العلامة الحلي سنة (693 ه_) و بكتبه استفادت الامامية منذ زمنه «رحمه الله علیه» إلى زماننا هذا و هو ركنهم و معلمهم «قدس الله الشریف»روحه و جزاه عن أجداده خيراً. و كانت وفاته «رحمه الله علیه» لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة (436 ه_) الموافق (1044 م) و قد تولى غسله أبوالحسين أحمد بن الحسين النجاشي و معه الشريف أبويعلى محمد بن جعفر الجعفري و سلار بن عبد العزيز الديلمي و صلى عليه ابنه أبوجعفر محمد، و دفن أولاً في داره ثم نقل إلى جوار جده الامام الحسين علیه السلام و دفن في مشهده «المقدس» مع أبيه و أخيه و قبورهم ظاهرة مشهورة عند السيد ابراهيم المجاب و هو جد المرتضى و حفيد الامام موسی بن جعفر علیه السلام و صاحب أبي السرايا الذي ملك اليمن واللَّه أعلم. و نقل أن في سنة (942 ه_) نبش قبره فرئي كما هو لم تغير الارض منه شيئاً و حكى من رآه أن أثر الحنّاء في يديه و لحيته، و قد قيل إن الأرض لاتغير أجساد الصالحين.

ص: 107

عَلَيْكَ صَلاَةُ اللَّهِ يَا خِيرَةَ الوَرَى *** طَرِيدُكَ لايَنْجُو طَعِينُكَ لايَبْرَى

عَلَيْكَ سَلامُ اللهِ يَا قَاسِماً لَظَى *** وَ يَا قَائِماً لَيْلاً وَ يَا صَائِماً دَهْرَا(1)

وَ مَنْ كَلَّمَ المَوْتَى وَ مَنْ أَوْضَحَ الهُدَى *** وَ مَنْ صَدَّقَ... وَ مَنْ سَلَّمَ النَّذْرَا؟

ص: 108


1- اللظى: النار.

وَ زَوَّجَهُ الرَّحْمَنُ فَاطِمَةَ التَّقَى *** وَ عَلَّمَهُ الأَسْمَا وَ قَلَّدَهُ الأَمْرَا

وَ نَادَىٰ بِهِ يَوْمَ الغَدِيرِ مُبَلِّغاً *** عَلِيٌّ وَلِيُّ اللَّهِ وَ الآيَةُ الكُبْرَى

وَ أَعْلَمُكُمْ عِلْماً وَ أَحْسَنُكُمْ تُقَى *** وَ أَظْهَرُكُمْ قَلْباً وَ أَشْهَرُكُمْ فَخْرَا

أَلاَ كُلٌّ مَنْ وَالَى عَلِيًّا فَقَدْنَجَا *** وَ خَابَ الَّذِي أَخْفَى لِحَيْدَرَةٍ غَدْرَا

رَقَا مَنْكِبَ الهَادِي إِلَى بَيْتِ رَبِّهِ *** وَ كَسَّر أَصْنَامَ الطَّغَاةِ عَلِي كَسْرَا

هُوَ النَّبَأُ الأَعْلَى هُوَ السُّمُ لِلْعِدَى *** هُوَ المَوْتُ يَوْمَ الرَّوْعِ وَ الأَسَدُ الأَجْرَا

فَكَمْ لِعَلِي المُرْتَضَى مِنْ مَنَاقِبٍ *** أَبَى اللَّهُ لَمْ تُحْصِ الرُّوَاةُ لَهَا عُشْرَا

كَأَحْدٍ وَ بَدْرٍ وَ النَّضِيرِ وَ خَيْبَرٍ *** وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ اقْتِحَامَتِهِ بَدْرا

إلى أن يقول...

فَيَا قَائِساً بِالمُرْتَضَى الطُّهْرِ حَبْتَراً *** بِالذَّهَبِ العَالِي تَقِيسُ بِهِ الصُّفْرَا(1)

بَرِئْتُ إِلَى الرَّحْمَنِ مِمَّنْ لِفَاطِمٍ *** عَلَى فَدَكٍ بِالسَّوْطِ قَنَّعَهَا قَسْرَا(2)

فَمَاتَتْ وَآثَارُ السِّيَاطِ بَجَنْبِهَا *** وَ نَحْلَتُهَا غَصْباً وَ مُقْلَتُهَا عَبْرَى(3)

وَ غَسَّلَها الهَادِي الوَصِيُّ وَ ضَمَّهَا *** إِلَى قَبْرِهَا لَيْلاً وَ أَوْدَعَهَا سِرَا(4)

ص: 109


1- حبتر: الثعلب، القصير.
2- في دلائل الإمامة للطبري ص45 و في كتاب سليم بن قيس ص37-38 حين اقتحم، هو و أصحابه دار الإمام علي علیه السلام بغير إذن، ثار علي علیه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه و كائروه و هم كثيرون فتناول بعض سيوفهم فكائروه فالقوا في عنقه حبلاً و حالت بينهم و بينه فاطمة علیها السلام عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط فماتت حين ماتت و إن في عضدها كمثل الدملج من ضربته.
3- في /دلائل /الإمامة للطبري/ ص30 و ما بعدها. قال مالك بن جعونة عن أبيه أنه قال: قالت فاطمة لأبي بكر: إن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جعل لي فدكاً فأعطني إياها و شهد لها علي بن أبي طالب علیه السلام فسألها شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن. فقال: قد علمت يا بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه لاتجوز إلا رجلين أو رجل و امرأتين، و انصرفت و راجع السيوطي في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى «و آت ذا القربي حقه» في سورة الإسراء و مجمع الزوائد للهيثمي ج7 ص49 و الغدير ج137/7.
4- في أنساب الأشراف للبلاذري ج138/3. أن أميرالمؤمنين علیه السلام غسلها من معقد الإزار و أن أسماء بنت عميس غسلتها من أسفل ذلك. عن أسماء بنت عميس بنت عميس قالت: أوصتني فاطمة علیها السلام أن لايغسّلها إذا ماتت إلاّ أنا و علي علیه السلام فغسلتها أنا و علی علیه السلام. و راجع سنن البيهقي ج3 / 396 و الإصابة ج378/4.

فَلَمَّا أَضَاءَ الصُّبْحُ جَاوُوا لِدَفْنِهَا *** فَمَا وَجَدُوا الزَّهْرَا وَ لَاعَرِفُوا القَبْرَا(1)

فَلَمَّا أَرَادُوا نَبْشَهَا ثَارَ مُغْضَباً *** وَ سَلَّ الحُسَامَ العَضْبَ وَ اعْتَقَلَ السُّمْرَا(2)

فَصَاحَ عَلَيْهِمْ مُغْضَباً يَا لَغَالِبٍ *** فَأَقْسَمَ بِالرَّحْمَنِ أَجْرُرُكُمْ جَزْرا(3)

فَمَا نَطَلِقُوا فِي نَبْشِهَا قَطُّ كِلْمَةً *** وَ لاشَهَرُوا سَيْفاً وَ لَابَرِحُوا شِبْرَا(4)

ص: 110


1- روي أنه بعد أن غسلها أميرالمؤمنين علیه السلام أخرجها إلى البقيع في الليل و معه الحسن و الحسين علیهما السلام و صلى عليها و لم يعلم بها و لاحضر وفاتها و لاصلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم و دفنها بالروضة و عمي موضع قبرها. انظر البحار ج43 / 171 ح11.
2- في دلائل/الإمامة للطبري ص46 و ص47. أصبحت البقيع ليلة دفنت فاطمة الزهراء علیها السلام و فيها أربعون قبراً جديداً و ان المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً و قالوا لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتاً واحدة تموت و تدفن و لم تحضروا وفاتها و الصلاة عليها و لاتعرفوا قبرها.
3- ثم قال ولاة الأمر منهم: هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها و نزور قبرها. فبلغ ذلك أميرالمؤمنين علیه السلام فخرج مغضباً قد احمرت عيناه فتلقاه عمر و من معه من أصحابه و قال له: ما لك يا أبا الحسن علیه السلام واللَّه لننبشن قبرها و لنصلين عليها. فقال علیه السلام: فوالذي نفس علي بيده لئن رمت و أصحابك شيئاً من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم. فخلى عنه و تفرّق الناس و لم يعودوا إلى ذلك.
4- أكبر العبادات في أسرار الشهادات للدربندي ج3 ص772 و القصيدة ليست في ديوان المرتضى المطبوع و هي طويلة يذكر فيها بعض مناقب أميرالمؤمنين علیه السلام لكنا أخذنا منها ما نحن بصدده.

(27) البدار البدار

(بحر السريع)

السيد صالح الحلي(*)(1)

ص: 111


1- (*) هو السيد صالح ابن السيد حسين ابن السيد محمد الحسيني الحلي، ولد في الحلة سنة (1289 ه_) و نشأ بها فقرأ مقدمات العلوم و هاجر منها إلى النجف سنة (1308 ه_) و هو في التاسعة عشرة من عمره و أخذ يواصل دروسه على رجال الفكر و العلم فدرس العربية و المعاني و البيان عند الشيخ سعيد الحلي و الشيخ عبد الحسين الجواهري و درس كتابي المعالم و القوانين في الأصول على العلامة السيد عدنان السيد شبر الغريفي و كتابي الرسائل و المكاسب عند الشيخ علي ابن الشيخ باقر الجواهري و تناول الفقه من فقهاء بارزين منهم الملا محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية و الشيخ محمد طه نجف و الشيخ آغا رضا الهمداني و الشيخ جواد محيي الدين و غيرهم حتى بلغ درجة عالية من العلم. و نقل لي عن المرجع الورع السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قدس سره الشریف) قال: إن السيد صالح الحلي فقيه و مجتهد فكان يصعد المنبر في أيام قصاص التمر يتكلم شهراً كاملاً على المنبر المباحث الفقهية في الزكاة و يناقشها و يبدي رأيه فيها على طريقة المراجع و المجتهدين. و كان المترجَم له منذ صغره مولعاً بفن الخطابة فكان يتعاهد ملكته الادبية و لم يكن قد مارس الخطابة بالفعل حتى سنة (1318 ه_) حيث احسَّ من نفسه القدرة على الخطابة و قوة البيان و طلاقة اللسان فتوجه إلى حفظ خطب الامام أميرالمؤمنين علیه السلام من (نهج البلاغة) و لم يك في عصره من الخطباء المجددين في الفن إلا الخطيب الشيخ كاظم سبتي فهو اظهر الخطباء و المعهم فنبغ السيد صالح و اخذ يجاريه و يزاحمه، و من حسن الصدف أنه استفاد من توجيهات العالم الكبير و المؤرخ الخبير السيد باقر الهندي فتركت عليه توجيهاته و إرشاداته اثرها البالغ فكان بطلاً عملاقاً منبرياً. و قد شهد بنبوغة و قدرته الفائقة أحد العلماء فقال: (إنه خطيب العلماء وعالم الخطباء) و لخطيبنا الحلي مواقف جهادية يشهد لها التاريخ منها: وقوفه بجانب استاذه الشيخ ملا محمد كاظم الخراساني في (المشروطة والمستبدة) سنة (1325 ه_) و مواقفه في قضية الاحتلال الاجنبي للعراق حيث كان يحرِّك الجماهير و يثيرهم ضد المستعمرين فظفرت به مخالب الغزاة الاجانب و حكمت بإبعاده و نفيه إلى (الهند) و عندما مرّوا به على قصر الشيخ (خزعل خان) بالفيلية من خوزستان نادى: واخز علاه و لاخزعل لي اليوم فأغاثه وأنقذه من السلطات البريطانية و أبقاه عنده زهاء ثمانية أشهر و أصبح نديمه الخاص في جلّ أوقاته و بعد أن أطلق سراحه ورجع إلى العراق سكن (الكوفة). و في سنة (1344 ه_) عندما صرِّح السيد محسن الأمين العاملي بتحريم (التطبير) قام المترجَم له بالدفاع عنه و شنَّ حملة كبيرة على السيد الامين و في سنة (1347 ه_) عندما صدر كتاب (التنزيه لأعمال الشبيه) للسيد محسن الامين العاملي كان مترجَمنا في طليعة المعارضين له حيث شنَّ حملته الشديدة على السيد و مناصريه و مؤيديه أيضاً. و في عام (1352 ه_) نفته الحكومة العراقية إلى (البصرة) حينما هتف بمقاطعة الانتخابات للمجلس النيابي، و مكث منفياً ستة أشهر ثم عاد إلى النجف و له من الحسنات ما جعله ناصعاً في سجل الخلود و قد اتسم السيد ببغضه للأجنبي الكافر و مقاطعته له طيلة حياته و بذلك استمرَّ دون ان ينقلب عن رأيه و عقيدته فكان مصداقاً للصبر و الاستقامة و الثبات على المبدأ... له ديوان شعر مخطوط باسم (الباقيات الصالحات) و في أواخر حياته لازم الفراش زمناً طويلاً لمرض عضال ثم ارتحل إلى جوار ربه في ليلة السبت المصادف 29 من شهر شوال لعام (1359 ه_) في الكوفة فحمل على الرؤوس تعظيماً له حتى دفن بوادي السلام في (مقام المهدي) حسب وصيته.

يَا مُدْرِكَ النّارِ البِدَارَ البِدَارُ *** شُنَّ عَلَى حَرْبِ عِدَاكَ المَغَارْ(1)

وَائْتِ بِهَا شَعْوَاءَ مَرْهُوبَةً *** تَعْقِدُ لَيْلاً فَوْقَهَا مِنْ غُبَارْ(2)

يَا قَمَرَ التَّمِّ أَمَا آنَ أَنْ *** تَبْدُو فَقَدْ طَالَ عَلَيْنَا السِّرَارْ

يَا غِيرَةَ اللَّهِ أَمَا أَنَ أَنْ *** تَغِيرَ عَلَى أَعْدَائِكَ فَالصَّبْرُ غَارْ

يَا صَاحِبَ العَصْرِ أَتَرْضَى رَحَى *** عُصَارَةِ الخَمْرِ عَلَيْنَا تُدَارْ؟

فَاشْحَذْ شَبَا عَضْبِكَ وَ اسْتَأْصِلِ *** الكُفْرَ بِهِ قَتْلاً صِغَاراً كِبَارْ(3)

عَجِّلْ فَدَتْكَ النَّفْسُ وَاشْفِ بِهِ *** مِنْ غَيْظِ أَعْدَاكَ قُلُوباً حِرَارْ

فَهَاكَ قَلِّبْهَا قُلُوبَ الوَرَى *** أَذَابَهَا الوَجْدُ مِنَ الانْتِظارْ

ص: 112


1- البدار: العَجَل.
2- شعواء: غارة شعواء: ممتدة متفرقة.
3- إشحذ: أحِدَ. شبا: قدر ما يُقطع به من السيف العضب: السيف القاطع. استأصل: إقلع من الاصل أو أجتث من الجذور.

قَدْ ذَهَبَ العَدْلُ وَ رُكُنُ الهُدَى *** قَدْ هُدَّ وَ الجَوْرُ عَلَى الدِّينِ جَارْ

أغِثْ رَعَاكَ اللَّهُ مِنْ نَاصِرٍ *** رَعِيَّةً ضَاقَتْ عَلَيْهَا القِفَارْ

مَتَى تَسُلُّ البِيضَ مِنْ غِمْدِهَا *** وَ تَشْرَعُ السُّمْرَ وَ تَحْمِي الذِّمَارْ(1)

في فِتْيَةٍ لَهَا التُّقَى شِيمَةٌ *** وَ يَا لَثَارَاتِ الحُسَيْنِ الشَّعَارْ

كَأَنَّمَا المَوْتُ لَهَا (غَادَةٌ) *** وَ العُمْرُ (مَهْرٌ) وَ الرُّؤوسُ النَّثَارْ

مَا خِلْتُ قَبْلَ اليَوْمِ مِنْ هَاشِمٍ *** دِمَاؤُهَا تَذْهَبُ مِنْهَا جُبَارْ

تَنْسَى عَلَى الدَّارِ مُجُومَ العِدَى *** مُذْ أَضْرَمُوا البَابَ (بِجَزْلٍ وَ نَارْ)(2)

وَ رُضَّ مِنْ (فَاطِمَةٍ) ضِلْعُهَا *** وَ حَيْدَرٌيُقَادُ قَهْراً جِهَارْ(3)

كَيْفَ حُسّامُ اللَّهِ قَدْ فَلَّلَتْ *** مِنْهُ الأَعَادِي حَدَّ ذَاكَ الغِرَارْ

وَ الطُّهْرُ تَدْعُو خَلْفَ أَعْدَائِهَا *** يَا قَوْمُ خَلُّوا عَنْ عَلِيِّ الفِخَارْ(4)

قَدْ أَسْقَطُوا جَنِينَهَا وَ اعْتَرى *** مِنْ لَطْمَةِ الخدِّ العُيُونَ احْمِرَارْ

فَمَا سُقُوطُ الحَمْلِ مَا صَدْرُهَا *** مَالَطْمُهَا مَا عَصْرُهَا بِالجِدَارْ؟

مَا وَكُزُهَا بِالسَّيْفِ فِي ضِلْعِهَا *** وَ مَا انْتِثَارُ (قُرْطِهَا وَ السِّوَارْ)؟(5)

ص: 113


1- البيض: السيوف. السمر: الرماح. الذِّمار: كل ما يلزمك حمايته و حفظه و الدفاع عنه و إن ضيعته لزمك اللوم.
2- جزل: عظیم غليظ، أو صرام النخل و في البيت إشارة إلى هجوم القوم و حرق الدار على الزهراء علیها السلام. انظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص36 و ص40 ، و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص135، و كتاب الاحتجاج، ج1 ص109.
3- يشير في هذا البيت إلى كسر ضلع فاطمة الزهراء علیها السلام انظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص40، و كتاب الاحتجاج ج1 ص109.
4- يشير الشاعر في هذا البيت إلى دفاع الزهراء علیها السلام عن الامام علي علیه السلام انظر كتاب الكافي ج1 ص490 . و كتاب سليم بن قيس الهلالي ص208.
5- يشير الشاعر في هذا البيت إلى وكز الزهراء علیها السلام بالسيف و انتشار قرطها من أثر الضربة على خدها. انظر کتاب سلیم بن قيس الهلالي ص208 إرشاد القلوب كما في عوالم العلوم ج2 ص574 و البحار ج8 ص240 ط حجرية.

مَا ضَرْبُهَا بِالسَّوْطِ مَا مَنْعُهَا *** عَنِ البُكَا وَ مَا لَهَا مِنْ قَرَارْ؟(1)

ما الغَصْبُ (لِلعَقَارِ) مِنْهُمْ وَ قَدْ *** أَنْخَلَهَا رَبُّ الوَرَى (للعَقَارْ)؟(2)

مَا دَفْنُهَا بِاللَّيْلِ سِرّاً وَ مَا *** نَبْسُ الثَّرَى مِنْهُمْ عِناداً جِهَارْ(3)

تَعْساً لَهُمْ فِي ابْنَتِهِ مَا رَعَوْا *** نَبِيَّهُمْ وَ قَدْ رَعَاهُمُ مِرَارْ

قَدْ وَرِثَتْ مِنْ أُمِّهَا (زَيْنَبٌ) *** كُلَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهَا وَ صَارْ

وَزَادَتِ البِنْتُ عَلَى (أُمِّهَا) *** مِنْ دَارِهَا تُهْدَىٰ إِلَى شَرِّ دَارْ

تَسْتُرُ (بِاليُمْنَى) مُحَيَّاً فَإِنْ *** أَعْوَزَهَا السِّتْرُ تَمُدُّ (اليَسَارْ)(4)

لاَتَبْزُغِي يَا شَمْسُ كَيْ لاَتُرَىٰ *** (زَيْنَبُ) حَسْرَى مَا عَلَيْهَا خِمَارْ(5)

صَاحَتْ بِحَادِي العِيسِ دَعْنِي عَلَى *** جُسُومِهِمْ أُقِيمُ لَوْتَ الإِزارْ(6)

أَوْ خَلَّنِي عِنْدَ ابْنِ أُمِّي وَإِنْ *** تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِي وُ حُوشُ القِفَارْ

(ضِدَّانِ) فِيهَا اجْتَمَعَاعَيْنُهَا *** وَ قَلْبُهَا تَجْمَعُ (مَاءً وَ نَارْ)

فِي زَفْرَةٍ تُحْرِقُ (وَجْهَ الثَّرَى) *** وَ دَمْعَةٍ تُخْجِلُ (صَوْبَ القِطَارْ)

وَ أَعْظَمُ الخَطْبِ تَرَى حُجَّةَ اللَّهِ *** مَضَى مَا بَيْنَهُمْ لايُجَارْ

يُقَادُ فِي جَامِعَةٍ جَهْرَةً *** بِالحَبْلِ مَوْتُوقاً يَمِيناً يَسَارْ

ص: 114


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى ضرب الزهراء علیها السلام بالسوط و إلى منعها عن البكاء. انظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص36 و ص40. و كتاب الاحتجاج ج1 ص109. کتاب مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص322.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى غصب فدك من فاطمة الزهراء علیها السلام. و انظر مسند أحمد ج1 ص9 و السنن الكبرى ج6 ص300 كما في عوالم العلوم ج11/2 ص626، و ج1 13 عن كتاب مسند أحمد أيضاً. و شرح النهج لابن أبي الحديد ج16 ص232. و السيرة الحلبية ج3 ص487.
3- و في هذا البيت إشارة إلى دفن الزهراء علیها السلام ليلاً و إلى معاوية نبشهم قبرها أنظر مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص33 و كتاب ذخائر العقبى ص54 و كتاب البحار ج43 ص183 و كتاب عيون المعجزات كما في البحار ج43 ص212.
4- محيّا: وجه. أعوزها: إفتقرت و ساءت حالتها.
5- حسرى: مكشوفة الرأس.
6- العيس: النوق البيض يخالط بياضها سواد خفيف.

يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ (زَيَّافَةً) *** تَطْوِي الفَيَافِي وَ تَجُوبُ القِفَارْ

عَرِّجٌ عَلَى البَطْحَاءِ وَ انْدُبْ بَنِي *** عَمْرِ وَ العُلَى أَشْيَاخَ عُلْيَا نِزَارْ

إِنْ أَجْدَبَ العَامُ هُمُ السَّيْلُ وَ الأَسْدَافُ *** إِمَّا النَّقْعُ فِي الحَرْب ثَارْ(1)

لَوْ حَارَبُوا جُنْدَ الفَلاَ لأَغْتَدَى *** مُنْهَزِماً يَطْلُبُ مِنْهُمْ فِرَارْ

قُومِي فَشَمْسُ الدِّينِ قَدْ كُوِّرَتْ *** وَ جُذَّ عِرْنِينُ الهُدَى وَ الفَخَارْ(2)

وَ اجْلِي دُجَى النَّفْعِ بِبِيضِ الظُّبَا *** وَ سَوِّدِي بِالنَّقَعِ وَجْهَ النَّهَارْ

وَ قَوْمِي سُمْرَ القَنَا وَ امْتَطِي *** لِلْحَرْب يَا هَاشِمُ قِبَّ المِهَارْ(3)

قَدْ سَئّمَتْ مَرْبَطَهَا خَيْلُكُمْ *** وَ مَلتِ الأَجْفَانُ بِيضَ الشَّفَارْ(4)

ص: 115


1- النفع: الغبار.
2- جُذَّ: كُسِر و قُطعَ. عرنين: أول الأنف، حيث يكون فيه الشمم.
3- قِبَّ: العظم الناتيء من الظهر بين الإليتين. المهار: الغيول.
4- الشفار: السيوف.

(28) أم العترة الأطهار

(بحر الهَرْج)

السيد صالح الحلي(*)(1)

إِذَا جَفَّتْ دُمُوعُ العَيْنِ فَابْكِ أَدْمُعاً حُمْرَا *** وَ أَسْعِدْ حَيْدَرَ الكَرارَ بِالنَّوْحِ عَلَى (الزَّهْرَا)

***

فَمَا بَالُ الثَّرَى قَرَّتْ وَلِمْ لاَتَقِفُ الأَفْلَاكْ *** بِرُزْءٍ نَاحَتِ الإِنْسُ لَهُ وَالجِنُّ وَ الأَمْلاكْ

بِرُزْءٍ فِيهِ قَدْ قَرَّتْ عُيُونُ الكُفْرِ وَ الإِشْرَاكْ *** وَ ذَابَتْ مُهْجَةُ الدِّينِ وَ أَمْسَتْ عَيْنُهُ عَبْرَىٰ

***

بنَفْسِي بَضْعَةٌ أَوْصَى بِهَا أُمَّتَهُ أَحْمَدْ *** فَلَمَّا أَنْ قَضَى لَمْ يُمْهِلُوهَا رَيْثَمَا يُلْحَدْ(2)

وَ أَطْفَوْا فِي أَذَايَاهَا جَوّى فِي صَدْرِهِمْ مُكْمَدْ *** وَ أَشْفَوْا حِقْدَهُمْ مِنْهَا وَ بَزُوا إِرْثَهَا جَهْرَا(3)

***

فَلَا أَنْسَى ابْنَةَ المُخْتَارِ أُمَّ العِتْرَةِ الأَطْهَارْ *** تَرَى حَيْدَرَةَ الكَرَّارَ فَرْداً جَالِساً فِي الدَّارْ

وَ ذَاكَ الفَاجِرُ الحَمَّارُ يَرْقَى مِنْبَرَ المُخْتَارْ *** وَ قَدْ فَوَّضَتِ الأَنْصَارُ إِلَيْهِ (النَّهْيَ وَ الأَمْرَا)

***

فَكَمْ مَوْعِظَةٍ مِنْهَا بِذَاكَ اليَوْم لَمْ تَنْفَعْ *** وَ كَمْ مِنْهَا أَحَادِيث بِذَاكَ الجَمْع لَمْ تُسْمَعْ

فَلَمَّا يَئِسَتْ مِنْهُمْ وَ نِيرَانُ الحَشَى تَلْذَعْ *** وَ عَادَتْ لأَبِي السِّبْطَيْنَ تَشْكُو عِنْدَهُ الضُّرّا

***

ص: 116


1- (*)مرّت ترجمته في القصيدة السابقة.
2- انظر أمالي الصدوق (الطبعة الخامسة) ص99 عن ابن عباس.
3- بزّوا : سلبوا.

فَجَاءَتْهُ وَ دَمْعُ العَيْنِ فِي وَجْنَتِهَا سَاكِبْ *** وَ نَادَتْهُ وَ جَمْرُ الوَجْدِ فِي أَحْشَائِهَا ثَاقِبْ

دَعَاهَا الخَطْبُ أَنْ قَالَتْ لَهُ (يَا بْنَ أَبِي طَالِبْ) *** وَ مَا زَالَتْ لَهُ تُبْدِي عِتَاباً يَصْدَعُ الصَّخْرَا

***

فَزَادَتْهُ بِشَكْوَاهَا عَلَى مِحْنَتِهِ مِحْنَهْ *** إِلَى أَنْ كَادَ أَنْ يُشْفَىٰ مِنْ أَعْدَائِهِ إِحْنَهْ(1)

وَلكِنْ صَدَّ حَامِي الدِّينِ عَنْهُمْ خَشْيَةَ الفِتْنَهْ *** وَ قَالَ احْتَسِبي اللَّه و لا... الصَّبْرَا

***

بِنَفْسِي مَنْ قَضَتْ غَضْبَى وَ لَمْ تُشْفَ لَهَا غُلَّهْ *** وَ مَا رَقَّ لَهَا القَوْمُ وَ لاَرَدُّوا لَهَا (النُّحْلَهْ)(2)

وَ لَمْ تَبْرَحْ عَلَى فَرْشٍ مِنَ الأَسْقَامِ وَ العِلَّهْ *** إِلَى أَنْ دُفِنَتْ سِرّاً وَ لَمْ نَعْلَمُ لَهَا قَبْرَا(3)

***

ص: 117


1- إحنة: حقد.
2- النحلة: المهر و الصداق و هنا كناية عن فدك. ففي البيت إشارة إلى ما ورد في أمالي الطوسي (ط.2 1981) ص207 مؤسسة الوفاء: «أن عائشة بنت طلحة دخلت على فاطمة علیها السلام فرأتها باكية فقالت لها: بأبي أنت و أمي ما الذي يبكيك؟ فقالت لها «صلوات الله عليها»: اسائلن عن هنة حلّق بها الطائر، و حفى بها السائر، و رفع إلى السماء أمراً، و رزئت في الأرض خبراً أن تخيف تيم، واحيوك عدي جازياً أبا الحسن علیه السلام في السباق حتى إذا تقربا بالخناق اسرّا له الشنآن و طوياه الأعلان، فلما خبا نور الدين و قبض النبي الأمين صلي الله علیه و آله و سلم نطقا بفورهما و نفثا بسورهما و ادلاً بفدك فيا لها من ملك، تلك انها عطية الرب الأعلى للنجي الأوفى و لقد نحلنيها للصبية السواغب من نجله و نسلي و إنها ليعلم الله و شهادة أمينه فإن انتزعا مني البلغة و منعاني اللمظة و احتسبتها یوم الحشر زلفة، وليجدنها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم.»
3- و في هذا البيت إشارة إلى ما ورد في (دلائل الإمامة) للطبري ص54 و في (روضة الواعظين) للنيسابوري (الطبعة الأولى مؤسسة الأعلمي. ص167). «روي أن فاطمة علیها السلام لازالت بعد النبي صلي الله علیه و آله و سلم معصبة الرأس ناحلة الجسم، منهدة الركن من المصيبة بموت النبي صلي الله علیه و آله و سلم و هي مهمومة مغمومة محزونة مكروبة كئيبة حزينة باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة في كل ساعة و حين تذكره و تذكر الساعات التي كان يدخل فيها عليها فيعظم حزنها و تنظر مرة إلى الحسن علیه السلام و مرة إلى الحسين علیه السلام و هما بين يديها علیها السلام فتقول: أين أبوكما الذي كان يكرمكما و يحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما؟ فلا يدعكما تمشيان على الأرض فإنا لله وإنا إليه راجعون... ثم قالت علیها السلام: أوصيك أن لايشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني و أخذوا حقي فإنهم أعدائي و أعداء رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و أن لايصلي علي أحد منهم و لامن أتباعهم و ادفنّي في الليل إذا هدأت العيون و نامت الأبصار... فلما أن هدأت العيون و مضى من الليل، أخرجها علي علیه السلام و الحسن و الحسين علیهما السلام و عمار و عقيل و المقداد و الزبير و أبوذر و سلمان و بريدة و نفر من بني هاشم و خواصه صلوا عليها، و دفنوها في جوف الليل و سوى علي حواليها قبوراً مزوّرة مقدار سبعة حتى لايُعرف قبرها». نقلت القصيدة من كتاب شعراء الحسين علیه السلام ج1 ص121.

ص: 118

(29)ورثت خصال المصطفى صلي الله علیه و آله و سلم

(بحر الكامل)

الشيخ صالح الفيلي(*)(1)

أَبْصِرْ أَخِي إِنَّ السَّمَاءَ تُنَوَّرُ *** وَ الأَرْضُ تَزْهُو بِالضِّيَاءِ وَ تَفْخَرُ

فَالشَّمْسُ مِنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ أَشْرَقَتْ *** وَ غَدَتْ إِلَى كُلِّ البِقَاعِ تُبَشِّرُ

وُلِدَتْ يَقُولُ بِالحِجَازِنَقِيَّةٌ *** حَوْرَاءُ رَمُزُ لِلطَّهَارَةِ مَصْدَرُ(2)

وَ تَبَلَّجَتْ أَفْنَانُ دَوْحَةٍ هَاشِمٍ *** نُوراً تَغَشَّاهُ النَّسِيمُ وَ عَنْبَرُ(3)

ص: 119


1- (*)هو الشيخ صالح ابن الشيخ حسين بن محمد حسين بن عبد الله الفيلي (آل دهمش). ولد في سنة (1369 ه_) الموافق (1950 م) في الكويت، و نشأ منذ صغره في جوّ من الايمان و الفضيلة و الورع برعاية والده العالم الفاضل الشيخ حسين الفيلي «رحمة الله علیه» فأحسن تربيته، حيث غرس في نفسه حب الفضيلة و الصلاح و الإيمان. درس الشيخ صالح الفيلي في الكويت المراحل الدراسية الثلاث، أي المرحلة الابتدائية و المتوسطة و الثانوية، و كان من الطلبة المتميزين و الحاصلين على الدرجات العليا في اللغة العربية. كما و أنه درس علم الفقه و البلاغة و اللغة العربية على والده العلامة الشيخ حسين الفيلي، و كان لمكتبة أخيه الفاضل الحاج عبدالأمير الفيلي «أبوتيسير» التي كانت في متناوله الدور الاكبر و الفضل الأول في تنمية مواهبه الأدبية و تغذية أفكاره و توسعة آفاقه.
2- في الكافي، ج1 ص457 ح10: عن حبيب السجستاني قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: ولدت فاطمة علیها السلام بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بخمس سنين و توفيت و لها ثماني عشرة سنة و خمسة و سبعون يوماً.
3- في مشارق الأنوار، ص85 جاء بعد حديث طويل عن الولادة: ...فلما وضعتها أشرقت الدنيا و امتلأت منها الأقطار بالطيب و الأنوار، وفاح عطر العظمة، و امتلأت بيوتات مكة بالنور و لم يبق في شرق الأرض و لاغربها موضع إلا أشرق نوراً، و ظهر في السماء نور أزهر لم يكن قبل هذا. و في بحار الأنوار/ ج43 ص3 ح1 عن أمالي الصدوق. فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، و لم يبق في شرق الأرض و لاغربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور.

وَ ثِمَارُها قَدْ أَیْنَعَتْ وَ تَأَلَّقَتْ *** ثُمَّ البَرَتْ تَجْلُو الظَّلامَ وَ تُزَهِرُ(1)

وَ تَضَوَّعَ العُرْفُ الأَرِيجُ بِغُصْنِهَا *** وَ تَفَوَّحَ المِسْكُ الرَّحِيبُ الأَذْفَرُ(2)

صَلَّى الإِلهُ عَلَى الوَلِيدَةِ إِنَّهَا *** قُطْبُ الوِلايَةِ فَضْلُهَا لاَيُنْكَرُ

وُضِعَتْ فَسَبَّحَتِ الإِلهَ و قَدَّسَتْ *** وَ رَمَتْ بِطَرْفِ لِلسَّمَاءِ تُفَكِّرُ(3)

***

زَهْرَاءُ أَشْرَقَ لِلْمَلائِكِ نُورُهَا *** مِنْ قَبْلِ آدَمَ فِي السَّمَاءِ فَكَبَّرُوا(4)

وَ الرَّبُ أَوْدَعَ نُورَهَا فِي دَوْحَةٍ *** وَسُطَ الجِنانِ عَبِيرُهَا يَتَفَجَّرُ

حَتَّى إِذَا عَرَجَ النَّبِيُّ بِجِسْمِهِ *** وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ

دَخَلَ الجِنَانَ فَهَللَتْ وَ تَبَسَّمَتْ *** فِيهَا أَزَاهِيرٌ وَ دَوْحٌ أَخْضَرُ

ص: 120


1- انبرت: اعترضت.
2- تضوع: انتشرت رائحته. العرف: نبات زهري سنوي من فصيلة القطيفيات يبلغ طوله مترين و نيفاً له سيقان و أزهاره أرجوانية مجتمعة حول محور. الأريج: الرائحة الطيبة. الرطيب: الندي. الأذفر: الشديد الرائحة الظاهرة.
3- في بحار الأنوار/ ج23 ص3 ح1: ثم استنطقتها فنطقت فاطمة علیها السلام بالشهادتين و قالت أشهد أن لا إله إلا الله، و أن أبي رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم سيد الأنبياء، و أن بعلي علیه السلام سيد الأوصياء، و ولدي سادات الأسباط.
4- في بحار الأنوار، ج43 ص17 ح16 في حديث إلى سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: إن اللَّه خلقنى و خلق علياً علیه السلام و لاسماء و لاأرض و لاجنة و لانار. فلمّا أراد اللَّه «عزوجل» بدو خلقنا فتكلم بكلمة فكانت نوراً ثم تكلم بكلمة ثانية فكانت روحاً فمزج فيما بينهما فاعتدلا فخلقني و علياً علیه السلام منهما... إلى أن قال: فلما أراد اللَّه أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمه فقالت الملائكة: إلهنا و سيدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه فنسألك بحق هذه الأنوار إلا ما كشفت عنا... فقال اللَّه «عزوجل»: و عزتي و جلالي لأفعلن فخلق نور فاطمة الزهراء علیها السلام يومئذ كالقنديل و علقه في قرط العرش فزهرت السماوات السبع و الأرضون السبع و كانت الملائكة تسبح الله و تقدَّسه. فقال الله «عزوجل»: و عزتي و جلالي لاجعلنّ ثواب تسبيحكم و تقديسكم إلى يوم القيامة لمحبي هذه المرأة و أبيها و بعلها و بنيها علیهم السلام.

أَكَلَ المُعَطَّرَ مِنْ لَذِيذِ ثِمَارِهَا *** فَأَتَى خَدِيجَةَ نُورُهُ لاَ يُسْتَرُ

أَفْضَى إِلَيْهَا فَاسْتَقَرَّ بِبَطْنِهَا *** نُورٌ لِفَاطِمَةَ الزَّكِيَّةِ يَبْهَرُ(1)

***

بِأَبِي وَ أُمِّي أَيُّ حَمْلٍ حَمْلُهَا *** بِنْتُ الشَّفِيعِ وَ فَرْعُهُ وَ الكَوْثَرُ(2)

كَانَتْ تُحَادِثُ أُمَّهَا فَتَزِيدُهَا *** أَنساً بِمَا تَتَلُو فَلا تَتَضَجَّرُ

حَتَّى إِذَا دَنَتِ الوِلادَةُ وَجَهَتْ *** لِلَّهِ قَلْباً يَسْتَزيدُ وَ يَشْكُرُ

مَوْلُودَةٌ طَابَتْ وَ طيِّبَ أَصْلُهَا *** وَ فُروعُهَا خَيْرُ البَرِيَّةِ طَهَّرُوا

حَازَتْ عُلُومَ الأَنْبِيَاءِ وَ فَضْلَهُمْ *** هِيَ مَجْمَعٌ لِلْمَكْرُمَاتِ وَ مِحْوَرُ(3)

ص: 121


1- يبهر: يضيء. و جاء في ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، ط بيروت، ص36. عن أبي عباس قال: كان النبي صلي الله علیه و آله و سلم لايكثر القبل الفاطمة علیها السلام. فقالت له عائشة: إنك تكثر تقبيل فاطمة علیها السلام؟ فقال صلي الله علیه و آله و سلم: إن جبريل ليلة أسري بي أدخلني الجنة فأطعمني من جميع ثمارها، فصار ماء في صلبي فحملت خديجة علیها السلام بفاطمة علیها السلام، فإذا اشتقت لتلك الثمار قبلت فاطمة علیها السلام فأصبت من رائحتها جميع تلك الثمار التي أكلتها.
2- في ذخائر العقبى للطبري، ط ،بيروت، ص44-45 قال: إن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: أتاني جبريل بتفاحة من الجنة فأكلتها و واقعت خديجة علیها السلام فحملت بفاطمة علیها السلام، فقالت: إني حملت حملاً خفيفاً فإذا خرجت حدثني الذي في بطني. فلما أرادت أن تضع بعثت إلى نساء قريش لتأتينها فيلين منها ما تلي النساء ممن تلد فلم يفعلن و قلن: لانأتيك و قد صرت زوجة محمد صلى الله عليه و آله و سلم فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة عليهن من الجمال و النور ما لايوصف فقالت لها:إحداهن أنا أمك حواء، و قالت الأخرى أنا: آسية بنت مزاحم و قالت الأخرى: أنا كلثم أخت موسى، و قالت الأخرى: أنا مريم بنت عمران جئنا لنلي من أمرك ما تلي النساء... و في بحار الأنوار، ج23 ص2 ح1 في حديث طويل: فلما حملت بفاطمة علیها السلام كانت فاطمة علیها السلام تحدثها من بطنها و تصبرها و كانت تكتم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: فدخل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوماً فسمع خديجة علیها السلام تحدث فاطمة علیها السلام فقال لها: يا خديجة علیها السلام من تحدثين قالت: الجنين في بطني يحدثني و يؤنسني قال: يا خديجة علیها السلام هذا جبرئيل يخبرني أنها انثى و إنها النسلة الطاهرة الميمونة و إن اللَّه «تبارك و تعالى» سيجعل نسلي منها و سيجعل من نسلها أئمة و يجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.
3- في كشف الغمة/ ج2 ص89: عن أبي جعفر علیه السلام قال: لما ولدت فاطمة علیها السلام أوحى الله «تبارك و تعالى» إلى ملك فأنطق به لسان محمد صلي الله علیه و آله و سلم فسماها فاطمة علیها السلام ثم قال: إني فطمتك بالعلم، و فطمتك من الطمث، ثم قال أبوجعفر علیه السلام: واللَّه لقد فطمها الله «تبارك و تعالى» بالعلم و عن الطمث في الميثاق.

قَدْ زَانَهَا خُلْقٌ عَظِيمٌ رَائِعٌ *** تُغْضِي حَيَاءٌ فِي الحَيَاةِ وَ تَخْفَرُ(1)

وَرِثَتْ خِصَالَ المُصْطَفَى وَ سَخَاءَهُ *** فَغَدَتْ تُفَرِّقُ فَيْئَهَا لاَتَحْجُرُ(2)

ص: 122


1- تخفر: تستحي أشد الاستيحاء. جاء في حلية الأولياء، ج2 ص40: إن النبي صلي الله علیه و آله و سلم قال لفاطمة علیها السلام: أي شيء خير للمرأة؟ قالت أن لاترى رجلاً و لايراها رجل. فضمّها إليه و قال: ذرية بعضها من بعض... و في رواية أخرى أنها قالت: خير لهن أن لايرين الرجال و لايروهن. فقال: إنها بضعة مني. و في ملحقات إحقاق الحق ج10 ص258: عن علي بن الحسين علیه السلام أن فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم استأذن عليها أعمى فحجبته، فقال لها النبي صلي الله علیه و آله و سلم: لم حجبته و هو لايراك؟ فقالت: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم إن لم يكن يراني فأنا أراه و هو يشم الريح. فقال النبي صلي الله علیه و آله و سلم: أشهد أنك بضعة منّي.
2- في مكارم الأخلاق للطبرسي/ ط بيروت/ الباب الخامس/ في الفصل السادس/ في التزيين للنساء بالحلي و غيره/ في الأسورة/ ص94: أصاب علي علیه السلام شيئاً من الغنيمة فدفعه إلى فاطمة علیها السلام، ثم خرج فأخذ سوارين من فضة و علقت على بابها ستراً. فلما قدم رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم توجه نحو بيت فاطمة علیها السلام فنظر فإذا في يدها سواران من فضة و إذا على بابها ستر فرجع و لم يدخل عليها. فدعت ابنيها و نزعت الستر من بابها و خلعت السوارين من يدها ثم دفعت السوارين إلى أحدهما و الستر إلى الآخر، ثم قالت لهما: انطلقا إلى أبي فاقرئاه السلام و قولا له: ما أحدثنا بعدك غير هذا فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمهما، ثم أمر بذينك السوارين فكسرا فجعلهما قطعاً قطعاً ثم دعا أهل الصفَّة. قوم من المهاجرين لم يكن لهم منازل و لاأموال. فقسمه بينهم ثم جعل يدعو الرجل العاري منهم الذي لايستتر بشيء فيعطيه قطعة من ذلك الستر. و في نور الثقلين في تفسير الآية الشريفة من سورة الحشر آية:9. «وَ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ» ورد أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم فشكا إليه الجوع فبعث رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلّا الماء. فقال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: من لهذا الرجل الليلة؟ فقال علي بن أبي طالب علیه السلام: أنا له يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و أتى فاطمة علیها السلام فقال لها: ما عندك يا بنة رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم؟ فقالت: ما عندنا الأّ قوت العشية لكنا نؤثر ضيفنا. فقال علیه السلام: يا بنة محمد صلي الله علیه و آله و سلم نوّمي الصبية. و اطفئي المصباح. فلما أصبح غدا على رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فأخبره الخبر فلم يبرح حتى أنزل الله «عزوجل» «وَ يُؤْثِرُونَ» نور الثقلين، ج5 ص286. و في بحار الأنوار، ج43 ص26-28: عن علي بن الحسين علیه السلام قال: حدثتني أسماء بنت عميس قالت:كنت عند فاطمة علیها السلام جدتك إذ دخل رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و في عنقها قلادة من ذهب كان علي علیه السلام اشتراها لها من فيء له، فقال النبي صلي الله علیه و آله و سلم: لايغرنك الناس أن يقولوا بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم و عليك لباس الجبابرة، فقطعتها و باعتها و اشترت بها رقبة فأعتقتها فسرَّ رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم بذلك.

وَاللَّهُ قَدَّرَ فِي السَّمَاءِ زَوَاجَهَا *** فَبَنَى بِهَا خَيْرُ البَرِيَّةِ حَيْدَرُ(1)

فَتزَيَّنَتْ حُورُ الجِنَانِ وَ عُطْرَتْ *** جَنَّاتُ عَدْنٍ وَ اللأَئِي تُنْثَرُ(2)

جِبْرِيلُ خَاطِبُهَا وَ إِنَّ صَدَاقَهَا *** نِصْفُ البَسِيطَةِ وَ البِحَارُ وَ أَنْهُرُ

يَا شِيعَةَ الزَّهْرَاءِ تُوْجَ مَهْرُهَا *** بِشَفَاعَةِ يَوْمَ الجَزَاءِ فَأَبْشِرُوا(3)

ص: 123


1- في كفاية الطالب/ للكنجي الشافعي/ ص164. عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أيها الناس هذا علي بن أبي طالب علیه السلام أنتم تزعمون أنني أنا زوجته ابنتي فاطمة علیها السلام و لقد خطبها الي أشراف قريش فلم أجب كل ذلك أتوقع الخبر من السماء حتى جاءني جبرئيل. فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و قد جمع الملائكة في واد يقال له الأفيح تحت شجرة طوبى و زوّج فاطمة علیها السلام علياً علیه السلام و أمرني فكنت الخاطب و اللَّه «تعالى» الولي. و في ذخائر العقبى للطبري، ص31: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أتاني ملك فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم إن اللَّه «تعالى» يقرأ عليك السلام يقول لك إني قد زوَّجت فاطمة علیها السلام ابنتك من علي بن أبي طالب علیه السلام في الملأ الأعلى فزوجها منه في الأرض.
2- في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج 4 ص 129. عن عبد الله بن مسعود، قال: أصاب فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم صبيح العرس رعدة فقال لها رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: يا فاطمة علیها السلام إنّي زوجتك سيداً في الدنيا وإنه في الأخرة لمن الصالحين، يا فاطمة علیها السلام إني لما أردت أن أملكك لعلي أمر الله جبريل فقام في السماء الرابعة فصف الملائكة صفوفاً ، ثم خطب عليهم جبريل فزوّجك من علي ثم أمر شجر الجنان فحملت الحلي و الحلل، ثم أمرها فنثرته على الملائكة فمن أخذ منهم يومئذ أكثر مما أخذ صاحبه أو أحسن افتخر به إلى يوم القيامة؛ قالت أم سلمة: فلقد كانت فاطمة علیها السلام تفتخر على النساء حيث أول من خطب عليها جبريل. في دلائل الإمامة للطبري/ ط قم/ ص18 في حديث طويل: فأوحى الله تعالى إلى محمد صلي الله علیه و آله و سلم أني قد زوَّجت علياً علیه السلام بفاطمة علیها السلام في سمائي تحت ظل عرشي و جعلت نحلتها من علي خمس الدنيا و ثلثي الجنة و أربعة أنهار في الأرض الفرات و دجلة و النيل و نهر بلخ.
3- في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج4 ص210: عن بلال بن حمامة قال طلع علينا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ذات يوم متبسماً ضاحكاً و وجهه مسرور، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ما هذا النور؟ قال: بشارة أتتني من ربي في أخي و ابن عمي بأن اللَّه زوّج بأن الله زوّج علياً علیه السلام من فاطمة علیها السلام و أمر رضوان خازن الجنان فهزَّ شجرة طوبى فحملت رقاعاً یعني صكاكاً بعدد محبي أهل البيت علیهم السلام و انشأ تحتها ملائكة من نور، ودفع إلى كل ملك صكاكاً فإذا استوت القيامة بأهلها، نادت الملائكة في الخلايق فلا يبقى محب لأهل البيت علیهم السلام إلا دفعت له صكاً فيه فكاكه من النار فصار أخي و ابن عمي و بنتي فكّاك رقاب رجال و نساء أمتي من النار. و أخرجه ابن الاثير في أسد الغابة، ج1 ص206.

لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةٍ وَ تَمَسَّكُوا *** بِوَلائِهَا وَ انْسُوا الخَطِيئَةَ وَ اهْجُرُوا

وَ تَزَوَّدُوا لِلْبَعْثِ مِنْ آدَابِهَا *** فِي الحِلْم وَ الأَخْلَاقِ لَا تَتأَخَّرُوا

وَ لْتَنتَهِجْ كُلُّ النِّسَاءِ سَبِيلَهَا *** فِي عِفَّةٍ تُحْيِي القُلُوبَ وَ تَعْمُرُ

***

وَتَيَقَّنُوا أَنّ النَّجَاةَ بِحُبِّهَا *** وَ لأَجْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ تُحْشَرُ

فَتَقُولُ هَذَا طَيِّبٌ مُتَمَنْعٌ *** بولايتي و فؤادُهُ مُتَعَطِّرُ

قُولُوا لَهُ إِنَّ الجِنَانَ جَزَاؤُهُ *** فِي رَوْضَةٍ يَلْقَى النَّعِيمَ وَ يُحْبَرُ(1)

وَ تَقُولُ هَذَا حَائِدٌ مُتَنَصْلٌ *** وَ إِمَامُهُ شَرُّ البَرِيَّةِ حَبْتَرُ(2)

فَلْيُصْلِ نَاراً أُوقِدَتْ لِإِمَامِهِ *** وَ لَهُ تُذِلُّ الظَّالِمِينَ وَ تَقْهَرُ

فَتَوَسَّلُوا بِمَقَامِهَا وَ بِالِهَا *** يَا إِخْوَتِي عِنْدَ النَّوَائِبِ وَ اصْبِرُوا

صَلُّوا عَلَى الهَادِي الأمين وَآلِهِ *** وَ عَلَى الشَّفيعة للعُصاةِ وَ كَبِّرُوا

ص: 124


1- يُحبَر: من الحبور أي السرور.
2- الحائد: المائل عن الطريق. و المتنصّل: من تنصل الرجل، إذا أخذ كل شيء معه.

(30) أهل بيت الوحي علیهم السلام

(بحر الرمل)

السيد صدر الدين الصدر(*)(1)

ص: 125


1- (*) هو السيد صدر الدين ابن السيد إسماعيل إبن السيد صدر الدين محمد ابن السيد صالح ابن السيد محمد إبن السيد شرف الدين ابراهيم. ولد في مدينة الكاظمية المقدّسة في مطلع الفجر يوم سابع عشر ذي القعدة سنة (1299 ه_) و أخذ العلوم العربية و ما إليها ثم المنطق و سطوح الفقه و الاصول و الحكمة و الكلام على عدة من الأساتذة المهرة في سامراء، كالشيخ حسن الكربلائي و الشيخ محمد حسين الطبسي و الشيخ محمد صادق الشيرازي و غيرهم من المحققين. و أخذ عن الامام الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي، و أوغل في البحث عن هذه العلوم فإذا هو فسيح الخطوة غزير المادة فيها. هاجر المترجَم له إلى النجف الاشرف فوقف على الائمة من شيوخها كالشيخ كاظم الخراساني و الشيخ رضا الهمداني و الشيخ محمد طه نجف و أخذ عن العالمين السيد محمد بحر العلوم الحسني صاحب (البلغة) و الشيخ ضياء الدين العراقي، ثم رجع إلى أبيه السيد اسماعيل الصدر و هو في كربلاء المقدسة فعكف على دروسه فقهاً و أصولاً و وقف نفسه على خدمته ليلاً و نهاراً، يغدو و يروح ممعناً مع أبيه و إخوته و أعلام تلك الحوزة العريقة الفاضلة في التنقيب و التحقيق ثم إن المترجَم له هاجر إلى مدينة مشهد المقدسة و عاش فترة من الزمن هناك فكان أحد زعماء الشريعة بتلك الديار. ثم هاجر إلى مدينة قم المشرَّفة بناء على إلحاح من أستاذه الامام الشيخ عبد الكريم الحائري فكان المرشَّح الأول للزعامة الكبرى في ايران بعد الشيخ عبد الكريم و كان الشيخ يشير إليه بذلك، و من الجدير بالذكر أن المرجع الكبير و هو أبوزوجته السيد آغا حسين القمي «رحمه الله» أجاز تقليده و أرجع إليه احتياطاته، و من يعرف القمي و شدة ورعه جيداً يعلم أنه قلّما اطمأن إلى أحد أو اعتمد عليه و هذا يدل على علوّ مقامه و رفعة منزلته. و بعد أن توفي الشيخ عبد الكريم الحائري «أعلى الله مقامه» اجتمع الناس حوله متفقين على اختياره و لاسيما أهل الفضل منهم ولكنه أبى ذلك تحفظاً من الاعباء و احتياطاً لنفسه. لكنه بالرغم من إبائه تقدمت به مكانته فاقبل عليه الناس و حين رأى نفسه إزاء الأمر الواقع تولاها دروساً و خطابة و جماعة و قياماً بأمور العامة و طبعت رسالته العملية و أصبح من زعماء العلم و مراجع الدين و كبار المدرسين و كان يدرّس في الفقه و الاصول فيحضر درسه ما يقارب (400) طالب، و كان له في الادب باعاً طُولى و ضلوعاً في اللغتين العربية و الفارسية و قلمه مطبوع مسترسل في النثر و سهل في الشعر و له كثير من المؤلفات منها: مختصر تاريخ الاسلام - رسالة في الحقوق - المهدي - حاشية على كفاية الأصول - رسالة في أصول الدين - رسالة في إثبات عدم تحريف الكتاب - لواء الحمد - حقوق المرأة في الإسلام - منظومة في الحج - منظمومة في العلوم، و ترك ثروة علمية ضخمة في الفقه و الاصول و التاريخ و الأدب و الكلام و العقائد و الحديث و الأخلاق. و خلَّف ولديه العلمين الجليلين آية الله السيد رضا الصدر و الامام السيد موسى الصدر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان. انتقل إلى «رحمة الله علیه» تعالى بعد مرض قلب لازمه سنين كثيرة و ذلك في يوم السبت 19 ربيع الثاني سنة (1373 ه_) فخسر به الاسلام أحد رجاله و العلم أحد أبطاله و كان يومه مشهوداً في قم المشرّفة، فقد بكته طبقات الناس و صلى عليه المرجع الكبير السيد البروجردي و دفن في بقعة العلماء في رواق حرم السيدة فاطمة المعصومة علیها السلام ابنة الامام الكاظم علیه السلام بجوار قبر الشيخ عبد الكريم الحائري و أقيمت له الفواتح في مختلف البلاد.

يَا خَلِيلَيَّ احْبِسَا الجُرْدَ المِهَارا *** وَ ابْكِيَا دَاراً عَلَيْهَا الدَّهْرُ جَارَا(1)

وَ رُبُوعاً أَقْفَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا *** وَغَدَتْ بَعْدَهُمُ قَفْراً بِرَارا(2)

حَكَمَ الدَّهْرُ عَلَى تِلْكَ الرُّبَى *** فَانْمَحَتْ وَ الدَّهْرُ لاَيَرْعَى ذِمَارا(3)

كَيْفَ يُرْجَى السَّلْمُ مِنْ دَهْرٍ عَلَى *** أَهْلِ بَيْتِ الوَحْيِ قَدْ شَنَّ المَغَارَا

لَمْ يُخَلَّف أَحْمَدُ إِلا ابْنَةً *** وَلَكُمْ أَوْصَى بِهَا القَوْمَ مِرَارا(4)

ص: 126


1- الجرد: جمع الجرداء أو الأجرد أي ما لاشعر عليه المهار: أولاد الفرس.
2- ربوعاً: دياراً، منازلاً، أحياء. أقفرت: خلت من الناس و الكلاء و الماء.
3- ذمارا: كل ما يلزمك حمايته و حفظه و الدفاع عنه و ان ضيعته لزمك اللوم.
4- يشير الشاعر في هذا البيت إلى ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من وصايا في حقها و عدم إيذائها و إغضابها. قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج27 ص166 قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنما فاطمة علیها السلام بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها». و ذكر الترمذي في صحيحه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنما فاطمة علیها السلام بضعة مني يؤذيني ما آذاها و يُنصبني ما أنصبها». راجع المصدر ج5 ص699.

كَابَدَتْ بَعْدَ أَبِيهَا المُصْطَفَى *** غُصَصاً لَوْ مَسَّتِ الطَّوْدَ لَمَارَا(1)

هَلْ تَرَاهُمْ أَدْرَكُوا مِنْ أَحْمَدٍ *** بَعْدَهُ فِي آلِهِ الأَظهَارِ ثَارا؟

فَصَبُوها حَقَّهَا جَهْراً وَ مِنْ *** عَجَبٍ أَنْ تُغْصَبَ الزَّهْرَا جِهَارَا

مَنْ لَحَاهَا إِذْ بَكَتْ وَالِدَهَا *** قَائِلاً فَلْتَبْكِ لَيْلاً أَوْ نَهَارا؟(2)

وَيْلَهُمْ مَا ضَرَّهُمْ لَوْ بَكَتْ *** بِضْعَةُ الْمُخْتَارِ أَيَّاماً قِصَارا

مَنْ سَعَى فِي ظُلْمِهَا مَنْ رَاعَهَا *** مَنْ عَلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ جَارا؟

مَنْ غَدَا ظُلْماً عَلَى الدَّارِ الَّتِي *** تَخِذَتْهَا الإِنْسُ وَ الْجِنُّ مَزَارا؟

طَالَمَا الأَمْلاكُ فِيهَا أَصْبَحَتْ *** تَلْثِمُ الأَعْتَابَ فِيهَا وَ الْجِدَارا

وَ مِنَ النَّارِ بِهَا يَنْجُو الوَرَى *** مَنْ عَلَى أَعْتَابِهَا أَضْرَمَ نَارا؟(3)

وَ النَّبِيُّ المُصْطَفَى كُمْ جَاءَهَا *** يَطْلُبُ الإِذْنَ مِنَ الزَّهْرَا مِرَارَا(4)

وَ عَلَيْهَا هَجَمَ القَوْمُ وَ لَمْ *** تَكُ لَاَنَثْ لاَوَعُلياهَا الْخِمَارَا(5)

لَسْتُ أَنْسَاهَا وَ يَا لَهُفِي لَهَا *** إِذْ وَرَاءَ الْبَابِ لاَذَتْ كَيْ تَوَارَى(6)

فَتَكَ الرِّجْسُ عَلَى البَابِ وَ لاَ *** تَسْأَلَنْ عَمَّا جَرَى ثمَّ وَصَارا

ص: 127


1- الطود: الجبل الشامخ. مار: اضطرب.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى طلب القوم من الإمام العلي علیه السلام أن تبكي الزهراء علیها السلام إما ليلاً أو نهاراً.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى إضرام النار في بيت الزهراء علیها السلام. انظر كتاب سلیم بن قيس الهلالي ص36 و ص40 و كتاب مؤتمر بغداد ص37 و الاحتجاج ج1 ص109.
4- يشير الشاعر إلى ما ورد من أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم لايدخل بيت الزهراء علیها السلام إلا بعد الاستئذان. ففي كتاب تاريخ مدينة دمشق ج1 ص268، عن عمران بن حصين «أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال له: ألا تنطلق بنا نعود فاطمة علیها السلام فإنها تشتكي قلت: بلى قال: فانطلقنا حتى إذا انتهينا إلى بابها فسلّم فاستأذن. فقال: أدخل أنا و من معي؟ قالت: نعم و من معك يا أبتاه... الخ». و ذكره أبونعيم في كتابه حلية الأولياء ج2 ص42.
5- لاثت: لفَّت. الخمار: ما تغطي به المرأة رأسها أو الستر عموماً. يشير الشاعر في هذين البيتين إلى هجوم القوم على الزهراء علیها السلام و هي حسرى دون خمار. انظر کتاب سلیم بن قيس الهلالي ص39.
6- كي تواري: كي تتواري أي تتخفّی.

لا تَسَلْنِي كَيْفَ رَضُوا ضِلْعَهَا *** وَ اسْأَلَنَّ الْبَابَ عَنْهَا وَ الجِدَارا(1)

وَ اسْأَلَنْ أَعْتَابَهَا عَنْ مُحْسِنٍ *** كَيْفَ فِيهَا دَمُهُ رَاحَ جُبَارا

وَ اسْأَلَنْ لُؤلُؤ قُرْطَيْهَا لِمَ *** انْتَشَرَتْ وَ الْعَيْنَ لِمْ تَشْكُو احْمِرارا؟(2)

وَ هَلِ المِسْمَارُ مَوْتُورٌ لَهَا *** فَغَدا فِي صَدْرِهَا يُدْرِكُ تارا؟(3)

ص: 128


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى كسر ضلع الزهراء علیها السلام. انظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص40، ص208. و كتاب الاحتجاج، ج1 ص109.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى لطم فاطمة علیها السلام على خدها و تناثر قرطيها. انظر كتاب إرشاد القلوب كما في عوالم العلوم ج2 ص574 و كتاب البحار ج8 ص240 ط حجرية.
3- يشير الشاعر في هذا البيت إلى دخول المسمار في صدرها علیها السلام. انظر كتاب مؤتمر علماء بغداد ص135 كما في عوالم العلوم ج2 ص586 و كتاب مأساة الزهراء علیها السلام ج1 ص353. نقلت من كتاب بغية الراغبين للسيد عبد الحسين شرف الدين ج1 ص247.

(31) قفا نبك دماً

(بحر الرمل)

صدر الدين الصدر(*)(1)

تخميس الشيخ قيس العطار(**)(2)

قد ذكرتُ الدارَ و الدمعُ تجارى *** و أحبّاءٌ لنا شطُّوا مَزَارا

مذ مررنا صحتُ بالصحبِ جهارا *** «یا خليليَّ احبسا الجردَ المِهارا

وابكيا داراً علیها الدهرُ جارا»

***

فقفا نبكِ دماً من أجلِها *** و الذي قد فرَّقُوا من شملِها

قد تذكّرتُ ليالي وصلِها *** «و ربوعاً أقفرتْ من أهلِها

و غدتْ بعدهُمُ قفراً بَوارا»

***

قلتُ للأطلالِ أينَ النجبا *** أينَ عن ربعهُمُ طيبُ الصّبا

فأجابتنِي جواباً عجَبا *** «حكم الدهرُ على تلكَ الرُّبى

فانمحتْ و الدهرُ لايرعى ذِمارا»

***

أو لا تدرِي بما قدْ فعلا *** دهرُ سوءٍ عمرَه ما عَدَلا

ص: 129


1- (*) مرّت ترجمته في القصيدة السابقة.
2- (**) مرت ترجمته في الجزء الثاني.

أمَّرَ التالي و أقصى الأوّلا *** «كيف يُرجى السلمُ من دهرٍ على

أهل بیتٍ الوحي قد شنّ المَغارا»

***

حينما قد عقدُوها ضلّةً *** لبني تيم بن مرِّ فلتةً

فانتحى منتهكاً فاطمةً *** «لم يخلّف أحمدٌ إلاّ ابنةً

و لَكَمْ أوصى بها القومَ مرارا»

***

غيرَ أنّ القومَ سامُوها الجفا *** برزايا فطَّرت صُمَّ الصَّفا

آهِ للزهرا أُضِيعت أَسَفا *** «كابدتْ بعد أبيها المُصطفى

غُصَصاً لومسَّتِ الطودَ لَمَارا»

***

ما لقلبِ القومِ هل من جَلمدَ *** نحتُوه أم ظلامٍ سرمدِ

كيف لم يعرف لها من مَلحَدِ *** «هل تراهم أدركوا من أحمدِ

بعدُه في آلهِ الأطهارِ ثارا»

***

ليسَ في زمرتِهم من مؤمنْ *** لا و لاذي عفّةٍ مؤتَمنْ

كم أذاقُوا فاطماً من مِحَنِ *** «غصبُوها حقّها جهراً و مِنْ

عجبٍ أن تُغصب الزهرا جَهارا»

***

كذَّبَ ابن المعتِفي شاهِدها *** وغدا من حقِّها جاحدَها

أوَ لم تسمعْ بمن عانَدَها *** «من لحاها إذ بكت والدَها

قائلاً فلتبكِ ليلاً أو نهارا»

***

ص: 130

فلبيتِ الحزنِ تبكي أُقصيتْ *** و بإيذاءِ الورى قد رُميتْ

ليتَ منهم أعيناً قد عُميتْ *** «ويلهم ماضرَّهم لو بكيتْ

بضعةُ المختار أياماً قصارا»

***

زمرةٌ قد ركبت أطماعَها *** و من الزهرا حَنَتْ أضلاعَها

أو تدري بالذي قد لاعَها *** «من سعى في ظلمِها مَن راعَها

من علي فاطمةَ الزهراءِ جارا»

***

إنّه نغلُ بنِي تيمٍ العتي *** و ابنُ خطابٍ أتى بالزمرةِ

لعَنَ الباري خبيث المنبتِ ** «مَن عدا ظلما على الدارِ التي

تخذتها الإنسُ و الجنّ مزارا»

***

فلتةٌ من تيمِها قد نبحَثْ *** و لقلبِ المصطفى قد جَرَحَتْ

أحرقُوا داراً بنورٍ طفحتْ *** «طالما الأملاكُ فيها أصبحَتْ

تلثمُ الأعتابَ منها و الجدارا»

***

هي دارٌ قدْ تسامَتْ للذرى *** كعبةُ الوفّادِ من أُمَّ القُرى

سلْ بها إذ طاولَتْ غار حِرا *** «و من النارِ بها ينجُو الوَرَى

من علی أعتابِها أضرمَ نارا»

***

من بيوتٍ ربُّها قدشاءَها *** و بأملاكٍ حَمَى أرجاءَها

دون إذن دخلُوا أفناءَها *** «و النبيّ المصطفى كم جاءَها

ص: 131

یطلبُ الإذن ب الإذن من الزهرا مِرارا»

***

بالذي قُدّر قد جفَّ القَلَمْ *** أن تموتَ الطهرُ من فرطِ الألمْ

هتکُوا من دارِها كلَّ الحُرَمْ *** «و عليها هجمَ القومُ و لَمْ

نكُ لاثتْ لاو علیاها خمارا»

***

أسقطُوها خلف بابٍ حَمْلَها *** و بحبلِ الرجس جرّوا بعْلَها

ما رأت عيناي رزءاً مثلها *** «لستُ أنساها و يا لهفِي لها

إذ وراءَ البابِ لاذتْ تتواري»

***

حقدُهم في الصدر كالقدر غلى **** فأتى كلُّ نبوحٍ يُشتلى

عمرٌ، قنفذُ، كُلُّ السفلا *** «فتكَ الرجسُ على البابِ و لا

تسْأَلَنْ عمّا جرى ثمَّ و صارا»

***

منعُوا فاطمَ تذري دمعَها *** و بليل الحقد أطفَوْا شمعَها

فابكها ما شئتَ حزناً وَانْعَها *** «لاتسلنِي كيف رضّوا ضِلعها

واسْأَلَنَّ البابَ و الجِدارا»

***

فاسألِ الدار تُجبْ في حُزُنِ *** عن رزاياها بقلبٍ شَجِنِ

لاتسلني ما جرى من مِحَنِ *** «واسألَنْ أعتابهَا عن محسنِ

کیف فیها دَمُهُ راحَ جُبارا»

***

ص: 132

منعُوا أعينَها طيبَ الوسَنْ *** روّعُوها و حُسيناً وَ حَسَنْ

لاتسلْ عمّا أُذيقوا من مِحَنُ *** «واسألنْ لؤلؤ قرطيْها لِمَا أنْ

سرت و العينَ لَمْ تشكو احمرارا»

***

قد سألتُ البابَ تحكي عَلَّها *** لِمَ بالنارِ أراعَتْ أهلَها

لِمَ جرَّ الحبلُ ظُلماً بعلها *** «و هل المسمارُ موتورٌ لها

فغدا في صدرِها يدركَ ثارا»

***

ص: 133

(32)تمضي الدهور

(بحر الكامل)

الأستاذ عباس أبوالطوس(*)(1)

غَنَّتْ وَ أَقْدَاحُ المُدَامِ تُدَارُ *** فَتَرَنَّحَتْ لِغَنَائِهَا السُّمَّارُ(2)

ص: 134


1- (*) هو الاستاذ الأديب عباس بن مهدي ابن الحاج حمادي ابن الحاج حسين أبي الطوس. ولد في مدينة كربلاء المقدسة سنة (1349 ه_) الموافق سنة (1930 م). نشأ و تربى في أحضان أسرته الكريمة، حتى أرسله أبوه إلى أحد الكتاتيب و المترجَم له لم يتجاوز السادسة من عمره فتعلم القراءة و الكتابة حتى صلب عوده و سمت منزلته فكان من صغر سنه هاوياً للشعر و الأدب، فتدَّرج و هو يقرأ النحو كالقطر لابن هشام و الألفية لابن مالك و يطالع البيان و التبيين للجاحظ و جواهر البلاغة و تاريخ الاسلام و كان يقضي شطراً من وقته بقراءة الدواوين الشعرية كما حفظ خمسين خطبة من نهج البلاغة، و حفظ مايقارب عشرة آلاف بيت من الشعر و منها (المعلقات)، و ساعدته على صقل مواهبه الادبية أجواء مدينة كربلاء المقدسة التي كانت تزخر بالشعراء و الادباء البارعين مما رقي بشاعرنا إلى مصاف عباقرة الادباء. و المترجَم له، معروف بأنه شاعر وطني مرموق و كيف لا و قداكتحلت عيناه بمرأى مراقد الشهداء الابرار، و تعلِّم منهم الكرامة و الإباء و الشمم. فكان أبوالطوس لاتفوته مناسبة من المناسبات الدينية و الوطنية دون أن يكون له سهم فيها، و كان يشارك في الحفلات الأدبية و ينشر روائعه في الصحف المحلية حتى جمع أكثر من ديوان و ترك المترجَم له آثاراً أدبية غنيّة عن التعريف و قد تصدَّى أخونا الاستاذ الاديب السيد سلمان هادي آل طعمة لجمع قصائد أبي الطوس و هو الآن في طريقه إلى الطبع. ودَّع الحياة و هو في عمر الورد دون أن يتزوج، فقد وافاه الأجل يوم السبت المصادف (1958/12/26م) في كربلاء المقدسة فشيع إلى مثواه الأخير في وادي كربلاء.
2- المدام: الخمر. ترنَّحت: تمايلت من سكر و نحوه. السمّار: الذين لم يناموا و تحدثوا و سهروا ليلاً.

وَ مَشَتْ وَ أَلْبَابُ النَّدَامَى إِثْرَهَا *** تَخْطُو وَ قَدْ شَخَصَتْ لَهَا الأَنْظارُ(1)

فَتَمَايَلَتْ لِلسَّامِرِينَ تَذَلُّلاً *** تَرْوِي الغَصينَ فَرَنَّتِ الأَوْتَارُ

حَسْنَاءُ نَاعِمَةُ العُيُونِ وَ وَجْهُهَا *** قَمَرٌ تَخِرُّ لِحُسْنِهِ الأَقْمَارُ

بَرَّاقَةُ السَّاقَيْنِ ذَاتُ مَحَاسِنٍ *** وَ بِخَدِّهَا مَاءُ الصَّبَا نَوّارُ

يَهْفُو لَهَا الصَّبُّ الكَثِيبُ تَشَرُّقاً *** وَ تَهَيُّماً حَيْثُ الهَوَى جَبَّارُ

يَا رَبَّةَ اللَّفْتَاتِ مَهْلاً قَدْ كَوَى *** جَنْبَيَّ هَذَا الدَّلُّ وَ التَّخْطَارُ

وَ مِنَ التَّضَامُنِ وَ اهْتِزَازِ قِوَامِكِ *** شَبَّتْ عَلَى قَلْبِي المُتَيَّمِ نَارُ

***

بُورِكتَ مِنْ لَيْلِ بِكَ الأَحْرَارُ *** قَدْرُجْبَتْ وَ طَغَى اسْتِبْشَارُ

هَذَا هُوَ الحَفْلُ المُهِيبُ كَأَنَّهُ *** فَلَك تَضِحُ حِیَالَهُ الأَنْوَارُ

وَقَفَتْ لَكَ الشُّعَرَاءُ إِكْرَاماً وَ قَدْ *** أَوْدَى بِهَا الإِجْلاَلُ وَ الإِكْبَارُ

ضَرَبَتْ عَلَى وَتَرِ القَرِيضِ أَكُفُّهَا *** بِحَفَاوَةٍ فَانْهَلَّتِ الأَشْعَارُ(2)

وَ مَضَتْ تَسِيلُ وَ فِي المَسَامِع شَدْوُهَا *** طَرَباً كَمَا تَتَرَنَّمُ الأَطْيَارُ

وَ الشَّعْرُ مِصْبَاحٌ يُطِلُّ بِحِنْدِسٍ *** وَ الشَّعْرُ فِيهِ رِفْعَةٌ وَ وَقَارُ(3)

وَ الشَّعْرُ خَيْرُ هَدِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ *** لِلطَّيِّبِينَ وَ لِلطَّغَاةِ دَمَارُ

وَ الشَّعْرُ مُوسِيقَى وَ جَرسٌ سَاحِرٌ *** إِنْ رَنَّ هَبَّتْ نَحْوَةُ الأَفْكَارُ

***

بُورِكتَ مِنْ لَيْل تَخِرُّ لِسَعْدِهِ *** شُكراً لَيَالِي الدَّهْرِ وَ الأَسْحَارُ

أَلْقَ الجَبِينُ وَ بِالسُّرُورِ مُتَوَّجاً *** حَتَّى كَأَنَّكَ بِالوُضُوحٍ نَهَارُ

تَجْرِي الرِّيَاحُ ظَلِيقَةً وَ رَخِيَّةً *** بِكَ لِلأَنَامِ وَ ذَيْلُهَا مِعْطَارُ

ص: 135


1- ألباب: عقول. الندامى: الجلساء على الشراب.
2- القريض: الشعر.
3- حندس: ليل شديد الظلمة.

فِي مَوْلِدِ الزَّهْرَاءِ شَعَ مِنَ الهُدَى *** نُورٌ وَ لِلإِسْلامِ لاَحَ مَنَارُ

فَالكَوْنُ مُزْدَهِرُ الجَوَانِبِ ضَاحِکٌ *** وَ عَلَى الوَرَى عَبْقُ(1) الجِنَانِ نِثَارُ(2)

***

يَا صفْحَةٌ لَمَعَ القَرِيضُ فُويْقَهَا *** زِيدِي الْتِمَاعاً فَالسُّرُورُ مُثَارُ

وَ تَرَنَّحِي يَا عَاطِفَاتُ وَ سَارِعِي *** عَجَلاً كَمَا تَتَسَارَعُ الأَمْطَارُ

فَلَقَدْ طَرِبْتُ بِحَفْلِ ذِكْرَى مَوْلِدِ *** الزَّهْرَاءِ حَيْثُ نَمَتْ لَهَا الأَطْهَارُ

فَلِذَا وَقَفْتُ مُغَرِّداً بحفاوةٍ *** لِلسَّامِعِينَ كَمَا يَهُبُّ هَزَارُ(3)

حُيِّيْتِ مِنْ ذِكْرَى يُغَرِّدُ بِاسْمِهَا *** الدَّهْرُ وَ التَّارِيخُ وَ الأَسْفَارُ(4)

الْحَقُّ يَشْمُخُ عَالِياً فِي طَيِّهَا **** وَ الظُّلَمُ مِنْ لَمَعَانِهَا يَنْهَارُ

تَمْضِي الدُّهُورُ وَإِنَّهَا وَضَاءَةٌ *** مَهمَا بَدَتْ وَ تَغَيَّرَتْ أَطْوَارُ

***

أَمَّا حَيَاةُ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهَا *** عَارٌ و خِزْيٌ فَاضِحٌ وَ بَوَارُ

و الحَاكِمِينَ بِغَيْرِ حَقٌّ شُهْرَةً *** وَ الصَّامِتِينَ كَأَنَّهُمْ أَحْجَارُ

هذَا العِرَاقُ وَ لاَيَزَالُ بِذِلَّةٍ *** كَيْفَ الخَلاَصُ وَفَوْقَهُ اسْتِعْمَارُ

هذَا يُطَبّلُ مِنْ هُنَا لِلُبَانَةٍ *** وَ هُنَاكَ آخَرُ عَازِفٌ زَمَّارُ

وَيْلٌ لِجَامِعَةٍ تُغَيِّرُ لَوْنَهَا *** وَ سِوَى التَّكذُّبِ مَا لَهَا أَخْبَارُ

قَدْ هَدْأَتْنَا بِالسَّلام وَ غَيْرِهِ *** أَيْنَ السَّلاَمُ وَ هَذِهِ الأَخْطَارُ؟

ص: 136


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى ما صاحب ولادة الزهراء علیها السلام من نور و بهجة في الكون. و انظر كتاب مشارق الأنوار في أسرار فاطمة الزهراء علیها السلام ص85 كما في عوالم العلوم ج1/ 11 ص58 و كتاب البحار ج16 ص80. و في كتاب الروض الفائق ص214 مثله كما في عوالم العلوم ج11/1 ص56.
2- عبق: رائحة طيبة. نثار: منثور.
3- هزار: عندلیب.
4- الاسفار: الكتب.

إِنَّ المَشَاكِلَ لَاتَحُلُّ بِأَرْؤُسٍ *** لَعِبَتْ بِهَا قَبْلَ الحُلُولِ عُقَارُ(1)

***

عَمّا قَرِيبٍ تُرْفَعُ الأَسْتَارُ *** طُرّاً فَتَبْدُو خَلْفَهَا الأَسْرَارُ

وَ تَلُوحُ لِلْقَوْمِ النِّيَامِ غَمَامَةٌ *** سَوْدَاءُ مِنْهَا تَرْجُفُ الأَقْطَارُ

دَمْعُ الشَّبَابِ يُرَاقُ فِي أَوْطَانِهِ *** ظُلماً لِيُکْمِلَ عَيْشُهُ الغَدَّارُ

وَ الشَّمْسُ تَفْزَعُ فِي المَسَاءِ لَمَّا يُرَى *** تَهْتَزُّ مِنْ ثِقْلِ الجُيُوشِ قِفَارُ

فَخُذُوا الحِيادَ لَكُمْ وَإِلا تَنْدَمُوا *** إِنْ طَارَ مِنْ حَرْبِ الطَّغَاةِ شَرَارُ

***

كَيْفَ السُّكُوتُ عَلَى الأَذَى وَإِلَى مَتَى *** نَحْنُ العَبيدُ وَ لِلْعَدُوِّ صِغَارُ؟

غَمَرُوكُمُ وَاللَّهِ ذُلاً قاتلاً *** أَفَأَنْتُمُ الأَحْرَارُ وَ الأَبْرَارُ؟

إِنَّ المَشَانِقَ لِلْكِرَام مَرَاقِصٌ *** وَ السِّجْنُ فِي حُبِّ البِلادِ فَخَارُ

يَا نَاهِبِي الخَيْرَاتِ مِنْ أَوْطَانِنَا *** بَلْ يَا عَبيداً رَبُّهَا الذُّولارُ

خَلُوا مَوَاطِنَنَا وَ لَاتَتَقَرَّبُوا *** مِنْهَا فَإِنَّ رِجَالَهَا ثُوّارُ

***

يَا بِنْتَ مَنْ وَاللَّهِ لَوْلاَ شَخْصُهُ *** لَمْ يَسْتَقِمَ دِينُ وَ لاأَمْصَارُ

بَلْ لَمْ تَدُرْ كُرَةُ الصَّعِيدِ وَ لَمْ يَكُنْ *** هَذَا الأَثِيرُ الدَّافِعُ السَّيَّارُ(2)

كُمْ مَوْقِف لَكِ فِي الدَّفَاعِ مُعَظَّمٍ *** مِنْ حَيْثُ غَضَّتْ نَحْوَكِ الْأَبْصَارُ؟

دَافَعْتِ عَنْ دِينِ الرَّسُولِ فَمَا اهْتَدَتْ *** بِدِفَاعِكِ الجُهَّالُ وَ الأَشْرَارُ(3)

ص: 137


1- عقار: خمرة.
2- الصعيد: الأرض.
3- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى مواقف الزهراء «سلام الله عليها» التي وقفتها للدفاع عن الاسلام و حق الإمام علي علیه السلام. و هذه المواقف كثيرة. انظر كتاب الاحتجاج، ج1 ص131-132 و كتاب سليم بن قيس الهلالي ص208. و كتاب عوالم العلوم ج2/ 11 ص631.

فَإِلَيْكِ سَيِّدَتِي تَحِبَّةَ شَاعِرٍ *** كَمِدٍ وَ دُونَ وَلاكِ لايَخْتَارُ(1)

ص: 138


1- نقلت من ديوان عباس أبوالطوس. مخطوط...

(33) سر الحياة

(بحر الكامل)

الشيخ عبدالأمير النصراوي(*)(1)

يَا مَنْ زَهَتْ مِنْ نُورِكِ الأَنْوَارُ *** وَ تَنَسَّمَتْ عِطْراً بِكِ الأَسْحَارُ

سِرُّ الحَيَاةِ عَلَى وُجُودِكِ قَائِمٌ *** فُلكٌ بِهِ هَذَا الوُجُودُ يُدَارُ

صَاغَ الإِلهُ لآلِئاً مِنْ لُطفِهِ *** وَ قَدِ اصْطَفَاكِ وَاحِدٌ قَهَارُ

فِي يَوْمِ مَوْلِدِكِ الحَيَاةُ تَعَطَّرَتْ *** وَ عَلَى أَرِيجِكِ تُنْثَرُ الأَزهَارُ(2)

عَمَّتْ لَكِ الأَفْرَاحُ فِي أَرْجَائِهَا *** وَ إِلَيْكِ حُبّاً تُنْشَدُ الأَشْعَارُ

زَهْرَاءُ يَزْهَرُ نُورُهَا نَحْوَ السَّمَا *** حَوْرَاءُ قَدْ حَارَتْ بِهَا الأَفْكَارُ(3)

ص: 139


1- (*) هو الخطيب البارع الشيخ عبدالأمير بن نجم بن عبيدالنصراوي العبادي. ولد في مدينة كربلاء المقدسة سنة (1374 ه_) الموافق (1954م)، و نشأ و ترعرع في ظل أسرته الكريمة و تحت رعاية والديه. تلقى دراسته الابتدائية و المتوسطة في مدارس كربلاء المقدسة ثم التحق بالحوزة العلمية فيها و درس المقدمات على أشهر أساتذتها أمثال العلامة الخطيب السيد مرتضى القزويني، و العلامة الشيخ جابر العفجاوي و العلامة الشيخ عبد الرضا الصافي و غيرهم. ثم تفرَّغ للخطابة الحسينية و تتلمذ على يدي الخطيبين العملاقين الشيخ هادي الخفاجي و العلامة الشيخ عبدالزهراء الكعبي، و ما لبث أن ذاع صيته و انتشر ذكره انتشار الطيب و صارت له صولات و جولات في مجال الوعظ و الارشاد و شهدت له مجالس كربلاء، و الكاظمية و الصويره و سوريا و لبنان و غيرها بالقدرة الخطابية، و يتمَّيز بصوته الشجي الحزين. و للمترجَم له مؤلفات منها: كتاب في الامام الحسين علیه السلام مخطوط و له أيضاً ديوان شعر طبع بعنوان: (عبير الأبرار و حنين الأحرار).
2- أريجك: رائحتك الطيبة.
3- إشارة لما روي في كتاب علل الشرائع ج1 ص179 عن جابر عن أبي عبدالله علیه السلام قال: قلت له: لمَ سميّت فاطمة الزهراء علیها السلام زهراء؟ قال: لأن الله «عزوجل» خلقها من نور عظمته فلما أشرقت أضاءت السماوات و الأرض بنورها. الحديث.

فِي مُحْكَم التَّنْزِيلِ اِسْمُكِ كَوْثَرٌ *** مِنْ نَبْعِهِ قَدْ فَاضَتِ الأَنْهَارُ

فِي سُورَةِ الإِنْسَانِ أَعْلَنَ نَاطِقاً *** وَلَدَاكَ أَنْتِ وَ حَيْدَرٌ أَبْرَارُ

مَنْ يَشْرَبُونَ وَ قَدْ سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ *** كَأْساً لَهُمْ كَافُورُهُ فَوَارُ(1)

يَا بَضْعَةَ الهَادِي وَ زَوْجَةَ حَيْدَرٍ *** أُمَّ الأَئْمَةِ مَنْ هُمُ أَطْهَارُ(2)

أَنْجَبْتِ يَا أُمَّ الحُسَيْن عَمَالِقاً *** قَدْ نَوَّرُوا الدُّنْيَا وَ هُمْ أَقَمَارُ

أَنْتِ التَّقَى أَنْتِ البَتُولُ وَ فَاطِمٌ *** فَعَلَى خُطَاكِ يَقْتَدِي الأَحْرَارُ(3)

مَنْ لِي سِوَاكِ شَفِيعَةٌ يَوْمَ الجَزَا *** إِذْ عَزَّتِ الأَحْبَابُ وَ الأَنْصَارُ؟(4)

ص: 140


1- كافور: شجرة أريجية من فصيلة الغاريات مهدها الأصلي جنوب الصين. أوراقها دائمة الخضرة و أزهارها بيضاء ضاربة إلى الصفرة يستخرج منها الكافور و هو مادة عطرية تستخرج من الشجرة و تستعمل في الطب.
2- إشارة إلى ما روي في صحيح الترمذي ج2 ص319 في فضل فاطمة بنت محمد عن النبي صلي الله علیه و آله و سلم قال فإنما ابنتي. يعني فاطمة علیها السلام بضعة منّي.
3- إشارة إلى ما روي في كتاب ينابيع المودة ج1 ص310 عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و إنما سمِّيت فاطمة علیها السلام البتول لأنها تبتلت من الحيض و النفاس لأن ذلك عيب في بنات الانبياء أو قال: نقصان. و قد تقدم عن ذلك الكثير.
4- إشارة إلى ما روي في كتاب ينابيع المودة أيضاً ج1 ص309 عن علي علیه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إنما سميت ابنتي فاطمة علیها السلام لأن الله «تعالى» فطمها و فطم محبّيها من النار.

(34) حديث الباب

(بحر الطويل)

الشيخ عبد الحسين آل صادق العاملي (*)(1)

أَنَائِحَةٌ مِثْلِي عَلَى العَرْصَةِ القَفْرَا *** تَعَالِي أَقَاسِمُكِ المَنَاحَةَ وَ الذِّكْرَى(2)

حَدِيثَ الجَوَى يَا وُرْقُ يَرْوِيهِ كُلْنَا *** عَن العَبْرَةِ الْوَطْفَاءِ وَ الْكَبِدِ الحَرَا(3)

كِلانَا كَثِيبٌ يُتبِعُ النَّوْحَ أَنَّةً *** إِذَا مَا وَعَاهَا الصَّحُرُ صَدَّعَتِ الصَّخْرَا(4)

خُذِي لَكِ شَطْراً مِنْ رَسِيسِ مُبَرِّحٍ *** وَلِي مِنْهُ يَا ذَاتَ الجَنَاحِ ذَرِي شَطرَا(5)

خَلا أَنَّهَا تَبْكِي وَ مَا فَاضَ دَمْعُهَا *** وَ أَجْرَيْتُهَا مِنْ مُقْلَتِي أَدْمُعاً حَمْرا

فَلاَجَمْرُ أَحْشَائِي يُخَفِّفُ عَبْرَتِي *** وَ لَاعَبْرَتِي فِي صَوْبِهَا تُخْمِدُ الجَمْرَا

وَ قَائِلَةٍ وَ هْيَ الْخَلِيَّةُ مِنْ جَوَّى *** مُعَرَّسُهُ أَضْحَى الْحَيَازِمَ وَ الصَّدْرَا(6)

رُوَيْدَكَ نَهْنِهْ مِنْ غَرَامِكَ وَ اتَّخِذْ *** شِعَارَيْكَ فِي الْخَطْبِ التَّجَلُّدَ وَ الصَّبْرَا(7)

فَقُلْتُ وَرَاكِ فَاتَّنِي الصَّبْرُ كُلُّهُ *** لِرُزْءٍ أُصِيبَتْ فِيهِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَا

غَدَاةَ تَبَدَّتْ مُسْتَبَاحاً خِبَاؤُهَا *** وَ مَهْتُوكَةً حُجْبَ الخَفَارَةِ وَ السِّتْرَا(8)

ص: 141


1- (*) مرّ ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- العرصة: بقعة أرض ليس فيها بناء؛ أو ساحة الدار و سميت بذلك لاعتراص الصبيان فيها و الاعتراص هو اللعب و المرح. القفراء: المتصحرة الأرض لاماء فيها و لاكلاً.
3- وُرْق: جدب. الوطفاء: المنهمرة.
4- صدَّعت: شطرت.
5- الرسيس: رسيس الحُمّى: أول مسها و رسيس الحب أوله.
6- الحيازم: الحيزوم وسط الصدر.
7- نَهْنِهُ: كُفَّ وإمتنع.
8- خباؤها: خيامها. الخفارة: الاستحياء أشدَّ الحياء.

عَلَى حِينٍ لاَعَيْنُ النَّبِيِّ أُمَامَهَا *** لِتُبْصِرَ مَا عَانَتْهُ بَضْعَتُهُ فَسْرَا

عَلَى حِينٍ لاَسَيْفُ الرَّسُولِ بِمُنْتَضَى *** الغَرَارِ وَ لَمْ تَنْظُرْ لِرَايَتِهِ نَشْرَا(1)

عَلَى حِينْ لاَمُسْتَأَصَلٌ مَنْ يَضِيمُهَا *** وَ لَاكَاشِفٌ عَنْهَا الْحَوَادِثَ وَ الضُّرَا(2)

(بِنِحْلَتِهَا) جَاءَتْ تُطَالِبُ مَعْشَراً *** بَدَا كُفْرُهُمْ مِنْ بَعْدِمَا أَضْمَرُوا الْكُفْرَا(3)

عَمُوا عَنْ هَوَاهَا ثُمَّ صَمُّوا كَثِيرُهُمْ *** كَأَنَّ بِسَمْعِ الْقَوْمِ مِنْ قَوْلِهَا وَ قْرَا

لَقَدْ أَرْعَشَتْ بِالوَعْظِ صِلَّ ضُغُونِهِمْ *** فَثَارُوا لَهَا وَ الصِّلُ إِنَّ يَرْتَعِشُ يَضْرَى(4)

فَلَوْ أَنَّهُمْ أَوْصَى النَّبِيُّ بِظُلْمِهِمْ *** لَهَا مَا اسْتَطَاعُوا غَيْرَ مَا ارْتَكَبُوا أَمْرَا

وَ أَنَّى وَ هُمْ طَوْراً عَلَيْهَا تُرَاثَهَا *** أَبَوْا وَ أَبَوْا مِنْهَا الْبُكَا تَارَةً أُخْرَى

وَ هُمْ وَ شَمُوهَا تَارَةً بِسِيَاطِهِمْ *** وَ آوِنَةٌ قَدْ أَوْسَعُوا ضِلْعَهَا كَسْرَا(5)

وَ خَلِّي حَدِيثَ (البَابِ) نَاحِيَةً فَمَا *** تَمَثَّلْتُهُ إِلا جَرَتْ مُقْلَتِي نَهْرَا(6)

بِنَفْسِي الَّتِي لَيْلاً تَوَارَثْ بِلَحْدِهَا *** وَ كَانَ بِعَيْنِ اللَّهِ أَنْ دُفِنَتْ سِرَا(7)

ص: 142


1- منتضیٰ: مسلول.
2- يضيمها: يقهرها و يظلمها.
3- إشارة إلى ما روي في كتاب صحيح البخاري ج5 ص177 عن عائشة في حديث طويل: إن فاطمة علیها السلام بنت النبي صلي الله علیه و آله و سلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مما أفاء الله عليه بالمدينة و فدك، و ما بقي من خمس خيبر فقال أبوبكر: إن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: (لا نورّث، ما تركناه صدقة).
4- أرعشت: أرجفت. الصِّلِّ: الأول بمعنى المثل و الثاني بمعنى الداهية و الصَّل أيضاً: الحيّة.
5- إشارة إلى ما روي في كتاب سليم بن قيس ص134 في حديث طويل: فنظر علي علیه السلام إلى من حوله ثم اغرورقت عيناه ثم قال: نشكو له ضربة ضربها لفاطمة علیها السلام بالسوط فماتت، و في عضدها أثره كأنه الدملج.
6- الظاهر أنه (وخلَّ) بحذف الياء لأنه فعل أمر وفي البيت إشارة إلى ما روي في البحار ج43 ص198: فضربها قنفذ بالسوط فماتت حين ماتت و أن في عضدها كمثل الدملج من ضربته «لعنة الله علیه» فألجأها إلى عضادة باب بيتها و دفعها فكسر ضلعاً من جنبها.
7- إشارة لما روي في (دلائل الإمامة) للطبري ص46: فغسلها أميرالمؤمنين علیه السلام و لم يحضرها غير الحسن و الحسين و زينب و أم كلثوم علیهم السلام و فضة جاريتها و أسماء بنت عميس و أخرجها إلى البقيع ليلاً. و في البحار ج8 ص240-241 (ط الكمباني) فعمل أميرالمؤمنين علیه السلام بوصيتها و لم يعلم أحداً بها فأنشأ في البقيع ليلة دفنت فاطمة علیها السلام أربعين قبراً جديداً.

بِنَفْسِي الَّتِي أَوْصَتْ بِإِخْفَاءِ قَبْرِهَا *** وَ لَوْلاَ هُمُ كَانَتْ بِإِظْهَارِهِ أَحْرَى

بِنَفْسِي الَّتِي مَاتَتْ وَ مِلْءُ بُرُودِهَا *** مِنَ الْوَجْدِ مَا لَمْ تَحْوِهِ سَعَةُ الْغَبْرَا(1)

رَمَوْهَا بِسَهُم عَنْ قِسِيَّ حُقُودِهِمْ *** فَأَصْبَحَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دَمُهَا هَدْرَا

عَلَيْهَا سَلامُ اللهِ و لازَالَ وَاصِلاً *** لَهَا فَصَلاةُ اللهِ مَا بَرِحَتْ تَتْرَى(2)

ص: 143


1- الغبرا: (الغبراء) الأرض.
2- وفاة الصديقة الزهراء علیها السلام. للسيد المقرم ص121.

(35) إلى البضعة الزهراء علیها السلام

(بحر الطويل)

الشيخ عبد الحسين الحويزي(*)(1)

ص: 144


1- (*) هو الشيخ عبد الحسين بن عمران بن حسين بن يوسف بن أحمد بن روش بن نصار الحويزي، ولد في النجف الاشرف سنة (1287 ه_) و قيل سنة (1289 ه_)، هاجر جده حسين إلى النجف الاشرف سنة (1248 ه_) في عام الطاعون فكان تاجراً للأطعمة ذاك، و أما والده فكان بزازاً في النجف، و في ذلك العصر انتكس سوق النجف بخسارة فادحة فانصرف والد المترجَم له إلى مهنة الخياطة، و شيخنا الحويزي كان ملازماً لوالده و مقتدياً بعمله و ممتهناً بمهنته فترة من الزمن و بعد وفاة والده عاد إلى التجارة و بيع الاقمشة حتى صار من كبار التجار و الأثرياء، و كان بجانب عمله و تجارته متوجهاً إلى طلب العلم فدرس على فطاحل العلماء و الادباء في الحوزة العلمية في النجف الاشرف تتلمذ على السيد ابراهيم الطباطبائي أشهر أدباء و شعراء عصره فلازمه مدة طويلة نال خلالها كثيراً من المعلومات و اطلع على دقائق الادب و كان حاد الذكاء، وقَاد الذهن. و من العلماء الاعلام الذين اقتبس منهم الكثير من العلوم الشيخ هادي الطهراني، كما أخذ علوم المعاني و البيان و البديع من السيد محمد العاملي المعروف بالصحَاف، و أما علم الاصول فكان حضوره عند الشيخ عباس المشهدي، و الفقه أخذه من الشيخ عباس ابن الشيخ علي آل كاشف الغطاء. و كانت له ممارسات في علوم الرياضيات و الهندسة و الجفر و الرمل و الكيمياء و السيمياء و قد كتب فيها بعض الرسائل. و كان الشيخ الحويزي، موفقاً شجاعاً، مسانداً لاستاذ العلماء و المجتهدين صاحب الكفاية الشيخ ملامحمد كاظم الخراساني في قضية (المشروطة) و يعد المترجَم له: من مشاهير الشعراء و لقب (شيخ أدباء العصر) و من قوة شاعريته أنه في مجلس قد اجتمع فيه عدد كبير من الادباء و الشعراء، فاستنكر بعض الشعراء نسبة الشعر إلى الحويزي لقوته و جزالته فامتحنوه في المجلس فكان ذا جدارة وقوة في سرعة النظم، فأقرَّ جميع الشعراء بأنه حقاً شاعر ،فذّ، فتعجب ذلك المستنكر عليه من نباهته و نبوغه و رمقه شزراً، و قال: إنه لصغير فارتجل الحويزي له هذين البيتين: يستصغر الخصم قدري في لواحظه *** و نظم شعري كبير منه تبيان فلست أوهى قوىّ من نملة نطقت *** و ظل معتبراً منها سلیمان فصفّق له الحضور تعجباً و بزغ نجمه الأدبي من ذلك الحين. و قد مرَّ شاعرنا الحويزي بظرف صعب أفقره كثيراً حيث نهب منه كل ما يملك و وقعت بينه و بين اقربائه،خصومة، فخرج من النجف الاشرف إلى كربلاء المقدسة سنة (1335 ه_) فاستوطن في مدينة العلم و الادب و الفقه حيث كانت كربلاء تزخر بالفقهاء و العلماء و الشعراء و الادباء البارعين مما جعل شاعرنا الحويزي يأنس بهذا الجو الفكري الهادىء و منها أصبح ذا وطنين الوطن الأول النجف الاشرف، و الوطن الثاني كربلاء المقدسة فكلا الوطنين و البلدين تفتخر بأن الحويزي شاعرها و أديبها فالاستاذ علي الخاقاني يذكره في شعراء الغري و السيد سلمان آل طعمة يعده و يذكره في شعراء كربلاء، و قد اشتهر المترجَم له بالاكثار من نظم الشعر، و طرق جميع أنواعه و أجاد فيه كل الإجاده، و قد ترك خمسة عشر ديواناً في كل ديوان عشرة آلاف بيت فيكون المجموع (150) ألف بيت و قد طبع منها مجلدان و له ملحمة شعرية تزيد على الالفي بيت سماها (فريدة البيان) في مدح النبي و عترته الاطهار علیهم السلام. لبى نداء ربه سنة (1376 ه_) في كربلاء المقدسة و قد أوصى أن يدفن في النجف الأشرف مسقط رأسه فنقل جثمانه إلى هناك.

تُخَادِعُكَ الدُّنْيَا وَ تُبْدِي اغْتِرَارَهَا *** وَ نَفْسُكَ لَمْ تَأْخُذْ بِحَزْمٍ حِذَارَهَا

تُرَجي الأَمَانِي آمِناً مِنْ صُرُوفِهَا *** كَأَنَّكَ غِرِّ لَسْتَ تَدْرِي اعْتِبَارَهَا

تُسِيءُ إِذَا أَحْسَنْتَ صُنْعاً لَهَا فَلاَ *** تَكُنْ قَابِلا إِنْ أَسْمَعَتْكَ اعْتِدَارَهَا

سَفَتْكَ عِقاراً بالهَوَى وَ لَرُبَّمَا *** تَخَيَّلْتَ سُكْراً قَدْ مَلَكْتَ عِقَارَهَا(1)

عَمَدْتَ بَصِيرَ العَقْلِ يَحْسَبُ نُورَهَا *** ظِلالاً كَسَتْهُ الحَادِثَاتُ اعْتِكَارَهَا(2)

إِذَا عَظْمَتْ كُلُّ الوَرَى وَجْهَ نَعْتِهَا *** أَخُو الحَزْمِ أَبْدَى ذُلَّها وَ احْتِقَارَهَا

تَوَلَّتْ شِرَارَ النَّاسِ وُدَاً بِقُرْبِهَا *** وَ قَدْ أَبْعَدَتْ بِالبُغْضِ عَنْهَا خِیَارَهَا

تُصَغَّرُ قَدْرَ المَرْءِ إِنْ نَافَ عِزُّهَا *** وَ يَأْنَفٌ عِرنينُ الإِبَاءِ صِغَارَهَا(3)

جِنَايَتُها قَدْ مُثْلَتْ لَكَ جَنَّةٌ *** تُذِيقُكَ سُمّاً إِنْ جَنَيْتَ ثِمَارَهَا

ص: 145


1- عقاراً: خمراً.
2- الاعتكار: يقال اعتكرت الريح جاءت بالغبار، واعتكر المطر: اشتد.
3- ناف: أشرف و طال و العرنين: السيد الشريف. يأنف: يكره و يتنزه و يترفع عن الشيء.

بلُجَّتِهَا غُصْ فَالْتَقِط دُرَرَ الثَّنَا *** وَ لاتَخْتشِ أَهْوَالَهَا وَ غِمَارَهَا

ثَنَاءٌ جَمِيلٌ عِنْدَ تَرْدِيدِ ذِكْرِهِ *** يُطِيلُ لِسَاعَاتِ التَّلاقِي نِصَارَهَا

إِلَى البَضْعَةِ الزَّهْرَاءِ تُهْدَىٰ فَرَائِدٌ *** تَشَوَّقَتِ السَّبْعُ المَثَانِي ابْتِكَارَها

فَكَمْ رَوْضَةٍ فِي مَدْحِهَا تَنْشُقُ الهُدَى *** بِطِيبِ الغَوَالِي رَنْدَها وَ عَرارَها(1)

فَتِلْكَ لَعَمْرُ اللَّهِ شَمْسُ هِدَايَةٍ *** يُجَلِّي سَنَاها لِلدَّياجِي سِرَارَها(2)

عَلَى الطَّوْرِ كَانَتْ آيةُ النُّورِ مَوْهِناً *** فَانسَ مُوسَى نَارَهَا وَ مَنَارَهَا

تَدَلَّتْ عَلَى الإِحْسَانِ دِيمَةُ رَحْمَةٍ *** فَجَادَتْ بِنُورِ العَفْو تُزْجِي قِطَارَها(3)

لأَنْعُم بَارِي الخَلْقِ قَدْ كَانَ زَوْجُهَا *** قَدِيماً يَمِيناً وَ هْي كَانَتْ يَسَارَهَا

بِصِدِّيقَةٍ كُبْرَى تَلَقَّبَهَا العُلَى *** وَ أَبْنَاؤُهَا مَنْ ذَا يُطِيقُ صِغَارَها

جَمِيعُ نِسَاءِ العَالَمِينَ لِقَدْرِهَا *** يُصَغْرُ مِقْدَارُ القَضَاءِ كِبَارَهَا

رَبِيبَةُ حِجْرِ المُصْطَفَى عَزَّ شَأْنُهَا *** بِعِلْمٍ مَدَى العَشْرِ العُقُولِ غِمَارَها

أَقَرَّتْ مِنَ الإِيمَانِ عَيْناً بِشَخْصِهَا *** وَ قَدْ سَلَبَتْ أَيْدِي العِدَاةِ قَرَارَهَا

عَصَائِبُ فِي لَيْلِ الضَّلَالِ تَسَكَّعَتْ *** لإطفاء نُورِ اللَّهِ تُوقِدُ نَارَهَا

صَبِيحَةَ دَارَ القَوْمُ حَوْلَ رِوَاقِهَا *** وَ رَامَتْ بِنَارِ الحِقْدِ تُحْرِقُ دَارَهَا(4)

وَ قَدْ دَخَلَتْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ خِبَاءَهَا *** وَ عَنْهَا أَمَاطَتْ حُجْبَهَا وَ سِتَارَهَا(5)

فَمَا أَمْهَلَ الأَقْوَامُ بِنتَ مُحَمَّدٍ *** تَلُوتُ عَلَيْهَا مِرْطَهَا وَ خِمَارَهَا(6)

إِذَا كُنْتَ لَمْ تَعْلَمْ عَلَى الظُّهْرِ مَا جَرَى *** بِدَارِ الحِمَى سَلْ بَابَها وَ جِدَارَهَا

ص: 146


1- الرند: نبات من شجر البادية طيب الرائحة يشبه الآس و العرار بهار ناعم أصفر طيب الرائحة.
2- سناها: سناها ضوؤها. الدياجي: الظلمات سرارها خطوطها.
3- الديمة: مطر يدوم في سكون بلا رعد و لابرق تزجي: تروّج.
4- رامت: قصدت.
5- الخباء: ما يعمل من وبر أو صوف للسكن أماطت نحت و أبعدت عليها بغير إذن.
6- المرط: كساء صوفي يؤتزر به.

لَقَدْ أَسْقَطَتْ مِنْهَا الجَنِينَ بِحَنَّةٍ *** مِنَ الهَمِّ تُشْجِي خُمْسَهَا وَ عِشَارَهَا

و ربعَتْ بِوَكْرِ القُدْسِ مِنْهَا فِرَاخُهَا *** وَ أَعْيُنُهَا رُعْبُ الوِجَالِ أَطارَها

فَمَا هَجَعَتْ عَيْنٌ لَهَا ذَاتُ عَبْرَةٍ *** أَطَالَتْ شَجَاهَا لَيْلَهَا وَ نَهَارَهَا

أَتَكْسِرُ كَفُ البَغْيِ أَضْلُعَ فَاطِمٍ *** وَ مَا أَصْلَحَ الإِسْلامُ مِنْهَا الْجِبَارَهَا

وَ فِي صَدْرِهَا المِسْمَارُ قَدْ ظَلَّ نَابِتاً *** وَ قَدْ لَقِيَتْ مِنْهَا الضُّلُوعُ انْكِسَارَهَا

وَ قَادَتْ عَلِيًّا بِالنَّجَادِ وَ بَأْسُهُ *** لِبِيضِ المَنَايَا السُّودِ سَنَّ شِفَارَهَا

فَلَوْ شَاءَ عَنَّى لِلْوُجُودِ رُسُومَهُ *** بِبَاعِ بِهِ الْأَقْدَارُ تَنْضِي اقْتِدَارَهَا(1)

وَلكِنْ مِنَ المُخْتَارِ رَاعَى وَصِيَّةِ *** فَلَازَمَ حِفْظاً عَهْدَهَا وَ ذِمَارَهَا(2)

بِرَغْمِ الهُدَى الكَرَّارُ أَضْحَتْ تَقُودُهُ *** أُنَاسٌ تَوَلَّتْ فِي الحُرُوبِ فِرَارَها

فَكَيْفَ بُغَاثُ الطَّيْرِ يَفْتِكُ سِرْبُهَا *** بِأَجْدَلَ مِنْهُ الطَّيْرُ تَلْقَى انذِعَارَهَا؟(3)

وَ كَيْفَ عَرِينُ اللَّيْثِ تَجْمَعُ حَوْلَهُ *** تَعَالِبُ مِنْهُ لَمْ تُفَارِقْ نِفَارَهَا؟

إِذَا ثَارَ يَوْمُ الرَّوْعِ أَيْقَظَ عَزْمَةً *** تَكَادُ مِنَ الجَوْزَاءِ تُدْرِكُ ثَارَهَا

وِلادَتُهُ فِي كَعْبَةِ البَيْتِ لَمْ يَنَلْ *** مَنَاطُ الثَّرَيَّا مَجْدَهَا وَ فِخَارَها

وَ تَزْوِيجُهُ فَوْقَ السَّمَاءِ مَحَلُّهُ *** بِسَيْدَة العليا تَوَلَّتْ نِثَارَهَا

فَكَمْ خَطَبَتْ بِنْتَ النَّبِيِّ صِحَابُهُ *** وَ قَدْ عَرَفَتْ إِجْلالَهَا وَ وَقَارَها

بَنِي قَيْلَةٍ قَوْدُ الرَّدَى مَنْ يَقُلُّهَا *** وَ حُمْرُ المَنَايَا مَنْ يُقِيلُ عِثَارَها

وَ شُهْبُ المَعَالِي مَنْ يُنيرُ شِهَابَهَا *** وَ قُضْبُ الدَّوَاهِي مَنْ يَغُلُّ عِرَارَهَا

وَ أَرْحِيَةُ الهَيْجَاءِ مَهُمَا تَسَعَرَتْ *** لَظَاهَا عَلَىٰ هَامَ العِدَىٰ مَنْ أَدَارَهَا؟(4)

أَغَيْرُ أَبِي السُبْطَيْنِ مَنْ بِحُسَامِهِ *** مَشَاعِرُ دِينِ اللَّهِ أَبْدَتْ شِعَارَها؟(5)

ص: 147


1- تنضي: تخلع و تنزع.
2- الذمار: كل ما يلزمك حمايته و حفظه و الدفع عنه.
3- البغاث بتثليث الباء: طائر مائي بطيء الطيران ضعيف و يضرب به المثل في الضعف.
4- أرحية: جمع رحى و هي المطحنة اليدوية. الهيجاء: الحرب. تسعرَّت: اشتعلت.
5- الحسام: السيف.

أَيُعْزَلُ هَارُونٌ وَمُوسَى أَقَامَهُ *** خَلِيفَةَ حَقٌّ وَ المَسَاعِي أَنَارَها؟

وَ يُتْبَعُ كَيْدُ السَّامِرِيِّ وَ عِجْلُهُ *** لَهُ فِتْنَةٌ فِي الغَيِّ أَبْدَتْ خُوَارَهَا(1)

وَ تُدْفَعُ بِنْتُ الوَحْي عَنْ إِرْثِهَا وَ لَمْ *** تَجِدْ أَحَداً مِنْ جَوْرٍ تَيْم أَجَارَها

مُطالِبَةً جَاءَتْ بِإرثٍ بِنَحْلَةٍ *** حَبَاهَا بِهَا المُخْتَارُ وَاللَّهُ خَارَها(2)

وَسَائِلَةٌ عَنْ حَقَّهَا رَدَّهَا الشَّفَا *** مُخَيَّبَةٌ لَمَّا أَبَاحَ انْتِهَارَها

فَهَلْ نَاشِدٌ عَنْ سَوْطِ قُنْفُدَ كَفَّهَا *** غَدَاةَ الْتَوَىٰ بِالضَّرْبِ صَاغَ سِوَارَها؟

أَفَاطِمَةٌ بِالسَّوْطِ يَسْوَدُّ مَتْنُهَا *** وَ أَعْيُنُهَا بِاللَّطْمِ تُبْدِي احْمِرَارَها؟

فَمَا بَرِحَتْ مَسْجُورَةَ القَلْبِ بِالحَشَى *** تُصَوِّبُ مِنْ حُمْرِ الدُّمُوع غِزَارَها(3)

أَقُولُ لِمَنْ هَزَّتُهُ فِي اللَّهِ غَيْرَةٌ *** عَلَى الدِّينِ مَنْ خَيْلُ الضَّلَالِ أَغَارَها

بَنِي الوَحْي فِيكُمْ قَدْ مَلأتُ صَحَائِفاً *** مِنَ المَدْح لايَطْوِي الزَّمَانُ انتِشَارَها

وَ خَيْلُ ثُنَائِي فِي مَضَامِيرٍ مَجْدِكُمْ *** إِلَى الغَايَةِ القُصْوَى خَلَعْتُ عِذَارَها

خَزَنْتُ كُنُوزاً مِنْ وَلَاكُمْ ثَمِينةً *** بِقَلْبِي وَإِنِّي قَدْ حَفِظْتُ ادْخَارَها(4)

ص: 148


1- خوارها: الخوار: صوت البقر.
2- نحلة: مهر.
3- المسجور: المملوء.
4- نقلت من ديوان الحويزي ج 2.

(36) فَمَن المعزي؟

(بحر الكامل)

الشيخ عبد الحسين شكر(*)(1)

مَا بَالُ أَجْفَانِي جَفَتْ سِنَةَ الكَرَى *** تَرْعَى الثَّرَيَّا بَعْدَ مَا رَوَتِ الثَّرَى

هَلْ شَفَّهَا فَتْكُ الرَّدَى بِأَحِبَّةٍ *** كَانُوا لِيَوْمٍ كَرِيهَةٍ أَسْدَ الشَّرَى؟(2)

كَلاً وَلكِنْ قَدْ أَذَالَ دُمُوعَهَا *** يَوْمَ البَتُولِ وَ مَا عَلَيْهَا قَدْ جَرَى

سَاؤُوا أَبَاهَا المُصْطَفَى لَوْ أَنَّهَا *** كَانَتْ لِقَيْصَرَ لَمْ يُسِيثُوا قَيْصَرَا

أَضْحَتْ لِظَّامِيَّةِ الرَّزَايَا مَوْرِداً *** دُونَ الأَنامِ وَ لِلْفَجَائِعِ مَصْدَرَا

أَيُّ الخُطُوبِ الفَادِحَاتِ أَعُدُّهَا؟ *** هَيْهَاتِ جَلَّتْ أَنْ تُعَدَّ وَ تُحْصَرا

إضْرَامُهُمْ نَاراً عَلَيْهَا لَمْ يَرَوْا *** إِحْرَاقَ بَيْتِ الوَحْيِ فِيهَا مُنْكَرا(3)

أَمْ رَضُهَا بِالبَابِ أَمْ إِسْقَاطُهَا *** أَمْ ضَرْبُهَا بِالسَّوْطِ حَتَّى أَثَّرا

تَالِلَّهِ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِوَصِيَّةِ *** الهَادِي لَمَا قَادَ ابْنُ (...) حَيْدَرَا

وَ تَقَاعَسُوا عَنْ نَصْرِ فَاطِمَ مُذْ أَتَتْ *** وَ عَنِ النَّبِيِّ لِسَانُهَا قَدْ عَبَّرا

أنَّتْ هُنَالِكَ أنَّةً أَبْكَتْ بِهَا *** الهَادِي وَ أَبْكَتْ قَبْرَهُ وَ المِنْبَرَا

وَ دَعَتْ فَلَوْ وَعَتِ الجِبَالُ دُعَاءَهَا *** كَادَتْ لِعُظْمِ الخَطْبِ أَنْ تَتَفَطَّرَا(4)

ص: 149


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الثاني.
2- شفّها: أهزلها و أوهنها. الرَّدى: الموت. كريهة: شدة الحرب. الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل فيقال: هو كأسد الشرى.
3- انظر كتاب سليم بن قيس ص36 و ص40 و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص37 و كتاب الاحتجاج ج1 ص109.
4- تتفطر: تنشق. و في البيتين يشير الشاعر إلى خطبة الزهراء علیها السلام في المسجد و قد ذهبت هناك للمطالبة بحقها علیها السلام في فدك و حق الإمام علي علیه السلام بالخلافة. انظر كتاب الاحتجاج ج1 ص131-132.

هَلْ أَهْلُ بَيْتٍ غَيْرُنَا قَدْ أَذْهَبَ *** الأَرْجَاسَ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ أَوْ طَهَّرا(1)

إِنَّ النُّبُوَّةَ وَ الخِلافَةَ بُرْدَةٌ *** فِيهَا المُهَيْمِنُ خَصَّنَا دُونَ الوَرَى

كَذَّبْتُمُ البَارِي بِنَا وَ رَوَيْتُمُ *** فِي غَصْبٍ مِيرَاثِي حَدِيثاً مُفْتَرَى(2)

وَ كَذَاكَ كَذَّبْتُمْ شَهَادَة حَيْدَرٍ *** جَهْراً وَ كَذَّبْتُمْ شَبِيرَ وَ شُبَّرَا(3)

إِنْ تُنْصِفُوا فَائلُوا الكِتَابَ فَإِنَّكُمْ *** سَتَرَوْنَهُ عَنْ أَرْضِ يَحْيَى مُخْبِرَا(4)

ص: 150


1- يشير الشاعر في هذا البيت إلى نزول آية التطهير في أهل البيت علیهم السلام. انظر صحيح الترمذي ج2 ص209، و مشكل الآثار للطحاوي ج1 ص335، و ابن الأثير في كتابه أسد الغابة ج2 ص12، كما في كتاب فضائل الخمسة في الصحاح الستة ج1 ص271. و ذكره العسقلاني في كتابه الإصابة ج4 ص378.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى غصب فدك و افترائهم حديث «إنا معاشر الأنبياء لانورث». انظر مسند أحمد ج1 ص9 و السنن الكبرى ج6 ص300 كما في عوالم العلوم ج2 ص626 و ج1 ص13 من مسند أحمد بن حنبل. و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج16 ص232.
3- شبر و شبير: الحسن و الحسين علیهما السلام و الظاهر أن شبر و شبير هي أسماؤهما باللغة العبرية.
4- في هذا البيت إشارة إلى إحتجاج الزهراء علیها السلام في خطبتها في المسجد على أبي بكر في إرث يحيى و سليمان علیهما السلام ففي كتاب الاحتجاج ج1 ص138 ضمن خطبة الزهراء علیها السلام «يابن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك و لاأرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً أفعلى عمد تركتم كتاب الله و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «و ورث سلیمان داود» النمل الآية 16 و قال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ قال: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» [سورة مريم الآية 6]. و قال «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» [سورة الأنفال آية : 75]. و قال: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» و قال: «إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» [سورة البقرة الآية : 180]. و زعمتم أن لاحظوة لي و لاإرث من أبي و لارحم بيننا أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها، أم هل تقولون إن أهل ملتين لايتوارثان أفلست؟ أنا و أبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمي ؟ .. الخ كلامها علیها السلام.

هَذَا وَ إِنِّي لَمْ أَسَلُكُمْ حَاجَةً *** بَلْ كَيْ أَدُلَّ عَلَى الهُدَى المُتَبَصِّرَا

ثُمَّ انْثَنَتْ عَبْرَىٰ تَجُرُّ رِدَاءَهَا *** تَحْكِي بِمِشْيَتِهَا البَشِيرَ المُنْذِرَا(1)

مَا شَأْنُهَا غَيْرُ البُكَاءِ وَ مُذْ قَضَتْ *** شَقَّتْ عَلَيْهَا جَيْبَهَا أُمُّ القُرَى؟

فَمَنِ المُعَزِّي لِلرَّسُولِ بِبَضْعَةٍ *** أَوْصَى بِهَا وَ مَنِ المُعَزِّي حَيْدَرَا؟(2)

وَ المُقْرِحُ الأَجْفَانَ وَ المُدْمِي لَهَا *** وَ المُودِعُ الأَحْشَاءَ وَجْداً مُسْعَرا

يَوْمَ الوَدَاعِ وَضَمُّهَا أَبْنَاءَها *** يَا لَيْتَهَا عَلِمَتْ عَلَيْهِمْ مَا جَرَى

يَا لَيْتَهَا نَظَرَتْ حَرَائِرَهَا وَ قَدْ *** سِيقَتْ عَلَى عُجْفِ المَطَايَا حُسَّرا(3)

وَ رُؤُوسُ فِتْيَتِهَا بِأَطْرَافِ القَنَا *** كَالشُّهْبِ بَلْ كَانَتْ أَشَعَّ وَ أَنْوَرا

وَ إِمَامُهَا يَتْلُو الكِتَابَ أَمَامَهَا *** فَوْقَ السِّنَانِ مُهَلّلاً وَ مُكَبِّرا

صَبْراً بَنِي الهَادِي عَلَى مَا نَابَكُمْ *** مِنْ مُعْظَمِ الأَرْزَاءِ مِمّا قُدْرَا

فَلَسَوْفَ يَبْرُغُ مِنْ سَمَاءِ عُلَاكُمُ *** قَمَرٌ إِذَا دَجَتٍ الغَيَاهِبُ أَسْفَرَا(4)

وَ كَأَنَّ فِيهِ السَّابِحَاتِ لَدَى الدِّمَا *** سُفُنْ تَشُقُ مِنَ الزَّوَاخِرِ أَبْحُرا

فَمَتَى نَرَى جِبْرِيلَ فِي أُفْقِ السَّمَا *** بِطُلُوعِ مُبْدِي الحَقِّ بَاتَ مُبَشِّرا؟(5)

ص: 151


1- انثنت: انعطفت. تحكي: تشابه. و في البيت إشارة إلى صفة الزهراء علیها السلام في المشي و شباهتها لمشي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم. انظر كتاب الاحتجاج ج1 ص131-132. و ذكره أحمد بن حنبل في مسنده ج6 ص282 قال: عن عائشة. قالت: أقبلت فاطمة «سلام الله عليها» تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال: مرحباً بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثاً ... الخ الحديث. و ذكره ابن الأثير في كتابه أسد الغابة ج5 ص522.
2- يشير الشاعر في هذا البيت إلى وصايا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لفاطمة علیها السلام. انظر تفسير الفخر الرازي الكبير ج27 ص166. و الترمذي ج5 ص699 . و البحار ج43 ص54.
3- عجف: ضعاف غیر سمان. حُسَّر: متعبات.
4- دجت: أظلمت. الغياهب: الظلمات. أسفر: أضاء.
5- ديوان الشيخ عبد الحسين شكر ص42.

(37) واحة الطهر

(بحر الكامل)

اأستاذ عبد الرحمن العلوي

زهراءُ يا ثغرَ الوجودِ و نغمة *** الآيِ الكريم و نفحةَ الأسحارِ

زهراءُ يا بنتَ الرسالة لم تزل *** نوراً يضيء مسالك الثوارِ

زهراءُ يا حُلُماً يدغدغ أفؤِداً *** تبغي الحياة بعزة و فخارِ(1)

زهراءُ يا رمزَ العفافِ و صفوة *** الطهرِ النصيعِ و كعبةَ الأبرارِ

يا لهجةَ الصدقِ التي دوّت *** و لا زالت تدوّي في الحِمى و الدارِ

يا عنفوانَ المكرَماتِ و ثورةً *** تأبى الخمود على مدى الأعصارِ

يا مصدَر الحبِّ الكبيرِ و منبعَ *** الفضلِ العميمِ و مخزنَ الأسرارِ

يا فرقَد المجدِ السنيِّ و كوكبَ *** الشرفِ الرفيع و روضةَ الزوّارِ(2)

يا دوحة الدينِ التي لم يُثنِها *** موجُ الخطوبِ و فورةُ الأعصارِ

***

زهراءُ يا بنتَ النبي و أُمَّه *** عنداشتدادِ الكَربِ و الأخطارِ

للَّه دَرُّك منِ مِلاكٍ لم يزَل *** يَطوي الزَمانَ مكللاً بالغارِ

يجتث أدغالَ الدروبِ و شوکَها *** و يقارعَ الأفكارَ بالأفكارِ

و يَهزّ للجور المُقيتِ صروحَه *** و يدكُ أسواراً من الأوزارِ

ص: 152


1- أفؤاداً: جمع فؤاد، و هو القلب.
2- السني: من السنا و هي الرفعة.

و يحطمُ الحقدَ الدفينَ بأنفُسٍ *** دُقّت بها الأحقادُ كالمسمارِ

يا فلذة الكبدِ الرحيم و عبقَة *** الخُلقِ العظيمِ و سلوةَ المختارِ

يا بضعةَ الرجلِ الذي شهدت له *** الأكوانٌ بالإخلاصِ و الإيثارِ

فانصاعَ للربّ العظيمِ ملبّياً *** و ممزّقاً للجهلِ كلّ إزارِ

و محطّماً زمرَ الضلال و غيَّها *** و مبشّر الدنيا بضوء نهارِ

يا زوجةَ الشهمِ الذي ما غيّرت *** منهُ الصعاب سياسة الإصرارِ

ذاك الذي عاشَ الحياةَ مكافحاً *** و مجاهداً لله دون شعارِ

قد أخلص القلبَ الكبيرَ لخالقِ *** لم يثنه وطرٌ من الأوطارِ

أُمّ الزكيِّ الناصِح العلم الذي *** للفضل كان كروضةٍ معطارِ

غالته أيدٍ حاقداتُ و ألسنٌ *** قد حاربتهُ بكاذب الأخبارِ

لكنه الجبل الأشمُّ لم تنلْ *** منه السهام و نشبة الأظفارِ

أُمَّ الحسين و مصنع السبطِ الذي *** رفضَ الحياةَ بذلةِ و شنارِ

فاستلَ سيفَ الانقضاض و قال لا *** للبغيِّ لا للضيم لا للعارِ

لولاكِ ما كان الحسينُ و ثورةٌ *** خَلُدت فصارت منهجَ الأحرارِ

يا أمَّ زينب إذ تحوَّل صوتُها *** يومَ الطفوفِ كصارم بتّارِ

بترت بهِ الجورَ الذي قَتلوا به *** سبطَ النبي و صفوةَ الأَنصارِ

کشفتْ قَناع الزيفِ و الكذبِ الذي *** خدعوا به الجُهَّالَ في الأمصارِ

قد أعلنتها ثورةً هدّارةً *** ضدَّ الطغاةِ و عسكرِ الفجّارِ

زهراءُ يا خيرَ النساء و خيرَ من *** يهدي النساءَ لعفَّةٍ و وقارِ

يا شمسَ دنيا الخيّراتِ و مطلعَ *** الفجرِ البهيّ و قدوةَ الأخيارِ

أنت البتولُ و واحةُ الطُهر التي *** تَروي الظِماء بفكرها المدرارِ

و تعمّقُ الورّعَ المليحَ بأنفسٍ *** سئمت حياةَ الرجس و الأقذارِ

و تعلَّم الأجيالُ إن نجاحَها *** في اقتحام الليلِ و الأسوارِ

و الانعتاقِ من الرُّكونِ لزمرةِ *** الشيطانِ و الطاغوتِ و الدينارِ

ص: 153

و الانتفاضِ على الفساد و واقعٍ *** مرّ سقيمٍ مضمحلٍ هاري(1)

و الانقضاضِ على الذِئاب و رمِيهاً *** في سلّة اللعنات و الأوضارِ

كي ينقضي عهدُ الظلام و تنطوي *** صفحاتُ ليلٍ دامس و إسارِ

***

يابنةَ القرآنِ هيا فابشِري *** بزَوالِ عهدٍ حالكٍ منهارِ

فالعهدُ عهدُ المسلمين، قد انتهى *** عهدُ الطغاةِ و لعبةَ الأدوارِ

العصرُ عصرُ الفارضين وجودَهم *** رغمَ الحرابٍ و شدّةِ التيارِ

اليومُ يومُ الواهبين صدورَهم *** و المشترين النصرَ بالأعمارِ

اليومُ يومُ الثائرين و إن غفَت *** بعضُ العيونِ على صدى الأوتارِ

الوقتُ وقتُ الباذلين دماءَهم *** من أجلِ نشرِ الخيرِ و الإعمارِ

فاليومَ دوّت في الوجودِ رسالةٌ *** ستظل رغمِ الحاقد المهذارِ(2)

ستعبّدُ الدربَ القويمَ لأمةٍ *** تأبى الرضوخ لحاكمَ دعارِ(3)

ص: 154


1- هاري: من الإهتراء، أي التمزّق.
2- المهذار: الكثير الكلام.
3- دعّار: فاسد.

(38) وليدة بيت الوحي

(بحر الطويل)

السيد عبد الرؤوف الأمين(*)(1)

أَظلَّتْ عَلَى الدُّنْيَا بِطَلْعَتِهَا الغَرا *** وَلِيدَةُ بَيْتِ الوَحْيِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَا

كَإِطْلالَةِ الفَجْرِ المُدِلِّ بِنُورِهِ *** وَ كَمْ سَاهِرٍ فِي الحَيِّ يَرْتَقِبُ الفَجْرَا

وَ بَشَّرَ فِيهَا الوَحْيُ عِنْدَ نُزُولِهِ *** وَ بَاهَى بِهَا جِبْرِيلُ مُذْ جَاءَ بِالْبُشْرَى

ص: 155


1- (*) هو السيد عبد الرؤوف ابن السيد علي ابن السيد محمود الأمين. و آل الامين من الأسر العلوية المعروفة في لبنان ذات المجد الأثيل و العزة و المنعة و قد أنجبت العديد من العلماء و الادباء و الشعراء و من أعلام هذه الاسرة الكريمة العالم الجليل السيد محسن الامين فإن حياته كلها عطاء سخي حيث أتحف المكتبة الاسلامية بكتب قيمة أشهرها الموسوعة الكبرى (أعيان الشيعة) و آثار أخرى لامجال لذكرها، و منهم الاستاذ السيد حسن الامين الذي حذا خلف والده المعَّظم و خدم المكتبة الثقافية بعطائه الفكري و من آثاره (مستدرك أعيان الشيعة) و (دائرة المعارف الشيعية) و غيرها، و أعلام آخرین. ولد المترجَم له في جنوب لبنان في قرية (شقراء) جبل عامل سنة (1318 ه_) فنشأ فيها نشأته الأولى بعد أن درس مقدمات العلوم و المعارف كالنحو و الصرف على بعض الاساتذة هناك ثم هاجر إلى العراق و استقر في النجف الأشرف و أكمل دراسته هناك، و تولى المترجَم له التدريس في الناصرية بالعراق ثم اشتغل مفتشاً في وزارة التربية الوطنية في لبنان ثم في وزارة الشؤون الاجتماعية و كان من الأوائل الذين أخذوا يجددون في الشعر العاملي سواء في موضوعاته أو اسلوبه أو أهدافه فنظم في الامور الاجتماعية و السياسية و الوطنية و غير ذلك. له ديوان شعر باسم (العواطف الثائرة). و افاه الاجل المحتوم سنة (1390 ه_) في بيروت و نقل جثمانه إلى جنوب لبنان و دفن في قرية (الصوانة).

فَأَشْرَقَ بِالنُّورَيْنِ بَيْتُ خَدِيجَةٍ *** فَنُورٌ مِنَ الكُبْرَى وَ نُورٌ مِنَ الصُّغْرَى

وَ قَدْ نَشَأَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ *** مُبَارَكَةً إِسْماً مُعَطَرَةً ذِكْرا

وَ مَنْ كَانَ يَدْعُوهَا البَتُولَ طَهَارَةً *** كَمَا دُعِيَتْ مِنْ قَبْلِهَا مَرْيَمُ العَذْرَا(1)

وَ زَوَّجَهَا مِنْ صِنْوِهِ وَ ابْنِ عَمْهِ *** فَأَعْظِمْ بِهَا زَوْجاً وَ أَعْظِمْ بِهِ صِهْرا!(2)

عَلِيٌّ أبوالسِّبْطَيْنِ أَفْصَحُ مَنْ رَقَا *** ذُرَى مِنْبَرٍ أَوْ خَطَ فِي صَفْحَةٍ سَطْرا

وَ أَمْضَى سَيُوفِ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ *** بِهِ الفَارِسُ المِغْوَارُ مِنْ هَلَع فَرَّا(3)

فَسَلْ عَنْهُ أَحْداً وَ النَّضِيرَ وَ خَيْبَراً *** وَ إِنْ شِئْتَ إِدْرَاكَ اليَقِينِ فَسَلْ بَدْرا

وَ سَلْ عَنْهُ عَمْراً وَ الوَلِيدَ وَ عُتْبَةً *** وَ مَنْ صُرِعُوا فِي سَيْفِهِ فَهُمُ أَدْرَى

وَ مَنْ حَضَنَ الإِسْلاَمَ بَعْدَنَبِيِّهِ *** كَمَا تَحْضُنُ الطَّيْرَ الَّتِي تَسْكُنُ الوَكْرَا

حَمَاهُ كَمَا تَحْمِي الأُسُودُ عَرِينَهَا *** مِنَ الكُفْرِ بَلْ قَدْ كَانَ مِنْ أَسَدٍ أَضْرَى

شَرَى فِي سَبِيلِ اللهِ نَفْساً أَبِيَّةً *** وَ عَاهَدَهَا أَنْ لَاتُبَاعَ وَ لَاتُشْرَى

فَيَا لِدَةَ الإِسْلامِ وَ البَضْعَةَ الَّتِي *** بِهَا أَوْدَعَ اللَّهُ القَدَاسَةَ وَ الطُّهْرَا

وَ أُمُّ الإِمَامَيْنِ الشَّهِيدَيْنِ مَنْ هُمَا *** أَجَلُّ وَ أَعْلَى النَّاسِ فِي نَسَبٍ قَدْرَا

«لَكِ اللَّهُ مِنْ مَفْجُوعَةٍ بِحَبِيبِهَا» *** تَشُمُّ تُرَابَ القَبْرِ مِنْ لَهْفَةٍ عِطْرَا

هَلُمَّ إِلَى التَّارِيخ نَسْبُرُ غَوْرَهُ *** وَ نُوْسِعُهُ بَحْثاً وَ نُعْلِنُهُ جَهْرا(4)

أمَا رُوِّعَتْ فِي بَيْتِهَا يَوْمَ حُزْنِهَا *** أَمَا حُرِمَتْ إِرْنَا أَمَا دُفِنَتْ سِرا؟(5)

ص: 156


1- انظر كتاب ينابيع المودة، ج1 ص310 عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إنما سميت فاطمة علیها السلام البتول لأنها تبتلت من الحيض و النفاس لأن ذلك عيب في بنات الأنبياء أو قال: نقصان.
2- صنوه: الصنو الأخ الشقيق.
3- المغوار: كثير الغارة. هلع: جزع.
4- نسبرغوره: نمتحن غوره أو سره لنعرف مقدارة.
5- إشارة إلى ما روي في كتاب دلائل الإمامة للطبري ص46 فغسلها أميرالمؤمنين علیه السلام و لم يحضرها غيره و الحسن الحسين و زينب و أم كلثوم علیهم السلام و فضة جاريتها و أسماء بنت عميس، أخرجها إلى البقيع ليلاً. و في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج16 ص232 عن غصب إرثها ورد دخلت فاطمة علیها السلام على أبي بكر بعد ما استخلف فسألته ميراثها من أبيها فمنعها. الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

وَ مَا وَرِثَتْهُ عَنْ أَبِيهَا وَ أُمِّهَا *** سَمَتْ وَ تَعَالَتْ فِيهِ عَنْ «فَدَكِ» قَدْرَا

«لِسِرِّ مِنَ الأَسْرَارِ لَاتَجْهَلُونَهُ» *** أُسِيءَ لَهَا لاَ بَلْ أُرِيدَ بِهَا شَرَّا

وَ قَدْ نَسَبُوا القُرْبَى إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا *** وَ مَنْ وَلَدَ «الزَّهْراء» لَمْ يَلِدِ «الحَمْرَا»

وَ مَنْ أَغْضَبَ الحَوْرَاء بِنْتَ نَبِيْهِ *** فَلَيْسَ بِمَعْدُورٍ وَ إِنْ حَاوَلَ العُذْرَا(1)

ص: 157


1- إشارة إلى ما روي في كتاب صحيح الترمذي ج2 ص319 في فضل فاطمة علیها السلام بنت محمد صلي الله علیه و آله و سلم عن النبي صلي الله علیه و آله و سلم قال: فإنما ابنتي. يعني فاطمة علیها السلام بضعة مني يريبني ما رابها و يؤذيني ما آذاها.

(39) تعلم ما جرى

(بحر الطويل)

الشيخ عبد الستار الكاظمي (*)(1)

أَيُنْحِفُنِي ثَغْرُ انْتِظَارِكَ فِي البُشْرَى *** وَ قَدْ بَاعَدَ اللَّيْلُ الطَّوِيلُ لِي الفَجْرَا

وَ إِنِّي أَسِيرٌ وَ الهَوَى سَاقَ مَحْمَلِي *** إِلَى بَيْتِكَ السَّامِي القِبَابِ بِسَامُرَّا

فَوَاللَّهِ لاَ هَمَّ كَهَمِّكَ مُدْنِفِي *** فَأَرْبَكَ حَالِي بَعْدَ أَنْ أَذْهَلَ الفِكْرَا!

لَوَاعِجُ أَشْجَانِي اشْرَأَبَّ دَفِينُهَا *** فَأَكْتُمُهَا طَوْراً وَ أُظْهِرُهَا أُخْرَى(2)

يَقُولُونَ لِى صَبْراً فَقُلْتُ مَكَانَكُمْ *** وَ هَلْ تَرَكَتْ نَارُ التَّغَرُّبِ لِي صَبْرَا

فَلَيْلِي طَوِيلٌ وَ انْتِظَارُكَ قَاتِلِي *** وَ بَيْنَهُمَا لاَزِلْتُ أَحْتَمِلُ الجَمْرَا

أهِيمُ اشْتِيَاقاً عَلَّنِي أَبْلُغُ المُنَى *** إِلَى ذِي طُوَى لِلحِجْرِ للكَعْبَةِ الغَرَّا

أَفِي أَرْضِ رَضْوَىٰ أَمْ بِحَزْوَىٰ وَ سَهْلِهَا *** أَمِ الخَيْفِ خَافٍ رَهْنَ غَيْبَتِكَ الكُبْرَىٰ؟

بوَادِي قبا أَمْ بِالعَقِيقِ وَ طَيْبَةٍ *** تُرَى يَا لَعَمْرِي قَدْ تُرقُ لَنَا البُشْرَى؟

***

إلامَ رَهِينُ الصَّبْرِ يَا بْنَ مُحَمَّدٍ *** حَنَانَيْكَ يَا بْنَ الطُّهْرِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَا؟

أَمِط حُجُبَ الأَسْتَارٍ ثَوْرُ غُبَارَهَا *** وَ عَاجِلْهُمُ فِي الثَّارِ ذَكَرْهُمُ بَدْرا(3)

وَ خَاطِبْهمُ يَا فَخَرَ هَاشِمَ بِالقَنَا *** وَ رَوِّ بِهِمْ بِيضَ الصَّفَائِحِ وَ السُّمْرَا(4)

ص: 158


1- (*) مرت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- لواعج: جمع لاعج و هو الهوى المحرق.
3- أمط: أماط لثامه: أزاله. ثوَّر: حرّك.
4- القنا: جمع قناة و هي الرمح الصفائح جمع صفيحة و هي وجه السيف. السمر: الرماح.

وَ ذَكَرْهُمُ بِالطُّهْرِ فَاطِمَةَ الَّتِي *** دَعَوْهَا مِنَ الأَشْجَانِ تَسْتَمْرِىءُ المُرَّا(1)

فَأَنْتَ وَلِيُّ الأَمْرِ تَعْلَمُ مَا جَرَى *** عَلِيمٌ خَبِيرٌ خَيْرُ مَنْ عَرَفَ الأَمْرَا

وَلكِنَّمَا لِلصَّبْرِ حَدٌ وَ إِنْ يَكُنْ *** بِصَدْرِكَ صَبْرٌ... مُسْتَمْكِناً وَكْرَا

فكَمْ كَانَ لِلَّهِ الدَّوَائِرُ وَ الرَّدَى *** عَلَى أُمَمٍ قَامَتْ تُحَارِبُهُ جَهْرَا(2)

فَهَلْ أَنَّهُمْ أَدْنَى مِنَ القَوْمِ بَعْدَ أَنْ *** أَذَاقُوا ابْنَةُ الهَادِي المَصَائِبَ وَ القَهْرَا

قَدِ اسْتَوْحَدُوهَا وَ الوَصِيُّ مُقَيَّدٌ *** وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُوصَى لَعَاجَلَهُمْ كَرَّا

وَ لَنْ يَجْرَعَ المَحْتُومُ كَأَسَاً مُصَبَّراً *** وَعَايشَ الأماً مُفَتْنَةً تَتْرَى(3)

جُفَاةٌ عَلَى قُطبِ الرَّحَى قَدْ تَأَلُّبُوا *** وَ كَانَ بِعَيْنِ اللَّهِ مَا جَرَعَ الصَّبْرَا

أَمَامَ عَلِيٍّ حَاصَرَ البَيْتَ جَمْعُهُمْ *** وَ قَدْ أَمَرَ الخَطَّابُ فِي النَّارِ أَنْ تُذْرَى

فَلاَذَتْ وَرَاءَ البَابِ ابْنَةُ أَحْمَدٍ *** فَشَدُّوا عَلَيْهَا بَعْدَ أنْ أرْعِبَتْ ذُعْرَا

فَمَا آنَ حَتَّى هَشَّمَ القَوْمُ ضِلْعَهَا *** وَ لَمَّا يُرَاعُوهَا وَ قَدْ رَوَّعُوا الطُّهْرَا

***

أَمَا آنَ أَنْ تَدْعُو لأمْكَ مُغْضَباً *** لِمَاذَا جَعَلْتُم فَاطِماً تَشْتَكِي الضُّرّا؟(4)

أَمَا آنَ أَنْ يَعْلُو لِوَاؤُكُمُ عَلَى *** رُبوع الدُّكَا بِالعَدْلِ مُؤتَلِقاً فَخَرَا؟

وَ تَدْعُو بِثَارَاتِ الظَّلِيمَةِ هَاتِفاً *** لِمَاذَا وَسِعْتُم ضِلْعَ فَاطِمَةٍ كَسْرَا؟

لِمَاذَا دَعَتْ خَلُوا ابْنَ عَمِّى وَ اتْرُكُوا *** عَلِيًّا وَإِلاَّ لِلدُّعَا أَكْشِفُ الشَّعْرَا؟(5)

لِمَاذَا أُهينَتْ بِالسِّبَاطِ وَ وَلْوَلَتْ *** وَ كَانَ لِضَرْبِ السَّوْطِ عَيْنٌ لَهَا حَمْرَا؟

وَ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ الصَّبْرِ لَمْ يَتْرُكُوا لَهَا *** ضَرِيحاً وَ لَمْ يَسْتَهِدِ زَائِرُهَا قَبْرا

فَوَاللَّهِ يَا بْنَ الطَّاهِرِينَ وَيَا بْنَ مَنْ *** مَدَى الدَّهْرَ يَبْقَىٰ خَيْرَ دَاعِ إِلَى الْأُخْرَىٰ

ص: 159


1- تستمرىء: تأكل و تجده مريئاً.
2- الردَّى: الموت، الفناء. جهراً: علانية.
3- تترى: تتتابع.
4- الضُّر: الأذى.
5- الدُّعا: الدعاء.

مَصَائِبُكُمْ لَوْ فِي الْجِبَالِ لَدَكْدَكَتْ *** وَ أَعْظَمُهَا تَأْخِيرُ حَيْدَرَ مُضطرَّا(1)

وَ تَقْدِيمُ قَوْمِ لَمْ يُسَاوُوا لِقَنَّبَرٍ *** نِعَالاً بِهِ قَدْ كَانَ يَزْدَلِفُ الأَجْرَا

وَ تَرْكُهُمُ بَيْتَ النُّبُوَّةِ مُوصَداً *** وَ جَعْلُهُمُ سَاحَاتِ شَرْعِكُمُ قَفْرَى(2)

***

أَلاَ أَيُّهَا المَوْتُورُ ظُلْماً إِلَى مَتَى *** حُسَامُكَ لَمْ يُشْهَرْ أَمَا تُدْرِكُ الوَتْرَا؟(3)

أتَتْرُكُ مَا ذَاقَ الجَنِينُ وَ أُمُّهُ *** وَ مِنْ بَعْدُ هَذِي الْأَرْضُ قَدْ مُلِئَتْ جَوْرا

وَدَعْ عَنْكَ مَا ذَاقَ الحُسَيْنُ بِكَرْبَلاً *** وَ فِتْيَانُهُ فِي أَرْضِهَا جُزْرُوا جَزْرا(4)

ص: 160


1- دكدكت: دك البناء: سوّاه بالارض.
2- قفرى: خالية.
3- الوتر: الثأر.
4- جُزُروا: جزر الشيء: قطعه، و قد تقدمت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.

(40) الزهراء علیها السلام في القرآن

(بحر الوافر)

الشيخ عبد الستار الكاظمي (*)(1)

سَأَدْعُو اللَّهَ لَوْ جِئتُ إِلَى الحَشْرِ *** وَ أَشْكُو لَوْعَةَ المِسْمَارِ فِي صَدْرِيْ

***

أَلاَ يَا رَبِّ احْكُمْ أَنْتَ يَا جَبَّارْ *** هُنَا فِي الحَشْرِ فِيمَنْ يَحْمِلُ الأَوْزَارْ

لِمَاذَا أَنْبَتُوا فِي صَدْرِيَ المِسْمَارْ *** لِتَغْسِيلِي دِمَائِي نَزْفُهَا يَجْرِي

***

دَعَاهُمْ وَالِدِي فِي مُحْكَمِ القُرآنْ *** وَ أَوْصَاهُمْ بِنَا بِالبِرِّ وَ الإِحْسَانْ

فَلَمَّا رَاحَ عَنَّا أَشْعَلُوا النِّيرَانْ *** وَ فِي ظُلْمِ وَ جَوْرٍ أَحْرَقُوا خِدْرِي

***

إِلَيْكَ المُشْتَكَى مِنْ عُصْبَةِ الجَهْلِ *** وَ حُزْنِي لَمْ يَزَلْ مِنْ ظُلْمِهِمْ يَغْلِي

فَفِي عَيْنِي أَمَامِي قَدَّمُوا بَعْلي *** وَ فِي الصَّبْرِ وَصَاهُ فِي الصَّبْرِ

***

وَرَاءَ المُرْتَضَى فِي وَضْعِيَ المُدْنَفْ *** مِنَ البَلْوَىٰ لِرَأْسِي كِدْتُ أَنْ أَكْشِفْ(2)

ص: 161


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- المدنف: المريض.

فَنَادَى حَيْدَرٌ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُكْتَفْ *** أُجَرِّعُهُمْ كُؤُوسَ المَوْتِ فِي ذُعْرِ

***

أَبُوكِ جَاءَ لِلإِسْلامِ لِلرَّحْمَهْ *** أَلأَ يَا فَاطِمٌ مَا مَصْدَرُ العِصْمَهْ

فَلَا تُكْوَى وَ حَاشَاكَ مِنَ النِّقْمَهْ *** وَ إِنْ كَالُوا عَلَيْنَا الصَّبْرَ بِالغَدْرِ

***

صَبَرْنَا يَا إِلهِي فِي رَزَايانا *** وَ فِي عَيْنَيْكَ سَامَتْنَا رَعَايَانا

وَ ظُلْماً نَصَّبُوا لِلْحُكُم شيطانا *** يَسُوسُ النَّاسَ بَيْنَ الظُّلْم وَ الجَوْرِ(1)

***

مِنَ البَدْءِ لَقَدْ أَحْسَنْتَ بِي صُنْعَا *** وَ نُورٍ فِي جَبِينِ المُصْطَفَى يَسْعَى

فَيَا رَبِّي أَتَرْضَى أَسْكُبُ الدَّمْعَا *** وَ مِنْ حُزْنٍ لِحُزْنٍ طُلْتَ بِالعُمْرِ

***

بِمَا عَظَمْتَ شَأْنِي أَيُّهَا البَارِي *** وَ مَا بَوَّأْتَنِي فِي بَحْرِ أَسْرَارِي(2)

ألا إلَى مَنْ ضَامَنَا أَدْخِلْهُ فِي النَّارِ *** وَ لاَ تَرْحَمْهُ يَا جَبَّارُ مِنْ حَرِّ(3)

***

هُنَاكَ الطُّهْرُ عِنْدَ الحَشْرِ وَ المَفْزَعْ *** أَمَامَ الخَلْقِ فِي آيَاتِهَا تَطْلَعْ

صنيعَةُ رَبِّنَا فِي ظِلِّهِ تَشْفَعْ *** لأهْلِ الصَّبْرِ فِي أَمْنِ مِنَ الضُّرِّ

***

أَنَا الزَّهْرَاءُ فِي القُرآنِ وَ السُّنَّهْ *** أَنَا القُرْبَى وَ أَجْرُ الصَّبْرِ فِي المِحْنَهْ

بِنَا الفَوْزُ إِلَى الرِّضْوَانِ وَ الجَنَّهْ *** إِلَيْهَا تَدْخُلُ فِي رَفْرَفٍ خُضْرِ

ص: 162


1- يسوس الناس: من السياسة، أي يسيِّس الناس.
2- بوّأتني: أقمتني.
3- ضامنا ظلمنا و قهرنا. و قد تقدمت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.

(41) يا سلوة الكرار

(بحر الرّمل)

السيد عبد الصاحب الموسوي

يَا آيةَ الرَّحمنْ *** يَا مَرْكَزَ الإِيمَانْ

يَا بَضْعَةَ المُخْتَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

أَنْتِ رَمْزُ لِلْمَعَالِي *** وَ المَعَالِي فِيكِ تَشْهَدْ

أَنْتِ نِبْرَاسٌ مُضِيءٌ *** فِي سَمَاءِ المَجْدِ فَرْقَدْ(1)

أَنْتِ عِلْمٌ أَنْتِ حِلْمٌ *** أَنْتِ فَخْرٌ لَيْسَ يَنْفَدْ(2)

أَنْتِ لِلْعَلْیَاءِ أُمٌّ *** أَنْتِ نُورٌ مِنْ مُحَمَّدْ(3)

ص: 163


1- نبراس: مصباح. فرقد: نجم قريب من القطب الشمالي يهتدى به.
2- لعل البيت يشير إلى علمها علیها السلام. ففي كتاب (مناقب آل أبي طالب) لابن شهر آشوب ج3 ص321 (مؤسسة انتشارات علامة. قم) «وإن الله «تعالى» أعطى عشرة أشياء لعشرة من النساء: التوبة لحواء زوجة آدم، و الجمال لسارة زوجة ابراهيم و الحفاظ لرحيمة زوجة أيوب و الحرمة لآسية زوجة فرعون و الحكمة لزليخا زوجة يوسف و العقل لبلقيس زوجة سليمان و الصبر البرحانة أم موسى و الصفوة لمريم أم عيسى علیه السلام و الرضا لخديجة علیها السلام زوجة المصطفى صلي الله علیه و اله و سلم و العلم لفاطمة علیها السلام زوجة المرتضى علیه السلام.
3- جاء في هذا المعنى عدة روايات تذكر أن الزهراء علیها السلام هي نور من محمد صلي الله علیه و اله و سلم نذكر منها ما جاء في كتاب (دلائل الإمامة للطبري) ص59 الطبعة الثالثة (منشورات) الرضي. (قم). «عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلي الله علیه و اله و سلم قال: إن الله «تعالى» خلقني صلي الله علیه و اله و سلم و علياً علیه السلام و فاطمة علیها السلام و الحسن و الحسين علیهما السلام قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام. قلت: فأين كنتم يا رسول الله صلي الله علیه و اله و سلم؟ قال: قدَّام العرش نسبُح اللَّه و نقدّسه و نحمده قلت: على علیه السلام أي مثال؟ قال: أشباح نور حتى إذا أراد الله أن يخلق صورنا صيَّرنا عمود نور ثم قذفنا في صلب آدم ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء و أرحام الأمهات، لايصيبنا بخس الشرك و لاسفاح الكفر يسعد بنا قوم و يشقى آخرون فلما صيَّرنا إلى صلب عبدالمطلب أخرج ذلك النور فشقَّه نصفين فجعل نصفه في عبدالله و نصفه في أبي طالب ثم أخرج النصف الذي لي إلى آمنة بنت وهب، و النصف الآخر إلى فاطمة بنت أسد فأخرجتني آمنة و أخرجت علياً علیه السلام فاطمة علیها السلام، ثم أعاد «عزوجل» العمود إليَّ فخرجت مني فاطمة علیها السلام و أعاده إلى علي فخرج الحسن و الحسين علیهما السلام يعني من النصفين جميعاً، فما كان من نور علي صار في ولد الحسن علیه السلام و ما كان من نوري صار في ولد الحسين علیه السلام فهو ينتقل في الأمة من ولده إلى يوم القيامة».

يَا مُنتَدَى الإِحْسَانْ *** يَا زَهْرَةَ الأَكْوَانْ

يَا قُدْوَةَ الأَبْرَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

كُنْتِ نُوراً مَعْ أَبِيكِ *** مُحْدِقاً بِالعَرْشِ مُشْرِقْ

ثُمَّ فِي قَوْسِ النُّزُولِ *** فِي جَبِينِ الدَّهْرِ يُبْرِقْ

كُلُّ مَا فِي الكَوْنِ أَضْحَى *** حَائِراً بِالرَّأْس مُطْرِقْ

أَنْتِ نُورُ اللَّهِ حَقاً *** بِالعُلَى وَ الفَضْلِ مُحْدِقْ(1)

يَا خِيرَةَ النُّسْوَانْ *** يَا مَظْهَرَ القُرْآنْ

يَا زُبْدَةَ الأَخْيَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

أَنَتِ يَا أُمَّ أَبِيهَا *** صِرْتِ لِلأَجْيَالِ أُمّا(2)

فَسَقَيْتِ الكَوْنَ طُرّاً *** مِنْ مَعَانِي الفَضْلِ عِلْما

وَ نَشَرْتِ الخَيْرَ نَشْراً *** وَ رَسَمْتِ المَجْدَ رَسْمَا

وَ سَبَقَتِ النَّاسَ فَضْلاً *** ثُمَّ إِحْسَاناً وَ حِلما

ص: 164


1- محدق: محيط.
2- جاء في هذا المعنى عن (مقاتل الطالبيين) ص29 (الطبعة الثانية سنة (1405 ه_) (الشريف الرضي) و (تهذيب التهذيب) للعسقلاني ج12 ص440 ط/ دار صادر بيروت: (فاطمة علیها السلام بنت رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لم تكنى أم أبيها و تعرف بالزهراء علیها السلام.)

يَا دُرَّةَ النيجَانْ *** يَا مَلْجَأَ الحَيْرَانْ

يَا بَلْسَمَ الأَفْكَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

قَدْ عَبَدْتِ اللَّهَ سِرَّاً *** قَدْ عَبَدْتِ اللَّهَ جَهْرا(1)

قَدْ مَلَاتِ الكَوْنَ عِلماً *** ثُمَّ إِحْسَاناً وَ فَخْرَا

قَدْ أَنَرْتِ الدَّرْبَ حَقَّاً *** وَ دَحَرْتِ الظُّلْمَ دَحْرا(2)

قَدْ سَمَوْتِ المَجْدَ طُرَّاً *** وَ نَصَرْتِ الحَقَّ نَصْرَا

يَا مَصْدَرَ البُرْهَانْ *** يَامُنْتَهَى التَّبْيَانْ

يَاقُرَّةَ الأَبْصَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

أَنْتِ سِرُّ اللَّهِ فِينَا *** أَنْتِ في الآفَاقِ شَمْسُ

أَنْتِ لِلأَنْوَارِ أَصْلٌ *** أَنْتِ لِلمُخْتَارِ نَفْسُ(3)

أَنْتِ لِلأَحْرَارِ نَهْجٌ *** لَكِ فَخْرٌ لاَ يُمَسُّ

أَنْتِ لِلْكَرَّارِ کُفْوٌ *** أَنْتِ لِلْكَرَارِ أُنْسُ(4)

ص: 165


1- في كتاب إحقاق الحق ج10 ص261 عن «ربيع الأبرار» للعلامة جار الله أبوالقاسم محمود بن عمر الزمخشري الحنفي ص195 مخطوط ما يشير إلى أن الزهراء علیها السلام كانت أعبد الأمة. فقد روي عن الحسن أنه قال: ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة علیها السلام، كانت تقوم حتى تتورّم قدماها».
2- دحرت: طردت. أبعدت.
3- لعله أراد من هذا المعنى ما جاء في كتاب «عوالم سيدة النساء» ج1 ص43 باب «أنه لماذا لولا فاطمة علیها السلام لما خُلق النبي صلي الله علیه و آله و سلم و علي علیه السلام» رقم(1) عن كتاب (الجنة العاصمة) من أن الزهراء علیها السلام أصل الخلق: «عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم عن الله تبارك و تعالى أنه قال: يا أحمد صلي الله علیه و آله و سلم لولاك لما خلقت الأفلاك و لولا على علیه السلام لما خلقتك و لولا فاطمة علیها السلام لما خلقتكما.
4- في ينابيع المودة ص208 و ص213: عن أم سلمة «رضي الله عنها» قالت: قال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لو لم يخلق الله علياً علیه السلام ما كان لفاطمة علیها السلام كفؤ».

يَا نُدْبَةَ اللَّهْفَانْ *** يَا قِمَّةَ العِرْفَانْ

يَا كَوْكَبَ الأَسْحَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ(1)

***

أَوَلَيْسَ اللَّهُ أَوْصَى *** فِيكِ وَ القُرْآنُ يَشْهَدْ؟

أَوْ وجَبَ الرَّحْمنُ وُدّاً *** لَكِ يَا عُنْوَانَ أَحْمَدْ

فَلِمَاذَا القَوْمُ هَاجُوا *** هَتَكُوا خِدْراً مُؤَيَّدْ

أَضْرَمُوا بِالبَابِ نَاراً *** أَحْرَقَتْ قَلْبَ مُحَمَّدْ

قَدْ أَسَّسُوا العُدْوَانْ *** مُذْ أَشْعَلُوا النِّيرَانْ

فِي بَاب تِلْكَ الدَّارْ *** يَا سَلْوَةَ الكرارْ

***

دَخَلُوا البَیْتَ عِنَاداً *** مَا رَعَوْا لِلْبَیْتِ قَدْرا

وَ هْوَ بَيْتُ اللَّهِ وَ الأَنْوَارِ *** دَوْماً مِنْهُ تَتْرَى(2)

كَسَرُوا ضِلْعاً عَظِيماً *** قَدْحَوَى لِلَّهِ سِرَّا

أَسْقَفُوا مِنْهَاجَنِيناً *** ثُمَّ قَادُوا المجدَ قَسْرا

يا قَالِعَ البِيبَانْ *** كَيْفَ اعْتَدَى الذُّؤْبَانْ(3)

بِالنَّارِ وَ المِسْمَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

خَرَجَتْ خَلْفَ عَلِىِّ *** وَ هْيَ تُخْفِي مَا تُعَانِي

خَلُّوا عَمَّن كَانَ رَمْزاً *** لِلهُدَى فِي كُلِّ آنِ

خَلُّوا عَمَّنْ قَدْ هَدَاكُمْ *** فَهُوَ سِرٌّ لِلْمَثَانِي

ص: 166


1- قلائد الانشاد في النبي صلي الله علیه و آله و سلم وآله الأمجاد ص480.
2- تترى: متتابعة.
3- البيبان: جمع الباب و الذوبان: جمع الذئب.

يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْهَضْ *** كَيْ تَرَىٰ مَا قَدْ دَهَانِ دَهَانِي

يَا مُنْقِذَ الإِنْسَانْ *** قُمْ وَ انْظُرِ الطَّغْيَانْ

مَاذَا جَنَى الأَشْرَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

ثُمَّ رَدَّتْ وَ هْيَ تَبْكِي *** بَعْدَ مَا قَلَّ النَّصِيرُ

قَدْ بَنَتْ لِلْحُزْنِ بَيْتاً *** سَمْكُهُ دَمعٌ غَزِیرُ

طَالَمَا كَانَتْ تُنَاجِي *** رَبَّهَا وَ هُوَ النَّصِیرُ

لَيْتَ هَذَا العُمْرُيَفْنَى *** لَيْتَهُ عُمْرٌ قَصِيرُ

يَا رَبِّ يَا ديَّانْ *** يَا مُنْزِلَ الفُرْقَانْ

أَلحِقْنِي بِالمُخْتَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ

***

لَهْفِي مَاتَتْ بِنْتُ طهَ *** وَ الأَسَى مِلْءُ الفُؤَادِ

جَهَّزَ الزَّهراءعَلِيٌّ *** وَ هُوَ بِالوَيْلِ یُنَادي

يَا رَسُولَ اللَّهِ سَلْهَا ** عَنْ نَايَاتِ الأعَادِي

رَوَّعُوهَا أَطْعَمُوهَا *** بِالأَذَى مُرَّ السُّهَادِ

بِالذُلِّ و الأَشْجَانْ *** وَ النَّوْحِ وَ الأَحْزَانْ

وَ الوَجْدِ وَ الأَكْدَارْ *** يَا سَلْوَةَ الكَرَّارْ(1)

ص: 167


1- جمادى الأولى سنة (1415 ه_) لبنان. بعلبك.

(42) هي الزهرة الزهراء علیها السلام

(بحر الطويل)

الأستاذ عبد العزيز العندليب (*)(1)

عَلَيْكُمْ سَلامُ اللهِ فِي هَذِهِ الذِّكْرَى *** وَ رَحْمَتُهُ فِي مَولدِ الخَيْرِ وَ البُشْرَى

وَ يَا حَبَّذَا ذِكْرَى عَلَيْنَا عَزِيزَةٌ *** بِمَوْلِدِ بِنْتِ الوَحْيِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَا

وَ مَاذَا أَرَانِي قَائِلاً فِي كَرِيمَةٍ *** مَحَاسِنُهَا قَدْ فَاقَتِ الحَدَّ وَ الحَصْرَا

وَ مَنْ قَدْ حَبَاهَا اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ *** مَقَاماً مَنِيعاً حَيَّرَ الوَهُمَ وَ الفِكْرًا

وَ مَنْ يَسْخِط البَارِي لِمَا سَخِطَت لَهُ *** وَ يَرْضَى بِمَا تَرْضَى بِهِ وَ كَفَىٰ قَدْرا(2)

ص: 168


1- (*) هو الاستاذ عبد العزيز ابن الشيخ علي بن عبد الله الملقب بالعندليب، و عبد العزيز العندليب اسم لامع في سماء الادب و العلم و الفضل و يشار إليه بأنه شاعر مبدع من ذوي الفضل و الصلاح و أيضاً يقال عنه بأنه دائرة معارف متنقِّلة. و كيف لايكون كذلك و هو من أسرة دينية و علمية عرف في الكويت، والده الخطيب الألمعي المرحوم الشيخ علي بن عبد الله العندليب. ولد في الكويت سنة (1362 ه_) الموافق (1943 م) و أخذ دراسته الابتدائية منها من المدرسة الجعفرية و تابع دراسته حتى نال عدداً من الشهادات الجامعية، من جامعة الكويت و مصر و لبنان و سوريا في مجال اللغة العربية و التجارة و الفلسفة و علم النفس و دراسات ،الشريعة و التاريخ و الحقوق إلى جانب ثقافته الذاتية و ذكائه المفرط. و قد شغل عدة، وظائف، و كان يدرس لفترة في جامعة الكويت. و يعد المترجَم له من مفاخر شعراء، الكويت، و هو مكثر و سريع في النظم و يفتخر أنه يدعى بشاعر أهل البيت علیهم السلام و من مفاخره أنه يشترك في الحفلات الدينية و دوره مشهود و قد رأيته مراراً و هو ينظم شعره قبل الالقاء بلحظات أو في طريقه إلى منصة الاحتفال و هذا يدل على قدرته و تمكنه من النظم و له أيضاً في كل محرَّم قصيدة في الحسين علیه السلام يقرأها بنفسه في الاذاعة الكويتية ليلة عاشوراء.
2- إشارة إلى ما روي في كتاب فرائد السمطين ج2 ص46 قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: إن اللَّه «عزوجل» ليغضب لغضب فاطمة علیها السلام، و يرضى لرضاها.

لَهَا مَكْرُمَاتٌ لَيْسَ يُمْكِنُ عَدُّهَا *** وَ غُرُّ مَعَانٍ تُعْجِرُ النَّظمَ وَ النَّثْرَا

وَ مَاذَا يَقُولُ المادِحُونُ بِشَأْنِهَا *** وَ فِي شَأْنِهَا الرَّحْمَنُ قَدْ أَنْزَلَ الذِّكْرَا

هِيَ الزَّهْرَةُ الزَّهْرَاءُ فَاطِمَةُ الَّتِي *** يُنيرُ سَنَا أَمْجَادِهَا الْأَنْجُمَ الزُّهْرَا(1)

كَمَا تَتَوَارَى الشَّمْسُ مِنْ نُورٍ وَجْهِهَا *** وَ تُخْجِلُ بَدْرَ التَّمِّ بالطَّلْعَة الغَرَّا

وَ بَضْعَةُ خَيْرِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ صلي الله علیه و آله و سلم *** وَ مَنْ سُمِّيَتْ فِي الذِّكْرِ كَوْثَرَةُ الثَّرَّا(2)

غَدَاةَ انْبَرَى (العَاصُ بنُ وَائل) سَاخِراً *** مِنَ المُصْطَفَى الهَادِي وَ عَيَّرَهُ كُفْرَا(3)

فَبَشَرَهُ اللَّهُ الجَلِيلُ كَرَامَةً *** بِذُرِّيَّةٍ مِنْهَا وَ إِذْ ذَاكَ قَدْ سُرَّا(4)

وَ أَنْجَبَتِ الزَّهْرَاءُ لِلطُّهْرِ عِتْرَةً *** تَتِيهُ بِهِمْ دُنْيَا الوُجُودِ و لانُكْرَا(5)

هُمُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ وُلْدِ آدَمٍ *** وَ أَرْفَعُهُمْ شَأناً وَ أَعْظَمُهُمْ أَمْرا

كِرَامٌ مَيَامِينْ هُدَاهُ أَئِمَّةً *** يَفِيضُ عَلَى كُلِّ الوَرَى فَيضُهُمْ غَمْرَا

***

تَجَلَّت فَجَلَّتْ فِي عُلى وَ مَحَامِدٍ *** أَجَلْ... إِنَّ لِلخَلاقِ فِي خَلْقِهَا سِرَّا

ص: 169


1- إشارة إلى ما روي في كتاب البحار ج40 ص44 في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: ثم أظلمت المشارق و المغارب فشكت الملائكة إلى الله «تعالى» أن يكشف عنهم الظلمة، فكلّم الله جل جلاله كلمة فخلق منها روحاً، ثم تكلّم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نوراً، فأضاف النور إلى تلك الروح و أقامها مقام العرش فزهرت المشارق و المغارب فهي فاطمة الزهراء علیها السلام، و لذلك سمّيت «الزهراء علیها السلام» لأن نورها زهرت به السموات، الحديث. و قد مرت أحاديث متضافرة عن ذلك عن مصادر عدة فراجع.
2- إشارة إلى ما روي في صحيح الترمذي ج2 ص319 عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: فإنما ابنتي يعني فاطمة علیها السلام بضعة مني يريبني ما رابها و يؤذيني ما آذاها.
3- انبری: اعترض أو قام بالشيء. و عيرَّه: عيَّبه و نسبه إلى العار و قبح عليه فعله.
4- إشارة إلى ما روي في كتاب البحار ج16 ص80 في حديث طويل عن الصادق علیه السلام: فدخل رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم يوماً و سمع خديجة علیها السلام تحدّث فاطمة علیها السلام، فقال لها: يا خديجة علیها السلام، من يحدثك؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدّثني و يؤنسني. فقال لها: هذا جبرئيل يبشرني أنها أنثى، و أنّها النسمة الطاهرة الميمونة، و ان الله «تبارك وتعالى» سيجعل نسلي منها و سيجعل من نسلها أئمّة في الأمة.
5- تتيه: تتكبر و تتبختر فرحاً.

وَ قَدْ دُعِيَتْ فِي الابْتِهَالِ (نِسَاءَنَا) *** وَ لَاغَرْوَ إِذْ فَاقَتْ نِسَاءَ الوَرَى طُرَّا

وَ قِدْماً أَتَى فِي (هَلْ أَتَى) فِي مَدِيحِهَا *** بَيَانُ إِلهِيَّ بِإِيفَائِهَا النَّذْرا(1)

نَعَمْ... إِنَّهَا مَعْصُومَةٌ وَ زَكِيَّةٌ *** بَتُولٌ غَدَتْ مِنْ بَيْنِ أَتْرَابِهَا وِتْرَا(2)

كَمَا أَنَّهَا مَرْضِيَّةٌ وَ رَضِيَّةٌ *** وَ إِنْسِيَّةٌ حَوْرَاءُ صِدِّيقَةٌ كُبْرَى(3)

***

وَ مَا ابْنَةُ عِمْرَانٍ عَلَى رَغْمِ فَضْلِهَا *** بِبَالِغَةٍ مِنْ فَضْلِ فَاطِمَةٍ عُشْرَا(4)

وَ مَا أُمُّ إِسْمَاعِيلَ هَاجَرُ فِي العُلَى *** أَوِ المَجْدِ يَوْماً تُشْبِهُ البَضْعَةَ الطُّهْرَا

وَ لَوْلاً عَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ كُفْزَهَا امْرُؤٌ *** إِذِ اخْتَارَ بَارِيهَا لَهَا المُرْتَضَى البَرَّا

فَلِلَّهِ بِنْتٌ قَدْ دَعَاهَا لِفَضْلِهَا *** أَبُوهَا لَهُ أَمْاً فَزَادَتْ بِهِ فَخُرا

قَدِ انْعَقَدَتْ فِي الأَصْلِ نُطْفَتُهَا بِمَا *** تَنَاوَلَهُ المُخْتَارُ فِي (لَيْلَةِ الإِسْرَا)

ص: 170


1- إشارة إلى قوله تعالى في سورة الانسان آية/7 «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا». فقد ورد في تفسير الأمثال ج19 ص226: (يُوفُونَ) فان المصداق الأتم و الأكمل لهذه الآيات هو أميرالمؤمنين و فاطمة الزهراء و الحسنان علیهم السلام لإيفائهم بما نذروه من الصوم ثلاثة أيام حيث لم يتناولوا فيها إلا الماء و قلوبهم مملوءة بالخوف من اللَّه و القيامة.
2- إشارة إلى ما روي في عصمتها و طهارتها و في ذخائر العقبى ص24. عن أبي سعيد الخدري قال: قوله تعالى في سورة الاحزاب آية/ 33 «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»: نزلت في خمسة. في رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و علي و فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام أخرجه أحمد في المناقب و أخرجه الطبراني. و ترا: فرداً.
3- إشارة إلى ما روي في كتاب الدر المنثور ج8 ص543: دخل رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم على فاطمة علیها السلام و هي تطحن بالرحى و عليها كساء من حملة الإبل، فلما نظر إليها قال: يا فاطمة علیها السلام تعجّلي فتجَري مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً. فأنزل الله «وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى».
4- و قد ورد بعض ذلك في كتاب لسان الميزان ج3 ص346 ط بيروت: لما خلق الله آدم و حوّاء تبخترا في الجنة و قالا: من أحسن منّا ؟ فبينما هما كذلك إذ هما بصورة جارية لم ير مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفىء الأبصار: قالا يا رب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة علیها السلام سيدة نساء ولدك. قال: ما هذا التاج على رأسها؟ قال: علي علیه السلام بعلها. قال: فما القرطان؟ قال: ابناهما علیهما السلام وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقك بألفي عام.

وَ مِنْ نُورِهَا فِي (طُورِ سَيناءَ) إِذْ غَدا *** رَأَى قَبْساً مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ إِذْ خَرَّا(1)

وَ لَوْ شَاءَ كُتابُ الوَرَى أَنْ يُسْجِّلُوا *** مَحَامِدَهَا يَوْماً وَ أَفْضَالَهَا الكُثْرَا

وَ كُلُّ بِحَارِ الأَرْضِ كَانَ مِدَادَهُمْ *** لَمَا كَتَبُوا مِنْ سِفْرٍ أَمْجَادِهَا سَطَرَا

***

فَيَا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ هَدْياً وَ رِفْعَةً *** وَ يَا لَيْلَةَ القَدْرِ التِي خَفِيتْ قَدْرَا

وَ يَا آيَةَ الفَجْرِ الَّذِي نَسَمَاتُهُ *** إِلَى أَبَدِ الآبادِ فَوَّاحَةٌ عِطَرَا

يجَاهِكِ نَدْعُو رَبَّنَا أَنْ يُنيلَنَا *** شَفَاعَتَكِ المُرْجَاةَ إِذْ نَردُ الحَشْرَا

بِمَوْلِدِكِ الزَّاكِي تُقِيمُ احْتِفَالَنَا *** وَ قَدْ زَادَتِ الذِّكْرَى لَنَا الأُنْسَ و البِشْرَا

عَلَيْكِ مَدَى الأَيَّامِ خَيْرُ تَحِيَّةٍ *** وَ أَزْكَى صَلاةِ اللَّهِ دَائِمَةً تَتْرَى(2)

ص: 171


1- قبساً: شعلة النار تؤخذ من معظم النار. خرَّ: سقط من علو إلى أسفل.
2- قالها بمناسبة ميلاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء علیها السلام جمادى الثانية سنة (1414 هجرية). الكويت.

(43) الفرحة الكبرى

(مجزوء الوافر)

الأستاذ عبد العزيز العندليب(*)(1)

نَعَمْ فَالْفَرْحَةُ الكُبْرَى *** بِذِكْرَى مَوْلِدِ الزَّهْرَا

***

أَعِدْ فِي هَذِهِ الذِّكْرَى *** حَدِيثَ الخَيْرِ وَ البُشْرَى

فَفِيهَا الفَرْحَةُ الكُبْرَى *** تَزيدُ الأنْسَ و البِشْرَا

***

أَعِدْ بِالبِشْرِ وَ السَّعْدِ *** حَدِيثَ الحُبِّ و الوُدِّ

فَفِيهِ عَابِقُ النَّدِّ *** يَفُوحُ أريجُهُ نَشْرَا(2)

***

وَ وَجْهُ الكَوْنِ مُزْدَانُ *** بِهِ رَوْحٌ وَ رَيْحَانُ

وَ أَنْعَامٌ وَ أَلْحَانُ *** تَخَالُ نَشِيدَهَا سِحْرا

***

وَ لِلأَطيَارِ تَغْرِيدُ *** بِهِ لِلَّهِ تَوْحِيدُ

وَ تَسْبِيحَ وَ تَمُجِیدُ *** لَهُ سُبحَانَهُ شُكْرَا

ص: 172


1- (*) مرّت ترجمته في القصيدة السابقة.
2- أريجه: رائحته الطيبة.

بِمِیلادِ ابْنَةِ الطُّهْرِ *** وَ زَوْجِ المُرْتَضَى البَرِّ

وَ أُمْ السَّادَةِ الغُرِّ *** وَ مَنْ فَاقُوا الوَرَى طُرَّا

***

تَسامَتْ فِي مَعَانِيهَا *** تَعَالَى اللَّهُ مُنْشِيها

بَرَاهَا مُودِعاً فِيهَا *** صِفَاتٍ تُعْجِزُ الفِكْرَا(1)

***

لَهَا كُلُّ الكَمَالَاتِ *** وَ مَجْمُوعُ المَقَامَاتِ

وَ فِي الأَوْصَافِ وَ الذَّاتِ *** تَرَاهَا الفَرْدَ وَ الوِتْرَا

***

عَلَتْ فَضْلاً سَمَتْ مَجْدَا *** فَفَاقَ جَلالُهَا الحَدَّا

فَسُبْحَانَ الَّذِي أَبْدَى(2) *** لَهُ فِي خَلْقِهَا سِرَّا

***

دَعَاهَا المُصْطَفَى طهَ *** لَهُ أُمّاً فَأَسْمَاهَا

وَ رَبُّ العَرْشِ أَوْلاَهَا *** حَبَاهَا الجَاءَ وَ القَدْرَا

***

فَمَا أَحْلَى مَزَايَاهَا *** وَ مَا أَسْمَى سَجَايَاها

ص: 173


1- براها: خلقها.
2- لعله أشار إلى ما ورد في (دلائل الإمامة ص11 ، ط.3 منشورات الرضي) (عن إسحاق ابن جعفر قال: سمعت أبا عبدالله يقول: سُميَّت فاطمة علیها السلام محدثة لأن الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما كانت تنادي مريم بنت عمران علیها السلام فتقول يا فاطمة علیها السلام إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة علیها السلام اقنتي لربك... إلى قوله... و تحدثهم و يحدثونها فقالت لهم ذات ليلة: ألست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إن مريم علیها السلام كانت سيدة نساء عالمها و إن الله «تعالى» جعلك سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين).

يَفُوقُ اللَّفْظَ مَعْنَاهَا *** وَ يُعْيِي النَّظْمَ و النَثْرَا(1)

***

فَلاَ تُرْقَى مَرَاقِیهَا *** وَ لاَتُحْصَى مَعَالِيهَا

أَتّى فِي (هَلْ أَتَى) فِيهَا *** بَيَانُ الوَحْي لانُكْرا(2)

ص: 174


1- يُعيي: يعجز.
2- و في البيت إشارة إلى ما ورد في أمالي الصدوق ص212 (الطبعة الخامسة منشورات الأعلمي 1980). (حدثنا مسلمة بن خالد عن الصادق علیه السلام عن أبيه علیه السلام في قوله «عزوجل»: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» قال: مرض الحسن و الحسين علیهما السلام و هما صبيَّان صغيران، فعادهما رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و معه رجلان فقال أحدهما: يا أباالحسن علیه السلام لو نذرت في ابنيك نذراً إن اللَّه عافاهما. فقال: أصوم ثلاثة أيام شكراًلله «عزوجل»، وكذلك قالت فاطمة علیها السلام، و قال الصبيان و نحن أيضاً نصوم ثلاثة أيام و كذلك قالت جاريتهم فضة. فألبسهما الله عافية فأصبحوا صياماً و ليس عندهم طعام. فانطلق علي علیه السلام إلى جار له من اليهود يقال له شمعون يعالج الصوف فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها لك ابنة محمد صلي الله علیه و آله و سلم بثلاثة أصوع من شعير. قال: نعم، فأعطاه فجاء بالصوف و الشعير و أخبر فاطمة علیها السلام فقبلت و أطاعت ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف ثم أخذت صاعاً من الشعير فطحنته و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً. و صلى علي علیه السلام مع النبي صلي الله علیه و آله و سلم المغرب، ثم أتى منزله فوضع الخوان و جلسوا خمستهم فأول لتمة كسرها علي علیه السلام إذا مسكين قد وقف بالباب. فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلي الله علیه و آله و سلم أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة فوضع اللقمة من يده ثم قال: فاطم ذات المجد و اليقين *** يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكين جاء إلى الباب له حنين *** يشكو إلى الله و يستكين يشكو إلينا جائعاً حزين کل امریٌ بکسبه رهین *** من يفعل الخير يقف سمين موعده في جنة رهين حرمها الله على الضنين *** و صاحب البخل يقف حزين تهوى به النار إلى سجين *** شرابه الحميم و الغسلين فأقبلت فاطمة علیها السلام تقول: أمرك سمع يابن عم و طاعة *** مابي من لؤم و لا وضاعة غذیت باللب و بالبراعة *** أرجو إذا أشبعت من مجاعة أن ألحق الأخيار و الجماعة *** و أدخل الجنة في شفاعة و عمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين و باتوا جياعاً، و أصبحوا صياماً يذوقوا إلا الماء القراح، ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته ثم أخذت صاعاً من الشعير... فلما وضع الخوان بين يديه و جلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي علیه السلام إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد صلي الله علیه و آله و سلم أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة فوضع علي علیه السلام اللقمة من يده... ثم عمدت فأعطته ما على الخوان و باتوا جياعاً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح و أصبحوا صياماً، و عمدت فاطمة علیها السلام فغزلت الثلث الباقي من الصوف و طحنت الصاع الباقي و عجنته و خبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً و صلى علي علیه السلام المغرب مع النبي صلي الله علیه و آله و سلم ثم أتى منزله فقرب إليه الخوان و جلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها علي علیه السلام إذا أسير من أسراء المشركين... و عمدوا إلى ما كان على الخوان فأتوه و باتوا جياعاً و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شيء... و أقبل علي بالحسن و الحسين علیهما السلام نحو رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و هما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر بهم النبي صلي الله علیه و آله و سلم قال: يا أبا الحسن علیه السلام أشد ما يسوؤني ما أرى بكم. انطلق إلى ابنتي فاطمة علیها السلام فانطلقوا إليها و هي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع و غارت عيناها، فلما رآها رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ضمها إليه و قال و اغوثاه بالله أنتم منذ ثلاث فيما أرى فهبط جبرائيل فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك. قال: و ما آخذ يا جبرائيل. قال: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» حتى إذا بلغ «إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا»... و نزلت «هَلْ أَتَى» فيهم إلى قوله تعالى: «وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا».

فَفَوْقَ الوَهُم وَ الفِكْرِ *** مَقَامُ البَضْعَةِ الطُّهْرِ

وَ مَا شَأْنِي وَ مَا قَدْرِي *** لأُوردَ مَدْحَهَا شِعْرا

***

لَهَا فِي الذِّكْرِ تِبْيَانُ *** وَ سِفْرِ المَجْدِ عُنْوَانُ

وَ مِنْهَا القَوْلُ يَزْدَانُ *** وَ حَسْبِي مَدْحُهَا فَخُرَا(1)

***

ص: 175


1- یزدان: يتزيَّن.

هي الصَّدِّيقَةُ الكُبْرَى *** هِيَ الإِنْسِيَّةُ الحَوْرَا(1)

هي المَرْضِيَّةُ الطُّهْرَا *** بَنُولَةُ فَاطِمُ الزَّهْرَا(2)

ص: 176


1- أشار الشاعر في قوله: (الإنسية الحورا) إلى الرواية الواردة في «دلائل الإمامة» الطبعة الثالثة. منشورات الرضي. ص53 جاء فيها: «عن زينب علیها السلام بنت علي علیه السلام قالت: حدثتني أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم و قد كنت شهدت فاطمة علیها السلام قد ولدت بعض ولدها فلم ير لها دم. فقلت: يا رسول اللَّه صلي الله علیه و آله و سلم إن فاطمة علیها السلام ولدت فلم نر لها دماً قال: إن فاطمة علیها السلام خلقت حورية إنسية».
2- إشارة إلى ما ورد في «علل الشرائع» ج1 ص215 الطبعة الأولى. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: عن علي بن أبي طالب علیه السلام أن النبي صلي الله علیه و آله و سلم سُئِل: ما البتول فإنا سمعناك يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم تقول: إن مريم بتول علیها السلام و فاطمة بتول علیها السلام؟ فقال صلي الله علیه و آله و سلم: البتول التي لم تر حمرة قط، أي لم تحض فإن الحيض مكروه في بنات الأنبياء». و الظاهر أن البيت خصوصاً في صدره لايخلو من خلل في الإعراب لنصب (طهر) و هو مما يستحق الرفع إلاَ إذا قلنا إن الضرورة الشعرية تسمح بمثل ذلك واللَّه العالم. نظمت القصيدة في سنة (1414 ه_).

(44) قدسية المعنى

( )

عبد العزيز العندليب(*)(1)

في يومِ ميلادِ ابنة المصطفَى الأَطْهَرْ *** عَمَّ الوجودَ البِشرُ و الأُفُقُ قَد أَزْهَرْ

وازدانَ وجهُ الكون إذ أشرَقَت شمسٌ *** في بيتِ طَه دُونَهَا النَّيْرُ الأكبَرْ

ما الشمسُ إلاَّ لمعةٌ مِن مُحَيَّاها *** والفَجْرُ مِن لَأَلاَءِ أَنوارِهَا أَسْفَرْ

إنسيَّةٌ حَوراءُ قُدْسِيَّةُ المَعنى *** نَوْرَاءُ فِردَوسِيَّةُ الذَّاتِ وَ الجَوهَرْ

قد خَصَّ بإيهابِهَا المصطفى الهادي *** في نَسلِهِ رَغْماً عَنِ الشَّانِي الأَبْتَرْ

صِدِّيقةٌ معصومةٌ مَالَها كُفؤٌ *** في الخَلقِ لَو لَم يُخلِقَ المُرتَضَى حَيدَرْ

لا (بِنتُ عِمْرَانٍ) لَهَا في العُلَى صِنوٌ *** كلاَّ و لا في الفضلِ مِثلٌ لها (هَاجَرْ)

يا بِضعةَ الهادي و يا أُمَّ سِبْطَيْهِ *** و النِسعَةِ الأطهار، لِلَّهِ مِن مَعشَرْ

يا أُسْوَةَ النِسوانِ في الفضلِ و التقوى *** و العِلمِ و الإيمانِ و الخُلقِ و المَظْهَرْ

ذكراكِ ذِكِرى الخيرِ يزهو بِها حفلٌ *** مِن دُونِ رَيَّاهُ شَذا المِسكِ و العَنبَرْ

يا فاطمُ الزَّهرَاءُ يا مَن بها نرجو *** مرضَاةَ رَبِّ العَرشِ و الفَوزَ في المحشَرْ

إِنَّا توسَّلْنَا بِكُم يا بني طَه *** لِلقادرِ الباري و مِن حُبِّكُمْ نَفخَرْ

يا عِترةَ الهَادي عليكم بِلاحَدَّ *** أزكى السَّلاَمِ الدائمِ الأَطيبِ الأَعطَرْ

ص: 177


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر سابقاً.

(45) زوجت في السماء

(بحر الخفيف)

الشيخ عبد المجيد أبو المكارم (*)(1)

أَنَا فِي بَهْجَةٍ وَ كُلِّ سُرُورِ *** مُذْ تَلاقَتْ شَمْسُ الضُّحَى بِالنُّورِ

أَيُّ وَقْتِ قُلْ لِي فَقِيلَ لِيَوْمٍ *** بِالتَّهَانِي أَتَى وَ كُلِّ الحُبُورِ

حِينَ جَاؤُوا مُحَمَّداً فِي خِطَابٍ *** نَحْو تِلْكَ العَذْرَاءِ بنتِ النَّذِيرِ

وَ رَسُولُ الهُدَى يُمِيطُ نِدَاهُمْ *** قَائِلاً لَيْسَ ذَاكَ مِنْ تَفْكِيرِي

رَاوَدُوهُ بِأَمْرِهَا بَعْدَحِينٍ *** لَمْ يُلَبَّ الرَّسُولُ قَوْلَ النَّظِيرِ

فَرَقَى أَحْمَدٌ خَطِيباً عَلَيْهِمْ *** عَازماً دَعْوَةَ الإِلَهِ المُجِيرِ

فَتَتَحَوْا وَ أَوْعَزُوا لِعَلِيَّ *** وَ هُوَ إِذْ ذَاكَ فِي أَمَانٍ قَرِيرِ

فَأَتَى المُصْطَفَى عَلَيْهِ حَيَاءٌ *** فَوْقَ وَجْهٍ لَهُ كَبَدْرٍ مُنِيرِ

جَلَسَ المُرتَضَى يُقَابِلُ طَهَ *** خَاطِباً رَبَّةَ الحِجَا وَ الخُدُورِ

مِنْهُمَا جَاءَ بَعْضُ قَوْلٍ ظَرِيفٍ *** إِذْهُمَا يَذْكُرَانِ أَمْرَ الطَّهُورِ

وَإِذَا جَبْرَئِيلُ يَأْمُرُ طَهَ *** مِنْ إِلهٍ أَحَاطَ كُلَّ الأُمُورِ(2)

ص: 178


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- ورد هذا المعنى في ينابيع المودة ص205 الجزء الأول - الطبعة الأولى (إنتشارات الشريف الرضي) و عن أنس قال: كنت عند النبي صلي الله علیه و آله و سلم. فغشيه الوحي فلما أفاق قال: يا أنس أتدري بما جاءني به جبرائيل من عند صاحب العرش «عزوجل»؟ قلت: بأبي و أمي بما جاءك جبرائيل؟ قال: قال جبرئيل: إن اللَّه يأمرك أن تزوّج فاطمة علیها السلام بعلي علیه السلام فانطلق فادع لي أبا بكر و عمر و عثمان و طلحة الزبير و نفراً من الأنصار.

زَوجِ النُّورَ فَاطِمَاً مِنْ عَلِيَّ *** بِرِضَاءٍ مِنَ الإِلَهِ البَصِيرِ(1)

فَاسْتَفَاضَ الوُجُودُ نُوراً جَلِياً *** وَ اسْتَنَارَتْ حَنَادِسُ الدَّيْجُورِ(2)

و أَثَارَ الإِلهُ كُلَّ وُجُودٍ *** بقِرانِ الزَّهْرا لِذَاكَ النُّورِ

حَيْدَرُ الطُّهْرُ بَدْرُ كُلِّ المَعَالِي *** كُفُوٌ تِلْكَ البَتُولِ بنتِ الشَّكُورِ(3)

فَهيَ نُورٌ تَلاَهُ نُورٌ عَمِيمٌ *** نُور ذَاكَ الوَصِيَّ الزَّكِيَّ المُنيرِ

كُلُّ فَرْدِ لِكُفْرِهِ صَارَ كُفُواً *** مِنْ عَظِيمِ وَ قَاهِرٍ وَ قَدِيرِ

ص: 179


1- و فيه إشارة إلى ما ورد في كتاب (عوالم العلوم و المعارف و الأحوال ج1/11 ص365). «عن سلمان الفارسي (رضوان الله «تعالى» عليه) قال: دخلت على فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام يلعبان بين يديها، ففرحت بهما فرحاً شديداً، فلم ألبث حتى دخل رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: فقلت يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم أخبرني بفضيلة هؤلاء لأزداد لهم حباً؟ فقال: يا سلمان ليلة أُسرى بي إلى السماء إذ رأيت جبرئيل في سماواته و جنانه فبينما أنا أدور قصورها و بساتينها و مقاصرها إذ شممت رائحة طيبةً، فأعجبتني تلك الرائحة فقلت: يا حبیبي ما هذه الرائحة التي غلبت على روائح الجنة كلها ؟ فقال: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم، تفاحة خلقها الله «تبارك و تعالى» بيده منذ ثلاثمائة ألف عام، ما ندري ما يريد بها، فبينا أنا كذلك إذ رأيت ملائكة و معهم تلك التفاحة، فقالوا: يا محمد صلي الله علیه و آله و سلم ربنا السلام يقرأ عليك السلام و قد أتحفك بهذه التفاحة. فقال رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: فأخذت تلك التفاحة فوضعتها تحت جناح جبرئيل، فلما هبط إلى الأرض أكلت تلك التفاحة، فجمع اللَّه ماءها في ظهري فغشيت خديجة بنت خويلد علیها السلام فحملت بفاطمة علیها السلام من ماء التفاحة، فأوحى الله «عزوجل» إليّ : أن قد ولد لك حوراء إنسية، فزوّج النور، من النور النور فاطمة علیها السلام من نور علي فإني قد زوّجتها في السماء و جعلت خمس الأرض مهرها و يستخرج فيما بينهما ذرية طيبة و هما سراجا الجنة: الحسن الحسين علیهما السلام. و يخرج من صلب الحسين علیه السلام أئمة يقتلون و يخذلون فالويل لقاتلهم و «خاذلهم»، و انظر كنز الفوائد ج1 236، ح1. و في بحار الأنوار ج43 ص109 في حديث خباب بن الأرت أن الله «تعالى» أوحى إلى جبريل: زوّج النور من النور و كان الوليُّ اللَّه و الخطيب و المنادي ميكائيل و الداعي إسرافيل و الناثر عزرائيل و الشهود ملائكة السماوات و الأرضين. ثم أوحى إلى شجرة طوبى أن انثري ما عليك فنثرت الدُّرَّ الأبيض و الياقوت الأحمر و الزبرجد الأخضر و اللؤلؤ الرطب فبادرن الحور العين يلتقطن و يهدين بعضهن إلى بعض».
2- حنادس:مفردها: حندس: الظلمة الليل الشديد الظلمة.
3- جاء هذا المعنى في كثير من الروايات ففي (ينابيع المودة) ط1 ص213 قال: (قال رسول اللَّه صلي الله علیه و آله و سلم: لو لم يخلق علي لما كان لفاطمة كفؤ».

أَمَرَ اللَّهُ خَادِماً فِي جِنَانٍ *** بِأُمُورٍ لَمْ تُحْصَ طُولَ العُصُورِ(1)

فَغَدَتْ حُورُهَا بِزِينَةِ قُدْسٍ *** بِازْدِهَارِ بِطَرْفِ عَيْنِ قَرِيرِ

وَ تَرَدَّتْ وِلْدَانُهَا بِحَرِيرٍ *** حِينَ مَاسَتْ للطُّهْرِ بِنْتُ البَشِيرِ(2)

وَ لِطُوبَى مَنَاقِبٌ أَظْهَرَتْهَا *** فَعَدَتْ تَنْفُرُ الصَّكَاكَ بِنُورِ

وَكَذَا دَرَّهَا عَلَى كُلِّ أَرْضٍ *** بِقِرانِ الوَصِي لِسِتِّ الحُورِ

نَتَرَتْ لِلصَّكَاكِ فِيهَا أَمَانٌ *** لِمُحِبِّيهِمَا عَنْ الزَّمْهَرِیرِ(3)

ص: 180


1- في هذا البيت و الأبيات التي تليه إشارة إلى بعض ما ورد في (ينابيع المودة) ص208: (عن بلال بن حمام) (رضي اللَّه عنه) قال: طلع علينا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ذات يوم مبتسماً ضاحكاً وجه كدائرة القمر ليلة البدر، فقام إليه عبدالرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم ما هذا النور الذي رأيناه في وجهك المكرم قال: بشارة أتتني من ربي في أخي و ابن عمي و في ابنتي بأن الله «تبارك وتعالى» زوّج علياً علیه السلام بفاطمة علیها السلام و أمر رضوان خازن الجنان بهز شجرة طوبى فهزها فحملت صكاكاً بعدد محبي أهل البيت علیهم السلام و أنشأ الله تحتها ملائكة خلقها من النور و أصاب لكل ملك صك فإذا قامت القيامة نادت الملائكة في الخلائق فلايبقى محب لأهل بيتي علیهم السلام إلا دفعت إليه الملائكة صكا فيه فكاكه من النار فصار ابن عمي و ابنتي سبب فكاك رقاب الرجال و النساء من أمتي من النار».
2- ماست: مشت و هي تتمايل و تتبختر.
3- الزمهرير: شدة البرد. قد مرت بعض التفاصيل عن هذا المعنى في هوامش سابقة و لعل مما يشير إلى المعنى أيضاً ما ورد عن ابن عباس قال: إن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم كان جالساً ذات يوم و عنده علي و فاطمة و الحسن و الحسين علیهم السلام. فقال: اللهم انك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي علیهم السلام و أكرم الناس علي فأحب من أحبهم... و كأني أنظر إلى ابنتي فاطمة علیها السلام قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور عن يمينها سبعون ألف ملك و عن يسارها سبعون ألف ملك و بين بديها سبعون ألف ملك و خلفها سبعون ألف ملك تقود مؤمنات أمتي إلى الجنة، فأيما امرأة صلت في اليوم و الليلة خمس صلوات و صامت شهر رمضان و حجت بيت الله الحرام و زكت مالها و أطاعت زوجها و والت علياً علیه السلام بعدي دخلت الجنة بشفاعة ابنتي فاطمة علیها السلام و إنها لسيدة نساء العالمين علیها السلام. فقيل يا رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم: أهي سيدة لنساء عالمها فقال صلي الله علیه و آله و سلم: ذاك لمريم بنت عمران فأما ابنتي فاطمة علیها السلام فهي سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين و إنها لتقوم في محرابها فيسلم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين و ينادونها بما نادت به الملائكة مريم علیها السلام فيقولون: يا فاطمة علیها السلام إن اللَّه اصطفاك و طهَّرك و اصطفاك على نساء العالمين علیها السلام، ثم التفت إلى علي علیه السلام فقال: يا علي علیه السلام إن فاطمة علیها السلام بضعة منِّي و هي نور عيني و ثمرة فؤادي يسوؤني ما ساءها ويسرني ما سرها و إنها أول من يلحقني من أهل بيتي علیهم السلام فأحسن إليها بعدي».

أَيُّ يَوْمٍ لِبَضْعَةِ الطُّهْرِ طهَ *** فِي قِرَانِ الوَصِيَّ بَحْرِ البُحُورِ

رَابِعُ العَشْرِ شَهْرُ حَجٌ كَرِيمٍ *** تَلْتَقِي الشَّمْسُ مِنْ عَظِيمِ البُدُورِ

زُوجَتْ فِي السَّمَاءِ مِنْ قَبْلِ مَاءٍ *** وَ تُرَابٍ بِأَمْرِ رَبِّ غَفُورِ

وَ اسْتَنَارَتْ مَلَائِكُ اللَّهِ حَقّاً *** بِروَاجِ العَذْرَاء تِلْكَ الوَقُورِ

أَقامَ الإِلهُ حَفْلَ زَوَاجٍ *** لِوَصِيِّ النَّبِيِّ بِخَيْرِ أُمُورِ

فِي سَمَاءٍ لَهُ وَ فِي كُلِّ أَرْضٍ *** مَعْ جِنَانٍ قَدْ زُيِّنَتْ بِالحُبُورِ(1)

وَ المَلاَكُ الأَعْلَوْنَ قَامُوا بِحَفْلٍ *** فِي تَسَابِيحِهِمْ وَ فِي التَّكْبِيرِ

زَيَّنَ اللَّهُ عَرْشَهُ بِجَلالٍ *** وَ نُجُومِ تُنِيرُ أَجْمَلَ نُورِ(2)

فَتَغَنَّتْ كُلُّ الدُّنَا وَ مَاسَتْ *** طَرَباً لِلْبَتُولِ أُمِّ الصَّبُورِ

أَزْهَرَتْ بِنْتُ أَحْمَدِ لِعَلِيَّ *** كُلَّ وَقْتِ مِنَ النَّهَارِ بِنُورِ

ص: 181


1- الحبور: الحسن و الزينة و المسرة و النعمة.
2- في هذه الأبيات الثلاثة إشارة إلى ما يروى في (علل الشرايع) للشيخ الصدوق الجزء الأول الطبعة الأولى ص214... (أبي رحمه الله عن... عن محمد بن جعفر الهرمزاني عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله علیه السلام: يا بن رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم لمَ سميت الزهراء علیها السلام زهراء؟ فقال: لأنها تزهر لأميرالمؤمنين علیه السلام في النهار ثلاث مرات بالنور كان يزهر نور وجهها صلاة الغداة و الناس في فرشهم فيدخل بياض ذلك النور إلى حجراتهم بالمدينة فتبيَّض حيطانهم فيعجبون من ذلك فيأتون النبي صلي الله علیه و آله و سلم فيسألونه عما رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام فيأتون منزلها علیها السلام فيرونها قاعدة في محرابها تصلي و النور يسطع من محرابها علیها السلام و من وجهها فيعلمون أن الذي رأوه كان من نور فاطمة علیها السلام. فإذا انتصف النهار و ترتبت للصلاة زهر وجهها علیها السلام بالصفرة فتدخل الصفرة حجرات الناس فتصفر ثيابهم و ألوانهم فيأتون النبي صلي الله علیه و آله و سلم فيسألونه عما رأوا فيرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام فيرونها قائمة في محرابها و قد زهر نور وجهها علیها السلام بالصفرة فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجهها. فإذا كان آخر النهار و غربت الشمس احمّر وجه فاطمة علیها السلام فأشرق وجهها علیها السلام بالحمرة فرحاً و شكراً لله «عزوجل» فكانت تدخل حمرة وجهها حجرات القوم و تحمرَحيطانهم فيعجبون من ذلك و يأتون النبي صلى الله عليه و آله و سلم و يسألونه عن ذلك فيرسلهم إلى منزل فاطمة علیها السلام فيرونها جالسة تسبّح الله و تحمده و نور وجهها يزهر بالحمرة فيعلمون أن الذي رأوا كان من نور وجه فاطمة علیها السلام فلم يزل ذلك النور في وجهها علیها السلام حتى ولد الحسين علیه السلام فهو يتقلب في وجوهنا إلى يوم القيامة في الأئمة منا أهل البيت علیهم السلام إمام بعد إمام».

وَ هْيَ إِذْ ذَاكَ بِنْتُ تِسْعَ سِنِينِ *** لَمْ يَكُنْ مِثْلُ مَهْرِهَا فِي المُهورِ

بَعْضُهُ صَارَ مِنْ نِشَارِ لِطُوبَى *** حِين أَلْقَتْ لِدرْهَا المَنْثُورِ

وَ كَذَا أَلْقَتِ الصَّحَاكَ أَمَاناً *** مِنْ عَذَابٍ وَ حَرِّ نَارِ السَّعِيرِ(1)

وَغَدَا بَعْضُهُ كَنَهْرِ فُرَاتٍ *** وَ ابْنُهَا السِّبْطُ فِي ظَمَا مَحْضُورِ

قَدْ قَضَى طَامِئاً وَ رُوحِي فِدَاهُ *** عَاطِشاً صَارَ فَوْقَ حَرِّ الهَجِيرِ

فَبَكَتْهُ الأمْلاَكُ وَ ارْتَجَّتِ الأُفُقُ *** عَلَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ بِالكَثِيرِ

وَ بَكَتَهُ كُلُّ الخَلائِقِ طُرّاً *** مُذْ قَضَى بَيْنَ خَائِنٍ وَ كَفُورِ

وَ البَتُولُ الزَّهْرَاءُ تُبْدِي عَزَاهَا *** لِبَنِيهَا عَلَى تَمَادِي العُصُورِ

هَكَذَا مَهْرُ بَضْعَةِ الطُّهْرِ طَهَ *** مَالَهَا فِيهِ غَيْرُ حَرِّ الصُّدُورِ

كُلُّ هَذَا يُدْمِي لِقَلْبِي وَ يُجْرِي *** لِدُمُوعِي لِوَقْتِ يَوْمِ النُّشُورِ

غَيْرَ أَنَّ البَتُولَ عَلْيَاءُ قُدْسٍ *** شَأْنُهَا الصَّبْرُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ

صَبَرَتْ وَ اغْمُتَدَتْ بِنُورٍ كَرِيمٍ *** فَلِذَا عُرْضَتْ بِفَضْلِ كَبِيرِ

ومما جاء في القصيدة قوله:

وَ أُعِدَّتْ بِأَنَّهَا السِّتْ طُرّاً *** لِنِسَاءِ الدُّنَا لِيَوْمِ قَرِيرِ(2)

فَرِضا فاطِمٍ رِضَاءُ إِلَهِ *** وَ كَذَا خُلْفُهَا خِلافُ الْمُجِيرِ(3)

ص: 182


1- لعله يشير إلى ما ورد في كتاب (أمالي الصدوق الطبعة الخامسة منشورات الأعلمي) ص109 و غيره من المصادر عن الحسن بن زياد العطار قلت لأبي عبدالله علیه السلام: قول رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم فاطمة علیها السلام سيدة نساء أهل الجنة سيدة نساء عالمها؟ قال: ذاك مريم و فاطمة علیهما السلام سيدة نساء أهل الجنة من الأولين و الآخرين. فقلت: يقول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: الحسن و الحسين علیهما السلام سيدا شباب أهل الجنة. قال: هما واللَّه سيدا شباب أهل الجنة من الأولين و الآخرين».
2- لعله يشير إلى ما ورد في ذخائر العقبى ص39 للطبري: «عن علي علیه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: با فاطمة علیها السلام إن الله «عزوجل» يغضب لغضبك و يرضى لرضاك.
3- روي في علل الشرايع ج1 في الباب 49 ص219 الرواية الثانية عن الصادق علیه السلام في حديث طويل في ذكر دخول أبي بكر و عمر على علیه السلام فاطمة علیها السلام في مرضها بإذن عليّ علیه السلام لعيادتها و الاعتذار منها:... فقالت أنشدكما بالله هل سمعتما النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول: فاطمة علیها السلام بضعة منّي و أنا منها من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى الله و من آذاها بعد موتي فكان آذاها في حياتي في حياتي ومن آذاها في حیاتي کان بعد موتي»... و كذلك جاء في ذخائر العقبى ما يؤيد هذا المعنى في ص38 قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: فاطمة علیها السلام بضعة منّي يريبني ما رابها و يؤذيني ما يؤذيها و قد تقدم هذا المعنى في أحاديث عدة و مصادر عديدة فراجع. و القصيدة تربو على (219) بيتاً و قد أخذنا منها ما نحن بصده.

هكَذَا قَالَ سَيْدُ الخَلْقِ فِيهَا *** فِي حَدِيثٍ مِنْهُ بِقَوْلٍ مُنِيرِ

فِي أَذَاهَا إِيذَاءُ رَبِّ كَرِيمٍ *** وَ لِذَا جُنُبَتْ مِنَ التَّزْوِيرِ(1)

ص: 183


1- المراثي الاسلامية في رثاء العترة النبوية ص157.

(46) روح الحياة

(بحر البسيط)

الأستاذ عبود أحمد النجفي

حَوْرَاءُ يَعْجَرُ عن أَوْصَافِها البَشَرُ *** عِطرُ الجِنانِ عَلَى الآفاقِ يَنْتَشِرُ(1)

نُورٌ مِنَ الله فَوْقَ الأَرضِ يَنْغَمِرُ *** شَعَتْ فلاالشَّمْسُ تَحْكِيها وَ لاالقَمَرُ

«زهراءُ» من نورها الأكوان تزدهرُ

إِنْسِيةٌ مثلُ ضَوءِ الشَّمْسِ سَاطِعَةٌ *** رَضِيعَةٌ من لبانِ الطُهْرِ رَاضِعَةُ(2)

أمُّ الحُسَينِ غداً في الحَشْرِ شَافِعَةٌ *** بِنْتُ الخُلُودِ بها الأجيالُ خَاشِعَةُ

أمُّ الزّمانِ إِليها تَنْتَمِي العُصُرُ

صِدِّيقةٌ قَلبٌ خَيْر الخَلْقِ تَمْتَلِكُ *** وَ بَضْعَةٌ في صِفاتِ الطُهْرِ تَشْتَرِكُ(3)

كَفِضَةٍ في ثَنَايا التبرِ تَنْسَبكُ *** سَمَت عن الأُفقِ لاروحٌ و لامَلَكُ

وَفَاقَتِ الأَرْضَ لاجنَّ و لابشرُ

رُوحُ الحَياةِ بَلِ الدُّنيا وَ زِينَتُها *** وَ مَشْرِقُ النُّورِ و الأضْوَاءُ طَلْعَتُها

و هَيكلُ القُدسِ و َالإِيمَانِ عِفَّتُها *** مَجْبُولةٌ مِنْ جَلالِ الله طِينَتُها

يرِفُّ لُطفاً عليها الصَّوْنُ و الخَفرُ

ص: 184


1- انظر كتاب أمالي الصدوق ص99-100، ط5، مؤسسة الأعلمي في قول الرسول صلي الله علیه و آله و سلم: «و أما ابنتي فاطمة علیها السلام... إلى أن يقول: و هي الحوراء الانسية...»، و انظر بحار الأنوار.
2- اللبان الرضاع، يقال: هو أخوه بلبان أمه، و لايقال بلبن أمه.
3- انظر مسند أحمد ج4 ص5 عن النبي صلي الله علیه و آله و سلم «فاطمة علیها السلام بضعة مني يؤذيني ما آذاها ما أنصبها».

أُنشودةٌ الحَقِّ و التَّاريخِ يَكْتُبُها *** وَ دُرَّةٌ في إطارِ اللَّوْحِ رَكَّبَها

رَبُّ السَّمَاءِ لِجَنْبِ العَرْشِ قَرَّبها *** خِصَالُها الغُرُّ جَلَّتْ أَنَّ تَلوكَ بِها

منَا المَقَاوِلُ أَوْ تَدْنُو لَها الفِكَّرُ(1)

بتولةٌ عن صِفاتٍ الشَّينِ قَدْ عُزِلَتْ *** كَزَهْرَةِ الخُلدِ في الأغْصَانِ مَا ذَبَلتْ(2)

و آيةُ اللَّه مِنْ قُدراتِهِ احْتَزَلَتْ *** مَعْنَى النبوةِ سرُّ الوحيِ قَدْ نَزَلَتْ

في بَيْتِ عِصمَتِها الآياتُ و السُوَرُ

في عالم الذرِّ قَبْلَ الخلقِ أَبْدَعَها *** فِي صُلب آدَمَ عِنْدَ الخَلْقِ أَوْدَعَها

أُمُّ الأئمةِ باري الكَوْنِ يَرْفَعُها *** حَوَتْ خِلالَ رَسُولِ اللَّه أَجْمَعَها

لولا الرسالةِ سَاوَى أصْلُه الثَمَرُ

أُمّ النّبي وَ مَنْ كَانَتْ له سَنَداً *** وَ ذِكْرُها سَوْفَ يَبْقَى خَالِداً أَبَداً

ويلٌ لأعدائِها ممّا جَنَوهُ غدا *** قُل للذي رَاحَ يُحْفِي فَضْلَهَا حَسَدا

وَجْهُ الحَقِيقَةِ عَنَّا كَيْفَ يَسْتَتِرُ؟!

بُشرى السَّماءِ بها الأملاكُ نازِلةٌ *** وَ عَن لِسانِ إلَهِ الحَقِّ قَائِلةٌ

أُمّ الإمامينِ بِنْتُ المَجْدِ خَالِدةُ *** في عيد ميلادِها الأملاكُ حَافِلَةُ

و الحُورُ في الجَنَّةِ العُليا لَها السُّمَرُ(3)

ص: 185


1- المقاول: مفردها: المقول، و هو اللسان.
2- في شأن تسميتها بالبتول: انظر المناقب لابن شهر آشوب، ط. قم، ج3، ص33، و إحقاق الحق للتستري، ج10 ص25.
3- السُّمَر أو السُّمَّر: الجلساء في الليل أو أصحاب السُّمر، و السِّمر: الحديث في الليل.

(47) فقه فاطمة علیها السلام

(بحر الكامل)

الدكتور عصام عباس(*)(1)

مِنْ فقهِ فاطمةٍ قَطَفْتُ زُهُوراً *** أضفَتْ لِشِعري نفحةً و عطورا

فَهي الأطايبُ إن ذَكَرتُ صِفَاتِها *** وَ هِي التي قَد طُهُرَتْ تطهِيرا

وَ هِيَ المُحدثةُ العِليمةُ دائِماً *** ترِوي الحديثَ مُنَفَّحاً مَسطورا

و هي الثنيةُ و النقيُّ حَديثُها *** قُمْ وَارتوِ مِن کَأسِها كَافُورا

كأسٌ أُعِدَّتْ لِلبَرِيَّةٍ شُربُها *** هِيَ زَنجَبيلٌ قُدْرَتْ تَقدِيرا

بَل جَنةٌ قَدْخُلْدَتْ ولدانُها *** وُصِفوا بقولٍ لُؤلؤاً مَنْثُورا

هذا جزاءُ السائرينَ بِنهجِها *** سعياً وَ سَعِيٌ قَد غَدًا مَشْكُورا

بِرِضَائِها يَرضَى الإلهُ مَوَدَّةً *** وَ بِخَصمِها لاقى اللَّدودُ ثُبورا(2)

مَن يُعْضِبِ الزَّهراءَ يُعْضِبْ رَبَّهُ *** يَشقَى و يلقى في العذابِ سَعيرا

ص: 186


1- (*) هو الدكتور عصام عباس ولد في مدينة الشامية جنوب النجف الأشرف في منطقة الفرات الأوسط بالعراق في 1953/11/17م بعد نيله درجة الدكتوراه في العراق و من ثم هاجر إلى سورية عام 1975 م و جاور عقيلة الهاشميين السيدة زينب علیها السلام في دمشق و هو يعمل حالياً طبيباً في عيادته مقابل مقام السيدة زينب علیها السلام و كتاباته و اهتماماته اختصت في شخصية السيدة العظيمة زينب علیها السلام و منها: 1- النفحات الوراثية في العقيلة الهاشمية. 2- النفحة المحمدية يصدر بمناسبة المهرجان الولائي الذي يقيمه الدكتور بمناسبة مولد السيدة زينب علیها السلام. 3- لوامع الفصول في سيرة حفيدة الرسول صلي الله علیه و آله و سلم.
2- ثبورا: الثبور، الهلاك و الخسران.

عُدْ للكساءِ مُدَقِّقَاً بِحَديثِهِ *** تَروي المساندُ نَصَّهُ المشهُورا

قولُ الإله بِها دَليلٌ واضِحٌ *** وصفَ الزَّكِيَّةَ قِمَّةً وَ ظَهُورا

فَلَما خَلَقْتُ سَمَاءَها أو أَرضَها *** لافُلكُها تَسري و جُبْنَ بُحورا(1)

إلا لِحُبِّ مُحَمَّدٍ وَ وَصِيَّهِ *** وَ الطُّهرِ وَ ابنَيها خَلَقْتُ دُهورا

سِرْ في مَحَبَّتِهِم فَذاكَ وِقَايَةٌ *** تلقى بذلكَ نَضرةً و سُرورا

إن المحبَّةَ ليسَ في أقوالنا *** بَل أن نسيرَ بنهجِهِم تَطويرا

وَ بِيَومِ مَولدِ زَهرة الطّيبِ الَّتي *** فَاحَتْ بِها الدُّنيا شَذى و عُطُورا

أحلَى التّهاني للعقيلةِ قَدَّمَتْ *** هَذِي الخلائِقُ وَردةٌ وَ زُهورا

فاتَتْ مُهَنَّقَةٌ بقيض شُعُورِها *** لكِ يا سُكينةُ بهجةً و حُبورا

في أرضِ دَاريَّا أضاءَتْ شُعلَةً *** قَبَساً منَ الآلِ الكِرامِ و نُورا(2)

لَكُمُ التَّهاني أهلَ داريَّا بِها *** وَجَدَتْ بِلادُكُمُ غِنّى وَ سُرورا

فهي ابنة الأطيابِ طه المصطفَى *** وَ عَلِيَّ مَن مَلأ الدِّيارَ عَبيرا

ص: 187


1- جُبن بحورا: يجوب البحر، يخوض فيه.
2- داريا: ضاحية من ضواحي الشام.

(48) غاب النبي الهاشمي

(بحر البسيط)

الشيخ ملا علي آل رمضان(*)(1)

دَاجِي الضَّلالِ سَجَى بِالجَوْرِ وَ اعْتَكَرًا *** وَ لِلْوَرَى أَصْبَحَتْ أَرْبَابُهُ أَمَرَا

وَ حَرَّفُوا سُنَنَ الإِسْلامِ وَ اجْتَهَدُوا *** أَنْ لاَيُبَقُوا لَهُ عَيْناً وَ لاَ أَثَرا

فَمَا بَقِي مِنْهُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ سِوَى *** رَسْمِ بِأَسْفَارِهِمْ يَتْلُونَهُ خَبَرا

مُعَوِّلِينَ عَلَى تَأْسِيسِ مَنْ كَتَبُوا *** يَوْمَ السَّقِيفَةِ نَقضاً لِلْهُدَى سَفَرَا

مِنْ بَعْدِمَا نَقَضُوا عَهْدَ النَّبِيِّ وَ لَمْ *** يَرْضَوْا بِمَا نُصَّ فِي الهَادِي وَمَا ذُكِرا

إِذْ قَامَ يَصْدَعُ فِي خُمَّ وَ فِي يَدِهِ *** يَدُ الوَصِيِّ عَلِيٌّ يُسْمِعُ البَشَرَا:

هَذَا عَلِيٌّ لَكُمْ بَعْدِي إِمَامُ هُدًى *** مُهَيْمِنٌ وَ وَلِيٌّ كَانَ مُشْتَهِرَا

فَإِنَّهُ حُجَّةُ البَارِي العَلِيِّ عَلَى *** مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ السَّبْعِ المِهَادِ ذَرَى(2)

مِنْ رُشْدِهِ اقْتَبِسُوا أَحْكَامَ دِينِكُمُ *** فَهُوَ الإِمَامُ الَّذِي فِيهِ الهُدَى انْحَصَرَا

مَنْ مِنْكُمُ حَادَ عَنْهُ بَعْدَ مُنْصَرَفِي *** مِنْ بَيْنِكُمْ؟ سَوْفَ يَصْلَى فِي غَدٍ سَقَرَا

عَلَيْكُمُ جَعَلَ البَارِي وِلايَتَهُ *** فَرْضاً، فَمَنْ لَمْ يُؤدِّ الفَرْضَ قَدْ كَفَرَا

***

فَحِينَ غَابَ النَّبِيُّ الهَاشِمِيُّ طَغَى *** بَحْرُ الضّلالِ عَلَى أَهْلِ العَبَا وَ جَرَى

وَ أَصْبَحَتْ بَعْدَمَا غَابَ الخِلافَةُ فِي *** أَيْدِي المُضِلَّينَ بَيْعاً عِنْدَهُمْ وَ شِرا

مِنْ مَعْشَرٍ نَقَضُوا الإِسْلامَ وَ ارْتَكَبُوا *** مِنْ ظُلم آلِ عَلِي مَرْكَباً وَعِرا

ص: 188


1- (*) مرّت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- داجي: ظلام. سجى: سكن .دام الجور: الظلم. اعتكر: اشتد سواده.

وَ أَحْرَقَ ابْنُ فُلاَنٍ بَابَ فَاطِمَةٍ *** وَ ظَهْرُهَا خَلْفَ ذَاكَ البَابِ قَدْ عُصِرَا(1)

وَ خَالِدٌ رَأْسُهَا بِالسَّوْطِ قَنَّعَهُ *** حَتَّى عَلَى الْأَرْضِ قُرْطَاهَا قَدِ انْتَثَرَا

وَ حَمْلُهَا حِينَ وَافَى السَّوْطُ أَضْلُعَهَا *** مِنْ بَطْنِهَا خَرَّ سِقْطاً وَ الوَصِيُّ يَرَى

وَ اسْتَخْرَجُوا المُرْتَضَى الكَرَّارَ مُصْطَبِراً *** عَلَى الهَوَانِ فَلَوْلاَ العَهْدُ مَا صَبَرَا

يُقَادُ مِنْ مَنْزِلِ الزَّهْرَا وَ كَانَ عَلَى *** اسْتِنْصَالِ أنْفُسِهِمْ بِاللهِ مُقْتَدِرَا

وَ بِالقَطِيع يَرَى الزَّهْرَا مُقَنَّعَةً *** وَ ضِلْعُهَا كَانَ بَعْدَ الضَّغْطِ مُنْكَسِرَا

بِاللَّهِ أُقْسِمُ لَوْلا الحِلْمُ كَفْكَفَهُ *** عَلَى الثَّرَى لَمْ يُغَادِرُ مِنْهُمُ أَثَرَا(2)

فَكَانَ مِنْ حِلْمِهِ عَنْهُمْ بِهِ طَمِعُوا *** فَاسْتَهْضَمُوهُ وَ قَاسَى مِنْهُمُ الضَّرَرَا

وَ جَرَّعُوا بَعْدَهُ أَبْنَاءَهُ غُصَصاً *** مِنَ المَنَايَا فَكَانُوا لِلْوَرَى عِبَرَا(3)(4)

ص: 189


1- المهاد: الأرضين:ذرى: استتر.
2- يشير الشاعر في هذا البيت و الأبيات التي تليه إلى ما جرى في خبر باب فاطمة علیها السلام و عصرها خلف الباب انظر كتاب سليم بن قيس الهلالي ص36 و40 و208 و الاحتجاج ج1 ص109 و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص37.
3- كفكفه: صرفه و منعه.
4- القصيدة (54 بيتاً) نقلت من ديوان ملا علي آل رمضان ص66.

(49) يا محيي النفوس

(بحر الكامل)

الشيخ ملا علي آل رمضان(*)(1)

دُنْيَاكَ حَشْرُ مَزَادِهَا أَكْدَارُ *** وَ بِهَا كُرُّوسُ الحَادِثَاتِ تُدَارُ

كُلُّ امْرِىءٍ لا بُدَّ مَا بِزَمَانِهِ *** مِنْ شَرِّهَا يُحْشِي عَلَيْهِ شِرَارُ(2)

كمْ أُمَّةٍ فِيهَا فَنَتْ وَ دِيَارُهُمْ *** أَضْحَتْ رُسُومَاً لَيْسَ فِيهَا دَارُ؟

أيْنَ القُرُونُ المَاضِيَاتُ وَ مَنْ لَهُمْ *** قَدْ دَانَتِ الأَقْطَارُ وَ الأَمْصَارُ؟

أَيْنَ الفَسَاوِرَةُ المُلُوكُ فَهَلْ تَرَى *** بِدِيَارِهِمْ مِنْهُمْ بَقِي دَیَّارُ؟(3)

رَحَلُوا عَنِ الأَوْطَانِ وَ انْتَقَلُوا إِلَى *** حُفْرٍ عَلَيْهِمْ طُبقَتْ أَحْجَارُ

أَكَلَ التَّرَابُ لُحُومَهُمْ وَ تَقَطَّعَتْ *** وَ هُمُ رَمِيمٌ - مِنْهُمُ الأَخْبَارُ(4)

فَلَسَوْتَ نَلْقَى مَا رَأَوْهُ مِنَ الفَنَا *** مَهُمَا بِنَا قَدْ طَالَتِ الْأَعْمَارُ

وَ غَداً تَرَى كُلَّ امْرِىءٍ بِمِعَادِهِ *** مَأْوَاهُ إِمَّا جَنَّةٌ أَوْ نَارُ

يَوْماً بِهِ تُطْوَى السَّمَاءُ وَ تَنْمَحِي *** فِيهِ النُّجُومُ وَ تُطْمَسُ الأَقْمَارُ

وَ بِهِ تَقُومُ النَّاسُ مِنْ أَجْدَائِهَا *** وَ هُمُ عُرَاةٌ مَا لَهُمْ أَسْتَارُ

فَإِذَا جَهَنَّمُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُهَا *** قَامَ النَّبِيُّ المُصْطَفَى المُخْتَارُ

ص: 190


1- (*)مرت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- يُحثي: يصب.
3- القساورة: الأسود.
4- رميم: بالٍ.

يَدْعُو وَ أَفْئِدَةُ العِبَادِ خَوَافِقٌ *** كُلُّ عَرَتْهُ ذِلَّةٌ وَ صِغَارُ

إلى أن قال:

وَ تَقُومُ فَاطِمَةٌ وَ تَصْرُخُ صَرْخَةً *** وَ دُمُوعُهَا فَوْقَ الخُدُودِ نِثَارُ

وَ تَقُولُ: يَا مُحْيِي النُّفُوسِ وَ مُحْصِيَ *** الأَنْفَاسِ أَنْتَ الخَالِقُ الجَبَّارُ(1)

فَأَنَا الَّتِي بِسِيَاطِهِمْ قَدْ قَنَّعُوا *** رَأْسِي وَ شُبَّتْ فَوْقَ بَابِيَ النّارُ(2)

وَ اسْتَخْرَجُوا الهَادِي الوَصِيَّ مُلَبَّباً *** فَلَحِقْتُهُمْ لَمَّا بِهِ قَدْ سَارُوا

ص: 191


1- يشير الشاعر في هذين البيتين إلى وقوف الزهراء علیها السلام يوم القيامة و تشكو إلى الله سبحانه ممن ظلمها. ففي كتاب أمالي الصدوق ص25 قال ضمن حديث طويل عن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إذا كان يوم القيامة تقبل ابنتي فاطمة علیها السلام على ناقة من نوق الجنة... و جبرائيل أخذ بخطام الناقة ينادي بأعلى صوته غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة علیها السلام بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم، فلايبقى يومئذ نبي و لارسول و لاصديق و لاشهيد إلاّ غضوا أبصارهم حتى تجوز فاطمة علیها السلام فتسير حتى تحاذي عرش ربها جل جلاله، فتزج بنفسها عن ناقتها و تقول: الهي وسيدي احكم بيني و بين من ظلمني، اللهم احكم بيني وبين من قتل ولدي. فإذا النداء من قبل الله «عزوجل»: يا حبيبتي و ابنة حبيبي سليني تعطي و اشفعي تشفعي فوعزتي و جلالي لاجازاني ظلم ظالم. فتقول: الهي و سيدي ذريتي و شيعتي و شيعة ذريتي و محبّي محبّي ذريتي فإذا النداء من قبل الله «عزوجل» ذرية فاطمة علیها السلام و شيعتها و محبوها و محبو ذريتها فيقبلون و قد أحاط بهم ملائكة الرحمة فتتقدمهم فاطمة علیها السلام حتى تدخلهم الجنة.
2- انظر كتاب الاحتجاج ج1 ص109 و كتاب سليم بن قيس الهلالي ص36 و ص208 و كتاب مؤتمر علماء بغداد ص37.

أَدْعُوهُمُ وَ أَنَا أُكَفْكِفُ أَدْمُعِي *** بِيَدِي وَ لاَوَجْهِي عَلَيْهِ خِمَارُ(1)(2)

خَلُوا عَلِيَّ المُرْتَضَى الهَادِي فَذَا *** قُطْبٌ عَلَيْهِ رَحَى الوُجُودِ تُدَارُ(3)

فَرَجَعْتُ كَاظِمَةٌ وَ لَمْ يُصْغَ إِلَى *** قَوْلِي وَ عَنِّي صَدَّتِ الأَنْصَارُ

فَهُنَاكَ تُلْقَى فِي لَظِّى مَصْفُودَةٍ *** بِسَلاسِلِ أَعْدَاؤُهَا الفُجَارُ

وَ إِلَى الجِنَانِ تُزَفُّ شِيعَتُهَا وَ هُمْ *** بِيضُ الوُجُوهِ كَأَنَّهُمْ أَقْمَارُ

يَتَنَعَّمُونَ بِهَا عَلَى فُرُشِ الهَنَا *** بِاليُمْنِ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ

شَتّانَ مَنْ هُوَ فِي الجِنَانِ وَ مَمَنْ لَهُ *** يَوْمَ القِيَامَةِ فِي جَهَنَّمَ دَارُ

فَإِذَا اسْتَغَاثَ مِنَ العَذَابِ تَغَلَّظَتْ *** وَ تَسَعَّرَتْ غَیْظاً عَلَيْهِ النَّارُ

ثُمَّ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ *** مَا جَنَّ لَيْل وَ اسْتَنَارَ نَهَارُ(4)

ص: 192


1- أكفكف: أمسح مرَّة بعد مرَّة. خمار: ما تستر به المرأة وجهها. و في هذه الأبيات الثلاثة إشارة إلى خروج الزهراء علیها السلام خلف الإمام علیه السلام حين أخرجوه ملبياً إلى البيعة . ففي كتاب البحار ج28 ص227 ضمن رواية طويلة قال: قال عمر: قوموا بنا إليه فقام أبوبكر و عمر و عثمان و خالد بن الوليد و المغيرة بن شعبة و أبو عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و قنفذ و قمت معهم. فلما انتهينا إلى الباب فرأتهم فاطمة «صلوات الله عليها» أغلقت الباب في وجوههم و هي لاتشك أن لايدخل عليها إلا بإذنها، فضرب عمر الباب برجله فكسره و كان من سعف، ثم دخلوا فأخرجوا علياً مليباً فخرجت فاطمة علیها السلام الا فقالت يا أبابكر أتريد أن ترملني من زوجي؟ والله لئن لم تكفَّ عنه لأنشرنَّ شعري و لأشقنَّ جيبي، و لآتين قبر أبي، و لأصيحنَّ إلى ربي ، فأخذت بيد الحسن و الحسين علیهما السلام و خرجت تريد قبر النبي صلي الله علیه و آله و سلم و ذكرها العياشي في تفسيره ج2 ص67.
2- و في هذا البيت يشير الشاعر إلى ما ورد في خطبة الزهراء علیها السلام، من حث الأنصار على نصرتها و عدم استجابتهم لذلك . ففي كتاب الاحتجاج ج1 ص139 حيث جاء في خطبتها علیها السلام «يا معشر النقيبة و أعضاد الملة و حضنة الاسلام ما هذه الغمزة في حقي و السنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أبي يقول: «المرء يحفظ في ولده سرعان ما أحدثتم و عجلان ذا اهالة و لكم طاقة بما أحاول و قوة على ما أطلب وأزاول أتقولون مات محمد صلى الله عليه و آله و سلم فخطب جليل... إلى أن تقول «أيهاً بني قيلة أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى مني و مسمع و منتدى و مجمع تلبسكم الدعوة، و تشملكم الخبرة و أنتم ذوو العدد و العدة و الأداة و القوة و عندكم السلاح و الجنّة توافيكم الدعوة فلاتجيبون و تأتيكم الصرخة فلاتغيثون و أنتم موصوفون بالكفاح و معروفون بالخير و الصلاح و النخبة التي انتخبت و الخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت علیهم السلام...» الخ الخطبة.
3- إشارة إلى ما روي من أن الزهراء علیها السلام تشفع لشيعتها يوم القيامة. و انظر كتاب فوائد الكراكجي ج2 ص150 و كتاب دلائل الإمامة ص57 و كتاب أمالي الصدوق ص25 و البحار ج43 ص219.
4- ديوان ملا علي آل رمضان ص181.

(50) معدن القدس

(بحر البسيط)

الشيخ ملا علي آل رمضان (*)(1)

مِنْ مَعْدِنِ القُدْسِ قَدْ فَازَتْ بِتَطْهِيرِ *** نَوْرَاءُ يَجْلُو سَنَاهَا كُلَّ دَيْجُورٍ(2)

مِنْ ذُرْوَةِ المَجْدِ مِنْ عُلْيَا قُرَيْشٍ وَ مِنْ *** فِهْرٍ أُولي الشَّرَفِ السَّامِي الجَمَاهِيرِ

مِنْ هَاشِمِ الغُرْ فِي بَحْبُوحٍ بَجْدَتِهَا *** مِنْ غَالِبِ الغُلْبِ وَ الأسْدِ المَغَاوِير(3)

مِنْ بَيْتِ طَهَ رَسُولِ اللَّهِ أَشْرَفِ خَلْقِ *** اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَ مَقْدُورِ

هذِي البَتُولُ ابْنَةُ الهَادِي الرَّسُولِ بَدَتْ *** حَوْرَاء إِنْسِيَّةً صِيغَتْ مِنَ النُّورِ(4)

لَهَا غَدَتْ جُمْلَةُ الأَمْلاكِ فِي المَلأِ *** الأَعْلَى تَضِجُّ بِتَهْلِيلٍ وَ تَكْبِيرِ

تَنَزَّلُوا مِنْ سَمَا الدُّنْيَا لأَحْمَدَ كَي *** يُهَنِّثُوهُ بِتَقْدِيرٍ وَ تَبْشِيرِ

بُشْرَاكَ أَحْمَدُ بِالزَّهْرَاءِ فَاطِمَةٍ *** أُمِّ المَيَامِينِ مَنْ فَازَتْ بِتَطْهِيرِ

شَفِيعَةُ المَحْشَرِ المَرْهُوبِ مَوْقِفُهُ *** مُطَاعَةٌ بَيْنَ مَنْهىٍّ وَ مَأْمُورِ(5)

ص: 193


1- (*) مرت ترجمة الشاعر في الجزء الأول.
2- يجلو: يكشف أو يعلو. سناها: ضوؤها. ديجور: ظلام.
3- الغرَ: الكرام الأفعال، السادة الشرفاء. بحبوح: وسط. بجدتها: باطنها و حقيقتها. المغاوير: الكثيرو الغارات كناية عن شجاعتهم.
4- إشارة إلى ما روي في كتاب تاريخ بغداد ج12 ص331 قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ابنتي فاطمة علیها السلام حوراء آدمية لم تحض و لم تطمث.
5- إشارة إلى ما روي في كتاب ينابيع المودة ج1 ص310 عن علي علیه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل القيامة غضوا أبصاركم لتجوز: فاطمة علیها السلام بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم مع قميص مخضوب بدم الحسين علیه السلام فتحتوي على ساق العرش فتقول: أنت الجبار العدل اقض بيني و بين من قتل ولدي فيقضي الله لبنتي و رب الكعبة ثم تقول: اللهم شفّعني فيمن بكى على مصيبته فيشفّعها الله فيهم.

مَعْصُومَةُ القَوْلِ لاَكِذْبٌ وَ لاَخَطَأُ *** قَوَّالَةُ الفَصْلِ مَا بَيْنَ الجَمَاهِيرِ

إِذَا حَكَتْ أَشْبَهَتْ طهَ بِمَقُولِهَا *** وَ فِي الخَلَائِقِ تَحْكِيهِ بِتَصْويرِ

فَاقَتْ عَلَى مَرْيَم فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ *** فِي الفَضْلِ فِي الزُّهْدِ فِي الإِيثَارِ فِي النُّورِ(1)

وَ فِي الطَّهَارَةِ وَ التَّقْدِيسِ عَالِمَةٌ *** بِكُلِّ أَمْرٍ جَرَى فِي اللَّوْحِ مَسْطُورِ

بِأَحْمَدَ سَيْدِ الكَوْنَيْنِ وَالِدِهَا *** قَدْ حَازَتِ الْفَحْرَ فِي كُلِّ الأَعَاصِيرِ(2)

ص: 194


1- لعله مما يشير إلى بعض مضمونه ما ورد في تفسير فرات الكوفي، ج1 ص83 في تفسير قوله تعالى: «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ» [آل عمران الآية 37]. عن أبي سعيد الخدري قال: أصبح علي بن أبي طالب علیه السلام ذات يوم قال: يا فاطمة علیها السلام عندك شيء تغذينيه؟ قالت: لا والذي أكرم أبي بالنبَّوة و أكرمك بالوصية ما أصبح الغداة عندي شيء تغتذيه. فخرج علي علیه السلام من عند فاطمة علیها السلام واثقاً بالله بحسن الظن، فاستقرض ديناراً فبينما الدينار بيده يريد أن يبتاع لعياله ما يصلحهم فلقيه المقداد بن الاسود فقال للمقداد: ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: الجوع فانهملت عينا علي علیه السلام بالبكاء و قال له: قد استقرضت ديناراً فهاكه فقد آثرتك على نفسي، فرجع علي فوجد رسول الله صلي الله علیه و آله و سلم جالساً و فاطمة علیها السلام تصلّي و بينهما شيء مغطى فلما فرغت احضرت ذلك الشيء فاذا حفنة من خبز و لحم قال: یا فاطمة علیها السلام انى لك هذا؟ قالت: هو من عندالله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب... ثم استعبر النبي صلي الله علیه و آله و سلم باكياً ثم قال: الحمد لله الذي هو ابى لكم ان تخرجا من الدنيا حتى يجزيكما هذا يا علي في المنازل الذي جزى فيها زكريا علیه السلام و يجزيك يا فاطمة علیها السلام في الذي أجزيت فيه مريم بنت عمران.
2- الازهار الأرجية في الآثار الفرجية ج11 ص225.

(51) العصمة الكبرى

(بحر الطويل)

الشيخ علي بن حسن الجشي

بِمَوْلِدِ بِنْتِ المُصْطَفَى لَكُمُ البُشْرَى *** فَذِي نِعَمُ البَارِي عَلَيْكُمْ بِهَا تَتْرَى(1)

فَحَقُّ لَكُمْ أَنْ تَعْقِدُوا نَادِيَ الهَنَا *** بِذِكْرِ أَيَّادِيهَا وَ أَوْصَافِهَا الغَرَّا

وَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الخَلْقُ إِحْصَاءَ فَضْلِهَا *** كَمَا لَمْ يُحِيطُوا بِالَّذِي قَدْ حَوَتْ خُبْرَا(2)

وَ هَيْهَاتَ أَنْ يُحْصُوا أَبَادِي كَرِيمَةٍ *** لِخَلْقٍ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ غَدْتَ سِرَا

فَمَا فِي نِسَاءِ العَالَمِينَ مُمَاثِلٌ *** إِلَيْهَا وَ لاَشَبَهُ وَ لامَرْيَمُ العَذْرَا

وَ هَلْ فِي نِسَاءِ العَالَمِينَ نَظِيرُهَا *** فَمَنْ ذَا تَرَى مِنْهُنَّ إِنْسِيَّةٌ حَوْرَا(3)