تَقْرِيبُ تَهْذِيبِ الأصول المجلد 1

هوية الکتاب

تَقْرِيبُ

تَهْذِيبِ الأصول

الجزء الأول

تأليف: آية الله السيد علي الموسوي السبزواري.

منشورات مكتبة السيد السبزواري قدس سره .

الطبعة: الأولى (1000 نسخة).

التاريخ: 1442 ه-.ق / 2021 م

ص: 1

اشارة

تَقْرِيبُ

تَهْذِيبِ الأصول

الجزء الأول

تأليف: آية الله السيد علي الموسوي السبزواري.

منشورات مكتبة السيد السبزواري قدس سره .

الطبعة: الأولى (1000 نسخة).

التاريخ: 1442 ه-.ق / 2021 م

© جميع الحقوق محفوظة للناشر

ص: 2

تَقْرِيبُ

تَهْذِيبِ الأُصُول

الجزء الأول

آية الله السيد

علي الموسوي السبزواري

ص: 3

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

(لا يَخْفى أنَّ الأُصولَ مُقدمَّةٌ وَآلةٌ لِلْتَعرُّفِ على الفِقهِ؛ وَلَيسَ هُوَ مَطلُوباً بالذّاتِ, فَلا بُدَّ أَنْ يَكونَ البَحْثُ فِيهِ بِقَدَرِ الإحْتياجِ إِلَيهِ فِي ذِي المُقدِّمَة؛ لا زائِدَاً عَلَيهِ, وَأَنْ تَكُونَ كَيْفيَّة الإِسْتِدلالِ فِيهِ مِثلها فِي الفِقه فِي مُراعاةِ السُّهُولةِ, وَما هُوَ أَقْرَبُ إلى الأَذْهانِ العُرفيَّةِ, لابْتِناءِ الكِتابِ وَالسُنَّةِ اللَّذَينِ هُما أَساس الفِقْهِ عَلى ذلِك, فَالأُصُولُ مِنْ شُؤُونِ الفِقْهِ؛ لا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِيهِ خُصُوصيّاته مِنْ كُلِّ جِهَةٍ)(1).

فَقِيهُ عَصْرِهِ وَفَرِيدُ دَهْرِهِ

آيَةُ الله العُظْمى

السَّيِّد عَبْدُ الأَعْلى المُوسَويُّ السَّبْزَوارِيُّ قدس سره

ص: 5


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص6.

ص: 6

مقدمة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على سابغ نعمته وسائغ عطيته, وله الشكر على جليل هبته وجميل هدايته, والصلاة والسلام على خير بريَّته وأكرم خاصَّته محمد وأهل بيته, واللعن الدائم على أعدائهم أشدّ لعنته.

لا يخفى على منتحلي دين سيد المرسلين ومتَّبعي منهاج المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبالأخصِّ طلبة علوم الدين أهمية تثبيت معالم العلوم الدينية وترسيخ قواعد إستنباط الأحكام الشرعية طيلة فترة غيبة صاحب الأمر أرواحنا فداه, وكانت هذه المهمة ملقاة على عاتق الحوزة العلمية منذ أوائل الغيبة الكبرى إلى يومنا هذا وحتى ظهور شمس وجود الإمام علیه السلام , فانبرى علماء المذهب العاملين إلى طرح المباحث المؤدية لحفظ الدين في مجالس الدرس الشريفة والتأليفات المنيفة. وقبلهم كانت وظيفة الأئمة المعصومين علیهم السلام ، فالمعروف أنَّ أول من تصدَّى لتأسيس علم الأصول هو الإمام الباقر علیه السلام , الذي جدَّد الحياة الدينية والعلمية في العصر الأموي, حيث اجتمعت حوله كبار الرواة والطلاب، وتبعه على ذلك خلفه الصالح الإمام الصادق علیه السلام . يقول السيد حسن الصدر قدس سره : (فاعلم أنَّ أول من أسَّس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام أبو جعفر الباقر للعلوم علیه السلام ، ثم بعده إبنه الإمام أبو عبد الله الصادق علیه السلام . وقد أمليا على أصحابهما قواعده، وجمعوا من ذلك مسائل رتَّبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه بروايات مسندة إليهما، متَّصلة الأسناد، وكتب مسائل الفقه المروية عنهما موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت بحمد الله)(1).

ص: 7


1- . تأسيس الشيعة؛ ص310.

والظاهر أنَّ أول من صنَّف كتاباً في هذا العلم هو أبو محمد هشام بن الحكم مولى كندة (199 ه-) له كتاب في مباحث الألفاظ(1).

ومن فقهاء العامة محمد بن إدريس الشافعي (204 ه-)، ألف (الرسالة) في هذا العلم.

ثم من بعده يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين (208 ه-) في عصر الإمامين الكاظم والرضا علیهما السلام ؛ له كتب كثيرة منها في مباحث تعارض الحديثين ومسائل التعادل والتراجيح(2), وسمّاه النجاشي كتاب عِلَل الحديث(3).

ومن بعده أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي بن إسحق بن أبي سهل من أصحاب الإمام العسكري علیه السلام ، له كتاب العموم والخصوص والأسماء والأحكام(4), وذكر إبن النديم أنَّ له كتاب إبطال القياس وكتاب نقض إجتهاد الرأي على إبن الراوندي(5).

ثم بعده الحسن بن موسى النوبختي (300 ه-) له كتاب الخصوص والعموم, وكتاب في خبر الواحد والعمل به(6).

وفي عصر الغيبة الكبرى وانقطاع النصّ تطوَّر علم الأصول للحاجة الماسَّة له، ونقل أنَّ أول ما أُلِّف في عصر الغيبة في هذا العلم هو كتاب المتمسك بحبل آل الرسول للشیخ الأقدم الحسن بن علي بن عقيل النعماني.

ص: 8


1- . رجال النجاشي؛ ص433, والفهرست لابن النديم؛ ص224.
2- . تأسيس الشيعة؛ ص311.
3- . رجال النجاشي؛ ص447.
4- . المصدر السابق؛ ص32.
5- . الفهرست لابن النديم؛ ص225.
6- . رجال النجاشي؛ ص63.

وبعد ذلك كثر المصنفون في علم أصول الفقه من علماء ومحققي الإمامية في القرن الثالث وما بعده, نذكر منهم على الترتيب الزمني:

1- أبو منصور الصرام النيشابوري، له كتاب في إبطال القياس.

2- إبن داود محمد بن أحمد بن داود بن علي بن الحسن الإمامي الشيعي، له كتاب مسائل الحديثين المختلفين.

3- الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان، له كتاب أصول الفقه وكتاب النكت في مقدمات الأصول أدرجه الكراجكي على نحو الإختصار في كتابه المعروف كنز الفوائد.

4- السيد الشريف المرتضى علم الهدى علي بن الحسين الموسوي، له كتاب الذريعة إلى علم أصول الشريعة, وكتاب مسائل الخلاف في أصول الفقه, وكتاب إبطال القياس.

5- شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي، له كتاب العُدَّة في أصول الفقه, وكتاب الوصول إلى معرفة الأصول, وكتاب المعارج.

6- الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسن الحمصي الرازي، له كتاب المصادر في علم أصول الفقه.

7- الشيخ المحقق نجم الدين جعفر بن سعيد الحلي، له كتاب معارج الأصول, وكتاب نهج الوصول إلى علم الأصول.

8- الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر (العلامة الحلي)، له كتاب نهاية الأصول, وكتاب تهذيب الوصول إلى علم الأصول, وكتاب مبادئ الوصول إلى علم الأصول, وكتاب نهج الوصول إلى علم الأصول.

ص: 9

9- السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، له كتاب في علم أصول الفقه على منهج الإمامية كأصول عامة مقارن, ناظراً إلى كتاب منتهى السؤول في علم الأصول لابن الحاجب من العامة.

10- الشيخ حسن بن زين الدين العاملي، له كتاب معالم الدين وملاذ المجتهدين.

11- الشيخ بهاء الدين محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي (الشيخ البهائي)، له كتاب زبدة الأصول.

12- الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي العاملي، له كتاب عمدة الوصول إلى علم الأصول.

13- الشيخ محمد بن علي بن الحر العاملي، له كتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة (القسم الثاني من الجزء الأول منه مختَّص بعلم أصول الفقه).

14- الشيخ المولى محمد باقر بن محمد أكمل (الوحيد البهبهاني)، له كتاب الفوائد الحائرية, ورسائل عديدة في علم الأصول مثل: حجيَّة الإجماع، أصالة الصحَّة، أصالة البراءة، الإستصحاب، رسالة ردّ القياس، رسالة الإجتهاد والأخبار، وغيرها.

15- العلامة السيد مهدي بن المرتضى بحر العلوم، له كتاب الفوائد الأصولية.

16- الشيخ محمد شريف بن الرضا الشيرواني التبريزي، له كتاب مصباح الوصول إلى علم الأصول.

17- الشيخ أبو القاسم الميرزا القمي، له كتاب القوانين المحكمة في علم الأصول.

18- الشيخ أسد الله التستري الكاظمي، له كتاب منهاج الأعمال في أصول الفقه, وكتاب كشف القناع عن حجيَّة الإجماع.

ص: 10

19- السيد عبد الله بن محمد الرضا الحسيني الغروي الشبر، له كتاب الأصول الأصلية والقواعد الشرعية.

20- الشيخ أحمد النراقي، له كتاب عوائد الأيام.

21- الشيخ محمد إبراهيم بن محمد حسن الكرباسي، له كتاب نخبة الأصول، وكتاب عيون الأصول، وكتاب مصباح الأصول.

22- السيد المجاهد محمد بن علي، له كتاب الوسائل إلى النجاة في علم قواعد الأصول.

23- الشيخ محمد حسين بن عبد الرحيم الحائري، له كتاب الفصول الغروية في علم الأصول.

24- الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، له كتاب فرائد الأصول.

25- الشيخ ميرزا حبيب الله الرشتي، له كتاب بدائع الأصول.

26- السيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري، له كتاب أصول آل الرسول.

27- الشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني، له كتاب كفاية الأصول.

ثم بعد ذلك أَلَّف فقهاء العصر وأصوليوه الكتب والرسائل وطرحوا البحوث، وقد جرت يد العلم البيضاء للأصولي البارع المرحوم آية الله العظمى السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري أفاض الله على تربته شآبیب الرحمة والرضوان أنْ أخرج كتاب تهذيب الأصول بصورة فنية وعلمية مختصرة. وهذه الدورة الأصولية الموسومة ب-(تقريب التهذيب) شرح للكتاب المزبور، وهي من أهم ما أُلقي من دروس البحث الخارج لمادَّة الأصول في حوزة النجف الأشرف حاضرة العلم في جميع القرون, نطرحه بين يدي طلاب العلوم الدينية, والذي يتميز بحداثة الطرح وأصالة المضمون، ليتمكن الطالب

ص: 11

والباحث من الإستفادة المُثلى من المعلومات والوقت؛ فيأخذ اللُبّ اللُباب مِمّا يُنَمِّي قدرة الذهن ويُربِّيه علمياً وعملياً, ويستطيع فهم قواعد الإستنباط بصورة جيدة ومتكاملة.

نسأل الله التوفيق لما يعين المسلمين وأيتام آل محمد حتى ظهور صاحب هذا الأمر؛ فينعم الناس كافة؛ عالمهم ومتعلمهم بفيض علمه وعنايته وهدايته إنَّه سميع مجيب.

ص: 12

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

وبعد .. فإنَّه قد طلب مني بعض طلاب الحوزة العلمية في حاضرة العلم؛ النجف الأشرف؛ صانها الله تعالى من الحوادث والآفات ببركة مولانا أمير المؤمنين باب علم الرسول صلی الله علیه و آله و سلم , ولكني أعرضت عن ذلك لظروف خاصة, وأخيراً كَثُر إلحاحُهم عليَّ لحسن ظنِّهم فيَّ, ورأيت أنَّه ليس من الأدب ردُّهم, فنزلت على طلبهم رجاء أنْ يحقق الله تعالى سؤلي وسؤلهم ويجعلني عند حسن ظنِّهم, فشرعت في تدريس خارج علم الأصول على منهاج كتاب تهذيب الأصول للسيد الوالد قدس سره , وكان الشروع يوم الأربعاء السادس عشر من شهر المُحَرَّمِ الحَرام من شهور سنة ألف وأربعمائة وسبعٍ وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة؛ على مُهاجرها آلاف التحية والثناء، وأسأله تعالى أنْ يسهل أمورنا ويفرج عنَّا ويحسن عواقب أمورنا بجاه محمد وآله سادة الأولين والآخرين.

رَبِّ يَسِّر وَلا تُعَسِّر؛ آمين.

ص: 13

ص: 14

بحوث تمهيدية

اشارة

ص: 15

ص: 16

تمهيد؛ وفيه بحوث

جرت عادة علماء الأصول بذكر هذه البحوث قبل الشروع:

البحث الأول: تعريف علم الأصول

إختلف العلماء في تعريف علم الأصول إختلافاً كبيراً؛ فذكروا له تعاريف عديدة بلغت ما يقارب العشرين تعريفاً, فهو وإنْ دلَّ على أهمية هذا العلم واهتمام العلماء به لكنَّه يفضي إلى خفاء الحقيقة, فلا يمكن إستفادة التعريف الحقيقي له بحيث يكون جامعاً مانعاً كما هو المطلوب عندهم.

مع إنَّه يمكن لنا أنْ نتساءل أنَّ هذه التعاريف إنْ كانت لبيان الحدِّ الحقيقي لهذا العلم فهو محلُّ نظر:

1- إنَّ هذا العلم من العلوم الإعتبارية التي يكون منشأ اعتبارها العقل والعقلاء, وشأن العلماء فيها جمع المتفرقات وطرح المختلفات ليتميز كلّ علم عمّا عداه؛ فيكفي في التمييز والتعيين ما يعتبرونه في هذا المجال وإنْ كان اعتبارياً, وإنْ لم يكن المائز حقيقياً؛ لأنَّ نفس العلم من الإعتبار.

2- إنَّ الوصول إلى الحقيقة لا يتحقق إلا عن طريق إدراكات الإنسان التي تنال الظواهر, وهي لا توصلنا إلى الحقيقة, إمَّا لأجل قصورها أو لخفاء الحقيقة ببُعد تناولها, ومن هنا أنكر بعض الفلاسفة الحدَّ الحقيقي واعتبروا كلَّ التعاريف شروحاً لفظية لتقريب المعنى إلى الذهن, بل أنَّ بعض العلماء العرفاء أنكر الوصول إلى حقيقة تجمع أفراد الإنسان واعتبروا أنَّ لكلَّ فرد من أفراد الإنسان حقيقة تختص به تختلف عن الآخرين, وتتعين حقيقته بسعي نفس الفرد مع القضاء والقدر الإلهيين، والتعريف المدرسي المعروف للإنسان بأنَّه حيوان ناطق هو أقرب إلى الشرح من بيان الحدِّ الحقيقي.

ص: 17

فلا بُدَّ أنْ تكون التعاريف المذكورة لعلم الأصول شروحاً له والغرض منها تقريب المعنى إلى الذهن, فلا وجه لذكرها واستطراد المناقشات وردودها التي لا توصلنا إلى الواقع؛ فإنَّه لا ثمرة عملية فيها, مع أنَّ المقصود من التعريف هو إعطاء صورة عن المعرَّف متميزة عن سائر العلوم التي تشترك في الغاية, ويمكن لنا الحصول على ذلك بذكر الجوانب المهمة في علم الأصول؛ كضابط الفرق بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية, فيتبين لنا المائز بينه وبين سائر العلوم المرتبطة به.

ولئلا نخرج عن الطريقة المألوفة التي دأب العلماء على اتباعها نذكر بعض التعريفات التي ذكرها بعض الأساطين.

وقبل أنْ نذكرها نقول: إنَّه لا إشكال في أنَّ علم الأصول له من الإرتباط الوثيق بعلم الفقه ما لا يمكن إنفكاكه، حتى عدّه العلماء من العلوم الآلية -كعلم المنطق-فتكون مرتبته أسبق من مرتبة علم الفقه, فهو بداية الإجتهاد ونهاية العلوم الداخلة في الإستنباط لانَّ تقدمه على الفقه لأجل سعة مسائله وشموليتها لعموم مسائل الفقه, وقد بلغ مبلغاً من التحقيق والدقَّة ما جعله مطلوباً لنفسه. ويرجع الوجه في ذلك إلى أنَّ عملية استنباط الحكم الشرعي التي هي أساس علم الفقه تعتمد على عناصر تعتبر مبادئ علم الفقه وركائزه, فلا بُدَّ من توفرها جميعاً ليتمكن الفقيه من استنباط الحكم الشرعي, وهذه العناصر تختلف في مصادرها؛ فإنَّ بعضها يُطلب من علم اللغة أو علم النحو أو علم البلاغة, وبعضها من علم الحديث, وبعضها من علم الرجال, بل بعضها يطلب من علم الفقه نفسه, وأهم تلك المصادر علم الأصول, لما عرفت من أنَّ فيه عناصر هي أشملها وأوسعها إنتشاراً.

وهذه العناصر التي يبحث عنها في علم الأصول والمعبَّر عنها بالمسائل لا بُدَّ أنْ يكون بينها جامع يميزها عمّا سواها من العلوم الأخرى التي لها دخل في عملية الإستنباط.

ص: 18

وقد وقع البحث حول هذا الجامع الرابط لموضوعات المسائل في أنَّه لا بُدَّ أنْ يكون موضوعياً حقيقياً لمسائل علم الأصول, أو يكفي أنْ يكون إعتبارياً أو إنتزاعياً؛ يجمع تلك العناصر ليتحقق مقدار من التمييز ينطبق على المسائل المبحوثة في هذا العلم, ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك. فالتعاريف المذكورة كلُّها تدور حول هذا الأمر ، فإنَّ بعض الأصوليين أراد تحقيق الرابط الموضوعي, وغيرهم إكتفى بالرابط الإعتباري أو الإنتزاعي وإنْ كانوا على خلاف في تعيين كلِّ واحد من الأمرين. ولنا حينئذٍ أنْ نكتشف المدارس الأصولية المتعددة التي ظهرت في علم الأصول من حين نشأتها وأدوارها التاريخية؛ فإنَّ بعضها عقلية صرفة وبعضها عقلانية وأخرى عرفية.

ونحن نذكر بعض تلك التعاريف للإيضاح فقط:

التعريف الأول: التعريف المدرسي المشهور وهو: العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي(1).

وأُورد عليه بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول(2): وهو راجع الى الموضوع وما يراد الوصول اليه او الوظيفية إنَّه لا يشمل المسائل الأصولية التي لا يُستنبط منها حكم شرعيّ, كمسائل الأصول العملية؛ لأنَّها وظائف عملية للشاكّ لا يستفيد منها الا المنجزيَّة او المعذريَّة فلا يكون التعريف جامعاً.

الوجه الثاني(3): وهو راجع الى المنهج وما يتم به الاستنباط إنَّه ينطبق على بعض القواعد الفقهية التي يستنبط منها الحكم في مواردها, كقاعدة ما يضمن وما لا يضمن, وقاعدتي

ص: 19


1- . هداية المسترشدين؛ ج1 ص94.
2- . وهو راجع إلى الموضوع وما يراد الوصول إليه أو الوظيفة.
3- . وهو راجع إلى المنهج وما يتم الإستنباط به.

الضرر والحرج, وبعض القواعد الفقهية في الموضوعات؛ كقاعدتي الفراغ والتجاوز. فلا يكون التعريف مانعاً.

الوجه الثالث(1): وهو راجع الى تداخل علم الأصول مع العلوم الأخرى من حيث الموضوع والمنهج وهو يرجع إلى الصيغة الفنية للتعريف؛ فإنَّه لا يميز بين المواضيع التي يبحث عنها علم الأصول عن غيرها التي تدرسها بعض العلوم الأخرى, كمسائل علم الرجال وبعض المسائل اللغوية, فإنَّ وثاقة الراوي وظهور كلمة الصعيد في معنىً معين يكون لها نصيب أيضاً من هذا التعريف؛ إذ يرتبط بمدلول تلك الكلمة ووثاقة الراوي الحكم الشرعي.

وأجيب عن الإعتراض الأول بوجوه, أهمها:

1- ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره ؛ حيث تنبه إلى الإشكال ودفعه بإضافة قيد إلى التعريف, فقال: أو الإنتهاء إلى وظيفة عملية(2). وبه استوعب التعريف جميع مسائل الأصول.

وأُشكل عليه بأنَّه غير وجيه؛ فإنَّ هذا القيد لا يستفاد منه إلا تنويع مسائل الأصول, وحينئذٍ يمكن أنْ يقال في تعريف الأصول: هو علم مباحث الألفاظ والملازمات العقلية والأصول العملية وغيرها, فلا يشتمل على المائز الحقيقي الجامع بين مسائل العلم, وإنَّما هو مجرد عطف للمسائل التي لم يشملها التعريف(3).

ويمكن الجواب عنه بأنَّ المحقق الآخوند قدس سره إنَّما يكتفي بالتمايز بالعرض والإعتبار, وهو يكفي في درج القيد الذي ذكره؛ ليشمل جميع مسائل هذا العلم, مع

ص: 20


1- . وهو راجع إلى تداخل علم الأصول مع العلةم الأخرى من حيث الموضوع والمنهج.
2- . كفاية الأصول؛ ص9.
3- . مباحث الدليل اللفظي؛ ص22.

أنَّه لا يضرُّ زيادة قيد بالعطف إذا كان يُوجب إستيعاب مسائل العلم, وقد وقع مثل ذلك في بعض تعريفات العلوم الأخرى أو بعض الموضوعات؛ فيقال في تعريف الحكم: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الإقتضاء أو التخيير.

2- ما ذكره المحقق النائيني قدس سره في جوابه عن الإشكال بوجه آخر, وهو إرادة المعنى العام من الحكم الوارد في التعريف؛ ليشمل الحكم الواقعي والظاهري, فتدخل مباحث الأصول العملية في الثاني(1).

وأشكل عليه بعض تلامذته:

أولاً: إنَّ الحكم الظاهري المحفوظ في مورد الأصول العملية يمثل نفس القاعدة الأصولية وليس مستنبطاً منها كما هو المطلوب في التعريف(2).

وفيه: إنَّ الإستنباط يصدق عليها ولو كان عن طريق مبادئها, فإنَّ تعيين مجاري الأصول العملية وبعض خصوصياتها لا يكون إلا عن طريق الإستنباط, وهذا المقدار يكفي في صدق إستنباط الحكم الظاهري.

ثانياً: إنَّه في بعض الأصول العملية التي يبحث عنها في علم الأصول لاتتضمن الحكم الشرعي حتى الظاهري, وإنَّما هي مجرد وظيفة عملية يقررها العقل حين يعجز عن الإنتهاء إلى الحكم الشرعي بشأن الواقعة المشتبهة(3).

ويمكن الإشكال عليه بأنَّ الوظيفة العقلية إذا قرَّرها الشارع ترجع إلى الحكم الظاهري والحجة الشرعية كما هو معلوم, وسوف يأتي التصريح به منه قدس سره .

ص: 21


1- .أجود التقريرات؛ ج1 ص3.
2- . مباحث الدليل اللفظي؛ ص21.
3- . المصدر السابق.

3- ما أفاده السيد الخوئي قدس سره من أنَّ المراد بكلمة الإستنباط في التعريف هو التوصل إلى الحجَّة على الحكم؛ أي: إثباته ولو تنجيزاً أو تعذيراً, ولا إشكال أنَّ الأصول العملية بجميع أنواعها تثبت التنجيز أو التعذير تجاه الحكم الواقعي الشرعي(1).

ويردُّ عليه: إنَّه مصادرة على المطلوب, فإنَّه لو كان المراد بالحجَّة الحكم الظاهري فيردُّ عليه ما أورده على أستاذه المحقق النائيني قدس سره , فهو الإشكال بعينه، مضافاً إلى أنَّ التصرف في معنى الإستنباط يحتاج إلى دليل, فالحقُّ ما ذكرناه من أنَّ التعريف ليس في مقام بيان المائز الحقيقي, فيمكن التوسعة في مفرداته لتشمل مسائل علم الأصول, فما صنعه المحقق النائيني هو الأوجه. مضافاً إلى أنَّ هذا الإشكال مبنيٌّ على أنْ يكون المراد من وقوع تلك القواعد في طريق الإستنباط كونها أمارة أو حجة على إثبات الأحكام الواقعية, وأمّا لو كان وقوعها كُبريات في قياس الإستنباط ليستنتج منهاالحكم الكلي الإلهي فلا ينبغي هذا الإشكال سواءً كان حكماً تكليفياً أم وضعياً ظاهرياً أم واقعياً شرعياً أم عقلياً.

وأُجيب عن الإعتراض الثاني بما سيأتي الكلام فيه مفصلاً عند البحث عن الفارق بين المسألة الفقهية والمسألة الأصولية.

وأمّا الجواب عن الإعتراض الثالث فقد اختلفوا فيه, فنذكر الأهم منه:

1- ما ذكره المحقق النائيني قدس سره في أخذ قيد الكُبروية بالتعريف, فقال: (إنَّ علم الأصول هو العلم بالكُبريات التي لو انضمَّت إليها صُغرياتها إستُنتجَ منها حكمٌ فرعيٌ كليٌ؛ فكلُّ مسألة أُحتيج فيها إلى توسيط الكُبرى لاستنتاج الحكم الفقهي تكون أصولية, وإنْ أُحتيج إلى الكُبرى على نحو التطبيق فهي ليست أصولية, فإنَّه بناءً عليه

ص: 22


1- [4].محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص9.

يتحقق المائز بين المواضيع التي تبحث في علم الأصول وغيرها مِمّا يبحث في علوم أخرى؛ مِمّا يحتاج إليها الفقيه في استنباط الحكم الشرعي, كوثاقة الراوي؛ فإنَّها لا تقع كُبرى قياس الإستنباط)(1).

إلا أنَّه لا يخلو من إشكال؛ لاستلزامه خروج جملة من مباحث الأصول, كمباحث الأصول المرتبطة بتشخيص المداليل اللغوية أو العرفية فإنَّها لا تقع إلاّ صُغرى لكُبرى حجية الظهور في قياس الإستنباط الفقهي, فهو من التطبيق لا التوسيط, وكذلك جملة من المسائل الأصولية العقلية كمسألة إجتماع الأمر والنهي ومسألة إقتضاء الأمر للنهي عن الضدِّ؛ فإنَّ الثمرة الفقهية المطلوبة منها تتوقف على تطبيق الكُبرى على صُغرياتها كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.

2- ما ذكره السيد الخوئي قدس سره مستشكلاً به على المحقق النائيني قدس سره بأنَّه لا حاجة إلى هذا القيد في التعريف, إذ قال: (إنَّ علم الأصول هو العلم بالقواعد التي تقع بنفسها في استنباط الأحكام الشرعية الإلهية من دون إحتياج ضميمة كُبرى أو صُغرى أصولية أخرى إليها)(2).

وقد أُورد بعض النقوض على تعريفه وأجاب عنها, ويمكن إرجاعها إلى نقضين كما ذكره بعض الأعلام:

الأول: النقض ببحوث الدلالات بأَجمعها؛ فإنَّها جميعاً من تطبيق كُبرى حجية الظهور على الصغرى.

ص: 23


1- .فوائد الأصول؛ ج1 ص18.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص12.

وأجاب عنه بأنَّ حجية الظهور من المُسَلَّمات المفروغ عن صحتها عند العقلاء, فلا تكون مسألة أصولية.وفيه: إنَّ هذا لم يكن فارقاً أبداً, فإنَّ كَوْنَ المسألة واضحة أو من المسَلَّمات لا تختلف عن غيرها, وإنَّما تؤدي إلى الإختلاف عنها في مقام الإثبات والإستدلال.

الثاني: النقض بمسألة الضدّ, وأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدِّه لا يترتب عليها إلا حرمة الضدّ غيرياً, وهي ليست نتيجة فقهية لعدم منجزيه الحكم الغيري, وأمّا النتيجة الفقهية؛ فهي فساد الضدّ إذا كان عبادة, وهو يتوقف على تطبيق كُبرى أصولية عليها وهي إقتضاء حرمة العبادة بخلاف فسادها(1).

وأجاب عنه بكفاية ترتب النتيجة الفقهية على أحد تقديري البحث الأصولي, وفي المقام تترتب الصحَّة على تقدير عدم الإقتضاء, وهو كافٍ في صيرورة مسألة الضدّ بحثاً أصولياً.

وأشكلوا على هذه المحاولة بعدَّة إشكالات, منها؛

إستلزامها الدور؛ فإنَّه بناء عليها تكون معرفة المسألة الأصولية متوقفة على عدم حاجتها إلى مسألة أصولية أخرى وحينئذٍ لا بدَّ من معرفة المسألة الأصولية في المرتبة السابقة.

وأُجيب عنه بأنَّ المقصود أنَّ المسألة الأصولية هي التي لم تكن تحتاج في مقام إستنباط الحكم منها إلى غير صُغراها المنقحة لموضوعها فهي مسألة أصولية.

وأشكل عليه السيد الصدر قدس سره بوجهين(2) لا يرجعان إلى محصل, وأمّا مسألة الضدّ فسيأتي الكلام عنها في أنَّها مبنية على دخولها في مسألة الترتب أو عدم دخولها.

ص: 24


1- .المصدر السابق؛ ص17-18.
2- .مباحث الدليل اللفظي؛ ص28.

3- ما حاوله المحقق العراقي قدس سره من أنَّ جعل القاعدة الأصولية التي تقع في طريق إستنباط الحكم الشرعي أنْ تكون ناظرة إلى إثبات الحكم بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه, والمراد به تشخيص الموضوع من حيث السعة والضيق, وعليه يكون الفرق بين ظهور صيغة الأمر في الوجوب وظهور حكم الصعيد أو وثاقة الراوي في أنَّ الأول دالٌّ على الحكم بنفسه دون الراوي, وقال: (إنّ مباحث العامَّ والخاصَّ والمطلق والمقيد والمفهوم والمنطوق ناظرة إلى كيفية تعلق الحكم بالموضوع فهي داخلة في علم الأصول, بخلاف مبحث المشتق والبحث في مدلول كلمة الصعيد ونظائرها مِمّا هو راجع إلى تشخيص الموضوع لا إلى اثبات الحكم بنفسه ولا إلى كيفية تعلق الحكم بموضوعه -الذي يرجع إلى تشخيص الموضوع من حيث السعة1- والضيق- وهو من صُغريات قياس الإستنتاج؛ بحيث لو انضمَّ إليها كُبرى أصالة الظهور نستنتج منها الحكم الشرعي الكلي)(1).

وأشكل عليه المحقق الصدر قدس سره بأنَّ هذه المحاولة تؤدي إلى خروج مسألة الضدّ عن صيغته المطروحة في علم الأصول؛ لأنَّها لم تثبت الأمر الترتبي أو صحة الضدّ أو بطلانه(2).

ولكنَّه ليس بشيء؛ لما سيأتي بيانه في مسألة الضدّ في أنَّه يمكن إدخالها في تشخيص الموضوع بالمعنى الأعم؛ ليشمل مسألة الضدّ في أنَّها داخلة في الأمر الترتبي أو لا.

وعلى ضوء ما تقدم من مناقشات وردود واعتراضات ظهرت جملة من التعاريف التي تقدم بها بعض المحققين من الأصوليين, منهم المحقق النائيني والسيد الخوئي والمحقق العراقي (قدس الله أسرارهم), وهي غير سالمة من الإعتراضات كما عرفت.

ص: 25


1- . مقالات الأصول؛ ج1 ص54.
2- . مباحث الدليل اللفظي؛ ص30.

التعريف الثاني: ما ذكره السيد الصدر قدس سره حيث قال: (إنّ الأصول هو العلم بالعناصر المشتركة في الإستدلال الفقهي خاصة التي يستعملها الفقيه كدليل على الجعل الشرعي الكلي)(1).

وقد أطال الكلام في بيانه, وهو وإنْ وُفق في دَرء الإعتراضات الواردة على التعاريف المتقدمة فلم يستعمل لفظ الإستنباط حتى يختص بالقياس التوسيطي, ولم يذكر الحكم في تعريفه حتى لا يُعترض عليه كما أُعترض على التعريف المشهور كما تقدم. كما أنَّه قد حصل من هذا التعريف التمييز بين المواضيع التي يبحث عنها في علم الأصول عمّا يبحث في العلوم الأخرى الداخلة في استنباط الحكم الشرعي.

إلا أنَّه يمكن الإشكال عليه بما يلي:

1- إنَّ التعريف هذا أقرب إلى تعيين عمل الأصولي من تعريف علم الأصول؛ حيث ذكر أنَّه لا بدَّ أنْ يكون عمله بالعناصر المشتركة في الفقه فقط دون غيره, وجعلها دليلاً على الجعل الشرعي الذي يريد أنْ يعمل به؛ مضافاً إلى إشتماله على أمور لا ترتبط بالأصول.

2- إنَّه لم يُعهد من أحدٍ من العلماء جعل المائز بين علم الأصول وعلم الفقه أنْ تكون عناصر الأول سيّالة في جميع أبواب الفقه؛ بل صرَّح بعضهم بالعدم, فإنَّه ربما تكون مسألة أصولية تختص بباب في الفقه دون الأبواب الأخرى.ومن هنا ذهب بعض الأصوليين إلى اعتبار أصالة الطهارة من المسائل الأصولية, وإنْ كانت تجري في باب مُعَيَّن من الفقه.

وكلامه متين جداً في جعل علم الفقه منشأنزاع علم الأصول لشدَّة الإرتباط بينهما

ص: 26


1- . المصدر السابق؛ ص31.

فقد كانا مختلطين في كثير من الموارد, ولكن توسع الممارسات الفقهية الإستدلالية وتطورها تدريجياً إقتضى فصل هذه العناصر المشتركة؛ حتى أصبح علماً مستقلاً له خصائصه المتميزة ومنهجه الخاص.

3- إنَّ جعل المائز بين تلك العناصر المشتركة في كونها مرتبطة بطبيعة الإستدلال الفقهي فقط لتكون أصوليةً دون مطلق الإستدلال لأنَّها تكون منطقية فإنَّه مستدرك؛ إذ أنَّ طبيعة تلك العناصر التي يُبحث عنها في علم الأصول أنْ تكون دليلاً على الجعل الشرعي الكلي, فهو يدلُّ على كونها مرتبطة بالفقه والإستدلال الفقهي, فلا حاجة إلى هذا القيد.

ثم أنَّه قدس سره ذكر أقسام الأدلة التي يعتمد عليها الفقيه في إستدلاله الفقهي, وهي التي تدخل في نطاق علم الأصول, وهو صحيح؛ إلا في القسم الثالث, وهو الدليل العقلي الإستقرائي؛ الذي يقوم على حساب الإحتمالات, فإنَّه موضع نقاش كما سيأتي الكلام فيه.

التعريف الثالث: ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ علم الأصول هو: (ما يُبحث فيه عن كيفية وظيفة الإنسان من حيث الشريعة, فهو عبارة عن قواعد معتبرة تستعمل في إستفادة الأحكام الإلهية)(1).

والمراد بالأحكام الإلهية: الوظائف الشرعية, سواءً كان حكماً واقعياً أم ظاهرياً, تكليفياً أم وضعياً, شرعياً أم عقلياً. واستعمل لفظ الإستفادة ليشمل مطلق ما يمكن الوصول عن طريقه إلى الوظيفة العملية, سواء كان على نحو التوسيط أم التطبيق, أو غير ذلك, ولعلَّه لم يذكر (الإستنباط) حتى لا يقع في الإشكالات المتقدمة.

ص: 27


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص7.

والتعريف لا يشمل القواعد الفقهية، لأنَّها أحكام شرعية تنطبق على مصاديقها إنطباق الطبيعي على أفراده, وليس من مقام الإستفادة والتشخيص, لكنه لم يسلم من بعض الإعتراضات؛ فإنَّه يشمل بعض ما له دخل في إستفادة الحكم الإلهي مِمّا عرفت سابقاً, فلا يكون مانعاً.

فالحقُّ أنْ يُقال: إنَّه لم يسلم تعريف من إعتراض أو أكثر يورد عليه, ولأجله صحَّ ما ذكرناه من أنَّها تعاريف لفظية شارحة تُذكر لتقريب المعنى, فإذا أردنا أنْ نُعرِّفه بتعريف أقرب للنفس نقول: إنَّ الأصول هو العلم الذي يتضمن القواعد التي تقع في طريق تشخيص وظيفة الإنسان من حيث الشريعة.

والتعريف هذا أقرب إلى طبيعة علم الفقه, ويشمل جميع المباحث المطروحة في هذا العلم وجميع الأدلة التي يستدل بها لتعيين الوظيفة, وتخرج به القواعد الفقهية وسائر المواضيع التي يكون لها دخل في الوصول إلى الحكم الإلهي.

ص: 28

البحث الثاني: في موضوع العلم

ذكرنا أنَّ كلَّ علمٍ يتألف من مجموعة مسائل مختلفة من حيث الموضوع والمحمول, فلا يمكن باجتماعهما أنْ يسمى عِلماً إلا أنْ يكون هناك جامع بين المسائل ينطبق عليه عنوان ذلك العلم ويعرف بأنَّ المسألة المعينة منه دون غيره من العلوم, ولمعرفة ذلك الجامع طرقٌ ثلاثة:

الأول: أنْ يكون هناك موضوعاً كلياً واحداً ينطبق على موضوعات مسائله, حتى تكون المحمولات من العوارض الذاتية لموضوع ذلك العلم, وهذا هو المعروف بين العلماء, وقد اعتبروه من المسلمات التي لا نزاع فيها؛ وإنْ أنكره جمع من العلماء في كلِّ علم فضلاً عن علم الأصول؛ باعتبار أنَّه ليس هناك جامعاً موضوعياً كلياً واحداً ينطبق على موضوعات مسائله, أو أنَّه لو كان له موضوع كذلك فهو كلي مجهول العنوان كما ذهب إليه المحقق الخراساني(1).

الثاني: تعيين تعريف عام شامل ينطبق على تلك المسائل, وكلُّ مسألة شملها التعريف فهي من مسائل ذلك العلم وإلا فلا, وهو المراد من التعريف الجامع المانع او المُطَّرد والمنعكس المذكور في باب التعريفات, فلا بدَّ أنْ يكون التعريف حقيقياً لا نقص فيه, وهذا هو الذي أردنا إثباته في البحث السابق, وقد عرفت أنَّه لا يمكن إلا بأخذ الغاية منها, فيبعد أنْ يكون تعريفاً حقيقياً, فيدخل في الطريق الثالث.

الثالث: ترتب الغاية على المسائل, وهي إمّا غاية بسيطة أو لها جهات تترتب كلُّ جهة على مسألة كما هو الحال في أغلب العلوم, فإنَّ علم النحو مثلاً إنَّما هو لأجل درء الخطأ في اللسان, وهو يختلف باختلاف, مسائله فقد يكون في مسائل المرفوعات حفظ اللسان من

ص: 29


1- . كفاية الأصول؛ ص8.

الخطأ, وفي غيرها شيءٌ آخر وهكذا الحال في غيرها.

وقالوا في تدوين علم الأصول إنَّ الغرض منه تحصيل القياس الإستنباطي لتحصيل الحكم الشرعي الفرعي كما صرح به جمع من الأصوليين, فتكون المسائل الأصولية مبادئ تصديقية للمسائل الفقهية، لأنَّ المبدأ التصديقي لكلِّ نتيجة من كلِّ قياس هو كُبرى ذلك القياس.

ولذلك عرَّف بعض الأصوليين علم الأصول بأنَّه العلم بالمبادئ التصديقية للمسائل الفقهية, وسيأتي الكلام في هذا الطريق.

أمّا الطريق الأول: فهو المعروف وقد استدلُّوا على ضرورة وجود الموضوع العام لكلٍّ علم بوجهين هما:الوجه الأول: أنَّ لِكلِّ علم غرضاً يختص به, فلا بدَّ أنْ يكون مترتباً على عنوان واحد, والمسائل المتعددة التي لا جامع بينها لا يمكن أنْ يترتب عليها غرض واحد نوعيّ، لأنَّ الواحد لا يصدر إلا من واحد؛ بناءً على شموله للواحد بالنوع, فلا بدَّ أنْ يكون ذلك الجامع قضية واحدة كلية موضوعها جامع بين موضوعات المسائل ومحمولها جامع بين محمولاتها, وهذه القضية هي العلة في ترتب الغرض عليها, ولا ريب أنَّ هذا الغرض إمّا تدويني؛ وهو الذي يطلب من تدوين ذلك العلم أو تعليمه للآخرين.

أو غرض ذاتي يترتب على كلِّ علم من نفس الأمر والواقع مع قطع النظر عن تدوينه وتعليمه, ومثل هذا الغرض يكون بمنزلة المعلول للعلم, ويكون ترتبه على مسائل العلم من سنخ ترتب المعلول على علته, ولأجله إعتبروا أنْ يكون لكلِّ علم غرض واحد؛ فعلم النحو يترتب عليه صيانة المقال عن الخطأ, وعلم المنطق الصيانة من الخطأ في الفكر, وهكذا بقية العلوم الأخرى.

ص: 30

وأُشكل عليه بوجوه تدلُّ على إنكار ترتب الغرض على المسائل في ذاتها وواقعها؛

منها؛ إنَّه لو كان كذلك لزم أنْ لا يقع في الخارج خطأ في المقال والفكر, لأنَّ الغاية كما هو المعروف أنَّها علَّة للشيء بماهيتها؛ أي بوجودها الذهني, ومعلولة له بوجودها الخارجي, فلو كان الحفظ الفعلي هو الغرض لما تخلف عن المسائل, والمفروض خلافه؛ لفرض ثبوت المسائل النحوية والمنطقية في الواقع ونفس الأمر.

وقد أجاب المحقّق العراقيّ قدس سره بأنَّ دخول المسائل في الغرض ليس من قبيل المؤثر والمتأثر والغرض وذي الغرض؛ بأنْ يكون المراد هو الغرض الفعلي الذي لا ينفك عن المسائل ويترتب عليها من دون قيد أو شرط, فلا يكون الحفظ الفعلي عن الوقوع في الخطأ غاية التمكن والقدرة على تلك الأمور, ويدلُّ على ذلك ما ورد في تعريف علم المنطق من كَونِه آلة قانونية تعصم مراعاتها الفكر عن الوقوع في الخطأ؛ فجعلوا الغاية مترتبة على المراعاة, لا أنْ تكون العصمة عن الوقوع في الخطأ هي الغاية(1).

ومنها؛ ما ذكره السيد الخوئي قدس سره من إنكار ترتب الغرض على ذات المسائل, بدليل عدم تحققه في حق الجاهلين, فلو أُريد تطبيق الواحد لزم افتراض وجود حدّهِ بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين موضوعات المسائل.

وأُجيب عنه بأنَّه يمكن تصوير الغرض المترتب على المسائل كما ذكرنا.

ومنها؛ عنه قدس سره أيضاَّ: إنَّ مقتضى البرهان المذكور وجود جامع بين النسب الخاصة التي ترتبط بين محمولات المسائل وموضوعاتها, لأنَّ الغرض يكون نتيجة ثبوت تلك النسب(2).

ص: 31


1- . مقالات الأصول؛ ج1 ص33.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص19.

وأُجيب عنه بأنَّ نسب الإضافات ليست أموراً مستقلة, لكي يعقل في حقها الجامع والفرد والوحدة والتعدد بقطع النظر عن أفرادها بل وحدتها وجامعيتها تكون بتبع وحدة طرفها دائماً فافتراض وحدتها يعني إفتراض وجود قضية واحدة عامة جامعة موضوعاً ومحمولاً لموضوعات المسائل ومحمولاتها تكون هي المؤثر في إيجاد الغرض الواحد(1).

والحقُّ في الجواب أنَّ البرهان المذكور مردود كُبرى وصُغرى؛ فإنَّه لا يجري في العلوم ابداً فهو ناظر إلى العلة الفاعلية والمباديء المؤثرة في الوجود ولا يستفاد منه الا لزوم السنخية بين العلة والمعلول والتطابق بينهما من هذه الجهة, ومسائل العلوم وموضوعاتها ليست علَّة فاعلية لوقوع الغرض أبداً، هذا إذا كان المراد منه هو الغرض الحقيقي. أما إذا أريد الغرض الإضافي فألامر أوضح؛ لأنَّ النسبة والإضافة تابعة في الوحدة والتعدد لأطرافها وليست أمراً مستقلاً في ذاتها(2).

الوجه الثاني: ذهب البعض إلى أنَّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات, فلا بدَّ أنْ يكون لكلِّ علم موضوع واحد, وإلا تداخلت العلوم فيما بينها, ونوقش هذا الدليل بوجوه:

منها؛ إنَّه أشبه بالمصادرة كما ذكره السيد الصدر قدس سره لأنَّ معرفة تمايز العلوم بالموضوعات فرع معرفة وجود موضوع واحد لكل علم يتميز عن موضوع غيره(3).

ويرد عليه بأنَّه خلط بين الوقوع الخارجي والوجود الواقعي أو العلمي, فإنَّ المدَّعى هو أنَّنا نلاحظ في الخارج أنَّ العلوم تتمايز بالموضوعات, فلا بدَّ من فرض الموضوع واقعاً مسبقاً حتى يتحقق التمايز في الخارج.

ص: 32


1- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص40.
2- .ولنا كلام في أصل ثبوت هذه القاعدة ليس هذا محلّ بحثها.
3- . المصدر السابق.

ولعلَّه لأجل ذلك كان السيد الوالد قدس سره موفقاً؛ حيث عبَّر أنَّ الموضوع -إنَّما هو- بوجوده الواقعي أو العلمي, فلا ترد شبهة المصادرة.ومنها؛ ما ذكره صاحب الكفاية من التمايز إذا كان بالموضوعات إستلزم أنْ تكون كلّ مسألة علماً مستقلاً عن سائر المسائل لاختلاف موضوعاتها, وهو واضح الفساد(1), وعليه فقد رأى أنَّ التمايز إنَّما يكون بالأغراض.

وفيه: إنَّه لا ريب في اختلاف موضوعات المسائل, إلا أنَّ المدَّعى عند هذا المستدل أنْ يكون هناك موضوع عام ذاتي يجمع بين موضوعات المسائل التي لا تندرج تحت عنوان آخر, وإلا كان هو موضوع العلم, فإذا كان موضوع العلم هو الجامع بين موضوعات المسائل والأبواب ينطبق عليها إنطباق الكلي على أفراده فلا تصل النوبة إلى اعتبار كل مسألة علماً مستقلاً.

والحقُّ أنْ يُقال: إنْ كان المراد من الموضوع هو الجامع الماهوي الذاتي بحيث لو إنتفى لانتفى ذلك العلم فهو مردود؛ لأنَّه:

1- لا دليل عليه كما سيأتي.

2- إنَّ الموضوع كذلك لا دخل له في عملية العلم؛ لا بوجوده العلمي ولا بوجوده الواقعي كما ذكره السيد الوالد قدس سره . بل إنَّ الجامع الواقعي بين موضوعات مسائل العلم موجود؛ سواء علم به أو لا, فهو أمر تكويني؛ كتحقق الجنس في أنواعه ولكنه لا ربط له بالموضوع المصطلح.

3- إنَّ بعض العلوم موضوعات مسائلها متباينة فإنَّ بعضها من مقولة الجواهر وبعضها من مقولة الأعراض أو من بعض أفعال المكلفين كما في الفقه, ولا جامع ذاتي بين

ص: 33


1- . كفاية الأصول؛ ص8.

الجوهر والعرض كما هو واضح, إلا أنْ يقال أنَّ الجامع هو العرضي أو من قبيل المفاهيم العامة كمفهوم الشيء وما يشابهه ولكن فساده واضح, فإنَّه يستلزم أنْ يكون الموضوع في جميع العلوم واحداً, وهو هدم لما يريدونه, مضافاً إلى أنَّه بناء عليه لا تكون المحمولات من العوارض الذاتية لذلك المفهوم العام العرضي الخارج المحمول، وهو لا يجتمع مع ما يصرحون به من أنَّ موضوع كلّ علم ما يبحث عن عوارضه الذاتية.

وذكر بعض الأصوليين في مقام ردِّه على ضرورة وجود موضوع واحد في كلِّ علم بالنقض في بعض العلوم التي لا موضوع لها؛ كعلم الفقه؛ إمّا لكون موضوعات مسائله قضايا جعلية إعتبارية فلا يعقل في حقها جامع حقيقي, أو لأنَّ موضوعاتها من مقولات متباينة, فلا يصدق معه جامع ذاتي(1) كما عرفت.

وناقشه السيد الصدر بأنَّ الأحكام الشرعية وإنْ كانت قضايا إعتبارية بلحاظ المعتبر والمنشئ, إلا أنَّها حقيقية بلحاظ نفس الإعتبار ومبادئ الحكم؛ لكونها من مقولة الكيف النفساني(2).ولكن يرد عليه: إنَّ حقيقة الأمور الإعتبارية تختلف عمّا يريدونه من الموضوع الحقيقي الجامع بين موضوعات مسائل كلّ علم بأنَّه الجامع الذاتي الماهوي والتقوم الحقيقي, وهذا المعنى مفقود في الأمور الإعتبارية التي يكون مدارها إعتبار العقل أو العقلاء, وإنْ كانت من الأمور الحقيقية كغيرها مِمّا لها حظٌّ في الوجود الإعتباري, إلا أنْ يريد الجامع الواقعي الذي هو أمر تكويني, كتحقق الجنس في أنواعه, لكنه لا ربط له بالموضوع المبحوث عنه كما عرفت.

ص: 34


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص21.
2- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص41.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّه لا حاجة إلى التمييز بالموضوع وإنْ كان أصل التمييز بين العلوم من الأمور الإرتكازية التي لا تحتاج إلى دليل وبرهان فهو مقبول بأدنى تأمل، خلافاً لما صرح به جمع؛ حيث جعلوا التمايز بالموضوعات من الأمور الإرتكازية بل الضرورية, منهم السيد الصدر قدس سره حيث قال: (إنَّ إنكار ذلك نشأ من إلتباس حاصل في البين نتيجة أمرين ).

وملخص ماذكره:

أولاً: التخيل بأنَّ الموضوع ما جعل موضوعاً للمسائل في مرحلة تدوينها, مع أنَّ المقصود بالموضوع ما يكون محوراً لبحوث العلم بحسب الواقع وما تقتضيه طبيعة تلك البحوث.

ثانياً: تفسير القوم للعرض الذاتي بما يعرض للشيء بعد الفراغ من ثبوته, مِمّا أدّى إلى صعوبة تطبيق القاعدة على كثير من البحوث في العلوم. وأطال الكلام في ذلك, والظاهر أنَّه لا يمكن المساعدة عليه(1).

أمّا تفسير العرض الذاتي فسيأتي الكلام فيه إنْ شاء الله تعالى، وأمّا التفرقة بين الموضوع في مرحلة التدوين والموضوع بحسب الواقع فهو خلاف الواقع العملي, فإنَّ العلماء في كلِّ علم إنَّما ينتزعون الموضوع من المسائل المبحوثة في العلم, فيكون له وجود واقعي أو وجود علمي ثم يدونون المسائل على وفق ذلك المحور الجامع, ولذا ترى أنَّ الأصوليين يتنازعون في دخول بعض البحوث من علم الأصول, فلولم يكن للموضوع وجود واقعي أو علمي لَما كان وجه لهذا النزاع, فهو يدلُّ على أنَّ التدوين مطابق للواقع.

نعم؛ قد يتطرقون في التدوين إلى أمور خارجة عن ذلك العلم وهم يصرحون به, إلا أنْ يكون مراده قدس سره من التدوين مقابل المائز الموضوعي كما ذهب إليه بعض الأصوليين؛

ص: 35


1- .المصدر السابق؛ ص42.

حيث إعتبروا أنَّ ما يذكر في تدوين علم معين يختلف عن تدوين علم آخر كافٍ في التمييز؛ فلا يحتاج إلى التمايز بالموضوع ولا بالأغراض ولا بالتعريف.ثم أنَّه قد يتَّحد الموضوع في بعض العلوم كعلم النحو وعلم الصرف, فإنَّ موضوعهما الكلمة وعلم الكيمياء وعلم الفيزياء؛ فإنَّ موضوعهما المادة, كما أنَّ بعضها تتَّحد في الغرض -كما أشكل به المحقق الخراساني- فقالوا في دفعه بالتمايز بالحيثيات, فيكون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات, وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات, فيورد عليه بما أوردناه على أصل اعتبار الموضوع في التمايز بين العلوم, فإنْ كان من إحدى طرق التمييز كان له وجه, وإنْ كان نظرهم إلى الإنحصار فهو مردود؛ لإمكان التمايز بوجه آخر.

وكيف كان؛ فقد إتَّضح من جميع ذلك أنَّه لا حاجة إلى التمايز بالموضوع إذا كان بالإمكان التمايز بوجه آخر ولو كان بالعرض والإعتبار, وإنَّما جاء التمييز الموضوعي من علم الفلسفة ودخل في علم الأصول فاعتبروه من المُسَلّمات التي لا يَصحُّ النقاش فيها, وكثير من المباحث الأصولية من هذا القبيل, وقد وقع الخَلط والإشتراك بين المباحث الأصولية والمباحث الفلسفية فتداخلتا؛ مع أنَّهما مختلفتان في كثير من الأمور كما سيأتي التنبيه عليه.

ص: 36

البحث الثالث: تعريف الموضوع

بعدما عرفت أنَّ جمعاً كبيراً قالوا بأنَّ تمايز العلوم إنَّما يكون بتمايز الموضوعات واختلفوا في تعريف الموضوع الجامع لموضوعات مسائل العلوم؛ بحيث تكون تلك المسائل من عوارض موضوع العلم على وجوه.

التعريف الأول (وهو المشهور): حيث ذكروا أنَّ موضوع كلّ علم ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، وقالوا بأنَّ المراد بالعرض الذاتي ما يُنتزع من ذات الشيء أو ما لا يعرض عليه بواسطة أمر أخصّ أو أعمّ، وهذا التعريف المدرسي مأخوذ من علم الفلسفة شأنه شأن كثير مِمّا دخل في هذا العلم.

وعليه؛ لا بُدَّ في كلِّ علمٍ أنْ يبحث فيه عن العوارض الذاتية لموضوع العلم, بمعنى أنْ تكون مسائل العلم ومحمولاتها عبارة عن أعراض ذاتية لما هو موضوع العلم.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الحيثية أخذت قيداً للموضوع, وصار الموضوع عين الخصوصيات التي تخصصت بها موضوعات المسائل, فهو وإنْ كان صحيحاً لكنه خارجٌ عن موضوع البحث من فرض الموضوع كلياً جامعاً؛ لأنَّ كلّ خصوصية مباينة للأخرى.

يبقى الكلام في أنَّها جهة تعليلية أو تقييدية, وسيأتي الحديث عنه لاحقاً.

وتوضيح ذلك: إنَّ ما يعرض على الشيء إمّا أنْ يكون بلا واسطة أو بواسطة جزئه المساوي أو الأعمّ أو يكون بواسطة أمر خارج مُساوٍ أو مباين أو أعمّ أو أخصّ, والأول والثاني من العرض الذاتي, واختلفوا في الثالث والرابع, واتَّفقوا على أنَّ الثلاثة الأخيرة من العرض الغريب.

وقد أُورد على التعريف المزبور بما يأتي:

أولاً: ما ذكره جملة من المحققين (منهم المحقق الإصفهاني)؛ من أنَّ محمولات المسائل لا تُنتزع من ذات موضوع العلم غالباً؛ لأنَّ مسائل العلوم تشتمل على البحث عمّا لا يكون

ص: 37

عرضاً ذاتياً لموضوع العلم, لدخالته في الغرض المطلوب من بحوث ذلك العلم, بل ذكر السيد الخوئي قدس سره أنَّ بعض العلوم لا تشتمل على ما يكون عرضاً ذاتياً كالفقه؛ فإنَّ محمولات مسائله عبارة عن أحكام شرعية, وهي أعراض غير حقيقية, فضلاً عن أنْ تكون ذاتية للموضوع(1).

ثانياً: إنَّ جُل مباحث علم الأصول ما يعرض الموضوع لأمر أعمّ بناءً على أنَّ موضوعه الأدلة الأربعة، فإنَّ الأمر ظاهر في الوجوب مثلاً لا يختصّ بما ورد في الكتاب والسُنَّة, بل إنَّ محمولات المسائل في كلِّ علم تعرض على موضوع العلم بواسطة موضوعاتها, وهي في الغالب أخصّ من موضوع العلم, فتكون من العارض بواسطة أمر أخصّ وهو عرض غريب.التعريف الثاني: ماذكره جمع من المحققين عدولاً منهم عن ذلك التعريف وقالوا: إنَّ المراد بالعرض الذاتي ما لا يصحُّ سلبه عن الموضوع وإن كان العروض بواسطة؛ بل بوسائط. أي: الوصف بحال الذات، وما يصحُّ سلبه عنه يكون عرضاً غريباً؛ وإن لم تكن هناك واسطة في البين. أي: ما كان الوصف بحال المتعلق، ولا ريب أنَّ محمولات المسائل لا يصحُّ سلبها عن موضوع العلم فتكون من الأعراض الذاتية.

توضيح ذلك: ما أفاده المحقق العراقي قدس سره من أنَّ الأعراض التي تُحمل على الموضوعات والأوصاف المنتسبة إلى شيء على أنحاء:

الأول: أنْ يكون العرض منتزعاً عن ذات الشيء باعتباره جزء منه ووصفاً داخلياً؛ وهذا هو الذاتي المبحوث في كتاب الكليات الخمسة في علم المنطق.

ص: 38


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص21.

الثاني: أنْ يكون منتزعاً عن الشيء من دون جهة خارجية, بحيث يكفي تصور الشيء في عروضه عليه؛ كالزوجية للأربعة والحرارة للنار؛ وهذا هو الذاتي المبحوث عنه في كتاب البرهان في علم المنطق أيضاً.

الثالث: أنْ يكون عارضاً بواسطة أمر خارج عن ذات الشيء وتكون الواسطة تعليلية, أي: تقتضي ثبوت العرض لنفس الشيء, فيكون هو المعروض لا الواسطة, وتسمى بالواسطة الثبوتية؛ كالمجاورة التي تكون واسطة في عروض الحراة على الماء, ولا يفرق في هذه الواسطة الخارجية أنْ تكون أعمّ أو أخصّ أو مساوية أو مباينة لأنَّها ليست معروضة للوصف.

الرابع: أنْ يكون عارضاً بواسطة أمر خارجي, وتكون حيثية تقييدية, أي: تكون الواسطة هي المعروض للوصف حقيقة, وتسمى الواسطة في العروض, ومثاله ما يعرض على الجنس بواسطة النوع, ولكن يشترط في هذا القسم أنْ يكون ذو الواسطة جزءاً تحليلياً من الواسطة؛ فإنَّ الجنس -ذا الواسطة- جزءٌ تحليليٌّ للنوع الواحد.

الخامس: أنْ يكون عرضاً بواسطة تقييدية, مع افتراض كون الواسطة جزءٌ تحليليٌ من ذي الواسطة, عكس السابق, ومثاله ما يعرض على النوع بواسطة الجنس, فلا يكون ذو الواسطة معروضاً للوصف كما كان في القسم السابق؛ لا ضمناً ولا إستقلالاً.

السادس: أنْ يكون عارضاً بواسطة تقييدية مباينة عن ذيها ذاتاً وبحسب التحليل لا وجوداً؛ كما في عوارض الجنس بواسطة الفصل, من مثل قولنا بعض الحيوان مدرك للكليات.

ص: 39

السابع: أنْ يكون عارضاً بواسطة تقييدية مباينة مع ذي الواسطة ذاتاً ووجوداً؛ مثل ما يُنسب إلى الجسم من البُطء والسرعة؛ مع كونها عرض لحركة الجسم المباينة معه في الوجود(1).

ولكن قبل مناقشة ماذكره المحقق العراقي لا بدَّ من بيان أمر؛ وهو: إنَّ أساس الخلاف بين الأصوليين في ذاتية العرض وغرابته يرجع إلى المناط الذي اعتبروه في تفسيرهما, وهم بذلك خالفوا الحكماء الذين هم الأصل في هذا البحث.

وبيان ذلك: إنَّ النسبة بين الشيء وما يعرض عليه تارة تكون باعتبار نسبة محلية؛ يعني: إنَّ الشيء محلاً وموضوعاً لما يعرض عليه. وأخرى تكون باعتبار نسبة المنشئية؛ أي: يكون الشيء منشأً وسبباً لوجود العرض. وهاتان النسبتان قد تتطابقان في الخارج وقد لا تتطابقان؛ فإنَّ النار منشأٌ للحرارة وسببٌ لها, وهي محلٌّ لها أيضاً, وأمّا نسبتُها إلى الماء فلا تكون إلا محلية, وإلى المجاورة مع النار بالمنشئية, والأصوليين ومنهم المحقق العراقي قدس سره نظروا إلى المناط الأول, وفسروا ذاتية العروض بكون المعروض محلاً للعرض حقيقة, فوقعوا في حيرة في كيفية تطبيق ذلك على العارض بواسطة أمر مساوٍ كما جاء في تعريف الحكماء للعرض الذاتي, لأنَّ الواسطة إذا كانت تقييدية تمنع عن كون ذي الواسطة محلاً للعروض حقيقة, وإذا كانت تعليلية فهو المعروض حقيقة.

وعليه: لا فرق في الواسطة بين أنْ يكون لأمرٍ مساوٍ أو أعمّ أو مباين.

وأمّا الحكماء فقد اختاروا المناط الثاني في تفسير ذاتية العروض وغرابته, فكلُّ عرض كان ثبوته لموضوع بذاته أو لأمر يرجع إلى ذاته من دون أنْ تكون الواسطة خارجة عن حريم الموضوع فهو عرض ذاتي, وكلما كان ثبوته لموضوع بأمر خارج عن ذات الموضوع فهو

ص: 40


1- . مقالات الأصول؛ ج1 ص39.

عرض غريب, فجعلوا العرض الذاتي في قسمين وهما ما يعرض بلا واسطة أو مع واسطة أمر مُساوٍ وما دونهما عرض غريب.

وقد ذكر السيد الصدر قدس سره أنَّ ذلك لا ينسجم إلا إذا كان المراد بالعروض المنشئية والإستتباع, لأنَّ العرض إذا لم يكن مع الواسطة وتمام المنشأ والعلَّة لاستتباع العرض, وإذا كان يعرض بواسطة أمر مُساوٍ فالواسطة إنَّما تكون عارضة على الموضوع.

أمّا بلا واسطة فيكون الموضوع هو تمام المنشأ في إستتباعها واستتباع العرض.

أو بواسطة أمر مساوٍ أيضاً -لاستحالة عروضها بواسطة أمر أعمّ أو أخص, وإلا كانت هي أعمّ أو أخص- فيكون كالواسطة الأولى المساوية لها من حيث منشئية الموضوع؛ لاستتباعه من دون فرق في ذلك بين كون الواسطة داخلية أو خارجية.وأمّا إذا كان العروض بواسطة أمر أخصّ فلا يكون العرض ذاتياً إذا كانت الواسطة خارجية؛ أي: أمراً عرضياً؛ لأنَّ المنشأ حينئذٍ إنَّما هو الواسطة, فلا يكون الموضوع منشأً لاستتباع العرض.

وأمّا إذا كانت الواسطة داخلية؛ كعوارض الجنس بسبب الفصل فالعرض ذاتي, والوجه في ذلك مع أنَّ الجنس قد ينفكّ عن الفصل ولكنَّ الحصَّة الخاصة من الجنس متحدة مع الفصل في الوجود, ولم يتحقق أمر غريب يحول بينهما في الوجود كانت المنشئية حقيقيةً بين الجنس والفصل وعوارضه ثابتة، وهذا بخلاف العارض بواسطة أخصّ خارجي أو بواسطة أعمّ داخلي كان أو خارجي, إذْ لا يبقى وجه لاعتبارهما ذاتيين بعد عدم إستتباع الموضوع لهما, وأمّا العارض بواسطة أمر مباين بحسب ما هو المناط عند الأصوليين من أنَّهم فسَّروا العرض بالمحلية الحقيقية.

وأمّا إذا كان العروض بحسب المنشئية لا المحلية فيكون المراد بالمساواة والأعميَّة والأخصيَّة ما يكون كذلك بحسب المورد خارجاً؛ سواء كان متَّحداً في الوجود مع

ص: 41

الموضوع أو لا، وحينئذٍ لا يفرق في الإستتباع والمنشئية بين كون المنشأ متَّحداً في وجوده مع الناشيء أو مبايناً معه.

والخلاصة: إنَّ العرض الذاتي هو ما يكون بينه وبين موضوعه المنشئية الحقيقية؛ سواء كانت بينهما نسبة المحلية أيضاً أمْ لا. والمراد من المنشئية مطلق الإستتباع والإستلزام؛ بحيث يكون فرض وجود الموضوع مساوقاً مع وجود العرض, لا خصوص العلَّة الفاعلية, فتشمل العلَّة المادية إذا كانت كذلك(1).

ويرد عليه:

أولاً: إنَّ كلمات الحكماء في التمييز بين الذات والغريب والمناط فيه متفاوت جداً, فقد إستفاد المحقق العراقي قدس سره منها أنْ يكون الإتّصاف والعروض من الحقيقيين المستقلين, واستفاد السيد الصدر قدس سره المنشئية والإستتباع؛ فراجع كلماتهم.

ثانياً: إنَّه لا ينحصر المناط المائز بين الذاتي والغريب فيما ذكروه؛ فإنَّ هناك مناطاً آخرَ يوافق الذوق العلمي والعرف كما يصرح به في ضمن كلامه؛ وهو ملاحظة العرض إلى موضوعه في عالم الوجود لا بلحاظ عالم التحليل, فقد يكون عرضاً إذا لوحظ إلى موضوعه في عالم الوجود, ويكون محمولاً عليه حقيقة فيكون عارضا عليه كذلك أيضا، فنستكشف من الحمل في عالم الوجود أنَّه عارض عليه حقيقة؛ لأنَّ الوجود الخارجي في المعروض واحد على كلِّ حال وإنْ كان ذا أجزاء بحسب عالم التحليل. وعليه تكون جميع الأقسام من العرض الذاتي ما عدا القسم الأخير على كلِّ الموازين التي ذكرناها من الحمل والإسنادالحقيقيين أو الإتّصاف والعروض الحقيقي على ما ذكره المحقق العراقي قدس سره ، أو المحلية أو المنشئية والإستتباع؛ فإنَّ صحَّة الحمل الخارجي يستدعي صحَّة العروض

ص: 42


1- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص43.

حقيقة؛ بخلاف ما إذا كان المائز بلحاظ عالم التحليل, فما لا يكون عارضاً على الشيء حقيقة فلا يصح حمله عليه, فأعراض الجنس لا تكون أعراضاً للفصل حقيقة, ولا تكون محمولة عليه؛ لأنَّ الجنس والفصل بحسب التحليل متباينان لا ينسب احدهما أو ماله من أعراض إلى الآخر, وحينئذ لا بُدَّ من الرجوع إلى ما ذكروه من المميزات المختلفة التي ذكروها, وحينئذٍ لا بُدَّ من الرجوع إلى التفصيل الذي ذكره المحقق العراقي قدس سره على أساس الحمل والعروض.

أو ما ذكره السيد الصدر قدس سره على أساس المنشئية الحقيقية ولا محصل له إلا على هذا الاعتبار، وأمّا إذا كان بلحاظ عالم الوجود فالأقسام الستة من العرض الذاتي؛ بل يمكن إدراج القسم الأخير فيه أيضاً, ولعلَّ هذا هو مراد السيد الوالد قدس سره وجمع من المحققين (قدس الله أسرارهم) من أنَّ نسبة موضوع العلم إلى موضوعات المسائل نسبة الكلي إلى افراده والطبيعي إلى مشخصاته, فيكون الحمل الخارجي كافٍ في صحة العروض وذاتيته.

ثالثاً: إنَّه قدس سره يصرح في مقام ردِّه على الإشكال المعروف على تعريف الموضوع من أنَّ نظر الحكماء من هذه الكلمات والتحديدات إلى ما يصطلحون عليه بالعلم البرهاني في الحكمة العالية والحكمة الطبيعية والحكمة التعليمية والعلم البرهاني لديهم؛ هو اليقين بثبوت المحمول للموضوع على أساس الضرورة واستحالة الإنفكاك؛ كما في علم الرياضيات ونحوه, وأمّا سائر العلوم فهي من الفنون والصناعات التي يفقد فيها هذا الميزان, ولا سيما علم الأصول وعلم الفقه؛ فإنَّهما خارجان عن هذه القاعدة, فلا حاجة إلى التفاصيل المذكورة التي تدور حول تلك القاعدة الحكمية.

ولقد أجاد فيما أفاد, فلا وجه في إيراد كلمات الفلاسفة في علم الأصول بعد الفرق الكبير بينهما.

ص: 43

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ الميزان في الذاتي والغريب في علمي الأصول والفقه يختلف عمّا هو المذكور في علم الحكمة المتعالية؛ فإنَّ المراد من الذاتي فيه: هو ما أُنتزع من نفس الشيء أو ما يرجع إليه بواسطة مساويه وغيرهما عرض غريب. وأمَّا الذاتي في علمي الأصول والفقه فيُكتفى فيه الحمل على الموضوع خارجاً والذي يوجب صحة العروض والإتّصاف فالحمل الخارجي يستدعي صحة العروض كذلك, وهذا هو الصحيح بعدما عرفت أنَّه مفاد قولهم من أنَّ إنطباق موضوع العلم على موضوعات المسائل كانطباق الكلي على أفراده والطبيعيعلى مشخصاته, ومِمّا ذكر يتبين الجواب عمّا ذكروه من المناقشات على التعريف المشهور ومحاولاتهم في الجواب عنها.

ص: 44

البحث الرابع: موضوع علم الأصول

إختلف العلماء في تعيين موضوع علم الأصول الجامع لموضوعات مسائله؛ فقيل: إنَّه الأدلة الأربعة كما ذهب إليه صاحب القوانين.

وأُورد عليه بأنَّه يستلزم خروج مباحث الحجج عن علم الأصول, فإنَّ البحث عن أصل حجية الخبر الواحد أو الإجماع أو الشهرة أو العقل أوظاهر الكتاب؛ لكونها بحثاً عن ذات الموضوع فتدخل في المبادئ.

وأُجيب عنه بوجوهٍ؛ أحسنُها ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ الموضوع هو الأدلّة بوصف الحجية الواقعية والمبحوث عن حجية المذكورات بحث عن مقدار الحجية وكيفيتها ورد الشبهات عنها فتكون من المسائل.

وقيل: إنّه الأدلة الأربعة بوصف الحجية, وقد ذهب إليه صاحب الفصول, وهو وإن سلم عن الإشكال المزبور إلا أنَّه يستلزم خروج مباحث حجية الخبر الواحد والشهرة والإستصحاب والتعارض وأحكامه من المسائل؛ لعدم كونها بحثاً عن السنَّة, بل هي بحث الحاكي لها فيكون من العرض الغريب.

وأجاب الشيخ الأنصاري قدس سره بدخول مبحث الخبر الواحد في ذلك بتغيير العنوان بقوله -هل السنة تثبت بالخبر الواحد- وأشكل عليه الشيخ النائيني قدس سره بأنَّه يفيد في الخبر الواحد, ولا يشمل الشهرة والإستصحاب وغيرها. ويمكن الجواب عنه أنَّه هل السنة تثبت بالشهرة والإستصحاب والتعارض في حال تعارضت الأخبار؟!.

والجواب الصحيح ما ذكره السيد الوالد قدس سره من إتّحاد الحاكي والمحكي عنه عند الرواة والعلماء وعرف المتشرّعة مِمّا يُعدُّ عوارض أحدهما عين عوارض الآخر فيكون بحث خبر الواحد والتعارض وأحكامه من عوارض السنة.

ص: 45

وقال صاحب الكفاية: إنَّ موضوع علم الأصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله. وفيه: إنَّه أقرب إلى الإشارة إلى الموضوع من كونه نفس الموضوع.

وقيل: إنَّه ليس إلا موضوعات مسائله, وهو أقرب إلى ما ذكره صاحب الكفاية قدس سره . ولكنَّهما يسلمان عن النقض والإبرام في دخول بعض المسائل وخروجها عن موضوع العلم.

وقيل: موضوعه الأصول المشتركة في الإستدلال الفقهي، فيكون البحث في مسائل علم الأصول عن دليليتها وجواز الإستناد إليها في مقام الإستنباط، وأمّا البحث عن أصل ثبوت بعض القواعد الأصولية وعدم ثبوتها؛ كالبحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته أو حرمة ضدِّه يرجع إلى البحث عن دليليتها كما عرفت آنفاً.والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ الموضوع في علم الأصول يكفي فيه أنْ يكون إشارة إلى ما تتضمنه المسائل من الموضوعات كما يستفاد من تعريف الآخوند وغيره رحمهم الله, وإلى هذا يرجع ما قيل بأنَّ موضوعه ما يستنبط منه الأحكام الشرعية.

ثم إنَّهم ذكروا أنَّ الأدلة أربعة، ولكنها أكثر؛ فتشمل العرف وبناء العقلاء والسيرة ونحو ذلك مِمّا يستدلُّ به في الفقه, ولعلَّه يرجع إمّا إلى ذكر الأهم من الأدلة أو لأنَّه لم تكن الأدلة عندهم محددة ومصنفة إلا في حدود تلك الأدلة الأربعة, وأنْ يكون المراد ما يستنبط منه الأحكام أو الأصول المشتركة؛ فالكتاب والسنة يعبران عن الدليل اللفظي والشرعي, والإجماع كاشف عن السنة أو الدليل العقلي الإستقرائي كما ذكره بعضهم, والعقل يعبر عن الكلي البرهاني والعملي.

وذكر السيد الوالد قدس سره أنَّ المراد الكتاب المشروح بالسنة والسنة الشارحة للكتاب, فيمكن إدراج الأدلة الأربعة في دليل واحد؛ لأنَّ السنّة شارحة للكتاب والإجماع لا

ص: 46

موضوعية فيه, بل لا بُدَّ فيه من الكشف عن السنة كما إنَّ العقل لا بُدَّ من عدم ثبوت الردع عنه, فيكون الموضوع ما يقع نتائج بحثه في طريق معرفة الوظيفة الشرعية، وأرجع قدس سره السيرة العقلائية وبناء العقلاء إلى دليل العقل الذي لم يردع عنه الشارع، وكذا السيرة العرفية ومرتكزات العرف إليه أيضاً, فيكون الفرق بين السيرتين بحسب المتعلق لا بحسب الذات(1).

ص: 47


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص12.

البحث الخامس: الضابط في المسألة الأصولية والفرق بينها وبين المسألة الفقهية

اشارة

والكلام فيه يقع في مقامين:

المقام الأول: في تعيين الضابط في المسألة الأصولية

وقد إختلف الأصوليون فيهِ تبعاًًًً لمنهجهم في تعريف علم الأصول؛ نذكر جملة منها؛

أولاً: ما حُكي عن المشهور من أنَّ المسائل الأصولية هي القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي. وأُشكل عليه بوجوه ذكرناها سابقاً؛ فراجع(1).

ثانياً: ما ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره من أنَّها القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي أو ما ينتهي إليه في مقام العمل, فإنَّ الغرض على الأول تعيين الحكم الواقعي بالإستنباط, وعلى الثاني هو المُعذريَّة والمُنجزيَّة؛ أي: مقام المرجعية في مقام العمل.

وأُشكل عليه أيضاً بما عرفت سابقاً, ونزيد هنا ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره , فقد أُورد عليه بإيرادين:

الأول: إنَّه لا بدَّ من فرض جامع بين الغرضين المذكورين؛ الإستنباط والمرجعية في مقام العمل, إذْ مع عدم وجود الجامع بينهما يستلزم تعدد فن الأصول بتعدد الغرض الذي ذهب إليه صاحب الكفاية قدس سره من أنَّ التمايز بين العلوم بالتمايز بين الأغراض, والجامع مفقود لتباين الغرضين.

الثاني: إنَّ الإنتهاء في مقام العمل إمّا مقيّد بأنَّه بعد اليأس عن الظفر بالدليل على الحكم, أو يكون مطلقاً؛ فلا يكون مقيداً بذلك, وعلى الأول فلا تدخل الأمارات فيه, لأنَّ حجّيتها لم تتوقف على ذلك, فالرجوع إليها ليس بعد اليأس, فإنَّه شرطٌ في صحة الرجوع إلى الأصول العمليّة فقط كما هو معلوم, وإنْ لم يكن مقيداً لزم دخول جميع القواعد الفقهية العامّة في التعريف؛ لأنَّها أيضا مِمّا ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل والتطبيق(2).

ص: 48


1- . ص17 وما بعدها.
2- .نهاية الدراية؛ ج1 ص19.

وأُجيب عن الإشكالين المزبورين:

أمّا الثاني؛ فإنَّنا نلتزم بالقيد؛ وخروج الأمارات عن ما ذكره قدس سره ليس بمحذور؛ لأنَّ المراد من الإستنباط تحصيل الحجة على الواقع, فمسائل الأمارات تدخل في الأصول بصدر التعريف وإنْ خرجت عن الذيل, وهو أمرٌ لا محذور فيه فتكون من مسائل علم الأصول, والمحذور يحصل لو كان المراد من الإستنباط إحراز الحكم الشرعي واستخراجه بحيث لا يشمل الحجة عليه, فتخرج الأمارات عن صدر التعريف أيضاً, لأنَّ المجعول فيها إمّا المنجزيَّة أو المعذريَّة أو الحكم المماثل, وهي بكلا الوجهين لا يقع في طريق إستنباط الأحكام, فيلزم منه خروج الأمارات عن علم الأصول.

أمّا الأول فهو يرتفع بتصوير غرض خارجي جامع بين الغرضين وهو خفيف المؤنة كما عرفت.

ثالثاً: إنَّها القواعد الممهدة لتحصيل الحجة على الحكم الشرعي وقد ذهب إليه المحقق الإصفهاني وتبعهُ غيرهُ, كما في بعض تقريراته, ولا يخفى أنَّه وإنْ كان بظاهره إلتزاماً بوجهة نظر أستاذه صاحب الكفاية, إلا أنَّه في الحقيقة إشكالٌ عليه, لأنَّه إقتصر في الإشكال على بعض الموارد, مع إنَّه سارٍ إلى جُلٍّ المسائل, ولا يمكن التخلص منه إلا بالتصرف في لفظ الإستنباط؛ بأنْ يكون المراد به تحصيل الحجة على الحكم الشرعي بلا توقف على إحراز الحكم, وعليه تكون الأمارات بأيِّ معنىً كانت لها الدخل في إقامة الحجة على العمل.

وقد عرفت الإشكال عليه أيضاً فيما سبق, مضافاً إلى أنَّ التوسّع في لفظ الإستنباط لا يدفع الإشكال, فإنَّ بعض المسائل الأصولية ما لا تكون نتيجتهُ حصول الحجة على الحكم الواقعي؛ لا نفياً ولا إثباتاً؛ كما عرفت.

ص: 49

رابعاً: ما ذهب إليه المحقق النائيني قدس سره بعد جعل ضابط المسألة الأصولية ما يقع كُبرى في قياس الإستنباط للحكم, وأضاف إليه قيدين:

الأول: أنْ تكون النتيجة حكماً كليّاً.

الثاني: أنْ لا تصلح المسألة إلقائها إلى العامّي.

ولعلَّ إضافته لهذين القيدين يرجع إلى أنَّ الضابط لو كان على ما يقع كُبرى في قياس الإستنباط فقط يستلزم منه دخول أكثر المسائل الفقهية, كوجوب الصلاة ونحوها؛ مِمّا يستنتج منه أحكاماً جزئية في الموارد الجزئية, ولكن بالقيد الأول نخرجها عن الضابط فتكون أجنبية عن علم الأصول. ولكنه لا يُجدي في خروج جميع مسائل الفقه منه؛ لوجود بعض المسائل الفقهية التي تكون نتيجتها حكماً كلياً, كقاعدة نفي الضمان بالعقد الفاسد إذا كان صحيحهُ لا ضمان فيه وشبهها.إلا أنَّه بالقيد الثاني نُخرج جميع المسائل الفقهية, فإنَّها صالحة لإلقائها إلى العامّي بحيث يتولى التطبيق بنفسه بخلاف المسائل الأصولية؛ فإنَّ معرفة العامّي حجية الخبر الواحد أو الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته أو حرمة ضدّه لا تفيدهُ شيئاً, فلا تصلح إلقائها إليه.

ويمكن الإشكال عليه بأنَّه أيضاً غيرُ مانع, فإنَّ بعض المسائل الفقهية لا يمكن إلقاؤها إلى العامّي. فلا بدَّ أنْ تكون من المسائل الأصولية لانطباق هذا الضابط عليها.

ومثال ذلك مسألة بطلان الشرط المخالف للكتاب والسُنَّة؛ فإنَّ العامي بمعرفته لهذه المسألة لا يستطيع أنْ يتوصل إلى الموارد الجزئية أو الكلية التي ينطبق عليها.

ومسألة التسامح في أدلة السُنن بناءً على عنوانها الفقهي, وهو ثبوت إستحباب العمل الذي قام عليه خبرٌ ضعيف أو عدم ثبوته, فهل إخبار -من بلغ- تدلُّ على الإستحباب أو

ص: 50

لا تدلّ؟ ونتيجته هو الحكم الشرعي؛ إثباتاً أو نفياً, ومثل هذه المسألة بهذا العنوان لا يمكن إلقاؤها إلى العامي, إذ لا يمكنه إستفادة ذلك وهو جاهل بجهة الضعف في الخبر المتوقّف على معرفة أحوال الرجال.

خامساً: ما ذهب إليه بعض الأجلّة(1) من أنَّ الضابط هو إرتفاع التردد والتحيّر الحاصل للمكلف من إحتمال الحكم الشرعي, سواء كانت نتيجة المسائل الأصولية الإستنباطية أو لم تكن كذلك, وعرَّفَ علم الأصول بأنَّه: القواعد التي يرتفع بها التحيّر الحاصل للمكلف, وأجاب بذلك عن إشكال المحقق الإصفهاني على صاحب الكفاية قدس سره ؛ بأنَّ الجامع بين الغرضين هو إرتفاع التردد والحيرة، وذكر أنَّه يمكن أنْ يكون مراد صاحب الكفاية من زيادة القيد على تعريف المشهور هو ذاك؛ والأمر في ذلك سهلٌ.

وقد فرّق بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية في إنَّ الأولى ناظرة إلى رفع التحيّر والتردد فقط دون النظر إلى الحكم من ناحية الثبوت, فهنا مقاماتٌ ثلاثة: مقام التردّد والحَيرة, ومقام الإحتمال الموجب للتردد, ومقام واقع الحكم المحتمل من ثبوت ونحوه, فالمسائل الأصولية وقواعدها ما ترفع التردد والحيرة أو الاحتمال الموجب للتردد, دون أنْ تكون ناظرة إلى نفس الحكم المحتمل بتعيين أحد طرفيه من ثبوته وعدمه, فهي إمّا ترفع التردد والحيرة بلا ارتباط بكيفية الواقع, وهذا هو مفاد الأصول العمليّة والأمارات بناءً على جعل المنجزيَّة والمعذريَّة أو الحكم المماثل ونحوها من المسائل مِمّا تقدّم, أو تكون نتيجتها رفع أساس التردد, وهو الإحتمال؛ إمّا تكويناً, كالملازمات العقلية, لأنَّها توجب العلمبالحكم فيرتفع التردّد والإحتمال بارتفاع منشئه, ولا نظر لها إلى نفس المحتمل, إذ لا تُعيّن أحد طرفي الإحتمال ثبوتاً, بل تكون واسطة في الإثبات باستلزامها العلم بالحكم.

ص: 51


1- . منتقى الأصول؛ ج1 ص27.

وإمّا تعبداً, كالأمارات بناءً على جعل الطريقية وتتميم الكشف, فإنَّه بها يتحقق العلم تعبداً بالحكم بلا نظر إلى نفس الحكم وثبوته واقعاً.

وبالجملة؛ فإنَّ الجامع في مسائل علم الأصول هو رفع التردد والحيرة بها أمّا ابتداءً أو بواسطة رفع منشأ التحيّر من دون أنْ تكون ناظرة إلى ثبوت الحكم المحتمل بأحد طرفيه. وبهذا يندفع النقض بجملة من القواعد الفقهية العامة, كقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده, وقاعدة الطهارة, وقاعدة نفي الضرر, وقاعدة نفي الحرج والعسر ونحوها؛ بدعوى: إنَّه قد يُستفاد من هذه القواعد حكم كلي فتدخل في الأصول, لأنَّها مِمّا يستنبط بها حكمٌ كليٌ.

والجواب عنه يظهر من الملاك والضابط في القاعدة الأصولية, فإنَّه رفعٌ للحيرة من دون أنْ يكون نظرهُ إلى الحكم المحتمل ولا كون الملاك في المسألة الأصولية هو الوصول إلى حكم كلي.

ثم إنَّه بناءً على هذا الوجه لا فرق بين أنْ تكون النتيجة أحكاماً كليةً أو جزئيةً, فالإستصحاب في الشبهات الموضوعية من المسائل الأصولية, لوجود الملاك فيه أيضاً وهو رفع الحيرة, كما أنَّه بناءً عليه لا موجب لتقييد المسألة الأصولية بما كان المتوصل بها إلى الحكم هو المجتهد وما كان إجراؤها بيده دون المقلِّد, فإنَّ الملزم لأخذ هذين القيدين إنَّما هو لأجل التحرّز من دخول المسائل الفقهية في علم الأصول كما عرفت سابقاً, فأخذوا قيد التوصل إلى الحكم الكلي لأجل ذلك, كما أنَّ الملزم لأخذ القيد غير موجود على الملاك الذي ذكره.

لكن ما يمكن أنْ يشكل به على هذا التعريف -وهو ما يرتفع به التحيّر والتردد,وتعريف المشهور -وهو ما يقع في طريق الإستنباط-؛ إنَّ ما يرتفع به التحيّر والتردد أو

ص: 52

يقع في طريق الإستنباط إمّا أنْ يكون مطلقاً ولو كان بالواسطة, بمعنى أنْ يتخلل بينه وبين الإستنباط مسائل أُخرى, أو تكون مباشرة وبدون واسطة, بحيث يترتب عليها الحكم الشرعي رأساً. وعلى كِلا التقديرين يستلزم محذوراً, أمّا التقدير الأول: فلأنَّه يستلزم دخول كثير من القواعد اللغوية والمنطقية والفلسفية في علم الأصول, لوقوعها في طريق تنقيح بعض القواعد الفقهية الأصولية, فيترتب عليها الإستنباط ويرتفع بها التحير بالواسطة.

وأمّا التقدير الثاني: فلأنَّه يستلزم خروج كثير من المسائل المحررة في كتب الأصول عن علم الأصول, كمسائل الصحيح والأعمّ والمشتق واجتماع الأمر والنهي ومسألة أنَّ الأمر ظاهر في الوجوب أو لا, ومسألة العام والخاص في بعض الحالات ومسائل المفاهيم.فإنَّ في مسألة الصحيح والأعم إنَّما هو ثبوت الوضع واللفظ الشرعي إلى المعاني الشرعية وعدمه, وهو بحث لغوي لا يترتب عليه الحكم الشرعي مباشرة, وإنَّما تترتب عليه مسألة أصولية وهي جواز التمسك بالإطلاق على القول بالأعمِّ وعدم جوازه على القول بالصحيح؛ كما سيأتي البحث عنه, وهذا لا يترتب عليه حكم شرعي, بل يترتب عليه المسألة الأصولية, وهي جواز التمسك بالإطلاق وعدم جوازه, وكذلك مسألة المشتقّ؛ فلأنَّ البحث فيها بحث لغوي عن تحقيق الموضوع له في المشتقّ ولا يترتب عليه الحكم الشرعي مباشرة.

أمّا مسألة اجتماع الأمر والنهي فلأنَّ التنقيح فيها ينتهي إلى تحقيق موضوع المسألة الأصولية لا معرفة حكم شرعي أو رفع التردد, وذلك لأنَّه إنْ قيل بامتناع إجتماع الأمر والنهي لعدم كفاية تعدد العنوان في تصحيحه فيكون المقام مقام التعارض؛ لتعارض دليلي الحرمة والوجوب, وإنْ قلنا بجواز الإجتماع لكنه لا بدَّ من إرتفاع أحدهما لعدم

ص: 53

مقدرة المكلف على امتثالها معاً فيدخل في مسألة التزاحم، وهي كمسألة التعارض من المسائل الأصولية.

وأمّا بقية المسائل كمسألة ظهور الأمر في الوجوب, أو ظهور الجملة الشرطية أو الوصفية في إنتفاء الحكم بانتفاء الحكم بانتفاء الشرط أو الوصف, أو ظهور العام في الباقي بعد التخصيص فيكون حجة فيه, أو ظهوره في العموم الإستغراقي أو المجموعي وغيرها من المسائل المشابهة فإيصالها إلى الحكم الشرعي أو إرتفاع التردد بها إنَّما يكون بضميمةٍ كبرى أصولية, وهي حجية الظاهر؛ إذ بدونها لا يتوصل إلى المطلوب, فإنَّ ظهور الأمر في الوجوب لا يكفي في الحكم إلا بضميمته إنَّ الظاهر حجة فيثبت الوجوب فإذا كان المناط في المسألة الأصولية هو رفع الحيرة والتردد, أو إستنباط الحكم بلا واسطة, فإنَّه يستلزم خروج هذه المسائل, وهذا مِمّا لا يلتزم به أحد, كما إنَّ الغاء هذا الشرط يستلزم دخول غير المسائل الأصولية في الأصول وهذا ما يدفعه الأعلام, كما عرفت.

وأُجيب عن الإشكال بأنَّه نلتزم بالشرط ونقول بأنَّ المناط هو ترتب الأثر على المسائل مباشرة بدون واسطة, ولا بأس بخروج بعض المسائل عن علم الأصول؛ كمسألتي الصحيح والأعمّ, ومسألة المشتق, ولا محذور في ذلك. وإنَّما تعرضوا لها في علم الأصول لعدم إستيفاء البحث عنهما في علم آخر. وأمّا المسائل اللفظية فهي داخلة في علم الأصول وإنْ كان الأثر يترتب على الواسطة لأنَّها من الوضوح والجلاء والتسليم بمرتبةٍ بحيث يكفي من تنقيح موضوعها أنْ يترتب عليها, إذ الواسطة المعتبر عدمها هي الواسطة النظرية لا الواسطة الإرتكازية التي لا تلاحظ لوضوحها في ترتب الحكم على الصغرى.

وأمّا مسألة إجتماع الأمر والنهي فلأنَّ الأقوال ثلاثة: الجواز مطلقاً, الإمتناع من جهة إجتماع الضدّين, الإمتناع من جهة التزاحم, ويكفي دخول المسألة في علم الأصول أنْ

ص: 54

يكون أحد أطرافها حكماً شرعياً وهو الأول من المقام لأنًّه يترتب عليه صحة العمل, ولأجل ذلك لا موجب للإلتزام بخروج هذه المسألة من علم الأصول كما ذهب إليه المحقق النائيني قدس سره .

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ الفرق بين هذا المناط وغيره في أمور:

الأول: إنَّه لا يشترط فيه أنْ تكون النتيجة في المسألة الأصولية حكماً كلياً, بل يجري حتى إذا كان الحكم جزئياً, كما في جريان الأمارات والإستصحاب في الشبهات الموضوعية.

الثاني: إنَّه يشمل مسألة أصل الإباحة بناءً على كون المجعول فيها الحليّة الظاهرية بلا نظر إلى الواقع لا المعذريَّة, ولا الحكم المماثل لعدم تحصيل الحجة على الواقع, وكذا مسألة الظن الإنسدادي بناءً على الحكومة, لأنَّها لا تنتهي إلى تحصيل الحجَّة على الحكم الشرعي أيضاً, فإنَّه على الضابط المذكور إنَّه بهما يرتفع التحيّر والتردد, وأمّا من جعل الضابط تحصيل الحجَّة كما ذهب إليه المحقق الإصفهاني وغيره فإنَّه لا يشملها التعريف المذكور, لعدم وجود الحجَّة فيها.

الثالث: إنَّه بناءً عليه لا يفرق بين أنْ تكون المسألة مِمّا تصلح أنْ تُلقى إلى المجتهد أو تُلقى إلى العامّي ما دام يرفع التحيّر والتردد, وهذا لا يجري في تعاريف القوم؛ لاسيما تعريف المحقق النائيني قدس سره .

هذا ما أردنا إثباته؛ وهو وإنْ كان لا يخلو مِنْ وجه صحيح في الآثار المترتبة عليه من الأمور الثلاثة. لكن ما يمكن مناقشته بأنَّ أخذ رفع التردد والتحيّر لا يكفي في جعله ضابطاً في المسألة الأصولية, فإنَّه لا تخلو المسائل الفقهية وقواعدها من هذا الأثر كما هو واضح لمن يرجع إليها, بل إنَّ في كلامه شاهدٌ على ذلك, فإنَّه جعل الواسطة الإرتكازية داخلة في علم الأصول لعدم الخلاف فيها, مع أنَّه لا تردد ولا حيرة فيها.

ص: 55

يضاف إلى ذلك أنَّ الملاك الذي ذكره إنَّما هو من الغايات فلا يكون من الذاتيات, مع أنَّه قد جعل الفرق بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية بسببه من الفرق الذاتي؛ وهو غريب, فلا بُدَّ أنْ يكون الملاك شيئاً آخراً؛ وهو ما ذهب إليه السيد الوالد(1) قدس سره من أنَّ المناط في المسألة الأصولية هو الوقوع في طريق تعيين الوظيفة للمكلف؛ بلا فرق بين الأمارات أو الأصول العملية, فإنَّه يشمل جميع مباحث علم الأصول, ولا يضرُّ بمسألة من مسائله أنْ يبحث في علم آخر, وهو كثير في العلوم لاختلاف العناوين, فإنَّه يبحث موضوع في علم بعنوان وفي علم بعنوان آخر, ولا ريب أنَّ تعيين الوظيفة يوجب رفع الحيرة والتردد, فإنَّه بمجردالبحث في المسألة الأصولية والنظر فيها لا يرفع التحير ما لم يكن هناك حكماً, إذ الشك والتردد إنَّما نشأ منه, فما ذكره بعض الأجلَّة (رحمهم الله تعالى) إنَّما هو مترتب على الحكم الأصولي, وهو ما يهوِّن الأمر فيه لتداخل الآثار في هذا الموضوع.

ص: 56


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص9.

المقام الثاني: في الفرق بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية:

المقام الثاني(1): في الفرق بين المسألة الأصولية والمسألة الفقهية:

قد عرفت مِمّا سبق الفرق بين المسألتين من جهات عديدة:

الأولى: إنَّ المسألة الأصولية تختصُّ بالعالِم, ولا يصلح إلقاؤها إلى العامي في الجملة.

الثانية: إنَّ المسألة الأصولية أحكامها كليّة, بخلاف غيرها.

الثالثة: إنَّ المسألة الأصولية تقع كُبرى قياس الإستنباط.

الرابعة: إنَّ المسألة الأصولية ترفع التردد والحيرة, وأما المسألة الفقهية فإنَّ مفادها نفس الحكم المحتمل, ونفس الحكم لا يرفع التردد, وإنَّما دليله يرفعه.

الخامسة: إنَّ المسألة الأصولية تسري في جميع أبواب الفقه أو جُلّها, بخلاف المسألة الفقهية؛ كما ذهب إليه الآخوند قدس سره .

السادسة: إنَّ المسألة الأصولية نظرية, وهي مورد النزاع والكلام, لا أنْ تكون واضحة لا خلاف فيها.

وهذه الفروق قد تقع موضع النقض والإبرام كما عرفت, لكن من مجموعها يمكن تحصيل التمييز بين المسألتين في الجملة بعد أنْ لم يمكن التفريق بينهما بالذاتيات كما سبق.

ثم إنَّ المعروف أنَّ القاعدة هي تطبيق الكُبريات على الصُغريات إنطباق الطبيعي على أفراده, فإذا تشكل قياس منهما إنَّما يكون قياساً تطبيقياً صِرفاً؛ بخلاف القاعدة الأصولية؛ فإنَّها تُوجب الوصول إلى الحكم, فيكون قياساً إستنباطياً كما تقدّم بيانه.

وأمّا الفرق بين القاعدة والمسألة: إنَّ الأولى نتيجة المسألة بمقدماتها, بخلاف المسألة؛ فإنَّها تختص بالمقدمات, فإذا قيل مثلاً لا يجوز الوضوء الضرري على المكلّف فإنَّ هذه مسألةٌ, واذا اضيف إليه دليله؛ وهو الضرر المنفي يكون ذلك قاعدة, وهذا وإن كان أمراً إعتبارياً

ص: 57


1- . من البحث الخامس.

لكن ربما يطلق أحدهما على الآخر فيكون الفرق بينهما بالإصطلاح.

الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية

وأما الفرق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية, فقد ذكر السيد الوالد قدس سره الفرق بينهما من جهات خمس:

الأولى: إنَّ القواعد الفقهية يشترك فيها العالِم وغيره كسائر الأحكام الإلهية, بخلاف المسائل الأصولية؛ فإنَّها تختص بالعلماء.

الثانية: القاعدة الفقهية يمكن أنْ تختص ببابٍ دون باب, وهي كثيرة, بخلاف المسائل الأصولية كما عرفت.

الثالثة: إنَّ القاعدة الفقهية شمولها لمصاديقها من قبيل تطبيق الطبيعي لأفراده, بخلاف المسألة الأصولية؛ فإنَّ نتائجها تقع على طريق إثبات الوظيفة, أو تكون كُبرى قياس الإستنباط.

الرابعة: القاعدة الفقهية غالبها من المسلّمات بين العلماء, بخلاف المسائل الأصولية؛ فهي نظرية وفيها إختلاف كثير.

الخامسة: إنَّ غالب القواعد الفقهية نفس المضمون الذي صدر عن المعصوم علیه السلام , ويصح إطلاق الأصل على القاعدة أيضاً, اذ لامشاحة في الإصطلاح(1).

ثم إنَّه يظهر من جميع ذلك أنَّ الأصول لهُ إعتبارات عديدة, فقد تكون نفس القواعد المزبورة بواقعياتها فتكون أصولاً, ومن جهة الوجودات العلمية صحَّ تعريفه بالعلم بهذه القواعد, ومن جهة وجوداتها الكتبيّة يطلق على تلك الصور المنقوشة بالفنون, وإذا لوحظ شغل الأصولي في إستخراج قواعدها من مادياتها يناسب تعريفه بصناعة مخصوصة.

ص: 58


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص10.

البحث السادس: تقسيم علم الأصول

وهذا البحث ذكره السيّد الوالد قدس سره في التمهيد(1), وقد إختلفوا أيضاً في تقسيم أبحاثه, وإنْ كان الموجود في الخارج والواقع في الكتب الأصولية تقسيمه إلى قسمين:

الأول: مباحث الألفاظ

ويشمل جميع المباحث التي ترتبط بالوضع وملحقاته, كبحث المشتقّ والصحيح والأعمّ, وبحوث الأوامر والنواهي والمفاهيم والعام والخاص والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن ونحوها, ولمّا كان أساس الفقه مبنياً على الكتاب والسنة, وهما بمعزل عن الملازمات العقلية جعلوا بحوثهما من مباحث الألفاظ.

الثاني: مباحث الحج والأمارات والأصول العملية

وهو يشمل مباحث القطع والظن والأصول العملية الأربعة؛ البراءة والإشتغال والتخيير والإستصحاب.

ثم ذكروا خاتمة بحثوا فيها مباحث التعارض والمعروف بمباحث التعادل والتراجيح.

وعلى هذا المنهاج جرى المؤلفون في أغلب الكتب الأصولية, كالقوانين والفصول والكفاية وفرائد الشيخ الأعظم قدس سره وغيرها.

الا انَّ هذا المنهاج لا يخلو من مناقشات معروفة للمتتبع, ولأجلها عدل بعض الأصوليين عنه, نذكر بعضاً منها؛

التقسيم الأول: ما نُقل عن المحقق الإصفهاني قدس سره الذي ذكره في آخر دورات درسه في الأصول كما حكاه السيد الوالد قدس سره , فقد نقل قدس سره عن أستاذه أنَّه كان نادماً على تطويل بحوثه الأصولية والأسلوب الخاص به, وعزم على تنقيحها وتغيير أسلوبه فيها,

ص: 59


1- .المصدر السابق؛ ج1 ص5.

وأنْ يجعل لها منهجاً معيناً, لكن لم يفِ عمره الشريف فلبّى نداء ربِّه ولم يحقق طموحه, إلا أنَّ بعض تلامذته قاموا بالمهمة من بعده خير قيام, فكتب الشيخ المظفر قدس سره أصوله على منهجه, كما ألَّفَ السيد الوالد كتابه عليه مع بعض التغيير وبأسلوبه المتميز العرفي المقبول في تهذيب الأصول، وهو وإنْ كان يبدو منه الرضا عن تقسيم أستاذه إلا أنَّه خالفه في أمور كثيرة, فقد أخرج مبحث المشتقّ عن مباحث الألفاظ لعدم وجود ثمرة عملية فيه, كما أدرج مبحث تعارض الأدلة في مباحث الألفاظ لأنَّ التعارض إنَّما يكون في الدلالة لا في جهة أُخرى, والدلالة من مباحث الألفاظ, فيكون البحث فيه عن كيفية رفع التعارض بين الدلالتين والجمع بينهما إنْ أمكن وإلا فيرجع إلى المرجحات,والأصوليون لاحظوا المرجحّات فرأوا أنَّ بعضها خارج عن الدلالة؛ كالمرجحات السنديّة ومخالفة العامة ونحوها, ولم يمكنهم إدراجها في أحد المباحث فجعلوه في الخاتمة.

وكيف كان؛ فقد قسَّم المحقق الإصفهاني قدس سره مباحث الأصول إلى أربعة أقسام:

الأول: مباحث الألفاظ

وهي التي تبحث عن مداليل الألفاظ وظهورها من العموم, فيدخل فيها بحث الأوامر وبحث النواهي والمفاهيم والصحيح والأعمّ والمشتق والعام والخاص والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن.

الثاني: المباحث العقلية

وهي التي تبحث عن لوازم الأحكام في أنفسها ولو لم تكن مدلولة اللفظ, وهي على قسمين:

المستقلَّة: كالبحث عن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

وغير المستقلَّة: كالبحث عن إستلزام وجوب شيء وجوب مقدّمته, المعروف بإسم البحث عن مقدمة الواجب, أو إستلزام وجوب شيء حرمة ضدِّهِ المعروف بمسألة الضدّ, ومسألة

ص: 60

الإجزاء, ومسألة النهي في العبادة, والبحث عن إجتماع الأمر والنهي المعروف بمسألة إجتماع الأمر والنهي.

الثالث: مباحث الحجة

وهي التي تبحث عن الحجيَّة والدليلية, كالبحث عن حجيَّة القطع وحجيَّة الظن وحجيَّة الخبر الواحد وحجيَّة الظواهر, وحجيَّة ظواهر الكتاب وحجيَّة السنة والإجماع والعقل.

الرابع: مباحث الأصول العلمية

وهي تبحث عمّا يرجح إليه المجتهد عند فقد الدليل الإجتهادي, كالبحث عن أصالة البراءة والإشتغال, والإحتياط, والإستصحاب ونحوها, وتسمّى بالأدلّة الفقهاتيّة.

وأخيراً مبحث تعارض الأدلة المعروف بمبحث التعادل والتراجيح وجعلهُ في الخاتمة كما عليه المشهور.

وعلى هذا التقسيم دخل مبحث المشتقّ في مباحث الألفاظ بعد أنْ كان من المقدمات, وخرج منها بحوث المقدمة والضدّ والإجزاء ودخلت في المباحث العقلية.

التقسيم الثاني: ما ذكره السيّد الوالد قدس سره في تهذيب الأصول(1): وهو وإنْ كان يوافق ما ذكره شيخه في أصل التقسيم إلا أنَّه خالفه في أمور كثيرة, فقد أخرج مبحث المشتقّ من مباحث الألفاظ, كما أدرج مبحث تعارض الأدلّة في مباحثالألفاظ, لأنَّ التعارض إنَّما يكون في الدلالة, وهي من مباحث الألفاظ, فيبحث فيه عن كيفية رفع التعارض بين الدلالتين والجمع بينهما مهما أمكن وإلا يكون المرجع هي المرجحات, والأصوليون لاحظوا

هذه المرجحات فرأوا بعضها خارج عن بحوث الدلالة كالمرجحات السنديّةومخالفة العامة ونحوهما, حيث لم يمكنهم إدراجها في أحد المباحث المتقدمة فجعلوه في الخاتمة كما

ص: 61


1- . المصدر السابق.

دمج القسمين الثالث والرابع في قسمٍ واحد وعقد لهما باباً واحداً وهو المقصد الثالث, أي ما يصلح الإعتذار به, فقسَّم علم الأصول إلى مقدمة ومقاصد ثلاثة؛

المقدمة: وذكر فيها بحوث الوضع, والصحيح, والأعم, والمشتق.

المقصد الأول: وذكر فيه مباحث الألفاظ؛ كبحث الأوامر والنواهي, وأقسام الواجب أو إجتماع الأمر والنهي, والمفاهيم, والعام, والخاص, والمطلق, والمقيد, والمجمل, والمبيّن, ومبحث التعارض.

المقصد الثاني: في الملازمات العقلية بقسميها؛ المستقلة وغير المستقلة, وذكر فيه حجيَّة العقل, وقاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع, وبناء العقلاء, ومبحث الإجزاء, ومبحث المقدمة, ومسألة الضدّ, ومسألة إقتضاء النهي للفساد.

المقصد الثالث: وذكر فيه ما يصحُّ الإعتذار به للمكلف, فاشتمل على مباحث القطع, والظنّ, وحجيَّة خبر الواحد, والإجتهاد والتقليد, والأصول العملية, لأنَّ جميع تلك البحوث تقع في طريق تعيين وظيفة الإنسان, ويصحُّ الإعتذار بها عند المولى.

التقسيم الثالث: ما ذكره السيد الخوئي (1) قدس سره فقال: إنَّ القواعد العامة التي يتكون منها علم الأصول على أقسام:

الأول: ما يوصل إلى معرفة الحكم الشرعي بعلمٍ وجداني وعلى نحو البتِّ والجزم, وهي مباحث الإستلزامات العقلية, كمبحث مقدمة الواجب, ومبحث الضدّ, ومبحث إجتماع الأمر والنهي, ومبحث النهي يستلزم الفساد, لأنَّ في هذه الموارد إذا عُلم بالحكم وعُلم بثبوت الملازمة يحصل العلم بالنتيجة.

الثاني: ما يوصل إلى الحكم الشرعي التكليفي أو الوضعي بعلم جعلي تعبُّدي, وهي مباحث

ص: 62


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص8.

الحجج والأمارات, وهو على قسمين:

أولاً: ما يكون البحث فيه عن الصُغرى بعد إحراز الكُبرى وهي مباحث الألفاظ بأجمعها, ويدخل فيه مباحث الأوامر والنواهي, والمفاهيم, ومباحث العموم والخصوص, والمطلق والمقيّد.

ثانياً: ما يبحث فيه عن الكُبرى بعد فراغ الصُغرى, كمبحث حجيَّة الخبر الواحد, والإجماع والشهرة, وظواهر الكتاب, ومبحث الظنّ الإنسدادي بناءً على الكشف, ومبحث التعادل والتراجيح.

الثالث: ما يبحث فيه عن الوظيفة العملية الشرعية حال العجزعن معرفة الحكم الواقعي واليأس عن الظفر بأيِّ دليل إجتهادي, وهي مباحث الأصول العملية الشرعية, كالبراءة, والإشتغال, والإحتياط, والإستصحاب.

الرابع: ما يُبحث فيه عن الوظيفة العملية العقلية في مرحلة الإمتثال بعد فقد الدليل الإجتهادي أو أصل عملي شرعي, وهو مباحث الأصول العملية العقلية كالبراءة أو الإحتياط العقليين, ويدخل فيه مبحث الظنّ الإنسدادي بناءً على الحكومة.

وهذا التقسيم وإنْ كان وافياً لمباحث علم الأصول وقواعده, إلا أنَّه تفصيلٌ لا وجه له بعد إمكان إدخال بعض تلك الأقسام في بعضها الآخر, ومِمّا يهون الأمر أنَّه قدس سره لم يلتزم بما اقترحه من التقسيم في الدرس والتدوين, وإنَّما اتَّبع طريقة المشهور.

التقسيم الرابع: ما ذهب إليه السيد الصدر(1) قدس سره وأطال الكلام فيه.

وحاصله: إنَّ الأدلة التي يعتمد عليها الفقيه في استدلاله الفقهي على أقسام:

الأول: الدليل اللفظي؛ ويراد به كلُّ دليلٍ تكون دلالته على أساس الوضع اللغوي أو العرفي العام.

ص: 63


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص55.

فيشمل مباحث الألفاظ والدلالات, فالبحث فيها عن الدليلية اللفظية وتحديد مدلول ألفاظ عامة تعتبر عناصر مشتركة لإستنباط الحكم الشرعي في الأبواب الفقهية المتنوعة.

الثاني: الدليل العقلي البرهاني؛ وهو الدليل الذي تكون دلالته على أساس علاقات وملازمات واقعية تثبت بحكم العقل البديهي أو بواسطة برهان.

ويشمل بحوث الملازمات العقلية الثابتة بين الأحكام, أو بينها وبين متعلقاتها, كبحث المقدمة, واقتضاء الأمر بشيء النهي عن ضدِّه, واجتماع الأمر والنهي, واقتضاء النهي للفساد, وبحوث إشتراط القدرة في متعلق التكليف, وإمكان أخذ القيود المختلفة في موضوع التكليف أو متعلقه وغير ذلك من المسائل العقلية الصرفة.

الثالث: الدليل العقلي الاستقرائي؛ وهو الدليل الذي تقوم دلالته على أساس حساب الإحتمالات الذي هو الأساس العام في الأدلَّة الإستقرائية.

فيشمل مسألة حجيَّة الإجماع والسيرة, والتواتر, فإنَّ دليليتها تكون إستقرائيّة لا برهانية.الرابع: الدليل الشرعي؛ وهو ما جعله الشارع دليلاً لتشخيص الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المشتبه؛ فيشمل بحوث الحجج والقواعد المقررة لإثبات الوظيفة العملية, وهو على قسمين:

1- الأمارات التي تكون دليليتها على أساس الكشف والطريقية إلى الواقع, والتي تعني ترجح قوة الإحتمال في التزاحم بين الأحكام في مرحلة حفظ الملاكات.

2- الأصول العملية؛ وتكون دليليتها على أساس ترجيح المحتمل في التزاحم المذكور.

الخامس: الدليل العقلي (وهو الدليل العقلي العملي)؛ وهو كل كُبرى عقلية تشخص الوظيفة تجاه الواقع المشكوك تعذيراً أو تنجيزاً, فيشمل قاعدة البراءة العقلية, والإحتياط العقلي, والتخيير العقلي, ثم ختم بحوث الأدلة بخاتمة في التعارض الواقع بين الأدلة

ص: 64

المذكورة وأقسام التعارض المذكورة, وجميع هذه الأقسام تدخل في علم الأصول لأنَّها عناصر مشتركة من قبل الفقه باعتبارها أدلَّة على الجعل الشرعي الكلي, ولكن مع ضم مقدمة لهذا العلم يبحث فيها عن أمرين؛ أحدهما: حجية القطع؛ إذ بدونه لا أثر للبحث في أي مسألة. والثاني: البحث عن الحكم وحقيقته وأقسامه.

وأشكل السيد الصدر قدس سره على تقسيم أستاذه بوجوه, وخلاصة ما ذكره أنَّه إنْ كان على أساس ملاحظته نكتة فنيَّة تقتضي الترتيب بين المسائل الأصولية في عملية الإستنباط,

وهي عدم الإنتهاء إلى اللاحق إلا بعد فقد السابق, فإنَّه يرد عليه:

أولاً: عدم الطولية بين القسمين الأولين, وهما ما يوصل إلى معرفة الحكم بعلم وجداني, وما يوصل إليه بعلم تعبُّدي شرعي.

ثانياً: ثبوت الطولية بين المجموعة الثانية والثالثة, فإنَّ الحجج والأمارات وكذلك الأصول العملية ليست كلها من مرتبة واحدة بل بعضها مقدّم على بعض في عملية الإستنباط, كما هو واضح.

ثالثاً: إنَّ تأخر مرتبة المجموعة الرابعة على الثالثة لا يكون صحيحاً على جميع المباني الأصولية في قاعدة الإشتغال العقلية, فإنَّ العقل يحكم بالإشتغال, وهو حاكم على إطلاق دليل البراءة الشرعية. وإنْ كان المراد بالطولية بين الأقسام من حيث مراتب الإثبات ودرجاته فيكون تارةً بالعلم الوجداني وأُخرى بالعلم التعبُّدي وثالثة بالأصل الشرعي ورابعة بالوظيفة العقلية, وهذا صحيح, ولكنه مبني على رأي المحقق النائيني في تفسير الأمارات والأصول وإرجاع الفرق بينهما إلى سنخ المجعول, فمتى كان المجعول هو العلمية والكاشفية كانت الأمارة, وإنْ كان المجعول غيره فهو الأصل، وإنْ كان الفرق على ما ذكره من الأمارات هو أهميّةالإحتمال عند التزاحم بين الأحكام في مرحلة

ص: 65

حفظ الملاكات, والأصول هو قوة المحتمل في المرحلة المذكورة, فلا يصحُّ التصنيف المذكور.

مع إنَّه يمكن أنْ يكون المقياس في التصنيف ربطه بسنخ المجعول ولسانه, فيكون الأصل المحرز كالإستصحاب أصلاً برأسه بين الأمارات والأصول غير المحرزة.

ويمكن الإشكال عليه بأنَّ قصد المؤلفين في تقسيم العلوم هو جمع الشتات والموضوعات المختلفة تحت عناوين معينة يكون بينهما الترابط المنطقي ليحصل التمييز بينهما ويرتفع الخلط بينهما, فيكون كل موضوع من موضوعات علم الأصول -مثلاً- تحت عنوان معين من عناوينهِ المختلفة, ويكون بينهما ترتيباً منطقياً مقبولاً, فيبحث عن كل موضوع في موضعه, فتذكر الخلافات فيه والمناقشات التي قد تورد عليه وبيان دفعها, فلعلَّ جملة المؤلفين في علم الأصول كان قصدهم ذلك وتساهلوا في هذا الأمر فلم يعقدوا له عنواناً معيناً يسمى تقسيم الأصول إلا عند المعاصرين.

وبناءً على ذلك يمكن أنْ نقول بثبوت الترتّب والطولية بين القسمين, فإنَّ الرجوع إلى العلم الوجداني قبل العلم التعبدي الشرعي أمرٌ منطقي يقبلهُ العقل السليم والمنطق المستقيم, وإنْ كان في مرحلة الإثبات لكلِّ واحدٍ منها شرط معين, كما تثبت الطولية بين المجموعتين الثانية والثالثة, فإنْ تقدم بعضها على بعض إنَّما هو من جهة ما يرشد إليه العقل السليم والمنطق المستقيم, وإذا خرج فردٌ منها أو لم تثبت الطولية لأجل دليل خاص فإنَّه لا يضرُّ بأصل التقسيم, فإنَّ لكلِّ بابٍ شواذ ينبّه عليها, كما هو واضح, ولعلهُ من أجل ذلك عدَلَ أخيراً وحكم بالصحة وثبوت الطولية في مرتبة الإثبات وإنْ كانت المباني مختلفة في الأمارات والأصول, فلو أردنا التقسيم بحسب إختلاف المباني لما تحقق سُلَّم التقسيم لعلم من العلوم, وهذا ما فعله في المدخل؛ حيث ذكر فيه قضايا متفرقة, جمع

ص: 66

بينهما بوجه من الوجوه, ولأجل ذلك كلّه نقول: إنَّه مهما كان التقسيم محصوراً وكلياً جامعاً للموضوعات المتفاوتة كان أقرب إلى القبول, وعليه يكون تقسيم السيد الوالد قدس سره أقرب إلى الواقع؛ فإنَّه جامع للعناوين المختلفة بصورة أشمل وأتمّ وأخصر, بعيداً عن التقسيمات العقلية التي دخلت في هذا العلم المبني على أدلة عرفية مقبولة.

وعليه تكون مباحثنا الأصولية وإنْ كنا لم نوافقه في بعض الأمور كما سيتبيّن لاحقاً ان شاء الله تعالى. وبذلك نُنهي الكلام في الأمور التمهيدية وإنْ خرجنا عن بعض ما ذكره في التهذيب كما هو واضح.

ص: 67

ص: 68

المدخل

أمور عامة ضمن بحوث

ص: 69

ص: 70

المدخل وفيه بعض الأمور العامّة

اشارة

تمهيد

إستعرض جملة من الأعلام (رحمهم الله) في علم الأصول بعض الأمور التي لها الإرتباط الوثيق بالألفاظ واعتبروها (رحمهم الله) أهمِّ مباحث علم الأصول التي عليها الإعتماد في عملية إستنباط الحكم الشرعي, وهذه الأمور إمّا أنْ تتعلق بعملية الوضع, وإمّا أنْ تتعلق بالمتكلم من حيث إستعمال الألفاظ الدالَّة على المعنى, وإمّا أنْ تتعلق بالسامع الذي يستفيد المعنى ويفهم المراد, وينقل ذهنه من اللفظ إلى المعنى, وغير ذلك من البحوث التي لها إرتباط وثيق بالألفاظ على العموم, فيقع الكلام في ضمن بحوث:

البحث الأول: في الوضع

اشارة

والكلام فيه من جهات:

الجهة الأولى: في حقيقة الوضع

لا ريب أنَّ نظام التفهيم والتفهّم يقوم على الوضع؛ الذي هو عبارة عن نوع علاقة لغوية بين (اللفظ والمعنى) وهذه العلاقة هي التي تحدد دلالة اللفظ على المعنى, ويحصل به فهم المعاني من الألفاظ بشكل عام, إلا أنَّ ذلك يتمُّ في المعنى الحقيقي بعلاقة قائمة بين اللفظ والمعنى مباشرة, بخلاف المعنى المجازي الذي يتمّ بواسطة المناسبات, ولذا يكون المعنى المجازي مسبوقاً بمعنىً حقيقي دائماً, وسيأتي توضيح ذلك.

وعلى أيَّةِ حالٍ؛ فإنَّ دلالة اللفظ على المعنى إنَّما ترجع إلى نحو من السببية والإستتباع, بمعنى أنَّه إذا أطلق اللفظ يستتبع إنسباق الذهن إلى المعنى, وبعبارة أخرى؛ إنَّ الوجود الذهني للَّفظ يستتبع الوجود الذهني للمعنى, ولا ريب أنَّ ذلك لم يحصل إعتباطاً بدون برهان.

ص: 71

وقد ذكر العلماء من اللغويين والأصوليين وجهين لهذه السببية:

الوجه الأول: هو العلقة الذاتية النابعة من طبيعة اللفظ والمعنى, فتكون مناسبة تكوينية بين اللفظ والمعنى, كالعلاقة الموجودة بين النار والحرارة بحيث يكون اللفظ علَّة تامة للإنتقال إلى المعنى.

الوجه الثاني: هو العلاقة الخارجية الحاصلة من جعل جاعل, لا أنْ تكون ذاتية.

ولا سبيل إلى الأول -كما قيل- وجداناً وخارجاً وآثاراً قبل العلم والتعلُّم, كما فصّل الكلام بعض الأعلام في بطلان هذا الوجه بما لا مزيد عليه, وإنْ كان كلامه لا يخلو من الإشكالات تظهر لمن راجعها بإمعان, وإنْ كان الصحيح أنْ يقال بأنَّه إذا كان المراد بالذاتية ما هو المعروف في العلوم العقلية فلا إشكال في عدم تحققها في مثل هذه الأمور الإجتماعية, فإنَّها بمعزل عن مثل تلك الأمور العقلية, وإنْ كان المراد من الذاتية ما كان حاصلاً بعد الجعل ومعروفية المناسبة الإعتباريةبين اللفظ والمعنى عند الواضع والعالمين بالوضع فله وجه صحيح مقبول, وكم لعلماء الأصول خلطٌ بين الأمور العقلية والأمور الإجتماعية العرفية في علم الأصول.

وعلى ذلك يمكن إرجاع هذا الوجه إلى الوجه الثاني, فبعد تحقق العلاقة بين اللفظ والمعنى إمّا من أجل أمر راجع إلى اللفظ وعلاقته بالمعنى, أو من أجل أمر خارج عن ذلك, ويتحدد الوضع على ضوء ذلك, فتحدث علاقة ذاتية إجتماعية بين اللفظ والمعنى, بحيث إذا أطلق اللفظ على ما وضع له إنسبق المعنى إليه, وبذلك يمكن حلّ كثير من الإشكالات التي يأتي ذكر بعضٍ منها.

ثم إنَّهم إختلفوا في حقيقة الوضع, وقبل سرد الأقوال لا بدَّ من بيان أُمور:

أولاً: إنَّ الوضعَ بأيِّ معنىً إعتُبر يختلف عن الإستعمال, وهما وإنْ إشتركا في أصل إظهار المعنى باللفظ وإبرازه به ولكن الوضع إظهار المعنى باللفظ حدوثاً, والإستعمال إنَّما

ص: 72

يتحقق بعد الوضع, كما أنَّ الوضع يكون بداعٍ واحد وهو كون اللفظ علامة على المعنى مثلاً, بخلاف سائر الإستعمالات فإنَّها تكون بدواعٍ أُخرى معروفةٍ لكلِّ متكلم وسامع.

ثانياً: الوضع تارةً يُراد بهِ المعنى المصدري, وأُخرى يراد به معنى الإسم المصدري الذي هو الأثر الحاصل من ذلك الفعل كالوضوء والتوضؤ, فإنَّ الأول هو الأثر الحاصل من أفعال الوضوء أي الطهارة المعنوية, والثاني هو نفس أفعال الوضوء, وفي مقام الإرتباط الحاصل بين اللفظ والمعنى الناشئ من التخصيص أو التخصص, ومدار الكلام على الأول هو الوضع بالمعنى المصدري.

ثالثاً: إنَّ البحث في الوضع لا يتمُّ إلا إذا ضممنا إلى أقوال الأصوليين بحوث علماء اللغة الذين هم الأصل في هذا الموضوع, فالكلام يقع في مقامين: الأول: في الجانب الأصولي, ونقل كلمات الأصوليين وأقوالهم. والثاني: بيان ما ذكرهُ علماء اللغة.

المقام الأول: إختلف الأصوليون في حقيقة الوضع بعد الإتّفاق على نفي العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى, بيد أنَّّ هذه العلاقة الذاتية إنْ كان المراد بها العُلقة التكوينية فهو مرفوضٌ في الوضع الذي هو من الأمور الاعتبارية العرفية الاجتماعية, وإنْ كان المراد بها العلاقة الذاتية الإجتماعية التي تحدث بين الأمور الإجتماعية فهو أمر معقول بحد نفسه وتدلُّ عليه البراهين إثباتاً, كما ستعرف, وكيف كان؛ فالأقوال في الوضع كثيرة ويمكن إدراجها في إتجاهين رئيسين, كما صنعه بعض الأعلام.

الإتجاه الأول: الجعل الواقعي للسببية أي أنَّ الواضع بجعل السببية مباشرة بين الطبيعي اللفظ والمعنى تحصل الملازمة بينهما ولهذه الملازمة واقعية, مثل واقعية الملازمات والسببيات في الواقع ولكن تحققها إنَّما يكون بفعل الوضع.

الإتجاه الثاني: جعل السببية من قبل الواضع بأنْ يحدث بين اللفظ والمعنى صفةً خاصة, وبعد إكتساب اللفظ لهذه الصفة يكون اللفظ سبباً لإخطار المعنى، والخلاف إنَّما في علاج

ص: 73

هذه العملية التمهيدية الحاصلة من الواضع, فمنهم من يؤمن بالإعتبار, ومنهم من يؤمن بالتعهد, ومنهم من يقول بغير ذلك, ونحن نذكر الأقوال على سبيل الإختصار:

القول الأول: إنَّ الوضع من الأمور الواقعية الحقيقة لا من سنخ الجواهر التي هي محصورة في الخمسة المعروفة: العقل, الهيولى ، النفس, الصورة, المادة, ولا من الأعراض المعروفة المُنحصرة في المقولات التسع, بل الوضع من سنخ الملازمات العقلية غير القابلة للانفكاك, وهي من الأمور الواقعية ولكنها إمّا أنْ لا تنتهي إلى جعل جاعل, فتكون موجودة في الأزل والأبد, كالملازمات التكوينية, وإمّا أنْ تنتهي إلى جعل جاعل فليست أبدية ولا أزلية ولكن مع ذلك فهي من الأمور الواقعية, والوضع من هذا القسم دون الأول, فقد تصّور الواضع المعنى من دون اللفظ وتصّور اللفظ مجرداً عن المعنى وليس بينهما ملازمة حسب الفرض ثم بعد ذلك جعل ما تصوره من اللفظ على المعنى المتصور فأوجد عقلهُ علاقة سببية, بحيث كلما أُطلق اللفظ في مورد يلزم منه الانتقال إلى المعنى الموضوع له, فالسببية والعُلقة جعليةٌ ولكنها من الأمور الواقعية على حدِّ واقعية الملازمات والسببيات الثابتة في لوح الواقع, وقد أُشكل عليه:

أولاً: إنَّه أُريد من الملازمة المدَّعى ثبوتها بين اللفظ والمعنى التي تستوجب الإنتقال ثبوتها مطلقاً من دون إختصاص بالعالِمين بالوضع فهو باطل بالبداهة؛ لأنَّه بناءً عليه يكون سماع اللفظ علّة تامة لإنتقال الذهن إلى المعنى, ولازمه إستحالة الجهل باللغات, مع أنَّ الجاهلين على كثرتهم لا يمكنهم الإنتقال لمجرد سماع اللفظ, فلو كانت الملازمة ثابتة مطلقاً لما أمكن الإنفكاك, وإنْ كان المراد ثبوتها للعالِمين بالوضع فقط دون غيرهم فهو وإنْ كان أمراً معقولاً في نفسه ولكنه خلاف الفرض, إذ الملازمة عين الوضع الذي تترتب عليه الملازمة بين تصور اللفظ والإنتقال إلى معناه, وبناءً عليه تكون الملازمة متأخرة عن

ص: 74

الوضع, أي تكون مشروطة بالوضع والعلم به, فلا يُعقل أنْ تكون هي الوضع, وإلا يلزم تأخر الشيء عن نفسه.

وأُجيب عنه بأنَّه لا محذور في ذلك بعد الإعتراف بأصل إمكان جعل السببية الواقعية في إختصاصه بالعالِمين, فإنَّ الشرط من ضمن نفس المجعول, أي أنَّ الجعل تعلق بنفس الملازمة المشروطة بالوضع, فيكون العلم قيداً للمجعول لا قيداً للجعل؛ حتى يُقال بأنَّ أخذ العلم بالشيء في موضع نفسه محال وهذا ممكن, وسيأتي في بحث التعبدي والتوصلي أنَّه بالإمكان أنْ يتعلق القطع بجعل حكم كُبروي قيداً في موضوع الحكم المجعول بذلك الجعل, وعليه فإختصاص تحققالملازمة المزبورة مِمَّن يعلم بالوضع والجعل إنَّما هو لتقييد المجعول به, وسيأتي أنَّه منشأ الملازمة الواقعية, فتقييده يستلزم تقييدها.

ثانياً: إنَّه لا يصلح جعل السببية الواقعية بين شيئين, فإنَّ السببية الواقعية صفة للسبب الحقيقي ويتعلق بها الجعل التكويني فقط, وفي غير السبب الحقيقي لا يتعلق به الجعل التكويني؛ فضلاً عن التشريعي والإعتباري.

ويمكن الإيراد عليه بأنَّ الإعتبارية التي يذهب إليها المحقق العراقي في الوضع تختلف عن سائر الإعتباريات, فإنَّه يقول بإمكان أنْ يتعلق الإعتبار بالسببيّة وتكون أمراً واقعياً, فما ذكره السيد الصدر قدس سره في المقام لم يرده المحقق العراقي, فإنَّه قد جعل الوضع أمراً إعتبارياً له واقع وتقررٌ له ثبوتٌ واقعي, فهو يختلف عن الأمور الواقعية من جهة جعل العُلقة وإعتبارها, ويختلف عن الأمور الإعتبارية بأنَّ ما يتعلق به الإعتبار لا ينحصر وجوده بعالم الإعتبار, بل يثبت له واقع في الخارج.

والخلاصة: إنَّه يذهب إلى أنَّ الوضع أمر إعتباري؛ وهو جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى, وينشأ من هذه الملازمة الإعتبارية ملازمة حقيقية, وبذلك يختلف عن سائر الإعتباريات, وإنَّ ا لمجعول مقيداً بصورة العلم بالجعل.

ص: 75

إلا أنَّ الصحيح في الإعتراض على هذا القول بأنَّه لا دليل عليه, لا سيما أنَّ الكلام في الوضع ليس مقتصراً على الوضع عند الإنسان الذي عرف الحضارات ووصل ذهنه إلى أمور لم يصل إليها الإنسان البدائي، وإنَّما البحث في الوضع عند الأخير, بينما هذا المذهب يكشف عن الفكر الراقي لدى الواضع, ويقرب هذا القول ما ذكره بعضٌ من أنَّ الوضع عبارة عن جعل الملازمة بينهما بحسب الإعتبار لا بحسب الواقع, فالواقع يمارس عملية إعتبارية إنشائية يتولد على أساسها العلاقة اللغوية بين اللفظ والمعنى.

ويرد عليه ما أُورد على سابقه من أنَّه خلاف الوجدان, مضافاً إلى أنَّ هذه العملية إنَّما تصدر عمَّن وصل فكره إلى تكامل دون الإنسان البدائي.

القول الثاني: إنَّ الواضع يجعل اللفظ علامة على المعنى, وقد ذهب إليه جملة من الأعلام, ويظهر من السيد الوالد قدس سره إختياره؛ حيث عرَّف الوضع: (هو إظهار المعنى باللفظ؛ بداعي كون اللفظ علامة للمعنى وجهاً من وجوهه)(1).

وعليه تكون الألفاظ كسائر النُصب والاشارات إلاّ أنَّ الفرق بينهما في أنَّ الثاني حقيقي بحيث توضع نُصبٌ في الطرق والشوارع مثلاً لمعرفة المسافة أو تعيين البلدة وبعض خصوصياتها أو جعل إشارة لمعرفة الخطر أو إنسداد الطريق, وفي الأول أمر اعتباري؛ بأنْ يوضع لفظاً ليدلَّ به على معنى, والوضع بهذا المعنى قد أُستعمل بالمعنى اللغوي لكن مصداقه إعتباري لا أنْ يكون فرداً خارجياً.وأُورد عليه:

أولاً: إنَّ الوضع بهذا المعنى أمر دقيق يحتاج إلى عناية خاصة, مع أنَّ الوضع ليس كذلك, بل يصدر حتى من الصبيان. وفيه: إنَّ الوضع المبحوث فيه غير الوضع عند الصبيان على

ص: 76


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص13.

كل حالٍ, وإنَّما الموجود في الصبيان تلك الحالات التي مرَّ بها الإنسان في حياته الدنيوية, فالطفل صورة مصغرة عنها, لا أنَّ الوضع في الصبيان كالوضع عند الإنسان الكامل, ويترتب عليه ما يترتب على الآخر. وسيأتي مزيدُ بيانٍ إن شاء الله تعالى.

ثانياً: إنَّ الوضع الخارجي (في الألفاظ ليس من الوضع الحقيقي) الذي يتقوم بأمور ثلاثة؛ الموضوع (وهي الإشارة), والموضوع عليه (وهو المحل), والموضوع له (وهو الدلالة على الخطر ونحوه مثلاً), وأمّا الوضع في عالم الألفاظ فله ركنان؛ موضوع وموضوع له, ولا وجود للموضوع عليه في هذا النوع, فالأركان فيه ناقصة.

ويرد عليه: إنَّ ذلك أشبه بالمؤاخذة على التعبير وليس إشكالاً حقيقياً, فإنَّه:

1- يمكن تصوير الموضوع عليه في وضع الألفاظ بأنْ يكون المعنى هو الموضوع عليه, فيكون ردّه من المصادرة على المطلوب.

2- إنَّ وجود تعدد الموضوع له والموضوع عليه في الوضع الحقيقي دون الوضع الإعتباري في الألفاظ إنْ كان لأجل التباين بينهما وجوداً فهو غير سديد, فإنَّ الموضوع -أي الخطر- له نفس الموضوع عليه -أي المحل-, فإنَّ الموضوع له غالباً صفة قائمة بالموضوع عليه, وإنْ كان المراد التعدد المعنوي المحفوظ في الصفة والموصوف, وهذا يمكن تصويره في الوضع الإعتباري أيضاً, فبالإمكان أنْ نقول: إنَّ الواضع تصور معنى الماء ووضع اللفظ عليه فتكون الصورة الذهنية الموضوع عليه, والموضوع له الدلالة على أنَّها صورة الماء, وهذا المعنى محفوظ في الإستعمال الذي يعتبر عنده وضعاً, وبهذا يكون التغاير محفوظاً في الموضوع عليه والموضوع له دائماً.

3- إنَّ الفرق بين الوضع الإعتباري والوضع الحقيقي ليس فقط من جهة الإعتبار الإدّعائي في الأول والحقيقي الخارجي في الثاني, بل الفرق بينهما جوهري من نوع

ص: 77

العلاقة المتولدة فيها؛ ففي الأول العلاقة تصوريّة, وفي الثاني تصديقية بين وجود العلاقة ووجود ذيها خارجاً, فلا يصحُّ التوحيد بينهما في المناشئ والآثار.

وفيه: إنَّ من قال بالتوحيد لم يقل أنَّه من تمام الجهات, فقد ذكروا الوضع الحقيقي لأجل بيان التشبيه بينهما من جهة والإفتراق من جهة أُخرى لأنَّها متحدان في جميع الآثار.

4- إنَّ مجرد جعل شيء لشيء حقيقةً أو إعتباراً لا يعطيه صفة السببية إلاّ مع التعهد والإلتزام, وهو مفقود في الوضع الإعتباري, فإذا كان فهو يعطي السببية لا الوضع الإعتباري.

وفيه: إنَّ التعهد والإلتزام على فرض إعتباره حاصل من نفس الوضع بهذا المعنى فلا نحتاج إلى نكتةٌ أخرى.

والحقُّ في الجواب أنْ يُقال أنَّ جعل الوضع بهذا المعنى يحتاج إلى عناية فائقة, وهي مفقودة عند الواضعين البدائيين كما هو واضح.

القول الثالث: الوضع عبارة عن جعل اللفظ منزلة المعنى, فيكون وجود اللفظ وجوداً للمعنى تنزيلاً بوجوده الخارجي ومتَّحداً معه, فتسري إليه آثاره التي منها تصوره عند الإحساس به ومنها الحُسن والقُبْح, ويستحق اللفظ من التعظيم أو الإهانة بما يستحق المعنى منهما.

وأورد عليه السيد الخوئي قدس سره :

أولاً: إنَّه وإنْ كان معقولاً في حدِّ نفسه ولكنه أمر دقيق يحتاج إلى نظر وفكر وهما مفقودان في وضع الأطفال, أو وضع من بعض الحيوانات(1).

ص: 78


1- .محاضرات في أصول الفقه ؛ ج1 ص47.

وفيه: إنَّه وإنْ أصاب في أنَّ مثل هذا التفسير للوضع أمر دقيق يحتاج إلى فكر وإمعان وهو لم يكن عند الواضعين البدائيين, أمّا وضع الأطفال فقد عرفت الجواب عنه آنفاً.

ولكن لا ينقضي العجب من إثبات الوضع لبعض الحيوانات وإنْ كانت على سبيل الموجبة الجزئيّة, فإنَّ ما يصدر من الحيوانات إنَّما هي أصوات وإنفعالات طبيعية عندها كما هي الحال عند الإنسان في بعض الحالات.

ومن المفارقات أنَّه قدس سره أنكر أشدَّ الإنكار على الشيخ الآخوند قدس سره عندما أثبت الاستصحاب عند الحيوانات, ولكنه قدس سره يثبت الوضع عندها مع أنَّه أعلى رتبة من الإستصحاب.

ثانياً: إنَّ الغرض من الوضع الدلالة على الشيء, وهو يقتضي الاثنينية بين الدالِّ والمدلول, فجَعْلُه وجوداً واحداً جعل من غير ملزم.

وفيه: إنَّه مصادرة على المطلوب, فإنَّ الذي يذهب إلى هذا المعنى في الوضع يرى أنَّ الدلالية في الوضع إنَّما هي من آثاره, مع أنَّه على فرض التنزل يمكن تصوير الدلالة بدون

الاثنينية؛ كما في إتّحاد العقل والمعقول فيكفي التعدد الإعتباري.

ثالثاً: من أنَّ السببية والإستتباع بين اللفظ والمعنى لا تحدث من مجرد الإعتبار والجعل, وإلا لأمكن جعل كلّ شيء سبباً لشيء آخر بمجرد الإعتبار.وفيه: إنَّ جعل السببية والإستتباع لم يكن إعتباطياً حتى يمكن جعل كلّ شيء سبباً لشيء آخر, بل لا بدَّ أنْ يكون مع غرض خاص وصفة معينة لا مجرداً عنها, مع أنَّه كم من السببية والإستتباع حصل من الإعتبار والجعل؟!.

رابعاً: إنَّ تنزيل اللفظ منزلة الوجود الخارجي للمعنى لا يجعل منه بالإعتبار سوى مصداق عِنائي للمعنى, ومن الواضح أنَّ تصور المصداق الحقيقي ليس سبباً بذاته للإنتقال إلى تصور الطبيعي, فكيف بالمصداق العِنائي الإعتباري.

ص: 79

وفيه: إنَّه مصادر على المطلوب أيضاً, فإنَّ من يدَّعي التنزيل يقول بأنَّه يحصل من تصور الطرفين علاقة ملحَّة بينهما, وبالتنزيل يثبت الإنتقال, وهذا المقدار يكفي في الإعتبار, ولا نحتاج إلى إدّعاء العينية, كما أنَّ الإتّحاد بين المصداق والطبيعي يكفي في الإنتقال.

فالحقُّ أَنْ يُقال: إنَّ هذا القول كسوابقه في أنَّه بعيد عن حقيقة الوضع عند الإنسان البدائي كما ستعرف.

ومنه يظهر الجواب عن ما قيل بأنَّ الوضع إعتبار اللفظ أداة لتفهيم المعنى.

القول الرابع: الوضع هو التعهد من الواضع بأنْ يكون التلفظ بالكلمة إنَّما هو إرادة إفهام الغير المعنى الخاص الذي يرتبط بها, وهو إختيار السيّد الخوئي (1) قدس سره فقال: إنَّ الوضع عبارة عن القرار والإلتزام والتباني على النفس بأنَّه متى تكلم بلفظ خاصّ أراد منه معنىً مخصوصاً, وهذا القرار المذكور يتأتّى لدى كلّ فرد من أفراد المجتمع.

وبهذا التعهد يتحقق التلازم بين اللفظ والمعنى بالشرط المذكور من قبل الواضع, ولا ريب أنَّه ينصرف الغرض في هذه النظرية إلى خصوص التفهيم وينفي وجود أي غرض آخر.

كما أنَّ الدلالة على أساس هذه النظرية تكون دلالة تصديقية لا تصورية فحسب كما هو واضحٌ. مضافاً إلى أنَّه بناءً عليه ينقلب كلّ مستعمل إلى واضع حقيقة, لأنَّه متعهد ضمناً بأنْ لا ينطبق باللفظ إلا عند إرادة إفهام معناه, ولا فرق بينه وبين الواضع إلا أنَّه هو المتعهد الأول والأسبق زماناً.

ويردُّ عليه:

أولاً: ما أورده على بقية الأقوال من أنَّه أمر دقيق بعيد عن الوضع في مراحله الإبتدائية التي يكون الوضع أقرب إلى العفوية, مضافاً إلى أنَّه لا يصدق على وضع الأطفال الذي

ص: 80


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص48.

يدَّعيه, فإنَّه لا تعهد ولا إلتزام ولا تباني منهم أصلاً.

ثانياً: إنَّ ما ذكره قدس سره يختص بمرحلة التصوّر والثبوت دون الوقوع في الخارج فإنَّنا جميعاً نضع الأسماء لأبنائنا ولم يتطرق في أذهاننا أنَّه يكون الوضع فيها مع التعهد والإلتزام, بل ربَّما يضع إسماً لإبنهِ لا لغرض إستعماله فيه بل لأجل التبرُّك أو لأجل دفع مفسدة أو جلب منفعة وغير ذلك, ومع ذلك يُعدُّ عند العرف وضعاً. فيكون ما ىذكره ر من مجرد الفرض فقط.

ثالثاً: إنَّ هذه النظرية لا يمكن تصورها, لأنَّ التعهد والإلتزام والبناء إمّا أنْ يتعلق بذكر اللفظ عند تصور المعنى والإنتقال إليه؛ وهو باطلٌ بديهية, لأنَّ الإنسان إذا تصور معنىً من المعاني ولم يرد ذكر اللفظ لأجل غرض خاص من خوفٍ أو قبحٍ وإستهجانٍ وغير ذلك لم يعد مخالفاً للتعهد والبناء عند العرف, إذْ لم يكن ملزماً لذكر اللفظ أبداً.

وإمّا أنْ يتعلق بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى؛ وهو باطل أيضاً, فإنَّه بناءً عليه يكون مدلول اللفظ هو الإرادة وليس خصوص المعنى, وبعبارة أُخرى؛ يكون مدلول اللفظ هو الإرادة المتعلقة بالمعنى الخاص بذلك اللفظ, وبناءً عليه يكون المعنى من قيود الموضوع له لا نفسه, وهو مخالف لما هو معروفٌ في باب الأوضاع من أنَّه وضع اللفظ للمعنى, كما أنَّه لا يلتزم به أحد من العلماء حتى القائل بهذه النظرية, يضاف إلى ذلك أنَّ الوضع إنَّما هو من الأمور التي تكون متعلقه في الذهن, لأنَّه يتعلق بالمفهوم, والمقصود هو إنتقال الذهن إلى المعنى من إطلاق اللفظ, فالإنتقال إنَّما هو الوجود الذهني, وعليه لا يمكن أنْ يكون الموضوع له إرادة المتكلم التفهيم, لأنَّها من الأمور الخارجية الواقعية لا المفاهيم, فلا تقبل الوجود الذهني وهو الإنتقال.

ص: 81

وإمّا أنْ يَتَعلّق التعهد والبناء على تفهيم المعنى باللفظ عند إرادة تفهيمه, فيكون متعلق التعهد هو نفس التفهيم لا ذكر اللفظ.

ويرد عليه بأنَّ هذا النوع من التعهد والبناء إنَّما يصحُّ فيما إذا لم ينحصر فيه المفهم للمعنى باللفظ الخاص؛ بأنْ يكون هناك دلالات أُخرى لتفهيم المعنى, فحينئذٍ يكون هذا التعهد والبناء معنى معقول كما هو واضح.

وأمّا إذا إنحصر المُفهم للمعنى باللفظ الخاص فلا فائدة لهذا التعهد والبناء لأنَّه لم يكن مُفَهِّم آخر غير هذا اللفظ الذي قد يتعلق التعهد بمفهميّتهِ فهو غير معقول, لأنَّه يشترط في التعهد أنْ يكون متعلقه معقولاً في ظرفه بحيث يصح أنْ يتعلق به التعهد والبناء.

أمّا مع الإنحصار فلا يَصحُّ التعهد كما في المقام, لأنَّ المتعهّد به إمّا أنْ يكون اللفظ؛ وقد عرفت أنَّه غير صحيح, وإمّا أنْ يرجع إلى مفهميّتهِ للفظ؛ وهي غير اختيارية, وإمّا أنْ يرجع إلى نفس التفهيم مطلقاً؛ وهو لا معنى له, إذ لا معنى لأنْينال التعهد عند إرادة التفهيم بالتفهيم, فينحصر أنْ يُراد بالتعهّد باللفظ الخاص, ومع إنحصاره به لا مجال لهذا التعهّد, فإنَّه لا فائدة فيه أبداً, إذ التفهم به قهري.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ التعهّد في مثل ذلك مِمّا يستلزم وجوده عدمه, فإنَّ بحدوث التعهد كان اللفظ مفهماً للمعنى, ولما كان المفهم له منحصراً باللفظ كان التعهّد به بقاءً لغواً فيرتفع التعهد قبل الإستعمال فيلزم من وجوده عدمه, وهو محال.

رابعاً: إنَّه يستلزم من هذا النحو من التعهد والبناء الدَّور، وتقريبه: إنَّ التعهد يتوقف على مقدورية متعلقه وهو التفهيم -إذ مع عدم القدرة يستحيل التعهد- والقدرة على التفهيم بهذا اللفظ لم تكن قبل التعهد, إذ المفروض أنَّ الدلالة إنَّما تحصل بالوضع وهو التعهد على هذا القول, إذن القدرة على التفهيم متوقفة على التعهد, وهو يتوقف على القدرة فيلزم الدور.

ص: 82

وأُشكل عليه بأنَّ ذلك إنَّما يستلزم فيما إذا علمنا بأنَّ أخذ القدرة على التفهيم إنَّما يكون في ظرف العمل شرطاً للصحة, والتعهد من باب رفع اللغوية إذ من المعلوم أنَّه مع عدم القدرة يلزم لغوية التعهّد. وأمّا إذا كان الملاك في أخذ القدرة شيئاً آخراً كأنْ يرجع إلى نفس التعهّد, بمعنى أنَّ قوام التعهد بذلك, فيكون القدرة على التفهيم في ظرف الإستعمال من قبيل الشرط المتأخر, فلا يصح الدور؛ إذ القدرة وإنْ كانت متأخرة زماناً عن التعهد, لكنه بمقتضى شرطيتها المتأخرة من أجزاء علَّة حصول التعهد, فيستحيل أنْ تكون ناشئة عن التعهد حتى يستلزم الدور, وستأتي تتمة الكلام في الشرط المتأخر.

وقد وجه الدور بتقريب آخر وأُورد عليه, ولا نحتاج إلى ذكره بعدما عرفناه, ومِمّا ذكرناه يظهر بطلان القول بأنَّ الوضع هو التعهد والإلتزام.

القول الخامس: ما ذهب إليه السيد الصدر قدس سره من أنَّ الوضع هو الإقتران الحاصل بين اللفظ والمعنى, والواضع إنَّما يمارس عليه عملية الإقتران بين اللفظ والمعنى بشكل بالغ وأكيد, وذكر في توجيه ذلك بأنَّ الله تعالى قد جعل في الإنسان أموراً طبيعية إرتكازية تكوينية؛ وهي الإستجابات الذهنية, منها أنَّ الإحساس بالشيء يكون سبباً في انتقال الذهن إلى صورته, وتسمّى بالإستجابة الذهنية الطبيعية للإحساس, وقد توسّع هذا الأمر التكويني بأمرين تكوينيين آخرين هما قانون إنتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك مشابهه, وقانون إنتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك الذهن لما وجده مقترناً ومشروطاً بذلك الشيء على نحو أكيد بليغ, بحيث يكون هذا القرين في حكم قرينه من حيث الإستجابة الذهنية وإيجاد الأثر, وهذا ما يسمى بالإستجابة الشرطية أو المنبّه الشرطي. فتحدث هذه الإستجابات الذهنية عند الإنسان, وهو قد حاول الإستفادة من الأمرين التكوينيين الثانويين في مقام التعبير عن مقصوده ونقله إلى أذهان المخاطبين فاستفاد من إدراك المتشابه باستخدام الإشارات التعبيرية التصويرية

ص: 83

التي تنقل المعاني إلى الذهن, واتَّسع في استفادته من الإقتران الخارجي بينالأصوات وأسبابها ومناشئها في مجال تفهيم الآخرين عن طريق جعل لفظ أو صوت مخصوص مقترناً ومشروطاً بمعنى مخصوص إقتراناً أكيداً ناشئاً من التكرار أو نتيجة عامل كيفي معيّن, وبذلك نشأت العُلقة الوضعية؛ أي السببية والإستتباع بين ذلك الصوت المخصوص والمعنى المخصوص, وبذلك تولدت ظاهرة اللغة في حياة الإنسان وبدأت تتكامل وتتوسع من صيغ بدائية محدودة إلى صيغ متكاملة شمولاً واستيعاباً للألفاظ والمعاني(1).

ثم ذَكِرَ مميزات لهذه النظرية التي اختارها, من أهمها:

1- إنَّ الوضع ليس من المجعولات الإنشائية والإعتبارية, بل هو أمر تكويني يشتمل في إشتراط مخصوص بين اللفظ والمعنى الذي يتحقق فيه قانون الإستجابة الشرطية.

2- إنَّ الدلالة التي تتحقق بهذا الوضع تكون دلالة تصويرية دائماً, ولهذا لا فرق في انتقال السامع إلى المعنى بين أنْ يسمعه من ذي شعور أو من جهة غير شاعرة, لإنَّ الإقتران الأكيد الذي هو ملاك الدلالة الوضعية ثابتٌ في الحالتين.

3- إنَّ فعلية الدلالة الوضعية تتوقف على العلم بالوضع لتتحقق الدلالة الوضعية بالإقتران والاشتراط, فلا بدَّ أنْ تكون ذهنية الشخص حاضنة لذلك الإشتراط والإقتران.

ولكن يرد عليه:

أولاً: إنَّه خلط بين المبادئ للوضع وحقيقته, فإنَّ ما ذكره قدس سره من الإقتران والإشتراط إنَّما هو من آثار الوضع, وما ذكره من القوانين الثلاثة هي مبادئ لعملية الوضع, كما سيأتي مزيد بيانه, فالوضع لا بدَّ أنْ يكون غيرها.

ثانياً: إنَّ هذه القوانين الثلاثة يشترك فيها الإنسان والحيوان, فإنَّ الأخير لهُ إستجابات

ص: 84


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص81.

طبيعية وشرطية, فلا بدَّ أنْ نقول بأنَّ الأصوات التي يستعملها الحيوان في ظروف معينة لبيان ما يجول في خاطره أيضاً له دلالة وضعية فيكون واضعاً كالإنسان.

ثالثاً: إنَّه بناءً على هذه النظرية تثبت العُلقة الوضعية بين الصوت المخصوص والمعنى المخصوص, أي السببية والإستتباع الكوني فتكون العُلقة حقيقة واقعية, وهذا هو الذي أراده المحقق العراقي قدس سره من إثبات أنَّ الوضع هو من الحقائق الإعتبارية الذي أورد عليه باستحالته كما تقدّم. فما ذكره قدس سره لا يمكن المساعدةعليه, نعم؛ ما ذكروه من القوانين الثلاثة التكوينية صحيحٌ لا إشكال فيه كما ستعرف.

وقد ذكر بعض العلماء آراء أخرى في الوضع, وهي أيضاً لا تخلو من إشكال, لا سيما ذلك الذي يقول بأنَّ الوضع إرتباط حاصل بين اللفظ والمعنى, فإنَّه أثر الوضع لا نفسهُ, ولعلَّه لأجل ذلك كلّه ذكر صاحب الكفاية عبارة مجملة لا يستفاد منها أحد الأقوال المعروفة فراجع عبارته.

وبذلك ينتهي الكلام في الجهة الأولى وهي حقيقة الوضع عند الأصوليين.

الجهة الثانية: في بيان حقيقة الوضع عند علماء اللغة والإجتماع

قبل بيان المقصود لا بدَّ من التنبيه على أمرٍ مهم يتعلق بموضوعنا؛ وهو البحث عن نشأة اللغة عند الإنسان؛ فقد ذكر العلماء بأنَّ للَّغةِ نشأتين: نشأة حينما أخذ الإنسان يلفظ أصواتاً مركبة ذات مقاطع وكلمات متميزة للتعبير عمّا يجول في ذهنه وخاطره من معانٍ وما يحسّه من مدركات, ونشأة أُخرى حينما يشرع الطفل يقلد أبويه والمحيطين به فيما يلفظونه من مفردات وعبارات, فتنتقل إليه لغتهم عن هذا الطريق.

وما يرتبط بموضوعنا هو البحث عن النشأة الأولى, وأمّا الثانية فإنَّه لا يعتبر وضعاً, كما يراه جميع الأعلام, بل هو في الواقع عملية إنتقال لغة الآباء إلى الأبناء, وقد ذكروا أنَّ مظاهر التعبير في الطفولة ترجع إلى سبعة أقسام ليس المهم ذكرها, وإنَّما ذكرنا ذلك لأجل

ص: 85

التنبيه على أنَّ هذه العملية لم تكن وضعاً, بل هي إنتقال.

وكيف كان؛ فإنَّ اللغة عند الإنسان هي نوع من التعبير الإنساني الذي له طرق متعددة يرجع أهمها إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: التعبير الطبيعي عن الإنفعالات, ويشمل جميع الأمور الفطرية غير المقصودة التي تصحب مختلف الإنفعالات السارَّة والأليمة, كالصراخ والضحك والبكاء, وانبساط الأسارير وإنقباضها, وإتّساع الحدقة وإغماض العينين, وإحمرار الوجه وإصفراره, ووقوف شعر الرأس وإرتعاد الجسم, وما إلى ذلك من الظواهر الغريزية التي تبدو بشكل غير إرادي في حالات الفرح والحزن والألم والخوف والخجل والإشمئزاز وما إليها؛ والتي تعبر عن قيام حالة وجدانية خاصة بالشخص الصادر عنه, وتنقسم هذه التعبيرات من حيث الحاسة التي يدركها الإنسان عن طريقها إلى نوعين:

الأول: تعبيرات بصرية؛ أي تصل عن طريق حاسة البصر, كالحُمرة والصفرة ونحوها.

الثاني: تعبيرات سمعيّة؛ أي تصل عن طريق حاسة السمع, كالضحك والصراخ والبكاء ونحوها التي تصحب حالات الفرح والألم والحزن والسرور.ويتألّف هذا النوع في الغالب من أصوات مبهمة تشبه أصوات الحيوانات, وأصوات لين (حروف مد) مختلطة أحياناً ببعض أصوات ذات مقاطع (أي: حروف ساكنة).

القسم الثاني: التعبير الوضعي الإرادي, ويشمل جميع الوسائل الإرادية التي يلجأ إليها الإنسان للتعبير عن المعاني التي يودّ إلقاءها إلى الغير ووقوفه عليها, وهي أيضاً على نوعين:

النوع الأول: التعبيرات الإرادية البصرية, فهي تصل عن طريق حاسة البصر وتشمل جميع الإشارات الحسية التي تستخدم بقصد الدلالة.

ص: 86

وهي على ضربين:

الضرب الأول: إشارات مساعدة ونائبة, أي تساعد لغة الكلام وتنوب عنها في بعض الحالات أو لضرورةٍ ما, ومن هذا النوع الإشارات المستعملة بين البَحّارِين, ومنها إشارات الصّيادين, حيث لم يستعملوا الألفاظ والكلمات خوفاً على فرار صيدهم.

ومنها الحركات اليدوية والجسمية التي يستخدمها الصمُّ والبكم للتعبير عمّا يجول بخواطرهم.

ومنها الإشارات التي يستعملها المصلي في الصلاة لإفهام الآخرين, أو يستعمله الذين يصومون عن التكلم, وقد أشار إليه القرآن الكريم.

ومنها إشارات بعض الحيوانات كما أثبتها العلم الحديث.

ومنها الإشارات التي نستعملها في حياتنا اليومية للتوكيد ونحوه, فالإيماء بالرأس دلالة على القبول وتحريك السبابة أو اليد إلى الأعلى للتعبير عن النفي والرفض ونحو ذلك مِمّا هو كثير.

أمّا الضرب الثاني: هي إشارات رئيسة أصلية عامة, وهي التي تتكون منها لغة كاملة مستقلة تستخدم وحدها في جميع الشؤون والظروف, وقد إستخدم هذا النوع من اللغات بعض الجماعات الإنسانية ولا تزال تُستخدم في بعض القبائل, وتسمى لغة الإشارات أو الإشارت التحليلية, وقد عني بدراساتها عدد كبير من العلماء لا سيما علماء الإجتماع.

ومن صفات هذه اللغة أنَّ لها قواعد إشارية, وإنَّها مشتركة عند جميع الشعوب, فهي من هذه الناحية أشبه شيء باللغة الدولية, ويمكن أحياناً أنْ تعبّر عن حقائق دقيقة كالوعظ وضرب الأمثال وقصّ الحكايات, هي تشبه في جملتها ومعظم تفاصيلها بلغة الصُمّ والبُكم, وهي قابلة للإصلاح والتهذيب,ولو كانت مستخدمة لسارت في سبيل الإرتقاء

ص: 87

كغيرها من مطالب الحياة الإجتماعية تبعاً لاتّساع حاجات الإنسان وأعمال المخترعين والعلماء, غير أنَّها لا تخلو من مثالب أهمها أنَّها تستأثر باليد, فتتحول دون القيام بأيِّ عملٍ آخر أثناء التعبير, كما يتوقفإدراكها على النظر فلا يمكن التعبير عنها في الظلام والبعد, وهي قائمة على تقليد الأشياء المحسوسة فلا تقدر أنْ تعبّر عن المعاني الكلية أو وصف المشاعر والوجدان, هذا مضافاً إلى أنَّها خالية من الدقّة في كثير من مظاهرها, وإنَّها تقتضي إسرافاً في الوقت والجهود.

النوع الثاني: التعبيرات الإرادية السمعية وهي الأصوات المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات وهذا النوع هو الذي تنصرف إليه كلمة (اللغة) إذا أطلقت وهو الذي يهم البحث عنه, وإنَّما تطرقنا إلى الأنواع الأخرى لاستيفاء مظاهر التعبير والإستفادة منها في بيان نشأة اللغة. ويمتاز هذا النوع بأربع خصائص هي:

1- إنَّهُ مكتسب غير فطري.

2- إنَّه إرادي غير آلي.

3- إنَّه يتمثل في أصوات مركبة ذات مقاطع تتألف منها كلمات وجمل, لا أنْ تكون أصوات مبهمة.

4- إنَّه يُعبِّر عن معانٍ تجول في الذهن لا إنفعالات تتلبس بها النفس أو يتلبس بها الجسم.

ومِمّا ذكرناه يظهر أنَّ الإنسان يشترك مع معظم فصائل الحيوان في القسم الأول من التعبير الطبيعي الإنفعالي, سواء كان في التعبير الطبيعي البصري أو الطبيعي السمعي. كما أنَّه تشترك بعض فصائل الحيوان مع الإنسان في التعبير الإرادي البصري وهو التعبير بالإشارة, وقد أثبتت العلوم الحديثة أنَّ بعض أنواع الحيوان إنَّما تستخدم بعض الإشارات الجسمية كالصوت والرائحة والإشارات الحركية للتعبير عن بعض شؤونها وما تقصده, بل قد لا

ص: 88

يكون أيّة إشارة, ولكن الحيوانات تلتفت وتتفاهم بين أفرادها, وقد ورد في أخبارنا أنَّ بعض الحيوانات ترى ما لا يراه الإنسان, وقد ذكرها صاحب البحار في كتاب السماء والعالم في أحوال الحيوانات, وقد فسَّره بعض العلماء إلى أنَّه ليس ضرباً من الحواس اللطيفة, حيث بلغ لطفها مبلغاً يعجز عن إدراكه حواس الإنسان وإنْ أنكر جميع ذلك بعض العلماء.

وأمّا النوع الأخير من أنواع التعبير الإرادي الذي سمَّيناه في اللغة العربية بالمعنى الكامل, أي الأصوات المركبة ذات المقاطع التي تتألف منها الكلمات فهو يختص بالإنسان عن سائر الفصائل الحيوانية, نعم؛ بعض طوائف الحيوان تصدر عنه أصوات شبيهة في ظاهرها بهذا النوع من التعبير, ولكن بالتأمل يتبين أنَّها عارية عن خصائص اللغة في صورتها الصحيحة المعروفة, فهي إمّا أصوات فطرية مبهمة أو أصوات متنوعة تلفظها للتعبير عن الانفعال, أو مجرد محاكاة, أو تصدر بغير إرادة بل تصدر بشكل آلي. فالصادر من الببغاء عند تكرار كلمةعليه فإنَّه يربط صورتها بصورة مدلولها لا أكثر. وكيف كان؛ فإنَّها ترجع إلى فصيلة أُخرى من فصائل الأصوات, كما هو مفصّل في كتب اللغة.

ومن جميع ذلك يعرف بأنَّ الإنسان إنفرد باللغة الصوتية, كما امتاز عن غيره من فصائل الحيوانات بوجود مراكز في المخّ تشرف على مختلف مظاهر هذه اللغة, مثل مركز إصدار الألفاظ, ومركز حفظ الكلمات المسموعة وغيرها. وحينئذٍ يتطلب البحث عن نشأة اللغة عند الإنسان دراسة موضوعين إثنين, أحدهما: نشأة اللغة في الفصيلة الإنسانية. وثانيهما: نشأة مراكز اللغة في المخ الإنساني. ولا يهمنا البحث عن الثاني (وإنْ كان مهماً).

وأمّا الأول فلا ريب في أنَّ الإجتماع هو السبب في وجود اللغة ونشأتها في الإنسان, لأنَّها السبيل المتميّز عن غيرها في التعبير ونقل ما يجول في الخواطر في معانٍ ومدركات إلى

ص: 89

الآخرين, فلولا الإجتماع وحاجة الأفراد إلى التعاون والتفاهم وتبادل الأفكار لما وجدت لغة ولا تعبير إرادي, ولا شك كذلك في أنَّ اللغة ظاهرة إجتماعية تنشأ كما تنشأ غيرها من الظواهر الإجتماعية, فيكون الإجتماع هو الذي يخلقها, فليست المشكلة في البحث عن الأسباب التي دعت إلى نشأة اللغة ولا البحث عن إنشائها, وإنَّما المشكلة في البحث عن الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ الأمر في وضع أصوات معينة لمسميات خاصة, وهناك نظريات قيلت في نشأة اللغة, وهي وإنْ كانت متعددة ولكننا نرفض كلّ نظرية لا تتفق مع الحقائق التي ذكرناها أو تغفل المشكلة التي نحاول حلها.

والنظريات هي:

النظرية الأولى: أنْ يكون الواضع هو الله تعالى بإلهام منه إلى الإنسان فقد علَّمه النطق وأسماء الأشياء. وقد ذهب إليها جملة من العلماء, ولكنه لم يُقم دليل عقلي يُعتمدُ عليه لهذه النظرية, والدليل النقلي قابل للتأويل وليس صريحاً في المطلوب.

النظرية الثانية: إنَّ اللغة إبتُدعت واستحُدثت بالتواضع والإتّفاق وإرتجال ألفاظها إرتجالاً, وقد ذهب إليها جمعٌ من العلماء, وفي أغلب الظن أنَّ علماء الأصول إنَّما اختاروا هذه النظرية ووقعوا في نقاش في تفسيرها.

ويرد عليها:

أولاً: إنَّه لم يقم عليها أي سندٍ عقلي أو نقلي أو تاريخي.

ثانياً: إنَّه يتعارض مع القواعد والنواميس العامة التي تسير عليها النُظم الإجتماعية, فإنَّ المعهود فيها أنَّها لم ترتجل إرتجالاً ولا تُخلَق خَلْقاً؛ بل تتكون بالتدريج من تلقاء نفسها وقد تكون لبعض الحوادث والشخصيات المهمة تأثير في بعض خصوصياتها.

ص: 90

ثالثاً: إنَّ القول بالتواضع يتوقف في كثير من مظاهره على لغة صوتية يتفاهم بها المتواضعون, فما يجعله أصحاب هذه النظرية منشأة اللغة يتوقف هو نفسه على وجودها من قبل.

رابعاً: إنَّ هذه النظرية تغفل المشكلة الرئيسة التي ذكرناها آنفاً, والتي يهم البحث عنها وحدها, فلم تكن هذه النظرية إلا فرضاً خيالياً وتخمين يحمل في طيِّه آية بطلانه.

النظرية الثالثة: التي تقرر أنَّ الفضل يرجع إلى غريزة خاصة زُوِّدَ بها في الأصل جميع أفراد النوع الإنساني, وهذه الغريزة كانت تحمل على التعبير عن كلِّ مدرك حسي أو معنوي بكلمة خاصة به وتسمى بالغريزة الكلامية, كما أنَّ غريزة التعبير الطبيعي عن الإنفعالات تحمل الإنسان على القيام بحركات وأصوات خاصة كالضحك والبكاء, وإنقباض السريرة وإنبساطها, ووقوف شعر الرأس, كلَّما قامت فيه حالات إنفعالية معينة (كالغضب والخوف والحزن والسرور), وكانت هذه الغريزة عامة عند جميع أفراد الإنسان ومتَّحدة عندهم في طبيعتها ووظائفها وما يصدر عنها, وبفضل ذلك إتَّحدت المفردات وتشابهت طرق التعبير عند الجماعات الإنسانية الأولى فاستطاعوا التفاهم فيما بينهم, وبعد نشأة اللغة الإنسانية الأولى لم يستخدم الإنسان هذه الغريزة, فأخذت تنقرض شيئاً فشيئاً حتى تلاشت, كما إنقرض لهذا السبب كثير من الغرائز الإنسانية القديمة.

وذهب إلى هذا الرأي جمع من العلماء, وقد أيَّد بعضهم هذه النظرية بأدلَّة مستمدة من البحث في أصول الكلمات في اللغات الهندية والأوربيّة, وقد ظهر أنَّ مفردات هذه اللغات جميعها ترجع إلى خمسمائة أصل مشترك تمثل اللغة الأولى, ومنها إنشعبت هذه الفصيلة وغيرها.

وقد تميّزت تلك الأصول بأنَّها تدلُّ على معانٍ كليّة, وإنَّه لا تشابه بين أصواتها وما تدلُّ عليه من فعلٍ أو حالة.

ص: 91

فالأول(1) يكون برهاناً قاطعاً على أنَّ اللغة الإنسانية الأولى لم تكن نتيجة تواضع واتّفاق كما ذهب إليه أصحاب النظرية الثانية المتقدمة, لأنَّ التواضع يتوقف هو نفسه على وسيلةٍ يتفاهم بها المتواضعون, وهذه الوسيلة لا يعقل أنْ تكون اللغة الصوتية, فإنَّه خلاف الفرض, كما لا يعقل أنْ تكون إشارة لأنَّنا بصدد ألفاظ تدلُّ على معانٍ كلية, أي: أُمور معنوية يتعذّر إستخدام الإشارة فيها, هذا فضلاً عن تعارضها مع النظم الإجتماعية كما عرفت آنفاً.والثاني(2) يدلُّ عليه البرهان القاطع على أنَّ اللغة الإنسانية لم تنشأ من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة(3) وأصوات الحيوانات والأشياء, كما يذهب إليه أصحاب النظرية الرابعة التي يأتي البحث عنها.

فإذا بطل أنَّ اللغة الإنسانية كانت نتيجة تواضع, كما بطل أنَّها نشأت لأصوات الإنسان الطبيعية وأصوات الحيوانات والأشياء, ولم يبق إذن وجه معقول لتفسير هذه الظاهرة سوى هذا التفسير الذي ذكرناه, وهو أنَّ الفضل يرجع إلى غريزةٍ زُوِّدَ بها الإنسان في الأصل للتعبير عن مدركاته بأصوات مركبة ذات مقاطع, كما زُوِّدَ بها بإستعدادٍ فطري للتعبير عن إنفعالاته كما عرفت.

وهذه النظرية على دقّتها وطرافتها وعمقها فاسدة من وجوه متعددة نذكر المهم منها؛

1- إنَّها لا تحلُّ المشكلة التي نحن بصددها, بل تكتفي بأنْ تضع مشكلة أخرى مكانها أكثر منها غموضاً, وهي مشكلة الغريزة الكلامية, فيكون بالأحرى تفسير الشيء

ص: 92


1- .أي: دلالتها على مَعانٍ كليّة.
2- . وهو عدم وجود تشابه بين أصواتها وما تدلُّ عليه.
3- . أصوات التعبير الطبيعي للإنفعالات.

بنفسه, فنقول: إنَّ الإنسان متلفظ بالكلمات للدلالة على مقصوده, لأجل أنَّ فيه غريزة كلامية, وهذا هو تقرير للمشكلة بصيغة أخرى.

2- لا يشك أحد في أنَّ الإنسان قادر على وضع الألفاظ, لأنَّه مزود بأعضاء نطق تسمح له أنْ يتلفظ هذا النوع من الأصوات, كما زُوِّد الحيوان بتلك أيضاً, إنَّما المهم هو الوقوف على أول مظهر لإستغلال هذه القدرة والأسلوب الذي سار عليه في مبدأ الأمر في وضع الألفاظ لمسميات معينة, أو الكشف عن العوامل التي وجَّهته إلى هذا الأسلوب دون غيره.

3- إنَّ إثبات الأصول الخمسمائة السابق ذكرها والتي تميّزت بأنَّها تدلُّ على معانٍ كليّة, لا ريب أنَّ درك المعاني الكلية يتوقف على درجة عقلية راقية, والإنسان البدائي بعيد عنها, فلا بدَّ أنْ نقول إمّا بالهام الهي أو بالتواضع, وقد عرفت الجواب عنها, ولذلك ذهب المحدثون من علماء اللغة أنَّ الأصول الخمسمائة إنْ وُجدت كما نادى بعضهم لا تمثل اللغة الإنسانية الأولى, بل هي بقايا لغة حديثة قطعت شوطاً في سبيل الرقيّ والكمال, وإلاّ فهي مجرّد إفتراض وأصول نظرية ولم تكن موضوع لغة إنسانية كما ذهب إليه بعض المحققين مِنْ عُلماءِ اللُغة.

النظرية الرابعة: وهي تقرر أنَّ اللغة الإنسانية نشأت من مصادر متعددة, كالأصوات الطبيعية التي تعبر عن الإنفعالات وأصوات الحيوان وأصوات مظاهرالطبيعة وأصوات الأشياء حتى إرتقت بتأثير الحضارات وإرتقاء الأُمم وتنوّع حاجاتها الإجتماعية وما إلى ذلك, وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم علماء اللغة وعلماء الإجتماع من العرب وغيرهم, وبحسب هذه النظرية يكون الإنسان قد إفتتح هذا السبيل بمحاكاة الأصوات الطبيعية, ومحاكاة أصوات الحيوان ومظاهر الطبيعة والأشياء, وكان القصد هو التعبير عمّا في ذهنيته

ص: 93

مستخدماً ما زُوِّدَ به من قدرات كامنة من لفظ الأصوات وتنظيمها في ضمن أصوات مركبة ذات مقاطع, وكانت لغته في بداية أمرها محدودة الألفاظ قليلة التنوع قريبة الشبه بالأصوات الطبيعية التي أخذ عنها, وأحياناً تكون قاصرة الدلالة على المقصود, فلا بدَّ من مصاحبتها بما يتمِّمها من إشارات يدوية وحركات جسمية, ثم توسعت واكتسبت سعةً وشمولاً بحكم علاقات المحاورة والمشابهة التي تعتور الدلالات, وبذلك يمكن أنْ تُفسر المشكلة التي نحن بصددها؛ وهي الأسلوب الذي سار عليه الإنسان في مبدأ أمره, وعليه لا يتصور عليه هناك وضع بالمعنى الأصولي وإنَّما يكون إتّخاذ الأصوات والألفاظ تدريجياً عفوياً, وإستدلّوا عليه بجملة من الأمور:

الأول: التجربة؛ فقالوا بأنَّ إرتقاء اللغة وتدرجها في المراحل التي ذكرناها تتَّفق في كثير من وجوهها مع مراحل الإرتقاء اللغوي في الطفل, وهذه المراحل التي يختارها الطفل تمثل المراحل التي إجتازها النوع الإنساني في هذا المظهر.

الثاني: الإستقراء؛ فإنَّ العلماء وجدوا أنَّ خصائص اللغة الإنسانية في بداية مراحلها تتَّفق مع الخصائص الموجودة في لغات الأُمم البدائية الموجودة في عصرنا الحاضر, التي هي بعيدة عن الحضارات, فإنَّ فيها تكثر المفردات التي تشبه الأصوات, أو لنقصها يستعين المتكلمون بها ببعض الإشارات, وهذه النظرية وإنْ لم يقم دليل عقلي على صحتها أو سقمها ولكنها أقرب إلى الواقع, لكن ليست بصورتها التي طرحها علماء اللغة والإجتماع, بل لا بدَّ أنْ يكون هناك من أضفى إلى اللغة البدائية بعض السمات الخاصة لتتميز عن سائر ما يصدر عن الحيوانات, فإنَّ الإنسان خُلق كاملاً مزوداً بقدرات هائلة إمتاز بها عن سائر الحيوانات, لا سيما ما بدأ به آدم علیه السلام , وهو خليفة الله في أرضه ونبي من أنبيائه, وقد علَّمه الله عَزَّ وَجَلَّ الأسماء كلَّها, والأنبياء هم الأفذاذ من أفراد البشر وقد إزداد الإنسان

ص: 94

بهم رُقيّاً, فليس في هذه النظرية وضع حتى نبحث عن خصوصياته, وهذا هو المختار الذي يوافقه الإعتبار, ولو كان هناك وضع من شخص معين لأشارت إليه النصوص القرآنية وغيرها, ومن هنا يتبين أنَّه ليس هناك واضع معين حتى نبحث في تعيينه, وما ذكروه ليس إلا من باب التخمين الذي لم يقم عليه دليل, نعم؛ إنَّ الوضع قد تغير بعد نشأة اللغة فكان له سماته وخصوصياته, فيمكن أنْ يقال: جعل اللفظ للمعنى مِمّا يحصل بعده إرتباط ودلالةوعلاقة له، ومع ذلك فقد إختار المحقق النائيني قدس سره أنْ يكون الواضع هو الله تعالى, واستدلَّ عليه بأمرين؛ كلاهما موضع نقاش:

أولاً: إنَّ اللغة تشتمل على دقائق فنية, إمّا أنْ ترجع إلى اللغة أو ترجع إلى المعنى, وهي تفوق عادةً قدرة جمع من البشر على تنظيمها وإبداعها؛ فضلاً عن شخص واحد.

ثانياً: إنَّه لو كان الواضع شخصاً معيناً لنقل التاريخ لنا ذلك وخلَّد ذكره, وهو مفقود في أيِّ لغة من اللغات. وقد ناقش العلماء (قدس الله أسرارهم) كلا الأمرين بما لا نزيد عليه ولا نحتاج إلى ذكره, لا سيما بعدما عرفت أنَّ الواضع لم يكن شخصاً معيناً حتى يبحث عنه, والإنسان إنَّما وصل إلى تلك الدقائق الفنية في اللغات في مسيرته الثقافية الحضارية بما ألهمه الله تعالى من القدرات الكافية, وقد بدأ من الأمور البسيطة كحياته البدائية البسيطة إلى ما وصل إليه من الرقي والكمال تدريجياً, وهو مستمر فيها إلى ما يعلمه الله تعالى, فاشتركت الأجيال المتعاقبة في صنع اللغة المتكاملة وليست من صنع شخص معين حتى يستبعد نقل التاريخ لإسمه ورسمه.

ثم أنَّه ذكر السيد الصدر قدس سره بعض المبعدات لإتّجاه بشرية الوضع لا تخلو عن النقاش: منها؛ إنَّه لا يمكن بمقدور الإنسان أنْ يعرف إمكانية الإستفادة من الألفاظ ووضعها بإزاء المعاني لولا إلهام من الله تعالى وتدخل منه عَزَّ وَجَلَّ في هذا الشأن, وهو صحيح في

ص: 95

الجملة كما عرفت, فإنَّ الإنسان في جميع أموره لا يمكنه الوصول إلى مقاصده ومنها الوضع الذي نبحث فيه إلا بإلهام منه عَزَّ وَجَلَّ وتزويده بقدرات كافية, ولكن ذلك لا ينافي بشرية الوضع.

ومنها؛ إنَّ ظاهرة اللغة في ضوء المسالك المعروفة في تفسير الوضع تتطلب درجة بالغة من النضج الفكري والتطور الإجتماعي تؤهل الإنسان البدائي لفهم معاني التعهد والإلتزام أو الجعل والإعتبار ونحو ذلك, وهذا النضج الفكري إنَّما حصل للإنسان في مراحل متأخرة.

وفيه: إنَّ الإنسان خلق متكاملاً, وعنده من المؤهلات ما يمكنه الإستفادة منها في فهم الموضوعات, ولكن عرفت أنَّ نشأة اللغة لم تحصل عند الإنسان البدائي بهذا الشكل المتكامل الموجود عند الإنسان الكامل من حيث النضج الفكري والتطور الإجتماعي, وإنْ كان يمكن تصوير ذلك لأنَّه قادر على إبداع تلك المعاني.

ومنها؛ إنَّه لو سلم إدراك الإنسان تلك المعاني الدقيقة لكنه كيف قدّر له أنْ يُفهِم الآخرين ويتفاهم معهم في تلك الأفكار؟!, فهي ليست من القضايا الساذجة المحسوسة حتى يمكن التفاهم عليها بالرموز والإشارات.وقد عرفت فساد ذلك بأنَّ اللغة عند الإنسان البدائي لم تكن تقبل بتلك المعاني أبداً, وإنَّها حدثت بعد التطور وبلوغ الإنسان مرحلة من النضج الفكري.

ومنها؛ إنَّه كيف نفسّر إتّفاق مجموعة من الناس على لغةٍ معيّنةٍ؟!, فهل كان من باب الصدفة التي هي بعيدة عن حساب الإحتمالات؟ أو جعل من عند أحدهم وتبعه الآخرون؟.

ولكن يرد عليه بما عرفت من أنَّ نشأة اللغة غير الذي يذهب إليه الأصوليون.

ص: 96

والحاصل: إنَّ نشأة اللغة قد مرَّت بمراحل متعددة, وكان الأنبياء والحكماء لهم الدور الكبير في تهذيب اللغة وتنقيحها, مضافاً إلى ما وهب الله تعالى الإنسان من القدرة والذكاء والمواهب الخلاّقة.

ومن ذلك يتبيّن أنَّ ما ذكرهُ السيد الوالد قدس سره , كما يظهر أيضاً من كلام السيد الصدر قدس سره في الجمع بين من يقول بإلهية الوضع وببشريته؛ هو الأقرب إلى الصواب.

وفي ختام البحث نورد كلام الإمام الصادق علیه السلام الذي نقله المفضل الجعفي في توحيده، فإنَّه يدلُّ على ما ذكرناه، قال صلوات الله عليه: (وكَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْ ءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ ولِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ وكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كَكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ والسِّرْيَانِيِّ والْعِبْرَانِيِّ والرُّومِيِّ وغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ)(1).

والمستفاد منه:

1- إنَّ واضع اللغات والكتابات هم البشر, ولكن ذلك لا ينافي أنْ يكون الوضع بتعليم الله تعالى مباشرة؛ كما بالنسبة إلى آدم علیه السلام حيث علَّمه أسماء الأشياء, فيكون أصل الوضع إلهي, وسائر خصوصياته إصطلاحي كما هو واضح.

2- دلالة الحديث على كون الأوضاع تعيينية أو تعينية.

3- الإشارة إلى أنَّ اللغات إصطلاحات وإعتبارات أُضطر إليها البشر؛ فراجع.

ص: 97


1- . بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج3 ص82.

البحث الثاني: أقسام الوضع

اشارة

ينقسم الوضع بتقسيمات متعددة؛ فإنَّه تارةً يكون بلحاظ أقسام المعنى الموضوع له اللفظ.وأخرى بلحاظ أقسام اللفظ للموضوع.

وثالثة بلحاظ أنحاء نشوء العُلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، وهناك تقسيمات أخرى سيأتي التنبية عليها.

التقسيم الأول: الوضع باعتبار كونه حكماً وحملاً وربطاً لا بُدَّ من تصوره، وباعتبار كونه نسبة بين منتسبين هما الموضوع له والموضوع فلا بُدَّ للواضع ملاحظة المعنى الموضوع له كليَّاً أو جزئياً, ومن أجل ذلك إنقسم إلى أربعة باعتبار المعنى الموضوع له، ويكون الحصر فيه عقلياً، لأنَّ الملحوظ إمّا عام أو خاص، وعلى كلٍّ منهما فاللَّفظ إمّا أنْ يوضع على عامّ أو خاص.

واختلف الأصوليون في إمكانها ووقوعها. وقد ذهب جمعٌ منهم إلى أنَّها في مقام التصور والإمكان أربعة؛ كما ذهب إليه صاحب بدائع الأفكار،

ولكن عند صاحب الكفاية إنَّها في مقام التصور أربعة وفي مقام الإمكان ثلاثة وفي مقام الوقوع إثنان؛ وهو المشهور بينهم.

1- الوضع العام والموضوع له العام.

2- الوضع الخاص والموضوع له الخاص.

3- الوضع العام والموضوع له الخاص.

4- الوضع الخاص والموضوع له العام.

ص: 98

أمّا القسم الأول: فقد مثَّل المشهور له بأسماء الأجناس ولا إشكال فيه، وذكر السيد الوالد(1) قدس سره أنَّه يُتصور على نحوين: فتارة يتصور الواضع المعنى الكلي ويضع اللفظ بإزائه، وأخرى يتصور العام من حيث الإضافة إلى الحصص مع قطع النظر عن المضاف إليه ويضع اللفظ بإزاء مثل هذا العام المتخصص، وقال السيد الوالد قدس سره أنَّ هناك صورة أخرى يأتي التنبيه عليها.

والقسم الثاني: فقد مثَّلوا له بأسماء الأعلام, فإنَّ الواضع فيها يلحظ معنىً خاصاً ويضع اللفظ لذلك المعنى الخاص. وذكر السيد الوالد قدس سره أنَّه بالإمكان أنْ نرجع أسماء الأعلام إلى القسم الثالث(2)؛ بأنْ يلحظ معنىً عاماً لمطلق الذكور، ثم يضع لفظ (الحسن) لذلك المصداق الخاص, وهو المولود الجديد, أو يلحظ مطلق الإناث ثم يضع لفظ (فاطمة) للمصداق المخصوص.

وكيف كان؛ فلا إشكال في إمكان القسمين ثبوتاً ووقوعهما في الخارج.

والقسم الثالث: فإنَّ الواضع فيه قد تصور المعنى العام باعتباره حاكياً عن الأفراد والمصاديق وقد وضع اللفظ باعتبار تلك الخصوصيات، فيصير من قبيل ما هو متَّحد اللفظ ومتكثّر المعنى؛ كالمشترك اللفظي، وقد وقع الخلاف فيه.

فقيل بأنَّه ممكن؛ واستدلُّوا عليه بأنَّ الكلي يصلح أنْ يكون حاكياً عن الأفراد والمصاديق على حقيقتها, بحيث لا يحتاج إلى إصدار حكم عليها إلى استحضار تلك الجزئيات في الذهن، ولا يعتبر في الوضع أو أيِّ حكم من الأحكام الإلتفات تفصيلاً إلى الجزئيات المحكوم عليها, فيكون الحكم عليها بواسطة ذلك العنوان العام وهو العنوان الكلي

ص: 99


1- [1].تهذيب الأصول؛ ج1 ص15.
2- .وهو الوضع العام والموضوع له الخاص.

للحكم على الأفراد من خلاله، من دون إلتفات إلى المصاديق والأفراد, فيلحظ ذلك العام طريقاً إلى أفراده ويوضع له اللفظ من طريقه وبتوسيطه، وبعبارة أخرى؛ إنَّ العام يصلح أنْ يكون وجهاً للأفراد فيكون تصوره تصوراً لها بوجه، نعم؛ قد يغاير ذلك العنوان الكلي مع الجزئيات ذاتاً في بعض الأحيان؛ كما إذا كان المفهوم الكلي معنىً إسمياً والجزئيات معانٍ حرفية, لكن هذا التغاير إنَّما يكون بالحمل الشائع في الخارج, وأمّا في الذهن يكون الحمل من قبيل الحمل الأولي ومن إتّحاد المعنى الكلي مع المصاديق والمعاني الجزئية, ومن هذه الجهة صحَّ أنْ يحكم عليها من خلال ذلك المفهوم العام؛ لأنَّه يكفي في مقام إصدار الحكم على موضوع فرض إستحضاره في الذهن ولو بالحمل الأولي ولا يشترط إحضاره بالحمل الشائع. نعم؛ يشترط ذلك في مرحلة جريان الحكم على الموضوع في الخارج كما هو معلوم(1).

وقيل بأنَّه غير ممكن؛ واستدلُّوا عليه بوجوه:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق العراقي(2) قدس سره بأنَّ العام باعتبار إنتزاعه عمّا به الإشتراك بين الأفراد لا يصلح أنْ يكون وجهاً لأفراده بخصوصياتها، ولا يكون تصوره تصوراً للخاص بوجه لتقوم الأفراد بالخصوصيات، والمفروض إغفالها وتجريد الأفراد عنها في انتزاع المفهوم العام الذي لا يمكن إلا عن القدر المشترك والجامع فقط.

وعليه: فإنَّه عند إرادة الوضع؛ إنْ إستحضر الواضع ذلك المفهوم الكلي الجامع ووضع اللفظ بإزائه يكون من الوضع العام والموضوع له كذلك؛ وهو خلاف المقصود.

وإنْ إستحضر الأفراد ونفس المفاهيم الجزئية ووضع اللفظ إزائها كان من الوضع الخاص والموضوع له كذلك؛ وهو خلف.

ص: 100


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص88.
2- .مقالات الأصول؛ ج1 ص19.

وإذا وضع اللفظ للمفهوم الكلي باعتبار كونه فانٍ في الأفراد وحاكياً عن الخارج بحيث يكون المقصود قيام العلاقة الوضعية بالمحكي والمفنّي فيه فهو غير معقول؛ فإنَّ المفهوم لا يكون فانياً في المفاهيم الجزئية, بل في الواقع الخارجي المحكى بالمفهومين؛ الكلي والجزئي بلحاظين، فيؤدي ذلك إلى إقامة العلاقة الوضعية بين اللفظ والخارج إبتداءً وهو باطل، لأنَّ العلاقة الوضعية إنَّما تكون بين المفهومين.

وإنْ كان الوضع للمفهوم الكلي باعتبار كونه فانياً في المفاهيم الجزئية ويوضع اللفظ بهذا اللحاظ صحَّ ما ذكر من الوضع العام والموضوع له الخاص, ولكنه غير صحيح؛ لأنَّ المفهوم الكلي والمفهوم الجزئي متباينان, فلا يتحقق بينهما الفناء والحكاية وإنْ كانا متَّحدين في الخارج.

وقد أجاب المحقق نفسه عن الإيراد المزبور بأنَّ المفاهيم على قسمين:

قسم منها لا يحكي عن الأفراد, لكونها منتزعة من الخارج, والخصوصيات مشتركة بين الأفراد سواءً كانت ذاتية كمفاهيم الجواهر أم أعراضاً.

وقسم منها ما تكون منتزعة عن المفاهيم باعتبارها من المعقولات الثانوية كمفهوم الفرد والمصداق والشخص.

فالقسم الأول لا يكون صالحاً للحكاية عن الأفراد ولو إجمالاً كما عرفت.

والقسم الثاني يصلح للحكاية الإجمالية وهو يكفي في الوضع.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ إنتزاع المفهوم العام الذي يتصوره الواضع ليس في الخارج حتى يرد عليه ما ذُكر، بل إنَّما يكون من نفس المفاهيم الجزئية التي هي من قبيل المعقولات الثانوية، كمفهوم الفرد والشخص والجزئي ونحو ذلك، فإنَّه مفهوم ينتزع من زيد وعمر وخالد وهكذا, وبذلك يَصدُق الوضع العام والموضوع له الخاص؛ لأنَّ ذلك المفهوم حاكٍ عن

ص: 101

الأفراد ويوضع اللفظ له بهذا اللحاظ. وبعبارة أخرى؛ المفهوم الإنتزاعي عن الخصوصيات المنطبقة.

الوجه الثاني: ما ذكره السيد الخوئي(1) قدس سره قريبٌ مِمّا ذكره المحقق العراقي لكنه بتغيير في الألفاظ، فقال: (إنَّ المفهوم في مرحلة المفهومية لا يحكي إلا عن نفسه, فيستحيل أنْ يكون المفهوم حاكياً عن مفهوم آخر؛ جزئياً كان أو كلياً من كليهما. فكما لا يعقل أنْ يحكي المفهوم الخاص بما هو خاص عن مفهوم آخر خاص أو عام كذلك لا يحكي المفهوم العام بما هو كذلك عن مفهوم آخر خاص أو عام، بداهةَ أنَّ كل مفهوم يحكي عن نفسه وإرائته تكون عن شخصه لا عن شيء آخر، فكيف يكون معرفاً بغيره بوجه).

وأجاب أيضاً عن ذلك بما يشبه ما ذكره المحقق العراقي قدس سره ، فقال: (إنَّ بعض العناوين الكلية التي تنتزع عن الأفراد والخصوصيات الخارجية كمفهوم الشخص والفرد والمصداق ونحو ذلك فهي تحكي عن الأفراد والمصاديق بوجه ولو على سبيل الإجمال فيكون تصورها بنفسها تصوير للأفراد بوجه وعنوان وتكشف كشفاً ذاتياً ولو إجمالاً، وهذا يكفي في عملية الوضع، ومن ثم جاز الحكم عليها في القضية الحقيقية، وإلا استحال الحكم عليها مطلقاً وهو واضح البطلان).

وأجاب أيضاً السيد الصدر(2) قدس سره بتعبير فلسفي كما هو دأبه؛ بأنَّ الجامع تارةً يكون حيثيته ثابتةً في أفراده ضمناً، فلا يعقل حكايته عن الأفراد بخصوصياتها لأنَّ مرجعه إلى حكاية الجزء عن الكلِّ، وهذا ما يكون دائماً في الجامع مع أفراده بالذات، وأخرى تكون حيثية الجامع قائمة بأفراده قياماً عرضياً على نحو تكون قائمة بهذا الفرد بخصوصه

ص: 102


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص55.
2- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص89.

وبذاك بخصوصه, وفي مثل ذلك يمكن أنْ يكون الجامع مرآة للأفراد، وفانياً فيها في مقام إصدار الحكم عليها، فأشكل على المحقق العراقي من عدم كفاية العنوان الإنتزاعي الإختراعي، فإنَّ منشأ العنوان الإنتزاعي هو الذي ذكره السيد الصدر قدس سره , وأشكل عليها بعض الأعلام بأنَّ المفاهيم المنتزعة عن الخصوصيات المنطبقة, أو بتعبير آخر؛ المفاهيم المنتزعة الكاشفة عن الخصوصيات كشفاً ذاتياً؛ مفاهيم عامة وضع بإزائها بعض الألفاظ الدالَّة عليها كلفظ الفرد والشخص ونحو ذلك، ومن الواضح أنَّ الوضع كذلك يكون من الوضع العام والموضوع له العام لعموم الملحوظ والموضوع له، إذ الوضع دائماً يكون بإزاء الكلي والمفهوم العام لا نفس الأفراد، ولا معيِّن للوضع للأفراد كي يصرف الوضع عن المفهوم إليها سوى الإشارة الذهنية أو المفروض إنتفاؤها، ومجرد صلاحية المفهوم للإنطباق والكشف عن أفراده لا تكفي فيصرف الوضع للأفراد ما لم يكن صارف يعين الأفراد موضوعاً له، فلا بُدَّ من صرف الوضع للأفراد وكونه بإزائها من الإستعانة بالإشارة إلى المفاهيم الجزئية, ومن هنا تكون القضايا الحقيقية أيضاً كذلك,

فلا بدَّ من الإشارة الذهنية بتصحيح الحكم فيها.

ويمكن الإشكال عليه؛ أولاً: إنَّ عالم الذهن والتصور أوسع مِمّا ذكروه, فإنَّه قد يكون الشيء مستحيلاً في الخارج لكن في الذهن والتصور لا يكون كذلك, ومن هنا قيل فرض المستحيل ليس بمحال، فقد يتصور الإنسان في ذهنه أمراً يختلف من الحيثيات والجهات.

مثال ذلك: نفس لفظ الكلي ومفهومه, فإنَّه قد يتصور من جهة كونه منطبقاً على أفراده فيكون كلياً طبيعياً، ومن جهة تعريفه يكون منطقياً, ومن جهة كونه مفهوماً من المفاهيم يكون صناعياً، وهو في جميع ذلك واحد ولكن إختلف هذا الموجود الذهني باختلاف الحيثيات والجهات، فاختلف الحكم عليه؛ فلا ضير في أنْ يكون المفهوم الذي يوضع عليه

ص: 103

اللفظ من حيثية يكون مفهوماً كلياً، ومن جهة إنطباقه على الأفراد وأنَّه وجه من وجوهها فإذا تحقق الوضع من هذه الجهة يكون من الموضوع له الخاص والوضع عاماً.

ثانياً: إنَّ الإشارة الذهنية التي يدَّعيها إنْ كانت إشارة إلى الكليات الموجودة في الذهن عاد الإشكال الذي ذكره ولم تفد الإشارة الذهنية في رفعه فإنَّها لا تعين الأفراد ويكون الوضع بالنسبة إلى ذلك المشار إليه العام أيضاً من الوضع العام والموضوع له العام، وإنْ كانت إشارة إلى الأفراد فإنَّه يكفي المعقول الثانوي أو المفاهيم المنتزعة من الخصوصيات المنطبقة أو الكاشفة عنها كشفاً ذاتياً في رفع المحذور, فإنَّ فيها من الإشارة ما يكفي لذلك فما ذكره ليس إلا إعادة للإشكال.

ثالثاً: ما ذكره في مطاوي بحثه من أنَّ الوضع حكم لا يحتاج إلى شيء سواءً تعيين الموضوع له وتشخيصه, وهو يتحقق إمّا بواسطة إحضار نفس المعنى والحكم مباشرة عليه, أو يكون بواسطة الإشارة إليه بمشير ما.

مردود بأنَّ الوضع إعتبار خاص يختلف منشأ اعتباره كما عرفت في بحث حقيقة الوضع، وكلُّ ما ذكره الأصوليون في المقام وغيره مبنيٌّ على ما إذا كان الوضع حكماً أو جعلاً وغير ذلك مِمّا ذكروه، وعلى فرضه فلا بُدَّ أنْ يكون تجريد أو تفريد وكلاهما يكون في الذهن.

الوجه الثالث: إنَّ الخصوصية المأخوذة في الموضوع له إمّا خارجية أو ذهنية، وعلى الأول يلزم أنْ يكون إستعمالها بنحو الكلية مجازاً، كقولهم (من) للإبتداء.

وعلى الثاني يلزم عدم الصدق على الخارجيات؛ وكلاهما خلاف المحاورات.

وقد أجاب السيد الوالد(1) قدس سره عنه بما يرجع إلى ما ذكرناه من أنَّ الوضع إعتبار خاص, والإعتباريات خفيفة المؤونة.

ص: 104


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص16.

أمّا الأول: فلأنَّ الكلية فيها تبعية، والكلية التبعية من جهةٍ لا تنافي الخصوصية من جهة أخرى.

وأمّا الثاني: فلأنَّ الخصوصية الذهنية أخذت مرآة إلى الخارج فيَصحُّ الصدق على الخارجيات قهراً, نعم؛ لو قيّدت بما في الذهن لا تصدق على الخارجيات، ولكنه باطل لا يقول به أحد.

والحقُّ أنْ يقال إنَّ جميع ما ذكر في هذا المقام مبنيٌّ على التصورات المعروفة في الوضع, وإنَّه حكم وتشريع خارجي، وأمّا على ما ذكرناه فإنَّه ليس إلا إعتبار خاص, وإنَّ الوضع إنَّما هو قرن لفظ بمعنى سواء كان بالمحاكاة كما تقدم، أو بالإقتران بينهما، ففي الأول يكون الأمر بسيطاً؛ فإنَّه لا تكون عملية حتى نحتاج إلى حكم وتشريع، وغالباً ما يكون في هذه المرحلة الإختصاص بين الجزئيات. وفي الثاني يكون إستحضاراً في الذهن, وهو فسيح جداً وله القابلية في تصوير الوضع عاماً أو خاصاً، والموضوع له كذلك بأيِّ نحوٍ أمكنه, ولا يلزم منه ما ذكروه في المقام وغيره.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ هذا القسم أيضاً مثل سابقيه ممكن، وأمّا تطبيقه؛ فالمشهور أنَّه على المعاني الحرفية والهيئات باعتبار أنَّ معانيها ليست من سنخ المعاني المعروفة التي يمكن أنْ ينالها العقل مستقلاً، ولا يكون اللفظ موضوعاً بإزاء مصاديق تلك المعاني غير المستقلة, فيكون الواضع في إيجاد العلقة الوضعية بينهما متَّبعاً طريقة الوضع العام والموضوع له الخاص وهو موضع نقاش, وقد أفردَ الأصوليون بحثاً خاصاً في المعاني الحرفية.

القسم الرابع: وهو الوضع الخاص والموضوع له العام, والمشهور المعروف أنَّه غير ممكن فضلاً عن وقوعه، ودليلهم يظهر مِمّا سبق وهو: إنَّ الخاص لا يمكن أنْ يكون وجهاً للعام بخلاف العكس, قال في الكفاية: (إنّ العامَّ يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك فإنه من وجوهها ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه, بخلاف الخاص؛ فإنَّه

ص: 105

بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام ولا لسائر أفراده, فلا تكون معرفته وتصوره معرفة له ولا لها أصلاً ولو بوجه).

ويمكن إرجاع كلمات المحققين كالإصفهاني والعراقي وغيرهما (قدست أسرارهم) إلى ما ذكره المحقق الخراساني؛ وإنْ كانت عباراتهم متفاوتة ولكنها في الواقع واحدة.وفيه: إنَّه تحديد للذهن وتصوراته, فإنَّه يمكن أنْ يتصور الذهن الإنساني فرداً يكون مظهراً للعام ووجهاً له، ولا أظنُّ أنَّ ذهن الواضع يختلف عن ذهن الشاعر الذي يتصور وجوهاً خيالية بعيدة صحيحة تعتبر من أروع الصور الفنية للشعر، فيمثل الشخص عنواناً للجامع، كما تصور المعري السيد المرتضى وبيته وزمانه عنواناً للإنسان الكلي والزمان والمكان المطلقين.

وفي القرآن الكريم والسُنَّة المطهرة ما يرشد إلى ذلك، ولا أخالف الواقع لو قلت بأنَّ أكثر الوضع عند الإنسان البدائي القديم كان من هذا القسم, فكان يأخذ جزئياً ويتصوره بحكم بساطته ويجعله عنواناً للجامع والكلي؛ كما هي العادة في مجتمعنا, فيحكمون على الصنف بحكم إيجابي أو سلبي من فرد معين, وإنَّ من خصوصيات الذهن عملية التفريد والتجريد والتعميم ونحو ذلك, وإنَّه بهذه العمليات الكلية الراقية إمتاز الإنسان عن غيره من سائر أفراد الحيوانات, وقد نقل السيد الوالد قدس سره في درسه عن بعض أساتذة المحققين بأنَّه يمكن أنْ يتصور الواضع الخبز لعنوان المأكول ويضع لفظ الأكل له, فيكون الوضع خاصاً والموضوع له عاماً.

وإلى القول بمعقولية هذا القسم ذهب جمع من المحققين, ومنهم المحقق الرشتي والمحقق اليزدي والسيد الوالد, وشبَّه الأول منهم بالحكم لمنصوص العلة؛ فإنَّ الموضوع للحكم فيه شخصي، ومع ذلك يسري إلى كلِّ ما فيه العلة.

ص: 106

والإشكال عليه: إنَّ الحكم في منصوص العلة أنَّ العرف يرى أنَّ الحكم معلَّق على الكلي دون الخاص غير سديد, فإنَّ فهم العرف إنَّما كان بعد وضع الحكم وتشريعه, فالحكم والواضع هما يختاران كيفية الوضع والحكم.

نعم ذَكرَ بعض الأعلام أنَّ إمكان هذا القسم يبتني على ما ذكره الأعلام في القسم الثالث؛ من أنَّ العام إذا كان وجهاً من وجوه الخاص صحَّ أنْ يقال بأنَّ الخاص أيضاً وجه من وجوه العام الإجمالي ولا فرق بينهما، والإشكالات المذكورة عليه غير سديدة لكنه إشترط في القسم الثالث بأنَّ ذلك غير كافٍ, فإنَّه يحتاج إلى الإشارة الذهنية, فإذا صحَّت فيه فلا تصحُّ الإشارة في هذا القسم أبداً، لأنَّ الإشارة تحتاج إلى رابطة تربطها بالمتصور والملحوظ حال الوضع, فلا بدَّ من رابط يربطها فيما نحن فيه بالخاص، ولا يخفى أنَّ الرابط لا يكون إلا مفهوماً عاماً, وبناءً عليه يكون الوضع دائماً فيه كالموضوع له عامّاً وهو خلاف الفرض.

التحقیق في المعنی الحرفي

ويمكن أنْ يجاب عنه بأنَّ الإشارة الذهنية على فرض إعتبارها يكفي فيها الترابط بين الخاص الذي يكون وجهاً للعام باعترافه فيكون الملحوظ حال الوضع ذلك الخاص، والوضع بإعتبار العام ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك. ثم أَّنه ذكرنا أنَّ بعض الأصوليين مثّلوا للوضع العام والموضوع له الخاص بوضع الحروف وتوابعها من الهيئات وأسماء المبهمات, فلا بدَّ من صرف عنان الكلام إليه, وهموإنْ أطالوا في البحث أيضاً إلا أنَّنا نذكر المعروف ونترك غيره الذي ثبت عند العلماء بطلانه, فمن أراد سعة الإطّلاع فليرجع إلى الكتب المفصلة وهي كثيرة, ولا بدَّ من تمهيد نذكر فيه أموراً:

الأول: لا ريب في وجود المعاني الإسمية والمعاني الحرفية في الكلام الدائر بيننا, وإذا رجعنا إلى كتب اللغة نرى أنَّ اللغويين يذكرون مقابل كلّ حرف معنى، فمثلاً يقولون أنَّ (من) للإبتداء, و(على) للإستعلاء، و(هل) للإستفهام ونحو ذلك.

ص: 107

كما يضعون للأسماء والأفعال معاني، وقد لاحظ العلماء -ومنهم الأصوليون- أنَّ هناك فرقاً بين معاني الأسماء والأفعال، كأنْ يُقال: البلبل هو الطائر المغرِّد، أو يُقال: جلسَ بمعنى قعدَ، وبين المعاني التي يذكرونها للحروف.

فإنَّ في الأول يكون وحدة بين الكلمة المشروحة والكلمة الشارحة أو ترادفاً بينهما بحيث يصحُّ إستبدال أحدهما مكان الآخر في مقام الإستعمال من دون أنْ يختلَّ المقصود من العبارة.

بينما في الحروف لا يتأتى ذلك بحالٍ من الأحوال، فلا يصحُّ إستعمال الإبتداء بدلاً عن (من) ولا الظرفية بدلاً عن (في), وهذه الظاهرة هي التي إستأثر بها إهتمام علماء الأصول فدفعتهم إلى البحث عن المعاني الحرفية ومدلولات الحروف؛ ليصلوا إلى الفرق بين المعاني الإسمية والمعاني الحرفية، وهم لا يشكون في معانيها ولا مدلولاتها،وكما لم يقع خلاف في مواضع إستعمالاتها, فإنَّ جميع ذلك مِمّا لا خلاف فيه عندهم، ولو فرض وجود غموض في شيءٍ منها إنَّما يرجع إلى كتب اللغة في رفعه أو الرجوع إلى الوسائل في تشخيص ذلك مِمّا سيأتي ذكرها.

فالبحث المعقود في الأصول ينصبُّ في تعيين الفرق بين المعنى الإسمي والمعنى الحرفي بعد عدم إمكان إستعمال أحدهما مكان الآخر رغم كونه شرحاً له وتحديداً لمعناه.

الثاني: إنَّ ما يمكن أنْ يدخل في نطاق معاني الألفاظ أربعة: ذاتٌ كزَيدٍ, وفعلٌ كقَرأَ، زمانٌ أو مكانٌ قد يستقل، كما إذا قيل قرأ زيدٌ يومَ الجمعة، وقد لا يستقل، كما يقال: قراءةُ زيدٍ، وضَرَبَ زيدٌ، وربط زماني أو مكاني أو غيرهما بينهما مثل من البصرة، وفي السبت أو مررتُ بزيد ، ونحو ذلك.

ص: 108

والمعروف في العلوم العقلية أنَّ الموجودات على أقسام أربعة:

إمّا موجود لنفسه في نفسه بنفسه؛ وهو منحصر في واجب الوجود.

أو موجود لنفسه في نفسه بغيره؛ كالجواهر.

أو موجود لنفسه في غيره بغيره؛ كالأعراض.

أو موجود لغيره في غيره بغيره؛ كالوجود الرابط.فهل المعاني الموضوعة أيضاً كذلك؟.

ذهب إليه جمع من المحققين منهم السيد الوالد قدس سره فقالوا: إنَّ المعاني إمّا للغير وفي الغير وبالغير؛ كالمعاني الحرفية, وإمّا لنفسه بغيره كالمعاني الاسمية الجوهرية، وإمّا لنفسه في غيره بغيره؛ كالأعراض إسماءً كانت أو أفعالاً، وإمّا لنفسه بنفسه في نفسه؛ وهو منحصر في الله تعالى.

وكيف كان؛ فمن قال بأنَّ المعنى الحرفي من المعاني للغير وفي الغير وبالغير فلا يكون له وجود حتى يكون له وضع مستقل, بل هو مع النسب والإضافات تكون في الغير من تمام الجهات مفهوماً وذاتاً ووجوداً لا في الأخير فقط حتى تكون كالأعراض، بل مفهومها وذاتها ووجودها فانٍ في الغير فناءً تاماً, ولا نفسية لها بوجه نظير الربط المحض الذي لا نفسية له أبداً، وما هو كذلك يكون وضعها تبعياً وغيرياً أيضاً, فهي مع أسماء الأجناس يكون الوضع كالموضوع له عاماً، ومع الأعلام يكونان خاصين لأجل تبعيتها المحضة والفناء المطلق, فيكون وضعها نوعياً تبعياً لمتعلقاتها؛ إنْ عامّاً فعام، وإنْ خاصاً فكذلك، ويكون الربط حينئذٍ منافياً للتشخص، فما ذكره الحكيم السبزواري وغيره من أنَّ الوجود رابط ورابطي غير سديد فإنَّ الوجود مساوق للتشخص ولا تشخص في الربط المحض إلا أنْ يراد به التبعي. وسيأتي تمام الكلام.

ص: 109

الثالث: المراد من المعنى الحرفي في إصطلاح الأصوليين كلُّ ما لا يستقل بالذات, أو ما لا تحصّل له إلا في الغير وبالغير فيشمل جميع النسب والإضافات والهيئات التي لا إستقلال لها بوجهٍ.

ومورد البحث فيه ما يلحظ من حيث الفناء في المتعلق والقيام به وأمّا إذا لوحظ في نفسه وبنفسه فيخرج عن موضوع البحث قهراً لصيرورتها بذلك من المعاني المستقلة الملحوظة بنحو العنوان المشير إلى المعاني الحرفية لا أنْ تكون عينها لاستحالة ذلك، ومن ذلك يظهر أنَّ المعنى الحرفي يعرض عليه ما يعرض على المعنى الإسمي, فإنَّه قد يكون حقيقياً أو خارجياً أو ذهنياً كلياً أو جزئياً، مستقلاً وغير مستقل.

وقد يوضع له الإسم والفعل والحرف؛ كما إذا قال: الدار ملك زيد، أو الدار يملكها زيد، أو الدار لزيد، فإنَّ ملك ويملك واللام كلّها للربط، إذ في الخارج زيد والدار وربط بينهما, وهو مفاد اللام التي هي الأصل.

وقد يكون له إسم أو فعل كما تقدم، وقد يكون له إسم وحرف مثل زيد فوق الدار، أو زيد على الدار، وقد يكون له إسم فقط من دون أنْ يكون له حرف مثل زيد تحت الدار.

الرابع: وردت روايات عديدة ربما يستفاد منها في تعيين بعض الأقوال لا بأس بذكرها, فقد روى أبو الأسود الدؤلي عن أمير المؤمنين علیه السلام أنَّه قال: (الاسْمُ مَاأَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى والْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى والْحَرْفُ مَا أَوْجَدَ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ)(1)، وهي مشهورة بين الخاصة والعامة, فقد إستدلَّ بها المحقق النائيني قدس سره على أنَّ المعاني الحرفية هي إيجادية وليست إخطارية, حيث أنّ الإمام علیه السلام عدل عن الإنباء في الإسم والفعل إلى الإيجاد بالنسبة إلى الحرف فقال: إنَّ المعنى الحرفي لا تقرر له في أيِّ وعاء غير وعاء الإستعمال

ص: 110


1- .الفصول المختارة للشيخ المفيد؛ ص91.

حتّى يدلُّ عليه الحرف، ويحكي عنه كما يحكي الإسم والفعل عن معانيهما، فالحرف آلة لإيجاد معناه فقط.

وقد ذكر السيد الوالد قدس سره (1) في شرحها بأنَّ المراد من الجملة الأولى الدلالة على المسمى، وهو صحيح بالنسبة إلى جميع الأجناس والأعلام، والمراد بالثانية الدلالة على أفعال الممكنات, حيث أنَّ غالبها متقومة بالحركة ولو كانت الحركة إرادية، والمراد بالأخيرة إيجاد النسب والإضافات في إستعمالات المعاني الإسمية والفعلية.

وفي رواية أخرى: (الإسْمُ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، والْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ بِهِ، والْحَرْفُ مَا جَاءَ لِمَعْنًى)(2).

وفي رواية ثالثة: (الاسْمُ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، والْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى والْحَرْفُ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمِ ولَا فِعْل)(3).

وغير ذلك مِمّا رواه العالم الكبير السيد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة وهي متواترة من جهة الصدور إلا أنَّ الإختلاف في المتن يوهن الإستدلال بها لإثبات أحد الأقوال.

فلا وجه لاستدلال المحقق النائيني قدس سره (4) بالرواية الأولى مع معارضتها بما تدلُّ على الإخطارية لما في الروايتين الثانية والثالثة.

وفي رواية عن مولانا الرضا علیه السلام : (واعْلَمْ أَنَّ الْإِبْدَاعَ والْمَشِيَّةَ والْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وأَسْمَاؤُهَا ثَلَاثَةٌ وكَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وإِرَادَتِهِ ومَشِيَّتِهِ الْحُرُوفَ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلًا لِكُلِّ شَيْ ءٍ ودَلِيلًا عَلَى كُلِّ مُدْرَكٍ وفَاصِلًا لِكُلِّ مُشْكِلٍ)(5).

ص: 111


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص17.
2- . الفصول المهمة في أصول الأئمة (تكملة الوسائل) للحر العاملي؛ ج1 ص681.
3- . المصدر السابق ص684.
4- . فوائد الأصول؛ ج1 ص53.
5- . عيون أخبار الرضا علیه السلام ؛ ج1 ص173.

ولكنها تدلُّ على أصل خلقة الحروف التي يتكون منها النطق ولا ربط لها بالمعنى الحرفي المبحوث عنه وإنْ كانت الرواية تشتمل على مباحث نفيسة ليس المقام محلّ التعرض لها.

ثم إنَّ الأقوال في المعاني الحرفية بين الإفراط والتفريط, وقد عدَّها بعضهم إلى ثمانية ويمكن تصنيفها ضمن إتّجاهات ثلاثة.الأول: علامية الحروف فليس لها وضع أبداً سوى كونها علامة كعلامات الإعراب.

الثاني: آلية المعنى الحرفي.

الثالث: نسبية المعنى الحرفي، واختلفوا في تفسيرها على أقوال نذكر المهم منها تباعاً.

الإتّجاه الأول: ما نسبه بعضهم إلى نجم الأئمة الشيخ الرضي وبعضٌ آخر إلى التفتازاني فقالوا: إنّ الحروف لم توضع بإزاء معنى بل هي علامات على حالات خاصة فيكون حالها كحال الإعراب، فكما أنَّ الرفع يدلّ على فاعلية الفاعل، والنصب على مفعولية المفعول في قولهم قرأ زيد الكتاب, وكذا تدلُّ (من) على الإبتداء و(إلى) على الإنتهاء.

وفيه من الفساد ما لا يخفى، فإنَّه إن أُريد أنَّها فارغة عن الدلالة والتأثير فهو باطل بضرورة الوجدان اللغوي والعرفي، وإنْ أُريد أنَّ الحرف ليس له مدلول في عرض مدلول الإسم والفعل اللذان يشاركانه في تكوين الجملة والكلام، فيكون مدلوله لتشخيص المراد من الإسم والفعل، ومن أجل ذلك يشبه الحركات الإعرابية.

ويرد عليه: إنَّه إنْ أُريد بذلك أنَّ الحرف يشخّص المراد الإستعمالي للإسم أو الفعل فهو غير صحيح، لأنَّ الإسم قد وضع للطبيعة, فاستعماله في المعنى الخاص بخصوصية خاصة التي أوجدتها، فالحرف يكون مجازياً، وإنْ أُريد أنَّ الحرف يعين القصد الجدّي فهو واضح البطلان، فإنَّ الحرف يساهم في تكميل الجملة في مرحلة الإستعمال.

وإنْ أُريد به أنَّ الحرف ليس له دلالة مستقلة كما هو الحال في الإسم والفعل فهو صحيح كما سيأتي وتقدم ما يدلُّ على ذلك.

ص: 112

الإتّجاه الثاني: إنَّ المعنى الحرفي آلة وحالة في غيره بخلاف المعنى الإسمي, فإنَّ له إستقلالية، وقد ذهب إليه صاحب الكفاية ونسبه إلى المحقق الرضي قدس سره (1) وعبارته في الكفاية غامضة كما هو دأبه قدس سره وقد فسرها العلماء بتفاسير متعددة، وأقرب ما يقال في توجيهها هو أنَّ المعاني الحرفية لا تختلف عن المعاني الإسمية ذاتاً، فهما متَّفقان في الموضوع له والمستعمل فيه، وهما في المعنيين عامان، وعليه يكون المعنى الحرفي نفس المعنى الذي يعبّر عن ذلك المعنى بالحرف كالإبتداء المعبّر به عن معنى (من) و(الإبتداء) كلاهما موضوعان لمعنى واحد.

والفرق بين المعنيين إنَّما هو إختصاص كلُّ واحد منهما بوضع معين, ففي المعنى الإسمي قد وضع الإسم ليُراد معناه بما هو هو وفي نفسه، ووضع الحرف ليُراد معناه لا كذلك بل حالّة في غير، وآلة لغيره، وهذا الإختلاف في الوضع هو الذيأوجب عدم جواز إستعمال أحدهما في الآخر، وإنْ إتّفقا فيما ذكرناه فيكون الإختلاف بينهما بلحاظ أمر عرضي خارج عن ذات المعنى، وهو كيفية لحاظ الذهن للمعنى حين الإستعمال من الآلية والإستقلالية. فلم تكن الآلية والاستقلالية من قيود الموضوع له ولا المستعمل فيه, بل في الوضع نفسه.

واستدلَّ على ذلك بأنَّ إشتمال معاني الحروف على تلك الخصوصية لا توجب جزئية الموضوع له فيها, لأنَّ الجزئية إمّا أنْ تكون خارجية, أو ذهنية وفي اللحاظ.

أمّا الأول: فهو منفي لأن الحروف كثيراً ما تستعمل في المعنى الكلي الذي له مصاديق كثيرة ولو بالعموم البدلي، كما إذا أمر المولى بالسير من البصرة إلى الكوفة، فإنَّه من الواضح تحقق الإمتثال من أيَّة نقطة من نقاط البصرة والإنتهاء إلى أيِّ نقطة من نقاط الكوفة، كما هو واضح في تحققه في السير بأيِّ نحوٍ كان مع عدم القرينة على التعيين، وهذا ظاهر في عموم

ص: 113


1- .شرح كافية إبن الحاجب للرضي؛ ج1 ص28. وأيضاً كفاية الأصول؛ ص41.

الموضوع له في الحروف, وإلا فإنَّ الإمتثال متوقفاً على إبتداء خاص وهو الذي قصده المولى ولم يقل به أحد.

وأمّا الثاني: فإنَّ فساده أوضح, واستدلّ عليه بوجوهٍ أهمها أنَّ اللحاظ لو كان قيداً للمعنى ومقوِّماً له لَزِمَ عدم صدقه على الخارجيات إلا بالتجريد، لأنَّ المقيد بالوجود الذهني لا وجود له إلا في الذهن, وبدون التجريد يمتنع الإمتثال الخارجي وهو يستلزم أنْ يكون الإستعمال في الخارج مجازياً، وهو خلاف الضرورة.

وقد أورد عليه جمعٌ من المحققين (قدس الله أسرارهم).

الإيراد الأول: ما ذكره المحقق النائيني (1) قدس سره بعد إرجاع التقييد باللحاظ الأولي والإستقلالي إلى إشتراط الواضع ذلك في الإستعمال، فشرط الواضع أنْ لا يستعمل لفظ الإبتداء إلا مع لحاظه إستقلالاً، وأنْ لا يستعمل لفظ (من) في الإبتداء إلا مع لحاظه آلة.

فأورد عليه:

أولاً: إنَّ الشرط ليس ملزماً ولو كان الواضع هو الله تعالى, إلا إذا كان ضمن تشريع فيحرم, ولكن لا يترتب عليه عدم صحَّة الإستعمال للَّفظ في المعنى الموضوع له.

ثانياً: على فرضه يكون غير صحيح في قانون الوضع لا عدم صحته مطلقاً ولو بالإستعمال المجازي، مع أنَّ إستعمال الحرف في مورد الإسم وبالعكس غير صحيح مطلقاً.

وأجيب عنه بأنّ تقييد الواضع لا يرجع إلى شرط فقهي حتى يترتب عليه حكم شرعي هو حرمة مخالفته، بل هو تقييد العلقة الوضعية بحالةٍ خاصة، ومعه لا وضع للحرف غير التوأم مع اللحاظ الآلي فاستعماله في غيره يكون باطلاً لانتفاء قيده.

ص: 114


1- .فوائد الأصول؛ ص56.

ومنه يظهر الجواب عن الثاني, لأنَّ الحرف في حالة عدم اللحاظ الآلي يكون مهملاً لعدم الوضع له في هذه الحالة ومن المعلوم أنَّ المهمل لا يصحُّ إستعماله في معنى لا حقيقة ولا مجازاً. أمّا الأول فهو خلف الإهمال والثاني فرع ثبوت الحقيقة فإذا لم تكن فلا يكون مجازاً؛ كما هو واضح(1).

الإيراد الثاني: ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره من أنَّ المعنى الحرفي والمعنى الإسمي لو كانا متَّحدين في المعنى الموضوع له وكان الفرق بينهما في اللحاظ الآلي والإستقلالي لكان طبيعي المعنى الوجداني قابلاً لأنْ يوجد في الخارج على نحوين كما يوجد في الذهن على طورين؛ للأصل المعروف في العلوم العقلية من تطابق عالم الخارج مع الذهن, فإذا صحَّ وقوع المعنى الواحد في الذهن بطورين لَزِمَ أنْ يوجد في الخارج كذلك، مع أنَّ المعنى الحرفي لا يوجد في الخارج إلا في غيره(2).

ويرد عليه: إنَّه لا أصل لهذا الأصل في محله فضلاً في أمثال الوضع من الإعتباريات.

وأمّا الجواب: إنَّه قد لا يتطابق ما في الخارج مع ما في الذهن، كالعرض؛ فإنَّه يمكن أنْ يكون باللحاظ الذهني مستقلاً عن موضوعه, مع أنَّه في الخارج لا يوجد إلا في موضوعه فهو غير سديد، فإنَّ الأمور الذهنية إنْ كان منشؤها ما في الخارج فلا بدَّ أنْ يكونا متطابقين، وكلامه قدس سره في هذا القسم: (وأمّا تصويره مجرداً عن ما في الخارج فلا يشترط فيه التطابق كالمثال الذي ذكره؛ فافهم).

الإيراد الثالث: ما ذكره السيد الخوئي قدس سره ناقضاً به مقالة المحقق الآخوند قدس سره , وخلاصته أنَّه لو كان المناط في المعنى الحرفي كون المعنى فيه آلة وحالة لغيره لزم منه:

ص: 115


1- .بحوث في الأصول؛ ص235.
2- .نهاية الدراية؛ ص26.

1- أنْ يكون كلُّ معنىً إسمي يؤخذ معرفاً لغيره في الكلام وآلة للغير كالعناوين الكلية المأخوذة في القضايا معرفات للموضوعات الواقعية معنىً حرفياً.

2- أنْ تكون المصادر معاني حرفية, لكونها مأخوذة أوصافاً لمعروضاتها بخلاف أسماء المصادر, فإنَّ الملحوظ فيها الحدث بما أنَّه شيء في نفسه مع قطع النظر عن كونه وصفاً لغيره.

3- إنَّ المعنى الحرفي قد يُلاحظ في نفسه ويكون مقصوداً بالإفادة، وذلك كما إذا كان الموضوع والمحمول معلومين عند شخص ولكنه كان جاهلاً بخصوصيتهما فسأل عنها فيكون الجواب عنها، فالسائل والمجيب إنَّما ينظران إلى هذه الخصوصية نظرة إستقلالية(1).

ويمكن الجواب عنه:

أولاً: إنَّ المراد بالآلية في نظر المحقق الخراساني هو فناء مفهوم في مفهوم آخر لا فناء العنوان في المصداق الخارجي الذي هو خارج عن ذلك، فإنَّ ملاحظة مفهوم العنوان ليرى به المعنون إنَّما هو بالحمل الأولي، ولذلك يحكم عليه بأحكام المعنون وإنْ كان بالحمل الشايع مغايراً مع المعنون.

ثانياً: إنَّ المصادر لها مادة وهيأة فهي بمادَّتها تدلُّ على ذات الحدث كأسماء المصادر, وأمّا هيئاتها فهي كالحروف وسائر الهيئات، كما سيأتي التفصيل في محله.

ثالثاً: إنَّ ملاحظة المعنى الحرفي في نفسه وقصده مستقلاً بالإفادة لا يضرُّ في حقيقته, فإنَّ معاني الحروف في مرحلة تقررها الماهوي لا يعقل وجودها لا ذهناً ولا خارجاً إلا بما هي عليه من الآلية والفناء، وهذا هو مبنى المشهور ومنهم السيد الخوئي (قدس الله أسرارهم),

ص: 116


1- .هامش أجود التقريرات؛ ج1 ص15.

يضاف إلى ذلك فإَّنه قد يكون ذلك من باب إنتزاع المستعمل معنىً إسمياً يشير به إلى واقع المعنى الحرفي الخاص، كما إذا قال: ما هي الكيفية التي سافر بها زيد؟ أو يكون متعلق اللحاظ الإستقلالي المعنى الإسمي المتخصص به فيكون لحاظ التخصص تبعياً.

الإيراد الرابع: ما أورده السيد الصدر قدس سره من أنَّه لو أُريدَ بعدم إستقلالية معاني الحروف كونها تلحظ حالة لمعاني الأسماء ومندكَّة فيها, فيكون الفرق بينهما ذاتاً وسنخاً وليست مجرد حالة طارئة على المعنى.

وإنْ أُريدَ به أنَّ المعنى الحرفي آلة ومرآةً كملاحظة المصاديق الخارجية الخاصة, فهو والمفاهيم التي اعتبرت مرآةً للمصاديق الخارجية على حدٍّ سواء، وحينئذٍ يرجع إلى كيفية ما أُخذ من المصاديق منها، فإنْ كانت مفهوماً كلياً كان مرآةً عن الهيئة المشتركة بين الأفراد فلا تكون مرآةً عن الخصوصيات قهراً، وإنْ كان جزئياً وخاصاً كان حاكياً عن الخاص الخارجي, وحينئذٍ لا يصلح أنْ يكون ذلك تمييزاً بين المعاني الحرفية والإسمية(1).

والصحيح أنْ يقال: إنَّ هذا القول مبنيٌّ على تحقق الوضع في المعنى الحرفي وكأنَّه أمرٌ مسلَّم عندهم، ولذا إنصبَّ إهتمام المحقق الخراساني إلى كيفية تصوير الوضع الآلي والوضع الإستقلالي، وسيأتي أنَّ ذلك موضع تردُّد ونقاش, فإنَّالوضع إنَّما تحقق بالنسبة إلى الأسماء والأفعال, وأمّا الحروف والهيئات والنسب والإضافات فليست لها أوضاع مستقلة مقابل أوضاع الأسماء حتى تصل النوبة إلى الإفتراق بينهما بحسب اللحاظ، مضافاً إلى أنَّ لحاظ الواضع كون معاني الحروف آلية ومعاني الأسماء إستقلالية لا يغيّر الواقع إذا كان المعنى والموضوع له فيهما واحداً, فإنَّ لحاظ الواضع بأنْ يكون معنى الحرف آلياً حين الإستعمال لا يكون إلا من قبيل الشرط المتأخر نظير الإنشاءات التعليقية

ص: 117


1- .بحوث في الأصول؛ ج1 ص237.

الشرعية كالوصية التمليكية, فإنَّ الواضع قد وضع لفظ الحروف على معنى لكن معلقاً على آراء المستعملين؛ وسيأتي التفصيل. ولعلَّه لأجل تلك المناقشات إعتبر السيد الوالد قدس سره أنَّ هذا القول خلاف الوجدان المحاوري ولكنه قال يمكن توجيهه بوجه(1).

الإتّجاه الثالث: وهو نسبية المعنى الحرفي, ويرجع ذلك إلى التغاير والتمايز الذاتي بين معاني الحروف والأسماء, مع قطع النظر عن الخصوصيات العرضية؛ كطروّ اللحاظ الآلي والإستقلالي عليها في مرحلة الإستعمال ونحو ذلك, وللعلماء فيه أقوال، وقبل بيانها لا بدَّ من بيان أمر يتعلق بكيفية إستحضار المعاني الإسمية والمعاني الحرفية في الذهن فنقول:

إنَّ الذهن الإنساني إذا عرضت عليه قضية خارجية مركبة من موضوع ومحمول وربط بينهما، فهو إبتداءً يدرك الموضوع لأجل الحكم عليه, لا أنْ يكون إدراكه لترتيب الآثار الخارجية على الموجود الذهني كما هو واضح لكلِّ مدرك, فيستحضر الذهن الشيء لأجل الحكم عليه, ويكون الحمل بينهما أولياً, وهو بعينه يكون مرآةً لمصاديقه الخارجية ومنطبقاً عليها بالحمل الشائع, وفي نفس الوقت يستحضر مفهوماً منتزعاً بين الموضوع والمحمول ملازماً بينهما في الخارج وهو مفهوم الربط والنسبة بينهما واستحضاره له لا لأجل الحكم عليه كما في الإستحضار السابق, بل لأجل إلصاق المحمول بالموضوع وإيجاد الربط بينهما، وهذا النوع من المفهوم لم يكن إلا لبيان المصداق الخارجي، فإنَّ حقيقة هذا النوع من المفاهيم في الذهن عين التعلق والربط الخارجي بين الموضوع والمحمول؛ غاية الفرق أنَّ الربط في الخارج يكون بين موجودين خارجيين، وفي الذهن بين مفهومين، ولكن الربط حقيقة واحدة في الموردين.

ص: 118


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص17.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ المعنى الإسمي سنخ معنى يكون الغرض من إحضاره في الذهن بالنظر التصوري الأولي, والمعنى الحرفي المتمثل في الربط مثلاً لا يكون الغرض منه إلا بأنْ يكون غير حقيقته بالنظر التصديقي.

وبذلك يظهر الفرق بين المعنى الحرفي والإسمي, وذلك لأنَّ المفهوم الحرفي ليس له تقرر ذاتي في مرحلة سابقة على الوجود, بخلاف المفهوم الإسمي, لأنَّ شخصالنسبة متقوم ذاتاً بطرفيها, فما لم يكونا موجودين لا توجد النسبة, ومن جميع ذلك يظهر أنَّ المعاني الحرفية هي سنخ دلالات تكون من لوازم المعاني الإسمية التي هي كثيرة, فإذا لم توجد لا تتحقق لوازمها, فلا يمكن أنْ تتحقق بدونها, فكيف يمكن للواضع أنْ يتصورها حتى يضع لها أسماء.

وقد اختلف الأصوليون في تحديد المعنى الحرفي على أقوال:

القول الأول: ما اختاره المحقق النائيني قدس سره فقال بأنَّ مدلول الحرف هو الربط الكلامي, ولأجله يكون إيجادياً بخلاف المعاني الإسمية, فإنَّها مفاهيم لها إستقلال في الوجود بحدِّ ذاتها ونفسها، ولأجله كان المعنى الإسمي إخطارياً(1).

توضيح ذلك: إنَّ المعاني الموضوعة بإزائها الحروف سنخ معانٍ لا يمكن إحضارها في الذهن مستقلاً لعدم ثبوت تقرر ذاتي لها بقطع النظر عن مرحلة وجودها ضمن أشخاص أطرافها, فليس للمعنى الحرفي تقرر في الخارج, فإنَّ وجوده إنَّما يكون بوجود الطرفين المنتسبين خارجاً, فهو ربط بين الموجودات الخارجية، ولا ماهية للربط الخارجي يعرض عليها الوجود, بل هو من سنخ الوجود, وكما أنَّه لا مفهوم للنسبة الذهنية والربط الذهني يتعلق به التصور بل هو سنخ من التصور، ففي جميع مواطن التقرر لهما يكون للربط

ص: 119


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص57.

والنسبة سنخ وجود مقارن مع وجود الطرفين, ولا يمكن أنْ يكون لها وجود مستقل مقابل وجود المنتسبين خارجاً, كذلك الوجود الذهني؛ فإنَّ وجوده بوجود المفهومين الذهنيين, فتكون النسبة بينهما أمراً ذهنياً لكن لا وجود لها مقابل وجودهما, بل هو سنخ وجود تصوري، ولأجل ذلك كان المعنى الحرفي إيجادياً؛ أي لا يكون له وجود خاص, بل له تقرر خاص في وعاء الخارج أو الذهن, بخلاف المعنى الإسمي, فإنَّ له تقرر ذاتي يتصوره الذهن ويخطره, ومن ذلك يظهر أنَّ المعنى الحرفي يبتني على دعائم ثلاث:

الأولى: إنَّ المعنى الحرفي إيجادي بمعنى عين حقيقتها عنواناً ووجوداً بالنظرين التصديقي والتصوري, بخلاف المعنى الإسمي؛ فإنَّه إخطاري بالتقريب المتقدم, أي يتحقق الغرض من إحضارها عين حقيقتها في مرحلة التصور واللحاظ.

الثانية: إنَّ المفاهيم الحرفية تقررها الماهوي والذاتي في طول عالم الوجود ذهناً أو خارجاً, بخلاف التقرر الذاتي للمفاهيم الإسمية؛ فإنَّه محفوظ في المرتبة السابقة على الوجود الذهني والإستعمالي.

إنَّ المعنى الحرفي ليس له واقع بما هي معاني حرفية في غير التراكيب الكلامية, بمعنى أنَّه لا مفهوم لها متقرر في وعائه يتعلق به الوجود الذهني, وإنَّ ذلك من لوازم إيجادية الحروف ومن سنخ الوجود, فإنَّه لا واضع لها حينئذٍ غير واقعالوجود, بخلاف المعاني الإسمية؛ فإنَّ لها واقع, ولذا لا تنعدم بانعدام التصور واللحاظ, لأنَّ معنى الأسماء له تقرر في عالم المفهومية.

الثالثة: إنَّ المعنى الحرفي مغفول عنه وغير ملتفت إليه, بخلاف المعنى الإسمي, وذلك لأنَّ المعنى الحرفي من سنخ اللحاظ والتصور, ولم يكن من المفاهيم المتقررة, فهو غير قابل لتعلق اللحاظ الإستقلالي به والإلتفات إليه, وإنَّما اللحاظ والإلتفات إنَّما يكون لنفس

ص: 120

الملحوظ، وما يكون من سنخ اللحاظ والتصور كالنسبة والربط لم يكن قابلاً للإلتفات كما هو ظاهر.

ونوقش هذا الرأي من قبل الأعلام كلٌّ منهم ذكر عدَّة وجوه:

أولاً: ما ذكره بعض المعاصرين قدس سره معترضاً عليه بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول: إنَّ القول بإيجادية الحروف للربط بين الكلمات التي تتألف منها الجملة، فلا يحصل الربط بدون الحرف فتكون سبباً لحدوثه، ولذا لم يكن للحرف واقع إلا في ضمن التراكيب الكلامية لأنَّه الربط بين أجزاء الكلام، فإنَّه مِمّا لا إشكال فيه, إلا أنَّ ذلك باعتبار دلالة الحرف على معنى به يكون الحرف موجداً للربط الذي لا واقع له إلا من ضمن التراكيب الكلامية, وهو مسبب عن معنى الحرف لا أنَّه هو معنى الحرف ونحن في مقام تشخيص ذلك المعنى والكشف عن حقيقته.

الوجه الثاني: إنَّ المعنى الحرفي سنخ مفهوم لكنه غير مستقل, فهو يخطر في الذهن تبعاً لغيره، وهذا وإنْ لم يوجب كونه إخطارياً باعتبار أنَّ الإخطاري ما كان يخطر في الذهن إستقلالاً وبنفسه، لكنه ليس إيجادياً, لأنَّ له تقرر في وعائه قبل ذكر الحرف فهو لم يكن موجداً له، فلا وجه لفرض كونه إيجادياً باعتبار أنَّه لو لم يكن كذلك لكان إخطارياً؛ لإمكان تصوير الواسطة وأنْ لا يكون إخطارياً ولا إيجادياً لإمكان أنْ يكون المعنى غير مستقل في نفسه ومع ذلك لا يكون إيجادياً، فما ذكره المحقق النائيني قدس سره من أنَّ المعنى الحرفي لا واقع له في غير التراكيب الكلامية غير سديد, بل لأجل دلالة الحروف على معانيها التي وضعت بإزائها لا من جهة إيجادها المعاني الربطية في مرحلة الإستعمال والتركيب الكلامي.

ص: 121

الوجه الثالث: أنْ يكون المعنى الحرفي مغفولاً عنه خلاف الوجدان, لأنَّ كثيراً ما تكون المعاني الحرفية يتعلق بها القصد الإستقلالي بإفادتها, ويكون ذكر الإسم مقدمة تلك الخصوصية وذلك التخصص.

وأجيب عن الأول بأنَّ ما ذكره قدس سره تصرف في كلام المحقق النائيني قدس سره , فإنَّ مراده أنَّ معنى الحرف هو الربط والنسبة بين المفهومين، ولمّا كان هذا من سنخ الوجود كان المعنى الحرفي إيجادياً لا يقبل الخطور أصلاً، فلم يكن له تقررفي وعاءٍ ما ليتعلق به التصور بل هو موجود بوجود المفهومين، ولذا يقال عنه بأنَّه لا واقع له في غير التراكيب الكلامية بلحاظ المحكي بالكلام وهو المفهوم لا بلحاظ نفس الكلام كما توهمه السيد الخوئي(1)، لأنَّ واقع النسبة والربط في وجود المفاهيم لأنَّه كيفية وجودها لا بلحاظ نفس الكلام واللفظ، ولعلَّ التعبير بالتراكيب الكلامية إصطلاح خاص من المحقق قدس سره , وفيه شيء من الغموض مِمّا أوقع تلميذه في الوهم.

ومنه يظهر الجواب عن الإيراد الثاني؛ فإنَّ الإيجادية في مرحلة التصور والذهن لمدلول الكلام في مقابل أنْ يكون للمعنى الحرفي تقرر في مرتبة ذاته, وبقطع النظر عن الوجود الذهني لا أنْ يكون المراد من الإيجادية من نفس مرحلة الكلام في مقابل تقرر المعنى الحرفي بقطع النظر عن المرحلة الكلامية كما توهّمه السيد الخوئي.

وأمّا الإيراد الثالث فقد عرفت الجواب عنه فيما سبق عند إشكاله على رأي المحقق الخراساني من أنْ يكون المعنى الحرفي عند الجميع ومنهم السيد الخوئي غير إستقلالي في مرحلة تقرره الماهوي, فلا يعقل وجوده لا ذهناً ولا خارجاً إلا بما هو عليه من الآلية والفناء كما هو واضح؛ فراجع.

ص: 122


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص64 وما بعدها.

ثانياً: ما أورده المحقق العراقي قدس سره فقد ذكره في ضمن مناقشات نذكر المهم منها؛

فقال بأنَّ المعاني التي تتصورها النفس إمّا أنْ تكون مرتبطة بعضها ببعض، أو غير مرتبطة، فما كان مرتبطاً فلا يعقل إحداث الربط بين أجزائها، لأنَّه تحصيلٌ للحاصل، وما كان غير مرتبطاً لا يعقل إحداث الربط فيه لأنَّ الموجود لا ينقلب عمّا هو عليه إلا إذا كان يفني ويحدث في أثره وجود آخر بخصوصية أخرى، فلو أراد المتكلم إفادة السامع مثلاً (زيد في الدار) فإنَّه حينما يتلفظ ب-(زيد) يتصور السامع مفهومه مستقلاً لعدم علمه بمفاد الجملة وبالربط إلا إذا قال (في الدار) فلا يخلو مدَّعي إيجادية الحرف من أنْ يلتزم بأحد أمرين:

الأول: إمّا إحداث الربط في الموجود غير المرتبط وهو ممتنع كما عرفت؛ لأنَّ الموجود لا ينقلب كما هو عليه, أو إحداث موجود آخر مرتبط غير المتصور الأول وهو خلاف الوجدان(1).

وفيه: إنَّه لا يراد من إيجادية المعنى الحرفي أنَّه يوجد التقييد في معاني الأسماء بعد وجودها مهملة في الذهن, بل المقصود هو الإيجادية بالخصائص الثلاث المتقدمة؛ فيكون الربط من خصوصيات نفس اللحاظ والتصور، فإنَّه ليس بإحداثموجود مرتبط جديد، ولا إيجاداً للربط في الموجود غير المرتبط، لأنَّ الربط من خصوصيات الوجود لا الموجود، فهو نظير حدوث الأوصاف على الوجود الخارجي, فإنَّها ليست إحداثاً لموجود غير الأول، كما أنَّها ليست إحداثاً لربط في غير المرتبط؛ كما هو واضح.

الثاني: إنّ الهيئات الدالة على معنىً لا بدَّ وأنْ يكون مدلولها معنىً حرفياً, وعلى فرض كون المعنى الحرفي إيجادياً يلزم أنْ يكون معنى الهيئة متقدماً في حال كونه متأخراً وهو خلف؛ لأنَّ الهيئة التي تطرأ على المادة متأخرة بالطبع عن المادة المتأخرة عن مدلولها وهو

ص: 123


1- .منهاج الأصول؛ ج1 ص43.

المعنى الإسمي، فلو كانت الهيئة موجدة لمعناها في المعنى الإسمي لكان معناها متأخراً عن المادة وبالتالي يتأخر عن مدلول المادة بثلاث رتب، وبما أنَّه مقوّم لموضوعه وهو المعنى الإسمي يلزم أنْ يكون في رتبته فيكون في نفس الوقت متأخر ومتقدم(1).

ويرد عليه: إنَّ المعنى الحرفي ليس مقوّماً لموضوعه حتى يكون في رتبته، بل هو من خصوصيات وجود المعنى الإسمي الذهني وطوارئه.

وعليه؛ فلا بدَّ من فرض وجود معنى إسمي يتعلق به اللحاظ الخاص, فهو متأخر رتبةً عن المعنى الإسمي لا محالة, فلا يلزم تقدمه أو تأخره بثلاث رتب.

القول الثاني: ما نسب إلى المحقق الإصفهاني قدس سره ؛ حيث ذهب إلى أنَّ وضع الحرف للوجود الرابط, فيكون المعنى الإسمي والمعنى الحرفي عنده قدس سره متفاوتان ومختلفان بحسب الذات والحقيقة، والفرق بينهما كالفرق بين الوجود في نفسه والوجود لا في نفسه؛ أعني الوجود الرابط في قبال الوجود المحمولي.

وقد عرفت سابقاً أقسام الوجود والفرق بينهما في أحد التنبيهات؛ فراجع.

وإنَّ من الأقسام هو الوجود في نفسه ولكن لغيره وهو وجود الأعراض، فإنَّ العرض غير قائم بذاته بل متقوّم بموضوع في الخارج, فلا يُعقل وجود عرض بدون الموضوع المتحقق في الخارج، ويعبّر عن هذا القسم بالوجود الرابطي أيضاً.

كما أنَّ من الأقسام هو الوجود في غيره بغيره ولغيره, وهو المعبّر عنه بالوجود الرابط مقابل الوجود الرابطي الذي تقدم ذكره، وهو وجود النسبة والربط، فإنَّ حقيقة الربط لا توجد في الخارج إلا بوجود الطرفين المرتبطين بلا إستقلال له أبداً، ولذلك يكون بذاته

ص: 124


1- .بدائع الأفكار؛ ج1 ص43.

متقوماً بوجوده، بخلاف العرض فإنه بذاته غير متقوّم بموضوعه ولكنه -أي التقوّم- من لوازم وجود الموضوع وضرورياته.

والمستفاد من كلام المحقق الإصفهاني قدس سره أنَّه إلتزم بأنَّ المعنى الحرفي كالوجود الرابط في كونه متقوماً بالطرفين، فلا وجود ولا تحقق له إلا في ضمنطرفين, ولا وجود له منحازاً عن وجوديهما, إلا أنَّ نقطة الإختلاف بينهما هو أنَّ المعنى الحرفي موطنه الذهن والوجود الرابط موطنه الخارج, بل إنَّ المعنى الحرفي قسم من الوجود الرابط وهو الرابط الذهني القائم بمفهومين؛ الذي يعبّر عنه في كلامه بالنسبة والربط بين المفاهيم دون الوجود الرابط في الخارج المعبِّر عنه بالنسبة الخارجية، فيكون الفرق بين المعنى الإسمي والمعنى الحرفي كالفرق بين الوجود الرابط والوجود المحمولي لا الفرق بين الجوهر والعرض.

هذا ما ذكره بعضهم في بيان مراده (1) قدس سره , ولكن المستفاد من كلام السيد الوالد قدس سره في بيان هذا الرأي أنَّ المعنى الحرفي هو الوجود في غيره وبغيره ولغيره, فهو في الغير مفهوماً وذاتاً ووجوداً، فإنَّ فيه فناءً تاماً ولا نفسية له بوجه فيكون ربطاً محضاً لا نفسية له أبداً(2).

وبعبارة أخرى؛ إنَّ وضع الحروف يكون لماهية النسبة التي هي غير الإستهلاك والإندكاك أو التي يكون تقررها الماهوي في طول صقع الوجود الذهني أو الخارجي وليس للوجود الرابط الخارجي, فكون النسبة توجده في الخارج أو في الذهن غير مأخوذ في مدلول الحرف، وإنَّما المدلول نفس ماهية النسبة لا بمعنى كون هذه الماهية جامعاً ذاتياً بين الربط

ص: 125


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص247.
2- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص16.

الذهني والوجود الرابط الخارجي الموازي له لعدم تعقُّل الجامع بينهما لاختلاف ماهيتهما، لأنَّ كلَّ ربط متقوِّم ذاتاً بشخص وجود طرفيه.

نعم؛ إنَّ النسبة المتقوّمة بالطرفين في عالم الذهن وافية بالمعنى الحرفي عند المحقق الإصفهاني قدس سره , فالمعنى الحرفي بالنسبة إلى المعنى الإسمي في عالم المفاهيم في الذهن كالوجود الرابط بالنسبة إلى الوجود المحمولي في الخارج, لا أنْ يكون المعنى الحرفي هو الوجود الرابط، واستدلَّ المحقق الإصفهاني على تحقق الوجود الرابط خارجاً بأنّا قد نتيقن بوجود الجوهر ونتيقن بوجود العرض ولكن نشك في ثبوت هذا العرض المقطوع وجوده للموضوع المقطوع وجوده أيضاً, ومن البديهي تغاير متعلق الشك واليقين لأنَّهما ضدّان لا يجتمعان في متعلقٍ واحد, فلا بدَّ أنْ يكون متعلق الشكّ هو الربط فله وجود غير وجود الطرفين.

وقد أشكل بعض المعاصرين عليه بوجوه ثلاثة:

الأول: إنَّ الوجود الذهني أو الخارجي ليس مأخوذاً في الموضوع له مطلقاً, بل اللفظ يوضع بإزاء ذات المعنى؛ لأنَّ الوضع إنَّما هو لأجل الإنتقال الذهني إلى مدلوله, وما يعقل إنتقاله هو ذات المعنى لا الوجود سواءً كان خارجياً أو ذهنياً.الثاني: إنَّ الوجود الرابط كثيراً ما لا يكون موجوداً في موارد الإستعمال، كما في موارد إستعمال اللام في قولنا: (الوجود لله واجب)؛ إذ لا يعقل الوجود الرابط بين الله تعالى ووجوده؛ كما هو واضح.

الثالث: إنَّ الوجود الرابط الخارجي لا موجب للإلتزام به، لعدم البرهان على وجود أمر ثالث في الخارج زائداً على العرض والذات سوى ما ذكره المحقق الإصفهاني في دليله، وهو مدفوع بأنَّ العلم والشكّ متقوِّمان بالصور الذهنية لا بالخارج إبتداءً, فلا يتحقق

ص: 126

فرض العلم والشكّ إلا فرض صورتين ذهنيتين, وهو لا ينافي كون مطابقهما واحداً في الخارج.(1)

ويمكن الجواب عنه:

أمّا الأول: فكما عرفت من أنَّ الوجود الخارجي لم يؤخذ في مدلول الكلمة ليقال أنَّه لا يقبل الإنتقال إلى الذهن, لأنَّ الحرف قد وضعَ لذات ماهية النسبة مع قطع النظر عن نحوَي وجودها, لا أنْ يوضع للوجود الرابط الخارجي أو الذهني.

نعم؛ إنَّ النسبة متقوّمة دائماً بشخص وجود طرفيها، فيكون وجودها في صقع الذهن تبعاً لطرفيها بالنحو المناسب لها من الوجود.

أمّا الثاني: فهو مبنيٌّ على كون الحرف قد وضع للربط الخارجي؛ وقد عرفت بطلانه.

أمّا الثالث: فلأنَّ إنكاره للوجود الرابط الخارجي إنْ كان المراد منه عدم وجود ثالث خارجاً زائداً على وجود المنتسبين فهو أمرٌ مسلَّم عند الجميع، لكنه ليس المراد بالوجود الرابط.

وإنْ كان المراد منه إنكار ثبوت واقعية ثالثة وراء واقعية المنتسبين فهو غير صحيح, لوضوح أنَّ هناك أمراً واقعياً ثالثاً في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود، فلو لم يكن ذاك لما انسجمت الجمل، وهذه الواقعية هي منشأ الملكية أو الظرفية ونحو ذلك، هذا إذا قلنا بأنَّها من الأمور الواقعية؛ وأمّا إذا قلنا بأنَّها من الأمور الإعتبارية فالأمر أوضح، يضاف إلى ذلك أنَّ إنكار الوجود الرابط الخارجي لا يضرُّ بالمدَّعى؛ كما هو واضح.

ص: 127


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص247 وما بعدها.

القول الثالث: ما نُسب إلى المحقق العراقي قدس سره على ما أفاده بعض مقرِّريه وإنْ لم يكن مطابقاً مع ما وَرد في كتابه المقالات على ما قيل(1)، وحاصل ما أفاده قدس سره بعد أنْ أثبت التغاير الذاتي بين المعنى الحرفي والمعنى الإسمي وأنكر على الرأي القائل باتّحادهما في الذات والحقيقة, وإنَّ التغاير بينهما في مرحلة الإستعمال من جهة اللحاظ الآلي واللحاظ الإستقلالي.قال قدس سره : (إنَّ الموجودات في العين إمّا أنْ تكون جواهر أو تكون من الأعراض؛ بأقسامها التسعة المعبَّر عنها بالوجود الرابطي, أو تكون ربط الأعراض بموضوعاتها, أي الوجود الرابط، والعرض قد يتقوّم بموضوع واحد كمقولة الكيف، وقد يحتاج في تحققه إلى موضوعين كمقولة الأين والإضافة, وقد قامت السيرة العقلائية على جعل دوال على كلِّ واحدٍ منها، ولم يهمل العقلاء معنىً من المعاني التي تدور عليها الإفادة والإستفادة، والمعاني الحرفية من أهمِّ المعاني التي يحتاج الإنسان إلى الدلالة عليها في هذا المقام فقد جعلوا الأسماء دالَّة على الجواهر وجملة من الأعراض، والهيئات دالَّة على الربط وأنحاءه, والحروف دالَّة على الأعراض النسبية الإضافية المتقوّمة في وجودها إلى طرفين؛ كالأبوة والبنوة, فقد وُضِعَ لفظ (في) -مثلاً- للظرفية المتقومة بالظرف والمظروف، و(من) موضوعة للإبتداء المتقوم بالمبتدأ والمبتدأ منه).

وأفادَ بأنَّ الهيئة التركيبية موضوعة إلى نفس الربط والنسبة، والحروف موضوعة إلى المعنى النسبي المعبَّر عنه بالوجود الرابطي, وبعد ذلك؛ فإنَّ الجملة المشتملة على الحرف والهيئة معاً يدور الأمر بين دلالة الحرف على العرض النسبي والهيئة على الرابط المخصوص وبين عكسه، والثاني باطل؛ لأنَّ الهيئة لا تدلُّ على العرض وجداناً فيتعين الأول.

ص: 128


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص252.

وبذلك يندفع ما قد يُورد من أنَّ المعاني الإفرادية تحتاج في إفادة المعنى التركيبي الجملي إلى رابط يربط بعضها مع بعض, فإذا كان معنى الحرف نفس العرض النسبي إحتاج الكلام إلى رابط يربط بين أجزائه لعدم صلاحية الحرف للربط إذا كان معناه نفس العرض، إذن يكون الرابط هو الهيئة؛ بلا فرق بين هيئات المركبات وهيئات المشتقات, فإنَّها تدلُّ على ربط العرض بموضوعه، فمثلاً يدلُّ لفظ (في) على العرض الأيني النسبي العارض على زيد في قولنا (زيد في الدار), وهيئة عالم وأبيض ومضروب تدلُّ على ربط العرض بموضوعٍ ما، وكذلك بقية الحروف التي تدلُّ على إضافة مخصوصة وربط خاص بين المفاهيم الإسمية.

والحاصل؛ إنَّ الهيئات موضوعة للربط والنسبة بين العرض ومحله، والحروف موضوعة للأعراض الإضافية النسبية.

وهو قدس سره يتَّفق مع المحققين النائيني والإصفهاني في وضع الهيئات، ويختلف معهما في وضع الحروف.

ويرد عليه أولاً: إنَّ المعنى الحرفي إذا كان هو العرض النسبي فهو لا يفترق عن المعنى الإسمي أيضاً, فإنَّ الموضوع له لفظ (في) ولفظ الظرفية واحد وهو العرض النسبي, فلا يظهر هناك فرق ذاتي بين المعنى الإسمي والمعنى الحرفي, فإنَّ الإبتداء الذي هو من الأعراض النسبية قد وضع له لفظ الإبتداء ولفظ (من).فما ذكره في تصوير المعنى الحرفي مناقض لما أفاده من الفرق الذاتي بينهما ومخالف للوجدان الحاكم بثبوت الفرق بينهما.

ثانياً: إنَّه ليس بالضرورة أنَّ تتطابق الألفاظ مع المقولات الحقيقية والموجودات الخارجية العينية بمراتبها، فإنَّه قد يكون معنى اللفظ أمراً إعتبارياً أو إنتزاعياً أو عدماً محضاً وليس

ص: 129

من المقولات بوجه سواء كان في الأسماء كلفظ العدم أو في الحروف، فربَّما لا يكون المعنى الحرفي معبِّراً عن وجود خارجي لا رابطياً ولا ربطياً.

ثالثاً: إنَّه قد يكون إستعمال الحرف في موارد يستحيل تحقق العرض النسبي فيه كالواجب تعالى، كقوله سبحانه: (الْرَّحمنُ عَلَی اَلْعَرْشِ اَسْتَوَی) أو قولنا: (الله عالم بكذا) فإنَّ إتّصاف الذات المقدسة بالعرض النسبي ممتنع.

فلو قلنا بأنَّ الحرف موضوع للعرض النسبي يدور الحال في مثل هذه الإستعمالات بين القول بعدم صحَّتها أو الإلتزام بالمسامحة والإستعمال المجازي وكلاهما خلاف الضرورة, وإنَّ العرف يرى صحة تلك الإستعمالات في الواجب والممكن والممتنع, وإنَّها على نسقٍ واحد من دون عناية ومسامحة وذلك يكشف أنَّ الموضوع له في الحرف معنى آخر غير ما ذكره, وإلا لاختلف الإستعمال.

ولكن هذا الإيراد غير سديد؛ فإنَّه يرد على غيره أيضاً، وإنَّ إمتناعه إنَّما هو من جهة إنتفاء الاثنينية في صفات الله تعالى والنسبة والربط إنَّما يكون بين طرفين, يضاف إلى ذلك أنَّ ما يطلق في أكثر الموارد المذكورة هو الهيئة التي ترد على الصفات دون الحروف, ولا يقول أحد من العلماء بأنَّ الهيئات موضوعة للعرض النسبي.

القول الرابع: ما اختاره السيد الخوئي قدس سره ؛ وهو كون الحروف موضوعة لتضييقات المعاني الإسمية وتقييداتها بقيود خارجة عن حقيقتها ولا نظر لها إلى النسب الخارجية؛ بل التضيّق إنَّما هو في عالم المفهومية وفي نفس المعاني؛ كان لها وجود في الخارج أو لم يكن، فمفاهيم الحروف في حدِّ ذاتها متعلقاتٌ بغيرها بخلاف مفاهيم الأسماء التي هي مستقلات في أنفسها.(1)

ص: 130


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ص80 وما بعدها.

توضيح ذلك: إنّ كل مفهوم إسمي له من السعة والإطلاق بالنسبة إلى الحصص التي تحته حصصٌ كثيرة، سواءً كانت تلك الحصص نوعية أو شخصية أو بالنسبة إلى حالات شخص واحد، ولا ريب أنَّه كما يتعلق الغرض بالإطلاق والسعة كذلك يتعلق بالحصة، والمفهوم الإسمي لا يفي بذلك, فلا بدَّ من تفهيمها بنحو تعدد الدالِّ والمدلول؛ بأنْ يكون الإسم دالاً على ذات المعنى والحرف دالاً على تحصصه وتضييق دائرة قابلية الإنطباق فيه، ومن الحكمة أنْ يضع الواضعما يوجب تحصيص المعنى وتقييده بعدما كانت له أفراداً غير متناهية، ولا يقوم بهذا الأمر إلا الحروف والهيئات الدالة على النسب الناقصة؛ كهيئات المشتقات وهيئة الإضافة أو التوصيف ونحو ذلك, فمثلاً إنَّ كلمة (في) في قولنا (الصلاة في المسجد) لا تدلُّ إلا على أنَّ المراد من الصلاة ليس الطبيعة السارية بل خصوص حصة منها؛ سواء كانت تلك الحصة موجودة في الخارج أو معدومة، ممكنة كانت أو ممتنعة، ومن هنا كان إستعمال الحروف في الواجب والممكن والممتنع على حدٍّ سواء ونسقٍ واحد, فإنَّه مثلاً نقول: ثبوت القيام لزيد ممكن، وثبوت العلم لله تعالى ضروري، وثبوت الجهل له عَزَّ وَجَلَّ مستحيل، فإنَّ كلمة اللام في جميع ذلك يتوجب تحصيص مدخولها, فيحكم عليه بالإمكان تارةً والضرورة أخرى والإستحالة ثالثة.

وعليه يكون إستعمال الحروف ليس إلا تضييقاً للمعنى الإسمي من دون لحاظ نسبة خارجية حتى في الموارد الممكنة فضلاً عمّا يستحيل فيه تحقق نسبته، كما في الممتنعات وفي أوصاف الواجب تعالى ونحوها. وقد استدلَّ على مختاره بأمور أربعة كما ذكرها بعض مقرريه.

الأول: بطلان سائر الأقوال.

الثاني: إنَّ المعنى المختار تشترك فيه جميع الموارد لإستعمال الحرف من الواجب والممكن والممتنع على نمط واحد، وليس في المعاني الأخرى ما يكون كذلك.

ص: 131

الثالث: إنَّه نتيجة لما إختاره في حقيقة الوضع أنَّه التعهد والإلتزام، فإنَّ المتكلم إذا قصد تفهيم حصة خاصة فإنَّه منحصر بواسطة الحروف ونحوها.

الرابع: إنَّه موافق للوجدان والإرتكاز العرفي، فإنَّ الناس تستعمل الحروف في إفادة حصص المعاني وتضييقاتها في عالم المعنى مع غفلتهم عن وجود تلك المعاني في الخارج أو عدم وجودها، وعن إمكان تحقق النسبة بينها وعدم إمكانها. والظاهر أنَّ اختياره ليس أمراً جديداً, فإنَّه بالتالي يرجع إلى ما إختاره المحققان النائيني والإصفهاني, فلا يكون إلا تغييراً في نمط العبارة والنظر إلى حيثية خاصة من الحيثيات المتعددة المرتبة على الحروف والهيئات المدرجة في الكلام.

وذلك لأنَّ الوجوه المتصوَرَة في كلامه هي:

الوجه الأول: أنْ يكون المقصود من المعنى الحرفي المزعوم هو وضع الحرف للحصة الخاصة كما ورد بهذا التعبير في بعض تقريراته.

فهو موهون جداً ولم يكن مراده قدس سره قطعاً، لأنَّ الحصة لا تخرج بالتحصص عن المفهوم الإسمي؛ كما هو واضح.

الوجه الثاني: أنْ يكون المراد بالوضع للتضييق والتحصيص ونحوهما مِمّا هو خارج عن ذات الحصة؛ كما هو صريح كلامه في تعليقته.وفيه: إنَّ التضييق والتحصيص من المسببات التوليدية المتعلقة بأسبابها بلا توسيط الإرادة والإختيار في تحققها، فإنَّ الإرادة تتعلق بالأسباب كما في الوضوء والطهارة والإحراق والإلقاء في النار, فيكون التضييق والتحصيص مسبباً عن الربط والنسبة بين المفهومين الحاصلين بلا إختيار، فلا يمكن أنْ يحصل تضييق بدون نسبة وربط مفهوم إسمي ومفهوم إسمي آخر مسبقاً, فلا بدَّ من إفتراض نسبة بينهما، فما لم تحصل النسبة بين زيد والدار لا يتضيق مفهوم زيد مثلاً.

ص: 132

فيكون وضع الحرف للملاك والسبب للتحصيص أي النسب والإضافات وعليه فإنْ كان مراده قدس سره من وضع الحروف للتحصيص هذا المعنى فهذا نفس المدَّعى السابق للمحققين النائيني والإصفهاني وليس شيئاً في قباله.

الوجه الثالث: أنْ يكون مراده وضع الحروف للمسبب وهو التحصيص والتضييق.

فيرد عليه أولاً: ما أورده على المحقق النائيني قدس سره من أنَّ إيجادية المعنى الحرفي في النسبة الكلامية يقتضي أنْ يكون للحرف معنىً حتى يتحقق به النسبة الكلامية, وكلامنا في ذلك المعنى الموضوع له تشخيصه، وفي المقام أيضاً كذلك فإنَّ التحصيص والتضييق في طول النسبة بين المفهومين ويستتبعه المعنى الحرفي ولكن لا أنَّه بنفسه المعنى الحرفي وفي طوله, لذلك نجد أنَّ بعض الحروف لا يدلُّ على التضييق والتحصيص؛ كحروف العطف والإستثناء والتفسير والإضراب، وهو شاهد على عدم وضع الحروف للتحصيص إبتداءً.

ثانياً: إنَّ التحصيص والتضييق إنَّما هما في طول أخذ نسبة بين المفهومين، فلا بدَّ من دالٍّ على تلك النسبة وإلا كان المدلول ناقصاً، ولا يفي بذلك إلا الحرف فيكون دالاً عليها ومعه يكتمل مدلول الكلام, فلا معنى لأخذ الضيق والتحصيص في مدلول الحرف حينئذٍ.

ثالثاً: إنَّ وضع الحرف إنْ كان لمفهوم التضييق والتحصيص فهو باطل لوجود التباين بين ما يفهم من الحرف ومفهوم التضيّق وجداناً وعُرفاً، وإنْ كان وضع الحروف لمصداق التضييق والتحصيص لزم منه الترادف بين الحرف وبين الألفاظ الإسمية الدالَّة على مصداق التحصيص والتضييق، فيكون لفظ (في) مرادفاً للفظ (مصداق التضييق) وهو باطل وجداناً لاختلاف المفهومين، بل يكون خلاف حكمة الوضع من أنَّ المقصود منه التفهيم والإنتقال, وهو لا يتحقق إلا بتفهيم ذات الحصة دون عنوان تحصيصها وتضييقها.

ص: 133

ومِمّا ذكرنا يظهر فساد ما رتَّبه قدس سره على دعواه من صحة عموم إستعمال الحروف حتى في الموارد غير القابلة للنسبة والربط كصفات الباري، لأنَّ الحروف موضوعة للتضيّق, وهو يتعلق بالمفاهيم لا بالموجودات كي يتوقف -كالنسبة- على تعدد الوجود وثبوت الطرفين الممتنع في الواجب تعالى، فإنَّه إنْكان مراده وضع الحرف للسبب والربط فالأمر واضح وقد تقدم الكلام فيه، وإنْ كان وضع الحرف للمسبب وهو التضيق فلا ريب أنَّه لم يكن الوضع لكلي التضييق ومفهومه العام الشامل لجميع الأفراد، فتكون جميع الحروف مترادفة، بل الموضوع له في كل حرف تضييق من جهة خاصة للمفهوم, فمثلاً وضع حرف (في) للتضييق من جهة الظرفية، و(من) للتضييق من جهة الإبتداء وهكذا. وحينئذٍ لا بدَّ في التضييق الخاص من ثبوت إرتباط بين المفهومين الإسميين سابقاً بحيث ينشأ منه التضييق الخاص ليصح إستعمال الحرف فيه, فإنَّه لا يحصل تضييق مثلاً في قولنا: (زيد في الدار) إلا إذا تحققت نسبة وربط خاص بين زيد والدار.

وعليه فاستعمال الحروف في صفات الله تعالى يتوقف على ثبوت النسبة والإرتباط بين الصفة والذات كي يتحقق التضييق المعبّر عنه بالحرف؛ فيعود الإشكال كما هو, ولا بدَّ من حلِّه من وجه آخر ليرتفع الإشكال على جميع الأحوال.

ثم إنَّه بناءً على كون الموضوع له في الحروف هو التضييق فإنَّه يكون معنى الحرف من المعاني الإيجادية, لأنَّ الحرف إمّا قد وضع للنسبة والربط أو واقع التضييق، والأول واضح؛ فإنَّ النسبة إنَّما تكون بين المفاهيم في الذهن والتضييق أيضاً يكون بين المفاهيم, فهو من كيفيات وجود المفاهيم وهو رجوع منه قدس سره إلى ما فرَّ منه ووقع في الإشكال الذي أورده على مختار المحقق النائيني قدس سره , فإنَّه إلتزم بأنَّ المعاني الحرفية من المفاهيم غير المستقلة, فكان الفرق بين المعاني الإسمية والمعاني الحرفية هو الإستقلال وعدمه,

ص: 134

ومن نتيجة ذلك عدم التمسك بالإطلاق في غير مورد العلم بتعلق اللحاظ إستقلالاً؛ كما هو الغالب في الحروف, حيث لا يعلم تعلق اللحاظ الإستقلالي بمعناها.

وأمّا الأدلَّة التي إستدلَّ بها فهي موهونة جداً، مِمّا يُغني عن ذكر الوجوه؛ سوى أنَّه لا إرتباط بين التعهد والإلتزام في الوضع وبين القول بالتضييق في وضع الحروف، فإنَّ البحث الثاني يأتي في المرتبة المتأخرة عن الأول، فإنَّ الإلتزام بمعنى خاص في حقيقة الوضع لا يقتضي وضع الحرف إلى معنى معين بحيث يكون تعيين حقيقة الوضع هو نتيجته الوضع المذكور.

فالوضع للتضييق على تقدير تماميته يصلح على جميع تقادير معنى الوضع كما هو واضح.

وأمّا دعواه الوجدان فهي مجازفة؛ إذ بعد معرفة الإشكال عليها كيف يكون إرتكازياً.والحاصل: إنَّ قوله قدس سره يرجع إلى ما ذهب إليه المحقق النائيني والمحقق الإصفهاني وغيرهما, وإنَّ الأقوال يمكن أنْ تكون مجرد تعبيرات مختلفة عن مدّعىً واحد.

وذهب السيد الصدر إلى تعديل وتصحيح ما ذهب إليه السيد الخوئي(1)؛ فقال بتلخيص:

إنّ الماهيات على قسمين:

القسم الأول: ماهيات لها تقرر وإستقلال ماهوي

وهي التي يعبَّر عنها بالمفاهيم الإسمية، وهذا القسم له وجودات؛ الوجود الحقيقي الخارجي، والوجود الذهني، والماهية محفوظة في كلا الوجودين, وهي الجامع الذاتي بين كلا النحوين من الوجودين على ما هو المفصل في العلوم العقلية في إثبات الوجود الذهني، كما هي الجامع بين الوجودات الحقيقية الخارجية.

ص: 135


1- .دراسات في علم الأصول؛ ج1 ص249.

القسم الثاني: الماهيات التي هي ناقصة ذاتاً

فإنَّها لأجل نقصانها يستحيل أنْ يكون لها وجود ذهني, أي الوجود اللحاظي التصوري, لأنَّ معنى ذلك إنحفاظ ماهيتها في ضمن الوجودين, وهو يساوق إفتراض الجامع الذاتي لفردين من النسبة، كما في المفاهيم المستقلة، وهو مستحيل؛ لأنَّ النسبة إمّا ذهنية وهي غير موجودة لما عرفت من أنَّه يستحيل أنْ يكون للنسبة وجود ذهني مقابل الوجود الذهني لطرفي النسبة إذ لم يكن هناك وجودات ثلاثة ذهنية, وإلا إستحال الربط كما لم يكن للنسبة والربط وجود خارجي مقابل وجود الطرفين في الخارج، لكن تكون لها نسبة واقعية أي الأعمّ من الوجود الذهني والخارجي وهذا يختص بالخارج، وأمّا الذهن فليس فيه تلك النسبة, فإنَّه ليس فيه طرفين متغايرين من الوجود الذهني ينشأ بينهما نسبة موازية للنسبة الواقعية الخارجية، وإنَّما يتحقق وجود واحد وهو مركب تحليلي أحد أجزائه النسبة، كما هو الشأن في المركبات التحليلية في الخارج المركب من الجنس والفصل, ولعلّ مراد السيد الخوئي هذه النسبة التحليلية لا النسبة الواقعية عيناً أو ذهناً, فهو لم يكن يرى وجداناً إلا وجوداً ذهنياً واحداً مِمّا اضطره إلى أنْ يدّعي وضع الحروف للتحصيص, بمعنى أنَّ الذهن البشري يقضي أنْ يتضيق الوجودان الخارجيان ويندكّان في وجود ذهني واحد يمكن تحليله إلى أركان ثلاثة.

ومن ذلك يظهر إستحالة الوجود الذهني للماهية النسبية, ولا بدَّ أنْ يعرف أنَّ المراد من الوجود الذهني هو الوجود اللحاظي التصوري، لا مطلق الوجود في عالم النفس المعبر عنه تارةً بالنفس الآمري أو الواقعي, إذ ربَّما يكون للشيءوجوداً نفسياً وليس له وجود ذهني كما بالنسبة إلى الإرادة النفسية؛ فإنَّها كيف نفساني.

ص: 136

ومن ذلك يظهر أنَّ النسبة إذا كان موطنها الأصلي خارج عالم النفس فلا يمكن أنْ توجد في الذهن مطلقاً حقيقة، لا بوجود حقيقي ولا بوجود لحاظي تصوري؛ أمّا الأول: فلأنَّه خلف ما فرضناه من أنَّ موطنها الأصلي خارج عالم النفس.

وأمّا الثاني: فلما عرفت من إستحالة الوجود الذهني للنسبة.

وحينئذٍ يكون إقتناص الذهن لها تحليلياً ومرجعه إلى الحصة الخاصة التي لها وجودان؛ خارجي وذهني، والأخير إنَّما يكون دائماً لمفهوم إسمي بمطلقه أو بحصة خاصة منه, ثم قال إنَّه بهذا يمكن أنْ يتحقق التصالح بين الإتجاهين؛ الإخطاري والإيجادي من المعاني الحرفية، فمن يقول بالإخطارية يقصد إخطارية الحصة الخاصة المستنبطة للنسبة تحليلاً فإنَّها إخطارية كإخطارية المعنى الإسمي المطلق، وأمّا إذا كان الموطن الأصلي للنسبة عالم النفس، فهي يمكن أنْ توجد فيه (أي عالم النفس) بوجودها الحقيقي. لا بوجود لحاظي تحليلي فقط، ويترتب على ذلك أنَّ النحو الأول من النسبة تكون نسبته ناقصة؛ وهي النسب الأولية الخارجية التي هي موضوعة بإزاء نسب تحليلية, والنحو الثاني تكون نسبته تامة، وهي النسبة الواقعية الثانوية.

والحقُّ أنْ يقال: إنّ ما ذكره قدس سره إنَّما هو إعادة لما ذكره الأعلام من أنَّ النسبة لا وجود لها ذهناً ولا خارجاً وأنَّ لها سنخ مفهوم، وهذا هو المراد بالنسبة التحليلية التي ذكرها, فإنَّ الجميع يتَّفقون على عدم تحقق النسبة مطلقاً لا عيناً ولا ذهناً، فلا بدَّ أنْ تكون النسبة هي من آثار الوجود الذهني, للطرفين والمفهومين الإسميين لهما سنخ وجود ذهني ومفهوم كذلك, وهذا هو المراد من التحليل العقلي للنسبة, فما يورد على الأعلام السابقين يورد عليه أيضاً، وأمّا تحليله للنسبة إلى قسمين نسبة واقعية أولية وأخرى واقعية ثانوية والأولى تكون ناقصة لأنَّها نسبٌ تحليلية, والثانية تكون تامة فهو صحيح؛ لكنه يرجع إلى كيفيات

ص: 137

المعاني الإسمية لا أنْ تكون النسبة هي بنفسها ناقصة أو تامة فإنَّه غير معقول, فإنَّها ربط لحظي لا وجه لنقصانه وتمامه، نعم؛ يتفق المدلول الحرفي فيها تبعاً لمتعلقاتها, فلا بدَّ أنْ يقال أنَّ المعاني الإسمية لها من اللوازم والملزومات والكيفيات لا بدَّ أن تكون ملحوظة للواضع حين وضع الأسماء, ولكونها ملازمات واقعية بحيث يكفي أنْ يكون الملزوم مورد اللحاظ في لحاظ لوازمه.

وبناءً على ما ذكرنا في حقيقة الوضع يظهر أنَّ الواضعين الأولين البدائيين وضعوا الألفاظ للمعاني الإسمية إبتداءً, لكنها لم تكن بعيدة عن لوازمها وكيفياتها الواردة عليها من الزمان والمكان والإضافات والنسب ونحو ذلك من المعاني الحرفية، فهي فانية في تلك المعاني الإسمية المستقلة فناءً تاماً ومندكة فيها إندكاكاًتاماً يستحيل وجودها مطلقاً بدونها فيكون وضع الأسماء وضع لها بالتبع, فلا نحتاج إلى إلتماس الوضع الخاص للمعاني الحرفية؛ وهذا هو مختار السيد الوالد,وهو الأقرب إلى الوضع وكيفيته كما عرفت سابقاً(1).

ولا ريب في أنَّه يترتب على الحروف والهيئات والنسب والإضافات آثاراً خاصة, وهي كثيرة:

منها؛ كونها آلية ولم تكن إستقلالية؛ لما عرفت من الفناء التام.

ومنها؛ كونها إيجادية؛ لأنَّها توجد المعنى الإسمي في قيود وحصص.

ومنها؛ كونها ربطية.

ومنها؛ كونها تستدعي التحصيص والتضييق للمعاني الإسمية.

ويرجع ذلك إلى أنَّها فانية في الغير فناءً تاماً, فيكون وضعها تبعاً لوضع الإسم؛ إنْ عامَّاً فعامٌّ, وإنْ خاصَّاً فخاصٌّ.

ص: 138


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص18.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ الأقوال في وضع الحروف ثلاثة:

1- الموضوع له العام وهو مختار صاحب الكفاية ومن تبعه.

2- الموضوع له الخاص.

3- يتبع الإسم؛ فخاص إنْ كان خاصاً, وعام إنْ كان عاماً.

ومن ذلك كله يظهر:

إنَّ المعاني الحرفية تتَّصف أيضاً بالإيجادية والإخطارية والكلية والجزئية والإطلاق والتقييد تبعاً لمتعلقاتها؛ لغرض فنائها فيها وعدم التحصل لها في ذاتها بوجه من الوجوه، ويمكن فرض إتّصافها بها ولو لم يتَّصف المتعلق بها على نحو عدم لحاظ المتعلق والغفلة عنه لا على نحو لحاظ العدم، وهذا صحيح في الإنحلالات الذهنية وتمحلاته كما سيأتي تفصيل ذلك.

ثم إنَّه من مداليل الحرف النسب والإضافات وهما تعمّان جميع الموجودات, ففي المبدأ تبارك وتعالى -كالخالقية والرازقية- ونحوهما من صفات الفعل، فإنَّ كونه عَزَّ وَجَلَّ خالقاً ورازقاً إنَّما هو لأجل إضافتها إلى المخلوق المرزوق, وأمّا الممكنات فقد حُفَّت بالإضافات الكثيرة العديدة, بل إنَّ حقيقة الممكن لم تكن إلا النسبية، فلا حقيقة مطلقة إلا الله تعالى كما هو الثابت في العلوم العقلية, فمن الإضافات الإضافة إلى الفاعل التي هي أول النسبة العارضة لها ثم الزمان والمكان وغيرهما مِمّا لا تحصى، وقد إصطلح العلماء في الأخيرين على المستقر تارةً واللغو أخرى.والأول ما كان نفس الظرف محمولاً، ك-(زيد في يوم الجمعة)، أو (في الدار)، والثاني ما كان من متممات المحمول، ك-(زيد يقوم في الجمعة)، أو (يصلي في الدار).

ص: 139

ثمرة البحث

قد ذكر العلماء لهذا البحث التحليلي في مداليل الحروف وما يلحق بها كالهيئات والإضافات والنسب ثمرات عملية حصرها بعض الأعلام في موارد ثلاثة. وأما السيد الوالد قدس سره فلم يذكر إلا مورداً واحداً, ونحن نذكرها؛ وحقُّ البحث هذا أنْ يذكر بعد البحوث الآتية من الهيئات والإنشاء والمبهمات لكنه قدس سره ذكرها هنا:

الأول: وهو الذي ذكره السيد الوالد قدس سره ؛ من إمكان تقييد الهيئة وعدمه, وذلك في الواجب المشروط عند دوران الأمر في القيد بين رجوعه إلى الهيئة أو رجوعه إلى المادة، كما في قولنا (إنْ استطعت فحج)، فبالإمكان أنْ يكون القيد -وهو الإستطاعة- قيداً للحكم والوجوب، وأنْ يكون القيد للواجب أي الحج(1).

الثاني: ثبوت مفهوم الشرط وعدمه والإستدلال على ثبوت المفهوم بإطلاق أداة الشرط، أو أنَّه لا يكون قابلاً للإطلاق والتقييد, فلا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات المفهوم.

الثالث: التمسك بإطلاق الموضوع في الجملة التي تكون النسبية فيها تامة دون الناقصة, وذلك إذا وقع معنىً -سواء كان إسمياً أم حرفياً- طرفاً لنسبة فإنَّه تارةً تكون النسبة تامة، وأخرى تكون ناقصة، فإذا كانت تامة وشُكَّ في طرف النسبة الذي يحكم عليه بطرفها الآخر هل هو المطلق أم المقيد أمكن التمسك بالإطلاق وإثبات كونه هو المطلق، كما إذا قلنا (البيع حلال) وشككنا في أنَّ موضوع التعليق هو مطلق البيع أو الحصة الخاصة منه؛ أمكن التمسك بالإطلاق ونثبت الأول، ويتفرع عليه دلالة الجملة المذكورة على إنتفاء سنخ الحكم بإنتفاء البيع, وأمّا إذا وقع معنىً طرفاً لنسبة ناقصة كالنسبة

ص: 140


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص18.

الوصفية، وشككنا في أنَّ الموصوف بالوصف هو المطلق أو المقيد فلا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات كون الموصوف هو المطلق.

ثمرة البحث و توجیهه

ولا بدَّ من توجيه البحث في كلِّ واحد من هذه الموارد الثلاثة:

أمّا المورد الأول؛ فقد إستدلُّوا على عدم رجوع القيد إلى الهيئة بأمرين:

الأمر الأول: إنَّ الموضوع له في الحرف والهيئة إنْ كان عاماً كما ذهب إليه صاحب الكفاية جاز تقييد الهيئة فيرجع القيد إلى الوجوب في المثال المذكور,بخلاف ما إذا كان الموضوع له فيها خاصاً فلا يمكن إرجاع القيد إليها, ولا بدَّ من إرجاعه إلى المادة لأنَّه يكون مدلول الحرف جزئياً والجزئي لا يقبل التقيد، لأنَّه إنَّما يطرأ على ما كان قابلاً للسعة.

الأمر الثاني: إنَّ معنى الحرف آليٌّ لا أنْ يكون إستقلالياً, والإطلاق والتقييد حكمان على الطبيعة, فلا بدَّ أنْ يلحظ المحكوم عليه إستقلالاً, وهو خلاف طبيعة المعنى الحرفي فلا يصح الإطلاق في الآلي.

ويمكن مناقشة الأمر الأول بالتالي:

أولاً: إنَّ خصوصية الموضوع له لا تنفي صحة التقييد كما في تقييد الأعلام, لأنَّ كون الموضوع له في الحروف والهيئات خاصاً لا يدلُّ على كونه جزئياً لا يقبل الصدق على كثيرين, فإنَّ مردَّه إلى الجزئية الطرفية بمعنى أنَّه متقوم بأطرافه.

ثانياً: إنَّه إذا إنتفى العموم والإطلاق الإفرادي في الخاص لا ينتفي العموم الأحوالي منه، فيمكن الإطلاق والتقييد بلحاظ الأحوال.

والإشكالُ عليه بأنَّ الجزئي لا يقبل الإطلاق من جهة الأحوال حتى يقبل التقييد, لأنَّ الجزئي لا بدَّ أنْ يكون متَّحداً من وجوهٍ بأحوال خاصة لا يقبل الإطلاق؛ غيرُ صحيح عُرفاً؛ فإنَّه يرى أنَّ الجزئي يقبل الإطلاق من حيث الأحوال فيقبل التقييد.

ص: 141

ثالثاً: إنَّ المعاني الحرفية وملحقاتها تقبل الإطلاق والتقييد تبعاً لمتعلقاتها التي تقبل كلَّ شيء كما عرفت آنفاً وهذا أحسن الوجوه.

وأجيب أيضاً بوجوه أخرى لا تخلو من مناقشة؛ فراجع.

كما إنَّه يمكن مناقشة الأمر الثاني بالتالي:

أولاً: إنَّه يمكن أنْ يكون فرض اللحاظ الإستقلالي لمدلول الحروف، ويكون أثراً للحكم نفسه, كما إذا تحقق لحاظ المعنى في نفسه أولاً مقيّداً بقيد ثم لحاظ المقيّد آلياً في مقام الإستعمال فيرتفع المانع حينئذٍ.

وأشكل عليه بعض الأعلام بأنَّ ذلك إنَّما يتمُّ فيما إذا كانت النسبة ناقصة فإنَّه بالإمكان التقييد وملاحظة الحصة الخاصة باللحاظ الآلي على نحو تعدد الدال والمدلول، وأمّا إذا كانت النسبة تامة فلا يتم ما ذكر, لأنَّه لا بدَّ من حفظ النسبة التامة في مرحلة اللحاظ الإستعمالي، وإنحفاضها في هذه المرحلة مساوق للنظر إلى طرفيها بما هما متغايران، مع أنَّه لو كان طرفاها ملحوظين في هذه المرحلة تبعاً، فكيف يمكن إيقاع النسبة بينه وبين الطرف الآخر.

ثانياً: إنَّه ليس المعنى الحرفي آلي والمعنى الإسمي إستقلالي, بل إنَّ الإختلاف بينهما ذاتي لا لحاظي كما عرفت.

ثالثاً: إنَّه لمّا كانت التبعية التامة بين مدلول الحرف والمتعلق فإنَّ أثر كل واحد منهما ينتقل إلى الآخر، وحينئذٍ لا فرق بين النسبة التامة والنسبة الناقصة كما ذكره بعض الأعلام كما لا فرق بين أنْ يكون المعنى الحرفي نسبياً أو آلياً من حيث اللحاظ ونحو ذلك مِمّا عرفت سابقاً.

أما المورد الثاني؛ فإنَّه إنْ قلنا بثبوت الإطلاق لمدلول الهيئة؛ فتارةً يتمسك بالإطلاق لإثبات أنَّ الوجوب المجعول في طرف المنطوق ليس مقيداً بقيد, فالوجوب ليس مشروطاً؛

ص: 142

فينفى بالإطلاق الوجوب الغيري والكفائي والتخييري، فإنَّها خصوصيات ترجع إلى الوجوب المشروط، وهو بحث خاص يأتي في مباحث الأوامر إنْ شاء الله تعالى.

وأخرى يتمسك بإطلاقه إذا وقع المدلول الحرفي طرفاً للتعليق في الجملة الشرطية لإثبات أنّ المعلّق سنخ الحكم لا شخصه لكي ينتفي سنخ الحكم بإنتفاء الشرط -كما هو مقتضى مفهوم الشرط- وقد وقع الإشكال أيضاً باعتبار أنَّ المعنى الحرفي جزئي والجزئي لا يقبل الإطلاق الذي هو من شؤون المفاهيم الكلية، أو باعتبار كونه آلياً كما عرفت سابقاً، وكلُّ ما لا يقبل التقييد لا يقبل الإطلاق.

وقد عرفت الجواب عن كلِّ واحدٍ منهما، وقلنا أنَّ المعنى الحرفي يمكن تقييده فيصح التمسك بإطلاقه.

أما المورد الثالث؛ فقد فصل بعض الأعلام بين النسبة التامة وبين النسبة الناقصة, فإنْ كانت من قبيل الأولى فيمكن التمسك بالإطلاق لإثبات أنَّ طرف النسبة هو المطلق تمسكاً بمقدمات الحكمة، ويتفرع عليه إنتفاء سنخ الحكم بإنتفاء الطرف، كما في قولنا: (البيع حلال), وأمّا إذا كانت النسبة ناقصة كالنسبة الوصفية، وشككنا في أنَّ الموصوف مأخوذ على نحو الإطلاق أو التقييد فلا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات أنَّ الموصوف هو المطلق، كما عرفت سابقاً من الفرق بين النسبة التامة والنسبة الناقصة في أنَّ الأخيرة تحليلية، وأنَّه في صقع الذهن لا توجد نسبة وإثبات شيء لشيء بل هو موجود خاص واحد فلا موضوع حتى يجري فيه الإطلاق، بل هو مفهوم إفرادي واحد.

ولكن عرفت الإشكال فيما ذهب إليه وأنَّ النسبة على كلا القسمين هي من سنخ الوجود الذهني والمفهوم الذهني لا يكون من حقيقتها حتى يرد ما توهمه, وسيأتي في بحث المفاهيم تتمة الكلام إنْ شاء الله تعالى.

ص: 143

والحقُّ أنْ يقال: إنَّه لا ثمرة عملية تترتب على هذا البحث الطويل, فإنَّه يمكن إثبات الإطلاق لمدلول الحروف ومعانيها فيصح التمسك به لنفي القيود في جميع الموارد الثلاثة.

ثم إنَّ الحروف على قسمين؛ الحروف الداخلة على المفردات، والحروف الداخلة على الجمل كحروف التمني والترجي والإستفهام وغيرها.

أمّا الأول هو مورد البحث عن المعنى الحرفي، وأمّا الثاني الثاني فقد إتَّفق الجميع على أنَّ معانيها إنشائية إيجادية, ويقول بها حتى من ينكر إيجادية معنى الحروف الإفرادية.والوجه واضح؛ فإنَّ الجملة بدخول تلك الحروف عليها تكون إنشائية, ولا ريب في أنَّ الجملة إذا دخل عليها حرفٌ أو كلمة يصبح لها تركيبٌ خاصٌ تشتمل على خصوصيات، ويسمى ذلك بالهيئة, وحينئذٍ لا بدَّ أنْ يقع البحث عن الهيئات مطلقاً؛ فإنَّها إمّا أنْ تكون هيئات الجمل ويبحث فيها عن الجمل الخبرية بقسميها الناقصة والتامة، وعن الجمل الانشائية. وإمّا أنْ تكون من الهيئات الإفرادية، ويبحث فيها هيئة الفعل وهيئة المصدر، وهيئة المشتقات.

هيئات الجُمل

أي الهيئة القائمة بمجموع كلمتين أو أكثر على نحو يكون للمجموع مدلولاً خاصاً لم يكن ثابتاً لتلك المفردات في حال تفرقها، وهذه الجُمل إمّا ناقصة أو تامة، خبرية أو إنشائية تامة فهنا أصناف ثلاثة؛ وقبل بيانها لا بدَّ من التنبيه على أمور:

الأمر الأول: الجملة تارةً إخبارية محضة ك-(زيد قائم)، وأخرى إنشائية كذلك ك-(إضرب), وثالثة تستعمل فيهما ك-(بعت) مثلاً، والجامع في الجميع إبراز المعنى بأسلوب وتركيب معين، والفرق في الأوليين من جهة المحاورات، وفي الأخيرة من جهة القرائن التي منها الداعي الذي يفهم بالقرائن الظاهرة سواءً كانت مقالية أو حالية.

ص: 144

الأمر الثاني: كلُّ جملة تتركب من مادة وهيئة كقولنا: (حفظ زيد المتاع) ونحو ذلك, فإنَّ مادته الحفظ وهيئته فعل الماضي، ولا ريب في أنَّ وضع مواد الجُمل إنَّما يكون شخصياً، كما أنَّه لا ريب في أنَّ وضع هيئاتها الخاصة التي تفيد معاني مخصوصة إنَّما يكون نوعياً. وأمّا ملاحظة المادة والهيئة مجموعاً ثم وضع المركب منهما ثالثاً فهو من اللغو الباطل ولا يرتكبه العاقل.

الأمر الثالث: إنَّ الخبر حكاية والإنشاء إيجاد, والأخير قد يكون إيجاد طلب كالأمر والإستفهام والدعاء، وقد يكون إيجاد شيء له إعتبار كالعتق والطلاق والبيع, وبذلك يظهر الفرق بين قولنا: (طلَّق)، و(طالق)، و(طلِّق).

والإخبارية والإيجادية من الأمور القصدية، فهل يتَّصف كلام واحد بهما؟.

فيه خلاف؛ وقد ذهب جمعٌ ومنهم السيد الوالد قدس سره إلى صحته من جهتين مختلفتين، وسيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

وقبل الدخول في بيان مفاد الجمل الإنشائية والخبرية لا بدَّ من ذكر معنى الإنشاء الذي إختلف فيه الأعلام على أقوال أربعة:

القول الأول: إنَّ الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ في نفس الأمر؛ وهو مختار صاحب الكفاية.

القول الثاني: إنَّه إيجاد المعنى باللفظ بالعرض، فلا يخرج عن حقيقة الإستعمال؛ وهو مختار المحقق الإصفهاني قدس سره .

القول الثالث: إنَّه ايجاد المعنى باللفظ في وعائه المناسب له؛ وهو المشهور.

القول الرابع: إنَّه إبراز الصفات النفسانية؛ وهو الذي إختاره السيد الخوئي قدس سره .

أمّا القول الأول؛ فقد ذكر صاحب الكفاية في بيانه بتلخيص: إنَّ الإنشاء إيجاد المعنى في نفس الأمر لا الحكاية عن ثبوته وتحققه في موطنه من ذهن أو خارج؛ الذي هو معنى

ص: 145

الخبر، والمراد من وجوده في نفس الأمر هو ما لا يكون بمجرد فرض فارض ولا ما يكون بحذائه شيء في الخارج, فملكية المشتري للمبيع لم يكن لها ثبوت قبل إنشاء التمليك ولو قيل بثبوتها حينئذٍ, إنَّما يكون من مجرد الفرض كفرضية جمادية الإنسان، وإنسانية الجماد، وأمّا بعد إنشائها حصل لها ثبوت وخرجت عن مجرد الفرض وإنْ لم يكن لها ما بإزاء في الخارج، فيكون المعنى الإنشائي موجود بوجود إنشائي ويحصل له تقرر في عالم الإنشاء؛ بمعنى وجود المعنى باللفظ بنحو وجود يُعبّر عنه بالوجود الإنشائي فيكون من سنخ الإعتبارات، ولا يختَّص بالمعاني الإعتبارية كالملكية ونحوها بل يعمّ المعاني الحقيقة الواقعية كالتمني والترجي والإستفهام، فيمكن إنشاء الصفات النفسانية الواقعية، كما يمكن إنشاء المعاني الإعتبارية.

ولم يعتبر في حقيقة الإنشاء إيجاد نفس المعنى في عالمه حتى يقال بأنَّه لا يمكن إنشاء مثل التمني الذي هو من الأمور الواقعية لتبعية وجودها للأسباب التكوينية دون الإنشاء, بل هو يتحقق ولو لم يكن للصفة الحقيقية وجود في الخارج أصلاً ويترتب عليه آثارهُ لو كانت, ومن خصائصهِ أنَّه يعتبر في الوجود الإنشائي ترتب أثر شرعي أو عرفي عليه، فلو أنشأ المعنى الواحد بلفظ واحد مكرراً لا يخرج كلٌّ منها عن الإنشاء، وإنْ لم يترتب على غير الأول سوى التأكيد إذا كان المورد قابلاً للتأكيد، ولا يكون من قبيل إيجاد الموجود حتى ينفي كونه إنشاءً كما تخيّله الشهيد قدس سره في القواعد(1), ونفى كون العقد المكرر إنشاءً لعدم حصول الإيجادية نظير صدوره مِمَّن لا يترتب على قوله أثرٌ شرعاً وعرفاً كالمجنون إذا تأتى منه القصد، فإنَّه لا يخرج عن الإنشاء وإنْ كان لغواً.

ص: 146


1- . القواعد والفوائد؛ ج1 ص112؛ قاعدة 86.

والحاصل أن الإنشاء عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ بوجود إنشائي اعتباري غير إيجاده في عالمه المناسب له من اعتبار أو واقع، ولذلك كان خفيف المؤنة ولا يتوقف على ترتب أثر عقلائي عليه، كما أنه يصلح أن يجري في الصفات الحقيقية الواقعية، وإن لم تتوقف صحته على ثبوت تلك الصفات في الواقع ونفس الأمر.

وقد ذكر قدس سره أنَّ الفرق بين الإنشاء والأخبار من جهتين:الجهة الأولى: إنَّ مفاد الإنشاء مفاد كان التامة؛ لأنَّه بمعنى إيجاد الشيء. ومفاد الخبر مفاد كان الناقصة؛ لأنَّه بمعنى ثبوت شيء لشيء.

الجهة الثانية: إنَّ مفاد الإنشاء إيجاد وحدوث بعد أنْ لم يكن. ومفاد الخبر أنَّه يُحكى به بعد أنْ كان أو يكون.

القول الثاني(1): وهو خلاصة ما ذكره في حاشيته على كفاية أستاذه: إنَّ أقسام الوجود المعروفة هي الوجود العينيي والوجود الذهني والوجود اللفظي والوجود الكتبي، وإنَّ الوجود المنسوب للماهيات بالذات ينحصر في الحقيقي والذهني، والحقيقي لا يكون إلا إذا كان له ما بإزاءه في الخارج أو له منشأ إنتزاعٍ ما بإزاء مطابق له، وهو غير متحقق فيما نحن فيه.

والذهني إنَّما علَّته التصور، وأمّا الوجود باللفظ وبالكتابة إنَّما وجودهما بالذات للَّفظ والكتابة وبالجعل والمواضعة وبالعرض للمعنى, وبعد معرفة ذلك يقال أنَّ المراد بوجود المعنى باللفظ إمّا أنْ يُراد ثبوته بعين ثبوت اللفظ بحيث ينسب الثبوت إلى اللفظ بالذات وإلى المعنى بالعرض. وإمّا أن يراد ثبوته منفصلاً عن اللفظ بآلية اللفظ بحيث ينسب إلى كلِّ واحدٍ منهما بالذات.

ص: 147


1- . وهو مختار المحقق الإصفهاني قدس سره .

ولا سبيل إلى الثاني لما عرفت من أنَّ الوجود المنسوب للماهيات بالذات منحصر في العيني والذهني دون غيرهما, ومن الواضح أنَّ آلية وجود اللفظ وعليَّته لوجود المعنى بالذات لا بدَّ أنْ يكون في أحد الموطنين من الذهني والعيني.

وقد عرفت أنَّ وجود المعنى بالذات في الخارج يتوقف على حصول مطابقهِ في الخارج أو مطابقاً لمنشأ إنتزاعه, فإذا أُعدما فنسبة الوجود إلى المعنى يكون غير معقول، ووجوده في الذهن يكون بتصوره بعليّة اللفظ للوجود الذهني، نعم؛ الإنتقال الحاصل من اللفظ إلى المعاني إنَّما هو لأجل الملازمة الجعلية بين اللفظ والمعنى، وهذا موجود في كلِّ لفظ ولا يختص بالإنشاء الذي كلامنا فيه فقط.

فيكون المعقول من ثبوت المعنى باللفظ هو الوجه الأول, أي نسبة وجود واحد إلى اللفظ والمعنى بالذات في الأول وبالعرض في الثاني, وهذا هو المراد من قولهم: إنَّ الإنشاء قولٌ قُصِدَ به ثبوت المعنى في نفس الأمر, وإنّما قُيِّد بنفس الأمر مع أنَّ وجود اللفظ في الخارج وجود للمعنى فيه أيضاً بالعرض إنَّما هو لأجل التنبيه على أنَّ اللفظ هو وجود المعنى تنزيلاً في جميع النشآت بواسطة العلقة الوضعية بينهما، فكأنَّ المعنى ثابت في مرتبة ذات اللفظ بحيث لا ينفك عنه في أيِّ مرحلة من مراحل الوجود, فيكون المراد بنفس الأمر حدُّ ذات الشيء, وإنَّ اللفظ وجود للمعنى في جميع النشآت.ثم ذكر قدس سره أنَّ مراد صاحب الكفاية من قوله المتقدّم من أنَّ الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ في نفس الأمر, أي وجود المعنى وثبوته بعين ثبوت اللفظ بحيث ينسب الثبوت إلى اللفظ بالذات وإلى المعنى بالعرض, فيكون وجود المعنى في حدِّ ذاته وجود للَّفظ في جميع النشآت.

وبعبارة أخرى؛ يكون الإنشاء هو ثبوت المعنى خارجاً ثبوتاً لفظياً.

ص: 148

ثم قال: إنْ قلتَ أنَّ هذا المطلب جارٍ في جميع الألفاظ بالنسبة إلى معانيها من دون إختصاص بالإنشاءات.

قلتُ: الفرق بينهما أنَّ المتكلم قد يتعلق غرضه بالحكاية عن النسبة الواقعة في موطنها باللفظ المنزل منزلتها، وقد يتعلق غرضه بإيجاد نفس هذه النسبة بإيجاد اللفظ المنزل منزلتها، مثلاً: لفظ (بعت) المشترك بين الإخبار والإنشاء, فإنَّ مفاده فيهما واحد, وهي النسبة المتعلقة بالملكية، وإنَّ هيئة (بعت) وجود تنزيلي لهذه النسبة الإيجادية القائمة بالمتكلم والمتعلقة بالملكية، وهو قد يقصد وجود تلك النسبة خارجاً بوجودها التنزيلي الجعلي اللفظي, فليس وراء قصد الإيجاد بالعرض وبالذات أمرٌ آخر وهذا هو الإنشاء.

وقد يقصد زيادة على ثبوت المعنى تنزيلاً الحكاية عن ثبوته في موطنه أيضاً؛ وهذا هو الإخبار, وكذلك في صيغة (إفعل) وأشباهها، فإنَّه يقصد بقوله: (إقرأ) ثبوت البعث الملحوظ بين المتكلم والمخاطب والمادة، فيوجد البعث في الخارج بوجوده الجعلي التنزيلي اللفظي فيترتب عليه ما يترتب على البعث الحقيقي الخارجي مثلاً؛ إذا كان المخاطب من أهله وفي محله, وهذا هو الفرق بلحاظ المقابلة بين المعاني الخبرية والإنشائية، فلا ينتقض بإستعمال الألفاظ المفردة في معانيها فنقول مثلاً: العلم هو إنطباع الصورة في الذهن, والنهوض هو القيام, أو الجلوس هو القعود, ونحو ذلك؛ فإنَّ ذلك كالإنشاء من حيث عدم النظر فيها إلا ثبوتها خارجاً ثبوتاً لفظياً كما عرفت آنفاً؛ غاية الأمر أنَّها لا يصحُّ السكوت عليها؛ بخلاف المعاني الإنشائية للمعاني الخبرية.

والجواب عن هذا النقض بما عرفت من الفرق بين المعاني الإنشائية والمعاني الخبرية, فإنَّ إستعمال الألفاظ المفردة في معانيها من قبيل الإخبار تقريراً.

ثم ذكر أنَّ هذا أحسن ما يُتصور في شرح حقيقة الإنشاء, وعليه يحمل ما أفاده أستاذه العلامة، لا على أنَّه نحو وجود آخر في قبال جميع الأنحاء المتقدمة فإنَّه غير متصور.

ص: 149

وقال مِمّا ذكرنا في تحقيق حقيقة الإنشاء تعلم أنَّ تقابل الإنشاء والإخبار ليس تقابل مفاد كان التامة ومفاد كان الناقصة؛ نظراً إلى أنَّ الإنشاء إثبات المعنى في نفس الأمر, والإخبار ثبوت شيء لشيء تقريراً وحكاية.

وذلك لأنَّ طبع الإنشاء -كما عرفت- لا يزيد على وجود المعنى تنزيلاً بوجوده اللفظي, وهو قدر جامع بين جميع موارد الإستعمال، فإنَّ الخبر أيضاً يكونك ذلك، والحكاية غير متقوّمة بالمستعمل فيه بل خارجة عنه, فهي من شؤون الإستعمال.

بل الفرق أنَّهما متقابلان بتقابل العدم والمَلكة تارةً, وبتقابل السلب والإيجاب أخرى.

ففي الجمل المشتركة بين الإنشاء والإخبار كلفظ (بعت) يتقابلان تقابل العدم والملكة؛ لأنَّ المعنى الذي بوجوده التنزيلي اللفظي قابل لأنْ يُحكى به عن ثبوت في موطنه، فعدم الحكاية والتمحض فيما يقتضيه طبع الإستعمال عدم ملكة.

ومثل (إفعل) وأشباهه المختصة بالإنشاء عرفاً يتقابلان تقابل الإيجاب والسلب.

هذا ما أردنا إثباته من كلامه الشريف(1).

ويمكن الإشكال عليه بوجوه:

أولاً: إنَّ ما أورده خلاف ما أراده المحقق الآخوند (قدس الله سراهما), فإنَّه فسّر نفس الأمر الوارد في كلام أستاذه بأنَّه أراده حدّ ذات الشيء وأنَّ اللفظ وجود للمعنى في جميع النشآت. وهو خلاف صريح كلامه المحقَّق؛ حيث أنَّه فسّره بأنْ لا يكون فرضياً.

كما أنَّ المراد من الوجود هو الوجود الإعتباري بحيث يكون الإنشاء من سنخ الإعتبار, فيكون نسبة إرادة الوجود بالعرض الساري في الخبر والإنشاء إلى صاحب الكفاية لا وجه له.

ص: 150


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص190.

ثانياً: إنَّ الوجه الذي ذكره في حمل كلام صاحب الكفاية لا يفي بذلك, لأنَّ الأخير لم يدَّعِ أنَّ المعنى يوجد بالذات بالإنشاء بوجود حقيقي مقولي كي يورد عليه بما ذكر.

بل إنَّه يريد وجود حاصل للمعنى بالإنشاء نحو وجود إعتباري، وهذا النحو من الإعتبار خفيف المؤونة كما عرفت، ولا أظن أنَّ أحداً ينكر مثل هذا الوجود الإعتباري.

ثالثاً: إنَّ ما ذكره في أصل معنى الإنشاء غير صحيح لأنَّه إذا كان الإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ بلحاظ أنَّ وجود اللفظ وجود للمعنى بالعرض مقيَّداً بأنْ لا يكون القصد هو الحكاية

عن الخارج أو الذهن، بل يكون الغرض هو كون نفس الوجود العرضي للمعنى.

فإنَّه يلزم أنْ تكون الجملة الخبرية غير المستعملة بقصد الحكاية بل بداعي إرتكاز مدلولها في ذهن المخاطب بتكرارها وعدم شرودها من ذهنه من الجملة الإنشائية على هذا القول مع أنَّها لا تُعدُّ عند العُرف من الجُمل الإنشائية.رابعاً: ما ذكره بعض الأعلام من أنَّه إذا كان الإنشاء هو إيجاد المعنى عرضاً بوجود اللفظ يبتني على ثبوت كون الوضع هو تنزيل اللفظ منزلة المعنى ليكون اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى, ولذلك كان وجود المعنى بالعرض.

ولكن إثبات كون الوضع كذلك يحتاج إلى دليل, بل هو موضع نقاش ولم يرتضِ به المحقق الإصفهاني قدس سره .

ويمكن الإيراد عليه بأنَّه لم يقل أحدٌ بأنَّ الوضع هو تنزيل اللفظ منزلة المعنى, وهو وجود عرضي للَّفظ, بل إنَّ ذلك من لوازم الوضع؛ فإنَّه بعد تحقق الوضع والربط بين اللفظ والمعنى يتحقق نوع من التنزيل بينهما عرفاً, ولعل المحقق الإصفهاني ينظر إلى هذا التنزيل العرفي فيقول بهذا النحو من إيجاد المعنى ولكنه غير سديد من جهات أخرى كما عرفت.

ص: 151

القول الثالث(1): وهو إيجاد المعنى باللفظ في وعائه المناسب؛ وتوضيح المطلب:

إن الموجودات تارةً تكون حقيقية وأخرى ذهنية وثالثة تكون إعتبارية ومنشأها إعتبار العقلاء لها فيكون لها وجودٌ اعتباريٌ كالملكية والزوجية ونحو ذلك, فإنَّه ليس لها تحقق خارجيٌ بحيث يكون لها مطابق في الخارج أو منشأ إنتزاع لها، وليس هي من الموجودات الذهنية وتصوراتها فيكون لها تحقق في عالم الإعتبار, فالإنشاء هو إيجاد المعنى باللفظ في عالم الإعتبار، بمعنى أنَّ المعنى الإعتباري في نفسه قد وجِدَ له فرد حقيقي بواسطة اللفظ، فيكون اللفظ سبب لتحقق إعتبار العقلاء للمعنى, وبعبارة أخرى؛ يكون الإنشاء هو التسبيب باللفظ إلى الإعتبار العقلائي للمعنى.

وهذا القول يتَّفق مع قول صاحب الكفاية في أنَّ الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ بنحو وجود هو غير عالم اللفظ والذهن والخارج, ولكنه يختلف عنه بأنَّه على قول المشهور يكون إيجاد المعنى في عالم الإعتبار بسبب اللفظ، وأمّا على مقالة صاحب الكفاية، فإنَّه وجودُ إعتبار من سنخ الإعتباريات بحيث يختلف عن سائر الإعتباريات.

فمثلاً: الملكية إذا تحقق إنشائها بلفظ (ملكت) فإنَّها توجد على رأي المحقق الخراساني بوجود إنشائي إعتباري غير وجودها الإعتباري في نفسها وفي وعاء الإعتبار المفروض لها، وأمّا على القول المشهور فهي توجد بوجودها الإعتباري, والثمرة الفقهية تظهر في الفرع المعروف من إعتبار التنجُّز في العقد فلا يصحُّ إذا كان معلَّقاً إلا إذا كان التعليق قهرياً؛ كأن يكون التعليق على مقتضيات العقد كما إذا كان التعليق على رضا المالك في بيع الفضولي فإنَّه فيهذه الصورة لا يضرُّ التعليق لأنَّ الإنشاء في نظر العقلاء لا ينفذ إلا على تقدير الرضا، والأثر يترتب على العقد مع رضا المالك.

ص: 152


1- . وقد ذهب إليه المشهور.

فإنَّه بناءً على قول المشهور يتصور التعليق القهري كما لو كان الإعتبار العقلائي متوقفاً على أمر، كما في المثال السابق؛ فإنَّ العقلاء إعتبروا في نفوذ الإنشاء وأنْ يكون برضا المالك.

وأمّا بناءً على قول المحقق الخراساني قدس سره من أنَّ إستعمال اللفظ بقصد إيجاد المعنى بوجود إنشائي فهو مرتبط بنفس المُنشئ الذي أنشأ العقد، بمعنى؛ إنَّ هذا الوجود الإنشائي وإنْ كان عقلائياً إلا أنَّه بقصد الإنشاء وإرتباطه بالمُنشئ لا بالعقلاء، فلا يتصور فيه قهرية بعض الشروط من حيث إعتبار العقلاء لها، لأنَّ ما يقصده إيجاده للمعنى بوجود إنشائي غير وجوده في وعائه المقرر له من إعتبار وغيره, وذلك لا يتوقف على شيء من رضا المالك ونحوه كما لا يخفى.

والحاصل: إنَّه بناءً على ما إلتزمه المشهور يمكن تحقق مصداق لصورة التعليق القهري بخلاف ما لو إلتزمنا بمختار صاحب الكفاية؛ فإمّا أنْ يلتزم ببطلان العقد مع التعليق مطلقاً, أو على التفصيل كما هو محرر في الفقه.

ويشكل على قول المشهور بوجهين:

الأول: إنَّه يختَّص بالأمور الإعتبارية وما يكون وعاؤه الإعتبار كالعقود والإيقاعات لمعقولية التسبيب لإيجادها وإعتبارها عند العقلاء, فلا تشمل الأمور الحقيقية الواقعية التكوينية التي لها ما بإزاء في الخارج كبعض الصفات النفسانية مثل التمني والترجي والطلب والإستفهام, لأنَّ وجودها في وعائها تابع لتحقق أسبابها التكوينية؛ سواءً تحقق إعتبارها أو لم يتحقق فهي ليست من الإعتباريات التي تدور مدار الإعتبار وجوداً وعدماً مع أنَّ كونها من الإنشائيات مِمّا لا خلاف فيه.

ص: 153

الثاني: إنَّ معرفة تحقق الإعتبار العقلائي تكون بترتيب الأثر عليه من العقلاء, ومع عدم ترتب الأثر عليه يعلم بعدم الإعتبار فيكون لغواً مع عدم ترتب الأثر عليه.

وعليه يلزم عدم تحقق الإنشاء في الموارد التي يعلم بعدم ترتب الأثر على الإنشاء لعدم تحقق قصد التسبيب من المُنشئ كما هو واضح، والمفروض تقوُّم الإنشاء بقصد التسبيب للإعتبار العقلائي، وذلك يستلزم خروج موارد كثيرة عن الإنشاء مع أنَّ العرف يراها منه بدون نزاع.

منها؛ الإنشاء المتكرر؛ فإنَّه بأول إنشاء يوجد المعنى في عالم الإعتبار، فلا يتحقق بالإنشاء في الثاني والثالث، إذ لا يوجد المعنى الإعتباري العقلائي مرةً ثانيةً مع فرض ثبوته للغوية الإعتبار ثانياً.

ومنها؛ بيع الغاصب؛ فإنَّه يعلم بعدم ترتُب الأثر على إنشائه.ومنها؛ بيع الفضولي مع علمه بعدم رضا المالك وعدم لحوق الإجازة؛ فإنَّ العقلاء لا يرتبون الملكية على إنشائه.

ومنها؛ بيع غير المقدور تسليمه.

ومنها؛ المعاملة الغررية.

وغير ذلك من الموارد التي لا يرتب العقلاء الأثر على الإنشاء مع صدقه عرفاً.

وغير ذلك من الموارد مِمّا لا يترتب عليها الأثر العقلائي على الإنشاء مع صدقه عرفاً.

ولذلك يقال: لا يصحُّ إنشاء الغاصب أو المجنون أو الصبي ونحو ذلك.

وهذان الوجهان لا يردان على مختار صاحب الكفاية؛ إذ الإنشاء عنده هو إيجاد المعنى باللفظ بوجود إنشائي لا في وعائه المقرر له من إعتبار وغيره.

ص: 154

فيمكن أنْ يتحقق هذا الإيجاد وقصده من دون توقفه على تحققه في عالم الإعتبار العقلائي, فلا ينتفي إذا لم يتحقق فيه الإعتبار المزبور كما يستفاد من تعريف المشهور، كذلك يمكن أنْ تتَّصف الصفات الحقيقية بالوجود الإنشائي غير وجودها الحقيقي وفي وعائها المقرر لها.

فما يقال من أنَّ تحقق هذه الصفات كما في وعائها تابع للأسباب التكوينية ولا يرتبط باللفظ والإعتبار فاسد, لأنَّ المقصود تحققها بتحقق إنشائي إعتباري في غير وعائها؛ كما عرفت عند بيان مختاره سابقاً. كما إنَّه تعرّض إلى الإنشاء المتكرر فراجع.

وقد أجيب عن هذين الوجهين:

أولاً: إنَّه ليس معنى الإنشاء هو إستعمال اللفظ في المعنى بقصد إيجاده في عالم الإعتبار, بل هو إستعمال اللفظ لا بقصد الحكاية سواء قصد به الإيجاد أو لا، فالمأخوذ في معنى الإنشاء هو عدم قصد الحكاية لا قصد الإيجاد فيشمل حينئذٍ الصفات الحقيقية ولا يختص بالإعتباريات كما أُشكل عليه.

ثانياً: إنَّه يمكن الجواب عن كلِّ الموارد التي إدُّعي خروجها عن الإنشاء.

أمّا الصيغ المتكررة؛ فقد ذكر صاحب الكفاية بأنَّ الصيغ تارةً لا يستفاد منها شيء سوى الإنشاء المتحقق في المرة الأولى فتكون بقية الصيغ لغواً وبلا تأثير، وأخرى تقبل التأكيد والشدَّة والضعف كالطلب ونحوه.

فإنَّ كلَّ واحد من الإنشائين دالٌ على مزية ما من الإرادة والطلب فيتأكد فلا يكون لغواً.

وأمّا بيع الغاصب فقد ذكر الشيخ الأنصاري قدس سره في المكاسب أنَّ الغاصب وإنْ عَلِمَ بعدم ترتب الأثر العقلائي على تمليكه لعدم كونه مالك المال, إلا أنَّه حيث يكون في مقام الإنشاء ويدّعي لنفسه الملكية ويعتبر نفسه هو المالك وله حقَّ التصرف من باب الحقيقة الإدعائية، وعليه فيترتب عليه ما ترتب على المالكِ من إمكان قصد الإيجاد؛ ولو لم يكن حقيقياً.

ص: 155

وهذا الجواب لا يتأتى في بيع الفضولي لأنَّه لا يدّعي لنفسه الملكية كالغاصب فالإشكال باقٍ على حاله فيه وفي الموارد الأخرى.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّ ذلك نزاع صغروي يمكن رفعه إمّا بترتيب الأثر إدّعاءً كما ذهب إليه الشيخ في بيع الغاصب، أو تحقق الأثر حقيقة إذا كان المورد قابلاً للشدة والضعف والتأكيد كما ذهب إليه المحقق الخراساني, أو أنَّ الُمنشئ العاقل إنَّما يُنشئ بقصد تحقق المعنى في عالم الإعتبار لو لم يكن الإنشاء الأول كافياً في الإنشاء المتكرر أو معلقاً على رضا المالك في بيع الغاصب والفضولي؛ فيتحقق القصد ويكون المُنشئ فيها في مقام الإنشاء.

وبالجملة؛ إنَّه إعتبار عقلائي خفيف المؤونة, فكلُّ ما يمكن أنْ يصححه العقلاء بوجه من الوجوه تحقق الإنشاء وترتب عليه الأثر، ولا يضرّ به إذا كان الإنشاء في موردٍ لغواً لا يترتب عليه الأثر عند العقلاء.

والعرف إنْ إعتبره إنشاء فهو يكون على نحو المسامحة كما هو رأيهم في كثير من الموارد.

كما أنَّه لا يضرُّ بالتعريف إذا كان مختَّصاً بالمعاني الجعلية الإعتبارية ولا يشمل الواقعية التكوينية كالتمني وغيره, إذ لا معنى لجعلها وإعتبارها بل وجودها يتبع أسبابها التكوينية إعتبرها معتبر أم لا؛ إذ سيأتي تحقيق الحال فيها, ومن ذلك يظهر أنَّه لم يرد إشكال على تعريف المشهور، وإذا دار الأمر بينه وبين تعريف المحقق الخراساني قدس سره فالمشهور أولى بالقبول؛ إذ لا دليل على مختاره بل هو على خلافه, فإنَّ الظاهر أنَّ المُنشئ بحسب إرتكازه إنَّما يريد من الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ في وعاء الإعتبار، فهو يُنشئ نفس المعنى قاصداً إيجاده في وعائه المناسب له بحيث يرى نفسه موجداً لأثر تكويني تنزيلاً, لا إنَّه يُنشئه لإيجاده في عالم غير عالمه ثم يرتب عليه وجوده في عالمه الخاص.

ص: 156

القول الرابع: وهو إبراز ما في النفس من الصفات من إعتبار وغيره باللفظ, وقد إلتزم به السيد الخوئي قدس سره (1) بعد أنْ نفى ما ذهب إليه المشهور بدعوى أنَّ الإعتبار إمّا أنْ يكون شخصياً فهو بيد المعتبر نفسه فلا يُناط باللفظ, وإمّا أنْ يكون عقلائياً وهو يتوقف على إستعمال اللفظ في المعنى, فلا بدَّ من تشخيص المعنى ثم يستعمل اللفظ فيه.

مع إنَّ بعض الأمور الإنشائية ما لا يقبل الإعتبار كالتمني والترجي ونحوهما من الصفات الحقيقية, وبهذا المقدار إختار ما ذكره ولم يتعرض لما اختاره صاحب الكفاية من نقد ويعتبر هذا نقصاً في التحقيق العلمي.

ويمكن الإشكال عليه بوجوه:الأول: إنَّ كون الإعتبار الشخصي بيد المعتبر نفسه فلا يُناط باللفظ؛ مخالفٌ للوجدان والضرورة, فإنَّ الشخص قبل التلفظ بالعقد لا يبني على أنَّ الطرف الآخر مالكٌ ليترتب عليه آثار الملكية على المتاع عند نفسه ولا ينظر إليه باعتبار كونه مالكاً، بل هو مجرد قصد التمليك بالعقد بحيث يبني على كونه مالكاً بعد إجراء العقد لا قبله.

بخلاف إعتبار العقلاء؛ فإنَّهم إنَّما يعتبرون الملكية بعد تحقق الإنشاء باللفظ وتوفر شروطه.

الثاني: إنَّ الإعتبار الشخصي وإنْ إلتزم به بعض الأكابر إلا أنَّه لا دليل عليه بعدما عرفت من تصحيح كلام المشهور وإمكان التوصل للإعتبار العقلائي باللفظ مباشرة.

نعم؛ لو لم نلتزم بذلك أمكن القول بالإعتبار الشخصي لأنَّه لا طريق آخر غيره فيكون موضوع الإعتبار العقلائي.

الثالث: إنَّ توقف الإعتبار العقلائي على إستعمال اللفظ في معنى لا يلازم فرض الإنشاء كما ذكره, لأنَّه يمكن أنْ يفرض أنَّ معنى الهيئة هو قصد الإيجاد, وتستعمل الهيئة الإنشائية

ص: 157


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص95.

في قصد الإيجاد فيترتب عليه الإعتبار العقلائي فلا يلزم فرض الإنشاء أنَّه عبارة عن إبراز الإعتبار النفساني.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّه بعد إعتبار كون الإنشاء إيجاداً، والخبر حكاية عن نسبة متحققة أو سوف تتحقق كما عرفت, وحينئذٍ ليس لمدلول لفظ الإنشاء قبل النطق به واقعٌ خارجي يطابقه أو لا يطابقه, وبناءً عليه يمكن تعريف الإنشاء بأنَّه الكلام الذي ليس لنسبته خارج يطابقه أو لا يطابقه، وإذا أردنا توسعة دائرة الإنشاء ليشمل كلّ النقوض السابقة نقول بأنَّ الإنشاء هو ما لم يُقصد به الحكاية كما أشار إليه بعض الأعلام فتشمل جميع الموارد ويسلم عن ما ذكروه من النقوض على تلك التعريفات السابقة.

ولعلَّ إقتصار الأصوليين على قولهم بأنَّه إيجاد المعنى باللفظ إنَّما هو لأجل إهتمامهم على إنشاء الأمور الإعتبارية مثل العقود والإيقاعات والطلب التي لها المساحة الواسعة في الفقه، ولذا إقتصر تعريف المشهور عليها.

ولأجل تعميمه لجميع الأقسام نقول:

إنَّ الإنشاء على قسمين:

فإمّا أنْ يكون طلبياً؛ وهو ما يستدعي مطلوباً غير حاصل وقت الطلب, وهو خمسة أنواع: الأمر، والنهي، والإستفهام، والتمني، والنداء.

وإمّا أنْ يكون الإنشاء غير طلبي؛ وهو ما لا يستدعي مطلوباً، وله أساليب متعددة, ويمكن حصرها أيضاً في خمسة أنواع: صيغ المدح, والذم، التعجب، القسم، الرجاء، وصيغ العقود والإيقاعات.

ولا يهم الأصوليين منها إلا الأمر والنهي من القسم الأول, والنوع الأخير من القسم الثاني، كما أنَّ البلاغيين لا يهمهم إلا الإنشائي الطلبي فقط. فاختلف علم الأصول عن علم البلاغة في وجه الإهتمام.

ص: 158

ولعلَّ لذلك إختلفت التعاريف في العلمين، وإنْ إشتركوا في أصل التمييز بين الإنشاء والخبر؛ كما عرفت.

ولعلَّه لأجل ما تقدم لم يذكر السيد الوالد قدس سره تعريفاً للإنشاء، وإنَّما إقتصر على منشأ الفرق بينهما وهو كاشف في تحديد معناه.

وبعد وضوح معنى الإنشاء والخبر ندخل في الفرق بين الجمل.

ذكرنا أنَّ الجمل على أصناف ثلاثة؛ فهي إمّا أنْ تكون خبرية ناقصة أو تامة أو تكون إنشائية تامة, والمقصود بالبحث هو هيئات الجُمل, والمراد بها كما عرفت هي الهيئة القائمة بالجملة على نحو يكون لهما مدلولاً لم يكن ثابتاً قبل إلتئام مفردات تلك الجملة.

أقسام الجُمل

القسم الأول؛ الجملة الخبرية الناقصة:

وهي الجملة التي لا يصحُّ السكوت عليها، كجملة الوصف والموصوف، والمضاف والمضاف إليه. والأقوال فيها ثلاثة:

القول الأول: المعروف المشهور أنَّ وضع الجملة الناقصة بإزاء النسبة الناقصة.

القول الثاني: ما ذهب إليه السيد الخوئي قدس سره من أنَّ وضع هيئات الجمل الناقصة للتحصيص. وقد عرفت الإشكال عليه بما لا مزيد عليه.

القول الثالث: ما اختاره بعض الأعلام من أنَّ الجُمل الناقصة مثل (ضرب زيد) موضوعة للنسبة التحليلية, بمعنى أنَّ ما بإزاءها وجود ذهني واحد، والنسبة جزء تحليلي للمركب التحليلي الموجود بذلك الوجود ويستحيل فرض نسبة واقعية في هذا المجال، لما عرفت من أنَّها تستدعي فرض صورتين متغايرتين إحداهما صورة زيد، والأخرى صورة الضرب, ومع فرض ذلك يتعذر الربط بينهما بنحو يمكن الحكاية عن ضرب زيد الخارجي كما

ص: 159

عرفت آنفاً(1), وسيأتي في الجمل التامة أنَّ هناك نسبة واقعية تصادقية، والفرق بينها وبين الجُمل التامة تمام الكلام في هذا القول.

القسم الثاني؛ الجملة الخبرية التامة: والمشهور أنَّها موضوعة للنسبة التامة, أي أنَّ الموضوع له الجملة الخبرية ثبوت النسبة أو لا ثبوتها في الخارج، فالثبوت مدلول الجملة الإيجابية وعدم الثبوت لمدلول الجملة السلبية.وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ مدلول الجملة الخبرية ثبوت النسبة في الخارج أو لا ثبوتها مطلقاً, إلا أنَّ النسبة تارةً تكون ناقصة كما في الجمل الخبرية الناقصة وأخرى تكون تامة كما في الجُمل الخبرية التامة؛ فالجملتان من باب واحد.

وخالف ذلك السيد الخوئي وقال بأنَّ الجملة الخبرية موضوعة لإبراز أمر نفساني كقصد الحكاية في الجملة التامة الخبرية وقصد الإنشاء في الجملة الإنشائية.

وأورد على قول المشهور باعتراضات عديدة أهمها:

الأول: إنَّ مقتضى كون مدلول الجملة الخبرية ثبوت النسبة أو لا ثبوتها حصول العلم بثبوتها أو عدمه بمجرد إطلاق الجملة الخبرية, مع أنَّ الوجدان قاضٍ بعدم ذلك، وإنَّه لولا القرائن الخارجية أو الإطمئنان بصدق المخبر لا يحصل العلم من الجملة لو خُليت ونفسها بل لا يحصل الظن.

وأجيب عنه بأنَّ وضع الجملة لثبوت النسبة أو لا ثبوتها لا يقتضي سوى تصوره وإنتقال الذهن إليه عند الإطلاق؛ كوضع المفردات, إذ العلم الذي يقتضيه الوضع إنَّما هو التصوري دون التصديقي, وحصول تصور ثبوت النسبة وعدمه عند إطلاق الجملة لا يكاد يُنكر.

ص: 160


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص264.

ويمكن ردّه بالفرق بين وضع المفردات ووضع هيئات الجمل، فإنَّ دلالة الألفاظ على معانيها تصورية ودلالة الجملة تصديقية، والتصديق يعتبر فيه العلم والإذعان. وبناءً عليه لا بدَّ من حصول العلم التصديقي بثبوت النسبة في الخارج عند إطلاق الجملة, وقد عرفت عدم حصوله.

الثاني: إنَّ الوضع كما عرفت تحقيقه عبارة عن التعهد بشيء عند ذكر اللفظ, وغير خفي أنَّ التعهد لا بدَّ أنْ يتعلق بأمر إختياري يمكن فعله للمتعهد, وبما أنَّ النسبة ليست من الأمور الإختيارية فلا يتعلق بها التعهد, فيمتنع الوضع لثبوت النسبة لأنَّ مقتضاه تعهد الواضع بثبوت النسبة في الخارج عند ذكر الجملة وهو غير إختياري, وإنَّ ما هو إختياريٌ هو قصد الحكاية أو الإنشاء لا ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها.

الثالث: النقض بموارد لا يعقل فيها وجود النسبة خارجاً بين الموضوع والمحمول، كقولنا العنقاء ممكن, وشريك الباري ممتنع, لأنَّ ثبوت النسبة فرع ثبوت المنتسبين خارجاً فمع عدمها لا يعقل ثبوتها، فلا بدَّ أنْ يكون معنى الجملة الخبرية سنخ معنى محفوظ حتى في هذه الموارد وليس هو إلا قصد الحكاية.

وغير ذلك من الإعتراضات.

ولأجلها عدل عن إختيار المشهور إلى أنَّ الموضوع له الجملة الخبرية هو قصد الإخبار عن ثبوت النسبة والحكاية عنها, وهو أمر إختياري يمكن تعلق التعهد به، كما أنَّ الدلالة تكون تصديقية لأنَّ بإلقاء الكلام يعلم بأنَّ المتكلم قد قصد الحكاية والإخبار، كما أنَّه معنىً محفوظ في الموارد التي يمتنع تحقق المنتسبين, ومن ذلكيظهر أنَّ الجملة الخبرية والجملة الإنشائية تتَّفقان في كون الموضوع له فيهما إبراز شيء ما، ففي الإنشائية إبراز الصفات النفسانية كالتمني والترجي والطلب وإعتبار شيء، وفي الجملة الخبرية إبراز

ص: 161

الحكاية عن النسبة بعد قصدها، ومن هنا تكون الدلالة فيهما تصديقية، إلا أنَّ الإختلاف بين الجملتين هو أنَّ الإبراز في الخبرية أمر يحتمل فيه التحقق وعدمه فيحتمل فيه الصدق والكذب وهذا هو معنى القول المشهور الجملة الخبرية تحتمل الصدق والكذب، وإلا فنقل مدلول الجملة غير قابل للصدق والكذب بخلاف الجملة الإنشائية، فإنَّه لا يحتمل فيها ذلك.

وبعد بيان ذلك يظهر الفرق بين اختيار المشهور وما اختاره قدس سره وهو من وجهين:

الوجه الأول: إنَّ الموضوع له فيما إلتزمه هو قصد الحكاية عن ثبوت النسبة أو عدمه.

وأمّا الموضوع له على إلتزام المشهور هو نفس النسبة أو ثبوتها المحكي عنه.

الوجه الثاني: إنَّ قصد الحكاية على إلتزام المشهور يكون ثانوياً وبمنزلة داعي الداعي للإستعمال، فإنَّ الداعي الأول للإستعمال هو تفهيم النسبة وإيجاد مورد النسبة في الذهن, وهذا التفهيم تارةً يكون بداعي الحكاية عنه وأخرى يكون بداعي آخر؛ كالإستهزاء مثلاً, فداعي التفهيم يكون داعياً إلى الحكاية الذي هو داعٍ للإستعمال.

وأمّا على إلتزامه قدس سره فالحكاية هي الداعي الأول للإستعمال والتكلُّم، فإنَّه موضع الكلام لأمر آخر غيره.

والكلام فيما اختاره يقع في مقامين:

المقام الأول: في تمامية ما ساقه من الإعتراضات على مبنى المشهور.

المقام الثاني: في صحة ما اختاره وتماميته.

أمّا المقام الأول: فإنَّ ما ذكره من الإعتراضات غير تام.

أمّا الإعتراض الأول؛ فلأنَّه ليس المراد من كون دلالة الجملة الخبرية تصديقية أنَّه بإلقائها يوجب الإذعان بالنسبة، بل إنَّ مدلولها هو أنَّه أمر لو تعلّق به العلم لكان تصديقياً, بخلاف مدلول المفردات فإنَّه لا يتعلق به الإذعان أصلاً.

ص: 162

ويدلُّ عليه أنَّه بناءً على أنَّ المراد من الوضع تفهيم النسبة لمكان الجملة الخبرية والجملة الإنشائية على حدٍّ سواء في الدلالة التصديقية، مع أنَّ العلماء بما فيهم السيد الخوئي لا يرون بتصديقية الدلالة في الجملة الإنشائية، وهذا يكشف عن أنَّ المراد بالدلالة التصديقية غير ما ذكر.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الدلالة الوضعية دائماً تكون تصورية إذا كان المراد من الوضع غير التعهد، وأمّا الدلالة التصديقية فهي مبنية على قصد الحكاية فليست وضعية بل هي تابعة إلى الظهورات الدلالية الحالية والسياقية, وأمّا بناءً على كون الوضع هو التعهد فالدلالة الوضعية تكون تصديقية حتى في المفردات, فإنَّهاتدلُّ دلالة تصديقية على إخطار المعنى, فالجملة التامة الخبرية مثل (زيد عالم) تكون دلالتها الوضعية تصديقية على المسلكين, لكن الفرق بينهما أنَّه على المشهور هو قصد إخطار النسبة, وعلى مختاره قدس سره أنَّه قصد الحكاية. ويأتي تتمة الكلام في بحث تبعية الدلالة للإرادة.

وأمّا الإعتراض الثاني, فيرد عليه:

أولاً: إنَّ التعهد على فرض إعتباره يكون المعنى الموضوع له حقيقة أمر نفساني حتى في المفردات والحروف, وهو قصد إخطار المعنى تصوراً في ذهن السامع, كقصد إخطار التحصيص من لفظ (من) بناءً على نظرية وضع التحصيص في الحروف, وقصد إخطار صورة الجسم البارد وهو معنى كلمة (الثلج), وبناءً عليه لا فرق بين المسلكين في وضع الجملة الخبرية التامة بعد الفراغ عن كونها موضوعة لأمر نفساني, ولكن هل هو قصد إخطار النسبة تصوراً أو قصد الحكاية عنها, والأول مسلك المشهور والثاني إختيار السيد الخوئي، وعليه؛ فإنَّ كون الوضع للتعهد لا يعيِّن أحد القولين في المقام.

ص: 163

ثانياً: إنَّه منقوض بوضع المفردات فإنَّ وضع الجملة للنسبة لا يكون إلا كوضع المفردات، فإنَّ (من) مثلاً موضوع للتحصص، و(الثلج) موضوع للجسم البارد, فإنَّ الذوات والطبائع التي توضع بإزائها المفردات غير إختيارية، فلا معنى للتعهد للتحصص والجسم البارد، كما لا معنى للتعهد للنسبة لاستلزامه تعلق التعهد بأمر إختياري وهو ممتنع كما يدَّعيه.

ثالثاً: إنَّ متعلق التعهد إنْ كان نفس الموضوع له فلا بدَّ أنْ يكون إختيارياً, وحينئذٍ إنتقض ذلك بالوضع للمفردات من الذوات والطبائع.

وإنْ كان متعلقه قصد تفهُّم المعنى فهو يكون نفس الموضوع له كما هو المفروض، فليكن في الجملة الخبرية أيضاً كذلك فيكون المتعهد به قصد الإخبار عن ثبوت النسبة والموضوع له نفس ثبوت النسبة، كما كان المتعهد به في لفظ (زيد) لذاته يقصُدُ به تفهُّم الذات والموضوع له نفس الذات.

وأمّا الإعتراض الثالث؛ فهو مبني على إفتراض أخذ النسبة الخارجية في مفاد الجملة الخبرية، ولكن نظر المشهور إلى النسبة الذهنية بين المفهومين وهي محفوظة في كلِّ مورد يفترض وجود مفهومين في الذهن وإنْ إستحال وجودهما في الخارج.

فإنْ كان إيراده قدس سره على المشهور هذا النوع من النسبة فهو غير صحيح, وإنْ كان إيراده عليهم النوع الأول أي النسبة الخارجية فهو غير مراد المشهور جزماً, فالحقُّ أنَّ جملة ما إعترضه قدس سره على المشهور لم تكن إلا من المغالطة بينالأمور الخارجية وما يُراد من الوضع, فإنَّه أمر إعتباري يفيد أمراً نفسانياً, سواءً كان ثبوت النسبة وعدمها أو قصد الحكاية عنها كما عرفت.

ص: 164

نعم؛ يبقى إعتراض آخر إعتبره بعض الأعلام من أوجه الإعتراضات(1)، وهو: إنَّه لو لم تكن الجملة التامة موضوعة لقصد الحكاية عن وقوع تلك النسبة ليكون مطلباً تصديقياً يصحُّ السكوت عليه لما كان فرق بين الجملة الناقصة والتامة, فإنَّ النسبة التي وضعت الجملتان لها ليست من الأمور القابلة للتمامية والنقصان أو القلة والكثرة، فلا بدَّ أنَّ الموضوع ما ذكره ليصح السكوت عليه.

وأورد عليه بأنَّ الفرق بين الجُمل التامة والجمل الناقصة إنَّما هو بلحاظ مدلوليهما التصوريين، ولا يكفي إدخال المدلول التصديقي في مفاد الجملة التامة.

وأمّا المقام الثاني؛ فالحقُّ أنَّ ما ذكره من عدم إتّصاف النسبة بالتمامية والنقصان أو القلة والكثرة صحيح, فإنَّها ربط محض ولا يعقل أنْ توصف بذلك.

نعم؛ التمامية والنقصان وغيرهما إنَّما تكون من ناحية المتعلق, فإنَّه قد تكون الجملة التي يتصورها ويريد إلقائها إلى المخاطب عارية عن بعض الأمور التي لا ينبغي السكوت عليها تكون ناقصة وإلا فهي تامة كما صرَّح به الأعلام.

وأمّا ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ الفرق بين الجملة التامة والجملة الناقصة إنَّما هو من ناحية النسبة؛ فإنَّها إذا كانت تحليلية في صقع الذهن كانت ناقصة, وأمّا إذا كانت واقعية كذلك كانت تامة, وأطال الكلام هنا وفي غير المقام.

ويمكن أنْ يشكل عليه بأنّ النسبة بما هي نسبة لا وجود لها لا خارجاً ولا ذهناً وقد إتَّفقوا على ذلك, وإنَّما الوجود لطرفيها إمّا وجودٌ ذهنيٌ أو خارجيٌ, وحينئذٍ؛ إنْ كان لهما واقع كانت النسبة والجملة صادقة وإلا فهي كاذبة, فالنسبة في جميع الأحوال لا تتَّصف بالتمامية والنقصان ولا بغيرهما, وإنَّما هي ربط محض وفناءٌ في الطرفين المنتسبين وإنَّما

ص: 165


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص268.

تتَّصف بهما لمتعلقها، فإنْ كان مستوفياً للغرض الذي يريد المتكلم بيانه للمخاطب في مرحلة التصور بحيث يصح السكوت عليه كانت الجملة تامة؛ تتَّصف والنسبة التي هي من أجزائها بالتمامية تبعاً، وإنْ لم تكن كذلك فتكون الجملة ناقصة، وتتَّصف النسبة فيها أيضاً بالنقصان.

ثم إنَّه كان الموجود الذهني ما يطابقه في الخارج يكون حقيقياً واقعياً تترتب عليه الآثار الخارجية وإلا فهو من مجرد الفرض والتصور أو يترتب عليه الأثر الخاص به في عالمه، هذه هي حقيقة النسبة في أي عالم لوحظت، فهي الفناء والربط المحض وإنَّما تتَّصف بالأوصاف التي ذكروها مثل الإخطارية والتمام والنقصان تبعاً لمتعلقاتها.وأمّا تقسيمها إلى التحليلية والواقعية باعتبار أنَّ الأولى هي كلُّ نسبة يكون موطنها الأصلي هو الخارج أي نسبة خارجية فهي نسبة تحليلية في الذهن, لأنَّه لا يوجد في الذهن إلا مفهوماً إفرادياً ينتظر في حقِّه أنْ يقع طرفاً للإرتباط بحكم معين فلا يصحُّ السكوت عليه.

وأمّا إذا كان موطنها الأصلي الذهن فهي نسبة ذهنية واقعية لأنَّ معناه إحتواء الذهن كُلاًّ من النسبة والمنتسبين فلا حالة منتظرة فتكون تامة.

فالحقُّ أنَّه ليس إلا من التغيير في التعبير, لأنَّ النسبة متقوِّمة بالأطراف سواءً كانت ذهنية أو خارجية, فلا بدَّ من الإتيان بأطراف النسبة المفادة لكي يتحقق المعنى في الذهن, فإنْ كانت مستوفية لما له دخل في الغرض في أطرافها صحَّ السكوت عليها وكانت النسبة تامة وإلا كانت ناقصة.

فالنسبة على كلِّ حال إنَّما تتحقق أولاً في الذهن وموطنها عالم الذهن, ومنشأ إنتزاعها تارةً يكون خارجياً وأخرى ذهنياً, وقد إعترف قدس سره بذلك في ضمن كلماته, فليس للنسبة

ص: 166

معنىً إلا ذلك, فإنْ كان لها معنىً آخر وهو ما إذا كان موطنها الأصلي الخارج, ولكن يستحيل تصور الذهن لها إلا عن طريق مفهوم ذهني واحد هو مركب تحليلي فإنَّما هو تمحل عقلي صرف ولا إستحالة في تصور الذهن لتلك النسبة مهما إختلفت.

ومن ذلك يظهر الوجه فيما بناه على مسلكه من الفرق بين الجملة الإسمية الخبرية أو الجملة الفعلية الخبرية أو المزدوجة مركبة من جملة إسمية وفعلية باعتبار أنَّ النسبة في الأولى موضوعة للنسبة التصادقية، وهي الربط بين المفهومين الموضوع والمحمول بنحوٍ يرى أحدهما الآخر ويصدق عليه في الخارج, فتكون النسبة التصادق والإرائة لمعنون واحد, ولكنها نسبة تحليلية؛ لأنَّ موطنها الأصلي هو الخارج ويستحيل تصور الذهن إلا عن طريق مفهوم ذهني واحد مركب تحليل, كما أنَّ في الجملة الفعلية الخبرية النسبة فيها تصادقية أيضاً إلا أنَّ الفرق إنَّ التصادق في الأولى يرجع إلى إنطباقهما على واقع واحد، وفي الثاني إنطباقهما على مركز واحد مركب من العرض ومحله, ولكن ذلك لا يغير من واقع النسبة التي عرفت حقيقتها, فإنَّ صقع الذهن مرآة لما في الخارج فإذا إعتبر العرف أنَّ في الجملة نسبة ما ولو كانت تصادقية تصورها وألقاها إلى المخاطبين سواء كانت تحليلية أو واقعية، ولا ضير في الإصطلاح إنْ أراد ذلك, نعم؛ لا ريب أنَّ تصادقها مع الطرفين تارةً تكون على نحو الحلول وأخرى على نحو الإتّحاد أو الوقوع؛ كما ستعرف.

القسم الثالث: الجمل المركبة من الجملة الإسمية والفعلية
اشارة

كما في قولنا (الناس ذهبوا) وتسمى بالجمل الكبرى في مصطلح النحاة فيما إذا كانت مركبة من مبتدأ وجملة فعلية, أو جملة فعلية تقدم فيها الفاعل على الفعل كما في قولنا (البدر طلع).

ص: 167

وكيف كان؛ فإنَّه يقع الكلام في هذا القسم تارةً في تعيين مثل هذه الجمل المركبة, ولا ريب أنَّه يرجع فيها إلى عرف علماء النحو الذين هم أهل الخبرة في مثل هذه القضايا والوجدان اللغوي, ولعلهم يحكمون بأنَّها جملة مركبة من جملة فعلية صغرى وجملة إسمية كبرى وأخرى في تطبيق النسبة التصادقية, فإنَّها إنْ صدقت في الجملة الإسمية الحملية ولكنه لا يمكن تطبيقه في حمل الفعل على المبتدأ, فإنَّه بما هو فعل لا يمكن تطبيقه وصدقه على المبتدأ, كما لا يتعقل حمل جملة (أبوه عالم) على زيد لأنَّه ليس هو عين (أبوه عالم).

وقد دُفِع هذا الإشكال بوجهين:

الأول: كون المحمول على الموضوع في الجمل الكبرى ليس هو الفعل أو الجملة الكبرى, بل هو المعنى المتحصل من الجملة الصغرى بحيث ينتزع منها معنى إفراديٌ يكون هو المحمول, ف-(زيد أبوه عالم) يعني زيد ذو أب عالم.

وأورد عليه بأنَّ تحويل الجملة الصغرى التي لها مفهوم تركيبي إلى مفهوم إفرادي منتزع منها خلاف طبع هذه الجمل, ولكن يمكن الجواب عنه بأنَّه يصحُّ إذا إقتضاه الذوق البلاغي, فإنَّه من موردٍ كان خلاف الطبع ولكن إرتضاه الذوق وعليه تدور المحاورات.

الثاني: إنَّ الحمل لا يراد به إتّحاد مفهومين في مصداق واحد خارجاً فحسب حتى يقال بأنَّه مستحيل، بل المراد صدق المحمول على الموضوع وكونه واقعاً فيه عند النظر إليه, ففي مثل (زيد أبوه عالم) أو (زيد أبوه إجتهد) يصدق في حق زيد بناءً على ما ذكرناه من الحمل, فيتكون معنى نسبة التصادق هو أنَّه إنْ لوحظ الموضوع وجد المحمول صادقاً في حقِّه تصوراً.

وهذا الوجه يمكن إرجاعه إلى الأول بوجه من الوجوه, فإنَّه لو لم يكن هناك تأويل لما كانت النسبة التصادقية؛ بمعنى صدق المحمول على الموضوع بعدما كانت بمعنى إتّحاد مفهومين في مصداق واحد.

ص: 168

هذا كلُّه ما يتعلق بالإعتراضات التي ذكرها السيد الخوئي قدس سره على مختار المشهور, وعرفت أنَّها غير تامة.

أمّا الكلام في المقام الثاني؛ وهو صحة ما اختاره قدس سره فقد أشكل عليه بوجوه:

الأول: إنَّه مبنيٌّ على القول بالتعهد في الوضع، وافتراض أنَّ الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا أنْ تكون تصورية، وقد عرفت في بحث الوضع فساده.

الثاني: إنَّ ما اختاره من معنى الجملة الخبرية بأنَّها قصد الحكاية عن ثبوت النسبة، وإنَّها موضوعة لإبراز هذا القصد دالّة عليه يتخلف في بعض الصيغالخبرية غير المستعملة في قصد الحكاية عن مدلولها, فلا تدلُّ إلا على النسبة؛ منها؛ جملة (إنَّ زيداً قائمٌ) في جواب قول القائل: (سمعتُ أنَّ زيداً قائمٌ), فإنَّ الجملة الأخيرة إنْ كانت إخباراً عن سماع قيام زيد، ولكن الجملة الأولى لم يقصد بها الحكاية عن ثبوت النسبة بين زيد وقائم بل هي دالة على ثبوت النسبة فقط وهي بهذا اللحاظ كانت متعلقاً للسماع.

ومنها؛ قولنا: (أخبرني عليٌّ بأنَّ محمداً قائمٌ)، وهو يعلم بكون القائم جعفر مثلاً، فهو ليس بصدد الإخبار عن قيام محمد قطعاً مع أنَّ الجملة الثانية (محمد قائم) مستعملة في معناها.

ومنها؛ الإستعمالات الكنائية، فإنَّ المقصود الحكاية عن اللازم دون الملزوم مع أنَّ الجملة تدلُّ على الملزوم، وإلا فإنْ لم تدلُّ على الملزوم وهو ثبوت النسبة التي تلازم نسبة أخرى التي هي المقصودة في الحكاية عنها لما صحت الكناية فإنَّ في جميع هذه الجمل الخبرية ليس القصد منها إلا ثبوت النسبة دون قصد الحكاية مع أنَّ مقتضى ما ألزمه قدس سره عدم كونها من الجمل الخبرية.

ومنها؛ موارد دخول أداة الإستفهام على الجملة الخبرية، كما في قولنا: (هل زيدٌ قائمٌ؟)؛ إذ لا ريب أنَّ المستفهَم ثبوت النسبة بين القيام وزيد لا قصد الحكاية عنها.

ص: 169

وقد حاول قدس سره التخلص من هذا الإشكال بافتراض أنَّ أداة الإستفهام، أو أنَّ الجملة الإستفهامية موضوعة بوضع واحد وهو إبراز قصد الإنشاء والإستفهام, فليس إستفادة الإستفهام من الجملة الإستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول بأنْ يكون الإستفهام مفاد دلالة الآلة، والنسبة التامة بالجملة الخبرية التامة المدخول عليها الأداة حتى يكون نقضاً عليه.

ولكن محاولته هذه غير تامة؛ فإنَّها لو صحَّت في الجملة الإستفهامية لا تصحُّ في الجمل الأخرى السابقة التي لا يكون الإخبار فيها إلا عن النسبة.

مع أنَّه لو لم تكن الجملة الإستفهامية من باب تعدد الدالّ والمدلول وكانت جملة إنشائية لما صحَّ الجواب عنها بنعم أو لا, إذ الجمل الإنشائية لا توصف كذلك وهي غير قابلة للتصديق أو النفي بل النسبة هي القابلة لذلك.

إلا أنْ يقول نعم أو لا بمنزلة تكرار الجملة التامة واستعمالها في معنىً غير الذي إستعمل في الإستفهام ولكنه تكلُّف وفاسد.

الثالث: إنَّ ما إلتزمه من أنَّ معنى الجملة هو قصد الحكاية خلاف الوجدان فإنَّه قاضٍ بأنَّ مدلول الجملة الخبرية هو ثبوت النسبة لا قصد الحكاية والإخبار بها, فإنَّ المستفاد من الوضع للمعنى هو حكاية اللفظ عنه وتفهيمه به وإبرازه به ودلالته عليه, لا قصد الحكاية.فالحقُّ ما ذهب إليه المشهور من دلالة الجملة التامة الخبرية على ثبوت النسبة وعدمه.

أمور في ختام هذا المبحث

يبقى أنْ نذكر ختاماً لهذا المبحث أموراً:

الأمر الأول: إتَّضح مِمّا ذكرنا من معنى النسبة، ومفاد الجملة الخبرية التامة؛ إسمية كانت أم فعلية, والبحث يقع في أنَّه هل لمفاد النسبة مدلول خاص بها؟.

ص: 170

قيل: إنَّ في بعض اللغات غير العربية الأمر كذلك, ففي اللغة الفارسية مثلاً قد وضع للنسبة كلمة (است) أو (استين) ولا معنى لهما أبداً إلا لبيان الربط بين مفردات الجملة، ولا يستعملان منفرداً, ولا معنى لهما غير مفاد الربط.

وأمّا في اللغة العربية فالمشهور أنَّ مفاد النسبة هو مدلول نفس هيئة الجملة, فإنَّ لكلِّ جملة خبرية هيئة مختصة بها وهي مدلول لمفاد النسبة, فيكون المدلول عاماً جارياً في جميع الجمل الإسمية والفعلية الخبرية.

وقيل: إنَّه مدلول لجزء من الجملة في الجملة الإسمية أو في الجملة الفعلية, ففي الإسمية يكون ضمير مقدَّر يفيد ربط المحمول والموضوع في الجملة، فإنَّ جملة (زيدٌ عالمٌ) يرجع إلى (زيد هو عالم).

ويمكن الإشكال عليه بأنَّ الضمائر لها مفهوم إسمي إستقلالي, فلا يعقل أنْ يكون الضمير دالاً على معنىً حرفي نسبي وهو الربط بين الموضوع والمحمول، وعلى فرضه لا يصلح أنْ يقع جزءً من الكلام وموضوعاً في الجملة سواءً كان الضمير (هو) أو غيره, إذ الضمير في سائر الموارد واحد.

وأمّا في الجملة الفعلية فاحتمل بعضهم أنْ تكون النسبة مدلول الهيئة القائمة بالجملة الطارئة على هيئة الفعل, واحتمل آخرون أنَّه مدلول هيئة الفعل ولو مع قيد.

فإنْ بُني على الأول لزم أنْ يكون لهيئة الفعل مدلول نسبي يدخل في أحد طرفي النسبة التصادقية التامة وحينئذٍ تكون النسبة ناقصة.

وإنْ بُني على الثاني فلا تكون ناقصة, إذ لا موجب لافتراض دلالة هيئة الفعل على النسبة الناقصة, وسيأتي البحث عن ذلك عند الكلام حول الهيئات الإفرادية.

ص: 171

الأمر الثاني: تقدم أنَّ النسبة إمّا أنْ تكون تامة أو ناقصة وعرفت المائز بينهما, والنسب الناقصة لها أنحاء متعددة؛ منها؛ النسب الناقصة المستنبطة في المشتقات، ومنها؛ الهيئات الإفرادية، ويأتي الكلام فيها إنْ شاء الله تعالى.

ومنها؛ النسبة التوصيفية, ومنها؛ نسبة الإضافة, ومنها؛ مفاد حروف الجر.

أمّا النسبة التوصيفية: فالمعروف أنَّها موضوعة للتحصيص وربط مفهوم بمفهوم آخر بنحو التقييد, فإذا قيل (الرجلُ عالم)، فإنَّما يفيد تقييد (العلم بالرجل).

وإعتبر بعض الأعلام أنَّ التحصيص في النسبة الوصفية إنَّما هو بلحاظ مفاد النسبة التامة الخبرية لا بلحاظ الخارج إبتداءً؛ خلافاً لنسبة الإضافة التي هي أيضاًتدلُّ على التحصيص لكنها في نسبة ناقصة موطنها الخارج فتكون النسبة تحليلية كما عرفت مفصلاً.

وذلك لأنَّ نسبة الجملة الوصفية كقولنا: (الرجل العالم) نسبة تصادقية لا نسبة خارجية لعدم وجود نسبة في الخارج بين الرجل والعالم لاتّحادهما في وعاء الخارج، ومع إتّحاد الطرفين يستحيل قيام النسبة بينهما, وإنَّما تقوم بينهما في وعاء المغايرة وهو الذهن.

هذا ويمكن الإشكال عليه بأنَّه إذا صحَّ التحليل العقلي في الذهن أمكن التفكيك في الخارج إعتباراً أيضاً, فإنَّ التصادق فيه لا يقتضي عدم وجود المغايرة بينهما بحسب الإعتبار, فإنه لو لم يكن رجلٌ وعالم لما تحقق التصادق بينهما وإنَّما أوجبته النسبة, فإنَّه بعد الحمل يتحقق التصادق, فهو مرحلة متأخرة عن التغاير الإعتباري وإلا لما صحَّ الحمل أبداً.

والتغاير الذهني منشأه التغاير الإعتباري الخارجي ويكفي هذا التغاير الإعتباري الخارجي في تحقق الطرفين وثبوت النسبة بينهما وإنْ تصادقا في الخارج، فلا فرق بين النسبتين الوصفية والإضافة من حيث المعنى.

ص: 172

ومن ذلك يظهر أنَّ النسبة في الإضافة أيضاً للتحصيص والتقييد بين مفهوم ومفهوم آخر كقولنا علم الرجل وأنَّ النسبة فيها تحليلية أيضاً كما قيل, وكلُّ واحدٍ منهما موطنها الخارج وإنْ إختلفا في أنَّ الوصفية تصادقية، والإضافية ليست كذلك أو الاختلاف يقع من جهات أخرى ولكنهما في أصل النسبة متَّحدتان. فما ذكره لا يمكن المساعدة عليه.

وأمّا مفاد حروف الجر فقد وقع الخلاف بين العلماء فذهب بعضهم إلى إرجاع مفادها إلى مدلول الإضافة، فقالوا: إنَّ حرف الجر يقوم بدور الوسيط لتسهيل الإضافة, حيث لا يمكن الإضافة المباشرة ففي قولنا: (سرت من البصرة)، تكون البصرة مضافاً إليه لكن حيث أنَّ (سافرت) ببنائها مِمّا لا يضاف أبداً فاستُعين ب-(من) لتحقيق الإضافة، واحتمل أنْ يكون حرف الجر قد إستعمل في البداية كأسماء وأفعال دالَّة على معانٍ مستقلة ثم أُفرغت من معناها وتحولت إلى مجرد رموز.

وأشكل عليه بعض الأعلام بأنَّ إرجاع حروف الجر إلى الإضافة بالنحو المذكور خلاف الوجدان اللغوي وخلاف الواقع, وقد ذكر جملة من نقاط يصح إستعمال حروف الجر، ولا تفيد الإضافة؛ وفي بعضها بالعكس، فيكون بينهما فوارق واضحة بحيث لا يقبل الحسّ اللغوي إعتبارهما من وادٍ واحد.

و يمكن الإشكال عليه:إنَّ إحتمال كون حرف الجر في البداية إستعمل كأسماء وأفعال دالة على معانٍ مستقلة ثم أُفرغت من معناها صحيح قريب إلى ما اخترناه في حقيقة الوضع والمراحل الكثيرة المتعددة منه فراجع ما ذكرناه.

وأمّا كون حرف الجر قائماً بدور الوسيط لتسهيل الإضافة حيث لا يمكن الإضافة المباشرة فهو صحيح في بعض الحروف أو في بعض مراحل الوضع اللغوي، وأمّا بعد

ص: 173

إستقراره وتأسيس القواعد وفي المراحل المتأخرة من الإستعمال فلم يكن الأمر كذلك, ولذا يُعدُّ في بعض موارد الإستعمال من الأغلاط لو إستعملنا الحرف مقام الإضافة أو بالعكس, ولعلَّ الإشتباه حصل بين بدايات الوضع والمراحل المتقدمة منه دون المراحل الأخيرة وبعد إستقرار القواعد والضوابط.

وكيف كان؛ فإنَّه صحيح في الجملة لكنه لا يفيدنا في تأسيس قاعدة كلية.

وذهب آخرون إلى أنَّ حروف الجر تختص بالدلالة على تقييد المعاني الحدثيّة، بخلاف الإضافة؛ فإنَّها قد تقيّد المعاني الجامدة كما في (غلام زيد) وقد تقيّد المعاني الحدثية كما في (ضارب زيد).

ويدلُّ على ذلك إلتزام النحاة بضرورة أنْ يكون لحروف الجر -بل مطلق الظرف- متعلَّقٌ فعلاً كان أو مشتَّقاً, مذكوراً أو مقدّراً.

وهذا المعنى وإنْ كان صحيحاً في الجملة إلا أنَّ إختصاص حروف الجر بوظيفة التحصيص في المعاني الحدثية فحسب دون الإضافة يحتاج إلى نكتة فنية وإلا كان من مجرد التعبد, ولعله يرجع إلى أنَّ المعاني الذاتية لها تشخص بذاتها لأنَّ الذوات باعتبار إستقلالها في الوجود تكون مستقلة في التشخص لأنَّ الوجود مساوق للتشخص, وأمّا الحدث فليس له تشخص بذاته كما في المعاني الذاتية، وإنَّما تشخصه يأتي من قبل أطرافه وعلاقته بها، فتشخّص ضربَ زيد عن ضرب عمرو إنَّما بلحاظ صدور هذا من زيد وذاك عن عمرو، أو وقوعه على زيد أو على عمرو، أو كونه بالعصا أو باليد وهكذا.

فإنَّ الحروف وكذلك الهيئات الإشتقاقية موضوعة لإفادة هذه التشخصات في المعاني الحرفية, فتكون الحروف لتشخيص المعنى لا مجرد تحصيص المعاني الحدثية, وإنْ كانت تستلزم ذلك فإنَّه لا يتشخص المعنى إلا بمثل ذاك فتدلُّ الحروف على الخصوصيات

ص: 174

التفصيلية الزائدة على أصل الربط والنسبة, وذلك لا يتحقق في المعاني الذاتية فإنَّ الذوات متشخصة بقطع النظر عن علاقتها بأطرافها, بخلاف الإضافة؛ فإنَّها لتحصيص المعاني الحديثيّة, فإذا أُريد من ذلك فلا بدَّ إمّا من تحويل إسم الذات إلى معنى حدثي كما في قولنا (هذا غلامٌ لزيد)؛ فإنَّه يؤول إلى غلام مملوك لزيد أو تقدير المعنى الحدثي كما في (هذا غلام كائن لزيد).وبذلك يتضح الفرق بين (هذا ضارب زيد)، و(هذا ضارب لزيد)؛ فإنَّ الأول لا يدلُّ على خصوصية مشخصة للضارب, فإنَّه مشخّص في ضربه ولا لضربه, لأنَّ المضاف هو الضارب لا ضربه، وإنَّما يدلُّ على التحصيص وتطبيقه في حصة خاصة منه.

وأمّا الثاني فهو يدلُّ على خصوصية في الضرب الصادر من الضارب وتشخصه من ناحية المفعول ومن يكون عليه الضرب.

وقد ذكروا وجوهاً أخرى لا تخلو عن مناقشات أعرضنا عن ذكرها خوفاً من التطويل.

ولكن الحقَّ أنْ يقال: إنَّ الجمل الثلاثة الناقصة؛ وهي التوصيف والإضافة وحروف الجر إنَّما تدلُّ على النسبة التحصيصية والتقييد, إلا أنَّ الآثار والأغراض المترتبة على العبارات تختلف؛ ففي التوصيف يستبطن الأخبار ، وفي الإضافة لبيان خصوصية في المضاف، وفي حروف الجر للدلالة على تشخيص المعنى الحدثي, ونحو ذلك مِمّا يحدده الوجدان اللغوي والذوق البلاغي, فهي تختلف بحسب الآثار المترتبة على كلِّ واحدٍ منها وإنْ كانت مشتركة في أصل التحصيص والتقييد كما عرفت.

الأمر الثالث: إتَّضح مِمّا سبق الفرق بين الجملة الناقصة والجملة التامة، وعرفت الأصل في التمييز بينهما، ومشهور الأصوليين لم يذكروا شيئاً محدداً بشأن التمييز بينهما, ولعلهم أحالوه إلى الوجدان وحكمه بما ذكرناه.

ص: 175

نعم؛ ذكره المحقق العراقي قدس سره الذي توسع في بيانه, وخلاصة ما ذكره أنَّ هيئة الجملة الناقصة تختلف عن هيئة الجملة التامة في مفادها من وجوه ثلاثة:

1- إنَّ الهيئة في الأولى تحكي عن النسبة الثابتة بينما الثانية تحكي عن إيقاع النسبة.

2- إنَّ المحكي عنه في التامة هو النسبة بلحاظ وجودها، فإذا قال (زيد قائم) حكى عن النسبة الموجودة بين زيد والقيام، وأمّاالناقصة فإنَّ محكيها هي النسبة بلحاظ نفسها

مع قطع النظر عن وجودها وعدمها في الخارج, ولذا يصح الحكم عليها بالنفي.

3- إنَّ القيود المأخوذة في موضوع الحكم الشرعي على نهج النسبة التامة, فمقتضاه كونه لوحظ قيداً ووصفاً للموضوع بما هو متحقق في الخارج، وكلما أُخذ القيد على نهج النسبة الناقصة فهو قيد للموضوع بحدِّ ذاته؛ بقطع النظر عن الوجود والعدم.ومثال الأول: (إذا كانَ الماءُ كُرَّاً إعتصم), ومثال الثاني: (الماءُ الكُرُّ معتصمٌ), وقد فرع على ذلك صحة إستصحاب العدم الأزلي(1), وما ذكره يمكن إرجاعه إلى أمر واحد, كما أنَّه من آثار المتعلق, وإنَّها تتحدّد حسب وضع الكلام وخصوصيات العبارات, وللمناقشة فيما ذكره مجال واسع كما هو واضح.

القسم الرابع: الجملة الإنشائية

والكلام فيها أيضاً موضوع بحث عند أعلام الأصوليين والبحث فيها يقع من جهات ثلاث:

الجهة الأولى: دلالتها على معنىً معين؛ وهي الإيجادية, بمعنى كونها مُوجدة لمعناها باللفظ خلافاً لدلالة الجملة الخبرية على المعنى في أنَّها إخطارية.

الجهة الثانية: مقارنة الجملة الإنشائية مع الجملة الخبرية والتمييز بينهما في ذات المعنى.

ص: 176


1- . مقالات الأصول؛ ج1 ص109.

الجهة الثالثة: إتّحاد معنى الجملة الإنشائية مع المعنى في الجملة الخبرية.

أمّا الجهة الأولى؛ فالمعروف أنَّ الجملة الإنشائية مُوجدة لمعانيها باللفظ تبعاً للتمييز بين الخبر والإنشاء؛ فقالوا بانَّ الخبر حال والإنشاء مُوجد لمعناه, وقد عرفت التفصيل في البحث عن الإنشاء والخبر فلا حاجة إلى إعادته.

وأمّا الجهة الثانية؛ ففيها أقوال:

القول الأول: إتّفاق الجملتين في المدلول فيما تُفيدان، إلا أنَّ الإخطار قد يكون من علاقة اللفظ بالمعنى بحيث يوجب الإخطار المباشر وإيجاد المعنى تصوراً في ذهن السامع بسبب اللفظ، كما هو الحال في الجمل الخبرية والكلمات الإفرادية وما يلحق بها, فإنَّها تؤثر في معانيها بإخطار تلك المعاني.

وقد يكون حاصلاً من علاقة اللفظ بالمعنى وتأثيره فيه بنحو الإيجاد والتوليد أي أنَّ اللفظ يُوجد المعنى في الخارج ويكون وجوده هذا سبباً في خطوره في ذهن السامع, فتكون الخطورة في ذهن السامع ليس بسبب اللفظ مباشرة بل بسبب مواجهة المعنى بوجوده الخارجي الذي هو بسبب اللفظ، ويمكن إرجاع ما ذكره المشهور في الجملة الإنشائية من أنَّها تدلُّ على الإيجاد إلى أنَّه بمعنى التوليد؛ فهي تُوجد المعنى وفي طول ذلك يتم الإخطار، فإذا قيل (صلِّ) يوجِد بهذه الجملة طلب في الخارج وفي طول ذلك ينتقل ذهن السامع إلى مفهوم الطلب؛ فإنَّه ينتزعه من مصداقه الخارجي.

ولعلَّ السبب في إختيار هذا يرجع إلى أنَّ الجملة موضوعة للمفاهيم الإنشائية المتعارفة من الطلب والتمني والإستفهام والنداء ونحو ذلك، ولا ريب أنَّه يوجد فرق بين هذه الجمل والأسماء الإفرادية الدالَّة على هذه المعاني لنقصان هذهالأسماء وتمامية تلك الجمل، فعولج هذا الفرق بالقول بأنَّ جملة (إفعل) تختلف عن إسم الطلب في كونه جملة تامة مع

ص: 177

أنَّها موضوعة لنفس المعنى, وقالوا بأنَّ هذا الإختلاف من سنخ تأثيرها في مدلولها حيث أنَّها تُوجد الطلب باللفظ فكانت جملة تامة يصحُّ السكوت عليها لإفادتها معنىً تصديقي بخلاف كلمة الطلب إذا أطلقت.

وأشكل عليه بأنَّ هذه الموجدية إنْ ادُّعيَ ثبوتها للجملة الإنشائية بقطع النظر عن وضعها لمعناها فهو واضح البطلان؛ لعدم العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى.

وإنْ ادُّعيَ ثبوتها بسبب الوضع فهو باطل أيضاً لما عرفنا من حقيقة الوضع من أنَّه مجرد إعتبار وإيجاد العلاقة والإنتقال الذهني لا السببية في الوجود الخارجي والتلازم الخارجي مع أنَّ الوجود الخارجي لمعاني الجمل الإنشائية كثيراً ما يكون محفوظاً في المرتبة السابقة على الكلام, فكيف يُعقل دعوى حصوله بالإنشاء كما في موارد التمني والترجي والإستفهام لقيام مصاديق هذه المعاني بالنفس في المرتبة السابقة, فإنْ أُريد بالموجدية هي الموجدية لهذه المصاديق فهو واضح البطلان, وإنْ أريد بالموجدية نحو آخر من الوجود رجع إلى الوجود الذهني وكان من باب الإخطار, إلا أنْ يُراد من الوجود في الإنشاء وجود ثالث وهو الوجود الإنشائي ولكنه فاسد أيضاً؛ إذ الوجود الثالث هو الإعتبار ولكنه متقوِّم بالإعتبار دون اللفظ.

والحقُّ أنَّ الإخطارية الحاصلة في الإنشاء إنَّما هي بعد مرحلة الوضع, فتحصل بعد إستعمال اللفظ في المعنى وإلقاء الجملة, وأمّا وضعها إنَّما يكون إيجاداً, ولا إشكال في حصوله, وإنَّما الكلام في وضع الجملة الإنشائية.

القول الثاني: أنْ تكون الإيجادية في الجملة الإنشائية في عرض الإخطار فإنَّها تخطر معناها في ذهن السامع على حدِّ ما يقع في سائر الجمل والكلمات, ولكن الجملة الإنشائية تختلف عن الجملة الخبرية من ناحية المتكلم في أنَّه يقصد من الجملة الإنشائية تحقيق وجود تنزيلي

ص: 178

للمعنى باللفظ, فإذا قال (بعتُ) إنشاءً يقصُد إيجاد النسبة تنزيلاً باللفظ، باعتبار أنَّ اللفظ تنزيلٌ للمعنى، وهذا لا ينافي أنْ يقصد إخطار المعنى تصوراً في ذهن السامع، واللفظ يوجب هذا الإخطار، ولكنه ليس قاصداً للحكاية عن وقوع النسبة خارجاً.

وأمّا في الجملة الخبرية فإنَّ المتكلم يقصد الحكاية مضافاً إلى ما ذكره من قصد إخطار المعنى تصوراً في ذهن السامع، فترجع النسبة بين محتوى الجملة الإنشائية ومحتوى الجملة الخبرية نسبة الأقل إلى الأكثر على ما أفاده المحقق الإصفهاني قدس سره , ففي الأولى يكون قصد الإيجاد التنزيلي وفي الثانية يتحقق قصد آخر وهو قصد الحكاية.ويمكن الإشكال عليه بأنَّ الجملة الإنشائية تارةً تُقارن بالجملة الخبرية في مرحلة المدلول الجدِّي والتصديقي وأخرى تقارن بها في مرحلة المراد الإستعمالي والمدلول الوضعي.

والظاهر أنَّ الكلام عن المدلول الجدِّي في الجملتين أجنبي عن محل الكلام, لأنَّ المقصود هو التمايز بينهما في مرحلة المدلول الوضعي والمراد الإستعمالي, وعلى فرض التنزل فإنَّه لا شكَّ في عدم التفاوت بين الجملتين في مرحلة المدلول الجدِّي التصديقي, فكما أنَّ في الجملة الخبرية يزيد قصد الحكاية الذي هو المدلول الجدِّي لها على قصد الإيجاد التنزيلي للنسبة باللفظ، كذلك تزيد الجملة الإنشائية على القصد المذكور بما هو مدلول جدِّي لها من التمني النفساني والإرادة أو طلب الفهم ونحو ذلك من المداليل التصديقية للجملة الإنشائية, وأمّا في المدلول الإستعمالي فإنَّ قصد الحكاية أجنبي عن هذا المدلول في الجملة الخبرية؛ فإنَّ مدلولها ليس إلا إخطار النسبة تصوراً كما تقدم من أنَّ الدلالة الوضعية تصورية لا أنْ تكون تصديقية، وهذا الإخطار محفوظ أيضاً في الجملة الإنشائية, فإنَّ الُمنشئ يقصد بقوله (بعتُ) إخطار معنىً في ذهن المشتري، فلم يتحدد فرق بين الجملتين من هذه الناحية.

ص: 179

القول الثالث: أنْ يُراد من إيجادية الجملة الإنشائية في طول الإخطار بل في طول مدلولها التصديقي, وذلك بالقول بأنَّ صيغة (إفعل) مثلاً تدلُّ تصوراً على النسبة البعثية وتدلُّ تصديقاً على الحالة النفسية المناسبة لهذا المدلول التصوري وهي إرادة تحرك نحو المادة وتلك الحالة كاشفة عن هذه الإرادة ويكون الداعي عن هذا الكشف هو التوصل إلى المراد ولأجله ينطبق عليها عنوان الطلب، وتكون مصداقاً حقيقياً للطلب الذي هو بمعنى السعي نحو المقصود، وهكذا تكون الجملة الإنشائية مُوجدة لمعناها في طول دلالتها التصورية والتصديقية.

وهذا النحو من الإيجادية صحيح, إلا أنَّه ليس من شؤون الجملة ولوازمها بما هي جملة إنشائية, بل هو من الأمور الإتّفاقية، فلا يصحُّ أنْ يكون فارقاً بين الجملتين الإنشائية والخبرية، ولذلك فإنَّهما تتمايزان في المدلول الإستعمالي حتى مع هزلية الجملتين من دون أنْ يكون قصداً جدِّياً في البين.

وقد إستشكل المحقق العراقي قدس سره على هذا النحو من الإيجادية تارةً بعدم المعقولية لعدم إمكان إحضار الوجود الخارجي في الذهن، وأخرى بأنَّ هذا الوجود في طول الإستعمال والمستعمل فيه متقدم بالطبع على الإستعمال, فلو كان هو المستعمل يلزم التقدم والتأخر رتبة وهو خُلفٌ.

ويمكن الجواب عنهما بأنَّ ليس للجملة الإنشائية إخطارية بناءً على هذا الرأي فهي إيجادية إخطارية في رتبة واحدة, وهي رتبة إنتزاع مفهوم من هذا الوجود،فاللفظ يخطر ذات المعنى في الذهن ويوجد له مصداقاً في الخارج من دون أنْ يكون الوجود الخارجي دخيلاً في المستعمل فيه.

ص: 180

القول الرابع: القول بإيجادية الجملة الإنشائية بحسب التصور أي إيجادية تصورية, ويتَّضح ذلك بوضوح في الجملة المشتركة بين الإخبار والإنشاء كلفظ (بعتُ) و(يعيد) فإنَّ الجملة تدلُّ على النسبة التي تقيدها على نحوٍ واحد, فهي في مورد الإخبار تلحظ فانية في الواقع بالنظر التصوري مفروغاً عنه، وفي مورد الإنشاء تلحظ فانية في واقع يُرى بالنظر التصوري ثبوته في نفس الكلام, ولأجله توصف الجملة الإنشائية بالموجدية وهي محفوظة في موارد الهزل لأنَّها مُوجدية بحسب النظر التصوري سواءً ترتب عليها مصداق خارجي للمعنى أو لم يترتب كما في موارد الهزل.

وهذا هو المعنى الصحيح للموجدية ويمكن التمييز به بين الجملة الإنشائية والجملة الخبرية.

وقد أشكل عليه:

أولاً: إنَّ هذه الموجدية معنىً صحيح معقول إلا أنَّه يمكن التمييز به في الموارد التي يترتب فيها للإنشاء مُوجدية لمصداق معناه، وهو غير متصور في الموارد التي لا يترتب للإنشاء مُوجدية كذلك كما في جمل التمني والترجي، فإنَّ النسبة التي تُعبر عنهما هي بالمعنى الحرفي إنَّما تتعين إذا كان لها مصداق ثابت في النفس, ولا وجه لافتراض مصداق لها بنفس الكلام.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ التمني والترجي الإنشائي إنَّما يسبقهما تمني وترجي في واقع النفس.

ويرد عليه بأنَّ التمني الإنشائي إنَّما هو عبارة أخرى عن إستعمال الجملة الإنشائية في مقام التمني أو الترجي, وهو ليس مصداقاً للتمني لينظر إلى المدلول التصوري بما هو فانٍ في المصداق.

ثانياً: إنَّ تعقل الموجدية في الإنشاء والحكاية في الإخبار إذا كان على نحو يرجعان إلى خصوصيتين في المدلول الجدِّي للكلام فلا إشكال في خروجهما عن المعنى الموضوع له

ص: 181

والمستعمل فيه لأنَّ المدلول الوضعي تصوري، وإنْ تعقلناهما على نحوٍ يرجعان إلى خصوصيتين في المدلول التصوري الإستعمالي كما تقدم في الوجه السابق فحينئذٍ يقع الكلام في أخذ هاتين الخصوصيتين في المعنى الموضوع له الجملة الإنشائية والخبرية وعدم أخذهما وكونهما من شؤون الإستعمال محضاً, ولأجل ذلك ذهب المحقق الآخوند قدس سره إلى أنَّ الإخبارية والإنشائية غير داخلتين في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه، وأكَّده جمعٌ من الأعلام منهم المحقق الإصفهاني والمحقق العراقي (قدس الله سراهما)؛ فاعتبراهمن خصوصيات الإستعمال, فلا يمكن أخذه في المعنى المستعمل فيه إنْ وقع ذلك في اللحاظ الآلي والإستقلالي في الأسماء والحروف كما بيَّنا سابقاً.

والحقُّ في الجواب أنْ يقال: إنَّ ذلك خلط بين الإستعمال وخصوصياته والوضع ومقارناته فإنَّه لا شكَّ في أنَّ الوضع إنَّما يُحدث مقارنة بين اللفظ والمعنى وعلاقته بينهما فيتحقق الإنتقال الذهني، فإنَّ الموجدية والحكائية أو الآلية والإستقلالية لم تؤخذ في مرحلة الإستعمال والموضوع له بالعرض كما هو واضح, فإنَّه يستلزم التهافت وتعدد الصور الذهنية. ولكنها مأخوذة في التصور عند إثبات الوضع والموضوع له بالذات, فإنَّها قيود وشروط ذهنية تحدد طرف الملازمة في الذهن فتكون الصورة الذهنية ذات خصوصيات معينة, فيقترن اللفظ بها ولا يلزم منه أيّ محذور من التهافت وغيره؛ وهكذا الكلام في المستعمل فيه.

بقي الكلام فيما ذكره السيد الخوئي قدس سره من أنَّ معنى الجملة الإنشائية الموضوع له فيها هو إبراز الصفات النفسانية الحاصلة في النفس من تمنٍّ وترجٍّ وإستفهام وإعتبار فهي موضوعة لواقع هذه الصفات لا لمفهومها؛ بمعنى أنَّ الواضع تعهد بأنَّه متى ما كان في نفسه إحدى هذه الصفات ذكر الهيئة الخاصة بها فتكون الدلالة تصديقية, لأنَّ الإتيان

ص: 182

بالجملة الإنشائية يوجب العلم بحصول هذه الصفة في نفس المتكلم ويترتب عليه آثارها وليس موجباً للتصور فإنَّه من شأن المفاهيم لا الوجودات.

ويرد عليه:

أولاً: إنَّه منقوض بما لم تكن المادة موضوعة لصفة نفسانية كلفظ (ملكتُ), فإنَّ الهيئة تدلُّ على الإعتبار القائم في النفس والمادة تدلُّ على الملكية, وهو غير مفهوم الصفة النفسانية, أعني الإعتبار, فالجملة المركبة من الهيئة والمادة تدلُّ على إعتبار الملكية.

ثانياً: إنَّه يلزم منه أنْ لا يكون للجملة الإنشائية مدلول تام جُملي في عالم التصور والمفهومية بل لا يكون هناك إلا مفهوم المادة الإفرادي وذلك لأنَّ الصيغة إذا كانت موضوعة لواقع الصفة النفسانية وهي الإعتبار القائم بالنفس مثلاً فإنَّ وجود الصيغة كاشفاً عن ذلك الواقع ومُوجباً للعلم به بلا خطور في الذهن, لفرض كونه موجوداً وهو لا يقبل التحقق في الذهن.

وعليه لا يكون في الجملة الإنشائية ما يتعلق به التصور والإنتقال سوى مفهوم المادة, وهو ما تعلق به الإعتبار, ومثال ذلك إذا قال المولى لعبده (أكتب) فإنَّه يكشف بهيئته عن إعتبار الكتابة في عهدة العبد المكلف ويوجب العلم به، والمادة توجب الإنتقال إلى مفهوم الكتابة وتصوره؛ هذا إذا كان للجملة الإنشائية مفهوم جُملي، وأمّا إذا لم يكن كذلك بل كان لها مفهوم إفرادي خرج عن باب إستعمال الألفاظ الموجب لخطور المعنى في الذهن والإنتقال إليه وصار كالكاشف التكوينيعن الصفة, كرفع اليد عند إعتبار شيء؛ فإنَّ رفع اليد وذكر إسم الشيء لا يكون من باب الإستعمال في الصفة النفسانية, فهو أجنبي عنه بالمرة.

ص: 183

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ الموضوع له في الجملة والهيئة التركيبية مطلقاً سواءً كانت خبرية أم إنشائية ليس إلا النسبة بين الموضوع والمحمول التي تثبت الإتّحاد بينها وتعرض عليها الثبوت وعدمه والإيجاب والسلب والإخبار والإنشاء تبعاً للقصد وأمورٌ أخرى, فإنْ قُصِدَ الحكاية عن ثبوت النسبة وعدمه في الواقع المقرر له كانت النسبة خبرية, وإنْ قُصِدَ إيجاد معناها في وعاءه المناسب له كانت النسبة إنشائية, فيكون مدلول الجملة والمستعمل فيه في كلا الحالين واحد كما عرفت, فيكون الإخبار والإنشاء في الجملة الخبرية والإنشائية خارجان عن الموضوع له والمستعمل فيه, بل هما من أطوار الإستعمال وأنحائه, وهذا الرأي يوافق الوجدان اللغوي والذوق الإستعمالي, ويدلُّ عليه التبادر أيضاً, ويسلم عن جميع الإعتراضات والمناقشات التي أوردت على الوجوه السابقة.

والحاصل: إنَّه لا فرق بين الجملة الخبرية والإنشائية بالنسبة إلى الدلالة الوضعية.

ويترتب على ذلك:

1- إنَّه لا تتَّصف نفس الجملة الخبرية بالصدق والكذب كما لا تتَّصف الجملة الإنشائية بهما حتى لو علم المخاطب بكذب المتكلم في إخباره وإنَّما المتصف بهما مدلول الجملة.

نعم؛ الفرق بينهما من ناحية كون الجملة الخبرية لها واقع في الخارج مفروغاً عنه, فإنْ طابقته تكون صادقة وإلا تكون كاذبة، وأمّا الجملة الإنشائية فأمرها غير مرتبط بالخارج بل تلحظ النسبة فيها في واقع يرى بالنظر التصوري ثبوته في نفس الكلام, فيكون الصدق والكذب في الجملة الخبرية بحسب المدلول لا نفس الجملة فيكون إتّصافها بهما تبعياً.

2- إنَّ الجملة الخبرية تتَّفق مع الجملة الإنشائية في كونها مبرزة لشيء ما؛ فالخبرية مبرزة للحكاية والإخبار عن الواقع, والإنشائية مبرزة لصفة نفسانية كالتمني والترجي

ص: 184

والطلب وإعتبار من الإعتبارات كالملكية لا أنَّها موجدة لها كما ذهب إليه جمع من الأعلام.

3- إنَّ كيفية النسبة التي هي الموضوع له في الجملتين يُستفاد من الخارج أمّا قصد الحكاية أو الإيجاد فهما خارجان عن الموضوع له، وقد عرفت أنَّ الإيجاد باللفظ ليس معنى الإنشاء وإلا لزم أنْ تكون الألفاظ سبباً وحينئذٍ يقع الكلام في أنَّه سبب تكويني أو إعتباري, وكلاهما غير تام وإنْ كان ذلك محلُّ نقاش كما عرفت.

4- إنَّ الفرق بين الجملتين الخبرية والإنشائية يتحقق في أطوار الإستعمال وأنحائه لا في المدلول والمستعمل فيه, كما إذا كان المتكلم في مقام الإخبار وعدمه وقصده عن ثبوت النسبة في الواقع وغير ذلك.

5- يظهر أنَّ جميع الجُمل الإنشائية تتَّحد في موضوع واحد بلا فرق بين الجمل المتحققة في الإنشاء والجملة الإستفهامية وجملة التمني وجملة الترجي والجملة الطلبية لصيغة (إفعل) ونحوها, وما تكون مشتركة كالجملة الفعلية التي تستعمل في مقام الطلب أو في مقام الإنشاء المعاملي كقولنا (يعيد) و(بعتُ), فإنَّ الموضوع فيها هي النسبة, وإنَّ الجملة مبرزة لأمر نفساني من صفة أو إعتبار، وأمّا كيفية النسبة فتُستفاد من الخارج من أطوار الإستعمال وأنحائه.

وقد إختلف العلماء في كلا النوعين من الجمل الإنشائية, ولعلَّ منشأ الإختلاف يرجع إلى أنَّ الجمل الإنشائية التي تبتدئ بحروف خاصة كحرف التمني والترجي وأداة الإستفهام ونحو ذلك فإنَّه لا ريب أنَّ لتلك الحروف معنىً وللجملة المدخول عليها الحرف معنى, ولا شكَّ في وجود الربط بين معنى (ليت) مثلاً ومعنى الجملة التي دخل عليها الحرف, والمفروض أنَّ معنى الجملة وهي النسبة معنى حرفي آلي لا يقبل التقييد والإطلاق فلا

ص: 185

يصحُّ ربطه بشيء فوقع الكلام في تصحيح هذا الإرتباط, وقد ذكروا وجوهاً في التصحيح نذكرها على سبيل الإيجاز.

الوجه الأول: إنَّ الجملة الإنشائية موضوعة للطلب والتمني والترجي والإستفهام, وبه تتميز عن الجملة الخبرية التي لا دخل لهذه المعاني في مدلولها حتى في الجملة الخبرية التي تُستعمل في الإخبار عن الطلب والتمني كما في قولك (أطلب منك), فإنَّ الطلب فيه مدلول الكلمة الإفرادية لا من هيئة الجملة الخبرية التي لها مدلول واحد في جميع الموارد.

وفيه: إنَّه مبنيٌّ على كون الجملة الإنشائية إيجادية؛ وقد عرفت الإشكال فيه.

مع أنَّه لو قلنا بأنَّ الجملة الإنشائية تبرز واقع هذه الصفات فالجملة الإنشائية كاشفة عنها يستلزم القول بأنَّ الدلالة الوضعية تصديقية, وقد تقدم أنَّه باطل وإنْ اختاره السيد الخوئي.

الوجه الثاني: ما أفاده المحقق العراقي قدس سره من أنَّ الجمل الإنشائية تدلُّ على نسبة الحروف إلى تلك الصفة النفسية كالإستفهام والتمني ونحوهما إلى المادة, فقال بدلالة أداة الإستفهام أو هيئة الجملة الإستفهامية مثلاً على نسبة الإستفهام إلى مدخولها، فأحد طرفي هذه النسبة هو مفهوم الإستفهام والطرف الآخر النسبة التامة المدخول عليها الأداة باعتبار أنَّ النسبة تستلزم وجود طرفين لها على الأقل عقلاً، تدلُّ الأداة تبعاً على طرف النسبة الإستفهامية وهو مفهوم الإستفهام، وهكذابالنسبة إلى سائر الجمل الإنشائية, فالجملة الطلبية تدلُّ على نسبة الطلب أو البعث إلى المادة وهكذا.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره من أنَّ المتكلم بعد أنْ يصبح في حالة الإستفهام عن موضوع يتحقق ربط وعلاقة بينه وبين ذلك الموضوع المستفهم عنه لم يكن موجوداً قبل ذلك، فكما ينتزع عن حالة الإستفهام مفهوم إسمي وهو الإستفهام كذلك ينتزع من هذا الربط مفهوم حرفي هو معنى أداة الإستفهام أو هيئة الجملة الإستفهامية,

ص: 186

فيكون مفادها النسبة القائمة بين المُستَفهِم والمُستَفهَم عنه, وهذا خلاف الوجه السابق؛ حيث كان طرف الإستفهامية نفس مفهوم الإستفهام, بينما في هذا الوجه المستفهم ولذا كان مفهوم الإستفهام خارجاً عن مدلول أداة الإستفهام, بينما كان مدلولاً عليه الأداة في السابق.

وهكذا في سائر الجمل الإنشائية؛ بأنْ تكون موضوعة للنسب الموازية للمفهوم الإسمي للإستفهام والطلب والتمني والترجي والنداء.

ويرد عليه: إنَّ هذه النسبة الحاصلة من الأداة أو الهيئة هي نسبة تصورية محضة تنشأ عند إستباق المعنى إلى ذهن المتكلم فينشأ الكلام على ما في الذهن ويبرز ما في النفس إلى الخارج في ضمن جملة كما عرفت, وما ذكره العَلمان إنَّما هو من أطوار الإستعمال وأنحائه.

والصحيح أنْ يُقال: إنَّ الجملة إنَّما تدلُّ على النسبة كما عرفت آنفاً, وأمّا الحروف الداخلة على الجمل الإنشائية كحروف التمني والترجي والإستفهام فإنَّها موضوعة للنسبة بين التمني والترجي والإستفهام وبين متعلقاتها كالموضوع المُتَمنّى والمُتَرجّى والمُستفهَم عنه, إذ من المعلوم أنَّ تعلق التمني بشيء لازمه تحقق نسبة بين التمني ومتعلقِّه، فاللفظ موضوع لهذه النسبة، ويدلُّ عليه الإرتكاز العرفي مضافاً إلى كونه أقرب إلى المعنى الحرفي الذي تقدَّم الكلام فيه, لا سيما بعد توفر جهات المعنى الحرفي فيه من الآلية والإيجادية ونحو ذلك مِمّا قيل، ومنه يظهر بطلان ما ذهب إليه المحقق الخراساني من وضعها لمفهوم التمني كلفظ (التمني) وبطلان ما ذهب إليه السيد الخوئي قدس سره من وضعها إلى نفس الصفة النفسانية أو إبرازها وغيرهما مِمّا ذكره الأعلام, فتكون النسبة الحرفية متمِّمة للنسبة التصورية ومتصادقة في الخارج.

ص: 187

ولا ريب أنَّ الإنشاء يصدق على هذه الجمل على كلِّ النظريات التي قيلت في حقيقة الإنشاء, فإنَّه بناءً على ما إلتزم به صاحب الكفاية من معنى الإنشاء لقابلية كلِّ شيء إعتبارياً كان أو تكوينياً لوجود إنشائي.وكذلك بناءً على ما إلتزم به بعضٌ من أنَّ الإنشاء إستعمال اللفظ لا بقصد الحكاية, وإنْ لم يكن بقصد الإيجاد لوضوح عدم تأتي قصد الحكاية في تلك الجمل.

نعم؛ قد يستشكل في صدقه عليها بناءً على مختار المشهور, لأنَّ التمني من الأمور الواقعية التابع وجودها لأسبابها التكوينية سواء تحقق إعتبارها أو لم يتحقق، فلا دخل للإستعمال في وجودها حتى يقصد به إيجادها في عالمها, وحينئذٍ فلا بدَّ من صدق الإنشاء عليها تصور وجود إعتباري لها غير وجودها الحقيقي التكويني.

فذكر بعض الأعلام في توجيه صدق الإنشاء عليها بأنَّ الملاحظ عرفاً عدم صدق التمني إلا بعد صدور الكلام, فلا يقال للمتمني إلا بعد صدور الجملة، وكذا بالنسبة إلى الإستفهام, وهذا يدلُّ على أنَّ للتمني ونحوه عند العرف وجود إعتباري, كما أنَّ الفعل المشتَّق من التمني إنَّما يُسند عرفاً إلى الفاعل نسبة صدورية والمعنى المناسب لهذا الإسناد هو الوجود الإعتباري, بخلاف الصفة النفسانية الأخرى فإنَّها حلولية مثل العلم ونحوه, كما أنَّ بطلان لفظ التمني على نفس الكلام الصادر يدلُّ على أنَّ لها وجود إعتباري عقلائي باللفظ، فيصدق لفظ التمني على الجملة من باب صدق لفظ المسبب على السبب وهو أمر متعارف.

والحقُّ أنَّ ما ذكره يرجع إلى ما قلناه من أنَّ لهذه الصفات النفسانية وإنْ كان لها وجود حقيقي في النفس تكون سبباً لمنشأ إعتباري ذهني للطرفين في الجملة يثبت لها وجوداً إعتبارياً في مرحلة التصور للتحقق في العالم المناسب لها.

ص: 188

ففي الخبرية عالم التحقق والثبوت, وفي التمني عالمه، وفي الترجي عالمه, فيكون الكلام الخارجي كاشف عنها ويتصادقان في الواقع المناسب له, والجملة الإنشائية كالجملة الخبرية لها في أنَّ لكلِّ واحدٍ وجود إعتباري ذهني, وفي إلقائها إلى المخاطبين يتمّ التصادق بين الموجود في الذهن والخارج, أو على نحو علاقة السبب والمسبب, أو الكاشف والمنكشف؛ فيكون صدق الإنشاء على كلِّ واحدة من تلك الجمل باعتبار وجودها الإعتباري الحاصل في الذهن والتصادق الحاصل له ما في الذهن وما في الخارج,ومن ذلك يظهر أنَّه يمكن إرجاع كلام المحقق العراقي والإصفهاني المزبور إلى ما ذكرناه.

هذا ما يتعلق بحروف التمني والترجي والإستفهام والجملة الطلبية.

وأمّا حروف النداء مثل (يا) فإنْ كانت من مجرد التصويت أي يكون منبهاً بقصد جلب توجه المخاطب، فبمجرد حصوله يتحقق النداء باعتبار كونه صوتاً؛ أعني في مقام جلب إنتباه المخاطب وتوجهه فلا نحتاج إلى إلتماس وضع ونحوه ولا فائدة فيه.وإمّا أنْ يكون لها معنىً وهو جلب توجه المخاطب, فحينئذٍ يصحُّ البحث عن الموضوع له لفظ النداء, والحقُّ أنَّ تلك الحروف أيضاً موضوعة -كسائر الحروف- للنسبة الحاصلة بين جلب التوجه والمنادى والربط القائم بينهما, إذ أنَّ المتكلم إذا كان في مقام جلب توجه الغير وقاصداً تحقيق هذا الأمر إنَّما يحصل ربط بين هذا المعنى وبين المنادى عُرفاً ستكون النسبة ندائية.

يبقى شيء؛ وهو أنَّ إلقاء الكلام المشتمل على حرف النداء أو الإستفهام أو التمني ونحوها لا يُوجِد في ذهن المخاطب نسبة مماثلة للنسبة الحاصلة في ذهن المتكلم لغرض تقوم النسبة المزبورة بالمتكلم تبعاً لحدوث أسباب تلك الصفات الواقعية في نفسه, فهو أحد طرفيها بخلاف النسب بين المفاهيم التي هي مدلول الحروف الأخرى.

ص: 189

والحاصل؛ إنَّ الحروف بأسرها موضوعة لأنحاء النسب والربط المختلفة في عناوينها، وإتّصافها بالإيجادية والآلية ونحو ذلك إنَّما بتبع متعلقاتها.

القسم الخامس: الجملة الشرطية
اشارة

لا تختلف الجملة الشرطية عن مثيلاتها من الجملة الإسمية والفعلية، الخبرية والإنشائية في أنَّ مفادها هو ثبوت النسبة بين الطرفين أو المتعلقين, إلا أنَّ الربط فيها يكون بين جملتين لهما نسبتين تامتين، ولذلك لا يصحُّ تأليف جملة شرطية فيها ربط بين جملتين ناقصتين أو بين تامة وناقصة, وقد إعتبر بعض الأعلام ذلك من الشواهد على مختاره من أنَّ إختلاف الجملة التامة عن الناقصة في المدلول التصوري بلحاظ سنخ النسبة لا أنْ يكون بلحاظ دلالة الأولى على قصد الحكاية مثلاً دون الثانية كما عليه السيد الخوئي قدس سره ؛ ليرجع مرحلة الإختلاف بينهما في مرحلة المدلول التصديقي.

وقد عرفت الجواب عن ذلك مكرراً من أنَّ النسبة ربط محض وفناء بين الطرفين والمتعلقين, وإنَّ التمامية والنقصان إنَّما تطرآن عليها بحسب المتعلق, وعليه يكون المدلول التصديقي في الجملة الشرطية كسائر الجمل؛ وهو تعليق جملة على جملة أخرى.

ولذا لا يصحُّ تعليق جملتين ناقصتين أو إحداهما, فإنَّ جملة (إذا جاءَ زيدٌ فأكرمهُ) لا يريد بها الحكاية عن مجيء زيد فقط تامة والأخرى ناقصة؛ لعدم تحقق النسبة التعليقية بينهما التي هي مفاد هيئة الجملة الشرطية.

وبالجملة: إنَّ الكلام في الجملة الشرطية تارةً في هيئتها وهي مثل سائر هيئات الجمل التي تدلُّ على النسبة وأخرى في أداة الشرط ومفادها النسبة التعليقية بين الجملتين؛ جملة الشرط وجملة الجزاء, وهما جملتان تامتان يصحُّ السكوت على كلِّ واحدةٍ منهما,وأمّا إذا لم يصحُّ السكوت على إحداهما إنَّما هو من أجل عدم إستيفاء النسبة التعليقية التي تدلُّ

ص: 190

عليها أداة الشرط, وشأنها شأن سائر الحروفوالأدوات الداخلة على الجمل ولا تخرج عمّا يستفاد من سائر الحروف الداخلة على الجمل, فإنَّ النسبة الحاصلة من الجملة تتصادق مع النسبة التعليقية المستفادة من الأداة سواء في مرحلة التصور أو في الخارج, وإنْ قلنا بأنَّ التوقف والتعليق والإناطة أمر واقعي له واقعيته حتّى في حال عدم ثبوت الطرفين بوجه فإنَّ ما في الذهن مرآة لما في الخارج, فتكون النسبة التصورية مرآة للنسبة في الخارج وهذا هو المراد بالنسبة التصادقية التي ينادي بها بعض الأعلام, وحينئذٍ إذا تمَّت الجملة وإستوفت أركانها من أداة الشرط وجملته وجملة الجزاء صحَّ السكوت عليها وأفادت الجملة النسبة التعليقية بين الجملتين التي تكون مفادها إنتفاء الجزاء بإنتفاء الشرط, وإنْ لم تستوفِ أركانها؛ كما إذا تحققت جملة الشرط من دون جملة الجزاء فإنَّ نفس جملة الشرط لم تكن ناقصة بل هي تامة يصحُّ السكوت عليها ولكن النقصان إنَّما حصل من جهة عدم إستيفاء هذه الجملة النسبة التعليقية التي لا تتقوم إلا بطرفين. وسيأتي الكلام مفصلاً في بحث المفاهيم إنْ شاء الله تعالى.

وفي ختام البحث في الجمل مطلقاً يقع الكلام في الأسماء الملحقة بالحروف كأسماء الإشارة والضمائر كضمائر المخاطبين والغائبين والموصول المعبر عنها في العلوم الأدبية بالمبهمات وفي علم النحو بالمبنيّات, وتعيين الموضوع له فيها من حيث العموم أو الخصوص.

فقيل بأنَّ الموضوع له فيها عام كالحروف لا أنْ يكون خاصاً, بدعوى أنَّ الموضوع له فيها إنَّما هو المعنى الكلي الذي تتعلق به الإشارة والتخاطب مثلاً, والتشخيص إنَّما يحصل من طور الإستعمال, لأنَّ نفس الإشارة أو التخاطب يستدعي كلٌّ منهما الشخص وهو لم يكن مأخوذاً في الموضوع له.

ص: 191

لذا قيل: (هذا) لمفرد مذكر أُشير إليه, والمستعمل فيه أيضاً كذلك. والتشخص حصل بالإستعمال فهو من شؤونه لا المستعمل فيه.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ أسماء الإشارة وضمائر المخاطب والغائب إنَّما هي موضوعة لمعانٍ يُشار إليها بها، أو للمخاطب والغائب من دون أخذ الإشارة والتشخص الخارجي في الموضوع له, كما لم يؤخذ اللحاظ الآلي والإستقلالي في معنى الحرف والإسم؛ وقد إلتزم بذلك المحقق الخراساني قدس سره ومن تبعه.

والجواب عن ذلك يظهر مِمّا ذكرنا في بيان حقيقة الوضع؛ مضافاً أنَّه لو قلنا بأنَّ هذه الأسماء الملحقة بالحروف إذا كانت موضوعة للطبيعي يستلزم أنْ يكون إستعماله في الأفراد شيوع المجاز في المحاورات, لأنَّ الفرد من اللفظ لم يكن موضوعاً له وهذا خلاف الوجدان.

ولا يقال بأنّ الكلي الطبيعي عين الإفراد لأنَّنا نقول بأنَّ الموضوع له فرضاً فيها الكلي بما هو كلي, وللخروج من هذا الإشكال إلتزم بعضٌ بأنَّ المستعمل فيه فيمثل هذه الموارد ليس هو الفرد بل هو الكلي بلحاظ إنطباقه على هذا الفرد أو تطبيقه على الشخص المعني.

فيكون ذكر اللفظ الموضوع للمعنى الكلي وإرادة الفرد منه يكون من باب الإطلاق لا من باب الإستعمال في الفرد فلا يكون الإستعمال مجازياً.

كما أنَّه إستشكل المحقق الإصفهاني على مختار أستاذه بوجهٍ آخر فقال قدس سره : إنَّ الأسماء والضمائر موضوعة لنفس المعنى عند تعلق الإشارة به خارجاً أو ذهناً بنحوٍ من الأنحاء، فقولك: هذا لا يصدق على زيد مثلاً إلا إذا صار مشاراً إليه -باليد أو بالعين مثلاً- فالفرق بين مفهوم المشار إليه، ولفظ هذا؛ هو الفرق بين العنوان والحقيقة نظير الفرق بين لفظ الربط والنسبة، ولفظ (من وفي) وغيرهما، وحينئذٍ فعموم الموضوع له لا وجه له

ص: 192

أصلاً، بل الوضع حينئذٍ عام والموضوع له خاص كما عرفت في الحروف(1). واختاره بعض الأعلام, إلا أنَّه خصَّ الموضوع له بما تعلقت به الإشارة الخارجية، وإستدلَّ عليه بأنَّ مقارنة إستعمال إسم الإشارة باليد أو العين أمر إرتكازي في الإستعمالات, ولا ينفكُّ عن الإستعمال, فيكشف ذلك أنَّ كون الموضوع له هو المعنى حال مقارنته للإشارة الخارجية.

ويمكن الإشكال عليه:

أولاً: ذكرنا سابقاً ما يتعلق بالوضع وحقيقته وقلنا بأنَّه أمر بسيط لم يكن فيه هذا التعقيد, ربما كانت بعض الحروف رموزاً وربما كانت أسماء ثم هجرت ونقلت إلى المعاني الحرفية وغير ذلك, فما ذكره قدس سره بعيد عن حقيقة الوضع, مع أنَّ إثبات القيد في الوضع يحتاج إلى دليل وهو مفقود.

ثانياً: إنَّه خلاف الدلالة الوضعية التصورية, فإنَّ الوضع يكون حينئذٍ إلى الموجود بما أنَّه موجود لا المفهوم, لأنَّ الإشارة لا تتعلق إلا بالموجود, فإذا كان الموضوع له هو المعنى المقارن للإشارة إليه كان معنى إسم الإشارة هو الموجود لا المفهوم, وقد عرفت مراراً أنّ الدلالة الوضعية تصورية.

ثالثاً: إنَّ ما ذكره بعض الأعلام من إختصاص المعنى المقارن للإشارة الخارجية يستلزم إمتناع إستعمال إسم الإشارة في الكليات والأمور الذهنية والأمور العينية لإمتناع تحقق الإشارة الخارجية إليها, مع أنَّ الإشارة إلى الكليات والأمور الذهنية شائع جداً.

رابعاً: إنَّ ما ذكر في الدليل على مختار المحقق الإصفهاني ومن تبعه فهو غير صحيح؛ لأنَّ إقتران اللفظ بما يرادف معناه من الأفعال الخارجية من الإستعمالات كثيرٌ لا يكاد يخفى كما في رفع الرأس إلى الأعلى أو الأسفل للدلالة على النفي أوالايجاب, أو الفوق والتحت

ص: 193


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص34.

تأكيداً للمعنى؛ أمر صحيح مقبول, لكنه لا يدلُّ على الوضع على المعنى بقيد المقارنة للفعل الخارجي.

فالحقُّ أنْ يقال: إنَّ الوضعَ في الأسماء التي تشبه الحروف المعبر عنها بالمبنيات في العلوم الأدبية والمبهمات أيضاً كالضمائر والموصولات والإشارات إستقلاليٌ, وإنَّ الموضوع له فيها الذات المبهمة من كلِّ حيثية وجهة القابل للإنطباق على الجزئي والكلي والحسِّي وغيره نظير ما يأتي في معنى الإطلاق إنْ شاء الله تعالى.

نعم؛ ربَّما يكون وضعاً مستقلاً يخالف سائر أقسام هذا الوضع, ولكن ذكر السيد الوالد قدس سره أنَّه لعلَّ المراد بالوضع العام والموضوع له العام(1) ما يعمُّ هذا القسم أيضاً حتى لا يلزم زيادة في أقسام الوضع المشهورة.

ولعلَّ من ذكر من الأعلام بأنَّ الموضوع له في إسم الإشارة هو نفس الإشارة الذهنية يرجع إلى ما قلناه, وإلا فليس له معنىً معقول؛ إذ الإشارة لا معنى لها إلا إذا كان شيء يُشار إليه كما إعترف به في ضمن كلامه, فلو كان الموضوع له نفس الإشارة فلا بدَّ أنْ يكون المراد المعنى المشار إليه وهذا معنى صحيح لكنه يرجع إلى ما قلنا أو مفهوم الإشارة وهذا هو الذي ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره وقد عرفت الجواب عنه.

هذا وقد إنتهينا عن وضع هيئات الجمل والحروف وما يتبعها من أسماء المبهمات كالضمائر وأسماء الموصول وأسماء الإشارة؛ بقي الكلام في الهيئات الإفرادية التي لها أنواع ثلاثة؛ هيئة الفعل، وهيئة المصدر، وهيئة المشتقات, وقبل الكلام فيها ينبغي تقديم أمر تمهيدي.

ص: 194


1- [1].تهذيب الأصول؛ ج1 ص18.

تمهيد

إنَّ المفردات اللغوية إذا قطعنا النظر عن جانب الهيئة فيها إمّا أنْ تكون إسماً أو حرفاً, وذلك لأنَّ المفردة تارةً لا تلاحظ فيها الهيئة وأخرى تعرض عليها الهيئة فتكون مركباً من الهيئة والمادة, فالأول هو الإسم والثاني إمّا أنْ يكون فعلاً أو مصدراً، وإسم فاعل أو إسم مفعول تبعاً لإختلاف نوع الهيئة الطارئة على المادة.

أمّا الإسم فإنَّ من مميزاته المعروفة التي لا نزاع فيها أنَّه يصح أنْ يقع محكوماً به أو محكوماً عليه في الجملة التامّة, وأمّا المركب من الهيئة والمادة فإنَّه يختلف حاله عن الإسم فقد لا يكون صالحاً لأنْ يُحكم به وعليه, ولكنه ليس فاقداً لصلاحية كلا الأمرين معاً كما في الحرف، بل هو وسط بينهما فتكون حالاتهمختلفة نظراً لتركبه؛ فتارةً يصلح لأنْ يُحكم به ولا يصلح لأنْ يُحكم عليه ولا أنْ يحمل على الذات؛ وهو الفعل.

وأخرى يصلح لكلٍّ منها كالمصدر فإنَّه بإكتسابه الهيئة المعينة لا يخرج عن صلاحية الأهلية لأنْ يحكم به وعليه ولكنه لا يصحُّ أنْ يحمل على الذات, فلا يقال (زيد علم) ولكن يصح أنْ يقال: (الفقه علم، العلم مفيد).

وثالثة يصلح لكلٍّ منهما أيضاً فيُحكم عليه, كما يصحُّ أنْ يُحمل على الذات وهي المشتقات فيقال: (زيد عالم).

وأمّا الحرف فلا يصلح لأنْ يُحكم به أو يُحكم عليه، وأمّا ما يُتوهم وقوعه محكوماً به، كما إذا كان الخبر مكوناً من جار ومجرور كقولنا: (الرجل في الدار) فلا بدَّ أنْ يكون تقدير فيها كما إتَّفق عليه النحاة, فقالوا أنَّ الجملة المذكورة تعود إلى قولنا (الرجل كائن في الدار).

وقد ذكر بعض من الأعلام بأنَّ السرَّ فيه يرجع إلى أنَّ المحكوم به طرف للنسبة التامة، وطرف النسبة التامة يجب أنْ ينظر إليه مستقلاً عن طرفها الآخر, لأنَّ النسبة تحتاج إلى

ص: 195

طرفين متغايرين, والحرف مثل (في) في الجملة المزبورة يدلُّ على نسبة ناقصة ومقتضاها الإندماج أو ستندمج مع كِلا طرفيها في وجود ذهني واحد.

ولكن الحقَّ أنَّ ذلك مبني على إختيار النسبة التحليلية, وأمّا على المختار فإنَّ الذهن يتصورهما بطرفيها ويلقيها إلى الخارج, فتكون نسبة واحدة بين زيد وفي الدا، كما عرفت مفصلاً, فيكون الجار والمجرور محكوماً به.

نعم؛ الحرف مستقلٌ عن المدخول لا يصلح أنْ يكون محكوماً به أو محكوماً عليه.

الهيئات الإفرادية
أولاً: هيئة الفعل
اشارة

عرفت أنَّ الفعل يصحُّ أنْ يقع محكوماً به ولا يصحُّ أنْ يقع محكوماً عليه, ولا يحمل على مصداق مدلول مادة الفعل؛ خلافاً للمصدر الذي يصحُّ أنْ يُحكم عليه وأنْ يُحمل على مصداق مدلول المادة فيه, والفعل الواقع في جملة تامة تتحقق فيها هيئتان؛ إحداهما هيئة الفعل والثانية هيئة الجملة الفعلية.

وتقدم الكلام في الثانية مفصلاً, وذكرنا بأنَّ هيئة الجملة تدلُّ على النسبة التامة التصادقية بين النسبة الذهنية على الخارجية سواءً كانت العلاقة بين النسبتين السببية والمسببية أو الكاشفية والمنكشفية فإنَّه لا يضرُّ في أصل المطلوب.

وأمّا هيئة الفعل فقد وقع الكلام في أنَّها تدلُّ على نسبة ناقصة أو تامة:فاختار المحقق النائيني قدس سره كون النسبة تامة وهي نسبة الحدث إلى فاعله على نحو التحقق(1) فهي تدلُّ على النسبة الصدورية, وبه إمتاز الفعل عن المصدر الذي يدلُّ على النسبة الناقصة.

ص: 196


1- .فوائد الأصول؛ ج1 ص40.

وأُشكل عليه بأنَّ هذا القيد (أي على نحو التحقق) الذي يدلُّ على تمامية النسبة في الفعل إمّا أنْ يريد مفهوم التحقق أو التحقق الخارجي أو ملاحظة النسبة فانية في الواقع الخارجي، والكلُّ لا يصلح لما يريده.

أمّا الأول؛ فلأنَّه مفهوم إسمي، ولا يمكن أنْ يكون سبباً في إنقلاب النسبة من النقصان إلى التمام بمجرد أنْ يكون لها طرف إسمي آخر كما هو واضح.

وأمّا الثاني؛ فلأنَّ الوجود الخارجي لا دخل له في المدلول.

وأمّا الثالث؛ فهو صحيح, ولكنه يقع في المفهوم الإفرادي ولا يصيره بذلك جملة, وعليه فلا يصحُّ أنْ تكون النسبة الصدورية بين الحدث وفاعله تامة.

وقد ذهب السيد الخوئي قدس سره إلى أنَّ مفاد هيئة الفعل هو قصد الحكاية. ولكن عرفت مكرراً أنَّ ذلك يرجع إلى المدلول التصديقي, مع أنَّ الكلام في المدلول الوضعي وهو تصوري.

وقد ذهب بعض الأعلام إلى أنَّ النسبة التي تدلُّ عليها هيئة الفعل هي نسبة تحليلية, ويستحيل أنْ تكون مثل هذه النسبة تامة.

ولا بدَّ أنْ يكون منشأ النزاع في هيئة الفعل هو أنَّه إذا قلنا بأنَّ النسبة في هيئة الفعل ناقصة فلا يكون لها طرفان مع أنَّ النسبة تحتاج إلى طرفين, ولا يمكن كذلك في الفعل لأنَّ النسبة التي تدلُّ عليها هيئة الفعل هي نسبة ناقصة، فالمادة تدلُّ على أحد طرفيها ولا يوجد ما يدلُّ على الطرف الآخر؛ والفاعل إنَّما هو طرف النسبة التامة لا الناقصة.

وأمّا إذا قلنا بأنَّ النسبة التي تدلُّ عليها هيئة الفعل تامة فلا يرد عليه هذا الإشكال لتوفر الدالين على الطرفين فيها؛ أحدهما مادة الفعل والآخر تحققها من شخص ما. ولذا كانت النسبة صدورية.

ص: 197

والإلتزام بأنْ تكون النسبة ناقصة في هيئة الفعل ولها طرف واحدٌ غريب، مع أنَّ لازمه إنفهام ذات مبهمة من الفعل وهو خلاف الوجدان، وهذا الإشكال يجري أيضاً فيما لو قلنا بوضع هيئة المصدر للنسبة الناقصة.

واختار بعض الأعلام في حلِّ هذه المشكلة أنْ يكون المراد من النسبة التي تدلُّ عليه هيئة الفعل هي خصوصية في الفعل الملحوظ مدلولاً للمادة، فإنَّ الضرب مثلاً تارةً يلحظ بما هو حال وهو المنسوب إلى المفعول، وأخرى يلحظ بما هو صادر وهو المنسوب إلى الفاعل, فالهيئة تدلُّ على كونه بالنحو الثاني من دون أنْيؤخذ نفس مفهوم الصدور أو الحلول, فإنَّهما مفهومان إسميان؛ بل أخذ منشأ إنتزاعهما الذي هو الحالة المخصوصة في كيفية لحاظ الضرب مثلاً، وهذه الحالة قائمة به بنحو قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإسمي, ومنه يظهر أنَّه ليست النسبة في هيئة الفعل قائمة بين معنيين لتحتاج إلى طرفين، وبهذا يُجاب أيضاً عن المشكلة التي تطرأ على هيئة المصدر, ثم فصل الكلام في ذلك بذكر نظائر له.

والحقُّ أنَّ الكلام لا يستحقّ الإطالة, فإنَّ النسبة التي تدلُّ عليها هيئة الفعل إنَّما يتصورها الذهن بعد تحليل الفعل هيئة ومادة والحالة الخاصة بها ويلاحظ كون النسبة فيها حلولية أو صدورية ثم يُحكم عليها، وقد ذكرنا مكرراً أنَّ الذهن أوسع مِمّا يتصوره الأصوليون وله تمحلات في ذلك فتكون النسبة المأخوذة في الذهن من الخصوصية الحالة في المادة، ولا نحتاج إلى أنْ نقول بأنَّ هذه الحالة هي منشأ الإنتزاع, ولعلَّ هذا هو مراد المحقق النائيني قدس سره ؛ إلا أنْ يكون مفهوم التحقق الذي هو معنى إسمي, نعم؛ التحقق الخارجي يكون من موارد صدق ذلك المفهوم الذهني وليس له دخل في المدلول.

فما ذكره قدس سره إنْ رجع إلى ما ذكرناه؛ وإلا فإنَّ الإشكال عليه وارد.

ص: 198

وأمّا نقصان هذه النسبة المدلولة للهيئة فإنَّه راجع إلى عدم إستيفاء الكلام لكلِّ ما له دخل في المراد ليصحّ السكوت عليه, لا أنْ يكون سببه عدم وجود الطرف الآخر في هيئة الفعل, فإنَّ الذهن قد يتصور لها طرفاً آخر فتكون النسبة تامة.

ثم إنَّه قد ذكر قدس سره وجهاً آخر لتصحيح دلالة هيئة الفعل على النسبة فقال بأنَّ هيئة الفعل موضوعة لنسبة تامة تصادقية، وهيئة الجملة إنَّما تدلُّ على تعيين طرفها في الفاعل فلا تدلُّ على النسبة التامة، وأمّا النسبة الصدورية فهي مأخوذة في نفس مدلول المادة إمّا إفتراضاً أو برهاناً؛ بناءً على أنَّ الهيئة موضوعة بالوضع النوعي بلحاظ إختلاف المواد, فإنَّه في بعضها تكون النسبة الملائمة فيها هي الصدورية وفي بعضها الآخر تكون الحلولية وفي بعضها غير ذلك، فلا يمكن أخذ هذه الأنحاء من النسب من طرف الهيئة إلا بأنْ يكون وضعها شخصياً وفي ضمن كلِّ مادة بشخصها, وعليه يتعين بناءً على الوضع النوعي للهيئة أنْ تكون هذه النسب مأخوذة في مدلول المادة, ومن هنا يكون الفرق بين الفعل الماضي والمضارع بعد إتّفاقهما في دلالة الهيئة فيهما مع النسبة التصادقية في لحاظ النسبة المأخوذة في مدلول المادة فيهما, وكذلك في فعل الأمر؛ فإنَّ هيئته موضوعة لنسبة تامة تصادقية أيضاً بين نفس المدلول الأصلي للمادة والفاعل, ولكن تكون بلحاظ وعاء الطلب لا بلحاظ وعاء التحقق أو تكون نسبة تصادقية بين الإرسال نحو المادة والفاعل؛ بأنْ يُلحظ مدلول المادة في (إضرب) لا بما هوحدث الضرب, بل بما هو إرسال نحو الضرب, فيكون الإرسال مقصوداً في مدلول المادة بدلاً عن أخذه في مدلول الهيئة، كما هو الحال في الفرضية الأولى.

وفيه: إنَّ ما ذُكر مجرد إفتراض لم يقم عليه دليل مع إمكان توجيه وضع هيئة الفعل بوجه آخر مقبول، مضافاً إلى أنَّ مدلول المادة مع قطع النظر عن الهيئة العارضة لا يكون إلا

ص: 199

الحدث في نفسه، وأمّا أنحاء النسب إنَّما تكون من ناحية الهيئة العارضة عليها فإنَّه سواء قلنا بأنَّ الهيئة موضوعة بالوضع النوعي أم بالوضع الشخصي, فإنَّ ملاحظة الهيئة الطارئة على المادة تدلُّ تارةً على النسبة الصدورية أو النسبة الحلولية تارةً أخرى, أو غير ذلك تبعاً لملائمتها مع المادة.

ومِمّا ذكرنا يظهر أنَّ النسبة التي تدلُّ عليها الهيئة في الأفعال هي نسبة تامة وقد تصور الذهن طرفيها إمّا نفس التحقق والمادة أو الخصوصية في الفعل الملحوظ مدلولاً للمادة، أو الإنبعاث والإرسال إلى المادة, وأمّا وعاء هذه النسبة فإنَّه قد يكون التحقق أو وعاء الطلب كما في الأمر.

تنبيهات:

التنبيه الأول: يظهر من المحقق النائيني قدس سره الإستغناء بهيئة الفعل ووضعها لمعناها عن وضع هيئة الجملة الفعلية للنسبة, لأنَّ الهيئة الإفرادية للفعل تكفي لإفادة الربط والنسبة بين الفعل والفاعل فلا حاجة لوضع هيئة الجملة الفعلية خلافاً للجملة الإسمية؛ فإنَّه لا توجد فيها هيئة إفرادية تغني عن وضع هيئة الجملة لإفادة النسبة.

وأشكل عليه المحقق العراقي قدس سره بإيرادين:

الإيراد الأول: النقض ببعض الجمل الإسمية؛ كقولنا (زيد ضرب) فإنَّها تشتمل على هيئة الفعل ومع ذلك لم تغنِ عن وضع الهيئة التركيبية.

الإيراد الثاني: الحل بأنَّ مفاد الهيئة الإفرادية للفعل نسبة الفعل إلى فاعل ما, ولتعيينه لا بدَّ من وضع الهيئة التركيبية لإفادة تعيين طرف النسبة في فاعل مخصوص وهو زيد في (ضرب زيد) مثلاً (1).

ص: 200


1- .مقالات الأصول؛ ج1 ص110.

وأُجيب عن الإيراد الأول بأنَّه مبنائي؛ فإنْ قلنا بأنَّ جملة (زيد ضرب) ترجع بالتحليل إلى جملتين؛ كبيرة وصغيرة كما هو المعروف, فتكون الجملة حينئذٍ مشتملة على نسبتين أحدهما نسبة الفعل إلى الضمير المستتر المقدَّر في الجملة الفعلية, وأخرى نسبة المبتدأ إلى الجملة الفعلية بما هي خبر, والمدَّعى وفاء هيئة الفعل في النسبة الأولى دون الثانية فلا بدَّ من وضع هيئة الجملة الإسمية لإفادة النسبة الثانية.وإنْ قلنا بأنَّها جملة واحدة مكونة من فعل وفاعل؛ غاية الأمر يكون الفاعل مقدماً كجملة (ضرب زيد) فلا موضوع للنقض.

وأُجيب عن الإيراد الثاني بأنَّ نسبة الفعل إلى فاعله لا يعقل كفايتها عن نسبة الجملة التي تكون تامة، والنسبة في الهيئة تحليلية ناقصة فلا تغني عن وضع الهيئة التركيبية.

والحقُّ في الجواب أنْ يقال بأنَّ مراد المحقق النائيني قدس سره أنَّ النسبتين تتصادقان وتتَّحدان فتُغني إحداهما عن الأخرى, فلا حاجة إلى إلتماس نسبة الجملة فتُغني الهيئة الإفرادية للفعل التي تكفي للربط والنسبة.

وما ذكره المجيب إنَّما هو بلحاظ مفاد النسبتين بنظره, وأمّا نظر المحقق النائيني إلى حصول الربط والنسبة فقط فكلامه معقول لا بأس به.

التنبيه الثاني: ذكر بعض النحاة المحدثين أنَّ الأفعال تنقسم إلى قسمين؛ ماضٍ ومضارع, وأمّا فعل الأمر فليس قسيماً لهما, لأنَّ الفعل يتميز بشيئين أحدهما متفرع على الآخر:

1- إنَّ الفعل يحمل على المسند إليه ويبني عليه.

2- إنَّه مقترن بالدلالة على الزمان.

وبناء (إفعل) يخلو عن هاتين الميزتين, لأنَّه لا يشير إلى تلبس الفاعل بالفعل في حال, بل يدلُّ على طلب الفعل من المخاطب المأمور، ولا دلالة له على الزمان أيضاً إذ ليس هناك من فعل لكي يكون تلبس الفاعل به واقعاً في أحد الأزمنة.

ص: 201

والظاهر أنَّ ذلك حاصل من الخلط بين الواقع الخارجي وعالم اللحاظ والتصور, فإنَّه ليس المقصود من دلالة الفعل على تلبس فاعله به هو وقوع ذلك خارجاً, بل المقصود ملاحظة نسبته إلى شخص ما وهذا المعنى محفوظ في فعل الأمر, لأنَّه يدلُّ على أنَّ المطلوب صدور الفعل من المأمور، فقد لوحظت نسبة الحدث إلى الفاعل أيضاً, لكن الفرق أنَّ الملحوظ في فعل الأمر هو وعاء الطلب والإرسال بخلاف الماضي والمضارع؛ فقد لوحظ في وعاء التحقق والإخبار.

التنبيه الثالث: ذكر بعض الأعلام أنَّ النسب على ثلاثة أقسام, وإدَّعى التتبع والإستقراء عليه, والنسب هي حدوثية وحملية وإضافية, والأخيرة ما كانت بواسطة الحروف الجارة وتختلف باختلاف مفاد هذه الحروف؛ فقولنا (زيد في الدار) تكون النسبة ظرفية، وقولنا (المال لزيد) تكون إختصاصية أو إبتدائية أو بيانية ونحو ذلك.

وامّا النسبة الحملية -ويعبّر عنها بالإتّحادية- فهي تُتصور فيما إذا كان أحد الطرفين قائماً مقام الآخر كقولنا (زيد قائم) فإنَّه بإمكانك بعد ذلك تقول (رأيت القائم), أو تقول (رأيتُ زيداً).وأمّا النسبة الحدوثية فهي فيما إذا كان أحد الطرفين فيها حادثاً عن الطرف الآخر كما في (ضرب) و(يضرب) فإنَّهما يفيدان حدوث الضرب من ضارب ويشترط في هذا القسم أنْ يكون أحد الطرفين قابلاً لحدوثه من الآخر، ولأجله كان المبدأ في الأفعال من الأحداث فلا يكون غيره مبدأً للأفعال كالحجر ونحوه, ولو ورد مثله كان تنزيلياً لا حقيقياً نحو (بالَ) و(حاضَت) ونحو ذلك.

وإذا تبين أنَّ النسبة في الفعل حدوثية فإنَّه باعتبار هذه النسبة الحدوثية تقع الحركة بالنسبة إلى المسمى فإذا قلت (ضرب زيد) فهذه حركة من زيد ولكنها ليست حسية بل نسبتها

ص: 202

إليه باعتبار ظهورها وحدوثها فيه, ولأجله كان مثل (سكن، وعدم، وسكت) أفعالاً باعتبار ظهورها وحدوثها عنه, ومن ذلك يظهر أنَّ ما ورد عن أمير المؤمنين علیه السلام في تعريف الفعل أنَّه: (ما أنبأ عن حركة المسمى) إَّنه أجمع التعاريف, ومنه يظهر أنَّه لا نحتاج إلى الزمان لوجود هذه الحركة فيخرج عنصر الزمان في تعريف الفعل كما صنعه العلماء في علم النحو والأدب.

ثانياً: هيئة المصدر

ثانياً: هيئة المصدر(1)

قد عرفت أنَّ المصدر يقع محكوماً به ومحكوماً عليه لعدم خروجه عن أصله، ولكنه لا يصحُّ حملهُ على الذات فلا يقال (زيد علم) إلا على نحو التنزيل لا أنْ يكون حقيقياً كما هو المعروف. وقد إختلفوا في النسبة التي تدلُّ عليها هيئة المصدر, فقيل أنَّها نسبة ناقصة بين الحدث وذات مبهمة. وأُورد عليه بعدة إيرادات نذكر بعضها:

1- لا إشكال في صحة نسبة المصدر إلى ذاتٍ, مثل قولنا (ضرب زيد) وهذا ينافي أنْ يكون المأخوذ في هيئته معنىً نسبي لإستلزامه قيام نسبتين ناقصتين في عرض واحد بين مادة واحدة وطرفين؛ أحدهما الذات المبهمة والآخر زيد وهو مستحيل, لأنَّ عرضية النسبتين تستدعي تعددهما وهو يقتضي وجود مفهومين مستقلين في الذهن ينحلّ كلٌّ منهما إلى طرفين ونسبة، ووحدة المادة المنتسبة تقتضي عدم وجود أكثر من مفهوم واحد وهو خلفٌ.

ولكن هذا الإشكال ينتفي لو قلنا بأنَّ المصدر لا يدلُّ على أكثر من المبدأ المنتسب مع تعيين المنسب إليه بما يضاف إليه المصدر فتخرج الذات عن مدلول المصدر.

ص: 203


1- .وهي النوع الثاني من الهيئات الإفرادية.

ويشكل عليه بتعدد الدالّ على النسبة بتعدد هيئة المصدر وهيئة الإضافة, وقيل أنَّه ليس بمحذور ثبوتي.

2- إنَّ الإشكال المتقدم إنَّما يأتي فيما إذا أخذت الذات في مدلول المصدر، وأمّا إذا لم تؤخذ فيستلزم تعدد الدال على النسبة، وهو خلاف الذوق العُرفي ولا فائدة فيه, فإنَّه في موارد إستعمال المصدر مستقلاً لا نسبة حتى يوضع لها بحسب الفرض، وفي موارد الإضافة والتقييد يوجد دالٌّ آخر عليها فيكون وضعه لها لغواً.

وقيل: أنَّ هيئة المصدر وُضعت للتمييز بين إسم المعنى المصدري والمعنى المصدري, حيث أنَّ إسم المصدر موضوع للدلالة على الحدث بلحاظ عدم الإنتساب إلى ذاتٍ، وهيئة المصدر موضوعة لنفي ذلك اللحاظ وإلغاء عدم الإنتساب.

وقيل: إنَّ هيئة المصدر وضعت للدلالة على خصوصية في مدلول المادة القائمة به قيام المعنى الحرفي بالمعنى الإسمي من دون أنْ تكون هذه الخصوصية نسبةٌ بالمعنى الذي يحتاج إلى طرفين, ولا تكون الذات على هذا مأخوذة في مدلول الهيئة أصلاً.

والحقُّ أنَّ كلَّ واحد من هذه المعاني التي ذكرت في هيئة المصدر ينظر إلى جهة معيّنة منه وإلى حيثيته؛ فمن جهة أنَّ المصدر عند النحاة له هيئات معروفة لاحظ التعريف الأول هذه الجهة فعبَّر عنها بالنسبة الناقصة، ومن جهة أنَّ المصدر يدلُّ على الحدث مجرداً عن بعض الخصوصيات نظر التعريف الثاني إلى هذه الجهة، وأمّا الثالث فقد لاحظ الخصوصية التي تدلُّ عليها هيئة المصدر التي تكون خارجة عن النسبة بالمعنى المعروف, إذ لا تكون الذات مأخوذة في مدلول الهيئة فلا تكون طرفاً.

فيعود النزاع لفظياً, فلا نحتاج إلى إيراد المناقشات وردودها إذ لا فائدة في ذكرها.

فتكون هيئة المصدر دالة على أمر مركب من الحدث ملحوظاً فيه خصوصية ما, وإسم المصدر يدلُّ على أمر بسيط هو مجرّد الحدث.

ص: 204

وهذا هو أهم الفروق بين إسم المصدر والمصدر وبذلك يظهر أنَّ إسم المصدر أسبق رتبة من المصدر الذي يعتبر المادة السارية بكل صيغها، لتقدم البسيط على المركب رتبة في جميع مراحلها ولأجله كان المصدر أسبق رتبة على الفعل.

كما أنَّهم ذكروا فروقاً أخرى بين إسم المصدر والمصدر لا تخلو عن نقاش في أغلبها وهي مذكورة في العلوم الأدبية.

ثالثاً: هيئة المشتق

قد وقع الخلاف في دلالتها ولكنهم عقدوا بحثاً مستقلاً له يأتي إنْ شاء الله تعالى فلا حاجة إلى ذكر مدلولها في المقام.

تتمة

تقدم الكلام في وضع المفردات ووضع الهيئات، كما عرفت وضع الجمل وربما يتصور الغُموض من ناحية تعدد الوضع واتحاده في وضع المركب من المادة والهيئة فإنه لا ريب في وضع المواد شخصياً فإن المفردات موضوعة لمعانيها كلية أو جزئية.

كما لا ريب في تحقق وضع الهيئات أي هيئات الجمل الخاصة التي تفيد معاني مخصوصة نوعياً كما عرفت وأمّا إثبات وضع ثالث لمجموع المادة مع الهيئة الخاصة، فهو من اللغو الباطل ولا يرتكبه العاقل.

وبذلك ننهي الكلام عن المعنى الحرفي والهيئات وقد عرفت سابقاً أنَّه لا ثمرة في هذا البحث الطويل إلا أنْ تكون علمية فقط.

ص: 205

البحث الثالث: الحقيقة والمجاز

لا ريب في وقوع الحقيقة والمجاز في المحاورات وقد عُرِّف الأول بأنَّه إستعمال اللفظ في معناه الموضوع له, والثاني؛ إستعماله فيما يناسبه.

والإحتمالات المذكورة في المعاني المجازية خمسة وهي:

الأول: عدم الوضع للمجاز أصلاً, بل الإستعمالات فيه طبعية لا أنْ تكون وضعية.

الثاني: أنْ تكون الإستعمالات المجازية وضعية بالوضع النوعي.

الثالث: أنْ يكون نفس الوضع للمعنى الحقيقي وضعاً للمعنى المجازي أيضاً لكن بالتبع, لأنَّه من شؤون المعنى الحقيقي وأطواره وخصوصياته.

الرابع: أنْ يكون بإذن من الواضع.

الخامس: أنْ يكون الإستعمال في المجاز تنزيلياً, أي تنزيل المعاني المجازية منزلة المعاني الحقيقية.

والكلام في هذه الإحتمالات تارةً يقع في أصل وقوع المجاز, وأخرى في كيفية وضعه.

أمّا الأول: فالمعروف بين العلماء أنَّ المجاز في المحاورات مدلول لفظي مباشر, لأنَّه من إستعمال اللفظ في ذلك المعنى إعتماداً على قرينة دالة عليه خلافاً لما ذهب إليه السكاكي من إنكار أنْ يكون المجاز إستعمالاً للَّفظ في غير ما وضع له من المعنى بحسب القانون اللغوي العام؛ فاعتبر أنَّ المجاز هو إستعمال للمعنى الحقيقي على غير واقعه إدّعاءً, فيكون المدلول المجازي عنده مدلولاً عقلياً إدّعائياً, وعليه تبطل جملة من الإحتمالات السابقة, ولا تصل النوبة إلى إلتماس الوضع حتى تحتاج إلى إذن الواضع أو أنْ يكون الوضع تبعياً ونحو ذلك.

ص: 206

والحقُّ أنَّ ما ذكره السكاكي لا يمكن المساعدة عليه لوجوه:

الوجه الأول: إنْ كان مراد السكاكي في تفسير المعنى المجازي هو أنَّ المفهوم الذي لم يوضع له اللفظ (أي المعنى المجازي) هو نفس المفهوم الذي وضع له اللفظ (أي المعنى الحقيقي) بالحمل الأولي فيكون مفهوم الرجل الشجاع هو نفس مفهوم الحيوان المفترس مثلاً، ويكون إستعمال اللفظ فيه على هذا الإدّعاء من العينية.

فإنَّه يُردُّ عليه:

أولاً: إنَّه خلاف مقصود السكاكي الذي يرى بأنَّ التجوز تصرف عقلي صرف لا في اللفظ، فإنَّ هذه العينية المدَّعاة إنَّما تكون في مرحلة الإستعمال, يعني إستعمال اللفظ في غير ما وضع له إدّعاءً أنَّه نفس الموضوع له.

ثانياً: إنَّ هذه العناية لا دخل لها في صحة الإستعمال وتكوين الدلالة على المعنى المجازي, لأنَّ المعنى المدَّعى بالعناية أنَّه الموضوع له إنْ كانت له علاقة مع المعنى الحقيقي كفى ذلك في تصحيح الإستعمال وتكوين المعنى المجازي فلا حاجة إلى العناية المذكورة, وإنْ لم يكن بينهما علاقة فلا تحصل الدلالة ولا يصلح الإستعمال بمجرد الإدّعاء المذكور إلا أنْ يُقال أنَّ الإدّعاء المذكور يوجب توسعة العلقة الوضعية حكماً، كما في سائر ألسنة الإدّعاء والتنزيل. لكنه إنْ رجع هذا الإدّعاء إلى وضع جديد فهو خُلفٌ, وإلا فلا يكفي الإدّعاء المزبور في إثبات أحكام الوضع من الدلالة وصحة الإستعمال إلا مع دليل؛ وهو مفقود.

الوجه الثاني: إنْ كان مراده أنَّ ما لم يوضع له اللفظ يكون مصداقاً لما وضع له اللفظ على نحو يحمل عليه المعنى الموضوع له بالحمل الشائع، فيستعمل اللفظ في المعنى الموضوع له ولكنه يطبق على فرد عنائي إدّعائي أيضاً وهذا المعنى وإنْ كان يقرب من قصد السكاكي لكنه تصرف في مرحلة تطبيق المراد على المصداق لا في مرحلة الإستعمال كما في السابق

ص: 207

فهو عناية في تطبيق المراد الإستعمالي على المراد الجدِّي, فإذا قلت (جئني بأسد) فإنَّ المراد الإستعمالي المطالبة بحيوان مفترس، ولكن المراد الجدِّي هو الرجل الشجاع, والعناية هي كون الرجل الشجاع حيواناً مفترساً بالحمل الشائع هي التي تربط المراد الإستعمالي بالمراد الجدِّي مع العلم بتغايرهما.

ولكن يرد عليه بأنَّ التجوز لا يقتصر على المراد الجدِّي بل يشمل موارد الهزل أيضاً, فإنْ كان المجاز مراداً هنا في مرحلة المدلول الإستعمالي فهو خُلف المدَّعى.

وإنْ كان مراداً في المدلول الجدِّي فهو خُلف هزلية الكلام مع أنَّ جعل الفرد المجازي من أفراد المعنى الحقيقي يستلزم أنْ يكون الأخير كلياً له مصاديق كثيرة منها الفرد المجازي.ولكن ذلك لا يكون دائماً بل قد يكون المعنى الحقيقي جزئياً, فلا يمكن فرض الفرد الإدّعائي ليكون مصداقاً لذلك المعنى الجزئي.

ولكن الجواب عن ذلك بأنَّه يمكن تصوير المعنى الجزئي مرآة لمصاديق أخرى مشابهة إدّعاءً كما افترضنا ذلك في أقسام الوضع، إذ المسألة ليست مبنية على الدقة العقلية بل راجعة إلى تصورات ذوقية.

الوجه الثالث: إنّ الوجدان قد يكون على خلاف المقصود من الفرد الإدّعائي, إذ أنَّ إضفاء صفات المعنى الحقيقي إدّعاءً على شيء يكون على خلاف الذوق, فمثلاً إنَّ إسباغ صفات المعنى الحقيقي للكلب على الرجل الوفي قد يستهجنه العرف والذوق.

ولكن يُجاب عنه بأنَّ السكاكي إنَّما يقصد بالفرد الإدّعائي هو ما يقبله الذوق ولا يريد من العناية جعل الفرد غير الموضوع له المعنى بمنزلة المعنى الحقيقي في جميع الصفات, ولا أظنه يريد بذلك ويرشد إليه كلامه الذي ذكره في كتابه مفتاح العلوم, فإنَّه يقصر هذا الإدّعاء والعناية في الكناية فقط لا في كلِّ مجاز.

ص: 208

فاتَّضح أنَّ ما ذكره السكاكي يقتصر على ما ذكره في المعنى الكنائي بخصوصيةٍ خاصة فيه دون كلِّ مجاز؛ وأمّا فيه فالمشهور أنَّ الأصل في التجوّز كونه راجعاً إلى المدلول الإستعمالي ومرحلة اللفظ لا أنْ يكون عقلياً إدّعائياً.

وأمّا الثاني: في بيان كيفية وضع مدلول المجاز؛ فإنَّه لا بدَّ من إلتماس وجه لتصحيح المدلول المجازي, وفيه تفسيرات متعددة كما ذكرناها في الإحتمالات السابقة, والكلام فيه تارةً يقع مع فرض عدم الوضع للمعنى المجازي؛ فلا بدَّ أنْ يكون منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي في فرض العلم بأنَّ الدلالة اللفظية ليست طبعية وذاتية.

وعلى هذا الفرض فربَّما يُقال بأنَّ الدلالة نشأت من القرينة على المجاز، وهو غير صحيح؛ لأنَّ الكلام فيما يناظر الدلالة الوضعية أي الدلالة التصورية للَّفظ على المعنى المجازي, وهي بوجودها الشأني ليست مستندة إلى القرينة.

أو يقال بأنَّ اللفظ بحدِّ ذاته فيه الصلاحية لإخطار المعنى المجازي وإنْ كان أضعف من إقتضائه لإخطار المعنى الحقيقي, ولولا ذلك لما صحَّ إستعمال اللفظ المجازي بلا قرينة.

أو يقال بأنَّ القرينة غالباً لا تصلح لإخطار المعنى المجازي وإنَّما تصلح لصرف الذهن عن المعنى الحقيقي، فليس في القرينة دلالة تصورية على المعنى المجازي ولو على نحو الإلتزام.

وتارةً أخرى يكون في منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي في فرض وجود وضع له كما في المعنى الحقيقي, وقد ذكروا له وجوهاً:

الأول: القول بأنَّ الوضع للمعنى الحقيقي يكفي في الإستعمال المجازي, لأنَّه من لوازم الوضع الحقيقي ولا نحتاج إلى وضع جديد مستقل, فإنَّ العرف يرى بأنَّهمن توابعه وشؤونه وأطواره, وهذا المقدار من النظر العرفي يكفي في إثبات الدلالة اللفظية التصورية للمعنى المجازي كالدلالة التصورية اللفظية للمعنى الحقيقي, فلو فرضنا أنَّ هناك وضعاً جديداً للمعنى المجازي كان لغواً؛ لأنَّه من تحصيل الحاصل.

ص: 209

وذكر بعض الأعلام في توجيه هذا الوجه بوجه عقلي إنْ رجع إلى ما ذكرناه فلا بأس به وإلا فلا ملزم لما ذكرناه, وبناءً على هذا يصحُّ أنْ يُقال بأنَّ المعنى المجازي في طول المعنى الحقيقي إذا تعذّر الأخير.

الثاني: القول بوضع آخر للمعنى المجازي مقابل الوضع للمعنى الحقيقي, فلكلِّ واحد منهما وضع مستقل, أحدهما في طول الآخر مع أولوية المعنى الحقيقي.

وقد إختلف في تصويره على وجوه:

أولاً: إنَّ اللفظ موضوع للمعنى المجازي بوضع نوعي، بأنْ يُقال أنَّ لفظ الأسد موضوع لما يشابه معناه الموضوع له.

وردَّ بأنَّه لا دليل عليه بل الأصل ينفيه, كما لا يكفي الوضع النوعي وأخذ المشابهة عنواناً, مشيراً إلى المعاني المجازية في تفسير الطولية.

ثانياً: إنَّ الوضع للمعنى المجازي مقيّد بفرض وجود القرينة بأنْ يكون قيداً في الوضع أو اللفظ الموضوع، فمع عدم القرينة يقدم المعنى الحقيقي, إذ لا وضع للمعنى المجازي حينئذٍ.

ويرد عليه: إنَّه بناءً على تقييد الوضع للمعنى المجازي بوجود القرينة يستلزم عدم صحَّة الإستعمال المجازي في موارد عدم نصب القرينة لعدم الدلالة، وإنتفاء العلاقة في هذه الحالة بحسب الفرض، مع أنَّه صحيح بلا إشكال، وهو يدلُّ على أنَّ المصحح للإستعمال ليس الوضع المقيّد.

ثالثاً: أنْ يكون الوضع مقيداً للمعنى المجازي غير أنَّ القيد هو مجرد نصب القرينة الصادقة.

ويرد عليه نفس المحذور السابق.

ص: 210

رابعاً: أنْ يكون الوضع للمعنى المجازي مقيّداً بعدم إرادة المعنى الحقيقي فتثبت العُلقة الوضعية المجعولة بهذه الحالة, ولازمه عدم الحمل على المعنى المجازي إلا في حالة عدم إرادة المعنى الحقيقي فثبتت الطولية بين الوضعين.

وفيه: إنَّه بناءً عليه لا يمكن حمل اللفظ على المعنى الحقيقي وأقوائيته لو لم يكن الشخص مريداً لمعنى أصلاً مع أنَّ الأمر على خلاف ذلك لإنسباق الذهن إلى المعنى الحقيقي, فلا بدَّ من تفسير الدلالتين معاً على أساس وضع واحد وهو وضع اللفظ للمعنى الحقيقي وإنْ كان المعنى الحقيقي أحقُّ بهذا الوضع من المعنى المجازي فكان نصيبه من الدلالة أكبر وأقوى.فالحقُّ أنْ يُقال: إنَّ أصحَّ الوجوه المذكورة والأقرب إلى العُرف هو القول الأول؛ وهو: إنَّ دلالة اللفظ على المعنى المجازي على أساس الوضع الأول, وإنَّه من أطواره وشؤونه وخصوصياته فيكون وضعه تبعياً.

وذكر بعض الأعلام في تفسيره بأنَّ إعتبار أنَّ كلَّ لفظ يوضع للمعنى الحقيقي يصلح للدلالة على كلِّ معنىً مقترن بالمعنى الحقيقي إقتراناً خاصاً مقبولاً للذوق العرفي ولكنها بدرجة أضعف لأنَّها تقوم على أساس مجموع إقترانين, فإذا إستعمل مع القرينة الصادقة كانت الدلالة فعلية، فالدلالة اللفظية التصورية على المعنى المجازي كالدلالة التصورية على المعنى الحقيقي لكن على إختلاف في الشدة والضعف, ولكنه تفسير إعتباري صرف ليس عليه دليل, فإنَّ أهل المحاورة يرون في بعض حالات الإستعمال المجازي أنَّ دلالة اللفظ فيه أشدُّ من الدلالة اللفظية التصورية على المعنى الحقيقي, فالأمر يرجع إلى الذوق العرفي وإقتران المعنى المجازي بقرينة خاصة مقبولة عند أهل المحاورة من غير ملاحظة الأشدية والأضعفية بينهما.

ص: 211

وعليه؛ فلا وجه لملاحظة إذن الواضع في حينه, وأمّا مع إستنكار أهل المحاورة فلا يصحُّ الإستعمال وإن أذِنَ الواضع.

وهذا الإستنكار والمقبولية يختلفان بحسب الأعصار والأمصار والعادات غاية الإختلاف.

فالمجاز والإستعارة والكناية من مجرد الإصطلاح, والمدار كلُّه على صحة الإستعمال بحسب الذوق السليم والطبع المستقيم, مضافاً إلى أنَّ الإفادة والإستفادة يدوران مدار الظهور؛ فمعه يصح الإستعمال وإن كان المعنى مجازياً, ومع عدمه لا وجه له وإنْ كان حقيقياً.

ثم إنَّه قد وقعت بعض الإستعمالات في المحاورات مثل إستعمال اللفظ في نفسه أو مثله أو نوعه وإختلف في دخولها في أحد الإستعمالين المعروفين وهما الحقيقة والمجاز, وقد عرفت أنَّ دلالة اللفظ على المعنى المجازي هي من توابع دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي من دون حاجة إلى وضع آخر مستقل فإنَّ الأصل عدم الوضع للمجازات ولو نوعاً.

فإنْ كان المناط في دلالة اللفظ على المعنى المجازي كون دلالته على كلِّ معنىً لا يكون موضوعاً له فتشمل الدلالة المجازية هذه الدلالات القائمة على أساس التناسب الطبعي.

وإنْ كان المراد بها دلالة اللفظ على معنىً له علاقة بالمعنى الموضوع له خرجت الدلالات المذكورة عن كونها مجازية فتكون أقساماً أخرى مستقلة برأسها.

والحقُّ أنَّ الدلالة والإستعمال لا تنحصر في الحقيقة والمجاز, بل يصحُّ كلُّ ما قبلته الأذهان المستقيمة من أهل المحاورة سواءً سُميَّ هذا الإستعمال بالحقيقةوالمجاز أو لا, فيكون إستعمال اللفظ في شخصه ونفسه, كما إذا قيل: زيدٌ وأريد نفسه, أو قيل: زيدٌ قائمٌ, فيكون زيد مبتدأ وأريد مثله, أو قيل ذلك وأريد نوعه. فإنَّ كلَّ ذلك صحيح في المحاورات الصحيحة, فإنَّ الذهن ينتقل من الشخص إلى النوع لوجود التناسب الطبيعي

ص: 212

بين الصورتين عند العرف. وقد يستشكل في دلالة اللفظ على نوعه بأنَّه إنْ أُريد كون اللفظ بخصوصيته دالاً على الطبيعي وموجباً للإنتقال إليه؛ فيرد عليه أنَّ خصوصية الفرد مباينة للطبيعي ولا يمكن الإنتقال من المباين إلى المباين, وإنْ أريد كون اللفظ بجامعه دالاً على الطبيعي فيكون الطبيعي دالاً على الطبيعي وهو غير معقول لإستلزامه وحدة الدالِّ والمدلول ويجب أنْ يكون الدالُّ غير المدلول.

وأجيب عنه: أمّا الأول؛ فلأنَّ الخصوصية لم تؤخذ في الصورة الذهنية وإنَّما كانت مثيرة للصورة الذهنية للجامع المحفوظ في ضمنها.

وأمّا الثاني؛ فيندفع بتعدد الحيثية والجهة فإنَّ الذهن ينتقل من الصورة الذهنية الجزئية من حيث كونها مرآة إلى الجامع والطبيعي مع أنَّه لا محذور فيه, فقد ورد في الدعاء عن أمير المؤمنين علي علیه السلام : (يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ)(1). وهو من محاسن كلماتهم المباركة وفيه بحث نفيس. وسيأتي تتمة الكلام في هذا النوع من الإستعمالات إنْ شاء الله تعالى.

ص: 213


1- .فقرة من دعاء الصباح؛ زاد المعاد؛ ص386.

البحث الرابع: في علامات الحقيقة والمجاز

اشارة

تقدم أنَّ الحقيقة عبارة عن كون اللفظ مرآة لذات المعنى بلا واسطة, والمجاز عبارة عن كونه مرآة لما يناسبه لقرينة حالية أو مقالية.

ولا ريب أنَّ العلائق المجازية تدور مدار الأذواق السليمة التي تختلف بحسب العادات والأعصار والأمصار فلا تضبطها ضابطة كلية، وما ذُكر في العلوم الأدبية إنَّما هو بحسب الغالب لا الحصر والإستقصاء، فما ذكره العلماء في هذا النوع من العلائق تطويل بلا طائل تحته وليست فيها ثمرة علمية ولا عملية. وأماالحقيقة فقد ذكر العلماء لها علامات يمكن تشخيص المعنى الموضوع له اللفظ بها، والبحث فيها يقع في أمور ثلاثة:

الأمر الأول: في أعدادها

المعروف أنَّها ثلاثة: التبادر، صحة الحمل، والإطّراد، وهذه العلامات إنطباقية قهرية لا أنْ تكون جعلية فضلاً عن كونها تعبّديَّة.

أولاً: التبادر؛ ومعناه إنسباق المعنى من اللفظ حال إطلاقه بلا قرينة فيكون دليلاً على الوضع لذلك المعنى.

وهذا الإنسباق ناشئ من الأُنس الذهني في الجملة ولو كان جاهلاً بالوضع تفصيلاً أو عند العالمين به تفصيلاً.

فإنَّه على كلِّ حال علامة للوضع عند الجاهل به، ودليله واضح لأنَّ إنسباق المعنى إلى الذهن من اللفظ إمّا من الوضع أو من القرينة, ومع عدم الأخير يكشف الإنسباق كشفاً إنيّاً على الوضع.

وقد إعتُرض عليه بالدور, لأنَّ التبادر يتوقف على العلم بالوضع وإلا فلا يُتبادر لشيء أصلاً، والمفروض أنَّ العلم بالوضع يتوقف عليه فيستلزم الدور الصريح.

ص: 214

ولا بدَّ أنْ يُعلم أنَّ إشكال الدور في أيِّ موردٍ كان إنَّما يرتفع؛ إمّا بإثبات تغاير المتوقف والمتوقف عليه, أو بإثبات تعدد الحيثية أو الجهة بأيِّ وجه كان ، ولأجل ذلك فالإشكال غير سديد.

وأجيب عنه بوجوه:

الوجه الأول: ما ذكره السيد الوالد قدس سره بأنَّ التبادر متوقف على أنَّ اللفظ ليس بمُهمل, بل له معنىً إجمالاً مردداً بين شيئين أو أشياء، والعلم بالوضع متوقف على تبادر معنىً خاص عن اللفظ تفصيلاً. وبذلك تختلف جهة التوقف؛ فلا دور(1).

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني(2) قدس سره , وهو يرجع إلى الوجه السابق من توقف التبادر على العلم الإجمالي الإرتكازي وتوقف العلم التفصيلي على التبادر، وليس المراد بالعلم الإجمالي هو المعنى الأصولي للعلم الإجمالي، وإنَّما المراد العلم التفصيلي الإرتكازي, وهو العلم المخزون في النفس بلا إلتفات إليه فعلاً, أي العلم البسيط، كما أنَّ المراد بالعلم التفصيلي الذي ينشأ من التبادر العلم التفصيلي بالوضع والإلتفات إليه أي العلم المركب, وهو العلم بالعلم بالوضع, وبناءً على هذا يكون العلم التفصيلي الفعلي الإلتفاتي في طول التبادر، والتبادر في طول العلم الإرتكازي البسيط.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقق العراقي قدس سره من أنَّه يكفي في إرتفاع الدور تغاير الموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع, بمعنى أنَّه يفرض عِلمان تفصيليان متماثلان أحدهما يتوقف على التبادر، والآخر يتوقف عليه التبادر(3).

ص: 215


1- .تهذيب الأصول؛ ج1ص22.
2- .كفاية الأصول؛ ص18.
3- .مقالات الأصول؛ ج1 ص39.

وأُشكل عليه بإستحالة حصول عِلمين تصديقيين تفصيليين بأمر واحد وإنْ تعددت الصورة التفصيلية, لأنَّها تكون هي المعروض للتصديق بالذات بما هي فانية في الخارج وهو أمر واحد فلا يعقل تعدد التصديق.

ويمكن الجواب عنه بأنَّ التغاير الإعتباري كافٍ في تعددهما.

الوجه الرابع: ما نقله المحقق الإصفهاني قدس سره عن صاحب الحجة من أنَّ التبادر ليس معلولاً للعلم بالوضع بل لنفس الوضع ومن مقتضياته ولذا يكشف عنه إنّاً، والعلم بالوضع إنَّما هو شرط في تأثير الإقتضاء الثابت للوضع في التبادر(1).

وأُشكل عليه بأنَّه لا يرفع الدور بل يقع في ناحية الشرط، فيكون توقف التبادر على العلم بالوضع بإعتباره شرطاً وتوقف العلم على التبادر بإعتباره علامة.والجواب عنه يظهر مِمّا ذكرناه من أنَّ الإختلاف الإعتباري بين الموقوف والموقوف عليه كافٍ في رفع الدور.

الوجه الخامس: ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ علامية التبادر للمستعلم غير معقولة بناءً على التصور المشهور للوضع من أنَّه جعل إعتباري قائم بالواضع, فإنَّه إنْ كان المقصود جعل التبادر برهاناً إنّياً على نفس الوضع بما هو جعل قائم بالواضع فهو مردود بأنَّ الوضع بجعله الواقعي القائم بالواضع ليس علّة للتبادر، بل إنَّ العلم بالوضع هو العلَّة التامة للتبادر، سواءً كان هناك وضع في الواقع أو لا.

وإنْ كان المقصود جعل التبادر برهاناً إنيّاً لدى المستعلم على علمه بالوضع فهو غير معقول, لأنَّ العالم بمجرد إستعلامه عن علم نفسه يحصل له اليقين المباشر بعلمه إذا كان عالماً(2).

ص: 216


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص39.
2- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص165.

والجواب عنه: إنَّ الوضع على فرض كونه جعل إعتباري قائم بالواضع إلا أنَّ هذا الجعل أوجدَ عُلقة بين اللفظ والمعنى الموضوع له، فالتبادر إنَّما هو لتشخيص هذه العُلقة, فصار الوضع بجعله الواقعي القائم بالواضع علّة لتبادر هذه العُلقة الحاصلة الدالَّة على كون اللفظ حقيقة.

كما يجاب عن الفرض الثاني بإختلاف العِلمين كما ذكره الأعلام، فلا إشكال حتى على فرض كون الوضع جعل إعتباري قائم بالواضع.

هذا كلُّه في علامية التبادر لدى المستعلم.

وأمّا تبادر العالم بالوضع فعلاميته للمستعلم لا محذور فيها على كلِّ حال, وعلى جميع المسالك في حقيقة الوضع, لأنَّ الموقوف عليه التبادر هو العلم الحاصل لدى أهل اللغة، والعلم الموقوف على التبادر هو علم المتعلم وتغايرهما لا يحتاج إلى بيان.

تنبيهات:

الأول: إنَّ كون التبادر علامة برهانية على الوضع إنَّما هو التبادر لدى العرف العام من اللفظ مجرداً عن القرينة الخاصة.

وأمّا التبادر لدى الفرد؛ فإنْ إحتمل نشوؤه من قرينة خاصة فلا سبيل إلى نفي هذا الإحتمال إلا الفحص والبحث والتأكد.

وإنْ إحتُملَ نشوؤه من ظروف خاصة بالفرد أوجبت له فهماً خاصاً، فهذا الإحتمال ما دام موجوداً لا يتحقق الكشف الوجداني البرهاني عن الوضع إلا بالرجوع إلى الأصل العقلائي لنفي هذا الإحتمال, وهو أصالة تطابق الظهورالشخصي والظهور النوعي, وهو يكفي في تشخيص المدلول النوعي العام الذي هو موضوع حجية الظهور وسيأتي البحث عنه إنْ شاء الله تعالى.

ص: 217

الثاني: إنَّ التبادر إنَّما يكون برهاناً على الوضع إذا علم إستناده إلى ذات اللفظ, وأمّا إذا شُكَّ في ذلك بأصالة عدم القرينة لا يمكن إثبات الحقيقة لأنَّها من الأصول العقلائية التي تجري في إستفادة المراد فقط لا في تشخيص أنَّه حقيقة أو مجاز.

الثالث: إنَّ الكلام في التبادر الذي يكون علامة نوعية, وأمّا التبادر الشخصي الذي ينكشف به للفرد بنفسه فلا إشكال فيه من أحد ولا ترد عليه الإشكالات المزبورة.

ثانياً(1): صحة الحمل

وقد يعبّر عنها بعدم صحة السلب, وقالوا بأنَّ عدم صحة الحمل علامة للمجاز ويعبر عنها بصحة السلب. والمراد به صحة حمل اللفظ على معنىً معيّن علامة على كونه نفس المعنى الموضوع له، ولا ريب أنَّ هذا المقدار من التفسير غير كافٍ في علامية صحة الحمل, لأنَّ الغرض معرفة وضع اللفظ لمعنىً وكونه حقيقة أو مجازاً ولا شأن للمحمول والموضوع في هذا الأمر؛ فلا بدَّ من بيان ذلك بما يرفع الغموض وهو: إنَّ اللفظ المشكوك وضعه لمعنىً معين أو بالعكس, أي المعنى المشكوك وضع اللفظ له إذا عُلم أنَّ له معنىً إرتكازي فيحمل اللفظ بما له من المعنى على المعنى المشكوك وضعه له؛ فإنْ صحَّ الحمل كان دليلاً على الحقيقة وإلا كان علامة على عدم وضع اللفظ له, وحينئذٍ يكون المأخوذ محمولاً أو موضوعاً هو اللفظ بما له من معنى لا اللفظ بما أنَّه لفظ حتى يقال أنَّه لا معنى للحمل.

وعلى هذا؛ تكون صحة حمل اللفظ على معنىً معين بالحمل الأولي الذاتي علامة كونه نفس المعنى الموضوع له, وصحة حمله عليه بالحمل الشائع علامة كونه من مصاديق المعنى الحقيقي لما هو المعروف من الفرق بين الحمل الأولي الذاتي الذي ملاكه الإتّحاد بين الموضوع والمحمول مفهوماً والشائع الصناعي الذي ملاكه الإتّحاد بينهما وجوداً, وذلك

ص: 218


1- .من علامات الحقيقة.

أنَّه لو شُكَّ في لفظ (الإنسان) في كونه موضوع لمعنى (الحيوان الناطق) فإذا حمل الإنسان بما له من المعنى على الحيوان الناطق أو بالعكس وقيل الإنسان حيوان ناطق أو الحيوان الناطق إنسان بالحمل الأولى الذاتي وصح الحمل كان مقتضاه إتّحاد معنى الإنسان الإرتكازي مع الحيوان الناطق وأنَّه عينه فيستكشف بذلك وضع لفظ الإنسان لهذا المعنى فيكون ملاك صحة الحمل هو إتّحاد المعنى الإرتكازي مع نفس المعنى الذي شُكَّ في وضع اللفظ له وهذا دليل الوضع.وأمّا في الحمل الشائع الصناعي فإنَّ الملاك فيه الإتّحاد في الوجود, فإذا حمل اللفظ بما له من المعنى على الفرد بما أنَّه وجود لذلك المعنى المعين فصِحته تعني أنَّ الفرد بما أنَّه وجود للمعنى المعين وجود للمعنى المرتكز للَّفظ فإذا حصل الإتّحاد بين المعنيين المرتكز والمعلوم يكشف عن وضع اللفظ للمعنى المعين, وإلا لما كان الفرد بما أنَّه وجود لأحدهما وجوداً للآخر.

ومن ذلك يظهر إختصاص دلالة الحمل الشائع على الوضع في موارد حمل النوع على فرده، والجنس على النوع، والفصل على النوع, وأمّا موارد حمل أحد الكليين المتساويين في الصدق على الآخر كما في الضاحك ناطق, وموارد أعم الكليين على أخصهما صدقاً من دون أنْ يكون الموضوع فرداً حقيقياً من المحمول كما في الضاحك حيوان؛ فإنَّ صحَّة حمل أحدهما على الآخر لا تكشف عن الوضع، وذلك لما عرفت من أنَّ أساس الكشف يبتني على أنَّ الموضوع لوحظ فيه كونه وجوداً للمعنى الذي يشكّ في وضع اللفظ له إلا أنْ يبتني على مجرد دلالة الحمل على الإتّحاد في الوجود, إذ قد يكون فردٌ واحدٌ فرداً لكليين متغايرين من جهتين لكنه بما هو فرد لأحدهما ليس فرداً للآخر, وعليه؛ ففي أحد الكليين المتساويين أو أحد العامّين من وجه على الآخر لم يفرض إلا بيان إتّحاد الموضوع والمحمول

ص: 219

وجوداً لا غير, لا أنْ يكون الموضوع بما أنَّه كذلك وجود للمحمول بما هو محمول، وهذا المقدار من الإتّحاد في تلك الموارد لا يكفي في الكشف عن الموضوع.

وهذا لا يضرُّ بأصل المطلوب؛ كما سيظهر ذلك.

وقد أشكلوا على هذه العلامة بوجوه:

الوجه الأول: الدور الذي تقدَّم بيانه في التبادر؛ فإنَّ صحة الحمل تتوقف على العلم بمعنى اللفظ وإلا فلا يعلم صحة الحمل من عدمها, وكون العلم بالوضع متوقف على صحة الحمل يستلزم الدور.

والجواب عنه: كما تقدّم؛ إمّا بالفرق بين الإجمال والتفصيل أو باختلاف الجهة والحيثية أو بالفرق بين العالم والمستعلم؛ فراجع.

الوجه الثاني: إنَّ الحمل الذاتي تتوقف صحته على نحو من الإتّحاد ونحو من التغاير بين المحمول والموضوع, وعليه؛ كيف يمكن أنْ يستكشف حمل اللفظ المراد إستعلام معناه على معنى عن كونه نفس المعنى الموضوع له مع لزوم المغايرة.

وهذا الإشكال غير وارد مع التقريب الذي ذكرناه في علامة صحة الحمل من أنَّ الإتّحاد الذاتي بين المعنى المشكوك والمعنى الإرتكازي وأنَّه عينه يكشف عن كونه موضوعاً له, وهذا المقدار كافٍ في الكشف.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ التغاير يرجع إمّا إلى لفظ الموضوع ولفظ المحمول؛ وهو لا ينافي العينية, أو يرجع التغاير بينهما بلحاظ الإجمال والتفصيل, كما في الحدِّ والمحدود؛ وهو لا ينافي العينية الذاتية. وفي كليهما العينية تكفي لإثبات كون المحمول نفس المعنى الموضوع له ذاتاً, بيد أنَّ هذا تبعيد للمسافة والخروج عن المنظور العرفي إلى الدقَّة العقلية.

ص: 220

الوجه الثالث: ما ذكره السيد الخوئي قدس سره من عدم دلالة صحة الحمل بنوعيه الأولي والصناعي على الوضع والحقيقة, وذلك لأنَّ الحمل مطلقاً لا يكشف إلا عن إتّحاد الموضوع

والمحمول ذاتاً أو وجوداً, ولا نظر في ذلك إلى حال الإستعمال وأنَّه حقيقي أو مجازي, إذ قد يكون المعنى المراد باللفظ مجازياً.

ومن المعلوم أنَّ الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ صحَّة الحمل وعدم صحته يرجعان إلى عالم المعنى والمدلول, فمع إتّحاد المفهومين ذاتاً أو وجوداً يصحُّ الحمل وإلا فلا، وأمّا الحقيقة والمجاز فهما يرجعان إلى عالم اللفظ والدالّ وبينهما فرق واضح، وتبعه عليه بعض الأعلام.

وقد عرفت الجواب عن ذلك؛ فإنَّ المفروض أنَّ المحمول هو اللفظ بما له من معنى إرتكازي وبلا قرينة وهذا يستدعي أنْ يكون حمل اللفظ بمعناه الموضوع له المرتكز في النفس لا الأعم من الحقيقي والمجازي.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّ الإشكال المزبور نشأ من تصور معنى الحمل بالمعنى المنطقي الذي يحتاج إلى إتّحاد من جهة ومغايرة من جهة أخرى ولكنه ليس المراد به في وضع الألفاظ بل المراد به المعنى العُرفي؛ وهو جعل نفس الحمل والسلب علامة للحقيقة والمجاز فيما كان النظر إلى صحة الحمل وعدمها عند العرف لا جعل صحة الحمل وصحة السلب علامة للحقيقة والمجاز، لأنَّ العلم بصحة الحمل يحتاج إلى سبب آخر من تنصيص أهل اللسان أو التبادر فيخرج عن كونه علامة إبتدائية مستقلة بخلاف نفس الحمل والسلب؛ فإنَّه بنفسه علامة الإتّحاد والمغايرة من دون توقف على أمرٍ آخر.

وهذا هو الذي نصَّ عليه المحقق الإصفهاني(1).

ص: 221


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص42.

ولعلَّ عدم تفصيل السيد الوالد قدس سره الكلام في هذه العلامة نظره إلى ذلك؛ وهو الصحيح(1).وكذلك الأمر في عدم صحة السلب الذي هو علامة الحقيقة، وصحة السلب التي هي علامة المجاز؛ فإنَّ حالهما حال صحة الحمل وعدمها.

ثالثاً(2): الإطّراد

والمراد به: إنَّه كلَّما أُطلق لفظ بإعتبار معنىً خاص على مورد صحَّ إطلاقه في كل مورد تحقق ذلك المعنى بعينه, كإطلاق لفظ الرجل على زيد باعتبار الرجولية فإنَّه يصحُّ بإعتبار هذا المعنى في كلِّ مورد تحقق فيه الرجولية فيكون الإطّراد علامة ودليلاً على كون اللفظ موضوعاً لذلك المعنى.

وأُشكل عليه بالنقض بالمجاز, فإنَّ الإطّراد حاصل في المجاز أيضاً بإعتبار القرينة الخاصة ويطَّرد في جميع موارد وجود العلاقة الصحيحة نظير إستعمال الأسد في زيد بلحاظ الشجاعة؛ فإنَّه يصحُّ إستعمال لفظ أسد في غير زيد من سائر أفراد الإنسان بلحاظ الشجاعة. نعم؛ لا إطّراد في المجاز مع قطع النظر عن العلاقة الشخصية.

وقد يدفع ذلك كما احتمله المحقق الخراساني بأنَّه ربَّما يكون الملحوظ في الاستعمال المجازي نوع العلاقة لا شخصها وبملاحظتها لا يطَّرد الإستعمال, فيكون الملحوظ في استعمال أسد في زيد مطلق علاقة المشابهة لا خصوص المشابهة بالشجاعة(3).

ص: 222


1- [2].تهذيب الأصول؛ ج1 ص22.
2- . من علامات الحقيقة.
3- . كفاية الأصول؛ ص19.

ولكن ما ذكره غير سديد, فإنَّ الإستعمال المجازي يختصّ بالعلاقة الخاصة الصحيحة لا نوعها, فلا يستعمل لفظ أسد فيما إذا شابهه في فروة الرأس أو بخر الفم مثلاً وإلا كان مطَّرداً إذا كان المراد بالمشابهة كليها بل المشابهة في إبرز الصفات, ولأجل ذلك زاد بعضهم قيد على وجه الحقيقة أو بلا قرينة.

ولكن هذه الزيادة وإنْ رفعت إشكال الإنتقاض بالمجاز ولكنه وقع في محذور الدور حيث أُخذ المعرَّف في المعرِّف فتتوقف معرفة كلٍّ منهما على الآخر, ولا يأتي الجواب الذي ذكروه في التبادر من الإجمال والتفصيل هنا كما هو معلوم؛ لأنَّه لا بدَّ من معرفة المعرِّف تفصيلاً, والمفروض أنْ يكون من أجزائه قيد على وجه الحقيقة ونحوه والتي هي عبارة أخرى عن الحقيقة.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ الإطّراد تارةً يراد به إطّراد التبادر بأنْ يطلق اللفظ مراراً وفي حالات مختلفة يتبادر منه في جميعها معنىً واحداً, وهذا صحيح؛ ولكنه مشخص لصغرى التبادر الذي هو العلامة, ولا تكون علامة مستقلة حينئذٍ إلا بالعناية.

وأخرى يراد به إطّراد الإستعمال, ويراد به صحة إستعمال اللفظ في معنىً معين في موارد مختلفة مع إلغاء جميع ما يحتمل كونه قرينة، وهذا المعنى المعروفللإطّراد عند الأصوليين، وإعتبره المحقق الخوئي قدس سره هو الطريقة المتّبعة غالباً لمعرفة الوضع والحقيقة(1).

ويشكل عليه بما ذكرنا من أنَّ إطّراد الإستعمال كذلك لا يتوقف على أنْ يكون المعنى المستعمل منه اللفظ في تلك الموارد حقيقياً، بل قد يكون مجازياً بدون قرينة, لأنَّ الإستعمال المجازي بلا قرينة صحيح أيضاً، ولعلَّ هناك خلط بين إطّراد الإستعمال وإطّراد التبادر الذي علامته الحقيقة ولكن سيأتي أنَّ إستعمال المجاز بدون قرينة غير نافع.

ص: 223


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص132.

وثالثةً: الإطّراد في التطبيق بلحاظ الحيثية التي أطلق من أجلها اللفظ, كما إذا أطلق (الأسد) على حيوان بإعتبار كونه مفترساً وكان مطَّرداً في تمام موارد وجود حيثية الإفتراس في الحيوان, فيكون علامة كونه حقيقة في تلك الحيثية.

والإشكال المزبور يأتي هنا أيضاً.

ورابعةً: إطّراد الإستعمال من دون قرينة لا بمعنى الإستدلال بصحة الإستعمال مطَّرداً بدون قرينة على نفي المجازية ليرجع إلى التقريب الثاني فيرد عليه ما أورد عليه، فالمراد به شيوع الإستعمال في معنى بلا قرينة على أنَّه المعنى الحقيقي, فإنَّ الأمر يدور حينئذٍ بين أنْ تكون جميع الإستعمالات مجازاً من دون قرينة أو تكون حقيقة, والأول وإنْ كان صحيحاً كما عرفت لكنه غير شائع, فهو ليس مطَّرداً وإتجاهاً نوعياً في الإستعمالات فيتعين الثاني, فيكون الإطّراد المذكور نافياً لإحتمال المجازية.

فلا بدَّ من التمييز بين معاني الإطّراد؛ والأقرب إلى الواقع من تلك المعاني للإطّراد في الخارج هذا الأخير, وإنْ أمكن إرجاع بعضها إلى بعض كما هو واضح فإنَّ التطبيق يرجع إلى شيوع الإستعمال أيضاً, كما أنَّ الوجه الأول أيضاً يرجع إلى الأخير.

الأمر الثاني: في حجيَّة علامات الحقيقة والمجاز والآثار المترتبة عليها

ظهر مِمّا سبق أنَّ العلامة التي لا خلاف فيها ويمكن الإعتماد عليها في تعيين الوضع هي التبادر وشيوع الإستعمال والإطّراد فيه, وقد ذهب بعض المحققين إلى أنَّه لا أثر لهذا المبحث ككثير من مباحث الألفاظ في مجال العمل, لأنَّ المناط في معرفة المراد من الكلام هو الظهور اللفظي في المعنى سواءً كان حقيقياً أو مجازياً فإنَّ الظاهر حجَّة بلا كلام, ومجرد كون المعنى حقيقياً لا يفيد في الحكم بكونه مراداً من اللفظ ما لم يكن للَّفظ فيه ظهور.

ص: 224

وبعبارة أخرى؛ إنَّ العلامات المذكورة إنَّما تبرهن على الوضع, وهو بحدِّ نفسه لم يكن موضوعاً للحجية وإنَّما موضوعها الظهور, فإذا ثبت الظهور فعلاً فلاحاجة إلى إثبات الوضع بعلاماته, لأنَّ الظهور حجة إستند إلى الوضع أو لا وفي مورد لا يثبت الظهور فعلياً لأجل إحتفافه بما يمنع من فعليته لا أثر في تعيين الوضع؛ لعدم كفايته في ترتب الحجية.

إلا أنَّه يمكن أنْ يقال بثبوت الفائدة بأحد وجهين:

الأول: الإلتزام بأصالة الحقيقة تعبداً, فإنَّه يلتزم بكون المراد هو المعنى الحقيقي ولو لم يكن اللفظ ظاهراً فيه, فلا بدَّ من تعيين المعنى الحقيقي بإحدى العلامات المذكورة فيكون لها أثر عملي على هذا البناء.

وفيه: إنَّ القول يكون أصالة الحقيقة تعبداً لم يثبت عليه دليل ، بل الأصل عدمه، فالثابت عند العقلاء هو ظهور الكلام, وهو لا يرتبط بتعيين الحقيقة, فإذا كان اللفظ ظاهراً في المراد تعيّن العمل به وإلا فلا يكون مراداً؛ وإنْ كان معنىً حقيقياً.

الثاني: الرجوع إلى التمييز بين الظهور الشخصي والظهور النوعي, فإنَّ الأخير وإنْ كان هو موضوع الحجية إبتداءً لكن الظهور الشخصي إنَّما يكون كاشفاً عقلائياً عن الظهور النوعي, فتكون العلاقة الوضعية عبارة عن الإقتران المؤكد المستتبع لانسباق ذهن العرف الذي يبتني على ذلك الوضع إلى المعنى من اللفظ, وعليه؛ يتبين الأثر العملي بعلامة الحقيقة، فإنَّ المستعلم يستدلُّ بالتبادر مثلاً؛ أي بالظهور الشخصي على العلاقة الوضعية المساوقة للظهور النوعي إذا لم يكن ما يوجب الإجمال, وبذلك ينقّح موضوع الحجية.

وفيه: إنَّ إثبات كون الظهور الشخصي الحاصل من العلاقة الوضعية كاشفٌ عن الظهور النوعي على نحو الإطلاق يحتاج إلى دليل؛ وهو مفقود.

ص: 225

نعم؛ هو صحيح في الجملة؛ في مواضع لا يكون فيه ما يمنع عن هذا الكشف, فالحقَّ أنَّه لا ثمرة عملية لهذا البحث إلا على نحو الموجبة الجزئية.

الأمر الثالث: في أحوال اللفظ

المعروف أنَّ للَّفظ أحوالاً متعددة ناشئة من النقل والإشتراك والتجوّز والإضمار والتقييد والتخصيص والإستخدام وغير ذلك, وإنْ كان المعروف هي الخمسة الأولى كما ذكرها صاحب الكفاية قدس سره , ولا كلام في أنَّ اللفظ إذا كان ظاهراً في أحدها ولو بمعونة القرائن فهو حجَّة لحجيَّة الظاهر ويترتب عليه أثره.

وأمّا إذا تعارضت فالكلام فيها تارةً يقع في الدوران بين كلِّ واحدٍ منها كما إذا دار بين أنْ يكون اللفظ مستعملاً في هذا المعنى بنحو المجاز أو الإشتراك أو دار الأمر بين المجاز والنقل وهكذا.

وأخرى في الدوران بين الحقيقة التي هي الحالة الأصلية وبين كلِّ واحدٍ منها كما إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز أو الحقيقة والإشتراك ونحو ذلك.أمّا المورد الأول فقد ذكروا لترجيح بعضها على بعض مرجحات لكنها إستحسانات محضة لم تثبت تعبُّداً, بل الأصل عدم الإعتداد بها إلا إذا أوجب المرجح الظهور في أحد الوجهين المتعارضين فيتبع لا محالة لأصالة الظهور.

وأمّا المورد الثاني فقد إلتزم المحقق الخراساني بحمل اللفظ على المعنى الحقيقي لأصالة الحقيقة, وهذا في الجملة صحيح فيما إذا دار الأمر بين الحقيقة والمجاز, وأمّا إذا دار الأمر بين الحقيقة وسائر الأحوال فالظاهر أنَّه لا دليل على ما ذكره بل لا يُتصور له معنىً, لأنَّ معنى المشترك أيضاً حقيقي، وكذلك معنى المنقول إليه فإنَّه معنىً حقيقي وهكذا عند الدوران بين المعنى الحقيقي والتخصيص والتقييد فإنَّ التخصيص لا يُوجب المجازية على ما يقتضيه التحقيق فلا يُعدُّ قسماً مقابلاً للمعنى الحقيقي في جميع هذه الموارد.

ص: 226

نعم؛ يتَّجه على القول بالمجازية وقد وجَّه بعض الأعلام مراده بأنَّ المراد من المعنى الحقيقي المعنى الأصلي والذي جُعل اللفظ بإزائه إبتداءً, لا أنْ يكون المراد به المعنى المصطلح المقابل للمجاز، ففي تعدُّد الحقيقة كما في النقل والإشتراك والتخصيص يكون الدوران بين المعنى الحقيقي الأصلي الأوَّلي وبين المعنى الحقيقي الثانوي أي المعنى المنقول إليه اللفظ أو الموضوع له اللفظ ثانياً أو المعنى الخاص فيقدم الأولي على الثانوي.

لكن يُورد عليه بأنَّه لا دليل على ذلك ولم يثبت حمل الكلام على المعنى الحقيقي الأولي مطلقاً إلا بمعونة الأصول العقلائية.

فالحقُّ أنْ يُقال كما ذكره السيد الوالد قدس سره : (إنَّه عند التعارض بينها إذا لم يمكن معرفة حال اللفظ ولو بمعونة القرائن تصل النوبة إلى الأصول العقلائية المتداولة بينهم في المحاورات كأصالة عدم القرينة فيحكم بالحقيقة، فيما إذا دار الأمر بينها وبين المجاز وأصالة الإطلاق والعموم التي ترجع إلى عدم القرينة أيضاً عند الدوران بين الإطلاق والتقييد أو العموم والتخصيص وأصالة عدم النقل عند الدوران بينه وبين الحقيقة أو المجاز والنقل وأصالة عدم الوضع عند الدوران بين الإقتران وغيره فيحكم بعدم الإشتراك, ومع عدم جريان هذه الأصول يحكم على اللفظ بالإجمال سواء جرى الأصل وسقط بالتعارض أم لم يجر لإختلال أركانه)(1).

وقد أطالَ السيد الصدر قدس سره الكلام في المقام وهو لا يستحقُّ هذه الإطالة, وخلاصة ما قاله: إنَّ هذه الحالات ليس لها مركز واحد فقد صنَّفها إلى ثلاثة مراكز:

الأول: الدلالة التصورية للَّفظ التابعة للوضع, فيرجع الدوران بين النقل وعدمه والإشتراك وعدمه إلى التبدل أو التعدد في الدلالة التصورية للَّفظ في العرف العام, وينشأ

ص: 227


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص23.

بسبب ذلك الشكُّ في المراد في مقام الإستعمال فيحلُّ هذا الدوران في النقل بنفيه فيتعين الظهور الشخصي وهو يكشف عن الظهور النوعي عقلائياً, لأنَّ الأصل التطابق بين ذهن الفرد وذهن العرف الذي يعيش الفرد في ضمنه, وأمّا في الإشتراك فإنَّه أيضاً ينفيه لأنَّ معنى الإشتراك تعدُّد الدلالة التصورية النوعية أو تعدد الظهور النوعي.

ويرد عليه بأنَّه وإنْ كان مقتضى الأصل نفي النقل ونفي الإشتراك إلا أنَّ إثبات أصل التطابق بين الظهور الشخصي والظهور النوعي يحتاج إلى دليل والأصل عدمه, وإنَّ المتَّبع هو إثبات الظهور الشخصي بإثبات الظهور النوعي فإنَّ تطابق الأول مع الأخير إعتمد عليه وإلا فلا دليل على أنَّ الظهور الشخصي هو دائماً يتطابق مع الظهور النوعي وإنْ كان الفرد يعيش في العرف, فكم من ظهورٍ شخصي لا إعتبار به إذا لم يتطابق مع الظهور النوعي.

كما إنَّه ليس المرجع في دوران الأمر بين النقل والإشتراك إلى الدلالة التصورية؛ فإنَّه يرجع أيضاً إلى الظهور في المراد الإستعمالي أيضاً.

الثاني: الدلالة التصديقية في مرحلة المراد الإستعمالي وإلى ذلك يرجع الدوران بين المجاز وعدمه والإضمار وعدمه وبين الإستخدام وعدمه, فإنَّ ذلك كلّه في هذه المرحلة يرجع إلى أصالة الحقيقة لنفي إحتمال الحالات الطارئة.

وأمّا إذا دار الأمر بينهما فإنَّه يرجع إلى تعارض الظهورين؛ فإنْ كانت قرينة ترجح أحدهما فهي وإلا يكون الكلام مجملاً.

نعم؛ إنْ كان التعارض أيضاً بين ظهورين في كلامين فحينئذٍ يرجع الحكم إلى التعارض المستقر أو غير المستقر الذي سيأتي في بحث التعارض.

ص: 228

ويرد عليه: إنَّه يمكن إرجاع الدوران بينهما إلى الوضع أيضاً فيقال أنَّ الأمر يدور بين الحقيقة والمجاز في مرحلة الدلالة التصورية للوضع.

الثالث: الدلالة التصديقية في مرحلة الإرادة الجدية, وإلى ذلك يرجع الدوران بين الإطلاق والتقييد, فإنَّه يرجع إلى أصالة الإطلاق أو أصالة العموم(1).

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّه تطويلٌ بلا ثمرة, فإنَّ الأصول اللفظية العقلائية التي هي مورد الإجماع وعليها الإعتماد في المحاورات وتعيين المراد منها؛ وهي أصالة الحقيقة وأصالة عدم النقل وأصالة عدم الإشتراك وأصالة الإطلاق وأصالة العموم؛ وهي أصول خمسة معروفة يتمسك بها العقلاء في محاوراتهم لرفع الشبهة والإلتباس وتعيين المراد, فحينئذٍ لا حاجة إلى التفصيل المذكور ولا فائدة في تعيين المرجع في تعارض تلك الأحوال كما هو واضح وهو تبعيد للمسافة.

ص: 229


1- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص172.

البحث الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة

ذكر السيد الوالد قدس سره في الأمر العاشر(1) أنواع الدلالات وتبعيتها للإرادة وكان الأجدر حسب التصوير الفني أنْ يذكر في مباحث الوضع والدلالة اللفظية لأنَّها من توابعها, وكيف كان؛ فالبحث يقع في تبعية الدلالة للإرادة والكلام فيه يقع في أمور ثلاثة:

الأول: إنّ الدلالة اللفظية تصورية أو تصديقية.

الثاني: إنّ الدلالة اللفظية تتوقف على وجود الإرادة, فإذا وجدت الإرادة الفعلية تحققت الدلالة وإلا فلا.

الثالث: في تحديد المدلول وأنَّه ذات المعنى أو أنَّه المقيد بالإرادة.

وبعبارة أخرى(2)؛ إنَّ اللَّفظ موضوع للمعنى بما هو أو بما هو مراد.

وقبل الدخول في البحث نقول: إنَّ الدلالة التي هي بمعنى الإرشاد والهداية لغةً.

وفي الإصطلاح: الإنتقال من شيء إلى آخر لثبوت الملازمة بينهما ويختلف محلها, فإنْ كان بين موجودين كانت تصديقية وإنْ كانت بين تصورين كان الإنتقال تصورياً, فاللَّفظ دال والمعنى مدلول عليه.

وهي في المحاورات على نوعين:

النوع الأول: الدلالة التصديقية

وهي عبارة عن دلالة الكلام على أنَّ المتكلم معترف بكلامه وجازم به, وهي معتبرة عند العقلاء مطلقاً في المحاورات والإحتجاجات وغيرها ومعنى إعتبارها ترتب الأثر عليها، ولا ريب في أنَّها تتوقف على إرادة المتكلم, وإلا فلا اعتبار بها, إذ لا أثر لما لا إرادة فيه.

ص: 230


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص24.
2- . كفاية الأصول؛ ص16-17.

وهي على نوعين أيضاً:

1- الدلالة التصديقية الإستعمالية التفهيمية.

2- الدلالة التصديقية الجديّة؛ ومن أهم الآثار المترتبة على هذه الدلالة أنَّ كلَّ كلام يصدر من أيِّ متكلم يدلُّ على أنَّه معترف بمفاد كلامه، ما لم يُقم دليلاً على خلافه.

النوع الثاني: الدلالة التصورية

وهي عبارة عن خطور المعنى في ذهن السامع عند سماع الكلام وهو لا يتوقف على شيء سوى العلم بالوضع, فكلُّ من علم بالوضع ينتقل المعنى إلى ذهنه حين سماع اللفظ سواء كان المعنى مراداً للمتكلم أم لا, فتكون هذه الدلالة من الأمور القهرية الخارجة عن الإختيار, وبناءً على ما ذكرنا يقع الكلام في الأمور الثلاثة المزبورة(1).

الأمر الأول: هل أنَّ الألفاظ موضوعة لذوات المعاني بما هي هي, أو أنَّها موضوعة لها بما هي مرادة؟.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الدلالة اللفظية الناشئة من الوضع هي دلالة تصورية بمعنى كون اللفظ سبباً لاخطار المعنى في الذهن أو تصديقية بمعنى كونه كاشفاً عن وجود الإرادة في نفس المتكلم، والظاهر أنَّه لا شكَّ في أنَّ الدلالة اللفظية تصورية, ويمكن الإستدلال عليه:

أولاً: إنَّ الوضع بالمعنى الذي ذكرناه لا يستدعي أنْ تكون الدلالة تصديقية فيه أبداً كما عرفت من أنَّ الوضع لم يكن إلزاماً ولا تعهداً ولا إقتراناً, فلا معنى أنْ تكون الدلالة فيها تصديقية, فهو مجرد إثارة لإنتقال الذهن إلى المطلوب وهو واضح, وكذلك بناءً على أنْ يكون الوضع عبارة عن القرن بين اللفظ والمعنى فإنَّه يوجد الملازمة بين صورتين؛ قرن

ص: 231


1- . المُشار إليها في بداية المبحث الخامس.

الواضع إحداهما بالأخرى, وهذا لا يوجِد إلا التلازم الذهني بينهما فيكون الإنتقال تصورياً, وهذا هو معنى الدلالة تصورية. وأمّا بناءً على مسلك التعهد في الوضع أو الإلتزام من الواضع فتكون الدلالة تصديقية, وقد عرفت ضعف المبنى بما لا مزيد عليه.

ولو سلم لا يثبت المدَّعى، فإنَّ التعهد إنَّما يثبت كون قصد التفهيم سبباً لذكر اللفظ وهو لا ينافي أنْ يكون لذكره سبب آخر غير قصد التفهيم، فإذا تعدد السبب فلا يكون ذكره كاشفاً عن خصوص أحدهما وهو التفهيم, وعليه فإذا ذكر اللفظ ولم يكن قاصداً للتفهيم لا يعدُّ أنَّه مخالفٌ لتعهدهِ، والمخالفة إنَّما تتحقق فيما لو قصد للتفهيم ولم يذكر اللفظ فلا بدَّ من ثبوت المدَّعى بكون قصد التفهيم علَّة منحصرة لذكر اللفظ، وهو مخالف للوجدان لوضوح أنَّه كثيراً ما يذكر اللفظ مع عدم التفهيم كموارد الحفظ وموارد التلقين ونحوها.ثانياً: من المحتمل أنْ يكون الواضع قد أخذ الإرادة قيداً في المعنى الموضوع له بأنَّ وضع اللفظ للمعنى المراد فقط فتكون الدلالة تصديقية، وقد صوّره المحقق العراقي قدس سره ذلك بأنحاء منها؛ أنْ تكون مأخوذة في الموضوع له بنحو التقييد على أنْ يكون التقييد داخلاً والقيد خارجاً.

وأُورد عليه بأنَّه يستلزم أنْ يكون اللفظ موضوعاً للمركب من المعنى الإسمي وهو ذات المعنى والمعنى الحرفي وهو التقيّد, وهو ينافي سيرة الوضع بحسب الإستقراء والتتبع وهو لا يريد بذلك لإستحالة وضع للمركب من معنى إسمي وحرفي بالإستقراء, بل دعواه ترجع إلى إستكشاف عدم الوضع لمثل ذلك.

وأورد عليه بعض مقرري بحث السيد الخوئي قدس سره بإيرادات(1) موهونة ولوضوحها لا تحتاج إلى ذكرها.

ص: 232


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص120.

والحقُّ أنْ يُقال: إنْ أُريد أخذ مفهوم الإرادة مطلقاً سواء كانت نوعية أو شخصية فهو لا يغيِّر من جوهر الدلالة اللفظية, فإنَّه كما وضع اللفظ بالدلالة التصورية على المعنى كذلك يُجعل دالاً بالدلالة التصورية على تصور الإرادة, فكما أنَّ وضع اللفظ على مفهوم الخبز لا يكشف عن وجوده كذلك لا يكشف عن وجود مفهوم الإرادة.

وإنْ أُريد من ذلك أخذ واقع الإرادة ووجودها في الخارج القائم في نفس المتكلم قيداً في المعنى فهو غير معقول؛ لإستحالة قيام الملازمة بين الوجود الخارجي للإرادة وتصور اللفظ ذهناً, لِما عرفت من أنَّ الملازمة تكون إمّا بين وجودين أو بين تصورين، ولا يُعقل أنْ تكون بين وجود الإرادة خارجاً وبين تصور اللفظ؛ لذا فما ذُكر غير صحيح.

فالحقُّ أنْ يُقال: إنَّ الدلالة الوضعية بين اللفظ والمعنى تكون تصورية وليست تصديقية.

وإنَّما تكون الدلالة التصديقية سياقية لا وضعية قائمة على إمارة نوعية وهي إنَّ الغالب في المتكلم العاقل الملتفت أنْ يكون كلامه صادراً عن إرادة للمعاني التي يعوّل عليها كلامه لا أنْ تكون مجرد لقلقة لسان ونحوها، وهذه القرينة الحالية المقترنة بالكلام هي التي توجب ظهوراً تصديقياً للكلام على طبعها.

الأمر الثاني: توقف الدلالة على الإرادة

حيث ذهب جمعٌ إليه, فقالوا إنَّ الدلالة تتوقف على وجود الإرادة وقصد التفهيم, وهو مختار السيد الخوئي بناءً على مسلكه في الوضع, وإنَّه تعهّد لا مجرد إلتزام ونحوه.

واستدلّ على ذلك بأمرين:

الأول: إنَّ ذلك لازمٌ حتمي للقول بكون الوضع بمعنى التعهد ضرورة أنَّه لا معنى للإلتزام بكون اللفظ دالاً على معناه, ولو صدر عن لافظ بلا شعور واختيار فإنَّه لا يعقل أنْ يكون طرفاً للتعهد والإلتزام, فلا مناص من الإلتزام بتخصيص العُلقة الوضعية

ص: 233

بصورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته سواء كانت الإرادة تفهيمية محضة أو جدية, فإنَّه أمرٌ إختياري فيكون للإلتزام والتعهد.

الثاني: إنَّ الغرض الباعث للواضع على الوضع قصد تفهيم المعنى من اللفظ وجعله آلة لإحضار معناه في الذهن عند إرادة تفهيمه, فلا وجه لجعل العُلقة الوضعية وإعتبارها على الإطلاق حتى في اللَّفظ الصادر عن غير شعور وإختيار كالنائم والمجنون ونحوهما والغرض مختصٌّ بالتفهيم.

وبتعبير آخر: لا بُدَّ من تطابق غرض الواضع مع الوضع سعة وضيقاً, فلا يكون الوضع أوسع من الغرض فإنَّه أمر جعلي بيد الواضع(1).

ويرد عليهما:

أمّا الأول: فلِما عرفت من فساد المبنى أولاً, والبناء أيضاً بما قد ذكرناه آنفاً.

وثانياً: ما ذكره بعض الأعلام من أنَّه غير معقول(2).

وثالثاً: لأنَّ الدلالة الوضعية على هذا المسلك هي الدلالة التصديقية الحاصلة من تعهد المتكلم بأنْ يقصد المعنى حين يأتي باللفظ، وهذا التعهد الذي هو ملاك تلك الدلالة لا يعقل أنْ يكون مشروطاً بإرادة المعنى, إذ لا معنى للتعهد بأنَّه عند الإتيان باللفظ يكون قاصداً للمعنى بشرط أنْ يكون قاصداً للمعنى، فإنَّ قصد المعنى بنفسه متعلق للتعهد فلا يمكن أخذه شرطاً له, فإذا إستحال تقييد التعهد بذلك إستحال تقيّد الدلالة التصديقية المتحصلة من التعهد بذلك, فتكون دلالة اللفظ بنفسها كاشفة عن الإرادة لا أنَّها متوقفة على وجودها وإحرازها في الخارج.

ص: 234


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص117- 118.
2- .بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص107.

وأمّا الثاني: فيرد عليه:

أولاً: بخروج اللفظ عن دوره فلا يكون بمقتضى الوضع دالاً على الإرادة فيكون مقتضى الإلتزام بما ذكروه هو تبعية الدلالة للإرادة بحيث لا تتحقق الدلالة إلا بعد إحراز الإرادة لأنَّ إحراز المشروط يتوقف على إحراز شرطه.

نعم؛ ذكر بعض مقرري بحث السيد الخوئي قدس سره إلتزامه بذلك؛ قال: فبأنَّ اللفظ بمقتضى الوضع دالٌّ على الإرادة وكاشف عنها, ولكن عهدة إثباته على مدَّعيه إذ لا يعرف أي وجه للملازمة بينهما أصلاً.

ثانياً: إنَّ الإرادة التي يدَّعي كونها قيداً إمّا أنْ تكون قيداً في الوضع أو في المعنى الموضوع له، أو في اللفظ الموضوع.أمّا الأول؛ فهو غير معقول بناءً على كون الوضع من قبيل الإثارة والإنتقال أو بناءً على القرن, وهو معقول إذا قلنا بأنَّ الوضع من الأمور الإعتبارية الجعلية كالملكية والزوجية والوجوب والتحريم ونحو ذلك, فإنَّ هذه المجعولات تقبل التقييد, وقد يُقال بأنَّه كذلك بناءً على الوضع ولكنه باطل كما عرفت في بحث الوضع, فإنَّ الواضع شأنه إيجاد الإثارة والإنتقال أو القرن بين اللفظ والمعنى, فإنَّ ممارسته لذلك يكون من المقدمات الإعدادية فيكون ذلك منه عمل تكويني ويكون المعلول أيضاً تكوينياً, وهو الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى وكلاهما لا يقبل التغيير لأنَّ أحد الطرفين فعل خارجي والثاني منشأ حتمي للملازمة ولا يعقل للواضع بعد إيجاده تقييده.

وأما الثاني(1)؛ فلِما ذكرناه سابقاً من أنَّه إنْ أُريد بأخذ الإرادة مفهومها فلا يقتضي ذلك توقف الدلالة على وجود الإرادة لكون دلالة اللفظ على معناه تصورية.

ص: 235


1- . وهو أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له.

وإنْ أُريد به أخذ واقع الإرادة ووجودها الخارجي قيداً في المعنى الموضوع له فهو غير معقول كما عرفت سابقاً. مع إنَّه يستلزم أنْ يكون تصور اللفظ منشأً للتصديق بوجود الإرادة, فيكون إحراز وجود الإرادة بالدلالة الوضعية وتابعاً لها, وهذا خلاف المطلوب من أنَّ الدلالة تابعة للإرادة ووجودها.

وأما الثالث(1)؛ فقد يُقال بصحة تبعية الدلالة للإرادة, لأنَّ الموضوع إذا كان حصَّة خاصة من اللفظ وهي المقرونة بالإرادة فحيث لا إرادة لا يكون اللفظ مشمولاً للوضع, بل يكون مهملاً فلا تكون دلالة.

ولكن يرد عليه بأنَّه غير معقول أيضاً لأنَّه يستلزم أخذ الإرادة الخارجية قيداً في اللفظ الموضوع.

نعم؛ يمكن تقييد أحد طرفي الوضع وهو اللفظ أو المعنى في مرحلة التصور وهو بمكان من الإمكان. أمّا تقييد صورة اللفظ بالقيد الخارجي وهو إرادة المعنى بالإرادة الخارجية فهو غير معقول وقد تقدم بيانه؛ فراجع.

الأمر الثالث: وهو تحديد المدلول الوضعي

بمعنى أنَّ اللفظ موضوع للمعنى بما هو أو كما هو مراد -كما ذكره صاحب الكفاية-.

فالحقُّ أنْ يُقال: إنَّ تقييد المعنى بما هو مراد ممكن ولا محذور ثبوتي فيه إذا كان المراد بأخذ مفهوم الإرادة, سواءً كان بالنحو الكلي أو الجزئي ولكنه خلاف الوجدان اللغوي, وأمّا إذا كان المراد الإرادة بوجودها الحقيقي قيداً في المعنى الموضوع له فهو على مسلك التعهد صحيح كما عرفت سابقاً؛ لأنَّ الإلتزام به يستدعي كون الدلالة الوضعية تصديقية,

ص: 236


1- . وهو أخذ الإرادة في اللفظ الموضوع له.

فالموضوع له إرادة التفهيم فيكونالمدلول التصديقي هو تمام الموضوع له وهو ليس إلا الإرادة لا أنْ تكون الإرادة قيداً, ولكن عرفت ما في هذا المسلك.

وأمّا بناءً على غيره لا سيما المشهور الذي يكون الوضع عندهم هو الجعل فهو مستحيل كما عرفت أنَّ الوضع بناءً عليه تصوري, ولا يعقل أخذ الإرادة الواقعية قيداً في مفهوم تصوري لأنَّ الإنتقال إمّا بين وجودين أو بين تصورين, ولا يعقل أنْ يكون أحد الطرفين تصورياً والآخر وجودياً.

وقد إختار جمع عدم إمكان أخذ الإرادة قيداً في المعنى الموضوع, وإستدلَّ عليه بوجوه:

الأول: إنَّ لازم أخذ الإرادة في المعنى الموضوع له عدم إنطباق المعنى على الخارج بإعتبار تقيّده بأمر لا يوجد إلا في وعاء الذهن.

الثاني: إنَّ الإرادة من مقوّمات الإستعمال ومتأخرة عنه طبعاً كتأخر الإرادة عن المراد, فلا يمكن أخذها في المستعمل فيه؛ إمّا للزوم الدور على التقريب المشهور أو الخلف كما قرَّ به المحقق الإصفهاني في أمثال المقام لإستلزامه أخذ الإرادة في المراد.

وقد أجيب عنهما:

أمّا الأول؛ فلأنَّ الإرادة لها مراد بالذات وهو نفس الوجود الإرادي للمراد, فإنَّ الإرادة نحو وجود للمراد, ومراد بالعرض, وهو ذات المفهوم، كما في المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض, وحينئذٍ فإنَّه بحسب هذين اللحاظين تكون هناك نسبة وتحصيص تنتزع بلحاظ المراد بالذات ونسبة تنتزع بلحاظ المراد بالعرض, وتقييد المعنى الموضوع له بالإرادة لا ينحصر بأخذ النسبة الأولى, بل يمكن تصويره بأخذ النسبة الثانية فيوضع اللفظ لذات مفهوم الإرادة مع أخذ نسبة بينه وبين الإرادة في المعنى الموضوع له, فمن المعقول تقييد المفهوم بهذه النسبة فلا يخرج بذلك عن الإنطباق على الخارجيات.

ص: 237

وأمّا الاعتراض الثاني فيمكن الجواب عنه بأنَّ الإرادة التفهيمية لشيء في طول ذلك الشيء, وليس المراد في المقام هو أخذ الإرادة التفهيمية لشيء في نفسه ذلك, بل أخذها جزءاً آخراً للمعنى المركب من ذلك الشيء ومن إرادته التفهيمية.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الإرادة التفهيمية لجزء المعنى قد أخذت بنفسها الجزء الآخر للمعنى فلا يلزم من ذلك أخذ الإرادة في المراد. مع أنَّه لو صحَّ هذا الإعتراض لكان فيما إذا أخذ الإرادة في مرتبة موضوع شخص تلك الإرادة وهو مستحيل, وأمّا إذا أخذت في مرتبة موضوع إرادة من سنخ آخر فلا بأس به, فإنَّ الإرادة لا تنحصر في واحدة بل هي الإرادة الاستعمالية والإرادة التفهيمية والإرادة الجدية, فلا محذور من دور أو خُلف في أخذ الإرادة الجدية في الإرادة التفهيمية أو الإستعمالية.الثالث: إنَّه يلزم من ذلك تقيّد المدلول التصوري بأمر تصديقي وقد عرفت إستحالته.

وأجيب عنه بالإلتزام بالوضع لذات الحصة التوأمة مع الإرادة على نحوٍ يكون القيد والتقيّد خارجان معاً.

وذكر في إندفاعه أولاً: إنَّ الحصة التوأم إنَّما يعقل في الأفراد الخارجية ولا يجري في الحصص المفهومية, لأنَّ صيرورة الحصة حصة في عالم المفهوم إنَّما هو بالتقييد, فإذا جُرِّدت عن التقييد في مقام تعليق شيء عليها كان معلقاً على الجامع لا محالة. وسيأتي في الموضع المناسب الكلام عن الحصة التوأمة.

ثانياً: إنَّ تعلق الإرادة الإستعمالية بذات تلك الحصة فرع إفتراض القيد في المرتبة السابقة, لأنَّه إنَّما يُراد إستعمال اللفظ في الموضوع له وهو الحصة, وحيث أنَّ القيد نفس الإرادة فافتراضه في المرتبة السابقة خلف. هذا ما ذكره القوم في هذا الموضوع الذي يعتبر من شؤون الوضع وقد أدرج في مباحث الألفاظ, وقد أخرجوه عن بساطته كما أخرجوا

ص: 238

نفس الوضع باحتمالاتهم الكثيرة فيه وإدراج المباحث العقلية فيه, ولأجل ذلك حاول السيد الوالد قدس سره إبقائه على بساطته العرفية؛ فجمع بين القولين المزبورين فقال بأنَّ من قال بالتبعية -أي التبعية للإرادة الإستعمالية- لأجل أنَّ الدلالة معلولة للإستعمال وهو معلول للإرادة.

ومن قال بعدمها -أي الإرادة الحاصلة من جزم نفس المتكلم أو جزمه بما تكلم- لأنَّ الإرادة الإستعمالية ليست تابعة لتلك الإرادة لصحة كون الإستعمال لدواعٍ أُخَر غير جزم النفس بما يقوله.

ثم أشكل على نفسه وأجاب عنه؛ فراجع(1).

والظاهر أنَّ هذا الموضوع لا يحتاج إلى هذا الإطناب, فإنَّه من توابع الوضع الذي هو بعيد عن تلك الآراء.

وقد عرفت أنَّ الوضع قد مرَّ بمراحل عديدة لا يمكن أنْ نتصور بأنَّه تابع للإرادة في بعضها, فإنَّه مجرد إثارة وإنتقال ونحوه ولا دخل للإرادة فيها, فلا يُعقل أنْ يقال بأنَّ الدلالة الوضعية تابعة للإرادة في جميع الموارد الثلاثة، وأمّا إرادة المعنى الموضوع له فهي في مرحلة متأخرة عن الوضع والدلالة, كما أنَّ دلالة الكلام على الإرادة تتحقق بالقرينة السياقية العامة التي يعترف بها العقلاء من أنَّ كلَّ متكلم عاقل ملتفت إنَّما يقصد من كلامه ما يترتب عليه من الآثار, وبذلك يتمُّ قانون المخاطبات والإحتجاجات وعليه تكون الإفادة والإستفادة.

ص: 239


1- .تهذيب الأصول؛ ج1 ص24.

البحث السادس: الحقيقة الشرعية

اشارة

ذكر السيد الوالد قدس سره البحث عنها في الأمر الحادي عشر(1), وقبل الدخول في استعراض المطلب الأول ينبغي التنبيه على أمور:

الأمر الأول: تعيين موقع هذا المبحث بعدما إتَّضح حقيقة الوضع والدلالة بصورة عامة, وحينئذٍ يقع البحث عن التطبيقات لهما التي وقع الخلاف في موارد؛ أهمها:

1- وقوع الخلاف في المدلول اللغوي أو العرفي لبعض المفردات في بعض المسائل الفقهية, نظير البحث عن تشخيص مدلول كلمة (صعيد) أو كلمة (البكاء) أو كلمة (الغناء) ونحو ذلك, وهذا بحث لغوي يرجع فيه إلى علوم اللغة والعربية.

2- وقوع الخلاف في مدلول تشترك جملة من الأبواب الفقهية المتنوعة كالبحث عن مدلول صيغة الأمر أو هيئة المشتق، أو الهيئات التركيبية والحروف وهو يدرج تحت المسائل الأصولية.

3- ما يقع البحث فيه عن تحديد المدلول الشرعي الخاص لبعض المفردات, وإنَّما يرجع منشؤه إلى إحتمال طروّ تغيير على مدلول اللفظ في عرف الشارع, وهو وإنْ كان بحثاً عن مفردات خاصة لم تدخل في عنصر من عناصر عملية الإستنباط؛ ولمّا كان البحث عن معانيها الشرعية لم يدرج ذلك في البحوث اللغوية البحتة.

ويشمل هذا النوع من التطبيقات أسماء العبادات والمعاملات, فالكلام يقع في موردين:

المورد الأول: في تحديد معناها الشرعي الحقيقي, وهو الذي يصطلح عليه بالبحث عن الحقيقة الشرعية.

ص: 240


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص25.

المورد الثاني: في تحديد معناها؛ من حيث إختصاصه بالصحيح من أفرادها أو مجموعها ليشمل الفاسد منها, وهذا ما يصطلح عليه بالبحث عن الصحيح والأعمّ فيكون الكلام في هذين من شؤون تطبيقات الوضع والدلالة.

ولا بدَّ من التنبيه على أنَّ هذا البحث لا ثمرة عملية تترتب عليه كما سيتَّضح ذلك كغيره من المباحث المتقدمة كما عرفت.

الأمر الثاني: في موضوع البحث؛ إنَّه ولا إشكال في وجود معاني شرعية مستحدثة إستعمل الشارع فيها ألفاظاً كانت موضوعة لغةً لمعانٍ معيَّنة, فيقع الكلام في أنَّ الشارع نقل تلك الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية ووضعها لها فثبتت الحقيقة الشرعية, أو لم ينقلها؛ بل إستعملها في المعاني الشرعية على نحو المجاز فلا تثبت الحقيقة الشرعية كلفظ الصلاة فإنَّه موضوع لغةً إلى الدعاء كما قيل, وقد إستعمل في لسان الشارع في الفعل المعهود المشتمل على أجزاء وشروط وتروك.

وغير خفيٍّ أنَّ المعاني إمّا أنْ تكون من التكوينات جوهراً كانت أو عرضاً أو من الإعتباريات العقلائية كالبيع والإجارة والصلح ونحوها، أو من المخترعات كالصلاة والصوم والحج ونحوها, ولا ريب في أنَّ غير الأخيرة من الحقائق اللغوية لا يجري نزاع الحقيقة الشرعية فيها, إلا أنَّ الشارع تصرَّف فيها بزيادة قيد أو شرط كالكرِّ والسفر والبيع والإجارة وغير ذلك, فيقع البحث في القسم الأخير فقط.

الأمر الثالث: إنَّ المُتصور في ثبوت العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى الشرعي إمّا أنْ تكون بالوضع التعيّني الناشئ من كثرة الإستعمال, أو يكون بالوضع التعييني بالإنشاء والإلتزام, أو يكون بالإستعمال بمعنى أنَّ الشارع إستعمل هذه الألفاظ في معانيها, ويقصد من هذا الفعل -أعني الإستعمال- تحقق الوضع له من دون أنْ يكون سبق وضع قولي

ص: 241

أنشأه الشارع؛ بأنْ يقول: وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى, بل يكون الإستعمال من الدوال الإلتزامية لتحقق الوضع فينشأ الوضع بهذه الواسطة، نعم؛ لا بدَّ من نصب قرينة في هذا الإستعمال لتدلَّ على تحقق الوضع به لا على ما تدلُّ عليه قرينة المجاز, ولأجله وقع الإختلاف.

إذا عرفت هذا فقد إختلف الأصوليون في ثبوت الحقيقة الشرعية بأحد تلك الطرق الثلاثة, ولا بدَّ من بيانها:

طرق ثبوت الحقیقة الشرعية

الطريق الأول: ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيني الناشئ من كثرة إستعمال الشارع للألفاظ في هذه المعاني

وهذا النوع يبتني على أمرين إذا إلتزمنا بهما يتحقق الوضع التعيني وإلا فلا يتحقق هذا النوع من الوضع وهما:

1- الإلتزام بعدم ثبوت وضع لهذه الألفاظ لتلك المعاني لغةً أو عُرفاً قبل إستعمال الشارع لها وإلا كانت حقائق لغوية أو عُرفية.

2- الإلتزام بعدم وضع تعييني شرعي قبل ذلك وإلا كانت حقائق شرعية تعيينية لا تعيّنية, وهذا الشرط يأتي الكلام فيه عند البحث عن الوضع التعييني لهذه الألفاظ.

فإذا تحقق هذان الشرطان يكون كثرة إستعمال الشارع لهذه الألفاظ في هذه المعاني بحيث يبلغ درجة تجعل الذهن ينسبق إلى المعنى الشرعي من اللفظ بلا قرينة.

وقد نوقش ذلك من وجوه:

أولاً: إنَّ وقوع إستعمالات كثيرة من الشارع بدرجة يتحقق الوضع التعيني هو محل إشكال لم يثبت ذلك, بل المتحقق هو إستعمال الألفاظ من الشارع والمتشرعة معاً, وهذا لا يكفي في إثبات الحقيقة الشرعية كما هو واضح.

ص: 242

ويمكن الجواب عنه بأنَّه إنْ أُريد من الوضع هو الإلتزام والإنشاء من قبل الواضع فيكون قيام العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى بسبب صادر من النبي صلی الله علیه و آله و سلم خاصة بحيث يصدق عليه أنَّه الواضع فهذه الكثرة غير وافية لما ذكر من إشتراك الشارع والمتشرعة في إحداث هذه العلقة إلا أنْ يُراد من حدوث العلقة الوضعية بأيِّ وجهٍ حصل بحيث يكون المناط هو الحمل على المعنى الشرعي في عرف ذلك العصر لا خصوص ثبوتها بفعل النبي صلی الله علیه و آله و سلم خاصة, ومثل ذلك يحصل من الإثارة المتكررة أو القرن بين اللفظ والمعنى فحينئذٍ يتحقق الوضع التعييني بلا ريب كما عرفت في حقيقة الوضع.

ثانياً: إنَّ تلك الإستعمالات؛ الغالب منها -إنْ لم نقل كلَّها- كانت على سبيل المجاز والقرينة الخاصة أو العامة فلا تجدي في إيجاد الوضع والحقيقة.

وأجيب عنه بأنَّ قرينة المجاز تختلف عن هذه القرينة بأنَّ الأولى إنَّما تكون واحدة في جميع موارد إستعمال اللفظ بينما هذه القرينة تختلف من مقام إلى مقام ومع ذلك لا يختلف المعنى الشرعي المستعمل فيه اللفظ في جميع تلك الموارد، وهذه هي كافية في إحداث العلقة الوضعية فيما بينهما, فتكون القرينة في هذا الإستعمال دالَّة على الوضع بالإلتزام لا أنْ تكون دالَّة على دلالة للَّفظ على المعنى وإستعماله فيه.

ثالثاً: التشكيك في أصل ثبوت الإستعمال من قبل الشارع الأقدس لهذه الأسماء في المعاني الشرعية ولو على سبيل المجاز لإحتمال إستعمالها في المعاني اللغوية مع طريقة تعدد الدال والمدلول في مجال إفهام الخصوصيات.

وأجيب عنه بأنَّه لو سلّم ذلك وفاءً لطريقة تعدُّد الدال والمدلول عُرفاً بإفادة الخصوصيات وكلّ التفاصيل المطلوبة شرعاً فإنَّ ذلك لا ينافي كفاية ما يحصلمن الإقتران المستمر من خلال مجموع الإستعمالات بين اللفظ والمعنى الشرعي لتحقيق العلقة الوضعية, وبالتالي ثبوت الحقيقة الشرعية.

ص: 243

وفيه: إنَّ إحتمال ثبوت المعاني اللغوية مسبقاً وإستعمال الشارع لتلك الألفاظ على طريقة تعدد الدالّ والمدلول لبيان الخصوصيات يكفي في دفع ثبوت علاقة لغوية مرة أخرى بين اللفظ والمعنى من جهة الإقتران المستمر فالإشكال وجيه من هذه الناحية وسيأتي توضيح الحال فيه, وأمّا نفس ثبوت العلاقة الوضعية عن طريق الإستعمال لإثبات الحقيقة الشرعية فهو مردود بما يأتي.

الطريق الثاني: ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني الصريح؛ بأنْ يقوم الشارع بنفسه بعملية الوضع, فيضع الألفاظ لهذه المعاني الشرعية

ولكن إثبات هذا الطريق أمر بعيد جداً لأنَّ الوضع بهذه الطريقة يحتاج إلى إعلام من الشارع باعتبار أنَّه واضع يتصدى لعملية الوضع ومثل هذا لم يحصل أبداً ولو صدر لكان بمرأى ومسمع من الناس ولنقل لنا ذلك التاريخ فإنَّه أمر مهم وكلاهما لم يحصل فلا دليل على إثبات هذا الوضع التعييني, مضافاً إلى أنَّ الأصل ينفيه أيضاً.

الطريق الثالث: ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني الحاصل بنفس الإستعمال

حيث أنَّ سيرة العقلاء جارية على تعيين أسماء بإزاء ما يخترعونها من صناعات ومخترعات إمّا بتصريح وضعي أو بالإستعمال، إعتماداً على أنَّ المخترع هو المسؤول عن وضع لفظ على مخترعه لأجل إختراعه, والشارع الأقدس لا يتعدى هذه الطريقة العقلائية في مخترعاته الشرعية.

وأمّا تصوير المخترعات الشرعية هو جعل التأليف الإعتباري بين أجزائه بحسب نظره وإعتباره لا إلى إعتبار آخر خاصاً كان أو عاماً, فإنَّ كلَّ عبادة لها وحدة ثابتة ناشئة من نفسها كما هو الشأن في سائر المخترعات المركبة الإعتبارية, ولأجل هذه الوحدة الإعتبارية توضع الألفاظ ليكون الإستعمال فيه واحداً, فيكون إستحداث الشارع للمعنى الشرعي تأسيساً لهذه الوحدة.

ص: 244

هذا بخلاف ما ذكره المحقق الإصفهاني من أنَّ الوحدة الإعتبارية للمخترع الشرعي كالصلاة ناشئ من وحدة الطلب المتعلق به, فليس لتلك المعاني نحو إستحداث وجعل مع قطع النظر عن جعلها في حيز الطلب أصلاً(1), وهو توجيهٌ سديد مع قطع النظر عن هذه الوحدة الإعتبارية للمخترع فإنَّه أمر عُرفي تشهد له طريقة العقلاء الذين ينشؤون مخترعاً خاصاً ويضعون لفظاً خاصاً به, فإنهَّ يرجع إلى تلك الوحدة الإعتبارية له كما عرفت.هذا بالنسبة إلى هذا الطريق في إحداث العلاقة الوضعية التعينية الناشئة من الإستعمال لتعيين الحقيقة الشرعية, ولكنه غير تام أيضاً, للوجوه التالية:

أولاً: إنَّه مجرد إحتمال في إتّباع الشارع طريقة العقلاء والأصل ينفيه, إلا أنْ يُقال بأنَّ مركوزية هذه الطريقة العقلائية توجب إنعقاد ظهور عُرفي في أول إستعمال شرعي في تعيين الشارع ذلك اللفظ بإزاء المعنى الذي إستُعمل فيه, ولكنه مبني على إثبات مخترعات شرعية؛ وهو بعيد.

ثانياً: إنَّه لم يثبت إختراع للشارع لمعاني هذه الأسماء على نحو تكون مسبوقة بالعدم قبل شرع الإسلام فتكون من مختصاته؛ نظير إختصاص المخترعات الطبيعية والصناعية بأصحابها, فإنَّ الحقَّ الحقيق بالقبول أنَّ تلك المعاني كانت مستعملة في معانٍ لغوية وإنَّما إستعملها الشارع فيما أراد على نحو إستعمال الكلي في الفرد, فمثلاً إنَّ معنى الصلاة هو الدعاء والميل والعطف, والزكاة هو التطهير, والحج هو القصد, وحيث أنَّ الصلاة المتعارفة من مصاديق الدعاء, والزكاة من مصاديق طهارة المال, والحج من مصاديق القصد؛ إستعملها الشارع فيها لا أنْ يكون هناك وضع حادث في الإسلام تخصيصاً أو تخصصاً فإستعمال الشارع لهذه الألفاظ معلوم نطقاً ووضعه لها مشكوك فيطرح بالأصل.

ص: 245


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص46.

ونظير ذلك لفظ (الميزان) وإستعماله في الموازين الحادثة بعد وضع لفظ الميزان, كميزان الحرارة والكهرباء, وعلم المثلثات ميزاناً لمعرفة البراهين، وعلم العروض ميزاناً لمعرفة قوافي الشعر, وإنَّ أمير المؤمنين علياً علیه السلام ميزان الأعمال, ومثل هذه الألفاظ كثيرةٌ لا تحصى.

ثالثاً: يمكن القول بأنَّ هذه المعاني كانت موجودة ومعروفة عند الناس قبل شرع الإسلام, وإنَّ الألفاظ قد وضعت لها, فالصلاة الإسلامية كانت موجودة سابقاً وإنْ كان على نحو من الإختلاف في الخصوصيات التي لا توجب تعدد المعنى كما عرفت, وكذا الحج والزكاة وغيرهما, ومن المستبعد إختلاف الصلاة والزكاة العيسوية التي أمره بها عن الصلاة الإسلامية بحيث تكونان متباينتين بل هما تجتمعان في جامع, وإنَّ الإختلاف بينهما صنفي كالإختلاف في صلاة الحاضر وصلاة المسافر في شرعنا، ودليلنا الآيات الشريفة التي إستعمل فيها لفظ الصلاة والزكاة في الشرائع السابقة من دون إختلاف في فهم المراد منها في شرعنا, وكذلك إستعمال تلك الألفاظ في الشرائع القديمة بنفس المعاني في الشرع الإسلامي, وقد ورد لفظ (صلوت) و(زكوت) في اللغة العبرية وقد إستعملا في نفس العبادة المعهودة وقد عُرِّبا وبقيَ اللفظ محافظاً على الواو في الخط تأثيراً بأصله.

وهناك إشكالات ذكرها بعض الأعلام ولا يخفى وهنها, وهي:الإشكال الأول: ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أنَّ الإلتزام بكون الوضع التعييني ينشأ بالإستعمال يستلزم إجتماع اللحاظ الآلي والإستقلالي في شيء واحد(1).

وقد قرب ذلك بوجهين:

أحدهما ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره من أنَّ الحكاية والدلالة ملحوظة في الوضع إستقلالاً باعتبار أنَّ الوضع هو جعل اللفظ بحيث يحكي عن المعنى شأناً لا فعلاً بخلافها

ص: 246


1- . كفاية الأصول؛ ص21.

في الإستعمال, فإنَّ الحكاية ملحوظة ومقصودة على الوجه الآلي دون الإستقلالي, لأنَّ النظر الإستقلالي فيه متعلق بالمعنى, وأمّا اللفظ -وهو ما به الحكاية- ونفس الحكاية فهما متعلقان للّحاظ الآلي, فيكون إنشاء الوضع بالإستعمال يلزم إجتماع اللحاظين؛ الآلي والإستقلالي في لحاظٍ واحد(1).

ويظهر الجواب عن هذا الإشكال على هذا التقريب بأنَّ الوضع كما عرفت في بيان حقيقته خارج عن الدلالة والحكاية, ولم تؤخذ حيثية الدلالة في معنى الوضع بأيِّ وجهٍ من الوجوه.

وعلى فرض التنزل فهو غير تامّ أيضاً باعتبار أنَّ متعلق اللحاظ والقصد في الوضع هو مفهوم الدلالة لا مصداقها إذ لا تلحظ الدلالة الفعلية, فإنَّ متعلق الوضع هو طبيعي اللفظ للمعنى، وأمّا الدلالة في الإستعمال هي الدلالة الفعلية أي مصداق الدلالة.

وعلى ذلك فلا يلزم من إنشاء الوضع بالإستعمال تعلق اللحاظين بشيء واحد, فإنَّ متعلق اللحاظ الإستقلالي هو مفهوم الدلالة ، والآلي مصداقها وهما متغايران.

التقريب الثاني؛ ما ذكره المحقق العراقي قدس سره من أنَّ الوضع هو جعل الإرتباط بين اللفظ والمعنى, وكان اللفظ متعلقاً للحاظ الإستقلالي لأنَّه طرف الحكم والإعتبار, وأمّا في الإستعمال يكون جعل اللفظ حاكياً عن المعنى وفانياً فيه فيكون اللفظ في حال الإستعمالي ملحوظاً آلة نظير المرآة فيكون النظر الإستقلالي يتعلق بالمحكي دون الحاكي.

فيستلزم من إنشاء الوضع بالإستعمال إجتماع اللحاظ الآلي والإستقلالي في اللفظ في زمانٍ واحد وهو محال.

وقد دفع المحقق العراقي قدس سره ذلك باختلاف المتعلقين في اللحاظين, فإنَّ متعلق اللحاظ الإستقلالي في حال الوضع هو طبيعيُّ اللفظ، فإنَّ الوضع جعل العُلقة بين طبيعي اللفظ

ص: 247


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص31.

لا مصداقه الخاص، ومتعلق اللحاظ الآلي في حال الإستعمال هو مصداق اللفظ إذ به تكون الحكاية، فلا يلزم في إنشاء الوضع بالإستعمال إجتماعلحاظين في شيء واحد لاختلاف متعلق كلّ واحد منهما عن الآخر(1). وذكر السيد الخوئي أنَّه يندفع من تأخر الإستعمال رتبة عن الوضع(2) وفيه ما لا يخفى, فإنَّ التأخر الرتبي لا ينفي إجتماع اللحاظين في شيء واحد كما في الضدين فإنَّ تأخر أحدهما عن الآخر رتبة لا يسوغ إجتماعها في شيء واحد.

الإشكال الثاني: إنَّ هذا النوع من العلاقة الوضعية يبتني على أنْ يكون هناك إختراع من الشارع, وهو غير ثابت بنحوٍ يكون من مختَّصاته؛ لقوة إحتمال وجودها أو بعضها في الشرايع السابقة وكانت شائعة بين الناس ومعروفة عندهم وتدلُّ عليه الأدلة النقلية والتأريخية كما عرفت ويأتي.

الإشكال الثالث: إنَّ تلك الأدلة وإنْ أثبتت وجود المعاني لهذه الألفاظ سابقاً ولكن لم يثبت كونها نفس المعاني الإسلامية؛ لاحتمال إختلافهما بحيث لا يكون بينهما جامعٌ فلا يكون المعنيان السابق والإسلامي صنفين لمركب واحد.

وبناءً عليه؛ يمكن أنْ يكون إطلاق الألفاظ على المعاني الإسلامية على نحو المجاز, ولا ينتفي هذا الإحتمال إلا بعد إثبات الوضع الشرعي لتعيين حمل تلك الألفاظ على المعاني الشرعية بمقتضى أصالة الحقيقة, وهذا لا يتحقق إلاّ بالوضع المباشر من الشارع أو بوضع سابق, وهذا الأخير لا سبيل إليه فيتعيّن الأول؛ وهو المطلوب.

وقد نُفي هذا الإحتمال أيضاً بالآيات التي تدلُّ على ثبوت هذه المعاني في الشرائع السابقة, كقوله تعالى:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(3),

ص: 248


1- . بدائع الأفكار؛ ج1 ص33.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص128.
3- . سورة البقرة؛ الآية 183.

فإنَّه ظاهر في إتّحاد الصوم بين الفريقين, وإنَّ المراد به هو معناه الشرعي؛ وإلا لزم الإستخدام في ضمير (كُتب).

ويمكن الإشكال عليه بأنَّه من الممكن إرادة المعنى اللغوي من الصوم؛ وهو مطلق الإمساك الجامع بين الصومين, فلا يستلزم الإستخدام ولا يكون دليلاً على سبق المعنى الشرعي عندنا في الشرائع السابقة.

ولكن الحقّ؛ إنَّ تلك مجرد تشكيكات وإحتمالات واهية يردها الواقع التاريخي والأدلة النقلية الدالة على إرادة المعنى الشرعي وتبادره إلى الذهن عند إطلاق اللفظ.

الإشكال الرابع: إنَّه بعد ثبوت المعنى الشرعي سابقاً لا يستلزم كونه مسمىً في السابق بنفس هذا اللفظ الذي إستعمل فيه الإسلام ليلزم كونه حقيقة لغوية فيه كما أفاده صاحب الكفاية, بل قيل أنَّه من ولده الشيخ محمد وتبعه المحقق الإصفهاني والسيد الخوئي قدس سره وإنْ أضاف الأخير بأنَّه لو سلم الإستلزام المطلوب لم يضرّبالمقصود, إذ لم يتعلق غرض الأصولي بخصوص الوضع الصادر عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم , بل المقصود كون اللفظ حقيقة في المعنى الشرعي ليحمل عليه من دون قرينة, وهذا يحصل مع ثبوت الحقيقة اللغوية أيضاً.

ولكن هذا الإعتراض غير سديد, فهو خلاف مراد المحقق الخراساني لأنَّ ثمرة الحقيقة الشرعية عنده هي الحمل على المعنى الشرعي لا التوقف بينه وبين المعنى اللغوي, وهو إنَّما يحصل إذا ثبت وضع من الشارع المؤسس للمخترع كما هو سيرة العقلاء في الإختراعات, ولكن عرفت كون المعاني الشرعية قديمة مع نفس هذه الأسماء قبل الإسلام, فإنَّ الإنسان في عصر نزول القرآن كان يفهم هذه الألفاظ ويعرف معانيها من حين بدء الدعوة الإيمانية ونزول القرآن والنبي صلی الله علیه و آله و سلم والمؤمنون به مستضعفين ليس لهم

ص: 249

قدرة ظاهرية في إيجاد عرف لغوي جديد, والقرآن الكريم يعرض بمشركي قريش وكفار الجاهلية وبعبادتهم وينكر عليهم الصلاة التي كانوا يؤدونهما في قوله تعالى:(وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً )(1), ولم ينكر منهم إستعمال الصلاة.

والحاصل: إنَّ الحال التي يفترض عليها وضع الألفاظ لهذه المعاني الشرعية هي أحد وجوه ثلاثة؛ إمّا أنْ تكون مختَرَعة من قبل الشارع ولم تكن ثابتة قبل الإسلام فتثبت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بنفس الإستعمال على ما عرفت.

وإمّا أنْ تكون المعاني الشرعية ثابتة بأساميها قبل الإسلام بأيِّ نحوٍ كان وإنْ لم نعلم خصوصياتها, فلم يصدر من الشارع إلا تغييرها بزيادة جزء أو شرط ونحو ذلك غير المقوّمة, فتكون المعاني الشرعية الجامعة بين ما جاء به الإسلام وما كانت قبل الشرائع السابقة مع ما بينهما من الإختلاف في التفاصيل ثابتة كحقائق لغوية لهذه الأسماء.

وإمّا أنْ يُدَّعى أنَّ المعاني وإنْ كانت ثابتة في الجملة قبل الإسلام؛ ولكن إستعمال الألفاظ فيها على نحوٍ تكون حقيقةً لغويةً فيها, ولا يكون ثابتاً لها إلا بعد إستعمال الشارع إياها في تلك المعاني لتثبت الحقيقة الشرعية التعينية.

ولا سبيل إلى الإحتمال الأخير؛ لأنَّ كون هذه الأسماء حقيقة في المعاني الشرعية قبل الإسلام ولم يبلغ إستعمالها إلى الرتبة الحقيقية التعيّنية بعد الإسلام أمرٌ بعيدٌ جداً بل مخالف للوجدان، والإحتمال الأول عرفت بطلانه؛ فالحقُّ هو الفرض الثاني, وعلى فرض التنزل فدعوى الوضع التعيّني في الإستعمال سديدة.

ص: 250


1- . سورة الأنفال؛ الآية 35.

ثمرة البحث

ذكروا لهذا المبحث ثمرتين:الأولى: إذا قلنا بالحقيقة الشرعية وثبوت الوضع الشرعي لهذه الأسماء فلا بدَّ من حمل النصوص التي ورد فيها إستعمال تلك الأسماء على إرادة المعنى الشرعي بمقتضى أصالة الحقيقة، بخلاف ما إذا لم يثبت الوضع الشرعي؛ فإنَّه تحمل على المعنى اللغوي العام ولو فرض الشك في الوضع الشرعي يكون الإستعمال مجملاً ويجب الرجوع إلى القرينة.

وقد إعترض عليه المحقق النائيني قدس سره بأنَّ جميع الإستعمالات في النصوص الشرعية الواردة عن الأئمة الهداة علیهم السلام قد عُلم المراد منها ببيان الأئمة علیهم السلام فقد أريد منها المعاني الشرعية ولم يكن هناك مورد يُشكُّ في مراده.

نعم؛ قد يحصل النزاع فيما صدر في عصر النبي صلی الله علیه و آله و سلم من الأحاديث النبوية الشريفة مِمّا لم يثبت في طرقنا عن أئمة أهل البيت علیهم السلام الذي عرفت تعيُّن حملها على المعنى الشرعي وحينئذٍ تكون الكبرى ثابتة وإنْ لم تثبت الصغرى لعدم الشكِّ في مورد من الموارد فيكون مبحث الحقيقة الشرعية علمية صرفة ولا يترتب عليه ثمرة عملية(1).

وأشكل بعض الأعلام بأنَّه لو سلّمنا ذلك في الأحاديث النبوية المروية من طرق أهل البيت علیهم السلام فما هو الحال في النصوص القرآنية التي يكثر إستعمال أسماء العبادات والمعاملات أو تلك الأحاديث النبوية التي نقلت عن طرقنا حرفياً تبركاً وتيمناً بكلامه الشريف, فإنْ قلنا بالعلم بالمراد في كلِّ ذلك وهي دعوى لا تقل عن دعوى العلم بالمراد في تمام موارد إستعمال هذه الأسماء إبتداءً فلا يبقى مجالاً لهذه الثمرة(2).

ص: 251


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص133.
2- . دراسات في علم الأصول؛ ج1 ص185.

والحقُّ أنَّه إعتراض غير وارد؛ فإنَّ النصوص القرآنية المفسَّرة من قبل الأئمة المعصومين علیهم السلام والأحاديث المنقولة عن طرقهم داخلتان تحت ما قرره المحقق المزبور, فلا يبقى مورد للشكِّ, وبيانهم علیهم السلام كافٍ في العلم بالمراد وهي دعوى مبنية على دليل وبرهان بخلاف دعوى حصول العلم بالمراد إبتداءً؛ فإنَّها بغير دليل.

ثم أطال الكلام فيما لو فُرض الشكُّ في المراد من اللفظ الصادر من الشارع وتنتهي النوبة إلى الرجوع إلى المباني في هذه المسألة المتقدمة ولكن ما ذكره مجرد فروض لا فائدة في نقلها.الثانية: ما ذكره صاحب الكفاية من أنَّ الثمرة المزبورة إنَّما تتمّ في مورد العلم بتاريخ الوضع وتأخر الإستعمال عنه, وأمّا مع الجهل بتاريخهما فلا ثمرة؛ فإنَّ غاية ما يمكن أنْ يذكر في إثبات تأخر الإستعمال أمران:

الأول: أصالة تأخر الإستعمال عن الوضع, وهو مردود بالمعارضة بأصالة تأخر الوضع وكونها من الأصول المثبتة لكون هذا الأصل يرجع إلى إستصحاب عدم الإستعمال إلى حين الوضع, وهو يلازم تأخر الإستعمال عن الوضع وثبوته بعده وهو مثبت(1).

الثاني: أصالة عدم النقل, أي إستصحاب عدم النقل إلى ما قبل الإستعمال, وهو الإستصحاب القهقري, ويثبت به تأخر الإستعمال عن الوضع فيكون قبل الإستعمال وإنْ كان ذلك بالملازمة ولكنه لا يضرُّ؛ لحجيَّة الأصول العقلائية في لوازم مفادها.

ويرد أيضاً أنَّ الثابت من بناء العقلاء هو عدم النقل إنْ كان الشكُّ في أصله, وأمّا إذا كان الشكُّ في تقدمه وتأخره مع العلم به فلم يثبت لهم بناء على إستصحاب عدم النقل إلى زمان ما فلا دليل على حجية هذا الأصل فيما نحن فيه.

ص: 252


1- . كفاية الأصول؛ ص22.

والحاصل: إنَّه لا ثمرة عملية لهذا المبحث بل ولا علمية أيضاً كما ذكر السيد الوالد قدس سره بعد العلم بمراد الشارع ببيان أوصيائه علیهم السلام سواءً ثبتت الحقيقة الشرعية أم لم تثبت, وقد عرفت سابقاً أنَّ الظهور المرادي حجة متَّبعة, سواء إستند إلى الحقيقة أم غيرها, وما كان مجملاً فلا إعتبار به وإنْ كان حقيقةً(1).

تتمة في الحقيقة المتشرعية

عرفت ما يتعلق بالحقيقة الشرعية, وأمّا الحقيقة المتشرعية المصطلحة فإنَّه يمكن القول باعتبارها بناءً على أنَّ إستعمال الشارع لهذه الأسامي في المعاني المستحدثة كان على نحو المجاز فصار حقيقة متشرعية بكثرة الإستعمال في المعاني الحديثة، لكن المبنى والبناء كلاهما باطلان.

ص: 253


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص26.

البحث السابع: الصحيحي والأعمّي

اشارة

وقع الكلام في إستعمال أسماء العبادات والمعاملات في الصحيح أو الأعمّ منه ومن الفاسد وهو البحث المعروف بالصحيح والأعمّ وقد عرفت في بداية البحث السابق بأنَّ هذين البحثين يرجعان إلى تحديد التطبيق بعد العلم بالوضع والدلالة.

وقد ذكر السيد الوالد قدس سره هذا البحث في الأمر الثاني عشر من الأمور التمهيدية التي أوردها, وإختلف العلماء في أنَّ المسمى في ألفاظ العبادات والمعاملات التي وردت في لسان الشارع وتابعيه خصوص الصحيح أو الأعم منه والفاسد وقد فصَّلوا الكلام فيه, وهو أيضاً لا يحتاج إلى ذلك التفصيل.

والبحث يقع في مقامين؛ أحدهما في ألفاظ العبادات والآخر في ألفاظ المعاملات, وإنْ كانا يشتركان في جملة من الأمور كما ستعرف.

المقام الأول: في أسماء العبادات

اشارة

والكلام يقع فيه من أمور:

الأمر الأول: في أنَّ النزاع يختَّص بخصوص الألفاظ في المخترعات الشرعية؛

كما هو المقرر عند الأصوليين حيث أنَّهم يُعنونون البحث في كتبهم بها, أو لا يختَّص؛ فيشمل النزاع في الألفاظ مطلقاً وأنَّها موضوعة للمعاني الصحيحة أو للأعم منها ومن الفاسدة.

والظاهر هو الأخير فإنَّه يجري في كلِّ لفظ وضع لمركب من أجزاء وشروط فلا يختَّص بما ذكره الأصوليون, فلا بدَّ أنْ يكون البحث عاماً يشمل جميع الألفاظ الموضوعة, وهذا الذي ذهب إليه السيد الوالد قدس سره (1).

ص: 254


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص27.
الأمر الثاني: في تعيين العلاقة بين هذا البحث وبحث الحقيقة الشرعية

المتقدم؛ فإنَّه قد يتراءى بأنَّ هذا البحث يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية, فإذا ثبت المدلول الشرعي لهذه الأسماء يقع البحث في إختصاصه بالصحيح أو للأعم منه ومن الفاسد, وعلى هذا يكون الأمر واضحاً فيكون من فروع البحث السابق, وأمّا على القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فقد صار محلُّ خلاف, إذ لا وضع حتى يقال بأنَّ الموضوع له هو الصحيح أو الأعمّ ولعله لأجل ذلك ذهب المحقق الخراساني بأنَّ تصوير البحث عن هذا الموضوع على نحو الإستقلال في غاية الإشكال(1).

والحقُّ أنْ يُقال بجريان البحث سواء قلنا بالحقيقة الشرعية أو العُرفية أو المجاز, أمّا بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعية فالأمر واضح كما عرفت, وأمّا بناءً على القول بالحقيقة العُرفية فإنَّه يقع النزاع في أنَّ الألفاظ الحقيقية عند العُرف التي إستخدمت في المعنى الشرعي هل هو الصحيح أو الأعم؟

وأمّا على القول بالمجاز فقد صُوِّر النزاع على وجوهٍ:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراساني من أنَّ النزاع يرجع على القول بالمجاز إلى تحديد المجاز الأقرب الذي لا بدَّ أنْ يحمل اللفظ عليه عند وجود القرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقي فهل هو الصحيح أو الأعم منه.

وقد أُعترض عليه بأنَّ الأصل في اللفظ إذا أطلق بلا قرينة يُحمل على المعنى الحقيقي, وإلا فلا بدَّ من إثبات المعنى المجازي إذا تعدد ولم تكن قرينة. ففي المقام تعيينه في المعنى الصحيح أو الأعم يحتاج إلى قرينة، وإنْ كانت قرينة شخصية عامة في لسان الشارع ولا يمكن إثبات كلا الأمرين في باب الظهورات، ولذا يمكن أنْ يعتبر هذا النزاع علمياً.

ص: 255


1- . كفاية الأصول؛ ص23.

وأشكل عليه بأنَّ أولوية أحد المعنيين المجازيين سببه الظهور الثابت لأحدهما ولا إشكال في ثبوت الظهور لأحدهما ولو كان مجازياً وبضميمة عدم ثبوت الحقيقة الشرعية يعلم بأنَّ المعنى الظاهري مجاز فيحمل عليه، كما هو الأمر في المجاز المشهور والمجاز الراجح.

لكن يمكن أنْ يمنع ذلك لأنَّ العلاقة المصححة للمجاز محفوظة في المعاني المجازية المتعددة بدرجة واحدة, مضافاً إلى أنَّه لا يصحُّ جعل المعنى الصحيح في طول المعنى الأعم؛ كما ستعرف.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره بناءً على ما ذكره أستاذه من أن النزاع حينئذٍ يكون في أن اللفظ قد استعمل في الصحيح عند القائل به لعلاقة بينه وبين المعنى اللغوي فقط ولا علاقة بين الفاسد والمعنى الأصلي الحقيقي كما لامشاكلة بينه وبين المعنى الصحيح إلا بتصرف عقلي, وهو تنزيل المعدم من الأجزاء والشروط منزلة الموجود لئلا يلزم سبك مجاز في مجاز فلا مجاز أصلاً إلا في إستعمال اللفظ في الصحيح, وحيث أنَّ الإستعمال دائماً في الصحيح مفهوماً ومعنىً؛ فمع عدم القرينة على التصرف العقلي المزبور يحمل على الصحيح ويترتب عليه ما يترتب على الوضع للصحيح من الفائدة.

وأمّا الأعم فهو يقول بأنَّ اللفظ دائماً مستعمل في الأعم وإفادة خصوصية الصحيح والفاسد يكون بدالٍّ آخر ومع عدم وجوده يحمل اللفظ على ظاهره ويتمسك بإطلاقه(1).

ولكن ما ذكره ينافي الطرق المتعارفة في المحاورات؛ فإنَّه إمّا أنَّ كلا المعنيين المجازيين عرفياً فلا إشكال في إستعمال اللفظ فيهما من دون أنْ يحصل سبك مجاز في مجاز، وفي المقام فإنَّه لا إشكال في كون الإستعمال في الأعمِّ عُرفياً كما في مورد تقسيم العمل إلى الصحيح والفاسد الذي يتعين إستعماله في الجامع.

ص: 256


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص55.

وكذلك ما ذكره في حق الأعمّي؛ فإنَّ إفادة المعنى بتعدد الدالِّ والمدلول طريقة عرفية ولا إشكال فيها ولكنه يتَّخذ في موارد مخصوصة فيما إذا أُريد به التحفظ على الحقيقة.

وأمّا في الإستعمال المجازي فلم يعهد من العرف إستعمال هذه الطريقة زيادة على إرتكاب المجاز.

الوجه الثالث: وهو أنْ يكون النزاع في تحديد القرينة العامة التي إستخدمها الشارع في إستعمالاته المجازية, فإنَّ القائل بالصحيحي يدَّعي أنَّ مفادها الصحيح، والقائل بالأعمّي يدَّعي بأنَّ مفادها الأعم.

وهو وإنْ سلم من الإشكالات المزبورة, إلا أنَّه يرد عليه بتعسر مفاد القرينة العامة لعدم كونها على حدِّ القرائن الحسية الخاصة, ودفعُه بإمكان تحديد ذلك عن طريق التبادر, والمنسبق من الإستعمالات الشرعية إلى الذهن غيرُ سديد؛ إذ التبادر الحاصل من بعد الإستعمال غير مفيد.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من أنَّه يمكن إثبات العلاقة بين أحد المعنيين المجازيين والمعنى اللغوي باستعمال المتشرعة وثبوت الحقيقة لديهم لتبادر هذه المعاني من الألفاظ عندنا فيلحظ ما هو المتبادر عندنا من المتشرعة هل هو الصحيح أو الأعم فينزل كلام الشارع عليه ويبنى على أنَّ الأصل إستعماله فيه كما عرفت من أنَّ التبادر والوضع التعيني عندنا إنَّما حصل بتبع إستعمال الشارع والمتشرعة بتبعيته, فيكشف عن أنَّ الأصل في إستعمالات الشارع هو المجاز(1).

وأورد عليه بعدة إيرادات أوجهها من أنَّه لا وجه لإستكشاف الأصل في إستعمالات الشارع بما هو المتبادر عندنا لأنَّ التبادر حصل من كثرة الإستعمال الناشئ من كثرة الحاجة

ص: 257


1- .أجود التقريرات؛ ج1 ص34.

إلى تفهيم المعنى, فربما يكون الشارع إستعملها في الصحيح ولكن الحاجة عند المتشرعة إقتضت إستعمالها في الأعم.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّه بناءً على تعميم البحث إلى الوضع اللغوي العام في أنَّ الألفاظ موضوعة للصحيحة من المعاني والمدلولات أو الأعم منها فلا ينبغي الإشكال في إمكان تصوير النزاع بالوجه العلمي الصحيح.

وعلى الإختصاص والقول بالأسماء المستعملة في لسان الشارع, فيقال في أنَّ المسمّى في هذه الألفاظ في لسان الشارع وتابعيه خصوص الصحيحة أو الأعم منها فيشمل النزاع ما إذا لم نقل بالحقيقة الشرعية أيضاً ولا نحتاج إلى لفظ الوضع والمجاز والحقيقة حتى ترد الإشكالات المزبورة فيطال فيه الكلام.

الأمر الثالث: في معنى الصحة

والكلام في الصحة والفساد يقع من جهات:

الجهة الأولى: في معنى الصحة؛ فقد ذكروا لها معانٍ متعددة:

منها؛ موافقة الأمر؛ وهو مصطلح الأصوليين.

ومنها؛ سقوط القضاء والإعادة؛ وهو مصطلح الفقهاء.

ومنها؛ موافقة الشريعة وتحصيل الغرض المطلوب؛ وهذا مصطلح المتكلمين. والفساد ما يقابلها.

ومنها؛ التمامية؛ الذي إتَّفق الجميع عليه. والفاسد هو الناقص.

ثم وقع النزاع في أنَّ المعاني الثلاثة الأولى هي من مقومات التمامية أو من لوازمها وآثارها, فقد ذهب المحقق الخراساني قدس سره إلى الثاني؛ فقال بأنَّ تلك هي من لوازم التمامية ومن

ص: 258

آثارها(1), فيكون تفسير الأصولي للصحة والفقهاء والمتكلمين لها كذلك؛ أي بلوازمها وآثارها التي هي محطُّ نظرهم.

وبناءً على ذلك فلا يكون للصحة معنىً آخر غير التمامية.

وقد ذكر ذلك أيضاً في مبحث دلالة النهي على الفساد, فقال بأنَّ إتّصاف العمل بالتمامية إنَّما هو بلحاظ آثارها.

وذهب المحقق الإصفهاني قدس سره إلى الأول وقال بأنَّ موافقة الأمر وسقوط الإعادة والقضاء من مقوّمات التمامية فلا واقع لها إلا تلك، فالتمامية متقومة بهذه الحيثية المضافة إلى الأثر, واعتبرها من لوازم الماهية, وفرّق بين لوازم الماهية ولوازم الوجود(2)؛ كما هي عادته في إدراج المسائل العقلية الفلسفية في علم الأصول.وأشكل عليه بأنَّه لا يمكن أنْ يكون أثر الشيء ولازمه مقوماً له, لأنَّ نسبة اللازم إلى الملزوم والأثر إلى المؤثر هما من نسبة المعلول إلى علته, وهو خلاف فرض كونه مقوّماً للشيء.

وعلَّق عليه السيد الخوئي قدس سره بأنَّ التمامية لها واقع مع قطع النظر عن هذه الآثار التي هي لوازم شرعية قد تترتب على معنى الصحَّة وليس شيء منها معناها بالدقة, وإنَّما الصحة تعني تمامية الشيء من حيث الأجزاء والشرائط والفساد يعني نقصانه من حيث أحدهما, ولذا كانت الصحة والفساد خاصّين للمركبات دون البسائط وإدَّعى بأنَّ ما ذكره المحقق الإصفهاني إمّا خلطٌ بين تمامية الشيء في نفسه والمراد بها جامعيته للأجزاء والشرائط أو تماميته بلحاظ مرحلة الإمتثال والأجزاء التي هي لوازم شرعية, فلا واقع لهذه التمامية مع قطع النظر عن هذه الآثار واللوازم.

ص: 259


1- . كفاية الأصول؛ ص24.
2- . نهاية الدراية؛ ج1 ص73.

أو خلط بين واقع التمامية وعنوانها الذي هو عنوان إنتزاعي ينتزع عن الشيء بلحاظ أثره, وإنَّ حيثية ترتب الآثار من متممات حقيقة هذا العنوان ولكنه خارج عن محل الكلام, فمثلاً؛ إنَّ لفظ الصلاة لم يوضع بإزاء ذلك العنوان بل وضعت بإزاء واقعهِ ومعنونهِ؛ وهي الأجزاء والشرائط(1).

وأُشكل عليه بوجوه؛ أهمها:

أولاً: إنَّ الجزئية والشرطية والمركب هي من العناوين الإنتزاعية للشيء ليس لها واقع إلا بلحاظ دخله في شيء لوحظ فيه الأمور المتكثرة واحداً بالإضافة إليه فينتزع لها عنوان المركب, كما هو الحال في العناوين الإنتزاعية الأخرى كسقوط الإعادة والقضاء وحصول الأثر التكويني وسقوط الأمر, فمثلاً؛ إنَّ الركوع بحدِّ نفسه وبلحاظ ذاته لا يُعدُّ جزءاً بل هو فعل خاص تام مستقل, وإنَّما يُعدُّ جزءاً بلحاظ دخله في حصول المأمور به ومتعلق الأمر فيكون جزء المأمور به، فتكون حيثية تعلق الأمر الواحد بالأمور الكثيرة دفعة واحدة ملحوظة في إنتزاع الجزئية, ولولاها لما كان جزءاً, وإذاً يثبت أنَّ الجزئية والشرطية من الأمور الإنتزاعية؛ تنتزع عن الشيء بلحاظ دخلها في حصول الوحدة التي لوحظت بالإضافة إليه، فلم تكن للتمامية من حيث استجماع الأجزاء والشرائط تحقق في عرض التمامية بلحاظ ترتب الأثر وموافقة الأمر وسقوط الإعادة والقضاء ونحو ذلك, لأنَّ إنتزاع الأجزاء والشرائط إنَّما يكون بلحاظ هذه الآثار فتكون التمامية بلحاظ الأجزاء والشرائط في طول التمامية بلحاظ الآثار, فلا وجه لجعلها في عرضها(2).

ص: 260


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص135.
2- . منتقى الأصول؛ ج1 ص203.

ويورد عليه: إنَّ ما ذكره السيد الخوئي إنَّما هو بلحاظ الواقع العرفي الذي يرى بأنَّ الأجزاء والشرائط إنَّما هي الشيء ومنه يوصف بالتمام, ولعلَّ الإمعان في كلامه يظهر ما ذكرناه فصار للتمامية واقع عرفي وعنوان شرعي, ولكن سيأتي أنَّه إذا رجعنا إلى العرف في تعيين معنى التمامية, فما ذكره قدس سره غير سديد كما ستعرف.

ثانياً: ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ معنى الصحة والفساد لا يساوق التمامية والنقصان عُرفاً, إذ قد يوصف شيء بسيط لا جزء له ولا شرط بالصحة والفساد فيقال هذه الفكرة صحيحة أو فاسدة بمعنى مطابقتها للواقع أم لا أو مؤدية للمصلحة أم لا, ولا تختص بالمركبات كما إدَّعاه السيد الخوئي قدس سره وقال لعلَّ مراد المحقق الإصفهاني أنَّ الصحة والفساد إنَّما تتقوّمان بلحاظ تلك اللوازم التي ذكرناها فينتزع وصف الصحة أو الفساد للعمل بلحاظ ذلك، وإلا فكلُّ شيء بلحاظ ذاته كان تاماً وواجداً لأجزاء ذاته(1).

والصحيح ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ النزاع بين الأعلام لفظي أكثر من كونه حقيقياً, فإنَّ الصحة والفساد بما لهما من المعنى العرفي الواقعي يكون مورد البحث في المقام، فتكون الصحة والفساد الشرعي من مصاديق كلي الصحة والفساد العرفي, فيكون موافقة الأمر وعدمها وسقوط الإعادة وعدمها وموافقة الشريعة وعدمها ليس مغايراً للمعنى العُرفي العام, ويكون كلُّ معنىً ملازم لمعنى التمامية(2), وربَّما يرى العرف لشدة اللصوق والأنس بينهما أنَّه من مقومات التمامية, ومن راجع كلمات الأعلام يرى أنَّهم يحكِّمون العرف في بعض الأحيان وإنْ شابت عباراتهم بعض الأمور الفلسفية، ومِمّا ذكرنا يظهر وجه الإشكال في مقالاتهم, وإنَّ ما ذكره المحققان الإصفهاني والخوئي خلاف ما هو عند العرف.

ص: 261


1- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص189.
2- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص28.

والحاصل: إنَّ التمامية ووجدان العمل للحيثية المطلوبة والنقصان أمران نسبيان لا بدَّ من ملاحظتهما بالإضافة إلى الجهة والمعنى كسقوط الأمر وموافقته ونحو ذلك ليمكن إنتزاع وصف الصحة أو الفساد للعمل, والعجب من بعض الأعلام أنَّه إعتبر الصحة والفساد أمران إنتزاعيان كالتمامية والنقصان ومع ذلك يعتبرهما من المقومات.

الجهة الثانية: في تشخيص ما هو المأخوذ من أفراد التمامية في معنى الصحة؛ فهل التمامية من حيث موافقة الأمر, أو التمامية من حيث إسقاط الإعادة والقضاء, أو التمامية من حيث ترتب الأثر.وبعبارة أخرى؛ إنَّ المقصود في معنى الصحة عند الصحيحي هل هو الصحيح بالحمل الشائع من أفراد المعنى الشرعي في مدلول الإسم أو أنَّ القصد أخذ مفهوم الصحيح فيه.

أمّا الأول؛ فسيأتي البحث عنه عند بيان كيفية تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة.

وأمّا الثاني؛ فإنَّه إنْ كان من مجرد التسمية فلا كلام فيه, وإنْ كان لتعيين المسمى؛ فقيل بعدم إمكان إرادة الصحة بمعنى التمامية من حيث موافقة الأمر، أو من حيث إسقاط الإعادة والقضاء، وقالوا في وجه ذلك بأنَّ الشيء لا يتَّصف بموافقة الأمر أو إسقاط الإعادة والقضاء إلا بعد تعلّق الأمر, ويمتنع أخذ الشيء بما هو موافق للأمر في موضوع الأمر فهو خلف كما هو واضح, فلا بدَّ أنْ يفرض المسمى مِمّا يمكن أخذه في حيّز الأمر ومِمّا يمكن فرضه في مرتبة متقدمة عليه وهو غير الصحيح من إحدى الحيثيتين المزبورتين.

وعليه؛ فيتعين أنْ يكون عنوان محصّل الغرض أي الصحيح بمعنى التمام من حيث ترتب الأثر, فيكون الموضوع له هو الصحيح بهذا المعنى.

ومن توهَّم بأنَّه يلزم أخذ ما هو خارج عن الذات فيها لأنَّ الأثر خارج عن ذات الشيء لأنَّه بمنزلة المعلول لها وخروج المعلول عن العلة ظاهر.

ص: 262

يمكن الجواب عنه بأنَّ خروج الأثر عن حقيقة المؤثر وتأخره رتبة عن وجود المؤثر لا يمكن أخذه في المسمى واعتباره في التسمية بأنْ يوضع اللفظ للفعل القائم به الأثر, أي أنَّ الخروج عن الذات والتأخر الرتبي عن المؤثر إنَّما هو في مقام الوجود, وهو أجنبي عن مقام التسمية, فعنوان محصل الغرض ليس عنواناً طولياً ثبوتاً بل إثباتاً فلا مانع من أخذه في المعنى.

وأُشكل عليه بأنَّ ذلك غير محتمل في نفسه لعدم تبادر مفهوم الصحة من أسماء العبادات وإنَّما المعقول دعوى تبادر واقع الصحيح من أفرادها.

والصحيح ما ذكرناه من أنَّ الصحة والفساد بما لهما من المعنى العرفي هو المبحوث عنه في المقام, فتكون الصحة والفساد الشرعي من مصاديق كلي الصحة والفساد العرفي وما ذكره العلماء في معنى الصحة والفساد ليس مغايراً للمعنى العُرفي, فما يقال في وضع اللفظ للمدلول الصحيح يقال في المدلول الشرعي عند الصحيحي مضافاً إلى أنَّ العبادات المتقدمة المنسوبة إلى العلماء باختلاف علومهم ترجع إلى شيء واحد وإنْ إختلف التعبير.

ثم أنَّهم ذكروا إنَّه بناءً على كون الصحيح بمعنى ترتب الأثر فإنَّه تارةً يراد بالصحيح ما هو المؤثر وأخرى يراد به وصوله إلى حدٍّ يترتب عليه الأثر, ففي الأول يكون الأثر مقوّماً لصدق الصحة بخلافه في الثاني؛ فإنَّ الأثر من لوازم الصحة لأنَّها منتزعة عن ذات المؤثر لا عن ترتب الأثر عليه فعلاً.وهو تطويل بلا طائل تحته إذ أنَّ المراد من الصحة هي الشأنية لا الصحة الفعلية, بمعنى أنَّ اللفظ عند الصحيحي موضوع لما يترتب عليه الأثر لو وجد لا أنَّه موضوع لما يترتب عليه الأثر فعلاً, وذلك لأنَّ الصحة والفساد من الأمور الإعتبارية الإضافية التي لهما أفراد طولية وعرضية, ولكلِّ واحدٍ منهما مراتب متفاوتة لا يمكن حصرها.

ص: 263

الجهة الثالثة: لا ريب أنَّ العبادة مركبة من الأجزاء والشرائط وقصد القربة والقيود اللُبِّيَّة؛ مثل عدم النهي وعدم المزاحم.

فقد وقع الكلام في أنَّ الصحة بمعنى التمامية هل المأخوذ فيها جميع الجهات وبقول مطلق فلا نحتاج في ترتبه عليه فعلاً سوى وجوده خارجاً؟ أو أنَّه التام من حيث ترتب الأثر من بعض الجهات فيكون الموضوع له عند الصحيحي هو ما يترتب عليه الأثر لو إنظمَّ إليه سائر الجهات والوجود.

لا إشكال في إعتبار الصحة من حيث الأجزاء على القول بالصحيح وتخصيص اللفظ لواجدها بالخصوص.

وأمّا الشروط؛ فقد وقع النزاع فيها, فإنَّ المنسوب إلى الشيخ الأنصاري قدس سره نقلاً عن السيد الخوئي قدس سره دعوى عدم إمكان ذلك لأنَّ الشرط في رتبة متأخرة عن الأجزاء لأنَّها بمنزلة المقتضي للتأثير, والشرط متأخر رتبة عن المقتضي, فإذا أخذ الشرط في المسمى مع الأجزاء يلزم فرض كونها في رتبة واحدة.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الشرط في طول المشروط, فيكون في طول أجزاء المشروط, فيستحيل أنْ يؤخذ معها في عرض واحد(1).

وأجيب بأنَّ الترتيب المذكور بين الشرط والجزء إنَّما بلحاظ عالم الوجود لا المفهوم, فلا مانع من ملاحظتهما معاً في مقام التسمية نظير الحكم على العلة والمعلول بحكم واحد فإنه لا يتنافى مع تأخر المعلول عن العلة رتبة وعليه فلا مانع من دخول الشرط في محل النزاع.

والصحيح أنْ يُقال: إنَّ هذا النزاع في غير محله, فإنَّ الطولية المدَّعاة بين الأجزاء والشرائط إنَّما هي في مقام التأثير, فإنَّ تأثير الشرط متأخر رتبة عن تأثير المقتضي لأنَّ الشرط مصحح

ص: 264


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص145.

لفاعلية الفاعل أو قابلية القابل فيكون متأخراً في مقام التأثير عن اقتضاء المقتضي, وحيثية التأثير غير مأخوذة في اللفظ عند الصحيحي في المأمور به.

وأمّا عدم النهي وعدم المزاحم فقد ذهب المحقق النائيني قدس سره إلى خروجهما عن مورد البحث لعدم إمكان أخذهما في المسمى لأنَّهما فرع المسمى, فيفرض أولاً حتى يتعلق النهي به ووجود المزاحم له فينتفي أمره, فلا بدَّ من فرض المسمىفي رتبة سابقة على تعلق النهي وعدمه ووجود المزاحم وعدمه فيمتنع أخذ عدم النهي وعدم المزاحم في المسمى(1).

ويرد بأنَّ عدم النهي وعدم المزاحم يمكن فرضهما بأنْ يتعلقا بذوات الأجزاء والشرائط بلا لحاظ تسميتها بلفظ ما, فلا يكون عدم النهي في نفسه في رتبة متأخرة عن المسمى ولا ملزم لأنْ يفرض متعلقه المسمى كي يكون متفرعاً عليه, فإنَّ ذوات الأجزاء والشرائط لم يفرض بعد كونها هي المسمى وهكذا الحال في سائر القيود.

وبعبارة أوجز: إنَّ عدم النهي وعدم المزاحم إنْ لوحظا مضافين إلى المسمى بما هو مسمى كانا في طول المسمى ولزم ما ذكر آنفاً, وإنْ لوحظا مضافين إلى ذات المسمى صحَّ ذلك من ناحيتهما, وأمّا قصد القربة والوجه فاعتباره في الصحة مبتنٍ على إمكان أخذ قصد القربة ونحوه من القيود في متعلق الأمر ولو كان على نحو متمم الجعل فالأمر واضح ولا إشكال في إمكان أخذه إذ لم يأخذ واقع قصد القربة والذي يراد أخذه في المسمى هو مفهوم قصد القربة وهو لا يتفرع على الأمر.

وأمّا إذا لم يمكن أخذه في متعلق الأمر فإنَّ غرض الصحيحي تصوير معنى لأسامي العبادات يصلح أنْ تقع متعلقة للأحكام في الخطاب الشرعي, فما لا يمكن أخذه متعلقاً للأمر الشرعي فهو لا يُدَّعى أخذه في المسمى وإنْ كان معتبراً في الصحة شرعاً وعقلاً.

ص: 265


1- . أجود التقريرات؛ ج1 ص35.

ويمكن الجواب عن جميع ذلك بما ذكره السيد الوالد من أنَّ المأخوذ عند الصحيحي بل غيره هو الذات من حيث التقييد بالشرائط لغرض دخالة كلٍّ من الأجزاء والشرائط فيها بحسب التشريع ولا دخل للمشخصات فإنَّها خارجة عن الحقيقة وداخلة في المأمور به(1).

الأمر الرابع: في تصوير الجامع

وقبل بيان ذلك لا بدَّ من التنبيه على أمور:

الأول: إنَّ الوضع في ألفاظ العبادات كغيرها من أسماء الأجناس عام والموضوع له كذلك أيضاً, فهي من متَّحد المعنى وليست من المشترك اللفظي. ويدلُّ عليه:

أولاً: إطلاقاتها في لسان الشارع والمتشرعة.

ثانياً: الإجماع؛ كما إدَّعاه السيد الوالد, فلا بدَّ من تصوير الجامع، ليكون هو الموضوع له سواء قلنا بأنَّ الوضع فيها للصحيح، أو قلنا بأنَّه الأعم من الصحيح والفاسد, فإنَّه على كلا القولين لا بدَّ من فرض جامع يشترك فيه جميع الأفراد الصحيحة أو الأعم من الصحيحة والفاسدة.

الثاني: إنَّه لا ريب في أنَّ الصحة والفساد من الأمور الإعتبارية الإضافية لهما أفراد عرضية وطولية, فرُبَّ صحيحٍ بالنسبة إلى شخص هو فاسد بالنسبة إلى شخص آخر وبالعكس, بل بالنسبة إلى حالات شخص واحد أيضاً؛ فرُبَّ صحيحٍ بالنسبة إلى حالة فاسد بالنسبة إلى أخرى، ولكلٍّ من تلك الأفراد مراتب متفاوتة جداً, وحينئذٍ يقع النزاع في إمكان تصوير الجامع على كِلا القولين لتدخل تحته جميع تلك الأفراد المتفاوتة, فمثلاً إنَّ الصحة التي هي بمعنى التمامية من حيث ترتب الأثر يختلف عند الأنظار فيكون الأثر المترقب بنظر شيئاً خاصاً، وبنظر آخر غيره فترتب أحدهما دون الآخر موجب لإتّصافه بالصحة

ص: 266


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص28.

بالإضافة إلى أحد النظرين وبالفساد بالإضافة إلى النظر الآخر, وهكذا بحسب الحالات, وحينئذٍ لا بدَّ من رفع الإشكال في تصوير الجامع حينئذٍ.

الثالث: قد إستشكل في إمكان تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة جملة من أعلام الأصوليين, ومنشأه شدَّة تباين الأفراد الصحيحة وإختلافها, لا سيما في مثل الصلاة من العبادات، وقد صِيغ الإشكال بوجوهٍ أحسنها ما ذكره الشيخ الأنصاري على ما نقله المحقق الآخوند قدس سره في الكفاية؛ فقال بأنَّ هذا الجامع إمّا أنْ يكون مركباً أو بسيطاً, وكلاهما لا يصحُّ؛ أمّا الجامع المركب فلأنَّه لو أخذت جميع القيود لم ينطبق على الفاقد لبعضها وهو من الصحيح في حال العذر ولو أخذ ما يعتبر في جميع الحالات إنطبق على الفاقد حال الإختيار وهو من الفاسد.

وأمّا الجامع البسيط فإمّا أنْ يكون الجامع الذاتي في باب الكليات فهو غير معقول لإستحالة وجود جامع كذلك بين قيود متباينة سنخاً.

وإمّا أنْ يكون الجامع الذاتي في باب البرهان أي ما يكون من لوازم الماهية فهو كذلك غير معقول لأنَّ لازم الماهية بمنزلة المعلول للماهية ويستحيل وجود لازم واحد لأمور متباينة سنخاً.

ولو أريد مطلق الجامع البسيط ولو كان إنتزاعياً بلحاظ جهة عرضية كالناهي عن الفحشاء والمنكر وأمثاله, فهو وإنْ أمكن ثبوتاً لكنه غير محتمل إثباتاً؛ لإستلزامه عدم صدق الإسم إلا بعد ملاحظة الجهة العرضية المصححة لإنتزاع هذا الجامع العرضي, مضافاً إلى أنَّ الإرتكاز الشرعي والمتشرعي هو الصدق من دون ملاحظة هذه الجهات العرضية الإضافية, فلا يمكن تصوير الجامع بأيِّ وجه كان(1).

ص: 267


1- . كفاية الأصول؛ ص27.

وقد أجيب عن هذا الإشكال بوجوه عديدة:

الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من تصوير الجامع للأفراد الصحيحة وإمكان الإلتزام بوضع لفظ العبادة كالصلاة للمرتبة العليا من مراتبها بالخصوص وهي المرتبة الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، وكون الإستعمال في غيرها منالمراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو الأعم منها من باب الإدّعاء والتنزيل, فيكون الموضوع على كِلا القولين هو المرتبة العليا وأمّا باقي المراتب الصحيحة أو الأعم إمّا أنْ يستعمل اللفظ فيها من باب الإدّعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد كما في بعض الإستعمالات, أو من باب إكتفاء الشارع به والمشاركة في الأثر، كما في صلاة الغريق؛ إذ لا يصح إستعمال اللفظ فيها من باب التنزيل لفقدان جلّ الأجزاء والشرائط لو لم يكن كلّها, والوجه في ذلك هو إذا كان الصحيح فرداً للطبيعة من جهة الأجزاء يصحُّ تنزيل الفاقد منزلته من هذه الجهة أيضاً ولا يكون من سبك مجاز في مجاز كما لا يخفى.

نعم؛ هذا الكلام لا يجري بالنسبة إلى القصر والتمام لأنَّهما بالقياس إلى المرتبة العليا في عرض واحد فلا يكون أحدهما تنزيلاً للآخر باعتبار عدم التمكن من الآخر, بل كلٌّ منهما تامّ الأجزاء والشرائط ولكن الأمر فيهما سهل, فإنَّه يمكن تصوير الجامع بينهما فقط(1) وبناءً على ما ذكره قدس سره يبطل نزاع الأعمّي والصحيحي رأساً، كما سيأتي في بيان ثمرة النزاع بين الصحيحي والأعمّي فإنَّه بناءً على القول بالأعم يصحُّ التمسك بالإطلاق عند الشكِّ في جزئية شيء أو شرطيته لو تمَّت مقدمات الحكمة لصدق المسمى على الفاقد، وعدم صحته على القول بالصحيح لإجمال الخطاب وعدم صدق المسمى على الفاقد, وهذا الكلام لا يتأتى على ما ذكره قدس سره , لأنَّه يلتزم بأنَّ الصلاة مثلاً موضوعة للفرد

ص: 268


1- . أجود التقريرات؛ ج1 ص36.

الصحيح تامُّ الأجزاء والشرائط الذي هو المرتبة العليا، فيكون إطلاقها على غيرها من المراتب من باب المسامحة والتنزيل لا الحقيقة، فيكون اللفظ مستعملاً في المرتبة العليا دائماً وإرادة غيرها تكون بواسطة الإدّعاء والتنزيل وملاحظتهما, ولا طريق لنا لإحراز تحقق التنزيل وإرادة الأعم بهذه الواسطة.

وعليه؛ لا يمكن التمسك بالإطلاق في نفي إعتبار جزئية شيء أو شرطيته لأنَّ اللفظ المطلق مستعمل في المرتبة العليا ولم يثبت إرادة الأعم إدّعاءً كي يتمسك بإطلاقه فيكون مجملاً لفرض دخل الجزء أو الشرط في المرتبة العليا لو كان دخيلاً في المأمور به.

وإستشهد قدس سره على إفادة الوجدان العُرفي ونفي البعد عنه بإعتبار أنَّه أمر عُرفي ليس في مقام فهم المفاهيم أمر أوضح منه, فإختياره لهذا المذهب ليس لمجرد إمكانه ثبوتاً, بل لقيام الوجدان عليه إثباتاً, بل إنَّ الطريقة العرفية جارية على الوضع لأقصى ما يتصوره المخترع والجامع لجميع الأجزاء والشروط بكاملها ثم يستعمل اللفظ في غيرها من المراتب مسامحةً وإدعاءً.

ويرد عليه: إنَّه من لزوم ما لا يلزم لأنَّ أفراد المرتبة العليا كثيرة وإنَّ منها ما ذكره في القصر والتمام كما نبَّه عليه قدس سره , فإنَّ صلاة الصبح والظهر والمغرب والصلاة اليومية، وصلاة الآيات وصلاة العيدين كلُّها صلاة وهي في عرض واحد بالقياس إلى المرتبة العليا, وإنَّ الأمر بكلٍّ منها في عرض الآخر لا أنْ يكون تنزيلياً كصلاة الغريق بالنسبة إلى صلاة غيره.

وعليه؛ فلا بدَّ من فرض الجامع لهذه الأفراد يكون اللفظ موضوعاً بإزائه كما ذكره في خصوص القصر والتمام؛ بأنَّ الجامع بينهما سهل وممكن, وما أفاده قدس سره بأنَّ مرحلة تصوير الجامع إنَّما تكون بعد نفي مرحلة التنزيل غير سديد.

ص: 269

الوجه الثاني: محاولة المحقق الخراساني قدس سره في تصوير الجامع بين أفراد الصحيحة وذلك بإثبات وجود جامع حقيقي مقولي بسيط للأفراد الصحيحة لا يتم معرفته بالرجوع إلى ما يترتب على العبادة من الآثار، فقد ورد في المأثور أثر يترتب على الأفراد الصحيحة خاصة وهو الإنتهاء عن الفحشاء والمنكر ولو كان إقتضاءً.

ومن المعروف أنَّ وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر بمقتضى قانون السنخية، وحينئذٍ يثبت جامع واحد بين الأفراد الصحيحة خاصة, هو وحده يكون علَّة في إيجاد الأثر المشترك وإلا يستلزم صدور واحد عن متعدد(1).

وإعترض عليه بعدة وجوه من المحقق الإصفهاني وغيره, وعمدتها:

أولاً: إنَّ الصحة والفساد والجامع الذي يفرضه وهو النهي عن الفحشاء والمنكر إمّا أنْ يكون من الأمور الإعتبارية فلا دخل للأمور الفلسفية فيها, أو يكون الجامع أمراً إنتزاعياً ينتزع عن حقائق مختلفة نظير عنوان الطويل والقصير ونحوهما يتوقف على إثبات نسبة هذا النوع من الأعراض إلى موضوعاتها نسبة العرض إلى منشأ إنتزاعه لا نسبة اللازم إلى علّته، وهذا الوجه يتوقف على إثبات أثر ذاتي مشترك بين الأفراد الصحيحة, ولا يمكن إثبات ذلك كما عرفت آنفاً.

ثانياً: ما أفاده السيد الخوئي قدس سره من إستلزامه خروج المشخصات الفردية للصحيح في كل مورد عن المسمى مع أنَّه لا إشكال في دخولها في العبادة(2).

وفيه: إنْ أُريد دخالتها في تحقق الجامع وإنتزاعه فهو مسلَّم, لكنه لا يلزم دخولها في المسمّى بل المسمّى ذات الجامع كما عرفت.

ص: 270


1- . كفاية الأصول؛ ص25.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص154.

وإنْ أُريد دخالتها في التأثير وإيجاد الأثر المشترك فهو ممنوع كما عرفت من قانون الواحد لا يصدر إلا من واحد.ثالثاً: إستحالة وجود جامع بسيط مشترك بين الأفراد الصحيحة كما عرفت سابقاً, لأنَّ وجود الجامع الذاتي إمّا بمعنى الذاتي من باب الكليات فهو خلف؛ لتكثر الأفراد وتباينها في الحقيقة, أو بمعنى الذاتي في كتاب البرهان فهو معلول للذات فلا يعقل أنْ يكون جامعاً لمقولات متباينة, وأمّا الجامع العرضي فهو لا يرضى به ولا يمكن إثباته.

رابعاً: النقض بالقيود الثانوية، كقصد القربة، فإنَّه لو أخذت في المسمى لم يكن وقوعها متعلقاً للخطاب الشرعي, وإنْ لم تؤخذ فيه لم يترتب الأثر المشترك عليه لكي يكشف عن الجامع.

وأجيب عنه بأنْ لو فرض إستحالة أخذ القيود الثانوية في متعلق الأمر فإنَّه يمكن جعل الجامع تعليقياً وهو عنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر لو إنظم إليه قصد الأمر، ولا ضير في أنْ يكون الجامع تعليقياً، لأنَّه لا يتوقف على ملاحظة أمر غريب خارج عن ذات المؤثر.

وأحسن ما قيل في الردِّ على هذا الوجه ما ذكره المحقق النائيني قدس سره والسيد الوالد قدس سره في جملة من مباحثه الأصولية من أنَّ الغرض إنَّما هو تصوير جامع للأفراد الصحيحة يدركه العرف ويتوصل إليه لفرض كونه هو المسمى والمأمور به, فلا بدَّ أنْ يكون المسمّى أمراً عُرفياً وجدانياً يتوصل إليه أذهان العُرف لا أنْ يكون طريق إثباته قاعدة فلسفية لا تدركها أذهان العامة فلا يجدي تصوير الجامع بالطريق المزبور وسيأتي الفرق أيضا.

الوجه الثالث: ما قرَّره المحقق الإصفهاني قدس سره في حاشيته على الكفاية من فرض جامع مبهم من جميع الجهات, وذلك لأنَّ الشيء إذا كان مؤتلفاً من مقولات متباينة وأمور

ص: 271

عديدة تزيد وتنقص كمّاً وكيفاً, فإنَّ الوضع حينئذٍ يقتضي أنْ يكون عنواناً مبهماً في غاية الإبهام بحيث يجمع جميع تلك الأفراد المتفرقة والموارد المختلفة ولكن بمعرفية بعض العناوين كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر فيوضع اللفظ له, وقال: أنَّه ليس له عديم النظير في العرفيات كلفظ الخمر الموضوع لمائع مبهم من حيث مرتبة السكر ومن حيث كونه متخذاً من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها ومن حيث كونه ذا طعم خاص أو لون مخصوص أو غير ذلك من الجهات(1).

وأُورد عليه بإيرادات متعددة منها ما ذكره السيد الخوئي على ما نقل عنه بعض مقرريه من إنكار الإبهام في الماهيات الإعتبارية, فإنَّ للصلاة مثلاً حقيقة معينة لدى مخترعها وإنْ كان الإبهام بلحاظ الطوارئ الخارجية فالعمل المبهم لا يمكنأنْ يكون جامعاً ذاتياً لعدم معقوليته, ولا عنوانياً لأنَّه ينفيه, وبعبارة أخرى؛ إنْ أريد أنَّ المسمّى مبهم ثبوتاً فهو غير معقول, فإنَّ المبهمات كأسماء الأجناس فضلاً عن أسامي العبادات والمعاملات لا إبهام فيها من حيث المعنى والمفهوم والموضوع له اللفظ. نعم؛ المبهمات إنَّما يكون إبهامها من حيث الإنطباق في الخارج.

ويورد عليه بأنَّه ليس الأمر منحصراً بين الجامع المقولي الحقيقي والجامع العنواني كما سيأتي تصويره في الجامع الأعمّي وهو قدس سره يرتضيه.

كما يورد عليه بأنَّ الجامع إنْ أُريد به تعيين المسمى وكونه معنىً عرضياً يشار به إلى واقع تلك المركبات فيكون مبهماً لعدم تعين المركب المشار إليه به كعنوان الجامع لما أمر به الشرع, فهو خلاف الوجدان العُرفي والمتشرعي القاضي بأنَّ أسامي العبادات والمعاملات

ص: 272


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص55.

كأسماء الأجناس تحكي عن عناوين تفصيلية حقيقية, ومن ذلك يظهر أنَّ الخمر موضوع عُرفاً لمعنىً مبين ولكنه ملحوظ لا بشرط من تلك الجهات المذكورة(1).

والظاهر أنَّ ذلك خلاف ما يريده المحقق الإصفهاني قدس سره ؛ فإنَّه أراد العمل المبهم بزيادة قيد الناهي عن الفحشاء والمنكر ليكون معرفاً إلى ذلك المبهم وينطبق على الأفراد كانطباق الكلي على الفرد.

وقد ذكر البعض بأنَّه نظير الشبح إذ ليست هي صورة عنوانية ولا مقولية لعدم تميز الشبح كي يخترع له صورة كذلك فهذا لم يكن قيداً تركيباً حتى يشكل عليه بأنَّه يقول بعدم معقولية الجامع التركيبي للأفراد الصحيحة وهو الجامع المبهم وهو ينطبق على الأفراد إنطباق الكلي على الفرد.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقق العراقي قدس سره مع إعترافه بأنَّه بعيد عُرفاً من إنتزاع جامع وجودي لا ذاتي بين الأفراد الصحيحة باعتبار إشتراكها جميعاً ولو كانت متفاوتة سنخاً وذاتاً في الحيثية الوجودية الموجبة لانتزاع عنوان الوجود منها, فيكون الوجود الإعتباري للصلاة مطلقاً في مقابل الوجود الإعتباري للزكاة وكذلك الصوم والحج(2).

وأشكل عليه السيد الخوئي قدس سره بعد حمل كلامه على إرادة الوضع للوجود الخارجي فأورد عليه بأنَّ الوجود غير مأخوذ في معاني الألفاظ إطلاقاً، بل الموضوع له ذات المعنى والمفهوم الصالح للوجود خارجاً أو ذهناً(3), ولكنه حملبما لا يرتضيه المحقق العراقي؛ فإنَّه أراد الوضع بإزاء المفهوم المنتزع من الوجود الجامع.

ص: 273


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1ص154.
2- . مقالات الأصول؛ ج1 ص40.
3- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص160.

وأشكل عليه بعض الأعلام بأنَّ الحيثية الوجودية من دون إنتزاع مفهوم منها لا يصحُّ وضع اللفظ لها لعدم إمكان وضع اللفظ للوجود الخارجي إبتداءً، كما أشار إليه السيد الخوئي قدس سره , فلا بدَّ إذن من إنتزاع مفهوم منها, فإنْ كان هذا المفهوم المنتزع عنواناً أولياً ماهوياً عاد المحذور السابق لتعذر تصوير جامع ماهوي مقولي واحد لعناصر الصلاة المتباينة مقولياً, وإنْ كان المفهوم عنواناً عرضياً في طول العناوين العرضية الأخرى كالقيام والسجود والقراءة فهو أمر معقول ولكنه جامع إنتزاعي يرد عليه ما أُورد سابقاً في تصوير الإشكال(1).

والحقُّ أنَّ ما ذكروه لا يتماشى مع ما يقصده المحقق العراقي قدس سره , فإنَّه يريد بالجامع الوجودي هو الوجود الإعتباري الذي جعله الشارع للصلاة مقابل الوجود الإعتباري للزكاة وغيرها, وكلُّ هذه الوجوه بناءً على جعل الجامع بسيطاً سواءً كان ماهوياً حقيقياً أو إعتبارياً.

الوجه الخامس: وهو يتوقف على أنَّه لا موجب لافتراض أخذ كلّ الأجزاء والشرائط المعتبرة في الأفراد الصحيحة جميعاً في الجامع التركيبي ليستحيل صدقه على الفاقد لبعضها.

بل يمكن تصويره بأحدِ وجوهٍ:

إمّا: بأخذ القيود المعتبرة في صحة الفعل مطلقاً وفي جميع الحالات, كقصد القربة فتؤخذ في الجامع التركيبي تعييناً.

أو بأخذ القيود المعتبرة في الفعل بنفسها أو ببدلها العرضي التخييري, كالفاتحة والتسبيحات الأربع في الأخيرتين فيؤخذ في الجامع التركيبي الجامع بينها وبين بدلها العرضي.

ص: 274


1- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص197.

أو بأخذ القيود المعتبرة في الفعل بنفسها أو ببدلها العرضي التعييني, كالوضوء من الحدث الأصغر والغُسل من الحدث الأكبر، وكالأخيرتين في الرباعية من الحاضر وتركهما من المسافر, فيؤخذ الجامع بينها وبين بدلها مع تقييد كلٍّ منهما بموضوعه؛ فيصدق في الحالتين معاً.

أو القيود المعتبرة, ولها بدل طولي, كالجلوس بدلاً عن القيام, أو التيمم بدلاً عن الوضوء والغُسل في حالة الإضطرار, فيؤخذ الجامع بين البدلين مع التقييد بحالتي الإختيار والإضطرار كالسابق.

أو تؤخذ القيود المعتبرة في حال الإختيار ونحوه فقط, من دون بدل عنها في غير تلك الحال, كما في ترك البسملة تقيَّةً.وأشكل على الأخير بأنَّ أخذ الجامع بهذه الكيفية لا يكون يسيراً, كما في الوجوه السابقة, فإنَّه لا جامع بين أمرين كي يمكن أنْ يؤخذ في المركب مع تقييد كلٍّ منهما بموضوعه.

وأجيب عنه: إمّا بتضييق دائرة صدق الجامع التركيبي من دون أخذ ذلك القيد فيه فيُقيد بما لا يكون فاقداً للبسملة من دون تقيَّة، نعم؛ لا يجري هذا في جميع الأجزاء المهمة للصلاة, نعم؛ هو معقول في مثل البسملة من الأجزاء.

أو يؤخذ الجامع بين ذلك الجزء وتقييد الأجزاء الأخرى بحال التقيَّة ونحوها.

وربما يستشكل بأنَّ الجامع المفروض إمّا مركب أو بسيط؛ والأول يحتاج إلى جامع آخر لأنَّ المركب قابل للتمامية والنقصان, والثاني يوجب عدم صحة الرجوع إلى البراءة في موارد الشك في الجزئية والشرطية لكونه من الشك في المحصل.

ويجاب عنه بأنَّه يمكن أنْ يكون مركباً ولا محذور فيه لأنَّه ملحوظ بنحو الإهمال لا التعين والإشكال يلزم على الثاني دون الأول, وسيأتي الجواب عن الثاني في محله.

ص: 275

هذا ما ذكر في الجامع التركيبي البسيط, والحقُّ الجدير بالقبول أنْ يُقال: إنَّ الصحة إمّا أنْ يُراد بها الصحة الفعلية من كلِّ حيثية وجهة, أو يكون المراد بها الصحة الشأنية الإقتضائية. وعلى كلٍّ؛ إمّا أنْ تكون الصحة قيداً للموضوع له, أو يكون الوضع في حال الصحة لا وجه لإحتمال القيدية مطلقاً في الوضع, لأنَّه خلاف الأصل والوجدان, كما لا وجه لاحتمال الوضع في حال الصحة الفعلية, لأنَّ للصحة مراتب متفاوتة جداً كما عرفت, لاسيما وأنَّ نظام التكوين على التغير والتبدل، فلا يعلم أنْ يكون الموضوع له أي مرتبة منها. فيتعين أنْ تكون الألفاظ موضوعة للمعاني في حال الصحة الإقتضائية الجامعة لجميع المراتب, وهذه الصحة الإقتضائية الشأنية تجتمع مع جميع ما ذكر في الجامع البسيط سواء كان عنوانياً أو ذاتياً, لأنَّ الموضوع له هي ذوات الأجزاء بنحو الشأنية كما يجتمع مع الجامع على الأعم.

والإشكال عليه بأنَّه ربَّما لا يكون الجامع معلوماً لدى العُرف بهذه العنايات, والعُرف لا يساعد على إفتراض الجامع المعقد الهوية مدلولاً للألفاظ التي معانيها أبسط من ذلك في نظره.

والجواب عنه بأنَّه لا ملزم أنْ يكون معلوماً من جميع الجهات, بل يكفي لحاظه بنحو الإهمال والإجمال بالعنوان المشير إلى الماهية المبهمة القابلة للإنطباق على الصحيحة والفاسدة كما عرفت سابقاً, كانطباق الكلي على أفراده.

والعجب أنَّ العلماء يجهدون أنفسهم في تعيين الجامع بالعنايات المذكورة مع أنَّه يمكن إرجاعها إلى نظر العُرف وفهمه البسيط, وبعد الجهد في الردِّ والإبرام يرجعون إلى العُرف, وليس بالضرورة عند العُرف إستحضار الصورة التفصيليةلكافة شرائط الصلاة وتفاصيلها, لكنه في أغلب الأحيان يدرك إجمالاً أنَّ المسمّى له خصوصيات معيّنة يرجع فيها إلى الشارع المخترع لها نظير أسامي كثير من المعاجين والمركبات التي قد لا يعرف العُرف أجزائها تفصيلاً.

ص: 276

الأمر الخامس: تصوير الجامع الأعم

وقد صوّره الأصوليون بوجوه ذكرها في الكفاية:

الوجه الأول: ما نُسب إلى المحقق القمي من كونه خصوص الأركان, وأمّا بقية الأجزاء والشرائط فهي دخيلة في المأمور به لا في المسمى فيكون المسمى خصوص الأركان(1).

وقد إستشكل المحقق الخراساني قدس سره في إمكانه وإنْ صوره على القول بالصحيح؛ فقال: إنَّه لا سبيل إلى الجامع الأعم البسيط لعدم إشتراك الأفراد الفاسدة مع الصحيحة في الأثر والجامع التركيبي غير معقول؛ إذ لو أُخذت الأركان مثلاً بشرط شيء من ناحية سائر القيود والأجزاء لزم عدم الصدق على الفاقد لها فلا تدور التسمية مدارها.

وإنْ أُخذت لا بشرط من ناحيتها لزم أنْ يكون إطلاق الإسم على الواجد لها بخصوصه مجازاً لأنَّ اللفظ موضوع للأركان فقط, فيكون إستعماله في الكلِّ من المجاز إطلاق لفظ الجزء على الكلِّ(2).

ويمكن الجواب عنه:

أولاً: بما ذكره السيد الخوئي بتوضيحٍ منّا بأنَّ اللاشرطية تارةً يراد بها المطلق المقابل للتقييد وهو يعني رفض القيد, وهو يلازم خروجه وجوداً وعدماً كما هو المعروف في محله، وأخرى يُراد بها عدم الضرر بفقدان القيد مع كون وجوده داخلاً في المسمّى، وقد مثّل له بالكلمة العربية المأخوذة لا بشرط من حيث الزيادة على حرفٍ أو حرفين مع دخول الزائد في مسمّى الكلمة على تقدير وجوده(3).

ص: 277


1- . قوانين الأصول؛ ج1 ص44.
2- . كفاية الأصول؛ ص25.
3- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص169.

ويورد عليه بأنَّ اللاشرطية ليس لها إلا معنىً واحداً وهو الإطلاق المقابل للتقييد الذي يعني رفض القيد وجوداً وعدماً, إلا أنْ يراد بالإطلاق هو جمع القيود إنْ أمكن أنْ يكون القيد في حال وجوده مقوّماً, وفي حال عدمه يكون غير مقوّم. ولكنه فاسد كما حُقِّق في محله.

ولكن يصحُّ الجواب عن هذا الإيراد بأنَّ اللاشرطية المذكورة في المقام غير ما يذكر في العلوم العقلية؛ إذ في المقام يُراد إثبات لفظ لموضوع معين ولا بدَّ أنْيكون المراد هذا المعنى, فإنَّ البحث لم يكن عن تبيان حقيقة من الحقائق بل الأمر عرفياً أكثر من كونه عقلياً, وسيأتي مزيد بيان.

ثانياً: ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ الإشكال تامٌّ إنْ كان الموضوع له الأركان بحدٍّ خاص ومرتبة معيّنة, وأمّا إذا كان على نحو الإقتضاء من حيث المرتبة ومن حيث لحوق سائر الأجزاء والشرائط بالنسبة إليها فلا إشكال فيه أصلاً حينئذٍ, ولا مجاز في إستعمال اللفظ في الكلِّ حينئذٍ.

ثالثاً: ما ذكره بعض الأعلام -وهو يرجع إلى سابقه-, فقال بأنَّ الجامع المركب على هذا الرأي يتضمن الأركان بعناوينها التفصيلية, فالإشكال منجز سواء لوحظت هذه الأركان مع سائر الأجزاء والشرائط لا بشرط أو بشرط شيء.

ولكن إذا أُريد به جامع إنتزاعي منتزع من الأركان وحدها تارة ومن التجمع المشتمل عليها وعلى سائر الأجزاء والشرائط تارةً أخرى فلا إشكال فيه, وبه يتحقق الجامع عند الأعمّي(1).

ص: 278


1- . بحوث في علم الأصول؛ ص199-200.

ويورد عليه بأنَّ الجامع الإنتزاعي إنْ رجع إلى ما ذكره السيد الوالد قدس سره من الأركان بنحو الإقتضاء فهو, وإلا فسيأتي ما يمكن أنْ يورد عليه.

كما إنَّ المحقق النائيني قد إستشكل على ما ذكره المحقق القمي في تصويره للجامع الأعمّي بأنَّ دعواه تنحل إلى دعويين:

أحدهما: الوضع للأركان. والثانية: عدم دخول سائر الأجزاء والشرائط في الموضوع له.

أمّا الدعوى الأولى؛ فإنَّه إنْ كان المراد بالأركان جميع مراتبها بحسب إختلاف الموارد من القادر والعاجز والغريق ونحوهم فلا بدَّ أنْ يتصور جامع للأركان يجمع تلك المراتب ليكون هو الموضوع له فيعود الإشكال.

وأمّا الدعوى الثانية؛ فيردها بأنَّه إمّا أنْ نلتزم بخروج الأجزاء والشرائط مطلقاً ودائماً, وإمّا أنْ نلتزم بخروجها عند عدمها. والأول ينافي الوضع للأعم وكون المسمى ما يصدق على الصحيح والفاسد إذ لازمه عدم صدق اللفظ على الصحيح.

والثاني يلزم أنْ يكون شيء واحد داخلاً في الماهية عند وجوده وخارجاً عنها عند عدمه وهو محال(1).

ويمكن الجواب عنه بأنَّنا نلتزم بالدعوى الأولى ونقول بأنَّ الموضوع له الأركان على نحو الإقتضاء الذي يجتمع مع بقية المراتب وسائر الأجزاء فلا إشكال فيه.

الوجه الثاني: ما نسب إلى المشهور من كون الجامع والموضوع له هو معظم الاجزاء الدائر مدارها التسمية, وأشكل عليه:

أولاً: بمثل ما ذكره المحقق الخراساني؛ من أنَّه يستلزم المجازية في إستعمال اللفظ في الكل(2) ويظهر الجواب عنه مِمّا سبق.

ص: 279


1- . أجود التقريرات؛ ج1 ص41.
2- . كفاية الأصول؛ ص26.

ثانياً: إنَّه يستلزم كون شيء واحد داخلاً في المسمى مرَّة وخارجاً عنه مرَّةً أخرى, بل يلزم التردد في تعيين الداخل والخارج عند إجتماع جميع الأجزاء والشرائط, إذ لا معين لدخول أحدهما دون الآخر؛ فكلُّ جزء يصلح أنْ يكون دخيلاً في المعظم.

وفيه: إنَّه صحيح لو كان معظم الأجزاء ملحوظةً على التعيين لا على نحو الإهمال المنطبق على جميع المتبادلات.

الوجه الثالث: الإلتزام بأنَّ وضعها كوضع الأعلام الشخصية, فكما لا يضرُّ التبدلات الخارجية بأصل المسمى فكذا المقام؛ فلا يضرُّ في صدق أسماء العبادات إختلاف الأحوال وزيادة الأجزاء ونقصانها.

وأشكل عليه جمعٌ من الأعلام منهم المحقق الخراساني من أنَّ الموضوع في باب الأعلام محفوظ في جميع الحالات فلا تضرُّه التبدلات بخلاف المقام الذي لا تعين له فيه بوجوهه(1).

ويمكن مناقشته بأنَّ التعين أعم من التعين الخارجي كما في الأعلام والتعين الإعتباري الفرضي كما في المقام, فمثلاً يعتبر ما ثلثه ركوع وثلثه سجود وثلثه طهور بالمعنى الأعم مِمّا يجزئ شرعاً بحسب الحالات المختلفة.

وأغرب ما قيل في الجواب ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره من أنَّ الموضوع في الأعلام هو النفس المتعلقة بالبدن, ويكون تشخص البدن ووحدته بوحدة النفس وتشخصها, إذ المعتبر مع النفس مطلق البدن, وقد أطال الكلام في ذلك بعبارات فلسفية صرَّح بأنَّ ذلك مِمّا لم تدركه أفهام الأعلام(2).

ص: 280


1- . كفاية الأصول؛ ص26.
2- . نهاية الدراية؛ ج1 ص48.

فإذا كان الأمر كذلك فكيف يلتفت إليه العوام الذين عليهم المدار في وضع الأعلام فلا بدَّ أنْ يلتزم بكون الوضع فيها لمعنىً مبهم ممتاز عن سائر المعاني وهو التشخص الخاص كما قرره المحقق المذكور في الجامع الصحيحي.

الوجه الرابع: أنْ يكون حالها حال أسماء المقادير والأوزان, فإنَّها حقيقة في الزائد والناقص في الجملة إمّا بوضع الواضع أو بكثرة الإستعمال في الأعم.

وفيه: إنَّ العبادات تختلف عن الأوزان والمقادير فإنَّ الصحيح في العبادات يختلف زيادة ونقصاناً وليس الأمر كذلك في باب الأوزان والمقادير, وما ذكر في المقادير والأوزان هو أول الكلام.الوجه الخامس: إنَّ الموضوع له الصحيح المستجمع لجميع الأجزاء والشرائط من كلِّ جهة ثم يطلق على سائر الأفراد تنزيلاً.

وفيه: ما ذكرناه سابقاً عند تقرير ما ذكره المحقق النائيني بانَّه إنَّما يُصار إليه مع عدم إمكان فرض الجامع وإمكان الإطلاق الحقيقي لا تصل النوبة إلى الإطلاق التنزيلي.

ثم أنَّ السيد الخوئي قدس سره إختار أخْذ الأركان جامعاً, وأنْ تكون هي الموضوع له بعد كلام طويل له والموضوع لا يحتاج إلى الإطالة، فقال بعد نقل كلمات كلاً من المحقق القمي وصاحب الكفاية والمحقق النائيني (قدس الله أسرارهم).

والصحيح ما أفاده المحقق القمي ولا يرد عليه شيء من هذه الإيرادات التي تقدم ذكرها.

وأجاب عن إيراد المحقق النائيني بأنَّ ما ذكره خلطٌ بين المركبات الحقيقية والمركبات الإعتبارية, فإنَّ المركبات الحقيقية التي تتركب من جنس وفصل ومادة وصورة وكلُّ واحد من الجزئين جهة إفتقار بالإضافة إلى الأخرى لا يعقل فيها تبدل الأجزاء بغيرها ولا الإختلاف فيها كمّاً وكيفاً, فإنَّ ما ذكره المحقق النائيني تامٌّ من المركبات الحقيقية, وأمّا

ص: 281

المركبات الإعتبارية التي تتركب من أمرين أو أمور مختلفة لا تكون بينها جهة إتّحاد حقيقة ولا إفتقار ولا إرتباط, بل أنَّ كلَّ واحدٍ منها موجود مستقل على حياله ومباين للآخر في التحصُّل والفعلية والوحدة العارضة عليهما إعتبارية لإستحالة التركب الحقيقي بين أمرين أو أمور متحصلة بالفعل فلا يتم فيها ما أفاده قدس سره , ولا مانع من كون شيء واحد داخلاً فيها عند وجوده وخارجاً عنها عند عدمه.

وقد مثَّل لذلك بالدار والكلمة والحلوى التي لاحظ الواضع في مقام التسمية معنىً مركباً من أجزاء معينة خاصة تعتبر أركانها ولكن لم يلحظ فيها موادٌ معينة وشكلٌ خاصٌ وأنَّ النسبة إلى الزائد عنها تكون مأخوذة لا بشرط, بمعنى أنَّ الزائد على تقدير وجوده داخل في المسمى وعلى تقدير عدمه خارج عنه, فإنَّ هذه المركبات الإعتبارية تارةً تلاحظ فيها كثرة معينة من جانب القلة والكثرة وله حدٌّ خاص من الطرفين كالأعداد, فإنَّ الخمسة -مثلاً- مركبة من أعداد معينة بحيث لو زاد عليها واحد أو نقص بطل الصدق لا محالة, وتارةً أخرى تلاحظ فيها أجزاء معينة من جانب القلة وله حدٌّ خاص من هذا الطرف, وأمّا من جانب الكثرة ودخول الزائد فقد أخذ لا بشرط وذلك مثل الكلمة والكلام والدار وأمثال ذلك؛ فإنَّ فيها ما أخذ مقوّماً للمركب فيها وما أخذ المركب بالإضافة إليه لا بشرط، واللابشرط كما يمكن أنْ تكون باعتبار الصدق الخارجي, كذلك يمكن أنْ يكون باعتبار دخول الزائد في المركب, فإنَّ الصلاة من الأمور الإعتبارية وهي مركبة من مقولات متعددة كمقولة الوضع ومقولة الكيفونحوهما, وهي أجناس عالية ومتباينة بالذات فلا تندرج تحت مقولة واحدة لاستحالة تحقق الإتّحاد الحقيقي بين مقولتين فلا مانع من الإلتزام بكونها موضوعة للأركان فصاعداً.

وذكر في وجه ذلك بأنَّ كل مركب إعتباري لا بدَّ أنْ يعرف من قبل مخترعه سواء كان هو الشارع أو غيره, فقد إستفدنا من النصوص الكثيرة أنَّ حقيقة الصلاة التي يدور صدق

ص: 282

عنوان الصلاة مدارها وجوداً وعدماً عبارة عن التكبير والركوع والسجود والطهور وأمّا بقية الأجزاء والشرائط, فهي عند وجودها داخلة في المسمّى وعند عدمها خارجة عنه وغير مضرٌّ بصدقه, وهذا هو معنى كون الأركان مأخوذة لا بشرط بالقياس إلى الزائد، وقد عرفت أنَّه لا مانع من الإلتزام بذلك في الماهيات الإعتبارية.

كما أجاب عن إيراد المحقق النائيني من الإحتياج إلى جامع الأركان بخصوصها بأنَّ لفظ الصلاة موضوع لمعنىً وسيع جامع لجميع مراتب الأركان على إختلافها كمّاً وكيفاً, وله عرض عريض باعتباره يصدق على الناقص والتام والقليل والكثير على نحوٍ واحد، فلا نحتاج إلى تصوير جامع بين الأركان ليعود الإشكال، فإنَّ لفظ الصلاة موضوع بإزاء الأركان على سبيل البدل، ولا مانع من أنْ يكون مقوم المركب الإعتباري أحد الأمور على سبيل البدل.

وقال: إنَّ ما ذكرناه أمر على طبق المرتكزات العرفية في أكثر المركبات الإعتبارية. والصحيح: إنَّ ما ذكره من الإيرادات إنَّما هو خلطٌ بين الأمور الحقيقية والأمور الإعتبارية، وإنَّ الأمر يرجع إلى العُرف لا القواعد الفلسفية كلام متين جداً(1).

ولكن يرد عليه:

أولاً: ما ذكرناه آنفاً من أنَّ اللابشرط التي يريدها المحقق الخراساني هي المعنى المعروف؛ أي الإطلاق المقابل للتقييد, بمعنى رفض القيد وجوداً وعدماً، وأمّا تفسيره بأنَّه عدم الضرر بخروج القيد؛ فإنْ كان موجوداً فهو داخل وإلا فلا يدخل, فهو أمر يختَّص به.

نعم؛ بناءً على الإلتزام بالأمر العُرفي في أصل تصوير الجامع فلا بأس لأنَّه هو المراد عندهم.

ص: 283


1- .محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص181.

ثانياً: على فرض التنزيل وكون المراد به بعض الأجزاء دخيلاً في المسمى عند وجوده وغير دخيل حال عدمه فهو يقتضي أنْ يكون الوضع متحققاً لسائر الأجزاء, وأمّا العلقة بينها وبين اللفظ إنَّما تحدث بعد وجودها, لأنَّها تكون جزء المسمى والموضوع له بعد وجودها، ولا يلتزم أحد بذلك لأنَّ العلقة بين اللفظوطبيعي المعنى سواء وجد أمْ لم يوجد, بلا فرق بين المركبات الإعتبارية وغيرها, هذا مع أنَّه خلاف ما صرّح به قدس سره فيما تقدم نقله عنه من عدم الوضع للموجود بما هو موجود بل للمفهوم والطبيعي.

ثالثاً: إنَّ ما ذكره في مقام ردِّه على المحقق النائيني من عدم لزوم فرض جامع بين الأركان لجواز كون مقوم الأمر الإعتباري أحد الأمور على سبيل البدل غير صحيح, لأنَّه لا وجود للفرد على البدل؛ لا مصداقاً ولا تقرراً في الذهن؛ حتى يكون مقوّماً للمركب وموضوعاً له اللفظ.

مضافاً إلى أنَّ هذا المعنى من البدلية غير مراد للمحقق المذكور, إلا أنْ يريد من أحد الأمور على سبيل البدل الماهية المبهمة كما ذهب إليه المحقق الإصفهاني, أو الأركان على سبيل الإقتضاء والشأنية الجامعة للأجزاء عند وجودها كما إختاره السيد الوالد قدس سره , بحيث يشمل الأركان وسائر الأجزاء بحيث يصدق على الأفراد المتبادلة بنحو التبدّل, إلا أنَّه أحد هذه الأفراد على البدل؛ وهو وجيه, ولكنه لا يصلح أنْ يكون إيراداً على المحقق النائيني لتوافقهما في المدَّعى, مع أنَّه لا بدَّ عليه أنْ يلتزم بمثله في الأفراد الصحيحة من الجامع المبهم ليجمع الأفراد الصحيحة, ولم يلتزم به.

ومن ذلك يظهر أنَّ الأمثلة التي أوردها في ضمن كلامه يجري فيها ما يجري في المركبات الإعتبارية. والنقاش في الجميع واحد.

ثم أنَّه أورد بعض الأعلام على ما إستدلَّ به السيد الخوئي قدس سره بإيرادات ولكنها ليست بشيء وذكرها تطويل بلا طائل تحته.

ص: 284

الأمر السادس: في أدلة الطرفين

1- أدلة القول بالوضع الصحيح

وقد إستدلّ عليه بوجوه:

الأول: تبادر خصوص الصحيح من اللفظة وانسباقه إلى الذهن عند إطلاق الإسم, مثل قولنا (فلان صلّى أو صام) حيث ينصرف إلى الذهن الصلاة الصحيحة لا الفاسدة.

الثاني: عدم صحة سلب اللفظ عن الصحيح, مِمّا يكشف عن وضعه للصحيح, كما أنَّ صحة سلب اللفظ عن الفاسد يكشف عن عدم كونه من أفراد الموضوع له وعدم الوضع له.

ويرد عليهما: إنَّه قد استدلَّ بهما للأعم أيضاً مضافاً إلى أنَّ مأخذ التبادر ليس هو اللفظ بل القرينة العامة, وهي معهودية إلتزام كلّ مكلف أنْ يؤدي عباداته على نحو الصحيح الذي يراد منه, فلا يكون التبادر مستند إلى حاقِّ اللفظ.

الثالث: سيرة العقلاء في أوضاعهم؛ فإنَّ طريقتهم تقتضي وضع الإسم للفرد الصحيح لمخترعاتهم, ولم يعهد أنَّ للشارع طريقة خاصة به في مخترعاته.وفيه: إنَّه قد تقدم أنَّ مقتضى الوضع عندهم هو الوضع للصحيح الإقتضائي لا الفعلي من كلِّ جهة، مضافاً إلى أنَّ مجرد وجود طريقة عقلائية لا يكشف عن إتَّباع الشارع تلك الطريقة إلا على سبيل الظنِّ, وهو لا يغنى شيئاً.

نعم؛ لو بلغ مبلغاً من الظهور لكان حجة, وأنّى لنا إثبات ذلك.

الرابع: التمسك بالنصوص الشرعية, وهي على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما يدلُّ على إثبات الآثار للمسببات, وهي لا تترتب إلا على الصحيح, كقوله تعالى:(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(1).

ص: 285


1- . سورة العنكبوت؛ الآية 45.

وقول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (الصَّلَاةُ عَمُودُ الدِّينِ)(1), فإنَّه بعد العلم باختصاص تلك اللوازم والآثار بالصحيحة يكشف بأنَّ الفاسدة ليست بصلاة قطعاً.

وفيه: إنَّ المنساق منها إنَّما هو بالنسبة إلى المأمور به لا الموضوع له, ولا يصحُّ التمسك بالأصل اللفظي العقلائي حينئذٍ, لأنَّه من التمسك به عند الشكِّ في الإستناد, حيث نعلم بخروج الفاسد لكن لا يعرف أنَّ خروجه بالتخصيص أو من جهة وضع الإسم بغيرها, فلا يتمُّ التمسك بالأصول اللفظية العقلائية حينئذٍ, ومنه يعرف وجه الإشكال في كلام بعض الأعلام من أنَّ الأثر ترتب على اللفظ بما له من المعنى الإجمالي, وإذا علمنا بأنَّه يترتب على الصحيح دون الأعم ولم يحدث بذلك أي تغيير في المنتقل له من لفظ الصلاة فإنَّ المعنى الإجمالي إنْ كان هو الجامع بين الصحيح والفاسد فيكون الوضع للأعم، وإلا يكون هو الصحيح؛ فيعود الإشكال.

الطائفة الثانية: ما يكون مفادها نفي الطبيعة والماهية بانتفاء جزء أو شرط نظير قولهم: (لا صلاة إلا بطهور) و(لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب).

ويرد عليه: مضافاً إلى ما ذكرناه آنفاً أنَّ لسانها يدلُّ على قيود الواجب بأسلوب بليغ آكد, ويدلُّ عليه بأنَّ الصلاة قد تتحقق بدون فاتحة الكتاب فلا يراد بها نفي الحقيقة مع أنَّها معارضة بمثل ما يتمسك به الأعمّي من الإطلاقات التي تشهد على العكس.

1- أدلة القول بالوضع للأعم

ذكروا لإثباته وجوهاً عديدة أيضاً:

منها؛ تبادر المعنى الأعم وعدم صحة السلب عن الفاسد.

ص: 286


1- . المحاسن؛ ج1 ص286.

وفيه: مضافاً إلى معارضته بتبادر المعنى الصحيح وصحة السلب عن الفاسد كما عرفت؛ إنَّه لو سلَّمنا بهما لا يمكن إثبات الوضع في زمن الشارع, إذ لعله كان للصحيح فقط ولكن المتشرعة إستعمل الألفاظ في الأعم توسعاً في الإطلاقاتعندهم وهو أمر عادي, وأصالة عدم النقل العقلائية لا تفيد ولا تؤثر فيما إذا كان النقل مؤكداً, وأشكل عليه المحقق الخراساني قدس سره بعدم إمكان تصوير الجامع للأعم(1), وهو مردود بإمكانه كما عرفت سابقاً.

ومنها؛ صحَّة تقسيم الأسماء بما لها من المعنى الشرعي إلى الصحيح والفاسد.

وفيه: إنَّه لا يدلُّ على أكثر من صحة إستعمالها في الأعم وهو أعم من الحقيقة. وأشكل عليه السيد الوالد قدس سره بأنَّ وجود المقسم في الأقسام لا بدَّ أنْ يكون واقعاً وحقيقة، لأنَّ الأقسام من أفراد ذات المقسم ويصدق عليها صدق الطبيعي على أفراده, فلا وجه لاحتمال كونه أعم من الحقيقة إلا أنْ يكون أصل التقسيم مجازياً وهو خلاف المفروض(2), فما ذكره بعضهم في مقام الردِّ بأنَّ التقسيم بالعناية غيرُ سديد, والحقُّ أنَّ ما ذكره إنَّما يكون في الأمور الحقيقية لا الأمور الإعتبارية التي لها أفراد متفاوتة جداً متباينة إلا أنْ يراد به الظهور العرفي في ذلك.

ومنها؛ الأخبار الظاهرة في صدق الصلاة على الفاسدة كقول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ)(3), ونحوها مِمّا يكون ظاهراً في الصدق على الفاسد.

فإنَّ صلاة الحائض فاسدة، فيكون نهيهُ عنها دليل الوضع للأعم من الفاسد.

ص: 287


1- . كفاية الأصول؛ ص30.
2- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص32.
3- . الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج3 ص85.

وأورد عليه تارةً بأنَّ الإستعمال أعم من الحقيقة.

وأجيب عنه بأنَّ الإستدلال بالظهور العرفي وهو حجة معتبرة فإنَّ أصل الإستعمال لم يكن على نحو الحقيقة حتى يستشكل عليه بأنَّ الإستعمال أعم من الحقيقة والمجاز.

وأخرى ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ مثل هذه النواهي إرشاد إلى الفساد فيكون مفادها الإخبار عن عدم القدرة على الصلاة لكونها مشروطة بالطهور وإلا يلزم أنْ يكون إتيان الصلاة الباطلة محرماً عليها.

وأشكل عليه:

أولاً: إنَّه لا ينافي الإستعمال في الفاسد.

ثانياً: أنَّ ظاهر هذه النواهي هو عدم إرادة الحرمة الذاتية لقرينة عامة وكون المستعمل فيه الجملة الإنشائية هو النهي عن صلاتها وخاصة مثل ظهور الإجماع على عدم حرمة الصلاة عليها, كذلك كما إدَّعاه السيد الوالد قدس سره .

كما إعترض عليه المحقق الخراساني قدس سره أيضاً بأنَّ القول بالأعم لا يرفع الإشكال نهائياً, لأنَّ النهي ليس مولوياً وإلا لزم منه ما لا يلتزم به أحد؛ وهو حرمة الإتيان بصورة الصلاة بلا قصد القربة ذاتاً لتعلق النهي بالأعم, كما يلزممنه حرمة إتيان الحائض بالصلاة الفاسدة من غير ناحية الحيض, فلا بدَّ من تقييدها بما يكون صحيحاً من غير ناحية الحيض, ومعه لا يكون دليلاً على مقالة الأعمّي أيضاً.

وأجيب عنه بأنَّه يمكن إستفادة التقييد المذكور بنحو تعدد الدالِّ والمدلول من قرينة خاصة, مثل كون النظر إلى الإتيان بما هو وظيفتها الشرعية لولا الحيض, وأمّا الإسم فهو مستعمل في الأعم.

ص: 288

ومن ذلك يظهر الجواب على ما استُدلَّ به ببعض الأخبار على الأعم, فقد ورد في الأخبار المستفيضة عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ عَلَى الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ والْحَجِّ والصَّوْمِ والْوَلَايَةِ ..... أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ لَيْلَهُ وصَامَ نَهَارَهُ وتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وحَجَّ جَمِيعَ دَهْرِهِ ولَمْ يَعْرِفْ وَلَايَةَ وَلِيِّ اللَّهِ فَيُوَالِيَهُ ويَكُونَ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ بِدَلَالَتِهِ إِلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وعَزَّ حَقٌّ فِي ثَوَابِهِ, ولَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. ثُمَّ قَالَ: أُولَئِكَ الْمُحْسِنُ مِنْهُمْ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ)(1), فإنَّ قوله علیه السلام بالأربع (وهي: الصلاة والزكاة والحج والصوم) يدلُّ على أنَّ المراد الأعم وليس الصحيح فقط؛ إذ لا صحة بدون الولاية, وإلا كان يلزم أنْ يقال لم يأخذ الناس بشيء منها.

وكذا قوله علیه السلام : (أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ لَيْلَهُ وصَامَ نَهَارَهُ)؛ لأنَّ المفروض بطلان الصوم بغير ولاية, فيكشف عن إرادة الأعم من اللفظ لا خصوص الصحيح, فإنَّه مِمّا لا ينكر أنَّ اللفظ قد إستعمل في الأعم بلا عناية ومسامحة في البين, فإنَّ ظهوره العرفي يدلُّ على ذلك وهو كافٍ.

وما ذكره المحقق الخراساني خلاف هذا الظهور العرفي؛ فراجع.

ومنها؛ ما أفاده المحقق الإصفهاني قدس سره من شهادة سيرة العقلاء المخترعين للمعاجين ونحوها على الوضع للأعم بلحاظ شروط التأثير دون الأجزاء(2).

وأشكل عليه بعض الأعلام بأنَّه خلط بين شروط التأثير والإستعمال وبين شروط المركب نفسه التي هي محل البحث(3), وقد عرفت مِمّا سبق أنَّنا لم نسلّم متابعة الشرع لطريقة

ص: 289


1- . الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج2 ص18-19.
2- . نهاية الدراية؛ ج1 ص171.
3- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص206.

العقلاء دائماً, مع أنَّنا لا نسلّم أيضاً سيرة العقلاء، فإنَّه قد عرفت أنَّها سيرتهم على الوضع للصحيح كما تقدم سابقاً.

والحقُّ أنَّ ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره صحيح ويدلُّ عليه العرف, فإنَّه لا يرى إختصاص المركبات عندهم بالصحيح فقط بل يصدق عليه وعلى الفاسد, وإنَّ ذلك مِمّا لا يقبل الإنكار والأمثلة عليه كثيرة, فيكون حال أسامي العباداتحال أسامي المركبات الأخرى عند العرف, فليس عند العرف منهجاً آخر من الصدق والعُرف مِمّا يكشف قطعاً عن أنَّ الشارع لم يخرج عن طريقة العُرف في الوضع والإستعمال, فما ذكره من عدم المتابعة صحيح إنْ لم يكن ظهور عُرفي على الإشتراك وسيرة العقلاء قائمة لا يمكن إنكارها ولم يحدث خلط بين شروط التأثير وشروط المركب.

ومنها؛ ما ذكره السيد الخوئي قدس سره من أنَّ الصلاة موضوعة للأعم من الصحيحة والفاسدة بلحاظ الأجزاء والشرائط غير الأركان الأربعة؛ التي هي التكبير والركوع والسجود والطهور فإنها مقوّمة للمسمّى؛ كما عرفت سابقاً.

وقد حاول إستظهار ذلك من الأخبار البيانية التي وردت في شأن الأجزاء والشروط وتحديدها, فإنَّ التكبير قد ورد في شأنه بأنَّه إفتتاح الصلاة, فبدونه لا صلاة.

وقال: لعلّه لذلك لم يُذكر في لا تعاد الصلاة بالإخلال به, فكأن أحاديث لا تعاد ناظرة إلى الإخلال بصلاة منعقدة حدوثاً.

وأمّا الركوع والسجود والطهور فلِما ورد من أنَّ الصلاة ثلثها الركوع وثلثها السجود وثلثها الطهور, ولا ضير في أنْ تكون الأثلاث الثلاثة كلها مستوفاة بحيث لا يبقى محلٌّ لغيرها, فإنَّ هذا مجرد إطلاق قابل للتقييد بما دلَّ على ركنية جزء آخر وهو التكبير, أو يحمل أنَّها أثلاث للصلاة بعد فرض الدخول فيها بالتكبير.

ص: 290

وأمّا الأجزاء الأخرى فلا تكون مقوّمة للمسمى ولا ركناً فيها, ولذا لا تجب الإعادة بسبب الإخلال بها نسياناً.

والبحث تارةً يكون في أخذ الأركان الأربعة في المسمى, وأخرى في عدم أخذ غيرها فيه. وقد تصدى قدس سره لإثبات الأول بالنصوص والروايات وأمّا الباقي فيمكن الإستدلال عليه بوجوه:

منها؛ إنَّ الأجزاء غير الركنية لو كانت مأخوذة في المسمى لما صحّت الصلاة بالإخلال بها ولو نسياناً, وهو خلاف المقرر في الفقه.

وفيه: إنَّه خلط بين أجزاء المأمور به وأحكامها وأجزاء المسمى مضافاً إلى ما عرفت في البحث السابق من أنَّه يمكن إنتزاع الجامع الصحيحي عمّا يكون مطابقاً للمأمور به بمقدار دخالته فيه.

ومنها؛ إستكشاف ذلك من الأخبار البيانية, حيث إقتصرت في بيان الأركان على الأربعة المتقدمة ولم تذكر سائر الأجزاء(1).

ويرد عليه: إنَّه يتوقف على إحراز ورود الأخبار لبيان المسمّى أيضاً, ولا يمكن ذلك.ومنها؛ التمسك بمفهوم ما دلَّ على أنَّ الصلاة ثلاثة أثلاث؛ ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود.

فإنَّ ظاهرها بيان حقيقة الصلاة وتكوينها ولا موجب لرفع اليد عن هذا الظهور إلا في تكبيرة الإحرام التي دلَّت نصوص أخرى على أنَّ الصلاة إنَّما تفتتح بها.

ويرد عليه: ما ذكرناه آنفاً من أنَّها في مقام بيان حقيقة المأمور به لا المسمى, مضافاً إلى أنَّها ليست في مقام بيان المسمى إلا بعد إحراز ورودها في هذا المقام ولا دليل على إثبات ذلك,

ص: 291


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص175.

بل إنَّ سياقها إنَما هو لبيان أهميتها أو دخل هذه الثلاثة في إحراز الثواب وله نظائر, فقد ورد في سورة الإخلاص أنَّها ثلث القرآن وفي سورة الكافرون أنَّها ربع القرآن ونحو ذلك.

أمّا البحث عمّا ذكره في الأركان الأربعة فقد إستدلَّ على الثلاثة برواية التثليث المعروفة من أنَّ الصلاة ثلث ركوع وثلث سجود وثلث طهور بضميمة ما دلَّ على أنَّ التكبير مفتاح الصلاة وأنَّها لا تفتتح إلا بها.

ويرد عليه:

أولاً: إنَّ هذه الروايات لا تدلُّ إلا على أهمية هذه الأربعة أو ركنيتها بحسب الغرض الشرعي, فلا يثبت المطلوب كما عرفت, مع أنَّه لو أخذنا بظاهر ما ورد فيها من التعبيرات لكان علينا أنْ نأخذ بما ورد مماثلاً لها أيضاً من الأجزاء والشرائط ونقول بركنيتها كما ورد أنَّه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما ورد أنَّه لا صلاة لمن لم يقم صلبه وأمثال ذلك.

ثانياً: إنَّ الأخبار المتعرضة لركنية تكبيرة الإحرام مع غضِّ النظر عن أسانيد بعضها ونحن وإنْ لم يكن منهجنا تضعيف الأخبار لأنَّ لنا طرقاً خاصة تخالف ما عليه سيدنا الأستاذ لكن نلزمه بما إلتزم به في هذا السبيل, فلا يمكن الإستناد عليها أو لا دلالة فيها على المطلوب, فهي إمّا أنْ تدلّ على دخل تكبيرة الإحرام في الإجتزاء وأداء المطلوب الشرعي أو أنَّها تدلُّ على حرمة منافيات الصلاة بعد الدخول في الصلاة؛ فإنَّ تحريمها تكبيرة الإحرام.

وأحسن ما يمكن الإستدلال به من تلك الأخبار ما ورد في رواية مُصَدِّقٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ رَجُلٍ سَهَا خَلْفَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: (يُعِيدُ الصَّلَاةَ. ولَا صَلَاةَ بِغَيْرِ افْتِتَاحٍ)(1). ولكنه أيضاً لا يتمّ لأنَّ قوله علیه السلام : (يعيد صلاته) قرينة

ص: 292


1- . وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج6 ص14.

على أنَّ النظر إلى مقام الإمتثال والإجزاء دون المسمى، ولا أقل من الإحتمال وهو يوجب سقوط الإستدلال كما هو المعروف مع أنَّ نفي عنوان الصلاة عن الفاقدة للتكبيرة لا يختصّ بها بل هو وارد في كثير من الأجزاء؛ يظهر بمراجعة الأخبار.ومن جميع ذلك يظهر أنَّه لا دلالة في روايات تكبيرة الإحرام على أخذها في المسمى، كما لم يتمّ ما ذكره قدس سره .

وقد ذكرنا سابقاً عند تصوير الجامع على القول بالصحيح ما يمكن إيراده على مختاره ولعلَّ الإشكالات ترتفع إذا كان الموضوع له الأركان على نحو الإقتضاء من حيث المرتبة ومن حيث لحوق باقي الأجزاء والشرائط بالنسبة إليها.

والصحيح أنْ يقال: إنَّه إذا قلنا بأنَّ بحث الصحيح والأعم لا يختص بالمخترعات الشرعية, بل يعمّ الألفاظ مطلقاً فلا معنى لتوهم الوضع بإزاء الصحيح خاصَّة, بل أنَّها موضوعة لمعنى عام صالح للإنطباق على جميع مصاديقه, فالمخترعات الشرعية قد وضع لها أسماء بما يصلح أنْ ينطبق على جميع الأجزاء والشروط, وقد عرفت بأنَّ الصحة لمّا كانت لها مراتب متعددة متباينة فلا يمكن أنْ يكون المراد بها الصحَّة الفعلية فيتعين أنْ يكون المراد بها الصحة الإقتضائية الجامعة لجميع المراتب, وهي عبارة أخرى عن الأعم؛ فيكون النزاع لفظياً, إذ لا فرق بين الأعم والصحة الإقتضائية.

وقد حاول السيد الوالد قدس سره أنْ يجمع بين القولين بذلك ولكنه بعيد عن الكلمات كما إعترف به؛ فراجع(1).

ولا تصل النوبة إلى ربط الموضوع بالمسألة السابقة من القول بالحقيقة الشرعية.

ص: 293


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص31.

ثم أنَّه قد يستشكل في تعيين المقدار الذي يتقوّم به معنى الصلاة بناءً على القول بأنَّ الوضع للأعمّ لوضوح وجود بعض الموارد من الفاسد لا يصدق عليه اللفظ أصلاً, كالإتيان بالتكبير والقراءة فقط, وإختلفوا في مقدار ما يتقوَّم به الصدق ومعنى الصلاة؛ فذهب بعضهم إلى أنَّه معظم الأجزاء كما ذهب جمع إلى أنَّه أجزاء معيّنة خاصة, وقد إلتزم السيد الخوئي وقال بأنَّ الأركان الأربعة هي التي يتقوّم بها معنى الصلاة على الأعم.

وقد عرفت فيما سبق مناقشة ما إستدلَّ به, وعمدة ما ذكرناه أنَّ الروايات التي إستدلَّ بها إنَّما تدلُّ على هذه الأربعة أو الخمسة بزيادة التسليم قوام المأمور به لا المسمى, ويؤيد ذلك أنَّ مقام الشارع المقدس وما يتناسب معه إنَّما هو بيان حقيقة المأمور به وبيان أهمية الأجزاء دون تحديد المسمى وبيانه.

وأمّا الإلتزام بأنَّ المقوّم للمسمى هو معظم الأجزاء بلا تعيين جزء خاص وهو أيضاً أمر مبهم؛ فإنَّ صلاة الغريق لم يتوفر فيها سوى بعض الأجزاء؛ فيعود الإشكال.

فالحقُّ في الجواب أنْ نقول: إنَّ الموضوع هي الصحة الإقتضائية التي تنطبق على الجزء أو الجزئين ونحوهما مِمّا يعتبره الشارع دخيلاً في تحقق المأمور به.

الأمر السابع: في ثمرة النزاع في أسماء العبادات

ذكر الأصوليون عدة ثمرات لهذا البحث؛ نذكر أثنتين منها لوضوح ضعف غيرها, كما أطالوا الكلام في ذلك بما لا يستحقّ الإطالة.

الثمرة الأولى: إمكان التمسك بالإطلاق على القول بالأعم وعدم إمكانه على القول بالصحيح.

وبيان ذلك: إنَّ معنى التمسك بالإطلاق هو الأخذ بنفس الطبيعة التي ورد الحكم عليها وإلغاء كلّ خصوصية وقيد يحتمل أنْ تكون مقيدة ومخصصة بها في مقام تعلق الحكم,

ص: 294

فيكون الإطلاق في متعلقات الأحكام الثابت بمقدمات الحكمة هو تساوي أفراد متعلق الحكم بالنسبة إلى جميع الخصوصيات الواردة والحالات الطارئة عليه بشرط إنحفاظ نفس المتعلق وتعلق الشكّ بما هو خارج عن قوام ذات المتعلق.

وأمّا إذا كان الشكُّ بما له دخل في قوام ذاته فلا يمكن رفعه بالإطلاق؛ لأنَّه يشترط بالأخذ بالإطلاق إنحفاظ الذات وإرساله من حيث الخصوصيات.

وأمّا مع الشكِّ في مدخلية شيء في أصل الذات فلا تكون منحفظة.

وبناءً على هذا؛ لو قلنا بالصحيح فالشكُّ في الجزئية والشرطية والمانعية يرجع إلى أصل إنحفاظ الذات, فلا يمكن التمسك بالإطلاق.

وأمّا بناءً على الأعمّ فيكون الشكُّ في المذكورات راجعاً إلى الخصوصيات بعد إنحفاظ الذات فيما لم يكن للمشكوك فيه مدخلية في المسمى، ولا شكَّ في صحة التمسك بالإطلاق, فتكون من ثمرات المسائل الأصولية التي منها يستنتج الحكم الكلي الإلهي؛ الذي هو عدم كون الشيء المشكوك شرطاً أو جزءاً أو مانعاً للصلاة, لأنَّه بناءً على الصحيح يكون الشكُّ في إعتبار جزء أو شرط من الشكِّ في المحصل فيجب الإحتياط، ومن الشكِّ في التكليف الزائد بناءً على الأعمّ فتجري البراءة.

فهاهنا أمران؛ أحدهما: صحة التمسك بالإطلاق بناءً على الأعم؛ لأنَّ اللفظ صادق على الأعم بدون ذلك المشكوك بخلافه على الصحيح حيث يشك في صدق اللفظ عند الشكِّ في جزء أو شرط.

والأمر الثاني: الرجوع إلى البراءة عند الأعمّي؛ فما ثبت كونه جزءاً يجب الإتيان به, وما شُكَّ فيه يكون المرجع البراءة, بخلاف الصحيحي؛ فإنَّه يجب عنده تحصيل العنوان فيلزم عليه إتيان كلّ مشكوك.

ص: 295

واستشكل عليه:

أولاً: إنَّها مبنية على فرض كون الجامع في الصحيح بسيطاً وفي الأعم مركباً لعدم إمكان إستكشاف جامع بسيط بين الصحيحة والفاسدة، وإنَّ المركب قابل للزيادة والنقصان, وقد عرفت مِمّا تقدم بطلان المبنى وأنَّه يمكن أنْ يفرض أنْيكون الجامع بسيطاً ولا محذور فيه, لأنَّه ملحوظ على نحو الإهمال لا التعيين؛ فراجع.

ثانياً: ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّه على فرض كون الجامع بسيطاً فإنَّه لا يلازم عدم جريان البراءة في الشكِّ في الجزئية والشرطية, لأنَّ ثبوتهما إنَّما هو بحسب الأدلَّة البيانية لا مجرد الوضع, وبعد الرجوع إلى الأدلة وعدم الظفر بجزء أو شرط سوى ما ورد فيها فإنَّه حينئذٍ يصحُّ الرجوع إلى البراءة عقلاً وشرعاً في المشكوك, فلا فرق بين كون الموضوع له بسيطاً أو مركباً(1).

ثالثاً: ما ذكره في الكفاية من أنَّ الجامع البسيط قد يفترض متَّحداً مع الأجزاء والشروط في الوجود, وما ذكره قدس سره إنْ رجع إلى ما ذكرناه فهو صحيح, وإلا فيحتاج إلى توضيح كما ذكره بعض الأعلام حيث قال بأنَّ الجامع يفرض كونه بسيطاً له مراتب؛ ويأتي بيانه.

رابعاً: إن الأدلة على قسمين إمّا يصح التمسك بإطلاقها على كلِّ حال, وإمّا لا يصح به كالخطابات الواردة في الكتاب والسنة فإنَّها في مقام أصل التشريع ولم تكن في مقام بيان أجزاء الصلاة وشرائطها كقوله تعالى:(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(2), وقوله تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ)(3), ونحو ذلك من الآيات والروايات؛ فلا يصحُّ التمسك بها لنفي جزء أو شرط أو مانع.

ص: 296


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص31.
2- . سورة البقرة؛ الآية 43 والآية 83 والآية 110, وسورة النساء؛ الآية 77, وسورة النور؛ الآية 56, وسورة المزمل؛ الآية 20.
3- . سورة التوبة؛ الآية 60.

والقسم الأول وهي الأخبار البيانية التي وردت في مقام ما يعتبر في المركب العبادي -كصحيح حماد الوارد في بيان أجزاء الصلاة وشروطها- فيصحُّ التمسك بإطلاقها المقامي على كلا القولين؛ الصحيح والأعم، فلا ثمرة في البين.

توضيح ذلك: إنَّ ماهية العبادات مجهولة عند أهل العرف والمحاورة, ولا سبيل إلى فهم أجزائها وشروطها قبل بيان الشارع لها, فلا معنى للتمسك بإطلاقها لإجمالها من حيث المعنى, يضاف إلى ذلك أنَّ الأدلة العامة كلُّها وردت في مقام أصل التشريع لها, فلا يصحُّ التمسك بإطلاق الألفاظ الموضوعة لهذه الماهيات المخترعة, وأمّا بعد ورود بيان الشارع بخصوصياتها يصحُّ التمسك بالإطلاق المقامي لتلك الأدلة المبيّنة للأجزاء والشرائط على كلا القولين, ولا نحتاج إلى إطلاق تلك الألفاظ أصلاً إنْ فرض لها إطلاق؛ وهذا هو مراد السيد الوالد قدس سره .

ويمكن الإشكال عليه بأنَّ قضية عدم ورود الإطلاقات كلُّها في جميع ألفاظ العبادات في مقام البيان دعوى بلا برهان.نعم؛ دعوى إجمالها وعدم فهم شيء منها قبل صدور البيان من قبل الشارع, فهي وإنْ كانت صحيحة ولكن زال إجمالها بعد ورود البيان من الشارع بحيث يصدق لفظ الصلاة على مجموعها.

وحينئذٍ بناءً على الأعم؛ إنْ كان هناك إطلاق مقامي الذي هو من دلالة الحال ومقام السكوت بشرط إحراز كونه في مقام البيان في الأدلة البيانية يصحُّ التمسك به في نفي جزئية شيء مشكوك أو شرطيته، وإنْ لم يكن له إطلاق مقامي نرجع إلى إطلاق الأدلة العامة في الألفاظ الموضوعة للماهية المخترعة, وإن لم يكن مثل هذا الإطلاق اللفظي فإنَّه نرجع إلى البراءة حينئذٍ في نفي الجزء المشكوك والشرط كذلك والصحيحي أيضاً يقول

ص: 297

بذلك, فإنَّه يرجع إلى الإطلاق إنْ كان وإلا فإلى الأصل العملي في نفي الجزء المشكوك؛ فلا ثمرة في البين. مع أنَّ الرجوع إلى البراءة بناءً على القول بالأعم إنْ لم يكن إطلاق في البين والرجوع إلى الإشتغال بناءً على القول بالصحيح؛ لأنَّ الشكَّ فيه يرجع إلى المحصل.

فقد أشكل الشيخ الأنصاري قدس سره على الفرق بين القولين بأنَّ إجرائهما في مورد عدم وجود الإطلاق فرع إنحلال العلم الإجمالي وعدمه من غير فرق بين الصحيح والأعم، ولذا يجري الصحيحي البراءة، وتبعه المحقق الخراساني قدس سره ؛ فلا ثمرة على القولين.

وأورد عليه المحقق النائيني قدس سره بأنَّ العلم الإجمالي لا ينحلُّ بناءً على الصحيح, لأنَّ الشكَّ في المحصل بخلاف الأعمّي, حيث أنَّ شكَّه في الأقل والأكثر ونسب إجراء الصحيحي البراءة إلى الغفلة أو التوهم.

ويمكن الإشكال عليه بأنَّه بناءً على الصحيح إذا كان الجامع البسيط عين الأجزاء كالخضوع في الصلاة, أو كان البسيط له مراتب؛ صحَّ إجراء البراءة للإنحلال فلا يختصُّ إجراء البراءة بالأعمّي.

وتوضيح ذلك بأنّ الجامع البسيط إمّا أنْ يكون خارجياً أو إعتبارياً؛ والأول يمكن فرضه على وجوه:

الوجه الأول: أنْ تكون له مراتب تشكيكية تصدق على الضعيف والشديد بحيث تؤدي سعة المركب وضيقه من حيث الأجزاء والشرائط إلى شدة ذلك الجامع وضيقه, فتجري البراءة عند الشكِّ في القيد لرجوعه إلى الشكِّ في وجوب المرتبة الشديدة وهو الشكُّ في التكليف.

الوجه الثاني: أنْ لا يكون له مراتب تشكيكية, بل بسيط في وجوده كما هو بسيط في مفهومه, لكن كان له وجود مباين مع المركب مسبب عنه كان الشكُّ في المركب من الشكِّ في المحصل؛ الذي هو مجرى قاعدة الإشتغال.

ص: 298

الوجه الثالث: نفس الصورة السابقة, لكن كان وجوده متَّحد مع المركب وكان منتزعاً منه بلحاظ جهة عرضية داخلة في عهدة المكلف؛ نظير عنوان المؤلمالمنتزع من الضرب بلحاظ حيثية الألم القائمة بالمضروب, فيكون الشكُّ حينئذٍ بما هو داخل في العهدة, فيكون من الشكِّ في المحصل.

وإنْ كان منتزعاً بلحاظ قيود ذات المركب فيكون الشكُّ دائراً بين الأقل والأكثر, فيلزم الإحتياط أيضاً على خلافٍ في ذلك في الأقل والأكثر الإرتباطيين.

الوجه الرابع: أنْ يكون الجامع متَّحداً مع المركب وجوداً وذاتاً؛ بأنْ كان منتزعاً بلحاظ ذات المركب, فيكون الشكُّ حينئذٍ في أصل التكليف فيرجع إلى البراءة, لأنَّ ما هو داخل في عهدة المكلف هو الجامع الذاتي الذي هو متَّحد مع المركب ذاتاً ووجوداً، فيكون الشكُّ في المركب من الشكِّ في حدود وقيود ما هو داخل في عهدة المكلف؛ فتجري البراءة.

هذا كلُّه بناءً على كون الجامع بسيطاً خارجياً.

وأمّا إذا كان إعتبارياً -سواء كان شرعياً كالطهور, أو عقلياً كعنوان أحدهما- فتجري البراءة عند الشكِّ في المركب؛ سواء كانت نسبة الجامع الإعتباري إلى المركب نسبة المسبب إلى السبب أم لا، لأنَّ نظر العرف في هذه المسببات هي الطريقية والمشيرية والعنوان إلى المعنون الخارجي الذي تعلق به التكليف، وليس الجامع هو المطلوب على سبيل الإستقلال, فيكون الشكُّ في مثل ذلك يرجع إلى الشكِّ في التكليف الزائد.

ومن ذلك كلّه يعرف ما في كلام المحقق الخراساني من الإجمال وغيره من الأعلام قدس سره .

الثمرة الثانية: قالوا تظهر الثمرة في نذر الصلاة في مكان مكروه أو لباس كذلك, فإنَّه بناءً على الأعم يكون صحيحاً ويتحقق الحنث بالمخالفة, وأمّا بناءً على الصحيح فلا يتحقق الحنث فيما لو أتى الصلاة كذلك لكونها باطلة من جهة تحقق النهي الحاصل من مخالفة النذر بها، والنهي في العبادة يوجب البطلان؛ بل يكون إتيان الصلاة غير مقدور عليه.

ص: 299

والجواب عنه واضح:

أولاً: إنَّ الكلام في المسائل الأصولية التي تقع في طريق إستفادة حكم كلي، والنذر إنَّما يكون في حكم جزئي خاص, وقد إختلف الفقهاء فيه إلى قولين.

ثانياً: إنَّه تابع للقصد لا الإستعمال؛ فإنْ قصد الناذر الصلاة الصحيحة فلا يحنث سواء كان الوضع والإستعمال للصحيح أم للأعم. وإنْ قصد الأعم يحنث سواء كان الوضع والإستعمال للصحيح أو الأعم.

ثالثاً: إنَّه يمكن أنْ يكون المراد الصحيح الإقتضائي لولا النذر, فحينئذٍ يصحُّ النذر والصلاة, ويتحقق الحنث أيضاً.

هذا كلُّه في أسماء العبادات.

ص: 300

المقام الثاني: في أسماء المعاملات

اشارة

المقام الثاني(1): في أسماء المعاملات

والكلام فيه يقع في جهات, وقبل بيانها لا بدَّ من تقديم ثلاثة أمور:

الأمر الأول: المراد من المعاملة المعنى الأعم؛ الشامل للبيع والإجارة والصلح والقرض والرهن والنكاح والطلاق والوقف وأمثال ذلك, حيث أنَّ لكلِّ واحدٍ منها إعتبار وأثر، والأخير إمّا واقعي يكوّنه الإعتبار في الواقع أو إعتباري محض، والمشهور بين العلماء هو الثاني، نعم؛ على الأول يكون الشارع قد كشف عن علَّته, وإذا خالفه العرف كان من خطأه.

الأمر الثاني: إنَّ في كلِّ معاملة يحصل أمران؛ أحدهما السبب, وهو الإنشاء الذي يلتزم المتعاقدان بمضمونه قاصدين به التسبيب, أي المقصود إيجاد المعنى في وعائه المناسب له, فلو لم يكن قاصداً لذلك لا تتحقق المعاملة كبيع الهازل والنائم. وثانيهما الأثر والنتيجة المترتبة على إنشاء المعاملة, وهو المعنى المقصود إيجاده كالملكية الحاصلة بعقد البيع أو التمليك مثلاً, وقد إصطلح على الأول بالسبب لأنَّه به يتسبب إلى حصول المعنى وبدونه لا يحصل, كما يصطلح على الثاني بالمسبب لأنَّه يحصل من العقد فهو مسبب عنه ويترتب عليه كما يترتب المسبب على السبب في الواقعيات كالملكية والتمليك ونحوها. والمسببات أمور بسيطة.

الأمر الثالث: إنَّ المعاملات كلُّها أمور عرفية كانت موجودة عند العرف والعقلاء, فإنَّ عليها يدور نظام إجتماعهم, وقد أمضاها الشارع بما لها من المعاني العرفية, ويكفي في صحَّتها عدم ثبوت الردع من الشارع. نعم؛ ربَّما ينهي عن بعض أصنافها تخطئة أو تخصيصاً.

ص: 301


1- . من بحث الصحيح والأعمّي.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام فيه في جهات:

جهات البحث

الجهة الأولى: في تحرير محل النزاعإنَّ المعاملات لها تصحيح شرعي, فربَّما يكون النزاع في وضعها للصحيح أو الأعم بنظر الشرع, ولها ثبوت عرفي يمكن أنْ يجعل النزاع في وضعها كذلك بنظر العرف والعقلاء, وإنْ لم يكن صحيحاً عند الشرع فإنَّه قد يكون نظر العقلاء يختلف عن نظر الشرع فيكون الوضع عند الشارع أخصُّ من الوضع عند العقلاء, فلا بدَّ من تحديد ذلك في أنَّ محلّ النزاع الصحة عند العقلاء أو عند الشرع.

ذهب السيد الخوئي قدس سره إلى أنَّ المبحوث عنه هو الوضع للصحيح أو الأعم بنظر العقلاء فقط, إذ دعوى الوضع بإزاء الصحيح الشرعي يستوجب أنْ يكون مفاد أدلة الإمضاء, مثل قوله تعالى: ﱥﱗ ﱘ ﱙﱤ(1)؛ البيع الصحيح صحيح وهو لغو(2).

وأورد عليه بعض الأعلام بأنَّ ذلك يستلزم فيما إذا أُريد من الوضع للصحيح عنوان الصحيح لا واقع الصحيح, وهو المركب المشتمل على الأجزاء والشروط الذي يستوجب الأثر، وهذا غير متحقق في العبادات فضلاً عن المعاملات فكأن المعنى: أحل الله البيع المشتمل على الإنشاء والعوض المقرون بالرضا ونحو ذلك من الشروط؛ ولا لغوية في ذلك.

وعلى فرض التنزل وقلنا بأنَّه يستلزم المحذور فلا بدَّ أنْ يحمل الدليل الإمضائي المذكور على الأعم ولو مجازاً بقرينة ورودها في مقام الإمضاء.

وقال بأنَّ الصحيح يمكن تحرير النزاع على الوجهين, أي بجعل النزاع في الصحيح عند العقلاء، أو الوضع للصحيح عند الشارع, ولكن مِمّا يهون الخطب أنَّ المراد الصحيح عند

ص: 302


1- . سورة البقرة؛ الآية 275.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص304.

العقلاء والشارع هو الصحيح الإقتضائي, فيتَّحدان من هذه الجهة(1)؛ كما سيتَّضح إنْ شاء الله تعالى.

الجهة الثانية: المشهور بين الأصوليين أنَّ النزاع مبني على أنْ تكون أسامي المعاملات موضوعة للأسباب لأنَّها هي التي تشتمل على الأجزاء والشرائط ويترتب عليه الأثر فيتصور فيه الصحة والفساد, وأمّا المعاملة بمعنى المسبب كالملكية فلا يجري فيه النزاع أصلاً لأنَّه بسيط يدور أمره بين الوجود والعدم ولا تتَّصف بالصحة والفساد كما عرفت.

وقد إستشكل عليه بعض المحققين بأنَّ المسبب له معنيان:

1- الأثر الشرعي أو العقلائي الحاصل بالمعاملة, كالملكية مثلاً

2- الأثر المنشأ من قبل المتعاقدين أنفسهما, وهو إعتبار شخصي قائم بالمتعاملين يكون موضوعاً للإعتبار العقلائي والشرعي.

والذي لا يعقل فيه الصحة والفساد هو المعنى الأول للمسبب دون الثاني, فإنَّه قابل للإتّصاف بهما لإستتباعه ترتب الأثر وعدمه.

وإستدل على ذلك بأنَّ المعنى الأول للمسبب لا مجال لأنْ يتوهم كونه الموضوع له لأنَّه ليس فعلاً للمتعاملين, بل هو إمّا فعل الشارع أو العقلاء, وأسماء المعاملات تنسب إلى المتعاملين أنفسهما, حيث يقال: باع وإشترى وصالَحَ, ولا يقال: باع الشارع أو باع العقلاء(2).

ومع التمعن فيما ذكره يَظهر أنَّ فيه مغالطة واضحة, فإنَّه لا ريب أنَّ ترتب الأثر على أمر يكون تحت اختيار الإنسان حتى ينسب إليه الأثر والمسبب, فإذا تحقق العقد من فرد

ص: 303


1- . بحوث في علم الأصول؛ ج1 ص211.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص304.

يترتب عليه عنوان خاص يتقوم بالطرفين فيقال له البائع والمشتري، كما يترتب عليه أثر وهي الملكية, وكلاهما ينتسبان إلى المتعاملين بالتسبيب, وإلى العقلاء والشارع بالأمضاء, والنظر العرفي العقلائي أو الشرعي إلى الأثر والمسبب أكثر من العنوان المترتب على أنفسهما, إلا إذا كان إعتبار شخصي خاص من قبلهما, ولكنه مع ذلك إنَّما هو طريق إلى تحصيل النتيجة, وهي من فعل المتعاقدين ينسب إليهما بالتسبيب, ولا ريب أنَّ أمرهما يدور بين الوجود والعدم لا الصحة والعدم.

فالحقُّ ما ذهب إليه المشهور من أنَّ النزاع بينهم مبني على وضع أسماء المعاملات للمسببات, والدليل عليه هو الإعتبار العرفي العقلائي الذي أمضاه الشارع بما هو موجود عند العرف.

الجهة الثالثة: المشهور بين الأصوليين أنَّ أسماء المعاملات موضوعة للمسببات دون الأسباب, ولا بدَّ أنْ يتبين أولاً هل أنَّ بين هذين العنوانين: المعاملة بمعنى السبب والمعاملة بمعنى المسبب تقابل, أو أنَّهما فردين من مفهوم واحد؟ والظاهر أنَّ ما ذهب إليه المشهور من وضع أسماء المعاملات للأسباب دون المسببات, لأنَّ الأخيرة بسائط لا تتَّصف إلا بالوجود أو العدم.

ويرجع ذلك إلى جعل التقابل بينهما والقول بأنَّ الشارع لم يعتبر إلا وجود المسبب كاملاً أو عدمه, فقالوا لا مجال للنزاع في المسبب.

والصحيح أنْ يُقال: إنَّ شأن المقولات الإعتبارية في عالمها شأن المقولات الحقيقية في عالمها, فكما أنَّ للأخيرة صورة ومظهر ومادة وأثر فكذلك للأولى، وكما أنَّ للثانية صحيح وفاسد في كليهما أي بالنسبة إلى السبب والمسبب فكذلك للأولى، فالصيغة الملحونة-مثلاً- فاسدةُ السبب والصيغة الفصيحة صحيحة، كما أنَّ بعض الأثر فاسد المسبب أو كامل المسبب, وبعضه صحيحٌ وكامل.

ص: 304

وإذا رجعنا إلى العرف نرى أنَّهم يستعملون الصحيح والفاسد في كليهما, بل نظرهم إلى المسبب أكثر من السبب كما ذكرنا آنفاً، فالفاسد في المسبب معقول, بل يمكن تصويره, بل هو واقع بين الناس على مرِّ العصور.

كما أنَّ الحقَّ أنَّه لا تقابل بين المعاملة بمعنى السبب والمعاملة بمعنى المسبب, بل هما فردان من مفهوم واحد, فإنَّ البيع -مثلاً- إسم للتمليك بعوَض، وإنَّ البايع في إنشائه قد أوجد التمليك خارجاً حقيقة بنفس إنشائه وإعتباره، والجميع من إعتباره وما تسبب إليه فرد من الملكية, إلا أنَّ أحدهما إلتزام شخصي مباشر والآخر إلتزام قانوني أو شرعي تسبيبي, ويدلُّ على ذلك صحَّة إطلاق الإسم عُرفاً على كلٍّ منهما بلا عناية, وسيأتي في كتاب البيع أنَّه شيء واحد إعتباري يتحقق في الخارج بسبب الإنشاء إلا أنَّ الحيثيات والإضافات أوجبت الإختلاف ولأجلها إختلفت تعاريفهم للبيع.

والعرف الذي هو الأصل في مثل هذه الأمور -كما عرفت آنفاً- يرى أنَّه لا يوجد فيها إلا شيئٌ واحدٌ وهو ما يوجده المتعاملان من التمليك بعوَض. نعم؛ ربَّما يتعدد بالنظر الدقِّي العقلي إلى إنشاء معاملي ونتيجة قانونية منشأة به، نظير تحليل الموجود الخارجي إلى إيجاد ووجود.

فإذا ثبت صحَّة إطلاق أسماء المعاملات على المعاملة بكلا المعنيين كان النزاع حول وضعها بخصوص الصحيح منها أو الأعم فيهما أيضاً كذلك. إلا إذا كان هناك عرف شرعي أو تطابق في الرأي على إختصاص إطلاق الإسم على خصوص السبب دون المسبب, وهو يحتاج إلى دليل.

ومِمّا ذكرنا يظهر الإشكال فيما ذكره الشهيد قدس سره من أنَّ أسامي المعاملات حقيقة في الصحيح ومجاز في الفاسد.

ص: 305

الجهة الرابعة: في وضع أسماء المعاملات

الحقُّ أنَّها موضوعة للأعم, وقد عرفت أنَّه الصحيح الإقتضائي, فكلَّما صدقت عليه عناوينها الخاصة عُرفاً ولم يثبت الردع عنها شرعاً يصحُّ التمسك بإطلاقها وعمومها لنفي مشكوك القيدية مطلقاً, ومع الشكِّ في الصدق العرفي لا يصحُّ التمسك بها كذلك؛ لأنَّه من التمسك بالدليل في الموضوع المشتبه فيرجع إلى الأصول الموضوعية, ومع عدمها نرجع إلى الأصول الحكمية.

توضيح ذلك: إنَّه لا ينبغي الشكُّ في عدم وضعها لخصوص المعاملة الصحيحة بنظر الشرع, لأنَّها كما عرفت كانت دارجة عند العرف قبل مجيء الشريعة, ومخالفة الشرع مع العرف في بعض القيود والشروط لا يوجب المخالفة في مدلول الإسم لما قد عرفت في بحث الحقيقة الشرعية من أنَّ الشارع يستعمل تلكالألفاظ في نفس المعاني المعهودة عند الناس وهو سائر على طريقتهم في محاوراتهم.

وكذلك الصحَّة بنظر العقلاء لعدم أخذها في مدلول الأسماء لا مفهوم الصحة كما هو واضح ولا واقع الصحيح لعدم إمكان أخذ كلّ ما يعتبر في الصحة؛ لإختلافه بحسب الأعصار والأمصار, فلا بدَّ أنْ يكون الوضع للأعم وهو الصحيح الإقتضائي الذي يتحقق من أصل الإنشاء والمعنى المنشأ به.

الجهة الخامسة: في ثمرة النزاع

قالوا بانعقاد الإطلاق بناءً على الوضع للأعم, وعدم إنعقاده على الوضع للصحيح كما هو الحال في أسماء العبادات. إلا أنَّه على القول بالوضع للصحيح الشرعي لا ينعقد إطلاق لفظي أصلاً, وكذا على القول بأنَّها موضوعة للصحيح وكان الشكُّ في إعتبار شيء عند العقلاء؛ فإنَّه لا يصحُّ التمسك بالإطلاق.

ص: 306

والحقُّ أنْ يُقال بإمكان التمسك بالإطلاق اللفظي في أسماء العبادات فضلاً عن المعاملات التي هي إمضائية؛ كما عرفت سابقاً, وعلى فرض عدم التمكن بالتمسك بالإطلاق اللفظي فإنَّه يمكن التمسك بالإطلاق بوجهين آخرين:

الوجه الأول: الإطلاق المقامي باعتبار ظهور حال الشارع عند تصدّيه لإمضاء معاملة عرفية الإحالة إلى العرف العقلائي بالنسبة إلى ما سكت.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ الشارع حكم بصحَّة كلّ ما هو بيع عرفاً من أيِّ سبب حصل عنده، وهذا ملازم لإمضاء سببية كلّ ما هو سبب عند العرف، وإلا يلزم تخصيص عموم (أحلَّ الله البيع) بخروج ذلك الفرد المشكوك.

نعم؛ لو كان الشكُّ في مدخلية شيء عند العرف لا يمكن التمسك بهذا العموم لرفع المدخلية عندهم, لأنَّه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأنَّ الحكم لا يثبت موضوعه.

وقيل: إنَّه يشترط في التمسك بالإطلاق المقامي إحراز تصدي المولى لبيان تمام مرامه بشخص ذلك الخطاب لا مجموع خطاباته, كما هو طريقته في الردع.

والظاهر أنَّه من لزوم ما لا يلزم, فإنَّ المدار على إطلاق الإمضاء الحاصل من عدم الردع ولو كان من خطابات عدَّة.

نعم؛ يكون إستكشاف الإمضاء الشرعي من عدم وصول الرادع مع الحاجة إليه إنَّما هو إعتماد على دليل لبّي ولا يضر ذلك وإنْ لم يكن بمنزلة الدليل اللفظي الذي فيه إمتيازات خاصة.

الوجه الثاني: التمسك بالإطلاق بملاك صون الكلام عن اللغوية, أي بدلالة الإقتضاء في إمضاء المعاملة, بمعنى أنَّه لو لم يكن الإمضاء مطلقاً لزم لغوية الخطاب عُرفاً.

ص: 307

وأُشكل عليه بأنَّ هذا الإطلاق موقوف على عدم وجود متيقن لمفاد الدليل، كما هو كذلك بالنسبة إلى المعاملة الواجدة لتمام ما يحتمل دخله في صحتها شرعاً.

ولكن يمكن الجواب عنه بأنَّ المفروض أنَّ الشارع أحال الموضوع إلى العرف, فما إعتبره العرف صحيحاً شرعاً فإنَّ إطلاق الإمضاء كافٍ في الصحة.

ومن ذلك يظهر صحة التمسك بإطلاق المعاملات؛ سواء قلنا بإمضائه الأسباب أو المسببات أو الإعتبارات الصادرة من المتعاملين، فإنَّ إطلاق الإمضاء يكفي في التمسك به لدى الشكّ.

وأشكل على ذلك بوجوه:

الوجه الأول: إنَّه إنْ قام الدليل على إمضاء المسببات فلا دليل على إمضاء الأسباب العرفية.

وردّ عليه المحقق الأنصاري قدس سره بأنَّ العرف يرى أنَّ إمضاء المسبب بسبب معين عندهم يستلزم إمضاء السبب أيضاً, وهذا وإنْ كان صحيحاً إلا أنَّه لا حاجة إليه بعد وجود إطلاق في البين وإتّحاد الأسباب والمسببات في الوجود عرفاً كما تقدّم.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق النائيني قدس سره من أنَّه بناءً على وضع الإسم المعاملة للمسبب لا يمكن التمسك بالإطلاق اللفظي على كلِّ حالٍ لأنّ إمضاء المسبب لا يقتضي إمضاء كافة ما جعل سبباً له بل يكفي إمضاء سبب من أسبابه.

وأجاب قدس سره عن ذلك بأنَّ العقود والايقاعات ليست من قبيل الأسباب بالنسبة إلى هذه العناوين حتى يكون لهما وجودان متلازمان بل هي آلات لإيجاد هذه العناوين عند العرف فيكون إمضاء الشارع تصوراً لعموم هذه العناوين التي توجد بهذه الآلات كافٍ لرفع الشكِّ عن صحة بيع عند إحتمال مدخلية شيء آخر في آلية تلك الآلة عند الشرع.

ص: 308

ولكن الإشكال عليه واضح كما قررناه من أنَّه لا تعدد وجودي في الأسباب والمسببات في المعاملات سواءً كانت بمعنى الآلة وذيها أم غيرها, وعلى فرض التنزل فلا فرق بين السبب والآلة فإنَّ التغاير الوجودي محفوظ في كلِّ واحدٍ منهما, والإشكال في الآلة نفس الإشكال في السبب, والجواب عن أصل الإشكال يظهر من أنَّ عموم الحكم وإطلاقه في البيع مثلاً بنفوده يستلزم إمضاء سببية أسبابه بأيِّ معنىً كان.

وأورد عليه السيد الخوئي قدس سره بأنَّ المسبب كالسبب منحلٌّ خارجاً بتعدد الأسباب, سواء أريد به الحكم العقلائي أو الإعتبار الشخصي أو المنشأ للمتعاملين لوضوح إنحلال الأحكام العقلائي بعدد الأسباب وأنَّ المتعاملين في كلِّ معاملة وإنشاء لهم إعتبار ومنشأ غير ما لهم في الإنشاء الآخر، فليس هناك مسببخارجي واحد له أسباب عديدة كي يقال بعدم دلالة إمضائه على إمضاء كافة أسبابه(1).

ويرد عليه ما ذكرناه آنفاً من أنَّه لا تعدد وجودي في باب المعاملات, وعلى فرض التنزيل أنَّ إمضاء أيِّ واحدٍ منهما إمضاء للآخر, والإطلاق شمولي في الإمضاء عرفاً لأنَّه كما هو المرجع في المفاهيم فهو المرجع في التطبيق.

والحاصل: إنَّه لا ثمرة عملية يترتب على هذا البحث, فإنَّه لو لم يكن إطلاق لفظي يرجع إلى الإطلاق المقامي على كلا القولين؛ الوضع للصحيح أو الوضع للأعم.

وإنْ كان في الأخير إطلاق لفظي محكم في نفي شيء إحتُمل دخله في المعاملة إلا إذا احتمل دخله فيها عرفاً فإنهَّ لا يصحُّ التمسك بالإطلاق اللفظي لأنَّه من التمسك به في الشبهة المصداقية.

هذا تفصيل ما أوجزه السيد الوالد قدس سره , وإيجاز ما فصّله القوم.

ص: 309


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص199 ومابعدها.
بحث في أنواع علاقة اللفظ بالمعنى

ذكر السيد الوالد قدس سره في الأمر الثالث عشر أنواع العلاقة بين اللفظ والمعنى, والحقُّ أنْ يذكر هذا البحث في بحوث الدلالة اللفظية التي تقدمت, لكنه تبع صاحب الكفاية وغيره في ذلك(1).

وكيف كان؛ فإنَّ العلاقة الوضعية بين أيِّ لفظٍ ومعنى على أنواع:

الأول: أنْ تكون علاقة واحدة بين لفظٍ واحد ومعنىً واحد بأنْ يكون اللفظ موضوعاً للّفظ وموضوعاً لمعنىً كذلك ويعبّر عنه بمتَّحد المعنى؛ وهذا لا كلام فيه.

الثاني: أنْ يكون اللفظ والمعنى متعددين, وتكون العلاقة الوضعية بينهما متباينة لفظاً ومعنىً, ويعبر عنه بالمتباين؛ وهذا لا كلام فيه أيضا.

الثالث: أنْ تكونا مشتركتين في لفظٍ واحد؛ بأنْ يكون لفظٌ واحد موضوعاً لأكثر من معنىً, ويعبّر عنه بالإشتراك.

الرابع: أنْ يكون أكثر من لفظ موضوعاً لمعنىً واحد, ويعبّر عنه بالمترادف.

قال السيد الوالد قدس سره : لا ريب في وقوع الجميع في المحاورات الصحيحة.

وتفصيل الكلام في ذلك: أمّا بالنسبة إلى الأول والثاني فلا كلام فيهما من حيث الإمكان والوقوع وتدلُّ عليهما المحاورات الصحيحة(2) كما هو واضح.

وأمّا الإشتراك فهو إمّا إشتراك معنوي ولا إشكال فيه, وعليه تدور الإستعمالات الفصيحة وتبتني إستفادة المعاني الكلية كما هو معلوم.

ص: 310


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص34.
2- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص34.

وأمّا الإشتراك اللفظي ففيه أقوال خمسة:

الأقوال في الإشتراك اللفظي

القول الأول: الإمكان والوقوع

وهو المشهور, ويدلُّ عليه النقل والتبادر بلا فرق بين أنحاء حقيقة الوضع على ما عرفت وإنْ كان الأمر أوضح على ما هو المختار في حقيقة الوضع فإنَّه لا إشكال فيه لأنَّه لم تحصل العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى دفعة واحدة وفي زمان خاص بل مرَّت بمراحل متعددة، وقد تحصل علاقات متعددة بين لفظ واحد ومعانٍ متعددة إمّا لأجل محدودية الألفاظ وكثرة المعاني فاستعمل لفظ واحد في معانٍ وكانت هناك إقترانات مقالية أو حالية تميّز بين الأوضاع لرفع الإجمال والإلتباس وقد حذفت بمرور الزمن، أو لأجل تعدد الواضعين للألفاظ المشتركة حسب تعدد القبائل أو المجاميع اللغوية البدائية, أو حصول التبادل بين اللغات وانتقال ألفاظ متشابهة واستعمال كلّ إجتماع هذا اللفظ في معنىً عندهم, وقد أثبت المؤرخون بعض الخصوصيات في إكتشافاتهم التأريخية اللغوية فراجع كتب اللغة الحديثة.

القول الثاني: ضرورة الإشتراك ووجوب الوقوع

وإستدلّ عليه بالبرهان المعروف؛ وهو كثرة المعاني, بل وعدم تناهيها مع كون الألفاظ محدودة ومتناهية لكونها مركبة من الحروف المتناهية.

فلو لم يكن إشتراك لزم منه إمّا الإخلال بالحكمة أو يلزم من عدمه تطابق المتناهي مع اللامتناهي وهو محال.

ويرد عليه:

أولاً: إنَّه بناءً على ما ذكر يستلزم أنْ لا يكون لفظاً مهملاً في اللغة مع أنَّها كثيرة فلا يمكن أنْ يكون سبب الإشتراك زيادة المعاني على الألفاظ لاسيما أنَّ جُلّ الكلمات اللغوية في

ص: 311

سائر اللغات تعتبر مهملة في اللغة العربية, فلا يصحُّ تفسير الإشتراك فيها على أساس الضرورة المذكورة.

ثانياً: إنَّ المعاني متناهية أيضاً في كلِّ دور من الأدوار وما هو مورد الإحتياج متناهٍ قطعاً, فلا حاجة إلى معانٍ أخرى حتى نحتاج إلى الإشتراك.

وأشكل عليه بأنَّه لو أدخلنا في الحساب المعاني الإعتبارية فلا برهان على تناهي المعاني الكلية بل هو على الخلاف, فإنَّ المعاني إمّا أنْ تكون بسيطة كمفهوم الوجود والعدم, أو مركبة تركيباً حقيقياً كمفهوم الإنسان, أو تكون مركبة تركيباً إعتبارياً كمفهوم الدار, فلو فرض تناهي القسمين الأولين فالقسم الثالث لا تناهي فيه لكونه منتزعاً من ملاحظة مجموع أمرين أو أكثر بعدد دخولها تحت وحدة إعتبارية، وهذا الإنتزاع أمر غير قابل للتناهي.

ويمكن الجواب عنه بأنَّه إنْ كنّا وحساب الإحتمالات فالأمر كما ذكر, ولكن الكلام في تلك المعاني التي تكون مورد حاجة الإنسان التي تقع مورد إستعماله، فالأمركما ذكره المجيب, فإنَّ مورد الإحتياج متناهٍ قطعاً لأنَّ الوضع والإستعمال فرع تصور الإنسان للمعنى, فما لا يتصور فعلاً لا يحتاج إلى إستعمال اللفظ فيه, فالأوضاع لا يمكن أنْ تزيد عن المجموع الكلي للمعاني التي تصورها في حياته, وحيث أنَّ هذا المجموع محدود ومتناهٍ فلا يتطلب إلا أوضاع متناهية، ولعلَّ ما ورد في الآية الكريمة: ﱥﱠ ﱡ ﱢ ﱣﱤ(1) إشارة إلى هذا التناهي.

ثالثاً: على فرض التنزل فإنَّه لا ينحصر الأمر بالإشتراك أي تعدد الوضع بعدد الدلالات الوضعية، فإنَّه يحصل بالوضع العام والموضوع له الخاص.

ص: 312


1- . سورة البقرة؛ الآية 31.

وأمّا الرد عليه بالتعويض عن الإشتراك بالإستعمال المجازي, فإنَّه لا يحلُّ الإشكال لأنَّنا ننقل الكلام إلى المعاني المجازية؛ فهي أيضاً غير متناهية بعد فرض كون المعاني الحقيقة متناهية فإنَّه يفترض أنْ تكون علاقات غير متناهية بين المعاني المجازية وبين المعاني الحقيقية ويعود المحذور.

ومن ذلك يظهر أنَّ الإشتراك وإنْ كان قد وقع في الخارج خصوصاً في الأعلام الشخصية لكنه لا يدلُّ على وجوب وقوعه, فإنَّ الوقوع أعمّ من الوجوب كما هو واضح.

القول الثالث: الإستحالة

ذهب إليه جمع منهم السيد الخوئي قدس سره بناءً على ما إختاره في معنى الوضع من أنَّه تعهد تفهم المعنى عند ذكر اللفظ.

وإستدل على الإستحالة بأنَّ اللفظ وجهٌ للمعنى وفانٍ فيه, وإندكاك الواحد في إثنين تناقض, وقد ذكر ذلك بأسلوب آخر؛ بأنَّ اللفظ أداة الإنتقال، وأنَّ حدوث إنتقالين دفعة واحدة غيرُ معقول عرضاً, وتقدُّم أحدهما على الآخر طولاً ترجيح بغير مرجح(1)..

ويرد عليه: أمّا بالنسبة إلى ما ذهب إليه السيد الخوئي فقد عرفت ضعف المبنى والبناء, مضافاً إلى أنَّه يمكن تصحيح الإشتراك حتى على ما اختاره بالحيثيات والقيود.

وأمّا مقولة فناء اللفظ في المعنى فهي دعوى لا أساس لها, لأنَّ اللفظ له نحو من التعيين والمعنى كذلك, ولا يعقل فناء أحد المتعينين في الآخر.

نعم؛ لا ريب أنَّ اللفظ عنوان مشير إلى المعنى، ويصحُّ أنْ يكون شيء واحد مشيراً إلى شيئين.

ص: 313


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص207.

القول الرابع: الإمكان وعدم الوقوعوذلك لاستلزامه اللغوية, إذ الحكمة والغرض من الأوضاع اللغوية إفهام المعنى الموضوع بإزائه اللفظ بذلك اللفظ، وهو يستلزم أنْ يكون الموضوع له متعيناً لا مردداً بين معانٍ متعددة، كما في المشترك.

وأجيب عنه بأنَّ الحكمة كما تقتضي التطويل فإنَّها تقتضي أيضاً الإجمال, فيؤتى بالقرينة لإيضاح المعنى, ولا يعتبر ذلك تطويلاً.

القول الخامس: عدم الوقوع في القِران

وإستدلّ عليه بمثل الدليل السابق، والجواب عين الجواب.

والحاصل: إنَّ إمكان الإشتراك ووقوعه من الأمور الواضحة, بل كاد أنْ يكون من الأمور البديهية وهو يغني عن بسط الكلام, وربما ينقدح في الذهن أنَّ أصل النزاع في الإشتراك نشأ بين التصور والواقع الذي عليه المحاورات والتفهيم والتفهم, فإنَّ الألفاظ إنَّما وضعت لغرض تفهيم المعنى والإشتراك يضرُّ ذلك وعلى خلافه.

نعم؛ يبقى أنْ نقول بأنَّ هذا الغرض ربما ينقلب إلى الإجمال والإبهام في مرحلة التخاطب، فلا ينافي الغرض الأصلي للوضع وإنَّما يذكره الأصوليون تمهيداً لبحثٍ أهم وهو إستعمال اللفظ في أكثر من معنى وإنْ لم يكن مبتنياً عليه, ويعتبر هذا المبحث من المباحث الأصولية المهمة لما يترتب عليه من الثمرات المتعددة والآثار الفقهية الكثيرة المذكورة في الفقه؛ كما ستعرف.

وقد وقع النزاع في جوازه وإمكانه؛ فذهب جملة من المحققين إلى إمتناعه إمّا محاورةً كما ذهب إليه المحقق القمي, أو عقلاً كما إختاره الخراساني والنائيني, كما أنَّ من ذهب إلى إمكانه مع مخالفته للقواعد العربية إختلفوا فيه؛ فقالوا بالجواز في غير المفرد أو في غير الإثبات أو مساوقته إمّا للمجاز مطلقاً أو في خصوص المفرد دون غيره.

ص: 314

وقد ذكر السيد الوالد قدس سره هذا البحث في ضمن بحث المشترك؛ مِمّا أوجب الإيهام.

تفصیل القول في الإشتراک المعنوی و فیه جهات
اشارة

وعلى أيَّة حالٍ؛ ينبغي تقديم أمور:

الأمر الأول: لا فرق في المعنى المستعمل فيه اللفظ بين المعنيين الحقيقيين أو المجازيين أو المختلفين وأمثلة كلّ واحد منهما واضحة.

الأمر الثاني: إنَّه لا إشكال في صحَّة إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً إذا كان على نحو تعدد الدالِّ والمدلول, نظير الكنايات التي يستفاد من مدلولها المطابقي شيء ومن مدلولها الإلتزامي شيء آخر, وهو خارج عن مورد النزاع.

الأمر الثالث: لا يجري هذا النزاع في المشترك المعنوي, كما لا يجري في العام على سبيل البدل كالنكرة أو كان الإستعمال في المجموع فينحصر في خصوص ما إذا كان الإستعمال على سبيل الإستقلال فكأن اللفظ لم يستعمل إلا فيه كما ستعرف.إذا عرفت هذا فإنَّ تفصيل القول في المشترك يقع من جهات عديدة:

الجهة الأولى: في تحرير محل النزاع بين الأعلام

إنَّه لا إشكال كما عرفت في أنَّ محل النزاع ما كان كلُّ واحدٍ من المعنيين مستقلاً في مقام تعلق الإرادة الإستعمالية به بأنْ يكون اللفظ كاشفاً عن كلٍّ منهما مستقلاً, فيكون بمنزلة أنْ يستعمل فيهما مرتين وعلى حدة فيكون هناك كشفان، والإستقلال المقصود هو الإستقلال الإستعمالي لا الحكمي, وهذا المعنى هو الذي وقع مورد البحث, وقيل أنَّه واضح الإستحالة كما ستعرف.

وأمّا إذا أريد باستعمال اللفظ في أكثر من معنىً إستعماله في معانٍ متعددة مستقلة غير مرتبطة, إلا أنَّه بكشف واحد نظير العام الإستغراقي الذي يراد به كلُّ فرد بلا إرتباط له بغيره من الأفراد, ويجعل اللفظ العام كاشفاً عن الجميع، فهذا المعنى واضح الإمكان؛

ص: 315

لبداهة صحَّة إستعمال العام على نحو الإستغراق والشمول, ولا محذور فيه, كما أنَّه لم يتوقف فيه أحد.

تفصيل ذلك: إنَّ إستحالة التقريب الأول يبتني على لحاظ كون اللفظ فانياً في المعنى بجعله وجهاً ومرآة له بحيث يكون المعنى كأنَّه هو الملقى رأساً, وعليه يكون الإستعمال في المتعدد ممتنعاً لأنَّ استعمال اللفظ حينئذٍ في معنىً يستلزم إفناءه مرتين, وهو يقتضي أنْ يلحظ بلحاظين آليين, وهو ممتنع؛ لاستحالة إجتماع المثلين في شيء واحد في آن واحد وسيأتي تحقيقه.

وأمّا بناءً على نظرية العلامية التي تقدم ذكرها وكون اللفظ علامة للمعنى كان الإستعمال في أكثر من معنىً ممكناً, إذ لا مانع من أنْ يكون الشيء الواحد علامة لأكثر من معنى وكاشفاً عن أمرين مع كونه ملحوظاً بلحاظ واحد كما هو شأن العلامة, فمثلاً: إنَّ العلامة المنصوبة في الطرق ربَّما تكون بياناً لأمورٍ متعددة من تعيين المسافة وأرض بَني فلان ونحو ذلك.

وقد أشكل على ذلك بأنَّ المقصود من جعل اللفظ علامة للمعنى أنَّه سبب لحصول العلم والإنتقال إلى المعنى فهو سبب للإعلام والتفهيم الذي معناه إيجاد العلم والفهم، وحينئذٍ يمتنع أنْ يكون اللفظ محققاً لإعلامين وتفهيمين لامتناع أنْ يكون الوجود الواحد إيجادين لاتّحاد الوجود والإيجاد حقيقةً وإنْ تغايرا إعتباراً، وسيأتي تحقيق ذلك.

إلا أنَّه أورد المحقق الإصفهاني قدس سره على دعوى إمتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنىً بالنقض بموارد:

المورد الأول: العموم الإستغراقي؛ فإنَّه يلحظ كلُّ فرد من أفراد العام مستقلاً وعلى الإنفراد, ويحكم على كلِّ فرد بحكم واحد، كذلك يصحُّ إستعمال اللفظ الواحد في كلِّ

ص: 316

معنىً على إنفراده, فاعتبر أنْ يكون الإستقلال الإستعمالي بمنزلة الإستقلال الحكمي الذي هو صحيح فيصحُّ الأول أيضاً.

المورد الثاني: إنَّ أفراد العام ربَّما تكون غير متناهية فلا يمكن لحاظ كلٍّ منها بنحو الإستقلال والحكم عليها فيحكم عليها بتوسط عنوان يكون كاشفاً عنها فيكون لحاظه لحاظاً لها، وعليه؛ فكما يكون المفهوم الواحد فانياً في أفراده المتعددة كذلك يمكن أنْ يكون اللفظ الواحد فانياً في المعاني المتعددة عند الإستعمال.

والحاصل: إنَّ ما يريده المحقق المذكور كما ذكره بعض الأعلام هو التلازم بين الإستقلال الإستعمالي وبين الإستقلال الحكمي, فإذا صحَّ في الأخير صحَّ الأول أيضاً(1).

وأجيب عن هذه الشبهة بوجهين:

الوجه الأول: إنَّ النقض بالحكم في الأول غير تامّ لأنَّ الحكم يختلف عن الإستعمال, فإنَّ اللفظ يكون فانياً في المستعمل فيه، وليس كذلك الحكم فإنَّه لا يفنى في موضوعه وإنْ توقف على تصوره بأيِّ نحوٍ كان, ولا محذور فيه.

وأمّا النقض الثاني بأنَّ ألفاظ العموم غير فانية وحاكية عن كلِّ فرد مستقلاً فليس في العمومات ما يكون عنواناً لكلِّ فرد بما هو كي يكون فانياً فيه.

وفيه:

أولاً: إنَّ قضية فناء اللفظ في المعنى موضوع بحث كما سيأتي فهو بنائي.

ثانياً: إنَّ الإستدلال بالموردين في النقض إنَّما هو لأجل بيان إمكان تصوير إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً عند العرف, والموضوع عرفي أكثر من كونه دقياً عقلياً.

ص: 317


1- .نهاية الدراية؛ ج1 ص64.

ثالثاً: إنَّ النزاع في ألفاظ العموم كونها فانية أو لا نزاع صغروي، فلو دلَّ لفظ على ما ذكره قدس سره يصحُّ النقض به على ما نحن فيه، وسيأتي أنَّ النكرة إنَّما تفيد العموم على سبيل البدل.

الوجه الثاني: ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ منشأ توهم النقض هو الخلط بين ما هو المقصود في مقام الإستعمال, أي إرادة المعنى إستقلالاً لا ضمناً وهو إرادة المطلق مقابل المقيد, مع أنَّ المقصود في مقام الحكم إرادة تفهيم الجامع بين المطلق والمقيد بنفسه.

وفيه: إنَّه خلاف الفرض, فإنَّ المقصود في الحكم إنَّما الحكم على الأفراد بلحاظ العنوان الذي يكون كاشفاً عنها وتكون ملحوظة باللحاظ المستقل وعلى إنفراد.

المورد الثالث: النقض بالوضع العام والموضوع له الخاص؛ فإنَّه كما يمكن وضع اللفظ إلى كلِّ واحد من الأفراد بتوسط عام، وفي باب الإستعمال أيضاً كذلك؛ فيستعمل اللفظ في كلِّ واحد من المعاني بتوسط عنوان عام.وأجيب عنه بأنَّه فرق بين مقام الإستعمال ومقام الوضع فإنَّ اللفظ فانٍ في باب الإستعمال في المعنى, وليس كذلك في باب الوضع فإنَّه ملحوظ بالإستقلال، وأمّا نفس الوضع فهو كالحكم لا يحتاج إلا إلى لحاظ الموضوع له.

والحاصل: إنَّه يمكن أنْ يكون مقام الإستعمال نظير مقام الحكم في إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً إستقلالاً, وما ذكر إنَّما هو خلط بين الأمور العرفية التي يبتني عليها الوضع والإستعمال والحكم, وسيأتي مزيد بيان.

الجهة الثانية: في إمكان إستعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى وإمتناعه

إدُّعيَ إمتناع واستُدلَّ عليه بوجوه, وهي إمّا ترجع إلى الإستحالة العقلية؛ وهي تختلف من حيث المنشأ والسبب؛ إمّا النفس أو اللفظ أو السامع. أو ترجع إلى الإمتناع المحاوري.

ص: 318

وهذه الأدلة مختلفة من حيث السبب, فإنَّ بعضها يرجع إلى النفس أو اللفظ أو السامع, وتفصيلها:

الأول: ما نسب إلى المحقق الآخوند قدس سره من أنَّ الإستعمال عبارة عن إفناء اللفظ في معناه لأنَّ اللفظ ملحوظ باللحاظ الآلي ومرآة للمعنى, ولا يعقل فناء الواحد في إثنين لأنَّه مع فناء اللفظ في أحد المعنيين فأيّ وجود يبقى له لكي يفرض فناؤه في المعنى الآخر, ومن هنا قالوا أنَّ الفناء يستدعي العينية في التصور واللحاظ وهو خلاف التعدد(1).

وفيه: ما عرفت مكرراً من أنَّ هذه القضية لا أصل لها في عالم الألفاظ والمعاني, فإنَّ للَّفظ نحو تعيين كما أنَّ للمعنى نحواً من التعيين, ولا يعقل الفناء في مثل ذلك.

نعم؛ لا ريب في أنَّ اللفظ عنوان مشير إلى المعنى, ويصحُّ أنْ يكون شيءٌ واحدٌ عنواناً ومشيراً إلى شيئين؛ على أنَّ هناك بحث طويل في إمكان الفناء واستحالته في الواحد.

يضاف إلى ذلك أنَّ الآلية بالمعنى المذكور غير معقولة في مقام الإستعمال, لأنَّ الاستعمال ليس إفناء بل هو إيجاد اللفظ بقصد الإنتقال إلى المعنى وهذا يلائم إستعمال اللفظ الواحد في معنيين.

الثاني: ما أشار إليه المحقق العراقي قدس سره في مقالاته من أنَّه بناءً على أنَّ اللفظ في مقام الإستعمال يلحظ لحاظاً آلياً يلزم منه في حالة استعمال اللفظ في أكثر من معنىً إجتماع لحاظين على ملحوظ واحد وهو اللفظ, لأنَّ المفروض أنَّ الوصول إلى المعنى لا يكون إلا عن طريق اللفظ, وهو يعني مرور لحاظين من اللفظ إلىالمعنيين في وقت واحد, وهذا هو معنى لزوم إجتماع لحاظين آليين على اللفظ في إستعمال واحد وهو غير معقول(2).

ص: 319


1- . كفاية الأصول؛ ص35.
2- . مقالات الأصول؛ ج1 ص162.

وفيه:

أولاً: إنَّ اعتبار الآلية للَّفظ في مقام الإستعمال فاسد, بل الصحيح ما ذكرناه من أنَّ الإستعمال إيجاد اللفظ بقصد تنبيه ذهن السامع للإنتقال إلى معناه بالمواضعة, وفي مثل ذلك يصحُّ إستعمال منبه إلى معين.

ثانياً: وعلى فرض التنزل لكن اللحاظ الآلي للَّفظ في مقام الإستعمال لا يعني أنَّ لحاظاً واحداً يعبر من اللفظ إلى المعنى ليلزم منه محذور عبور لحاظين عن اللفظ إلى المعنى, بل المراد منه أنَّ اللفظ بالوجود الذهني ليس ملحوظاً من قبل النفس إستقلالاً، بل الوجود الذهني أعمّ من التوجه والإلتفات، فلا يلزم من إستعمال اللفظ إستعمالاً أدائياً لتفهيم معنيين إجتماع لحاظين آليين عليه.

الثالث: ما نسب إلى المحقق النائيني قدس سره من أنَّ النفس باعتبار بساطتها يمتنع في حقِّها أنْ تلحظ معنيين مستقلين في آنٍ واحد، والإستعمال في أكثر من معنىً يستدعي ذلك وإلا يفقد الإستعمال أهم مقوماته وهو اللحاظ(1).

وأورد عليه بعض المحققين من أنَّ النفس على بساطتها لها القدرة على تصورات وانتقالات متعددة في آنٍ واحد, ويدلُّ على ذلك تصور النفس أجزاء القضية عند إجتماعها في زمان إيقاع النسبة والحكم, وأنَّ اللفظ والمعنى متزامنان دائماً وهما وجودان ذهنيان, بل للنفس قدرات خلاقة كثيرة متعددة الجوانب, فإنَّ لها القدرة على تصور إجتماع النقيضين ثم الحكم عليه بالإمتناع وغير ذلك(2).

ص: 320


1- . أجود التقريرات؛ ج1 ص76.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص235.

الرابع: ما أشار إليه المحقق العراقي قدس سره أيضاً من أنَّ استعمال اللفظ في معنيين يستلزم منه أنْ يكون اللفظ علّة لحضور معنيين في ذهن السامع وهو مستحيل لامتناع صدور الكثير عن الواحد.

وبعبارة أخرى؛ إنَّ اللفظ عند استعماله في معنيين يقتضي إيجاد مفهومين في ذهن السامع وهو غير ممكن لأنَّه من توارد المعلولين على علة واحدة.

ويرد عليه: إنَّ الدلالة واسطة كما عرفت لا مقتضٍ ولا مصدر حتى يلزم منه ما ذكر, مضافاً إلى أنَّ اللفظ بلحاظ كلِّ واحد من الوضعين قد إكتسب حيثية معينة وقرناً خاصاً بكلِّ واحد من الوضعين مغاير للحيثية التي يكتسبها بتوسط الوضع الآخر, وعلى فرض التنزل يستلزم منه إستحالة إجتماع ترتب إنفهامين في ذهن السامع على اللفظ لا إستحالة إستعمال اللفظ في أكثر من معنى, لأنَّ الإستعمال لايتقوم بفعلية الإنفهام بل بشأنيته في نفسه, ولذا ربَّما يكون المستعمل في مقام الإجمال.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّه لا إستحالة من جهة النفس أو اللفظ أو السامع. وهذه الأدلة كانت في مقام بيان الإستحالة العقلية.

الخامس: ما ذهب إليه بعض من أنَّ إستعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم تكثر الواحد, لأنَّ تعدد الدلالة المطابقية مع الإستقلال في كلِّ واحدٍ منهما -كما هو المفروض- يستلزم تعدد الدالّ قهراً مع أنَّه واحد في الإستعمال الواحد.

وفيه: إنَّ تكثر الواحد بتعدد الإعتبار واختلاف الجهات والحيثيات لا بأس به, وقد عرفت آنفاً من أنَّ كلَّ واحدٍ من الوضعين قد إكتسب قرناً معيناً يختلف عن الآخر.

السادس: ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره وإنْ إختلفت عباراته في بيانه؛ فقال في وجهه بأنَّ الإستعمال عبارة عن صيرورة اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى, فلا يمكن أنْ يكون لفظ

ص: 321

واحد تنزيلاً لمعنيين وهو مستحيل لأنَّ الوجود الحقيقي واحد فليس هناك أمران حقيقيان لينزل كلٌّ منهما منزلة معنى.

وفي وجه آخر قال: إنَّ الإستعمال في مفروض الكلام -وهو استعمال اللفظ في أكثر من معنى- إيجادٌ للمعنى باللَّفظ بوجود تنزيلي, وبما أنَّ الإيجاد متَّحد مع الوجود حقيقة وذاتاً وإنْ إختلفا إعتباراً إمتنع إستعمال اللفظ في معنيين, فإنَّه من المستحيل أنْ يكون الوجود الواحد إيجاداً لكلِّ واحد من المعنيين بحيث يكون إيجادين للمعنيين, لأنَّه إذا كان إيجاداً لأحد المعنيين إمتنع أنْ يكون في نفس الوقت إيجاداً آخراً للمعنى الآخر(1).

ويرد عليه:

أولاً: إنَّ مقولة أنَّ الوجود متَّحد مع الإيجاد؛ وأنَّه يستحيل أنْ يكون وجوداً واحداً إيجاداً لمعنيين إنَّما تتم في الوجود الحقيقي لا الوجود الإعتباري التنزيلي, فإنَّ التنزيل مِمّا يكتسب سعته وضيقة من المنزل للمعتبر فإذا أمكن تنزيل اللفظ منزلة المعنيين كان التنزيل تابعاً له.

ثانياً: إنَّ الإيجاد التنزيلي لا يقتضي الإستقلال في الوجود الحقيقي, وإنْ إقتضى الإستقلال في الوجود التنزيلي فإنَّ إستقلالَ وجود ما إستقلالٌ في عالم ثبوته وموطن تحققه.

ثالثاً: إنَّ تعدُّد المنزّل عليه لا يستدعى تعدَّد المنزّل, إذ يمكن أنْ يكون الوجود الواحد منزلاً منزلة أمور متعددة بتنزيلات متعددة, فلا نحتاج إلى وجود حقيقي آخر لينزل منزلة المعنى الآخر؛ نظير وضع اللفظ للمعنيين.

رابعاً: إنَّ التنزيل إذا كان المراد منه مجرد إعتبار أنَّ اللفظ عين المعنى كما ورد في أنَّ الطواف بالبيت صلاة فليس هذا حقيقة الإستعمال, وإنْ كان المراد كونه مرآة اللفظ للمعنى وكونه

ص: 322


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص64.

وجهاً له في مقام الإستعمال وأنَّه يستلزم منه فناؤه في إثنين أو إجتماع اللحاظين رجع إلى الوجهين السابقين؛ ويرد عليه ما أورد عليهما.

والحقُّ أنَّ جميع ما ذكر من الأدلة في وجه الإستحالة لا تستقيم مع حقيقة الإستعمال والوضع اللذين هما من الأمور الإعتبارية التي تتبع منشأ الإعتبار, وإنَّ جميع تلك الوجوه والمناقشات تدور حول الأمور العقلية كما مرَّ سابقاً.

ثم أنَّ السيد الخوئي قدس سره بنى الحكم في هذا الموضوع على ما اختاره في حقيقة الوضع من أنَّه التعهد، فيكون الإستعمال علامة للمعنى, لأنَّه ليس إلا فعلية ذلك التعهد, وجعل اللفظ علامة لإبراز ما قصد المتكلم تفهيمه, فلا مانع من أنْ يكون علامة لإرادة المعنيين المستقلين.

ويظهر الإشكال فيه مِمّا ذكرنا سابقاً, فالحقُّ أنَّه يمكن إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً مستقلاً, وأنَّ الإستقلالية أيضاً من الأمور الإعتبارية ويمكن إعتبارها من جهتين, ولا محذور فيه.

نعم؛ ربَّما يكون بدون القرينة خلاف المحاورات الصحيحة والإرادات الإستعمالية, ولعلَّ هذا هو سبب الإشكال وإنْ عبَّر بصورة عقلية بحتة كما عرفت؛ وسيأتي بحثه, ولكن الخلاف في بقائه على الحقيقة أو ينقلب إلى المجاز وهذا ما يقع البحث عنه في الجهة التالية.

الجهة الثالثة:

عرفت أنَّ الحقَّ عدم امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنىً معين على وجه الإستقلال وعدم المحذور فيه عقلاً.

وقد وقع الكلام في صحَّة ذلك؛ فقيل بعدم الصحَّة, وإستدلَّ عليه بوجهين:

الوجه الأول: إنَّ اللفظ موضوع للمعنى بقيد وحدة المعنى, والإستعمال كذلك خلافه.

ص: 323

ويمكن الجواب عنه:

أولاً: إنَّ الموضوع له ذات المعنى مع قطع النظر عن الجهات الخارجية من الوحدة وغيرها ويدلُّ عليه الوجدان اللغوي، والتبادر عند العرف في عملية الوضع؛ فإنَّ الإنسان في حال الوضع لا يلحظ سوى نفس الذات ويضع اللفظ له.

ثانياً: لو سلّم كون الموضوع له هو المعنى بقيد الوحدة كما قيل فإنَّه لا يستلزم منع إستعمال اللفظ في أكثر من معنى، إذ يكون حينئذٍ الإستعمال مجازياً محافظة على ذات الموضوع ولا مانع منه إلا إذا استلزم عمومية المجاز المستنكر.

وفيه: إنَّ المُستدلَّ يريد أنْ يكون الإستعمال حقيقياً.ثالثاً: إنَّ الوحدة المدَّعى أخذها في المعنى الموضوع له على حالات؛ فإنَّها إنْ كانت بمعنى الوحدة الذاتية المساوقة لشيئية الشيء في مقابل كون الشيء إثنين؛ فمن الواضح أنَّها محفوظة في موارد إستعمال اللفظ في أكثر من معنى.

وإنْ كانت بمعنى الوحدة اللحاظية الإستغراقية أي كونها ملحوظةً باللحاظ الإستقلالي لا الضمني في مقام الإستعمال فهي -على فرض إمكانها- ملحوظة في المقام, إذ الفرض ملاحظة كلّ واحد من المعنيين بلحاظ إستقلالي في مقام الإستعمال لا ملاحظة المجموع شيئاً واحداً مركباً وإلا كان إستعمال اللفظ في المعنى الواحد.

وإنْ كانت بمعنى نفي ثبوت لحاظٍ للمعنى الآخر في مقام الإستعمال فهو غير معقول أخذه قيداً في المعنى الموضوع له, لأنَّ المراد به نفي واقع اللحاظ الآخر لا مفهومه, وهو ممتنع لما عرفت مكرراً من أنَّ طرفي العلقة الوضعية هما مفهومان تصوريان لا أنْ يكون أحدهما مفهوماً والآخر وجودياً، لأنَّ الإنتقال الوضعي تصوري البتة.

والحقُّ أنَّ جميع تلك الحالات خارجة عن موضوع البحث, فإنَّ المراد بالوحدة الإعتبارية كأصل الوضع والإستعمال, فهو بمكان ولكنه مردود بالوجه الأول.

ص: 324

الوجه الثاني: وهو أنَّ الوضع كان في حال الوحدة, أو ما قيل بأنَّ قيد الوحدة له دخل في غرض الواضع, إذ لم يؤخذ قيداً في الموضوع له لاستحالة تقيده به, فحينئذٍ يمتنع إطلاق المعنى الموضوع له فيلزم التقييد به في مقام الإستعمال الجاري على طبق الوضع.

وفيه:

أولاً: إنَّ الوضع وإنْ صحَّ ثبوتاً في حال الوحدة لكن حالات الموضوع له عند الوضع وأغراض الواضع غير دخيلة في الوضع والموضوع له بالوجدان اللغوي كما عرفت آنفاً, مع أنَّه لو كان كذلك لا يستلزم تعميم المجاز لأكثر الألفاظ لولا كلها.

ثانياً: إنَّ ضيق غرض الواضع لا يستلزم ضيق نفس العلقة الوضعية؛ كما هو واضح.

هذا كلُّه بحسب الوضع وقواعد اللغة فلا مانع من ذلك, ولكن هل هو خلاف الظهور العرفي في المحاورات؟.

قيل: نعم؛ لأنَّ ظهور حال المتكلم التطابق, وإيجاد علاقة واحدة بين عالم اللفظ والإثبات وعالم المقصود والمراد، فإنَّ مقتضى التطابق أنْ يكون بإزاء كلّ جزء من الكلام جزء من المعنى لا جزءان.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ ذلك وإنْ كان هو الأعمُّ الأغلب؛ بل التعدد خلاف الأصل والوجدان عند وضعنا للأعلام الشخصية, لكن قد يتعلق غرض المتكلم خلافذلك فيستعمل لفظاً واحداً في أكثر من معنىً لغرض صحيح محاوري وهو كثير في المحاورات, ولذلك نحكم بالتطابق لو لم يكن ظهور آخر يدلُّ على هذا النوع من الإستعمال, فيكون اللفظ مجملاً إذا لم تكن قرينة على التعيين.

هذا كله بالنسبة إلى المفرد, وأمّا الكلام في المثنى والجمع فقد وقع النقاش فيهما.

ص: 325

الجهة الرابعة: في استعمال اللفظ في أكثر من معنى في التثنية والجمع

وتحقيق الكلام فيه يقع تارةً في إستعمال المثنى والجمع في أكثر من معنى, وأخرى في أصل دلالتهما.

أمّا الأولى (إستعمال المثنى والجمع في أكثر من معنى): فقد ذهب جمعٌ؛ منهم صاحب المعالم إلى جواز إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً بنحو المجاز في المفرد وبنحو الحقيقة في التثنية والجمع، وعلّله في المعالم بأنَّ اللفظ موضوع للمعنى بقيد الوحدة, فاستعماله في أكثر من معنىً فيه إلغاءٌ للقيد المذكور فيكون إستعمالاً مجازياً بعلاقة الجزء والكلِّ كما عرفت سابقاً، ولا يجيء هذا البيان في المثنى والجمع لأنَّهما في قوة تكرار اللفظ فيكون لهما حكم التكرار، فكما يصحُّ إرادة معنىً معين من لفظ (عين) وغيره من لفظ (عين) آخر كذلك يصح إرادة المعنيين معاً من لفظ (عينين) بلا تجوّز, لأنَّهما في قوة (عين وعين).

وذكر المحقق العراقي قدس سره في تحريره النزاع في التثنية والجمع بنحوٍ آخر وهو الإمتناع في المفرد والجواز في المثنى والجمع, وأمّا القول بالجواز في المفرد على نحو المجاز وفي المثنى والجمع(1) على نحو الحقيقة. وغيرُ خفيٍّ أنَّ تحريره النزاع على الأول لا يتناسب مع البحث العلمي, إذ بعد الإمتناع بالدليل العقلي في المفرد لا يصحُّ القول بالجواز في التثنية والجمع لأنَّهما من عوارض المفرد فيسري المحذور فيهما.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ التثنية والجمع يتبعان المفرد في الجواز والمنع لأنَّهما من عوارضه, مع أنَّه لو كانت الدلالة في التثنية والجمع بنحو تعدُّد الدالِّ والمدلول فهو خارج تخصصاً عن مورد البحث، لأنَّ مورده ما إذا كان الدالُّ واحداً صورة، واللفظ مع علامتي التثنية والجمع يكون من تعدُّد الدالِّ؛ كما هو واضح.

ص: 326


1- . بدائع الأفكار؛ ج1 ص152.

وما ذكره صاحب المعالم وغيره مردود لأنَّه:

أولاً: إنَّه خروج عن مورد البحث إذا فرض أنَّ المثنى دالٌّ على مفاده بنحو تعدُّد الدالِّ والمدلول مادَّةً وهيئةً, بمعنى أنَّ المادة تدلُّ على الطبيعة التي وضع لها اللفظ, وهيئة المثنى تدلُّ على المتعدد منه.ثانياً: إنَّ الأمر في التثنية والجمع ليس كذلك, فإنَّهما بمنزلة تكرار اللفظ المفرد (أي المادة), فإذا كان المفرد مستعملاً في معنىً واحد فالتثنية والجمع في قوَّة تكراره, فلا يستفاد من التثنية والجمع معنىً آخر، وإنْ كان المفرد (أي المادة) مستعملة في معنيين لزم إستعمال اللفظ في أكثر من معنى، وكان التكثير مستفاداً من نفس اللفظ المفرد (أي المادة), وحينئذٍ تكون التثنية أيضاً مستعملة في المتكرر لكلٍّ من المعنيين, وبذلك يلزم إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً في اللفظ (أي المادة), والتثنية (أي الهيئة) معاً, لكنه يلزم منه إلغاء قيد الوحدة التي إتَّخذها صاحب المعالم في الوضع.

وربَّما يتوهم بأنَّ محذور إستعمال اللفظ في أكثر من معنى في هذا الفرض إنَّما يلزم في المادة (أي اللفظ المفرد) لا في الهيئة لأنَّها لم تستعمل إلا في معناها وهو إفادة المتعدد من مدخولها؛ غاية الأمر أنَّ مدخولها أصبح ذا معنيين, فهو من قبيل تثنية ما يكون متعدداً بنفسه كالعشرة فإنَّ دلالة عشرتين على عشرين ليس من إستعمال هيئة المثنى في أكثر من معنىً.

ويمكن الجواب عنه بأنَّ التثنية والجمع من عوارض المفرد بما له من الخصوصية والحيثية, فإنْ كان مدلول المفرد متعدداً يستلزم أنْ تكون هيئة المثنى كذلك.

نعم؛ لو إستعملت المادة في مجموع المعنيين على نحوٍ كان المجموع مدلولاً واحداً لم يلزم إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً على مستوى المادة, ولكنه خلاف الفرض الذي هو إستعمال المادة في أكثر من معنىً على سبيل الإستقلال، فيكون لِلَفظ المادة مدلولان

ص: 327

مستقلان والهيئة تفيد المتعدد من مدلول المادة, ومسألة العشرة وتثنيتها خارجة عن ذلك؛ إذ لم تستعمل المادة فيها إلا في مدلول واحد.

وأمّا الثانية (في أصل التثنية والجمع)؛ فقد قيل بأنَّ الأصل الموضوعي يقتضي أنْ تكون إفادة المثنى والجمع لمعناهما على نحو تعدُّد الدالِّ والمدلول.

ولكن يورد عليه بأنَّه لا يتمُّ في تثنية الأعلام الشخصية, إذ ليس المعنى الموضوع له لفظ المادة كلياً قابلاً للتكثير بهيئة المثنى أو هيئة الجمع, وكذلك الحال في تثنية إسم الإشارة؛ فلا بُدَّ من تعيين طريقة لإفادة المثنى والجمع. وقد ذكروا في ذلك وجوهاً:

الأول: التأويل وتصوير جهة جامعة بين كلِّ واحدٍ من التثنية والجمع وبين المفرد بعد أنْ كان معناهما لغةً وعُرفاً فردان أو أفراد من شيءٍ واحدٍ، وأنَّ تلك الجهة الجامعة إمّا أنْ تكون في النوع المشترك بين الأفراد أو الجنس البعيد, كما يقال: الماء والنار جسمان, أو هما والتراب أجسام, وقد يكون مطلق الشيئية, كما يقال: الواجب والممكن شيئان, وقد تكون مجرد الإشتراك في التسمية, كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الأعلام الشخصية.وأورد عليه بأنَّه صحيح في غير الأخير, لأنَّ فيه لازم حمل المادة على المسمى تنكير اللفظ وإخراجه عن العلمية, فيكون (زيدان) في قوَّة قولنا (إثنان مِمَّن يُسمى بزيد), وهو خلاف ما عليه في الأعلام.

وفيه: إنَّ المراد من أخذ لفظ المسمى هو العنوان المشير إلى المعنون على نحو المرآتية دون أخذه مستقلاً عنه, وكذلك الحال في تثنية إسم الإشارة فإنَّه أخذ لكلي المشار إليه المنطبق على الأفراد ليكون مرآة لها, ولعل ذلك هو مراد المحقق العراقي قدس سره بأنَّه إشارة إلى المعنى الكلي لمادتها, وهو كلّي المفرد المذكور بالنسبة إلى كلمة هذا مثلاً في الرتبة السابقة على تعيّنه بطروِّ الإشارة عليه.

ص: 328

الثاني: أنْ تكون إفادة المثنى والجمع على نحو تعدُّد الدالِّ والمدلول؛ بأنْ يكون كما ذكره السيد الخوئي للمثنى والجمع وضعين أحدهما للمادة والآخر للهيئة وهي الألف والنون أو الواو والنون.

فتكون الهيئة موضوعة للدلالة على إرادة المتعدد من مدخولها وأمّا المادة فهي موضوعة للطبيعة المهملة العارية عن جميع الخصوصيات حتى الخصوصية اللابشرط, وحينئذٍ أصبح للمثنى قابلية الدلالة على كلٍّ من المعنيين كما في المشترك(1).

والفرق بين هذا الوجه عن سابقه أنَّ في هذا لا يحتاج إلى التأويل أو مفهوم المسمى الذي قد يُقال بأنَّه معنىً مجازي؛ بخلافه في الوجه الأول, كما لا يرد على هذا الوجه ما أشكل على الوجه الأول من خروج أسماء الأعلام بناءً على التأويل عن العلمية.

الثالث: أنْ تكون المادة في المثنى والجمع غير مستعملة في شيء وأنَّ الهيئة هي التي تستعمل في إفادة تكرار لفظ المادة، فبدلاً من أنْ يقال: عينٌ وعين نقول عينين, ويريد بذلك إخطار تصور عينٍ وعين قاصداً بهما إفهام العينين.

وهو وإنْ سلم عن الإشكالات السابقة, وينطبق على الأعلام وأسماء الإشارة من دون محذور, وعلى أسماء الأجناس, لكن تجريد المادة عن أصل المعنى خلاف الوضع والإستعمال والأصل.

نعم؛ يمكن أنْ نتصور هذا الوجه بطريق أمثل كما يُستفاد من كلمات علماء اللغة وبعض المحققين, وهو أنَّ المادة تستعمل في طبيعي اللفظ من باب إستعمال اللفظ في نوع اللفظ المتضمن للمعنى, وهيئة المثنى والجمع إنَّما تدلان على إرادة فردين من طبيعي لفظ المفرد بما أنَّهما دالان على معنييهما, فتكون المادة مستعملة في شيء والهيئة مستعملة في تعدد ما

ص: 329


1- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص211.

أريد من المادة, وهذا الوجه وإنْكان لا يخلو عن إشكال لأنَّ إستعمال المادة حينئذٍ يكون إمّا في مفهوم الطبيعي أو يراد تقييد الطبيعي بواقع الدلالة على المعنى, وكلاهما باطلان كما هو واضح.

فالحقَُ أنْ يُقال: إنَّ إستعمال المثنى والجمع وسائر الطوارئ التي تطرأ على المادة إنَّما حصل لأجل الإقترانات التي كانت متواجدة عند الوضع؛ التي أفادت تلك الدلالات الطارئة, والهيئاتُ إشاراتٌ لها, والوجوه السابقة إنْ رجعت إلى ما ذكرنا فهو وإلا فهي تمحلات لا تخلو عن نقاش.

الجهة الخامسة: في الثمرات المترتبة على هذا الأمر

وهي كثيرة؛ مِمّا جعلته من المباحث المهمة الأصولية, ونحن نذكر بعضاً منها؛

الثمرة الأولى: إذا ورد أمرٌ شرعيٌ وتعلق بأمرين في كلام واحد كالأذان والإقامة معاً، فإنَّ ظاهر الأمر يدلُّ على الوجوب وكون الطلب إلزامياً، ثم جاء دليل منفصل يدلُّ على عدم وجوب أحدهما كالأذان فإنَّ مقتضى الجمع العرفي تقديم الدليل المنفصل وحمل الأمر المتعلق بالأذان على الإستحباب لا الوجوب بتصرف في ظاهره, فإذا قلنا بجواز إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً نقول ببقاء الأمر على ظاهره في الوجوب في الإقامة لعدم الموجب لرفع اليد عنه بخلافه في الأذان؛ فإنَّه يحمل على الإستحباب لأجل القرينة, وأمّا إذا قلنا بالإمتناع كان الدليل المنفصل قرينة على التصرف في ظاهر الأمر؛ إمّا بحمله على الإستحباب مطلقاً في الموردين, أو يحمل على الطلب الجامع بين الوجوب والإستحباب بالنسبة إلى الإقامة والأذان, ومثل ذلك كثير في الأخبار.

الثمرة الثانية: تجب القراءة في الصلاة كما هو معلوم، وعرّفوا القراءة بأنَّها إستعمال اللفظ في اللفظ فإذا قصد بالآية التي إستعملت فيه كان ذلك من إستعمال اللفظ في أكثر من

ص: 330

معنىً, فإذا قلنا بالإمتناع لم تتحقق القراءة، وحينئذٍ إنْ إستعمل اللفظ في المعنى إمتنع إستعماله في اللفظ فلا تتحقق القراءة, مع أنَّ المنقول إستحباب ذلك وأنَّه من كمال الصلاة قصد معاني الآيات والإلتفات إليها بل الحثُّ على ذلك.

وقد أجيب عن ذلك بوجوه:

منها؛ إنَّ قصد المعنى من اللفظ لا يكون في عرض القراءة بل في طولها، فإنَّ القارئ يقصد الحكاية عن اللفظ باللفظ, وفي نفس الوقت بقصد المعنى باللفظ المحكي دون الحاكي فلم يستعمل اللفظ في معنيين؛ فيرتفع المحذور، إذ أنَّ كلَّ لفظٍ قد إستعمل في معنىً.

ولعلَّ هذا الجواب هو المعروف بينهم. ونوقش بعدة مناقشات أهمها؛ إنَّه يستلزم إجتماع اللحاظ الآلي واللحاظ الإستقلالي في موردٍ واحد, وذلك لأنَّ اللفظ المحكي باللفظ بما أنَّه محكي ومستعمل فيه يكون ملحوظاً بالإستقلال، وبما أنَّه حاكٍ عن المعنى وفانٍ فيه يكون ملحوظاً آلة؛ فيجتمع اللحاظان في آنٍ واحد.ومنها؛ أنْ يكون قصد المعنى مقارناً للقراءة لا قصده بها، فمثلاً نطلب الهداية مقارناً لقراءة (اهْدِنَا الصِّراطَ المُسَتَقِیمَ)(1) لا الطلب بها.

وأشكل عليه بأنَّه في الحقيقة إلتزام بالمحذور المذكور ولكنه مردود.

ومنها؛ إنَّه ليس من القصد أبداً, بل هو من الحالات المقارنة للمتكلم بالآية لا من المستعمل فيه.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّ القراءة ليست هي حكاية الألفاظ بالألفاظ وإستعمالها فيها حتى يستلزم الإشكال المزبور، بل القراءة هي ضمُّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل,

ص: 331


1- . سورة الفاتحة؛ الآية 6.

ولا يقال ذلك لكلِّ جمعٍ؛ فلا يقال: قرأت القوم إذا جمعتهم، ويدلُّ على ذلك أنَّه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوّه به قراءة.

وعلى ذلك إذا كان الشخص في مقام الترتيل وتلفظ الكلمات المترابطة المنظّمة يتحقق عنوان القراءة, فالذي تتحقق به القراءة أنْ تكون الكلمات منظّمة وأنْ يكون في مقام الترتيل فيكون إنطباق القراءة قهرياً فلا نحتاج إلى قصد حكاية الألفاظ بالألفاظ.

وحينئذٍ يمكن أنْ يقصد معاني الكلمات في نفس الوقت؛ لا سيما إذا كان المتكلم في حالة من الحالات الطارئة كحالة الدعاء والمسألة, بل لو لم يكن هذا القصد ربَّما يسلب عنوان القراءة فلا يكون إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً.

ولعلَّ ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ ذلك من الحالات المقارنة للمتكلم لا من المستعمل فيه(1) هو الأقرب إلى ما ذكرنا.

ومِمّا ذكرناه يظهر الوجه فيما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره في حاشيته على الكفاية؛ بأنَّ المراد من القراءة ذكر ما يماثل كلام الغير من حيث أنَّه يماثله في قبال ذكره من تلقاء نفسه.

أو ما ذكره بعض الأعلام من أنَّ المراد بالقراءة إيجاد طبيعي المقروء بفرده مع قصد ذلك.

فإنَّه خلاف المعنى المعروف للقراءة كما ذكرنا, وإنْ أمكن تأويلهما بما يرجع إلى المعنى اللغوي للقراءة.

الثمرة الثالثة: ورد في بعض الأخبار عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْراً وبَطْناً ولِبَطْنِهِ بَطْنٌ إِلَى سَبْعَةِ أَبْطُنٍ)(2), وربَّما يكون المراد من العددين مثالاً للكثرة, كما هو عادة العرب في التمثيل للكثرة بالسبعة أو السبعين, وقد توهمبعضهم منافاة ذلك لما تقرر من

ص: 332


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص36.
2- . عوالي الئالي؛ ج4 ص107.

إمتناع إستعمال اللفظ في أكثر من معنىً, لأنَّ ظاهر تلك الأخبار بأنَّ المعاني المقصودة من الألفاظ القرآنية بهذا العدد.

وقد دفع المحقق الخراساني قدس سره ذلك بأنَّ الحديث لا دلالة له عن قصد هذه المعاني من باب قصد المعنى من اللفظ, وإحتمل فيه أحد وجهين:

الأول: أنْ يكون المراد منه إرادة هذه المعاني في أنفسها حال الإستعمال في المعنى الواحد لا أنَّها مرادة من اللفظ.

الثاني: أنْ يكون من البطون لوازم المعنى المستعمل فيه اللفظ وإنْ كانت تلك اللوازم خفية بحيث لا تصل إليها أذهاننا لقصورها(1).

ورجّح السيد الخوئي الوجه الثاني ونفى الأول؛ لأنَّ إرادة المعاني في أنفسها لا يوجب عظمة القرآن وعلّو منزلته, إذ يمكن أنْ يتحقق في غير الإستعمالات القرآنية من الإستعمالات العرفية, بل يمكن أنْ يحصل في الألفاظ المهملة, إذ يمكن أنْ ترد على الذهن في حال التكلم بها معانٍ كثيرة, كما أنَّ ذلك لا يعتبر من بطون القرآن(2).

والحقُّ أنّ ما ذكره قدس سره خلاف الظاهر من الحديث المذكور الذي ورد لبيان فضل القرآن وعلّو منزلته, وإختلافه عن سائر الكتب والمقالات في ألفاظه ومعانيه, وأنَّه يمكن لنا الرجوع إلى روايات أخرى في بيان معناه مِمّا ورد في فضل القرآن بأنَّ له ظاهر يفهمه العرف وباطن لا يفهمه إلا الراسخون, وله تنزيل في المورد الذي نزل فيه وتأويل ينطبق على غير مورد النزول.

ص: 333


1- . كفاية الأصول؛ ص38.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص213.

فمن جميع ذلك نستفيد أنَّ القرآن كتاب إلهي تضمَّن من العلوم والمعارف ما يستفيد منه الناس بقدر إستعداداتهم؛ فالعامي يفهمه حسب ما أعطي من الفهم, وغيره يستفيد حسب ما عنده من العلم والمعرفة, فإنَّ البشر قد خُلقوا متفاوتين بحسب الإدراكات والإستعدادات, وهذا من مميزات هذا الكتاب الإلهي؛ مِمّا جعلته معجزة خالدة, فمن يقول بأنَّ البطون السبعة أو السبعين هي إشارات ورموز كما ذكره السيد الوالد(1) قدس سره إنْ أراد ما ذكرناه فهو, وإلا فيحتاج إلى تأويل.

ص: 334


1- [3].تهذيب الأصول؛ ج1 ص36.

البحث الثامن: بحث المشتق

اشارة

ذكر السيد الوالد قدس سره هذا البحث في الأمر الرابع عشر(1) من الأمور العامة فهو آخرها, وأطال الكلام فيه مع كونه خلاف عادته, وهذا البحث من البحوث اللغوية أيضاً ولكنه يختلف عن البحوث السابقة التي كانت في تعيين مفاد الحروف والهيئات والجُمل فكان البحث فيها لغوياً تفسيرياً يبين الدلالات العرفية للألفاظ، وفي المقام يرجع البحث إلى تعيين المداليل للألفاظ وإكتشاف مدلول اللفظ عند الأصولي عند الشكِّ فيه فلا بُدَّ من الرجوع إلى الوسائل الخاصة التي ترفع الشكّ والغموض وهي ثلاثة:

1- الرجوع إلى علوم اللغة.

2- التبادر.

3- البرهان العلمي.

وبهذه الوسائل نرفع الشكّ في تحديد المفاد اللغوي أو العُرفي لألفاظ ودلالات عامة, والتي يكون لها التأثير في عملية الإستنباط, فيدخل تحت هذا العنوان بحث المشتَّق وبحوث الأوامر والنواهي والمفاهيم وغيرها مِمّا سيأتي إنْ شاء الله تعالى.

وبعد معرفة تحديد موقع هذا البحث ضمن البحوث الأصولية لا بُدَّ من تمهيد نذكره على جهات:

الجهة الأولى: وقع المشتق مورد البحث في العلوم

الأدبية وعلم الأصول, فقد بحث في علم الصرف عن هيئات المشتَّق، وفي علم النحو عن عمل المشتَّقات ومواقعها من حيث الإعراب, وفي علم الأصول وقع الخلاف في وضع المشتَّق للمتلبس بالمبدأ خاصَّة أو للأعمّ ليشمل المتلبس ومن إنقضى عنه المبدأ على السواء بعد الإتّفاق على أنَّه مجاز في الأخير

ص: 335


1- . المصدر السابق؛ ص37.

وحقيقة في الأول, والمراد بالمشتَّق في المقام كلّ مفهوم يحمل على الذات فيختَّص بالأسماء دون الحروف والأفعال وإنْ كان الأخير من المشتَّق في إصطلاح آخر.

والأسماء إمّا أنْ تكون من الجوامد أو تكون من المشتَّقات، والمشتَّق منها ما يكون وصفاً كأسماء المفاعيل، ومنها ما لا يكون كذلك كأسماء المصادر, فيكون ذكر المشتق في عنوان البحث من باب الغالب لا التخصيص, إذ المراد به كلّ محمول يحمل على الموضوع مشتَّقاً كان أو غيره. وتفصيل ذلك:

إنَّ المحمول الذي يحمل على الموضوع إمّا أنْ يكون متَّحداً مع الموضوع ماهيةً كالإنسان إنسان أو حيوان ناطق, أي يكون وصفاً للذات كالجنس والفصل والحدّ التام, وهذا النوع خارج عن البحث؛ لأنَّ بانعدام الوصف العارض تنعدم الذات,فلا يبقى موضوع في البين فلا تصل النوبة إلى النزاع إلى أنَّ إستعمال المشتَّق فيه حقيقة أو مجاز لعدم تخلف الذاتي وإختلافه, وبه يتميز العرضي عن الذاتي.

أو يكون منتزعاً من مقام ذات الموضوع من دون ضمِّ ضميمة, كالزوجية في مثل قولنا الأربعة زوج, وهذا أيضاً خارج عن هذا البحث؛ لأنَّه لا يتصور الإنقضاء في مثل هذا المحمول, فهو من لوازم الذات ولا ينفكُّ عنه.

أو يكون خارجاً عن الذات مطلقاً ولكن لا يتصور فيه حال الإنقضاء, بل جميع حالات الموضوع تكون من حال التلبس, مثل الإنسان ممكن بالإمكان الذاتي, وهذا أيضاً خارج عن مورد البحث؛ لعدم تصور الإنقضاء فيه.

أو يكون خارجاً عن الذات ويتصور فيه حال الإنقضاء, ويكون الوصف العارض عنواناً للذات بملاحظة إتّصافها بمبدأ إشتقاقه, أو بواسطة ضمّ ضميمة إلى الذات ولو كانت الضميمة من الأمور الإعتبارية, وهذا القسم هو الذي يختَّص به البحث ويتصور فيه

ص: 336

حالات؛ فتارةً: لم يتلبس الموضوع بالمحمول بعد. وأخرى: يكون متلبساً به فعلاً. وثالثة: تلبَّس به ثم إنقضى عنه التلبس.

فالقسمان الأوليان ليس فيهما إلا حالة واحدة وهي إمّا عدم التلبس أو التلبس به فعلاً من كلِّ جهة, فيكون الإطلاق في الأول مجازياً وفي الثاني حقيقياً بلا خلاف فيهما, وإنَّما الخلاف في الثالث؛ فالمعروف أنَّه مجاز, وعن جمعٍ أنَّه على الحقيقة.

ومن جميع ذلك يُعلم أنَّه يُشترط في المشتَّق الذي وقع مورد البحث أمور:

الأمر الأول: أنْ يصحَّ حمله على الذات, فإنَّ البحث عن صحَّة إطلاق المشتَّق على المنقضى عنه المبدأ فرع أنْ يحمل على الذات ومِمّا يجري عليها, وبذلك تخرج المصادر عن هذا البحث.

الأمر الثاني: أنْ لا تكون حيثية المبدأ التي بها حمل الإسم على الذات ذاتية لها بحيث يستحيل إنفكاكها عنها كما في أسماء الماهيات كالأجناس والأنواع لعدم إنحفاظ الموضوع بعد إنقضاء المبدأ عنه كما عرفت.

الأمر الثالث: أنْ لا يكون الوصف العارض الذي هو خارج عن الذات مِمّا لا يُتصور فيه الإنقضاء, كالواجب والممكن, وقد إعترض على هذا الشرط جمع من الأصوليين بأنَّه يستلزم منه خروج ما تكون حيثية المبدأ فيه عرضية ولكنها لازمة, كالزوج ونحوه من الأسماء.

والتحقيق في الجواب أنْ يقال: إنَّ اللزوم وعدم الإنقضاء تارةً عقلي كما في الذاتيات, وهذا خارج عن مورد البحث كما عرفت. وأخرى خارجي, وإنْ لم يكن عقلياً فهذا داخل في البحث, فإنَّه يمكن فرض الذات فارغة عن المبدأ وإنْ لم يكن واقعاً خارجاً, بل ربَّما يكون مستحيلاً, ولعله لأجل هذا يدخل في النزاع الصاهل والناطق؛ فإنَّه وإنْ عُبِّر عنها

ص: 337

بالفصول مسامحةً لكنها ليست ذاتية كالإنسانوالحيوان؛ فإنَّ تلك الأسماء قد دخلت فيها معانٍ حديثة، وعلى ذلك تخرج الجوامد عن النزاع إذا كانت منتزعاً عن الذات كالحجر والإنسان والشجر, ولا يتصور فيه الإنقضاء, ويدخل فيه غير ذلك.

ولو كان ينتزع عن الذات بملاحظة لازم لها يستحيل إنفكاكه عقلاً كالزوج والسيف والمنشار ونحوها, وعلى هذا المناط تنزل تلك الشروط المتقدمة.

ومن جميع ذلك يُعرف أنَّ التعبير بالمشتَّق قد يوهم الإختصاص به مع أنَّ الموضوع أعمّ منه، فالأَولى أنْ يُقال: كلُّ محمولٍ يحمل على الموضوع مشتَّقاً كان أو غيره، فيدخل في البحث مجموعة كبيرة من الأسماء والأوصاف وإنْ ناقش في دخول قسم منها بعض الأصوليين.

ومِمّا ذكرنا يظهر أنَّ إقحام الأمور العقلية الفلسفية في هذا البحث مِمّا يزيده تعقيداً بعد إمكان الرجوع إلى الفهم العرفي الذي يعتمد على الفطرة فربَّما يتطابق مع ما ذكره المناطقة, وربَّما يختلف مع ما ذكروه فيما إذا إعتبر العرف الوصف مِمّا لا ينفكُّ عن الذات عكس المناطقة, أو مِمّا ينفك عنها وإنْ كان على خلاف ما إصطلح عليه بين أهل المعقول, فإنَّ البحث في المقام في الدلالة اللغوية التي تبتني على الفهم العرفي دون الفهم الدقي العقلي البرهاني الذي هو المدار في البحوث الفلسفية.

وعليه؛ يمكن تحرير النزاع في كثير من الموارد التي منع الأصوليون من دخولها في المقام:

منها؛ أسماء الأنواع فيما إذا لم يكن تغيرها بنحو الإستحالة العرفية.

ومنها؛ أسماء المشتَّقات سوى المصادر كما سيأتي الكلام فيها، ويدلُّ عليه الشرط الأول الذي تقدم ذكره.

ص: 338

ومنها؛ الأوصاف الإشتقاقية مِمّا تحمل على الذات وتجري عليها بملاحظة إتّصافها بمبدأ ما, ولكن إستثنى جمع من المحققين (قدس الله أسرارهم) بعض الأسماء منها وإنْ كانت أوصافاً, وهي:

أولاً: قد إستثنى المحقق النائيني أسماء الآلة كالمفتاح(1)؛ فإنَّه وإنْ كان وصفاً إشتقاقياً إلا أنَّه يصدق على كلِّ ما يقبل الفتح, ولو لم يكن متلبساً بالفعل.

والحقُّ أنَّ المبدأ قد لوحظ فيه بنحو الشأنية والقابلية, فحينئذٍ يصدق عليه ولو لم يكن متلبساً به فعلاً إلا إذا سقط عن القابلية وانقضت عنه الشأنية فيجري فيه النزاع أيضاً.

وبعبارة أخرى في إسم الآلة؛ إنْ لوحظ المبدأ المأخوذ فيه بنحو العقلية فلا يصدق في مورد الإنقضاء ويدخل في النزاع, وأمّا إذا لوحظ فيه بنحو الشأنية فهو يصدقعليه ولو لم يكن متلبساً بالفعل الا إذا سقط عن الشأنية فيدخل أيضاً في محلِّ النزاع.

ثانياً: كما إستثنى المحقق المذكور قدس سره إسم المفعول, لأنَّ الهيئة إنَّما وضعت للدلالة على وقوع المبدأ على الذات, وهو مِمّا لا يعقل فيه الإنقضاء لأنَّ ما وقع لا ينقلب عمّا وقع عليه.

وأُشكل عليه بأنَّ نسبة الفعل إلى المفعول كنسبته إلى الفاعل فإنَّهما متقابلان, فمن البعيد أنْ يلحظ معنىً مفعولي في إسم المفعول دون أنْ يلحظ ما يقابله من المعنى الفاعلي في إسم الفاعل بحسب الفهم العرفي, فلا فرق بينهما من هذه الجهة, ولعلَّ في بعض المواد خصوصية لا توجد في غيرها؛ كما في المضروب دون الضارب حيث يرى العرف في المضروب ظرف وجود التلبس كافياً في الصدق مطلقاً. وكذا بعض الحرف والصناعات والملكات.

ص: 339


1- . أجود التقريرات؛ ج1 ص123.

ثالثاً: كما إستثنى المحقق الخراساني قدس سره أسماء الزمان كالمقتل, لعدم إنحفاظ الذات التي هي نفس الزمان فيها بعد إنقضاء المبدأ, فالموضوع لم يكن باقياً في حالتي التلبس والإنقضاء لأنّ الزمان ينقضي ويتصرم ولا إستقرار له فلا يتصور فيه وجود ذات إنقضى عنها التلبس, فما هو في حال التلبس شيء وما هو في حال الإنقضاء شيء آخر فلا يكون شيئاً واحداً محفوظاً في الحالتين(1).

وقد أجيب عنه بوجوه عديدة:

الوجه الأول: إنَّ العرف يرى أنَّه يكفي فيه بقاء شيء واحد فيهما كطبيعي الزمان, أو لاحظوا الوحدة الإعتبارية, أو وجود الزمان من حيث هو وجود إلى غير ذلك من الجامع سواء كان مفهومياً أو وجودياً أو اعتبارياً على نحو ما مرَّ في جامع الصحيح والأعم.

الوجه الثاني: إنَّ الإسم في الزمان وضع للأعمّ من الفرد المنقضي, كما في نظائره التي هي كثيرة, كلفظ الواجب مثلاً؛ فإنَّه موضوع للأعمّ مع إنحصاره في ذات الباري جلَّ إسمه.

الوجه الثالث: إنَّ النزاع في مفهوم المشتَّق لا يرتبط بتحقق المصداق, فإنَّ صحَّة الإستعمال أو الوضع لا يتوقف على إمكان وقوعه خارجاً, بل يتوقف على إمكان تصوره بلا إستحالة, إلا أنْ يقال بثبوتها عرفاً كما ذكره بعض الأعلام, ولكنه بعيد كما عرفت.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره وتبعه السيد الخوئي قدس سره من أنَّ الموضوع له في أسماء الزمان والمكان هو الأعمّ من الظرف الزماني والمكانيوليست مختصة بالزمان فيكون بقاء ذات الظرف بهذا المعنى العام أمراً معقولاً ولو بلحاظ ظروف المكان لا الزمان(2).

ص: 340


1- . كفاية الأصول؛ ص40.
2- . محاضرات في أصول الفقه؛ ج1 ص261.

وأُشكل عليه بأنَّه إنْ كان المراد الوضع لمفهوم الظرف فهو واضح البطلان؛ فإنَّ مفهوم الظرف كمفهوم الفاعل والمفعول معانٍ إسمية منتزعة عن المعنى الحرفي النسبي الذي هو مدلول الهيئات كما هو المفروض, وإنْ كان المراد الوضع لواقع النسبة الظرفية المتقومة بالظرف والمظروف فهوَ وإنْ كان صحيحاً, ولكن النسبة الظرفية في ظروف الزمان تختلف سنخاً عن النسبة الظرفية في المكان حقيقةً وعرفاً, ولذلك كانت إحداهما مقومة لمقولة (الأين) والأخرى مقومة لمقولة (المتى), ولا جامع حقيقي بين المقولتين.

ويرد عليه بأنَّه خروجٌ عمّا إختاره في حقيقة الوضع الذي هو أمر عرفي كما عرفت, وإدراج لما هو مذكور في العلوم العقلية في المقام, فإنَّ كون المكان من مقولة الأين والزمان من مقولة المتى خلاف ما إلتزم به, إذ ربَّما يكون في هذه العلوم مختلفان حقيقةً ولكنهما عند العرف يعتبران من أفراد مطلق الظرف, فما ذكره من إختلافهما عرفاً أول الكلام كما ستعرف, اللهم إلا أنْ يكون الإختلاف في المعنى الملحوظ في الزمان والملحوظ في المكان عند العرف, فإنَّ خصوصية كون الظرفية زمانية أو مكانية يفهمها العرف من تلك الأسماء نفسها لا من دالٍّ آخر.

ولكنه مردود بأنَّ إستفادة العرف الخصوصية في كلِّ واحدةٍ منهما لا يضرُّ بأصل المطلوب من الرجوع اليه في تشخيص المعنى الموضوع له، وهو الحكم في الخصوصيات أيضاً.

نعم؛ يمكن القول بأنَّ المعنى الموضوع في الظرف مطلقاً ليس هو الأعمُّ من الظرف المكاني والزماني, فإنَّ العرف يفرّق بينهما فيرى في المكان الحلول, وفي الزمان الإستيعاب ونحوه, ولكنه لا يضرُّ بأصل المطلب كما هو واضح.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّه إذا رجعنا إلى العرف الذي هو الفيصل في هذا الموضوع فإنَّه يرى أنَّ الظرف الزماني نفس الزمان من حيث هو أو الوحدة الإعتبارية أو الجامع الإنتزاعي,

ص: 341

كالظرفية وأنَّهم ينظرون في الزمان إنخفاض الذات بعد إنقضاء المبدأ فيه, فإنَّ الاتصال الوجودي بين اللحظات الزمانية يجعلها أمراً واحداً محفوظاً بشخصه بين المبدأ والمنتهى, ولا يورد عليه كما ذكره المحقق الإصفهاني بأنَّ إتصال الهويات المتغايرة لا يصحح بقاء تلك الهوية التي وقع فيها الحدث حقيقة بل مجازاً, ومن باب نسبة ما يوصف به الجزء إلى الكلِّ لأنَّ ذلك مبني على أنْ يكون التغاير بين الهويات عقلية صرفة, وأمّا إذا حكم العرفبالإتّحاد فلا يجري ذلك، اللهم إلا أنْ يكون العرف قد حكم بالتغاير, وهو حاصل في التقطيعات الزمانية أي دهر وسنة وشهور وأسابيع وأيام وساعات, حيث يرى أنَّ كلَّ قطعة منها لها وجود مستقل, وأنَّ الذات الزمنية فيها تزول بانتهاء تلك القطعة, فمثلاً لا يحكم بأنَّ المقتل للدهر كلّه, وإلى ذلك يمكن إرجاع ما ذكروه في الجواب عن إشكال دخول الزمانيات في النزاع.

ولعلَّ ما ذكره المحقق الإصفهاني قدس سره (1) يرجع إلى ما ذكرناه, وإلا فالإشكال فيه واضح كما عرفت.

رابعاً: القضايا الأزلية التي تستعمل في صفات الباري عَزَّ وَجَلَّ الجمالية والجلالية؛ فإنَّها خارجة عن المقام لتنزه ساحته العليا عن التلبس والإنقضاء.

نعم؛ في صفات الفعل يُتصور ذلك باعتبار المتعلق.

خامساً: ذكر بعضهم بخروج المشتَّقات الدالة على الحرفة والملكة كالصياغة والشعر؛ لوضوح صدق الصائغ على من له حرفة الصياغة ولو لم يكن متلبساً بها فعلاً, ويختَّص النزاع بما إذا كان المبدأ فعلياً.

ص: 342


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص117.

وفيه: إنَّ إختلاف المبادئ لا يوجب إختصاص النزاع بمورد دون آخر, فإنَّ التلبس يختلف بحسب الموارد, ففي بعضها تعتبر الفعلية والمباشرة، وفي بعضها الآخر يعتبر الإحتراف, فإذا كان المناط هو فعلية التلبس فإنَّه إذا إنقضى يجري فيه النزاع,وإنْ كان الإحتراف فهو متلبس مادام محترفاً وينقضي إذا انقطع عن الإحتراف.

سادساً: ما يرتبط بالجوامد؛ فإذا كان الجامد منتزعاً من نفس الذات كالإنسان والحجر والشجر ونحو ذلك فإنَّه ينتزع عن مرحلة تحصّل الأجناس بفصولها وهي مرحلة الذات والتقرر، أو ما إذا كان ملازماً للذات بحيث لا ينفكُّ عنه عرفاً كما عرفت مفصلاً, وأمّا إذا لم تكن كذلك فهي تدخل في موضوع النزاع كالزوج والزوجة ونحوهما.

والحاصل: إنَّ المشتَّق المبحوث عنه في الأصول أعمّ من المشتق المبحوث عنه في العلوم الأدبية فيشمل النزاع جميع تلك الموارد التي ذكرناها لوجود الملاك الشامل لجميع الأقسام, واستشهد بعضهم للتعميم بالمسألة المعروفة في كتاب النكاح التي ذكرها فخر المحققين في الإيضاح والشهيد في المسالك وغيرهما؛ وهي: إبتناء حرمة الزوجة الكبيرة الثانية التي أرضعت الصغيرة على مسألة المشتَّق فيما لو كان له زوجتان كبيرتان وزوجة صغيرة فأرضعت إحدى الكبيرتين الصغيرة, فإنَّه بذلك تحرم الكبيرة والصغيرة لصيرورة الكبيرة بالإرضاع أم الزوجة والصغيرة بنت الزوجة, فلو أرضعت الثانية الصغيرة فإنَّحرمتها تبتني على أنْ يكون المشتَّق حقيقة في المنقضي إذ يصدق على الكبيرة الثانية أنَّها أمُّ الزوجة فعلاً. وعدم كونه حقيقة في المنقضي لا تحرم الكبيرة لعدم صدق أمّ الزوجة عليها فعلاً(1).

والمسألة فقهية أكثر من كونها أصولية ولها أدلتها الفقهية لكن ذكروها في المقام لبيان جريان النزاع في الجوامد أيضاً إذ أنَّ عنوان الزوج والزوجة منها.

ص: 343


1- . مسالك الافهام؛ ج1 ص379.

نعم؛ ذكر المحقق الإصفهاني قدس سره في المقام بياناً حيث عكس الأمر فقال: إنَّ حرمة الكبيرة الأولى مبنية على مسألة المشتَّق بخلاف حرمة الثانية فإنَّها لا تبتني عليه، فقال: إنَّ من تحرم هي أمُّ الزوجة وبنتها، وأمومة المرضعة وبنتية المرتضعة من المتضايفين فلا يصدق إحداهما بدون الأخرى, كما أنَّ بنتية المرتضعة للزوجة وزوجيتها متضادتان شرعاً ولا يمكن إجتماعهما, وعليه؛ ففي مرتبة أمومة المرضعة تحصل بنتية المرتضعة للتضايف, وفي تلك المرتبة تزول الزوجية عنها للتضاد بينهما, وعلى هذا لا يصدق على المرضعة عنوان الزوجة فعلاً لزوال الزوجية في مرتبة حصول الأمومة, فتبتنى الحرمة على تحقق أنَّ المشتق حقيقة في المنقضي عنه التلبس, فيصدق على الكبيرة أنَّها أمُّ الزوجة وإلا فلا يصدق عليها ذلك العنوان فلا تحرم(1).

ولكن ما ذكره أشبه بالمصادرة على المطلوب لأنَّه أخذ تحريم بنت الزوجة أمراً مفروغاً عنه وسكت عن تحريم أمها ولم يبين وجه التحريم, وأمّا ما قيل بأنَّه إلتزم بوحدة الرتبة بين البنتية وعدم الزوجية -مع أنَّ الأخير حكم لبنت الزوجة, فهو متأخر عنه- غيرُ سديد, فإنَّ عدم الزوجية ليس بحدِّ نفسه حكماً شرعياً بل أنَّ حرمتها على الزوج قد تتحقق بانتفاء الزوجية عنها مع صدق بنت الزوجة عليها.

وكيف كان؛ فإنَّ ما ذكره المحقق قدس سره خلاف ما ورد من الأدلة الشرعية التي تبتنى على أمور غير ما ذكر من الوجه العقلي فأن الحرمة مبتنية على تلك العناوين التي وردت في الشرع فإذا انطبق عليها أحدها حرمت وإلا فلا ولأجل ذلك حكم بحليّة الكبيرة الثانية جمع من الفقهاء فراجع كتاب الجواهر وغيره.

ص: 344


1- . نهاية الدراية؛ ج1 ص70.

الجهة الثانية: خروج المصادر والأفعال عن محلِّ النزاع

إنَّه لا ريب في خروجها عن مورد النزاع وذلك لما ذكرناه في الشرط الأول الذي تقدم من أنَّ المراد بالمشتَّق ذلك الوصف الجاري على الذات والذي يصحُّ حمله عليها, فيخرج ما لا يصحُّ الحمل، والمصدر والفعل من هذا القبيل؛ فإنَّ الأول -سواء كان مجرداً أو مزيداً- لا يدلُّ إلا على نفس الحدث والمبدأ مع نسبته إلى ذات ما, وهذا مراد من قال بأنَّ المصدر يدلُّ على الحدث من حيث هو مع قطعالنظر عن إضافته إلى فاعل, أي إلى فاعل معين, واعتبروه إحدى جهات الفرق بينه وبين إسم المصدر, إذ أنَّه يدلُّ على مجرد الحدث بلا جهة الإنتساب أصلاً كالغَسل والغُسل, فإنَّ الأول يدلُّ على الحدث مع نسبة ما, بخلاف الثاني؛ فإنَّه إسم لمجرد الحدث بلا دخول النسبة في معناه.

وعليه؛ فلا يصحُّ حمل المصدر على الذات لتغاير وجود الذات والمبدأ, فمع تغايرهما مفهوماً لا يصحُّ أنْ يُقال زيد ضرب أو أكل ونحو ذلك إلا على نحو المجاز.

وأمّا الفعل فإنَّه يدلُّ على الحدث المضاف إلى جهات متعددة منها الإضافة إلى الفاعل فهي ملحوظة في معنى الفعل, فلا يدلُّ الفعل إلا على نسبة المبدأ إلى الذات وقيامه بها, ولأجل ذلك حصل الفرق بين الفعل والمصدر.

وعليه؛ لا يصحُّ حمله على الذات وجريها عليها أيضاً للتغاير بين وجود الذات والنسبة وعدم الإتّحاد بينهما بوجه ما، فلا يصحُّ أنْ يقال زيد ضرب أو أكل من باب الحمل بمعنى أنَّ زيد هو ضرب، وإنْ صحَّ ذلك من باب الإسناد والنسبة بمعنى نسبة الضرب إلى زيد.

ثم أنَّ المحقق الخراساني -وتبعه جمعٌ- ذكر في المقام الفروق بين المصدر والفعل، ومعناه واشتقاقه لأجل إستيفاء الكلام في معاني الأقسام الثلاثة؛ الحرف وقد تقدم، والإسم الذي عقد بحث المشتق لأجله، والفعل.

ص: 345

وما ذكروه فيه يقع في نقاط:

النقطة الأولى: إشتهر عند النحويين دلالة الفعل بأقسامه على الزمان وضعاً؛ بأنْ أُخذت الدلالة عليه في مفهومه, بخلاف المصدر؛ فالماضي يدلُّ على وقوع الفعل في الزمن الماضي, والمضارع على وقوعه في الحال أو المستقبل, والأمر يدلُّ على الطلب مطلقاً.

وأشكل عليه بوجوه:

الوجه الأول: ما ذكره السيد الوالد قدس سره من أنَّ الفعل مركب من المادة والهيئة, وكلُّ واحدة منهما لا تصلح أنْ تكون دالة على الزمان؛ فإنْ كانت المادة, ففيه أنَّه لو كان كذلك لكانت المصادر تدلُّ عليه أيضاً لوجود المادة فيها.

وإنْ كانت الهيئة أو كلاهما فإنَّه يَرد عليه بوجوه:

أولاً: إنَّ الهيئة من المعاني الحرفية والزمان من المعاني الإسمية الإستقلالية, ويلزم أنْ يكون لها معنيان؛ حرفي وهو النسبة, وإسمي وهو الزمان, ولا ريب في بطلانه, إلا أنْ يُقال بأنَّ الموضوع له مجرد النسبة الزمانية وهو من المعاني الحرفية, لكن الكلام في إثبات هذا الوضع المشكوك, مع أنَّ الأصل ينفيه.ثانياً: إنَّه لغوٌ, وأنَّ الزمان يستفاد من إطلاق الفعل على الزمانيات, فلا تصل النوبة إلى دلالة الهيئة مجردةً أو مع المادة, ومع الشك فالأصل ينفي مثل هذا الوضع.

ثالثاً: إنَّه لايجري في الأفعال الإنشائية فإنَّها لا تدلُّ على الزمان مطلقاً, فإنَّ مادَّتها تدلُّ على الفعل والهيئة تدلُّ على إنشاء الطلب وإنْ وضعت في زمان الحال لأنَّه فعل صادر من زمان فيقع قهراً في الزمان وهو أعم من الوضع للزمان.

رابعاً: إنَّه يصحُّ استعمال الماضي في المضارع أو بالعكس في الإستعمالات الصحيحة, ولا وجه للمجاز في ذلك كله.

ص: 346

خامساً: إنَّ الأفعال تطلق بالنسبة إليه تعالى وهو خالق الزمان ومحيط عليه, ولا يتصور الحال والماضي والمستقبل بالنسبة إليه عَزَّ وَجَلَّ؛ إلا أنْ يقال بأنَّ الإطلاق بالنسبة إليه تعالى بأحد وجهين؛ إمّا هو بحسب حال المخاطبين والزمانيات لا بحسب ذاته عَزَّ وَجَلَّ, أو باعتبار معيَّة القيُّوميَّة مع الممكنات, فإنَّه عَزَّ وَجَلَّ مع السابق سابق، ومع اللاحق لاحق(1).

النقطة الثانية: ما ذكره المحقق الخراساني قدس سره من أنَّ الماضي والمضارع قد يُسندان إلى ما لا يقع في الزمان كنفس الزمان فيقال مضى الزمان ويأتي, والمجردات عن الزمان كالذات المقدسة؛ فلو دلَّ الفعل على الزمان لم يصح إسناده إلى مثل الزمان والمجردات إلا بالتصرف فيه وهو بعيد عرفاً.

ولأجل ذلك ذهب جمع من المحققين إلى عدم دلالة الفعل على الزمان؛ وهو الصحيح؛ فإنَّ الزمان والمكان وغيرهما إنَّما هي من المقارنات للألفاظ وليس دلالتها عليها وضعياً؛ لا من ناحية مادتها ولا هيئتها, فيكون دلالة الفعل منحصراً في نسبة المبدأ إلى الذات ووقوع الفعل وتحركه من العدم إلى الوجود كما قال قدس سره : (والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى), وليس الفرق بين الفعل الماضي والمضارع من ناحية الزمان الذي لا دلالة لهما عليه كما عرفت, إلا أنَّ لكلِّ واحد من الفعلين خصوصية ليست موجودة في الآخر هي التي أوجبت الفرق بينهما.

وقد وقع الكلام في حقيقتها والكشف عنها فقيل بأنَّ تحقق الفعل من الفاعل الزماني يستلزم أنْ يكون الفعل إمّا في الزمان الماضي بتحققه فيه, أو ترقب صدوره منه فعلاً, أو بعد حين في الزمان المستقبل.

ص: 347


1- . تهذيب الأصول؛ ج1 ص39-40.

وأشكل عليه(1) بأنَّ استعمال المضارع أو الماضي في مورد لا يكون مشتملاً على هذه الخصوصية من دون عناية ينفي هذا الإحتمال، كما في قولنا يجيء زيد بعد أسبوع وقد كتب رسالة قبله بيوم، أو جاء زيد قبل سنة وهو يكتب رسالة بعده بيومين.

وقيل بأنَّها هي النسبة التحققية في الماضي شأناً لا فعلاً, والنسبة القابلة لورود الترقب في المضارع لا أنْ تكون هي التحقق في الماضي والترقب في المضارع كما في السابق.

وأشكل عليه بأنَّه مصادرة على المطلوب, فإنَّ المطلوب بيان الجهة الواقعية التي بها أصبحت النسبة في الماضي, كذلك دون الفعل المضارع.

وقيل: إنَّ الخصوصية التي يدلُّ عليها الفعل الماضي الملازمة للزمان في الزمانيات هي السبق, فهو يدلُّ على سبق تحقق النسبة, والخصوصية التي يدلُّ عليها الفعل المضارع هي اللحوق، فهو يدلُّ على لحوق تحقق النسبة؛ باعتبار أنَّ السبق واللحوق لا يتقومان بالزمان, بل هما أمران إنتزاعيان يُنتزعان من وجود الشيء في فرض عدم الآخر, وذلك يلازم الزمان الماضي والمستقبل في الفاعل الزماني الذي يحتاج في فعله إلى الزمان, فالشيء الموجود فعلاً يكون سابقاً والذي يوجد بعد أنْ لم يكن في فرض وجود الآخر يكون لاحقاً, فالسبق واللحوق عنوانان إنتزاعيان لا يتقومان بالزمان, بمعنى أنَّهما يصدقان في المورد غير القابل للزمان كالزمان نفسه, فيقال: الزمان السابق واللاحق.

نعم؛ هما يلازمان الزمان في الزماني الذي يحتاج في وجوده إلى زمان.

وهذا القول هو الذي قرَّره المحقق الخراساني والمحقق الإصفهاني (قدس الله سِرّاهما), إلا أنَّه يمكن الفرق بينهما بأنَّ مرجع دعوى الكفاية إلى اختلاف مدلول الماضي عن المضارع سنخاً وحقيقة, فإنَّ مدلول الماضي أمر بسيط يختلف سنخاً عن المضارع, وهو التحقق

ص: 348


1- . كفاية الأصول؛ ص40.

والترقب, ومرجع المشهور الذي اختاره المحقق الإصفهاني قدس سره إلى الإختلاف بينهما في القيد بعد إتّفاق الماضي والمضارع في ذات المقيّد وهي النسبة الصدورية أو التلبس، لكنه مقيد بالسابق في الماضي وباللحوق في المضارع, فيكون السبق واللحوق مدلولاً ضمنياً للفعل بخلاف الأول فإنَّه مدلول إلتزامي.

والحقُّ أنْ يُقال: إنَّ الفعل مطلقاً لا يدلُّ إلا على الحدث الذي هو الجامع بين الماضي والمضارع بمعنى تحرك الفعل من العدم إلى الوجود, والزمان والمكان وغيرهما إنَّما هي من المقارنات للحدث المدلول عليه بمادة الفعل كما عرفت سابقاً.فإنْ كان الحدث منسوباً إلى من حقّقه يكون فعلاً ماضياً, وإنْ كان منسوباً إلى من يترتب منه يكون حدثاً مترقباً فيكون فعلاً مضارعاً وذلك لأجل كون الحدث من الزمانيات, وهذه الدلالة كافية في تحقق هذه الخصوصية المبحوث عنها.

نعم؛ إستعمال أحد الفعلين في موضع الآخر إنَّما يرجع إلى أمور خارجة عن الدلالة, وإنَّما تتبع الأمور الذوقية البلاغية, وما ذكره الأصوليون في هذا المقام إنْ رجع إلى ما ذكرناه فلا بأس به وإلا فإنَّ المناقشة فيه ظاهرة.

يبقى شيءٌ؛ وهو بيان الوجه في كون المضارع للحال والإستقبال, فالمشهور كونه لهما مع امتناع الإشتراك اللفظي والمعنوي, وقد إختلف العلماء في دلالته عليهما فقيل بأنَّه ليس المراد بالحال الدقي منه بل أنَّه غير متصور كما قيل, فيكون المراد به هو الحال العرفي وهو مستقبلٌ دقةً، فلا يكون للفعل المضارع إلا زمان الإستقبال.

وقال صاحب الكفاية: إنَّ في المضارع خصوصية موجبة للدلالة على وقوع النسبة في الحال أو الاستقبال لاشتراكه بينهما.

وفيه: لا إشتراك في المضارع كما عرفت حتى تحتاج إلى تعيين أحدهما إلى قرينة.

ص: 349

وقال المحقق النائيني بأنَّ المضارع يحكي عن منشأية الموضوع للحدث