مُسنَد نهج البلاغة المجلد 3

هوية الکتاب

بطاقة تعريف:الحسیني الجلالي، محمّدحسین، 1321 -

عنوان واسم المؤلف:مسند نهج البلاغة/ مؤلف: محمّدحسین الحسیني الجلالي؛ بحث: محمّدجواد الحسیني الجلالي.

تفاصيل المنشور:قم: مکتبة العلامة المجلسي، 13 -

خصائص المظهر:ج.

الصقيع:الی التراث الشیعي، 1

ISBN:دوره 978-964-95663-3-7 : ؛ ج. 3 978-964-95663-2-0 :

لسان:العربية.

ملحوظة:الفهرسة على أساس المجلد الثالث، 1431 ق.= 1389.

ملحوظة:ج. 3 (چاپ اول: 1431 ق.= 1389).

ملحوظة:فهرس.

موضوع:علي بن أبي طالب (ع)،أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40 ه_ .ق - خطب

موضوع:علي بن أبي طالب (ع)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- الأمثال

موضوع:علي بن أبي طالب (ع)،أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- حروف

موضوع:علي بن أبي طالب (ع)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة - النقد والتعليق

المعرف المضاف:حسیني جلالي، محمدجواد، 1331 -

المعرف المضاف:مکتبة العلامة المجلسي (قم)3

ترتيب الكونجرس:BP38/02 /ح5 1300ی

تصنيف ديوي:297/9515

رقم الببليوغرافيا الوطنية:2 1 9 7 4 3 1

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

مسند

نهج البلاغه

تاليف

العلامة الحبة السيّدُ مُحمّد حسين والحسيني الجلالي

المجلد الثالث

روضة الحیدریة

الرقم 108389

التاریخ 2011/09/26

ص: 4

مسند نهج البلاغه (ج 3)

العلّامة السيّد محمّد حسين الحسيني الجلالي

تحقيق: السيّد محمّد جواد الحسيني الجلالي

منشورات: مكتبة العلّامة المجلسي رحمه الله

الطبعة الأولى 1431ه-.

طيع في 1500 نسخة

المطبعة : عمران

4VA_976_10117-

ردمك: 0 - 2 - 95663 - 964 978 : ISBN دوره: 7-3-5663 - 96 - 978

العنوان : قم - شارع فاطمي ( دور شهر ) - زقاق 18، فرع 6 ، رقم 48

هاتف: 7746611 - فکس : (98251)7836587

info@almajlesilib.com www.almajlesilib.com

مركز التوزيع :

(1) قم شارع المعلم، ساحة روح الله، رقم 65 دليل ما ، الهاتف 7733413 - (9825)17744988

(2) طهران ، شارع إنقلاب، شارع فخر رازي، رقم 61، دليل ما ، الهاتف (9821)66464141

(3) مشهد ،شارع الشهداء ، حديقة النادري زقاق خوراكيان ، بناية گنجینه کتاب، دلیل ما الهاتف 5 - 2237113(98511)

(4) النجف الأشرف، سوق الحويش، مقابل جامع الهندي، مكتبة الإمام باقر العلوم علیه السلام، الهاتف 7801553289(964)

(5)كربلاء المقدسة ،شارع قبلة الإمام الحسين علیه السلام ، فرع مقابل ابن فهد الحلّي رحمه الله، دار الناشر الحسيني.

الهاتف7706001185(964) -( 964)7807851985

سرشناسه : حسيني جلالي ، محمّد حسین ، 1321 -

عنوان و نام پدیدآور : مسند نهج البلاغة (ج 3) /تأليف السيّد محمّد حسين الحسيني الجلالي ، تحقيق

محمّد جواد الحسيني الجلالي .- قم : مكتبة العلّامة المجلسي ، 1431 ق. = 1389

مشخصات نشر :قم : مكتبة العلّامة المجلسي ، 1389.

مشخصات ظاهری : 667 ص.

شایک :ج16-0-95663-964-978 ج2.3-1-95663-964-978

ج 3.-02-95663-964-978 دوره.7-3-95663-964-978

وضعیت فهرست نویسی : فیبا

یادداشت :عربي

موضوع :

کتابنامه : ج 30 . ص . [651] - 654؛ همچنین به صورت زیرنویس

موضوع : 1. على بن ابي طالب علیه السلام، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40 ق . نهج البلاغة - مأخذ . 2.

على بن ابي طالب علیه السلام، امام اوّل 230 قبل از هجرت - 40 ق . - نقد و تفسیر .

شناسه افزوده : الف: حسيني جلالي ، محمّد جواد 1331.

شناسه افزوده :محقق . ب عنوان

رده بندی کنگره :1389 5م 5ح/BP38/08

رده بندی دیویی:297/9515

شماره کتابخانه ملی: 2979515

ص: 5

باب کتب ورسائل أمير المؤمنين علیه السلام

ص: 6

[ الكتاب الاول ]

قال العرشي في التخريج ما نصه: رواه ابن قتيبة في الامامة والسياسة (68) « وابن الشيخ في الامالي (87) والشيخ المفيد في كتاب الجمل (116 و 124 ) .( انتهى )(1)

الحجة سنة

سبع و

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الطوسي (ت/ 460 ه-) في «الأمالي» في مجلس يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي / و خمسين وأربع مائة، وفيه بقية أحاديث ابن الصلت الاهوازي. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. حدثنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي رضی الله عنه، قال : بالاسناد الأول عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي جعفر علیه السلام، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري، قال: لما نزل المصريون بعثمان بن عفان في مرّتهم الثانية، دعا مروان بن الحكم فاستشاره ... وذكر الحادثة بطولها في 2 323 - 334 (2) وقد جاء الاسناد الأول في ص 320 بمانصّه : « قال : أخبرنا أبو الحسن أحمد

ص: 7


1- راجع : استناد نهج البلاغة .
2- امالى الشيخ الطوسي : 320

ابن محمّد بن الصلت الاهوازي قال : أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمّد بن سعید بن عقدة ، قال : حدثنا جعفر بن عبد الله العلوي، قال: حدثنا عمي القاسم بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن محمّد بن علي بن أبي طالب أبو محمّد، قال: حدثني عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده أن القوم حين اجتمعوا للشورى فقالوا فيها ، وناجى عبد الرحمن رجل منهم على حدة(1)

الى ان قال في ص 325 وباسناده عن عبد الله بن أبي بكر، قال: حدثني أبو جعفر محمّد بن علي علیه السلام، قال : حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري، :قال: سماني رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عبد الرحمن ، قال : لما بلغ عليا علیه السلام مسير -ير طلحة والزبي-

خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي الله ثم قال : أما بعد ، فقد بلغنی مسیر هذين الرجلين واستخفافهما حبيس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستفزازهما أبناء ،الطلقاء، وتلبيسهما على الناس بدم ،عثمان وهما ألبا عليه، وفعلا به الافاعيل، وخرجا ليضربا الناس بعضهم ببعض ، اللّهم فاكف المسلمين مؤنتهما، واجزهما الجوازي . وحضّ الناس على الخروج في طلبهما ، فقام إليه أبو مسعود عقبة بن عمرو، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، ومجلسك فيما بين قبره ومنبره، أعظم مما ترجو من الشام

عمر

والعراق، فإن كنت إنما تسير لحرب فقد أقام وكفاه سعد زحف القادسية وكفاه حذيفة بن اليمان زحف نهاوند ، وكفاه أبو موسى زحف تستر، وكفاه خالد بن الوليد زحف الشام، فإن كنت سائرا فخلف عندنا شقة منك نرعاه فيك ونذكرك به . ثم قال أبو مسعود

بكت الارض والسماء على الشا خص منا يريد أهل العراق

ص: 8


1- الأمالي ؛ للشيخ الطوسي : 709

يا وزير النبي قد عظم الخطب*** وطعم الفراق مرّ المذاق

وإذا القوم خاصموك فقوم ن*** اكسوا الطرف خاضعوا الاعناق

لا يقولون إذ تقول وإن ***قلت فقول المبرز السباق

فعيون الحجاز تذرف بالدمع ***وتلك القلوب عند التراقي

فعليك السلام ما ذرت الشمس ***ولاح الس- راب بالرقراق

فقال قيس بن سعد يا أمير المومنين ما على الارض أحد أحب إلينا أن يقيم فينا منك لانك نجمنا الذي نهتدي به ومفزعنا الذي نصير إليه، وإن فقدناك

لتظلمن أرضنا وسماؤنا، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر، ليرومن مصر وليفسدن اليمن، وليطمعن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان ، وقد اكتفوا بالظن عن العلم، وبالشك عن اليقين، وبالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق، ثم ارمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه.

فقال : أحسنت والله يا قيس وأجملت.

وكتبت أم الفضل بنت الحارث إلى علي علیه السلام تخبره بمسير عائشة وطلحة والزبير ، فأزمع المسير، فبلغه تثاقل سعد وأسامة بن زيد ومحمّد بن مسلمة، فقال سعد: لا أشهر سيفا حتى يعرف المؤمن من الكافر، وقال أسامة : لا أقاتل رجلا يقول : لا إله إلا الله، ولو كنت في فم الاسد لدخلت فيه معك، وقال محمد بن مسلمة : أعطاني رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم سيفا ، وقال : إذا اختلف المسلمون فاضرب به عرض أحد ، والزم بيتك، وتخلف عنه عبد الله بن عمر. فقال عمار بن ياسر: دع القوم، أما عبد الله فضعيف ، وأما سعد فمحسود، وأما

محمّد بن مسلمة فذنبك إليه فذنبك إليه أنه قتلت قاتل أخيه مرحبا .

ثم قال عمار لمحمّد بن مسلمة : أما تقاتل المحاربين ؟ فوالله لو مال علي جانبا

لملت مع علي. وقال كعب بن مالك يا أمير المؤمنين ، إنه بلغك عنا معشر الانصار، ما لو كان

ص: 9

غيرنا لم يقم معك ، والله ما كل ما رأينا حلالا حلال، ولا كل ما رأينا حراما حرام وفي الناس من هو أعلم بعذر عثمان ممن قتله، وأنت أعلم بحالنا منا، فإن كان قتل ظالما قبلنا، وإن كان قتل مظلوما فاقبل قولنا ، فإن وكلتنا فيه إلى شبهة فعجب

ليقيننا وشكك، وقد قلت لنا عندي نقض ما اجتمعوا عليه وفصل ما اختلفوا فيه وقال: كان أولى أهل المدينة بالنصر عليا علیه السلام وآل عبد مناف للذي في يديه من حرم الله وقرب الولاء بعد التصافي وكان كعب بن مالك شيعة لعثمان . وقام الاشتر إلى علي علیه السلام، فكلمه بكلام يحضّه على أهل الوقوف فكره ذلك علي حتى شكاه ، وكان من رأي علي علیه السلام ألا يذكرهم بشي. فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والانصار، فإنا فيهم، وهذه بيعة عامة، والخارج منها عاص، والمبطئ عنها مقصر ، فإن أدبهم اليوم باللسان وغدا بالسيف

ر، وما من ثقل عنك كمن خف معك، وإنما أرادك القوم لانفسهم فأردهم لنفسك. فقال علي علیه السلام: يا مالك دعني. وأقبل علي علیه السلام عليهم ، فقال : أرأيتم لو أن من

بايع أبا بكر أو عمر أو عثمان ثم نكث بيعته ، أكنتم تستحلون قتالهم ؟

قالوا: نعم .

قال :فكيف تحرجون من

القتال معي

معي وقد بايعتموني ؟

قالوا: إنا لا نزعم أنك مخطئ، وأنه لا يحل لك قتال من بايعك ثم نكث

بيعتك، ولكن نشك في قتال أهل الصلاة.

فقال الاشتر: دعني يا أمير المؤمنين أوقع بهؤلاء الذين يتخلفون عنك.

فقال له علي علیه السلام: كف عني ، فانصرف الاشتر وهو مغضب.

ثم إن قيس بن سعد لقى مالكا الاشتر في نفر من المهاجرين والانصار، فقال قيس للاشتر: يا مالك، كلما ضاق صدرك بشئ أخرجته ، وكلما استبطأت أمرا استعجلته، إن أدب الصبر التسليم، وأدب العجلة الاناة، وإن شرّ القول ما ضاهى

ص: 10

العيب، وشرّ الرأي ما ضاهى التهمة، وإذا ابتليت فاسأل، وإذا أمرت فأطع ولا تسأل قبل البلاء، ولا تكلف قبل أن ينزل الامر ، فإن في أنفسنا ما في نفسك، فلا تشق على صاحبك ؟ فغضب الاشتر.

ثم إن الانصار مشوا إلى الاشتر في ذلك فرضوه عن غضبه فرضي. فلما همّ علي علیه السلام بالنهوض، قام إليه أبو أيوب خالد بن زید صاحب منزل رسول الله علیه السلام، فقال : يا أمير المؤمنين ، لو أقمت بهذه البلدة، فإنها مهاجر رسول

الله علیه السلام، وبها قبره ،ومنبره، فإن استقامت لك العرب كنت كمن كان قبلك، وإن

وكلت إلى المسير فقد أعذرت. فأجابه علي بعذره في المسير . ثم خرج لما سمع توجه طلحة والزبير إلى البصرة وتمكث حتى عظم جيشه ، وأغذ السير في طلبهم، فجعلوا لا يرتحلون من منزل إلا نزله حتى نزل بذي قار، فقال: والله إنه ليحزنني أن أدخل على هؤلاء في ، فأرسل إلى الكوفة الحسن بن علي علیه السلام وعمار بن ياسر وقيس بن

قلة من معي

سعد، وكتب إليهم كتابا ، فقدموا الكوفة، فخطب الناس الحسن بن علي علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه، وذكر عليا علیه السلام وسابقته في الاسلام، وبيعة الناس له، وخلاف من خالفه، ثم أمر بكتاب علي علیه السلام فقرئ عليهم :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون

سمعه عيانه، إن الناس طعنوا عليه، وكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه وأقل عيبه ، وكان هذان الرجلان أهون سيرهما فيه الوجيف، وقد كان من أمر عائشة فلتة على غضب، فأتيح له قوم فقتلوه، ثم إن الناس بايعوني غير مستكرهين وكان هذان الرجلان أول من فعل على ما بويع عليه من كان قبلي، ثم إنهما استأذناني في العمرة، وليسا يريدانها ، فنقضا العهد، وآذنا بحرب، وأخرجا عائشة من بيتها، ليتخذانها فئة ، وقد سارا إلى البصرة اختيارا لها، وقد سرت إليكم

ص: 11

اختيارا لكم، ولعمري ما إياي تجيبون ما تجيبون إلا الله ورسوله، ولن أقاتلهم وفي نفسي منهم حاجة ، وقد بعثت إليكم بالحسن بن علي وعمار بن ياسر وقيس

بن سعد مستنفرين فكونوا عند ظني بكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله . فلما قرئ الكتاب على الناس قام خطباء الكوفة، شريح بن هاني وغيره فقالوا: والله لقد أردنا أن نركب إلى المدينة حتى نعلم علم عثمان، فقد أنبانا الله به في بيوتنا، ثم بذلوا السمع والطاعة، وقالوا: رضينا بأمير المؤمنين، ونطيع أمره ، ولا نتخلف عن دعوته ، والله لو لم يستنصرنا لنصرناه سمعا وطاعة» . (1)

ص: 12


1- الأمالي للشيخ

[ الكتاب الثاني ]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ المفيد

(ت / 413 ه-) في الجمل ، قال : وفي رواية عمر بن سعد، عن يزيد بن عن عامر الاسدي، قال: ان عليا كتب بعد فتح البصرة مع عمر بن سلمة الأرحبي إلى اهل الكوفة من عبد الله علي بن أبي طالب إلى قرضة بن كعب ومن قبله من المسلمين سلام عليكم ، فاني احمد الله اليكم الذي لا إله إلا هو ، اما بعد، فانا لقينا القوم الناكثين لبيعتنا المفرقين لجماعتنا الباغين علينا من امتنا فحاججناهم إلى الله فنصرنا الله عليهم وقتل طلحة والزبير وقد تقدمت اليهما بالنذر واشهدت عليهما صلحاء الامة ومكنتهما في البيعة فما أطاعا المرشدين ولا أجابا الناصحين ولاذ اهل البغي بعائشة فقتل حولها جم لا يحصي عددهم إلّا الله ،ثم ضرب الله بقيتهم فأدبروا فما كانت ناقة الحجر بأشأم منها على اهل ذلك المصر مع ما جاءت به من الحوب الكبير في معصيتها لربها ونبيها من الحرب واغترار من اغتر بها وما صنعته من التفرقة بين المؤمنين وسفك دماء المسلمين، بلا بيئة ولا معذرة ولا حجة لها، فلما هزمهم الله أمرت ان لا يقتل مدبرا ولا يجهز على جريح ولا يهتك ستر ، ولا يدخل دار إلّا باذن اهلها، وقد آمنت الناس، واستشهد منا رجال

ص: 13

صالحون ضاعف الله لهم الحسنات ورفع درجاتهم وأثابهم ثواب الصابرين وجزاهم من أهل مصر عن اهل بيت نبيهم احسن ما يجزي العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته، فقد سمعتم واطعتم ودعيتم فأجبتم فنعم الاخوان والاعوان

على الحق انتم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

كتب عبد الله بن أبي رافع في رجب سنة ست وثلاثين (1)

ص: 14


1- الحمل و الشيخ المفيد : 215 - 216

[ الكتاب الثالث ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت 1360ه-) في التخريج: «كتابه لشريح القاضي

رواه جماعة من المحدثين واهل الاخبار بروايات يختلف بعضها مع البعض الآخر اختلافاً يسيراً ، وقد رواه ابن الجوزي تحت عنوان قصة دار شريح القاضي وروي بدل اشخاصهم جميعاً : اشخصوا والله جميعاً. وخاتمة الكتاب : شهد على ذلك التواني ابن الفاقة والغرور ابن الامل ... الى آخره. رواه الصدوق في الامالى

والشيخ البهائي في اربعينه(1)

قال العرشي في التخريج ما نصه: « رواها الشيخ الصدوق في الأمالي

(المجلس (51) .( انتهى )(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الصدوق( ت / 381 ه-) في «الأمالي»، قال: حدثنا صالح بن عيسى بن أحمد بن محمّد العجلي قال حدثنا محمّد بن محمّد بن علي، قال: حدثنا محمّد بن الفرج الروياني، قال: حدثنا عبد الله بن محمّد العجلي قال: حدثني عبد العظيم بن

ص: 15


1- مدارك نهج البلاغة : 96 .
2- راجع استناد نهج البلاغة .

عبد الله الحسني ، عن أبيه، عن أبان مولى زيد بن علي ، عن عاصم بن بهدلة، قال: قال لي شريح القاضي : اشتريت دارا بثمانين دينارا، وكتبت كتاب، وأشهدت عدولا، فبلغ ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فبعث إليَّ مولاه قنبرا فأتيته ، فلما أن دخلت علیه، قال یا شریح اشتریت دارا، وكتبت كتابا ، وأشهدت عدولا، ووزنت مالا ؟ قال : قلت : نعم قال : یا شریح، اتق الله ، فإنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسأل عن بينتك حتى يخرجك من دارك شاخصا، ويسلمك إلى قبرك خالصا ، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالكها، ووزنت مالا من غير حله، فإذن أنت قد خسرت الدارين جميعا الدنيا والآخرة. ثم قال: (1): یا شریح، فلو كنت عندما اشتريت هذه الدار أتيتني، فكتبت لك كتاب

على هذه النسخة، إذن لم تشترها بدرهمين.

قال : قلت : وما كنت تكتب يا أمير المؤمنين ؟

قال : كنت أكتب لك هذا الكتاب :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت أزعج بالرحيل، اشترى منه دارا في دار الغرور من جانب الفانين إلى عسكر الهالكين، وتجمع هذه الدار حدودا أربعة فالحد الأول منها ينتهي إلى دواعي الآفات، والحد الثاني منها ينتهي إلى دواعي العاهات والحد الثالث منها ينتهي إلى دواعي المصيبات والحد الرابع منها ينتهي إلى الهوى المردي والشيطان المغوي، وفيه يشرع باب هذه الدار اشترى هذا المفتون بالأمل من هذا المزعج بالاجل جميع هذه الدار بالخروج من عز القنوع والدخول في ذل الطلب، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى منه من درك، فعلى مبلي أجسام الملوك ، وسالب نفوس الجبابرة مثل كسرى وقيصر وتبع وحمير، ومن جمع المال إلى المال فأكثر، وبنى فشيد، ونجد فزخرف، وأدخر بزعمه للولد، إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض لفصل

ص: 16


1- الحمل و الشيخ المفيد : 215 - 216

القضاء ﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) (1) ، شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى ونظر بعين الزوال لاهل الدنيا، وسمع منادي الزهد ينادي في عرصاتها ما أبين الحق لذي عينين إن الرحيل أحد اليومين تزودوا من صالح الاعمال وقربوا الآمال بالآجال، فقد دنت الرحلة والزوال ) . (2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما ارويه بالاسناد عن سبط ابن الجوزي ( ت / 654 ه- ، قال : حكى الشعبي، قال: اشتری شریح داراً بثمانين ) ديناراً فبلغ ذلك علياً (3) فاستدعاه ، فقال له: يا بن الحارث بلغني انك اشتريت داراً بكذا وكذا ، واشهدت على نفسك شهوداً ، وكتبت كتاباً . فقال : قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، فنظر اليه نظر المغضب، ثم قال يا شريح إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك حتى يخرجك منها شاخصاً ويسلمك الى قرارك خالصاً ، فاحذر أن تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك او نقدت الثمن من غير حلالك فاذن

، خسرت الدنيا والآخرة. أما انك لو أتيتني عند شرائك اياها لكتبت لك كتاباً فلم ترغب في شرائها ولا بدرهم.

فقال: وما كنت تكتب يا أمير المؤمنين ؟ فقال: كنت أكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ) هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت ازعج بالرحيل اشترى منه داراً من دور الغرور من جانب الفانين وخطة الهالكين،

هذه الدار حدود أربعة، فالحد الأول

ويجمع الى دواعي الآفات والحد الثاني الى نوادب المصيبات والثالث الى الهوى المردي . والرابع الى الشيطان الموذي وفيه يشرع بابها وتجتمع اسبابها اشترى هذا المغرور بالأمل من هذا المرجع بالأجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة والدخول في الطلب والضراعة

ص: 17


1- غافر : 78 .
2- الأمالي ؛ للشيخ الصدوق: 388 - 389
3- الحمل و الشيخ المفيد : 215 - 216

فما أدرك المشتري من درك فعلي مبلبل اجسام الملوك والأكاسرة وسالب نفوس الفراعنة والجبابرة مثل كسرى وقيصر وتبع وملوك حمير ومن جمع المال الى المال فاكثر ومن بنى وشيد وزخرف وادخر ونظر بزعمه للولد ووعد وأوعد، اشخصوا والله جميعاً الى موقف العرض والحساب، والثواب والعقاب؛ وسيقع الأمر بفصل القضاء ويقتص للجماء من القرناء (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ (1)

(وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (2)، شهد على ذلك التواني ابن الفاقة والغرور ابن الأمل والحرص ابن الرغبة واللهو ابن اللعب ومن اخلد الى محل الثوى ومال الى الدنيا ورغب عن الأخرى .(3)

وقد روي كلام آخر له (4) لشريح في القضاء ، اوّله : « يا شریح انظر الى اهل الشحّ والمطل والاضطهاد ومن يدفع حقوق الناس من اهل المدر واليسار ... الى آخره.

1 - رواه الشيخ الكليني باسناده في الكافي 7: 412

2 - ورواه الشيخ الصدوق باسناده في الفقيه 3 8

3 - والشيخ الطوسي باسناده في التهذيب 6 225.

ص: 18


1- غافر : 78
2- الزمر : 69
3- تذكرة الخواص : 138 ، ط / 1401ه-.
4- الحمل و الشيخ المفيد : 215 - 216

[ الكتاب الرابع ]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن سبط ابن الجوزي (ت / 654ه-) ، قال : رواه الشعبي، عن ابن عباس : سلام عليك ، اما بعد ، فان عادت هذه الشرذمة الى الطاعة فذلك الذي أوثره، وان تمادى بهم العصيان الى الشقاق فانهد بمن اطاعك الى من عصاك، واستعن بمن انقاد معك على من تقاعس عنك ، فان المتكاره مغيبه خير من حضوره، وعدمه خير من وجوده وقعوده اغنى من نهوضه» (1)

ص: 19


1- تذكرة الخواص : 145 ، ط / 1401ه-.

[ الكتاب الخامس ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت 1360ه-) في التخريج: قوله (1): ان عملك

ليس لك بطعمة ، روى هذا الكتاب ابن قتيبة ( ص (151) من ح1، مع زيادة على

ما هنا» (2)

قال العرشي في التخريج ما نصه: ( رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (13) وابن قتيبة في الامامة والسياسة (92) وابن عبد ربه في العقد الفريد [ج 2 ص 283] . (انّتهى) (3) قال الجلالي: وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفّين»، عن محمّد بن عبيد الله، عن الجرجاني، قال: لما بويع علي وكتب إلى العمال ، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان، وقد كان عمرو ابن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك، فكتب إليه عليّ : أما بعد ، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، ولعل أمرك يحمل بعضه

ص: 20


1- الحمل و الشيخ المفيد : 215 - 216
2- مدارك نهج البلاغة : 97 .
3- راجع استناد نهج البلاغة

بعضا إن اتقيت الله ، ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة، فسرت إليهما فالتقينا، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية. وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة. وفى يديك مال من مال الله، وأنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إليَّ، ولعلي ألا أكون شرّ ولاتك لك إن استقمت ولا قوة إلّا بالله.

فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب فحمد الله وأثنى عليه ثم ، قال : أيها الناس إن من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان، ولا يشفى منه الخبر، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه . إن الناس بايعوا عليا راضين به وأن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث، ثم أذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين ، فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة، فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين. ثم قام الأشعث بن قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمير

المؤمنين عثمان ولأني أذربيجان، فهلك وهي في يدي، وقد بايع الناس عليا، وطاعتنا له كطاعة من كان قبله . وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم . وعلي المأمون على ما غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر.

فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال : إن كتاب عليّ قد أوحشني، وهو آخذ بمال أذربيجان، وأنا لاحق بمعاوية . فقال القوم الموت خير لك من ذلك. أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام ؟! فاستحيا فسار حتى قدم

على علي. (1)

ص: 21


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 20 - 21

[ الكتاب السادس ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361ه-) في التخريج: قوله علیه السلام : انه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر وعمر ... الى آخره. رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفّين ص 18 ، طبع ایران» (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه: رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (18) وابن قتيبة في الامامة والسياسة (93) وابو حنيفة احمد بن دؤاد الدينوري المتوفى 290ه- 903م في الاخبار الطوال 166 وابن عبد ربه في العقد الفريد [ج

2 ص 284]. (انتهى) .(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212 ه-)« في وقعة صفّين»: عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي، أن عليا علیه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا همدان ، فجاء حتى نزل الكوفة، فأراد على أن يبعث إلى معاوية رسولا ، فقال له جرير: ابعثني إلى معاوية، فإنه لم يزل لي مستنصحا ،وودا، فآتيه فأدعوه على أن يسلم لك هذا

ص: 22


1- مدارك نهج البلاغة : 97 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

الأمر، ويجامعك على الحق ، على أن يكون أميرا من أمرائك، وعاملا من عمالك،

ما عمل بطاعة الله ، واتبع ما في كتاب الله ، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك، وجلهم قومي وأهل بلادي، وقد رجوت ألا يعصوني. فقال له الأشتر : لا تبعثه ودعه، ولا تصدقه، فو الله إني لأظن هواه هواهم، ونيته نيتهم. فقال له علي : دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا . فبعثه علي علیه السلاموقال له حين أراد أن يبعثه إن حولي من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من أهل الدين والرأي من قد رأيت، وقد اخترتك عليهم القول رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فيك : إنك من خير ذي يمن» . انت معاوية بكتابي، فإن دخل

« .. فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه، وأعلمه أنى لا أرضى به أميرا، وأن العامة لا ترضى به خليفة. فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز، وأهل اليمن وأهل مصر، وأهل العروض وعمان، وأهل البحرين واليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها. وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل .

ودفع إليه كتاب علي بن طالب، وفيه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعنى القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك الله ،رضا، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما،

ص: 23

فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما

دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية، إلّا أن تتعرض للبلاء. فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك. وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله . فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعرض فيهم الشورى وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلّا بالله .

فلما قرأ الكتاب قام جرير فقال : الحمد لله المحمود بالعوائد المأمول منه الزوائد، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب. أحمده وأستعينه في الأمور التى تخير دونها الألباب، وتضمحل عندها الأسباب. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بعد الفترة، وبعد الرسل الماضية والقرون الخالية، والأبدان البالية، والجبلة الطاغية، فبلغ الرسالة ، ونصح الأمة، وأدى الحق الذي استودعه الله

وأمره بأدائه إلى أمته صلى الله عليه وسلم من مبتعث ومنتجب. ثم قال: أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فما ظنكم بمن غاب عنه . وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا وإن العرب لا تحتمل السيف. وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس. وقد بايعت العامة عليا . ولو ملكنا الله أمورنا لم نختر لها غيره، ومن خالف هذا استعتب. فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم الله دين، وكان لكل امرئ ما في يديه. ولكن

ص: 24

الله لم يجعل للآخر من الولاة حق الأول ، وجعل تلك أمورا موطأة، وحقوقا ينسخ

بعضها بعضا. ثم قعد

ويجمع بهم

فقال معاوية : انظر وننظر ، واستطلع رأى أهل الشام . فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية مناديا فنادى الصلاة جامعة. فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال : الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا والشرائع للإيمان برهانا، يتوقد قبسه في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام، ورضيهم لها ورضيها لهم، لما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره، والذابين عن دبي.. وحرماته. ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، وفي سبيل الخيرات أعلاما، يردع الله بهم بهم الناكثين ألفة المؤمنين والله نستعين على ما تشعب من أمر المسلمين بعد الالتئام، وتباعد بعد القرب . اللهم انصرنا على أقوام يوقظون نائمنا، ويخيفون آمننا، ويريدون هراقة دمائنا، وإخافة سبيلنا وقد يعلم الله أنا لم نرد بهم عقابا ، ولا نهتك لهم حجابا ، ولا نوطئهم زلقا. غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى ، وسقط الندى، وعرف الهدى . حملهم على خلافنا البغي والحسد ، فالله نستعين عليهم . أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأني خليفة

، عثمان بن عفان عليكم ، وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط، وأني ولي عثمان وقد قتل مظلوما . والله يقول : ( وَمَن قُتِلَ مُظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً ) (1). وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان. فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان، وبايعوه على ذلك، وأوثقواله على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره، أو يفنى الله أرواحهم.

ص: 25


1- الاسراء : 33

فلما أمسى معاوية وكان قد اغتم بما هو فيه.

قال :نصر: فحدثني محمّد بن عبيد الله عن الجرجاني، قال: لما جن معاوية

الليل واغتم وعنده أهل بيته قال:

تطاول ليلي واعترتني وساوسي*** لآت أتى بالترهات البسابس

أتانا جریر والحوادث جمة*** بتلك التي فيها اجتداع المعاطس

أكابده والسيف بيني وبينه*** ولست لأثواب الدني بلابس

إن الشام أعطت طاعة يمنية*** تواصفها أشياخها في المجالس

فإن يجمعوا أصدم عليا بجبهة*** تفت عليه كل رطب ویابس

وإني لأرجو خير ما نال نائل ***وما أنا من ملك العراق بآيس

وإلا يكونوا عند ظني بنصرهم*** وإن يخلفوا ظني كف عابس(1)

ص: 26


1- وقعة صفين؛ النصر بن مزاحم المنقري : 3327 3,51.

[ الكتاب السابع ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت /1361ه-) في التخريج: «قوله علیه السلام: اما بعد، فقد اتتني منك موعظة ... الى آخره. رواه ابن قتيبة الى قوله : وقادة الضلال فاتبعه في

(ص 267) (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين

، (33) و( 34 ) ابن قتيبة في الامامة والسياسة (101) والمبرد في الكامل [ ج 1 ص- 193] وابن عبد ربه في العقد الفريد [ج 2 ص 284] . انتهى . (2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-)« في وقعة صفّين» قال: وفي حديث محمّد وصالح بن صدقة قالا : وكتب على إلى جرير بعد ذلك : أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية، أو سلم محظية . فإن اختار الحرب فانبذ ،له، وإن اختار السلم فخذ بيعته . فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب، فقال له: يا معاوية، إنه

ص: 27


1- مدارك نهج البلاغة : 97
2- استناد نهج البلاغة .

لا يطبع على قلب إلّا بذنب، ولا يشرح صدر إلّا بتوبة، ولا أظن قلبك إلّا مطبوعا. أراك قد وقفت بين الحق والباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك.

فقال معاوية : ألقاك بالفيصل أول مجلس إن شاء الله .

فلما بايع معاوية أهل الشام وذاقهم قال يا جرير الحق بصاحبك .

وكتب إليه بالحرب، وكتب في أسفل كتابه بقول كعب بن جعيل :

أرى الشام تكره ملك العراق ***وأهل العراق لها كارهونا

وكل لصاحبه مبغض*** یری کل ماكان من ذاك دينا

إذا ما رمونا رمیناهم***ودناهم مثل ما يقرضونا

وقالوا عليّ إمام لنا ***فقلنا رضينا ابن هند رضينا

وقلنا نرى أن تدينوا لنا ***فقالوا لنا لا نرى أن تدينا

ومن دون ذلك خرط القتاد*** وضرب وطعن يقر العيونا

وكل يس- بما عنده ***یری غث ما في يديه سمينا

ومافي على لمستعتب ***مقال سوي ضمه المحدثينا

وإيثاره اليوم أهل الذنوب*** ورفع القصاص عن القاتلينا

إذا سيل عنه حدا شبهة*** وعمى الجواب على السائلينا

فليس براض ولا ساخط ***ولا في النهاة ولا الأمرينا

و لا هو ساء ولا سرّه*** ولا بد من بعض ذا أن يكونا

قال: فكتب إليه من علي إلى معاوية بن صخر. أما بعد فقد أتاني كتاب امرئ ليس له نظر يهديه ولا قائد پر شده دعاه الهوى فأجابه وقاده فاتبعه زعمت أنه أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان. ولعمري ما كنت إلّا رجلا من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا وما كان الله ليجمعهم على ضلالة، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فيلزمني خطيئة الأمر، ولا قتلت فيجب عليّ القصاص.

ص: 28

وأما قولك: إن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز، فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة. فإن زعمت ذلك كذبك المهاجرون والأنصار ، وإلا أتينك به من قريش الحجاز.

وأما قولك : ادفع إلينا قتلة عثمان، فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بذلك منك. فإن زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم

فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على المحجة . وأما تمييزك بين الشام والبصرة وبين طلحة والزبير، فلعمري ما الأمر فيما

هناك إلا واحد ، لأنها بيعة عامة لا يثنى فيها النظر ، ولا يستأنف فيها الخيار. وأما ولوعك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان، ولا يقين الخبر. وأما فضلي في الإسلام وقرابتي من النبي صلی الله علیه و آله وسلم وشرفي في قريش، فلعمري لو

استطعت دفع ذلك لدفعته

وأمر النجاشي فاجابه في الشعر فقال:

دعن یا معاوي ما لن يكونا ***فقد حقق الله ما تحذرونا

أتاكم على بأهل الحجاز ***وأهل العراق فما تصنعونا

على كل جرداء خيفانة ***وأشعث نهد يسر العیونا

کل عليها فوارس مخشية ***كأسد العرين حمين العرينا

يرون الطعان خلال العجاج ***وضرب الفوارس في النقع دينا

هم هزموا الجمع جمع الزبير ***وطلحة والمعشر الناكثينا

وقالوا يمينا على حلفة ***لنهدي إلى الشام حربا زبونا

تشيب النواصي قبل المشيب ***وتلقى الحوامل منها الجنينا

فإن تكرهوا الملك ملك العراق ***فقد رضي القوم ما تكرهونا

فقل للمضلل من وائل*** ومن جعل الغث يوما سمينا

ص: 29

جعلتم عليا وأشياعه*** نظیر ابن هند ألا تستحونا؟

إلى أوّل الناس بعد الرسول*** وصنو الرسول من العالمينا

وصهر الرسول ومن مثله ***إذا كان يسوم يشيب القرون (1)

ص: 30


1- وقعة صفين النصر بن مزاحم المقري : 55 - 59 .

[ الكتاب الثامن ]

قال العرشي في التخريج ما نصه: رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (1)

(32) وابن عبد ربه في العقد الفريد[ ج 2 ص 284]. انتهى . قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم

(ت / 212 ه-) وقد تقدم نصه في الكتاب السابع، فراجع.

ص: 31


1- استناد نهج البلاغة

[ الكتاب التاسع ]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: «قوله علیه السلام: فأراد قومنا قتل نبينا .. الى آخره روی نصر بن مزاحم كتاباً طويلاً في كتاب صفين ص 47 . وفي ضمنه فقرات من هذا الكتاب المروي هنا»(1)

قال العرشي في التخريج ما نصه رواه بأسره ابن مزاحم في كتاب الصفين (48) كما روى العبارة الثالثة منه ابن عبد ربه في العقد الفريد [ج 2 ص 286]. (2) قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم

المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفّين : عن عمر بن سعد، عن أبي ،ورق، أن

أبن عمر بن مسلمة الأر أعطاه كتابا في إمارة الحجاج بكتاب من معاوية إلى

على قال: وإن أبا مسلم الخولاني قدم إلى معاوية في أناس من قراء أهل الشام قبل مسير أمير المؤمنين علیه السلام إلى صفين، فقالوا له : يا معاوية علام تقاتل عليا وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ؟ قال لهم ما أقاتل عليا وأنا أدعي أن لي في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ولكن

ص: 32


1- مدارك نهج البلاغة : 97
2- راجع استناد نهج البلاغة .

خبروني عنكم ، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ قالوا : بلى . قال : فليدع إلينا قتلته فنقتلهم به ولا قتال بيننا وبينه. قالوا : فاكتب إليه كتابا يأتيه به بعضنا فكتب إلى على هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني، فقدم به على عليّ ، ثم قام أبو مسلم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنك قد قمت بأمر وتوليته، والله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك ، إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا ، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة وألسنتنا لك شاهدة، وكنت ذا عذر وحجة. فقال له على اغد على غدا فخذ

جواب كتابك فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملؤوا المسجد وأخذوا ينادون : كلنا قتل ابن عفان وأكثروا من النداء بذلك ، وأذن لأبي مسلم ، فدخل على عليّ أمير المؤمنين فدفع إليه جواب كتابه معاوية ، فقال له أبو مسلم قد رأيت قوما ما لك معهم أمر . قال : وما ذاك ؟ قال : بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان . فقال عليّ علیه السلام: والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينيه ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك. فخرج بالكتاب وهو يقول : الآن طاب الضراب. وكان كتاب معاوية إلى علي علیه السلام: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن الله اصطفى محمدا بعلمه وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى خلقه، واجتبي له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منار لهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام فكان أفضلهم في إسلامه، وأنصحهم الله ولرسوله الخليفة من بعده، وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان ، فكلّهم ،حسدت، وعلى كلهم

ص: 33

.بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وفي قولك الهجر، وفي تنفسك الصعداء، وفي إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره . ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان، وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك في قرابته وصهره فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه، والبت الناس عليه، وبطنت وظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل، وقيدت إليه الخيل العراب، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله، فقتل معك في وأنت تسمع في داره الهائعة ، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا فعل. فأقسم صادقا أن لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغي عليه. وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك. وقد ذكر لي أنك تنصل من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم ،به ، ونحن أسرع الناس إليك. وإلا فإنه فليس لك ولا لأصحابك إلا السيف. والذي لا إله إلا هو لنطلبنّ قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر ، حتى يقتلهم الله ، أو لتلحقن أرواحنا بالله والسلام فكتب إليه على علیه السلام:( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )، من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان . أما بعد، فإن أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمّد صلی الله علیه و آله وسلم، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي. والحمد لله الذي صدقه الوعد وتمم له النصر ومكن له في البلاد، وأظهره على أهل العداء والشنآن من قومه الذين وثبوا ،به وشنفوا له، وأظهروا له التكذيب، وبارزوه بالعداوة وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله، وألبوا عليه العرب وجامعوهم على حربه وجهدوا في أمره كل الجهد، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم كارهون. وكان أشد الناس عليه ألبة أسرته والأدنى فالأدنى من قومه

ص: 34

إلا من عصمه الله يا ابن هند. فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ولقد قدمت فأفحشت ، إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه محمّد صلى الله عليه وسلم وفينا ، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر ، أو كداعي مسدده إلى النضال. وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم - زعمت - في الإسلام، وأنصحهم الله ورسوله الخليفة ، وخليفة الخليفة ولعمري إن مكانهما من الإسلام العظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء. وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا، فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه ، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره. ولعمر الله إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم الله ورسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر . إن محمّدا صلی الله علیه و آله وسلم لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد كنا - أهل البيت - أول من آمن به، وصدق بما جاء به، فلبثنا أحوالا مجرمة وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا، فأراد قومنا قتل نبينا، واجتياح أصلنا وهموا بنا الهموم وفعلوا بنا الأفاعيل، فمنعونا الميرة وأمسكوا عنا العذب، وأحلسونا الخوف، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا ثار الحرب، وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم حتى ندفع النبي صلی الله علیه و آله وسلم فيقتلوه ويمثلوا به. فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه، والذب عن حوزته، والرمي من وراء حرمته، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب ، وكافرنا يحامي به عن الأصل فأما من أسلم من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء، فمنهم حليف ممنوع ، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن.

ص: 35

36

.

فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم أمر الله رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف، فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد الله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي الله غير مرة ، إلا أن آجالهم عجلت، ومنيته أخرت والله مولى الإحسان إليهم، والمنان عليهم ، بما قد أسلفوا من الصالحات. فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح الله في طاعة رسوله ، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر على اللأواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلی الله علیه و آله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك . وفي المهاجرين خير كثير ،نعرفه جزاهم الله بأحسن أعمالهم. وذكرت حسدي الخلفاء، وإبطائي عنهم، وبغيى عليهم فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس ، لأن الله جل ذكره لما قبض نبيّه صلى الله عليه وسلم قالت قريش منا أمير ، وقالت الأنصار : منا أمير. فقالت قريش منا محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، فنحن أحق بذلك الأمر. فعرفت ذلك الأنصار فسلّمت لهم الولاية والسلطان. فإذا استحقوها بمحمّد صلی الله علیه و آله وسلم الدون الأنصار فإن أولى الناس بمحمّد صلی الله علیه و آله وسلم أحق بها منهم وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقى أخذوا ، أو الأنصار ظلموا . بل عرفت أن حقى هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم . وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه ، وتأليبي عليه، فإن عثمان عمل ما قد بلغك ، فصنع الناس به ما قد رأيت وقد علمت أني كنت في عزلة عنه ، إلا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك. وأما ما ذكرت من أمر قتله عثمان، فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه

ص: 36

وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك. ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك التعرفتهم عن قليل يطلبونك ، ولا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر، ولا جبل ولا سهل. وقد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال : أنت أحق بعد محمّد صلی الله علیه و آله وسلم بهذا الأمر، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك . ابسط يدك أبايعك . فلم أفعل. وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام فأبوك كان أعرف بحقي منك. فإن تعرف من حقي ما كان يعرف أبوك تصب رشدك، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك، الله عنك ، والسلام. قال البلاذري ( ت / 279 ه-) في أنساب الأشراف»، مالفظه: قالوا : كان جرير بن عبد الله البجلي بهمدان، فلما قدم على علیه السلام الكوفة عزله عنها ووجهه إلى معاوية

علي يدعوه إلى طاعته، وأن يسلم له الامر ، ويدخل معه فيما دخل فيه أهل الحرمين والمصرين وغيرهم، فأتى جرير معاوية، ودعاه إلى ما أمره علي بدعائه إليه، فانتظر معاوية قدوم شرحبيل بن السمط الكندي عليه، فقال له جرير: إني قد رأيتك توقفت بين الحق والباطل وقوف رجل ينتظر رأي غيره. (1)

وقدم شرحبيل فقال له معاوية : هذا جرير يدعونا إلى بيعة علي . فقام شرحبيل فقال : أنت عامل أمير المؤمنين عثمان ، وابن عمه وأولى الناس بالطلب بدمه وقتل من قتله . ولم ير جرير عند معاوية انقيادا له ولا مقاربة لذلك، فانصرف يائسا منه .

فلما قدم جرير على علي علیه السلام ما أسمعه مالك بن الحرث بن الاشتر كذا وقال له :

أنا أعرف غروراتك كذا ] وغشك ، وأن عثمان اشترى منك دينك بولاية همدان

فخرج جرير فلحق بقرقيسيا ، ولحق به قوم من قومه من قسر، ولم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلا، وشهدها من أحمس سبعماة. وأتى على دار جرير

ص: 37


1- وقعة صفّين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 9085

فشعث منها وحرق مجلسه، حتى قال له أبو زرعة بن عمرو بن جرير أصلحك الله إن في الدار أنصباء لغير جرير . فكفّ علي علیه السلام:

وقام أبو مسلم الخولاني - واسمه عبد الرحمان. ويقال: عبد الله بن مشكم - إلى معاوية فقال له على ما تقاتل عليا وليس لك مثل سابقته وقرابته وهجرته ؟! فقال معاوية : ما أقاتله وأنا ادعي في الاسلام مثل الذي ذكرت أنه له ، ولكن ليدفع إلينا قتلة عثمان فنقتلهم ،به ، فإن فعل فلا قتال بيننا وبينه، فقد يعلمون أن عثمان قتل مسلما محرما . قال : فاكتب إليه كتابا تسأله فيه أن يسلم إليك قتله عثمان. فكتب إليه معاوية - فيما ذكر الكلبي عن أبي مخنف، عن أبي روق الهمداني : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من معاوية بن أبي سفيان، إلى علي بن أبي طالب . أما ،بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه، وجعله الامين على وحيه، والرسول إلى خلقه، ثم اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده بهم، فكانوا في المنازل عنده على قدر فضائلهم في الاسلام، وكان أنصحهم الله ورسوله خليفته ثم خليفة خليفته ثم الخليفة الثالث المقتول ظلما عثمان ، فكلهم حسدت وعلى كلّهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر، وتنفسك الصعداء، وإبطائك عن الخلفاء، في كل ذلك تقاد كما يقاد الجمل المخشوش ، ولم تكن لاحد منهم أشد حسدا منك لابن عمتك ، وكان أحقهم أن لا تفعل به ذلك لقرابته وفضله ، فقطعت رحمه وقبحت حسنه، وأظهرت له العداوة وبطنت له بالغش، وألبت الناس عليه حتى ضربت آباط الابل إليه من كل وجه ، وقيدت إليه الخيل من كل أفق، وشهر عليه السلاح في حرم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقتل معك في المحلة، وأنت تسمع الهائعة، لا تدرأ عنه بقول ولا فعل ، ولعمري يا بن أبي طالب لو قمت في حقه مقاما واحدا تنهى الناس فيه عنه، وتقبح لهم ما ابتلهوا منه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة له والبغي عليه.

ص: 38

وأخرى أنت بها عند أولياء ابن عفان ظنينا : إيواؤك قتلته، فهم عضدك ويدك وأنصارك، وقد بلغني أنك تتنصل من دم عثمان وتتبرأ منه ، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته كي نقتلهم به ، ثم نحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس بيننا وبينك إلا السيف، ووالّذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله، والسلام فدفع الكتاب إلى أبي مسلم الخولاني وأمره أن يسير به إلى علي ، فصار به إلى الكوفة فأوصله إلى على واجتمع الناس في المسجد، وقري عليهم، فقالوا: كلنا قتلة عثمان وكلنا كان منكرا لعمله ولم يجبه علي إلى ما أراد ، فجعل أبو مسلم يقول : الآن طاب الضراب.

وكتب علي إليه في جواب كتابه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإن أخا خولان قدم عليّ علیه السلام بكتاب منك تذكر فيه محمدا وما أكرمه الله به من الهدى والوحي ، فالحمد لله الذي صدق له الوعد ومكن له في البلاد، وأظهره على الدين كله، وقمع به أهل العداوة والشنان من قومه الذين كذبوه وشنّعوا له، وظاهروا عليه وعلى إخراج أصحابه، وقلّبوا له الأمور حتى ظهر امر الله وهم له كارهون، فكان اشد الناس عليه الأدنى فالأدنى من قومه إلا قليلا ممن عصم الله .

وذكرت ان الله جل ثناؤه وتباركت اسماؤه اختار له من المؤمنين اعوانا ايده بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدم [قدر - خ ] فضائلهم في الاسلام، فكان افضلهم خليفته وخليفة خليفته من بعده، ولعمري إن مكانهما من الاسلام لعظيم وان المصاب بهم [كذا] لرزء جليل، وذكرت ان ابن عفان كان في الفضل ثالثا لهما ، فإن يكن عثمان محسنا فسيلقى ربا شكورا يضاعف الحسنات ويجزي بها وان يكن مسيئا فسيلقى ربا غفورا رحيما لا يتعاظمه ذنب ان يغفره، وإني لارجو

ص: 39

إذا اعطى الله المؤمنين على قدر اعمالهم ان يكون قسمنا أوفر قسم اهل بيت من المسلمين. إن الله بعث محمّدا صلی الله علیه و آله وسلم فدعا إلى الايمان بالله والتوحيد له، فكنا اهل البيت - اول من آمن واناب فمكثنا وما يعبد الله في ربع سكن من ارباعي العرب احد غيرنا، فبغانا قومنا الغوائل وهموا بنا الهموم والحقوا بنا الوشائط، واضطرونا إلى شعب ضيق، ووضعوا علينا فيه المراصد ، ومنعونا من الطعام والماء العذب وكتبوا بينهم كتابا ان لا يؤاكلونا ولا يشاربونا ولا يبايعونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا أو ندفع إليهم نبينا فيقتلوه أو يمثلوا به، وعزم الله لنا على منعه والذب عنه، وسائر

للوابه، من أسلم من قريش أخلياء مما نحن فيه منهم من حليف ممنوع وذي عشيرة لا

تبغيه كما بغانا ،قومنا فهم من التلف بمكان نجوة وأمن، فمكثنا بذلك ما شاء الله

، ثم أذن الله لرسوله في الهجرة وامره بقتال المشركين، فكان إذا حضر البأس

ودعيت نزال قدّم اهل بيته فوقى بهم اصحابه فقتل عبيدة يوم بدر، وحمزة يوم احد، وجعفر يوم مؤتة، وتعرض من لو شئت ان اسميه سميته لمثل ما تعرضوا له من الشهادة، لكن آجالهم حضرت ومنيته أخرت.

وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي لهم، فأما الحسد، فمعاذ الله ان أكون أسررته أو أعلنته، وأما الابطاء عنهم فما أعتذر إلى الناس منه، ولقد أتاني أبوك حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايع الناس أبا بكر ، فقال : أنت أحق الناس بهذا الامر فأبسط يدك أبايعك. قد علمت ذلك من قول أبيك، فكنت الذي أبيت ذلك مخافة الفرقة، لقرب عهد الناس بالكفر والجاهلية، فإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك ، وإلا تفعل فسيغني الله عنك .

وذكرت عثمان وتأليبي الناس عليه ، فإن عثمان صنع ما رأيت فركب الناس منه ما قد علمت وأنا من ذلك بمعزل إلا أن تتجنى فتجن ما بدالك . وذكرت قتلته بزعمك - وسألتني دفعهم إليك وما أعرف له قائلا بعينه، وقد ضربت الامر أنفه

ص: 40

وعينيه فلم أره يسعني دفع من قبلي ممن اتهمته وأظننته إليك، ولئن لم تنزع عن غيك وشقائك، لتعرفن الذين تزعم أنهم قتلوه طالبين لك لا يكفونك طلبهم في سهل ولا جبل، والسلام.

وأنفذ عليّ الكتاب إلى معاوية مع أبي مسلم الخولاني. وقد قال بعض الرواة:

أن أبا هريرة الدوسي كان مع أبي مسلم(1)

وبالاسناد عن المتقي الهندي في كنز العمال: عن علي قال : كنا إذا حمي

البأس ولقى القوم اتقينا برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، فما يكون منا أحد أقرب إلى العدو منه

برسول ك ، ش ، حم وأبو عبيد في الغريب ، ن ، ع ، ك والحارث، ابن جرير وصححه ، ق

في الدلائل (2)

ص: 41


1- انساب الاشراف ؛ للبلاذري : 275-282 . 419:12
2- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 12: 419 ، ح 35463 .

[ الكتاب العاشر ]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: روى ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (59) من هذا الكتاب قوله وانه يوشك أن يوقفك واقف - الى قوله - ولا شرف : باسق». (انتهى)(1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفّين»، قال: وحدثنا عمر بن سعد، عن الشعبي، قال: أرسل على إلى معاوية : ان ابرز لى وأعف الفريقين من القتال، فأينا قتل صاحبه كان الأمر له ، قال عمرو : لقد أنصفك الرجل. فقال معاوية: إني لا كره أن أبارز الأهوج الشجاع ، لعلك طمعت فيها يا عمرو. فلما لم يجب . قال علي: وانفساه، أيطاع معاوية وأعصى ؟ ما قاتلت أمة قط أهل بيت نبيها وهي مقرة بنبيها إلا هذه الأمة. (2)

وبالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري أيضاً ، قال : وكتب إلى معاوية : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. سلام

ص: 42


1- راجع : استناد نهج البلاغة .
2- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 387 - 388 .

على من اتبع الهدى، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك قد رأيت من الدنيا وتصرفها بأهلها وإلى ما مضى منها ، وخير ما بقي من الدنيا ما أصاب العباد الصادقون فيما مضى. ومن نسي الدنيا نسيان الآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً. واعلم يا معاوية أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية، ولست تقول فيه بأمر بيّن تعرف لك به أثرة، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ، ولا عهد تدعيه من رسول الله، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها وركنت إلى لذتها ، وخلى فيها بينك وبين عدو جاهد ملح مع ما عرض في نفسك من دنيا قد دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها. فاقعس عن هذا الأمر، وخذ أهبة الحساب، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك منه مجن. ومتى كنتم يا معاوية ساسة للرعية، أو ولاة لأمر هذه الأمة بغير قدم حسن ولا شرف سابق على قومكم. فشمر لما قد نزل بك ولا تمكن الشيطان من بغيته فيك، مع أني أعرف أن الله ورسوله صادقان. فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء. وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك، فإنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه، فجرى منك مجرى الدم في العروق، واعلم أن هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم لحسدونا وامتنوا به علينا، ولكنه قضاء ممن امتن به علينا على لسان نبيه الصادق المصدق . لا أفلح من شك بعد العرفان والبيئة . اللهم احكم بيننا وبين عدونا بالحق وأنت خير الحاكمين(1)

ص: 43


1- وقعة صفين النصر بن مزاحم المنقري : 110 108 .

[ الكتاب (11)]

قال العرشي في التخريج ما نصه : رواها ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين

(66) والحراني في تحف العقول ( 44) . (انتهى)(1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم

المنقري في وقعة صفين»، عن عمر بن سعد، حدثني يزيد بن حدثني يزيد بن خالد بن قطن أن عليا حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر، وشريح بن هانئ وكانا على مذحج والأشعريين - قال: يا زياد اتق الله في كل ممسى ومصبح ، و على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال من البلاء، واعلم أنك إن لم تزع نفسك عن كثير مما يُحَبّ مخافة مكروهة، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر.

فكن لنفسك مانعا وازعا من البغي والظلم والعدوان، فإني قد وليتك هذا الجند فلا تستطيلن عليهم، وإن خيركم عند الله أتقاكم. وتعلّم من عالمهم، وعلّم جاهلهم ، واحلم عن سفيههم ، فإنك إنما تدرك الخير بالحلم، وكف الأذى والجهل. فقال :زياد أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك، مؤدبا بأدبك ، يرى

الرشد في نفاذ أمرك، والغي في تضييع عهدك.

ص: 44


1- راجع : استناد نهج البلاغة

فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما في اثني عشر ألفا على مقدمته شريح بن هانئ على طائفة من الجند، وزياد على جماعة. فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة ، ولا يقرب زياد بن النضر، فكتب زياد إلى على مع غلام له أو مولى يقال له : شوذب : لعبد الله على أمير المؤمنين من زياد بن النضر، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك وليتني أمر الناس، وإن شريحا لا يرى لي عليه طاعة ولا حقا، وذلك من فعله استخفاف بأمرك، وترك لعهدك ، والسلام. وكتب شريح بن هانئ : سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد، فإن زياد بن النضر حين أشركته في أمرك ، ووليته جندا من جنودك، تنكر واستكبر ومال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى من القول والفعل. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحب فليفعل، فإنا له كارهون والسلام

فكتب إليهما عليّ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ سلام عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد، فإني قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها، وشريح على طائفة منها ،أمير، فإن أنتما جمعكما بأس فزياد بن النضر على الناس ، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة التي وليناه أمرها واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع ، ومن نقض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب كي لا يغتر كما عدو، أو يكون لكم كمين . ولا تسيرن الكتائب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبية . فإن دهمكم داهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية . وإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال، أو

ص: 45

أثناء الأنهار كي ما يكون ذلك لكم ردءا، وتكون مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين . واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال ، وبأعالي الأشراف، ومناكب الهضاب يرون لكم ، لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن. وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا رحلتم فارحلوا جميعا، وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والأترسة ، ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم وما أقمتم فكذلك فافعلوا كي لا تصاب لكم غفلة ، ولا تلفى منكم غرة، فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون. واحرسا عسكر كما بأنفسسكما ، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا أو مضمضة، ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوّكما، وليكن عندي كل يوم خبركما ورسول من قبلكما، فإني - ولا شئ إلا ما شاء الله - حثيث السير في آثاركما عليكما في حربكما بالتؤدة، وإياكم والعجلة إلا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة. وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلّا أن تبدأ أو يأتيكما أمري

إن شاء الله. والسلام (1)

ص: 46


1- وقعة صفّين : النصر بن مزاحم المنقري : 125 121 .

[ الكتاب (12)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري في وقعة صفّين»، باسناده عن عمر ، عن رجل - وهو أبو مخنف - عن نمير بن وعلة، عن أبي الوداك أن عليا بعث من المدائن معقل بن قيس الرياحي

، في ثلاثة آلاف رجل وقال له : (خذ على الموصل، ثم نصيبين ، ثم القني بالرقة فإني موافيها، وسكن الناس وأمنهم ، ولا تقاتل إلا من قاتلك، وسر البردين، وغور بالناس، وأقم الليل، ورفه في السير، ولا تسر في الليل فإن الله جعله سكنا ،

أرح فيك بدنك وجندك وظهرك . فإذا كان السحر أو حين ينبطح الفجر فسر». فخرج حتى أتى الحديثة، وهي إذ ذاك منزل الناس - إنما بنى مدينة الموصل بعد ذلك محمد بن مروان - فإذا هم بكبشين ينتطحان، ومع معقل بن قيس رجل من خثعم يقال له : شداد بن أبي ربيعة قتل بعد ذلك مع الحرورية ، فأخذ يقول : إيه إيه . فقال معقل : ما تقول ؟ قال : فجاء رجلان نحو الكبشين فأخذ كل واحد منهما كبشا ثم انصرفا، فقال الخثعمي لمعقل : لا تغلبون ولا تغلبون قال له: من أين علمت ذلك؟ قال: أما أبصرت الكبشين، أحدهما مشرق والآخر مغرب، التقيا فاقتتلا وانتطحا، فلم يزل كل واحد منهما من صاحبه منتصفا حتى أتى كل واحد

ص: 47

منهما صاحبه فانطلق به فقال له معقل أو يكون خيرا مما تقول يا أخا خثعم ؟ ثم

مضوا حتى أتوا عليا بالرقة» (1)

ص: 48


1- وقعة صفين النصر بن مزاحم المنقري : 149 148 .

[ الكتاب (13)]

قال العرشي في التخريج ما نصه: رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (1)

(81) والطبري في تاريخه [ ج 5 ص 238] . انتهى . قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري في وقعة صفّين»، باسناده عن عمر ، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث: أن عليا قال لأهل الرقة اجسروا لي جسرا لكي أعبر من هذا المكان إلى الشام فأبوا وقد كانوا ضمّوا السفن عندهم، فنهض من عندهم ليعبر على جسر ،منبج، وخلف عليه الأشتر، فناداهم فقال: يا أهل هذا الحصن

ا إني أقسم بالله لئن مضى أمير المؤمنين ولم تجسر وا له عند مدينتكم حتى يعبر منها لأجردن فيكم السيف، ولأقتلن مقاتلتكم ، ولأخرين أرضكم، ولآخذن أموالكم . فلقى بعضهم بعضا فقالوا: إن الأشتر يفي بما يقول، وإن عليا خلفه علينا ليأتينا منه الشر. فبعثوا إليه : إنا ناصبون لكم جسرا فأقبلوا فأرسل الأشتر إلى علي فجاء ونصبوا له الجسر، فعبر الأثقال والرجال، ثم أمر الأشتر فوقف في ثلاثة آلاف فارس، حتى لم يبق أحد من الناس إلا عبر ، ثم إنه عبر آخر الناس رجلا.

ص: 49


1- راجع : استناد نهج البلاغة .

وذكر الحجاج أن الخيل ازدحمت حين عبرت ، وزحم بعضها بعضا وهي تعبر فسقطت قلنسوة عبد الله بن أبي الحصين فنزل فأخذها وركب، وسقطت

قلنسوة عبد الله بن الحجاج فنزل فأخذها ثم ركب ، فقال لصاحبه

إن يك ظن الزاجري الطير صادقا ***كما زعموا أقتل وشيكا وتقتل

قال عبد الله بن أبي الحصين ما شئ أوتاه هو أحب إلي مما ذكرت فقتلا

جميعا يوم صفين.

وقال خالد بن قطن : فلما قطع علي الفرات دعا زياد بن النضر، وشريح بن ،هانئ فسرحهما أمامه نحو معاوية على حالهما الّذي كانا عليه حين خرجا من الكوفة ، في اثني عشر ألفا. وقد كانا حين سرحهما من الكوفة مقدمة له أخذا على شاطئ الفرات من قبل البر مما يلي الكوفة ، حتى بلغا عانات، فبلغهما أخذ علي على طريق الجزيرة، وبلغهما أن معاوية أقبل في جنود الشام من دمشق لاستقبال علي فقالا : لا والله ما هذا لنا برأي، أن نسير وبيننا وبين أمير المؤمنين هذا البحر، ما لنا خير أن نلقي جموع أهل الشام بقلة من عددنا منقطعين من العدد والمدد. فذهبوا ليعبروا من عانات فمنعهم أهل عانات، وحبسوا عندهم السفن، فأقبلوا راجعين حتى عبروا من هيت، ثم لحقوا عليا بقرية دون قرقيسيا، وقد أرادوا أهل عانات فتحصنوا منهم، فلما لحقت المقدمة عليا قال : مقدمتي تأتي من ورائي؟ فتقدم إليه زياد وشريح فأخبراه بالرأي الذي رأيا ، فقال : قد أصبتما رشدكما . الفرات قدمهما أمامه نحو معاوية ، فلما انتهوا إلى معاوية لقيهم أبو

فلما

عبر

الأعور السلمي في جند أهل الشام ، فدعوهم إلى الدخول في طاعة أمير المؤمنين فأبوا فبعثوا إلى عليّ: إنا قد لقينا أبا الأعور السلمي بسور الروم في جند من أهل الشام فدعوناه وأصحابه إلى الدخول في طاعتك فأبوا علينا، فمرنا بأمرك . فأرسل علي إلى الأشتر فقال : يا مال، إن زيادا وشريحا أرسلا إلى يعلماني أنهما لقيا أبا

ص: 50

الأعور السلمي في جند من أهل الشام بسور الروم فنبأني الرسول أنه تركهم متواقفين. فالنجاء إلى أصحابك النجاء. فإذا أتيتهم فأنت عليهم، وإياك أن تبدأ القوم بقتال، إلا أن يبدؤوك، حتى تلقاهم وتسمع منهم، ولا يجرمنك شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم مرة بعد مرة . واجعل على ميمنتك زيادا وعلى ميسرتك شريحا، وقف بين أصحابك وسطا، ولا تدن منهم دنو من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد منهم تباعد من يهاب البأس ، حتى أقدم عليك ، فإني حثيث السير إليك إن شاء الله .

وكان الرسول الحارث بن جمهان الجعفي. وكتب إليهما: أما بعد فإني قد

أمرت عليكما ،مالكا، فاسمعا له وأطيعا أمره، فإنه ممن لا يخاف رهقه ولا سقاطه ولا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم، ولا الإسراع إلى ما البطؤ عنه أمثل. وقد أمرته بمثل الذي أمرتكما ألا يبدأ القوم بقتال حتى يلقاهم فيدعوهم ويعذر إليهم إن

شاء الله .

فلم

فخرج الأشتر حتى قدم على القوم فاتبع ما أمره به عليّ، وكف عن القتال. يزالوا متواقفين حتى إذا كان عند المساء حمل عليهم أبو الأعور السلمي فثبتوا له واضطربوا ساعة ثم إن أهل الشام انصرفوا ، ثم خرج هاشم بن عتبة في خيل

ورجال حسن عدتها وعددها، وخرج إليهم أبو الأعور السلمى فاقتتلوا يومهم ذلك، تحمل الخيل على الخيل، والرجال على الرجال فصبر القوم بعضهم لبعض ثم انصرفوا .

وبكر عليهم الأشتر فقتل منهم عبد الله بن المنذر التنوخي قتله ظبيان بن عمارة التميمي، وما هو يومئذ إلا فتى حديث السن. وإن كان الشامى لفارس أهل الشام. وأخذ الأشتر يقول : ويحكم، أروني أبا الأعور . ثم إن أبا الأعور دعا الناس فرجعوا ،نحوه، فوقف على تل من وراء المكان الذي كان فيه أول مرة، وجاء

ص: 51

الأشتر حتى صف أصحابه في المكان الذي كان فيه أبو الأعور أول مرة، فقال الأشتر لسنان بن مالك النخعي: انطلق إلى أبي الأعور فادعه إلى المبارزة فقال: الي مبارزتي أو مبارزتك ؟ فقال الي مبارزتي . فقال الأشتر أو لو أمرتك بمبارزته فعلت ؟ قال: نعم، والذي لا إله إلا هو لو أمرتني أن أعترض صفهم بسيفي فعلته حتى أضربه بالسيف . فقال : يا ابن أخي، أطال الله بقاءك، وقد والله ازددت فيك رغبة، لا ما أمرتك بمبارزته، إنما أمرتك أن تدعوه إلى مبارزتي ، لأنه لا يبارز - إن كان ذلك من شأنه - إلا ذوي الأسنان والكفاءة والشرف، وأنت بحمد الله من أهل الكفاءة والشرف، ولكنك حديث السن، وليس يبارز الأحداث، فاذهب فادعه إلى مبارزتي، فأتاهم فقال : أمنوني فإني رسول. فأمنوه حتى انتهى إلى أبى الأعور(1)

استحقا

رات الهية الماشه

ص: 52


1- وقعة صغير راحم المنقري : 154 151 .

[ الوصيّة (14)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: لاتقاتلوهم حتى يبدأوكم ... الى آخره . روى شيئاً من هذه الوصية في كتاب الجهاد من كتاب (1)

الكافي ص قال العرشي في التخريج ما نصه رواها ابن مزاحم الكوفي في كتاب

الصفين (106) » . انتهى . (2)

قال الجلالي : وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212 ه-) في وقعة صفين»، باسناده عن عمر بن سعد، وحدثني رجل ، عن عبد الله بن جندب عن أبيه : أن عليا علیه السلام كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه يقول : لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم عليهم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا إلا

ص: 53


1- مدارك نهج البلاغة : 97 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة

بإذني، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم وتناولن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول . ولقد كنا وإنا كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات ، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده (1) وبالاسناد عن الكليني ( ت / 328ه-) قوله : «ولا تمثلوا بقتيل وقد تقدم

في الخطبة ( 80 ) .

ص: 54


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 203.

[ الدعاء ( 15) ]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: قوله: اللهم اليك

أفضت القلوب ، رواه في الصحيفة العلوية ، وقال الشارح العلامة : روي انه كان علیه السلام اذا اشتد القتال ذكر اسم الله حين يركب ، ثم يقول الحمد لله على نعمه علينا وقضله العميم، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وانا الى ربنا لمنقلبون، ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول: اللّهم اليك نقلت الاقدام واليك أفضت القلوب» (1) قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفين » ، باسناده عن قيس بن الربيع، عن ( عبد الواحد بن حسان العجلي ، عمن حدثه عن على أنه سمع يقول يوم صفين : اللهم إليك رفعت الأبصار، وبسطت الأيدى ونقلت الأقدام، ودعت الألسن وأفضت القلوب، وتحوكم إليك في الأعمال، فاحكم بيننا وبينهم بالحق وأنت خير الفاتحين. اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا، وقلة عددنا، وكثرة عدونا وتشتت أهوائنا وشدة الزمان، وظهور الفتن، أعنا عليهم بفتح تعجله، ونصر

ص: 55


1- مدارك نهج البلاغة : 97

تعز به سلطان الحق وتظهره . (1)

وبالاسناد عن الشيخ المفيد ( ت / 413 ه-) في الجمل، قال: فلما رأى امير المؤمنين ما قدم عليه القوم من العناد واستحلوه من سفك الدم الحرام، رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم اليك شخصت الابصار وبسطت الايدي وافضت القلوب وتقربت اليك بالاعمال ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين ، ثم دعا ابنه محمّد بن الحنفية، فأعطاه الراية وهي راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا بني هذه راية لا ترد قط ، ولا ترد أبداً ، قال محمّد : فأخذتها والريح تهب عليها فلما تمكنت من حملها صارت الريح على طلحة والزبير واصحاب الجمل، فأردت ان امشي بها فقال امير المؤمنين قف يا بني حتى آمرك ..». (2)

وبالاسناد عن ابن طاووس في مهج الدعوات، قال: ومن ذلك دعاء لمولانا ومقتدانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام عند ابتداء القتال يوم صفين من كتاب صفين لعبد العزيز الجلودي من أصحابنا له قال : فلما زحفوا باللواء قال علي صلوات الله عليه وآله: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إياك نعبد وإياك نستعين يا الله یا رحمان یا رحیم ، يا أحد يا صمد يا إله محمد، إليك نقلت الاقدام وأفضت القلوب، وشخصت الابصار، ومدت الاعناق، وطلبت الحوائج، ورفعت الأيدي ، اللهم افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين . ثم قال : لا إله إلا الله والله أكبر ثلاثا . ومن ذلك في رواية من كتاب الجلودي ، قال : كان علي بن أبي طالب علیه السلام له إذا سار إلى القتال ذكر اسم الله تعالى حتى يركب ثم يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله على نعمه علينا وفضله العظيم

ص: 56


1- وقعة صفين؛ النصر بن مزاحم المنقري : 231 .
2- الجمل ؛ للشيخ المفيد : 182

عندنا ثم يستقبل القبلة ببغلة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، ويرفع يديه، ويدعو الدعاء الأول وفيه تقديم وتأخير».(1)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975ه-) في كنز العمال»، عن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب : أن عليا لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاثا، حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فقالوا : قد أكثروا فينا الجراح، فقال يا ابن أخي والله ما جهلت شيئا من أمرهم إلا ما كانوا

فيه وقال صب لي ماء! فصب له ماء فتوضأ ثم صلى ركعتين حتى إذا فرغ رفع

يديه ودعا ربه وقال لهم : إن ظهرتم على القوم فلا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح وانظروا ما حضرت به الحرب من آنية فاقبضوه! وما كان سوى ذلك فهو لورثته». هق . وقال : هذا منقطع (2)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 985 ه-) في كنز العمال » عن عبد خير عن على أنه قال يوم الجمل : لا تتبعوا مدبرا! ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى سلاحه فهو آمن» (ش)(3)

مهج الدعوات : 96 - 97 ، ط / 1323 ه- وعنه بحار الأنوار ؛ للعلامة المجلسي 91: 235 و 263 .

ص: 57


1- منها
2- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 11: 338 ، ح 31982 .
3- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 11 : 335 ، ح 31675

[ الكتاب (16)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفين»، باسناده عن أبي عبد الرحمن المسعودي، حدثني يونس بن الأرقم بن عوف، عن شيخ من بكر بن وائل ، قال :

كنا مع على بصفين، فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح فقال ناس : هذا لواء عقده له رسول الله . فلم يزالوا كذلك حتى بلغ عليا، فقال: هل تدرون ما أمر هذا اللواء؟ إن عدو الله عمرو بن العاص أخرج له رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم هذه الشقة، فقال: من يأخذها بما فيها ؟ ، فقال عمرو: وما فيها يا رسول الله ؟ قال : فيها أن لا تقاتل به مسلما، ولا تقربه من كافر. فأخذها، فقد والله قربه من المشركين، وقاتل به اليوم المسلمين والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسلموا ولكن استسلموا، وأسروا الكفر، فلما وجدوا أعوانا رجعوا إلى عدواتهم منا ، إلا أنهم لم يدعوا الصلاة.

نصر: أخبرني عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : لما كان قتال صفين، قال رجل لعمار يا أبا اليقظان، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتلوا الناس حتى يسلموا، فإذا أسلموا عصموا منّي دماءهم وأموالهم ؟ قال بلى ولكن والله ما

ص: 58

أسلموا ولكن استسلموا ، وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا .

نصر : عبد العزيز، قال: حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني منذر الثوري، قال: قال محمّد بن الحنفية لما أتاهم رسول الله من أعلى الوادي ومن أسفله، وملأ الأودية كتائب استسلموا حتى وجدوا أعوانا .

نصر ، عن فطر بن خليفة عن منذر الثوري، قال عمار بن ياسر والله ما أسلم

القوم ولكن استسلموا وأسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا .(1)

وجاء قوله: «لايشدون عليكم كرة بعد فترة ولا حملة بعد حملة في آخر

الخطبة (80) في رواية الكليني (ت / 321ه-)، فراجع .

ص: 59


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 216 215

[ الكتاب (17)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج : « قوله علیه السلام: اما طلبك إلي الشام ... الخ، روى ابن قتيبة كتابا له فيه فقرات من هذا الكتاب، وذكر الشارح العلامة كتاب معاوية وطلبه الشام ، وان أمير المؤمنين علیه السلام قرأه وتعجب منه ، ثم دعا عبد الله بن رافع وقال له : اكتب اليه : أما بعد فقد جاءني كتابك، تذكر إنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعض على بعض، وأنا

وإياك في غاية لم نبلغها بعد، وأما طلبك إلى الشام ... . (1)

قال العرشي في التخريج مانصه : رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين (79) و (252) وابن قتيبة في الامامة والسياسة (115)، والدينوري في الأخبار الطوال (119) ، والمسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 48]، والبيهقي في المحاسن والمساوي [ ج 1 ص 38] . انتهى .(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212 ه-) «في وقعة صفّين» فقال : وقال الأشتر حين قال علي:

ص: 60


1- مدارك نهج البلاغة : 98 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة

«إنني مناجز القوم إذا أصبحت»:

قد دنا الفصل في الصباح*** وللسلم رجال وللحروب رجال

فرجال الحروب كل خدب*** مقحم لا تهده الأهوال

يضرب الفارس المدجج بالسي***ف إذا فل في الوغى الأكفال

یا ابن هند شد الحيازيم للمو*** ت ولا يذهبن بك الآمال

إن في الصبح إن بقيت لأمرا ***تتفادى من هو من هوله الأبطال

فيه عز العراق أو ظفر الشا ***م بأهل العراق والزلزال

فاصبروا للطعان بالأسل السم*** ر وضرب تجري به الأمثال

إن تكونوا قتلتم النفر البي*** ض و غالت أولئك الآجال

فلتا مثلهم وإن عظم الخط ***ب، قليل أمثالهم أبدال

يخضبون الوشيح طعنا إذا ***جرت من الموت بينهم أذيال

طلب الفوز في المعاد وفي ذا ***تستهان النفوس والأموال

فلما انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال: شعر منكر من شاعر منكر، رأس أهل العراق وعظيمهم ومسعر حربهم، وأول الفتنة وآخرها. وقد رأيت أن أكتب إلى عليّ كتابا أسأله الشام - وهو الشئ الأول الذي ردّني عنه - وألقى في نفسه الشك والريبة . فضحك عمرو بن العاص، ثم قال : أين أنت يا معاوية من خدعة علي ؟! :فقال: ألسنا السنا بني بني عبد مناف ؟ قال بلى ولكن لهم النبوة دونك، وإن شئت أن تكتب فاكتب ، فكتب معاوية إلى علي مع رجل من السكاسك، يقال له: عبد الله بن عقبة، وكان من نافلة أهل العراق فكتب

أما بعد، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمنا ، لم يجنها بعضنا على بعض ، وإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى، ونصلح به ما بقي. وقد كنت سألتك الشام على ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك عليَّ، فأعطاني الله ما منعت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما

ص: 61

دعوتك إليه أمس، فإني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو ، ولا أخاف من الموت إلا ما تخاف. وقد والله رقت الأجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس البعضنا على بعض فضل إلّا فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق حربه . والسلام. فلما انتهى كتاب معاوية إلى عليّ قرأه ، ثم قال : العجب لمعاوية وكتابه. ثم دعا

على عبيد الله بن أبي رافع ، كاتبه، فقال: اكتب إلى معاوية : أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض . فإنا وإياك منها في غاية لم تبلغها . وإني لو قتلت في ذات الله وحييت، ثم قتلت ثم حيبت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة في ذات الله والجهاد لأعداء الله . وأما قولك إنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى، فإني ما نقصت

عقلي ولا ندمت على فعلي

فأما طلبك الشام، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك منها أمس. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى على الشك مني على

اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل، فلعمري إنا بنو أب واحد، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل. وفي أيدينا بعد فضل النبوة التى أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذليل . والسلا(1)

ص: 62


1- مراحم المنقري : 171 469

[ الكتاب (18)]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: « قوله علیه السلام: إن البصرة مهبط إبليس ... الخ، روي أن ابن عباس كان قد أضر ببني تميم حين ولي البصرة لما عرفهم به من العداوة يوم الجمل ؛ لأنهم كانوا من شيعة طلحة والزبير وعائشة فتنكر عليهم وسماهم شيعة الجمل وأنصار عسكر وحزب الشيطان، فاشتد ذلك على نفر من شيعة علي علیه السلام من بني تميم، منهم: حارثة بن قدامة، فكتب علیه السلام بذلك الى

على يشكو ابن عباس ، فكتب الى ابن عباس اما بعد فان خير الناس عند الله أعملهم بطاعته فيما له ،وعليه، وأقولهم بالحق وإن كان مراً ، ألا وإنه بالحق قامت

السموات والارض فيما بين العباد إلى أن قال : واعلم إن البصرة ....» . (1) قال العرشي في التخريج ، ما نصه : روى ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفّين

(57) نبذة من هذا الكتاب» . ( انتهى)(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212ه-)« في وقعة صفّين»، قال: وفي حديث عمر بن سعد قال:

ص: 63


1- مدارك نهج البلاغة : 98
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

وكتب عليّ إلى عماله ، فكتب إلى مخنف بن سليم سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الّذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحق رغبة عنه ، وهب نعاس العمى والضلال اختيارا له - فريضة على العارفين . إن الله يرضى عمن

أرضاه، ويسخط على من عصاه . وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم القوم الذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله، واستأثروا بالفي، وعطلوا الحدود، وأماتوا الحق، وأظهروا في الأرض الفساد، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين فإذا ولي الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبوه وأدنوه وبروه فقد أصروا على الظلم، وأجمعوا على الخلاف وقديما ما صدوا عن الحق، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك، وأقبل إلينا لعلك تلقى هذا العدو المحل فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجامع الحق وتباين الباطل، فإنه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد. وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة

بالله العلى العظيم. وكتب عبد الله بن أبي رافع سنة سبع وثلاثين . فاستعمل مخنف على أصبهان الحارث بن أبي الحارث بن الربيع ، واستعمل همدان سعيد بن وهب - وكلاهما من قومه - وأقبل حتى شهد مع على صفين. وكان علي قد استخلف ابن عباس على البصرة ، فكتب عبد الله بن عباس إلى علي يذكر له اختلاف أهل البصرة ، فكتب إليه علي :

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس. أما بعد، فالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمّد عبده ورسوله. أما بعد، فقد قدم عليّ رسولك وذكرت ما رأيت وبلغك عن أهل البصرة بعد انصرافي ، وسأخبرك عن القوم: هم بين مقيم لرغبة يرجوها ، أو عقوبة يخشاها فأرغب راغبهم بالعدل عليه والإنصاف له والإحسان إليه، وحل عقدة الخوف عن قلوبهم، فإنه ليس

ص: 64

الأمراء أهل البصرة في قلوبهم عظم إلّا قليل منهم. وانته إلى أمري ولا تعده وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة، وكل من قبلك فأحسن إليهم ما استطعت

إن شاء الله . والسلام.

وكتب عبد الله بن أبي رافع في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين»(1)

ص: 65


1- وقعة صفّين ؛ لنصر بن مزاحم المنقري : 105 104.

[ الكتاب (19)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري ( ت / 279 ه-) في أنساب الأشراف وكتب علیه السلام إلى عمرو بن سلمة الارحبي: أما بعد فإن دهاقين بلادك شكوا منك قسوة وغلظة، واحتقارا وجفوة، فنظرت فلم أرهم أهلا لان يدنوا لشركهم، ولم أر أن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة، في غير ما أن يظلموا ، ولا ينقض لهم عهد، ولكن

يقرعوا بخراجهم ويقاتل بهم من وراءهم ولا يؤخذ منهم فوق طاقتهم، فبذلك أمرتك، والله المستعان، والسلام»(1)

ص: 66


1- انساب الاشراف للبلاذري : 161 .

[ الكتاب (20)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري (ت / 279ه-) في أنساب الأشراف ، قال : ووجه علیه السلام إلى زياد رسولا ليأخذه بحمل ما اجتمع عنده من المال، فحمل زياد ما كان عنده وقال للرسول : إن الاكراد قد كسروا من الخراج وأنا أداريهم ، فلا تعلم أمير المؤمنين ذلك فيرى أنه إعتلال مني . فقدم الرسول فأخبر عليا بما قال زياد فكتب إليه : قد بلغني رسولي عنك ما أخبرته ب-ه ع-ن الاكراد، واستكتامك إياه ذلك ، وقد علمت أنك لم تلق ذلك إليه إلّا لتبلغني إياه، وإني أقسم بالله عز وجل قسما صادقا ، لئن بلغني أنك خنت من في المسلمين شيئا

صغيرا أو كبيرا لاشدن عليك شدة بدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، والسلام ) (1) وقال ابراهيم بن محمد البيهقي ( ت / 320 - ح ) : « وكتب علي رضوان الله عليه ات (ح) الى زياد بن أبيه لثن بلغني عنك خيانة ، لأشدن عليك شدّة ادعك فيها قليل الوفر ثقيل الظهر » . (2)

ص: 67


1- انساب الاشراف ؛ للبلاذري 162
2- المحاسن والمساوی 201:2، ط / 1380

[ الكتاب (21)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما رواه البلاذري في أنساب الأشراف ، قال : وكتب علیه السلام إلى زياد، وهو خليفة عبد الله بن العباس بالبصرة - يستحثه بحمل مال مع سعد ،مولاه، فاستحثه سعد فأغلظ له زياد وشتمه ، فلما قدم سعد على علي شكاه إليه وعابه عنده وذكر منه تجبرا وإسرافا ، فكتب عليّ علیه السلام إليه : إن سعدا ذكر لي أنك شتمته ظالما وجبهته تجبّرا وتكبّرا، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: الكبرياء والعظمة الله ، فمن تكبر سخط الله عليه . وأخبرني أنك مستكثر من الالوان الطعام، وأنك تدهن في كل يوم. فماذا عليك لو صمت الله أياما، وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا ، وأكلت طعامك في مرة مرارا أو أطعمته فقيرا أتطمع وأنت متقلب في النعيم، تستأثر به على الجار المسكين، والضعيف الفقير والارملة واليتيم - أن يجب لك أجر الصالحين المتصدقين !!! وأخبرني انك تتكلم

بكلام الابرار، وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت وعملك أحبطت، فتب إلى ربك وأصلح عملك، واقتصد في أمرك وقدم الفضل ليوم حاجتك إن كنت من المؤمنين، وادهن غبا ولا تدهن رفها، فإن

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ادهنوا غبا ولا تدهنوا رفها، والسلام.

ص: 68

فكتب إليه زياد: « إن سعدا قدم علي فعجل فانتهرته وزجرته وكان أهلا لاكثر من ذلك، فأما ما ذكر من الاسراف في الاموال والتنعم واتخاذ ألوان الطعام، فإن كان صادقا فأثابه الله ثواب الصادقين ، وإن كان كاذبا فلا آمنه الله عقوبة الكاذبين. واما قوله اني أتكلم بكلام الابرار وأخالف ذلك في بالفعل. فإني إذا من

الأخسرين عملاً، فخذه بمقام واحد قلت فيه عدلا ثم خالفته إلى غيره، فإن أتاك علیه بشهید عدل، وإلا تبين لك كذبه وظلمه». انتهى . (1)

ص: 69


1- انساب الاشراف ؛ للبلاذري : 164 .

[ الكتاب (22) ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: «اما بعد فان المرء قد يسره ... الى آخره، روي في روضة الكافي مع اختلاف يسير، ورواه ابن الجوزي في التذكرة»(1)

قال العرشي في التخريج ما نصه: رواه ابن مزاحم الكوفى فى كتاب الصفين (58) والحراني في تحف العقول (46) وابو علي القالي في الامالي [ج 2 ص 96] والكليني في كتاب الروضة من فروع الكافي ج 2 ص 113 ، وابوحيان التوحيدي في كتاب البصائر 353 والباقلاني في اعجاز القرآن[ ج 1 ص 195] . انتهى . (2)

قال الجلالي : وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن المنقرى إلى عبد الله بن عباس : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عبد الله بن عباس، أما بعد فإن الانسان قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسؤه فوت ما لم يكن ليدركه وان جهد، فليكن سرورك فيما قدمت من حكم أو منطق أو سيرة،

ص: 70


1- مدارك نهج البلاغة : 98 .
2- راجع استناد نهج البلاغة .

وليكن أسفك على ما فرطت الله من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر به حزنا وما أصابك فيها فلا تبغ به سرورا، وليكن همك فيما بعد الموت، والسلام(1) وبالاسناد عن ابن عساكر ( ت / 571 ه-) في تاريخ مدينة دمشق»: أخبرنا أبو القاسم أسماعيل بن أحمد وأبو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد بن السالنجي المقرئ وأبو البركات يحيى بن الحسن بن الحسين المدائني وأبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي سنة أربع عشرة وثلاثمائة ، نا أبو حاتم، عن أبي عبيدة عن يونس، قال: بلغني أن ابن عباس كان يقول : كتب إلي علي بن أبي طالب بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فما نالك من دنياك فلا تكن به فرحا وما فاتك منها فلا تتبعه اسفا، وليكن سرورك على ما قدمت وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت».

قال: ورويت من وجه اخر متصلة بابن عباس : أخبرنا بها أبو غالب بن البنا أنا أبو محمد الجوهري، أنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري، نا أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي، نا أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله، حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني أمير المؤمنين المأمون، حدثني أمير المؤمنين الرشيد حدثني أمير المؤمنين المهدي ، حدثني أمير المؤمنين المنصور.

ح، وأخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي، أنا أبو الحسين بن النقور وأبو القاسم بن البسري وأبو منصور عبد الباقي بن محمد، قالوا : أنا أبو طاهر المخلص ، نا عبد الواحد بن المهتدي نا عبد الله الزراد، نا أبو اسحاق الصايغ، حدثني المأمون، حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور، حدثني أبي، عن أبيه قال: قال لي أبي عبد الله بن عباس - وقال أبو غالب بن العباس : - ما انتفعت بكلام أحد

ص: 71


1- بحار الأنوار ؛ للعلامة المجلسي 402:32 .

بعد النبي صلى الله عليه وسلم - وقال أبو غالب: رسول الله - إلا بشي كتب به إلي علي بن أبي طالب فإنه كتب إلي - زاد أبو غالب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد يا أخي فإنك تسر بما يصير إليك مما لم يكن ليفوتك، وقال أبو غالب يفوتك، ويسرك فوت ما لم تكن تدركه فما نلت من الدنيا يا أخي فلا تكن به فرحا وما فاتك زاد أبو غالب منها - وقالا : فلا تكن عليه حزينا، وليكن عملك لما بعد

الموت، والسلام (1)

وبالاسناد الى الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) عن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد عن علي بن اسباط رفعه ، قال : كتب امير المؤمنين علیه السلامإلى عبد الله بن عباس : أما بعد فقد فقد يسر المرء ما لم يكن ليفوته، ويحزنه ما لم يكن ليصيبه ابداً وان جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول، وليكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا ، وما أصابك فيها فلا تنعم به سرورا، وليكن همك فيما بعد الموت ، والسلام(2)

ص: 72


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 503:42-504 .
2- بحار الأنوار للعلامة المجلسي 402:32 .

[ الكلام (23)]

ا قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: وصيتى لكم ان لا تشركوا... الى آخره، قال الشارح العلامة هذا الفصل قاله علیه السلام قبل موته، وسيأتي شرح حال مقتله ووصيته ... الى آخره، وهذه الوصية روي بعضها في مروج الذهب ص 35 ج 2، ورواها الشيخ الكليني في أصول الكافي ص 111 مع زيادة كثيرة (1)

قال الجلالي: وقد تقدم الاسناد الى اطراف منه في الخطبة ( 149) عن

الكليني، فراجع.

ص: 73


1- مدارك نهج البلاغة : 98 .

[ الوصية (24) ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت /1361ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ... الخ ، قال الشارح العلامة رويت هذه الوصية بروايات مختلفة بالزيادة والنقصان وقد حذف السيد منها فصولا وانوردها برواية يغلب على الظن صدقها عن عبد الرحمن بن الحجاج ، ثم ذكر الوصية وفي آخرها وشهد بهذا أبو سمر بن أبرهة وصعصعة بن صوحان وسعيد بن قيس وهياج بن أبي الهياج وكتب علي بن أبي طالب لعشر خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين (1)قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الكليني( ت / 328ه-) في ( الكافي) عن أبي علي الاشعري ، عن محمّد بن عبد الجبار ومحمّد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن ابن الحجاج، قال: بعث الي أبو الحسن موسى علیه السلام البوصية أمير المؤمنين علیه السلام وهي : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء

ص: 74


1- مدارك نهج البلاغة : 99 .

وجه الله ليو لجني به الجنة ويصرفني به عن النار، ويصرف النار عنّي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه أن ما كان لي من مال بينبع يعرف لي فيها وما حولها صدقة ، ورقيقها - غير أن رباحا وأبا نيزر وجبيرا - عتقاء ليس لاحد عليهم سبيل فهم موالي يعملون في المال خمس حجج ، وفيه نفقتهم ورزقهم وارزاق أهاليهم، ومع ذلك ما كان لي بوادي القرى كله من مال لبني فاطمة ، ورقيقها صدقة ، وما كان لي بديمة وأهلها صدقة غير أن زريقا له مثل ما كتبت لاصحابه ، وما كان لي باذينة وأهلها صدقة ، والفقيرين كما قد علمتم صدقة في سبيل الله ، وان الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة، حيا أنا أو ميتا ينفق في كل نفقة يبتغي بها وجه الله في سبيل الله ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد فانه يقوم على ذلك الحسن بن علي، يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يراه الله عز وجل في حل محلل، لا حرج عليه فيه، فان أراد أن يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء ولا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله سريّ الملك، وإن ولد علي ومواليهم وأموالهم إلى الحسن بن علي ، وإن كانت دار الحسن بن علي غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها فليبع إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن باع فانه يقسم ثمنها ثلاثة أثلاث فيجعل ثلثا في سبيل الله وثلثا في بني هاشم وبني المطلب ويجعل الثلث في آل أبي طالب، وإنه يضعه فيهم حيث يراه الله .

وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فانه إلى الحسين بن علي، وإن حسينا يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسنا له مثل الذي كتبت للحسن وعليه مثل الذي على الحسن، وإن لبني ابني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني عليّ، وان-ي انما جعلت الذي جعلت لابنى فاطمة ابتغاء وجه الله عز وجل وتكريم حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمهما وتشريفهما ورضاهما . وإن حدث بحسن وحسين حدث فإن الآخر منهما ينظر في بني علي، فان

ص: 75

وجد فيهم من يرضى بهداه واسلامه وأمانته فانه يجعله إليه إن شاء، وإن لم ير فيهم بعض الذي يريده فانه يجعله إلى رجل من آل أبي طالب يرضى به، فان وجد آل أبي طالب قد ذهب كبراؤهم وذووا آرائهم فانه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وأنه يشترط على الذي يجعله إليه أن يترك المال على اصوله وينفق ثمره حيث أمرته به من سبيل الله ووجهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد، لا يباع منه شئ ولا يوهب ولا يورث. وإن مال محمد بن علي على ناحيته وهو إلى ابني فاطمة وأن رقيقي الذين في

صحيفة صغيرة التي كتبت لي عتقاء.

هذا ما قضى به علي بن أبي طالب في أمواله هذه الغد من يوم قدم مسكن، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل حال، ولا يحل لامري مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شي قضيته من مالي ، ولا يخالف فيه أمري من قريب أو بعيد.

أما بعد فان ولاندي اللائي أطوف عليهن السبعة عشر منهن امهات اولاد معهن أولادهنّ، ومنهنّ حبالى ومنهنّ من لا ولد له، فقضائي فيهن إن حدث بي حدث أنه من كان منهنّ ليس لها ولد وليست بحبلى فهي عتيق لوجه الله عز وجل ليس لاحد عليهن سبيل، ومن كان منهنّ لها ولد أو حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه ، فان مات ولدها وهي حظه ، فان مات ولدها وهي حية فهي عتيق ليس لاحد عليها سبيل هذا ما قضى به علي في ماله الغد من يوم قدم مسكن، شهد أبو سمر بن برهة وصعصعة بن صوحان ويزيد بن قيس وهياج بن أبي هياج، وكتب علي بن أبي طالب بيده لعشر خلون من جمادى الأولى سنة وكانت الوصية الاخرى التي مع الأولى : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به عليّ بن أبي طالب ، أوصى أنه يشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له

سبع وثلاثين.

ص: 76

وأن محمّدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو

اله كره المشركون صلی الله علیه و آله وسلم (1) ، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين(2).

ثم إني اوصيك يا حسن وجميع أهل بيتي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا (3)، فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلميقول : اصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام وأن المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهوّن الله عليكم الحساب.

الله الله في الايتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عز وجل له بذلك الجنة كما أوجب لأكل مال اليتيم النار».

حتى

الله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به أحد غيركم.

الله الله في جيرانكم فإن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أوصى بهم ، ومازال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يوصي

ظننا أنه سيورثهم.

سي به

بهم

الله الله في بيت ربكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم ، فانه إن ترك لم تناظروا، وأدنى

ص: 77


1- اقتباس من قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كرة المُشْرِكُونَ) (التوبة : (33).
2- اقتباس من قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام: 163).
3- اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنَ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 102 - 103) .

ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف.

الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، وإنها عمود دينكم.

الله الله الله في الزكاة فانها تطفئ غضب ربكم.

الله الله في شهر رمضان، فإن صيامه جنة من النار.

الله الله في الفقراء والمساكين ، فشاركوهم في معايشكم.

الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ، فإنما يجاهد رجلان إمام

هدى أو مطيع له مقتد بهداه . الله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بحضرتكم وبين ظهرانيكم وأنتم تقدرون

على الدفع عنهم .

الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يؤووا محدثا ، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث. الله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به نبيكم أن قال:

أوصيكم بالضعيفين : النساء وما ملكت أيمانكم. الصلاة الصلاة الصلاة ، لا تخافوا في الله لومة لائم، يكفكم الله من آذاكم وبغى عليكم قولوا للناس حسنا كما أمركم الله عز وجل (1)، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم، وعليكم يا بنى بالتواصل والتباذل والتبار، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرّق وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ

ص: 78


1- في قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وأنتم معرضون ) (البقرة : 83) .
2- المائدة : 2 .

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته . ثم لم يزل يقول: «لا اله إلا الله ، لا إله إلا الله» حتى قبض صلوات الله عليه ورحمته في ثلاث ليال من العشر الاواخر ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة وكان ضرب ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان» . (1)

ص: 79


1- الكافي للشيخ الكليني 7: 49-51

[ الكتاب ( 25 ) ]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن إبراهيم بن محمّد الثقفي في «الغارات» ، قال : حدثنا محمّد، قال: حدثنا الحسن قال : حدثنا ،ابراهيم، قال: حدثنا اسماعيل بن أبان قال: حدثنا عمرو بن شمر عن سالم الجعفي عن الشعبي ، قال : وجد عليّ علیه السلام درعا له عند نصراني فجاء به إلى شريح يخاصمه إليه ، فلما نظر إليه شريح ذهب يتنحى فقال : مكانك، وجلس إلى جنبه، وقال: يا شريح أما لو كان خصمي مسلما ما جلست الا معه ولكنه نصراني، وقال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: إذا كنتم واياهم في طريق فألجزوهم إلى مضايقه وصغروا بهم كما صغر الله بهم في غير أن تظلموا . ثم قال علي : ان هذه درعي لم أبع ولم أهب فقال للنصراني: ما يقول أمير المؤمنين ؟ فقال النصراني : ما الدرع الا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين هل من بينة ؟ قال : لا ، فقضى بها للنصراني. فمشى هنية ثم أقبل فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام النبيين أمير المؤمنين

، يمشي بي إلى قاضيه . وقاضيه يقضي عليه .. أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك

له ، وأن محمّدا عبده ورسوله الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين انبعث الجيش

ص: 80

وأنت منطلق الى صفين فخرت من بعيرك الاورق فقال: أما إذا أسلمت فهي لك

وحمله على فرس

قال الشعبي وأخبرني من رآه يقاتل مع علي علیه السلام الخوارج في النهروان . حدثنا ،محمد قال: حدثنا الحسن قال : حدثنا ابراهيم قال : وأخبرني يحيى بن صالح الحريري ، قال : أخبرنا أبو العباس الوليد بن عمرو - وكان ثقة - عن عبد الرحمن بن سليمان، عن جعفر بن محمّد بن علي، قال: بعث علي علیه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها، فقال : عليك يا عبد الله بتقوى الله، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظا لما انتمنتك عليه، راعيا لحق الله حتى تأتي نادى بني فلان، فإذا قدمت عليهم فانزل بفنائهم من غير أن تخالط أبنيتهم، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم، فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم، فتقول : يا عباد الله أرسلني اليكم وليّ الله لآخذ منكم حق الله ، فهل الله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليّه ؟ فان قال قائل منهم : لا ، فلا تراجعه وان أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه، ولا تعده إلا خيرا حتى تأتي ماله فلا تدخله إلا باذنه ، فان أكثره له، وقل له: يا عبد الله أتأذن لي في دخول ذلك؟ فان أنعم فلا تدخله دخول المسلط عليه فيه ولا عنيف به واصدع المال صدعين، فخيره أي الصدعين شاء

فأيهما اختار فلا تتعرض له واصدع الباقي صدعين، فلا تزال حتى يبقى حق الله في ماله فاقبضه .

فان استقالك فأقله ثم اخلطها ، ثم اصنع مثل الذي صنعت حتى تأخذ حق الله في ماله فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا مسلما مشفقا أمينا حافظا غير معنف بشئ منها ، ثم احدر ما اجتمع عندك من كل ناد الينا نضعه حيث أمر الله به، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحولنّ بين ناقة وفصيلها ولا يفرقن بينهما ، ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بفصيلها ، ولا يجهدنها ركوبا وليعدل بينهن في ذلك،

ص: 81

وليوردها كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعات التي تريح وتعنق، وليرفق بهن جهده، حتى يأتيننا باذن الله سمانا غير متعبات ولا مجهدات فيقسمن على كتاب الله وسنة نبيه، فان ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك ، فينظر الله واليك والى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في ،حاجته، وان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، قال : ما نظر الله إلى ولى يجهد نفسه لامامه بالطاعة والنصيحة إلا كان معنا في الرفيق الأعلى(1)

وبالاسناد عن الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) في الكافي، عن علي بن

إبراهيم، عن ن أبي- أبيه، ، عن حماد بن عيسى، عن حريز عن بريد بن معاوية قال سمعت أبا عبد الله يقول: بعث أمير المؤمنين صلوات الله عليه مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال له يا عبد الله انطلق، وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، ولا تؤثرك دنياك على آخرتك ، وكن حافظا لما انتمنتك عليه، راعيا لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان فإذا قدمت فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم وتسلم عليهم ، ثم قل لهم يا عباد الله أرسلنى إليكم ولى الله لأخذ منكم حق الله فى أموالكم ، فهل الله أموالكم من حق فتؤدون إلى وليه ؟ فإن قال : لك قائل: لا فلا تراجعه وإن أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلّا خيرا ، فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلا باذنه فإن أكثره له ، فقل: يا عبد الله ، أتأذن لي في دخول مالك، فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلّط عليه فيه ولا عنف به فاصدع المال صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء، فأيهما اختار فلا تعرض له ، ثم أصدع الباقي صدعين ثم خيّره فإيهما اختار فلا تعرض له، ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله تبارك وتعالى من ماله ، فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه ، وإن استقالك فأقله، ثم اخلطها

ص: 82


1- الغارات ؛ لابراهيم بن محمد الثقفي 1 124 - 130 .

واصنع مثل الّذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله ، فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف لشئ منها ، ثم احدر كل ما اجتمع عندك من كل ناد إلينا نصيره حيث أمر الله عز وجل، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ولا يفرق بينهما ، ولا يمصرن لبنها فيضر ذلك ،بفصيلها، ولا يجهد بها ركوبا وليعدل بينهنّ في ذلك، وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الارض إلى جواد الطريق في الساعة التي فيها تربح وتغبق، وليرفق بهن جهده حتى يأتينا بإذن الله صحاحا سمانا غير متعبات ولا مجهدات، فيقسمن بإذن الله على كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه و آله وسلم على أولياء الله فإن ذلك أعظم لاجرك وأقرب لرشدك، ينظر الله إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته ، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال : ما ينظر الله إلى ولي له بالطاعة والنصيحة له ولامامه ، إلا كان معنا في الرفيق الأعلى. قال: ثم بكى أبو عبد الله علیه السلام، ثم قال : يا بريد والله ما بقيت الله حرمة إلا انتهكت ولا عمل بكتاب الله ولا سنة نبيه في هذا العالم، ولا اقيم في هذا الخلق حد منذ قبض الله أمير المؤمنين صلوات وسلامه عليه ولا عمل بشي من الحق إلى يوم الناس هذا ، ثم قال: أما والله لا تذهب الايام والليالي حتى يحيي ويميت الاحياء ويردّ الله الحق إلى أهله ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيه فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا ، فوالله ما الحق إلا في أيديكم».(1) وبالاسناد عن الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه-) في تهذيب الأحكام ، عن محمّد بن يعقوب ، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن برید بن معاوية قال: سمعت ابا عبد الله علیه السلام يقول: بعث أمير المؤمنين علیه السلام مصدقا من الكوفة إلى باديتها فقال له: إنطلق يا عبد الله وعليك بتقوى الله وحده لا شريك

الله الموتى

ص: 83


1- الكافي للشيخ الكليني 3: 356 - 358

له ، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك، وكن حافظا لما أنتمنتك عليه، راعيا لحق الله فيه حتى تأتي نادي بني فلان ، فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط ابياتهم، ثم أمض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ثم قل لهم يا عباد الله ارسلني اليكم ولي الله لأخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل الله في اموالكم حق فتؤدوه إلى وليه ؟ فان قال: لك قائل : لا ، فلا تراجعه فان أنعم لك منعم منهم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيرا ، فإذا اتيت ماله فلا تدخله إلا باذنه فان اكثره له فقل له : يا عبد الله أتأذن لي في دخول مالك ، فان أذن لك فلا تدخل دخول متسلط عليه فيه ولا عنف به فاصدع المال صدعين ثم خيره أي الصدعين شاء فأيهما اختار فلا تعرض له، ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فأيهما اختار فلا تعرض له ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله عز وجل في ماله فإذا بقي ذلك فاقبض حق الله منه ، فان استقالك فأقله ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به إلا ناصحا شفيقا أمينا حفيظا غير معنف بشئ منها ، ثم احدر ما اجتمع عندك من كل ناد الينا نصيره حيث أمر الله عز وجل، فإذا انحدر بها رسولك فأوعز إليه ان لا يحول بين ناقة

وبين فصيلها ولا يفرق بينهما ولا يمصرن لبنها فيضر ذلك بفصيلها ولا يجهد بها ركوبا، وليعدل بينهن في ذلك ، وليوردهن كل ماء يمر به، ولا يعدل بهن عن نبت الأرض إلى جواد الطرق في الساعة التي فيها تريح وتغبق، وليرفق بهن جهده حتى تأتينا باذن الله ، صحاحا سمانا غير متعبات ولا مجهدات فنقسمهن باذن الله على كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه و آله وسلم على أولياء الله ، فان ذلك اعظم لاجرك وأقرب لرشدك ينظر الله إليها واليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بعثك وبعثت في حاجته، فان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، قال : ما ينظر الله إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة والنصيحة لأمامه إلا كان معنا في الرفيق الأعلى.

ص: 84

قال : ثم بكى أبو عبد الله علیه السلام ثم قال : يا بريد والله ما بقيت الله حرمة إلا انتهكت ولا عمل بكتاب الله ولا سنة نبيه في هذا العالم ولا اقيم في هذا الخلق حد منذ

، قبض الله امير المؤمنين علیه السلام، ولا عمل بشئ من الحق الى يوم الناس هذا، ثم قال: أما والله لا تذهب الايام والليالي حتى يحيي الله الموتى ويميت الأحياء ويرد الحق الى اهله، ويقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيه، فابشروا ثم ابشروا فوالله ما الحق

إلا في ايديكم .(1)

ص: 85


1- تهذيب الأحكام ؛ للشيخ الطوسي 4 : 9796

[ الكتاب (27)]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: فاخفض لهم جناحك ... الى آخره. رواه في تحف العقول مع زيادة ، وروى الشيخ في الامالي ص 6، فقرات منه (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : رواه الشيخ المفيد في المجالس والامالي بحار [ج 17 ص 101] وشيخ الطائفة في الامالي (16) والحراني في تحف

[101]

العقول .(41)(2) . انتهى . قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن ابراهيم بن محمد الثقفي (ت / 283 ه-) في الغارات : عن الحارث بن كعب عن أبيه، قال: بعث علي علیه السلام محمّد بن أبي بكر أميرا على مصر فكتب إلى علي علیه السلام يسأله عن رجل مسلم فجر بامرأة نصرانية، وعن زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر وفيهم من يعبد غير ذلك ، وفيهم مرتد عن الاسلام، وكتب يسأله من مكاتب مات وترك مالا وولدا . فكتب إليه عليّ علیه السلام أن أقم الحد فيهم على المسلم الّذي فجر

ص: 86


1- مدارك نهج البلاغة : 100 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

بالنصرانية وادفع النصرانية إلى النصارى يقضون فيها ما شاؤوا . وأمره في الزنادقة أن يقتل من كان يدعي الاسلام ويترك سائرهم يعبدون ما شاؤوا، وأمره في المكاتب ان كان ترك وفاء لمكاتبته فهو غريم بيد مواليه يستوفون ما بقي من مكاتبته، وما بقى فلولده.

عن عبد الله بن الحسن ، عن عباية قال : كتب علي إلى محمد وأهل مصر : أما بعد فاني اوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسئولون فأنتم به رهن وأنتم إليه صائرون، فان الله عز وجل يقول : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ )(1) ، وقال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (2) ، وقال: ﴿ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (3) فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير من أعمالكم والكبير ) فان يعذب فنحن أظلم، وان يعف فهو أرحم الراحمين، واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حين يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة فعليكم بتقوى الله عز وجل، فانها تجمع من الخير مالا يجمع غيرها، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها، خير الدنيا وخير الآخرة ، يقول الله : ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرُ وَلِنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) (4) اعلموا عباد الله أن المؤمن يعمل لثلاث اما لخير الدنيا فان الله يثيبه بعمله في الدنيا، قال الله سبحانه: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (5)، فمن عمل الله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما، وقد قال:

ص: 87


1- المدثر : 38 .
2- آل عمران 28 .
3- الحجر : 92-93
4- النحل : 30 .
5- العنكبوت : 27 .

يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةُ إِنَّمَا يُوَفِّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1)فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ، قال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ ) (2) ، فالحسنى هي الجنة، ﴿ والزيادة هى الدنيا، واما لخير الآخرة فان الله يكفر عنه بكل حسنة سيئة، يقول: ) إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) (3) حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم وأعطوا بكل واحدة عشر أمثالها (4)إلى سبعمائة ضعف (5)، فهو الذي يقول : ( جَزَاءً مِن رَبِّكَ عَطَاءٌ حِسَاباً ) (6) ، ويقول عزوجل : ( أُولئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْعُرُفَاتِ آمِنُونَ فارغبوا فيه واعملوا به وتحاضوا ﴾ (7) عليه واعملوا عباد الله أن المؤمنين المتقين ذهبوا بعاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم يقول الله عز وجل : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(8) ، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما اكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم أكلوا من

ص: 88


1- الزمر : 10.
2- وتمام الآية: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وَجُوهَهُمْ فَتَرُ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خَالِدُونَ ) (يونس : 26)
3- هود: 114.
4- في قوله تعالى : (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (الأنعام: (160) .
5- في قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سنبلة ماته حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة : 261).
6- النبأ : 36 .
7- وتمام الآية: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادَكُم بِالَّتِي تُقَرْبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأُوليك لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ) سبأ : (37) .
8- الأعراف: 32 .

أفضل ما يأكلون، وشربوا من أفضل ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون وسكنوا بأفضل ما يسكنون ، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل

ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، مع أنهم غدا من جيران الله عز وجل يتمنون عليه ، فيعطيهم ما يتمنون لا يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة فالى هذا يشتاق من كان له عقل، ولا حول ولا قوة الا بالله . واعلموا عباد الله أنكم ان اتقيتم ربكم وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر ، وشكرتموه بأفضل ما ،شكر، وأخذتم بأفضل الصبر وجاهدتم بأفضل الجهاد، وان كان غيركم أطول صلاة منكم وأكثر صياما ، إذ كنتم أتقى الله وأنصح لاولياء الامر من آل محمد وأخشع .

واحذروا عباد الله الموت ونزوله وخذوا له عدته ، فانه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شرّ أبدا، وشر لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ؟! ومن أقرب إلى النار من عاملها ؟! انه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلين يصير إلى الجنة أو إلى النار ؟ أعد و هو الله أم هو !

ولي له ؟ فان كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة وشرعت له طرقها، ورأى ما أعد الله له فيها، ففرغ من كل شغل ووضع عنه كل ثقل . وان كان عدوا الله فتحت له أبواب النار وشرعت له طرقها ، ونظر إلى ما أعد الله له فيها، فاستقبل كل مكروه

وترك كل سرور ، كل هذا يكون عند الموت وعنده يكون بيقين قال الله تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ (1) ويقول : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ الله عَلِيمُ بمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيها

ص: 89


1- النحل : 32

فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرينَ) (1).

واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت فاحذروه قبل وقوعه وأعدوا له عدته فانكم طرداء الموت وجدوا للثواب ان أقمتم له أخذكم وان هربتم منه أدرككم ، فهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم فأكثرو ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، فإنه كفى بالموت واعظا، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت فيقول: أكثروا ذكر

صلى الله عليه وسلم

الموت فانه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات

واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت لمن لم يغفر الله له ويرحمه واحذروا القبر وضمّته وضيقه وظلمته وغربته، فان القبر يتكلم كل يوم ويقول: أنا بيت التراب، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الدود والهوام، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، أن المسلم إذا دفن قالت له الارض مرحبا وأهلا قد كنت ممن احب أن يمشي على ظهري فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ، ميتسع له مد البصر ، وإذا دفن الكافر قالت له الارض لا مرحبا ولا أهلا ، قد كنت ممن ابغض ان تمشي على ظهري فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتنضم عليه حتى تلتقي أضلاعه، واعلموا أن المعيشة الضنك التي قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً )(2) هي عذاب القبر، وانه ليسلط على الكافر في قبره وتسعين تنينا تنهش لحمه حتى يبعث، لو أن تنينا منها نفخ في الارض ما

تسعة

أنبتت ريعها أبدا.

واعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من

ص: 90


1- النحل : 28 - 29 .
2- في الآيات: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَنكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذلِك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) (طه : 124 - 127) .

العقاب ضعيفة عن هذا، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره، فافعلوا، ولا حول ولاقوة إلا بالله

واعلموا عباد الله ما بعد القبر أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير ويسقط فيه الجنين وتذهل كل مرضعة عما ، أرضعت ، واحذروا يوما عبوسا قمطريرا يوما كان شره مستطيرا ، أما ان شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد، والجبال الاوتاد والارضون المهاد ، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية وتغيرت فكانت وردة كالدهان ، وكانت الجبال سرابا بعد ما كانت صما صلابا ، يقول الله سبحانه: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ (1) فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن ان لم يغفر الله ويرحم واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى على من لم يغفر الله له من ذلك اليوم فانه يقضي ويصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد وحرها شديد وعذابها جديد

وشرابها صديد و مقامعها حديد، لا يفتر عذابها ولا يموت ساكنها دار ليست الله

سبحانه فيها رحمة ولا يسمع فيها دعوة. واعلموا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي وسعت كل شي ، لا تعجز عن العباد وجنة عرضها كعرض السماوات والارض أعدت للمتقين، خير لا يكون معه شرّ أبدا، وشهوة لا تنفد أبدا ، ولذة لا تفنى أبدا، ومجمع لا يتفرق أبدا، قوم قد جاوروا الرحمن وقام بين أيديهم الغلمان بصحاف من ذهب فيها الفاكهة والريحان.

فقال رجل: يا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم اني احب الخيل ، أفي الجنة خيل ؟ قال: نعم والذي نفسي بيده ان فيها خيلا من ياقوت أحمر عليها يركبون

ص: 91


1- الزمر : 68 .

فتدف بهم خلال ورق الجنة .

قال :رجل يا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، اني يعجبني الصوت الحسن أفي الجنة

الصوت الحسن؟

قال : نعم ، والذي نفسي بيده ان الله ليأمر لمن أحب ذلك منهم بشجر

صوتا بالتسبيح ما سمعت الاذان بأحسن منه قط.

قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اني احب الابل : أ في الجنة ابل ؟

، قال: نعم، والذي نفسي بيده ان فيها نجائب من ياقوت أحمر عليها رحال الذهب قد الحفت بنمارق الديباج يركبون فتزف بهم خلال ورق الجنة، وان فيها صور رجال ونساء يركبون مراكب أهل الجنة فإذا أعجب أحدهم الصورة، قال: اجعل صورتي مثل هذه الصورة، فيجعل صورته عليها ، وإذا أعجبته صورة المرأة :قال رب اجعل صورة فلانة - زوجته - مثل هذه الصورة، فيرجع وقد صارت صورة زوجته على ما اشتهى.

وان أهل الجنة يزورون الجبار كل جمعة فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت والذين يلونهم على منابر من زبرجد والذين يلونهم على منابر من مسك، فبينا هم كذلك ينظرون إلى نور الله جل جلاله وينظر الله في وجوههم إذا أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه. ثم قال: بلى، ان مع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الاكبر ، فلو أننا لم يخوفنا إلّا ببعض ما خوفنا لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة لنا به ولا صبر لنا عليه، وأن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه ولابد لنا منه ، فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم، ويحسن به ظنكم فافعلوا، فان العبد انما تكون طاعته على قدر خوفه ان أحسن الناس طاعة الله أشدهم له خوفا .

ص: 92

في الصلاة والوضوء :

انظر يا محمد صلوتك كيف تصليها ؟ فانما أنت امام ينبغي لك أن تتمها وأن تحفظها بالاركان ولا تخففها، وأن تصليها لوقتها فانه ليس من امام يصلي بقوم فيكون في صلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم شيئا . ثم الوضوء فانه من تمام الصلاة ، اغسل كفيك ثلاث مرات، وتمضمض ثلاث ،مرات واستنشق ثلاث مرات واغسل وجهك ثلاث مرات، ثم يدك اليمنى ثلاث مرات إلى(1)المرفق ، ثم يدك الشمال ثلاث مرات إلى المرفق، ثم امسح رأسك ، ثم اغسل(2) رجلك اليمنى ثلاث مرات، ثم اغسل اليسرى ثلاث مرات

فاني رأيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم هكذا كان يتوضأ . قال النبي : الوضوء نصف الايمان. انظر صلاة الظهر فصلها لوقتها، ولا تعجل بها عن الوقت الفراغ، ولا تؤخرها

عن الوقت لشغل، فان رجلا جاء إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فسأله عن وقت الصلاة

فقال : أتاني الصلاة ، فصلى الظهر حين زالت الشمس،

جبرئيل فأرانى وقت

ثم صلى العصر وهي بيضاء نقية ، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس ، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس به والنجوم مشتبكة كان لنبى الله كذا يصلي قبلك ، فان استطعت ولا قوة إلا بالله أن تلتزم السنة المعروفة وتسلك الطريق الواضح الذي أخذوا فافعل، لعلك تقدم عليهم غدا. ثم انظر ركوعك وسجودك فان النبي صلی الله علیه و آله وسلم كان أتم الناس صلاة وأحفظهم لها، وكان إذا ركع قال سبحان ربي ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات، وإذا رفع صلبه قال: لمن حمده، اللهم لك الحمد ملء سماواتك وملء أرضك وملء ما شئت پ

ص: 93


1- كلمة ( الى » - هنا - لبيان الحد ؛ لعدم تقدم ( من ) في العبارة ، كما هو مقرر في اللغة . (المحقق).
2- كذا في النسخة ، والثابت في مذهب اهل البيت وهو تثنية الغسلات ومسح الرجلين وسيأتي الكيفية الصحيحة في رواية المفيد الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، الآتية بعد هذا.

شئ ، فإذا سجد قال سبحان ربي الاعلى وبحمده ثلاث مرات

اعلم يا محمّد أن كل شئ من عملك يتبع صلوتك، واعلم أن من ضيع الصلاة فهو لغيرها أضيع، أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الاعلى أن يجعلنا واياك ممن يحب ويرضى حتى يبعثنا واياكم على شكره وذكره وحسن عبادته وأداء حقه وعلى كل شئ اختاره لنا من دنيانا وديننا واولانا واخرانا، جعلنا الله واياكم من المتقين الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون.

فى الوصية

ان استطعتم يا أهل مصر ولا قوة إلا بالله أن يصدق قولكم فعلكم وسركم

، علانيتكم ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم، فافعلوا، عصمنا الله واياكم بالهدى وسلك بنا وبكم المحجة الوسطى، واياكم ودعوة الكذاب ابن هند وتأملوا واعلموا أنه لاسواء امام الهدى وامام الردى ، ووصي النبي وعدو النبي ، جعلنا الله واياكم ممن يحب ويرضى وقد قال النبي صلی الله علیه و آله وسلم: اني لا أخاف على امتي مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله ،بايمانه، وأما المشرك فيخزيه الله بشركه ، ولكني أخاف عليكم كل منافق عالم حلو اللسان، يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ليس به خفاء، وقال النبي صلی الله علیه و آله وسلم: من سرته حسناته وساءته سيئاته فذلك المؤمن حقا، وقد كان

يقول: خصلتان لا تجتمعان في منافق ، حسن سمت، وفقه في سنة. اعلم يا محمّد أن أفضل الفقه الورع في دين الله والعمل بطاعته أعاننا الله واياك على شكره وذكره وأداء حقه والعمل بطاعته انه سميع قريب ثم اني اوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته ، وعلى أي حال كنت عليها ، جعلنا الله وإياك من المتقين ، ثم اوصيك بسبع من جوامع الاسلام اخش الله ولا تخش الناس في الله ، فإن خير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمر واحد بقضائين مختلفين فيتناقض أمرك وتزيغ عن الحق، وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل

ص: 94

بيتك واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، والزم الحجة عند الله ، وأصلح أحوال رعيتك، وخض الغمرات إلى الحق ، ولا تخف في الله لومة لائم، وانصح لمن استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم.

في الصوم والاعتكاف

وعليك بالصوم فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم معكف عاما في العشر الأول من شهر رمضان، وعكف في العام المقبل في العشر الأوسط من شهر رمضان، فلما كان العام الثالث رجع من بدر فقضى اعتکافه فنام فرأى في منامه ليلة القدر في العشر ، الأواخر كأنه يسجد في ماء وطين ، فلما استيقظ رجع من ليلته وأزواجه وأناس معه من أصحابه ، ثم إنهم مطروا ليلة ثلاث وعشرين فصلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم حين أصبح فرأى في وجهه النبي صلی الله علیه و آله وسلم الطين ، فلم يزل يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله . وقال النبي صلی الله علیه و آله وسلم: من صام رمضان ثم صام ستة أيام من شوال فكأنما صام السنة جعل الله خلتنا وودنا خلّة المتقيين وود المخلصين، وجمع بيننا وبينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين ان شاء الله . أحسنوا يا أهل مصر مؤازرة محمّد واثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم. قال ابراهيم حدثني عبد الله بن محمّد بن عثمان عن علي بن محمّد بن أبي

سيف، عن أصحابه أن عليا لما أجاب محمّد بن أبي بكر بهذا الجواب كان ينظر فيه ويتعلمه ويقضى به فلما ظهر عليه وقتل أخذ عمرو بن العاص كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويعجبه، فقال الوليد بن عقبة وهو عند معاوية لما رأى اعجاب معاوية به مر بهذه الاحاديث أن تحرق، فقال له معاوية مه يا ابن أبي معيط ، انه لا رأي لك فقال له الوليد انه لا رأي لك أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب

ص: 95

عندك ؟! تتعلم منها وتقضي بقضائه ؟! فعلام تقاتله؟! فقال معاوية ويحك

: أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا ؟! والله ما سمعت بعلم أجمع منه ولا أحكم ولا أوضح ، فقال الوليد: إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله؟ فقال معاوية : لو لا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه ، ثم سكت هنيئة ، ثم نظر إلى جلسائه فقال : إنا لا نقول: إن هذه من كتب علي بن أبي طالب، ولكنا نقول : ان هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمّد فنحن نقضي بها ونفتي فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولى عمر بن عبد العزيز، فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب . :قال: فلما بلغ علي أبي طالب علیه السلام أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد

ذلك عليه . (1)

وبالاسناد عن الشيخ المفيد ( ت / 413 ه-) في «الأمالي »: قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيش الكاتب قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني ، قال : أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي ، قال : حدثنا عبد الله بن محمّد بن عثمان قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي سعيد، عن فضيل بن الجعد، عن أبي إسحاق الهمداني ، قال : لما ولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام الصلاة والسلام محمّد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتابا ، وأمره أن يقرأه على أهل مصر وليعمل بما وصاه به فيه فكان الكتاب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام إلى أهل

مصر ومحمّد بن أبي بكر سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون، وإليه تصيرون، فإن الله تعالى يقول : (كُلُّ نَفْسٍ

ص: 96


1- الغارات الابراهيم بن محمّد الثقفي 1: 230 - 250 .

بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ ﴾ (1)، ويقول : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (2)، ويقول :

فَوَ رَبُّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾(3).

فاعلموا يا عباد الله إن الله جل وعز سائلكم عن الصغير من عملكم والكبير

فإن يعذب فنحن أظلم، وإن يعف فهو أرحم الراحمين. يا عباد الله، إن أقرب ما يكون العبد إلى المغفرة والرحمة حين يعمل الله

يجمع

بطاعته، وينصحه في التوبة . عليكم بتقوى الله، فإنها تجمع من الخير ما لا غيرها، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة، قال الله عز وجل : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرُ وَلِنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ) (4)، اعلموا يا عباد الله إن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب إما لخير الدنيا، فإن الله يثيبه بعمله في دنياه، قال الله سبحانه لابراهيم : ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)(5). فمن ﴿ عمل الله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة، وكفاه المهم فيهما، وقد قال الله عز وجل : ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةُ إِنَّمَا يُوَفِّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (6). فما أعطاهم الله في الدنيا لم ) يحاسبهم به في الآخرة ، قال الله عزوجل : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ )(7) ،

فالحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا .

ص: 97


1- المدثر : 38.
2- آل عمران 28 .
3- الحجر : 92-93 .
4- النحل : 30.
5- العنكبوت: 27 .
6- الزمر : 10 .
7- وتمام الآية: ﴿وَلاَ يُرْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَر وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُم فيها خَالِدُونَ ) (يونس : 26).

وإما لخير الآخرة، فإن الله عز وجل يكفر بكل حسنة سيئة، قال الله عز وجل: وإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (1) ، حتى إذا كان يوم القيامة ) حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها(2)إلى سبعمائة ضعف (3)، فهو الذي يقول : ( جَزَاءً مِن رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً )(4)، وقال : ( أُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْقُرُفَاتِ آمِنُونَ ) (5) ، فارغبوا في هذا رحمكم الله واعملوا له

وتحاضوا عليه.

واعملوا يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، أباحهم الله من الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم، قال الله عز اسمه: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (6). سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا وهم غدا جيران الله ، يتمنون عليه فيعطيهم ما تمنوه، ولا يرد لهم دعوة

ص: 98


1- هود: 114 .
2- في قوله تعالى : ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (الأنعام: (16) .
3- في قوله تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سنبلة مالة حبةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261) .
4- النبأ : 36 .
5- و تمام الآية: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرُبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ا فَأُوليك لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرْفَاتِ آمِنُونَ ) (سبأ : (37).
6- الأعراف: 32.

ولا ينقص لهم نصيبا من اللذة. فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

يا عباد الله إن اتقيتم الله ، وحفظتم نبيكم في أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما

،عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بأفضل الصبر والشكر واجتهدتم بأفضل الاجتهاد، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة ،

وأكثر منكم صياما ، فأنتم أتقى الله عز وجل منهم، وأنصح لاولى الامر. احذروا يا عباد الله الموت وسكرته ، وأعدوا له عدته فإنه يفجأكم بأمر عظيم بخير لا يكون معه شرّ أبدا ، أو بشر لا يكون معه خير أبدا. فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ؟ ومن أقرب من النار من عاملها ؟ إنه ليس أحد من الناس تفارق

روحه جسده حتى يعلم أي المنزلتين يصل إلى الجنة أم إلى النار ؟ أعدو هو أم ولي له، فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة، وشرعت له طرقها، ورأى ما أعد الله له فيها، ففرغ من كل شغل، ووضع عنه كل ثقل ، وإن كان عدو الله فتحت له أبواب النار وشرعت له طرقها، ونظر إلى ما أعد الله له فيها، فاستقبل كل مكروه، وترك كل ،سرور ، كل هذا يكون عند الموت، وعنده يكون اليقين . قال الله عز اسمه : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ ) (1) ويقول : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ من سُوءٍ بَلَى إِنَّ الله عَلِيمُ بمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِثْسَ مَثْوَى المُتكَبْرِينَ ) (2).

يا عباد الله إن الموت ليس منه فوت، فاحذروه قبل وقوعه، وأعدوا له عدته فإنكم طرّاد الموت، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم

ص: 99


1- النحل : 32.
2- النحل : 28 - 29.

من ظلكم الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم فأكثروا ذكر

، الموت عند ما تنازعكم أنفسكم إليه من الشهوات، فكفى بالموت واعظا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يوصى أصحابه بذكر الموت، فيقول : أكثروا ذكر الموت فإنه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات. يا عباد الله ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشد من الموت: القبر، فاحذروا ضيقه وضتكه وظلمته وغربته ، إن القبر يقول كل يوم : أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود والهوام. والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من

حفر النار.

إن العبد المؤمن إذا دفن قالت الارض له مرحبا وأهلا، قد كنت ممن احب أن

يمشي على ظهري ، فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك فتتسع له مد البصر . وإن الكافر إذا دفن قالت الارض له : لا مرحبا ولا أهلا، قد كنت من أبغض من يمشي على ظهري ، فإذا توليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتضمه حتى تلتقي أضلاعه. وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوّه (1) عذاب القبر، أن يسلط

الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا فينهشن لحمه ويكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث. لو أن تنينا منها نفخ في الارض لم تنبت

زرعا أبدا.

اعلموا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة، وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير من العقاب تضعف عن هذا، فإن استطعتم أن تجزعوا لاجسادكم وأنفسكم

مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه فاعملوا بما أحب الله، واتركوا ماكره الله .

ص: 100


1- في الآيات: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَنكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ اليَوْمَ تُنسَى وَكَذلِك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) (طه: 124 - 127).

يا عباد الله إن بعد البعث ما هو أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير، ويسقط فيه الجنين، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم عبوس ،قمطریر ، يوم كان شره مستطيرا. إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، وترعد منه السبع الشداد والجبال الاوتاد والارض المهاد، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية وتصير وردة كالدهان، وتكون الجبال كتيبا مهيلا بعد ما كانت صما صلابا، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الارض إلا من شاء الله، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم لانه يقضي ويصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد، وحرها ،شدید و شرابها صديد، وعذابها ،جديد، ومقامعها حديد، لا

يفتر عذابها ، ولا يموت سكانها دار ليس فيها رحمة، ولا يسمع لاهلها دعوة.

، واعلموا يا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز عن العباد، جنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للمتقين خير لا يكون معها شرّ أبدا، لذاتها لا تمل، ومجتمعها لا يتفرق، سكاتها قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر إني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي: أهل ،مصر ، فإذا وليتك ما وليتك من أمر الناس فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك، وأن تحذر منه على دينك، فإن استطعت أن لا تسخط ربك عزوجل برضا أحد خلقه فافعل فإن في الله عز وجل خلفا من غيره، وليس في شي سواه خلف منه . اشتد على الظالم، وخذ عليه، ولن لاهل الخير وقربهم واجعلهم

بطانتك وإخوانك.

وانظر إلى صلاتك كيف هي ، فإنك إمام القوم، ينبغي لك أن تتمها ولا تخففها فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان إثم ذلك عليه

ص: 101

ولا ينقص من صلاتهم شي. وتممها وتحفظ فيها يكن لك مثل أجورهم ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئا.

ثم انظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، وتمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى، ثم يدك اليسرى، ثم امسح رأسك ورجليك، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ، واعلم أن الوضوء نصف الايمان. ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله لفراغ، ولا تؤخرها عنه لشغل، فإن رجلا سأل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عن أوقات الصلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة فصلى الظهر حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن ، ثم أراني وقت العصر فكان ظل كل شي مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس ، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق ، ثم صلى الصبح فغلس بها والنجوم مشتبكة فصل لهذه الأوقات، والزم السنة المعروفة والطريق الواضح. ثم انظر ركوعك وسجودك، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم كان أتم الناس صلاة ، وأخفهم

عملا فيها.

واعلم أن كل شي من عملك تبع لصلاتك، فمن ضيع الصلاة فإنه لغيرها أضيع . أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الاعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحب ويرضى ، حتى يعيننا وإياك على شكره وذكره وحسن عبادته واداء حقه، وعلى كل شئ اختار لنا في دنيانا وآخرتنا .

وأنتم يا أهل مصر فليصدق قولكم فعلكم، وسركم علانيتكم ، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم ، واعلموا أنه لا يستوي إمام الهدى وإمام الردى ، ووصي النبي صلى الله عليه وسلم وعدوّه جعلنا الله واياكم ممن يحب ويرضى وقد قال النبي صلی الله علیه و آله وسلم: إنني لا أخاف عليكم مؤمنا ولا مشركا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه ، وأما المشرك فيحجزه الله عنكم بشركه ، لكن أخاف عليكم المنافق، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون

ص: 102

يا محمّد بن أبي بكر اعلم أن أفضل الفقه الورع في دين الله ، والعمل بطاعته، وإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك، وعلى أي حال كنت عليه الدنيا دار بلاء، والآخرة دار الجزاء ودار ،البقاء فاعمل لما يبقى، واعدل عما يفنى، ولا

تنس نصيبك من الدنيا.

إني اوصيك بسبع هنّ جوامع الاسلام: تخشى الله عز وجل، ولا تخشى الناس في الله وخير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين،

، فيختلف أمرك وتزيغ عن الحق، وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك فإن ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية، وخض الغمرات إلى الحق ، ولا تخف في الله لومة لائم، وانصح المرء إذا استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم، جعل الله عز وجل مودتنا في الدين، وحلانا وإياكم حلية المتقين، وأبقى لكم طاعتكم حتى يجعلنا وإياكم بها إخوانا على سرر متقابلين.

أحسنوا أهل مصر مؤازرة محمد أميركم واثبتوا على طاعتكم تردوا حوض نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم ، أعاننا الله وإياكم على ما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .(1)وبالاسناد عن الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه-) في الأمالي»: حدثنا أبو عبد الله

بن محمّد بن النعمان ، قال : أخبر النعمان ، قال : أخبرني أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيش الكاتب ، قال : أخبرني الحسن بن علي الزعفراني، قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عثمان ، قال :

محمّد

حدثنا علي بن محمّد بن أبي سعيد ، عن فضيل بن الجعد، عن إسحاق الهمداني قال: لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه محمّد بن أبي بكر مصر وأعمالها كتب له كتابا ، وأمره أن يقرأه على أهل مصر، ويعمل بما وصاه به

ص: 103


1- الأمالي ؛ للشيخ المفيد : 260 - 269 .

فيه، وكان الكتاب:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى

أهل مصر ومحمّد بن أبي بكر.

سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو

أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون وإليه تصيرون، فإن الله تعالى يقول: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ )(1)، ويقول : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ

وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ ) (2) ويقول : ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (3). فاعلموا عباد الله أن الله عز وجل سائلكم عن الصغير من عملكم والكبير فإن

يعذب فنحن أظلم، وإن يعف فهو أرحم الراحمين. یا عباد الله إن أقرب ما يكون العبد إلى المغفرة والرحمة حين يعمل الله بطاعته وينصحه بالتوبة، عليكم بتقوى الله، فإنها تجمع الخير ولا خير غيرها، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة، قال الله عز وجل : ( وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرُ وَلِنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ )(4).

اعلموا يا عباد الله أن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب: إما لخير الدنيا، فإن الله يثيبه بعمله في دنياه، قال الله سبحانه لابراهيم: ( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )(5)، فمن عمل الله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والاخرة وكفاه المهم فيهما، وقد قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي

ص: 104


1- المدثر: 38.
2- آل عمران : 28 .
3- الحجر : 92-93
4- النحل : 30.
5- العنكبوت: 27.

هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةُ إِنَّمَا يُوَفِّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ )(1) فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الاخرة، قال الله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ ) (2) والحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا، واما لخير الآخرة ؛ فإن الله تعالى يكفر بكل حسنة سيئة ، قال الله عز وجل : (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) (3)حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ، ثم أعطاهم ) بكل واحدة عشر أمثالها (4) إلى سبعمائة ضعف (5)، فهو الذي يقول: ﴿ جَزَاءً مِن رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً ) (6) ، وقال : (فأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ

آمِنُونَ ) ، (فارغبوا في هذا رحمكم الله واعملوا له وتحاضوا عليه. ﴾ (7)واعلموا يا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله من الدنيا ما كفاهم به وأغناهم ، قال الله عز وجل : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ

( الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )(8) . سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا

ص: 105


1- الزمر : 10 .
2- وتمام الآية: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرَ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (يونس : 26).
3- هود: 114 .
4- في قوله تعالى : ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (الأنعام: 160 ) .
5- في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة : ة : 361)
6- النبأ : 36
7- وتمام الآية: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تَقَرُبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الغُرْفَاتِ آمِنُونَ ) (سبأ: 37).
8- الأعراف: 32.

أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون وسكنوا من أفضل ما يسكنون ، وتزوجوا أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل غدا جيران الله تعالى، يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من اللذة ، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل ويعمل له بتقوى الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله

الدنيا، وهم

يا عباد الله، إن اتقيتم وحفظتم نبيكم في أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما ،عبد وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر، وأخذتم بأفضل الصبر والشكر ، واجتهدتم أفضل الاجتهاد، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياما فأنتم أتقى الله منه وأنصح لاولي الامر.

،

احذروا يا عباد الله الموت وسكرته ، فاعدوا له عدته ، فإنه يفجأكم بأمر عظيم، بخير لا يكون معه شرّ أبدأ، أو بشر لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها ، ومن أقرب إلى النار من عاملها ؟ إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلين يصير إلى الجنة أم النار، أعدو الله أم ولي ؟ فإن كان وليا لله فتحت له أبواب الجنة، وشرعت له طرقها، ورأى ما أعد الله له فيها، ففزع من كل شغل، ووضع عنه كل ثقل، وإن كان عدوا لله فتحت له أبواب النار ، وشرع له طرقها، ونظر إلى ما أعد الله له فيها، فاستقبل

هو

كل مكروه وترك كل ،سرور كل هذا يكون عند الموت، وعنده يكون اليقين قال الله تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامُ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ ) (1)ويقول : ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا

ص: 106


1- النحل : 32 .

فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبْرِينَ(1)

يا عباد الله ، إن الموت ليس منه فوت، فاحذروه قبل وقوعه، واعدوا له عدته فإنكم طرد الموت، إن اقمتم له أخذكم وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوط خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عندما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات، وكفى بالموت واعظا؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يوصي أصحابه بذكر الموت، فيقول: أكثروا ذكر الموت، فإنه هادم اللذات حائل بينكم وبين الشهوات. يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لم يغفر له أشد من الموت القبر، فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته ، إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الوحشة ، أنا بيت الدود والهوام، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، إن العبد المؤمن إذا دفن قالت له الارض: مرحبا وأهلا، لقد كنت ممن أحب أن يمشي على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك ؟ فتتسع له مد البصر. وإن الكافر إذا دفن قالت له الارض: لا مرحبا ولا أهلا لقد كنت من أبغض من يمشي على ظهري ، فإذا وليتك فستعلم كيف صنعي بك، فتضمه حتى تلتقي أضلاعه. وان المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه (2) عذاب القبر، إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينا فينهشن لحمه ويكسرن ،عظمه ويترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث، لو أن تنينا منها نفخ في

، الأرض لم تنبت زرعا أبدا.

اعلموا يا عباد الله أن أنفسكم الضعيفة، وأجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها

ص: 107


1- النحل : 28 - 29 .
2- في الآيات: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِم حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَنْكَ آيَاتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى » ( ه : 124 - 127).

اليسير تضعف عن هذا ، فإن استطعتم أن تجزعو الاجسادكم وأنفسكم مما لا طاقة لكم به ولا صبر لكم عليه، فاعملوا بما أحب الله واتركوا ماكره الله .

يا عباد الله، إن بعد البعث ما هو أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر منه الكبير، ويسقط فيه الجنين ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت يوم عبوس قمطرير، ويوم كان شره مستطيرا.

إنّ فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، وترعد منه السبع

الشداد والجبال الأوتاد والأرض المهاد ، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية وتتغير فكأنها وردة كالدهان، وتكون الجبال كثيبا مهيلا بعدما كانت صما صلابا وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن، إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم ؟ لانه يقض ويصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد ، وحرها ،شدید و شرابها صديد، وعذابها جديد، ومقامعها حديد، لا يفتر عذابها ولا يموت ،ساكنها ، دار ليس فيها ،رحمة، ولا يسمع لاهلها دعوة. واعلموا يا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز العباد جنة عرضها كعرض السماوات والارض أعدت للمتقين لا يكون معها شرّ أبدا، لذاتها لا تمل، ومجتمعها لا يتفرق، وسكانها قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من الذهب فيها الفاكهة والريحان ثم اعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي، أهل ،مصر ، فإذا وليتك ما وليتك من أمر الناس فأنت حقيق أن تخاف منه على نفسك وأن تحذر فيه على دينك، فإن استطعت أن لا تسخط ربك برضا أحد من خلقه فافعل، فإن في الله عز وجل خلفا من غيره، وليس في شي سواه خلف منه ، اشتد على الظالم وخذ عليه، ولن لاهل الخير ،وقربهم واجعلهم بطانتك وأقرانك ، وانظر إلى صلاتك كيف هي ، فإنك إمام لقومك ينبغي لك أن تتمها ولا تخففها،

ص: 108

فليس من إمام يصلي بقوم يكون في صلاتهم نقصان إلا كان عليه، لا ينقص من صلاتهم شي ، وتمّمها وتحفظ فيها ، يكن لك مثل أجورهم، ولا ينقص ذلك من أجرهم شيئا .

وانظر إلى الوضوء، فإنه من تمام الصلاة تمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثا، واغسل وجهك ثم يدك اليمنى ثم اليسرى ثم امسح رأسك ورجليك، فإني

رأيت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يصنع ذلك ، واعلم أن الوضوء نصف الايمان .

من

ثم ارتقب وقت الصلاة فصلها لوقتها ولا تعجل بها قبله ،الفراغ ولا تؤخرها

عنه الشغل، فإن رجلا سأل رسول الله ل ل ل له عن أوقات الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبرئيل فأراني وقت الصلاة حين زالت الشمس، فكانت على حاجبه الايمن ، ثم أراني وقت العصر فكان ظل كل شي مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الآخرة حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة، فصل لهذه الاوقات ، والزم السنة المعروفة والطريق الواضحة ، ثم انظر ركوعك وسجودك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أتم الناس صلاة، وأحقهم عملا بها.

واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك، فمن ضيع الصلاة فإنه لغيرها أضيع أسأل الله الذي يرى ولا يرى، وهو بالمنظر الاعلى أن يجعلنا وإياك ممن يحب ويرضى حتى يعيننا وإياك على شكره وذكره ، وحسن عبادته، وأداء حقه وعلى كل شئ اختار لنا في دنيانا وديننا وآخرتنا. وأنتم يا أهل مصر، فليصدق قولكم فعلكم وسركم علانيتكم، ولا تخالف

، ألسنتكم قلوبكم . واعلموا أنه لا يستوي إمام الهدى وامام الردى ووصي النبي وعدوّه إني لا أخاف عليكم مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيحجزه الله عنكم بشركه ، ولكني أخاف عليكم المنافق، يقول ما تعرفون ويعمل بما تنكرون

ص: 109

يا محمّد بن أبي بكر ، اعلم أن أفضل الفقه الورع في دين الله ، والعمل بطاعته، وإني أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيتك وعلى أي حال كنت عليها الدنيا

دار بلاء ودار فناء، والآخرة دار الجزاء ودار ،البقاء ، فاعمل لما يبقى واعدل عما يفنى، ولا تنس نصيبك من الدنيا . أوصيك بسبع هن من جوامع الاسلام تخشى الله عز وجل ولا تخش الناس في الله ، وخير القول ما صدقه العمل، ولا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين، فيختلف أمرك وتزيغ عن الحق ، وأحب لعامة رعيتك ما تحب لنفسك وأهل بيتك، واكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، فإن ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم، وانصح المرء إذا استشارك ، واجعل نفسك أسوة لقريب المؤمنين وبعيدهم جعل الله مودتنا في الدين وخلتنا له إياكم خلة المتقين، وأبقى لكم طاعتكم، حتى يجعلنا وإياكم بها إخوانا على سرر متقابلين. أحسنوا أهل مصر مؤازرة محمّد أميركم، واثبتوا على طاعتكم، تردوا حوض نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم أعاننا الله وإياكم على ما يرضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1)قال ابو جعفر محمّد بن علي الطبري ( ت / 553 -) (ح) في بشارة المصطفى»: أخبرنا الشيخ الامام أبو محمّد الحسن بن الحسين بن بابوية قراءة عليه بالري سنة عشرة وخمسمائة ، قال : حدثنا السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، حدثنا الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد قال: أخبرني أبو الحسن علي

قال:

ابن محمّد بن حبيش الكاتب قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني قال أخبرني أبو اسحاق ابراهيم بن محمّد الثقفي، قال: حدثنا عبد الله بن محمّد بن عثمان ، قال : حدثنا علي بن محمّد بن أبي سعيد ، عن فضيل بن الجعد، عن أبي اسحاق الهمداني ، قال : لما ولّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب محمّد بن

ص: 110


1- الأمالي ؛ للشيخ الطوسي 24 - 31

أبى بكر مصر وأعمالها كتب له كتابا وأمره أن يقرأه على اهل مصر وأن يعمل بما

وصاه به فيه، وكان الكتاب

بشم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى اهل مصر ومحمّد بن أبي بكر ، سلام عليكم ، فاني احمد إليكم الله الذي لا اله إلا هو : أما بعد فاني اوصيكم بتقوى الله فيما أنتم عنه مسؤولون واليه تصيرون، فان الله تعالى يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (1)وَكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ )(2)

وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (3)، ويقول : ﴿ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (4)، فاعلموا عباد الله أن الله عز وجل مسائلكم عن الصغيرة والكبيرة من اعمالكم، فان يعذب فنحن أظلم وإن يعفو فهو ارحم الراحمين يا عباد الله ! ان أقرب ما يكون العبد الى المغفرة والرحمة حين يعمل الله بطاعته وينصحه في :التوبة عليكم بتقوى الله فانها تجمع من الخير ما لا خير غيرها، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا وخير الآخرة ، قال الله تعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرُ وَلِنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(5)

اعلموا عباد الله ان المؤمن يعمل لثلاث من الثواب اما الخير، فان الله يشيبه

ص: 111


1- كما ورد في قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عِنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (آل عمران : 185) ، وقوله : 185) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّن فَهُمْ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرْ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء : 34 - 35) ، وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (العنكبوت : 57) .
2- المدثر: 38
3- آل عمران : 28 .
4- الحجر : 92 - 93 .
5- النحل : 30.

بعمله في دنياه، قال الله سبحانه لابراهيم: ﴿ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )(1) فمن عمل الله أعطاه أجره في الدنيا والآخرة وكفاه المهم فيهما ، وقال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةُ إِنَّمَا يُوَفِّي الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابِ (2)، فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة ، قال الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةُ وَلاَ

يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرُ وَلا ذِلَّةٌ ) (3)، فالحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا. واما لخير الآخرة فان الله تعالى يكفر بكل حسنة سيئة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ )(4) ، حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها (5) إلى سبعمائة ضعف(6) ، وقال تعالى : ( جَزَاءً مِن رَبِّكَ عَطَاءٌ حِسَاباً )(7) ، وقال : ( أُولئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ ، الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ) (8)، فارغبوا في هذا - يرحمكم الله -

واعملوا له وتحاضوا عليه.

واعلموا يا عباد الله ان المتقين حازوا عاجل الخير وآجله ، شاركوا أهل الدنيا

ص: 112


1- العنكبوت : 27 .
2- الزمر : 10 .
3- وتمام الآية : ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (يونس : 36) .
4- هود 114 .
5- في قوله تعالى : ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسِّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (الأنعام: 160) .
6- في قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِل فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِانَةً حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة : 261 ).
7- النبأ : 36 .
8- وتمام الآية: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً لُواوَهُمْ فأولئك لَهُمْ جَزَاءُ الضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرْفَاتِ آمِنُونَ ) (سبأ : 37).

في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم ، وأباحهم الله من الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم، قال الله عز وجل : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (1). سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، أكلوا بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا بأفضل ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وتزوجوا من افضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع اهل الدنيا وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما تمنوا لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من اللذة. فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل ويعمل بتقوى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، يا عباد الله إن اتقيتم الله وحفظتم نبيكم في أهل بيته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد وذكر تموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر وأخذتم بافضل الصبر والشكر ، واجتهدتم بأفضل الاجتهاد، وإن كان غيركم أطول منكم صلاة وأكثر منكم صياما ، فأنتم أتقى الله عز وجل منه وأنصح لأولي الأمر. قال محمّد بن أبي القاسم : الحديث طويل لكني اخذته الى هاهنا لأن غرضي

كان في هذه الألفاظ لانها بشارة حسنة لمن خاف واتقى وتولى أهل المصطفى والخبر بكماله اوردته فى كتاب الزهد والتقوى (2)

وبالاسناد عن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في عنوان ولاية محمد بن أبي بكر على مصر وأخبار مقتله: «قال إبراهيم وكان عهد علي إلى محمّد بن

أبي بكر الذي قرئ بمصر : هذا ما عهد عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاه ،مصر ، أمره بتقوى الله في السر والعلانية، وخوف الله تعالى في

ص: 113


1- الأعراف: 32.
2- بشارة المصطفى ؛ المحمّد بن علي الطبري : 80-83

المغيب والمشهد ، وأمره باللين على المسلم، والغلظ على الفاجر، وبالعدل على أهل الذمة وبالانصاف للمظلوم، وبالشدة على الظالم ، وبالعفو عن الناس وبالاحسان ما استطاع، والله يجزى المحسنين وأمره أن يدعو من قِبَلَهُ إلى الطاعة والجماعة، فإن لهم في ذلك من العاقبة وعظم المثوبة ما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه، وأمره أن يجبى خراج الارض على ما كانت تجبى عليه من قبل ولا ينتقص ولا يبتدع، ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل، وأن تكن لهم حاجة، يواسى بينهم في مجلسه ووجهه، ليكون القريب والبعيد عنده على سواء. وأمره أن يحكم بين الناس بالحق، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتبع الهوى، ولا يخاف في الله لومة لائم، فإن الله مع من اتقاه وآثر طاعته على من سواه، وكتبه عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله لغرة شهر رمضان سنة ست وثلاثين.

مما عمي

قال إبراهيم : ثم قام محمّد بن أبي بكر خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما ،بعد ، فالحمد لله الذي هدانا وإياكم لما اختلف فيه من الحق، وبصرنا وإياكم كثيرا عنه الجاهلون ألا وإن أمير المؤمنين علیه السلام ولأني أموركم، وعهد إلي بما سمعتم ، وأوصاني بكثير منه مشافهة، ولن آلوكم خيرا ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. فإن يكن ما ترون آثاري وأعمالي طاعة الله وتقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك، فإنه هو الهادي إليه، فإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق ، فارفعوه إليّ، وعاتبوني عليه، فإنى بذلك أسعد وأنتم بذلك جديرون

وفقنا الله وإياكم لصالح العمل . قال إبراهيم : وحدثني يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد الأسدي، الحسن بن إبراهيم، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال : كتب علي علیه السلام إلى

، أهل مصر لما بعث محمّد بن أبي بكر إليهم كتابا يخاطبهم به، ويخاطب محمّدا أيضا فيه أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله في سر أمركم وعلانيته، وعلى أي حال كنتم عليها ، وليعلم المرء منكم أن الدنيا دار بلاء وفناء، والاخرة دار جزاء

ص: 114

وبقاء، فمن استطاع أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى فليفعل، فإن الاخرة تبقى

والدنيا تفنى.

رزقنا الله وإياكم بصرا لما بصرنا وفهما لما فهمنا حتى لا نقصر عما أمرنا

ولا نتعدى إلى ما نهانا .

واعلم يا محمد أنك وإن كنت محتاجا إلى نصيبك من الدنيا إلا أنك إلى

نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن عرض لك أمران: أحدهما للآخرة والآخر للدنيا

! فابدأ بأمر الآخرة ، ولتعظم رغبتك في الخير، ولتحسن فيه نيتك، فإن الله عزوجل يعطى العبد على قدر نيته ، وإذا أحب الخير وأهله ولم يعمله، كان إن شاء الله كمن عمله، فإن رسول الله قال حين رجع من تبوك : إن بالمدينة لاقواما ما سرتم من مسير ، ولا هبطتم من واد إلا كانوا معكم ما حبسهم إلا المرض - يقول : كانت لهم نية - ثم اعلم يا محمّد أني قد وليتك أعظم أجنادي أهل مصر، ووليتك ما وليتك من أمر الناس، فأنت محقوق أن تخاف فيه على نفسك، وتحذر فيه على دينك، ولو كان ساعة من نهار. فإن استطعت أن لا تسخط ربك لرضا أحد من خلقه فافعل فإن في الله خلفا من غيره، وليس في شي خلف منه ، فاشتد على الظالم ولن لاهل الخير، وقربهم إليك ، واجعلهم بطانتك وإخوانك. والسلام. قال إبراهيم حدثني يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد عن الحسن بن إبراهيم، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال : كتب علي إلى محمد بن أبي بكر وأهل مصر: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله والعمل بما أنتم عنه مسؤولون، فأنتم به رهن وإليه صائرون، فإن الله عزوجل يقول: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ (1)وقال : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ )(2). وقال: ﴿ فَوَ رَبُّكَ

ص: 115


1- المدثر : 38.
2- آل عمران : 28 .

لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ )(1). فاعلموا عباد الله أن الله سائلكم عن الصغير . من أعمالكم والكبير، فإن يعذب فنحن الظالمون، وإن يغفر ويرحم فهو أرحم الراحمين. واعلموا أن أقرب ما يكون العبد إلى الرحمة والمغفرة حينما يعمل بطاعة الله ومناصحته في التوبة، فعليكم بتقوى الله عز وجل، فإنها تجمع من الخير ما لا غيرها، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها خير الدنيا وخير

يجمع الآخرة، يقول الله سبحانه: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةُ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرُ وَلِنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (2). واعلموا عباد الله أن المؤمنين المتقين قد ذهبوا بعاجل الخير وأجله، شركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، يقول الله عز وجل : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (3). سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا من أفضل ما يأكلون وشربوا من أفضل ما يشربون ويلبسون من أفضل ما يلبسون ويسكنون من أفضل ما يسكنون أصابوا لذة أهل الدنيا مع أهل الدنيا مع أنهم غدا

من جيران الله عز وجل: يتمنون عليه، لا يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم لذة. أما في هذا ما يشتاق إليه من كان له عقل ! واعلموا عباد الله أنكم إذا اتقيتم ربكم، وحفظتم في أهل بيته، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد، وذكرتموه بأفضل ما ذكر، وشكرتموه بأفضل ما شكر، وأخذتم بأفضل الصبر، وجاهدتم بأفضل الجهاد، وإن كان غيركم أطول صلاة منكم، وأكثر صياما ، إذ كنتم أنقى الله وأنصح

ص: 116


1- الحجر : 92-93 .
2- النحل : 30.
3- الأعراف: 32

لاولياء الله من آل محمّد صلی الله علیه و آله وسلم و أخشع ، واحذروا عباد الله الموت ونزوله، وخذوله، فإنه يدخل بأمر عظيم خير لا يكون معه شر أبدا ، أو شرّ لا يكون معه خير أبدا. وليس أحد من الناس يفارق روحه جسده، حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير، إلى الجنة أم إلى النار أعدوّ هو الله أم وليّ له ! فإن كان وليا فتحت له أبواب الجنة، وشرع له طريقها، ونظر إلى ما أعد الله عز وجل لاوليائه فيها، فرغ من كان شغل، ووضع عنه كل ثقل ، وإن ما أعدوا فتحت له أبواب النار، وسهل له طريقها ، ونظر إلى ما أعد الله فيها لاهلها . واستقبل كل مكروه ، وفارق كل سرور، قال الله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبْرِينَ (1) واعلموا عباد الله أن الموت ليس منه فوت، فاحذروه وأعدوا له عدته، فإنكم طرداء للموت ، وإن قمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم، فأكثروا ذكر الموت عند ما تنازعكم إليه أنفسكم من الشهوات فإنه كفى بالموت واعظا قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: أكثروا ذكر الموت؛ فإنه هادم اللذات.

ال- واعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت، لمن لم يغفر الله له . واحذروا القبر وضمته وضيقه وظلمته ، فإنه الذي يتكلم كل يوم أنا بيت التراب، وأنا بيت الغربة، وأنا بيت الدود والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. إن المسلم إذا مات قالت له الارض مرحبا وأهلا قد كنت ممن أحب أن تمشي على ظهري ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ! فيتسع له

بصره. وإذا دفن الكافر قالت له الارض: لا مرحبا ولا أهلا قد كنت أبغض أن تمشي على ظهري ، فإذ وليتك فستعلم كيف صنعي بك ! فتنضم عليه

ص: 117


1- النحل : 28 - 29 .

حتى تلتقي أضلاعه واعلموا أن المعيشة الضنك الّتي قال سبحانه: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضنكاً )(1)عذاب القبر، فإنه يسلط على الكافر في قبره حيات عظام تنهش لحمه حتى يبعث، لو أن تنينا منها نفخ الارض ما أنبت الزرع أبدا اعلموا عباد الله أن أنفسكم وأجسادكم الرقيقة الناعمة التي يكفيها اليسير من العقاب ضعيفة عن هذا، فإن استطعتم أن ترحموا أنفسكم وأجسادكم مما لا طاقة لكم به ، و لكم عليه، فتعملوا بما أحب الله سبحانه وتتركوا ما كره، فافعلوا ولا حول ولا قوة إلا بالله واعلموا عباد الله، أن ما بعد القبر أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير ، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت واحذروا يوما عبوسا

. قمطريرا كان شره مستطيرا. أما إن شرّ ذلك اليوم وفزعه استطار حتى فزعت منه الملائكة الذين ليست لهم ذنوب والسبع الشداد والجبال الأوتاد والارضون المهاد وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، وتغيرت فكانت وردة كالدهان وكانت الجبال سرابا، بعدما كانت صما صلابا ، يقول الله سبحانه: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ ) (2). فكيف بمن يعصيه بالسمع والبصر واللسان واليد ، والفرج والبطن، إن لم يغفر الله ويرحم واعلموا عباد الله أن ما بعد ذلك اليوم أشد وأدهى نار قعرها بعيد، وحرها شديد وعذابها جديد ومقامعها حديد وشرابها صديد لايفتر عذابها، ولا يموت ،ساكنها دار ليست لله سبحانه فيها رحمة، ولا يسمع فيها دعوة، ومع هذا رحمة الله الّتي وسعت كل شي ، لا تعجز عن العباد وجنة عرضها كعرض السماء والارض خير لا يكون بعده شر أبدا، وشهوة لاتنفد أبدا، ولذة لا تفنى أبدا، ومجمع لا يتفرق

ص: 118


1- في الآيات: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى وَكَذلِك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ) (طَّه : 124 - 127) .
2- الزمر : 68 .

أبدا. قوم قد جاوروا الرحمن، وقام بين أيديهم الغلمان، بصحاف من ذهب فيها الفاكهة ،والريحان، وإن أهل الجنة يزورون الجبار سبحانه في كل جمعة، فيكون أقربهم منه على منابر من نور والذين يلونهم على منابر من ياقوت، والذين يلونهم على منابر من مسك، فبينا هم كذلك ينظرون الله جل جلاله ، وينظر الله في وجوههم، إذ أقبلت سحابة تغشاهم فتمطر عليهم من النعمة واللذة والسرور والبهجة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه . ومع هذا ما هو أفضل منه، رضوان الله الاكبر . أما إنا لو لم نخوف إلّا ببعض ماخوفنا به لكنا محقوقين أن يشتد خوفنا مما لا طاقة لنا به، ولا صبر لقوتنا عليه، وأن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه ولا بد لنا ، فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم فافعلوا، فإن العبد إنما

تكون طاعته على قدر خوفه، وإن أحسن الناس الله طاعة، أشدهم له خوفا . وانظر يا محمد صلاتك كيف تصليها ، فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها وأن تخففها وأن تصليها لوقتها ، فإنه ليس من إمام يصلي بقوم فيكون في صلاته وصلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه ، ولا ينقص من صلاتهم شيئا . واعلم أن كل شي من عملك صلاتك، فمن ضيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعا،

يتبع

ووضوءك من تمام الصلاة، فأت به على وجهه، فالوضوء نصف الايمان. أسأل الله الذي يرى ولا يرى وهو بالمنظر الأعلى، أن يجعلنا وإياك من المتقين

الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدق أقوالكم أفعالكم ، وأن يتوافق سركم وعلانيتكم ، ولا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا، عصمنا الله وإياكم بالهدى، وسلك بنا وبكم المحجة الوسطى. وإياكم ودعوة الكذاب ابن هند وتأملوا وأعلموا أنه لا سوى إمام الهدى، وإمام الردى ، ووصى النبي وعدوّ النبي، جعلنا الله وإياكم ممن يحب ويرضى . ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني لا أخاف

ص: 119

على أمني مؤمنا ولا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيخزيه الله بشركه ، ولكني أخاف عليهم كل منافق اللسان، يقول ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون. واعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله ، والعمل بطاعته، فعليك بالتقوى في سر أمرك وعلانيته، أوصيك بسبع هن جوامع الاسلام: اخش الله ولا تخش الناس في الله . وخير القول ما صدقه العمل . ولا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين، فيتناقض أمرك وتزيغ عن الحق وأحب لعامة رعيتك ما تحبه لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، وأصلح أحوال رعيتك، وخض الغمرات إلى الحق ، ولا تخف لومة لائم، وانصح لمن استشارك، واجعل نفسك أسوة لقريب المسلمين وبعيدهم.

جعل الله خلتنا وودنا خلة المتقين وود المخلصين، وجمع بيننا وبينكم في دار

الرضوان إخوانا على سرر متقابلين . إن شاء الله .

قال إبراهيم بن سعد الثقفى : فحدثني عبد الله بن محمّد بن عثمان ، عن علي بن محمد بن أبي سيف، عن أصحابه، أن عليا لما كتب إلى محمّد بن أبي بكر هذا الكتاب، كان ينظر فيه ويتأدب بأدبه، فلما ظهر عليه عمرو بن العاص وقتله ، أخذ كتبه أجمع، فبعث بها إلى معاوية، فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويتعجب منه، فقال الوليد بن عقبة، وهو عند معاوية، وقد رأى إعجابه به مر بهذه الاحاديث أن تحرق، فقال معاوية : مه لا رأي لك! فقال الوليد أفمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها ! قال معاوية ويحك ! أتأمرني أن أحرق علما مثل هذا والله ما سمعت بعلم هو أجمع منه ولا أحكم، فقال الوليد : إن كنت تعجب من علمه وقضائه فعلام تقاتله! فقال : لولا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لاخذنا عنه . ثم سكت هنيهة ، ثم نظر إلى جلسائه فقال : إنا لا نقول : إن هذه من كتب علي بن أبي طالب علیه السلام، ولكن نقول: هذه من كتب أبي بكر

ص: 120

الصديق، كانت عند ابنه محمّد فنحن ننظر فيها، ونأخذ منها . قال : فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز

فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب علیه السلام. قال ابن أبي الحديد قلت : الاليق أن يكون الكتاب الذي كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه ، ويفتي به ويقضي بقضاياه وأحكامه هو عهد علي إلى الاشتر، فإنه نسيج وحده ، ومنه تعلم الناس الاداب والقضايا والاحكام والسياسة، وهذا العهد صار إلى معاوية لما سم الاشتر ومات قبل وصوله إلى مصر . إلى مصر، فكان ينض-

ويعجب منه ، وحقيق من مثله أن يقتنى في خزائن الملوك. قال إبراهيم: فلما بلغ عليا علیه السلام أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد عليه حزنا، وحدثني بكر بن بكار ، عن قيس بن الربيع عن ميسرة بن حبيب، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال صلى بنا علي علیه السلام، فلما انصرف قال :

لقد عثرت عشرة لا أعتذر*** سوف أكيس بعدها وأستمر

وأجمع الامر الشتيت المنتشر

فيه

فقلنا : ما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني استعملت محمّد بن أبي بكر على ،مصر، فكتب إليّ أنّه لا علم لي بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه أدب وسنة، فقتل

وأخذ الكتاب».(1)

ص: 121


1- شرح نهج البلاغة ؛ لابن أبي الحديد 6 65-73

[ الكتاب (28)]

قال الجلالي: وقد روى المنقري اصل رسالة معاوية وجوابه ومما رواه في

وقعة صفين عن عمر بن سعد عن أبي ،ورق، أن ابن عمر بن مسلمة الأرحبي أعطاه كتابا في معاوية إلى عليّ . قال : وإن أبا مسلم الخولاني قدم إلى معاوية في

یا أناس من قراء أهل الشام قبل مسير أمير المؤمنين علیه السلام إلى صفين، فقالوا له : معاوية علام تقاتل عليا ، وليس لك مثل صحبته ولا هجرته ولا قرابته ولا سابقته ؟ قال لهم : ما أقاتل عليا وأنا أدعي أن لي في الإسلام مثل صحبته ولا هجرته ولا

قرابته ولا سابقته، ولكن خبروني عنكم ، ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟

قالوا :بلى

قال : فليدع إلينا قتلته فنقتلهم به ولا قتال بيننا وبينه :قالوا فاكتب إليه كتابا يأتيه به بعضنا. فكتب إلى على هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني، فقدم به على علي، ثم قام أبو مسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد ، فإنك قد قمت بأمر وتوليته والله ما أحب أنه لغيرك إن أعطيت

الحق من نفسك ، إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة

ص: 122

وكنت ذا عذر وحجة .

فقال له عليّ علیه السلام: اغد عليّ غدا فخذ جواب كتابك . فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحتها ، ثم غدوا فملؤوا المسجد وأخذوا ينادون: كلنا قتل ابن عفان وأكثروا من النداء بذلك وأذن لأبي مسلم فدخل على عليّ أمير المؤمنين فدفع إليه جواب

کتابه معاوية، فقال له أبو مسلم قد رأيت قوما ما لك معهم أمر .

قال : وما ذاك ؟

قال: بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا واجتمعوا ولبسوا السلاح وزعموا أنهم كلهم قتلة عثمان. فقال على: والله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه وعينيه ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك ولا إلى غيرك . فخرج بالكتاب وهو يقول: الآن طاب الضراب.

وكان كتاب معاوية إلى علي علیه السلام: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا .هو . أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه، وجعله الأمين على وحيه والرسول إلى خلقه، واجتبي له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم ، فكانوا في منار لهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام . فكان أفضلهم في إسلامه، وأنصحهم الله ولرسوله الخليفة من بعده وخليفة خليفته، والثالث الخليفة المظلوم عثمان، فكلهم حسدت، وعلى كلهم بغيت عرفنا ذلك في نظرك الشزر، وفي قولك الهجر،

وفي تنفسك الصعداء، وفي إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع وأنت كاره . ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان ، وكان أحقهم ألا تفعل به ذلك في قرابته وصهره ، فقطعت رحمه، وقبحت محاسنه ، وألبت الناس عليه ، وبطنت وظهرت ، حتى ضربت إليه

ص: 123

آباط الإبل ، وقيدت إليه الخيل العراب، وحمل عليه السلاح في حرم رسول الله ، فقتل معك في المحلة وأنت تسمع في داره الهائعة، لا تردع الظن والتهمة عن نفسك فيه بقول ولا فعل . فأقسم صادقا أن لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا، ولمحا ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان والبغى عليه . وأخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين: إيواؤك قتلة عثمان، فهم عضدك وأنصارك ويدك وبطانتك. وقد ذكر لي أنك تتنصل من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك . وإلا فإنه فليس لك ولا لأصحابك إلا السيف. والذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبر والبحر ، حتى يقتلهم الله ، أو لتلحقن أرواحنا بالله والسلام.

فكتب إليه علي علیه السلام: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمّد صلى الله عليه وسلم ، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي. والحمد لله الذي صدقه الوعد وتمم له النصر، ومكن له في البلاد، وأظهره على أهل العداء والشنان، من قومه الذين وثبوا به، وشنفوا له، وأظهروا له التكذيب، وبارزوه بالعداوة وظاهروا على إخراجه وعلى إخراج أصحابه وأهله، وألبوا عليه العرب وجامعوهم على حربه ، وجهدوا في أمره كل الجهد، وقلبوا له الأمور حتى ظهر أمر الله وهم كارهون. وكان أشد الناس عليه ألبة أسرته والأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصمه الله يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا ، ولقد قدمت فأفحشت، إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه محمّد صلی الله علیه و آله وسلم وفينا ، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر، أو كداعي مسدده إلى النضال. وذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم

ص: 124

فى الإسلام، فكان أفضلهم - زعمت - في الإسلام، وأنصحهم الله ورسوله

الخليفة، وخليفة الخليفة. ولعمري إن مكانهما من الإسلام العظيم، وإن المصاب

بهما لجرح في الإسلام .شديد رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء.

وذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا، فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه ، وإن يك مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره. ولعمر الله إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الإسلام ونصيحتهم الله ورسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر. إن محمّدا صلی الله علیه و آله وسلم لما دعا إلى الإيمان بالله والتوحيد كنا - أهل البيت - أول من آمن به وصدق بما جاء به، فلبثنا أحوالا مجرمة وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبينا ، واجتياح ،أصلنا وهموا بنا الهموم، وفعلوا بنا الأفاعيل، فمنعونا الميرة وأمسكوا عنا العذب، وأحلسونا الخوف، وجعلوا علينا الأرصاد والعيون، واضطرونا إلى جبل وعر، وأوقدوا لنا نار الحرب، وكتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلونا ولا يشاربونا ولا يناكحونا ولا يبايعونا ولا نأمن فيهم حتى ندفع النبي صلی الله علیه و آله وسلم فيقتلوه ويمثلوا به. فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم فعزم الله لنا على منعه، والذب عن حوزته، والرمي من وراء حرمته، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف بالليل والنهار، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب ، وكافرنا يحامي به عن الأصل فأما من أسلم

من قريش بعد فإنهم مما نحن فيه أخلياء ، فمنهم حليف ممنوع، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد يمثل ما بغانا به قومنا من التلف، فهم من القتل بمكان نجوة وأمن . فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم أمر الله رسوله بالهجرة، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمر البأس ودعيت نزال أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى بهم أصحابه حر الأسنة والسيوف، فقتل عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد، وجعفر وزيد يوم مؤتة، وأراد الله من لو شئت ذكرت اسمه مثل

ص: 125

الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلی الله علیه و آله وسلم غير مرة، إلا أن آجالهم عجلت ومنيته أخرت. والله مولى الإحسان إليهم، والمنان عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات. فما سمعت بأحد ولا رأيت فيهم من هو أنصح الله في طاعة رسوله، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربه، ولا أصبر على اللأواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلی الله علیه و آله وسلم وهؤلاء النفر الذين سميت لك . وفي المهاجرين خير كثير ،نعرفه جزاهم الله بأحسن أعمالهم . وذكرت حسدي الخلفاء، وإبطائي عنهم، وبغيى عليهم . فأما البغي فمعاذ الله أن يكون ، وأما الإبطاء عنهم والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس ، لأن الله جل ذكره لما قبض نبيه الله وقالت :قريش منا أمير، وقالت الأنصار منا أمير. فقالت :قريش منا محمّد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، فنحن أحق بذلك الأمر . فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية والسلطان. فإذا استحقوها بمحمد الله دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمّد صلی الله علیه و آله وسلم أحق بها منهم. وإلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا، أو الأنصار ظلموا . بل عرفت أن حقي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم تجاوز الله عنهم . وأما ما ذكرت من أمر عثمان وقطيعتي رحمه، وتأليبي عليه فإن عثمان عمل ما قد بلغك ، فصنع الناس به ما قد رأيت وقد علمت إني كنت في عزلة عنه، إلّا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك.

وأما ما ذكرت من أمر قتله عثمان، فإني نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك. ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشفاقك التعرفنهم عن قليل يطلبونك، ولا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر، ولا جبل ولا سهل وقد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال: أنت أحق بعد محمّد صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك . ابسط يدك أبايعك. قلم أفعل. وأنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك وأراده حتى كنت أنا الذي

ص: 126

أبيت لقرب عهد الناس بالكفر، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام . فأبوك كان أعرف بحقي منك. فإن تعرف من حقي ما كان يعرف أبوك تصب رشدك، وإن لم تفعل

فسيغني الله عنك ، والسلام» (1)

ص: 127


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 85-90

[ الكتاب (29) ]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن ابراهيم بن

محمد الثقفي ( ت / 281 ه-) في « الغارات » ، قال : وعن كعب بن قعين أن عليا علیه السلام كتب مع جارية بن قدامة كتابا فقال: اقرأه على أصحابك، قال: فمضينا معه فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد فرحب به وأجلسه إلى جانبه وناجاه ساعة وساءله، ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال: احذر على نفسك واتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك، وخرج جارية من عنده فقام في الازد ، فقال : جزاكم الله من حي خيرا، ما أعظم عناءكم وأحسن بلاءكم، وأطوعكم لاميركم، وقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه، ثم قرأ عليهم وعلى من كان معه من شيعة علي علیه السلام وغيرهم كتاب علي فإذا فيه : من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرى عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين: سلام عليكم، أما بعد فان الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا يأخذ المذنب عند أول وهلة، ولكنه يقبل التوبة ويستديم الاناة، ويرضى بالانابة ليكون أعظم للحجة وأبلغ في المعذرة، وقد كان من شقاق جلكم - أيها الناس - ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم، ورفعت

ص: 128

السيف عن ،مدبركم، وقبلت من مقبلكم ، وأخذت بيعتكم، فان تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنة وقصد الحق وأقم فيكم سبيل الهدى، فوالله ما أعلم أن واليا بعد محمّد صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك مني ولا أعمل، أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى ولا منتقصا لاعمالهم فان خطت بكم الاهواء المردية وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قربت جيادي ورحلت ركابي، وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير اليكم لا وقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق، وانى لظان أن لا تجعلوا ان شاء الله على أنفسكم سبيلا ، وقد قدمت هذا الكتاب حجة عليكم ، ولن أكتب اليكم من بعده كتابا ان أنتم استغششتم نصيحتي ونابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم ان شاء الله ، والسلام.

فلما قرئ الكتاب على الناس قام صبرة بن شيمان فقال: سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم أمير المؤمنين سلم، ان كفيت ي--ا جارية قومك بقومك فذاك ، وان أحببت أن ننصرك نصرناك، وقام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك ، فلم يأذن لاحد منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم (1)

ص: 129


1- الغارات ؛ لابراهيم بن محمّد الثقفي2: 404 402 .

[ الكتاب ( 30)]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: (والظاهر من كلام ابن أبي الحديد [ج 2 ص 260] ان كتاب السير رووا هذا الكتاب اطول واكمل مما هنا، فكان امير المؤمنين بدأ كتابه هذا بالكلمات التالية اما بعد فقد بلغني كتابك تذكر

مشاغبتي .... (انتهى) .(1)

ص: 130


1- راجع : استناد نهج البلاغة .

[ الكتاب (31)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: من الوالد الفان المقرّ للزمان ... الخ، هذه الوصية الشريفة رواها جماعة من العلماء من العلماء، وقد نقل السيد ابن طاووس : أن الشيخ الكليني رواها في كتاب الرسائل وقد رواها في تحف العقول مع اختلاف في بعض الفقرات، وذكر شيئا منها ابن

: عبد ربه في عقده، ورواها في كتاب منتخب كنز العمال مع اختلاف أيضاً في بعض الالفاظ ، وفي كتاب الكافي[ ص 7ج 2] باسناده عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ، قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام في رسالته إلى الحسن علیه السلام: إياك ومشاورة النساء... إلى قوله : وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل . ثم روى مثل ذلك عن الاصبغ بن نباتة، إلا أنه قال : كتب بها ... الى آخره. وهذه الفقرات مذكورة في آخر الوصية المذكورة وقال الشارح العلامة : أقول: روى جعفر بن بابويه القمي (أبو جعفر (ظ) إن هذه الوصية كتبها إلى ابنه محمّد بن الحنفية، وهي من أفصح الكلام ... الى آخره ؛ والاصح الأشهر ما قدمناه»(1)

قال العرشي في التخريج مانصّه : « الكتاب الواحد والثلاثون، وهو وصية له رحمه الله

ص: 131


1- مدارك نهج البلاغة : 10 .

للحسن بن علىّ علیه السلام كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفّين رواه أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب الزواجر والمواعظ [بحار الانوار

17 ص 57] ، والك- ج

57] ، والكليني في كتاب الرسائل [بحار الانوارج 17 ص 57]

والحراني في تحف العقول». انتهى . (1)

وبالاسناد عن النجاشي ( ت / 455 ه- )، قال الأصبغ بن نباتة المجاشعي كان من خاصة أمير المؤمنين علیه السلام ، وعمر بعده روى عنه عهد الاشتر ووصيته إلى محمّد ابنه أخبرنا ابن الجندي، عن أبي علي بن همام عن الحميري، عن هارون بن مسلم عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف ، عن الاصبغ بالعهد وأخبرنا عبد السلام بن الحسين الاديب عن أبي بكر الدوري، عن محمّد بن أحمد بن الثلج، عن جعفر بن محمّد الحسني، عن علي بن عبدك عن الحسن بن

ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف عن الاصبغ بالوصية .(2) والظاهر ان النجاشي يعني بالوصية هذه، وبالعهد عهد مالك الاشتر والله العالم .

قال شيخنا العلامة : وصية امير المؤمنين علیه السلام لابنه الامام الحسن علیه السلام كتبها بنفسه الشريفة، وهو أوّل كتاب في الاسلام، كتب في الاخلاق بالطف بيان واحسن عبارة، أورده الكليني ( ت / 328ه-) في كتابه رسائل الائمة علیهم السلام اخرجه ابن طاووس ( ت / 664 ه-) في كشف المحجّة بأسانيد من الفريقين، ترجمت باسم هدية الامم وأخر الاخلاق المرضية».(3)

قال الجلالي اوردها ابن طاووس في الفصل 154 من كتابه ، واليك نصّ كلامه كشف المحجة لثمرة المهجة » ، قال : «الفصل الرابع والخمسون والمائة وقد

ص: 132


1- راجع استناد نهج البلاغة
2- رجال النجاشي : 8.
3- الذريعة حرف الكاف

وقع في خاطري أن أختم هذا الكتاب بوصية أبيك أمير المؤمنين علیه السلام الذي عنده علم الكتاب صلى الله عليه إلى ولده العزيز عليه وبرسالته إلى شيعته وذكر المتقدمين عليه ورسالته في ذكر الأئمة من ولده، ورأيت أن يكون رواية الرسالة إلى ولده بطريق المخالفين والمؤالفين فهو أجمع على ما تضمنه من سعادة الدنيا والدين فقال أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري في كتاب ( الزواجر والمواعظ ) في الجزء الأول منه من نسخة تاريخها ذو القعدة من سنة ثلاث بسبعين وأربعمائة ما هذا لفظه وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لولده

ولو كان من الحك- الحكمة ما يجب أن يكتب بالذهب لكانت هذه وحدثني بها جماعة

فحدثني علي بن الحسين بن إسماعيل ، قال : حدثنا الحسن بن أبي عثمان الادمي قال : أخبرنا أبو حاتم المكتب يحيى بن حاتم بن عكرمة، قال: حدثني يوسف بن يعقوب بأنطاكية ، قال : حدثني بعض أهل العلم، قال: لما انصرف علي من صفين إلى قنسرين كتب إلى ابنه الحسن بن علي من الوالد الفان المقر للزمان ... الخ . وحدثنا أحمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا سليمان بن الربيع الهندي

قال: حدثنا كادح بن روحمة الزاهد، قال حدثنا صباح بن يحيى المزني. وحدثنا علي بن عبد العزيز الكوفي الكاتب ، قال : حدثنا جعفر بن هارون بن ،زیاد قال حدثنا محمّد بن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده جعفر الصادق، عن أبيه، عن جده علیهم السلام أن عليا علیه السلام كتب إلى الحسن بن علي.

وحدثنا علي بن محمّد بن إبراهيم التستري ، قال : حدثنا جعفر بن عنبسة، قال: حدثنا عباد بن زياد ، قال : حدثنا عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر محمّد بن علي قال علیه السلام: كتب أمير المؤمنين علیه السلام لها إلى الحسن بن علی علیه السلام .

وحدثنا محمّد بن علي بن زاهر الرازي ، قال : حدثنا محمّد بن العباس قال:

حدثنا عبد الله بن داهر عن بن داهر ، عن أبيه عن جعفر بن محمّد، عن آبائه ، عن على علیه السلام قال :

ص: 133

كتب علي إلى ابنه الحسن علیه السلام

بن

كل هؤلاء حدثونا أن أمير المؤمنين عليا كتب بهذه الرسالة إلى ابنه الحسن علیه السلام. وأخبرني أحمد بن عبد الرحمن بن فضال القاضي ، قال : حدثنا الحسن بن أحمد وأحمد بن جعفر بن محمّد بن زید بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام، قال : حدثنا جعفر بن محمّد الحسني ، قال : حدثنا الحسن بن ،عبدل، قال: حدثنا الحسن بن طريف بن ناصح عن الحسن بن علوان عن

بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة المجاشعي ، قال : كتب أمير المؤمنين علیه السلام

سعد

إلى أبنه كذا .

واعلم يا ولدي محمّد ضاعف الله جل جلاله عنايته بك ورعايته لك قد روى الشيخ المتفق على ثقته وأمانته محمّد بن يعقوب الكليني تغمده الله جل جلاله برحمته رسالة مولانا أمير المؤمنين علي علیه السلام إلى جدك الحسن ولده سلام الله جل جلاله عليهما ، وروى رسالة أخرى مختصرة عن خط علي علیه السلام إلى ولده محمّد بن الحنفية رضوان الله جل جلاله عليه. وذكر الرسالتين في كتاب الرسائل ووجدنا في نسخة قديمة يوشك أن يكون كتابتها في زمان حياة محمّد بن يعقوب رحمة الله عليه - وهذا الشيخ محمّد بن يعقوب كان حياته في زمن وكلاء المهديعلیه السلام: عثمان بن سعيد العمري وولده أبي جعفر محمّد وأبي القاسم حسين بن روح وعلي بن محمّد السمري، وتوفي محمّد بن يعقوب قبل وفاة علي بن محمّد السمري، لأن علي بن محمّد السمري توفي في شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وهذا محمّد بن يعقوب الكليني توفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، فتصانيف هذا الشيخ محمّد بن يعقوب ورواياته في زمن الوكلاء المذكورين يجد طريقا إلى تحقيق منقولاته، ورأيت يا ولدي بين رواية الحسن ابن عبد الله العسكري مصنف كتاب ( الزواجر والمواعظ ) الذي قدمناه وبين

ص: 134

الشيخ محمّد بن يعقوب في رسالة أبيك أمير المؤمنين علي علیه السلام إلى ولده تفاوتا، فنحن نوردها برواية محمّد بن يعقوب الكليني فهو أجمل وأفضل فيما قصدناه - فذكر محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل بإسناده إلى أبي جعفر بن عنبسة، عن عباد بن زياد الاسدي عن عمر بن أبي المقدام عن أبي جعفر الله ،

قال: لما أقبل أمير المؤمنين علیه السلام من صفين كتب إلى ابنه الحسن علیه السلام:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، من الوالد الفان المقر للزمان، المدير للعمر المستسلم للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الطاعن عنها غدا إلى الولد المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الأسقام، ورهينة

الايام ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر ،الغرور وغرير المنايا، وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الاحزان، ورصيد الافات، وصريع الشهوات وخليفة الاموات. أما بعد فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني ، وجموح الدهر علي، وإقبال الآخرة إلى ما يمنعني عن ذكر من سواي والاهتمام بما وراي، غير أني حيث تفرّد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدقني دائي، وصرفني عن هواي وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يرى معه لعب، وصدق لا يشوبه كذب وجدتك بعضي بل وجدتك كلّي، حتى لو كأن شيئا لو أصابك أصابني، حتى وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت فأوصيك بتقوى الله - يابني -

ولزوم ،أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جل وجهه إن أنت أخذت به فأحيي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد، وقوّه ،باليقين، ونوّره بالحكمة ، وذالله بذكر الموت، وقرّره بالفناء، وأسكنه بالخشية، وأشعره بالصبر، وبصره فجائع الدنيا، وحذره جولة الدهر وفحش

ص: 135

تقلبه، وتقلب الليالي والايام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم، واعتبر آثارهم وانظر ما فعلوا وأين رحلوا ونزلوا وعمّا انتقلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الاحبة وحلّوا دار الغربة وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ، ولا تبع آخر تك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف والخطاب، والنظر فيما لم تكلف ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله وانكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات إلى الحق حيث كان، وتفقه في الدين، وعوّد نفسك بالصبر على المكروه ونعم الخلق الصبر، وألجئ نفسك في الامور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة وتفهم ،وصيتي، ولا تذهبن عنك صفحا فإن خير القول ما نفع، واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه، يا بني إنني لما رأيتك قد بلغت سنا، ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك لخصال منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في جسمي أو أن يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية ما ألقي فيها من شئ إلا قبلته فبادر بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بعينه وتجربته فتكون قد كفيت مؤنة الطلب وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما كنا قد ناتيه واستبان لك منه ما ربما اظلم علينا فيه . يا بني إني وإن لم أكن قد عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمارهم وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأنني بما

ص: 136

انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر جليله، وتوخيت لك جميله وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعنى الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن تكون ذلك وأنت مقبل العمر مقبل الدهر ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن أبتدأك بتعلم كتاب الله عز وجل وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه وحلاله وحرامه لا أجاوز ذلك بك إلى غيرك، ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي التبس عليهم فكان إحكام ذلك لك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليَّ من ا.. لامك إلى أمر لم آمن عليك فيه الهلكة، ورجوت أن يوفقك الله لرشدك وأن يهديك فعهدت إليك وصيتي هذه .

واعلم مع ذلك يا بني أن أحب ما أنت أخذ به من وصيتي إليك بتقوى الله والاقتصار على ما فرضه الله عليك والأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت ،مفكر ، ثم ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم وتعلّم لا بتورط الشبهات وغلوّ الخصومات وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك عليه والرغبة إليه في توفيقك ، ونبذ كل شائبة أولجتك في شبهة أو أسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفى لك قلبك فخشع وتم رأيك فاجتمع وكان همّك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسّرت لك، وإن لم يجتمع لك رأيك على ما تحب من نفسك وفراغ نظرك وفكرك ، فاعلم أنك إنما تخبط خبط العشواء، وتتورط الظلماء، وليس طالب الدين من خبط ، ولا من خلط والامساك عن ذلك أمثل.

ص: 137

وأن أول ما أبدءك في ذلك وآخره أني أحمد الله إله الأولين والآخرين، ورب من في السماوات والارضين بما هو أهله وكما يجب وينبغي له، ونسأله أن يصلي على محمد وآل محمّد صلى الله عليهم وعلى أنبياء الله بصلاة جميع من صلى خلقه، وأن يتم نعمته علينا بما وفقنا له من مسألته بالاستجابة لنا؛ فإن

عليه من

بنعمته تتم تتم الصالحات. يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وانتقالها وزوالها بأهلها، وأنبأتك عن الاخرة وما أعد الله فيها لأهلها، وضربت لك أمثالا لتعتبر بها وتحذو عليها الامثال إنما مثل من أبصر الدنيا مثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق الصديق وخشونة السفر في الطعام والمنام ليأتوا سعة دارهم ومنزل ،قرارهم فليس يجدون لشئ من ذلك ألما، ولا يرون لنفقة مغرما ، ولا شئ بأحب إليهم مما يقربهم من منزلهم . ومثل من اغتر بها كقوم كانوا في منزل خصب فنبا بهم إلى منزل جديب فليس شي أكره إليهم ولا أهول لديهم من مفارقة ما هم فيه إلى ما يهجمون عليه ويصيرون إليه. ثم فزعتك بأنواع الجهالات لئلا تعد نفسك عالما ؛ لأن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل، فعد نفسه بذلك جاهلا، وازداد بما عرف من ذلك في طلب العلم اجتهادا ، فما يزال للعلم طالبا وراغبا وله مستفيدا، ولأهله خاشعا ولرأيه متهما، وللصمت لازما ، وللخطأ حايدا ، ومنه مستحييا ، وإن أورد عليه ما لا يعرف لا ينكر ذلك بما قد قدر به نفسه من الجهالة. وأن الجاهل من عد نفسه لما جهل من معرفة العلم عالما، وبرأيه مكتفيا فما يزال للعلماء معاندا، وعليهم زاريا، ولمن خالفه محبطا ، ولما لا يعرف من الامور مضللا، وإذا أورد عليه من الأمر ما لا يعرفه أنكر وكذب به وقال بجهالته ما أعرف هذا ، وما أراه كان ، وما

أظن أن يكون وأنى كان ولا أعرف ذلك ، لثقته برأيه وقلة معرفته بجهالته. فما

ص: 138

ينفعك مما يرى فيما التبس عليه برأيه ، ومما لا يعرف للجهل مستفيدا وللحق

منكرا، وفي اللجاجة متحريا وعن طلب العلم مستكبرا .

يا بني فتفهم وصيتي، واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك فأحبّ

لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره ،لها ، لا تظلم كما لا تحب أن تظلم وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح لنفسك ما تستقبح من غيرك وارض من الناس بما ترضى لهم منك ، ولا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما علمت مما لا تحب أن يقال لك.

واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الالباب ، وإذا هديت لقصدك فكن

أخشع ما تكون لربك واسع في كدحك ولا تكن خازنا لغيرك. واعلم يا بني أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة وأهوال شديدة، وأنه لا غنا بك عن حسن الارتباط، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك فيكون ثقيلا ووبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه واغتنم من استقرضك في حال غناك ، واجعل يوم قضائك له في يوم عسرتك وحمّله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه، فلعلك تطلبه ولا تجده. واعلم أن أمامك عقبة كؤودا لا محالة أن مهبطها بك على جنة أو نار، فارتد

لنفسك قبل نزولك.

واعلم أن الله بيده خزائن ملكوت الدنيا والاخرة قد أذن لدعائك، وتكفل لإجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك، وهو رحيم كريم لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجأك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعيرك بالانابة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، ولم يشدد عليك في

ص: 139

التوبة ، فجعل توبتك التورع من الذنب، وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشرا،

سمع

وفتح لك باب المتاب والاستعتاب، فمتى شئت ندائك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك، وأثبته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك ، واستعنته على أمورك ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه فألحح عليه بالمسألة يفتح لك باب الرحمة، ولا يقنطك إن أبطأت عليك الاجابة فإن العطية على قدر المسألة، وربما أخرت عنك الاجابة ليكون أطول في المسألة وأجزل العطية، وربما سألت الشئ فلم تؤته، وأوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا أو صرت إلى ما هو خير لك فلرب أمر قد طلبته، وفيه هلاك دينك ودنياك لو أوتيته، ولتكن مسألتك فيما يعنيك فيما يبقى لك جماله وينفي عنك وباله ، والمال لا يبقى لك ولا تبقى له فإنه يوشك أن تؤتى عاقبة أمرك حسنا أو سيئا أو يعفو الغفور الكريم.

واعلم يا بني أنك إنما خلقت للاخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة فإنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق إلى الآخرة، وأنك طريد الموت لا ينجوها ربه، ولا بد أنه مدرك يوما فكن منه على حذر أن يدركك على حمل سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك فإذا أنت قد

هلكت نفسك.

يا بني أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه، وتفضي بعد الموت إليه، واجعله أمامك حيث تراه حتى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، ولا يأخذك على غرتك، وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك، وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها وتكالبهم عليها فقد نبأك الله جل جلاله عنها ، ونعت لك نفسها وتكشفت لك عن مساويها ، فإنما أهلها كلاب عاوية وسباع

ص: 140

يسير

ضارية يهرّ بعضها بعضا، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، وكثيرها قليلها نعم ،معقلة، وأخرى محفلة مهملة قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها، سرح عامهة في واد وعث ليس لها داع يقيمها لعبت بهم الدنيا فلعبوا بها، ونسوا ما ورائها ، رويدا حتى يسفر الظلام ، كأن - ورب الكعبة - يوشك من أسرع أن يلحق .

واعلم يا بني أن كل من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به ، وإن كان لا إلى الله إلا خراب الدنيا وعمارة الاخرة يا بني، فإن تزهد فيها زهدتك فيه وتعزب نفسك منها فهي أهل ذاك ، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك فيها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولا تعدوا أجلك، فإنك في سبيل من كان قبلك، فخفّض في الطلب واجمل في المكسب، فإنه ربما طلب جر إلى حرب وليس كل طالب بناج، ولا كل مجمل بمحتاج ، وأكرم نفسك عن دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعارض بما تبذل شيئا من دينك وعرضك بثمن وإن جل، ومن خير حظ امرئ قرين صالح فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم، لا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لا يدع بينك وبين صديق صفحا، بئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم والفاحشة كإسمها، والتصبر على المكروه يعصم القلب، وإذا كان الرفق خرقا كان الخرق ،رفقا ، وربما كان الداء دواء، وربما نصح غير الناصح وغش المستنصح . إياك والاتكال على المنى فإنها بضائع النوكى وتثبط فى الاخرة والدنيا، زكّ قلبك بالادب كما يذكى النار بالحطب، لا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل، وكفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شوم، والعقل حفظ التجارب وخير ما جربت ما وعظك ومن الكرم لين الشيم، بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، ومن الحزم العزم، ومن سبب الحرمان التواني، ليس كل طالب يصيب، ولاكل راكب غائب يثوب، ومن الفساد إضاعة الزاد لكل أمر عاقبة، رب مصير بما تصير، ولا خير في معين مهين ، ولا يلين من أمر على عذر

ص: 141

من حلم ساد ومن تفهم ازداد، ولقاء أهل الخير عمارة القلب ساهل الدهر ما ذل لك قعوده، وإياك أن تطيح بك مطية اللجاج، وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة، ولا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاع سرك ، ولا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه ، واطلب فإنه يأتيك ما قسم لك ، والتاجر مخاطر، خذ بالفضل وأحسن البدل، وقل للناس حسنا(1) وأحسن كلمة حكم جامعة إن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لها ، إنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه أو تندم إن أفضلت عليه .

واعلم أن من الكرم الوفاء بالذمم ، والصدق آية المقت، وكثرة التعلل آية البخل، ولبعض إمساكك على أخيك مع لطف خير من بذل مع غف، ومن الكرم صلة الرحم، ومن يثق بك أو يرجو صلته يرجوك أو يثق بصلتك إذا قطعت قرابتك والتجرم وجه القطيعة . احمل نفسك من أخيك من صرمه إياك على الصلة، وعند صدوره على عطف المسألة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند تجرمه على الاعذار حتى كأنك له عبد وكأنه ذو النعمة عليك ، وإياك أن تصنع ذلك في غير موضعه أو تفعله في غير أهله، ولا تتخذن عدوّ ديقك صديقا فتعادي صديقك، ولا تعمل بالخديعة فإنها خلق لئيم ، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة، وساعده على كل

حال، وزل معه حيث زال ولا تطلبن مجازاة أخيك وإن حثا التراب بفيك ، وجد على عدوّك بالفضل فإنه أحرز للظفر وتسلم من الدنيا بحسن الخلق، وتجرّع الغيض فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ منها مغبة، ولا تصرم أخاك على

ص: 142


1- في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ 183 وَأَنتُمْ مُعْرِضُونَ ) (البقرة : 83) .

ارتیاب ولا تقطعه دون استعتاب، وألن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد الاخاء والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك ، والغدر لمن استأمن إليك. وإن أنت غلبت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها إن بدا له ولك يوماً ما، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ، ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه، ولا يكن أهلك أشقى الناس، ولا ترغبن فيمن زهد فيك ولا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على الاسائة أقوى منك على الاحسان ولا على البخل أقوى منك على البذل ، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل

ولا يكبرن عليك ظلم من ظلمك وإنما يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسوءه. والرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك . واعلم يا بني أن الدهر ذو صروف فلا تكن ممن يشتد لائمته ويقل عند الناس عذره، ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغناء، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك فأنفق في حق ولا تكن خازنا لغيرك، وإن كنت جازعاً على ما يفلت من بين يديك فاجزع على ما يصل إليك، واستدلل على ما لم يكن بما كان فإنما الأمور أشباه ، ولا تكفر ذا نعماء فإن كفر النعمة من ألأم الكفر ، واقبل العذر

ولا تكونن ممن لا ينتفع من العظة إلا بما لزمه إزالته فإن العاقل يتعظ بالادب

والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب اعرف الحق لمن عونه لك رفيعا كان أو وضيعا واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد حاد، ونعم حظ المرء ،القنوع، ومن شر ما صحب المرء الحسد، وفي القنوط التفريط، والشح يجلب الملامة والصاحب ،مناسب ، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة، ونعم طارد الهموم اليقين وعاقبة الكذب الندم ، وفي الصدق السلامة، ورب بعيد أقرب من قريب

ص: 143

والغريب من لم يكن له حبيب، لا يعدمك من شفيق سوء الظن، ومن حم ظمأ ومن تعدى الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على قدره كان أبقى له نعم الخلق ، وألأم اللوم البغي عند القدرة ، وليحاسب إلى كل جميل ، وأوثق العرى

التقوى وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين الله ، أخذت به سبب بينك وبين الله، سرك من أعتبك والافراط في الملامة يشب نيران اللجاجة، كم من دنف قد نجا وصحيح قد هوى، وقد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا، وليس كل عودة تظهر، ولا فريضة تصاب وربما أخطأ البصير قصده وأصاب العمى ،رشده وليس كل من طلب وجد، ولا كل من توقى نجا أخّر الشر فإنك إذا شئت تعجلته، وأحسن إن أحببت أن يحسن إليك ، واحتمل أخاك على ما فيه ، ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة، واستعتب من رجوت عتباه، وقطيعة الجهال تعدل صلة العاقل، ومن الكرم منع الحزم، ومن كاثر الزمان عطب، ومن تنقم عليه ،غضب، ما أقرب النقمة من أهل البغي وأخلق بمن غدر أن لا يوافي له زلة المتوقي أشد زلة، وعلة الكذب أقبح علة والفساد سر الكثير، والاقتصاد ينمي اليسير والقلة زلة، وبر الوالدين من أكرم الطباع، والمخافة شرّ الخاف، والزلل مع العجل، ولا خير في لذة تعقب ندما العاقل من وعظته التجارب، ورسولك ترجمان عقلك والهدى يجلو العمى وليس مع الخلاف ايتلاف من خير خوانا فقد خان، لن يهلك من اقتصد ولن يفتقر من زهد، ينبئ عن أمر دخيله رب باعث عن حتفه ، ولا يشوبن بثقة رجاء، وماكل ما يخشي يصير، ولرب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه ومن تعظم عليه أهانه، ومن ترغم عليه أرغمه، ومن لجأ إليه أسلمه. وليس كل من رمى أصاب، وإذا تغير السلطان تغير الزمان، خيّر أهلك من كفاك ، المزاح تورث الضغائن اعذر من اجتهد، وربما أكدى الحريص ، رأس الدين صحة اليقين تمام الاخلاص تجنب المعاصي، خير المقال ما صدقه الفعال السلامة مع

ص: 144

الاستقامة والدعاء مفتاح الرحمة، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، وكن عن الدنيا على قلعة أجمل من أذل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك ، وخذ العفو من الناس ، ولا تبلغ من أحد مكروها ، وأطع أخاك وإن عصاك ، وصله وإن جفاك ، وعوّد نفسك للسماح ، وتخير لها من كل خلق أحسنه فإن الخير العادة، وإياك أن تكثر من الكلام هذرا وأن تكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك، وانصف من نفسك، وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى الافن وعزمهن إلى الوهن واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب خير

لك ولهن من الارتياب وليس خروجهن بأشد من دخول من لا يوثق به عليهن وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل، ولا تملك المرأة من الأمر ما جاوز نفسها فإن ذلك أنعم لحالها وأرخى لبالها وأدوم لجمالها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تعاطيها أن تشفع لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها، ولا تطل الخلوة مع النساء فيمللنك وتمللهن، واستبق من نفسك بقية فإن إمساكك عنهن وهن يرين أنك ذو اقتدار خير من أن يعثرن منك على انكسار، وإياك والتغاير في غير موضع الغيرة فإن ذلك يدعو الصحيحة منهن إلى السقم ولكن احكم أمر هن فإن رأيت عيبا فعجل النكير على الكبير والصغير

، وإياك أن تعاتب فيعظم الذنب ويهون العتب، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وما خير بخير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع ، وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك ، وإن اليسير من الله أكرم وأعظم من الكثير من خلقه وإن كان كل منه فإن نظرت فلله المثل الأعلى، فما تطلب من الملوك ومن دونهم من السفلة لعرفت أن لك في يسير ما تطلب من الملوك افتخارا، وأن عليك في كثير ما تطلب من الزيادة ،عارا ، إنك لست بايعا شيئا من دينك وعرضك بثمن، والمغبون

ص: 145

من غين نفسه سه من ا الله ، فخذ من الدنيا ما أتاك وتولّ ممّن تولى عنك فإن أنت لم تفعل فأجمل في الطلب، وإياك ومقاربة من رهبته على دينك وعرضك، وباعد السلطان لتأمن خدع الشيطان وتقول ما ترى إنك ترغب ، وهكذا هلك من كان قبلك إن أهل القبلة قد أيقنوا بالمعاد فلو سمعته بعضهم يبيع آخرته بالدنيا لم تطب بذلك نفسا، وقد يتحيل الشيطان بخدعه ومكره حتى تورطه في هلكة بعرض من الدنيا يسير حقير وينقله من شئ إلى شيء حتى يؤيسه من رحمة الله ويدخله في القنوط ، فتجد الراحة إلى ما خالف الاسلام وأحكامه. فإن أبت نفسك إلا حب الدنيا وقرب السلطان فخالفتك إلى ما نهيتك عنه ما فيه رشدك فأملك عليه لسانك فإنه لا ثقة للملوك عند الغضب، فلا تسأل عن أخبارهم، ولا تنطق بأسرارهم، ولا تدخل فيما بينهم، وفي الصمت السلامة من الندامة وتلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراك فائدة ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، وحفظ ما في يدك أحب إليك من طلب ما في يد غيرك، ولا تحدث إلا عن ثقة فتكون كذابا والكذب ذل، وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير مع الاسراف، وحسن اليأس خير من الطلب إلى الناس، والعفة مع الحرفة خير من سرور مع فجور، والمرء أحفظ لسره، ورب ساع فيما يضره من أكثر هجر، ومن تفكّر أبصر ، وأحسن المماليك الادب وأقلل الغضب، ولا تكثر العتب في غير ذنب، فإذا استحق أحد منك ذنبا فإن العفو مع العدل أشد من الضرب لمن كان له عقل، ولا تمسك من لا عقل له وخف القصاص، واجعل لكل امرئ منهم عملا يأخذ منه فإنه أحرى أن لا يتواكلوا وأكرم عشيرتك فإنهم

، جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي اليه تصير وإنك بهم تصول وبهم تطول اللذة عند الشدة، وأكرم كريمهم، وعد سقيمهم واشكرهم في أمورهم، وتيسر عند معسورهم، واستعن بالله على أمورك فإنه أكفى معين، واستودع الله دينك

ص: 146

ودنياك واسأله خير القضاء في الدنيا والاخرة. (1)

وبالاسناد عن الهاروني ( ت / 424 ه-) في« تيسير المطالب » ، قال : اخبرنا ابو العباس احمد بن ابراهيم الحسيني رحمه الله تعالى ، قال : أخبرنا محمد بن العباس ابن الوليد الشامي، قال: حدثنا عبد الله احمد

بن بن عقبة الاسدي الكوفي، قال: اخبرنا عبد الرحمن بن أبي القاسم بن اسماعيل القطان، قال: أخبرنا اسماعيل بن مهران قال اخبرنا عبد الله بن أبي الحارث الهمداني ، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر ، عن ابيه عن آبائه عليهم السلام . ان امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام كتب الى ابنه الحسن عليه السلام بعد انصرافه من

صفين الى :حاضرين

من الوالد الفان المقر للزمان المستسلم للدهر الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الطاعن عنها غدا إلى الولد المؤمل في دنياه ما لا يدرك السالك في الموت سبيل من قد هلك، غرض ،الاسقام ورهينة الايام ورمية المصائب وتاجر ،الغرور، وغريم المنايا وأسير الموت، ونصب الافات، وخليفة الاموات. أما بعد يا بني فان فيما تبينت من إدبار الدنيا عني، وجموح الدهر عليَّ، وإقبال الاخرة إلى ما يزعني عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما وراثي، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدقني رأيي، وصرفني عن هواي، وصرّح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا تكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب ، وجدتك يا بني بعضي بل وجدتك كلي حتى لو أن شيئا أصابك أصابني، وحتى لو ان الموت أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي كتبت إليك كتابي هذا إن بقيت أو فنيت اوصيك بتقوى الله ، ولزوم ،أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله فان الله يقول : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً

ص: 147


1- كشف المحجة لثمرة المهجة ؛ للسيد ابن طاووس الحسني : 157 - 173

وَلَا تَفَرَّقُوا ) (1) ، وأي سبب يكون أوثق من سبب يكون بينك وبين الله تعالى فأحي قلبك بالموعظة، ونوّره بالحكمة، ومرّنه على الزهد، وقوّه باليقين، وذلله

بالموت وقرره بالفناء وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب والايام والليالي، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من قبلك وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا وأين حلوا ، وعما انقلبوا، فانك تجدهم انتقلوا عن الاحبة، ونزلوا دار الغربة، فكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف والنظر فيما لم

تكلّف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته فان الوقوف عند حيرة الطريق خير من ركوب الاهوال ، وأمر بالمعروف وكن من أهله، وأنكر المنكر بلسانك ويدك، وباين من فعله بجهدك ، وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم». وفي رواية اخرى: « وعوّد نفسك، التصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر،

والجئ نفسك في الأمور كلها إلى الهك فانك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز وأخلص في المسألة لربك، فان في يده العطاء والحرمان، وأكثر من الاستخارة

واحفظ وصيتي. ومن هنا اتفقت الروايتين ولا تذهبن عنك صفحا فان خير القول ما نفع واعلم يا بني انه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد، وبلاغ الزاد مع خفة الظهر فلا تحمل على ظهرك فوق طاقتك فيكون ثقلاً ووبالاً ، واذا وجدت من اهل الفاقة من يحمل زادك فيوافيك به حيث ما تحتاج اليه فاغتنمه، فان أمامك عقبة كؤوداً لا محالة، وان مهبطها يكون على جنة او على نار فارتد يا بني لنفسك قبل

ص: 148


1- من قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنَ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران : 103) .

نزولك واحسن الى غيرك كما تحب ان يحسن اليك، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك وارض من الناس بما ترضى لهم، ولرب بعيد اقرب من قريب والغريب من ليس له حبيب ، ولربما اخطأ البصير قصده وأصاب الاعمى رشده، یا بني قطيعة الجاهل تعدل مواصلة العاقل ، قلة التوقي أشد زلة، وعلة الكاذب أقبح علة، وليس مع الاختلاف ايتلاف من أمن الزمان خانه، ومن تعاظم عليه أهانه ومن لجا اليه أسلمه ، ومن الدين صحة اليقين، وخير المقال ما صدقه الفعال، سل

يا بني عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار ، واحتمل ضيم المدل عليك وأقبل عذر من اعتذر اليك وكن من اخيك عند صرمه لك على الصلة، وعند تباعده على الدنو منه ، وعن جموده على البذل حتى كأنه ذو منة عليك ، واياك أن تفعل ذلك في غير موضعه أو تصنعه بغير أهله، لن لمن غالظك فيوشك أن يلين ولا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم، واعلم ان الانحراف عن القصد ضد الصواب وآفة ذوى الالباب فاذا اهتديت لقصدك فكن أخشى ما تكون لربك . وفي رواية أخرى : « اياك والاتكال على الاماني فانها بضائع النوكي، وتثبيط عن الآخرة والاولى ، وخير حظ المرء قرين صالح، قارب أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن عنهم ، ولا يغلبن عليك سوء الظن فانه لا سوء الظن فانه لا يدع بينك وبين

خليلك صلحا، وذك قلبك بالادب كما تذكي النار بالحطب، كفر النعمة لوم وصحبة الاحمق شوم، واعلم ان الذي بيده خزائن السماوات والارض قد أذن لك

فى دعائك، وتكفل باجابتك وأمرك ان تسأله ليعطيك، وهو رحيم بصير لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك الى من يشفع لك اليه، ولم يمنعك ان اسأت من التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، وفتح لك باب المتاب والاسباب فمتى شئت دعاءك ونجواك، فأفض اليه بحاجتك، وبث ذات

سمع نفسك، وأسند اليه امورك ولا تكن مسألتك فيما لا يعنيك، ولا مما يلزمك

ص: 149

خباله، ويبقى عليك وباله، فانه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا . واعلم يا بني انك انما خلقت للاخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وانك في منزل قلعة وطريق الى الاخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو هاربه ، فأكثر ذكر الموت وما تهجم عليه وتفضي بعد الموت اليه ، واجعله أمامك حيث تراه فيأتيك وقد أخذت حذرك ، واذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فان ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك، مع ان الدنيا قد نعت اليك نفسها، وتكشفت لك عن مساويها ، واياك ان تغتر بما ترى من اخلاد أهلها اليها، وتكالبهم عليها ، فانما هم كلاب عاوية وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها وكثيرها قليلها.

واعلم يا بني ان من كانت مطيته الليل والنهار فانه يساريه وان لم يسر، وان الله قد أذن بخراب الدنيا وعمارة الاخرة فان تزهد فيما زهدتك فيه منها ، ورغبت فيما رغبت عنها ، فأنت أهل لذلك، وان كنت غير قابل نصيحتي، فأعلم علما يقيناً انك لن تبلغ ،املك ولن تعدو أجلك، وانك في سبيل من كان قبلك، فأخفض في الطلب واجمل في المكتسب، فرب طلب جرّ الى حرب، وانظر الى اخوتك الذين كانوا لك في الدنيا مؤانسين، ومعك الله ذاكرين متكافئين، قد خلوا عن الرقة، واقاموا في القبور الى يوم النشور ، وكأن قد سلكت مسلكهم، ووردت منهلهم ، وفارقت الاحبة ونزلت دار الغربة ومحل الوحشة، وجاورت جيرانا افترقوا في التجاور واشتغلوا عن التزاور فاعمل لذلك المصرع وهول المطلع

، فيوشك أن تفارق الدنيا وتنزل بك العظماء وتصير القبور لك مثوى، واعمل ليوم الله فيه الاولين والآخرين، وتجيء فيه بصفوف الملائكة المقربون حول

يجمع العرش، يجمعون على انجاز موعد الآخرة، وزوال الدنيا الفانية، وتغير الاحوال وتبدل الامال من عدل القضاء وفصل الجزاء في جميع الاشياء فكم يومئذ من

ص: 150

عين باكية، وعورة بادية تجر الى العذاب الأليم وسقى من ماء الحميم في مساكن الحجيم، ان صرخ لم يرحم ، وان صبر لم يؤجر ، فأعمل لتلك الاخطار تتخلص من النار، وتكون مع الصالحين الابرار.

يا بني كن في الرخاء شكورا، وعند البلاء صبورا، ولربك ذكورا وليكن

ما بينك وبينه معمورا

يا بني لن تزال بخير ما حمدت ربك وعرفت موعظته لك فان قلوب المؤمنين رقيقة، وأعمالهم وثيقة، ونياتهم صدق وحقيقة، فالزم محاسن اخلاقهم، وجميل لعلك تحاسب حسابهم، وتثاب ثوابهم.

أفعالهم يا بني

أزحت عنك العلة، وألزمتك ،الحجة، وكشفت عنك الشبهة، وظهرت لك الآثار ، ووضحت لك البينات، وما أنت بمخلد في الدنيا، فعيشها غرور ، وما يتم فيها لذي لب سرور، ينبئك أن ترى ما ينقضي وتمر ايامه، ويبقى وزره وآثامه ، أن الدار التي أصحبنا فيها بالبلاء ،محفوفة، وبالغنى موصوفة كل ماترى فيها وبين أهلها دول ،سجال وعوار ،مقبوضة بينا أهلها فيها في رخاء وسرور اذا

، هم في بلاء وغرور تتغير فيها الحالات وتتابع فيها الرزيات، ويساق أهلها للنيات، فهم فيها أغراض ترميهم سهامها، ويغاشهم حمامها، وقد أكلت القرون الماضية أجسادهم ، وأشرعت في الامم الباقية أكلهم ذعاق ناقع وحمام واقع،

، ليس عنه مذهب ولا منه مهرب، ان أهل الدنيا سفر نازلون، وأهل ظعن شاخصون، فكان قد انتقلت الحال، ونودوا بالارتحال فأصبحت منهم قفارا، ومن جمعهم بوارا . والسلام عليك» . (1)

بهم

ومن الاطراف ما ارويه بالاسناد عن الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) في الكافي: عن أبي علي الاشعري، عن بعض أصحابنا، عن جعفر بن عنبسة، عن

ص: 151


1- تيسير المطالب : 81-85، ط / 1395ه-.

عباد بن زياد الاسدي عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي جعفر علیه السلام، وأحمد بن محمّد العاصمي ، عمن حدثه ، عن معلى بن محمّد البصري، عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله علیه السلام، قال في رسالة أمير المؤمنين إلى الحسن : لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى ،لبالها ، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها ،نفسها، واغضض بصرها بسترك واكففها بحجابك، ولا تطمعها أن

تشفع لغيرها فيميل عليك من شفعت له عليك معها واستبق من نفسك بقية فإن

أنك ذو اقتدار خير من أن يرين

إمساكك نفسك عنهن وهن يرين

منك حالا

على انكسار. وعن أحمد بن محمّد بن سعيد ، عن جعفر بن محمّد الحسني، عن علي بن عبدك ، عن الحسن بن ظريف بن ناصح عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين علیه السلام مثله إلا أنه قال : كتب أمير المؤمنين صلوات الله عليه بهذه الرسالة إلى ابنه محمّد رضوان الله عليه» . (1) وبالاسناد عن الشيخ الكليني في الكافي ، قال : عن بعض أصحابنا - سقط عني إسناده - عن أبي عبد الله قال : إن الله عز وجل لم يترك شيئا مما يحتاج

إليه إلّا علّمه نبيّه صلی الله علیه و آله وسلم ، فكان من تعليمه إياه أنه صعد المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن جبرئيل أتاني عن اللطيف الخبير فقال: إن الابكار بمنزلة الثمر على الشجر إذا أدرك ثمره فلم يجتنى أفسدته الشمس، ونثرته الرياح ، وكذلك الابكار أذا أدركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء إلا البعولة، وإلا لم يؤمن عليهن الفساد لأنهن بشر ، قال : فقام إليه رجل فقال يا رسول الله فمَن نزوّج ؟ فقال : الأكفاء، فقال: يا رسول الله، ومن الأكفاء ؟ فقال : المؤمنون بعضهم

ص: 152


1- الكافي ؛ للشيخ الكليني 510:5

أكفاء بعض المؤمنون بعضهم أكفاء بعض .(1)

وبالاسناد عن ابن عساكر ( ت / 571 ه-) في تاريخ مدينة دمشق عن هارون بن حميد ، نا أبو همام الوليد بن شجاع نا فضيل بن عياض، عن سليمان عن خيثمة، قال: قال علي: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما

لنفسه . (2) يحب

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 971 ه-) في كنز العمال في خطب علي

ومواعظه ، عن علي انه كتب إلى ابنه الحسن كتابا

من الوالد الفان المقر للزمان المدير للعمر المستسلم فيه للدهر، الذام للدنيا ، الساكن مساكن الموتى، الطاعن إليهم عنها غدا - إلى المولود المؤمل ما لا

يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرض الاسقام ورهيئة الايام ورمية المصائب، وعبد الدنيا وتاجر ،الغرور ، وغريم المنايا وأسير الموت، وحليف الهموم، وقرين الاحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الاموات. أما بعدا فان فيما قد تبينت من إدبار الدنيا عني وجنوح الدهر علي، وإقبال الآخرة عليَّ ما يزعني عن ذكر ما سواي ، والاهتمام بما وراي، غير أني حين تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدقني رأيي، وتصرف بي هواي، وصرح إلى محض أمري ، فأفضي بي جد لا يزرق به لعب، وصدق لا يشوبه كذب، وجدتك - أي بني - من بعضي، بل وجدتك من كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما عناني من نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا إن أنا بقيت أو فنيت، وإني أوصيك يا بني بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فهو أوثق السبب بينك وبينه .

ص: 153


1- الكافي للشيخ الكليني :5 337
2- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42 517

يا بني ! أحي قلبك بالموعظة، وموته بالزهد ، وقوه باليقين، وذالله بذكر الموت

وأكثره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الايام، وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره ما أصاب من كان قبلك، وسر في ديارهم واعتبر بآثارهم ، وانظر ما فعلوا، وعمن انتقلوا، وأين حلوا، فانك تجدهم انتقلوا عن الاحبة، وحلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم ، فأصلح مثواك، واحرز آخرتك ، ودع القول فيما لا تعرف، ولدخول فيما لا تكلف وأمسك عن السير إذا خفت ضلالة، فان الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الاهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من

فعله بجهدك، وخض الغمرات إلى الحق، وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى الله ، فانك تلجئها إلى كهف حريز، ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك ، فان بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ، لا تذهبن عنك صفحا. أي بني! إني لما رأيتني قد بلغت سنا ورأيتني ازددت وهنا، بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن تعجل لي أجل قبل أن أقضى إليك ما في نفسي، وأنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبة الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور ، وإنما قلب الحدث كالارض الخالية، ما ألقى فيها من شي ،قبلته، فباكرتك بالادب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك، لتستقبل بجد رأيك ما

قد كفاك تجربته، فتكون قد كفيت مؤنة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربما أظلم علينا فيه، أي بني ! إني لم

أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمارهم وفكرت في أخبارهم وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم بل كأني لما قد انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره ونفعه من ضرره

ص: 154

فاستخلصت من كل شي نحيلته، وتوخيت لك جميلته، وصرفت عنك مجهوله ورأيت عنايتي بك واجبة عليَّ، فجمعت لك ما إن فهمته أدبك ، فاغتنم ذلك وانت مقتبل بين النية واليقين، فعليك بتعليم كتاب الله وتأويله وشرائع الاسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه، لا تجاوز ذلك قبله إلى غيره، فان أشفقت أن شبهة لما اختلف فيه الناس من أهوائهم ورأيهم مثل الذي لبسهم، فتقصد في تعليم ذلك بلطف، يا بني ! وقدم عنايتك في الأمر ليكون ذلك نظرا لديك، لا مماريا ولا مفاخرا ولا طلبا لعرض عاجلتك، فان الله يوفقك لرشدك ، ويهديك لقصدك، فاقبل عهدي إليك، ووصيتي لك ، واعلم يا بني ! إن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما افترض الله عليك ، والاخذ بما امضى عليك أولوك (كذا) من آبائك والصالحون من أهل بيتك، فانهم لم يدعوا أن ينظروا لانفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم ذلك إلى الاخذ بما عرفوا والامساك عما لم يكلفوا ، فان أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم ما علموا فيكون طلبك ذلك بتعليم وتفهم وتدبر ، لا بتوارد الشبهات وعلم الخصومات وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بالهك عليك والرغبة إليه . واحذر كل شائبة أدخلت عليك شبهة، وأسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع ، كان همك في ذلك هما واحدا، فانظر فيما فسرت لك، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من فراغ نظرك فاعلم أنك إنما نخبط خبط عشواء،

وليس من طالب لدين من خبط ولا خلط ، والامساك عند ذلك أمثل. وإن أول ما أبداك به في ذلك وآخره أني أحمد الله إلهي وإلهك إله الاولين والآخرين، رب من في السماوات ومن في الأرضين، بما هو أهله، وكما هو أهله ، وكما يجب وينبغي له ، وأسأله أن يصلي على نبينا محمّد صلی الله علیه و آله وسلم، وأن يتم علينا نعمه لما وفقنا من مسألته والاجابة لنا فان بنعمته تتم الصالحات.

ص: 155

اعلم أي بني! إن أحدا لم ينبئ عن الله عز وجل كما نبأ به محمّد صلی الله علیه و آله وسلم، فارض به رائداً (1)، فاني لم آلك نصيحة ولم تبلغ في ذلك، وإني اجتهدت مبلغي في ذلك لعنايتي وطول تجربتي، وإن نظري لك كنظري لنفسي.

اعلم أن الله ،واحد ، أحد صمد ، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول ولم يزل، أول من قبل الاشياء بلا أولية وآخر بلا نهاية حكيم عليم قديم لم يزل كذلك ، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطره، وقلة مقدرته وكثرة عجزه وعظيم حاجتك إلى ربك، فاستعن بإلهك في طلب حاجتك، وتقرب إليه بطاعته، وارغب إليه بقدرته ، وأرهب منه برؤيته ، فإنه حكيم لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح، اجعل نفسك ميزانا بينك وبين غيرك ، وأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، ولا تقل ما لا تعلم، بل أقل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك اعلم يا بني أن الاعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب، فاسع في كدحك ولا تكن خازنا لغيرك، فإذا هديت لقصدك فكن أخسع ما تكون لربك، واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة وأهوال شديدة، وأنك لا غنى بك عن حسن الارتياد ، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقله وبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك ويوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه واغتنم ما أقرضت من استقرضك

، في حال غناك، واعلم أن أمامك عقبة كؤوداء مهبطها على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك ، فليس بعد الموت مستعتب، ولا إلى الدنيا ،منصرف، واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والارض قد أذن لك في الدعاء وضمن الاجابة وأمرك أن تسأله فيعطيك، وتطلب إليه فيرضيك، وهو رحيم لم يجعل بينك وبينه

ص: 156


1- الرائد : الّذي يرسل في طلب الكلاً .

الّتي

حجابا، ولم يلجأك إلى من تشفع به إليه، ولم يمنعك إن أسأت التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يؤيسك من رحمته، ولم يسد عليك باب التوبة، وجعل توبتك النزوع من الذنب وجعل سيئتك واحدة وجعل حسنتك عشرا ، إذا ناديته

، أجابك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأبثئته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك ، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته لا يقدر على إعطائها غيره من زيادة الاعمار وصحة الأبدان وسعة الرزق وتمام النعمة ، فألحح في المسألة، فبالدعاء تفتح أبواب الرحمة، ولا يقنطك إبطاء إجابته ، فان العطية على قدر النية، فربما أخرت الاجابة لتطول مسألة السائل فيعظم أجره، ويعطي سؤله، وربما ذخر ذلك له في الآخرة، فيعطى أجر تعبده ولا يفعل بعبده إلا ما هو خير له في العاجلة والآجلة، ولكن لا يجد لطفه أحد، ولا يعرف دقائق تدبيره إلا المصطفون ، ولتكن مسألتك لما يبقى ويدوم في صلاح دنياك وتسهيل أمرك وشمول عافيتك، فانه قريب مجيب. اعلم أي بني أنك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وأنك في منزل قلعة، ودار بلغة وطريق الآخرة، وأنك طريدة الموت الذي لا ينجو منه هاربه ، ولا يفوته طالبه، فاحذر أن يدركك وأنت على حال سيئة وأعمال مردية فتقع ندامة الابد، وحسرة لا تنفد ، فتفقد دينك لنفسك، فدينك لحمك ودمك،

ولا ينقدك غيره. اي بني! أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه. وتفضي بعد الموت إليه، واجعله نصب عينيك حتى يأتيك وقد أخذت له حذرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، وأكثر ذكر الآخرة وكثرة نعيمها وحبورها وسرورها ودوامها وكثرة صنوف لذاتها وقلة آفاتها إذا سلمت، وفكر في ألوان عذابها ، وشدة غمومها وأصناف نكالها، إن أنت تيقّنت، فان ذلك يزهدك في الدنيا، ويرغبك في الآخرة، ويصغّر عندك زينة

ص: 157

الدنيا وغرورها وزهرتها فقد نبأك الله عنها وبين ،أمرها، وكشف عن مساويها فاياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها، وتكالبهم عليها ككلاب عاوية،

وسباع ضارية، يهرّ بعضهم إلى بعض، ويقهر عزيزها ذليلها وكثيرها قليلها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل، وسلكت بهم طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في فتنتها، واتخذوها ربّاً فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها، فاياك يا بني أن تكون مثل من قد شابته بكثرة عيوبها ! أي بني! إنك إن تزهد فيما قد زهدتك فيه من أمر الدنيا وتعرض نفسك عنها فهي أهل ذلك، فان كنت غير قابل نصحي إيّاك منها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك، فانك فى سبيل من قد كان قبلك، فأجمل في الطلب، واعرف سبيل المكتسب، فانه رب طلب قد جر إلى حرب وليس كل طالب

يصيب، ولا كل غائب يؤوب، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك، إياك أن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا وقد جعك الله به حرا! وما منفعة خير لا يدرك باليسير، ويسير لا ينال إلا بالعسير، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فانك مدرك قسمك ، وآخذ سهمك ، وإن اليسير من الله أعظم وأكرم وإن كان كل من الله ، ولله المثل الأعلى

واعلم أن لك في يسير مما تطلب فتنال من الملوك افتخارا و وبيع عرضك ودينك عليك عار ، فاقتصد في أمرك تحمد معقبة عقلك ، إنك لست بائعا شيئا من عرضك ودينك إلا بثمن، والمغبون من حرم نصيبه من الله ، فخذ من الدنيا ما أتاك ، وتولّ عمّا تولى عنك ، فان أنت لم تفعل فأجمل في الطلب، وإياك ومقاربة

من يشينك ! وتباعد من السلطان، ولا تأمن خدع الشيطان، ومتى ما رأيت منكرا

من أمرك فأصلحه بحسن نظرك ، فان لكل وصف صفة، ولكل قول حقيقة ، ولكل

ص: 158

الشدة خير من

أمر وجها ينال الأريب - أي العاقل - فيه ،رشده ، ويهلك الاحمق بتعسفه فيه نفسه. يا بني ! كم قد رأيت من قيل له : تحب أن تعطي الدنيا بما فيها مائة سنة بلا آفة ولا أذى لا ترى فيها سوءا ويكون آخر أمرك عذاب الابد، فلا يتسع بها ولا يريدها ، ورأيته قد أهلك دينه ونفسه باليسير من زينة الدنيا، وهذا من كيد الشيطان وحبائله فاحذر مكيدته وغروره يا بني ! أملك عليك لسانك، ولا تنطق فيما تخاف الضرر فيه، فان الصمت خير من الكلام في غير منفعة، وتلافيك ما فرط من همتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، واعلم أن حفظ ما في يديك خير من طلب ما في يدك غيرك، وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير في الاسراف وحسن اليأس خير لك من الطلب إلى الناس ، يا بني ! لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، والكذب اء فجانبه وأهله، يا بني ! العفة مع الغنى مع الفجور، من فكر أبصر ، ومن كثر خطاؤه هجر ورب مضيّع ما يسره وساع فيما يضره، من خير حظ المرء قرين صالح ، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرّتين منهم ، ولا تغلبن عليك سوء الظن ، فانه لن يدع بينك وبين خليلك ملجأ قد يقال : من الحزم سوء الظن، وبئس الطعام الحرام، وظلم

، الضعيف أفحش الظلم الفاحشة تقصم القلب، إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا، وربما كان الداء دواء والدواء داء، وربما نصح غير الناصح وغش المنتصح، إياك والاتكال على المنى ! فانها بضائع النوكى، ذك قلبك بالادب كما تذكي النار الخطب، ولا تكن كخاطب الليل وغثاء السيل، كفر النعمة لؤم، وصبحة الجاهل شوم، والعقل حفظ التجارب ، وخير ما جربت ما وعظك ، ومن الكرم لين الشيم بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، ومن الحزم العزم، ومن سبب الحرمان التواني ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد لكل أمر عاقبة قرب مشير بما يضر

ص: 159

لا خير في معين مهين، ولا في صديق ظنين، ولا تدع الطلب فيما يحل ويطيب فلا بد من بلغة، وسيأتيك ما قدر لك ، التاخر مخاطر، ومن حلم ،ساد ومن تفهم ازداد، ولقاء أهل الخير عمارة القلوب، ساهل ما ذل لك بقوة، وإياك أن تطمح بك مطية اللجاج وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة ولا تخن من ائتمنك وإن خانك ، ولا تذع سره وإن أذاع سرك، خذ بالفضل ، وأحسن البذل، وأحبب للناس الخير، فان هذه من الاخلاق الرفيعة، وإنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه ، وكثيرا ما يحمد من تفضلت عليه ، اعلم أي بني أن من الكرم الوفاء بالذمم . والدفع عن الحرم ، والصدود آية المقت، وكثرة العلل آية البخل، وبعض الامساك عن أخيك مع الإلف خير من البذل مع الحنف(1)، ومن الكرم صلة الرحم، والتجرم وجه القطيعة، احمل نفسك من أخيك عند جموحه على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند تجرمه على الاعتذار، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك، ولا تضع ذلك في غير موضعه، ولا تفعل بغير أهله، ولا تتخذ من عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، ولا تعمل بالخديعة فانها أخلاق اللثام، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم قبيحة، وساعده على كل حال وزل معه حيث زال ولا تطلبن منه المجازاة، فانها من شيم الدناءة، وخذ على عدوك بالفضل ، فانه أحرى للظفر، لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب ولن لمن غالظك فانه يوشك أن يلين لك، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف ، والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك، وخلف الظن لمن ارتجاك، والغرر بمن وثق بك، وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه ، ولا تضيّعن بر أخيك اتكالا على ما بينك وبينه فانه ليس بأخ من أضعت حقه، لا يكون أهلك أشقى الناس بك،

ص: 160


1- الحنف: الميل والجور.

ولا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا تزهدن فيمن رغب إليك ، إذا كان للخلط موضعا لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، لا يكونن على الاساءة أقوى منك على الاحسان إليه، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل ، لا يكثرن عليك ظلم من ظلمك ، فانه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أي بني! أن الرزق رزقان رزق تطلبه، ورزق يطلبك ، فان لم تأته أتاك ، واعلم أن الدهر ذو صروف، فلا تكونن ممن يسبك لاعنة للدهر، ومحفلا عند الناس عذره، ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك ، فأنفق يسرك ، ولا تكن خازنا لغيرك ، فان كنت جازعا مما تفلت من يديك فاجزع على ما يصل إليك ، استدل على ما لم يكن بما قد كان، فان الامور أشباه يشبه بعضها بعضا، ولا تكفرنّ ذا نعمة ، فان كفر النعم من قلة الشكر ولؤم الخلق، وأقل العذر ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلّا إذا بلغت في الملامة فان العاقل يتعظ بالقليل

، والبهائم لا تنفع إلا بالضرب، واتعظ بغيرك ولا يكونن غيرك متعطا بك، واحتد بحذاء الصالحين ، واقتد بآدابهم وسر بسيرتهم، واعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا ، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد جار، نعم حظ المرء القناعة شرّ ما أشعر قلب المرء الحسد، وفي القنوط التفريط، وفى الخوف من العواقب البغي الحسد يجلب مضرة وغيظا يوهن قلبك ويمرض جسمك، فاصرف عنك الحسد تغنم، وأنق صدرك من الغل تسلم وارج الذي بيده خزائن الأرض والاقوات والسماوات وسله طيب المكاسب تجده منك قريبا ولك مجيبا الشح يجلب الملامة والصاحب الصالح مناسب، والصديق من صدق غيبه، والهوى شريك العمى، ومن التوفيق سعة الرزق، نعم طارد الهموم اليقين، وفي الصدق النجاة، عاقبة الكذب شرّ عاقبة،

ص: 161

رب بعيد أقرب من قريب ورب قريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب ، من تعدى الحق ضاق مذهبه من اقتصر على قدره كان أبقى له، ونعم الخلق ...(1) وأوثق العرى التقوى، من أعتبك قد هوى ، وقد يكون اليأس إدراكا إذا

كان الطمع هلاكا ، كم من مريب قد شقى به غيره ونجا هو من البلاء، جانيك من يجني عليك، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، وليس كل عورة تظهر، ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الاعمى ،رشده، ليس كل من طلب وجد ولا كل من توقى نجا، أخر الشئ فانك إذا شئت عجلته، أحسن إن أحببت أن يحسن إليك ، احتمل أخاك على كل ما فيه، ولا تكثر العتاب فانه يورث الضغينة ويجر إلى المغضبة، وكثرته من سوء الادب، استعتب من رجوت صلاحه، قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل ، ومن كابد الحرية عطب، ومن لم يعرف زمانه حرب، ما أقرب النقمة من أهل البغي، وأخلق من غدر أن لا يولى له، زلة العالم أقبح زلة، وعلة الكذب أقبح علة ، الفساد يبيد الكثير ، والاقتصاد يثمر القليل، والقلة ذلة الوالدين أكرم الطبائع والخوف شرّ ،لحاف، والزلة مع العجلة، لا خير في لذة

، وبر

تعقب ندامة، والعاقل من وعظته التجرية، ورسولك ترجمان عقلك، وكتابك أحسن ناطق عنك، فتدبر أمرك، وتقصر شرك، الهدى يجلو العمى، وليس مع اختلاف ائتلاف، ومن حسن العمل افتقاد حال الجار، لن يهلك من اقتصد ولن

يفتقر ، يبين عن سر المرء دخيله، ورب باحث عن حتفه وليس كل من ينظر بصير، رب هزل صار جدا من ائتمن الزمان خانه ، ومن تعظم عليه أهانه، ومن لجأ إليه أسلمه أي أخذله ، ليس كل من رمى أصاب، إذا تغير السلطان تغير الزمان ، بر أهلك من كفاك ، المزاح يورث العداوة والحقد، أعذر من اجتهد وربما أكدى الحق ، رأس الدين صحة اليقين، وتمام الاخلاص تجنب المعاصي، وخير

وخير

ص: 162


1- بياض بمقدار كلمة في المصدر.

القول الصدق، والسلامة مع الاستقامة، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار كن من الدنيا على بلغة احمل لمن دل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وارحم أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، وعوّد نفسك السماح، وتخير لها من كل أحسنه ، لا تتكلم بما يرديك، ولا ما كثيره يزريك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، أي بني! إياك ومشاورة النساء إلا جربت بكمال، فان

! رأيهن يجر إلى أفن وعزمهن إلى وهن اكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن ، فان شدة الحجاب خير لهن من الارتياب وليس خروجهن بأشد عليك من دخول من لا تثق به عليهن، فان استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل، أقلل الغضب ولا تكثر العتاب في غير ذنب، فان المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، وأحسن لمماليكك الادب، وإن أجرم أحد منهم جرما فأحسن العفو فان العفو مع العز أشد من الضرب لمن كان له قلب ، وخف القصاص، واجعل لكل امرئ منهم عملا تأخذه به فانه أحرى أن يتوكلوا، وأكرم عشيرتك فانهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي اليه تصير ، فانك بهم ،تصول، وبهم تطول، وهم العمدة عند الشدة ، وأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورهم ، ويسر عن معسرهم واستعن بالله على أمرك كله، فانه أكرم معين أستودع الله دينك ودنياك والسلام». وكيع، والعسكري في المواعظ (1)

وعن المتقي الهندي ( ت / 985ه-) في كنز العمال: عن الشعبي ، قال : قال

(ت علي بن أبي طالب : « يا ابن آدم لا تعجل هم يومك الذي يأتي على يومك الذي أنت فيه ، فان لم يكن من أجلك يأت فيه رزقك، واعلم أنك لا تكتسب من المال فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك » . (الدينوري) . (2)

ص: 163


1- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 16 : 197 - 183 ، ح 44215
2- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 3 782 ، ح 8742

[ الكتاب (32) ]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: ( رواه ابو الحسن علي بن محمّد المدائني المتوفى 224 (839م) في تاريخه وقال : ان الكتاب يبدا بقوله رضى الله عنه :

أما بعد فان الدنيا دار تجارة وربحها أو خسرها في الآخرة ابن أبي الحديد

[ج 2 ص281] . انتهى (1)

ص: 164


1- راجع : استناد نهج البلاغة

[ الكتاب (33) ]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه أبو جعفر الإسكافي (ت / 220ه-) في المعيار والموازنة» ، قال : وكتب الى معاوية من علي بن أبي طالب الى معاوية بن أبي سفيان سلام عليك أما بعد، فإن الله جعل الدنيا ل-م-ا بعدها وابتلى أهلها فيما لينظر كيف يعملون، وأيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، وابتلاني بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخر تمحيصا، فعبرت على طلب الدنيا بتأويل القرآن وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصيتني أنت وأهل الشام ألب عالمكم جاهلكم ، ولبستم عليه الحق سفها بغير علم، وأتيتم بهتانا وإثما مبينا ، وتوليت من ذلك إثم ما حاولت، وأنت عارف بوصول ضره إليك في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك، فإن الدنيا منقطعة عنك وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون. فتفكر فيما لك وعليك من هذا الامر يوضح لك سبله ، واستعن بما أعناك الله ولا تجاهل فإنك عالم فتدارك نفسك ولما يحدث يجعل الله لك ولسلطانك سبيلا، والسلام. ولما همّ بالمسير إلى معاوية كتب إلى جميع عماله يأمرهم بالقدوم وليشهدوا

ص: 165

قتال عدوهم ويخلفوا من يقوم مقامهم . (1)

ص: 166


1- المعيار والموازية : لأبي جعفر الإسكافي : 138. 138

[ الكتاب (34) ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: اما بعد، فقد

بلغني موجدتك، الكتاب رواه الطبري في تاريخه (ج 6 ، ص 55) (1) قال العرشي في التخريج ما نصه : رواه الثقفي في كتاب الغارات[ ابن أبي

الحديد ج 2 ص 292] والطبري في تاريخه ( ج 6 ، ص 55). (انتهى) . (2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري (ت 279 ه-) في أنساب الأشراف»، قال ما لفظه :قالوا وكتب عمرو بن العاص الى معاوية بن أبي سفيان: «انا لقينا محمد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر، وهما في جموع أهل صر، فدعوناهم إلى الهدي والتنبه فغمطوا الحق وتهوكوا في الضلال فجاهدناهم واستنصرنا الله عليهم فضرب الله وجوههم وأدبارهم ومنحنا أكتافهم، فقتل الله محمّد بن أبي بكر، وكنانة بن بشر ، وأماثل من كان معهما والحمد لله رب العالمين، والسلام

وبلغ عليا مقتل محمّد ابن أبي بكر ، فخطب الناس فقال : ألا إن محمّد ابن أبي

ص: 167


1- راجع مدارك نهج البلاغة : 100
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

بكر قد قتل ، وتغلب ابن النابغة - يعني عمرو بن العاص - على مصر، فعند الله نحتسب محمّدا ، فقد كان ممن ينتظر القضاء ويعمل للجزاء. فتكلم بكلام كثير ورّخ فيه أصحابه واستبطاءهم وقال لهم: دعوتكم إلى غياث أصحابكم بمصر مذ بضع وخمسون ليلة فجرجرتم جرجرة البعير ،الأسر وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليست له نية في الجهاد ولا اكتساب الاجر في المعاد ، ثم خرج إليه منكم جنيد ضعيف كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ )(1) .

وقيل لعلي : لشد ما جزعت على ابن أبي بكر ؟! فقال : رحم الله محمّدا ، انه كان غلاما حدثا ، ولقد أردت تولية مصر ، هاشم بن عتبة، ولو وليته إياها ما خلالهم العرصة ، بلا ذمّ لمحمّد ، فقد كان لي ربيبا، وكان من ابني أخي جعفر أخا، وكنت

أعده ولدا». وكانت أم عبد الله بن جعفر أسماء بنت عميس، فخلف عليها أبو بكر ، ثم

علي رضى الله عنهما، وكان محمد ربيب علي رضى الله عنهما (2)وبالاسناد عن ابراهيم بن محمد الثقفي (ت / 283 ه-) في «الغارات : عن فضيل بن خديج عن مولى الاشتر قال : لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ، من عبد الله أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا الله إذ عصي في الارض وضرب الجور برواقه على البر والفاجر ، فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه ، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر ، أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث الاشتر أخو مذحج ، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيف

ص: 168


1- الأنفال : 6.
2- انساب الاشراف ؛ للبلاذري : 403 - 405 .

من سيوف الله لا نابى الضريبة ولا كليل الحد، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، وان أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تحجموا فأحجموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته وشدة شكيمته على عدوّه،

عصمكم الله بالحق وثبتكم باليقين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . قال: وأخبرني ابن أبي سيف عن أصحابه، أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليا . قد وجّه الاشتر إلى مصر شق عليه ، فكتب علي عند مهلك الاشتر إلى محمد بن أبي بكر وذلك حين بلغه موجدة محمد بن أبي بكر لقدوم الاشتر عليه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، من عبد الله على أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر ، سلام عليك . أما بعد ، فقد بلغني موجدتك من تسريحي الاشتر إلى عملك، ولم أفعل ذلك استبطاء لك في الجهاد ، ولا استزادة لك مني في الجد، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر مؤونة عليك، وأعجب ولاية إليك إلّا أن الرجل الذي كنت وليته مصر كان رجلا لنا مناصحا وعلى عدوّنا شديدا، فرحمة الله عليه وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون، فرضى الله عنه وضاعف له الثواب وأحسن له المآب، فأصحر لعدوك، وشمّر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفك ما أهمك ويعنك على ما ولاك، أعاننا الله واياك على ما لا ينال إلا

برحمته والسلام فكتب إليه علیه السلام محمّد بن أبي بكر رضی الله عنه جوابه : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، لعبد الله أمير المؤمنين عليّ من محمّد بن أبي بكر ، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فقد انتهى إلي كتاب أمير المؤمنين وفهمته وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس أشد على عدو أمير المؤمنين ولا أرأف وأرق لوليه مني وقد خرجت فعسكرت وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا وأظهر لنا

ص: 169

خلافا، وأنا متبع أمر أمير المؤمنين وحافظه ولاجئ إليه وقائم به والله المستعان

على كل حال، والسلام(1)

ص: 170


1- الغارات للثقفى 666:1

[ الكتاب (35)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج : « قوله علیه السلام: اما بعد، فان مصر قد فتحت ومحمّد بن أبي بكر رحمه الله قد استشهد... الى آخره. روى هذا الكتاب في تاريخ الطبري ص 63 من ج 6 مع زياده و اختلاف في بعض الفقرات » .(1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه: رواه الثقفي في كتاب الغارات [ابن

ابي الحديد [ج 1 ص 295] والطبري في تاريخه (ج 1 ص 63) (2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه ، فراجع الخطبة 68 ومكاتبة

بين عليّ وأبن عباس في الغارات [ج 1 ص ص 298 ]298 - 300، ط / 1395ه-. وبالاسناد عن ابراهيم بن محمّد الثقفي (ت / 283 ه-) في الغارات قال:

كتب علي علیه السلام إلى عبد الله بن العباس وهو على البصرة: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله على أمير المؤمنين إلى عبد الله ب-ن

العباس: سلام عليك ورحمة الله كاته، أما وبر أما بعد فان مصر مصر قد افتتحت وقد

ص: 171


1- مدارك نهج البلاغة : 100
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

استشهد محمّد بن أبي بكر، فعند الله عزوجل نحتسبه. وقد كنت كتبت إلى الناس وتقدمت إليهم في بدء الامر وأمرتهم باغاثته قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهراء وعودا وبدءا، فمنهم الآتي كارها ، ومنهم المعتل كاذبا ، ومنهم القاعد خاذلا، أسأل الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجا ومخرجا وأن يريحني منهم عاجلا فوالله لولا طمعي عند لقاء عدوّي في الشهادة وتوطيني نفسي على المنية لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا ، عزم الله لنا ولك على الرشد وعلى تقواه وهداه ، انه على كل شي قدير والسلام فكتب إليه عبد الله بن عباس : لعبد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الله علي أمير

المؤمنين من عبد الله بن عباس : سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركانه ، أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر وهلاك محمد بن أبي بكر، وأنك

، سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا ومخرجا، وأنا أسأل الله أن يعلي كلمتك ، وأن يعينك بالملائكة عاجلا ، واعلم أن الله صانع لك ذلك ومعرّك ومجيب دعوتك وكابت عدوك، وأخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطؤوا ثم نشطوا فارفق بهم يا أمير المؤمنين ودارهم ومنهم ، واستعن بالله

عليهم ، كفاك الله المهم ، والسلام (1).

ص: 172


1- الغارات الابراهيم بن محمّد الثقفي 1: 300 298 ؟

[ الكتاب ( 36) ]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: فسرّحت اليه جيشاً كثيفاً من المسلمين ... الى آخره، رواه ابن قتيبة، ورواه في الحدائق الوردية مع اختلاف في الروايتين في بعض الفقرات (1) قال العرشي في التخريج ما نصّه : رواه ابن قتيبة في الامامة والسياسة (57)

وابو الفرج الأصفهاني في الأغاني (ج 15 ص 44)». (انتهى).(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن ابراهيم بن محمّد الثقفي ( ت / 283 ه-) في «الغارات»: عن زيد بن وهب قال: كتب عقيل بن أبي طالب إلى علي أمير المؤمنين علیه السلام حين بلغه خذلان أهل الكوفة وعصيانهم اياه

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لعبد الله علي أمير المؤمنين من عقيل بن أبي طالب: سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإن الله حارسك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه وعلى كل حال اني خرجت إلى مكة معتمرا

ص: 173


1- مدارك نهج البلاغة : 101 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

الضحاك

بن

فلقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء فعرفت المنكر في وجوههم فقلت لهم: إلى أين يا أبناء الشانئين؟ أبمعاوية تلحقون؟ عداوة والله منكم قديما غير مستنكرة تريدون بها اطفاء نور الله وتبديل أمره؟ فأسمعني القوم وأسمعتهم. فلما قدمت مكة سمعت أهلها يتحدثون أن بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالهم ما شاء ثم انكفأ راجعا سالما ، فأف لحياة في دهر جرّأ عليك الضحاك ، وما الضحاك ؟! فقع بقرقر وقد توهمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وأنصارك خذلوك، فاكتب الي يا بن امي برأيك، فإن كنت الموت تريد تحملت اليك ببني أخيك وولد أبيك فعشنا معك ما عشت ومتنا معك إذا مت فوالله ما احب أن أبقي في الدنيا بعدك فواقا واقسم بالاعز الاجل ان عيشا نعيشه بعدك في الحياة لغير هنئ ولامرئ ولا نجيع ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فأجابه علي علیه السلام: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى

، عقيل بن أبي طالب: سلام عليك ، فاني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو ، اما بعد كلانا الله واياك كلاءة من يخشاه بالغيب انه حميد مجيد . فقد وصل الي كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الازدي تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح مقبلا من قديد في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء متوجهين إلى المغرب وان ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه وصد عن سبيله وبغاها عوجا ، فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشا وخلهم وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، ألا وان العرب قد اجتمعت على حرب أخيك اليوم اجتماعها على حرب

النبي صلی الله علیه و آله وسلم قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه وجحدوا فضله، وبادوه العداوة ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وجروا عليه جيش الاحزاب. اللهم فاجز قريشا عنّي الجوازي فقد قطعت رحمي وتظاهرت علي، ودفعتني عن

ص: 174

حقي، وسلبتني سلطان ابن امي وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول وسابقتي في الاسلام أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه والحمد لله على كل حال.

وأما ما ذكرت من غارة الضحاك على أهل الحيرة ، فهو أقل وأذل من أن يلم بها أو يدنو منها ، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتى مرّ بواقصة وشراف والقطقطانة فما والى ذلك الصقع، فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين فلما بلغه ذلك فرّ هاربا فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن، وكان ذلك حين طفلت الشمس للاياب، فتناوشوا القتال قليلا كلا ولا، فلم يصبر لوقع المشرفية وولى هاربا ، وقتل من أصحابه تسعة عشر رجلا ونجا جريضا بعد ما اخذ منه بالمختق ولم يبق منه غير الرمق فلأيا بلاي ما نجا . وأما ما سألتني أن اكتب اليك برأيي فيما أنا فيه فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله ، لا يزيدني كثرة الناس معي عزة ، ولا تفرّقهم عني وحشة، لاني محق والله مع الحقّ، ووالله ما اكره الموت على الحق، وما الخير كله بعد الموت إلا لمن كان محقا. وأما ما عرضت به عليّ من مسيرك الي بينيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشدا محمودا ، فوالله ما احب ان تهلكوا معي ان هلكت، ولا تحسبن ابن امك - ولو أسلمه الناس - متخشعا ولا متضرعا ولا مقرا للضيم واهنا ولا سلس الزمام للقائد ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد اني لكما قال

أخو بني سليم:

فان تسأليني كيف أنت فانني ***صبور على ريب الزمان صليب

يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة***فيشمت عاد أو يساء حبيب(1)

وقال أبو جعفر الإسكافي ( ت / 220 ه-) في المعيار والموازنة في عنوان

ص: 175


1- الغارات ؛ لابراهيم بن محمّد الثقفي 2: 428 - 445 .

كتاب عقيل إلى أخيه الامام أمير المؤمنين علیه السلام لما خذله الكوفيون في أواخر أيامه الميمونة فانه كتب إليه عقيل به أبي طالب علیه السلام يعرض نفسه عليه فكتب إليه : أما ،بعد، فإن الله جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه، وإني خرجت معتمرا فلقيت عبد الله بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء ، فقلت لهم - وعرفت المنكر في وجوههم : يا أبناء الطلقاء أبمعاوية تلحقون؟ عداوة - والله - لنا منكم غير مستنكرة قديما تريدون بها إطفاء نور الله وتغيير أمره؟! فأسمعني القوم وأسمعتهم . ثم قدمت مكة وأهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واحتمل من أموالها شيئا ، ثم انكفأ ،راجعا، فأف لحياة في دهر جزاً عليك الضحاك ، وما الضحاك إلا فقع قرقرة. وقد ظننت أن أنصارك خذلوك ، فاكتب إلي يا ابن أمي برأيك ، فإن كنت الموت تريد تحملت إليك ببني أبيك وولد أخيك، فعشنا ما عشت ومتنا معك، فوالله ما أحب أن أبقى بعدك فواقا وأقسم بالله الاعز الاجل أن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا غير هنئ ولا نجيع. فأجابه عليّ بن أبي طالب علیه السلام أما بعد كلانا الله وإياك كلاءة من يخشاه

بالغيب، إنه حميد مجيد.

قدم علي عبد الرحمن بن عبيد الأزدي بكتابك تذكر أنك لقيت ابن أبي سرح مقبلا من «قديد» في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء متوجهين حيث توجهوا وإن ابن أبي سرح طال ما قد كاد الله ورسوله وكتابه فصد عن سبيله وبغاها عوجا. فدع ابن أبي سرح عنك ودع قريشا وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق، فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك إجماعها على حرب رسول الله قبل اليوم، فأضحوا قد جهلوا حقه وجحدوا فضله وبادروه العداوة ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه الجهد، وساقوا إليه الأمرين. اللهم فأجز قريشا عني الجوازي فقد قطعت رحمي وتظاهروا عليّ !!

ص: 176

فأحمد الله على كل حال.

وأما ما سألت أن أكتب إليك برأيي فإن رأيي قتال المحلين حتى ألقى الله. لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة، لاني محق والله مع الحق وأهله وما أكره الموت مع الحق لانى محق، وما الخير كله إلا بعد الموت

لمن كان محقا.

وأما ما عرضت عليّ من مسير بني أبيك وولد أخيك ، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشدا مهديا ، فوالله ما أحب أن يهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أبيك

ولو أسلمه الناس - متضرعا متخشعا، ولكني كما قال أخو بني سليم:

فإن تسأليني كيف أنت فإنني*** صبور على ريب الزمان صليب

يعزّ عليّ أن ترى بي كآبة ***فیشمت عاد أو يساء حبيب

قال الاسكافي : فهذا يؤكد ما قلناه ويحققه من أنه وادع القوم لا من ضعف فيه ولا دخول في خطأ، ولكنه - شرف الله مقامه - أعمل التآلف والمداراة إذ وجد في الحق سعة، وأجابهم إلى الموادعة ليحكموا بكتاب الله، فإن خالف لم يرض بحكمه . وله علة أخرى فى الموادعة ، وهو أنه نظر إلى من حصل معه من أهل البصيرة والمعرفة فإذا هم قليل تعدو عنهم العين لا يقوون بمن خالفهم فوادعهم لتكثر أنصاره وليقووا على من خالفهم، وذلك معروف فيما يؤثر عن سليمان بن :صرد قالوا : ثم أقبل إلى عليّ بن أبي طالب سليمان بن صرد يوم صفين عند كلام الناس في الموادعة مضروبا وجهه بالسيوف فنظر إليه علي فقال له: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا(1)فأنت ممن ينتظر ، وممن لم يبدل فقال له سليمان بن صرد والله لقد مشيت في العسكر لان ألتمس أعوانا ولان

ص: 177


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (الأحزاب : (23) .

يعودوا إلى أمرهم الأول فما وجدت إلا قليلا، وما في الناس خير .

فهذه أيضا من العلل التي كان على بالموادعة فيها مصيبا.

وله علة أخرى أيضا تؤثر عنه ولولاها لمضى على بصيرته وجدّه وإن اسلمه

الناس جميعا(1)

ص: 178


1- المعيار والموازنة : لأبي جعفر الإسكافي : 179 - 181 .

[ الكتاب (38)]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/1360ه-) في التخريج: « قوله علیه السلام: من عبدالله علي ... الى آخره، رواه الطبري في تاريخه [ص 55 ج 6 ]، وقد لقب امير المؤمنين علیه السلام في هذا الكتاب مالك الاشتر بانه سيف من سيوف الله ، كما ان خالد بن الوليد لقبه ابوبكر لقتاله أهل الردة وقتله مسيلمة، وقيل: لقبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحيح ان الذي لقبه بذلك ابوبكر كما في ص 59 من ج 4 من شرح ابن أبي الحديد . (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : « الكتاب الثامن والثلاثون الى اهل مصر من عبد الله علي امير المؤمنين الى القوم الذين غضبوا الله حتى عصى في أمر منه، وذهب

بحقه ... الى اخره [ج 2 ص 70] رواه الطبري في تاريخه [ج 6 ص 55] .(2)

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما رويته في اسناد الكتاب 34، ورواية ابراهيم بن محمّد الثقفي (ت / 283 ه-) في «الغارات»: عن فضيل بن خديج، عن أشياخ النخع، قالوا: دخلنا على علي علیه السلام حين بلغه موت الاشتر، فجعل يتلهف

ص: 179


1- مدارك نهج البلاغة : 100 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

ويتأسف عليه، ويقول الله درّ مالك ..! وما مالك ..! لو كان جبلا لكان فندا، ولو كان حجرا لكان صلدا، أما والله ليهدن موتك عالما وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي، وهل موجود كمالك ؟! . قال : فقال علقمة بن قيس النخعي: فما زال عليّ يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه المصاب به دوننا، وقد عرف ذلك في وجهه أياما .

وعن فضيل بن خديج عن مولى الاشتر، قال : لما هلك الاشتر وجدنا في ثقله

رسالة علي إلى أهل مصر:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا الله إذ عصى في الارض وضرب الجور برواقه على البر والفاجر ، فلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه ، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث الاشتر أخو مذحج فاسمعواله وأطيعوا ، فإنه سيف من سيوف الله لا نابي الضريبة ولاكليل الحد ، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا وان أمركم أن تنفروا فانفروا وإن أمركم أن تحجموا فأحجموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته وشدة شكيمته على عدوه، عصمكم الله بالحق وثبتكم باليقين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . (1)وبالاسناد عن الشيخ المفيد ( ت / 413 ه-) في «الأمالي»: قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمّد بن حبيش الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني، :قال حدثنا إبراهيم بن محمّد الثقفي، عن محمّد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك ، عن هشام بن محمّد ، قال : لما ورد الخبر على أمير المؤمنين علیه السلام بمقتل

ص: 180


1- الغارات ؛ لابراهيم بن محمّد الثقفي 1 : 365 - 267 .

محمد بن أبي بكر رضی الله عنه كتب إلى مالك بن الحارث الاشتر رحمه الله وكان مقيما بنصيبين :

أما بعد، فإنك ممن استظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الاثيم، وأسد به الثغر المخوف. وقد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر، فخرج عليه خوارج، وكان حدثا لا علم له بالحروب، فاستشهد ، فاقدم عليَّ لننظر في أمر

مصر، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. فاستخلف مالك على عمله شبيب بن عامر الأزدي، وأقبل حتى ورد على أمير المؤمنين ، فحدثه حديث ،مصر ، وأخبره عن أهلها ، وقال له : ليس لهذا الوجه غيرك ، فاخرج فإني إن لم أوصك اكتفيت برأيك ، واستعن بالله على ما أهمك واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ واعتزم على الشدة متى لم تغن عنك إلا الشدة. قال: فخرج مالك الاشتر فأتى رحله ، وتهيأ للخروج إلى مصر، وقدم أمير

المؤمنين رحمه الله أمامه كتابا إلى أهل مصر: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ، سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله الصلاة على نبيه محمد وآله وإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء، حذار الدوائر. من أشد عبيدالله بأساء وأكرمهم حسبا، أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار،

مالك بن الحارث الاشتر، لا نابي الضرس ولا كليل الحد حليم في الحذر رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإن أمركم بالنفير فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلّا بأمري، فقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم، وشدة شكيمة على عدوكم. عصمكم الله بالهدى، وثبتكم بالتقوى ، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولما تهيأ مالك الاشتر للرحيل إلى مصر كتب عيون معاوية بالعراق إليه يرفعون

وهو

ص: 181

خبره، فعظم ذلك على معاوية وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الاشتر إن قدمها فاتته ، وكان أشد عليه من ابن أبي بكر ، فبعث إلى دهقان من أهل الخراج بالقلزم أن عليا قد بعث بالاشتر إلى مصر وإن كفيتنيه سوغتك خراج ناحيتك ما بقيت فاحتل في قتله بما قدرت عليه .

ثم جمع معاوية أهل الشام وقال لهم : إن عليا قد بعث بالاشتر إلى مصر، فهلموا ندعو الله عليه يكفينا أمره، ثم دعا ودعوا معه. وخرج الاشتر حتى أتى القلزم ، فاستقبله ذلك الدهقان فسلم عليه وقال له : أنا رجل من أهل الخراج ولك ولاصحابك علي حق في ارتفاع أرضي، فانزل عليّ أقوم بأمرك وأمر أصحابك وعلف دوابك، واحتسب بذلك لي من الخراج فنزل عليه الاشتر، فأقام له ولاصحابه بما احتاجوا إليه ، وحمل إليه طعاما دس في جملته عسلا جعل فيه

سما، فلما شربه الاشتر قتله ومات من ذلك. وبلغ معاوية خبره ، فجمع أهل الشام وقال لهم : أبشروا فإن الله تعالى قد أجاب

دعاءكم، وكفاكم الاشتر وأماته ، فسروا بذلك واستبشروا به.

ولما بلغ أمير المؤمنين رحمه الله وفاة الاشتر جعل يتلهف ويتأسف عليه ويقول: الله در مالك لو كان من جبل لكان أعظم أركانه ، ولو كان من حجر لكان صلدا. أما والله ليهدن موتك عالما، فعلى مثلك فلتبك البواكي. ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر ، فرحم الله مالكا فقد وفي بعهده، وقضى نحبه (1)، ولقي ربه ، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن صبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها أعظم المصيبة .(2)

ص: 182


1- اقتباس من قوله تعالى : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ ومنهم من ينتظرُ وَمَا يَدْلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب: (23)
2- الأمالي ؛ للشيخ المفيد : 8479

[ الكتاب (39)]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج : « قوله رحمه الله: فانك قد جعلت دينك ... الى آخره ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفّين هذا الكتاب بزيادة لم تذكر هنا، واختلاف في بعض الفقرات » . (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : « الكتاب التاسع والثلاثون ، فانك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرىء ظاهر غيّه، مهتوك ستره ... إلى آخره. ج 3 ص 71]، قال ابن أبي الحديد [ج 2 ص 385] وذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين هذا

[ الكتاب بزيادة لم يذكرها الرضي». انتهى (2)قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه بالاسناد عن ابن أبي الحديد

( ت / 656 ه-) في شرح نهج البلاغة قال وذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين هذا الكتاب بزيادة لم يذكرها الرضي قال نصر : وكتب علي رحمه الله الى عمرو

ابن العاص :

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى الابتر ابن الابتر عمرو بن العاص بن وائل

ص: 183


1- مدارك نهج البلاغة : 101
2- راجع : استناد نهج البلاغة

شانئ محمد وآل محمّد في الجاهلية والاسلام سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته ، فصار قلبك لقلبه ،تبعا كما قيل : «وافق شن طبقه فسلبك دينك وأمانتك ودنياك وآخرتك، وكان علم الله بالغا فيك ، فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل ،دجى، أو أتى الصبح يلتمس فاضل سوره، وحوايا فريسته، ولكن لا نجاة من القدر، ولو بالحق أخذت لادركت ما رجوت، وقد رشد من كان الحق قائده، فإن يمكن الله منك ومن ابن أكله الاكباد ، ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وإن تعجزا وتبقيا بعد، فالله حسبكما وكفى بانتقامه انتقاما، وبعقابه عقابا ! والسلام ) .(1)

قال الجلالي : ولم أجده في وقعة صفّين المطبوع ، فليراجع. واروي بالاسناد عن الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه-) في «الأمالي»: أخبرنا محمد بن محمّد، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمّد الكاتب، قال حدثنا الأجلح، عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني، قال: كتب امير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمه الله إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، فإن الله تعالى أنزل إلينا كتابه ولم يدعنا في شبهة، ولا عذر لمن ركب ذنبا بجهالة والتوبة وطة ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(2)، وأنت ممن شرع الخلاف متماديا في غرة

ص: 184


1- شرح نهج البلاغة ؛ لابن أبي الحديد 16: 163 .
2- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبِّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) (الأنعام: 164) ، وقوله : ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء : (15) ، وقوله : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا

(1)

الامل مختلف السر والعلانية رغبة في العاجل وتكذيبا بعد بالاجل وكانك قد تذكرت ما مضى منك فلم تجد إلى الرجوع سبيلا. وكتب صلوات الله عليه إلى عمرو بن العاص من عبد الله أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص . أما بعد، فإن الذي أعجبك مما تلويت من الدنيا ووثقت به منها منقلب عنك ، فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة ، ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به، ولكنك تبعت هواك وأثرته، لولا ذلك لم تؤثر على ما دعوناك إليه غيره لا أعظم رجاء وأولى بالحجة، والسلام. وكتب علیه السلام له إلى أمراء الاجناد من عبد الله أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح . أما بعد، فإن حقا على المولى ألا يغيره عن رعيته فضل ناله ولا مرتبة اختص بها، وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم، ألا وإن لكم عندي ألا احتجبن دونكم سرا إلا في حرب، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم، ولا أوخر لكم حقا عن محله ، وأن تكونوا في الحق عندي سواء ، فإذا فعلت ذلك وجبت لي عليكم البيعة ولزمتكم الطاعة، وألا تنكصوا عن دعوة، ولا تفرطوا في صلاح وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ، فإن أنتم لم تسمعوا لي على ذلك لم يكن أحد أهون علي ممن خالفني فيه، ثم أحل بكم فيه عقوبته، ولا تجدوا عندي فيها رخصة ، فخذوا هذا من أمرائكم، واعطوا من أنفسكم هذا يصلح أمركم ، والسلام (2)

ص: 185


1- الصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (فاطر : 18) ، وقوله : (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِي عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبَّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الزمر : (7) ، وقوله : أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (النجم : 38)
2- الأمالي ؛ للشيخ الطوسي

[ الكتاب (40)]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد

[ج 2 ص 295]. انتهى . (1)

قال الجلالي: ليس هذا الكتاب في بعض نسخ النهج، وان ابن عبد ربه ذكر ان هذا من كتاب له الى عبد الله بن العباس، ويؤيده ماروي في الموضوع بالاسناد عن الطوسى في الكتاب الآتي

ص: 186


1- راجع : استناد نهج البلاغة .

[ الكتاب (41)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: أما بعد فاني كنت قد أشركتك في أمانتي ... الخ ذكر هذا الكتاب ابن قتيبة في عيون الاخبار ( ص 57 ج 1) باخصر مما هنا، وذكر أن الكتاب لابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ ورواه ابن الجوزي في التذكرة، وذكر أن الكتاب لعبد الله بن العباس، وعن الراوندي أن المكتوب اليه هو عبيد الله ابن العباس لا عبد الله قال الشارح وليس ذلك بصحيح، لانه لم ينقل عنه إنه أخذ مالا ولا فارق طاعة، ثم قال: وإن قلت هذا الكلام موضوع على أمير المؤمنين علیه السلام خالفت الرواة، فانهم أطبقوا على رواية هذا الكلام عنه ، وإن صرفته إلى عبد الله بن عباس صدني ما أعلمه من ملازمته لطاعة أمير المؤمنين في حياته وبعد وفاته، إلى أن قال: فانا في هذا الموضع من المتوقفين . إنتهى. والاقرب إلى الصواب هنا أن يقال أن ابن عباس لم يكن معصوماً، وإن كان له

: المنزلة والفضل ، وعليّ علیه السلام لا يرقب في الحق أحداً ولو كان أعز ولده

من

وغلظته عليه وعتابه له لا توجب مفارقته وشفاقه، فانه بعد توبته واستيفاء

حق الله منه يعود الى ما كان عليه من الحب والصفاء ولا ينحرف عن موالاته

ص: 187

بمثل هذا التقريع والتوبيخ . (1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : الكتاب الواحد والاربعون: «أما بعد فاني كنت أشركتك في أمانتي وجعلتك شعاري وبطانتي .... الى آخره [ ج 3 ص 72] ، ورواه ابن قتيبة في عيون الأخبار [ج 1 ص 57]، وابن عبد ربه في العقد الفريد [ج 2 ص 296] ، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل ( 151 ب)». انتهى (2).

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري ( ت / 279 ه-) في أنساب الأشراف»، قال ما لفظه : قالوا: ولما قدم ابن عباس مكة ابتاع من حبيرة مولى بني كعب من خزاعة ثلاث مولدات حوراء وفنور وشادن بثلاثة آلاف

دينار، فكتب إليه علي بن أبي طالب أما بعد ، فإني كنت أشركتك في أهل بيتي رجل أوثق منك

أمانتي ولم يكن في في نفسي لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة إلي ، فلما رأيت الزمان على ابن عمك

قد كلب، والعدو عليه قد حرب، وأمانة الناس قد خربت وهذه الامة قد فتنت قلبت له ظهر المجن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوء خذلان الخاذلين، وخنته مع الخائنين فلا ابن عمك آسيت ولا الامانة أديت ، كأنك لم تكن الله تريد بجهادك ؟! وكأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد أمة محمّد عن دنياهم وتطلب غرتهم عن فينهم !! فلما أمكنتك الشره [الشدة - خ] أسرعت العدوة، وأغلظت الوثبة وانتهزت الفرصة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الهزيلة، وظالعها الكسير ، فحملت أموالهم إلى الحجاز رحيب الصدر، تحملها غير متألّم من

ص: 188


1- مدارك نهج البلاغة : 101 .
2- راجع استناد نهج البلاغة

أخذها كأنك - لا أبا لغيرك - إنما حزت لأهلك تراثك عن أبيك وأمك، سبحان الله أفما تؤمن بالمعاد؟!! أو لا تخاف سوء الحساب ؟! أما تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟! أو ما يعظم عليك وعندك أنك تستثمن الاماء وتنكح النساء بأموال اليتامى والارامل والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم البلاد !!! فاتق الله وأدّ أموال القوم، فإنك والله إن لا تفعل ذلك ثم أمكنني الله منك أعذر إليه فيك حتى أخذ الحق وأرده ، وأقم الظالم وأنصف المظلوم، والسلام.

فكتب إليه عبد الله : أما بعد ، فقد بلغني كتابك تعظم علي إصابة المال الذي أصبته

من مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت المال لاعظم مما أخذت منه ، والسلام فكتب إليه علي علیه السلام: أما بعد فإن من أعجب العجب تزيين نفسك لك أن لك

الله

في بيت المال من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين، ولقد أفلحت إن كان ادعاؤك مالا يكون وتمنيك الباطل ينجيك من الاثم، عمرك الله إنك لانت السعيد إذا! وقد بلغني أنك اتخذت مكة ،وطنا، وصيرتها عطنا، واشتريت مولدات المدينة والطائف، تتخيرهن على عينك ، وتعطي فيهن مال غيرك ، والله ما أحب إن يكون الذي أخذت من أموالهم لي حلالاً أدعه ميراثا ، فكيف لا أتعجب من اغتباطك بأكله حراما !!! فضح رويدا، فكأنك قد بلغت المدى، حيث ينادي المغتر بالحسرة ، ويتمنى المفرط التوبة، والظالم الرجعة، ولات حين مناص والسلام.

، وقد زعم بعض الناس أن عبد الله لم يبرح البصرة حتى صالح الحسن معاوية، وليس ذلك بثبت ، والثبت انه لما قتل أمير المؤمنين علىّ علیه السلام كتب إلى الحسن كتابه

الذي نذكره إن شاء الله في خبر صلح الحسن ومعاوية - من الحجاز. وبالاسناد عن الكشي ( ت / 329ه-) : « قال الكشي روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمّد بن عبد الأعلى الجزري، عن خلف المحرومي البغدادي، عن سفيان بن سعيد ، عن الزهري، قال: سمعت الحارث

ص: 189

يقول : استعمل عليّ علیه السلام على البصرة عبد الله بن عباس ، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك عليا علیه السلام، وكان مبلغه ألفي ألف درهم. فصعد على علیه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى فقال : هذا ابن عم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، اللهم اني قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني اليك غير عاجز ولا ملول.

قال الكشي قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي قال : لما احتمل عبد الله بن عباس بيت مال البصرة وذهب به إلى الحجاز . كتب إليه علي بن أبي طالب : من عبد الله علي بن أبي طالب إلى عبد الله بن عباس، أما بعد: فاني قد كنت أشركتك في أمانتي ، ولم يكن أحد من أهل بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة الي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب والعدو عليه قد حرب، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الامور قد قست قلبت لابن عمك ظهر المجن، وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوء

خذلان الخاذلين. فكأنك لم تكن تريد الله بجهادك ، وكأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك انما كنت تكيد أمة محمّد صلی الله علیه و آله وسلمعلى دنياهم، وتنوي ،غرتهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة أمة محمد أسرعت الوثبة وعجلت العدوة، فأختطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسير كأنك لا أبالك انما

،

جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك، سبحان الله ، أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف من سوء الحساب ؟ أو ما يكبر عليك أن تشتري الاماء وتنكح النساء بأموال الارامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد؟ اردد إلى القوم أموالهم فوالله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لا عذرن الله فيك ، فوالله لو أن حسنا وحسينا فعلا مثل ما فعلت لما كان لهما عندي في ذلك ،هوادة ولا لواحد منهما

عندي فيه رخصة حتى آخذ الحق وازيح الجور عن مظلومها، والسلام.

ص: 190

قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس، أما بعد، فقد أتاني كتابك ، تعظم علي اصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة ولعمري أن لي في بيت مال الله اكثر مما

أخذت، والسلام.

قال : فكتب إليه عليّ بن أبي طالب علیه السلام: اما بعد، فالعجب كل العجب من تزيين نفسك، أن لك في بيت مال الله أكثر مما أخذت وأكثر مما لرجل من المسلمين فقد أفلحت ان كان تمنيك الباطل، وادعاؤك مالا يكون ينجيك من الاثم ، ويحل أنك

الله عليك ، عمرك الله أنك لانت العبد المهتدي إذا. فقد بلغني

لك ما حرم اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري مولدات مكة والطائف تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك، وأني لاقسم بالله ربي وربك رب العزة: ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعة لعقبي ميراثا فلا غرو أشد باغتباطك تأكله رويدا رويدا، فكأن قد بلغت المدا وعرضت على ربك والمحل الذي يتمنى الرجعة والمضيع للتوبة كذلك وما ذلك، ولات حين مناص والسلام قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس، اما بعد فقد أكثرت علي فوالله لان ألقي الله

بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحب الي أن القي الله بدم رجل مسلم(1)

ص: 191


1- اختيار معرفة الرجال ؛ للشيخ الطوسي 1: 279 - 280 .

[ الكتاب (42)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري في أنساب الأشراف وكتب علیه السلامإلى عمر بن أبي سلمة حين عزله عن البحرين واستعمل النعمان بن عجلان الزرقي: إنّي قد وليت النعمان بن عجلان البحرين، من غير ذم لك ولا تهمة فيما تحت يدك، ولعمري لقد أحسنت الولاية وأديت الامانة فأقبل إلي غير ظنين ولا ملوم ، فإني اريد المسير إلى ظلمة اهل الشام، وأحببت أن أمرهم، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وجهاد العدو، جعلنا

تشهد معي

الله

الله وإياك من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون. وكتب علیه السلام إلى النعمان بن عجلان: «أما بعد فإن من أدى الامانة، وحفظ حق في السر والعلانية، ونزه نفسه ودينه عن الخيانة، كان جديرا بأن يرفع الله درجته في الصالحين، ويؤتيه أفضل ثواب المحسنين، ومن لم ينزه نفسه ودينه عن ذلك فقد أخل بنفسه في الدنيا وأوبقها والآخرة ، فخف الله في سرك وجهرك ، ولا تكن من الغافلين عن أمر معادك، فإنك من عشيرة صالحة ذات تقوى وعفة

وأمانة، فكن عند صالح ظني بك ، والسلام»(1)

ص: 192


1- انساب الاشراف ؛ للبلاذري : 158

[ الكتاب (43) ]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري (ت / 279 ه-) في أنساب الأشراف» ، قال : وكتب علیه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني - وكان على أردشير خرة من قبل ابن عباس : بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أتيت شيئا إذا ، بلغني أنك تقسم في المسلمين فيمن اعتناك ويغشاك من أعراب بكر بن وائل، فو الله الذي فلق الحبة وبرء النسمة وأحاط بكل شئ علما، لثن كان ذلك حقا لتجدن بك على هوانا فلا تستهينن بحق ربك، ولا تصلحن دنياك بفساد دينك ومحقه فتكون من الاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» (1)

سبب

ص: 193


1- انساب الأشراف ؛ للبلاذري : 160 .

[ الكتاب( 44 ) ]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن عز الدين ابن الاثير (ت / 630 ه-) في «أسد الغابة » ، قال : ( ب ع س ) زياد بن سمية وهي أمه، قيل: هو زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وهو المعروف بزياد بن أبيه وبزياد بن سمية، وهو الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان وكان يقال له قبل ان يستلحقه : زياد بن عبيد الثقفي، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، وهو أخو أبي بكرة لامه يكنى أبا المغيرة، ولد عام الهجرة وقيل : ولد قبل الهجرة وقيل : ولد يوم بدر وليست له صحبة ولا رواية وكان من دهاة العرب والخطباء الفصحاء ، واشترى أباه عبيدا بألف درهم فأعتقه، واستعمله عمر بن الخطاب رضی الله عنه على بعض أعمال البصرة ، وقيل : استخلفه أبو موسى وكان كاتبا له وكان أحد الشهود على المغيرة بن شعبة مع أخوته أبي بكرة ونافع وشبل بن معبد فلم يقطع بالشهادة فحدهم عمر ولم يحده وعزله ، فقال : يا أمير المؤمنين أخبر الناس انك لم تعزلني لخزية ، فقال : ما عزلتك لخزية ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك ، ثم صار مع علي رضی الله عنه فاستعمله على بلاد فارس فلم يزل معه إلى أن قتل وسلّم الحسن الأمر إلى معاوية فاستلحقه معاوية وجعله أخا له من

ص: 194

أبي سفيان، وكان سبب استلحاقه أن زيادا قدم على عمر بن الخطاب رضی الله عنه بشيرا ببعض الفتوح فأمره فخطب الناس فأحسن ، فقال عمرو بن العاص : لو كان هذا الفتى قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: والله اني لاعرف الذي وضعه في رحم أمه ، فقال عليّ بن أبي طالب علیه السلام: ومن هو ومن هو يا أبا سفيان؟ قال: أنا ، قال على علیه السلام مهلا فلو سمعها عمر لكان سريعا اليك، ولما ولی زیاد بلاد فارس لعلي

كتب إليه معاوية يعرض له بذلك ويتهدده ان لم يطعه، فأرسل زياد الكتاب إلى عليّ علیه السلام وخطب الناس وقال : عجبت لابن أكلة الأكباد يتهددني وبيني وبينه ابن عم رسول الله في المهاجرين والانصار، فلما وقف على كتابه علي كتب إليه : انما وليتك ما وليتك وأنت عندي أهل لذلك ولن تدرك ما تريد إلا بالصبر واليقين، وانما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسبا ولا ميراثا، وان معاوية يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه فاحذره، والسلام

فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد لي أبو حسن ورب الكعبة، فلما قتل علي ويقى زياد بفارس خافه معاوية فاستلحقه، في حديث طويل تركناه، وذلك سنة أربع وأربعين، وقد ذكرناه مستقصى في الكامل في التاريخ(1)

ص: 195


1- أسد الغابة ؛ لابن الأثير :2 215 216

[ الكتاب (45) ]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد، عن محمد بن علي الطبري (ت / 553 ( ح ) في بشارة المصطفى: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العزرمي ، عن عبد الرحيم، عن زاذان قال: سمعت أمير المؤمنين في الرحبة وهو يقول: انشد الله رجلا سمع النبي صلی الله علیه و آله وسلم يوم غدير خم يقول ما قال إلا قام ، فقام ثة عشر رجلا فقالوا نشهد إنا سمعنا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يوم غدير خم يقول : من كنت

مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وعن الأصبغ بن نباتة بعد حذف الاسناد انه قال أمير المؤمنين في بعض خطبه أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه عني ، فان الفراق قريب أنا خير البرية ووصي خير الخليقة، وزوج سيدة نساء هذه الامة، وأبو العترة الطاهرة، والأئمة الهادية، أخو رسول الله ووصيه ووليه وصاحبه وصفيه وحبيبه وخليله، أنا أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين وسيد الوصيين حربي حرب الله وسلمي سلم الله ، وطاعتي طاعة الله، وولايتي ولاية الله وشيعتي أولياء الله، وأنصاري أنصار الله والذي خلقني ولم أك شيئا، لقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله محمّد صلی الله علیه و آله وسلم ان الناكثين والقاسطين والمارقين ملعونون على لسان النبي الامي

ص: 196

وقد خاب من افترى

قال : وكتب أمير المؤمنين علیه السلام فيما كتب إلى سهل بن حنيف: والله ما قلعت باب خيبر وقذفت بها أربعين ذراعا لم يحس به أعضائى، بقوة جسدية ولا حركة غذائية، ولكني أيدت بقوة ملكوتية ونفس بنور ربها مضية، فأنا من أحمد كالضوء من الضوء والله لو تظاهرت العرب على قتالى لما وليت ولو أمكنتني الفرصة من الفرار، ومن لم يبال متى حتفه عليه ساقط فجنانه في الملمات رابط» .(1)

ص: 197


1- بشارة المصطفى ؛ لمحمد بن علي الطبري : 293 - 294 .

[ الكتاب (46) ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام:اما بعد فانك. الى آخره . روى بعض هذا الكتاب ابن جرير في تاريخه الى قوله : الثغر المخوف (1) قال العرشي في التخريج ما نصّه: روى الطبري هذا المكتوب في تاريخه

اج 6 ص 54] وقال : ان المكتوب اليه هو الاشتر». انتهى .(2) قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ المفيد( ت / 413ه-) في الامالي 56 من ط / 3 ، وصرّح فيها بانه الى محمّد بن أبي بكر،

وقد تقدمت في الكتاب (38) فراجع.

ومن الشواهد مارواه ابن حجر ( ت / 852ه- ) ، عن حذيفة، عن علي علیه السلام:حدیث : إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف. ،احمد ثنا علي بن ،بحر، ثنا عبد الله بن ابراهيم بن عمر بن كيسان عن عبدالله

ابن وهب، عن أبيه ، عنه ، به (3).

ص: 198


1- مدارك نهج البلاغة : 102 .
2- راجع استناد نهج البلاغة.
3- اتحاف المهرة :679:11، ط / 1417ه-.

[ الوصيّة (47)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361 ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: أوصيكما بتقوى الله ... الخ، روى هذه الوصية الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، ورواها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري .(1)

قال العرشي في التخريج ما نصه: روى المبرد هذه الوصية مختصراً في الكامل[ ج 2 ص 152] ، والطبري في تاريخه [ج 6 ص 85]، وأبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجي المتوفى 237 (948م ) في كتاب الأمالي (115) ، والحراني في تحف العقول (46) ، وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين

(15)». انتهى .(2) قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما ارويه عن الكليني (ت / 328ه-) ،

وقد تقدمت في الكتاب (24) ، فراجع.

وبالاسناد عن الطبري ( ت / 220 ه-) قال: حدثنى موسى بن عبد الرحمن الكندى، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الحرَّاني، قال: أخبرنا إسماعيل بن

ص: 199


1- مدارك نهج البلاغة : 102 .
2- راجع : استناد نهج البلاغة .

راشد، قال: ذكروا أن ابن حنيف ، قال : والله إني لأصلّي الليلة الّتي ضرب علي فيها في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريباً من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أوّل الليل إلى آخره، إذ خرج على الصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة. فما درى أخرج من السدّة فتكلم بهذه الكلمات، أو نظرت إلى بريق السيف وسمعت قائلاً يقول: الحكم الله لا لك يا علي ولا لاصحابك . فرأيت سيفا، ثم رأيت ناساً، وسمعت علياً يقول: لايفوتنكم الرجل وشدّ الناس عليه من كل جانب، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم، وأدخل على عليّ ، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت علياً يقول : النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي. قال : وقد كان علي نهى الحسن عن المثلة وقال: يا بني عبد المطلب لا ألفينّكم

تخوضون دماء المسلمين، تقولون : «قتل أمير المؤمنين»، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي انظر يا حسن، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة، ولا تمثل بالرجل. فلما قبض علي رضوان الله عليه، بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن : هل لك في خصلة ؟ إني والله ما أعطيت الله عهداً إلا وفيت به إني كنت أعطيت الله عهداً عند الحطيم أن أقتل علياً ومعاوية أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه ، ولك والله عليّ إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك . فقال له الحسن: أما والله حتى تعاين النار، فلا ثم قدّمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوار ثم أحرقوه بالنار» (1)

وبالاسناد عن الطبراني ( ت / 360 ه- ) في المعجم الكبير»، قال: حدثنا أحمد بن عليّ الآبار، ثنا أبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، ثنا إسماعيل بن راشد قال : كان من حديث بن ملجم لعنه الله وأصحابه:

ص: 200


1- تهذيب الآثار : 75-76 ، ط / 1402ه-.

أن عبد الرحمن بن ملجم والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا عمل ولاتهم ، ثم ذكروا أهل النهر فترحموا عليهم فقالوا: والله ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا ، قال ابن ملجم - وكان من أهل مصر مصر - : أنا أكفيكم علي بن أبي طالب، وقال البرك بن عبد الله: أنا أكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر التميمي : أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت ،دونه، فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا السبع عشرة من شهر رمضان أن يثب كل رجل منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب، فأما ابن الملجم المرادي فأتى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهية أن يظهروا شيئا من أمره، وأنه لقي أصحابا له من تيم الرباب، وقد قتل عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه منهم عدة يوم النهر ، فذكروا قتلاهم فترحموا عليهم، قال: ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها : قطام بنت الشحنة ، وقد قتل عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه أباها وأخاها يوم النهر، وكانت فائقة

الجمال، فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها، فخطبها فقالت لا أتزوج حتى تشتفي لي ، قال : وما تشائين؟ قالت : ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل

عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه، فقال : هو مهر لك ، فأما قتل عليّ فما أراك ذكرتيه لي وأنت ، قالت: بلى فالتمس غرته ، فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك

تريديني، العيش معي ، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزيرج أهلها، فقال: ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل عليّ ، قالت : فإذا أردت ذلك فأخبرني حتى أطلب لك من يشدّ ظهرك ويساعدك على أمرك فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال

ص: 201

له ،وردان فكلمته فأجابها ، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن نجدة، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل عليّ رضی الله عنه ، قال : ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إذا ، كيف تقدر على قتله ؟ قال : أكمن له في السحر فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا ، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وزيرج أهلها ، قال : ويحك لو كان غير علي كان أهون علي قد عرفت بلاءه في الاسلام و سابقته مع النبي صلی الله علیه و آله وسلم وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد المصلين ؟ قال : بلى، قال : فقتله بما قتل من إخواننا ، فأجابه، فجاؤوا حتى دخلوا على قطام وهي في المسجد الاعظم معتكفة فيه فقالوا لها قد أجمع رأينا على قتل عليّ قالت: فإذا أردتم ذلك فائتوني، فجاء فقال : هذه الليلة التي واعدت فيها صاحبي أن يقتل كلّ واحد منا صاحبه ، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم ، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فخرج عليه الصلاة الغداة فجعل ينادي: الصلاة الصلاة، فشدّ عليه شبيب فضربه بالسيف فوقع السيف بعضادة الباب أو بالطاق، فشدّ عليه ابن ملجم فضربه بالسيف في قرنه وهرب وردان حتى دخل منزله أمة (1) ودخل عليه رجل من بني وهو ينزع الحرير والسيف عن صدره فقال: ما هذا السيف والحرير ؟ فأخبره بما كان، فذهب إلى منزله فجاء بسيفه فضربه حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة وشدّ عليه الناس إلا أن رجلا من حضرموت يقال له عويمر ضرب رجله بالسيف فصرعه ، وجثم عليه الحضرمي ، ، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه فنجا بنفسه، ونجا شبيب في غمار الناس وخرج ابن ملجم فشدّ عليه رجل من أهل همدان يكنى أبا أدما، فضرب رجله وصرعه وتأخّر عليّ صلی الله علیه و آله وسلم ودفع في ظهر جعدة

ص: 202


1- كذا في المصدر ، وفي المناقب للخوارزمي : 383 « من بني أمية ».

ابن هبيرة بن أبي وهب فصلى بالناس الغداة وشدّ عليه الناس من كل جانب. وذكروا أن محمد بن حنيف ، قال : والله إني لاصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الاعظم قريبا من السدة في رجال كثير من أهل المصر ما فيهم إلا قيام وركوع وسجود وما يسأمون من أول الليل إلى آخره ، إذ خرج عليّ صلی الله علیه و آله وسلم الصلاة الغداة فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أتكلم بهذه الكلمات أو نظرت إلى بريق السيوف وسمعت الحكم الله لا لك يا علي ولا لاصحابك. فرأيت سيفا، ثم رأيت ناسا وسمعت عليا يقول : لا يفوتكم الرجل، وشدّ عليه الناس من كل جانب، فلم أبرح حتى أخذ بن ملجم فأدخل على عليه فدخلت فيمن دخل من الناس فسمعت عليا يقول : النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي، ولما أدخل بن ملجم على عليّ صلی الله علیه و آله وسلم ، قال : يا عدو الله ، ألم أحسن إليك ؟ ألم أفعل بك ؟ قال : بلى، قال: فما حملك على هذا ؟ قال : شحذته أربعين صباحا فسألت الله أن يقتل به شرّ خلقه، قال له عليّ صلی الله علیه و آله وسلم ما أراك إلا مقتولا به وما أراك إلا من شر خلق الله ، وكان ابن ملجم مكتوفا بين يدي الحسن إذ نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي يا عدو الله إنه لا بأس على أبي والله : مخزيك ، قال : فعلام تبكين ؟ والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة لجميع أهل المصر ما بقي منهم أحد ساعة، وهذا أبوك باقيا حتى الآن، فقال عليّ للحسن رضي الله عنهما : إن بقيت رأيت فيه رأيي وإن هلكت من ضربتي هذه فاضربه ضربة، ولا تمثل به فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ينهى عن المثلة ولو بالكلب العقور وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على على يسأل به فقال : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن ؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر ، فلما قبض عليّ رضی الله عنه بعث الحسن رضی الله عنه إلى ابن ملجم فادخل عليه فقال له ابن ملجم هل

ص: 203

لك في خصلة، إني والله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت به، إني كنت أعطيت الله عهدا أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما ، فإن شئت خليت بيني وبينه ولك الله علي إن لم اقتل، أن اتيك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن رضی الله عنه: لا والله أو تعاين النار ، فقدّمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار. وقد كان عليّ رضی الله عنه ، قال : يا بني عبد المطلب لا ألفيكم تخوضون دماء المسلمين

تقولون : قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتل بي إلا قاتلي .

، وأما البرك بن عبد الله فقعد لمعاوية ( رض ) فخرج لصلاة الغداة فشدّ عليه بسيفه وأدبر معاوية هاربا فوقع السيف في إليته، فقال: إن عندي خبرا أبشرك به فإن أخبرتك أنافعي ذلك عندك ؟ قال : وما هو ؟ قال : إن أخا لي قتل عليا في هذه الليلة ، قال : فلعله لم يقدر عليه ، قال : بلى إن عليا يخرج ليس معه أحد يحرسه فأمر به معاوية (رض) فقتل ، فبعث إلى الساعدي وكان طبيبا فنظر إليه ، فقال : إن ضربتك مسمومة، فاختر منّي إحدى خصلتين إما أن أحمى حديدة فأضعها موضع السيف وإما أسقيك شربة تقطع منك الولد وتبرأ منها فإن ضربتك مسمومة، فقال له معاوية : أما النار فلا صبر لي عليها، وأما انقطاع الولد، فإن في يزيد وعبد الله وولدهما ما تقر به عيني، فسقاه تلك الليلة الشربة فبرأ فلم يولد بعد له، فأمر معاوية رضی الله عنه بعد ذلك بالمقصورات وقيام الشرط على رأسه.

وقال على للحسن والحسين: أي بني ، أوصيكما بتقوى الله، وإقام الصلاة

لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء فأنه لا يقبل صلاة إلا بطهور وأوصيكم بغفر الذنب، وكظم الغيظ وصلة الرحم، والحلم عن الجهل، والتفقه في الدين والتثبت في الامر، وتعاهد القرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش :قال ثم نظر إلى محمّد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟

قال: نعم.

ص: 204

قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك،

وتزيين أمرهما ولا تقطع أمرا دونهما.

ثم قال لهما أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما وقد علمتما أن أباكما كان

يحبه ، ثم أوصى فكانت وصيته : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به عليّ بن أبي طالب رضی الله عنه، أوصى أنه شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمّدا عبده ورسوله أرسله بالهدى

ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (1) ، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين(2)ثم أوصيكما يا حسن ويا حسين وجميع أهلي وولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (3)، فإني سمعت أبا القاسم صلی الله علیه و آله وسلم الهلال يقول : إن صلاح ذات البين أعظم من عامة الصلاة والصيام، وانظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

والله الله في الايتام لا يضيعن بحضرتكم .

والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم.

ص: 205


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة : 33) .
2- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 163) .
3- اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقٌّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران : 102 - 103) .

والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب عزوجل. والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم.

والله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم

والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم.

والله الله في بيت ربكم عز وجل لا يخلون ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا . والله الله فى أهل ذمة نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم فلا يظلمن بين ظهرانيكم.

والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم، قال : ما زال جبريل يوصيني بهم

حتى ظننت أنه سيورثهم والله الله في أصحاب نبيكم فإنه وصى بهم. والله الله في الضعيفين : نسائكم وما ملكت أيمانكم ، فأن آخر ما تكلم به الله أن أن

قال أوصيكم بالضعيفين النساء وما ملكت أيمانكم.

الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغي عليكم وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله (1)، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي أمركم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليكم بالتواصل والتباذل وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرُّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا

( عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (2)، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم صلی الله علیه و آله وسلم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض فى شهر رمضان في سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفّن في ثلاثة أثواب ليس فيها

ص: 206


1- في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى والْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ (البقرة : 83) .
2- المائدة : 2

قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات، وولى الحسن رضی الله عنه عمله ستة أشهر. وكان ابن ملجم قبل أن يضرب عليا قاعدا في بني بكر بن وائل إذا مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار وكان نصرانيا والنصارى حوله وأناس مع حجار بمنزلته فيهم يمشون في جانب، أمامهم شقيق بن ثور السلمي فلما رآهم :قال ما هؤلاء ؟ فأخبر ، ثم أنشأ يقول:

لئن كان حجار بن أبجر مسلما*** لقد بوعدت منه جنازة أبجر

وإن كان حجار بن أبجر كافرا*** فما مثل هذا من كفور بمنكر

أترضون هذا إن قسا ومسلما*** جميعا لدي نعش فياقبح منظر

وقال ابن أبي عياش المرادي

ولم أر مهرا ساقة ذو سماحة*** کمهر قطام بينا غير معجم

ثلاثة آلاف وعبد وقينة ***وضرب عليّ بالحسام المصمم

ولا مهر أغلى من عليّ وإن غلا*** ولا قتل إلّا دون قتل بن ملجم

وقال أبو الأسود الدؤلي

ألا أبلغ معاوية بن حرب ***ولا قرت عيون الشامتينا

أفي الشهر الحرام فجعتمونا ***بخير الناس طرا أجمعينا

قتلتم خير من ركب المطايا ***وخيسها ومن ركب السقينا

ومن لبس النعال ومن حذاها*** ومن قرأ المثاني والمئينا

لقد علمت قريش حيث كانت*** بأنك خيرها حسبا ودينا

وأما عمرو بن أبي بكر فقعد لعمرو بن العاص رحمه الله في تلك الليلة التي ضرب فيها معاوية فلم يخرج وكان اشتكى بطنه، فأمر خارجة بن أبي حبيب -- وكان صاحب شرطته ، وكان من بني عامر بن لؤي - فخرج يصلي بالناس فشدّ عليه وهو أنه عمرو بن العاص فضربه بالسيف فقتله، فأخذ وأدخل على عمرو فلما

يرى أنه

ص: 207

رآهم يسلمون عليه بالامرة، قال: من هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص، قال: فمن قتلت ؟ قالوا خارجة ، قال : أما والله يا فاسق ما صمدت غيرك ، قال عمرو أردتني

والله أراد خارجة، فقدمه فقتله، فبلغ ذلك معاوية رضی الله عنه فكتب إليه :

وقتك وأسباب الامور كثيرة*** منية شيخ من لؤي بن غالب

فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه*** وصاحبه دون الرجال الاقارب

نجوت وقد بل المرادي سيفه*** من أبي شيخ الاباطح طالب

ويضربني بالسيف آخر مثله ***فكانت عليه تلك ضربة لازب

وأنت تناغي كل يوم وليلة*** بمصرك بيضا كالظباء الشوارب

وكان الذي ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري، وقد كان الحسن بعث قيس بن سعد بن عبادة على تقدمته في اثنى عشر ألفا، وخرج معاوية حتى نزل إيلياء في ذلك العام وخرج الحسين رضی الله عنه حتى نزل في القصور البيض في المدائن ، وخرج معاوية حتى نزل مسكن وكان على المدائن عم المختار لابن أبي عبيد وكان يقال له : سعد بن مسعود ، فقال له المختار وهو يومئذ غلام: هل لك في الغنى والشرف ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية، فقال له سعد عليك لعنة الله، أأثب على إبن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوثقه ؟ بئس الرجل أنت، فلما رأى الحسن رضی الله عنه تفرّق الناس عنه بعث إليه معاوية يطلب الصلح ، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه، ثم قام الحسن رضی الله عنه في الناس وقال : يا أهل العراق إنه مما يسخي بنفسي عنكم ثلاث: قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي، ودخل في طاعة معاوية رحمهما الله ودخل الكوفة فبايعه الناس .(1)

ص: 208


1- المعجم الكبير للطبراني :1 97-107 ط / 1404ه-.

قال أبو الفرج الأصفهاني ( ت / 356ه-) في مقاتل الطالبيين : حدثني أحمد بن عيسى، قال: حدثني الحسن بن نصر، قال: حدثنا زيد بن المعدل، عن يحيى بن شعيب، عن أبي مخنف، قال: حدثني عطية بن الحرث، عن عمر بن تميم وعمرو بن بكار أن عليا لما ضرب جمع له أطباء الكوفة فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه

أثير بن بن عمرو بن هاني السكوني، وكان متطببا صاحب كرسي يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، وان أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين علیه السلام دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقا منها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، فقال له: يا أمير المؤمنين إعهد عهدك، فإن عدوّ الله قد وصلت ضربته إلى أمّ

رأسك، فدعا على عند ذلك بصحيفة ودواة وكتب وصيته

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما اوصى به امير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام،

اوصى بأنه يشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمّدا عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون(1) ، صلوات الله وبركاته عليه ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وانا اول المسلمين (2)، اوصيك يا حسن وجميع ولدي واهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا (3)، فإني سمعت رسول الله يقول: إصلاح ذات البين افضل

ص: 209


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كرة الْمُشْرِكُونَ) (التوبة : (33)
2- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 163).
3- اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ

(1)

عامة الصلاة والصيام وان المبيدة الحالقة للدين فساد ذات البين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. انظروا إلى ذوي ارحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

الله الله في الايتام فلا تغبوا افواههم بجفوتكم.

والله الله في جيرانكم فإنها وصية رسول الله علیه السلام ما زال يوصينا بهم حتى ظننا

أنه سيورثهم. والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.

والله الله في الصلاة فانها عماد دينكم.

والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فانه إن ترك لم تناظروا، وإنه

إن خلا منكم لم تنظروا.

والله الله في صيام شهر رمضان فانه جنة من النار. والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وانفسكم. والله الله في زكاة أموالكم فانها تطفئ غضب ربكم. والله الله في امة نبيكم فلا يظلمن بين اظهركم. والله الله في اصحاب نبيكم فان رسول الله علیه السلام له اوصى بهم.

والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم.

والله الله فيما ملكت ايمانكم فإنها كانت آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال : أوصيكم بالضعيفين فيما ملكت أيمانكم . ثم قال الصلاة الصلاة. لا تخافوا في الله لومة لائم فانه يكفكم من بغى عليكم وأرادكم بسوء قولوا للناس حسنا كما

ص: 210


1- وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ إِذْكُتُتُ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران: 102 - 103)

أمركم الله (1). ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيولي الأمر عنكم وتدعون فلا يستجاب لكم. عليكم بالتواضع والتباذل والتبار. وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر ، ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (2) حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيه استودعكم الله خير مستودع وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته(3)

وبالاسناد عن الشيخ الصدوق ( ت / 381 ه-) في من لا يحضره الفقيه قال (ت 381ه-) روى عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : شهدت وصية عليّ بن أبي طالب علیه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمّدا وجميع ولده ورؤساء أهل بيته وشيعته علیهم السلام، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح ، ثم قال علیه السلام: يا بني أمرني

الليل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أوصى إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله علیه السلام ودفع إلى كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين ، قال : ثم أقبل على ابنه الحسين علیه السلام فقال : وأمرك رسول

الله صلى الله عليه وسلم أن تدفعه إلى ابنك علي بن الحسين، ثم أقبل علي ابنه عليّ بن الحسين علیهما السلام فقال : وأمرك رسول الله علیه السلام أن تدفع وصيتك إلى ابنك محمّد بن علي، فأقرأه من رسول الله علیه السلام مني السلام.

ثم اقبل على ابنه الحسن علیه السلام فقال : يا بنى أنت ولي الأمر وولي الدم فإن عفوت

فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم ثم قال : اكتب

، بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أن--ه

ص: 211


1- في قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنتُمْ مُعْرِضُونَ ) (البقرة : (83) .
2- المائدة : 2 .
3- مقاتل الطالبيين ؛ لأبي الفرج الأصفهاني : 23 - 25.

يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمّداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ولو كره المشركون صلی الله علیه و آله وسلم(1) ، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك امرت وأنا من المسلمين (2)، ثم إني أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى الله ربكم وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلْفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ(3) ، فاني سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وإن البغضة حالقة الدين وفساد ذات البين ولا قوة إلا بالله . انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب

والله الله في الايتام فلا تعرّ أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم؛ فإني سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يقول من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لاكل مال اليتيم النار .

والله الله فى القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.

والله الله فى جيرانكم فإن الله ورسوله أوصيا بهم.

والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا فإن

ص: 212


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرَة الْمُشْرِكُونَ ﴾ (التوبة : 33) .
2- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وبذلك أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 163).
3- اقتباس من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران : 102 - 103) .

أدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف من ذنبه .

وإنها عمود دينكم.

والله الله في الصلاة فانها خير " والله الله فى الزكاة فإنها تطفئ غضب ربكم.

والله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جنة من النار.

والله الله في الفقراء والمساكين فشاركوهم في معيشتكم .

والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فإنما يجاهد في سبيل الله

:رجلان إمام هدى، ومطيع له مقتد بهداه.

والله الله في ذرية نبيكم فلا تظلمن بين أظهركم وأنتم تقدرون على الدفع عنهم . والله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يؤوا محدثا ، فإن

رسول الله صلى الله عليه وسلم اوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوي للمحدث.

والله الله في النساء وما ملكت ايمانكم لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم الله

من أرادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما امركم الله عز وجل (1). لا تتركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله الامر شراركم ثم تدعون

فلا يستجاب لكم.

عليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبار، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (2)حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم وأستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام . ثم لم يزل يقول : لا إله إلا الله حتى قبض صلوات الله عليه وسلامه في أول ليلة

ص: 213


1- في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّبْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنتُمْ مُعْرِضُونَ ) (البقرة : 83) .
2- المائدة : 2 .

من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان ليلة الجمعة لأربعين سنة مضت من الهجرة .(1)

وبالاسناد عن الهاروني ( ت / 424 ه-) في تيسير المطالب » ، قال اخبرنا ابو( 424ه-) ا عبدالله احمد بن محمّد البغدادي ، قال أخبرنا ابو الفرج علي بن الحسن القرشي المعروف بابن الأصبهاني، قال حدثنا أحمد بن عيسى، قال حدثني الحسين بن

نصر، قال حدثني عطية بن الحرث عن عمر ابن تميم وعمرو بن بكاران علياً لما ضرب جمع له اطباء أهل الكوفة فلم يكن فيهم أعلم بجرحه من أثير بن عمرو هاني السكوني وكان متطبباً صاحب كرسي يعالج الجراحات وكان من الأربعين غلاماً الّذي كان خالد بن الوليد أصابهم في بيعة عين التمر فسباهم وان أثيراً لما نظر جرح أمير المؤمنين علیه السلام دعا برية شاة حارة فاستخرج منه عرقاً منها فأدخله الجرح ثم استخرجه فإذا فيه بياض الدماغ ، فقال له : يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته الى ام رأسك، وروي عن عمرو بن ذي مر ، قال: قلت له يا أمير المؤمنين انه ،خدش وليس بشي ، فقال علیه السلام: اني مفارقكم ،

اني مفارقكم ، ودعا بصحيفة ودواة وكتب وصيته :

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم هذا ما اوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام اوصى أنه يشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمّداً عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (2) ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا اول المسلمين(3) ،

ص: 214


1- من لا يحضره الفقيه ؛ للشيخ الصدوق 4: 189 - 190.
2- اقتباس من قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرَة الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة : 33).
3- اقتباس من قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 163).

ثم اني اوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ربنا وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا (1) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، وان المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، انظروا ذوي ارحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

والله الله فى الايتام لا تغيروا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم.

والله الله في جيرانكم فإنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زال يوصي بهم حتى ظننا

انه سيورثهم. والله الله في القرآن لا يسبقنكم إلى العمل به غيركم

والله الله في الصلوات فإنها عماد دينكم.

والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم .

والله الله في صيام شهر رمضان فإنه جنة من النار. والله الله في زكاة أموالكم فإنها تطفئ غضب ربكم.

والله الله في امة نبيكم فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أوصى بهم والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم.

والله الله فيما ملكت ايمانكم ثم قال: الصلوات الصلوات ثم قال: لا تخافوا في الله لومة لائم، فإنه يكفيكم من بغى عليكم وأرادكم بسوءٍ، قولوا للناس حسناً كما أمركم الله (2)، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن

ص: 215


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَأَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران : 102 - 103)
2- في قوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى -

(1)

المنكر فيلي الأمر غيركم وتدعون فلا يستجاب لكم عليكم بالتواضع والتباذل وإياكم والتقاطع والتفرق والتدابر ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ

، وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (2)، حفظكم الله من أهل بيت واستودعكم الله خير مستودع، وأقرأ عليكم سلام الله ورحمته ) . (3) وبالاسناد عن الموفق الخوارزمي (ت / 568ه-) في «المناقب»، قال: أخبرنا الشيخ الزاهد الحافظ أبو الحسين علي بن أحمد العاصمي ، أخبرنا القاضي الإمام شيخ القضاة اسماعيل بن أحمد الواعظ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا ابراهيم بن اسماعيل القاري، حدثني عمر بن سعيد الدارمي ، حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث بن سعد، أخبرني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن اسلم ان ابا سنان الدولي حدثه أنه عاد عليا علیه السلام في شكوى اشتكاها، قال: فقلت له : لقد تخوّفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه ؟ فقال : ولكني والله ما تخوفت على نفسي منه لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدق يقول: انك ستضرب ضربة هاهنا وضربة هاهنا - واشار إلى صدغيه - فيسيل دمها حتى

تخضب لحيتك ويكون صاحبها اشقاها كما كان عاقر الناقة اشقى ثمود » . (4) قال : وبهذا الاسناد عن أحمد بن الحسين هذا أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد الحارث الاصفهاني الفقيه، أخبرنا محمّد بن حيان - وهو أبو الشيخ الاصبهاني - حدثني أبو الحسين محمّد بن محمّد الجرجاني، عن موسى بن عبد الرحمان.

ص: 216


1- وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) (البقرة : 83).
2- المائدة : 2 .
3- تيسير المطالب 79 - 80، ط / 1395ه-.
4- المناقب ؛ للمرفق الخوارزمي : 380

الكندي، حدثنا أحمد بن الحسين - وفيما اجاز لنا شيخنا أبو عبد الله الحافظ - حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة الاصفهاني، حدثنا أبو جعفر محمد بن العباس بن ايوب الاجرم وأبو حامد أحمد بن جعفر بن سعيد الاشعري، قالا: حدثنا أبو عيسى محمد بن عبد الرحمان بن محمد بن مسروق، حدثنا عثمان بن

عبد الرحمان الحراني ، حدثنا اسماعيل بن راشد :قال كان من حديث ابن ملجم وأصحابه لعنهم الله : أن عبد الرحمان بن ملجم لعنه الله والبرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي، اجتمعوا بمكة فذكروا أمر الناس وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم، وقالوا ما نصنع بالحياة بعده وقالوا اخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا بانفسنا انفسهم فأتينا ائمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فارحنا منهم البلاد وثأرنا بهم اخواننا ؟ فقال ابن ملجم - وكان من أهل مصر - انا اكفيكم علي بن أبي طالب ، وقال البرك بن عبد الله : انا اكفيكم معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر التميمي انا اكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص الرجل منهم عن صاحبه الذي وجّه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا اسيافهم فسموها واتعدوا لتسع عشرة من شهر رمضان، يثب كل واحد منهم إلى صاحبه الذي توجّه إليه، فاقبل كل رجل إلى المصر الذي كان فيه صاحبه الذي طلب، فاما ابن ملجم المرادي لعنه الله فخرج فلقى أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئاً من أمره، فرأى ذات يوم أصحابا له من تيم الرباب وكان ل يقتل منهم يوم النهروان عددا ، فذكروا قتلاهم ولقى من يومه ذلك امرأة من الرباب يقال لها قطام، وقد كان علي قتل اباها واخاها وكانت فائقة الجمال فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها، فخطبها ، فقالت : لا اتزوجك حتى تشفي قلبي ، قال : وما تشائين ؟ قالت ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن

ص: 217

أبي طالب ، فقال : هو مهرك ، فأما قتل علي فلا اراك تدركينه ، قالت : تريدني ؟ قال : ،بلی، قالت فالتمس ،غرته، فان اصبته انتفعت بنفسك ونفسي وتحفد العيش معي ، وان هلكت فما عند الله خير وابقى من الدنيا وزبرج اهلها فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب، قالت: فإذا اردت ذلك فاني اطلب لك من يشدّ ظهرك ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له وردان فكلمته في ذلك فأجابها ، وجاء ابن ملجم رجلا من اشجع يقال له: شبيب بن بحرة ، فقال له : هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال : وما ذاك ، قال : قتل علي بن أبي طالب ، قال : ثكلتك امك ، لقد جئت شيئا اذا ، كيف تقدر على ذلك ؟ قال : اكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة، شددنا عليه فقتلناه فان نجونا شفينا انفسنا وادركنا ثارنا وان قتلنا فما عند الله خير من الدنيا قال له : ويحك لو كان غير علي كان اهون عليّ، قد عرفت بلاءه في الاسلام وسابقته مع النبي وما اجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان العبّاد المصلين ؟ قال بلى قال فاقتله بمن قتل من اخواننا، فاجابه، فجاؤا حتى دخلوا على قطام وهي في المسجد الاعظم معتكفة فيه، فقالوا لها لقد اجتمع رأينا على قتل علي قالت: فإذا اردتم ذلك فأتوني ثم عادوا ليلة الجمعة التي قتل علي في صبيحتها سنة أربعين فقال : هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي ان يقتل كل واحد منا صاحبه فدعت لهم بالحريرة فعصبتهم واخذوا اسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي علیه السلام، فلما خرج شدّ عليه شبيب لعنه الله بالسيف فضربه بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو بالطاق، وضربه ابن ملجم لعنه الله فأقرنه بالسيف، وهرب ،وردان حتى دخل منزله، فدخل عليه رجل من بني أمية وهو ينزع الحريرة من صدره، فقال: ما هذه الحريرة والسيف؟ فاخبره بما كان فانصرف فجاء بسيفه فعلی به وردان حتى قتله وخرج شبيب نحو أبواب كندة

ص: 218

في الغلس، فصاح الناس فلقيه رجل من حضرموت يقال له: عويص، وفي يد شبيب السيف فاخذه وجثم عليه الحضرمي، فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه وسيف شبيب في يده خشي على نفسه فتركه فنجا بسيفه ونجا شبيب في غمار الناس، فشدوا على ابن ملجم لعنه الله فاخذوه إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا إذا أخذه فضرب رجله فصرعه . وتأخّر عليّ فدفع في ظهر جعدة بن هبيرة المخزومي فصلى بالناس الغداة ثم قال عليّ علیه السلام: عليّ بالرجل، فادخل عليه فقال: أي عدو الله ، ألم أحسن اليك ؟

قال :بلى قال : فما حملك على هذا ؟ قال ان سيفي هذا شحذته اربعين صباحا فسألت الله ان يقتل به شر خلقه، فقال علي علیه السلام: فلا اراك إلا مقتولاً به ولا أراك إلّا

من شرّ خلق الله .

فذكروا : أن محمّد بن حنفية ، قال : والله اني لأصلّى تلك الليلة التي ضرب فيها

ا عليّ بن أبي طالب في المسجد في رجال كثير من المصر، يصلّون قريبا من السدة ما هم إلا قياما وركوعا وسجودا فلا يسأمون من أول الليل إلى آخره إذ خرج علي الصلاة الغداة فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة، الصلاة، فما ادرى اخرج من السدة فتكلم إذ نظرت إلى بريق السيوف وسمعت الحكم الله لا لك يا على ولا لأصحابك، فرأيت سيفا ثم رأيت ثانياً، وسمعت عليا علیه السلام يقول : لا يفوتنكم الرجل، وشد عليه الناس من كل جانب، فلم ابرح حتى أخذ ابن ملجم قبحه الله وأدخل على علي علیه السلام، فدخلت فيمن دخل، فسمعت عليا علیه السلام يقول : النفس بالنفس ، فان هلكت فأقتلوه كما قتلني، وان بقيت رأيت فيه رأيي وذكروا أن الناس دخلوا على الحسن بن علي فزعين لما حدث من أمر علي علیه السلام

فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه إذ ثارت ام كلثوم بنت علي علیه السلام فقالت: أي عدو الله انه لا بأس على أبي، والله يخزيك ، فقال ابن ملجم : على ما تبكين ؟ لقد اشتريت سيفي بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة لجميع

ص: 219

أهل الأرض ما بقي أحد .

وذكروا ان جندب بن عبد الله دخل على علي علیه السلام يسليه فقال : يا أمير المؤمنين ان فقدناك - فلا نفقدك - فنبايع الحسن ؟ قال : لا آمركم ولا انها كم انتم ابصر ، قال : ،فرد فدعا حسنا وحسينا فقال: أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تبكيا على شي زوي عنكما، وقولا الحق وارحما اليتيم واعينا الضائع واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً ، اعملا بما في الكتاب فلا تأخذكما في الله لومة لائم.

ثم نظر إلى محمّد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك ؟ قال : نعم ، قال : فاني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك ، لعظيم حقهما عليك ولا تؤثر أمراً دونهما.

ثم قال: اوصيكما ،به فانه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما ان أباكما كان يحبه، وقال للحسن يا بني أوصيك بتقوى الله وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها، فانه لا صلاة إلا بطهور ولا تقبل الصلاة ممن منع الزكاة، وأوصيك يعفو الذنب وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الامر والتعاهد في القرآن وحسن الجوار والامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش

فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هذا ما أوصى به عليّ بن أبي طالب، أوصى انه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون(1)، ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين

ص: 220


1- اقتباس من قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة : 33)

لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين(1) ، ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي ومن يبلغه كتابي بتقوى الله ربكم وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (2) فاني سمعت أبا القاسم علیه السلام يقول : ان صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام. انظروا إلى ذوي ارحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب.

الله الله في الايتام فلا تغيروا افواههم ولا يضيعن بحضرتكم.

الله الله في جيرانكم فانهم وصية نبيكم ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم .

الله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم.

الله الله في الصلاة فانها عماد دينكم.

الله الله في بيت ربكم فلا يخلون ما بقيتم فانه ان ترك لم تناظروا . الله الله في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار .

الله الله في الجهاد في سبيل الله باموالكم وأنفسكم. الله الله فى الزكاة فانها تطفى غضب الرب . الله الله في ذمة أهل بيت نبيكم فلا يظلموا بين ظهرانيكم. الله الله في أصحاب نبيكم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بهم.

الله الله في الفقراء والمساكين فاشركوهم في معايشكم . الله الله فيما ملكت ايمانكم فان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قال : أوصيكم

ص: 221


1- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام: 163 ) .
2- اقتباس من قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (آل عمران : 102 - 103) .

بالضعيفين نساؤكم وما ملكت ايمانكم الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم يكفيكم من ارادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله (1) . ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتولى الأمر شراركم ثم تدعو فلا يستجاب لكم . علكيم بالتواصل والتباذل وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ

الْعِقَابِ ) (2) .

حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم استودعكم الله وأقرأ عليكم

السلام ورحمة الله وبركاته.

ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان سنة اربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات، وولي الحسن عمله ستة اشهر، وقد كان علي انهى الحسن عن المثلة فقال : يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون : قتل أمير المؤمنين علیه السلام، الا لا يقتل بي إلا قاتلی ، انظر يا حسن، ان أنا متّ من ضربتي هذه، قاضر به ضربة، ولا تمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله علیه السلام يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، فلما قبض علىّ علیه السلام بعث الحسن علیه السلام إلى ابن ملجم لعنه الله ، فقال للحسن : هل لك في خصلة ، اني والله ما اعطيت عهدا إلا وفيت به اني اعطيت الله عهداً أن اقتل علياً ومعاوية أو اموت ،دونهما، فان شئت خليت بيني وبينه ولك الله عليّ ان اقتله وان قتلته ثم بقيت

ص: 222


1- في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى والْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وأَنتُمْ مُعْرِضُونَ ) (البقرة : 83).
2- المائدة : 2 .

لآتينك حتى اضع يدي في يدك، فقال: لا والله حتى تعاين النار، ثم قدّمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم احرقوه بالنار» (1)

ص: 223


1- المناقب ؛ للموفق الخوارزمي : 380 - 385

[ الكتاب( 48 ) ]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين

(267) والثقفي في كتاب الغارات [ابن ابي الحديد ج ص 104]». (انتهى) (1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم

المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفّين»، قال: فحدثني فضيل بن خديج، عن رجل من النخع، قال: رأيت إبراهيم ابن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير فسأله عن الحال كيف كانت ؟ فقال : كنت عند على حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه، وقد كان الأشتر أشرف على معسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي يزيد بن هانئ: أن ائتني . فأتاه فبلغه ، فقال الأشتر : انته فقل له : ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك

أن تزيلني فيها عن موقفي. إني قد رجوت الله أن يفتح لي فلا تعجلني ، فرجع يزيد بن هانئ إلى على فأخبره ، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج وعلت الأصوات من قبل الأشتر وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام ، فقال له القوم والله ما نراك إلّا أمرته بقتال القوم . :قال: أرأيتموني ساررت رسولي إليه ؟ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية

ص: 224


1- راجع : استناد نهج البلاغة

وأنتم تسمعون؟. قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا فوالله اعتزلناك . قال : ويحك يا يزيد، قل له أقبل إلي ، فإن الفتنة قد وقعت . فأتاه فأخبره فقال له الأشتر الرفع هذه المصاحف ؟ قال : نعم. قال: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا وفرقة إنها من مشورة ابن النابغة - يعني عمرو بن العاص - قال : ثم قال ليزيد: ويحك ألا ترى إلى ما يلقون، ألا ترى إلى الذي يصنع الله لنا، أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ؟! فقال له يزيد أتحب أنك ظفرت هاهنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه ويسلّم إلى عدوّه ؟! قال: سبحان الله ، لا والله ما أحب ذلك. قال: فإنهم قالوا لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان ، أو لتسلمنك إلى عدوّك . قال : فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم ، فصاح فقال : يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون ورفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ؟! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها وسنة من أنزلت عليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا ، فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا. قال: فأمهلوني عدوة الفرس، فإني قد طمعت في النصر . قالوا إذن ندخل معك في خطيئتك . قال : فحدثوني عنكم - وقد قتل أماثلكم وبقي أراذلكم - متى كنتم محقين ، أحين كنتم تقتلون أهل الشام فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون، أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون ؟ فقتلاكم إذن الذين - لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم - في النار. قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله . إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا . قال : خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون فسبوه وسبهم ، وضربوا بسياطهم وجه ،دابته وضرب

ص: 225

بسوطه وجوه دوابهم، فصاح بهم عليّ فكفوا . وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين، احمل الصف على الصف يصرع القوم فتصايحوا إن عليا أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ورضى بحكم القرآن ولم يسعه إلا ذلك. قال الأشتر : إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي بحكم القرآن، فقد رضيت بما رضي أمير المؤمنين. فأقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين قد قبل أمير المؤمنين. وهو ساكت لا يبضُ بكلمة، مطرق إلى الأرض. وقال أبو محمد نافع بن الأسود التميمي

ألا أبلغا عني عليا تحية ***فقد قبل الصماء لما استقلت

بنى قبة الإسلام بعد انهدامها*** وقامت عليه قصرة فاستقر

ت كأن نبيا جاءنا حين هدمها ***بما سن فيها بعد ما قد أبرت

قال: ولما صدر عليّ من صفين أنشأ يقول:

وكم قد تركنا في دمشق وأرضها ***من أشمط موتور وشمطاء ثاكل

وغانية صاد الرماح حليلها ***فأضحت تعد اليوم إحدى الأرامل

تبكي على بعل لها راح غاديا ***فليس إلى يوم الحساب بقافل

وإنا أناس ما تصيب رماحنا ***إذا ما طعنا القوم غير المقاتل

قال :وقال الناس قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما. وبعث معاوية

أبا الأعور السلمي على برذون أبيض ، فسار بين الصفين : صف أهل العراق وصف أهل الشام، والمصحف على رأسه وهو يقول: كتاب الله بيننا وبينكم . فأرسل معاوية إلى علي: إن الأمر قد طال بيننا وبينك، وكل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه ، ولن يعطي واحد منا الطاعة للآخر، وقد قتل فيما بيننا بشرّ كثير، وأنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى، وإنا سوف نسأل الموطن، ولا يحاسب به غيري وغيرك، فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وبراءة، وصلاح للأمة، وحقن للدماء، وألفة للدين، وذهاب للضغائن والفتن: أن

عن

ذلك

ص: 226

يحكم بيننا وبينك حكمان رضيان، أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك ،

فيحكمان بما في كتاب الله بيننا، فإنه خير لي ولك، وأقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت له وارض بحكم القرآن إن كنت من أهله . أهله. والسلام

فكتب إليه عليّ بن أبي طالب من عبد الله على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد، فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما يحسن به فعله، ويستوجب فضله، ويسلم من عيبه. وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه و دنياه ويبديان من خلله عند من يغنيه ما استرعاه الله ما لا يغني عنه تدبيره. فاحذر الدنيا فإنه لا فرح في شي وصلت إليه منها . ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته . وقد رام قوم أمراً بغير الحق فتأولوا على الله تعالى، فأكذبهم ومتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ . فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، ويندم فيه من أمكن الشيطان من قياده ولم يحاده فغرته الدنيا واطمأن إليها. ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت انك لست من أهل القرآن، ولست

حكمه تريد . والله المستعان . وقد أجبنا القرآن إلى حكمه، ولسنا إياك أجبنا. ومن

لم يرض بحكم فقد ضل ضلالا بعيدا . (1)

ص: 227


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 490 - 494 .

[ الكتاب (49)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: اما بعد فان الدنيا مشغلة... الى آخره، عن نصر بن مزاحم : ان هذا الكتاب كتبه كتبه الى

عمرو بن العاص، وفيه زيادة واختلاف يسير (1)

روبن قال العرشي في التخريج ما نصّه : رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين

(60) و (269) والدينوري في الاخبار الطوال ( 174) انتهى(2)

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في حديث عمر بن سعد، قال: في وقعة صفين» في حدیث عر بن سعد ، قال : وكتب إلى عمرو بن العاص : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص . أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، وصاحبها مقهور فيها، لم يصب منها شيئا قط إلا فتحت له حرصا ، وأدخلت عليه مؤونة تزيده رغبة فيها، ولن يستغنى صاحبها بما نال عما لم يبلغه ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، والسعيد من وعظ بغيره. فلا تحبط أجرك

ص: 228


1- مدارك نهج البلاغة : 102 .
2- راجع : واستناد نهج البلاغة.

أبا عبد الله ، ولا تجارين معاوية في باطله فإن معاوية غمص الناس وسفه

الحق والسلام(1)

ص: 229


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 110 .

[ الكتاب( 50)]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: «الكتاب الخمسون، اما بعد فان حقا على الوالي ان لايغيره على رعيته فضل اله ... الى آخره .[ ج 2 ص 88] رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين». انتهى . (1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212 ه-) في وقعة صفين» في حديث عمر بن سعد ، قال : وكتب إلى أمراء الجنود: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين. أما ،بعد ، فإن حق الوالي ألا يغيره على رعيته أمر ناله ولا أمر خص به، وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم. ألا وإن لكم عندي ألا أحتجز دونكم سرا إلا في حرب، ولا أطوي عنكم أمرا إلا في حكم، ولا أؤخر حقا لكم عن محله

ولا أرزاكم شيئا، وأن تكونوا عندي في الحق سواء. فإذا فعلت ذلك وجبت عليكم النصيحة والطاعة. فلا تنكصوا عن دعوتي، ولا تفرطوا في صلاح دينكم من دنياكم، وأن تنفذوا لما هو الله طاعة، ولمعيشتكم صلاح، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ولا يأخذكم في الله لومة لائم. فإن أبيتم أن تستقيموا لي

ص: 230


1- راجع : استناد نهج البلاغة

على ذلك لم يكن أحد أهون على ممن فعل ذلك منكم ، ثم أعاقبه عقوبة لا يجد عندي فيها هوادة فخذوا هذا من أمرائكم، وأعطوهم من أنفسكم، يصلح الله أمركم . والسلام» (1)

ونقل أبو جعفر الإسكافي ( ت / 220 ه-) في المعيار والموازنة تحت عنوان: ذكر قبسات من حججه البالغة وكتبه المنيرة وسيرته الميمونة ورأيه الصائب وتدبيره الباهر ، قال : ذكروا أن رجلا قام إليه يقال له : أبو بردة - وكان ممن تخلف عنه يوم الجمل - فقال : يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة وطلحة والزبير ؟ بم قتلوا ؟

قال: بمن قتلوا من شيعي وعمالي، وقتلهم أخا ربيعة العبدي رحمة الله عليه في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث كما نكشتم، ولا نغدر كما غدرتم. فقتلوهم، فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني منهم ، أقتلهم بهم ، ثم كتاب الله بيني وبينهم حكم ، فأبوا وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي، ودماء قريب من ألف إنسان من المسلمين من شيعتي، فقاتلتهم بهم، أو في شك أنت من ذلك ؟ فقال : قد كنت في شك، فأما الآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم، وأنك

المهتدي المصيب. فشهد معه وقعة صفّين.

وذكروا أنه كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام إلى معاوية، أما بعد، فإن الله أنزل علينا كتابه فلم يدعنا في شبهة، ولا عذر لمن ركب ذنبا بجهالة والتوبة مبسوطة ، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (2) ، وأنت أول

ص: 231


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 107
2- اقتباس من قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبَّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام: 164) ، وقوله : ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا

(1)

من شرع الخلاف متماديا في غرّة الامل ، مختلف العلانية والسريرة رغبة في العاجل، وتكذيبا بعد في الأجل، وكأنك قد تذكرت ما مضى منك ، فهم تجد إلى الرجوع سبيلا.

وكتب أيضا إلى عمرو بن العاص : من عبد الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى عمرو بن العاصي، أما بعد فإن الذي أعجبك مما تلويت من الدنيا، ووثقت به منها منفلت منك، فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة، ولو اعتبرت بما مضى حذرت ما بقي وانتفعت منها بما وعظت به ولكن أتبعت هواك وآثرته، ولولا ذلك لم تؤثر على ما دعوناك إليه لأنا أعظم الرجاء وأولى

بالحجة، والسلام. ثم كتب علیه السلام إلى أمراء الجنود وأمراء الخراج: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أصحاب المسالح . اما بعد، فإنه حق على الوالي أن لا يغيره عن رعيته فضل ناله، ولا فضل مرتبة خص بها وأن يزيده ما قسم الله له دنوا من عباده وعطفا عليهم، ألا وإن لكم عندي أن لا أحتجز دونكم سرا إلا سرا في حرب، ولا أطوي دونكم أمرا إلا في حكم ، ولا أؤخر النعمة بكم عن محله وأن تكونوا عندي في الحق سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت الله عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة، وأن لا تنكصوا عن دعوة، ولا تفرطوا في صلاح، وأن تخوضوا الغمرات إلى الحق ، فإن أنتم لم تسمعوا لي على ذلك، لم يكن أحد أهون عليّ

محمد

ص: 232


1- كنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء : (15) ، وقوله : (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (فاطر: (18) ، وقوله : (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ الله غَنِي عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى ن رَبِّكُم مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ (الزمر: 7) ، وقوله : ( ألا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (النجم: 38) .

ممن فعل ذلك منكم ، ثم أعظم فيه عقوبته، ولا يجدي عندي فيها رخصة ، فخذوا هذا من أمرائكم وأعطوا من أنفسكم هذا يصلح الله لكم أمركم ، والسلام(1)

ص: 233


1- المعيار والموازنة ؛ لأبي جعفر الإسكافي : 102 - 104

[ الكتاب (51)]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: ( رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين )

(58) . (انتهى) (1)

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم

المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفّين» في حديث عمر بن سعد، قال : وكتب إلى أمراء الخراج بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى أمراء الخراج أما بعد فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ولم يحرزها. ومن اتبع هواه وانقاد له على ما يعرف نفع عاقبته عما قليل ليصبحن من النادمين ألا وأن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن أشقاهم من اتبع هواه فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير ، وما سوى ذلك وددتم لو أن بينكم وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف ورحيم بالعباد (2).

وإن عليكم ما فرطتم فيه ، وإن الّذي طلبتم ليسير، وإن ثوابه لكبير . ولو لم يكن فيما نهى عنه من الظلم والعدوان عقاب يخاف ، كان في ثوابه مالا عذر لأحد بترك

ص: 234


1- راجع : استناد نهج البلاغة .
2- اقتباس من قوله تعالى : ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران : 30).

طلبته، فارحموا ترحموا ، ولا تعذبوا خلق الله ، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، وأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية . لا تتخذن حجابا ، ولا تحجبن أحدا عن حاجته حتى ينهيها إليكم . ولا تأخذوا أحدا بأحد إلا كفيلا عمّن كفل عنه، واصبروا أنفسكم على ما فيه الاغتباط، وإياكم وتأخير العمل ودفع الخير، فإن في ذلك الندم والسلام(1) .

وروى أبو جعفر الإسكافي (ت / 220 ه-) في المعيار والموازنة»: كتاب أمير المؤمنين علیه السلام إلى أصحاب الخراج قال وذكروا أيضا أن أمير المؤمنين علي بن أبي

طالب علیه السلام كتب إلى أصحاب الخراج من عبد الله على أمير المؤمنين إلى أصحاب الخراج ، سلام عليكم . أما بعد فإنه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدم لنفسه ما يحررها ومن اتبع هواه وانقاد له وآثر ذلك على ما يعرف أهلك نفسه وعما قليل ليصبحن نادمين ألا وإن أسعد الناس في الدنيا من عدل عما يعرف ضره، وإن

أشقاهم من اتبع هواه. فاعتبروا واعلموا أن لكم ما قدمتم من خير وما كان مما سوى ذلك ، وددتم لو أن بينكم وبينه أمدا بعيدا ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤوفُ بِالْعِبَادِ) (2) . واعلموا أن عليكم وبال ما فرطتم فيه ، وأن الذي كلفتم ليسير ، وأن ثوابه لكبير . ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف، كان ثوابه ما لا عذر لاحد بترك طلبه، فارحموا ترحموا ، ولا تعذبوا خلق الله ولا

تكلفوهم فوق طاقتهم وأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم فإنكم خزان الرعية . ولا تتخذوا حجابا ، ولا تحبسوا أحدا عن حاجته، ولا تأخذوا أحدا بأحد إلّا كفيلا عمن كفل عنه واصبروا أنفسكم على ما فيه اغتباطكم وإياكم وتأخير العمل بالتواني والعلل، ودفع الخير بالكسل، فإن في ذلك حرمان الابد.

ص: 235


1- وقعة صفّين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 108
2- آل عمران: 30

وخذوا على أيدي سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاؤنا، ولذلك قال الله : ( قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ )(1)وإن الله إذا مقت قوما أهلكهم، فلا تدخروا أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة، ولا الرعية معونة ولا دين الله قوة، وأبلوا قوتكم في سبيله ما استوجب عليكم فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم فيحب أن نشكره جهدنا وأن ننصره ما بلغت ،قوتنا، ولا قوة إلا بالله (2)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال عن عبد الملك بن عمیر ، قال أخبرني رجل من ثقيف قال : استعملني علي بن أبي طالب على برج سابور فقال: «لا تضربن رجلا سوطا في جباية درهم، ولا تبيعن لهم رزقا ولا كسوة شتاء ولا صيف ولا دابة يعلمون عليها، ولا تقم رجلا قائما في طلب درهم. قلت: يا أمير المؤمنين إذن أرجع اليك كما ذهبت من عندك، قال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو يعني الفضل (ص)(3)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 985 ه-) في كنز العمال عن رجل من ثقيف ، قال : استعملني عليّ بن أبي طالب على عكبرا فقال لي وأهل الأرض عندي أن أهل السواد قوم خدع ، فلا يخدعنك فاستوف ما عليهم ، ثم قال لي : رح إليّ فلما رجعت إليه ، قال لي : إنما قلت لك الذي قلت لك الذي قلت لأسمعهم، لا تضربن رجلا منهم سوطا في طلب درهم ولا تقمه قائما ولا تأخذن شاة

منهم ولا بقرة، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو ؟ أتدري ما العفو؟ الطاقة». (ابن زنجويه

في الأموال) (4)

ص: 236


1- الفرقان : 77
2- المعيار والموازنة ؛ لأبي جعفر الإسكافي : 122 - 123 .
3- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 4 : 508 ، ح 11488 .
4- كنز العمال للمتقي الهندي 5: 773 ، ح 9 14349 .

[ الكتاب (52 ) ]

قال الجلالي: تقدم الاسناد عن الطوسي ( ت / 460 ه-) في الكتاب (27)

ما يتضمن هذا المعنى، فراجع.

ص: 237

[ الكتاب ( 53 ) ]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: « قوله علیه السلام: هذا ما أمر به عبد الله عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر ... إلى آخره. في كتاب تحف العقول للشيخ الجليل محمّد الحسن بن علي بن شعبة المتوفى سنة 332 قال عهده إلى الاشتر حين ولاه مصر وأعمالها هذا ما أمر به عبدالله عليّ أمير المؤمنين علیه السلام ...إلى آخر العهد المذكور هنا، وبين العهدين - عهدي النهج والتحف - إختلاف في زيادة بعض الفقرات ونقصانها، وفي بعض الالفاظ والكلمات . قال الفاضل ابن أبي الحديد في شرحه [ص 28 ج 2] إن الاليق أن يكون الكتاب الذي كان معاوية ينظر فيه ويعجب منه ويفتي به ويقضي بقضاياه وأحكامه هو عهد علي علیه السلام إلى الاشتر، فانه نسيج وحده، ومنه تعلم الناس الآداب والقضايا

والاحكام والسياسة، وحقيق بمثله أن يقتنى في خزائن الملوك» (1)

قال العرشي في التخريج ما نصه: رواه الحرّاني في تحف العقول (28).

انتهى .(2)

ص: 238


1- مدارك نهج البلاغة : 103 .
2- راجع استناد نهج البلاغة .

قال الجلالي وردت مقاطع من النصّ فيما أرويه بالاسناد عن ابن شعبة الحراني (ت / 336 - ح ) فقد نقله بطوله في تحف العقول ص 84 - 99 ط / 1385ه-، فراجع.

وبالاسناد عن النجاشي ( ت / 450 ه-)، قال: «صعصعة بن صوحان العبدي، روی عهد مالك بن الحارث الاشتر. قال ابن نوح حدثنا علي بن الحسين بن شقير الهمداني، قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي بن حاتم التميمي ، قال : حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عمرو بن ثابت عن جابر قال : سمعت الشعبي ذكر ذلك عن صعصعة ، قال : لما بعث عليّ علیه السلام مالكا الاشتر كتب إليهم : من عبد الله أمير المؤمنين إلى نفر من المسلمين، سلام عليكم إني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد: فاني قد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف ولا ينكل عن الاعداء، حراز الدوائر لا ناكل من قدم ولا واهن في عزم أشد عباد الله بأسا

، وأكرمهم حسبا، أضرّ على الكفار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، مالك بن الحارث أخا مذحج لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد عليم في الجد رزين في الحرب ، نزل اصيب وصبر جميل فاسمعوا وأطيعوا أمره ، فإن أمركم بالنفر فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فانه لا يقدم ولا ي-حج-م لا بأمري، وقد أثرتكم به على نفسي ، لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوّكم. عصمكم الله بالتقوى وزينكم بالمغفرة، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وذكر الحديث (1)

وهو

وبالاسناد عن الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه-) في الفهرست»، قال: «الاصبغ ابن نباتة رحمه الله ، كان الأصبغ من خاصة امير المؤمنين علیه السلام وعمّر بعده، روی عهد مالك الاشتر الّذي عهده إليه أمير المؤمنين علیه السلام لما ولاه مصر، وروى وصية

ص: 239


1- رجال النجاشي : 203 .

امير المؤمنين علیه السلام الى ابنه محمّد بن الحنفية. اخبرنا بالعهد ابن أبي جيد، عن محمّد بن الحسن عن الحميري، عن هارون بن مسلم والحسن بن طريف ، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف عن الاصبغ بن

جميعا،

نباتة، عن أمير المؤمنين علیه السلام.

واما الوصية، فاخبرنا بها الحسين بن عبيد الله ، عن الدوري، عن محمّد بن

احمد بن أبي الثلج، عن جعفر بن محمّد الحسيني، عن علي ابن عبدك الصوفي عن الحسن بن طريف عن الحسين بن علوان عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة المجاشعي ، قال : كتب امير المؤمنين علیه السلام الى ولده محمد بن

الحنفية بوصيته. وروى الدوري عنه ايضا مقتل الحسين بن علي علیه السلام عن احمد بن محمّد بن سعيد ، عن احمد بن يوسف الجعفي، عن محمّد بن يزيد النخعي، عن احمد بن الحسين، عن أبي الجارود، عن الأصبغ ، وذكر الحديث بطوله » .(1)

وبالاسناد عن ابن عساكر ( ت / 571ه-) في تاريخ مدينة دمشق»، قال أخبرنا أبو القاسم العلوي، أنا رشاً بن ،نظيف نا الحسن بن إسماعيل، أنا أحمد ابن مروان نا محمّد بن عبد العزيز محمّد بن الحارث عن المدائني ، قال : كتب علي بن أبي طالب علیه السلام إلى بعض عماله رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة ويتمنى المضيع التوبة والظالم الرجعة.

قال و نا ابن ،مروان نا محمّد بن غالب ، نا أبو حذيفة، عن سفيان الثوري عن زبيد اليامي، عن مهاجر العامري، قال: كتب علي بن أبي طالب علیه السلامعهدا لبعض أصحابه على بلد فيه أما بعد، فلا تطولن حجابك على رعيتك فإن احتجاب

ص: 240


1- الفهرست ، للشيخ الطوسي : 85.

الولاة على الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور ، والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به

الأمور ، وليست على القول سمات يعرف بها ضروب الصدق من الكذب فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق فقيم احتجابك من حق واجب أن تعطيه أو خلق كريم تسديه به ، وإما مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا عن ذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك: من شكاة مظلمة أو

طلب إنصاف ، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله»(1)

وبالاسناد الى ابن شهر اشوب ( ت / 588 ه-) ، قال : « الأصبغ بن نباتة روى عهد

مالك الاشتر ووصية امير المؤمنين علیه السلام الى محمّد بن الحنفية . (2)

قال الجلالي : ولا يخفى ان العهد كان اول ما بحثت عن سنده، وذلك لان سيدنا الاستاذ الخوئي دام ظله في بحث الأصول في رجب 82 ه- ليلاً ، قال ما فحواه ان عهد الامام الى مالك الاشتر لم يثبت سنده، وان كان يشبه اسلوب الامام علیه السلام الكن

بمجرد ذلك لا يمكن الاعتماد عليه في مقام الفتوى انتهى كلامه دام ظله. وعلى اثر ذلك شمّرت الساعد لتحصيل ذلك من دون اي مساعد سوى البركات العلوية ممن احتميت بجواره اسد الله الغالب الامام عليّ بن أبي طالب علیه السلام، واسأل الله سبحانه ان يوفقني لاتمامه، وان منع الاجل ان يستمر في

من يجد في نفسه القدرة والكفاءة وكان الله في عون كل مخلص امين. قال ابن أبي الحديد ( ت / 656 ه-) في شرح نهج البلاغة قال إبراهيم

ذلك

ص: 241


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42 515 .
2- معالم العلماء : 22 ، ط / 1353ه-.

فحدثني عبد الله محمّد، عن ابن أبي سيف المدائني ، قال : فلم يلبث محمّد بن بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم ، فقال : يا هؤلاء، إما أن تدخلوا في طاعتنا، وإما أن تخرجوا من بلادنا. فبعثوا إليه : إنا لا نفعل، فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس، فلا تعجل علينا فأبى عليهم، فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم . ثم كانت وقعة صفين وهم لمحمّد هائبون، فلما أتاهم خبر معاوية وأهل الشام ، ثم صار الأمر إلى الحكومة وأن عليا وأهل العراق قد قفلوا عن معاوية والشام إلى عراقهم اجترءوا على محمّد بن أبي بكر ، وأظهروا المنابذة له، فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوي، ومعه يزيد بن الحارث الكناني فقاتلاهم، فقتلوهما . ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا. وخرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه القوم وناس كثير ،آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ عليا توثَبهم عليه ، فقال : ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين: صاحبنا الذي عزلنا بالامس - يعني قيس بن سعد بن عبادة - أو مالك بن الحارث الاشتر، وكان على حين رجع عن صفّين، رد الاشتر إلى عمله بالجزيرة، وقال لقيس بن سعد : أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذربيجان ، فكان قيس مقيما على شرطته، فلما أن انقضى أمر الحكومة كتب عليّ

إلى الاشتر، وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد، فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الاثيم، وأسد به الثغر المخوف . وقد كنت وليت محمّد بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه خوارج، وهو غلام حدث السن، ليس بذي تجربة للحروب، فأقدم علي لننظر فيما ينبغي. واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام. فأقبل الاشتر إلى عليّ ، واستخلف على عمله شبيب بن عامر الازدي - وهو جد

ص: 242

الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار - فلما دخل الاشتر على عليّ حدثه حديث مصر وخبره خبر أهلها وقال له ليس لها غيرك فاخرج إليها

د، رحمك الله ، فإني لا أوصيك اكتفاء برأيك، واستعن بالله على ما أهمك، واخلط الشدة باللين وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم على الشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. فخرج الاشتر من عنده، فأتى برحله وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الاشتر مصر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، فعلم أن الاشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمّد بن أبي بكر، فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به وقال له: إن الاشتر قد ولي مصر ، فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت ، فاحتل في هلاكه ما قدرت عليه . فخرج الاشتر حتى انتهى إلى القلزم حيث تركب السفن من مصر إلى الحجاز،

فأقام به ، به ، فقال له ذلك الرجل ، وكان ذلك المكان مكانه : أيها الامير ، هذا منزل فيه طعام ،وعلف، وأنا رجل من أهل الخراج فأقم واسترح ، وأتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربة عسل ، قد جعل فيها سما، فلما شربها مات

قال إبراهيم : وقد كان أمير المؤمنين كتب على يد الاشتر كتابا إلى أهل مصر

ذلك الشعبي عن صعصعة بن صوحان:

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بمصر من المسلمين سلام الله عليكم فإنى أحمد الله إليكم، الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإني قد بعثت إليكم عبدا من عباد الله ، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر. لا ناكل من قدم ولاواه في عزم ، من أشد عباد الله بأسا ، وأكرمهم حسبا أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الاشتر، حسام صارم لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد ، حليم في السلم، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإن أمركم بالنفر فانفروا،

ص: 243

وإن أمركم أن تقيموا فاقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري. وقد آثرتكم به على نفسي نصيحة لكم، وشدة شكيمة على عدوكم، عصمكم الله بالهدى وثبتكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله . قال إبراهيم وروى جابر ، عن الشعبي، قال: هلك الاشتر حين أتى عقبة أفيق.

قال إبراهيم : وحدثنا وطبة بن العلاء بن المنهال الغنوي عن أبيه، عن عاصم بن كليب عن أبيه، أن عليا لما بعث الاشتر إلى مصر واليا عليها، وبلغ معاوية خبره بعث رسولا يتبع الاشتر إلى مصر وأمره باغتياله، فحمل معه مزودين فيهما شراب، وصحب الاشتر، فاستسقى الاشتر يوما فسقاه من أحدهما . ثم استسقى يوما آخر منه فسقاه من الآخر، وفيه سم فشربه فمالت عنقه، وطلب

الرجل ففاتهم.

قال إبراهيم وحدثنا محرز بن هشام عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة

الضبي ، أن معاوية دس للاشتر مولى لآل عمر، فلم يزل المولى يذكر للاشتر فضل عليّ وبني هاشم، حتى اطمأن إليه، واستأنس به فقدم الاشتر يوما ثقله أو تقدم ،ثقله فاستسقى ماء، فقال له مولى عمر وهل لك في شربة سويق ؟ فسقاه شربة سويق فيها سم فمات. وقد كان معاوية، قال لاهل الشام لما دس إليه مولى :عمر: ادعوا على الاشتر، فدعوا عليه، فلما بلغه ،موته قال: ألا ترون كيف

استجيب لكم؟

قال إبراهيم : وقد روى من بعض الوجوه أن الاشتر قتل بمصر بعد قتال شديد.

والصحيح أنه سقي سما فمات قبل أن يبلغ مصر . قال إبراهيم وحدثنا محمّد بن عبد الله بن عثمان ، عن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني، أن معاوية أقبل يقول لاهل الشام أيها الناس، إن عليا قد وجه الاشتر إلى مصر، فادعوا الله أن يكفيكموه، فكانوا يدعون عليه في دبر كل صلاة

ص: 244

وأقبل الذي سقاه السم إلى معاوية، فأخبره بهلاك الاشتر، فقام معاوية في الناس خطيبا، فقال: أما بعد، فإنه كان لعلي بن أبي طالب يدان يمينان، فقطعت إحداهما

يوم صفين وهو عمار بن ياسر ، وقد قطعت الأخرى اليوم، وهو مالك الاشتر. قال إبراهيم : فلما بلغ عليا موت الاشتر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد الله رب العالمين اللهم إني أحتسبه عندك ، فإن موته من مصائب الدهر. ثم قال: رحم الله مالكا، فلقد وفي بعهده، وقضى نحبه (1) ، ولقى ربه، مع أنا قد وطنا أنفسنا

أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فإنها من أعظم المصيبات.

قال إبراهيم : وحدثنا محمّد بن هشام المرادي عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة الضبي قال : لم يزل أمر علي شديد حتى مات الاشتر، وكان الاشتر بالكوفة أسود من الاحنف بالبصرة.

قال إبراهيم : وحدثنا محمّد بن عبد الله ، عن ابن أبي سيف المدائني ، عن جماعة من أشياخ النخع، قالوا: دخلنا على أمير المؤمنين حين بلغه موت الاشتر، فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه، ثم قال الله در مالك ! وما مالك ! لو كان من جبل

لكان فندا ، ولو كان من حجر لكان صلدا، أما والله ليهدن موتك عالما، وليفرحن عالما، على مثل مالك فلتبك البواكي ! وهل موجود كمالك ؟! قال علقمة بن قيس النخعي: فما زال على يتلهف ويتأسف حتى ظننا أنه

المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياما .

قال إبراهيم : وحدثنا محمّد بن عبد الله، عن المدائني، قال حدثنا مولى

للاشتر، قال : لما هلك الاشتر أصيب في ثقله رسالة علي إلى أهل مصر: من عبد الله أمير المؤمنين إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا الله إذ عصى في

ص: 245


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب : 23) .

الارض، وضرب الجور برواقه على البرّ والفاجر، فلا حق يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه . سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام في الخوف، ولا ينكل من الاعداء، حذار الدوائر ، أشد على الكافرين من حريق النار، وهو مالك بن الحارث الاشتر أخو

مذحج فاسمعوا له وأطيعوا ، فإنه سيف من سيوف الله لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تحجموا فاحجموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته وشدة شكيمته على عدوّه، عصمكم الله بالحق، وثبتكم بالتقوى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال إبراهيم: وحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني ، عن رجاله، أن محمّد ابن أبي بكر لما بلغه أن عليا قد وجّه الاشتر إلى مصر، شقّ عليه، فكتب علیه السلام إليه عند مهلك الاشتر :

أما بعد، فقد بلغني موجدتك من تسريح الاشتر إلى عملك، ولم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد، ولا استزادة لك منّي في الجد، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر مؤنة عليك، وأعجب ولاية إليك ، ألا أن الرجل الذي وليته ،مصر ، كان رجلا لنا مناصحا ، وهو على عدوّنا شديد، فرحمة الله عليه، فقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه ، عنه، وضاعف له الثواب وأحسن له المآب. فأصحر لعدوّك وشمر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله والاستعانة به ، والخوف منه ، يكفك ما همك، ويعنك على ما ولاك . أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلّا برحمته والسلام.

قال فكتب محمّد بن أبي بكر إليه جوابه إلى عبد الله أمير المؤمنين من محمّد بن أبي بكر: سلام عليك، فإني أحمد

ص: 246

إليك الله الّذي لا إله إلا هو. أما بعد فقد انتهى إلى كتاب أمير المؤمنين وفهمته، وعرفت ما فيه، وليس أحد من الناس أشدّ على عدوّ أمير المؤمنين، ولا أرأف وأرق لوليه منّي . وقد خرجت فعسكرت، وأمنت الناس إلا من نصب لنا حربا ، وأظهر لنا خلافا ، وأنا أتبع أمر أمير المؤمنين، وحافظ ولاجئ إليه وقائم به ، والله المستعان على كل حال والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته . (1) وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال عن علي

قال: «القضاة ثلاثة (كر). (2)

وعن قتادة عن أبي العالية، عن علي قال القضاة ثلاثة ؛ فاثنان في النار وواحد في الجنة ، فأما اللذان في النار : فرجل جار على الحق متعمدا، ورجل اجتهد برأيه فأخطأ، وأما الذي في الجنة فرجل اجتهد برأيه في الحق ،فأصاب، فقلت لابي

العالية ما بال هذا الذي اجتهد برأيه في الحق فأخطأ ؟ قال : لو شاء لم يجلس يقضي وهو لا يحسن يقضي». (هق. وقال في تفسير أبي العالية دليل على وزر

من اجتهد برأيه وهو غير أهل الاجتهاد ) .(3)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال ، عن مهاجر بن

عامري ، قال : كتب علي بن أبي طالب عهدا لبعض أصحابه على بلد فيه : أما بعد فلا تطولن حجابك على رعيتك فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق

وقلة علم من الامور والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل، إنما الوالى بشرٌ لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على القول سمات

ص: 247


1- شرح نهج البلاغه ؛لابن ابی حدید 77-73:6.
2- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 5: 801
3- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 5 : 801 ، ح 14426

يعرف بها صروف الصدق من الكذب، فيحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب فانما أنت أحد رجلين : إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من حق تعطيه أو خلق كريم تسدّ به، وإما مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا عن ذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك لا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف، فانتفع بما وصفت لك واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله . (الدينوري، كر) (1)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال عن المدايني قال : كتب عليّ بن أبي طالب إلى بعض عماله رويدا، فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة ويتمنى المضيع

التوبة والظالم الرجعة (الدينوري، كر )(2)

ص: 248


1- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 13: 185 الهندي 13 : 185 ، ح 36553
2- كنز العمال للمتقي الهندي 13: 185 ، ح 1851 ح 36554

[ الكتاب (54) ]

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج : « قوله علیه السلام: اما بعد فقد

علمنا ... الى آخره . ، ذكر هذا الكتاب في كشف الغمة ) .(1)

قال العرشي في التخريج ما نصّه : « رواه ابن قتيبة في الامامة والسياسة (72) ، وأعثم الكوفي في كتاب الفتوح [مناقب ابن شهر آشوب [ج 2 ص 90] .

انتهى وقال حفظه الله في المقدمة : « وقال الجامع: إن هذ الكتاب ذكره أبو جعفر الاسكافي في كتاب المقامات في مناقب أمير المؤمنين. وكان الاسكافي من المعتزلة وأحد سكان حارة الاسكاف ببغداد، وكان إمام المعتزلة ومؤسس الفرقة الاسكافية، قال ابن أبي الحديد ، عن قاضي القضاة أنه في الطبقة السادسة من طبقات المعتزلين . وعاصر الاسكافي الجاحظ، ورد على كتابه العثمانية. وكان معتزلوا بغداد يفضلون عليا علیه السلام على الصحابة أجمعين وكان الاسكافي أحدهم، وتوفي في 240ه- [854 م ] ، كما قال السمعاني في كتاب الأنساب [ 35 الف ] وابن أبي الحديد في الشرح [ج 2 ص 332] . ولم يذكر

ص: 249


1- مدارك نهج البلاغة : 103 .

ابن النديم وصاحب كشف الظنون كتابه هذا، مما يدل على أن الكتاب لم يتداول

بين العلماء» (1)

ص: 250


1- استناد نهج البلاغة ص 16 ، ط / 1957م.

[ الكتاب (56) ]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212 ه-) في وقعة صفين»، عن عمر بن سعد، حدثني يزيد بن خالد بن قطن، أن عليا حين أراد المسير إلى النخيلة دعا زياد بن النضر، وشريح بن هانئ - وكانا على مذحج والأشعريين - قال : يا زياد، اتق الله في كل ممسى ومصبح، وخف على نفسك الدنيا الغرور، ولا تأمنها على حال من البلاء، واعلم أنك إن لم تزع نفسك عن كثير مما يحب مخافة مكروهة، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضر. فكن لنفسك مانعا وازعا من البغي والظلم والعدوان، فإني قد وليتك هذا الجند، فلا تستطيلن عليهم، وإن خيركم عند الله أتقاكم وتعلم من عالمهم، وعلم ،جاهلهم ، واحلم عن سفيههم ، فإنك إنما تدرك الخير بالحلم وكف الأذى والجهل. فقال زياد أوصيت يا أمير المؤمنين حافظا لوصيتك، مؤدبا بأدبك، يرى

الرشد في نفاذ أمرك، والغي في تضييع عهدك.

فأمرهما أن يأخذا في طريق واحد ولا يختلفا، وبعثهما في اثني عشر ألفا على

مقدمته شريح بن هانئ على طائفة من الجند، وزياد على جماعة.

ص: 251

فأخذ شريح يعتزل بمن معه من أصحابه على حدة، ولا يقرب زياد بن النضر فكتب زياد إلى علي علیه السلام مع غلام له أو مولى يقال له : شوذب لعبد الله عليّ أمير

المؤمنين من زياد بن النضر ، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو . أما بعد، فإنك وليتني أمر الناس، وإن شريحا لا يرى لي عليه طاعة ولا حقا، وذلك من فعله بى استخفاف بأمرك، وترك لعهدك، والسلام.

وكتب شريح بن هانئ : سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما ،بعد، فإن زياد بن النضر حين أشركته في أمرك، ووليته جندا من جنودك ، تنكّر واستكبر و مال به العجب والخيلاء والزهو إلى ما لا يرضاه الرب تبارك وتعالى من القول والفعل. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعزله عنا ويبعث مكانه من يحب

فليفعل، فإنا له كارهون .والسلام

فكتب إليهما عليّ : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى زياد بن النضر وشريح بن هانئ سلام عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد ، فإني قد وليت مقدمتي زياد بن النضر وأمرته عليها، وشريح على طائفة منها ،أمير، فإن أنتما جمعكما بأس فزياد بن النضر على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما أمير الطائفة التي وليناه أمرها واعلما أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم، فإذا أنتما خرجتما من بلادكما فلا تسأما من توجيه الطلائع، ومن نقض الشعاب والشجر والخمر في كل جانب كي لا يغتركما عدوّ ، أو يكون لكم كمين. ولا تسيرن الكتائب والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلا على تعبية فإن دهمكم داهم أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدمتم في التعبية. وإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كي ما يكون ذلك لكم ردءا ، وتكون مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا رقباءكم في صياصي الجبال ، وبأعالي الأشراف، ومناكب

ص: 252

الهضاب يرون لكم لئلا يأتيكم عدو من مكان مخافة أو أمن، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا رحلتم فارحلوا جميعا، وإذا غشيكم ليل فنزلتم فحفوا عسكركم بالرماح والأترسة، ورماتكم يلون ترستكم ورماحكم وما أقمتم فكذلك فافعلوا كي لا تصاب لكم غفلة، ولا تلفى منكم غرة، فما قوم حفوا عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار إلا كانوا كأنهم في حصون واحرسا عسكر كما بأنفسكما، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلّا غرارا أو مضمضة ، ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدوكما.

وليكن عندي كل يوم خبر كما ورسول من قبلكما ، فإني - ولا شئ إلا ما شاء الله حثيث السير في آثاركما عليكما في حربكما بالتؤدة، وإياكم والعجلة إلّا أن تمكنكم فرصة بعد الإعذار والحجة. وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما إلّا أن

تبدأ أو يأتيكما أمري إن شاء الله . والسلام (1)

ص: 253


1- وقعة صفّين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 121 - 125 .

[ الكتاب (60) ]

قال العرشي في التخريج ما نصه : « قوله علیه السلام: فإني قد سيرت جنوداً هي مارة بكم.... الى آخره . ج 2 ص 128] رواه ابن مزاحم الكوفي في كتاب الصفين اج (68) بتغيير الالفاظ » . ( انتهى )(1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / 212ه-) في وقعة صفين»، قال: وفي حديث عمر أيضا بإسناده، ثم قال: إن عليا كتب إلى أمراء الأجناد: بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله عليّ أمير المؤمنين، أما بعد، فإني أبرأ إليكم وإلى أهل الذمة من معرّة الجيش، إلا من جوعة إلى شبعة ومن فقر إلى غنى ، أو عمى إلى هدى، فإن ذلك عليهم . فاعزلوا الناس عن الظلم والعدوان، وخذوا على أيدي سفهائكم، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنا فيرد علينا وعليكم دعاءنا ، فإن الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً ) (2) . فإن الله إذا مفت قوما السماء هلكوا في الأرض، فلا تألوا أنفسكم خيرا، ولا الجند حسن سيرة،

ص: 254


1- راجع : استناد نهج البلاغة ، ط / 1957م.
2- الفرقان : 77

ولا الرعية معونة، ولا دين الله قوة، وأبلوا في سبيله ما استوجب عليكم ، فإن الله قد اصطنع عندنا وعندكم ما يجب علينا أن نشكره بجهدنا، وأن ننصره ما بلغت قوتنا ولا قوة إلّا بالله . وكتب أبو ثروان» (1)

ص: 255


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 125 .

[ الكتاب (61)]

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري (ت / 279ه-) في أنساب الأشراف تحت عنوان: السابع من غارات معاوية: غارة عبدالرحمن بن قباث بن أشيم الكناني على الجزيرة » ، قال : قالوا: وكان كميل بن زياد النخعي على هيت في جند من شيعة علي علیه السلام فلما أغار سفيان بن عوف على الانبار، كان كميل قد أتى ناحية قرقيسيا لمواقعة قوم بلغه انهم قد أجمعوا على أن يغيروا على هيت ونواحيها، فقال : أبدوهم قبل أن يبدؤني فإنه يقال : ابدأهم بالصراخ يفر فاستخلف على هيت وشخص بجميع أصحابه، فلما قربهم جيش سفيان عبر أهل هيت ومن بقي بها من أصحاب كميل وكانوا خمسين رجلا، فأغضب ذلك عليا ،وأحفظه ، فكتب إليه : ان تضييع المرء ما ولي وتكلّفه ما كفي عجز حاضر، وإن تركك عملك وتخطيك إياه إلى قرقيسيا خطأ وجهل ورأي شعاع . ووجد عليه وقال : إنه لا عذر لك عندي فكان كميل مقيما على نجوم وغم لغضب عليّ، فبينا هو على ذلك إذ أتاه كتاب شبيب بن عامر الازدي من نصيبين في رقعة كأنها لسان كلب يعلمه فيه أن عينا له كتب إليه يعلمه أن معاوية قد وجه عبد الرحمان بن قبات نحو الجزيرة، وانه لا يدري أيريد ناحيته أم ناحية الفرات

ص: 256

وهيت . فقال :كميل : إن كان ابن قباث يريدنا لنتلقينه، وإن كان يريد إخواننا بنصيبين لنعترضنه فإن ظفرت أذهبت موجدة أمير المؤمنين فأعتبت عنه وإن استشهدت فذلك الفوز العظيم، وإني لممن رجوت الاجر الجزيل، فأشير عليه باستيمار عليّ فأبى ذلك ونهض يريد ابن قباث في أربع مأة ،فارس، وخلف رجالته وهم ستمأة في هيت، وجعل يحبس من لحقه ليطوي الاخبار عن عدوه، وأتاه الخبر بانحيازه من الرقة نحو رأس العين، ومصيره إلى كفرتونا، وكان ينشد في طريقه كثيرا:

يا خير من جر خير القدر*** فالله ذو الآلاء أعلى وأبر

يخذل من شاء ومن شاء نصر

ثم أغذ السير نحو كفرتوثا، فتلقاه ابن قباث ومعن بن يزيد السلمي بها في أربعمأة وألفين فواقعهما كميل ففض عسكرهما وغلب عليه وقتل من أصحابهما بشرا ، فأمر أن لا يتبع مدبرا ولا يجهز على جريح، وقتل من أصحاب كميل رجلان، وكتب بالفتح إلى عليّ ، فجزاه الخير وأجابه جوابا حسنا» (1)

ص: 257


1- انساب الاشراف ؛ للبلاذري : 473 .

[ الكتاب (63) ]

قال العرشي في التخريج ما نصّه : الكتاب الثاني والستون الى أهل مصر: أما بعد، فان الله سبحانه بعث محمداً نذيراً للعالمين ... الى آخره. [ ج 3 ص 130]

روى الثقفي في كتاب الغارات [ابن أبي الحديد[ ج 1 ص 295] خطبة طويلة فيها بعض ماروي في هذا الكتاب». انتهى .(1)

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الثقفي

(ت / 283 ه-) وقد تقدم في الخطبة ،(26) فراجع.

ص: 258


1- استناد نهج البلاغة . وط / 1957

[ الكتاب (66) ]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت 1360ه-) في التخريج : « قوله علیه السلام: اما بعد، فان

المرء ليفرح ... الى آخره، ذكر في تحف العقول مع اختلاف في بعض الالفاظ وكذلك ذكره في كتاب اعجاز القرآن وذكر اليعقوبي كتابا الى ابن عباس وفيه فقرات من هذا الكتاب ، قال : وكان ابن عباس يقول : ما اتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين علیه السلام (1)

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الكليني( ت / 328ه-) بالاسناد المتقدم في الكتاب رقم (22)، فراجع وبالاسناد عن الموفق الخوارزمي ( ت / 568ه-) في المناقب ، قال : أنبأني مهذب الائمة أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني - نزيل بغداد - أخبرني فيدر بن عبد الرحمان ابن شاذي، أخبرنا أبو غانم حميد بن المأمون، أخبرنا أبو بكر أحمد الرحمان الشيرازي ، أخبرنا محمّد بن أحمد بن يعقوب المديني، قال: حدثنى الحسين بن جعفر بن عبد الله، حدثنا علي بن الحسن القطان، حدثنا الاصمعي، عن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه، عن جده، قال: قال

ص: 259


1- مدارك نهج البلاغة : 102 .

عبد الله بن عباس ما انتفعت بشي بعد النبي صلی الله علیه و آله وسلم انتفاعي بكلمات كتب الي بهن

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام كتب إلي : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أما بعد ، فإن المرء قد يفرح بادراك ما لم يكن يفوته ويحزن لفوت ما لم يكن يدركه، فإذ أتاك الله في الدنيا شيئا فلا تكثرن به فرحا ، وإذا فاتك منها شي فلا تكثرن عليه حزنا ، وليكن همك لما بعد الموت والسلام (1)

وبالاسناد عن ابن عساكر (ت / 571 ه-) في تاريخ مدينة دمشق»: أخبرنا أبو 571

عبد الله البلخي ، أنا أحمد بن الحسن بن خيرون ، أنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم أنا أحمد بن إسحاق الطيبي أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين ، نا أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي، نا نصر بن مزاحم، نا عمر بن سعد الأسدي عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي أن عليا بعد قدومه الكوفة نزع جرير بن عبد الله البجلي عن ،همدان، فأقبل جرير حتى قدم الكوفة على عليّ بن أبي طالب فبايعه ، ثم إن عليا أراد أن يبعث إلى معاوية بالشام رسولا وكتابا فقال له جرير: يا أمير المؤمنين ابعثني إليه فإنه لم يزل لي مستنصحا وودا فآتيه فأدعوه على أن يسلّم هذا الأمر لك ويجامعك على الحق وأن يكون أميرا من أمرائك وعاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك فإن جلهم قومي وقد رجوت ألا يعصوني، فقال له الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه فوالله إني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم فقال له : دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا فبعثه علي إلى معاوية فقال له حين أراد أن يوجهه إن حولي من قد علمت من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من أهل الدين والرأي وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك : من خير ذي يمن فائت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون وإلا فانبذ إليه على سواء وأعلمه أني لا أرضى به أميرا وإن العامة لا ترضى به خليفة.

ص: 260


1- المناقب ؛ للموفق الخوارزمي : 374.

فانطلق جرير حتى نزل بمعاوية فدخل عليه، فقام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين وأهل الحجاز واليمن ومصر وعمان والبحرين واليمامة فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها من أوديته سيل غرقها، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى متابعة أمير المؤمنين علي ودفع إليه كتابه قال: وكانت نسخته : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا ، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي وكان نقضها كردّهما فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية إلا أن تعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل في الناس ثم حاكم القوم إليَّ أحملك وإياهم على كتاب الله ، فأما تلك التي تريدها يا معاوية فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى، وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة فبايع ولا قوة إلا بالله .

فلما قرأ معاوية الكتاب وعنده جماعة من الناس قام جرير خطيبا فقال:

ص: 261

الحمد الله المحمود بالعوائد المأمول منه الزوائد، المرتجى منه الثواب والمختشى منه العقاب المستعان على النوائب، أحمده وأستعينه في الأمور التي

، تحير دونها الألباب وتضمحل عندها الأسباب. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كل شي هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله أرسله بعد الفترة والرسل الماضية والقرون الخالية والأبدان البالية والجبلة الطاغية فبلغ الرسالة ونصح الأمة وأدى الحق الذي استودعه وأمر بأدائه إلى أمته صلی الله علیه و آله وسلم من رسول الله ومنتخب .

أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نقضا

، بيعته على غير حدث، ألا وإن الدين لا يحتمل الفتق وإن العرب لا تحتمل السيف، وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع بمثلها فلا بقاء للناس بعدها، وقد بايعت العامة عليا ولو أنا ملكنا أمورنا لم نختر لها غيره، فمن خالف هذا استعتب، فأدخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه . فإن قلت استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين وكان لكل امرئ ما في يديه، ولكن لله جعل للذخر من الولاة حق الأول وجعل تلك الأمور موطأة وحقوقا ينسخ

بعضها بعضا .

فقال معاوية : أنظر وأنتظر وأستطلع رأي أهل الشام فأمر معاوية مناديا فنادى الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال : الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا والشرائع للإيمان برهانا يتوقد قابسه في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلها الشام ورضيهم لها ورضيها لهم بما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها والقوام بأمره الذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما وفي أعلام

ص: 262

الخير عظاما يردع الله به الناكثين ويجمع بهم ألفة المؤمنين، والله نستعين على ما تشعب من أمور المسلمين وتباعد بينهم بعد القرب والإلفة ، اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائمنا ويخيفون آمننا ويريدون هراقة دمائنا وإخافة سبيلنا ، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقابا ولا نهتك لهم حجابا، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى وتسقط الندى وعرف الهدى، حملهم على خلافنا البغى والحسد، فالله نستعين عليهم.

أيها الناس قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأنى لم أقم رجلا منكم على خزاية قط، وأني ولي عثمان وابن عمّه، وقد قال الله في كتابه: ( وَمَن قُتِلَ مُظلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَليّهِ سُلْطَاناً ) (1) وقد علمتم أنه قتل مظلوما وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في

قتل عثمان.

فقال أهل الشام بأجمعهم بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ووثقواله أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره أو يفني الله أرواحهم قبل ذلك . ثم رجع إلى حديث الكلبي ، قال : وكان علي استشار الناس فأشاروا عليه بالقيام بالكوفة غير الأشتر وعدي بن حاتم وشريح بن هانئ الحارثي وهانئ بن عروة المرادي فإنهم قالوا لعلي: إن الذين أشاروا عليك بالمقام بالكوفة إنما خوفوك حرب الشام وليس في حربهم شي أخوف من الموت وإياه نريد فدعا علي الأشتر وعديا وشريحا وهانئا فقال : إن استعدادي لحرب الشام وجرير بن عبد الله عند القوم صرف لهم عن غي إن أرادوه ، ولكني قد أرسلت رسولا فوقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده ، والرأي مع الأناة، فاتندوا ولا أكره لكم الأعذار، فأبطأ جرير على علي حتى آيس منه، وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية بالبيعة لعلي كلمة

ص: 263


1- الاسراء : 33

في ذلك وقال له: إن هذا أمر له ما بعده. فدعا معاوية ثقاته فاستشارهم، فقال له عتبة وكان نظير معاوية: استعن في هذا الأمر بعمرو بن العاص فإنه من عرفت، وقد اعتزل عثمان في حياته وهو لأمرك أشد اتباعا، فكتب إليه معاوية وعمرو بفلسطين أما بعد فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط الشام مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقد قدم علي جرير بن عبد الله ببيعة علي فأقدم عليّ على بركة الله ، فإني قد حبست نفسي ولا غنى بنا عن رأيك. وإن معاوية قال لجرير : قد رأيت أن أكتب إلى صاحبك أن يجعل لي مصر والشام حياته ، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة وأسلم له هذا الأمر، وأكتب إليه بالخلافة . فقال :جرير اكتب ما شئت وأكتب معك إليه، فكتب معاوية بذلك فلما أتى

عليا كتابه عرف أنما هي خديعة منه .

وكتب علي إلى جرير أما بعد فإن معاوية إنما أراد بما طلب ألا تكون في عنقه بيعة وأن يختار من أمره ما أحب وأراد أن يريتك حتى يذوق أهل الشام وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن استعمل معاوية على الشام فأبيت ذلك ولم يكن الله ليراني أن أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك وإلا فأقبل.

وفشا كتاب معاوية في الناس فكتب إليه الوليد بن عقبة :

معاوي إن الشام شامك فاعتصم ***بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

وحام عليها بالقبائل والقنا*** ولا تك محشوش الذراعين وانيا

فإن عليا ناظر ما تجيبه ***فأهقاهد له حربا تشيب النواصيا

قال: ونا ،إبراهيم نا عبد الله بن عمر نا عمرو قال سمعت الوليد البجلي قال : قال الوليد بن عقبة حين قدم جرير بن عبد الله على معاوية في بيعة عليّ فقال معاوية يا جرير، اكتب إلى عليّ أن يجعل لي الشام وأنا أبايع له ما دام حيا

ص: 264

ولا أجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة ، فقال له جرير : أكتب وأكتب ، فكتب بذلك معاوية إلى عليّ ففشا كتابه في العرب، فبعث إليه الوليد بن عقبة بهذه الأبيات:

معاوي إن الشام شامك فاعتصم*** بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

حام عليها بالقبائل والقنا ***ولا تكن مخشوس الذراعين وانيا

فإن عليا ناظر ما تجيبه ***فأهد له حربا تشيب النواصيا

وإلا فسلم أن في الأمر راحة*** لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

وإن كتابا يا بن حرب كتبته*** على طمع جان عليك الدواهيا

سألت عليا فيه ما لا تناله ***ولو نلته لم يبق إلا لياليا

إلى أن ترى منه التي ليس بعدها ***بقاء فلا نكثر عليك الأمانيا

ومثل علي تعتريه بخدعة ***وقد كان ما جربت من قبل كافيا

ولو نشبت أظفاره فيك مرة ***حذاك ابن هند بعض ما كنت حاذيا

قال ونا إبراهيم، نا يحيى، قال: حدثني يعلى بن عبيد الحنفي ، نا أبي، قال:

جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية فقالوا له : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ، فقال معاوية : لا والله إني لأعلم أن عليا أفضل منّي، وأنه لأحق بالأمر منّي ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه ؟ وإنما أطلب بدم عثمان فائتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له ، فأتوا عليا فكلموه بذلك فلم

يدفعهم إليه .

قال: ونا إبراهيم نا يحيى، نا أحمد بن بشير أخبرني شيخ من أهل الشام وحدثني شيخ لنا عن الكلبي : أن معاوية دعا أبا مسلم الخولاني وكان من قراء أهل الشام ،وعبادهم، فكتب معاوية إلى علي مع أبي مسلم وذكر الحديث ثم رجع إلى حديث الكلبي، قال: ثم إن عليا كتب إلى معاوية أما بعد فقد رأيت الدنيا وتصرفها بأهلها ومن يقس شأن الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا، ثم إنك يا معاوية قد أدعيت أمرا لست من أهله لا في قديم ولا في حديث، ولست تدّعي

ص: 265

أمرا بينا ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ولا عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من أمر دنيا دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها فأي شئ من هذا الأمر وجدته ينجيك ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية وولاة هذا الأمر بغير قديم حسن ولا شرف باسق فلا تمكنن الشيطان من بغيته، مع أني أعلم أن الله ورسوله صادقين فيما قالا، فأعوذ بالله من لزوم الشقاء فإنك يا معاوية مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذا وجرى منك

مجرى اللهم احكم بيننا وبين من خالفنا بالحق وأنت خير الحاكمين. قال: فكتب إليه معاوية : أما بعد يا علي فدعني من أحاديثك واكفف عني من أساطيرك، فبالكذب غررت من قبلك وبالخداع استدرجت من عندك وتوشك

:

أمورك أن تكشف فيعرفوها ويعلموا باطلها وإن الباطل كان مضمحلا. :قال فكتب إليه علي أما بعد فطال ما دعوت أنت وكثير من أوليائك أولياء الشيطان الحق أساطير، وحاولتم إطفاءه بأفواهكم ونبذتموه وراء ظهوركم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولعمري ليتمن الله نوره بكرهك فعقب من دنياك المنقطعة ما طاب لك، فكأن أجلك قد انقضى وعملك قد هوى والسلام على من اتبع الهدى.

ثم إن معاوية بعث إلى عتبة بن أبي سفيان، وكان من أسد قريش رأيا ، فقال : إنا قد حبسنا جريرا حتى طمع فينا علي وإنما حبسته لننظر ما يصنع أهل الشام، فإن تابعوني نبذت إليهم بالحرب وإن خالفوني بعثت إليهم بالسلم، واعلم أن اختلاف القلوب على قدر اختلاف الصور، فلو أصبت رجلا مصقعا - يعني خطيبا بليغا - جمعت أهل الشام على قلب واحد ، فقال عتبة : لا يكون إلا يمانيا، أو هما رجلان أحدهما لك والآخر عليك، فأما الذي لك فشرحبيل بن السمط له صحبة وهو عدوّ لجرير، وأما الذي عليك فالأشعث بن قيس وشرحبيل خير لك من الأشعث

ص: 266

لعلي، فعرف معاوية أن قد أتاه بالرأي، وكتب معاوية إلى شرحبيل يسأله القدوم عليه وهيأ له رجالا يخبرونه أن عليا قتل عثمان، منهم: يزيد بن أسد البجلي وبسر بن أرطأة وأبو الأعور السلمي، فلما جاء كتاب معاوية إلى شرحبيل استشار أهل اليمن، وكان شرحبيل من أهل حمص فاختلفوا عليه، فقال له عبد الرحمن بن غنم يا شرحبيل إن الله أراد بك خيرا قد هاجرت إلى يومك هذا ولن ينقطع عنك المزيد من الله حتى ينقطع من الناس ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إنه قد فشت القالة عن معاوية بقوله إن عليا قتل عثمان، فإن يك فعل فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهم الحكام على الناس ، وإن لم يكن فعل فعلي ما يصدق معاوية على علي، وهو من قد علمت فلا تهلكن نفسك وقومك، فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية فقدم إليه فقال: إن جريرا قدم علينا يدعونا إلى بيعة علي وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان ، وقد حبست عليك نفسي، وإنما أنا رجل من أهل الشام أرضى بما رضوا وأكره ما كرهوا ، فقال شرحبيل : أخرج فانظر في ذلك فخرج شرحبيل فلقيه النفر الذين وطأهم له معاوية فأخبروه أن عليا قتل عثمان، فقبل ذلك فعاد إلى معاوية فقال له : يا معاوية أبي الناس إلا أن عليا قتل عثمان، فلئن بايعت عليا ليخرجنك من الشام. فقال معاوية : ما أنا إلّا رجل منكم وما كنت لأخالف عليكم ، قال : فاردد الرجل إلى صاحبه، فعرف معاوية أن شرحبيل قد ناصح وأن أهل الشام معه، ثم إن شرحبيل أتى حصين بن نمير في منزله فبعث حصين إلى جرير إن رأيت أن تأتينا فإن شرحبيل عندنا فأتاهم جرير، فقال له شرحبيل : إنك أتيتنا بأمر ملفف لتلقينا لهوات الأسد فأردت أن تخلط الشام بالعراق وقد أطريت عليا وهو القاتل

عثمان والله سائلك عما قلت يوم القيامة . فقال القيامة . فقال جرير : أما قولك: إني جئت بأمر ملفف فكيف يكون ملففا وقد أجمع عليه المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم

ص: 267

بإحسان (1) وقاتلوا معه طلحة والزبير وأما قولك: إنى ألقيك في لهوات الأسد ففي لهواته ألقيت نفسك، وأما خلط الشام بالعراق فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل، وأما قولك: إن عليا قتل عثمان فوالله ما في يديك من ذلك إلا قذف بالغيب من مكان بعيد وإن ذلك لباطل، ولكنك ملت إلى الدنيا وأهلها وأمر كان في نفسك .

فبلغ معاوية قولهما فبعث إلى شرحبيل فقال له : إنه قد كان من إجابتك إلى الحق ما قد وقع فيه أجرك على الله وقبله عنك صالحوا الناس، وإن هذا الأمر لا يتم إلا برضا العامة فسر في مدائن الشام فادعهم إلى ذلك وأخبرهم بما أنت عليه، فسار شرحبيل فبدأ بأهل حمص فدعاهم إلى القيام في ذلك وقال لهم : إن عليا قتل عثمان وحرضهم عليه وخوفهم منه، وإن معاوية ولي عثمان فقوموا معه فأجابه أهل حمص إلا نفر من نساكهم وقرائهم فإنه أبوا ولزموا بيوتهم. ثم إن شرحبيل استقرى مدائن الشام بذلك فجعل لا يأتي قوما إلا قبلوا ما

أتاهم به. ثم إن عليا كتب إلى جرير بن عبد الله : أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب

فانبذ إليه.

فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه إياه، فلما علم معاوية أن أهل

الشام قد تابعوه بعث إلى جرير أن الحق بصاحبك فقد أبي الناس إلّا ما ترى فانصرف جرير إلى عليّ فقدم عليه فأخبره الخبر وإن شرحبيل قدم على معاوية

ص: 268


1- اقتباس من قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة : 100) .

بأهل الشام ، فقال لمعاوية : ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلی الله علیه و آله وسلم فبايعه وبايعه أهل الشام على ذلك ، ثم إن معاوية قام فيهم خطيبا فقال : يا أهل الشام إن عليا قتل خليفتكم وفرق الجماعة وأوقع بأهل البصرة ولها ما بعدها، وقد تهياً للمسير إليكم وأيم الله لا يقل حدكم إلا قوم أصبر منكم فاصبروا فإن الله مع الصابرين، وقد قال الله عز وجل : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) فأنا

ولي عثمان وابن عمه وأنتم أعواني على ذلك، فعدّوا للحرب وتهيئوا للقاء. فقام معاوية بن حديج السكوني وحوشب فقالوا: يا أمير المؤمنين قد أتتنا

أمدادنا على عليّ فإذا شئت.

قال ونا إبراهيم نا يحيى، قال: وحدثني خلاد بن يزيد الجعفي، نا عمرو بن شمر الجعفي ، نا جابر الجعفي عن عامر الشعبي ، قال : أو عن أبي جعفر محمّد بن علي - شك خلاد - قال : لما ظهر أمر معاوية بالشام وتابعوه على أمره، دعا علي رجلا فأمره أن يتجهز وأن يسير إلى دمشق وأمره إذا دخل إلى دمشق أناخ راحلته بباب المسجد ثم يدخل المسجد ولا يحط عن راحلته من متاعها شيئا ولا يلقي عن نفسه من ثياب السفر شيئا، وقال له : إنك إذا فعلت ورأوا أثر الغربة والسفر عليك سيسألونك من أين أقبلت ؟ فقل : من العراق، فإنك إذا قلت ذلك حشدوا إليك وسألوك : ما الخبر وراءك ؟ فقل لهم : تركت عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فإنهم سيحشدون إليك ، ثم انظر ما يكون من أمرهم ، قال : فسار رجل حتى أناخ بباب دمشق ثم دخل المسجد ولم يحلل عن راحلته ولم ينزع عنه شيئا من ثيابه فلما دخل المسجد عرفوا أنه غريب وأنه مسافر، فسألوه : من أين أقبلت ؟ فقال : من العراق فحشدوا إليه، فقالوا: ما الخبر وراءك ؟ فقال : تركت عليا قد حشد إليكم ونهد في أهل العراق ، فكثر الناس عليه يسألونه حتى بلغ ذلك معاوية ، فأرسل إلى أبي الأعور السلمي: ما هذا القادم الذي قد أظهر هذا الخبر ؟ انطلق حتى تكون

ص: 269

أنت الذي تشافهه وتسائله، ثم اثتني بالخبر فأتاه أبو الأعور فساء له فأخبره ، فأتى معاوية فأخبره بأن الأمر على ما انتهى إليك، فقال لأبي الأعور: ناد في الناس الصلاة جماعة فنادى في الناس، فجاء الناس فقيل لمعاوية: شحن الناس المسجد وامتلأ ، فخرج معاوية يمشي حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأي ؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم ولم يرفع إليه أحد طرفه ولم يتكلم منهم متكلم ، فقام ذو الكلاع الحميري فقال يا أمير المؤمنين عليك الرأي وعلينا أم فعال . قال : وهي بالحميرية تعني الفعال ، فنزل معاوية عن المنبر ، وأمر أبا الأعور السلمي أن ينادي في الناس أن اخرجوا إلى معسكركم، فإن أمير المؤمنين قد أجلكم ثلاثا، فمن تخلّف فقد أحل بنفسه ، قال : فخرج رسول علي فرجع إليه فأخبره بما كان منه وما كان من معاوية ومن أهل الشام فأمر علي قنبرا فقال: ناد في الناس الصلاة جامعة، ففعل، فاجتمع الناس في المسجد حتى امتلأثم خرج علي فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن رسولى الذي أرسلته إلى الشام قد قدم عليّ وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم في أهل الشام، فما الرأي ؟ قال: فأضب أهل المسجد يقولون : يا أمير المؤمنين الرأي كذا يا أمير المؤمنين الرأي كذا يا أمير المؤمنين ، فلم يفهم عليّ كلامهم من كثرة من تكلم ، ولم يدر المصيب من المخطئ، فنزل عن المنبر وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب بها ابن

أكالة الأكباد. يعني معاوية (1)

ص: 270


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساکر 59 127-137

[ الكتاب (68)]

قال العرشي في التخريج ما نصّه: « رواه الكليني في اصول الكافي (187)

والشيخ المفيد في الارشاد (137)، انتهى قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه من التعقيبات : بالاسناد عن الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إن في كتاب علي صلوات الله عليه : إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع يحذرها الرجل العاقل، ويهوى إليها الصبي الجاهل. وعن علي بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله علیه السلام: كتب أمير المؤمنين علیه السلام إلى بعض أصحابه يعظه اوصيك ونفسي بتقوى من لا تحل معصيته ولا يرجى غيره، ولا الغنى إلا به، فإن من اتقى الله جل وعز وقوي وشبع وروي، ورفع عقله عن أهل الدنيا، فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة، فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا فقدر حرامها وجانب شبهاتها وأضر والله بالحلال الصافي إلا مالا بدّ له من كسرة

منه يشدّ بها صلبه وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له

ص: 271

فيما لا بد له منه ثقة ولا رجاء، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء، فجد واجتهد وأتعب بدنه حتى بدت الاضلاع وغارت العينان فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه وشدة في عقله وما ذخر له في الآخرة أكثر، فارفض الدنيا فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم وبذل الرقاب، فتدارك ما بقى من عمرك ولا تقل : غدا أ وبعد غد ، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة وقد أسلمهم الاولاد والاهلون، فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفص الدنيا وعزم ليس فيه انکسار ولا انخزال أعاننا الله وإياك على طاعته ووفقنا الله وإياك لمرضاته . (1)

وبالمعنى ما اورده الكليني ( ت / 328ه-) في باب التجمل واظهار النعمة، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين علیه السلام: إن الله جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده.

وعن علي بن محمّد رفعه عن أبي عبد الله علیه السلام قال : إذا أنعم الله على عبده بنعمة فظهرت عليه سمي حبيب الله محدثا بنعمة الله ، وإذا أنعم الله على عبد بنعمة فلم تظهر عليه سمي بغيض الله مكذبا بنعمة الله (2) .

ص: 272


1- الكافي للشيخ الكليني 3: 136 - 137.
2- الكافي للشيخ الكليني 6: 437 - 438

[ الكتاب (70)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما رواه البلاذري (ت / 279ه-) في

انساب الاشراف، قال في القول فيما كتبه صلی الله علیه و آله وسلم له إلى ولاته وغيرهم، قالوا: وكتب علیه السلام إلى سهل بن حنيف عامله على المدينة : أما بعد فإنه بلغني أن رجالا من أهل المدينة يخرجون إلى معاوية، فلا تأسف عليهم، فكفى لهم غيا، ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم إلى العمى والجهل، وانما هم أهل دنيا مقبلون عليها، قد علموا أن الناس مقبلون في الحق أسوة، فهربوا إلى الاثرة فسحقا لهم وبعداً ، أما لو بعثرت القبور وحصل ما في الصدور، واجتمعت الخصوم وقضى الله بين العباد بالحق، لقد عرف القوم ما كانوا يكسبون ، وقد أتاني كتابك تسألني الاذن لك في القدوم ، فاقدم إذا شئت عفا الله عنا وعنك ، والسلام(1)

ص: 273


1- انساب الاشراف؛ للبلاذري : 157 .

[ الكتاب( 71)]

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361 ه-) في التخريج: « قوله علیه السلام: أما بعد ، فان صلاح أبيك ... إلى آخره، ذكر أحمد بن أبي يعقوب المتوفى سنة 284 في كتابه المعروف بتاريخ اليعقوبي كتبا لامير المؤمنين علیه السلام إلى المنذر بن الجارود وهو على إصطخر وفيه فقرات من هذا الكتاب المذكور هنا. قوله علیه السلام: إنه لنظار في عطفيه .. الى آخره، وذكر اليعقوبي بعد إيراده الكتاب المذكور إنه علیه السلام قال هذه

الكلمات الثلاث في المنذر (1)

ص: 274


1- راجع : مدارك نهج البلاغة : 103 .

[ الحلف ( 74)]

قال العرشي حفظه الله في المقدمة ما لفظه : قال الجامع إنه «نقل من خط هشام

ابن الكلبي (1) والكلبي هو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة 204ه- [819م] . وألف ما ينيف على مائة وخمسين كتابا ذكر منها ابن النديم: 144(2)، وأما الكتاب الذي نقل منه الجامع هذا العهد فلا ندري ولا يخفى ما في البحث عنه من صعوبة، ربما وجده الجامع في كتاب الكلبي المسمى ب- «الحلف» الّذي وصلت نسخة منه إلى الجامع مكتوبة بيد المؤلف .(3)

ص: 275


1- راجع استناد نهج البلاغة ، ط 1957
2- الفهرست 140 ، وفيه : ان عام وفاته 206ه-، ولسان الميزان 6: 196 و الشذرات 113:2 والكامل لابن الاثير : 133 ، وفيه : ان بعضهم يقول : إنه توفي عام 206ه.
3- استناد نهج البلاغة : 16 - 17 ، ط / 1957

[ الكتاب ( 75) ]

قال العرشي حفظه الله في المقدمة : والواقدي هو أبو عبد الله محمّد بن عمر واقد الاسلمي المدني، وتوفي في ذي الحجة 207ه- [823 م ] وقال ابن النديم في الفهرست 144: إن من مؤلفاته كتاب الجمل. وهذا الكتاب ربما عفى عليه الدهر، إلا أن نسخا منها كانت متداولة في عصر ابن النديم الذي عاصر جامع نهج البلاغة (1)

ص: 276


1- استناد نهج البلاغة : 15 ط / 1957م.

[ الوصية (77)]

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال، عن علي قال: سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن فان اصحاب السنن اعلم بكتاب الله اللالكائي في السنة، والأصبهاني في الحجة(1)

ص: 277


1- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 1 : 378 ، الرقم 1645 .

[ الكتاب ( 78)]

قال العرشي حفظه الله في المقدمة : وقال الجامع إنه أخذ هذا الكتاب من كتاب المغازي لسعيد بن يحيى الأموي. وذكر صاحب كشف الظنون هذا الكتاب مما يدل على أن نسخا منه لا زالت موجودة إلى القرن الحادي عشر من الهجرة. وسعيد هو أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن الأحيحة القرشي الأموي

ص: 278

باب حكم امير المؤمنين علیه السلام

ص: 279

ص: 280

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ المختار

مٍنْ حكم امير المؤمنين علیه السلام ومواعظه وَيَدْخُل فِي ذلِك المختار(1) من أجوبة مسائله والكلام القصير الخارج في سائر أغراضه

ص: 281


1- في «أ»: (والمختار) .

ص: 282

[الحكمة الاولى ]

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لا ظَهْرُ فَيُرْكَبَ ، وَلا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ(1).

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج قوله

قوله عَلَيْهِ السَّلام: كن في الفتنة ...

الى آخره المشهور أنه من كلامه ، وقد يزاد عليه ولا وبر فيسلب». (2)

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

[الحكمة الثانية ]

أَزْرى (3) بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ، وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَن كَشَفَ ضُرَّهُ، وَهانَتْ عَلَيْهِ

نَفْسُهُ مَنْ أَمْرَ عَلَيْها لِسانَهُ.

بالاسناد عن ابن شعبة الحراني (ت / 336 - ح ) في تحف العقول: وقال

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

ص: 283


1- في ( ه-. أ ) : في نسخة : فيحتلب).
2- مدارك نهج البلاغة : 105 .
3- في «ه-.ب»: (أي حقرها).

للاشتر: يا مالك احفظ عني هذا الكلام وعه

1 - يا مالك بخس مروته من ضعف يقينه .

2 - وأزرى بنفسه من استشعر الطمع.

3 - ورضي بالذل من كشف عن ضره.

4 - وهانت عليه نفسه من أطلع على سره.

5 - وأهلكها من أمر عليه لسانه

6 - الشره جزار الخطر.

7 - من أهوى إلى متفاوت خذلته الرغبة.

8-البخل عار.

9 - والجبن منقصة .

10 - والورع جنة .

11 - والشكر ثروة.

12 - والصبر شجاعة .

13 - والمقل غريب في بلده.

14 - والفقر يخرس الفطن عن حجته

15 - ونعم القرين الرضى .

16 - الادب حلل جدد.

17 - ومرتبة الرجل عقله .

18 - وصدره خزانة سره. -

19 - والتثبت حزم.

20 - والفكر مرآة صافية .

21 - والحلم سجية فاضلة . -

ص: 284

22 - والصدقة دواء منجح.

23 - وأعمال القوم في عاجلهم نصب أعينهم في أجلهم.

24 - والاعتبار منذر صالح

25 - والبشاشة فخ المودة(1)

[ الحكمة الثالثة ]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ :

الْبُخْلُ(2) عارٌ، وَالْجُبْنُ مَنْقَصَةٌ، وَالْفَقْرُ يُخْرِسُ القَطِنَ عَنْ حُجَّتِهِ، وَالمُقِلُ غَرِيبٌ

فِي بَلْدَتِهِ (3). قال الجلالي راجع ما نقله ابن شعبة ( ت / 336 - ح ) في قصار المعاني

الحكمة 2 بالارقام 8 و 9 و 13 و 14 .

ص: 285


1- تحف العقول ؛ لا بن شعبة الحراني : 201 . وفي هامش التحف ، ما نصه : « أمر لسانه أي جعله أميراً. والشره اشد الحرص وطلب المال مع القناعة والجزار : الذباح . والمتفاوت : المتباعد ، وفي كنز الفوائد «إلى متفاوت الامور » ، وفي النهج : ( من أوماً إلى متفاوت خذلته الحيل » أي من طلب تحصيل المتباعدات وضم بعضها إلى بعض لم ينجح فيها فخذلته الحيل والرغبة فيما يريد. والمقل : الفقير والفطن - بفتح فكسر : الفاطن أي صاحب الفطنة والحذاقة . والحلل : جمع - الحلة - بالضم: كل ثوب جديد والجدد جمع الجديد . انجحت حاجته قضيت وانجح الرجل : فاز وظفر بها الفخ المصيدة أي آلة يصاد بها . وفي النهج : « والبشاشة حبالة المودة والحبالة - بالكسر - شبكة الصيد .
2- في «أ» «ب» : ( والبخل) ، والعبارة متصلة بما قبلها.
3- في «ب»: (بلده) . هذا ، وقد أورد المؤلف في ذيل هذه الحكمة الحكم 4 و 5 و 6 و 7 ، كلها مع حرف العطف « و » ، ولما كان شرحه مفصلاً ومترتباً حسب تسلسل ورود الحكم فرقنا بين الحكم يجعل شرح كل حكمة في ذيلها ، حسب ما ورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد مع الاشارة الى مواضع الاختلاف في النسخ .

[الحكمة الرابعة ]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

الْعَجْزُ في «أ» «ب»: (والعجز) ، وهذه الحكمة وردت في النسخ متصلة بما قبلها . آفَةٌ، وَالصَّبْرُ شَجَاعَةُ ، وَالزُّهْدُ تَرْوَة (1)، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ، ونِعْمَ القَرِينُ الرّضا (2). قال الجلالي راجع ما نقله ابن شعبة (ت / 336 - ح) في قصار المعاني

الحكمة 2 بالارقام 10 و

قولهُ عَلَيْهِ السَّلام:

[ الحكمة الخامسة ]

في

العلم (3) وِراثَةٌ كَرِيمَةٌ، وَالآدابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالفِكْرُ مِرآة صافِيَةٌ . قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما ارويه بالاسناد عن الشيخ المفيد الأمالي قال: حدثنا أبو بكر محمّد بن عمر الجعابي، قال: حدثني الشيخ الصالح عبد الله بن محمّد بن عبیدالله بن ياسين قال سمعت العبد الصالح علي بن محمّد بن عليّ الرضا علیه السلام

بسر من رأى، يذكر عن آبائه علیهم السلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه العلم وراثة كريمة، والآداب حلل حسان والفكرة مرآة صافية، والاعتبار منذر ناصح، وكفى بك أدبا لنفسك تركك ما كرهته من غيرك .(4)

ص: 286


1- في (ه-. ب): (مال كثير ) .
2- وردت هذه الفقرة الأخيرة في ضمن الحكمة الآتية هكذا : نعم القرين الرضا والعلم .. إلى آخره .
3- في «أ» «ب»: (والعلم).
4- الأمالي للشيخ المفيد : 336.

[ الحكمة العاشرة ]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

خالِطُوا النَّاسَ مُخالَطَةٌ إِنْ مُتُّمْ مَعَها بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ (1) حَنُوا إِلَيْكُمْ. قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما ارويه بالاسناد عن سبط ابن الجوزي ( ت / 654 ه-) باسناده، قال حدثنا ابو حمزة الثمالي، حدثنا ابراهيم (ت ابن سعيد عن الشعبي عن ضمار بن ضمرة، قال: أوصى أمير المؤمنين بنيه فقال يا بني عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنوا إليكم، وان متم بكوا عليكم، وانشد:

يريد بذاكم الا يهشوا لطاعني*** وان يكثروا بعدي الدعاء على قبري

وان يمنحوني في المجالس ودّهم*** وان كنت عنهم غائبا أحسنوا ذكري(2)

وبمعناه ما ارويه بالاسناد عن الشيخ الطوسي ( ت / 460 ه-) في الأمالي ، قال : أخبرنا ،جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا جعفر بن محمّد أبو القاسم الموسوي العلوي في منزله بمكة، قال حدثنا عبيد الله بن أحمد بن نهيك، قال: حدثنا عبد الله بن جبلة ، عن حميد بن شعيب الهمداني ، عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر محمّد بن عليّ علیه السلام ، قال : لما احتضر أمير المؤمنين علیه السلام جمع بنيه حسنا وحسينا وابن الحنفية والاصاغر من ولده ، فوصاهم ، وكان في آخر وصيته يا بني،

عاشروا الناس عشرة إن غبتم حنّوا إليكم، وان فقدتم بكوا عليكم .

يا بني، ، إن القلوب جنود مجندة، تتلاحظ بالمودّة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض، فإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه، وإذا أبغضتم

ص: 287


1- في «أه .(غيتم).
2- تذكرة الخواص : 133 ، ط / 1401ه-.

الرجل من غير سوء سبق منه إليكم فاحذروه (1)

[ الحكمة 11]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

إذا قَدَرْتَ عَلى عَدُوِّكَ فَاجْعَلِ العَفْوَ عَنْهُ شُكراً لِلقُدْرَةِ عَلَيْهِ.

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: هذا من المائة كلمة

التي جمعها الجاحظ من كلام أمير المؤمنين علیه السلام(2) وقال العرشي في التخريج ما نصّه: « رواها ابن دريد في المجتنى (32) .(3)

[ الحكمة 12]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

أَعْجَرُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسابِ الإِخْوانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ. قال العرشي في التخريج ما نصّه: « رواها ابن قتيبة في عيون الاخبار[ ج 3 ص

1]، والقالي في ذيل الامالي والنوادر (112)(4)

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

[ الحكمة 13]

إِذا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطرافُ النِّعَمِ فَلا تُنْفُرُوا (5) أَقْصاها بِقِلَّةِ الشَّكْرِ.

ص: 288


1- الأمالي للشيخ الطوسي : 595
2- راجع : مدارك نهج البلاغة
3- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957م.
4- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957م.
5- فى «ب»: (فلا تنفروا) ، بدون تشديد.

ارويه بالاسناد عن الموفق الخوارزمي ( ت / 566 ه-) في المناقب، قال: (ت 568ه-) واخبرنا الفقيه ابو سعيد الفضل بن محمّد الاسترابادي، حدثنا أبو غالب الحسن

بن علي بن القاسم، حدثنا ابو علي الحسن بن أحمد الجهرمي بعسكر مكرم حدثنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد ، حدثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد، قال: قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر - صاحب أبي عثمان الجاحظ : كان الجاحظ يقول لنا :زمانا ان الأمير المؤمنين مائة كلمة ، كل كلمة منها تفي ألف كلمة من محاسن كلام العرب.

قال وكنت أسأله دهراً بعيدا أن يجمعها ويمليها عليّ، وكان يعدني بها ويتغافل

عنها ضناً بها، قال: فلما كان آخر عمره أخرج يوما جملة من مسودات مصنفاته، فجمع منها تلك الكلمات وأخرجها إلى بخطه فكانت الكلمات المائة هذه :

1 - لو كشف الغطاء ما أزددت يقينا .

2 - الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا.

3 - الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم

4 - ما هلك امرء عرف قدره .

5 - قيمة كل امرء ما يحسنه .

6 - من عرف نفسه فقد عرف ربه .

7 - المرء مخبوء تحت لسانه .

8 -من عذب لسانه كثر اخوانه .

9 - بالبر يستعبد الحر.

10 - بشر مال البخيل بحادث أو وارث

11 - لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال.

12 - الجزع عند البلاء تمام المحنة . 13 - لاظفر مع البغي.

ص: 289

14 - لاثناء مع الكبر .

15 - لا بر مع الشح.

16 - لا صحة مع النهم.

17 - لا شرف مع سوء أدب.

18 - لا اجتناب محرم مع حرص.

19 - لا راحة مع حسد.

20 - لا محبة مع مراء.

21 - لا سؤدد مع انتقام.

22 - لا زيادة مع دعارة.

23 - لا صواب مع ترك المشورة.

24 - لا مروة لكذوب.

25 - لا وفاء لملوك .

26 - لاكرم اعز من التقوى.

27 - لا شرف اعز من الاسلام.

28 - لا معقل احرز من الورع

29 لا شفيع انجح من التوبة.

30 لالباس أجمل من السلامة.

31 - لاداء أعيى من الجهل.

32- لا مرض اضنى من قلة العقل .

33- لسانك يقتضيك ما عودته.

34 - المرء عدو ما جهله .

35 - رحم الله امرء عرف قدره ولم يتعدّ طوره.

ص: 290

36 - اعادة الاعتذار تذكير للذنب .

37 - النصح بين الملأ تقريع.

38 - إذا تم العقل نقص الكلام.

39 - الشفيع جناح الطالب.

40 - نفاق المرء ذلة .

41 - نعمة الجاهل كروضة على مزبلة.

42 - الجزع اتعب من الصبر.

43 - المسؤول حر حتى يعد .

44 - اكبر الأعداء أخفاهم مكيدة.

45 - من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه.

46 - السامع للغيبة احد المغتابين.

47 - الذل مع الطمع

48 - الراحة مع اليأس الحرمان مع الحرص.

49 - من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه واستخفافا به.

50 - عبد الشهوة أذل من عبدالرق.

51 - الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.

52 - كفى بالظفر شفيعا للمذنب.

53 - رب ساع فيما يضره.

54 - لا تتكل على المنى فانها بضائع النوكي.

55 - اليأس حرّ والرجاء عبد .

56 - ظن العاقل كهانة .

57 - من نظر اعتبر

ص: 291

58 - العداوة شغل القلب.

59 - القلب إذا كره عمى .

60 - الادب صورة العقل.

61 - لاحياء لحريص.

62 - من لانت أسافله صلبت أعاليه

62 - من أتي في عجانه قل حياؤه وبذؤ لسانه .

63 - السعيد من وعظ بغيره.

64 - الحكمة ضالة المؤمن.

65 - الشرة جامع لمساوى العيوب.

66 - كثرة الوفاق نفاق.

67 - كثرة الخلاف شقاق .

68 - رب أمل خائب .

69 - رب رجاء يؤدي إلى الحرمان.

70 - رب ارباح تؤدي إلى الخسران .

71 - رب طمع كاذب .

72 - البغي سائق إلى الحين .

7 - في كل جرعة شرقة.

74- مع كل أكلة غصة.

-75 من كثر فكره في العواقب لم يشجع .

76 - إذا حلت المقادير ضلت التدابير

77- إذا حل المقدور بطل التدبير .

78- إذا حل القدر بطل الحذر.

ص: 292

79 - الاحسان يقطع اللسان.

80 - الشرف بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب.

81 - اكرم الحسب حسن الخلق .

82 - أكرم النسب حسن الأدب.

83 - افقر الفقر الحمق.

84 - اوحش الوحشة العجب.

85 - أغنى الغنى العقل.

86 - الطامع وثاق الذل .

87 - احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود.

88 - اكثر مصارع العقول تحت بروق الاطماع.

89 - من ابدى صفحته للحق هلك.

90 - إذا املقتم فتاجروا الله بالصدقة .

91 - من لأن عوده كثف أغصانه .

92 - قلب الاحمق في فيه .

93 - لسان العاقل في قلبه .

94 - من جرى في عنان امله عثر بأجله .

95 - إذا وصلت اليكم اطراف النعم فلا تنفروا اقصاها بقلة الشكر .

96 - إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكره للقدرة عليه.

97 - ما اضمر أحدكم شيئاً إلا ظهر منه في فلتات لسانه وصفحات وجهه.

98 - أللهم اغفر رمزات الالحاظ، وسقطات الالفاظ، وشهوات الجنان

وهفوات اللسان.

99 - البخيل مستعجل للفقر ، يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في

الاخرة حساب الاغنياء.

ص: 293

100- لسان العاقل وراء قلبه ؛ قلب الاحمق وراء لسانه.

101 - الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنّه غفر .

102 - من اطال الأمل اساء العمل.

103 - الكاسب فوق قوته خازن لغيره.

104 - مسکین ابن آدم مكنون العلل ، مكتوم الأجل، محفوظ العمل، تؤلمه

البقة وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة(1)

[ الحكمة 15]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

ما كُلُّ مَفْتُونٍ يُعاتَبُ.

قال العرشي في التخريج مانصّه : رواها ابونعيم الأصفهاني في حلية الأولياء

والشيخ المفيد في كتاب الجمل (30)(2)

وبالاسناد عن الشيخ المفيد ( ت / 413 ه-) ، قال : فروى أبو مخنف لوط بن يحيى الازدي في كتابه الذي صنفه في حرب البصرة عن أصحابه، وروى غيره من أمثاله الرواة للسيرة عن سلفهم أصحاب أمير المؤمنين علیه السلام: لما همّ بالمسير إلى البصرة بلغه عن سعد بن أبي وقاص وابن مسلمة واسامة بن زيد وابن عمر تثاقلهم عنه، فبعث إليهم، فلما حضروا قال لهم قد بلغني عنكم هنات كرهتها وأنا لا أكرهكم على المسير معي على بيعتي .

قالوا :بلى

قال: فما الذي يقعدكم عن صحبتي ؟

ص: 294


1- المناقب ؛ للموفق الخوارزمي : 374-377
2- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957

فقال له سعد: إني أكره الخروج في هذا الحرب فاصيب مؤمنا، فان أعطيتني

سيفا يعرف المؤمن من الكافر قاتلت معك.

وقال له اسامة : أنت أعز الخلق علي ، ولكني عاهدت الله أن لا اقاتل أهل لا إله إلا الله، وكان اسامة قد أهوى برمحه في عهد رسول الله إلى رجل في الحرب من المشركين فخافه الرجل ، فقال : لا إله إلا الله فشجره بالرمح فقتله، فبلغ النبي صلی الله علیه و آله وسلم

خبره فقال : يا اسامة أقتلت رجلا يشهد أن لا إله إلا الله ؟

فقال :يا رسول الله إنما قالها تعوذا .

فقال له : ألا شفقت عن قلبه ؟

فزعم اسامة أن

اسامة أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أمره أن يقاتل بالسيف من قاتل المشركين، فإذا قوتل

به المسلمون ضرب بسيفه الحجر فكسره

وقال عبد الله بن عمر : لست أعرف في هذه الحرب شيئا، أسألك أن لا تحملني

على ما لا أعرف.

فقال لهم أمير المؤمنين علیه السلام: ليس كل مفتون معاتب الستم على بيعتي ؟

قالوا: بلى.

قال :انصرفوا فسيغنيني الله عنكم .

فاعترفوا له علیه السلام بالبيعة وأقاموا في تأخرهم عنه عذرا لم يقبله منهم، وأخبر أنهم بتركهم الجهاد مفتنون، ولم ير الانكار عليهم في الحال بأكثر مما أبداه من ذكر المهم عن الصواب في خلافته والشهادة بفتنتهم بترك وفاقهم له (1)

[ الحكمة 17]

وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ: «غَيّرُوا الشَّيْب

ص: 295


1- الجمل ؛ للشيخ المفيد : 45 .

وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ».

:فَقالَ: إِنَّما قال: صلى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ ذلِك وَالدِّينُ قُل (1)، فَأَما الآنَ وَقَدِ اتَّسَعَ نطاقه،

وَضَرَبَ بِجِرانِهِ فَامْرُؤٌ وَمَا أَخْتارَ .

والرواية المشار اليها في كلام الرضي هي ما أرويه بالاسناد عن النسائي ( ت / 303ه-) في باب الأمر بالخضاب ، قال : أخبرنا عبيد الله بن سعيد بن إبراهيم، قال: عمي، قال: حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: قال أبو سلمة إن

حدثنا

أبا هريرة ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم... (ح) وأخبرنا يونس بن عبد الاعلى قال : أنبأنا بن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن بن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال اليهود والنصارى لا تصبغ، فخالفوهم.

أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر عن

الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله . أخبرني الحسين بن حريث ، قال : أنبأنا الفضل بن موسى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إن اليهود والنصارى لا تصبغ، فخالفوا عليهم، فاصبغوا .

أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا سفيان، عن الزهري عن أبي سلمة وسلیمان بن يسار أنهما سمعا أبا هريرة يخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ان اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم.

أخبرنا علي بن خشرم، قال: حدثنا عيسى - وهو بن يونس - عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سليمان وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن

النبي صلی الله علیه و آله وسلم

قال : ان اليهود والنصارى لا تصبغ، فخالفوهم.

ص: 296


1- في «ه-.ب»: أي قليل.

أخبرني عثمان بن عبد الله ، قال : حدثنا أحمد بن جناب ، قال: حدثنا عيسى بن یونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، عن بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيروا

الشيب ولا تشبهوا باليهود

خالفه محمّد بن

كناسة رواه عن هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه ، عن أبي الزبير، أخبرنا حميد بن مخلد بن زنجويه بن الحسين، قال: حدثنا محمّد بن كناسة، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن

الزبير، قال: قال رسول الله : غيّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود

وكلاهما غير محفوظ.

وبالاسناد عن احمد بن حنبل في بن حنبل في مسنده، وفيه : حدثني عبد الله حدثني أبى ، ثنا محمّد بن كناسة ، ثنا هشام بن عروة، عن عثمان بن عروة، عن أبيه، عن

الزبير ، قال : قال رسول الله : « غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» (1) وبالاسناد عن احمد بن حنبل في مسنده»، وفيه حدثنا عبد الله، حدثني أبي ، ثنا يزيد قال انا محمد، عن أبي سملة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم : غيّروا هذا الشيب ، ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى» (2)

وبالاسناد عن الترمذي في السنن ، قال في باب ما جاء في الخضاب : حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود

قال: وفي الباب عن الزبير وابن عباس وجابر وأبي ذر وأنس وأبي رمشة والجهدمة وأبي الطفيل وجابر بن سمرة وأبي جحيفة وابن عمر. وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم (3)

ص: 297


1- مسند احمد بن حنبل 1 : 165 .
2- مسند أحمد بن حنبل 2 : 499
3- سنن الترمذي :3 144

[ الحكمة 18]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الَّذِينَ أَعْتَزَلُوا الْقِتَالَ مَعَهُ : خَذَلُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْبَاطِلَ. بالاسناد عن الشيخ الطوسي في الأمالي : أخبرنا محمّد بن محمّد ، قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمّد الكاتب ، قال : أخبرني الحسن بن علي الزعفراني ، قال : أخبرنا إبراهيم بن محمّد الثقفي ، قال : حدثني أبو الوليد الضبي قال: حدثنا أبو بكر

الهذلي قال : دخل الحارث بن حوط الليثي على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام

فقال: يا أمير المؤمنين، ما أرى طلحة والزبير وعائشة احتجوا إلا على حق ؟ :فقال يا حارث، إنك إن نظرت تحتك ولم تنظر فوقك جزت عن الحق إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق باتباع من أتبعه والباطل

باجتناب من اجتنبه

قال : فهلا أكون كعبد الله بن عمر وسعد بن مالك ؟ فقال أمير المؤمنين علیه السلام: إن عبد الله بن عمر وسعداً خذلا الحق ولم ينصرا

الباطل ، متى كانا إمامين في الخير فيتبعان ؟! (1)

[ الحكمة 20]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

أَقِيلُوا ذَوِي الْمُرُوء آت عَثَراتِهِمْ، فَما يَعْثُرُ مِنْهُمْ عائِرٌ إِلّا وَيَدَهُ بِيَدِ الله يَرْفَعُهُ (2)

من التعقيبات ما ارويه بالاسناد عن الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) في الكافي، عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد خالد، عن إسماعيل بن مهران عن

ص: 298


1- الأماني للشيخ الطوسي : 134 .
2- في «ه-. أ»: (إلا ويد الله يرفعه)

سيف بن عميره ، عن أبي عبد الله قال اجيزوا لاهل المعروف عثراتهم واغفروها لهم فإن كف الله تعالى عليهم هكذا وأومأ بيده كأنه يظل بها شيئا . (1)

[ الحكمة 21]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ:

قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ (2) بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَياءُ بِالْحِرْمَانِ، وَالْقُرْصَةً تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانْتَهِزُوا (3)

فرَصَ الخَيْرِ. قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: ذكره ابن عبد البر في

جامع بيان العلم ص 77 الى قوله بالحرمان»(4)

قال العرشي في التخريج ما نصه : « رواها ابن قتيبة في عيون الاخبار ج 2 ص [ 123] والقالي في الامالي[ ج 1 ص 197] و[ ج 2 ص 95] والحراني في تحف العقول (47) وابن الشيخ في الأمالي (41) . (5) قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الطوسي ت / 460 ه-) في الأمالي : قال : أخبرنا جماعة ، عن أبي المفضل ، قال : حدثنا أبو أحمد عبيد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي النصيبي ببغداد ، قال : حدثني محمّد ابن عليّ ، عن أبيه علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر ابن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال أمير المؤمنين

ص: 299


1- الكافي للشيخ الكليني 4: 28 .
2- في « ه-. ب»: الهيبة : الخوف والأحجام .
3- في «ه- .ب»: ( احفظوا)
4- راجع : مدارك نهج البلاغة .
5- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957/م.

عليّ بن أبي طالب علیه السلام: الهيبة خيبة، والفرصة خلسة، والحكمة ضالة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحق بها وأهلها (1)

ونقل البلاذري ( ت / 279 ه- ) قوله : ( الفرص تمرّ مرّ السحاب ؛ فانتهزوا فرص

الخير، راجع الخطبة (42) .

[ الحكمة 22]

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

لَنا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَإِلّا رَكِبْنا أَعْجَازَ الْإِبِلِ(2) وَإِنْ طَالَ السُّرى.

قال الرّضي رحمه الله تعالى (3) :

وَهذَا الْقَوْلُ مِنْ لَطِيفِ الكَلامِ وَفَصِيحِهِ، وَمَعْناهُ : أَنَّا إِنْ لَمْ نُعْطَ حَقَّنَا أَذِلَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ

الرَّدِيفَ يَرْكَبُ عَجُزَ الْبَعِيرِ كَالْعَبْدِ وَالأَسِيرِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْراهُما .

قال الهادي كاشف الغطاء (ت/ 1360ه-) في التخريج: «قال الشارح الفاضل: هذا الفصل قد ذكره ابو عبيدة الهروي في الجمع بين الغريبين ما صورته ان لنا

حقاً ان نعطه نأخذه وان نمنعه تركب اعجاز الابل وان طال السرى» . (4) قال العرشي في التخريج ما نصّه: روى الطبري [ ج 5 ص 39] هذه الحكمة في خطبة طويلة، ورواها ابو عبيدة الهروي أيضاً في كتاب الغريبين ، الورق 176 /

الف، بتغيير يسير». (5)

ص: 300


1- الأمالي؛ للشيخ الطوسي : 625
2- في «ه-.ب» : ركبنا أعجاز الابل ، أي : نطلب وندرك ، وان طال السرى : وأن كان بعد مدة.
3- لم ترد (قال الرضي الله ) في ( أ ) ( ب ) .
4- مدارك نهج البلاغة : 104 .
5- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957م

قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن ابن عساكر (ت / 571 ه-) في تاريخ مدينة دمشق، قال أنبانا أبو طالب بن يوسف، أنا إبراهيم بن : الفقيه، وحدثني أبو المعمر الأنصاري، أنا أبو الحسين بن الطيوري، أنا علي بن عمر الزاهد وإبراهيم بن عمر قالا أنا محمّد بن العباس، أنا أبو محمّد السكري ، قال : قال أبو محمد ابن قتيبة في حديث عبد الرحمن بن عوف : إنه كان في كلامه أصحاب الشورى يا هؤلاء إن عندي رأيا وإن لكم نظرا، إن حابيا خير من زاهق، وإن جرعة شروب أنفع من عذب موب، وإن الحيلة بالمنطق أبلغ من السيوف في الكلم ، فلا تطيعوا الأعداء وإن قربوا ولا تفلوا المدي بالاختلاف بينكم وتغمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا تأركم وتولوا أعمالكم ، لكل أجل كتاب ، ولكل بيت إمام لأمره يقومون وبنهيه يدعون، قلدوا أمركم رحب الذراع فيما نزل مأمون الغيب على ما استكن يقترع منكم وكلكم منتهي ومرتضى منكم وكلكم رضا.

فتكلم علي فقال : الحمد لله الذي اتخذ محمدا منا نبيا وابتعثه إلينا رسولا فنحن بيت النبوة ومعدن الحكمة أمان لأهل الأرض ونجاة لمن طلب، لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل وإن طال السرى لو عهد إلينا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عهدا الجالدنا عليه حتى نموت، أو قال لنا قولا لا نفذنا قوله على رغمنا ، لن يسرع أحد قبلي إلى صلة رحم ودعوة حق، والأمر إليك يا ابن عوف على صدق اليقين وجهد ،النصر، استغفر الله لي ولكم.

يرويه يعقوب بن محمّد، عن أبي عمر الزهري، عن مسلم بن نشيط، عن

عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس(1)

ص: 301


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 428 - 2431 ، وفيه شرح بعض المفردات كمايلي : « قوله :

(1)

ص: 302


1- إن حابيا خير من زاهق الحابي من السهام هو الذي يزحف إلى الهدف ، يقال : حبا يحبو حبواً : السهم : وقع دون الغرض، فإن أصاب الهدف فهو خاسق وخازق ومقرطس فإن جاوز الهدف ووقع خلفه، فهو زاهق ، يقال : زهق السهم : إذا تقدم وزهقت الفرس وانز هقت بين يدي الجمل وأزهقتها : قدمتها ، والزهق التقدم، قال رؤبة يكاد أيديهن تهوي في الزهق وأراد عبد الرحمان إن الحابي من السهام ، وإن كان ضعيفاً فقد أصاب الهدف فهو خير من الزاهق الذي قد جاوزه لشدة مره وقوته ، ألم يصبه، وضرب السهمين مثلا لواليين أحدهما ينال الحق أو بعضه وهو ضعيف ، والاخر يجوز الحق ويبعد منه وهو قوي وقوله وإن جرعة شروب أنفع من عذب م-وب والشروب من الماء هو الملح الذي يشربه الناس إلا عند الضرورة ، والموبئ : الضار المدخل في الوباء ، وهو المرض، والحرف مهموز ، فترك همزته لتقابل به الحرف الذي قبله ، وهذا أيضا مثل ضربه لرجلين: أحدهما أرفع وأضر، والآخر أدون وأنفع ، وقوله : فإن الحيلة بالمنطق أبلغ من السيوف في الكلم، يريد : أن القليل من القول مع التلطف فيه أبلغ من الهذر وكثرة الكلام بغير رفق ولا تلطف ، والسيوب : ما سيب وخلي أن يساب أي يذهب ، ومنه سمي الرجل السائب ، وقوله : لا تفلوا المدى بالاختلاف بينكم، أي لا تفلوا حدكم بالاختلاف ، وضرب المدى مثلاً ، وهي جمع مدية، والفلول : تكسر يصيب حدها ، وقوله : ولا تعمدوا السيوف عن أعدائكم فتوتروا تأركم ، أي توجدوه الوتر في أنفسكم ، يقال : وترت فلاناً : أصبته بوتر وأوترته : أوجدته ذلك ، أي أظفرته به ، والثار : العدو ، لأنه موضع الثار ، وقوله : تولتوا أعمالكم ، أي تنقصوها ، يريد إنه كانت لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمال في الجهاد ، فإذا هم تركوه واختلفوا نقصوها » ، وفيه لغتان ، يقال : لاته يليته ليتاً: إذا نقصه، وبهذه اللغة ورد قول الله: لا يلتكُم من أَعمَالِكُم شَيْئَاً ) وكان من دعاء أم (لا هاشم السلولية : الحمد لله الذي لا يلات ولا يعات ولا تشتبه عليه الأصوات واللغة الأخرى: الات يليت، وبهذه اللغة ورد قول الله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِم مِن شَيْءٍ ) (الطور : (21). والحرف في الحديث تولتوا ، كأنه من أولت يولت ، أو الت يؤلت إن كان مهموزاً، ولم أسمع بهذه اللغة إلا في هذا الحديث، وقوله : فينهيه يرعون أي يكفون ، يقال : ورعت فلانا عن كذا فتورع وورع إذا كانت كففته فكف، ومنه الورع في الدين . وقوله : قلدوا أمركم رحب الذراع فيما ينزل ، أي واسع الذراع عند الشدائد يجود ويعطي ويبسط يديه بالعطاء ويفتح به باعه مأمون الغيب على ما استكن يريد قلدوا رجلا تأمنون غيبه فيما خفي عليكم فلا يخونكم ولا يبغيكم

[ الحكمة 23]

قولهُ عَلَيْهِ السَّلامُ:

مَنْ أَبْطَاً بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ حَسَبُهُ.

روى مسلم النيسابوري في صحيحه : حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وابو بكر بن أبي شيبة ومحمّد بن العلاء الهمداني - واللفظ ليحيى - قال يحيى : اخبرنا ، وقال الآخران حدثنا أبو معاوية عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة

قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون اخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه (1)

الغوائل . يقترع منكم أي يختار ، يقال : فلان قريع قومه أي المختار منهم، وقد اقترعت من الإبل فحلا أي أخترته، وقول عليّ : لنا حق إن نعطه نأخذه وإن نمنعه تركب أعجاز الأبل وإن طال السرى، يريد إنه إن منعه ركب مركب الضيم والذل على مانعه وإن تطاول ذلك به وأصل هذا أن راكب البعير إذا ركبه بغير رحل ولا وطاء ركب عجزه ولم يركب ظهره من أجل السنام وذلك مركب صعب يشق على راكبه لا سيما إذا تطاول به الركوب على تلك الحال وهو يسري أو يسير ليلا، فإذا ركبه بالوطاء والرحل ركب الظهر وذلك مركب يطمأن به ولايشق عليه، وقد يجوز أن يكون أراد بركوب أعجاز الايل أن يكون ردفا تابعا وأنه يصبر على ذلك وإن

تطاول به .

ص: 303


1- صحیح مسلم 718

[ الحكمة 26]

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

ما أضمر أحدٌ شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه

قال الجلالي ورد النص فيما ارويه بالاسناد عن الجاحظ ( ت / 255ه-) في

المائة كلمة المختارة، راجع الحكمة رقم (13)

[الحكمة 31]

وَسُئِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الإيمانِ، فَقَالَ: الإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعائِمَ :

عَلَى الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ.

فَالصَّبْرُ مِنْها عَلى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُبِ، فَمَنِ اشْتاق إِلَى الْجَنَّةِ سَلا (1)عَنِ الشَّهَوَاتِ وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ أَجْتَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي

الدُّنْيَا أَسْتَهانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ.

وَالْيَقِينُ مِنْها عَلى أَرْبَعِ شُعَبٍ:

عَلى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأوُّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَة تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّما كانَ فِي الْأَوَّلِينَ. وَالْعَدْلُ مِنْها عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلى غائِصِ(2) الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ، وَزَهْرَةِ الْحُكْمِ وَرَسَاخَةِ(3) الْحِلْمِ، فَمَن فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ العِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرائِعِ

ص: 304


1- في «ه-.ب»: (من السلوة).
2- في «ه-.ب» من الغوص.
3- في «ه-.ب»: (ثابت) .

اَلْحُكْمِ، وَمَنْ حَلْمَ لَمْ يُفَرِّطُ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً .

وَالْجِهادُ مِنْها عَلَى أَرْبَعِ شُعَبِ : عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَواطِنِ وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْمُنافِقِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَواطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِيْ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ الله غَضِبَ الله لَهُ وَأَرْضاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

(2)

وَالْكُفْرُ عَلى أَرْبَعِ دَعائِمَ : عَلَى التَّعَمُّقِ، وَالتَّازُعِ ، وَالزَّيْنِ، وَالشَّقَاقِ، فَمَنْ تَعَمَّ لَمْ

، تَعَمَّقَ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ، وَمَنْ كَثُرَ نِزاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَماهُ عَنِ الْحَقِّ، وَمَنْ زاغَ ساءَتْ عِنْدَهُ الحَسَنَةُ، وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ، وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلالَةِ، وَمَنْ شاقَ وَعُرَتْ (1) عَلَيْهِ طُرُقُهُ، وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ(2) أَمْرُهُ، وَضاقَ مَخْرَجُهُ. وَالشَّكَ عَلى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الَّتمارِي، وَالْهَوْلِ (3)، وَالتَّرَدُّدِ، وَالاسْتِسْلامِ، فَمَنْ جَعَلَ الْمِرأء (4) دَيْدَنَا (5) لَمْ يُصْبحْ لَيْلُهُ، وَمَنْ هَالَهُ (6) مابَيْنَ يَدَيْهِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، وَمَن تَرَدَّدَ فِي الرَّيْبِ وَطِئَتْهُ سَنابِكَ الشَّيَاطِينِ ، وَمَنِ اسْتَسْلَمَ لِهَلَكَةِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ

هَلك فيهما .

قال الرَّضِيّ رَحِمُهُ الله تعالى (7): وَبَعْدَ هذا كَلامٌ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطالَةِ وَالْخُرُوجِ

عَنِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1361 ه-) في التخريح: قوله علیه السلام: الايمان

ص: 305


1- في «ه-. ب»: (وعرت : خشنت).
2- لم ترد (عليه) في «أ» «ب».
3- في «ه-.ب»: (الخوف).
4- « ه-.ب»: (أي المجادلة) .
5- في «ه-. ب » : ( أي عادة) .
6- في « ه-.ب» : (أخافه) .
7- لم ترد : قال الرضي (رحمه الله تعالى) في «أ» «ب».

على أربع دعائم ... إلى آخره، رواه في أصول الكافي للكليني رحمه الله ، وروي أيضاً في كتاب منتخب كنز العمال في حاشية مسند الامام أحمد بن حنبل [ص 318 ج 6 ]مع اختلاف بسير ، وقال الشارح الفاضل : من هذا الفصل أخذت الصوفية وأصحاب الطريقة والحقيقة كثيراً من فنونهم وعلومهم ومن تأمل كلام سهل بن عبد الله التستري وكلام الجنيد والسري وغيرهم رأى هذه الكلمات في فرش كلامهم تلوح كالكواكب الزاهرة ... الى آخره (1)

وقال العرشي في التخريج ما نصه : وسئل عن الايمان، فقال: الايمان على أربع دعائم الصبر واليقين والعدل والجهاد» ... الى آخره، ج 1 ص 74]، ورواها

شیخ الطائفة في الأمالي (23) والقاضي محمّد بن سلامة القضاعي في دستور

معالم الحكم .(121) . ثم قال : « الكفر على أربع دعائم على التعمق، والتنازع والزيغ والشقاق».. الى آخره. [ج 3 ص 158].

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما ارويه بالاسناد عن ابراهيم بن محمّد الثقفي ( ت / 281 ه-) في الغارات (2)، قال: حدثنا محمّد، قال حدثنا الحسن قال حدثنا ابراهيم قال أخبرنا أبو غسان النهدي مالك بن اسماعيل قال: حدثنا عبد السلام بن حرب النهدي، عن محمّد بن سوقة ، عن العلاء بن عبد الرحمن قال: قام رجل إلى علي بن أبي طالب علیه السلام فسأله عن الايمان ، فقال علیه السلام: الايمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد، فالصبر منها على أربع شعب على الشوق والشفق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات.

ص: 306


1- مدارك نهج البلاغة : 104.
2- الغارات؛ لابراهيم بن محمّد الثقفي 3: 635 و 636

واليقين منها على أربع شعب على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين ، فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين. والعدل منها على أربع شعب : على غائص الفهم وغمرة ،العلم وزهرة الحكم ، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جمل العلم، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش به في الناس حميدا.

والجهاد منها على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن ، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافقين ، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه ومن شنأ الفاسقين غضب الله ومن غضب الله غضب الله له(1).

وتقدم معناه في الخطبة (106) فراجع وبالاسناد عن الشيخ الكليني (ت / 321ه-) في الكافي ، قال بالاسناد الأوّل

[وهو علي بن ابراهيم عن ابيه محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عیسیٰ وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد جميعاً، عن الحسن بن محبوب ...، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، عن جابر ، عن أبي جعفر علیه السلام، قال : سئل أمير المؤمنين علیه السلام عن الايمان ، فقال : إن الله عز وجل جعل الايمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد.

فالصبر من

ذلك على أربع شعب على الشوق والاشفاق والزهد والترقب فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، ومعرفة العبرة، وسنة

ص: 307


1- الغارات ؛ لابراهيم بن محمد الثقفي 1: 134 - 138.

الأولين، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان مع الأوّلين واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجى بما نجى ومن هلك بما هلك، وإنما أهلك الله

أهلك بمعصيته وأنجى من أنجى بطاعته.

من

والعدل على أربع شعب غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شناً الفاسقين غضب الله ومن غضب الله غضب الله له ، فذلك الايمان ودعائمه وشعبه (1)

في

وبالاسناد عن الشيخ الصدوق في الخصال: حدثنا أبي رضی الله عنه قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، قال : حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال جميعا، عن علي بن أسباط ، عن الحسن بن زيد، قال حدثني محمّد بن سالم عن سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام: الايمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد. والصبر على أربع شعب على الشوق والاشفاق، والزهد والترقب . فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد

في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات. واليقين على أربع شعب على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة ، وموعظة العبرة ،

ص: 308


1- الكافي للشيخ الكليني 2 5150

وسنة الأوّلين، فمن تبصر في الفطنة تأوّل الحكمة، ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة فكأنما عاش في الأولين.

والعدل على أربع شعب على غائص الفهم ، وغمرة العلم، وزهرة الحكمة وروضة الحلم، فمن فهم فسر جمل العلم ، ومن علم شرح غرائب الحكم، ومن كان حليما لم يفرط في أمر يلبسه في الناس.

والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق المواطن وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شنا الفاسقين وغضب الله عز وجل غضب الله له، فذلك الايمان ودعائمه وشعبه .

والكفر على أربع دعائم على الفسق والعتو، والشك والشبهة والفسق على أربع شعب : على الجفاء، والعمى، والغفلة، والعتو فمن جفا حقر الحق، ومقت الفقهاء، وأصر على الحنث العظيم ، ومن عمى نسي الذكر واتبع الظن وألح عليه الشيطان، ومن غفل غرته الاماني ، وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ومن عنا عن أمر الله تعالى الله عليه . ثم أذله بسلطانه، وصغره بجلاله كما فرط في جنبه، وعنا عن أمر ربه الكريم.

والعتو على أربع شعب على التعمق، والتنازع ، والزيغ والشقاق. فمن تعمق لم ينب إلى الحق ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات، فلم تحتبس عنه فتنة إلا غشيته اخرى، وانخرق دينه فهو يهيم في أمر مريج، ومن نازع وخاصم قطع بينهم الفشل وذاقوا وبال أمرهم، وساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، ومن ساءت عليه الحسنة أعورت عليه طرقه واعترض عليه أمره وضاق عليه مخرجه وحري أن ترجع من دينه، ويتبع غير سبيل المؤمنين.

والشك على أربع شعب على الهول والريب، والتردد والاستسلام فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، فبأي آلاء ربك يتمارى المتمارون، فمن هاله ما

ص: 309

بين يديه نكص على عقبيه ، ومن تردد في الريب سبقه الأولون، وأدركه الآخرون، وقطعته سنابك الشياطين ، ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيما

بينهما ومن نجا فباليقين.

والشبهة على أربع شعب على الاعجاب بالزينة، وتسويل النفس، وتأول الفرج، وتلبس الحق بالباطل، وذلك بأن الزينة تزيل على البيئة، وأن تسويل النفس يقحم على الشهوة، وإن الفرج يميل ميلا عظيما، وإن التلبس ظلمات بعضها فوق بعض، فذلك الكفر ودعائمه وشعبه.

والنفاق على أربع دعائم على الهوى والهوينا، والحفيظة، والطمع والهوى على أربع شعب على البغي والعدوان والشهوة والطغيان، فمن بغي كثرت غوائله وعلاته ، ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه، ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات خاض في الخبيثات، ومن طغى ضل على غير يقين ولا حجة له. وشعب الهوينا الهيبة والغرة والمماطلة والامل، وذلك لان الهيبة ترد على

دين الحق وتفرط المماطلة في العمل حتى يقدم الأجل، ولولا الأمل علم الانسان حسب ما هو فيه، ولو علم حسب ما هو فيه مات من الهول والوجل. وشعب الحفيظة : الكبر ، والفخر والحمية، والعصبية، فمن استكبر أدبر ، ومن فخر فجر، ومن حمى أضر ، ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر أمر بين الاستكبار والادبار، وفجور وجور.

وشعب الطمع أربع الفرح والمرح واللجاجة، والتكاثر ، فالفرح مكروه عند

، الله عز وجل، والمرح خيلاء، واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حبائل الآثام، والتكاثر لهو وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير فذلك النفاق

ودعائمه وشعبه .(1)

ص: 310


1- الخصال ؛ للشيخ الصدوق : 231 - 235 .

وبالاسناد عن أبي نعيم الاصفهاني ( ت / 430 ه- ) ، قال : حدثنا احمد بن السندي، ثنا الحسن بن علوية ،القطان، ثنا اسماعيل بن عيسى العطار، ثنا اسحاق بن بشر ، أخبرنا مقاتل عن قتادة عن خلاس بن عمرو قال كنا جلوسا عند عليّ بن أبي طالب، إذ أتاه رجل من خزاعة فقال يا أمير المؤمنين : هل سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ينعت الاسلام ؟

قال نعم سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يقول: «بنى الاسلام على أربعة أركان على ،الصبر واليقين والجهاد والعدل، وللصبر أربع شعب الشوق والشفقة، والزهادة، والترقب . فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار

جع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات ولليقين أربع شعب ؛ تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة ، ومعرفة العبرة، واتبع السنة. فمن أبصر الفطنة تأول الحكمة ومن تأول الحكمة عرف

العبرة، ومن عرف العبرة اتبع السنة، ومن اتبع السنة فكأنما كان في الأولين وللجهاد أربع شعب ؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنان الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق . ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه وأحرز دينه، ومن شنأ الفاسقين فقد غضب الله ، ومن غضب الله يغضب الله له . وللعدل أربع شعب ؛ غوض الفهم، وزهرة العلم وشعرائع الحكم، وروضة .الحلم. فمن غاص الفهم فسر جمل العلم، ومن رعى زهرة العلم عرف شرائع الحكم، ومن عرف شرائع الحكم ورد روضة الحلم، ومن ورد روضة الحلم لم يفرط في امره، وعاش في الناس وهم في راحه) . ورواه الأصبغ بن نباتة، عن عليّ مرفوعا فقال الايمان . ورواه الحارث، عن

عليّ مرفوعا مختصراً . ورواه قبيصة بن جابر ، عن علي من قوله . ورواه العلاء بن

ص: 311

عبدالرحمن، عن عليّ من قوله. حدثنا أبو الحسن احمد بن يعقوب بن المهرجان ، ثنا أبو شعيب الحرّاني، ثنا يحيى بن عبد الله ، ثنا الأوزاعي ، ثنا يحيى بن أبي كثير وغيره، قال : قيل لعلي : ألا نحرسك ؟ فقال : حرس امراً أجله . (1) : وبالاسناد عن الموفق الخوارزمي ( ت / 568 ه-) في المناقب: بالاسناد عن أحمد بن الحسين، قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي اسحاق ، حدثنا أبو محمّد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا عبد الله بن غنام بن حفص بن غیاث حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن محمّد بن سوقة ، عن العلاء بن عبد الرحمان

قال: قام رجل إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ما الايمان؟ فقال: الايمان على أربع دعائم على الصبر والعدل واليقين والجهاد والصبر ذلك على أربع شعب على الشوق والشفق والزهد والترقب ، فمن اشتاق إلى

من الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في

الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ترقب الموت تسارع إلى الخيرات. والعدل على أربع شعب تبصرة الفطنة وتأويل الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين فمن تبصر الفطنة تأوّل الحكمة ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.

واليقين على اربع شعب غائص الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، وروضة .الحلم . فمن فهم فسر جميل العلم، ومن فسر جميل العلم، عرف شرائع الحكم ، ومن عرف شرائع الحكم حلم وعاش في الناس ولم يفرط.

والجهاد على أربع شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن ،الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن

المنكر ارغم انف المنافق، ومن صدق في المواطن قد قضى ما عليه، ومن

ص: 312


1- حليه الاولياء 1 74-75

الفاسقين وغضب الله غضب الله له وما اكتحل رجل بمثل ملمول الحزن(1)وبالاسناد عن ابن عساكر (ت / 571ه-) في تاريخ مدينة دمشق، قال اخبرنا أبو محمد هبة الله بن سهل بن عمر وأبو القاسم تميم بن أبي سعيد بن أبي العباس :قالا أنا أبو سعد محمّد بن عبد الرحمن، أنا أبو أحمد محمّد بن محمّد الحافظ، أنا أبو العباس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي السراج، نا محمّد بن الصباح أنا سليمان بن الحكم بن عوانة ودلني عليه محمّد بن يزيد الواسطي، عن عتبة بن حميد ، عن قبيصة بن جابر الأسدي ، قال : قام رجل إلى على بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ما الإيمان. قال: الإيمان على أربع دعائم على الصبر واليقين والعدل والجهاد، فالصبر منها على أربع شعب على الشوق والشفقة والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في

الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب على تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين. والعدل منها على أربع شعب غامض يعني الفهم وشرائع الحكم(2) ومن حلم

لم يفرط أمره وعاش في الناس جميلا.

والجهاد على اربع شعب على أمر بالمعروف ونهي عن المنكر والصدق في

ص: 313


1- المناقب ؛ للموفق الخوارزمي : 372.
2- في العبارة سقط : فقد وردت في الغارات 1: 138 كمايلي والعدل منها على أربع شعب على غامض الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم ، فمن فهم افسر جمل العلم ، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل، ومن لم الى اخره مع اختلاف في بعض الألفاظ.

المواطن وشنان ،الفاسقين فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر رغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنا

الفاسقين وغضب الله غضب الله ل(1)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975ه-) في كنز العمال، قال: ومن مسند علي كرم الله وجهه عن العلاء بن عبد الرحمن ، قال : قام رجل إلى عليّ بن أبي

طالب فقال يا امير المؤمنين ما الايمان ؟

قال : الايمان على اربع دعائم : على الصبر والعدل واليقين والجهاد (هب). وعن قبيصة بن جابر الاسدي، قال: قام رجل إلى عليّ فقال: يا امير المؤمنين

ما الايمان؟ :قال الايمان على اربع دعائم على الصبر واليقين والجهاد والعدل، فالصبر

على اربع شعب على الشوق والشفقة والزهادة والرقب، فمن اشتاق إلى الجنة سيلا عن الشهوات ومن أشفق عن النار رجع عن المحرمات، ومن ابصر بالدنيا تهاون بالمصائبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على اربع شعب على تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة ، وموعظة العبرة ،

وسنة الأوّلين فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكانما كان في الأولين.

والعدل على اربع شعب على غائص الفهم وزهرة العلم وشريعة الحكم وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن احكم لم يفرط امره وعاش في الناس وهو في راحة .

والجهاد على اربع شعب امر بمعروف ونهى عن المنكر والصدق في

ص: 314


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 514:42

المواطن وشنآن ،الفاسقين، فمن امر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر ارغم انف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شناً الفاسقين وغضب الله غضب الله له .

فقام السائل عند هذا فقبل راس علي إبن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف (

والنهي عن المنكر واللالكائي ، كر )(1) وبالاسناد عن المتقي الهندي - أيضاً - عن علي ، قال : اليقين على أربع شعب : على غاية الفهم وغمرة العلم، وزهرة الحكم ، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جمل العلم ، ومن فسر جمل العلم عرف شرائع الحكم ، ومن عرف شرائع الحكم

حلم ولم يفرط في أمره، وعاش في الناس. ابن أبي الدنيا في اليقين (2) وعنه - أيضاً - عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، قال: كان علي يخطب فقام إليه ،رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل أهل الجماعة ؟ ومن أهل الفرقة ؟ ومن أهل السنة ؟ ومن أهل البدعة ؟

فقال : ويحك ! أما إذ سألتني فافهم عنى، ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي، فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعنى وإن قلوا ، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله ، فأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتبعني وإن كثروا ، وأما أهل السنة المتمسكون بما سنّه الله لهم ورسوله وإن قلوا وإن قلوا، وأما أهل البدعة فالمخالفون لامر الله ولكتابه ورسوله ، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى منه

الفوج الأول وبقيت أفواج ، وعلى الله قصمها واستئصالها عن جدبة الارض . فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفي ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وأهله في لنا وولده، فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن

ص: 315


1- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 1: 284 - 286- الارقام 1387 و 1388 .
2- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 800:3، الرقم 8803

قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين ! والله ! ما قسمت

بالسوية، ولا عدلت في الرعية.

فقال علي : ولم ويحك ؟ قال : لانك قسمت ما في العسكر، وتركت الاموال

والنساء والذرية

فقال علي : يا أيها الناس من كان به جراحة فليداوها بالسمن

فقال :عباد جئنا نطلب غنائمنا ، فجاءنا بالترهات!

فقال له عليّ : إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف . فقال رجل من القوم ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟

فقال: رجل لا يدع الله حرمة إلا انتهكها.

قال: فيموت أو يقتل ؟

قال : بل يقصمه قاصم الجبارين، قتله بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما

يجري من بطنه. يا أخا بكر! أنت امرؤ ضعيف الرأي، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب

الكبير ! ! وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولدوا على

الفطرة، وإنما لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث ،لذريتهم أخذناه بذنبه ، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره يا

فان عدا علينا أحد منهم

أخا بكر! لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في أهل مكة قسم ما حوى

العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل . يا أخا بكر! أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق ، فمهلا مهلا رحمكم الله ! فان أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي - وذلك

أنه تكلم في هذا غير واحد - فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه ؟

قالوا: أينا يا أمير المؤمنين ؟! بل أصبت وأخطأنا، وعلمت وجهلنا ونحن

ص: 316

نستغفر الله وتنادى الناس من كل جانب أصبت يا أمير المؤمنين ! أصاب الله بك

الرشاد والسداد

فقام عمار فقال يا ايها الناس! إنكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم يضل بكم عن منهاج نبيكم قيس شعرة، وكيف يكون ذلك وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فضلا

خصه الله به إكراما منه لنبيه صلی الله علیه و آله وسلم حيث أعطاه الله ما لم يعطه أحدا من خلقه. ثم قال عليّ : انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له، فان العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الاخس ، فاني حاملكم إن شاء الله تعالى - إن أطعتموني - على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة، وإن الدنيا حلوة، الحلاوة لمن اغتر بها ...(1) من الشقوة والندامة عما قليل، ثم إني مخبركم أن خيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم ، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم. وأما عائشة، فأدركها رأي النساء وشي كان في نفسها علي يغلي في جوفها كالمرجل، ولو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلي لم تفعل، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى ، والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب عمن يشاء. فرضي بذلك أصحابه وسلموا لامره بعد اختلاط ،شدید فقالوا: يا أمير المؤمنين حكمت والله فينا بحكم الله، إنا جهلنا ، ومع جلهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين.

وقال ابن يساف الانصاري:

إن رأيا رأيتموه سفاها ***لخطأ الايراد والاصدار

ليس زوج النبي تقسم فيئا ***ذلك زيغ القلوب والابصار

ص: 317


1- بياض في الأصل.

فاقبلوا اليوم ما يقول عليّ ***لا تناجوا بالاثم في الاسرار

ليس ما ضمت البيوت بفيّ*** إنما الفي ما تضم الاوار

من كراع في عسكر وسلاح ***ومتاع يبيع أيدي التجار

ليس في الحق قسم ذات نطاق*** لا ولا أخذكم لذات خمار

ذاك هو فيئكم خذوه وقولوا ***قد رضينا لا خير في الاكثار

إنها أمكم وإن عظم الخط ***ب- وجاءت بزلة وعثار

فلها حرمة الن- رمة النبي وحقا ***ق علينا من سترها ووقار

فقام عباد بن قيس وقال: يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الايمان. فقال: نعم، إن الله ابتدأ الامور فاصطفى لنفسه ما شاء، واستخلص ما أحب فكان مما أحب أنه ارتضى الاسلام واشتقه من اسمه ، فنحله من أحب من خلقه، ثم شقه فسهل شرائعه لمن ورده وعزز أركانه على من حاربه، هيهات من أن يصطلمه مصطلم ! جعله سلما لمن دخله، ونورا لمن استضاء به، وبرهانا لمن تمسك به، ودينا لمن انتحله وشرفا لمن عرفة، وحجة لمن خاصم به وعلما لمن رواه، وحكمة لمن نطق به، وحبلا وثيقا لمن تعلق به، ونجاة لمن آمن به فالايمان أصل الحق والحق سبيل الهدى، وسيفه جامع الحلية، قديم العدة، الدنيا مضماره والغنيمة حليته، فهو أبلج منهاج ، وأنور سراج، وأرفع غاية وأفضل دعية، بشير لمن سلك قصد الصادقين، واضح البيان عظيم الشأن الأمن

منهاجه والصالحات مناره والفقه مصابيحه، والمحسنون فرسانه فعصم السعداء بالايمان، وخذل الاشقياء بالعصيان من بعد اتجاه الحجة عليهم بالبيان إذ وضح لهم منار الحق وسبيل الهدى فالايمان يستدل به على الصالحات وبالصالحات الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا

يعمر تخرج الآخرة، وفي القيامة حسرة أهل النار، وفي ذكر أهل النار موعظة أهل التقوى . والتقوى غاية لا يهلك من اتبعها، ولا يندم من عمل بها ، لان بالتقوى فاز

ص: 318

الفائزون، وبالمعصية خسر الخاسرون فليزدجر أهل النهى، وليتذكر أهل التقوى، فان الخلق لا مقصر لهم في القيامة دون الوقوف بين يدي الله، مرفلين في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية القصوى، مهطعين بأعناقهم نحو داعيها، قد شخصوا من مستقر الاجداث والمقابر إلى الضرورة أبدا، لكل دار أهلها، قد انقطعت بالاشقياء الاسباب، وأفضوا إلى عدل الجبار ، فلا كرّة لهم إلى دار الدنيا

فالصبر من

فتبرؤا من الذين أثروا طاعتهم على طاعة الله ، وفاز السعداء بولاية الايمان. فالايمان يا ابن قيس على أربع دعائم : الصبر واليقين، والعدل، والجهاد، ذلك على أربع دعائم الشوق والشفق، والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات واليقين من ذلك على أربع دعائم : تبصرة الفتنة وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين(1)، ومن تأول الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، فاهتدى إلى التي هي أقوم . والعدل من ذلك على أربع دعائم : غائص الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل ، ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس حميدا. والجهاد من ذلك على أربع دعائم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن، وشنآن ،الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى الذي

ص: 319


1- من المصادر التي أوردت هذا الحديث، وفي كنز العمال الحديث رقم 1388 ، وردت العبارة :هكذا تبصرة الفطنة وتاول الحكمة، وموعظة العبرة وسنة الأولين ، فمن تبصر الفطنة تأوّل الحكمة ... إلى آخره، مع اختلاف في بعض الالفاظ .

عليه، ومن

شنأ المنافقين وغضب الله غضب الله له .

فقام إليه عمار فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني كما أخبرتنا

عن الايمان ؟

قال : نعم يا أبا اليقظان ! بني الكفر على أربع دعائم على الجفاء والعمى والغفلة، والشك، فمن جفا فقد احتقر الحق، وجهر بالباطل ومقت العلماء وأصر على الحنث العظيم ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة، ومن غفل حاد عن الرشد وغرته الاماني ، وأخذته الحسرة والندامة، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن عتا في أمر الله شك، ومن شك تعالى عليه فأذله بسلطانه وصغره بجلاله كما فرط في أمره فاغتر بربه الكريم والله أوسع بما لديه من العفو والتيسير، فمن عمل بطاعة الله اجتلب بذلك ثواب الله ، ومن تمادى فى معصية الله ذاق وبال نقمة الله، فهنيئا لك يا أبا اليقظان عقبى لا عقبى غيرها وجنات لا جنات بعدها

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! حدثنا عن ميت الأحياء.

قال : نعم، ان الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين فصدقهم مصدقون وكذبهم ،مكذبون فيقاتلون من كذبهم بمن صدقهم، فيظهرهم الله، ثم يموت الرسل، فتخلف خلوف فمنهم منكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك استكمل خصال الخير.

ومنهم منكر للمنكر بلسانه وقلبه ترك له بيده فذلك خصلتان فذلك خصلتان من خصال

الخير تمسك بهما وضيّع خصلة واحدة وهي أشرفها. ومنهم منكر للمنكر بقلبه تارك له بيده ولسانه فذلك ضيع شرف الخصلتين

من

الثلاث وتمسك بواحدة.

ومنهم: تارك له بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الاحياء.

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا على ما قاتلت طلحة والزبير ؟

ص: 320

قال :قاتلتهم على نقضهم بيعتي، وقتلهم شيعتي من المؤمنين حكيم بن جبلة

العبدي من عبد القيس والسائحة والاساورة بلا حق استوجبوه منهما ولا كان ذلك لهما دون الامام ولو أنهما فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما، ولقد علم من هاهنا من أصحاب محمّد صلی الله علیه و آله وسلم أن أبا بكر لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو كاره ولم يكونوا بايعوه بعد الانصار، فما بالي وقد بايعاني طائعين غير مكرهين ولكنهما طمعا منّى فى ولاية البصرة واليمن، فلما لم أوّلهما وجاءهما الّذي غلب من حبهما للدنيا وحرصهما عليها خفت أن يتخذا عباد الله خولا، ومال المسلمين لانفسهما، فلما زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جربتهما

واحتججت عليهما.

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن

المنكر ، أ واجب هو ؟

قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم : يقول : إنما أهلك الله الامم السالفة قبلكم بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول الله عز وجل: وَكَانُوا لَا يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (1)وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله عز وجل، فمن نصرهما نصره الله ومن خذلهما خذله الله ، وما أعمال البر والجهاد في سبيله عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كبقعة في بحر لجي،

الاكبقعة فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من ،رزق وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر وإن الامر لينزل من السماء إلى الأرض كما ينزل قطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فإذا أصاب أحدكم نقصانا في شئ من ذلك ورأى الآخر ذا يسار لا يكونن له فتنة ، فان المرء المسلم البرئ من

ص: 321


1- المائدة : 79

الخيانة لينتظر من الله إحدى الحسنيين : إما من عند الله فهو خير واقع ، وإما رزق الله يأتيه عاجل، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لاقوام.

خالفه من

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أحاديث البدع. قال: نعم، سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يقول: إن أحاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم : قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لو سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، كل ذلك افتراء علي ، والذي بعثني بالحق ! التفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة ، كلها ضالة مضلة تدعوا إلى النار ، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل، فان فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم والحكم فيه بين من الجبابرة قصمه الله، ومن ابتغى العلم في غيره أصله الله ، فهو حبل الله المتبن، ونوره المبين، وشفاؤه النافع ، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه لا يموج فيقام، ولا يزيغ فيتشعب ، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الرد، هو الذي سمعته الجن فلم تناه أو ولّوا إلى قومهم منذرين، قالوا: يا قومنا ! ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عجباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ (1) من قال به صدق و من عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم.

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الفتنة، هل سألت عنها

رسول الله ؟

قال: نعم، إنه لما نزلت هذه الآية من قول الله عز وجل : ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُترَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (2)علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم

ص: 322


1- الجن : 2 .
2- العنكبوت : 2 .

بين أظهرنا، فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التى أخبرك الله بها ؟

فقال : يا عليّ ! إن أمتي سيفتنون من بعدي.

قلت : يا رسول الله ! أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحزنت على الشهادة فشق ذلك عليّ فقلت لي : أبشر يا صديق ! فان الشهادة من ورائك.

فقال لى : فان ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا وأهوى

بيده إلى لحيتي ورأسي. فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ! ليس ذلك من مواطن الصبر ولكن من مواطن

البشرى والشكر !

فقال لي: أجل، ثم قال لي: يا علي ! إنك باق بعدي، ومبتلى بأمتي ، ومخاصم يوم القيامة بين يدي الله تعالى فأعدد جوابا ، فقلت بأبي أنت وأمي بيّن لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها، وعلى ما أجاهدهم بعدك؟

فقال : إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة - وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، ثم قال لي وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما هو أمر من الرب ونهيه .

فقلت یا رسول الله ! فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة. فقال: نعم، إذا كان ذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفوا الهدى على العمى، وعطفوا القرآن على الرأي فتأوّلوه برأيهم، تتبع الحجج م-ن الق-رآن بمشتبهات الأشياء الكاذبة عند الطمأنينة إلى الدنيا والتهالك والتكاثر فاعطف أنت الرأي على القرآن إذا قومك حرفوا الكلم عن مواضعه عند الاهواء الساهية، والامر الصالح، والهرج الآثم ، والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل الافك المردي والهوى المطغي ، والشبهة الحالقة ، فلا تتكلن عن فضل العاقبة فان

ص: 323

العاقبة للمتقين، وإياك يا علي أن يكون خصمك أولى بالعدل والاحسان والتواضع لله والاقتداء بسنتي والعمل بالقرآن منك ! فان من فلج الرب على العبد يوم القيامة أن يخالف فرض الله أو سنة سنّها نبي، أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل ، فعند ذلك يملي لهم فيزدادوا إثما يقول الله : (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً ) (1) فلا يكونن الشاهدون بالحق والقوامون بالقسط عندك كغيرهم ، يا علي ! إن القوم سيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويزكون أنفسهم ويمنون دينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه، ويستحلون حرامه بالمشتبهات الكاذبة، فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع ويمنعون الزكاة ويطلبون البر، ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها، ويلي أمرهم السفهاء، ويكثر تتبعهم على الجور والخطأ، فيصير الحق عندهم باطلا والباطل ،حقا، ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم، ويعيبون العلماء ويتخذونهم سخريا [فقلت ] (2) يا رسول الله ! فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك، بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردة ؟

قال :بمنزلة فتنة، ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا السعداء من أولي الالباب ، إلا أن يدعوا الصلاة ويستحلوا الحرام في حرم الله ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يا علي ! بنا فتح الله الاسلام وبنا يختمه، بنا أهلك الاوثان ومن يعبدها وبنا يقصم كل جبار وكل منافق ، حتى أنا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل ، يا عليّ ! إنما مثل هذه الامة مثل حديقة أطعم منها فوجا عاما ثم فوجا عاما، فلعل آخرها فوجا أن يكون أثبتها أصلا وأحسنها فرعا وأحلاها جنى وأكثرها خيرا، وأوسعها عدلا، وأطولها ملكا يا علي كيف يهلك الله أمة أنا أولها ومهدينا

ص: 324


1- آل عمران: 178
2- الزيادة اقتضتها العبارة.

أوسطها، والمسيح ابن مريم آخرها يا علي ! إنما مثل هذه الامة كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أم ،آخره، وبين ذلك نهج أعوج لست منه وليس مني يا علي! وفي تلك الامة يكون الغلول والخيلاء وأنواع المثلات ، ثم تعود هذه الامة إلى ما كان خيار أوائلها ، فذلك من بعد حاجة الرجل إلى قوت امرأته - يعني غزلها ، حتى

أن أهل البيت ليذبحون الشاة فيقنعون منها برأسها ويولون ببقيتها من الرأفة

والرحمة بينهم وكيع (1)

[ الحكمة 32]

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

أَشْرَفُ الْغِنى تَرْك الْمُنى.

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الكليني

(ت/ 328ه-) في الكافي بعنوان: «خطبة لامير المؤمنين وهي خطبة الوسيلة

عن محمّد بن علي بن معمر ، عن محمّد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن یزید ، قال : دخلت على أبي جعفر علیه السلام فقلت : يا ابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها ؟ فقال : يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا ؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال : فلا تختلف إذا اختلفوا، يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد الرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في أيامه ، يا جابر اسمع ،وع، قلت: إذا شئت، قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك، إن أمير المؤمنين علیه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم

ص: 325


1- كنز العمال للمتقي الهندي 16: 183 - 197 ، الحديث رقم 44216.

وذلك حين فرغ من جمع القرآن وتأليفه فقال : الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده، وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل، بل الذي لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله ، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة ، لا يكون العلم إلا بها، وليس بينه وبين معلومه علم غیره به كان عالما بمعلومه، إن قيل : كان، فعلى تأويل أزلية الوجود . وإن قيل لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم،

فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبير

نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول

وتضاعفان العمل خف میزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز

بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط، وبالشهادة تدخلون الجنة، وبالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً(1) ، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما. أيها الناس، إنه لا شرف أعلى من الاسلام ، ولا كرم أعز من التقوى، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة، ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة،

. والرغبة مفتاح التعب، والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داعي الحرمان والبغي سائق إلى الحين والشره جامع لمساوئ العيوب ، رب طمع خائب وأمل كاذب، ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورّط في الأمور غير ناظر في

ص: 326


1- الأحزاب : 56 .

العواقب فقد تعرّض لمفضحات النوائب، وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن. أيها الناس، إنه لا كنز أنفع من العلم ، ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب ولا نصب أوضع من الغضب ولا جمال أزين من العقل، ولا سوءة أسوأ من الكذب ولا حافظ أحفظ من الصمت ولا غائب أقرب من الموت. أيها الناس، إنه من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغى قتل به ، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ومن نسي زلل-ه استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ،ضل، ومن استغنى بعقله زلّ، ومن تكبر على الناس ذلّ، ومن سفه على الناس شتم ، ومن خالط الانذال حقر، ومن حمل

ما لا يطيق عجز.

أيها الناس إنه لا مال هو أعود من العقل، ولا فقر هو أشد من الجهل، ولا واعظ هو أبلغ من النصح ، ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد مشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم ، ولا

حلم كالصبر والصمت . أيها الناس في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير،

وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة وواصف يعرف به الاشياء ، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعزّ

تسكن به الاحزان ، وحاضر تجلى به الضغائن ومونق تلتذ به الاسماع. أيها الناس، إنه لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل. واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم ، ومن لا يعلم يجهل، ومن

لا يتحلم لا يحلم، ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر ومن لا يوقر يتوبخ، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن

ص: 327

لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ، ومن لم يعط قاعدا منع قائما، ومن يطلب العز بغير حق يذل ، ومن يغلب بالجور يغلب ، ومن عاند الحق لزمه الوهن ، ومن

تفقه وقر، ومن تكبّر ،حقر، ومن لا يحسن لا يحمد.

أيها الناس إن المنية قبل الدنية، والتجلد قبل التبلد ، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر، وغض البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم

عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن . - وفي نسخة

وكلاهما سيمتحن . أيها الناس، أعجب ما في الانسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن

ب- ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن اسعد بالرضى

نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استلبته العزة - وفي نسخة : أخذته العزة ، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء - وفي نسخة : جهده البكاء - وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة

فکل، تقصیر به مضر وكل إفراط له مفسد.

أيها الناس، إنه من قل ذل ، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس، ومن كثر حلمه نبل، ومن تفكر في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شي عرف به، ومن كثر مزاحه استخف به ، و من كثر ضحكه ذهبت هیبته فسد حسب من ليس له أدب ، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال ليس من جالس الجاهل بذي معقول من جالس

الجاهل فليستعد لقيل وقال لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لاقلاله . أيها الناس، لو أن الموت يشتري لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج

واللثيم الملهوج.

ص: 328

أيها الناس، إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة

الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد وكفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه لغيرك، وعليك لاخيك المؤمن مثل الّذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، ومن حصن شهوته فقد صان ،قدره ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته، وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة ، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى(1) ، والصبر جنة الفاقة والحرص علامة الفقر والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر ، والموعظة كهف لمن وعاها ومن أطلق طرفه كثر أسفه، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ، ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق ، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره، ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول ؛ فإن من تحري القصد خفت عليه المؤون، وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد، ألّا وإن مع كل جرعة شرقا، وإن في كل أكلة غصصا لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى،

، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت. إعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها، والليل

ص: 329


1- وسيأتي نص هذه الحكمة بالرقم (34) .

والنهار يتنازعان - وفي نسخة اخرى يتسارعان - في هدم الاعمار.

يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم إن من الكرم لين الكلام

ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ، ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك ، رب بعيد هو أقرب من قريب سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار ، ألا ومن

أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك ، من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه

وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه - وفي نسخة : من خاف ربه كفي عذابه ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب، فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم، وما شرّ بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار ،عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل، وتخليص النية من الفساد أشد على

الله

العاملين من طول الجهاد هيهات لولا التقى لكنت أدهى العرب. أيها الناس ، إن الله تعالى وعد نبيه محمّدا علیه السلام الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف عده، ، ألا وإن الوسيلة على درج الجنة، وذروة ذوائب الزلفة، ونهاية غاية الامنية لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام،

وهو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة ، إلى مرقاة لؤلؤة ، إلى مرقاة ياقوتة ، إلى مرقاة زمردة إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر ، إلى مرقاة يلنجوج ، إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان، ورسول الله علیه السلام يومئذ قاعد عليها مرتد

ص: 330

بريطتين ربطة من رحمة الله ، وربطة من نور الله عليه تاج النبوة، وإكليل الرسالة ، قد أشرق بنوره الموقف.

وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي دون درجته، وعلي ريطتان: ربطة من أرجوان النور، وريطة من كافور . والرسل والانبياء قد وقفوا على المراقي ، وأعلام الأزمنة وحجج الدهور عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك

مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا. وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عمامة بسطة البصر يأتي منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي العربي ومن كفر فالنار موعده(1)

وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه وسلم ظلة يأتي منها النداء يا أهل

الموقف، طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الأمي والذي له الملك الاعلى لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقى خالقه بالاخلاص لهما والاقتداء بنجومهما ، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم

وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين.

ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام

الازمنة، أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاء بما كنتم تعملون. وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده و مبشرا برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وموصيا قومه ،باتباعه ومحله عند قومه ليعرفوه بصفته، وليتبعوه على شريعته، ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك أو ضلّ

ص: 331


1- اقتباس من قوله تعالى : (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابٌ مُوسَى إمَاماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكَ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (هود: (17).

بعد وقوع الاعذار والانذار عن بيئة وتعيين حجة ، فكانت الامم في رجاء من الرسل وورود من الانبياء، ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم

وفجائعها بهم كالمصيبة برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لان الله ختم به الانذار والاعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به، ولا قربة إليه إلا بطاعته ، وقال في محكم كتابه : ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) (1)فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته ، فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على من أتبعه وعصاه، وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم، فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُخبنكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (2)، فاتباعه صلی الله علیه و آله وسلم محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة، وفي التولي عنه والاعراض محادّة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار، وذلك قوله : ( وَمَن يَكْفُرُ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) (3) يعني الجحود به والعصيان له ؛ فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده، وقتل بيدي أضداده ، وأفنى بسيفي جحاده، وجعلني زلفة للمؤمنين، وحياض موت على الجبارين، وسيفه على المجرمين، وشدّ بي أزر ،رسوله ، وأكرمني بنصره، وشرفني بعلمه، وحباني بأحكامه، واختصني بوصيته، واصطفاني بخلافته في امته فقال صلى الله عليه وسلم وقد حشده المهاجرون والانصار وانغصت بهم المحافل : أيها الناس إن عليا منّي كهارون من موسى إلّا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن الله نطق

فقد كانت على سعة من الأمل، ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت

ص: 332


1- النساء : 80
2- آل عمران: 31
3- هود : 17

الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لابيه وامه كما كان هارون أخا موسى لابيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة، ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون علیهما السلام حيث يقول: ﴿ أَخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )(1) وقوله صلی الله علیه و آله وسلم حين تكلمت طائفة فقالت: نحن موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوادع ثم صار إلى غدير خم، فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله : «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه، فكانت على ولايتي ولاية الله، وعلى عداوتي عداوة الله .

وأنزل الله عز وجل في ذلك اليوم : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) (2)، فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره، وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم منحنيه وهو قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَه الحكم الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) (3)، في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع، ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهاله فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا: ﴿ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (4) ، فيجيبة الاشقى على رثوثة يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد اضللتني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ

ص: 333


1- الأعراف : 142 .
2- المائدة : 3.
3- الأنعام : 62 .
4- الزخرف : 38 .

خَذُولاً (1) ، فأنا الذِّكْر الذي عنه ،ضل والسبيل الذي عنه مال، والايمان الذي به كفر ، والقرآن الذي إياه ،هجر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شرّ ورود، في أخيب وفود وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة ، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة ،أوثان يقيمون لها المناسك، وينصبون لها العتاثر، ويتخذون لها القربان، ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ويستقسمون بالازلام عامهين عن الله ذكره، حائرين عن الرشاد مهطعين إلى البعاد، وقد استحوذ

عز عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية، ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة، فأخرجنا الله إليهم رحمة، وأطلعنا عليهم رأفة، واسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن ،صدقه، فتبوؤوا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة ، وهابتهم القلوب والابصار، وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة ميسورة، وأمن بعد خوف، وجمع بعد كوف، وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان، وأولجناهم باب الهدى، وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الايمان وفلجوا بنا في العالمين، وابدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين، من حام مجاهد ومصل قانت و معتكف ،زاهد يظهرون الامانة ويأتون

المثابة، حتى إذا دعا الله عز وجل نبيه صلی الله علیه و آله وسلم ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة

من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار

، وطلبوا بالاوتار، وأظهروا الكتائب، وردموا الباب، وفلّوا الديار، وغيروا آثار

ص: 334


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خذولاً) (الفرقان : 27 - 29 ) .

رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ، ورغبوا عن أحكامه، وبعدوا من أنواره، واستبدلوا بسمتخلفه بديلا، اتخذوه وكانوا ،ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم المقامه، وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الانصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا : إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم

رسول مضى ولم يستخلف ، فكان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الاسلام، وعن قليل يجدون غب ما يعملون، وسيجد التالون غبّ ما أسسه الأولون ، ولئن كانوا فى مندوحة من المهل وشفاء من الاجل ، وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال، وإدراك من الامل فقد أمهل الله عز وجل شداد بن عاد وثمود بن عبود وبلعم بن باعور ، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأمدهم بالأموال والاعمار ، وأتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الاهابة له والانابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار ، فلما بلغوا المدة واستتموا

الأكلة أخذهم الله عز وجل واصطلمهم، فمنهم من حصب، ومنهم من ن أخذته الصيحة(1)، ومنهم من أحرقته الظلة، ومنهم من أودته الرجفة، ومنهم من أردته الخسفة وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(2)، ألا وإن لكل أجل كتابا، فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الاخسرون

ص: 335


1- ذكر بعض ذلك في قوله تعالى : ( فَكَلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مِّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُوا أنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت : 40) .
2- اقتباس من قوله تعالى : ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيُظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يُظْلِمُونَ ) (التوبة : 70) .

لهربت إلى الله عز وجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون.

مماه- ألا، وإني فيكم - أيها الناس - كهارون في آل فرعون، وكباب حطة في بني إسرائيل، وكسفينة نوح في قوم نوح، إني النبأ العظيم والصديق الاكبر، وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل هي إلا كلعقة الأكل، ومذقة الشارب، وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات؛ خزيا في الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدُ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (1)فما جزاء من تنكب محجته؟ وأنكر حجته، وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه، واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب، وبالفوز الشقاء، وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترافه وسوء خلافه، فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذلِكَ حَشْرُ عَلَيْنَا يَسِيرُ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) (2)(3)

[ الحكمة 36]

قوله عَلَيْهِ السَّلام:

من اطال الامل أساء العمل.

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج : قوله علیه السلام من اطال الامل .

ص: 336


1- اقتباس من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسَارَى نَفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمْ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْدُونَ إِلَى أَشَدَّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (البقرة : 85 ).
2- سورة ق : 41 - 45.
3- الكافي ؛ للشيخ الكليني 8: 3018

إلى آخره، أورده في التذكرة مع زيادة: « وسيئة تسوؤك خير من حسنة تسرك» . (1) قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الجاحظ

( ت / 255ه-) في المائة كلمة برقم 104 ، راجع الحكمة (13)

وبالاسناد عن الشيخ الكليني ( ت / 328ه-) في الكافي عن فضالة عن إسماعيل بن أبي زياد عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله.

قال : وقال أمير المؤمنين علیه السلام: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل . وكان يقول : لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض العمل من طلب الدنيا . (2) وبالاسناد عن الشيخ الصدوق ( ت / 281 ه-) في الخصال، قال: حدثنا محمّد ابن الحسن بن أحمد بن الوليد رضی الله عنه قال : حدثنا محمّد بن الحسن الصفار عن العباس بن معروف، عن أبي همام - إسماعيل بن همام - عن محمّد بن سعيد بن ،غزوان عن السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه ، عن آبائه عن علي علیهم السلام:قال من أطال أمله ساء عمله . (3)

[ الحكمة 37]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ :

وَقَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ دَهَا قِينُ الْأَنْبَارِ فَتَرَجُلُوا لَهُ وَأَشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ : مَا هَذَا

الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ؟

فَقَالُوا : خُلُقٍ مِنَّا نُعَظْمُ بِهِ أَمْرَاءَنَا.

ص: 337


1- مدارك نهج البلاغة : 105 .
2- الكافي للشيخ الكليني 3 259 .
3- الخصال ، للشيخ الصدوق: 15 .

فَقالَ : وَالله ما يَنْتَفَعُ بِهذا أُمَرَاؤُكُمْ، وَإِنَّكُمْ لَتَشقُونَ بِهِ عَلى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ(1) ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي أُخْرَاكُمْ(2) ، وَما أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَراءَهَا الْعِقابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الْأَمَانُ

مِنَ النَّارِ !

قال الجلالي وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري (ت / ه-) في وقعة صفين : عن عمر بن سعد، حدثني مسلم الأعور ، عن حبة العرني، رجل من عرينة ، قال : أمر على بن أبي طالب الحارث الأعور فصاح في أهل المدائن من كان من المقاتلة فليواف أمير المؤمنين صلاة العصر. فوافوه

في تلك الساعة، فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد، فإني قد تعجبت من تخلفكم عن دعوتكم، وانقطاعكم عن أهل مصركم في هذه المساكن الظالم

أهلها ، والهالك أكثر سكانها لا معروفا تأمرون به، ولا منكرا تنهون عنه. قالوا: يا أمير المؤمنين إنا كنا ننتظر أمرك ورأيك مرنا بما أحببت فسار

وخلف عليهم عدي بن حاتم ، فأقام عليهم ثلاثا ثم خرج في ثمانمائة ، ثمانمائة، وخلف

ابنه يزيد فلحقه في أربعمائة رجل منهم ، ثم لحق عليا . وجاء عليّ حتى مرّ بالأنبار، فاستقبله بنو خشنوشك دهاقنتها (3) ، فلما استقبلوه نزلوا ثم جاءوا يشتدون معه، قال: ما هذه الدواب التي معكم ؟ وما أردتم بهذا

م؟

الذي صنعتم ؟ :قالوا: أما هذا الّذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء. وأما هذه البراذين

فهدية لك. وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما، وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا. قال : أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء فوالله ما

ص: 338


1- لم ترد: (في دنياكم) في «أ» »ب«.
2- في «أ» «ب»: (آخر تكم) .
3- قال :سلیمان خش طيب نوشك : راض. يعني بني الطيب الراضي ، بالفارسية .

الأمراء، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم فلا تعودوا له. وأما دوابكم

هذه فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فإنا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا إلا بثمن .

قالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نقومه ثم نقبل ثمنه.

قال : إذا لا تقومونه ،قيمته، نحن نكتفي بما دونه :قالوا يا أمير المؤمنين فإن لنا من العرب موالى ومعارف، فتمنعنا أن نهدي

لهم وتمنعهم أن يقبلوا منا ؟

قال : كل العرب لكم موال ، وليس ينبغي لأحد من المسلمين أن يقبل هديتكم.

وإن غصبكم أحد فأعلمونا.

قالوا :يا أمير المؤمنين، إنا نحب أن تقبل هديتنا وكرامتنا.

قال لهم : ويحكم نحن أغنى منكم .

فتركهم ثم سار .(1)

[ الحكمة 38]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلام:

لابْنِهِ الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلامُ : يا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً لا يَضُرُّك ما عَمِلْتَ مَعَهُنَّ : إِنَّ أَغْنَى الغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ العُجْبُ ، وَأَكْرَمَ

الْحَسَبِ(2) حُسْنُ الْخُلْقِ.

يا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَمُصادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ . وَإِيَّاكَ وَمُصادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَخْرَجَ ما تَكُونُ إِلَيْهِ.

ص: 339


1- وقعة صفين ؛ النصر بن مزاحم المنقري : 143 - 144 .
2- في (ب) : (الكرم) ، وفي « ه-. ب» : في نسخة : (الحسب) .

وَإِيَّاكَ وَمُصادَقَةَ الْفَاجِرِ (1) فَإِنَّهُ يَبِيعُك بِالتَّافِهِ(2)

13

وَإِيَّاكَ وَمُصادَقَة الكَذَابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ ، وَيُبعدُ عَلَيْك القريب. قال العرشي في التخريج ما نصه: « يا بني احفظ عني اربعاً لا يضرك ما

عملت معهن[ ج 3 ص 160] رواها ابن دريد في المجتنى ( 30 ) .(3)

[ج قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن الشيخ الكليني ت / 328ه-) في الكافي : في كتاب الايمان والكفر عن عدة من أصحابنا، عن

احمد بن محمد بن خالد عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن سالم الكندي عمن حدثه ، عن أبي عبد الله قال : كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه إذا صعد المنبر ، قال : ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة : الماجن والاحمق والكذاب فأما الماجن فيزين لك فعله ويحبّ أن تكون مثله، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، ومقارنته جفاء وقسوة، ومدخله ومخرجه عليك عار.

وأما الأحمق، فإنه لا يشير عليك بخير ولا يرجى لصرف السوء عنك ولو أجهد نفسه، وربما أراد منفعتك فضرّك، فموته خير من حياته وسكوته خير من نطقه وبعده خير من قربه .

وأما الكذاب، فإنه لا يهنئك معه عيش ينقل حديثك وينقل إليك الحديث كلّما أفنى أحدوثة مطها بأخرى حتى أنه يحدث بالصدق فما يصدّق ويغري بين

الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور، فاتقوا الله وانظروا لانفسكم . وعن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان، عن محمّد بن عذافر، عن بعض أصحابه، عن محمد بن مسلم أو أبي حمزة ، عن أبي عبد الله ،

ص: 340


1- في «أ» : (العاجز).
2- في « ه-.ب»: (الشيء القليل).
3- راجع استناد نهج البلاغة ، ط / 1957م.

عن أبيه علیهما السلام قال : قال لي علي بن الحسين صلوات الله عليهما: يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم فى طريق فقلت: يا أبه من هم ؟ قال : إياك ومصاحبة الكذاب فإنه بمنزلة السراب يقرّب لك البعيد ويباعد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بائعك بأكلة أو أقل من ذلك. وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصاحبة الأحمق فانه يريد أن ينفعك فيضرك ، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في كتاب الله عز وجل في ثلاث مواضع : قال الله عز وجل : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا

﴿ فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ (1) ، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ )(2) ، وقال في البقرة: (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (3). (4)

وبالاسناد عن ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: أخبرنا أبو السعود أحمد بن محمّد بن علي بن محمّد بن المجلي، أنا محمّد بن أحمد العكبري، أنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن خلف بن خاقان.

(ح) قال : ونا القاضي أبو محمّد عبد الله بن علي بن أيوب، أنا أبو بكر أحمد ابن محمّد بن الجراح قالا : نا أبو بكر بن دريد ، عن إبراهيم بن بسطام الأزدي

الوراق، أخبرني عقبة بن أبي الصهباء ، قال : لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له : ما يبكيك يا بني ؟ قال : ومالي لا أبكي وأنت في أول

ص: 341


1- سورة محمد : 22 - 23
2- الرعد : 25 .
3- البقرة : 27
4- الكافي ؛ للشيخ الكليني 2 376-377

يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا ، فقال : يا بني احفظ أربعا وأربعا لا يضرك ما عملت معهن ، قال : وما هن يا أبة ؟ قال : إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق

وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب الكرم وحسن الخلق .

قال: قلت: يا أبة هذه الأربع، فأعطني الأربع الاخر ؟ قال : إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة

الكذاب فإنه يقرّب إليك البعيد ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه

يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه . وبالاسناد عن ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : أخبرنا أبو السعود أحمد بن محمّد بن علي بن محمد بن المجلي أنا محمّد بن أحمد العكبري، أنا أبو الطيب محمّد بن أحمد بن خلف بن خاقان. (ح) قال: ونا القاضي أبو محمّد عبد الله بن علي بن أيوب، أنا أبو بكر أحمد ابن محمّد بن الجراح قالا : نا أبو بكر بن دريد، عن إبراهيم بن بسطام الأزدي الوراق، أخبرني عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك، فقال له : ما يبكيك يا بني ؟ قال : ومالي لا أبكي وأنت في أول يوم من الاخرة واخر يوم من الدنيا ؟ فقال: يا بني احفظ أربعا وأربعا لا يضرك ما

عملت معهن

قال: وما هن يا أبة ؟

قال : إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب،

وأكرم الحسب الكرم وحسن الخلق.

قال: قلت: يا أبة هذه الأربع، فأعطني الأربع الاخر ؟

قال : إياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة

الكذاب فإنه يقرّب إليك البعيد ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه

ص: 342

يقعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه .(1)وبالاسناد عن ابن عساكر ايضاً ، أخبرنا أبو المعالي أسعد بن صاعد بن منصور النيسابوري ببغداد، أنا جدي قاضي القضاة أبو القاسم منصور بن أسماعيل بن صاعد، أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي ، أنا جدي يعني أبا عمرو ابن نجید نا عیسی بن محمّد المروزي ، نا الحسن بن حماد العطار، أنا أبو حمزة أحمد بن ميمون السكري أخبرني إبراهيم الصايغ عن حماد، عن إبراهيم، قال: قال علي بن أبي طالب التوفيق خير ،قائد وحسن الخلق خير قرين، والعقل صاحب، والأدب خير ميراث، ولا وحشة أشدّ من العجب .(2)

وبالاسناد عن المتقي الهندي ( ت / 975 ه-) في كنز العمال، في مسند علي، عن عقبة بن أبي الصبهاء، قال : لما ضرب ابن ملجم عليا دخل عليه الحسن وهو باك ، فقال له : ما يبكيك يا بني ؟ قال : وما لي لا أبكي وأنت في أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا، فقال: يا بني !احفظ أربعا وأربعا لا يضرك ما عملت معهن، قال : وما هن يا أبت ؟ قال : إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الكرم حسن الخلق .

قال : قلت: يا أبت هذه الأربع، فأعلمني الاربع الأخرى.

قال : إياك ومصادقة الاحمق ! فانه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة

الكذب ! فانه يقرّب عليك البعيد ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل ! فانه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر ! فانه يبيعك بالتافه (كر ) .(3)وعن الحارث، عن علي ، قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل ولا وحدة أوحش من العجب، ولا استظهار أوثق من

ص: 343


1- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42 561-562 .
2- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 513:42.
3- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 16 : 266 .

المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق ، ولا ورع كالكف ولا عبادة كالتفكر ، ولا إيمان كالحياء ،والصبر وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان وآفة الحلم السفه وآفة العبادة الفترة وآفة الظرف الصلف، وآفة الشجاعة البغى ، وآفة السماحة المنّ ، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحب الفخر . (طب)، وقال: لم يروه عن شعبة إلا محمد بن عبد الله الحبطي أبو رجاء، تفرد به عثمان بن سعيد الزيات، ولا يروى عن علي إلا بهذا الاسناد(1) وبالاسناد عن ابن عساكر (ت / 571ه-) في تاريخ مدينة دمشق، عن أبي القاسم العلوي، قال: وأنا أحمد بن مروان، نا أبو بكر بن أبي الدنيا نا محمد بن الحارث، عن المدائني ، قال : قال علي بن أبي طالب علیه السلام: لا تؤاخ الفاجر فإنه يزين لك فعله ويحبّب أن لك مثله، ويزيّن لك أسوأ خصاله، ومدخله عليك ومخرجه من عندك شين وعار ولا الأحمق فإنه يجهد نفسه لك ولا ينفعك، وربما أراد أن

ينفعك فيضرك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه وموته خير من

حياته . ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عيش، ينقل حديثك وينقل الحديث إليك ،

وإن تحدث بالصدق فما يصدق.

قال أنا أحمد أنا أحمد بن عبدان أنا ،مصعب عن أبيه، عن جده، قال: قال

علي علیه السلام: الكريم يلين إذا استعطف واللثيم يقسو إذا ألطف(2)

قولهُ عَلَيْهِ السَّلام:

[الحكمة 40]

لِسانُ الْعاقِلِ وَراءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَراءَ لِسانِهِ.

ص: 344


1- كنز العمال ؛ للمتقي الهندي 16 : 266 .
2- تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 516:42

قال الرضيُّ رَحمهُ الله تعالى (1):

وهذا مِنَ الْمَعانِي الْعَجِيبَةِ الشَّرِيفَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْعَاقِلَ لا يُطْلِقُ لِسانَهُ إِلَّا بَعْدَ مُشاوَرَةِ الرَّوِيَّةِ وَمُؤامَرَةِ(2) الْفِكْرَةِ، وَالْأَحْمَقُ تَسْبِقُ حَذَفَاتُ (3) لِسانِهِ وَفَلَتاتُ كَلامِهِ مُراجَعَةً فِكْرِهِ، وَمُماخَضَةَ رَأْيِهِ ، فَكَأَنَّ لِسانَ الْعاقِلِ تابع لِقَلْبِهِ، وَكَأَنَّ قَلْبَ الْأَحْمَقِ(4)

تابع للسانه .

قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج : « قوله : لسان العاقل وراء قلبه وقلب الاحمق ... إلى آخره ، هذا من المافة كلمة التي جمعها الجاحظ من کلام امير المؤمنين علیه السلام، وهذه الكلمة آخرها، وقال الجاحظ، معناه : ان العاقل لا يطلق لسانه الا بعد مراجعة فكره ومفاحصة رأيه، فكأن لسان العاقل تابعاً لقلبه وكأن قلب الاحمق وراء لسانه»(5)

[ الحكمة 42]

قولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي عِلَّةٍ أَعْتَلها:

جَعَلَ الله ماكانَ مِنْ شَكواك حَطَّاً لِسَيِّئاتِكَ ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لا أَجْرَ فِيهِ، وَلكِنَّهُ يَحْطُ السَّيِّئاتِ وَيَحُتُها حَتَّ الْأَوْراقِ، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ فِي الْقَوْلِ بِالنِّسانِ وَالْعَمَلِ بِالْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ، وَإِنَّ الله سُبْحانَهُ يُدْخِلُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ الصَّالِحَةِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ الْجَنَّةَ .

ص: 345


1- لم ترد قال الرضي الله في «أ» «ب».
2- في «ه-.ب»: المؤامرة : المشاورة أيضاً.
3- في «ه-. ب »: الخلاف : القذف والهذيان.
4- في« ه-.ب» : أي مماخضته ، ويروى مماحضة أي مخالطة.
5- راجع : مدارك نهج البلاغة : 150

قال الرضي رحمه الله تعالى(1):

وأَقُولُ: صَدَقَ عَلَيْهِ السَّلام (2)، إِنَّ الْعَرَضَ لا أَجْرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيل ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ الْعِوَضُ ؛ لَأَنَّ الْعِوَض يُسْتَحَقُّ عَلى ماكانَ فِي مُقابَلَةِ فِعْلِ الله تعالى بِالعَبْدِ مِنَ الآلامِ وَالْأَمْراضِ وَما يَجْرِي مَجْرى ذلِكَ، وَالْأَجْرُ وَالتَّوابُ يُسْتَحَقَانِ عَلى ما كانَ فِي مُقابَلَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ، فَبَيْنَهُما فَرْقٌ قَدْ بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ النّاقِبُ (3).

وَرَأْيُهُ الصّائبُ(4) . قال الهادي كاشف الغطاء ( ت / 1360ه-) في التخريج: قوله علیه السلام: جعل الله ما

كان من شكواك، روى هذا ابن جرير الطبري في تاريخه [ج 6 ص 34](5) قال الجلالي: وردت مقاطع من النص فيما أرويه بالاسناد عن نصر بن مزاحم المنقري ( ت / 212 ه-) في وقعة صفين، عن عمر ، عن عبد الرحمن بن جندب قال : لما أقبل عليّ من صفين أقبلنا معه، فأخذ طريقا غير طريقنا الذي أقبلنا فيه، فقال علي : آئبون عائدون لربنا حامدون. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في المال والأهل.

قال: ثم على صندودا فخرج الأنماريون بنو سعيد بن حزيم واستقبلوا عليا فعرضوا عليه النزول فلم يقبل فبات بها ، ثم غدا وأقبلنا معه حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة، فإذا نحن بشيخ جالس في ظل بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه علي ونحن معه حتى سلّم عليه وسلمنا عليه . قال : فرد ردًا حسنا ظننا أن قد عرفه

أخذ بنا طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهينا إلى هيت وأخذنا

ص: 346


1- لم ترد : قال الرضي رحمه الله تعالى في «أ» «ب».
2- في« ب » صلی الله علیه و آله و سلم
3- في «ه-.ب»: في نسخة : (السائر).
4- في :«ه-.ب»: (الصائب : السهم الذي يصيب ولا يخطئ).
5- راجع مدارك نهج البلاغة : 150 .

فقال له عليّ : مالي أرى وجهك منكفتا أمن مرض؟ قال: نعم. قال: فلعلك کرهته فقال: ما أحب أنه بغيري. قال: أليس احتسابا للخير فيما أصابك منه ؟ :قال بلى . قال : أبشر برحمة ربك وغفران ذنبك، من أنت يا عبد الله؟ قال: أنا صالح بن سليم . قال : ممن أنت؟ قال: أما الأصل فمن سلامان بن طي، وأما الجوار والدعوة فمن بني سليم بن منصور قال سبحان الله، ما أحسن اسمك واسم أبيك ، واسم ادعيائك واسم من اعتزيت إليه هل شهدت معنا غزاتنا هذه ؟ قال: لا والله ما شهدتها، ولقد أردتها، ولكن ما ترى بي من لحب الحمى خذلني عنها ، قال عليّ : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ

حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورُ رَحِيمُ (1). أخبرني ما يقول الناس فيما كان بيننا وبين أهل الشام ؟ قال : منهم المسرور فيما كان بينك وبينهم ، وأولئك أغشاء الناس ، ومنهم المكبوت الآسف لما كان من ذلك، وأولئك نصحاء الناس لك. فذهب لينصرف فقال: صدقت، جعل الله ما كان من شك