شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور المجلد 2

هوية الکتاب

شِفاء الصُّدور

في شَرحِ زيارَةِ العَاشُور

تأليف

العلّامة الحاج ميرزا أبي الفضل الطهراني

(1273- 1316 ه - ق)

ترجمة و تحقيق محمد شعاع فاخر

الجزء الثاني

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

ردمك الجزء الأول : 5 - 000 - 503 - 964

ISBN : 964 - 503 - 000 - 5

ردمك الدوره : 1 - 002 - 503 - 964

ISBN: 964 - 503 - 002 - 1

الكتاب : شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور / ج 1

المؤلف : العلّامة الحاج ميرزا أبي الفضل الطهراني

الناشر : انتشارات المكتبة الحيدرية

عدد الصفحات والقطع : 448 صفحة وزيري

عدد المطبوع : 1500 جلد من الجزء الأول

الطبعة : الأولى

سنة الطبع : 1383 - 1426ه

المطبعة : شريعت

سعر الدورة الواحدة (1 / 2): 6000 تومان

ص: 2

أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكَ

أَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِكَ(1) مَعَ إِمَامٍ مَنْصُورٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ

الشرح الرزق بفتح الراء (2)إطعام العباد أقواتها، والرزق بالكسر هو الاسم نفسه.

الإمام : . معناه القائد وأصل اشتقاقه من أمّ بمعنى قصد ، وجميع تصاريف هذه المادة من قبيل أم وأمه وأمام بالفتح وأمم بمعنى الطريق المستقيم ترجع كلّها إلى هذا المعنى إما بواسطة أو بغير واسطة .

والمراد بالإمام في هذه العبارة خاتم الأولياء وبقية الأوصياء وحافظ دين الله وخلف أئمة الهدى ، غوث الزمان وقطب دائرة الأرض والسماء إمام العصر عجل الله تعالى فرجه، واختصاصه بلقب «المنصور» من جهة أنّه ولي الثأر وطلب دم سيّدالشهداء في عهدة سيفه المالك للعالم، كما أشير إلى هذا المعنى في الأخبار الكثيرة :

منها : هذا الخبر المروي في كامل الزيارة عن الصادق علیه السلام في تفسير الآية الكريمة : «وَمَن قُتِلَ مُظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً»(3) قال : ذلك قائم آل محمد، يخرج فيقتل بدم الحسين علیه السلام ، فلو قتل

ص: 3


1- طلب ثأر الحسين له من العظمة ما لا يعلمها إلا الله ، ولا يقدر على بيانها سواء أو إيضاح فضلها وثوابها ؛ لأنّ عظمة دم كل شخص وأهمية الطلب به مرتبطة بقدر صاحبه الكبير ، وكما أن المرء ليس بمستطاعه معرفة مقام الإمام الحسين ومنزلته على نحو الكمال ، كذلك لا يستطيع درك الطلب بدمه وأهميته . ولكي نعرف في حدود أبعادنا واستطاعتنا درك تلكم العظمة نطلب من الله في هذه الزيارة أن يجعلنا من الطالبين بثأره ، وأن يقسم لنا هذه السعادة. (هامش الأصل)
2- قال في لسان العرب : فالرزق - بفتح الراء - هو المصدر الحقيقي ، والرزق الاسم ويجوز أن يوضع موضع المصدر [السان العرب مادة رزق]. (المترجم)
3- الإسراء : 33 .

أهل الأرض لم يكن مسرفاً. وقوله «فلا يسرف في القتل» لم يكن ليصنع شيئاً يكون سرفاً.

ثمّ قال أبو عبدالله علیه السلام : يقتل والله ذراري قتلة الحسين بفعل آبائها(1).

وفي هذه الأخبار إشعار بأن لقب «المنصور» للإمام القائم هو من الله وضعه عليه ، لاستعماله في القرآن ، والمراد منه نفس صاحب الأمر .

ومن الطرائف أنّ من ألقابه أيضاً «الناصر لدين الله وفي هذه المناسبة قلت من قصيدة لي:

أعدّه الله في خزائنه***للنصر فهو المنصور والناصر

يأخذ ثار الآباء منه فلا***موتور إلا غداً له ناصر

ومن ملاحظه هذين البيتين يمكن الوصول إلى حلّ مشكل عويص ويمكن تصويره بقوله تعالى الحمد الله ، فقد أجازه جماعة في كلمة «الحمد الله» أن تكون الحامدية والمحمودية مختصة بالله، بمعنى أن يكون هو الحامد وهو وهو المحمود ، ولكن العلماء أوردوا على هذا التفسير أن الكلمة الواحد لا يمكن أن تؤدي معنيين في آنٍ ، أحدهما معلوم والآخر مجهول.

وجوابه أن طبيعة الحمد مختصة بالله تعالى سواءاً صدر الحمد منه ليكون حامداً أو من العبد ليكون «محموداً» كما أشرنا نحن في البيت الأول وقلنا: إن الله سبحانه أعدّ للنصرة فبنصر الله له يكون منصوراً، وبنصره للمظلومين يكون ناصراً .

وهاهنا سؤال وقد أبانته الأخبار وكشفت عن وجه الحقِّ فيه وهو أنّ طلب دم

ص: 4


1- كامل الزيارات : 135 (المترجم) كامل الزيارات : 63 باب 18 رقم 5 ، بحار الأنوار 45: 298 ط لبنان . (هامش الأصل)

الحسين من القاتل أمر لا مرية فيه ولكن ما ذنب ذرّيّته حتى يقتلوا بذنب ما جنته أيديهم مع أنّ القرآن جاء بخلافه، حيث يقول سبحانه: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى»(1).

والجواب عن ذلك أنّ العقل الصريح والنقل الصحيح يحكم بأن الرضا بعمل قوم يُعدّ مشاركة من الراضي في ذلك العمل، ولما كانت ذراري القتلة راضين بعمل آبائهم متباهين بتلك الشنايع والفضائع التي ارتكبها آبائهم ويقولون: نحن وآبائنا قتلنا كما سمعت بعضاً من هذا الشعر (2)فيما سبق وبذلك استحقوا، وورد هذا الجواب في بعض الأخبار من قبيل «عيون أخبار الرضا علیه السلام» فقد ورد فيه جواب مثل هذا على التفصيل، وفي المجلد العاشر من بحار الأنوار (3)، فمن أراد مزيد الاطلاع فليرجع إلى هذين الكتابين.

ومن الممكن بل عليه شاهد من بعض الأخبار أنه في وقت الظهور الموفور السرور للإمام الغايب يسر الله بفرجه الرغايب، يحيي الله القتلة الأموات ويقتص منهم لذلك الدم الطاهر الذي أراقوه كما يفعل بالشيطانين ، وبناءاً على هذا لا يبقى للإشكال وجه .(4)

ص: 5


1- الأنعام : 164 .
2- في شرح الجملة «لعن الله بني أمية قاطبة».
3- عيون أخبار الرضا 1: 273 ، علل الشرايع 1 : 219، بحار الأنوار 45: 294 . (هامش الأصل)
4- جاء في أحوال ولي الأمر لال لالها عن الرجعة أن المفضل بن عمر قال للإمام الصادق : يا سيدي ، ثمّ يسير المهدي إلى أين ؟ قال : إلى مدينة جدّي رسول الله فإذا وردها كان له فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين. قال المفضّل : يا سيدي، من هو ذاك ؟ قال : يرد إلى قبر جده فيقول : يا معشر الخلائق ، هذا قبر جدي رسول الله فيقولون : نعم يا مهدي آل محمد . فيقول : ومن معه في القبر ؟ فيقولون : صاحباه وضجيعاه أبو بكر وعمر (لعنهما الله) . فيقول - وهو أعلم بهما - والخلائق كلهم جميعاً يسمعون : من أبو بكر وعمر ؟ وكيف دفنا من بين الخلق مع جدّي رسول الله وعسى المدفون غيرهما ؟ فيقول الناس : يا مهدي آل محمد، ما هاهنا غيرهما، إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله وأبوا زوجتيه فيقول للخلق بعد ثلاث : أخرجوهما من قبريهما ، فيُخرجهما غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما ، فيقول : هل فيكم من يعرفهما ؟ فيقولون : نعرفهما بالصفة وليس ضجيعا جدك غيرهما، فيقول : هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما ؟ فيقولون : لا . فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام ثمّ ينتشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء : ابحثوا عنهما وانبشوهما ، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون (كذا) إليهما فيخرجوهما غضين طريين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها ، فيقول المرتابون من أهل ولا يتهما هذا والله الشرف حقاً ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبّتهما وولايتهما فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما وينادي منادي المهدي كل من أحب صاحبي رسول الله وضجيعيه فلينفرد جانباً فتتجزأ الخلق جزئين: أحدهما موال والآخر متبرّ منهما . فيعرض المهدي على أوليائهما البرائة منهما، فيقولون : يا مهدي آل رسول الله ، نحن لم نتبرأ منهما ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة ، وهذا الذي بدى لنا من فضلهما ، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما ؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما ومن صلبهما وأخرجهما وفعل بهما ما فعل. فيأمر المهدي ريحاً سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية ، ثم يأمر بإنزالهما فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع ثمّ يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتّى يقص عليهم قتلها بين بن آدم و جمع النار لإبراهيم ... وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين الإحراقهم بها ، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط ورفس بطنها وإسقاطها محسنها وسم الحسن الله وقتل الحسين وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره ، وسبي ذراري رسول الله وإراقة دماء آل محمد وكل دم سفك حراماً ، وكل فرج نكح حراماً، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم إلى وقت قيام قائمنا كل ذلك يعدّده عليهما ويلزمهما إياه فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضره ثمّ يصلبهما على الشجرة ويأمر ناراً تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة ثمّ يأمر ريحاً فتنسفهما في اليم نسفاً . قال المفضّل : يا سيدي ، ذلك آخر عذابهما ؟ قال : هيهات یا مفضّل والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة عليا وكل من محض الإيمان محضاً أو محض الكفر ،محضاً ، وليقتضن منهم بجميعهم حتّى أنّهم ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى ما شاء ربهما [بحار الأنوار 53 : 12، وشجرة طوبى ورقة 122، كتاب يأتي على الناس زمان : 638] . (هامش الأصل) واللفظ لبحار الأنوار . (المترجم) نكتة تستحق الملاحظة كما أن النبي كان السبب في محو كل بدعة وقمع كل معصية وتذليل أهلها، وصار باعثاً على إشاعة أعمال البر ورفع مستوى العاملين به، من هذه الجهة عد شريكاً لكل عامل بمعروف في أجره أو ناهياً عن المنكر في مثوبته ، فإنّ هذين الرجلين عادت عليهما الأعمال التي أيدوها وشدّوا أزر أصحابها بالوزر لأنهما أقاما كل بدعة وكل فعل قبيح وهجرا الأعمال الصالحة وأهلها من ثُمَّ تحمّلا مع ذوي البدع وأهل الباطل الوزر كل الوزر ، ولذلك قال الإمام إن عليهما ذنوب العالمين من آدم إلى قيام الحجة المنتظر فإنّ ولي الأمر يحاسبهما على ذلك ويقتص منهما بعد الإثبات. (هامش الأصل)

ص: 6

ويبقى السؤال قائماً بناءاً على الوجه الأوّل عن الذرّيّة وهم اليوم قد انقرضوا على الأغلب، وسوف نوافيك ببعض الأخبار عن الأخذ بالثار وعن نصرة هذا الإمام العظيم الحجة بن الحسن علیه السلام الجده الإمام المظلوم فى الفقرة الآتية (1)التى لا تخلو من علقة بهذا الفقرة .

ص: 7


1- أطلبها في شرج : «أن يرزقني طلب ثاري مع إمام مهدي». (هامش الأصل)

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ...

الشرح : ولمّا كان اللفظ الشريف «الصلوات» تتعلّق فيه أبحاث لطيفة لذلك رأينا من المناسب أن نتعرّض لها على وجه الإجمال ، من ثمّ آثرنا إفرادها في متن مستقل ونحن نوردها ضمن فوائد .

الفائدة الأولى :

المشهور بين العلماء أن معنى الصلوات من الله هي الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن البشر الدعاء غير أن هذا الحديث لا يستسيغه أصحاب الأذواق المعتد له ، لأن الأصل في اللفظ عدم حمله على الاشتراك مع أنّ مثل قوله تعالى : «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي...» (1)لا يزال احتمال حمل اللفظ على أكثر من معنی قائماً وهو مظنة الوقوع في ضيق التأويل مع أن رحم فعل متعدّي بنفسه وصلّى فعل لازم وتفسير المتعدّي باللازم غير مستساغ ، وإذا تعدى فعل دعا ب_«على» يكون للشرّ ، يقال : دعا عليه وصلّى إذا عدّي ب_«على» يكون بمعنى الرحمة ، فيقال : صلّى الله عليه، ويستحيل اختلاف الحكم في مترادفين ، مِن ثَمّ قال العلماء : إن معنى جامعاً بينهما وهو الانعطاف وهو حقيقته، ويتجلى أثره في كلّ موقع ، بحسبه ، فالعطف من الله على وجه يناسب عظمة الربوبية،ومن الآخرين يناسب موقعهم من حيث الرتبة .

ومن المحتمل أن يكون تعبير العلماء عنه بقولهم : وهو «الأولى أن يقصدوا هذا المعنى وغرضهم بيان المراد منه لا ما استعمل فيه اللفظ ، ولكن الحال اشتبهت على نزر البضاعة وقليل الاطلاع فتوهم في اللفظ الاشتراك.

ص: 8


1- الأحزاب : 56.

الفائدة الثانية :

المشهور شهرة محققة بل ادعي عليه في المعتبر ومحكي المنتهى الإجماع وهو أن الصلاة على النبي لا تجب عند سماع اسمه أو ذكره، ولكن الشيخ الصدوق أوجبها وتبعه على ذلك الفاضل المقداد والمحقق الأردبيلي وصاحب المدارك والشيخ البهائي والآخوند ملا صالح المازندراني والمحدّث الكاشاني والمحدّث المجلسي والشيخ مهدي الفتوني وصاحب الحدائق وشارح الصحيفة السجادية السيد علي خان والشيخ عبدالله البحراني، كما نُقل ذلك عن بعضهم، وتشبثوا بوجوه لا تدل على ذلك إما من حيث الدلالة أو من ناحية السند ، وأصح أخبار الباب صحيحة زرارة وفيها جاء الأمر بالصلوات، وقال: «صل على النبي كلما ذكرته أو ذكره ذاكر»(1) .

والأمر وإن كان في نفسه ظاهراً في الوجوب ولكنه يصرف عنه بأدنى صارف، ولما كان الخبر يتضمّن ترتيب المستحبّات وجائت الصلوات ضمن ذلك من هنا كان الأمر فيه للاستحباب بل من الأخبار التى استدلوا بها ما يدل على الاستحباب مثل: «البخيل كلّ البخيل من إذا ذكرت عنده لم يصل عليّ» (2) ومثل : «من ذكرت (2)عنده فلم يصلّ عليّ أخطأ طريق الجنّة» (3)بل صرّحت بعدم الوجوب ويكفي في ذلك خلق الأدعية المأثورة و خطب الأئمة المشهورة ، بل تكفي في إثبات المدعى السيرة القطعية وإن كان الاحتياط يقتضينا لاسيما في المجالس العامة أن نجري الصلاة ولو مرّة واحدة من باب الأولى والأليق كما هو ظاهر المحقق المقدّس الأردبيلي.

ص: 9


1- وسائل الشيعة باب 35 و 42 من أبواب الأذان والإقامة (هامش الأصل)
2- الإرشاد : 285 ، بحار الأنوار 94: 61 ط طهران. (هامش الأصل)
3- ثواب الأعمال : 178 ، بحار الأنوار 94: 60 ط طهران . (هامش الأصل)

الفائدة الثالثة :

احتدم الخلاف بين علماء الفريقين في الصلاة على النبي وآله هل النفع يعود إلى المصلّي أو المصلّى عليه، واختار كل قول من القولين طائفة من العلماء، التحقيق مع القول الأوّل، وهو الذي اختاره العلّامة المجلسي الله في رسالة «العقائد» وغيره من الفقهاء والحكماء والمحدثين جماعة، لأنّ الأدلة العقلية والنقلية قائمة على هذا المدّعى ؛ لأنّ الفقر والحاجة يتقوّم بهما ذات الممكن والغني والمفيض هو الواجب تعالى شأنه.. ويستحيل على الإطلاق أن لا يكون الممكن محتاجاً وإلا انقلبت الحال، ومهما حصل للذوات الممكنة والمهيّات الجائزة من تحصيل الكمال وتكميل الذات فإنّما يستحيل عليها أن تخرج من دائرة الحاجة إلى المفيض الوهاب فتضع رجلها خارج تلكم الدائرة كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» .(1)

بل المحقق أن الوجود كلّما كان أكمل وأقوى كان تعلّقه بالمبدأ أكثر ، واحتياجه إلى حضرة القدس ،أوفر ، وهذا هو فحوى الإمكان الوجودي بأن تكون ذاته متعلّقة بالمبدأ وجوهره ظلّ لذلك المبدأ.

وبعبارة :أوضح : إن الهيولى الإنسانية للنبوّة ومادتها الخاصة هي في أعلى

مراتب الاستعداد والقبول لجميع الفيوضات وتمام الخيرات فهي من الخيرات فهي من هذه الناحية لا تتناهى قوتها ، والمبدأ الفياض جلّ جلاله أيضاً غير متناهي القوة فلا قصور في طرف النبوّة من حيث القبول والتلقى ولا فتور من جهة المبدأ من حيث الفيض والعطاء، ومن لوازم الدعاء الاستجابة ولا يشترط لذلك إلا استعداد المحل وأهليته للدعاء ، وهذا حاصل كما هو المفترض على أكمل وجه وأتم المراتب،

ص: 10


1- فاطر : 15 .

وحينئذ يكون الدعاء مستجاباً حتماً وجائت الإشارة إلى هذا المعنى في الأخبار الكثيرة نظير ما ورد في نهج البلاغة المكرّمة : إذا كانت لك إلى الله سبحانه حاجة فابدأ بمسألة الصلاة على النبي ثم اسأل حاجتك فإن الله أكرم من أن يُسئل حاجتين فيقضي أحدهما ويمنع الأخرى.(1)

وهذه العبارة الشريفة صريحة بأن الصلاة دعاء مستجاب. ولبعضهم في هذا المقام تقريب لطيف ومؤداه : إن حاجة الإنسان ذاتها معيبة والصلاة على النبي صحيحة ، والداعي ضمّ أحدهما إلى الأخرى ورفعهما إلى رحمة الربوبية، فينبغي أن يقبلهما معاً أو يردّهما معاً ، والثاني ممتنع فيتعين الأول إذ التفكيك لا يصح لأنه يرجع إلى تبعيض الصفقة وذلك شرعاً غير جائز .

وممّا يؤيّد مطلبنا الأدعية الشريفة المأثورة في تشريف النبي مثل تبيض وجهه وتعطيه المنزلة والوسيلة وترفع درجته وتعلّي كلمته ، وتظهر أمره وأمثالها مما ورد في فقرات الأدعية.(2)

وما احتمل من أنّ هذه العبارات ما هي إلا الألفاظ يكلف الإنسان النطق بها دون قصد الدعاء نفعها عائد للمكلّف دون من عداه ، هذا الاحتمال بارد بل يكاد يقتل من البرد ، ولا يرضى بهذا التمحل والتعسّف أي متأمّل مستقيم الذوق سليم القريحة ، مثلاً كيف تجيز - أيّها المسلم - أن يكون مثل هذا الدعاء الشريف الذي رواه العلّامة المجلسي في المقباس بسند صحيح في تعقيبات العصر عن الشيخ والسيد عن صادق آل محمد علیهم السلام مجرد كلام وألفاظ متهجاة وأنه دعاء

ص: 11


1- نهج البلاغة صبحي صالح : 538 الحكمة 361. (هامش الأصل) نهج اللاغة 4 : 84. (المترجم)
2- فلاح السائل : 206 ، بحار الأنوار :86: 89 وورد أيضاً عن رسول الله في شأن سيد الشهداء «إن لك درجة عند الله لا تنالها إلّا بالشهادة». (هامش الأصل)

لا يستجاب ، والآن إليك الدعاء المشار إليه :

«اللهم صلّ على محمد وآله في الليل إذا يغشى ، وصلّ على محمد وآله في النهار إذا تجلى ، وصل على محمد وآله في الآخرة والأولى ، وصلّى على محمّد وآله ما لاح الجديدان وما أطرد الخافقان وحدى الحاديان وما عسعس ليل وما ادلهم ظلام ، وما تنفّس الصبح وما أضاء الفجر . اللهم اجعل محمّداً خطيب وفد المؤمنين إليك ، والمكسو حلل اللإيمان إذا وقف بين يديك ، والناطق إذا خرست الألسن بالثناء عليك . اللهم اعل منزلته ، وارفع درجته ، وأظهر حجّته ، وتقبل شفاعته ، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، واغفر له ما أحدث المحدثون من أمته من بعده ، اللهم بلغ روح محمّد وآل محمّد عنّي التحيّة والسلام ، وأردد عليّ منهم تحيّة كثيرة

وسلاماً يا ذا الجلال والإكرام» (1).

ص: 12


1- ومن المؤيدات ما نقله السيّد نعمة الله الجزائري عن بعض العظماء ، قال : 1 - من المسلم به عند المسلمين أن النبي والأئمة الأطهار يزداد ثوابهم وترتفع درجتهم بازدياد أعمارهم وطولها وهو دليل على إمكان ارتفاع درجاتهم ورقي مقامهم 2 - إنّ رسول الله والأئمة الأطهار هم السبب الأول في هداية الناس واستقامتهم ، وبهم تمكن الناس من أعمال البر والعبادة وإرسال الصلوات ، ومن كان السبب في عمل الخير كان شريكاً في أجره ومثوبته، ومن هذه المقدمة تبرز لنا النتيجة وهي أن صلاة الأمة على النبي وآله تكون علة في ارتقاء درجة النبي والأئمة وحصولهم على الأجر العظيم والثواب الجسيم [زهر الربيع 2 : 286ط اسلامية طهران ]. (هامش الأصل) والنص مترجم أرجو ملاحظته في زهر الربيع. (المترجم) . ومن المؤيدات لما نحن فيه أخبار فضل ليلة القدر وشرفها لأن فيها تتنزل الملائكة ع-ل-ى ق-ل-ب النبي والإمام بالعلوم الجديدة ولولا ذلك لنفدت علومهم وهذا النص واحد من تلك الأخبار : أبو جعفر : لقد خلق الله جل ذكره ليلة القدر أوّل ما خلق الله الدنيا ولقد خلق فيها أول نبي يكون وأوّل وصي يكون ، ولقد قضى أن يكون في كلّ سنة تهبط فيها بتفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة، من جحد ذلك فقد رد الله تعالى عزّ وجلّ علمه لأنه لا يقوم الأنبياء والمحدثون إلا أن تكون عليهم بما يأتيهم في تلك الليلة من الحجّة التي يأتيهم بها جبرئيل الله [تفسير البرهان ونور الثقلين، ذيل الآية الشريفة تنزل الملائكة والروح»]. (هامش الأصل)

ولا يصحّ ما يتصوّره البعض من أنّ الصفات التي تضمنتها فقرات الدعاء قد اتصف بها النبي فلا داعي إلى طلبها له بعد اتصافه بها، وهذا تصوّر لا أساس له ، لأن للكمال مراتب، وإنّ الفضل والشرف من الألفاظ المشككة، وكلّما تصوّرت للكمال مرتبة فإنّ فوق هذه المرتبة ما يعلوها ويزيد عليها وفوق كل ذي علم عليم، وهي قاعدة كلّيّة جارية فى الأشباه والنظائر .

لمؤلّفه :

فالنور في النزول والصعود***مشكك مختلف الوجود

وحينئذ يجوز أن يطلب بالسؤال المرتبة العليا لهذا الكمال وما توهّمه البعض من أنّ كلّ ما أمكن وصوله من الشرف والفضل للممكن فقد وصل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم مثله ، ومن هنا لا داعي إلى ذكر الصلوات لأنها تجرّ إلى العبث في القول حيث لا تستجلب أمراً مفقوداً من الشرف والفضل .

أقول : هذا مجرد تمويه بل يمكن أن تعتبر العبارة خادعة لعوام الناس السذج لأنّ لبّ هذا المعنى ينحصر في أمرين:

الأوّل: استغناء النبي عن الله حين استكمل الصفات المطلوبة فلا حاجة به إلى طلب غيرها من ربه إذ لا ينقصه شيء منها فقد تم غناه عن ربه وهذا المعنى ينافي الضرورات العقليّة لأنّ أعلى مراتب الكمال عند النبي العبودية فهي عنوان كتاب الفقر وبسملة صحيفة الاحتياج.

الأمر الثاني: الاعتقاد : الاعتقاد بعجز الله عن إفاضة الخير مجدّداً عليه - أعاذنا الله من هذا

ص: 13

الخاطر المذموم - وعدم قدرته على كسوته ثياب الكرامة الجديدة ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.(1)

نعم، وهاهنا كلام لفقه بعضهم على وتيرة الحكمة والفلسفة وخلاصته : إنّ مقام النبوّة خاتمة مقام العقول وفي مرتبة العقل يكون ما بالقوة عين ما بالفعل فليس في عالمه كمال مرتقب، وما يطلبه العقل من لزوم الكمال حاصل عنده ، ولا يوجد في هذا المقام محو وعدم وليس سوى الإمكان الذاتي والقيام الصدوري بالمبدأ الوهّاب والشاهد على هذا الادعاء الحديث النبوي : «أوّل ما خلق الله العقل وأوّل ما خلق الله نوري».(2)

والفرق البين فى المسألة هو أنّ العقل النزولى واجد للكمالات منذ البدء لكن العقل الصعودي لما كان مقدّراً عليه أن يطوي مراحل الكمال جميعاً وفي طيّ كلّ مرحلتين يتم له اجتياز قوسى الوجود ليصل أخيراً إلى تلك الدرجة ...

وجواب هذه الشبهة : لما امتنع انفكاك الهيولى عن الصورة، كان العقل الصعودي لوجود هيولاه غير متناهي القوّة حتّى أنّه ليجتاز بهذه القوة التي لا حدود لها درجة العقل النزولي . قال شاعرهم :

احمد ار بگشاید آن پر جلیل***تا ابد مدهوش ماند جبرئیل

ولو أحمد المختار يفتح جنحه***لأصبح جبرائيل حيران مدهوشا

ص: 14


1- «سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً»[الإسراء : 43] . (هامش الأصل)
2- معاذ بن جبل : إن رسول الله الا الله قال : إن الله خلقني وعليّاً وفاطمة والحسن والحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف سنة . [علل الشرايع : 80 ، بحار الأنوار 15: 7 الرقم 7] قال الإمام علي بن أبي طالب : إن الله تبارك و تعالى خلق نور محمد قبل خلق السماوات والأرض والعرش والكرسي [الخصال 1 : 82، معاني الأخبار: 88، بحار الأنوار 15 5] والأحاديث كثيرة راجع بحار الأنوار (هامش الأصل)

والآية : «خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً» (1)تدلّ على هذا الضعف الذي هو عبارة عن عدم التقيد بمرتبة خاصة، وتدلّ كذلك على وجود الاستعداد لقبول الكمالات غير المتناهية، النابعة من القوّة.

ومجمل القول : إن هذا الكتاب مبني على الاختصار فلا يحتمل بسط الجواب حول هذه المسألة، والذين لهم أنس بهذه العلوم يعلمون جيداً أنّ لباب حلّ هذا الإشكال مودع في هذين السطرين فلم يبق طريق للإشكال بناءاً على مذهبهم.

وتشبّث بعضهم بطائفة من الأحاديث وهذه أيضاً ليس لها من أثر كهذه الفقرة الواردة في زيارة الجامعة : «وجعل صلواتنا عليكم» (2)وهذا الاستدلال يماشي مذهب أبي حنيفة القائل بمفهوم اللقب (3)وإلا فالأمر من الشهرة بمكان حتى عند العوام أنّ إثبات الشيء لا يستلزم نفي ما عداه واشتمال الصلاة على الخواص

والآثار المعلومة لا توجب عدم وصول نفعها إلى غير المصلّي عليهم .

نعم، في هذا المقام حديث آخر أشار إليه المحقق ملا عبدالرزاق الكاشي في تفسير «حقائق التأويل» و محصله مع التحرير : إنّ حقيقة الصلوات هي إمداد الكمالات وإفاضتها وتأبيدها ، إذن المصلي حقيقة هو الله تعالى وأحياناً تكون في

ص: 15


1- النساء : 28 .
2- «وما خصنا به من ولايتكم طيباً لخلقنا ، وطهارة لأنفسنا، وتزكية لنا، وكفارة لذنوبنا». (هامش الأصل)
3- مفهوم اللقب : المقصود باللقب : كل اسم سواء كان مشتقاً أو جامداً وقع موضوعاً للحكم كالفقير في قولهم : أطعم الفقير ، وكالسارق والسارقة في قوله تعالى : «السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» وَمَعنى مفهومم اللقب نفي الحكم عمّا يتناوله عموم الاسم.. وكان أبا حنيفة يقول بهذا وهو أن الاسم إذا وقع موضوعاً للحكم كان له ظهور في الانحصار ، وعند العلماء عدم ذلك الظهور بل نفس موضوع الحكم بعنوانه لا يشعر بتعليق الحكم عليه فضلاً عن ذلك، وقد قيل : إن مفهوم اللقب أضعف المفهومات. [ورجعنا إلى شرح هذه المادة إلى كتاب أصول الفقه للشيخ المظفر 1: 120 بتصرف]. (المترجم)

مقام الجمع بلا واسطة وأحياناً في مقام التفضيل مع الواسطة وهو فعل العباد(1) وحقيقة صلوات المؤمنين هي هذه، وهو عبارة عن قبول الهداية وطبع لوح الوجود بطابع محبّته وهو نوع من الإمدادات المختصة به لغرض بلوغه مرتبة الكمال ، والغرض هو تعميم الفيض الربّاني إذ لو لم تكن المادة قابلة فلا أثر متصوّر للفاعل كما قيل : وجودي بك وظهورك منّي ، فلست تظهر لولاي لم أكن لولاك، وفي الحديث القدسي : لو أطاع الخلق كلّهم لخلقت خلقاً يعصوني كي أغفر لهم ليظهر للعيان عفوي وفضلي .(2)

ومثله يقال في تسليم المؤمنين عليه فإنّه لدفع آفة نقص الكمال مع إظهار جلال الدعوة العامة وقوّة فاعليته في مقام الهداية ، وبهذا الوجه يمكن الجمع بين القولين حيث أن فائدة الصلاة أوّلاً وبالذات تعود على المصلّي ثم باعتبار آخر من حيث الاقتدار وتكميل غرض البعثة وتحصيل مقصد الهداية تعود على المصلى عليه وتوجب رفع درجته وعلو شأنه وظهور كلمته كما قال: «فإنّي أباهي بكم الأمم ولو بالسقط» .(3)

ص: 16


1- الذي أدركته من هذه العبارة أنّ فائدة الصلاة أحياناً تختص بالمصلى عليه، وأخرى تجمع معه المصلي أيضاً . (المترجم)
2- أخرج أحمد وأبو يعلى والضياء عن أنس بن مالك ، قال : سمعت رسول الله يقول : والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم مابين السماء والأرض ثم استغفر تم لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطأوا لجاء الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي أيوب الأنصاري : سمعت رسول الله يقول : لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيغفر لهم [تفسير الدر المنثور 5: 332 ذيل الآية 53 من سورة الزمر] . (هامش الأصل)
3- جامع الأخبار: 103 ، بحار الأنوار :103: 220 الرقم 24 ط طهران . (هامش الأصل)

وجملة القول : أنّي بنظري القاصر وما توصلت إليه بحثت المسألة من الجانب ولا يحتمل الكتاب تفصيلاً أوسع من هذا التفصيل.

الفائدة الرابعة :

ضم آل الرسول في الصلاة عليه إليه يتفق مع الأخبار الكثيرة المتواترة المروية من طرق الفريقين :

منها: أنّها نقلت فى أكثر الأصول المعتمدة لأهل السنّة وذلك حيث سألوا من النبي صلی الله علیه و آله وسلم : كيف نصلي عليك يا رسول الله ؟ فقال : قولوا: «اللهم صل على محمّد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» .(1)

وهذه الصلوات بخصوصها تجب في التشهد عند الشافعي بناءاً على قوله الثاني، وتستحبّ في قوله الآخر كما ذكر ذلك في تقريب أبي شجاع وشرح أبي القاسم وحواشيه ، وكلاهما من علماء الشافعية، وعمل الشافعيّة غالباً على هذه النسخة مع إضافة قول سيّدنا في «محمد» و«إبراهيم» في المواضع الأربعة .(2)

وهذا الشعر الذي نظمه الشافعي طالما تردّد في كثير من كتب الجماعة وعلى ألسنتهم واشتهر شهرة واسعة، يقول:

ص: 17


1- صحيح البخاري 4 : 146 و 8: 77ط أميرية بمصر ، وكتب أخرى ، راجع : إحقاق الحق 3: 22 و 9 : 524 . (هامش الأصل) راجع أرقام الأحاديث المخرجة في البخاري : 3241، 3242، 4506 ، 6118، 6119، 6121 ، وفي مسلم باب الصلاة على النبي بعد التشهد ، حديث رقم 858، 859، 862. وفي مسند أحمد رقم 1399 ، 11147 ، 17693 ، 17694 ، 17696 ، 17722 ، 21907 ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. (المترجم)
2- على النحو التالي: «اللهم صل على سيدنا محمد ... كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم ... كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم». (هامش الأصل)

یا آل بيت رسول الله حبّكم***فرض من الله في القرآن أنزله

يكفيكم من عظيم الفخر أنّكم***من لم يصلّ عليكم لا صلاة له (1)

وروى صاحب ينابيع المودة والصواعق وجواهر العقدين أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : لا تصلّوا على الصلاة البتراء، قالوا: وما الصلاة البتراء يا رسول الله ؟ قال : تقولون : اللهمّ صلّ على محمّد وتسكتون، بل قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد .(2)

ومع وجود هذا كله فإن أهل السنة والجماعة يلتزمون بذكر النبي مجرّداً عن ذكر آله كي يظهروا عنادهم الفطري وانحرافهم الجبلي وإعراضهم عن الركوب في سفينة النجاة ودخول بيت نوح بيت السلامة .

وكذلك حين يذكرون أهل البيت يلزمون أنفسهم بترك الصلاة والسلام عليهم مع أنّ الله أشركهم في هذا الشرف مع النبوّة وثبت من الطرق المعتمدة جواز التسلية والتسليم على العترة الأطهار علاوة على أن صريح الآية: «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» (3)والآية الكريمة: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»(4) والبشارة في «أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ» (5)هذه بأجمعها تدل على جواز الصلاة على عموم أهل الإيمان .

ونقل عن الصحابة أن الصلاة على الآل كانت جزو عملهم .

ص: 18


1- الصواعق : 88ط القديم، ينابيع المودة : 295ط اسلامبول، قال الشافعي ... (هامش الأصل)
2- ينابيع المودة : 295 ط اسلامبول ، إحقاق الحق 9 : 636 .
3- الأحزاب : 43 .
4- التوبة : 103 .
5- البقرة : 157 .

وروي في ينابيع المودّة عن أبي نعيم الحافظ وجماعة من المفسّرين وساقوا السند إلى مجاهد وأبي صالح ، وهذان الراويان نقلا القول عن ابن عبّاس أنّ «آل يس» في الآية الكريمة «سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ» (1)هم آل محمد صلی الله علیه و آله وسلم ، ويس اسم من أسماء النبي صلی الله علیه و آله وسلم(2) مع ذلك يضيقون ذرعاً بالصلاة والسلام عليهم .

وأشار إلى علة ذلك في الكشاف بعد أن قال والقياس جواز الصلاة على غير النبي بدليل آية الزكاة : «وَهُوَ الَّذِي يُصَلِّي ...» الآية (3)وقول رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : «اللهم صل على أبي أوفى» يدلّ على التفصيل بين ذكر الصلاة بالتبع كما إذا قلت : اللهم صل على محمّد وآل محمّد ، فإنّك ذكرت الآل بتبع مشرّفهم عليه الصلاة والسلام وآله ، وهذا جائز باتفاق ، وذكر الصلاة بالاستقلال كما إذا أفردت أحداً بالاستقلال بأن تقول : صلّ على الصحابة من غير أن تسبق الصلاة على رسول الله الصلاة عليهم وهذا مكروه، لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولأنه يؤدّي إلى الاتهام

ص: 19


1- الصافات: 130 .
2- الرواية عن آل يس وأنهم آل محمد وردت كثيراً في كتب العامة ، وذكرت في إحقاق الحق تفصيلاً : 450 و 14: 360 .
3- «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا» [الأحزاب: 43] الكشاف ذيل الآية 56 من سورة الأحزاب «صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» قال : فإن قلت : فما تقول في الصلاة على غيره ؟ قلت : القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ [وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ]» وقوله : «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» [التوبة : 103] وقوله : «اللهم صل على آل أبي أوفى» ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك : صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها ، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله ولأنه يؤدّي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التُّهَم» .

بالرفض، وقال النبي صلی الله علیه و آله وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التّهَم» .(1)

وعن ابن القيم في فتح الباري نقل عنه ابن حجر قوله : المختار أن يصلّى على الأنبياء والملائكة وأزواج النبي وذرّيّته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعاراً ولاسيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة .. (2)إلى آخر كلامه .

والعجيب فيه أنّهم نقلوا في أصولهم الصحيحة عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال : «اللهم صل على آل أبي أوفى» و «اللهم صل على سعد بن عبادة».(3)

وفي فتح الباري إنّ الصلاة على غير الأنبياء في مذهب الحسن البصري ومجاهد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري جائزة (4).

وفي منهاج السنّة لابن تيمية - خذله الله - (بل لعنه الله) أنّه قال : وكذلك أبو حنيفة مذهبه أنه يجوز الصلاة على غير النبي صلی الله علیه و آله وسلم كأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ (وهذا هو المنصوص عن أحمد في رواية غير واحد من أصحابه واستدل بما نقله عن علي أنه قال لعمر ، صلّى الله عليه) وهو اختيار أكثر أصحابه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي محمد عبد القادر الجيلي وغيرهم (ولكن نقل

ص: 20


1- هذه عبارة صاحب الكشاف وقد مرت في الهامش السابق وذكرناها هنا مترجمة عن المؤلف. (المترجم)
2- فتح الباري 11 : 174 باب «هل يُصلّى على غير النبي» ط بيروت. (هامش الأصل) جرى تطبيق العبارة . (المترجم)
3- القول الفصل 2: 272 ط مطبعة «ارشيفل»، إحقاق الحق 3: 271. (هامش الأصل)
4- فتح الباري 11: 142 باب «هل يُصلّى على غير النبي» ط بيروت . (هامش الأصل)

عن مالك المنع من ذلك) (1). ومع اتفاق هذه الجماعة فما تأثير منع الزمخشري وابن القيّم .

وحصيلة ما نحن فيه بصورة لا يعتريها اللبس أن فتاوى القوم تعود أساساً إلى عنادهم للشيعة لأنهم يصلون على أئمتهم وأهل بيت نبيهم، وإن أجازه العقل وشهد برجحانه الكتاب والسنة والإجماع ، وإذا كان الأمر كذلك وأن القوم يعزفون عن الإحسان إلى أهل البيت وترك تبجيلهم وتكريمهم لأن الشيعة يفعلونه فعليهم أن يتركوا جميع الفرائض والسنن كذلك ، وصرّح محمد المحبّي الشامي وهو من فضلاء هذه الطائفة في كتابه «خلاصة الأثر» بهذا العناد والتعصب تعقيباً على شعر عبدالرحيم بن تاج الدين الدمشقي الذي نقله في فصل ترجمته، وهو هذا(2):

ص: 21


1- روى العامة بطرق كثيرة عن أمير المؤمنين وابن عباس وعمرو بن جميع وأبي ذر وأنس وأبي أيوب ... أن الملائكة صلت علي وعلى علي بن أبي طالب ... راجع : إحقاق الحق 16: 455 . (هامش الأصل) وراجع منهاج ابن تيمية لعنه الله 4: 152 . وأقول : بغض ابن تيمية لأمير المؤمنين لا ينكر لأنّ حيطان دار أبيه قصار أولاً، ولأنه منافق يتدين بنبوة أبي بكر وعمر ويراهما أفضل من رسول الله ثانياً . ثم كيف يصلي أمير المؤمنين على من لعنه رسول الله مراراً ومنها يوم تخلفه عن جيش أسامة، ولكن هذا الخبيث ابن تيمية لا يقرّ له قرار حتى يكذب على أمير المؤمنين وينتزع منه كلمة ولو كانت مفتراة في تعديل عمر والثناء عليه . وأعجب من هؤلاء الذين يوالون رجلاً هم يعترفون بأن أمه حنتمة زانية ، وكيف يجعل الله ابن الزانية ولياً من أوليائه ؟! (المترجم)
2- قال : رأيت في «الگلستان» (والذي رأيته في الگلستان) للشيخ السعدي ما معناه : سئل بعضهم عن اليد اليمنى ما بالها مع فضلها الجزيل وكراماتها المعلومة لم يوضع فيها الخاتم ووضع في الشمال ؟ فقال : فنظمت هذا المعنى في بيتين : إن الفتى ... ثمّ ناقضته : تالله ما ذاك مخل بها***بل شرفت من واحد راحيم وإنّما الفضل لها زينة ***به اعتنت عن زينة الخاتم (هامش الأصل) والذي رأيته أنا في خلاصة الأثر كما يلي : والذي رأيته في الگلستان أن أول من وضع الخاتم في اليد جمشيد الملك ، فقيل له : لم وضعته في الشمال ولم تضعه في اليمين ؟ فقال : أما اليمين فزينتها كونها يميناً . فقيل : لأيّ شيء وضعته في الخنصر ؟ فقال : جبراً لها لأن ما عداها كبرها زينة لها . وقيل لبعضهم : لماذا حرمت اليمين من الخاتم ؟ فقال : أهل الفضل محرومون ... الخ . [خلاصة الأثر 2: 409 ط بیروت - دار صادر] والفرق بين العبارتين ،واضح ، وأما قول المحقق ثمّ ناقضته : تالله ما ذاك مخلّ بها***بل شرفت من واحد راحيم وإنما الفضل لها زينة***به اعتنت عن زينة الخاتم فقد جاء قبل حدیث الگلستان . (المترجم)

إن الفتى العالم مع علمه***تراه محروماً من العالم

مثل اليد اليمنى لفضل بها***قد منعت من زينة الخاتم

يقول : والتختّم باليسرى إنّما حدث في وقعة صفين حين خطب عمرو بن العاص فقال : ألا إنّي خلعت الخلافة من عليّ كخلع خاتمي هذا من يميني وجعلتها في معاوية كما جعلت هذا في يساري، فبقيت سنة عمرو بين العامة إلى يومنا هذا ، وأمّا النبي صلی الله علیه و آله وسلم وكذا الخلفاء الراشدون بعده فكانوا يتختمون باليمين، وقد ذكر فقهائنا ومنهم البرجندي في الرهن من كشف البزدوي أنّه يتختم باليسرى وقيل باليمنى إلا أنّه شعار الروافض فيجب التحرّز عنه .

قال شيخنا العلاء الحصكفي في شرح الملتقى (ملتقى الأبحر - المؤلّف ) : ولا شعور لنا بهذا الشعار في هذه الأمصار فتتبع أمر المختار يعني في الحديث افعلها في يمينك ، إذ ثبت الخيار كما جزم به بعض الأخيار أي اجعل الخاتم في يدك اليمنى ثم استطرد بعد هذا وذكر شعراً عن أبي عامر الجرجاني إنّه قال:

تختم في اليسار فلست تلقى***طراز الكم إلا في اليسار

وما نقصوا اليمين به ولكن***لباس الزين أولى بالصغار

لذاك ترى الأباهم عاطلات***وهنّ على الأكف من الكبار

ص: 22

إلى أن يقول : وقد عرفت الحديث، فكلّ هذا غفلة عنه (منه - المؤلّف)(1).

وفي يتيمة الثعالبي كلام طريف وهنا مكان نقله ، يقول : حكي أن أبا حفص الفقيه عاتب يوماً أبا أحمد على لبسه الخاتم في يمينه ، فقال أبو أحمد: إنّ فيه أربع فوائد :

إحداها : السنّة المأثورة من غير وجه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنه كان يتختم في اليمين وكذلك الخلفاء الراشدون بعده إلى أن كان من أمر صفين والحكمين ما كان حين خطب عمرو بن العاص ، فقال : إنّي خلعت الخلافة من عليّ كخلع خاتمي هذا من يميني وجعلتها في معاوية كما جعلت هذا في يساري فبقيت سنة عمرو بن العاص بين العامة إلى يومنا هذا .

الفائدة الثانية : من كتاب الله تعالى وهي قوله : «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا» (2)ومعلوم أن اليمين أقوى من اليسار فالواجب أن يكلّف حمل الأشياء الأقوى دون الأضعف.

والثالثة : من القياس وهو الاستنجاء باليمين صحيح والأدب في الاستنجاء باليسار، ولا يخلو نقش خاتم من اسم الله تعالى فوجب تنزيهه عن

مواضع النجاسة .

والرابعة : أنّ الخاتم زينة الرجال واسمه بالفارسيّة (انگشت آراى» فاليمين أولى به من اليسار .(3)

إلى هنا كان كلام أبي أحمد في أبي حفص الفقيه الذي حكاه الثعالبي في اليتيمة .

ص: 23


1- خلاصة الأثر 2: 409 دار صادر - بيروت. (هامش الأصل) وسمّى أبا عامر الفضل التميمي الجرجاني والمحقق تصرّف بالنصّ الذي نقله (المترجم)
2- البقرة : 256 .
3- يتيمة الدهر 4 : 68ط بيروت . (هامش الأصل) تحقيق محمد محى الدين عبد الحميد . (المترجم)

ويقول الراغب الأصفهاني في المحاضرات : كان خاتمه صلی الله علیه و آله وسلم حلقة فضة وعليه فص عقيق ، وكان يتختم به في يمينه ، وسبب اتخاذه أنّه كتب إلى ملك الروم فقيل : إنّه لا يقبل كتاباً إلا مختوماً، وأوّل من تختم في يساره معاوية ، وقيل شعر :

قالوا تختم باليمين وإنّما***مارست ذاك تشبيهاً بالصادق

وتقرباً مني لآل محمد***وتباعداً مني لكل منافق

الماسحين فروجهم بخواتم***اسم النبيّ بهنّ واسم الخالق

وفي كتاب المستظرف عن عائشة قالت: كان رسول الله الله يتختم في يمينه وقبض عليه الصلاة والسلام والخاتم في يمينه قال بعض من مدحه عليه الصلاة والسلام :

كفّ الرسالة ليس يخفى حسنها***وتمام حسن الكف لبس الخاتم

وذكر السلامي أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم كان يتختم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية (بل لعنه الله) إلى اليسار، وأخذ الأموية بذلك ، ثمّ نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيّام الرشيد (بل لعنه الله) فنقله إلى اليسار وأخذ الناس بذلك (1).

والآن دقق النظر وتأمّل قليلاً وانظر كيفية الديانة عند القوم فإنّهم يديرون ظهورهم للأخبار الصحيحة ويعزفون عن متابعة خلفائهم عداءاً لأهل بيت العصمة ومخالفة لأتباعهم وشيعتهم ويتركون السنة النبوية ويقتدون بالسنّة الأموية ويصرحون بأنّ التختم باليمين لما كان شعار الروافض فيجب عندئذ تركه ، ورفعوا هذا الشعار لأن الروافض لم يقتدوا بابن العاص وثبتوا على السنة النبوية، فياللعجب ولضياع دين سيّد العرب، وقد قلت بديها :

ص: 24


1- المستظرف للشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي 2: 25 ط مصر . (هامش الأصل) وص 432 ط مؤسسة عز الدين، الأولى 1411 ه - 1991 م وفيه الجزء آن الأول والثاني في ترقيم واحد . (المترجم)

تختم باليمين فتلك أعلى***تكن في عد أصحاب اليمين

ولا تجعله عرضة نيل سوء***وفيه اسم المهيمن والأمين

ولا تعدل بذاك إلى شمال***فتحيي سنة الرجس اللعين(1)

الفائدة الرابعة :

اشتقاق آل من أول ، وقال جماعة : وإنّما يقال آل فلان لأنّهم أولهم، والأول

على ثلاثة أوجه:

1 - الأول الجسماني وهو عبارة عن القرابة الصورية والتولد الجسماني.

2 - الأول الروحاني، وهو عبارة عن تعلّم علوم أحد وكسب فضائله والتخلّق بأخلاقه .

ص: 25


1- قال مصنّف الهداية من الحنفية : إن مشروع التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة جعلناه في اليسار ، وأول من اتخذ التختم باليسار خلاف السنة هو معاوية - كما في ربيع الأبرار للمخشري .. وقال ابن تيمية في منهاجه 2 : 143 عند بيان التشبه بالروافض : ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم ، فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السنّي من الرافضي ، ومصلحة التميز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب، ونرى في موارد كثيرة تركهم للسنة مخالفة في العمل بالسنن . وذكر العلامة (مولانا الأميني) كثيراً منها في الغدير 10: 210 فراجع . نتف اسم كتاب أبي عبد الله السلامي : أن النبي كان يتختم في يمينه والخلفاء الأربعة بعده ، فنقلها معاوية إلى اليسار وأخذ بذلك فبقي كذلك أيام المروانية فنقلها السفّاح إلى اليمين ، فبقي إلى أيام الرشيد فنقلها إلى اليسار وأخذ الناس بذلك . واشتهر أن عمرو بن العاص عند التحكيم سلّها من يده اليمنى وقال : خلعت الخلافة من عليّ كخلعي خاتمي هذا من يميني وجعلتها في معاوية كما جعلت هذا في يساري، والروايات والأشعار في ذلك كثيرة ، راجع مناقب ابن شهر آشوب 2 : 75 في لوائه و خاتمه . الصدوق، عن أبيه، عن سعد ، عن ابن علوان، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه ، عن ابن بطريق، عن أمير المؤمنين : أنا سيد الوصيين ووصي سيد النبيين ... وزوجة سيدة نساء العالمين، أنا المتختم باليمين والمعفّر للجبين [أمالي الصدوق : 17 ، بحار الأنوار 39: 341] . (هامش الأصل)

3 - الأول النوراني ، وهو عبارة عن اتحاد النور ووحدة الذات السنخية وهو أشرف أنواع الأول .

وآل النبي الحقيقيون هم الذين تتحقق فيهم تلك الأقسام الثلاثة، ونحن بعد الاستقراء والتتبع الكامل لم نجد هذه الصفات كاملة ولا هذه الجهات تامة إلا في الأئمّة الاثنى عشر ومعهم فاطمة علیهم السلام .

أما الأوّل أعني الانتساب الصوري والتولد الجسماني الظاهر فأمر من الوضوح بمكان .

وأمّا الجهة الثانية فثبت بحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» .

والحيثية الثالثة فثبت من الحديث الشريف «كنت أنا وعلي نوراً» والآية الكريمة : «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ» (1)ويشهد بذلك أهل الانصاف.

وأما من اعتقد من أهل السنّة أن الآل مطلق القرابة أو هم عموم الأمة فقد جانب الانصاف وليست أوّل قارورة كُسرت في الإسلام.

وعقد باباً في كتاب عيون أخبار الرضا لنقل كلام الإمام الرضاء علیه السلام في مجلس المأمون الملعون مع علماء العامة لإثبات الفرق بين الآل والأمة وهو الباب الثالث والعشرون من هذا الكتاب ونحيل إليه طالبي معرفة ذلك لطوله

ولكن للفخر الرازي مع ما هو عليه من شدّة العناد والعصبية في تفسيره الكبير کلام قريب من الانصاف ، يقول : آل محمّد هم الذين يئول أمرهم إليه ، فمن آل أمره إليه وكان أشدّ به وأكمل فهو آله ، وما من شك بأن العلقة بين علي وفاطمة والحسن والحسين وبين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أشد العلقات، وهذا أمر معلوم بالنقل المتواتر فالواجب كونهم هم الآل .

واختلفوا أيضاً في الآل ، فقال بعضهم: الأقارب، وقال بعضهم : الأمة ، فإذا قلنا

ص: 26


1- آل عمران : 34 .

أولئك - الأربعة - أقربائه فهم آله ، أو قلنا بأنّهم أمته فهم آله أيضاً، إذاً هم آله على كل تقدير ، وأما من فهم محل خلاف ولم يقطع بهم أحد ، تم كلام الرازي ونحن نجعل هذا التقريب مطرداً في الأئمة الاثني عشر أيضاً.

الفائدة الخامسة :

لو أردنا إعراب صيغة الدعاء أعني صلّى الله عليه وآله» فإنّها تحتوي على العطف بالواو على الضمير المجرور ب_«على» من دون إعادة الجار -على- أي لم نقل (وعلى آله) شاهد على صحة مذهبنا لأننا أثبتنا في موضعه أنّ الأدعية والكلمات الصادرة عن الأئمة علیهم السلام لاسيما في موضع الدعاء والخطبة وأمثالهما لا سيما عن الصادقين ومن كان قبلهما علیهم السلام حجّة في العربية وقواعدها وتكفي شاهداً على إثبات اللغة لأن رواتنا لا يقلون عن الأصمعي الناصبي وأبي عبيدة الخارجي - المرتكبين لكل محظور وقبيح - والصادقين علیهم السلام في علم العربية ليسوا بأدنى منزلة من جرير والأخطل والفرزدق .

لاسيما في الزيارة الشريفة التي علمت سلفاً بأنّها حديث قدسي وه-و ف-ي حجيته كالقرآن والحديث النبوي الشريف، ومن هنا يعلم أن توقف الشيخ الأجل أبي الفتح الكراجكي في جرّ الآل في أدعية الصحيفة بالعطف، والتزامه بنصبه عطفاً على المحلّ كما جاء في حاشية السيد المحقق الداماد ونقل عنه ما هو إلا اقتصار على رأي بعض القشريين من النحاة والصحفيين من علماء العربية، ويعضد ذلك قرائة حمزة للآية الكريمة «تَسَائَلُونَ بهِ وَالأَرْحَامِ» بجر الأرحام (1)شاهد على هذا الدعوى ، وما جرى من اعتراض صاحب الكشاف عليه خطل في الرأي من غير مبنى، وتحقيق هذا الباب لا يناسب هذا الكتاب.

ص: 27


1- راجع مجمع البيان في تفسير الآية الأولى من سورة النساء.

اللهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيهاً بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلام فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ ..

الشرح : الجعل على قسمين :

الأوّل: البسيط ومعناه إنشاء نفس الذات، وهذا الجعل بناءاً على قوانين العربية لا يحتاج إلى أكثر من مفعول

والثاني : الجعل المركب وهو إيجاد الصفة في الطرف الثالث وهو يحتاج إلى مفعولين .(1)

والجعل في هذه العبارة الشريفة من القسم الثاني كما هو واضح . الوجيه مأخوذ من الوجه بمعنى الجاه كما ورد في عبارة البخاري وقد مرّت عليك: «وكان لعلي وجه في حياة فاطمة» .(2)

والدنيا تأنيث الأدنى، ويعتمد على موصوف محذوف يمكن تقديره ب_«النشأة» أو الدار ، ومثله الوجه في تأنيث الآخرة ، والسبب في وصف النشأة بالدنيا وهي أفعل تفضيل يمكن أن تكون للمبالغة في الدنو أو الدنائة. ويستعمل أفعل التفضيل أحياناً في شدة اتصاف الشيء بالشيء بحيث كأن المفضل عليه مجازاً لا اعتبار لوجوده بأزائه كما صرّح بذلك الخفاجي في شرح الدرة، ونقل

ص: 28


1- الجعل - بالفتح وسكون العين المهملة - في اللغة بمعنى «كردن» على ما في الصراح وهو عند الحكماء على قسمين .. جعل بسيط وهو جعل الشيء وأثره نفس ذلك الشيء فلا يستدعي إلا أمراً واحداً ولا يكون بحسبه إلا مجعولاً فقط وحاصله إخراج شيء من العدم إلى الوجود، وقد أشير إليه في القرآن : «وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ» . و جعل مركب : وهو جعل الشيء شيئاً وأثره مفاد الهيئة التركيبية الحملية أعني اتصاف الماهية بالوجود من حيث أنه غير مستقل بالمفهومية ومرآة ملاحظة الطرفين وهو يتوسط بين الشيئين فيستدعي مجعولاً و مجعولاً إليه .. راجع : کشاف اصطلاحات الفنون 1 : 566 و 567 . (المترجم)
2- مرّت في المسألة الثانية شرح أسست أساس الظلم». (هامش الأصل)

عن غيره والاستعمال والتتبع شاهد عليه، وأحياناً يلاحظ فيه معنى التفضيل على عالم البرزخ الملحوظ هنا وهو عالم المثال والخيال المنفصل والملكوت الأدنى في اصطلاح علماء الإشراق والعرفاء ذوي الأذواق ، ولما كان عالم البرزخ له صلة بعالم الآخرة صار متوسطاً في الاعتبار، والدنيا نشأة متأخرة ، وبهذا الاعتبار سمّيت الدنيا كما جاء في فقرة الزيارة الجامعة : «وحجج الله على أهل الدنيا والآخرة والأولى» شريطة أن لا تكون الأولى إشارة إلى عالم الأظلة أو الذرّ بناءاً على بعض الاحتمالات.

وقال الحكماء : لقد أشار الله إلى تثليث العوالم ، فالآية الكريمة : «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ» (1)لأنّ في هذه النشأة الحسي والتخيلي والعقلي والتذكّر يوجب أن نقول في العالم كله وفي الإنسان الكبير توجد عوالم ثلاث :

الأوّل: عالم الحس وهو نشأة الماديات .

والثاني : عالم التخيّل وهو موطن الصور المجرّدة من المواد الكثيفة العنصرية لأنّ خلوّ الصورة من المادّة خلاف البرهان، والذين نفوا المادّة عن عالم التخيّل كان نفيهم منزلاً على تفسيرنا حيث قيّدنا عالم التخيّل أو الصور المجرّدة بالعنصرية الكثيفة لئلا تستوجب اللوازم الدنياوية لكي يكون ما وردنا عن الشرع من حركة هذا العالم وترقيه وانتفاعه بالدعاء والمثوبات وأعمال الأخلاف والأقرباء الصالحة والأصدقاء والمؤمنين صحيحاً، وهذه الأمور وردت عن الشرع بصورة مقطوع بها بل حتى الرؤيا الصادقة والأمارات الأخرى.

والثالث : عالم التعقل وهو التجرّد من جميع اللوازم الدنياوية والمضايقات العنصرية وتعلقاتها هذا وإن لم تفترق عن المادة من رأس بل لابد من وجود مادة

ص: 29


1- الواقعة : 62

رقيقة لطيفة موجبة للتحوّلات العرضيّة معها بحكم تلازم الهيولا والصورة كما أشير إلى ذلك سابقاً وهذا هو عالم الآخرة الذي هو عالم الخلود والحياة الأبدية

«وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ» (1).

تنبيه :

جاء في تفسير الفخر الرازي المذكور أن الوجيه الذي يكون له وجه أي يكون .. معروفاً ،بالخير، وكلّ أحد وإن كان عند الله معروفاً لكن المعرفة المجردة لا تكفى فى الوجاهة فإنّ من عرف غيره ليكون خادماً له و أجيراً عنده لا يقال : هو وجيه عند فلان وإنّما الوجيه من يكون له خصال حميدة تجعل من شأنه أن يعرف ولا ينكر وكان كذلك .(2)

ولم أعثر لهذا التفسير على وجه ولا أعرف له موافقاً في سائر الآثار ، ولا تقتضي ذلك قواعد اللغة ، ولو صح ما قاله فلا موقع للنقض بالخادم والأجير وهما معروفان. وجملة القول : إنّ ما يجب معرفته فى هذا المجال هو : كيف تحصل الوجاهة عند الله في دار الدنيا، الآية الكريمة : «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ» (3)تحكم بأن الكرامة والوجاهة تناط بالتقوى عند الله تعالى، وللتقوى ثلاث مراتب :

الأولى : التقوى في العقائد ومعناها استقامة الدين وإحكام الإيمان .

الثانية : التقوى في الأعمال وهي عبارة عن الورع عن المحارم واجتناب المآثم وملازمة الواجبات وإدامة الطاعات وهذه المرتبة يجب تحصيلها بعد المرتبة

الأولى.

ص: 30


1- العنكبوت : 64 .
2- الفخر الرازي ، مفاتيح الغيب 25: 233 ط دار إحياء التراث العربي الثالثة - بيروت .
3- الحجرات : 13 .

الثالثة : التقوى في الأخلاق والملكات ، وذلك أن يقرأ المرء في مصحف قلبه فإن عثر على رذيلة فيه فهي بمنزلة آية العذاب فعليه أن يمحوها من قلبه بالبكاء والقرع والاستعاذة، وإن عثر على خصلة حميدة فهي بمنزلة آية الرحمة يشكر الله عليها ويسأله ثباتها ودوامها وأن يرزقه نظائرها وأمثالها لكي يستطيع بالجهاد التامّ والمشقة الكاملة دفع الراذئل وجلب المحامد وتحصيل المحاسن .

وهذه المراتب بأجمعها متوقفة على العلم لأنّ الجهل عجز ، ومن هنا يعلم بأنّ الكرامة عند الله تعالى مشروطة ومنوطة بالعلم كما قال سبحانه: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (1)وقال في آية أخرى : «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (2)ويقول فى آية ثالثة : «أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ» .(3)وليس مقصودنا من العلم هو الفاقد للعمل إلا أن يتحدا تماماً كالمقصود من التقوى في مرحلتها الأولى إن هي إلا الإيمان، ومقصودنا ذلك العلم الذي هو الاعتقاد القلبي والتحقق الواقعي مع الإذعان بصفات الربوبية والتصديق بالأنبياء والأئمة والكتب والملائكة والحشر والنشر المعبّر عنها بالمبدأ والمعاد.

وحاصل الحديث أن الزائر يطلب من ربّه في هذه الزيارة أن يسدّده للعروج في مدارج العلم والعمل بواسطة الاعتصام بالعروة الوثقى ومحبة الحسين والتمسك بالحبل المتين لكي يشمله رضى الله في الدنيا ويصل في الآخرة إلى مقام القرب ودرجة الأولياء .

اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين علیه السلام في الدنيا والآخرة بجاه محمد وعترته الطاهرة.

ص: 31


1- المجادلة : 11 .
2- الزمر : 9 .
3- الرعد : 16 .

يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَى فَاطِمَةَ وَإِلَى الْحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ ، وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ وَأَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ ذَلِكَ وَبَنِى عَلَيْهِ بُنْيَانَهُ ، وَجَرىٰ فِي ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَىٰ أَشْياعِكُمْ...

الشرح : التقرّب تفعّل من القرب، وصيغة التفعّل في هذا الباب يمكن أن تكون للطلب ولعلّها للمبالغة والأوّل أظهر .

وعبارة صاحب القاموس : تقرب به إلى الله تقرباً و وتقراباً يعني كتملاق أي طلب القربة والوسيلة من عنده (1)تشهد بذلك ، وإن لم يكن حجّة في نفسه ؛ لأن دعوى السماع من الواضع في هذا الموضع غاية في البعد ، والاستعمال على كلا الوجهين يمكن انطباقه وظاهر العبارة المذكورة فى الزيارة أنّ الباء بعد التقرّب تكون باء السببية - بموالاتك - ويستبعد في هذه الفقرة الواردة في الزيارة أن تكون للملابسة، ويكون المعنى هكذا: إنّي بولايتك والبرائة من عدوّك أطلب القرب أو شدّة القرب منك ، وما من شك فى أنّ المراد بالقرب هنا هو القرب المعنوي لا القرب المكاني.

ولا يحصل ذلك إلا بملازمة الطاعات ومجانبة المعاصي، والتخلق بأخلاق الله تعالى لينعتق من الإيمان الصوري ويتلبس بالإيمان الحقيقي «فإنّ لكلّ حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً».

ص: 32


1- إليك ما وجدته في القاموس : وتقرب به تقرّباً وتقراباً - بكسرتين - طلب القربة به . لم يزد على ذلك شيئاً . 1 : 158 ط دار الوفاء - جده - أولى 1406 تحقيق الدكتور أحمد عبد الرزاق الكبيسي . (المترجم)

الموالات : معناها المحبة والولاية ، وقد شرحنا سلفاً دلالة الولاية التي حقيقتها القرب على المودة .(1)

ويصاغ باب المفاعلة هنا من أجل تقوية المعنى المجرّد ؛ لأنّ اختلاف الصيغة وزيادة المباني والحروف في اللغة لا تخلو من نكتة ، وإن لم يصرّح العلماء غالباً بهذا المعنى في باب المفاعلة، إلا أن عامة قوانين اللغات وخصوصيات الكلمات ما هي إلا جوهرة الفنّ بيد أساطين الصناعة، وهي تقوي هذا الخيال وتقرّب هذا الاحتمال .

كل هذا يقال بعد صحة افتراضنا أن الولي في اللغة بمعنى المحبّ، ولكنّ بعضهم نفى هذا الاستعمال وبناءاً على هذا فإنّ استعمال الموالات والتولّي في المحبّة بملاحظة ملازمة تأكد القرب الذي هو مدلول الصيغة مع المحبّة، وعلى هذا يكون الولي مأخوذاً من الموالات مثل البديع من الإبداع ، وهذا الكلام يحتمل المناقشة في الجملة والتأمل .

وإن كان يستعمل في المتّبع على كل حال، والله العالم.

نصب : في أصل اللغة : كلّ ما نصب فجعل عَلَماً(2). وأكثر معاني هذا اللفظ من قبيل «النصب النحوي» والنصب الفناء الخاص، والنصيب بمعنى السهم من القسمة والنصاب بمعنى الحدّ ، والنصب بمعنى المعبود الباطل يرجع إلى هذا الاستعمال.

ومن وجوهه ما يقال من نصب له العداوة أو نصب له الحرب أو ناصبه العداوة. ومن فرع هذا الاستعمال الأخير «نصب» بمعنى عادى أمير المؤمنين علیه السلام ، وليس هذا المعنى من فروع المعنى اللغوي الأصلي إذ لا يعقل أن يضع الواضع

ص: 33


1- في شرح الفقرة برئت إلى الله وإليكم منهم ومن أتباعهم وأشياعهم وأوليائهم» . (هامش الأصل)
2- لسان العرب 1 : 758 (المترجم)

لفظاً وهو جزء من أصل وضع عام ، فلا تستعمل في معناه الذي وضع له إلا بعد أزمنة متطاولة، ويكون كل هذا ملحوظاً للواضع ، ويضع له لفظاً مع أن نصب لا تأتي بمعنى العداء على أيّ ،وجه، ولكنه لفظ حذف متعلّقه وهو العداوة، وكثر استعماله حتى صار يستعمل مجرّداً عن متعلقه في معناه. وما يقصده بعض اللغويين من قوله : إن نصب مجاز في عداوة أمير المؤمنين علیه السلام يقصد هذا المعنى الذي حققناه .

و من هنا يظهر خطأ ما تخيّله صاحب الحدائق من أن النصب في اللغة حقيقة هو التدين ببغض علي أمير المؤمنين علیه السلام استناداً إلى ظاهر عبارة القاموس الذي قال : «.... النواصب والناصبية وأهل النصب : المتدينون ببغضة علي» (1)ال ولا وجه له ؛ لأن مهمة اللغوي لا تنحصر في بيان جزئيات موارد الاستعمال، والاستعمال أعمّ من الحقيقة، وقد علمت أن احتمال كون اللفظ حقيقة في هذا المعنى لا يتمشى مع واقع الوضع.

علاوة على أن عبارة صاحب القاموس نفسها تنادي بخلاف دعواه لأنه قال بعد العبارات المنقولة «لأنّهم نصبوا له أي عادوه» لأنّ صريح صريح هذا الكلام أنّ الاستعمال من باب إطلاق الكلّي على الفرد لا من جهة أخذ الخصوصية في مفهوم اللفظ وتفسير النصب بالعداوة من جهة إفادة حاصل المعنى وتقريب الدلالة هي التي بيناها .

ومن هنا يُعلم أنّ من التزم بمجازيّته فإنّما هو من باب إطلاق الكلّي على فرده وغفل عما اعتبره الأصوليون من كون ذلك حقيقة أيضاً ولكن كونه حقيقة بهذا

ص: 34


1- «النواصب والناصبية وأهل النصب المتدينون ببغضة علي لأنهم نصبوا له أي عادوه». القاموس 1: 177. (المترجم)

الوجه لا يفيد صاحب الحدائق شيئاً ؛ لأن غرضه المبغوض وهو أمير المؤمنين في المفهوم الحقيقي للفظ ، وقد ظهر حاله .

جری : بمعنى سال ، وحكي عن الراغب أن «الجري» المرّ السريع ، وأصله في الماء ونحوه، وأحياناً يكنّى به عن الاستمرار باعتبار أن الفعل الذي ينقطع لا جریان ،له واستعماله في جري الفرس وجري السفينة وساير مواضع الاستعمال هو على سبيل التشبيه أو التوسع ، وإنّما سمّيت الأمة جارية لأنها تجري في الخدمة .

يقول في المصباح الجارية السفينة سميت بذلك لجريانها في البحر، ومنه قيل للأمة جارية على التشبيه لجريانها مستسخرة في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابة لخفتها ، ثم توسعوا فيها حتى سمّوا كل أمة جارية وإن كانت عجوزاً لا تقدر على السعى تسمية بما كانت عليه .

والمحكي عن المحيط : إنّما سمّيت جارية لأنّها تجري في الحوائج.

وقال في أساس البلاغة : وسمّيت جارية لأنها تستجري في الخدمة.

والمحكي عن المهذب وقانون اللغة مثله

وعبّروا في بعض الكتب عن الجارية بالقينة - بقاف وياء مثناة تحتية ونون - وهي مؤنّث القين بمعنى الأمة كما أن القين معناه العبد ، وغفل صاحب القاموس عن هذه الكلمة غفلة صعبة وصحفها تصحيفاً عجيباً لأنه قرأها «فتيية» مؤنّث فتى ، ولما رأى أن هذا الإطلاق ليس صحيحاً لإطلاقه على الجمل والفرس وأمثالهما ، ألحق من نفسه لفظ من النساء النساء ء وقال: «الجارية الفتية من النساء» ولم يوجد في كتب اللغة عن الجارية أنّها الفتية من النساء، وإن كان منه غير عجيب فإنّ له في ذلك اليد الطولى والمرتبة العليا .

ومجملاً نقول : المراد بالفقرة من الزيارة «وجرى في ظلمه وجوره عليكم» أنّه استمر في طريق ظلمه وجوره. و«عليكم» متعلق بالظلم والجور، وحكي في

ص: 35

بعض النسخ أن الفقرة السالفة كما يلي: جرى ظلمه وجوره ... بحذف «في وبناءاً على هذا يكون المراد من الجريان الوقوع ، ولأنه احتوى على معنى آخر في نفسه وهو أن نسبة الجريان بالذات لا بالحدث، وهذا المعنى يتوقف على رمزية الاعتبار وزيادة النكات اللطيفة وهو تصرّف في اللفظ، موجب لحركة الذهب والانتقال إلى المعنى وهو في النفس أوقع وفي القلب أحلى.

وغالباً ما به يناط حسن التعبير كما أن أصحاب القرائح اللطيفة والأذهان الدقيقة الذين يتعاطون لطايف البيان وبدائع الكلام لأول وهلة يتوجهون إليه ومن فقد هذا الذوق والمزاج فلا ينفعه طول البيان وكثرة التطويل «ومن لم يستضيء بمصباح لم يستضيء بإصباح».

فائدة استطراديّة

ثبت كفر النواصب بالإجماعات المستفيضة والأخبار المتكثّرة المعتبرة المنجيرة بعمل الأصحاب، ولكن وقع الخلاف في تحقيق الموضوع وتعيين مفهوم الناصب في أخبار الباب، وعبارات الأصحاب، لأنه ورد في الأخبار «الناصب لأهل بيتى حرباً ...» وجاء تفسيره في بعض الأخبار: «هو من نصب العداوة لأهل بيت محمد»، وفي أخرى: «من دان بمعاداتهم»، وجاء في موضع منها: «من نصب العداوة لعلي علیه السلام»، وفي خبر آخر «من أعلن بالعداوة» وفي رواية أخرى: «من نصب العداوة لشيعتهم» وفي طريق آخر: «من قدم الجبت والطاغوت» كما استقصى ذلك بعض الفقهاء المعاصرين، وترجع هذه الأخبار غالباً إلى معنى واحد وهو : «التديّن ببغض أهل البيت».

كما وردت في عبارة القاموس، وإن اختص ذلك بأمير المؤمنين علیه السلام كبعض الأخبار وإنّما اختص به دون من عداه فلأنه من أجلاء أهل البيت بل كان سيّدهم وصار من لوازمه إظهار العداوة له وإعلانها، ونصبها ، وصار محكاً لذلك، ونصب

ص: 36

الحرب أحد أفراد النصب، ونصب العداوة لشيعته علیه السلام راجع إلى نصب العداوة له لأنهم شايعوه وتابعوه، وعندنا في علوم ماوراء الطبيعة ثابت أن الحكم على المحيّث راجع إلى الحيثية لوجوب رجوع ما بالعرض إلى ما بالذات.

وتقديم الجبت والطاغوت المراد منه ما نفي بسببهم استحقاق عليّ للمحبة كما يظهر ذلك في رسالة الجاحظ فإنّ الملاحظة منه أنه في الوقت الذي يقدّم أبابكر على أمير المؤمنين ، يتضمن التقديم نفى الفضيلة عن أمير المؤمنين .

والمراد بقولنا التدين بالنصب او النصب هو التديّن بكذا إظهاره من الدين لا الاعتقاد الواقعي بالعداوة لأهل البيت علیهم السلام عتقاد الواقعي ليدخل كفر الجحود الذي هو أشد أنواع الكفر .

وحديث جنادة عن الإمام الحسن علیه السلام أنه قال للحسين علیه السلام : «كلهم يتقرب إلى الله» (1)يشير إلى هذا المعنى .

وإلا فلا يعقل أن مرادهم التقرّب الحقيقى فإنّ من غير المعقول أن يتأتى ذلك من جميعهم بعد ظهور البينات وقيام الحجج وقرب عهدهم من أمير المؤمنين علیه السلام ورسول الله صلی الله علیه و آله وسلم و إن كان متصوّراً من بعضهم.

ص: 37


1- ثابت ابن أبي صفية الثمالي قال : نظر علي بن الحسين السيد العابدين إلى عبيد الله بن العباس بن عليّ ابن أبي طالب فاستعبر ثم قال : ما من يوم أشدّ على رسول الله من يوم أحد ؛ قُتل فيه عمّه الحمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب . ثم قال : ولا يوم كيوم الحسين ، از دلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عزّ وجل بدمه وهو بالله يُذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً [الخصال 1: 68 ، أمالي الصدوق : المجلس 70 الرقم 10 ، بحار الأنوار 44: 298 ، عوالم العلوم : 348] . قال ابن نما : ثم دعا جندب بن عبد الله الأزدي وكان شيخاً ، فقال : يا عدو الله ، ألست صاحب أبي تراب ؟ قال : بلى لا أعتذر منه . قال : ما أراني إلا متقرباً إلى الله بدمك . قال : إذاً لا يقربك الله منه بل يباعدك . قال : شيخ قد ذهب عقله، وخلى سبيله [بحار الأنوار 45 121]. (هامش الأصل)

إذن يكون معاوية وعمرو بن العاص والمنصور وهارون وأشباههم الذين عندهم علم تفصيلي بفضائل الإمام ومع ذلك يظهرون له العداوة من أعظم النواصب .

وأخيراً، بعد تأملنا في مؤدى مجموع الأخبار ظهر ذلك جلياً لدينا، ومثله يقال في كلمات أصحابنا عن النصب والنواصب فإنّه من الممكن إرجاعها إلى هذا المعنى غالباً ، ولم يظهر عليهم الحكم بكفر أهل الخلاف قاطبة ما عدا هذه الطائفة أي لم يظهر عليهم ترتيب آثار الكفر بحسب الظاهر عليهم؛ لأنّ الإجماع مفقود بالضرورة ، والأخبار خاصة بالنواصب وقد بيّنا معناه، ولا وجه لادعاء النصب لجميع أهل الخلاف بمقتضى رواية المعلى بن خنيس: «ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد أحداً يقول إنّي أبغض محمّد وآل محمّد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولّونا وتتبرّؤوا من أعداء نا» (1)لأنّه بعد غضّ النظر عن ضعف طريق الخبر ، يكون فحواه بعد التأمل أنه لا أحد يجاهر بعداوة النبي وآله ويبارزهم بل يظهرون عداوة الشيعة تعبيراً عن عداوتهم لهم وبالطبع هؤلاء هم النواصب .

ولكن الكلام في الصغرى لأن عوام العامة لا يحملون العداوة للشيعة من هذه الناحية أي لاتباعهم آل محمّد بل عداوتهم راجعة إلى البرائة من الصحابة حيث يفعلها بعض الشيعة والعامة لا يعدّون أنفسهم عدوّ آل محمّد لأنّهم أنفسهم يلعنون عدوّ آل محمد والنزاع بيننا صغروي وإن كنا بعون الله أثبتنا هذه المقدّمة الممنوعة من كتبهم أنفسهم، ولكن إلزامنا لهم لا دخل له باعتقادهم الفعلي، ولو فرضنا جدلاً أنهم يحملون في ضمائرهم عداوة كامنة للآل فإنّه لما لم يكن لنا

ص: 38


1- معاني الأخبار : 104 . (هامش الأصل) وجرى تطبيقه، وبعد الحديث : وقال : «من أشبع عدواً لنا فقد قتل ولياً لنا» . (المترجم) علل الشرايع : 200 عن عبد الله بن سنان عن الصادق . بحار الأنوار 27 233 ط تهران (هامش الأصل)

دليل عليها فإننا لا نستطيع أن نعاملهم معامله الكافر ؛ لأن مناط الحكم يعود إلى الإعلان والإظهار كما اعتبرتهما الأخبار، كاشفين عن التدين الحقيقي كما مرّت الإشارة إليه بالشرح السالف .

وأمّا الأخبار الواردة بكفر مطلق أهل الخلاف فإنّها لما كانت معارضة بالأخبار الواردة في معاملتهم كما لو كانوا مسلمين من حيث الطهارة وجواز المعاشرة والمؤاكلة وحلّ المناكحة والمصاهرة وأكل ذبائحهم، والأخبار المتظافرة - ب--ل المتواترة الواردة في الفرق بين الإسلام والإيمان المبثوثة في مطاوي كتب الأخبار سيما الكتاب الجليل القدر والعظيم الشأن الكافي، في الباب المعقود لهذا المعنى ، المتفقة مع السيرة القطعية المحققة التي لا تحتمل الترديد والشك، تنزل منزلة الكفر الباطني . إذ لا مانع باختلاف أحكام الكفار لاختلاف أقسامهم، وهذا المعنى ثابت في الجملة بين الفريقين واستشعرت طائفة هذا الفرق من عبارات الفقهاء في موارد خاصة، ويستشم هذا المعنى من عبارات الشيخ في التهذيب وعبارات السيد في تنزيه الأنبياء.

وظهر من مجمل ما قلناه أن القول بكفر مطلق أهل الخلاف ووجوب الاجتناب الفعلي منهم لا وجه له في وادي التحقيق وإن كان صاحب الحدائق مصراً بإصرار بليغ على التصدّي لإثبات هذا الأمر، واعتضد بطائفة من الأخبار وكلمات الفقهاء الأخيار ، وإذا لم يكن فى هذه الأخبار دليل على خلاف مدعاه فليس فيها دليل على إثباته ، أو إنّها قابلة للتأويل بتوجيه قريب. ومع كل هذا فقد طعن طعناً بليغاً وعرّض تعريضاً أكيداً على المتأخرين على وجه ينافي فضله وهو من أهل الفضل ، ولا يليق بمقامهم المنيع. ونحيل على الكتب المفصلة في بسط الكلام حول هذا المقام ولم نقصد إلا بيان لمعة منه هنا ، وإظهار لمحة من حقيقته، والله الموفق .

ص: 39

وجملة القول أن ما حققناه من مجموع ما جاء في هذه الفائدة أن الإشارة إلى کفر محاربي سيّد الشهداء علیه السلام في الفقرة : «من نصب لك الحرب» من المسلمات بل إنّ هذا المعنى من ضروريات المذهب الشيعي ، ولا يحتاج إلى الاستدراك . لأنّه علاوة على كون هذه المحاربة أمارة النصب وهي على التحقيق السبب المستقل لكفر هذه الطائفة من الخوارج والفئة الباغية، فإن الخروج على الإمام وهتك حرماته والتصدّي لقتله وسفك دمه المقدّس ، كل واحد منها سبب ت-ام للكفر فإنّها قد اجتمعت في محاربي سيّد الشهداء ، ولا حاجة بنا إلى إثبات كفر هذه الطائفة بل الطائفة السابقة التي هي مطلق النواصب التي يرجع كفرها إلى مسألة إنكار الضروري كما يظهر ذلك من كلام بعض الأساطين ؛ لأن مسألة كفر منكر الضروري محلّ خلاف هل هو لجهة الموضوعية أو بسبب الكاشفية؛ فإنّ طائفة من كبار المحققين المتأخرين مثل المقدّس الأردبيلي والفاضل الهندي وجمال المحققين والمحقق القمّي وأستاد اساتيد عصرنا في الرسائل وغيرهم قدّس سرّهم ذهبوا إلى الاحتمال الثاني وهو الأقوى.

وبناءاً على هذا لا يحكم بكفرهم مع وجود الشبهة، وهذا المعنى مقطوع بفساده في حق المحاربين والخوارج، وفي حق النواصب خلاف الظاهر إذن الأولى أن نرجع في إثبات كفر هذه الطوائف إلى الأدلة التي تكفّرهم خاصة ، ولا نرجع المسألة إلى القاعدة الكلية وهي كفر منكر الضروري.

والمتأمّل المتصفح للأخبار أن اعتبار الولاية جزء الإيمان المبثوثة في الأصول المعتمدة والمصادر الوثيقة والكتب الصحيحة لأساطين علماء الشيعة رضوان الله عليهم من قبيل الجوامع السبع العظام (1)وغيرها مجتمعة ومتفرقة، يجزم أو

ص: 40


1- الكافي، من لا يحضره الفقيه ، التهذيب ، الاستبصار ، العلل ، العيون، الخصال. (هامش الأصل)

يشرف على الجزم بأنّ الولاية شأنها شأن التوحيد والنبوة من الأركان الأصلية والعناصر الأسطقسية الأسطقسية للإيمان، وبفقدها تفقد حقيقة الإيمان، ولا تترتب عندئذ أحكام الإيمان على فاقدها بشكل مطلق سواءاً كان ذلك عن قصور أو تقصير.

كما أن حال التوحيد والنبوّة كذلك بالاتفاق أو بضرورة الإسلام. نعم، الفرق الوحيد يتجلى بين القاصر والمقصّر فقد نفى جماعة من المحققين وأهل النظر بالقرائن الصريحة العقليّة والشواهد الصحيحة النقليّة العقاب عن القاصر جازمين بذلك، وتحقق القصور خارج الواقع، ونفس الأمر يتمّ بملاحظة أحوال أصناف البشر ومراجعة أخلاق أخلاط الزمر ، وتأمّل الفروق في القابليات و اختلاف مؤهلات الناس واستعداداتهم من الوحشيّة والتمدن والهمجيّة والقروية والبدوية والزنجيّة والروميّة ، وكونهم رجالاً أو نسائاً فإن ذلك يختلف من حال إلى حال بتفاوت مراتب الوجود وتبيان درجات النفوس، وهذا أمر محسوس ومطلب مشهود

وليس يصح في الأفهام شيء***إذا احتاج النهار إلى دليل

وطعن بعض الأخباريين على بعض أساطين الفرقة ورؤساء المذهب في اختيار نفي العقاب عن القاصر ناشئ عن القصور في الطاعن نفسه .

وكتابة هذه الجملة كانت على سبيل الاستجرار والتطفل، ومحصل الغرض وحاصل المطلب هو أن علماء الإمامية رضي الله عنهم أطبقت كلمتهم على كفر محاربي سيّدالشهداء وجواز لعنهم وسبهم ، وتشهد بذلك أخبار العامة على هذا المدعى بين مصرّحة ،وملوّحة، وسوف ينقل هذا القليل البضاعة بعون الله جلّ ذكره في تضاعيف هذا الشرح طائفة من أخبار الفريقين حول هذه المعاني مفرقة خلال الشرح والإكثار منها في هذا الموضع ينافي شرطنا في الاختصار، والله الموفّق وهو الهادي.

ص: 41

بَرِثْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوالاتِكُمْ وَمُوالاةِ وَلِيُّكُمْ ، وَبِالْبَراءَةِ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، وَالنَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ ، إِنِّي سِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ ، وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ ، وَوَلِيٌّ لِمَنْ والاكُمْ ، وَعَدُوّ لِمَنْ عاداكُمْ ...

الشرح : لما كان الاعتقاد بإمامة أهل البيت علیهم السلام من أهم أصول الدين ، وقوام هذا الأصل بركنين أساسيين : الأول : التولّي ، والثاني : التبري ، كما هي الحال في طبّ الأبدان فإنّ صحة المرء منوطة بالتنقية وهي دفع الأخلاط العفنة والمواد الفاسدة، والتقوية وهي حفظ القوى الأصلية وإعانة الأرواح على تناول الأعمال، وكذلك الحال في طبّ النفوس فإنّ الكمال النفساني أيضاً مشروطة بالتخلية، ومعناها : إزالة الملكات الرذيلة والأخلاق الرديئة، والتحلية ومعناها جلب الملكات العادلة والأخلاق الفاضلة .

إذن ، يكون الطب الإيماني أيضاً بحاجة إلى هذين الركنين ؛ لأن التبري ومعناه البرائة من أعداء أهل البيت يجعل بأزاء التنقية والتخلية. والتولي ومعناه المحبة والودّ لهذا البيت العظيم ، تجعل في قبال التقوية والتحلية المذكورين آنفاً. وبما أنّ الغاية من هذه الزيارة هي إظهار المشايعة والمتابعة الواقعية لأهل البيت علیهم السلام ، وكان قوام ذلك بهذين الركنين السالفين ، لهذا عبّر عنهما بهذه الزيارة الشريفة بأساليب مختلفة ووجوه متعدّدة :

فأحياناً يأتي ذلك ضمناً في لعن أعدائهم على سبيل الاستطراد والاستتباع كأنّما الغليان النفسي والشوق الباطني يثور بذكر مساوئ الأعداء، ويهيج الإخلاص لهم، وانسياقاً وراء مقتضيات المحبّة الجبلية لهذه الثلة المباركة

ص: 42

والعداوة الفطريّة «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا» (1)لتلك القبيلة المعادية يظهر المرء البرائة والتألم منها .

وأحياناً تختص الحال بسيد الشهداء فيجعل المؤمن تولّي أوليائه والتبرّي من أعدائه رأس مال القرب وواسطة التقدّم بين يدي الواحد الأحد جل مجده، وسيد الرسل صلی الله علیخه و آله وسلم وسيّد الأولياء وسيدة النساء والإمام المجتبى علیهم السلام الذين هم أقرب الخلق إلى الله وأحبّ الناس إلى سيّد الشهداء «وأتقرب إلى الله وإلى رسوله» ويتمّ قرائة الفقرة السابقة، وبعد أن يجعل ذلك وسيلة للتقرّب وواسطة للتقدّم يعود فينشأ البرائة الفعليه تأكيداً للبرائة وتقوية للمطلوب ويقول: «برئت إلى الله» .

وأحياناً يعم بخطابه جميع أهل البيت فيتقرب إلى الله بإظهار البرائة من أعدائهم ، والولاية لهم ولشيعتهم فيقول: «وأتقرب إلى الله وإليكم ..... وأحياناً بعبارة أخرى على سبيل الفذلكة وجني النتيجة يقول : «إني سلم لمن سالمكم» إلى آخره.

ومحصل القول هو : من كان معكم فأنا معه ، ومن كان عيكم فأنا عليه ، ليس لي سواكم في الدنيا والآخرة ، أنت لي فحسب، وأنتم سبيل سعادتي ووسيلة نجاتي وقربي.

نگسلد رشته امید گران باری جرم***زمره ای را که شما حبل متینید همه

سیزده تن زشما چاشنی از یکتن یافت***زان نمکدان حقیقت نمیکنید همه

ومع أن الأحاديث الواردة في فضل أولياء آل محمد ومثالب أعدائهم أكثر من أن يمكن حصرها في مكان واحد أو درجها في سفر واحد ، فإننا نكتفي هنا بذكر حديث واحد محكياً عن تفسير الثعلبي مسنداً ومذكور في كتاب الكشاف وتفسير

الرازي الكبير مرسلاً ليكون حجّة على الخصم ، والحديث كما يلي :

ص: 43


1- الروم : 30 .

روی صاحب كتاب ينابيع المودة عن كتاب فصل الخطاب للخواجه محمّد پارساي البخاري النقشبندي وهو من أجلاء عرفاء العامة ومحدّثيهم وعلمائهم أنه قال : روى الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره عن الإمام محمد بن أسلم الطوسي، عن يعلى بن بعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : من مات على حب آل محمّد مات شهيداً .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له .

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً .

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان.

ألا ومن مات على حب آل محمّد بشره ملك الموت ثمّ منكر ونكير.

ألا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة .

ألا ومن مات على حب آل محمّد مات على السنة والجماعة. ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله .

ألا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافراً.

ألا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة (1)(2)الطوسي ، النهاية : 112 . (المترجم) (3)الحديث مترجم. (المترجم) نور الأنوار للمرندي : 272 . (هامش الأصل) (4) نور الأنوار : 272 (هامش الأصل) السرائر 3: 639 ، الصوارم المهرقة : 248 ، بحار الأنوار 27 : 58 ح 17. (المترجم) (5) نور الأنوار : 272 . (هامش الأصل) السرائر 3: 640 ، بحار الأنوار 27 : 58 ح 18 . (المترجم) (6) نور الأنوار : 272 . (هامش الأصل) السرائر 3: 640 ، بحار الأنوار 27: 58 ح 19 . (المترجم) (7)علل الشرايع 1 : 134 ، عيون أخبار الرضا 1: 291 ، أمالي الصدوق : 8، بحار الأنوار 66: 236 . (هامش الأصل) الأربعون حديثاً للشهيد الأول: 65 - 66 الحديث الثامن والعشرون، رسالة في العدالة للشهيد الثاني : 267 ، وسائل الشيعة 16 : 178 ط آل البيت ، بحار الأنوار 27 : 54 ح 8 (المترجم) (8)رجال الكشي : 344 و 391 (هامش الأصل) وص 528 (المترجم) (9) بحار الأنوار 18 : 7 (المترجم) 207:8ط کمپاني (هامش الأصل) (10) تفسير الإمام العسكري : 354 . (المترجم) (11)البرهان، تفسير سورة البقرة ذيل الآية .86 (هامش الأصل) الجلد الأوّل ص 267 السطر 17 (المترجم) (12) بحار الأنوار 27 : 223 ح 11 عن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري . (هامش الأصل) تفسير الإمام العسكري الله : 47 ح 21 . (المترجم) (13) بحار الأنوار 316:50 و 317 (المترجم) وص 317(هامش الأصل) (14) البقرة : 256 . (15) زهر الربيع 2 : 258ط الإسلامية - طهران. (هامش الأصل) زهر الربيع : 291 - 292 ط النجف الأشرف . (المترجم) (16)زهر الربيع 2 : 190 ط النجف الأشرف . (هامش الأصل) مُترجم. (المترجم) (17) شعشعة الحسيني ، أمارة الولاية تأليف زند كرماني ، مطبوع ، ص 51، وفور الأثر تأليف الشيخ محمد رضا الثامني الشيرازي ، مطبوع ، ص 91. (هامش الأصل) مُتَرْجَمْ. (المترجم) (18) شجرة طوبى ، الورقة 180 (هامش الأصل) (19)

ص: 44


1- ينابيع المودة : 399ط اسلامبول . ورواه جمع غفير من علماء العامة، ذكر ذلك في إحقاق الحق 9: 489 مفصلاً (هامش الأصل)
2- بعد ذكر الحديث شرع المؤلّف في ترجمته ملخصاً فعلّق عليه المحقق فقال : البرائة والنقمة على أعداء الدين عدت واحدة من أصول الدين. واعتبرت ذات أجر وثواب كثير ، والآن نذكر بعضاً من أقوال أساطين الدين وندرج بعض الروايات التي عثرنا عليها في الموضوع : 1 - قال الشيخ الطوسي في النهاية : ولا تصل خلف الناصب ولا خلف من يتولى أمير المؤمنين إذا لم يتبرأ من عدوّه إلا في حال التقيّة
3- . 2 - قال رسول الله : أقسم بالله الذي أرسلني بالنبوة واختارني على الخلق كافة أن جبرئيل أخبرني لو أنّ عبداً عبد الله ألف سنة ولم يتولك والائمّة من نسلك ولم يتبرأ من عدوهم فإن الله لا يقبل منه صرفاً ولا عدلاً؛ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر - أو كما قال -.
4- 3 - الصفواني [في أنس العالم] : إنّ رجلاً قدم على أمير المؤمنين فقال له : يا أمير المؤمنين ، أنا أحبك وأحبَ فلاناً - وسمّى بعض أعدائه - فقال : أما الآن فأنت أعور ، فإما أن تعمى وإما أن تبصر .
5- يقول الشاعر : ای که گوئی هم علی و هم رمع***اعوری از نور ظلمت بهره ور یابیاپروانه این نور شو***یا برو خفاش باش و کورشو تحبّ عليّاً وأعدائه***فأنت بمنزلة الأعور فإما ترى نوره كله***وإما كمهت فلم تبصر 4 - قيل للصادق : إن فلاناً يواليكم إلا أنه يضعف عن البرائة من عدوّكم . قال : هيهات ، كذب من ادعى محبتنا ولم يتبرأ من عدونا .
6- 5 - روي عن الرضا إنه قال : كمال الدين ولايتنا والبرائة من عدوّنا
7- . 6 - عن أبي محمد العسكري عن آبائه قال : قال رسول الله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبدالله أحب في الله وابغض في الله ، ووال في الله وعاد في الله ، فإنّه لا تُنال ولاية الله إلا بذلك ، ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادّون وعليها يتباغضون ، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئاً . فقال له : وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عز وجل ؟ ومن ولي الله عزّ وجلّ حتى أواليه ؟ ومن عدوّه حتّى أعاديه ؟ فأشار رسول الله إلى علي فقال له : أترى هذا ؟ فقال : بلى ، قال : ولي هذا ولي الله فواله ، وعدوّ هذا عدو الله فعاده ، قال : وال وليّ هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك ، وعاد عدوّ هذا ولو أنه أبوك أو ولدك
8- . أهمية اللعن وذم تاركه 1 - قال رسول الله : من تألّم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله
9- . 2 - عن أبي حمزة الثمالي قال : قلت لعلي بن الحسين : أسألك عن شي أنفي عنّي به ما قد خامر الامين نفسي . قال : ذلك لك . قلت : أسألك عن الأول والثاني ، فقال : عليهما لعائن الله كلاهما ، مضيا والله كافرين مشركين بالله العظيم .
10- - قال رسول الله : قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملّتي ، يقتلون أفاضل ذريتي وأطائب أرومتي ، ويبدلون شريعتي وسنّتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا ويحيى ، ألا وإنّ الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هادياً مهدياً من ولد الحسين المظلوم، يحرفهم [بسيوف أوليائه] إلى نار جهنم
11- . ألا ولعن الله قتلة الحسين ومحبّيهم وناصريهم والساكتين عن لعنهم من غير تقيّة تسكتهم ، ألا وصلى الله على الباكين على الحسين بن علي رحمة، واللاعنين لأعدائهم والممتلئين عليهم غيظاً وحنقاً .
12- 4 - عن الإمام الصادق عن آبائه عن رسول الله صلوات الله عليهم أنه قال : من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في خلواته أعداءنا بلّغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش ، فكلما لعن هذا الرجل أعداء نا لعناً ساعدوه ولعنوا من يلعنه ثمّ ثنوا فقالوا : اللهمّ صلّ على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه ، ولو قدر على أكثر منه لفعل ، فإذا النداء من قبل الله عزّ وجلّ : قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم وصليت على روحه في الأرواح ، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار
13- . ه - قال علي بن عاصم للإمام العسكري : إني عاجز عن نصرتكم بيدي وليس أملك غير موالاتكم والبرائة من أعداءكم واللعن لهم في خلواتي ، فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال : حدثني أبي عن جدي رسول الله قال : من ضعف عن نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعدائنا ، بلغ الله صوته إلى جميع الملائكة، فكلما لعن أحدكم أعداء نا ساعدته الملائكة ولعنوا من لا يلعنهم ، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه، وقالوا : اللهم صلّ على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل، فإذا النداء من قبل الله تعالى يقول : يا ملائكتي ، إني قد أجبت دعائكم في عبدي هذا وسمعت نداءكم وصليت على روحه مع أرواح الأبرار وجعلته من المصطفين الأخيار
14- . تفوق التولي على التبري أو تقدم اللعن على الصلوات كثير من علماء الإسلام يرون تقديم التبري على التولي ، وأقاموا الدليل على ذلك ، وكتب بعضهم الرسائل المستقلة حول الموضون ، منها «أمارة الولاية» تأليف زند الكرماني مطبوع ، ورسالة «فضل اللعن على الصلاة» وهذه الرسالة مثبتة برقم 2842 في مكتبة «ملك» بطهران وإليك بعضاً من الدلائل والشواهد حول الموضوع : 1 - يظهر فضل التبرّي في كلمة الإخلاص الشريفة «لا إله إلا الله» والآية الشريفة : «فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى»
15- واللعن مائة مره في زيارة عاشوراء على التولي وهو الإقرار بالربوبية والإيمان بالله وذكر السلام، ومن هنا يُعرف أهمية التبري. نقل السيد الجزائري : وُصف للملك ركن الدولة بن بويه الديلمي ، الشيخ الأجل محمد بن بابويه ، و مجالسه وأحاديثه ، فأرسل إليه على وجه الكرامة ، فلما حضر قال له : أيها الشيخ ، قد اختلف الحاضرون في القوم الذين يطعن عليهم الشيعة، فقال بعضهم : يجب الطعن، وقال بعضهم لا يجوز ، فما عندك في هذا ؟ فقال الشيخ : أيها الملك ، إن الله لم يقبل من عباده الإقرار بتوحيده حتّى يفنوا كلّ إله وكلّ صنم عُبِدَ من دونه ، ألا ترى أنه أمرهم أن يقولوا : «لا إله إلا الله» ف_«لا إله» غيره وهو نفي كلّ إله عُبد دون الله و«إِلَّا الله» إثبات الله عزّ وجلّ، وهكذا لم يقبل الإقرار من عباده بنبوة محمد حتى نفوا كل من كان مثل مسليمة وسجاح والأسود العبسي وأشباههم، وهكذا لا يقبل القول بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلا بعد نفي كلّ ضدّ انتصب للأمة دونه . فقال الملك : هذا هو الحق .
16- 2 - في التولي - مثل الصلاة على النبي وآله - سرور الموالي والآل، وفي التبري مثل اللعن على العدو سرور الموالين وكبت المعادين وتعذيبهم وإذلالهم.
17- 3 - الموارد التي جاء اللعن فيها في القرآن الكريم كثيرة تبلغ أعدادها العشرات [ حدود 100 آية ] ولكن موارد الصلوات لا تتجاوز أصابع اليد منها تظهر أهميه اللعن. 4 - للمحبة والتولي مراتب : 1 - المحبة اللسانية . 2 - المحبة القلبية . 3 - المحبة القلبية إلى درجة نصرة المحبوب والدفاع عنه، والتنفّر من عدوّه، ولكلّ واحدة منها درجات. فالمحبة التي تجاوزت مرحلتها الأولى وبلغت إلى مستوى الدفاع والتبري واعتبرت حبيبها العقل الخالص ومنشأكل خير واعتبرت الخصم والعدوّ جهلاً محضاً ومنشأكل شر ، كما جاء في الحديث: «ذكركم ذكر الله «وذكر عدوّكم ذكر الشيطان» ، «إن ذكر الخير كنتم أوله وأصله وفرعه ومعدنه» هي خيرها . ولمّا كان التولّي لا يكشف عن أية مرتبة من المراتب المتقدّمة وكان التنفّر والتبرّي من العدو يحكي عن آخر درجات الحب يمكن أن يظهر أن التبرّي من التولّي أعلى وأعلى. جاء خياط بقميصين إلى الإمام الصادق وقال : واحدة كنت ألعن عدوّكم وأنا أخيطها ، والثانية أصلّي عليكم، فأيّها تختار ؟ فاختار الإمام القميص الذي خاطه وهو يلعن ، وقال : هذه أحب إلي
18- . قال الشاعر : چندی به سفر بودم و چندی به حضر***دیدم بسی زاهل دانش و هنر معلوم شده ز صحبت اهل بصر***ذکری نبود نکوتر از لعن عمر أنا امرئ قطعت عمري بالسفر***صحبت من صحبت من أهل النظر فلم أجد أشهى إلى أهل البصر***أوقع في القلوب من لعن عمر هر کس که گوید تبری ضرر است***آن را نه زدین و زایمان خبر است فرزند علی اگر تبّری نکند***فرزند علی نیست زنسل عمر است
19- من قال عن بغض ذوي النصب لِمَه ؟***ليس له في عالم الدين سمه وليس ينمي لعلي المرتضى***وإنما ينمي إلى ابن حنتمه

ص: 45

ص: 46

ص: 47

ص: 48

من هذا الخبر الشريف يظهر لأهل الانصاف ؟؟؟ والحمد الله على وضوح الحجّة وظهور الكلمة وجريان الحق على لسان الأعداء.

ص: 49

فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي أَكْرَمَنِي بِمَعْرِفَتِكُمْ وَمَعْرِفَةِ أَوْلِيَائِكُمْ، وَرَزَقَنِي الْبَرَاءَةَ مِنْ أَعْدائِكُمْ ، أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...

الشرح : لمعرفة الأئمة علیهم السلام المراتب :

المرتبة الأولى : الإحاطة بمقامهم كما هو حقه ، وهذه المرتبة ليست في حيّز أفهامنا .

جمله ادراکات از خرهای لنگ***او سوار بادپایان چون خدنگ

والحديث الشريف: «من عرفنا فقد عرف الله» يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى(1)علل الشرايع بالإسناد عن سلمة بن عطا عن أبي عبد الله... بحار الأنوار 23 : 83 الرقم 22 ، كنز الكراجكي : 151 وبحار الأنوار 23: 93 الرقم 40 ، وراجع تفسيره في البحار في الموضعين . (2) الاحتجاج : 121 عن أمير المؤمنين، بحار الأنوار 24 : 14 «لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتكم»، بصائر الدرجات : 52 ، بحار الأنوار 24: 251 الرقم 8. (3)بحار الأنوار 26 : 1 و 6 ، راجع أيضاً : مشارق أنوار اليقين : 160 . (4)بصائر الدرجات : 30 ، بحار الأنوار 106:26 ح 5 و 107:26 ح 10 . (5) مناقب ابن شهر آشوب 2 : 27 في مراكب أمير المؤمنين ومراقيه في الآخرة (6) الأعراف: 172 . (7) كشف الغمّة عن الدلائل للحميري ، إثبات الهداة 3: 426 . (8) مناقب ابن شهر آشوب 2: 432 في إمامة جواد الأئمة (9) والحديث المعروف الذي رواه الشيخ الصدوق عليه الرحمة أنّ

ص: 50


1- قال له [أي للحسين] رجل : يابن رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، فما معرفة الله ؟ قال : معرفة أهل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته
2- «ونحن الأعراف الذين لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا»
3- . «یا سلمان و یا جندب ، قالا : لبيك يا أمير المؤمنين ، قال : معرفتي بالنورانية معرفة الله عز وجل، ومعرفة الله معرفتي بالنورانية ... أوّلنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد، وكلنا محمد فلا تفرقوا بيننا، ونحن إذا شئنا شاء الله ، وإذا كر هنا كره الله
4- . سدير عن أبي جعفر ، سمعته يقول : نحن خزان الله في الدنيا والآخرة، وشيعتنا خزاننا، ولولانا ما عُرف الله .
5- الإمام الصادق : الأوصياء من آل محمد الاثني عشر (كذا) لا يعرف الله إلا من عرفهم.
6- أبو هاشم قال : كنت عند أبي محمد فسأله محمد بن صالح عن قول الله تعالى : «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ»
7- ثم ذكر الجواب، إلى أن قال أبو هاشم : فجعلت أتعجب في نفسي من عظم ما أعطى الله وليه وجزيل ما حمله ، فأقبل إلي أبو محمد فقال : الأمر أعجب مما عجبت منه يا أبا هاشم ما ظنك بقوم من عرفهم فقد عرف الله ، ومن أنكرهم أنكره الله
8- . فصاح [الإمام محمد التقي الجواد ] بي : يا عسكر ، تشكون فننبئكم ، وتضعفون فنقويكم، والله لا وصل إلى حقيقة معرفتنا إلا من من الله عليه وارتضاه لنا ولياً
9- . (1) قال النبي يا علي ، ما عرف الله حق معرفته غيري وغيرك، وما عرفك حق معرفتك غير الله وغيري . [ابن شهر آشوب 51:2 في المفردات من مناقبه ، بحار الأنوار 39: 84ط طهران] (2) قال أمير المؤمنين في كلام له مع سلمان وأبي ذر : يا سلمان ويا جندب ... لأننا كلنا واحد، أوّلنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلنا محمد فلا تفرقوا بيننا . [بحار الأنوار 26: 7، وتقدم ما يدل على ذلك وتأتي في أحاديث أخرى - أيضاً - ذيل فقرة «أسأله أن يبلغني المقام المحمود الذي لكم عند الله»]

النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : يا علي ، ما عرف الله إلا أنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا ...(1). بناءاً على ثبوت أحكام أمير المؤمنين للأئمة من ولده أن يكون شاهد صدق على المدعى ؛ لأنّهم شركاء في الخصائص والأحكام والصفات كما ورد في الأخبار (2) .

المرتبة الثانية : الاطلاع على أسرارهم ،وسرائرهم، والوقوف على بواطنهم وضمائرهم إلى المثوى الذي لا يخرج عن الإطار البشري، ولهذا أيضاً مراتب وهو مقول على التشكيك ، ودرجة الخصيصين من الشيعة والصدّيقين والأولياء،

ص: 51

ويظهر من أخبار أهل البيت أن سلمان الفارسي وأبا حمزة الثمالي ويونس بن عبدالرحمن مولى آل يقطين وجماعة آخرين وصل كلّ واحد منهم إلى مرتبة من مراتب هذا المقام. ويستفاد من مجموع الأخبار أنه ليس في الصحابة أفضل من سلمان ، وهذا الحكم لا يجري في أهل البيت لأن سلمان وإن كان منهم إلّا أنّه مُنَزَّل إلى ذلك تنزيلاً، وهو من المحقق من الطائفة أي من أهل التشيع .

المرتبة الثالثة : الاطلاع على مراتب كمالاتهم ومدارج مقاماتهم العالية كما يظهر ذلك من أخبار أهل البيت وآثارهم الشريفة من العلم والحلم والتقوى والشجاعة والسماحة، واحتياج جميع الخلق في جميع أمورهم إليهم.. وكونهم وسطاء لجميع الفيوض الإلهيّة والمواهب الربانية ، ولهم الإمامة على ما في الوجود جميعاً، وهذه المرتبة هي مقام العلماء والفقهاء والمؤمنين والحكماء والعرفاء ومن اقتبس من مشكاة أنوارهم أو اغترف من بحر فضائلهم المحيط أكثر يكون أرسخ قدماً في هذه المرحلة وأرفع درجة فيها.

المرتبة الرابعة : الاعتراف بإمامتهم ومالهم من الكمالات إجمالاً وهذه حظ العوام من الناس.

وهذه المراتب جميعاً تتفاوت على نحو التشكيك فتكون عند بعض أجلا وأكمل منها عند البعض الآخر ، ويرجع إلى اختلاف الاستعداد عند الأصحاب. لمؤلّفه :

واختلاف الهيولات دليل***لاختلاف الحظوظ والأنصباء (1)

وتجري المراتب الثلاثة بل الأربعة في معرفة أوليائها على حسب مراتبهم أيضاً. والمعية على ثلاثة أقسام ...

المعيّة القيوميّة وهي عبارة عن الإحاطة بوجود الشيء بالحيثية التي يستحيل

ص: 52


1- والبيت مضطرب وزناً ومعنى (المترجم) ديوان المؤلف : 12 .

معها الانفكاك ، ومعنى ذلك أنّ المقيم لو سلب علاقة الإقامة منه ينعدم من الوجود، وهذه المعيّة هي معيّة الله مع خلقه . «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ»(1). قال النظامي ونعم ما قال:

زیر نشینی عَلَمت کائنات***ما به تو قایم چه تو قائم بذات

الثاني : معيّة المصاحبة وهي عبارة عن انضمام شيء لشيء بحسب الجسمانية کانضمام شخصين لبعضهما البعض أو خطين أحدهما إلى الآخر.

الثالث : المعيّة الروحانية وهي التماثل في الأخلاق والأطوار والتشابه في السلوك والأفعال، وهذه المعية عموماً نادرة جداً وهي قليلة الاتفاق .

وما يطلبه السائل من الله تعالى هو المعيّة الروحانية مع أهل بيت النبوة في الدنيا والآخرة، وهذا المعنى لا يتحقق إلا إذا تدرّجت النفس في مراقي الكمالات وأماطت عنها رداء الرذائل وجلت صدأ الشقاوة بصيقل العلم والعمل من مرآة القلب لكي تنعكس هذه الأنوار المقدّسة بحسب مرتبتها وتتلألأ ظلالها في ذاتها . وحينئذ تبلغ درجة المعيّة حتماً ويقيناً. فتبين من هذا أن روح المعيّة هي المعيّة الأولى وهي لا تتم إذا فقدت السنخية .

ولمّا كان مقدّمة هذا العمل تولّي الذوات القدسيّة والأنوار الإلهيّة بحقيقة الولاية وتمام المتابعة، ويناسب ترائي هذه الدرجة معرفة الله بحق وذكره من خلال هذه المعرفة، لأنّ ذلك ذاتاً وسيلة عظمى لنيل هذا المقام وصفة جمالية يوجب ذكرها تحريك سلسلة الإجابات، فيسأل الله نيل هذا المقام .

وبناءاً على هذه الملاحظة استعملت فاء التفريع بعد البرائة وأثبت الله تعالى صفة الإكرام بمعرفتهم .. «وأكرمنى بمعرفتكم» لكي تكون موجبة لجلب أمثال هذا الشرف وإعطاء أمثال هذه الكرامة ، والله أعلم .

ص: 53


1- الحديد : 4 .

وَأَنْ يُثَبِّتَ لِي عِنْدَ كُمْ قَدَمَ صِدْقٍ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ...

الشرح : جاء معنى القدم في كتب اللغة على معان عدّة منها قدم الرجل وهو أشهر معانيها ، والآخر الفضل والسابقة كما حكوا ذلك عن الواحدي في «البسيط» واستشهد بهذا البيت لغيلان ذي الرمة أنّه قال :

وأنت امرئ من ذؤابة (كذا)(1)*** لهم قدم معروفة ومفاخر

والمعنى التالي نقل عن أحمد بن يحيى : القدم ما قدمت من خير .

والمعنى التالي نقل عن ابن الأنباري : القدم عبارة عن العمل الذي يطلب به التقدّم بلا تأخير أو إبطاء .

وقال الفخر الرازي: واستعمال القدم في هذه المعنى لأنها لا يتم السبق والسعي إلا بها ، ولمّا كانت السبب في وجودها سميت بها ، كما يقال للنعمة يد، وهذا الوجه لا يتم إلا فى المعنى السابق ، والمعنيان الآخران مأخوذان من التقدم.

ويمكن أن يقال في القدم أيضاً بأنّها مأخوذة منه ، لأنّها سبب للتقدم. وعبارة الفخر الرازي مأخوذة من الكشاف وهي منحصرة في المعنى السابق، ونشأ هذا الإشكال من التصحيف والإبدال.

وفي الآية الكريمة : «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ» (2)ذكر المفسرون لها احتمالات عدّة:

الأوّل: المراد بالقدم الأعمال الصالحة، وهذا يرجع إلى المعنى الذي ذكره أحمد بن يحيى .

ص: 54


1- «وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة» وبعده العجز من قصيدة يمدح بها بلال بن أبي بردة لعنه الله . ديوانه 2 : 1011 ط بيروت مؤسسة الإيمان، شرح أبي نصر الباهلي، الثانية 1402. (المترجم)
2- يونس : 2 .

الثاني : معناها الثواب.

الثالث: شفاعة النبي، ونسب هذا الوجه في التفسير الكبير إلى ابن الأنباري وقال: استشهد بهذا البيت:

صل لذي العرش واتخذ قدماً***ينجيك يوم العشار والزلل (كذا) (1)

ومعلوم أنّ هذا الشعر شاهد على المعنى الأوّل ولا يدلّ على إرادة الشفاعة بوجه من الوجوه، ولعله خطأ من الناسخ وإن كان بعيداً إلى حد ما، والله أعلم.

وفسّر بعضهم القدم بالمقام، والظاهر أنّ ذلك بعلاقة القيام الذي لا يتحقق إلا بالقدم .

وفي تفسير حقائق التأويل، فسّر القدم تارة بالسابقة العظيمة حسب العناية الإلهيّة وتارة بمقام القرب الحاصل من التخصيص والتشريف الأزلي بحسب الاجتباء الرباني ، وكلا المعنيين يناسب ما ورد في أخبار أهل البيت علیهم السلام فإنّها فسّرته أحياناً بالشفاعة وأحياناً بالولاية وأحياناً بالوجود النبوي المقدّس ؛ ومرجعها واحد فإنّ المقصود من مقام النبي صلی الله علیه و آله وسلم هو مقام الشفاعة، والشفاعة لا تحصل إلا بحصول الولاية، ولا تلائم هذه المعاني بأجمعها معنى فقرة الزيارة هذه إلا معنى الولاية وهو غاية في البعد.

وأحسن الوجوه طبقاً لقوانين العربية في الآية الكريمة وفي فقرة الزيارة أن يكون لفظ «قدم صدق» مثل يد الشمال وهي استعارة ترشيحيّة والمعنى: أن تثبت قدمي اليمنى عندكم وهي كناية في أن يكون الداعى بصدق الإرادة والعقيدة الحقة معهم في الدنيا والآخرة .. ولا تصدر عنه في النشأتين خيانة أو كذب .

ومن هنا يعلم أن ما ذكره الكشاف ومن تابعه مثل الرازي والبيضاوي

ص: 55


1- وينبغي أن يكون «العثار». (المترجم)

والنيشابوري وغيرهم من أنّ إضافة قدم إلى الصدق للتأكيد ويكون محصل معناه لهم قدم صدقاً مثلاً لا وجه له ، وهو بعيد عن الذوق السليم، ولما كانت نتيجة قدم الصدق على النحو الذي قلناه هو نيل الشفاعة في الآخرة فإنّها جائت في أخبار آل الرسول مرويّة عن الكافي وتفسير عليّ بن إبراهيم وتفسير العياشي وغيرها من الوجوه المذكورة فإنّها ترجع إلى الشفاعة كما بيّناه .

ص: 56

وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُبَلِّغَنِي الْمَقامَ الْمَحْمُودَ الَّذي لَكُمْ عِنْدَ اللهِ ...

الشرح : التبليغ ، تفعيل من البلاغ، ويتعدّى إلى مفعولين، وورد في الأدعية الكريمة تارة بلّغ بي وبنيتي ، وبلغ بهم ، والباء هنا زائدة للتأكيد وهذا شاهد مذهب الأخفش من جواز إقحام الباء في الإيجاب.

المقام مرّ معناه بحسب اللغة (1)وفي اصطلاح العارفين كل كمال ينال السالك فإن زال سمّي حالاً، وإن ثبت سمّي مقاماً . إذن ، فالمقام في مراتب القلوب بمثابة الملكة في صفات النفوس، واستعمال المقام في هذا المقام يناسب هذا المعنى .

الحمد : معناه بالفارسيّة «ستايش كردن» واختلفوا في التفريق بين معاني الحمد والشكر والمدح ، وغالباً تكون ديباجات كتب العلماء مشحونة منه إلى الحد الذي يدرك الأذكياء الملل من مطالعته وتأمله، فالأولى أن لا نعرض له وندخل إلى تفسير المقام المحمود .

ادّعى في مجمع البيان إجماع المفسرين على أن المراد من المقام المحمود في الآية الكريمة: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً محموداً» (2)هو

مقام الشفاعة(3) وهذا المعنى وإن كانت الأخبار الصحيحة تقتضيه في الآية الكريمة وفي المقام التقريبي الذي ستسمعه ولكن إجماع المفسرين ليس حجّة بوجه من الوجوه ؛ لأنّ مرجع المفسرين إلى مثل الكلبي والسدي والحسن وعطاء وقتادة ومجاهد وهم الطبقة الأولى من المفسرين، وتفسير هؤلاء يأتي أحياناً بحسب الذوق الذي اكتسبوه لطول المران وبعضهم يفسّر القرآن تمشّياً وراء

ص: 57


1- في شرح فقرة «ولعن الله أمة دفعتكم عن مقامكم ....» (هامش الأصل)
2- الإسراء : 79 .
3- وقد أجمع المفسرون على أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة مجمع البيان 6 : 284 . (المترجم)

الأهواء النفسانية والتسويلات الشيطانية ، وجماعة منهم بادعاء السماع من مشايخ التفسير مثل ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وغيرهم، وبناءاً على أصول الإمامية المتبعة ليس قول أحد من هؤلاء حجّة ، وإن كان ابن عباس رضي الله عنهما مضافاً إلى عدم ثبوت وسائط السند وفي حال النقل لا تتوفر شروط القبول في أي واحد منهم ، بل المتبع إما من ظاهر اللفظ المستأنس من اللغة والمتمرن بفهم معانيها يجد ذلك كما كانت عليه طريقة علماء الفريقين خلفاً عن سلف ثابتة على استفادة المطالب الرشيقة والمعاني الدقيقة من آيات القرآن فلم تجمد القرائح ولم تتوقف الأفهام لأنّ الحسن أو قتادة نطق أو رأى كذا.

وإمّا أن يجد ذلك عند أهل البيت الذين نزل القرآن في بيوتهم ، وهم المخاطبون به ، ووصل تفسيره عنهم بطرق معتمدة ، بل يرجع في المحكمات إلى الأوّ(1)فإن كان موافقاً للظاهر فنعم الاتفاق وإلا فمحمول على التأويل المخزون وإظهار بعض البطون. نعم، في المتشابهات التي لا تستنبط من الظواهر ينحصر المرجع إلى الأخبار، وإذا ما استشهد أحياناً بقول المفسرين فلا يخلو إما لتأييد الفهم المدعى وإما لإلزام الخصم وإلا فلا حجّة بقول الحسن ونظائره بحال من الأحوال. ويناسبه ما في الاحتجاج عن عبدالله بن سليمان قال : كنت عند أبي جعفر علیه السلام فقال له رجل من أهل البصرة يقال له عثمان الأعمى : إنّ الحسن البصري يزعم أنّ الذين يكتمون العلم تؤذي ريح بطونهم من يدخل النار ! فقال أبو جعفر علیه السلام : فهلك إذن مؤمن آل فرعون والله مدحه بذلك ، وما زال العلم مكتوماً منذ بعث الله رسوله نوحاً ، فليذهب الحسن يميناً وشمالاً فوالله ما يوجد العلم إلا هاهنا ، صدق ولي الله عن رسول الله عن الله(2).

ص: 58


1- أي ظاهر اللفظ المستأنس باللغة ... الخ . (المترجم)
2- الاحتجاج 2 : 68 ط دار النعمان .

و مجمل القول أنّ هذا الحديث وإن ذكر استطراداً إلا أننا أوردناه لتذكرة بعض المعاصرين الذين يرون أنّ الاقتصار على أقوال المفسرين وخيالاتهم لابد منه،

ولا يستحسن تخطّيها، وهذا تحيل طريق واشتباه عجيب ظاهر البطلان جداً.

والخلاصة أن ظاهر لفظ «المقام المحمود» هو تلك الدرجة من الكلام المستوجبة لحمد كلّ أحد من جميع الجهات، وهو نتيجة لقرب النبي من قيامه بالنوافل، ويمكن أن يراد فيه المقام المحمود بالحذف والإيصال أي المقام الذي يقع فيه الحمد كما يدلّ عليه ما جاء في توحيد الصدوق عن الإمام أمير المؤمنين علیه السلام(حديث طويل يقول فيه علیه السلام) وقد ذكر أهل المحشر ثمّ يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد صلی الله علیه و آله وسلم وهو المقام المحمود فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن عليه عليه أحد قبله ، ثمّ يثني على كلّ مؤمن ومؤمنة يبدأ بالصدّيقين والشهداء ثم بالصالحين فتحمده أهل السماوات وأهل الأرض، فلذلك قول الله عزّ وجلّ : «عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً» (1)فطوبى لمن كان في ذلك اليوم له حظّ ونصيب ، وويل لمن لم يكن له في ذلك اليوم حظ ونصيب .(2)

وفي هذه الرواية إشعار على أن المقام الحمود مقام يقع فيه حمد الخلق له، ويمكن بشيء من التأمل إرجاعه إلى الوجه الأوّل ؛ لأن الحديث فرع الحمد على حسن ثناء النبي على ربّه وبلاغ الثناء وكمال الحمد بالمعرفة التامة وشدّة القرب ووفور العلم، ولما امتاز عن الأنبياء وسائر المخلوقات بحسن الثناء بلغ درجة الكمال التي استوجب بها حمد الخلق أجمعين لاسيما حين جعل الفيض الخاص والرحمة المخصوصة قسمة بين أتباعه من أهل الإيمان فقد صار سبباً لشكر قوم

ص: 59


1- الإسراء : 79 .
2- توحيد الصدوق، تفسير نور الثقلين 3: 205 الرقم 390. (هامش الأصل) التوحيد : 261. (المترجم)

و موجباً لحسرة آخرين، وصار علة لظهور مقاماته في عرصة الحشر والعرض الأكبر ، فقد أثنى عليه الوجود وعموم الموجود طوعاً وكرهراً، وحمدوه كافة وصلوا من أجل جلالته .

وكلهم من رسول الله ملتمس***غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

والتفسير بالشفاعة في الأخبار من هذه الجهة أيضاً وهي واحدة من مصاديق المقام المحمود وإن كان في عبارة زيارة الجامعة يظهر التعدّد في المقام المحمود

والشفاعة : «ولكم المودّة الواجبة والدرجات الرفيعة والمقام المحمود والمكان المعلوم عند الله عزّ وجلّ والجاه العظيم والشأن الكبير والشفاعة المقبولة».

ويظهر من هذه العبارة الفرق بين المقام المحمود والشفاعة وإلا لما تعدّدا إلا أن نقول : إن الكمال اعتبر في المقام المحمود فكانت الشفاعة داخلة ضمنه . وثانياً إنّما ذكرت الشفاعة وأفردت عن المقام المحمود لاختصاصها بمزيد التشريف، لاسيما مع التصريح باتصافها بالقبول فإنّها تولد لذة أخرى في الأسماع، وطرباً جديداً في قلوب المحتاجين .

وجملة القول : إنّ ظاهر فقرة الزيارة وهذه الزيارة الجامعة مشاركة الأئمة للنبي صلی الله علیه و آله وسلم في المقام المحمود أيّاً كان معناه وعمومات الأخبار المعتمدة دالة على مشابهة الأئمّة لذلك الجناب في جميع الفضائل . نعم، الفرق المتصوّر في عالم الفرق من حيث أنّ حقيقة الكمال والذات الفاضلة من مقولات التشكيك كان هذا

الاختلاف متصوّراً والواقع أن درجة الإصالة والوساطة محفوظة لمقام النبوة.

في الكافي وساق السند إلى صادق آل محمد صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال : ما جاء به على آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه ، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلی الله علیه و آله وسلم،

ص: 60

ولمحمّد الفضل على جميع الخلق - إلى أن قال : - وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد .(1)

وفي الكافي أيضاً بسند آخر ومتن قريب من هذا المتن يقول بعد التسوية بين النبي والوصي وبذلك جرت الأئمة واحداً بعد واحد .(2)

وفي كلا الخبرين يقول أمير المؤمنين علیه السلام : وأقرّ لي جميع الملائكة والروح والرسل بما أقروا به لمحمد صلی الله علیه و آله وسلم .

وأيضاً في خبر آخر بعد تعميم التسوية وجرى للأئمة واحداً بعد واحد - إلى أن قال : - يجري لآخرهم من الله مثل الذي جرى لأوّلهم، ولا يصل أحد إلى ذلك إلا بعون الله تعالى .(3)

وشاهد العقل على هذا العموم بأيدينا لأن مقتضى الوراثة المعنوية والانتساب الروحاني والاتصال بلا تكيف والقياس القلبي والاشتقاق اللبي بين الوصي والنبي هي انتقال جميع الكمالات من المورث إلى وارثه وكلما كانت طبقة الوارث أقرب والواسطة أقل كانت جهة الاتصال أقوى وانتقال الميراث أشدّ . وبالضرورة ليس أحد من أئمة الهدى أقرب منه إلى مقام النبوة الخاتمة التي هي منبع الفيوضات الربانية ومشرق الأنوار السبحانية ، مِن ثَم كانت كمالات النبوة على الوجه الأتمّ سارية في وجوده ومتجلّية لا محاله ، وإن لم يجز إطلاق اسم «نبي» عليه ومن هذه الجهة قال أمير المؤمنين في الخطبة القاصعة : قال لي النبي : إنّك لتسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي وإنّك لوزير ، وإنك لعلى خير .(4)

ص: 61


1- الكافي 1 : 196 باب 14 ح اكتاب الحجة . (هامش الأصل)
2- الكافي 1 : 197 باب 14 ح 2 كتاب الحجة . (هامش الأصل)
3- الكافي 1 : 198 باب 14 ح 3 كتاب الحجة . (هامش الأصل)
4- الخطبة الخامسة (5/5) 190. (هامش الأصل)

أخيراً نقول : إنّ مشاركة أئمّه الهدى في هذه الكمالات وإن كانت على وجه الظلّيّة والأصلية (1)إلا أن أصل اتصافهم بها طبقاً للأخبار المتواترة بالمعنى ، بل هذا هو المرتكز في أذهان الشيعة ليس موضعاً للشك أو الترديد، وهذا كلام مفروغ منه عند الجميع إلا أن المسألة التي يمكن أن تحرّر للنزاع هي : ما وجه اتصاف الآخرين بهذه الكمالات؟ وتظهر جليّة الحال بقليل من التأمل وذلك بالاعتبار السالف من أن هذه الكمالات والفضائل جميعها على التحقيق مشككة ومختلفة المراتب ومتفاوتة المدارج ؛ لأن درجات الكمال بصورة عامة لا تتناهى، وليس لها حدود تنتهى عندها، وفي متابعة الأئمة إمكان نيل كلّ شرف والوصول إلى كلّ فضل ، ولا مانع من طلب بلوغ هذه الدرجة بالدعاء .. لأننا نجد في كثير من الأخبار ما يدل على إمكان بلوغ هذه الدرجة «كان معنا وفي درجتنا» (2)وهذا منزل على الاختلاف المذكور الذي لا ينافي الاجتماع على التعدّد الذي لا يعارض الاتحاد.

إنّ النجوم في علو قدرها***ليس سهاها في السنا كبدرها

تتميم

فسّر قوم من أهل المعارف «المقام المحمود» بختم الولاية المحمدية المطلقة ، ويتم ذلك بظهور المهدي علیه السلام ، ومادام لم يبلغ هذه فإنه ما يزال في مقام الحامدية والمحمودية، فإذا بلغ قوسا الدائرة الأوج الختامي للصعود، وظهرت شمس الحقيقة من مغرب الولاية فإنه حينئذ يتجلّى بتمام كمالاته المرتقبة على الوجه الأتمّ من دون نقص أو كسر على ما هي عليها.

إذن، فمقام المحمودية للنبي إنّما يتأتى عندما تستوفي البعثة أهدافها، وتكمل

ص: 62


1- لعله يريد بالظلية أن جانباً منها تبع للنبي والجانب الآخر وهو الأصلية ذاتي لهم.
2- الأمالي ، مجلس 27 الرقم 5 ، عيون الأخبار 1 : 299 ، بحار الأنوار 44 286 .

دائرة الولاية، وينتشر الإيمان في القلوب المستعدة، ويمحى الظلم والعصيان رأساً من على وجه الكرة الأرضيّة، وهذا الكلام يناسب هذه الزيارة على فرض تحققه، وتمنّي بلوغه كناية عن طلب درك تلك الدولة السعيدة، وزيارة تلك الطلعة الرشيدة . «اللهم أرنا تلك الطلعة الرشيدة والغرّة الحميدة».

ای حجّت منتظر که رویت هست***پاک آینه تجلی یزدان

سبحان الله خدا نه چونت***رخ در سبحات غیب شد پنهان

يا قائم الآل يا من في محياه***على اليقين تجلى ربنا الله

ما غبت عن ناظر الدنيا بغيبته***في مغرب الغيب ربّ قد عبدناه

وجملة القول أن هذا الوجه ملائم تماماً للقول التالي الذي قيل لتكميل هذا الفرض وتوضيح هذا القصد .

ص: 63

وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِي مَعَ إِمَامٍ مَهْدِي ظَاهِرٍ نَاطِقٍ مِنْكُمْ ...

وَأَنْ يَرْزُقَنِي طَلَبَ ثارِي مَعَ إِمَامٍ مَهْدِي ظَاهِرٍ نَاطِقٍ مِنْكُمْ ...(1)

الشرح: مرّ معنى الرزق والثأر سلفاً(2)وفائدة التكرار في هذه العبارات وإعادة هذا الطلب إما لإظهار منتهى التشوّق وغاية التضرّع في حصول هذا الانتقام، وإمّا لأنه في الفقرة الأولى أضاف الثأر إلى أهل البيت «وثأركم» يريد أن ينصرهم ويطلب بدمائهم، وهنا في هذا المقام أضافه إلى نفسه «ثأري» من أجل الملاحظة التالية وهي أنّه لمّا كان من شيعتهم فكأنّ الظلم الواقع عليهم واقع عليه ؛ لاتصال الفطري بهم ، وبناءاً على القاعدة المطردة بين الناس أن ما يقع على الرؤساء والأقرباء ينسب وقوعه على العشيرة والأتباع، فيقولون فعلنا وسمعنا كذا، وإنّما الفاعل والسامع غيرهم - الرئيس أو القريب - وهذه سنه مطّردة وقاعدة مستمرّة في باب التعبير عند العرب والعجم .

وإما لأنّ الظلم واقع عليه فعلاً ودمه مراق حقاً من أثر الظلم الواقع على أهل البيت ؛ لأنه لو كانت دولة الحق قائمة ودولة الباطل مهزومة لما غلب الباطل ولم يقع الاعوجاج والظلم على وجه الأرض. فلم يقع كل هذا الفعل الفضيع والعمل الشنيع من سفك للدماء وهتك للأعراض وسلب للأموال مطلقاً ...(3)النور : 36 - 37 .(4)الزيارة الجامعة . (5)بحار الأنوار 252:50 (هامش الأصل) (6) نور الأنوار للمرندي : 412. (هامش الأصل) (7)جاءت هذه العيارة بالفارسيّة هكذا: «ما يكيم اندر بدن» (المترجم) (8)ما في المعاني تقسيم وأعداد***وليس تجزية فيها وإفراد (9)الحديد : 17 (10) الإسراء : 33 . (11)هود : 46 . (12)

ص: 64


1- جاء في كامل الزيارة: «طلب ثاركم» وفي المصباح: «طلب ثاري» (هامش الأصل)
2- في قوله : «أن يرزقني طلب ثارك» ، ومعنى الثار في قوله : «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره» (هامش الأصل)
3- في بعض النسخ : «طلب تأركم» ولعله هو الصحيح وتوافق الفقرة المارّة «طلب ثأرك مع إمام منصور» ولكنّ العبارة السالفة : «طلب ثأري» ليست باطلة ولا هي خطأ ، فقد ذكر العلماء لها وجوهاً : 1 - إنّ النبي والأئمة الأطهار هم وسائط الفيض التي عمّ الموجودات كلّها جميعاً، ومنهم حسب الوجود كله الفيض ، وأينما رفع منار فهو منهم كما جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة : بكم فتح الله وبكم يختم وبكم ينزل الغيث وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض ... بكم ينفس الهم ويكشف الضر ، وأشرقت الأرض بنوركم .... . وروي عن أمير المؤمنين أنه قال : «أنا أحيي وأميت». ومن هذه الجهة عرفوا بأنهم قوام العالم ووسيلة الوجود وسبب خلق الموجودات . ولكن من جهة أخرى وباعتبار جانبهم البشري يقول النبي : أنا عبد الله ، اسمي محمد ، ولا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً ...» ويقول أيضاً: «أنا عبد الله مرزوق ومخلوق» ويقول أمير المؤمنين : «أنا عبد من عبيد محمد». وبلحاظ المعنى الثاني يقول قائلهم : «جالسوا من يذكركم الله رؤيته» لأنّ لأولئك نور الله والعظمة الربانية ، وإنما تجلوا في بيوت ليراهم الناس ، وبواسطتهم يتوصلون لمعرفة الله جلّت عظمته . «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ ن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ... رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةً وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ»
4- وقالوا: «من رآني فقد رأى الحق» و«من عرفني بالنورانية فقد عرف الحق» و «من عرفهم فقد عرف الله ومن جهلهم فقد جهل الله» ويكون مع ملاحظة هذه الجهة قتل أحدهم وإطفاء نوره قتلاً لمفيض النور ومعطيه . لو جئته لرأيت الناس في رجل***والدهر في ساعة والعمر في نار ولمّا كان نور الأئمة والأنبياء نوراً واحداً مع حفظ مراتبهم، لذلك قالوا : «وإنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض»
5- . وهذه مسألة ابن أبي العوجاء والجواب منا ،واحد ، وإذا كان معنى المسألة واحدة جرى لآخرنا ما جرى لأوّلنا ، وأولنا وآخرنا في العلم والأمر سواء ، ولرسول الله وأمير المؤمنين فضلهما .
6- و «من زار أولنا زار آخرنا ، ومن زار آخرنا فقد زار أولنا ، ومن تولى أولنا تولى آخرنا ، ومن تولى آخرنا فقد تولّى أوّلنا»
7- . ونحن الأولون ونحن الآخرون» و «أوّلنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد وكلنا محمد ؛ فلا تفرقوا بيننا ...». و«كلنا قائم بأمر الله ..» و«أنا محمد ومحمد أنا» و «نحن اثنان في بدن ...»
8- و«أنا من حسين وحسين منّي» «وحسين لحمي ودمي، من جفاه فقد جفاني»، ويقول الإمام الحسين : «أنا آدم أنا نوح ....». يقول الملا الرومي : در معانی قسمت و اعداد نیست***در معانی تجزیه و افراد نیست
9- أطلب المعنى من القرآن قل***لا تفرق بين آحاد الرسل وحقاً يقال : إن المصيبة التي نزلت في الحسين نزلت برسول الله وبتمام الأنبياء والأئمة الأطهار والمؤمنين، وقتل سيد الشهداء قتل لهم جميعاً. وصح ما يقال في الزيارة : «أن يرزقني طلب ثأري» وصح أن ينسب الثأر إلى نفسه. وإلى هذه الملاحظة يمكن أن يعزى قول رسول الله ما أوذي نبي كما أوذيت، مع أن إيذاء النبي لا يعدل المصاعب التي تلقاها نوح وصبر على ذلك ، وكان النبي مأموراً بالدفاع والجهاد وهو يعطيه فرصة من التنفيس عن بعض الآلام. ويقول الإمام الصادق : «شيعتنا منا ، خُلقوا من فاضل طينتنا ، يحزنون لحزننا، ويفرحون لفرحنا». ويقول : «نحن جذور الشجرة وشيعتنا ورقها فإذا تضرر الجذر الحق الضرر بالورق». 2 - للقتل مراتب ونماذج ؛ فأحياناً يزال وجود الشخص كله بالقتل ، وربما محوا آثاره الكمالية وحرموا الآخرين من الاستفادة منه ، وأحياناً يعرض الشخص للقتل و ... لذا جاء في الروايات: «من أذاع سرنا قتلنا» و «لعن الله أمة قتلتكم بالأيدي والألسن» و «من رضي بقتل قوم فهو منهم» وموارد أخرى، ومن هذه الجهة يمكن أن يقال لكل واحد من الموارد إعلان فلان مقتول ومن الناحية هذه قال أمير المؤمنين :«أنا أميب وأحيي» وفسروا هذه الجملة على النحو التالي : أحيي السنة وأميت البدعة . ويقول الإمام زين العابدين اليها متحدثاً عن حكم القصاص ألا أخبركم بقتل هو أعظم من هذا القتل؟ قالوا: بلی، قال : أعظم من هذا القتل قتل امرئ بشكل لا تمكن له الحياة من بعده وذلك بإضلاله عن نبوة محمد وولاية عليا ، وإدخاله في طريق يتبع به أعداء علي ، وهذا هو القتل الذي ينبغي أن يخلد صاحبه بالنار . وقال الإمام الباقر في تفسير الآية الشريفة : «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»
10- إن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها لقائم آل محمد . ونقرأ في زيارة صاحب الأمر : «السلام على محيي المؤمنين» . وأيضاً نقول في دعاء الندبة لإظهار الشوق لظهور الإمام : «أين محيي معالم الدين وأهله ...» . والآن يظهر معنى عبارة الزيارة جليّاً شريطة وضع المطالب السالفة نصب العين على النحو التالي : اللهم مد في أجلي حتى أطلب الثأر ثأر ذلك الدم الذي هو أصل الحياة وأصل حياتي العلمية وكمالاتي ، وبإراقته حجزوني عن الكمالات الإنسانية وصاروا سبباً في هلاكي . 3 - كلّ العلماء - من العامة والخاصة - على هذه العقيدة وهي أنّ النبي وأوليائه هم آباء الأمة الروحانيون كما قال النبي : «أنا وعلى أبوا هذه الأمة». وكذلك يرى الجميع أولاد القتيل هم أولياء دمه ومن حقهم المطالبة بثأره وإجراء القصاص على القاتل كما قال الله تعالى: «وَمَن قُتِلَ مُظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّه سُلْطَاناً» .
11- ومن المسلم به أن من لا يقتدي بأبيه الروحاني فهو من أتباع إبليس ومن حزبه، ومن ثم لا يكون «الولي» أباء الروحاني ، كما أن : پسر نوح با بدان بنشست***داستان نبوتش گم شد وصار ابن نوح من الأخبيثن***فضاعت نبوّته بينهم وجاء النداء من الله مخاطباً نوحاً : «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ»
12- . و مما تقدم نأخذ من المقدّمات النتيجة التالية وهي أن الإمام الحسين الأب الروحي لأحبائه وشيعته وهؤلاء بعد الأئمة المعصومين فهم أولياء دم الحسين المقدمين لاسيما ولي العصر أرواحنا لمقدمه الشريف فداء في الدرجة الأولى يحسبون فيمن يطلب بدمه إذاً يصح لهم القول: «اللهم ارزقني حتى أطلب بدم أبي الروحي».

ص: 65

ص: 66

الهداية : معناها فيما يقتضيه التحقيق واختاره أهل التحقيق أيضاً الإرشاد والدلالة سواء كانت موصلة أو لا، وما ذكر قوم من أنّه ينظر إلى ما يتعدّى به فإن كان باللام أو ب_«إلى» فهو بمعنى الرشاد وإيضاح الطريق، وإن كان متعدّياً إلى مفعولين فهو بمعنى الإيصال ، وهذا التفصيل مع كونه خلاف الاعتبار فهو خلاف الاستعمال الصحيح لأنه يمكن أن يقال إذا تعدّى إلى المفعولين فهو متضمّن

ص: 67

الإرائة لأنّها تتعدّى إلى مفعولين، وإذا تعدّى ب_«إلى» واللام ، فهو مضمّن معنى الإيصال لأنه يتعدّى بأحدهما، وفي القرآن المجيد : «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» (1).

والمراد هنا صرف الإرائة لأنه لا منة فى الإيصال إلى طريق الشر، بل لعله يفضي إلى التناقض لأن الوصول إلى الخير أو الشرّ إذا كان في الأمر الواحد فهو تناقض صريح ، وكذلك : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (2)فالمراد منه ليس الإيصال بالضرورة.

وتأتي الهداية أحياناً بمعنى التلويح ، وفي هذه الحال تتعدى باللام ، وأما تعديها بمفعولين أو ب_«إلى» فإن ذلك بتضمينها معنى الإرائة والتعريف، وأحياناً تشرّب معنى الإيصال والإرشاد، وأحياناً تكون البداية بمعنى التوفيق، وهو تهيأة أسباب الخير، فتستعمل في ذلك ويقابلها الإضلال بمعنى الخذلان ، ومنه قوله تعالى: «وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ» (3)، وقول الشاعر:

فلا تعجلن هداك المليك***فإنّ لكل مقام مقالا

وظنّ الزمخشري في الكشاف أن مفهوم الإيصال مأخوذ في مفهوم الهداية مطلقاً وهو عبارة عن : الدلالة الموصلة إلى المطلوب، واستدلّ بثلاثة أوجه :

الأول : وقوع الضلالة مقابلة للهداية في قوله تعالى: «أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى» (4). ولو لم يكن مأخوذاً من الوصول لما حصلت المقابلة .

الثاني : لو لم يكن كذلك لما كان لفظ مهدي مثلاً أو مهتدي يستعمل في مقام المدح لأنه بناءاً على المعنى غير المختار يكون الاهتداء أعم من الوصول وعدمه.

ص: 68


1- البلد : 10
2- الإسراء : 9 .
3- الرعد : 33 .
4- البقرة : 16 .

الثالث : إنّ الاهتداء مطاوع هدى يقال هديته فاهتدى ، كما يقال : كسرته فانكسر، فالانكسار لازم وقوع الكسر كذلك الاهتداء لازم وقوع الهداية.

وهذه الوجوه الثلاثة بعيدة عن مشرب التحقيق، مباينة لطريق النظر مباينة تامة ؛ لأنّ الدليل الأول لا دلالة له على المطلوب، وبيانه : أن الهدى في الآية الكريمة مصدر بمعنى المفعول أي الاهتداء لا الإهداء والضلال بمعنى فقدان الطريق، ومعناه أنّ هؤلاء يستبدلون الضلالة بالهدى ولا دلالة فيه على أخذ الوصول، وعلى فرض التسليم يكون تفضّلاً بقرينة الضلال، وقد علمت أن المدعى في الاستعمال في الأعم والخاص لا ينافي العام ، والاستعمال أعم من الحقيقة كما تقرّر ذلك في علم الأصول.

وأما الدليل الثانى فجوابه أنّ لفظ مهدي لما أورد في مقام المدح كان ذلك قرينة على اعتبار الانتفاع والاهتداء وإلا فمن المعلوم أنه لو قال قائل : هدي فلم يهتد لم يكن مدحاً بل هو الذمّ بعينه .

وأمّا الدليل الثالث فهو مخدوش بوجهين :

الأول: لا لزوم في تحقق الأثر في الفعل المطاوع دائماً؛ لأن أفعال المطاوعة تارة تكون بمعنى الانفعال والتأثر الواقعي وفي هذه الصورة يكون صدق وقوع الفعل من الفاعل موقوفاً على انطباع المتأثر بالفعل وتأثير المؤثر، وأحياناً تكون بمعنى القبول والمتابعة ، مثل : أمرته فأتمر، حيث يكون الائتمار عبارة عن الاتباع والاستماع ، وفي الصورة الأولى يكون حصول الانفعال لازماً لوقوع التأثر، وفي الصورة الثانية ليس الأمر كذلك، ومعنى ذلك أنّ الحقيقة فيه ليست إيجاد أثر الفاعل في المقابل بل هو فعل له نوع تعلّق بالقابل، لهذا قول «كسرته فلم ينكسر»

ص: 69

مجاز (1)وأمرته فلم يأتمر حقيقة فما المانع أن يكون الاهتداء بمثابة الائتمار لأن الهداية بمعنى الدلالة والإرائة، ومعنى الاهتداء معرفة الطريق، ولا مانع من أن نقول فلم يهتد ، بالوجه المتقدّم - أي على الحقيقة لا المجاز (المترجم) ..

الثاني : سلّمنا أنّ الانفعال لازم الفعل بوجه مطلق، فإذا قيل : هديته وجب أن يقع اهتدى بعده لا محالة ولكن هناك فرق بين أن يكون شيء لازماً لشيء في تحقق مصداقه الخارجي وبين أن يكون مأخوذاً في مفهومه ومعتبراً في حقيقته؛ لأنه لا يعتقد أحد أن مفهوم الاحتراق مأخوذ في مفهوم الإحراق لتلازمهما الخارجي وإلا لكانت المعلومات جميعاً معتبرة في مفاهيم عللها، وهذا ضروري الفساد وبديهي البطلان .

ونظير هذا التوهّم ما وقع لبعض المحققين في مقاييسه في تعريف البيع ونحن كشفنا عنه في محله من مكاسب الشيخ الأنصاري ونبهنا على اندفاعه. وأخيراً فيما ظهر شرحنا أنّ حقيقة الهداية لا تتضمن معنى الإيصال ، كما صرّح بذلك جماعة من المحققين المستأنسين بمجاري العبارات وتمييز المفاهيم كالشيخ الطبرسي والسيد شارح الصحيفة والمحقق الشريف وغيرهم من علماء الفريقين.

أقسام الهداية ..

الأول : الهداية باتجاه جلب المنافع ودفع المضار مضافاً إلى المشاعر الظاهرة والمدارك الباطنة والقوّة العاقلة الحاكمة بين المشاعر الجزئيّة والمدارك الحسّيّة . واختيار الضرر على النفع أو العكس أو ترجيح أحدهما مفوض إليها وهي بمنزلة

ص: 70


1- وإنّما صار مجازاً لأن قوله «كسرته» معناه وقوع الحقيقة بالكسر فإذا نفاه بعد ادعاء وقوعه كان مجازاً ، أما الأوّل فليس فيه هذا المعنى فإن أمرته لا يدلّ على قبول الأمر من المأمور لذلك جاء النفي في موقعه. (المترجم)

الإمام أو النبي في العالم الصغير، وهذا النوع عام في أفراد النوع الإنساني، ويحتمل شموله أيضاً لسائر الحيوانات والنباتات بل الجمادات كذلك رعاية التشكيك وحفظ المراتب، وسوف نشير إن شاء الله في الفقرات القادمة (1)إلى صحة هذا العموم.

وقول الله تعالى: «أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى»(2)ناظر إلى هذا المعنى ومعلوم أنّ حطّ الإنسان من هذه الهداية أوفر ونصيبه أكمل ، وبناءاً على جواز اختلاف مراتب الإنسانية يكون الأمر فيها كما يلي : فمن كان كمال الحقيقة الإنسانية فيه أتم وأكمل كان تجليه بوصف الهداية بهذا المعنى أجلى وأبين.

القسم الثاني : نصب الدلائل العقليّة وجعل الطرق العلميّة التي تفرّق بين الحق والباطل، وتميز بين الصحيح والسقيم، والصلاح من الفساد، والضلال من الرشاد، وقد أشارت إلى هذا القسم الآية الشريفة «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ»(3) وحقيقة العلم عبارة عن هذا المعنى كما قال الحكيم السنائي :

علم چه بود فرق دانستن حقی از باطلی***نی کتاب زرق شیطان جمله از برداشتن

العلم في مفهومه الكامل***ما ميّز الحق من الباطل

من نال من دفتر إبليسه***لم ينسلخ من صفة الجاهل

القسم الثالث : الهداية بإرسال الرسل وتنزيل الكتب واللطف في تأييد البديهيات العقلية بالسمعيات، وأشار الله تعالى إلى هذا النوع بقوله: «وَأَمَّا ثَمُودُ

ص: 71


1- في شرح: «مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيّتها في الإسلام على جميع أهل السماوات والأرض». (هامش الأصل)
2- طه : 50 .
3- البلد : 10 .

فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى» .(1)

القسم الرابع : الهداية بالسير إلى الحظائر القدسيّة والسلوك حتى بلوغ مقامات الأنس العالية وذلك بانطماس آثار التعلقات الجسمانية واندراس جلابيب العلايق الهيولانية والاستغراق فى ملاحظة أسرار الجلال ومطالعة أنوار الجمال، وهذه الهداية خاصة بالأولياء وخواص المؤمنين.قال عزّ من قائل:«اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ» (2)وإطلاق الهادي على الله عزّ وجلّ باعتبار جميع مراتب الهداية كما يظهر ذلك من عبارة الشهيد في القواعد وابن فهد في العُدّة وغيرهم بنحو الإشارة الإجماليّة بعد توجّههم للتفصيل الذي ذكرناه .

ونتيجة الهداية - بخاصة في المعنى الرابع - هي العلم كما ورد في إنجيل أهل البيت وزبور آل محمّد : «اللهم صل على محمّد وآل محمد وقنا بك واهدنا إليك ولا تباعدنا عنك ، إن من تقه يَسْلِم، ومن تهده يعلم، ومن تقرّ به إليك يغنم»(3).

وأنت ترى كيف جعل الهداية سبباً للعلم ، إذن فمن كان مهدياً فيجب أن يكون عالماً بجميع المراتب، وثمرة العلم هداية الآخرين، وتفسير المهدي بالهادي هو من قبيل التفسير باللوازم والخواص، وتعليل تسميته بصدور الهداية منه هو من مقولة التعليل بالغايات والمنافع، وهذا النوع من التعبير في أساليب المحاورات وفنون المكالمات والمخاطبات أكثر عددداً من النجوم بل لا يُعدّ ولا يُحصى.

وبهذا التقريب يرتفع الإشكال الوارد ظاهراً في بعض الأخبار، فقد سُئل المعصومون عن القائم عجّل الله فرجه لماذا سمّي القائم بالمهدي ؟ فقال : إنّما

ص: 72


1- فصلت : 17
2- البقرة : 257 .
3- الصحيفة السجّاديّة : دعاء 5 . (هامش الأصل)

سمّي القائم مهديّاً لأنه يهدي إلى أمر قد ضلوا عنه (1)كما في إرشاد المفيد نقلاً عن الصادق علیه السلام .

ونقل في غيبة الطوسي أنه قال : لأنه يهدي إلى كلّ أمر (خفي) .(2)

ونقلت كذلك أخبار بهذا المضمون فلم يبق موضع للإشكال أو موضع للسؤال بعد الشرح التفصيلي الذي ذكرناه .

الظهور : الظهور بدو الشيء كما هو صريح كتب اللغات جميعاً، وفي إطلاق اسم «ظاهر» على الإمام القائم بوجوه أتت على البال :

الأوّل: كان سبب الإطلاق بعلاقة ما جرى منه أول أمره حيث غاب عن الأبصار ، أو أن التشبيه بالظهور له حصل يقيناً بالواقع وما هو عليه من الاختفاء فيكون التجوّز في أمر عقليّ.

الوجه الثاني: أن المراد من الظهور هو الواقعي الفعلي فإنّ ملاحظة كثرة الدلائل ووفور الشواهد من العقل والنقل على وجوده على وجه لو أن شخصاً توجّه بأقل التفات لرأى آثار وجوده المبارك على جميع الأشياء، فيصدق بظهوره ووضوح وجوده ، وهذا نظير «تفسير الغالب» و«المنصور» في قوله تعالى : «فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ» (3)و «إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ» (4)«وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ» (5)لأن المقصود الغلبة بالحجّة والنصرة بالبرهان.

ص: 73


1- الإرشاد 2 : 383 (المترجم)
2- الطوسي، الغيبة : 471 . (المترجم) إرشاد المفيد غيبة الطوسي، علل الشرايع ، بحار الأنوار 51: 28 ط طهران. (هامش الأصل)
3- المائدة : 56 .
4- الصافات: 172
5- الصافات: 173 .

الوجه الثالث : الظهور في قلوب الشيعة والتجلّي في سرّ خواص المؤمنين كما جاء في حديث عليّ بن مهزياره المروي في كتب كثيرة من القدماء رضي عنهم وهو أنّه علیه السلام ليس محجوباً «إنّما حجبه سوء أعمالكم» (1).

وجاء في حديث آخر تراه عيون العارفين بفضله، الشاكرين الكاملين، ويبشرون بوجوده أولئك الشاكين في وجوده (2)بحار الأنوار 52 : 172 (3)يس : 30. (4)الغيبة للنعماني : 141 ، بحار الأنوار 51: 112 و 113. (5) بحار الأنوار 51: 55 (6)الكافي 1 : 337 ، الغيبة للنعماني ، دلائل الإمامة ، بحار الأنوار 52: 154 الرقم 9 ومثله في 142:51 عن إكمال الدين والعلل . (7)الغيبة للنعماني. (8)الغيبة للنعماني ، بحار الأنوار 52: 155 الرقم 10 . (9) زيارة الإمام الحسن العسكري .(10).

ص: 74


1- جنّة المأوى المطبوع في البحار :53 : 131 ، نوائب الدهور 3: 358.
2- فقلت : يا مولاي ، وهل تجوز المراجعة في أمري ؟ قال : لا ، قلت : يا مولاي ، وهل تأذن لي في أن أحكي كلما قد رأيته وسمعته ؟ قال : لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئن قلوبهم ، إلا كيت وكيت ، وعين ما لا أقوله
3- . * المفضّل بن عمر : قال أبو عبدالله : قال أمير المؤمنين على منبر الكوفة : وإن من ولائكم فتناً مظلمة عمياء منكسفة ، لا ينجو منها إلا النومة ؟ قيل : يا أمير المؤمنين ، وما النومة ؟ قال : الذي يعرف الناس ولا يعرفونه . واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة الله ولكن الله ولكن الله سيعمي خلقه منها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم، ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجّة الله ، لساخت بأهلها ، ولكن الحجّة يعرف الناس ولا يعرفونه كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون ، ثم تلا : «يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ».
4-
5- * الإمام الصادق : صاحب هذا الأمر يتردّد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتى يأذن الله ، يعرفهم نفسه
6- . * سدير الصيرفي قال : سمعت أبا عبدالله الصادق يقول : إن في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف، فقلت : فكأنك تخبر بغيبة أو حيرة ؟ فقال : ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك ؟ إن إخوة يوسف كانوا عقلاء الباء أسباطاً أولاد أنبياء دخلوا عليه فكلموه وخاطبوه وتاجروه ورادّوه [راودوه - المصدر] وكانوا إخوته وهو أخوهم ، لم يعرفوه حتى عرفهم نفسه وقال لهم : أنا يوسف، فعرفوه حينئذ، فما ينكر هذه الأمة المتحيرة أن يكون الله جل وعزّ يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجّته عنهم ، لقد كان يوسف إليه ملك مصر ، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه مكانه لقدر على ذلك ، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر صر، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقه صاحب هذا الأمر يتردّد بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه حتى يأذن الله أن يعرفهم نفسه، كما أذن ليوسف حتى قال له إخوته : إنك لأنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف
7- . * إسحاق بن عمار : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد يقول : للقائم غيبتان ، إحداهما طويلة والأخرى قصيرة ، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها [إلا خاصة مواليه في دينه] .
8- * إسحاق بن عمار : قال أبو عبد الله : القائم غيبتان ، إحداهما قصيرة والأخرى طويلة [الغيبة ] الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته ، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه .
9- * «السلام عليك يا أبا الإمام المنتظر ، الظاهرة للعاقل حجّته ، والثابتة في اليقين معرفته المحتجب عن أعين الظالمين ، والمغيب عن دولة الفاسقين»
10- . غوطه در اشک شدم کاهل طریقت گویند***پاک شو اول پس دیده بر آن پاک انداز طهرت بالدمع عيني حين أخبرني***أهل الطريقة ، ألق الطهر بالطاهر (هامش الأصل)

ويتفق مع هذا الكلام القصص والأخبار المنقولة عن رؤية ذلك الجناب المقدّس أبان الغيبة في متون الكتب وبطون الطروس.

ومجمل القول أنه بعد الالتفات التفصيلي إلى جميع تلك القصص المتواترة

ص: 75

وإن كان بعض هذه القصص ذاتاً يفيد القطع بوقوعه.

أقول : بعد الالتفات لهذه التفاصيل المبثوثة في المصادر الموثقة، لا يقدح في صحة مضمونها ضعف سند بعضها أو ضعف دلالته لأن هذه الصفة موجودة في جميع الأخبار المتواترة أو في أكثرها .

نطق : الناطق ينطق نطقاً تكلّم (1)بصوت وحروف مفهمة للمعنى ، كما جاء ذلك في القاموس (2)فليس مطلق التكلّم إذن بل الإبانة في الجملة وإفهام المعنى مأخوذ فيه واتصاف الإمام بهذا الوصف عند ارتفاع التقية وظهور الكلمة وانكشاف الأستار وتبين الأسرار في عصره كما يلاحظ ذلك من الأخبار الكثيرة الواردة في ته وطريقته خلافاً لآبائه الطاهرين حيث كتموا أسرار العلوم ولباب المعارف لغلبة الظالمين عليهم ولعدم استعداد نفوس معاصريهم كما فعل أمير المؤمنين علیه السلام حين أشار إلى صدره المبارك وقال : إنّ هاهنا لعلماً جماً لو وجدت له حملة» (3). ولو في هذا المقام للتمني، ويقول سيد الساجدين كذلك :

إنّي لأكتم من علمي جواهره***كي لا يراه أخو جهل فيفتتنا

وربّ جوهر علم لو أبوح به***يقال لي أنت ممن يعبد الوثنا

وقد تقدم في هذا أبو حسن***إلى الحسين وأوصى قبل الحسن (4)

ص: 76


1- لسان العرب 10 : 354
2- نطق ينطق نطقاً ومنطقاً ونطوقاً : تكلم بصوت وحروف تعرف بها المعاني . (القاموس 3: 285 - المترجم)
3- نهج البلاغة صبحي صالح : 496 الحكمة 147 . (هامش الأصل)
4- يارب جوهر علم لو أبوح به***لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي***يرون أقبح ما يأتونه حسنا إنّي لأكتمل من علمي جواهره***كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن***إلى الحسين ووصى قبله الحسنا الإتحاف بحب الأشراف، ط مصر ، شرح ديوان أمير المؤمنين : 15 (مخطوط)، غرائب الاغتراب : 70، لطائف المتن 2 : 89ط مصر ، ينابيع المودة، إحقاق الحق 12: 84-85 (هامش الأصل)

وأما ستر الأحكام الشرعيّة والإبقاء على الأحكام الظاهرية أو العدول بمقتضى التقية التي وردت في أخبار أهل بيت العصمة بشكل خارج عن حدّ الحصر والإحصاء، فإنّ هذه الموانع ترفع في عهده الميمون وأيّام هذا الإمام المُؤمَّل المأمون . «اللهم أرنا تلك الطلعة الرشيدة والغُرّة الحميدة».

ومجمل القول : أنّ ما دلّت عليه هذه الفقرة والفقرة السابقة هو من اختصاص القائم من آل محمد علیهم السلام بولاية الثأر وطلب دم القتلى من أهل البيت الأطهار وهو مدلول الأخبار الكثيرة التي يمكن أن يدعى لها التواتر، واستقصائها ينافي نهجنا بالاختصار، وتركها من رأس أيضاً ينافى مهمة هذا الشرح، فنكتفى بحديث أو حديثين على روية الاختصار.

روى الشيخ السعيد الموفّق جعفر بن قولويه في كامل الزيارة، وروي في البحار وأمالي شيخ الطائفة ، وساقوا السند إلى أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق علیه السلام أنه قال : لما كان من أمر الحسين بن علي ما كان ، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا ربّ، يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيك ؟ قال : فأقام لهم ظل القائم علیه السلام وقال بهذا أنتقم له من ظالميه .(1)

وفي علل الشرايع عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر : كلكم قائمين (كذا) بالحقِّ ؟ قال : بلى ، قلت : فلم سمّي القائم قائماً ؟ قال : لما قتل جدي الحسين علیه السلام ضحت الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب وقالوا:

ص: 77


1- بحار الأنوار 45: 221 الرقم 3ط بيروت. (هامش الأصل والمترجم)

إلهنا وسيدنا أتغفل عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك ؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليهم : قروا ملائکنی ، فوعزتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين ، ثمّ كشف الله عن الأئمة من ولد الحسين علیه السلام للملائكة، فسرت الملائكة بذلك ، فإذا أحدهم قائم يصلي، فقال الله عزّ وجلّ : بذلك القائم أنتقم منهم (1).

تنبیه نافع

لقد تقرّر في موضعه أنّ الوجود الواحد ربّما كان مصداقاً لعناوين متعدّدة ومنشأ لانتزاع مفاهيم مختلفة ، وكلّما كان هذا الوصف أظهر في الوجود دلّ على كمال الوجود وقوة تحققه وبرنت ساحته من الأعدام (2)وتنزه ذيله من الليسيات (3)إذن تكثر الألقاب في شيء دليل على شرفه وفضله قطعاً، ومن هذه الجهة ورد في القرآن على سبيل المدح والمباهات: «لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى» (4).

ومن هنا أيضاً بذل العلماء أقصى الجهد ومنتهى الهم لإحصاء أسماء الله تعالى وتعداد ألقاب النبي والأئمة والقرآن وقرّروا وجهات النظر في معاني إطلاقها بقدر الإمكان من العقل والنقل ، وليس في هذا مجملاً مورد للإشكال ، ولكنّ المهم هو الحصول على الميزان الذي يميّز من الألفاظ ما يجوز إطلاقه لقباً وما لا يجوز، فلم أعثر عليه في كلام أحد . والذي يظهر بالتأمل من مطاوي كلمات العلماء ومواضع ذكر هذه الألقاب أنّ اللقب والإسم على أقسام : فمنها الأعلام وحده أن يوضع بواسطة الواضع على المسمّى مثل «الله» و «محمد» و«قرآن».

ص: 78


1- علل الشرايع 1 : 154 والمؤلّف حذف صدر الحديث، بحار الأنوار 45: 221 ط طهران. (هامش الأصل)
2- جمع عدم . (المترجم)
3- قالوا : إنّ ليس نفي الأيس، وهو الوجود فيكون ليس لا وجود يعني العدم. (المترجم)
4- طه : 8

ومنها أن يذكر صراحة في الكتاب أو السنّة كالنور في القرآن، والذكر في حق النبي مثلاً، ومن هذا القبيل الألفاظ الواردة في الزيارات الخاصة.

ومنها أن ينتزع اسم من وصف ثابت للمسمّى في الكتاب والسنّة كما يسمّى الله تعالى «ماكراً» لأنّه قال : «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ» (1)وفي دعاء السحر : «ولا تمكر بي في حيلتك» وفي هذا النوع من أسماء الله أظهر الشهيد عليه الرحمة في القواعد التردّد .(2)

ولكن المتتبع لموارد ذكر الألقاب أنه يذكر في هذا المقام . ومنها أن يذكر لقب لا يدلّ على الملقب به إلا بتأويل، وليس في ظاهر العبارة ما يدلّ عليه مثل: «ماء معين ورب الأرض من ألقاب صاحب الزمان عجل الله تعالی فرجه .

القسم الخامس : أن يشتهر اللقب على ألسنة الخاصة دون أن يذكر في الكتاب أو السنّة، ولكنّه دليل على الفضل ومُشعِر بالمدح مثل «أبو الأرواح» وهو باصطلاح العرفاء من ألقاب النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، ولا فرق بين هذه الألقاب أن يكون اللقب عاماً والملقب به أحد مصاديقه ولكنّه بالقرينة تخصص به مثل لفظ رسول ونبي أو كونه اختصاصيّاً منذ وضعه الأوّل مثل : خاتم النبيين» مفرداً أو مركباً، نظير الجملة : «من لم يجعل الله له شبهاً» في ألقاب الحجّة عجل الله فرجه . وإذا ذكر هذا المفرد مجرّداً عن الإضافة أو مضافاً إليه فإنّه يحسب لقبين مثل «الصاحب» و «صاحب الزمان».

ص: 79


1- آل عمران : 54
2- قال الشهيد محمد بن جمال الدين العاملي في القواعد والفوائد ص 270 : ما ورد به السمع لكن إطلاقه في غير مورده يوهم النقص كما في قوله تعالى : «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ» وقوله : «اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» فلا يجوز أن يقال الله : يا مستهزئ أو يا ماكر أو يحلف به ، وكذا منع بعضهم من أن يقال : اللهم أمكر بفلان وقد ورد هذا في دعوات الصباح إما اللهم استهزء به ، أو اللهم لا تستهزئ بي ، ففيه كلام . ( هامش الأصل)

وإذا كان اللفظ واحداً ولكنه يتعدّد بالمضاف إليه فإنّه يجعل اثنين في الحساب مثل «صاحب الغيبة» و«صاحب الدار» في ألقاب الإمام صاحب الزمان علیه السلام .

بل حتى لو اتحد المضاف إليه في المعنى وتعدّد في اللفظ يحسب لقبين كذلك مثل «صاحب الزمان» و «صاحب العصر».

وإذا ألقيت سمعك إلى هذا التفصيل فاعلم أنّ قوماً سمت بهم الهمة إلى إحصاء ألقاب الحجّة فأوصلوها في بعض الكتب إلى مأة وثمانين لقباً ولكن مع ذلك بحكم «وفي الزوايا خبايا» فإنّ بعض ألقاب الإمام ومنها ما هو المشهور ومنها ما هو مسطور في المصادر الموثقة والأصول المعتمدة لم تذكر في موضع ، والآن أذكر جملة منها على قلّة البضاعة وبملاحظة الميزان المذكور بإمكان المتتبع المتوسع أن يضيف عليها في طول الزمان ألقاباً كثيرة (1).

الأول: «أبو الوقت» وحقيقة الأبوّة هنا تعني التدبير والرياسة الكلية لأن المتعارف بين العرب إطلاق لفظ «أب» على الزعيم ومقيم كلّ أمر ، ومن هذا الباب جاء لقب «أبو الأرواح» في كنى خاتم الأنبياء وينخرط في سلكه قول الأزري:

لم تكن هذه العناصر إلّا***من هيولاه حيث كان أباها

ولقب «أبو الوقت» من ألقابه المعروفة عند فريق العرفاء كما ورد لفظ هذا اللقب في الدعاء المشتمل على مدائح الأئمة الاثنى عشر المنسوب إلى محيي الدين بن عربي .(2)

الثاني: إمام الزمان» واشتهاره الله بهذا اللقب لا يحتاج إلى دليل ، ولا مندوحة

ص: 80


1- مؤلف كتاب مفتاح الكتب الأربعة في كتابه النفيس يأتي على الناس زمان بلغ بالألقاب 185 لقباً. (هامش الأصل)
2- راجع الصلوات الكبيرة لمحيي الدين بن عربي التي نقلها «گلزار بلاغي»

من ذكر ألقابه مثل : ولي الله وخليفة الله في ألقابه ثمّ العدول عن ذكر هذا اللقب بل قائم الزمان وقيم الزمان وهي من ألقابه علیه السلام من هذا القبيل.

الثالث: «إمام العصر» وتعدّد هذين اللقبين بالمضاف إليه «الزمان» و«العصر» كما مرّ في تعدّد لقب صاحب الزمان وصاحب العصر ، ولا يُتوهّمنّ أنّ الاستغناء حاصل عن هذين اللقبين باللقبين المذكورين ، كلا لاختلاف اللفظ والمعنى وكلّ واحد منهما كافٍ في التعدّد كما سبق ذكره .

الرابع: «باب الله» خوطب علیه السلام بهذا اللقب في زيارة «آل يس» وهذا باب تفتح منه أبواب لأنّهم استدلوا على شمول الزيارة له من وجود هذه الألقاب فيها، وأشرنا إليها في الميزان المذكور ومع ملاحظة هذا المعنى فإن من قرأ الزيارات المأثورة فما ورد فيها من مخاطبته وتعظيمه بألفاظ تشتمل عليها الزيارة إنّما هي ألقابه مثل «خليفة آبائه المهديين» و «دليل إرادة الله» و«ربّاني آيات الله» و«حافظ حق الله» و«المقدّم» و«المأمول» وأمثال ذلك . ولا فرق بين المأمول الذي صيّروه لقباً باستنادهم إلى هذه الزيارة وبين الألفاظ التي أهملوها، كذلك لا فرق بين اللفظ الذي يخاطب به في حال حضوره وبين اللفظ الذي يقال عنه في غيبته .

الخامس: «خليفة آخر الزمان» نقل في صحيح مسلم عن أبي سعيد وجابر أنّ النبي صلی الله علیه و اله وسلم قال : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعد عَدّاً(1) . واشتمال صحيح مسلم على هذا الحديث يوجب القطع بصدوره، كما قيل:

ومناقب شهد العدوّ بفضلها***والفضل ما شهدت به الأعداء

ص: 81


1- مسند أحمد بن حنبل 3 38 و 233 ط الميمية بمصر ، إحقاق الحق 13 : 250 ونقل عن كتب كثيرة . (هامش الأصل) صحيح مسلم الرقم 7263 : يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده ... (المترجم)

ولا زلت أذكر أني وجدت في كلام العرفاء التعبير عنه بخليفة آخر الزمان مراراً وتكراراً .

السادس: «خاتم الأولياء» وهذا اللقب لجنابه شايع في اصطلاح الصوفية ، لأنه خاتم الدوريّة للولاية المحمّديّة واستكمال النفوس البشرية واستتمام الغرض من البعثة وظهور الصلاح المطلق وعلوّ كلمة الحق ، وكل هذه يكون في عهده السعيد، وصرّح محيي الدين بن عربي بهذا . كلماته ، وعبارته معروفة في البشارة بجنابه .

ويقول الميبدي في شرح الديوان المهدي خاتم الولاية المحمّديّة المطلقة الذي هو من سلالته ومثله خاتم الأولياء ، وإن كان اختلاف اللفظ كافٍ التعدّد في كما ذكر سابقاً، وشعر محيي الدين مشهور الذي يقول فيه :

ألا إن ختم الأنبياء شهيد***وعين إمام العالمين فقيد

السابع: «طاووس أهل الجنّة» روي عن ابن عبّاس في كثير من الكتب العامة والخاصة عن فردوس الديلمي أن النبي صلی الله علیه و اله وسلم قال : «المهدي طاووس أهل الجنّة» (1)وهذا المعنى إما بلحاظ أنّ الإمام يمتاز عن أهل الجنّة بعلوّ المقامات وارتفاع الدرجات كما يمتاز الطاووس عن سائر الطيور بالجمال المخصوص، أو أنّه رؤيته تجلب السرور والراحة لأهل الجنّة كما يحصل عند الناس من البهجة الزائدة والنشاط الوافر عند مشاهدة الطاووس.

الثامن: «الظاهر» كما سمعت ذلك في عبارة الزيارة الشريفة، وبهذه المناسبة نحن أدرجنا التنبيه هنا ولا فرق بين الناطق المذكور فى ألقابه استناداً إلى هذه الزيارة الشريفة والظاهر الذي أهملوه.

ص: 82


1- الطرائف، بحار الأنوار 51 : 105 الرقم 41. (هامش الأصل) الطرائف : 178. (المترجم)

التاسع: «غاية النور» .(1)

العاشر: «منقذ الأُمة».

الحادي عشر : «مصدر الأمور» روى المسعودي عليه الرحمة في كيفية بدء الخلقة حديثاً مرسلاً عن الإمام الصادق علیه السلام والإمام رواه عن آبائه الكرام أباً عن جد عن أميرالمؤمنين علیه السلام . ويقول المسعودي : وذكرت سنده في كتبي الأخرى، وفي ختام الحديث ولم يزل الله يخبأ النور تحت الزمان إلى أن وصل محمداً صلی لله علیه و آله وسلم في ظاهر الفترات فدعا الناس ظاهراً وباطناً وندبهم سراً وإعلاناً واستدعى الله التنبيه على العهد الذي قدّمه إلى الذرّ قبل النسل فمن وافقه واقتبس من مصباح النور المقدّم اهتدى إلى سيره واستبان واضح أمره، ومن ألبسته الغفلة استحق السخط ، ثمّ انتقل النور إلى غرائرنا ولمع في أئمتنا فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض فبنا النجاة ومنا مكنون العلم ، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج خاتمة الأئمة ومنقذ الأمّة وغاية النور ومصدر الأمور ؛ فنحن أفضل المخلوقين وأشرف الموحدين وحجج ربّ العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا وقبض عروتنا .(2)

وليس بعيداً أن يكون الفاضل المتتبع الميرزا محمد رضا المدرس صاحب «جنات الخلود» اعتبر «خاتمة الأئمة» من ألقاب الإمام اعتماداً على هذه الرواية، وفي هذه الحالة لا يصح التفكيك بوجه من الوجوه .

والمراد من «غاية النور» إما أن يكون منتهى الفضل والكمال لأن الكمال أشرف أنواع النور ، وإما أن يكون نور النبوّة والولاية الذي هو مشرق شموس الإرشاد

ص: 83


1- في الرواية التالية ذكر الاسم الحادي عشر «غاية النور» و «منقذ الأمة».
2- مروج الذهب 1: 43 باب المبدء وشأن الخليقة. (هامش الأصل)

والهداية ينتهي إليه ، لأنّ الغاية إما أن تكون بمعنى «المنتهى إليه الشيء» وإما أن يكون معناه أن الغرض من خلق عالم الأنوار هو وجوده المقدّس كما قال في حق جده «لولاك لما خلقت الأفلاك» (1)بحار الأنوار 15 : 27 و 57: 198. (2) بحار الأنوار 36 : 302 (3)بحار الأنوار 15 : 12 و 38 : 81 (4)العلل والعيون والإكمال ، بحار الأنوار 18 : 345 و 26: 335 و 60: 303 و 668 . (5)بحار الأنوار 36: 337 (6)بحار الأنوار :7 350 و 11 : 172 و 26 : 320 (7)بحار الأنوار 17 : 317 (8)بحار الأنوار 74: 116 . (9) مدينة المعاجز : 153 . (10)الغدير 2: 300 ط 2 وتمام الروايات في ذلك . راجع : إحقاق الحق 9: 105 و 106، وكتاب الغدير 5: 435. (11)عيون الأخبار 1 : 262 ، العلل ،1 : 6 ، كمال الدين، بحار الأنوار 18 : 345 و 26 : 335 و 60 : 304 الرقم 16 . (12).

ص: 84


1- حديث «لولاك لما خلقت الأفلاك ولولا علي لما خلقتك» وحديث «لولا رسول الله وعلي لما خلقت العالم» وحديث «لولا أهل البيت لما خلقت العالم» وحديث «لولا فاطمة لما خلقتكما» : روى أبو الحسن البكري أستاد الشهيد الثاني في كتاب الأنوار عن أمير المؤمنين أنه قال : كان والله لأنه ولا شيء معه ، فأول ما خلق نور حبيبه محمد قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم ... والحق تبارك وتعالى ينظر إليه ويقول : يا عبدي، أنت المراد والمريد ، وأنت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاك لما خلقت الأفلاك، من أحبك أحببته ، ومن أبغضك أبغضته
2- . وفي حديث المعراج بعد تصريحه تعالى باختياره نبيه وأولياته الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، قال تعالى : فلولاكم ما خلقت الدنيا والآخرة ولا الجنّة والنار
3- . وفي الحديث القدسي المروي عن مولانا الصادق في معاني الأخبار، والعلل ، بعد بيان نبوّة الرسول وإمامة أمير المؤمنين قال : لولاهما ما خلقت خلقي.
4- الإمام علي بن موسى الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين قال : قال رسول الله ما خلق الله عز وجل خلقاً أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي ... يا علي ، لولا نحن ما خلق آدم ولا حوّاء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض .
5- وفي النبوي العلوي : ولو لانا لم يخلق الله الجنّة ولا النار ولا الأنبياء ولا الملائكة
6- . وفي رواية المفضّل عن الصادق في وصف خلقة الأرواح قبل الأجساد : بعد ما راى آدم أسماء النبي والأئمة على ساق العرش ، قال تعالى : لولاهم ما خلقتكما .
7- وفي تفسير الإمام العسكري في حديث : قال الشجرة : دعوتك لتشهدي لي بالنبوة بعد شهادتك لله بالتوحيد، ثمّ تشهدي بعد شهادتك لي ، لعلي هذا بالإمامة وإنّه سندي وظهري وعضدي وفخري وعزّي ولولاه ما خلق الله عز وجل شيئاً مما خلق
8- . ويشهد على ما تقدّم في البحار 39: 350 او رواية العيون عن الرضاء كما في البحار 16 : 362 . وقال العلامة المجلسي : إن رسول الله وأمير المؤمنين أبوا هذه الأمة لصيرورتهما سبباً لوجود كل شيء وعلة غائية لجميع الموجودات كما في الحديث القدسي: «لولا كما لما خلقت الأفلاك».
9- والروايات في ذلك أكثر من أن تحصى، منها ما في مدينة المعاجز
10- رواية كريمة غريبة كالدر في وصف خلقة النبي وآله المعصومين وجوامع فضلهم وأنه لولاهم ما خلق الله شيئاً، فراجع إليه . وروى العامة من طرقهم عن أبي هريرة عن النبي عل الله أنه قال : لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح ... قال تعالى: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك ، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي ، لولاهم ما خلقت الجنّة والنار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ ....
11- أبو الصلت الهروي عن الرضا صلوات الله عليه ، عن آبائه عن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليهم، قال : قال رسول الله : ما خلق الله عز وجل خلقاً أفضل منّي ولا أكرم عليه مني . قال علي صلوات الله عليه : فقلت : يا رسول الله ، فأنت أفضل أو جبرئيل ؟ فقال : يا علي ، إن الله فضّل أنبيائه المرسلين على ملائكته المقربين والفضل بعدي لك يا علي وللأئمة من ولدك ، وإن الملائكة لخدّامنا وخدام محبينا . يا علي ، الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا . يا علي ، لولا نحن ما خلق الله آدم ولا حوّاء ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؛ لأنّ أوّل ما خلق الله عزّ وجلّ خلق أرواحنا فأنطقنا بتوحيده وتحميده، ثمّ خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظموا أمرنا فسبحنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله وإنا عبيد لسنا بآلهة يجب أن يعبد معه أو دونه ، فقالوا : لا إله إلا الله ، فلما شاهد واكبر محلّنا كبرنا لتعلم الملائكة أنّ الله أكبر من أن ينال عظم المحل إلا به ، فلما شاهدوا ما جعله لنا من العزة والقوة قلنا : لا حول ولا قوة إلا بالله لتعلم الملائكة أن لا حول ولا قوة إلا بالله، فلمّا شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا : الحمد لله ، لتعلم الملائكة ما يحق الله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمته [ نعمه - خ ل] فقالت الملائكة : الحمد لله ، فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد وتسبيحه وتهليله و تحمیده و تمجیده. ثم إن الله تبارك وتعالى خلق آدم فأودعنا صلبه ، وأمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لنا وإكراماً، وكان سجودهم لله عزّ وجلّ عبودية ولادم إكراماً وطاعة لكوننا في صلبه، فكيف لا أكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلهم أجمعون ؟ وإنّه لما عرج بي إلى السماء أذن جبرئيل مثنى مثنى ، وأقام مثنى مثنى ، ثمّ قال لي : تقدّم يا محمد ، فقلت له : يا جبرئيل، أتقدّم عليك ؟ فقال : نعم ، لأنّ الله تبارك وتعالى فضّل أنبيائه على ملائكته أجمعين وفضلك خاصه ، فتقدّمت فصليت بهم ولا فخر ، فلما انتهيت إلى حجب النور قال لي جبرئيل : تقدّم يا محمّد و تخلف عني ، فقلت : يا جبرئيل، في مثل هذا الموضع تفارقني ؟! فقال : يا محمد ، إن انتهاء حدي الذي وضعني الله عزّ وجلّ فيه إلى هذا المكان فإن تجاوزته احترقت أجنحتي بتعدي حدود ربي جل جلاله ، فزح بي في النور زخة حتى انتهيت إلى حيث ما شاء الله من علو ملكه فنوديت : يا محمد ، أنت عبدي وأنا ربك ، فإيَّاي فاعبد وعلي فتوكل فإنك نوري في عبادي ورسولي إلى خلقي وحجتي على بريتي ، لك ولمن تبعك خلقت جنتي ، ولمن خالفك خلقت ناري ، ولأوصياءك أو جبت كرامتي ، ولشيعتهم أو جبت ثوابي . فقلت : يا ربّ ، ومن أوصيائي ؟ فنوديت : يا محمد ، أوصياءك المكتوبون على ساق عرشي ، فنظرت وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثنى عشر نوراً في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي : أولهم علي بن أبي طالب وآخر هم مهدي أمتي . فقلت : يا ربّ، هؤلاء أوصيائي من بعدي ؟ فنوديت يا محمد هؤلاء أوليائي وأوصياني وأصفيائي و حجتي (حججي - خ ل ) بعدك على بريتي وهم أوصياءك وخلفاءك وخير خلقي بعدك ، وعزتي وجلالي لأُظهرنَّ بهم ديني، ولأ علين بهم كلمتي ، ولأطهرنَ الأرض بآخرهم من أعدائي ، ولأمكنته (ولأ ملكته - خل) مشارق الأرض ومغاربها ، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللن له السحاب الصعاب، ولأرقينه في الأسباب، فلأنصرنه ،بجندي، ولأمدته بملائكتي حتى تعلو دعوتي وتجمع الخلق على توحيدي ، ثمّ الأديمن ملكه ولأداولن الأيام بين أولياني إلى يوم القيامة
12- . وفي كتاب (مجمع النورين) للفاضل المرندي ص 14 قال : وفي الحديث القدسي : لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا علي لما خلقتك . كما ذكره الوحيد البهبهاني . وروي في بحر المعارف : لولاك لما خلقت الأفلاك ، ولولا عليّ لما خلقتك . وفي ضياء العالمين للشيخ أبي الحسن الجد الأمّي للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر بزيادة فقرة : «ولولا فاطمة لما خلقتكما» [ ونحوه في ص 187 من كتاب المرندي ] ... انتهى ما في (مجمع النورين). وقد تقدم مصدر آخر لحديث لولا فاطمة لما خلقتكما في المجلد الأول لكتابنا هذا.

ص: 85

ص: 86

ووجه انطباق منقذ الأمة على جنابه ظاهر لأن بعدله الشامل كل مبتلى يستريح.

سبزه زطرف و من چگونه بروید***روید زانسان امید از دل حرمان

لاله به صحن چمن چگونه بخندد***خندد از آنگونه عدل در رخ احسان

يا سائلي كيف تخضر الرياض وقد***أودى بها المحل أو هوج الأعاصير

تخضر تشبه آمالاً بخافق إن_***سان يُعذبه جري المقادير

وكيف يضحك نوار على دمن كالعدل يضحك في إحسان مشكور وكذلك كونه مصدر الأمور ظاهراً لأنّ ببركته الدنيا قائمة ، وأرزاق الخلائق متصلة :

نطفه ای بی مهر او صورت نبندد در رحم***قطره ای بی امر او نازل نگردد از سما

خاصیت بخش نباتات از سپندان تا بعود***رنگ پرد از جمادات از شبه تا در ناب

ص: 87

ولا تحمل الأرحام إلا بحبه***ولا تنزل الأمطار إلا بأمره

ولا قام نبت الأرض إلا بيمنه***ولا البحر مختالاً عليه بدره

وأظهر ما في فقرة مصدر الأمور أنه في زمن إشراق شموس سلطانه تغرب كواكب السلاطين، ويصبح الأمير مأموراً، والملك مقهوراً في جميع الدنيا، كما قيل:

دست بکش بر درش هزار سکندر***غاشیه کش بر درش هزار سلیمان

الثاني عشر : «من يملأ الأرض قسطا وعدلاً» ووصفه بهذه العبارة متواتر في أخبار الخاصة والعامة، وبالطبع ، لم يستند الذين اعتبروا من ألقابه : «من لم يجعل

الله له شبيهاً» على برهان أقوى من هذا البرهان فلا وجه للتفريق بينهما. وأخيراً نقول : ثبت بعد ملاحظة الميزان المذكور وتتبع مطاوي الأخبار والتأمل في الآثار الواردة أن ألقابه علیه السلام أكثر مما ذكرت ، ونحن اقتصرنا على هذا العدد تيمناً بذكرها

ص: 88

وَأَسْأَلُ اللهَ بِحَقِّكُمْ وَبِالشَّأْنِ الَّذِي لَكُمْ عِنْدَهُ أَنْ يُعْطِيَنِي بِمُصَابِي بِكُمْ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي مُصاباً بمُصِيبَة ...

الشرح : السؤال هنا بمعنى القسم، والباء في «بحقكم» متعلّقة بمحذوف تقديره «مقسماً» لأنه لا شك أن الباء المذكورة جيء بها للقسم، وحقيقته في طلب الشفاعة والتوسل .

حق الشيء يحق حقاً وجب ووقع بلا شك (1)كما جاء في القاموس، وثبتت حقيقة الحق ، ومن هذه الجهة كان الحق من أسماء الجلالة وكذلك يقال الحق في مقابل الباطل وكذلك يستعمل الحق في العدل والأمر والمقضي والإسلام والمال والملك والواجب والموجود والصدق والموت والجزم في هذه جميعاً بهذا الجامع، ومن هذا الباب الحقِّ مقابل الحكم مثل حق المطالبة بالعوض مثلاً في البيع الذي أشار إليه فى القاموس ، وقال : واحد الحقوق ... والمراد بحق الأئمة في هذه العبارة إما الشرف والفضل الثابت لهم عند الله عزّ وجلّ بالأحقية التي لهم عنده لنصرة الدين ونشر المعارف وزرع الإيمان في أراضي صدور أهل الاستعداد وسقايته بأنهار بيان الحقائق كما جاء في كثير من الأدعية «بحقك عليهم وبحقهم عليك» .(2)

ص: 89


1- القاموس 1 : 1129 ط بیروت، المكتبة العلمية .
2- اللهم بحقهم إليك أتوسل وأسأل سؤال ... ( دعاء الثالث من شعبان). اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي لا يطفأ ، وبوجه محمد حبيبك المصطفى ، وبوجه وليك علي المرتضى ، وبحق أوليائك الذين انتجبتهم أن تصلي على محمد وآل محمد. (أعمال يوم المباهلة) فبحق من ائتمنك على سره واسترعاك أمر خلقه ، كُن لي إلى الله شفيعاً ومن النار مجيراً. (الزيارة المطلقة لأمير المؤمنين) وأسألك بحقهم لما استجبت لي دعوتي وقضيت لي حاجتي . (زيارة الأئمة في سرّ من رأى) . عبد الله بن مسعود: دخلت يوماً على رسول الله فقلت : يا رسول الله ، أرى الخلق لا تصل إليه ، فقال : يا عبد الله ، لج المخدع ولج البيت : دخل ، المخدع بيت داخل البيت الكبير ] فولجت المخدع وعليه يصلي وهو يقول في سجوده وركوعه : اللهم بحق محمد عبدك اغفر للخاطئين من شيعتي، فخرجت حتى أخبر رسول الله فرأيته وهو يصلي وهو يقول : اللهم بحق علي بن أبي طالب عبدك اغفر للخاطئين عن أمتي . قال : فأخذني من ذلك الهلع العظيم، فأوجز النبي في صلاته فقال : يابن مسعود ، أكفر بعد إيمان ؟ فقلت : حاشا وكلا يا رسول الله ، ولكني رأيت عليّاً سأل بك ورأيتك تسأل الله به فلا أعلم أيكم أفضل عند الله ؟ قال : اجلس یابن مسعود، فجلست بين يديه ، فقال لي : اعلم أن الله خلقني وعلياً من نور عظيم قبل خلق الخلق بألفي عام إذ لا تسبيح ولا تقديس، ففتق نوري فخلق منه السماوات والأرض ، وأنا والله أجل من السماوات والأرض ، وفتق نور علي بن أبي طالب فخلق منه العرش والكرسي ، وعلي بن أبي طالب أفضل من العرش والكرسي، وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم ، والحسن والله أجل من اللوح والقلم ، وفتق نور الحسين وخلق منه الجنان والحور ، والحسين والله أجلّ من الجنان والحور . ثم أظلمت المشارق والمغارب فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة فتكلم الله جل جلاله بكلمة فخلق روحاً ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة الأخرى نورا .... [ابن حسنويه في در بحار المناقب ، إحقاق الحق 5 : 250 ونظيره في ملحقات شرح نهج البلاغة 4 : 558 ، إحقاق الحق 7 87 عنه ، وبحار الأنوار :36: 73 و 40 44] .

ولعل المعنى الأوّل في هذه الفقرة باعتبار الإطلاق والانسجام أنسب في العبارة التالية [وبالشأن الذي لكم] .

ويناسبه الخبر المشهور من أن قوماً يدخلون الجنة ويدعون «الحقية» ولا يعرفون من الإيمان سوى القسم بحق أمير المؤمنين (1).

ص: 90


1- جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن عبدالله بن جعفر ، عن محمد بن أحمد الأنصاري قال : وجه قوم من المفوّضة والمقصرة كامل ابن إبراهيم المدني إلى أبي محمد ال . قال كامل : فقلت في نفسي : أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي ، قال : دخلت على سيدي أبي محمد نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه ، فقلت في نفسي : ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله ، فقال متبسماً : يا كامل، وحسر عن [ ذراعيه ] فإذا مسح أسود خشن على جلده ، فقال : هذا الله وهذا لكم، فسلّمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخی، فجائت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها ، فقال لي : يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت : لبيك يا سيدي ، فقال : جنت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك ؟ فقلت : إي والله ، قال : إذن والله يقل داخلها والله إنّه ليدخلها قوم لهم الحقية ، قلت : يا سيدي ، ومن هم ؟ قال : قوم من حبّهم لعليّ يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله ، ثم سكت عني ساعة ثم قال : وجنت تسأل عن مقالة المفوّضة، كذبوا ، بل قلوبنا أوعية المشية الله ، فإذا شاء شئنا والله يقول : «وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ» [الإنسان : 30] ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه فنظر إلى أبو محمد متبسماً ، فقال : يا كامل، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي، فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك . قال أبو نعيم : فلقيت كاملاً فسألته عن هذا الحديث فحدثني به [الغيبة للنعماني بسندين، ودلالة الإمامة للطبري بسنده ، بحار الأنوار 52: 51 (هامش الأصل)]

الشأن: جاء في الصحاح والقاموس وغيرهما الأمر والحال (1)ولكن يستعمل في العرف العام بمعنى الفضل والشرف كما يقولون «له شأن ولا شأن له» وهذا على سبيل الكناية كما هي الحال في لفظ «مقام».

والمراد من شأن الأئمة عند الله معلوم إجمالاً ولو أردناه بيانه بالتفصيل لخرج عن طاقة البشر ومدارك الخلق .

منقار بند رستی هزار جای***تا اولین دریچه او طایر قیاس

لكن عند مراجعة الأخبار والتأمل في طواياها يبيّن لنا أن الأمر يعود إلى كلّ شخص بحسبه وبقدر استعداده، يمكن الاستفادة من معرفة مقاماتهم العالية .

گر بریزی بحر را در کوزه ای***چند گنجد قسمت یکروزه ای

لو وضعت البحر بالكوز فما***قدر ما يحمله من يومه

اختلاف أوعية القلوب إلى اختلاف استعدادات النفوس التي هو منشأ ويرجع تباين الأذواق وتعدّد المذاهب من العلماء الكبار، ويظهر ذلك في ملاحظة

ص: 91


1- الصحاح 5 : 2141 . وقال في القاموس : الخطب والأمر . 4: 238. (المترجم)

حالات الصحابة والقدماء من الرمي بالغلو والارتفاع والتخليط ، وهو موجود في الرجال، ومشروح هذا الإجمال.

ولقد كتبت شرحاً جديراً بالرعاية في رسالة «الإصابة في قاعدة الإجماع على العصابة» وفي «منظومة الإجماع» حول هذا الباب على قلة البضاعة .

ويناسب هذا الباب الخبر الشريف المروي في الكافي : روى ثقة الإسلام رضي الله عنه وأرضاه بسند صحيح عن ضريس الكناني قال: سمعت أبا جعفر يقول - وعنده أناس من أصحابه - : عجبت من قوم يتولونا ويجعلونا أئمة ويصفونا أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ثم يكسرون حجّتهم ويخصمون أنفسهم لضعف قلوبهم فينقصونا حقنا ويعيبون ذلك على من أعطاه الله برهان حق معرفتنا والتسليم لأمرنا ، أترون أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده ثم يخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم (1).

والحمد لله وله المنّة إنّ عموم الناس بما هو أكثر من المئة السالفة على أثر المساعي الجميلة لعلماء الإسلام ونشر أخبار أهل البيت في هذا الزمان قد أخذوا قصب الرهان من حيث رسوخ ولاية الأئمة والاعتقاد الإجمالي بعلو مقامات فضلهم .

الإعطاء : وحقيقة العطاء البذل بدون توقع المدح والشكر وإلا كان معاوضة ولهذا اسم المعطي على الإطلاق لا يليق إلا بالخالق والتكليف بشكره من باب إدراك الحسن والقبح العقلي، ويحكم به العقل، وإنّما الأوامر الشرعية لمحض الإرشاد ولا تعني الجزاء على العطايا الإلهية، وكيف يمكن ذلك وتوفيق الشكر

ص: 92


1- الكافي 1 : 261 كتاب الحجة باب 48 الرقم 4 . (هامش الأصل)

ذاته من عطاياه السنيّة وهو يجرّ إلى التسليم .(1)

از دست و زبان که برآید***كز عهده شکرش بدر آید

كم ذا يطيق بذل حقّ الشكر***باليد باللسان أو بالذكر

الفضل في أصل اللغة الزيادة كما صرحوا بذلك ، وهو أحياناً باعتبار الكيفية وأحياناً باعتبار الكمّيّة، وأحياناً بقوّة سنخيّة الوجود ويراد بالأفضل الأكثر ويمكن أن يراد به الأكمل ، والجمع أولى كما هو الظاهر.

المصاب والمصاب في الأوّل مصدر مبني للمفعول، وفي الثاني اسم مفعول ، والتحقيق في لفظه مرّ آنفاً مع الفوائد المتعلقة به (2)والأخبار حول المصابين . والصابرين ليست قليلة ليمكن حصرها. والآية الكريمة :«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»«الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»«أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»(3) إنّها فهرست كتاب السعادة، وديباجة أوراق الفضل والشرف وموضع المثل المعروف: «كل الصيد في جوف الفرا» لأنه ما جاء في الأخبار حول المعنى فهو شرح لاجمالي الآية الكريمة.

ص: 93


1- لأنه كلما أعطاك شكرته والشكر من عطايا، فتشكره على الشكر وهكذا حتى يتسلسل . (المترجم)
2- في شرح: «لقد عظم مصابي بك». (هامش الأصل)
3- البقرة : 155 - 157 .

مُصِيبَةً مَا أَعْظَمَهَا وَأَعْظَمَ رَزِيَّتَهَا فِي الْإِسْلَامِ وَفِي جَمِيعِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ...

الشرح : نصب «مصيبة» في عبارة الزيارة بتقدير «أصف» و«أذكر» و«أعنى» وأمثالها، وقطع الوصف عن الموصوف في العربيّة يفيد المدح أو الذمّ، ولهذا يقال غالباً أنّ هذه الكلمة منصوبة «بالمدح» وفائدته تبيّن اتصاف الموصوف بالصفة على وجه لو أنه ذكر مستقلاً بدون الاعتماد على موصوف لا يفهم منه إلا أن الموصوف غاية في الوضوح اختصاصه بهذه الصفة وهذا نوع من المبالغة غاية اللطافة وفنّ من البيان في منتهى الشرافة وإن لم أعثر على من ذكر هذه الجهة ولم يخطر بخاطري من صرّح بها .

ما أعظمها : الجملة وإن كانت إنشائيّة إلّا أنّ وقوعها في حيّز الصفة لا تنافي الموصوف كما هو المشهور ، ويقدّر لها «أقول» (أي أقول ما أعظمها).

رزيّة : مرّ معناها في أوائل الزيارة (1)إلا أنّ ما ينبغي الكشف عنه هنا هو وجه إضافتها إلى المصيبة مع أن ظاهر اللغويين أن معناها المصيبة ويترائى لي في هذا

الاستعمال وجهان :

الأول : أنها للتأكيد، ومن المعروف في لغة العرب أنّهم عندما يريدون المبالغة في بلوغ الموصوف كمال الوصف في صفته فإنّهم يشتقون من الموصوف كلمة يصفونه بها فيقول مثلاً: يوم أيوم وليل أليل ، وشعر شاعر وموت مائت، وهم ناصب كأنّهم يرون أن في اليوم يوماً آخر منطو في داخله، وفي الشعر نفس شاعره منطو فيه ، لبلوغه درجة الكمال ، بالاتصاف بالشعرية ، وبناءاً على هذا فإنّ دلالة هذه الإضافة على التأكيد واضحة لأنّ مؤداها أنّ هذه المصيبة بلغت من

ص: 94


1- في شرح الفقرة «يا أبا عبدالله لقد عظمت الرزيّة».

الشدّة بحيث استبطنت مصيبة أخرى، وهذا النوع من الاستعمالات لا يخلو من الخيال .

الوجه الآخر : أن أصل الرزء معناه النقص ويمكن القطع بأن الرزيّة وزان نقيصة وزناً ومعنى واستعماله في المصيبة للزوم النقص لها إما في الأموال أو اللأنفس أو الثمرات، وبناءاً على ما تقدّم فهي مصدر يستعمل أحياناً في أصل معناه وهذا الوجه لا يبعد كثيراً عن المعنى وإن كان الإنصاف يقتضينا بأن الوجهين كليهما لا يخلوان من نوع مسامحة وليس بحاجة إلا إلى قدر من العناية ولعلّ النظر يجلو لنا وجهاً آخر. والمراد من أهل السماوات والأرض مطلق الموجودات وليس العقلاء خاصة كما يظهر في تأمّل الشواهد القادمة وكما يظهر من مدلول ظاهر اللفظ أنّ الحكم لا يشمل السماوات والأرض بذاتيهما ؛ لأن الحكم منصب على أهلهما إلا أنهما داخلان في مناط الحكم ومعلومان من مساق التعبير وقد مرت إشارة إجماليّة قبل هذه الفقرة السابقة بعموم مصيبة .

ومن المناسب أن نذكر هنا جملة من الأخبار من كتب الشيعة وآثاراً من كتب العامة لأن اعتراف القوم بمثل هذه الأمور الغريبة دليل واضح على أحقية الطريقة الإمامية كثر الله أنصارها وضاعف اقتدارها ، وقبل الدخول في ذكر الأخبار المذكورة يجب أن تعلم بأن لا غرابة عقلاً ونقلاً في تألّم الموجودات من السماوات والأرضين من المصيبة المحرقة التي ألمت بالإمام المظلوم الغريب لأنه ثبت في محلّه من علوم مافوق الطبيعة أن الصفات العارضة على الموجودات :قسمان: قسم منها تعرض عليه العوارض مثل الطول والعرض والعمق والتحيّز والحاجة إلى الغذاء والماء بعد تخصصه الطبيعي أو الرياضي، وقسم منها تعرض عليه العوارض بما هو موجود أي يكفي في عروض تلكم الصفات عليه نفس وجوده وتحقق هذا الوجود مثل العلم والسمع والبصر، وبالطبع يعتبر هذا القسم

ص: 95

لازم الوجود لأنه يكفي في عروضها الوجود الصرف بغض النظر عن جميع الأشياء، ولما كان الوجود مختلفاً في الموجودات فمرّة يكون عين الذات وأخرى هو بحاجة إلى علةٍ موجدة، ويكون في موضع أقوى منه في موضع آخر، وغنيّاً صرفاً في مكان، وفي مكان فقيراً بحتاً ، مِن ثَمّ اختلفت آثاره باختلاف مراتبه، وتفاوت مدارجه من الغنا والفقر والكمال والنقص والشدّة والضعف والأصلية والظلية .

إذن، يكون العلم في موضع عين الذات قوياً شديداً كاملاً بل غير متناهي الشدة، وفي موضع في غاية الضعف ونهاية النقصان ، وتمام الظلية وإن كان يسمّى علماً في كلا الموضعين. ومن هذا البيان يظهر أنّ هذا البيان يظهر أنّ جميع الأشياء تتمتّع بقسط من هذه الصفات ونموذج من هذه المعاني ولا شيء موجود ليس فيه بقدر حظه من الوجود وبمقدار نصيبه من تحقق هذه عوارض الحقايق الوجودية.

اگر خواهی که گردد بر تو آسان***و ان من شيء لا یک دم فرو خوان

إن شئت تلقى الحل للمعضل***فاقرأ وإن من شيء لا تعجل

والآية الكريمة: «أنطَقْنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ» (1)تشعر بهذا المعنى وحكماء الإشراق وإن لم يذكروا القاعدة بهذا العموم إلا أنهم وغيرهم قائلون بأن الحيوانات مدركة للكليات كما يظهر ذلك في أعمال النحل وهندسة الأبابيل من صنع بيوتها وسائر عجايب أفعالها لكلّ عاقل غير مسبوق بالشبهة في ذهنه بل قالوا بالحسّ الضعيف للنبات أيضاً كاتجاه جذور النباتات والأشجار المزروعة على حوافي الأنهار إليها ، وتدلّي أغصانها بالتجاه النهر .

ومن ملاحظة الظاهرة الغرامية التي ادّعاها بعضهم للنخل ومن التوجه إلى فروع الكرمة حين تتسلق جداراً فإذا تم الجدار اتجهت إلى الآخر رأعجب من

ص: 96


1- فصلت : .21

الجميع شجرة القرع التي تدنو فروعها من الجدار وقبل أن تناله تلتف عليه وتتجه إلى طرفه الآخر، ومن هذه الناحية حمل العلماء على اعتقاد أن للشجر حسّاً في الجملة ، وهذا القول أرضى أستاد البشر والعقل الحادي عشر الخواجه نصير الدين الطوسي قدس الله سرّه القدوسي، وكفى به حجّة.

ولا وجه للمشهور من جعل إدراك الكليات فصلاً للإنسان لأنه حيوان ناطق، وذكر ذلك في حده لأنّ قدماء الحكماء اعتبروا الناطق بمعنى المتكلم بالغلبة مميّزاً له ، كما صرح بذلك قيصري الرومي في شرح الفصوص، ولكن المتأخرين اعتبروا النطق بمعنى إدراك الكليات وليس بعيداً أن يكون غير متطابق مع صريح اللغة ، ولا يعرض للذهن أن التكلّم عرض وفصل ذاتي وحينئذ كيف يكون فصلاً لأنّ هذا الإشكال نفسه يصدّق في النطق بمعنى إدراك الكليات لأنه أيضاً عرضيّ بالضرورة والجواب مشترك ، والغرض من الاثنين الإشارة إلى ذلك الجوهر منشأ انتزاع هذا الوصف الذي لم تمسكه يد لحد الآن، وينبغي أن يشار إليه باللوازم من هذه الجهة .

يقول الشيخ الرئيس في (رسالة الحدود) : إدراك الحدود الحقيقية للأشياء خارج عن طاقة البشريّة لأنّه موقوف على نيل حقائقها والدعاء النبوي معروف: اللهم أرني حقائق الأشياء كما هي (1)من هذه الناحية لا يوجد تعريف في أبواب

ص: 97


1- عوالي اللثالي 4 : 132 الرقم 228. قال : اللهم أرنا الحقايق كما هي، وفي ذيله عن التفسير الكبير للرازي 6: 26 سورة طه : «اشْرَحْ لِي صَدْرِي» فإنّ عين العقل ضعيفة فاطلع يا إلهي شمس التوفيق حتى أرى كلّ شيء كما هو ، وهذا في معنى قول محمد : «أرنا الأشياء كما هي». وفي مرصاد العباد ص 309 الباب الثالث من الفصل السابع عشر ، ولفظه ما نقله : (خواجه در استدعاء : «أرنا الأشياء كما هي» ظهور أنوار صفات لطف و قهر میطلبد انتهى ما في ذيل عوالي النالي . وفي كنوز الحقائق للمناوي المطبوع في هامش «الجامع الصغير للسيوطي» ط مصر : «اللهم أرني الدنيا كما تراها صالحي عبادك». وقال المولوي في المثنوي ط علاء الدولة ص 115 السطر 15: طعمه بنموده به ما و آن بوده شست***آنچنان بنما به ما آن را که هست (هامش الأصل)

العلوم يخلو من المناقشة بحيث يصل إلى المنتهى نقياً من العيوب.

وخلاصة الحديث ولب المسألة والمطلب أنّه لم يقم دليل عقليّ على عدم شعور الأشياء كلّها وعدم الإدراك في الحيوانات بل الدليل والحسن على خلافه كما أشير ذلك إجمالاً ، والآيات القرآنية وشواهد الأخبار على هذا المعنى كثيرة مثل الآية الكريمة : «وَإن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (1)وبناءاً على قرائة «تفقهون» بصيغة الخطاب تكون الدلالة أوضح، ويؤيده رجوع ضمير العاقل تسبيحهم إلى شيء ؛ لأنّ الحكم مبني على هذه الحيثية .

ويثبت مدّعانا الأخبار المتواترة بالمعنى بل هى أكثر من متواترة من قبيل عرض الإيمان وعرض الولاية وأخبار مفاخرة كربلاء والكعبة وأخبار ذك-ر الحيوانات وأخبار إيمان بعضها وتكلّمها ببعض القضايا الدينية مثل تسليم الغزال والضب وشهادة الأسد وتألّم الناقة والفرس، وأخبار شهادة الأمكنة على عمل الخير أو الشرّ وأخبار فضل المسجد وسروره وحزنه بالعبادة والمعصية، وأخبار تأثر الجمادات في الوقائع العظيمة في الإسلام، ولا يقتضي المقام بسطاً لهذا المطلب أو تعداداً لوقائعه

ومن هذه الجهة قال قوم: إن معجزة النبي صلی الله علیه و آله وسلم في تسبيح الحصى بيده كان بسماع صوت الحصى ولا جهة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره أو إلى التأويل ، وما من حجّة تلزمنا بنكران هذه القضايا سوى الاستبعاد وعدم الأنس بها لعدم

ص: 98


1- الإسراء : 44 .

جريان العادة بمثلها بل الاستئناس بفتح باب التأويل والتصرف في الظواهر منافٍ للعقول الجزئية قبل التأمل، ولنعم ما قيل:

فاش تسبیح جمادات آیدت***وسوسه تأويلها بربایدت

جملگی اجزاء عالم در جهان***باتومیگویند پیدا و نهان

ما سميعیم و بصیریم و خوشیم***با شما نامحرمان ما خامشیم

كلّما في الوجود يلهج بالحمد***لرب سبحانه معبود

الجماد الذي تراه بلا نطق***يناجي وكلّ ما في الوجود

إنّ تأويله ينافي عقولاً***خلقت مرشداً إلى المعبودِ

ومن القول ظاهر ومن القول خفيّ***بكل معنى مفيد

إن تكن عارفاً ستفقه ما يجري***سميعاً تقول هل من مزيد

ليس يدري الحديث إلا الأخلاء***وينأى عن الغريب البعيد (1)

وفي نظير ذلك أقول عن لسان قوم مشيراً إلى برهانه :

عشق الله ذاته فتجلّى***عشقه في مظاهر الأشياء

ليس حاس كأس الهوية إلا***وهو يحسو سلافة الأهواء

واختلاف الهيوليات دليل***لاختلاف الحدود والإنصباء (2)

وأخيراً نقول : إذا وجدت هذه المقدّمة طريقها إلى الذهن وتقرّرت واستقرت الأخبار الكثيرة دالة على أن الموجودات أجمع تألمت لمصيبة هذا الإمام المظلوم

ا المؤلمة، وكلّ موجود جرى منه البكاء بالشكل الذي يلائم هويته، وأوشكت الانقلابات الواقعية أن تلمّ في اجزاء العالم بواسطة الارتباط الواقعي والمناسبة

ص: 99


1- الشعر للمترجم محاولاً به ایجاب معنى الأبيات الفارسيه الثلاثة فيه ، فليس هو من قبيل الترجمة .
2- ديوان المؤلف : 12 . (هامش الأصل)

الحقيقية التي هي عبارة عن تلقي الفيض الإلهي بوساطة ذلك الوجود المقدّس والاستمداد من بركات ذاته السعيدة في نيل الترقيات المرتقبة لكل واحد منها في كماله الطبيعي لعلاقتها مع ذلك الجناب الخصب (سيد الشهداء) ولقد تجلّى بشكل ظهر جلياً للعدو والصديق ، المؤمن والكافر ، فشهدوا وشاهدوا، ولما كان استقصاء هذه الأخبار برمتها يستدعي وضع كتاب مستقل لذلك قسمتها إلى فصلين فأثبت فيهما من كل قسم طرفة ومن كل نوع لمحة.

الفصل الأوّل

فى ذكر بعض الأخبار الواردة عن أهل البيت الأطهار التي تفيد عموم المصاب ، البعض منها يفيد ذلك بنفسه ، والبعض الآخر بانضمام خبر إليه ، وهاهنا

نقتصر على عدد من الأخبار :

الأوّل: روى الشيخ الصدوق في أماليه وأوصل السند إلى سيد الساجدين علیه السلام أن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام دخل يوماً إلى الحسن علیه السلام فلما نظر إليه بكي، فقال له : ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟ قال أبكي لما يُصنع بك... ثم راح الإمام الحسن يعدّد مصائبه له الواقعة في كربلاء المذكورة في كتاب أمالي، وفي ذيل الخبر قال: فعندها - أي بعد شهادتك - تحلّ ببني أمية اللعنة وتمطر السماء رماداً ودماً، ويبكي عليك كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار .(1)(2)

الثاني : الشيخ الصدوق المتقدّم وابن قولويه في كامل الزيارة مسنداً عن عروة ابن الزبير أنّه قال : سمعت أبا ذرّ وهو يومئذ قد أخرجه عثمان إلى الربذة ، فقال له

ص: 100


1- أمالي الصدوق، مجلس 24 ، تحت رقم 2 ، بحار الأنوار 45: 218 الرقم 44 . ( هامش الأصل)
2- الأمالي : 116 . (المترجم)

الناس : يا أباذر ابشر فهذا قليل في الله تعالى، فقال: ما أيسر هذا ولكن كيف أنتم إذا قتل الحسين بن علي علیه السلام قتلاً - أو قال : ذبح ذبحاً - والله لا يكون في الإسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتلاً منه [بعد الحسين أعظم قتلاً منه] وإن الله سيسل سيفه على هذه الأُمّة لا يغمده أبداً، ويبعث ناقماً [قائماً من ذرّيّته فينتقم من الناس وإنكم لو تعلمون ما يدخل على أهل البحار وسكان الجبال في الغياض والآكام وأهل السماء من قتله لبكيتم والله حتى تزهق أنفسكم، وما من سماء يمرّ به روح الحسين علیه السلام إلا فزع له سبعون ألف ملك يقومون قياماً ترعد مفاصلهم إلى يوم القيامة ، وما من سحابة تمرّ وترعد وتبرق إلا لعنت قاتله، وما من يوم إلا وتعرّض روحه على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فيلتقيان ...(1).

الثالث: أيضاً في الكتاب الشريف كامل الزيارة مسنداً عن زرارة (سلام الله عليه)(2) قال : قال أبو عبدالله : يا زرارة، إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، وإن الأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد، وإن الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة ، وإنّ الجبال تقطعت وانتثرت، وإن البحار تفجرت ، وإنّ الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحسين علیه السلام، وما اختضبت منا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد، وما زلنا في عبرة بعده، وكان جدّي إذا ذكره بكى حتّى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي البكائه رحمة له من رآه ، وإنّ الملائكة عند قبره ليبكون لبكائهم كل من في الهواء والسماء من الملائكة، ولقد خرجت نفسه علیه السلام فزفرفت جهنّم زفرة كادت تنشق

ص: 101


1- كامل الزيارة : 74 ، بحار الأنوار 45: 219 . (هامش الأصل) وكامل الزيارة 73 نسخة المترجم .
2- سلام الله عليه ليست من ألفاظ الحديث. (هامش الأصل) وكان المؤلّف أراد بذلك أن يظهر ولائه لزرارة لاختلاف الأقوال فيه . (المترجم)

لزفرتها، ولقد خرجت نفس عبيدالله بن زياد ويزيد بن معاوية فشهقت جهنّم شهقة لولا أنّ الله حبسها بخزانها لأحرقت من على ظهر الأرض من فورها، ولو يؤذن لها ما بقي شيء إلا ابتلعته ولكنها مأمورة مصفودة، ولقد عتت على الخزان غير مرّة حتى أتاها جبرئيل فضربها بجناحه فسكنت، وإنّها لتبكيه وتندبه ، وإنّها لتتلطّى على قاتله ، ولولا من على الأرض من حجج الله لنقضت الأرض وأكفأت بما عليها ، وما تكثر الزلازل إلا عند اقتراب الساعة ، وما من عين أحبّ إلى الله ولا عبرة من عين بكت ودمعت عليه، وما من باك يبكيه إلا وقد وصل فاطمة سلام الله علیها وأسعدها عليه ووصل رسول الله وأدّى حقنا ..(1)إلى آخر الحديث الشريف في فضل الباكين .

الرابع : وكذلك في كامل الزيارة مسنداً أنّ أبا بصير قال عن أبي جعفر قال : بكت الإنس والجن والطير والوحش على الحسين بن علي حتى ذرفت دموعه.(2)

الخامس : وكذلك في نفس الكتاب وساق السند إلى الحسين بن ثوير قال: كنت أنا ويونس بن ظبيان والمفضل بن عمر وأبو سلمة السراج جلوساً عند أبي عبد الله علیه السلام فكان المتكلّم يونس، وكان أكبرنا سناً ، وذكر حديثاً طويلاً يقول : ثمّ قال أبو عبد الله علیه السلام : إن أبا عبد الله علیه السلام لما مضى بكت عليه السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهنّ، وما ينقلب في الجنّة والنار من خلق ربنا، وبكى على أبي عبدالله إلا ثلاثة أشياء لم تبك عليه .

قلت: جعلت فداك، ما هذه الثلاثة أشياء ؟

ص: 102


1- كامل الزيارات ، باب 26 ، بحار الأنوار 206:45 الرقم 13 . (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم ص 80.
2- نفسه ، باب 26 ص 79 ، بحار الأنوار 45 : 205 الرقم .. (هامش الأصل)

قال : لم تبك عليه البصرة ولا دمشق ولا آل عثمان بن عفان .(1)

والظاهر أن المراد من آل عثمان هم خصوص بني أمية أو مطلق أصحابه ومحبّيه الذين يقال لهم العثمانية.

السادس : وفي الكتاب المذكور عن أبي بصير مسنداً أنه قال: كنت عند أبي عبد الله علیه السلام ما أحدثه فدخل عليه ابنه فقال له : مرحباً ،وضمه، وقال: حقّر الله من حقركم ، وانتقم ممّن ،وتركم، وخذل الله من خذلكم ، ولعن الله من قتلكم ، وكان الله لكم وليّاً وحافظاً وناصراً، فقد طال بكاء النساء وبك-اء الأنبياء والصديقين والشهداء وملائكة السماء ، ثم بكى وقال : يا أبا بصير ، إذا نظرت إلى ولد الحسين أتاني ما لا أملكه بما أتى إلى أبيهم وإليهم . يا أبا بصير، إنّ فاطمة سلام الله علیها التبكيه وتشهق ... ثم ذكر بكاء فاطمة سلام الله علیها ولوعتها تفصيلا (2).

السابع : في العلل والأمالي ويصل السند إلى ميثم التمار أنّه قال لجبلة المكيّة : والله لتقتل هذه الأمة ابن بنت نبيها في المحرم لعشر يمضين منه ، وليتّخذنّ أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، وإنّ ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد عهده إليّ مولاي أمير المؤمنين علیه السلام ولقد أخبرني أنه يبكي عليه كلّ شيء حتى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحر والطير في السماء، ويبكي عليه الشمس والقمر والنجوم والسماء والأرض ومؤمنوا الإنس والجن وجميع ملائكة السماوات والأرضين ورضوان ومالك وحملة العرش، وتمطر السماء دماً ورماداً.

ص: 103


1- كامل الزيارات : 77 ، بحار الأنوار 206:45 الرقم 12 ، وكامل الزيارات ص 80 في نسخة المترجم .
2- كامل الزيارة ، باب 26 ، بحار الأنوار 45: 208 ط بیروت، وص 82 و 83 من كامل الزيارة نسخة المترجم

ثمّ قال : وجبت لعنة الله على قتلة الحسين علیه السلام كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر، وكما وجبت على اليهود والنصارى والمجوس.

قال جبلة : فقلت له يا ميثم فكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي قُتل فيه الحسين علیه السلام اليوم بركة ؟ فبكى ميثم ...(1)إلى آخر الحديث وسنعرض له إن شاء الله بعد هذا في موضعه.

الثامن : في الكتاب المذكور ويصل السند إلى واحد من أهل بيت المقدس أنه قال : والله لقد عرفنا أهل بيت المقدس ونواحيها عشيّة قتل الحسين بن علي علیه السلام قلت : وكيف ذاك ؟ قال : ما رفعنا حجراً ولا مدراً ولا صخراً إلا ورأينا تحتها دماً عبيطاً يغلي ، واحمرت الحيطان كالعلق ، ومطر ثلاثة أيام دماً عبيطاً، وسمعنا منادياً ينادي في جوف الليل يقول :

أترجو اُمّة قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

معاذ الله لا نلتم يقيناً***شفاعة أحمد وأبي تراب

قتلتم خير من ركب المطايا***وخير الشيب طرّاً والشباب

وانكسفت الشمس ثلاثة أيام ثم تجلت عنها وانشبكت النجوم فلما كان من غد أرجفنا بقتله فلم يأت علينا كثير شيء حتى نعي إلينا الحسين علیه السلام .(2)

التاسع : وفي الكامل أيضاً بسند معتمد عن الصادق علیه السلام إنه قال : بعث هشام بن لها عبدالملك إلى أبي فأشخصه إلى الشام فلما دخل عليه قال له: يا أبا جعفر، أشخصناك لنسألك عن مسألة لم يصلح أن يسألك عنها غيري ولا أعلم في

ص: 104


1- علل الشرايع 1: 217 و 227 نسخة المؤلّف، وأمالي الصدوق مجلس 27 تحت رقم 1 ، والبحار 45: 202. (هامش الأصل واللفظ للعلل)
2- كامل الزيارات : 77 ، بحار الأنوار 45: 204 الرقم 6 . (هامش الأصل)

الأرض خلقاً ينبغي أن يعرف أو عرف هذه المسألة إن كان إلا واحداً .

فقال أبي : ليسالني أمير المؤمنين عمّا أحب فإن علمت أجبت ذلك وإن لم أعلم قلت لا أدري وكان الصدق أولى بي.

فقال هشام: أخبرني عن الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب بما استدلّ به الغائب عن المصر الذي قتل فيه على قتله وما العلامة فيه للناس ؟ فإن علمت ذلك وأجبت فأخبرني هل كان تلك العلامة لغير علي في قتله ؟

فقال أبي : يا أمير المؤمنين، إنّه لما كان تلك الليلة التي قتل فيها أمير المؤمنين علیه السلام لم يرفع عن وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها هارون أخو موسى علیه السلام وكذلك كانت تلك الليلة التي قُتل فيها يوشع بن نون، وكذلك كانت تلك الليلة التي رفع منها عيسى بن مريم إلى السماء، وكذلك كانت تلك الليلة التي قتل فيها شمعون بن حمون الصفا، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها الحسين بن علي علیه السلام .

قال : فتربد وجه هشام حتى انتقع لونه وهم أن يبطش بأبي(1)

وللحديث بقيّة لا تهمّ موضوعنا وسوف يأتي نظير هذا الحديث في كلام ابن عبد ربه .

العاشر : السيّد الأجل رضي الدين بن طاوس في (الملهوف) (كذا) عن سيد الساجدين علیه السلام أنه قال في خطبته عندما دخل المدينة : أية عين منكم تحبس دمعها وتضن عن انهمالها ؟ فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها والحيتان ولجج البحار

ص: 105


1- كامل الزيارات : 75 ، بحار الأنوار 204:45 (هامش الأصل)

والملائكة المقربون وأهل السماوات أجمعون (1)، إلى آخر الخطبة.

في كل سطر من هذه الخطبة يفلق الجبل، ويجف الخضم ، والأخبار من هذا النمط عموماً وخصوصاً في بكاء الأنبياء بخاصة آدم وعيسى وموسى والنبي صلّى الله عليهم في مواقع عدّة، وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن علیهم السلام وانكساف الشمس ومطر السماء الدم وصبغ الثياب بها وفوران الدم من الأرض وعويل الملائكة مطلقاً لاسيما خدّام قبره المطهر إلى الحد الذي يقطع بصدورها من رآها إذا كان خالياً من الأغراض. والحق أنه تجاوزت التواتر المعنوي.

ووردت في الزيارات الشريفة كلمات تدلّ على عموم دعوانا من قبيل الزيارة التي ذكرت في ذيل رواية الحسين بن ثوير في كامل الزيارة: «أشهد أن دمك سكن في الخلد واقشعرت له أظلة (2)العرش، وبكى له جميع الخلايق ، وبكت له السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنّ وما بينهنّ ، ومن ينقلب في الجنّة والنار من خلق ربنا ما يُرى وما لا يُرى» (3).

وفي الزيارة الواردة في مصباح الزائر : يقال إن السيد المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه زار سيّدالشهداء بها وهي المشهورة بزيارة الناحية المقدّسة: «لقد صرع بمصرعك الإسلام، وتعطلت الحدود والأحكام، واظلمت الأيام،

ص: 106


1- الملهوف :(كذا) : 82 ، بحار الأنوار 45: 148 ، العوالم 17: 469. (هامش الأصل) اللهوف : 201. (المترجم)
2- الظاهر أن أظلة ظلال (جمع الجمع) وهو جمع ظلّ ، وعالم الظل والأظلة والظلال في الأخبار جمع مذكورة، والمراد بها الأنوار المقدّسة والأرواح العلوية كما جاء (المصطفى في الظلال) في ألقاب النبي ، وأظله العرش بناءاً على هذا أرواح الملائكة المقربين وأنوار القادسة المهيمين (كذا) والكروبيين ، وهناك احتمالات أخرى لا تناسب سائر مجالات الاستعمال اللفظي وإن ذكرت في مزارات البحار ج 101 ص 154 رحم الله صاحب البحار . (هامش الأصل)
3- كامل الزيارات : 197، بحار الأنوار 101 ص 152. (هامش الأصل)

وانكشفت الشمس ، وأظلم القمر ، واحتبس الغيث والمطر ، واهتز العرش والسماء، واقشعرت الأرض والبطحاء ، وشمل البلاء، واختلفت الأهواء، وفجع بك الرسول ، وأزعجت البتول ، وطاشت العقول». (1)

وجاء في زيارة أخرى بأبي وأمي من بكته لطيب وفاته سماء الله وأرضه وملائكته .(2)

وكثير من هذا القبيل في الأخبار ، وهذا المقدار كافٍ للإشارة.

الفصل الثاني

في بيان بعض أخبار علماء أهل السنة وأقوالهم التي شهدت بوقوع الآث-ار الغريبة من هذه المصيبة العظمى في السماء والأرض بحيث يمكن من ملاحظة مجموع هذه الروايات والاخبار القطع بادعاء عموم المصيبة، ونحن على سبيل التطفل والاستطراد نورد بعض عجايب الأمور من مقولة الكرامات وهي مشارك في ملاك حكم هذه الوقائع نذكرها من أجل تسديد قلوب الضعفاء والشيعة وتشييد العقائد من كلا أئمتهم .

منها : روى شيخهم المقدّم وإمامهم المعظم مسلم بن الحجاج النيسابوري في الجامع الصحيح - الذي أجمعوا على صحة رواياته وعدالة رواته - في تفسير الآية المباركة : «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ» (3)لما قتل الحسين بكت السماء وبكائها حمرتها .(4)

ص: 107


1- مصباح الزائر : 117 ، بحار الأنوار 101 : 232 . (هامش الأصل)
2- بحار الأنوار 101: 253 (هامش الأصل)
3- الدخان: 29 .
4- صحيح مسلم ، أول جزء 5 ، بحار الأنوار 217:45 . (هامش الأصل)

وقريب من هذا الخبر ما جاء في تفسير علي بن إبراهيم في ذيل هذه الآية أنّ الحسين علیه السلام مر على أبيه أمير المؤمنين علیه السلام فقال : لكن هذا ليبكين عليه السماء والأرض ، وقال : وما بكت السماء والأرض إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن على علیهم السلام .(1)

ونقل في تفسير الثعلبي قال : مطرنا دماً بأيام قتل الحسين علیه السلام .(2)

وروى أحمد بن عبد ربه القرطبي بن عبد ربه القرطبي الأندلسي في كتاب (العقد) بسند متصل متعدد عن محمد بن شهاب الزهري المعروف قال : خرجت مع قتيبة أريد

، المصيصة فقدمنا على أميرالمؤمنين عبدالملك بن مروان وإذا هو قاعد في أيوان له ، وإذا سماطان من الناس على باب الأيوان ، فإذا أراد حاجة قالها للذي يليه حتّى تبلغ المسألة باب الأيوان ، ولا يمشي أحد بين السماطين .

قال الزهري : فجئنا فقمنا على باب الأيوان ، فقال عبدالملك للذي عن يمينه : هل بلغكم أيّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحسين بن علي ؟ قال : فسأل كل واحد منهما صاحبه حتى بلغت المسألة الباب فلم يردّ أحد فيها شيئاً.

قال الزهري: فقلت : عندي في هذا علم ، قال : فرجعت المسألة رجلاً عن رجل حتى انتهيت إلى عبدالملك ، سلّمت عليه ، فقال لي : من أنت ؟ قلت : أنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري . قال : فعرّفني بالنسب ، وكان عبدالملك عبیدالله طلّابة للحديث [فعرفته]، فقال: ما أصبح ببيت المقدس يوم قتل الحسين ب-ن عليّ بن أبي طالب؟

ص: 108


1- بحار الأنوار 45: 201 . (هامش الأصل) وتفسير القمي 2 : 291 (المترجم)
2- بحار الأنوار 45 : 217 ، الكشف والبيان للثعلبي 8: 353 دار إحياء التراث العربي سنة 1422 - بيروت . (المترجم)

وفي رواية عليّ بن عبدالعزيز عن إبراهيم بن عبدالله ، عن أبي معشر ، عن محمد بن عبدالله بن سعيد بن العاص، عن الزهري إنّه قال : الليلة التي قتل في صبيحتها الحسين بن عليّ .

قال الزهري: نعم، حدثني فلان - ولم يسمه لنا - أنه لم يرفع تلك الليلة التي صبيحتها قتل الحسين بن علي بن أبي طالب حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط .

قال عبدالملك : صدقت ، حدثني الذي حدّثك وإنّي وإياك في هذا الغريبان .(1)ثمّ قال لي : ما جاء بك ؟ قلت: [جنت مرابطاً ، قال : الزم الباب، فأقمت عنده فأعطاني مالاً كثيراً ، إلى آخر القصة التي لا ترتبط بما نحن فيه .

وذكر ابن حجر في الصواعق أن الزهري لما أتم حديثه مع عبدالملك ، قال له عبدالملك : لم يبق من يعرف هذا غيري وغيرك فلا تخبر به . قال : فما أخبرت به إلا بعد موته.(2)

وفي سيرة عبدالملك بن هشام في توالي قصه حاملي الرأس الشريف وحديث الراهب المذكور في كتب الفريقين يقول موافقاً لما نقله شمس الدين «قزغلي» في التذكرة : ثمّ إنّهم أخذوا الرأس وساروا ، فلما قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض : تعالوا حتى نقسم الدنانير لا يراها يزيد فيأخذها منه ، فأخذوا الأكياس وفتحوها وإذا الدنانير قد تحوّلت خزفاً، وعلى أحد جانب الدينار مكتوب : «وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ» (3)الآية ، وعلى الجانب الآخر: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيُّ

ص: 109


1- العقد الفريد 2 : 215 . (هامش الأصل) و 4 : 386ط القاهرة ، لجنة التأليف والترجمة 1967 . (المترجم)
2- الصواعق المحرقة : 116 ، وفي نسخة المترجم ص 195
3- إبراهيم : 42 .

مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» (1)فرموها في بردى نهر بدمشق .(2)

وفي التذكرة أيضاً : حكى الزهري عن أم سلمة قالت : ما سمعت نواح الجن إلا الليلة التي قُتل فيها الحسين ، سمعت قائلاً يقول :

ألا يا عين فاحتفلي بجهدٍ***ومن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا***إلى متجبّر في ثوب عبدِ

قالت اُمّ سلمة : فعلمت أنه قد قتل الحسين (3)(4)

وقال الشعبي : سمع أهل الكوفة قائلاً يقول في الليل :

أبكي قتيلاً بكربلا***مضرّج الجسم بالدماء

أبكي قتيل الطغاة ظلماً***بغير جرم سوى الوفاء

أبكي قتيلاً بكى عليه***من ساكن الأرض والسماء

هتك أهلوه واستحلوا***ما حرم الله في الإماء

يا بأبي جسمه المعري***ألا من الدين والحياء

كل الرزايا لها عزاء***وما لذا الرزء من عزاء

ونقل عن الزهري أيضاً قال : ناحت عليه الجنّ فقالت :

ص: 110


1- الشعراء: 227 .
2- التذكرة : 273 ط المطبعة العلمية في النجف ، الخرائج ، بحار الأنوار 186:45 . (هامش الأصل) وفي نسخة : التذكرة : 237 .
3- أمالي الصدوق ، المجلس 29 الرقم 2 ، بحار الأنوار 45: 238 بدل فاحتفلي» «فانهملي»، وبدل «ثوب عبد ملك عبد» ، تاریخ ابن عساکر مسنداً ومرسلاً 4 341 ، والخصائص للسيوطي 2 : 127 ، مجمع الزوائد 9: 199 ، تذکرة الخواص : 152 . (هامش الأصل)
4- تذكرة الخواص : 242 . (المترجم)

خير نساء الجن يبكين شجيّات(1)***ويلطمن خدوداً كالدنانير نقيات

ويلبسن ثياب السود بعد القصبيّات

قال : وممّا حفظ من قول الجنّ :

مسح النبي جبينه***وله بريق في الخدود

أبواه من عليا قريش***وجده خير الجدود

قتلوك يابن الرسول***فأُسكنوا نار الخلود (2)

وذكر هشام بن محمد قال : لما قُتل الحسين علیه السلام سمع قاتلوه قائلاً يقول في السماء :

أيّها القاتلون ظلماً حسيناً***ابشروا بالعذاب والتنكيل

كلّ أهل السماء يدعو عليكم***من نبي ومرسل وقبيل

قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وصاحب الإنجيل (3)

وفي التذكرة أيضاً عن محمد بن سعد صاحب الطبقات : إن هذه الحمرة لم تُر في السماء قبل أن يُقتل الحسين .(4)

قال جدّي أبو الفرج في كتاب التبصرة : لما كان الغضبان يحمر وجهه عند الغضب فليستدلّ بذلك على غضبه وإنّه أمارة السخط، والحق سبحانه ليس

ص: 111


1- في كثير من نسخ الكتب المختلفة جاء الشعر على هذه الصورة ولكنه غير موزون ، وأثبت في بعض الكتب على الوجه التالي : «نساء الجنّ يندبن نساء الهاشميات» وهذا أوفق . ونقل هذه الأشعار في البحار 45: 236 . (هامش الأصل)
2- التذكرة : 280 ط المطبعة العلمية في النجف. (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم ص 242 ط منشورات الشريف الرضي
3- التذكرة : 153 ، مناقب آل أبي طالب 4 : 62 و 63 ، بحار الأنوار 45 236 ، وفي نسخة المترجم : التذكرة : 242.
4- تذكرة الخواص ط الغري : 283 ، وفي نسخة المترجم : 245

بجسم فأظهر تاثير غضبه على قتل الحسين علیه السلام بحمرة الأفق وذلك دليل على عظم الجناية .(1)

وقال ابن سيرين لما قتل الحسين اظلمت الدنيا ثلاثة أيام ثم ظهرت هذه الحمرة.

وساق السند إلى هلال بن ذكوان قال : لما قتل الحسين علیه السلام لها مكتنا شهرين أو ثلاثة كأنّما لطخت الحيطان بالدم من صلاة الفجر إلى غروب الشمس .

قال : وخرجنا في سفر فمطرنا مطراً بقى أثره في ثيابنا مثل الدم.

وقال ابن سعد : ما رفع حجر في الدنيا إلا وتحته دم عبيط ، ولقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مده حتى تقطعت.

وقال السدي: لما قتل الحسين بكت السماء دماً وبكائها حمرتها.

وقال ابن سيرين وجد حجر قبل مبعث النبي صلی الله علیه و آله وسلم بخمسمائة سنة ، عليه مكتوب بالسريانيّة فنقلوه إلى العربيّة فإذا هو :

أترجو أمة قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

وقال سليمان بن يسار وجد حجر مكتوب عليه :

لابد أن ترد القيامة فاطم***وقميصها بدم الحسين ملطخ

ويل لمن شفعانه خصمائه***والصور في يوم القيامة ينفخ (2)

وإلى هنا تمّ ما نقلته من التذكرة لسبط ابن الجوزي ، والحكاية الأخيرة تشبه تماماً الواقعة المشهورة المذكورة بخط الشيخ الجليل صاحب الكرامات شمس

ص: 112


1- التذكرة : 283 ط الغري، وعنه في الصواعق المحرقة 194 ط مصر . (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم في التذكرة ص 246 .
2- تذكرة الخواص : 284ط الغري، ونسخة المترجم ص 246 نشر الرضي .

الدين بن علي الجباعي جد الشيخ البهائي لأنه وجد عقيق أحمر مكتوب عليه :

أنا دُرّ من السما نثروني***يوم تزويج والد السبطين

كنت أنقى من اللجين بياضاً***صبغوني بدم نحر الحسين (1)

وما في الكشكول وزهر الربيع وغيرها : صبغتني دماء نحر الحسين، وهذا أولى. ووجد على قطعة صفراء في النجف مكتوباً :

صفرة لوني ينبيك عن حزني***لسيّد الأوصياء أبي الحسن

ووجد مكتوباً على جوهرة سوداء:

لست من الحجارة بل جوهر الصدف***حال لوني لفرط حزني على ساكن النجف

وفي زهر الربيع للمحدّث المطّلع السيد نعمة الله الجزائري إنّه قال: وجدنا في مدينة شوشتر حجراً أصفر صغيراً أخرجه الحفّار من بطن الأرض وعليه مكتوب بلونه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله ، عليّ ولي الله ، لمّا قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام كتب بدمه على أرض حصباء: «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» (2)(3)

وفي زماننا حدثت مثل هذه الوقايع كما أخبرني والدي المحقق عن الشيخ الفقيه الفاضل الشيخ عبد الحسين الطهراني له أنه لما قصد الحلّة وقعت هذه

ص: 113


1- كنت أصفى من اللجين بياضاً صبغتني دماء نحر الحسين (زهر الربيع 2 : 45 ط النجف . - هامش الأصل)
2- الشعراء : 227
3- رأيت صخره مقدار الكف صفراء أخرجوها من قعر الماء في نهر من أنهار شوشتر ، مكتوباً عليها من نفسها : لما قتل الحسين الشهيد بأرض كربلاء كتب دمه على أرض الحصباء ، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ» . (زهر الربيع 2 : 45 ط النجف الأشرف)

الحادثة وهي أنهم قطعوا شجرة وشرحوها طولاً فوجدوا منقوشاً في باطنها على كل لوح : «لا إله إلا الله محمد رسول الله ، عليّ ولي الله» .

وأنا بنفسي رأيت في طهران «ماسة» صغيرة تعدل نصف حبة عدس وعليها كتابة تبدو في باطنها اسم الإمام أمير المؤمنين «علي»علیه السلام بحيث كل من شاهدها يجزم

يقيناً بأنها ليست صنعاً ، والياء من الاسم الشريف مجرورة إلى أسفل تحته، ويتكوّن منها ومن العين واللام قبلها وقبلهما «يا» فيحدث من المجموع لفظ «يا علي».

وقصص من هذا النمط شوهد كثيراً في التاريخ ، منها كما في نفح الطيب عن كتاب «نشق الأزهار» أنّ في جامع قرطبة ثلاثة أعمدة من رخام أحمر مكتوب على الواحد اسم محمد ، والآخر صورة عصى موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح عليه الصلاة والسلام خلقها الله تعالى ولم يصنعها صانع .(1)

وأخيراً ليس غرضنا الاستقصاء بل استئناساً للقصة التي ذكرها صاحب التذكرة ونكتفي بهذا القدر ، وباستطاعة المتتبع ذي الاطلاع تأليف رسالة في هذا الباب .

وفي الصواعق المحرقة لأحمد بن حجر الهيثمي الشافعي المكّي ، عن أم سلمة قالت : فلمّا كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول :

أيّها القاتلون جهلاً حسيناً***أبشروا بالعذاب والتنكيل

قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وحامل الإنجيل (2)

ص: 114


1- نفح الطيب 1 : 520 ط دار صادر 1968 تحقيق الدكتور إحسان عباس . (المترجم)
2- الصواعق : 193. (المترجم) وفي الهامش: أيها القاتلون جهلاً حسيناً***أبشروا بالعذاب والتنكيل كلّ أهل السماء يدعو عليكم***ونبي ومرسل وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داود***وموسى وصاحب الإنجيل البداية والنهاية لابن كثير 8: 200 ط مصر ، تاریخ ابن عساکر 4: 341 ط روضة الشام، كفاية الطالب : 295 ط الغري، نظم درر السمطين : 217 ط مطبعة القضاء، ينابيع المودة : 320 ط اسلامبول، والصواعق المحرقة : 193 ط مصر ، تاريخ الأمم والملوك 4 357ط الاستقامة، ومآخذ أُخر ، فراجع إحقاق الحق 576:11 . ( هامش الأصل)

ونقل عن سيرة ملا عمر فقال: وروى الملا أن علياً علیه السلام مرّ بقبر الحسين، فقال : هاهنا مناخ ركابهم، وهاهنا موضع رحالهم ، وهاهنا مهراق دمائهم فتية من آل محمّد يُقتلون بهذه العرصة تبكي عليهم السماء والأرض (1)

ونقل رواية أمّ سلمة من طريق آخر .

وروى أيضاً عنها أنها سمعت صوت الجنّ ينوحون على الحسين «مسح النبي جبينه ....» الخ (2).

وسمعت مناحة أخرى :

أنعي حسيناً جبلاً***كان حسين جبلاً (3).

وسمع من آخرين من الجنّ: «ألا يا عين فاحتفلي بجهد ... إلى آخره».(4)

ص: 115


1- الصواعق المحرقة : 193 ط القاهرة (هامش الأصل والمترجم)
2- مسح الرسول جبينه***فله بريق في الخدود أبواه من عليا قريش***جده خير الجدود
3- أنعى حسيناً هبلاً***كان حسين جبلا محاضرات الأبرار 2 160 ط مصر . أتقى حسيناً هبلا***كان حسين جبلاً الخصائص الكبرى 2 : 127 ط حیدر آباد ينابيع المودة : 320ط اسلامبول (هامش الأصل)
4- ألا يا عين فاحتفلي بجهد***و من يبكي على الشهداء بعدي على رهط تقودهم المنايا***إلى متجبر في ملك عبد المعجم الكبير للطبراني ، كفاية الطالب : 294 ط الغري، مقتل الخوارزمي 2 95ط الغري.

وروى في الصواعق أيضاً ولما قتلوه بعثوا برأسه فبيناهم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديث فكتبت سطراً بدم:

أترجو أمةً قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

إلى آخره . أخرجه منصور بن عمّار، وذكر غيره أن هذا البيت وجد بحجر قبل مبعثه بثلاثمائة وأنّه مكتوب في كنيسة من الروم لا يدرى من كتبه .

وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة عن نصرة الأزدية أنّها قالت: لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دماً فأصبحنا وبابنا وجرارنا مملوءة دماً، وكذا روي في أحاديث غير هذه.

ومما ظهر يوم مقتله من الآيات أيضاً أن السماء اسودت اسوداداً عظيماً حتى رؤيت النجوم نهاراً ، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط .

وأخرج أبو الشيخ أنّ الورس الذي كان في عسكرهم تحوّل رماداً .

وحكى ابن عيينة عن جدته أن جمالاً ممّن انقلب ورسه رماداً أخبرها بذلك ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل الفئران فطبخوها فصارت مثل العلقم .(1)

وحكى أيضاً وظاهر الضمير في كلام ابن حجر رجوعه إلى سفيان بن عيينة : وإن السماء احمرت لقتله وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار ، وظنّ الناس أن القيامة قد قامت ، ولم يرفع حجر في الشام إلّا رؤي تحته دم عبيط .(2)(3)

ص: 116


1- هذا وما قبله تجده في الصواعق المحرقة ص 194 ط القاهرة . (هامش الأصل والمترجم)
2- نفسه : 194 . (المترجم)
3- نضرة الأزدية أنّها قالت : لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دماً فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دماً. (ذخائر العقبى : 144 ط القدسي بالقاهرة، والصواعق المحرقة : 194 ط القاهرة - هامش الأصل).

وعن عثمان بن أبي شيبة أن السماء مكثت بعد قتله سبعة أيام ترى على الحيطان كأنّها ملاحف معصفرة من شدّة حمرتها.

ونقل ابن الجوزي عن ابن سيرين : أنّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة في السماء .

وقال أبو سعيد: ما رفع حجر من الدنيا إلا وتحته دم عبيط ، ولقد مطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدة حتّى تقطعت.

وأخرج الثعلبي وأبو نعيم ما مرّ من أنّهم مطروا دماً، زاد أبو نعيم فأصبحنا وجبابنا وجرارنا مملوءة دماً.

وفي رواية : إنّه مطر كالدم على البيوت والجدر بخراسان والشام والكوفة، وأنه لما جيء برأس الحسين إلى دار زیاد سالت حيطانها دماً.

وأخرج الثعلبي أنّ السماء بكت وبكاءها حمرتها. وقال غيره : احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة بعد ترى بعد ذلك .

وإن ابن سيرين قال: أخبرنا أنّ الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين. ثم حكى كلام ابن الجوزي الذي ذكر علّة لهذه الحمرة، وذكره سبطه آنفاً وذكر حديث الزهري مجملاً. ونقل عنه أيضاً أنّه سمع هذا الحديث من غير عبدالملك. وذكر عن سيرة ملا عمر عن أم سلمة أنة سمعت نوح الجنّ عليه(1)

وفي كتاب ينابيع المودة عن جواهر العقدين للسمهودي وهو من أكابر علماء مصر، روى حديث الزهري، وعن ذلك الكتاب أيضاً ما يوافق حكاية صاحب الينابيع عن ابن البرقي وساق السند إلى صالح إمام مسجد بني سليم عن أشياخٍ له

ص: 117


1- كلّ الذي تقدّم نقله المؤلّف عن صواعق ابن حجر ص 194 من دون تعليق . (المترجم)

قالوا: غزونا أرض الروم فإذا كتاب في كنيسة من كنائسهم بالعربية :

أترجو أمة قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

فقلنا لأهل الروم من كتب هذا ؟ قالوا ما ندري .

وعن محمد بن سيرين قال : وجد حجر قبل مبعث النبي بثلاثمائة سنة ، عليه مكتوب بالسريانية ، فنقلوه إلى العربية ، فهو : «أترجو أمة قتلت حسيناً» إلى آخره. وقال سليمان بن يسار وجد حجر عليه مكتوب بالنظم وهو هذا: «لابد أن ترد القيامة فاطم»... إلى آخره .(1)

ويؤيده ما رواه الحافظ ابن الأخضر في كتاب «العترة الطاهرة» أنّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بالدم فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش فتقول يا عدل، احكم بيني وبين قاتل ولدي فيحكم لابنتي وربّ الكعبة (2).

وتجد في جواهر العقدين ما نقله في الينابيع عن الصواعق المحرقة، وفي الينابيع أيضاً.

وعن (جمع الفوائد) وهو الكتاب الكبير الذي جمع بين الكتابين الكبرين أحدهما جامع الأصول لابن الأثير والآخر (مجمع الزوائد) لنور الدين الهيثمي،

ص: 118


1- لابد أن ترد القيامة فاطم***و قميصها بدم الحسين ملطخ ويل لمن شفعانه خصمانه***والصور في يوم القيامة ينفخ التذكرة : 284 ط الغري، ينابيع المودة : 331ط اسلامبول، نظم درر السمطين : 219. (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم 3: 45 من الينابيع .
2- مقتل الحسين للخوارزمي : 52 ، المناقب لابن المغازلي، فردوس الأخبار للديلمي ، ينابيع المودة : 260 ، الشبلنجي في نور الأبصار : 125ط مصر (هامش الأصل)

نقل عن الزهري أنّه قال : ما رفع حجر بالشام إلا وجد تحته دم عبيط ، ولم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط .(1)

وهذه العبارات تختلف مع الفقرات السابقة التي رويت بوجوه مختلفة في كلام شمس الدين البغدادي سبط أبي الفرج وكلام ابن حجر المتأخر صاحب الصواعق.

وعن أبي القبيل قال : لما قتل الحسين علیه السلام انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب.

وكذلك روي عن أبي قبيل قال : لما قتل الحسين بن علي رضوان الله عليهما بعث برأسه إلى يزيد فنزلوا أوّل مرحلة فجعلوا يشربون ويتحيّون بالرأس فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط قلم حديد فكتبت سطراً بدم:

أترجو أمة قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

فهربوا وتركوا الرأس (2)[ثم عادوا إليه].

وهذه الأحاديث مرويّة في معجم الطبراني من مرويات الطبراني أيضاً كما جاء ذلك في جمع الفوائد.

وفي مقتل أبي مخنف وهو معتمد بين الفريقين وتوجد نسخته منقولة في الينابيع، والفقير - يعني المؤلّف نفسه (المترجم) - لدفع بعض الاحتمالات أنقل عبارة الينابيع (ذكر أن القوم جلسوا يشربون) وإذا رأوا يداً خرج من الحائط معه قلم يكتب بدم عبيط شعراً:

أترجو أمة قتلت حسيناً***شفاعة جده يوم الحساب

ص: 119


1- ينابيع المودة : 221 ط اسلامبول . (هامش الأصل)
2- نفسه 3: 45 . (المترجم)

فلا والله ليس لهم شفيع***وهم يوم القيامة في العذاب

لقد قتلوا الحسين بحكم جور***وخالف أمرهم حكم الكتاب

فهربوا ثم رجعوا ثم رحلوا من ذلك المنزل وإذا هاتف يقول :

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم***ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم

بعترتي وبأهلي بعد مفقتدي(1)***منهم أسارى ومنهم ضُرّجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم***أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي

فلما وصلوا بلد تكريت (نشرت الأعلام وخرج الناس بالفرح والسرور فقالت النصارى للجيش : إنّا بُراء مما تصنعون أيّها الظالمون) فلما رحلوا من تكريت (وأتوا على وادي النحلة) فسمعوا بكاء الجنّ وهنّ يلطمن خدودهنّ ويقلن شعراً «مسح النبي جبينه إلى آخره....» وأخرى تقول:

ألا يا عين جودي فوق خدي***فمن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا***(إلى) متجبّر في الملك وغدِ) (2)

قال أبو مخنف نصبوا الرمح الذي عليه الرأس الشريف المبارك المكرّم إلى جانب صومعة الراهب فسمعوا صوت هاتف ينشد ويقول :

والله ما جئتكم حتى بصرت به***بالطف منعفر الخدين منحورا

وحوله فتية تدمى نحورهم***مثل المصابيح يغشون الدجى نورا

ص: 120


1- في ينابيع المودة ص 230 ط اسلامبول و 3 : 89 دار الأسوة تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني نسخة المترجم: «عند مفتقدي».
2- وفي المعجم الكبير هكذا : ألا يا عين فاحتفلي بجهد***ومن يبكي على الشهداء بعدي علی رهط تقودهم المنايا***إلى متحير في ملك عبد وفي كفاية الطالب : إلى متحيّر . (ص 294)

كان الحسين سراجا يستضاء به***الله يعلم أني لم أقل زورا

مات الحسين غريب الدار منفرداً***ظامي الحشاشة صادي القلب مقهورا

فقالت أمّ كلثوم : من أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا ملك الجنّ ، أتيت أنا وقومي

لنصرة الحسين (رضي الله عنه وأرضاه) فوجدناه مقتولاً، فلمّا سمع الجيش من الجنّ فتيقنوا بكونهم من أهل النار (1).

وفي ينابيع المودّة بلا واسطة عن تفسير الثعلبي روى عن السدّي أنّه قال : لمّا قتل الحسين بن علي علیهما السلام بكت عليه السماء وبكائها حمرتها.

وحكى ابن سيرين : إن الحمرة لم تر قبل قتله .

وعن سليم القاضي قال : مطرتنا السماء دماً أيام قتله.

وعن إبراهيم النخعي قال: خرج عليّ كرّم الله وجهه فجلس في المسجد، واجتمع أصحابه فجاء الحسين، فوضع يده على رأسه فقال: يا بني، إنّ الله ذمّ أقواماً في كتابه فتلا هذه الآية : «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ» (2)وقال: يا بني، لتقتلنّ من بعدي ثم تبكيك السماء والأرض . قال : وما بكت السماء والأرض إلا على يحيى بن زكريا وعلى الحسين ابني.(3)

ومرت ترجمة (4)هذا الخبر في الفصل الأوّل من أخبار الشيعة (5).

وفي الينابيع عن كثير بن شهاب قال : بينا نحن جلوس عند عليّ في الرحبة إذ طلع الحسين علیه السلام قال : إن الله ذكر قوماً بقوله : «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُ»

ص: 121


1- ينابيع المودة : 352ط اسلامبول . (هامش الأصل) 3: 89 (نسخة المترجم)
2- الدخان : 29 .
3- ينابيع المودة : ص 322 ط اسلامبول . (هامش الأصل) و 3: 101. (نسخة المترجم)
4- ينابيع المودة : 322 ط إسلامبول .
5- الفصل الثاني من تفسير القمي : 108

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليقتلنّ هذا ولتبكين عليه السماء والأرض .(1)

وفي حياة الحيوان : رُئي هذا البيت: أترجو أمة ... إلى آخر على جدار في دير راهب ، فلمّا سُئل عنه قال : رُئي قبل البعثة بخمسمائة عام . وقال بعضهم : فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب سطراً بالدم : (أترجو أمة ) .. الخ .(2)

وفي غرر الخصائص للوطواط أنهم قالوا يعني المشهور أن رأس الحسين علیه السلام حملوه إلى مجلس يزيد ووضع بين يديه فخرجت يد من الحائط وكتبت على جبهة يزيد المشئومة هذا البيت

وفي

خطط المقريزي هذه العبارة : لما قتل الحسين بكت السماء وبكاءها حمرتها .

وعن عطاء في قوله تعالى: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالأَرْضُم قال : بكائها حمرة أطرافها.

وعن الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر من أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين علیخه السلام إلا وجد تحته دم عبيط .

ويقال : إن الدنيا أظلمت يوم قتل ثلاثاً، وأصابوا في عسكر الحسين يوم قتل إبلاً فنحروها وطبخوها فصارت كالعلقم ، وما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئاً.

و روي أن السماء أمطرت دماً فأصبح كلّ شيء مملوئة دماً ، انتهى كلامه .(3)

وهذه العبارة منقولة في نور الأبصار للشبلنجي المصري الشافعي المعاصر .

ونوح الجن عن أم سلمة وكتابة «أترجو ...» على جدار دير الراهب مذكور في الفصول المهمة.

ص: 122


1- ينابيع المودة : 322ط اسلامبول
2- 1 : 60 ط القاهرة ، تاريخ الإسلام والرجال : 386 عن حياة الحيوان ، الأخبار الطوال : 109، تاريخ الخميس 2 : 299 ط الوهيبة . (هامش الأصل)
3- نور الأبصار : 123 ط مصر عن خطط المقريزي (هامش الأصل)

وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء : ولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف (المعصفرة) المصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضاً، وكان قتله يوم عاشوراء وكسفت الشم- يوم عاشوراء وكسفت الشمس ذلك اليوم واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ، ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله .

وقيل : إنّه لم يقلب حجر ببيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط ، وصار الورس في عسكرهم رماداً، ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران وطبخوها فصارت مثل العلقم .(1)

وروى أبو نعيم في الدلائل حديث أمّ سلمة وسماع نوح الجن .

ونقل أيضاً عن أمالي ثعلب أنه روى حديث أبو حباب الكلبي أنه قال: قصدت كربلاء وقلت لرجل من أشراف العرب : أخبرني عمّا يقال عن سماعكم نوح الجن ؟ فقال: لن تجد أحداً إلا وقد سمع نوحهم، قلت: أخبرني أنت عمّا سمعته، فقال : سمعت الجنّ ينوحون بهذا الشعر : «مسح النبي جبينه ... إلى آخره».

وقال السيوطي في (عقود الجمان) في صنعة أسلوب الحكيم : يعتقد علماء الهيئة أن الشمس لا تنكسف إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين أو في وفاة النبي يوم العاشر من ربيع الأول - بناءاً على اعتقاد أهل السنة والجماعة - فإنّها قد كسفت برواية الزبير بن بكار وفي يوم مقتل الحسين علیه السلام العاشر من محرّم كسفت أيضاً كما هو المشهور في التواريخ.

وفي شرح الهمزية لابن حجر ومن جملة الآيات الظاهرة يوم مقتل ذلك

ص: 123


1- السيوطي، تاريخ الخلفاء : 80ط الميمنية بمصر . (هامش الأصل) و 1 : 207 مطبعة السعادة بمصر 1371 . هجري ، الطبعة الأولى . (المترجم)

الشهيد المظلوم أنّ السماء مطرت دماً ومُلئت الجرار دماً، واسود الهواء حتى ظهرت الكواكب في السماء، واشتدّت الظلمة حتى ظنّ الناس أن القيامة قامت، وتضاربت النجوم، وانقض بعضها على بعض، واختلطت، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط يتفجّر ، وظلّت الدنيا ثلاثة أيام مغبرة مظلمة ومن يومئذ ظهرت الحمرة فيها ، وقيل : امتدت إلى ستة أشهر ، وبعد ذلك أخذت تظهر دائماً . وروي عن ابن سيرين لم تظهر الحمرة في الشفق حتى قتل الحسين علیه السلام.

وفي الكامل : قال رجل من أهل بيت المقدس أقسم بالله أن المقدسيين علموا بقتل الحسين علیه السلام يوم عاشوراء وذلك أنّهم ما رفعوا حجراً عن حجر إلا وجدوا تحته دماً عبيطاً يجري (ومكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنّما يلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع) وسمع في آخر الليل منادياً ينادي بهذا الشعر: أترجو أمة قتلت حسين ...» إلى آخره، وبقيت الشمس ثلاثة أيام منكسفة لا تظهر وأمطرت السماء دماً عبيطاً وتضاربت النجوم، وكنا نحدّث أنفسنا عن وقائع وقعت فلم يمض طويل وقت حتى جاء الخبر بمقتل الإمام المظلوم(1).

تنبيه

ما سمعته مكرّراً في هذا الفصل من ظهور الحمرة في آفاق السماء على أثر قتل سيّد الشهداء ، وقال الشاعر :

وعلى الدهر(2) من دماء الشهيدين***عليّ ونجله شاهدان

وهما في أواخر الليل فجران***وفي أولياته شفعان

ص: 124


1- لم أعثر عليها في الكامل ولا شك بحذفها وهذه شنشنة القوم ، نعم في الكامل العبارة التي وضعتها بين قوسين وذكر المؤلّف بعضها . (المترجم)
2- المشهور وعلى الأفق . (المترجم)

وحيث أن الأذهان العادية المأنوسة بتأويل السمعيات تستبعد هذه المجريات استناداً على القوانين الهيئويّة، وقد تقرّر في علم الهيئة أن الشمس كلّما ارتفعت الأفق كان ظلّ الأرض وهو شكل مخروط مستدير قاعدته في الأرض ورأسه في فلك الزهرة خلافاً للشمس يتجه من سمت الرأس إلى جانب المغرب، ويظهر في الأفق ضوء كاذب شبيه بذنب السرحان ثمّ ينتشر شيئاً فشيئاً حتى يظهر الصبح الصادق وهو الفجر المستدير ، والفجر العارض يبيّن في الأفق وتظهر الحمرة التي هي بسبب اختلاط النور بالظلمة في الفلق، ثمّ تميد الضوء رويداً رويداً وينبسط على المعمور كله حتى تظهر الشمس. وفي غروب الشمس تكون المسألة بالعكس حيث تظهر الحمرة أوّلاً لقرب الشمس من مغربها وميل ظلّ الأرض جهة المشرق، ثمّ كلّما بعدت الشمس يتناقص الحمرة ويزداد البياض اتساعاً ويكون موازياً للفجر الصادق ، ثمّ ينقص قليلاً قليلاً حتى يكون بمثابة خط دقيق مثل ذنب السرحان في جهة الصبح ولا يدوم طويلاً حتى يتلاشى ، وتعود الظلمة تقهر النور وهي الغسق ، وأثبتت التجربة الصحيحة أن سبب حدوث الحمرة التي تكون في أوّل الفجر الصادق هي عندما تنحط الشمس عن الأفق بثمانية عشر درجة.

وكذلك غاية الشفق يكون حينما تنحط الشمس عن أفق (يح)(1)كما هو مذكور بالتفصيل في الهيئة وهذا القليل البضاعة - المؤلّف - أشار إليها في منظومته: «ميزان الفلك» وهذه الأبيات من تلك المنظومة :

والحال في الغروب تحت الأفق***يعكسه فالصبح عكس الشفق

ص: 125


1- هكذا وجدتها عند المؤلّف ولم يشر إلى شرحها المحقق ولست أدري هل هي حروف رمزية أشار بها المؤلف إلى بعض الحقائق الفلكية أو هي خطأ لفظي وأرجح أن يكون الأول ولكن على المحقق أن يشير إليه إلا أن يكون مثلي . (المترجم)

يطلع الحمرة فيه أوّلاً***ثم معارض البلاء يجتلى

ثم بياض استطال واستدق***فينتفي طُرّاً ويقهر الغسق

ودلّت التجربة الصحيحه***أنّ انحطاط الشمس في الصبيحه

في الابتداء عند فجر قد صدق***يح وكذاك عند غاية الشفق

والجواب عن هذا الإشكال وإن لم أجد غيري قد تعرّض له ، أقول :

أولاً : إن قواعد الهيئة لا تنتهي إلى الضروريات والبراهين المسلمة بل الغالب عليها أن تكون مقارنات بعد الوقوع وهي من قبيل الحجج النحوية وهي في الحقيقة استدلال من المعلوم العام على العلّة الخاصة ولهذا أنكر علماء أروبا تلك القواعد وشرعوا لأنفسهم في بناء قواعد جديدة بحيث تضبط ب-ه-ا الحركات واختلاف الفصول والحركات الليلية ،والنهارية، وإن كان بعضها محلّ نظر وبعضها الآخر مخالف للقوانين الشرعيّة ولا دليل على حدوث الحمرة على أثر حركة الشمس ، وما المانع أن يكون النور كلما ازداد قوة كان بياض الفجر أشدّ وضوحاً إلى شروق الشمس. والشاهد على وقوع الكسوف في يوم عاشوراء وهذا يمكن ادعاء التواتر عليه الرواية الفريقين له - مع أن قواعد القوم كما سمعته من كلام السيوطي حيث جرت الإشارة إليه تقتضي ما لم يكن القمر في عقدة الرأس والذنب وهو عبارة عن نقطة تقاطع منطقة ممثل القمر مع منطقة البروج وهو المسمّى بالجوزهر ، ولما كان هذا الجوزهر ممرّاً لمركز التدوير ، فإذا كان بجانب الشمال سمّي راساً ، وإذا اتجه بجانب الجنوب سمّي ذنباً ومع هذا الوصف فإذا اجتمع القمر مع الشمس في برج واحد ففي هذه الصورة يكون القمر كاسفاً للشمس وأخفاها عن الأنظار، ويظهر القمر فى الأفق ، ولما كان في ذاته كثيفاً مكدّراً لا تظهر له للعين صورة ، وقد أشرت إليه في الميزان بقولي :

وهو بإحدى العقدتين إن وقع***وكان إذ ذاك مع الشمس اجتمع

ص: 126

يكسف جرم الشمس من جرم القمر***ولا يرى إلا الأخير في النظر (1)

وفي هذه الصورة تكسف الشمس لا محالة إما في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين وإلا فلا يجتمع هذا الكوكبان .(2)

ثانياً: سلّمنا إما تفضّلاً أو بملاحظة التقريب الذي أوردناه ولكن لا يلزم أن تحدث الحمرة الواقعية المحسوسة التي تدرك بالحواس فما المانع أن يكون ظهور الحمرة الظاهرية على أثر شدة الحمرة الواقعية المستندة إلى هذه الحادثة العظيمة.

وأخيراً إن شهادة عدوّ أهل البيت وخصومهم في هذا الباب موجباً لتيقن كلّ منصف خال ذهنه من الشبهات بوقوع هذه الواقعة - ولا يلقي السمع لمثل هذه التلفيقات في ردّ أمور معلومة موجبة لاستيقان أهل الإيمان وسبباً لمزيد اطمئنانهم.

ص: 127


1- يقول علماء الهيئة اليوم عن الكسوف والخسوف أنّهما احتجاب الضوء المنبعث من جرم سماوي احتجاباً جزئياً أو كلياً بسبب من تحرّك جرم سماوي آخر واتخاذه وضعاً معترضاً فإذا كان الضوء المتجب هو الشمس دعيت هذه الظاهرة كسوفاً ، وإذا كان الضوء المتجب هو صوء القمر دعيت تلك الظاهرة خسوفاً وإنما يقع الكسوف أو الخسوف لأنّ الأرض والقمر جرمان سماويان مظلمان فما أن يمر القمر مباشرة بين الشمس والأرض حتى يحدث الكسوف ، وما أن تعترض الأرض مباشرة بين الشمس والقمر حتى يحدث الخسوف والكوسف الكلي نادر جداً وفيه يتحوّل ضوء النهار إلى ظلمة تامة وتترائي النجوم كشأنها أثناء الليل ويحدث انخفاض ملحوظ في الحرارة وما هي إلا دقائق معدودات حتى تبدو الشمس للعيان كرّة أخرى ..... (عن موسوعة المورد المترجم)
2- يمكن أن يقال بعد وقوع التواتر في النقل وظهور الرويات الخاصة والعامة في كسوف يوم عاشوراء أن المراد ليس الكسوف الاصطلاحي بل لعظم الواقعة وجلال الموقف وشدّة المصاب حجب الله ضوء الشمس على وجه أظلم نهارها وظهرت النجوم وتكون قواعد الهيئة بناءاً على هذا التوجيه على حالها. (منه)

اللهمَّ اجْعَلْنِي فِي مَقَامِي هَذَا مِمَّنْ تَنالُهُ مِنْكَ صَلَواتٌ وَرَحْمَةٌ وَمَغْفِرَةٌ . اللهم اجْعَلْ مَحْيَايَ مَحْيا مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، وَمَمَاتِي مُماتَ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ...

الشرح : النيل : معناه بلوغ الشيء كما جاء في كتب اللغة العربية والفارسية.

والصلوات جمع الصلاة ومرّ تحقيقها (1)وجاء في اشتقاقها كلمات بعيدة عن مقام العلم والعلماء ، وكانت مورداً لكثير من الإشكال، والأولى أن تكون مأخوذة من «صلّى» بمعنى حرّك الصلوين وهما العرقان المحيطان بطرفي الذنب والعظمان القريبان منهما اللذين ينحينيان بانحنائهما، والمصلّي هو الذي يأتي بعد السابق من خيل الحلبة وهو مأخوذ من هذا المعنى لأنه يبلغ صلوي السابق .

وجملة القول : لمّا كانت التصلية بهذا المعنى تقتضي الانعطاف والانحناء الصوري فهي أحياناً تستعمل في الأركان المخصوصة المشتملة على الركوع والسجود بجامع الانحناء وتحريك الصلوين وأحياناً تستعمل بمعنى التعطّف والانحناء الباطني نظير ألفاظ الميل والانحناء والانعطاف وأشباهها فإنّها نفسها تستعمل في أفعال القلوب على سبيل التمثيل أو التوسع في الاستعمال، وهذه الطريقة التي أشرنا إليها اختارها صاحب الكشاف، وبناءاً على هذا لا وجه لما اشتهر على السنة علماء الأصول من أن لفظ صلاة بمعنى الدعاء وإن كان استعمل في بعض أشعار أبناء الجاهلية بهذا المعنى لكن الاستعمال أعم من الحقيقة .

والذين لهم علم بأنساب اللغات ووجوه انتقالها من المعاني إلى نظائرها بصفة جيّدة فإنّهم لا محالة على مذهب صاحب الكشاف ، الذي لم يبلغ مبلغه في فهم معاني الألفاظ والاستفادة من خصوصيات العبارات ووجوه تحوّلها في أساليب اللغات أحد من علماء الأدب.

ص: 128


1- في شرح «صلى الله عليه وآله». (هامش الأصل)

الرحمة : المعنى الموافق لظاهر كتب اللغة هو رقّة القلب وانعطافه الموجب للتفضّل وهو من خواص الأجسام واشتقاق الرحم منه لأنّ انعطافه على ما فيه، وإطلاقه على واجب الوجود سبحانه كسائر عوارض الأجسام من الغضب والرضا وغيرهما على وجهين :

الأوّل: ما قاله الشهيد السعيد في القواعد (1)وساعده جماعة من أهل التحقيق ، :قال وأسماء الله تعالى إنّما يؤخذ باعتبار الغايات التي أفعال دون المبادئ

التي هي انفعالات .

وحاصل هذا الكلام أن هذه الأوصاف الملاحظة لنا لها مبادئ راجعة إلى تأثرات وعوارض الأجسام مثل الحياء وهو انفعال النفس في مقام مخصوص وله ثمرات وآثار من مقولة الفعل والتأثير من قبيل الفضل والإحسان في خصوص محلّ السؤال، وتستعمل هذه الألفاظ بالاعتبار الثاني لا الأول وحينئذ تكون مستعملة على ضوء نتائجها المخصوصة بغض النظر عن أسبابها وعللها الطبيعية وبناءاً عليه فهي جميعاً ألفاظ مجازيّة .

الثاني : ما قاله جماعة من أكابر المحققين وتحريره كالتالي أن المعنى الواحد تنشأ له لوازم باعتبار اختلاف نشأته وتعدّد مواطنه وربّما استحال نفسه إلى حقائق

مختلفة مع كونه معنى عاماً مشتركاً بين جميع المراتب ويكون لفظه اسماً لذلك المعنى العام مثل العلم الذي يعرض لنا وله أسباب وعلل ولوازم عدّة ومن كان مترفعاً عن مستوانا فهو منزّه منها ويكون جوهراً في عالم العقول والنفوس (2)

ص: 129


1- والرحمة لغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان ومنه الرحم لانعطافها على ما فيه وأسماء الله تعالى إنّما تُؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادئ التي هي أفعال دون المبادئ التي هي انفعال (هامش الأصل والمترجم) القواعد 2 : 167 ، وفي هامش الأصل ص 265 .
2- أي العلم. (المترجم)

ولكنّه في ذات واجب الوجود تعالى ليس جوهراً ولا عرضاً بل عين ذاته المقدّسة المتعالية عن شوائب الأعدام والنقائص جلّ ذكره وعزّ قدره.

ولفظ العلم موضوع لذلك القدر المشترك بين المراتب الثلاث وهو خارج عن خصوصيات العلل والمعلولات واللوازم والحدود ومثله الرحمة التي هي اسم للمرتبة الخاصة والدرجة المخصوصة المستلزمة للفضل والإحسان على الآخرين غاية الأمر أنّ هذا العمل ينبعث في البشر من صفة جسمانية وهي ر رقة القلب ، وهذا معنى كلام بعض المحققين الذي قال: «العوالم متطابقة فما وجد في الأدنى من الصفات الكمالية يوجد في الأعلى على وجه أرفع وأبسط».

وتخصيص اللغويين المعنى باللفظ إما لقصور علمهم وضيق أفقهم وعدم سعة دائرة التعقل عندهم كما هو المتصوّر في اقتصارهم على اللغويات من أمثالهم، وإما أنّهم يكتفون بذكر لوازم الشيء عن ذكره ؛ لأن اللغة لا تلتزم بأكثر من هذا وأنّهم لم يجدوا أكثر مما وجدوه (1). ونحن نزلنا اختلاف أهل اللغة في معنى اللفظ الواحد أو كثرة المعاني للفظ واحد في كلام بعضهم على هذا المذهب، وبهذه الملاحظة لهذا السرّ وغيره من الأسرار يفتح باب واسع في فهم اللغة والاجتهاد في تعيين معاني الألفاظ (2)وهذا الباب خاص بأرباب القرايح اللطيفة

ص: 130


1- وأقول لمولانا الشيخ : إن كنا نتهم علماء اللغة إلى هذه الدرجة المزرية، وبفضلهم عرفنا معاني الألفاظ وأصول وضعها واشتقاقها فمن أين لسادتنا العلماء الذين تحدث سماحته عنهم هذه المعاني التي توصلوا إليها وبنوا مناهجهم على ضوئها فهي إما أن تكون مأخوذة من أصل الوضع وبهذا يرجع إلى اللغوي، وإما أن تكون مستعملة مجازاً ولا ضير في ذلك فالمجال فيه مفتوح للشعراء كما هو مفتوح للعلماء فلا وجه لاتهام علماء اللغة . (المترجم)
2- أقول لمولانا الشيخ : إنّ الاجتهاد مفسد للغة وهو إن جاز في الأحكام الدينية أراه غير جائز في الأحكام اللغوية لأنه في الأول يرجع إلى حجّة وهي القرآن والسنة، وفي الثاني يرجع إلى العقل وهو مختلف . (المترجم)

والأذهان الدقيقة من الممارسين المتأملين في مجاري الاستعمالات والمطلعين على أساليب لغة العرب والله الموفق.

وفي هذا المقام إشكال آخر وهو ما معنى طلب الرحمة بعد أن وسعت رحمته كل شيء «وسعت رحمته كل شيء». والجواب على ذلك أن رحمة الله ع-ل-ى

قسمين:

الأوّل: عام ويدخل في دائرته كلّ ما يصدق عليه اسم شيء وموجود حتى العدم باعتبار وجوده الذهني الذي يحمل مفهومه ، وهذه هي الرحمة التي سبقت الغضب بل حتى الغضب يرحم من حيث كونه وجوداً .

الثاني: خاص وهو منوط باختلاف الاستعدادات وتفاوت القابليات، والأولى الرحمة الرحمانية والإشارة إليها بقوله تعالى: «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ» (1)في اعتقاد بعضهم ، والثاني الرحمة الرحيميّة، وهذا اصطلاح مأخوذ من أحاديث أهل بيت العصمة كما قال الإمام الصادق علیه السلام «الرحمن» اسم خاص الصفة عامة، و«الرحيم» اسم عامّ لصفة خاصة(2). ومعنى ذلك أن ذلك أنّ اسم الرحمن خاص لا يطلق على غير الله وموضوع بأزاء الصفة العامة وهي الرحمة المبسوطة على هياكل الموجودات ، والرحيم اسم عام يجوز أن يطلق على غير الله ولكن معناه صفة خاصة قائمة ببعض الموارد واختلاف كمالات الأشياء منوط به ، إذن يقصد بسؤال الرحمة هذه المرتبة وإن كانت تنال نصيباً من هذه الرحمة أيضاً وتختص بكمالات مخصوصة ولكن فيض رحمة الله غير محدودة ووجود المبذ الفيّاض لا

ص: 131


1- الملك : 3.
2- الرحمه اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة. (مجمع البيان، نور الثقلين 1 : 12 - هامش الأصل)

ينتهي عند حدّ : «لا یزیده كثرة العطاء إلا جوداً وكرماً إنّه هو العزيز الوهاب».

ومن هذه الجهة لمّا كانت كلّ طبيعة طالبة لكمالها تطلب الزيادة بالتوسل بأسباب الإفاضة وهم أئمة الهدى علیهم السلام، والمأمول من رحمة الله أن تبلغ المقصد ولما كانت الصلوات والرحمة من أسباب المغفرة وإن لم تظهر آثارها إلا بعد الغفران فقد ذكرت في المقدم.

ويمكن أن يكون المراد من الصلوات القرب والكمال النفساني في الدنيا والمراد من الرحمة الكمال الأخروي وارتفاع الشأن والدرجة ، ولا ينافي هذا المعنى ما قاله في الفقره السابقة «مقامي هذا ..» إذ لعلّ قصده هو أن يحصل في مقامه هذا على صفة بملاحظتها يكون مرحوماً في الآخرة نظير تعقل الواجب التعليقي الذي هو على التحقيق ترجع إليه جميع الواجبات المطلقة أو المقصود طلب الاستحقاق والأهلية المحققة .

المغفرة : مصدر ميمي من الغفران، وهو كما في شرح الصحيفة وساير كتب اللغة من القاموس والصحاح وغيرهما بمعنى الستر» ولكنه في معنى الستر الخاص الصادر من القادر على المؤاخذة مع التجاوز ، ولا يقال : غفر زيد ذنب مولاه ولا عيبه، وقيد التجاوز الموجود في التعريف معتبر من خارج اللفظ بل أكمل مراتب الستر رفع آثاره الوجودية بحيث لا يمكن الاستدلال على وجوده ؛ لأن ماله ظهور في الوجود على شكل من الأشكال لا يُعدّ مستوراً، ومع عدم التجاوز يحق العقاب ويعرف وجود الذنب إذن لا يُعدّ مستوراً حقيقة خلافاً لما يتجاوز عنه من رأس ويعفي عنه حيث أن إطلاق الستر بناءاً على هذا المعنى أحق وأولى.

وليعلم أن معنى بمجموعه يلتئم مع معنى الآية الكريمة : «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ

ص: 132

وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» (1)لأنه بعد ذكر عظم مصيبة سيّدالشهداء علیه السلام وابتلائه بتلك المصيبة وإظهار الصبر والالتزام بأمر الله تعالى فإنه يستحق الأجر وهو أجر الصابرين الذي وعدهم به في كتابه الكريم ... فلذلك توجّه إلى طلب كرم الله الذي لا يتناهى ثم شرع في التبتل والضراعة.

محيى: مصدر ميمي من حيي يحيى كما أن ممات مصدر ميمي من مات يموت، ويبعد أن يكون اللفظان اسم مكان وبناءاً على الأوّل فهما مفعولان مطلقان، وعلى الثاني مفعول فيه والفرض منه بيان الحدّ والرتبة اللتين كانت عليهما حياة محمّد وآل محمد صلی الله علیه و آله وسلم ومؤدى الوجهين واحد لأن الغرض من ذلك هو الطلب من الله أن يجعل الداعى تابعاً لهم وثابتاً على عقائدهم الشريفة وأخلاقهم الكريمة في جميع الأحوال من الموت والحياة، وأن يصله بدرجة المتابعة المطلقة المبيّنة بقوله تعالى: «فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ» (2)ليحظى بمحبوبيته (3) العيون : 219، بحار الأنوار 36: 244 - 56 ط طهران، أمالي الصدوق : 347 مثله . (هامش الأصل) العيون 1 : 62 ، بحار الأنوار 23: 111 و 25: 193 ، أمالي الصدوق : 32 وسياقه مختلف . (المترجم) (4) بصائر الدرجات : 15 ، بحار الأنوار 36: 248. (هامش الأصل) في بصائر الدرجات روايات عدة بهذا السياق وفيها زيادات على ما ساقه المحقق وأقرب رواية إلى روايته هي رقم 9 وفيها: «من سرّه» بدل «من أحبّ» وتختم بقوله : «ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم». (بصائر الدرجات : 50 ، بحار الأنوار 23: 137 - المترجم) (5)كامل الزيارات : 71 ، البحار : 44 : 260 ، عوالم العلوم : 138. (هامش الأصل) كامل الزيارات : 69 و 71 و في البحار عدد من الأحاديث بهذا المعنى وفيها بعض الاختلافات اليسيرة ، راجع : ح 22 وج 23 وج 36 والصفحات 122 و 136 و 137 و 138 و 139 و 227 إلى آخره . (المترجم) (6) بصائر الدرجات : 14 ، بحار الأنوار 36: 247 الرقم 61 ، كامل الزيارات : 69 ح3 وفيه عن أبي جعفر ، بحار الأنوار 44: 259 و 302 ، عوالم العلوم : 136 عن أبي عبد الله . (هامش الأصل) بصائر الدرجات عدة أحاديث في معنى ما ساقه المحقق وجميعها تختلف مع سياقه بألفاظ أو عبارات ، راجع الصفحات 51 و 52 و 53 ، ومثله في بحار الأنوار وكامل الزيارات . (المترجم) (7) كامل الزيارات : 69 ، البحار 44: 302 ، عوالم العلوم : 597 . (هامش الأصل) (8)بصائر الدرجات : 15 ، بحار الأنوار 36 : 248 الرقم 64 . (هامش الأصل) (9) بحار الأنوار 39: 259 ، مناقب ابن شهر آشوب 2: 4 في محبته ل . (هامش الأصل) . (10) أمالي الصدوق : 33 ، بحار الأنوار 36: 227 و 44 : 258 ط طهران، عوالم العلوم - الإمام الحسين 135 . (هامش الأصل) (11)المناقب لابن شهر آشوب 3: 5 (المترجم) (12) بحار الأنوار 39 :267 الرقم 42 (هامش الأصل) (13)حلية الأولياء وفضائل أحمد وخصائص النطنزي ، بحار الأنوار 39: 259 ، كشف الغمة : 28 - 31، بحار الأنوار 39: 276 الرقم 52 ، كتاب الأربعين للحافظ أبي بكر محمد بن أبي نصر عن زياد بن مطرف عن زيد بن أرقم ... بحار الأنوار 39 275 مناقب ابن شهر آشوب :42 في محبته (هامش الأصل) (14) أمالي الشيخ : 314، بحار الأنوار 38: 120 الرقم 66 ، وبالإسناد عن مطرف عن زيد بن أرقم ... بشارة المصطفى : 194 ، بحار الأنوار 39: 285 الرقم 75 (هامش الأصل) (15) بصائر الدرجات : 50 ، بحار الأنوار 44: 258 ، عوالم العلوم : 136 . (هامش الأصل) (16) کتاب سلیم بن قيس : 168 ، بحار الأنوار 96:40-97 (هامش الأصل) (17)الكافي 1 : 316 و 319، بحار الأنوار 49: 224 الرقم 17 . (هامش الأصل) (18) العيون 1 : 33، بحار الأنوار 48: 277 (هامش الأصل) (19) اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 38، بحار الأنوار 42: 152 الرقم 20 ط طهران. (هامش الأصل) (20)وبالطبع بحكم الحديث القدسي : لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل

ص: 133


1- البقرة : 156 و 157 .
2- آل عمران: 31
3- وما يلي مرسوم من أراد حياة محمد وآل محمد ومماتهم : 1 - حديث أمير المؤمنين : ماجيلويه وأحمد بن علي بن إبراهيم وابن ناتانة جميعاً عن علي ، عن أبيه ، عن محمد بن علي التميمي قال : حدثني سيدي علي بن موسى الرضا عن آبائه عن علي عن النبي أنه قال : من سره أن ينظر إلى القضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله عز وجل بيده ويكون متمسكاً به فليتول عليا والأئمة من ولده فإنهم خيرة الله وصفوته وهم المعصومون من كل ذنب وخطيئة
4- . * أحمد بن محمد، عن الحسينب بن سعيد ، عن محمد بن سنان ، عن أبي العلاء الخفاف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله : من أحب أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل جنة عدن التي وعدني ربّي ؛ قضيب من قضبانه غرسه بيده ثم قال له كن فكان [ وهي جنة الخلد ] فليتول عليّاً [ بن أبي طالب - المصدر ] والأوصياء من بعده، فإنهم لا يخرجونكم من الهدى ولا يدخلونكم في ضلالة . عبدالله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الثقفي ، عن إبراهيم بن محمد بن میمون ، مثله
5- . 2 - حديث الإمام الباقر : محمد الحميري، عن أبيه ، عن ابن أبي الخطاب ، عن محمد بن حماد الكوفي ، عن إبراهيم بن موسى الأنصاري ، عن مصعب ، عن جابر ، عن محمد بن علي قال : قال رسول الله : من سرّ أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل جنة عدن غرسها ربي بيده فليتول عليّاً ويعرف فضله والأوصياء من بعده [بعدي -خ ] ويتبرأ من عدوّي ، أعطاهم الله فهمي وعلمي ، هم عترتي من لحمي ودمي ، أشكو إليك [إلى - المصدر ] ربي عدوّهم من أمتي ، المنكرين لفضلهم القاطعين فيهم صلتي، والله ليقتلن ابني ثم لا تنالهم شفاعتي .
6- 3 - حديث الإمام الصادق عن رسول الله . * أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد ، عن فضاله، عن أبي المعزى ، عن محمد بن سالم ، عن أبان بن تغلب قال : سمعت أبا عبدالله يقول : قال رسول الله من أراد أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنّة ربي جنة عدن غرسها ربّي بيده فليتولّ عليّ بن أبي طالب وليتول وليه وليعاد عدوّه وليسلّم الأوصياء من بعده فإنّهم عترتي من لحمي ودمي، أعطاهم الله فهمي وعلمي ، إلى الله أشكو من أمتي المنكرين لفضلهم والقاطعين فيهم صلتي [ والقاطعين صلتي - المصدر ] وأيم الله ليقتلنّ ابني ، لا أنالهم الله شفاعتي .
7- * ابن الوليد ، عن الصفار، عن اليقطيني، عن زكريا المؤمن ، عن أيوب بن عبدالرحمن وزيد بن الحسن و عباد جميعاً عن سعد الإسكاف ، قال : قال أبو عبد الله [ أبو جعفر - المصدر ] قال رسول الله : من سره أن يحيا حياتي [ محياي - المصدر ] ويموت مماتي ويدخل جنّة عدن [ فليلزم ] قضيب غرسه ربّي بيده فليتول عليّاً والأوصياء من بعده وليسلّم لفضلهم فإنّهم الهداة المرضيّون، أعطاهم الله فهمي وعلمي وهم عترتي من لحمي [ خلقي - الأصل ] ودمي ، إلى الله أشكو عدوهم من أمتي ، المنكرين لفضلهم ، القاطعين فيهم صلتي، والله ليقتلن ابني لا أنالهم الله» [لا نالتهم - خ والبحار ] شفاعتي
8- . 4 - حديث الإمام علي بن موسى الرضا : أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن بشار [ يسار - المصدر ] عن أبي الحسن الرضا قال : قال رسول الله من أحب أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويدخل جنة عدن التي وعدني ربي قضيب من قضبانه غرسه بيده ثم قال له : كن فكان فليتول علي بن أبي طالب والأوصياء من بعده فإنّهم لا يخرجونكم من هدى ولا يدخلونكم في ضلاله . عبدالله بن محمد، عن إبراهيم بن محمد، عن عبدالرحمن بن أبي ، مثله .
9- 5 - أحاديث الصحابة عن رسول الله : * ابن عباس وأبو هريرة عن رسول الله الله من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن منزلي منها غرسه ربّي ثم قال له كن فيكون، فليتول علي بن أبي طالب ولياً ثم الأوصياء من ولده فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ...
10- * بالإسناد عن ابن عباس قال : قال رسول الله : من سره أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنة عدن منزلي ويمسك قضيباً غرسه ربي عز وجل ثمّ قال له كُن فكان فليتول علي بن أبي طالب وليأتم بالأوصياء من ولده فإنّهم عترتي ، خُلقوا من طينتي ، إلى الله أشكو أعدائهم من أمتي ، المنكرين لفضلهم، القاطعين فيهم صلتي، وأيم الله ليقتلنّ ابني الحسين بعدي لا أنالهم الله شفاعتي .
11- * ابن شهر آشوب : قال عبدالله بن موسى تشاجر رجلان في الإمامة فتراضيا بشريك بن عبدالله ، فجاءا إليه ، فقال شريك : حدثني الأعمش عن شقيق عن سلمة عن حذيفة اليمان ، قال النبي : إن الله عزّ وجل خلق عليّاً قضيباً من الجنّة فمن تمسك به كان من أهل الجنّة . فاستعظم ذلك الرجل وقال : هذا حديث ما سمعناه، نأتي ابن دراج، فأتياه فأخبراه بقصتهما ، فقال : أتعجبان من هذا؟ حدثني الأعمش عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله : إن الله خلق قضيباً من نور فعلقه ببطنان عرشه لا يناله إلّا علي ومن تولاه من شيعته . فقال الرجل : هذه أخت تلك ، نمضي إلى وكيع، فمضيا إليه فأخبراه بالقصة، فقال وكيع : أتعجبان من هذا ؟ حدثني الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله : إن أركان العرش لا ينالها إلا علي ومن تولاه من شيعته . قال : فاعترف الرجل بولاية علي .
12- قال خطيب منبج : لقد غرس الإله بدار عدن***قضيباً وهو خير الفارسينا من الياقوت يستعلي وينمو***على قضبانها حسناً ولينا فإن شئتم تمسكتم فكونوا***بحبل أخي من المتمسكينا وقال الصفر البصري : يروى بأن أبا هريرة قال لي***إني ملأت من النبي مسامعا من رام أن يتمسك الغصن الذي***من أحمر الياقوت أصبح لامعا من غرس ربّ العالمين وزرعه***من جنتي عدن تبارك زارعا فليلقين لولاية الهادي أبي***حسن عليّ ذي المناقب تابعا * حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله الله الله : من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقصبة الياقوتة التي خلقها الله ثم قال لها كوني فكانت فليتول علي بن أبي طالب من بعدي
13- . * زيد بن أرقم عن النبي قال : من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي عزّ وجلّ غرس قضبانها بيده فليتول علي بن أبي طالب فإنه لم يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة .
14- * جماعة ، عن أبي المفضّل ، عن عبد الله بن أبي ياسين ، عن محمد بن عبدالرحمن بن كامل ، عن علي بن جعفر الأحمر ، عن يحيى بن يعلى، عن عمار بن زريق ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن مطرف ، عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله من أحب أن يحيى حياتي ويموت موتي ويدخل الجنة التي وعدني ربّي فليتول علياً بعدي فإنّه لن يخرجكم من هدى ولا يدخلكم في ردى .
15- * محمد بن الحسين [محمد بن الحسن - المصدر ] عن يزيد بن شعر [ يزيد شعر - المصدر ] عن هارون ابن حمزة ، عن عبدالرحمن ، عن سعد الإسكاف، عن محمد بن علي بن عمر بن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويدخل جنّة ربي التي وعدني جنة عدن منزلي ، قضيب من قضبانه غرسه ربي تبارك وتعالى بيده فقال له كن فكان ، فليتول علي بن أبي طالب والأوصياء من ذرّيّته، إنّهم الأئمة من بعدي هم عترتي من لحمي ودمي، رزقهم الله فضلي و علمي ، وويل للمنكرين فضلهم من أمتي ، القاطين صلتي، والله ليقتلن ابني ، لا أنا لهم الله شفاعتي .
16- من أراد أن يطهر قلبه عرفه ولاية علي بن أبي طالب، ولم يبلغ إبراهيم وموسى وعيسى المرتبة إلا بذلك سليم بن قيس : سمعت رسول الله يقول : إن الله توحد بملكه فعرف أنواره نفسه ثم فوض إليهم وأباحهم جنّته ، فمن أراد أن يطهر قلبه من الجن والإنس عرّفه ولاية عليّ بن أبي طالب، والذي نفسي بیده ما استوجب آدم أن يخلقه الله وينفخ روحه من روحه أن يتوب عليه ويرده إلى جنته إلا بنبوتي والولاية لعليّ بعدي، والذي نفسي بيده ما أري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ولا اتخذه خليلاً إلا بنبوّتي والإقرار لعلي بعدي، والذي نفسي بيده ما كلّم الله موسى تكليماً ولا أقام عيسى آية للعالمين إلا بنبوّتي ومعرفة عليّ بعدي، والذي نفسي بيده ما تنبأ نبي إلا بمعرفتي والإقرار لنا بالولاية، ولا استأهل خلق من الله النظر إليه إلا بالعبودية والإقرار لعليّ بعدي .
17- تفسير حياة محمّد وآل محمد ومماتهم أحمد بن مهران، عن محمد بن علي ، عن أبي الحكم ، عن عبد الله بن إبراهيم الجعفري وعبدالله بن محمّد بن عمارة، عن يزيد بن سليط قال : لما أوصى أبو إبراهيم ، أشهد إبراهيم بن محمد الجعفري وإسحاق بن محمد الجعفري وإسحاق بن جعفر بن محمد وجعفر بن صالح ومعاوية الجعفري ويحيى بن الحسن بن زيد بن علي وسعد بن عمران الأنصاري ومحمد بن جعد بن سعد الأسلمي - وهو كاتب الوصية الأولى [أي وصيّة آبائه كما سيشير إليه قوله ، وقد نسخت قبل ذلك في صدر الكتاب أو تحت الختم . قيل : المراد أنّ هذه الوصيّة موافقة لوصاياهم فالمعنی نسخت بعين كتابة هذه الوصية التي وصيا بها - بحار الأنوار 49: 228] - أشهدهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأن البعث بعد الموت حق ، وأنّ الوعد حق ، وأن الساعة حق، وأن القضاء حق، وأن الوقوف بين يدي الله حق ، وأن ما جاء به محمد حق ، وأن ما نزل به الروح الأمين حق ، وأن الوقوف بين يدي الله حق ، وأن ما جاء به محمد حق ، وأن ما نزل به الروح الأمين حق، على ذلك أحيي وعليه أموت ، وعليه أبعث إن شاء الله .
18- * ابن إدريس ، عن محمد بن أبي الصهبان، عن عبد الله بن محمد الحجّال أنّ إبراهيم بن عبدالله الجعفري حدثه عن عدة من أهل بيته أن أبا إبراهيم موسى بن جعفر أشهد على وصيّته إسحاق بن جعفر بن محمد بعد أن أشهدهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وأن البعث بعد الموت حق ، وأن الحساب والقصاص حق ، وأن الوقوف بين يدي الله حق ، وأن ما جاء به محمد حق حق حق ، وأن ما نزل به الروح الأمين حقّ ، على ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله ...
19- * حمدويه وإبراهيم معاً، عن أيوب بن نوح ، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد ، عن سلام بن سعيد ، عن عبدالله بن عبد ياليل عن رجل من أهل الطائف قال : أتينا ابن عباس رحمة الله عليهما نعوده في مرضه الذي مات فيه . قال : فأغمي عليه في البيت فأخرج إلى صحن الدار ، قال : فأفاق فقال : إن خليلي رسول الله قال : إني سأهاجر هجرتين، وإني سأخرج من هجرتي، فهاجرت هجرة مع رسول الله وهجرة مع عليّ وإني سأعمى فعميت، وإني سأغرق فأصابني حجّة فطر حني أهلي في البحر فغفلوا عنّي فغرقت ثمّ استخر جوني بعد، وأمرني أن أبرأ من خمسة من الناكثين وهم أصحاب الجمل، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام، ومن الخوارج وهم أهل النهروان، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم ، فقالوا : لا قدر ومن المرجئة وهم الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا الله أعلم. قال : ثمّ قال : اللهم إني أحيا على ما حيي عليه علي بن أبي طالب وأموت على ما مات عليه علي بن أبي طالب ، قال : ثم مات فغسل وكفن ثمّ صلي على سريره . قال : فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه فرأى الناس إنما هو فقهه فدفن .
20-

ص: 134

ص: 135

ص: 136

ص: 137

ص: 138

حتى أحبه فإذا أحببته صرت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده

ص: 139

التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ...(1)كما في بعض الطرق، فإذا أحبّه الله صدرت منه أعمال إلهية واستنشقت منه روح الرحمن كما في الحديث الصحيح المتفق عليه في حق أويس : إني وجدت روح الرحمن من طرف اليمن» (2)ونعم ما قيل :

چون اویس از خویش فانی گشته***بود آن زمینی آسمانی گشته بود

ص: 140


1- الكافي 2 : 352 ح 5 كتاب الكفر والإيمان باب 145 (هامش الأصل)
2- أويس القرني كان ممن شهد له رسول الله بالجنة ولم يره ، وشهد مع أمير المؤمنين صفين واستشهد بها. روي عن أمير المؤمنين أنه أخبره النبي أنه يدرك رجلا من أمته يقال له أويس القرني يكون من الله حزب الله ، يموت على الشهادة ، يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر . روي عن رسول الله أنه كان يقول : تفوح روائح الجنّة من قبل قرن ، واشوقاه إليك يا أويس القرني، ألا ومن لقيه فليقرئه مني السلام. فقيل : يا رسول الله ، ومن أويس القرني ؟ قال : إن غاب عنكم لم تفتقدوه، وإن ظهر لكم لم تكترثوا به، يدخل الجنّة من شفاعته مثل ربيعة ومضر ، يؤمن بي ولا يراني ، ويُقتل بين يدي خليفتي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في صفين . قيل لأويس القرني : كيف أصبحت ؟ قال : كيف يصبح رجل إذا أصبح لا يدري أيمسي ، وإذا أمسى لا يدري أيصبح ؟ (سفينة البحار 1: 53 مادة أوس). قال أمير المؤمنين بذي قار وهو جالس لأخذ البيعة : يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجلاً ولا ينقصون رجلاً، يبايعوني على الموت. قال ابن عباس : فجزعت لذلك وخفت أن ينقص القوم من العدد أو يزيدوا عليه فيفسدوا الأمر علينا، وإني أحصي القوم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل وتسعة وتسعين رجلاً ، ثم انقطع مجيء القوم ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ماذا حمله على ما قال ؟ فبينما أنا مفكّر في ذلك إذا رأيت شخصاً قد أقبل حتى دنا وهو رجل عليه قباء صوف ومعه سيف وترس وأداوة ، فقرب من أمير المؤمنين ، فقال : أمدد يديك لأبايعك ، قال علي : وعلى ما تبايعني ؟ قال : على السمع والطاعة والقتال بين يديك أو يفتح الله عليك ، فقال : ما اسمك ؟ قال : أويس القرني ، قال : نعم، الله أكبر ، قد أخبرني حبيبي رسول الله أني أدرك رجلا من أمته يقال له أويس القرني يكون من حزب الله ، يموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر . قال ابن عباس : فسري عني . (الخرائج - البحار 41: 300 في إخباره بالغائبات). (هامش الأصل)

آن هلیله پروریده در شکر***چاشنی تلخیش نبود دگر

آن هلیله رسته از ما و منی***از هلیله شکل دارد طعم نی

والله أعلم بمراد أوليائه .

وحين أويس لم يحس بذاته***وطينته صارت إلى عالم السما

وذات المذاق المرديفت بسكر***فلم يتجرّع طعمها المرء علقما

وهذا الطليق الحرّ من شكل نطفة***دع الشكل ما أعلاه حرّاً وأعظما

ص: 141

اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ تَبَرَّكَتْ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ ...

الشرح : التبرك : التيمن بالشيء ، كما جاء في كتاب منتهى الإرب» وهو يوافق ما هو مذكور في القاوس والصحاح وغيرهما، وهو مشتق من البركة بمعنى النماء والزيادة وذخيرة السعادة والأصل في معنى البركة من برك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه ، ولمّا كان مبرك البعير يستلزم الثبوت والدوام قياساً إلى حاله ه في الحركة ، والأمر السعيد الباقي المتزايد إذا كان ثابتاً استعمل فيه ، كما قال ابن الأثير في النهاية : اللهم بارك على محمد وآل محمد، أي ثبت وأدِمْ له ما أعطيت من التشريف والكرامة. وسمّي الحوض بركة لأن الماء يدوم فيه، كما في الصحاح حيث قال ذلك : «ويقال : سمّيت بذلك لإقامة الماء» وترجع سائر الاستعمالات أيضاً إلى هذا المعنى.

وقال ابن الأثير في النهاية بعد ذكره معنى البروك ومعنى الزيادة والنماء: «والأصل الأوّل» والوجه ما بيّناه.

وفي شرح الصحيفة عن الراغب الأصفهاني وهو من مهرة أهل الصناعة هذه أنّه قال: «البركة ثبوت الخير الإلهي» وهذا الكلام شاهد على التحقيق السالف .

وهذا النوع من التوسع في لغة العرب ليست من القلة بحيث يمكن الإحاطة بها، من هذه الجهة أنكر بعض فقهاء اللغة الاشتراك فيها وهذا وإن لم يكن صحيحاً قطعاً إلا أن أكثر موارد الاشتراك - اللفظي - وقد حسبه اللغويون القشريون متعدّد المعنى وتابعهم السطحيون من أهل الصناعات وجروا على ظواهر كلامهم راجع إلى الاشتراك المعنوي وإلى المناسبات البعيدة والانتقالات الخفية وقد كانت بنظر اللغويين في بدو الانتقال قريبة ظاهرة إلا أن تطاول الزمان ونسيان القرائن أخفت المناسبة فكان الاشتراك لذلك، فمن كان يتتبع بذهن وقاد كتب

ص: 142

الأدباء العارفين بالحقيقة والباحثين عن الدقيقة أصحاب الإجادة والتصرف مثل السيدين الجليلين - رضي الله عنهما - المرتضى والرضي، ونجم الأئمة والسيّد عليخان والزمخشري والمطرّزي، والخطيب التبريزي، والراغب الأصفهاني والجوهري أحياناً، والفيومي وابن الأثير وغيرهم من أصحاب معرفة لباب معاني البيان ونيل حقائق مقاصد الكلام ، شريطة أن يكون على بصيرة من وجوه الاستفادات وبيانات القوم، وطريقة العرب عند التحوّل في أساليب المعاني وفنون التعبير فإنّه يستطيع بمعونة الملكة القوية والطريقة السويّة أن يلمّ بالمناسبات والقرائن في كثير من المواضع ، ويصبح نسابة اللغة ومحققاً في فنّ الأدب.

وأخيراً نقول : إن تبرك بنى أُميّة في مثل هذا اليوم المشئوم على وجوه :

الأوّل: ادّخار القوت والأطعمة في هذا اليوم إعلاناً للسرور بقتل الإمام المظلوم ، وهذه ثلمة كبيرة في الإسلام - وهي علامة على الخيبة والخسران ومنبع الفساد والعار - حيث اعتبروه يوم فتح وظفر وادّخروا أطايب الطعام فيه إلى العام القادم ؛ لأنّه يوم سعادة لهم وسعة في الرزق ورغد في العيش كما جاء في الأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة علیهم السلام فقد نهوا عن هذا الأمر مراراً وتكراراً من باب التعريض ببني أمية لعنهم الله .

ففي الأمالي والعيون وغيرهما وسيق السند إلى الإمام الرضا علیه السلام أنه قال: من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه جعل الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه و سروره، وقرّت بنا في الجنان عينه ، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادخر فيه المنزله شيئاً لم يبارك له فيما ادّخر وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد

ص: 143

وعمر بن سعد لعنهم الله إلى أسفل درك من النار .(1)

وقال شيخ الطائفة - قدس الله نفسه الزكية - في «المصباح الكبير» بسنده عن الإمام الباقر علیه السلام ضمن خبر طويل في آداب أعمال يوم عاشوراء الذي قرأناه في الباب الأوّل من شرح سند الزيارة المقدّسة الشريف على التمام أنّه قال لعلقمة : وإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل فإنّه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن فإن قضيت لم يُبارك ولم ير فيها رشداً، ولا يدخرنّ أحدكم لمنزله فيه شيئاً، فمن ادّخر في ذلك اليوم شيئاً لم يبارك له فيما ادخره، ولم يبارك له في أهله ... الخ .(2)

كناية عن أولئك الذين طعموا من تلك الذخيرة فإنّ الله يسلب منهم البركة جميعاً من العلم والعمل والرزق والمعاش والدين والدنيا، ويلازمهم الشؤم والنحس، وينتقلون من خزي الدنيا إلى عذاب الآخرة، والله عالم بمراد أوليائه .

وأخبار أخرى حول هذا المعنى يجدها المتتبع ، وتوجد أخبار في كتب العامة تطابق ما ذكره الأئمة من منع الادخار والتبرك الأموي لا فائدة من ذكرها.

الوجه الآخر من وجوه التبرك، إقامة تقاليد العيد من التوسعة على العيال وتجديد الثياب وقص الشارب وتقليم الأظفار والمصافحة والمعايدات الأخرى التي درج الناس على اتخاذها في الأعياد ، وهي سنة بني أمية وأتباعهم - وهم عامة أهل السنة والجماعة - التي جروا عليها كما يشاهد اليوم فعلاً في بلادهم لاسيما البلاد النائية عن بلاد التشيّع مثل مكة والمدينة، فقد اعتادوا على تسمية هذا اليوم

ص: 144


1- أمالي الصدوق : 112 المجلس السابع والعشرون، بحار الأنوار 44 :284 ، عوالم العلوم ، مجلد الإم-ام الحسين : 540 عن الأمالي . (هامش الأصل) اللفظ للأمالي : 129 في نسخة المترجم .
2- مصباح الطوسي : 538 - 542 ، كامل الزيارات : 174 ، بحار الأنوار 98: 290 و 296 ط لبنان . (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم من المصباح : ص 773

«بعيد العاشور» وبالغوا في إظهار المسرّات به بحيث لا يشبه ما يجري فيه من التقاليد والأفراح أيّ عيد من أعيادهم من يشاهد حالات أهل المدينة في يوم عاشوراء الذين هم شرار خلق الله - كما ورد في حديث معتبر - يقف ع-ل-ى م-ا يضمرون في خواطرهم من أنواع المسرات في ذلك اليوم، كيف يظهرون الفرح والنشاط في يوم وقوع هذه المصيبة العظيمة ؟!

خاطب عبدالملك بن حبيب السلمي - وهو عالم الأندلسيين ويقال عنه أنّ-ه ألف ألف كتاب-واحداً من خلفاء بني أمية وهنأه في يوم عاشوراء بهذه الأبيات:

لا تنس لا ينسك الرحمن عاشورا***واذكره لا زلت في التاريخ مذكورا

قال النبي صلاة الله تشمله***قولاً وجدنا عليه الحق والنورا

فيمن توسّع في إنفاق موسمه***أن لا يزال بذاك العام ميسورا

وقال في نفح الطيب : وهذا البيت الثالث نسيت لفظه فكتبته بالمعنى والوزن إذ طال عهدي به ، والله تعالى أعلم (1).

وانظر كيف حرّضه على الإنفاق وحرّكه على التوسعة في يوم عاشوراء ونسبه إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال : من وسع في الإنفاق في هذا اليوم وسّع عليه في العام كلّه وقضى عامه باليسر والراحة ، نعوذ بالله من هكذا أكاذيب التي أضيفت إلى الشريعة وألصقوها بالله ورسوله ، فما أحسن ما قاله عالم حكيم متزن الأخلاق :

دین تو را در پی آرایشند***در پی آرایش و پیرایشند

بسکه بر او بسته شده برگ و ساز***گرتو ببینی نشناسیش باز

حملوا دينك ما لم يحتمل***بالأكاذيب وأقوال السفل

غيّروا الدين فلو أبصرته***لم يكن ديناً من الله نزل

ص: 145


1- نفح الطيب 2 : 2 (المترجم)

ولقد جمع الشاعر الفاضل أحمد بن منير الطرابلسي رحمة الله عليه في قصيدته التترية التي خاطب بها السيد الشريف الأجل المرتضى الرازي وه-و متأخر عن السيّد الأجل الأعظم المرتضى ذي المجدين قدّس سرّه الزكى وألحقه بالمقام العلي العلوي وعمي على الكثيرين أنّ الخطاب معه عقائد أهل السنة ، والعجيب فى أن جماعة منهم مثل تقى الدين ابن حجّة في كتاب ثمرات الأوراق أن القصيدة تطابق معتقداتهم، وفي هذه القصيدة يشير إلى الأمور المتعلقة عاشوراء جميعها فيقول:

وحلقت في عشر المحرّم***ما استطال من الشعر

ونويت صوم نهاره***وصیام أيام أخر

ولبست فيه أجل ثوب*** للملابس يدّخر

وسهرت في طبخ الحبوب***من العشاء إلى السحر

وغدوت مكتحلاً أصافح***من لقيت من البشر

ووقفت في وسط الطريق***أقصُّ شارب من غَبَر

الأمر الثالث من وجوه التبرك : الالتزام باستحباب صوم هذا اليوم وقد وضعوا ذلك أخباراً كثيرة والتزموا بصيام هذا اليوم كما صرحوا في متون شروح كتب الفتوى وكتب أخبارهم باستحباب صومه وتأكد ندبه من غير وجه ، وإن كان لي معهم موقف حوار ونقاش على مبناهم معهم وسنوافيك به في آخر البحث إن شاء الله تعالى، وسمعت الإشارة إليه في شعر ابن منير .

والظاهر أنّ التطابق على الاستحباب وفضله حاصل من المذاهب الأربعة ولا خلاف عندهم في المسألة لأن المسألة أساساً تعود إلى أصولهم وهي معاداة أهل البيت علیهم السلام وهو قاسم مشترك بين الطوايف الأربعة ولا اختصاص له بطائفة دون أخرى، ويجب أن تعلم أن أخباراً في استحباب صوم عاشوراء وردت من طرقنا

ص: 146

وأخباراً تذمّ ذلك ، ويناسب هذا المقام الإتيان بشطر من أخبار القسمين ونذكر بعضاً من وجوه رفع التعارض الذي ذكره العلماء رضوان الله عليهم، ونذكر في أثناء ذلك ما يعن لنا من الأفكار التي يسدّد لها الباري سبحانه بفضل واستمداد أهل البيت علیهم السلام ، فنقول إذاً:

روى الشيخ في التهذيب وساق السند إلى أبي همام أن الإمام أبا الحسن الرضاء علیه السلام قال : صام رسول الله يوم عاشوراء .(1)

وفي سنده إلى مسعدة بن صدقة روى عن الإمام الصادق علیه السلام أنه روى عن الإمام الباقر علیه السلام أن علياً علیه السلام قال : صوموا العاشوراء التاسع والعاشر فإنه يكفر ذنوب سنة .(2)

وكذلك أسند عن عبد الله بن ميمون القداح عن الصادق علیه السلام عن أبيه أنه قال: صيام يوم عاشوراء كفارة سنة .(3)

وأسند عن جعفر بن عثمان أنه روى عن صادق آل محمّد أنّه قال: كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم كثيراً ما يتفل في يوم عاشوراء في أفواه الأطفال المراضيع من ولد فاطمة سلام الله علیها من ريقه فيقول : ما نطعمهم شيئاً إلى الليل. وكان يروون من ريق رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وكانت الوحش تصوم يوم عاشوراء على عهد داود (4).

وأسند أيضاً عن الزهري عن على بن الحسين علیه السلام أن يوم عاشوراء من الأيام

ص: 147


1- وسائل الشيعة، كتاب الصوم، باب 20 الرقم 1 ص 337. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4 299 . (المترجم)
2- وسائل الشيعة ، باب 20 الرقم 2. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4 : 299 . (المترجم)
3- وسائل الشيعة ، باب 20 الرقم .3. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4: 299. (المترجم)
4- وسائل الشيعة ، باب 20 الرقم 4. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4: 309 باب الزيادات . (المترجم)

التي يكون المرء في صومه بالخيار ؛ إن شاء صام وإن شاء أفطر .(1)

وأسند أيضاً عن كثير النوا عن الإمام أبي جعفر علیه السلام إنه قال : لزقت السفينة سفينة نوح - يوم عاشوراء على الجودي فأمر نوح علیه السلام من معه من الجن والإنس أن يصوموا ذلك اليوم ...(2)

وهذه مجموع الأخبار الواردة في استحباب صوم يوم عاشورا التي أوردها الشيخ شرف الله قدره في التهذيب واقتصر عليها في كتب الاستدلال والأخبار المعتبرة مثل (الوسائل).

وأما أخبار المنع : فإنّ الصدوق له بإسناده عن زرارة ومحمد بن مسلم رضي الله عنهما روى عنهما أنّهما سألا أبا جعفر الباقر الا عن صوم يوم عاشوراء ، فقال :

كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك (3).

وساق الكليني روح الله رمسه السند إلى عبدالملك بأنّه قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرّم ، فقال : تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين وأصحابه رضي الله عنهم بكربلاء واجتمع عليه خيل أهل الشام وأناخوا عليه وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسين صلوات الله عليه وأصحابه رضي الله عنهم وأيقنوا أن لا يأتي الحسين علیه السلام ناصر ولا يمده أهل العراق بأبي المستضعف الغريب. ثمّ قال : وأمّا عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين صريعاً بين أصحابه، يوم وأصحابه صرعى حوله عراة ، أفصوم يكون في ذلك اليوم ؟ كلا ورب البيت

ص: 148


1- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم، الباب 20 الرقم 6 . (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4 : 296 باب 67 وجوه الصيام. (المترجم)
2- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم ، الباب 20 الرقم 5. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 300:4. (المترجم)
3- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم، باب 21 الرقم (هامش الأصل) و 10: 459. (المترجم)

الحرام ، ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن ومصيبة دخلت على أهل السماء وأهل الأرض وجميع المؤمنين ، ويوم فرح وسرور لابن مرجانة وآل زياد وأهل الشام غضب الله عليهم وعلى ذرِّيَّاتهم، وذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام؛ فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطاً عليه ، ومن ادّخر إلى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه ، وانتزع البركة عنه وعن أهل بيته وولده، وشاركه الشيطان في جميع ذلك (1).

وفي الكافي والتهذيب أيضاً بإسنادهما عن جعفر بن عيسى اليقطيني قال: سألت الرضا علیه السلام عن صوم يوم عاشوراء وما يقول الناس فيه ، فقال : عن صوم ابن مرجانة لعنه الله تسألني ، ذلك يوم ما صامه إلا الأدعياء من آل زياد بقتل الحسين صلى الله عليه، وهو يوم تشائم به آل محمد صلی الله علیه و آله وسلم ويتشائم به أهل الإسلام واليوم المتشائم به الإسلام وأهله ، لا يصام ولا يتبرك به ، ويوم الاثنين يوم نحس قبض الله فيه نبيه صلی الله علیه و آله وسلم وما أصيبت آل محمّد إلا في يوم الاثنين فتشائمنا به، وتبرك به أعداءنا،ويوم عاشوراء قتل الحسين وتبرك به ابن مرجانة وتشائم به آل محمد فمن صامها وتبرك بهما

لقي الله عزّ وجلّ ممسوخ القلب، وكان محشره مع الذين سنّوا صومهما وتبرّكوا بهما .(2)

وفي أصل زيد النرسي وهو من الأصول المعتبرة ونحن أثبتنا في علم الرجال في موضعه منها (حاشية رجال النجاشي) إجمالاً وتفصيلاً اعتباره، ونقل عنه عنه في الكافي والتهذيب أيضاً، يقول: سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبدالله علیه السلام عن

ص: 149


1- وسائل الشيعة باب 21 الرقم 2 ، الكافي 4 : 147 . (المترجم)
2- وسائل الشيعة ، باب 21 الرقم .2. (هامش الأصل) تهذيب الأحكام 4: 301 واللفظ له، والكافي 146:4. (المترجم)

صوم يوم عاشوراء ، فقال : من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة وآل زياد .

قال : قلت : وما كان حظهم من ذلك اليوم ؟ قال : النار ، أعاذنا الله من النار ومن عمل يقرّب من النار ..(1)

والحديث ذاته أثبته الشيخ المفيد قدس الله سره السعيد أيضاً في كتاب المقنعة بإرسال معتمد .(2)

وكذلك حدّث ثقة الإسلام ضاعف الله قدره وشيخ الطائفة رفع الله ذكره عن نجيّة بن الحارث العطّار مسنداً أنه قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن صوم يوم عاشوراء فقال : صوم متروك بنزول شهر رمضان، والمتروك بدعة.

قال نجبة : فسألت أبا عبد الله علیه السلام من بعد أبيه علیه السلام عن ذلك، فأجابني بمثل جواب أبيه ، ثمّ قال: أما إنّه صوم يوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما (3).

وفي الكافي والتهذيب أيضاً مسنداً عن زرارة أنه روى عن الصادقين علیهما السلام قالا : لا تصم في يوم عاشوراء ولا عرفة بمكة ولا في المدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الأمصار (4)إذا كان ينافي الدعاء ، وهذا القيد موصول بالأخبار الأخرى.

ص: 150


1- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم، باب 21 الرقم 4. (هامش الأصل) 10 : 461. (المترجم)
2- المقنعة : 377 ط قم 1410 تحقيق جامعة المدرّسين . (المترجم)
3- وسائل الشيعة، كتاب الصوم، باب 21 الرقم 5. هامش الأصل الكافي 146:4 باب صوم عرفة وعاشوراء ، تهذيب الأحكام 2 : 301 ح 13 باب المواقيت . (المترجم)
4- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم، باب 21 الرقم 6. (هامش الأصل) الكافي 4 : 146، والتهذيب 4: 300 ولم أعثر على القيد في الكتب الثلاثة (المترجم)

وفي التهذيب ومجالس الشيخ اعزّ الله شأنه وساق السند إلى أبى غندر (1)عن أبيه عن أبي عبدالله قال : سألته عن صوم يوم عرفة ، فقال : عيد من أعياد المسلمين ويوم دعاء ومسألة ، قلت : فصوم عاشوراء ، قال : ذاك يوم قُتل فيه الحسين علیه السلام فإن كنت شامتاً فصم ، ثمّ قال : إن آل أميّة نذروا نذراً إن قتل الحسين أن يتخذوا ذلك اليوم عيداً لهم يصومون فيه شكراً ويُفرحون أولادهم، فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح ذلك اليوم .

ثم قال: إن الصوم لا يكون للمصيبة ولا يكون إلا شكراً للسلامة، وإنّ الحسين علیه السلام أصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أصيب به فلا تصم، وإن كنت شامتاً ممّن سره سلامة بني أمية فصُم شكراً الله تعالى (2).

هذه جملة من الأخبار الواردة في المنع من صوم يوم عاشوراء والاختلاف ظاهر بين الطائفتين من الأخبار ، لهذا عمد علماء الشيعة رضوان الله عليهم إلى الجمع بينها وتوجيهها وخطر لي عدد من الوجوه في رفع التنافي والاختلاف بينها من خلال تتبعي في مطاوي كلمات الأصحاب.

الوجه الأول

أن الصوم يقع على قسمين : الأوّل: صوم الترك وعنوانه التعييد والمسرّة، والثاني صوم الحزن لمن ألمت بهم المصيبة وتنزل الأخبار الناهية على القسم

ص: 151


1- في السند الحسين بن أبي غندر . (المترجم) وقال المحقق : أبو غندر ، بضم العين المعجمة وسكون النون كما أثبت ذلك العلّامة في الإيضاح . (منه)
2- وسائل الشيعة ، كتاب الصوم باب 21 الرقم 7 ، بحار الأنوار 45 : 95 (هامش الأصل) وسائل الشيعة 10: 462. (المترجم)

الأوّل ، وأخبار الإذن بالصوم على القسم الثاني. فارتفع الاختلاف بهذا ونسبوا هذا الجمع إلى المشهور بل ادعوا عليه الإجماع كما أن عبارات الغنية تشتمل عليه. وفي الرياض والجواهر نفي وجود الخلاف لاستحباب الحزن والإنصاف يقضي سقوط هذا الجمع إذ ليس له طريق في مشرب الاستدلال، ولا مسرح في وادي الصحة لأنّه :

أولاً : نأتي إلى أخبار الطائفة الأولى فنجدها من حيث السند لا تقوم بمقابلة الأخبار المانعة لأنّ خبر «مسعدة» في هذا الموضع ليس بحجة لأنه باعتراف الكشي والشيخ في الفهرست والاختيار (1)والعلّامة في الخلاصة وغيرهم، عامي المذهب ومن الطائفة الخبيثة البترية وهى أخبث فرق الزيدية مضافاً إلى أن هارون بن مسلم الراوي عنه بتصريح النجاشي والعلّامة قدّس سرّهما يقول بمذهب أهل الجبر والتشبيه ، وهذا كاشف عن فساد مذهبه وإن كان قد وثّقوه.

وفي الخبر الثاني عبدالله بن ميمون القداح نقل الكشي عن جبرئيل ، عن محمد ابن عيسى أنّه زيدي المذهب ولا وجه لتضعيف هذا السند لأن جبرئيل بن أحمد معتمد عند الكشي وهذه أمارة الجلالة بل الوثاقة ، ومحمّد بن عيسى من أجلة الثقات، وسياق رواية عبدالله حيث عبّر عن الإمام الصادق بجعفر في خصوص هذا الخبر شهادة إجمالية على المدعى كما أن علمائنا في كثير من المواضع استدلوا بهذا التعبير على الانحراف.

وفي الخبر الثالث جعفر بن عثمان مشترك بين جماعة ويونس بن هشام مجهول.

ص: 152


1- وإن كان الموجود في أيدينا من زمان العلامة إلى زماننا هو اختيار الكشي ونحن أبنا في (رسالة قاعدة الإجماع) مشروحاً أن جميع ما في (اختيارات معرفة الرجال) هو مذهب الشيخ الطوسي مِن ثَمّ نسبناه إليه في الاختيار. (منه)

وفي الخبر الرابع كثير النوا وهو من أخبث الطوائف يعني العامة البترية.

وفي الخبر الخامس الزهري وفسقه مع كفر إبليس توأمان، والعجب أنهم يقابلون بهذه الأخبار مع قلة العدد وضعف السند الأخبار الناهية ثم يقومون بمحاولة الجمع بينها والروايات الناهية جميعها معتبرة يعضدها تعدّدها ووجودها في الكتب المعتبرة والأصول المعتمدة وسلامة أسانيدها غالباً.

فتبيّن الآن أن لا تكافئ بين الأخبار كما صرح بذلك جماعة .

وثانياً : الأخبار المانعة توافق أعمال الشيعة وأصولها، والأخبار المجوّزة توافق مذهب أهل السنة والجماعة .

وثالثاً : الأخبار المجوّزة ضعيفة الدلالة على المطلوب لأنّ الخبر الأوّل يجتمع مع النسخ وسوف نبين عما قريب أن جماعة قالوا بوجوب صوم عاشوراء قبل شهر رمضان ، وبناءاً على هذا جملة (صام رسول الله يوم (عاشورا) لا تدلّ إلا على الوقوع في الجملة .

والخبر الثالث لا دلالة فيه على العموم الاصطلاحي لأنه أثبت الصوم للأطفال والوحش، وسوف ترى قريباً أنّه مُنَزَّل على الوجه المختار .

وحديث كثير النوا لا يدلّ على الندب ؛ لأن حكاية صوم نوح إنّما كان بعلة خاصة وهي لزوق السفينة على الجودي وهو مبني على صحة القول باستصحاب أحكام الشرائع السابقة بعد تسليمنا بأنّ خصوصيّة فعل في موضع مخصوص لا يدلّ على الشرعية المطلقة.

وحديث الظهر غير ظاهر في الاستحباب على وجه خاص ؛ لأن معنى الإباحة في العبادات أنّ العمل ثابت على الثواب المقرّر لطبيعته فلا هو زائد عليها ليكون مستحبّاً، ولا ناقصاً عنها ليكون مكروهاً ، والأخبار المانعة كل خبر منها يدلّ على المنع بألسنة مختلفة ، ويضيف الصائمين في قائمة ابن زياد وجنده ويزيد ،وأتباعه، وكفى به خزياً وهواناً.

ص: 153

ورابعاً : إن الأخبار المانعة باعتراف الفئة التي حاولت الجمع بينها تامة الحجّيّة وقد بلغت نصاب الكمال في صحة الاحتجاج بها، وقد كان التصريح فيها والتنصيص على خلاف الجمع كما في حديث عبدالملك: «ما هو يوم صوم وما هو إلا يوم حزن وهذا صريح في أن الحزن لا يناسب الصوم بل الوارد في الأخبار الكثيرة عن الفريقين أنّ الصوم من وظائف الأعياد ولوازم الشكر والامتنان للمنعم. وفي خبر جعفر بن عيسى اختلاف العنوانين في التبرك والصوم، وحينئذ حمل

الصوم المنهي عنه على التبرّك خلاف الظاهر .

وفي خبر أبي غندر صرّح بأنّ الصوم لا يكون على المصيبة وإنّما هو للشكر على السلامة حيث قال: «فإن كنت شامتاً فصُم» وهذه الفقرة صريحة بأنّ الصوم معلول للشماتة ولو كان له وجه آخر متصوّر لا يصح هذا التعليق من الإمام علیه السلام الصريح في العليّة المنحصرة وضعاً أو إطلاقاً، كما هو مقرّر في علم الأصول، وكما هو واضح لذوي العلم والفهم كفلق الصبح ونور الشمس.

ومع وجود هذه التصريحات يكون الجمع بمثابة الطرح ، وأخيراً هذا الجمع لا يصح بوجه من الوجوه ولا صحة للشهرة والإجماع بل لم أجد للقائل تابعاً من الأوائل إلى الأواخر كما سأشرحه .

الوجه الثاني

الذي احتمله المحقق الأردبيلي أن الأخبار المجوّزة منسوخة، وهذا الاحتمال معتضد ببعض الأخبار الدالة على أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً أوّلاً ثم ترك كما سمعت في صحيحة زرارة، وخبر نجيّة بن الحارث ، وجاء في كتب الصحاح لأهل السنة وتواريخهم أن صوم يوم عاشوراء فرض في السنة الأولى من الهجرة وفي السنة الثانية نسخ بشهر رمضان وإن اختلفوا في وجه فرضه.

ص: 154

البخاري و(صحيح مسلم) و(الترمذي) نقلوا ببعض الطرق أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم دخل المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء ، فقال : ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى . قال : فأنا أحق بموسى منكم ، فصامه وأمر بصيامه (1).

وفي بعض طرق مسلم والترمذي أنّ عاشوراء يوم تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه (2).

ولكن المتأمّل في أخبار كربلاء وأخبار الصوم يجزم بأن عاشوراء من بدو العالم كان يوم مصيبة وغمّ وهم، بل ورد في بعض الأخبار أنّ الوحوش والطيور أيضاً تعزف عن الأكل والشرب كما سمعت في خبر عبدالله بن ميمون القداح أن الوحوش كانت تصومه في عهد داود (3)ومنع الأطفال من الأكل والشرب مُنَزَّل على هذا المعنى لا على الصوم الاختياري، وروايات أخرى في أبواب كتب المقاتل بهذا المعنى كثيرة جداً.

وحكايات كثيرة وقصص في كتب التاريخ منها ما جاء في (إنسان) (العيون) منقولاً عن أحدهم أنه اعتقاد تقديم فتات الخبز والحبّ إلى النمل فإذا كان يوم عاشوراء عزفت النمل عن الأكل .(4)واعتبروا هذه الحكاية شاهداً على استحباب صيام يوم العاشر ولكنّهم كشفوا السرّ عن منتهى شقائهم ونصبهم .

وفي خبر آخر نقله العامة : أوّل طائر صام يوم عاشوراء الصرد (5)وحكم

ص: 155


1- صحيح البخاري رقم الحديث 1962 ، وصحيح مسلم رقم الحديث 2611 واللفظ للبخاري.
2- الترمذي رقم الحديث 747. (المترجم)
3- خبر جعفر بن عثمان عن الإمام جعفر الصادق . (هامش الأصل)
4- مقتل الخوارزمي 2 : 91ط الغري، إحقاق الحق 11 : 490. (هامش الأصل) والخبر .مترجم.
5- قال القرطبي : ويقال له الصرد الصوام روينا في معجم عبد الغني بن قانع عن أبي غليظة بن خلف الجمحي قال : رأني رسول الله وعلى يده صردة ، فقال : هذا أول طائر صام يوم عاشوراء . وكذلك أخرجه الحافظ أبو موسى والحديث مثل اسمه غليظ . قال الحاكم وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين رواه أبو عبدالله ابن معاوية بن موسى بن أبي غليظ ، قال : رأني رسول الله وعلى يده صرد ، قال : هذا أوّل طير صام عاشوراء . (بحار الأنوار 61: 261 ، مستدرك السفينة ذيل صرد)

بوضعه الحاكم في المستدرك .(1)لو صح هذا الحديث ولم يكن كذباً فإن الصرد أوّل طائر تنبه إلى مأتم سيّدالشهداء ومنع نفسه من اللذائذ في يوم عاشوراء ...(2) كامل الزيارات : 98 ، بحار الأنوار 45: 213 ، عوالم العلوم : 492 . (3) كامل الزيارات : 99 ، بحار الأنوار 45 :214 (4) كامل الزيارات : 99 ، بحار الأنوار 45: 214 ، عوالم العلوم : 492 . (5)كامل الزيارات : 99 ، بحار الأنوار 45: 214 ، عوالم العلوم : 493 . (هامش الأصل) (6).

ص: 156


1- لم أعثر على مطلب كهذا في المستدرك ، ولعلّ المؤلّف العظيم أخذ هذا من البحار ، وفيه : قال الحاكم : وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين، وهذه العبارة حملته على القول بتكذيب الحاكم له .
2- يؤيّد هذا الحديث روايات الشيعة : * حسين بن أبي غندر عن أبي عبد الله قال : سمعته يقول في البومة ، فقال : هل أحد منكم رآها نهاراً ؟ قيل له : لا تكاد تظهر بالنهار ولا تظهر إلا ليلاً. قال: أما إنّها لم تزل تأوي العمران أبداً ولا تأوي إلا الخراب ، فلا تزال نهارها صائمة حزينة حتى يجنّها الليل ، فإذا جنّها الليل فلا تزال ترنّ على الحسين حتّى تصبح.
3- * ابن فضال ، عن رجل، عن أبي عبدالله قال : إن البومة لتصوم النهار فإذا أفطرت تدلّهت [ ندبت - المصدر ] على الحسين حتّى تصبح .
4- . * الحسن بن علي الهيثمي قال : قال أبو عبد الله : يا أبا يعقوب، رأيت بومة قط تنفس بالنهار ؟ فقال : لا ، قال : وتدري لم ؟ قال : لا ، قال : لأنّها تظل يومها صائمة [ على ما رزقها الله ] فإذا جنّها الليل أفطرت على ما رُزقت ، ثمّ لم تزل ترنّم [ ترنّ - خ ] على الحسين حتى تصبح .
5- * حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة، عن الحسين بن علي بن صاعد البربري قيماً لقبر الرضاء قال : حدثني أبي قال : دخلت على الرضا فقال لي : ترى هذه البومة، ما يقول الناس ؟ قال : قلت : جعلت فداك ، نسألك ، قال : فقال لي : هذه البومة كانت على عهد جدي رسول الله تأوي المنازل والقصور والدور ، وكانت إذا أكل الناس الطعام تطير فتقع أمامهم فيرمى إليها الطعام وتستقي ثم ترجع إلى مكانها ، ولمّا قتل الحسين بن علي صلوات الله وسلامه عليهما خرجت من العمران إلى الخراب والجبال والبراري، وقالت : بنس الأمة أنتم قتلتم ابن بنت نبيكم ولا آمنكم على نفسي .
6-

ويظهر من أخبار الصوم في كتب الفريقين أنّه خاص بالشكر والسعادة بالأعياد، ورفع شرف قدر الأيام المخصوصة.

ومن ملاحظة هذين الأمرين في يوم عاشوراء ، يتبين لنا أنّه من بدو العالم لم يكن الصوم الاصطلاحي مستحبّاً على الإطلاق كما يظهر من بعض الأخبار المشرعة له والتي أشرت إليها. ويعلم أيضاً أن صيام اليهود بسبب سرورهم واتباع نبيهم المواطنة مسرتهم.

وعلامة أخرى تدلّ على كذب هذه الأخبار المذكورة أن غرق فرعون وجنوده لم يكن في يوم عاشوراء وهذا الخبر من الموضوعات كما ستستمع إليه في خبر ميثم إن شاء الله ، وخبر نجيّة بن الحارث ، وقوله علیه السلام : «أما إنّه صوم ما نزل به كتاب ولا جرت به سنّة» شاهد عدل على صدق هذا المدعى.

ويؤيد هذا المعنى ما نقله السيّد الأجل الأعظم رضی الدین ابن طاووس - نفعنا الله بعلومه - في كتاب الإقبال عن كتاب تاريخ نيشابور للحاكم في ترجمة نصر ابن عبدالله النيشابوري وساق السند إلى سعيد بن المسيب عن سعدان أنّه قال : «إنّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم لم يصم عاشوراء» وهذا صريح في كذب ادعاء تشريع السصوم مع أنّ الراوي من معتمدي أهل السنّة.

وأخيراً نقول: إن الظاهر من أخبار النسخ أيضاً أنها من أجل التقية كما أشرنا إلى أن طريقة القوم مشعرة بهذا، ومن هذه الجهة نفى بعض علمائنا رضي الله عنهم أصل تشريع صوم عاشوراء مطلقاً ولم يعمل بمقتضى هذه الأخبار كما أشير

ص: 157

إلى هذا المطلب في مجمع الزيادة) و(الذخيرة) وغيرهما، فتبين مما قلناه أن احتمال النسخ باعتباره مؤسساً على حكم سابق ضعيف مضافاً إلى أن هذا الاحتمال لو كان جارياً فإنّما يجري في الخبر الحاكي عن صوم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وعلى فرض سريانه إلى الخبر المنقول عن أمير المؤمنين علیه السلام فإنه يتم على وجه نقول فيه : إن كلا الخبرين يتعلّقان بما قبل النسخ ولكن على الخبرين الأخيرين لا يجري هذا الاحتمال إلا في صورة واحدة وذلك بالتزامنا بوجود الناسخ والمنسوخ في أخبار الأئمة أيضاً، وهذا المعنى وإن كنا قويناه في بحوث الأصول وفي باب توجيه تأخير التخصيص والتقييد عن العام بوجه لا نراه في هذا المقام يستحق الإشادة والذكر خلا أن هذا التوجيه لا يتمشى فى الأخبار المجوّزة لأنّ الشيعة قبل صدور هذه الأخبار وأعطف عليهم خواص المحبين ما كانوا يصومون يوم عاشوراء بعنوان الاستحباب الخاص قطعاً ولم يكن الحكم فيه طبقاً لما تقدّم كما يفهم من الأخبار الناهية صراحةً.

الوجه الثالث

حمل أخبار التجويز على تقيّة الإمام علیه السلام في بيان الحكم أو بيان الحكم الواقعي للمبتلى به تقيّةً، وبناءاً على هذا فإنّ بعضهم أفتى بحرمة صوم يوم عاشوراء مطلقاً، وبعضهم أفتى بالحرمة بشرط الخصوصية في يوم عاشوراء، والإشكال على هذا القول بالإجماع أو الشهرة المحققة لا وجه له. وإن أصرًا في الرياض والجواهر على ذلك نظراً بما تقدّم في الوجه الأوّل من القول بالاستحباب على المشهور، وادعى عليه الإجماع في الغنية ، وكلا القولين محل إشكال لأن المحقق الثاني في جامع المقاصد والشهيد الثاني في المسالك فسروا عبارة المحقق والعلّامة قدست أسرارهم القائلين من جملة المستحبّات صوم يوم عاشوراء على

ص: 158

وجه الحزن بأنّ المراد من ذلك الإمساك قدراً من اليوم إلى بعد الزوال ثم يفطر الصائم بعد ذلك .

قال في (جامع المقاصد) : أي صومه ليس معتبراً شرعاً بل هو إمساك بدون نية الصوم لأن صومه متروك كما وردت به الرواية فيستحبّ الإمساك فيه إلى بعد العصر حزناً وصومه شعار بني أمية سروراً بقتل الحسين علیه السلام .(1)

وقال في المسالك : أشار بقوله على وجه الحزن إلى أن صومه ليس صوماً معتبراً شرعاً بل هو إمساك بدون نية الصوم لأن صومه متروك كما وردت به

الرواية ، وينبه على ذلك قول الصادق علیه السلام : «صُمْه من غر تبييت وافطره من غير تشميت، وليكن فطرك بعد العصر» فهو عبارة عن ترك المفطرات اشتغالاً عنها بالحزن والمصيبة وينبغى أن يكون الإمساك المذكور بالنية (2)(لأنه عبادة).

وفي مجمع الزيادة والذخيرة احتملا أنّ المراد هذا المعنى بل استقرّ به في الذخيرة، وظاهر عنوان الوسائل أيضاً الموافقة على هذا كما هو معلوم للناظر .

ويقول الشيخ الفاضل عليّ بن شاه محمود البافقي وهو من معاصري المروّج المجلسي ، وله ترجمة في أمل الآمل (3)في كتابه منهاج الفلاح: «والمراد من الصوم إمساك بدون نيّة على وجه الحزن والغم ؛ لأنّ بني أمية يصومون يوم عاشوراء على وجه السرور بقتل «الحسين ، تمّت عبارته بعينها (4).

ص: 159


1- المحقق الكركي، جامع المقاصد 3: 86ط قم المهدية 1408 .
2- الشهيد الثاني ، مسالك الأفهام 2 : 78ط، قم، بهمن ، الأولى 1413ه.
3- قال في أمل الآمل : مولانا عليّ بن شاه محمود البافقي فاضل صالح عابد معاصر ، له كتب منها : منهاج الفلاح في أعمال السنة، وكتاب مجمع المسائل في الفقه ، خرج منه الطهارة والصلاة، يجمع الفروع والأدلة والأقوال والأحاديث انتهى (منه) . (هامش الأصل)
4- العبارة مترجمة لأن الكتاب موضوع بالفارسية . (المترجم)

وما قاله بعض المتأخرين من أن احتمال المسالك مناف لعبارة (المعتبر) لم أجد لها عيناً أو أثراً بعد الفحص التام في المعتبر، نعم نقل في المعتبر أخباراً مختلفة والجمع الأوّل المطابق لعبارة الشرايع منقول من تهذيب الشيخ وسوف يأتيك تأويل عبارة الشيخ.

وبعد تصريح هذين القدوتين المقدَّمين والأستاذين المعلّمين اللذان هما لسان الفقهاء وترجمان الأصحاب، ومن مرادهما يفهم المراد من عبارة المعتبر والتهذيب، ودليل هذا التفسير عبارة الشيخ في المصباح حيث يقول : فإذا كان يوم عاشوراء أمسك عن الطعام إلى بعد العصر ثم تناول شيئاً يسيراً من التربة .(1)لأنه من الظاهر أن تتم معرفة كلام الشيخ في التهذيب من خلال فهم هذين العبارتين وبمعونتهما كما فهم ذلك هذان المحققان النحريران .

ومن جملة الأدلة على المعنى المذكور هو أني وجدت في كتاب (مسار الشيعة) وهو من مصنفات الشيخ المفيد المشهورة قدس سره السعيد، حيث يقول: «وفي العاشر منه مقتل سيدنا أبي عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب من سنة إحدى وستين من الهجرة وهو يوم تجدّد فيه أحزان آل محمد وشيعتهم ، وقد

جاءت الرواية عن الصادقين علیهما السلام باجتناب الملاذ فيه وإقامة سنن المصائب والإمساك عن الطعام والشراب إلى أن تزول الشمس والتغذي بعد ذلك بما يتغذى به أهل المصائب كالألبان وما أشبه بها دون الملاذ من الطعام والشراب» انتهى بألفاظه .(2)وهذا الكلام صريح على أن فتوى الشيخ المفيد على الوجه المذكور لا

ص: 160


1- المصباح : 547 ، بحار الأنوار 45: 63. (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم من المصباح . ص 771ط بيروت، فقه الشيعة، الطبعة الأولى 1411 .
2- الشيخ المفيد، مسارّ الشيعة : 43 ط دار المفيد - بيروت الثانية 1414 هجرية، والمؤلف ساق ترجمة العبارة بالفارسية ثمّ أتبعها بالعربية فلم نجد ترجمة الترجمة لازمة لنا . (المترجم)

الصوم الاصطلاحي - ولما كان الشيخ الطوسي لها نقل التوجيه المذكور من الشيخ المفيد علمنا أن مراده من الصوم الحزني هو ما تضمنته عبارة الشيخ المفيد الذي صرّح به الشيخ رضوان الله عليه في المصباح.

وبناءاً على هذا فإنّ جميع عبارات الأصحاب ما عدى طائفة منهم صرّحت بالخلاف مُنَزَّلٌ على هذا المعنى ، إذاً فالمشهور عدم استحباب صوم يوم عاشوراء والعمل على طبق رواية المصباح عن عبدالله بن سنان كما تقرّر عمل الشيعة الإمامية والسيرة القطعية على هذا .

وفي (مجمع الفائدة) ادعى شهرة العمل على طبق هذه الرواية إجمالاً، وأفتى المحدّث الكاشاني والمروج المجلسي - قدس سرهما - بأولوية ترك الصوم مما ظاهره الكراهة

وفي مجمع الفائدة والذخيرة كانا بين التقوية والترديد .

ومن المتأخرين المحقق النراقي والفقيه الورع الكلباسي الأولى عندهما الترك بل أفتى المحقق النراقي بالحرمة إذا قصد بالصوم الخصوصية، ومع كلّ هذا من أين بدى الاختلاف - ظ والإجماع والشهرة .

والعجيب في الأمر أننا لو افترضنا عدم متابعة المحقق الثاني والشهيد الثاني في معرفة مراد الأصحاب فكيف نستطيع هجران خلافهم. والمحدّث الكاشاني والعلّامة المجلسي والمحقق الأردبيلي بل ما نسبه المحقق الأردبيلي إلى رواية المصباح الظاهرة في عدم استحباب صوم يوم عاشوراء من العمل والشهرة، والفاضل البافقي وصاحب الرسائل في المسألة «بغير خلاف نجده» نقول كما في الجواهر والرياض، وأخيراً ينبغي نقل خبر المصباح بعينه كي لا نحتاج إلى ملاحظة كتاب آخر بعد ملاحظته .

روى الشيخ في المصباح عن عبد الله بن سنان قال : دخلت على أبي عبدالله

ص: 161

في يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ، ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط ، فقلت : يابن رسول الله ، ما بكاءك لا أبكى الله عينيك ؟ فقال لي : أفي غفلة أنت؟ أما علمت أن الحسين بن علي أصيب في مثل هذا اليوم ؟

فقلت : يا سيدي فما قولك في صومه ؟ فقال : صُمه من غير تبييت وافطره من غير تشميت ولا تجعله يوم صوم كما لا [كملا - الوسائل ] وليكن إفطارك بعد [ صلاة - الوسائل ] العصر بساعة على شربة من ماء فإنّه في ذلك تجلّت الهيجاء [ عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم - الوسائل ] وانكشف الملحمة عنهم .(1)

قال في الذخيرة والعمل بمضمون هذه الرواية متجه وكأنه المقصود كما قال بعض الأصحاب إلا أنه خلاف ما صرّح به جماعة منهم.

والحاصل أن دعوى الشهرة لاستحباب عاشوراء لا وجه له بل لا قائل فيه فيمن عدى المتأخرين، وكلّ ما يراد إجرائه من الوظائف في يوم عاشوراء الشرعية والمستحبّة تضمّنها خبر المصباح، والصوم إذا قصد بمعنى الخصوصية والاستحباب فهو بدعة ومحرّم ، وإذا كان بمعنى التبرك فهو الكفر بعينه والخروج من ربقة الدين، وإذا القصد في صومه كان بمعنى الفضيلة المطلقة لمطلق الصوم عملاً بالإطلاقات فهو مكروه وناقص الثواب لأنه تشبه ببني أمية ومن تشبه بقوم فهو منهم كما سمعت من الجماعة الذين سبق ذكرهم ورأيت ما في كلامهم ، ولو لم يكن في الأمر إلا فتوى هؤلاء الفحول والأساطين يمكن الحكم بكراهته بناءاً على عموم التسامح في أدلة السنن في المكروهات والاكتفاء بفتوى الفقيه في تحديد البلوغ كما قال به جماعة .

ص: 162


1- مصباح المتهجد : 547 ، وسائل الشيعة ، باب 20 أبواب الصوم المندوب الرقم 7 (هامش الأصل)

الوجه الرابع

الذي بلغه فكري القاصر هو حمل أخبار الصوم على الإمساك الناقص، وأخبار النهي على الإمساك الصومي، ويمكن أن نجعل خبر المصباح المنجبر بعمل الطائفة وهو حجّة يقيناً شاهداً على هذا الجمع ، ولما كان التصرف في المدلول أولى من التصرّف بجهة الصدور فإنّ هذا الوجه هو أقرب المحامل، وإن كان خلاف الظاهر في نفسه ولا يبعد أن يساعد عليه العرف.

وأخيراً نقول: إنّ حكم المسألة هو الذي حرّرناه آنفاً: صوم عاشوراء متردّد بين الكفر والحرمة والكراهة، وبالقطع ليس مستحبّاً في مذهب أهل البيت وفقه آل محمد صلى الله عليه و آله وسلم، ولا موضع فيه لاحتمال ذلك .

واعلم بأن تحقيق صوم عاشوراء وبسطه وتتبع أخباره بالبحث والتحقيق من غنائم هذا الكتاب إذ لم أجده في كتاب آخر ، والحمد لله ، والله أعلم بحقائق

أحكامه .

الأمر الرابع : من وجوه التبرك بيوم عاشورا اعتبار الدعاء وطلب الحوائج في-ه من الأمور المستحبة ، ومن هذه الجهة وضعوا له مناقب وفضائل لا أصل لها من الصحة وهي مفتراة على السنة المعصومة قطعاً، ولفقوا عدداً من الأدعية لقنوها للعاصين وعلموهم إيَّاها ليلتبس الأمر وتعم الشبهة كما يقرئون في الخطبة التي أنشأوها في بلادهم ويرفعون لكل نبي في مثل هذا اليوم وسيلة وشرفاً زائدين كإخماد نار النمرود وقرار سفينة نوح وإغراق جند فرعون ونجاة عيسى من طلب اليهود ، وأحياناً يفوّهون بكلام يموّهون به على العوام ، ويخدعون البسطاء، كقولهم : وهذا يوم اختاره الله لقتل ابن بنت نبيه كما سوف أشرح في الجملة الآتية

ص: 163

ما جاء عن عبد القادر الكيلاني .(1)

فياللعجب كيف انقلب هذا اليوم فكان لجميع الأنبياء زيادة فضل وإنعام ونجاة ، وكان لنبينا بلاءاً وقتلاً وأسراً لآله وعترته، إلا أن يعدّوا ذلك نعمة للإسلام ويقولوا : - العياذ بالله - هؤلاء الخوارج !! في هذا اليوم.

كما نقل ذلك الشيخ الصدوق قدس الله لطيفه وأجزل تشريفه في كتاب الأمالي والعلل مسنداً عن بجيلة المكيّة أنّها قالت: سمعت ميثم التمار يقول : والله لتقتلنّ هذه الأمة ابن نبيها في المحرم لعشر مضين منه ، وليتخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة وإن ذلك لكائن قد سبق في علم الله تعالى ذكره، أعلم ذلك بعهد عهده إليّ مولاي أمير المؤمنين علیه السلام (ولقد أخبرني أنه يبكي عليه كلّ شيء).

ونحن أوردنا شطراً من هذا الحديث فيما تقدّم إلى أن تقول [بجيلة - المؤلّف جبلة - المصدر : فقلت له يا ميثم وكيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي يُقتل فيه الحسين بن علي علیهما السلام يوم بركة ؟

فبكى ميثم : وقال سيزعمون بحديث يضعونه أنّه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم علیه السلام ، وإنما تاب الله على آدم علیه السلام في ذي الحجة، ويزعمون أنه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس من بطن الحوت وإنّما أخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة، ويزعمون أنه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي وإنّما استوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، ويزعمون أنّه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل، وإنّما كان ذلك في شهر ربيع الأول (2).

ص: 164


1- في شرح: «وهذا يوم فرحت به آل زیاد و آل مروان بقتلهم الحسين»
2- علل الشرايع 1: 227 ، أمالي الصدوق : 110 ، البحار 45: 202 ، عوالم العلوم : 457. (هامش الأصل) الأمالي : 127 وعلل الشرايع 1 : 228) (المترجم)

وهاهنا حضرتني لطيفة وأنا أحرّر في الكتاب، أن استقرار سفينة نوح في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يناسب تماما يوم الغدير ، يوم نصب الإمام أمير المؤمنين على الأمة لأنه حقيقة سفينة نوح بنص «مثل أهل بيتي كسفينة نوح ؛ من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق ...» وقبل هذا اليوم كانت سفينة الولاية مضطربة خوفاً من المنافقين، ولما جاء الوعد بالعصمة «والله يعصمك» ونزل الأمر من الله سبحانه على سفيره «بلّغ ما أنزل إليك والله يعصمك من النساس» رست سفينة نوح على جودي التنصيص وتصريح صاحب الرسالة ، وهنا هدأ بال ركابها بوصولها إلى ساحل الأمان.

وأخيراً مع كلّ هذا التصريح والتأكيد في خبر ميثم وهو في الحقيقة من معالم النبوة والإمامة ، والدليل على أحقيّة طريقة الشيعة حيث روت مثل هذه الأخبار اليقينية وصحح الشيخ الخبر المذكور لمطابقته للواقع المحسوس ورواه مكرّراً في كتابيه مع التزامه في كتبه بعدم رواية الخبر ما لم يحكم بصحته الشيخ العظيم محمد بن الحسن بن الوليد الله يكون الخبر يقيناً معتمداً وموثقاً ويقيني الصدور . والعجيب في الأمر أن بعض الأصحاب عوّل على حديث كثير النوا وجعله شاهداً على استحباب الصوم يوم عاشوراء ، والحديث كما يلي :

روى الشيخ في التهذيب مسنداً عن كثير النوا عن أبي جعفر قال : لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي فأمر نوح من معه من الجن والإنس أن صوموا ذلك اليوم. قال أبو جعفر أتدرون ما هذا اليوم ؟ هذا اليوم الذي تاب الله عزّ وجلّ فيه على آدم وحواء ، وهذا اليوم الذي فلق فيه الله البحر لبني إسرائيل فأغرق فرعون ومن معه، وهذا اليوم الذي غلب فيه موسى فرعون ، وهذا اليوم الذي ولد فيه إبراهيم، وهذا اليوم الذي تاب فيه على قوم يونس، وهذا اليوم الذي ولد فيه

ص: 165

عیسى بن مريم ، وهذا اليوم الذي يقوم فيه القائم ...(1)

وآثار الكذب والوضع ظاهرة على هذا الحديث، وظهر تكذيبه من حديث ميثم ، ويمكن إثبات فقراته واحدة واحدة بالتتبع من الأخبار والتواريخ بأنّها خلاف الواقع، مثلاً جاء عن ولادة إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله السلام في عدد من الأخبار أنّها في أوّل ذي الحجة، وأما حال كثير النوا فقد كشفناها قبل وبصورة إجمالية ويحسن بنا هنا أن نكشفها على نحو التفصيل :

نسبه الشيخ في رجاله إلى البتريّة والبتريّة بضم الباء الموحدة وسكون التاء المثناة أتباع كثير النوا، وسميت بهذا الاسم نسبة إليه لأنه أبتر بمعنى قطيع اليد، وكثير هذا والحسن بن صالح وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّاد كما جاء في اختيار الشيخ الطوسي من رجال الكشي ابتدعوا مذهباً دعوا به ولاية علي بن أبي طالب ثمّ خلطوها بولاية أبي بكر وعمر ، ويثبتون لهما إمامتهما وينتقصون عثمان وعائشة والزبير وطلحة، ويثبتون لكلّ من خرج من ولد علي علیه اسلام الإمامة (2)فزيد عندهم إمام ولكن أباه السجاد وأخاه الباقر وسائر أئمة أهل البيت ما عدى الحسنين علیهما السلام ليسوا أئمّة .

وروى بسند معتبر عن الصادق علیه السلام أنه قال : لو أنّ البتريّة صف واحد مابين المشرق والمغرب ما أعز الله بهم ديناً.

ونقلوا عن زيد أنه استقبل البترية بوجهه وقال لهم : بترتم أمرنا بتركم الله ، فسمّوا البتريّة .

ومن هذه الجهة توهّم بعض القاصرين تصحيف اللفظ لأنّه «تبريّة بتقديم التاء

ص: 166


1- تهذيب الأحكام 1: 437، وسائل الشيعة ، باب 20 أبواب الصوم المندوب الرقم 5. (هامش الأصل)
2- اختيار معرفة الرجال :2 : 499 بتصرف بسيط

المثناة وتشديد الراء نسبة إلى التبري ولكنه مع كونه خلافاً لما صرّح به أئمة هذا الفنّ فإنّ الحديث نفسه يدلّ عليه لأن لفظ الحديث كما يلي: بترتم أمرنا بتركم

الله فسُمّوا البُتريّة».

ومذكور في سائر الكتب أنّهم سُمّوا «البترية» بكثير لأنّه مبتور اليد .

وجاء في الخلاصة والفهرست وسائر كتب المؤرّخين أن كثير عامي المذهب كما نقل عن البرقي ، وبعضهم اقتصر على بتريته .

وفي رجال الكشي ويريد به «الاختيار» للطوسي بسند معتبر عن الصادق علیه السلام أنه قال : اللهم إنى إليك من كثير النوا بريء في الدنيا والآخرة .

ونقل أيضاً عن محمد بن يحيى قال : قلت لكثير النواء : ما أشدّ استخفافك بأبي جعفر علیه السلام؟ قال : لأني سمعت منه شيئاً لا أحبّه أبداً، سمعته يقول: إنّ الأرض السبع تفتح لمحمّد وعترته .(1)

وبسند معتبر أيضاً عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إن الحكم ابن عيينة وسلمة وكثير النواء وأبا المقدام والتمار يعني سالماً أضلوا كثيراً ممّن ضل من هؤلاء ، وإنّهم ممن قال الله عزّ وجلّ : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْم الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» (2)(3)

وفي تكملة نقد الرجال عن العوالم عن تفسير العياشي نقل ذات الخبر .

ومع هذه المذمة في الأخبار التي صدرت بحقه ومع شديد عداوته للأئمة الا من أين لنا أنّه لم يضع تلك الأحاديث لتنفير قلوب الشيعة بهذه الأكاذيب ليصل

ص: 167


1- اختيار معرفة الرجال :2 511 (المترجم)
2- البقرة : 8.
3- رجال الكشي وتنقيح المقال ذيل كثير النواء وحكم بن عيينة (هامش الأصل)

إلى غرضه من نفي إمامتهم في رأي بعض الجاهلين والمغفلين ؟ وعلى فرض تسليم صحة الخبر لابد من كونه صادراً على وجه التقيّة لأنه ثابت بالضرورة من مذهب الشيعة أن يوم عاشوراء يوم مشئوم كما مرّ في خبر المصباح، وليس يوماً مباركاً لتتواتر فيه نعم الله على الأنبياء .

وأعجب من هذا كلّه ما لفقه من دعاء موافقاً لهذه الأكاذيب وحوّله إلى أيدي العامة ، وذكر في كتب بعض الغافلين عن حقيقة الأمر، وبالطبع قرائة هذا الدعاء بدعة وحرام، ونحن نورده من أجل تنبيه الناس فحسب لكي يجتنبه كلّ من اطلع عليه، وهو هذا :

«بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله ملأ الميزان ومنتهى العلم ومبلغ الرضا وزنة العرش لا ملجأ ولا منجأ من الله إلّا إليه ، سبحان الله عدد الشفع والوتر،

وعدد كلماته التامات وهو العفو للمعاصي برحمته ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو حسبي ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله على خير خلقه محمّد وآله أجمعين» .

ثمّ يصلّي بعده على النبي عشر مرات ويقول :

یا قابل توبة آدم يوم عاشوراء، يا رافع إدريس إلى السماء يوم عاشوراء ، يا مسكن سفينة نوح على الجودي يوم عاشوراء ، يا غياث إبراهيم من النار يوم عاشوراء، يا جامع شمل يعقوب يوم عاشوراء، يا فارج كرب ذي النون يوم عاشوراء ، يا كاشف ضرّ أيوب يوم عاشوراء ، يا غافر ذنب داود يوم عاشوراء ، يا سامع دعوة موسى وهارون يوم عاشوراء ، يا زائد الخضر في علمه يوم عاشوراء ، یا رافع عيسى بن مريم إلى السماء يوم عاشوراء ، صلّ على محمّد وآله الطاهرين والأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما ، يا قاضي الحاجات اقض حاجاتي في الدنيا والآخرة وطول عمري في طاعتك

ص: 168

ورضاك بحرمة يوم عاشوراء، يا ولي الحسنات يا دافع السيئات والبليات يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ، اكفني ما أهمني من أمر الدنيا والدين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمّد وآله الطيبين وعترته الطاهرين أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين».

وما من شكّ بأنّ هذا الحديث وضعه أحد نواصب المدينة أو خوارج مسقط أو من شاكلهم ، وأتموا ظلم بني أمية ، وسوف يأتيكم بعض المباحث التي لها مساس بحكاية أحوال أهل السنة والجماعة ونقل أقوالهم في هذا الباب، واستحباب إقامة المناحة والعزاء في هذا اليوم في شرح الفقرة التالية (1)وإذا أمكن تنظيم مباحث هذا الشرح مع مبحثه يمكن أن تستخرج رسالة مستقلة في هذه المسألة.

ص: 169


1- هذا يوم فرحت به آل زیاد (هامش الأصل)

وَابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ اللَّعِينُ ابْنُ اللَّعِينِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ ، فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَمَوْقِفٍ وَقَفَ فِيهِ نَبِيُّكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ ...

الشرح : الأكل في أصل اللغة يقال لغير السائل ولا يصح استعماله في الشرب لأنّه بالفارسيّة أعم من الشرب كما ورد في استعمال فصحاء القوم نظماً ونثراً

(شصت کلمه دامغاني) يقول :

اسبی که صفیرش نزنی می نخورد آب***نه مرد کم از اسب و نه می کم از آبست

والخيل تشرب بالصغير فلا أرى***أدنى من الخيل الرجال وأصغرا

كلا ولا حظ السلاف إذا جرى***في الدن من ماء أقلّ وأحقرا

وأحياناً يستعمل في مطلق الاستيلاء والتصرف لأن غالب أفرادهما في مأكولات الأكل وأظهر أفراد الاستيلاء الإتلاف بنحو الأكل بملاحظة أن استعماله يعم جميعا لتصرفات الاستيلائية حتى الأشياء غير المنقولة كما في الآية الكريمة: «وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» (1)استعمل بهذا المعنى، ويقال في المثل

الفارسي: «أكل بيت فلان» وما شابه هذا الاستعمال.

كبد : معروف ويقابل الرئة في العربيّة، وهذه الكلمة وإن كانت مفردة وكل مفرد من أجزاء بدن الإنسان فهو مذكر ، ولكنّها ومفردات أخرى من جسم الإنسان ستثناة من هذه القاعدة ، وهذه واحدة من ثلاثين أسماء من أسماء أعضاء الجسم مصدّرة بالكاف وهي هذه الكفّ والكرسوع ، والكوع، والكتف، والكاهل، والكبد، والكتد ، والكلية ، والكمرة ، والكعب، والكذوب ، والكعبرة «عقدة مكبّلة حائدة عن الرأس» والكثفة «محرّكة دائرة من الشعر عند الناصية تثبت صعداً»

ص: 170


1- البقرة : 188 .

والكرسمة والوجه ولا يقال إلا في الشتم والكرّ وأصل العنق، والكراويس «وما شخص من عظام البدن كالمنكبين والمرفقين» والكعاس «عظم السلامي» والكاتبة «مابين الكتفين إلى أصل العنق» والكلكل «الصدر» والكشح «الجنب وهو من لدن الورك إلى الخصر» والكفل ، والكاذة «لحم مؤخّر الفخذ» والكراع «من الإنسان ما دون الركبة» ، والكرشة «الذكر»، والكظر «ركب المرأة» ، والكلثوم والكعثب وهما الفرج فأما اسمه المشهور فهو على الصحيح تعريب مولّد ولا حجّة في شعر من نظمه في (كافات الشتاء) بقوله :

جاء الشتاء وعندي من حوائجه***سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا

إلى آخره (1)والكين «لحم باطن الفرج» والكراض «حلق الرحم».

ويُحكى عن ابن خالويه أنه صنف جزءاً فى أعضاء الإنسان المصدّرة بالكاف فبلغ فيها المائة، وهذا عجيب للغاية وهو دالّ على التوسع والاطلاع الوافر .

لعين بمعنى الملعون وسبق معنى اللعن (2).

لسان: في الأصل بمعنى الجارحة المخصوصة، ويستعمل في اللغة بمعناه للمناسبة مثل : اختلاف ألسنتكم، ويستعمل في مطلق «التكلّم» وهذا المعنى أنسب في هذا المقام ، وليس المراد معناه الأول لأنه يستحيل إثبات الجارحة للباري تعالى إلا أن لا يقصد بالإسناد الحقيقة، والظاهر من مجيء على في الجملة هذا المعنى ، ولو أريد به معنى الكلام لكان استعمال حرف الجرّ أولى ، لما يعرفه صراف المعاني ونقّاد الألفاظ .

وينبغي أن يعلم بأنّ لفظ لسانك موجود في بعض نسخ المصباح دون بعضها

ص: 171


1- كن وكيس وكانون وكاس طلا بعد الكباب و ... ناعم وكسا
2- في شرح : فلعن الله أُمّة أسست أساس الظلم ..... (هامش الأصل)

ويخلو منها كتاب (زاد المعاد) والبحار وهما يطابقان لغة المصباح ولكنّي لما وجدتها في بعض النسخ ذات الاعتبار رأيت إثباتها في المتن .

نبيّ : مأخوذ من النبأ بمعنى الخبر، وكانت النبوة في الأصل النبوئة مثل المرونة والمروّة ، واشتقاقها من النبأ بمعنى «ارتفع» خلاف الظاهر، وقرائة نافع نبيء بالهمز في القرآن كله .

ونحن إن اعتبرنا القراءات غير متواترة عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم بل مشهورة بل أجمعوا على ذلك أمثال الشهيدين والمحقق الثاني وغيرهم، بل جاء في كتاب «الروض» و «المقاصد العليّة دعوى إجماع العلماء على نقل الإجماع عليها إلا أننا لا نشك في تواتر القراءات السبعة وكلّها تطابق القواعد النحوية والصرفية واللغة، فتبين من هذا أن قرائة «نبيء» دليل على صحة اشتقاقها من نبأ ، واحتمال تعدّد الاشتقاق فأحياناً يعتبر مشتقاً من النبو الناقص الواوي وأحياناً من نبأ وكلاهما يطلق بمعنى واحد ، وهذا ليس بعيداً.

والفرق بين النبي والرسول في وجود الكتاب والشرع مع الثاني، ويكون النبي أعم منه .

كلّ : يستعمل على وجهين :

الأوّل : العموم المجموعي وهو موضع القضية والمنظور إليه بالاستقلال (مثل: كلٌ إليه راجعون)

والثاني: العموم المرآتي وهو والسور والمرأة التي تعكس أفراد المضاف إليه بأجمعهم (مثل كلّ إنسان) والظاهر منه في الجملة مع قطع النظر عن القرائن الحافّة بالكلام، هو المعنى الثاني .

الموطن : موضع الشيء ومكانه ، كما في منتهى الإرب، وهذا المعنى موافق للقاموس والصحاح، ويظهر من عبارة أساس البلاغة أن حقيقة الوطن هو الإقامة

ص: 172

في مكان ما ، كما هو المعروف من معناه، واستعماله في غير ما وضع له مثل مواطن الحرب ومواطن النسك في الحج إنّما هو استعمال تجوّز مبنى على ادعاء أن الثبات والقرار مطلوب في هذه المقامات على وجه تكون كأنها الوطن ويعبّر عنها بالموطن ، وهذا المعنى أدق وألطف يوافق ظواهر الاستعمال.

وقف : يأتي متعدّياً ولازماً كما في الصحاح والقاموس وغيرهما، وهاهنا مشتقّ من المعنى اللازم والمراد من الموقف موضع الوقوف.

وينبغي الكلام على شرح هذه الفقرة في موضعين :

الموضع الأوّل : آكلة الأكباد هند أمّ معاوية وابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكانت جادة في عداوتها الله ورسوله ، وحضرت موقعة أحد ، ويُنسب لها هذا الرجز:

نحن بنات طارق***نمشي على النمارق

إن تقبلوا نعانق***أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

وكانت تحرّض الكفّار لسوء طويتها على القتال، وكانت ترمى بالفاحشة كما قال ابن أبى الحديد وابن عبد ربه ، بل يفهم من كتب التاريخ أنها كانت في مكة من النساء المشهورات بذلك، بل رأيت في بعض الكتب بأنها من ذوات الأعلام كما نقل ذلك في نهج الحقِّ عن هشام بن السائب واعترف به ابن روزبهان ، وسوف نعرض لهذه المسألة في شرح نسب ابنها معاوية (لعنه الله) .

ولما قتل الوحشي غلام جبير بن مطعم سيّد الشهداء الحمزة علیه السلام في حرب أحد جائت هند إلى جنّته واستخرجت كبده ووضعتها في فمها ولاكتها فحوّلها الله صخرة فما أثرت بها أسنانها ثم مثلت بالحمزة ونظمت أعضائه من الأذن والأنف والمذاكير قلادة وعلّقتها في عنقها فاقتدين بها سائر نساء قريش ففعلن فعلها بالشهداء، فعظم ذلك على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فتفطر كبده وأهدر دم هند وكان ذلك

ص: 173

حتى جاء عام الفتح وأسلم أبو سفيان ،مرغماً ، فأظهرت هي الإسلام أيضاً، وقبله النبي لأنه رحمة للعالمين، وعفى عنها ، ولما جاءت للبيعة وبايعت النبي فكان ضمن عقود البيعة لها وللنساء عامة «أن لا يزنين» فقالت هند : وهل تزني الحرّة ؟ فالتفت النبي إلى عمر وتبسّم وذلك كناية عن أنّها لطهارة جيبها ونقاء ذيلها اعتراها العجب من هذا الكلام فقالت : وهل تزني الحرّة، ويمكن أن يكون استقباله عمر بوجهه الشريف فلكي ينبهه أنه خارج من هذا الشأن لأن أمه إن كانت قد زنت فهي أُمه ، وخارجة من تعجب هند وغيرها(1)

ونقل سبط ابن الجوزي عن كتاب مثالب هشام بن محمّد الكلبي النسّابة بعد ذكره زنا هند، أن الشعبي قال : وقد أشار رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إلى هند يوم فتح مكة بشيء من هذا، فنقل الخبر كما نقلناه.

ومجمل القول أنّ هنداً بعد إسلامها عاشت على النفاق إلى أن هلكت وذهبت إلى جهنم وبئس المصير في خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة فرافقت روحها روحه إلى العذاب. ومن يوم أكلت فيه كبد الحمزة حازت لقب «آكلة الأكباد» وعلّق هذا العار إلى يوم القيامة في أولادها (2)كما قالت عقيلة خدر الرسالة والهداية ، ورضيعة ثدي النبوة والولاية زينب بنت علي علیهما السلام في خطبتها الشريفة ، - وهذه الخطبة بقطع النظر عن اعتبار سندها فإنّ بذاتها دليلاً على صدقها بل بلغت حدود الإعجاز ومن شواهد الإعجاز على صدق دعوة جدّها وأبيها وأخيها العظيم - : نوكيف يُرتجى مراقبة من نبت لحمه بدماء الشهداء ولفظ فوه أكباد الأزكياء».

ص: 174


1- وفي الفخري لابن الطقطقي أنه استقبل بذلك عمه العباس . (المترجم)
2- سيأتي في حديث (ج) ضمن أحاديث لعن رسول الله والأنبياء يزيد وقاتلي الحسين . خبث هند ولعن رسول الله لها ولنسلها (هامش الأصل)

وقال حسّان بن ثابت بعد ذلك اليوم شعره في هجائها :

أشرت لكاع وكان عادتها***لؤماً إذا أشرت مع الكفر

أخزى الإله وزوجها معها***هند الهنود طويلة البظر

ويقول في هجائها أيضاً:

لمن سواقط ولدان مطرحة***باتت تفحّص في بطحاء أجياد

باتت تفحّص لم يشهد قوابلها***إلّا الوحوش وإلا حيّة الوادي

وفي هاتين المقطوعتين أشار حسّان إلى زنا هند وفساد نسبها أيضاً، وهو مقطوع به .

ومن جملة المقررات ما قاله الشيخ المفيد عليه الرحمة في الإرشاد وأبو جعفر النقيب في نقض العثمانية من لزوم الاحتجاج بالشعر كما يحتج بالنثر ، وهذا معنى العبارة المعروفة «الشعر ديوان العرب والعمائم تيجانها، والاحتباء حيطانها» لأنّهم بالشعر يثبتون أنسابهم وأحسابهم ومناقبهم ومراتبهم ، كما يظهر الرجوع إلى ديوان مراتب العسكر ومناصب أمراء الجيش وسائر الأمراء والأعيان اختلاف شئونهم وتفاوت اقدارهم.

وأخيراً إنّ الشعر الذي هجي به هند وأبو سفيان وأولادهما أكثر من أن يحيط به بيان ، أو يحصيه لسان ، ونحن ما نورده في كل باب من أبواب هذا الكتاب إنّما هو على سبيل المثال لا الحصر.

الموضع الثاني : الظاهر أن المراد من ابن أكلة الأكباد يزيد لعنه الله ، ولعنه على لسان الله إما أن يكون إشارة إلى الشجرة الملعونة لأنه فرع منها (1)(2)فقد تكلّمنا

ص: 175


1- الإسراء : 60 .
2- أوردت فصلاً نافعاً عن الشجرة الملعونة في كتابي الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية . (المترجم)

عنها بالتفصيل الذي يحتمله هذا المختصر (1)وإما أن يكون إشارة إلى لعنه على لسان أنبياء الله كما سنوافيك به إن شاء الله تعالى. وإما أن يكون إشارة إلى

الأحاديث القدسية التي جاءت في لعنه ونحن نذكر أحدها في هذا المقام .

في كامل الزيارة وساق السند إلى ابن أبي يعفور عن الصادق علیه السلام قال : بينما رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في منزل فاطمة والحسين علیه السلام في حجره إذ بكى وخرّ ساجداً ثم قال : يا فاطمة يا بنت محمد ، إنّ العليّ الأعلى تراءى إليّ في بيتك هذا في ساعتي هذه في أحسن صورة وأهيأ هيأة فقال لي: يا محمد أتحبّ الحسين ؟ قلت: يا ربّ، قرة عيني وريحانتي وثمرة فؤادي وجلدة ما بين عيني، فقال لي: يا محمد ، ووضع يده على رأس الحسين علیه السلام : بورك من مولود عليه بركاتي وصلواتي ورحمتي ورضواني، ونقمتي و لعنتي وسخطى وعذابي وخزيي ونكالي على من قتله وناصبه وناواه ونازعه ، أما إنّه سيّد الشهداء من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وسيّد شباب أهل الجنة من الخلق أجمعين، وأبوه أفضل منه وخير فاقرأه السلام وبشره بأنّه راية الهدى ومنار أوليائي وحفيظي وشهيدي على خلقي وخازن علمي وحجّتي على أهل السماوات وأهل الأرضين والثقلين الجنّ والإنس .(2)

والمراد من لعن يزيد على لسان رسول الله يمكن تصويره على وجوه :

الأول : أن يكون الكلام مطابقاً للظاهر أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أينما يكون وحيثما يحل على نحو الاستغراق الشمولي والعمومي الأصولي ، بلا استثناء لموضع يلعن يزيد في الأوّل أو الآخر صريحاً لا بالإشارة والتلميح، وهذا المطلب وإن كان

ص: 176


1- في شرح جملة: «لعن الله بني أمية قاطبة». (هامش الأصل)
2- كامل الزيارات : 70 و 71 ، البحار 44: 238 ، عوالم العلوم : 132 الرقم 2. (هامش الأصل)

مطابقاً لظاهر الكلام ولكنه مستبعد في الجملة

الثاني : أن المقصود بعموم المواقف والمواطن بحسب الأنواع لا بحسب الأفراد، وخلاصة المعنى أن يكون على النحو التالي: إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في تمام الأحوال بحسب الأنواع بهذا المعنى سواءاً فى الوقوف أو الجلوس في السفر أو الحضر، في السلم أو الحرب في الركوب أو المشي، في البيت أو خارجه، في البلد أو البرية، على المنبر أو على الأرض في الخلاً أو الملأ، في السرّ أو العلن بحسب كل حال وكل مقام يمكن افتراضهما يلعن يزيد مرّة واحدة على أقلّ تقدير إما بنحو التصريح أو بالكناية والتلميح، جهراً أو إخفاتاً.

وهذا وإن كان في المجموع المكوّر خارج عن حدّ الظهور لأنّ ظاهر العموم شمول ذوات الأفراد وليس إرادة الأنواع ولكنّه أقرب من المعنى الأول - تصديقاً -

الثالث: أنّ كلّ نبي غرضه على كل حال بحكم أنه منصرف بكله إلى عالم القدس ومتوجّه لتحصيل مراضي الواحد الأحد جلّ ذكره بترويج الشرع وتبليغ الأوامر والنواهي وهداية الخليقة ولذا كل من وقف موقفاً ينافي حكماً من الأحكام الإلهيّة ويمانع من إجرائه ساعة التبليغ فيكون بطبيعة الحال ذلك النبي بلسان الحال أو المقال مباعداً لذلك الشخص ، ولاعناً له ، إما بطلب من الله أو بمباعدته إيَّاه لأن معنى لعنه بعده عن الرحمة الإلهيّة، والأنبياء هم رحمة الله، ولقب نبي آخر الزمان بالرحمة للعالمين لشمول نبوّته العموم ولرأفته الكاملة ، ولما كان عمل يزيد يؤدي إلى إزالة الشرع بتمام أجزائه بقتله الحسين علیه السلام لأنه في الحقيقة الدين

كله كما قيل :

نزد کوته نظران ماشطه صورت دین***نزد ارباب نظر معنی دینند همه

يراه قصير العقل في الدين حسنه***ولكن يراه الأعلمون هو الدين

أو أن ولايته علیه السلام شرط في صحة الأعمال جميعاً فتكون عداوته أو تصفيته من

ص: 177

الوجود عداوة للدين وتصفية له ، وأن النبي صلی الله علیه و آله وسلم في تمام الأحوال التي يبلغ بها الأحكام ، له حكم حتى في حالة السكوت أو النوم إذا دل دليل على رجحانهما أو وجوبهما في كل وقت يقتضي فيه الوجوب .

فتبيّن من هذا أنّ كلّ آنة من آنات الوجود النبوي الشريف بحسب كمال نبوّته لا تخلو من لعن أعداء أهل البيت علیهم السلام لأنهم قوام الشرع وتمام الدين لاسيما يزيد وأقرانه ، الذين زاد سعارهم في سبيل إطفاء نوره وإخفاء ظهوره، وأظهروا خلاف الحق والعداوة الله عزّ وجلّ، وهذا المعنى وإن كان لأول وهلة يبدو بعيداً عن الأذهان العامة ولكنّ ذوي الذوق السليم وأصحاب السليقة القويمة يجزمون بذلك بأدنى التفات ويعزبون عن الاحتمالين السابقين من رأس.(1)

ومجمل القول أنه يحسن بنا ذكر جملة من الأخبار في هذا الموضع تتضمّن لعن يزيد على لسان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بل سائر الأنبياء بل الموجودات كافة.

أ - روى الشيخ الصدوق في أماليه وساق السند إلى صفية بنت عبدالمطلب علیه السلام قالت : لما سقط الحسين علیه السلام من بطن أمه فدفعته إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم فوضع النبي لسانه في فيه [فمه] وأقبل الحسين على لسان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يمصه. قالت: وما كنت أحسب رسول الله يغذوه إلا لبناً أو عسلاً.

قالت : فبال الحسين علیه السلام فقبل النبي بين عينيه ثمّ ددفعه إلي وهو يبكي ويقول: لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بني - قالها ثلاثاً - . فقلت : فداك أبي وأمي ، ومن يقتله ؟ قال : بقيّة الفئة الباغية من بني أمية لعنهم الله .(2)

ص: 178


1- يمكن أن تراد المعاني الثلاثة بناءاً على أن للحديث القدسي بطوناً يفهمها كل واحد بقدر ما عنده من فهم وسعة صدر واستعداد فيصل إلى غاية مهمة من فهمه وينال مطلباً مفيداً، والعلم عند الله . ( منه )
2- أمالي الصدوق : 117 ، البحار 43: 243 ، عوالم العلوم : 13 . (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم من الأمالي : 136

ب - وفي بحار الأنوار عن الأمالي روى عن أسماء بنت عميس أنها قالت في بيان حكاية ولادة الإمام المظلوم علیه السلام التي تقدمت جملة منها في أوائل الكتاب في إثبات إطلاق لفظ ابن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عليه وسمعتها(1):

قالت أسماء : لما حملت الحسين إلى جده صلی الله علیه و آله وسلم استقبله بوجهه وقال: إنّه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله .(2)

وفي هذا الحديث أيضاً: فلما كان في يوم سابعه [ثامنه - المؤلّف] جائني النبي فقال : هلمي ابني، فأتيته به ... قالت: ثمّ وضعه في حجره ثم قال : يا أبا عبدالله ، عزيز علي ، ثم بكى ، فقلت : بأبي أنت وأمي ، فعلت في هذا اليوم وفي اليوم الأول فما هو : ؟ قال : أبكي على ابني هذا تقتله فئة باغية كافرة من بني أمية لعنهم الله ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، يقتله رجل يثلم الدين ويكفر بالله العظيم . ثمّ قال : اللهم إنّي أسألك فيهما ما سألك إبراهيم في ذرّيّته ، اللهم أحبهما وأحب من يحبّهما ، والعن من يبغضهما ملأ السماء والأرض .(3)

ج - وفي (بحار الأنوار) عن (مناقب ابن شهر آشوب) روى عن ابن عباس قال : سألت هند عائشة أن تسأل النبي تعبير رؤياها ، فقال : قولي لها فلتقصص رؤياها ، فقالت : رأيت كأن الشمس قد طلعت من فوقي والقمر قد خرج من مخرجي وكأن كوكباً قد خرج من القمر أسود فشدّ على شمس ، خرجت من الشمس أصغر من الشمس فابتلعها فاسود الأفق لابتلاعها ، ثم رأيت كواكب بدت من السماء وكواكب مسودة في الأرض إلا أن المسودة أحاطت بأفق الأرض من كل مكان.

ص: 179


1- الحديث التاسع منقول من تاريخ الخميس. (هامش الأصل)
2- أمالي الصدوق، عيون أخبار الرضا ، بحار الأنوار 44: 250 (هامش الأصل)
3- نفس المصادر التي ذكرت في صدره (المترجم) وفي البحار 44: 251 .

فاكتحلت عين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بدموعه ثمّ قال : هي هند ، أخرج-ي ي-ا ع-دوة الله - مرتين - فقد جدّدت عليّ أحزاني ، ونعيت إلي أحبابي ، فقال : اللهم العنها والعن نسلها .(1)

د - وفي كامل الزيارة مسنداً، وفي البحار أيضاً عن تفسير فرات بن إبراهيم قال : حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً عن أبي عبدالله علیه السلام قال : كان الحسين علیه السلام مع أمّه تحمله، فأخذه النبى صلی الله علیه و آله وسلم وقال : لعن الله قاتلك ولعن الله سالبك وأهلك المتوازرين عليك ، وحكم الله بيني وبين من بيني وبين من أعان عليك .(2)

ه - عن ابن نما (مثير الأحزان) عن ابن عبّاس قال : لما اشتد برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم مرضه الذي مات فيه ، ضم الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول : مالي وليزيد ، لا بارك الله فيه، اللهم العن يزيد ، ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبل الحسين وعيناه تذرفان ويقول : أما إنّ لي ولقاتلك بين يدي الله عزّ وجلّ ...(3)

ونعم ما قيل:

این انتقام گر نفتادی به روز حشر***با این عمل معامله دهر چون شدی

إذا لم ننتقم في الحشر***إنّ الدهر ينتقم

وسوف ينال ما يجني***وسوف تضمّه الحمم

و - في الخصال وساق السند إلى سيد الساجدين ، أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : سته لعنهم

ص: 180


1- مناقب آل أبي طالب 4 : 72 ، بحار الأنوار 44: 263. (هامش الأصل) وفي نسخة المترجم من المناقب 3: 227 ط الحيدرية ، النجف 1376 .
2- تفسير الفرات : 55 ، كامل اليارات : 168 ، البحار 44 262 ، عوالم العلوم : 140 - 141 . (هامش الأصل) واللفظ لفرات ونسخة المترجم من تفسيره ص 171 (المترجم)
3- بحار الأنوار 44: 266 الرقم 24 . (هامش الأصل)

الله وكلّ نبي مجاب الدعوة الزائد في كتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والتارك لسنّتي ، والمستحل من عترتي ما حرم الله والمتسلّط بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعزّ من أذله الله ، والمستأثر بفيء المسلمين المستحل له .(1)

ز - وفي كامل الزيارة روى عن كعب الأحبار أنّه قال: أوّل من لعن قاتل الحسين ابن علي علیهما السلام إبراهيم خليل الرحمان لعنه وأمر ولده بذلك وأخذ عليهم العهد والميثاق، ثمّ لعنه موسى بن عمران وأمر أمته بذلك ، ثمّ لعنه داود وأمر بني إسرائيل بذلك ، ثمّ لعنه عيسى وأكثر أن قال: يا بني إسرائيل ، العنوا قاتله وإن أدركتم أيامه فلا تجلسوا عنه فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء مقبل غير مدیر(2)، إلى آخر الحديث .

ح - وروى الشيخ الجليل فخر الدين الطريحي النجفي في المنتخب مرسلاً أنّ آدم علیه السلام لما أهبط إلى الأرض لم ير حوّاء فصار يطوف الأرض في طلبها فمرّ بكربلاء فاعتل وأعاق وضاق صدره من غير سبب وعثر في الموضع الذي قتل فيه الحسين حتى سال الدم من رجله فرفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي ، هل حدث مني ذنب آخر فعاقبتني به فإنِّي طُفْتُ جميع الأرض ما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض ؟ فأوحى الله إليه : يا آدم ، ما حدث منك ذنب ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين علیه السلام ظلماً فسال دمك موافق لدمه، فقال آدم: يا

ص: 181


1- الخصال: 338 ، البحار 44: 300 ، عوالم العلوم : 597 .
2- قال المجلسي في بيان هذه العبارة : «فإنّ الشهيد معه كالشهيد مع الأنبياء مقبل غير مدبر» الصواب أن يقال : مقبلاً لأنه حال من الشهيد، وبناءاً على ما في النسخ أنه بالرفع صفة للشهيد لأنّه قوة النكرة والذي يصل إليه نظري أن خبره مقبل غير مدبر، وكالشهيد حال من الاسم ولا مانع عندنا من مجيء الحال من المبتدء والأظهر أن يكون خبراً بعد الخبر ، واحتمال أن يكون مقبل حالاً لا وجه له ؛ لا لفظاً ولا معنى وكونه وصفاً ركيك : ( منه )

ربّ ، أيكون الحسين نبيّاً ؟ قال : لا ولكنه سبط النبي محمد ، فقال : ومن القاتل له ؟ قال : قاتله يزيد ، فقال آدم: فأي شيء أصنع يا جبرئیل ؟ فقال : العنه يا آدم ، فلعنه أربع مرات ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء ...(1)

ط - وفي المنتخب أيضاً : إنّ نوحاً لما ركب السفينة طافت به جميع الدنيا فلمّا مرّت بكربلاء أخذته الأرض وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال : إلهي ، طُفْتُ جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض ، فنزل جبرئيل وقال : يا ،نوح في هذا الموضع يُقتل الحسين سبط محمد صلی الله علیه و آله وسلم خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء ، فقال : ومن القاتل له يا جبرائيل ؟ قال : قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات، فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت عليه .(2)

ى - وأيضاً في المنتخب روي أنّ إبراهيم مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً فعثرت به وسقط إبراهيم علیه السلام وشجّ رأسه وسال دمه، فأخذ فى الاستغفار وقال: إلهي ، أي شيء حدث منّي ؟ فنزل إليه جبرائيل وقال : يا إبراهيم، ما حدث منك ذنب ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء فسال دمك موافقة لدمه، قال: يا جبرائيل، ومن يكون قاتله؟ قال : لعين أهل السماوات والأرض، والقلم جرى على اللوح بلعنه، فأوحى الله إلى القلم أنك استحققت الثناء بهذا اللعن، فرفع إبراهيم يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً وأمن فرسه بلسان فصيح (فقال إبراهيم لفرسه : أي شيء عرفت حتى تؤمن على دعائي ، فقال : يا إبراهيم، أنا

ص: 182


1- المنتخب : 48 . (المترجم) بحار الأنوار 44: 243 الرقم 37 (هامش الأصل)
2- نفسه : 48 (المترجم) بحار الأنوار 44 243 الرقم 38 .

أفتخر بركوبك على فلما عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد .(1)

يا - وفي المنتخب أيضاً روي أن إسماعيل علیه السلام كانت أغنامه ترعى بشط الفرات فأخبره الراعي أنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً، فسأل ربه عن سبب ذلك، فنزل جبرئيل علیه السلام وقال : يا إسماعيل، سل عنمك فإنّها تجيبك عن سبب ذلك ، فقال : لم لا تشربين من هذا الماء ؟ فقالت بلسان فصيح : قد بلغنا أنّ ولدك الحسين علیه السلام السبط محمّد يُقتل عطشاناً فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه، فسألها عن قاتله؟ فقالت يقتله لعين أهل السماوات والأرضين والخلائق أجمعين . فقال إسماعيل : اللهم العن قاتل الحسين علیه السلام.(2)

يب - وفي المنتخب أيضاً روي أن موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون، فلما جاء إلى أرض كربلاء انخرق نعله وانقطع شراكه ودخل الحسك في رجليه وسال دمه ، فقال : إلهي ، أيّ شيء حدث منّي ؟ فأوحى الله إليه : إنّ هنا يقتل الحسين وهنا يسفك دمك موافقة لدمه، فقال ربّ، ومن يكون الحسين ؟ فقيل له: هو سبط محمد المصطفى وابن علي المرتضى ، فقال : ومن يكون قاتله؟ فقيل : هو لعين السمك في البحار والوحوش في القفار والطير في الهواء، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن يوشع بن نون على دعائه ، ومضى لشأنه.(3)

يج - وفي المنتخب أيضاً روي أن سليمان علیه السلام كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء فمرّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلاء ، فأدارت الريح بساطه ثلاث

ص: 183


1- نفسه : 48 و 49 والعبارات بين القوسين تمام الرواية ولم يذكرها المؤلف . (المترجم) بحار الأنوار 44: 243 الرقم 38 .
2- المنتخب : 49. (المترجم) وبحار الأنوار 44: 243 الرقم 40.
3- المنتخب للطريحي : 49. (المترجم)، بحار الأنوار 44 : 244 الرقم 41 . (هامش الأصل)

دورات حتى خافوا السقوط، فسكنت الريح ونزل البساط في أرض كربلاء ، فقال سليمان للريح لم سكنت ؟ فقالت : إن هنا يقتل الحسين علیه السلام ، فقال : ومن يكون الحسين ؟ قالت هو سبط محمد المختار وابن عليّ الكرّار ، فقال : ومن قاتله؟ قالت : لعين السماوات والأرض يزيد، فرفع سليمان يديه ولعنه ودعا عليه وأمن على دعائه الإنس والجنّ ، فهبّت الريح وسار البساط ...(1)

يد - وفي المنتخب أيضاً روي أن عيسى كان سائحاً في البراري وم-ع-ه الحواريون فمروا بكربلاء فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق فتقدّم عيسى إلى الأسد وقال له : لم جلست في هذا الطريق ولا تدعنا نمر فيه ؟ فقال الأسد بلسان فصيح : إنّي لم أدع لكم الطريق حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين ، فقال عيسى : ومن يكون الحسين ؟ قال : سبط محمد النبي الأمي وابن علي الولي ، قال : ومن قاتله؟ قال : قاتله لعين الوحوش والذئاب والسباع أجمع خصوصاً أيام عاشوراء، فرفع عیسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه وأمن الحواريون على دعائه ، فتنحى الأسد عن طريقهم ومشوا لشأنهم ... .(2)

ويوجد في كتب الأخبار والمقتل نظير ما تقدّم شيء كثير، واستقصائها شأن المطوّلات، والأخبار المنقولة عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم «لا أنالهم الله شفاعتي ولا تنالهم شفاعتي والويل لمن قتله، واللهم اخذل من خذله واقتل من قتله» ونظيرها من التعابير النبوية إنّما مفادها اللعن وتوجد في العيون والعلل والأمالي والمناقب وكامل الزيارة والبحار وغيرها وهي خارجة عن الحصر، وما ذكرناه هنا يكفي، وسوف يأتي لعن يزيد في فقرة أُخرى لاحقاً بإذن الله.

ص: 184


1- المنتخب : 49. (المترجم) بحار الأنوار 44: 244 الرقم 42 (هامش الأصل)
2- المنتخب : 49 و 50 (المترجم) وبحار الأنوار 44: 244 الرقم 43 . (هامش الأصل)

اللهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيانَ ...

الشرح : ذكر لعن أبي سفيان مستقلاً جاء في سياق تذكر مساوئ ب-ن-ى أُميّة وأفعال يزيد الشنيعة لأنه فرع من فروع الشجرة الملعونة، وثمرات تلك الأصول

غير ميمونة .

وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أُميّة ، وأُمّه صفية بنت مزن الهلالية ، ولقد رأيت في بعض المراجع أنّها كانت زانية إلا أنّي نسيته.

وكان أبو سفيان لغير رشدة، وولد قبل الفيل بعشرة أعوام، وظلّ حياته كلها جاداً في عداوة الله ورسوله والإجلاب على النبي وتسعير الحروب وسوق الجنود وقيادة الأحزاب، ولا تقوم فتنة في قريش إلا ولأبي سفيان لعنه الله قدم فيها راسخة، وسعي بالغ إلى قهره الإسلام، فأسلم عام الفتح مضطراً مقهوراً، وعاش

بعد ذلك منافقاً، وكان في حصار الطائف مع النبي فأصيبت عينه بسهم فعارت وذهبت عينه الثانية في حرب اليرموك فأضرّ ، وكان فى حرب هوازن من المؤلّفة قلوبهم وصار نصيبه من الغنائم مائة بعير وأربعين أوقية فضة، ونال ولداه معاوية ویزید مثل نيله وقتل ولده الآخر واسمه حنظلة - وبه كان يكنّى فيقال له أبو حنظلة - في بدر بيد أمير المؤمنين علیه السلام فتقدّم جيش أبيه وأخيه وأقربائه إلى النار وصار طعمة جهنّم .

وأولاد أبي سفيان هم معاوية ، وعمر ، وعتبة ، وصخرة، وهند، ورملة ، وآمنة، وأُمّ حبيبة، وجويرية ، وأمّ الحكم، وحنظلة، وعنبسة، ومحمد، وزياد باستحاق معاوية إيّاه - كما مر (1)- ويزيد ، ورملة الصغرى ، وميمونة ، كما ذكر ذلك ابن قتيبة - في كتاب المعارف.

ص: 185


1- في شرح «ولعن الله آل زياد». (هامش الأصل) والعجيب من المؤلف أنه يذكر زياد في أولاده والنبي يقول : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». (المترجم)

وذهب إلى الجحيم عام ثلاثين للهجرة، وهجاه حسّان بن ثابت أبان المهاجاة بين المسلمين والكفّار بشعر كثير، ونحن من أجل أن نضفي على الكتاب زينة خاصة نذكر قطعتين منها . قال حسان بن ثابت في حرب أحد :

عضضت بأير من أبيك وخاله***وعضت بنو النجار بالسكر الرطب

فلست بخير من أبيك وخاله***ولست بخير من معاظلة الكلب (1)

ولست بذي دين ولا ذي أمانة***ولست بخير من لؤي ولا كلب

ولكن هجين ذو دناة لمقرف***مجاجة ملح غير صاف ولا عذب

وله أيضاً:

ولست من المعشر الأكرمين***لا عبد شمس ولا نوفل

وليس أبوك بساقي الحجيج***فأقعد على الحسب الأرذل

ولكن هجين منوط بهم***كما نوطت حلقة المحمل

تجيش من اللؤم أحسابكم ***كجيش المجاجة في المرجل (2)

وهذه الأبيات صريحة في خبث مولده وفساد نسبه ، لأنه نفاه من عبد شمس وجعله لصيقاً به.

واعلم بأنّ حال أبي سفيان في النفاق وعداوة أهل بيت الرسالة أشهر من أن تذكر ، وأظهر من أن تنكر .

ص: 186


1- لعلها «معاظظة الكلب» وهذا في رأيي أولى ، وليست في ديوانه ، ولا أشار المؤلّف إلى مصدرها لنتطلبه . (المترجم)
2- وفي رواية «المشاشة» وهي واحدة المشاش، رؤوس العظام اللينة التي يمكن مضغها ، وأهمل المؤلّف بيتاً خامساً له : فلو كنت من هاشم في الصميم***لم تهجنا وركي مصطلي (الديوان : 189)

وفي نهج البلاغة قابله بتكريم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقال: «منا النبي ومنكم المكذب .(1)

وذكره ابن قتيبة وهو قطب دائرة النصب والإعراض فى المؤلّفة قلوبهم ولم يقل بعد ذكره - كما هي عادته في ذكر أمثاله -«وحسن إسلامه» وهذا دليل على أن نفاقه لا يمكن ستره وإلا لكان ذكر هذه الجملة من أجل تعديل معاوية عليه الهاوية.

والجاحظ لعنه الله (2)الذي هو عدوّ مجاهر لأمير المؤمنين علیه السلام يقول في رسالة المفاخرة بين بني هاشم وبني أُميّه : «قد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوة النبي وفي محاربته له وإجلابه عليه وغزوه ،إيَّاه، وعرفنا إسلامه حيث أسلم، وإخلاصه كيف أخلص ، ومعنى كلمته يوم الفتح حين رأى الجنود ، وكلامه يوم حنين، وقوله يوم صعد بلال على الكعبة فأذن، على أنه أسلم على يدي العبّاس والعباس هو الذي منع الناس من قتله وجاء به رديفاً إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وسأله فيه أن يشرّفه وأن يكرمه وأن ينوّه به ، وتلك يد بيضاء ومقام مشهود ، ويوم حنين غير مجحود، فكان جزاء بيته أن حاربوا عليّاً وسمّوا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الأقتاب حواسر وكشفوا عن عورة عليّ بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يُصنع بذراري المشركين إذا دخلت دورهم عنوة» .

إلى أن قال: «وأكلت هند كبد حمزة فمنهم آكلة الأكباد ، ومنهم كهف النفاق ، ومنهم من نقر بين ثنيتي الحسين علیه السلام بالقضيب» انتهى.(3)

ص: 187


1- الرسائل ، عدد 28. (هامش الأصل) تحقيق عبده ط دار المعرفة بيروت . (المترجم)
2- لم يكن للجاحظ دين ليحاسب عليه إنما كان يتلاعب بالأحداث ؛ فنارة يكون أموياً وأخرى علوياً وهو ، کافر بالاثنين . (المترجم)
3- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 15 . (هامش الأصل) ص 236 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار إحياء الكتب العربية - بيروت . (المترجم)

وأنت ترى الجاحظ مع عصبيته ومروانيته وسفيانيته وقد كتب رسائل في فضائل هؤلاء الثلاثة ، كيف شهد على أبي سفيان ووصفه بأنّه كهف النفاق، ولم يكن مخلصاً في الإسلام، وتكفينا شهادة هذين الناصبين - وهما عند النواصب من أعظم العدول - في نفاقه ودوام كفره .

واتفق العلماء على أنه من المؤلفة قلوبهم وأنه دخل الإسلام حيلة ونفاقاً، ولم يثبت دليل يرفع عنه هذا الاتهام. وحينئذٍ تترتب عليه أحكام النفاق الشرعية جميعاً من من جواز لعنه ووجوب التبرّي منه وغيره بقاعدة الاستصحاب، ونص الكتاب الكريم في مسألة الرؤيا التي سلفت (1)يشهد بلعنه لأنه في الحقيقة أصل الشجرة الملعونة، والمؤرّخون من العامة والخاصة أثبتوا ذلك، وقد جائت الإشارة في كتاب المعتضد إلى الأمة بلعن معاوية بذلك ، وفيه :

بعد أن استتبت الأمور في خلافة عثمان لبني أُميّة، وأدخل عثمان إلى بيته دار به بنو أُميّة وأظهروا الفرح بما جاءهم من الأمر والنهي، وأغلقوا الباب ع-ل-ى الداخلين الغرباء، وفي هذا الحين رفع أبو سفيان عقيرته وقال: أفيكم من يُحتَشَم ؟ فقالوا : كلا ، فقال : يا بني أمية، تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنّة ولا نار ولا بعث ولا قيامة ، فلمّا سمع عثمان ذلك خاف أن تنتشر كلمته في المسلمين فتحدث فتنة فأمر بإخراجه .

من هنا ألمّ أهل المعرفة والدقة أن ثالث المنافقين عثمان، ففي سره شارك أبا سفيان في عقيدة الكفر والنفاق ولكن حمله على تأديب أبي سفيان رعاية المصلحة (2)وإلا لكان عاقبه بالقتل لأنّ هذا جزاء المرتد لا بالإخراج.

ص: 188


1- في شرح: «ولعن الله بني أُمية قاطبة». (هامش الأصل)
2- صدق المؤلّف فلو كان جاداً في عقابه لحاسبه حساب المرتد لأنّ كلمته تدلّ على ارتداده وقد حارب أبو بكر الآلاف من المسلمين واستحل دمائهم على عقال بعير فكيف لم يقتل هذا المرتد ؟ (المترجم)

ومجمل الحديث أن لعن رسول الله له ولو لديه من الأخبار المشهورة التي نقلها ابن أبي الحديد عن البيهقي والزمخشري مرويّة ، ورويت في كتاب المعتضد عن الثقات قول رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فيه وقد رآه مقبلاً على حمار ومعاوية يقوده ويزيد يسوقه : لعن الله الراكب والقائد والسائق (1).

ونقل ابن أبي الحديد من كتاب المفاخرات للزبير بن بكار قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان بن رب والمغيرة بن شعبة وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي علیه السلام قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن الحسن قد أحيا، وذكره إلى آخره، فبعثوا خلفه ، فلمّا أقبل تطاول عليه الخبثاء كل واحد منهم بجرأته المعهودة على الحق كما جاء تفصيله في الكتاب المذكور، وبعد ذلك تكلّم سيد شباب أهل الجنّة وخاطب معاوية وفى أثناء كلامه قال : أنشدك بالله يا معاوية ، أتذكر يوماً جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله ،

فقال : اللهم العن الراكب والقائد والسائق.

ثم خاطب الحاضرين فقال: وأنتم أيها الرهط نشدتكم الله ، ألا تعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها :

أولها : يوم لقي رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم خارجاً من مكة إلى الطائف، يدعو ثقيفاً إلى رسول الدين، فوقع به وسبّه وسقهه وشتمه وكذبه وتوعده وهم أن يبطش به فلعنه الله ورسوله وصرف عنه .

ص: 189


1- مرّ في شرح «لعن الله بني أُمية» كتاب المعتضد (هامش الأصل) وانظر عند ابن أبي الحديد 15: 175. (المترجم)

والثانية : يوم العير ، إذ عرض لها رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وهي جائية من الشام فطردها أبو سفيان وساحل بها فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلی الله علیه و آله ودعا عليه ، فكانت وقعة بدر لأجلها.

والثالثة:

يوم أحد حيث وقف تحت الجبل، ورسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في أعلاه وهو ينادي: أعل هبل - مراراً - فلعنه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عشر مرات ولعنه المسلمون .

والرابعة : يوم جاء بالأحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله وابتهل.

والخامسة : يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدّوا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محلّه ، وذلك يوم الحديبية ، فلعن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أبا سفيان ولعن القادة والأتباع وقال : (ملعون كلّهم ، وليس فيهم من يؤمن) فقيل یا رسول الله ، أفما يرجى يرجى الإسلام لأحد منهفكيف باللعنة ؟ فقال : لا تصيب اللعنة أحداً من الأتباع ، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد .

والسادسة : يوم الجمل الأحمر.

والسابعة : يوم وقفوا لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في العقبة ليستنفروا ناقته وكانوا اثني عشر رجلاً منهم أبو سفيان ، فهذا لك يا معاوية .

ثم راح يعدّد مثالب البقيّة .(1)

ونقل تقي الدين بن حجّة وهو من أكابر أدباء أهل السنة في كتابه «ثمرات الأوراق» فصلاً من هذا، ويقول : قال علیه السلام : «... وأنشدكم بالله ، أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه، فقال رسول الله : لعن الله الجمل وقائده وراكبه وسائقه ؟» (2).

ص: 190


1- شرح ابن أبي الحديد 6: 290
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 102 ط مصر . (هامش الأصل)

وأخيراً، لا تخفى حال أبي سفيان عن المنصف المتتبع وإن كان أهل السنّة والجماعة بناءاً على رأيهم في تعديل الصحابة كلّهم، يلزمهم أن يعتقدوا بأنّ عداوة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم و واستمرار النفاق والقول للعبّاس: «لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً لا تنافي العدالة، والاتفاق العجيب وقوع أبي سفيان بأزاء رسول الله ومعاوية بأزاء أمير المؤمنين، ويزيد بأزاء الشهداء، وعداوة كلّ واحد منهم ليست من الهوان بحيث يحيط بها بيان .

ص: 191

وَمُعَاوِيَةَ بن أَبِي سُفْيَانَ ...

الشرح المشهور أن معاوية ابن هند من أبي سفيان ولكن يرى المحققون أنه لغير رشدة .

قال الراغب الأصفهاني في المحاضرات، ونقل ابن أبي الحديد عن الزمخشري في ربيع الأبرار قال : كان معاوية يُعزى إلى أربعة إلى مسافر بن أبي عمرو، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبدالمطلب، وإلى الصباح مغن كان لعمارة بن الوليد.

قال : وكان أبو سفيان دميماً قصيراً، وكان الصباح عسيفاً لأبي سفيان شاباً وسيماً فدعته هند إلى نفسها فغشيها وقالوا إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصباح

: أيضاً، وقالوا : إنّها كرهت أن تدعه في منزلها فخرجت إلى أجياد (1)فوضعته هناك، وفي هذا المعنى يقول حسّان أيّام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قبل عام الفتح :

لمن الصبي بجانب البطحاء***في الترب ملقى غير ذي مهد

ص: 192


1- أجياد جبل للنزهة في مكة المعظمة شرفها الله تعالى وهو في الأصل جمع جواد بمعنى الفرس ، وإنما سمّي بهذا الاسم لأنّ «تتبع» كانت ترعى أفراسها به ، وسمّي أجياداً بذلك ، ومن موارد استعماله في الشعر قول ابن الفارض في تاثيته المعروفة الصغرى: سقى بالصفى الرعي ربعاً له الصفا***وجاد بأجياد ثرى فيه ثروتي وهذه العبارة مع ما فيها من الغموض والإبهام وهو طابع كتاب القاموس لا تخلو من الخطأ لأنك علمت أنه جمع جواد الواوي لا جمع جيد البائي لذلك ينبغي أن يذكر في مادة جود في تعداد جموع الجواد كما فعل إسماعيل بن عباد النيشابوري وهو جوهري اللغة ، وفعل في الصحاح مثل فعله . ومن النوادر أنه لم يذكر في جمع جواد أجياد أبداً وإن لم يكن الخطأ من أي نوع ليس عجيباً عليه ولا نادراً في كتابه ، والذي يحتوي على أخطاء في هذا الكتاب لا تحصر فهو القاموس المحيط بالأخطاء والأغاليط ، والله العاصم. (منه)

نجلت به بيضاء آنسة***من عبد شمس صلتة الخدّ .. (1)

ونقل آية الله العلّامة نصر الله وجهه عن الكلبي النسابة وهو من الثقات عند الإمامية وأقرّ ابن روزبهان أن معاوية كان يُدعى لأربعة : عمارة ومسافر وأبي سفيان ورجل رابع لم يذكر اسمه، وكانت هند أُمّه من ذوات الأعلام ، وكانت مولعة بالسودان ، فإذا وضعت وليداً أسود عمدت إليه فقتلته، وحمامة وه-ي واحدة من جدّات معاوية كانت صاحبة راية في سوق المجاز وبلغت إلى آخر حدود الزنا، ومن هنا يعرف نسب أبي سفيان لأنه نغل من سفاح.

وذكر السيد المحقق الشهيد الثالث في كتاب إحقاق الحق عن كتاب نزهة القلوب للقطب الشيرازي وهو علّامة العلماء عند الإمامية قال : أولاد الزنا ينجبون لأنّ الزاني يندفع للفعل بشهوة ونشاط فيكتسب الولد من هذا كمال القوّة ، وما كان من الحلال فإنه يتم بتصنّع وتكلّف، ومن هذه الجهة كان عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان من الدهاة المعدودين .

ثم ساق ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار من نسبهم (2)وذكره سبط ابن

ص: 193


1- شرح ابن أبي الحديد 1: 336
2- روى العالم الجليل الشيخ يوسف البحراني الله وغيره عن محمد بن السائب الكلبي وأبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي في كتاب (الصلابة في معرفة الصحابة) وكتاب (التنقيح في النسب الصريح) وهؤلاء رووا عن عبدالله بن سيابة بأنه قال : نكاح الشبهة قسم من أقسم النكاح والمتولد من الشبهة والزنا أنجب من المولود من الفراش وأحياناً تظهر منهم علامات من الدهاء تناسب حالهم وشأنهم، والعرب يفخرون بذلك في ظهور مثل ذلك في قبالهم أو سلالات كراعهم . ثم شرع في بيان نسب رمع [شجرة طوبى العلامة النوري، ص 2] وقال العلامة السبزواري في كتاب (نزهة القلوب) : أولاد الزنا يخرجون نجباء أزكياء لأنّ الزاني يزني بشهوة ونشاط فيخرج الولد تاماً وما كان من الحلال فإنما يتم بتكلف من الرجل قبال المرأة ، ومن هذه الجهة كان معاوية وعمرو بن العاص من دهاة الناس [شجرة طوبى ، ورقة 168] . (هامش الأصل)

الجوزي كلاماً مبسوطاً عن كتاب الكلبي في شرح قول الإمام الحسين لمعاوية لعنه الله قال : وقد علمت الذي ولدت عليه .

وهذا الإجمال موافق لما تقدّم ، ولما كان الاطلاع عليه لاحقاً لما مرت الإشارة إليه رأينا إعادته موجبة للتكرار ، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب التذكرة. وبالجملة فما أحقه بقول ابن الحجّاج :

يابن النساء الزواني العاهرات ومن***سلقلقيّاتهم قد حضن من خلف

يابن التي نتفت من بعض شعرتها***بيتاً من الشعر يغني جملة السلف

هلك معاوية في النصف من رجب عام خمسين وتسع للهجرة على قول

وعام ستين على قول آخر ، وضعفه المؤرّخ المعاصر نظراً لأن قتل الحسين علیه السلام في يوم الجمعة العاشر من محرم الحرام. وإذا رجعنا القهقرى ودققنا في حساب الشهور يكون يوم الجمعة العاشر من محرّم واقعاً في عام واحد وستين لا عام ستين، ولكن المشهور والمعتمد هو القول الأول.

وقال بعضهم : كان عمره عند وفاته سبعاً وثمانين سنة، وبناءاً على هذا تكون ولادته قبل البعثة بسبع سنين .

ويقول ابن قتيبة : كان عمره اثنتين وثمانين سنة وبناءاً على هذا تكون ولادته قبل البعثة بثلاثة عشر سنة أي بعد الفيل بسبع وعشرين سنة .

وأولاده عبد الرحمن، ويزيد وعبدالله ، وهند، ورملة ، وصفية .

وأظهر إسلامه بعد الفتح بعد ما أخذ الإسلام بخناقه ، ولكنّه اتخذ طريق النفاق مسلكاً له ، وكان في حرب حنين من المؤلفة قلوبهم، وأعطي من سهامهم كما أشرنا إليه(1)أعطي أربعين أوقية فضَةً على المشهور من الروايات.

ص: 194


1- في شرح: «اللهم العن أبا سفيان». (هامش الأصل)

وقال في نهج الحق : ولما أهدر النبي دمه في فتح مكة أقبل مضطراً إلى العبّاس ولجأ إليه قبل وفاة النبي بخمسة أشهر واستشفع به، وشهر إسلامه، وتشفّع له العباس بأن يجعله النبي كاتباً عنده (1)فكان يكتب أحياناً للنبي مكاتباته، وما اعتبره بعضهم من كونه من كتاب الوحي إنّما هو محض افتراء واختلاق ، والذي قلناه عن كتابته صرّح به كثير من مؤرّخي الخاصة والعامة .

وملخص القول: إنّ أبا بكر لما سيّر العساكر والجيوش إلى جهة الشام أمر عليها يزيد بن أبي سفيان وجعل أخاه معاوية وأباه أبا سفيان تحت رايته، ولما هلك يزيد وسار إلى حيث يستقر أجداده وضع مكانه معاوية وأمره على الشام كله، وكان بقية زمان أبي بكر وخلافة عمر وعثمان له ولاية الشام مستقلة ، فأكثر في هذا الحكم المديد من إحداث البدع وإحياء السنن الكسروية والقيصرية، وظهرت عليه مظاهر التجبّر والتكبّر والتبختر حتى قال له عمر ذات يوم: «أنت كسرى العرب» وكان مولعاً بالعقار يشربها ومتمرساً بأنواع الفجور جارياً في هذا السنن بجد ونشاط حتى قبل أن يلي الخلافة بأيَّام، ثمّ قال قوم بأنّه أقلع عن ذلك، وقال آخرون : هذا في الظاهر وأما في الباطن فقد كان سائراً في السرّ على تناول كاسات العقار ومقيما على تداول العهار .

ولما بلغ عليّ إلى حقه وتسنّم غارب الخلافة قصرت الغاصبين والناصبين عن الامتداد إلى أانيهم فلم يقرّ معاوية على ولايته لاشتهاره بين الناس كلهم ، فقام بحرب ضروس على الإمام بحجّة الطلب بدم عثمان فسلّت السيوف في ذلك و قامت الحرب على قدم وساق إلى أن رحل الإمام عن هذا الوجود الفاني بقلب حزين وصدر بالغيظ مشحون من مفاسده، وعمرو بن العاص ومكائدهم حتى

ص: 195


1- شرح نهج البلاغة 2: 102 نهج الحق للعلامة الحلي : 310 (هامش الأصل)

شرب الإمام كأس الشهادة دهاقاً، عمد معاوية إلى محاربة الحسن حتى تم الصلح بينهما وامتدت هذه الفترة عشرين عاماً كان فيها ، أميراً، ومثلها استقل بالخلافة بالباطل وتفرد بالولاية فامتدت إمارته أربعين سنة.

وجملة القول إنك سمعت لعنه من فم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في شرح حال أبي سفيان. وفي ربيع الأبرار للزمخشري وهو موافق لما حكاه العلامة في نهج الحق أن النبي كان في خطبته فأخذ معاوية بيد ولده يزيد وقام من المجلس فلم يسمع الخطبة ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : «لعن الله القائد والمقود أي يوم يكون لهذه الأمة من معاوية (لعنه الله) ذي الإسائة» (1).

والظاهر أنّ لفظ أخيه صحفت بابنه في عبارة نهج الحق لأنّ خط العلّامة وعندي منه سطور وهو مبعث فخر لي واعتزاز ، موجودة في كتبي، ضعيف جداً، ومثل هذا التصحيف كثيراً يدور على أقلام الكتاب وإلا فمن المستبعد كثيراً أن يكون يزيد في زمان النبي صلی الله علیه و آله وسلم مولوداً لأن مدة عمره معلومة، ولعل الخطأ في نسخة «ربيع الأبرار» فلم يلتفت إليه العلّامة.

إذن ، لا يكون طعن ابن روزبهان في الرواية صحيحاً ولو سلمنا جدلاً لما يقوله ابن روزبهان فإنّ القدح في الحديث ينحصر بكونه من المتشابهات. وأما لعن معاوية فهو القدر المتيقن من مضمون الخبر ولا يصح التخلّي عنه ، والتفكيك في الحجّة، لاسيّما على وجه تستفاد فيه الأحكام من ألفاظ مختلفة فيكون بعضها حجّة والبعض الآخر فاقداً لها أثبتناه في علم الأصول لا مانع منه .

وفي [كتاب - ط] (نهج الحق) يقول : واعترف الفضل بن روزبهان بفضل الله

ص: 196


1- نهج الحق : 310 . (هامش الأصل)

أنّ النبي كان يلعنه دائماً ويقول: «اللعين بن اللعين ، الطليق بن الطليقم .(1)

وروي عن النبي أيضاً في كتاب المعتضد أنّه قال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه .(2)

ونقل في صحاح أهل السنة أيضاً أن الخلافة من بعدي ثلاثون ثمّ يكون ملكاً عضوضاً .(3)

لذلك اعترف ابن روزبهان بأنّ معاوية ليس من الخلفاء بل هو من الملوك ووقع سائر أوليائه في ضيق الخناق فعمدوا إلى التأويل وجائوا بأشياء باطلة ملفقة ومحصلها أن الملك أدنى من الخلافة بدرجة ولا ينافي صدق اسم الخلافة عليه ، وهذا كلام ابن خلدون وابن حجر ، وظاهر الحديث ينادي بخلاف ذلك لأنّه :

أولاً قابل الملك بالخلافة .

وثانياً سمّى الملك عضوضاً أي إنّه شديد وهذا ينافي أن يكون خلافة ناقصة أي كونه على حق وإن لم يصل إلى كمال الزمان السابق. وفي أخبار أخرى سماه

ملكاً وجبرية وملكاً وجبروتاً، وهذان الكلمتان لا يقبلان التأويل.

ثالثاً ويدلّ على بطلان هذا الوجه ما نقله السيوطي في كتاب تاريخ مصر من طبقات محمّد بن سعد فقد نقل سعد فقد نقل مسنداً أن قال لسلمان : هل أنا ملك أو

ص: 197


1- الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين. نهج الحق : 309
2- مضى تخريجه في كتاب المعتضد . (هامش الأصل)
3- رواه في الصواعق المحرقة : 217 عن أبي داود والترمذي والنسائي والجمع بين الصحيحين عن مسند أنس بن مالك وأبي عامر أن النبي الله الله قال : أول دينكم نبوّة ورحمة، ثمّ ملك ورحمة ، ثم ملك جبرية، ثمّ ملك عضوض يستحل فيه الحرّ والحرّة». راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي : 9 ، ونهاية اللغة لابن الأثير 3 353 مع تفاوت يسير، وأحمد بن حنبل في المسند 456:1 ، وتطهير اللسان لابن حجر : 16 ، ونهج الحق للعلامة : 316.

خليفة ؟ فقال له سلمان : إذا حبيت درهماً من بلاد المسلمين أو أقل من الدرهم ووضعته في غير حقه فأنت ملك لا خليفة .

وكذلك ساق السند إلى سفيان بن أبي العوجاء أن عمر قال: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك ؟ فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم.

قال قائل : يا أمير المؤمنين ، إنّ بينهما فرقاً.

قال : ما هو ؟

قال : الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا فى حق ، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعتسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا .

وهذان الخبران أولهما قول صحابي وهو حجّة ، والثاني تقرير عمر علاوة على أنّه مبطل لخلافته لإظهاره الشك وقسمه على الجهل بواقع الحال ، وهذا مبطل الخلافة معاوية وغيره منهم .

فظهر أنّ المراد بالملك الظالم المتعسف فتبيّن أن توجيه هذه الفرقة باطل والالتفات إلى هذا الجواب من خصائص هذا الكتاب.

ومجمل القول أن ابن الأثير نقل في أسد الغابة عن عبدالرحمان الزبيري أن عمر قال : إنّ هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ما بقي منهم

أحد ، ثمّ في كذا كذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا المسلمة الفتح شيء .(1)

لقد نفى عمر الخلافة عن معاوية - والحمد لله - بعناوين ثلاثة ؛ لأنّه طليق وابن طليق، وهو من مسلمة الفتح إن كان أسلم (وليس من أهل بدر - المترجم) وهذا الاستدلال ممّا انفردت به.

ونقل ابن الأثير وغيره عن ابن عباس مسنداً أنه قال: كنت ألعب مع الصبيان

ص: 198


1- أسد الغابة 4 : 388 وقال : أخرجه الثلاثة . (المترجم)

فجاء رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فتواريت خلف باب فجاء وحطأني حطأة وقال : اذهب فادع لي معاوية (لعنه الله) قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، ثمّ قال : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال : لا أشبع الله بطنه ... (1)

وذكر ابن خلكان في ترجمة النسائي صاحب الخصائص قال : وخرج إلى دمشق فسُئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس حتّى يفضل.

وفي رواية أخرى ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك .(2)

ووصف ابن خلكان النسائي فقال : الحافظ كان إمام عصره في الحديث، وامتدحه .

ونقل عن أبي سعيد صاحب تاريخ مصر إنّه قال : كان إماماً في الحديث ثقة ثبتا .(3)

وهذه المسائل حجّة من النسائي لأنه من أصحاب السنن وكتابه أحد الصحاح الستة.

ونقل ابن حجّة الحموي فى ثمرات الأوراق عن الإمام الحسن علیه السلام في مجلس المفاخرة : أنشدكم الله والإسلام ، أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدّي فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول وقال : هو يأكل ، فردّ الرسول ثلاث مرات كل ذلك وهو يقول: هو يأكل ، فقال النبي : لا أشبع الله بطنه، أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية ؟ ...

ص: 199


1- أسد الغابة 4 : 386، صحيح مسلم 4 : 194 .
2- وفيات الأعيان 1 : 66 ونقلنا الخبر برمته . (المترجم)
3- نفسه 1 : 68. (المترجم)

ونقل السيد الشهيد من تاريخ اليافعي أن معاوية ابتلي بدعاء النبي صلی الله علیه و آله وسلم بشدة الجوع ، وهذا الأمر من المسلّمات المتواترات أن معاوية يأكل مرات عدة ف-لا يشبع ويمل من كثرة الأكل. قيل : إنه يأكل البعير الكامل .

قال الراغب وابن أبي الحديد وغيرهما : كان معاوية يأكل حتى يربع ، ثم يقول : ارفع ما شبعت أكلت حتى مللت ، وقال الشاعر :

وصاحب لي بطنه كالهاويه***كأن في أحشائه معاويه

وقال السنائي :

هست چون معاویه آز(1)***که بخاک از تو دست بردارد باز

وفي مختصر (ربيع الأبرار) المعروف بروض الأخبار يقول : كانت العرب لا تعرف الألوان إنما كان طعامهم اللحم يطبخ بماء وملح، حتى كان زمن معاوية

فاتخذ الألوان وتنوّق فيها، وما شبع مع كثرة ألوانه الدعاء رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.

والعجيب أنّ مسلماً في صحيحه روى الحديث التالي وأحاديث أخرى في مضمونه أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجراً (2). وهذا الحديث واضح أنّه موضوع المصلحة معاوية لتعديله وإصلاح حاله، ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر. لأنه لا يمكن أن يلعن نبي معصوم مبرء من الخلل والزلل أحداً ثم تكون له بركة ورحمة.

ثم مما لا يشك فيه أن ذلك الوجود القدسي والهيكل النوراني مع تمام تجرده وكمال تألّهه لا يغضب على من لا يستحق الغضب بصريح قوله تعالى: «وَمَا يَنطِقُ

ص: 200


1- هكذا ورد الشعر مختل الوزن ولم يظهر لي معناه بل ولا بعضه فما أمكنت ترجمته . (المترجم)
2- صحیح مسلم، رقم الحديث 6561

عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (1)والدليل عموم هذه الدعوى. وعلى فرض التسليم لصحة هذه الأخبار جدلاً فنقول: إن صحت فينبغي أن يكون معاوية والحكم خارج الأمة، لأن دعاء النبي ظهر فيهما بما جرى على أيديهما من المساوئ كما مر في حال الحكم (2)وما سمعته عن اليافعي والزمخشري وصاحب (روض الأخبار) وابن حجّة وغيرهم عن معاوية (3)وبناءاً على هذا ينبغي أن يكون الاثنان كافرين وشدّة اهتمام عثمان بالحكم وردّه بعد نفيه عن المدينة إليها كاشف عن حاله ، والحرّ يكفيه الإشارة.

وفي نهج الحق روى عن ابن عمر أنه قال : سمعت النبي يقول : سيخرج عليكم رجل يموت على غير سنتي، فخرج معاوية (لعنه الله ) .(4)

والأخبار المتواترة فى كفر ونفاق مبغض أمير المؤمنين علیه السلام الواردة في طرق أهل السنة الصحيحة كثيرة، ويكفي آخر حديث الغدير: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وعداوة معاوية لأمير المؤمنين وسبه له أظهر من أن يمكن سترها أو إخفائها أو شرحها ، ولم أجد من أهل السنّة من ردّها أو أنكرها إلا ابن خلدون في مقدّمة تاريخه فإنّه استبعد أن يكون معاوية سبّ أمير المؤمنين علیه السلام ، وهذا القول منه وإن كان إنكار المتواتر ولكنّي على قلة اطلاعي رأيت أكثر من مأة كتاب من كتب أهل السنّة تنقل أن معاوية سب أمير المؤمنين علیه السلام بل حتى ابن خلدون نفسه صرّح في ذيل أخبار معاوة (لعنه الله) بأنّ المغيرة بن شعبة سبه وكتب عن حجر بن عدي قائلاً بأن سبب قتله إبائه من سب أمير المؤمنين علیه السلام ، ومع ما هو عليه

ص: 201


1- النجم : 3 و 4 .
2- شرح جملة : وآل مروان. (هامش الأصل)
3- في شرح عبارة : «ومعاوية بن أبي سفيان». (هامش الأصل)
4- کتاب صفين لنصر بن مزاحم : 247 ، تاريخ الطبري 11 357 نهج الحق : 310 (هامش الأصل)

يظهر من حاله أنّه يعترف بأن سب أمير المؤمنين علیه السلام منكر وموجب للخروج من الملّة لأنّه إن ثبتت الصغرى فإنّنا نثبت تواتر الكبرى بشهادته، وكفر معاوية لعنه الله برهاني ومسلّم الطرفين، والحمد لله على وضوح الحجّة.

وهذا المقام وإن استوجب البسط لكن رعاية الاختصار توجب الصمت، وفي أخبار كثيرة بالطرق المعتبرة بل يمكن الحكم عليها بالتواتر أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال العمّار : «تقتلك الفئة الباغية» (1)وقتله أبو العالية الجهني من جنود معاوية لعنهما الله ، ولما قامت الفتنة في جيش معاوية أشاع بين الناس أن عماراً قتله ألقاه من طعمة لسيوفنا ورماحنا وهو عليّ، ولما سمع الإمام قوله قال : فينبغي أن يكون الحمزة قتله رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم .

ومجمل القول بأنّ الأخبار في ذمّ معاوية خارجة عن حدّ الحصر، وعن بعض متتبعي فضلاء الهند، أنّه نقل مأتي خبر من الطرق المعتمدة لأهل السنّة فيكون الخلاف بينه وبين أمير المؤمنين كالخلاف بين أبي جهل وبين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ثابت بالضرورة، ويستحيل الجمع بين المتناقضين، فعلينا إما موالاته ومعاداة عليّ أو العكس، ولكن أهل السنّة اختاروا الشق الأوّل كما نقل عن كتب علماء ماوراء النهر أنّه يشترط في الستنّن أن يكون بقدر ... من عداوة عليّ في القلب (2)وابن ... خلكان رفع الحجاب في ترجمة عليّ بن جهم الناصبي نقل ذلك عن الخطيب البغدادي أنه كان فاضلاً متديّناً ثمّ يقول : وكان مع انحرافه عن عليّ بن أبي طالب وإظهاره التسنّن مطبوعاً مقتدراً على الشعر.(3)

ص: 202


1- الإصابة 2 : 512 ، الاستيعاب : 480 ، تهذيب التهذيب :7 409 قالوا : وقد تواترت الأحاديث أنّ عمّار تقتله الفئة الباغية. (هامش الأصل)
2- إحقاق الحق 7: 447 ففيه ما يفيد المقام . (هامش الأصل)
3- إحقاق الحق 1 : 2 و 64 و 7 : 448 عن وفيات الأعيان. (هامش الأصل)

وهنا يمكن الحصول على فائدتين :

الأولى : إن النصب ينافي التدين.

والثانية : إن إظهار التسنّن بالانحراف عن علي علیه السلام لأن الظاهر أن جملة وإظهاره التسنّن عطف تفسير على الانحراف فظهر منه أنّ التسنّن مشروط

بالانحراف عن أمير المؤمنين وبغضه ، وهذه استفادة لطيفة .

ومن هذه الجهة نسب السيد المحقق الشهيد الثالث نصر الله وجهه في مجالس المؤمنين إلى ابن خلكان في الترجمة المذكورة : ألقول بأنّ عداوة عليّ شرط في التسنّن .. (1)(2)

ولم يلتفت متأخّروا أهل السنّة كصاحب التحفة في باب المكايد من الكتاب المذكور طريقة استنتاج الشهيد الثالث لعبارته السالفة لذلك عمد إلى تخطئته وتكذيبه ... وبناءاً على ما تقدّم فإنّ دعاء الحديث المتواتر «اللهم عاد من عاداه» ينطبق على أهل السنّة عامة إلا أن يتشبثوا بذيل حديث مسلم (3)أن لعن النبي من دواعي المغفرة وليس سبباً للبعد عن رحمة الله لأنّ النبي - العياذ بالله - أحياناً يتلاعب به الشيطان فيتعرّض للسهو والنسيان وغلبة الطبيعة البشرية في الغضب والرضا - ثمّ يفيق من هذه الحالة ويرجع إلى الاستواء .. (4).

ص: 203


1- هذا اعتذار عن السيد الشهيد الثالث لأنّ العبارة بلفظها لا توجد لكن توجد بمعناها ويؤيد قول سيدنا الشهيد الثالث قول شيخنا المرحوم أبي الحسن الخنيزي في كتابه «دعوة الحق»: لا يموت السنيّ إلا وفي نفسه شيء من عليّ . (المترجم)
2- مر في إحقاق الحق 1: 64 و 7: 488 . (هامش الأصل)
3- اللهمّ إنّي بشر ، مر آنفاً (المترجم)
4- أقول : لعن الله من قال ذلك فلقد أخزوا أنفسهم بما وضعوه لتعديل رجل ضال منحرف ؛ لأن النبي إن كان يقول غير الحق في حالة الغضب ثم يعود إلى الصواب فإنّه كذلك في حالة الرضا فقد يغلب عليه الاعجاب برجل فيقول فيه مادحاً غير الحق أيضاً فيكون المدح على غير حقيقته ومخالفاً لطبيعته وحينئذ يكون كلّ ما وضعوه في حق سادتهم لعنهم الله من هذا القبيل لا يمكن أن يصدق أو يقطع به لأن قائله معرض لطغيان الطباع الغالبة وحاله حال الشاعر ، وهنا لا أملك إلّا لعنهم والبرائة منهم . (المترجم)

وفي الحقيقة إن هذه الحركة الماحقة للدين ما هي إلا لتوجيه أفعال عمر بن الخطاب لعنه الله وأخزاه الذي منع من كتابة الكتاب بنص البخاري ومسلم ونسب إلى النبي الله صلی الله علیه و آله وسلم الهجر - العياذ بالله - والهذيان مفترياً بذلك على الله ورسوله لكى يثبتوا أنّ النبوّة لا تحجز صاحبها عن الهجر والهذيان (قلم اینجا رسید و سر بشکست)

إن المر إذا وصل إلى هذا الحدّ من الجهل والسخف وبلغ في العناد والتعصب إلى هذه الدرجة فإنّ الحديث معه لا يليق بأهل العلم والمعرفة .

وأخيراً لمعاوية أوائل عدة يمكن تصيدها من كتب التاريخ:

فهو أوّل من وضع البريد.

وأوّل من وضع ديوان الخاتم، وسببه أن أمر لرجل بمائة ألف درهم فلعب الرجل بالكتاب بعد فتحه وصيّر المبلغ مأتي ألف، من ثمّ وضع معاوية «ديوان

«الخاتم فأتبعه من جاء بعده واقتفى سنته.

وأوّل من اتخذ المقصورة في المسجد بدعةً .

وأوّل من خطب جالساً بدعة.

وأوّل من حبق على المنبر بمسمع ومشهد (1)كما قال الراغب ذلك .

وأوّل من نقض العهد بجرأة كما قال ذلك على منبر الكوفة بعد إبرامه الصلح مع الإمام الحسن علیه السلام ، قال : «إنِّي شرطت للحسن شروطاً وكلها تحت رجلي» .

وأوّل من خالف الحديث الصحيح : الولد للفراش وللعاهر الحجر .

ص: 204


1- سبقه إلى ذلك ولي نعمته عمر لعنه الله .

وأوّل من أظهر سبّ أمير المؤمنين علیه السلام وأشاعه بين الناس.

وأوّل من أقدم على قتل ذرّيّة النبي حين سمّ الإمام الحسن علیه السلام كما ثبت ذلك في الكتب المعتمدة لأهل السنة. وفي قصيدة ابن عبدون يقول:

وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسن***أتت بمعضلة الألباب والفكر

فبعضنا قائل ما اغتاله أحد***وبعضنا ساكت لم يؤت من حصر

وأوّل من أخذ البيعة لولده واستخلف يزيد وطوّق إثمه في عنقه .

وأوّل من استخدم الخصيان .

وأوّل من أمر بتجريد الكعبة من كسوتها وكان الرسم قبل ذلك جرى برفع كسوتها شيئاً فشيئاً دون تجريدها.

وأوّل من أحيا رسوم الأكاسرة وجلس في مجلسه على السرير. وأوّل من عبث رعيته معه في اللهو من دون أن تهابه .

وأوّل من قتل صبراً كما فعل بحجر بن عدي.

وأوّل من رفع الرؤوس على أطراف الرماح كما فعل بعمرو بن الحمق.

وأوّل من استحلف في البيعة وتابعه الحجّاج فاشترط اليمين في البيعة كما رويت هذه المسألة في كتب أهل السنّة .

وفي التي ذكرنا من بدعه وفتنه كفاية عن غيرها ، وليست بحاجة إلى بيان ، ومن لم يستضيء بمصباح لم يستضيء بصباح.

تذييل وتسجيل

لمّا كان جواز لعن معاوية بل سائر المنافقين من الصحابة محل نزاع عظيم وخلاف كبير بين طائفتي الشيعة وأهل السنة والجماعة، ونحن بينا على طريقة الاحتجاج في هذا الكتاب قدراً يكفي في تصديق المنصف المستبصر ولكن نقل

ص: 205

حول الموضوع رسالة لبعض قدماء الزيدية جامعة لمجامع الكلام ومحيطة بأطراف المقصود ولم يتوان دقيقة واحدة في علاج الموضوع وقد ذكرها الفاضل التحرير عبدالحميد بن أبي الحديد في الجزء العشرين من شرح نهج البلاغة في شرح كلمة الإمام في خطابه للمغيرة بن شعبة وحديثه معه ، قال :

دعه يا عمّار فإنّه لن يأخذ من الدين إلا ما قاربه من الدنيا، وعلى عمد لبّس على نفسه ليجعل الشبهات عاذراً لسقطاته ...(1)

ونحن هنا نورد مجمل كلام ابن أبي الحديد ونحسب معاني تلك الرسالة لإتمام الحجّة وإكمال النعمة ، ومن كانت له رغبة في التفصيل أو اشتاق إلى فصاحة العبارات ذاتها فعليه بالرجوع إلى الموضع الوارد في الرسالة .

قال ابن أبي الحديد وحضرت عند النقيب أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي البصري في سنة إحدى عشرة وستمائة ببغداد وعنده جماعة وأحدهم يقرأ في الأغاني لأبي الفرج، فمرّ ذكر المغيرة بن شعبة وخاض القوم فذمه بعضهم واثنى عليه بعضهم، وأمسك عنه آخرون، فقال بعض فقهاء الشيعة ممن كان يشتغل بطرف من علم الكلام على رأي الأشعري : الواجب الكف والإمساك عن الصحابة وعمّا شجر بينهم .

فقد قال أبو المعالي الجويني(2): إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم نهى عن ذلك وقال: إياكم وما شجر بين صحابتي ، وقال : دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً لما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه وقال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم

ص: 206


1- شرح نهج البلاغة 20 : 8 (المترجم وهامش الأصل)
2- المؤلّف حذف بعض فقرات الرسالة ورأيت إثباتها لعموم فائدتها ولأنّ تلخيصها بالترجمة يجوز قبوله ، أما وأنا أنقل الأصل ذاته فالتلخيص مذهب لكثير من فائدته وإن كلفني جهداً. (المترجم)

وقال : خيركم القرن الذي أنا فيه ثمّ الذي يليه ثمّ الذي يليه ثمّ الذي يليه، وقد ورد في القرآن الثناء على الصحابة وعلى التابعين، وقال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وقد روي عن الحسن البصري أنه ذكر عنده الجمل وصفّين فقال : تلك دماء طهر الله منها أسيافنا فلا تلطخ بها ألسننا .

ثم إن تلك الأحوال قد غابت عنا وبعدت أخبارها على حقائقها فلا يليق بنا أن نخوض فيها ، ولو كان واحد من هؤلاء قد أخطأ لوجب [أن يحفظ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فيه ومن المروءة] أن يحفظ رسول الله في عائشة زوجته وفي الزبير ابن عمته وفي طلحة الذي وقاه بيده.

ثمّ ما الذي ألزمنا وأوجب علينا أن نلعن أحداً من المسلمين أو نبرأ منه ! وأيّ ثواب في اللعنة والبرائة ! إنَّ الله تعالى لا يقول يوم القيامة للمكلّف لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ ولو أن إنساناً عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يكن عاصياً ولا آثماً، وإذا جعل الإنسان عوض اللعنة استغفر الله كان خيراً له .

ثمّ كيف يجوز للعامة أن تدخل أنفسها في أمور الخاصة وأولئك قوم كانوا أمراء هذه الأمة وقادتها ، ونحن اليوم في طبقة سافلة جداً عنهم فكيف يحسن بنا التعرض لذكرهم؟ أليس يقبح من الرعيّة أن تخوض في دقائق أُمور الملك وأحواله وشئونه التي تجري بينه وبين أهله وبني عمه ونسائه وسراريه، وقد كان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم صهراً لمعاوية وأخته أم حبيبة تحته فالأدب أن تحفظ أُمّ حبيبة وهي أُمّ المؤمنين في أخيها .

وكيف يجوز أن يلعن من جعل الله تعالى بينه وبين رسول الله مودّة ! أليس المفسرون كلهم قالوا هذه الآية أنزلت في أبي سفيان وهي قوله تعالى : «عَسَى اللَّهُ

ص: 207

أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِنْهُم مَوَدَّةً» (1)فكان ذلك مصاهرة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أبا سفيان وتزويجه ،ابنته على أن جميع ما تنقله الشيعة من الاختلاف بينهم والمشاجرة لم يثبت وما كان القوم إلا كبني أم واحدة ولم يتكدّر باطن أحد منهم على صاحبه قط ، ولا وقع بينهم اختلاف ولا نزاع. فقال أبو جعفر : قد كنت منذ أيام علقت بخطي كلاماً بخطي كلاماً وجدته لبعض الزيدية في هذا المعنى نقضاً ورداً على أبي المعالي الجويني فيما اختاره لنفسه من هذا الرأي وأنا أخرجه إليكم لأستغني بتأمله عن الحديث على ما قاله هذا الفقيه فإنّي أجد ألماً يمنعني من الإطالة في الحديث، لاسيما إذا خرج مخرج الجدل ومقاومة الخصوم، ثمّ أخرج من بين كتبه كرّاساً قرأناه في ذلك المجلس وأستحسنه الحاضرون ، وأنا أذكر هاهنا خلاصته قال :

لولا أن الله أوجب معاداة أعدائه كما أوجب موالاة أوليائه وضيق على المسلمين تركها إذا دلّ العقل عليها أو صح الخبر عنها بقوله سبحانه : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» (2)وبقثوله تعالى: «وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ»(3)وبقوله سبحانه : «لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ» (4)ولإجماع المسلمين على أن الله تعالى فرض عداوة أعدائه وولاية أوليائه، وعلى أنّ البغض في الله واجب والحبّ في الله واجب لما تعرّضنا لمعاداة أحد من الناس في الدين ولا البرائة منه، ولكانت عداوتنا للقوم تكلّفاً ولو ظننا إنّ الله عزّ وجلّ يعذرنا إذا

ص: 208


1- الممتحنة: 7 .
2- المجادلة : 22 .
3- المائدة : 81
4- الممتحنة : 13 .

قلنا: يا ربّ غاب أمرهم عنّا فلم يكن لخوضنا في أمر قد غاب عنا معنى ، لاعتمدنا على هذا العذر، وواليناهم ، ولكنا نخاف أن يقول سبحانه لنا: إن كان أمرهم قد غاب عن أبصاركم فلم يغب عن قلوبكم وأسماعكم، قد أتتكم به الأخبار الصحيحة التي بمثلها ألزمتم أنفسكم الإقرار بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم وموالاة من صدقه ومعاداة من عصاه وجحده ، وأمرتم بتدبر القرآن وما جاء به الرسول، فهلا حذرتم من أن تكونوا من أهل هذه الآية غداً: «رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلاً» .(1)

فأما لفظة اللعن فقد أمر الله تعالى بها وأوجبها ، ألا ترى إلى قوله : «أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (2)فهو إخبار معناه الأمر ، كقوله : «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» (3)وقد لعن الله تعالى العاصين بقوله : «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ» (4)وقوله : «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهيناً» (5)وقوله : «مَّلْعُونِينَ أَيْنَما تُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتَّلُوا تَقْتِيلاً« (6)وقال تعالى لإبليس : «وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ» (7)وقال: «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الکَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً» (8)

فأما قول من يقول : (أيّ ثواب في اللعن؟ وإنّ الله تعالى لا يقول للمكلّف لم لم )

ص: 209


1- الأحزاب : 67 .
2- البقرة : 159 .
3- البقرة : 228 .
4- المائدة : 78
5- الأحزاب : 57 .
6- الأحزاب : 61 .
7- ص: 78 .
8- الأحزاب : 64 .

تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ وإنّه لو جعل مكان لعن الله فلاناً ، اللهم اغفر لي لكان خيراً له، ولو أنّ إنساناً عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يؤاخذ بذلك) فكلام جاهل لا يدري ما يقول ؟ اللعن طاعة ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجوهها وهو أن يلعن مستحق اللعن الله وفي الله ، لا في العصبية والهوى . ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفي الولد ونطق بها القرآن وهو أن يقول الزوج في -- الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وأنّه قد تعبّدهم بها لما جعلها من معالم الشرع ولما كرّرها في كثير من كتابه العزيز، ولما قال في حق القائل : «وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ» (1)وليس المراد من قوله «ولعنه» إلا الأمر لنا بأن نلعنه ، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه لأن الله تعالى قد لعنه، أفيلعن الله تعالى إنساناً ولا يكون لنا أن نلعنه ؟! هذا ما لا يسوغ في العقل . كما لا يجوز أن يمدح الله إنساناً إلا ولنا أن نمدحه، ولا يذمّه إلا ولنا أن نذمّه . وقال الله تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَر من ذلِكَ مَثوبَةٌ عِندَ اللهِ مَن لَعْنَهُ اللهُ» (2)وقال : «رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيِنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً» (3)وقال عزّ وجلّ : «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا» (4).

وكيف يقول القائل : إنّ الله تعالى لا يقول للمكلّف لم لم تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أنّ الله تعالى أمر بولاية أوليائه، وأمر بعداوة أعدائه فكما يسأل عن التولّي يسأل عن التبري. ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بأن يقال له : تلفظ بكلمة

ص: 210


1- النساء : 93
2- المائدة : 60 .
3- الأحزاب : 68 .
4- المائدة : 64 .

الشهادتين ثم قل: برئت من كل دين يخالف دين الإسلام فلابد من البرائة لأن بها يتم العمل ! ألم يسمع هذا القائل قول الشاعر:

تودّ عدوّي ثم تزعم أنّني***صديقك إن الرأي عنك لعازب

فمودة العدوّ خروج عن ولاية الولي، وإذا بطلت المودة لم يبق إلا البرائة لأنه لا يجوز أن يكون الإنسان في درجة متوسطة مع أعداء الله تعالى وعصاته بأن لا

يودهم ولا يبرأ منهم بإجماع المسلمين على نفي الواسطة .

وأما قوله : (لو جعل عوض اللعنة استغفر الله لكان خيراً له) فإنّة لو استغفر من غير أن يلعن أو يعتقد وجوب اللعن لما نفعه استغفاره ولا قبل منه لأنه يكون عاصياً الله تعالى، مخالفاً أمره في إمساكه عمّن أوجب الله تعالى عليه البرائة منه وإظهار البرائة ، والمصرّ على بعض المعاصي لا تقبل توبته واستغفاره عن البعض الآخر ، وأما من يعيش عمره ولا يلعن إبليس فإن كان لا يعتقد وجوب لعنه فهو كافر، وإن كان يعتقد وجوب لعنه ولا يلعنه فهو مخطئ على أنّ الفرق بينه وبين ترك لعنه على رؤوس الضلال في هذه الأمة كمعاوية والمغيرة وأمثالهما أن أحداً من المسلمين لا يورث عنده الإمساك عن لعن إبليس شبهة في أمر إبليس والإمساك عن لعن هؤلاء وأضرابهم يثير شبهة عند كثير من المسلمين في أمرهم وتجنّب ما يورث الشبهة في الدين واجب ، فلهذا لم يكن الإمساك عن لعن إبليس نظيراً للإمساك عن لعن هؤلاء.

قال : ثم يقال للمخالفين : أرأيتم لو قال قائل : قد غاب عنا أمر يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف فليس ينبغي أن نخوض في قصتهما، ولا أن نلعنهما ونعاديهما ، ونبرأ منهما هل كان هذا إلا كقولكم : قد غاب عنا أمر معاوية والمغيرة بن شعبة وأضرابهما فليس لخوضنا في قصتهم معنىً !

وبعد : فكيف أدخلتم أيها العامة والحشوية وأهل الحديث أنفسكم في أمر

ص: 211

عثمان ، وخضتم فيه ، وقد غاب عنكم ! وبرئتم من قتله ولعنتموهم وكيف لم تحفظوا أبا بكر الصديق !!! في محمد ابنه فإنّكم لعنتموه وفسقتموه، ولا حفظتم عائشة المؤمنين في أخيها محمد المذكور ومنعتمونا أن نخوض وندخل أنفسنا في أمر علي والحسن والحسين ومعاوية الظالم له ولهما، المتغلب على حقه وحقوقهما وكيف صار لعن ظالم عثمان من السنّة عندكم، ولعن ظالم عليّ والحسن والحسين تكلّفاً!

وكيف أدخلت العامة أنفسها في أمر عائشة وبرئت ممن نظر إليها ومن القائل لها يا حميراء ، وإنما هي حميراء ، ولعنته بكشفه سترها ومنعتنا ن-ح-ن ع--ن الحديث في أمر فاطمة وما جرى لها بعد وفاة أبيها ؟

فإن قلتم : إن بيت فاطمة إنّما دخل، وسترها إنما كشف حفظاً لنظام الإسلام وكيلا ينتشر الأمر ويخرج قوم من المسلمين أعناقهم من ربقة الطاعة ولزوم

الجماعة.

قيل لكم وكذلك ستر عائشة إنما كشف وهو دجها إنّما هتك لأنّها نشرت حبل الطاعة وشقت عصا المسلمين، وأراقت دماء المسلمين من قبل وصول علي بن أبي طالب إلى البصرة وجرى لها مع عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة ومن كان معهما من المسلمين الصالحين من القتل وسفك الدماء ما تنطق به كتب التاريخ والسير ، فإذا جاز دخول بيت فاطمة لأمر لم يقع بعد جاز كشف ستر عائشة على ما قد وقع وتحقق، فكيف صار هتك ستر عائشة من الكبائر التي يجب معها التخليد في النار والبرائة من فاعله من أوكد عرى الإيمان، وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها وجمع الحطب ببابها وتهدّدها بالتحريق من أوكد عرى الدين وأثبت دعائم الإسلام وممّا أعزّ الله به المسلمين وأطفأ به نار الفتنة

ص: 212

والحرمتان واحدة والستران واحد (1).

وما نحب أن نقول لكم أن حرمة فاطمة أعظم ومكانها أرفع وصيانتها لأجل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أولى فإنّها بضعة منه وجزء من لحمه ودمه، وليست كالزوجة الأجنبية التي لا نسب بينها وبين الزوج وإنّما هي وصلة مستعارة، وعقد يجري مجرى إجار المنفعة وكما يملك رقّ الأمة بالبيع والشراء، ولهذا قال الفرضيّون: أسباب التوارث ثلاثة سبب ونسب وولاء، فالنسب القرابة، والسبب النكاح ، والولاء ولاء العتق ، فجعلوا النكاح خارجاً عن السبب، ولو كانت الزوجة ذات نسب لجعلوا الأقسام الثلاثة قسمين .

وكيف تكون عائشة وغيرها في منزلة فاطمة وقد أجمع المسلمون كلّهم من يحبّها ومن لا يحبها منهم أنها سيدة نساء العالمين ؟

قال : وكيف يلزمنا اليوم حفظ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في زوجته وحفظ أم حبيبة في أخيها، ولم تلزم الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في أهل بيته ولا ألزمت الصحابة أنفسها حفظ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في صهره وابن عمه ، ابن عفّان ، وقد قتلوهم ولعنوهم ، ولقد كان كثير من الصحابة يلعن عثمان الصحابة يلعن عثمان وهو خليفة منهم عائشة كانت تقول : اقتلوا نعثلاً لعن الله نعثلاً، ومنهم عبدالله بن مسعود، وقد لعن معاوية عليّ ابن أبي طالب وابنيه حسناً وحسيناً وهم أحياء يرزقون بالعراق، وهو يلعنهم بالشام على المنابر ويقنت عليهم في الصلوات، وقد لعن أبوبكر وعمر سعد بن عبادة وهو حي ، وبرئا منه وأخرجاه من المدينة إلى الشام، ولعن عمر خالد بن الوليد لما قتل مالكاً ابن نويرة، وما زال اللعن فاشياً في المسلمين إذا عرفوا من

ص: 213


1- لا يقول أحد إلا من أعمى الله قلبه بالمساواة بين فاطمة علي وعائشة لعنها الله ؛ هذه صاحبة الجمل وتلك سيدة نساء العالمين. (المترجم)

الإنسان معصية تقتضي اللعن والبرائة .

قال : ولو كان هذا أمراً معتبراً وهو أن يحفظ زيد لأجل عمرو فلا يلعن لوجب أن يتحفظ الصحابة في أولادهم فلا يلعنوا لأجل آبائهم، فكان يجب أن يحفظ سعد بن أبي وقاص فلا يلعن ابنه عمر بن سعد قاتل الحسين، وأن يحفظ معاوية فلا يلعن يزيد صاحب وقعة الحرّة وقاتل الحسين ومخيف المسجد الحرام بمكة وأن يحفظ عمر بن الخطاب في عبيدالله ابنه قاتل الهرمزان والمحارب عليا في صفّين.

قال : على أنه لو كان الإمساك عن عداوة من عادى الله من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وأصحابه رعاية عهده وعقده لم نعادهم ولو ضربت رقابنا بالسيوف ولكن محبّة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ليست كمحبّة الجهال الذين يصنع أحدهم محبّته لصاحبه موضع العصبية وإنما أوجب الله ورسول الله محبّة أصحابه لطاعتهم الله فإذا عصوا الله وتركوا ما أوجب محبّتهم فليس عند رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم محاباة في ترك لزوم ما كان

عليه من محبّتهم ولا تغطرس فيم العدول عن التمسك بموالاتهم.

فلقد كان صلی الله علیه و آله وسلم يحبّ أن يعادي أعداء الله ولو كانوا عترته كما يحبّ أن يوالي أولياء الله ولو كانوا أبعد الخلق نسباً منه، والشاهد على ذلك إجماع الأمة على أن الله تعالى قد أوجب عداوة من ارتد بعد الإسلام وعداوة من نافق وإن كان من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم هو الذي أمر بذلك ودعا إليه .

وذلك أنه صلی الله علیه و آله وسلم قد قطع يد السارق، وضرب القاذف، وجلد البكر إذا زني ، وإن كان من المهاجرين والأنصار . ألا ترى إنّه قال : لو سرقت فاطمة لقطعتها، فهذه ابنته الجارية مجرى نفسه لم يحابها في دين الله ولا راقبها في حدود الله ، وقد جلد أصحاب الإفك ومنهم مسطح ابن أثاثة وكان من أهل بدر.

قال : وبعد فلو كان محل اصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم محل من لا يعادى إذا عصى

ص: 214

الله سبحانه ولا يذكر بالقبيح بل يحبّ أن يراقب لأجل اسم الصحبة ويغضى عن عيوبه وذنوبه لكان كذلك صاحب موسى المسطور ثنائه في القرآن لما اتبع هواه فانسلخ ممّا أُوتي من الآيات وغوى، قال سبحانه: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ» (1)ولكان ينبغي أن يكون محلّ عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل لأن هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولاً جليلاً من رسل الله سبحانه .

قال : ولو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة لعلمت ذلك من حال أنفسها لأنهم أعرف بمحلّهم من عوام أهل دهرنا ، وإذا قدرت فعل بعضهم ببعض دلتك على أن القصة كانت على خلاف ما سبق إلى قلوب الناس اليوم. هذا عليّ وعمار، وأبو الهيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت، وجميع من كان مع علي علیه السلام من المهاجرين والأصنار لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة والزبير حتى فعلوا بهما وبمن معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا .

وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا.

وهذا معاوية وعمرو لم يريا عليّاً بالعين التي يرى بها العامي صديقه أو جاره ولم يقصروا دون ضرب وجهه بالسيف ولعنه ولعن أولاده وكلّ من كان حيّاً من

أهله وقتل أصحابه وقد لعنهما هو أيضاً في الصلوات المفروضات ولعن معهما أبا الأعور السلمى وأبا موسى الأشعري وكلاهما من الصحابة .

وهذا سعد بن أبي وقاص ومحمّد بن مسلمة وأسامة بن زيد وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبدالله بن عمر وحسّان بن ثابت وأنس بن مالك لم يروا أن

ص: 215


1- الأعراف : 175 .

يقلدوا عليّاً في حرب طلحة ولا طلحة في حرب عليّ، وطلحة والزبير بإجماع المسلمين أفضل من هؤلاء المعدودين لأنهم زعموا أنهم قد خافوا أن يكون عليّ

قد زلّ في حربهما وخافوا أن يكونا قد غلطا وزلا في حرب عليّ.

وهذا عثمان قد نفى أباذر إلى الربذة كما يفعل بأهل الخنا والريب.

وهذا عمّار وابن مسعود تلقيا عثمان بما تلقياه به لمّا ظهر لهما - بزعمهما - منه ما وعظاه لأجله ، ثمّ فعل بهما عثمان ما تناهى إليكم ، ثمّ فعل القوم بعثمان ما قد علمتم وعلم الناس كلّهم.

وهذا عمر يقول في قصة الزبير بن العوام لما استأذنه في الغزو ها إنّي ممسك بباب هذا الشعب أن يتفرّق أصحاب محمد صلی الله علیه و آله وسلم في الناس فيضلوهم.

وزعم أنّه وأبابكر كانا يقولان : إنّ عليّاً والعباس في قصة الميراث زعماهما كاذبين ظالمين ،فاجرين، وما رأينا عليّاً والعباس اعتذرا ولا تنصلا، ولا نقل أحد من أصحاب الحديث ذلك، ولا رأينا أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أنكروا عليهما ما حكاه عمر عنهما ونسبه إليهما، ولا أنكروا أيضاً على عمر قوله في أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أنهم يريدون إضلال الناس ويهمّون به، ولا أنكروا على عثمان دوس بطن عمّار ولا كسر ضلع ابن مسعود ولا عمار وابن مسعود ما تلقيا به عثمان كإنكار العامة اليوم الخوض في حديث الصحابة، ولا اعتقدته الصحابة في أنفسها ما يعتقدوه العامة فيهما ، اللهم إلا أن يزعموا إنّهم أعرف بحق القوم منهم.

وهذا عليّ وفاطمة والعبّاس ما زالوا على كلمة واحد يكذبون الرواية «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» ويقولون إنّها مختلقة .(1)قالوا: وكيف كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم

ص: 216


1- مع كلّ هذا وفي الشيعة وجوه بارزة راحت تأوّل هذا القول المزعوم وتوجد له الوجوه والاحتمالات البعيدة التي تضحك الشكى، منهم سيدنا الشهيد الصدر في كتاب فدك والشيخ البياضي في كتاب الصراط المستقيم بل والمفيد أيضاً في بعض كتبه . وأقول لهؤلاء وغيرهم ممن يعزف على هذا الوتر المتهرء ، إنّها إسائة بحسن نية إلى أهل البيت وإلى الصدّيقة منهم خاصة، وكأنهم استشعروا من أنفسهم فضاعة الكذب على رسول الله من صحابي متقدّم فراحوا يخرجون له الوجوه والتأويلات، وأقول لهم بصراحة ولا أخشى أحداً إلا الله : إن أبا بكر لعنه الله كذب على رسول الله فتبوأ مقعده من النار . (المترجم)

يعرف هذا الحكم غيرنا ويكتمه عنا ونحن الورثة ونحن أولى الناس بأن يؤدى هذا الحكم إليه .

وهذا عمر بن الخطاب يشهد لأهل الشورى أنّهم النفر الذين توفّي رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وهو عنهم راض ، ثم يأمر بضرب أعناقهم إن أخروا فصل الإمامة ، هذا بعد ان ثلبهم وقال في حقهم ما لو سمعته العامة اليوم من قائل لوضعت ثوبه في عنقه سحباً إلى السلطان ثمّ شهدت عليه بالرفض واستحلّت دمه، فإن كان الطعن على بعض الصحابة رفضاً فعمر بن الخطاب أرفض الناس وإمام الروافض كلّهم.

ثمّ شاع واشتهر من قول عمر : كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى الله شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وهذا طعن في العقد وقدح فى البيعة الأصلية.

ثمّ ما نقل عنه من ذكر أبى بكر في صلاته وقوله عن عبد الرحمن ابنه دويبة سوء ولهو خير من أبيه .

ثم عمر القائل في سعد بن عبادة وهو رئيس الأنصار وسيدها اقتلوا سعداً قتل الله سعداً، اقتلوه فإنه منافق ، وقد شتم أبا هريرة وطعن في روايته، وشتم خالد بن الوليد وطعن في دينه، وحكم بفسقه وبوجوب قتله، وخوّن عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيء واقتطاعه (1)وكان سريعاً إلى المسائة كثير

ص: 217


1- اقرأ كتابي الحكم والأخلاق في منطق الثورة الحسينية التعرف علاقة عمر لعنه الله الصميمة بمعاوية وكيف قواه ليجعل منه واجهة لحرب عليّ في المستقبل . (المترجم)

الجبه والشتم والسب لكلّ أحد ، وقل أن يكون في الصحابة من سلم من معرّة لسانه أو يده ، ولذلك أبغضوه وملوا أيامه مع كثرة الفتوح فيها ، فهلا احترم عمر الصحابة كما تحترمهم العامة ؟ إما أن يكون عمر مخطئاً وإما أن يكون العامة على خطأ (1).

فإن قالوا : عمر ما شتم ولا ضرب ولا أساء إلى عاص مستحق لذلك.

قيل لهم : فكأنا نحن نقول : إنا نريد أن نبرأ ونعادي من لا يستحق البرائة والمعاداة ، كلّا، ما قلنا هذا ولا يقول هذا مسلم ولا عاقل ، وإنما غرضنا الذي إليه نجري بكلامنا هذا أن نوضح أن الصحابة قوم من الناس لهم ما للناس وعليهم ما عليهم ؛ من أساء منهم ذممناه ، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم من المسلمين كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير ، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات فقربت اعتقاداتهم من الضرورة ونحن لم نشاهد ذلك فكانت عقائدنا محض النظر والفكر ومعرضة للشُّبَه والشكوك ، فمعاصينا أخف لأنا أعذر.

ثمّ نعود إلى ما كنا فيه فنقول: وهذه عائشة أم المؤمنين خرجت بقميص رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقالت للناس : هذا قميص رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لم يبل وعثمان قد أبلى سنّته ، ثمّ :قول : أقتلو انعثلاً قتل الله نعثلاً، ثمّ لم ترض بذلك حتى قالت : أشهد أن عثمان جيفة على الصراط غداً ، فمن الناس من يقول : روت في ذلك خبراً، ومن الناس من يقول : هو موقوف عليها ، وبدون هذا لو قاله انسان اليوم يكون عند العامة زنديقاً.

ثم حصر عثمان حصرته أعيان الصحابة فما كان أحد ينكر ذلك ولا يعظمه ولا يسعى في إزالته وإنّما أنكروا على من أنكر على المحاصرين له وهو رجل كما علمتم من وجوه أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ثم من أشرافهم ثم هو أقرب إليه من أبي

ص: 218


1- أقول : عمر والعامة كاليهود والنصارى كلاهما مخطئان . (المترجم)

بكر وعمر، وهو مع ذلك إمام المسلمين والمختار منهم للخلافة، وللإمام حقّ على رعيته عظيم ، فإن كان القوم قد أصابوا فإذن ليست الصحابة في الموضع الذي وضعتها به العامة ، إن كانوا ما أصابوا فهذا هو الذي نقول من أن الخطأ جائز على آحاد الصحابة كما يجوز على أحادنا اليوم، ولسنا نقدح في الإجماع ولا ندعي إجماعاً حقيقياً على قتل عثمان ، وإنّما نقول : إن كثيراً من المسلمين فعلوا ذلك والخصم يسلّم أنّ ذلك كان خطأ ومعصية فقد سلّم أن الصحابي يجوز أن يخطئ ويعصي وهو المطلوب.

وهذا المغيرة بن شعبة وهو من الصحابة، ادّعي عليه الزنا وشهد عليه قوم بذلك فلم ينكر ذلك عمر ولا قال هذا محال وباطل لأن هذا صحابي من صحابة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لا يجوز عليه الزنا، وهلا أنكر عمر على الشهود وقال لهم : ويحكم هلا تغافلتم عنه لما رأيتموه يفعل ذلك فإنّ الله تعالى قد أوجب الإمساك عن مساوئ أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وأوجب الستر عليهم ؟ وهلا تركتموه لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في قوله : (دعوا لي أصحابي) ما رأينا عمر إلا قد انتصب لسماع الدعوى وإقامة الشهادة، وأقبل يقول للمغيرة يا مغيرة ذهب ربعك يا مغيرة ذهب نصفك ، يا مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك ، حتى اضطرب الرابع فجلد الثلاثة(1). وهلّا قال المغيرة لعمر : كيف تسمع في قول هؤلاء وليسوا من الصحابة وأنا من الصحابة ورسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قد قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) (2)ما رأيناه قال ذلك بل استسلم الحكم الله تعالى.

ص: 219


1- إنّما اضطرب الرابع بتلقين عمر له ، والرابع هو زياد بن أبيه . (المترجم)
2- وما أحسن قول الشاعر : صحابه گرچه ایشان کالنجومند***ولى بعض كواكب نحس و شومند زهر الربيع : 348 ط بيروت - (هامش الأصل)

وهاهنا من هو أمثل من المغيرة وأفضل ، قدامة بن مظعون لما شرب الخمر في أيام عمر فأقام عليه الحدّ وهو رجل من علية الصحابة ومن أهل بدر، والمشهود لهم بالجنّة ، فلم يردّ عمر الشهادة ولا درأ عنه الحدّ لعلمه أنه بدري، ولا قال قد نهى رسول الله لعل الله عن ذكر مساوئ الصحابة .

وقد ضرب عمر أيضاً ابنه حدّاً فمات وكان ممن عاصر رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ولم تمنع معاصرته له من إقامة الحدّ عليه .

وهذا عليّ علیه السلام يقول : ما حدثني أحد بحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إلا استحلفته عليه أليس هذا اتهاماً لهم بالكذب وما استثنى أحداً من المسلمين إلا أبابكر على ما ورد في الخبر .(1)

وقد صرّح غير مرّة بتكذيب أبي هريرة وقال : لا أحد أكذب من هذا الدوسي على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم .

وقال أبوبكر في مرضه الذي مات فيه : وددت أني لم أكشف بيت فاطمة ولو كان أُغلق علي حرب ، فندم، والندم لا يكون إلا عن ذنب.

ثم ينبغي للعاقل ان يفكر في تأخر علي علیه السلام عن بيعة أبي بكر ستة أشهر إلى أن ماتت فاطمة ؛ فإن كان مصيباً فأبوبكر على الخطأ في انتصابه في الخلافة ، وإن كان أبوبكر مصيباً فعليّ على الخطأ في تأخره عن البيعة وحضور المسجد.

ثمّ قال ابوبكر في مرض موته أيضاً للصحابة فلما استخلفت عليكم خيركم في نفسي - يعني عمر - فكلّكم ورم لذلك أنفه يريد أن يكون الأمر له لما رأيتم الدنيا قد جاءت ، أما والله لتتخذن ستائر الديباج ونضائد الحرير، أليس هذا طعناً في الصحابة وتصريحاً بأنة قد نسبهم إلى الحسد لعمر لما نص عليه بالعهد ولقد

ص: 220


1- حاشا عليّاً أن يقول هذا وقد ثبت عنده كذب أبي بكر في حديث لا نورث . (المترجم)

قال له طلحة لما ذكر عمر للأمر : ماذا تقول لربّك إذا سألك عن عباده وقد ولّيت عليهم فظا غليظاً ؟ فقال أبوبكر : اجلسوني اجلسوني، بالله تخوفني ؟! إذا سألني قلت : وليت عليهم خير أهلك ، ثم شتمه بكلام كثير منقول، فهل قول طلحة إلا طعناً في عمر ؟ وهل قول أبي بكر إلا طعن في طلحة ؟

ثمّ الذي كان بين أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود من السباب حتى نفى كلّ واحد منهما الآخر عن أبيه وكلمة أبي بن كعب مشهورة منقولة : ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ فقدوا نبيّهم ، وقوله : ألا هلك أهل العقدة والله ما أسى عليهم إنما أسى على من يضلّون من الناس.

ثمّ قول عبدالرحمن بن عوف ما كنت أرى أن أعيش حتى يقول لي عثمان : يا منافق ، وقوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما ولّيت عثمان شسع نعلي وقوله : اللهم إنّ عثمان قد أبى أن يقيم كتابك فافعل به وافعل.

وقال عثمان العلي علیه السلام في كلام دار بينهما : أبو بكر وعمر خير منك ، فقال علي: أبوبكر كذبت أنا خير منك ومنهما ؛ عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما .

وروی سفیان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كنت عند عروة بن الزبير فتذاكرنا كم أقام النبي بمكة بعد الوحي ، فقال عروة: أقام عشراً، فقلت: كان ابن عبّاس يقول : ثلاث عشرة ، فقال : كذب ابن عبّاس .

وقال ابن عبّاس : المتعة حلال، فقال له جبير بن مطعم كان عمر ينهى عنها ، فقال : يا عدوّ نفسه من هاهنا ضللتم ، أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وتحدّثني عن عمر .

وجاء في الخبر عن علي علیه السلام : لولا ما فعل عمر بن الخطاب في المتعة ما زنى إلا

ص: 221

شقي. وقيل: ما زنى إلا شفاء أي قليلاً .(1)

ومجمل القول تدور مثل هذه الكلمات كثيراً على ألسنة الأصحاب وتخطئة بعضهم لبعض في الأحكام الفقهيّة والشرعية كثيرة ، ولقد جاء شطر منها في مقال هذا العالم الزيدي الذي نقلناه على وجه التحصيل [التفصيل - ظ] (2)إلى أن يقول :

قال المتكلّم : وكيف يصح أن يقول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ؟ لا شبهة أن هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى وأن يكون أهل العراق أيضاً على هدى ، وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتدياً، قد صح الخبر الصحيح أنه قال : تقتلك الفئة الباغية، وقال في القرآن: «فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله» (3)فدل على أنها ما دامت موصوفة بالمقام على البغي مفارقة لأمر الله ومن يفارق أمر الله لا يكون مهتدياً.

وكان يجب أن يكون بسر بن أرطاة الذي ذبح ولدي عبدالله بن عباس الصغيرين مهتدياً؛ لأنّ بسراً من الصحابة أيضاً.

وكان يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاويه اللذان كاننا يلعنان عليّاً أدبار الصلاة وولديه مهتدين.

وقد كان في الصحابة من يزني ومن يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي، ومن يرتد عن الإسلام كطليحة الأسدي ابن خويلد فيجب أن يكون كلّ من اقتدى بهؤلاء في أفعالهم مهتدياً.

وإنّما هذا من موضوعات متعصبة الأموية فإنّ لهم من ينصرهم بلسانه

ص: 222


1- شرح ابن أبي الحديد 2: 21 - 25 . (المترجم)
2- إن لم ينقله المؤلف مفصلاً في ترجمته إياه فقد نقلته على تمامه وكماله دون حذف منه إتماماً للفائدة . [المترجم]
3- الحجرات : 9

وبوضعه الأحاديث إن عجز عن نصرهم بالسيف.

قال : فأما ما ورد في القرآن من قوله تعالى: «لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ» (1)وقوله : «مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ» (2)وقول النبي عل الله : إن الله اطلع على أهل بدر ، إن كان الخبر صحيحاً فكله مشروط بسلامة العاقبة.

ومن الصحابة الوليد بن عقبة الفاسق بنص الكتاب، ومنهم حبيب بن مسلمة بن الذي فعل ما فعل بالمسلمين في دولة معاوية، وبسر بن أرطاة عدوّ الله وعدوّ

رسوله .

وفي الصحابة كثير من المنافقين لا يعرفهم الناس.

وقال كثير من المسلمين : مات رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ولم يعرفه الله سبحانه ك-لّ المنافقين بأعيانهم وإنّما كان يعرف قوماً منهم ولم يعلم بهم أحداً إلا حذيفة فيما زعموا .(3)(فما الذي جرى لهم وأين ولّوا بعد رسول الله - المؤلّف) .

قال : والعجب من الحشويّة وأصحاب الحديث إذ يجادلون على معاصي الأنبياء ، ويثبتون أنّهم عصوا الله تعالى وينكرون على من ينكر ذلك ويطعنون فيه ويقولون قدري معتزلي ، وربّما قالوا : ملحد مخالف لنص الكتاب ، وقد رأينا منهم الواحد والمائة والألف يجادلون في هذا الباب، فتارة يقولون : إن يوسف قعد من امرأة العزيز مقعد الرجل من المرأة، وتارة يقولون : إن داود قتل أوريا لينكح ،امرأته، وتارة يقولون : إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم كان كافراً ضالاً قبل النبوة، وربما ذكروا زينب بنت جحش وقصة الفداء يوم بدر، فأما قدحهم في آدم علیه السلام وإثباتهم

ص: 223


1- الفتح : 18 .
2- الفتح : 29
3- شرح ابن أبي الحديد 20 : 29 و 30 و 33

معصيته ومناظرتهم من يذكر ذلك فهو دأبهم وديدنهم، فإذا تكلم واحد في عمرو ابن العاص أو في معاوية وأمثالهما ونسبهم إلى المعصية وفعل القبيح احمرت وجوههم وطالت أعناقهم وتخازرت أعينهم، وقالوا مبتدع رافضي يسبّ الصحابة، ويشتم السلف، فإن قالوا إنّما اتبعنا في ذكر معاصي الأنبياء نصوص الكتاب ، قيل لهم فاتّبعوا في البرائة من جميع العصاة نصوص الكتاب (1)فإنّه : تعالى قال : «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (2)وقال: «فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ» (3)وقال : «أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ» (4)ثم يسألون عن بيعة علي علیه السلام : هل هي صحيحة لازمة لكل الناس ؟ فلابد من (بلي) فيقال لهم : فإذا خرج على الإمام الحقِّ خارج أليس يجب على المسلمين قتاله حتّى يعود إلى الطاعة ؟ فهل يكون هذا القتال إلا البرائة التي نذكرها لأنه لا فرق بين الأمرين وإنّما برتنا منهم لأنا لسنا في زمانهم فيمكننا أن نقاتل بأيدينا فقصارى أمرنا الآن أن نتبرأ منهم ونلعنهم وليكون ذلك عوضاً من القتال الذي لا سبيل إليه (5).

وهذا خلاصة كلام ذلك الرجل الزيدي (6). والحق يقال إنه كلام متين ومتقن ومبني على قواعد المناظرة وصادر عن كمال الديانة وتمام النظر والاطلاع وبعد ملاحظته بدقة لا تبقى حجّة لمدّع في الإمساك عن سب الصحابة الذين هم من قبيل معاوية وأضرابه .

ص: 224


1- مع أننا نستطيع أن نستدلّ على معاصي الصحابة من ظواهر الكتاب . (المؤلف)
2- المجادلة : 22 .
3- الحجرات : 9.
4- النساء : 59 .
5- شرح ابن أبي الحديد 20 : 32 و 33. (المترجم)
6- نقلنا شطره الأكبر كما هو من دون تلخيص . (المترجم)

وإن كان الانصاف يقتضينا أنّ لعن معاويه لا يفتقر إلى دليل، فمن دقق النظر فيه وفي أبويه وأبنائه لعنه بالضرورة ، وقد أجاد الحكيم السنائي زاد الله سنائه حيث قال:

داستان پسر هند مگر نشنیدی***که از او و سه کس او به پیمبر چه رسید

پدر او در دندان پیمبر بشکست***مادر او جگر عم پیمبر بمکید

او بناحق حق داماد پیمبر بستاد***پسر او سر فرزند پیمبر ببرید

بر چنین قوم تو لعنت نکنی شرمت باد***لعن الله يزيد وعلى آل يزيد

خذ أخي واعلم بما***قد فعل النغل العنيد

نغل هند وأبي سفيان***في العهد البعيد

كف صخر كسرت سناً***نو الدر النضيد

لنبي الله خير الخلق***في هذا الوجود

أمه قد أكلت***أحشاء مولانا الشهيد

نغله قد قتل ال_***سبط بأوباش عبيد

أفلا تلعنهم لعناً***على الدهر يزيد

لعن الله يزيد***وعلى آل يزيد

تنبيه

أراد أهل السنّة لضيق مجالهم وسوء حالهم وغاية اضطرارهم أن يخترعوا مناقب لمعاوية ولكنّهم عجزوا عن ذلك كما جاء في رسالة الصمصام القاطع لعبدالحق الدهلوي في شرح «سفر السعادة ، فقد قال : لم يثبت حديث صحيح واحد في باب فضائل معاوية لعنه الله . وقيل : لم يثبت له إلّا كتابته بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله وسلموحتى هذه لم تثبت أيضاً ، كذا في جامع الأصول وغيره، تمّ كلام عبدالحق .

وأما حديث : اللهم اجعله هادياً مهدياً فهو دائر على طرق ثلاث وفي طريقين

ص: 225

منها يتردّد اسم محمد بن إسحاق بن حرق اللؤلؤي البلخي . وقال ابن الجوزي في رسالته (الرد على المتعصب العنيد) : كان كذاباً يبغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام .

وذكره قتيبة بالسوء وقال : سمعت عنه أنّه سبّ أمير المؤمنين علیه السلام بالكوفة ولمّا أرادوا القبض عليه هرب.

وقال أبو علي صالح بن محمد الحافظ : إن محمداً بن إسحاق كذاب وضاع، وكان يروي أحاديث منكرة.

وقال ابن حبّان : يروي عن الثقات شيئاً لا يحلّ روايته .

وفي الطريق الآخرة إسماعيل بن محمد ، وروى ابن الجوزي عن الدارقطني أن إسماعيل كذاب ، مضافاً إلى أنه كما اعترف بذلك ابن الجوزي أن يكون محارب

أمير المؤمنين هادياً مهدياً ، كما يشهد بذلك الحديث : حربك حربي.

وجملة القول : إنّهم لعجزهم تشبثوا بالآية: «النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» (1)فلقبوه بخال المؤمنين، وفساد هذا الخيال ظاهر ؛ لأن المراد هنا ليست الحقيقة الوالدة بالضرورة كما صرح بذلك السيّد الأجل المرتضى سلام الله عليه في شرح قصيدة الحميري المذهبة والفخر الرازي خذله الله تفسيره الكبير، وإن المراد من إطلاق الأُم على أزواج النبي صلی الله علیه و آله وسلم إثبات حرمتهن أو المراد بذلك حرمة الزواج منهنّ بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم، أو وجوب احترامهنّ ما دُمْنَ على الصراط المستقيم والجادة القويمة من الشريعة كما أن حال الأمهات مشبهة لحالهنّ : «وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا» .(2)

ص: 226


1- الأحزاب : 6.
2- العنكبوت: 8

وبناءاً على هذا يكون مؤدى الآية التنزيل والتشبيه على سبيل الاستعارة وهي على التحقيق الحقيقة الادعائية ومجاز في أمر عقليّ أو على سبيل التشبيه البليغ من قبيل زيد أسد ، بناءاً على المذهب المشهور، وهذا في حقيقته راجع إلى الأوّل . والجوهري العارف بأصناف الجوهر المميز بين أقسام التعابير وطرق المحاورات وأنحاء الأساليب يلم بأدنى التفات بما ندعيه .

وعلى أي تقدير افترضته لا تترتب عليه لوازم الأُمّ وأحكامها من ثَمّ أبنائهن لسن أخوات ومحارم للمسلمين (1)كما أن أُمهاتهن لسن جدّات، وأخواتهن لسن خالات ، ولا يحرمن على أي واحد من المسلمين بل يجوز للمسلم أن ينكح ابنة زوجة النبي من غيره كزينب بنت أم سلمة ، وبهذا الوصف كيف يكون أخوهنّ خالاً للمؤمنين ، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن تكون هند جدة المؤمنين كما قاله السيد ، ويكون أبو سفيان جدهم ، أو تترتب على منزلته جميع الأحكام أو يُغضّ الطرف عنها بأجمعها وحينئذ ما هو الفرق بين هؤلاء ومعاوية ؟ وما الذي أوجب التفكيك وأثبت هذا الاعتبار الركيك ؟

ومع غضّ النظر عن جميع ذلك نريد أن نعلم من هي الأفضل عائشة أو أُمّ حبيبة (2)؟ لا ریب سيختارون الأوّل، وفي هذا الحال سنقول لهم : لم لا يكون محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ولعن الله أباه خالاً للمؤمنين ؟ إلا أن يقولوا: إنّ محمداً كان موافقاً لعلي واستشهد معه وقد كان الله عبداً صالحاً وولداً ناصحاً من ثمّ سقط من رتبة اعتبارهم، بل قتله معاوية بن خديج لعنه الله بأمر من عمرو بن العاص لعنه الله فى فتح مصر ، ووضع جنّته فى جيفة حمار وأحرقه كما هو مذكور في أدب المحاضرة للسيوطي وغيره من كتب العامة والخاصة، والآن قبره يوجد

ص: 227


1- لو كن أمهات على الحقيقة لجاء إبداء زينتهن لأبنائهنّ المؤمنين كما هي عليه حال الأم الحقيقية ، إقرأ الآية : «وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ» . (المترجم)
2- كلاهما لا فضل لهما يا سيدي، وإن أردت الحق والقياس فأُم حبيبة أفضل . (المترجم)

في مصر وهو مدفن لبقية الأعضاء التي سلمت من النار لهذا الولد الصالح ، أو أنه مكان مقتله ولكنة مهجور ويزوره الشيعة تقيّة وإن كنت وفقت لزيارته مراراً ، وجرت عادة السنّة أن يولوا قبره ظهورهم ويقرؤوا الفاتحة لأبيه ، وعند عوام العجم مثل معروف يقول : الخير يعرف باب بيت أهله .

وعلى فرض التسليم لخؤلته وهو نسبة عارضة، فما الذي تجديه مع خباثته - الظاهرة الذاتية ؟ لقد آمن الحكيم السنائي بخؤلته لعدم اطلاعه على التحقيق

المتقدم ولكنه قال وأحسن :

پسر هند اگرچه خال من است***دوستی ویم بکاری نیست

ور نوشت او خطی زبهر رسول***بخطش نیز افتخاری نیست

در مقامی که شیر مردانند***در خط و خال اعتباری نیست

إن كان خالي ابن هند لست أقبله***خالاً ولا حبّه في القلب مركوز

وإن غدى لرسول الله كاتبه***فليس في ذاك تكريم وتعزيز

وتأنف الأسد من خال بوجنتها***والخطّ والخال للوجنات تطريز

وقد نظمت البيتين التاليين مع التحقيق المتقدّم مع رعاية الجناس التام ولزوم ما يلزم وذلك في سفري الذي قصدت به الشام من طريق الحج وفي دمشق نظمت الأبيات وقلت:

قيل لي فيم لا تعدّ ابن هند***لك خالاً فقلت ليس بخال

وإذن هند جدة وأبو سفيان***جدّد وذاك أكذب خال

ولئن خطّ للرسول كتاباً***فهو خط عن فهو خط عن السعادة خالي

وإذا عدّت الفحول المزايا***لم تكن عبرة بخط و خال (1)

ص: 228


1- ديوان المؤلف : 279 و 280 . (هامش الأصل)

وَيَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ...

يزيد بن معاوية لقد سبق ومرّ بك من حالات جده وأبيه ما اتسع له هذا المختصر، وأمّه ميسون بنت بجدل الكلبية.

وفي البحار : قال مؤلّف إلزام النواصب وغيره : إنّ ميسون بنت بجدل الكلبية أمكنت عبد أبيها من نفسها فحملت يزيد لعنه الله ، وإلى هذا أشار الكلبي :

فإن يكن الزمان أتى علينا***بقتل الترك والموت الوحي

فقد قتل الدعي وعبد كلب***بأرض الطف أولاد النبي

أراد بالدعي عبيدالله بن زياد لعنه الله.. ومراده بعبد كلب : يزيد ابن معاوية لعنهما الله .(1).

ويؤيد الأخبار الواردة في كامل الزيارات بسندين عن كليب بن معاوية وإسماعيل بن كثير وعن عبدالخالق وداود بن فرق وعبد الله بن مسكان عن الصادق علیه السلام أنه قال : قاتل الحسين ولد زنا .(2)وهذا الخبر إن لم يكن متواتراً فهو متفق مع أصول الشيعة ويعتبر مقطوعاً بصدوره لأن بعض طرقه صحيح وبعضها مشتمل على أصحاب الإجمال مثل زرارة ومحمد بن أبي عمير ومنها خمس روايات نقلها خمسة من أصحاب الصادق علیه السلام .

وقاتل الحسين عنوان يندرج تحته شمر وابن سعد وابن زياد ويزيد لعنهم الله ، ونحن أشرنا إلى ولاداتهم لغير رشدة ولا نعيد .(3)

ص: 229


1- بحار الأنوار 44 : 309 (المترجم وهامش الأصل) وعوالم العلوم : 601. (المترجم)
2- كامل الزيارة : 78، بحار الأنوار 303:44 ، عوالم العلوم (الإمام الحسين): 600 هامش الأصل كامل الزيارات : 163 ط النشر الإسلامي - قم - الأولى 1417 . (المترجم)
3- في شرح قوله : لعن الله عمر بن سعد ولعن الله شمراً . (هامش الأصل)

وجملة القول انه لا خلاف في هلاك يزيد وأنّه سنة أربع وستين للهجرة، والمشهور الموافق لتاريخ الكامل وتاريخ الخلفاء ومختصر أبي الفداء وتتمة ابن الوردي وغير ذلك أنه كان في ليل الرابع عشر من ربيع الأول انتقل إلى دركات النار . وقال بعضهم : السابع عشر منه .

ووقع الاختلاف في عمره هل هو ثلاث وثلاثون أو ست أو ثمان وثلاثون، والأخير هو الأشهر . وزعم السيوطي أن ولادته كانت سنة خمس وعشرين، وإلا

ففي ست وعشرين هجريّة، وهذا يلائم سنّ الثامنة والثلاثين لذلك المخذول.

وأولاده طبقاً لما جاء في المعارف: معاوية وخالد وعبدالله الأكبر وأبو سفيان وعبدالله الأصغر وعمر وعاتكة وعبد الرحمن وعبدالله أصغر الأصاغر ، وعثمان

وعتبة الأعور ويزيد ومحمد وأبوبكر وأُمّ مزيد وأُمّ عبدالرحمن(1).

ويزيد عليه اللعنة قضى عمره باللعب بالقرود والفهود وشرب العقار وأنواع القمار وهتك حرمات الإسلام وقتل الذرّيّة الطاهرة وكشف الستر عن نساء المهاجرين والأنصار وإهانة الحرم النبوي الشريف وسفك دماء أه-ل الم-دينة واسترقاق الأحرار من كبار التابعين وهدم الكعبة وإحراق كسوتها المعظمة وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره، وهذا مشتهر غاية الاشتهار، ومنتشر غاية الانتشار، وأوّل من أشاع الفسق والفجور وجاهر بشرب الخمر وسماع الأغاني.

وقال ابن الجوزي في رسالة تجويز لعن يزيد ذهب وفد إلى الشام من المدينة ولما رجعوا أعلنوا سبّه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر

ويعزف بالطنابير، ويلعب بالكلاب.

وروي عن عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة أنّه قال في حق يزيد : إن رجلاً

ص: 230


1- ابن قتيبة ، المعارف : 153 . (المترجم)

ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت الله فيه بلاءاً حسناً .

من هنا ظهرت مناقب إمام أهل السنّة من شرب الخمر وترك الصلاة واللعب بالكلاب والضرب على الطنبور والناي ووطئ الأمهات - أمهات أولاد أبيه - والأخوات والبنات ، لعنه الله ولعن أشياعه .

وجاء في مروج الذهب أنّه كان يحضر مجالس الطرب ويؤتى بالقيان ، فيشرب وابن زياد إلى جانبه، ويأمر الساقي أن يسقيه ويقرأ هذا الشعر المشوم:

اسقني شربة تروي مشاشي***ثم صل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي***ولتسديد مغنمي وجهادي

وفي كامل التواريخ مذكور : قال عمر بن سبيئة : حج يزيد في حياة أبيه ، فلمّا بلغ المدينة جلس على شراب له فاستأذن عليه ابن عباس والحسين ، فقيل له : إن ابن عبّاس إذا وجد ريح الشراب مع الطيب (عرفه، فلم يأذن له، وأذن للحسين علیه السلام فلم وجد ريح الشراب مع الطيب ، فقال : الله درّ طيبك ما أطيبه، فما هذا ؟ قال : هو طيب يصنع بالشام ، ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بآخر ، فقال : اسق أبا عبدالله، فقال له الحسين : عليك شرابك أيها المرء لا عين عليك منّي ، فقال یزید :(1)

ص: 231


1- لم يدركني العجب من ابن الأثير ولا من يزيد ولا من الراوي بقدر ما أدركني من المؤلف الذي نقل رواية موضوعة تصرح بكذب واضعها لعنه الله ولم يخضعها للنقد العلمي بحيث يتناول سندها أولاً وينظر فيه نظر الناقد البصير فيرى من الراوي وعمّن روى وهل هي مسندة أو مرسلة، ومن عمر بن سبيئة هذا راوي الخبر فلم تعرفه كتب الرواة ولا معاجم الرجال، والسند في الكامل مقصور عليه، ومن ثَمّ يكون أدنى من حديث مرسل ثمّ ما بال الشيخ غفل عن المتن فلم يخضعه للنقد الواعي البصير، فهل من اللائق بالحسين أن يجلس في مجالس يزيد الذي أنكر عليه وعلى أبيه أفعالهم وتعدّيهم على الأمة وغمطهم لحقها وظلمهم لها، والحسين لم يدخل على معاوية إلا مكرهاً أو منكراً - بكسر الكاف - فكيد يدخل على يزيد الخمور والفجور ؟ ثم هل كان هذا قبل ولايته للعهد أو بعدها ؟ فإن كان بعدها فحال الحسين مع يزيد معروفة، وأما قبلها فلم يحدّثنا التاريخ الصحيح عن زيارة يزيد المدينة وهذه الرواية تترك زيارته من دون تاريخ وتقول في حياة أبيه فحسب دون تعيين السنة وهذا دليل كذبها ووضعها ، وإن قصر الكاذب مرة فقد قصر راوي الكذب ألف مرة لاسيما إذا كان ممن يوالي أهل البيت . (المترجم)

ألا يا صاح للعجب***دعوتك ذا ولم تجب

إلى الفتيات والشهوات***والصهباء والطرب

وباطية مكللة***عليها سادة العرب

وفيهنّ الذي تبلت***فؤادك ثم لم تبت

فنهض الحسين وقال: بل فؤادك يابن معاوية تبلت (1).

من هذه القصّة يظهر صلب هذا الإنسان السافل القذر وقلة حيائه وسوء فطرته وفرط دنائته .(2)

وفي مروج الذهب أيضاً: إنه كان ليزيد قرد يكنى بأبي قيس، يحضره مجلس منادمته ويطرح له متكناً، وكان قرداً خبيثاً ، وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذلّلت لذلك بسرج ولجام يسابق بها الخيل يوم الحلبة، فجاء في بعض الأيام سابقاً، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل وعلى أبي قبيس قباء من

ص: 232


1- لا يخفى ما في الخبر من قوله : «لا عين عليك» وأنه من الأكاذيب، ولكن نقله من باب الإلزام للنواصب والتفكيك في الأصول وفي الأقارير في الفقه غير عزيز ولما فيه من الاستهجان أغمضنا عن ترجمته ( منه )
2- ويظهر أن سماحتك بنقلك لهذه الفرية حاطب ليل، وكيف تجعل ما فيه حط لمقام الإمامة والعصمة إلزاماً للناصب بل ليس من المستبعد أن يجعلها الناصب إلزاماً عليك رحمك الله ، أنا لا أشك بولائك و علمك ونجابتك وإلا لكان لي معك حديث آخر . (المترجم)

الحرير الأحمر والأصفر مشمّر وعلى رأسه قلنسوة من الحرير الأحمر منقوش ملمّع ذات ألوان بشقائق وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمّع بأنواع من الألوان فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم :

تمسك أبا قيس بفضل عنانها***فليس عليها إن سقطت ضمان

ألا من رأى القرد الذي سبقت به***جياد أمير المؤمنين أتان (1)

الحق يقال هؤلاء المؤمنون الذين يسفكون دماء ابن النبي ويقترفون مع بنات الصحابة المحرّم ويربطون الخيل في حرم النبي وتخلو المدينة من سكانها بحيث يبول الكلب على ... العياذ بالله بحاجة إلى أمير مثل هذا ؛ تارة يصطاد بالنمور، وأُخرى يسابق بالقرود ، وأحياناً هو حليف القمار والخمور، وأحياناً رفيق الناي

والطنبور .

وأخيراً روى السيوطي في تاريخ الخلفاء عن مسند أبي يعلى عن أبي عبيدة بن

الجراح عن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال : لا يزال أمر أمتى قائماً بالقسط حتى يكون أوّل من ثلمه رجل من بني أُمية يقال له يزيد.(2)

وفي مسند الروياني روى عن أبي الدرداء أنه قال : سمعت النبي صلی الله علیه و آله وسلم يقول : أوّل من يبدل سنّتي رجل من بني أُميّه يقال له يزيد .(3)

ص: 233


1- مروج الذهب 3: 79 و 80 (المترجم)
2- تاريخ الخلفاء، وتطهير اللسان لابن حجر : 64ط القاهرة، الصواعق المحرقة : 221 (هامش الأصل) السيوطي ، تاريخ الخلفاء 1 : 208 ط مطبعة السعادة بمصر ، 1371 أولى . وأظنّ - والله العالم - أن جملة يقال له يزيد ألحقت بالنص بآخره ولذلك يرويها صاحب جمع الشمل بدونها ويقول : أولته الخوارج بعثمان ابن عفان، فلو كانت الجمله موجودة لما تناولت نعثل لعنه الله ولكنّهم ألحقوها لئلا تشمله لعنهم الله ولعنه .
3- الصواعق المحرقة : 222 (هامش الأصل)

ولقد سمعت أخبار لعن يزيد في الفقرة السابقة وعرفت أدلة لعنه من كلام ذلك الرجل الزيدي مشروحاً، وينبغي بعد هذا أن لا يقع خلاف في الأمة على جواز لعنه لأن من يقتل كبد النبي ويسبي عياله في الأطراف والأكناف من بلد إلى بلد كما يفعل بأسرى الكافرين من غير أن ترعى لهم حرمة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وأن يرتكب في حقهم ما لا يليق بالمسلم تحمله من أي جنس كان طبعاً يكون شخص كهذا مستحقاً لللعن .

ومع كلّ هذا فإنّ الغزالي الذي يدّعي متابعة شريعة النبي صلی الله علیه و آله وسلم بل يدعي دعوى الوصول والشهود، ويرى نفسه نبع العلم والعمل، والبالغ أقصى مراتب المنى والأمل (والأهل) لم يستح من الله ورسوله فمنع منعاً باتاً من لعن يزيد فنجم من بعده طائفة يحملون في صدورهم الحقد القديم ولا يجرؤون على التصريح به ولكنّهم يسرونه بإظهار التخلّف عن العترة ويضمرون حرمة لعن يزيد كما سمعنا ورأينا الكثير من ذلك طيلة إقامتنا في سامراء من قضاتهم ومتعصبيهم، والآن أرى من الصواب من أجل فضيحة هذا الشيخ الضال الذي هو عمدة أهل الجهل والضلال، نقل كلامه ثمّ الجواب على شُبهه لينال عموم أهل الإيمان ثواب لعنه لأنه في رأس القائمة من أتباع يزيد ، فنقول :

قال ابن خلّكان في ترجمة عليّ بن محمّد الطبري المشهور بالكياء الهراسي بعد نقل كلام له في المنع عن لعن يزيد سنشير إليه : وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك فإنّه سُئل عمن صرّح بلعن يزيد لعنه الله هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل يكون ذلك مرخّصاً له فيه ؟ وهل كان يزيد قتل الحسين أم كان قصده الدفع ؟ وهل يسوع الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل ؟ تنعم بإزالة الاشتباه منّا.

فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلاً، ومن لعن المسلم فهو الملعون، وقد قال

ص: 234

رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : «المسلم ليس بلعان وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم وقد ورد النهي عن ذلك ، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي ، ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين ولا أمره به ولا رضاه بذلك، ومهما لا يح منه لا يجوز أن يظنّ ذلك به فإنّ إسائة الظنّ بالمسلم أيضاً حرام وقد قال الله تعالى: «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» (1)وقال النبي الله صلی الله علیه و آله وسلم : إن الله حرّم من المسلم ماله ودمه وعرضه، وأن يظنّ به ظنّ السوء. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أنّ به غايه الحماقة فإنّ من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين فى عصره لو أراد أن يعلم حقيقة من قتله، ومن الذي أمر بقتله ، ومن الذي رضي به ، ومن الذي كرهه لم يقدر على ذلك وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهد فكيف لو كان في مكان ظ ] بعيد ، ومن زمن قديم قد انقضى فكيف يعلم ذلك فيما قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلاً، وإذا لم يعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم.

وعلى هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلماً فمذهب أهل الحق إنّه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربّما مات بعد التوبة ، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه فكيف من تاب عن قتل ، وبم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ، فإذن لا يجوز لعن أحد ممّن مات من المسلمين ، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً الله تعالى، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً ، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لم

ص: 235


1- الحجرات : 12 .

لم تلعن إبليس، ويقال للاعن : لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون ؟ والملعون هو البعيد من الله ، وذلك غيب لا يعرف إلا فيمن مات كافراً فإن ذلك علم بالشرع ، وأما الترحم عليه فهو جائز مستحب بل هو داخل في قولنا في كلّ صلاة : اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنّه كان مؤمناً، والله أعلم، كتبه الغزالي، انتهى كلام الوفيات .(1)

وذكر نحواً من هذا في كتاب (آفات اللسان) من المجلد الثالث من إحياء العلوم ولكنّه جوّز اللعن مقيداً كأن يقول : اللهم العنه إن مات قبل التوبة.

وخلاصة هذه الأساطير التى هى من إفرازات الحشيش والأفيون، وهي أنه أجاب السائل عن جواز لعن يزيد وعن صحة قتل سيد الشهداء بأمره وهل يجوز الترحم عليه أو لا؟ فيقول في الجواب : لا يجوز لعن المسلم، ويزيد مسلم ونسبة قتل الحسين أو رضاه به أو أمره إسائة ظنّ بالمسلم، ومن أجاز ذلك أو صححه فإنّه بحكم الكتاب والسنة غاية في الرعونة .. وسوء الظن بالمسلم حرام ولو أن سلطاناً أو اميراً أو وزيراً في زماننا قتل أحداً لعسرت معرفة الحقيقة عن القاتل أو الآمر من هو ؟ وإن كان السلطان قريباً من مسرح القتل ويراه الرائون فكيف إذا وقع القتل في زمان بعيد ومكان شاسع وقد مرّ على هذا القتل قرابة أربعمائة عام فكيف تعرف حقيقته، ومع عدم العلم يجب إحسان الظن بأهل القبلة ، ولو ثبت على مسلم القتل فإنّ ذلك لا يوجب الكفر عند الأشاعرة ويمكن أن يموت القاتل بعد التوبة، ولا يجوز لعن الكافر بعد التوبة فكيف بالقاتل، ومن ذا الذي يجزم بأنّ يزيد مات قبل التوبة أو يعلم ذلك ، إذن لا يجوز لعن المسلم مطلقاً، ومن لعنه عُدّ فاسقاً عاصياً ، ولو جاز لعنه ثم سكت لم يكتب عاصياً، ولو

ص: 236


1- وفيات الأعيان 3 : 288 ط بيروت، دار الثقافة، تحقيق إحسان عباس (المترجم)

لم يلعن إبليس طول عمره لا يُسئل عن ذلك يوم القيامة ، ولو لعن لسئل عن ذلك، لأن اللعن طرد من الرحمة والملعون مطرود من رحمة الله ، وكيف تعرف حاله وهو بعيد ، والإخبار عنه تخرّص بالغيب إلا في حق امرئ مات على الكفر ، وأمّا الترحم على يزيد فهو جائز ومستحب بل هو داخل في قولنا في كلّ صلاة : اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، ويزيد كان مؤمناً (1)، وهذا حاصل تحقيق الغزالي الذي ألقاه على قلبه الشيطان، استمداداً من باطن يزيد بحكم : «إنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم زخرف القول».

والحق يقال أنّ ادّعاء الإيمان ليزيد يتم بثمن باهض على أولياء أهل البيت علیهم السلام حيث أنه قتل أولاد النبى وساق بناته ونسائه حواسر على الجمال من بلد إلى بلد ومن تنوفة إلى تنوفة، كأنهم أسرى الترك والكابل ، يتصفّح وجوههن القاصي والداني من العراق إلى الحجاز ، وحمل رأس ابن النبي على السنان فتارة يصلبه على باب داره وأخرى يضعه في الطشت ، ويشرب الخمر ثمّ يلقي عليه ثمالة الكأس، ويظهر الفرح والسرور، ويضرب شفتيه وأسنانه استخفافاً بقضيبه وهي من أعظم المصائب عند الإنسان الغيور فياللعجب أن يكون شخص مثل هذا مؤمناً والترحم عليه مستحباً .

المؤلّفه :

قل لمن لا يجيز لعن يزيد***أنت إن فاتنا يزيد يزيد

زادك الله لعنة وعذاباً***وله الله ضعف ذاك يزيد..(2)

ص: 237


1- احتاج المؤلّف إلى عرض هذا التلخيص لأنه اعتبره بمثابة الترجمة للنص السابق واضطررت إلى متابعته وإن كان قد تكرّر تواً لأني رأيت عدم ترجمته تحدث ثغرة في الكتاب . (المترجم)
2- ديوان المؤلّف : 280. (هامش الأصل)

ونحن نعرض لجواب هفوات الغزالي ونجيبه على جزئيات كلامه على نحو الإجمال لا التفصيل وإن كان هذا الكلام غاية في الضعف والركاكة وإيغالاً في الفساد والسخافة، ولا يستحق الردّ بل لا يجد المسلم لا ولا الكافر الملتفت إلى الأصول والقواعد الإسلامية شبهة من هذه الكفريات والأباطيل، ولكننا لإثبات أن هذا الكلام صدر من صاحبه تعصباً للباطل وعناداً للحق وهو صرف زندقة وإلحاد نعرض لإبطال أقواله قولاً قولاً :

أما قوله: «لا يجوز لعن المسلم» فجوابه أن لعن المسلم إن كان على الإسلام فهذا غير جائز طبعاً وهو كفر ، وإذا كان لعنه من دون سبب فهو غير جائز أيضاً ويُعدّ فسقاً، وإذا أُريد باللعن اللعن المطلق لعناوين أخرى مثل الظلم والفسق وشرب الخمر وقتل النفس وأمثال ذلك فهذا مخالف لنصوص الكتاب والسنة - أي عدم تجويزه - بل ينافي الضرورات من دين الإسلام لأن اللعن على العناوين المذكورة ورد كثيراً فى القرآن والحديث المتواتر، وهو يفوق حدّ الحصر.

واستشهاده بأنّ المسلم ليس بلعان يظهر جوابه مما حكى ابن الجوزي عن خط القاضي أبي الحسن محمد بن القاضي أبي يعلى وتصنيفه فإنّه صنف كتاباً في بيان من يستحق اللعن، وذكر فيهم يزيد ، وقال : الممتنع من ذلك إما أن يكون غير عالم بجواز ذلك أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك ، وربما استغر الجهال بقوله: المؤمن لا يكون لعاناً وهو محمول على من لا يستحق اللعن.

وأما قوله: يزيد «مسلم» فهو أوّل الكلام لأن أقواله وأفعاله كليهما يدلان على كفره، على أنه لا يوجد سبب يدلّ على إسلامه وتحوّله من الكفر إليه لأنك سمعت كفر جده وأبيه اللذين عاشا في ظل الشرك عمرهما كله تفصيلاً فلا يعدان والحال هذه من المسلمين، فمتى ولج الإسلام بيته بعد هذا ليحكم به له ؟

أما دلالة أقواله على كفره فهي ظاهرة مثل هذا الشعر الذي قاله في نعت الخمر :

ص: 238

شميسة كرم برجهها قعر دنّها***ومشرقها الساقي ومغربها فمي

فإن حرمت يوماً على دين أحمد***فخذها على دين المسيح ابن مريم

ومثل هذا الشعر الذي أنكر به المعاد ونقله عنه الكياالهراسي :

أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم***وداعي صبابات الهوى يترنّم

خذوا بنصيب من نعيم ولذّة***فكل وإن طال المدى يتصرّم

ومثل هذا الشعر الذي ذكر جمع من المؤرّخين أنّه تمثل به بعد دخول أهل البيت مجلسه وهو شعر ابن الزبعرى :

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

وأوّل الأبيات هذه :

لعبت هاشم بالملك فلا***خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم***من بني أحمد ما كان فعل

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل

قال ابن الجوزي الحنبلي في رسالته الموسومة ب_«الردّ على المتعصب العنيد المانع من لعن يزيد» : أنبأنا علي بن عبدالله الزاغولي قال : أخبرنا أبو جعفر بن مسلمة ، عن أبي عبدالله المرزباني قال : أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب قال : أخبرنا عبدالله بن أبي معد الورّاق قال : حدثنا يحيى الأحمري قال : أنبأنا ليث عن مجاهد قال : جيء برأس الحسين بن عليّ فوضع بين يدي يزيد بن معاوية فتمثل بهذين البيتين:

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً***ثم قالوا لي بغيب لا تشل

قال مجاهد : نافق فيها ثم والله ما بقي في عسكره إلا تركه أي عابه ولامه .

ص: 239

قلت : هذه الأبيات لابن الزبعرى ثمّ نقل شيئاً منها وقال : وذلك أن المسلمين قتلوا يوم بدر منهم خلقاً فقتلوا منهم يوم أحد خلقاً فاستشهد به يزيد وكأنه غيّر بعضها ويكفى استشهاده بها خزياً.

ونسب سبط ابن الجوزي الأبيات الأربعة ليزيد وروى البيتين الأوليين «لعبت هاشم» إلى آخره عن الشعبي وأنّها نسبها إلى يزيد (1)وقدّس الله روح الرضي حيث قال وأجاد

طلبت ترات الجاهلية عندها***وشفت قديم الغل من أحقادها

زعمت بأنّ الدين سوّغ قتلها***أوليس هذا الدين من أجدادها

ومجمل القول : نقل المسعودي في مروج الذهب : وكتب إلى ابن الزبير :

أدعو إلهك في السماء فإنني***أدعو عليك رجال عك واشعر

كيف النجاة أبا حبيب منهم***فاحتل لنفسك قبل أتي العسكر (2)

ونقل في ديوانه وشهد به سبط ابن الجوزي وهو معروف في كتب المقاتل أنّه أنشد هذين البيتين لما ورد أهل البيت الشام وكان يزيد في منظره على جيرون

(مجاز في الجامع الأموي) اللذين أخبرا عن كفره القديم ونفاقه الدفين :

لما بدت تلك الحمول وأشرقت***تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت نح أو لا تنح***فلقد قضيت من النبي ديوني (3)

قال في التذكرة : قال الزهري : لمّا جاءت الرؤوس كان يزيد (لعنه الله) في منظرة على جيرون، فأنشد لنفسه: «لما بدت» إلى آخره .

ص: 240


1- تذكرة الخواص : 235
2- مروج الذهب 3: 81 (المترجم)
3- التذكرة : 235 وفيها من الغريم وعند المؤلف جيحون وهو تصحيف . (المترجم)

وروى سبط ابن الجوزي أيضاً عن ابن عقيل أنّه قال : وممّا يدلّ على كفره وزندقته فضلاً عن سبّه ولعنه أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث

الضمائر وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أولها:

عليه هاتي واعلني وترنّمي***بذلك إنّي لا أحب التناجيا

حديث أبي سفيان قدماً سمى به***إلى أحد حتى أقام البواكيا

ألا هات (1)فاسقيني على ذاك قهوة***تخيّرها العنسي كرماً شئآميا

إذا ما نظرنا في أمور قديمة***وجدنا حلالاً شربها متواليا

وإن مت يا أُمّ الأحيمر فانكحي***ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا

فإنّ الذي حدثت عن يوم بعثنا***أحاديث طسم تجعل القلب واهيا

ولابد لي من أن أزور محمّداً***بمشمولة صفراء تروي عظاميا

قال القزغلي : ومنها :

لو لم يمس الأرض فاضل بردها***لما كان فيها (2)مسحة للتيمم

ومنها : «لما بدت تلك الحمول ....» وقد ذكرناها .

ومنها قوله :

معشر الندمان قوموا***واسمعوا صوت الأغاني

واشربوا كأس مدام***واتركوا ذكر المعاني

شغلتني نغمة العيدان***عن صوت الأذان

وتعوّضت عن الحور***عجوزاً في الدنان

إلى غير ذلك مما نقلته من ديوانه انتهى .(3)

ص: 241


1- سقيني - المؤلّف .
2- عندي - المؤلّف .
3- التذكرة : 260 و 261 .

وأما أفعاله فيكفي في فظاعتها قتل سيدالشهداء علیه السلام ريحانة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وسيد شباب أهل الجنّة ومحبوب حبيب الله ، ومن المعلوم أن قتله هتك لحرمة جده صلی الله علیه و آله وسلم ، ولقد أفتى علماء أهل السنة كما ورد في الصواعق أن رمي الصحف في القاذورات كفر لأنه راجع إلى هتك حرمة الشرع ، سبحان الله ! فكيف لا يكون قتل فلذة كبد الرسول وبضعة الطاهرة البتول هتكاً لحرمة الشرع النبوي وموجباً للكفر، والله درّ منصور النمري شاعر هارون في الجهر والعلن ومادح أمير المؤمنين سرّاً بل كان يكنى بهارون عن أمير المؤمنين لقول النبى صلی الله علیه و آله وسلم فيه :

«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» كما ذكره السيد في الغرر والدرر ، قال :

لا شكّ عندي في كفر قاتله***لكنني قد أشتُ في الخاذل

يقتل ذرّيّة النبي ويرجون***جنان الخلود للقاتل

مضافاً إلى ما فعله من الاستخفاف بحق العترة الطاهرة بعد القتل من النهب والأسر وسوقهنّ أسرى إلى بلاد ليس معهنّ من حماتهنّ حمي، ولا من ولاتهنّ ولي، يتصفّح وجوههن القريب والبعيد، والشريف والوضيع، الذي لا يناسب أدنى حدود الإسلام.

يقول ابن الجوزي في رسالته (الردّ على المتعصب العنيد) : ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد وإنّما العجب من خذلان یزید و ضربه بالقضيب على ثنية الحسين علیه السلام وإغارته على المدينة أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج (1)أو في الشرع أنّهم يدفنون .

أما قوله : لي أن أسبيهم فأمر لا يقنع لفاعله ومعتقده باللعنة، ولو أنه احترم

ص: 242


1- لقد فعل أبو بكر بن أبي قحافة بالعرب باسم الردّة من القتل والحرق والنهب والأسر حين سلّط السفّاح خالد بن الوليد عليهم ما فعله يزيد بالمدينة ، فما الفرق بين الأول والآخر ليت شعري!(المترجم)

الرأس حين وصوله وصلى عليه ولم يتركه في طست ولم يضربه بقضيب ما الذي كان يضرة وقد حصل مقصوده من القتل، ولكن أحقاد جاهلية ودليلها ما تقدّم من إنشاده «ليت أشياخي ببدر شهدوا...» الخ.

وكذلك دليل كفره وقعة الحرّة وانتهاك حرمة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فيها ما أشرنا إلى ذلك إجمالاً .

ومختصر القول في بيانها أن عبد الحق الدهلوي وهو من أكابر المتأخرين وأهل الهند السنّة ، يقول في كتابه (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) وهو كتاب موضوع في تاريخ المدينة ، قال : قال القرطبي : كان سبب خروج أهل المدينة عنها كما جاء في بعض الأحاديث وقعة الحرّة حين بلغت المدينة المطهرة في الرونق والعمارة إلى أحسن مرتبة وأكمل درجة وكانت تعج ببقايا الأصحاب من المهاجرين والأنصار والعلماء أصحاب الوزن الرفيع من التابعين والأخيار ، ولمّا تواترت الحوادث عليها هجرها أهلها خوفاً من توالى الأحداث وحدوث الآفات، ورحوا من ذلك الموضع الذي هو محلّ الرحمات ومتنزل البركات .

وأرسل يزيد بن معاوية لعنهما الله مسلم بن عقبة المرّي في جحفل جرّار من الشام لقتال أهل المدينة وأمره بالتمثيل بهم على أقبح وجه ، وأباح لهم مدة ثلاثة أيام، فهتكوا الحرمات واستحلوا الفروج والدماء، ومن هذه الجهة سميت واقعة الحرة .(1)

وقعت هذه الحرّة في حرّة واقم التي تبعد ميلاً عن الحرم النبوي الشريف فقتل فيها ألف وسبعمائة من بقايا المهاجرين والأنصار والعلماء الأخيار، وعشرة آلاف

ص: 243


1- للمدينة حرار تحيط بها وهي الحجارة السوداء وقد وقعت هذه في إحداها فسميت الحرة باسمها وليست اشتقاقاً من الحرية كما تصوّر صاحب هذا الكلام (المترجم)

من غمار الناس ما عدا النساء والأطفال، وقتل سبعمائة شخص من حملة القرآن المجيد وسبعة وتسعون من قريش، قتلوا بالسيف صبراً، وأُبيح الفسق فيها والزنا والفساد إلى الحد الذي وضعت ألف امرأة بعد هذه الواقعة من الزنا أولاداً، وربطوا الخيل في مسجد النبي صلی الله علیه و آله وسلم وبالت وراثت في الموضع الذي هو روضة من رياض الجنّة أي بين القبر والمنبر . وأخذ البيعة ليزيد من الناس على أنهم عبيد وخول إن شاء باع وإن شاء أعتق، وإن شاء أذن لهم بالطاعة أو قسرهم على المعصية.

ولما قال يزيد بن عبدالله بن رفعة: أبايعكم على كتاب الله وسنة رسوله، ضربوا عنقه فوراً.

-

يقول هذا العبد - المؤلّف - : إنّ هذا العمل نتيجة لما فعله عبدالرحمن بن عوف لعنه الله في بيعة أمير المؤمنين حين أبي قبولها على كتاب الله وسنّة رسوله ي--وم الشورى وعند ذلك قال له على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين لعنهما الله ، فأبى علي علیه السلام وقال : بل على كتاب الله وسنة رسول الله ، فأبى عبدالرحمن لعنة الله عليه وبايع عثمان ، والحقيقة أن عبدالرحمن يتحمل وزر أفعال يزيد وهي في عنقه (1)كما يحصل ذلك للعاقل المتأمّل المحايد.

بعد ذلك قال عبد الحق : قال القرطبي عن رواة الأخبار أن المدينة في ذلك الوقت خلت من أهلها تماماً وصارت ثمارها وفواكهها للوحوش والهوام والبهائم ، واتخذت الكلاب والحيوانات في المسجد الشريف بيوتها وأوجارها، وصح ما أخبر عنه الصادق ، وبان للعيان ما حدث عنه ، انتهى كلام (جذب القلوب).(2)

ص: 244


1- سيدي أيّها الشيخ الجليل إن الوزر الأكبر في عنق الكلبين اللذين تصديا لها واغتصباها من أهلها . (المترجم)
2- ويناسب المقام نقل كلام السعد التفتازاني وابن حجر : قال السعد والحق أن رضاء يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل البيت مما تواتر معناه وإن كانت تفاصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه فلعنه الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه . وفي المسايرة : واختلف في كفر يزيد فقيل : نعم ، وقيل : لا ، وقيل بالتوقف، وقد أجاز لعنه أحمد بن حنبل والقاضي أبو يعلى، وحزمه الغزالي وابن عربي (لعنهما الله) . وقال ابن حجر : وصحَ أيضاً أنه رأى ثلاثين منهم ينزون على منبره نزو القردة فغاضه ذلك وما ضحك بعده إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى ، ولعله هؤلاء ويزيد بن معاوية فإنه من أقبحهم وأفسقهم، بل قال جماعة من الأئمة بكفرهم . راجع تطهير الجنان و تذييله ص 53 ط القاهرة . (هامش الأصل)

وأخيراً مع هذا القدر من الهتك والاستخفاف في حرم النبي فمن شك في كفر يزيد فإنّه هو الكافر طبعاً فلعنة الله عليه وعلى من والاه وعلى من نصره أو مال إليه. ونقل ابن الجوزي عن المدائني قريباً من هذا في رسالة الردّ على المتعصب العنيد وهو صاحب التاريخ، ووثقه ، ونقل ابن حجر هذه الوقائع تفصيلاً وقال: وأخيفت أهل المدينة أياماً فلم يتمكن أحد دخول مسجدها حتى دخلته الكلاب والذئاب وبالت على منبره صلی الله علیه و آله وسلم تصديقاً لما أخبر ، انتهى موضع الحاجة.

والسبب الثاني : هتك الكعبة كما قال ابن الجوزي في مقاتلة ابن الزبير، وقذفت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول ، وأخذ رجل قباء (كذا) من رأس رمح فطارت به الريح واحترق البيت.

وتفصيل هذين الواقعتين مذكور في الكتب المعتمدة لأهل السنّة مثل (كامل) ابن الأثير) و(تاريخ أبو الفداء) و (تاريخ ابن الوردي) وغيرها، وليس غرضنا من هذا الكتاب التاريخ بل لمحض الإشارة وإتمام الحجّة ننقل أحياناً نقولاً مختصرة من الوقائع للمناسبة ، والله الموفق. ووافقنا جماعة من أهل السنة على كفر يزيد كابن حجر في الصواعق ، فقد قال: اعلم أنّ أهل السنّة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده، فقالت

ص: 245

طائفة : إنّه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور أنّه لمّا جاءه رأس الحسين جمع أهل الشام وجعل ينكث رأسه بالخيزران وينشد أبيات ابن الزبعرى: «ليت أشياخي ببدر شهدوا» (1)إلى آخره . ثمّ نقل كلام ابن الجوزي عن كتاب التذكرة لسبطه ونحن نقلناه من الكتاب ذاته وظاهر العبارة كما يلي:

إن مذهب مجاهد تكفير يزيد ونقل ذلك عن إمامهم أحمد بن حنبل . وحكي عن ملا علي القاري في كتاب الشرح الفقه الأكبر أنه وافق على كفر يزيد رداً على سؤال أتاه عن ذلك وتمسك بواحد من الوجوه السابقة وقال : قيل : نعم لما روي عنه ما يدلّ على كفره من تحليل الخمر وتفوّهه عند قتل الحسين وأصحابه إنّي جازيتهم ما فعلوا بأشياخ قريش وصناديدهم وأمثال ذلك ولعله وجه ما قال الإمام أحمد بكفره لما ثبت عنده نقل تقريره لا لما وقع منه من الاجتراء على الذرّيّة الطاهرة كالأمر بقتل الحسين علیه السلام ، انتهى كلامه .

وسنذكر كلام التفتازاني عمّا قريب إن شاء الله وما أحسن ما قاله عمارة الفقيه اليمني الشاعر المشهور في التعريض بكلام يزيد هذا وحال بني أُميّة، ولله درّه

وعلى الله برّه .

غصبت أُمية إرث آل محمد***سفهاً وشنت غارة الشنآن

وغدت تخالف في الخلافة***أهلها وتقابل البرهان بالبهتان

لم تقتنع حكامهم بركوعهم(2)***ظهر النفاق وغارب العدوان

وقعودهم في رتبة نبوية***لم يبنها لهم أبو سفيان

حتى أضافوا بعد ذلك أنهم***أخذوا بثأر الكفر في الإيمان

ص: 246


1- الصواعق المحرقة : 220 ط القاهرة . (هامش الأصل)
2- هكذا هي وأظنّها بركوبهم . (المترجم)

فأتى زياد في القبيح زيادة***تركت يزيد يزيد في النقصان

وجملة القول فإنّ هذا المذهب ليس من بدع الروافض وإن زعمه الغزالي

خذله الله إن مات على كفره وزندقته وإلحاده وتعصبه وجحوده ،وعناده، ونحن باستطاعتنا أن نثبت كفر يزيد من طرق أهل السنة الصحيحة وأخبارهم عموماً وخصوصاً مثل كفر منكر الولاية لأهل البيت ومبغضهم ومحاربهم، وشانئ الحسنين علیهما السلام استلزام إيذاء النبى الموجب للكفر بحمد الله ولكن لمّا كانت هذه الطائفة لا تستحق الخطاب لعنادهم وتعصبهم وإنّ الغشاوة التي على قلوبهم ليست من الخفّة بحيث ترتفع أو تزول بهذه البيانات والإلزامات لم تر من اللازم تطويل المقال مع ضيق المجال ، ولا فائدة تبتغى وراء ذلك.

إن كان في البيت أحد***يكفي نداء واحد

مع أن مطالعة هذا الكتاب سابقه ولاحقه تغني عن بسط الكلام في هذا المقام والله الهادي.

وأما قول الغزالي نسبة القتل ... الخ فقد كفانا مؤنة جوابه الملا سعد التفتازاني الذي ملأ صيته بين أهل السنة والجماعة سمع الدنيا في كتابه (شرح العقائد النسفيّة) وشرح المقاصد وأظهر حكم الغزالي تلويحاً يقول في الكتاب : الأوّل: الحق أن رضا يزيد بقتل الحسين علیه السلام واستبشاره بذلك وإهانة أهل بيت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم مما تواتر معناه وإن كان تفصيله أحاداً فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه ، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه.(1)

ويقول في شرح المقاصد: ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره

ص: 247


1- والغزالي منهم ، والعجب من الشهيد السيد الشوشتري كيف جعله من الشيعة. (المترجم)

على ان بعضهم قد حاد عن طريق الحق وبلغ حدّ الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والفساد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوماً ولا كل من لقي النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالخير موسوماً إلا أنّ العلماء لحسن ظنّهم بأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق ، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حق كبار الصحابة سيما المهاجرين منهم والأنصار والمبشرين بالثواب في دار القرار .

وأما ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء إذ يكاد يشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وينهد منه الجبال، وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومرّ الدهور فلعنة الله على من باشر أو رضى أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.

فإن قيل : فمن علماء المذهب من لا يجوز اللعن على يزيد مع علمهم بأنّه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد .

قلنا : تحامياً عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى كما هو شعار الروافض على ما يروى في أدعيتهم ويجري في أنديتهم فرأى المعتنون بأمر الدين إلجام العوام بالكلية طريقاً إلى الاقتصاد في الاعتقاد بحيث لا تزل الأقدام عن السواء ولا تضل الأفهام بالأهواء ، وإلا فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق ؟ وكيف لا يقع عليهما الاتفاق... إلى آخر ما قال.

والمنّة الله على أنّ هذا العلامة عظيم الشأن من أهل السنة اعترف بظهور الفسق والظلم الناشئ عن الحقد والعناد من الصحابة ، وأن الظلم لأهل البيت بلغ حدّاً أبكى معه الجمادات والحيوانات، وعلماء السنة مجمعون على لعن يزيد، وإنّما

ص: 248

جرى المنع لئلا يسري منه إلى معاوية ، ومن معاوية إلى عثمان، ومن عثمان إلى عمر ، ومن عمر إلى أبي بكر (1)لأن هؤلاء سلسلة واحدة وحبل واحد فلا يسوغ لعن الأوّل والترحم على الآخر، ولعلّ إلى هذه السلسلة أشار تعالى بقوله : «خُذُوهُ فَغُلُوهُ»«ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ»«ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ» (2)ونحن سنوضح هذه المقالة في ذيل شرحنا لهذه الفقرة بقدر ما يتسع له الوقت وحجم الكتاب بمنّة تعالى .

من هنا علمت حال الغزالي من كونه منكراً للمتواتر إما للمصلحة اعتمد المنع وفي الحقيقة إنّه من المجوّزين والحمد لله على الوفاق.

وأما قوله : «لو أنّ سلطاناً ....» إلى آخر كلامه فإن كان قصده أن تعيين الواقعة مع بعد العهد وتطاول الزمن مشكل فهو مسلّم، وإن زعم أن ذلك مستحيل فهو سدّ لباب إثبات الشرايع وإنكار إمكان التواتر وبناءاً على هذا لا يبعد أن يقول له اليهود والنصارى من أين جاءك العلم بأن شخصاً يدعى محمّداً بعث في أرض تهامة وادّعى النبوة وأقام المعجزة على دعواه ؟ فما يجيب به اليهودي نجيب نحن به يهودي الأُمّة الذي لقب نفسه بحجّة الإسلام وفي الحقيقة ينبغي أن يدعى ب_(شبهة الكفر) حذو النعل بالنعل لأنّه لا جواب له إلا دعوى تواتر النقل وتظافر الأخبار، وثبت عندنا بهذا التواتر نفسه قتل يزيد لسيد الشهداء ورضاه بذلك كما اعترف بذلك شارح العقائد النسفية.

ص: 249


1- شاهد هذا القول قول الغزالي وغيره ويحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم فإنّه يهيج على بغض الصحابة والطعن فيهم .. الصواعق .. المحرقة : 223 (هامش الأصل) وأنا بدوري لا أملك لهم إلّا اللعنة التي جرت على لساني يوم نطقت وسوف تكون آخر كلمة أقولها إن شاء الله . (المترجم)
2- الحاقة : 30 - 32 .

وأما قوله: «من أين يعلم أن يزيد لم يتب» وجوابه أن إصراره على الفعل وإهانته لأهل البيت بعد قتلهم وسروره و استبشاره وجلوسه مع ابن زياد في مجلس الشراب وأمره الساقي بسقيه ومدحه بالأمانة وأنه صاحب السر في أشعاره السابقة تكفي في إثبات إصراره وسبط ابن الجوزي يروي القصّة على النحو التالي:

إنه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة وقرب مجلسه ورفع مجلسه وأدخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليلة وقال للمغنّي : غن ، ثمّ قال يزيد بديهاً:

اسقني شربة تروي فؤادي(1)***ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي***ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً***ومبيد الأعداء والحسّاد (2)

وفي الفتاوي الكبرى وهي من الأصول المعتمدة عند أهل السنة والجماعة مروي أن صاحبها قال : اكتحل يزيد بدم الحسين وبالأثمد لتقرّ عينه(3)، ومن هنا

ص: 250


1- مشاشي - المؤلّف .
2- تذكرة الخواص : 260 . (المترجم)
3- إن كان شيخنا الجليل يقصد ب- «الفتاوى الكبير الفتاوى الكبرى لابن تيمية لعنه الله ، فقد جاء فيه : وسُئل شيخ الإسلام عمّا يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور وعزوا ذلك إلى الشارع فهل ورد في ذلك عن النبي حديث صحيح أم لا ؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا ؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن والعطش وغير ذلك من الندب والنياحة وقرائة المصروع (كذا) وشق الجيوب هل لذلك أصل أم لا ؟ الجواب : الحمد لله رب العالمين ، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ولا عن الصحابة ولا استحب ذلك أحد من المسلمين ؛ لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً؛ لا عن النبي ولا الصحابة ولا التابعين ، لا صحيحاً ولا ضعيفاً، لا في كتب الصحيح ولا السنن ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة ، ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا إن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك . ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء ، ورووا أنّ في يوم عاشوراء توبة آدم واستواء السفينة على الجودي وردّ يوسف على يعقوب وإنجاء إبراهيم من النار وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك . ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله الله عليه سائر السنة، ورواية هذا كله عن النبي الله كذب ولكنه معروف م-ن رواية سفيان بن عيينة (لعنه الله) عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه ، قال : بلغنا أنه من وسع ع-ل-ى أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته . وإبراهيم بن محمد بن المنتشر من أهل الكوفة، إلى آخر ما قال [الفتاوى الكبرى :2: 295 فأنت ترى أن القول الذي عزاء المؤلّف إلى الفتاوى لا يوجد فيها ولعله يقصد كتاباً آخر يحمل مثل هذا الاسم ، والله أعلم] . (المترجم)

ندرك أنّ اكتحالهم في يوم عاشورا مستند إلى الأسوة بيزيد لعنه الله ولعن من استن بسنّته ، ومع أن توبته لم تثبت وحكم كفره ما يزال قائماً ثابتاً فليس من سبب يدعو للاستدلال خلاف ذلك، ولا دليل على قبول التوبة من كلّ مذنب، لأن وجوب التوبة تحقيقاً لا يعود إلى العقل بل يوجب الوعد ، ولا يوجد هذا الوعد بحق يزيد لعنه الله ، فقد جاء في كتاب العيون بثلاثة طرق عن الإمام الرضا علیه السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : إن موسى بن عمران سأل ربه عزّ وجلّ فقال : يا ربّ، إن أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى ، لو سألتني في الأوّلين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام فإنّي أنتقم له من قاتله .(1)

في وحديث وحشيّ وقول النبي صلی الله علیه و آله وسلم غيّب وجهك عنى لا أراك شاهد على المدعى كما جاء في أسد الغابة عن وحشيّ أن النبي قال له : ويحك ! غيب وجهك

ص: 251


1- عيون أخبار الرضا ال 2 : 47 ، بحار الأنوار 44 300 ، عوالم العلوم : 606. (هامش الأصل) وجرى تطبيقه على العيون (المترجم)

عنّى لئلا أرى وجه قاتل الأحبة ...(1)

فلو أنّه رأى يزيد لارتعد بدنه واحترق لبه وتراخت عبراته، وقد أجاد ابن الجوزي حيث قال: وأنين العبّاس وهو مأسور ببدر منع النبي النوم فكيف بأنين الحسين ؟! ولما أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبي : غيب وجهك فإنّي لا أحبّ أن أرى من قتل الأحبّة ، وهذا الإسلام يجب ما قبله فكيف بقلبه أن يرى من ذبح الحسين علیه السلام وأمر بقتله وحمل أهله على أقتاب الجمال ، انتهى لفظه في رسالة الردّ على المتعصّب العنيد .

وأي مسلم يرضى بتوبة يزيد لو فرضناها محالاً، فيرحمه الله ويبونه الجنّة على أن حقوق المسلمين في هذه الواقعة معقودة في عنق يزيد ، والتوبة لو صحت أنها تنفعه فإنّها تسقط حق الله دون ما سواه، وقوله تعالى: «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله» (2)لا يصح نزولها في وحشي كما يظهر ذلك من أخبار أهل البيت ، ولو سلّمنا جدلاً بالتوبة فإنّ الآية شاهد على عدم وجوب قبولها على الله سبحانه، ويثبت مطلبنا ما جاء من امتنان الله على خلقه في خلق النار وعذاب جهنّم في سورة الرحمن (3)لأنه لو بطل الجزاء ولم يؤخذ للمظلوم من ظالمه ولم توضع جهنّم نصب عين الظالم فإنّ ذلك يكون جوراً داخلاً على المظلومين.

وأما ما قاله الغزاليّ: «لا يجوز لعن المسلم وهو كفر وإلحاد وزندقة وتدليس و تلميع ومخرقة» ففي القرآن الكريم لعن الله طائفة من الناس وإن كانوا مسلمين ويزيد تنطبق عليه عناوين اللعن جميعاً ، ومنها يعرف جواز لعن يزيد، وقد ذكر

ص: 252


1- أسد الغابة في ترجمة الوحشي. (هامش الأصل)
2- التوبة : 106 .
3- «يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ»«فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»«فَإِذَا انشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةٌ كَالدُهَانِ» [الرحمن : 35 - 37] . (هامش الأصل)

الفاضل الزيدي شطراً منها، ونحن هاهنا نسوق آيات ثلاثاً من القرآن المجيد تنطبق انطباقاً تاماً على يزيد وتلعنه صراحة مع غضّ النظر عن الآية الكريمة

والشجرة الملعونة في القرآن (1)التي أجازت لعن بني أمية قاطبة .

الآية الأولى : «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً» .(2)ولمّا كان يزيد قد أباد جماعة من المؤمنين بل سيد شباب أهل الجنّة بالقهر والظلم والغلبة فهو ملعون ومغضوب عليه ومخلد في نار جهنّم ، وحال به العذاب العظيم حتماً إن شاء الله .

الآية الثانية : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعْنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» (3)ابن الجوزي وساق السند إلى صالح ابن أحمد بن حنبل قال : قلت لأبي : إن طائفة من الناس ينسبونا إلى موالاة يزيد، فقال أبي : وهل يوالى يزيد مؤمن أو من جعل الله فيه خيراً ؟ فقلت له : ولم لا تلعنه إذاً ؟ فقال : ومتى رايتنى لعنت أحداً، وأنت ألا تلعن من لعنه الله ورسوله في كتابه ؟ قلت وأين لعنه الله في القرآن ؟ فقرأ قوله تعالى: «فهل عسيتم ....» الآية ، ثم قال : وهل أشدّ فساداً من القتل.

وأورد على هذه الآية عبد المغيث البغدادي في رسالته التي كتبها في منع لعن يزيد ، يقول : نزلت هذه الآية في اليهود وليس لها صلة بغيرهم.

وأجابه ابن الجوزي أنّ راوي اختصاص نزولها في اليهود مقاتل وحده، وأجمع المحدثون على تكذيبه مثل البخاري ووكيع والساجي والرازي والنسائي

ص: 253


1- الإسراء : 60 .
2- النساء : 93 .
3- محمد : 22 و 23

وغيرهم، وهل يكون مع قول أحمد في نزولها في المسلمين قول آخر مقبول ؟ ولو سلّمنا جدلاً نزولها في اليهود، فإن خصوص المورد لا يوجب خصوص الحكم كما هو مقرّر في علم الأصول.

الآية الثالثة : «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِينا» (1). وما من شك بأن يزيد أذى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وأمير المؤمنين وفاطمة، وبناءاً على ما ذكره البخاري ومسلم في الصحيحين ورواه أحمد في المسند كما سلف في أوائل الكتاب(2) وإيذائهم إيذاء لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فتبين مما تقدم أن لعنه مصرَّح به في القرآن، ولعل أهل السنة والجماعة يجنحون إلى لعنه أكثر من جنوحهم إلى تكفيره.

قال عليّ بن برهان الشافعي فيما حكى عنه في سيره ناقلاً عن الكيا الهراسي ما لفظه وقد استفتى الكيا الهراسي من أكابر ائمتنا معاشر الشافعية وكان من رؤوس تلامذة إمام الحرمين عن يزيد هل هو من الصحابة ؟ وهل يجوز لعنه ؟ فأجاب بأنّه ليس من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب، وللإمام أحمد قولان في لعنه تلويح وتصريح، وكذا للإمام مالك وكذا لأبي حنيفة، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والصيّاد بالفهد ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم ، انتهى . ونقل هذه المقالة ابن خلكان في ترجمة الكيا الهراسي المسمّى عليّ بن محمد ابن علي الطبري عنه .

ومحصل القول أنّ الأئمة الأربعة متفقون على جواز لعن يزيد بل انعقد

ص: 254


1- الأحزاب : 57 .
2- في شرح: «لعن الله أُمّة أسست أساس الظلم». وما روي لأن العامة: «من حاربكم فقد حارب رسول الله ومن سالمكم فقد سالم رسول الله». (هامش الأصل)

إجماعهم على هذا ، والغزالي خرق الإجماع من الأئمة مضافاً إلى مخالفة القرآن الكريم، بل خالف نصوصه الصريحة كالذي رواه ابن الجوزي أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : من أخاف المدينة أخافه الله ، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً .

وهاهنا لطيفة تناسب المقام لا مناص من ذكرها. يقول مجير الدين الحنبلي في كتابه «الأنس الجليل» الذي كتبه في تاريخ القدس والخليل، وهو من كتب القوم الجليلة، يقول تحت عنوان «مدن وقرى بيت المقدس»: منها إقطاع تميم الداري الذي أقطعه له النبي صلی الله علیه و آله وسلم ، وهي الأرض التي ولد بها بلد سيّدنا الخليل عليه الصلاة والسلام ، وما حولها من الأرض، وكتب له في ذلك قطعة أديم من خف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام بخطه .

وقد حكى المؤرّخون لفظ الإقطاع على وجوه مختلفة ، وقد رأيت عند التكلّم على الإقطاع المشار إليه القطعة الأديم التي يقال إنّها من خفّ أمير المؤمنين على ابن أبي طالب وقد صارت رنّة وفيها بعض أثر الكتابة، ورأيت معها ورقة مكتوبة في الصندوق الذي فيه القطعة الأديم منسوب خط هذه الورقة إلى أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسي تغمده الله برحمته ، كتب فيها نسخة الإقطاع وصورة ما كتبه المستنجد بخطه :

الحمد لله ، هذه نسخة كتاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة أديم من خفّ أمير المؤمنين علي وبخطة نسخته كهيئته رضي الله تعالى عنه وعن جميع الصحابة : بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطاه محمد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم التميم الداري وإخوته حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهنّ نطيّة بت بينهم ونفذت وسلّمت ذلك لهم ولأعقابهم ؛ فمن آذاهم آذاه الله ، فمن آذاهم لعنه الله.

ص: 255

شهد عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وكتب علي ب-ن أبي طالب وشهد ، وقد نسخت ذلك من خط المستنجد بالله كهيئته، ولعلّ هذا أصح ما قيل فيه، والله أعلم.

واستمر هذا الإقطاع بيد ذرّيّة تميم الداري يأكلونها إلى يومنا وهم مقيمون ببلد سيّدنا الخليل عليه الصلاة والسلام، وهم طائفة كثيرة يقال لهم: الدارية، وهذا ببركات النبي صلی الله علیه و آله وسلم .

وتقدّم عند ذكر الصحابة أن تميم الداري كان أميراً على بيت المقدس وق--د تعرّض بعض الولاة لآل تميم وأراد انتزاع الأرض منهم ورفع أمرهم إلى القاضي أبي حاتم الهروي الحنفي قاضي القدس الشريف فاحتج الداريون بالكتاب ، فقال القاضي : هذا الكتاب ليس بلازم لأنّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم أقطع تميماً ما لم يملك ، فاستفتى الوالي الفقهاء وكان الإمام أبو حامد الغزالي الله حينئذ ببيت المقدس قبل استيلاء الإفرنج عليه ، فقال : هذا القاضي كافر فإنّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال : زويت لي الأرض كلها، وكان يقطع الجنّة فيقول : قصر كذا ،لفلان، فوعده صدق وعطاؤه حقّ ، فخزي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم، وكانت هذه الحادثة حين كان أبو بكر ابن العربي بالشام، وتقدّم في ترجمته أنه دخل إلى الشرق في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وقدم إلى الشام وبيت المقدس .(1)

كان هذا كلام صاحب تاريخ بيت المقدس، وتميم بن أوس الداري هذا له ترجمة في أُسد الغابة و(السحابة) (كذا) (2)وغيرهما من الكتب التي ترجمت للصحابة.

ويشتمل هذا الحديث على ثلاث :فوائد

ص: 256


1- مجير الدين الحنبلي ، الأنس الجليل 2: 81 و 82ط المكتبة الحيدرية - النجف 1386 ه. (المترجم)
2- لعله يريد الإصابة .

الأولى : يظهر للإنسان الناظر فيه كيف يلعن النبي من أذى أولاد تميم الداري ولكنه لا يلعن من أذى أولاده (هذا لا يجوزه عاقل فضلاً عن فاضل وإن جوّزه الخبيث الجاهل(1)) .

الثانية : بيان أحوال علماء أهل السنة وولاتهم وكيفية مخالفتهم للنصّ النبوي الصريح، وكيف يجتهدون في مقابل النصّ ويحكمون بخطأ المشرع في إقطاع الأراضي ، وورثوا هذا الاجتهاد من خليفتهم (لعنه الله) الذي منع من كتابة الكتاب وحكم بهذيان النبي صلی الله علیه و آله وسلم . وقال في موضع آخر: «متعتان محلّلتان كانتا على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم و أنا أحرمهما وأعاقب عليهما».

الثالث : إنّ الغزالي حكم بكفر هذا القاضي ولم يحكم بكفر يزيد الذي قطع فرع شجرة النبوة وأنكر الشرع والشارع صراحة ، ونفى البعث والوحي والكتاب ويدعي هو الإسلام في حين يرى عدو الله ورسوله وقاتل ذرّيّة البتول مسلماً بالله ويا للمسلمين أهون بهذه الشريعة والملة وأهون بهذا المذهب والطريقة.

وأما قوله : «كلّ من لعن يزيد فهو فاسق وعاص فلقد سمعت أولاً أن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، وثانياً : الأئمة الأربعة، وثالثاً علماء المذهب كما عرفت في كلام شارح المقاصد ذلك، فإن قصد الغزالي بحكمه عموم الأمة فهو كفر صريح، وإن قصد العلماء من مذهبه ونسب إليهم الفسق والعصيان فإنّنا نتفق معه على فسقهم وعصيانهم وإن خالفناه في الاستدلال .

وأما قوله : «لو جاز لعنه» إلى آخره، فهو كلام سخيف ومنهار من أساسه، لأنّ ترك لعن الكفّار والمنافقين ناشى من الكفر والنفاق ، كترك لعن إبليس، بل لعن يزيد وأمثاله أشدّ لزوماً من لعن إبليس كما عرفت الفرق في كلام الرجل الزيدي

ص: 257


1- هذه العبارة جاءت بالعربية . (المترجم)

الذي سلف .

وأما قوله: «من أين يعلم» الخ ، فهو كلام ضعيف وظاهر الفساد ، لأن القصد من لعنة شخص هو الدعاء عليه باللعنة مثل لعنه الله ، واللهم العنه ، وهو إنشاء ، وليس إخباراً، ومعناه الطلب من الله أن يبعده من رحمته وليس إخباراً عن الغيب هذا أولاً ، وأما ثانياً فإن البعد من رحمة الله يعرف بإخبار الأنبياء الذين هم سفراء الله .. تعالى بينه وبين خلقه ؛ لأنّ الجنّة دار القرب من الله ، والنار دار البعد عنه ، فمن أخبروا عنه أنّه من أهل الجنّة كان قريباً من رحمة الله ، ومن أخبروا عنه أنه من أهل النار فهو البعيد عنها، وفهم هذا المطلب يعود إلى الشرع ويسهل فهم المسألة في الرجوع إليه .

وأما جواز الترحم على يزيد لعنه الله واندراجه في عموم قوله : «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات فهو من باب زاد في الشطرنج بغلة (1)وزاد في الطنبور نغمة وإلا فلم يسمع من أحد من علماء الإسلام إلا عن عبدالمغيث البغدادي صاحب الرسالة في المنع من لعن يزيد ومحيي الدين ابن العربي وعبدالقادر الجيلاني وعامة النواصب ، وليس واحد منهم مسلماً فلم يلتزم بذلك غيرهم ، وإن كان من لوازم مذهبهم كما سوف تعرفه إن شاء الله .

وكيف كان فقد انتقض - ولله الحمد - غزل الغزالي، وانصرم حبل كيده وضلالته، ودمرنا على بنيان بيانه المؤسس على شفا جرف هار من غيّه وضلالته.

نادرة

وعن عجائب الأمور أنّ الغزالي مع إصراره الشديد على المنع من لعن يزيد وإنكاره رضاه بقتل سيدالشهداء ، يعجب في كتاب (سرّ العالمين) من أولئك

ص: 258


1- لأول مرّة أعثر على مثل مثل هذا في اللغة العربية. (المترجم)

الذين ينكرون نسبة القتل إلى يزيد بعد عدة كلمات في ردّ خلافة الخلفاء الثلاثة ، وبيان غلبة الهوى والعصبية عليهم، ومن المناسب نقل نفس عبارته في هذا الكتاب ليظهر للعين تهافته الصريح وتناقضه الواضح بين كلاميه واعترافه هذا من فضل مذهبنا الحق الذي يعترف خصومه بين الفينة والفينة لإتمام الحجّة

، الإلهيّة وبالإمدادات من فيوض الولاية، قهراً باللوازم والمؤيدات لهذا المذهب «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» .(1)

قال الغزالي في كتابه المسمّى بسرّ العالمين وكشف ما في الدارين :

المقالة الرابعة في ترتيب الخلافة : اختلف العلماء في ترتيب الخلافة وتحصيلها لمن آل أمرها إليه ، فمنهم من زعم أنها بالنص، ودليلهم قوله تعالى «قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً» (2)وقد دعاهم أبو بكر إلى الطاعة بعد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فأجابوه .

وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: «وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ...» (3)الآية قال في الحديث : إنّ أباك هو الخليفة من بعدي يا حميراء ، وقالت امرأته : إذا فقدناك فإلى من نرجع ؟ فأشار إلى أبي بكر ، ولأنه أمّ بالمسلمين على بقاء رسول الله والإمامة عماد الدين، هذا جملة ما يتعلّق به القائلون بالنصوص.

وقالوا : لو كان على أوّل الخلفاء لانسحب عليهم ذيل الفناء ولم يأتوا بفتوح ولا مناقب، ولا يقدح في خلافته كونه رابعاً للخلفاء كما لا يقدح في نبوّة رسول

ص: 259


1- الأنفال : 42 .
2- الفتح : 16 .
3- التحريم: 3.

الله صلی الله علیه و آله وسلم أنه كان آخراً.

والذين عدلوا عن هذه الطريقة زعموا أنّ هذا تعلّق فاسد جاء على زعمكم وأهويتكم ، فقد وقع ميراث في الخلافة والأحكام مثل داود وسليمان وزكريا ويحيى، قالوا: كان لأزواجه ثمن الخلافة فبهذا تعلقوا ، وهذا باطل ، إذ لو كان ميراثاً لكان العبّاس أولى ، لكن أسفرت الحجّة عن وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث عن خطبة يوم غدير خم باتفاق الجمعي، وهو يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فقال عمر : بخ بخ يا أبا الحسن ، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، وهذا تسليم ورضا وتحكيم ، ثم بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة وحمل عمود الخلافة وعقود البنود وخفقان الهوى في قعقعة الرايات واشتباك ازدحام الخيول ، وفتح الأمصار ، سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون .

ولما مات رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال قبل وفاته : ایتونی بدوات وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر وأذكركم من المستحق بعدي قال عمر: دعوا الرجل فإنّه ليهجر وقيل : يهذي .

فإذا بطل تعلقكم بتأويل النصوص فعدتم إلى الإجماع وهذا منقوض أيضاً فإنّ العباس وأولاده وعليّاً وزوجته وأولاده لم يحضروا حلقة البيعة وخالفكم أصحاب السقيفة في مبايعة الخزرجي.

ودخل محمّد بن أبي بكر على أبيه في مرض موته ، فقال : يا بني ، انت بعمك عمر لأوصي له بالخلافة ، فقال : يا أبه، أكنت على حق أو باطل ؟ فقال : على حق ، فقال : أوص بها لأولادك إن كان حقاً، ثم خرج إلى علي علیه السلام وجرى ما جرى .(1)

ص: 260


1- لا يصح هذا الخبر مطلقاً لأن عمر محمد عند وفاة أبيه سنتان اثنتان فكيف حاوره بما حاوره به . (المترجم)

وقوله على منبر رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : أقيلوني فلست بخيركم أفقاله هزلاً أم جداً أم امتحاناً ؟ فإن كان هزلاً فإنّ الخلفاء منزّهون عن الهزل، وإن كان جداً فهذا نقض للخلافة ، وإن كان امتحاناً فالصحابة لا يليق بهم الامتحان لقوله تعالى: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلَّ» (1)فإذا ثبت هذا فقد صارت إجماعاً وشوري بينهم، هذا الكلام في الصدر الأوّل .

وأمّا في زمن عليّ ومن نازعه فقد قطع الشرع قولكم في الخلافة بقوله : إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهم ، والعجب كلّ العجب من حق واحد كيف

ينقسم ضربين، والخلافة ليست بجسم لا ينقسم، ولا بعرض يتفرّق ، ولا بجوهر يحدّ ، فكيف تباع أو توهب .

وفى حديث أبي حازم أوّل حكومة تجري فى المعاد بين على ومعاوية فيحكم لعليّ بالحق والباقون تحت الشبه .

وقول المشرع لعمّار بن ياسر : «تقتلك الفئة الباغية» فلا ينبغي للإمام أن يكون باغياً والإمامة ضيّقة لشخصين كما لا تليق الربوبية لاثنين .

أما الذين بعدهم طائفة تزعم أن يزيد لم يكن راضياً بقتل الحسين علیه السلام فأضرب لكم مثلاً في ملكين اقتتلوا فملك أحدهما الآخر أفتراه يقتله العسك-ر في غير اختيار صاحبها إلا غلطاً، ومثل الحسين لا يحتمل حاله الغلط لما جرى من القتل والعطش والسبي وحمل الرأس إجماعاً من جماهير المسيرين ، وقتل الأمة المغنية حيث مدحت عليّاً في غنائها أفتراه قتلها بغضاً لعلي أم لها ؟

وقول يزيد بن معاوية لعلي بن الحسين زين العابدين : أنت ابن الذي قتله الله ؟

ص: 261


1- (1) الأعراف : 43 .

قال : بل ابن الذي قتله الناس ، ثم تلا قوله تعالى: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» (1)أفتراك يا يزيد تجعل جهنّم لربّك جزاءاً وتخلّده فيها وتغضب عليه وتلعنه وتعدّ له عذاباً عظيماً ؟!

فإن قلت : هذه البراهين معطلة لا يحكم بصحتها حاكم الشرع ، فنقول في حججكم مثل ما تقولون .

ثمّ إجماع الجماهير بشتم عليّ على المنابر ألف شهر أمركم الكتاب أم السنّة أم الرسول ؟ ثمّ الذين بعدهم من غيرهم أخذوها نصاً أم سنّة أم إجماعاً؟ لكن أخذوها بسيف أبي مسلم الخراساني، فانظروا إلى قطع إجماعكم بسيف الشرع حيث قال : لكم الخلافة بعدي ثلاثون ، ثمّ يتولّى ملك جبروت، وبقوله للعبّاس: يا أبا الأربعين ملوكاً، ولم يقل خليفة ، والملوك كثير والخليفة واحد في زمانه انتهى .

وبه نقض إبرامه فيا عجباً من تهافت قوليه وتنافر كلاميه ، ومن هذه الجهة نسبه بعضهم إلى التشيع (2)بل يقولون إنه التقى السيد الأجل المرتضى، وأسلم على يديه ونسبوا إليه الشعر التالي :

يار بر من عرض ایمان کرد و رفت***پیر کبری را مسلمان کرد و رفت

لقد قدم الإسلام لي ثم عافني***فأسلم شيخ كافر ثمّ أسلمه

وكانت ولادة الغزالي بعد مضى سنين من وفاة السيّد المرتضى، لذا قالوا : إنّه السيد مرتضى الرازي صاحب (تبصرة العوام) ولا زال عالقاً بخاطري أنّ الفاضل

ص: 262


1- النساء : 93
2- يعني الشهيد القاضي التستري في مجالس المؤمنين، وأنا أشك أن يكون هذا الكتاب للغزالي لأنه بعد عن روحه وأسلوبه بعد السماء عن الأرض . (المترجم)

المحقق الكرمانشاهي ابن الأستاذ الأعظم في المقامع انتصر لهذا الاحتمال واعتبره السيّد المحقق الشهيد على جاري عادته في تكثير عدد الشيعة في قبال ادعاء أهل التسنّن الباطل من أنّ التشيّع صناعة صوفية.. من الشيعة بل من علمائهم ، وهذا المحقق العالم وإن كان معذوراً وعند أجداده الكرام مأجوراً على اتخاذ هذه الخطّة لكنا بحمد الله لسنا بحاجة إلى رجل كالغزالي لأن في عالم التشيع المئات من أمثال الغزالي من الحكماء الراسخين والعرفاء الشامخين والفقهاء

الراشدين والصلحاء الزاهدين من علماء الشيعة، فما الحاجة إلى تلفيق مثله ؟!

والطائفة التي فيها مثل أستاد البشر الخواجه نصير الذي اعتبره المؤالف والمخالف استاداً مسلماً به فيسبغون عليه أحياناً لقب أفضل المحققين وأحياناً يسمونه العقل الحادي عشر، وأحياناً سلطان الفقهاء والحكماء والوزراء كما جاء في إجازة الشهيد الثاني للشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي ، ويقولون أحياناً عنه أفضل أهل عصره في العلوم النقلية كما شهد بحقه العلّامة والمحقق الثاني . وتارة يقولون عنه : أفضل من شاهدناه في الأخلاق كما قال ذلك العلّامة في إجازته بني زهرة.

ومصنّف الزيج الخاقاني المدعو ميرزلغ بيك ، فقد أثنى عليه ثناءاً بليغاً، وصدر العلم والعلماء عنه في سرور وجذل(1).

ص: 263


1- قال فيه : وكان في مواقع بعض النجوم تقديم وتأخير فرصدنا الخسوفات بقدر الوسع وعدلنا موقع القمر مع باقي الكواكب طبقاً للرصد الذي وضعه الفيلسوف بحق والحكيم المطلق المولى الأعظم والحبر الأعلم، مظهر الحقائق، ومبدع الدقائق ، أستاد البشر ، أعلم أهل البدو والحضر ، متمم علوم الأوائل والأواخر ، كاشف معضلات المسائل والمآثر ، سيّد الحكماء ، أفضل العلماء ، سلطان المحققين المدققين ، ينبوع الحكمة، نصير الملة والدين، محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، قدس الله نفسه، وزاد في حظائر القدس أنسه ، لأنّ من المعلوم بلوغه جميع العلوم إلى درجة الكمال لاسيما ف-نّ الرياضات، بل هو المتمم والمكمّل لهذا الفنّ ، ولو نظرت إليه بعين الانصاف لعلمت أنه خلاق علومه - إلى أن قال : - هو شمس أوج الكمال ، وفنّان نحن في قباله بمنزله الذرّة ، حاش لله بل أقل منها . ويشهد لنا على هذا المدعى القوشجي في أول شرحه - مع شديد عداوته ومخاصمته له في المذهب، و نسخته معروفة .. ويقول المحقق عليه الرحمة في رسالة (التياسر) : حري في نثار الفرايد المولى أفضل علماء الإسلام وأكمل فضلاء الأنام ، نصير الدنيا والدين، محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، أيّد الله بهمته العالية قواعد الدين ومدركاته ، ومهد بمباحثه السامية بنيانه - إلى أن قال: وفرض على من يقف على فوائد هذا المولى الأعظم من علماء الأنام أن يبسطوا لديه الانقياد والاستسلام ، وأن يكون قصاراهم التقاط ما يصدر عنه من جواهر الكلام، فإنه شفاء الأنفس وجلاء الأفهام، غير أنه - ظاهر الله إجلاله ولا أعدم أوليائه فضله وإفضاله - سوّغ لي الدخول في الباب وأذن لي أن أورد ما يخطر في الجواب . فانظر إلى اعتراف المحقق الذي انعقدت عليه الخاصة بفضله ووجوب الاستسلام لديه وإنه أفضل علماء الإسلام. (منه)

وما أحسن ما قاله الأستاذ الأعظم البهبهاني في تعليقة رجال الميرزا : لا يحتاج إلى التعريف لغاية شهرته مع أنّ كلّما يقال فيه فهو دون رتبته .

والحقِّ يُقال: إن ألفاً مثل الغزالي وخيراً من الغزالي عليهم أن يلتقطوا الحب من بيادر تحقيقات هذا المحقق الشهير والعلّامة الكبير، بل لو نظرت بعين الانصاف ونبذت العصبية جانباً لاعتبرت الخواجه أفضل علماء بني آدم(1)من بدو الدنيا إلى يومنا هذا.

ويكفي في فضله أنّ علماء الفرنجه جعلوه في كتابه «المجسطي» في قبال إعجاز القرآن حين أنكروا العجز عن الإتيان بمثله ، وردوا على الإسلام ونقضوا

ص: 264


1- وهنا ينبغي أن يحد شيخنا الكريم من غلوه في هذا الفيلسوف العظيم فإنّ حكماً كهذا الحكم يعتمد على الاستقراء أو الحصر العقلي وكلاهما غير متيسر في حق المؤلف، ثمّ علينا أن ننظر بعين الواقع إلى رجالنا لئلا تضيع علينا حقائقهم في ظل المبالغات . (المترجم)

عليه بما قالوا بأن الزمن لم يأت بمثل الخواجه في المجسطي .(1)

وقد جعله صاحب كشف الظنون وغيره في المرتبة الأولى من الطبقة الأولى من المصنّفين، واعترف بأن له على جميع أهل العلم حقاً ظاهراً تجب مراعاته ، ولقد بلغ من الفضل والتحقيق أن إشكالاً واحداً في عبارة التجريد ف-ي ب-ح-ث الماهية متوهّماً حمل السعد التفتازاني على عدم الرضا بنسبة الكتاب إليه لعدم تصديقه بصدور خلاف منه ، وقال : إن هذا ينبئ عن أن نسبة هذا الكتاب لغير هذا المحقق ، مع أن شأن كتاب التجريد أجل من أن يُنسب إلى غيره، وهذا هو كلام التفتازاني مع ظهور عداوته ومنافسته للخواجه الذي ما يزال أتباع السعد يجأرون من صدمة بنانه وبيانه وحدة سيفه وسنانه. والحمد لله على وضوح الحجّة.

واعتبر الصلاح الصفدي في (شرح لامية العجم) الخواجه من الذين لم يبلغ أحد شأوهم في فنّ «المجسطي» (2)وخصصه بالمجسطي عناداً وحسداً.

ص: 265


1- وأربأ بسيدي الشيخ عن مثل هذا الدليل الفج على فضل الشيخ لأنه باطل من القول، وكيف يجعل الباطل دليلاً على الحق، وإن للفرنجه وعلمائهم رأياً مختلفاً في القرآن، وما منهم أحد إلا وهو ينظر إلى القرآن بعين الحقد الصليبية ولو أنهم يتأتى لهم لفضّلوا عليه حتى مؤلفات «أجاثا اكريستي». (المترجم)
2- اختلفت الأقوال فيه : فقال بعضهم : إنّه كتاب وضعه كاهن مجوسي يدعى مجست ، في أحكام عبادة النار . و قال آخرون : إنّه اسم كتاب كتبه اقليدس الفيلسوف اليوناني في علم الرياضيات. وقال آخر : إنّه رسالة كتبها بطلميوس ولا ارتباط له بطقوس النار . ومنهم من قال : هو كتاب في الرياضيات يشتمل على دلائل علم الهندسة وأصولها وأشكالها، وضعه بطلميوس وكان في الأصل يطلق على علم الهيئة وعلم الأفلاك والأرض ومقادير الحركات وكميات الأبعاد والأجرام، ويدعى في اليونانية بعلم الترتيب ، لأنّ هذا العلم لم يكن قبل بطلميوس بهذا الترتيب، وقال بعضهم إنّه نتاج أفكار اقليدس ، وفعلاً إن الترجمة التي كتبها نصير الدين الطوسي هي من وضع هذا الفيلسوف ، وإذا رجعنا إلى أصوله في اليونانية نراه يسمى ««مگیس سونتا كسين» أي الترتيب العظيم فعربه العرب إلى مجسطي وحلوه بلام التعريف فصار المجسطي، ودخلت هذه الكلمة المعربة إلى اللغة الفرنسيّة هكذا: «الماژست». وقال بعضهم : إنّها رسالة في علم الهيئة تأليف بطلميوس القلوذي لا اقليدس ، وليست كتابين . (راجع موسوعة دهخدا مادة مجسطى - المترجم) وقال في موسوعة المورد : المجسطي موسوعة فلكية ورياضية ألفها عالم الفلك اليوناني بطلميوس حوالي العام 140 للميلاد، كانت مرجعاً رئيساً لعلماء الفلك العرب والأوربيين حتى مطلع القرن السابع عشر تقريباً، ترجمت إلى العربية نقلاً عن السريانية عام 828 للميلاد ثم ترجمت إلى اللاتينية نقلاً عن العربية في الثاني من القرن الثاني عشر وهي تقع في ثلاثة عشر كتاباً. (راجع موسوعة المورد 12111 مادة مجسطي - المترجم)

خجسته رهنموی ذو فنونی***که در هر یک بود چون مرد یک فن

في كل فن بارع كأنه***لم يتخذ سواه يوماً فنّه

وجملة القول أنّ فضائل هذا البحر الموّاج الذي هو في ظلمات الجهل سراج وهاج ، أعظم من أن تلخص في هذه الصفحة.

وياعجباً منّي أحاول وصفه***وقد فنيت فيه القراطيس والصحف

ونعم ما قيل:

کتاب فضل تو را آب بحر کافی نیست***که ترکنی سر انگشت و صفحه بشماری

كتاب فضلك لا يكفي لقارئه***يم يندي به أطراف أصبعه

فيكشف الصفحات الغرّ مائدة***تفني المياه ولم يبلغه لمطلعه

ومع وجود هذا البحر الذي ليس له ساحل وهو أستاذ علماء الدنيا فما حاجتنا للتباهي بأمثال الغزالي وما غرضنا بأشباهه وإنما خصصنا الذكر بالعلّامة الطوسي قدس الله سرّه القدّوسي لقوّه امتيازه بجامعيّة فنون الكمالات وأخذه بأطراف صنوف العلوم وجمعه شتات أنحاء الفضائل، وتسالم الكل على رجحان وزنه

ص: 266

وجلالة قدره، وإلا والحمد الله تعالى فإنّ لنا في جميع العلوم العقلية والحكمة العملية والنظرية من الإلهي والطبيعي والرياضي والطب وغيره وجميع العلوم الإسلامية من الحديث والتفسير والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب واللغة والنحو والصرف والشعر والتاريخ وغير ذلك رجالاً فحولاً صناديد، وأسانيد نبغوا في هذه الطائفة من القيروان إلى القيروان(1) وسطعت أنوار فضلهم على العالم وكل واحد في فنّه أعظم من الغزالي مأة مرّة كما وردت أسمائهم الشريفة في الكتب المؤلّفة في هذا الفنّ ، والحديث في هذا المضمار وإن طال إلا أنه لا يخلو من فائدة .

وعلى كل حال، فإنّ المظنون بل المتيقن في الغزالي هو النصب والعداوة المعهودة لاسيما إذا دققنا في سائر مواضيع كتاب (سر العالمين) وتصريحه بالمطالب التي ذكرناها هو من باب تأييدات الهية لإظهار المناقب والمثالب على لسان الأعداء ليظهر الحق وتتمّ الحجّة عليهم وتطمئن قلوب المؤمنين، ونحن نعمل بفتواه ضدّه ونختم كلامنا بهذا الدعاء : (اللهم العن الغزالي إن مات على ضلالته ولم يرعو عمّا كان عليه من غيّه وجهالته) (2).

إلزام وإرغام

مقتضى أصول أهل السنة وقواعدهم ما قاله الغزالي ، وما ذكرناه نحن في هذا المجال إنّما هو على سبيل الإلزام والجدل لا الالتزام بجميع مقدمات مذهبهم ، لأن لازم مذهبهم الأساسي هو أن يزيد لعنه الله إمام حق وطاعته واجبة ، وسيدالشهداء

ص: 267


1- القيروان وزن شیروان تقال لحدود مجموع العالم والقيروان اسم مدينة في المغرب وتقال أيضاً للمشرق والمغرب. (هامش الأصل نقلاً عن البرهان القاطع)
2- العبارة بين قوسين غربية من المؤلف . (المترجم)

خارج عليه والعياذ بالله فقتله بحق كما اعترف بذلك بعض علمائهم(1)، وشرح هذا المقام هو ما قاله صاحب المقاصد ، يقول :

تنعقد الإمامة بطرق متعدّدة منها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء و وجوه الناس إذا أمكن حضورهم مجلس عقد البيعة ولا يشترط عدد مخصوص ولا يشترط أيضاً اتفاق أهل سائر البلاد، بل لو انعقد البيعة بواحد من أهل الحلّ والعقد لكفى .

وإنّما يقول هذا لأنه من المسائل المقطوع بها المتواترة ونقل مجمله في الصحاح السنّة ولم يحضر بيعة الأوّل أمير المؤمنين ولا الحسنان وابن عبّاس وبنو هاشم كافة وجماعة من الصحابة أمثال سلمان والمقداد وأبي ذر وأبي الهيثم بن التيهان وخالد بن سعيد والزبير وجماعة أخرى، وتخلّفوا عنها إلى مدّة، وبناءاً على هذا لا يكون الإجماع على خلافة أبي بكر حاصلاً، وكان تصديه للخلافة هذه المدّة فسوقاً وعصياناً، وهذا هدم الخلافة وإبطال لقياس الجلافة . پ

فتصدى لدفع هذا الإشكال العضدي في المواقف والبيضاوي في الطوالع والتفتازاني في المقاصد وشرحه، ومير سيّد شريف في شرح المواقف وغيرهم على النحو التالي :

ليس المراد من أهل الحل والعقد إجماعهم كلّهم بل تنعقد الخلافة ببيعة الواحد والاثنين منهم كما حصل الإجماع بهذه الكيفية على بيعة أبي بكر ومثله عمر، وصار واجباً على غيرهم اتّباعهم.

وفي كلام شارح المقاصد دقيقة زادت على غيره ونشير إليها، وهي :

لم يدخل في أهل الحل والعقد من عدى عمر ، فأمير المؤمنين والحسنان

ص: 268


1- هو الفقيه الأندلسي أبو بكر بن العربي لعنه الله صاحب كتاب العواصم من القواصم (المترجم)

وفاطمة سلام الله علیها ووجوه بني هاشم ليسوا من أهل الحل والعقد، ومثلهم سائر الأكابر من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان، سبحان الله! يهبط جبرئيل في بيت عليّ ويقوم الإسلام بسيفه ولا يؤخذ رأيه في بسط وقبض عمل الإسلام سبحانك هذا بهتان عظيم.

ومجمل القول ؛ يقول شارح المقاصد :

الطريق الثاني من طرق إثبات الخلافة الاستخلاف ونصّ الإمام السابق على الإمام اللاحق.

والطريق الثالث : قيامها بالقهر والاستيلاء ، إذامات الإمام السابق وقام من بعده اللاحق المؤهل لها والجامع لشرائط الإمامة فتصدّى للأمر بالشوكة القاهرة فإنّ الخلافة تنعقد له (حين يسلم من معارض يساويه) (1)وإن كان جاهلاً فاسقاً على الأظهر (2)تمّ كلام التفتازاني .(3)

ومن الواضح أن الطرق الثلاثة تحققت في خلافة يزيد:

أما الإجماع فإن أهل الشام جميعاً بايعوه بل أخذت له البيعة في حياة معاوية حين أرسل إلى الأطراف والأكناف من أخذ له البيعة كما يظهر ذلك من تواريخهم المعتمدة ، بل الإجماع على بيعة يزيد أشدّ إحكاماً منه على بيعة أبي بكر لأنه ببيعة عمر واحد صار إماماً، وهذا بايعته الألوف من الناس الذين كلّ واحد منهم عمر

زمانه، وكان على الباقين متابعته .

وأمّا نصّ الخليفة السابق عليه فقد نص عليه إمامهم معاوية وهو واجب الطاعة

ص: 269


1- أضفت هذه العبارة لعلمي بدخولها في مجموع رأيهم وإن كان المؤلف أهملها . (المترجم)
2- شرح