الإرشاد في معرفة حجج الله علی العباد المجلد 1

هویة الکتاب

بطاقة تعريف: مفید، محمدبن محمد، 413 - 336ق .

لقب واسم المنشئ: الإرشاد في معرفة حجج الله علی العباد/ تاٴلیف الشیخ المفید الامام ابي عبدالله محمدبن محمدبن النعمان العکبري ، البغدادي ؛ تحقیق موسسه آل البیت علیهم السلام لاحیاآ التراث .

مواصفات النشر: قم : موسسه آل البیت (علیهم السلام )، لاحیاآ التراث ، 1416ق = 1374.

مشخَصَّاًت ظاهری : ج 2

فروست : (موسسه آل البیت (علیهم السلام ) لاحیاآ التراث ؛ 147، 148)

شابک : 964-319-000-52sS 10000ریال (دورة من مجلدين ) ؛ 964-319-000-52sS 10000ریال (دورة من مجلدين ) ؛ 964-319-000-52sS 10000ریال (دوره دوجلدی ) ؛ 964-319-000-52sS 10000ریال (دورة من مجلدين )

حالة الاستَمّاع: قائمة المؤلفين السابقة

ملحوظة: ما قبل الطباعة ، الموتمر العالمی لالفیه الشیخ المفید، 1413ق . = 1372

ملحوظة: كتاب الرسائل

موضوع : ائمه اثناعشر

امامت

المعرف المضاف: موسسه آل البیت (علیهم السلام ). لاحیاآ التراث

تصنيف الكونجرس: BP36/5 /م 7‮الف 4 1374

تصنيف ديوي: 297/95

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 74-7268

معلوِّمٌ ات التسجيلة الببليوغرافية: القائمة السابقة

المحقق والمصحح : عباسعلی کریمیان 1402

ص: 1

اشارة

حقوق الطبع المحفوظة

الطبعة الثانية

1429 ه - 2018 م

مؤسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث

بیروت - لبنان - صلّی الله علیه و آله ب 34 / 24 - تلفاکس 54131 - هاتف 5448.5

E-mail:alalbayt@inco.com.ib

ص: 2

مقدمة التحقيق

اشارة

المقدّمة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، منتهى الحمد، و غايته، و صلّى اللّه على محمّد النبيُّ ّّ الأمّي، و الرحمة المهداة، و على أهلُ بيته سفن النجاة، و منائر الهدى.

أما بعد:

فلعله من البديهي القول بانّ كتابة التأريخ، أو ما يصطلح على تسميته بعَلِمَ التاريخ، يعد بلا شَكَّ من علوِّم المعرفة الّتي حظيت بالعناية الواسعة من قبل المسلمين بحيثُ يعدو من العسير تصور وجود أمة اخرى اقامت لها تأريخا واسعا و مسهبا كما هو لدى المسلمين.

و إذا كانَ همّ المسلمين عقب العهد الإسلامي الأول هو تثبيت و حفظ مغازي الرسول الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) لما لها من دلَّالة مهمة على حقيقة شَهِدَت الانعطاف الكبير المعاكس في حياة البشرية، نحو إقرار المثل، و تصحيح الانحراف الذي اصاب كلُّ الكيانات الاساسية في البنيان البشري، و ترجمة ملموسة لحاجة المجتَمّع الإسلامي في محاولته ارساء العقائد و الاحكام الشرعية الّتي جَاَءَ بها صاحب الشريعة، و تثبيتها كأصول تعَبْدية، فان القرآنُ

ص: 3

الكريم قد فتح الباب على مصراعيه امام عموم المسلمين لتدارس حياة الأمم السالفة و الغابرة، كمناهج أكادمية و تربوية لتلافي موارد العطب و مواضع الهلكة، كما أشار إليه قوله تعالى: وَ لَقَدْ بَعَثْنٰا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اَللّٰهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلطّٰاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اَللّٰهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ اَلضَّلاٰلَةُ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كٰانَ عٰاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ.(1)

و قالَ تعالى فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنٰاهٰا وَ هِيَ ظٰالِمَةٌ فَهِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ* أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهٰا أَوْ آذٰانٌ يَسْمَعُونَ بِهٰا. (2)

و غير ذلكَ من الآيات الكريمة الّتي يصعب حصرها و ايرادها هنا.

و بذا فقد أوقد القرآنُ في مخَيْلٍة المسلم المتدَبَّر في آياته فَكِّرْة البحث و التنقيب عن حياة الأمم السالفة، و الّتي أشار إليها كتاب اللّه تعالى تلميحا و تذكيرا، و لا يتأتى ذلكَ إلاّ من خلال التشمير و البحث الجاد و الرصين لاستحصال حكاية ما مضى و غاص في رمال ارض الجزيرة و ما يحيط بها من امتدادات سحيقة مترامية الاطراف.

و لما كانت الدعوة الإسلامية طرية و اعوادها غضة لم تنل منها سني الشيخوخة شيئاً، فلم تكن كتابة تأريخها بمتعسرة و لا شاقة ابدا، و لا يعسر على الباحثين و المؤرخين وضع اللبنات الاساسية لتأريخ اسلامي متكامل يبقى زادا و معاشا دينيا و دنيويا للاجيال اللاحقة و الدهور المتعاقبة، حتّى يرث اللّه تعالى الأَرض و من عليها، هذا إذا اقترن مداد كاتبيه بالصَدَقَ و الأمانة، و تجاوز التحزب و التَّعصُّب، و الحرص على التَمَسُّك بكلمة الحَقَّ رغم مشقة المخاض، و هذا ما لم يوفق له معظم كتبة التأريخ و صانعي اسس بنائه الشامخ، فتوارثته

ص: 4


1- النحل 36:16.
2- الحجّ 45:22-46.

الاجيال هجينا مشوبا بالادران، و هو ما سيتبين من خلال ما سنتعرض إليه لاحقا.

بلى لم تكن مسألة اقامة أسس تأريخ اسلامي متَخَصُّصُ بممتنعة و شاقة ابدا، بل كانت المشقة العظيمة تكمن في كتابة تأريخ الحَقَّب الماضية الّتي مضى عليها الزمن و ما ابقى لها حتّى اطلالا، و بالاخَصَّ في ارض الجزيرة، مهبط الوحي، و منطلق الرسالة المحمّد ية المباركة، حيثُ أَنّ ما توافر من معلوِّمٌ ات متناثرة عن طبيعة الأحوال الّتي كانت سائدة آنذاك، كانت من الندرة و التشتت بشَكَّل لا يتيح للمؤرخ القدرة على استيعابها و بشَكَّل جامع و شامل يطمئن إليه، و لقد كانَ أَكثر ما ورد عنها لا يتجاوز النقوش المكتوبة بالخط المسند على حوائط المعابد و الاديرة و اعمدة الحصون و القصور في الحيرة و اليمن، ترافقها روايات و أساطير منقولة شفاها عن أسماء الملوك القدماء و حكاياتهم، مَعَ قصص غامضة و مهولة او مشوشة عن أيّام القبائل و حَرُوبها مشفوعة بالاشعار، و الّتي ضاع معظمها بضياع اشعارها، و اما ما قيل من ان وهب بن مُنَبَّهُ، و عُبَيد بن شرية (1)كانا من مصنفي تأريخ تلكَ الحَقَّبة الماضية، فلا مناص من القول بَانَ حقيقة عملهما ما كانَ إلاّ تسطير ملحمي، و سرد مشوش، لانهما ما كانا في عملهما إلاّ كخابطي عشوة في أَكثر ما أورداه.

تلكَ كانت مشقة الكتابة للعصور السابقة لبداية التوجه نحو كتابة التأريخ، و اما التأريخ الإسلامي، فكما ذكرنا سالفا كانَ حظه وافرا في كثرةِ ما كتب عَنْهُ، و ما الّف في شأَنّه، فهناك العشرات من المحاولات المستَمّرة، و الّتي حاولت ان تضع لبنات التأريخ الإسلامي و رصّ أسسه في ارض الواقع المعاش، حلّ بأكثرها النسيان و الضياع، أو عدم الالتفات إِلَى مدى جديتها او

ص: 5


1- كانَ في صنعاء فاستدعاه معاوية فكتب له كتاب الملوك و اخبار الماضين.

رصانتها العَلِمَية، فبقيت جملة محددة و مشخَصَّة، يذهب معظم الباحثين إِلَى ان أشهر من كتب في هذا الجانب كانا محمّد بن إسحاق بن يسار (ت 151 ه) و محمّد بن عمر الواقدي (ت 207 ه) ، و ان كانَ قد سَبقه ما في التصنيف عروة ابن الزبير (1)، و وهب بن مُنَبَّهُ (2)، بيد ان ندرة او قلة ما وصل بايدي الباحثين و المؤرخين، لم تحدد للاخيرُين سيرة متكاملة محددة المعالم، إلاّ أَنّ كثرةِ نقول ابن إسحاق و الواقدي عنهما تبين بوضوح انهما-و بالاخَصَّ عروة بن الزبير-كانا قد سبقا في هذا المضمار (3).

كما ان التأمل في هاتين السيرتين-و اللتين تعدان بلا شَكَّ دعامتين مهمتين في تدوين ما عرف بالتأريخ الإسلامي-تبين بوضوح أيضاً انهما كانا في احيان كثيرة تابعتين لعروة بن الزبير في تحديد مساريهما، و تثبيتهما للوقائع المهمة، لا سيما فيما يتعلق بالهجرة إِلَى الحبشة و المدينة، و غَزوة بدر و غيرُهُا، و كذا بالنسبة لوهب بن مُنَبَّهُ، حيثُ روى ابن إسحاق عَنْهُ القسم الأوّل من السِّيرة.

و ان كانَ هذا الامر لا يلغي في حدوده وجود ثلة لا باس بها من المؤرخين و أصحّابَ السير، حاولت أَنّ تدلَّي بدلَّوها في هذا المعترك المهم امثال: أَبانَ بن عثمان (ت 105 ه) و شرحبيل بن سَعدُ (ت 123 ه) و ابن شهاب الزهري

ص: 6


1- اخ عَبْد اللّه بن الزبير، كانَ يعد من كبار فقهاء المدينة، اعتزل أخاه في قتاله مَعَ الامويين، ثم بايع عَبْد الملك بن مروان بعد مقَتَل اخيه.
2- قالَ عَنْهُ ابن حجر (تهذيب التهذيب 148:11) : كانَ أول حياته يقولُ بالقدر، و كتب فيه كتاباً. و قالَ ياقوت الحموي (معجم الأدباء 259:19) : كانَ كثير النقل من الكتب القديمة المعروفة بالاسرائيليات. و قالَ الذهبي (سير أعلام النبلاء 445:5) : روايته للمسند قليلة، و إنّما غزارة عَلِمَه في الاسرائيليات، و من صحائف أهلُ الكتاب.
3- انظر كَشَفَ الظنون 1747:2.

(ت 124 ه) و عاصم بن عُمَربن قتادة (ت 120 ه) و عَبْد اللّه بن أبي بكر بن حزم (ت 135 ه) و موسى بن عقبة (ت 141 ه) و معُمَربن راشد (ت 150 ه) ، و غيرُهُم ممّن عاصروا تلكَ الحَقَّبة الزمنية أو بعدها بقليل، امثال محمّد بن سَعدُ (ت 230 ه) ، و ابن هشام (ت 230 ه) .

و لعلّ التأمل اليسير في مجمل أسماء المؤرخين و زمن كتابتهم للتأريخ يبين بوضوح ان أسس التأريخ المعروف لدينا الآن قد بنيت ابان الحُكْمَين: الاموي -المغتصب للخلافة الشرعية برائده معاوية بن أبي سُفيان-و العبّاسيّ-المتاجر بشعار آل محمّد -و لا يخفى على ذي لب فطن ما دأب عليه رجال و ساسة الدولتين من محاولات متكررة لاضفاء هالة الشرعية و القدسية على حكميهما مَعَ دفع أصحّابَ الحَقَّ الشرعيين عن مناصبهم الّتي رتبها اللّه تعالى لهم.

و لعله من الطبيعي ان يَعُمُّد النظامان و اتباعهما إِلَى تشذيب كلُّ الأصول التأريخية الّتي قد لا تتوافق مَعَ الخط الذي تنتهجه الدولتان، أو تسخيرُ الاقلام لأَنّ تتوافق في مساراتها و الّتي تتناغم مَعَ التوجهات غير المشروعة لرواد هاتين الدولتين.

ان المرور العابر لا التأمل المتدَبَّر يكشف بوضوح ضعف الأصول التأريخية الّتي وصلت إِلَى العصور اللاحقة لتلك الأزمنة، و اسفاف هذه الموسوعات في التحدث عن حياة الملوك و مجالس مجونهم و دقائق أمورهم، و اعراضها المقصود عن اهم القضايا العقائدية الّتي ابتنى عليها الدين الإسلامي الحنيف.

و من المؤلم أَنّ يلجأ الكثير من المؤرخين إِلَى اعتَمّاد ما يصل إليهم من النصوص التأريخية دونَ اخضاعها للنقد و المناقشة، بل و الانكى من ذلكَ أَنّ تجد منهم من يتنصل من تبعه ما يورده من وقائع و احداث و ما ستتلقفه الاجيال اللاحقة به و كأَنّّها حقائق مسلمة لأَنّّها وردت في مرجع مهم من مراجع

ص: 7

التأريخ، كما ادعى ذلكَ الطبريّ في مقدّمة كتابه الشهير بتأريخ الأمم و الملوك، حيثُ قالَ: «فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين، مما يستُنكِرُه قارئه، أو يستشنعه سامعه. . . . ، فليَعلَمُ انه لم يؤت في ذلكَ من قبلنا، و انما اتى في بعض ناقليه إلينا، و انّا انما ادينا ذلكَ على نحو ما أدي إلينا» ! ! .

و لا ادري اي الاخبار يتنصل من تبعتها الطبريّ-الذي يعد مرجعا للمؤرخين عند الاختلاف، كما يُذَكَّرُ ذلكَ سلفه ابن الأثير-أ هي اخبار سيف ابن عمر الأسَدي الذي اصر على نقل اخباره رغم ما اتّفقَ عليه الجميع من الطعن به و التشهير بمذهبه (1)، أم هي الروايات المتناقضة الّتي يرويها لواقعة واحدة كما هو معروف عَنْهُ، ام تسرب الاسرائيليات من الاخبار إِلَى متن كتابه و طعن المؤرخين بذلكَ كما في قصة خلق الشمس و القمر و غيرُهُا، ام شيء آخر؟

نعم هذا ما حَصَلَ، و الأعظم من ذلكَ ان يعد ذلكَ تأريخا، و يجتر المؤرخون ما جَاَءَ به اسلافهم لتصبح تلكَ الترهات حقائق تبنى عليها جملة واسعة من التصورات و المعتقدات، و يختلط السليم بالسقيم.

قالَ ابن الأثير في سرده لكيفية كتابة تأريخه (3:1) : «فابتدأت بالتأريخ الكبير الذي صنّفه الامام أبو جعفر الطبريّ، اذ هو الكتاب المعَوَّل عند الكافَّةَ عليه، و المرُجُوعُ عند الاختلاف إليه، فأَخَذَت ما فيه من جميع تراجمه، لم اخل بترجمة واحدة منها» .

ص: 8


1- قالَ ابن معين: ضعيف الحديثٌ، و قالَ مرّة: فليس خيرُ منه، و قالَ أبو حاتَمّ: متروك الحديثٌ، و قالَ أبو داود: ليس بشيء، و قالَ النسائي و الدارقطني: ضعيف، و قالَ ابن عَدِيّ: بعض أحاديثه مشهورٌة و عامتها مُنكرٌة، و قالَ ابن حبان: يروي الموضوعات عن الاثبات، قالَ: و قالَوا: إنّه كانَ يضع الحديثٌ و أتهم بالزندقة، و قالَ البرقاني: متروك، و قالَ الحاكم: أتهم بالزندقة، و هو في الرواية ساقط.

و هكذا دواليك، و ما ذاك بمستبعد و لا بمستغرب، فان في هذا الامر ما يُوافِق هوى الحكومات المتلاحقة، و الّتي حاولت جاهدة أَنّ ترسم خطوط التأريخ بعيدا عن مرتكزاته الاساسية و الّتي تشَكَّل النقيض المضاد لوجودهم اللقيط، و الخطر الأكبر امام احلامهم السقيمة.

ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يرحل عن هذه الدُّنيا حتّى بيّن للامة سبيل نجاتها، و مرتكز عقائدها، و السبيل القَوِيَم الذي ترتبط به كلُّ الابعاد و ان تنافرت.

نعم ان الأئمة من أهلُ البيت عليهم السلام و رغم ما جهدت أقلام المستأجرين و سيوف اسيادهم الظالمين من العمل على تجاهلهم، رغم أَنّ ذلكَ يخالف ما اقروه في صحاحهم من افضليتهم و علوِّ شأَنّهم-هم بلا شَكَّ قطب الرحى، و مركز حركة التأريخ، و المرجع القَوِيَم في فهم كلُّ ما يحيط بِهِم من أحدٌاث، أسوة بجدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و ما هذا التخبط و الضياع إلاّ ثمرة واضحة لقلب موازين الحَقَّائق و العَدُوٍّ خلف السرّاب.

و لكن و رغم كلُّ ما احاط عملية كتابه التأريخ من كذب و تزوير و قهر و تنكيل، فان هذا لم يمنع من ان يَعُمُّد البعض إِلَى اعتَمّاد المنهج العَلِمَي الرصين في كتابة التأريخ، و ان ترث منهم الاجيال اللاحقة صفحات بيضاء ناصعة لا تشوبها ادران التَّعصُّب و لا التحزب.

و لعلّ كتاب الإرشاد لشيخنا المفيد رحمه اللّه نموذج حيُّ-مَعَ غيرُهُ من النماذج القديرة لرجالات الشيعة الافذاذ-في رسم صورة التعامل العَلِمَي و الصحيح مَعَ التأريخ باعتَمّاد المنهج العقائدي الذي اختطه لامته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) .

و لا غرابة في ذلكَ، فالشيخ المفيد يعد باتّفاق المؤالف و المخالف شيخ اساتذة الكلام، و صاحب الآراء المجددة، في وقت شَهِدَ فيها العالم الإسلامي

ص: 9

فترة تعد من ابرز الفترات التأريخية و ادقها، حيثُ انسحب ظل الدولة العبّاسية عن معظم بقاع الوطن الإسلامي، و لم يبق للخليفة العبّاسيّ آنذاك إلاّ بغداد و اعمالها، و الّتي كانت للبويهيين السيطرة التامة عليها، حيثُ فسحوا المجال امام الحريات المذهبية و المقالَات الدينية، فاحتدم الصراع الفَكِّرْي بين رجال المذاهب بشَكَّل ليس له مثيل، حيثُ كانَ على اشده بين الأشاعرة و المُعتزِلِة، و كانَ لكل منهم زعماء كلاميون و عَلِمَاء مفَكِّرْون، و كانت الشيعة تؤلف القوّة الثالثة الّتي يتزعمها الشيخ المفيد رحمه اللّه، و الذي استطاع-و من خلال براعته في صناعة الكلام، و قوّةُ حجيته، و قدرته الكبيرة على الإحاطة بالكثير من العلوِّم المختلفة-أَنّ يفند و يضعّف آراء الفريقين، و يثبت بطلانها.

كما ان الشيخ رحمه اللّه يعد من اوائل الذين لم يتوقفوا على حرفية النصوص و الأحاديث، بل بالاعتَمّاد على منطق الفَكِّرْ المجرد و الحرّ المبتني على عقائد رصينة و قَوِيَة، و يشير إِلَى ذلكَ بوضوح قوله في شرحه لعقائد الصدوق رحمه اللّه في باب النفوس و الأرواح: «لكن أصحّابنا المتعلقين بالاخبار أصحّابَ سلامة، و بعد ذهن، و قلة فطنة، يمرون على وجوههم فيما يسمعون من الأحاديث، و لا ينظرون في سندها، و لا يفرقون بين حقها و باطلها، و لا يفهمون ما يدخل عليهم في اثباتها و لا يحصّلون معانّيَ ما يطلقون منها» .

و من هنا فلا يسع المرء و هو يتأمل و يطالع صفحات كتاب الإرشاد للشيخ المفيد رحمه اللّه إلاّ أَنّ ترتسم في مخَيْلٍته جوانب من الابعاد الرائعة لذهنية مؤلّفه، و جهده في اخراج صورة تَمّثل البناء الاساسي الرصين لما يسمى بعَلِمَ التأريخ، رحم اللّه الشيخ المفيد، و اسكنه في فسيح جنانه.

ص: 10

منهجية التحقيق:

لا يخفى على أحدٌ مدى الاهمية البالغة الّتي يحظى بها كتاب الإرشاد لشيخنا المفيد رحمه اللّه، و ما يتَمّيز به من كونه مصدرا مهما و مرجعا معتَمّدا في بابه.

و من هنا فقد راودت اذهان العامُلين في المؤسّسة فَكِّرْة الاقدام على تحقيق هذا الاثر المهم و التراث الرائع و وضعه في مكانه اللائق به أسوة بغيرُهُ من الكتب المهمة الّتي قامت بتحقيقها و نشرها.

و لما يتَمّتع به الكتاب من اهمية كبيرة فقد حرصت المؤسّسة-و كعادتها دائما عند شروعها باي عمل تحقيقي-على استحصال جملة من النسخ المخطوطة له، و بمواصفات خاصّة، و أَنّ تكون قريبة من عصر المؤلّف قدر الإمكان.

و قد تفضل مشَكَّورا سماحة العلامة المحقق حجّة الإسلام و المسلمين السيّد عَبْد العُزِيَز الطباطبائي مشَكَّورا بتزويد المؤسّسة بعناوين جملة من المخطوطات القيمة و المهمة، و الّتي تتَمّتع بمواصفات كثيرة، اهمها مقابلتها على نسخة منقولة من نسخة مقروءة على الشيخ رحمه اللّه، كما أثبت ذلكَ في موارد متعدّدة منها.

و النسخ المخطوطة الّتي تَمّّ الاعتَمّاد عليها في مقابلة الكتاب هي ثلاث نسخ:

النسخة المحفوظة، في مكتبة آية اللّه العظمى السيّد المرعشيّ العامُّة في قم برقم 1144، وقع الفراغ من نسخها يوم الجمعة لاربع عشر بقين من شوال سنة خمس و ستين و خمسمائة.

و بهامشها كتب: قابلت نسختي هذه بنسخة مولانا الامام الأجل الكبير العالم العابد السيّد ضياء الدين تاج الإسلام ذي الجلالتين عَلِمَ ابي الرضا

ص: 11

فضل اللّه بن عليّ بن عُبَيد اللّه الحسني الراونديّ ادام اللّه ظله، و تَمّت المقابلة ليلة الاحد سلخ ربيع الأوّل سنة 566 هجرية.

و هي نسخة معربة و سليمة، رمزنا لها بالحرف «ش» .

النسخة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي برقم 13112، فرغ من نسخها يوم الجمعة الرابع عشر من محرم سنة خمس و سبعين و خمسمائة.

و في هامشها كتب: قوبل و صحح بنسخة مولانا الإمام ضياء الدين قدس اللّه روحه. و هي كسابقتها نسخة واضحة و معربة، رمزنا لها بالحرف «م» .

النسخة المحفوظة في مكتبة السيّد حسين الشيرازي، زودنا بمصورتها سماحة السيّد الطباطبائي، يعود تأريخ نسخها إِلَى القرن السابع أو الثامن، رمزنا بها بالحرف «ح» .

كما استعنا بنسخة اخرى محفوظة في المكتبة الوطنية في طهران، راجعنا عليها سند الكتاب و مقدّمته، و قد رمزنا لها بالحرف «ق» .

و ما ان اكتَمّلت النسخ لدى المؤسّسة حتّى اوكلت إِلَى جملة من اللجان المختصة مسئولية الشروع بهذا العمل، و وفقا لمنهجية التحقيق المشترك المتبعة في المؤسّسة، و هي:

لجنة المقابلة: و تتحدد مسئوليتها في ضبط الاختلافات الموجودة بين مجموعة النسخ و الأصل المطبوع، و قد كلف بهذا العمل كلُّ من الاخوة الأفاضل: الحاجّ عزّ الدين عَبْد الملك و الأخ محمّد عَبْد علي محمّد و الأخ محمّد حسين الجبوري.

لجنة التخريج: و لما كانَ الكتاب من الأصول القديمة المُعْتِبرة، فقد روعيت عند تخريج رواياته و أحاديثه الدقة في اختيار المصادر و الّتي تكون قبل عصر المؤلّف أو قريبة منه.

ص: 12

و اما ما أثبت من مصادر بعد عصر المؤلّف فلم يكن الغرض منها إلا إعضاد النسخ الخطية.

و قد أَنّيطت مسئولية هذه اللجنة بسماحة حجّة الإسلام الشيخ محمّد الرسولي و حجّة الإسلام السيّد مصطفى الحيدري.

لجنة كتابة الهوامش: و عملها صياغة الهوامش الخاصُّة بالتخريجات و التعليقات و التصحيحات و كتابتها، و انيط عمل هذه اللجنة بالاخ مشتاق المظَفَر.

لجنة تقَوِيَم النصّ: و تقع عليها مسئولية حسم الاختلافات الواردة بين النسخ و اختيار الصواب، و شرح المفردات اللغويّة، و كلُّ الاعمال المؤدية إِلَى ضبط النصّ، و قد أَنّيطت مسئولية هذه اللجنة بالاخ المحقق الفاضل اسد مولوي.

لجنة المراجعة النهائية: و يعتبر عملها الحلقة النهائية من اعمال تحقيق الكتاب، و تقع على عاتقها مسئولية مراجعة الكتاب من كافَّةَ جوانَبَّه قبل ارساله إِلَى الطبع، و قد أَنّيطت مسئولية هذه اللجنة بالاخ المحقق الفاضل كاظم الجواهري.

و انيطت مسئولية الاشراف على تحقيق هذا الكتاب و التحقّق من تثبيت اللمسات الأخيرُة له و متابعة اعمال لجانه المختلفة على عاتق الأخ المحقق الفاضل علاء آل جعفر مسئول لجنة مصادر «بحار الأَنّوار» في المؤسّسة.

و قد تفضّل مشَكَّورا كلّ من أصحّابَ السماحة حجّة الإسلام المحقّق السيّد محمّد الشبيري بمراجعة متن الكتاب، و سماحة حجّة الإسلام السيّد محمّد جواد الشبيري مراجعة سنده، و إعادة النظر في جميع مراحل العمل.

ص: 13

فقوبل الكتاب مرّة اخرى على نسختي «ش» و «م» و إثبات الاختلافات السندية الموجودة في النسختين في الهامش، بينما اقتصر في متن الكتاب على الاختلافات المهمّة، و قد استعين في هذه المرحلة بنسخة «ق» في سند الكتاب و مقدّمته، و نسخة «ح» في موارد الاختلاف بين النسختين.

و بذلا جهدا مشَكَّورا في الرُجُوعُ إِلَى المصادر و تعيين الصحيح من السّقيم و إضافة تعاليق قيّمة و تحقيقات رجاليّة و غيرُهُا، فللّه درّهما و عليه أجرهما.

عَلِمَا بأَنّّ من خواص نسخة «ش» أَنّّها نسخة منقولة مِمَّا قرئ على الشيخ كما هو الظاهر من هوامش ج 1/34 و 85 و 260، ج 2/77 و 89 و 160، و المصرّح به في ج 1/129.

و لذا كانت هذه النسخة مُورِدٌ اعتَمّادنا أولا و من ثمّ نسخة «م» الّتي يتفق متنها غالبا مَعَ هامش نسخة «ش» ، و من ثمّ سائر النسخ الأخرى.

و ختاما لا يَفوُتُنا إلاّ أَنّ نتقدم بالشَكَّر الجزيل و الثناء الوافر لسماحة العلاّمة المحقّق حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ محمّد رضا الجعفري الذي راجع الكتاب و أبدى ملاحظاته القيّمة، و لكلّ من آزرنا في إخراج هذا الجهد.

و الحمد للّه وحده، و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم

مؤسّسة آل البيت عليهم السّلام لاحياء التّراث

ص: 14

الصورة

(*) صورة الصفحة الأخيرُة من النسخة المحفوظة في مكتبة آية اللّه السيّد المرعشيّ العامُّة، و الّتي رمزنا لها بالحرف «ش» .

ص: 15

الصورة

(*) صورة الصفحة الأخيرُة من نسخة مجلس الشورى الإسلامي، و الّتي رمزنا بالحرف «م» .

ص: 16

الإرشاد في معرفة حجج الله علی العباد

تالیف الشیخ المفید الامام ابی عبدالله محمدبن محمدبن النعمان العکبری ، البغدادی

تحقیق موسسه آل البیت علیهم السلام لاحیاء التراث

ص: 1

ص: 2

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

و به ثِقتي

أخبَرنَا السيّدُ الأجل عميدُ الرؤساء أبو الفتح يحيى بن محمّد بن نصْر بن عليّ بن حيا (1) _أدام الله عُلُوّه _ققراءةً عليه سنةَ أربعين وخمسمائة ، قال : حَدَّثنا القاضي الأجَلّ أبو المَعالي أحمد بن عليّ بن قدامَة في سنة ثمانٍ وسبعين وأربعمائة ، قال : حَدَّثني الشيخُ السعيد المُفيد أبو عبدالله محمّدُ بنُ النُعمان -رضي الله عَنْهُ- في سنةِ إحدى عشرة وأربعمائة قال : (2)

الحمدُ لله على ما ألْهَمَ من معرفته ، وهدَى إليه من سبيل طاعته ، وصَلَواته على خِيرته من بَريّته ، محمّد سيّدِ أنبيائه وصفوته ، وعلى الائمة المعصومين الراشدين من عِترته ، وسلّم.

ص: 3


1- كذا في نسخة «ق» و «ح» من دونَ تنقيط.
2- ورد هذا السند في مقدّمة النسخة «ح» و «ق» .

فإنّي مُثْبِتٌ - بتوفيق الله و معونته - ما سألتَ - أيدك الله - إثباتَه من أسماءِ أئمة الهُدى علیهم السلام و تاريخ أعمارهم، و ذِكر مَشاهدهم، و أسماء أولادهم، وطُرفٍ من أخبارهم المفيدة لعلم أحوالهم ، لتِقفَ على ذلك وقوفَ العارف بهم ، ويَظْهَرَ لك الفرقُ ما بين الدعاوى والاعتقادات فيهم ، فتميّزبنظرك فيه ما بين الشبهات منه والبيّنات ، وتعتمد الحقً فيه اعتماد ذويَ الإِنصاف والديانات ، وأنا مجيبك إلى ما سألت ، ومتحرٍّ فيه الإِيجاز والاختصار حَسَب ما أثرت من ذلك والتمست ، وبالله أثق ، وإيّاه أستهدي إلى سبيل الرشاد.

و بعدُ:

ص: 4

باب الخبرُ عن أَميرُالمؤمنين صلوات الله علیه

أوّلُ أئمّة المؤمنين، و وُلاةِ المسلمين، و خلفاء الله تعالى في الدين، بعد رسول الله الصادق الأمين محمّد بن عَبْدُالله خاتَمّ النبيُّ ّين، - صلواتُ الله عليه و آله الطاهرين - أخوه و ابنُ عمّه، و وزيره على أمرُه، و صِهْرُه على ابنته فاطمة البتول سيّدة نساء العالمين ، أَميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب بن عَبْدالمطّلب بن هاشم بن عَبْد مناف سيّد الوصيّين - عليه أفضلَ الصلاة و التسليم -.

كُنيتُه: أبو الحسن، وُلِد بمَكّة في البيت الحرام يومَ الجمعة الثالث عشر من رجب سنة ثلاثين من عام الفيل، و لم يُولد قبله و لا بعده مولودٌ في بيت الله تعالى سواه إكراماً من الله تعالى له بذلكَ و إجلالاً لمحلّه في التعظيم.

و أُمُّه: فاطمة بنتُ أسَد بن هاشم بن عَبْد مناف رضي الله عنها، و كانت كالأُمّ لرسول الله صلّی الله علیه و آله وسلّم ، رُبي في حِجْرِهَا، و كانَ شاكراً لبرّها، و آمَنَتْ به صلّی الله علیه و آله الأولين، و هاجَرَت معه في جملة المهاجرين . و لما قبضها الله تعالى إليه كَفّنها النبيُّ صلی الله علیه و آله بقميصه ليَدْرَأ به عنها هوامَّ الأرض ، وتوسّد في قبرها لتَأْمَنَ بذلك من ضَغْطة القبر ، ولقّنها الإقرارَ بولاية ابنها _ أمير المؤمنين علیه السلام - لتجيبَ به عند المسألة بعد الدفن، فخَصَّها بهذا الفَضْل

ص: 5

العظيم لمنَزَلتها من الله تعالى و منه عَلَیْهِ السَّلامُ، و الخبرُ بذلكَ مشهورٌ (1) .

فكانَ أَميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلَیْهِ السَّلامُ و إِخوتُه أوّل من ولدِه هاشم مرتين (2)و حاز بذلكَ مَعَ النشوء في حِجر رسول الله صلّی الله علیه و آله و التأدب به الشرفين. و كانَ أوّلَ من آمن بالله عزَّ و جلّ و برسوله صلّی الله علیه و آله من أهلُ البيت و الأصحّاب، و أوّلَ ذَكَرٍ دعاه رسول الله صلّی الله علیه و آله إِلَى الإسلام فأجاب، و لم يزل يَنصُرُ الدين، و يُجاهد المشركين، و يَذُبُّ عن الإيمان، و يَقتُلُ أهلُ الزيغ و الطغيان، و يَنشُرُ معالمَ السنّة و القرآنُ، و يَحكُمُ بالعدلٌَّ و يَأمُرُبالإحسان. فكانَ مُقامُه مَعَ رسول الله صلّی الله علیه و آله بعد البعثة ثلاثا و عشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة بمكّة قبل الهجرة مشاركاً له في مِحَنه كلِّها، متحمّلًا عَنْهُ أكبر أثقالَه، و عشر سنين بعد الهجرة بالمدينة يُكافِح عَنْهُ المشركين و يُجاهد دَوَّنَهُ الكافرين، و يَقيه بنفسه منأعدائه في الدين، إِلَى أَنّ قبضه الله تعالى إِلَى جنّته و رَفَعه في عليّين، فمضى - صلّی الله علیه و آله - و لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ يومئذ ثلاث و ثلاثون سنة .

في النص على ولاية أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ

فاخْتلِفت الأُمّة في إمامته يومَ وفاة رسول الله صلّی الله علیه و آله، فقالَت شِيعتهُ - و هم بنو هاشم و سَلمان و عمّار و أبوذَرّ و المقداد و خُزَيمة ابن ثابت ذو الشهادتين و أبو أيّوب الأَنّصاري و جابر بن عَبْدُالله الأَنّصاري

ص: 6


1- انظر الكافي 2/377:1، دعائم الإسلام 361:2، خَصَّائص الأئمة:64.
2- في نسخة «ح» : من ولد من هاشميين.

و أبو سعيد الخُدري، و أمثالهم من جِلّة (1)المهاجرين و الأَنّصار - : إنّه كانَ الخليفةَ بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله و الإمامَ لفضله على كافَّةَ الأَنّام بما اجتَمّع له من خَصَّال الفَضْل و الرَّأْي و الكمال، من سَبْقه الجماعةَ إِلَى الإيمان، و التبريز عليهم في العَلِمَ بالأحكام، و التقدُّمِ لهم في الجهاد، و البَينونِة منهم بالغاية في الورع و الزهد و الصلاح، و اختَصَّاصه من النبيُّ صلّی الله علیه و آله في القُربى بما لم يَشركه فيه أحدٌ من ذوي الأرحام.

ثم لنصّ الله على ولايته في القرآنُ، حيثُ يقولُ جَلّ اِسْمُهَ : (إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاٰةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ)(2)، و معلوِّمٌ ً أَنّه لم يزكّ في حال ركوعه أحدٌ سواه عَلَیْهِ السَّلامُ، و قد ثبتَ في اللغة أَنّ الولي هو الأوّلَى بلا خلاف.

و إذا كانَ أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ - بحكم القرآنُ - أوّلَى بالناس من أَنّفسهم، لكونه وليهم بالنص في التبيان، وجبت طاعته على كافّتهم بجلي البيان، كما وجبت طاعة الله و طاعة رسوله عَلَیْهِ السَّلامُ بما تَضَمَّنه الخبرُ عن ولايتهما للخلق في هذه الآية بواضح البرهانُ.

وَ بِقَوْلِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله يَوْمَ اَلدَّارِ، وَ قَدْ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ - خَاصَّةً - فِيهَا لِلْإِنْذَارِ: «مَنْ يُؤَازِرُنِي عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ يَكُنْ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» فَقَامَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ علیه السلام مِنْ بَيْنِ جَمَاعَتِهِمْ، وَ هُوَ أَصْغَرُهُمْ يَوْمَئِذٍ سِنّاً فَقَالَ: «أَنَا أُؤَازِرُكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ» فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: اِجْلِسْ فَأَنْتَ أَخِي وَ وَصِيِّي

ص: 7


1- جلّة: جمع جليل.
2- المائدة:55.

وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» و هذا صريح القول في الاستخلاف.

وَ بِقَوْلِهِ - أَيْضاً - عَلَیْهِ السَّلامُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ : وَ قَدْ جَمَعَ اَلْأُمَّةَ لِسَمَاعِ اَلْخِطَابِ «أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ»؟ فَقَالُوا: اَللَّهُمَّ بَلَى، فَقَالَ لَهُمْ عَلَیْهِ السَّلامُ - عَلَى اَلنَّسَق ِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اَلْكَلاَمِ -: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» فأوجب له عليهم من فَرْضِ الطاعة و الولاية ما كانَ له عليهم، بما قررهم به من ذلكَ و لم يتناكروه. و هذا أيضاً ظاهر في النص عليه بالإمامة و الاستخلاف له في المقامُ.

وَ بِقَوْلِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ لَهُ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إِلَى تَبُوكَ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» فأوجب له الوزارة و التَخَصُّصُ بالمودة و الفَضْل على الكافَّةَ ، و الخلافة عليهم في حياته و بعد وفاته، لشهادة القرآنُ بذلكَ كلِّهِ لهارون من موسى علیهما السلام؛ قالََ اللهُ عزَّ و جلّ مُخبراً عن موسى عَلَیْهِ السَّلامُ: (وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هٰارُونَ أَخِي* اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَ نَذْكُرَكَ کَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنٰا بَصِيراً *قٰالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰا مُوسىٰ*) (1) فثبت لهارون عَلَیْهِ السَّلامُ شركة موسى في النبوة، و وزارته على تأدية الرسالة و شد أزره به في النصرة. و قالَ في استخلافه له: (اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ) (2) فثبتت له خلافته بمحكم التنزيل .

فلمّا جَعَلَ رسول الله صلّی الله علیه و آله لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ

ص: 8


1- طه 29:20-36.
2- الأعراف 142:7.

جميعَ منازل هارون من موسى عَلَیْهِ السَّلامُ في الحُكمِ له منه إلّا النُبوّة ، وجبت له وزارةُ الرسول صلّی الله علیه و آله و شدّ الأَزر بالنصرة و الفَضْل و المحبّة ، لما تقتضيه هذه الخَصَّال من ذلكَ في الحَقَّيقة، ثُّمّ الخلافةُ في الحياة بالصريح، و بعد النُبوّة بتخَصَّيص الاستثناء لما أخَرَجَ منها بذكر البَعد، و أَمثالِ هذه الحجج كثيرة مِمَّا يطول بذكره الكتاب، و قد استقصينا القول في إثباتها في غير هذا الموضع من كتبنا، و الحمد لله.

فكانَت إمامةُ أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بعد النبيّ صلّی الله علیه ، و آله ثلاثينَ سَنَة، منها أربع و عشرون سنة و أشهرُ ممّنوعاً من التصرّف على أحكامها، مستعمِلاً للتقية و المُداراة . و منها خمس سنين و أشهرُ مُمْتَحَناً بجهاد المنافقين من الناكثين و القاسطين و المارقين، و مُضطَهَداً بِفِتَن الضالّین ، كما كانَ رسولُ الله صلّی الله علیه و آله ثلاث عشرة سنة من نبوَّتِه ممّنوعاً من أحكامها، خائفاً ومحبوساً وهارباً ومطروداً ، لا يتمكّن من جهاد الكافرين ، ولا يستطيع دفعاً عن المؤمنين ، ثمّ هاجر وأقام بعد الهجرة عشر سنين مجاهداً للمشركين مُمْتَحَناً بالمنافقين ، إلى أن قبضه اللّه _ تعالى _ إليه وأسكنه جنات النعيم.

و كانت وفاةُ أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ قبيلَ الفجر من ليلة الجمعة ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قَتيلٌاَ بالسيف، قَتْلُه ابن مُلجَم المُرادي - لَعَنَه الله - في مسجد الكوفة، و قد خَرَجَ عَلَیْهِ السَّلامُ يُوقِظ الناسَ لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، و قد كانَ ارتصده من أوّلَ الليل لذلك، فلمّا مرّ به في المسجد و هو مُستَخفٍ بأمرُه مُماكرٌ بإظهار النوم في جملة النيام، ثار إليه فضربه على

ص: 9

أم رأسه بالسيف - و كانَ مسموماً- فمكث يومَ تسعة عشر و ليلةَ عشرين و يومَها و ليلةَ إحدى و عشرين إِلَى نَحْو الثلث الأوَّل من الليل، ثُّمّ قَضى نحبه عَلَیْهِ السَّلامُ شهيداً و لقيَ ربَّه - تعالى - مظلوما.

و قد كانَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ ذلكَ قبل أوانه و يُخبر به النّاس قبلَ زمانه، و تَوَلَّى غسله و تكفينَه ابناه الحسنُ و الحسينُ علیهما السلام بأمرُه، و حَمَلاه إِلَى الغّرِيّ من نَجَف الكوفة، فدَفَناه هناك و عَفّيا موضع قبره، بوصيّةٍكانت منه إليهما في ذلكَ، لما كانَ يَعلَمُ ه عَلَیْهِ السَّلامُ من دولة بني أُمَيِّة من بعده، و اعتقادهم في عَداوته، و ما ينتهون إليه بسوء النيّات فيه من قبيح الفعال و المقالَ بما تَمّكّنوا من ذلكَ، فلم يزل قبرُه عَلَیْهِ السَّلامُ مُخفيً حتّى دَلّ عليه الصادقُ جعفر بنُ محمّد علیهما السلام في الدولة العبّاسية و زاره عند وروده إِلَى أبي جعفر (1) - و هو بالحيرة - فَعَرََََفَته الشيعة و استأنَفوا إذ ذاك زيارته عَلَیْهِ السَّلامُ و على ذُرِّيَّتِهِ الطاهرين و كانَ سنّه عَلَیْهِ السَّلامُ يوم وفاته ثلاثا و ستين سنة .

ص: 10


1- أبو جعفر المنصور، عَبْد اللّه بن محمّد بن عليّ بن العبّاس، ثاني خلفاء بني العبّاس، ولد في الحميمة من أرض الشراة سنة 95 ه و وليّ الخلافةُ بعد وفاة أخيه السفاح سنة 136 ه، توفي ببئر ميمون سنة 158 ه، و دفن في الحجون بمكّة و كانت مدة خلافته 22 عاما، انظر «تاريخ بغداد 62:1، شذرات الذهب 244:1، تاريخ الطبريّ 8: 113، العبر 175:1، الاعلام 117:4» .

فصل فمن الأَخبار الّتي جاءت بذكره - عَلَیْهِ السَّلامُ - الحادث قبل كونه، و عَلِمَه به قبل حدوثه:

مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ اَلْمُنْذِرِ اَلطَّرِيقِيُّ ،عَنِ اِبْنِ اَلْفُضَيْلِ اَلْعَبْدِيِّ (1)،عَنْ فِطْرٍ، عَنْ أَبِي اَلطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ -رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ - قَالَ: جَمَعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلنَّاسَ لِلْبَيْعَةِ، فَجَاءَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ اَلْمُرَادِيُّ - لَعَنَهُ اَللَّهُ - فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثاً ثُمَّ بَايَعَهُ، وَ قَالَ عِنْدَ بَيْعَتِهِ لَهُ: «مَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا! فَوَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُخْضَبَنَّ (2)هَذِهِ مِنْ هَذَا» وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ رَأْسِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَلَمَّا أَدْبَرَ اِبْنُ مُلْجَمٍ عَنْهُ مُنْصَرِفاً قَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ مُتَمَثِّلاً :

اُشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ *** فَإِنَّ اَلْمَوْتَ لاَقِيكَ

وَ لاَ تَجْزَعْ مِنَ اَلْمَوْتِ *** إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ

كَمَا أَضْحَكَكَ اَلدَّهْرُ *** كَذَاكَ اَلدَّهْرُ يُبْكِيكَ(3) .

ص: 11


1- لعل العَبْدي تصحيف الضبيّ، فإنّّه محمّد بن فضيل بن غزوان الضبيّ، مولاهم أبو عَبْد الرحمن، و قد عدّه الشيخ الطوسيّ (قدّس سرّه) من أصحّابَ الصادق عليه السلام و وثقه (رجال الشيخ:297) يروي عَنْهُ عليّ بن المُنْذِر الطريقي، انظر: «الطبقات الكبرى 389:6، انساب السمعانَي 145:8، ميزان الاعتدال 3: 157، تهذيب التهذيب 386:7 و 405:9» .
2- في «ق» و هامش «ش» : ليخضبنّ.
3- الطبقات الكبرى 33:3، أَنّساب الأشراف 500:2، مقاتل الطالبيين:31، الخرائج و الجرائح 182:1 ذيل الحديثٌ 14، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 6/192:42و البيت الأخيرُ اثبتناه من «ق» .

وَ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمّ َالِيِّ ،عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اَلسَّبِيعِيِّ ،عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: أَتَى اِبْنُ مُلْجَمٍ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَبَايَعَهُ فِيمَنْ بَايَعَ، ثُمَّ أَدْبَرَ عَنْهُ فَدَعَاهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَتَوَثَّقَ مِنْهُ، وَ تَوَكَّدَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَغْدِرَ وَ لاَ يَنْكُثَ فَفَعَلَ، ثُمَّ أَدْبَرَ عَنْهُ فَدَعَاهُ اَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلثَّانِيَةَ فَتَوَثَّقَ مِنْهُ وَ تَوَكَّدَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَغْدِرَ وَ لاَ يَنْكُثَ فَفَعَلَ، ثُمَّ أَدْبَرَ عَنْهُ فَدَعَاهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلثَّالِثَةَ فَتَوَثَّقَ مِنْهُ وَ تَوَكَّدَ عَلَيْهِ أَلاَّ يَغْدِرَ وَ لاَ يَنْكُثَ، فَقَالَ اِبْنُ مُلْجَمٍ: وَ اَللَّهِ - يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ - مَا رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ هَذَا بِأَحَدٍ غَيْرِي. فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ :

«أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي *** عَذِيرَكَ (1)مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ (2)

اِمْضِ - يَا اِبْنَ مُلْجَمٍ - فَوَ اَللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَفِيَ بِمَا قُلْتَ» (3) .

وَ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ اَلضُّبَعِيُّ عَنِ اَلْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اَللَّهُ - إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ له: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، اِحْمِلْنِي فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَنْتَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ اَلْمُرَادِيُّ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَنْتَ

ص: 12


1- عذيرك من فلان بالنصب، أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل «النهاية -عذر-197:3» .
2- البيت لعَمْروُ بن معَدِيّ كرب: كتاب سيبويه 276:1، الأغاني 27:10، العقد الفريد 121:1، خزانة الأدب 361:6.
3- ذكره ابن شهرآشوب مختصرا في المناقب 310:3، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 7/192:42.

عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ اَلْمُرَادِيُّ؟» قَالَ:نَعَمْ .قَالَ «يَا غَزْوَانُ، اِحْمِلْهُ عَلَى اَلْأَشْقَرِ فَجَاءَ بِفَرَسٍ أَشْقَرَ» فَرَكِبَهُ اِبْنُ مُلْجَمٍ اَلْمُرَادِيُّ وَ أَخَذَ بِعِنَانِهِ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ:

«أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي *** عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ» (1)

قَالَ:فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَ ضَرَبَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قُبِضَ عَلَيْهِ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ اَلْمَسْجِدِ، فَجِيءَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «وَ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَصْنَعُ بِكَ مَا أَصْنَعُ، وَ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ قَاتِلِي ، وَ لَكِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ لِأَسْتَظْهِرَ بِاللَّه ِ عَلَيْكَ» .

فصل آخرو من الأَخبار الّتي جاءت بنعيه نفسه عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَى أَهَّلَه و أصحّابه قبل قَتْلُه:

وَ مَا رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ اَلْأَحْوَلُ عَنِ اَلْأَجْلَحِ ،عَنْ أَشْيَاخِ كِنْدَةَ، قَالَ:سَمِعْتُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقُولُونَ: سَمِعْنَا عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلْمِنْبَرِ يَقُولُ: «مَا يَمْنَعُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؟» وَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ (2) .

ص: 13


1- اشار إليه ابن شهرآشوب في المناقب 310:3، و الراونديّ في الخرائج و الجرائح 182:1 ذيل الحديثٌ 14.
2- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 8/193:42.

وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ اَلْحَزَوَّرِ ،عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: خَطَبَنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي اَلشَّهْرِ اَلَّذِي قُتِلَ فِيهِ فَقَالَ: «أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَ هُوَ سَيِّدُ اَلشُّهُورِ ،وَ أَوَّلُ اَلسَّنَةِ، وَ فِيهِ تَدُورُ رَحَى اَلسُّلْطَان َ . أَلاَ وَ إِنَّكُمْ حَاجٌّ اَلْعَام َ صَفّاً وَاحِداً ،وَ آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي لَسْتُ فِيكُمْ» قَالَ:فَهُوَ يَنْعَى نَفْسَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ نَحْنُ لاَ نَدْرِي (1) .

وَ رَوَى اَلْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ اَلْعَبَّاسِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَتَعَشَّى لَيْلَةً عِنْدَ اَلْحَسَنِ وَ لَيْلَةً عِنْدَ اَلْحُسَيْنِ وَ لَيْلَةً عِنْدَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ (2)، وَ كَانَ لاَ يَزِيدُ عَلَى ثَلاَثِ لُقَمٍ، فَقِيلَ لَهُ فِي لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اَللَّيَالِي فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ: «يَأْتِينِي أَمْرُ اَللَّهِ وَ أَنَا خَمِيص ٌ ، إِنَّمَا هِيَ لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَانِ» فَأُصِيبَ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي آخِرِ اَللَّيْلِ (3) .

وَ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ:حَدَّثَتْنِي أُمُّ مُوسَى - خَادِمَةُ (4)عَلِيٍّ علیه

ص: 14


1- إعلام الورى:160، مناقب آل أبي طالب 271:2، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 193:42/9.
2- في «ش» : عَبْد اللّه بن العبّاس.
3- إعلام الورى:160، المناقب للخوارزمي:392/410، مناقب آل أبي طالب 271:2، كنز العمّال 195:13/36583، الفصول المهمة:139، و ذكره مختصرا الراونديّ في الخرائج 201:1/41، و سيأتي في فصل من نعيه لنفسه عليه السلام اواخر الجزء الأوّلَ.
4- كذا في متن النسخ و في هامش «ش» : خادم و هو صَوَاب أيضاً. قالَ في لسان العرب-خدم-166:12: الخادم واحد الخدم غلاما كانَ أو جارية. . . و في حديثٌ فاطمة و علي عليهما السلام: «اسألي أباك خادما تقيك حرّ ما أَنّت عليه» الخادم واحد الخدم و يقع على الذكر و الأَنّثى لا جرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الافعال كحائض و عاتق. . و هذه خادمنا-بغير هاء، لوجوبه، و هذه خادمتنا غدا. انتهى.

السلام وَ هِيَ حَاضِنَةُ فَاطِمَةَ اِبْنَتِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ - قَالَتْ: سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ لاِبْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ: «يَا بُنَيَّةِ، إِنِّي أَرَانِي قَلَّ مَا أَصْحَبُكُمْ» قَالَتْ: وَ كَيْفَ ذَلِكَ: يَا أَبَتَاهْ؟ قَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ نَبِيَّ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي مَنَامِي وَ هُوَ يَمْسَحُ اَلْغُبَارَ عَنْ وَجْهِي وَ يَقُولُ: يَا عَلِيُّ ،لاَ عَلَيْكَ قَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ».

قَالَتْ: فَمَا مَكَثْنَا إِلاَّ ثَلاَثاً حَتَّى ضُرِبَ تِلْكَ اَلضَّرْبَةَ. فَصَاحَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ فَقَالَ:«يَا بُنَيَّةِ لاَ تَفْعَلِي، فَإِنِّي أَرَى رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يُشِيرُ إِلَيَّ بِكَفِّهِ: يَا عَلِيُّ هَلُمَّ إِلَيْنَا، فَإِنَّ مَا عِنْدَنَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ» (1) .

وَ رَوَى عَمَّارٌ اَلدُّهْنِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ اَلْحَنَفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «رَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله فِي مَنَامِي، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ مَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِهِ مِنَ اَلْأَوَدِ وَ اَللَّدَدِ (2)وَ بَكَيْتُ، فَقَالَ:لاَ تَبْكِ يَا عَلِيُّ وَ اِلْتَفِتْ ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَجُلاَنِ مُصَفَّدَان ِ ، وَ إِذَا جَلاَمِيدُ تُرْضَخُ بِهَا رُءُوسُهُمَا»

فَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ مِنَ اَلْغَدِ كَمَا كُنْتُ أَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي اَلْجَزَّارِينَ لَقِيتُ اَلنَّاسَ يَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ، قُتِلَ أَمِيرُ

ص: 15


1- المناقب للخوارزمي:402/387، مناقب ابن شهرآشوب 311:3، كَشَفَ الغمّة 1: 433.
2- الأود: العوج، و اللّدد: الخُصومة الشدّ يدة، قالَ ابن الأثير: و منه حديثٌ علي: «رأيت النبيُّ ّّ صلّى اللّه عليه و سلّم في النوم فقلت: يا رسول اللّه، ما ذا لقيت بعدك من الأود و اللدد!» «النهاية-لدد-244:4» .

اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ (1) .

وَ رَوَى عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ اَلْبَصْرِيِّ قَالَ: سَهِرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي اَللَّيْلَةِ اَلَّتِي قُتِلَ (2)فِي صَبِيحَتِهَا، وَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى اَلْمَسْجِدِ لِصَلاَةِ اَللَّيْلِ عَلَى عَادَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ اِبْنَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ -رَحْمَةُ اَللَّهِ-: عَلَيْهَا مَا هَذَا اَلَّذِي قَدْ أَسْهَرَكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّي مَقْتُولٌ لَوْ قَدْ أَصْبَحْتُ» وَ أَتَاهُ اِبْنُ اَلنَّبَّاحِ فَآذَنَهُ (3)بِالصَّلاَةِ، فَمَشَى غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَتْ لَهُ اِبْنَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ: مُرْ جَعْدَةَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَ:نَعَمْ، مُرُوا جَعْدَةَ فَلْيُصَلِّ» (4). ثُمَّ قَالَ: «لاَ مَفَرَّ مِنَ اَلْأَجَلِ» فَخَرَجَ إِلَى اَلْمَسْجِدِ وَ إِذَا هُوَ بِالرَّجُلِ قَدْ

سَهِرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يَرْصُدُهُ، فَلَمَّا بَرَدَ اَلسَّحَرُ نَامَ، فَحَرَّكَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِرِجْلِهِ وَ قَالَ لَهُ: «اَلصَّلاَةَ» فَقَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ (5) .

وَ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ سَهِرَ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ، فَأَكْثَرَ اَلْخُرُوجَ وَ اَلنَّظَرَ فِي اَلسَّمَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ: «وَ اَللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لاَ كُذِبْتُ، وَ إِنَّهَا اَللَّيْلَةُ اَلَّتِي وُعِدْتُ بِهَا ثُمَّ يُعَاوِدُ مَضْجَعَهُ فَلَمَّا طَلَعَ اَلْفَجْرُ شَدَّ إِزَارَهُ (6)وَ خَرَجَ وَ هُوَ يَقُولُ:

ص: 16


1- ورد باختلاف يسير في الإمامة و السياسة:276، أَنّساب الأشراف:494، مقاتل الطالبيين:40، و مثله في إعلام الورى:161، و الخرائج و الجرائح 78/233:1، مناقب ابن شهرآشوب 311:3.
2- في «ح» : ضرب.
3- في هامش «م» : مؤذنا.
4- في هامش «ش» : ليصلي.
5- خَصَّائص الأئمة:63، إعلام الورى:161، مناقب آل أبي طالب 310:3.
6- في هامش «م» : أزراره.

«اُشْدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ *** فَإِنَّ اَلْمَوْتَ لاَقِيكَ (1)

وَ لاَ تَجْزَعْ مِنَ اَلْمَوْتِ *** إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ»

فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى صَحْنِ اَلدَّارِ اِسْتَقْبَلَتْهُ (2)اَلْإِوَزُّ فَصِحْنَ فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلُوا

يَطْرُدُونَهُنَّ فَقَالَ: «دَعُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ نَوَائِحُ» ثُمَّ خَرَجَ فَأُصِيبَ عَلَیْهِ السَّلامُ (3) .

فصل و من الأَخبار الواردة بسبب قَتْلُه و كيف جرى الأَمرُ في ذلكَ:

مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلسِّيَرِ :مِنْهُمْ أَبُو مِخْنَفٍ لُوطُ بْنُ يَحْيَى، وَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَاشِدٍ، (وَ أَبُو هِشَامٍ اَلرِّفَاعِيُّ ) (4)، وَ أَبُو عَمْرٍو اَلثَّقَفِيُّ ،وَ غَيْرُهُمْ، أَنَّ نَفَراً مِنَ اَلْخَوَارِجِ اِجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ، فَتَذَاكَرُوا اَلْأُمَرَاءَ فَعَابُوهُمْوَ عَابُوا أَعْمَالَهُمْ عَلَيْهِمْ وَ ذَكَرُوا أَهْلَ اَلنَّهْرَوَانِ وَ تَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّا شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا لِلَّهِ، فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ اَلضَّلاَلِ فَطَلَبْنَا غِرَّتَهُمْ فَأَرَحْنَامِنْهُمُ اَلْعِبَادَ وَ اَلْبِلاَدَ، وَ ثَأَرْنَا بِإِخْوَانِنَا لِلشُّهَدَاءِ بِالنَّهْرَوَانِ. فَتَعَاهَدُوا عِنْدَ اِنْقِضَاءِ اَلْحَجِّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ

ص: 17


1- فی هامش «ش» و«م» : آتیكَ
2- في «م» و هامش «ش» : استقبله.
3- خَصَّائص الأئمة:63، إعلام الورى:161، مناقب آل أبي طالب 310:3.
4- في «م» و هامش «ش» : أبو هاشم الرفاعي، و ما في المتن من «ش» و هو الصواب و هو أبو هشام محمّد بن يزيد بن محمّد بن كثير بن رِفاعَة، انظر: انساب السمعانَي 6: 143، اللباب لابن الأثير 42:2 تهذيب التهذيب 526:9.

عَلِيّاً، وَ قَالَ اَلْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلتَّمِيمِيُّ : أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ، وَ قَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ اَلتَّمِيمِيُّ : أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ اَلْعَاصِ؛ (وَ تَعَاقَدُوا) (1)عَلَى ذَلِكَ وَ (تَوَافَقُوا) (2)عَلَيْهِ وَ عَلَى اَلْوَفَاءِ وَ اِتَّعَدُوا لِشَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ تِسْعَعَشْرَةَ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.

فَأَقْبَلَ اِبْنُ مُلْجَمٍ - وَ كَانَ عِدَادُهُ فِي كِنْدَةَ - حَتَّى قَدِمَ اَلْكُوفَةَ، فَلَقِيَ بِهَا أَصْحَابَهُ فَكَتَمَهُمْ أَمْرَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ زَارَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ - مِنْ تَيْمِ اَلرِّبَابِ - فَصَادَفَ عِنْدَهُ قَطَام ِ بِنْتَ اَلْأَخْضَرِ اَلتَّيْمِيَّةَ، وَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَتَلَ أَبَاهَا وَ أَخَاهَا بِالنَّهْرَوَانِ، وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ زَمَانِهَا فَلَمَّا رَآهَا اِبْنُ مُلْجَمٍ شُغِفَ بِهَا وَاِشْتَدَّ إِعْجَابُهُ بِهَا، فَسَأَلَ فِي نِكَاحِهَا وَ خَطَبَهَا فَقَالَتْ لَهُ: مَا اَلَّذِي تُسَمِّي لِي مِنَ اَلصَّدَاقِ؟ فَقَالَ لَهَا: اِحْتَكِمِي مَا بَدَا لَكِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَنَا مُحْتَكِمَةٌ عَلَيْكَ ثَلاَثَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، وَ وَصِيفاً وَ خَادِماً، وَ قَتْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهَا: لَكِ جَمِيعُ مَا سَأَلْتِ، وَ أَمَّا قَتْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَنَّى لِي بِذَلِكِ؟ فَقَالَتْ: تَلْتَمِسُ غِرَّتَهُ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَهُ شَفَيْتَ نَفْسِي وَ هَنَأَكَ اَلْعَيْشُ مَعِي، وَ إِنْ قُتِلْتَ فَمَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اَلدُّنْيَا. فَقَالَ: أَمَا وَ اَللَّهِ مَا أَقْدَمَنِي هَذَا اَلْمِصْرَ - وَ قَدْ كُنْتُ هَارِباً مِنْهُ لاَ آمَنُ مَعَ أَهْلِهِ _ إِلاَّ مَا سَأَلْتِنِي مِنْ قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَكِ مَا سَأَلْتِ. قَالَتْ: فَأَنَا طَالِبَةٌ لَكَ بَعْضَ مَنْ يُسَاعِدُكَ عَلَى ذَلِكَ وَ يُقَوِّيكَ.

ثُمَّ بَعَثَتْ إِلَى وَرْدَانَ بْنِ مُجَالِدٍ - مِنْ تَيْمِ اَلرِّبَابِ- فَخَبَّرَتْهُ اَلْخَبَرَ

ص: 18


1- في «م» و هامش «ش» : تعاهدوا.
2- في هامش «ش» و «م» : و اوثقوا. و في «م» و توافقوا.

وَ سَأَلَتْهُ مَعُونَةَ اِبْنِ مُلْجَمٍ، فَتَحَمَّلَ ذَلِكَ لَهَا، وَ خَرَجَ اِبْنُ مُلْجَمٍ فَأَتَى رَجُلاً مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ: شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ فَقَالَ: يَا شَبِيبُ، هَلْ لَكَ

فِي شَرَفِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ؟ قَالَ: وَ مَا ذَاكَ؟ قَالَ: تُسَاعِدُنِي عَلَى قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَ كَانَ شَبِيبٌ عَلَى رَأْيِ اَلْخَوَارِجِ، فَقَالَ لَهُ: يَا اِبْنَ مُلْجَمٍ، هَبِلَتْكَ اَلْهَبُولُ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِدًّا، وَ كَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْنُ مُلْجَمٍ: نَكْمُنُ لَهُ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْأَعْظَمِ فَإِذَا خَرَجَ لِصَلاَةِ اَلْفَجْرِ فَتَكْنَا بِهِ، وَ إِنْ نَحْنُ قَتَلْنَاهُ شَفَيْنَا أَنْفُسَنَا وَ أَدْرَكْنَا ثَأْرَنَا. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَجَابَهُ، فَأَقْبَلَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلاَ اَلْمَسْجِدَ عَلَى قَطَامِ - وَ هِيَ مُعْتَكِفَةٌ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْأَعْظَمِ، قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهَا قُبَّةٌ - فَقَالَ لَهَا: قَدِ اِجْتَمَعَ رَأْيُنَا عَلَى قَتْلِ هَذَا اَلرَّجُلِ، قَالَتْ لَهُمَا: فَإِذَا أَرَدْتُمَا ذَلِكَ فَالْقِيَانِي فِي هَذَا اَلْمَوْضِعِ.

فَانْصَرَفَا مِنْ عِنْدِهَا فَلَبِثَا أَيَّاماً، ثُمَّ أَتَيَاهَا وَ مَعَهُمَا اَلْآخَرُ لَيْلَةَ اَلْأَرْبِعَاءِ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ مِنَ اَلْهِجْرَةِ، فَدَعَتْ لَهُمْ بِحَرِيرٍ فَعَصَبَتْ (1)بِهِ صُدُورَهُمْ، وَ تَقَلَّدُوا أَسْيَافَهُمْ وَ مَضَوْا وَ جَلَسُوا (2)مُقَابِلَ اَلسُّدَّة ِ اَلَّتِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْهَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَى اَلصَّلاَةِ، وَ قَدْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ أَلْقَوْا إِلَى اَلْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنَ اَلْعَزِيمَةِ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ وَاطَأَهُمْ عَلَيْهِ، وَ حَضَرَ اَلْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ لِمَعُونَتِهِمْ عَلَى مَا اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ.

وَ كَانَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ بَائِتاً فِي اَلْمَسْجِدِ،فَسَمِعَ اَلْأَشْعَثَ يَقُولُ لاِبْنِ مُلْجَمٍ: اَلنَّجَاءَ اَلنَّجَاءَ لِحَاجَتِكَ فَقَدْ فَضَحَكَ

ص: 19


1- في «م» و «ح» : فعصبوا.
2- في «م» و «ح» و هامش «ش» : فجلسوا.

اَلصُّبْحُ، فَأَحَسَّ حُجْرٌ بِمَا أَرَادَ اَلْأَشْعَثُ فَقَالَ لَهُ: قَتَلْتَهُ يَا أَعْوَرُ. وَ خَرَجَ مُبَادِراً لِيَمْضِيَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَيُخْبِرَهُ اَلْخَبَرَ وَ يُحَذِّرَهُ مِنَ اَلْقَوْمِ، وَ خَالَفَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَدَخَلَ اَلْمَسْجِدَ، فَسَبَقَهُ اِبْنُ مُلْجَمٍ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَ أَقْبَلَ حُجْرٌ وَ اَلنَّاسُ يَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ، قُتِلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ. وَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْأَزْدِيُّ قَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْأَعْظَمِ مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ اَلْمِصْرِ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ (1)اَلشَّهْرِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، إِذْ نَظَرْتُ إِلَى رِجَالٍ يُصَلُّونَ قَرِيباً مِنَ اَلسُّدَّةِ وَ خَرَجَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ لِصَلاَةِ اَلْفَجْرِ، فَأَقْبَلَ يُنَادِي «اَلصَّلاَةَ اَلصَّلاَةَ» فَمَا أَدْرِي أَ نَادَى أَمْ رَأَيْتُ بَرِيقَ اَلسُّيُوفِ وَ سَمِعْتُ قَائِلاً يَقُولُ: لِلَّهِ اَلْحُكْمُ - يَا عَلِيُّ - لاَ لَكَ وَ لاَ لِأَصْحَابِكَ. وَ سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «لاَ يَفُوتَنَّكُمُ اَلرَّجُلُ» فَإِذَا عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ مَضْرُوبٌ، وَ قَدْ ضَرَبَهُ شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ فَأَخْطَأَهُ وَ وَقَعَتْ ضَرْبَتُهُ فِي اَلطَّاقِ، وَ هَرَبَ اَلْقَوْمُ نَحْوَ أَبْوَابِ اَلْمَسْجِدِ وَ تُبَادِرُ اَلنَّاسُ لِأَخْذِهِمْ.

فَأَمَّا شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ فَصَرَعَهُ وَ جَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، وَ أَخَذَ اَلسَّيْفَ مِنْ يَدِهِ لِيَقْتُلَهُ بِهِ، فَرَأَى اَلنَّاسَ يَقْصِدُونَ نَحْوَهُ فَخَشِيَ أَنْ يُعَجِّلُوا عَلَيْهِ وَ لاَ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَوَثَبَ عَنْ صَدْرِهِ وَ خَلاَّهُ وَ طَرَحَ اَلسَّيْفَ مِنْ يَدِهِ، وَ مَضَى شَبِيبٌ هَارِباً حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَ دَخَلَ عَلَيْهِ اِبْنُ عَمٍّ لَهُ فَرَآهُ يَحِلُّ اَلْحَرِيرَ عَنْ صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا، لَعَلَّكَ قَتَلْتَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: لاَ فَقَالَ:نَعَمْ، فَمَضَى اِبْنُ عَمِّهِ فَاشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ، ثُمَّ

دَخَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ.

ص: 20


1- في هامش «ش» : هذا.

وَ أَمَّا اِبْنُ مُلْجَمٍ، فَإِنَّ رَجُلاً مِنْ هَمْدَانَ لَحِقَهُ فَطَرَحَ عَلَيْهِ قَطِيفَةً (1) كَانَتْ فِي يَدِهِ، ثُمَّ صَرَعَهُ وَ أَخَذَ اَلسَّيْفَ مِنْ يَدِهِ، وَ جَاءَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ

عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ أَفْلَتَ اَلثَّالِثُ فَانْسَلَّ بَيْنَ اَلنَّاس ِ.

فَلَمَّا أُدْخِلَ اِبْنُ مُلْجَمٍ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ نَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ، إِنْ أَنَا مِتُّ فَاقْتُلُوهُ كَمَا قَتَلَنِي، وَ إِنْ سَلِمْتُ رَأَيْتُ فِيهِ رَأْيِي» فَقَالَ اِبْنُ مُلْجَمٍ:

وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِبْتَعْتُهُ بِأَلْفٍ وَ سَمَمْتُهُ بِأَلْفٍ، فَإِنْ خَانَنِي فَأَبْعَدَهُ اَللَّهُ.

قَالَ:وَ نَادَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ: يَا عَدُوَّ اَللَّهِ، قَتَلْتَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلْتُ أَبَاكِ، قَالَتْ: يَا عَدُوَّ اَللَّهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ بَأْسٌ، قَالَ لَهَا: فَأَرَاكِ إِنَّمَا تَبْكِينَ عَلَيَّ إِذاً، لَقَدْ وَ اَللَّهِ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَوْ

قُسِمَتْ بَيْنَ أَهْلِ اَلْأَرْضِ لَأَهْلَكَتْهُمْ.

فَأُخْرِجَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ إِنَّ اَلنَّاسَ لَيَنْهَشُونَ (2)لَحْمَهُ بِأَسْنَانِهِمْ كَأَنَّهُمْ سِبَاعٌ، وَ هُمْ يَقُولُونَ: يَا عَدُوَّ اَللَّهِ مَا ذَا فَعَلْتَ (3)أَهْلَكْتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَ قَتَلْتَ خَيْرَ اَلنَّاسِ. وَ إِنَّهُ لَصَامِتٌ مَا يَنْطِقُ.

فَذُهِبَ بِهِ إِلَى اَلْحَبْسِ.

وَ جَاءَ اَلنَّاسُ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ مُرْنَا بِأَمْرِكَ فِي عَدُوِّ اَللَّهِ، فَلَقَدْ أَهْلَكَ اَلْأُمَّةَ وَ أَفْسَدَ اَلْمِلَّةَ. فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ

اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنْ عِشْتُ رَأَيْتُ فِيهِ رَأْيِي، وَ إِنْ هَلَكْتُ فَاصْنَعُوا

ص: 21


1- القطيفة: كساء له خمل «النهاية-قطف-84:4» .
2- في هامش «ش» : لينهسون.
3- في «م» و هامش «ش» : صنعت.

بِهِ (1)مَا يُصْنَعُ بِقَاتِلِ اَلنَّبِيِّ ، اُقْتُلُوهُ ثُمَّ حَرِّقُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالنَّارِ » .

قَالَ: فَلَمَّا قَضَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ فَرَغَ أَهْلُهُ مِنْ دَفْنِهِ،جَلَسَ اَلْحَسَنُ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ أَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِابْنِ مُلْجَمٍ، فَجِيءَ بِهِ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: «يَا عَدُوَّ اَللَّهِ، قَتَلْتَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، وَأَعْظَمْتَ اَلْفَسَادَ فِي اَلدِّينِ» ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَ اِسْتَوْهَبَتْ أُمُّ اَلْهَيْثَمِ بِنْتُ اَلْأَسْوَدِ اَلنَّخَعِيَّةِ جِيفَتَهُ (2)مِنْهُ لِتَتَوَلَّى إِحْرَاقَهَا، فَوَهَبَهَا لَهَا فَأَحْرَقَتْهَا بِالنَّارِ.

وَ فِي أَمْرِ (3)قَطَامِ وَ قَتْلِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ اَلشَّاعِرُ:

فَلَمْ أَرَ مَهْراً سَاقَهُ ذُو سَمَاحَةٍ *** كَمَهْرِ قَطَامِ مِنْ فَصِيحٍ وَ أَعْجَمَ

ثَلاَثَةِ آلاَفٍ وَ عَبْدٍ وَ قَيْنَة ٍ *** وَ ضَرْبِ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ اَلْمُصَمَّمِ (4)

وَ لاَ مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَ إِنْ غَلاَ *** وَ لاَ فَتْكَ إِلاَّ دُونَ فَتْكِ اِبْنِ مُلْجَمٍ

وَ أَمَّا اَلرَّجُلاَنِ اَللَّذَانِ كَانَا مَعَ اِبْنِ مُلْجَمٍ لَعَنَهُمُ اَللَّهُ أَجْمَعِينَ فِي اَلْعَقْدِ عَلَى قَتْلِ مُعَاوِيَةَ وَ عَمْرِو بْنِ اَلْعَاصِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا ضَرَبَ مُعَاوِيَةَ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَوَقَعَتْ ضَرْبَتُهُ فِي أَلْيَتِهِ وَ نَجَا مِنْهَا وَ أُخِذَ وَ قُتِلَ مِنْ وَقْتِهِ. وَ أَمَّا اَلْآخَرُ فَإِنَّهُ وَافَى عَمْراً فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ وَ قَدْ وَجَدَ عِلَّةً فَاسْتَخْلَفَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ يُقَالُ لَهُ: خَارِجَةُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ اَلْعَامِرِيُّ، فَضَرَبَهُ

ص: 22


1- في «م» زيادة: مثلُ.
2- في هامش «ش» : جثته.
3- في هامش «ش» : مهر.
4- في هامش «ش» : المسمّم.

بِسَيْفِهِ وَ هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَمْرٌو، فَأُخِذَ وَ أُتِيَ بِهِ عَمْرٌو فَقَتَلَهُ، وَ مَاتَ خَارِجَةُ فِي اَلْيَوْمِ اَلثَّانِي (1) .

فصل و من الأَخبار الّتي جاءت بموضع قبر أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و شرح الحال في دفنه:

مَا رَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ اَلرَّوَاجِنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ (2)بْنُ عَلِيٍّ

اَلْعَنَزِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْوَفَاةُ قَالَ لِلْحَسَنِ وَ اَلْحُسَيْنِ علیهما السلام: «إِذَا أَنَا مِتُّ فَاحْمِلاَنِي عَلَى سَرِيرِي ،ثُمَّ أَخْرِجَانِي وَ اِحْمِلاَ مُؤَخَّرَ اَلسَّرِيرِ فَإِنَّكُمَا

ص: 23


1- ذكرت هذه الواقعة مقطعة في: تاريخ الطبريّ 143:5، مقاتل الطالبيين:29، طبقات ابن سَعدُ 35:3، أَنّساب الأشراف 524/489:2، مروج الذهب 411:2، الإمامة و السياسة 159:1، الكامل في التاريخ 389:3، مناقب الخوارزمي:401/380، مناقب ابن شهرآشوب 311:3، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 41/228:42.
2- كذا في «ش» و هو أخو مندلَّ كما في هامش «ش» ، و في «م» بخطّ حديثٌ: حيان، و في «ح» : جيّان بن علي مولى لعليّ بن أبي طالب و فيه سقط، ثُّمّ ّ إنّ في ضبط اِسْمُهَ خلافا فقط ضبطه العلامة و ابن داود بالياء المنقطة تحتها نقطتين بعد الحاء «خلاصة الرجال:64، 260، إيضاح الاشتباه:97، رجال ابن داود:136 و 352» لكن الظاهر كونه حبّان بالموحدة بعد الحاء المكسورة كما في غير واحد من كتب الرجال من العامُّة. انظر: تبصير المنتبه:278، تقريب التهذيب 147:1، الجرح و التعَدِيّل 270:3، المجروحين لابن حبّان 261:1، الضعفاء للعقيلي 293:1، سؤالات ابن الجنِّيد: 96، الضعفاء للنسائي:89، الضعفاء للدارقطني:301، الضعفاء الصغير للبخاري:426، تاريخ بغداد 255:8، ميزان الاعتدال 449:1، تهذيب التهذيب 173:2.

تُكْفَيَانِ مُقَدَّمَهُ، ثُمَّ اِئْتِيَا بِيَ اَلْغَرِيَّيْنِ (1)،فَإِنَّكُمَا سَتَرَيَانِ صَخْرَةً بَيْضَاءَ تَلْمَعُ نُوراً، فَاحْتَفِرَا فِيهَا فَإِنَّكُمَا تَجِدَانِ فِيهَا سَاجَة ً ، فَادْفِنَانِي فِيهَا».

قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ أَخْرَجْنَاهُ وَ جَعَلْنَا نَحْمِلُ مُؤَخَّرَ اَلسَّرِيرِ وَ نُكْفَى مُقَدَّمَهُ، وَ جَعَلْنَا نَسْمَعُ دَوِيّاً وَ حَفِيفاً حَتَّى أَتَيْنَا اَلْغَرِيَّيْنِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ (تَلْمَعُ نُوراً) (2)،فَاحْتَفَرْنَا فَإِذَا سَاجَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: «مِمَّا اِدَّخَرَ نُوحٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ». فَدَفَنَّاهُ فِيهَا، وَ اِنْصَرَفْنَا وَ نَحْنُ مَسْرُورُونَ بِإِكْرَامِ اَللَّهِ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَلَحِقَنَا قَوْمٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ لَمْ يَشْهَدُوا اَلصَّلاَةَ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرْنَاهُمْ بِمَا جَرَى وَ بِإِكْرَامِ اَللَّهِ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ نُعَايِنَ مِنْ أَمْرِهِ مَا عَايَنْتُمْ فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنَّ اَلْمَوْضِعَ قَدْ عُفِيَ أَثَرُهُ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُعلیه السلام، فَمَضَوْا وَ عَادُوا إِلَيْنَا فَقَالُوا إِنَّهُمُ اِحْتَفَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً (3) .

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ (4)قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ:

سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرَ عَلَیْهِ السَّلامُ: أَيْنَ دُفِنَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ

ص: 24


1- الغريان: بناءان كالصومعتين بظاهر الكوفة بناهما المُنْذِر بن امرئ القِيسْ. «معجم البلدان 198:4» .
2- في هامش «ش» : يلمع نورها.
3- صدره في الخرائج و الجرائح 233:1/ذيل الحديثٌ 78، إعلام الورى:202، فرحة الغري:36، و نَقَله المجلسي في البحار 217:42/ذيل الحديثٌ 19.
4- كذا في النسخ و لعلّ الصواب جعفر بن محمّد بن عمارة، و هو يروي عن أبيه عن جابر ابن يزيد الجعفي في غير واحد من الأسانيد كأسانيد كتب الصدوق، انظر: معانّيَ الاخبار:21،55،104،237، الخَصَّال:585، التوحيد:242، و كذا يروي جعفر عن أبيه عن الصادق عليه السلام في أسانيد متكررة، نعم وردت رواية محمّد بن عمارة عن أبيه عن الصادق عليه السلام في صفات الشيعة ح 69 لكنّه محرّف، و الصواب جعفر ابن محمّد بن عمارة كما في البحار 8(الطبعة القديمة) :196.

عَلَیْهِ السَّلامُ؟ قَالَ: «دُفِنَ بِنَاحِيَةِ (1)اَلْغَرِيَّيْنِ وَ دُفِنَ قَبْلَ طُلُوعِ اَلْفَجْرِ وَ دَخَلَ قَبْرَهُ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مُحَمَّدٌ بَنُو عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ رَضِيَ

اَللَّهُ عَنْهُ» (2) .

وَ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ اِبْنِ أَبِي عُمَيْرٍ ،عَنْ رِجَالِهِ قَالَ: قِيلَ لِلْحُسَيْنِ (3)بْنِ عَلِيٍّ علیهما السلام: أَيْنَ دَفَنْتُمْ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «خَرَجْنَا بِهِ لَيْلاً عَلَى مَسْجِدِ اَلْأَشْعَثِ، حَتَّى خَرَجْنَا بِهِ إِلَى اَلظَّهْرِ بِجَنْبِ اَلْغَرِيِّ، فَدَفَنَّاهُ هُنَاكَ» (4) .

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ (5)

ص: 25


1- في هامش «ش» : بجانب.
2- إعلام الورى:202، فرحة الغري:51، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 220:42/ ذيل الحديثٌ 26.
3- كذا في «م» و هامش «ش» و البحار و كامل الزيارات و فرحة الغري و كفاية الطالب، و في متن «ش» و مقاتل الطالبيين: للحسن بن علي.
4- مقاتل الطالبيين:42، كامل الزيارات:33، فرحة الغري:39، كفاية الطالب: 471، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 42/234:42، و قد بينت المصادر المراد من رجال ابن أبي عُمَيرُ في السند و فيها اختلاف يسير فراجع.
5- محمّد بن عائشة و فوقه علامة التصحيح و لعلّ المراد ان «محمّد عن ابن عائشة» تصحيف و الصواب بدلَّه محمّد بن عائشة و كأَنّّ فوق «محمّد » علامة الزيادة (ز. . الى) فحينئذ تصير العبارة كما اثبتناه في المتن، و في «م» : محمّد بن عَبْد اللّه بن محمّد بن عائشة، و في «ح» : عُبَيد اللّه عن ابن عائشة، و نقل في البحار هذا الخبرُ عن فرحة الغري بإسناده الى المفيد عن محمّد بن زكريا عن عَبْد اللّه بن محمّد بن عائشة، ثُّمّ ّ أشار بعد ذِكر الخبرُ انّ في الإرشاد مثله، ثُّمّ ّ انّ الخبرُ مرويّ في فرحة الغري بطريق آخر عن عُبَيد اللّه بن محمّد بن عائشة عن عَبْد اللّه بن حازم بن خزيمة و هذا نظير ما أَثبتناهُ في المتن و هو أقرب في بادئ النظر من جهة انّ محمّد بن زكريا الغلابي يروي عن ابن عائشة كما هو المصرّح في كتب الرجال و هو أبو عَبْد الرحمن عُبَيد اللّه بن محمّد بن حفص العيشي المعروف بابن عائشة لانه من ولد عائشة بنت طَلْحة، توفي في شهر رمضان 228 انظر: تاريخ بغداد 315:10، انساب السمعانَي 106:9، ميزان الاعتدال 550:3، لسان الميزان 168:5، تهذيب التهذيب 45:7. هذا لكن يبعّد صحة هذه النسخة ما في متن الخبرُ: قالَ محمّد بن عائشة: فكأَنّّ قلبي لم يقبل ذلكَ. . الخ، فحينئذ امّا ان يلتزم بوقوع التحريف في ذيل الخبرُ و امّا ان يُقالَ انّ المراد من محمّد بن عائشة في الذيل هو عُبَيد اللّه بن محمّد بن عائشة و اطلق عليه اسم ابيه مجازا كما في محمّد بن عُمَربن يزيد، و امّا أَنّ يُقالَ بانّ الصواب هو محمّد ابن عُبَيد اللّه بن محمّد بن عائشة و لا مانع من رواية الغلابي عَنْهُ مَعَ روايته عن أبيه عُبَيد اللّه، و الغلابي توفي بعد سنة 280، و عُبَيد اللّه بن عائشة توفّي سنة 228 فبين وفاتيهما أَكثر من خمسين سنة فيناسب رواية الغلابي عن ابنه ايضا، و في لسان الميزان: قالَ الغلابي: حدّثنا ابن عائشة عن أبيه، فيحتَمّل كون المراد من ابن عائشة هو محمّد ابن عُبَيد اللّه، فلاحظ.

قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ خَازِمٍ (1)قَالَ: خَرَجْنَا يَوْماً مَعَ اَلرَّشِيدِ مِنَ اَلْكُوفَةِ نَتَصَيَّدُ، فَصِرْنَا إِلَى نَاحِيَةِ اَلْغَرِيَّيْنِ وَ اَلثُّوَيَّةِ (2)، فَرَأَيْنَا ظِبَاءً فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهَا اَلصُّقُورَ وَ اَلْكِلاَبَ، فَجَاوَلَتْهَا (3)سَاعَةً ثُمَّ لَجَأَتِ (4)اَلظِّبَاءُ إِلَى أَكَمَةٍ فَسَقَطَتْ عَلَيْهَا فَسَقَطَتِ اَلصُّقُورُ نَاحِيَةً وَ رَجَعَتِ اَلْكِلاَبُ، فَعَجِبَ (5)

ص: 26


1- كذا في «م» و فرحة الغري و البحار و الدلَّائل البرهانُية، و نَقَله في فرحة الغري بطريق آخر عن عُبَيد اللّه بن محمّد بن عائشة قالَ: حدّثنا عَبْد اللّه بن حازم بن خزيمة، لكن في نسخة «ش» : خازم باعجام الخاء، و هو الصحيح، و قد جَاَءَ ذكره في احداث خلافة المهديّ و الرشيد و الأمين. فقد كانَ على شرط المهديّ سنة 167 و عزله في سنة 169(تاريخ الطبريّ 164:8 و 189) . و ولاه الرشيد طبرستان و رويان سنة 180(تاريخ الطبريّ 266:8) . و له ذِكر في احداث سنة 195 في عهد لأمين (تاريخ الطبريّ 395:8،993،412. و سنة 197(تاريخ الطبريّ 467:8) . انظر فهرست تاريخ الطبريّ 306:10.
2- الثوية: موضع قريب من الكوفة. «معجم البلدان 87:2» .
3- في هامش «ش» : فجاولناها.
4- في «م» و هامش «ش» : التجأت.
5- في «م» و هامش «ش» : فتعجب.

اَلرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ اَلظِّبَاءَ هَبَطَتْ مِنَ اَلْأَكَمَةِ فَهَبَطَتِ اَلصُّقُورُ وَ اَلْكِلاَبُ فَرَجَعَتِ اَلظِّبَاءُ إِلَى اَلْأَكَمَةِ فَتَرَاجَعَتْ عَنْهَا اَلْكِلاَبُ، وَ اَلصُّقُورُ فَفَعَلَتْ (1)ذَلِكَ ثَلاَثاً (2)فَقَالَ: اَلرَّشِيدُ: اُرْكُضُوا، فَمَنْ لَقِيتُمُوهُ فَأْتُونِي بِهِ، فَأَتَيْنَاهُ بِشَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ،فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: أَخْبِرْنِي مَا هَذِهِ اَلْأَكَمَةُ؟ قَالَ: إِنْ جَعَلْتَ لِيَ اَلْأَمَانَ أَخْبَرْتُكَ. قَالَ: لَكَ عَهْدُ اَللَّهِ وَ مِيثَاقُهُ أَلاَّ أُهَيِّجَك َ وَ لاَ أُوذِيَكَ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ فِي هَذِهِ اَلْأَكَمَةِ قَبْرَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ، جَعَلَهُ (3)اَللَّهُ حَرَماً لاَ يَأْوِي إِلَيْهِ شَيْءٌ إِلاَّ أَمِنَ. فَنَزَلَ هَارُونُ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ وَ صَلَّى عِنْدَ اَلْأَكَمَةِ وَ تَمَرَّغَ عَلَيْهَا وَ جَعَلَ يَبْكِي، ثُمَّ اِنْصَرَفْنَا.

قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَائِشَةَ: فَكَأَنَّ قَلْبِي لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَجْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَرَأَيْتُ بِهَا يَاسِراً رَحَّالَ (4)اَلرَّشِيدِ، فَكَانَ يَجْلِسُ مَعَنَا إِذَا طُفْنَا، فَجَرَى اَلْحَدِيثُ إِلَى أَنْ قَالَ: قَالَ لِيَ اَلرَّشِيدُ لَيْلَةً مِنَ اَللَّيَالِي، وَ قَدْ قَدَّمْنَا مِنْ مَكَّةَ فَنَزَلْنَا اَلْكُوفَةَ:

يَا يَاسِرُ، قُلْ لِعِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ فَلْيَرْكَبْ، فَرَكِبَا جَمِيعاً وَ رَكِبْتُ مَعَهُمَا، حَتَّى إِذَا صِرْنَا (5)إِلَى اَلْغَرِيَّيْنِ، فَأَمَّا عِيسَى فَطَرَحَ نَفْسَهُ فَنَامَ، وَ أَمَّا اَلرَّشِيدُ فَجَاءَ إِلَى أَكَمَةٍ فَصَلَّى عِنْدَهَا، فَكُلَّمَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دَعَا وَ بَكَى وَ تَمَرَّغَ

ص: 27


1- في «م» و هامش «ش» : ففعلن.
2- ، في هامش «ش» : مليا.
3- في هامش «ش» : جَعَلَها.
4- في «م» : جمّال.
5- في هامش «ش» : صارا.

عَلَى اَلْأَكَمَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا عَمِّ (1)أَنَا وَ اَللَّهِ أَعْرِفُ فَضْلَكَ وَ سَابِقَتَكَ، وَ بِكَ وَ اَللَّهِ جَلَسْتُ مَجْلِسِي اَلَّذِي أَنَا فِيهِ (2)وَ أَنْتَ أَنْتَ، وَ لَكِنَّ وُلْدَكَ يُؤْذُونَنِي وَ يَخْرُجُونَ عَلَيَّ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يُعِيدُ هَذَا اَلْكَلاَمَ وَ يَدْعُو وَ يَبْكِي، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ اَلسَّحَرِ قَالَ لِي: يَا يَاسِرُ، أَقِمْ عِيسَى، فَأَقَمْتُهُ فَقَالَ لَهُ: يَا عِيسَى، قُمْ فَصَلِّ عِنْدَ قَبْرِ اِبْنِ عَمِّكَ. قَالَ لَهُ : وَ أَيُّ عُمُومَتِي هَذَا؟ قَالَ: هَذَا قَبْرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَتَوَضَّأَ عِيسَى وَ قَامَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَزَالاَ كَذَلِكَ حَتَّى طَلَعَ اَلْفَجْرُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَدْرَكَكَ اَلصُّبْحُ. فَرَكِبْنَا وَ رَجَعْنَا إِلَى اَلْكُوفَةِ (3) .

ص: 28


1- في «م» و هامش «ش» : يا بن عم.
2- في هامش «ش» : أَنّا به.
3- فرحة الغري:119، و الخرائج و الجرائح 234:1/ذيل الحديثٌ 78 قطعة منه، الدلَّائل البرهانُية المطبوع في الغارات 862/2و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 331:42 ذيل ح 16.

باب طرف من أخبار أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و فضائله و مناقبه، و المحفوظ من كلامه و حكمه و مواعظه، و المروي من معجزاته و قضاياه و بيناته:

اشارة

فمن ذلكَ ما جاءت به الأَخبار في تقدّم إيمانه بالله و رسوله علیه

السلام و سَبقه به كافَّةَ المكلفين من الأَنّام.

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْجَيْشِ اَلْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْبَلْخِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ اَلْبِرْتِيُّ (1)قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ اَلْأَزْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُخُثَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ (عَبْدِ اَللَّهِ) (2)، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَفِيفٍ (3)عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

ص: 29


1- في «م» بخط حديثٌ و «ش» : البرقي و في هامش «ش» : البرتي و كأَنّّ فوقه علامة التصحيح -و قد يأتي في السندين الآتيين اِسْمُهَ أيضاً و في «م» و «ش» كليهما: البرتي-فانّ الظاهر أَنّّه أحمد ابن القاسم بن محمّد بن سليمان أبو الحسن الطائي البرتي، و قد ترجم له في تاريخ بغداد 4: 350 و ذِكر وفاته في سنة 296، ثُّمّ ّ إنّ في هامش «ش» برت: قرية بالعراق على القاطول خربة. و في معجم البلدان 372:1: هي بليدة في سواد بغداد قريبة من المزرفة، و في انساب السمعانَي 127:2: هي مدينة بنواحي بغداد.
2- في «ش» و «ح» : اسد بن عُبَيدة، و في هامش «ش» : هو اسد بن عُبَيدة كذا هو في كتاب ابن مردويه، و الظاهر ان الصواب ما اثبتناه، و هو اسد بن عَبْد اللّه بن يزيد بن أسَد بن كرز بن عامر بن عبقري البجلي القسري، أبو عَبْد اللّه، و يُقالَ: ابو المُنْذِر، ولاه اخوه خالدَ ابن عَبْد اللّه القسري على خراسان سنة 108 ه، روى عن أبيه و عن يحيى بن عفيف و عَنْهُ سعيد بن خثيم و سالم بن قتيبة الباهلي، توفّي سنة 120 ه، انظر «تهذيب الكمال 399/504:2، ميزان الاعتدال 812/206:1و9» .
3- في هامش «ش» : هو عفيف بن قِيسْ.

كُنْتُ جَالِساً مَعَ اَلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَجَاءَ شَابٌّ فَنَظَرَ إِلَى اَلسَّمَاءِ حِينَ تَحَلَّقَتِ (1)اَلشَّمْسُ، ثُمَّ اِسْتَقْبَلَ اَلْكَعْبَةَ فَقَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ جَاءَ غُلاَمٌ فَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَتِ اِمْرَأَةٌ فَقَامَتْ خَلْفَهُمَا، فَرَكَعَ اَلشَّابُّ فَرَكَعَ اَلْغُلاَمُ وَ اَلْمَرْأَةُ، ثُمَّ رَفَعَ اَلشَّابُّ فَرَفَعَا، ثُمَّ سَجَدَ اَلشَّابُّ فَسَجَدَا، فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ، أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ: أَمْرٌ عَظِيمٌ، أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا اَلشَّابُّ؟ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ - اِبْنُ أَخِي - أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا اَلْغُلاَمُ؟ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - اِبْنُ أَخِي - أَ تَدْرِي مَنْ هَذِهِ اَلْمَرْأَةُ؟ هَذِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. إِنَّ اِبْنَ أَخِي هَذَا حَدَّثَنِي أَنَّ رَبَّهُ - رَبَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ - أَمَرَهُ بِهَذَا اَلدِّينِ اَلَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، وَ لاَ وَ اَللَّهِ مَا عَلَى ظَهْرِ اَلْأَرْضِ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ غَيْرُ هَؤُلاَءِ اَلثَّلاَثَةِ (2) .

أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلصَّيْرَفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلْبِرْتِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ سَهْلِ بْنِ صَالِحٍ - وَ كَانَ قَدْ جَازَ مِائَةَ سَنَةٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا اَلْمُعَمَّرِ عَبَّادَ بْنَ

عَبْدِ اَلصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله

علیه و آله: «صَلَّتِ اَلْمَلاَئِكَةُ عَلَيَّ وَ عَلَى عَلِيٍّ سَبْعَ سِنِينَ» وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى

ص: 30


1- في هامش «ش» و «م» : تحلقت: ارتفعت.
2- تاريخ الطبريّ 311:2، كنز الفوائد 262:1، مصباح الأَنّوار:75، كفاية الطالب: 128، مناقب الخوارزمي:21/55، و ورد باختلاف يسير في مسند أحمد 209:1، الضعفاء الكبير للعقيلي 27:1 و هامشه، المستدرك على الصحيحين 183:3، الإصابة 487:2، الاستيعاب 32:3، مناقب ابن شهرآشوب 18:2، الكامل في التاريخ 57:2، اعلام الورى:49، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 244:38/ذ ح 40.

اَلسَّمَاءِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ إِلاَّ مِنِّي وَ مِنْ عَلِيٍّ » (1).

وَ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ اَلْقَاسِمِ اَلْبِرْتِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْهَاشِمِيُّ - أَبُو فَاطِمَةَ - قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذَةَ اَلْعَدَوِيَّةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى مِنْبَرِ اَلْبَصْرَةِ يَقُولُ: «أَنَا اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ، آمَنْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ أَبُو بَكْرٍ، وَ أَسْلَمْتُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (2) .

أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحُسَيْنِ اَلْمُقْرِئُ اَلْبَصِيرُ (اَلسِّيرَوَانِيُّ) (3) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ اَلنَّوْفَلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلْحَمِيدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اَلْغَفَّارِ اَلْفُقَيْمِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ - مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ - عَنْ أَبِي سُخَيْلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَ عَمَّارٌ حَاجَّيْنِ، فَنَزَلْنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَّا اَلْخُفُوفُ (4)قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّا لاَ نَرَاهُ إِلاَّ وَ قَدْ دَنَا اِخْتِلاَطٌ مِنَ اَلنَّاسِ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ: اِلْزَمْ كِتَابَ اَللَّهِ وَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَنَّهُ قَالَ: «عَلِيٌّ أَوَّلُ مَنْ

ص: 31


1- الفصول المختارة:215، مصباح الأَنّوار:75، مناقب ابن المغازلي:14، إعلام الورى:185، مناقب الخوارزمي:17/53، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 32/226:38.
2- الفصول المختارة:210، أَنّساب الأشراف 146:2، كنز الفوائد 265:1، مناقب ابن شهرآشوب 4:2، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 226:38/32.
3- في «ح» : الشيرواني باعجام الشين و يحتَمّل صحة كليهما بَانَ يكون السيرواني تعريبا للشيرواني، فقد يعبر باسمه الاصلي و قد يعبر باسمه المعرّب.
4- خفّ القَوْم: ارتحلوا «القاموس المحيط-خفف-136:3» .

آمَنَ بِي، وَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي يَوْمَ، اَلْقِيَامَةِ، وَ هُوَ اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ، وَ اَلْفَارُوقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ، وَ أَنَّهُ يَعْسُوبُ (1)اَلْمُؤْمِنِينَ، وَ اَلْمَالُ يَعْسُوبُ اَلظَّلَمَة ِ » (2) .

قالَ الشيخ المفيد (3): و الأَخبار في هذا المعنى كثيرة، و شواهدها جمة-فمن ذلكَ: قَوْلُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ اَلْأَنْصَارِيِّ ذِي اَلشَّهَادَتَيْنِ - رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ - فِيمَا أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو عُبَيْدِ اَللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ اَلْمَرْزُبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ قَالَ: أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ اَلنَّحْوِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَائِشَةَ لِخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِت ٍ اَلْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ:

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ (هَذَا اَلْأَمْرَ مُنْصَرِفاً) (4)*** عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَنْ أَبِي حَسَنٍ

أَ لَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِهِمْ *** وَ أَعْرَفَ اَلنَّاسِ بِالْآثَارِ (5)وَ اَلسُّنَنِ

وَ آخِرَ اَلنَّاسِ عَهْداً بِالنَّبِيِّ وَ مَنْ *** جِبْرِيلُ عَوْنٌ لَهُ فِي اَلْغُسْلِ وَ اَلْكَفَنِ

مَنْ فِيهِ مَا فِيهِمْ لاَ يَمْتَرُونَ بِهِ *** وَ لَيْسَ فِي اَلْقَوْمِ مَا فِيهِ مِنَ اَلْحَسَنِ

مَا ذَا اَلَّذِي رَدَّكُمْ عَنْهُ فَنَعْلَمُهُ (6)*** هَا إِنَّ بَيْعَتَكُمْ مِنْ (أَغْبَنِ اَلْغَبَن ِ ) (7)(8).

ص: 32


1- اليعسوب: الرئيس الكبير، «القاموس-عسب-104:1» .
2- أَنّساب الأشراف 118:2، أمالي الصدوق:5/171، أمالي الطوسيّ 147:1، اختيار معرفة الرجال 51/113:1، مناقب ابن شهرآشوب 315:2، اليقين:200، باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 210:38 ذيل ح 10.
3- في «م» زيادة: أدام تأييده.
4- في «م» و هامش «ش» : ان الامر منصرف.
5- في هامش «ش» : بالآيات.
6- في هامش «م» : لنعَلِمَه.
7- في هامش «ش» و «م» : أوّلَ الفتن.
8- رواه سليم بن قِيسْ في كتابه:78، و الأربلي في كَشَفَ الغمّة 67:1، و فيهما: عن العبّاس، و في تاريخ اليعقوبي 124:2 عن عُتْبة بن أبي لهب، و الجمل:58، عن عَبْد اللّه بن أبي سُفيان ابن الحارث بن عَبْدالملک، والفصول المختاره: 216 عن ربیعه بن الحارث، وکنزالفواید 267:1 عن سفیان بن الحارث بن عَبْدالمطّلب.

ثانيا في ما جَاَءَ من فضائله عَلَیْهِ السَّلامُ

في كونه عَلَیْهِ السَّلامُ أعَلِمَ الصحابة و أقدمهم إسلاما

اشارة

فصل و من ذلكَ ما جَاَءَ في فضله عَلَیْهِ السَّلامُ على الكافَّةَ في العَلِمَ

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ اَلتَّمِيمِيُّ اَلنَّحْوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ اَلْمُحَارِبِيُّ اَلْبَزَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ اَلنَّهْشَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي اَلصَّبَّاحِ اَلْكِنَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلسُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْلَمُ أُمَّتِي، وَ أَقْضَاهُمْ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَعْدِي (1).

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ اَلْجِعَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى أَبُو جَعْفَرٍ اَلْعِجْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو (2)قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ (3)،عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُ: أَنَا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا، فَمَنْ أَرَادَ اَلْعِلْمَ فَلْيَقْتَبِسْهُ مِنْ عَلِيٍّ »(4).

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ اَلْجِعَابِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ

ص: 33


1- أمالي الصدوق:6/397، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 49/143:40.
2- ليس في متن «ش» و «م» و «ح» كلمة الرقي، و انما اضيفت في هامش «ش» و «م» تصحيحا.
3- في «ش» : عن حمزة، عن ابي سعيد الخُدري.
4- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 7/202:40.

اَلْحَكَمِ اَلْحَنَّاطُ قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ اَلْأَحْمَرُ، عَنْ عَبْدِ اَلْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ، عَنِ اَلْأَشْعَثِ بْنِ طَلِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ اَلْحَسَنَ اَلْعُرَنِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اِسْتَدْعَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلِيّاً فَخَلاَ بِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَيْنَا سَأَلْنَاهُ مَا اَلَّذِي عَهِدَ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: «عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ اَلْعِلْمِ، فُتِحَ لِي مِنْ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ» (1) .

أَخْبَرَنِي أَبُوالحُسین مُحَمَّدُ بْنُ اَلْمُظَفَّرِ اَلْبَزَّازُ (2)قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ كَثِيرُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي اَلسَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ يُونُسَ، عَنْ سَعْدٍ اَلْكِنَانِيِّ، عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالْخِلاَفَةِ خَرَجَ إِلَى اَلْمَسْجِدِ مُعْتَمّاً بِعِمَامَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، لاَبِساً بُرْدَيْهِ (3)، فَصَعِدَ اَلْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ وَعَظَ وَ أَنْذَرَ، ثُمَّ جَلَسَ مُتَمَكِّناً وَ شَبَّكَ بَيْنَ

ص: 34


1- إعلام الورى:165، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 50/144:40.
2- في متن «ش» و «م» : أبو بكر، و في «ح» : أبو الجيش و قد صحح أبو بكر بأبي الحسين في هامش «ش» و «م» و قد جَعَلَ على أبي بكر في «ش» علامة الزيادة، و كتب في هامشها معَلِمَا بعلامة (س) و وجدت في نسخة منقولة مِمَّا قرئ على الشيخ: أبو الحسين محمّد بن المظَفَر البزاز في عدة مواضع فهو الصحيح، و أيضاً كتب في هامشها: أبو الحسين الحافظ البغداديّ و كانَ معاصرا للدارقطني و يُعرَف أبو الحسين بالبزاز الاشهب و هو محمّد بن المظَفَر بن موسى بن عيسى، انتهى. و توجد هذه الحاشية في هامش «م» أيضاً لكن محي أكثره. و على أي حال أبو الحسين البزاز مترجم في تاريخ بغداد262/3و ذِكر ولادته سنة 286 و وفاته سنة 379 و قالَ: حدّثني أبو بكر البرقاني قالَ: كتب الدارقطني عن ابن المظَفَر ألف حديثٌ، و الف حديثٌ، و الف حديثٌ، فعدّد ذلكَ مرّات.
3- في هامش «ش» : بردته.

أَصَابِعِهِ وَ وَضَعَهَا أَسْفَلَ سُرَّتِهِ (1)ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ اَلنَّاسِ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، سَلُونِي فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ. أَمَا - وَ اَللَّهِ - لَوْ ثُنِيَ لِيَ اَلْوِسَادُ (2)، لَحَكَمْتُ بَيْنَ أَهْلِ اَلتَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ، وَ بَيْنَ أَهْلِ اَلْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ، وَ أَهْلِ اَلزَّبُورِ بِزَبُورِهِمْ، وَ أَهْلِ اَلْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ، حَتَّى يَزْهَرَ (3)كُلُّ كِتَابٍ مِنْ هَذِهِ اَلْكُتُبِ وَ يَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ عَلِيّاً قَضَى بِقَضَائِكَ. وَ اَللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ وَ تَأْوِيلِهِ مِنْ كُلِّ مُدَّعٍ عِلْمَهُ، وَ لَوْ لاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اَللَّهِ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ » -ثُمَّ قَالَ -: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَة َ ، لَوْ سَأَلْتُمُونِي عَنْ آيَةٍ آيَةٍ، لَأَخْبَرْتُكُمْ بِوَقْتِ نُزُولِهَا وَ فِي مَنْ (4)نَزَلَتْ وَ أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاسِخِهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا، وَ خَاصِّهَا مِنْ عَامِّهَا، وَ مُحْكَمِهَا مِنْ مُتَشَابِهِهَا، وَ مَكِّيِّهَا مِنْ مَدَنِيِّهَا. وَ اَللَّهِ مَا فِئَةٌ (تَضِل ُّ أَوْ تُهْدَى) (5)إِلاَّ وَ أَنَا أَعْرِفُ قَائِدَهَا وَ سَائِقَهَا وَ نَاعِقَهَا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ »(6) .

في أَمثالِ هذه الأَخبار مِمَّا يطول به الكتاب.

ص: 35


1- في «م» : بطنه.
2- في هامش «ش» و «م» : الوسادة.
3- في هامش «ش» و «م» : ينطق.
4- في «م» و هامش «ش» : و فيم.
5- في «م» و هامش «ش» : تضلّ أو تهدي.
6- التوحيد:304، أمالي الصدوق:280، الاختَصَّاص:235، مناقب ابن شهرآشوب 2: 38 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار51/144:40.
فصل ومن ذلكَ ما جَاَءَ فيَفضُلُه عَلَیْهِ السَّلامُ

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْمُظَفَّرِ اَلْبَزَّازُ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ ابْنِ عِمْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ مُوسَى، (عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ) (1)قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيَّ رَحِمَهُ اَللَّهُ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدْتَ بَدْراً؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُ لِفَاطِمَةَ وَ قَدْ جَاءَتْهُ ذَاتَ يَوْمٍ تَبْكِي وَ تَقُولُ: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ عَيَّرَتْنِي نِسَاءُ قُرَيْشٍ بِفَقْرِ عَلِيٍّ . فَقَالَ: لَهَا اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: أَ مَا تَرْضَيْنَ يَا فَاطِمَةُ - أَنِّي زَوَّجْتُكِ أَقْدَمَهُمْ سِلْماً، وَ أَكْثَرَهُمْ عِلْماً، إِنَّ اَللَّهَ اِطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ اَلْأَرْضِ اِطِّلاَعَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ أَبَاكِ فَجَعَلَهُ نَبِيّاً، وَ اِطَّلَعَ إِلَيْهِمْ ثَانِيَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْلَكِ فَجَعَلَهُ وَصِيّاً، وَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ (أُنْكِحَكِ إِيَّاهُ) (2)أَ مَا عَلِمْتِ يَا فَاطِمَةُ أَنَّكِ بِكَرَامَةِ اَللَّهِ إِيَّاكِ زَوَّجْتُكِ (3)أَعْظَمَهُمْ حِلْماً وَ أَكْثَرَهُمْ عِلْماً، وَ أَقْدَمَهُمْ سِلْماً» فَضَحِكَتْ فَاطِمَةُ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اِسْتَبْشَرَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی

ص: 36


1- كذا في «ش» و «م» و في هامش «ش» : قِيسْ بن أبي هارون (ج) ، و قد جَعَلَ فوق قِيسْ عن أبي هارون في المتن علامة التصحيح مرتين، و في هامش «ح» و «م» : هو قِيسْ بن الربيع كوفي كثير الرواية عن أبي هارون العَبْدي و هو تابعي. روى عن أبي سعيد، ثُّمّ ّ إنّ في نسخة «ح» : عُبَيد اللّه بن موسى عن قِيسْ أبي هارون.
2- في هامش «ش» : انكحكه هو.
3- في «م» و «ح» : زوّجك.

الله علیه و آله: «يَا فَاطِمَةُ، إِنَّ لِعَلِيٍّ ثَمَانِيَةَ أَضْرَاسٍ قَوَاطِعَ لَمْ تُجْعَلْ لِأَحَدٍ مِنَاَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ: هُوَ أَخِي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ لَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنَ اَلنَّاسِ، وَ أَنْتِ - يَا فَاطِمَةُ - سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ زَوْجَتُهُ، وَ سِبْطَا اَلرَّحْمَةِ سِبْطَايَ وُلْدُهُ (1)، وَ أَخُوهُ اَلْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ فِي اَلْجَنَّةِ يَطِيرُ مَعَ اَلْمَلاَئِكَةِ حَيْثُ يَشَاءُ، وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ وَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي، وَ آخِرُ اَلنَّاسِ عَهْداً بِي وَ هُوَ وَصِيِّي وَ وَارِثُ اَلْأَوْصِيَاءِ (2)» (3) .

قَالَ اَلشَّيْخُ اَلْمُفِيدُ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ اَلرَّازِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ سُلَيْمَانَ اَلدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ اَلْجُعْفِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ قَالَ: قَالَ: لَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ سَبْعُ خِصَالٍ، مَا مِنْهُنَّ خَصَّْلَةٌ فِي اَلنَّاسِ: مِنَّا اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: وَ مِنَّا اَلْوَصِيُّ خَيْرُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَ مِنَّا حَمْزَةُ أَسَدُ اَللَّهِ وَ أَسَدُ رَسُولِهِ وَ سَيِّدُ اَلشُّهَدَاءِ، وَ مِنَّا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ اَلْمُزَيَّنُ بِالْجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي اَلْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ، وَ مِنَّا سِبْطَا هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ، وَ مِنَّا قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ اَلَّذِي أَكْرَمَ اَللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ، وَ مِنَّا اَلْمَنْصُورُ (4).

ص: 37


1- في هامش «ش» و «م» : ولداه.
2- في هامش «ش» : الوصيّين.
3- اشار الى قطعة منه الهيثُّمّ ي في مجمع الزوائد 101:9، و نَقَله الطبرسيّ في إعلام الورى: 164، و العلاّمة المجلسي في البحار 34/17:40.
4- ورد نحو ه في الخَصَّال:320 و مصباح الأَنّوار:158، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار25/48:37 و قالَ (ره) : «لعل المراد بالمنصور أيضاً القائم عليه السلام بقرينة ان بالقائم يتَمّ السبع و يحتَمّل أَنّ يكون المراد به الحسين عليه السلام فانه منصور في الرجعة» و فسّره في هامش (م) : «اي و نحن المنصورون لانا جند اللّه قالَ اللّه تعالى: إِنَّهُمْ لَهُمُ اَلْمَنْصُورُونَ» .

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَيْمَنَ (1)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ - مَوْلَى اِبْنِ عَبَّاسٍ - عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ «يَا عَلِيُّ، إِنَّكَ تُخَاصَمُ فَتَخْصِم ُ بِسَبْعِ خِصَالٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُهُنَّ: أَنْتَ أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَعِي إِيمَاناً ،وَ أَعْظَمُهُمْ جِهَاداً، وَ أَعْلَمُهُمْ بِآيَاتِ (2)اَللَّهِ، وَ أَوْفَاهُمْ بِعَهْدِ اَللَّهِ، وَ أَرْأَفُهُمْ بِالرَّعِيَّةِ، وَ أَقْسَمُهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَ أَعْظَمُهُمْ عِنْدَ اَللَّهِ مَزِيَّةً (3).

في أَمثالِ هذه الأَخبار و معانَيها، مِمَّا هي أشهرُ عند الخاصَّة و العامُّة من أَنّ يحتاج فيها إِلَى إطالة خَطَبَ (4).و لو لم يكن منها إلّا ما انتَشَر ذكرُه، و اشتهرت الرواية به من حديثٌ الطائر، وَ قَوْلُ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله: «اَللَّهُمَّ اِئْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ، يَأْكُلُ مَعِي مِنْ هَذَا اَلطَّائِرِ» (5)فَجَاءَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ . لكفى، إذ كانَ أَحَبَّ الخلق إِلَى الله تعالى، و أعظمهم ثوابا عنده، و أكثرَهم قُرباً إليه، و أفضلَهم عملاً له.

وَ فِي قَوْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ، وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ

ص: 38


1- في هامش نسخة «ش» : و هو محمّد بن إسحاق بن يسار، و قبره ببغداد و لعلّ كلمة (أيمن) كانت قد صحفت: باسحاق، فهذه الحاشية تفسير لتلك العبارة المصحفة و لذلك جَعَلَ على كلمة (ايمن) علامة التصحيح.
2- في «م» و هامش «ش» : بأيام.
3- رواه عماد الدين الطبريّ في بشارة المصطفى:271، و ورد باختلاف في الفاظه في الخَصَّال:363/54، و مصباح الأَنّوار:115، و كفاية الطالب:270 عن معاذ بن جبل، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 17:40/35.
4- في هامش «ش» : شرح.
5- حديثٌ الطائر من الأحاديث المشهورٌة الّتي جاوزت اسانيدها المئات و الّتي افردت بالتأليف من قبل جماعةُ من الحفاظ من كلا الفريقين، انظر على سبيل المثال مجلد حديثٌ الطير من كتاب عبقات الأَنّوار.

عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «ذَاكَ خَيْرُ اَلْبَشَرِ، لاَ يَشُكُّ فِيهِ إِلاَّ كَافِرٌ »(1) . حُجَّةَ واضحة فيما قدَّمناه، و قد أَسْنَدَ ذلكَ جابر في رواية جاءت بأسانيد متّصلة معروفة عند أهل النقل (2) و الأَدلّةُ على أَنّ أَميرَالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ أفضلُ النّاس بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله متناصرةٌ، لو قَصَدنا إِلَى إثباتها (3)لأَفردنا لها كتاباً، و فيما رَسَمناه من الخبرُ بذلكَ مُقْنَعٌ فيما قصدناه من الاختَصَّار، و وضعِه في مكانه من هذا الكتاب.

فصل ومن ذلكَ ما جَاَءَ من الخبرُ بأَنّ محبته عَلَیْهِ السَّلامُ عَلِمَ على الإيمان و بغضه عَلِمَ على النفاق

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ اَلْمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْجِعَابِيِّ اَلْحَافِظِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ اَلْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ اَلدِّهْقَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اَلْأَعْمَشُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ

ص: 39


1- أمالي الصدوق:71 / 7، مصباح الأَنّوار:125، مناقب ابن شهرآشوب 67:3، كفاية الطالب:246 و فيه عن عائشة.
2- انظر على سبيل المثال أَنّساب الأشراف 113:2 / 50، تاريخ بغداد 421:7، تاريخ دمشق-ترجمة الإمام عليّ عليه السلام-445:2 / 958-962، اللآلي 328:1، منتخب كنز العمّال 35:5.
3- في «م» : انتهائها.

عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلْمِنْبَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «وَ اَلَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهِدَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَيَّ أَنَّهُ لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَ لاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ» (1) .أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدِ اَللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ اَلْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ اَلْبَغَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ اَلْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا اَلنَّضْرُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي اَلْجَارُودِ، عَنِ اَلْحَارِثِ اَلْهَمْدَانِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ اَلْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «قَضَاءٌ قَضَاهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ اَلنَّبِيِّ (2)اَلْأُمِّيِّ صلّی الله علیه و آله أَنَّهُ لاَ يُحِبُّنِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ، وَ لاَ يُبْغِضُنِي إِلاَّ مُنَافِقٌ، وَ قَدْ خٰابَ مَنِ اِفْتَرىٰ» (3) . أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْمُظَفَّرِ اَلْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى اَلْبَرْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْن سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا اَلْأَعْمَشُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی

الله علیه و آله: أَنَّهُ لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَ لاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ» (4) .

ص: 40


1- صحيح مسلم 86:1 / 131، سنن الترمذي 306:5 / 3819، خَصَّائص النسائي:83 / 95، كنز الفوائد 83:2، مناقب آل أبي طالب 206:3، بشارة المصطفى:64 و 76، كفاية الطالب:68، فتح الباري 57:7، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 255:39 / 28.
2- في هامش «ش» و «م» : نبيُّّكم.
3- مسند أبي يعلى الموصلي 347:1، و كنز الفوائد 84:2، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 255:39 / 29.
4- مسند أحمد بن حنبل 95:1، سنن ابن ماجة 42:1 / 114، سنن النسائي 8: 117، خَصَّائص النسائي:83 / 96،97 تاريخ بغداد 255:2 و 426:14، الاستيعاب 37:3، مناقب ابن شهرآشوب 206:3، بشارة المصطفى:148، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 255:39 / 30.
في ذِكر ما جَاَءَ في علي عَلَیْهِ السَّلامُ و شيعته

فصل من ذلكَ ما جَاَءَ في أَنّه عَلَیْهِ السَّلامُ و شيعته هم الفائزون

أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدِ اَللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ اَلْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ اَلْحَافِظُ (1)قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدٍ اَلْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَالِبٍ (2)، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلْبَاقِرِ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «سُئلتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُ: إِنَّ عَلِيّاً وَ شِيعَتَهُ هُمُ

ص: 41


1- في النسخ: عليّ بن عُمَربن عُبَيد اللّه الحافظ لكن يأتي سند مشابه عن قريب و كانَ فيه في نسختي «ش» و «م» عُبَيد اللّه فصحح في الهامش بعُبَيد، بل صرّح في هامش «م» بانه عُبَيد لا غير، و في «ح» هناك عُبَيد من دونَ تردد و الظاهر غفلة النسّاخ من تصحيح عبارة السند هنا و لذلك صححناه فان الظاهر كونه عليّ بن محمّد بن عُبَيد اللّه بن عَبْد اللّه الحافظ البزاز مات في شوال سنة ثلاثينَ و ثلاث مائة، و له ثُّمّ ان و سبعون سنة. انظر «تاريخ بغداد 73:12، تذكرة الحفاظ 836:3، العبر 37:2، طبقات الحفاظ:348 / 786» .
2- في هامش «ش» : لعله سَعدُ بن طريف، و في هامش «م» : في نسخة: سَعدُ بن طريف و كأَنّّ فوق العبارة في هامش «ش» علامة الزيادة، و لعلّ متن «ش» كانَ في الأصل سَعدُ عن طالب و لذلك فسّر سَعدُ في الهامش مِمَّا فسّر، ثُّمّ ّ صحح عبارة المتن فحذف ما في الهامش، و امّا ناسخ نسخة «م» فاخذ هذه العبارة و ظنها نسخة، ثُّمّ ّ ان في هامش «ش» ينقل عن نسخة: سعيد.

اَلْفَائِزُونَ (1) .

أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْجَوْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى اَلْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْعَلاَءِ: قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ اَلْعَلاَءِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى قَضِيباً مِنْ يَاقُوت ٍ أَحْمَرَ لاَ يَنَالُهُ إِلاَّ نَحْنُ وَ شِيعَتُنَا، وَ سَائِرُ اَلنَّاسِ مِنْهُ بَرِيئُونَ» (2).

أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدِ اَللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ اَلْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عُبَيْدٍ اَلْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ اَلسُّلَيْكِ (3)عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَ لاَ عَذَابَ، قَالَ: ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَى عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: هُمْ شِيعَتُكَ وَ أَنْتَ إِمَامُهُمْ (4) .

ص: 42


1- تاريخ دمشق-ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام-348:2 / 851، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 31:68 / 64.
2- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 31:68 / 65.
3- في هامش «ش» و «م» : كذا كانَ فيما قرئ على الشيخ، و في هامش آخر ل «ش» عن نسخة: السليل، و كذلك في متن «ح» و هامش «م» و لكن صححه و ذِكر نسخة اخرى: السكيك. و المذكور في كتب الرجال: داود بن سليك-بدونَ اللام-السَعدُى. انظر: تاريخ البخاري 242:3، الجرح و التعَدِيّل 415:3، تهذيب التهذيب 186:3.
4- مناقب ابن المغازلي:293، مصباح الأَنّوار:138، إعلام الورى:165، بشارة المصطفى:163، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 31:68 / 66.

أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى اَلْكَرْخِيُّ )(1)قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو اَلْعَيْنَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ اَلْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ عَائِشَةَ) (2)عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَمْرٍو اَلْبَجَلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُوسَى، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ، قَالَ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حَسَدَ اَلنَّاسِ إِيَّايَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ ، إِنَّ أَوَّلَ أَرْبَعَةٍ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ: أَنَا وَ أَنْتَ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ، وَ، ذُرِّيَّتُنَا، خَلْفَ ظُهُورِنَا، وَ أَحِبَّاؤُنَا خَلْفَ ذُرِّيَّتِنَا، وَ أَشْيَاعُنَا عَنْ أَيْمَانِنَا وَ شَمَائِلِنَا» (3).

في ذِكر ما جَاَءَ في ولايته عَلَیْهِ السَّلامُ

فصل من ذلكَ ما جاءت به الأَخبار في أَنّ ولايته عَلَیْهِ السَّلامُ عَلِمَ على طيب المولد و عَداوته عَلِمَ على خبثه

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْجَيْشِ اَلْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْبَلْخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا (4)أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْعَلَوِيُّ قَالَ:

ص: 43


1- كذا في النسخ، و في هامش «م» : الكوفيّ و الكرجي و الكرخي و تحت الكلمة الأخيرُة علامة التصحيح.
2- كذا في متن النسخ، و في هامش «ش» و «م» : ابن عائشة، و قد تقدّم ما ينفع المقامُ في فصل: موضع قبر أَميرُالمؤمنين عليه السلام، فليراجع.
3- مقَتَل الخوارزمي:108، منتخب كنز العمّال 94:5، تذكرة الخواص:291، فرائد السمطين 42:2 / 375، مجمع الزوائد 131:9، و في تاريخ دمشق-ترجمة الامام أَميرُالمؤمنين عليه السلام-329:2 / 835 أفاض الشيخ المحمودي في الهامش ذِكر مصادر الحديثٌ بأسانيدها و متونها و مظانها، فراجع.
4- في «م» و «ح» و هامش «ش» : أَخبرَنا، و ما أَثبتناهُ من متن «ش» .

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُنْعِمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْفَزَارِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ علیهما السلام، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ علیه السلام: أَ لاَ أَسُرُّكَ؟ أَ لاَ أَمْنَحُكَ؟ أَ لاَ أُبَشِّرُكَ؟! فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اَللَّهِ بَشِّرْنِي. قَالَ: فَإِنِّي خُلِقْتُ أَنَا وَ أَنْتَ مِنْ طِينَةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ فَخَلَقَ اَللَّهُ مِنْهَا شِيعَتَنَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ دُعِيَ اَلنَّاسُ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ سِوَى شِيعَتِنَا فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ لِطِيبِ مَوْلِدِهِمْ» (1) .

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْجَيْشِ اَلْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنَا (مُحَمَّدُ بْنُ سلم اَلْكُوفِيُّ )(2)قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ (3)بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ اَلزُّهْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ (4)، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ يُدْعَى (5)اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ بِأَسْمَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا خَلاَ شِيعَتَنَا فَإِنَّهُمْ يُدْعَوْنَ بِأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ لِطِيبِ مَوَالِيدِهِمْ» (6).

ص: 44


1- أمالي المفيد:311، أمالي الطوسيّ 71:2، إعلام الورى:165، بشارة المصطفى: 14،96، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 155:27 / 28.
2- كذا في متن «ش» و «م» و في «ح» و هامش «ش» و «م» عن نسخة: محمّد بن مسلم، و كأَنّّ في هامش «م» علامة التصحيح.
3- في «ح» : عَبْد اللّه.
4- كذا في متن النسخ، و في هامش «ش» : أبي إسرائيل «ج» ، و هامش «م» أبي إسرائيل. و الظاهر صحة ما أَثبتناهُ، فقد ذِكر في تهذيب التهذيب 51:7 رواية عُبَيد اللّه بن موسى بن أبي المختار عن إسرائيل.
5- في «م» و هامش «ش» : دعي.
6- إعلام الورى:165، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 156:27 / 29.

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْقُمِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ بْنِ سُهَيْلٍ اَلْإِسْكَافِيُّ (1)قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعْمَةَ اَلسَّلُولِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ حَرَامٍ اَلْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله ذَاتَ يَوْمٍ - جَمَاعَةً مِنَ اَلْأَنْصَارِ - فَقَالَ لَنَا «يَا مَعْشَرَ (2)اَلْأَنْصَارِ بُورُوا (3)أَوْلاَدَكُمْ بِحُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَمَنْ أَحَبَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِرِشْدَة ٍ (4)وَ مَنْ أَبْغَضَهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِغَيَّةٍ (5)» (6) .

في ذِكر ما جَاَءَ في تسمية رسول الله لعلي عَلَیْهِ السَّلامُ أَنّه أَميرُالمؤمنين فصل من ذلكَ ما جاءت به الأَخبار في تسمية رسول الله صلّی الله علیه و آله عَلِيَّاً عَلَیْهِ السَّلامُ بإمرة المؤمنين في حياته

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْجَيْشِ اَلْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلْبَلْخِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا (7)أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ (8)قَالَ: أَخْبَرَنِي اَلْحُسَيْنُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ

ص: 45


1- في هامش «ش» و «م» : اسكاف ناحية بالعراق من النهروان الى البصرة.
2- في «م» و هامش «ش» : معاشر.
3- نبور: نختبر، و منه الحديثٌ: «كنّا نبور أوّلَادنا بحب عليّ» . «النهاية-بور-161:1» .
4- هو لرشدّةِ: أي صحيح النسب. «مجمع البحرين-رشدّ -51:3» .
5- ولد غيّة: أي ولد زنا. «القاموس المحيط-غوي-372:4» .
6- إعلام الورى:165، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 156:27 / 30.
7- كذا في متن «ش» و في «م» و هامش «ش» : أَخبرَني.
8- في «م» و «ح» : محمّد بن أبي الثلج، و هو أيضاً صحيح نسبة الى الجدّ.

ابْنِ غَالِبٍ، عَنْ (عَلِيِّ بْنِ اَلْحَسَنِ، عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ) (1)عَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمّ الِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ اَلسَّبِيعِيِّ ، عَنْ بَشِيرٍ اَلْغِفَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ خَادِمَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، أَتَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِوَضُوءٍ فَقَالَ لِي: «يَا أَنَسَ ابْنَ مَالِكٍ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا اَلْبَابِ اَلسَّاعَةَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ خَيْرُ اَلْوَصِيِّينَ، أَقْدَمُ اَلنَّاسِ سِلْماً، وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَ أَرْجَحُهُمْ حِلْماً» فَقُلْتُ: اَللَّهُمَّ اِجْعَلْهُ مِنْ قَوْمِي. قَالَ: فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنَ اَلْبَابِ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَتَوَضَّأُ، فَرَدَّ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْمَاءَ عَلَى وَجْهِ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ حَتَّى اِمْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ مِنْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ : «يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَ حَدَثَ فِيَّ حَدَثٌ؟» فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «مَا حَدَثَ فِيكَ إِلاَّ خَيْرٌ، أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ، تُؤَدِّي عَنِّي وَ تَفِي بِذِمَّتِي، وَ تُغَسِّلُنِي وَ تُوَارِينِي فِي لَحْدِي، وَ تُسْمِعُ اَلنَّاسَ عَنِّي وَ تُبَيِّنُ لَهُمْ مِنْ بَعْدِي» فَقَالَ عَلِيٌّ علیه السلام: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَ وَ مَا بَلَّغْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَ لَكِنْ تُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ بَعْدِي» (2) .

ص: 46


1- كذا صححه في هامش «ش» ، و نسبه في هامش «م» إِلَى نسخة، و في متن النسخ: علي ابن الحسن بن محبوب، و كتب في «ش» فوقه علامة (ج) ، و الظاهر صحة ما أَثبتناهُ في المتن، و لم نجد راو بهذا الاسم في ضمن الروايات، و أمّا الحسن بن محبوب فانه يروي عن أبي حمزة الثُّمّ الي بكثرة و هو راوي كتابه في فهرست الشيخ:41 ، 137 و يروي عن ابن محبوب علي بن الحسن بن فضّال و عليّ بن الحسن الطاطري، و قد روى المصنّف عين هذا السند في اماليه:18 عن محمّد بن غالب عن عليّ بن الحسن عن عَبْد اللّه بن جبلة، و روى الصدوق في التوحيد:157 بسنده الى ابن أبي الثلج عن الحسين بن أيّوب عن محمّد ابن غالب، عن عليّ بن الحسين، و في تهذيب الشيخ 165:4 / 468 بسند آخر عن محمّد بن غالب عن عليّ بن الحسن بن فضّال.
2- اليقين:35، مصباح الأَنّوار:199 نحو ه، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 37: 330 / 66.

أَخْبَرَنِي أَبُو اَلْجَيْشِ اَلْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ دَاهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي دَاهِرُ بْنُ يَحْيَى اَلْأَحْمَرِيُّ اَلْمُقْرِئُ، عَنِ اَلْأَعْمَشِ، عَنْ عَبَايَةَ اَلْأَسَدِيِّ (1)، عَنِ اِبْن عَبَّاسٍ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله قَالَ: لِأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا: «اِسْمَعِي وَ اِشْهَدِي، هَذَا عَلِيٌّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ اَلْوَصِيِّينَ (2)»(3).

وَ بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي اَلثَّلْجِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اَلسَّلاَمِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ اَلْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُفْيَانُ اَلثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي اَلْجَحَّافِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ: أَوْصِ، قَالَ: قَدْ أَوْصَيْتُ، قِيلَ: إِلَى مَنْ قَالَ: إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ، قِيلَ: عُثْمَانُ؟ قَالَ: لاَ، وَ لَكِنْ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ حَقّاً أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، إِنَّهُ لَزِرُّ (4)اَلْأَرْضِ، وَ رَبَّانِيُّ (5)هَذِهِ اَلْأُمَّةِ، لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُوهُ

ص: 47


1- كذا في متن النسخ، و في هامش «ش» و «م» : الأزديّ، و لم يَعلَمُ كونه تفسيرا أو نسخة بدلَّ، و على اي حال كتب في هامش «ش» و «م» : هو عباية بن كليب الأزديّ. و هامش آخر في «م» : هو الأزديّ ابدلَّت السين من الزاي، هذا و لكن لا يبعد كون المراد من عباية الأسَدي هو عباية بن ربعي الأسَدي، فقد عنونه ابن أبي حاتَمّ في الجرح و التعَدِيّل 29:7 و صرّح بروايته عن ابن عبّاس و رواية الأعمش عَنْهُ و نقل عن والده: كانَ من عتق الشيعة، انظر ميزان الاعتدال 387:2 أيضاً.
2- في «م» و هامش «ش» : في نسخة: المسلمين.
3- مناقب آل أبي طالب 54:3، اليقين:29،35، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 37: 330 / 67.
4- زرّ الأَرض: أي قوامها، و أصله من زرّ القلب، و هو عظيم صغير يكون قوام القلب به «النهاية-زرر-300:2» .
5- الرباني: الكامل في العَلِمَ و العمل. «مجمع البحرين-ربب-65:2» ، و في «م» و هامش «ش» : في نسخة: و ربّي.

لَأَنْكَرْتُمُ اَلْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا (1) .

وَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ اَلْحَصِيبِ اَلْأَسْلَمِيِّ - وَ هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ اَلْعُلَمَاءِ، بِأَسَانِيدَ يَطُولُ شَرْحُهَا - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَمَرَنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ طَلْحَةُ وَ اَلزُّبَيْرُ، فَقَالَ: «سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ» فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا (2) .

في أَمثالِ هذه الأَخبار يطول بها الكتاب.

ثالثا في ما اشتهر من مناقبه عَلَیْهِ السَّلامُ

اشارة

فصل فأما مناقبه الغنية - بشُهرتُها و تواتر النقل بها، و إجماع العُلِمَاءُ عليها - عن إيراد أسانيد الأَخبار بها، فهي كثيرة يطول بشرحها (3)الكتاب، و في رسمنا منها طرفا كفاية عن إيراد جميعها في الغرض الذي وضعنا له هذا الكتاب، إن شاء الله.

حديثٌ الدار

فمن ذلكَ: أَنّ النبيُّ صلّی الله علیه و آله جمع خاصّةً أَهَّلَه و عشيرته، في ابتداء الدعوة إِلَى الإسلام فعرض عليهم الإيمان، و استنصرهم على أهلُ الكفر و العَدُوٍّان، و ضمن لهم على ذلكَ الحظوة في الدُّنيا، و الشرف

ص: 48


1- اليقين:16 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 331:37 / 68.
2- ورد نحو ه في مصباح الأَنّوار:154، و بشارة المصطفى:185، و اليقين:44 و 54 و 98، و إِرْشَاد القلوب:325.
3- في «م» و هامش «ش» : بذكرها.

و ثواب الجنِّان، فلم يجبه أحدٌ منهم إلّا أَميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام فنحله بذلكَ تحقيق الإخوة و الوزارة و الوصية و الوراثة و الخلافةُ ، و أَوجَبَ له به الجنِّة.

و ذلكَ في حديثٌ الدار، الذي أجمع على صِحَّتِهِ نقاد الآثار، حِينَ جَمَعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ فِي دَارِ أَبِي طَالِبٍ، وَ هُمْ أَرْبَعُونَ - رَجُلاً يَوْمَئِذٍ - يَزِيدُونَ رَجُلاً أَوْ يَنْقُصُونَ رَجُلاً - فِيمَا ذَكَرَهُ اَلرُّوَاةُ - وَ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُمْ فَخِذُ شَاةٍ مَعَ مُدٍّ مِنَ اَلْبُرِّ، وَ يُعَدَّ لَهُمْ صَاعٌ مِنَ اَللَّبَنِ، وَ قَدْ كَانَ اَلرَّجُلُ مِنْهُمْ مَعْرُوفاً بِأَكْلِ اَلْجَذَعَة ِ فِي مَقَامٍ (1)وَاحِدٍ، وَ يَشْرَبُ اَلْفَرَقَ (2)مِنَ اَلشَّرَابِ فِي ذَلِكَ اَلْمَقَامِ، وَ أَرَادَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِإِعْدَادِ قَلِيلِ اَلطَّعَامِ وَ اَلشَّرَابِ لِجَمَاعَتِهِمْ إِظْهَارَ اَلْآيَةِ لَهُمْ فِي شِبَعِهِمْ وَ رِيِّهِمْ مِمَّا كَانَ لاَ يُشْبِعُ اَلْوَاحِدَ مِنْهُمْ وَ لاَ يُرْوِيهِ.ثُمَّ أَمَرَ بِتَقْدِيمِهِ لَهُمْ، فَأَكَلَتِ اَلْجَمَاعَةُ كُلُّهَا مِنْ ذَلِكَ اَلْيَسِيرِ حَتَّى تَمَلَّئُوا مِنْهُ، وَ لَمْ يَبِنْ مَا أَكَلُوهُ مِنْهُ وَ شَرِبُوهُ فِيهِ، فَبَهَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَ بَيَّنَ لَهُمْ آيَةَ نُبُوَّتِهِ، وَ عَلاَمَةَ صِدْقِهِ بِبُرْهَانِ اَللَّهِ تَعَالَى فِيهِ.

ثُمَّ قَالَ: لَهُمْ بَعْدَ أَنْ شَبِعُوا مِنَ اَلطَّعَامِ وَ رَوُوا مِنَ اَلشَّرَابِ: «يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَنِي إِلَى اَلْخَلْقِ كَافَّةً، وَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ) (3) وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى كَلِمَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ عَلَى اَللِّسَانِ ثَقِيلَتَيْنِ فِي اَلْمِيزَانِ، تَمْلِكُونَ بِهِمَا اَلْعَرَبَ وَ اَلْعَجَمَ،

ص: 49


1- في هامش «ش، م، ح» : في نسخة: مقعد.
2- الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، و في هامش «ش» و «م» : «في نسخة: الزقّ» ، و هو السقاء، انظر «الصحاح-فرق-1540:4» .
3- الشُّعَراءُ 214:26.

وَتَنْقَادُ لَكُمْ بِهِمَا اَلْأُمَمُ وَ تَدْخُلُونَ بِهِمَا اَلْجَنَّةَ، وَ تَنْجُونَ بِهِمَا مِنَ اَلنَّارِ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ، فَمَنْ يُجِبْنِي إِلَى هَذَا اَلْأَمْرِ وَ يُؤَازِرْنِي عَلَيْهِ وَ عَلَى اَلْقِيَامِ بِهِ، يَكُنْ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» فَلَمْ يُجِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ. فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ - وَ أَنَا إِذْ ذَاكَ أَصْغَرُهُمْ سِنّاً، وَ أَحْمَشُهُمْ (1)سَاقاً، وَ أَرْمَصُهُمْ (2)عَيْناً - فَقُلْتُ: أَنَا - يَا رَسُولَ اَللَّهِ - أُؤَازِرُكَ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ. فَقَالَ: اِجْلِسْ ثُمَّ أَعَادَ اَلْقَوْلَ عَلَى اَلْقَوْمِ ثَانِيَةً فَأَصْمَتُوا، وَ قُمْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَقَالَتِيَ اَلْأُولَى، فَقَالَ: اِجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَى اَلْقَوْمِ مَقَالَتَهُ ثَالِثَةً فَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِحَرْفٍ فَقُلْتُ: - أَنَا أُؤَازِرُكَ - يَا رَسُولَ اَللَّهِ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ، فَقَالَ: اِجْلِسْ، فَأَنْتَ أَخِي وَ وَصِيِّي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي وَ خَلِيفَتِي مِنْ بَعْدِي» فَنَهَضَ اَلْقَوْمُ وَ هُمْ يَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ : يَا أَبَا طَالِبٍ، لِيَهْنِكَ (3)اَلْيَوْمَ إِنْ دَخَلْتَ فِي دِينِ اِبْنِ أَخِيكَ، فَقَدْ جَعَلَ اِبْنَكَ أَمِيراً عَلَيْكَ (4) . فصل هذه منقبة جليلة اختَصَّ بها أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و لم يَشْرَكه

ص: 50


1- رجلُ أحمش الساقين: دقيقهما «الصحاح-حمش-1002:3» .
2- الرمص: وسخ يجتَمّع في مجرى الدمع. «انظر: الصحاح-رمص-1042:3» .
3- في هامش «ش» و «م» : ليهنئك، و كلاهما بمعنى ليسرّك.
4- انظر مصادر حديثٌ الدار في تاريخ دمشق-ترجمة أَميرُالمؤمنين عليه السلام-97:1- 103 و الغدير 278:2-289.

فيها أحدٌ من المهاجرين الأوّلَين و لا الأَنصار، و لا أحدٌٌ من أهلُ الإسلام، و ليس لِغيره عِدلٌ لها من الفَضْل و لا مقاربٌ على حال، و في الخبرُ بها ما يُفيد أَنّ به عَلَیْهِ السَّلامُ تَمَكَّنَ النبيُّ ّّ صلّی الله علیه و آله من تبليغ الرسالة، و إظهار الدعوة، و الصَّدع بالإسلام ، و، لولاه لم تَثْبُتِ الملّة و لا استقرّت الشريعة، و لاظَهَرَتِ الدعوة فهو عَلَیْهِ السَّلامُ ناصرُ الإسلام، و وزيرُ الداعي إليه من قِبَلِ الله - عزَّ و جلّ - و بضمانه لنبيّ الهدى عَلَیْهِ السَّلامُ النصرةَ تَمّ له في النبوّة ما أراد، و في ذلكَ من الفَضْل ما لا تُوازنه (1)الجبالُ فضلاًً، و لا تُعادلَّه الفضائلُ كلّها محلّاً و قدراً.

المبيت على فراش النبيُّ صلی الله علیه و آله وسلم

فصل

و من ذلكَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ عَلَیْهِ السَّلامُ لَمَّا أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، عِنْدَ اِجْتِمَاعِ اَلْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَتْلِهِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنْ مُظَاهَرَتِهِمْ - بِالْخُرُوجِ مِنْ (2)مَكَّةَ، وَ أَرَادَ اَلاِسْتِسْرَارَ بِذَلِكَ وَتَعْمِيَةَ خَبَرِه ِ عَنْهُمْ، لِيَتِمَّ لَهُ اَلْخُرُوجُ عَلَى اَلسَّلاَمَةِ مِنْهُمْ، أَلْقَى خَبَرَهُ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اِسْتَكْتَمَهُ إِيَّاهُ، وَ كَلَّفَهُ اَلدِّفَاعَ عَنْهُ بِالْمَبِيتِ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ هُوَ اَلْبَائِتُ عَلَى اَلْفِرَاشِ، وَ يَظُنُّونَ أَنَّهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله بَائِتاً (3)عَلَى حَالِهِ اَلَّتِي كَانَ يَكُونُ عَلَيْهَا فِيمَا سَلَفَ مِنَ اَللَّيَالِي.

ص: 51


1- في هامش «ش» و «م» : توازيه.
2- في «م» و «ش» : عن.
3- في هامش «م» : نائما.

فَوَهَبَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَ شَرَاهَا مِنَ اَللَّهِ فِي طَاعَتِهِ وَ بَذَلَهَا دُونَ نَبِيِّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ لِيَنْجُوَ بِهِ مِنْ كَيْدِ اَلْأَعْدَاءِ، وَ تَتِمَّ لَهُ بِذَلِكَ اَلسَّلاَمَةُ وَ اَلْبَقَاءُ، وَ يَنْتَظِمَ لَهُ بِهِ اَلْغَرَضُ فِي اَلدُّعَاءِ إِلَى اَلْمِلَّةِ وَ إِقَامَةِ اَلدِّينِ وَ إِظْهَارِ اَلشَّرِيعَةِ. فَبَاتَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مُسْتَتِراً (1)بِإِزَارِهِ، وَ جَاءَهُ اَلْقَوْمُ اَلَّذِينَ تَمَالَئُوا (2)عَلَى قَتْلِهِ فَأَحْدَقُوا بِهِ وَ عَلَيْهِمُ اَلسِّلاَحُ، يَرْصُدُونَ طُلُوعَ اَلْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُ ظَاهِراً، فَيَذْهَبَ، دَمُهُ فَرْغاً (3)بِمُشَاهَدَةِ بَنِي هَاشِمٍ قَاتِلِيهِ مِنْ جَمِيعِ اَلقَبَائِلِ، وَ لاَ يَتِمُّ لَهُمُ اَلْأَخْذُ بِثَأْرِهِ مِنْهُمْ، لاِشْتِرَاكِ اَلْجَمَاعَةِ فِي دَمِهِ، وَ قُعُودِ كُلِّ قَبِيلٍ عَنْ قِتَالِ رَهْطِهِ وَ مُبَايَنَةِ أَهْلِهِ.

فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ نَجَاةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ حِفْظِ دَمِهِ، وَ بَقَائِهِ حَتَّى صَدَعَ بِأَمْرِ رَبِّهِ، وَ لَوْ لاَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ، لَمَا تَمَّ لِنَبِيِّ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلتَّبْلِيغُ وَ اَلْأَدَاءُ، وَ لاَ اِسْتَدَامَ لَهُ اَلْعُمُرُ وَ اَلْبَقَاءُ، وَ لَظَفِرَ بِهِ اَلْحَسَدَةُ وَ اَلْأَعْدَاءُ.

فَلَمَّا أَصْبَحَ اَلْقَوْمُ وَ أَرَادُوا اَلْفَتْكَ بِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ ثَارَ إِلَيْهِمْ، وَ فتَفَرَّقُوا عَنْهُ حِينَ عَرَفُوهُ، وَ اِنْصَرَفُوا عَنْهُ وَ قَدْ ضَلَّتْ حِيَلُهُمْ (4)فِي اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله، وَ اِنْتَقَضَ مَا بَنَوْهُ مِنَ اَلتَّدْبِيرِ فِي قَتْلِهِ، وَ خَابَتْ ظُنُونُهُمْ، وَ بَطَلَتْ آمَالُهُمْ، وَ، كَانَ بِذَلِكَ اِنْتِظَامُ اَلْإِيمَانِ، وَ، إِرْغَامُ اَلشَّيْطَانِ، وَ، خِذْلاَنُ أَهْلِ اَلْكُفْرِ وَ اَلْعُدْوَانِ.

ص: 52


1- في «م» و هامش «ش» : متسَتْرِا.
2- تَمّالئوا: اجتَمّعوا. «الصحاح-ملأ-73:1» .
3- ذهب دمه فرغا أي هدرا «الصحاح-فرغ-1324:4» . و في «ح» : هدرا.
4- في هامش «ش» و «م» : حيلتهم.

و لم يشرك أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في هذه المنقبة أحدٌ من أهلُ الإسلام، و لا اختَصَّ بنظير لها على حال، و، لا مقارب لها في الفَضْل بصحيح الاعتبار.

و في أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و مبيته على الفراش، أَنّزل الله تعالى (وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ) (1)-(2) .

استخلاف النبيُّ صلّی الله علیه و آله له عَلَیْهِ السَّلامُ في رَدَّ الودائع

فصل

و من ذلكَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله كَانَ أَمِينَ قُرَيْشٍ عَلَى وَدَائِعِهِمْ، فَلَمَّا فَجَأَهُ مِنَ اَلْكُفَّارِ مَا أَحْوَجَهُ إِلَى اَلْهَرَبِ مِنْ مَكَّةَ بَغْتَةً، لَمْ يَجِدْ فِي قَوْمِهِ، وَ، أَهْلِهِ، مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَى مَا كَانَ مُؤْتَمَناً عَلَيْهِ سِوَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَاسْتَخْلَفَهُ فِي رَدِّ اَلْوَدَائِعِ إِلَى أَرْبَابِهَا، وَقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ لِمُسْتَحِقِّيهِ، وَ جَمْعِ بَنَاتِهِ وَ نِسَاءِ أَهْلِهِ وَ أَزْوَاجِهِ وَ اَلْهِجْرَةِ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَ لَمْ يَرَ أَنَّ أَحَداً يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ كَافَّةِ اَلنَّاسِ، فَوَثِقَ بِأَمَانَتِهِ، وَ عَوَّلَ عَلَى نَجْدَتِهِ وَ شَجَاعَتِهِ، وَ اِعْتَمَدَ فِي اَلدِّفَاعِ عَنْ أَهْلِهِ وَ حَامَّتِه ِ عَلَى بَأْسِهِ وَ قُدْرَتِهِ، وَ اِطْمَأَنَّ إِلَى ثِقَتِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَ حُرَمِهِ، وَ عَرَفَ مِنْ وَرَعِهِ وَ عِصْمَتِهِ

ص: 53


1- البقرة 207:2.
2- ورد حديثٌ المبيت في تاريخ مدينة دمشق-ترجمة أَميرُالمؤمنين عليه السلام-153:1- 155، تاريخ بغداد 191:13، أسَد الغابة 19:4، تاريخ اليعقوبي 39:2، المستدرك على الصحيحين 4:3، مسند أحمد 348:1، التفسير الكبير للفخر الرازيّ 155:15، ذخائر العقبى:87.

مَا تَسْكُنُ اَلنَّفْسُ مَعَهُ إِلَى اِئْتِمَانِهِ (1)عَلَى ذَلِكَ.

فَقَامَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِهِ أَحْسَنَ اَلْقِيَامِ، وَ رَدَّ كُلَّ وَدِيعَةٍ إِلَى أَهْلِهَا، وَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَ حَفِظَ بَنَاتِ نَبِيِّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ آلِهِ وَ حُرَمَهُ، وَ هَاجَرَ بِهِمْ مَاشِياً عَلَى قَدَمِهِ (2)،يَحُوطُهُمْ مِنَ اَلْأَعْدَاءِ، وَ يَكْلَؤُهُمْ (3)مِنَ اَلْخُصَمَاءِ، وَ يَرْفُقُ بِهِمْ فِي اَلْمَسِيرِ حَتَّى أَوْرَدَهُمْ عَلَيْهِ اَلْمَدِينَةَ، عَلَى أَتَمِّ صِيَانَةٍ وَ حِرَاسَةٍ وَ رِفْقٍ وَ رَأْفَةٍ وَ حُسْنِ تَدْبِيرٍ فَأَنْزَلَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله عِنْدَ وُرُودِهِ اَلْمَدِينَةَ دَارَهُ، وَ أَحَلَّهُ قَرَارَهُ وَ خَلَطَهُ بِحُرَمِهِ وَ أَوْلاَدِهِ، وَ لَمْ يُمَيِّزْهُ مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَ لاَ اِحْتَشَمَه ُ فِي بَاطِنِ أَمْرِهِ وَ سِرِّهِ .

و هذه منقبة توحد بها عَلَیْهِ السَّلامُ من كافَّةَ أهلُ بيته و أصحّابه، و لم يَشْرَكه فيها أحدٌ من أتباعه و أشياعه، و لم يَحْصُل لغيرُهُ من الخلق فضل سواها يعادلَّها عند السبر، و لا يقاربها على الامتحانُ، و هذه (4)مضافة إِلَى ما قدَّمناه من مناقبه، الباهر فضلها القاهر شرفها قلوب العقلاء (5).

إصلاح علي عَلَیْهِ السَّلامُ ما أفسده خالدَ بن الوَليدُ

فصل

و من ذلكَ أَنّ الله تعالى خَصَّه بتلافي فارط من خالف نبيُّه صلّی الله

ص: 54


1- في هامش «ش» و «م» : امانته.
2- في هامش «ش» و «م» : قدميه.
3- في هامش «ش» و «م» : نسخة اخرى: و يكنفهم.
4- في «م» و هامش «ش» نسخة اخرى: و هي.
5- انظر-على سبيل المثال لا الحصر-في قضية ردّ ودائع النبيُّ ّّ صلّى اللّه عليه و آله الى اصحابها و قضاء ما كانَ عليه من دين: طبقات ابن سَعدُ 22:3، تاريخ مدينة دمشق 154:1-155، أسَد الغابة 19:4.

علیه و آله في أوامره، و إصلاح ما أفسدوه، حتّى انتظمت به أَسبابٌ الصلاح، و اتسق بيمنه و سعادة جده و حسن تدبيره و التوفيق اللازم له أمور المسلمين و قام به عمود الدين.

أ لا تَرى أَنَّّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله أَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ اَلْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جُذَيْمَةَ دَاعِياً لَهُمْ إِلَى اَلْإِسْلاَمِ، وَ لَمْ يُنْفِذْهُ مُحَارِباً، فَخَالَفَ أَمْرَهُ صلّی الله علیه و آله وَ نَبَذَ عَهْدَهُ، وَ عَانَدَ دِينَهُ، فَقَتَلَ اَلْقَوْمَ وَ هُمْ عَلَى اَلْإِسْلاَمِ، وَ أَخْفَرَ ذِمَّتَهُمْ وَ هُمْ أَهْلُ اَلْإِيمَانِ، وَ عَمِلَ فِي ذَلِكَ عَلَى حَمِيَّةِ اَلْجَاهِلِيَّةِ وَ طَرِيقَةِ أَهْلِ اَلْكُفْرِ وَ اَلْعُدْوَانِ، فَشَانَ فَعَالُهُ اَلْإِسْلاَمَ، وَ نَفَّرَ بِهِ عَنْ نَبِيِّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ مَنْ كَانَ يَدْعُوهُ إِلَى اَلْإِيمَانِ، وَ كَادَ أَنْ يَبْطُلَ بِفِعْلِهِ نِظَامُ اَلتَّدْبِيرِ فِي اَلدِّينِ.

فَفَزِعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي تَلاَفِي فَارِطِهِ، وَ إِصْلاَحِ مَا أَفْسَدَهُ، وَ دَفْعِ اَلْمَعَرَّةِ عَنْ شَرْعِهِ بِذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَنْفَذَهُ لِعَطْفِ اَلْقَوْمِ وَ سَلِّ سَخَائِمِهِمْ وَ اَلرِّفْقِ بِهِمْ ، فِي تَثْبِيتِهِمْ عَلَى اَلْإِيمَانِ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَدِيَ اَلْقَتْلَى، وَ يُرْضِيَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءَ دِمَائِهِمُ اَلْأَحْيَاءَ.

فَبَلَغَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنْ ذَلِكَ مَبْلَغَ اَلرِّضَا، وَ زَادَ عَلَى اَلْوَاجِبِ بِمَا تَبَرَّعَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ عَطِيَّةِ مَا كَانَ بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنَ اَلْأَمْوَالِ، وَ قَالَ: لَهُمْ: «قَدْ أَدَّيْتُ (1)دِيَاتِ اَلْقَتْلَى، وَ أَعْطَيْتُكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اَلْمَالِ مَا تَعُودُونَ بِهِ عَلَى مُخَلَّفِيهِمْ (2)لِيَرْضَى اَللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ صلّی الله علیه و آله وَ تَرْضَوْنَ بِفَضْلِهِ عَلَيْكُمْ» وَ أَظْهَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِالْمَدِينَةِ مَا

ص: 55


1- في «م» و هامش «ش» : وديت.
2- في «ش» : مخلّفيكم.

اِتَّصَلَ بِهِمْ مِنَ اَلْبَرَاءَةِ مِنْ صَنِيعِ خَالِدٍ بِهِمْ، فَاجْتَمَعَ بَرَاءَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِمَّا جَنَاهُ خَالِدٌ، وَ اِسْتِعْطَافُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْقَوْمَ بِمَا صَنَعَهُ بِهِمْ، فَتَمَّ بِذَلِكَ اَلصَّلاَحُ وَ اِنْقَطَعَتْ بِهِ مَوَادُّ اَلْفَسَادِ، وَ لَمْ يَتَوَلَّ ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ لاَ قَامَ بِهِ مِنَ اَلْجَمَاعَةِ سِوَاهُ، وَ لاَ رَضِيَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِتَكْلِيفِهِ أَحَداً مِمَّنْ عَدَاهُ .

و هذه منقبة يزيد شرفها على كلُّ فضل يُدَّعى لغير أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ - حقا كانَ ذلكَ أم باطلاً - و هي خاصّةً لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ لم يَشركه فيها أحدٌ منهم، و لا حَصَلَ لغيرُهُ عدلٌَّ لها من الأعمال (1).

انتزاعه عَلَیْهِ السَّلامُ الكتاب الذي أرسله حاطب بن أبي بلتعة من المرأة

فصل

وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله لَمَّا أَرَادَ فَتْحَ مَكَّةَ، سَأَلَ اَللَّهَ - جَلَّ اِسْمُهُ- أَنْ يُعَمِّيَ أَخْبَارَهُ عَلَى قُرَيْشٍ لِيَدْخُلَهَا بَغْتَةً، وَ كَانَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَدْ بَنَى اَلْأَمْرَ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهَا عَلَى اَلاِسْتِسْرَارِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِعَزِيمَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَى فَتْحِهَا، وَ أَعْطَى اَلْكِتَابَ اِمْرَأَةً سَوْدَاءَ (2)كَانَتْ وَرَدَتِ اَلْمَدِينَةَ تَسْتَمِيحُ بِهَا

ص: 56


1- انظر تاريخ اليعقوبي 61:2، مغازي الواقدي 875:3، الطبقات الكبرى 2: 147، دلَّائل النُبوّة 113:5-118، سيرة ابن هشام 70:4-73، فتح الباري 46:8، تاريخ الطبريّ 66:5-67، الكامل في التاريخ 255:2-256.
2- في هامش «ش» و «م» : كانَ اسمها سارة.

اَلنَّاسَ وَ تَسْتَبِرُّهُمْ (1)،وَ جَعَلَ لَهَا جُعْلاً عَلَى أَنْ تُوصِلَهُ إِلَى قَوْمٍ سَمَّاهُمْ لَهَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَ أَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ عَلَى غَيْرِ اَلطَّرِيقِ.

فَنَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِذَلِكَ، فَاسْتَدْعَى أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَ لَهُ : «إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِي قَدْ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِخَبَرِنَا، وَ قَدْ كُنْتُ سَأَلْتُ اَللَّهَ أَنْ يُعَمِّيَ أَخْبَارَنَا عَلَيْهِمْ، وَ اَلْكِتَابُ مَعَ اِمْرَأَةٍ سَوْدَاءَ قَدْ أَخَذَتْ عَلَى غَيْرِ اَلطَّرِيقِ، فَخُذْ سَيْفَكَ وَ اِلْحَقْهَا وَ اِنْتَزِعِ اَلْكِتَابَ مِنْهَا وَ خَلِّهَا وَ صِرْ بِهِ إِلَيَّ » ثُمَّ اِسْتَدْعَى اَلزُّبَيْرَ بْنَ اَلْعَوَّامِ وَ قَالَ لَهُ : «اِمْضِ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي هَذِهِ اَلْوَجْهِ» فَمَضَيَا وَ أَخَذَا عَلَى غَيْرِ اَلطَّرِيقِ فَأَدْرَكَا اَلْمَرْأَةَ ، فَسَبَقَ إِلَيْهَا اَلزُّبَيْرُ فَسَأَلَهَا عَنِ اَلْكِتَابِ اَلَّذِي مَعَهَا، فَأَنْكَرَتْ وَ حَلَفَتْ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ مَعَهَا وَ بَكَتْ، فَقَالَ اَلزُّبَيْرُ: مَا أَرَى - يَا أَبَا اَلْحَسَنِ - مَعَهَا كِتَاباً فَارْجِعْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِنُخْبِرَهُ بِبَرَاءَةِ سَاحَتِهَا.

فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «يُخْبِرُنِي رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَنَّ مَعَهَا كِتَاباً وَ يَأْمُرُنِي بِأَخْذِهِ مِنْهَا، وَ تَقُولُ أَنْتَ أَنَّهُ لاَ كِتَابَ مَعَهَا» ثُمَّ اِخْتَرَطَ اَلسَّيْف َ وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهَا فَقَالَ: «أَمَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ لَمْ تُخْرِجِي اَلْكِتَابَ لَأَكْشِفَنَّكِ، ثُمَّ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ» فَقَالَتْ لَهُ: إِذَا كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْرِضْ يَا اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ بِوَجْهِكَ عَنِّي، فَأَعْرَضَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِوَجْهِهِ عَنْهَا فَكَشَفَتْ قِنَاعَهَا، وَ أَخْرَجَتِ اَلْكِتَابَ مِنْ عَقِيصَتِهَا (2)

فَأَخَذَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ صَارَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه

ص: 57


1- في هامش «ش» : تستبرهم: أي تطلب منهم البرّ.
2- العقيصة: الضفيرة. «الصحاح-عقص-1046:3» .

و آله فَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى بِ الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَنُودِيَ فِي اَلنَّاسِ فَاجْتَمَعُوا إِلَى اَلْمَسْجِدِ حَتَّى اِمْتَلَأَ بِهِمْ، ثُمَّ صَعِدَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْمِنْبَرَ وَ أَخَذَ اَلْكِتَابَ بِيَدِهِ وَ قَالَ: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ سَأَلْتُ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُخْفِيَ أَخْبَارَنَا (1)عَنْ قُرَيْشٍ وَ إِنَّ رَجُلاً مِنْكُمْ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِخَبَرِنَا، فَلْيَقُمْ صَاحِبُ اَلْكِتَابِ، وَ إِلاَّ فَضَحَهُ اَلْوَحْيُ فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، فَأَعَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَقَالَتَهُ ثَانِيَةً، وَ قَالَ: «لِيَقُمْ صَاحِبُ اَلْكِتَابِ وَ إِلاَّ فَضَحَهُ اَلْوَحْيُ » فَقَامَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَ هُوَ يُرْعَدُ كَالسَّعَفَةِ فِي يَوْمِ رِيحِ اَلْعَاصِفِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَنَا صَاحِبُ اَلْكِتَابِ، وَ مَا أَحْدَثْتُ نِفَاقاً بَعْدَ إِسْلاَمِي، وَ لاَ شَكّاً بَعْدَ يَقِينِي. فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «فَمَا اَلَّذِي حَمَلَكَ عَلَى أَنْ كَتَبْتَ هَذَا اَلْكِتَابَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ لِي أَهْلاً بِمَكَّةَ، وَ لَيْسَ لِي بِهَا عَشِيرَةٌ فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ اَلدَّائِرَةُ لَهُمْ عَلَيْنَا، فَيَكُونُ كِتَابِي هَذَا كَفّاً لَهُمْ عَنْ أَهْلِي، وَ يَداً لِي عِنْدَهُمْ، وَ لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِشَكٍّ فِي اَلدِّينِ.

فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ مُرْنِي بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ.

فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ لَعَلَّ اَللَّهَ تَعَالَى اِطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَغَفَرَ لَهُمْ أَخْرِجُوهُ مِنَ اَلْمَسْجِدِ»

قَالَ: فَجَعَلَ اَلنَّاسُ يَدْفَعُونَ فِي ظَهْرِهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ، وَ هُوَ يَلْتَفِتُ (2)إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله لِيَرِقَّ عَلَيْهِ (3)، فَأَمَرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه

ص: 58


1- في هامش «ش» و «م» : نسخة اخرى: آثارنا.
2- في هامش «ش» و «م» : يتلفّت.
3- في هامش «ش» و «م» : نسخة اخرى: له.

و آله بِرَدِّهِ وَ قَالَ لَهُ : «قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ وَ عَنْ جُرْمِكَ، فَاسْتَغْفِرْ رَبَّك (1)وَ لاَ تَعُدْ بِمِثْلِ مَا جَنَيْتَ» (2) . فصل

و هذه المنقبة لاحقة بما سلف من مناقبه عَلَیْهِ السَّلامُ و فيها أَنّ به عَلَیْهِ السَّلامُ و فیها انّ به علیه السّلام تَمَّ لرسول الله التدبيرُ في دخول مَكّة، و كفي مئونة القَوْم و ما كانَ يَكرَهُهُ من معرفتهم بقَصده إليهم حتّى فجأهم بَغتةً، و لم يَثِق في استخراج الكتاب من المرأة إلّا بأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و لا استنصح في ذلكَ سواه، و لا عَوَّل على غيره، و كانَ به عَلَیْهِ السَّلامُ كفايتُه المهمّ، و بلوغه المراد، و انتظامُ تدبيره، و صلاحُ أمر المسلمين، و ظُهُورُ الدين.

و لم يكن في إنفاذُ الزُبَير مَعَ أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فضل يُعتَدُّ به، لأَنّه لم يَكفِ مُهِمَاً، و لا أغنى بمضيه شيئاً، و إنّما أَنّفذه رسول الله صلّی الله علیه و آله لأَنّه في عداد بني هاشم من جهة أُمّه صَفِيّة بنتِ عَبْدالمطّلب، فأراد عَلَیْهِ السَّلامُ أَنّ يَتَوَلّى العملَ بما استسر به من تدبيره - خاص أَهَّلَه، و كانت للزبير شجاعةُ و فيه إقدام، مَعَ النسب الذي بينه و بين أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فعَلِمَ أَنّه يُساعده على ما بعثه له، إذ كانَ تَمامُ

ص: 59


1- في هامش «ش» : نسخة اخرى: فاستغفر اللّه لذنبك.
2- انظر تاريخ اليعقوبي 58:2، صحيح البخاريّ 184:5، صحيح مسلم 4: 1941 / 2494، مسند أحمد 79:1، سيرة ابن هشام 40:4، تاريخ الطبريّ 3: 48، دلَّائل النُبوّة للبيهقيّ 14:5، المستدرك على الصحيحين 301:3.

الأَمرُ لهما فراجَعَ إليهما بما يَخُصُّهما مِمَّا يَعُمُّ بني هاشم من خيرُ أو شر. فكانَ الزبير تابعا لأَميرِالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و وقع منه فيما أَنّفذه (1)فيه ما لم يُوافِق صوابَ الرَّأْي، فتداركه أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ .

و فيما شَرَحناه في هذه القصة بيانُ اختَصَّاص أميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ. من المنقبة و الفضيلة بما لم يَشْرَكه فيه غيرُهُ، و لا داناه سواه بفضل يقاربه فضلاً عن أَنّ يُكافِئه،و الله المحمود

في إعطاء الرايةُ له عَلَیْهِ السَّلامُ يوم الفَتْحُ

فصل

و من ذلكَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله أَعْطَىَ اَلرَّايَةَ (فِي يَوْمِ) (2)اَلْفَتْحِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا مَكَّةَ أَمَامَهُ، فَأَخَذَهَا سَعْدٌ وَ جَعَلَ يَقُولُ:

اَلْيَوْمُ يَوْمُ اَلْمَلْحَمَةِ *** اَلْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ (3)اَلْحُرَمَةُ .

فَقَالَ بَعْضُ اَلْقَوْمِ لِلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله: أَ مَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ وَ اَللَّهِ إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اَلْيَوْمَ صَوْلَة ٌ فِي قُرَيْشٍ. فَقَالَ: عَلَیْهِ السَّلامُ: لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَدْرِكْ - يَا عَلِيُّ - سَعْداً وَ خُذِ اَلرَّايَةَ مِنْهُ، وَ كُنْ أَنْتَ اَلَّذِي تَدْخُلُ بِهَا».

ص: 60


1- في «ح» و هامش «ش» و «م» : انفذ.
2- في «م» و هامش «ش» : يوم.
3- في هامش «ش» و «م» : تسبى.

فاستدرك رسولُ الله صلّی الله علیه و آله بأَميرالمؤمنين صلّی الله علیه و آله ما كَادَ يَفوت من صَوَاب التدبير، بتهجّم سَعدٍ و إقدامه على أهلُ مَكّة، و عَلِمَ أَنّ الأَنّصارَ لا تَرضى أَنّ يَأخُذَ أحدٌ من النّاس من سيّدها سَعدٍ الراية، و يَعزلَه عن ذلكَ المقامُ، إلّا من كانَ في مثل حال النبيُّ صلّی الله علیه و آله من جَلالة القدر، و رفيع المكان، و فَرْضِ الطاعة، و من لا يَشيِنُ سَعْداً الانصرافُ به عن تلكَ الولاية.

و لو كانَ بحَضرة النبيُّ صلّی الله علیه و آله من يَصلَحُ لذلك سوى أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ لعَدَلَ بالأَمرُ إليه، و كانَ مذكوراً هناك بالصلاح بمثل ما قام به أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ، و إذا كانت الأَحكامُ إنّما تجب بالأَفعالِ الواقعة، و كانَ ما فعله النبيُ صلّی الله علیه و آله بأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ من التعظيم و الإجلال، و التأهيل لما أَهَّلَه له من إصلاح الأُمور، و استدراك ما كانَ يَفوُتُ بعمل غيره على ما ذكرناه، وجب القضاءُ في هذه المنقبة بما يَبينُ بها ممّن سواه، و يَفضُلُ بشرفها على كافَّة من عداه (1).

إسلام أهلُ اليمن و همدان على يديه عَلَیْهِ السَّلامُ

فصل

و من ذلكَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ اَلسِّيَرِ (2)أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی اللّه علیه وآله

ص: 61


1- انظر مغازي الواقدي 822:2، سيرة ابن هشام 49:4، تاريخ الطبريّ 56:3، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 272:17.
2- في «م» و هامش «ش» : السِّيرة.

بَعَثَ خَالِدَ بْنَ اَلْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ اَلْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اَلْإِسْلاَمِ، وَ أَنْفَذَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فِيهِمُ اَلْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - فَأَقَامَ خَالِدٌ عَلَى اَلْقَوْمِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَدْعُوهُمْ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَسَاءَ ذَلِكَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَدَعَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ أَمَرَهُ أَنْ يُقْفِلَ (1)خَالِداً وَ مَنْ مَعَهُ. وَ قَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِمَّنْ مَعَ خَالِدٍ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَاتْرُكْهُ»

قَالَ اَلْبَرَاءُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَه ُ ، فَلَمَّا اِنْتَهَيْنَا إِلَى أَوَائِلِ أَهْلِ اَلْيَمَنِ، وَ بَلَغَ اَلْقَوْمَ اَلْخَبَرُ فَتَجَمَّعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْفَجْرَ ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَى اَلْقَوْمِ كِتَابَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، (وَ كَتَبَ بِذَلِكَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله) (2)فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ اِسْتَبْشَرَ وَ اِبْتَهَجَ، وَ خَرَّ سَاجِداً شُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَ جَلَسَ وَ قَالَ: «اَلسَّلاَمُ عَلَى هَمْدَانَ اَلسَّلاَمُ عَلَى هَمْدَانَ» وَ تَتَابَعَ بَعْدَ إِسْلاَمِ هَمْدَانَ أَهْلُ اَلْيَمَنِ عَلَى اَلْإِسْلاَمِ. (3) .

و هذه أيضاً منقبة لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ ليس لِأَحدٍ من الصحابة مثلها و لا مقاربُها، و ذلكَ أَنّه لمّا وقف الأَمر فيما بعث له خالدَ و خيف الفسادُ به، لم يُوجَد من يَتَلافى ذلكَ سوى أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فَنُدِبَ له فقام به أحسنُ قيام، و جَرى على عادة الله عنده في التوفيق لما

ص: 62


1- القفول: الرُجُوعُ من السفر. «الصحاح-قفل-1803:5» .
2- في هامش «ش» و «م» : (و كتب أَميرُالمؤمنين عليه السلام بذلكَ كتاباً الى رسول اللّه) .
3- انظر صحيح البخاريّ 206:5، دلَّائل النُبوّة 396:5، تاريخ الطبريّ 131:3، الكامل في التاريخ 300:2، ذخائر العقبى:109.

يلائم إيثارَ النبيُّ صلّی الله علیه و آله و كانَ بيمنه و رفقه و حُسن تدبيره، و خلوصِ نيّته في طاعة الله. هدايةُ من اهتدى بهداه (1)من النّاس، وإجابةُ من أجاب إِلَى الإسلام و عمارةُ الدين، و قوّةُ الإيمان، و بلوغ النبيُّ صلّی الله علیه و آله مِمَّا آثره (من المراد) (2)و انتظام الأَمرُ فيه على ما قرت به عينه، و ظَهَرَ استبشاره به و سروره بتَمامه لكافَّةَ أهلُ الإسلام .

و قد ثبتَ أَنّ الطاعة تتعاظم بتعاظم النفع بها، كما تَعظُم المعصيةُ بتعاظم الضرر بها، و لذلك صارت الأَنّبياءُ عَلَیْهِ السَّلامُ أعظمُ الخلق ثواباً، لتعاظم النفع بدعوتهم على سائر المنافع بأعمال من سواهم.

إعطاء النبيُّ صلّی الله علیه و آله الرايةُ له عَلَیْهِ السَّلامُ يوم خَيْبَرُ

فصل

و مثلُ ذلكَ مَا كَانَ فِي يَوْمِ خَيْبَرَ مِنِ اِنْهِزَامِ، مَنِ اِنْهَزَمَ وَ قَدْ أُهِّلَ لِجَلِيلِ اَلْمَقَامِ بِحَمْلِ اَلرَّايَةِ، فَكَانَ بِانْهِزَامِهِ مِنَ اَلْفَسَادِ مَا لاَ خِفَاءَ بِهِ عَلَى اَلْأَلِبَّاءِ، ثُمَّ أُعْطِيَ صَاحِبُهُ اَلرَّايَةَ بَعْدَهُ، فَكَانَ مِنِ اِنْهِزَامِهِ مِثْلُ اَلَّذِي سَلَفَ مِنَ اَلْأَوَّلِ، وَ خِيفَ فِي (3)ذَلِكَ عَلَى اَلْإِسْلاَمِ وَ شَأْنِهِ مَا كَانَ مِنَ اَلرَّجُلَيْنِ فِي اَلاِنْهِزَامِ، فَأَكْبَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ أَظْهَرَ

ص: 63


1- في «م» : بهديه.
2- في هامش «ش» و «م» : المراد.
3- في «م» : من.

اَلنَّكِيرَ لَه ُ وَ اَلْمَسَاءَةَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ مُعْلِناً: «لَأُعْطِيَنَّ اَلرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ، وَ يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ، كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ، لاَ يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اَللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ. فَأَعْطَاهَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَكَانَ اَلْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ» (1) . و دلَّ فحوى كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ على خروج الفرارين من الصفة الّتي أوجبها لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ كما خَرَجَا بالفرار من صفة الكر و الثبوت للقتال و في تلافي أَميرُالمؤمنين بخَيْبَرُ ما فرط من غيرُهُ دليل على توحده من الفَضْل فيه بما لم يَشْرَكه فيه من عداه.

و في ذلكَ يقولُ حسان بن ثابت الأَنّصاريّ:

وكان عليُّ أرْمَدَ العَيْنِ يَبْتَغي *** دَواءً فلمّا لَمْ يُحس مُداوِيا

شَفاهُ رسولُ الله منه بتُفلةٍ *** فبورك مَرِقياً وبورك راقِيا

وقال سأعْطِي الراية اليومَ *** كَمِيّاً (2)مُحِباً للإله مُواليا

يُحِبّ إلهي والإله يُحبُّه *** به يَفْتَحُ الله الحُصُونَ الأوابِيا (3)

فأصْفى بها دونََ البَربّة كلَّها *** عَلِيّاً وسمّاهُ الوَزيرَ المُواخِيا

ص: 64


1- انظر-على سبيل المثال لا الحصر: الطبقات الكبرى 110:2، صحيح البخاريّ 171:5، صحيح مسلم 1441:3، مسند أحمد 52:4، المستدرك على الصحيحين 38:3، دلَّائل النُبوّة 205:4-213، تاريخ ابن عساكر-ترجمة أَميرُالمؤمنين عليه السلام-174:1-247، البداية و النهاية 185:4-188، مناقب ابن المغازلي:176-189.
2- الكميّ: الشجاع. «الصحاح-كمي-2477:6» .
3- الأوابي: الّتي تأبى و تَمّتنع من العَدُوٍّ.
إبلاغه عَلَیْهِ السَّلامُ سورة براءة إِلَى المشركين و اختَصَّاصه بها

فصل

وَ مِثْلُ ذَلِكَ - أَيْضاً - مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ اَلْبَرَاءَةِ (1)، وَ قَدْ دَفَعَهَا اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيَنْبِذَ بِهَا عَهْدَ اَلْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا سَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ لَهُ : إِنَّ اَللَّهَ يُقْرِئُكَ اَلسَّلاَمَ، وَ يَقُولُ لَكَ: لاَ يُؤَدِّي عَنْكَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ. فَاسْتَدْعَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَ لَهُ : «اِرْكَبْ نَاقَتِيَ اَلْعَضْبَاءَ وَ اِلْحَقْ أَبَا بَكْرٍ فَخُذْ بَرَاءَةَ مِنْ يَدِهِ، وَ اِمْضِ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَانْبِذْ عَهْدَ اَلْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِمْ، وَ خَيِّرْ أَبَا بَكْرٍ بَيْنَ أَنْ يَسِيرَ مَعَ رِكَابِك َ أَوْ يَرْجِعَ إِلَيَّ »

فَرَكِبَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ نَاقَةَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله اَلْعَضْبَاءَ، وَ سَارَ حَتَّى لَحِقَ أَبَا بَكْرٍ فَلَمَّا رَآهُ فَزِعَ مِنْ لُحُوقِهِ بِهِ، وَ اِسْتَقْبَلَهُ وَ قَالَ: فِيمَ جِئْتَ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ؟ أَ سَائِرٌ مَعِي أَنْتَ، أَمْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَمَرَنِي أَنْ أَلْحَقَكَ فَأَقْبِضَ مِنْكَ اَلْآيَاتِ مِنْ بَرَاءَةَ، وَ أَنْبِذَ بِهَا عَهْدَ اَلْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِمْ، وَ أَمَرَنِي أَنْ أُخَيِّرَكَ بَيْنَ أَنْ تَسِيرَ مَعِي، أَوْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ»

فَقَالَ: بَلْ أَرْجِعُ إِلَيْهِ، وَ عَادَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ ، إِنَّكَ أَهَّلْتَنِي لِأَمْرٍ طَالَتِ اَلْأَعْنَاقُ فِيهِ

ص: 65


1- في «م» و «ش» : براءة، و ما اثبتناه من «ح» .

إِلَيَّ ، فَلَمَّا تَوَجَّهْتُ لَهُ رَدَدْتَنِي عَنْهُ، مَا لِي، أَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ؟

فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «لاَ، وَ لَكِنَّ اَلْأَمِينَ هَبَطَ إِلَيَّ عَنِ اَللَّهِ جَلَّ جَلاَلُهُ بِأَنَّهُ لاَ يُؤَدِّي عَنْكَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ، وَ عَلِيٌّ مِنِّي، وَ لاَ يُؤَدِّي عَنِّي إِلاَّ عَلِيٌّ ». في حديثٌ مشهورٌ. (1)

فكانَ نَبذُ العهد مختصّاً بمن عَقَدَه، أو بمن يَقوم مقامَه في فَرْضِ الطاعة، و جلالة القدر، و عُلوِّ الرتبة، و شرف المقامُ، و من لا يُرتابُ بفعاله، و لا يُعتَرَضُ في مقالَه، و من هو كنفس العاقد، و أمرُه أمرُه، فإذا حَكَمَ بحكم مضى و استقر به، و أُمِنَ الاعتراضُ فيه، و كانَ بنَبذُ العهد قوّةُ الإسلام، و كمالُ الدين، و صلاحُ أمر المسلمين، و تَمام فتح مَكّة، و اتساق أحوال الصلاح، فأحب الله تعالى أَنّ يَجعَلَ ذلكَ على يد من ينوه باسمه، و يُعلِي ذكرَه، و يُنَبّه على فضله، و يَدُلّ على علوّ قدره، و يُبَيِّنُه به ممّن سواه، فكانَ ذلكَ أَميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلَیْهِ السَّلامُ .

(و لم يكن) (2)لِأَحدٍ من القَوْم فضل يقارب الفَضْل الذي وصفناه، و لا شركه فيه أحدٌ منهم على ما بَيِّناه.

وأمثالُ ما عَدَدْناه كثيرٌ، إن عَمِلنا على إيراده طال به الكتاب، و اتّسع به الخَطّاب، و فيما أَثبتناهُ منه في الغرض الذي قصدناه كفايةٌ لذوي الأَلباب.

ص: 66


1- انظر-على سبيل المثال لا الحصر: تاريخ اليعقوبي 76:2، سيرة ابن هشام 190:4، مسند أحمد 3:1، المستدرك على الصحيحين 51:3، جامع البيان للطبري 10: 46، الدّر المنثور 209:3، تاريخ دمشق-ترجمة أَميرُالمؤمنين عليه السلام-2: 376-390، كنز العمّال 417:2.
2- في «م» و هامش «ش» : لم يك.

فصل في جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ و حَرُوبه أيام رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم

اشارة

فصل

فأَمّا الجهاد الذي ثَبتت به قواعدُ الإسلام، و استقرّت بثبوتها شرائعُ الملّة و الأَحكام، فقد تَخَصُّصُ منه أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بما اشتهر ذكره في الأَنّام، و استفاض الخبرُ به بين الخاصُ و العامُ، و لم تختلف فيه العُلِمَاءُ، و لا تنازع في صِحَّتِهِ الفهماء، و لا شَكَّ فيه إلّا غُفل لم يتأمل الأَخبار، و لا دفعه ممّن نظر في الآثار، إلّا معانَد بَهّاتُ لا يستحيي من العار.

جهاد أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة بدر

اشارة

فمن ذلكَ ما كانَ منه عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزاة بدر المذكورة في القرآنُ، و هي أوّلُ حرب كانَ به الامتحانُ، و ملأَت رَهْبَتُها صدورَ المعدودين من المسلمين في الشجعانَ، و راموا التَأَخَّرَ عنها لخوفهم منها و كراهتهم لها، على ما جَاَءَ به محكم الذكر في التبيان، حيثُ يقولُ - جل جلاله - فيما قص به من نبئهم (1)على الشرح و البيان (كَمٰا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ لَكٰارِهُونَ يُجٰادِلُونَكَ فِي اَلْحَقِّ بَعْدَ مٰا تَبَيَّنَ كَأَنَّمٰا يُسٰاقُونَ إِلَى اَلْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ) (2) في الآي المتصلة بذلكَ إِلَى قوله تعالى (وَ لاٰ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ بَطَراً وَ رِئٰاءَ اَلنّٰاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ بِمٰا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (3) بل إِلَى آخر

ص: 67


1- في «م» و «ح» و هامش «ش» : نياتهم.
2- الأَنّفال 5:8-6.
3- الأَنّفال 47:8.

السورة. فإنّ الخبرَ عن أحوالهم فيها يتلُو بَعْضُهُ بعضاً، و إن اخْتلِفت ألفاظُه و اتَّفِقْتَ معانَيه.

وَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ خَبَرِ هَذِهِ اَلْغَزَاةِ، أَنَّ اَلْمُشْرِكِينَ حَضَرُوا بَدْراً مُصِرِّينَ عَلَى اَلْقِتَالِ، مُسْتَظْهِرِينَ فِيهِ بِكَثْرَةِ اَلْأَمْوَالِ، وَ اَلْعَدَدِ وَ اَلْعُدَّةِ وَ اَلرِّجَالِ، وَ اَلْمُسْلِمُونَ إِذْ ذَاكَ نَفَرٌ قَلِيلٌ عَدَدُهُمْ هُنَاكَ، حَضَرَتْهُ طَوَائِفُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ اِخْتِيَارٍ، وَ شَهِدَتْهُ عَلَى اَلْكُرْهِ مِنْهَا لَهُ وَ اَلاِضْطِرَارِ، فَتَحَدَّتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالْبِرَازِ وَ دَعَتْهُمْ إِلَى اَلْمُصَافَّةِ وَ اَلنِّزَالِ (1)،وَ اِقْتَرَحَتْ فِي اَللِّقَاءِ مِنْهُمُ اَلْأَكْفَاءَ، وَ تَطَاوَلَتِ اَلْأَنْصَارُ لِمُبَارَزَتِهِمْ فَمَنَعَهُمُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ : «إِنَّ اَلْقَوْمَ دَعَوُا اَلْأَكْفَاءَ مِنْهُمْ» ثُمَّ أَمَرَ عَلِيّاً أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالْبُرُوزِ إِلَيْهِمْ، وَ دَعَا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَ عُبَيْدَةَ بْنَ اَلْحَارِثِ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا - أَنْ يَبْرُزَا مَعَهُ.

فَلَمَّا اِصْطَفُّوا لَهُمْ لَمْ يُثْبِتْهُمُ (2)اَلْقَوْم ُ ،لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَغَفَّرُوا (3)فَسَأَلُوهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ، فَانْتَسَبُوا لَهُمْ، فَقَالُوا: أَكْفَاءٌ كِرَامٌ. وَ نَشِبَتِ اَلْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَ بَارَزَ اَلْوَلِيدُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَلْبَثْهُ (4)حَتَّى قَتَلَهُ، وَ بَارَزَ عُتْبَةُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ - فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ، وَ بَارَزَ شَيْبَةُ عُبَيْدَةَ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - فَاخْتَلَفَتْ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَانِ، قَطَعَتْ إِحْدَاهُمَا فَخِذَ عُبَيْدَةَ، فَاسْتَنْقَذَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِضَرْبَةٍ بَدَرَ بِهَا شَيْبَةَ فَقَتَلَهُ،

ص: 68


1- في «م» : و القتال.
2- في «ح» : يتبينهم.
3- تغفّروا: أي لبسوا المغافر، و المغفر: زرد ينسج من الدرع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة: «الصحاح-غفر-771:2» .
4- «ش» و «م» : يلبثه.

وَ شَرِكَهُ فِي ذَلِكَ حَمْزَةُ - رِضْوَانُ اَللَّهِ عَلَيْهِ - فَكَانَ قَتْلُ هَؤُلاَءِ اَلثَّلاَثَةِ أَوَّلَ وَهْنٍ لَحِقَ اَلْمُشْرِكِينَ، وَ ذُلٍّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ، وَ رَهْبَةٍ اِعْتَرَاهُمْ بِهَا اَلرُّعْبُ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، وَ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَمَارَاتُ نَصْرِ اَلْمُسْلِمِينَ.

ثُمَّ بَارَزَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْعَاصَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ اَلْعَاصِ، بَعْدَ أَنْ أَحْجَمَ عَنْهُ ُ مَنْ سِوَاهُ فَلَمْ يَلْبَثْهُ أَنْ قَتَلَهُ. وَ بَرَزَ إِلَيْهِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَقَتَلَهُ، وَ بَرَزَ بَعْدَهُ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَتَلَهُ، وَ قَتَلَ بَعْدَهُ نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ - وَ كَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ - وَ لَمْ يَزَلْ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقْتُلُ وَاحِداً مِنْهُمْ بَعْدَ وَاحِدٍ، حَتَّى أَتَى عَلَى شَطْرِ اَلْمَقْتُولِينَ مِنْهُمْ، وَ كَانُوا سَبْعِينَ قَتِيلاً (1)تَوَلَّى كَافَّةُ مَنْ حَضَرَ بَدْراً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ مَعَ ثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُسَوِّمِينَ قَتْلَ اَلشَّطْرِ مِنْهُمْ، وَ تَوَلَّى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ قَتْلَ اَلشَّطْرِ اَلْآخَرِ وَحْدَهُ، بِمَعُونَةِ اَللَّهِ لَهُ وَ تَوْفِيقِهِ وَ تَأْيِيدِهِ وَ نَصْرِهِ، وَ كَانَ اَلْفَتْحُ لَهُ بِذَلِكَ وَ عَلَى يَدَيْهِ، وَ خُتِمَ اَلْأَمْرُ بِمُنَاوَلَةِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله كَفّاً مِنَ اَلْحَصَى (2)،فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ وَ قَالَ: «شَاهَتِ اَلْوُجُوهُ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ وَلَّى اَلدُّبُرَ بِذَلِكَ مُنْهَزِماً، وَ كَفَى اَللَّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَ بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ شُرَكَائِهِ فِي نُصْرَةِ اَلدِّينِ مِنْ خَاصَّةِ (آلِ اَلرَّسُولِ) (3)- علیه وآله السلام -وَ مَنْ أَيَّدَهُمْ بِهِ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْكِرَامِ عَلَيْهِمُ اَلتَّحِيَّةُ وَ اَلسَّلاَمُ كَمَا قَالَ: اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ (وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ) (4) .

ص: 69


1- في هامش «ش» و «م» : رجلاً.
2- في هامش «ش» و «م» : الحصباء.
3- في هامش «ش» و «م» : الرسول.
4- الأحزاب 25:33.
في تسمية من قَتْلُه عَلَیْهِ السَّلامُ في معركة بدر

فصل

و قد أثبت رواة العامُّة و الخاصُّة معا أسماء الذين تَوَلَّى أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ قَتْلَهم ببدر من المشركين، على اتّفاق فيما نقلوه من ذلكَ و اصطلاح فكانَ ممّن سُمُّوه:

الوَليدُ بن عُتْبة - كما قدّمناه - و كانَ شجاعاً جريئاً فاتكاً وقاحاً، تَهابُه الرجال.

و العاصُ بن سعيد، و كانَ هَوْلاً عظيماً تَهابهُ الأَبطال. و هو الذي حادَ عَنْهُ عُمَر بن الخَطّاب، و قصّته فيما ذكرناه مشهورٌة، و نحن نُثبتها (1)فيما نورده بعد إن شاء الله.(2)

و طُعَيْمةُ بن عَدِيّ بن نَوْفَل، و كانَ من رُوُوس أهلُ الضلالَ.

و نَوْفَلُ بن خُوَيْلِد، وَ كَانَ مِنْ أَشَدِّ اَلْمُشْرِكِينَ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُقَدِّمُهُ وَ تُعَظِّمُهُ وَ تُطِيعُهُ، وَ هُوَ اَلَّذِي قَرَنَ أَبَا بَكْرٍ بِطَلْحَةَ - قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ - وَ أَوْثَقَهُمَا بِحَبْلٍ وَ عَذَّبَهُمَا يَوْماً إِلَى اَللَّيْلِ حَتَّى سُئِلَ فِي أَمْرِهِمَا (3)وَ لَمَّا عَرَفَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حُضُورَهُ بَدْراً، سَأَلَ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَكْفِيَهُ أَمْرَهُ فَقَالَ: «اَللَّهُمَّ اِكْفِنِي نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ»

ص: 70


1- في هامش «ش» : نبيُّّنها.
2- يأتي في صلّی الله علیه و آله 41 و 42.
3- انظر تفاصيل هذه القضية و الردود عليها، في الصحيح من سيرة النبيُّ ّّ الأعظم 2: 54-57، للسيّد جعفر مرتضى العامُلي.

فَقَتَلَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ . و

زَمعَة بن الأَسْوَد .

و الحارثُ بن زَمعَة .

و النَضْرُ بن الحارث بن عَبْد الدار .

و عُمَيرُ بن عثُّمّان ان بن كَعب بن تَيْم، عمّ طَلْحة بن عُبَيد الله .

و عثُّمّان و مالك ابنا عُبَيد الله أخوا طَلْحة بن عُبَيد الله .

و مسعود بن أبي أُمَيِّة بن المُغِيرة .

و قَيْسُ بن الفاكه بن المُغِيْرة .

وحُذَيْفَةُ بن أبي حذيفة بن المُغِيْرة .

و أبو قِيسْ بن الوَليدُ بن المُغِيْرة .

و حَنْظَلَةُ بن أبي سُفيان .

و عَمْروُ بن مَخزوم .

و أبو المُنْذِر بن أبي رِفاعَة .

و مُنَبَّهُ بن الحجاج السَهِميّ .

و العاص (1)بن مُنَبَّهُ .

و عَلْقَمَةُ بن كَلَدَة .

ص: 71


1- في «م» و «ش» : العاصي و ما في المتن من نسخة «ح» و هو الصحيح كما ورد في السِّيرة النبويّة لابن هشام 371:2، و المغازي للواقدي 152:1، و الكامل لابن الأثير 74:2.

و أبو العاص بن قِيسْ بن عَدِيّ .

و معاويةُ بن المُغِيْرة بن أبي العاص .

و لُوذانُ بن ربيعة .

و عَبْدُالله بن المُنْذِر بن أبي رِفاعَة .

و مسعود بن أُمَيِّة بن المُغِيْرة .

و حاجبُ بن السائب بن عُوَيْمرِ .

و أوسُ بن المُغِيْرة بن لُوْذان .

و زيدُ بن مُلَيص .

و عاصمُ بن أبي عَوف .

و سعيدُ بن وَهْب، وحليف بني عامر .

و معاويةُ بن عامر بن عَبْد القَيسْ .

و عَبْدُالله بن جَميل بن زُهَيْر بن الحارث بن أسَد .

و السائبُ بن مالك .

و أبو الحَكَم بن الأَخْنَس .

و هشام بن أبي أُمَيِّة بن المُغِيْرة .

فذلك خمسة و ثلاثون رجلاً (1)سوى من اخْتلِف فيه أو شَرِك أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فيه غيرُهُ و هم أَكثر من شَطْر المقتَوَلّين

ص: 72


1- في أسماء بعض المقتَوَلّين خلاف في كتب السِّيرة كما في قِيسْ بن الفاكه ففيها أبو قِيسْ.

ببدر على ما قدَّمناه .

في ذِكر التفاصيل حول معركة بدر و دور أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فيها

فصل

فمن مختصر الأَخبار الّتي جاءت بشرح ما أَثبتناهُ، مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثِ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «لَقَدْ حَضَرْنَا بَدْراً وَ مَا فِينَا فَارِسٌ غَيْرُ اَلْمِقْدَادِ بْنِ اَلْأَسْوَدِ، وَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَ مَا فِينَا إِلاَّ مَنْ نَامَ، غَيْرُ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَإِنَّهُ كَانَ مُنْتَصِباً فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَ يَدْعُو حَتَّى اَلصَّبَاحِ» (1) .

وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله - قَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ اَلنَّاسُ يَوْمَ بَدْرٍ، اِصْطَفَّتْ قُرَيْشٌ أَمَامَهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَ أَخُوهُ شَيْبَةُ وَ اِبْنُهُ اَلْوَلِيدُ، فَنَادَى عُتْبَةُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْرِجْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قُرَيْشٍ. فَبَدَرَ (2)إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةٌ مِنْ شُبَّانِ اَلْأَنْصَارِ فَقَالَ: لَهُمْ عُتْبَةُ، مَنْ أَنْتُمْ؟ فَانْتَسَبُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: لاَ حَاجَةَ بِنَا إِلَى مُبَارَزَتِكُمْ ، إِنَّمَا طَلَبْنَا بَنِي عَمِّنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِلْأَنْصَارِ: «اِرْجِعُوا إِلَى

ص: 73


1- تاريخ الطبريّ 426:2، مصباح الأَنّوار:304، إِرْشَاد القلوب:239، و ورد باختلاف يسير في مسند أحمد 125:1، و دلَّائل النُبوّة 49:3، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 279:19 / 17.
2- في هامش «ش» و «م» : فخَرَجَ.

مَوَاقِفِكُمْ ثُمَّ قَالَ: «قُمْ يَا عَلِيُّ قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ، قَاتِلُوا عَلَى حَقِّكُمُ اَلَّذِي بَعَثَ اَللَّهُ بِهِ نَبِيَّكُمْ، إِذْ جَاءُوا بِبَاطِلِهِمْ لِيُطْفِئُوا نُورَ اَللَّهِ» فَقَامُوا فَصَفُّوا لِلْقَوْمِ، وَ كَانَ عَلَيْهِمُ اَلْبَيْضُ فَلَمْ يُعْرَفُوا، فَقَالَ لَهُمْ عُتْبَةُ: تَكَلَّمُوا، فَإِنْ كُنْتُمْ أَكْفَاءَنَا قَاتَلْنَاكُمْ. فَقَالَ حَمْزَةُ: أَنَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اَللَّهِ وَ أَسَدُ رَسُولِهِ فَقَالَ: عُتْبَةُ: كُفْوٌ كَرِيمٌ. وَ قَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ» وَ قَالَ عُبَيْدَةُ: أَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ اَلْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ .

فَقَالَ: عُتْبَةُ لاِبْنِهِ اَلْوَلِيدِ: قُمْ يَا وَلِيدُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ - وَ كَانَا إِذْ ذَاكَ أَصْغَرَيِ اَلْجَمَاعَةِ سِنّاً - فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، أَخْطَأَتْ ضَرْبَةُ اَلْوَلِيدِ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اِتَّقَى بِيَدِهِ اَلْيُسْرَى ضَرْبَةَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَبَانَتْهَا.

فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ بَدْراً وَ قَتْلَهُ اَلْوَلِيدَ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَمِيضِ خَاتَمِهِ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَصَرَعْتُهُ وَ سَلَبْتُهُ، فَرَأَيْتُ بِهِ رَدْعاً (1)مِنْ خَلُوقٍ (2)، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَرِيبُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ».

ثُمَّ بَارَزَ عُتْبَةُ حَمْزَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ، وَ مَشَى عُبَيْدَةُ وَ ك- َانَ أَسَنَّ اَلْقَوْمِ - إِلَى شَيْبَةَ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَأَصَابَ ذُبَابُ سَيْفِ (3)شَيْبَةَ عَضَلَةَ سَاقِ عُبَيْدَةَ فَقَطَعَتْهَا، وَ اِسْتَنْقَذَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ حَمْزَةُ مِنْهُ وَ قَتَلاَ شَيْبَةَ، وَ حُمِلَ عُبَيْدَةُ مِنْ مَكَانِهِ فَمَاتَ بِالصَّفْرَاءِ (4).

ص: 74


1- الردع: اللطخ و الأثر من الطيب. «الصحاح-ردع-1218:3» .
2- الخلوق: نوع من الطيب. «الصحاح-خلق-1472:4» .
3- ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به. «الصحاح-ذبب-126:1» .
4- الصفراء: واد بين مكّة و المدينة. «معجم البلدان 412:3» .

وَ فِي قَتْلِ عُتْبَةَ وَ شَيْبَةَ وَ اَلْوَلِيدِ تَقُولُ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ:

([أَ] يَا عَيْنُ) (1)جُودِي بِدَمْعٍ سَرِبٍ *** عَلَى خَيْرِ خِنْدِفٍ لَمْ يَنْقَلِبْ

تَدَاعَى لَهُ رَهْطُهُ غُدْوَةً *** بَنُو هَاشِمٍ وَ بَنُو اَلْمُطَّلِبِ

يُذِيقُونَهُ حَرَّ (2)أَسْيَافِهِمْ *** يَجُرُّونَهُ (3)بَعْدَ مَا قَدْ شَجِبَ(4) (5) .

وَ رَوَى اَلْحُسَيْنُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ عُمَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: لَقَدْ تَعَجَّبْتُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ جُرْأَةِ اَلْقَوْمِ، وَ قَدْ قَتَلْتُ اَلْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وَ قَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ وَ شَرِكْتُهُ فِي قَتْلِ شَيْبَةَ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيَّ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ فَسَالَتْ عَيْنَاهُ، وَ لَزِمَ اَلْأَرْضَ قَتِيلاً »(6).

وَ رَوَى أَبُو بَكْرٍ اَلْهُذَلِيُّ ، عَنِ اَلزُّهْرِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: مَرَّ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِسَعِيدِ بْنِ اَلْعَاصِ فَقَالَ: اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ نَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَانْطَلَقَا، قَالَ: فَأَمَّا عُثْمَانُ فَصَارَ إِلَى مَجْلِسِهِ اَلَّذِي يَشْتَهِيهِ (7)،وَ أَمَّا أَنَا فَمِلْتُ فِي نَاحِيَةِ اَلْقَوْمِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ عُمَرُ

ص: 75


1- في «ش» و «م» : يا عين، و ما أَثبتناهُ من البحار، و في سيرة ابن هشام: أ عينيّ جودا.
2- في هامش «ش» و «م» : حرّ. و ما أَثبتناهُ من هامشها.
3- في «م» و «ح» و هامش «ش» : يعرّونه.
4- شجب: هلك. «الصحاح-شجب-151:1» .
5- انظر سيرة ابن هشام 40:3، و نَقَله المجلسي في البحار 280:19.
6- إعلام الورى:86، و ذيله في إِرْشَاد القلوب:240، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 280:19.
7- في «ش» و «م» : يشبهه، و ما اثبتناه من «ح» .

وَ قَالَ: مَا لِي أَرَاكَ كَأَنَّ فِي نَفْسِكَ عَلَيَّ شَيْئاً؟ أَ تَظُنُّ أَنِّي قَتَلْتُ أَبَاكَ؟ وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَاتِلَهُ، وَ لَوْ قَتَلْتُهُ لَمْ أَعْتَذِرْ مِنْ قَتْلِ كَافِرٍ،وَ لَكِنِّي مَرَرْتُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ فَرَأَيْتُهُ يَبْحَثُ لِلْقِتَالِ كَمَا يَبْحَثُ اَلثَّوْرُ بِقَرْنِهِ، وَ إِذَا شَدْقَاهُ قَدْ أَزْبَدَا كَالْوَزَغِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ هِبْتُهُ وَ رُغْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا اِبْنَ اَلْخَطَّابِ؟ وَ صَمَدَ لَهُ عَلِيٌّ فَتَنَاوَلَهُ، فَوَ اَللَّهِ مَا رِمْتُ مَكَانِي حَتَّى قَتَلَهُ.

قَالَ: وَ كَانَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ حَاضِراً فِي اَلْمَجْلِسِ فَقَالَ: «اَللَّهُمَّ غَفْراً، ذَهَبَ اَلشِّرْكُ بِمَا فِيهِ، وَ مَحَا اَلْإِسْلاَمُ مَا تَقَدَّمَ فَمَا لَكَ تُهَيِّجُ اَلنَّاسَ!؟» فَكَفَّ عُمَرُ قَالَ سَعِيدٌ: أَمَا إِنَّهُ مَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنْ يَكُونَ قَاتِلُ أَبِي غَيْرَ اِبْنِ عَمِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ أَنْشَأَ اَلْقَوْمُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ (1) .

وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ اَلزُّبَيْرِ : أَنَّ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ أَقْبَلَ يَوْمَ بَدْرٍ نَحْوَ طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ فَشَجَرَهُ بِالرُّمْحِ، وَ قَالَ لَهُ : «وَ اَللَّهِ، لاَ تُخَاصِمُنَا فِي اَللَّهِ بَعْدَ اَلْيَوْمِ أَبَداً » (2) .

وَ رَوَى عَبْدُ اَلرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ اَلزُّهْرِيِّ قَالَ: لَمَّا عَرَفَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حُضُورَ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ بَدْراً قَالَ: «اَللَّهُمَّ اِكْفِنِي نَوْفَلاً» فَلَمَّا اِنْكَشَفَتْ قُرَيْشٌ رَآهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَدْ تَحَيَّرَ لاَ يَدْرِي مَا يَصْنَعُ فَصَمَدَ لَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَنَشِبَ فِي حَجَفَتِهِ (3)فَانْتَزَعَهُ مِنْهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ سَاقَهُ وَ - كَانَتْ دِرْعُهُ مُشَمَّرَةً -

ص: 76


1- مغازي الواقدي 92:1، و شرح النهج لابن أبي الحديد 144:14 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 280:19.
2- شرح النهج الحديدي 145:14، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 281:19.
3- الحجفة: يُقالَ للترس إذا كانَ من جلود ليس فيها خشب و لا عقب. «الصحاح-حجف- 1341:4.

فَقَطَعَهَا، ثُمَّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَلَمَّا عَادَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله سَمِعَهُ يَقُولُ: «مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنَوْفَلٍ؟ فَقَالَ له: أَنَا قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ» فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله وَ قَالَ: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي فِيهِ» (1) .

فصل

و فيما صنعه أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ ببدر، قَالَ أُسَيْدُ بْنُ (أَبِي إِيَاسٍ) (2)يُحَرِّضُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَلَيْهِ:

فِي كُلِّ مَجْمَعِ غَايَةٍ أَخْزَاكُمْ *** جَذَعٌ أَبَرَّ عَلَى اَلْمَذَاكِي اَلْقُرَّحِ (3)

لِلَّهِ دَرُّكُمْ أَ لَمَّا تُنْصِفُوا (4)*** قَدْ يُنْصِفُ (5)اَلْحُرُّ اَلْكَرِيمُ وَ يَسْتَحِي

هَذَا اِبْنُ فَاطِمَةَ اَلَّذِي أَفْنَاكُمْ *** (ذَبْحاً وَ قِتْلَةَ قَعْصَةٍ (6)لَمْ تُذْبَحْ) (7)

ص: 77


1- إِرْشَاد القلوب:240، و نَقَله المجلسي في البحار 281:19، و نحو ه في مغازي الواقدي 91:1، و دلَّائل النُبوّة 94:3، و شرح نهج البلاغة 144:14.
2- في «م» : أبي أَنّاس.
3- الغاية: الرايةُ. «الصحاح-غيا-2451:6» . الجذع: يُقالَ لولد الحافر في السنّة الثالثة. «الصحاح-جذع-1194:3» . و أبرّ: غلب. «القاموس-برر-384:1» . و المذاكي: واحدها مذكّ، و هو من الخَيْلٍ ابن ست سنين أو سبع. «الصحاح -ذكى-2346:6» . و القرّح: واحدها قارح، و هو من الخَيْلٍ ابن خمس سنين. «الصحاح-قرح-395:1» .
4- في «م» و هامش «ش» : تنكروا.
5- في «م» و هامش «ش» : ينكر.
6- القعص: الموت السرّيع. «الصحاح-قعص-1053:3» .
7- في هامش «ح» : ذبحا و يمشي سالما لم يَذُبُّح.

أَعْطُوهُ خَرْجاً وَ اِتَّقُوا بِضَرِيبَةٍ *** فِعْلَ اَلذَّلِيلِ وَ بَيْعَةً لَمْ تُرْبَحْ

أَيْنَ اَلْكُهُولُ وَ أَيْنَ كُلُّ دِعَامَةٍ *** فِي اَلْمُعْضِلاَتِ وَ أَيْنَ زَيْنُ اَلْأَبْطَحِ

أَفْنَاهُمْ قَعْصاً وَ ضَرْباً يَفْتَرِي (1) *** بِالسَّيْفِ يُعْمِلُ حَدَّهُ لَمْ يَصْفَحْ (2)(3).

جهاد أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في معركة أحدٌ

اشارة

فصل في ذِكر غَزاة أُحُد

ثُّمّ تلت بَدراً غَزاةُ أُحُد، فكانَت رايةُ رسول الله صلّی الله علیه و آله بيد أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فيها، كما كانت بيده يومَ بدر، فصار اللِواءُ إليه يومئذ ففاز بالرايةُ و اللِواء جميعاً، و كانَ الفَتْحُُ له في هذه الغَزاة كما كانَ له ببدر - سواء - و اختَصَّ بحسن البلاء فيها و الصَبر، و ثبوت القدم عند ما زلت من غيرُهُ الأقدامُ، و كانَ له من الغَناء عن رسول الله صلّی الله علیه و آله ما لم يكن لسواه من أهلُ الإسلام، و قَتَل الله بسيفه رُؤُوسَ أهلُ الشرك و الضَلال، و فرّج الله به الكَرْبَ عن نبيُّه عَلَیْهِ السَّلامُ، و خَطَبَ بفضله في ذلكَ المقامُ جبرئيلُ عَلَیْهِ السَّلامُ في ملائكة الأَرض و السماء، و أَبانَ نبيُّ الهدى عَلَیْهِ السَّلامُ من اختَصَّاصه به ما كانَ مستورا عن عامّة النّاس.

فمن ذلكَ مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي اَلْحَسَنُ بْنُ مُوسَى

ص: 78


1- يفتري: يقطع. «الصحاح-فرا-2454:6» .
2- الصفح: الضرب بعرض السيف لا بحده. «انظر الصحاح-صفح-383:1» .
3- الفصول المختارة:236، مناقب آل أبي طالب 121:3، أسَد الغابة 20:4، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 282:19 / 19.

بْنِ رَبَاحٍ (1) - مَوْلَى اَلْأَنْصَارِ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اَلْبَخْتَرِيِّ اَلْقُرَشِيُّ قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ قُرَيْشٍ وَ لِوَاؤُهَا جَمِيعاً بِيَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلاَبٍ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ اَلرَّايَةُ فِي يَدِ وُلْدِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ يَحْمِلُهَا مِنْهُمْ مَنْ حَضَرَ اَلْحَرْبَ، حَتَّى بَعَثَ اَللَّهُ رَسُولَهُ صلّی الله علیه و آله فَصَارَتْ رَايَةُ قُرَيْشٍ وَ غَيْرُ ذَلِكَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَأَقَرَّهَا فِي بَنِي هَاشِمٍ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي غَزَاةِ وَدَّانَ (2)وَ هِيَ أَوَّلُ غَزَاةٍ حُمِلَ (3)فِيهَا رَايَةٌ فِي اَلْإِسْلاَمِ مَعَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله ثُمَّ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ فِي اَلْمَشَاهِدِ، بِبَدْرٍ وَ هِيَ اَلْبَطْشَةُ اَلْكُبْرَى، وَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ وَ كَانَ اَللِّوَاءُ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي عَبْدِ اَلدَّارِ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَاسْتُشْهِدَ وَ وَقَعَ اَللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ فَتَشَوَّفَتْهُ اَلقَبَائِلُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَدَفَعَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَجُمِعَ لَهُ يَوْمَئِذٍ اَلرَّايَةُ وَ اَللِّوَاءُ، فَهُمَا إِلَى اَلْيَوْمِ فِي بَنِي هَاشِمٍ (4) .

"وَ قَدْ رَوَى اَلْمُفَضَّلُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ أَرْبَعٌ مَا هُنَّ لِأَحَدٍ: هُوَ أَوَّلُ عَرَبِيٍّ وَ عَجَمِيٍّ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله. وَ هُوَ صَاحِبُ لِوَائِهِ فِي كُلِّ زَحْفٍ وَ هُوَ اَلَّذِي ثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ اَلْمِهْرَاسِ (5)

ص: 79


1- في «ش» و «ح» : رياح و ما اثبتناه من «م» .
2- ودّان: موضع بين مكّة و المدينة. سميت الغَزوة به. «معجم البلدان 365:5» .
3- في «م» و هامش «ش» : حملت.
4- مناقب ابن شهرآشوب 299:3، كفاية الطالب:335، إعلام الورى:193، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 80:20.
5- المهراس: ماء بجبل أحدٌ. «معجم البلدان 232:5» .

يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - وَ فَرَّ اَلنَّاسُ - وَ هُوَ اَلَّذِي أَدْخَلَهُ قَبْرَهُ (1) .

وَ رَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ اَلْجُهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا: اَلْحِمَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: وَجَدْنَا مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - يَوْماً - طِيبَ نَفْسٍ فَقُلْنَا لَهُ: لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ وَ كَيْفَ كَانَ؟

فَقَالَ: أَجَلْ - ثُمَّ سَاقَ اَلْحَدِيثَ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى ذِكْرِ اَلْحَرْبِ - فَقَالَ: قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «اُخْرُجُوا إِلَيْهِمْ عَلَى اِسْمِ اَللَّهِ» فَخَرَجْنَا فَصَفَفْنَا لَهُمْ صَفّاً طَوِيلاً ، وَ أَقَامَ عَلَى اَلشِّعْبِ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنَ اَلْأَنْصَارِ، وَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً مِنْهُمْ، وَ قَالَ: «لاَ تَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِكُمْ هَذَا وَ إِنْ قُتِلْنَا عَنْ آخِرِنَا، فَإِنَّمَا نُؤْتَى مِنْ مَوْضِعِكُمْ هَذَا» قَالَ: وَ اَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِإِزَائِهِمْ خَالِدَ بْنَ اَلْوَلِيدِ، وَ كَانَتِ اَلْأَلْوِيَةُ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ بَنِي عَبْدِ اَلدَّارِ، وَ كَانَ لِوَاءُ اَلْمُشْرِكِينَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَ كَانَ يُدْعَى كَبْشَ اَلْكَتِيبَةِ.

قَالَ: وَ دَفَعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِوَاءَ اَلْمُهَاجِرِينَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ تَحْتَ لِوَاءِ اَلْأَنْصَارِ.

قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَصْحَابِ اَللِّوَاءِ فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ اَلْأَلْوِيَةِ، إِنَّكُمْ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّمَا يُؤْتَى اَلْقَوْمُ مِنْ قِبَلِ أَلْوِيَتِهِمْ، وَ إِنَّمَا أُتِيتُمْ

ص: 80


1- المستدرك على الصحيحين 111:3، الاستيعاب 27:3، شرح نهج البلاغة 116:4، كفاية الطالب:336، و ذكره الصدوق في الخَصَّال 210:1 / 33 باختلاف يسير، و نَقَله المجلسي في البحار 81:20.

يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قِبَلِ أَلْوِيَتِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ قَدْ ضَعُفْتُمْ عَنْهَا فَادْفَعُوهَا إِلَيْنَا نَكْفِكُمُوهَا.

قَالَ: فَغَضِبَ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَ قَالَ: أَ لَنَا تَقُولُ هَذَا؟ وَ اَللَّهِ لَأُورِدَنَّكُمْ بِهَا اَلْيَوْمَ حِيَاضَ اَلْمَوْتِ. قَالَ: وَ كَانَ طَلْحَةُ يُسَمَّى كَبْشَ اَلْكَتِيبَةِ .

قَالَ: فَتَقَدَّمَ وَ تَقَدَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ عَلِيٌّ : «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ: أَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَا كَبْشُ اَلْكَتِيبَةِ قَالَ: فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ» بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ ثُمَّ تَقَارَبَا فَاخْتَلَفَتْ بَيْنَهُمَا ضَرْبَتَانِ فَضَرَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ ضَرْبَةً عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَبَدَرَتْ عَيْنَاهُ وَ صَاحَ صَيْحَةً لَمْ يُسْمَعْ مِثْلُهَا قَطُّ وَ سَقَطَ اَللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ مُصْعَبٌ، فَرَمَاهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اَللِّوَاءَ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ عُثْمَانُ، فَرَمَاهُ عَاصِمٌ - أَيْضاً- فَقَتَلَهُ، فَأَخَذَهُ عَبْدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ صُؤَابٌ - وَ كَانَ مِنْ أَشَدِّ اَلنَّاسِ - فَضَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَأَخَذَ اَللِّوَاءَ بِيَدِهِ اَلْيُسْرَى فَضَرَبَهُ (1)عَلَى يَدِهِ فَقَطَعَهَا فَأَخَذَ اَللِّوَاءَ عَلَى صَدْرِهِ وَ جَمَعَ يَدَيْهِ وَ هُمَا مَقْطُوعَتَانِ عَلَيْهِ، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَسَقَطَ صَرِيعاً فَانْهَزَمَ اَلْقَوْمُ، وَ أَكَبَّ اَلْمُسْلِمُونَ عَلَى اَلْغَنَائِمِ.

وَ لَمَّا رَأَى أَصْحَابُ اَلشِّعْبِ اَلنَّاسَ يَغْنِمُونَ (2)قَالُوا: يَذْهَبُ هَؤُلاَءِ بِالْغَنَائِمِ وَ نَبْقِي نَحْنُ؟! فَقَالُوا لِعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، اَلَّذِي كَانَ رَئِيساً

ص: 81


1- في «م» و هامش «ش» : فضرب.
2- في «م» و هامش «ش» : يغتنمون.

عَلَيْهِمْ نُرِيدُ أَنْ نَغْنِمَ كَمَا غَنَمَ اَلنَّاسُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَمَرَنِي أَنْ لاَ أَبْرَحَ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا وَ هُوَ لاَ يَدْرِي أَنَّ اَلْأَمْرَ يَبْلُغُ إِلَى مَا تَرَى، وَ مَالُوا إِلَى اَلْغَنَائِمِ وَ تَرَكُوهُ، وَ لَمْ يَبْرَحْ هُوَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ وَلِيدٍ فَقَتَلَهُ.

وَ جَاءَ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يُرِيدُهُ، فَنَظَرَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فِي حَفٍّ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: لِمَنْ مَعَهُ: دُونَكُمْ هَذَا اَلَّذِي تَطْلُبُونَ، فَشَأْنَكُمْ، بِهِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ضَرْباً بِالسُّيُوفِ وَ طَعْناً بِالرِّمَاحِ وَ رَمْياً بِالنَّبْلِ وَ رَضْخاً بِالْحِجَارَةِ، وَ جَعَلَ أَصْحَابُ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله يُقَاتِلُونَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلاً ،وَ ثَبَتَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ أَبُو دُجَانَةَ اَلْأَنْصَارِيُّ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ لِلْقَوْمِ يَدْفَعُونَ عَنِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ كَثُرَ عَلَيْهِمُ اَلْمُشْرِكُونَ، فَفَتَحَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ - وَ قَدْ كَانَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِمَّا نَالَهُ - فَقَالَ: «يَا عَلِيُّ ، مَا فَعَلَ اَلنَّاسُ؟ قَالَ: نَقَضُوا اَلْعَهْدَ وَ وَلَّوُا اَلدُّبُرَ، فَقَالَ لَهُ : فَاكْفِنِي هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ قَدْ قَصَدُوا قَصْدِي» فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَكَشَفَهُمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ - وَ قَدْ حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى- فَكَرَّ عَلَيْهِمْ فَكَشَفَهُمْ، وَ أَبُو دُجَانَةَ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ قَائِمَانِ عَلَى رَأْسِهِ، بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَيْفُهُ لِيَذُبَّ عَنْهُ.

وَ ثَابَ إِلَيْه ِ مِنْ أَصْحَابِهِ اَلْمُنْهَزِمِينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلاً مِنْهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اَللَّهِ وَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ. وَ صَعِدَ اَلْبَاقُونَ اَلْجَبَلَ، وَ صَاحَ صَائِحٌ بِالْمَدِينَةِ: قُتِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ،فَانْخَلَعَتِ اَلْقُلُوبُ لِذَلِكَ، وَ تَحَيَّرَ اَلْمُنْهَزِمُونَ فَأَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالاً.

ص: 82

وَ كَانَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ جَعَلَتْ لِوَحْشِيٍّ جُعْلاً عَلَى أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَوْ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوْ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهَا: أَمَّا مُحَمَّدٌ فَلاَ حِيلَةَ لِي فِيهِ، لِأَنَّ أَصْحَابَهُ (يُطِيفُونَ بِهِ)، وَ أَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّهُ إِذَا قَاتَلَ كَانَ أَحْذَرَ مِنَ اَلذِّئْبِ، وَ أَمَّا حَمْزَةُ فَإِنِّي أَطْمَعُ فِيهِ، لِأَنَّهُ إِذَا غَضِبَ لَمْ يُبْصِرْ بَيْنَ يَدَيْهِ.

وَ كَانَ حَمْزَةُ - يَوْمَئِذٍ - قَدْ أَعْلَمَ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ فِي صَدْرِهِ، فَكَمَنَ لَهُ وَحْشِيٌّ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ، فَرَآهُ حَمْزَةُ فَبَدَرَ إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَخْطَأَتْ رَأْسَهُ، قَالَ وَحْشِيٌّ : وَ هَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتَّى إِذَا تَمَكَّنْتُ مِنْهُ رَمَيْتُهُ، فَأَصَبْتُهُ فِي أُرْبِيَّتِهِ (1)فَأَنْفَذْتُهُ وَ تَرَكْتُهُ حَتَّى إِذَا بَرَدَ صِرْتُ إِلَيْهِ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، وَ شُغِلَ عَنِّي وَ عَنْهُ اَلْمُسْلِمُونَ بِهَزِيمَتِهِمْ.

وَ جَاءَتْ هِنْدٌ فَأَمَرَتْ بِشَقِّ بَطْنِ حَمْزَةَ وَ قَطْعِ كَبِدِهِ وَ اَلتَّمْثِيلِ بِهِ، فَجَدَعُوا أَنْفَهُ وَ أُذُنَيْهِ وَ مَثَّلُوا بِهِ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَشْغُولٌ عَنْهُ لاَ يَعْلَمُ بِمَا اِنْتَهَى إِلَيْهِ اَلْأَمْرُ.

قَالَ اَلرَّاوِي لِلْحَدِيثِ -وَ هُوَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ - قُلْتُ لاِبْنِ مَسْعُودٍ: اِنْهَزَمَ اَلنَّاسُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلاَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ أَبُو دُجَانَةَ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ؟!

قَالَ: اِنْهَزَمَ اَلنَّاسُ إِلاَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَحْدَهُ وَ ثَابَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله نَفَرٌ ، وَ كَانَ أَوَّلَهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَ أَبُو دُجَانَةَ وَ سَهْلُ

ص: 83


1- في هامش «ش» : ثنّته و كلاهما مَعْنى واحد، و هي ما بين السرّة و العانَة. «الصحاح. ثنن-5: 209» .

ابْنُ حُنَيْفٍ وَ لَحِقَهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اَللَّهِ .

فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ؟!

قَالَ: كَانَا مِمَّنْ تَنَحَّى.

قَالَ: قُلْتُ فَأَيْنَ كَانَ عُثْمَانُ؟!

قَالَ: جَاءَ بَعْدَ ثَلاَثَةٍ مِنَ اَلْوَقْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «لَقَدْ ذَهَبْتَ فِيهَا عَرِيضَةً» (1).

قَالَ، فَقُلْتُ لَهُ: فَأَيْنَ كُنْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ مِمَّنْ تَنَحَّى.

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ فَمَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟

قَالَ: عَاصِمٌ وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ .

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ثُبُوتَ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي ذَلِكَ اَلْمَقَامِ لَعَجَبٌ.

فَقَالَ: إِنْ تَعَجَّبْتَ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَعَجَّبَتْ مِنْهُ اَلْمَلاَئِكَةُ، أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ جَبْرَئِيلَ قَالَ: فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ - وَ هُوَ يَعْرُجُ إِلَى اَلسَّمَاءِ - لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ .

فَقُلْتُ لَهُ: فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ جَبْرَئِيلَ؟

فَقَالَ: سَمِعَ اَلنَّاسُ صَائِحاً يَصِيحُ فِي اَلسَّمَاءِ بِذَلِكَ، فَسَأَلُوا اَلنَّبِيَّ

ص: 84


1- كناية عن هزيمته الّتي ابعد فيها-زمانا و مكانا-عن محل الواقعة.

صلّی الله علیه و آله عَنْهُ فَقَالَ: «ذَاكَ جَبْرَئِيلُ» (1) .

وَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ اَلنَّاسُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي يَوْمِ أُحُدٍ، جَاءَ عَلِيٌّ مُتَقَلِّداً سَيْفَهُ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : «مَا لَكَ لَمْ تَفِرَّ مَعَ اَلنَّاسِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَ أَرْجِعُ كَافِراً بَعْدَ إِسْلاَمِي!» فَأَشَارَ لَهُ إِلَى قَوْمٍ اِنْحَدَرُوا مِنَ اَلْجَبَلِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ أَشَارَ لَهُ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ فَجَاءَ جَبْرَئِيلُ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَقَدْ عَجِبَتِ اَلْمَلاَئِكَةُ (وَ عَجِبْنَا مَعَهُمْ) (2)مِنْ حُسْنِ مُوَاسَاةِ عَلِيٍّ لَكَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «وَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ هَذَا وَ هُوَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ» فَقَالَ: جَبْرَئِيلُ عَلَیْهِ السَّلامُ: وَ أَنَا مِنْكُمَا (3) .

وَ رَوَى اَلْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ (4)عَنِ اَلسُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهِ : أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ خَرَجَ يَوْمَئِذٍ فَوَقَف َ بَيْنَ

ص: 85


1- نقلت فقرات من الواقعة في مصباح الأَنّوار:314، إعلام الورى:193، إِرْشَاد القلوب: 241، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 81:20 - 85.
2- في هامش «ش» و «م» : عجبنا معها.
3- ذكره بسند آخر الطبريّ في تاريخه 514:2، و ابن شهرآشوب في المناقب 124:3، و قطع منه في مجمع الزوائد 114:6، و شرح النهج250/14،261:13 ، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 85:20.
4- ، ضبط كلمة ظهير في «ش» و «م» مصغرا (بضم الظاء) و لكن في هامشهما: ظهير مكبرا (بفتح الظاء) . و هامش آخر في «ش» : كانَ الاسم مصغرا [في]نسخة الشيخ [رضي]اللّه عَنْهُ، و في هامش آخر في «ش» و «م» : و المعروف عند أصحّابَ الحديثٌ مصغرا. و ضبط الكلمة بالتصغير في تقريب التهذيب 191:1.

اَلصَّفَّيْنِ، فَنَادَى: يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُعَجِّلُنَا بِسُيُوفِكُمْ إِلَى اَلنَّارِ، وَ يُعَجِّلُكُمْ بِسُيُوفِنَا إِلَى اَلْجَنَّةِ، فَأَيُّكُمْ يَبْرُزُ إِلَيَّ ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «وَ اَللَّهِ لاَ أُفَارِقُكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى أُعَجِّلَكَ بِسَيْفِي إِلَى اَلنَّارِ» فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رِجْلَيْهِ فَقَطَعَهُمَا، وَ سَقَطَ فَانْكَشَفَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اَللَّهَ - يَا اِبْنَ عَمِّ - وَ اَلرَّحِمَ . فَانْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى مَوْقِفِهِ فَقَالَ لَهُ : اَلْمُسْلِمُونَ (أَ لاَ أَجَزْتَ) (1)عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: «نَاشَدَنِيَ اَللَّهَ وَ اَلرَّحِمَ، وَ وَ اَللَّهِ لاَ عَاشَ بَعْدَهَا أَبَداً » فَمَاتَ طَلْحَةُ فِي مَكَانِهِ ، وَ بُشِّرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله بِذَلِكَ فَسُرَّ بِهِ وَ قَالَ: «هَذَا كَبْشُ اَلْكَتِيبَةِ» (2) .

وَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: لَمَّا اِنْهَزَمَ اَلنَّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لَحِقَنِي مِنَ اَلْجَزَعِ عَلَيْهِ مَا لَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي، وَ كُنْتُ أَمَامَهُ أَضْرِبُ بِسَيْفِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَجَعْتُ أَطْلُبُهُ فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ: مَا كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ لِيَفِرَّ، وَ مَا رَأَيْتُهُ فِي اَلْقَتْلَى، وَ أَظُنُّهُ رُفِعَ مِنْ بَيْنِنَا إِلَى اَلسَّمَاءِ، فَكَسَرْتُ جَفْنَ سَيْفِي وَ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَأُقَاتِلَنَّ بِهِ عَنْهُ حَتَّى أُقْتَلَ، وَ حَمَلْتُ عَلَى اَلْقَوْمِ فَأَفْرَجُوا فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله قَدْ وَقَعَ عَلَى اَلْأَرْضِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فَقُمْتُ: عَلَى رَأْسِهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ: مَا صَنَعَ اَلنَّاسُ يَا عَلِيُّ ؟ فَقُلْتُ كَفَرُوا - يَا رَسُولَ اَللَّهِ - وَ وَلَّوُا اَلدُّبُرَ

ص: 86


1- في «ش» و «م» : اجزت، و هي لغة في اجهزت، فكلاهما بمعنى واحد، و ما أَثبتناهُ من هامشهما.
2- ورد في الفصول المهمة:57، و باختلاف يسير في تاريخ الطبريّ 509:2، تفسير القمّيّ 1: 112، مناقب آل أبي طالب 123:3، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 86:20.

(مِنَ اَلْعَدُوِّ) (1)وَ أَسْلَمُوكَ. فَنَظَرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى كَتِيبَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: رُدَّ عَنِّي يَا عَلِيُّ هَذِهِ اَلْكَتِيبَةَ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهَا بِسَيْفِي أَضْرِبُهَا يَمِيناً وَ شِمَالاً حَتَّى وَلَّوُا اَلْأَدْبَارَ. فَقَالَ لِيَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: أَ مَا تَسْمَعُ يَا عَلِيُّ مَدِيحَكَ فِي اَلسَّمَاءِ، إِنَّ مَلَكاً يُقَالُ لَهُ رِضْوَانُ يُنَادِي: لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ فَبَكَيْتُ سُرُوراً، وَ حَمِدْتُ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ» (2) .

وَ قَدْ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ علیهما السلام، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ، نَادَى مَلَكٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ: لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ ، وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ »(3) .

وَ رَوَى مِثْلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَصْحَابَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُونَ: نَادَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ: لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو اَلْفَقَارِ، وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ (4) .

ص: 87


1- في هامش «ش» و «م» : من العدد.
2- إعلام الورى:194، إِرْشَاد القلوب:242، و قطع منه في مناقب آل أبي طالب 124:2، أسَد الغابة 21:4، إحقاق الحَقَّّ 83:18 عن تاريخ الخميس، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 86:20.
3- رواه الصدوق في أماليه:167 / ذ ح 10، و معانّيَ الأَخبار:119 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 86:20.
4- تاريخ الطبريّ 514:2، و الأغاني لابي الفرج الأصفهانيّ 192:15، و مناقب ابن المغازلي: 197 / 234، شرح النهج الحديدي 251:14 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 86:20.

وَ رَوَى سَلاَّمُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ مَقَامَ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ يَوْمَ أُحُدٍ، لَوَجَدْتَهُ قَائِماً عَلَى مَيْمَنَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَذُبُّ عَنْهُ بِالسَّيْفِ، وَ قَدْ وَلَّى غَيْرَهُ اَلْأَدْبَارَ (1) .

وَ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَمِيلُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «كَانَ أَصْحَابُ اَللِّوَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ تِسْعَةً، قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ عَنْ آخِرِهِمْ، وَ اِنْهَزَمَ اَلْقَوْمُ، وَ طَارَتْ مَخْزُومٌ مُنْذُ فَضَحَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: وَ بَارَزَ عَلِيٌّ اَلْحَكَمَ بْنَ اَلْأَخْنَسِ، فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ مِنْ نِصْفِ اَلْفَخِذِ فَهَلَكَ مِنْهَا. (2)

وَ لَمَّا جَالَ اَلْمُسْلِمُونَ تِلْكَ اَلْجَوْلَةَ، أَقْبَلَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ - وَ هُوَ دَارِعٌ - وَ هُوَ يَقُولُ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، فَعَرَضَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ أُمَيَّةُ، وَ صَمَدَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى هَامَتِهِ فَنَشِبَ فِي بَيْضَةِ مِغْفَرِهِ، وَ ضَرَبَ أُمَيَّةُ بِسَيْفِهِ فَاتَّقَاهَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِدَرَقَتِه ِ فَنَشِبَ فِيهَا، وَ نَزَعَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ سَيْفَهُ مِنْ مِغْفَرِهِ، وَ خَلَصَ أُمَيَّةُ سَيْفَهُ مِنْ دَرَقَتِهِ أَيْضاً ثُمَّ تَنَاوَشَا، فَقَالَ: عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «فَنَظَرْتُ إِلَى فَتْقٍ تَحْتَ إِبْطِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فِيهِ فَقَتَلْتُهُ، وَ اِنْصَرَفْتُ عَنْهُ» (3) .

ص: 88


1- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 87:20.
2- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 87:20، و ذِكر ذيله الواقدي في مغازيه 283:1.
3- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 87:20.

وَ لَمَّا اِنْهَزَمَ اَلنَّاسُ عَنِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَ ثَبَتَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ : «مَا لَكَ لاَ تَذْهَبُ مَعَ اَلْقَوْمِ؟ فَقَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: أَذْهَبُ وَ أَدَعُكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، وَ اَللَّهِ لاَ بَرِحْتُ حَتَّى أُقْتَلَ، أَوْ يُنْجِزَ اَللَّهُ لَكَ مَا وَعَدَكَ مِنَ اَلنَّصْرِ.فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله «أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّ اَللَّهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَ لَنْ يَنَالُوا مِنَّا مِثْلَهَا أَبَداً»

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى كَتِيبَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : «لَوْ حَمَلْتَ عَلَى هَذِهِ يَا عَلِيُّ » فَحَمَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَتَلَ مِنْهَا هِشَامَ بْنَ أُمَيَّةَ اَلْمَخْزُومِيَّ وَ اِنْهَزَمَ اَلْقَوْمُ.

ثُمَّ أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «اِحْمِلْ عَلَى هَذِهِ» فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَقَتَلَ مِنْهَا عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْجُمَحِيَّ ، وَ اِنْهَزَمَتْ أَيْضاً.

ثُمَّ أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ أُخْرَى، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «اِحْمِلْ عَلَى هَذِهِ» فَحَمَلَ عَلَيْهَا فَقَتَلَ مِنْهَا بِشْرَ بْنَ مَالِكٍ اَلْعَامِرِيَّ، وَ اِنْهَزَمَتِ اَلْكَتِيبَةُ، فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.

وَ تَرَاجَعَ اَلْمُنْهَزِمُونَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ اِنْصَرَفَ اَلْمُشْرِكُونَ إِلَى مَكَّةَ، وَ اِنْصَرَفَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى اَلْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ فَاطِمَةُ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ بِهِ وَجْهَهُ، وَ لَحِقَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَدْ خَضَبَ اَلدَّمُ يَدَهُ إِلَى كَتِفِهِ وَ مَعَهُ ذُو اَلْفَقَارِ فَنَاوَلَهُ فَاطِمَةَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَ لَهَا: «خُذِي هَذَا اَلسَّيْفَ فَقَدْ صَدَقَنِي اَلْيَوْمَ»

وَ أَنْشَأَ يَقُولُ:

ص: 89

أَ فَاطِمُ هَاكِ اَلسَّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمٍ *** فَلَسْتُ بِرِعْدِيدٍ وَ لاَ بِمَلِيمٍ (1)

لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْذَرْتُ فِي نَصْرِ أَحْمَدَ *** وَ طَاعَةِ رَبٍّ بِالْعِبَادِ عَلِيمٍ (2)

أَمِيطِي دِمَاءَ اَلْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنَّهُ *** سَقَى آلَ عَبْدِ اَلدَّارِ كَأْسَ حَمِيمٍ

وَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «خُذِيهِ يَا فَاطِمَةُ، فَقَدْ أَدَّى بَعْلُكِ مَا عَلَيْهِ، وَ قَدْ قَتَلَ اَللَّهُ بِسَيْفِهِ صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ» (3) .

في تسمية من قَتْلُه أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ يوم أحدٌ

فصل

و قد ذِكر أهلُ السير (4)قَتَلى أحدٌ من المشركين، فكانَ جمهورهم قَتَلى أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ .

فَرَوَى عَبْدُ اَلْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ (5)عَنْ

ص: 90


1- الرعَدِيّد: الجبان. «الصحاح - رعد - 475:2» . و في هامش «م» و «ح» : بلئيم.
2- في هامش «ش» : رحيم.
3- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 87:20. انظر قطعا منه في تاريخ الطبريّ 514:2 و 533، مناقب ابن شهرآشوب 124:3، إعلام الورى:194.
4- في «ش» : السِّيرة.
5- في «ش» : زياد بن عُبَيد اللّه، و ما أَثبتناهُ من «م» و «ح» : هو الصواب، و هو زياد بن عَبْد اللّه ابن الطفيل، أبو محمّد البكائي الكرخي، سمع المغازي من محمّد بن إسحاق مات سنة 133 أو 132. انظر ترجمته في: سؤالات ابن الجنِّيد:405 / 557، الجرح و التعَدِيّل 537:3، تاريخ بغداد 476:8، تهذيب الكمال 485:9 و هامشه، و زياد بن عَبْد اللّه هو الواسطة بين ابن هشام و ابن إسحاق كما صرّح به في كتب الرجال.

مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ صَاحِبُ لِوَاءِ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اَلْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اَلدَّارِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ قَتَلَ اِبْنَهُ أَبَا سَعِيدِ بْنَ طَلْحَةَ، وَ قَتَلَ أَخَاهُ كَلْدَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ، وَ قَتَلَ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ اَلْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اَلْعُزَّى، وَ قَتَلَ أَبَا اَلْحَكَمِ بْنَ اَلْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ اَلثَّقَفِيَّ ، وَ قَتَلَ اَلْوَلِيدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ، وَ قَتَلَ أَخَاهُ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ، وَ قَتَلَ أَرْطَاةَ بْنَ شُرَحْبِيلَ، وَ قَتَلَ هِشَامَ بْنَ أُمَيَّةَ، وَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْجُمَحِيَّ ، وَ بِشْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَ قَتَلَ صُؤَاباً مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اَلدَّارِ، فَكَانَ اَلْفَتْحُ لَهُ، وَ رُجُوعُ اَلنَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله بِمَقَامِهِ يَذُبُّ عَنْهُ دُونَهُمْ.

وَ تَوَجَّهَ اَلْعِتَابُ مِنَ اَللَّهِ تَعَالَى إِلَى كَافَّتِهِمْ، لِهَزِيمَتِهِمْ - يَوْمَئِذٍ- سِوَاهُ وَ مَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ اَلْأَنْصَارِ، وَ كَانُوا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ وَ قِيلَ: أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً .

و في قَتْلُه عَلَیْهِ السَّلامُ من قَتَل يوم أحدٌ، و عنائه في الحرب، و حسن بلائه، يقولُ الحجاج بن علاط السلمي:

للّه أيُّ مُذَبِّب عن حِزبه (1)*** أعني ابنَ فاطمة ( المُعَمّ المُخْولا ) (2)

جادت يداك له بعاجل طَعنة *** تَرَكَتْ طليحةَ للجَبين مجّدَلا

و شدّ دت شدّةِ باسل فكشفتهم *** بالسَفح (3)إذ يَهوون أسفل أسفلا (4)

ص: 91


1- في هامش «م» : حرمة.
2- المعم المخول: الكثير الأعمام و الاخوال و الكريمهم. «الصحاح - خول - 1992:5» .
3- في «م» و هامش «ش» و «ح» : بالسيف.
4- في هامش «ش» و «م» : أخول أخولا. و المعنى: يُقالَ ذهب القَوْم. أخول أخول، إذا تفرقوا شتّى. «الصحاح - خول - 691:4» .

و عللت سيفك بالدماء و لم تكن *** لتردّه حرّان حتّى ينهلا (1)(2)

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في معركة بني النضير

فصل

وَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِلَى بَنِي اَلنَّضِيرِ ،عَمِلَ عَلَى حِصَارِهِمْ، فَضَرَبَ قُبَّتَهُ فِي أَقْصَى بَنِي حَطْمَةَ (3)مِنَ اَلْبَطْحَاءِ .

فَلَمَّا أَقْبَلَ اَللَّيْلُ رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي اَلنَّضِيرِ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ اَلْقُبَّةَ، فَأَمَرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله أَنْ تُحَوَّلَ قُبَّتُهُ إِلَى اَلسَّفْحِ (4)وَ أَحَاطَ بِهِ اَلْمُهَاجِرُونَ وَ اَلْأَنْصَارُ .

فَلَمَّا اِخْتَلَطَ اَلظَّلاَمُ فَقَدُوا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَقَالَ: اَلنَّاسُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لاَ نَرَى عَلِيّاً؟ فَقَالَ: عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَرَاهُ فِي بَعْضِ مَا يُصْلِحُ شَأْنَكُمْ» فَلَمْ يَلْبَثْ (5)أَنْ جَاءَ بِرَأْسِ اَلْيَهُودِيِّ اَلَّذِي رَمَى اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله، وَ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَزُورَا (6)، فَطَرَحَهُ بَيْنَ يَدَيِ اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ .

ص: 92


1- عللت، ينهلا، قالَ الاصمعي: إذا وردت الإبل الماء فالسقية الأوّلَى النهل و الثانية العلل. «لسان العرب - علل - 468:11» .
2- كَشَفَ الغمّة 196:1، و ذِكر ذيله ابن هشام في السِّيرة النبويّة 159:3، و نَقَله العلامة المجلسي في البحار 89:20.
3- في هامش «ش» و «م» : حطمة من الأَنّصار بنو عَبْد اللّه بن مالك بن أوس.
4- في هامش «ش» و «م» بعده: فحولت قبته الى الفسيح.
5- في هامش «ش» و «م» : ينشب.
6- في هامش «ش» و «م» : عرزوا.

فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «كَيْفَ صَنَعْتَ؟» فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ هَذَا اَلْخَبِيثَ جَرِيئاً شُجَاعاً، فَكَمَنْتُ لَهُ وَ قُلْتُ مَا أَجْرَأَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِذَا اِخْتَلَطَ اَلظَّلاَمُ (1)، يَطْلُبُ مِنَّا غِرَّةً، فَأَقْبَلَ مُصْلِتاً سَيْفَهُ فِي تِسْعَةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اَلْيَهُودِ، فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ، وَ أَفْلَتَ أَصْحَابُهُ، وَ لَمْ يَبْرَحُوا قَرِيباً (2)، فَابْعَثْ مَعِي نَفَراً فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَظْفَرَ بِهِمْ».

فَبَعَثَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَعَهُ عَشَرَةً فِيهِمْ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، وَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَأَدْرَكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَلِجُوا (3)اَلْحِصْنَ، فَقَتَلُوهُمْ وَ جَاءُوا بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَأَمَرَ أَنْ تُطْرَحَ فِي بَعْضِ آبَارِ بَنِي حَطْمَةَ.

وَ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ فَتْحِ حُصُونِ بَنِي اَلنَّضِيرِ .

وَ فِي تِلْكَ اَللَّيْلَةِ قُتِلَ كَعْبُ بْنُ اَلْأَشْرَفِ، وَ اِصْطَفَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَمْوَالَ بَنِي اَلنَّضِيرِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ صَافِيَةٍ قَسَمَهَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بَيْنَ اَلْمُهَاجِرِينَ اَلْأَوَّلِينَ.

وَ أَمَرَ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ فَحَازَ مَا لِرَسُولِ اَللَّهِ مِنْهَا فَجَعَلَهُ صَدَقَةً، فَكَانَ فِي يَدِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ فِي يَدِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بَعْدَهُ، وَ هُوَ فِي وُلْدِ فَاطِمَةَ حَتَّى اَلْيَوْمِ .

و فيما كانَ من أمر أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في هذه الغَزاة، و قَتْلُه

ص: 93


1- في هامش «ش» و «م» : الليل.
2- في هامش «ش» و «م» : قليلا.
3- في «م» و هامش «ش» : يلَحِقَوا.

اليهوديَ و مجيئه إِلَى النبيُّ صلّی الله علیه و آله برءوس التسعة النَفَر، يقولُ حَسّان بن ثابت:

لله أي كريهةٍ (1)أبليتها *** ببني قُرَيظة و النفوس تَطَلَّع

أردى رَئيسهُم و آبَ بتسعة *** طَوْرا يَشْلُّهم (2)و طوراَ يَدْفَع

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في معركة الأحزاب

فصل

و كانت غَزاة الأحزاب بعد بني النضير .

وَ ذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ اَلْيَهُودِ مِنْهُمْ سَلاَّمُ بْنُ أَبِي اَلْحَقِيقِ اَلنَّضْرِيُّ، وَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَ كِنَانَةُ بْنُ اَلرَّبِيعِ، وَ هَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ اَلْوَالِبِيُّ ، وَ أَبُو عُمَارَةَ اَلْوَالِبِيُّ (3)- فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي وَالِبَةَ - خَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَصَارُوا إِلَى أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ، لِعِلْمِهِمْ بِعَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ تَسَرُّعِهِ إِلَى قِتَالِهِ فَذَكَرُوا لَهُ مَا نَالَهُمْ مِنْهُ وَ سَأَلُوهُ اَلْمَعُونَةَ لَهُمْ عَلَى قِتَالِهِ.

فَقَالَ: لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَا لَكُمْ حَيْثُ تُحِبُّونَ، فَاخْرُجُوا إِلَى قُرَيْشٍ فَادْعُوهُمْ (4)إِلَى حَرْبِهِ، وَ اِضْمَنُوا اَلنُّصْرَةَ لَهُمْ، وَ اَلثُّبُوتَ مَعَهُمْ حَتَّى

ص: 94


1- في «م» و هامش «ش» : كريمة.
2- يشلهم: يطردهم. «الصحاح - شلل - 1737:5» .
3- اخْتلِفت المصادر في اِسْمُهَ، ففي سيرة ابن هشام 225:3 و الطبريّ 565:2: أبو عمّار، و في مغازي الواقدي 441:2 و السِّيرة للحلبي 309:2: أبو عامر.
4- في هامش «ش» : فادعوها.

تَسْتَأْصِلُوهُ.

فَطَافُوا عَلَى وُجُوهِ قُرَيْشٍ، وَ دَعُوهُمْ إِلَى حَرْبِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ قَالُوا لَهُمْ: أَيْدِينَا مَعَ أَيْدِيكُمْ وَ نَحْنُ مَعَكُمْ حَتَّى تَسْتَأْصِلُوهُ (1)فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا مَعْشَرَ اَلْيَهُودِ، أَنْتُمْ أَهْلُ اَلْكِتَابِ اَلْأَوَّلِ وَ اَلْعِلْمِ اَلسَّابِقِ، وَ قَدْ عَرَفْتُمُ اَلدِّينَ اَلَّذِي جَاءَ، بِهِ مُحَمَّدٌ وَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ اَلدِّينِ، فَدِينُنَا خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ أَمْ هُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنَّا؟ فَقَالُوا لَهُمْ: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، فَنَشِطَتْ قُرَيْشٌ لِمَا دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله .

وَ جَاءَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ مَكَّنَكُمُ اَللَّهُ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَ هَذِهِ يَهُودُ تُقَاتِلُهُ مَعَكُمْ، وَ لَنْ تَنْفَلَّ (2)عَنْكُمْ حَتَّى يُؤْتَى عَلَى جَمِيعِهَا، أَوْ تَسْتَأْصِلَهُ وَ مَنِ اِتَّبَعَهُ. فَقَوِيَتْ عَزَائِمُهُمْ - إِذْ ذَاكَ - فِي حَرْبِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله .

ثُمَّ خَرَجَ اَلْيَهُودُ حَتَّى أَتَوْا غَطَفَانَ وَ قَيْسَ عَيْلاَنَ، فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ ضَمِنُوا لَهُمُ اَلنُّصْرَةَ وَ اَلْمَعُونَةَ، وَ أَخْبَرُوهُمْ بِاتِّبَاعِ قُرَيْشٍ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَ اِجْتَمَعُوا مَعَهُمْ.

وَ خَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَ قَائِدُهَا - إِذْ ذَاكَ- أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَ خَرَجَتْ غَطَفَانُ وَ قَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي بَنِي فَزَارَةَ، وَ اَلْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ فِي بَنِي مُرَّةَ، وَ وَبَرَةُ بْنُ طَرِيفٍ فِي قَوْمِهِ مِنْ أَشْجَعَ، وَ اِجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ مَعَهُمْ.

ص: 95


1- في هامش «ش» و «م» : نستأصله.
2- في «م» : تنفتل.

فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِاجْتِمَاعِ اَلْأَحْزَابِ عَلَيْهِ، وَ قُوَّةِ عَزِيمَتِهِمْ فِي حَرْبِهِ، اِسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى اَلْمُقَامِ بِالْمَدِينَةِ، وَ حَرْبِ اَلْقَوْمِ إِنْ جَاءُوا إِلَيْهِمْ عَلَى أَنْقَابِهَا. (1)

وَأَشَارَ سَلْمَانُ اَلْفَارِسِيُّ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِالْخَنْدَقِ، فَأَمَرَ بِحَفْرِهِ وَ عَمِلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَ عَمِلَ فِيهِ اَلْمُسْلِمُونَ .

وَ أَقْبَلَتِ اَلْأَحْزَابُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَهَالَ اَلْمُسْلِمِينَ أَمْرُهُمْ وَ اِرْتَاعُوا مِنْ كَثْرَتِهِمْ وَ جَمْعِهِمْ، فَنَزَلُوا نَاحِيَةً مِنَ اَلْخَنْدَقِ، وَ أَقَامُوا بِمَكَانِهِمْ بِضْعاً وَ عِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلاَّ اَلرَّمْيُ بِالنَّبْلِ وَ اَلْحِصَارُ.

فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله ضَعْفَ قُلُوبِ أَكْثَرِ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ حِصَارِهِمْ لَهُمْ وَ وَهْنِهِمْ فِي حَرْبِهِمْ، بَعَثَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَ اَلْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ - وَ هُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ - يَدْعُوهُمْ إِلَى صُلْحِهِ وَ اَلْكَفِّ عَنْهُ وَ اَلرُّجُوعِ بِقَوْمِهِمَا عَنْ حَرْبِهِ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ ثُلُثَ ثِمَارِ اَلْمَدِينَةِ .

وَ اِسْتَشَارَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِيمَا بَعَثَ بِهِ إِلَى عُيَيْنَةَ وَ اَلْحَارِثِ فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنْ كَانَ هَذَا اَلْأَمْرُ لاَ بُدَّ لَنَا مِنَ اَلْعَمَلِ بِهِ لِأَنَّ اَللَّهَ أَمَرَكَ فِيهِ بِمَا صَنَعْتَ، وَ اَلْوَحْيَ جَاءَكَ بِهِ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ، وَ إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَهُ لَنَا، كَانَ لَنَا فِيهِ رَأْيٌ.

فَقَالَ: علیه وآله السلام: «لَمْ يَأْتِنِي وَحْيٌ بِهِ، وَ لَكِنِّي رَأَيْتُ اَلْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَ جَاءُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ

ص: 96


1- الأَنّقاب: جمع نقب، و هو الطريق في الجبل. «الصحاح - نقب - 227:1» .

أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ مِنْ شَوْكَتِهِمْ إِلَى أَمْرٍ مَا»

فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلشِّرْكِ بِاللَّهِ وَ عِبَادَةِ اَلْأَوْثَانِ، لاَ نَعْبُدُ اَللَّهَ وَ لاَ نَعْرِفُهُ، وَ نَحْنُ لاَ نُطْعِمُهُمْ مِنْ ثَمَرِنَا إِلاَّ قِرًى أَوْ بَيْعاً، وَ اَلْآنَ حِينَ أَكْرَمَنَا اَللَّهُ بِالْإِسْلاَمِ وَ هَدَانَا لَهُ وَ أَعَزَّنَا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا؟ مَا لَنَا إِلَى هَذَا مِنْ حَاجَةٍ، وَ اَللَّهِ لاَ نُعْطِيهِمْ إِلاَّ اَلسَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اَللَّهُ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُمْ.

فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «اَلْآنَ قَدْ عَرَفْتُ مَا عِنْدَكُمْ، فَكُونُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى لَنْ يَخْذُلَ نَبِيَّهُ وَ لَنْ يُسْلِمَهُ حَتَّى يُنْجِزَ (1)لَهُ مَا وَعَدَهُ».

ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي اَلْمُسْلِمِينَ، يَدْعُوهُمْ إِلَى جِهَادِ اَلْعَدُوِّ (2)وَ يُشَجِّعُهُمْ وَ يَعِدُهُمُ اَلنَّصْرَ.

وَ اِنْتَدَبَتْ فَوَارِسُ مِنْ قُرَيْشٍ لِلْبِرَازِ، مِنْهُمْ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدِّ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ - اَلْمَخْزُومِيَّانِ - وَ ضِرَارُ بْنُ اَلْخَطَّابِ وَ مِرْدَاسٌ اَلْفِهْرِيُّ، فَلَبِسُوا لِلْقِتَالِ ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى خَيْلِهِمْ، حَتَّى مَرُّوا بِمَنَازِلِ بَنِي كِنَانَةَ فَقَالُوا : تَهَيَّئُوا - يَا بَنِي كِنَانَةَ - لِلْحَرْبِ ثُمَّ أَقْبَلُوا تُعْنِقُ (3)بِهِمْ خَيْلُهُمْ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى اَلْخَنْدَقِ .

فَلَمَّا تَأَمَّلُوهُ قَالُوا: وَ اَللَّهِ إِنَّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتِ اَلْعَرَبُ تَكِيدُهَا.

ص: 97


1- في هامش «ش» و «م» : يتَمّّ.
2- في هامش «ش» و «م» : القَوْم.
3- العنق، سير فيه كبر و خَيْلٍاء. «الصحاح - عنق - 1533:4» .

ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكَاناً مِنَ اَلْخَنْدَقِ فِيهِ ضِيقٌ، فَضَرَبُوا خَيْلَهُمْ (1)فَاقْتَحَمَتْهُ، وَ جَاءَتْ بِهِمْ فِي اَلسَّبَخَةِ بَيْنَ اَلْخَنْدَقِ وَ سَلْعٍ . (2)

وَ خَرَجَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي نَفَرٍ مَعَهُ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَخَذُوا عَلَيْهِمُ اَلثُّغْرَةَ اَلَّتِي اِقْتَحَمُوهَا، فَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ اَلْجَمَاعَةَ اَلَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ، وَ قَدْ أَعْلَمَ لِيُرَى مَكَانُهُ.

فَلَمَّا رَأَى اَلْمُسْلِمِينَ وَقَفَ هُوَ وَ اَلْخَيْلُ اَلَّتِي مَعَهُ وَ قَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ : عَمْرٌو اِرْجِعْ يَا اِبْنَ أَخِ فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ.

فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «قَدْ كُنْتَ - يَا عَمْرُو - عَاهَدْتَ اَللَّهَ أَنْ لاَ يَدْعُوَكَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ (3)إِلاَّ اِخْتَرْتَهَا مِنْهُ»

قَالَ: أَجَلْ فَمَا ذَا.

قَالَ: «فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اَلْإِسْلاَمِ».

قَالَ: لاَ حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ.

قَالَ: «فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اَلنِّزَالِ».

فَقَالَ: اِرْجِعْ فَقَدْ كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَبِيكَ خُلَّةٌ، وَ مَا أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ.

ص: 98


1- في هامش «ش» و «م» : خيولهم.
2- سلع: موضع قرب المدينة المنورة. «معجم البلدان 236:3» .
3- في «م» و «ح» : خلّتين.

فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: « لَكِنَّنِي -وَ اَللَّهِ - أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ مَا دُمْتَ آبِياً لِلْحَقِّ».

فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، وَ قَالَ: أَ تَقْتُلُنِي؟! وَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ وَ ضَرَبَ وَجْهَهُ حَتَّى نَفَرَ، وَ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ مُصْلِتاً سَيْفَهُ، وَ بَدَرَهُ بِالسَّيْفِ فَنَشِبَ سَيْفُهُ فِي تُرْسِ عَلِيٍّ وَ ضَرَبَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ.

فَلَمَّا رَأَى عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَ هُبَيْرَةُ وَ ضِرَارٌ عَمْراً صَرِيعاً، وَلَّوْا بِخَيْلِهِمْ مُنْهَزِمِينَ حَتَّى اُقْتُحِمَتِ (1)اَلْخَنْدَقُ لاَ تَلْوِي (2)عَلَى شَيْءٍ، وَ اِنْصَرَفَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَى مَقَامِهِ اَلْأَوَّلِ - وَ قَدْ كَادَتْ نُفُوسُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ إِلَى اَلْخَنْدَقِ تَطِيرُ جَزَعاً - وَ هُوَ يَقُولُ:

نَصَرَ اَلْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ *** وَ نَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابٍ (3)

فَضَرَبْتُهُ وَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلاً *** كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَ رَوَابِيَ (4)

وَ عَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِه ِ وَ لَوْ أَنَّنِي *** كُنْتُ اَلْمُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي (5)

لاَ تَحْسَبُنَّ اَللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ *** وَ نَبِيِّهِ يَا مَعْشَرَ اَلْأَحْزَابِ

ص: 99


1- في هامش «ش» و «م» : اقتحموا.
2- في هامش «ش» و «م» : لا يلوون.
3- الحجارة: الأصنام الّتي كانوا يعَبْدَوَّنَهُا.
4- متجدّلا: الساقط في الجدالة و هي الأَرض، الجذع: ساق النخلة. الدكادك: جمع دكداك و هو ما التبد من الرَمْل اللين بالارض و لم يرتفع، الروابي جمع رابية و هي ما ارتفع من الأَرض.
5- المقطّر: الملقى على أحدٌ قطريه على الأَرض، و القطر: الجانب. بزّني: سلبني.

وَ قَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ اَلْوَاقِدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنا (1)عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ اِبْنِ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ اَلزُّهْرِيِّ قَالَ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ وَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ وَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ وَ ضِرَارُ بْنُ اَلْخَطَّابِ - فِي يَوْمِ اَلْأَحْزَابِ - إِلَى اَلْخَنْدَقِ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ يَطْلُبُونَ مُضَيَّقاً مِنْهُ فَيَعْبُرُونَ، حَتَّى اِنْتَهَوْا إِلَى مَكَانٍ أَكْرَهُوا خُيُولَهُمْ فِيهِ فَعَبَرَتْ، وَ جَعَلُوا (يَجُولُونَ بِخَيْلِهِمْ) فِيمَا بَيْنَ اَلْخَنْدَقِ وَ سَلْعٍ، وَ اَلْمُسْلِمُونَ وُقُوفٌ لاَ يُقْدِمُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، وَ جَعَلَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ يَدْعُو إِلَى اَلْبِرَازِ وَ (يَعْرِضُ بِالْمُسْلِمِينَ) (2)وَ يَقُولُ:

وَ لَقَدْ بَحَحْتُ مِنَ اَلنِّدَاءِ بِجَمْ *** عِهِمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟

فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُومُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنْ بَيْنِهِمْ لِيُبَارِزَهُ (3)فَيَأْمُرُهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِالْجُلُوسِ اِنْتِظَاراً مِنْهُ لِيَتَحَرَّكَ (4)غَيْرُهُ،وَاَلْمُسْلِمُونَ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِمُ اَلطَّيْرَ، لِمَكَانِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَ اَلْخَوْفِ مِنْهُ وَ مِمَّنْ مَعَهُ وَ وَرَاءَهُ.

فَلَمَّا طَالَ نِدَاءُ عَمْرٍو بِالْبِرَازِ وَ تَتَابَعَ قِيَامُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «اُدْنُ مِنِّي يَا عَلِيُّ فَدَنَا مِنْهُ، فَنَزَعَ

ص: 100


1- في «ش» : حدّثني، و ما اثبتناه من «م» و «ح» و هامش «ش» .
2- كذا في هامش النسخ الخطية، لكن في متنها: يحرض المسلمين.
3- في «ش» و «م» : ليبارزهم، و ما أَثبتناهُ من هامش «ش» .
4- في هامش «ش» و «م» : لتحرك.

عِمَامَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ وَ عَمَّمَهُ بِهَا، وَ أَعْطَاهُ سَيْفَهُ - وَ قَالَ لَهُ : «اِمْضِ لِشَأْنِكَ» ثُمَّ قَالَ: «اَللَّهُمَّ أَعِنْهُ» فَسَعَى نَحْوَ عَمْرٍو وَ مَعَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيُّ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - لِيَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنْهُ وَ مِنْ عَمْرٍو.

فَلَمَّا اِنْتَهَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ : «يَا عَمْرُو، إِنَّكَ كُنْتَ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ تَقُولُ: لاَ يَدْعُونِي أَحَدٌ إِلَى ثَلاَثٍ إِلاَّ قَبِلْتُهَا أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا.

قَالَ: أَجَلْ.

قَالَ: «فَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ وَ أَنْ تُسْلِمَ لِرَبِّ اَلْعَالَمِينَ».

قَالَ: يَا اِبْنَ أَخِ أَخِّرْ هَذِهِ عَنِّي.

فَقَالَ لَه أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَمَا إِنَّهَا خَيْرٌ لَكَ لَوْ أَخَذْتَهَا».

ثُمَّ قَالَ: «فَهَاهُنَا أُخْرَى»

قَالَ: مَا هِيَ.؟

قَالَ: «تَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ».

قَالَ: لاَتُحَدِّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ بِهَذَا أَبَداً.

قَالَ:«فَهَاهُنَا أُخْرَى:.

قَالَ: مَا هِيَ. ؟

قَالَ: «تَنْزِلُ فَتُقَاتِلُنِي».

ص: 101

فَضَحِكَ عَمْرٌو وَ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ اَلْخَصْلَةَ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَداً مِنَ اَلْعَرَبِ يَرُومُنِي عَلَيْهَا، وَ إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَقْتُلَ اَلرَّجُلَ اَلْكَرِيمَ مِثْلَكَ، وَ قَدْ كَانَ أَبُوكَ لِي نَدِيماً.

قَالَ: عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَكِنَّنِي أُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَانْزِلْ إِنْ شِئْتَ».

فَأَسِفَ (1)عَمْرٌو وَ نَزَلَ وَ ضَرَبَ وَجْهَ فَرَسِهِ (حَتَّى رَجَعَ). (2)

فَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ رَحِمَهُ اَللَّهُ: وَ ثَارَتْ بَيْنَهُمَا قَتَرَةٌ، فَمَا رَأَيْتُهُمَا وَ سَمِعْتُ اَلتَّكْبِيرَ تَحْتَهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ قَدْ قَتَلَهُ، وَ اِنْكَشَفَ أَصْحَابُهُ حَتَّى طَفَرَتْ خُيُولُهُمُ اَلْخَنْدَقَ، وَ تَبَادَرَ اَلْمُسْلِمُونَ حِينَ سَمِعُوا اَلتَّكْبِيرَ يَنْظُرُونَ مَا صَنَعَ اَلْقَوْمُ، فَوَجَدُوا نَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ فِي جَوْفِ اَلْخَنْدَقِ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ فَرَسُهُ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، فَقَالَ: لَهُمْ قِتْلَةً: أَجْمَلَ مِنْ هَذِهِ، يَنْزِلُ بَعْضُكُمْ أُقَاتِلُهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، وَ لَحِقَ هُبَيْرَةَ فَأَعْجَزَهُ فَضَرَبَ قَرَبُوسَ سَرْجِهِ وَ سَقَطَتْ دِرْعٌ كَانَتْ عَلَيْهِ، وَ فَرَّ عِكْرِمَةُ، وَ هَرَبَ ضِرَارُ بْنُ اَلْخَطَّابِ .

فَقَالَ جَابِرٌ: فَمَا شَبَّهْتُ قَتْلَ عَلِيٍّ عَمْراً إِلاَّ بِمَا قَصَّ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْ قِصَّةِ دَاوُدَ وَ جَالُوتَ، حَيْثُ يَقُولُ: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ قَتَلَ دٰاوُدُ جٰالُوتَ) (3) - (4) .

ص: 102


1- أسف: غضب. «الصحاح - أسف - 1331:4» .
2- في هامش «ش» و «م» : حتّى يرجع.
3- البقرة 251:2.
4- مغازي الواقدي 471:2، إعلام الورى:195، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 20: 254.

وَ قَدْ رَوَى قَيْسُ بْنُ اَلرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ اَلْعَبْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ اَلسَّعْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ اَلْيَمَانِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا بَا عَبْدِ اَللَّهِ، إِنَّنَا لَنَتَحَدَّثُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مَنَاقِبِهِ، فَيَقُولُ لَنَا أَهْلُ اَلْبَصْرَةِ: إِنَّكُمْ تُفْرِطُونَ فِي عَلِيٍّ ، فَهَلْ أَنْتَ مُحَدِّثِي بِحَدِيثٍ فِيهِ؟

فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا رَبِيعَةُ، وَ مَا تَسْأَلُنِي عَنْ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ؟ وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ وُضِعَ جَمِيعُ أَعْمَالِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فِي كِفَّةِ اَلْمِيزَانِ، مُنْذُ بَعَثَ اَللَّهُ مُحَمَّداً إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ (1)، وَ وُضِعَ عَمَلُ عَلِيٍّ فِي اَلْكِفَّةِ اَلْأُخْرَى، لَرَجَحَ عَمَلُ عَلِيٍّ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ.

فَقَالَ: رَبِيعَةُ هَذَا اَلَّذِي لاَ يُقَامُ لَهُ وَ لاَ يُقْعَدُ (2).

فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَا لُكَع ُ ، وَ كَيْفَ لاَ يُحْمَلُ؟! وَ أَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ حُذَيْفَةُ وَ جَمِيعُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يَوْمَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ، وَ قَدْ دَعَا إِلَى اَلْمُبَارَزَةِ!؟ فَأَحْجَمَ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ مَا خَلاَ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ فَإِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ اَللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَ اَلَّذِي نَفْسُ حُذَيْفَةَ بِيَدِهِ، لَعَمَلُهُ ذَلِكَ اَلْيَوْمَ أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ أَعْمَالِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ (3) .

وَ قَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ (4)،عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ قَالَ: قَالَ: عَلِيٌّ يَوْمَ اَلْخَنْدَقِ :

ص: 103


1- في «م» و هامش «ش» : النّاس هذا.
2- في هامش «ش» و «م» : أي لا يسمى له، لأَنّّه لا يدرك.
3- إعلام الورى:195، شرح النهج الحديدي 60:19، إِرْشَاد القلوب:245، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 256:20.
4- هو هشام بن محمّد بن السائب الكلبي كما صرّح به في هامش «ش» و «م» . لاحظ أَنّساب الاشراف القسم الثاني من الجزء الرابع:129، طبقات ابن سَعدُ 45:4، 32:8.

أَ عَلَيَّ تَقْتَحِمُ اَلْفَوَارِسُ هَكَذَا *** عَنِّي وَ عَنْهَا خَبِّرُوا (1)أَصْحَابِي

اَلْيَوْمَ تَمْنَعُنِي اَلْفِرَارُ حَفِيظَتِي *** وَ مُصَمِّمٌ فِي اَلرَّأْسِ لَيْسَ بِنَابِي

(أَرْدَيْتُ عَمْراً حين أخلص صقله) (2) *** صَافِي اَلْحَدِيدِ مُجَرَّبٍ قَضَّابٍ

فَصَدَدْتُ حِينَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلاً *** كَالْجِذْعِ بَيْنَ دَكَادِكَ وَ رَوَابِيَ

وَ عَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ وَ لَوْ أَنَّنِي *** كُنْتُ اَلْمُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي (3).

وَ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ عَمْراً أَقْبَلَ نَحْوَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ: هَلاَّ سَلَبْتَهُ - يَا عَلِيُّ - دِرْعَهُ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ تَكُونُ لِلْعَرَبِ دِرْعٌ مِثْلُهَا، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنِّي اِسْتَحَيْتُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْ سَوْأَةِ اِبْنِ عَمِّي» (4) .

وَ رَوَى عَمْرُو (5)بْنُ اَلْأَزْهَرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ اَلْحَسَنِ : أَنَّ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ لَمَّا قَتَلَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ اِحْتَزَّ رَأْسَهُ وَ حَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، فَقَبَّلاَ رَأْسَ عَلِيٍّ

ص: 104


1- في «م» و هامش «ش» : اخبروا.
2- في «م» و هامش «ش» : أرديت عمرا إذ طغى بمهنّد.
3- رويت هذه الأبيات بزيادة و نقصان في: المستدرك على الصحيحين 33:3، دلَّائل النُبوّة 3: 439، مناقب آل أبي طالب 137:3، الفصول المهمّة:61، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 257:20 و 264.
4- دلَّائل النُبوّة 439:3، إِرْشَاد القلوب:345، و نحو ه في مستدرك النيسابوريّ 33:3، و مجمع البيان 33:8، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 257:20.
5- في النسخ: عُمَربن الأزهر، و في هامش «م» : عَمْروُ، و قد وضع عليه علامة «صح» ، و في شرح النهج لابن أبي الحديد: عَمْروُ، و هو الصواب، انظر «تاريخ بغداد 193:12، لسان الميزان 353:4، الجرح و التعَدِيّل 221:6» .

ع (1) .

وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ اَلْحَكِيمِ اَلْأَوْدِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ يَقُولُ : لَقَدْ ضَرَبَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ ضَرْبَةً مَا كَانَ فِي اَلْإِسْلاَمِ ضَرْبَةٌ أَعَزُّ مِنْهَا - يَعْنِي ضَرْبَةَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ - وَ لَقَدْ ضُرِبَ عَلِيٌّ ضَرْبَةً مَا كَانَ فِي اَلْإِسْلاَمِ أَشْأَمُ مِنْهَا، يَعْنِي ضَرْبَةَ اِبْنِ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اَللَّهُ (2) .

وَ فِي اَلْأَحْزَابِ أَنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

(إِذْ جٰاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زٰاغَتِ اَلْأَبْصٰارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنٰاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللّٰهِ اَلظُّنُونَا* هُنٰالِكَ اُبْتُلِيَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزٰالاً شَدِيداً* وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً - إِلَى قوله - وَ كَفَى اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتٰالَ وَ كٰانَ اَللّٰهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ) (3) .

فتوجه العتب إليهم و التوبيخ و التقريع و العِتاب، و لم ينجُ من ذلكَ أحدٌُ -باتّفاق- إلّا أَميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلَیْهِ السَّلامُ إذ كانَ الفَتْحُُ له و على يديه و كانَ قَتْلُه عمرا و نَوْفَلُ بن عَبْدُالله سبب هزيمة المشركين .

وَ قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بَعْدَ قَتْلِهِ هَؤُلاَءِ اَلنَّفَرَ: «اَلْآنَ

ص: 105


1- مجمع البيان 344:8، شرح النهج الحديدي 62:19، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 258:20.
2- مناقب آل أبي طالب 138:3، مجمع البيان 344:8، شرح النهج الحديدي 61:19، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 258:20.
3- الأحزاب 10:33 - 25.

نَغْزُوهُمْ وَ لاَ يَغْزُونَا (1).

وَ قَدْ رَوَى يُوسُفُ بْنُ كُلَيْبٍ، (عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ) (2)وَ غَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: (وَ كَفَى اَللَّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالَ) بِعَلِيٍّ (وَ كَانَ اَللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) (3).

وَ فِي قَتْلِ عَمْرٍو يَقُولُ حَسَّانُ:

أَمْسَى اَلْفَتَى عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ يَبْتَغِي *** بِجُنُوبِ (4)يَثْرِبَ غَارَةً لَمْ تُنْظَرْ

فَلَقَدْ وَجَدْتَ سُيُوفَنَا مَشْهُورَةً *** وَ لَقَدْ وَجَدْتَ جِيَادَنَا لَمْ تَقْصُرْ

وَ لَقَدْ رَأَيْتَ غَدَاةَ بَدْرٍ عُصْبَةً *** ضَرَبُوكَ ضَرْباً غَيْرَ ضَرْبِ اَلْمُحَسِّرِ (5)

ص: 106


1- صحيح البخاريّ 141:5، مسند أحمد 262:4، 394:6، مجمع البيان 345:8، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 258:20.
2- في متن النسخ: قرّة، و في هامش «ش» و «م» عن نسخة: مرّة، و هو الصواب كما سيظَهَرَ، ثُّمّ ّ في هامش «ش» و «م» : (يوسف بن حكيم عن سُفيان بن زيد عن مرّة) و عليها علامة (ع) و لم يَعلَمُ معناها، و قد وضع في نسخة «ش» علامة (ج) تحت كلمة كليب، و عن الّتي تليها و فوق (عن) علامة النسخة، و تحت قرّة علامة (ج) ، و في هامش «ش» : كليب بن و بذيلها علامة، (ج) ، و في هامش «م» كليب بن سُفيان و فوقه: (ج صح) ، هذا كلُّ ما في النسخ. و الصواب: يوسف بن كليب عن سُفيان عن زبيد عن مرّة، انظر: ميزان الاعتدال. و سُفيان هو سُفيان الثوري، و زبيد هو زبيد بن الحارث اليامي، و مرة هو مرة بن شراحيل الهمداني، انظر الجرح و التعَدِيّل 623:3، 366:8، تهذيب التهذيب 88:10،311:3،112:4
3- الدّر المنثور 6 / 590، مناقب آل أبي طالب 134:3، شرح النهج الحديدي 284:13 عن ابن عبّاس، إِرْشَاد القلوب:245، ميزان الاعتدال 380:2، تأوِيلُ الآيات 2: 450 / 11، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 258:20.
4- جنوب: جمع جنب، و هو الناحية. «الصحاح - جنب - 100:1» .
5- في هامش «ش» و «م» : «المخسر: هكذا» . و في سيرة ابن هشام 281:3: الحسّر، و هو الذي لا درع له.

أَصْبَحْتَ لاَ تُدْعَى لِيَوْمِ عَظِيمَةٍ *** يَا عَمْرُو أَوْ لِجَسِيمِ أَمْرٍ مُنْكَرٍ.

وَ يُقَالُ: أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ شِعْرُ حَسَّانَ بَنِي عَامِرٍ أَجَابَهُ فَتًى مِنْهُمْ، فَقَالَ: يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي اِفْتِخَارِهِ بِالْأَنْصَارِ:

كَذَبْتُمْ - وَ بَيْتِ اَللَّهِ - لَمْ (1)تَقْتُلُونَنَا *** وَ لَكِنْ بِسَيْفِ اَلْهَاشِمِيِّينَ فَافْخَرُوا

بِسَيْفِ اِبْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أَحْمَدَ فِي اَلْوَغَى *** بِكَفِّ عَلِيٍّ نِلْتُمْ ذَاكَ فَاقْصُرُوا

فَلَمْ تَقْتُلُوا عَمْرَو بْنَ عَبْدٍ بِبَأْسِكُمْ (2)*** وَ لَكِنَّهُ اَلْكُفْءُ (3)اَلْهِزَبْرُ اَلْغَضَنْفَرُ

عَلِيٌّ اَلَّذِي فِي اَلْفَخْرِ طَالَ بِنَاؤُهُ (4)*** فَلاَ تُكْثِرُوا (5)اَلدَّعْوَى عَلَيْنَا فَتَفْخَرُوا (6)

بِبَدْرٍ خَرَجْتُمْ لِلْبِرَازِ فَرَدَّكُمْ *** شُيُوخُ قُرَيْشٍ جَهْرَةً وَ تَأَخَّرُوا

فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَمْزَةُ وَ عُبَيْدَةُ *** وَ جَاءَ عَلِيٌّ بِالْمُهَنَّدِ يَخْطِرُ

فَقَالُوا نَعَمْ أَكْفَاءُ صِدْقٍ فَأَقْبَلُوا *** إِلَيْهِمْ سِرَاعاً إِذْ بَغَوْا وَ تَجَبَّرُوا

فَجَالَ عَلِيٌّ جَوْلَةً هَاشِمِيَّةً *** فَدَمَّرَهُمْ لَمَّا عَتَوْا وَ تَكَبَّرُوا

فَلَيْسَ لَكُمْ فَخْرٌ عَلَيْنَا بِغَيْرِنَا *** وَ لَيْسَ لَكُمْ فَخْرٌ يُعَدُّ وَ يُذْكَرُ (7).

وَ قَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْمَدَائِنِيِّ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وَدٍّ نُعِيَ إِلَى أُخْتِهِ فَقَالَتْ: مَنْ ذَا اَلَّذِي اِجْتَرَأَ عَلَيْهِ؟

ص: 107


1- في «م» و هامش «ش» : لا.
2- في الأصل: و لا ابنه، و ما اثبتناه من نسخة البحار.
3- في هامش «م» : الليث.
4- في هامش «ش» و «م» : رداؤه.
5- في هامش «ش» و «م» : تنكروا.
6- في «م» و هامش «ش» : فتحقروا.
7- الفصول المختارة:238، و شعر حسان في السِّيرة النبويّة لابن هشام 281:3، و شرح النهج الحديدي 290:13، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 259:20.

فَقَالُوا: اِبْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ لَمْ يَعْدُ يَوْمَهُ عَلَى يَدِ كُفْءٍ كَرِيمٍ، لاَ رَقَأَتْ دَمْعَتِي إِنْ هَرَقْتُهَا عَلَيْهِ، قَتَلَ اَلْأَبْطَالَ وَ بَارَزَ اَلْأَقْرَانَ، وَ كَانَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَى (يَدِ كُفْءٍ كَرِيمٍ قَوْمُهُ) (1)، مَا سَمِعْتُ أَفْخَرَ مِنْ هَذَا يَا بَنِي عَامِرٍ ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:

لَوْ كَانَ قَاتِلُ عَمْرٍو غَيْرَ قَاتِلِهِ *** لَكُنْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ آخِرَ اَلْأَبَدِ

لَكِنَّ قَاتِلَ عَمْرٍو لاَ يُعَابُ بِهِ *** مَنْ كَانَ يُدْعَى قَدِيماً بَيْضَةَ اَلْبَلَدِ.(2)(3)

وَ قَالَتْ أَيْضاً فِي قَتْلِ أَخِيهَا، وَ ذِكْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام:

أَسَدَانِ فِي ضِيقِ اَلْمَكَرِّ تَصَاوَلاَ *** وَ كِلاَهُمَا كُفْءٌ كَرِيمٌ بَاسِلٌ

فَتَخَالَسَا مُهَجَ اَلنُّفُوسِ كِلاَهُمَا *** وَسْطَ اَلْمَذَادِ (4)مُخَاتِلٌ وَ مُقَاتِلٌ

وَ كِلاَهُمَا حَضَرَ اَلْقِرَاعَ حَفِيظَةً *** لَمْ يَثْنِهِ عَنْ ذَاكَ شُغُلٌ شَاغِلٌ

فَاذْهَبْ عَلِيُّ فَمَا ظَفِرْتَ بِمِثْلِهِ *** قَوْلٌ سَدِيدٌ لَيْسَ فِيهِ تَحَامُلٌ

فَالثَّأْرُ عِنْدِي يَا عَلِيُّ فَلَيْتَنِي *** أَدْرَكْتُهُ وَ اَلْعَقْلُ مِنِّي كَامِلٌ

ذَلَّتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ مَقْتَلِ فَارِسٍ *** فَالذُّلُّ مُهْلِكُهَا وَ خِزْيٌ شَامِلٌ.

ص: 108


1- في هامش «ش» : يد كريم قومه.
2- بيضة البلد: عليّ بن أبي طالب سلام اللّه عليه، أي أَنّّه فرد ليس مثله في الشرف كالبيضة الّتي هي تريكة وحدها ليس معها غيرُهُا. «لسان العرب - بيض - 127:7» .
3- الفصول المختارة:237، الفصول المهمّة:62 باختلاف يسير، و نحو ه في المستدرك على الصحيحين 33:3، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 260:20.
4- المذاد: من الذياد و هو الذود و الدفع، و المراد ساحة القتال. انظر «الصحاح - ذود - 2: 471» .

ثُمَّ قَالَتْ وَ اَللَّهِ لاَ ثَأَرَتْ قُرَيْشٌ بِأَخِي مَا حَنَّتِ اَلنِّيبُ (1) (2) .

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة بني قريظة

فصل

وَ لَمَّا اِنْهَزَمَ اَلْأَحْزَابُ وَ وَلَّوْا عَنِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلدُّبُرَ، عَمِلَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَى قَصْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَ أَنْفَذَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَيْهِمْ فِي ثَلاَثِينَ مِنَ اَلْخَزْرَجِ، فَقَالَ لَهُ : «اُنْظُرْ بَنِي قُرَيْظَةَ، هَلْ تَرَكُوا (3)حُصُونَهُمْ؟».

فَلَمَّا شَارَفَ سُورَهُمْ سَمِعَ مِنْهُمُ اَلْهُجْرَ، فَرَجَعَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «دَعْهُمْ فَإِنَّ اَللَّهَ سَيُمَكِّنُ مِنْهُمْ، إِنَّ اَلَّذِي أَمْكَنَكَ مِنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ لاَ يَخْذُلُكَ فَقِفْ (4)حَتَّى يَجْتَمِعَ اَلنَّاسُ إِلَيْكَ، وَ أَبْشِرْ بِنَصْرِ اَللَّهِ، فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ نَصَرَنِي بِالرُّعْبِ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»

قَالَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «فَاجْتَمَعَ اَلنَّاسُ إِلَيَّ وَ سِرْتُ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْ سُورِهِمْ، فَأَشْرَفُوا عَلَيَّ فَحِينَ رَأَوْنِي صَاحَ صَائِحٌ مِنْهُمْ: قَدْ جَاءَكُمْ قَاتِلُ عَمْرٍو، وَ قَالَ آخَرُ: قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ قَاتِلُ عَمْرٍو، وَ جَعَلَ بَعْضُهُمْ يَصِيحُ بِبَعْضٍ وَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَ أَلْقَى اَللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ، وَ سَمِعْتُ رَاجِزاً يَرْجُزُ:

ص: 109


1- في هامش «م» : جمع ناب و هو الإبل المسنّة.
2- الفصول المختارة:237، و روي باختلاف يسير في الفصول المهمّة:62، و نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 260:20.
3- في «ش» و «م» : نَزَلوا، و ما في المتن من هامش «ش» و «م» .
4- في «ش» : فتوقف.

قَتَلَ عَلِيٌّ عَمْراً *** صَادَ (1)عَلِيٌّ صَقْراً

قَصَمَ عَلِيٌّ ظَهْراً *** أَبْرَمَ عَلِيٌّ أَمْراً

هَتَكَ عَلِيٌّ سِتْراً

فَقُلْتُ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَظْهَرَ اَلْإِسْلاَمَ وَ قَمَعَ اَلشِّرْكَ، وَ كَانَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله قَالَ: لِي حِينَ تَوَجَّهْتُ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اَللَّهِ فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ وَعَدَكَ (2)أَرْضَهُمْ وَ دِيٰارَهُمْ، فَسِرْتُ مُسْتَيْقِناً (3)لِنَصْرِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حَتَّى رَكَزْتُ اَلرَّايَةَ فِي أَصْلِ اَلْحِصْنِ ، فَاسْتَقْبَلُونِي فِي صَيَاصِيهِمْ (4)يَسُبُّونَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله!!

فَلَمَّا سَمِعْتُ سَبَّهُمْ لَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ كَرِهْتُ أَنْ يَسْمَعَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، فَعَمِلْتُ عَلَى اَلرُّجُوعِ إِلَيْهِ، فَإِذَا بِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ قَدْ طَلَعَ، فَنَادَاهُمْ: يَا إِخْوَةَ اَلْقِرَدَةِ وَ اَلْخَنَازِيرِ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسٰاءَ صَبٰاحُ اَلْمُنْذَرِينَ (5) فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا اَلْقَاسِمِ مَا كُنْتَ جَهُولاً وَ لاَ سَبَّاباً! فَاسْتَحْيَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ رَجَعَ اَلْقَهْقَرَى قَلِيلاً».

ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ خَيْمَتُهُ بِإِزَاءِ حُصُونِهِمْ، وَ أَقَامَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله مُحَاصِراً لِبَنِي قُرَيْظَةَ خَمْساً وَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، حَتَّى سَأَلُوهُ

ص: 110


1- في هامش «ش» و «م» : صار.
2- في «ش» و «م» : وعدكم، و ما أَثبتناهُ من هامش «ش» و «م» .
3- في هامش «ش» و «م» : متيقنا.
4- كلُّ شيء امتنع به و تحصّن به فهو صيصة، و منه قيل للحصون «الصياصي» . «النهاية - صيص - 67:3» .
5- اقتباس من قوله تعالى في سورة الصافّات 177:37: فَإِذٰا نَزَلَ بِسٰاحَتِهِمْ فَسٰاءَ صَبٰاحُ اَلْمُنْذَرِينَ. .

اَلنُّزُولَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَحَكَمَ فِيهِمْ (1)سَعْدٌ بِقَتْلِ اَلرِّجَالِ، وَ سَبْيِ اَلذَّرَارِيِّ وَ اَلنِّسَاءِ، وَ قِسْمَةِ اَلْأَمْوَالِ.

فَقَالَ: اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «يَا سَعْدُ لَقَدْ، حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اَللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ».

وَ أَمَرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله بِإِنْزَالِ اَلرِّجَالِ مِنْهُمْ - وَ كَانُوا تِسْعَمِائَةِ رَجُلٍ - فَجِيءَ بِهِمْ إِلَى اَلْمَدِينَةِ وَ قُسِمَ اَلْأَمْوَالُ، وَ اُسْتُرِقَّ اَلذَّرَارِيُّ وَ اَلنِّسْوَانُ.

وَ لَمَّا جِيءَ بِالْأُسَارَى إِلَى اَلْمَدِينَةِ حُبِسُوا فِي دَارٍ مِنْ دُورِ بَنِي اَلنَّجَّارِ، وَ خَرَجَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِلَى مَوْضِعِ اَلسُّوقِ اَلْيَوْمَ فَخَنْدَقَ فِيهِ خَنَادِقَ، وَ حَضَرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مَعَهُ وَ اَلْمُسْلِمُونَ، وَ أَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُخْرَجُوا، وَ تَقَدَّمَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي اَلْخَنْدَقِ .

فَأُخْرِجُوا أَرْسَالاً وَ فِيهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَ هُمَا - إِذْ ذَاكَ - رَئِيسَا اَلْقَوْمِ ، فَقَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ، وَ هُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ مَوْطِنٍ لاَ تَعْقِلُونَ، أَ لاَ تَرَوْنَ اَلدَّاعِيَ لاَ يَنْزِعُ، وَ مَنْ ذَهَبَ مِنْكُمْ لاَ يَرْجِعُ، هُوَ وَ اَللَّهِ اَلْقَتْلُ.

وَ جِيءَ بِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله قَالَ: أَمَا وَ اَللَّهِ مَا لُمْتُ نَفْسِي عَلَى

ص: 111


1- في «م» و هامش «ش» : عليهم.

عَدَاوَتِكَ وَ لَكِنْ مَنْ يَخْذُلِ اَللَّهُ يُخْذَلْ.

ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى اَلنَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ، كِتَابٌ وَ قَدَرٌ وَ مَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ .

ثُمَّ أُقِيمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ هُوَ يَقُولُ: قِتْلَةٌ شَرِيفَةٌ بِيَدِ شَرِيفٍ فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ: «إِنَّ خِيَارَ اَلنَّاسِ يَقْتُلُونَ شِرَارَهُمْ، وَ شِرَارَ اَلنَّاسِ يَقْتُلُونَ خِيَارَهُمْ، فَالْوَيْلُ لِمَنْ قَتَلَهُ اَلْأَخْيَارُ اَلْأَشْرَافُ، وَ اَلسَّعَادَةُ لِمَنْ قَتَلَهُ اَلْأَرْذَالُ اَلْكُفَّارُ فَقَالَ: صَدَقْتَ، لا تَسْلُبْنِي حُلَّتِي، قَالَ: «هِيَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ ذَاكَ قَالَ: سَتَرْتَنِي سَتَرَكَ اَللَّهُ، وَ مَدَّ عُنُقَهُ فَضَرَبَهَا عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ لَمْ يَسْلُبْهُ مِنْ بَيْنِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ لِمَنْ جَاءَ بِهِ: «مَا كَانَ يَقُولُ حُيَيٌّ وَ هُوَ يُقَادُ إِلَى اَلْمَوْتِ ؟ » فَقَالَ: (1)كَانَ يَقُولُ:

لَعَمْرُكَ مَا لاَمَ اِبْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ *** وَ لَكِنَّهُ مَنْ يَخْذُلِ اَللَّهُ يُخْذَلْ

لَجَاهَدَ (2)حَتَّى بَلَغَ اَلنَّفْسُ جُهْدَهَا *** وَ حَاوَلَ يَبْغِي اَلْعِزَّ كُلَّ مُقَلْقَلٍ

فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ:

«لَقَدْ كَانَ ذَا جِدٍّ وَ جَدٍّ (3)بِكُفْرِهِ *** فَقِيدَ إِلَيْنَا فِي اَلْمَجَامِعِ يُعْتَلُ

فَقَلَّدْتُهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةَ مُحْفِظٍ (4)فَصَارَ إِلَى قَعْرِ اَلْجَحِيمِ يُكَبَّلُ

ص: 112


1- في «م» و «ح» و هامش «ش» : قالَوا.
2- في «ح» و هامش «ش» : فجاهد.
3- في «م» و «ح» و هامش «ش» : حدّ.
4- احفظه: أي اغضبه. «القاموس المحيط - حفظ - 395:2» .

فَذَاكَ مَآبُ اَلْكَافِرِينَ وَ مَنْ يَكُنْ *** مُطِيعاً لِأَمْرِ اَللَّهِ فِي اَلْخُلْدِ يُنْزَلُ»

وَ اِصْطَفَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنْ نِسَائِهِمْ عَمْرَةَ بِنْتَ خُنَافَةَ (1)،و قَتَلَ مِنْ نِسَائِهِمْ اِمْرَأَةً وَاحِدَةً كَانَتْ أَرْسَلَتْ عَلَيْهِ صلّی الله علیه و آله حَجَراً - وَ قَدْ جَاءَ بِالْيَهُودِ يُنَاظِرُهُمْ قَبْلَ مُبَايَنَتِهِمْ لَهُ - فَسَلَّمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ اَلْحَجَرِ .

وَ كَانَ اَلظَّفَرُ بِبَنِي قُرَيْظَةَ، وَ فَتْحُ اَللَّهِ عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَ مَا أَلْقَاهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ اَلرُّعْبِ مِنْهُ ، وَ مَاثَلَتْ هَذِهِ اَلْفَضِيلَةُ مَا تَقَدَّمَهَا مِنْ فَضَائِلِهِ، وَ شَابَهَتْ هَذِهِ اَلْمَنْقَبَةُ مَا سَلَفَ ذِكْرُهُ مِنْ مَنَاقِبِهِ صلّی الله علیه و آله.

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة ذات السلاسل و تسمى غَزوة وادي الرَمْل

فصل (2)

و قد كانَ من أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة وادي الرَمْل، و يُقالَ: إنها كانت تُسَمّى بغَزوة السلسلة، ما حفظه العُلِمَاءُ، و دَوَّنَهُ الفُقَهاءُ و نَقَله أصحّابُ الآثار، و رواه نَقَلةُ الأَخبار، مِمَّا يَنضاف إِلَى

ص: 113


1- في هامش «ش» نسخة بدلَّ: خناقة، و لعلّ الصواب: ريحانة بنت عَمْروُ بن خنافة، انظر أسَد الغابة 460:5، المغازي 520:2، السِّيرة الحلبية 346:2.
2- سقط هذا الفصل من نسخة «ش» و «ح» إِلَى قوله: «ثُّمّ كانَ من بلائه عليه السلام ببني المُصْطَلِق» الآتي في صلّی الله علیه و آله 118.

مناقبه عَلَیْهِ السَّلامُ في الغزوات، و يُماثل فضائله في الجهاد، و ما توحّد به في معناه من كافَّةَ العباد.

وَ ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ اَلسِّيَرِ ذَكَرُوا: أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً، إِذْ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي جِئْتُكَ لِأَنْصَحَكَ، قَالَ: «وَ مَا نَصِيحَتُكَ؟» قَالَ: قَوْمٌ مِنَ اَلْعَرَبِ قَدْ عَمِلُوا عَلَى أَنْ يُثْبِتُوكَ (1)بِالْمَدِينَةِ وَ وَصَفَهُمْ لَهُ.

قَالَ: فَأَمَرَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ أَنْ يُنَادِيَ بِ الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ اَلْمُسْلِمُونَ، فَصَعِدَ اَلْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّ هَذَا عَدُوَّ اَللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ قَدْ (2)أَقْبَلَ إِلَيْكُمْ، يَزْعُمُ أَنَّهُ يُثْبِتُكُمْ (3)بِالْمَدِينَةِ، فَمَنْ لِلْوَادِي؟».

فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَنَاوَلَهُ اَللِّوَاءَ وَ ضَمَّ إِلَيْهِ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ وَ قَالَ لَهُ : «اِمْضِ عَلَى اِسْمِ اَللَّهِ».

فَمَضَى فَوَافَى (4)اَلْقَوْمَ ضَحْوَةً، فَقَالُوا لَهُ: مَنِ اَلرَّجُلُ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ، إِمَّا أَنْ تَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، أَوْ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِالسَّيْفِ؟ قَالُوا لَهُ: اِرْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ فَإِنَّا فِي جَمْعٍ لاَ تَقُومُ لَهُ.

فَرَجَعَ اَلرَّجُلُ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِذَلِكَ، فَقَالَ

ص: 114


1- في هامش «م» : يبيتوك.
2- نسخة في «م» : و قد.
3- في هامش «م» : يبيتكم.
4- في هامش «م» : فوافق.

اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «مَنْ لِلْوَادِي؟» فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ.

قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيْهِ اَلرَّايَةَ وَ مَضَى، ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِ مَا عَادَ صَاحِبُهُ اَلْأَوَّلُ.

فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فَقَامَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟» قَالَ: «اِمْضِ إِلَى اَلْوَادِي» قَالَ: «نَعَمْ» وَ كَانَتْ لَهُ عِصَابَةٌ لاَ يَتَعَصَّبُ بِهَا حَتَّى يَبْعَثَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي وَجْهٍ شَدِيدٍ.

فَمَضَى إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ علیها السلام، فَالْتَمَسَ اَلْعِصَابَةَ مِنْهَا؟ فَقَالَتْ: «أَيْنَ تُرِيدُ، أَيْنَ بَعَثَكَ أَبِي؟ قَالَ: إِلَى وَادِي اَلرَّمْلِ» فَبَكَتْ إِشْفَاقاً عَلَيْهِ.

فَدَخَلَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله وَ هِيَ عَلَى تِلْكَ اَلْحَالِ.فَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ تَبْكِينَ؟ أَ تَخَافِينَ أَنْ يُقْتَلَ بَعْلُكِ؟ كَلاَّ، إِنْ شَاءَ اَللَّهُ» فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ: لاَ تَنْفَسْ (1)عَلَيَّ بِالْجَنَّةِ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ».

ثُمَّ خَرَجَ وَ مَعَهُ لِوَاءُ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَمَضَى حَتَّى وَافَى اَلْقَوْمَ بِسَحَرٍ فَأَقَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ اَلْغَدَاةَ وَ صَفَّهُمْ صُفُوفاً، وَ اِتَّكَأَ عَلَى سَيْفِهِ مُقْبِلاً عَلَى اَلْعَدُوِّ، فَقَالَ: لَهُمْ: «يَا هَؤُلاَءِ، أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ، أَنْ تَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، وَ إِلاَّ ضَرَبْتُكُمْ بِالسَّيْفِ».

ص: 115


1- لا تنفس: لا تبخل: «النهاية 97:5» .

قَالُوا: اِرْجِعْ كَمَا رَجَعَ صَاحِبَاكَ.

قَالَ: «أَنَا أَرْجِعُ؟! لاَ وَ اَللَّهِ حَتَّى تُسْلِمُوا أَوْ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي هَذَا، أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ».

فَاضْطَرَبَ اَلْقَوْمُ لَمَّا عَرَفُوهُ، ثُمَّ اِجْتَرَءُوا عَلَى مُوَاقَعَتِهِ، فَوَاقَعَهُمْ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، وَ اِنْهَزَمَ اَلْمُشْرِكُونَ، وَ ظَفَرَ اَلْمُسْلِمُونَ وَ حَازُوا اَلْغَنَائِمَ، وَ تَوَجَّهَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله.

فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَحْمَةُ اَللَّهِ عَلَيْهَا- قَالَتْ: كَانَ نَبِيُّ اَللَّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ قَائِلاً (1)فِي بَيْتِي إِذِ اِنْتَبَهَ فَزِعاً مِنْ مَنَامِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: اَللَّهُ جَارُكَ، قَالَ: «صَدَقْتِ، اَللَّهُ جَارِي، لَكِنْ هَذَا جَبْرَئِيلُ عَلَیْهِ السَّلامُ يُخْبِرُنِي: أَنَّ عَلِيّاً قَادِمٌ» ثُمَّ خَرَجَ إِلَى اَلنَّاسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَامَ اَلْمُسْلِمُونَ لَهُ صَفَّيْنِ مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله.

فَلَمَّا بَصُرَ بِالنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ وَ أَهْوَى إِلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا، فَقَالَ لَهُ : عَلَیْهِ السَّلامُ: «اِرْكَبْ فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى وَ رَسُولَهُ عَنْكَ رَاضِيَانِ» فَبَكَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَرَحاً، وَ اِنْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ تَسَلَّمَ اَلْمُسْلِمُونَ اَلْغَنَائِمَ.

فَقَالَ: اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله لِبَعْضِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي اَلْجَيْشِ: «كَيْفَ رَأَيْتُمْ أَمِيرَكُمْ؟» قَالُوا: لَمْ نُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئاً، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَؤُمَّ بِنَا فِي صَلاَةٍ إِلاَّ قَرَأَ بِنَا فِيهَا بِقُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ. فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله «سَأَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ»

ص: 116


1- قائلا: من القيلولة، و هي نومة نصف النهار. «مجمع البحرين - قيل - 459:5» .

فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ : لِمَ لَمْ تَقْرَأْ بِهِمْ فِي فَرَائِضِكَ إِلاَّ بِسُورَةِ اَلْإِخْلاَصِ؟» فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَحْبَبْتُهَا» قَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهَا».

ثُمَّ قَالَ لَهُ : يَا عَلِيُّ ، لَوْ لاَ أَنَّنِي أُشْفِقُ أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفُ مَا قَالَتِ اَلنَّصَارَى فِي عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ، لَقُلْتُ فِيكَ اَلْيَوْمَ مَقَالاً لاَ تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنْهُمْ إِلاَّ أَخَذُوا اَلتُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ».

فصل

فكانَ الفَتْحُ في هذه الغَزاة لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ خاصّةً، بعد أَنّ كانَ من غيرُهُ فيها من الإفساد ما كانَ، و اختَصَّ علي عَلَیْهِ السَّلامُ من مَديح النبيُّ صلّی الله علیه و آله بها بفضائل لم يَحْصُل منها شيء لغيرُهُ.

و قد ذِكر كثيرُ من أصحّابَ السِّيرة (1): أَنّ في هذه الغَزاة نَزَل على النبيُّ صلّی الله علیه و آله: (وَ اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً...) (2) إِلَى آخرها فتضمّنت ذكرَ الحال فيما فعله أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فيها.

ص: 117


1- انظر: تفسير القمّيّ 434:2، أمالي الطوسيّ 21:2، مجمع البيان 528:5، مناقب ابن شهرآشوب 141:3.
2- العاديات 1:100.

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة بني المُصْطَلِق

فصل

ثُمَّ كَانَ مِنْ بَلاَئِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ بِبَنِي اَلْمُصْطَلَقِ، مَا اِشْتَهَرَ عِنْدَ اَلْعُلَمَاءِ، وَ كَانَ اَلْفَتْحُ لَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي هَذِهِ اَلْغَزَاةِ، بَعْدَ أَنْ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، فَقَتَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ رَجُلَيْنِ مِنَ اَلْقَوْمِ وَ هُمَا مَالِكٌ وَ اِبْنُهُ، وَ أَصَابَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنْهُمْ سَبْياً كَثِيراً فَقَسَمَهُ فِي اَلْمُسْلِمِينَ.

وَ كَانَ فِيمَنْ (1)أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ مِنَ اَلسَّبَايَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ اَلْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وَ كَانَ شِعَارُ اَلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي اَلْمُصْطَلَقِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ (2)وَ كَانَ اَلَّذِي سَبَى جُوَيْرِيَةَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَجَاءَ بِهَا إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَاصْطَفَاهَا اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ .

فَجَاءَ أَبُوهَا إِلَى اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ بَعْدَ إِسْلاَمِ بَقِيَّةِ اَلْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ اِبْنَتِي لاَ تُسْبَى، إِنَّهَا اِمْرَأَةٌ كَرِيمَةٌ؛ قَالَ: اِذْهَبْ فَخَيِّرْهَا» قَالَ: أَحْسَنْتَ (3)وَ أَجْمَلْتَ.

وَ جَاءَ إِلَيْهَا أَبُوهَا فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةِ لاَ تَفْضَحِي قَوْمَكِ، فَقَالَتْ لَهُ: قَدِ اِخْتَرْتُ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ.

فَقَالَ: لَهَا أَبُوهَا: فَعَلَ اَللَّهُ بِكِ وَ فَعَلَ، فَأَعْتَقَهَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی

ص: 118


1- في «م» و هامش «ش» : ممّن.
2- في هامش «ش» و «م» : المنصور كلُّ واحد منهم، أي نصرت فاقَتَل.
3- في «م» و «ح» : قد أحسنُت.

الله علیه و آله وَ جَعَلَهَا فِي جُمْلَةِ أَزْوَاجِهِ (1) .

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة الحُدَيْبِيَّة و صلحها

فصل

ثُّمّ تلا بني المُصْطَلِق الحُدَيْبِيَّة، و كانَ اللِواء يومئذ إِلَى أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ كما كانَ إليه في المشاهد قبلها، و كانَ من بلائه في ذلكَ اليوم عند صف القَوْم في الحرب للقتال ما ظَهَرَ خَبَرُه و استفاض ذكره.

وَ ذَلِكَ بَعْدَ اَلْبَيْعَةِ اَلَّتِي أَخَذَهَا اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله عَلَى أَصْحَابِهِ وَ اَلْعُهُودِ عَلَيْهِمْ فِي اَلصَّبْرِ، وَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْمُبَايِعَ لِلنِّسَاءِ عَنِ اَلنَّبِيِّ علیه وآله السلام، وَ كَانَتْ بَيْعَتُهُ لَهُنَّ يَوْمَئِذٍ أَنْ طَرَحَ ثَوْباً بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُنَّ ثُمَّ مَسَحَهُ بِيَدِهِ، فَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُنَّ لِلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ بِمَسْحِ اَلثَّوْبِ، وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَمْسَحُ ثَوْبَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ مِمَّا يَلِيهِ.

وَ لَمَّا رَأَى سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو تَوَجُّهَ اَلْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، ضَرَعَ إِلَى اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي اَلصُّلْحِ، وَ نَزَلَ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ بِالْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَ أَنْ يَجْعَلَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ كَاتِبَهُ يَوْمَئِذٍ وَ اَلْمُتَوَلِّيَ لِعَقْدِ اَلصُّلْحِ بِخَطِّهِ.

فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : «اُكْتُبْ يَا عَلِيُّ : بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ».

فَقَالَ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: هَذَا كِتَابٌ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ يَا مُحَمَّدُ،

ص: 119


1- في «م» و هامش «ش» و «ح» : نسائه.

فَافْتَتِحْهُ بِمَا نَعْرِفُهُ (1)وَ اُكْتُبْ: بِاسْمِكَ اَللَّهُمَّ.

فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ: «اُمْحُ مَا كَتَبْتَ وَ اُكْتُبْ: بِاسْمِكَ اَللَّهُمَّ»

فَقَالَ لَهُ : أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَوْ لاَ طَاعَتُكَ يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَمَا مَحَوْتُ بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ» ثُمَّ مَحَاهَا وَ كَتَبَ: بِاسْمِكَ اَللَّهُمَّ.

فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : «اُكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو » فَقَالَ: سُهَيْلٌ: لَوْ أَجَبْتُكَ فِي اَلْكِتَابِ اَلَّذِي بَيْنَنَا إِلَى هَذَا، لَأَقْرَرْتُ لَكَ بِالنُّبُوَّةِ! فَسَوَاءٌ شَهِدْتُ عَلَى نَفْسِي بِالرِّضَا بِذَلِكَ أَوْ أَطْلَقْتُهُ مِنْ لِسَانِي، اُمْحُ هَذَا اَلاِسْمَ وَ اُكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنَّهُ وَ اَللَّهِ لَرَسُولُ اَللَّهِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ»

فَقَالَ: سُهَيْلٌ اُكْتُبْ اِسْمَهُ يَمْضِي اَلشَّرْطُ.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «وَيْلَكَ يَا سُهَيْلُ، كُفَّ عَنْ عِنَادِكَ»

فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : «اُمْحُهَا يَا عَلِيُّ »

فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ يَدِي لاَ تَنْطَلِقُ بِمَحْوِ اِسْمِكَ مِنَ اَلنُّبُوَّةِ»

ص: 120


1- في هامش «ش» : نعرف.

قَالَ لَهُ : «فَضَعْ يَدِي عَلَيْهَا فَمَحَاهَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِيَدِهِ، وَ قَالَ: لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «سَتُدْعَى إِلَى مِثْلِهَا فَتُجِيبُ وَ أَنْتَ عَلَى مَضَضٍ»

ثُمَّ تَمَّمَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْكِتَابَ.

وَ لَمَّا تَمَّ اَلصُّلْحُ نَحَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله هَدْيَهُ فِي مَكَانِهِ .

فكانَ نظامُ تدبير هذه الغَزاة مُعَلَّقاً بأَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ، و كانَ ما جرى فيها من البيعة وصفِّ النّاس للحرب ثُّمّ الهُدنةِ و الكتاب كلِّهِ لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و كانَ فيما هيأه الله تعالى له من ذلكَ حقن الدماء و صلاح أمر الإسلام .

و قد روى الناسُ له عَلَیْهِ السَّلامُ، في هذه الغَزاة - بعد الذي ذكرناه - فضيلتين اختَصَّ بهما و انضافا إِلَى فضائله العظام و مناقبه الجسام:

فَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ عَنْ رِجَالِهِ، عَنْ (فَائِدٍ مَوْلَى عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سَالِمٍ) (1)قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي عُمْرَةِ (2)اَلْحُدَيْبِيَةِ نَزَلَ اَلْجُحْفَةَ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا مَاءً، فَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ بِالرَّوَايَا، حَتَّى إِذَا كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ رَجَعَ سَعْدٌ بِالرَّوَايَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْضِيَ ،لَقَدْ وَقَفَتْ قَدَمَايَ رُعْباً مِنَ اَلْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ : اَلنَّبِيُّ علیه و آله

ص: 121


1- في متن النسخ و البحار: قائد، و في هامش «ش» و «م» عن نسخة: فائد، و المظنون صحة فائد فانه أشهرُ من قائد، و قد أورد الخبرُ في الإصابة في باب الفاء في ترجمة فائد مولى عَبْد اللّه بن سلام و قالَ: أخَرَجَ له المفيد بن النعمان الرافضي في مناقب علي حديثٌا.
2- في «م» و هامش «ش» : غزو.

السلام «اِجْلِسْ».

ثُمَّ بَعَثَ رَجُلاً آخَرَ، فَخَرَجَ بِالرَّوَايَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَكَانِ اَلَّذِي اِنْتَهَى إِلَيْهِ اَلْأَوَّلُ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : «لِمَ رَجَعْتَ؟» فَقَالَ: وَ اَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا اِسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْضِيَ رُعْباً.

فَدَعَا رَسُولُ اَللَّهِ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَرْسَلَهُ بِالرَّوَايَا، وَ خَرَجَ اَلسُّقَاةُ وَ هُمْ لاَ يَشُكُّونَ فِي رُجُوعِهِ، لِمَا رَأَوْا مِنْ رُجُوعِ (1)مَنْ تَقَدَّمَهُ.

فَخَرَجَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالرَّوَايَا حَتَّى وَرَدَ اَلْحِرَارَ (2)فَاسْتَقَى، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ لَهَا زَجَلٌ (3).

فَكَبَّرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله وَ دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ (4).

وَ فِي هَذِهِ اَلْغَزَاةِ أَقْبَلَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَرِقَّاءَنَا لَحِقُوا بِكَ فَارْدُدْهُمْ عَلَيْنَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اَللَّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ حَتَّى تَبَيَّنَ اَلْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: «لَتَنْتَهُنَّ - يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ رَجُلاً اِمْتَحَنَ اَللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى اَلدِّينِ»

فَقَالَ: بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ اَلرَّجُلُ؟ قَالَ: «لاَ» قِيلَ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: «لاَ ، وَ لَكِنَّهُ خَاصِفُ اَلنَّعْلِ فِي اَلْحُجْرَةِ» فَتَبَادَرَ

ص: 122


1- في هامش «ش» و «م» : من جزع.
2- الحرار: جمع حرّة، و هي أرض ذات حجارة سود نخرة. «الصحاح - حرر - 626:2» .
3- الزجل: رفع الصوت الطرب. «لسان العرب - زجل - 302:11» .
4- الإصابة في معرفة الصحابة 199:3 عن المؤلّف، مناقب آل أبي طالب 88:2 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 359:20.

اَلنَّاسُ إِلَى اَلْحُجْرَةِ يَنْظُرُونَ، مَنِ اَلرَّجُلُ؟ فَإِذَا هُوَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ .

وَ رَوَى هَذَا اَلْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالُوا فِيهِ: إِنَّ عَلِيّاً قَصَّ هَذِهِ اَلْقِصَّةَ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ »(1).

و كانَ الذي أصلَحَه أَميرُالمؤمنين من نعل النبيُّ صلّی الله علیهما شسعها (2)فإنّه كانَ انقطع فخَصَّف موضعه و أصلحه .

وَ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْعَمِّيُّ ، عَنْ نَائِلِ بْنِ نَجِيحٍ (3)عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: «اِنْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَدَفَعَهَا إِلَى عَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ يُصْلِحُهَا، ثُمَّ مَشَى فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ غَلْوَةً (4)- أَوْ نَحْوَهَا - وَ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ كَمَا (قَاتَلَ مَعِي) (5)عَلَى اَلتَّنْزِيلِ»

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا ذَاكَ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ» فَقَالَ عُمَرُ:

ص: 123


1- روي في كفاية الطالب:96، مصباح الأَنّوار:121، و باختلاف يسير في سنن الترمذي 297:5، إعلام الورى:191، و نحو ه في المستدرك على الصحيحين 298:4، تأريخ بغداد 133:1، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 360:20.
2- شسع النعل: ما يدخل بين الاصبعين في النعل العربي ممتدّا على ظَهَرَ القدم. «مجمع البحرين - شسع - 353:4» .
3- ضبطه في متن «ش» و «م» مكبرا، و في هامشهما مصغرا بضم النون، و نجيح مكبرا أشهرُ .
4- الغلوة: مقدار رمية سهم. «الصحاح - غلا - 2448:6» .
5- في هامش «ش» : قاتلت.

فَأَنَا يَا رَسُولَ اَللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ» فَأَمْسَكَ اَلْقَوْمُ وَ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «لَكِنَّهُ خَاصِفُ اَلنَّعْلِ - وَ أَوْمَأَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ - وَ إِنَّهُ اَلْمُقَاتِلُ عَلَى اَلتَّأْوِيلِ إِذَا تُرِكَتْ سُنَّتِي وَ نُبِذَتْ، وَ حُرِّفَ كِتَابُ اَللَّهِ، وَ تَكَلَّمَ فِي اَلدِّينِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَيُقَاتِلُهُمْ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى إِحْيَاءِ دِينِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ» (1) .

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في فتح خَيْبَرُ

فصل

ثُّمّ تلت الحُدَيْبِيَّة خَيْبَرُ، و كانَ الفَتْحُ فيها لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بلا ارتياب، و ظَهَرَ من فضله في هذه الغَزاة (ما اجتَمّع على نَقَله) (2)الرُواة و تفرد فيها من المناقب بما لم يَشْرَكه فيه أحدٌ من النّاس.

فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى اَلْأَزْدِيُّ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ اَلْيَسَعِ وَ عُبَيْدِ اَللَّهِ (3)بْنِ عَبْدِ اَلرَّحِيمِ، عَنْ عَبْدِ اَلْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ اَلْآثَارِ قَالُوا لَمَّا دَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنْ خَيْبَرَ، قَالَ: لِلنَّاسِ قِفُوا فَوَقَفَ اَلنَّاسُ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَ قَالَ: «اَللَّهُمَّ رَبَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعِ وَ مَا أَظْلَلْنَ، وَ رَبَّ اَلْأَرَضِينَ اَلسَّبْعِ وَ مَا

ص: 124


1- ورد نحو ه في مسند أبي يعلى الموصلي 341:2، المستدرك على الصحيحين 122:3، مسند أحمد 82:3، شرح نهج البلاغة الحديدي 206:3.
2- في هامش «ش» و «م» : ما اجمع عليه نَقَلةُ.
3- كذا في متن النسخ، و في هامش «ش» : عَبْد اللّه و آخره علامة (ج) ، و في هامش «م» : عَبْد اللّه و آخر الكلمة مخروق.

أَقْلَلْنَ، وَ رَبَّ اَلشَّيَاطِينِ وَ مَا أَضْلَلْنَ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ (1)هَذِهِ اَلْقَرْيَةِ وَ خَيْرَ مَا فِيهَا، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَ شَرِّ مَا فِيهَا ثُمَّ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ (فِي اَلْمَكَانِ) (2)فَأَقَامَ وَ أَقَمْنَا بَقِيَّةَ يَوْمِنَا وَ مِنْ غَدِهِ. (3)

فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اَلنَّهَارِ نَادَانَا مُنَادِي رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا جَاءَنِي وَ أَنَا نَائِمٌ، فَسَلَّ سَيْفِي وَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي اَلْيَوْمَ! قُلْتُ: اَللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، فَشَامَ اَلسَّيْفَ (4)وَ هُوَ جَالِسٌ كَمَا تَرَوْنَ لاَ حَرَاكَ بِهِ» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ،لَعَلَّ فِي عَقْلِهِ شَيْئاً فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ نَعَمْ دَعُوهُ ثُمَّ صَرَفَهُ وَ لَمْ يُعَاقِبْهُ.

وَ حَاصَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله خَيْبَرَ بِضْعاً وَ عِشْرِينَ لَيْلَةً؛ وَ كَانَتِ اَلرَّايَةُ يَوْمَئِذٍ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَلَحِقَهُ رَمَدٌ أَعْجَزَهُ عَنِ اَلْحَرْبِ،وَ كَانَ اَلْمُسْلِمُونَ يُنَاوِشُونَ (5)اَلْيَهُودَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِي حُصُونِهِمْ وَ جَنَبَاتِهَا.

فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَحُوا اَلْبَابَ،وَ قَدْ كَانُوا خَنْدَقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ،وَ خَرَجَ مَرْحَبٌ بِرِجْلِهِ يَتَعَرَّضُ (6)لِلْحَرْبِ،فَدَعَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ : «خُذِ اَلرَّايَةَ» فَأَخَذَهَا - فِي جَمْعٍ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ -

ص: 125


1- في «م» و هامش «ش» : من خيرُ.
2- في «ش» و «م» : من المكان، و ما اثبتناه من هامشهما.
3- المغازي 642:2، السِّيرة النبويّة 343:3، مجمع البيان 119:9، دلَّائل النُبوّة 204:4، و نَقَله العلاّمة المجلسي في بحار الأَنّوار 14:21 / 11.
4- شام السيف: أغمده. «الصحاح - شيم - 1963:5» .
5- في «ش» : يتناوشون.
6- في هامش «ش» : فتعرض.

فَاجْتَهَدَ وَ لَمْ يُغْنِ شَيْئاً،فَعَادَ يُؤَنِّبُ اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَ يُؤَنِّبُونَهُ.

فَلَمَّا كَانَ مِنَ اَلْغَدِ تَعَرَّضَ لَهَا عُمَرُ،فَسَارَ بِهَا غَيْرَ بَعِيدٍ،ثُمَّ رَجَعَ يُجَبِّنُ أَصْحَابَهُ وَ يُجَبِّنُونَهُ

فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «لَيْسَتْ هَذِهِ اَلرَّايَةُ لِمَنْ حَمَلَهَا، جِيئُونِي بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» فَقِيلَ لَهُ:إِنَّهُ أَرْمَدُ، فَقَالَ: «أَرُونِيهِ تُرُونِي رَجُلاً يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ، وَ يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ يَأْخُذُهَا بِحَقِّهَا لَيْسَ بِفَرَّارٍ»

فَجَاءُوا بِعَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُودُونَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «مَا تَشْتَكِي يَا عَلِيُّ ؟ قَالَ: رَمَدٌ مَا أُبْصِرُ مَعَهُ وَ صُدَاعٌ بِرَأْسِي، فَقَالَ لَهُ : اِجْلِسْ وَ ضَعْ رَأْسَكَ عَلَى فَخِذِي» فَفَعَلَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَدَعَا لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله وَ تَفَلَ فِي يَدِهِ فَمَسَحَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ (1)وَ رَأْسِهِ، فَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَ سَكَنَ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنَ اَلصُّدَاعِ ، وَ قَالَ فِي دُعَائِهِ لَهُ: «اَللَّهُمَّ قِهِ اَلْحَرَّ وَ اَلْبَرْدَ» وَ أَعْطَاهُ اَلرَّايَةَ - وَ كَانَتْ رَايَةً بَيْضَاءَ - وَ قَالَ لَهُ : «خُذِ اَلرَّايَةَ وَ اِمْضِ بِهَا، فَجَبْرَئِيلُ مَعَكَ، وَ اَلنَّصْرُ أَمَامَكَ، وَ اَلرُّعْبُ مَبْثُوثٌ فِي صُدُورِ اَلْقَوْمِ، وَ اِعْلَمْ - يَا عَلِيُّ - أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي كِتَابِهِمْ: أَنَّ اَلَّذِي يُدَمِّرُ عَلَيْهِمُ اِسْمُهُ إِلْيَا (2)، فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَقُلْ: أَنَا عَلِيٌّ ، فَإِنَّهُمْ يُخْذَلُونَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ»

قَالَ: عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ فَمَضَيْتُ بِهَا حَتَّى أَتَيْتُ اَلْحُصُونَ فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَ عَلَيْهِ مِغْفَرٌ وَ حَجَرٌ قَدْ ثَقَبَهُ (3)مِثْلَ اَلْبَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ، وَ هُوَ

ص: 126


1- في هامش «ش» : عينه.
2- في هامش «ش» و «م» : إيليّا.
3- في هامش «ش» و «م» نقبه.

يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ:

قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبٌ *** شَاكٍ سِلاَحِي بَطَلٌ مُجَرَّبٌ

فَقُلْتُ:

أَنَا اَلَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةً *** لَيْثٌ لِغَابَاتٍ (1)شَدِيدٌ قَسْوَرَةٌ

أَكِيلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ اَلسَّنْدَرَةِ (2)

فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ، فَبَدَرْتُهُ فَضَرَبْتُهُ فَقَدَدْتُ اَلْحَجَرَ وَ اَلْمِغْفَرَ وَ رَأْسَهُ حَتَّى وَقَعَ اَلسَّيْفُ فِي أَضْرَاسِهِ فَخَرَّ صَرِيعاً»

وَ جَاءَ فِي اَلْحَدِيثِ: أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ لَمَّا قَالَ: «أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»قَالَ: حِبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ اَلْقَوْمِ: غُلِبْتُمْ وَ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى (3)فَدَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنَ اَلرُّعْبِ مَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ مَعَهُ اَلاِسْتِيطَانُ بِهِ.

وَ لَمَّا قَتَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مَرْحَباً، رَجَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ وَ أَغْلَقُوا بَابَ اَلْحِصْنِ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَصَارَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَيْهِ فَعَالَجَهُ حَتَّى فَتَحَهُ، وَ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ مِنْ جَانِبِ اَلْخَنْدَقِ لَمْ يَعْبُرُوا مَعَهُ، فَأَخَذَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بَابَ اَلْحِصْنِ فَجَعَلَهُ عَلَى اَلْخَنْدَقِ جِسْراً لَهُمْ حَتَّى عَبَرُوا فَظَفِرُوا بِالْحِصْنِ وَ نَالُوا اَلْغَنَائِمَ.

ص: 127


1- في هامش «ش» و «م» : كريهات.
2- في هامش «ش» و «م» : عبل الذراعين شدّ يد القصرة. و السندرة: مكيال ضخم. «الصحاح - سدر - 680:2» .
3- اخَرَجَ نحو ه في السِّيرة النبويّة 349:3.

فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا مِنَ اَلْحُصُونِ، أَخَذَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ بِيُمْنَاهُ فَدَحَا بِهِ أَذْرُعاً مِنَ اَلْأَرْضِ، وَ كَانَ اَلْبَابُ يُغْلِقُهُ عِشْرُونَ رَجُلاً مِنْهُمْ.

وَ لَمَّا فَتَحَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْحِصْنَ وَ قَتَلَ مَرْحَباً، وَ أَغْنَمَ اَللَّهُ اَلْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ، اِسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اَللَّهِ أَنْ يَقُولَ شِعْراً. فَقَالَ لَهُ : «قُلْ»

فَأَنْشَأَ يَقُولُ

وَ كَانَ عَلِيٌّ أَرْمَدَ اَلْعَيْنِ يَبْتَغِي *** دَوَاءً فَلَمَّا لَمْ يُحِسَّ مُدَاوِياً

شَفَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ مِنْهُ بِتَفْلَةٍ *** فَبُورِكَ مَرْقِيّاً وَ بُورِكَ رَاقِياً

وَ قَالَ: سَأُعْطِي اَلرَّايَةَ اَلْيَوْمَ صَارِماً *** كَمِيّاً مُحِبّاً لِلرَّسُولِ مُوَالِياً (1)

يُحِبُّ إِلَهِي وَ اَلْإِلَهُ يُحِبُّهُ *** بِهِ يَفْتَحُ اَللَّهُ اَلْحُصُونَ اَلْأَوَابِيَا

فَأَصْفَى بِهَا دُونَ اَلْبَرِيَّةِ كُلِّهَا *** عَلِيّاً وَ سَمَّاهُ اَلْوَزِيرَ اَلْمُؤَاخِيَا

وَ قَدْ رَوَى أَصْحَابُ اَلْآثَارِ عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ اَلْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ اَلْجَدَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «لَمَّا عَالَجْتُ بَابَ خَيْبَرَ جَعَلْتُهُ مِجَنّاً لِي وَ قَاتَلْتُ اَلْقَوْمَ فَلَمَّا أَخْزَاهُمُ اَللَّهُ وَضَعْتُ اَلْبَابَ عَلَى حِصْنِهِمْ طَرِيقاً، ثُمَّ رَمَيْتُ بِهِ فِي خَنْدَقِهِمْ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَقَدْ حَمَلْتَ مِنْهُ ثِقْلاً فَقَالَ: مَا كَانَ إِلاَّ مِثْلَ جُنَّتِيَ اَلَّتِي فِي يَدِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ اَلْمَقَامِ» (2) .

وَ ذَكَرَ أَصْحَابُ اَلسِّيَرِ: أَنَّ اَلْمُسْلِمِينَ لَمَّا اِنْصَرَفُوا مِنْ خَيْبَرَ رَامُوا

ص: 128


1- في هامش «ش» : مواسيا.
2- نَقَله العلاّمة المجلسي في البحار 16:21. و ذِكر ذيله في المناقب لابن شهرآشوب 68:2.

حَمْلَ اَلْبَابِ فَلَمْ يُقِلَّهُ (1)مِنْهُمْ إِلاَّ سَبْعُونَ رَجُلاً . (2). و في حمل أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ الباب يقولُ الشاعر إن امرأ حمل الرتاج (3)بخَيْبَرُ *** يوم اليهود بقدرة لمؤيد

حمل الرتاج رتاج باب قموصها (4)*** و المسلمون و أهلُ خَيْبَرُ شَهِدَ (5)

فَرَمى به و لقد تَكَلَّفَ رَدَّهُ *** سبعون شخَصَّاً كلِّهِم مُتَشَدّدُ (6)

رَدُّوه بعد مَشقَّةٍ و تكلُّفٍ (7)*** و مقالَِ بَعْضُهُم لبعض اردُدوا (8)

جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة الفَتْحُ

فصل

ثُّمّ تلا غَزاة خَيْبَرُ مواقف لم تجر مجرى ما تقدمها فنصمد

ص: 129


1- يقلّه: يحمله. «المصباح المنير 514:2» .
2- انظر: دلَّائل النُبوّة 212:4، مجمع البيان 121:9، مناقب ابن شهرآشوب 293:2.
3- الرتاج: الباب العظيم. «الصحاح - رتّج - 317:1» .
4- القموص: جبل بخَيْبَرُ عليه حِصْن أبي الحَقَّيق اليهودي. «معجم البلدان 398:4» .
5- في هامش «ش» : حشّد.
6- في هامش «ش» و «م» : سبعون كلّهم له يتشدّ د.
7- في «م» و هامش «ش» : و تعتّب.

لذكرها، و أكثرها كانَ بُعوثاًَ لم يَشْهَدها رسول الله صلّی الله علیه و آله، و لا كانَ الاهتَمامُ بها كالاهتَمام بما سَلَف لضعف العَدُوّ، و غَناء بعضِ المسلمين عن غيرُهُم فيها، فَأَضْرَبْنا عن تَعدادها، و إن كانَ لأَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في جميعها حظُّ وافر من قول أو عمل.

ثُّمّ كانت غَزاة الفَتْح، و هي الّتي تَوَطّد (1)أمر الإسلام بها، و تَمَهّد الدين بما منّ الله تعالى على نبيُّه صلّی الله علیه و آله فيها، و كانَ الوعد تقدَّمَ في قوله عزَّ اِسْمُهَ: (إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ وَ اَلْفَتْحُ) (2) إِلَى آخر

ص: 130


1- في هامش «ش» و «م» : توطّأ.
2- النصر 1:110. (أ) الغرار: حدّ السيف. «الصحاح - غرر - 768:2» . (ب) المخذم: السيف القاطع. «الصحاح - خذم - 1910:5» . (ج) طلس: جمع أطلس، و هو الذئب الذي في لونه غبرة إِلَى السواد. «الصحاح - طلس - 944:3» . (د) القشعم: النسر المسن. «الصحاح - قشعم - 2012:5» . (ه) ساط: خلط الشيء بَعْضُهُ ببعض. «الصحاح - سوط - 1135:3» .

السورة، و قوله تعالى قبلها بمدّة طويلة: (لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ) (1) .

فكانَت الأَعيُنُ إليها مُمْتَدّة، و الرِقاب إليها مَتَطاوِلة، و دَبَّر رسولُ الله صلّی الله علیه و آله الأَمرُ فيها بكتَمّان مسيره إِلَى مَكّة، و سَتْرِ عُزِيَمته على مراده بأَهَّلَها و سأل الله - عزَّ اِسْمُهَ- أَنّ يَطْوِيَ خَبَرُه عن أهلُ مَكّة حتّى يبغتهم بدخولها، فكانَ المؤتَمّن على هذا السرّ و المودع له - من بين الجماعةُ - أَميرُالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عَلَیْهِ السَّلامُ، فكانَ الشريك لرسول الله صلّی الله علیه و آله في الرَّأْي، ثُّمّ نَماه النبيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى جماعةُ من بعد و استَتَبَّ الأَمرُ فيه على أحوال كانَ أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في جميعها متفرّداً من الفَضْل بما لم يَشْرَكه فيه غيرُهُ من النّاس.

فمن ذلكَ أَنَّهُ لَمَّا كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ - وَ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَ قَدْ شَهِدَ بَدْراً مَعَ رَسُولِ - اَللَّهِ كِتَاباً إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يُطْلِعُهُمْ عَلَى سِرِّ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي اَلْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ جَاءَ اَلْوَحْيُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِمَا صَنَعَ وَ بِنُفُوذِ كِتَابِ حَاطِبٍ إِلَى اَلْقَوْمِ فَتَلاَفَى ذَلِكَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ ، وَ لَوْ لَمْ يَتَلاَفَهُ بِهِ لَفَسَدَ اَلتَّدْبِيرُ اَلَّذِي بِتَمَامِهِ كَانَ نَصْرُ اَلْمُسْلِمِينَ .

و قد مضى الخبرُ في هذه القصة فيما تقدّم، فلا حاجة بنا إِلَى إعادته

ص: 131


1- الفَتْحُ 27:48.

في ما جرى بين علي عَلَیْهِ السَّلامُ و أبو سُفيان

فصل

وَ لَمَّا دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ اَلْمَدِينَةَ لِتَجْدِيدِ اَلْعَهْدِ بَيْنَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ بَيْنَ قُرَيْشٍ، عِنْدَ مَا كَانَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فِي خُزَاعَةَ وَ قَتْلِهِمْ مَنْ قَتَلُوا مِنْهَا، فَقَصَدَ أَبُو سُفْيَانَ لِيَتَلاَفَى اَلْفَارِطَ مِنَ اَلْقَوْمِ، وَ قَدْ خَافَ مِنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لَهُمْ، وَ أَشْفَقَ مِمَّا حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ اَلْفَتْحِ. فَأَتَى اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله وَ كَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ جَوَاباً.

فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَهُ (1)أَبُو بَكْرٍ فَتَشَبَّثَ بِهِ وَ ظَنَّ أَنَّهُ يُوصِلُهُ إِلَى بُغْيَتِهِ مِنَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَسَأَلَهُ كَلاَمَهُ لَهُ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ. لِعِلْمِ أَبِي بَكْرٍ بِأَنَّ سُؤَالَهُ فِي ذَلِكَ لاَ يُغْنِي شَيْئاً.

فَظَنَّ أَبُو سُفْيَانَ بِعُمَرَ بْنِ خَطَّابٍ مَا ظَنَّهُ بِأَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ، فَدَفَعَهُ بِغِلْظَةٍ وَ فَظَاظَةٍ كَادَتْ أَنْ تُفْسِدَ اَلرَّأْيَ عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله .

فَعَدَلَ (2)إِلَى بَيْتِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ وَ عِنْدَهُ فَاطِمَةُ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ : يَا عَلِيُّ ، إِنَّكَ أَمَسُّ اَلْقَوْمِ بِي رَحِماً وَ أَقْرَبُهُمْ مِنِّي قَرَابَةً، وَ قَدْ جِئْتُكَ فَلاَ أَرْجِعَنَّ كَمَا جِئْتُ خَائِباً، اِشْفَعْ لِي إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ فِيمَا قَصَدْتُهُ. فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ - يَا بَا سُفْيَانَ - لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَى

ص: 132


1- في هامش «ش» و «م» : فاستقبله.
2- في «ح» و هامش «ش» و «م» : فغدا.

أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ» فَالْتَفَتَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَقَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي اِبْنَيْكِ (1)أَنْ يُجِيرَا بَيْنَ اَلنَّاسِ فَيَكُونَا سَيِّدَيِ اَلْعَرَبِ إِلَى آخِرِ اَلدَّهْرِ. فَقَالَتْ: «مَا بَلَغَ بُنَيَّايَ أَنْ يُجِيرَا بَيْنَ اَلنَّاسِ، وَ مَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله».

فَتَحَيَّرَ أَبُو سُفْيَانَ (وَ سُقِطَ فِي يَدِهِ) (2)ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: يَا بَا اَلْحَسَنِ، أَرَى اَلْأُمُورَ قَدِ اِلْتَبَسَتْ عَلَيَّ فَانْصَحْ لِي (3)فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ: «مَا أَرَى شَيْئاً يُغْنِي عَنْكَ وَ لَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ فَقُمْ وَ أَجِرْ بَيْنَ اَلنَّاسِ، ثُمَّ اِلْحَقْ بِأَرْضِكَ» قَالَ: فَتَرَى ذَلِكَ مُغْنِياً عَنِّي شَيْئاً؟ قَالَ: «لاَ وَ اَللَّهِ مَا أَظُنُّ وَ لَكِنِّي لاَ أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ».

فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي اَلْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ اَلنَّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ.

فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّداً فَكَلَّمْتُهُ، فَوَ اَللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئاً ثُمَّ، جِئْتُ اِبْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْراً، ثُمَّ لَقِيتُ اِبْنَ اَلْخَطَّابِ فَوَجَدْتُهُ فَظّاً غَلِيظاً لاَ خَيْرَ فِيهِ ثُمَّ أَتَيْتُ عَلِيّاً فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنُ اَلْقَوْمِ لِي، وَ قَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ فَصَنَعْتُهُ، وَ اَللَّهِ مَا أَدْرِي يُغْنِي عَنِّي شَيْئاً أَمْ لاَ، فَقَالُوا: بِمَا أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ

ص: 133


1- في «م» و هامش «ش» : بنيّيك.
2- في هامش «ش» : اسقط.
3- في «م» و «ح» و هامش «ش» : فانصحني.

أُجِيرَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فَفَعَلْتُ: فَقَالُوا لَهُ: هَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لاَ. قَالُوا: وَيْلَكَ وَ اَللَّهِ مَا زَادَ اَلرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ، فَمَا يُغْنِي عَنْكَ؟ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ: لاَ وَ اَللَّهِ مَا وَجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ .

و كانَ الذي فعله أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بأبي سُفيان من أصوب رأي لتَمام أمر المسلمين و أصحّ تدبير، و به تَمّ للنبيُّ صلّی الله علیه و آله في القَوْم ما تَمّ.

أ لا تَرى أَنّه عَلَیْهِ السَّلامُ صَدَقَ أبا سُفيان عن الحال، ثُّمّ لان له بعضَ اللين حتّى خَرَج عن المدينة وهو يَظُنُّ أنّه على شيء ، فانقطع بخروجه على تلك الحال موادُّ كيده التي كان يتشعَّثُ بها الأمرُعلى النبي صلّی الله علیه و آله و ذلكَ أَنّه لو خَرَجَ آئِساً حَسَب ما أيأسَه الرجلاًن، لتجدَّدَ للقوم من الرَّأْي في حَربه عَلَیْهِ السَّلامُ و التحرز منه ما لم يخطر لهم ببال، مَعَ مجيء أبي سُفيان إليهم بما جَاَءَ، أو كانَ يقيم بالمدينة على التَمّحل لتَمام مراده بالاستشفاع إِلَى النبيُّ صلّی الله علیه و آله فيتجدّدُ بذلك أمرٌ يَصُدّ النبيَ صلّی الله علیه و آله عن قصد قريش، أو يثبطه عنهم تثبيطاً يَفوُتُه معه المراد، فكانَ التوفيق من الله تعالى مقارناً لرأي أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ فيما رآه من تدبير الأَمرُ مَعَ أبي سُفيان، حتّى انتظَمَ بذلكَ للنبيُّ صلّی الله علیه و آله من فتح مَكّة ما أراد

في جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ يوم فتح مَكّة و الرايةُ بيده

فصل

وَ لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِدُخُولِ

ص: 134

مَكَّةَ بِالرَّايَةِ، غَلُظَ عَلَى اَلْقَوْمِ وَ أَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ مِنَ اَلْحَنَقِ عَلَيْهِمْ، وَ دَخَلَ وَ هُوَ يَقُولُ:

اَلْيَوْمُ يَوْمُ اَلْمَلْحَمَةِ *** اَلْيَوْمُ تُسْبَى (1)اَلْحُرَمَةُ

. فَسَمِعَهَا اَلْعَبَّاسُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله: أَ مَا تَسْمَعُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ مَا يَقُولُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ إِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ. فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَدْرِكْ - يَا عَلِيُّ - سَعْداً فَخُذِ اَلرَّايَةَ مِنْهُ، وَ كُنْ أَنْتَ اَلَّذِي يَدْخُلُ بِهَا مَكَّةَ» فَأَدْرَكَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَخَذَهَا مِنْهُ، وَ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ سَعْدٌ مِنْ دَفْعِهَا.

فكانَ تلافي الفارط من سَعد في هذا الأَمرُ بأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ، و لم يَرَ رسول الله صلّی الله علیه و آله أحدٌا من المهاجرين و الأَنّصار يَصْلَحُ لأَخَذَ الرايةُ من سيّد الأَنّصار سوى أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ، و عَلِمَ أَنّه لو رام ذلكَ غيرُهُ لامتَنَع سَعدُ عليه (2)، فكانَ في امتناعه فسادُ التدبير و اختلاف ُالكلمة بين الأَنّصار و المهاجرين، و لمّا لم يكن سَعدُ يَخْفِضُ جناحه لِأَحدٍ من المسلمين و كافَّهِ النّاس سوى النبيُّ صلّی الله علیه و آله و لم يكن وجه الرَّأْي تَوَلّي رسولِ الله عَلَیْهِ السَّلامُ أَخْذَ الرايةَ منه بنفسه، ولّى ذلكَ من يَقُومُ مقامَُه و لا يَتَمَيَّزُ عَنْهُ، و لا

ص: 135


1- في «ش» : تستحل، و ما أَثبتناهُ من «م» و هامش «ش» .
2- في هامش «ش» و «م» : منه.

يَعْظُمُ أحدٌ من المقَّرين بالملّة عن الطاعة له، و لا يَراه دَوَّنَهُ في الرتبة.

و في هذا من الفَضْل الذي تَخَصُّصُ به أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ ما لم يَشْرَكه فيه أحدٌ، و لا ساواه في نظيرٍ له مساوٍ، و كانَ عِلْمَ اللهِ تعالى و رسوله عَلَیْهِ السَّلامُ في تَمام المصلحةَ بإنفاذُ أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ دونَ غيره، ما كَشَفَ عن اصطفائه لجسيم (1)الأُمور، كما كانَ عِلْمَ الله تعالى فيمن اختاره للنُبوّة و كمالِ المصلحةَ ببِعْثته (2)كاشفا عن كونهم أفضلَ الخلق أجمعين

فصل

وَ كَانَ عَهْدُ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِلَى اَلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إِلَى مَكَّةَ، أَنْ لاَ يَقْتُلُوا بِهَا إِلاَّ مَنْ قَاتَلَهُمْ، وَ آمَنَ مَنْ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ اَلْكَعْبَةِ سِوَى نَفَرٍ كَانُوا يُؤْذُونَهُ صلّی الله علیه و آله مِنْهُمْ: مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ وَ اِبْنُ خَطَلٍ عَبْدُ اَلْعُزَّى وَ اِبْنُ أَبِي سَرْحٍ وَ قَيْنَتَانِ كَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ بِمَرَاثِي أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَتَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ إِحْدَى اَلْقَيْنَتَيْنِ وَ أَفْلَتَتِ اَلْأُخْرَى، حَتَّى اُسْتُومِنَ لَهَا بَعْدُ، فَضَرَبَهَا فَرَسٌ بِالْأَبْطَحِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ فَقَتَلَهَا. وَ قَتَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْحُوَيْرِثَ بْنَ نُقَيْذِ بْنِ

ص: 136


1- في هامش «ش» و «م» : لحسم.
2- في هامش «ش» و «م» : ببعثه.

كَعْبٍ (1) وَ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِمَكَّةَ .

وَ بَلَغَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ أَنَّ أُخْتَهُ أُمَّ هَانِئٍ قَدْ آوَتْ نَاساً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مِنْهُمُ: اَلْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَ قَيْسُ بْنُ اَلسَّائِبِ، فَقَصَدَ عَلَیْهِ السَّلامُ نَحْوَ دَارِهَا مُقَنِّعاً بِالْحَدِيدِ، فَنَادَى «أَخْرِجُوا مَنْ آوَيْتُمْ » قَالَ: فَجَعَلُوا يَذْرُقُونَ - وَ اَللَّهِ - كَمَا تَذْرُقُ اَلْحُبَارَى خَوْفاً مِنْهُ.

فَخَرَجَتْ أُمُّ هَانِئٍ - وَ هِيَ لاَ تَعْرِفُهُ - فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اَللَّهِ، أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ عَمِّ رَسُولِ اَللَّهِ وَ أُخْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ اِنْصَرِفْ عَنْ دَارِي. فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَخْرِجُوهُمْ » فَقَالَتْ: وَ اَللَّهِ لَأَشْكُوَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، فَنَزَعَ اَلْمِغْفَرَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفَتْهُ، فَجَاءَتْ تَشْتَدُّ حَتَّى اِلْتَزَمَتْهُ وَ قَالَتْ: فَدَيْتُكَ، حَلَفْتُ لَأَشْكُوَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: لَهَا: «اِذْهَبِي فَبَرِّي قَسَمَكِ فَإِنَّهُ بِأَعْلَى اَلْوَادِي».

قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: فَجِئْتُ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ هُوَ فِي قُبَّةٍ يَغْتَسِلُ، وَ فَاطِمَةُ عَلَیْهِ السَّلامُ تَسْتُرُهُ، فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله كَلاَمِي قَالَ: «مَرْحَباً بِكِ يَا أُمَّ هَانِئٍ وَ أَهْلاً » قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، أَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَقِيتُ مِنْ عَلِيٍّ اَلْيَوْمَ. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله «قَدْ أَجَرْتُ مَنْ أَجَرْتِ» فَقَالَتْ فَاطِمَةُ علیها

ص: 137


1- في طبقات ابن سَعدُ 136:2، و أَنّساب الأشراف 357:1، الحويرث بن نقيذ، و في سيرة ابن هشام 52:4، و تاريخ الطبريّ 59:3 الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عَبْد بن قصيّ.

السلام: «إِنَّمَا جِئْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ تَشْتَكِينَ عَلِيّاً فِي أَنَّهُ أَخَافَ أَعْدَاءَ اَللَّهِ وَ أَعْدَاءَ رَسُولِهِ!» فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «قَدْ شَكَرَ اَللَّهُ لِعَلِيٍّ سَعْيَهُ، وَ أَجَرْتُ مَنْ أَجَارَتْ أُمُّ هَانِئٍ لِمَكَانِهَا مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ»

وَ لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْمَسْجِدَ، وَجَدَ فِيهِ ثَلاَثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ صَنَماً، بَعْضُهَا مَشْدُودٌ بِبَعْضٍ بِالرَّصَاصِ، فَقَالَ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ :«أَعْطِنِي يَا عَلِيُّ كَفّاً مِنَ اَلْحَصَى» فَقَبَضَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ كَفّاً فَنَاوَلَهُ، فَرَمَاهَا بِهِ وَ هُوَ يَقُولُ (قُلْ جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ إِنَّ اَلْبٰاطِلَ كٰانَ زَهُوقاً)(1) فَمَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلاَّ خَرَّ لِوَجْهِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ مِنَ اَلْمَسْجِدِ فَطُرِحَتْ وَ كُسِرَتْ .

فصل

و فيما ذكرناه من أعمال أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في قَتْل من قَتَل من أعداء الله بمكَة ، و إخافة من أخاف، و معونةِ (2)رسول الله صلّی الله علیه و آله على تطهير المسجد من الأصنام، و شدّةِ بأسه في الله، و قطع الأرحام في طاعة الله أدلُّ دليلٍ على تَخَصُّصِه من الفَضْل بما لم يكن لِأَحدٍ منهم سهم فيه، حَسَبَ ما قدَّمناه.

ص: 138


1- الإسراء 81:17.
2- في «ش» و «م» : تقَوِيَة، و ما أَثبتناهُ من هامشهما.

فصل

ثُّمّ اتصل بفتح مَكّة إنفاذُ رسول الله صلّی الله علیه و آله خالدَ بن الوَليدُ إِلَى بني جَذِيمة بن عامر - و كانوا بالغُمَيْصاء (1)- يدعوهم إِلَى الله عزَّ و جلّ، و إنّما أَنّفذه (2)إليهم للترَة (3)الّتي كانت بينه و بينهم.

وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَصَابُوا فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ نِسْوَةً مِنْ بَنِي اَلْمُغِيرَةِ، وَ قَتَلُوا اَلْفَاكِهَ بْنَ اَلْمُغِيرَةِ - عَمَّ خَالِدِ بْنِ اَلْوَلِيدِ - وَ قَتَلُوا عَوْفاً -أَبَا عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِذَلِكَ، وَ أَنْفَذَ مَعَهُ عَبْدَ اَلرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لِلتِّرَةِ أَيْضاً اَلَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ، وَ لَوْ لاَ ذَلِكَ مَا رَأَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله خَالِداً أَهْلاً لِلْإِمَارَةِ عَلَى اَلْمُسْلِمِينَ. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَ خَالَفَ فِيهِ عَهْدَ اَللَّهِ وَ عَهْدَ رَسُولِهِ، وَ عَمِلَ فِيهِ عَلَى سُنَّةِ اَلْجَاهِلِيَّةِ، وَ اِطَّرَحَ حُكْمَ اَلْإِسْلاَمِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَبَرَأَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنْ صَنِيعِهِ، وَ تَلاَفَى فَارِطَهُ بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ. و قد شَرَحنا من ذلكَ في ما سلف ما يُغني عن تكراره في هذا المكان.

ص: 139


1- الغميصاء: موضع في بادية العرب قرب مكّة كانَ يسكنه بنو جذيمة بن عامر بن عَبْد مناة بن كنانة الذين أوقع بِهِم خالدَ بن الوَليدُ عام الفَتْحُ فقالَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «اللّهم إنّي أبرأ إليك مِمَّا صنع خالدَ» و وداهم على يدي عليّ بن أبي طالب. «معجم البلدان 4: 214» .
2- في هامش «ش» و «م» : نفّذ.
3- التّرة: الثأر. «مجمع البحرين - وتر - 508:3» .

في جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة حنين

فصل

ثُمَّ كَانَتْ غَزَاةُ حُنَيْنٍ حِينَ اِسْتَظْهَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِيهَا بِكَثْرَةِ اَلْجَمْعِ، فَخَرَجَ عَلَیْهِ السَّلامُ مُتَوَجِّهاً إِلَى اَلْقَوْمِ فِي عَشَرَةِ آلاَفٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، فَظَنَّ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ لَنْ يُغْلَبُوا لِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ جَمْعِهِمْ وَ كَثْرَةِ عِدَّتِهِمْ وَ سِلاَحِهِمْ، وَ أَعْجَبَ أَبَا بَكْرٍ اَلْكَثْرَةُ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: لَنْ نُغْلَبَ اَلْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ، فَكَانَ اَلْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلاَفِ مَا ظَنُّوهُ، وَ عَانَهُمْ (1)أَبُو بَكْرٍ بِعُجْبِهِ بِهِمْ.

فَلَمَّا اِلْتَقَوْا مَعَ اَلْمُشْرِكِينَ لَمْ يَلْبَثُوا حَتَّى اِنْهَزَمُوا بِأَجْمَعِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَعَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله إِلاَّ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ: تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً، وَ عَاشِرُهُمْ أَيْمَنُ، اِبْنُ أُمِّ أَيْمَنَ فَقُتِلَ أَيْمَنُ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - وَ ثَبَتَ اَلتِّسْعَةُ اَلْهَاشِمِيُّونَ حَتَّى ثَابَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَنْ كَانَ اِنْهَزَمَ، فَرَجَعُوا أَوَّلاً فَأَوَّلاً، حَتَّى تَلاَحَقُوا، وَ كَانَتِ اَلْكَرَّةُ لَهُمْ عَلَى اَلْمُشْرِكِينَ .

وَ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى وَ فِي إِعْجَابِ أَبِي بَكْرٍ بِالْكَثْرَةِ (وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ

ص: 140


1- عانَه: أصابه بالعين، و هو أثر عين الحاسد في المنظور. انظر «الصحاح - عين - 6: 2171» .

رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ)(1) يَعْنِي أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ مَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَوْمَئِذٍ وَ هُمْ ثَمَانِيَةٌ - أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ تَاسِعُهُمْ -

اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اَللَّهِ .

وَ اَلْفَضْلُ بْنُ اَلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ عَنْ يَسَارِهِ.

وَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ اَلْحَارِثِ مُمْسِكٌ بِسَرْجِهِ عِنْدَ ثَفَر (2) . َبَغْلَتِهِ.

وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسَّيْفِ.

وَ نَوْفَلُ بْنُ اَلْحَارِثِ وَ رَبِيعَةُ بْنُ اَلْحَارِثِ، وَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ، وَ عُتْبَةُ وَ مُعَتِّبٌ اِبْنَا أَبِي لَهَبٍ حَوْلَهُ.

وَ قَدْ وَلَّتِ اَلْكَافَّةُ مُدْبِرِينَ سِوَى مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ عُبَادَةَ اَلْغَافِقِيُّ

لَمْ يُوَاسِ اَلنَّبِيَّ غَيْرُ بَنِي هَا *** شِمٍ عِنْدَ اَلسُّيُوفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ

هَرَبَ اَلنَّاسُ غَيْرَ تِسْعَةِ رَهْطٍ *** فَهُمْ يَهْتِفُونَ بِالنَّاسِ أَيْنَ

ثُمَّ قَامُوا مَعَ اَلنَّبِيِّ عَلَى اَلْمَوْتِ *** فَآبُوا زَيْناً لَنَا غَيْرَ شَيْنٍ

وَ ثَوَى أَيْمَنُ اَلْأَمِينُ مِنَ اَلْقَوْ *** مِ شَهِيداً فَاعْتَاضَ قُرَّةَ عَيْنٍ.

وَ قَالَ اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ فِي هَذَا اَلْمَقَامِ:

نَصَرْنَا رَسُولَ اَللَّهِ فِي اَلْحَرْبِ تِسْعَةً *** وَ قَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا

ص: 141


1- 9: 25- 26
2- الثفر:السیر الذی فی موخر السرّج «لسان العرب -ثفر -105:4 »

وَ قَوْلِي إِذَا مَا اَلْفَضْلُ شَدَّ بِسَيْفِهِ *** عَلَى اَلْقَوْمِ أُخْرَى - يَا بُنَيَّ - لِيَرْجِعُوا

وَ عَاشِرُنَا لاَقَى اَلْحِمَامَ بِنَفْسِهِ *** لِمَا نَالَهُ فِي اَللَّهِ لاَ يَتَوَجَّعُ.

يَعْنِي بِهِ أَيْمَنَ اِبْنَ أُمِّ أَيْمَنَ .

وَ لَمَّا رَأَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله هَزِيمَةَ اَلْقَوْمِ عَنْهُ، قَالَ لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ - وَ كَانَ رَجُلاً جَهْوَرِيّاً صَيِّتاً - «نَادِ فِي اَلْقَوْمِ وَ ذَكِّرْهُمُ اَلْعَهْدَ» فَنَادَى اَلْعَبَّاسُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَهْلَ بَيْعَةِ اَلشَّجَرَةِ (1) يَا أَصْحَابَ سُورَةِ اَلْبَقَرَةِ (2) إِلَى أَيْنَ تَفِرُّونَ ؟ اُذْكُرُوا اَلْعَهْدَ اَلَّذِي عَاهَدْتُمْ (3)عَلَيْهِ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، وَ اَلْقَوْمُ عَلَى وُجُوهِهِمْ قَدْ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَ كَانَتْ لَيْلَةً ظَلْمَاءَ، وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فِي اَلْوَادِي وَ اَلْمُشْرِكُونَ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْهِ مِنْ شِعَابِ اَلْوَادِي وَ جَنَبَاتِهِ وَ مَضَايِقِهِ مُصْلِتِينَ بِسُيُوفِهِمْ وَ عُمُدِهِمْ وَ قِسِيِّهِمْ.

قَالُوا: فَنَظَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِلَى اَلنَّاسِ بِبَعْضِ وَجْهِهِ فِي اَلظَّلْمَاءِ، فَأَضَاءَ كَأَنَّهُ اَلْقَمَرُ لَيْلَةَ اَلْبَدْرِ. ثُمَّ نَادَى اَلْمُسْلِمِينَ: «أَيْنَ مَا عَاهَدْتُمُ اَللَّهَ عَلَيْهِ؟» فَأَسْمَعَ أَوَّلَهُمْ وَ آخِرَهُمْ ، فَلَمْ يَسْمَعْهَا رَجُلٌ إِلاَّ رَمَى بِنَفْسِهِ إِلَى اَلْأَرْضِ فَانْحَدَرُوا إِلَى حَيْثُ كَانُوا مِنَ اَلْوَادِي، حَتَّى لَحِقُوا بِالْعَدُوِّ فَوَاقَعُوهُ.

قَالُوا: وَ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ، بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ طَوِيلٍ أَمَامَ اَلْقَوْمِ، إِذَا أَدْرَكَ ظَفَراً مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ

ص: 142


1- فی هامش«ش» و«م» :«الشجرتُ - البقَرَت ، کذا قالَ وهو وقفٌ التاء دونَ الهاء»
2- فی هامش«ش» و«م» :«الشجرتُ - البقَرَت ، کذا قالَ وهو وقفٌ التاء دونَ الهاء»
3- في الأصل: عاهدكم. و ما أَثبتناهُ من نسخة العلاّمة المجلسي في البحار.

أَكَبَّ عَلَيْهِمْ، وَ إِذَا فَاتَهُ اَلنَّاسُ رَفَعَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ فَاتَّبَعُوهُ، وَ هُوَ يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ:

أَنَا أَبُو جَرْوَلٍ لاَ بَرَاحَ *** حَتَّى نُبِيحَ اَلْقَوْمَ (1)أَوْ نُبَاحَ.

فَصَمَدَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَضَرَبَ عَجُزَ بَعِيرِهِ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَقَطَّرَهُ (2)،ثُمَّ قَالَ:

قَدْ عَلِمَ اَلْقَوْمُ لَدَى اَلصَّبَاحِ *** أَنِّي فِي اَلْهَيْجَاءِ ذُو نَصَاحٍ.

فَكَانَتْ هَزِيمَةُ اَلْمُشْرِكِينَ بِقَتْلِ أَبِي جَرْوَلٍ لَعَنَهُ اَللَّهُ.

ثُمَّ اِلْتَأَمَ اَلْمُسْلِمُونَ وَ صَفُّوا لِلْعَدُوِّ، فَقَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «اَللَّهُمَّ إِنَّكَ أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالاً فَأَذِقْ آخِرَهَا نَوَالاً» وَ تَجَالَدَ اَلْمُسْلِمُونَ وَ اَلْمُشْرِكُونَ، فَلَمَّا رَآهُمُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ قَامَ فِي رِكَابَيْ سَرْجِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَ قَالَ: اَلْآنَ حَمِيَ اَلْوَطِيسُ (3)

أَنَا اَلنَّبِيُّ لاَ كَذِبَ *** أَنَا بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ .

فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ وَلَّى اَلْقَوْمُ أَدْبَارَهُمْ، وَ جِيءَ بِالْأَسْرَى إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مُكَتَّفِينَ.

ص: 143


1- في هامش «ش» و «م» : اليوم، هكذا.
2- قطّره: ألقاه على أحدٌ جانبيُّه، أسقطه. «الصحاح - قطر - 796:2» .
3- حمي الوطيس: هي كلمة لم تسمع الاّ منه صلّى اللّه عليه و آله، و هو من فصيح الكلام، قالَ الأصمعي: يضرب مثلا للأمر إذا اشتد. «لسان العرب - وطس - 255:6» .

وَ لَمَّا قَتَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ أَبَا جَرْوَلٍ وَ خُذِلَ اَلْقَوْمُ لِقَتْلِهِ، وَضَعَ اَلْمُسْلِمُونَ سُيُوفَهُمْ فِيهِمْ، وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقْدُمُهُمْ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً مِنَ اَلْقَوْمِ، ثُمَّ كَانَتِ اَلْهَزِيمَةُ وَ اَلْأَسْرُ حِينَئِذٍ، وَ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي هَذِهِ اَلْغَزَاةِ، فَانْهَزَمَ فِي جُمْلَةِ مَنِ اِنْهَزَمَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ .

فَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ: لَقِيتُ أَبِي مُنْهَزِماً مَعَ بَنِي أَبِيهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَصِحْتُ بِهِ: يَا اِبْنَ حَرْبٍ وَ اَللَّهِ مَا صَبَرْتَ مَعَ اِبْنِ عَمِّكَ، وَ لاَ قَاتَلْتَ عَنْ دِينِكَ، وَ لاَ كَفَفْتَ هَؤُلاَءِ اَلْأَعْرَابَ عَنْ حَرِيمِكَ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مُعَاوِيَةُ، قَالَ: اِبْنُ هِنْدٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، ثُمَّ وَقَفَ فَاجْتَمَعَ مَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَ اِنْضَمَمْتُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ حَمَلْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ فَضَعْضَعْنَاهُمْ، وَ مَا زَالَ اَلْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ اَلْمُشْرِكِينَ وَ يَأْسِرُونَ مِنْهُمْ حَتَّى اِرْتَفَعَ اَلنَّهَارُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِالْكَفِّ عَنْهُ وَ نَادَى: أَنْ لاَ يُقْتَلَ أَسِيرٌ مِنَ اَلْقَوْمِ.

وَ كَانَتْ هُذَيْلٌ بَعَثَتْ رَجُلاً يُقَالُ لَهُ اِبْنُ اَلْأَكْوَعِ (1)أَيَّامَ اَلْفَتْحِ عَيْناً عَلَى اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ حَتَّى عَلِمَ عِلْمَهُ، فَجَاءَ إِلَى هُذَيْلٍ بِخَبَرِهِ فَأُسِرَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَمَرَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ، فَلَمَّا رَآهُ أَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ اَلْأَنْصَارِ وَ قَالَ: عَدُوُّ اَللَّهِ اَلَّذِي كَانَ عَيْناً عَلَيْنَا، هَا هُوَ أَسِيرٌ فَاقْتُلْهُ، فَضَرَبَ اَلْأَنْصَارِيُّ عُنُقَهُ، وَ بَلَغَ ذَلِكَ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله فَكَرِهَهُ وَ قَالَ: «أَ لَمْ آمُرْكُمْ أَنْ لاَ تَقْتُلُوا أَسِيراً!».

ص: 144


1- في «ش» و هامش «م» : ابن الأَنّوع.

وَ قُتِلَ بَعْدَهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ زُهَيْرٍ وَ هُوَ أَسِيرٌ.

فَبَعَثَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى اَلْأَنْصَارِ وَ هُوَ مُغْضَبٌ فَقَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى قَتْلِهِ وَ قَدْ جَاءَكُمُ اَلرَّسُولُ أَلاَّ تَقْتُلُوا أَسِيراً؟» فَقَالُوا: إِنَّمَا قَتَلْنَا بِقَوْلِ عُمَرَ . فَأَعْرَضَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حَتَّى كَلَّمَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي اَلصَّفْحِ عَنْ ذَلِكَ.

وَ قَسَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي قُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَ أَجْزَلَ اَلْقِسْمَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ كَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَ اَلْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَ هِشَامِ بْنِ اَلْمُغِيرَةِ، وَ اَلْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فِي أَمْثَالِهِمْ.

وَ قِيلَ: إِنَّهُ جَعَلَ لِلْأَنْصَارِ شَيْئاً يَسِيراً، وَ أَعْطَى اَلْجُمْهُورَ لِمَنْ سَمَّيْنَاهُ، فَغَضِبَ قَوْمٌ مِنَ اَلْأَنْصَارِ لِذَلِكَ، وَ بَلَغَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَنْهُمْ مَقَالٌ سَخِطَهُ، فَنَادَى فِيهِمْ فَاجْتَمَعُوا ثُمَّ قَالَ: لَهُمُ:

«اِجْلِسُوا، وَ لاَ يَقْعُدُ مَعَكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ» فَلَمَّا قَعَدُوا جَاءَ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ يَتْبَعُهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ حَتَّى جَلَسَ وَسْطَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ فَأَجِيبُونِي عَنْهُ » فَقَالُوا قُلْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ قَالَ:

«أَ لَسْتُمْ كُنْتُمْ ضَالِّينَ فَهَدَاكُمُ اَللَّهُ بِي؟ فَقَالُوا: بَلَى، فَلِلَّهِ اَلْمِنَّةُ وَ لِرَسُولِهِ.

قَالَ: «أَ لَمْ تَكُونُوا عَلىٰ شَفٰا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّٰارِ، فَأَنْقَذَكُمْ اَللَّهُ بِي؟ قَالُوا بَلَى، فَلِلَّهِ اَلْمِنَّةُ وَ لِرَسُولِهِ. . قَالَ: «أَ لَمْ تَكُونُوا قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمُ اَللَّهُ بِي؟ قَالُوا بَلَى، فَلِلَّهِ اَلْمِنَّةُ وَ لِرَسُولِهِ. قَالَ: «أَ لَمْ تَكُونُوا أَعْدَاءً فَأَلَّفَ اَللَّهُ

ص: 145

بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِي؟ قَالُوا: بَلَى،فَلِلَّهِ اَلْمِنَّةُ وَ لِرَسُولِهِ.

ثُمَّ سَكَتَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله هُنَيْهَةً ثُمَّ قَالَ: «أَ لاَ تُجِيبُونِي بِمَا عِنْدَكُمْ؟» قَالُوا: بِمَ نُجِيبُكَ فِدَاكَ آبَاؤُنَا وَ أُمَّهَاتُنَا، قَدْ أَجَبْنَاكَ بِأَنَّ لَكَ اَلْفَضْلَ وَ اَلْمَنَّ وَ اَلطَّوْلَ عَلَيْنَا. قَالَ: «أَمْ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: وَ أَنْتَ قَدْ كُنْتَ جِئْتَنَا طَرِيداً فَآوَيْنَاكَ، وَ جِئْتَنَا خَائِفاً فَآمَنَّاكَ، وَ جِئْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ»

فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْبُكَاءِ وَ قَامَ شُيُوخُهُمْ وَ سَادَاتُهُمْ إِلَيْهِ فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ، قَالُوا بَلَى، ثُمَّ قَالُوا: رَضِينَا بِاللَّهِ وَ عَنْهُ، وَ بِرَسُولِهِ وَ عَنْهُ، وَ هَذِهِ أَمْوَالُنَا بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْسِمْهَا عَلَى قَوْمِكَ، وَ إِنَّمَا قَالَ: مَنْ قَالَ: مِنَّا عَلَى غَيْرِ وَغْرِ صَدْرٍ (1)وَ غِلٌّ ٍّ فِي قَلْبٍ، وَ لَكِنَّهُمْ ظَنُّوا سَخَطاً عَلَيْهِمْ وَ تَقْصِيراً بِهِمْ وَ قَدِ اِسْتَغْفَرُوا اَللَّهَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَ لِأَبْنَاءِ اَلْأَنْصَارِ. وَ لِأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ اَلْأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ اَلْأَنْصَارِ أَ مَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ غَيْرُكُمْ بِالشَّاةِ وَ اَلنَّعَمِ، وَ تَرْجِعُونَ أَنْتُمْ وَ فِي سَهْمِكُمْ رَسُولُ اَللَّهِ؟» قَالُوا: بَلَى رَضِينَا فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «اَلْأَنْصَارُ كَرِشِي وَ عَيْبَتِي (2)،لَوْ سَلَكَ اَلنَّاسُ وَادِياً وَ سَلَكَتِ اَلْأَنْصَارُ ،شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ اَلْأَنْصَارِ اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ».

وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَعْطَى اَلْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَرْبَعاً مِنَ اَلْإِبِلِ يَوْمَئِذٍ فَسَخِطَهَا، وَ أَنْشَأَ يَقُولُ:

ص: 146


1- وغر الصدر: الضغن و العداوة. «الصحاح - وغر - 846:2» .
2- في الحديثٌ: «الأَنّصار كرشي و عيبتي» أراد أَنّّهم بطانته و موضع سرّه و أمانته و الذين يعتَمّد عليهم في أموره. «النهاية 163:4» .

(أَ تَجْعَلُ نَهْبِي) (1)وَ نَهْبَ اَلْعُبَيْ *** دِ (2) بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَ اَلْأَقْرَعِ

فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَ لاَ حَابِسٌ *** يَفُوقَانِ شَيْخِي فِي اَلْمَجْمَعِ

وَ مَا كُنْتُ دُونَ اِمْرِئٍ مِنْهُمَا *** وَ مَنْ تَضَعِ اَلْيَوْمَ لاَ يُرْفَعْ

فَبَلَغَ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله قَوْلُهُ فَاسْتَحْضَرَهُ وَ قَالَ لَهُ : «أَنْتَ اَلْقَائِلُ:

أَ تَجْعَلُ نَهْبِي وَ نَهْبَ اَلْعُبَيْ *** دِ بَيْنَ اَلْأَقْرَعِ وَ عُيَيْنَةَ»

فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، لَسْتَ بِشَاعِرٍ، قَالَ: «وَ كَيْفَ؟» قالَ، قَالَ:بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَ اَلْأَقْرَعِ

فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ:«قُمْ - يَا عَلِيُّ - إِلَيْهِ فَاقْطَعْ لِسَانَهُ»(3)

قَالَ: فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ: فَوَ اَللَّهِ لَهَذِهِ اَلْكَلِمَةُ كَانَتْ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ يَوْمِ خَثْعَمٍ حِينَ أَتَوْنَا فِي دِيَارِنَا. فَأَخَذَ بِيَدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي، طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَانْطَلَقَ بِي، وَ لَوْ أَرَى أَنَّ أَحَداً يُخَلِّصُنِي مِنْهُ لَدَعَوْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا

ص: 147


1- في سيرة ابن هشام 132:4، و مغازي الواقدي 947:3، و الطبريّ 91:3 «فأصبح نهبي» .
2- العُبَيد: كزبير، فرس. «القاموس المحيط - عَبْد - 311:1» .
3- جَاَءَ في حاشية «ش» و «م» ما لفظه: ذكروا لما قالَ النبيُّ ّّ عليه السلام: «اقطعوا عنّي لسانه» قام عُمَربن الخَطّاب فأهوى إِلَى شفرة كانت في وسطه ليسلّها فيقطع بها لسانه، فقالَ النبيُّ ّّ عليه السلام لأَميرُالمؤمنين عليه السلام: «قم أَنّت فاقطع لسانه» أو كما قالَ.

عَلِيُّ ، إِنَّكَ لَقَاطِعٌ لِسَانِي؟ قَالَ: «إِنِّي لَمُمْضٍ فِيكَ مَا أُمِرْتُ».

قَالَ: ثُمَّ مَضَى بِي فَقُلْتُ: يَا عَلِيُّ إِنَّكَ لَقَاطِعٌ لِسَانِي؟ قَالَ: «إِنِّي لَمُمْضٍ فِيكَ مَا أُمِرْتُ» قَالَ: فَمَا زَالَ بِي حَتَّى أَدْخَلَنِي اَلْحَظَائِرَ (1)فَقَالَ لِي: «اِعْتَدَّ مَا بَيْنَ أَرْبَعٍ إِلَى مِائَةٍ» قَالَ، قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي، مَا أَكْرَمَكُمْ وَ أَحْلَمَكُمْ وَ أَعْلَمَكُمْ!

قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَعْطَاكَ أَرْبَعاً وَ جَعَلَكَ مَعَ اَلْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ شِئْتَ فَخُذْهَا، وَ إِنْ شِئْتَ فَخُذِ اَلْمِائَةَ وَ كُنْ مَعَ أَهْلِ اَلْمِائَةِ»

قَالَ، قُلْتُ أَشِرْ عَلَيَّ قَالَ: «فَإِنِّي آمُرُكَ أَنْ تَأْخُذَ مَا أَعْطَاكَ وَ تَرْضَى»

قُلْتُ: فَإِنِّي أَفْعَلُ .

فصل

وَ لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ طُوَالٌ آدَمُ أَجْنَأُ (2)، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ اَلسُّجُودِ، فَسَلَّمَ وَ لَمْ يَخُصَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُكَ وَ مَا صَنَعْتَ فِي هَذِهِ اَلْغَنَائِمِ. قَالَ:

«وَ كَيْفَ رَأَيْتَ؟» قَالَ: لَمْ أَرَكَ عَدَلْتَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه

ص: 148


1- الحظائر: جمع حظيرة، و هي ما يَعُمُّل للإبل من شجر يقيها الحرّ و البرد. «مجمع البحرين - حَظْرِ - 273:3» .
2- الأجنأ: الِأَحدٍب. «لسان العرب - جنأ - 50:1» .

و آله وَ قَالَ: «وَيْلَكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ اَلْعَدْلُ عِنْدِي فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ!»

فَقَالَ: اَلْمُسْلِمُونَ: أَ لاَ نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: «دَعُوهُ سَيَكُونُ لَهُ أَتْبَاعٌ يَمْرُقُونَ مِنَ اَلدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ اَلسَّهْمُ مِنَ اَلرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُهُمُ اَللَّهُ عَلَى يَدِ أَحَبِّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ مِنْ بَعْدِي»

فَقَتَلَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فِيمَنْ قَتَلَ يَوْمَ اَلنَّهْرَوَانِ مِنَ اَلْخَوَارِجِ .

فصل

فانظر الآن إِلَى مناقب أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في هذه الغَزاة، و تأَمَّلها و فَكِّرْ في معانَيها، تجده عَلَیْهِ السَّلامُ قد تَوَلَّى كلَّ فضلٍ كانَ فيها، و اختَصَّ من ذلكَ بما لم يَشْرَكه فيه أحدٌ من الأُمَّة.

و ذلكَ أَنّه عَلَیْهِ السَّلامُ ثَبَتَ مَعَ النبيُّ صلّی الله علیه و آله عند انهزامِ كافَّةِ النّاس، إلّا النَفَر الذين كانَ ثبوتُهم بثبوته عَلَیْهِ السَّلامُ.

و ذلكَ أَنّا قد أحطنا عِلْمَا بتقدُّمه عَلَیْهِ السَّلامُ في الشجاعة و البَأْس و الصَبر و النَجْدة، على العبّاس و الفَضْل - ابنه - و أبي سُفيان بن الحارِث، و النَفَر الباقين لظُهُورِ أمرُه في المقامُات الّتي لم يَحْضرْها أحدٌ منهم، و اشتهار خَبَرُه في مُنازَلَةِ الأَقران و قَتْل الأَبطال، و لم يُعرَف لِأَحدٍ من هؤلاء مقامُ من مقامُاته، و لا قَتيلٌ عُزِيَ إليهم بالذِكر.

فعُلِمَ بذلكَ أَنّ ثبوتُهم كانَ به عَلَیْهِ السَّلامُ و لولاه كانت

ص: 149

الجنِّايةُ على الدين لا تُتَلافى، و أَنّ بمَقامه ذلكَ المَقام و صَبرِه مَعَ النبيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ كانَ رُجُوعُ المسلمين إِلَى الحَرْب و تشجُّعِهم في لقاء العَدُوٍّ.

ثُّمّ كانَ مِن قَتْلُه أبا جَرْوَل متقدّمَ المشركين ما كانَ هو السببَ في هَزيمة القَوْم و ظَفَر المسلمين بِهِم، و كانَ من قَتْلُه عَلَیْهِ السَّلامُ الأربعين الذين تَوَلَّى قَتْلَهم الوهنُ على المشركين و سببُ خذلانهم و هَلَعِهم، و ظَفَر المسلمين بِهِم، و كانَ من بَلِيَّةِ المتقدّمَ عليه في مقامُ الخِلافةِ من بعد رسول الله صلّی الله علیه و آله أَنّ عانَ المسلمينَ بإعجابه بالكَثرةِ، فكانَت هَزيمتُهم بسبب ذلكَ، أو كانَ أحدٌ أسبابها.

ثُّمّ كانَ من صاحبَه في قَتَل الأسرى من القَوْم و قد نَهَى النبيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ عن قَتْلَهم، ما ارتكب به عظيمَ الخلاف لله تعالى و لرسوله، حتّى أغضبه ذلكَ و آسَفَه فأَنّكره و أكبره.

و كانَ من صَلاح أمر الأَنّصار بمعونته للنبيُّ صلّی الله علیه و آله في جمعهم و خطابهم، ما قَوِيَ به الدين و زال به الخوفُ من الفتنة الّتي أظلت القَوْم بسبب القسمة، فساهم رسول الله صلّی الله علیه و آله في فضل ذلكَ و شركه فيه دونَ من سواه.

و تَوَلَّى من أمر العبّاس بن مِرداس ما كانَ سببَ استقرار الإيمان في قلبه و زَوال الرَيْب في الدين من نفسه، و الانقياد إِلَى رسول الله صلّی الله علیه و آله و الطاعة لأَمره و الرضا بحكمه.

ثُّمّ جَعَلَ رسولُ الله صلّی الله علیه و آله الحُكْمَ على المُعترِض في قضائه عَلَماً على حق أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في فعاله، و صوابه في

ص: 150

حَرُوبه، و نَبَّه على وجوب طاعته و حَظْرِ معصيته، و أَنّ الحَقَّ في حَيِّزه و جَنْبَتِه، و شَهِدَ له بأَنّه خيرُ الخليقة.

و هذا يُباين ما كانَ من خُصومة الغاصبين لمقامُه من الفعال، و يُضادُّ ما كانوا عليه من الأعمال، و يُخْرِجُهم من الفَضْل إِلَى النَقْص الذي يُوبِقُ صاحبَه - أو يكاد - فضلاً عن سُمُّوه على أعمال المُخْلِصين في تلكَ الغَزاة و قُرْبهم بالجهاد الذي تَوَلَّوه، فبانوا به ممّن ذكرناه بالتقصير الذي وصفناه.

في جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في أوطاس و الطائفَ

فصل

وَ لَمَّا فَضَّ اَللَّهُ تَعَالَى جَمْعَ اَلْمُشْرِكِينَ بِحُنَيْنٍ، تَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ: فَأَخَذَتِ اَلْأَعْرَابُ وَ مَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى أَوْطَاسٍ (1)، وَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ وَ مَنْ تَبِعَهَا إِلَى اَلطَّائِفِ. فَبَعَثَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله أَبَا عَامِرٍ اَلْأَشْعَرِيَّ إِلَى أَوْطَاسٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو مُوسَى اَلْأَشْعَرِيُّ، وَ بَعَثَ أَبَا سُفْيَانَ صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ إِلَى اَلطَّائِفِ .

فَأَمَّا أَبُو عَامِرٍ فَإِنَّهُ تَقَدَّمَ بِالرَّايَةِ وَ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ اَلْمُسْلِمُونَ لِأَبِي مُوسَى: أَنْتَ اِبْنُ عَمِّ اَلْأَمِيرِ وَ قَدْ قُتِلَ، فَخُذِ اَلرَّايَةَ حَتَّى نُقَاتِلَ دُونَهَا، فَأَخَذَهَا أَبُو مُوسَى، فَقَاتَلَ اَلْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ.

وَ أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَإِنَّهُ لَقِيَتْهُ ثَقِيفٌ فَضَرَبُوهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَانْهَزَمَ وَ رَجَعَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: بَعَثْتَنِي مَعَ قَوْمٍ لاَ يُرْقَعُ بِهِمُ

ص: 151


1- أوطاس: واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين. «معجم البلدان 281:1» .

اَلدِّلاَءُ مِنْ هُذَيْلٍ وَ اَلْأَعْرَابِ فَمَا أَغْنَوْا عَنِّي شَيْئاً فَسَكَتَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله عَنْهُ.

ثُمَّ سَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى اَلطَّائِفِ، فَحَاصَرَهُمْ أَيَّاماً، وَ أَنْفَذَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي خَيْلٍ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَطَأَ مَا وَجَدَ وَ يَكْسِرَ كُلَّ صَنَمٍ وَجَدَهُ.

فَخَرَجَ حَتَّى لَقِيَتْهُ خَيْلُ خَثْعَمٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَبَرَزَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ اَلْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ شِهَابٌ، فِي غَبَشِ اَلصُّبْح ِ فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «مَنْ لَهُ؟» فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَوَثَبَ أَبُو اَلْعَاصِ بْنُ اَلرَّبِيعِ زَوْجُ بِنْتِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: تُكْفَاهُ أَيُّهَا اَلْأَمِيرُ، فَقَالَ:«لاَ،وَ لَكِنْ إِنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ عَلَى اَلنَّاسِ» فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ هُوَ يَقُولُ:

إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئِيسٍ حَقّاً *** أَنْ يَرْوِيَ اَلصَّعْدَةَ (1)أَوْ تُدَقَّا (2).

ثُمَّ ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَ مَضَى فِي تِلْكَ اَلْخَيْلِ حَتَّى كَسَرَ اَلْأَصْنَامَ، وَ عَادَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ هُوَ مُحَاصِرٌ لِأَهْلِ اَلطَّائِفِ.

فَلَمَّا رَآهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله كَبَّرَ لِلْفَتْحِ، وَ أَخَذَ بِيَدِهِ فَخَلاَ بِهِ وَ نَاجَاهُ طَوِيلاً .

ص: 152


1- الصعدة: القناة المستوية من منبتها لا تحتاج إِلَى تعَدِيّل. انظر «الصحاح - صعد - 2: 498» .
2- في هامش «م» : تندقّا.

فَرَوَى عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ سَيَابَةَ وَ اَلْأَجْلَحُ - جَمِيعاً - عَنْ أَبِي اَلزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لَمَّا خَلاَ بِعَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ يَوْمَ اَلطَّائِفِ، أَتَاهُ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ فَقَالَ: أَ تُنَاجِيهِ دُونَنَا وَ تَخْلُو بِهِ دُونَنَا فَقَالَ: «يَا عُمَرُ» مَا أَنَا اِنْتَجَيْتُهُ، بَلِ اَللَّهُ اِنْتَجَاهُ» (1)

قَالَ: فَأَعْرَضَ عُمَرُ وَ هُوَ يَقُولُ: هَذَا كَمَا قُلْتَ لَنَا قَبْلَ اَلْحُدَيْبِيَةِ: (لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ) (2) فَلَمْ نَدْخُلْهُ وَ صُدِدْنَا عَنْهُ، فَنَادَاهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّكُمْ تَدْخُلُونَهُ فِي ذَلِكَ اَلْعَامِ». (3)

ثُّمّ خَرَجَ من حِصْن الطائفَ نافع بن غيلان بن مُعْتِب في خَيْلٍ من ثَقِيفٍ، فلَقِيَه أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بِبَطْن وج (4)فقَتْلُه، و انهزم المشركون و لَحِقَ القَوْم الرعبُ، فنَزَل منهم جماعةُ إِلَى النبيُّ صلّی الله علیه و آله فأسلموا، و كانَ حصار النبيُّ صلّی الله علیه و آله الطائفَ بَضْعَةَ عشر يوماً .

ص: 153


1- روي باختلاف يسير في سنن الترمذي 303:5، تأريخ بغداد 402:7، مناقب المغازلي:124، أسَد الغابة 27:4، كفاية الطالب:327.
2- الفَتْحُ 27:48.
3- إعلام الورى:124، و انظر قطع منه في سنن الترمذي 639:5 / 3726، جامع الأصول 658:8 / 6505، تاريخ بغداد 402:7، مناقب المغازلي:124 / 163، كفاية الطالب:327، أسَد الغابة 27:4، مصباح الأَنّوار:88، كنز العمّال 11: 625 / 33098 عن الترمذي و الطبراني.
4- وجّ: الطائفَ. «معجم البلدان 361:5» .

فصل

و هذه الغَزاةُ أيضاً مِمَّا خَصَّ الله تعالى فيها أَميرَالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بما انفرد به من كافَّة النّاس، و كانَ الفَتْحُ فيها على يده، و قَتْلِ من قُتِلَ من خَثْعم به دونَ سواه، و حَصَلَ له من المناجاة الّتي أضافها رسول الله صلّی الله علیه و آله إِلَى الله - عزَّ اِسْمُهَ - ما ظَهَرَ به من فضله و خصوصيَّته من الله تعالى بما بَانَ به من كافَّةَ الخلق، و كانَ من عدوه فيها ما دلَّ على باطنه و كَشَفَ الله تعالى به عن حقيقة سِرِّه و ضميره، و في ذلكَ عبرة لأوّلَي الأَلباب.

في استخلاف علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة تبوك

فصل

ثُمَّ كَانَتْ غَزَاةُ تَبُوكَ فَأَوْحَى اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اِسْمُهُ إِلَى نَبِيِّهِ صلّی الله علیه و آله: أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَ يَسْتَنْفِرَ اَلنَّاسَ لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، وَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى حَرْبٍ، وَ لاَ يُمْنَى بِقِتَالِ عَدُوٍّ، وَ أَنَّ اَلْأُمُورَ تَنْقَادُ لَهُ بِغَيْرِ سَيْفٍ، وَ تَعَبَّدَهُ بِامْتِحَانِ أَصْحَابِهِ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ وَ اِخْتِبَارِهِمْ، لِيَتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ وَ تَظْهَرَ سَرَائِرُهُمْ.

فَاسْتَنْفَرَهُمُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله إِلَى بِلاَدِ اَلرُّومِ، وَ قَدْ أَيْنَعَتْ ثِمَارُهُمْ وَ اِشْتَدَّ اَلْقَيْظُ عَلَيْهِمْ، فَأَبْطَأَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ رَغْبَةً فِي اَلْعَاجِلِ، وَ حِرْصاً عَلَى اَلْمَعِيشَةِ وَ إِصْلاَحِهَا، وَ خَوْفاً مِنْ شِدَّةِ اَلْقَيْظِ

ص: 154

وَ بُعْدِ اَلْمَسَافَةِ (1)وَ لِقَاءِ اَلْعَدُوِّ، ثُمَّ نَهَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى اِسْتِثْقَالٍ لِلنُّهُوضِ وَ تَخَلَّفَ آخَرُونَ.

وَ لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْخُرُوجَ اِسْتَخْلَفَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ أَزْوَاجِهِ وَ مُهَاجَرِهِ، وَ قَالَ لَهُ، «يَا عَلِيُّ إِنَّ اَلْمَدِينَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ بِي أَوْ بِكَ»

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلِمَ مِنْ خُبْثِ نِيَّاتِ اَلْأَعْرَابِ، وَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَ مَنْ حَوْلَهَا، مِمَّنْ غَزَاهُمْ وَ سَفَكَ دِمَاءَهُمْ، فَأَشْفَقَ أَنْ يَطْلُبُوا اَلْمَدِينَةَ عِنْدَ نَأْيِهِ عَنْهَا وَ حُصُولِهِ بِبِلاَدِ اَلرُّومِ أَوْ نَحْوِهَا فَمَتَى لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ مَعَرَّتِهِمْ، وَ إِيقَاعِ اَلْفَسَادِ فِي دَارِ هِجْرَتِهِ، وَ اَلتَّخَطِّي إِلَى مَا يَشِينُ أَهْلَهُ وَ مُخَلَّفِيهِ.

وَ عَلِمَ عَلَیْهِ السَّلامُ أَنَّهُ لاَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إِرْهَابِ اَلْعَدُوِّ وَ حِرَاسَةِ دَارِ اَلْهِجْرَةِ وَ حِيَاطَةِ مَنْ فِيهَا ، إِلاَّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَاسْتَخْلَفَهُ اِسْتِخْلاَفاً ظَاهِراً، وَ نَصَّ عَلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ مِنْ بَعْدِهِ نَصّاً جَلِيّاً.

وَ ذَلِكَ فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ اَلرِّوَايَةُ أَنَّ أَهْلَ اَلنِّفَاقِ لَمَّا عَلِمُوا بِاسْتِخْلاَفِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلْمَدِينَةِ، حَسَدُوهُ لِذَلِكَ وَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ مُقَامُهُ فِيهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَ عَلِمُوا أَنَّهَا تَنْحَرِسُ بِهِ، وَ لاَ يَكُونُ لِلْعَدُوِّ فِيهَا مَطْمَعٌ، فَسَاءَهُمْ ذَلِكَ، وَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ خُرُوجَهُ مَعَهُ، لِمَا يَرْجُونَهُ مِنْ وُقُوعِ اَلْفَسَادِ وَ اَلاِخْتِلاَطِ عِنْدَ نَأْيِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله عَنِ اَلْمَدِينَةِ، وَ خُلُوِّهَا مِنْ مَرْهُوبٍ مَخُوفٍ يَحْرُسُهَا.

ص: 155


1- في «م» و هامش «ش» : الشقة.

وَ غَبَطُوهُ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلرَّفَاهِيَةِ وَ اَلدَّعَة ِ بِمُقَامِهِ فِي أَهْلِهِ، وَ تَكَلُّفِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمُ اَلْمَشَاقَّ بِالسَّفَرِ وَ اَلْخَطَرِ.

فَأَرْجَفُوا بِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالُوا: لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِكْرَاماً لَهُ وَ إِجْلاَلاً وَ مَوَدَّةً، وَ إِنَّمَا خَلَّفَهُ اِسْتِثْقَالاً لَهُ. فَبَهَتُوهُ بِهَذَا اَلْإِرْجَافِ كَبَهْتِ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالْجِنَّةِ تَارَةً، وَ بِالشِّعْرِ أُخْرَى، وَ بِالسِّحْرِ مَرَّةً، وَ بِالْكِهَانَةِ أُخْرَى. وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ضِدَّ ذَلِكَ وَ نَقِيضَهُ، كَمَا عَلِمَ اَلْمُنَافِقُونَ ضِدَّ مَا أَرْجَفُوا بِهِ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ خِلاَفَهُ، وَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله كَانَ أَخَصَّ اَلنَّاسِ بِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ كَانَ هُوَ أَحَبَّ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ وَ أَسْعَدَهُمْ عِنْدَهُ وَ أَفْضَلَهُمْ لَدَيْهِ.

فَلَمَّا بَلَغَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِرْجَافُ اَلْمُنَافِقِينَ بِهِ، أَرَادَ تَكْذِيبَهُمْ وَ إِظْهَارَ فَضِيحَتِهِمْ ، فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّ اَلْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي اِسْتِثْقَالاً وَ مَقْتاً! فَقَالَ لَهُ : رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: اِرْجِعْ يَا أَخِي إِلَى مَكَانِكَ، فَإِنَّ اَلْمَدِينَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ بِي أَوْ بِكَ، فَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي وَ دَارِ هِجْرَتِي وَ قَوْمِي، أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» .

فتضمّن هذا القول من رسول الله صلّی الله علیه و آله نصَّه عليه بالإمامة، و إبانته عن الكافَّة بالخلافةُ و دلَّ به على فضل لم يَشْرَكه فيه سواه، و أَوجَبَ له به عَلَیْهِ السَّلامُ جميع منازل هارون من موسى، إلّا ما خَصَّه العرف من الأُخُوة و استثناه هو عَلَیْهِ السَّلامُ من النبوّة .

ص: 156

أ لا تَرى أَنّه عَلَیْهِ السَّلامُ جَعَلَ له كافَّةَ منازل هارون من موسى، إلّا المستثنى منها لفظاً أو عقلاً. و قد عَلِمَ كلُّ من تأمَّلَ معانّيَ القرآنُ، و تصفَّح الروايات و الأَخبار، أَنّ هارون عَلَیْهِ السَّلامُ كانَ أخا موسى لأَبيه و أُمُّه و شريكه في أمرُه و وزيره على نبوَّتِه و تبليغه رسالات ربه ، و أَنّ الله تعالى شدّ به أزره و أَنّه كانَ خليفته على قومه، و كانَ له من الإمامة عليهم و فَرْضِ الطاعة كإمامته و فَرْضِ طاعته، و أَنّه كانَ أَحَبَّ قومه (1)إليه و أفضلَهم لديه.

قالََ اللهُ عزَّ و جلّ حاكيا عن موسى عَلَیْهِ السَّلامُ (قٰالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هٰارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (2) فأجاب الله تعالى مسألته و أعطاه سؤله في ذلكَ و أُمِنَيّته حيثُ يقولُ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰا مُوسىٰ (3) و قالَ حاكيا عن موسى عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قٰالَ مُوسىٰ لِأَخِيهِ هٰارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاٰ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ (4) .

فلمّا جَعَلَ النبيُّ صلّی الله علیه و آله عَلِيَّاً عَلَیْهِ السَّلامُ منه بمنَزَلة هارون من موسى، أَوجَبَ له بذلكَ جميع ما عَدَدْناه، إلّا ما خَصَّه العرف من الأُخُوة و استثناه من النبوّة لفظاً.

و هذه فضيلةُ لم يشرَك فيها أحدٌ من الخلق أَميرَالمؤمنين علیه

ص: 157


1- في هامش «ش» و «م» : الخلق.
2- طه 25:20 - 32.
3- طه 36:20.
4- الأعراف 142:7.

السلام و لا ساواه في معناها و لا قاربه فيها على حال، و لو عَلِمَ الله تعالى أَنّ بنبيُّه عَلَیْهِ السَّلامُ في هذه الغَزاة حاجة إِلَى الحرب و الأَنّصار، لما أَذِنَ له في تخليف أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ عَنْهُ حَسَب ما قدَّمناه، بل عَلِمَ أَنّ المصلحةَ في استخلافه، و أَنّ إقامته في دار هجرته مُقامُه أفضلُ الأعمال، فدَبَّر الخلقَ و الدين بما قضاه في ذلكَ و أمضاه ،على ما بَيِّناه و شَرَحناه.

فصل

وَ لَمَّا عَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنْ تَبُوكَ إِلَى اَلْمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «أَسْلِمْ - يَا عَمْرُو- يُؤْمِنْكَ اَللَّهُ مِنَ اَلْفَزَعِ اَلْأَكْبَرِ» فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَ مَا اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ، فَإِنِّي لاَ أَفْزَعُ!؟ فَقَالَ: « يَا عَمْرُو، إِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا تَحْسِبُ وَ تَظُنُّ ، إِنَّ اَلنَّاسَ يُصَاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ، فَلاَ يَبْقَى مَيِّتٌ إِلاَّ نُشِرَ وَ لاَ حَيٌّ إِلاَّ مَاتَ، إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ، ثُمَّ يُصَاحُ بِهِمْ صَيْحَةٌ أُخْرَى، فَيُنْشَرُ مَنْ مَاتَ وَ يَصُفُّونَ جَمِيعاً، وَ تَنْشَقُّ اَلسَّمَاءُ وَ تُهَدُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبٰالُ، وَ تَزْفِرُ اَلنِّيرَانُ (1)وَ تَرْمِي بِمِثْلِ اَلْجِبَالِ شَرَراً ،فَلاَ يَبْقَى ذُو رُوحٍ إِلاَّ اِنْخَلَعَ قَلْبُهُ وَ ذَكَرَ ذَنْبَهُ وَ شُغِلَ بِنَفْسِهِ إِلاَّ مَا شَاءَ اَللَّهُ فَأَيْنَ أَنْتَ - يَا عَمْرُو- مِنْ هَذَا؟» قَالَ: أَلاَ إِنِّي أَسْمَعُ أَمْراً عَظِيماً، فَآمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ آمَنَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ نَاسٌ، وَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ.

ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ نَظَرَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ عَثْعَثٍ اَلْخَثْعَمِيِّ

ص: 158


1- في «م» و هامش «ش» : النار.

فَأَخَذَ بِرَقَبَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: أَعْدِنِي عَلَى هَذَا اَلْفَاجِرِ اَلَّذِي قَتَلَ وَالِدِي، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «أَهْدَرَ اَلْإِسْلاَمُ مَا كَانَ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ » فَانْصَرَفَ عَمْرٌو مُرْتَدّاً فَأَغَارَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ بَنِي اَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَ مَضَى إِلَى قَوْمِهِ، فَاسْتَدْعَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَمَّرَهُ عَلَى اَلْمُهَاجِرِينَ، وَ أَنْفَذَهُ إِلَى بَنِي زُبَيْدٍ، وَ أَرْسَلَ خَالِدَ بْنَ اَلْوَلِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ اَلْأَعْرَابِ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ اَلْجُعْفِيَّ (1)،فَإِذَا اِلْتَقَيَا فَأَمِيرُ اَلنَّاسِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَسَارَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اِسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ اَلْعَاصِ وَ اِسْتَعْمَلَ خَالِدٌ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبَا مُوسَى اَلْأَشْعَرِيَّ .

فَأَمَّا جُعْفِيٌّ فَإِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ بِالْجَيْشِ اِفْتَرَقَتْ فِرْقَتَيْنِ؛ فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى اَلْيَمَنِ، وَ اِنْضَمَّتِ (2)اَلْفِرْقَةُ اَلْأُخْرَى إِلَى بَنِي زُبَيْدٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَكَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ اَلْوَلِيدِ: أَنْ قِفْ حَيْثُ أَدْرَكَكَ رَسُولِي. فَلَمْ يَقِفْ ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ: تَعَرَّضْ لَهُ حَتَّى تَحْبِسَهُ. فَاعْتَرَضَ لَهُ خَالِدٌ حَتَّى حَبَسَهُ، وَ أَدْرَكَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَعَنَّفَهُ عَلَى خِلاَفِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى لَقِيَ بَنِي زُبَيْدٍ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ كُشَرُ . (3)فَلَمَّا رَآهُ بَنُو زُبَيْدٍ قَالُوا لِعَمْرٍو: كَيْفَ أَنْتَ - يَا بَا ثَوْرُ- إِذَا لَقِيَكَ هَذَا اَلْغُلاَمُ اَلْقُرَشِيُّ فَأَخَذَ مِنْكَ اَلْأَتَاوَةَ (4)قَالَ: سَيَعْلَمُ إِنْ لَقِيَنِي.

ص: 159


1- في هامش «ش» و «م» : جعفي أبو قبيلة، و القبيلة يُقالَ لها: جعفي، و من النّاس من يَظُنُّ أَنّه جعف و هو خطأ.
2- في «م» و هامش «ش» : و انصبّت.
3- كشر: بوزن زفر: من نواحي صنعاء اليمن. «معجم البلدان 462:4» .
4- الإتاوة: الخراج. «لسان العرب - اتى - 17:14» .

قَالَ: وَ خَرَجَ عَمْرٌو فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَامَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَقَالَ لَهُ : دَعْنِي يَا بَا اَلْحَسَنِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أُبَارِزْهُ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّ لِي عَلَيْكَ طَاعَةً فَقِفْ مَكَانَكَ» فَوَقَفَ، ثُمَّ بَرَزَ (1)إِلَيْهِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَصَاحَ بِهِ صَيْحَةً فَانْهَزَمَ عَمْرٌو وَ قُتِلَ أَخُوهُ وَ اِبْنُ أَخِيهِ وَ أُخِذَتِ اِمْرَأَتُهُ رُكَانَةُ بِنْتُ سَلاَمَةَ، وَ سُبِيَ مِنْهُمْ نِسْوَانٌ، وَ اِنْصَرَفَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ خَلَّفَ عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ لِيَقْبِضَ صَدَقَاتِهِمْ، وَ يُؤْمِنَ مَنْ عَادَ إِلَيْهِ مِنْ هُرَّابِهِمْ مُسْلِماً.

فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَ اِسْتَأْذَنَ عَلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، فَأَذِنَ لَهُ فَعَادَ إِلَى اَلْإِسْلاَمِ، وَ كَلَّمَهُ فِي اِمْرَأَتِهِ وَ وُلْدِهِ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ.

وَ قَدْ كَانَ عَمْرٌو لَمَّا وَقَفَ بِبَابِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَجَدَ جَزُوراً قَدْ نُحِرَتْ فَجَمَعَ قَوَائِمَهَا ثُمَّ ضَرَبَهَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهَا جَمِيعاً، وَ كَانَ يُسَمَّى سَيْفُهُ اَلصَّمْصَامَةَ .

فَلَمَّا وَهَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ لِعَمْرٍو اِمْرَأَتَهُ وَ وُلْدَهُ وَهَبَ لَهُ عَمْرٌو اَلصَّمْصَامَةَ .

وَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَدِ اِصْطَفَى مِنَ اَلسَّبْيِ جَارِيَةً، فَبَعَثَ خَالِدُ بْنُ اَلْوَلِيدِ بُرَيْدَةَ اَلْأَسْلَمِيَّ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ قَالَ لَهُ : تَقَدَّمِ اَلْجَيْشَ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ مَا فَعَلَ عَلِيٌّ مِنِ اِصْطِفَائِهِ اَلْجَارِيَةَ مِنَ اَلْخُمُسِ لِنَفْسِهِ، وَ قَعْ فِيهِ.

ص: 160


1- في «م» و هامش «ش» : خَرَجَ.

فَسَارَ بُرَيْدَةُ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى بَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِ غَزْوَتِهِمْ وَ عَنِ اَلَّذِي أَقْدَمَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِيَقَعَ فِي عَلِيٍّ ، وَ ذَكَرَ لَهُ اِصْطِفَاءَهُ اَلْجَارِيَةَ مِنَ اَلْخُمُسِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اِمْضِ لِمَا جِئْتَ لَهُ، فَإِنَّهُ سَيَغْضَبُ لاِبْنَتِهِ مِمَّا صَنَعَ عَلِيٌّ . فَدَخَلَ بُرَيْدَةُ عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ مَعَهُ كِتَابٌ مِنْ خَالِدٍ بِمَا أَرْسَلَ بِهِ بُرَيْدَةَ، فَجَعَلَ يَقْرَؤُهُ وَ وَجْهُ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ بُرَيْدَةُ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّكَ إِنْ رَخَّصْتَ لِلنَّاسِ فِي مِثْلِ هَذَا ذَهَبَ فَيْؤُهُمْ فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «وَيْحَكَ - يَا بُرَيْدَةُ - أَحْدَثْتَ نِفَاقاً! إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَحِلُّ لَهُ مِنَ اَلْفَيْءِ مَا يَحِلُّ لِي، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُ اَلنَّاسِ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ، وَ خَيْرُ مَنْ أُخَلِّفُ مِنْ بَعْدِي لِكَافَّةِ أُمَّتِي، يَا بُرَيْدَةُ، اِحْذَرْ أَنْ تُبْغِضَ عَلِيّاً فَيُبْغِضَكَ اَللَّهُ»

قَالَ بُرَيْدَةُ: فَتَمَنَّيْتُ أَنَّ اَلْأَرْضَ اِنْشَقَّتْ بِي فَسُخْتُ فِيهَا، وَ قُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اَللَّهِ وَ سَخَطِ رَسُولِهِ، يَا رَسُولَ اَللَّهِ، اِسْتَغْفِرْ لِي فَلَنْ أُبْغِضَ عَلِيّاً أَبَداً، وَ لاَ أَقُولُ فِيهِ إِلاَّ خَيْراً. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله .

فصل

و في هذه الغَزاة من المنقبة لأَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ ما لا يُماثلها منقبةٌ لِأَحدٍ سواه، و الفَتْحُ فيها كانَ على يديه خاصّةً، و ظَهَرَ من فضله و مشاركته للنبيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ فيما أحله الله تعالى له من الفَيء،

ص: 161

و اختَصَّاصِه من ذلكَ بما لم يكن لغيرُهُ من النّاس، و بانَ من مودّة رسول الله صلّی الله علیه و آله و تفضيله إيّاه ما كانَ خَفِيَّا على من لا عَلِمَ له بذلكَ، و كانَ من تَحذيره بُرَيدة و غيرَه من بُغضه و عُدواته و حُثّه له على مودّته و ولايته و رَدَّ كيد أعدائه في نُحورهم، ما دلَّ على أَنّه أفضلُ البريّة عند الله تعالى و عنده و أحقُّهم بمقامُه (1)من بعده، و أخَصَّهم به في نفسه و آثرهم عنده.

في جهاد علي عَلَیْهِ السَّلامُ في غَزوة السلسلة

فصل

ثُمَّ كَانَتْ غَزَاةُ اَلسِّلْسِلَةِ، وَ ذَلِكَ أَنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ فَجَثَا بَيْنَ يَدَيْه ِ وَ قَالَ لَهُ : جِئْتُكَ لِأَنْصَحَ لَكَ.

قَالَ: «وَ مَا نَصِيحَتُكَ؟» قَالَ: قَوْمٌ مِنَ اَلْعَرَبِ قَدِ اِجْتَمَعُوا بِوَادِي اَلرَّمْلِ، وَ عَمِلُوا عَلَى أَنْ يُبَيِّتُوكَ بِالْمَدِينَةِ وَ وَصَفَهُمْ لَهُ.

فَأَمَرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله أَنْ يُنَادَى بِ الصَّلاَةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعَ اَلْمُسْلِمُونَ وَ صَعِدَ اَلْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّ هَذَا عَدُوَّ اَللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ قَدْ عَمِلَ عَلَى تَبْيِيتِكُمْ، فَمَنْ لَهُمْ،» فَقَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلصُّفَّةِ فَقَالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ - يَا رَسُولَ اَللَّهِ - فَوَلِّ عَلَيْنَا مَنْ شِئْتَ. فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَتِ اَلْقُرْعَةُ عَلَى ثَمَانِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ فَاسْتَدْعَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ : «خُذِ اَلرَّايَةَ (2)

ص: 162


1- في «م» و هامش «ش» : بمكانه.
2- في «م» و هامش «ش» : اللِواء.

وَ اِمْضِ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ فَإِنَّهُمْ قَرِيبٌ مِنَ اَلْحَرَّةِ» فَمَضَى وَ مَعَهُ اَلْقَوْمُ حَتَّى قَارَبَ أَرْضَهُمْ، وَ كَانَتْ كَثِيرَةَ اَلْحِجَارَةِ وَ اَلشَّجَرِ، وَ هُمْ بِبَطْنِ اَلْوَادِي، وَ اَلْمُنْحَدَرُ إِلَيْهِ صَعْبٌ.

فَلَمَّا صَارَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى اَلْوَادِي وَ أَرَادَ اَلاِنْحِدَارَ خَرَجُوا إِلَيْهِ فَهَزَمُوهُ وَ قَتَلُوا مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ جَمْعاً كَثِيراً، وَ اِنْهَزَمَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ اَلْقَوْمِ.

فَلَمَّا وَرَدُوا (1)عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله عَقَدَ لِعُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ وَ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، فَكَمَنُوا لَهُ تَحْتَ اَلْحِجَارَةِ وَ اَلشَّجَرِ،فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَهْبِطَ خَرَجُوا إِلَيْهِ فَهَزَمُوهُ.

فَسَاءَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ: اِبْعَثْنِي - يَا رَسُولَ اَللَّهِ - إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ اَلْحَرْبَ خُدْعَةٌ، فَلَعَلِّي أَخْدَعُهُمْ. فَأَنْفَذَهُ مَعَ جَمَاعَةٍ وَ وَصَّاهُ فَلَمَّا صَارَ إِلَى اَلْوَادِي خَرَجُوا إِلَيْهِ فَهَزَمُوهُ، وَ قَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً.

وَ مَكَثَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَيَّاماً يَدْعُو عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَعَقَدَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَرْسَلْتُهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ وَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَ قَالَ: « اَللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، فَاحْفَظْنِي فِيهِ وَ اِفْعَلْ بِهِ وَ اِفْعَلْ» فَدَعَا لَهُ مَا شَاءَ اَللَّهُ.

وَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ، وَ خَرَجَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِتَشْيِيعِهِ، وَ بَلَغَ مَعَهُ إِلَى مَسْجِدِ اَلْأَحْزَابِ، وَ عَلِيٌّ علیه

ص: 163


1- في «م» و هامش «ش» : قدموا.

السلام عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ مَهْلُوبٍ (1)،عَلَيْهِ بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ، وَ فِي يَدِهِ قَنَاةٌ خَطِّيَّةٌ (2)، فَشَيَّعَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ أَنْفَذَ مَعَهُ فِيمَنْ أَنْفَذَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عَمْرَو بْنَ اَلْعَاصِ، فَسَارَ بِهِمْ عَلَیْهِ السَّلامُ نَحْوَ اَلْعِرَاقِ مُتَنَكِّباً لِلطَّرِيقِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ اَلْوَجْهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمْ عَلَى مَحَجَّةٍ غَامِضَة ٍ ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى اِسْتَقْبَلَ اَلْوَادِيَ مِنْ فَمِهِ، وَ كَانَ يَسِيرُ اَللَّيْلَ وَ يَكْمُنُ اَلنَّهَارَ.

فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ اَلْوَادِي أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَكْعَمُوا (3)اَلْخَيْل َ ،وَ وَقَفَهُمْ مَكَاناً وَ قَالَ: «لاَ تَبْرَحُوا» وَ اِنْتَبَذَ أَمَامَهُمْ فَأَقَامَ نَاحِيَةً مِنْهُمْ.

فَلَمَّا رَأَى عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ مَا صَنَعَ لَمْ يَشُكَّ أَنَّ اَلْفَتْحَ يَكُونُ لَهُ،فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: أَنَا أَعْلَمُ بِهَذِهِ اَلْبِلاَدِ مِنْ عَلِيٍّ ، وَ فِيهَا مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَ هِيَ الضِّبَاعُ وَ اَلذِّئَابُ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَيْنَا خَشِيتُ أَنْ تُقَطِّعَنَا، فَكَلِّمْهُ يَخْلُ عَنَّا نَعْلُو اَلْوَادِيَ.

قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فَأَطَالَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ حَرْفاً وَاحِداً، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لاَ وَ اَللَّهِ مَا أَجَابَنِي حَرْفاً.

فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ لِعُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ: أَنْتَ أَقْوَى عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَخَاطَبَهُ فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ مَا صَنَعَ بِأَبِي بَكْرٍ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ

ص: 164


1- المهلوب: هو المقصوص شعر الهلب، و هو الذنب. «القاموس المحيط 140:1» .
2- الخط: موضع باليمامة، و هو خطّ هجر، تنسب إليه الرماح الخطّية، لأَنّّها تحمل من بلاد الهند فتقوّم به. «الصحاح - خطط - 1123:3» .
3- كعم بعيره أو فرسه: شدّ ّ فمه كي لا يظَهَرَ منه صوت. انظر «الصحاح - كعم - 5: 2023» .

فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ.

فَقَالَ عَمْرُو بْنُ اَلْعَاصِ: أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ نُضِيعَ أَنْفُسَنَا، اِنْطَلِقُوا بِنَا نَعْلُو اَلْوَادِيَ، فَقَالَ لَهُ اَلْمُسْلِمُونَ: لاَ وَ اَللَّهِ لاَ نَفْعَلُ، أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَنْ نَسْمَعَ لِعَلِيٍّ وَ نُطِيعَ فَنَتْرُكُ أَمْرَهُ وَ نَسْمَعُ لَكَ وَ نُطِيعُ.

فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَحَسَّ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْفَجْرَ، فَكَبَسَ (1)اَلْقَوْمَ وَ هُمْ غَارُّونَ (2)فَأَمْكَنَهُ اَللَّهُ مِنْهُمْ، وَ نَزَلَتْ عَلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله: وَ (اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً ...)(3) إِلَى آخِرِ اَلسُّورَةِ، فَبَشَّرَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله أَصْحَابَهُ بِالْفَتْحِ، وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله يَقْدُمُهُمْ فَقَامُوا لَهُ صَفَّيْنِ.

فَلَمَّا بَصُرَ بِالنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ : «اِرْكَبْ فَإِنَّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ رَاضِيَانِ عَنْكَ» فَبَكَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَرَحاً، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: «يَا عَلِيُّ لَوْ لاَ أَنَّنِي أُشْفِقُ أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفُ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ اَلنَّصَارَى فِي اَلْمَسِيحِ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ، لَقُلْتُ فِيكَ اَلْيَوْمَ مَقَالاً لاَ تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ اَلنَّاسِ إِلاَّ أَخَذُوا اَلتُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ».

ص: 165


1- كبسوا دار فلان: أغاروا عليه فجأة: «الصحاح - كبس - 969:3» .
2- أي غافلون.
3- العاديات 1:100.

فصل

فكانَ الفَتْحُ في هذه الغَزاة لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ خاصّةً، بعد أَنّ كانَ من غيره فيها من الإفساد ما كانَ و اختَصَّ عَلَیْهِ السَّلامُ من مَديح النبيُّ صلّی الله علیه و آله فيها بفضائل لم يَحْصُل منها شيءٌ لغيره و بَانَ له من المنقبة فيها ما لم يَشْرَكه فيه سواء.

فصل في ذِكر فضائل و مناقب أخرى لعلي عَلَیْهِ السَّلامُ

في مباهلة نصارى نَجْران و احتجاج النبيُّ صلّی الله علیه و آله بعلي عَلَیْهِ السَّلامُ و أهلُ بيته

فصل

وَ لَمَّا اِنْتَشَرَ اَلْإِسْلاَمُ بَعْدَ اَلْفَتْحِ وَ مَا وَلِيَهُ مِنَ اَلْغَزَوَاتِ اَلْمَذْكُورَةِ وَ قَوِيَ سُلْطَانُهُ، وَفَدَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله اَلْوُفُودُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ وَ مِنْهُمْ مَنِ اِسْتَأْمَنَ لِيَعُودَ إِلَى قَوْمِهِ بِرَأْيِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ فِيهِمْ.

وَ كَانَ فِي مَنْ وَفَدَ عَلَيْهِ أَبُو حَارِثَةَ أُسْقُفُ نَجْرَانَ فِي ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنَ اَلنَّصَارَى، مِنْهُمُ اَلْعَاقِبُ وَ اَلسَّيِّدُ وَ عَبْدُ اَلْمَسِيحِ فَقَدِمُوا اَلْمَدِينَةَ وَقْتَ (1)صَلاَةِ اَلْعَصْرِ ، وَعَلَيْهِمْ لِبَاسُ اَلدِّيبَاجِ وَ اَلصُّلُب ُ ، فَصَارَ إِلَيْهِمُ اَلْيَهُودُ وَ تَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ فَقَالَتِ اَلنَّصَارَى لَهُمْ: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ، (وَ قَالَتْ لَهُمُ اَلْيَهُودُ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ وَ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصٰارىٰ عَلىٰ شَيْءٍ وَ قٰالَتِ اَلنَّصٰارىٰ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلىٰ

ص: 166


1- في «م» و هامش «ش» : عند.

شَيْءٍ...)(1) إِلَى آخِرِ اَلْآيَةِ.

فَلَمَّا صَلَّى اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله اَلْعَصْرَ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ يَقْدُمُهُمُ اَلْأُسْقُفُ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، مَا تَقُولُ فِي اَلسَّيِّدِ اَلْمَسِيحِ؟ فَقَالَ: اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «عَبْدٌ لِلَّهِ اِصْطَفَاهُ وَ اِنْتَجَبَهُ» فَقَالَ: اَلْأُسْقُفُ: أَ تَعْرِفُ لَهُ - يَا مُحَمَّدُ - أَباً وَلَدَهُ فَقَالَ: اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَمْ يَكُنْ عَنْ نِكَاحٍ فَيَكُونَ لَهُ وَالِدٌ» قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ: إِنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ، وَ أَنْتَ لَمْ تَرَ عَبْداً مَخْلُوقاً إِلاَّ عَنْ نِكَاحٍ وَ لَهُ وَالِدٌ؟ فَأَنْزَلَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى قَوْلِهِ:

(إِنَّ مَثَلَ عِيسىٰ عِنْدَ اَللّٰهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ قٰالَ لَهُ كُنْ * فَيَكُونُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاٰ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ ) (2) فَتَلاَهَا اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله عَلَى اَلنَّصَارَى، وَ دَعَاهُمْ إِلَى اَلْمُبَاهَلَةِ، وَ قَالَ: «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ اِسْمُهُ أَخْبَرَنِي أَنَّ اَلْعَذَابَ يَنْزِلُ عَلَى اَلْمُبْطِلِ عَقِيبَ اَلْمُبَاهَلَةِ،وَ يُبَيِّنُ اَلْحَقَّ مِنَ اَلْبَاطِلِ بِذَلِكَ» فَاجْتَمَعَ اَلْأُسْقُفُ مَعَ عَبْدِ اَلْمَسِيحِ وَ اَلْعَاقِبِ عَلَى اَلْمَشُورَةِ ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى اِسْتِنْظَارِهِ إِلَى صَبِيحَةِ غَدٍ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ.

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى رِحَالِهِمْ قَالَ لَهُمُ اَلْأُسْقُفُ: اُنْظُرُوا مُحَمَّداً فِي غَدٍ، فَإِنْ غَدَا بِوُلْدِهِ وَ أَهْلِهِ فَاحْذَرُوا مُبَاهَلَتَهُ، وَ إِنْ غَدَا بِأَصْحَابِهِ فَبَاهِلُوهُ،

ص: 167


1- البقره113:2
2- آل عمران59:3 - 61

فَإِنَّهُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ.

فَلَمَّا كَانَ مِنَ اَلْغَدِ جَاءَ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ آخِذاً بِيَدِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ اَلْحَسَنُ وَ اَلْحُسَيْنُ يَمْشِيَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ فَاطِمَةُ - صلوات الله علیهم - تَمْشِي خَلْفَهُ، وَ خَرَجَ اَلنَّصَارَى يَقْدُمُهُمْ أُسْقُفُهُمْ.

فَلَمَّا رَأَى اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله قَدْ أَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ، سَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ:هَذَا اِبْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ صِهْرُهُ وَ أَبُو وُلْدِهِ وَ أَحَبُّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَ هَذَانِ اَلطِّفْلاَنِ اِبْنَا بِنْتِهِ مِنْ عَلِيٍّ وَ هُمَا مِنْ أَحَبِّ اَلْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَ هَذِهِ اَلْجَارِيَةُ بِنْتُهُ فَاطِمَةُ أَعَزُّ اَلنَّاسِ عَلَيْهِ وَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى قَلْبِهِ.

فَنَظَرَ اَلْأُسْقُفُ إِلَى اَلْعَاقِبِ وَ اَلسَّيِّدِ وَ عَبْدِ اَلْمَسِيحِ وَ قَالَ لَهُمُ: اُنْظُرُوا إِلَيْهِ قَدْ جَاءَ بِخَاصَّتِهِ مِنْ وُلْدِهِ وَ أَهْلِهِ لِيُبَاهِلَ بِهِمْ وَاثِقاً بِحَقِّهِ، وَ اَللَّهِ مَا جَاءَ بِهِمْ وَ هُوَ يَتَخَوَّفُ اَلْحُجَّةَ عَلَيْهِ، فَاحْذَرُوا مُبَاهَلَتَهُ، وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ مَكَانُ قَيْصَرَ لَأَسْلَمْتُ لَهُ، وَ لَكِنْ صَالِحُوهُ عَلَى مَا يَتَّفِقُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ، وَ اِرْجِعُوا إِلَى بِلاَدِكُمْ وَ اِرْتَئُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَقَالُوا لَهُ: رَأْيُنَا لِرَأْيِكَ تَبَعٌ، فَقَالَ اَلْأُسْقُفُ: يَا بَا اَلْقَاسِمِ إِنَّا لاَ نُبَاهِلُكَ وَ لَكِنَّا نُصَالِحُكَ، فَصَالِحْنَا عَلَى مَا نَنْهَضُ بِهِ.

فَصَالَحَهُمْ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ اَلْأَوَاقِيِّ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً جِيَاداً، فَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ كَانَ بِحِسَابِ ذَلِكَ، وَ كَتَبَ لَهُمُ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله كِتَاباً بِمَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ، وَ كَانَ اَلْكِتَابُ:

ص: 168

بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ

هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ اَلنَّبِيِّ رَسُولِ اَللَّهِ لِنَجْرَانَ وَ حَاشِيَتِهَا، فِي كُلِّ صَفْرَاءَ وَ بَيْضَاءَ وَ ثَمَرَةٍ وَ رَقِيقٍ، لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ غَيْرُ أَلْفَيْ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ اَلْأَوَاقِيِّ ثَمَنُ (1)كُلِّ حُلَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَماً، فَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ، يُؤَدُّونَ أَلْفاً مِنْهَا فِي صَفَرٍ، وَ أَلْفاً مِنْهَا فِي رَجَبٍ، وَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعُونَ دِينَاراً مَثْوَاةَ رَسُولِي مِمَّا فَوْقَ ذَلِكَ، وَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ حَدَثٍ يَكُونُ بِالْيَمَنِ مِنْ كُلِّ ذِي عَدَنٍ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، ثَلاَثُونَ دِرْعاً وَ ثَلاَثُونَ فَرَساً وَ ثَلاَثُونَ جَمَلاً عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، لَهُمْ بِذَلِكَ جِوَارُ اَللَّهِ وَ ذِمَّةُ (مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ) (2)فَمَنْ أَكَلَ اَلرِّبَا مِنْهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ.

وَ أَخَذَ اَلْقَوْمُ اَلْكِتَابَ وَ اِنْصَرَفُوا .

فصل

و في قصة أهلُ نَجْران بيان عن فضل أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ مَعَ ما فيه من الآية للنبيُّ صلّی الله علیه و آله و المعجز الدال على نبوَّتِه.

ص: 169


1- في «م» و هامش «ش» : قيمة.
2- في «م» : رسول اللّه.

أ لا تَرى إِلَى اعتراف النصارى له بالنبوّة ، و قطعِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ على امتناعهم من المباهلة، و علمِهم بأَنّهم لو باهلوه لَحَلَّ بِهِم العذابُ، و ثقتِه عَلَیْهِ السَّلامُ بالظَفَرِ بِهِم و الفَلَجِ بالحُجَّة عليهم.

و أَنّ الله تعالى حَكَمَ في آية المباهلة لأَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بأَنّه نفسُ رسول الله صلّی الله علیه و آله، كاشفاً بذلكَ عن بلوغه نهاية (1)الفَضْل، و مساواتِه للنبيّ عَلَیْهِ وَ آله السَّلامُ في الكمال و العصمة من الآثام، و أَنّ اللهَ جل ذكره جَعَلَه و زوجتَه و وَلَدَيْه - مَعَ تقارب سنّهما - حُجَّةً لنبيُّه عَلَیْهِ السَّلامُ و برهاناً على دينه، و نص على الحُكْم بأَنّ الحسن و الحسين أبناؤه، و أَنّ فاطمةَ عَلَیْهِ السَّلامُ نساؤه المتوجِّهُ إليهن الذكر و الخَطّاب في الدعاء إِلَى المباهلة و الاحتجاج و هذا فضلٌ لم يَشْرَكهم فيه أحدٌ من الأُمّة، و لا قاربَهم فيه و لا ماثَلهم في معناه، و هو لاحِقٌ بما تقدّم من مناقب أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ الخاصَّة له، على ما ذكرناه.

في حُجَّةَ الوداع و غدير خم و التهنئة لعلي بالولاية

فصل

ثُّمّ تلا وَفْدَ نَجْران من القصص المُنْبِئَة عن فضل أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ و تَخَصُّصِه من المناقب بما بَانَ به من كافَّة العباد، حُجَّةُ الوداع و ما جرى فيها من الأَقاصيص، و كانَ فيها لأَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ من جليل المقامُات. فمن ذلكَ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله

ص: 170

كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ إِلَى اَلْيَمَنِ لِيُخَمِّسَ زَكَاتَهَا (2)، وَ يَقْبِضَ مَا وَافَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنَ اَلْحُلَلِ وَ اَلْعَيْنِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ، فَتَوَجَّهَ عَلَیْهِ السَّلامُ لِمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، فَأَنْجَزَهُ مُمْتَثِلاً فِيهِ أَمْرَهُ مُسَارِعاً إِلَى طَاعَتِهِ، وَ لَمْ يَأْتَمِنْ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَحَداً غَيْرَهُ عَلَى مَا اِئْتَمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَ لاَ رَأَى فِي اَلْقَوْمِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقِيَامِ بِهِ سِوَاهُ، فَأَقَامَهُ عَلَیْهِ السَّلامُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ وَ اِسْتَنَابَهُ فِيهِ، مُطْمَئِنّاً إِلَيْهِ، سَاكِناً إِلَى نُهُوضِهِ بِأَعْبَاءِ مَا كَلَّفَهُ فِيهِ.

ثُمَّ أَرَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلتَّوَجُّهَ لِلْحَجِّ وَ أَدَاءِ فَرْضِ اَللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيهِ، فَأَذَّنَ فِي اَلنَّاسِ بِهِ وَ بَلَغَتْ دَعْوَتُهُ عَلَیْهِ السَّلامُ أَقَاصِيَ بِلاَدِ اَلْإِسْلاَمِ، فَتَجَهَّزَ اَلنَّاسُ لِلْخُرُوجِ وَ تَأَهَّبُوا مَعَهُ، وَ حَضَرَ اَلْمَدِينَةَ مِنْ ضَوَاحِيهَا وَ مِنْ حَوْلِهَا وَ يَقْرُبُ مِنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، فَخَرَجَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله بِهِمْ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي اَلْقَعْدَةِ، وَ كَاتَبَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اَلْحَجِّ مِنَ اَلْيَمَنِ وَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ نَوْعَ اَلْحَجِّ اَلَّذِي قَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَ خَرَجَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَارِناً لِلْحَجِّ بِسِيَاقِ اَلْهَدْيِ وَ أَحْرَمَ مِنْ ذِي اَلْحُلَيْفَةِ (3)وَ أَحْرَمَ اَلنَّاسُ مَعَهُ، وَ لَبَّى (4)ع مِنْ عِنْدِ اَلْمِيلِ اَلَّذِي بِالْبَيْدَاءِ، فَاتَّصَلَ مَا بَيْنَ اَلْحَرَمَيْنِ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى كُرَاعِ اَلْغَمِيمِ (5)،


1- في هامش «ش» : غاية.
2- في «م» و هامش «ش» : ركازها.
3- ذو الحليفة: قرية بينها و بين المدينة المنورة ستة أميال أو سبعة، و فيها ميقات أهلُ المدينة. «معجم البلدان 295:2» .
4- لبّى اي رفع صوته بالتلبية.
5- كراع الغميم: واد في طريق المدينة إِلَى مكّة المكرمة. «معجم البلدان 443:4» .

ص: 171

وَ كَانَ اَلنَّاسُ مَعَهُ رُكْبَاناً وَ مُشَاةً فَشَقَّ عَلَى اَلْمُشَاةِ اَلْمَسِيرُ، وَ أَجْهَدَهُمُ اَلسَّيْرُ وَ اَلتَّعَبُ بِهِ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ اِسْتَحْمَلُوهُ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجِدُ لَهُمْ ظَهْراً، وَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَشُدُّوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَ يَخْلِطُوا اَلرَّمَلَ (1)،بِالنَّسْلِ (2)، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَ اِسْتَرَاحُوا إِلَيْهِ، وَ خَرَجَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ اَلْعَسْكَرِ اَلَّذِي كَانَ صَحِبَهُ إِلَى اَلْيَمَنِ، وَ مَعَهُ اَلْحُلَلُ اَلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ .

فَلَمَّا قَارَبَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ اَلْمَدِينَةِ، قَارَبَهَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنْ طَرِيقِ اَلْيَمَنِ، وَ تَقَدَّمَ اَلْجَيْشَ لِلِقَاءِ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله وَ خَلَّفَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً مِنْهُمْ فَأَدْرَكَ اَلنَّبِيَّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى مَكَّةَ، فَسَلَّمَ وَ خَبَّرُهُ بِمَا صَنَعَ وَ بِقَبْضِ مَا قَبَضَ، وَ أَنَّهُ سَارَعَ لِلِقَائِهِ أَمَامَ اَلْجَيْشِ، فَسُرَّ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله لِذَلِكَ وَ اِبْتَهَجَ بِلِقَائِهِ وَ قَالَ لَهُ : «بِمَا أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ ؟ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنَّكَ لَمْ تَكْتُبْ لِي بِإِهْلاَلِكَ وَ لاَ عَرَّفْتَنِيهِ (3)فَعَقَدْتُ نِيَّتِي بِنِيَّتِكَ فَقُلْتُ: اَللَّهُمَّ إِهْلاَلاً كَإِهْلاَلِ نَبِيِّكَ، وَ سُقْتُ مَعِي مِنَ اَلْبُدْنِ أَرْبَعاً وَ ثَلاَثِينَ بَدَنَةً، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: اَللَّهُ أَكْبَرُ، قَدْ سُقْتُ أَنَا سِتّاً وَ سِتِّينَ وَ أَنْتَ شَرِيكِي فِي حَجِّي وَ مَنَاسِكِي وَ هَدْيِي، فَأَقِمْ عَلَى إِحْرَامِكَ وَ عُدْ إِلَى جَيْشِكَ فَعَجِّلْ بِهِمْ إِلَيَّ حَتَّى نَجْتَمِعَ بِمَكَّةَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ»

ص: 172


1- الرَمْل: الهرولة. «الصحاح - رمل - 1713:4» .
2- النسل: الركض بسرعة. انظر «الصحاح - نسل - 1830:5» .
3- في «م» و هامش «ش» : عرفته.

فَوَدَّعَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ عَادَ إِلَى جَيْشِهِ، فَلَقِيَهُمْ عَنْ قُرْبٍ فَوَجَدَهُمْ قَدْ لَبِسُوا اَلْحُلَلَ اَلَّتِي كَانَتْ مَعَهُمْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَ قَالَ: لِلَّذِي كَانَ اِسْتَخْلَفَهُ فِيهِمْ: «وَيْلَكَ، مَا دَعَاكَ إِلَى أَنْ تُعْطِيَهُمُ اَلْحُلَلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَدْفَعَهَا إِلَى اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ لَمْ أَكُنْ أَذِنْتُ لَكَ فِي ذَلِكَ ؟» فَقَالَ :سَأَلُونِي أَنْ يَتَجَمَّلُوا بِهَا وَ يُحْرِمُوا فِيهَا ثُمَّ يَرُدُّونَهَا عَلَيَّ . فَانْتَزَعَهَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنَ اَلْقَوْمِ وَ شَدَّهَا فِي اَلْأَعْدَالِ فَاضْطَغَنُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ.

فَلَمَّا دَخَلُوا مَكَّةَ كَثُرَتْ شِكَايَتُهُمْ مِنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي اَلنَّاسِ: «اِرْفَعُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ خَشِنٌ فِي ذَاتِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، غَيْرُ مُدَاهِنٍ فِي دِينِه ِ » فَكَفَّ اَلنَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَ عَلِمُوا مَكَانَهُ مِنَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله، وَ سَخَطَهُ عَلَى مَنْ رَامَ اَلْغَمِيزَةَ فِيهِ. فَأَقَامَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى إِحْرَامِهِ تَأَسِّياً بِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله .

وَ كَانَ قَدْ خَرَجَ مَعَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله كَثِيرٌ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ سِيَاقِ هَدْيٍ. فَأَنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ (وَأَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلّٰهِ) (1) فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «دَخَلَتِ اَلْعُمْرَةُ فِي اَلْحَجِّ وَ - شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِ إِحْدَى يَدَيْهِ بِالْأُخْرَى - إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ » ثُمَّ قَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَوِ اِسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ اَلْهَدْيَ» ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ لَمْ يَسُقْ مِنْكُمْ هَدْياً فَلْيُحِلَّ وَ لْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَ مَنْ سَاقَ مِنْكُمْ هَدْياً فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِهِ. فَأَطَاعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ اَلنَّاسِ

ص: 173


1- البقرة 196:2.

فِي ذَلِكَ وَ خَالَفَ بَعْضٌ، وَ جَرَتْ خُطُوبٌ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَ قَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ: إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَشْعَثُ أَغْبَرُ، وَ نَلْبَسُ اَلثِّيَابَ وَ نَقْرَبُ اَلنِّسَاءَ وَ نَدَّهِنُ!

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَ مَا تَسْتَحْيُونَ أَنْ تَخْرُجُوا وَ رُءُوسُكُمْ تَقْطُرُ مِنَ اَلْغُسْلِ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَى إِحْرَامِهِ!

فَأَنْكَرَ رَسُولُ اَللَّهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ وَ قَالَ: «لَوْ لاَ أَنِّي سُقْتُ اَلْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَ جَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْياً فَلْيُحِلَّ» فَرَجَعَ قَوْمٌ وَ أَقَامَ آخَرُونَ عَلَى اَلْخِلاَفِ.

وَ كَانَ فِيمَنْ أَقَامَ عَلَى اَلْخِلاَفِ لِلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ، فَاسْتَدْعَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَ لَهُ: «مَا لِي أَرَاكَ - يَا عُمَرُ- مُحْرِماً أَ سُقْتَ هَدْياً؟!» قَالَ: لَمْ أَسُقْ، قَالَ: «فَلِمَ لاَ تُحِلُّ وَ قَدْ أَمَرْتُ مَنْ لَمْ يَسُقِ اَلْهَدْيَ بِالْإِحْلاَلِ؟» فَقَالَ: وَ اَللَّهِ يَا رَسُولَ اَللَّهِ لاَ أَحْلَلْتُ وَ أَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ لَهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ:«إِنَّكَ لَنْ تُؤْمِنَ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ».

فَلِذَلِكَ أَقَامَ عَلَى إِنْكَارِ مُتْعَةِ اَلْحَجِّ، حَتَّى رَقِيَ اَلْمِنْبَرَ فِي إِمَارَتِهِ فَنَهَى عَنْهَا نَهْياً مُجَدَّداً (1)وَ تَوَعَّدَ عَلَيْهَا بِالْعِقَابِ.

وَ لَمَّا قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله نُسُكَهُ أَشْرَكَ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ فِي هَدْيِهِ، وَ قَفَلَ إِلَى اَلْمَدِينَةِ وَ هُوَ مَعَهُ وَ اَلْمُسْلِمُونَ، حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى اَلْمَوْضِعِ اَلْمَعْرُوفِ بِغَدِيرِ خُمٍّ، وَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ إِذْ ذَاكَ لِلنُّزُولِ لِعَدَمِ اَلْمَاءِ

ص: 174


1- في «ش» و «م» : مجردا، و اثبتنا ما في هامش «ش» و نسخة العلاّمة المجلسي.

فِيهِ وَ اَلْمَرْعَى، فَنَزَلَ صلّی الله علیه و آله فِي اَلْمَوْضِعِ وَ نَزَلَ اَلْمُسْلِمُونَ مَعَهُ.

وَ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهِ فِي هَذَا اَلْمَكَانِ نُزُولَ اَلْقُرْآنِ عَلَيْهِ بِنَصْبِهِ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ خَلِيفَةً فِي اَلْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ اَلْوَحْيُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ لَهُ فَأَخَّرَهُ لِحُضُورِ وَقْتٍ يَأْمَنُ فِيهِ اَلاِخْتِلاَفُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ وَ عَلِمَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِنْ تَجَاوَزَ غَدِيرَ خُمٍّ اِنْفَصَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ اَلنَّاسِ إِلَى بِلاَدِهِمْ وَ أَمَاكِنِهِمْ وَ بَوَادِيهِمْ فَأَرَادَ اَللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ لِسَمَاعِ اَلنَّصِّ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ تَأْكِيداً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ عَلَيْهِ (يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (1) يَعْنِي فِي اِسْتِخْلاَفِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اَلنَّصِّ بِالْإِمَامَةِ عَلَيْهِ (وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ) (2) فَأَكَّدَ بِهِ اَلْفَرْضَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَ خَوَّفَهُ مِنْ تَأْخِيرِ اَلْأَمْرِ فِيهِ، وَ ضَمِنَ لَهُ اَلْعِصْمَةَ وَ مَنْعَ اَلنَّاسِ مِنْهُ.

فَنَزَلَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْمَكَانَ اَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ، لِمَا وَصَفْنَاهُ مِنَ اَلْأَمْرِ لَهُ بِذَلِكَ وَ شَرَحْنَاهُ، وَ نَزَلَ اَلْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ، وَ كَانَ يَوْماً قَائِظاً شَدِيدَ اَلْحَرِّ، فَأَمَرَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِدَوْحَاتٍ هُنَاك َ فَقُمَّ مَا تَحْتَهَا، وَ أَمَرَ بِجَمْعِ اَلرِّحَالِ فِي ذَلِكَ اَلْمَكَانِ، وَ وَضْعِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي اَلنَّاسِ بِالصَّلاَةِ، فَاجْتَمَعُوا مِنْ رِحَالِهِمْ إِلَيْهِ، وَ إِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَيَلُفُّ رِدَاءَهُ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ شِدَّةِ اَلرَّمْضَاءِ. فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا صَعِدَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى تِلْكَ اَلرِّحَالِ حَتَّى صَارَ فِي ذِرْوَتِهَا، وَ دَعَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَرَقِيَ مَعَهُ حَتَّى قَامَ عَنْ يَمِينِهِ،

ص: 175


1- المائدة 67:5.
2- المائدة 67:5.

ثُمَّ خَطَبَ لِلنَّاسِ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ وَعَظَ فَأَبْلَغَ فِي اَلْمَوْعِظَةِ، وَ نَعَى إِلَى اَلْأُمَّةِ نَفْسَهُ ، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنِّي قَدْ دُعِيتُ وَ يُوشِكُ أَنْ أُجِيبَ، وَ قَدْ حَانَ مِنِّي خُفُوفٌ (1)مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أَبَداً (2): كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»

ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:(3)«أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ؟» فَقَالُوا: اَللَّهُمَّ بَلَى، فَقَالَ لَهُمْ عَلَى اَلنَّسَقِ، وَ قَدْ أَخَذَ بِضَبْعَيْ (4)أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَرَفَعَهُمَا حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِمَا وَ قَالَ: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَ اُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَ اُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ».

ثُمَّ نَزَلَ صلّی الله علیه و آله - وَ كَانَ وَقْتُ اَلظَّهِيرَةِ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ زَالَتِ اَلشَّمْسُ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ لِصَلاَةِ اَلْفَرْضِ فَصَلَّى بِهِمُ اَلظُّهْرَ، وَ جَلَسَ صلّی الله علیه و آله فِي خَيْمَتِهِ، وَ أَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَجْلِسَ فِي خَيْمَةٍ لَهُ بِإِزَائِهِ، ثُمَّ أَمَرَ اَلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَوْجاً فَوْجاً فَيُهَنِّئُوهُ بِالْمَقَامِ، وَ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَفَعَلَ اَلنَّاسُ ذَلِكَ كُلُّهُمْ، ثُمَّ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ وَ جَمِيعَ نِسَاءِ اَلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْهِ، وَ يُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ اَلْمُؤْمِنِينَ فَفَعَلْنَ.

ص: 176


1- يُقالَ خف القَوْم خفوفا: أي قلّوا، و هي كناية منه صلّى اللّه عليه و آله عن ارتحاله من الدُّنيا. انظر «الصحاح - خفف - 1353:4» .
2- أبدا: ليس في «ش» و «ح» و أثبتناها من «م» و هذا الموضع منها بخط متَأَخَّرَ عن زمن نسخها.
3- في «م» زيادة: أيها النّاس. و هذا القطعة من النسخة: بخط متَأَخَّرَ عن زمن نسخها.
4- الضّبع: بسكون الباء، وسط العضد، و قيل: هو ما تحت الإبط. «النهاية - ضبع - 73:3.

وَ كَانَ مِمَّنْ أَطْنَبَ فِي تَهْنِئَتِهِ بِالْمَقَامِ عُمَرُ بْنُ اَلْخَطَّابِ فَأَظْهَرَ لَهُ اَلْمَسَرَّةَ بِهِ وَ قَالَ: فِيمَا قَالَ: بَخْ بَخْ يَا عَلِيُّ ، أَصْبَحْتَ مَوْلاَيَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ.

وَ جَاءَ حَسَّانُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، اِئْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ فِي هَذَا اَلْمَقَامِ مَا يَرْضَاهُ اَللَّهُ؟ فَقَالَ لَهُ: «قُلْ يَا حَسَّانُ عَلَى اِسْمِ اَللَّهِ فَوَقَفَ عَلَى نَشَزٍ (1)مِنَ اَلْأَرْضِ، وَ تَطَاوَلَ اَلْمُسْلِمُونَ لِسَمَاعِ كَلاَمِهِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

يُنَادِيهِمْ يَوْمَ اَلْغَدِيرِ نَبِيُّهُمْ *** بِخُمٍّ وَ أَسْمِعْ بِالرَّسُولِ مُنَادِياً

وَ قَالَ: فَمَنْ مَوْلاَكُمْ وَ وَلِيُّكُمْ *** فَقَالُوا وَ لَمْ يَبْدُوا هُنَاكَ اَلتَّعَادِيَا

إِلَهُكَ مَوْلاَنَا وَ أَنْتَ وَلِيُّنَا *** وَ لَنْ تَجِدَنَّ مِنَّا لَكَ اَلْيَوْمَ عَاصِياً

فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَإِنَّنِي *** رَضِيتُكَ مِنْ بَعْدِي إِمَاماً وَ هَادِياً

فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ *** فَكُونُوا لَهُ أَنْصَارَ صِدْقٍ مُوَالِياً

هُنَاكَ دَعَا اَللَّهُمَّ وَالِ وَلِيَّهُ *** وَ كُنْ لِلَّذِي عَادَى عَلِيّاً مُعَادِياً.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله: «لاَ تَزَالُ - يَا حَسَّانُ - مُؤَيَّداً بِرُوحِ اَلْقُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ».

و إنّما اشترط رسول الله صلّی الله علیه و آله في الدعاء له، لعَلِمَه بعاقبة أمرُه في الخلاف، و لو عَلِمَ سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق، و مثلُ ذلكَ ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ، ولم يَمْدَحْهُنَّ بغير اشتراط ، لعلمه أنَّ منهنّ من يتغيّر بعد

ص: 177


1- النّشز: المرتفع من الأَرض. «النهاية - نشز - 55:5» .

الحال عن الصلاح الذي يُستَحَقّ عليه المدحُ والإكرامُ، فقالَ عزَّ قائلاً : (يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسٰاءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ) (1) و لم يَجْعَلهن في ذلكَ حَسَب ما جَعَلَ أهلَ بيت النبي صلّی الله علیه و آله في محلّ الإكرام والمِدْحَة ، حيث بَذَلوا قوتهم للمسكين واليتيم والأسير ، فأنزل اللهُ سبحانه وتعالى في عليّ بن أبي طالب وفاطمةَ والحسنِ والحسين عَلَیْهِ السَّلامُ و قد آثروا على أَنّفسهم مَعَ الخَصَّاصة الّتي كانت بِهِم، فقالَ جلّ قائلاً : (وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعٰامَ عَلىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً * إِنَّمٰا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّٰهِ لاٰ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزٰاءً وَ لاٰ شُكُوراً * إِنّٰا نَخٰافُ مِنْ رَبِّنٰا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقٰاهُمُ اَللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً * وَ جَزٰاهُمْ بِمٰا صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً) (2) فقَطَعَ لهم بالجزاء ، ولم يَشْتَرِط لهم كما اشتَرط لغيرهم ، لعلمه باختلاف الأحوال على ما بَيِّناه.

فصل

فكانَ في حَجَّةِ الوداع من فضل أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ الذي اختَصَّ به ما شَرَحناه، و انفرد فيه من المنقبة الجلّيلة بما ذكرناه، فكانَ شريكَ رسول الله صلّی الله علیه و آله في حجّه و هَدْيه و مناسكه، و وَفَّقه الله تعالى لمساوٍاة نبيُّه، عَلَیْهِ السَّلامُ في نيّته و وفاقه في عبادته،

ص: 178


1- الأحزاب 32:33.
2- الإنسان 8:76 - 12.

و ظَهَرَ من مكانه عنده صلّی الله علیه و آله و جلّيل محلّه عند الله سُبحانَه ما نوه به في مدحته، فأوجب له فَرْضِ طاعته على الخلائق و اختَصَّاصه بخلافته، و التصريح منه بالدعوة إِلَى أتباعه و النهي عن مخالفته، و الدعاء لمن اقتدى به في الدين و قام بنصرته، و الدعاء على من خالفه، و اللعن لمن بارَزَه بعَداوته. و كَشَفَ بذلكَ عن كونه أفضلَ خلق الله تعالى و أجلّ بريته، و هذا مِمَّا لم يَشْرَكه - أيضاً - فيه أحدٌ من الأُمّة، و لا تَعَرَّض (1)منه بفضل يُقاربه على شبهةٍ لمن ظنّه، أو بصيرة لمن عرَف المعنى في حقيقته، و الله المحمود.

في الوصية لعلي عَلَیْهِ السَّلامُ في مرض النبيُّ صلّی الله علیه و آله بعد تجهيزه أسامة لغزو الرُّومَ

فصل

ثُّمّ كانَ مِمَّا أَكَّدَ له الفَضْل و تَخَصُّصِه منه بجلّيل رتبته، ما تَلا حَجَّةَ الوداع من الأُمور المُتَجدَّدة لرسول الله صلّی الله علیه و آله و الِأَحدٍاث الّتي اتّفقت (بقضاء الله و قدره) (2).

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَیْهِ السَّلامُ تَحَقَّقَ مِنْ دُنُوِّ أَجَلِهِ مَا كَانَ (قَدَّمَ اَلذِّكْرَ) (3)بِهِ لِأُمَّتِهِ، فَجَعَلَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُومُ مَقَاماً بَعْدَ مَقَامٍ فِي اَلْمُسْلِمِينَ يُحَذِّرُهُمْ مِنَ اَلْفِتْنَةِ بَعْدَهُ وَ اَلْخِلاَفِ عَلَيْهِ وَ يُؤَكِّدُ وَصَاتَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ وَ اَلاِجْتِمَاعِ عَلَيْهَا وَ اَلْوِفَاقِ، وَ يَحُثُّهُمْ عَلَى اَلاِقْتِدَاءِ

ص: 179


1- في هامش «ش» : تعوّض.
2- في هامش «ش» : بعون اللّه و قدرته.
3- في هامش «ش» : تقدّم الذكر.

بِعِتْرَتِهِ وَ اَلطَّاعَةِ لَهُمْ وَ اَلنُّصْرَةِ وَ اَلْحِرَاسَةِ، وَ اَلاِعْتِصَامِ بِهِمْ فِي اَلدِّينِ، وَ يَزْجُرُهُمْ عَنِ اَلْخِلاَفِ وَ اَلاِرْتِدَادِ. فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَیْهِ السَّلامُ مَا جَاءَتْ بِهِ اَلرُّوَاةُ عَلَى اِتِّفَاقٍ وَ اِجْتِمَاعٍ مِنْ قَوْلِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ:

«أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنِّي فَرَطُكُمْ وَ أَنْتُمْ وَارِدُونَ عَلَيَّ اَلْحَوْضَ، أَلاَ وَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنِ اَلثَّقَلَيْنِ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا، فَإِنَّ اَللَّطِيفَ اَلْخَبِيرَ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَلْقَيَانِي، وَ سَأَلْتُ رَبِّي ذَلِكَ فَأَعْطَانِيهِ، أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُهُمَا فِيكُمْ: كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَلاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَفَرَّقُوا وَ لاَ تُقَصِّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا، وَلاَ تُعَلِّمُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ، لاَ أُلْفِيَنَّكُمْ بَعْدِي تَرْجِعُونَ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَتَلْقَوْنِي فِي كَتِيبَةٍ كَمَجَرِّ اَلسَّيْلِ اَلْجَرَّارِ (أَلاَ وَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخِي) (1)وَ وَصِيِّي يُقَاتِلُ بَعْدِي عَلَى تَأْوِيلِ اَلْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ. (2)

فَكَانَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُومُ مَجْلِساً بَعْدَ مَجْلِسٍ بِمِثْلِ هَذَا اَلْكَلاَمِ وَ نَحْوِهِ.

ثُمَّ إِنَّهُ عَقَدَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ اَلْإِمْرَةَ، وَ نَدَبَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِجُمْهُورِ اَلْأُمَّةِ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَبُوهُ مِنْ بِلاَدِ اَلرُّومِ، وَ اِجْتَمَعَ رَأْيُهُ عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى إِخْرَاجِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ فِي

ص: 180


1- في نسخة «ش» : الا عليّ بن أبي طالب فانه اخي، و في «م» و هامش «ش» : او عليّ بن أبي طالب فانه اخي، و اثبتنا ما في نسخة العلاّمة المجلّسي.
2- وردت قطع من الحديثٌ في الطبقات الكبرى 194:2، تأريخ اليعقوبي 111:2 و 112، صحيح مسلم 1873:4، مسند أبي يعلى 297:2، 303، مستدرك الحاكم 3: 109، مصباح الأَنّوار:285. و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 465:22 / 19.

مُعَسْكَرِهِ، حَتَّى لاَ يَبْقَى فِي اَلْمَدِينَةِ عِنْدَ وَفَاتِهِ صلّی الله علیه و آله مَنْ يَخْتَلِفُ فِي اَلرِّئَاسَةِ، وَ يَطْمَعُ فِي اَلتَّقَدُّمِ عَلَى اَلنَّاسِ بِالْإِمَارَةِ، وَ يَسْتَتِبُّ اَلْأَمْرُ لِمَنِ اِسْتَخْلَفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لاَ يُنَازِعُهُ فِي حَقِّهِ مُنَازِعٌ، فَعَقَدَ لَهُ اَلْإِمْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

وَ جَدَّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي إِخْرَاجِهِمْ، فَأَمَرَ أُسَامَةَ بِالْبُرُوزِ (1)عَنِ اَلْمَدِينَةِ بِمُعَسْكَرِهِ إِلَى اَلْجُرْفِ (2)، وَ حَثَّ اَلنَّاسَ عَلَى اَلْخُرُوجِ إِلَيْهِ وَ اَلْمَسِيرِ مَعَهُ وَ حَذَّرَهُمْ مِنَ اَلتَّلَوُّمِ وَ اَلْإِبْطَاءِ عَنْهُ.

فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ عَرَضَتْ لَهُ اَلشَّكَاةُ اَلَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْمَرَضِ اَلَّذِي عَرَاهُ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اِتَّبَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ اَلنَّاسِ وَ تَوَجَّهَ إِلَى اَلْبَقِيعِ فَقَالَ: لِمَنْ تَبِعَهُ: «إِنَّنِي قَدْ أُمِرْتُ بِالاِسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ اَلْبَقِيعِ» فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ اَلْقُبُورِ، لِيَهْنِئْكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا فِيهِ اَلنَّاسُ، أَقْبَلَتِ اَلْفِتَنُ كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلَهَا آخِرُهَا» ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ اَلْبَقِيعِ طَوِيلاً، وَ أَقْبَلَ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: لَهُ «إِنَّ جَبْرَئِيلَ عَلَیْهِ السَّلامُ كَانَ يَعْرِضُ عَلَيَّ اَلْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَ قَدْ عَرَضَهُ عَلَيَّ اَلْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَ لاَ أَرَاهُ إِلاَّ لِحُضُورِ أَجَلِي».

ثُمَّ قَالَ: «يَا عَلِيُّ إِنِّي خُيِّرْتُ بَيْنَ خَزَائِنِ اَلدُّنْيَا وَ اَلْخُلُودِ فِيهَا أَوِ اَلْجَنَّةِ، فَاخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَ اَلْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلْنِي وَ اُسْتُرْ عَوْرَتِي،

ص: 181


1- في «م» و هامش «ش» : بالخروج.
2- الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. «معجم البلدان 128:2» .

فَإِنَّهُ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ إِلاَّ أُكْمِهَ».

ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ فَمَكَثَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ مَوْعُوكاً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى اَلْمَسْجِدِ مَعْصُوبَ اَلرَّأْسِ، مُعْتَمِداً، عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِيُمْنَى يَدَيْهِ، وَ عَلَى اَلْفَضْلِ بْنِ اَلْعَبَّاسِ بِالْيَدِ اَلْأُخْرَى، حَتَّى صَعِدَ اَلْمِنْبَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ، قَدْ حَانَ مِنِّي خُفُوفٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي أُعْطِهِ إِيَّاهَا، وَ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ فَلْيُخْبِرْنِي بِهِ.

مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ، لَيْسَ بَيْنَ اَللَّهِ وَ بَيْنَ أَحَدٍ شَيْءٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْراً أَوْ يَصْرِفُ بِهِ عَنْهُ شَرّاً إِلاَّ اَلْعَمَلُ.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ، لاَ يَدَّعِي مُدَّعٍ وَ لاَ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَ اَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لاَ يُنْجِي إِلاَّ عَمَلٌ مَعَ رَحْمَةٍ وَ لَوْ عَصَيْتُ لَهَوَيْتُ، اَللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».

ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلاَةً خَفِيفَةً وَ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَ كَانَ إِذْ ذَاكَ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا فَأَقَامَ بِهِ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ.

فَجَاءَتْ عَائِشَةُ إِلَيْهَا تَسْأَلُهَا أَنْ تَنْقُلَهُ إِلَى بَيْتِهَا لِتَتَوَلَّى تَعْلِيلَهُ، وَ سَأَلَتْ أَزْوَاجَ اَلنَّبِيِّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي ذَلِكَ فَأَذِنَّ لَهَا، فَانْتَقَلَ صلّی الله علیه و آله إِلَى اَلْبَيْتِ اَلَّذِي أَسْكَنَهُ عَائِشَةُ، وَ اِسْتَمَرَّ بِهِ اَلْمَرَضُ أَيَّاماً وَ ثَقُلَ عَلَیْهِ السَّلامُ .

فَجَاءَ بِلاَلٌ عِنْدَ صَلاَةِ اَلصُّبْحِ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَغْمُورٌ بِالْمَرَضِ فَنَادَى: اَلصَّلاَةَ یَرحِمَكُمُ اَللَّهُ، فَأُوذِنَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِنِدَائِهِ، فَقَالَ: «يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْضُهُمْ فَإِنَّنِي مَشْغُولٌ بِنَفْسِي».

فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ وَ قَالَتْ حَفْصَةُ مُرُوا عُمَرَ .

ص: 182

فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حِينَ سَمِعَ كَلاَمَهُمَا وَ رَأَى حِرْصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى اَلتَّنْوِيهِ بِأَبِيهَا وَ اِفْتِتَانِهِمَا بِذَلِكَ وَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله حَيٌّ !: «اُكْفُفْنَ فَإِنَّكُنَّ صُوَيْحِبَاتُ يُوسُفَ» (1)ثُمَّ قَامَ عَلَیْهِ السَّلامُ مُبَادِراً خَوْفاً مِنْ تَقَدُّمِ أَحَدِ اَلرَّجُلَيْنِ، وَ قَدْ كَانَ أَمَرَهُمَا عَلَیْهِ السَّلامُ بِالْخُرُوجِ إِلَى أُسَامَةَ، وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا قَدْ تَخَلَّفَا.

فَلَمَّا سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ وَ حَفْصَةَ مَا سَمِعَ، عَلِمَ أَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنْ أَمْرِهِ فَبَدَرَ لِكَفِّ اَلْفِتْنَةِ وَ إِزَالَةِ اَلشُّبْهَةِ، فَقَامَ عَلَیْهِ السَّلامُ - وَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَقِلُّ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلضَّعْفِ - فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اَلْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ فَاعْتَمَدَهُمَا وَ رِجْلاَهُ تَخُطَّانِ اَلْأَرْضَ مِنَ اَلضَّعْفِ. فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى اَلْمَسْجِدِ وَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَ إِلَى اَلْمِحْرَابِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَأَخَّرْ عَنْهُ ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَامَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مَقَامَهُ فَكَبَّرَ وَ اِبْتَدَأَ اَلصَّلاَةَ اَلَّتِي كَانَ قَدِ اِبْتَدَأَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَ لَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ فِعَالِهِ.

فَلَمَّا سَلَّمَ اِنْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ اِسْتَدْعَى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ جَمَاعَةً مِمَّنْ حَضَرَ اَلْمَسْجِدَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ: «أَ لَمْ آمُرْ أَنْ تَنْفُذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ؟!» فَقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اَللَّهِ قَالَ: «فَلِمَ تَأَخَّرْتُمْ عَنْ أَمْرِي؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّنِي كُنْتُ خَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ لِأُجَدِّدَ (2)بِكَ عَهْداً. وَ قَالَ عُمَرُ: يَا

ص: 183


1- رواه البخاري في صحيحه 172:1 ب 46، و مسلم في صحيحه 313:1 / 94 ، 95 ، 101، و البيهقيّ في دلَّائل النبوّة 186:7.
2- في «م» و «ح» و هامش «ش» : لا حدث.

رَسُولَ اَللَّهِ، لَمْ أَخْرُجْ لِأَنَّنِي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ اَلرَّكْبَ. فَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلّی الله علیه و آله: « فَانْفُذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ فَانْفُذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ» يُكَرِّرُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مِنَ اَلتَّعَبِ اَلَّذِي لَحِقَهُ وَ اَلْأَسَفِ، فَمَكَثَ هُنَيْهَةً مُغْمًى عَلَيْهِ، وَ بَكَى اَلْمُسْلِمُونَ وَ اِرْتَفَعَ اَلنَّحِيبُ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَ وُلْدِهِ وَ اَلنِّسَاءِ اَلْمُسْلِمَاتِ وَ مَنْ حَضَرَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ (1).

فَأَفَاقَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ:«اِئْتُونِي بِدَوَاةٍ وَ كَتِفٍ، أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَداً» ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ يَلْتَمِسُ دَوَاةً وَ كَتِفاً فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اِرْجِعْ، فَإِنَّهُ يَهْجُرُ !!! فَرَجَعَ. وَ نَدِمَ مَنْ حَضَرَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مِنَ اَلتَّضْجِيعِ (2) فِي إِحْضَارِ اَلدَّوَاةِ وَ اَلْكَتِفِ، فَتَلاَوَمُوا بَيْنَهُمْ فَقَالُوا : إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ، لَقَدْ أَشْفَقْنَا مِنْ خِلاَفِ رَسُولِ اَللَّهِ .

فَلَمَّا أَفَاقَ صلّی الله علیه و آله قَالَ بَعْضُهُمْ: أَ لاَ نَأْتِيكَ بِكَتِفٍ يَا رَسُولَ اَللَّهِ وَ دَوَاةٍ؟ فَقَالَ: «أَ بَعْدَ اَلَّذِي قُلْتُمْ!! لاَ، وَ لَكِنَّنِي أُوصِيكُمْ بِأَهْلِ بَيْتِي خَيْراً ثُمَّ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنْ اَلْقَوْمِ فَنَهَضُوا ، وَ بَقِيَ عِنْدَهُ اَلْعَبَّاسُ وَ اَلْفَضْلُ وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً.

فَقَالَ لَهُ اَلْعَبَّاسُ:يَا رَسُولَ اَللَّهِ، إِنْ يَكُنْ هَذَا اَلْأَمْرُ فِينَا مُسْتَقَرّاً بَعْدَكَ فَبَشِّرْنَا، وَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّا نُغْلَبُ عَلَيْهِ فَأَوْصِ بِنَا، فَقَالَ: «أَنْتُمُ اَلْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ بَعْدِي» وَ أَصْمَتَ فَنَهَضَ اَلْقَوْمُ وَ هُمْ يَبْكُونَ قَدْ

ص: 184


1- في هامش «ش» و «م» : من أهلُ بيته.
2- التضجيع في الأَمرُ: التقصير فيه. «الصحاح - ضجع - 1248:3» .

أَيِسُوا (1)مِنَ اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله .

فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اُرْدُدُوا عَلَيَّ أَخِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ عَمِّي » فَأَنْفَذُوا مَنْ دَعَاهُمَا فَحَضَرَا، فَلَمَّا اِسْتَقَرَّ بِهِمَا اَلْمَجْلِسُ قَالَ: رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله : «يَا عَبَّاسُ يَا عَمَّ رَسُولِ اَللَّهِ، تَقْبَلُ وَصِيَّتِي وَ تُنْجِزُ عِدَتِي وَ تَقْضِي عَنِّي دَيْنِي؟» فَقَالَ اَلْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، عَمُّكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ذُو عِيَالٍ كَثِيرٍ، وَ أَنْتَ تُبَارِي اَلرِّيحَ سَخَاءً وَ كَرَماً، وَ عَلَيْكَ وَعْدٌ لاَ يَنْهَضُ بِهِ عَمُّكَ.

فَأَقْبَلَ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ: «يَا أَخِي، تَقْبَلُ وَصِيَّتِي وَ تُنْجِزُ عِدَتِي وَ تَقْضِي عَنِّي دَيْنِي وَ تَقُومُ بِأَمْرِ أَهْلِي مِنْ بَعْدِي؟» قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَقَالَ لَهُ: «اُدْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَزَعَ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ فَقَالَ لَهُ: «خُذْ هَذَا فَضَعْهُ فِي يَدِكَ وَ دَعَا بِسَيْفِهِ وَ دِرْعِهِ وَ جَمِيعِ لاَمَتِهِ فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَ اِلْتَمَسَ عِصَابَةً كَانَ يَشُدُّهَا عَلَى بَطْنِهِ إِذَا لَبِسَ سِلاَحَهُ وَ خَرَجَ إِلَى اَلْحَرْبِ، فَجِيءَ بِهَا إِلَيْهِ فَدَفَعَهَا إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَ لَهُ: «اِمْضِ عَلَى اِسْمِ اَللَّهِ إِلَى مَنْزِلِكَ».

فَلَمَّا كَانَ مِنَ اَلْغَدِ حُجِبَ اَلنَّاسُ عَنْهُ وَ ثَقُلَ فِي مَرَضِهِ، وَ كَانَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ لاَ يُفَارِقُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، فَقَامَ فِي بَعْضِ شُئُونِهِ، فَأَفَاقَ عَلَیْهِ السَّلامُ إِفَاقَةً فَافْتَقَدَ عَلِيّاً عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: - وَ أَزْوَاجُهُ حَوْلَهُ -: « اُدْعُوا لِي أَخِي وَ صَاحِبِي وَ عَاوَدَهُ اَلضَّعْفَ فَأَصْمَتَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: اُدْعُوا لَهُ أَبَا بَكْرٍ، فَدُعِيَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَهُ نَظَرَ إِلَيْهِ

ص: 185


1- «م» : يئسوا.

وَ أَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لَهُ إِلَيَّ حَاجَةٌ لَأَفْضَى بِهَا إِلَيَّ . فَلَمَّا خَرَجَ أَعَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله اَلْقَوْلَ ثَانِيَةً وَ قَالَ: «اُدْعُوا لِي أَخِي وَ صَاحِبِي» فَقَالَتْ حَفْصَةُ: اُدْعُوا لَهُ عُمَرَ، فَدُعِيَ فَلَمَّا حَضَرَ رَآهُ اَلنَّبِيُّ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَانْصَرَفَ.

ثُمَّ قَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ : «اُدْعُوا لِي أَخِي وَ صَاحِبِي» فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا: اُدْعُوا لَهُ عَلِيّاً فَإِنَّهُ لاَ يُرِيدُ غَيْرَهُ، فَدُعِيَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَوْمَأَ إِلَيْهِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَنَاجَاهُ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله طَوِيلاً، ثُمَّ قَامَ فَجَلَسَ نَاحِيَةً حَتَّى أَغْفَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ لَهُ: اَلنَّاسُ: مَا اَلَّذِي أَوْعَزَ إِلَيْكَ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ؟ فَقَالَ: «عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ، فَتَحَ لِي كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ، وَ وَصَّانِي بِمَا أَنَا قَائِمٌ بِهِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ».

ثُمَّ ثَقُلَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ حَضَرَهُ اَلْمَوْتُ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ. فَلَمَّا قَرُبَ خُرُوجُ نَفْسِهِ قَالَ لَهُ: «ضَعْ رَأْسِي يَا عَلِيُّ فِي حَجْرِكَ، فَقَدْ جَاءَ أَمْرُ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِذَا فَاضَتْ نَفْسِي فَتَنَاوَلْهَا بِيَدِكَ وَ اِمْسَحْ بِهَا وَجْهَكَ ثُمَّ وَجِّهْنِي إِلَى اَلْقِبْلَةِ وَ تَوَلَّ أَمْرِي وَ صَلِّ عَلَيَّ أَوَّلَ اَلنَّاسِ، وَ لاَ تُفَارِقْنِي حَتَّى تُوَارِيَنِي فِي رَمْسِي، وَ اِسْتَعِنْ بِاللَّهِ تَعَالَى» فَأَخَذَ عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ رَأْسَهُ فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَأَكَبَّتْ فَاطِمَةُ عَلَیْهِ السَّلامُ تَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ وَ تَنْدُبُهُ وَ تَبْكِي وَ تَقُولُ:

وَ أَبْيَضُ يُسْتَسْقَى اَلْغَمَامُ بِوَجْهِهِ *** ثِمَالُ (1)اَلْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِل»

ص: 186


1- في هامش «م» : ربيع. و الثُّمّ ال: الغياث «الصحاح - ثُّمّ ل - 1649:4» .

فَفَتَحَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَيْنَيْهِ وَ قَالَ بِصَوْتٍ ضَئِيلٍ: «يَا بُنَيَّةِ، هَذَا قَوْلُ عَمِّكِ أَبِي طَالِبٍ، لاَ تَقُولِيهِ، وَ لَكِنْ قُولِي: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ) (1) فَبَكَتْ طَوِيلاً فَأَوْمَأَ إِلَيْهَا بِالدُّنُوِّ مِنْهُ، فَدَنَتْ مِنْهُ فَأَسَرَّ إِلَيْهَا شَيْئاً تَهَلَّلَ لَهُ وَجْهُهَا.

ثُمَّ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ وَ يَدُ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْيُمْنَى تَحْتَ حَنَكِهِ فَفَاضَتْ نَفْسُهُ عَلَیْهِ السَّلامُ فِيهَا، فَرَفَعَهَا إِلَى وَجْهِهِ فَمَسَحَهُ بِهَا ثُمَّ وَجَّهَهُ وَ غَمَّضَهُ وَ مَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَ اِشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِهِ.

فَجَاءَتِ اَلرِّوَايَةُ، أَنَّهُ قِيلَ لِفَاطِمَةَ علیها السلام: مَا اَلَّذِي أَسَرَّ إِلَيْكِ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَسُرِيَ عَنْكِ مَا كُنْتِ عَلَيْهِ مِنَ اَلْحَزَنِ وَ اَلْقَلَقِ بِوَفَاتِهِ: قَالَتْ: «إِنَّهُ خَبَّرَنِي أَنَّنِي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ لُحُوقاً بِهِ، وَ أَنَّهُ لَنْ تَطُولَ اَلْمُدَّةُ بِي بَعْدَهُ حَتَّى أُدْرِكَهُ، فَسُرِيَ ذَلِكَ عَنِّي». (2)

وَ لَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ غُسْلَهُ صلّی الله علیه و آله اِسْتَدْعَى اَلْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَاوِلَهُ اَلْمَاءَ لِغُسْلِهِ - بَعْدَ أَنْ عَصَبَ عَيْنَيْهِ - ثُمَّ شَقَّ قَمِيصَهُ مِنْ قِبَلِ جَيْبِهِ حَتَّى بَلَغَ بِهِ إِلَى سُرَّتِهِ، وَ تَوَلَّى عَلَیْهِ السَّلامُ غُسْلَهُ وَ تَحْنِيطَهُ وَ تَكْفِينَهُ، وَ اَلْفَضْلُ يُعَاطِيهِ اَلْمَاءَ وَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ وَ تَجْهِيزِهِ تَقَدَّمَ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَحْدَهُ لَمْ

ص: 187


1- آل عمران 144:3.
2- الطبقات الكبرى 193:2، 247، صحيح البخاريّ 12:6، صحيح مسلم 1904:4، مسند أحمد77:6 ، 240 ،282، سنن الترمذي 361:5.

يَشْرَكْهُ مَعَهُ أَحَدٌ فِي اَلصَّلاَةِ عَلَيْهِ.

وَ كَانَ اَلْمُسْلِمُونَ فِي اَلْمَسْجِدِ يَخُوضُونَ فِيمَنْ يَؤُمُّهُمْ فِي اَلصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَ أَيْنَ يُدْفَنُ؟! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله إِمَامُنَا حَيّاً وَ مَيِّتاً، فَيَدْخُلُ إِلَيْهِ فَوْجٌ فَوْجٌ مِنْكُمْ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِمَامٍ وَ يَنْصَرِفُونَ، وَ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيّاً فِي مَكَانٍ إِلاَّ وَ قَدِ اِرْتَضَاهُ لِرَمْسِهِ فِيهِ، وَ إِنِّي دَافِنُهُ فِي حُجْرَتِهِ اَلَّتِي قُبِضَ فِيهَا فَسَلَّمَ اَلْقَوْمُ لِذَلِكَ وَ رَضُوا بِهِ.

وَ لَمَّا صَلَّى اَلْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنْفَذَ اَلْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ بِرَجُلٍ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ اَلْجَرَّاحِ وَ كَانَ يَحْفِرُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَ يَضْرَحُ (1)وَ كَانَ ذَلِكَ عَادَةَ أَهْلِ مَكَّةَ وَ أَنْفَذَ إِلَى زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ وَ كَانَ يَحْفِرُ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ وَ يَلْحَدُ وَ اِسْتَدْعَاهُمَا وَ قَالَ: «اَللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّكَ». فَوُجِدَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ فَقِيلَ لَهُ: اِحْتَفِرْ لِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، فَحَفَرَ لَهُ لَحْداً، وَ دَخَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ اَلْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ وَ اَلْفَضْلُ بْنُ اَلْعَبَّاسِ وَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ لِيَتَوَلَّوْا دَفْنَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَنَادَتِ اَلْأَنْصَارُ مِنْ وَرَاءِ اَلْبَيْتِ: يَا عَلِيُّ، إِنَّا نُذَكِّرُكَ اَللَّهَ وَ حَقَّنَا اَلْيَوْمَ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَنْ يَذْهَبَ، أَدْخِلْ مِنَّا رَجُلاً يَكُونُ لَنَا بِهِ حَظٌّ مِنْ مُوَارَاةِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: «لِيَدْخُلْ أَوْسُ بْنُ خَوَلِيٍّ» وَ كَانَ بَدْرِيّاً فَاضِلاً مِنْ بَنِي عَوْفٍ مِنَ اَلْخَزْرَجِ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ لَهُ: عَلِيٌّ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اِنْزِلِ اَلْقَبْرَ» فَنَزَلَ وَ وَضَعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَى يَدَيْهِ وَ دَلاَّهُ فِي

ص: 188


1- الضريح: الشق في وسط القبر، و اللحد في الجانب. «الصحاح - ضرح - 386:1» .

حُفْرَتِهِ فَلَمَّا حَصَلَ فِي اَلْأَرْضِ قَالَ لَهُ: «اُخْرُجْ» فَخَرَجَ وَ نَزَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْقَبْرَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ وَضَعَ خَدَّهُ عَلَى اَلْأَرْضِ مُوَجَّهاً إِلَى اَلْقِبْلَةِ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ اَللَّبِنَ وَ هَالَ عَلَيْهِ اَلتُّرَابَ.

وَ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ اَلْإِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ هِجْرَتِهِ وَ هُوَ اِبْنُ ثَلاَثٍ وَ سِتِّينَ سَنَةً.

وَ لَمْ يَحْضُرْ دَفْنَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله أَكْثَرُ اَلنَّاسِ، لِمَا جَرَى بَيْنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ مِنَ اَلتَّشَاجُرِ فِي أَمْرِ اَلْخِلاَفَةِ، وَ فَاتَ أَكْثَرَهُمُ اَلصَّلاَةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَ أَصْبَحَتْ فَاطِمَةُ عَلَیْهِ السَّلامُ تُنَادِي «وَا سَوْءَ صَبَاحَاهْ» فَسَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَهَا: إِنَّ صَبَاحَكِ لَصَبَاحُ سَوْءٍ. وَ اِغْتَنَمَ اَلْقَوْمُ اَلْفُرْصَةَ لِشُغُلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، وَ اِنْقِطَاعِ بَنِي هَاشِمٍ عَنْهُمْ بِمُصَابِهِمْ بِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آلهريال فَتَبَادَرُوا إِلَى وِلاَيَةِ اَلْأَمْرِ، وَ اِتَّفَقَ لِأَبِي بَكْرٍ مَا اِتَّفَقَ لاِخْتِلاَفِ اَلْأَنْصَارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَ كَرَاهَةِ اَلطُّلَقَاءِ وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ تَأَخُّرِ اَلْأَمْرِ حَتَّى يَفْرُغَ بَنُو هَاشِمٍ، فَيَسْتَقِرَّ اَلْأَمْرُ مَقَرَّهُ فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ لِحُضُورِهِ اَلْمَكَانَ، وَ كَانَتْ أَسْبَابٌ مَعْرُوفَةٌ تَيَسَّرَ مِنْهَا لِلْقَوْمِ مَا رَامُوهُ، لَيْسَ هَذَا اَلْكِتَابُ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا فَنَشْرَحَ اَلْقَوْلَ فِيهَا عَلَى اَلتَّفْصِيلِ.

وَ قَدْ جَاءَتِ اَلرِّوَايَةُ: أَنَّهُ لَمَّا تَمَّ لِأَبِي بَكْرٍ مَا تَمَّ وَ بَايَعَهُ مَنْ بَايَعَ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ هُوَ يُسَوِّي قَبْرَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِمِسْحَاةٍ فِي يَدِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اَلْقَوْمَ قَدْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ وَقَعَتِ اَلْخَذْلَةُ فِي اَلْأَنْصَارِ لاِخْتِلاَفِهِمْ، وَ بَدَرَ اَلطُّلَقَاءُ بِالْعَقْدِ

ص: 189

لِلرَّجُلِ خَوْفاً مِنْ إِدْرَاكِكُمُ اَلْأَمْرَ. فَوَضَعَ طَرَفَ اَلْمِسْحَاةِ فِي اَلْأَرْضِ وَ يَدُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ (الم *أَ حَسِبَ اَلنّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لاٰ يُفْتَنُونَ * وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكٰاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ) (1)(2)

وَ قَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ جَاءَ إِلَى بَابِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ عَلِيٌّ وَ اَلْعَبَّاسُ مُتَوَفِّرَانِ عَلَى اَلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِ فَنَادَى:

بَنِي هَاشِمٍ لاَ تُطْمِعُوا اَلنَّاسَ فِيكُمْ *** وَ لاَ سِيَّمَا تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ أَوْ عَدِيٌّ

فَمَا اَلْأَمْرُ إِلاَّ فِيكُمْ وَ إِلَيْكُمْ *** وَ لَيْسَ لَهَا إِلاَّ أَبُو حَسَنٍ عَلِيٌّ

أَبَا حَسَنٍ فَاشْدُدْ بِهَا كَفَّ حَازِمٍ *** فَإِنَّكَ بِالْأَمْرِ اَلَّذِي يُرْتَجَى مَلِيٌّ.

ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَ رَضِيتُمْ أَنْ يَلِي عَلَيْكُمْ أَبُو فَصِيلٍ اَلرَّذْلُ بْنُ اَلرَّذْلِ، أَمَا وَ اَللَّهِ لَئِنْ شِئْتُمْ لَأَمْلَأَنَّهَا خَيْلاً وَ رَجِلاً. فَنَادَاهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اِرْجِعْ يَا بَا سُفْيَانَ، فَوَ اَللَّهِ مَا تُرِيدُ اَللَّهَ بِمَا تَقُولُ، وَ مَا زِلْتَ تَكِيدُ اَلْإِسْلاَمَ وَ أَهْلَهُ، وَ نَحْنُ مَشَاغِيلُ بِرَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله، وَ عَلَى كُلِّ اِمْرِئٍ مَا اِكْتَسَبَ وَ هُوَ وَلِيُّ مَا اِحْتَقَبَ» فَانْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى اَلْمَسْجِدِ فَوَجَدَ بَنِي أُمَيَّةَ مُجْتَمِعِينَ فِيهِ فَحَرَّضَهُمْ عَلَى اَلْأَمْرِ وَ لَمْ يَنْهَضُوا لَهُ.

و كانت فتنة عمت و بَلِيَّة شملت و أَسبابٌ سوء اتفقت، تَمَكَّنَ بها

ص: 190


1- العنكبوت 1:29 - 4.
2- نَقَله الحويزي في تفسير نور الثقلين 149:4 / 11.

الشيطانُ و تعاون فيها أهلُ الإفك و العُدوان، فتخاذل في إنكارها أهلُ الإيمان و كانَ ذلكَ تأوِيلُ قولِ الله عزَّ اِسْمُهَ (وَ اِتَّقُوا فِتْنَةً لاٰ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (1) فصل

و فيما عَدَدْناه من مناقب أَميرالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بعد الذي تقدّم ذكره من ذلكَ في حُجَّةَ الوداع، أدلُّ دليل على تَخَصُّصِه عَلَیْهِ السَّلامُ فيها بما لم يَشْرَكه فيه أحدٌ من الأَنّام، إذ كانَ كلُّ واحد منه بابا من الفَضْل قائماً بنفسه، غير محتاج في معناه إِلَى سواه.

أ لا تَرى أَنّ تَحَقَّقَه عَلَیْهِ السَّلامُ بالنبيُّ صلّی الله علیه و آله في مرضه إِلَى أَنّ توفّاه الله يقتضي فضله في الدين و القُربى من النبيُّ صلّی الله علیه و آله بالأَعمال المرضيّة الموجبة لسكونه إليه، و تعويله في أمرُه عليه، و انقطاعِه عن الكافَّة في تدبير نفسه إليه، و اختَصَّاصه من مودته بما لم يَشْرَكه فيه من عداه، ثُّمّ وصيّتِه إليه بما وصّاه بعد أَنّ عَرَض ذلكَ على غيره فأباه، و تحمُّلِه أعباءَ حقوقه فيه و ضمانه للقيام به و أداء الأَمانة فيما تولّاه، و تَخَصُّصِهِ بإُخُوَّة رسول الله صلّی الله علیه و آله، و صُحبتهِ المرضيّة حين دعاه، و إيداعه من علوِّم الدين ما أفرده به ممّن سواه، و تَوَلَّى غسله و جهازَه إِلَى الله، و سبق الكافَّة إِلَى الصلاة عليه و تقدُّمِهم في ذلكَ بمنَزَلته عنده و عند الله تعالى، و دلَّالةِ الأُمّة على كيفية

ص: 191


1- الأَنّفال 25:8.

الصلاة عليه، و قد التبس الأَمرُ عليهم في ذلكَ، و إرشاده لهم إِلَى موضع دفنه، مَعَ الاختلاف الذي كانَ بينهم فيه، فانقادوا إِلَى ما دعاهم إليه من ذلكَ و رآه، فصار بذلكَ كلِّهِ أوحداً في فضله، و أَكمَلَ به من مآثره في الإسلام ما ابتدأه في أوّلَه إِلَى وفاة النبيُّ صلّی الله علیه و آله، و حَصَلَ له به نظامُ الفضائل على الاتّساق، و لم يتخلَّلْ شيئاً من أعماله في الدين فتورٌ (1)، و لا شأَنّ فضله عَلَیْهِ السَّلامُ لیه السلام فيما عَدَدْناه قصورٌ عن غايةٍ في مناقب الإيمان و فضائل الإسلام، و هذا لاحِقٌ بالمعجز الباهر الخارق للعادات، و هو مِمَّا لا يُوجَد مثلُه إلّا لنبيُّ مُرْسَل أو مَلَك مقرب و من لَحِقَ بهما في درج الفضائل عند الله تعالى، إذ كانت العادةَ جارية فيمن عدا الأَصنافِ الثلاثة بخلاف ذلكَ، على الاتّفاق من ذوي العقول، و الأَلْسُن و العادات. و الله نسأل التوفيقَ و به نعتصم من الضلالَ.

فصل في قضاء علي علیه السّلام

اشارة

فصل

فأما الأَخبارُ الّتي جاءت بالباهر من قضاياه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدين ، وأحكامه التي افتقر إليه في علمها كافّةُ المؤمنين ، بعد الذي أثبتناه من جملة الوارد في تقدّمه في العلم ، وتبريزِه على الجماعة بالمعرفة والفهم ، وفَزَعِ علماء الصحابة إليه فيما اَعْضَل من ذلك ، والتجائِهم إليه فيه وتسليمِهم له القضاء به ، فهي أكثرُمن أن تُحصى وأجلُّ من أن تُتعاطى ، وأنا مُورِدٌ منها جملةً تدلّ على ما بعدها إن شاء اللّه.

ص: 192


1- في «م» و «ح» و هامش «ش» : شوب.

في قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ أيام رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم

اشارة

فمن ذلكَ ما رواه نَقَلةُ الآثار من العامُّة و الخاصَّة في قضاياه و رسول الله صلّی الله علیه و آله حيّ فصوَّبه فيها ، وحَكَم له بالحقّ فيما قضاه ، ودعا له بخير وأثنى عليه به ، وأبانه بالفضل في ذلك مِن الكافة ، ودَلَّ به على استحقاقه الأمرَ من بعده ، ووجوب تقدّمه على من سواه في مقام الإمامة ، كما تضمّن ذلك التنزيلُ فيما دلّ علَى معناه وعُرِف به ما حواه التأويل ، حيث يقول الله عزّ اسمه: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (1) و قوله تعالى ذكره: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ) (2) و قوله تعالى سُبحانَه في قصة آدم عَلَیْهِ السَّلامُ و قد قالَت الملائكة: (أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ اَلدِّمٰاءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قٰالَ إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ * وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ فَقٰالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ * قٰالُوا سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ * قٰالَ يٰا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ فَلَمّٰا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمٰائِهِمْ قٰالَ «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ مٰا تُبْدُونَ وَ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (3) .

فنَبَّه الله سُبحانَه الملائكةَ على أَنّ آدم أَحقُّ بالخلافة منهم لأَنّه أعلمُ منهم بالأسماء وأفضلُهم في علم الأنباء.

ص: 193


1- يونس 35:10.
2- الزمر 9:39.
3- البقرة 30:2 - 33.

و قالَ جلّ ذكره في قصة طالوت: (وَقٰالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طٰالُوتَ مَلِكاً قٰالُوا أَنّٰى يَكُونُ لَهُ اَلْمُلْكُ عَلَيْنٰا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ اَلْمٰالِ قٰالَ إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي اَلْعِلْمِ وَ اَلْجِسْمِ وَ اَللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ) (1) .

فجَعَلَ جهةَ حقّه في التقدُّم عليهم ما زاده اللهُ من البسطة في العَلِمَ و الجسم، و اصطفاءهُ إيّاه على كافّتهم بذلكَ، فكانَت هذه الآيات موافقةً لدلَّائل العقول في أَنّ الأعَلِمَ أَحقُّ بالتقدُّم في محلّ الإمامة ممّن لا يساويه في العَلِمَ و دلَّت على وجوب تقدّم أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ على كافَّة المسلمين في خلافة الرسول صلّی الله علیه و آله و إمامة الأُمّة لتقدمه عليهم في العَلِمَ و الحُكْمَة و قصُورهم عن منَزَلته في ذلكَ.

قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ في اليمن

فصل

فممّا جاءت به الرواية في قضاياه و النبيُّ صلّی الله علیه و آله حيُّ موجودٌ ،أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله تَقْلِيدَهُ قَضَاءَ اَلْيَمَنِ، وَ إِنْفَاذَهُ إِلَيْهِمْ لِيُعَلِّمَهُمُ اَلْأَحْكَامَ وَ يُعَرِّفَهُمُ (2)اَلْحَلاَلَ مِنَ اَلْحَرَامِ، وَ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِأَحْكَامِ اَلْقُرْآنِ، قَالَ لَهُ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «تُنْفِذُنِي (3)

ص: 194


1- البقرة 247:2.
2- في «م» : يبيّن لهم.
3- في «م» و هامش «ش» : تندبني.

يَا رَسُولَ اَللَّهِ لِلْقَضَاءِ وَ أَنَا شَابٌّ وَ لاَ عِلْمَ لِي بِكُلِّ اَلْقَضَاءِ فَقَالَ لَهُ: «اُدْنُ مِنِّي» فَدَنَا مِنْهُ فَضَرَبَ عَلَى صَدْرِهِ بِيَدِهِ، وَ قَالَ: «اَللَّهُمَّ اِهْدِ قَلْبَهُ وَ ثَبِّتْ لِسَانَهُ» قَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اِثْنَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ اَلْمَقَامِ» (1).

وَ لَمَّا اِسْتَقَرَّتْ بِهِ اَلدَّارُ بِالْيَمَنِ، وَ نَظَرَ فِيمَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله مِنَ اَلْقَضَاءِ وَ اَلْحُكْمِ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ، رَفَعَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ بَيْنَهُمَا جَارِيَةٌ يَمْلِكَانِ رِقَّهَا عَلَى اَلسَّوَاءِ، قَدْ جَهِلاَ حَظْرَ وَطْئِهَا فَوَطِئَاهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُمَا جَوَازَ ذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمَا بِالْإِسْلاَمِ وَ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمَا بِمَا تَضَمَّنَتْهُ اَلشَّرِيعَةُ مِنَ اَلْأَحْكَامِ، فَحَمَلَتِ اَلْجَارِيَةُ وَ وَضَعَتْ غُلاَماً فَاخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِيهِ، فَقَرَعَ عَلَى اَلْغُلاَمِ بِاسْمَيْهِمَا فَخَرَجَتِ اَلْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا فَأَلْحَقَ اَلْغُلاَمَ بِهِ، وَ أَلْزَمَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْداً لِشَرِيكِهِ، وَ قَالَ: «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا أَقْدَمْتُمَا عَلَى مَا فَعَلْتُمَاهُ بَعْدَ اَلْحُجَّةِ عَلَيْكُمَا بِحَظْرِهِ لَبَالَغْتُ فِي عُقُوبَتِكُمَا» وَ بَلَغَ رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله هَذِهِ اَلْقَضِيَّةُ فَأَمْضَاهَا، وَ أَقَرَّ اَلْحُكْمَ بِهَا فِي اَلْإِسْلاَمِ، وَ قَالَ: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ فِينَا - أَهْلَ اَلْبَيْتِ - مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ سَبِيلِهِ فِي اَلْقَضَاءِ» يعني القَضَاءِ بالإلهام الذي هو في مَعْنى الوحي، و نزول النص به أَنّ لو نَزَل على الصريح (2).

ص: 195


1- روي باختلاف يسير في الطبقات الكبرى 337:2، مسند أحمد 136:1، سنن ابن ماجة 774:2، أَنّساب الأشراف 101:2، مسند أبي يعلى 268:1 و 323، تأريخ بغداد 443:12، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 244:40.
2- روي نحو ه في الكافي 491:5، الفقيه 54:3، تهذيب الأحكام 238:6، مصباح الأَنّوار:182، مناقب آل أبي طالب 353:2.

ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ هُوَ بِالْيَمَنِ خَبَرُ زُبْيَةٍ (1)حُفِرَتْ لِلْأَسَدِ فَوَقَعَ فِيهَا، فَغَدَا اَلنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَقَفَ عَلَى شَفِيرِ اَلزُّبْيَةِ رَجُلٌ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَ تَعَلَّقَ اَلْآخَرُ بِثَالِثٍ وَ تَعَلَّقَ اَلثَّالِثُ بِالرَّابِعِ، فَوَقَعُوا فِي اَلزُّبْيَةِ فَدَقَّهُمُ اَلْأَسَدُ وَ هَلَكُوا جَمِيعاً، فَقَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ أَنَّ اَلْأَوَّلَ فَرِيسَةُ اَلْأَسَدِ وَ عَلَيْهِ ثُلُثُ اَلدِّيَةِ لِلثَّانِي، وَ عَلَى اَلثَّانِي ثُلُثَا اَلدِّيَةِ لِلثَّالِثِ، وَ عَلَى اَلثَّالِثِ اَلدِّيَةُ كَامِلَةً لِلرَّابِعِ. فَانْتَهَى اَلْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَقَالَ: «لَقَدْ قَضَى أَبُو اَلْحَسَنِ فِيهِمْ بِقَضَاءِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ» (2).

ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ خَبَرُ جَارِيَةٍ حَمَلَتْ جَارِيَةً عَلَى عَاتِقِهَا عَبَثاً وَ لَعِباً، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ أُخْرَى فَقَرَصَتِ اَلْحَامِلَةَ فَقَفَزَتْ (3)لِقَرْصَتِهَا فَوَقَعَتِ اَلرَّاكِبَةُ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا وَ هَلَكَتْ فَقَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ عَلَى اَلْقَارِصَةِ بِثُلُثِ اَلدِّيَةِ، وَ عَلَى اَلْقَامِصَةِ (4)بِثُلُثِهَا، وَ أَسْقَطَ اَلثُّلُثَ اَلْبَاقِيَ بِقُمُوصِ اَلرَّاكِبَةِ لِرُكُوبِ اَلْوَاقِعَةِ (5)عَبَثاً اَلْقَامِصَةَ. وَ بَلَغَ اَلْخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَأَمْضَاهُ وَ شَهِدَ لَهُ بِالصَّوَابِ بِهِ (6).

ص: 196


1- الزبية: حفرة يحفرونها في مكان عال ليصطادوا بها الأسَد. «الصحاح - زبى - 6: 2366» .
2- الكافي 286:7 / 3، الفقيه 86:4 / 278، تهذيب الأحكام 239:10 / 951، المقنعة:750، مصباح الأَنّوار:182، مناقب آل أبي طالب 354:2، و 378، باختلاف يسير.
3- في هامش «ش» و «م» : «فقعصت» .
4- و القامصة: النافرة الضاربة برجلّيها. قالَ ابن الأثير: و منه حديثٌ علي «أَنّه قَضى في القارصة و القامصة و الواقصة بالدية أثلاثا» . النهاية - قمص - 108:4، - قرص - 40:4.
5- في هامش «ش» : الواقصة، و الوقص: كسر العنق. «النهاية - وقص - 214:5» .
6- المقنعة:750، مناقب آل أبي طالب 354:2، و روي باختلاف في تقسيم الديات أَنّصافا لا أثلاثا في الفقيه 125:4، تهذيب الأحكام 241:10، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 393:104.

وَ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ فِي قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ حَائِطٌ فَقَتَلَهُمْ، وَ كَانَ فِي جَمَاعَتِهِمُ اِمْرَأَةٌ مَمْلُوكَةٌ وَ أُخْرَى حُرَّةٌ ، وَ كَانَ لِلْحُرَّةِ وَلَدٌ طِفْلٌ مِنْ حُرٍّ، وَ لِلْجَارِيَةِ اَلْمَمْلُوكَةِ وَلَدٌ طِفْلٌ مِنْ مَمْلُوكٍ فَلَمْ يُعْرَفِ اَلْحُرُّ - مِنَ اَلطِّفْلَيْنِ - مِنَ اَلْمَمْلُوكِ، فَقَرَعَ بَيْنَهُمَا وَ حَكَمَ بِالْحُرِّيَّةِ لِمَنْ خَرَجَ سَهْمُ اَلْحُرِّيَّةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، وَ حَكَمَ بِالرِّقِّ لِمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ اَلرِّقِّ مِنْهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَ جَعَلَهُ مَوْلاَهُ. وَ حَكَمَ فِي مِيرَاثِهِمَا بِالْحُكْمِ فِي اَلْحُرِّ وَ مَوْلاَهُ فَأَمْضَى رَسُولُ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله عَلَيْهِ هَذَا اَلْقَضَاءَ وَ صَوَّبَهُ حَسَبَ إِمْضَائِهِ (1) . ما أسلفنا ذكره و وصفناه

قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ في قضية خاصّةً

فصل

وَ جَاءَتِ اَلْآثَارُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اِخْتَصَمَا إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فِي بَقَرَةٍ قَتَلَتْ حِمَاراً فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، بَقَرَةُ هَذَا اَلرَّجُلِ قَتَلَتْ حِمَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اِذْهَبَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَاسْأَلاَهُ عَنْ ذَلِكَ» فَجَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ قَصَّا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمَا، فَقَالَ: كَيْفَ تَرَكْتُمَا رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ جِئْتُمَانِي؟ قَالاَ :هُوَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمَا: بَهِيمَةٌ، قَتَلَتْ بَهِيمَةً لاَ شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا.

فَعَادَا إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُمَا :«اِمْضِيَا

ص: 197


1- مناقب آل أبي طالب 354:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 357:104 / 16.

إِلَى عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ وَ قُصَّا عَلَيْهِ قِصَّتَكُمَا وَ اِسْأَلاَهُ اَلْقَضَاءَ فِي ذَلِكَ» فَذَهَبَا إِلَيْهِ وَ قَصَّا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمَا فَقَالَ لَهُمَا :كَيْفَ تَرَكْتُمَا رَسُولَ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ جِئْتُمَانِي؟ قَالاَ: هُوَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، قَالَ: فَكَيْفَ لَمْ يَأْمُرْكُمَا بِالْمَصِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ؟ قَالاَ: قَدْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ فَصِرْنَا إِلَيْهِ. فَقَالَ: مَا اَلَّذِي قَالَ: لَكُمَا فِي هَذِهِ اَلْقَضِيَّةِ (1)قَالاَ لَهُ: كَيْتَ وَ كَيْتَ، قَالَ: مَا أَرَى إِلاَّ مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ .

فَعَادَا إِلَى اَلنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله فَخَبَّرَاهُ اَلْخَبَرَ، فَقَالَ: «اِذْهَبَا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ لِيَقْضِيَ بَيْنَكُمَا» فَذَهَبَا إِلَيْهِ فَقَصَّا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمَا، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنْ كَانَتِ اَلْبَقَرَةُ دَخَلَتْ عَلَى اَلْحِمَارِ فِي مَأْمَنِهِ، فَعَلَى رَبِّهَا قِيمَةُ اَلْحِمَارِ لِصَاحِبِهِ، وَ إِنْ كَانَ اَلْحِمَارُ دَخَلَ عَلَى اَلْبَقَرَةِ فِي مَأْمَنِهَا فَقَتَلَتْهُ، فَلاَ غُرْمَ عَلَى صَاحِبِهَا» فَعَادَا إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَأَخْبَرَاهُ بِقَضِيَّتِهِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ علیه وآله السلام: «لَقَدْ قَضَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ اللَّهِ عَزَّ اِسْمُهُ، ثُمَّ قَالَ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ فِينَا - أَهْلَ اَلْبَيْتِ - مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ فِي اَلْقَضَاءِ» (2)

و قد روى بعض العامُّة أَنّ هذه القضية كانت من أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ بين الرجلّين باليمن، و روى بَعْضُهُم حَسَب ما قدَّمناه، و أَمثالِ ذلكَ كثيرة، و إنّما الغرض في إيراد موجز منه على الاختَصَّار.

ص: 198


1- في «م» و هامش «ش» : القصة.
2- روي باختلاف يسير في الكافي 352:7 / 7، مناقب آل أبي طالب 354:2، و باختلاف في ألفاظه في تهذيب الأحكام 229:10 / 34، و فضائل شاذان:167، و نَقَله العلامة المجلّسي في البحار 400:104 / 2.

قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ أيام خلافة أبي بكر

فصل

في ذِكر مختصر من قضائه عَلَیْهِ السَّلامُ في إمارة أبي بكر بن أبي قحافة

فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ اَلْخَبَرُ بِهِ عَنْ رِجَالٍ مِنَ اَلْعَامَّةِ وَ اَلْخَاصَّةِ: أَنَّ رَجُلاً رُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ قَدْ شَرِبَ اَلْخَمْرَ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ اَلْحَدَّ فَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي شَرِبْتُهَا وَ لاَ عِلْمَ لِي بِتَحْرِيمِهَا، لِأَنِّي نَشَأْتُ بَيْنَ قَوْمٍ يَسْتَحِلُّونَهَا، وَ لَمْ أَعْلَمْ بِتَحْرِيمِهَا حَتَّى اَلْآنَ، فَارْتَجَّ (1)عَلَى أَبِي بَكْرٍ اَلْأَمْرُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَ لَمْ يَعْلَمْ وَجْهَ اَلْقَضَاءِ فِيهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَسْتَخْبِرَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَنِ اَلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ سَأَلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «مُرْ ثِقَتَيْنِ مِنْ رِجَالِ اَلْمُسْلِمِينَ يَطُوفَانِ بِهِ عَلَى مَجَالِسِ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ، وَ يُنَاشِدَانِهِمُ اَللَّهَ هَلْ فِيهِمْ أَحَدٌ تَلاَ عَلَيْهِ آيَةَ اَلتَّحْرِيمِ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله؟ فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلاَنِ مِنْهُمْ فَأَقِمِ اَلْحَدَّ عَلَيْهِ، وَ إِنْ لَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ بِذَلِكَ فَاسْتَتِبْهُ وَ خَلِّ سَبِيلَهُ» فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ أَنَّهُ تَلاَ عَلَيْهِ آيَةَ اَلتَّحْرِيمِ، وَ لاَ أَخْبَرَهُ عَنْ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِذَلِكَ، فَاسْتَتَابَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَ سَلَّمَ لِعَلِيٍّ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي اَلْقَضَاءِ

ص: 199


1- ارتج عليه و ارتجّ عليه: استبهم عليه. «لسان العرب - رتج - 280:2» .

بِهِ (1) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى وَ (فٰاكِهَةً وَ أَبًّا) (2) فَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى اَلْأَبِّ فِي اَلْقُرْآنِ، وَ قَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَ أَيُّ (3)أَرْضٍ تُقِلُّنِي أَمْ كَيْفَ أَصْنَعُ إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى بِمَا لاَ أَعْلَمُ، أَمَّا اَلْفَاكِهَةُ فَنَعْرِفُهَا، وَ أَمَّا الأَبُّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. فَبَلَغَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ مَقَالُهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «يَا سُبْحَانَ اَللَّهِ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ اَلْأَبَّ هُوَ اَلْكَلاَءُ وَ اَلْمَرْعَى، وَ إِنَّ قَوْلَهُ عَزَّ اِسْمُهُ: (وَ فٰاكِهَةً وَ أَبًّا) اِعْتِدَادٌ مِنَ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ فِيمَا غَذَّاهُمْ بِهِ وَ خَلَقَهُ لَهُمْ وَ لِأَنْعَامِهِمْ مِمَّا تَحْيَا بِهِ أَنْفُسُهُمْ وَ تَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُمْ (4) .

وَ سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ اَلْكَلاَلَةِ فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اَللَّهِ، وَ إِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنْ نَفْسِي وَ مِنَ اَلشَّيْطَانِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «مَا أَغْنَاهُ عَنِ اَلرَّأْيِ فِي هَذَا اَلْمَكَانِ! أَ مَا عَلِمَ أَنَّ اَلْكَلاَلَةَ هُمُ اَلْإِخْوَةُ وَ اَلْأَخَوَاتُ مِنْ قِبَلِ اَلْأَبِ وَ اَلْأُمِّ، وَ مِنْ قِبَلِ اَلْأَبِ عَلَى اِنْفِرَادِهِ، وَ مِنْ قِبَلِ اَلْأُمِّ أَيْضاً عَلَى حِدَتِهَا، قَالَ اَللَّهُ عَزَّ قَائِلاً:

ص: 200


1- الكافي 216:7 / 16، و 249 / 4، و تهذيب الأحكام 94:10 / 361، خَصَّائص الرضي:81، مناقب آل أبي طالب 356:2 باختلاف يسير، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 159:79 / 13.
2- عبس 31:80.
3- في هامش «ش» : أم أي.
4- ذِكر صدره ابن شهرآشوب في مناقبه 32:2، و السيوطي في الدّر المنثور 317:6 عن فضائل أبو عُبَيد و عَبْد بن جَميل، و نَقَله البحرانيّ في تفسير البرهانُ 429:4 / 1، و الحويزي في تفسير نور الثقلين 511:5 / 14، و العلاّمة المجلّسي في البحار 79: 159 / 13.

(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلاٰلَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُهٰا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهٰا وَلَدٌ) (1) وَ قَالَ: جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: (وَإِنْ كٰانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاٰلَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وٰاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كٰانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكٰاءُ فِي اَلثُّلُثِ ) (2) - (3) .

وَ جَاءَتِ اَلرِّوَايَةُ: أَنَّ بَعْضَ أَحْبَارِ اَلْيَهُودِ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْتَ خَلِيفَةُ نَبِيِّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، فَقَالَ: فَإِنَّا نَجِدُ فِي اَلتَّوْرَاةِ أَنَّ خُلَفَاءَ اَلْأَنْبِيَاءِ أَعْلَمُ أُمَمِهِمْ فَخَبِّرْنِي عَنِ اَللَّهِ تَعَالَى أَيْنَ هُوَ فِي اَلسَّمَاءِ أَمْ فِي اَلْأَرْضِ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فِي اَلسَّمَاءِ عَلَى اَلْعَرْشِ، فَقَالَ: اَلْيَهُودِيُّ: فَأَرَى اَلْأَرْضَ خَالِيَةً مِنْهُ، وَ أَرَاهُ عَلَى هَذَا اَلْقَوْلِ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا كَلاَمُ اَلزَّنَادِقَةِ، اُغْرُبْ عَنِّي وَ إِلاَّ قَتَلْتُكَ. فَوَلَّى اَلْحِبْرُ مُتَعَجِّباً يَسْتَهْزِئُ بِالْإِسْلاَمِ، فَاسْتَقْبَلَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ: «يَا يَهُودِيُّ، قَدْ عَرَفْتُ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ وَ مَا أُجِبْتَ بِهِ، وَ إِنَّا نَقُولُ: إِنَّ اَللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ أَيَّنَ اَلْأَيْنَ فَلاَ أَيْنَ لَهُ، وَ جَلَّ عَنْ أَنْ يَحْوِيَهُ مَكَانٌ، وَ هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِغَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَ لاَ مُجَاوَرَةٍ، يُحِيطُ عِلْماً بِمَا فِيهَا وَ لاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ تَدْبِيرِهِ، وَ إِنِّي مُخْبِرُكَ بِمَا جَاءَ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِكُمْ يُصَدِّقُ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ، فَإِنْ عَرَفْتَهُ أَ تُؤْمِنُ بِهِ؟» قَالَ: اَلْيَهُودِيُّ: نَعَمْ، قَالَ: «أَ لَسْتُمْ تَجِدُونَ فِي بَعْضِ كُتُبِكُمْ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَیْهِ السَّلامُ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِساً إِذْ جَاءَهُ مَلَكٌ مِنَ اَلْمَشْرِقِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ

ص: 201


1- النساء 176:4.
2- النساء 12:4.
3- سنن الدارميّ 365:2، الفصول المختارة من العيون و المحاسن:161، و شرح النهج 201:17، و فيها صدر الحديثٌ، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 344:104 / 13.

وَ جَلَّ، ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكٌ مِنَ اَلْمَغْرِبِ فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ، وَ جَاءَهُ مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكَ مِنَ اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ جَاءَهُ مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكَ مِنَ اَلْأَرْضِ اَلسَّابِعَةِ اَلسُّفْلَى مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ اِسْمُهُ، فَقَالَ: مُوسَى عَلَیْهِ السَّلامُ: سُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَ لاَ يَكُونُ إِلَى مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْ مَكَانٍ» فَقَالَ اَلْيَهُودِيُّ: (أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا هُوَ)(1) اَلْحَقُّ وَ أَنَّكَ أَحَقُّ بِمَقَامِ نَبِيِّكَ مِمَّنِ اِسْتَوْلَى عَلَيْهِ(2) .

و أَمثالِ هذه الأَخبار كثيرة

قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ أيام خلافة عُمَربن الخَطّاب

فصل في ذِكر ما جَاَءَ من قضاياه عَلَیْهِ السَّلامُ في إمارة عُمَربن الخَطّاب

فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ اَلْعَامَّةُ وَ اَلْخَاصَّةُ فِي قِصَّةِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وَ قَدْ شَرِبَ اَلْخَمْرَ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَحُدَّهُ، فَقَالَ لَهُ: قُدَامَةُ: إِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيَّ اَلْحَدُّ، لِأَنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ جُنٰاحٌ فِيمٰا طَعِمُوا إِذٰا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا

ص: 202


1- في هامش «ش» و «م» : أشَهِدَ أَنّ لا إله إلّا ّ هو، هذا هو.
2- الاحتجاج 209:1، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 248:40.

اَلصّٰالِحٰاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا)(1) فَدَرَأَ عُمَرُ عَنْهُ اَلْحَدَّ فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَمَشَى إِلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: «لِمَ تَرَكْتَ إِقَامَةَ اَلْحَدِّ عَلَى قُدَامَةَ فِي شُرْبِهِ اَلْخَمْرَ؟» فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ تَلاَ عَلَيَّ اَلْآيَةَ، وَ تَلاَهَا عُمَرُ فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، «لَيْسَ قُدَامَةُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اَلْآيَةِ، وَ لاَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي اِرْتِكَابِ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ، إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لاَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَاماً، فَارْدُدْ قُدَامَةَ وَ اِسْتَتِبْهُ مِمَّا قَالَ، فَإِنْ تَابَ فَأَقِمْ عَلَيْهِ اَلْحَدَّ، وَ إِنْ لَمْ يَتُبْ فَاقْتُلْهُ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ اَلْمِلَّةِ فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ لِذَلِكَ، وَ عَرَفَ قُدَامَةُ اَلْخَبَرَ، فَأَظْهَرَ اَلتَّوْبَةَ وَ اَلْإِقْلاَعَ، فَدَرَأَ عُمَرُ عَنْهُ اَلْقَتْلَ، وَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَحُدُّهُ. فَقَالَ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ: أَشِرْ عَلَيَّ فِي حَدِّهِ، فَقَالَ: «حُدَّهُ ثَمَانِينَ، إِنَّ شَارِبَ اَلْخَمْرِ إِذَا شَرِبَهَا سَكِرَ ،وَ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَ إِذَا هَذَى اِفْتَرَى» فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ وَ صَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ(2).

وَ رَوَوْا: أَنَّ مَجْنُونَةً عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فَجَرَ بِهَا رَجُلٌ، فَقَامَتِ اَلْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِجَلْدِهَا اَلْحَدَّ، فَمُرَّ بِهَا عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ لِتُجْلَدَ فَقَالَ: «مَا بَالُ مَجْنُونَةِ آلِ فُلاَنٍ تُعْتَلُ (3)؟» فَقِيلَ لَهُ:إِنَّ رَجُلاً فَجَرَ بِهَا وَ هَرَبَ، وَ قَامَتِ اَلْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا فَأَمَرَ عُمَرُ بِجَلْدِهَا، فَقَالَ لَهُمْ: «رُدُّوهَا إِلَيْهِ: وَ قُولُوا لَهُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ مَجْنُونَةُ آلِ فُلاَنٍ! وَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صلی الله

ص: 203


1- المائده 93:5
2- روي نحو ه في الكافي 7:215/10، التهذيب93:10، تفسير العيّاشيّ 189/341:1، علل الشرائع:7/539، سنن الدارقطني 166:3، و الدّر المنثور 3: 161 و لم يذكرا اسم قدامة بن مظعون، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار43/249 ، 14/159:79.
3- تعتل: تجذب جذبا عنيفا. «الصحاح - عتل - 1758:5» .

علیه وآله قَالَ: رُفِعَ اَلْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ اَلْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ! إِنَّهَا مَغْلُوبَةٌ عَلَى عَقْلِهَا وَ نَفْسِهَا» فَرُدَّتْ إِلَى عُمَرَ وَ قِيلَ لَهُ مَا قَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: فَرَّجَ اَللَّهُ عَنْهُ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أَهْلِكَ فِي جَلْدِهَا. وَ دَرَأَ عَنْهَا اَلْحَدَّ (1) .

وَ رَوَوْا: أَنَّهُ أُتِيَ بِحَامِلٍ قَدْ زَنَتْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «هَبْ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا، أَيُّ سَبِيلٍ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا!؟ وَ اَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: (وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ) (2) فَقَالَ عُمَرُ: لاَ عِشْتُ لِمُعْضِلَةٍ لاَ يَكُونُ لَهَا أَبُو حَسَنٍ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِهَا؟ قَالَ: «اِحْتَطْ عَلَيْهَا حَتَّى تَلِدَ، فَإِذَا وَلَدَتْ وَ وَجَدْتَ لِوَلَدِهَا مَنْ يَكْفُلُهُ فَأَقِمِ اَلْحَدَّ عَلَيْهَا» فَسُرِّيَ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَ عَوَّلَ فِي اَلْحُكْمِ بِهِ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ (3) .

وَ رَوَوْا: أَنَّهُ اِسْتَدْعَى اِمْرَأَةً تَتَحَدَّثُ عِنْدَهَا اَلرِّجَالُ، فَلَمَّا جَاءَهَا رُسُلُهُ فَزِعَتْ وَ اِرْتَاعَتْ وَ خَرَجَتْ مَعَهُمْ ، فَأَمْلَصَتْ (4) فَوَقَعَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَلَدُهَا يَسْتَهِلُّ ثُمَّ مَاتَ، فَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَجَمَعَ أَصْحَابَ رَسُولِ اَللَّهِ

ص: 204


1- مناقب آل أبي طالب 366:2، و روي نحو ه في مسند أحمد 154:1، سنن أبي داود 140:4، مسند أبي يعلى 440:1، المستدرك على الصحيحين 59:2، سنن الدارقطني 138:3 / 173، سنن البيهقيّ 264:8، سنن سعيد بن منصور 67:2، و نَقَله العلامة المجلّسي في بحار الأَنّوار 88:79 / 6.
2- الأَنّعام 164:6، الإسراء 15:17، فاطر 18:35، الزمر 7:39.
3- روي باختَصَّار في الاختَصَّاص:111، مناقب آل أبي طالب 362:2، كفاية الطالب:227، إِرْشَاد القلوب:213، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 79: 49 / 35.
4- أملصت المرأة بولدها: أسقطته. «الصحاح - ملص - 1057:3» .

صلّی اللهُ علیهِ وآلهِ وَ سَأَلَهُمْ عَنِ اَلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: نَرَاكَ مُؤَدِّباً وَ لَمْ تُرِدْ إِلاَّ خَيْراً وَ لاَ شَيْءَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ. وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا عِنْدَكَ فِي هَذَا يَا أَبَا اَلْحَسَنِ؟ قَالَ: «قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالُوا» قَالَ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: «قَدْ قَالَ اَلْقَوْمُ مَا سَمِعْتَ» قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتَقُولَنَّ مَا عِنْدَكَ، قَالَ: «إِنْ كَانَ اَلْقَوْمُ قَارَبُوكَ فَقَدْ غَشُّوكَ، وَ إِنْ كَانُوا اِرْتَأَوْا فَقَدْ قَصَّرُوا، اَلدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِكَ لِأَنَّ قَتْلَ اَلصَّبِيِّ خَطَأٌ تَعَلَّقَ بِكَ» فَقَالَ: أَنْتَ وَ اَللَّهِ نَصَحْتَنِي مِنْ بَيْنِهِمْ، وَ اَللَّهِ لاَ تَبْرَحُ حَتَّى تُجَزِّئَ اَلدِّيَةَ عَلَى بَنِي عَدِيٍّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ (1) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ اِمْرَأَتَيْنِ تَنَازَعَتَا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي طِفْلٍ اِدَّعَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَداً لَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَ لَمْ يُنَازِعْهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمَا، فَالْتَبَسَ اَلْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ وَ فَزِعَ فِيهِ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَاسْتَدْعَى اَلْمَرْأَتَيْنِ وَ وَعَظَهُمَا وَ خَوَّفَهُمَا فَأَقَامَتَا عَلَى اَلتَّنَازُعِ وَ اَلاِخْتِلاَفِ، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: عِنْدَ تَمَادِيهِمَا فِي اَلنِّزَاعِ: «اِيتُونِي بِمِنْشَارٍ فَقَالَتْ لَهُ اَلْمَرْأَتَانِ: مَا تَصْنَعُ؟ فَقَالَ: «أَقُدُّهُ نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا نِصْفُهُ» فَسَكَتَتْ إِحْدَاهُمَا وَ قَالَتِ اَلْأُخْرَى: اَللَّهَ اَللَّهَ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ، إِنْ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ سَمَحْتُ بِهِ لَهَا فَقَالَ: اَللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا اِبْنُكِ دُونَهَا وَ لَوْ كَانَ اِبْنَهَا لَرَقَّتْ عَلَيْهِ وَ أَشْفَقَتْ» فَاعْتَرَفَتِ اَلْمَرْأَةُ اَلْأُخْرَى بِأَنَّ اَلْحَقَّ

ص: 205


1- رواه ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب 366:2، و نحو ه في أَنّساب الأشراف 2: 178، الكافي 374:7 / 11، تهذيب الأحكام 312:10 / 1165، شرح نهج البلاغة 174:1، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 394:104 / 31.

مَعَ صَاحِبَتِهَا وَ اَلْوَلَدَ لَهَا دُونَهُ، فَسُرِّيَ عَنْ عُمَرَ وَ دَعَا لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِمَا فَرَّجَ عَنْهُ فِي اَلْقَضَاءِ (1) .

وَ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ، عَنِ اَلْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهَمَّ بِرَجْمِهَا، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنْ خَاصَمَتْكَ بِكِتَابِ اَللَّهِ خَصَمَتْكَ، إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ اِسْمُهُ يَقُولُ: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصٰالُهُ ثَلاٰثُونَ شَهْراً) (2) وَ يَقُولُ تَعَالَى: (وَ اَلْوٰالِدٰاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كٰامِلَيْنِ لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضٰاعَةَ) (3) فَإِذَا تَمَّتِ اَلْمَرْأَةُ اَلرَّضَاعَةَ سَنَتَيْنِ، وَ كَانَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثِينَ شَهْراً، كَانَ اَلْحَمْلُ مِنْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ» فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَ اَلْمَرْأَةِ وَ ثَبَتَ اَلْحُكْمُ بِذَلِكَ ، يَعْمَلُ بِهِ اَلصَّحَابَةُ وَ اَلتَّابِعُونَ وَ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا (4) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ اِمْرَأَةً شَهِدَ عَلَيْهَا اَلشُّهُودُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا فِي بَعْضِ مِيَاهِ اَلْعَرَبِ مَعَ رَجُلٍ يَطَؤُهَا لَيْسَ بِبَعْلٍ لَهَا، فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَجْمِهَا وَ كَانَتْ ذَاتَ بَعْلٍ، فَقَالَتِ: اَللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، فَغَضِبَ عُمَرُ وَ قَالَ: وَ تَجْرَحُ اَلشُّهُودَ أَيْضاً، قَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ : «رُدُّوهَا وَ اِسْأَلُوهَا، فَلَعَلَّ لَهَا عُذْراً» فَرُدَّتْ وَ سُئِلَتْ عَنْ حَالِهَا فَقَالَتْ: كَانَ لِأَهْلِي إِبِلٌ فَخَرَجْتُ فِي إِبِلِ أَهْلِي وَ حَمَلْتُ مَعِي مَاءً وَ لَمْ يَكُنْ فِي إِبِلِي لَبَنٌ وَ خَرَجَ مَعِي

ص: 206


1- مناقب آل أبي طالب 367:2، و نحو ه في فضائل شاذان:64، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 252:40 / 26.
2- الأحقاف 15:46.
3- البقرة 233:2.
4- روي نحو ه في الدّر المنثور 288:1، و 40:6، سنن سعيد بن منصور 66:2، السنن الكبرى 442:7، مناقب آل أبي طالب 365:2، و نَقَله الحويزي في تفسير نور الثقلين 14:5 / 19، و العلاّمة المجلّسي في البحار 252:40 / 27.

خَلِيطُنَا وَ كَانَتْ فِي إِبِلِهِ لَبَنٌ فنفذ [فَنَفِدَ] مَائِي، فَاسْتَسْقَيْتُهُ فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَنِي حَتَّى أُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِي، فَأَبَيْتُ، فَلَمَّا كَادَتْ نَفْسِي تَخْرُجُ أَمْكَنْتُهُ مِنْ نَفْسِي كُرْهاً. فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ:« اَللَّهُ أَكْبَرُ (فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لاٰ عٰادٍ فَلاٰ إِثْمَ عَلَيْهِ) (1)» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ خَلَّى سَبِيلَهَا (2) .

فصل

و مِمَّا جَاَءَ عَنْهُ عَلَیْهِ السَّلامُ في مَعْنى القَضَاءِ و صَوَاب الرَّأْي، و إِرْشَاد القَوْم إِلَى مَصَالِحِهِم و تَدارُكِ ما كَادَ يَفْسُد بِهِم (3)لولا تنبيُّهه على وجه الرَّأْي فيه -

مَا حَدَّثَ بِهِ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ اَلْهُذَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: تَكَاتَبَتِ اَلْأَعَاجِمُ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ وَ أَهْلِ اَلرَّيِّ وَ أَهْلِ أَصْفَهَانَ وَ قُومِسَ (4)وَ نَهَاوَنْدَ، وَ أَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: أَنَّ مَلِكَ اَلْعَرَبِ اَلَّذِي جَاءَ بِدِينِهِمْ وَ أَخْرَجَ كِتَابَهُمْ قَدْ هَلَكَ - يَعْنُونَ اَلنَّبِيَّ صلّی الله علیه و آله - وَ أَنَّهُ مَلَكَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ

ص: 207


1- البقرة 173:2.
2- مناقب آل أبي طالب 369:2، و روي نحو ه في تفسير العيّاشيّ 74:1، الفقيه 4: 25، التهذيب 49:10 / 186، كنز العمّال 456:5، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 253:40 / ذ ح 27، و 79،50 / 36.
3- في «م» و هامش «ش» : يفسدهم.
4- قومس: تعريب كومس، و هي كورة كبيرة واسعة تشتَمّل على مدن و قرى و مزارع، و هي في ذيل جبال طبرستان، و قصبتها المشهورٌة دامغان و هي بين الري و نيسابور، و من مدنها المشهورٌة بسطام و بيار و بعض يدخل فيها سمنان. «معجم البلدان 4: 414» .

رَجُلٌ مُلْكاً يَسِيراً ثُمَّ هَلَكَ - يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ- وَ قَامَ بَعْدَهُ آخَرُ قَدْ طَالَ عُمُرُهُ حَتَّى تَنَاوَلَكُمْ فِي بِلاَدِكُمْ وَ أَغْزَاكُمْ جُنُودَه ُ - يَعْنُونَ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ - وَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَهٍ عَنْكُمْ حَتَّى تُخْرِجُوا مَنْ فِي بِلاَدِكُمْ مِنْ جُنُودِهِ، وَ تَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَتَغْزُوهُ فِي بِلاَدِهِ، فَتَعَاقَدُوا عَلَى هَذَا وَ تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ.

فَلَمَّا اِنْتَهَى اَلْخَبَرُ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ أَنْهَوْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ اَلْخَطَّابِ، فَلَمَّا اِنْتَهَى إِلَيْهِ اَلْخَبَرُ فَزِعَ عُمَرُ لِذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله فَصَعِدَ اَلْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: مَعَاشِرَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ، إِنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ لَكُمْ جُمُوعاً، وَ أَقْبَلَ بِهَا لِيُطْفِئَ بِهَا نُورَ اَللَّهِ، أَلاَ إِنَّ أَهْلَ هَمَذَانَ وَ أَهْلَ أَصْفَهَانَ وَ اَلرَّيِّ وَ قُومَسَ وَ نَهَاوَنْدَ مُخْتَلِفَةٌ أَلْسِنَتُهَا وَ أَلْوَانُهَا وَ أَدْيَانُهَا، قَدْ تَعَاهَدُوا وَ تَعَاقَدُوا أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ بِلاَدِهِمْ إِخْوَانَكُمْ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ، وَ يَخْرُجُوا إِلَيْكُمْ فَيَغْزُوكُمْ فِي بِلاَدِكُمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ وَ أَوْجِزُوا وَ لاَ تُطْنِبُوا فِي اَلْقَوْلِ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ اَلْأَيَّامِ.

فَتَكَلَّمُوا، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اَللَّهِ - وَكَانَ مِنْ خُطَبَاءِ قُرَيْشٍ - فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، قَدْ حَنَّكَتْكَ اَلْأُمُورُ، وَ جَرَّسَتْكَ (1)اَلدُّهُورُ، وَ عَجَمَتْكَ اَلْبَلاَيَا، وَ أَحْكَمَتْكَ اَلتَّجَارِبُ، وَ أَنْتَ مُبَارَكُ اَلْأَمْرِ، مَيْمُونُ اَلنَّقِيبَةِ، قَدْ وُلِّيتَ فَخَبُرْتَ وَ اِخْتَبَرْتَ وَ خُبِرْتَ، فَلَمْ تَنْكَشِفْ مِنْ عَوَاقِبِ قَضَاءِ اَللَّهِ إِلاَّ عَنْ خِيَارٍ ، فَاحْضُرْ هَذَا اَلْأَمْرَ بِرَأْيِكَ وَ لاَ تَغِبْ عَنْهُ ثُمَّ جَلَسَ.

فَقَالَ عُمَرُ: تَكَلَّمُوا، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ

ص: 208


1- جرّسته الأُمور: جربته و أحكمته. «الصحاح - جرس - 913:3» .

ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ - يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ - فَإِنِّي أَرَى أَنْ تُشْخِصَ أَهْلَ اَلشَّامِ مِنْ شَامِهِمْ، وَ أَهْلَ اَلْيَمَنِ مِنْ يَمَنِهِمْ، وَ تَسِيرَ أَنْتَ فِي أَهْلِ هَذَيْنِ اَلْحَرَمَيْنِ وَ أَهْلِ اَلْمِصْرَيْنِ اَلْكُوفَةِ وَ اَلْبَصْرَةِ، فَتَلْقَى جَمْعَ اَلْمُشْرِكِينَ بِجَمْعِ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّكَ - يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ - لاَ تَسْتَبْقِي مِنْ نَفْسِكَ بَعْدَ اَلْعَرَبِ بَاقِيَةً، وَ لاَ تَمَتَّعُ مِنَ اَلدُّنْيَا بِعَزِيزٍ، وَ لاَ تَلُوذُ مِنْهَا بِحَرِيزٍ، فَاحْضُرْهُ بِرَأْيِكَ وَ لاَ تَغِبْ عَنْهُ ثُمَّ جَلَسَ.

فَقَالَ عُمَرُ: تَكَلَّمُوا، فَقَالَ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ - حَتَّى تَمَّ اَلتَّحْمِيدُ وَ اَلثَّنَاءُ عَلَى اَللَّهِ وَ اَلصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله - ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ إِنْ أَشْخَصْتَ أَهْلَ اَلشَّامِ مِنْ شَامِهِمْ، سَارَتِ اَلرُّومُ إِلَى ذَرَارِيِّهِمْ؛ وَ إِنْ أَشْخَصْتَ أَهْلَ اَلْيَمَنِ مِنْ يَمَنِهِمْ، سَارَتِ اَلْحَبَشَةُ إِلَى ذَرَارِيِّهِمْ؛ وَ إِنْ أَشْخَصْتَ مَنْ بِهَذَيْنِ اَلْحَرَمَيْنِ؛ اِنْتَقَضَتِ اَلْعَرَبُ عَلَيْكَ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَكْنَافِهَا؛ حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ مِنْ عِيَالاَتِ اَلْعَرَبِ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ. وَ أَمَّا ذِكْرُكَ كَثْرَةَ اَلْعَجَمِ وَ رَهْبَتَكَ مِنْ جُمُوعِهِمْ، فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله بِالْكَثْرَةِ وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ، وَ أَمَّا مَا بَلَغَكَ مِنِ اِجْتِمَاعِهِمْ عَلَى اَلْمَسِيرِ إِلَى اَلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ اَللَّهَ لِمَسِيرِهِمْ أَكْرَهُ مِنْكَ لِذَلِكَ، وَ هُوَ أَوْلَى بِتَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ، وَ إِنَّ اَلْأَعَاجِمَ إِذَا نَظَرُوا إِلَيْكَ قَالُوا: هَذَا رِجْلُ اَلْعَرَبِ، فَإِنْ قَطَعْتُمُوهُ فَقَدْ قَطَعْتُمُ اَلْعَرَبَ، فَكَانَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ، وَ كُنْتَ قَدْ أَلَّبْتَهُمْ عَلَى نَفْسِكَ، وَ أَمَدَّهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُمِدُّهُمْ. وَ لَكِنِّي أَرَى أَنْ تُقِرَّ هَؤُلاَءِ فِي أَمْصَارِهِمْ، وَ تَكْتُبَ إِلَى أَهْلِ اَلْبَصْرَةِ فَلْيَتَفَرَّقُوا عَلَى ثَلاَثِ فِرَقٍ: فَلْتَقُمْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّهِمْ حَرَساً لَهُمْ، وَ لْتَقُمْ فِرْقَةٌ فِي أَهْلِ عَهْدِهِمْ لِئَلاَّ يَنْتَقِضُوا، وَ لْتَسِرْ

ص: 209

فِرْقَةٌ مِنْهُمْ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مَدَداً لَهُمْ» فَقَالَ عُمَرُ: أَجَلْ هَذَا اَلرَّأْيُ، وَ قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُتَابِعَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ يُكَرِّرُ قَوْلَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ يَنْسِقُهُ إِعْجَاباً بِهِ وَ اِخْتِيَاراً لَهُ (1) .

قالَ الشيخ المفيد رضي الله عَنْهُ: فانظروا _ أيّدكم الله _ إلى هذا الموقف الذي يُنبئ بفضل الرأي إِذ تنازعه أولو الألباب والعلم ، وتأمّلوا التوفيقَ الذي قرن الله به أمير المؤمنين علیهِ السّلامُ في الأحوال كلّها ، وفزع القوم إِليه في المعْضِل من الأمور ، وأضيفوا ذلك إِلى ما أثبتناه عنه من القضاء في الدين الذي أعجز متقدّمي القوم حتّى اضطرّوا في علمه إِليه ، تجدوه من باب المعجز الذي قدّمناه ، والله وليّ التوفيق.

فهذا طرف من موجز الأَخبار فيما قَضى به أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في إمارة عُمَربن الخَطّاب، و له مثلُ ذلكَ في إمارة عثُّمّان بن عفان.

في قضاء علي عَلَیْهِ السَّلامُ أيام خلافة عثُّمّان

فصل

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ نَقَلَةُ اَلْآثَارِ مِنَ اَلْعَامَّةِ وَ اَلْخَاصَّةِ: أَنَّ اِمْرَأَةً نَكَحَهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَحَمَلَتْ، فَزَعَمَ اَلشَّيْخُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا وَ أَنْكَرَ حَمْلَهَا، فَالْتَبَسَ اَلْأَمْرُ عَلَى عُثْمَانَ، وَ سَأَلَ اَلْمَرْأَةَ هَلِ اِقْتَضَّكِ اَلشَّيْخ ُ ؟وَ كَانَتْ

ص: 210


1- انظر: تاريخ الطبريّ 124:4، الفتوح لابن اعثُّمّ 287:1 - 292 بتفصيل، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 253:40 / 28.

بِكْراً فَقَالَتْ: لاَ، فَقَالَ: عُثْمَانُ: أَقِيمُوا اَلْحَدَّ عَلَيْهَا فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «إِنَّ لِلْمَرْأَةِ سَمَّيْنِ: سَمَّ اَلْمَحِيضِ وَ سَمَّ اَلْبَوْلِ، فَلَعَلَّ اَلشَّيْخَ كَانَ يَنَالُ مِنْهَا فَسَالَ مَاؤُهُ فِي سَمِّ اَلْمَحِيضِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَاسْأَلُوا اَلرَّجُلَ عَنْ ذَلِكَ» فَسُئِلَ فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْزِلُ اَلْمَاءَ فِي قُبُلِهَا مِنْ غَيْرِ وُصُولٍ إِلَيْهَا بِالاِقْتِضَاضِ فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اَلْحَمْلُ لَهُ وَ اَلْوَلَدُ وَلَدُهُ، وَ أَرَى عُقُوبَتَهُ عَلَى اَلْإِنْكَارِ لَهُ» فَصَارَ عُثْمَانُ إِلَى قَضَائِهِ بِذَلِكَ وَ تَعَجَّبَ مِنْهُ (1) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ رَجُلاً كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ فَأَوْلَدَهَا ثُمَّ اِعْتَزَلَهَا وَ أَنْكَحَهَا عَبْداً لَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ اَلسَّيِّدُ فَعَتَقَتْ بِمِلْكِ اِبْنِهَا لَهَا، فَوَرِثَتْ مِنْ وَلَدِهَا زَوْجَهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ اَلاِبْنُ فَوَرِثَتْ مِنْ وَلَدِهَا زَوْجَهَا فَارْتَفَعَا إِلَى عُثْمَانَ يَخْتَصِمَانِ تَقُولُ: هَذَا عَبْدِي، وَ يَقُولُ: هِيَ اِمْرَأَتِي وَ لَسْتُ مُفَرِّجاً عَنْهَا، فَقَالَ: عُثْمَانُ: هَذِهِ قَضِيَّةٌ مُشْكِلَةٌ، وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ حَاضِرٌ فَقَالَ: «سَلُوهَا هَلْ جَامَعَهَا بَعْدَ مِيرَاثِهَا لَهُ؟» فَقَالَتْ لاَ، فَقَالَ:«لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لَعَذَّبْتُهُ، اِذْهَبِي فَإِنَّهُ عَبْدُكِ لَيْسَ لَهُ عَلَيْكِ سَبِيلٌ، إِنْ شِئْتِ أَنْ تَسْتَرِقِّيهِ أَوْ تُعْتِقِيهِ أَوْ تَبِيعِيهِ فَذَاكِ لَكِ» (2) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ مُكَاتَبَةً زَنَتْ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ وَ قَدْ عَتَقَ مِنْهَا ثَلاَثَةُ أَرْبَاعٍ، فَسَأَلَ عُثْمَانُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «يُجْلَدُ مِنْهَا بِحِسَابِ اَلْحُرِّيَّةِ، وَ يُجْلَدُ مِنْهَا بِحِسَابِ اَلرِّقِّ»

ص: 211


1- مناقب آل أبي طالب 370:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 256:40 / 29.
2- مناقب آل أبي طالب 371:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 257:40 / ضمن ح 29.

وَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ: تُجْلَدُ بِحِسَابِ اَلرِّقِّ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «كَيْفَ تُجْلَدُ بِحِسَابِ اَلرِّقِّ وَ قَدْ عَتَقَ مِنْهَا ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا؟ وَ هَلاَّ جَلَدْتَهَا بِحِسَابِ اَلْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهَا فِيهَا أَكْثَرُ!» فَقَالَ: زَيْدٌ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ تَوْرِيثُهَا بِحِسَابِ اَلْحُرِّيَّةِ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَجَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ» فَأُفْحِمَ زَيْدٌ، وَ خَاَلَفَ عُثْمَانُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ صَارَ إِلَى قَوْلِ زَيْدٍ، و لم يصغ إِلَى ما قالَ بعد ظُهُورُ الحُجَّةُ عليه (1) . و أَمثالِ ذلكَ مِمَّا يطول بذكره الكتاب، و ينتشر به الخَطّاب.

في جملة من قضاياه أيام حكمه عَلَیْهِ السَّلامُ

فصل

وَ كَانَ مِنْ قَضَايَاهُ عَلَیْهِ السَّلامُ بَعْدَ بَيْعَةِ اَلْعَامَّةِ لَهُ وَ مُضِيِّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَهْلُ اَلنَّقْلِ مِنْ حَمَلَةِ اَلْآثَارِ: أَنَّ اِمْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى فِرَاشِ زَوْجِهَا وَلَداً لَهُ بَدَنَانِ وَ رَأْسَانِ عَلَى حَقْوٍ (2)وَاحِدٍ، فَالْتَبَسَ اَلْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهِ أَ هُوَ وَاحِدٌ أَمِ اِثْنَانِ؟ فَصَارُوا إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَسْأَلُونَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْرِفُوا اَلْحُكْمَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «اِعْتَبِرُوهُ إِذَا نَامَ ثُمَّ أَنْبِهُوا أَحَدَ اَلْبَدَنَيْنِ وَ اَلرَّأْسَيْنِ، فَإِنِ اِنْتَبَهَا جَمِيعاً مَعاً فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُمَا إِنْسَانٌ وَاحِدٌ، وَ إِنِ اِسْتَيْقَظَ أَحَدُهُمَا وَ اَلْآخَرُ نَائِمٌ، فَهُمَا

ص: 212


1- مناقب آل أبي طالب 371:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 257:40 / ذ ح 29 و 79، 50 / 37.
2- الحَقَّو: الخَصَّر و محلّ شدّ الإزار. «الصحاح - حقا - 2317:6» .

اِثْنَانِ وَ حَقُّهُمَا مِنَ اَلْمِيرَاثِ حَقُّ اِثْنَيْنِ» (1) .

وَ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْعَبْدِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ اَلْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: بَيْنَا شُرَيْحٌ فِي مَجْلِسِ اَلْقَضَاءِ إِذْ جَاءَهُ شَخْصٌ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ أَخْلِنِي فَإِنَّ لِي حَاجَةً، قَالَ: فَأَمَرَ مَنْ حَوْلَهُ أَنْ يَخِفُّوا عَنْهُ، فَانْصَرَفُوا وَ بَقِيَ خَاصَّةُ مَنْ حَضَرَ فَقَالَ لَهُ: اُذْكُرْ حَاجَتَكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ إِنَّ لِي مَا لِلرِّجَالِ وَ مَا لِلنِّسَاءِ فَمَا اَلْحُكْمُ عِنْدَكَ فِيَّ أَ رَجُلٌ أَنَا أَمِ اِمْرَأَةٌ؟ فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتُ مِنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي ذَلِكَ قَضِيَّةً أَنَا أَذْكُرُهَا، خَبِّرْنِي عَنِ اَلْبَوْلِ مِنْ أَيِّ اَلْفَرْجَيْنِ يَخْرُجُ؟ قَالَ: اَلشَّخْصُ: مِنْ كِلَيْهِمَا، قَالَ: فَمِنْ أَيِّهِمَا يَنْقَطِعُ؟ قَالَ: مِنْهُمَا مَعاً، فَتَعَجَّبَ شُرَيْحٌ، فَقَالَ اَلشَّخْصُ: سَأُورِدُ عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِي مَا هُوَ أَعْجَبُ، قَالَ: شُرَيْحٌ: وَ مَا ذَاكَ؟ قَالَ: زَوَّجَنِي أَبِي عَلَى أَنَّنِي اِمْرَأَةٌ فَحَمَلْتُ مِنَ اَلزَّوْجِ، وَ اِبْتَعْتُ جَارِيَةً تَخْدُمُنِي فَأَفْضَيْتُ إِلَيْهَا فَحَمَلَتْ مِنِّي.

قَالَ: فَضَرَبَ شُرَيْحٌ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى اَلْأُخْرَى مُتَعَجِّباً وَ قَالَ: هَذَا أَمْرٌ لاَ بُدَّ مِنْ إِنْهَائِهِ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَلاَ عِلْمَ لِي بِالْحُكْمِ فِيهِ. فَقَامَ وَ تَبِعَهُ اَلشَّخْصُ وَ مَنْ حَضَرَ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَصَّ عَلَيْهِ اَلْقِصَّةَ، فَدَعَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِالشَّخْصِ فَسَأَلَهُ عَمَّا حَكَاهُ شُرَيْحٌ فَأَقَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ: «وَ مَنْ زَوْجُكَ؟» قَالَ: فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، وَ هُوَ حَاضِرٌ فِي اَلْمِصْرِ ، فَدُعِيَ وَ سُئِلَ عَمَّا قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَأَنْتَ أَجْرَأُ مِنْ صَائِدِ اَلْأَسَدِ حِينَ تُقْدِمُ عَلَى هَذَا اَلْحَالِ» ثُمَّ دَعَا قَنْبَراً مَوْلاَهُ فَقَالَ:

ص: 213


1- مناقب آل أبي طالب 375:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 257:40 / 40، و 354:104 / 3.

«أَدْخِلْ هَذَا اَلشَّخْصَ بَيْتاً وَ مَعَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنَ اَلْعُدُولِ، وَ مُرْهُنَّ بِتَجْرِيدِهِ وَ عَدِّ أَضْلاَعِهِ بَعْدَ اَلاِسْتِيثَاقِ مِنْ سَتْرِ فَرْجِهِ» فَقَالَ: اَلرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ ،مَا آمَنُ عَلَى هَذَا اَلشَّخْصِ اَلرِّجَالَ وَ اَلنِّسَاءَ، فَأَمَرَ أَنْ يُشَدَّ عَلَيْهِ تُبَّانٌ (1)وَ أَخْلاَهُ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ وَلَجَه ُ فَعَدَّ أَضْلاَعَهُ، فَكَانَتْ مِنَ اَلْجَانِبِ اَلْأَيْسَرِ سَبْعَةٌ، وَ مِنَ اَلْجَانِبِ اَلْأَيْمَنِ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالَ: «هَذَا رَجُلٌ» وَ أَمَرَ بِطَمِّ (2)شَعْرِهِ، وَ أَلْبَسَهُ اَلْقَلَنْسُوَةَ وَ اَلنَّعْلَيْنِ وَ اَلرِّدَاءَ، وَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اَلزَّوْجِ (3)

وَ رَوَى بَعْضُ أَهْلِ اَلنَّقْلِ أَنَّهُ لَمَّا اِدَّعَى اَلشَّخْصُ مَا اِدَّعَاهُ مِنَ اَلْفَرْجَيْنِ أَمَرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَدْلَيْنِ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْضُرَا بَيْتاً خَالِياً وَ أَحْضَرَ اَلشَّخْصَ مَعَهُمَا وَ أَمَرَ بِنَصْبِ مِرْآتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مُقَابِلَةً لِفَرْجِ اَلشَّخْصِ وَ اَلْأُخْرَى مُقَابِلَةً لِلْمِرْآةِ اَلْأُخْرَى وَ أَمَرَ اَلشَّخْصَ بِالْكَشْفِ عَنْ عَوْرَتِهِ فِي مُقَابِلَةِ اَلْمِرْآةِ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ اَلْعَدْلاَنِ وَ أَمَرَ اَلْعَدْلَيْنِ بِالنَّظَرِ فِي اَلْمِرْآةِ اَلْمُقَابِلَةِ لَهَا فَلَمَّا تَحَقَّقَ اَلْعَدْلاَنِ صِحَّةَ مَا اِدَّعَاهُ اَلشَّخْصُ مِنَ اَلْفَرْجَيْنِ اِعْتَبَرَ حَالَهُ بِعَدِّ أَضْلاَعِهِ فَلَمَّا أَلْحَقَهُ بِالرِّجَالِ أَهْمَلَ قَوْلَهُ فِي اِدِّعَاءِ اَلْحَمْلِ وَ أَلْغَاهُ وَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَ جَعَلَ حَمْلَ اَلْجَارِيَةِ مِنْهُ وَ أَلْحَقَهُ بِهِ (4) .

ص: 214


1- التبّان: سراويل صغيرة مقدار شبر، ليسَتْرِ العورة المغلظة فقط. «الصحاح - تبن - 5: 2086» .
2- طم الشعر: قصّه. «الصحاح - طمم - 1976» .
3- روي نحو ه في أخبار القضاة 197:2، دعائم الإسلام 287:2، الفقيه 4: 238 / 762، مناقب آل أبي طالب 376:2، مناقب الخوارزمي:101 / 105، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 258:40 / و 353:104 / 1.
4- مناقب آل أبي طالب 376:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 259:40، و 104: 354 / 2.

وَ رَوَوْا: أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ دَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ اَلْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ شَابّاً حَدَثاً يَبْكِي وَ حَوْلَهُ قَوْمٌ، فَسَأَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ شُرَيْحاً قَضَى عَلَيَّ بِقَضِيَّةٍ لَمْ يُنْصِفْنِي فِيهَا، قَالَ:«وَ مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: إِنَّ هَؤُلاَءِ اَلنَّفَرَ - وَ أَوْمَأَ إِلَى نَفَرٍ حُضُورٍ - أَخْرَجُوا أَبِي مَعَهُمْ فِي سَفَرٍ، فَرَجَعُوا وَ لَمْ يَرْجِعْ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ مَالِهِ اَلَّذِي اِسْتَصْحَبَهُ، فَقَالُوا: مَا نَعْرِفُ لَهُ مَالاً ، فَاسْتَحْلَفَهُمْ شُرَيْحٌ وَ تَقَدَّمَ إِلَيَّ بِتَرْكِ اَلتَّعَرُّضِ لَهُمْ .

فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: لِقَنْبَرٍ «اِجْمَعِ اَلْقَوْمَ وَ اُدْعُ لِي شُرَطَ اَلْخَمِيسِ» (1)ثُمَّ جَلَسَ وَ دَعَا اَلنَّفَرَ وَ اَلْحَدَثُ مَعَهُمْ، فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَ: فَأَعَادَ اَلدَّعْوَى وَ جَعَلَ يَبْكِي وَ يَقُولُ: أَنَا وَ اَللَّهِ أَتَّهِمُهُمْ عَلَى أَبِي يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمُ اِحْتَالُوا عَلَيْهِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ، وَ طَمِعُوا فِي مَالِهِ. فَسَأَلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ اَلْقَوْمَ، فَقَالُوا كَمَا قَالُوا لِشُرَيْحٍ: مَاتَ اَلرَّجُلُ وَ لاَ نَعْرِفُ لَهُ مَالاً، فَنَظَرَ فِي وُجُوهِهِمْ ثُمَّ قَالَ: لَهُمْ مَا ذَا؟ أَ تَظُنُّونَ أَنِّي لاَ أَعْلَمُ مَا صَنَعْتُمْ بِأَبِي هَذَا اَلْفَتَى! إِنِّي إِذاً لَقَلِيلُ اَلْعِلْمِ».

ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ أَنْ يُفَرَّقُوا، فَفُرِّقُوا فِي اَلْمَسْجِدِ، وَ أُقِيمَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى جَانِبِ أُسْطُوَانَةٍ مِنْ أَسَاطِينِ اَلْمَسْجِدِ ثُمَّ دَعَا عُبَيْدَ اَللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبَهُ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ لَهُ: «اِجْلِسْ» ثُمَّ دَعَا وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي وَ لاَ تَرْفَعْ صَوْتَكَ، فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجْتُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ وَ أَبُو هَذَا اَلْغُلاَمِ مَعَكُمْ؟» فَقَالَ: فِي يَوْمِ كَذَا وَ كَذَا، فَقَالَ: لِعُبَيْدِ اَللَّهِ: «اُكْتُبْ» ثُمَّ قَالَ

ص: 215


1- في هامش «ش» و «م» : شرط الخميس كانوا خمسة آلاف رجلُّ، اشترطوا مَعَ أَميرُالمؤمنين عليه السلام أَنّ يقاتلوا دَوَّنَهُ حتّى يَقتُلُوا.

لَهُ: فِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ؟» قَالَ: فِي شَهْرِ كَذَا، قَالَ: «اُكْتُبْ» ثُمَّ قَالَ: «فِي أَيِّ سَنَةٍ؟» قَالَ: فِي سَنَةِ كَذَا، فَكَتَبَ عُبَيْدُ اَللَّهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَبِأَيِّ مَرَضٍ مَاتَ؟» قَالَ: بِمَرَضِ كَذَا، قَالَ: «فَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ مَاتَ؟» قَالَ: فِي مَوْضِعِ كَذَا، قَالَ: «مَنْ غَسَّلَهُ وَ كَفَّنَهُ ؟» قَالَ: فُلاَنٌ، قَالَ: فَبِمَ كَفَّنْتُمُوهُ؟» قَالَ: بِكَذَا قَالَ: «فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ؟» قَالَ: فُلاَنٌ قَالَ: «فَمَنْ أَدْخَلَهُ اَلْقَبْرَ؟» قَالَ: فُلاَنٌ، وَ عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ يَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَلَمَّا اِنْتَهَى إِقْرَارُهُ إِلَى دَفْنِهِ،كَبَّرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ اَلْمَسْجِدِ ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّجُلِ فَرُدَّ إِلَى مَكَانِهِ.

وَ دَعَا بِآخَرَ مِنَ اَلْقَوْمِ فَأَجْلَسَهُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا سَأَلَ اَلْأَوَّلَ عَنْهُ، فَأَجَابَ بِمَا خَالَفَ اَلْأَوَّلَ فِي اَلْكَلاَمِ كُلِّهِ. وَ عُبَيْدُ اَللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ يَكْتُبُذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سُؤَالِهِ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ اَلْمَسْجِدِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِجَمِيعاً أَنْ يُخْرَجَا عَنِ اَلْمَسْجِدِ نَحْوَ اَلْحَبْسِ (1)، فَيُوقَفَ بِهِمَا عَلَى بَابِهِ.

ثُمَّ دَعَا بِثَالِثٍ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلَ اَلرَّجُلَيْنِ فَحَكَى خِلاَفَ مَا قَالاَ، وَ أَثْبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ كَبَّرَ وَ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ نَحْوَ صَاحِبَيْهِ.

وَ دَعَا بِرَابِعٍ مِنَ اَلْقَوْمِ فَاضْطَرَبَ قَوْلُهُ وَ لَجْلَج َ ،فَوَعَظَهُ وَ خَوَّفَهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ وَ أَصْحَابُهُ قَتَلُوا اَلرَّجُلَ وَ أَخَذُوا مَالَهُ، وَ أَنَّهُمْ دَفَنُوهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا بِالْقُرْبِ مِنَ اَلْكُوفَةِ، فَكَبَّرَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ أَمَرَ بِهِ إِلَى اَلسِّجْنِ.

وَ اِسْتَدْعَى وَاحِداً مِنَ اَلْقَوْمِ فَقَالَ لَهُ: «زَعَمْتَ أَنَّ اَلرَّجُلَ مَاتَ

ص: 216


1- في «م» و هامش «ش» : السجن.

حَتْفَ أَنْفِهِ وَ قَدْ قَتَلْتَهُ، اُصْدُقْنِي عَنْ حَالِكَ، وَ إِلاَّ نَكَلْتُ بِكَ، فَقَدْ وَضَحَ لِيَ اَلْحَقُّ فِي قِصَّتِكُمْ» فَاعْتَرَفَ مَنْ قَتَلَ اَلرَّجُلَ بِمَا اِعْتَرَفَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ دَعَا اَلْبَاقِينَ فَاعْتَرَفُوا عِنْدَهُ بِالْقَتْلِ وَ سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَ اِتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى قَتْلِ اَلرَّجُلِ وَ أَخْذِ مَالِهِ. فَأَمَرَ مَنْ مَضَى مَعَ بَعْضِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ اَلْمَالِ اَلَّذِي دَفَنُوهُ، فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْهُ وَ سَلَّمَهُ إِلَى اَلْغُلاَمِ اِبْنِ اَلرَّجُلِ اَلْمَقْتُولِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:«مَا اَلَّذِي تُرِيدُ؟ قَدْ عَرَفْتَ مَا صَنَعَ اَلْقَوْمُ بِأَبِيكَ» قَالَ: أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ اَلْقَضَاءُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ دِمَائِهِمْ فِي اَلدُّنْيَا، فَدَرَأَ عَنْهُمْ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ حَدَّ اَلْقَتْلِ

وَ أَنْهَكَهُمْ عُقُوبَةً.

فَقَالَ: شُرَيْحٌ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ هَذَا اَلْحُكْمُ؟ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ دَاوُدَ عَلَیْهِ السَّلامُ مَرَّ بِغِلْمَانٍ يَلْعَبُونَ وَ يُنَادُونَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا مَاتَ اَلدِّينُ قَالَ: وَ اَلْغُلاَمُ يُجِيبُهُمْ، فَدَنَا دَاوُدُ عَلَیْهِ السَّلامُ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ: يَا غُلاَمُ مَا اِسْمُكَ قَالَ: اِسْمِي مَاتَ اَلدِّينُ قَالَ لَهُ دَاوُدُ: وَ مَنْ سَمَّاكَ بِهَذَا اَلاِسْمِ؟ قَالَ: أُمِّي، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ عَلَیْهِ السَّلامُ: وَ أَيْنَ أُمُّكَ؟ قَالَ: فِي مَنْزِلِهَا، فَقَالَ دَاوُدُ عَلَیْهِ السَّلامُ: اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّكَ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَيْهَا فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا فَخَرَجَتْ، فَقَالَ: يَا أَمَةَ اَللَّهِ مَا اِسْمُ اِبْنِكِ هَذَا؟ قَالَتِ: اِسْمُهُ مَاتَ اَلدِّينُ، قَالَ: لَهَا دَاوُدُ: وَ مَنْ سَمَّاهُ بِهَذَا اَلاِسْمِ؟ قَالَتْ: أَبُوهُ قَالَ: وَ مَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: إِنَّهُ خَرَجَ فِي سَفَرٍ لَهُ وَ مَعَهُ قَوْمٌ، وَ أَنَا حَامِلٌ بِهَذَا اَلْغُلاَمِ، فَانْصَرَفَ اَلْقَوْمُ وَ لَمْ يَنْصَرِفْ زَوْجِي مَعَهُمْ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ مَالِهِ فَقَالُوا: مَا تَرَكَ مَالاً، فَقُلْتُ لَهُمْ: فَهَلْ وَصَّاكُمْ بِوَصِيَّةٍ؟ قَالُوا: زَعَمَ أَنَّكِ حُبْلَى، فَإِنْ وَلَدْتِ جَارِيَةً أَوْ غُلاَماً فَسَمِّيهِ مَاتَ اَلدِّينُ، فَسَمَّيْتُهُ كَمَا

ص: 217

وَصَّى وَ لَمْ أُحِبَّ خِلاَفَهُ، فَقَالَ لَهَا دَاوُدُ عَلَیْهِ السَّلامُ: فَهَلْ تَعْرِفِينَ اَلْقَوْمَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا دَاوُدُ: اِنْطَلِقِي مَعَ هَؤُلاَءِ _ يَعْنِي قَوْماً بَيْنَ يَدَيْهِ - فَاسْتَخْرِجِيهِمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ حَكَمَ فِيهِمْ بِهَذِهِ اَلْحُكُومَةِ، فَثَبَتَ عَلَيْهِمُ اَلدَّمُ، وَ اِسْتَخْرَجَ مِنْهُمُ اَلْمَالَ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اَللَّهِ سَمِّي اِبْنَكِ هَذَا بِعَاشَ اَلدِّينُ» (1) .

وَ رَوَوْا: أَنَّ اِمْرَأَةً هَوِيَتْ غُلاَماً فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ اَلْغُلاَمُ، فَمَضَتْ وَ أَخَذَتْ بَيْضَةً فَأَلْقَتْ بَيَاضَهَا عَلَى ثَوْبِهَا، ثُمَّ عَلَّقَتْ بِالْغُلاَمِ وَ رَفَعَتْهُ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ قَالَتْ: إِنَّ هَذَا اَلْغُلاَمَ كَابَرَنِي عَلَى نَفْسِي وَ قَدْ فَضَحَنِي، ثُمَّ أَخَذَتْ ثِيَابَهَا فَأَرَتْ بَيَاضَ اَلْبَيْضِ وَ قَالَتْ: هَذَا مَاؤُهُ عَلَى ثَوْبِي، فَجَعَلَ اَلْغُلاَمُ يَبْكِي وَ يَبْرَأُ مِمَّا اِدَّعَتْهُ وَ يَحْلِفُ، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: لِقَنْبَرٍ: «مُرْ مَنْ يُغْلِي مَاءً حَتَّى تَشْتَدَّ حَرَارَتُهُ، ثُمَّ لْتَأْتِنِي بِهِ عَلَى حَالِهِ »فَجِيءَ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: «أَلْقُوهُ عَلَى ثَوْبِ اَلْمَرْأَةِ» فَأَلْقَوْهُ عَلَيْهِ فَاجْتَمَعَ بَيَاضُ اَلْبَيْضِ وَ اِلْتَأَمَ، فَأَمَرَ بِأَخْذِهِ وَ دَفْعِهِ إِلَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «تَطَعَّمَاهُ وَ اِلْفَظَاهُ» فَتَطَعَّمَاهُ فَوَجَدَاهُ بَيْضاً، فَأَمَرَ بِتَخْلِيَةِ اَلْغُلاَمِ وَ جَلَدَ اَلْمَرْأَةَ عُقُوبَةً عَلَى اِدِّعَائِهَا اَلْبَاطِلَ (2) .

وَ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ اَلْحَجَّاجِ

ص: 218


1- روي نحو ه في الكافي 371:7 / 8، الفقيه 15:3 / 40، التهذيب 316:6 / 875، مناقب آل أبي طالب 379:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 259:40.
2- كنز الفوائد 183:2، و نحو ه في الكافي 422:7، التهذيب 304:6 / 848، خَصَّائص الرضي:82 و فيها: في زمن خلافة عمر، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 40: 263 / 31.

قَالَ: سَمِعْتُ اِبْنَ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ: قَضَى أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بِقَضِيَّةٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اِصْطَحَبَا فِي سَفَرٍ فَجَلَسَا يَتَغَدَّيَانِ، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ وَ أَخْرَجَ اَلْآخَرُ ثَلاَثَةَ أَرْغِفَةٍ، فَمَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ فَسَلَّمَ فَقَالاَ لَهُ: اَلْغَدَاءَ، فَجَلَسَ مَعَهُمَا يَأْكُلُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ رَمَى إِلَيْهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَ قَالَ: لَهُمَا: هَذِهِ عِوَضٌ عَمَّا أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِكُمَا، فَاخْتَصَمَا وَ قَالَ: صَاحِبُ اَلثَّلاَثَةِ: هَذِهِ نِصْفَانِ بَيْنَنَا، وَ قَالَ صَاحِبُ اَلْخَمْسَةِ: بَلْ لِي خَمْسَةٌ وَ لَكَ ثَلاَثَةٌ، فَارْتَفَعَا إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَ قَصَّا عَلَيْهِ اَلْقِصَّةَ فَقَالَ لَهُمَا :«هَذَا أَمْرٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ، وَ اَلْخُصُومَةُ غَيْرُ جَمِيلَةٍ فِيهِ، وَ اَلصُّلْحُ أَحْسَنُ» فَقَالَ: صَاحِبُ اَلثَّلاَثَةِ اَلْأَرْغِفَةِ: لَسْتُ أَرْضَى إِلاَّ بِمُرِّ اَلْقَضَاءِ، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: «فَإِذَا كُنْتَ لاَ تَرْضَى إِلاَّ بِمُرِّ اَلْقَضَاءِ، فَإِنَّ لَكَ وَاحِداً مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَ لِصَاحِبِكَ سَبْعَةً» فَقَالَ: سُبْحَانَ اَللَّهِ، كَيْفَ صَارَ هَذَا هَكَذَا؟ فَقَالَ لَهُ: «أُخْبِرُكَ، أَ لَيْسَ كَانَ لَكَ ثَلاَثَةُ أَرْغِفَةٍ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «وَ لِصَاحِبِكَ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ ثُلُثاً، أَكَلْتَ أَنْتَ ثَمَانِيَةً، وَ صَاحِبُكَ ثَمَانِيَةً، وَ اَلضَّيْفُ ثَمَانِيَةً، فَلَمَّا أَعْطَاكُمُ اَلثَّمَانِيَةَ كَانَ لِصَاحِبِكَ اَلسَّبْعَةُ، وَ لَكَ وَاحِدَةٌ» فَانْصَرَفَ اَلرَّجُلاَنِ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمَا فِي اَلْقَضِيَّةِ (1) .

وَ رَوَى عُلَمَاءُ اَلسِّيَرِه: أَنَّ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ شَرِبُوا اَلْمُسْكِرَ عَلَى عَهْدِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَسَكِرُوا فَتَبَاعَجُوا بِالسَّكَاكِينِ، وَ نَالَ اَلْجِرَاحُ كُلَّ

ص: 219


1- روي نحو ه في الكافي 427:7 / 10، الفقيه 23:3 / 64، الاختَصَّاص:107، التهذيب 290:6 / 805، كنز الفوائد 69:2، الاستيعاب 41:3، مناقب آل أبي طالب 52:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 263:40 / 32.

وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَ رُفِعَ خَبَرُهُمْ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ حَتَّى يُفِيقُوا، فَمَاتَ فِي اَلْحَبْسِ مِنْهُمُ اِثْنَانِ وَ بَقِيَ مِنْهُمُ اِثْنَانِ، فَجَاءَ قَوْمُ اَلاِثْنَيْنِ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ، فَقَالُوا: أَقِدْنَا مِنْ هَذَيْنِ اَلنَّفْسَيْنِ فَإِنَّهُمَا قَتَلاَ صَاحِبَيْنَا، فَقَالَ لَهُمْ: «وَ مَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ؟ وَ لَعَلَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ» فَقَالُوا: لاَ نَدْرِي، فَاحْكُمْ فِيهَا بِمَا عَلَّمَكَ اَللَّهُ، فَقَالَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «دِيَةُ اَلْمَقْتُولَيْنِ عَلَى قَبَائِلِ اَلْأَرْبَعَةِ بَعْدَ مُقَاصَّةِ اَلْحَيَّيْنِ مِنْهَا بِدِيَةِ جِرَاحِهِمَا (1)

فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ اَلْحُكْمَ اَلَّذِي لاَ طَرِيقَ إِلَى اَلْحَقِّ فِي اَلْقَضَاءِ سِوَاهُ، أَ لاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ بَيِّنَةَ عَلَى اَلْقَاتِلِ تُفْرِدُهُ مِنَ اَلْمَقْتُولِ، وَ لاَ بَيِّنَةَ عَلَى اَلْعَمْدِ فِي اَلْقَتْلِ، فَلِذَلِكَ كَانَ اَلْقَضَاءُ فِيهِ عَلَى حُكْمِ اَلْخَطَإِ فِي اَلْقَتْلِ، وَ اَللَّبْسِ فِي اَلْقَاتِلِ دُونَ اَلْمَقْتُولِ .

وَ رَوَوْا: أَنَّ سِتَّةَ نَفَرٍ نَزَلُوا فِي اَلْفُرَاتِ فَتَغَاطُّوا فِيهَا لَعِباً، فَغَرِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَشَهِدَ اِثْنَانِ عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، وَ شَهِدَ اَلثَّلاَثَةُ عَلَى اَلاِثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ، فَقَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ بِالدِّيَةِ أَخْمَاساً عَلَى اَلْخَمْسَةِ اَلنَّفَرِ، ثَلاَثَةٌ مِنْهَا عَلَى اَلاِثْنَيْنِ بِحِسَابِ اَلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، وَ خُمُسَانِ عَلَىاَلثَّلاَثَةِ بِحِسَابِ اَلشَّهَادَةِ أَيْضاً. وَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ قَضِيَّةٌ أَحَقُّ بِالصَّوَابِ مِمَّا قَضَى بِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ (2) .

ص: 220


1- ذكره باختلاف يسير في الفقيه 87:4 / 280، تهذيب الأحكام 240:10 / 955، و أورد نحو ه في مناقب آل أبي طالب 380:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار33/264:40، 34/394:104، .
2- روي باختلاف يسير في الكافي 284:7 / 6، الفقيه 86:4 / 277، تهذيب الأحكام 239:10 / 953، مناقب آل أبي طالب 380:2، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 264:40 / ذ ح 33 و 395:104 / ذ ح 34.

وَ رَوَوْا: أَنَّ رَجُلاً حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ فَوَصَّى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ وَ لَمْ يُعَيِّنْهُ، فَاخْتَلَفَ اَلْوَارِثُ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ، وَ تَرَافَعُوا إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِإِخْرَاجِ اَلسُّبُعِ مِنْ مَالِهِ وَ تَلاَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ عَزَّ اِسْمُهُ (لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (1) - (2) .

وَ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ فِي رَجُلٍ وَصَّى عِنْدَ اَلْمَوْتِ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ وَ لَمْ يُبَيِّنْهُ، فَلَمَّا مَضَى اِخْتَلَفَ اَلْوَرَثَةُ فِي مَعْنَاهُ، فَقَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ بِإِخْرَاجِ اَلثُّمّ ُنِ مِنْ مَالِهِ، وَ تَلاَ قَوْلَهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ: (إِنَّمَا اَلصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ اَلْمَسٰاكِينِ وَ اَلْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا) (3) إِلَى آخِرِ اَلْآيَةِ وَ هُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ سَهْمٌ مِنَ اَلصَّدَقَاتِ (4) .

وَ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ فِي رَجُلٍ وَصَّى فَقَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي كُلَّ عَبْدٍ قَدِيمٍ فِي مِلْكِي، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَعْرِفِ اَلْوَصِيُّ مَا يَصْنَعُ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:«يُعْتَقُ عَنْهُ كُلُّ عَبْدٍ لَهُ فِي مِلْكِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ» وَ تَلاَ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنٰاهُ مَنٰازِلَ حَتّٰى عٰادَ كَالْعُرْجُونِ اَلْقَدِيمِ) (5) وَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اَلْعُرْجُونَ إِنَّمَا يَنْتَهِي إِلَى اَلشَّبَهِ بِالْهِلاَلِ فِي تَقَوُّسِهِ وَ ضُئُولَتِهِ بَعْدَ سِتَّةِ

ص: 221


1- الحجر 44:15.
2- روي نحو ه في كنز الفوائد 99:2، مناقب آل أبي طالب 382:2، و نَقَله العلامة المجلّسي في البحار 265:40 / 34.
3- التوبة 60:9.
4- روي نحو ه في كنز الفوائد 99:2، مناقب آل أبي طالب 382:2، و نَقَله العلامة المجلّسي في البحار 265:40 / 34.
5- يس 39:36.

أَشْهُرٍ مِنْ أَخْذِ اَلثَّمَرَةِ مِنْهُ (1) .

وَ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ حِيناً وَ لَمْ يُسَمِّ وَقْتاً بِعَيْنِهِ، أَنْ يَصُومَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَ تَلاَ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: (تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا) (2) وَ ذَلِكَ فِي كُلِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (3) .

وَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ تَمْرٌ، فَبَدَرَتْ زَوْجَتِي فَأَخَذَتْ مِنْهُ وَاحِدَةً فَأَلْقَتْهَا فِي فِيهَا، فَحَلَفْتُ أَنَّهَا لاَ تَأْكُلْهَا وَ لاَ تَلْفِظْهَا، فَقَالَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «تَأْكُلُ نِصْفَهَا، وَ تَرْمِي نِصْفَهَا وَ قَدْ تَخَلَّصْتَ مِنْ يَمِينِكَ» (4) .

وَ قَضَى عَلَیْهِ السَّلامُ فِي رَجُلٍ ضَرَبَ اِمْرَأَةً فَأَلْقَتْ عَلَقَةً أَنَّ عَلَيْهِ دِيَتَهَا أَرْبَعِينَ دِينَاراً، وَ تَلاَ قَوْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ مِنْ سُلاٰلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنٰاهُ نُطْفَةً فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظٰاماً فَكَسَوْنَا اَلْعِظٰامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ) (5) ثُمَّ قَالَ: «فِي اَلنُّطْفَةِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَ فِي اَلْعَلَقَةِ أَرْبَعُونَ دِينَاراً وَ فِي اَلْمُضْغَةِ سِتُّونَ دِينَاراً وَ فِي اَلْعَظْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ خَلْقاً ثَمَانُونَ دِينَاراً، وَ فِي اَلصُّورَةِ قَبْلَ أَنْ

ص: 222


1- كنز الفوائد 99:2، مناقب آل أبي طالب 382:2 باختلاف يسير، و نَقَله العلامة المجلّسي في البحار 265:40.
2- إبراهيم 25:14.
3- ورد مختصرا في تفسير العيّاشيّ 224:2، مناقب آل أبي طالب 382:2، و نَقَله العلامة المجلّسي في البحار 266:40 / ذ ح 34.
4- نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 266:40 / 35.
5- المؤمنون 12:23 - 14.

تَلِجَهَا اَلرُّوحُ مِائَةُ دِينَارٍ، فَإِذَا وَلَجَتْهَا (1)اَلرُّوحُ كَانَ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ» (2) .

فهذا طرف من قضاياه عَلَیْهِ السَّلامُ و أحكامه الغريبة الّتي لم يَقْضِ بها أحدٌ قبله، و لا عرفها من العامُّة و الخاصَّة أحدٌ إلّا عَنْهُ، و اتّفقت عترته على العمل بها، و لومُني غيره بالقول فيها ظَهَرَ عجزه عن الحَقَّ في ذلكَ، كما ظَهَرَ فيما هو أوضح منه، و فيما أَثبتناهُ من قضاياه على الاختَصَّار كفاية فيما قصدناه إن شاء الله.

فصل في كلامه و خَطَبَه عَلَیْهِ السَّلامُ

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في وجوب المعرفة بالله و التوحيد

فصل

في مختصر من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في وجوب المعرفة بالله و التوحيد له و نفى التشبيه عَنْهُ و الوصفِّ لعدلٌَّ ه و صنوف الحُكْمَة و الدلَّائل و الحُجَّةُ

فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ اَلْهُذَلِيُّ ،عَنِ اَلزُّهْرِيِّ وَ عِيسَى بْنِ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ فِي اَلْحَثِّ عَلَى مَعْرِفَةِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ اَلتَّوْحِيدِ لَهُ: «أَوَّلُ عِبَادَةِ اَللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَ أَصْلُ مَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدُهُ، وَ نِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ اَلتَّشْبِيهِ عَنْهُ، جَلَّ عَنْ أَنْ تَحُلَّهُ اَلصِّفَاتُ، لِشَهَادَةِ اَلْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَلَّتْهُ اَلصِّفَاتُ مَصْنُوعٌ، وَ شَهَادَةِ اَلْعُقُولِ أَنَّهُ - جَلَّ جَلاَلُهُ - صَانِعٌ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، بِصُنْعِ اَللَّهِ يُسْتَدَلُّ

ص: 223


1- في الأصل: ولجها، و اثبتنا ما في نسخة البحار.
2- نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 266:40 / ذ ح 35 و 426:104 / 7.

عَلَيْهِ، وَ بِالْعُقُولِ تُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ بِالنَّظَرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ، جَعَلَ اَلْخَلْقَ دَلِيلاً عَلَيْهِ، فَكَشَفَ بِهِ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ ، هُوَ اَلْوَاحِدُ اَلْفَرْدُ فِي أَزَلِيَّتِهِ، لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي إِلَهِيَّتِهِ، وَ لاَ نِدَّ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ اَلْأَشْيَاءِ اَلْمُتَضَادَّةِ عُلِمَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ اَلْأُمُورِ اَلْمُقْتَرِنَةِ عُلِمَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ» (1).

فِي كَلاَمٍ يَطُولُ بِإِثْبَاتِهِ اَلْكِتَابُ.

وَ مِمَّا حُفِظَ عَنْهُ عَلَیْهِ السَّلامُ فِي نَفْيِ اَلتَّشْبِيهِ عَنِ اَللَّهِ عَزَّ اِسْمُهُ، مَا رَوَاهُ اَلشَّعْبِيُّ قَالَ: سَمِعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ رَجُلاً يَقُولُ: وَ اَلَّذِي اِحْتَجَبَ بِسَبْعِ طِبَاقٍ فَعَلاَهُ بِالدِّرَّةِ (2)، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا وَيْلَكَ، إِنَّ اَللَّهَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَحْتَجِبَ عَنْ شَيْءٍ، أَوْ يَحْتَجِبَ عَنْهُ شَيْءٌ، سُبْحَانَ اَلَّذِي لاَ يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَ لاٰ يَخْفىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي اَلسَّمٰاءِ» فَقَالَ اَلرَّجُلُ: أَ فَأُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي، يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لاَ لَمْ تَحْلِفْ بِاللَّهِ فَتَلْزَمَكَ كَفَّارَةٌ ،وَ إِنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِهِ» (3) .

وَ رَوَى أَهْلُ اَلسِّيرَةِ وَ عُلَمَاءُ اَلنَّقَلَةِ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، خَبِّرْنِي عَنِ اَللَّهِ تَعَالَى، أَ رَأَيْتَهُ حِينَ

ص: 224


1- وردت الخَطَبَة في الاحتجاج:200، و باختلاف يسير في تحف العقول:43، و بَعْضُهُا في الكافي 108:1 / 4، التوحيد:308، و أمالي المرتضى 103:1، و نهج البلاغة 144:2 / 181، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 253:4.
2- الدرّة: الّتي يضرب بها «الصحاح - درر - 656:2» .
3- ورد نحو ه في الغارات 112:1، و التوحيد:184، و نثر الدر 296:1، و ذكره المؤلّف باختلاف يسير في الفصول المختارة:38، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 310:3 / 3 و 205:104 / 1.

عَبَدْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «لَمْ أَكُ بِالَّذِي (1)أَعْبُدُ مَنْ لَمْ أَرَهُ» فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ: « يَا وَيْحَكَ لَمْ تَرَهُ اَلْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ اَلْأَبْصَارِ، وَ لَكِنْ رَأَتْهُ اَلْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ، مَعْرُوفٌ بِالدَّلاَلاَتِ، مَنْعُوتٌ بِالْعَلاَمَاتِ، لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ، وَ لاَ تُدْرِكُهُ اَلْحَوَاسُّ» فَانْصَرَفَ اَلرَّجُلُ وَ هُوَ يَقُولُ: اَللّٰهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسٰالَتَهُ (2) .

و في هذا الحديثٌ دليل على أَنّه عَلَیْهِ السَّلامُ كانَ ينفي عن الله سُبحانَه رؤية الأبصار.

وَ رَوَى اَلْحَسَنُ بْنُ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلْبَصْرِيُّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ بَعْدَ اِنْصِرَافِهِ مِنْ حَرْبِ صِفِّينَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، خَبِّرْنَا عَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ مِنَ اَلْحَرْبِ، أَ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءٍ مِنَ اَللَّهِ تَعَالَى وَ قَدَرٍ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لاَ هَبَطْتُمْ وَادِياً، إِلاَّ وَ لِلَّهِ فِيهِ قَضَاءٌ وَ قَدَرٌ» فَقَالَ اَلرَّجُلُ: فَعِنْدَ اَللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُ: «وَ لِمَ؟» قَالَ: إِذَا كَانَ اَلْقَضَاءُ وَ اَلْقَدَرُ سَاقَانَا إِلَى اَلْعَمَلِ، فَمَا وَجْهُ اَلثَّوَابِ لَنَا عَلَى اَلطَّاعَةِ ؟ وَ مَا وَجْهُ اَلْعِقَابِ لَنَا عَلَى اَلْمَعْصِيَةِ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَ وَ ظَنَنْتَ يَا رَجُلُ أَنَّهُ قَضَاءٌ حَتْمٌ، وَ قَدَرٌ لاَزِمٌ، لاَ تَظُنَّ ذَلِكَ فَإِنَّ اَلْقَوْلَ بِهِ مَقَالُ عَبَدَةِ اَلْأَوْثَانِ، وَ حِزْبِ اَلشَّيْطَانِ، وَ خُصَمَاءِ اَلرَّحْمَنِ، وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا، إِنَّ اَللَّهَ جَلَّ جَلاَلُهُ أَمَرَ تَخْيِيراً، وَ نَهَى تَحْذِيراً، وَ كَلَّفَ يَسِيراً ، وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً، وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً،

ص: 225


1- بالذي: سقطت من «ش» و «م» و اثبتناها من «ح» .
2- الاحتجاج:209، و أمالي المرتضى 104:1، و فيه: عن الإمام الصّادق عليه السلام، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 32:4 / 8.

وَ لَمْ يَخْلُقِ اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً (ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ ) (1) فَقَالَ لَهُ: اَلرَّجُلُ: فَمَا اَلْقَضَاءُ وَ اَلْقَدَرُ اَلَّذِي ذَكَرْتَهُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «اَلْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ، وَ اَلنَّهْيُ عَنِ اَلْمَعْصِيَةِ، وَ اَلتَّمْكِينُ مِنْ فِعْلِ اَلْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ اَلسَّيِّئَةِ، وَ اَلْمَعُونَةُ عَلَى اَلْقُرْبَةِ إِلَيْهِ، وَ اَلْخِذْلاَنُ لِمَنْ عَصَاهُ، وَ اَلْوَعْدُ وَ اَلْوَعِيدُ وَ اَلتَّرْغِيبُ وَ اَلتَّرْهِيبُ، كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اَللَّهِ فِي أَفْعَالِنَا، وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلاَ تَظُنَّهُ، فَإِنَّ اَلظَّنَّ لَهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ» فَقَالَ اَلرَّجُلُ: فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَرَّجَ اَللَّهُ عَنْكَ، وَ أَنْشَأَ يَقُولُ:

أَنْتَ اَلْإِمَامُ اَلَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ *** يَوْمَ اَلْمَآبِ مِنَ اَلرَّحْمَنِ غُفْرَاناً

أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً *** جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً(2) . و هذا الحديثٌ موضح عن قول أَميرُالمؤمنين عَلَیْهِ السَّلامُ في مَعْنى العدلٌَّ و نفي الجبر و إثبات الحُكْمَة في أفعال الله تعالى و نفي العبث عنها

ص: 226


1- ص 27:38.
2- التوحيد:380، عيون أخبار الرضا عليه السلام 138:1، مصباح الأَنّوار:187، الفصول المختارة:42، تحف العقول:349، الاحتجاج:208 باختلاف في الألفاظ، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 125:5 / 74.

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في مدح العُلِمَاءُ و تصنيف النّاس و فضل العَلِمَ و الحُكْمَة

فصل

ومن كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في مدح العُلِمَاءُ و تصنيف النّاس و فضل العَلِمَ و الحُكْمَة

مَا رَوَاهُ أَهْلُ اَلنَّقْلِ عَنْ كُمَيْلِ بْنَ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اَللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ اَلْمَسْجِدِ حَتَّى أَخْرَجَنِي مِنْهُ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ اَلصُّعَدَاءَ ثُمَّ قَالَ: «يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ اَلْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، اِحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ:

اَلنَّاسُ ثَلاَثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ اَلْعِلْمِ، وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

يَا كُمَيْلُ، اَلْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ اَلْمَالِ، اَلْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَ أَنْتَ تَحْرُسُ اَلْمَالَ، وَ اَلْمَالُ تَنْقُصُهُ اَلنَّفَقَةُ، وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى اَلْإِنْفَاقِ.

يَا كُمَيْلُ، صُحْبَةُ اَلْعَالِمِ (1)دِينٌ يُدَانُ بِهِ، وَ بِهِ تَكْمِلَةُ اَلطَّاعَةِ فِي حَيَاتِهِ، وَ جَمِيلُ اَلْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَ اَلْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ اَلْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.

يَا كُمَيْلُ، مَاتَ خُزَّانُ اَلْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءٌ، وَ اَلْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا

ص: 227


1- في «م» و هامش «ش» : محبة العالم.

بَقِيَ اَلدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ وَ أَمْثَالُهُمْ فِي اَلْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَاهْ هَاهْ إِنَّ هَاهُنَا عِلْماً جَمّاً - وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلْ أُصِيبُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ اَلدِّينِ لِلدُّنْيَا، وَ يَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اَللَّهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَ بِنِعَمِهِ عَلَى كِتَابِهِ؛ أَوْ مُنْقَاداً لِلْحِكْمَةِ لاَ بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِخْبَاتِهِ، يَقْدَحُ اَلشَّكُّ لَهُ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، أَلاَ لاَ ذَا وَ لاَ ذَاكَ، فَمَنْهُومٌ (1)بِاللَّذَّاتِ سَلِسُ اَلْقِيَادِ لِلشَّهَوَات ِ ، أَوْ مُغْرَمٌ (2)بِالْجَمْعِ وَ اَلاِدِّخَارِ، لَيْسَا مِنْ رُعَاةِ اَلدِّينِ أَقْرَبُ شَبَهاً بِهِمَا اَلْأَنْعَامُ اَلسَّائِمَةُ، كَذَلِكَ يَمُوتُ اَلْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ، اَللَّهُمَّ بَلَى، لاَ تَخْلُو اَلْأَرْضُ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ، إِمَّا ظَاهِراً مَعْلُوماً أَوْ خَائِفاً (مَغْمُوراً لِئَلاَّ )(3)تَبْطُلَ حُجَجُكَ وَ بَيِّنَاتُكَ، وَ أَيْنَ أُوْلئِكَ؟ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً، اَلْأَعْظَمُونَ قَدْراً، بِهِمْ يَحْفَظُ اَللَّهُ تَعَالَى حُجَجَهُ حَتَّى يُودِعُوهَا قُلُوبَ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقَائِقِ اَلْإِيمَانِ، فَاسْتَلاَنُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ، فَأَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ، وَ اِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ، صَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلْأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَ حُجَجُهُ عَلَى عِبَادِهِ - ثُمَّ تَنَفَّسَ اَلصُّعَدَاءَ وَ قَالَ - هَاهْ، هَاهْ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ» وَ نَزَعَ يَدَهُ عَنْ يَدَيَّ وَ قَالَ لِي: «اِنْصَرِفْ إِذَا شِئْتَ» (4) .

ص: 228


1- في «م» و هامش «ش» : فمنهوما.
2- في «م» و هامش «ش» : مغرما.
3- في هامش «ش» : مغلوبا كي لا.
4- الغارات 148:1، تاريخ اليعقوبي 205:2، العقد الفريد 81:2، الخَصَّال: 186 / 257، كمالُ الدين:290، تحف العقول:113، آمالي المفيد:247 / 3، امالي الطوسيّ 19:1، تاريخ بغداد 379:6 و فيه الى قوله: . . يستعمل آلة الدين في الدُّنيا، مناقب الخوارزمي:365 / 383، و التفسير الكبير للفخر الرازيّ 192:2 و فيهما الى قوله: و المال محكوم عليه.

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدعاء إِلَى معرفته و صفة العُلِمَاءُ و المتعَلِمَين

فصل

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدعاء إِلَى معرفته و بيان فضله و صفة العُلِمَاءُ، و ما ينبغي لمتعَلِمَ العَلِمَ أَنّ يكون عليه

مَا رَوَاهُ اَلْعُلَمَاءُ بِالْأَخْبَارِ فِي خُطْبَةٍ تَرَكْنَا ذِكْرَ صَدْرِهَا إِلَى قَوْلِهِ: «وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي هَدَانَا مِنَ اَلضَّلاَلَةِ، وَ بَصَّرَنَا مِنَ اَلْعَمَى، وَ مَنَّ عَلَيْنَا بِالْإِسْلاَمِ، وَ جَعَلَ فِينَا اَلنُّبُوَّةَ، وَ جَعَلَنَا اَلنُّجَبَاءَ، وَ جَعَلَ أَفْرَاطَنَا أَفْرَاطَ اَلْأَنْبِيَاءِ، وَ جَعَلَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ، نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَ نَنْهَى عَنِ اَلْمُنْكَرِ، وَ نَعْبُدُ اَللَّهَ وَ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَ لاَ نَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ وَلِيّاً فَنَحْنُ شُهَدَاءُ اَللَّهِ، وَ اَلرَّسُولُ شَهِيدٌ (1)عَلَيْنَا، نَشْفَعُ فَنُشَفَّعُ فِيمَنْ شَفَعْنَا لَهُ، وَ نَدْعُو فَيُسْتَجَابُ دُعَاؤُنَا وَ يُغْفَرُ لِمَنْ نَدْعُو لَهُ ذُنُوبُهُ، أَخْلَصْنَا لِلَّهِ فَلَمْ نَدْعُ مِنْ دُونِهِ وَلِيّاً.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ، تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىٰ، وَ لاٰ تَعٰاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوٰانِ، وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ شَدِيدُ اَلْعِقٰابِ.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي اِبْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ، وَ أَوْلاَكُمْ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ، فَاسْأَلُونِي ثُمَّ اِسْأَلُونِي، فَكَأَنَّكُمْ بِالْعِلْمِ قَدْ نَفِدَ، وَ إِنَّهُ لاَ يَهْلِكُ

ص: 229


1- في هامش «ش» : شاهد.

عَالِمٌ إِلاَّ هَلَكَ مَعَهُ بَعْضُ عِلْمِهِ، وَ إِنَّمَا اَلْعُلَمَاءُ فِي اَلنَّاسِ كَالْبَدْرِ فِي اَلسَّمَاءِ، يُضِيءُ نُورُهُ عَلَى سَائِرِ اَلْكَوَاكِبِ، خُذُوا مِنَ اَلْعِلْمِ مَا بَدَا لَكُمْ، وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تَطْلُبُوهُ لِخِصَالٍ أَرْبَعٍ: لِتُبَاهُوا بِهِ اَلْعُلَمَاءَ، أَوْ تُمَارُوا بِهِ اَلسُّفَهَاءَ، أَوْ تُرَاءُوا بِهِ فِي اَلْمَجَالِسِ، أَوْ تَصْرِفُوا وُجُوهَ اَلنَّاسِ إِلَيْكُمْ لِلتَّرَؤُّسِ، لاَ يَسْتَوِي عِنْدَ اَللَّهِ فِي اَلْعُقُوبَةِ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ اَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ، نَفَعَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِمَا عَلِمْنَا، وَ جَعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصاً إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ» (1).

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في صفة العالم و أدب المتعَلِمَ

فصل

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في صفة العالم و أدب المتعَلِمَ

مَا رَوَاهُ اَلْحَارِثُ اَلْأَعْوَرُ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ يَقُولُ: «مِنْ حَقِّ اَلْعَالِمِ أَنْ لاَ يُكْثَرَ عَلَيْه ِ اَلسُّؤَالُ، وَ لاَ يُعَنَّتَ فِي اَلْجَوَابِ، وَ لاَ يُلَحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ، وَ لاَ يُؤْخَذَ بِثَوْبِهِ إِذَا نَهَضَ، وَ لاَ يُشَارَ إِلَيْهِ بِيَدٍ فِي حَاجَةٍ، وَ لاَ يُفْشَى لَهُ سِرٌّ، وَ لاَ يُغْتَابَ عِنْدَهُ أَحَدٌ وَ يُعَظَّمَ كَمَا حَفِظَ أَمْرَ اَللَّهِ، وَ لاَ يَجْلِسَ اَلْمُتَعَلِّمُ أَمَامَهُ، وَ لاَ يَغْرَضَ (2)مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ، وَ إِذَا جَاءَهُ طَالِبُ اَلْعِلْمِ وَ غَيْرُهُ فَوَجَدَهُ فِي جَمَاعَةٍ عَمَّهُمْ بِالسَّلاَمِ وَ خَصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ، وَ لْيَحْفَظْهُ شَاهِداً وَ غَائِباً، وَ لْيَعْرِفْ لَهُ حَقَّهُ فَإِنَّ اَلْعَالِمَ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ اَلصَّائِمِ اَلْقَائِمِ اَلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ، وَ إِذَا مَاتَ اَلْعَالِمُ ثُلِمَ فِي اَلْإَسْلاَمِ ثُلْمَةٌ لاَ يَسُدُّهَا إِلاَّ

ص: 230


1- نَقَلها الديلميّ في أعلام الدين:94، و العلاّمة المجلّسي في البحار 31:2 / 19.
2- الغرض: الضجر و الملال. «الصحاح - غرض - 1093:3» .

خَلَفٌ مِنْهُ، وَ طَالِبُ اَلْعِلْمِ تَسْتَغْفِرُ لَهُ اَلْمَلاَئِكَةُ، وَ تَدْعُو لَهُ فِي اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْض»ِ(1).

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في أهلُ البدع و القول بالرأي و مخالفة الحَقَّ

فصل و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في أهلُ البدع و من قالَ في الدين برأيه، و خالف طريق أهلُ الحَقَّ في مقالَه

مَا رَوَاهُ ثِقَاتُ أَهْلِ اَلنَّقْلِ عِنْدَ اَلْعَامَّةِ وَ اَلْخَاصَّةِ، فِي كَلاَمٍ اِفْتِتَاحُهُ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَ اَلصَّلاَةُ عَلَى نَبِيِّهِ صلّی الله علیه و آله: «أَمَّا بَعْدُ، فَذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ، إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ (2)عَلَى اَلتَّقْوَى زَرْعُ قَوْمٍ، وَ لاَ يَظْمَأُ عَلَيْهِ سِنْخُ أَصْلٍ، وَ إِنَّ اَلْخَيْرَ كُلَّهُ فِيمَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ لاَ يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وَ إِنَّ أَبْغَضَ اَلْخَلْقِ إِلَى اَللَّهِ رَجُلٌ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ، جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ، مَشْعُوفٌ (3)بِكَلاَمِ بِدْعَةٍ، قَدْ لَهِجَ فِيهَا بِالصَّوْمِ وَ اَلصَّلاَةِ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ اُفْتُتِنَ بِهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، مُضِلٌّ لِمَنِ اِقْتَدَى بِهِ، حَمَّالُ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ؛ قَدْ قَمَشَ (4)

ص: 231


1- المحاسن : 233 / 185 ، والخَصَّال : 504 ، وأعلام الدين : 91 باختلاف في ألفاظه ، ونَقَله العلامة المجلّسي في البحار 2 : 43 / 12 .
2- هاج النبت هياجا : أي يبس . ( الصحاح - هيج - 1 : 352 ) .
3- شعفه الحب . : أي أحرق قلبه . ( الصحاح - شعف - 4 : 1382 ) .
4- قمش : جمع القماش ، وهو ما على وجه الأَرض من فتات الأشياء حتّى يُقالَ لرذالة النّاس قماش . ( القاموس - قمش - 2 : 285 ) .

جَهْلاً فِي جُهَّالٍ عشوة (1) غَارٌّ (2)بِأَغْبَاشِ اَلْفِتْنَةِ، عَمٍ عَنِ اَلْهُدَى، قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ اَلنَّاسِ عَالِماً وَ لَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً، بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ مَا (3)قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا اِرْتَوَى مِنْ آجِنٍ، وَ اِسْتَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ، جَلَسَ لِلنَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا اِلْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ، إِنْ خَالَفَ مَنْ سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ نَقْضِ حُكْمِهِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وَ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى اَلْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ ثُمَّ قَطَعَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مِنْ لَبْسِ اَلشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ اَلْعَنْكَبُوتِ، لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ ،وَ لاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً، إِنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْءٍ لَمْ يُكَذِّبْ رَأْيَهُ، وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اِكْتَتَمَ بِهِ، لِمَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ فِي اَلْجَهْلِ وَ اَلنَّقْصِ وَ اَلضَّرُورَةِ كَيْلاَ يُقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَعْلَمُ، ثُمَّ أَقْدَمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَهُوَ خَائِضُ عَشَوَاتٍ، رَكَّابُ شُبُهَاتٍ خَبَّاطُ جَهَالاَتٍ، لاَ يَعْتَذِرُ مِمَّا لاَ يَعْلَمُ فَيَسْلَمَ، وَ لاَ يَعَضُّ فِي اَلْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمَ، يَذْرِي اَلرِّوَايَاتِ ذَرْوَ اَلرِّيحِ اَلْهَشِيمَ، تَبْكِي مِنْهُ اَلْمَوَارِيثُ، وَ تَصْرُخُ مِنْهُ اَلدِّمَاءُ، وَ يُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ اَلْفَرْجُ اَلْحَرَامُ، وَ يُحَرَّمُ بِهِ اَلْحَلاَلُ، لاَ يَسْلَمُ بِإِصْدَارِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَ، وَ لاَ يَنْدَمُ عَلَى مَا مِنْهُ فَرَطَ.

أَيُّهَا اَلنَّاسُ: عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِمَنْ لاَ تُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِ، فَإِنَّ اَلْعِلْمَ اَلَّذِي هَبَطَ بِهِ آدَمُ وَ جَمِيعَ (مَا فُضِّلَتْ بِهِ) (4)اَلنَّبِيُّونَ إِلَى خَاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ، فِي عِتْرَةِ مُحَمَّدٍ (5)ص فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ؟ بَلْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟! يَا مَنْ

ص: 232


1- في «م» و هامش «ش» : جهّال غشوه.
2- غارّ: غافل. «الصحاح - غرر - 768:2» .
3- في «ش» و «م» : مِمَّا ، و ما اثبتناه من هامشهما.
4- في «ش» و «م» : فصلت، و فسره في هامش «م» : أي أتت. و ما أَثبتناهُ من هامش «ش» و «م» .
5- في «م» و هامش «ش» : عترة نبيُّّكم محمّد.

نُسِخَ مِنْ أَصْلاَبِ أَصْحَابِ اَلسَّفِينَةِ، هَذِهِ (1)مَثَلُهَا فِيكُمْ فَارْكَبُوهَا، فَكَمَا نَجَا، فِي هَاتِيكَ مَنْ نَجَا فَكَذَلِكَ يَنْجُو فِي هَذِهِ مَنْ دَخَلَهَا، أَنَا رَهِينٌ بِذَلِكَ قَسَماً حَقّاً وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ، وَ اَلْوَيْلُ لِمَنْ تَخَلَّفَ! ثُمَّ اَلْوَيْلُ لِمَنْ تَخَلَّفَ أَ مَا بَلَغَكُمْ مَا قَالَ: فِيهِمْ نَبِيُّكُمْ صلّی الله علیه و آله حَيْثُ يَقُولُ فِي حِجَّةِ اَلْوَدَاعِ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اَللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِّي فِيهِمَا. أَلاَ هٰذٰا عَذْبٌ فُرٰاتٌ فَاشْرَبُوا وَ هٰذٰا مِلْحٌ أُجٰاجٌ فَاجْتَنِبُوا» (2).

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في

صفة الدُّنيا و التحذير منها]

فصل و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في صفة الدُّنيا و التحذير منها

«أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّمَا مَثَلُ اَلدُّنْيَا مَثَلُ اَلْحَيَّةِ، لَيِّنٌ مَسُّهَا، شَدِيدٌ نَهْشُهَا فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا، وَ كُنْ أَسَرَّ مَا تَكُونُ فِيهَا، أَحْذَرَ مَا تَكُونُ لَهَا، فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اِطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ أَسْخَطَهُ مِنْهَا مَكْرُوهٌ، وَ اَلسَّلاَمُ» (3).

ص: 233


1- في هامش «ش» : نسخة الشيخ، هذا. و ما في المتن نسخة اخرى في هامش «ش» .
2- وردت قطع من هذه الخَطَبَة في تاريخ اليعقوبي 211:2، و نثر الدر 308:1، أمالي الطوسيّ 240:1، تاريخ دمشق 221:3، الكافي 44:1 / 6، الاحتجاج:262، نهج البلاغة 47:1 / 16، و نَقَله المجلّسي في البحار 99:2 / 59.
3- دستور معالم الحُكْمَ:37، تنبيُّه الخواطر 147:1، شرح النهج لابن ميثُّمّ 218:5، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 105:73 / 101.

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في التزود

للإخوة و أَخَذَ الأهبة للقاء الله تعالى

و الوصية للناس بالعمل الصالح]

فصل

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في التزود للإخرة، و أَخَذَ الأهبة للقاء الله تعالى، و الوصية للناس بالعمل الصالح

مَا رَوَاهُ اَلْعُلَمَاءُ بِالْأَخْبَارِ، وَ نَقَلَةُ اَلسِّيرَةِ وَ اَلْآثَارِ: أَنَّهُ كَانَ عَلَیْهِ السَّلامُ يُنَادِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حِينَ يَأْخُذُ اَلنَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ لِلْمَنَامِ، بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ كَافَّةُ أَهْلِ اَلْمَسْجِدِ وَ مَنْ جَاوَرَهُ مِنَ اَلنَّاسِ: «تَزَوَّدُوا - رَحِمَكُمُ اَللَّهُ - فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَ أَقِلُّوا اَلْعُرْجَةَ عَلَى اَلدُّنْيَا، وَ اِنْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا يَحْضَرُكُمْ مِنَ اَلزَّادِ، فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً، وَ مَنَازِلَ مَهُولَةً، لاَ بُدَّ مِنَ اَلْمَمَرِّ بِهَا، وَ اَلْوُقُوفِ عَلَيْهَا، فَإِمَّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ نَجَوْتُمْ مِنْ فَظَاعَتِهَا، وَ إِمَّا هَلَكَةٌ لَيْسَ بَعْدَهَا اِنْجِبَارٌ، يَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَ تُؤَدِّيهِ أَيَّامُهُ إِلَى شِقْوَةٍ، جَعَلَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ، وَ لاَ تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ اَلْمَوْتِ نَقِمَةٌ فَإِنَّمَا نَحْنُ بِهِ وَ لَهُ وَ بِيَدِهِ اَلْخَيْرُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (1) .

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في التزهيد

في الدُّنيا، و الترغيب في أعمال الآخرة]

فصل و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في التزهيد في الدُّنيا و الترغيب في أعمال الآخرة

يَا ابْنَ آدَمَ، لاَ يَكُنْ أَكْبَرُ هَمِّكَ يَوْمَكَ اَلَّذِي إِنْ فَاتَكَ لَمْ يَكُنْ

ص: 234


1- أمالي الصدوق:402 / 7، أمالي المفيد:198، خَصَّائص الرضي:98، نهج البلاغة 2: .

مِنْ أَجَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ يَوْمٍ تَحْضُرُهُ يَأْتِي اَللَّهُ فِيهِ بِرِزْقِكَ، وَ اِعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تَكْتَسِبَ شَيْئاً فَوْقَ قُوتِكَ إِلاَّ كُنْتَ فِيهِ خَازِناً لِغَيْرِكَ، يَكْثُرُ فِي اَلدُّنْيَا بِهِ نَصَبُكَ وَ يَحْظَى بِهِ وَارِثُكَ، وَ يَطُولُ مَعَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حِسَابُكَ، فَاسْعَدْ بِمَالِكَ فِي حَيَاتِكَ وَ قَدِّمْ لِيَوْمِ مَعَادِكَ زَاداً يَكُونُ أَمَامَكَ، فَإِنَّ اَلسَّفَرَ بَعِيدٌ وَ اَلْمَوْعِدَ اَلْقِيَامَةُ، وَ اَلْمَوْرِدَ اَلْجَنَّةُ أَوِ اَلنَّارُ» (1).

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في ما اشتهر بين العُلِمَاءُ و حفظه ذوو الفهم و الحُكْمَاء

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في مثلُ ذلكَ، ما اشتهر بين العُلِمَاءُ، و حفظه ذوو الفهم و الحُكْمَاء

«أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ فَإِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ أَظَلَّتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ ، أَلاَ وَ إِنَّ اَلْمِضْمَارَ اَلْيَوْم َ وَ غَداً اَلسِّبَاقَ، وَ اَلسَّبَقَةَ اَلْجَنَّةُ، وَ اَلْغَايَةَ اَلنَّارُ، أَلاَ وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَل ٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ يَحُثُّهُ عَجَلٌ فَمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ أَمَلُهُ، وَ مَنْ بَطَّأَ (2)بِهِ عَمَلُهُ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَمَلُهُ.

أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي اَلرَّغْبَةِ وَ اَلرَّهْبَةِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا اَللَّهَ وَ اِجْمَعُوا مَعَهَا رَهْبَةً وَ إِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَهْبَةٌ، فَاذْكُرُوا اَللَّهَ وَ اِجْمَعُوا مَعَهَا

ص: 235


1- 209 / 199 باختلاف في الفاظه، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 106:73 / 102.
2- في هامش «ش» و «م» : أبطأ.

رَغْبَةً، فَإِنَّ اَللَّهَ قَدْ تَأَذَّنَ لِلْمُحْسِنِينَ بِالْحُسْنَى، وَ لِمَنْ شَكَرَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَ لاَ كَسْبَ خَيْرٌ مِنْ كَسْبٍ لِيَوْمٍ تَدَّخِرُ فِيهِ اَلذَّخَائِرُ، وَ تُجْمَعُ فِيهِ اَلْكَبَائِرُ، وَ تُبْلَى فِيهَا اَلسَّرَائِرُ، وَ إِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ اَلْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَ لاَ مِثْلَ اَلنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا.

أَلاَ وَ إِنَّهُ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ اَلْيَقِينُ يَضُرُّهُ اَلشَّكُّ، وَ مَنْ لاَ يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ وَ رَأْيِهِ فَغَائِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ. أَلاَ وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَ دُلِلْتُمْ عَلَى اَلزَّادِ وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمُ اِثْنَانِ: اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى، وَ طُولُ اَلْأَمَلِ، لِأَنَّ اِتِّبَاعَ اَلْهَوَى يَصُدُّ عَنِ اَلْحَقِّ، وَ طُولَ اَلْأَمَلِ يُنْسِي اَلْآخِرَةَ.

أَلاَ وَ إِنَّ اَلدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَ إِنَّ اَلْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ (1)مُقْبِلَةً، وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَبْنَاءِ اَلْآخِرَةِ، وَ لاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ اَلدُّنْيَا، فَإِنَّ اَلْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لاَ حِسَابَ، وَ غَداً حِسَابٌ وَ لاَ عَمَلَ» (2).

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في ذِكر خيار الصحابة و زهادهم

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في ذِكر خيار الصحابة و زهادهم

مَا رَوَاهُ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ اَلْعَبْدِيُّ، قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ

ص: 236


1- في «م» و هامش «ش» : دنت.
2- ورد بَعْضُهُ في نثر الدر 223:1، البيان و التبيين 27:2، العقد الفريد 159:4، الكافي 58:8 / 21، مروج الذهب 424:2 ،413:3، من لا يحضره الفقيه 327:1، أمالي المفيد:93، 207، نهج البلاغة 66:1 / 27، مصباح المتهجد:605، أمالي الطوسيّ 1: 236، تذكرة الخواص:116.

عَلَیْهِ السَّلامُ ذَاتَ يَوْمٍ صَلاَةَ اَلصُّبْحِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى اَلْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ يَذْكُرُ اَللَّهَ تَعَالَى، لاَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَ لاَ شِمَالاً حَتَّى صَارَتِ اَلشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ مَسْجِدِكُمْ هَذَا - يَعْنِي جَامِعَ اَلْكُوفَةِ - قِيسَ رُمْحٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ عَلَیْهِ السَّلامُ فَقَالَ: «لَقَدْ عَهِدْتُ أَقْوَاماً عَلَى عَهْدِ خَلِيلِي رَسُولِ اَللَّهِ صلّی الله علیه و آله وَ إِنَّهُمْ لَيُرَابِحُونَ فِي هَذَا اَللَّيْلِ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ رُكَبِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا أَصْبَحُوا شُعْثاً غُبْراً بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ شِبْهُ رُكَبِ اَلْمِعْزَى، فَإِذَا ذَكَرُوا (1)مَادُوا كَمَا تَمِيدُ اَلشَّجَرُ فِي اَلرِّيحِ، ثُمَّ اِنْهَمَلَتْ عُيُونُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ» ثُمَّ نَهَضَ عَلَیْهِ السَّلامُ وَ هُوَ يَقُولُ :«كَأَنَّمَا اَلْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ» (2) .

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في صفة شيعته المُخْلِصين

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في صفة شيعته المُخْلِصين

مَا رَوَاهُ نَقَلَةُ اَلْآثَارِ: أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اَلْمَسْجِدِ، وَ كَانَتْ لَيْلَةً قَمْرَاءَ، فَأَمَّ اَلْجَبَّانَةَ وَ لَحِقَهُ جَمَاعَةٌ يَقْفُونَ أَثَرَهُ، فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَنْتُمْ؟» قَالُوا: نَحْنُ شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ، فَتَفَرَّسَ فِي وُجُوهِهِمْ ثُمَّ قَالَ: «فَمَا لِي لاَ أَرَى عَلَيْكُمْ سِيمَاءَ اَلشِّيعَةِ ؟» قَالُوا: وَ مَا سِيمَاءُ اَلشِّيعَةِ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: «صُفْرُ اَلْوُجُوهِ مِنَ اَلسَّهَرِ،عُمْشُ اَلْعُيُونِ مِنَ اَلْبُكَاءِ، حُدْبُ اَلظُّهُورِ مِنَ اَلْقِيَامِ، خُمْصُ اَلْبُطُونِ مِنَ

ص: 237


1- في هامش «ش» و «م» : ذكّروا.
2- رواه الكليني في الكافي 185:2 / 22، و المصنّف في أماليه:196، و الآبي في نثر الدر 1: 325، و ابن الجوزي في تذكرة الخواص:129.

اَلصِّيَامِ، ذُبُلُ اَلشِّفَاهِ مِنَ اَلدُّعَاءِ، عَلَيْهِمْ غَبَرَةُ اَلْخَاشِعِينَ» (1) .

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ و مواعظه و ذكره الموت

فصل

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ و مواعظه و ذكره الموت

مَا اِسْتَفَاضَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: « اَلْمَوْتُ طَالِبٌ وَ مَطْلُوبٌ حَثِيثٌ، لاَ يُعْجِزُهُ اَلْمُقِيمُ، وَ لاَ يَفُوتُهُ اَلْهَارِبُ ، فَأَقْدِمُوا وَ لاَ تَنْكُلُوا، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَنِ اَلْمَوْتِ مَحِيصٌ، إِنَّكُمْ إِنْ لاَ تُقْتَلُوا تَمُوتُوا، وَ اَلَّذِي نَفْسُ عَلِيٍّ بِيَدِهِ ، لَأَلْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ عَلَى اَلرَّأْسِ، أَيْسَرُ مِنْ مَوْتٍ عَلَى فِرَاشٍ» (2).

وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَیْهِ السَّلامُ: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ، أَصْبَحْتُمْ أَغْرَاضاً تَنْتَضِلُ فِيكُمُ اَلْمَنَايَا، وَ أَمْوَالُكُمْ نَهْبٌ لِلْمَصَائِبِ، مَا طَعِمْتُمْ فِي اَلدُّنْيَا مِنْ طَعَامٍ فَلَكُمْ فِيهِ غَصَصٌ، وَ مَا شَرِبْتُمْ مِنْ شَرَابٍ فَلَكُمْ فِيهِ شَرَقٌ، وَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا تَنَالُونَ مِنَ اَلدُّنْيَا نِعْمَةً تَفْرَحُونَ بِهَا إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى تَكْرَهُونَهَا، أَيُّهَا اَلنَّاسُ، إِنَّا خُلِقْنَا وَ إِيَّاكُمْ لِلْبَقَاءِ لاَ لِلْفَنَاءِ، لَكِنَّكُمْ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ تُنْقَلُونَ، فَتَزَوَّدُوا لِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَ خَالِدُونَ فِيهِ، وَ اَلسَّلاَمُ» (3).

ص: 238


1- أمالي الطوسيّ 219:1، مشَكَّاة الأَنّوار:58، صفات الشيعة:89 / 20 و 95 / 33، و فيه مختصرا، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 150:68 / 4.
2- تاريخ اليعقوبي 209:2، الكافي 53:5، و رواه الطوسيّ في أماليه 172:1 باختلاف يسير.
3- أمالي الطوسيّ 220:1، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 106:73 / 103.

كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدعاء إِلَى نفسه و التعريض بظالمه

و من كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدعاء إِلَى نفسه و الدلَّالة على فضله، و الإبانة عن حقّه، و التعريض بظالمه، و الإشارة إِلَى ذلكَ و التنبيُّه عليه

مَا رَوَاهُ اَلْخَاصَّةُ وَ اَلْعَامَّةُ عَنْهُ، وَ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ اَلْمُثَنَّى وَ غَيْرُهُ مِمَّنْ لاَ يَتَّهِمُهُ خُصُومُ اَلشِّيعَةِ فِي رِوَايَتِهِ: أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَیْهِ السَّلامُ قَالَ: فِي أَوَّلِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بَعْدَ بَيْعَةِ اَلنَّاسِ لَهُ عَلَى اَلْأَمْرِ، وَ ذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ:

«أَمَّا بَعْدُ: (فَلاَ يُرْعِيَنَّ مُرْعٍ) (1)إِلاَّ عَلَى نَفْسِهِ، شُغِلَ عَنِ اَلْجَنَّةِ مَنِ اَلنَّارُ أَمَامَه ُ ،سَاعٍ مُجْتَهِدٌ، وَ طَالِبٌ يَرْجُو وَ مُقَصِّرٌ فِي اَلنَّارِ، ثَلاَثَةٌ، وَ اِثْنَانِ: مَلَكٌ طَارَ بِجَنَاحَيْهِ، وَ نَبِيٌّ أَخَذَ اَللَّهُ بِضَبْعَيْهِ (2)،لاَ سَادِسَ. هَلَكَ مَنِ اِدَّعَى وَ رَدِيَ (3)مَنِ اِقْتَحَمَ. اَلْيَمِينُ وَ اَلشِّمَالُ مَضَلَّةٌ، وَ اَلْوُسْطَى اَلْجَادَّةُ، مَنْهَجٌ عَلَيْهِ بَاقِي (4)اَلْكِتَابِ وَ اَلسُّنَّةِ وَ آثَارِ اَلنُّبُوَّةِ إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى دَاوَى هَذِهِ اَلْأُمَّةَ بِدَوَاءَيْنِ: اَلسَّوْطِ وَ اَلسَّيْفِ، لاَ هَوَادَةَ عِنْدَ اَلْإِمَامِ، فَاسْتَتِرُوا بِبُيُوتِكُمْ، وَ أَصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَ اَلتَّوْبَةُ

ص: 239


1- في «ش» و «م» : فلا يرعين مرعى، و في «ح» : فلا يرعين مرعى، و في هامشها: يدّعين مدّع، و ما أَثبتناهُ من نسخة العلاّمة المجلّسي في البحار.
2- في «م» و هامش «ش» : بيديه.
3- ردي: هلك «لسان العرب - ردي - 316:14» .
4- في «م» و هامش «ش» : ما في.

مِنْ وَرَائِكُمْ، مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ.

قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ لَمْ تَكُونُوا عِنْدِي فِيهَا مَعْذُورِينَ، أَمَا إِنِّي لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ، عَفَا اَللّٰهُ عَمّٰا سَلَفَ، سَبَقَ اَلرَّجُلاَنِ، وَ قَامَ اَلثَّالِثُ كَالْغُرَابِ هِمَّتُهُ بَطْنُهُ، وَيْلَهُ لَوْ قُصَّ جَنَاحَاهُ وَ قُطِعَ رَأْسُهُ لَكَانَ خَيْراً لَهُ. اُنْظُرُوا فَإِنْ أَنْكَرْتُمْ فَأَنْكِرُوا،، وَ إِنْ عَرَفْتُمْ فَبَادِرُوا (1)،حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ، وَ لَئِنْ أَمِرَ (2)اَلْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ، وَ لَئِنْ قَلَّ اَلْحَقُّ فَلَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ، وَ لَقَلَّ مَا أَدْبَرَ شَيْءٌ فَأَقْبَلَ، وَ لَئِنْ رَجَعَتْ إِلَيْكُمْ نُفُوسُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ، وَ مَا عَلَيَّ إِلاَّ اَلاِجْتِهَادُ.

أَلاَ وَ إِنَّ أَبْرَارَ عِتْرَتِي وَ أَطَائِبَ أَرُومَتِي (3)، أَحْلَمُ (4)اَلنَّاسِ صِغَاراً، وَ أَعْلَمُ اَلنَّاسِ كِبَاراً، أَلاَ وَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ عِلْمِ اَللَّهِ عَلِمْنَا، وَ بِحُكْمِ اَللَّهِ حَكَمْنَا، وَ بِقَوْلٍ صَادِقٍ أَخَذْنَا، فَإِنْ تَتَّبِعُوا آثَارَنَا تَهْتَدُوا بِبَصَائِرِنَا، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا يُهْلِكْكُمُ اَللَّهُ بِأَيْدِينَا، مَعَنَا رَايَةُ اَلْحَقِّ مَنْ تَبِعَهَا لَحِقَ، وَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا غَرِقَ، أَلاَ وَ بِنَا تُدْرَكُ تِرَةُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ بِنَا تُخْلَعُ رِبْقَةُ اَلذُّلِّ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَ بِنَا فُتِحَ لاَ بِكُمْ، وَ بِنَا يُخْتَمُ لاَ بِكُمْ» (5) .

ص: 240


1- في «م» و هامش «ش» : و «ح» : فادروا.
2- أمر: كثر «لسان العرب - أمر - 28:4» .
3- الأرومة: الأصل. «القاموس - أرم - 74:4» .
4- في هامش «ش» : أحكم.
5- البيان و التبيين 65:2، العقد الفريد 157:4، شرح ابن أبي الحديد 275:1، عيون الأَخبار لابن قتيبة 236:2 و فيه الى قوله و لقلّ ما أدَبَّر شيء فأدَبَّر، و نثر الدر 270:1 و فيه الى قوله و ما عليّ إلّا ّ الاجتهاد، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 391:8(ط / ح) .

كلامه علیه السّلام

في الدعاء إِلَى نفسه و عترته

فصل

و من مختصر كلامه عَلَیْهِ السَّلامُ في الدعاء إِلَى نفسه و عترته

قَوْلُهُ: «إِنَّ اَللَّهَ خَصَّ مُحَمَّداً بِالنُّبُوَّةِ، وَ اِصْطَفَاهُ بِالرِّسَالَةِ، وَ أَنْبَأَهُ بِالْوَحْيِ ، فَأَنَالَ (1)فِي اَلنَّاسِ وَ أَنَالَ. وَ عِنْدَنَا - أَهْلَ اَلْبَيْتِ - مَعَاقِلُ اَلْعِلْمِ، وَ أَبْوَابُ اَلْحُكْمِ، وَ ضِيَاءُ اَلْأَمْرِ، فَمَنْ يُحِبُّنَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ وَ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ، وَ مَنْ لاَ يُحِبُّنَا لاَ يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ وَ لاَ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُ، وَ إِنْ دَأَبَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهَارَ» (2). فصل

وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ جُنْدَبٍ عَنْ أَبِيهِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ بَيْعَةِ اَلنَّاسِ لِعُثْمَانَ، فَوَجَدْتُهُ مُطْرِقاً - کَئِيباً - فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَصَابَ قَوْمَكَ؟!

قَالَ: «صَبْرٌ جَمِيلٌ»

ص: 241


1- أَنّال: أعطى الخيرُ «لسان العرب - نول - 683:11» .
2- المحاسن:199 / 31، بصائر الدرجات:384 / 9 و 10، و نَقَله العلاّمة المجلّسي في البحار 182:27.

فَقُلْتُ لَهُ: سُبْحَانَ اَللَّهِ، وَ اَللَّهِ إِنَّكَ لَصَبُورٌ.

قَالَ: «فَأَصْنَعُ مَا ذَا؟!».

فَقُلْتُ: تَقُومُ فِي اَلنَّاسِ وَ تَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِكَ، وَ تُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ أَوْلَى بِالنَّبِيِّ صلّی الله علیه و آله بِالْفَضْلِ وَ اَلسَّابِقَةِ، وَ تَسْأَلُهُمُ اَلنَّصْرَ عَلَى هَؤُلاَءِ اَلْمُتَمَالِئِينَ عَلَيْكَ، فَإِنْ أَجَابَكَ عَشَرَةٌ مِنْ مِائَةٍ شَدَّدْتَ بِالْعَشَرَةِ عَلَى اَلْمِائَةِ، وَ إِنْ دَانُوا لَكَ كَا