نهایة الدّرایة فی شرح الکفایة المجلد 4

هوية الکتاب

المؤلف: الشیخ محمّد حسین الإصفهانی

المحقق: الشیخ أبو الحسن القائمی

الناشر: مؤسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث - قم

المطبعة: یاران

الطبعة: 1

الموضوع : أصول الفقه

تاریخ النشر : 1414 ه-.ق

ISBN (ردمک): 964-5503-40-X

المکتبة الإسلامیة

ص: 1

اشارة

ص: 2

ص: 3

ص: 4

مقدمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

الحمد لله منتهی الحمد وغایته ، والصلاة والتسلیم علی نبیّه الأمین ، ورسوله المصطفی علی طول الأزمنة والدهور محمّد صلّی الله علیه وآله وسلّم ، وعلی أهل بیته الأمناء المعصومین ، حجج الله تبارک وتعالی علی العالمین.

وبعد :

فإنّ مؤسستنا إذ تقوم بنشر هذا الکتاب القیّم - والذی رافقت مسألة نشره فترة تأخیر قهریة مبعثها حصولنا لاحقا علی نسخة المؤلّف بخطّه الشریف ، فاضطرّ المحقّق بعد إتمام عمله إلی مراجعته علی هذه النسخة ابتغاء الحصول علی النصّ الأصحّ - فإنّها تتقدّم بجزیل الشکر والامتنان لمحقّق الکتاب سماحة حجّة الإسلام والمسلمین الشیخ أبو الحسن القائمی علی ما بذله من جهود صادقة ومتواصلة فی إنجاز هذا العمل وإخراج الکتاب بحلّته المحقّقة الجدیدة.

وکذا فإنّا ندین بالعرفان لکلّ الجهود المخلصة والکبیرة التی بذلت من قبل بعض الإخوة الأفاضل وبأشکال مختلفة فی إتمام هذا العمل.

وفّق الله تعالی جمیع العاملین فی نشر وإحیاء تراث العترة الطاهرة ، وتقبّل أعمالهم ، إنّه سمیع مجیب.

مؤسسة آل البیت علیهم السلام لاحیاء التّراث

ص: 5

ص: 6

مباحث الاصول العملیة

ص: 7

ص: 8

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ

1 - قوله (قدّس سره) : وهی التی ینتهی إلیها المجتهد بعد الفحص (1) ... الخ.

توصیف القواعد المزبورة بما أفاده (قدس سره) لادراجها فی المسائل الاصولیة ، ولا خراج القواعد العامة الفقهیة :

أما إدراجها فی المسائل الاصولیة ؛ فلأن مضامینها وان کانت بنفسها أحکاما مستنبطة ، کاثبات الاباحة الشرعیة ، أو رفع الحکم الشرعی ، أو جعل الحکم المماثل لما أیقن به ، أو کانت اعتبارات شرعیة ، أو عقلیة غیر منتهیة إلی حکم تکلیفی شرعی ، کالبراءة العقلیة أو رفع المؤاخذة شرعا ، أو المنجزیة العقلیة أو الشرعیة ولو بجعل الیقین السابق منجزا للحکم فی اللاحق.

إلاّ أنّها علی أیّ تقدیر لا تقع فی طریق الاستنباط ، فلا بد من تعمیم القواعد الاصولیة إلی ما یقع فی طریق الاستنباط ، وما ینتهی إلیه المجتهد بعد

تعریف الأصول العملیة وانها داخلة فی علم الأصول

ص: 9


1- 1. کفایة الأصول / 337.

الفحص عن الدلیل علی حکم العمل.

وأمّا إخراج القواعد الفقهیة ، کقاعدة ما یضمن بصحیحه یضمن بفاسده ، أو سائر قواعد أبواب المعاملات ، أو العبادات فلأنّها قواعد لا ینتهی إلیها أمر الفقیه بعد الفحص عن الدلیل علی حکم العمل ، بل هی أحکام کلیة ابتدائیة للعمل ، لعدم ترتبها علی الشیء بعنوان کونه مجهول الحکم.

وحیث إن الاصول العملیة مما ینتهی إلیه امر المجتهد بعد الفحص عن الدلیل ، فلا محالة تختص بالمجتهد ، إذ لیس من شأنه الفحص عن الدلیل إلاّ المجتهد.

فبهذه الخصوصیة تمتاز هذه القواعد عن سائر القواعد ، وتختص بالمجتهد دون غیرها هذا.

والتحقیق ما مرّ فی أوائل الجزء الأول من التعلیقة (1) ، وفی أول حجّیة خبر الواحد (2) أن تعمیم القواعد إلی الممهدة للاستنباط ، وإلی ما ینتهی إلیه أمر المجتهد یقتضی فرض غرض جامع بین الغرضین ، لئلا یکون علم الاصول علمین ، لتعدد العلم بتعدد الغرض فی المورد القابل.

مضافا إلی أن هذا التعمیم ، وإن کان یجدی فی إدراج الاصول العملیة الشرعیة.

إلا أنه لا یجدی فی دخول مباحث حجیة الامارات سندا ودلالة فی علم الاصول ، لأنها لیست مما ینتهی إلیه أمر المجتهد بعد الفحص عن الدلیل ، بل هی الأدلة علی حکم العمل ، ولیس العمل بمقتضیاتها منوطا بعدم التمکن من تحصیل العلم.

وجه خروج القواعد الفقهیة عن علم الأصول

ص: 10


1- 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 13.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 91.

والتحقیق : أن الحجیة إمّا بمعنی الوساطة فی اثبات الواقع عنوانا أو اعتبارا ، وإمّا بمعنی الوساطة فی إثبات الواقع أثرا وتنجزا.

والمبحوث عنه فی علم الاصول وساطة الخبر ونحوه بأحد الوجوه.

والمبحوث عنه فی علم الفقه قیام الواسطة علی إثبات الحکم لا وساطتها.

وعلیه ، فالعلم المأخوذ فی حد الفقه - حیث قیل : إنه علم بأفعال المکلفین من حیث الاقتضاء والتخییر - أعم من العلم الوجدانی والعلم التنزیلی ، بل أعم من العلم بالحکم وقیام المنجز علی الحکم.

نعم ، فیما لیس له جهة الکاشفیة والمرآتیة لیس له عنوان الوساطة للاثبات ، فلا بد من تعمیم الحجیة إلی مطلق المنجزیة والمعذریّة. فیدخل البحث عن منجزیة الاحتمال ، وعن معذریة الجهل أیضا فی المسائل الاصولیة.

إلا أنه یبقی خصوص البراءة الشرعیة بمعنی رفع الحکم أو ثبوت الاباحة علی حاله.

اذ لا وساطة فی الاثبات اصلا ، ولا معذریة شرعا حتی یندرج تحت قیام الحجة علی حکم العمل.

ولا بأس بالاستطراد فی مثله.

وأما حدیث اختصاص (1) مفاد الاصول العملیة بالمجتهد ، لکونه ممن (2) یتفحص عن الحجة علی حکم العمل ، دون سائر القواعد الفقهیة العامة ، فانها تعم المجتهد والمقلد.

فتحقیق الحال فیه أن عناوین موضوعات هذه الأحکام الکلیة ، ووجوب تصدیق العادل ، ووجوب الأخذ بالراجح من الخبرین ، أو التخییر بینهما ، وإن

تحقیق معنی الحجیة

اختصاص مفاد الأصول العملیة بالمجتهد وعدمه

ص: 11


1- 1. کما عن المحقق النائینی ( قده ) فی فوائد الاصول 3 / 4.
2- 2. والصحیح : من.

کانت مختصة بالمجتهد ، فانه الشاک فی الحکم وهو المتیقن بحکم فی السابق ، والشاک فیه فی اللاحق وهو من أتاه النبأ ، ومن جاءه الحدیثان المتعارضان ، دون المقلد فی کل ذلک ، فیتوهم اختصاص تلک الأحکام به دون سائر القواعد الفقهیة العامة.

إلا أن مفاد تلک الأحکام الکلیة ، إما جعل الحکم المماثل ، أو جعل المنجزیة والمعذریة ، وربما لا یکون للواقع مساس به حتی یتعلق به حکم فعلی مماثل أو یتنجز الواقع علیه علی تقدیر الاصابة ، ویعذر عنه علی تقدیر الخطأ ، فما معنی اختصاصه به؟

ودعوی أن فتوی المجتهد المستندة إلی حجة شرعیة بمنزلة الخبر مع الواسطة ، تکون حجة علی ثبوت الحجة فی حق المکلف.

مدفوعة : بأنها تجدی فیما إذا کانت مستندة إلی الخبر ونحوه ، لا فی مثل الاستصحاب المتقوم بالیقین والشک ، مع أن المکلف لا یقین له ولا شک ، والمجتهد لا تکلیف له وإن أیقن وشک.

فالتحقیق : أن ما تضمّنه الأمارات أو الاصول العملیة من التکالیف الثابتة لذات الفعل ، أو له بوصف کونه مجهول الحکم حکم عملی للمکلف الذی له مساس به.

لکن المقلد حیث إنه لا یتمکن من استنباطه من دلیله ، أو لا یتمکن من تطبیقه علی مصداقه ، إذ لا یعلم کونه لا حجة علیه إلا بعد الفحص عنها ینوب عنه المجتهد بأدلة وجوب التقلید ، وجواز الافتاء فی أعمال رأیه ونظره فی استنباط الحکم من دلیله ، أو فی تطبیقه علی مصداقه.

فالمجتهد هو الموضوع عنوانا ، والمقلد هو الموضوع لبّا. ومجیء الخبر إلی المجتهد منزّل منزلة مجیئه إلی المقلد ، ویقینه وشکه بمنزلة یقین المقلّد وشکه ، وإلاّ لکان إیجاب اتباع رأیه لغوا مع عدم تحقق موضوع الحکم.

ص: 12

فالحکم المستنبط ، أو الحکم الکلی الذی یراد تطبیقه علی مورده لا یختص بالمجتهد ، بل المقدمات المؤدیة إلی استنباطه ، أو إلی تطبیقه هی المختصة بالمجتهد.

فکما أن اختصاص مقدمات الاجتهاد والاستنباط لا یوجب اختصاص الحکم المستنبط بالمجتهد ، کذلک اختصاص الفحص - عن الحجة المحقق لموضوع الحکم فعلا - به لا یوجب اختصاص ذلک الحکم الکلی الذی لا ینطبق علی مصداقه إلا بالفحص المحقق للمصداق بالمجتهد.

ومما ذکرنا تبین أنه لا امتیاز للاصول العملیة عن القواعد الفقهیة ، فان اختصاص تطبیقها علی مصادیقها - بالفحص المحقق لمطابق موضوعها الکلی - بالمجتهد من حیث کونه أهل الخبرة بالتطبیق لا یوجب إدراج هذه المسائل فی علم الاصول دون غیرها ، لأن خبرة تطبیق القواعد العامة الفقهیة أیضا تحتاج إلی مقدمات نظریة تختص بالمجتهد.

وقد عرفت أن هذه الخصوصیة لا یوجب کون هذا الحکم الکلی العملی حکما أصولیا ، لا حکما فقهیا ، بل الکل بناء علیه قواعد فقهیة. غایة الأمر أن هذه القواعد قواعد عامة لا تختص بباب دون باب ، بخلاف تلک القواعد ، فانها ربما تختص بباب الطهارة ، أو بباب الصلاة أو بخصوص باب البیع ، أو غیره ، أو بأبواب العبادات مطلقا أو بابواب المعاملات.

وهذا التعمیم والتخصیص لا یوجب خروج المسألة عن کونها فقهیة ، ولا دخولها فی المسائل الاصولیة.

نعم بناء علی ما ذکرنا ، فالکل من القواعد الممهدة لاستنباط الحکم الشرعی ، إلا ما لا بأس بالاستطراد فیه ، کالبراءة الشرعیة بمعنی الاباحة ورفع الحکم لا بمعنی المعذریة شرعا.

اختصاص مفاد الأصول العملیة بالمجتهد وعدمه

ص: 13

2 - قوله (قدس سرّه) : مع جریانها فی کل الأبواب (1) ... الخ.

شأن مسائل العلم ، وان کان کلیة المبحوث عنه ، حیث لا یبحث عن الجزئی فی العلوم ، إلا أن عمومه لجمیع الأبواب غیر لازم ، وتخصیص القواعد الاصولیة بالعامة لجمیع الأبواب بلا مخصص ، بل بعض مسائلها لا یجری إلا فی العبادات مثلا.

وتقدم رتبة العلم الأعلی علی الأدنی لا یستدعی إلاّ تقدم کل جزء من الأعلی علی ما یناسبه من الأدنی ، لا علی جمیع أجزاء العلم الأدنی حتی یجب عمومه لجمیع أبوابه. فتدبر.

وفی هامش الکتاب لشیخنا العلامة ( رفع الله مقامه ) فی بیان توهّم خروج قاعدة الطهارة مطلقا عن المسائل الاصولیة وجه آخر مع جوابه منه (قدس سره).

قال (قدس سره) : لا یقال : إن قاعدة الطهارة مطلقا تکون قاعدة فی الشبهة الموضوعیة ، فان الطهارة والنجاسة من الموضوعات الخارجیة التی یکشف عنها الشرع.

فإنه یقال : أولا نمنع ذلک ، بل إنهما من الأحکام الوضعیة الشرعیة ، ولذا اختلفتا فی الشرائع بحسب المصالح الموجبة لشرعهما کما لا یخفی.

وثانیا : أنهما لو کانا کذلک فالشبهة فیهما فیما کان الاشتباه لعدم الدلیل علی إحداهما کانت حکمیة ؛ فانه لا مرجع لرفعهما إلا الشارع ، وما کانت کذلک لیست إلا حکمیة ، انتهت عباراته (قدس سره).

قلت : أما الجواب الأول ، فتقریبه أن ما یقابل الطهارة من النجاسة

عدم لزوم جریان المسألة الأصولیة فی جمیع ابواب الفقه

البحث عن حقیقة بعض الاحکام الوضعیة کالطهارة والنجاسة

ص: 14


1- 1. کفایة الاصول / 337.

والحدث ، لو کان أمرا واقعیا خارجیا لکان من جملة المقولات الواقعیة.

وما یحتمل منها لیس إلا مقولة الکیف القائم بالجسم فی النجاسة ، والکیف القائم بالنفس فی الحدث ، لما هو المعروف بینهم من أنه حالة معنویة ، ولیس بعد الجسم محل یقوم به الحدث إلا النفس ، وکلاهما مشکل.

أما الکیف القائم بالجسم ، فمن الواضح أن المتنجّس ینجس بالذات علی ما هو علیه من جواهره وأعراضه ، من دون عروض کیف حقیقی علیه ، لیکون مطابق ماهیة النجاسة ، ولیس من شرط الملاقاة أن یستصحب أجزاء من النجس بالذات ، أو عرضه القائم به ، ولو فرض لحوق شیء منه ، فزواله محسوس بغیر الماء أیضا ، فلا معنی لبقاء أمر عینی فی المحل.

وأما النجس بالذات من الأعیان المعروفة من البول والغائط والمیتة والکافر وغیرها ، فهی مع ما یشاکلها من الأعیان الطاهرة فی الصورة النوعیة والشخصیة والاعراض القائمة بهما علی حد سواء.

فالدم مما له نفس سائلة ، وما لیس له نفس سائلة ، والمیتة منهما ، والبول والغائط من مأکول اللحم ، وغیره ، وبدون الکافر ، والمسلم کلها فی جواهرها وأعراضها حسّا وعیانا علی حد سواء ، فما ذلک الکیف القائم بالجسم المختص بالنجس ، أو المتنجس.

وأما الکیف النفسانی القائم بالنفس فی الحدث ، فالأمور القائمة بالنفس :

تارة من الصور العلمیة من الاعتقادات الصحیحة التی هی کمال النفس او الاعتقادات الفاسدة التی هی نقصها ، أو غیرهما مما لیس کمالا ونقصا بهذا المعنی ، وان کان فعلیة التعقل بمعنی آخر کمال الجوهر العاقل.

واخری من الملکات الفاضلة والاخلاق الرذیلة

وثالثة من مبادئ صدور الفعل الاختیاری.

والحدث لیس شیء منها جزما ؛ إذ المحتمل هو کونه حالة رذیلة توجب

ص: 15

البعد.

مع أن الجنابة حالة تحصل للنبی والوصی والمؤمن ، وحاشاهم من اتصاف نفوسهم الکاملة بصفة نقص أو خلق رذیل. مع ان خروج المنی ، أو مس المیت ، أو النوم لا یوجب حدوث خلق رذیل فی النفس ، بل ربما تقع هذه الأمور علی وجه العبادیة المکملة للنفس.

مع أن الملکة الرذیلة النفسانیة لا تزول بالغسل والوضوء ، بل بضد تلک الحالة ، ولعله لذا ورد عنهم (علیهم السلام) إن المؤمن لا ینجس ، وإن الوضوء والغسل من حدود الله تعالی (1).

وعلیه فیدور الأمر فی الطهارة وما یقابلها بین أن یکونا حکمین تکلیفیین ، أو أمرین انتزاعیین من الحکم التکلیفی ، أو من غیره ، أو اعتبارین وضعیین شرعیین ، علی ما نراه من اعتبار معنی مقولیّ أو غیر مقولی ، کما فی اعتبار الملکیة ، أو اعتبار الوضع والارتباط بین اللفظ والمعنی.

وقد ذکرنا فی غیر مقام : أن مفاهیم هذه الألفاظ غیر مفاهیم وجوب شیء وإباحة شیء ، فلا یصح حمل إحداهما علی الأخری بالحمل الذاتی ولا بالحمل الشائع ، فلا وجه لجعلهما عین الحکم التکلیفی ، وأن قیام الأمر الانتزاعی بمنشئه یصحح حمل العنوان المأخوذ منه علیه ، علی حد قیام شیء بشیء انضماما.

مع أنه لا یصح حمل العنوان المأخوذ من الطهارة وما یقابلها علی الحکم ، بل علی متعلق الحکم ، کما لا یصح انتزاعهما من الأسباب للوجه المزبور ، وأما انتزاعهما عن الأعیان أو عن البدن أو النفس ، فقد عرفت ما فیه آنفا.

ص: 16


1- 1. المحاسن 1 : 133 ، باب خلق المؤمن من طینة الانبیاء ، وعنه بحار الانوار 80 / 127 ، وإلیک نص الروایة : عن زرارة ومحمد بن مسلم ، عن أبی جعفر علیه السلام ، قال : إنّما الوضوء حدّ من حدود الله لیعلم الله من یطیعه ومن یعصیه ، وإنّ المؤمن لا ینجسه شیء ، إنّما یکفیه مثل الدهن.

فلم یبق إلا اعتبار الطهارة والنجاسة والحدث فی عین أو شخص ، علی حدّ اعتبار المالکیة والمملوکیة لمصلحة تدعو الی اعتبارها.

ویمکن أن یقال : إن النجس وما یساوقه مفهوما - کالرجس والدنس والقذر - ما یوجب تنفّر الطبع فی قبال الطاهر الذی لیس فیه ما یوجب تنفر الطبع ، وتنفر الطبع لیس إلا بلحاظ عدم الملاءمة لقوة من القوی ، فما فیه رائحة منتنة غیر ملائم للشامة ، وما کان کریه المنظر غیر ملائم للباصرة ، وما کان مرّا للذائقة ، وما کان خشنا للامسة ، وهکذا بالاضافة إلی القوی الباطنة.

واقتضاء شیء لتنفر الطبع السلیم أمر واقعی لا یزید فی الوجود علی المقتضی ، بل هو ذاتی المقتضی إذا قلنا بأن خصوصیة الفاعلیة والاقتضاء فی الفاعل والمقتضی لیست من الکیفیات الاستعدادیة بل ذاتی العلة ، کما علیه بعض الأکابر (1) ، وإلا کانت داخلة فی الکیفیات الاستعدادیة.

ومن الواضح أن اقتضاءات الاعیان الخارجیة المحسوسة لآثار موجبة لتنفر الطبع تختلف بالاضافة إلی الأشخاص علما وجهلا.

فالجاهل وإن لم یتنفر طبعه لتقوّمه وجدانا بالادراک ، لکن عدم فعلیة تنفر الطبع لا ینافی وجود الاقتضاء واقعا.

وحیث إن الطهارة وما یقابلها بهذا المعنی ، فهما من المعانی العامة التی لا تختص بالاعیان الخاصة.

بل القلب المشحون بالعقائد الباطلة نجس خبیث ، فیوجب تنفر الطبع السلیم والعقل المستقیم ، فانها نقص للنفس ، وهو مما یتنفر منه الطبع ، وازالتها

ص: 17


1- 1. الأسفار الأربعة 2 / 226.

بضدها تطهیرها.

وکذلک اتصاف النفس بالملکات الرذیلة ، وکذا اتصاف الشخص بالأعمال القبیحة.

ولعله إلی کل ذلک یشیر قوله تعالی ( إِنَّما یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً ) (1) فإن الغرض أرجاس الجهالة والملکات الرذیلة والاعمال القبیحة ، وکذا ما فی الزیارة ( لم تنجسک الجاهلیة بأنجاسها ) (2) ، وکذا ما فی الخبر ( بئس العبد القاذورة ) (3) أی الذی موصوف بأنجاس الاعمال القبیحة.

وهکذا وبهذا الاعتبار تکون التوبة مطهرة للعاصی ، وإجراء الحد مطهرا للزانی مثلا ، کما أطلق علیهما التطهیر.

وعلیه فلا استبعاد فی اقتضاء الأعیان المعروفة بالنجاسة لآثار توجب تنفر الطبع عند الالتفات الیها.

وحیث إنها توجب مباشرتها باعیانها تأثرا نوعا بما یوجب تنفر الطبع ، فطریق تطهیرها إزالتها بالماء ونحوه ، فلذا اختصت من بین سائر الموجبات للتنفر بعنوان النجاسة ، وتعرضوا لها فی الفقه.

نعم لا نضایق من کونها اعتباریة فی بعض الموارد ، کما فی ملاقاة بدن الکافر ، حیث یدعی القطع بعدم اقتضاء نوعیّ لبدنه أثرا خاصا ، إلا أن معاشرته حیث توجب اکتسابات توجب تنفر الطبع ، فتأکیدا للزجر عن معاشرته اعتبرت النجاسة فی مباشرته لحکمة نوعیة ، لا لتأثیر من بدنه فی بدن

ص: 18


1- 1. الاحزاب : 33.
2- 2. الکافی 6 : 439 ح 6 ، مصباح المتجهد : 664.
3- 3. وسائل الشیعة 5 : 6 / 6.

الغیر. هذا کله فی الطهارة والنجاسة.

وأما الطهارة والحدث ، فالکلام فیهما من حیث کونهما وجودیین أو أحدهما وجودیا والآخر عدمیا ، ومعنی کون ( الطهارة نورا والحدث ظلمة ) یحتاج إلی مجال واسع ، ربما یخرج تفصیل القول فیه عن وضع التعلیقة.

وأما الجواب الثانی ، فهو تام ربما نتکلم فیه فی موضع مناسب له.

* * *

البحث عن حقیقة بعض الاحکام الوضعیة کالطهارة والنجاسة

ص: 19

[ أصالة البراءة ]

3 - قوله (قدس سره) : لو شک فی وجوب شیء أو حرمته ولم تنهض (1) ... الخ.

ذکر قدس سره فی هامش الکتاب فی وجه الجمع بین هذه المسائل فی مسألة واحدة ما محصّله : أنه لا حاجة إلی عقد مسائل متعددة بعد الاتحاد فی ما هو الملاک ، وما هو العمدة من الدلیل علی المهم إلی آخر ما أفاده (قدس سره).

ولیعلم أن المسائل عبارة عن القضایا المشترکة فی غرض واحد دوّن لأجله العلم ، وتعدد القضایا بما هی بتعددها موضوعا أو محمولا أو هما معا.

والواسطة فی الثبوت والواسطة فی الاثبات لا دخل لهما بالقضیة ، فلا یکون وحدتهما وتعددهما موجبا لوحدة القضایا وتعددها.

وغرضه (قدس سره) لیس وحدة الواسطة ثبوتا وإثباتا ، بل وحدة الجهة التقییدیة المقومة لموضوعیة الموضوع بحسب الدلیل المتکفل لهذا الحکم المجعول.

بیانه : أن کل محمول ثابت لموضوع : إما یکون من الأمور الواقعیة الغیر المتوقفة علی جعل جاعل ، کالمحمولات المبحوث عنها فی علم المعقول من إمکان شیء ، أو امتناعه ، أو وجوبه ، ومن جوهریة شیء أو عرضیته ، وأشباه ذلک ، فالموضوع لتلک المحمولات واقعی ، لا بجعل جاعل.

واما یکون من الامور الجعلیة ، کوضع مادة کذائیة لمعنی خاص أو هیئة کذائیة لمعنی خاص ، فان الموضوع هی المادة الشخصیة أو الهیئة النوعیة بحسب ما جعله الواضع ، وکالاحکام الکلیة المترتبة علی الموضوعات الخاصة بحسب جعل الشارع ، فان المحمول حیث إنه شرعی ، فالاعتبار بما جعله

أصالة البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة والوجوبیة

ص: 20


1- 1. کفایة الاصول / 338.

موضوعا لحکمه بحسب لسان الدلیل ، مثلا الموضوع للحکم الاستصحابی مع اختلاف السنة أدلته ، حیث إن التعبیر عنه وقع تارة بقوله ( لا تنقض الیقین بالشک ) (1) ، وأخری ( لا یدخل الشک فی الیقین ) (2) ، وثالثة ( یمضی علی یقینه ) (3) وهکذا لیس إلا ما أیقن به سابقا ، وحکمه الحکم المماثل لما أیقن به ، أو لحکم ما أیقن به.

وهکذا بالاضافة إلی حجیة الخبر مع اختلاف الادلة عنوانا لیس موضوعها إلا ما أخبر به العادل ، أو الثقة ، ومحمولها الحکم المماثل لما أخبر به ، وتعدد المتیقن فی الأول ، وتعدد المخبر به فی الثانی لا یوجب تعدّد الجهة التقییدیة العنوانیة المأخوذة من الأدلة ، فلا یوجب تعدد المسألة.

فکذا فیما نحن فیه ، فان أدلة البراءة الشرعیة وإن اختلفت من حیث رفع ما لا یعلمون تارة ، ووضع المحجوب أخری ، وکون الناس فی سعة مما لا یعلمون ثالثة وهکذا : إلا أن الموضوع الجامع بین الکل لبّا لیس إلا ما لم یعلم حکمه ، ومحموله رفع ذلک الحکم ، وتعدد مصادیق ما لم یعلم حکمه من حیث الوجوب ، أو الحرمة ، أو الالزام المطلق ، فضلا عن تعدد اسباب الجهل بالحکم ، لا یوجب تعدد الجهة التقییدیة العنوانیة لموضوع الحکم الشرعی المأخوذ من الشارع بحسب لسان دلیله.

إلا أن عذر الشیخ الأعظم (قدس سره) فی عقد مسائل متعددة أنه لم یقع نزاع فی رفع الحکم مطلقا وعدمه مطلقا ، بل النزاع وقع فی خصوصیات ربما یکون المخالف فی إحداها موافقا فی الأخری ، کما عن الاخباریین فی الشبهة

ص: 21


1- 1. وسائل الشیعة 8 : 216 / 3 ، عن الکافی 3 / 352.
2- 2. وسائل الشیعة 8 : 216 / 3 ، عن الکافی 3 / 352.
3- 3. وسائل الشیعة 1 : 246 / 6 ، عن الخصال 2 / 19.

التحریمیة ، فانهم یقولون بالاحتیاط فیها ، دون الشبهة الوجوبیة ، بل ربما یوجد التفصیل فی کل منهما بین ما لا نص فیه ، أو ما أجمل فیه النص.

وإلا فلو بنینا علی ملاحظة المیزان المزبور الموافق لتدوین مسائل العلم ، لزم جعل البراءة الشرعیة مطلقا مسألة مستقلة ، من دون فرق بین الشبهات البدویة ، أو المقرونة بالعلم الاجمالی ، سواء کان التردید بین المتباینین ، أو الأقل والأکثر ، بأن یقال : هل الحکم المجهول مرفوع مطلقا ، سواء کان وجوبا ، أو تحریما ، نفسیا أو غیریا أو منتزعا من الوجوب النفسی ، کالجزئیة والشرطیة فی باب الأقل والأکثر ، وسواء کان الجهل مقرونا بالعلم الاجمالی أم لا.

فمن یختار البراءة فی الجمیع یقول برفع الحکم مطلقا ، ومن لا یقول بها فی الجمیع یقول بعدم رفع الحکم مطلقا ، ومن یختار البراءة فی بعض دون بعض لأی وجه ، سواء کان من جهة قصور الدلیل عن الشمول أو لورود الدلیل علی خلافه ، یکون مفصلا فی المسألة. فتوجد حینئذ تفاصیل کثیرة ، کما فی مسألة الاستصحاب ، والله أعلم بالصواب.

* * *

أصالة البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة والوجوبیة

ص: 22

[ الاستدلال بالکتاب علی البراءة فی الشبهات الحکمیة ]

4 - قوله (قدس سره) : وفیه أن نفی التعذیب قبل إتمام (1) ... الخ.

یمکن أن یقال : إن الآیات والروایات الدالة علی الثواب والعقاب ظاهرة فی الاقتضاء ، لا الفعلیة ، فکذلک ما دل علی النفی ظاهر فی الاقتضاء بقرینة المقابلة. کما أن الأمر کذلک فی جمیع القضایا الواردة فی بیان الخواص والآثار ، فقولهم السم قاتل ، والسنا مسهل ، والنار محرقة ، وأشباه ذلک کلها فی مقام إفادة الاقتضاء ، والحکم بثبوت محمولاتها لموضوعاتها اقتضاء لا فعلا ، فیکون دلیلا علی الاستحقاق وعلی عدم الاستحقاق فی مثل ما نحن فیه.

لا یقال : لا منّة فی رفع العذاب مع عدم الاستحقاق.

لأنّا نقول : اولا : لم یعلم أن الآیة فی مقام إظهار المنة ، بل لعلها فی مقام إظهار العدل وأنه تعالی لا یظلم أحدا مثقال ذرة.

وثانیا : أن جعل العقاب إذا کان من الشارع ، فعدم جعله بعدم جعل الاحتمال منجزا فیه کمال المنة.

والتحقیق : أن ظاهر القضیة الحکم بثبوت المحمول للموضوع فعلا ، وإنما نقول بکون القضایا المثبتة للخواص والآثار اقتضائیة لا فعلیة ، إذ قلما یوجد فی العالم ما یکون علة تامة لثبوت شیء ، بل لا محالة له شرط أو مانع ، ولو من حیث قبول القابل ، وإن فرض أن الفاعل تام الفاعلیة بخلاف طرف النفی ، فان العدم فعلی علی أی حال سواء کان بعدم مقتضیه ، أو بعدم شرطه

الاستدلال علی البراءة فی الشبهات الحکمیة بالکتاب

ص: 23


1- 1. کفایة الأصول / 339.

أو بوجود مانعة ، فلا موجب للحمل علی الاقتضاء دون الفعلیة کما فی طرف الاثبات ، ولیس العدم بالاقتضاء حتی یتوهم کونه نظیر ثبوت المقتضی بثبوت المقتضی.

فظهر أنه لا موجب لحمل القضایا النافیة علی غیر الفعلیة ، لا ثبوتا ولا إثباتا.

وعلیه فعدم شیء إذا کان مترتبا علی عدم شیء آخر ، فلا محالة [ عدم ](1) ذلک الآخر ، إما عدم مقتضیه أو عدم شرطه ، وإذا کان مترتبا علی وجود شیء ، فلا محالة ذلک الشیء مانعة.

وحیث إن الوجود لا یقتضی العدم ، فعدمه من باب الشرط ، فترتب العدم علیه من باب ترتب عدم المشروط علی عدم شرطه.

وعلی أی تقدیر ، فترتب عدم شیء علی وجود شیء أو عدم شیء لا یکشف عن ثبوت المقتضی ، ولا عن عدمه.

نعم إذا کان المترتب علیه عدم شرطه أو وجود مانعة ، فربما یکون کاشفا عن وجود المقتضی له ، وإلا لکان استناده إلی عدم المقتضی أولی من الاستناد إلی عدم شرطه ، أو وجود مانعة.

5 - قوله (قدس سره) : لما صح الاستدلال بها إلا جدلا (2) ... الخ.

وعن بعض الأجلة (3) ( قدس سرهم ) دعوی إمکان جعله برهانا ، نظرا إلی الاجماع علی عدم الاستحقاق علی تقدیر عدم الفعلیة فی هذه المسألة.

ص: 24


1- 1. فی الأصل فلا محالة ذلک الآخر ولکن الصحیح عدم ذلک الآخر کما أثبتناه بین المعقوفین.
2- 2. کفایة الأصول / 339.
3- 3. لم نعرفه ولعل المراد هو هذا الفقیه الیزدی ( قده ) فی تعلیقته علی فرائد الأصول.

وهو علی فرض صحته أجنبی عن الاجماع المصطلح ، لأن الاستحقاق : إن کان عقلیا ، فملازمته للعقاب فی الآخرة وعدمها واقعیان ، لا جعلیان تشریعیان ، فان أحد الطرفین مجعول عقلائی والآخر مجعول تکوینی ، والملازمة وعدمها لیسا بتشریعیین حتی یکون الاجماع علی أمر تعبدی ومجعول تشریعی.

وإن کان الاستحقاق شرعیا ، فهو وإن کان قابلا شرعا للاناطة بشیء ، فتکون الملازمة جعلیة شرعیة ، إلا أن إناطته بفعلیة نفس العقاب فی الآخرة غیر معقولة حتی بنحو الشرط المتأخر ، لأنّ فعلیة العقاب مترتبة علی استحقاقه ، فترتب استحقاقه علی فعلیته دوریّ ، للزوم کون الشیء شرطا لنفسه.

نعم ، إناطة الاستحقاق - بعدم ما یمنع عن فعلیة العقاب - معقولة ، فیرجع الأمر إلی إناطة الاستحقاق بالبیان بالاجماع ، فهو استدلال علی عدم الاستحقاق مع الجهل بالاجماع من دون حاجة إلی الآیة حتی یصح الاستدلال المفید للقطع بالمرکب من الآیة والاجماع ، کما هو المقصود فی محل النزاع ، فتدبّر جیّدا.

6 - قوله (قدس سره) : مع وضوح منعه ضرورة أن ما شک (1) ... الخ.

ملخصه منع اعتراف الخصم بالملازمة بین عدم الفعلیة وعدم الاستحقاق ، فان مجهول الحکم لیس بأعظم من معلومه ، وأدلة الاحتیاط لیست بأقوی من أدلة الواجبات والمحرمات الواقعیة بعناوینها ، مع أن عدم فعلیة العقاب هناک لا یلازم عنده عدم الاستحقاق ، فکیف یقول بها هنا؟

وصرح (قدس سره) فی تعلیقته (2) الأنیقة علی رسالة البراءة بوجهه ، وهو أن الاخبار بالعقوبة من باب الاخبار بالشیء لقیام ما یقتضیه.

ص: 25


1- 1. کفایة الاصول / 339.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الاصول / 114.

وعلی ما أفاده (قدس سره) لا یلازم وجود المقتضی وجود مقتضاه ، لا مکان وجود المانع من توبة ، أو فعل حسنة مذهبة للسیّئة ، أو شفاعة.

مع ان المانع لیس شأنه إلا مزاحمة المقتضی فی تأثیره فعلا ، لا فی وجوده ، ولا فی اقتضائه.

لا یقال : لعل همّ القائل بالبراءة هو الأمن من فعلیة العقاب ، فتکفیه الآیة الدالة علی نفی فعلیة العقاب ، ولو لم تدل علی عدم الاستحقاق.

لأنا نقول : القواعد الاصولیة - التی هی مقدمة قریبة لعلم الفقه - هی القواعد المنتهیة إلی حکم عملی إثباتا أو نفیا ، أو منجزیته أو المعذوریة عنه شرعا.

وأما أن العقاب یتحقق فی الآخرة أولا لوجود مانع ، فهو أجنبی عن العلمین ، ولا معنی لأن یکون همّ المجتهد المدوّن للقواعد الأصولیة ذلک.

مع أن المجتهد إنما یذهب إلی البراءة نظرا إلی أنه غیر عامل للحرام الفعلی ، وغیر فاعل لما یستحق علیه الذم والعقاب ، لا ولو کان فاعلا للحرام الفعلی ، وما هو موجب للذم والعقاب.

والتحقیق فی أصل الملازمة - إثباتا ونفیا - أن استحقاق العقاب علی المعصیة ، إما لعلاقة لزومیة بینهما ، أو بمجرد جعل العقلاء ، أو جعل الشارع ، مع عدم علاقة لزومیة بینهما :

فإن قلنا بالأول ، وأن العقاب من لوازم الأعمال ، وتوابع الملکات الرذیلة الحاصلة من القبائح المتکررة ، فالعمل مادة مستعدة لأن یتصور بصورة العذاب فی النشأة الآخرة.

ومعنی الاستحقاق قبول المادة الدنیویة لافاضة الصورة الأخرویة علیها.

والمانع حینئذ ما یکون عدمه شرطا لأن یتصور تلک المادة بتلک الصورة.

والشرط إما مصحح فاعلیة الفاعل ، أو متمم قابلیة القابل. والمبدأ

ص: 26

المفیض للصور علی المواد القابلة تام الفاعلیة ، لا نقص فی فاعلیته ، حتی یخرج من القوة إلی الفعل بما یصحح فاعلیته فلا محالة یکون الشرط بمعنی متمم قابلیة القابل.

فالمانع إذا کان مقارنا لذات المادة ، فلا توجد المادة قابلة مستعدة لافاضة الصورة علیها کعدم البیان المقارن للعمل.

وإذا کان لاحقا لها فهو مسقط لها عن القابلیة والاستعداد لإفاضة الصورة علیها ، کالتوبة والحسنة المکفرة للسیئة ، ولا نعنی بالاستحقاق وعدمه إلا استعداد المادة لافاضة صورة العذاب علیها وعدمه.

وعلیه فعدم الفعلیة ملازم لعدم الاستحقاق ، وتمامیة القبول والاستعداد إما حدوثا کما فیما نحن فیه ، وإما بقاء کما فی الموانع المتأخرة عن العمل.

وان قلنا بالثانی فان کان استحقاق العقاب بحکم العقلاء ، فمعناه - علی ما مر (1) فی بیان الأحکام العقلیة المبنیة علی التحسین والتقبیح العقلائیین - کون الفعل بحیث یصح ذم فاعله علیه ، وذم الشارع عقابه ، ومعنی استحقاق الثواب کونه بحیث یحسن مدح فاعله علیه ، ومدح الشارع ثوابه ، فمع وجود المانع عن الذم والعقاب لا یصح الذم ، فلیس کون الفعل فعلا بحیث یحسن ذم فاعله علیه إما حدوثا ، کما فیما نحن فیه وإما بقاء ، کما فی الموانع المتأخرة عن الفعل.

فإن قلت : إذا کان عدم البیان مانعا عن فعلیة الذم کان مساوقا لعدم الاستحقاق ، وعدم صحة الذم والعقوبة.

وأما إن کان عدم فعلیة الذم منة منه تعالی علی الفاعل ، فلا ینافی صحة الذم ، وإنما لا یذمه فضلا منه تعالی ، وامتنانا علی العبد.

ص: 27


1- 1. راجع تعلیقته ذیل قول المصنف قده لقاعدة الملازمة ، حیث قال فیها : وأما إمکان الحکم المولوی ... الخ نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 145.

قلت : الارادة الجزافیة التی یقول بها الأشاعرة مستحیلة عندنا ، لرجوعها إلی جواز الترجح بلا مرجح ، وهو مساوق لوجود المعلول بلا علة ، فلا محالة تکون الارادة منبعثة عن خصوصیة موجبة للامتنان علی العبد ، ولو کانت تلک الخصوصیة موجبة للجواد الکریم والرءوف الرحیم دون غیره فلا یحسن الذم منه ، وإن حسن من غیره.

والعبرة - فی باب استحقاق الذم والعقاب - باستحقاقهما من الشارع ، فان التمسک بالاستحقاق عند العقلاء لأجل أن الشارع رئیس العقلاء وواهب العقل ، وإلا فالاعتبار بحسن الذم والعقاب منه تعالی.

ولا منافاة بین حسن الذم منه بما هو عاقل ، وعدم حسن الذم منه تعالی بما هو جواد کریم ، فافهم وتدبر. هذا کله إن کان الاستحقاق بحکم العقلاء.

وإن کان بجعل الشارع ، فمعناه الوعد علی الفعل بالثواب ، والتوعید علیه بالعقاب ، وفعلیتهما عبارة عن إیفائه بوعده ، وتصدیقه لتوعیده ، وإذا وجد هناک مانع عن تصدیقه لوعیده من توبة ، أو حسنة مکفرة للسیئة ، فلا محالة یمنع من بقاء توعیده ، ویکون محددا لا یعاده بالعقاب بما إذا لم یحصل منه توبة مطهرة أو حسنة مکفرة.

وکذا الأمر فی المانع البدوی عن تصدیقه لوعیده ، فانه مخصص لتوعیده بما إذا قام علیه البیان ، وبلّغه الرسول مثلا ، فلیس الفعل هنا موعدا علیه بالعقاب حدوثا ، وفی غیره بقاء. فتدبر جیدا.

ثم إنه ربما یورد (1) علی أصل الاستدلال بالآیة ، بأن سیاقها یقتضی إرادة العذاب الدنیوی دون الأخروی ، ونفی أحدهما قبل اتمام الحجة لا یلازم نفی الآخر.

ص: 28


1- 1. لم نجد المورد فیما بایدینا من الکتب.

وفیه : إن أرید أصل العذاب الدنیوی ، فالعذاب الأخروی منفی بالأولویة ، فانه أعظم وأدوم ، وتوقف الأخف علی إتمام الحجة یقتضی توقف الأشد بالأولویة.

وان ارید المعاجلة بالعقوبات الدنیویة ، فلا مجری لها فی العقوبة الأخرویة ، حیث لا یتصور فیها المعاجلة ، لکونها فی حد ذاتها مؤجلة.

إلا أن الآیة بناء علی تسلیم إرادة العذاب الدنیوی ناظرة إلی أصله ، لا إلی المعاجلة به ، فتدبر.

کما أنه ربما یورد (1) علی الاستدلال بها بأن ظاهرها عدم وقوع التعذیب منه سابقا قبل البعث ، فیختص بالعذاب الدنیوی الواقع فی الأمم السالفة.

وفیه : أن مساقها ظاهر فی أنه سنة الله تعالی فی عباده.

وهذه الأمة المرحومة أولی بالعنایة والرعایة.

ومن حیث العقوبة الدنیویة قد عرفت ما فیها من الأولویة.

وأما ما عن شیخنا العلامة (قدس سره) فی الجواب من أن الأفعال المنسوبة إلیه تعالی منسلخة غالبا عن الزمان (2).

فقد حققنا فی مبحث المشتق من أن الفعل الزمانی لا یکون إلا لفاعل زمانی ، ومع ذلک فالافعال المنسوبة إلیه تعالی کالأفعال المنسوبة إلی غیره من حیث الدلالة علی الزمان ، إما بمعیّته القیومیّة مع الزمان ، فمع السابق سابق ، ومع اللاحق لا حق ، وإما بلحاظ سبقه بملاک السبق الزمانی ، وهو عدم مجامعة المتأخر مع المتقدم فی الوجود ، وإما بوجه آخر ، فراجع مبحث المشتق (3) ، وتدبر.

الاستدلال علی البراءة فی الشبهات الحکمیة بالکتاب

ص: 29


1- 1. المورد هو الشیخ الأعظم قده فرائد الاصول المحشی 2 / 8.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 114.
3- 3. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 106.

[ الاستدلال بحدیث الرفع علی البراءة فی الشبهات الحکمیة ]

7 - قوله (قدّس سره) : فالالزام المجهول مما لا یعلمون ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن المناسب للرفع عن الأمة تعلقه بأمر ثقیل علیهم ، فالموصول إذا کان کنایة عن الموضوع - أعنی الفعل أو الترک - فاتصافه بکونه ثقیلا ، إما بلحاظ ترتب المؤاخذة علیه ، وإما بلحاظ کون المکلف مقهورا علیه فعلا ، أو ترکا.

فان کان بلحاظ المؤاخذة ، فالموصوف به فی الحقیقة نفس مخالفة التکلیف الایجابی أو التحریمی ، دون الایجاب والتحریم ، ودخلهما فی ترتب المؤاخذة علی المخالفة علی حد دخل الشرط فی تحقق عنوان محکوم علیه باستحقاق العقوبة.

وشرط اتصاف الشیء بکونه ثقیلا لا یوصف بکونه ثقیلا حتی یناسبه تعلق الرفع به ؛ لما حقق فی محله أن السبب لا یوصف بمسببه ، فضلا عن الشرط بمشروطه ، لأن القیام به یصحح صدق الوصف المأخوذ من المبدأ الذی له القیام ، لا القیام عنه ، فسبب بیاض الجسم مثلا لا یوصف بالبیاض ، بل الأبیض عنوان ما یقوم به البیاض ، لا ما یصدر عنه البیاض ، فضلا عما هو شرط لتحققه.

وإن کان بلحاظ المقهوریة فی الفعل والترک.

فتارة : یراد من المقهوریة کون المکلف بسبب التکلیف اللزومی بالفعل مسلوب القدرة عن الترک من قبل المولی ، بعد أن کانت قدرته بالاضافة إلی الفعل والترک متساویة ، فکونه مکلفا بالفعل - الموجب لتخصص قدرته بالفعل ؛ لأنه جعل للداعی نحو الفعل ، فیجب إعمال قدرته فی تحصیل الفعل - غیر کونه

الاستدلال بحدیث الرفع علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 30


1- 1. کفایة الاصول / 339.

مسلوب القدرة عن الترک ، بل ملازم له.

فالفعل هو الواجب ومورد التکلیف ، والترک هو مورد انسلاب القدرة عنه ، فیکون مقهورا فی الفعل ، لانسلاب قدرته من ناحیة التکلیف عن الترک ، وقد مر أن السبب لا یوصف بمسببه ، فلا یوصف التکلیف بانه ثقیل ، بل سبب لثقل الفعل بتلک الملاحظة.

وأخری : یراد من المقهوریة نفس کون الفعل مما لا بد منه شرعا ، فاللابدیة عین التکلیف اللزومی بالفعل مثلا ، فاللابدیة نفس ثقل الفعل لا أنها موصوفة بکونها ثقیلة ، والظاهر من ( ما لا یعلمون ) حینئذ أنهم لا یعلمون الثقیل لا أنهم لا یعلمون ثقله.

وبالجملة : المحمول علی المکلف هو الثقیل علیه ، والفعل هو المحمول ، والتکلیف تحمیله علیه ، فالفعل هو الثقیل ، والتکلیف تثقیله ، وجعله ثقیلا ، فالایجاب تثقیل ، والوجوب ثقل ، والفعل ثقیل ، فما یتعلق به الرفع إذا کان هو الثقیل ، فالفعل هو المرفوع.

بل یمکن أن یقال : إن ایجاب الفعل هو حمله علی المکلف ، ووضعه علی عاتقه ، والرفع بدیل الوضع ، فیرد علی ما یرد علیه الوضع ، لا أنه یرد علی الوضع.

والتحقیق : أن الرفع عن المکلف وإن کان یستدعی الثقل فی المرفوع ، إلا أن غایة ما یقتضیه تعلقه بما له مساس بالثقل ، سواء کان ثقیلا ، أو ثقلا ، أو موجبا للثقل ، فلا حاجة إلی اتصاف التکلیف بکونه ثقیلا ، ویشهد له قوله صلّی الله علیه وآله ( رفع القلم عن الصبی حتی یحتلم ) (1) فانه إما قلم التکلیف ، أو قلم

ص: 31


1- (1) لعله قده نقل الروایة بالمعنی وإلاّ فلیس فی کلام النبی صلّی الله علیه وآله العبارة المزبورة وإنما الذی ورد عنه صلّی الله علیه وآله فی وصیته لعلی علیه السلام قال : یا علی لا رضاع بعد فطام ولا

المؤاخذة ، فهو موجب للثقل بواسطة أو أکثر.

مع أن الفعل بلحاظ ترتب المؤاخذة علیه أیضا لا قیام للمؤاخذة به ذلک النحو من القیام المصحح لصدق وصف الثقیل ، بل المؤاخذة هی الثقیلة علی المکلف.

نعم العقاب بمعنی ظهور العمل بصورة العذاب فی الآخرة یوجب کون العمل ثقیلا ، بنفسه معنی کما لا یخفی.

مضافا إلی کثرة اتصاف الشیء بکونه ثقیلا بسبب الاشتمال والتضمن لما هو ثقیل ، کما فی قوله تعالی : ( وَیَذَرُونَ وَراءَهُمْ یَوْماً ثَقِیلاً ) (1) لوقوع الأهوال الثقال فیه.

وقوله تعالی : ( سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیلاً ) (2) بناء علی إرادة القرآن المتضمن للتکالیف ، أو إرادة التکلیف بقیام اللیل ، کما تشهد له الآیة المتصلة به.

وأما بناء علی إرادة الوحی المغیّر لحاله صلّی الله علیه وآله فهو الثقیل بالحقیقة.

والغرض أن الاتصاف بالثقیل بتلک الملاحظة لیس فیه کثیر عنایة حتی بکون توصیفه من باب التوصیف بحال المتعلق بالنظر العرفی ، وإن کان کذلک بالنظر الدقیق العقلی.

وأما حدیث تبادل الرفع والوضع ، وتعلقهما بالفعل ، فتوضیح الحال فیه أن کون شیء علی شیء ، وإن کان من أعراض ذلک الشیء ، وحیثیة الاستعلاء

====

3. المزمل : 5.

ص: 32


1- یتم بعد احتلام. الفقیه 4 : 260.
2- 2. الانسان : 27.

مقومة لذلک الکون العارض ، ومنوعة له ، فیکون نوعا من مقولة الأین ، له نسبه خاصة إلی المکان ، ولیس لهذا النوع من العرض کون استعلائی علی ذلک المستعلی علیه ، بل هو عین الکون الاستعلائی للغیر ، فثبوت الفعل علی المکلف الذی هو عین وجوبه علیه وان کان حینئذ متقوما اعتبارا بما ینوعه ویجعله نوعا خاصا من العرض الاعتباری ، لکنه لیس له کون استعلائی بالاعتبار ، بل هو عین الکون الاستعلائی للفعل بالاعتبار.

إلا أن الفعل الذی یتعلق به التکلیف حیث إنه فی مرتبة تعلق التکلیف مقوّم للتکلیف وثابت بنحو ثبوته. فالفعل فی مرتبة الارادة ، وهی الشوق الأکید النفسانی مقوم للارادة ، حیث إن الشوق المطلق لا یوجد ، ویستحیل أن یکون موجود فعلی مقوما لفعلی آخر ومشخصا له ، لاستحالة اتحاد الفعلیین.

فلا محالة یکون ثبوت الفعل فی مرتبة الشوق بثبوت شوقی ، وفی مرتبة البعث الاعتباری کذلک ثابتا بنحو ثبوت البعث.

فالثابت بالحقیقة هو الشوق ، أو البعث ، فهو المجعول والموضوع علی المکلف ، والفعل مجعول بجعله ، وموضوع بوضعه ، فهو مرفوع برفعه.

ولذا لا ریب فی صحة نسبة الوضع إلی نفس التکلیف ، کما فیما سیجیء إن شاء الله تعالی من حیث الحجب ، فان المحجب علمه الموضوع عن المکلف لیس إلاّ التکلیف ، فهو الموضوع علیه إذا کان غیر محجوب ، فتدبره ، فانه حقیق به.

ومما ذکرنا تبین أنه لا مانع من تعلق الرفع بنفس الحکم ، لا من حیث تعلقه بالأمر الثقیل ، ولا من حیث کونه بدیلا للوضع ، بل قد عرفت أنه لا بد أن یتعلق فی الحقیقة ، وبلا عنایة بنفس الحکم ، وسیجیء إن شاء الله تعالی بقیة

ص: 33

الکلام (1).

8 - قوله (قدس سره) : فهو مرفوع فعلا وان کان ثابتا واقعا (2) ... الخ.

هذا بناء علی ما سلکه (قدس سره) فی تعلیقته المبارکة (3) من مراتب الحکم ، وأن الحکم الواقعی حکم إنشائی ، لا فعلی.

وأما علی ما سلکه (قدس سره) فی مبحث جعل الطریق (4) من کون الحکم الواقعی فعلیا من وجه ، فلا حاجة إلی رفع الحکم الفعلی ؛ فان رفعه إما بلحاظ أثره وهی المؤاخذة ، أو بلحاظ المضادة بین الحکم الواقعی والظاهری.

مع أن المؤاخذة أثر التکلیف المنجز عقلا ، لا أثر التکلیف الفعلی ، ولو لم ینجز حتی بایجاب الاحتیاط.

کما أن الحکم الفعلی من وجه لا ینافی الفعلی من جمیع الوجوه عنده (رحمه الله) ، فلا موجب لرفع الحکم الفعلی.

وأما حمله علی إرادة رفع الفعلیة المطلقة ، وثبوت مطلق الفعلیة.

فهو مناف لظاهر العبارة ، فان ظاهرها المقابلة بین الفعلیة والثبوت الواقعی فتدبر.

والتحقیق - علی ما مر (5) مرارا - أن الانشاء بلا داع محال ، والانشاء بداع من الدواعی لیست فعلیته ، إلا فعلیة ذلک الداعی.

ففعلیة الانشاء بداع الارشاد إرشاد فعلی ، وبداع البعث بعث فعلی ،

ص: 34


1- 1. التعلیقة 12.
2- 2. کفایة الاصول / 339.
3- 3. التعلیقة علی فرائد الأصول / 5 - 34.
4- 4. کفایة الاصول / 278.
5- 5. منها ما تقدم فی مبحث حجیة القطع التعلیقة 29 ، ومنها فی مبحث حجیة الظن التعلیقة 66 نهایة الدرایة 3.

ویستحیل أن یکون الانشاء بداع فی صراط الفعلیة بداع آخر ، وقیاسه معه.

فلا محالة لیس الانشاء الواقعی المترقب منه فعلیة البعث والزجر ، إلا الانشاء بداعی جعل الداعی فعلا أو ترکا.

وقد مرّ - منّا (1) مرارا - أن فعلیة کل داع متقومة بالوصول ، فالانشاء بداع الارشاد قبل وصوله لا یکون إرشادا فعلا إلی ما هو خیر العبد ورشده ، والانشاء بداع البعث والتحریک قبل وصوله لیس قابلا فعلا للتحریک. وانقداح الداعی علی أی تقدیر فی نفس المکلف.

وعلیه ، فعدم فعلیّته البعثیّة بعدم الوصول عقلی لا جعلی.

کما أن ما هو أمره بید المولی - وهو تمام ما هو الفعلی من قبله - هو نفس الانشاء بداع البعث ، وبوصوله یکون مصداقا للبعث الحقیقی ، فکأن ما هو بعث بالقوة یخرج من حد القوة إلی الفعل.

ولیکن المراد من الفعلی من وجه نفس ما هو فعلی من قبل المولی.

والفعلی بقول مطلق ما هو بحیث یکون مصداقا للبعث فعلا.

ثم إن الوصول التعبدی :

تارة : بجعل الحکم المماثل علی طبقه بعنوان تصدیق العادل بلسان أنه الواقع ، فثبوت الحکم المماثل ثبوت الواقع تنزیلا ، ووصوله وصول الواقع عرضا ، وتنجزه تنجز الواقع اعتبارا ، وإلاّ فالواقع علی ما هو علیه لم یخرج من حد إلی حد حقیقة.

وأخری : بایصال الواقع بأثره ، بجعل الخبر مثلا منجزا له ، إذ لیس أثر الواقع الواصل إلا فعلیته المساوقة لتنجزه ، فجعل الخبر منجزا له شرعا یخرج

ص: 35


1- 1. منها فی التعلیقة 66 من مبحث حجیة الظن ، ومنها فی مبحث حجیة القطع التعلیقة 41 نهایة الدرایة 3.

الانشاء الواقعی من حد القوة إلی حد الفعلیة عند مصادفة الخبر للواقع.

وکذا الأمر فیما نحن فیه ، فانه کما سیأتی منه (قدس سره) یکون إیجاب الاحتیاط بداعی تنجیز الواقع ، فانه إیصال للواقع المحتمل بأثره ، فیرجع الی جعل احتماله منجزا له علی تقدیر ثبوته ، فیصیر فعلیا منجزا علی تقدیر المصادفة ، کما فی الامارة المعتبرة بهذا الوجه.

وقد عرفت أن عدم فعلیة الواقع بعدم ایصاله بجمیع أنحائه ، وعدم الفعلیة بعدم جعل الحکم المماثل ، أو بعدم جعل الخبر ، أو الاحتمال منجزا لیس مجعولا حتی یکون معنی رفع الفعلیة رفعها بعدم جعل الاحتیاط.

بل العدم المجعول المعدود من الأحکام المجعولة ما کان کالوجود مجعولا ، فعدم الوجوب بعدم المقتضی لیس مجعولا شرعیا ، بل قوله : لا یجب إنشاء جعل للعدم تسبیبا.

فاذا کان قوله علیه السلام رفع علی حد قوله علیه السلام ( کل شیء لک حلال ) جعلا لعدم التکلیف کالجعل للاباحة. فلا محالة یکون إیصالا لعدم التکلیف فی موارد الجهل بعبارة جامعة لها ، فیکون مفاده فعلیة عدم التکلیف ظاهرا ، لا عدم فعلیة التکلیف ، لما عرفت أن عدم فعلیة التکلیف بعدم الوصول عقلی لا جعلی.

نعم لازم إیصال عدم التکلیف فعلا عدم فعلیة التکلیف ، لاستحالة ثبوت المتنافین من حیث الفعلیة.

وحینئذ ففائدة إیصال عدم التکلیف وجعل عدمه فعلیا بایصاله دلالته علی عدم وجوب الاحتیاط ، المبلغ للحکم الواقعی إلی مرتبة الفعلیة والتنجز.

بل حیث إن لسانه عدم التکلیف ، فهو وارد علی دلیل الاحتیاط ، فانه فی مورد ثبوت الواقع احتمالا ، وهذا ناف لموضوعه ، لأنّ لسانه فعلیة العدم ، لا مجرد عدم فعلیة التکلیف.

ص: 36

ومنه تبین أن مثل إیصال عدم التکلیف بقوله ( رفع ) الذی مفاده أنه لا یجب ولا یحرم جعلا وانشاء رافع لموضوع حکم العقل بقبح العقاب بلا بیان ، فان موضوعه عدم وصول التکلیف.

وکما أنه مع وصوله لا موضوع للقاعدة ، کذلک مع وصول عدمه ، فان عدم الوصول حینئذ بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

ونکتة إیصال العدم - مع کفایة عدم الوصول فی رفع الفعلیة ، وأثرها (1) - التنبیه علی عدم وجوب الاحتیاط ، بحیث یکون دلیلا علی عدمه بعدم موضوعه ، لا مجرد کشف عدم الفعلیة عن عدم وجوب الاحتیاط.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین أن حدیث الرفع إذا کان متکفلا لأمر مجعول تشریعی ، فهو عدم التکلیف ، بحیث یکون العدم فعلیا جعلیا ، لا عدم فعلیة التکلیف الواقعی ، فان مثله غیر مجعول ، وان عدم فعلیة التکلیف مستند إلی عدم وجوب الاحتیاط ، فیکشف عنه کشف المعلول عن العلة ، بخلاف فعلیة عدم التکلیف ، فانه یستند إلیه عدم وجوب الاحتیاط ، فیکشف عنه کشف العلة عن المعلول ، فتدبره ، فانه حقیق به.

ثم إن مفاد حدیث الرفع - سواء کان رفع فعلیة التکلیف بدوا ، أو جعل عدم التکلیف فعلا - فهو بحسب لسانه رفع ، وفی اللبّ دفع ، فانه بحسب لسانه حیث إنه رفع الإلزام المجهول المفروض ثبوته ، فهو رافع له ، وقاطع لاستمراره ، وبحسب اللبّ حیث إن إعدام الحکم الواقعی المجهول غیر معقول ، فهو دافع لفعلیته مع وجود المقتضی لجعله فعلیا بایصاله بجعل الاحتیاط.

ولا یخفی علیک أن مانعیة شیء عن تأثیر شیء ، وإن لم تکن متقومة بسبق وجود أثر ذلک الشیء ، ولا بعدمه.

ص: 37


1- 1. والصحیح وأثره فان مرجع الضمیر إیصال العدم.

إلا ان صدق عنوان الرافع والدافع منوط بوجود الاثر فی الأول وعدمه فی الثانی.

کما فی عنوان الحدوث والبقاء ، فان وجود شیء فی زمان غیر منوط بوجوده فی السابق ، ولا بعدمه فیه ، إلا أن عنوان الحدوث والبقاء منوط بسبق العدم فی الاول وسبق الوجود فی الثانی.

فتوهم عدم الفرق بین الرافع والدافع ، وصحة استعمال کل منهما مکان الآخر ، لعدم تفاوت المانعیة فاسد لما عرفت.

ولعل نسبة الرفع دون الدفع بلحاظ تعلقه فی مرحلة الاسناد الکلامی بما هو مفروض الثبوت. واللازم فی باب مراعاة إسناد مفهوم إلی ما یناسبه ملاحظة مقام الاسناد الکلامی ، فان طرف الاسناد فی ظرف اسناد المفهوم مناسب له قطعا.

ویمکن أن یقال : إن الظاهر من الخبر ثبوت هذه الأحکام فی الشریعة الالهیة سابقا ، فنسبة الرفع وهو العدم بعد الوجود بلحاظ أصل ثبوته حقیقة فی الشریعة الالهیة ، فرفع عن هذه الأمّة لا بملاحظة وجود المقتضی لفعلیته فی هذه الأمّة حتی یکون متمحضا فی الدفع ، والله العالم.

9 - قوله (قدس سره) : لا یقال لیست المؤاخذة من الآثار الشرعیة (1) ... الخ.

الاشکال فی المؤاخذة من وجهین :

أحدهما : ما تعرض (قدس سره) له صریحا ، وهو أن المؤاخذة لیست من الآثار الشرعیة ، بل استحقاقها عقلی ، لا جعلی شرعی.

ص: 38


1- 1. کفایة الاصول / 339.

ونفس المؤاخذة وإن کانت جعلیة لکنها تکوینیة لا تشریعیة ، فلا معنی للتعبد بها نفیا واثباتا ، لا بلا واسطة ، کمن یقول بتعلق الرفع بالمؤاخذة ، ولا مع الواسطة ، کمن یقول بالتعبد برفعها برفع الحکم الفعلی ، ولو برفع ایجاب الاحتیاط.

ثانیهما : أن المؤاخذة من آثار التکلیف الفعلی المنجز ، ولا عقاب عقلا علی ما لم یتنجز ، فلیس للواقع المجهول هذا الأثر کی یرفع برفعه.

ویندفع الأول بما أفاده (قدس سره) فی المتن وفی الهامش ، وجامعهما أن رفع المؤاخذة لیس بعنوان التعبد برفعها حتی لا یعقل التعبد بها نفیا أو اثباتا ، بل بعنوان تحقیق موضوعها ، فان الاستحقاق مترتب علی التکلیف الفعلی الواقعی أو الظاهری ، فعدمه مترتب علی عدمهما ، سواء کان بعدم التکلیف ظاهرا ، کما هو مفاد جواب الهامش ، أو بعدم فعلیة التکلیف بجعل الاحتیاط ، کما هو مفاد جواب المتن.

وبالجملة مخالفة التکلیف الواصل - واقعیا کان أو ظاهریا - موضوع استحقاق العقاب.

وعدم الاستحقاق تارة ، بعدم مخالفة التکلیف الواصل وأخری - بعدم التکلیف ، وثالثة - بعدم وصوله.

فعدم التکلیف ظاهرا محقق لموضوع عدم الاستحقاق حقیقة.

کما أن عدم فعلیة التکلیف بعدم جعل الاحتیاط المبلغ له إلی مرتبة الفعلیة المطلقة أیضا محقق لموضوع عدم الاستحقاق.

فلا تعبد حقیقة إلا بعدم التکلیف ، أو بعدم فعلیته بعدم ایجاب الاحتیاط ،

ویندفع الاشکال الثانی بما یظهر من جوابه (قدس سره) فی المتن ، من أن رفع المؤاخذة لیس برفع التکلیف المجهول بما هو - حتی یقال : إنها لیست من آثار الواقع ، بل من آثار التکلیف المنجز - وإنما هی من آثار الواقع بالواسطة

ص: 39

فان التکلیف الواقعی یقتضی جعله فعلیا بایجاب الاحتیاط المصحح للمؤاخذة فهی أثر الأثر.

فالتعبد برفع الواقع تعبد بأثره ومقتضاه ، وهو عدم ایجاب الاحتیاط ، وهو موضوع الاستحقاق هذا.

لکنک قد عرفت (1) فی مباحث القطع والظن ، أن استحقاق العقاب بحکم العقل موضوعه مخالفة التکلیف الواصل المنطبق علیها الظلم ، لکونها خروجا عن زیّ الرقیة ورسم العبودیة.

ولیست نفس المخالفة مقتضیة للاستحقاق ووصول التکلیف شرطا ، إذ الحکم بالاستحقاق بالاضافة إلی مخالفة التکلیف الواصل المنطبق علیها الظلم حکم بالاضافة إلی موضوعه.

وقد مرّ (2) مرارا أن الحکم لا یترشح من مقام ذات موضوعه ، بل سببه الفاعلی هو الحاکم.

ومعنی کون الحکم باقتضاء موضوعه ، أن الفائدة المترقبة من موضوعه غایة داعیة للحاکم ، لا بمعنی المقتضی الذی یترشح منه مقتضاه حتی یعقل اشتراط تأثیره بشیء.

ومن الواضح أن الغایة الداعیة للعقلاء الی البناء علی مدح فاعل بعض الأفعال وذم فاعل بعضها الآخر ، کون العدل مثلا بعنوانه مما ینحفظ به النظام ، وکون الظلم بعنوانه مما یختل به النظام ، وانحفاظ النظام هی الفائدة المترقبة من العدل ، واختلال النظام هی المفسدة المترتبة علی الظلم.

ص: 40


1- 1. مبحث حجیة القطع : التعلیقة 10 ومبحث حجیة الظن : التعلیقة 119. نهایة الدرایة 3.
2- 2. منها فی مبحث حجیة القطع : التعلیقة 41 و 45. ومبحث الانسداد التعلیقة 2. نهایة الدرایة 3.

ثم إن وصول التکلیف الواقعی - الذی یوجب کون مخالفته هتکا لحرمة المولی وظلما علیه - لیس بمجرد الانشاء بداعی تنجیز الواقع ، فان هذا الانشاء الطریقی کنفس التکلیف الحقیقی لیس وجوده الواقعی موجبا للفعلیة والتنجز ، إذ لو کفی وجوده الواقعی لکفی نفس التکلیف الواقعی فی فعلیة نفسه وتنجزه ، بل لا بد من وصوله حتی یکون وصولا للواقع بأثره.

فایجاب الاحتیاط واقعا لا ینجز الواقع ، بل الایجاب الواصل.

إذا عرفت هذه المقدمة تعرف أن کون التکلیف الواقعی مقتضیا لایجاب الاحتیاط ، وایجاب الاحتیاط مقتضیا لاستحقاق المؤاخذة غیر صحیح.

إذ موضوع استحقاق العقاب مخالفة التکلیف الواصل بایجاب الاحتیاط الواصل.

ومع عدم وصول ایجاب الاحتیاط ، أو عدم ایجابه ، وإن لم یتحقق موضوع الاستحقاق ، إلاّ أن استحقاق المؤاخذة لا مرفوع ولا مدفوع :

أما الأول فواضح ؛ إذ لم یثبت الاستحقاق حتی یکون عدمه بعد ثبوته رفعا له.

وأما الثانی ، فلأنّه لم یثبت مقتضی الاستحقاق حتی یکون عدمه مع مقتضی الثبوت دفعا له.

لما عرفت من أن مقتضی الاستحقاق بالمعنی المعروف من المقتضی لا یعقل ، وبمعنی الغایة الداعیة لا یثبت إلا مع وصول التکلیف ، ولو بوصول ما ینجزه.

فمع عدمهما وإن لم یکن استحقاق ، لکنه غیر مدفوع أیضا.

إذ لیس کل عدم دفعا ، کما لا یکون کل عدم رفعا.

نعم هذا الاشکال شدید الورود علی من یرفع المؤاخذة بدوا ، فانه لا رفع ولا دفع.

ص: 41

وأما من یرفع التکلیف فهو فی سعة من هذا الاشکال ، إذ لا یجب علیه رفع المؤاخذة أو دفعها ، بل یکفیه عدمها المرتب علی عدم مقتضیها بعدم التکلیف الفعلی ، ولو بعدم ایجاب الاحتیاط الواصل من دون حاجة إلی عنوان رفع المؤاخذة أو دفعها.

اللهم إلا أن یکتفی فی نسبة الدفع إلی ثبوت مقتضی المقتضی ، فان ثبوت التکلیف الواقعی أو الغرض الباعث إلیه مقتض لإیصاله بایجاب الاحتیاط الواصل. فتدبر جیدا.

10 - قوله (قدس سره) : لا یقال : لا یکاد یکون ایجابه مستتبعا (1) ... الخ.

توضیحه أن ایجاب الاحتیاط ، إما مقدمی ، وإما إرشادی ، وإما نفسی.

والکل غیر صحیح :

أما الأول ، فلان الوجوب المقدمی وجوب معلولی لوجوب ذی المقدمة فیتبعه ثبوتا ، وفعلیة ، وتنجزا ، فکیف یعقل أن یکون تنجز وجوب ذی المقدمة من قبله؟.

مع أن الاحتیاط عنوان ما تعلق به التکلیف المجهول ، ولا اثنینیة بینهما وجودا ، لیکون مقدمة وجودیة له حتی تجب بوجوبه.

وأما الثانی ، فلأن الارشاد الی ترتب العقاب علی الواقع فرع تنجز الواقع ، والمفروض أنه لا منجز له إلا الأمر الارشادی بالاحتیاط.

وأما الارشاد إلی غیر العقاب ، فلا یجدی فی ما هو المهم فی هذا الباب ، وهو واضح.

وأما الثالث ، فلان مقتضی النفسیة تنجز نفسه بوصوله دون الواقع ، وهو

ص: 42


1- 1. کفایة الاصول / 339.

خلف.

مع أن الاحتیاط فی محتمل الوجوب مثلا بفعل الواجب. ولا یعقل عروض وجوبین نفسیین علی واحد خصوصا إذا کان متعلق أحدهما معنون متعلق الآخر.

مضافا إلی ما یقال : من أن ایجاب الاحتیاط لا یوجب تنجز الواقع لبقاء الجهل علی حاله ، فملاک عدم تنجز الخطاب الواقعی وهو الجهل به ، حیث إنه لم یرتفع ، فکیف یتنجز؟

وأجاب عنه شیخنا العلامة (1) ( رفع الله مقامه ) بأن ایجاب الاحتیاط سنخ آخر من الایجاب ، وهو الانشاء بداعی تنجیز الواقع ، وملاک عدم التنجز لیس الجهل بما هو ، بل عدم قیام الحجة ، ومع الانشاء بداعی تنجیز الواقع یصح له الاحتجاج به علی العبد ، ولا یکون معذورا من قبل مولاه مع أنه جعله غیر معذور عن قبل ما أقام علیه الحجة من قبله.

ولکنک قد عرفت (2) فی مبحث جعل الطریق أن الانشاء بهذا الداعی لا یخلو عن إشکال هو أن الانشاء بأی داع کان هو مصداق ذلک الداعی بالاضافة إلی ما یرد علیه مفاد الهیئة.

فالانشاء بداعی البعث الی الصلاة مصداق حقیقة للبعث نحو الصلاة ، وبداعی الامتحان مصداق للامتحان بالمادة التی تعلقت به الهیئة. وهکذا.

ومن الواضح أن القابل للتنجز هو التکلیف ، وللتنجیز هو الخبر ، او أمارة اخری أو الیقین السابق فی الاستصحاب ، أو احتمال التکلیف فی باب الاحتیاط ، وما تعلق به مفاد الهیئة الموصوف بأنه تنجیز نفس مادة الاحتیاط.

ص: 43


1- 1. فی تعلیقته علی فرائد الأصول / 117.
2- 2. نهایة الدرایة 3 / 58.

فما هو قابل لتعلق البعث الانشائی به غیر قابل للتنجز ولا للتنجیز ، وما هو قابل للمنجزیة والمتنجزیة وهو الاحتمال والتکلیف غیر قابل لتعلق البعث الانشائی به.

فالایجاب بداعی تنجیز التکلیف الواقعی فی جمیع الموارد غیر معقول ، لا أن تنجز الواقع بالخبر ونحوه غیر معقول وقد تقدم بعض الکلام فی مبحث جعل الطریق.

ویمکن أن یقال : إن ایجاب تصدیق العادل أو ایجاب الاحتیاط ، ایجاب حقیقی بداعی جعل الداعی ، ومنبعث عن المصلحة الواقعیة علی حد التکلیف الواقعی.

لکن التکلیف الواقعی متعلق بالفعل بذاته ، وایجاب التصدیق وایجاب الاحتیاط متعلق به بعنوانه ، ایصالا للواقع فی الأوّل ، وتحفظا علیه فی الثانی.

وایجاب الشیء بمعرّف أو معرفات إذا کان منبعثا عن غرض واحد بداعی جعل الداعی لا یوجب تعدد الایجاب الحقیقی.

لما عرفت (1) فی محله أن التماثل والتضاد بین الحکمین الفعلیین ، لا بین الفعلی والانشائی بداعی جعل الداعی الذی لم یتصف بفعلیة الدعوة لعدم وصوله.

فایجاب الاحتیاط ایجاب حقیقی نفسی بعنوان آخر غیر نفس عنوان الفعل.

وحیث إنه منبعث عن الغرض الواقعی ، فلذا یکون مقصورا علی صورة الموافقة مع الواقع ، فلا یستحق إلا عقوبة واحدة.

وحیث إنه بعنوان التحفظ علی الواقع ، فوصوله وصول الواقع وتنجزه

ص: 44


1- 1. مبحث حجیة الظن التعلیقة 55 و 56 نهایة الدرایة 3.

تنجز الواقع.

وجمیع تعاریف الواجب النفسی منطبقة علیه ، فانه منبعث عن غرض فی نفسه أی ما هو بالحمل الشائع احتیاط ، لفرض کونه معرفا لنفس الواجب الواقعی. وهو واجب لا لواجب آخر ، حیث إن وجوبه غیر منبعث عن وجوب آخر ، کالواجب المقدمی. فافهم جیدا.

11 - قوله (قدس سره) : بما هو قضیته من ایجاب الاحتیاط فرفعه (1) ... الخ.

ظاهره هنا کصریحه (رحمه الله) فی العبارة السابقة أن وجوب الاحتیاط من مقتضیات التکلیف الواقعی وآثاره ، فلذا حکم (قدّس سره) بأن التعبد برفع التکلیف الواقعی تعبد برفع أثره ومقتضاه ، وهو ایجاب الاحتیاط.

ولکن لا یخفی علیک أن ایجاب الاحتیاط لیس من مقتضیات التکلیف بوجه من الوجوه :

لا المقتضی بمعنی المسبب بالاضافة إلی سببه.

لما (2) مرّ مرارا أن المقتضی لکل حکم بمعنی سببه الفاعلی هو الحاکم.

ولا المقتضی بمعنی ذی الغایة بالاضافة إلی الغایة الداعیة الیه ، لان التکلیف الواقعی لیس من الفوائد القائمة بوجوب الاحتیاط ، حتی یکون اقتضائه له بهذا النحو من الاقتضاء.

ولا المقتضی بمعنی مطلق الأثر الشامل للحکم بالاضافة إلی موضوعه ، لأن ایجاب الاحتیاط لیس حکما متعلقا بالتکلیف الواقعی ، بل لا یعقل أن یکون کذلک.

ص: 45


1- 1. کفایة الأصول / 340.
2- 2. مبحث حجیة القطع التعلیقة 41 و 45 نهایة الدرایة 3.

ومجرد تأخر رتبة وجوب الاحتیاط عن التکلیف الواقعی ، لکونه حکما فی مرتبة الجهل بالتکلیف الواقعی ، لا یقتضی أن یکون من مقتضیاته ومعلولاته. بل المعروف استحالة اقتضاء التکلیف شیئا فی مرتبة الجهل به ثبوتا وإثباتا ، للزوم أخذ الشیء فی مرتبة نفسه ، وکون الشیء مقتضیا لنفسه.

بل المعقول ما أشرنا الیه فی مطاوی کلماتنا من أن الغرض الباعث علی التکلیف ، کما یدعو إلی جعل التکلیف ، کذلک یدعو الی ایصاله بایجاب الاحتیاط الواصل المبلّغ له إلی مرتبة الفعلیة والتنجز ، حتی یکون المکلف مقهورا فی ایجاده ، وغیر معذور فی ترکه.

فکلا الایجابین من مقتضیات الموضوع ، لا أن أحدهما من مقتضیات الآخر ، حتی یکون من باب التعبد بالأثر عند التعبد بما یترتب علیه.

بل هما بحسب الغرض الداعی متلازمان ، ولا یصحح التعبد بأحدهما التعبد بالآخر.

نعم لو أرید الموضوع من الموصول لصح أن یکون التعبد به تعبدا بکلا الأثرین ، وهذا أحد الوجوه المصححة لارادة الموضوع من الموصول.

12 - قوله (قدّس سره) : فان ما لم یعلم من التکلیف مطلقا (1) ... الخ.

تعمیم ما لا یعلمون للشبهة الحکمیة والموضوعیة بوجوه :

منها : ما فی المتن ، وهو إرادة التکلیف المجهول مطلقا ، سواء کان سبب الجهل به فقد النص ، أو إجماله ، أو تعارض النصین ، أو الامور الخارجیة ، فالمراد من الموصول خصوص التکلیف مع التعمیم من حیث أسباب الجهل به.

ویمکن أن یقال : إن الظاهر من التکلیف الذی لا یعلمونه ، أنه بنفسه غیر معلوم ، لا أن انطباقه علی المورد غیر معلوم بسبب الجهل بانطباق موضوعه

ص: 46


1- 1. کفایة الاصول / 340.

الکلی ، فان من لم یعلم بخمریة مائع لا یقال : إنه غیر عالم بحرمة الخمر والمائع - بما هو - لا حکم له واقعا لیقال : إن حرمة هذا المائع غیر معلومة ، بل المائع بما هو خمر حرام ، وحرمة الخمر معلومة ، وکون المائع خمرا غیر معلوم ، فالانطباق غیر معلوم.

ولا منافاة بین ظهور التکلیف الذی لا یعلمونه فی کونه بنفسه غیر معلوم ، والقول بانحلال النهی ، لدوران فعلیته مدار فعلیة موضوعه عقلا.

والتحقیق : أن فعلیة التکلیف فی المورد مساوقة لتحققه بحقیقته التی لها الاطاعة والعصیان ، لا أمر زائد علی حقیقته ، والحرام لیس إلا شرب ما هو خمر بالحمل الشائع.

فحرمة هذا المائع بما هو خمر غیر معلومة ، ولیس هذا من باب الوصف بحال المتعلق ، فان الجهل بخمریته سبب حقیقة للجهل بحرمته حقیقة بما هو خمر.

منها : إرادة الفعل من الموصول ، لکنه بما هو واجب وحرام ، لأنه بهذا العنوان ثقیل علی المکلف ، إما بنفسه ، أو بلحاظ ترتب المؤاخذة علیه بما هو فعل حرام ، أو ترک واجب ، مع التعمیم من حیث أسباب الجهل بالواجب والحرام.

وفیه أنه مناف لظاهر سائر الفقرات ، فان الموصول فیها عبارة عن الأفعال بعناوینها ، لا بعنوان الواجب والحرام.

فالمراد مما اکرهوا علیه ذات الفعل الذی اکره علیه ، لا الحرام الذی اکره علیه ، فان الاکراه علی الفعل بما هو شرب الخمر ، لا علیه بما هو حرام.

وکذا فیما اضطروا إلیه ، وهکذا.

والتحقیق : أن المشتقات غیر موجودة بالذات ، ولذا لا تدخل تحت المقولات ، بل الموجود بالذات نفس ذات الموضوع ، ومبدأ المحمول.

ص: 47

فالمجهول بالذات ، إما نفس ذات الموضوع کالجهل بالخمر ، وإما مبدأ المحمول کالجهل بالحرمة ، وإما الجهل بالفعل المعنون بعنوان الحرام ، فلیس أمرا ما وراء أحد النحوین من الجهل بالذات.

بل العنوان کما أنه موجود بالعرض کذلک مجهول بالعرض بنحو وساطة أحد النحوین من الجهل لعروضه ، لا وساطتهما لثبوته کوساطة الجهل بالموضوع لثبوت الجهل بالحکم.

ومن الواضح أن المراد ( مما لا یعلمون ) الشیء الذی لا یعلمونه حقیقة ، لا ما لا یعلمونه عرضا من حیث نسبة الجهل بشیء حقیقة إلیه عرضا.

منها : إرادة الفعل بما هو من الموصول ، لکنه مع تعمیم الجهل به ، من حیث الجهل به بنفسه ، أو بوصفه وهو حکمه.

وفیه أنه مناف لظاهر الوصف ، فان إرادة الجهل به بوصفه من باب الوصف بحال المتعلق ، فان الظاهر مما لا یعلمون الشیء الذی لا یعلمونه لا الشیء الذی لا یعلمون حکمه.

فان قلت : عدم العلم التصدیقی کنفس العلم التصدیقی یتعلق بثبوت شیء لشیء ، ولا فرق حینئذ بین ثبوت الخمریة للمائع ، أو ثبوت الحرمة لشرب التتن من حیث کون العنوان مجهولا.

غایة الأمر أن عنوان الخمریة للمائع ذاتی ، وعنوان الحرمة للشرب عرضی.

فالمجهول دائما عنوان ذات الفعل ، وإلا فالفعل بذاته لا جهل به ، لعدم تعلق الجهل المقابل للعلم التصدیقی - بتقابل العدم والملکة - بالمفردات.

قلت : إذا کان المراد من الموصول هو الفعل ، فلا محالة لیس إلا موضوع الحکم ، فانه الذی یکون رفع الحکم برفعه ، دون الفعل الذی لیس موضوعا للحکم.

ص: 48

فشرب المائع لیس موضوعا للحکم ، حتی یقال : إن شرب المائع حیث لم یعلم عنوانه ، وهو کونه خمرا ، فهو مرفوع.

بل شرب الخمر هو الموضوع ، وهو المرفوع إذا کان مجهولا ، وحینئذ ، فالمراد من الجهل به هو الجهل بتحققه.

فالموضوع تارة : یکون معلوم الوجود ، فیترتب علیه حکمه.

وأخری : مجهول الوجود ، فحکمه مرفوع ، ولم یلزم حینئذ تعلق الجهل بالمفرد ، بل بکونه موجودا.

منها : إرادة الحکم والموضوع معا من الموصول ، بلحاظ عموم الموصول من حیث انطباقه علیهما ، فالمراد رفع کل ما کان مجهولا ، حکما کان أو موضوعا.

وأورد علیه شیخنا العلامة ( رفع الله مقامه ) فی تعلیقته (1) بعدم إمکانه.

لأن إسناد الرفع إلی الحکم إسناد إلی ما هو له ، واسناده الی الموضوع إسناد إلی غیر ما هو له ، والجامع بین الاسنادین غیر معقول.

والجواب : أن الحاجة إلی الاسناد الجامع بین الاسنادین إنما تثبت إذا کان اتصاف الاسناد الواحد - بکونه إلی ما هو له ، وإلی غیر ما هو له - من باب اتصاف الواحد بوصفین متقابلین ، وهو محال ، فلا بد من تعقل إسناد جامع ، وهو أیضا محال ، لعدم خروج الطرف عن کونه ما هو له ، أو غیر ما هو له ، وإلا فلا إسناد.

مع أن اتصاف الاسناد الواحد بوصفین متقابلین - إذا کانا اعتباریین - معقول ، لتعقل اعتبارین فی واحد ، بلحاظ کل منهما له اعتبار مغایر لاعتبار آخر ، نظیر ما ذکرنا (2) فی باب استعمال اللفظ فی معنییه : الحقیقی والمجازی ، فی

ص: 49


1- 1. التعلیقة علی فرائد الاصول / 114 و 115.
2- 2. نهایة الدرایة / 1. التعلیقة 96.

دفع شبهة استلزام اجتماع المتقابلین ، ولو کان الاستعمال فی أکثر من معنی ممکنا.

وحاصل الدفع : أن اللفظ من حیث استعماله فیما وضع له موصوف بالحقیقة ، ومن حیث استعماله فی غیر ما وضع له موصوف بالمجازیة ، فهناک وصفان بلحاظ حیثیتین واقعیتین.

فکذلک هنا نقول : إن الشیء بشیئیته لا مرفوع ، ولا غیر مرفوع ، بل بلحاظ انطباقه علی الحکم والموضوع.

فهذا الاسناد الواحد إلی الشیء من حیث انطباقه علی الحکم إسناد إلی ما هو له ، ومن حیث انطباقه علی الموضوع إسناد الی غیر ما هو له ، فلهذا الإسناد الجدی وصفان اعتباریان بلحاظ حیثیتین حقیقیتین ، وهی حیثیة الانطباق علی الحکم ، وحیثیة الانطباق علی الموضوع.

ثم اعلم أنه لا بد من هذا التصحیح لمن یرید شمول الخبر للشبهة الحکمیة لا بلحاظ التفکیک بین السیاق ، إذا حمل الموصول فی ( ما لا یعلمون ) علی الحکم ، وفی غیره علی الموضوع.

بل لأن صدر الخبر نسب فیه الرفع إلی التسعة بقوله علیه السلام : ( رفع عن أمتی تسعة أشیاء ) ، فان هذا الاسناد الواحد الذی طرفه التسعة بالاضافة إلی بعضها إسناد إلی ما هو له ، وبالاضافة إلی بعضها الآخر إسناد إلی غیر ما هو له ، ولیس کالاسناد إلی الموصول المتعدد ، لیکون الاسناد الکلامی متعددا حقیقة.

ولکن لا یخفی علیک أن اتصاف الاسناد الواحد بوصفین ، وإن کان معقولا ، إلا أن مخالفته للظاهر - لعدم تمحضه فی الاسناد إلی ما هو له - باقیة علی حالها ، وسیأتی (1) إن شاء الله دفعها.

ص: 50


1- 1. فی الوجه الذی یذکره بقوله : ومنها ارادة الموضوع الخ.

ومنها - إرادة الموضوع من الموصول فی ( ما لا یعلمون ) کما فی سائر الفقرات ، إلاّ أن الموضوع لیس هو المائع المردّد خارجا ، إذ متعلق الحکم وموضوعه ما یتقوم به الحکم فی أفق الاعتبار ، لا الشیء الخارجی کما بیناه (1) فی اجتماع الأمر والنهی ، بل الموضوع الکلی المقوم للحکم ، وجعل الموضوع بهذا المعنی بعین جعل الحکم ، فان البعث المطلق لا یوجد بنحو وجوده الاعتباری ، إلا متعلقا بمتعلقه ، وموضوعه.

فالموضوع الکلی المقوم للحکم موجود بعین الوجود الاعتباری المحقق للحکم.

ووساطة الحکم لعروض الوجود للموضوع وساطة دقیقة برهانیة کوساطة الوجود لموجودیة الماهیة مع أن صدق الموجود علی الماهیة المتحدة مع الوجود عرفا مما لا شک فیه بلا عنایة ولا مسامحة.

ومنه یظهر أن رفع الموضوع الکلی تشریعا مساوق لرفع الحکم ، کما أن وضعه بعین وضعه.

فالاسناد إلی الجمیع إسناد إلی ما هو له عرفا مع انحفاظ وحدة السیاق فی الجمیع.

وعلیه ، فرفع الموضوع الکلی فی ( ما لا یعلمون ) أعم من رفع الموضوع المجهول نفسا ، ومن المجهول تطبیقا ، فشرب التتن المجهول کونه موضوعا مرفوع ، وشرب الخمر المجهول کونه موضوعا تطبیقا أیضا مرفوع.

13 - قوله (قدّس سره) : بعد وضوح أن المقدّر فی غیر واحد غیرها (2) ... الخ.

ص: 51


1- 1. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 62.
2- 2. کفایة الاصول / 340.

ما یتعین أن یکون المقدّر فیه غیر المؤاخذة لیس إلا الثلاثة الأخیرة ، وهی الحسد ، والطیرة ، والوسوسة ، فانها غیر محرمة ، لا أنها محرمة معفو عنها.

إلا أن عدم حرمتها لا یوجب عدم تقدیر المؤاخذة فیها. بل یقدر المؤاخذة فی الکل بجامع عدم التکلیف المصحح للمؤاخذة ، مع وجود المقتضی لما یصحح المؤاخذة حتی یصح نسبة الرفع ، ولو بمعنی الدفع إلی الکل ، ویصح اختصاص رفعها بهذه الأمة دون سائر الأمم ، وإن امتاز بعض التسعة عن بعضها الآخر بثبوت التکلیف الواقعی ، وعدمه.

ثم إن ظاهر شیخنا العلامة الأنصاری (قدّس سره) (1) فی المقام أن تقدیر المؤاخذة یوجب إرادة الفعل من الموصول حتی فی ( ما لا یعلمون ). إذ لا مؤاخذة علی التکلیف ، بل علی الفعل أو الترک.

بخلاف تقدیر الآثار ؛ فانه لا یأبی عن إرادة التکلیف من ( ما لا یعلمون ) حتی مع شمول الآثار للمؤاخذة.

وتوجیهه : أن عنوان المؤاخذة لا تضاف إلی التکلیف ، فتقدیرها بعنوانها یأبی عن إرادة التکلیف من الموصول ، بخلاف عنوان الآثار ، فانها بمعنی مقتضیات الموضوع والحکم ، والمؤاخذة من مقتضیات التکلیف ، وان لم تکن علی التکلیف.

وحینئذ فارادة خصوص المؤاخذة فی الجمیع مع إرادة التکلیف من ( ما لا یعلمون ) معقولة ، لکنه لا بعنوانها ، بل بعنوان مقتضی التکلیف ، کما هو واضح.

ثم إن لزوم التقدیر - إما لخصوص المؤاخذة لتیقنها ، أو لمطلق الآثار لکونه أقرب إلی نفی الحقیقة ، أو الأثر الظاهر فی کل مورد بحسبه ، لکونه المتیقن فی مقام التخاطب - ، إنما یتوجه بناء علی عدم توجه الرفع الی نفس

ص: 52


1- 1. فرائد الاصول المحشی 2 / 10.

التکلیف.

وأما إذا أرید من ( ما لا یعلمون ) نفس التکلیف ، فمقتضی عموم الموصول ارتفاع کل تکلیف مجهول.

نعم لزوم التقدیر إنما یکون فی غیر ( ما لا یعلمون ) مما یتعین فیه ارادة الفعل من الموصول.

14 - قوله (قدس سره) : کما استشهد الامام علیه السلام بمثل هذا الخبر (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن ظاهر السؤال والجواب عن لزوم الحلف علی المذکورات ، لا عن الأحکام التکلیفیة المترتبة علی الطلاق ، والعتق ، والصدقة ، أو المؤاخذة.

فما عن غیر واحد ، منهم شیخنا الاستاذ ( قده ) فی تعلیقته (2) من أن إرادة رفع المؤاخذة معقولة ، غایة الأمر أن المؤاخذة : تارة علی ذات الفعل. وأخری علی مخالفة التکلیف المنبعث عن الوضع.

فلا دلالة له علی رفع الوضع فیما لا یترتب علیه حکم تکلیفی مصحح للمؤاخذة.

أجنبی عن مورد الروایة سؤالا وجوابا.

ثم إن الحلف علی المذکورات وإن کان باطلا حتی مع الاختیار أیضا ، إلا أن استدلال الامام علیه السلام فی مقام الالزام لا یصح إلا مع دلالة رفع الاکراه علی رفع أثره الوضعی.

نعم إذا احتمل أنه من باب الالزام بما یراه المخالف ظاهرا فی رفع الوضع

ص: 53


1- 1. کفایة الاصول / 340 - 341.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الاصول / 116.

وإن لم یکن کذلک لصح الالزام بما تسالم علیه الخصم.

وحیث إنه علیه السلام فی مقام الالزام والافحام علی الخصم ، لا فی مقام بیان الحکم الحقیقی من قبل الاکراه ، لم یکن الاحتمال المزبور بعیدا. وله نظائر فی کلماتهم علیهم السلام.

15 - قوله (قدس سره) : أن المرفوع فی ما اضطروا الیه وغیره (1) ... الخ.

توضیحه أنه قد أورد علی ( حدیث الرفع ) کما فی الرسائل (2) بأنه موهون إذا أرید منه رفع جمیع الآثار للزوم التخصیص الکثیر فیه ، لأن آثار الخطأ والنسیان غیر مرتفعة.

وأجاب عنه الشیخ الاعظم (3) (قدس سره) بأن الخبر لا یرفع آثار الخطأ والنسیان بما هما.

بل الآثار المترتبة علی ذات الفعل لا بشرط العمد والخطأ مرفوعة بالخبر إذا صدر عن الخطأ قائلا : بأنه لا یعقل رفع الآثار الشرعیة المترتبة علی الخطأ والسهو من حیث هذین العنوانین.

ولعله بملاحظة أن رفع ما فرض ثبوته فی هذه الشریعة تناقض ، فان معناه حینئذ أن الآثار الثابتة لهذه العناوین فی هذه الشریعة غیر ثابتة فی هذه الشریعة ، وهو تناقض واضح.

مع أن الرفع إذا کان بمعناه الحقیقی کانت هذه المناقضة ثابتة فیما إذا

ص: 54


1- 1. کفایة الاصول / 341.
2- 2. فرائد الاصول المحشی 2 : 11.
3- (3) قال قده : فاعلم أنه إذا بنینا علی عموم رفع الآثار فلیس المراد بها الآثار المترتبة علی هذه العنوانات من حیث هی إذ لا یعقل رفع الآثار الشرعیة المترتبة علی الخطأ والسهو من حیث الخ

رفعت آثار الفعل لذاته فی حال الخطأ ، فان الرفع الحقیقی یقتضی ثبوتها فی هذه الشریعة للفعل فی حال الخطأ ، فرفعها فی حال الخطأ مناقضة ، ورفع الآثار الثابتة فی الشرائع السابقة صحیح فی کلا المقامین.

وأما إذا أرید الرفع بمعنی الدفع ، فمعقول فی کلا المقامین ، فکما یکفی ثبوت المقتضی للاثر حتی فی حال الخطأ ، کذلک یکتفی بثبوت المقتضی له فی نفس الخطأ ، فلا یکون رفعه بما هو أقوی اقتضاء منه مناقضة.

نعم یکون معارضا للأدلة المتکفلة لآثار الخطأ والنسیان بما هما ، وهذا غیر عدم المعقولیة.

وبالجملة : الاشکال فی الخبر من حیث إن ظاهر أخذ عنوان فی الموضوع کونه عنوانا ، ومقتضیا له حقیقة ، فمعنی رفع حکم الخطأ رفع حکمه بما هو خطأ ، لا رفع حکم ذات ما أخطأ عنه.

فیکون معارضا للدلیل المتکفل لحکم الخطأ بما هو ، فیلزم التخصیص الکثیر فی الحدیث إذا کان المراد منه رفع مطلق الآثار.

ویمکن الجواب عنه بوجهین :

أحدهما : أن ورود الخبر مورد الامتنان یقتضی أن الجهات الموجبة للمنة - برفع الأحکام والآثار - هی هذه العناوین المأخوذة فی الخبر من الجهل والخطأ والنسیان والاکراه والاضطرار.

فاذا کانت هذه الجهات مقتضیة لرفع تلک الأحکام ، فلا محالة لیست بما هی مقتضیة لثبوتها ، إذ لا یعقل أن یکون العنوان الواحد مقتضیا لطرفی النقیض ، فموضوعات تلک الأحکام المستدعیة لها ذات المجهول وذات ما أکره علیه وهکذا.

وعلیه ، فلا یکون الخبر رافعا لآثار الخطأ والنسیان بما هما حتی ، یلزم ورود التخصیص الکثیر علیه.

ص: 55

ثانیهما : أن هذه العناوین الظاهرة فی العنوانیة علی حد سائر العناوین المأخوذة فی موضوعات القضایا ، إلا أنها موضوعات لنفی الحکم لا للحکم المنفی.

فقوله رفع الاکراه ینحل إلی قضیة موضوعها الفعل المکره علیه بما هو کذلک ، ومحمولها نفی الحکم عنه بما هو کذلک ، ومفاده لا یحرم الفعل المکره علیه.

وحیث إن العنوان موضوع لنفی الحکم ، فلا محالة موضوع الحکم المنفی غیره ، لاستحالة اقتضاء الشیء للمتنافیین.

فالتحفظ علی ظاهر القضیة ، وظهور العنوان فی العنوانیة بضمیمة البرهان ، یدل علی أن موضوع نفی الحکم شیء ، وموضوع الحکم المنفی شیء آخر ، ولو لم یکن الخبر واردا مورد الامتنان.

ولا معنی لجعل حکم الخطأ موضوعا ، وجعل رفعه محمولا ، حتی یکون مفاد القضیة ان حکم الخطأ مرفوع ، فان المحمول لکل موضوع باقتضاء موضوعه بنحو من الاقتضاء. ویستحیل اقتضاء الشیء لعدم نفسه ، فلا محالة الخطأ موضوع مقتض لرفع الحکم عن نفسه.

والتحقیق : أن الأمر وإن کان کذلک فی العنوان المقتضی لثبوت الحکم أو المقتضی لنفیه.

لکنه حیث إن رفع المذکورات فی الخبر بعنوان رفع الحکم برفع موضوعه. فلا بد أن یکون الموضوع المرفوع موضوع الحکم المرفوع ، لا موضوع رفع الحکم.

وإلا فلو کان الموضوع موضوع رفع الحکم لکان رفعه مفیدا لضد المقصود ، إذ رفع موضوع الرفع یقتضی رفع الرفع وثبوت الحکم ، لا نفیه.

وحینئذ ، فیتوجه الاشکال المتقدم من ظهور الخبر فی رفع حکم الخطأ بما هو خطأ ، لا حکم ذات ما أخطأ عنه.

ص: 56

وما ذکر من البرهان إنما یتم فی ما إذا کان نفی الحکم باقتضاء الموضوع المجعول فی القضیة النافیة موضوعا.

وأما إذا کان عدم الحکم بعدم موضوعه من باب عدم المقتضی بعدم المقتضی ، ولو لاختلاف الأزمنة ، لإناطة اقتضائه بزمان خاص ، کما فی النسخ أحیانا ، فلا موقع للبرهان المزبور ، فلا کاشف عن أن موضوع الحکم المنفی غیره.

بل الأمر فی الثلاثة الأخیرة من التسعة ، وهی الحسد والطیرة والوسوسة کذلک ، فان موضوع الحکم المنفی لیس إلاّ نفس هذه الثلاثة.

فالأولی الاقتصار علی الجواب الأول باستظهار رافعیة هذه العناوین الطاریة من نفس ورود رفعها مورد الامتنان.

وأما الثلاثة الأخیرة ، فالمقتضی للرفع غلبة وقوعها حتی ورد أنه لا یخلو منها أحد ، فغلبة وقوعها مانعة عن تأثیر اقتضائها للحکم امتنانا علی الأمة المرحومة.

16 - قوله (قدس سره) : کیف وإیجاب الاحتیاط فیما لا یعلم (1) ... الخ.

بیانه : أن ایجاب الاحتیاط حال العلم بالتکلیف لا معنی له.

وکذا ایجاب التحفظ حال التذکر لا معنی له.

فلا محالة لا یکون ایجاب الاحتیاط إلاّ بلحاظ حال الجهل بالتکلیف.

ولا یکون ایجاب التحفظ إلاّ بلحاظ الخطأ والنسیان ، فیکون الخبر دلیلا علی رفع آثار هذه العناوین بما هی ، لا رفع آثار ذوات المعنونات.

والجواب ما مرّ (2) منا مفصلا : أن کون إیجاب الاحتیاط مثلا من

ص: 57


1- 1. کفایة الاصول / 341.
2- 2. فی التعلیقة 11 من هذا الجزء.

مقتضیات التکلیف أو من مقتضیات التکلیف المجهول ، سواء کان بنحو اقتضاء السبب لمسبّبه ، أو بنحو اقتضاء الغایة لذی الغایة ، غیر معقول.

فلیس وجوب الاحتیاط من آثار التکلیف وأحکامه ، ولا من أحکام التکلیف المجهول وآثاره.

بل من مقتضیات نفس الغرض الباعث علی التکلیف الواقعی ، فان الغرض الواقعی کما یدعو المولی إلی جعل البعث نحو ما یحصّله ، کذلک یدعوه إلی ایصاله بما یبلغه إلی مرتبة الفعلیة والتنجز ، إما بنصب الطریق ، أو بجعل الاحتیاط بأحد النحوین المتقدمین.

بل یستحیل أن یکون ایجاب التحفظ من آثار الخطأ والنسیان ، کیف وایجاب التحفظ لئلا یقع فی الخطأ والنسیان ، فکیف یکون من آثار الفعل الصادر خطأ ، أو نسیانا؟

لا یقال : مرجع کون وجوب الاحتیاط أثرا للتکلیف المجهول ، أو الحکم علی الخطأ والنسیان إلی تحریم مخالفة التکلیف المجهول بما هو. فالتکلیف المجهول لیس متعلقا للتکلیف حتی یقال باستحالته ، بل موضوع لتعلق التکلیف.

لانا نقول : مخالفة التکلیف المجهول بما هو إذا کانت ذات مفسدة مقتضیة للتحریم ، فهی خارجة عن محل الکلام ، لأنها اجنبیة عن عنوان الاحتیاط ، والتحفظ علی الواقع المجهول ، والأمر فی التکلیف المنبعث عن الغرض الواقعی ما مرّ.

وکذا إیجاب التحفظ لئلا یقع فی الخطأ والنسیان مرجعه الی حفظ الغرض الذی یفوت بالخطإ والنسیان ، لا إلی الفرار عن المفسدة التی تترتب علی الخطأ بما هو خطأ وعلی النسیان بما هو نسیان فتدبر جیّدا.

* * *

الاستدلال بحدیث الرفع علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 58

[ الاستدلال بحدیث الحجب علی البراءة فی الشبهات الحکمیة ]

17 - قوله (قدس سره) : إلاّ أنه ربما یشکل بمنع ظهوره فی وضع (1) ... الخ.

لا ریب فی ظهور الحجب فی ثبوت الحکم الموحی إلی النبی صلی الله علیه وآله أو الملهم به الوصی علیه السلام ، إذ مع قطع النظر عنه لا ثبوت إلا للمقتضی ، فلا مقتضی حینئذ حتی یکون محجوبا أو غیر محجوب.

ونسبة الحجب إلی العلم لعلها مبالغة فی حجب المعلوم ، وإلا فحیث لا یعقل ثبوت العلم وکونه محجوبا عن العالم ، فلا محالة یراد من ظهوره ثبوته ، فان الوجود عین الظهور ، ویراد من احتجابه عدمه ، لکونه فی ظلمة العدم.

وثبوت العلم والجهل المقابل له بتقابل العدم والملکة ، وإن کان لا یستدعی إلا ثبوت المعلوم والمجهول بثبوته الماهوی لا بثبوته الخارجی ، لعدم توقف العلم إلا علی المعلوم بالذات ، لا علی المعلوم بالعرض ، کما مرّ مرارا فلا دلالة حینئذ علی ثبوت التکلیف خارجا وحیا أو إلهاما.

لکنه مع ذلک لا یصدق فی شأنه أنه مما لم یوقف الله عباده علیه ولم یعلمهم به ، فانه ظاهر فی ثبوت حکم ما أوقفهم الله علیه ولم یطلعهم علیه لا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

فاتضح أن الحجب علی أی حال یستدعی ثبوت التکلیف وحیا أو الهاما وحجبه حینئذ بأحد وجهین :

الاستدلال بحدیث الحجب علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 59


1- 1. کفایة الاصول / 341.

إما بعدم أمره حججه علیهم السلام بتبلیغه وتعریفه للعباد.

أو باختفائه بعد تبلیغ الحجج وتعریفهم إیاه باخفاء الظالمین ، أو غیره من العوارض الموجبة لاختفائه.

ونسبة الحجب إلیه تعالی علی الأول ظاهرة ، حیث إن الحکم صار محجوبا من قبله تعالی بعدم أمره حججه علیهم السلام بتعریفه وتبلیغه.

وأما علی الثانی ، فلا : إما لأنه لا یصدق فی حقه أنه مما حجبه الله عن العباد ، بل عرفهم إیاه علی لسان حججه علیهم السلام ، وإن لم یصل إلی بعضهم لعارض.

وإما لأن حجبه مستند إلی الظالمین وغیرهم لا إلیه تعالی.

فان قلت : نسبة الحجب الیه تعالی بلحاظ انتهاء سلسلة الاسباب إلی رب الأرباب ، فیکون کقوله علیه السلام : کلّ ما غلب الله علیه فهو أولی بالعذر (1).

مع أن المقهوریة فی الاسباب العذریة مستندة ابتداء إلی أسباب طبیعیة من نوم أو إغماء أو جنون ونحوها ، بل لیس فی العالم شیء إلا وله سبب أو أسباب ، ومرجع الکل الی مسبب الأسباب.

قلت : قد ذکرنا فی مبحث الطلب والارادة (2) أن المسببات بما هی موجودات محدودة لا تنسب إلا إلی أسباب هی کذلک ، وبما هی موجودات بقصر النظر علی طبیعة الوجود المطلق تنسب إلی الموجود المطلق ، لأن الفاعل الذی منه الوجود منحصر فی واجب الوجود دون فاعل ما به الوجود ، فانه غیر منحصر فی شیء.

نعم ربما یکون الفعل المحدود بلحاظ تأثیره اثرا خارقا للعادة بغلیة

ص: 60


1- (1) الکافی / 3 : 412 لکن فیه : فالله أولی بالعذر
2- 2. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 152.

العنصر الربوبی فیه مما ینسب الیه تعالی : ( وَما رَمَیْتَ إِذْ رَمَیْتَ وَلکِنَّ اللهَ رَمی ) (1).

بل ربما یکون بلحاظ غلبة العنصر الربوبی علی الجهة التی تلی الماهیة لخلوصه ووقوعه قریبا ینسب الیه تعالی کما فی قوله تعالی : ( وَیَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) (2) وقوله تعالی : ( ما أَصابَکَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ) (3). کما انه اذا غلبت الجهة التی تلی الماهیة ینسب الی الشخص کما فی قوله تعالی : ( وَما أَصابَکَ مِنْ سَیِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِکَ ) (4).

مع انه بلحاظ الاطلاق والنظر الی طبیعة الوجود قال تعالی : ( قُلْ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) (5).

فالمسببات الصادرة عن الاسباب الطبیعة بلحاظ الاطلاق ینسب إلیه تعالی فهو المحیی ، والممیت ، والضار ، والنافع.

بخلاف ما اذا صدرت عن اشخاص غلبت الجهة التی تلی الماهیة فیهم ، فإنها تنفی عنه تعالی بهذا النظر کما عرفت.

وما اختفی باخفاء الظالمین من هذا القبیل ، فلذا ورد فی کلامه تعالی : ( إِنَّ الَّذِینَ یَکْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَیِّناتِ وَالْهُدی مِنْ بَعْدِ ما بَیَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِی الْکِتابِ أُولئِکَ یَلْعَنُهُمُ اللهُ ) الخ (6) فنسب الکتمان الیهم لغلبة الجهة التی تلی الماهیة.

ص: 61


1- 1. الأنفال : 17.
2- 2. التوبة : 104.
3- 3. النساء : 79.
4- 4. النساء : 79.
5- 5. النساء : 78.
6- 6. البقرة : 159.

فکذا فیما نحن فیه ، فان الحکم الذی أمر حججه علیهم السلام بتبلیغه للعباد فقد عرفه لهم وإنما حجبه غیره.

والتحقیق : أن الأمر کذلک فی عدم الاسناد إلیه تعالی لتلک النکتة إذا کان الحجب بعد البیان باخفاء الظالمین.

ولا موجب لحصره فیه ، مع کون المبحوث عنه أعم مما فقد فیه النص وما أجمل فیه النص ، وما تعارض فیه النصان ، بل لا یکاد یشک فی أن عدم بیان حکم شرب التتن وأمثاله لعدم الابتلاء به فی أزمنة الحضور. فلم یکن موقع للسؤال ، والجواب.

إلا أن یراد من إخفاء الظالمین سد باب الامامة والولایة ، وإلا لوصل الینا جمیع الأحکام.

فان قلت : ظهور الوضع المساوق للرفع فی رفع ما کان ثابتا علیهم قرینة علی أن المراد حجب ما أمر الحجة بتبلیغه ، فانه الثابت علیهم ، فالثبوت فی نفسه لا یناسب الرفع ، بل الثبوت علیهم ، ولا یکون ثابتا علیهم إلا بعد التبلیغ والتعریف.

قلت : لیس الوضع بمعنی الرفع ، بل الوضع بمعنی الجعل والاثبات :

فان تعدی بحرف الاستعلاء کان المراد منه جعل شیء علی شیء وإثباته علیه.

وإن تعدی بحرف المجاوزة کان المراد صرفه عنه إلی جانب.

فقد یکون ثابتا حقیقة ، فصرفه عنه یکون مساوقا للرفع.

وقد لا یکون ثابتا بل مقتضیه ثابت ، فیتمحض فی الصرف والجعل عنه إلی جانب ، فاذا کان مقتضی جعل الحکم مقتضیا لاثباته علی العباد ، ولکن مصلحة التسهیل أو مصلحة أخری منعت من أمره بتبلیغه وتعریفه ، فقد صرف عنهم ، وجعل عنهم الی جانب.

ص: 62

فحینئذ لا معارض لظهور الحجب المستند الیه تعالی حتی یلتزم بالحجب بالمعنی الثانی فتدبر.

وعن شیخنا الحر العاملی (رحمه الله) فی الوسائل (1) فی الجواب عن هذه الروایة أنها مختصة بالشبهة الوجوبیة مدعیا أن قوله علیه السلام : موضوع عنهم قرینة ظاهرة فی إرادة الشک فی وجوب فعل وجودی.

ولعل نظره (رحمه الله) إلی أن الواجب هو الفعل الثابت علی المکلف فیناسب رفعه ، بخلاف الحرام ، فان المکلف مزجور عنه ، لا أنه ثابت علیه. ولیس ترک الحرام واجبا شرعیا حتی یقال : بثبوته علی المکلف ، بل ترک الحرام ترک ما یستحق العقوبة علی فعله.

والجواب - ما مرّ (2) منا سابقا - أن التکلیف اللزومی - بملاحظة ثقله علی المکلف بالجهات المتقدمة - یکون علی المکلف.

ولذا کما یتعدی الوجوب بحرف الاستعلاء بالاضافة إلی المکلف ، فیقال : یجب علیه ، کذلک الحرمة تتعدی بحرف الاستعلاء ، فیقال : یحرم علیه ، کما تشهد له الاستعمالات القرآنیة ، حتی فی المحرمات التکوینیة کما فی قوله تعالی : ( وَحَرَّمْنا عَلَیْهِ الْمَراضِعَ ) (3) وقوله تعالی : ( إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَی الْکافِرِینَ ) (4) الی غیر ذلک.

الاستدلال بحدیث الحجب علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 63


1- 1. وسائل الشیعة 27 : 163 / 33. 5 : 6 / 6.
2- 2. فی التعلیقة 7.
3- 3. القصص : 12.
4- 4. الاعراف : 50.

[ الاستدلال بحدیث : « کل شیء لک حلال » علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة ]

18 - قوله (قدّس سره) : ومنها قوله علیه السلام : کل شیء لک حلال حتی تعرف (1) ... الخ.

وما ورد بهذا المضمون روایات :

منها : ما رواه شیخ الطائفة عن عبد الله بن سنان قال : قال أبو عبد الله علیه السلام ( کل شیء یکون فیه حرام وحلال ، فهو لک حلال أبدا حتی تعرف الحرام منه بعینه فتدعه ) (2).

ومنها : ما رواه فی الکافی عن عبد الله بن سلیمان عن أبی جعفر علیه السلام بعد السؤال عن الجبن ، فقال ( سأخبرک عن الجبن وغیره ، کل ما کان فیه حلال وحرام فهو لک حلال حتی تعرف الحرام بعینه فتدعه ) (3).

ومنها : ما رواه البرقی بسنده عن معاویة بن عمار عن رجل من أصحابنا قال : کنت عند أبی جعفر فسأله رجل عن الجبن فقال أبو جعفر علیه السلام ( إنه لطعام یعجبنی وسأخبرک عن الجبن وغیره ، کل شیء فیه الحلال والحرام ، فهو لک حلال حتی تعرف الحرام فتدعه بعینه ) (4).

ومنها : ما رواه فی الکافی بسنده عن مسعدة بن صدقة عن أبی عبد الله علیه السلام ، قال : سمعته علیه السلام ، یقول علیه السلام ( کل شیء هو لک

الاستدلال بقوله علیه السلام کل شیء لک حلال علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة 64

ص: 64


1- 1. کفایة الاصول / 341.
2- 2. تهذیب الأحکام 9 / 79.
3- 3. الکافی 6 / 339.
4- 4. المحاسن 2 / 496 - 497.

حلال حتی تعلم أنه حرام بعینه فتدعه من قبل نفسک ، وذلک مثل الثوب یکون قد اشتریته وهو سرقة ، أو المملوک عندک ولعله حرّ قد باع نفسه أو خدع فبیع أو قهر أو امرأة تحتک وهی اختک أو رضیعتک ، والأشیاء کلها علی هذا حتی یستبین لک غیر ذلک أو تقوم به البینة ) (1).

هذا جمیع ما وقفنا علیه فی جوامع الأخبار.

وما ورد فی مورد الجبن ونحوه ، مع أنه کلیّة فی مورد الشبهة الموضوعیة ، فیه التقیید بوجود الحلال والحرام فیه.

وفیه المحاذیر المانعة عن الاستدلال ، فلا یجدی الخبر الأول المطلق أیضا.

وما لیس فیه هذا التقیید منحصر فی خبر مسعدة بن صدقة ، وظهورها - صدرا وذیلا - فی الشبهة الموضوعیة فی غایة الوضوح.

ولیس من باب تخصیص الکلیّة بالمورد ، بل الإمام علیه السلام طبّقها علی الشبهة الموضوعیة ، بقوله علیه السلام : وذلک مثل ... الخ.

ثم أکدها أخیرا بما یختص بالشبهة الموضوعیة ، بقوله علیه السلام : أو تقوم به البینة.

وما یظهر (2) من شیخنا الاستاذ (قدس سره) هنا تبعا

ص: 65


1- 1. الکافی 5 / 313 - 314.
2- 2. یعنی فی متن الکفایة حیث استدل علی البراءة فی الشبهة الحکمیة بقوله علیه السلام کل شیء لک حلال حتی تعرف أنه حرام بعینه ومن المعلوم أن الاحتجاج بها انما یصح اذا کانت غیر روایة مسعدة وإلاّ لم یکن وجه للاستدلال لاختصاصها بالشبهة الموضوعیة کما هو صریح تطبیقه علیه السلام لها علی الأمثلة.

للشیخ الأعظم (قدس سره) فی الرسائل (1) من ورود خبر آخر بهذا المضمون من دون تطبیق علی الشبهة الموضوعیة ، کما فی طی کلماته فی المقام ، وفی صریح کلامه فی أول (2) الشبهة الموضوعیة التحریمیة لا أثر منه فی جوامع الأخبار والآثار.

ویشهد لما ذکرنا أنه لو کان مثل هذه الکلیة المطلقة لم یتکلف القوم بالاستدلال بقوله علیه السلام ( کل شیء فیه حلال وحرام ... ) الخ مع ما فیه من المحذور ، والله العالم.

====

3. فرائد الأصول المحشی 2 / 41.

ص: 66


1- متوقفة علی استقلال الروایة وکونها غیر روایة مسعدة وإلاّ لما کان له وجه هذا ما ذکره فی اول. البراءة وأما ما ذکره فی الشبهة التحریمیة الموضوعیة فهو انه ( قده ) قال فی دوران الحکم بین الحرمة وغیر الوجوب مع کون الشک فی الواقعة الجزئیة لأجل الاشتباه فی بعض الأمور الخارجیة - والظاهر عدم الخلاف فی ان مقتضی الأصل فیه الاباحة للاخبار الکثیرة فی ذلک مثل قوله علیه السلام کل شیء لک حلال حتی تعلم أنه حرام وکل شیء فیه حلال وحرام فهو لک حلال واستدل العلامة فی التذکرة علی ذلک بروایة مسعدة بن صدقة ثم ذکر الروایة بتمامها فانه ( قده ) کما تری جعل روایة مسعدة غیر الروایة الثانیة صریحا فلذا نسب الاستدلال بها الی العلامة ( قده ) واورد علیه بعد ذکرها.
2- 2. فرائد الأصول المحشی 2 / 16.

19 - قوله (قدّس سره) : فهو حلال تأمل (1) ... الخ.

وجهه : أن کل حکم إیجابی أو تحریمی لا ینحل إلی حکمین إیجابی وتحریمی فعلا وترکا.

بل ترک الواجب حیث إنه ترک الواجب یستحق علیه العقاب ، لا أنه حرام ، وکذلک فی طرف الحرام.

الاستدلال بقوله علیه السلام کل شیء لک حلال علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة

ص: 67


1- 1. کفایة الأصول / 342.

[ الاستدلال بحدیث السعة علی البراءة فی الشبهات الحکمیة ]

20 - قوله (قدّس سره) : فانه یقال لم یعلم الوجوب أو الحرمة (1) ... الخ.

بیانه أن إیجاب الاحتیاط : إن کان نفسیا - بأن کان فعل محتمل الوجوب - بما هو محتمل الوجوب - واجبا حقیقة ، لمصلحة فیه بهذا العنوان ، أو کان فعل محتمل الحرمة - بما هو - حراما حقیقة ، لمفسدة فیه بهذا العنوان - فالتکلیف الواقعی ، وإن کان مما لم یعلم ، إلا أن التکلیف الفعلی بعنوان آخر معلوم ، فاذا علم - ولو بعنوان من العناوین الطاریة - خرج عن کونه من ( ما لا یعلمون ) فیکون دلیل الاحتیاط الموجب للعلم بالتکلیف بعنوان آخر رافعا لموضوع دلیل البراءة حقیقة.

وإن کان إیجاب الاحتیاط طریقیا ، أی إنشاء بداعی تنجیز الواقع باحتماله ، فالواقع علی حاله مما لم یعلم ، وکما أن دلیل الاحتیاط منجّز للواقع المحتمل ، کذلک دلیل البراءة معذّر عن الواقع المحتمل ، فیتعارضان.

ویمکن أن یقال : أمّا إن کان الاحتیاط واجبا نفسیا ، فوروده مبنیّ علی ظهور ( ما لا یعلمون ) فی دلیل البراءة فی الأعم علی ما تقدم.

مع أن ظاهره أنهم فی سعة من التکلیف الذی لا یعلمونه ، لا فی سعة مما لا یعلمونه ولا یعلمون حکم ما لا یعلمونه.

وبالجملة : فرق بین التعمیم من حیث العناوین الذاتیة والعرضیة ، وبین

الاستدلال بحدیث السعة علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 68


1- 1. کفایة الأصول / 342.

العناوین المترتبة علی التکلیف بالعناوین الأولیة ، فان ظاهر الخبر تعیین وظیفة من لا یعلم تکلیفه ، لا تعیین وظیفة من لا یعلم تکلیفه ولا یعلم وظیفة عدم علمه بتکلیفه.

مضافا إلی أن دلیل الاحتیاط إذا کان عاما کان دلیل البراءة لغوا ، فان مثل هذا الدلیل ظاهر فی الشبهة الحکمیة ، ومع قیام الدلیل علی الاحتیاط فی کل محتمل التکلیف لا مجال للتوسعة حینئذ.

نعم اذا قلنا باختصاصه بالشبهة التحریمیة کان مورد التوسعة هی الشبهة الوجوبیة.

مع أن معنی الخبر إذا کان التوسعة ما دام لا یعلمون ، فظاهره کون المورد مما یقبل تبدل جهله بالعلم ، وهذا إنما یکون فی التکالیف الواقعیة التی یمکن قیام الطریق علیها بعد الجهل بها ، بخلاف التکلیف الظاهری اللزومی ، فان دلیل الاحتیاط متحقق من الأول. فلا مجال لأن یقال : هم فی سعة ما دام لا یعلمون ، فتدبر.

ویندفع الإیراد علی التعمیم بأن غرضه (قدّس سره) من الوجوب النفسی هو الوجوب المنبعث عن مصلحة أخری ما وراء مصلحة الواقع ، ومثله لیس وظیفة عملیة للجاهل بحکمه حتی لا یعمه ( ما لا یعلمون ) بل هو کالحکم الواقعی ، غایة الأمر أن عنوانه عرضی للعنوان الواقعی.

نعم وجوب الاحتیاط نفسیا بالمعنی الذی بیناه سابقا (1) المساوق للأمر الطریقی وظیفة عملیة للجاهل بالواقع ، فیرد علیه ما أوردناه ، لکنه غیر مراد له قدّس سره.

وأما إن کان الاحتیاط واجبا طریقیا ، فیمکن أن یقال : بورود دلیل ،

ص: 69


1- 1. فی التعلیقة 11.

الاحتیاط أیضا بناء علی إرادة مطلق الحجة القاطعة للعذر من العلم.

فمفاد دلیل البراءة حینئذ هی التوسعة فیما لم تقم حجة علی الواقع.

وبعد أن کان احتمال التکلیف منجزا بدلیل الاحتیاط کان کما إذا وردت أمارة ، وقلنا : بأن معنی حجیتها منجزیتها للواقع ، فکما لا شبهة فی ورودها علی دلیل البراءة ، کذلک ینبغی أن لا یرتاب فی ورود دلیله علی دلیل البراءة.

فان قلت : کما أن دلیل البراءة موضوعه ( ما لم یعلم ) بمعنی عدم الحجة المنجزة للواقع ، کذلک موضوع دلیل الاحتیاط المشتبه بمعنی ما لم تقم حجة معذرة عن الواقع ، فیتعارضان ، لأن أحدهما یوجب المنجزیة ، والآخر یوجب المعذریة ، ولا وجه للتوسعة فی الاول دون الثانی.

قلت : حیث إن إیجاب الاحتیاط بعنوان التحفظ علی الغرض الواقعی المنبعث عنه التکلیف الواقعی ، إما بایصاله عرضا بایصال الحکم المماثل ، أو بایصاله بأثره بجعل الواقع منجزا به ، فلا محالة لیس موضوعه إلا احتمال التکلیف اللزومیّ المنبعث عن الغرض الواقعی ، لا احتمال عدمه ، ولا عدم قیام المعذر عنه.

بخلاف دلیل البراءة ، فانه فی مقام التوسعة مما لم یتنجز بمنجز واقعی أو جعلیّ ، فموضوعه ما لم یقم علیه منجز

والکلام فی ورود دلیل الاحتیاط بلحاظ لسان دلیله ، وعنوان موضوعه ، وإلا فتعارض المنجّز والمعذّر بدیهی.

لا یقال : إذا لم یکن دلیل الاحتیاط کما ذکر من حیث عموم موضوعه لعدم المعذّر لم یکن وجه لتقدیم الأمارة النافیة علیه ، بناء علی کون الأمارة منجزة أو معذّرة

لأنا نقول : حیث إنّ لسان الأمارة النافیة عدم التکلیف ، فالمعذوریّة من حیث إنّ لسانها نفی التکلیف ، فلا مجال لما یکون لسانه منجزیة احتمال ثبوت

ص: 70

التکلیف ، ولأجل هذه الخصوصیة یکون دلیل الأمارة واردا أیضا إذا کانت مثبتة منجّزة للتکلیف ، فان لسانها ثبوت التکلیف ، فلا مجال لما یکون لسانه منجّزیة احتمال ثبوته ، فتدبّر.

وسیجیء إن شاء الله تعالی تتمة الکلام عند التعرّض للجمع بین أخبار الاحتیاط والبراءة (1)

الاستدلال بحدیث السعة علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 71


1- 1. فی التعلیقة 34.

[ الاستدلال بحدیث کل شیء مطلق ... علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة أو الأعم منها ومن الوجوبیة ]

21 - قوله (قدّس سره) : ودلالته تتوقف علی عدم صدق الورود (1) ... الخ.

تحقیق المقام : ان المراد بقوله علیه السلام حتی یرد فیه نهی : تارة : هو الورود فی نفسه المساوق للصدور واقعا.

وأخری : هو الورود علی المکلف المساوق للوصول إلیه.

والنافع فی المقام هی إباحة ما لم تصل حرمته إلی المکلف ، لا إباحة ما لم یصدر فیه نهی واقعا ، فانه دلیل إباحة الاشیاء قبل الشرع ، لا الاباحة فیما لم یصل ، وإن صدر فیه نهی واقعا.

توضیحه أن الاباحة علی قسمین :

إحداهما : بمعنی اللاحرج من قبل المولی فی قبال الحظر العقلی ، لکونه عبدا مملوکا ینبغی أن یکون وروده وصدوره عن رأی مالکه.

ثانیتهما : الاباحة الشرعیة فی قبال الحرمة الشرعیة الناشئة عن المفسدة الباعثة للمولی علی زجره عما فیه المفسدة.

وهی تارة : إباحة واقعیة ثابتة لذات الموضوع ، ناشئة عن لا اقتضائیّة الموضوع لخلوّه عن المصلحة والمفسدة.

واخری : إباحة ظاهریّة ثابتة للموضوع بما هو محتمل الحرمة والحلیة

الاستدلال بقوله علیه السلام کل شیء مطلق علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة أو فی الاعم منها ومن الوجوبیة

ص: 72


1- 1. کفایة الأصول / 342.

ناشئة عما یقتضی التسهیل علی المکلف بجعله مرخصا فیه.

والاباحة القابلة لان یغیّا بعدم صدور النهی واقعا هی الاباحة بمعنی اللاّحرج ، لا الاباحة الشرعیة سواء کانت واقعیّة أو ظاهریّة.

أما الاباحة الواقعیة ، فالمفروض أنها ناشئة عن لا اقتضائیة الموضوع فلا یعقل ورود حرمة فی موضوعها للزوم الخلف من فرض اقتضائیة الموضوع المفروض أنّه لا اقتضاء.

لا یقال : لا اقتضائیته من حیث ذاته لا تنافی عروض عنوان علیه یقتضی الحرمة.

لانا نقول : نعم إلا أن الذی یرد فیه نهی ذلک العنوان الذی له اقتضاء الحرمة ، لا أن النهی یرد فی مورد الاباحة.

وفرق بین ورود نهی فی مورد الاباحة کما هو ظاهر الخبر ، وبین انطباق عنوان ورد فیه النهی علی مورد الاباحة ، فالماء مثلا مباح والغصب حرام ، وانطباق عنوان الغصب علی الماء لا یقتضی صدق ورود النهی فی الماء المغصوب ، بل من انطباق العنوان الوارد فیه النهی علی مورد الاباحة.

هذا إذا أرید ما هو ظاهر الخبر من کون الاباحة مغیّاة بورود النهی فی موردها.

وأمّا إذا أرید بورود النهی تحدید الموضوع وتقییده ، - بأن یکون المراد أن ما لم یرد فیه نهی مباح ، وأن ما ورد فیه نهی لیس بمباح ، - فهو : إن کان بنحو المعرفیة فلا محالة یکون حمل الخبر علیه حملا علی ما هو کالبدیهی الذی لا یناسب شأن الامام علیه السلام.

وإن کان بمعنی تقیید موضوع أحد الضدین بعدم الضد حدوثا أو بقاء ، فهو غیر معقول : لأن عدم الضد لیس شرطا لوجود ضده ، لا حدوثا ولا بقاء ، ولا معنی لتقیید موضوع الاباحة بعدم ورود النهی حقیقة إلا شرطیته.

ص: 73

وأمّا الاباحة الظاهریة ، فجعلها مغیّاة أو محدّدة ومقیّدة بعدم صدور النهی فی موضوعها واقعا غیر صحیح من وجوه :

منها : أن الاباحة الظاهریة التی موضوعها المشکوک لا یعقل أن تکون مغیّاة إلاّ بالعلم ، ولا محدّدة إلاّ بعدمه ، لا بأمر واقعی یجامع الشّک ، وإلاّ لزم تخلف الحکم عن موضوعه التامّ ، فإنه مع فرض کون الموضوع وهو المشکوک موجودا یرتفع حکمه بصدور النهی المجامع مع الشک واقعا.

فلا یعقل أن تتقید إلا بورود النهی علی المکلف ، لیکون مساوقا للعلم المرتفع به الشک.

ومنها : أن الاباحة حیث إنها مغیّاة بصدور النهی واقعا ، أو محدّدة بعدم صدوره واقعا ، والغایة أو القید مشکوک الحصول ، فلا محالة یحتاج إلی أصالة عدم صدوره لفعلیة الاباحة.

وسیجیء (1) إن شاء الله تعالی أن الأصل إمّا أن یکون کافیا وإن لم یکن هذا الخبر ، أو لا یکون کافیا إن أردنا ترتیب مضمون الخبر علیه تعبدا.

فعلی الأول لا استدلال بالخبر ، وعلی الثانی لا یصح الاستدلال به.

ومنها : أن ظاهر الخبر جعل ورود النهی غایة رافعة للاباحة الظاهریة المفروضة ، ومقتضی فرض عدم الحرمة الاّ بقاء هو فرض عدم الحرمة حدوثا ، ومقتضاه عدم الشک فی الحلیة والحرمة من أول الأمر ، فما معنی جعل الاباحة الظاهریة المتقوّمة بالشک فی الحلیة والحرمة فی فرض عدم الحرمة الا بقاء.

ولیست الغایة غایة للاباحة الانشائیة حتی یقال : إنه یحتمل فی فرض فعلیة الشک صدور النهی واقعا ، بل غایة لحقیقة الاباحة الفعلیة بفعلیّة موضوعها وهو المشکوک.

ص: 74


1- 1. فی التعلیقة الآتیة.

وحیث إن المفروض صدور النهی بقاء فی مورد هذه الاباحة الفعلیة ، فلذا یرد المحذور المزبور.

فان قلت : هذا إذا کان المراد صدور النهی منه تعالی شأنه. وأمّا إذا أرید صدوره من النبی صلّی الله علیه وآله ، أو الوصی علیه السلام علی طبق ما أوحی به أو ما الهم به ، فیندفع هذا المحذور ، لتقوّم الشک باحتمال صدوره منه تعالی ، والغایة صدوره من النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام ، فیساوق روایة ما حجب الله علمه عن العباد.

فیفید أن الحرمة الواقعیة الموحی بها أو الملهم بها لا تؤاخذ لها ، إلاّ بعد صدور النهی علی طبقها من النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السّلام.

وهذا الاحتمال غیر بعید ، إذ الظاهر من الصدور التدریجی بعد جعل الاباحة الظاهریة هو الصدور من النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام فی مقام تبلیغ أحکامه تعالی تدریجا.

فیکون إعطاء لقاعدة کلیة ، حتی یقوم النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام فی مقام التبلیغ.

قلت : مضافا إلی بقاء المحذورین الأولین علی حالهما ، أن الحکم الذی لم یقم النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام بصدد تبلیغه لا أثر لمقطوعه حتی یحتاج إلی جعل الاباحة الظّاهریة فی مشکوکه.

وعدم الاثر واضح حتی من حیث وجوب الاحتیاط ، فانه لا یصال ما ثبت علی المکلف وتنجیزه علیه ، فلا یعقل فی موضوع عدم التبلیغ ، کما هو واضح.

وحیث علم من جمیع ما ذکرنا عدم إمکان إرادة الاباحة الشرعیة واقعیة کانت أو ظاهریة ، بناء علی إرادة الصدور من الورود ، فلا مناص من حمل الإباحة علی اباحة الاشیاء قبل الشرع بمعنی اللاّحرج العقلی ، فانها محدودة ومغیّاة بعدم صدور الحرمة الشرعیة ، فیکون الخبر دلیلا علی هذه الاباحة ، لا

ص: 75

الاباحة الشرعیة الظاهریة المبحوث عنها هنا.

إلاّ أن حمل الاباحة علی الاباحة المالکیة قبل الشرع التی یحکم بها عقل کل عاقل بعید غیر مناسب للامام علیه السلام المعدّ لتبلیغ الاحکام ، خصوصا بملاحظة أن الخبر مروی عن الصادق علیه السلام بعد ثبوت الشرع ، واکمال الشریعة ، خصوصا فی المسائل العامّة البلوی التی یقطع بصدور حکمها عن الشارع ، فلا فائدة فی الاباحة مع قطع النظر عن الشرع.

وعلیه ، فالمراد من الورود هو الورود علی المکلف المساوق لوصوله إلیه.

والمراد بالاطلاق هو الترخیص الشرعی الظاهری ، وعدم تقیّد المکلف ظاهرا بطرف الترک ، أو بطرف الفعل ، فیکون دلیلا علی المسألة.

والتعبیر عن الوصول بالورود تعبیر شایع لا ینسبق الی أذهان أهل العرف غیره.

بل الظاهر کما یساعده تتبع موارد الاستعمالات أن الورود لیس بمعنی الصدور أو ما یساوقه ، بل هو معنی متعد بنفسه ، فهناک بلحاظه وارد ومورود ، فیقال : ورد الماء وورد البلد ووردنی کتاب من فلان ، وإن کان بلحاظ إشراف الوارد علی المورود ربما یتعدی بحرف الاستعلاء.

نعم ربما یکون الوارد أمرا له محل فی نفسه کالحکم ، فیقال : ورد فیه نهی مثلا ، فالموضوع محل الوارد ، لا مضایف الوارد ، بل مضایفه من ورده هذا التکلیف الخاص ، ولذا لا یصح أن یقال : بالاضافة إلی الموضوع : ورده نهی ، بل ورد فیه.

بخلاف المکلف ، فانه الذی ورده التکلیف أو ورد علیه بلحاظ إشرافه علیه.

وبالجملة : نفس معنی الورود متعد بنفسه إلی المورود ، ولمکان التضایف لا یعقل الوارد إلا بلحاظ المورود ، ولیس المورود هنا إلا المکلف دون محل الوارد ، ولذا لو لم یکن الوارد محتاجا الی المحل لا یتعدی إلا بنفسه ، أو بحرف الاستعلاء

ص: 76

بلحاظ الاشراف.

فتحقق أن الورود لیس بمعنی الصدور وما یساوقه مفهوما حتی لا یحتاج فی ذاته إلی مکلّف یتعلق به ، بل بمعنی یساوق الوصول إلیه ، لتضایف الوارد والمورود ، فتدبّر جیدا.

وعن شیخنا الاستاذ (قدس سره) تقریبان آخران فی الجواب :

احدهما : ما فی تعلیقته (1) الأنیقة من أن الورود بمعنی الصدور ، والاباحة الشرعیة - قبل صدور الحرمة منه تعالی أو قبل صدورها من النبی صلّی الله علیه وآله لعدم الأمر بتبلیغها - خارجة عن مورد النزاع ، وداخلة فیما حجب الله علمه عن العباد.

وحیث إن هذه الاباحة مغیّاة بصدور النهی واقعا فلا یمکن إثباتها بالخبر فقط ، بل بضمّ أصالة عدم صدور النهی.

إلا أنه مع ذلک لا یجدی ؛ لأن التعبد بعدم الغایة لا یقتضی إلا التعبد بالمغیّا ، والمفروض أن المغیّی أجنبی عما نحن فیه. هذا ملخصه بتوضیح منی.

وثانیهما : ما فی متن الکفایة من أن الاباحة وإن کانت مجدیة إلاّ أنها مغیّاة بصدور النهی ، فلا بد من الأصل.

فبضمیمة الأصل تثبت إباحة واقعیة للشیء بعنوانه الواقعی ، کما هو ظاهر الشیء من دون قرینة صارفة إلی الشیء بما هو مجهول الحلیة والحرمة ، کما فیما إذا کان الورود بمعنی الوصول ، فانه یحدّد الموضوع ، وإباحة الشیء بعنوان أنه مجهول الحکم محل الکلام.

ثم أجاب بأن المهم دفع تبعة شرب التتن مثلا سواء کان بالحکم باباحته بما هو أو بما هو مجهول الحکم.

ص: 77


1- 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 120.

فأورد علیه بانه یجدی فی غیر صورة العلم بصدور النهی والاباحة ، وشک فی تقدّمها وتأخّرها.

حیث إن الاستدلال إنما یتم بالاصل ، ولا أصل ، أو لان الخبر بنفسه لا یعمّ مثله.

ثم أجاب بالالحاق بعدم الفصل.

فأورد علیه بأنه یتم فیما إذا کان اثبات أحد المتلازمین بالدلیل لا بالأصل.

وسیجیء إن شاء الله تعالی التعرض لما یتعلق بما أفاده (قدس سره).

22 - قوله (قدس سره) : ولکن بضمیمة أصالة العدم (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن إجراء الأصل : تارة - لمجرد نفی الحرمة ودفع تبعتها ظاهرا ، فلا مانع منه.

إلا أنه لیس من الاستدلال بالخبر ، بل الأصل عدم الحرمة ، کان هناک قوله : ( کل شیء مطلق ) ، أو لم یکن.

وأخری - للتعبد بالاباحة المغیّاة أو المقیدة بعدم صدور الحرمة ، أو لتحقیق موضوع تلک الاباحة ، فحینئذ یرتبط الأصل بالاستدلال بالخبر.

إلا أنه لا یکاد یجدی إجراء الأصل لهذا الغرض ، فان المراد بالاباحة المتعبد بها - إما لأجل التعبد بعدم تحقق غایتها ، أو التعبد بقیدها - إمّا هی الاباحة الشرعیة - واقعیة کانت أو ظاهریة - وإما الاباحة المالکیة بمعنی اللاحرج.

والتعبد بالاولی فرض معقولیتها فی نفسه. وقد عرفت (2) عدم معقولیتها واقعیة کانت أو ظاهریة ، فلا معنی للتعبد بها ، لا بلا واسطة ولا معها.

ص: 78


1- 1. کفایة الأصول / 342.
2- 2. فی التعلیقة 21.

والتعبد بالثانیة لا معنی له ؛ لان المفروض أن الاباحة قبل الشرع بمعنی اللاحرج العقلی لیست من مقولة الحکم ، وإلا لزم الخلف. ولیست موضوعا ذات حکم شرعی أیضا.

وأما کون الأصل محققا لموضوعها ، فانما یصح إذا کانت من لوازم الأعم من الواقع والظاهر ، کوجوب الاطاعة وحرمة المعصیة ، ووجوب المقدمة وحرمة الضد.

ومن الواضح أن الاباحة قبل الشرع هی اللاّحرج عقلا قبل الشرع حقیقة ، لا قبله ولو ظاهرا ، مع ثبوته واقعا.

نعم اللاّحرج قبل وصول التکلیف من لوازم الأعم من عدم وصوله واقعا أو ظاهرا.

لکنه بمعنی یساوق قبح العقاب بلا بیان ، ومثله أجنبی عن اللاحرج المغیّا بعدم صدور النهی علی الفرض.

فحمل الاباحة علی هذا المعنی خلف ؛ لأن المفروض أن الغایة صدور النهی ، لا وصوله.

مضافا إلی أنه لو ترتبت الاباحة بوجه علی الأصل لا یجدی فی هذه المسألة ، إلا إذا کانت الاباحة المترتبة علیه بمعنی الاباحة الظاهریة المترتبة علی مجهول الحکم ، بحیث لو علم لوجب امتثاله.

وأما الاباحة المالکیة ، فهی غیر شرعیة ، فلا دخل لها بالبراءة مع النظر إلی ما هو تکلیف المکلف فعلا شرعا.

کما أن الاباحة المترتبة علی الجهل بالحکم الذی ما قام النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام بصدد تبلیغه لا تجدی فی الحکم بالاباحة فی مورد الجهل بالحکم الصادر الذی لو علم به لوجب امتثاله ، کما هو المفروض فی مسألة البراءة ، ولذا قلنا : بأن روایة الحجب لا تجدی فی محل البحث.

ص: 79

23 - قوله (قدّس سره) : ولا یکاد یعم ما إذا ورد النهی عنه فی زمان (1) ... الخ.

امّا لعدم جریان الأصل فیهما فی نفسه ، لعدم إحراز اتصال زمان الشک بزمان الیقین ، أو لجریانهما وتساقطهما للمعارضة.

ولکنه لا یخفی علیک أن الاباحة الواقعیة المستفادة من قوله علیه السلام ( کل شیء مطلق ) ، إما أن تکون مغیّاة حقیقة بعدم صدور النهی واقعا ، أو محدّدة بعدم صدوره.

فان أرید الاولی بحیث کانت هناک إباحة مستمرة تزول بالنهی ، فحینئذ لا یعقل فرض الشک فی التقدم والتأخر ؛ لأن هذه الاباحة متقدمة علی النهی لفرض ثبوتها واستمرارها إلی أن یرد النهی ، والاباحة الاخری لا یعقل ورودها علی موضوع محکوم بالاباحة ، فلا محالة لو فرضت إباحة أخری غیر الاولی فهی متأخرة عن صدور النهی.

وإن أرید الثانیة بحیث کان المراد أن ما لم یصدر فیه نهی مباح ، وما صدر فیه نهی لیس بمباح ، ففرض الشک فی التقدم والتأخر معقول ؛ لاحتمال أن یکون المورد کان مما لم یصدر نهی فیه ، فکان مباحا ثم ورد فیه نهی ، أو کان المورد مما صدر فیه نهی ، فلم یکن مباحا من الاول ، ثم زال النهی وصار مباحا.

إلا أن مثل هذا الفرض لا یکون فی نفسه مشمولا للخبر ، لا أنه لا یصح الاستدلال بالخبر علیه ، لعدم جریان الأصل المتمم للاستدلال به کما هو ظاهر سیاق العبارة.

والسر فی عدم شمول الخبر - لهذا الفرض فی نفسه - أن الظاهر - بعد جعل عدم صدور النهی محددا للموضوع - أن ما لم یصدر فیه نهی مباح ، وأن ما

ص: 80


1- 1. کفایة الأصول / 343.

صدر فیه نهی لیس بمباح ، لا ما صدر فیه نهی وزال مباح ، أو ما لم یصدر فیه نهی ثم صدر لیس بمباح. والله العالم. وإن کانت العبارة غیر آبیة عن إرادة عدم شمول الخبر فی نفسه لهذا الفرض.

24 - قوله (قدّس سره) : إلا أنه إنما یجدی فیما کان المثبت للحکم بالاباحة (1) ... الخ.

توضیحه : أنه لو ثبت الملازمة بین حکمین واقعیین أو ظاهریین ، فالدلیل علی ثبوت أحد المتلازمین دلیل علی ثبوت الآخر ، کما یراه شیخنا الاستاذ (قدس سره) أو دلیل الملازمة عند وضع أحد المتلازمین دلیل علی ثبوت الآخر ، کما اخترناه (2) سابقا. وهذا فی الأحکام الواقعیة ظاهر.

وفی الأحکام الظاهریة ما تقدم (3) منه فی قوله : ( کل شیء لک حلال ) حیث إن مورده الشبهة التحریمیة ، وبعدم القول بالفصل حکم (قدس سره) بالبراءة فی الشبهة الوجوبیة ؛ نظرا إلی ثبوت الاتفاق علی اتحاد حکم الشبهة فیهما نفیا وإثباتا ، فاذا ثبتت البراءة بقوله علیه السلام : ( کل شیء لک حلال ) فی الشبهة التحریمیة ، ثبتت البراءة فی الشبهة الوجوبیة لأحد الوجهین المتقدّمین.

ص: 81


1- 1. کفایة الأصول / 343.
2- 2. قال قده فی مبحث مقدمة الواجب بل وجوب المقدمة شرعا نتیجة ثبوت الملازمة عقلا عند وجوب ذی المقدمة شرعا کما هو الحال فی کل متلازمین عقلا فان دلیل الملازمة عند وضع الملزوم دلیل علی اللازم. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 1.
3- 3. کفایة الأصول / 341.

وأما فیما نحن فیه فلا ملازمة بین جریان الاستصحاب فی مورد وجریان البراءة فی مورد آخر ، بحیث إذا جری الاستصحاب فی بعض أفراد الشبهة التحریمیة تجری البراءة فی بعض أفرادها الآخر.

بل الملازمة بین جریان البراءة فی تمام أفراد الشبهة التحریمیة ، ولا دلیل علی أحد المتلازمین من هذه الحیثیة فی بعضها کی یقال : بثبوت الآخر.

وعلیه ینبغی حمل العبارة ، لا ما یتراءی منها من الفرق بین الدلیل ، والأصل الموهم لکون المانع عدم ثبوت اللوازم بالاصل ، فانه جار فی مفاد ( کل شیء لک حلال ) أیضا.

بل ما ثبت بالأصل هنا لیس طرف الملازمة ، إذ الطرفان البراءة فی هذا والبراءة فی ذاک ، لا الاباحة التعبدیة بعنوان حرمة نقض الیقین بالشک فی طرف ، والاباحة الظاهریة بعنوان مجهول الحلیة والحرمة فی طرف آخر. فافهم وتدبر.

الاستدلال بقوله علیه السلام کل شیء مطلق علی البراءة فی الشبهات الحکمیة التحریمیة أو فی الاعم منها ومن الوجوبیة

ص: 82

[ الاستدلال بحکم العقل علی البراءة فی الشبهات الحکمیة ]

25 - قوله (قدس سره) : أما العقل فقد استقل بقبح العقوبة (1) ... الخ.

نحن وإن ذکرنا مرارا (2) أن مدار الاطاعة والعصیان علی الحکم الحقیقی ، وأن الحکم الحقیقی متقوم بنحو من أنحاء الوصول ، لعدم معقولیة تأثیر الانشاء الواقعی فی انقداح الداعی.

وحینئذ فلا تکلیف حقیقی مع عدم الوصول ، فلا مخالفة للتکلیف الحقیقی فلا عقاب ، فانه علی مخالفة التکلیف الحقیقی.

إلا أن عدم العقاب لعدم التکلیف أمر ، وعدم العقاب لعدم وصوله أمر آخر ، وما هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بیان هو الثانی دون الأول.

مضافا إلی أن قاعدة قبح العقاب بلا بیان مما اتفق علیه الکل ، وتقوّم التکلیف بالوصول مختلف فیه.

بل صریح شیخنا الاستاد (قدس سره) فی تعلیقته (3) الأنیقة انفکاک مرتبة الفعلیة البعثیة والزجریة عن مرتبة التنجز.

الاستدلال بحکم العقل علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 83


1- 1. کفایة الأصول / 343.
2- 2. قد تقدم فی مبحث حجیة القطع فی التعلیقات 8 و 41 و 42 و 43.
3- 3. التعلیقة علی فرائد الأصول / 35.

فالاولی تقریب القاعدة بوجه عام مناسب للمقام.

فنقول : فی توضیح المقام إن هذا الحکم العقلی حکم عقلی عملی بملاک التحسین والتقبیح العقلیین ، وقد بینا فی مباحث القطع (1) والظن مرارا أن مثله مأخوذ من الاحکام العقلائیة التی حقیقتها ما تطابقت علیه آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع ، وهی المسماة بالقضایا المشهورة المعدودة فی الصناعات الخمس من علم المیزان.

ومن الواضح أن حکم العقل - بقبح العقاب بلا بیان - لیس حکما عقلیا عملیا منفردا عن سائر الاحکام العقلیة العملیة ، بل هو من أفراد حکم العقل بقبح الظلم عند العقلاء ، نظرا إلی أن مخالفة ما قامت علیه الحجة خروج عن زی الرقیة ورسم العبودیة ، وهو ظلم من العبد علی مولاه ، فیستحق منه الذم والعقاب.

کما أن مخالفة ما لم تقم علیه الحجة لیست من أفراد الظلم ، إذ لیس من زی الرقیة أن لا یخالف العبد مولاه فی الواقع وفی نفس الامر ، فلیس مخالفة ما لم تقم علیه الحجة خروجا عن زی الرقیة حتی یکون ظلما.

وحینئذ فالعقوبة علیه ظلم من المولی علی عبده ؛ إذ الذم علی ما لا یذم علیه ، والعقوبة علی ما لا یوجب العقوبة عدوان محض ، وایذاء بحت بلا موجب عقلائی ، فهو ظلم ، والظلم بنوعه یؤدّی إلی فساد النوع ، واختلال النظام ، وهو قبیح من کل أحد بالاضافة إلی کل أحد ولو من المولی إلی عبده.

لکن لا یخفی أن المهم هو دفع استحقاق العقاب علی فعل محتمل الحرمة مثلا ما لم تقم علیه حجة منجزة لها.

ص: 84


1- 1. فی التعلیقات 10 و 21 و 41 من مبحث القطع وفی التعلیقة 134 و 145 من مبحث الظن نهایة الدرایة 3.

وحیث إن موضوع الاستحقاق بالأخرة هو الظلم علی المولی ، فمع عدمه لا استحقاق قطعا ، وضم قبح العقاب من المولی أجنبی عن المقدار المهم هنا ، وإن کان صحیحا فی نفسه.

26 - قوله (قدّس سره) : مع استقلاله بذلک لا احتمال لضرر العقوبة (1) ... الخ.

لأن مقتضی ما تقدم أنه لا ملازمة بین مخالفة التکلیف الواقعی واستحقاق الذم والعقاب بل الملازمة بین مخالفة التکلیف الذی قامت علیه الحجة واستحقاق الذم والعقوبة.

فاذا لم یکن تلازم بین مخالفة التکلیف الواقعی واستحقاق العقاب ، فلا یلازم احتمال التکلیف احتمال استحقاق العقوبة علی مخالفته ، إذ الملازمة بین القطعین أو الظنّین أو الاحتمالین ، للتلازم بین المقطوعین والمظنونین والمحتملین ، فبعد فرض انتفاء الملازمة بین المحتملین لا یعقل التلازم بین الاحتمالین.

ولا یخفی علیک أن حصر الملازمة - فی ما ذکرنا - لا یبتنی علی کون استحقاق العقاب بحکم العقل من باب قبح الظلم.

بل إذا کان بجعل الشارع کان الأمر کذلک ، لما مرّ فی غیر مقام أن بناء جعل العقاب شرعا علی أن قاعدة اللطف تقتضی إیصال العباد إلی مصالحهم بالبعث نحو ما فیه المصلحة ، وحفظهم عن الوقوع فی المفاسد بزجرهم عما فیه المفسدة.

وحیث إن البعث والزجر ما لم یکن علی مخالفتهما عقوبة لا یکون باعثا فعلیا ، ولا زاجرا کذلک فی نفوس العامة ، فقاعدة اللطف تقتضی جعل العقاب علی مخالفتهما.

ص: 85


1- 1. کفایة الأصول / 343.

وحیث ان جعل العقاب واقعا ما لم یصل إلی العبد لا یکون بوجوده الواقعی محقّقا للباعثیّة الفعلیة والزاجریّة الفعلیة ، فقاعدة اللطف تقتضی إیصاله تتمیما لمرحلة البعث والزجر.

فلا تکون فعلیة استحقاق العقاب المجعول شرعا الا بوصوله إلی العبد.

فلا یکون احتمال التکلیف ملازما لاحتمال فعلیة الاستحقاق شرعا.

نعم العلم بالتکلیف علم بلازمه المجعول ، وبهذا العلم یصیر الاستحقاق المجعول فعلیا مؤثرا ، کما أنه به یصیر التکلیف فعلیا قابلا للباعثیة والزاجریة فعلا.

27 - قوله (قدّس سره) : فلا یکون مجال هاهنا لقاعدة وجوب دفع الضرر (1) ... الخ.

توضیحه : أن موضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل : إن کان احتمال العقوبة لا علی تقدیر ، فاحتمال العقوبة قبل المراجعة إلی القاعدتین فی نفسه غیر ملازم لاحتمال التکلیف ، لما مرّ من (2) أن الملازمة بین الاحتمالین فرع الملازمة بین المحتملین ، والملازمة بین العقوبة ومخالفة التکلیف غیر ثابتة قبل المراجعة حتی تورث التلازم بین احتمال العقوبة واحتمال التکلیف ، فلا احتمال للعقاب ، بل للتکلیف فقط ، وبعد المراجعة إلی القواعد العقلیة ، فقاعدة قبح العقاب تنفی الملازمة بین التکلیف واستحقاق العقوبة علی مخالفته بما هو ، بل تفید أن الملازمة إنما تکون بین التکلیف الذی قامت علیه الحجة واستحقاق العقوبة. فالاستدلال بقاعدة قبح العقاب بلا بیان للجزم بعدم العقوبة ، لا للفراغ عن حکم العقاب المحتمل لا علی تقدیر ، إذ المفروض عدم احتمال العقاب لا علی

ص: 86


1- 1. کفایة الأصول / 343.
2- 2. فی التعلیقة السابقة.

تقدیر بمجرد احتمال التکلیف ، لأنه فرع إحراز الملازمة بین المحتملین.

وان کان موضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل أعم من الاحتمال علی تقدیر ولا علی تقدیر ؛ لأن ملاکه أعم کما هو واضح ، فاحتمال التکلیف ملازم لاحتمال العقوبة ، لاحتمال الملازمة واقعا بین مخالفة التکلیف واستحقاق العقوبة ، فالموضوع محرز قبل المراجعة إلی القاعدتین.

وحینئذ فتقدیم قاعدة قبح العقاب بلا بیان علی قاعدة دفع الضرر المحتمل ، لأجل أن قاعدة دفع الضرر المحتمل حکم فی فرض الاحتمال ، وقاعدة قبح العقاب بلا بیان حیث تنفی الملازمة بین مخالفة التکلیف الواقعی واستحقاق العقوبة ، فهی رافعة للاحتمال بتّا ، بحیث لا یحتمل العقوبة علی تقدیر لابطال التقدیر بقاعدة قبح العقاب ، فهی واردة علی قاعدة دفع الضرر المحتمل.

28 - قوله (قدّس سره) : کی یتوهم أنها تکون بیانا (1) ... الخ.

ظاهر العبارة صلاحیة قاعدة دفع الضرر المحتمل فی نفسها لأن تکون بیانا ، غایة الأمر أن قاعدة قبح العقاب بلا بیان حیث إنها رافعة لموضوعها فتسقط عن البیانیة ، نظرا الی ما فی تعلیقته الأنیقة (2) وعن غیره ( قده ) أیضا أن بیانیة قاعدة دفع الضرر المحتمل تستلزم الدور ، لأن بیانیّتها فرع تحقق موضوعها ، وتحقق موضوعها فرع عدم جریان قاعدة قبح العقاب بلا بیان الرافعة لموضوعها ، وعدم جریانها فرع بیانیة قاعدة دفع الضرر المحتمل فبیانیتها دوریة ، فیستحیل کونها بیانا.

إلاّ أنه یمکن إجراء الدور فی طرف قاعدة قبح العقاب بلا بیان أیضا ،

ص: 87


1- 1. کفایة الأصول / 343.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 123.

بعد فرض صلاحیة قاعدة دفع الضرر المحتمل للبیانیة فی نفسها کما هو مفروض العبارة : بتقریب أن جریان قاعدة قبح العقاب فرع موضوعها ، وهو عدم البیان ، وهو موقوف علی عدم بیانیة قاعدة دفع الضرر ، وعدم بیانیتها موقوف علی عدم موضوعها ، وعدم موضوعها موقوف علی جریان قاعدة قبح العقاب الموقوفة علی عدم بیانیة قاعدة دفع الضرر ، فعدم بیانیتها أیضا موقوفة علی عدم بیانیتها فکما أن بیانیتها دوریة ، کذلک عدمها.

فالتحقیق : أن یقال : إن قاعدة دفع الضرر فی نفسها لا تصلح للبیانیة حتی یرتفع بها موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بیان ، لأن المراد بالبیان المأخوذ عدمه فی موضوعها ما یصحح المؤاخذة علی مخالفة التکلیف ، کالعلم التفصیلی والاجمالی ، والخبر المجعول منجزا للواقع ، وأشباه ذلک ، وهذا المعنی غیر متحقق بقاعدة دفع الضرر المحتمل ، لأنّها إما حکم إرشادی من العقل بدفع العقاب المحتمل ترتبه علی التکلیف الواقعی المحتمل ، کما هو ظاهر العلماء ، أو قاعدة کلیة ظاهریة متکفلة للعقوبة علی مخالفة التکلیف المحتمل بما هی کذلک ، وإن لم یکن فی مورده تکلیف فی الواقع ، کما هو صریح شیخنا العلامة الأنصاری ( قده ) فی خصوص هذا المبحث من (1) الرسائل.

وعلی أی حال ، فهی لیست مصححة للمؤاخذة علی مخالفة التکلیف الواقعی المحتمل.

أما علی الأول ، فلأن استحقاق المؤاخذة مفروض فی موضوعها ، لا أنه ناش من حکمها.

فهذا الاستحقاق المفروض الثبوت لا بد من أن یکون بسبب مصحح للمؤاخذة غیرها ، فلذا ینحصر موردها فی صورة العلم الاجمالی بالاضافة إلی کل

ص: 88


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 20.

من الطرفین أو بالاضافة إلی الخبر المنجز للواقع علی تقدیر مصادفته واشباه ذلک.

وأما فی ما نحن فیه فحیث لم یفرض فیه وجود المصحح ، فالقاعدة غیر صالحة فی نفسها للبیانیة.

وأما علی الثانی ، فلأنها علی الفرض مصححة للمؤاخذة علی مخالفة التکلیف المحتمل بما هی مخالفة له مع قطع النظر عن الواقع ، فکیف یعقل أن تکون بیانا مصححا للمؤاخذة علی مخالفة الواقع.

وحیث إن عنوان القاعدة دفع الضرر المحتمل ، فموضوع هذا الحکم مما فرض فیه الوقوع فی العقاب علی تقدیر ثبوته ، فلا یعقل أن یکون هذا الحکم طریقیا ، لأن المنجز لا یتنجز ، فیستحیل أن یکون هذا الحکم العقلی طریقیا.

بل إذا فرض هناک حکم ، فهو حکم نفسی حقیقی یترتب علی مخالفته العقاب ، وهو أجنبی عن تنجیز الحکم الواقعی المجهول.

وحیث عرفت أنها لا تصلح أن تکون بیانا فی نفسها ، فلا یعقل أن تکون فی نفسها رافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بیان ، بل رافعة لحکمها علی تقدیر سلامة موضوع نفسها ، فتدبره فانه حقیق به.

29 - قوله (قدس سره) : کما انه مع احتماله لا حاجة الی القاعدة (1) ... الخ.

بیانه أن کون قاعدة دفع الضرر قاعدة عقلیة لا معنی لها إلا مفاد الحکم العقلی العملی ، أو بناء العقلاء عملا ، کبنائهم علی العمل بخبر الثقة وبالظاهر وأشباه ذلک.

وأما کونها حکما عقلیا عملیا ، فیحث إن العاقلة لا بعث لها ولا زجر لها ،

ص: 89


1- 1. کفایة الأصول / 343.

بل شأنها محض التعقل - کما مرّ تفصیله فی مبحث الظن وغیره (1) -.

ومنه تعرف أنه لا معنی لحکم العقل الارشادی ، فان الارشادیة فی قبال المولویة من شئون الأمر ؛ وإذ لا بعث ولا زجر فلا معنی لارشادیة الحکم العقلی.

فلا محالة لیس معنی الحکم العقلی إلا إذعان العقل بقبح الاقدام علی الضرر بملاک التحسین والتقبیح العقلائیین.

وقد مرّ (2) مرارا أن الحسن والقبح العقلیین فی أمثال المقام کون الفعل ممدوحا علیه أو مذموما علیه عند العقلاء ، ومدح الشارع ثوابه وذمه عقابه ، کما مر تفصیله سابقا.

ومن الواضح أن الاقدام علی الممدوح أو المذموم لیس موردا لمدح آخر أو ذم آخر ، والاقدام علی الثواب أو العقاب لیس موردا لثواب آخر أو عقاب آخر ، بل لا یترتب علی العدل الممدوح علیه إلا ذلک المدح ، ولا یترتب علی الظلم المذموم إلا ذلک الذم ، وکذا فی الثواب والعقاب.

فالاقدام علی مقطوع العقاب فضلا عن محتمله خارج عن مورد التحسین والتقبیح العقلیین.

مضافا إلی خروجه عنه لوجه آخر ، وهو أن ملاک البناء العقلائی علی مدح فاعل بعض الأفعال ، وذم فاعل بعضها الآخر کون الأول ذا مصلحة عامة موجبة لانحفاظ النظام وکون الثانی ذا مفسدة مخلّة بالنظام.

فلذا توافقت آراء العقلاء - الذین علی عهدتهم حفظ النظام بایجاد موجباته وإعدام موانعه - علی مدح فاعل ما ینحفظ به النظام ، وذم فاعل ما یخل به.

ص: 90


1- 1. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 6 و 145.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 145 : نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 6.

والاقدام علی العقاب إقدام علی ما لا یترتب ، إلاّ فی نشأة أخری أجنبیة عن انحفاظ النظام واختلاله.

نعم نفس الفعل المذموم المعاقب علیه ذا مفسدة نوعیة مخلة بالنظام.

وأمّا کونها داخلة فی سلک البناءات العقلائیة الغیر المربوطة بالتحسین والتقبیح العقلیین ، کالبناء علی العمل بالخبر أو بالظاهر مثلا ، ففیه أن تلک البناءات منبعثة عن حکمة نوعیة فی نظر العقلاء تدعوهم إلی العمل بالخبر الثقة أو الظاهر أو نحوهما.

ومن البیّن أن الاقدام علی العقاب المقطوع أو المحتمل لا یترتب علیه إلا ذلک الأمر المقطوع أو المحتمل ، لا أن هناک مصلحة مترتبة علی ترک الاقدام ، أو مفسدة مترتبة علی نفس الاقدام زیادة علی الامر المقطوع أو المحتمل حتی تبعث العقلاء علی البناء علی دفعه ، لیکون إمضاء الشارع لهذا البناء مقتضیا لایجاب دفعه بحیث یترتب علیه عقاب آخر علی الاقدام ، وإلا فنفس ذلک الامر المقطوع أو المحتمل غیر منوط ترتّبه ببناء العقلاء علی دفعه.

ومما ذکرنا تبین أن قاعدة دفع الضرر لیست قاعدة عقلیة ولا عقلائیة بوجه من الوجوه.

نعم کل ذی شعور بالجبلة والطبع حیث إنه یحبّ نفسه یفر عما یؤذیه ، وهذا الفرار الجبلی أیضا لیس ملاکا لمسألة الاحتیاط ، إذ الذی یحتاج إلیه القائل بالاحتیاط مجرد ترتب استحقاق العقاب ، لا التزام العقلاء بالفرار عنه مع فرض ثبوته فی الواقع ، بل مجرد الوقوع فی العقاب المترتب علی مخالفة التکلیف الواقعی کاف فی مرامه هنا. فتدبره جیّدا.

30 - قوله (قدّس سره) : وأما ضرر غیر العقوبة ، فهو وإن کان

ص: 91

محتملا (1) ... الخ.

تحقیق المقام أن الحکم العقلی المدعی فی خصوص هذا الشق لا بد من أن یکون بملاک التحسین والتقبیح العقلیین.

وإلا فمجرد الفرار عن المضرة الدنیویة المحتملة لئلا یقعوا فیها لا یقتضی إلا الوقوع فیها مع عدم الفرار.

مع ان الکلام هنا ( فی ) (2) الوقوع فی العقاب باقدامه علی الضرر المحتمل ، لیکون بیانا واردا علی قاعدة قبح العقاب بلا بیان.

فهذا الشق والشق الأول متعاکسان.

فهناک یکفی نفس احتمال العقاب سواء التزم بدفعه العقلاء أم لا.

وهنا لا یکفی التزامهم بدفعه ، بل لا بد من إثبات الذّم علیه عقلا حتی یستحق العقاب علیه شرعا.

وحینئذ نقول : إن حکم العقل بدفع المفسدة إما من حیث عنوان المفسدة ، لان المذموم عندهم لیس إلا باعتبار کونه ذا مفسدة.

وإمّا من حیث عنوان الضرر ، کما هو مفروض المقام ، وظاهر قاعدة دفع الضرر المحتمل :

أما من حیث عنوان المفسدة ، فقد بینا فی مبحث الظن (3) عند التعرض للتحسین والتقبیح العقلیین أن المصلحة والمفسدة الملحوظتین فی التحسین والتقبیح العقلیین هی المصالح العامة والمفاسد العامة ، بمعنی أن العدل حیث إنه بنوعه ینحفظ به النظام کان حسنا ، وأن الظلم حیث إنه بنوعه

ص: 92


1- 1. کفایة الأصول / 343.
2- 2. فی الأصل هنا الوقوع والصحیح ما اثبتناه.
3- 3. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 145.

یختل به النظام کان قبیحا.

فمصلحة انحفاظ النظام ومفسدة اختلاله من حیث نوعی العدل والظلم هی الموجبة للبناء علی مدح فاعل العدل وذم فاعل الظلم.

ومن الواضح أن مصالح الأحکام الشرعیة ومفاسدها لا یجب أن تکون انحفاظ النظام واختلاله ، بل مصالح خاصة ، أو مفاسد خاصة ربما تختلف من حیث الأشخاص والاحوال والأزمان.

فالصلاة مثلا وان کانت من حیث کونها تعظیما للمولی حسنة ، لأنها إحسان إلی المولی ، إلا أن وجوبها الشرعی لیس من حیث کون الاحسان إلی المولی والانقیاد له مما ینحفظ به النظام.

بل من حیث إنّها حرکات خاصة توجب استکمال نفس العبد مثلا وهکذا سائر الواجبات.

وکذا الأمر فی مفاسد المحرمات ، فانها لا توجب بنوعها اختلال النظام.

وقد بینا فی مسألة الملازمة بین حکمی العقل والشرع فی البحث عن حجیة الظن من باب الحکومة أو الکشف تفصیل ذلک ، ومعنی الملازمة ، فراجع (1).

وأما من حیث عنوان الضرر - نظرا إلی أن المفاسد مضار واقعیة ، والعقل یحکم بدفعها ، بل لعل المضارّ الدنیویة هی الملحوظة فی نظر العقلاء الذین توافقت آراءهم علی دفعها حفظا للنظام وابقاء للنوع - فالکلام فیه من وجهین :

أحدهما : من حیث الصغری وأنّ المفسدة ضرر أم لا؟

وثانیهما : من حیث الکبری ، وأنّ العقل بملاک التحسین والتقبیح العقلیین هل یحکم بدفع کل مضرة ام لا؟

أما الأول : فقد منع (قدّس سره) من کون المفسدة أو ترک استیفاء

ص: 93


1- 1. نهایة الدرایة 3 التعلیقة 145.

المصلحة الملزمة ضررا.

بل ربما یکون فی استیفاء المصلحة ضررا ، کما فی استیفاء مصلحة الزکاة ، فان فیها ضررا مالیا.

وربما یکون فی التحرز عن المفسدة ذهاب المنفعة ، کما فی التحرز عن مفسدة البیع الربوی وشبهه.

فلیست المصالح منافع ، ولا المفاسد مضارّا دائما ، وإن اتفق أحیانا.

ولا یخفی أنه لو عمّمنا الضرر إلی کل نقص ینبعث من الفعل إمّا فی نفسه أو بدنه أو ماله أو أحد تلک الأمور بالاضافة إلی غیره ، ولو إلی النوع ، فلا محالة لا یخلو الحرام عن أحد تلک الأمور ، وإلا لم یکن هناک تأثیر واقعی للفعل.

کما أن المصلحة إذا کانت أعم من أثر کمالیّ راجع الی نفسه أو بدنه أو ماله أو بالاضافة إلی غیره ، ولو إلی نوعه ، فلا محالة لا یخلو الواجب عن أحد تلک الأمور ، والله العالم.

وأمّا الثانی فالوجه فی منع الکبری أمران :

أحدهما ما عنه (قدّس سره) هنا وفیما (1) بعد ، وفی تعلیقته المبارکة فی مبحث (2) حجیة الظن ، من أن الاقدام علی الضرر ببعض الدّواعی لا قبح فیه عقلا ، وأن الضرر المقدم علیه ربما یترتب علی التحرز عنه ضرر أقوی ، أو یفوته منفعة أهم من التحرز عنه ، وأنه لیس کل منفعة عائدة إلی المکلف جابرة للضرر

ص: 94


1- 1. کفایة الأصول / 348.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 74 ولا یخفی أن ظاهره ( قده ) أن الذی نقله بتمامه موجود فی الکفایة فی الموضعین وفی التعلیقة مع أنه لیس کذلک فان قوله : من أن الاقدام علی الضرر إلی قوله أو یفوته منفعة أهم من التحرز عنه مضمون ما فی الکفایة فی الموضعین وقوله وأنه لیس کل منفعة إلی قوله أو فیما یلازمه هو ما فی التعلیقة.

الذی یترتب علی الفعل ، بل إذا کانت فی خصوص الفعل ، أو فیما یلازمه.

فیکشف کل ذلک عن أن الاقدام علی الضرر - بما هو - غیر قبیح عقلا أو شرعا ، بل ربما یکون جائزا أو واجبا. عقلا أو شرعا.

ولا یخفی علیک أن الضرر بما هو کالکذب بحیث لو خلی ونفسه یکون قبیحا ، لاندراجه تحت عنوان الظلم.

بخلاف الظلم فانه بذاته من دون اندراجه تحت عنوان آخر قبیح ، فلا یتخلف عنه قبحه.

وعلیه ، فالکذب المنجی للمؤمن من حیث إنه یندرج تحت عنوان العدل والاحسان إلی المؤمن یتصف بالحسن.

وکذا الاقدام علی الضرر ، فانه لا منافاة بین أن یکون بنفسه من دون ملاحظة شیء آخر مندرجا تحت عنوان الظلم القبیح ، وبلحاظ ترتب التحرز عن أقوی الضررین علیه ، أو ترتب منفعة علیه مندرجا تحت عنوان حسن.

فاتصافه بالحسن العقلی والشرعی أحیانا لا یکشف عن عدم قبحه لو خلی ونفسه.

فاذا کان الاقدام علی الضرر الدنیوی المحتمل ، کالاقدام علی الضرر المقطوع کان التکلیف المحتمل کاشفا عن المفسدة التی هی علی الفرض ضرر دنیوی ، ولیس هناک فی نفسه ما یتدارک به الضرر حتی لا یکون قبیحا بالفعل ، فیجب الحکم بقبحه عقلا.

هذا إذا کان المراد الاقدام علی الضرر ببعض الدواعی العقلائیة بما هی دواع عقلائیة مبنیة علی ملاحظة الحسن والقبح.

وأما الدواعی العقلائیة بما هی دواع حیوانیة موافقة لقوّتی الشهویة والغضبیة ، فاقدام العقلاء حینئذ لا یکشف عن عدم القبح ، کیف؟ وأفراد العقلاء بما هم ذوو طباع بشریة یقدمون علی ما هو مذموم عقلا ، ومعاقب علیه

ص: 95

شرعا.

وثانیهما - أن المشاهد من العقلاء لیس إلا الفرار عن الضرر الدنیوی لئلا یقعوا فیه ، لا لئلا یقعوا فی ذمّه.

فلیس هذا الفرار منهم بما هم عقلاء بملاک رعایة المدح والذم العقلائی حتی یجدی هنا ، بل بما هم ذوو شعور یحبون أنفسهم ویبغضون ما یؤذیهم علی حد فرار سائر أنواع الحیوانات من المؤذیات.

ولیس ذمهم علی من لا یفر من الضرر البحث إلا من باب الذم علی عدم شعوره ، لا الذم علی الفعل بما هو.

والتحقیق : أن بناء المدح والذم - الذی هو ملاک التحسین والتقبیح العقلائیین کما مرّ مرارا (1) - علی کون الفعل ذا مصلحة عامة وذا مفسدة عامة ، بحیث لو لا هذا المدح والذم الذی هو أول موجبات انحفاظ النظام وأول موانع اختلاله لکانت الطباع البشریة مقتضیة للاقدام علیه ، کما فی الاضرار بالغیر بالاقدام علی قتاله ، أو التعرض لعیاله ، أو سلب ماله ، لا الاضرار بالنفس بلا فائدة عائدة إلیه ، فان الزاجر الطبیعی ، وهو کونه منافرا له فی حدّ ذاته کاف فی الزّجر عنه ، فان ما یلحقه منه أعظم مما یلحقه من ذم العقلاء.

فالبناء العقلائی علی المدح والذم إنما هو فیما لم یکن هناک باعث طبیعی أو زاجر طبیعی ، وهو فی الاحسان بالغیر والاساءة إلیه ، لا فی الاحسان الی نفسه بجلب منفعة أو الاساءة إلیه بالاقدام علی مضرة.

ویشهد لما ذکرنا من عدم قبح الاضرار بالنفس أنه لو کان کالاضرار بالغیر ظلما قبیحا لو خلی ونفسه لما ارتفع قبحه بمجرد عود منفعة إلیه ، کما لا

ص: 96


1- 1. منها ما تقدم فی مبحث الانسداد التعلیقة 145. ومنها ما تقدم فی مبحث حجیة القطع التعلیقة 10 و 21 نهایة الدرایة 1. ومنها ما تقدم فی التعلیقة السابقة 29.

یرتفع قبح الکذب بمجرّد جلب منفعة الی نفسه أو الی غیره.

مع أن تحمل المضارّ لجلب المنافع التی لا یتضرر بعدم تحصیلها مما علیه مدار عمل العقلاء من دون شبهة فی عدم قبحه.

ولیس کذلک الاضرار بالغیر ، فانه قبیح ولو مع عود نفع إلیه.

فیعلم أن عدم الاقدام علی الضرر المحض لکونه سفهائیا ، لا لکونه قبیحا بملاک قبح الظلم. وعلیک بارجاع ما أفاده شیخنا العلامة رفع الله مقامه الیه.

ثم إنه لو سلمنا کون الاقدام علی الضرر ظلما علی النفس ، لکنه لا یجدی لما نحن فیه ، فإن الحسن والقبح بمعنی کون الفعل ممدوحا علیه ، وکونه مذموما علیه من صفات الأفعال الاختیاریة الصادرة عن علم وعمد.

فلا یصدر ضرب الیتیم حسنا إلا إذا صدر بعنوان التأدیب اختیارا ، ولا یکفی صیرورته مصداقا للتأدیب واقعا.

کما أن الصدق لا یصدر قبیحا إلا - إذا صدر بعنوان کونه مهلکا للمؤمن عن علم وعمد ، ولا یکفی کونه واقعا کذلک.

وعلیه ، فقبح الفعل بما هو إضرار لا یجدی ، إلا إذا صدر بعنوانه عن علم وعمد.

فوجوب دفع الضرر المحتمل یحتاج إلی بناء آخر من العقلاء دون ذلک البناء.

وحیث إن المحتمل لیس فیه إلا المفسدة الواقعیة علی فرض ثبوتها ، بداهة أن محتمل المفسدة لیس بأعظم من مقطوعها ، فلیس فی المحتمل بناء بملاک التحسین والتقبیح العقلیین.

نعم یعقل منهم بناء آخر بنحو البناء علی حجیة الظاهر ، أو حجیة خبر الثقة ، بحیث تتنجز المفسدة الواقعیة المحتملة باحتمالها علی تقدیر ثبوتها.

ص: 97

إلا أنه لا طریق إلیه ، إلا فرار العقلاء من الضرر المحتمل لئلا یقعوا فیه ، لا أن فرارهم هذا لحکمة نوعیة تدعوهم إلی الفرار ، کما فی البناء علی العمل بالظاهر ، أو بخبر الثقة ، حتی یکون هذا البناء بضمیمة إمضاء الشارع ، أو عدم ردعه عنه موجبا لمنجزیة الاحتمال شرعا.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین أنه لا صحة لوجوب دفع الضرر المحتمل ، لا بملاک التحسین والتقبیح العقلیین ، ولا بملاک آخر یجدی فی المقام.

31 - قوله (قدّس سره) : حیث إنهم لا یحترزون عما لا یؤمن مفسدته (1) ... الخ.

الأولی تسلیم احترازهم ، وعدم الدلالة علی أنه بملاک التحسین والتقبیح ، وإلا فاحترازهم عن المفسدة المحتملة إذا کانت ضررا دنیویا مما لا یکاد ینکر.

کما أنّ إذن الشارع لا یکشف عن أنّه لو خلی ونفسه لا یکون قبیحا ، بل عن أنه لیس موضوعا تامّا للقبح کالظلم علی ما عرفت تفصیله (2) ، ویجدی القبح فی نفسه للخصم عند ملاحظة القاعدتین العقلیتین کما عرفت.

وأمّا ما حکی عن شیخ الطائفة (قدّس سره) من استشهاده بقبح الأخبار عما لا یعلم.

فهو مدفوع بأنه لیس من أجل کونه محتملا للکذب ، بل من أجل کونه إغراء بالجهل علی حدّ الأخبار عما یعلم عدمه.

فالوجه فی قبحه اشتراکه مع الکذب فی العنوان القبیح.

الاستدلال بحکم العقل علی البراءة فی الشبهات الحکمیة

ص: 98


1- 1. کفایة الأصول / 344.
2- 2. فی التعلیقة المتقدمة.

[ الاستدلال بآیة التهلکة علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة ]

32 - قوله (قدّس سره) : وعن الالقاء فی التهلکة (1) ... الخ.

توضیح الجواب عن هذه الآیة أن المراد من التهلکة ، إما هی التهلکة الأخرویة أو الدنیویة :

فان أرید الأولی ، فالنافع للخصم کون النهی نفسیا ، أو طریقیا بداعی تنجیز الواقع.

وحیث إن العقاب مفروض الثبوت فلا مجال للنفسیة ، إذ لیس فی الاقدام علی العقاب عقاب آخر بواسطة مخالفة هذا النهی.

ولا للطریقیة ، لأن النهی الطریقی کالأمر الطریقی هو المصحح للعقوبة علی الواقع المحتمل.

والعقوبة هنا مفروضة ، فلا یعقل کون النهی موجبا لها ، فلا مجال إلا لکونه إرشادا إلی التحرز عن موارد العقوبة ، والحکم لا ینقح موضوعه.

مع ما بینا من الدلیل العقلی والنقلی علی عدم العقوبة علی التکلیف المجهول.

وإن أرید الثانیة ففیه : أولا : أنه خلاف الظاهر ، مع أن کل مفسدة لیست تهلکة جزما.

وثانیا أن النهی إن کان نفسیا فهو معقول ، إلا أن فعلیة الحکم بفعلیة الموضوع ، فلا یجدی إلا فی صورة إحراز المفسدة بالمعنی المزبور ، لا فی صورة

الاستدلال بالکتاب علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة والجواب عنه

ص: 99


1- 1. کفایة الأصول / 344.

احتمالها.

وإن کان طریقیا ، فهو بنفسه غیر معقول ، إذ التنجز لا یعقل أن یکون إلا بمنجز ، کتنجیز الواقع بالخبر ، أو بالیقین السابق ، أو باحتماله.

والظاهر من التهلکة نفس المفسدة ، أو العقوبة ، لا احتمالها.

فلا یعقل تنجیز المفسدة بنفس ثبوتها واقعا.

ولا وجه لدعوی صدق التهلکة عرفا علی الأعم من التهلکة المتیقنة والمحتملة ، فانها کسائر الألفاظ الموضوعة لذوات المعانی ، وکذلک الحکم مرتب علی واقعها ، وفعلیته بفعلیتها.

ولیست التهلکة بمعنی مظنّة الهلاکة ، فانها مصدر المزید کالتوسعة والتوصیة وأشباههما ، واسم المکان هی المهلکة ، فلا موجب للتعمیم بوجه من الوجوه.

* * *

الاستدلال بالکتاب علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة والجواب عنه

ص: 100

[ الاستدلال بروایات التوقف علی وجوب الاحتیاط فی الشبهة الحکمیة التحریمیة ]

33 - قوله (قدّس سره) : فبما دل علی وجوب التوقف عند الشبهة (1) ... الخ.

توضیح الاستدلال بهذه الطائفة : أن الأمر بالتوقف إما نفسی أو طریقی أو إرشادی : لا مجال للنفسیة ، وإلاّ لترتب العقاب علی مخالفته من حیث هو زیادة علی العقاب علی مخالفة التکلیف الواقعی المفروض ثبوته ، من حیث ظهور الهلکة فی العقوبة ، فیلزم أن یکون ارتکاب الشبهة أسوأ من ارتکاب الحرام المعلوم.

مع أن التوقف والاحتیاط عنوانهما التحرز عن مخالفة التکلیف الواقعی ، والتحفظ علی موافقته ، من دون نفسیة للتوقف والاحتیاط.

فیدور الأمر بین کون الأمر بالتوقف طریقیا لتنجیز الواقع المشتبه ، أو إرشادیا بداعی إظهار ما فی الاقتحام فی الشبهة من الهلکة الأخرویة.

فان کان قوله علیه السلام : ( فان الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة ) (2) تفریعا علی الأمر بالتوقف کشف عن کون الأمر طریقیا بداعی تنجیز الواقع ، بتفریع لازمه ، وهو ثبوت العقاب علی الواقع المنجز بهذا الأمر.

وحینئذ لا یمکن أن یکون الهلکة بمعنی مفسدة الواقع ، إذ المفسدة

الاستدلال بروایات التوقف علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة التحریمیة

ص: 101


1- 1. کفایة الأصول / 345.
2- 2. تهذیب الاحکام 7 / 474.

الواقعیة لیست من لوازم مخالفة الأمر حتی یفرع علی الأمر بالتوقف ، فنفس التفریع شاهد علی إرادة العقوبة من الهلکة.

وحیث إن الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالی منجزة بغیر هذا الأمر فلا معنی لارادة مثلها من الشبهة هنا.

فیعلم أن المراد هی الشبهة البدویة التی تتنجز بهذا الأمر ، لفرض تفریع تنجزها علی الأمر بالتوقف عندها.

وأما إن کان قوله علیه السلام : ( فان الوقوف ... الخ ) ، تعلیلا للأمر بالتوقف ، فیکون الأمر منبعثا عنه.

فیستحیل أن یکون هذا الأمر طریقیا ، بل إرشادی لا محالة ؛ لأن المفروض انبعاث الأمر عن کون الاقدام فی المشتبه اقتحاما فی الهلکة.

فالهلکة مفروضة بغیر هذا الأمر ، فکیف یکون الأمر طریقیا مصححا للمؤاخذة والعقوبة؟

وإذا کان الأمر متمحّضا فی الارشادیّة ، فلا بد من إحراز کون الشبهة ذات عقوبة من طریق آخر.

فلا یجدی الأمر الارشادی بالتوقف عن الشبهة التی فیها العقوبة لاثبات أن الشبهة البدویّة فیها العقوبة علی تقدیر مصادفة الحرام الواقعی ، ویستحیل تنجز الحرام الواقعی بلا منجز عقلی أو شرعی.

نعم یمکن اصلاح الاستدلال بهذه الطائفة بناء علی کون الفقرة المزبورة تعلیلا باثبات أمرین :

أحدهما : کون الشبهة مطلقة شاملة للشبهة البدویة ، لعدم تقید الشبهة بما یأبی عن الشمول للبدویة.

ثانیهما : ظهور الهلکة فی العقوبة ، لا فیما یعم المفسدة ، فیدل التعلیل علی أن الاقدام فی کل شبهة اقتحام فی العقوبة.

ص: 102

فصونا للکلام عن اللغویة یستکشف أمر طریقی بالاحتیاط فی الشبهة البدویة ، من باب استکشاف العلّة عن معلولها.

ولا یخفی علیک أن ایجاب الاحتیاط الواقعی ، وإن کان غیر قابل للمنجزیة بل القابل هو الایجاب الواصل ، لکنه لا فرق فی وصوله بین انحاء وصوله ، فوصوله بوصول معلوله ، کوصوله بنفسه.

نعم الأمر الارشادی بالتوقف المعلل بهذه العلة کما لا یمکن أن یکون بنفسه مصححا للعقوبة لفرض انبعاثه عن عقوبة مفروضة ، کذلک لا یعقل أن یکون وصوله وصول الأمر الطریقی المصحح للمؤاخذة ؛ لأن صحة المؤاخذة بنفس وصوله الموصل للأمر الطریقی ، فکیف ینبعث عن مؤاخذة مفروضة مستدعیة لفرض الوصول بغیر هذا الأمر المعلل؟

وعلیه ینبغی حمل ما أفاده شیخنا العلامة (قدّس سره) فی آخر العبارة.

فهذا الأمر المعلل لا بد من أن یکون کاشفا عن أمر طریقی واصل ، مع أنه لم یصل إلا هذا الأمر فی الشبهة البدویة ، لأن الکلام فی الاستدلال به لوجوب التوقف المنجز للواقع لا بغیره ، إلا بدعوی أن أمر المخاطب بالتوقف المعلل بهذه العلة کاشف عن وصول الأمر بالاحتیاط إلیه.

واحتماله فی حق المخاطب بلا مانع ، وبضمیمة قاعدة الاشتراک یکون واصلا إلینا ، لا بهذا الأمر الارشادی لیکون مستحیلا.

وحینئذ یکون الأمر بالتوقف - بضمیمة قاعدة الاشتراک مع المخاطب - کاشفا عن إیجاب الاحتیاط طریقیا فی الشبهة البدویة.

فتلخص مما ذکرنا صحة الاستدلال علی تنجز الواقع المشتبه ، بناء علی التفریع والتعلیل معا.

والجواب أنه بناء علی التفریع ، وإن کان فی نفسه شاهدا علی طریقیة الأمر بالتوقف ، وکونه منجزا لکل مشتبه ، إلا أنه لا معیّن للتفریع ، لاحتمال

ص: 103

التعلیل ، بل لعله الظاهر ، ولذا لم یحتمله شیخنا (قدّس سره) ولا من قبله.

وأما علی التعلیل ، فیتوقف علی إطلاق الشبهة وظهور الهلکة فی العقوبة.

والأول وإن کان قابلا للمنع ، لکنه یکفی فی المقام ما فی ذیل مقبولة عمر ابن حنظلة حیث قال علیه السلام : ( فان الوقوف عند الشبهات خیر من الاقتحام فی الهلکات ) والجمع المحلّی یفید العموم.

فالأولی المنع من ظهور الهلکة فی خصوص العقوبة ؛ لأن هذا الکلام ذکر فی موردین ، لا مانع من إرادة العقوبة فی أحدهما ، ولا یمکن إرادتها فی الآخر :

أما الأول ، ففی ذیل مقبولة عمر بن حنظلة بعد ذکر المرجحات وفرض التساوی من جمیع الجهات ، حیث قال علیه السلام : ( إذا کان کذلک فارجه حتی تلقی إمامک ، فان الوقوف عند الشبهات خیر من الاقتحام فی الهلکات (1).

فانه لا مانع من إرادة العقوبة ؛ لأن المورد من الشبهات التی یمکن إزالتها بملاقاة الامام علیه السلام.

مع أنه یمکن أن یقال : إن المراد هو التوقف من حیث الفتوی علی طبق إحدی الروایتین فی مقام فصل الخصومة ، کما هو مورد المقبولة ، ولذا لا تعارض الأخبار الدالة علی التخییر بعد فرض المساواة ، فانه لا مجال للتخییر فی مقام فصل الخصومة ، فان کلا من المتخاصمین یختار ما یوافق مدعاه ، فتبقی الخصومة علی حالها.

وعلیه ، فلزوم التوقف فی الشبهة القابلة للازالة أو التوقف فی الفتوی لا ربط له بما نحن فیه ، فکون الهلکة بمعنی العقوبة فی مثلهما لخصوصیة المورد.

وأما الثانی ، ففی موثقة مسعدة بن زیاد عن الصادق علیه السلام عن أبیه علیه السلام عن آبائه علیهم السلام عن النبی صلّی الله علیه وآله ، قال

ص: 104


1- 1. جامع الأحادیث : 1 / 255 ، الکافی ( الأصول ) 1 : 68.

( صلّی الله علیه وآله ) : ( لا تجامعوا فی النکاح علی الشبهة ، وقفوا عند الشبهة ) یقول : إذا بلغک أنک قد رضعت من لبنها ، أو أنّها لک محرّمة ، وما أشبه ذلک ، فان الوقوف عند الشبهة خیر من الاقتحام فی الهلکة (1).

فانه لا شبهة فی أن الهلکة لا یراد منها العقوبة ، بل المفاسد الذاتیة الواقعیة ، کیف وقد نص فی موثقة مسعدة بن صدقة بأن الاقدام حلال ممثّلا له بذلک وباشباهه؟!

وعلیه ، فما فی روایة أخری أیضا لا ظهور للهلکة فیها فی العقوبة ، بل فی الجمیع إرشاد إلی ما یعم العقوبة والمفسدة ، کل بحسب ما یقتضیه المورد من وجود المنجز وعدمه.

الاستدلال بروایات التوقف علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة التحریمیة

ص: 105


1- 1. تهذیب الأحکام 7 / 474 ، وسائل الشیعة 20 : 258 / ذیل الحدیث 2 ، جامع الأحادیث 1 / 338.

[ فی امکان الاستدلال علی وجوب الاحتیاط فی الشبهات الحکمیة بالأخبار الظاهرة فیه وعدمه ]

34 - قوله (قدّس سره) : وبما دل علی وجوب الاحتیاط من الأخبار الواردة (1) ... الخ.

توضیح الاستدلال بها أنّ هذه الطائفة - بملاحظة عدم فرض ثبوت العقوبة فی موضوعها - تمتاز عن أخبار التوقف بامکان جعل الأمر فیها نفسیا أو طریقیا أو إرشادیا.

لکن الأمر بالاحتیاط لیس نفسیا بحیث یستحق علی مخالفته بما هی للعقوبة ، لأن الاحتیاط بعنوانه لیس إلا لأجل التحفظ علی الواقع وعلی الغرض المترقب منه ، فاحتمال النفسیة بالمعنی المعروف بلا وجه.

کما أنه لیس الأمر به مقدمیّا ، إذ لیس فعل محتمل الوجوب ولا ترک محتمل الحرمة مقدمة لوجود الواجب الواقعی أو ترک الحرام الواقعی ، بل عینه خارجا علی تقدیر المصادفة ، ولغو علی تقدیر عدمها ، فلا اثنینیة علی أی تقدیر.

فیدور الأمر بین کونه طریقیا بداعی تنجیز الواقع ، أو إرشادیا بداعی إظهار رشد المکلف ، وخیره فی الفعل أو الترک ، فلا یتنجز به الواقع المجهول ، بل لا بد فی تنجیزه من التماس منجز آخر.

فینحصر تنجیز الواقع المجهول بالأمر بالاحتیاط فی جعله طریقیا

الحکمیة بالاخبار الظاهرة فیه وعدمه

ص: 106


1- 1. کفایة الأصول : 345.

بالمعنی المذکور. وبعد رفع الید عن ظهور الأمر فی البعث الحقیقی المنحصر فی النفسی والمقدمی لا تعیّن للأمر بسائر الدواعی ، ولا شاهد یعیّن کونه طریقیا لو لم یکن فیما ورد فی المقام شاهد علی الارشادیة.

وهذا البیان فی منع إمکان الاستدلال أولی مما فی المتن نقلا عن الشیخ الأعظم (قدّس سره) فی رسالة البراءة من أن الأمر بالاحتیاط لیس نفسیا ، إذ صریح الأخبار إرادة الهلکة المترتبة علی الحرام الواقعی ، لا المترتبة علی مخالفة الأمر بالاحتیاط.

ولیس مقدمة للتحرز عن العقاب علی الواقع المجهول ، لأنه مستلزم لترتب العقاب علی الواقع المجهول ، وهو قبیح.

وفیه : أن المانع المذکور عن النفسیة إنما هو فی أخبار التوقف دون أخبار الاحتیاط ، بل المانع ما قدمناه.

وأما إیجاب الاحتیاط مقدمة لا مقدمیّا ، فهو إنما یقبح إذا لم یکن الأمر المزبور بداعی تنجیز الواقع ، فانه مستلزم لترتب العقاب علی الواقع المنجز بهذا الأمر ، لا علی الواقع المجهول بما هو مجهول.

مع أن جعل ایجاب الاحتیاط مقدمة للتحرز عن عقاب الواقع المجهول لا بد من أن یکون بداع من الدواعی ، وإلا لکان محالا فی نفسه.

فاذا لم یفرض کونه نفسیا ولا مقدمیّا ولا إرشادیا فلا معنی لأصل ایجابه حتی یکون قبیحا لاستلزامه القبیح ، وهو العقاب علی الواقع المجهول.

هذا ولکنک قد عرفت فی حدیث (1) الرفع وغیره (2) أن الانشاء بداعی تنجیز الواقع المتکرر فی کلام شیخنا العلامة الاستاذ (قدّس سره) أیضا لا یخلو

ص: 107


1- 1. التعلیقة : 10.
2- 2. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 58.

عن محذور ؛ لأن ما یعقل أن یکون منجزا أو متنجزا غیر قابل لتعلق الأمر به ، وما یقبل تعلق الأمر به غیر قابل للمنجزیة ولا للمتنجزیة فراجع.

فلا مناص من جعل الأمر بالاحتیاط هنا وجعل الأمر بتصدیق العادل فی الأخبار لمن یرید تنجیز الواقع بهما من جعلهما نفسیین ، لا بمعنی کون الاحتیاط بما هو ، أو التصدیق بما هو مطلوبا فی حدّ ذاته ، بل بنحو المعرّفیة للواجب الواقعی.

فالغرض المترقّب من فعل صلاة الجمعة یدعو إلی ایجاب صلاة الجمعة بعنوانها ، ومع عدم وصوله بعنوانها إلی المکلف یدعو ذلک الغرض إلی ایجابها بعنوان آخر ، کعنوان تصدیق العادل ، أو عنوان الاحتیاط.

فلا إیجاب حقیقی الا الایجاب بالعنوان الواصل بلسان أنه الواقع ، فوصوله حقیقة وصول الواقع عرضا ، وتنجزه حقیقة تنجزا لواقع عرضا ، وهو إنشاء بداعی جعل الداعی منبعثا عن ذلک الغرض الواقعی الباعث علی الایجاب الواقعی ، ولذا یکون مقصورا علی صورة موافقة الخبر ومصادفة الاحتمال.

وعلیه ، فظهور الأمر بالاحتیاط فی معناه الحقیقی - وهو الانشاء بداعی جعل الداعی - محفوظ ، ولا تصل النوبة إلی الارشاد إلا مع القرینة ، ولا قرینة علیه فی خصوص أخبار الاحتیاط.

بل فی أخبار التوقف ، لاستحالة حملها علی النفسیة والطریقیة ؛ لفرض ثبوت العقوبة فیها مع قطع النظر عن الأمر بالتوقف ، فنفسیتها یستلزم تعدد العقاب ، وطریقیتها یستلزم الخلف کما مر مفصلا (1).

ص: 108


1- (1) فی التعلیقة المتقدمة حیث اختار فیها کون الفاء فی قوله فان الوقوف للتعلیل لأنه الظاهر من مثله وحینئذ فیلزم الخلف من القول بان مفاد الأمر بالتوقف هو الایجاب الطریقی لأن قوام

هذه غایة تقریب دلالة ادلة الاحتیاط علی تنجز الواقع المجهول.

والجواب عنها یظهر بملاحظة نسبتها مع أدلة البراءة ؛ فنقول : أما بالنسبة إلی حدیث الرفع ، فمجمل القول فیها أن المراد من الرفع : إن کان عدم فعلیة التکلیف فقط فأدلة الاحتیاط المثبتة لفعلیة التکلیف الواقعی حقیقة ، أو عرضا علی الوجهین المتقدمین معارضة للدلیل النافی لفعلیته.

وإن کان المراد جعل عدم التکلیف الواقعی فعلیا ظاهرا ، کما اخترناه وحققناه ، نظرا إلی أن عدم فعلیة التکلیف بعدم المقتضی أو لوجود المانع غیر مجعول ، بل المجعول الذی له رفع ووضع شرعا هو الایجاب إنشاء ، وعدمه إنشاء ، فقوله (علیه السلام) : ( رفع ما لا یعلمون ) بمنزلة لا یجب ما لا یعلم وجوبه ، ولا یحرم ما لا یعلم حرمته بنحو الجعل والانشاء ، فهو وارد علی أخبار الاحتیاط ؛ لأن موضوع أخبار الاحتیاط هو التکلیف المجهول ، ودلیل الرفع دلیل علی عدمه الواقعی فعلا ، فلا موضوع کی یصیر فعلیا بالذات أو بالعرض.

فلا یبقی مجال لملاحظة النسبة بین الدلیلین من حیث العموم والخصوص.

فان قلت : إن أدلة الاحتیاط لها الورود علی حدیث الرفع من وجه آخر ، لا یبقی (1) مجال لجعل عدم التکلیف فعلیا.

لأن ایجاب الاحتیاط :

إن کان نفسیا علی الوجه المختار ، فالواقع مما علم وجوبه بعنوان آخر ، والظاهر من ( ما لا یعلمون ) ما لا یعلم وجوبه من جمیع الوجوه ، وإلاّ کان معلوم

====

2. فی الأصل لا یبقی کما تری فی المتن فانه مطابق للاصل لکن الصحیح فلا یبقی.

ص: 109


1- الطریقیة بکونه لتنجیز الواق�1. مع أن التعلیل لا یصح إلاّ إذا کان بغیره حتی یکون الأمر أو النهی فی الرتبة السابقة علة لوجوب الاطاعة عقلا واستحقاق العقوبة علی المخالفة لیصح التعلیل بعد الأمر بالتوقف بقوله فان الوقوف عند الشبهات خیر من الاقتحام فی الهلکات.

الوجوب حقیقة ، ولا یشترط کون الشیء معلوم الوجوب بجمیع عناوینه فی ( عدم ) (1) جریان البراءة عنه جزما.

وإن کان طریقیا ، فهو وإن کان غیر معلوم الوجوب حقیقة ؛ لان الانشاء لیس بداعی جعل الداعی ، بل بداعی تنجیز الواقع علی تقدیر ثبوته ، إلا أن المراد من العلم مطلق الحجة القاطعة للعذر.

فحدیث الرفع یکون متکفلا لجعل عدم التکلیف الذی لا منجز له فعلا.

والاحتمال بدلیل الاحتیاط منجز له شرعا ، فیکون رافعا لموضوع حدیث الرفع.

قلت : الظاهر من ( ما لا یعلمون ) التکلیف الذی لا یعلمونه ، فحدیث الرفع کحدیث الاحتیاط یتضمن جعل الوظیفة لمن لا یعلم التکلیف ، لا جعل الوظیفة لمن لا یعلم تکلیفه ولمن لا یعلم (2) وظیفة عدم العلم بتکلیفه.

وقد مر الکلام (3) فیه فی حدیث الرفع مفصلا فراجع.

وأما عموم العلم لکل منجز ، ففیه : أن العلم یمکن أن یجعل - بنفسه أو بدلیل التنزیل - أعم من کل طریق ینجز الواقع بجهة جامعة ، وهو الوصول المؤثر ، وأما توسعته إلی کل منجز فلا ، ألا تری أن قوله (علیه السلام) : ( حتی یرد فیه نهی ) قابل للنهی الوارد بخبر معتبر ، فانه وارد شرعا حقیقة.

وأما مجرد تنجّز النهی الواقعی بالاحتمال فلا یصحح صدق الورود والوصول.

فکذا العلم ، فانه یقبل التوسعة من حیث الطریق التام والناقص الذی

ص: 110


1- 1. فی الأصل فی جریان البراءة لکن الصحیح فی عدم جریان البراءة فلذا جعلناه بین المعقوفین.
2- 2. فی الأصل ولمن لا یعلم کما فی المتن لکن الصحیح ولا یعلم وظیفة عدم العلم بتکلیفه.
3- 3. التعلیقة : 8.

نزل منزلة التام شرعا ، ولا یقبل التوسعة للاحتمال المنجز شرعا هذا.

وأما بالنسبة إلی قوله ( کل شیء لک حلال ... ) الخبر ، فدلیل الاحتیاط وإن لم یکن واردا علیه بلحاظ کونه مغیّا بالعلم بالحرام - لما عرفت آنفا - (1) إلا أنه معارض له ، لکن خبر ( کل شیء لک حلال ) نص فی الحلّیة ، ودلیل الاحتیاط ظاهر فی الوجوب ، فیقدم النص الذی لا یقبل التصرف فیه علی الظاهر القابل للتصرف بحمله علی رجحان الاحتیاط ، أو الأمر الارشادی.

إلا أنک قد عرفت سابقا (2) اختصاص هذه الکلیة بالشبهة الموضوعیة ؛ لتطبیقها من الامام (علیه السلام) علی مواردها وتعقیبها بما یختص بها فراجع.

وأما بالنسبة إلی قوله (علیه السلام) : ( الناس فی سعة ما لم یعلموا ) ، فالکلام فیه کما فی سابقه من کونه نصا فی التوسعة ، ودلیل الاحتیاط ظاهر فی التضییق ، ولا ورود لدلیل الاحتیاط علیه لما مر (3) خصوصا بناء علی کون کلمة ( ما ) زمانیة ، أی فی سعة ما دام لم یعلموا ، فان ظاهره حینئذ البراءة إلی أن یتحقق العلم بالتکلیف.

ولیس ما یتبدل جهله بالعلم إلا التکلیف الواقعی ، وإلاّ فالاحتیاط والبراءة متساویة الاقدام بالاضافة إلی الشبهة ، فالوظیفة فیها من أول الأمر ،

ص: 111


1- 1. من أن العلم لا یقبل التوسعة للاحتمال المنجز شرعا.
2- 2. أی قوله علیه السلام کل شیء لک حلال بناء علی انه صدر روایة مسعدة بن صدقة کما هو مختاره قده قال قده هناک وظهورها صدرا وذیلا فی الشبهة الموضوعیة فی غایة الوضوح ولیس من باب تخصیص الکلیة بالمورد بل الامام علیه السلام طبقها علی الشبهة الموضوعیة بقوله علیه السلام وذلک مثل ... التعلیقة : 18.
3- 3. من عدم شمول العلم للاحتمال المنجز فلا یتبدل الجهل بالعلم بسبب الاحتمال المزبور عند الالتفات الیه.

إمّا البراءة وإمّا الاحتیاط. فلا معنی لجعل البراءة واستمرارها إلی أن یعلم بوجوب الاحتیاط ، أو یتنجز الواقع بالأمر به.

ولیس فی أخبار الاحتیاط بعنوانه ما یکون أخص منه لیکون من هذه الجهة أظهر.

نعم بعض أدلة التوقف کقوله (علیه السلام) ( قف عند الشبهة ، فان الوقوف ... ) الخبر أضیق دائرة منه ، لاختصاصه بالشبهة التحریمیة ، وخبر التوسعة أعم.

إلا أن أخبار التوقف - کما عرفت - بنفسها قاصرة الدلالة عن تنجیز الواقع ، مع أنها أعم من وجه ، لشمولها للشبهة المقرونة بالعلم الاجمالی دون خبر التوسعة ، فتدبر.

وأما بالنسبة إلی قوله ( کل شیء مطلق حتی یرد فیه نهی ) فهما وإن کانا متعارضین ، إلا أن خبر ( کل شیء ) نص من حیث الاطلاق ، وعدم التقید بطرف الفعل کما فی الواجب ، وبطرف الترک کما فی الحرام ، ومن حیث المورد لاختصاصه بالشبهة التحریمیة الحکمیة ، دون أخبار الاحتیاط بل أخبار التوقف.

ولا ورود لدلیل الاحتیاط بتوهم النهی عن الفعل بلسان ایجاب التوقف ، لما مرّ خصوصا بلحاظ کون الاطلاق مستمرا إلی أن یرد فیه نهی.

لا یقال : بناء علی روایة الشیخ ( رضی الله عنه ) علی ما حکی الخبر هکذا : ( کل شیء مطلق حتی یرد فیه نهی أو أمر ) (1) فتکون النسبة بینه وبین

ص: 112


1- 1. أمالی الطوسی 2 / 281 لکن الروایة فیه هکذا عن ابی عبد الله علیه السلام قال الأشیاء مطلقة ما لم یرد علیک أمر ونهی. ونقل بعض المحققین من مشایخنا دام بقائه أن النسخ المخطوطة مختلفة ففی بعضها بدل الواو کلمة أو وفی بعضها کما فی النسخة المطبوعة وغیر خفی أن المناسب للاعتبار هی أو.

أخبار التوقف بالعموم من وجه ، لشمول الخبر للشبهة الحکمیة التحریمیة والوجوبیة ، وشمول دلیل التوقف للشبهة التحریمیة الحکمیة والموضوعیة والمقرونة بالعلم الاجمالی ، ومورد الاجتماع هی التحریمیة الحکمیة.

لأنا نقول : لا یعامل مع مثله معاملة العامّین من وجه ، لأن شمول کل شیء له لیس بالعموم حتی یخصص بالوجوبیة ویخرج التحریمیة من تحته ، للتصریح بالغایة فی کل من التحریمیة والوجوبیة.

فلا یمکن حمل الکلیة علی خصوص الشبهة الوجوبیة ، فیکون کما إذا قیل : ( أکرم زیدا العالم وعمرا العالم ) وورد ( لا تکرم الفساق ) وکان عمرو العالم فاسقا ، فان شموله لعمرو حیث إنه بالخصوص ، فلا یعامل معهما معاملة العامین من وجه.

فکذا فیما نحن فیه ، فان التصریح بالغایة فی کل منهما کالتصریح بهما. فتدبر جیّدا.

* * *

الحکمیة بالاخبار الظاهرة فیه وعدمه

ص: 113

[ فی انحلال العلم الإجمالی بالأحکام بالأمارات والأصول المثبتة قبل المراجعة الیها وعدمه ]

35 - قوله (قدّس سره) : إلا (1) إذا لم ینحل العلم الاجمالی إلی علم تفصیلی (2) ... الخ.

ملاک هذا الجواب لیس دعوی انحصار المعلوم بالاجمال فی موارد الامارات المعتبرة والأصول المثبتة ، کما هو مفاد الجواب الآتی فی آخر البحث.

وکذا لیس الملاک دعوی صیرورة المجمل مفصلا حقیقة ؛ إذ لیس مفاد الامارات القطع بالأحکام الواقعیة ضرورة ، ولا صیرورة المجمل مفصلا حکما ؛ إذ لیس مقتضی أدلة الامارات تعیین الواقعیات المعلومة بها.

بل غایتها جعل الحکم المماثل علی طبق مؤدّیاتها ، لا أنه لا واقع فی غیرها.

بل ملاک الجواب کما یظهر من کلامه (قدّس سره) احتمال انطباق المعلوم بالاجمال من الأول علی الأحکام الثابتة بالأمارات والأصول المثبتة ، حیث لا تعین للواقعیات المعلومة بنحو لا یفی بها الطّرق.

ومع احتمال الانطباق من الأول لا علم بتکالیف فعلیة أخری فی موارد الامارات والاصول وغیرها ، بل مجرد الاحتمال فی غیرها ، فیندفع بالأصل السلیم عن المعارض.

بل ربما یدّعی انطباق المعلوم بالاجمال علی المعلوم بالتفصیل قهرا ، إذ لم

فی انحلال العلم الاجمالی بالاحکام بالأمارات والأصول المثبتة قبل المراجعة الیها وعدمه

ص: 114


1- 1. هکذا فی الأصل ، لکن فی الکفایة : إلاّ أنه إذا.
2- 2. کفایة الأصول / 346.

یتنجز بالعلم الاجمالی إلا عدد خاص مثلا بلا عنوان ، والمفروض تنجز واقعیات قامت علیها الأمارات بذلک المقدار.

فلو لم ینطبق علیها الواقعیات المعلومة بالاجمال قهرا لکان إما من جهة زیادة الواقعیات المعلومة بالاجمال علی الواقعیات المنجزة بالأمارات ، أو من جهة تعیّن الواقعیات المعلومة بالاجمال بنحو تأبی عن الانطباق علی الواقعیات المنجزة بالامارات ، أو تنجز غیر الواقعیات بالامارات ، والکل خلف وخلاف الواقع.

والتحقیق : أن الانطباق المدّعی إما احتمالا ، أو قهرا ، إما انطباق المعلوم بالاجمال علی نفس مؤدیات الامارات ، وإما انطباقه علیها بلحاظ حکمها.

أما الأول ، فحیث إن الامارة طریق إلی الواقع وکاشف عنه ظنا ، فلا محالة یورث الظن بمطابقة المعلوم بالاجمال علی ما أدّت إلیه الامارة ؛ إذ لا تعدد فی الواقع فی کل موضوع.

إلا أن هذا الاحتمال لازم طریقیة الامارة فی نفسها ، سواء کانت حجة شرعا أم لا ، ومآله حقیقة إلی أن وجوب الظهر محتمل لوجهین : من حیث کونه أحد طرفی العلم ، ومن حیث کونه مؤدی الامارة ، دون الجمعة ، فانه محتمل من وجه واحد ، وهو کونه طرف العلم الاجمالی.

ومجرد هذا الاحتمال لا یزیل أثر العلم الاجمالی جزما.

ومنه علم أن انطباق المعلوم بالاجمال علی مورد الامارة بنفسه قهرا مع کون الامارة ظنیة یمکن خطؤها عن الواقع غیر معقول.

بل المعلوم بالاجمال لعدم تعیّنه فی مرتبة العلم قابل للانطباق علی کل واحد من مورد الامارة وغیرها.

وأما الثانی : - وهو انطباقه علیها بلحاظ حکمها المستفاد من أدلة اعتبارها - فنقول : إن حجیة الامارة سواء کانت بمعنی الوساطة فی إثبات الواقع عنوانا

ص: 115

بجعل الحکم المماثل للواقع ، أو بمعنی الوساطة فی إثبات الواقع اعتبارا ، ومرجعه إلی اعتبار کون المؤدی واقعا. أو بمعنی الوساطة فی إثبات الواقع أثرا ، ومرجعه إلی جعل منجزیة الواقع بالامارة ، أو بمعنی الوساطة فی إثبات الواقع علما ، أی اعتبار الامارة علما ، ووصولا للواقع.

فعلی أیّ تقدیر یکون الثابت بدلیل اعتبار الامارة غیر الحکم الواقعی المعلوم بالاجمال قطعا ، فلا یحتمل انطباقه علیه جزما.

أمّا الحکم الحقیقی المماثل فهو حکم إنشائی مجعول کنفس الحکم الواقعی ، وإن کان بلسان أنه هو ، فهو الواقع عنوانا لا حقیقة.

وأمّا اعتبار واقعیة المؤدی ، فالمغایرة بینه وبین الواقع هی المغایرة بین الشیء بوجوده الحقیقی والشیء بوجوده الاعتباری.

وأما اعتبار المنجزیة ، واعتبار الوصول والعلمیة ، فمغایرتهما مع حقیقة الحکم أوضح من أن یخفی.

فالتحقیق فی الجواب ، بناء علی إرادة جعل الحکم المماثل علی طبق مؤدّی الامارة فی مقام انحلال العلم الاجمالی ، أن العلم الاجمالی لا یؤثر إلاّ إذا تعلق بحکم فعلی علی أیّ تقدیر ، ومع الحکم المماثل الفعلی فی مورد الامارة من أول الأمر یستحیل حکم فعلی آخر واقعا علی أی تقدیر لاستحالة اجتماع الحکمین الفعلیین ، فلا یبقی إلا احتمال الحکم فی غیر مورد الامارة ، والأصل فیه سلیم عن المعارض.

وهذا الجواب یتوقف علی أمرین :

أحدهما : کاشفیة الامارة عن ثبوت التکلیف الفعلی من أوّل الأمر.

ثانیهما : جعل الحکم المماثل الفعلی علی طبقه من أول الأمر ، حتی یکون وجود الحکم الفعلی من الأول مانعا عن تحقق العلم الاجمالی بتکلیف فعلی علی أی تقدیر ، لاستحالة اجتماع الفعلیّین.

ص: 116

والأمر الأول مما لا ریب فیه ، لأن الامارات الشرعیة کاشفة عن أن الحکم فی الشریعة هو ذلک من دون اختصاصه بحال قیام الامارة عند المکلف.

وأما الأمر الثانی ، فمبنی علی أن الحجة بوجودها الواقعی - الذی هو فی معرض الوصول بحیث إذا تفحص عنه ظفر به - کافیة فی تمامیة الحجة علی التکلیف المستتبعة لجعل حکم مماثل فعلی علی طبق مؤداها واقعا.

فالظفر بالحجة متأخر عن العلم الاجمالی ، دون نفس الحجة الحقیقیة.

وبناءهم علی عدم جریان قبح العقاب بلا بیان قبل الفحص کاشف عن أن وجوده (1) الواقعی صالح للبیانیة عقلا ، وإلا لکان عدم البیان قبل وصوله مقطوعا به ، وسیأتی تحقیق الحال فیه فی محله (2).

هذا کله بناء علی جعل الحکم المماثل ، وکذا بناء علی اعتبار المؤدی واقعا فقط من دون جعل الحکم ، فان القائل به یری هذا الواقع المعتبر شرعا باعثا فعلیا من قبله ، وامتناع بعثین فعلیین لا ینحصر فیما کان البعث بالانشاء بداعی البعث.

وأما جعل نفس اعتبار الواقع موجبا للانحلال نظرا الی صیرورة المجمل مفصلا شرعا.

فغیر تامّ ، لأن جعل الحکم المماثل أو اعتبار واقعیّة المؤدی تابع لمقدار دلالة الامارة ، ولیس مدلولها إلا وجوب الظهر واقعا ، لا وجوب ما علم وجوبه ، أو اعتبار وجوب ما علم وجوبه إجمالا.

کما أنها لا تدل بالمطابقة ولا بالالتزام علی نفی وجوب غیرها حتی یکون دلیل اعتبار الامارة حجة علی نفی الواقع فی الطرف الآخر.

ص: 117


1- 1. هکذا فی الأصل لکن الصحیح : وجودها ، لأن مرجع الضمیر هو : الحجة.
2- 2. فی التعلیقة : 128.

مع أنه لو کان الانحلال لهذه الجهة فلا محالة ینحصر الانحلال فی قیام الامارة وما یشبهها من الوصول لا مطلقا.

مع أن الامارة إذا کانت حجة علی نفی الواقع فی غیرها فلا حاجة إلی إجراء الأصل فی الطرف الآخر لنفی الواقع ، لکفایة الامارة فی الاثبات والنفی معا.

36 - قوله (قدس سره) : وأما بناء علی أن قضیّة حجیته واعتباره (1) ... الخ.

نظرا إلی أن مؤدی الطریق لیس علی طبقه تکلیف شرعی لینطبق علیه التکلیف المعلوم بالاجمال.

لکنک قد عرفت أنه لا یحتمل الانطباق علی الأول لتغایر الحکمین المزبورین وجودا ، دون الثانی لوحدة المنجز بالامارة والمعلوم بالاجمال ، فلا مجال لدعوی الانطباق الحقیقی إلا علی هذا الوجه ، لا أنه مناف له.

37 - قوله (قدّس سره) : إلا أن نهوض الحجة علی ما ینطبق علیه (2) ... الخ.

یمکن أن یقال : إن ملاک الجواب - بناء علی هذا الشق - هو أن المنجّز لا یتنجز ، ومع وجود الحجة المنجّزة شرعا - فی طرف - لا أثر للعلم الاجمالی علی أی تقدیر ؛ إذ أحد التقدیرین کون الواقع فی ضمن المؤدی ، وهو متنجز بالحجة.

فلا یبقی إلا احتمال الحکم فی الطرف الآخر ، وهو غیر منجز للحکم عقلا.

وهذا أیضا مبنی علی صلاحیة الحجة الواقعیة القائمة علی التکلیف بوجودها الواقعی الذی هو فی معرض الوصول لتنجیز التکلیف عقلا کما مر (3).

ص: 118


1- (1 و 2) کفایة الأصول : 347.
2- 2. فی التعلیقة : 35.

فالعلم الاجمالی قد تعلق بما له تنجز واقعا فلا یؤثر فی تنجیزه.

فالمتأخر عن العلم الاجمالی هو الظفر بالمنجّز لا نفس المنجّز.

بل لو فرض مقارنة الحجة - الصالحة لتنجیز التکلیف - للعلم الاجمالی به - کما إذا کان هذا العلم الاجمالی أول زمان البلوغ ، فان الحجة لا یعقل أن تکون منجزة إلاّ فعلا ، فهما سببان صالحان للتنجیز فعلا من دون تقدّم وتأخر - لأمکن أن یجاب بأن الحجة الشرعیة غیر متقیدة بعدم کون موردها من أطراف العلم الاجمالی ، فتأثیرها شرعا غیر مقید بعدم العلم الاجمالی.

بخلاف العلم الاجمالی ، فإن تأثیره عقلا متقید بعدم ما یصلح للتنجیز.

فیختص التأثیر فی التنجیز بالحجة الشرعیة ، فالحجة الشرعیة مانعة عن تأثیر العلم الاجمالی مطلقا ، سواء تقدمت علیه أو تأخرت عنه أو قارنته ، فتدبر.

وأما ما فی المتن من ابتناء الجواب علی صرف تنجز الواقع إلی مورد الحجة ، لأن معنی الحجیة تنجیز الواقع عند المصادفة للواقع ، والاعذار عنه عند عدمها :

فان کان مع الالتزام بکفایة الحجة الواقعیة التی لو تفحص عنها لظفر بها فی تنجیز الواقع ، فلا حاجة إلی دعوی الصرف ؛ إذ لا یعقل تأثیر العلم الاجمالی حتی یحتاج إلی صرف تنجز الواقع إلی مورد الحجة.

وإن لم یکن مبنیا علی الالتزام المزبور ، فلا وجه للصرف ؛ لأن الواقع : إن لم یکن له منجز کما إذا لم یکن علم إجمالی ، فلا معنی للصرف ، بل هو سالبة بانتفاء الموضوع.

وإن کان له منجز سابقا : فان کان الواقع فی مورد الحجة ، فلا معنی لمنجزیة الحجة عند وصولها ، لأن المنجز بالسبب السابق لا یتنجز ثانیا.

وإن لم یکن الواقع فی موردها فهو منجز بالعلم الإجمالی الغیر المزاحم بشیء فی هذا الطرف ، ولا معنی للاعذار عن الواقع المنجز.

ص: 119

نعم ما اخترنا من الوجه علی هذا الشق مع ابتنائه علی صلاحیة الحجة الواقعیة للتنجیز حتی یکون أسبق تأثیرا من العلم الاجمالی لا یجری فی الامارات المتعلقة بالموضوعات ، فان البینة لا توجب التنجّز إلا عند قیامها ، ولیست کالحجة علی التکلیف.

ولذا لا یجوز إجراء البراءة قبل الفحص فی الشبهة الحکمیة دون الشبهة الموضوعیة.

بل هکذا الأمر بناء علی جعل الحکم المماثل الموجب لفعلیة الواقع عرضا ، فانه لا تکلیف فعلی علی طبق حکم الموضوع الذی قامت علیه البینة إلا عند قیامها.

ویمکن الجواب بوجهین :

احدهما : أن الحجة مطلقا وإن لم تنجز الواقع بوجودها الواقعی الذی هو فی معرض الوصول ، لکنه یوجب (1) تنجزه عند قیامها بترتیب الآثار السابقة فعلا

ولذا یحکم بنجاسة ملاقی ما قامت البینة علی نجاسته ، مع فرض الملاقاة قبل قیام البینة ، فانه من حین قیامها یجب الحکم بنجاسته الملاقی من قبل.

وکذا إذا قامت الحجة علی جزئیة السورة للصلاة ، فانه وان لم تنجزها قبل قیامها ، لکن بعد قیامها یحکم ببطلان الصلوات السابقة الخالیة عن السورة.

فالمنجز وإن کان متأخرا إلا أنه یقتضی ترتیب الآثار من قبل.

فالعلم الاجمالی وإن لم یکن له مزاحم فی تنجیزه حال تحققه ، لکنه تعلق بما یقتضی الحجة المتأخرة ترتیب الآثار السابقة ، أو خلافها من قبل ، فلا تأثیر له واقعا وإن کان بزعم العالم اجمالا انه ینجز الآثار.

ثانیهما : أن العلم الاجمالی یتعلق بوجوب ما لا یخرج عن الطرفین لا

ص: 120


1- 1. والصحیح : لکنها توجب.

بأحدهما المردد ، فلا ینجز إلا بمقداره ، وتنجز الخصوصیة المرددة کتنجز کلتا الخصوصیتین به محال.

لکن حیث إن کلاّ من الطرفین یحتمل أن یکون واقعا طرف ذلک الوجوب الواحد المنجز بالعلم ، فیحتمل فیه العقاب ، وهو الحامل بالجبلّة والطبع علی فعل کل من المحتملین ، ففی کل طرف یحتمل الحکم المنجز ، لا أنه منجز.

وأما الحجة القائمة علی وجوب الظهر بخصوصها ، فهی منجزة للخاص بما هو خاص ، فلیس لها فی تنجیز الخاص مزاحم فی تأثیرها ، فلا محالة تستقل الحجة بالتأثیر فی تنجیز الخاص بما هو خاص ، سواء کان مقارنا للعلم الاجمالی أو متقدما أو متأخرا (1) ، کما لا فرق بین أن تکون هذه الحجة شرعیة أو عقلیة ، کقاعدة الاشتغال.

ولا ریب فی أن تنجیز الخاص بما هو خاص الذی لا مزاحم له یمنع عن تنجیز الوجوب الواحد المتعلق بما لا یخرج عن الطرفین ، إذ لیس للواحد إلا تنجز واحد.

فلا یعقل بقاء العلم الاجمالی علی تنجیزه الذی فرض أنه عند تعلقه به لا مانع عن تنجّزه.

فیتبع ذات الخاص للخاص بما هو خاص فی التنجّز بمنجّز لا مزاحم له.

وإذا دار الأمر بین منجزین : أحدهما یزاحم الآخر فی تنجیزه - ولو بقاء والآخر لا یزاحمه فی تنجیزه ، ولو بقاء ، لعدم تعلقه بالخاص حتی ینجزه ، فلا محالة یکون التأثیر للأول الذی لا مزاحم له بقاء.

ومنه یعلم أنه لا حاجة إلی دعوی عدم تقید الحجة شرعا بعدم کونها فی

ص: 121


1- 1. هکذا فی الأصل لکن الصحیح : کانت مقارنة للعلم الاجمالی أو متقدمة أو متأخرة ، لأن الضمائر راجعة الی الحجة.

طرف العلم الاجمالی ، فانها لا تجدی إلا فی المنجز الشرعی الذی یتصور فیه إطلاق وتقیید.

بل الوجه ما ذکرنا فی الحجة القائمة علی الحکم والموضوع ، شرعیة کانت أو عقلیة ، مقارنة کانت أو سابقة أو لا حقة.

نعم إذا کان مؤدّی الأمارة کمتعلق العلم الاجمالی لا أثر لها إلا عند تقدمها علیه ، کما إذا قامت البینة علی نجاسة أحد الإناءین ، فان تنجیزها علی مقدار تنجیز العلم فلا تزاحمه.

وعن بعض أجلة العصر (1) وجه آخر فی مقام الانحلال لا بأس بذکره وبیان ما یتعلق به من وجوه الاشکال ، قال دام بقاه : إن العلم یعتبر فی موضوع حکم العقل من حیث إنه طریق قاطع للعذر ، لا من حیث إنه صفة خاصة ، ولذا تقوم الامارات مقامه ، وقد بینا الفرق بینهما فی مبحث حجیة القطع ، وعلی هذا لو قامت أمارة معتبرة (2) علی بعض الأطراف مفصلا ، فالمعلوم بصفة أنه معلوم وإن کان بعد مرددا ، ولکن ما قام علیه الطریق المعتبر القاطع للعذر لیس مردّدا ، فما یکون ملاک حکم العقل بوجوب الامتثال مفصل ، وما بقی علی إجماله لیس ملاکا لحکم العقل.

ویرد علیه : أولا - أن قاطعیة العلم للعذر لیس إلا بلحاظ کشفه التام ، لا بلحاظ حیثیة أخری ، وحیثیة کشفه التام هی التی بها یکون العلم علما ، وإلا فسائر حیثیاته من کونه عرضا وکیفا ، وکونه کیفا نفسانیا ، وکونه کیفا إدراکیا ، وکونه إدراکیا غیر جزمی أجنبیة عن العلم المأخوذ فی الموضوع ، فلا یعقل إلغاء جهة کشفه التام ، ولحاظ حیثیة قاطعیته للعذر ، کما فصلنا القول فیه فی أوائل

ص: 122


1- 1. درر الفوائد : 439.
2- 2. فی المصدر زیادة : أو طریق معتبر.

مباحث القطع (1) ، فراجع.

وثانیا - هذا العلم الجزئی المتعلق بالمردد علی ما یراه لا یتفاوت حاله من حیث لحاظه بما هو صفة خاصة وبما هو طریق قاطع للعذر ، فان المتعلق لا ینقلب عما هو علیه بلحاظ بعض حیثیات ما تعلق به ، فالمتعلق بلحاظ طریقیته أیضا مردّد.

وثالثا - أن الطریق القاطع للعذر علی الفرض متعدد :

أحدهما - العلم من حیث طریقیّته القاطعة للعذر.

والآخر الامارة المعتبرة.

فکلّیّ القاطع للعذر موجود بوجودین ، فما وجه تقدیم الامارة فی التأثیر مع تقدم العلم فی الوجود؟.

38 - قوله (قدّس سره) : ولو لا ذلک لما کان یجدی القول (2) ... الخ.

بیانه : أنه لا بد من الالتزام بصرف تنجز الواقع إلی مورد الحجة ، وإلا فالالتزام بالانطباق بناء علی جعل الحکم المماثل غیر وجیه ؛ لأن الحکم المماثل حکم مجعول بسبب حادث حقیقة ، وإن کان مدلول الأمارة ثبوت الواقع من الأول ، لکنه لا فعلیة له إلا عند قیام الأمارة ، فالحکم الفعلی الحادث بقیام الأمارة لا یمکن احتمال کونه الحکم الفعلی المعلوم بالاجمال من السابق.

فمناط عدم الانطباق تأخر التکلیف الفعلی الثابت بقیام الأمارة ، وتقدم التکلیف الفعلی المعلوم بالاجمال.

ومناط عدم الانطباق عندنا ، کما عرفت (3) مجرد التعدد فی الوجود ، وإن

ص: 123


1- 1. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 20.
2- 2. کفایة الأصول : 347.
3- 3. فی التعلیقة : 35 حیث قال فعلی أی تقدیر یکون الثابت بدلیل اعتبار الأمارة غیر الحکم الواقعی المعلوم بالاجمال قطعا ...

کان التکلیف الثابت بالأمارة من الاول.

ولا یخفی أن دعوی تأخر التکلیف الفعلی لا محالة لأحد أمرین :

إما عدم کفایة وجود الحجة الواقعیة فی فعلیة الحکم علی طبق مدلولها من الأول مع کونها بحیث لو تفحص عنها لظفر بها.

وإمّا کون الأمارة ملحوظة بنحو السببیة والموضوعیة ، حیث إن التکلیف المرتب علیها علی حد سائر التکالیف وموضوعاتها تکون فعلیتها بفعلیة موضوعاتها.

والأول خلاف مبناه (قدّس سره) کما تقدم (1) منه فی قاعدة قبح العقاب بلا بیان.

والثانی خلف فی المقام ؛ إذ الکلام فی قیام الحجة علی الحکم ، وإلا فالامارة أجنبیة عن إثبات الواقع المعلوم.

وتحقیق المقام : أن جعل الحکم المماثل :

إما بعنوان الموضوعیة ، وأن ما قامت علیه الامارة ذا مصلحة مقتضیة لجعل الحکم علی طبق مؤداها ، فهو حکم آخر غیر الحکم الواقعی ، ومنبعث عن غرض آخر غیر الغرض المنبعث عنه الحکم الواقعی ، فلا یجری فیه صرف فعلیة الواقع ، ولا صرف تنجزه إلی موردها ، لفرض تعدد الحکم حقیقة بتعدد الغرض.

وحیث إن العلم أسبق منها وجودا فلا مجال لتأثیر الحجة فی فعلیة الحکم ولا فی تنجزه.

ص: 124


1- 1. حیث قال وأما العقل ، فانه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة علی مخالفة التکلیف المجهول بعد الفحص والیأس عن الظفر بما کان حجة علیه فانه صریح فی کفایة الحجة الواقعیة علی التکلیف إذا کانت فی معرض الوصول بحیث لو فحص عنها المکلف لظفر بها ، فلذا لو لم یفحص عنها کان معاقبا علی المخالفة عند المصادفة ، وأما فی صورة الخطأ وعدم المصادفة فیبتنی علی صحة عقاب المتجرّی عقلا وعدمها.

فامتناع اجتماع الفعلیین واستحالة تنجز المنجز لا یجدی فی إسقاط المعلوم عن الفعلیة ، وسقوط العلم عن التنجیز.

وإما بعنوان الطریقیة ، وایصال الواقع بعنوان آخر ، بحیث ینبعث هذا الحکم المماثل عن ذلک الغرض الذی انبعث عنه الحکم الواقعی ، ولذا یکون مقصورا علی صورة مصادفة الواقع.

فهناک إنشاءان بداعی جعل الداعی ، أحدهما المتعلق بالواقع بعنوانه ، والآخر بعنوان تصدیق العادل مثلا.

والفعلی بالحقیقة هو الواصل بالحقیقة ، وهو الإنشاء الثانی ، وتنسب الفعلیة إلی الواقع بالعرض ، حیث إنه بعنوان إیصال الواقع بایصال مماثله.

فربما یتوهم صرف فعلیة الواقع ، وتنجزه بهذه الملاحظة ، لکنه صرف بالعنایة لا بالحقیقة ، فلو کان معلوما بالاجمال ، فهو بالغ مرتبة الفعلیة والتنجز بسبب العلم ، فلا بد من إبداء المانع عن فعلیته وتنجزه بقیام ما یوجب فعلیة الحکم المماثل وتنجزه.

وما ذکرناه (1) فی صرف تنجز الواقع من حیث تعلق الأمارة بالواقع الخاص الموجبة لتنجز الخاص إنما یجدی إذا کانت موجبة لفعلیة الخاص وتنجزه ، لا فی فعلیة (2) حکم آخر وتنجزه.

39 - قوله (قدّس سره) : وإلا فالانحلال إلی العلم بما فی الموارد (3) ... الخ.

والکاشف عنه أن إخراج ما یساوی مقدار المعلوم بالاجمال - عن

ص: 125


1- 1. فی التعلیقة : 37.
2- 2. هکذا فی الأصل ، لکن الصحیح : لا لفعلیّة.
3- 3. کفایة الأصول : 347.

المحتملات التی لا طریق علیها - لا یوجب زوال العلم الاجمالی ، فهو کاشف عن خروجها عن أطراف الشبهة.

کما أن إخراج ذلک المقدار عن مؤدیات الطرق والأصول العملیة المثبتة للتکالیف یوجب زوال العلم الاجمالی فی الباقی.

فان قلت : الطرق الغیر المعتبرة :

إن کانت داخلة فی اطراف العلم حقیقة لزم من الاحتیاط فیها الالتزام به فیما لا نص فیه ؛ لعدم القول بالفصل بین ما لا نص فیه ، وما فیه نص غیر معتبر من حیث البراءة والاحتیاط.

وإن کانت خارجة عن أطراف العلم ، فالخصم حینئذ مستظهر للقطع بثبوت الواقعیات إجمالا فی جمیع الروایات الضعیفة والشهرات والاجماعات المنقولة ، وسائر الامارات الغیر المعتبرة ، وباقی المشتبهات التی لا طریق علیها أصلا.

قلت : لنا الالتزام بالشق الأول ، ولا یلزم من الاحتیاط فی بعض المشتبهات بسبب العلم الاجمالی الاحتیاط فی غیرها الذی لا یکون من أطراف العلم ، فان عدم القول بالفصل إنما هو فی المشتبهات بما هی مشتبهات ، لا بین ما فیه ملاک الاحتیاط ، وما لیس فیه ذلک الملاک.

ولنا الالتزام بالشق الثانی ، لکنّا نقول : بعد إخراج الأمارات الغیر المعتبرة الموافقة للامارات المعتبرة ، والأصول العملیة ، وإخراج الأمارات المعارضة بالامارات المعتبرة لا بأس بدعوی عدم العلم الاجمالی فی سائر الامارات الغیر المعتبرة والمشتبهات خصوصا بعد إخراج بعض الشهرات الجابرة للأخبار الضعیفة ، فان مثل هذا الخبر الضعیف والشهرة التی لا دلیل علی اعتبارها خارج أیضا.

وکذا بعض الاجماعات المنقولة المعتضد بعضها ببعض الموجب للقطع أو

ص: 126

الاطمئنان بالتکلیف ، أو بوجود مدرک صحیح له ، فانه بعد إخراج هذه الجملة لیست دعوی عدم العلم الاجمالی مجازفة. هذا بعض الکلام فی ما یناسب المقام من انحلال العلم الاجمالی.

والتحقیق : أن مثل هذا العلم الاجمالی بالأحکام هو فی نفسه قاصر عن تنجیز الواقعیات ، لما مرّ فی مباحث الانسداد من عدم تعلقه بأحکام فعلیة بعثیة أو زجریة ، بل بأحکام کلیة بنحو القضایا الحقیقیة المنوطة فعلیتها بفعلیة موضوعاتها عند الابتلاء بها ، لوضوح تدریجیة الابتلاء.

فالمناط عندنا تدریجیة الفعلیة بتدریجیة الابتلاء بها ، لا تدریجیة الاستنباط ، کما یراه (1) شیخنا الأستاذ (قدّس سره) فراجع ما حررناه (2) فی أوائل مقدمات الانسداد ، والله أعلم بالسداد.

40 - قوله (قدّس سره) : وفیه اولا انه لا وجه للاستدلال (3) ... الخ.

تحقیق المقام : أن مسألة الحظر والاباحة ، ومسألة البراءة والاحتیاط مختلفتان موضوعا وملاکا وأثرا ، لا محمولا ، فلا وجه للاستدلال باحداهما علی الأخری.

أما اختلافهما موضوعا ؛ فلأن الموضوع فی الأولی هو الفعل فی حدّ ذاته مع قطع النظر عن ورود الحکم الشرعی فیه ، والموضوع فی الثانیة هو الفعل المشکوک حلیته وحرمته شرعا مع ثبوت اصل الحکم فیه.

واما اختلافهما ملاکا فلأن الملاک فی المسألة الثانیة قبح العقاب بلا بیان

فی انحلال العلم الاجمالی بالاحکام بالأمارات والأصول المثبتة قبل المراجعة الیها وعدمه

فی اختلاف مسألة الحظر والاباحة ومسألة البراءة والاحتیاط موضوعا وملاکا واثرا لا محمولا

ص: 127


1- 1. کما هو صریح کلامه قده فی المقدمة الرابعة من مبحث الانسداد. کفایة الأصول : 314.
2- 2. حیث قال - بعد بیان مراد المصنف قده بقوله واما الکلام فیه خصوصا - بل یمکن أن یقال الخ ، نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 132.
3- 3. کفایة الأصول : 348.

للبراءة ، ولزوم دفع الضرر المحتمل للاحتیاط.

فملاک البراءة عدم تنجز التکلیف بعدم وصوله ، وملاک الاحتیاط تنجز التکلیف باحتماله.

بخلاف المسألة الأولی ، فان التکلیف فیه مفروض العدم لا موقع لتنجزه باحتماله ، ولا لعدمه بعدم وصوله.

بل ملاک الحظر عقلا أن العبد من حیث إنه مملوک لا بد من أن یکون صدوره ووروده عن إذن مالکه ، ففعل ما لم یأذن به مالکه إذنا مالکیّا خروج عن زیّ الرقیّة ، فیکون قبیحا مذموما علیه عقلا.

وملاک الاباحة : أن الفعل حیث لم یمنع عنه المولی ، لا من حیث الشارعیّة ، ولا من حیث المالکیة ، فلا یکون خروجا عن زیّ العبودیة ، لا من حیث إن التکلیف غیر واصل ، بل من حیث عدم التکلیف وعدم المنع المالکی علی الفرض.

وأما اختلافهما أثرا ، فلأن الحظر فی المسألة الأولی من حیث کونه خروجا عن زی الرقیة ، لعدم الاذن المالکی ، فهو معاقب علیه علی أی حال.

بخلاف الاحتیاط فی المسألة الثانیة ، فانه من حیث تنجز الواقع باحتماله فیدور مدار مصادفة الاحتمال للواقع.

وأما عدم اختلافهما محمولا. فان المحمول فی المسألة الأولی ، وان عبر عنه بعنوان الحظر والاباحة ، إلا أن المراد منهما عدم التبعة والحرج عقلا ، أو التبعة والحرج عقلا ، لأن الاباحة التکلیفیة والحظر التکلیفی من العقل بما هی قوة عاقلة شأنها التعقل غیر معقولة ، ومن الشارع مفروض العدم ؛ لأن الموضوع هو الفعل فی حد ذاته ، مع قطع النظر عن ورود الشرع فیه ، ففرض استقلال العقل باباحته شرعا أو بحرمته شرعا خلف بیّن.

والمحمول فی المسألة الثانیة استحقاق العقوبة علی مخالفة التکلیف

ص: 128

المحتمل وعدمه ، فلا فرق بینهما محمولا بالاضافة الی البراءة والاحتیاط العقلیین.

ومنه تبین أن دعوی (1) اختلافهما محمولا : تارة - من حیث إن الاباحة فی المسألة الأولی واقعیة ، وفی الثانیة ظاهریة. وأخری - من حیث إن المحمول فی الأولی هو الحکم اباحة أو حظرا ، وفی الثانیة نفی المؤاخذة حتی فی الأدلة النقلیة.

مدفوعة بأن فرض سنخ مقولة الحکم فی المسألة الأولی خلف تارة ، وخلاف الواقع أخری. کما عرفت.

مع أن إرجاع المحمول فی الثانیة إلی نفی المؤاخذة فی الأدلة النقلیة جمیعا خلاف التحقیق ، بل التحقیق فی الفرق ما عرفت.

وبعد افتراق المسألتین موضوعا وملاکا وثمرة ، فکیف یصح الاستدلال باحداهما علی الأخری؟

نعم یمکن أن یقال فی تقریب الاستدلال : إن الحرمة الواقعیة المحتملة هنا وإن لم تتنجز ، لعدم وصولها ، والعقاب علی التکلیف الغیر الواصل قبیح عقلا ، لکنه حیث إنه فعل لم یأذن به المولی ، ولا بد من کون صدور العبد ووروده عن إذن سیده ، فهو خروج عن زی الرقیة ورسم العبودیة ، فیعاقب علیه من هذه الحیثیة ، وهی حیثیة ملازمة عقلا لهذه المسألة دائما.

ومنه یظهر أنه یمکن الاستدلال بالحظر فی تلک المسألة علی الاحتیاط فی هذه المسألة ، لتلازم الحیثیتین ، دون الاستدلال بالاباحة هناک علی البراءة هنا ، فان عدم الحرج علی الفعل الذی فرض فیه عدم المنع شرعا ومالکیا لا یلازم عدم الحرج فی الفعل المحتمل لورود المنع عنه شرعا.

کما أنه یظهر أن جریان قاعدة قبح العقاب بلا بیان هنا وعدم جریانها

ص: 129


1- 1. لم نجد هذا المدعی فیما بأیدینا من کتب الأصول.

فی تلک المسألة لا یوجب عدم الاحتیاط هنا ، فان القاعدة وإن جرت هنا ، ولم تجر هناک لفرض عدم التکلیف ، فلا موقع للبیان وعدمه ، إلا أن ملاک الحظر وهو عدم الاذن موجود هنا ، فالعقاب وإن کان لا یصح علی الواقع المحتمل ، لکنه یصح علی الفعل من حیث إنه لم یأذن به المالک.

فالجواب الأول والأخیر المذکوران فی المتن مورد المناقشة.

والتحقیق فی الجواب یتوقف علی بیان مقدمة ، وهی بیان الفرق بین المنع والاباحة الشرعیین ، والاباحة والمنع المالکیین ، وهو أن المنع :

تارة - ینشأ عن مفسدة فی الفعل تبعث الشارع - بما هو مراع لمصالح عباده وحفظهم عن الوقوع فی المفاسد - علی الزجر والردع عما فیه المفسدة ، وهذا هو المنع الشرعی ، لصدوره من الشارع بما هو شارع.

وفی قباله الاباحة الشرعیة الناشئة عن لا اقتضائیة الموضوع. وخلوه عن المفسدة والمصلحة ، فان سنة الله تعالی ورحمته مقتضیة للترخیص فی مثله ، لئلا یکون العبد فی ضیق منه.

وأخری لا ینشأ عن مفسدة إما لفرض خلوّه عنها ، أو لفرض عدم تأثیرها فعلا فی الزجر ، کما فی ما قبل تشریع الشرائع والاحکام وفی بدو الاسلام.

بل من حیث إنه مالک للعبد ، وناصیته بیده یمنعه عن کل فعل إلی أن یقع موقع حکم من الاحکام ، حتی یکون صدوره ووروده عن رأی مولاه ، فهذا منع مالکی لا شرعی.

وفی قباله الاباحة المالکیة ، وهو الترخیص من قبل المالک لئلا یکون فی ضیق منه إلی أن یقع الفعل موقع حکم من الأحکام.

فنقول : حیث إن الشارع کل تکالیفه منبعثة عن المصالح والمفاسد ، لانحصار أغراضه المولویة فیها ، فلیس له إلا زجر تشریعی أو ترخیص کذلک ، فمنعه وترخیصه لا ینبعثان إلا عما ذکر ، ولا محالة إذا فرض خلوّ الفعل عن

ص: 130

الحکم بقول مطلق - أعنی الحکم الذی قام بصدد تبلیغه وإن کان لا یخلو موضوع من الموضوعات من حکم واقعی وحیا أو إلهاما ، - فلیس الفعل منافیا لغرض المولی بما هو شارع فلیس فعله خروجا عن زیّ الرقیّة.

ومنه تبیّن أن الأصل فیه هو الاباحة ، لا الحظر ، فان عدم الاذن المفروض فی الموضوع لا یؤثر عقلا فی المنع العقلی إلا باعتبار کون الفعل معه خروجا عن زی الرقیة ، وحیث إنه فرض فیه عدم المنع شرعا ، فلا یکون خروجا عن زی الرقیة ، إذ فعل ما لا ینافی غرض المولی بوجه من الوجوه بل کان وجوده وعدمه علی حد سواء لا یکون خروجا عن زی الرقیة.

بل منه یظهر أن الأمر بالاضافة إلی سائر الموالی کذلک ، فان العبد إنما یجب أن یکون صدوره ووروده عن رأی المولی ، لئلا یقع فیما ینافی غرض المولی ، فاذا فرض عدم الغرض المولوی بفرض عدم التکلیف فلا محالة لا یکون الفعل خروجا عن زی الرقیة.

هذا کله مضافا إلی أن الحاجة إلی الترخیص المالکی ، أو کفایة عدم المنع المالکی إنما هو فی مورد عدم إعمال حیثیة الشارعیة منعا وترخیصا ، فان ترقب الترخیص المالکی والمنع المالکی إنما هو فی ذلک المورد.

وعلیه ، فالحظر عقلا فی ما لا ترخیص مالکی فیه إنما هو فی الفعل المفروض عدم إعمال حیثیة الشارعیة فیه ، کما فی تلک المسألة ، لا مع فرض إعمالها منعا أو ترخیصا ، فالحیثیتان متقابلتان لا متلازمتان. وبقیة الکلام فی محله.

41 - قوله (قدّس سره) : وما قیل من أن الاقدام علی ما لا یؤمن المفسدة فیه (1) ... الخ.

تارة - یستدل به للاحتیاط فیما نحن فیه کما هو الظاهر من العبارة. وقد

ص: 131


1- 1. کفایة الأصول : 348.

تقدم (1) أیضا فی ذیل قاعدة قبح العقاب بلا بیان ، فالاستدلال به وجیه.

وجوابه ما فی الکتاب ، وقد قدمنا ما عندنا (2).

وأخری یستدل به للقول بالحظر فی مسألة الحظر والاباحة ، کما نسب إلی الشیخین رحمهما الله وغیرهما علی ما فی رسائل (3) شیخنا العلامة الانصاری (قدّس سره) ، فهو غیر صحیح لأن المفسدة : إن کانت بالغة مرتبة التأثیر فی الحرمة ، ففرضها فی تلک المسألة خلف ؛ لأن الکلام فی إباحة الشیء وحظره عقلا مع فرض خلوه عن الحکم الشرعی.

وإن لم تکن بالغة حد التأثیر فهی غیر بالغة حد الغرض المولوی حتی یکون الاقدام علیه من هذه الحیثیة منافیا لغرض المولی ، لیکون خروجا عن زی الرقیة.

وأما أن أصل الاقدام بلا إذن من المولی خروج عن زی الرقیة ، فهو وجه آخر ، وقد قدمنا جوابه (4).

ومما ذکرنا تبین أنه لا وجه للتردید فی المفسدة بین العقوبة الأخرویة ، وغیرها فی مقام الاستدلال لمسألة الحظر والاباحة ، إذ لا حکم من الشارع علی الفرض لیکون هناک عقوبة علی مخالفته ، بل العقوبة علی الحظر مما یحکم به العقل من باب ترتبها علی فعل ما یحتمل فیه المفسدة.

فی اختلاف مسألة الحظر والاباحة ومسألة البراءة والاحتیاط موضوعا وملاکا واثرا لا محمولا

ص: 132


1- 1. کفایة الأصول : 344.
2- 2. فی التعلیقة : 30.
3- 3. فرائد الأصول المحشی : 2 / 33.
4- 4. فی التعلیقة المتقدمة حیث قال قده نعم یمکن أن یقال فی تقریب الاستدلال إن الحرمة الواقعیة المحتملة وان لم تتنجز لعدم وصولها إلی أن قال لکنه حیث إنه فعل لم یأذن به المولی الخ.

تنبیهات البراءة

ص: 133

ص: 134

[ التنبیه الأول ]

42 - قوله (قدّس سره) : فاصالة عدم التذکیة تدرجها فیما لم یذک (1) ... الخ.

وأما أصالة عدم کونها میتة فمدفوعة :

إما بما فی المتن من أن ما عدا المذکی ، وإن لم تکن میتة - لکونها عبارة عما مات حتف أنفه - إلاّ أنها مثلها حکما شرعا ، فمجرد عدم کونه میتة لا ینفی الحرمة والنجاسة ، لیعارض ما یوجب الحرمة والنجاسة.

وإما بما عن غیر واحد من أن المراد بالمیتة شرعا کل ما لم یذک شرعا ، سواء مات حتف أنفه ، أو زهق روحه بغیر الذبح الخاص ، ولا أصل فی مثلها.

وظاهر بعض الأخبار المتضمنة للمقابلة بین المذکی والمیتة وإن کان ذلک.

إلاّ أن ظاهر قوله تعالی : ( حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَما أُهِلَّ لِغَیْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّیَةُ ) إلی قوله تعالی : ( إِلاَّ ما ذَکَّیْتُمْ ) (2) هو إرادة المیتة بموت حتف الأنف ، لا مطلق غیر المذکی ، وإلاّ لما صح إفرادها بالذکر عن سائر أفرادها.

ثم إن تحقیق القول فی جریان أصالة عدم التذکیة فی نفسها یقتضی بسطا فی الکلام ، ومختصر القول فیها : أن المذکی وما یقابله شرعا ، إما متقابلان بتقابل التضاد ، أو بتقابل العدم والملکة ، أو بتقابل السلب والایجاب ، إما بنحو العدم

التنبیه الأول من تنبیهات البراءة

ص: 135


1- 1. کفایة الأصول : 349.
2- 2. المائدة : 3.

المحمولی ، أو بنحو عدم الرابط.

فان کانا متقابلین بتقابل التضاد ، نظرا إلی أن التذکیة زهاق الروح بوجه خاص ، ومقابلها زهاق الروح بوجه آخر ، فالأصل فیهما علی حد سواء.

وربما یتوهم لزوم التضاد ، نظرا إلی أن الحرمة لا تنبعث إلا عن مفسدة وجودیة قائمة بخصوصیة وجودیة ، وکذا النجاسة لیست إلا لوجود ما یوجب تنفر الطبع ، فأصالة عدم التزکیة معارضة بأصالة عدم ثبوت تلک الخصوصیة المقتضیة للحرمة والنجاسة.

إلاّ أن الوجه المزبور - المقتضی لتقابل التضاد - مدفوع ، بأنه من الممکن أن یکون زهاق الروح فی حدّ ذاته موجبا للحرمة والنّجاسة ، والخصوصیات الثبوتیة من فری الأوداج والتسمیة والاستقبال مانعة عن تأثیره فی الحرمة والنجاسة.

فلا موجب لفرض خصوصیة ثبوتیة مقتضیة للحرمة والنجاسة ما عدا زهاق الروح المحرز بالوجدان.

وإن کانا متقابلین بتقابل العدم والملکة - بأن کان موضوع الحلیة والطهارة ما کان مذکی ، وموضوع الحرمة والنجاسة ما کان غیر مذکی ، - فلا محالة لا مجری لأصالة عدم التذکیة بهذا المعنی ؛ إذ الموضوع - للمذکی وغیر مذکی - ما زهق روحه ، وإلا فالحی من الحیوان لا مذکی ولا غیر مذکی.

ولم یعلم أن ما زهق روحه کان غیر مذکی ، کما لم یعلم أنه کان مذکی.

وعدم کونه مذکی بنحو السلب المقابل للایجاب ، وإن کان یصدق فی حال الحیاة - ، بداهة عدم خلو کل شیء عن أحد طرفی السلب والایجاب ، بل یصدق بنحو السالبة بانتفاء الموضوع قبل حیاته أیضا - إلاّ أنه علی الفرض لیس موضوعا للحکم ، وإن لزم من عدم کونه مذکی إلی أن زهق روحه کونه غیر مذکی ، إلا أنه لازم غیر شرعی ، فلا یثبت بالأصل.

ص: 136

وإن کانا متقابلین بتقابل السلب والایجاب بمعنی أن عدم التذکیة وإن کان عدم (1) ما شأنه أن یکون مذکی وهو ما زهق روحه.

لکنه لم یؤخذ العدم هکذا موضوعا للحکم ، بل أخذ ما یصدق حال الحیاة ، وهو ما لیس بمذکی.

وذلک کما أن عدم البصر ، تارة - یؤخذ بنحو عدم ما من شأنه أن یکون بصیرا فیساوق العمی ، فلا یصدق إلا علی الحیوان. وأخری - یؤخذ بنحو السلب المقابل للایجاب ، فیقال : الجدار لیس ببصیر ، کما أنه لیس بأعمی.

فاذا سلب المذکی عن الحیوان فی حال حیاته ، فقد صدق السلب المقابل للایجاب وإن لم یصدق العدم المضاف إلی ما من شأنه أن یکون مذکی.

فاذا أخذ العدم بنحو السلب المقابل للایجاب ، فتارة - یؤخذ بنحو العدم المحمولی. وأخری - بنحو عدم الرابط.

فالأول علی أنحاء : إمّا بنحو عدم العنوان ، ولو بعدم معنونه ، أو بنحو عدم المبدأ ، ولو بعدم موضوعه ، أو بنحو عدم الاضافة والانتساب ، ولو بعدم طرفیهما ، فیکون حینئذ موضوع الحکم مرکبا من أمر وجودی ، وهو زهاق الروح ، وأمر عدمی کعدم العنوان أو عدم المبدأ أو عدم الانتساب.

فیصح إحراز العدم علی أحد الوجوه الثلاثة بالأصل ، ومع إحراز زهاق الروح وجدانا یحکم بالحرمة والنجاسة.

والثانی - بأن یکون الموضوع ما إذا لم یکن ما زهق روحه مذکی.

والفرق بینه وبین العدم والملکة ، أن الموضوع هناک ما کان غیر مذکی

ص: 137


1- 1. فی العبارة مسامحة لأن عدم التذکیة لیس عدم ما زهق روحه بل هو العدم فیه باعتبار کونه قابلا للتذکیة فکان ینبغی أن یقال وإن کان هو العدم فیما شانه أن یکون مذکی وکذلک قوله قده کما أن عدم البصر تارة یؤخذ بنحو عدم ما من شأنه أن یکون بصیرا فان عدم البصر لیس عدم ما یکون قابلا للبصر بل هو العدم الملحوظ فیما من شأنه أن یکون بصیرا وواجدا للملکة.

بنحو ربط السلب ، والموضوع هنا ما لم یکن ما زهق روحه مذکی ، بنحو سلب الربط عن موضوع مفروض الثبوت.

فمرجع العدم والملکة إلی موجبة معدولة المحمول ، ومرجع سلب الربط إلی السالبة المحصلة ، ولکن بانتفاء المحمول ، لا ولو کانت بانتفاء الموضوع.

وحیث إن السلب حینئذ بعنوان سلب الربط عما زهق روحه ، فلا مجری لأصالة عدم التذکیة ؛ إذ لا علم بعدم کون ما زهق روحه فی فرض ثبوته مذکی.

ولا یخفی علیک أن عدم التذکیة وسلبها عما زهق روحه لیس مساوقا للعدم الناعتی فی قبال الوجود الرابطی ، لا بمعناه المقابل للوجود النّفسی ، ولا بمعناه المقابل للوجود المحمولی.

بیانه : أن الوجود الرابطی له إطلاقان :

أحدهما - فی مقابل الوجود النّفسی ، کالعرض فی قبال الجوهر ، فان کلیهما موجود فی نفسه ، إلا أن وجود العرض لکونه سنخ وجود حلولی فی الموضوع ، فوجوده فی نفسه وجوده لموضوعه ، ووجود الجوهر حیث إنه وجود غیر حالّ فی الموضوع فهو موجود فی نفسه لنفسه ، أی لا لغیره.

ومنه علم أن التعبیر (1) عن هذا المعنی - بأن وجود العرض فی نفسه ولنفسه وجوده فی موضوعه ولموضوعه لیس علی ما ینبغی ، فان معنی وجوده فی نفسه فی قبال لا فی نفسه وهو الکون الرابطی الموجود فی الهلیّات المرکبة الإیجابیة.

ص: 138


1- 1. کما عن المحقق النائینی قده : قال فی مبحث العام والخاص وجود العرض بنفسه ولنفسه عین وجوده لمحلّه وبمحلّه. فوائد الأصول : 1 / 532.

وأما وجوده لنفسه فهو مناف للمقابلة مع الجوهر ، فان المفروض أنه موجود حلولی فی الموضوع ، فکون العرض فی الموضوع ، وکونه لموضوعه بمعنی واحد ، فکونه فی نفسه مع کونه لنفسه غیر متلائمین ؛ إذ لیس معنی نفسیته إلاّ أن الوجود مضاف إلی ماهیة هو کونها ، فی قبال ثبوت شیء لشیء.

وبالجملة : الناعتیة والرابطیة لهذا الوجود باعتبار أن سنخ وجوده حلولی فی الموضوع.

والعدم لا شیء ، حتی یکون له حلول فی شیء ، کی یصح توصیفه حقیقة بالناعتیة والرابطیة ، وتوصیف عدم البیاض بالناعتیة من باب التشبیه للعدم بالوجود ، کما یقال : عدم العلة علة لعدم المعلول ، مع أنه لا تأثیر ولا تأثر فی الأعدام.

فماهیة البیاض حیث إنها ماهیة إذا وجدت خارجا وجدت فی الموضوع صح أن یقال : إن عدمه عدم أمر ناعتی ، کما أن الجوهریة والعرضیة للماهیّات بلحاظ أنها إذا وجدت خارجا وجدت فی الموضوع أولا فی الموضوع.

ثانیهما - فی مقابل الوجود المحمولی ، وهو الوجود لا فی نفسه ، فی قبال الوجود المضاف إلی ما یصح حمله علیه ، وهو مفاد ثبوت شیء لشیء ، فانه ثبوت متوسط ، شأنه محض الربط ، ولذا اصطلح المتأخرون من المحققین علی تسمیته بالوجود الرابط ، لیمتاز عن الوجود الرابطی المتقدم ذکره. ومورد الوجود الرابط خصوص مفاد الهلیّة المرکبة الایجابیة دون الهلیّة البسیطة ، والسالبة المرکبة.

إذ فی الهلیة البسیطة إما یکون القضیة ثبوت الشیء ، أو عدمه ، حیث لا ثبوت للثبوت ، ولا ثبوت للعدم ولا عدم للثبوت ، إذ المماثل لا یقبل المماثل ، والمقابل لا یقبل المقابل ، فمفاد قولنا : زید موجود ، وزید معدوم ، وزید لیس بموجود ، لیس إلا الحکایة عن الوجود فی الأول ، وعن العدم فی الاخیرین.

ص: 139

والوجود الرابط بالمعنی المزبور غیر النسبة الحکمیة الموجودة فی جمیع العقود والقضایا ، فان مفاد الوجود الرابط ثبوت شیء لشیء ، ومفاد النسبة الایجادیة الحکمیة کون هذا ذاک ، فیتصادقان أحیانا فی الهلیة المرکبة الایجابیة.

وأما فی الهلیة البسیطة الإیجابیة ، فالهویة الخارجیة وإن کان مطابق مفهوم الموضوع ومفهوم المحمول - فیصح أن یقال : هذا ذاک فی الوجود ، کما هو شأن الحمل الشائع إلاّ أنه لیس هناک فی الواقع ثبوت شیء لشیء ، بل ما فی الواقع نفس ثبوت الشیء.

وحیث إن ثبوت شیء لشیء فرع ثبوت المثبت له دون الثابت ، فیکون الوجود الرابط متحققا فی ( زید بصیر وزید أعمی ) ، مع أن العمی عدم البصر فیما من شأنه أن یکون بصیرا ، فیوجد الوجود الرابط فی مورد الوجود الرابطی بالمعنی الاول وفی غیره.

وحیث إن المحمول فی مثل ( زید أعمی ) أو ( الانسان ممکن ) عدمی کان من الموجبة المعدولة المحمول ، ویکون مفاد النسبة ربط السلب ، فان السلب فی مثله جزء المحمول.

وأما فی السالبة المحصلة المرکبة ، کزید لیس بقائم ، فکما لا وجود رابط ، کذلک لا عدم رابط ، بل عدم الرابط ، فان التحقیق علی ما علیه قدماء الفلاسفة والمحققون من المتأخرین أنه لیس العدم رابطا ، ولیست النسبة علی قسمین ثبوتیة وسلبیة ، فان حقیقة النسبة المتحققة فی جمیع القضایا لیست ، إلا کون هذا ذاک ، ومطابقها هویة واحدة هی وجود الموضوع والمحمول ، وما به اتحادهما ، لا بما هو وجود کل منهما فی نفسه.

فهذا الاتحاد الجزئی المتصور ، تارة - یذعن العقل بثبوته ، فالقضیة موجبة. وأخری - یذعن العقل بانتفائه ، فتکون القضیة سالبة ، لا أنه بحسب الواقع شیء رابط هو عین الانتفاء واللیسیة ، فان العدم علی أی حال لا شیء ، فلا معنی

ص: 140

لصیرورته ما به اتحاد الموضوع والمحمول ، وما به ارتباطهما ، بل الاتحاد المتصوّر والربط المعقول بینهما یحکم بسلبه وبانتفائه.

فلذا قلنا : بأن مرجع السالبة المحصلة المرکبة إلی سلب ربط شیء بشیء لا إلی عدم رابط بین شیئین.

فظهر مما ذکرنا الفرق بین الوجود الرابطی والوجود الرابط ، وبین الوجود الرابط والنسبة الحکمیة. کما تبین أنه لا عدم ناعتی رابطی ، ولا عدم رابط ، ولا نسبة سلبیة ، بل لیس إلا سلب الربط وانتفاء النسبة.

وقد ذکرنا فی مبحث المشتق من الجزء الأول (1) من الحاشیة : أن ورود السلب - علی الربط والنسبة - لا یوجب انقلاب المعنی الحرفی اسمیا.

اذ کما أن ملاحظة الموضوع مطابقا لمفهوم المحمول لیس ملاحظة مطابقة الموضوع للمحمول ، کذلک لیس ملاحظة عدم کون الموضوع مطابقا لمفهوم المحمول ملاحظة عدم مطابقته ، حتی تکون المطابقة المضاف إلیها العدم معنی اسمیا. فراجع.

ومما ذکرنا یندفع التفصیل الذی بنی علیه بعض (2) أعلام العصر فی أمثال المقام.

ومختصر هذا التفصیل : أن موضوع الحکم تارة - یکون مرکبا من العرض ومحله. وأخری - من عرضین لمحل واحد أو لمحلّین ، والعرض وجوده وعدمه ناعتی لمحله ، ولا یعقل أن یکون وجوده أو عدمه ناعتیا لعرض آخر ، فان الناعتیة شأن العرض بالنسبة إلی موضوعه دون غیره ، سواء کان عرضا أو جوهرا.

ص: 141


1- 1. نهایة الدرایة : 1 ، التعلیقة : 117.
2- 2. هو المحقق النائینی قده. فوائد الأصول : 1 / 2. أجود التقریرات : 2 / 424.

فان کان الموضوع من قبیل الأول ، فلا یجدی فی ترتب الأثر إلا الوجود الرابطی الناعتی أو للعدم الرابطی الناعتی فلا یجدی استصحاب العدم الازلی فانه عدم محمولی ، ولا یثبت بجره إلی حال وجود الموضوع عدمه الناعتی إلاّ بناء علی الأصل المثبت.

وإن کان من قبیل الثانی فلیس له إلا وجود محمولی ، أو عدم محمولی فیجدی استصحاب عدمه الأزلی المحمولی إلی حال وجود محله المحرز بالوجدان فی ترتیب الأثر.

وعلیه فمثل القرشیة بالنسبة إلی محلها - وهی المرأة - کالعرض بالنسبة إلی موضوعه ، وجودها وجود رابطی ناعتی ، وعدمها - المحکوم بما یقابل حکم القرشیة - عدم ناعتی ، فلا یمکن إثبات هذا العدم الناعتی باستصحاب عدم الانتساب الازلی الذی هو عدم محمولی.

وأما التذکیة ، فهی وإن کانت بالنسبة إلی محلها وهو الحیوان أیضا ناعتیا (1) ، إلا أنه (2) بالاضافة إلی الجزء الآخر وهو زهاق الروح لیس ناعتیا (3) إذ لیس عرض ناعتیّا لعرض آخر ، فیمکن استصحاب عدم التذکیة المتحقق حال حیاة الحیوان إلی حال زهاق الروح المحرز بالوجدان ، ولا یلزم إثبات کونه غیر مذکی فی حال زهاق الروح بنحو الناعتیة والرابطیة لزهاق الروح ، فانه بلا موجب ، هذا ملخص التفصیل المزبور.

وفیه مواقع للنظر :

اما أولا : فان العرض وإن کان وجوده ناعتیا ، لکنه یساوق الرابطی المقابل للنفسی ، لا الرابط المقابل للوجود المحمولی ، بل العرض والجوهر کلاهما

ص: 142


1- 1. الصحیح : ناعتیّة.
2- 2. الصحیح : أنها.
3- 3. الصحیح : لیست ناعتیة.

من أقسام الوجود المحمولی المقابل للرابط ، فالرابطی لیس مفاد کان الناقصة بل قابل لأن یلاحظ بنفسه وأن یرد علیه الرابط وما هو مفاد کان الناقصة هو الوجود الرابط وما هو مفاد کان التامة هو الوجود المحمولی.

وأما ثانیا : فلأنّ الناعتیّة للموضوع من شئون حلول العرض فی الموضوع ، وحلوله من لوازم وجوده ، لا من لوازم ماهیته ، فعدم العرض لیس ناعتیا لموضوعه ، إذ لا حلول للعدم فی شیء ، فانه لا شیء ، وهو من واضحات الفن کسابقه.

وأما ثالثا : فلأن فرض العدم المحمولی لشیء یستدعی فرض الوجود المحمولی له ، فان العدم بدیل الوجود ، ففرض العدم المحمولی للعرض فرض الوجود المحمولی له.

وأما رابعا : فلأن عدم کون العرض نعتا لعرض آخر لا یوجب حصر وجوده فی المحمولی ، وإنما یوجب عدم قیام العرض بالعرض ، وعدم قیام الجوهر به وبالجوهر ، لما عرفت من أن الناعتیة لیست فی قبال المحمولی ، حتی إذا استحالت الناعتیة وجبت المحمولیة ، بل المحمولی فی قبال الوجود الرابط.

ومن الواضح عند أهله أن مفاد القضیة الهلیة المرکبة الإیجابیة هو الوجود الرابط ، سواء کان طرفاه جوهرین أو عرضین أو جوهر وعرض ، والآثار المترتبة علی مفاد کان الناقصة وکان التامة تدور مدار الوجود الرابط والمحمولی ، لا مدار الوجود الناعتی والنفسی.

وأما خامسا : فلأنّ العرض وإن أخذ وجوده بنحو الناعتیة المقابلة للمحمولی عند هذا المفصّل ، إلا أن العدم الذی هو نقیض الوجود الرابط أو الرابطی رفعه ، ولیس العدم لا رابطیا ولا رابطا ، فغایة ما یحتاج إلیه فی نفی القرشیة الملحوظة بنحو الرابط هو نفیها ورفعها ولو برفع موضوعها.

ص: 143

وأمّا ما فی بعض کلمات المفصّل (1) من أن العرض وإن کان قابلا للحاظه بنحو الوجود المحمولی ، إلاّ أنه إذا ترکب الموضوع منه ومن محله فلا بد من ملاحظته بنحو الناعتیة لموضوعه ومحله ، لأن المحل إما أن یلاحظ مطلقا بالاضافة إلی العرض الذی هو جزء الموضوع أو مقیّدا به أو بضده ، حیث لا یعقل الاهمال فی الواقعیات ، والأول والأخیر محال ، للزوم الخلف والتناقض ، فلا بد من الوسط وهو أخذه مقیدا به ، وهو معنی الناعتیة ، ومفاد کان الناقصة.

فمندفع بأن التقیید به لازم الجزئیة ، وترکب الموضوع منهما ، وترتب أثر واحد علی المرکب ، وهذا أعم مما أفید ؛ إذ من الممکن ترکب الموضوع للأثر من المحل وهو الجسم ومن بیاضه ، ومجرّد إضافة وجود البیاض إلی الجسم لا یخرجه عن المحمولیة ، ولا یدرجه فی الرابط الذی هو مفاد کان الناقصة ، مثلا ترکب الموضوع من المرأة ومن انتسابها إلی قریش یلزمه عدم إطلاق المرأة ، لکنه لا یلزمه لحاظ القرشیة بنحو الوجود الرابط.

فالمتّبع فی أمثال المقام ملاحظة لسان الدلیل ومقام الاثبات ، لا أنّ مقام الثبوت مقتض للحاظ العرض بالاضافة إلی محله بنحو الرابط ، وبالاضافة إلی غیره بنحو المحمولیة.

وعلیه ، فنقول فیما نحن فیه : إن الذبح الخاص وزهاق الروح مع أنهما کعرضین ، ولیس أحدهما ناعتیا للآخر ، لکنه یمکن ملاحظتهما بنحو الرابط ، بأن یقول : ما زهق روحه عن ذبح خاص مثلا ، وسیجیء إن شاء الله تعالی بقیة الکلام.

إذا عرفت ما ذکرنا فی مقام الثبوت من أنحاء ما یمکن أن یقع موضوعا للحلیّة والطهارة وللحرمة والنجاسة.

فاعلم : أن الأدلة فی مقام الاثبات مختلفة ، فبعضها یتضمن المقابلة بین المیتة

ص: 144


1- 1. أجود التقریرات : 2 / 424.

والمذکی (1) ، وبعضها یتضمن المقابلة بین المذکی وغیر مذکی (2) ، وبعضها یتضمن المقابلة بین المذکی وعدم کونه مذکی (3) ، وبعضها یتضمن دوران الحکم مدار العلم بکونه میتة (4) ، وبعضها یتضمن دوران الحکم مدار العلم بکونه مذکی (5).

والذی یهوّن الخطب هو أنه لو لم یعلم أن الموضوع أخذ علی أی نحو - ولو من حیث أخذ العدم محمولیا وجزء من المرکب ، أو بنحو الرابط وقیدا لما زهق روحه - فلا یقین بما یمکن التعبد به فی مقام الحرمة والنجاسة.

ص: 145


1- 1. کما فی روایة الصیقل قال کتبت إلی الرضا علیه السلام إنی أعمل أغماد السیوف من جلود الحمر المیتة فتصیب ثیابی فأصلی فیها فکتب علیه السلام إلیّ : اتخذ ثوبا لصلاتک وکتبت إلی أبی جعفر الثانی علیه السلام إنی کنت کتبت إلی أبیک علیه السلام بکذا وکذا فصعب علی ذلک فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشیة الذکیة فکتب علیه السلام إلیّ : کل أعمال البرّ بالصبر یرحمک الله فان کان ما تعمل وحشیا ذکیا فلا بأس. الکافی : 3 / 407.
2- 2. کما فی صحیحة احمد بن محمد بن ابی نصر قال سألته عن الرجل یأتی السوق فیشتری جبة فراء لا یدری أذکیّة هی أم غیر ذکیّة أیصلی فیها فقال نعم لیس علیکم المسألة. التهذیب : 2 / 368.
3- 3. کما فی صحیحة أحمد بن محمد بن أبی نصر أیضا عن الرضا علیه السلام قال سألته عن الخفاف إلی أن قال لا یدری أذکیّ هو أم لا ما تقول فی الصلاة فیه وهو لا یدری أیصلی فیه قال نعم الحدیث. التهذیب : 2 / 371.
4- 4. کما فی حسنة علی بن أبی حمزة حیث قال علیه السلام ما علمت أنه میتة فلا تصلّ فیه. التهذیب : 2 / 368.
5- 5. کما فی موثقة ابن بکیر حیث قال علیه السلام وإن کان مما یؤکل لحمه فالصلاة فی وبره وبوله وشعره وروثه وألبانه وکل شیء منه جائزة إذا علمت أنه ذکی قد ذکاه الذبح الحدیث. الکافی : 3 / 397.

فان قلت : وإن لم یمکن إثبات الحرمة والنجاسة باحراز موضوعهما المقابل للمذکی بأحد أنحاء التقابل ، إلا أنه لا شبهة فی أن الحلیة والطهارة مترتبة علی المذکی ، وارتفاع الحکم بارتفاع موضوعه مما لا کلام فیه ، ورفع الموضوع نقیضه ، وإن لم یکن عدما رابطیا أو رابطا ؛ لأن نقیض الوجود الرابط عدمه ، لا العدم الرابط ، فضلا عن العدم الرابطی.

قلت : لا بد من ملاحظة موضوع الحلیة والطهارة علی نحو یرتفع الحلیة والطهارة بارتفاعه ، والمتصور بجمیع أنحائه :

إمّا لا یکون مرفوع الحلیة والطهارة ، فیعلم منه أنه لیس بنقیض له ، وإمّا لا یکون له حالة سابقة.

فمنها : جعل المؤثر فی الحلیة والطهارة زهاق الروح عن ذبح خاص ، ونقیضه عدم زهاق الروح عن ذبح خاص ، ومن المعلوم أن عدم زهاق الروح عن ذبح خاص یجامع حیاة الحیوان ، مع أن الحی من الحیوان غیر مرفوع الحلیة والطهارة ، ولو فرض حرمة ابتلاع الحیوان حیا ، فهو من غیر ناحیة عدم تذکیته.

ومنها : جعل المؤثر فی الحلیة والطهارة مجموع زهاق الروح والذبح والتسمیة والاستقبال واشباهها. ونقیضها عدم المجموع ، مع أنه یجامع حیاة الحیوان ، وهو غیر مرفوع الحلیة والطهارة عنه ، کما تقدم.

ومنها : جعل المؤثر فی الحلیة والطهارة هو الذبح الخاص فی حال زهاق الروح. ونقیضه عدم الذبح الخاص فی حال زهاق الروح ، وهو مرفوع الحلیّة والطهارة ، لکن لا یقین إلا بسبق نفس العدم ، لا بعدمه فی حال زهاق الروح ، واستصحابه إلی حال زهاق الروح لا یثبت کون العدم فی حال زهاق الروح ، إذ المتعبد به ذات القید ، لا بما هو قید ، مع أنه لا أثر إلا للمتقید به.

ومن المعلوم أن نقیض ما لوحظ فی محل خاص عدمه فی ذاک المحل ، لأن وحدته من شرائط التناقض.

ص: 146

ومما ذکرنا تبین أن أمر نقیض المذکی أشکل من أمر موضوع الحرمة والنجاسة ، فانه یمکن فرض موضوع الحرمة والنجاسة مرکبا من زهاق الروح وعدم الذبح الخاص بنحو العدم المحمولی ، ولا یمکن فرضه فی النقیض المحکوم بدیله بالحلیة والطهارة ، کما عرفت.

ثم إنه لو کان هناک فی الأدلة عموم وإطلاق استثنی منه المذکی ، ولم یکن العام أو المطلق معنونا بعنوان وجودی أو عدمی ، لا من حیث نفسه ، ولا من حیث التنویع من قبل المخصص ، کما حققناه فی محله (1) ، لأمکن إثبات حکم العام باحراز عنوان مباین لعنوان الخاص ، ونفی حکم الخاص بالمضادّة ، لا نفی حکم الخاص بنفی موضوعه ، حتّی یقال : إن موضوع الخاص أخذ بوجوده الرابطی ، ولا یمکن إحراز عدمه الرابطی بالأصل ، ونفی عدمه الرابطی بعدمه المحمولی لا یمکن إلا بالأصل المثبت.

فکما یقال : فی مثل قوله (علیه السلام) : ( المرأة تری الحمرة إلی خمسین سنة إلا أن تکون امرأة من قریش ) (2) إن نفی کونها قرشیة غیر ممکن ، وبأصالة عدم الانتساب إلی قریش لا یثبت أنها لیست بقرشیة أو غیر قرشیة ، إلا أن المستثنی منه حیث لم یؤخذ معنونا بعنوان وجودی ولا عدمی ، فهو محکوم بحکمه بأی عنوان کان. ومن العناوین الداخلة فی العام المباینة لعنوان کون المرأة من قریش هی المرأة التی لا انتساب لها إلی قریش ، وکونها مرأة وجدانیة ، وعدم انتسابها بالعدم الازلی متیقّن فیستصحب إلی حال

ص: 147


1- 1. نهایة الدرایة : 2 ، التعلیقة : 189.
2- 2. بلفظه لم نعثر علیه ، ولعله اشارة الی الحدیث التالی : عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن طریف عن ابن أبی عمیر عن بعض اصحابنا عن ابی عبد الله علیه السلام قال : إذا بلغت المرأة خمسین سنة لم تر حمرة إلاّ أن تکون امرأة من قریش. الکافی : 3 / 107.

وجود المرأة ، فیثبت لها حکم العام ، ولمضادة حکم العام لحکم الخاص ینفی حکم الخاص.

فکذا هنا من الأدلة قوله (علیه السلام) : ( لا تصل فی الفراء إلا ما کان منه ذکیا ) (1) فان ظاهر المستثنی منه هو الفراء بأی عنوان کان :

ومن تلک العناوین الباقیة تحت المستثنی منه ما زهق روحه ، ولم یکن مذبوحا بذبح خاص بنحو العدم المحمولی ، فانه یباین ما کان ذکیا ، ولا یجامعه ، وحکمه حرمة الصلاة المضادة للجواز المرتب علی ما کان ذکیا.

وکذلک قوله تعالی : ( حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَةُ ) إلی قوله تعالی : ( إِلاَّ ما ذَکَّیْتُمْ ) (2) المفسر فی عدة روایات بادراک ذکاة المذکورات فی الآیة.

فتنقسم المذکورات فی الآیة باعتبار إمکان إدراک ذکاتها بذبحها إلی المذکی وغیره ، لکن لا بعنوان وجودی أو عدمی ، بل جامعها ما زهق روحه.

وبیان خصوص المنخنقة والموقوذة والمتردیة وأشباهها ، من حیث تداول أکلها فی الجاهلیة.

وحینئذ إذا أحرز زهاق الروح معنونا بعنوان عدمی ، ولو بنحو العدم المحمولی المباین لعنوان المذکی یثبت له حکم المستثنی منه ، وینفی عنه حکم الخاص بالمضادة ، لا بنفی حکمه بنفی عنوانه.

هذا ما بنی علیه شیخنا العلامة الاستاذ (قدس سره) فی فقهه وأصوله.

وقد بینا فی مبحث (3) العام والخاص من مباحث الجزء الأول من الکتاب

ص: 148


1- 1. محمد بن یعقوب بإسناده عن علی بن أبی حمزة قال : سألت أبا عبد الله وأبا الحسن علیهما السلام عن لباس الفراء والصلاة فیها ، فقال : لا تصلّ فیها إلاّ فیما کان منه ذکیا.
2- 2. المائدة : 3.
3- 3. نهایة الدرایة : 2 ، التعلیقة : 190.

بأنه لا یخلو عن محذور ؛ لأن تلک العناوین الباقیة تحت العام لیست مأخوذة فی موضوع الحکم ، حتی یکون التعبد بها تعبدا بحکمها لینفی حکم الخاص بالمضادة.

ومعنی ثبوت الحکم لأفراد العام بأی عنوان کانت هو عدم دخل عنوان من تلک العناوین وجودا ولا عدما فی موضوعیتها للحکم ، لا دخلها بأجمعها فی موضوع الحکم.

ولذا التجأنا إلی إصلاحه بتقریب آخر ذکرناه هناک ، وهو أن دلیل العام یدل بالمطابقة علی ثبوت الحکم لجمیع أفراد موضوعه بعنوان نفسه ، ویدل بالالتزام علی عدم منافاة عنوان من العناوین الطارئة لحکمه ، حیث إنه حکم فعلی تام الحکمیة ، لا حکم لذات الموضوع من حیث عنوانه بحیث لا یأبی عن لحوق حکم آخر له بعنوان آخر یطرأ علیه.

وشأن دلیل المخصص إثبات منافاة عنوان خاص لحکم العام ، ولأخصیته وأقوائیته فی الکشف یقدم علی العام ویخصصه.

ومن جملة العناوین التی هی باقیة تحت المدلول الالتزامی العنوان المباین لعنوان الخاص ؛ بداهة عدم مجامعة العدم المحمولی والوجود الرابطی.

فحیث إن العام یدل بالالتزام علی أنه لا حکم له ولا لغیره من العناوین إلا حکم العام ، فهو ینفی حکم الخاص عن هذا العنوان بالمناقضة لا بالمضادة ، لا بالمطابقة بل بالالتزام. هذا بعض الکلام فیما یناسب المقام.

43 - قوله (قدّس سره) : ومع الشک فی تلک الخصوصیة فالاصل عدم تحقق (1) ... الخ.

ینبغی أولا بیان ما یتصور من الخصوصیة التی بها یکون الحیوان قابلا

ص: 149


1- 1. کفایة الأصول : 349.

للتذکیة من حیث الحلیة والطهارة ، فنقول :

لا شبهة فی اختلاف الحیوانات من حیث الحکم علی بعضها بالحل والطهارة بذبحها بشرائطه ، والحکم علی بعضها الآخر بالطهارة فقط ، والحکم علی بعضها الآخر بالحرمة والنجاسة ، ولیس هذا الاختلاف عن جزاف ، فلا محالة هناک خصوصیة فی الحیوان بحیث یقتضی الحلیة والطهارة أو الطهارة فقط أو الحرمة والنجاسة فیکون الحیوان بتلک الخصوصیة تارة قابلا للتذکیة المفیدة للحل والطهارة.

وأخری قابلا للتذکیة المفیدة للطهارة فقط.

وثالثة غیر قابل للتذکیة بوجه ، فسواء کانت تلک الخصوصیة مأخوذة فی عرض سائر الأمور الدخیلة فی الحل والطهارة ، أو من اعتبارات الذبح الخاص المفید لهما مثلا یمکن التعبد بعدمها المحمولی أو بعدم الذبح الخاص المحمولی.

ویمکن أن یقال : إن الخصوصیة التی یقتضیها البرهان لا یجب أن تکون أزید من المصالح المقتضیة للحل والطهارة ، أو المفاسد المقتضیة للحرمة والنجاسة کما یشهد لها ما ورد فی بیان الحکم المقتضیة لحرمة ما لا یؤکل لحمه من المیتة والسباع والمسوخ ، بل فی المسوخ عللت حرمتها بأنها حیث کانت فی الأصل مسوخا فاستحلالها استخفاف بعقوبة الله تعالی حیث مسخها.

ومن الواضح أن المصالح والمفاسد وعلل الاحکام لیست بنفسها تعبدیة ، ولا مما رتب علیها حکم شرعی بترتب شرعی ، بل سبب واقعی لأمر شرعی ، فلا معنی للتعبد بها تعبدا بحکمها.

ثم إنه لو فرض أن الخصوصیة الموجبة للقابلیة غیر المصالح والمفاسد ، من المحتمل أن تکون تلک الخصوصیة ذاتیة ککونه غنما أو بقرا أو إبلا مثلا ، لا خصوصیة قائمة بالغنم والبقر والابل ، حتی إذا شک وجودها فی حیوان آخر یقال : إنها مسبوقة بالعدم بعدم ذلک الحیوان ، ومع وجود الحیوان قطعا یشک فی

ص: 150

وجود تلک الخصوصیة بوجود الحیوان ، بل حیث إن الخصوصیة ذاتیة فلا ینحل إلی ما هو مقطوع الوجود وما هو مشکوک الوجود.

بل هذا المقطوع وجوده : إما قابل بذاته للحلیة والطهارة أو غیر قابل بذاته لهما ، وتعیین الحادث بالأصل غیر صحیح.

ثم اعلم أنه علی تقدیر أن تکون تلک الخصوصیة وجودیة قائمة بالحیوان مقتضیة للحل والطهارة بذبحه بشرائطه ، فهی إنما تکون قابلة للتعبد وجودا وعدما إذا رتب علیها ، ولو بنحو القیدیة الحلیة والطهارة لیکون دخلها شرعیا ، وترتبهما علیها ترتبا شرعیا مع أنه لا موقع للدخل شرعا ، ولا للترتب شرعا إلاّ اذا أخذ الشیء فی موضوع المرتب علیه الحکم الشرعی ، إما بنحو الجزئیة أو بنحو القیدیة ، لیقال بدخله فی السبب الشرعی للحل والطهارة شرعا.

نعم إن کان عنوان التذکیة عنوانا ثبوتیا یتحقق بالذبح مثلا بشرائطه شرعا ، وکان هذا العنوان الثبوتی الاعتباری الشرعی موضوعا للحل والطهارة تارة وللطهارة أخری ، فدخل الخصوصیة فی الحیوان وان کان واقعیا لا شرعیا یجدی فی مقام الحکم بعدم ثبوت التذکیة ، لمکان الشک فی محصلها.

ولا حاجة إلی التعبد بتلک الخصوصیة أو بالذبح المتخصص بتلک الخصوصیة ، حتی یقال : لا حکم لتلک الخصوصیة شرعا لا بنحو الجزئیة ولا بنحو القیدیة.

بل التعبد بذلک العنوان الاعتباری الشرعی وجودا أو عدما کاف فی المقام ، وإن کان منشأ الشک فی ثبوته أمرا له دخل فی تحققه واقعا لا شرعا.

وربما یقال (1) : إن التذکیة عرفا بمعنی الذبح ، وما اعتبر فیها من التسمیة والاستقبال شرائط تأثیر الذبح فی الحلیة والطهارة.

ص: 151


1- 1. القائل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات : 2 / 194.

إلاّ أنّ ظاهر الاستعمالات العرفیة والشرعیة أنها بمعنی الطهارة والنزاهة وما أشبههما.

وإطلاقها علی الذبح أو علی إرسال الکلب المعلم أو علی أخذ الجراد والحیتان وأشباه ذلک لأنها أسباب طیب اللحم للأکل وسائر الاستعمالات أو لما عدا الأکل من الاستعمالات.

وذلک لأن التذکیة والذکاة بمعنی الطیب والنزاهة مفهوم مباین لمفهوم الذبح المطلق والذبح الخاص.

وقیام الطیب بالذبح لا یعقل إلا أن یکون ، إما بقیام حلولی ناعتی ولو انتزاعا ، وإما بقیام صدوری.

والأول من قبیل قیام العرض بموضوعه ، والثانی من قبیل قیام المسبب بسببه.

فان کان من قبیل الثانی ثبت المطلوب ، وهو إن التذکیة مسبب عن الذبح.

وان کان من قبیل الأول فلا بدّ أن یصدق عنوان الوصف الاشتقاقی من التذکیة والذکاة علی الذبح مع أنه لا یصدق الطیب وصفا إلا علی اللحم فانه الموصوف بأنه ذکی أو مذکی ، فیعلم منه أنه لا قیام للذکاة بالذبح إلا بنحو قیام المعلول بعلته.

ومنه تبین أن التذکیة والذکاة لیسا من عناوین الحکم من الحلیة والطهارة ، أما عدم قیامهما بهما بنحو قیام المسبب بسببه فواضح ، فان الحکم لیس سببا لهما بل ظاهر الأدلة ترتبهما علیه.

وأما عدم قیامهما به بقیام ناعتی حلولی انتزاعا فلأن الحلیة لا توصف بانها طیبة ، بل الموصوف به اللحم دون الحکم.

فاتضح أن الأقوی أن التذکیة من الاعتبارات الشرعیة

ص: 152

الوضعیة المتحققة بأسباب خاصة ، لا أن الذبح تذکیة ، وأن تأثیر التذکیة فی الحلیة والطهارة مشروطة إما جعلا أو واقعا بأمور أخر ؛ لوضوح أن الحلیة والطهارة غیر منوطة إلا بالتذکیة ، فلا معنی لأن یکون الحیوان مذکی ، ومع ذلک لا حلال ولا طاهر.

44 - قوله (قدّس سره) : نعم لو علم بقبوله التذکیة وشک (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن التذکیة الشرعیة ربما تؤثر فی الحلیة والطهارة ، کما فی تذکیة مأکول اللحم.

وربما تؤثر فی الطهارة فقط ، کما فی تذکیة غیر المسوخ مما لا یأکل لحمه.

وربما تؤثر فی الحلیة فقط ، کما فی الجراد والحیتان حیث إنه لا أثر لصیدها إلا حلیتها لبقاء أمثالها علی الطهارة حیّا ومیّتا ، وعلیه یحمل ما ورد من أن الجراد حیّه ومیّته ذکیّ (2) أی طاهر ، لا أنه لا یحتاج الی الذکاة من حیث الحلیة ، بل ورد أن صید الجراد ذکاته (3) ، وأن السمک إخراجه من الماء ذکاته (4).

فیعلم من هذه القسمة - بلحاظ ما ورد فی هذا الباب شرعا - أن للتذکیة فی کل مورد بحسبه تأثیرا من حیث الحلیة ، وتأثیرا من حیث الطهارة. وأن الحیوان له جهتان من القابلیة للحلیة والطهارة ، وأن التذکیة لها أثران یجتمعان ویفترقان شرعا ، وإن کانت التذکیة العرفیة خصوص الذبح مثلا أو من حیث خصوص الطهارة فرضا.

بل ظاهر الآیة (5) المتکفلة لتحریم المیتة واستثناء ما ذکی دخل التذکیة

ص: 153


1- 1. کفایة الأصول : 349.
2- 2. المحاسن : 2 / 480 متن الروایة الجراد ذکیّ حیّه ومیّته.
3- 3. لم نجد الروایة بهذه العبارة فی مظانها.
4- 4. وسائل الشیعة : 16 : الباب 31 من ابواب الصید والذبائح : 362.
5- 5. المائدة : 3.

فی رفع الحرمة ، وأن حرمة غیر المذکی لیست من حیث نجاسته ، کما فی السمک الذی یموت فی الماء.

وعلیه فلا مجال لقاعدة الحل مع أصالة عدم التذکیة المؤثرة فی الحلیة ، کما لا مجال لأصالة الطهارة مع أصالة عدم التذکیة المؤثرة فی الطهارة.

وأما توهم أن قبول التذکیة أمر بسیط لا ترکب فیه ، فهو إما متحقق أو لا ، فاذا فرض أن الذبح مؤثر شرعا فی طهارته وفی جواز جملة من الانتفاعات ، فهو قابل للتذکیة شرعا ، فلا مجال لأصالة عدم القبول أو عدم التذکیة ، وحینئذ لا یبقی شک إلا من حیث الحلیة فتجری قاعدة الحل.

فهو مدفوع : بأن بساطة القابلیة وعدم ترکبها معنی ، وتعدد جهة القابلیة وتکثرها معنی آخر.

فکما ان العلم بسیط والقدرة بسیطة مع أن العلم بشیء لیس علما بکل شیء ، والقدرة علی شیء لیست قدرة علی کل شیء ، کذلک قابلیة شیء لشیء لیست قابلیة لکل شیء.

نعم فی إجراء أصالة عدم التذکیة - بناء علی ما قدمنا - إشکال من حیث إن القابلیة وإن کانت متعددة لکنها للمحاذیر المتقدمة (1) لیست بنفسها مجری الأصل.

ونفس عنوان التذکیة بناء علی کونها من الاعتبارات الشرعیة القابلة للتعبد بها وجودا أو عدما لا تکون مجری الأصل هنا ؛ لأن المذکی من حیث

ص: 154


1- 1. من أن الخصوصیة التی بها یکون الحیوان قابلا للحل والطهارة أو للطهارة فقط أو غیر قابل للتذکیة اصلا هل هی عبارة عن المصالح والمفاسد أو خصوصیة ذاتیة فی الحیوان أو خصوصیة عرضیة قائمة بالحیوان مقتضیة للحل والطهارة أو لأحدهما وقد عرفت الاشکال فی جریان الأصل فی القابلیة علی جمیع التقادیر والاحتمالات فراجع التعلیقة المتقدمة.

الحلیة والطهارة وإن تعددت الجهات الدخیلة فی اعتباره وتعددت الآثار المترتبة علی اعتباره لکنه اعتبار واحد لا متعدد ، بمعنی أن الحیوان الذی له قابلیة التذکیة من حیث الحلیة وقابلیة التذکیة ، من حیث الطهارة له جهتان من القابلیة ، وله أثران من الطهارة والحلیة ، لکنه لا یعنون بعنوان المذکی مرتین ، ولیس له من اعتبار العنوان فردان.

ویمکن أن یقال : إن التذکیة ، وان لم تکن کالقابلیة والعلم والقدرة ، من المعانی التعلقیّة حتی تتعدد بتعدد متعلقها - ، فان الطیب لیس له إلا موضوع یقوم به ولیس له متعلق - إلا أن تعددها بتعدد جهاتها وحیثیاتها.

فکما ان الطهارة معنی واحد والطهارة من الحدث الأکبر غیر الطهارة من الحدث الأصغر ، ولذا یرتفع حدث الحیض بالغسل ، ولا یرتفع الأصغر إلا بالوضوء.

فکذا التذکیة ، فان طیب الأکل غیر طیب الاستعمال ، فالحیوان طیب الاستعمال ولیس بطیب الأکل.

وقد عرفت سابقا : أن الحلیة والطهارة من آثار التذکیة لا أنها عین الحکم ومن عناوینه ، وحینئذ فلا مانع مع الیقین بکونه مذکی من حیث الاستعمال من عدم کونه مذکی من حیث الأکل.

45 - قوله (قدّس سره) : فی أن الجلل فی الحیوان هل یوجب (1) ... الخ.

هذا بالاضافة إلی الحلیة لمجرد الفرض ، وإلا فالمشهور علی حرمة أکل لحم الجلال ، ولا معنی لحرمته إلا حرمة أکله بعد الذبح ، وإلا فحرمته حیّا علی

ص: 155


1- 1. کفایة الأصول : 349.

فرض ثبوتها لا اختصاص لها بالجلال ، کما أن حرمتها (1) من دون ذبح کذلک ، ومع فرض حرمته بالذبح لا معنی للشک فی الحلیة بالذبح.

نعم بالاضافة إلی الطهارة صحیح ، لأن المشهور علی طهارته وان کان عرقه أو لعابه نجسا ، فیمکن فرض الشک فی بقاء طهارته بالذبح الثابتة لها (2) قبل الجلل.

وأما استصحاب بقاء طهارته الفعلیة حال الحیاة فالشک فیه مسبب عن الشک فی بقاء طهارته بالذبح ، فلا مجال له مع استصحاب تلک الطهارة.

نعم لو قیل بنجاسة بدنه بالجلل وشک فی طهارته بالذبح لم یکن مجال لاستصحاب طهارته بالذبح الثابتة له قبل الجلل ، لأن التذکیة تؤثر فی حدوث الحلیة وفی بقاء الطهارة الفعلیة.

والشک فی بقاء الحکم ، وهو حدوث الحلیة بالذبح ، مع الیقین بسبقه یصحح جریان الاستصحاب بخلاف الشک فی الطهارة ، لأن الیقین ببقاء الطهارة الفعلیة بالذبح قد زال بعروض الجلل علی الفرض ولم یکن هناک یقین بحدوث الطهارة بالذبح ، فلیس إلا الشک فی حدوث الطهارة.

ولا معنی لقطع النظر عن الحدوث والبقاء ؛ إذ الحصة المتیقنة من الطهارة هی الحصة الموجودة فی ضمن الیقین بالبقاء ، وهذه الحصة مقطوع الارتفاع ، فلا یمکن إثبات الحصة الموجودة فی ضمن الحدوث.

إلا أنه لا قائل بنجاسة بدن الحیوان بالجلل ، کما عرفت.

46 - قوله (قدّس سره) : وان أصالة عدم التذکیة محکمة فیما شک

ص: 156


1- 1. کذا فی الاصل ، لکن الصحیح : حرمته.
2- 2. کذا فی الاصل ، لکن الصحیح : له.

فیها (1) ... الخ.

قد عرفت الکلام (2) فیها مفصلا وأنه لا مجال لها إلا إذا أخذ عدمها بنحو العدم المحمولی.

وأما ما ورد فی أخبار الباب من الحکم بحرمة الصید الذی رماه ، ولم یعلم أن سهمه هو الذی قتله ، فلیس من حیث التعبد بعدم کونه مذکی ، من باب أصالة عدم التذکیة.

بل صریح أخبار الباب إناطة الحلیة بالعلم بأن سهمه هو الذی قتله ، وأنه مع عدم العلم محکوم بالحرمة من حیث اشتراط الحلیة بالعلم من دون حاجة إلی التعبد فی صورة عدم العلم.

نعم حیث إن موضوع الحلیة الواقعیة بحسب لسان أدلتها هو المذکی لا المعلوم أنه مذکی فارتفاع الحلیة الواقعیة - وإن کان ملازما للحرمة الواقعیة - لیس إلاّ بارتفاع التذکیة واقعا.

ففرض عدم الذبح الخاص فی حال زهاق الروح فرض نقیض الذبح الخاص فی تلک الحال ، وعدم الذبح الخاص فی تلک الحال وإن لم یکن مجری الاستصحاب کما مر (3) ، لکنه قابل للتعبد به عند الشک فیه ، فیکون التعبد بعدمه فی هذه الحال کالتعبد بالحلیة فی قاعدة الحل فی غیر الحیوان.

فمفاد الأخبار علی أی حال حکم تعبدی لکنه لا بعنوان الاستصحاب ، بل بعنوان التعبد باحد طرفی الشک فی هذه الحال ، فلا ینطبق علی أصالة عدم التذکیة علی أی حال.

التنبیه الأول من تنبیهات البراءة

ص: 157


1- 1. کفایة الأصول : 349.
2- 2. فی التعلیقة : 42.
3- 3. فی التعلیقة : 42.

[ التنبیه الثانی ]

47 - قوله (قدّس سره) : بداهة توقفه علی ثبوته توقف العارض علی معروضه (1) ... الخ.

أی توقف الأمر بالاحتیاط علی إمکان موضوعه وثبوته فی مرتبة موضوعیته. مع أنه لیس له إمکان وثبوت إلا من ناحیة ما یتوقف علیه توقف العارض علی معروضه.

والتحقیق : أن العارض علی قسمین :

أحدهما عارض الوجود ، وهو ما یحتاج إلی موضوع موجود ، کالبیاض المحتاج فی وجوده إلی موضوع موجود.

بل العوارض الذهنیة من النوعیة والجنسیة وأشباهها کذلک ، لتوقفها علی وجود معروضها فی الذهن.

فالأول من العوارض العینیة ، والثانی من العوارض الذهنیة.

ثانیهما عارض الماهیة ، وهو ما لا یحتاج إلی موضوع موجود خارجا أو ذهنا ، بل ثبوت المعروض بثبوت عارضه ، والعروض تحلیلی کالفصل ، فانه عرض خاص للجنس ، مع أن الجنس فی حد ذاته ماهیة مبهمة ، وتعینها وتحصلها بتعین طبیعة الفصل وتحصلها ، ولا یعقل أن یکون للمبهم ثبوت إلا فی ضمن المتعین.

وکالتشخص الماهوی بالاضافة إلی النوع ، فان طبیعة النوع لا ثبوت لها خارجا ، إلا بعین ثبوت الماهیة الشخصیة.

التنبیه الثانی

ص: 158


1- 1. کفایة الأصول : 350.

فالماهیة الشخصیة ، وإن انحلت بالتحلیل العقلی إلی طبیعة نوعیة والتشخص الماهوی کماهیة ( زید ) وماهیة ( عمرو ) بالاضافة إلی ماهیة الانسان ، إلاّ أنّ ثبوت الطبیعی بثبوت حصته المتقررة فی مرتبة ذات ( زید ).

وکالوجود مطلقا بالاضافة إلی الماهیة ، فانه من قبیل عارض الماهیة ، وإلاّ لاحتاج عروض الوجود علیها إلی وجود الماهیة فإما أن یدور ، أو یتسلسل.

فعروض الوجود علیها تحلیلی ، وثبوت الماهیة بنفس الوجود ، فالوجود بنفسه موجود بالذات ، والماهیة بالعرض.

إذا عرفت ذلک فاعلم : أن الحکم بالاضافة إلی موضوعه دائما من قبیل عوارض الماهیة لا من قبیل عوارض الوجود.

إذ المراد بالحکم إما الارادة والکراهة التشریعیتان ، وإما البعث والزجر الاعتباریان : فان أرید منه الارادة والکراهة فمن الواضح أن الشوق المطلق فی النفس لا یعقل وجوده ، لأن طبعه تعلّقی فلا یوجد إلا متعلقا بشیء.

وذلک الشیء لا یعقل أن یکون بوجوده الخارجی متعلقا له ، ولا بوجوده الذهنی :

أما الأول ، فلأن الحرکات الأینیة والوضعیة وأشباههما من الأعراض الخارجیة القائمة بالمکلف ، فکیف یعقل أن یتعلق بها الشوق القائم بنفس المولی؟

إذ یستحیل أن تکون الصفة النفسانیة فی النفس ، ومقومها ومشخصها فی خارج النفس ، وإلا لزم إما خارجیة الأمر النفسانی أو نفسانیة الأمر الخارجی ، وهو خلف.

کما یستحیل أن تکون الصفة قائمة بشخص ، ومشخصها ومقومها قائما بشخص آخر ، لان المشخّصیّة والمقوّمیّة لازمهما وحدة المشخّص والمتشخّص ، فکیف یعقل تباینهما فی الوجود بتباین محلهما وموضوعهما؟

ص: 159

وأما الثانی ، فلان اتحاد الفعلیین محال ، وکل فعلیة تأبی عن فعلیة أخری ، ولذا لا مناص من الخلع واللبس فی توارد الصور علی المادة.

فمقوم الشوق النفسانی لا یمکن أن یکون له فعلیة أخری فی النفس بل هو ذات المتصور.

فماهیة واحدة ، تارة - توجد بوجود علمی تصوری وتصدیقی وأخری .. بوجود شوقی.

بل إن کانت هذه الصفات من العلم والارادة إشراقات النفس ، ووجودات نوریة فلا محالة لا یعقل عروض سنخ من الوجود علی الموجود بذلک السنخ من الوجود أو بسنخ آخر ، فان المماثل لا یقبل المماثل ، کما أن المقابل لا یقبل المقابل.

هذا کله إن أرید من الحکم الارادة والکراهة.

وإن أرید منه البعث والزجر الاعتباریان المنتزعان من الانشاء بداعی جعل الداعی فعلا أو ترکا ، فمن الواضح عند التأمل أیضا أن البعث الاعتباری بنحو وجوده لا یوجد مطلقا ، فان البعث أیضا أمر تعلقی ، فلا محالة لا یوجد إلا متعلقا بالمبعوث الیه.

وحیث إن سنخ البعث اعتباری ، فلا یعقل أن یکون مقومه ومشخصه إلا ما یکون موجودا بوجوده فی أفق الاعتبار ، والموجود الخارجی المتأصل لا یعقل أن یکون مشخصا للاعتباری ، وإلا لزم إما اعتباریة المتأصل أو تأصل الاعتباری. فتعین أن تکون الماهیة والمعنی متعلق البعث دون الموجود بما هو.

غایة الأمر أن المعنی المشتاق إلیه والمبعوث إلیه مأخوذ بنحو فناء العنوان فی المعنون ، لترتب الغرض الداعی علی المعنون ، وفناء العنوان فی المعنون لا یوجب انقلاب المحال وإمکان المستحیل ، کما بیناه مبسوطا فی مسألة اجتماع

ص: 160

الأمر والنهی (1).

وفیما ذکرناه هنا کفایة لاثبات أن الحکم مطلقا بالاضافة الی موضوعه من قبیل عوارض الماهیة ، فلا یتوقف ثبوته علی ثبوت موضوعه ، بل ثبوت موضوعه بثبوته والعروض تحلیلی.

ومنه تعرف أنه لا دور ، إذ لیس هناک تعدد الوجود حتی یلزم الدور ، أو یجاب بأن الدور معی ، أو أن الحکم یتوقف علی ثبوت الموضوع لحاظا لا خارجا.

وقد اشرنا (2) إلی کل ذلک مرارا.

نعم لازم أخذ الحکم فی موضوع نفسه أو أخذ ما ینشأ من قبل شخص الحکم فی موضوع نفسه ، هو الخلف أو اجتماع المتقابلین ، فان الحکم حیث إنه عارض لموضوعه ولو تحلیلا فهو متأخر عنه ، فلو أخذ هو أو ما ینشأ من قبله فیما هو متقدم علیه طبعا لزم من فرض أخذه تقدم المتأخر وتأخر المتقدم ، فالموضوع متقدم ومتأخر ، والحکم متأخر ومتقدم ، وهو اجتماع المتقابلین ، وإن التزم بأحد الأمرین لزم الخلف.

وملاک التقدم والتأخر الطبعیین موجود فی الحکم وموضوعه ؛ لأن ملاکهما إمکان الوجود للمتقدم ، ولا وجود للمتأخر ، وعدم إمکان الوجود للمتأخر إلا والمتقدم موجود ، فان الواحد والکثیر کذلک ، حیث یمکن وجود الواحد ، ولا وجود للکثیر ، ولا یمکن وجود الکثیر إلا والواحد موجود.

وکذا العلة الناقصة ومعلولها ، فانه یمکن وجود العلة الناقصة ولا وجود

ص: 161


1- 1. نهایة الدرایة : 2 ، التعلیقة : 62 و 63.
2- 2. منها ما تقدم فی مبحث التّعبدی والتوصلی. نهایة الدرایة : 2. التعلیقة : 167.

للمعلول ، ولکن لا یمکن وجود المعلول إلا والعلة موجودة.

وکذا الشرط والمشروط والشوق مثلا والبعث کذلک ، فان الفعل له تقرر ماهوی وثبوت ذهنی وخارجی ، ولا شوق ولا بعث نحوه ، ولکن لا یمکن ثبوت الشوق ولا البعث إلا والفعل فی مرتبتهما موجود.

ولا یخفی أن أخذ الحکم بشخصه فی موضوع نفسه وإن کان کذلک من حیث لزوم هذا المحذور ، إلا ان هذا المحذور لا یلزم من أخذ العلم به فی موضوعه ، ولا من أخذ قصد القربة فی موضوعه :

أما الأول فلما مرّ فی أوائل مباحث القطع (1) من أن الحکم قائم بشخص الحاکم ، والعلم قائم بنفس العالم ، فلا یعقل أن یکون مشخص الحکم مقوّما لصفة العلم ، فالموقوف هو الحکم بوجوده الحقیقی ، وهو المتأخر بالطبع ، والمقوم لصفة العلم المأخوذ فی الموضوع ماهیة الحکم الشخصی دون وجوده ، لأن مقوّم العلم هو المعلوم بالذات لا المعلوم بالعرض ، فالموقوف علیه والمتقدم بالطبع غیر المعلوم بالعرض المتأخر بالطبع ، وبقیة الکلام فیما تقدم.

وأما الثانی فبما مرّ (2) مرارا : أن الأمر بوجوده الخارجی لا یعقل أن یکون داعیا ، بل بوجوده العلمی الحاضر فی النفس.

وقد عرفت أن المعلوم بالذات غیر المعلوم بالعرض ، فالمتأخر طبعا هو الحکم بوجوده الخارجی ، والمتقدم بالطبع هو الحکم بوجوده العلمی. فراجع مباحث القطع ومبحث التعبدی والتوصلی من مباحث الجزء الأول.

ص: 162


1- 1. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 27.
2- 2. منها ما تقدم فی مبحث القطع. نهایة الدرایة : 2. التعلیقة : 41.

ثم إن هذا کله بالاضافة إلی المحذور المذکور فی المتن من حیث توقف العارض علی المعروض القابل للانطباق علی محذور الدور ، وعلی محذور الخلف.

وأما سائر المحاذیر الأخر المذکورة فی باب قصد القربة وشبهه من لزوم عدم الشیء من وجوده ، أو علیة الشیء لعلیة نفسة ، فقد تعرضنا لها ولدفعها فی باب التعبدی والتوصلی (1) ، وفی أواخر مباحث القطع عند التعرض لقصد الوجه ونحوه فراجع (2).

نعم خصوص الأمر بالاحتیاط فیه محذور آخر وهو : أن الأمر الاحتیاطی إن تعلق بذات الفعل بعنوانه لا بعنوان التحفظ علی الواقع فانه وإن أمکن أخذ قصد الأمر فی موضوع نفسه ، إلا أن لازمه خروج الشیء عن کونه احتیاطا ؛ لأن موضوعه محتمل الوجوب حتی یتحفّظ علیه.

وبعد فرض تعلق الأمر - بذات الفعل بقصد هذا الامر - کان تحقیقا للعبادة الواقعیة المعلومة المنافیة لعنوان الاحتیاط ، وهو خلف.

وإن تعلق الأمر بالاحتیاط بعنوانه المأخوذ فیه قصد شخص الأمر ، فهو خلف من وجه آخر ؛ لأن معناه جعل الاحتیاط عبادة لا جعل الاحتیاط فی العبادة ، والکلام فی الثانی دون الأول. وسیجیء (3) - إن شاء الله تعالی - ما یتعلق بالمقام.

48 - قوله (قدّس سره) : مع أن حسن الاحتیاط لا یکون بکاشف (4) ... الخ.

ص: 163


1- 1. نهایة الدرایة : 1 ، التعلیقة : 167 و 168.
2- 2. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 46.
3- 3. فی التعلیقة : 52.
4- 4. کفایة الأصول : 350.

لکن لیعلم أن أوامر الاحتیاط لیست کأوامر الاطاعة - بحیث تتمحّض فی الارشاد - حتی لا یکون حسنه علة للأمر به مولویّا علی الملازمة ، وذلک لما عرفت فی مبحث (1) دلیل الانسداد : أن المانع - عن تعلق الأمر المولوی بالفعل - لیس مجرد استقلال العقل بحسنه کی یتخیل أن الانقیاد الاحتیاطی کالانقیاد الحقیقی من حیث الحسن العقلی.

ولا المانع أن حسن الاطاعة والانقیاد فی رتبة متأخرة عن الأمر ، فلا یعقل أن یکون موجبا للأمر ، فانه إنما یکون ذلک بالاضافة إلی الأمر بذات الفعل المتقدم علی الاطاعة ، لا بالنسبة إلی الأمر المتعلق بنفس الاطاعة ، فان مثل هذا الحسن واقع فی مرتبة العلة للأمر.

بل المانع عدم قابلیة المورد للحکم المولوی ، لکونه محکوما علیه بالحکم المولوی کما فی موارد الاطاعة الحقیقیة.

واما فی موارد الاحتیاط فلیس فیها إلا احتمال الأمر ولا مانع من البعث المولوی نحو المحتمل ، لعدم کفایة الاحتمال للدعوة.

کما لا مانع من تنجیز المحتمل بالأمر الاحتیاطی طریقیا.

فان أرید عدم الکاشفیة لامتناع المنکشف فهو غیر وجیه.

وإن أرید عدم تعینه ، لاحتمال الارشادیة والمولویة فهو وجیه ، فتدبر.

49 - قوله (قدّس سره) : مضافا إلی عدم مساعدة دلیل حینئذ علی

ص: 164


1- 1. الذی تقدّم منه قده فی المبحث المزبور هو استحالة الأمر المولوی فی مورد یستقل العقل بحسن الفعل لاستلزامه اجتماع داعیین مستقلین مورد واحد لأن المفروض ثبوت الحکم من قبل المولی بما هو مرشد وعاقل فلو أمر مع ذلک مولویا لزم ما ذکر من المحال. نهایة الدرایة : 1. التعلیقة : 145.

حسنه (1) ... الخ.

فان المفروض فی کلام هذا القائل - وهو الشیخ الأعظم ( قده ) فی (2) رسالة البراءة - تعلق الأمر بذات الفعل ، لا بإتیانه بداعی کونه محتمل الوجوب مثلا.

ومن الواضح أن الحسن عقلا لیس ذات الفعل بما هو بل بما هو احتیاط.

فإتیانه - بما هو محتمل الوجوب - هو الذی یحکم العقل بحسنه ، فان اکتفینا فی العبادیة باتیان الفعل بداعی احتمال وجوبه أو بداعی حسنه بعنوانه عقلا فهو کما سیجیء (3) - إن شاء الله تعالی - وإلاّ لم یکن مجال للاحتیاط فی العبادة وان کان یقع الفعل بهذا الداعی حسنا عقلا ، وسیجیء (4) - إن شاء الله تعالی - بقیة الکلام.

50 - قوله (قدّس سره) : قلت لا یخفی أن منشأ الاشکال هو تخیل (5) ... الخ.

لا یخفی علیک أن قصد القربة - المنوط به عبادیة العبادة - إن کان خصوص الاتیان بداع الامر المحقق تفصیلا أو إجمالا ، فالعبادة لا یعقل تحققها ، لأن المفروض أن الشبهة وجوبیة ولا أمر محقق لا تفصیلا ولا اجمالا ، سواء کان قصد القربة مأخوذا فی موضوع الأمر الاول او کان بأمر آخر او کان مأخوذا فی الغرض ، فان قصد القربة لا یختلف معناه الدخیل فی مصلحة الفعل

ص: 165


1- 1. کفایة الأصول : 350.
2- 2. ذکره فی التنبیه الثانی من مسألة دوران الحکم بین الوجوب وغیر الحرمة. فرائد الأصول المحشی 2 / 52.
3- 3. فی التعلیقة : 52.
4- 4. فی التعلیقة : 52.
5- 5. کفایة الأصول : 351.

الباعث علی الأمر به باختلاف طرق اثباته.

فبناء علی هذا وإن کان مأخوذا فی الغرض ، لکنه حیث لا ثبوت لما أخذ فی الغرض علی الفرض فلا یعقل اتیان الفعل علی نحو یترتب علیه الغرض.

وإن کان قصد القربة هو اتیان الشیء بداع الأمر سواء کان محققا او محتملا فالاحتیاط بمکان من الامکان ، سواء أخذ قصد القربة بهذا المعنی الأعم فی متعلق الأمر الأول أو کان بأمر آخر أو مأخوذا فی الغرض.

فاتضح أن مبنی الاشکال فی إمکان الاحتیاط وامتناعه أجنبی عن إشکال قصد القربة فی العبادات من حیث إمکان أخذه فی متعلق أوامرها ، أو فی متعلق أمر آخر بها ، أو عدم إمکان أخذه إلا فی الغرض ، وإن کان محذور تصحیح عبادیة مورد الاحتیاط بالأمر الاحتیاطی تحقیقا للأمر المنوط به العبادة مشترکا مع محذور تصحیح عبادیة العبادات بأوامرها.

مع أنک قد عرفت (1) أنه علی فرض دفع المحذور هناک لا یندفع هنا ، وأمّا أنّ عبادیة العبادة یحتاج إلی أمر محقق أو یکفیها احتماله. فسیجیء (2) - إن شاء الله تعالی - بیانه.

51 - قوله (قدّس سره) : علی تقدیر الامر به امتثالا (3) ... الخ.

فان قلت : المعلول الفعلی یتوقف علی علة فعلیة ولا یکفیه العلة التقدیریة.

فالحرکة نحو الفعل لا یعقل استنادها إلی الأمر علی تقدیر ثبوته ، بل لا بد من استناده (4) إلی شیء محقق ، ولیس فی البین إلا احتمال الأمر فانه شیء

ص: 166


1- 1. فی التعلیقة : 48 حیث قال قده : نعم خصوص الأمر بالاحتیاط فیه محذور آخر ...
2- 2. فی التعلیقة التالیة.
3- 3. کفایة الأصول : 351.
4- 4. فی الأصل : استناده ، لکن الصحیح : استنادها.

فعلی ، فلو صار الفعل قربیّا فانما یصیر به لا بالامر علی تقدیر ثبوته ، وهل هو إلا الانقیاد ، لا أنه إطاعة تارة وانقیاد اخری.

قلت : الأمر بوجوده الواقعی لا یکون محرکا ابدا ؛ ضرورة أن مبدأ الحرکة الاختیاریة هو الشوق النفسانی ، فلا بد له من علة واقعة فی أفق الشوق النفسانی ، فلا بد من کون الأمر بوجوده الحاضر للنفس داعیا ومحرکا دائما.

وکما أن الأمر الحاضر للنفس المقترن بالتصدیق الجزمی قابل للتأثیر فی حدوث الشوق ، کذلک الأمر الحاضر المقترن بالتصدیق الظنی أو الاحتمالی.

فاذا کان التصدیق القطعی موافقا للواقع کانت الصورة الحاضرة من الأمر صورة شخصه ، فینسب الدعوة بالذات إلی الصورة ، وبالعرض إلی مطابقها الخارجی.

وإذا لم یکن التصدیق القطعی موافقا للواقع کانت الصورة الحاضرة صورة مثله المفروض ، فلا شیء فی الخارج حتی تنسب إلیه الدعوة بالعرض فیکون انقیادا محضا ، لا امتثالا وإطاعة للأمر وانبعاثا عنه.

فکذا الأمر المظنون أو المحتمل ، فالأمر المظنون أو المحتمل هو الداعی ، وهو بهذه الصفة فعلی فی هذه المرتبة.

فان وافق الواقع نسب إلیه الدعوة وکان انبعاثا عنه وامتثالا له بالعرض ، وإلا فلا.

بل کان محض الانقیاد ، کما فی صورة القطع طابق النعل بالنعل.

ومنه علم الوجه فی اختیار الشق الثانی من الشقین المتقدمین فی عبادیة العبادة ، ولا حقیقة للامتثال المقرب عقلا ، إلا الانبعاث ببعث المولی ، وقد عرفت کیفیة الانبعاث.

52 - قوله (قدّس سره) : بل لو فرض تعلقه بها لما کان من

ص: 167

الاحتیاط (1) ... الخ.

توضیح الکلام الی آخر ما أفاده فی المقام هو أن الامر بالاحتیاط اذا کان مولویا بداعی جعل الداعی ، فاما أن یکون متعلقا بذات محتمل الوجوب أو متعلقا به بما هو محتمل الوجوب :

فان کان متعلقا بذاته ، فهو محقق لعبادیة نفس الفعل ، بحیث یمکن أن یؤتی به بداعی هذا الأمر المحقق ، کسائر الأوامر المتعلقة بذوات الأفعال بعناوینها الواقعیة ، فان الأمر حیث إنه مولوی أنشئ بداعی جعل الداعی یمکن اتیان متعلقه بداعی أمره ، إلا أنه خارج عن محل الکلام.

إذ الکلام فی الأمر بالاحتیاط لا فی الأمر بغیره ، فالالتزام بالأمر بهذا الوجه مع أنه مخالف لظاهر الأمر بالاحتیاط مخرج لمورده عن کونه احتیاطا.

وإن کان متعلقا بالفعل بما هو محتمل الوجوب لیکون عنوان التحفظ علی الوجوب المحتمل محفوظا ، فهو أمر مولوی بالاحتیاط بعنوانه.

إلا أن الغرض من خصوص هذا الأمر المولوی تارة - یتحقق باتیان متعلقه بما هو محتمل الوجوب ، وهو الذی یکون حسنا عقلا ، سواء انبعث عن هذا الأمر أو لا ، فلا محالة یکون الأمر بالاحتیاط توصلیا محضا.

وحینئذ إن اکتفینا فی عبادیة محتمل الوجوب بکونه بداعی احتمال وجوبه فهو عبادة فی نفسه ، تعلق به أمر مولوی بعنوان الاحتیاط أم لا ، فلا حاجة إلی فرض تعلق أمر مولوی به لهذه الغایة.

ص: 168


1- 1. کفایة الأصول : 352.

وإن لم نکتف فی العبادیة باحتمال الأمر ، فهذا الأمر الاحتیاطی حیث إنه یسقط - ولو لم یؤت بمتعلقه بداع الأمر الاحتیاطی - أمر توصلی غیر موجب لعبادیة مورده ، فلا حاجة إلیه بلحاظ الغایة المقصودة من فرضه هنا.

وأخری - یکون الغرض منه سنخ غرض لا یترتب علی فعل محتمل الوجوب إلا إذا أتی به بداع الأمر الاحتیاطی المحقق ، فهو أمر مولوی تعبدی ، إلا أنه یصحح العبادیة للاحتیاط ، لا أنه یصحح جریان الاحتیاط فی العبادة.

بل نقول : إذا کان الغرض مترتبا علی الاحتیاط العبادی فی مورد العبادة فلا محالة لا یتحقق هذا الغرض أیضا ، إلا إذا تحقق الغرض من فعل مورد الاحتیاط ، ولا یتحقق إلا إذا أتی مورده عبادیا.

فان کفی احتمال الأمر صار مورده عبادیا بذاته ، لا من ناحیة الأمر التعبدی المولوی بالاحتیاط ، فلا حاجة إلی فرض الأمر المولوی التعبدی ؛ اذ لیس الکلام فی تعداد العبادات بل فی جریان الاحتیاط فیها.

وإن لم یکف الاحتمال لعبادیة المورد کان فرض الأمر المولوی التعبدی بالاحتیاط فی العبادة لغوا ، بل مستحیلا کما عرفت.

فتبین أن فرض تعلق الأمر المولوی بالاحتیاط ، اما لغو لا حاجة إلیه فیما نحن بصدده ، أو مستحیل فی نفسه. هذه غایة توضیح ما أفید فی المقام.

والتحقیق : أن الأمر - بمحتمل الوجوب مثلا - یتصور علی أقسام ثلاثة :

احدها : الأمر بمحتمل الوجوب - بما هو - بحیث یصدر فی الخارج معنونا به.

ص: 169

وهو مع أنه خلاف الواقع - ، اذ لا خصوصیة لهذا العنوان حتی یجب صدور الفعل معنونا به - یرد علیه أن الوجوب - مقطوعا کان أو مظنونا أو محتملا - لا عروض له علی الفعل المأتی به حتی یتصف بعنوان مقطوع الوجوب أو مظنونه أو محتمله ، بل لا بقاء للوجوب بعد وجود متعلقه فی الخارج.

فالموصوف به هو الفعل فی حد ذاته بعد تعلق الوجوب به وقبل وجوده فی الخارج. فلیس العنوان المزبور کعنوان التعظیم والتأدیب مما یتصف به الفعل المأتی به.

ثانیها : الأمر بمحتمل الوجوب بنحو الحیثیة التعلیلیة لا الحیثیة التقییدیة ، لاستحالتها کما عرفت.

فمرجع الأمر إلی الأمر بالشیء بداعی أمره المحتمل ، وحیث إنه یستحیل جعل الداعی إلی الفعل فی عرض داع آخر إلیه حسب الفرض ، فلا محالة یکون الأمر الاحتیاطی داعیا للداعی ، فیکون الأمر الواقعی المحتمل جعلا للداعی بالاضافة إلی نفس الفعل ، والأمر الاحتیاطی جعلا للداعی إلی جعل الأمر المحتمل داعیا.

فمتعلق الأول من الأفعال الأرکانیة ، والثانی من الأعمال الجنانیة.

وعلیه فالأمر المولوی حیث لا تعلق له بذات العمل لا یعقل أن یکون موجبا لعبادیته ، بل متعلق بجعل الأمر المحتمل داعیا.

وحینئذ فان اکتفینا فی العبادیة بدعوة الأمر المحتمل فالأمر المولوی لأجل هذه الغایة لغو ، وإلا یستحیل کما تقدم.

ثالثها : الأمر بمحتمل الوجوب بنحو المعرفیة ، کالأمر بتصدیق العادل عملا ، حیث إنه أمر بملزومه ، وهو الفعل الذی أخبر العادل بوجوبه مثلا ، لا بما هو معنون بعنوان تصدیق العادل ، بحیث یقصد اتصاف الفعل به ، ولا بداعی تصدیق العادل بحیث یکون الأمر المخبر به داعیا. بل الأمر بتصدیق العادل

ص: 170

بعنوان ایصال الواقع بجعل حکم مماثل له. فهو إنشاء بداعی جعل الداعی إلی ما أخبر بوجوبه العادل حقیقة بالأمر بلازمه ، وهو تصدیق العادل کنایة.

لکنه لا بعنوان أنه حکم فی عرض الواقع بل بعنوان أنه الواقع ، فیکون وصوله بالذات وصول الواقع بالعرض.

وکذا فعلیته وتنجزه بالذات فعلیة الواقع وتنجزه بالعرض.

وهکذا الأمر فی الأمر الاحتیاطی ، فانه منبعث عن الغرض الواقعی المنبعث عنه الأمر الواقعی ، لکنه تحفظا علی ذلک الغرض - لعدم وصول الأمر المنبعث عنه المحصل له خارجا - أمر الشارع بما یقوم به ذلک الغرض.

لکنه لا بعنوانه بذاته ، لیقال : إنه کسائر ما علم وجوبه واستحبابه ، بل بعنوان الاحتیاط والتحفظ علی الواجب الواقعی بعنوان الکنایة ، فان لازم اتیان محتمل الوجوب التحفظ علی الواقع علی تقدیر ثبوته.

وحیث إن هذا الأمر لجعل الداعی إلی الفعل لبّا وحقیقة ، فهو توصلی فی التوصلیات وتعبدی فی التعبدیات.

فیمکن اتیان الفعل بداعی هذا الأمر ، فیقع عبادة وقربیّا ، وإن أمکن أن یقع قربیا بداعی الأمر المحتمل أیضا.

غایة الأمر أنه إذا صدر بداعی الأمر المحتمل کان احتیاطا حقیقیّا وحسنا عقلا ، من حیث إنه انقیاد للأمر المحتمل. واذا وقع بداعی هذا الأمر الاحتیاطی المقطوع کان إطاعة حقیقیة لهذا الأمر ، واحتیاطا عنوانا بلحاظ أنه الأمر الواقعی المحتمل.

بل حیث إن هذا الأمر منبعث عن الغرض الواقعی وبعنوان التحفظ علیه ، فلا محالة یکون هذا الحکم مقصورا علی صورة مصادفة الاحتمال للواقع ، کالأمر بتصدیق العادل بناء علی جعل الحکم المماثل بعنوان الطریقیة لا الموضوعیة ، فانه أیضا مقصور علی صورة مصادفة الخبر مثلا للواقع.

ص: 171

فیکون إطاعة حقیقیة علی تقدیر الموافقة ، وانقیادا علی تقدیر المخالفة ، کما فی صورة الاتیان بداعی الأمر المحتمل.

53 - قوله (قدّس سره) : لا یبعد دلالة بعض الأخبار علی (1) ... الخ.

ربما یورد علیه بأنها أخبار آحاد ولا یجوز التمسک بها فی المسائل الأصولیة.

وأجیب تارة - بأنها إما متواترة معنی ، أو محفوفة بالقرینة.

وأخری - بأن المسائل الأصولیة التی لا یصح التمسک بالآحاد فیها هی المسائل الأصولیة الاعتقادیة (2) المطلوب فیها العلم والمعرفة ، لا الأصولیة العملیة.

وثالثة - بأن المطلوب لیس إثبات حجیة الخبر الضعیف فی السنن ، لیقال : بعدم ثبوتها بالآحاد ، بل المطلوب إثبات استحباب ما ورد فیه خبر ضعیف باستحبابه.

فالمسألة فقهیة لا أصولیة ، والخبر الضعیف محقق للموضوع المحکوم علیه بالاستحباب ، لا أنه دلیل علی استحبابه ، نظیر الشهرة الموجبة بنفس وجودها للظن بصدور الخبر المدرجة له فی الخبر الموثوق بصدوره.

وأورد علی الأخیر شیخنا العلامة الأنصاری (قدّس سره) فی رسالته المعمولة (3) فی هذه المسألة بوجوه ، والمهم منها وجهان :

أحدهما : أنه لا فرق بین التعبیرین إذ استحباب کل فعل - دل الخبر الضعیف علی استحبابه - عبارة أخری عن حجیة الخبر الضعیف فی المستحبات ،

التنبیه الثانی

قاعدة التسامح فی أدلة السنن

ص: 172


1- 1. کفایة الأصول : 352.
2- 2. الأولی أن تکون العبارة هکذا : الاعتقادیة التی یکون المطلوب فیها ... الخ.
3- 3. مجموعة رسائل فقهیة وأصولیة : 16.

ویجوز مثل هذا التعبیر فی حجیة الخبر الصحیح ، بأن یقال : الکلام فیه فی وجوب کل فعل دل الخبر الصحیح علی وجوبه.

ولا محصل لجعل الخبر حجة ومتبعا إلا إنشاء أحکام ظاهریة مطابقة لمدلول الخبر لموضوعاتها.

ثانیهما : سلمنا أن البحث لیس فی حجیة الخبر الضعیف فی المستحبات. إلا أن عدم البحث عن الحجیة لا یجعل المسألة فقهیة ، لعدم انحصار المسائل الأصولیة فی البحث عن الحجیة ، لوجود ملاک المسألة الأصولیة ومناطها فیما نحن فیه ، فان المسألة الأصولیة کل قاعدة یبتنی علیها الفقه ، أعنی معرفة الأحکام الکلیة الصادرة من الشارع ، بحیث تکون بعد اتقانها عموما أو خصوصا مرجعا للفقیه فی الأحکام الکلیة الفرعیة ، سواء بحث فیها عن حجیة شیء أو لا.

ومن الواضح أن هذه المسألة ومسألة الاستصحاب وکذا الاحتیاط وإن کانت مضامینها استحباب ما دل الخبر الضعیف علی استحبابه ، أو ثبوت الحکم السابق لکل موضوع احتمل بقاء ذلک الحکم فیه ، أو ثبوت الوجوب المحتمل مثلا ، لکنها أحکام کلیة لا تنفع المقلد ؛ لأن العمل بها موقوف علی إعمال ملکة الاجتهاد فی فهم المراد ، والفحص عن المعارض وأشباه ذلک.

فهذه احکام شرعیة أصولیة تختص بمن ینتفع بها وهو المجتهد ، فی قبال الأحکام الفرعیة المشترکة بین المجتهد والمقلد المبحوث عنها فی علم الفقه ، هذا ملخص ما أفید.

أقول یرد علی الوجه الأول : أن الحجیة وإن کانت بمعنی جعل الحکم المماثل ، لکنه لیس کل حکم مماثل مجعول مساوقا للحجیة ، بل جعل خاص بعنوان تتمیم الکشف ، أو بعنوان إبقاء الکاشف.

والأول إما بعنوان جعل الظن کالقطع بالغاء احتمال الخلاف ، أو بعنوان جعل المجمل کالمفصل کما فی الاحتیاط الشرعی.

ص: 173

ومن الواضح قصور أدلة التسامح عن إثبات هذه الخصوصیة ، بل علی العکس من ذلک ، فان لسانها إثبات الاستحباب باثبات الثواب وإن کان رسول الله صلّی الله علیه وآله لم یقله ، فکم فرق بین هذا اللسان ولسان تصدیق العادل ، ( وأنّه لا عذر لأحد من موالینا فی التشکیک فیما یرویه عنا ثقاتنا ) (1) ، وأن ( ما یؤدی الراوی فعنّی یؤدی ) ، أو لسان ابقاء الیقین وعدم نقضه ، فتدبره فانه حقیق به.

وکذا الأمر إذا کانت الحجیة بمعنی تنجیز الواقع عقابا کما فی الواجب والحرام ، أو ثوابا کما فی المستحب أو تعذیرا کما فی المباح ، فان مقتضی الحجیة بهذا المعنی ثبوت العقاب أو الثواب علی تقدیر المصادفة ، ومقتضی هذه الأخبار ثبوت الثواب مطلقا وإن لم یکن کما بلغه.

ویرد علی الوجه الثانی : أن المسألة الأصولیة هی القاعدة التی تبتنی علیها معرفة الأحکام العملیة الکلیة. وهذا إنما یکون فیما لم تکن نفس القاعدة متکفلة للحکم العملی الکلی ، بل فیما إذا کانت واسطة لاستنباط حکم عملی.

واستحباب ما دل الخبر الضعیف علی استحبابه حکم عملی کلی جامع تنطبق علی موارد الأخبار الضعیفة المتکلفة لاستحباب أعمال خاصة ، لا أن هذا الاستحباب الجامع واسطة فی استنباط استحبابات خاصة ، لیکون مما یبتنی علیه تلک الاستحبابات المبحوث عنها فی علم الفقه.

ولیست المسألة الفقهیة إلا ما کانت نتیجتها حکما عملیا ، سواء کان حکما عملیا کلیا یندرج تحته أحکام عملیة خاصة أم لا.

ولأجله استشکلنا (2) مرارا فی جعل حجیة الخبر الصحیح أو حجیة

ص: 174


1- 1. اختیار معرفة الرجال : 536.
2- 2. منها ما تقدم منه قده فی التعلیقة علی تعریف المصنف قده لعلم الأصول ، نهایة الدرایة : 1 ، التعلیقة : 13.

الاستصحاب ، بناء علی أن الحجیة بمعنی جعل الحکم المماثل من المسائل الأصولیة.

بل حکم عملی جامع من دون توسیط فی استنباط حکم عملی آخر ، بل تطبیق محض.

وما ذکرناه (1) من التفصی هناک - بجعل التوسیط بلحاظ إثبات اللازم فی الفقه باثبات ملزومه فی الأصول ، أو باثبات الحجیة بمعنی المنجزیة فی الأصول ، وإقامة الحجة فی الفقه - غیر جار هنا ؛ إذ المفروض عدم الحجیة بکلا المعنیین هنا علی التحقیق ، أو علی التقدیر کما فی کلامه (رحمه الله).

وأما ما ذکره (قدّس سره) من الاختصاص بالمجتهد وأنه لاحظ منه للمقلد ، ولذا جعل مثل هذا الحکم حکما أصولیا فی قبال الحکم الفرعی الفقهی.

فمدفوع بأن التصدیق العملی أو الابقاء العملی عمل المقلد بالخصوص ، أو عنوان عمل المجتهد والمقلد معا ، لا عنوان عمل المجتهد فقط ، نظیر الافتاء والقضاء وما شابههما مما یختص بالمجتهد ، وإنما یختص بالمجتهد عنوانا ، من حیث نیابته عن المقلد العاجز عن الاستنباط أو التطبیق.

فالمقلد هو المکلف به لبّا وحقیقة ، والمجتهد هو المخاطب به عنوانا لتنزیله منزلة المقلد بادلة جواز الافتاء والاستفتاء ، فنظر المجتهد واستنباطه وتطبیقه ویقینه وشکه کلها بمنزلة نظر المقلد واستنباطه وتطبیقه ویقینه وشکه ، فتدبره فانه حقیق به.

54 - قوله (قدّس سره) : ظاهرة فی أن الأجر کان مترتبا علی (2) ... الخ.

ص: 175


1- 1. التفصی المزبور مذکور بعد التعرض للاشکال فی التعلیقة : 13 و 91.
2- 2. کفایة الأصول : 352.

مبنی الکلام - فی دلالة اخبار من بلغ علی الاستحباب أو علی الارشاد إلی حسن الانقیاد ، وترتب الثواب علیه عقلا - علی أن موضوع الثواب الذی تکفله هذه الروایات هل هو فعل محتمل الثواب بالبلوغ لا بداعی الثواب المحتمل؟ او فعله بداعی الثواب المحتمل؟.

فانه علی الثانی انقیاد حسن عقلا ، فلا یکشف ترتب الثواب عن رجحان آخر مقتض للثواب دون الأول ، فانه لا ثواب علی ذات العمل ، فترتبه علیه کاشف عن مقتض لترتبه علیه ، ولیس إلاّ إطاعة الأمر المحقق أو الأمر المحتمل.

وحیث فرض عدم الثانی تعین الأول ، فیکون جعلا للملزوم بجعل لازمه.

والمعین للوجه الأول هو أن الظاهر من الثواب البالغ هو الثواب علی العمل لا بداعی الثواب المحتمل أو الأمر المحتمل ، فان مضمون الخبر الضعیف کمضمون الخبر الصحیح من حیث تکفله للثواب علی العمل لا بداعی احتماله الناشئ من جعله أو جعل ملزومه.

وهذا الظهور مما لا ریب فیه ، وإنما اللازم دعوی ظهور آخر وهو ظهور ( أخبار من بلغ ) ، من حیث کونها فی مقام تقریر الثواب البالغ وتثبیته وتحقیقه فی أن الثواب الموعود بهذه الأخبار فی موضوع ذلک الثواب البالغ ، وإلا لکان ثوابا آخر لموضوع آخر.

والمنافی لهذا الظهور لیس إلا ما یتوهم من اقتضاء التفریع فی جمیع الأخبار ، والتقیید فی بعضها لترتب الثواب علی الفعل بداعی احتمال الثواب وهو الانقیاد المحض المقتضی فی نفسه لترتب الثواب ، فلا کاشف عن مقتض آخر.

فنقول : أما التفریع فهو علی قسمین :

أحدهما - تفریع المعلول علی علته الغائیة ، ومعناه هنا انبعاث العمل عن الثواب البالغ المحتمل.

ص: 176

ثانیهما - مجرد الترتیب الناشئ من ترتب الثواب علی فعل ما بلغ فیه الثواب.

فالعمل المترتب علیه الثواب حیث کان متقوما ببلوغ الثواب علیه ، فلذا رتبه علی بلوغ الثواب.

فیکون نظیر من سمع الأذان فبادر الی المسجد ، فان الداعی إلی المبادرة فضیلة المبادرة ، لا سماع الأذان ، وإن کان لا یدعوه فضیلة المبادرة إلا فی موقع دخول الوقت المکشوف بالأذان.

فلا یتعین التفریع فی الأول حتی ینافی الظهور المدعی سابقا.

وأما ما ذکره شیخنا العلامة الانصاری (قدّس سره) فی رسالة (1) التسامح من منع دلالة الفاء علی السببیة والتأثیر ، بل هی عاطفة.

فخلاف الاصطلاح لعدم التقابل بین السببیة والعطف ، بل العاطفة تارة - للسببیة ، وأخری للترتیب ، وثالثة - للتعقیب والأمر سهل.

وقد التزم شیخنا الاستاذ (قدّس سره) فی المتن بعدم منافاة کون الفاء للسببیة ، وتفرع العمل علی الثواب المحتمل بکونه داعیا إلیه لما مرّ من الظهور بتقریب : أن العمل المنبعث عن الثواب المحتمل علی ما هو علیه من عنوانه. ولا یتعنون من قبل دعوة الثواب المحتمل بعنوان یؤتی به بحیث یدعو الثواب المحتمل إلی العمل المعنون من قبل نفس دعوته.

وإذا کان العمل المدعو إلیه علی حاله من عنوان نفسه من دون تقیّده بعنوان من قبل الداعی حتی عنوان الانقیاد ، فانه عنوان المأتی به بذاک الداعی ، لا عنوان المدعو إلیه حتی یدعو إلیه ذلک الداعی ، فلا ینافی ظهور الأخبار فی ترتب الثواب علی العمل الغیر المتقید بداعی الثواب المحتمل.

ص: 177


1- 1. مجموعة رسائل فقهیة واصولیة : 25.

کما هو الحال فی الأخبار المقیدة ، حیث إن موضوعها العمل الملحوظ فی نفس الموضوع التماس الثواب.

فحاصل الأخبار ترتب الثواب علی نفس العمل وان کان منبعثا عن الثواب المحتمل ، فهو وإن کان علی الفرض منبعثا عن الثواب المحتمل إلا أن انبعاثه عنه غیر دخیل فی ترتب الثواب المجعول بهذه الأخبار علیه.

وهذا هو الفارق بین التفریع علی الوجه المزبور والتقیید بالتماس الثواب البالغ فی الاخبار المقیدة.

لا یقال : مع فرض انبعاثه عن الأمر المحتمل لا یعقل جعل الداعی بجعل الاستحباب المنکشف بلازمه ، وهو الثواب المحقق بهذه الأخبار ؛ لأن الفعل ما لم ینبعث عن الاستحباب الثابت بهذه الأخبار لا یرتب علیه ثواب إطاعة الاستحباب المحقق.

وانبعاث عمل واحد عن داعیین متماثلین مستقلین فی الدعوة محال ، فجعل الداعی مع فرض وجود الداعی المؤثر بالفعل محال.

وجعل الاستحباب المحقق داعیا فی طول دعوة الثواب المحتمل أو الأمر المحتمل وان لم یکن مستحیلا فی نفسه لکنه خلف ، لأن الکلام فی استحباب نفس محتمل الثواب لا استحباب المأتی به بداعی احتمال الثواب.

والمشهور أیضا یقولون بترتب الثواب علیه إذا أتی به بداعی استحبابه ، لا إذا أتی المتقید بالداعی المزبور بداعی استحبابه.

مع أن الاستحباب إذا کان داعیا للداعی فالمستحب الحقیقی جعل الأمر المحتمل أو الثواب داعیا الی العمل ، لا أنه داع لأمر خاص وعمل مخصوص.

فهناک مستحب جنانی وعمل حسن أرکانی.

مع أنه مناف لکلامه (قدّس سره) حیث إنه فی مقام ترتیب الثواب

ص: 178

المجعول علی نفس العمل لا علی العمل المأتی به بداعی الثواب المحتمل بما هو کذلک.

لأنا نقول : فرض انبعاث العمل عن الثواب المحتمل لیس فرض عمل شخصی منبعث عنه ، لیستحیل جعل الداعی مع فرض تأثیر داع محقق. بل فرض انبعاث العمل کلیّا عن الداعی الطبعی ، فانه من بلغه الثواب یدعوه بطبعه الثواب البالغ.

إلا أن هذا الداعی الطبعی لم یؤخذ قیدا فی موضوع الثواب المجعول حتی یکون جعلا للداعی فی فرض تقیّد العمل بداع آخر. بل الفرض جعل الداعی نحو ذات العمل الذی بطبعه یدعوه الثواب البالغ. فیکون تحریکا إلی العمل بذاته.

بل جعل الداعی فی الواجبات کذلک ، فانه جعل داع عمومی ، وإن فرض أن العامة یفعلون بداعی الثواب والخاصة بداع آخر أعلی منه. والوجه فی صحة الکل عدم القیدیة.

وأما التقیید کما هو ظاهر قوله (علیه السلام) فی خبر محمد بن مروان : ( ففعله التماس ذلک الثواب ) (1).

وفی خبر آخر له ( ففعل ذلک طلب قول النبی ( صلّی الله علیه وآله ) (2) ... الخ ).

فقد اجاب (قدّس سره) فی المتن بعدم المنافاة بین المقید من هذه الأخبار مع مطلقها.

إذ لا منافاة بین الثواب علی نفس العمل لا بداعی الثواب المحتمل بما هو ، والثواب علی العمل بداعی الثواب المحتمل بما هو.

ص: 179


1- (1 و 2) جامع أحادیث الشیعة : 1 / 340 و 1. الکافی : 2 / 82 ، وسائل الشیعة 1 : 81 / 4 ، 82 / 7.

فالمطلق متکفل للثواب المجعول الکاشف عن جعل لازمه ، والمقید متکفل للارشاد إلی الثواب الذی یحکم به العقل علی الانقیاد والاحتیاط.

وهذا التقریب لا یرد علیه محذور عدا وحدة سیاق الأخبار وأنها فی مقام ترتیب سنخ واحد من الثواب علی موضوع واحد.

وحینئذ فالنکتة - لعدم التقیید فی بعضها - وضوح أن الداعی الطبعی لمن بلغه ثواب هو ذلک الثواب البالغ ، لا الثواب المجعول بهذه الأخبار علی فرض جعله.

لکنک عرفت مما ذکرنا فی التفریع بناء علی السببیة أن السببیة طبعیة عادیة لا أنها قید جعلی أخذ فی الموضوع.

وأما ما فی کلمات بعض الاعلام (1) : من أن المطلق لا یحمل علی المقید فی المندوبات ، فلا موجب لحمل المطلق هنا علی المقید وإن سلم التقیید.

ففیه : أن الوجه فی عدم الحمل فی المندوبات إمکان حمل المطلق والمقید منها علی مراتب المحبوبیة.

فالمستحب الفعلی هو المقید وما عداه مستحب ملاکی ، بخلاف الواجبات فان حملها علی مراتب الوجوب یلازم الحمل علی المقید ، فان الملاک الوجوبی لازم التحصیل.

وهذا الوجه غیر جار هنا فان المقید بداعی الثواب المحتمل لیس مستحبا شرعیا لا فعلیا ولا ملاکا ، بل المقید بهذا الداعی راجح عقلی. والمطلق الذی حقیقته إتیان الفعل لا بهذا الداعی بل بسائر الدواعی مستحب شرعی ، فلیس المقید من مراتب المستحب الشرعی فی قباله.

مع أن وحدة السیاق فی الأخبار یقتضی أن یکون الکل بصدد ترتیب

ص: 180


1- 1. هو المحقق النائینی قده ، أجود التقریرات 2 : 210.

سنخ واحد من الثواب علی سنخ واحد من الموضوع.

وقد عرفت (1) أن مقتضاه إرجاع المطلق إلی المقید لمکان تنافیهما فی ترتیب ثواب مخصوص علی المطلق تارة ، وعلی المقید أخری ؛ فانه کاشف عن وحدة المرتبة ، وإن کانت المحبوبیة علی أی حال شرعیة.

ویمکن أن یقال : إن التقیید إذا کان بداعی الأمر المحتمل الذی ربما یکون له مطابق فی الواقع فیکون إطاعة حقیقیة ، وربما لا یکون له مطابق فیکون انقیادا ، فالأخبار إرشاد إلی ما هو الراجح والممدوح علیه عقلا ، وهو الاحتیاط والانقیاد للأمر المحتمل.

وأما إذا کان التقیید بداعی الثواب المحتمل ، فحیث إن الثواب واحد وإن کان الوعد علیه متعددا فهذا الواحد محقق لا تخلف له. والعمل المأتی به بالداعی المحقق فعلا یخرج عن عنوان الانقیاد ، فیکون العمل بحسب الواقع کالاطاعة الحقیقیة لانبعاثه عن داع له مطابق فی الواقع ، إما بمقتضی الوعد الواقعی البالغ ، أو بمقتضی الوعد الثابت بهذه الأخبار.

ولا یقاس الثواب علی إطاعة الأمر المحتمل - مع قطع النظر عن هذه الأخبار - بما نحن فیه ، بتوهم أن الثواب المحتمل محقق قطعا : إما علی الاطاعة الحقیقیة إن کان فی الواقع أمر من الشارع ، وإما علی الاطاعة الحکمیة لحکم العقل برجحانه.

وذلک لأن الثواب علی احد التقدیرین من ناحیة الانقیاد فلا ینافی الانقیاد ، بخلاف ما نحن فیه فان الثواب مجعول لازم لاستحباب شرعی ، إما واقعی وإما ظاهری بمقتضی مطلقات هذه الأخبار.

فمثل هذا التقیید غیر مناف للمطلقات ، لعدم ترتب الثواب فیه علی

ص: 181


1- 1. حیث قال : وهذا التقریب لا یرد علیه محذور عدا وحدة سیاق الاخبار.

الانقیاد بل علی داع محقق یخرجه عن عنوان الانقیاد.

ومن الواضح : أن التقیید الثابت هنا هو التقیید بالتماس ذلک الثواب ، أو التقیید بطلب قول النبی صلّی الله علیه وآله وسلّم وهو الثواب الذی أخبر ( صلّی الله علیه وآله ) عنه ، لا أمره الاستحبابی ، فانه لا یطلب کما لا یخفی.

ویرد علیه أولا : أن دعوة الثواب لیست بالذات وبالأصالة ، لأن الثواب لیس من غایات ذات الفعل وخواصه ، بل من اللوازم المترتبة علی الفعل المأتی به بداعی. الأمر المحقق أو المحتمل ، فلا بد من توسط دعوة الأمر بینه وبین العمل.

ومن الواضح : أن الثواب البالغ المحتمل بحسب نظر العامل من لوازم الاتیان بداعی الأمر المحتمل.

فالتقیید بالثواب البالغ بمنزلة التقیید بدعوة الأمر المحتمل ، وهو عین الانقیاد.

وثانیا : أن العمل بداعی الثواب المحتمل خارجا بعد صدور هذه المطلقات ، وإن کان فی الواقع خارجا عن عنوان الانقیاد ؛ لأن الداعی له مطابق فی الخارج علی أی حال.

إلا أن الکلام فی أن موضوع الثواب الموعود علیه بهذه الاخبار ما ذا؟

ویستحیل أن یکون الموضوع لهذا الثواب الموعود المحقق بهذه الأخبار الذی هو بمنزلة الحکم لذلک الموضوع متقیدا به فی مرتبة موضوعیته ، حتی یئول الأمر إلی ترتیب الثواب علی العمل المأتی به بداع محقق ، مع قطع النظر عن هذه الأخبار ومقتضاها. فتدبره فانه حقیق به.

والتحقیق : أن حمل هذه الأخبار علی الارشاد إلی ثواب الانقیاد بعید عن السداد ، وذلک إن الثواب الذی یمکن الارشاد إلیه لا بد من ثبوته ، لا من ناحیة الارشاد ، بل بحکم العقل والعقلاء ولیس هو إلا أصل الثواب بناء علی أن

ص: 182

الحسن العقلی والقبح العقلی لیس إلا کون الفعل ممدوحا علیه عند العقلاء وکونه مذموما علیه عندهم ، ومدح الشارع ثوابه وذمه عقابه.

وأما الوعد بالثواب الخاص فلیس من الشارع بما هو عاقل ، وإلا لحکم به سائر العقلاء ، بل بما هو شارع ترغیبا فی فعل تعلق به غرض مولوی ، فیکشف عن محبوبیة مولویة ومطلوبیة شرعیة.

غایة الأمر أن محبوبیة ما وعد علیه بالثواب الخاص ، تارة : مفروض الثبوت ، کالوعد بالمثوبات الخاصة علی الواجبات والمستحبات المعلومة. وأخری :

غیر مفروض الثبوت ، فیستکشف ثبوتها بجعل الثواب الخاص ، فیکون من باب جعل الملزوم بجعل لازمه والترغیب فیه.

وأما ما عن شیخنا العلامة الأنصاری (قدّس سره) فی رسالة البراءة (1) من أن مدلول هذه الأخبار إخبار عن تفضل الله سبحانه علی العامل بالثواب المسموع ، فهو نظیر قوله تعالی ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) (2) فهو ملزوم لأمر إرشادی یستقل به العقل بتحصیل ذلک الثواب المضاعف.

ففیه : أن التفضل بالمثوبات الخاصة غیر مناف لانبعاثها عن غرض مولوی یستدعی مطلوبیة شرعیة ؛ إذ کل إحسانه تفضل وکل نعمه ابتداء. واستقلال العقل بتحصیلها بعد وعد الشارع بها أمر ، ووعد الشارع بها بعنوان الارشاد إلی الثواب العقلی أمر آخر.

ومقتضی الأخبار هو الوعد علی العمل بثواب خاص لا یحکم به العقل ، فکیف یکون إرشادا؟

وحیث إن الثواب الخاص لیس مقتضی حسنه عقلا فلا بد من أن یکون من حیث رجحانه شرعا ، إذ المفروض ترتیبه علی العمل ، فهو باقتضائه لا محالة ،

ص: 183


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 56.
2- 2. الانعام : 160.

ولو بعنوان ثانوی.

بل مقتضی التأمل فی الأخبار أنها فی مقام الترغیب فی العمل لا فی تحصیل الثواب فقط ، ولا معنی للترغیب فی العمل إلا لکونه راجحا شرعا.

نعم الکلام فی أن موضوع هذا الثواب الموعود وهذا الاستحباب المفروض هل هو فعل ما بلغ فیه الثواب؟ کما هو مقتضی المطلقات؟ أو فعل ما بلغ فیه الثواب بداعی الثواب البالغ؟ کما هو مقتضی المقیدات ، وإلاّ فأصل الاستحباب لا ینبغی الکلام فیه.

ومن الواضح : أن وحدة سیاق الأخبار - من حیث کونها فی مقام الوعد بسنخ ثواب واحد علی موضوع واحد - تأبی عن إبقاء المطلقات والمقیدات علی حالها.

والمشهور یقولون : بترتب الثواب علی فعل ما بلغ فیه الثواب وإن لم ینبعث من الثواب البالغ.

والذی یمکن أن یقال فی تقریب الوجه الأول الذی علیه المشهور : أن مفاد ( أخبار من بلغ ) لیست خبریة محضة عن ما یفعله من بلغه الثواب بخبر ضعیف ، حیث إنه بطبعه یدعوه الثواب البالغ المحتمل بدعوة الأمر المحتمل ، لوضوح أن هذا الثواب الخاص لا یترتب علی ما یفعله بعنوان الانقیاد.

بل مفادها ترغیب فی فعل ما بلغ فیه الثواب بجعل هذا الأمر المولوی المحقق داعیا بجعل الثواب الخاص.

وإنما أخذ عنوان التماس ذلک الثواب فی الموضوع لا من أجل أن هذا الموضوع الخاص بما هو متعلق الامر المحقق ، لاستحالة کون محتمل المحبوبیة وجها للعمل کما تقدم ، ولاستحالة استحباب العمل المفروض فیه الداعی بنحو القیدیة الحقیقیة ، سواء کان الاستحباب تعبدیا أو توصلیا ، لأنه علی أی حال لجعل الداعی ، وتعلقه بنفس دعوة الثواب والأمر المحتمل خلف فی المقام ، لفرض

ص: 184

استحباب العمل علی أی حال.

بل جعل للثواب بعنوان تقریر الثواب البالغ ، وترغیب فی إتیانه بداعی الثواب البالغ عنوانا ، تحقیقا لدعوة هذا الثواب المجعول ، کما فی جعل الحکم المماثل ، بعنوان تصدیق العادل فیما أخبره من الوجوب الواقعی ، فکما أنه فی مقام جعل الوجوب الواقعی باعثا عنوانا ، وجعل الوجوب المماثل داعیا حقیقة ، فکذلک هنا والله اعلم.

ثم إنه یتفرع علی ما مرّ من النزاع فی أن الأخبار إرشاد إلی الانقیاد ورجحانه عقلا أو جعل للثواب والاستحباب أمور :

منها : أن الآثار الوضعیة المترتبة علی المطلوبات الشرعیة یترتب علی فعل ما بلغ فیه الثواب علی الثانی دون الأول ، وإلا لزم الخلف وهذه الکلیة من القضایا التی قیاساتها معها.

وإنما الکلام فی تطبیقها علی ما ذکره (1) شیخنا العلامة الأنصاری (قدّس سره) من عدم ارتفاع الحدث بالوضوء الذی فیه الثواب بخبر ضعیف ، بناء علی الارشاد إلی رجحان الانقیاد ، وارتفاعه به بناء علی الاستحباب.

والاشکال فی التطبیق من وجهین :

أحدهما : أنه لا دلیل علی أن کل وضوء مطلوب شرعا رافع للحدث ، حتی یمتاز عما وقع انقیادا ، فان وضوء الحائض فی أوقات الصلاة ووضوء الجنب عند النوم مثلا مستحب شرعا ، ومع ذلک غیر رافع للحدث.

ثانیهما : أن مناط عبادیة الوضوء وقربیته - الدخیلة فی تأثیره فی الطهارة - لیس وجوبه لغایة واجبة ، أو استحبابه لغایة مستحبة ، حتی یدور الأمر بین کونه مستحبا شرعیّا ببلوغ الثواب أولا.

ص: 185


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 56.

بل المناط کما حقق فی محله رجحانه الذاتی واستحبابه النفسی شرعا ، فعدم ثبوت استحبابه العرضی - بالخبر الضعیف - لا ینافی استحبابه النفسی المحقق لعبادیته ، وتأثیره فی الطهارة.

فالوضوء البالغ فیه الثواب فی وقت خاص وحالة مخصوصة ، وإن کان یقع من هذه الحیثیة انقیادا لا مستحبا ، لکنه من حیث نفسه یقع مستحبّا مؤثرا فی الطهارة.

ویندفع الاشکال الأول : بأن الحدث القابل للارتفاع بالوضوء هو الحدث الأصغر دون الأکبر ، فلا مانع بمقتضی المطلقات الدالة علی استحبابه النفسی من ارتفاع ما یقبل الارتفاع به.

بل یمکن أن یقال : إن الوضوء حیث إنه فی نفسه نور وطهور ، فله تأثیر النورانیة والطهارة حتی فی الحائض والجنب.

إلا أن الظلمة حیث إنها شدیدة ؛ لقوة مقتضیها ، فلذا لا ترتفع بالکلیة بل یحصل به تخفیف ونور یناسب مقام العبودیة بالأذکار فی وقت الصلاة أو النوم فی حالة مناسبة. وبقیة الکلام فی الفقه.

ومن جملة موارد تطبیق الکلیة مسألة المسح ببلل المسترسل من اللحیة بناء علی ورود الخبر الضعیف بغسله ، فانه علی الارشاد لا یجوز الأخذ من بلله لأنه لیس من نداوة الوضوء شرعا بل هو راجح عقلا.

بخلاف ما إذا استحب شرعا غسله ، فانّه من الماء المستعمل فی الوضوء. بل عن شیخنا العلامة الانصاری (1) (قدّس سره) عدم الجواز ، وان قیل باستحبابه شرعا. فلا ثمرة فی هذا المورد.

والوجه فی عدم الجواز ما أفاده (قدّس سره) فی کتاب الطهارة (2) ، من

ص: 186


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 56.
2- 2. کتاب الطهارة / 121.

عدم الدلیل علی جواز المسح بکل بلل من الماء المستعمل فی الوضوء وجوبا وندبا ، بل المتیقن بلل المغسول بالاصالة کاللحیة الداخلة فی حد الوجه.

وأما ما عن شیخنا العلامة (قدّس سره) فی تعلیقته المبارکة (1) - علی هذا الموضع من رسالة البراءة. من أن المسح لا بد من أن یکون ببلل الوضوء ولا یصح ببلل ما لیس منه وإن کان مستحبا فیه - فلا یخلو عن شیء ؛ لأن استحباب غسل المسترسل من اللحیة لا یحتمل عادة أن یکون مستحبا نفسیا فی ضمن الوضوء ، بحیث یکون الوضوء ظرفا له.

بل لو کان مستحبا لکان جزء الفرد وکمالا للوضوء واسباغا للوضوء. فالوجه فی الاشکال ما ذکره هو (رحمه الله) فی کتاب الطهارة.

ثم اعلم : أن ترتیب الآثار الوضعیة والتکلیفیة - المترتبة علی المطلوبات الشرعیة علی المورد بناء علی استحبابه ، وعدمه بناء علی عدمه - إنما هو إذا لم تکن تلک الآثار آثار المستحب بعنوانه الذاتی ، دون المستحب بعنوان عرضی ، وإلاّ لم یکن مجال لترتیبها علی المورد بمجرد استحبابه بعنوان أنه مما بلغ فیه الثواب.

ویمکن أن یقال : بأن عنوان بلوغ الثواب - کعنوان تصدیق العادل لیس من قبیل الواسطة فی العروض ، بل من قبیل الواسطة فی الثبوت ، ولا ینافی ذلک عدم کون الأخبار دلیل الحجیة کما اخترناه ، کما لا ینافی ذلک ثبوت الحکم علی أی تقدیر.

ص: 187


1- (1) التعلیقة علی فرائد الأصول / 137

تذنیب

یتعلق ببعض الفروع المهمة المتعلقة بمسألة التسامح فی أدلة السنن ، وهی أمور :

الأول : فی أن الفتوی کالروایة الضعیفة فی باب التسامح أم لا. ربما یقال : بالثبوت ، نظرا إلی صدق بلوغ الثواب علی العمل اللازم للاستحباب.

أما بالنظر الی قوله (علیه السلام) من بلغه عن النبی - صلّی الله علیه وآله - شیء من الثواب فعمله (1) ... الخبر ، فبملاحظة أن المراد من الثواب بقرینة قوله : ( فعمله ) هو نفس ما یثاب علیه باطلاق المسبب علی سببه.

وأما بالنظر إلی قوله (علیه السلام) : ( من بلغه شیء من الثواب علی شیء من الخیر فعمل به ... ) (2) الخبر ، فبملاحظة أن الفقیه وإن کان فتواه متعلقا بالاستحباب لا بالثواب ، لکنه لمکان التلازم بین الاستحباب والثواب یکون بلوغ الاستحباب بالمطابقة بلوغ الثواب بالالتزام.

وعلیه ، فمقام الاثبات غیر قاصر عن الشمول للبلوغ بالفتوی.

إلا أن البلوغ فی زمان صدور هذه الروایات حیث إنه کان بنقل الروایة عن المعصوم (علیه السلام) فاطلاقه منصرف إلی الخبر عن حس ، لا الخبر عن حدس خصوصا إذا قلنا بأن الأخبار تتکفل حجیة الخبر الضعیف فی السنن ، فانه یبعد کل البعد جعل فتوی مجتهد حجة علی مجتهد آخر.

نعم إذا علمنا من مسلک الفقیه أنه لا یفتی إلا عن ورود الروایة فی

ص: 188


1- 1. المحاسن 1 / 25 ، جامع الاحادیث 1 : 341.
2- 2. ثواب الاعمال / 127 لکن بتغییر یسیر فی الفاظ الحدیث.

المسألة ، ففتواه بالالتزام یکشف عن ورود روایة بالاستحباب.

ولکنه مع ذلک یحتاج إلی التسامح فی الدلالة ؛ إذ غایة ما یقتضیه مسلکه هو الاستناد إلی الروایة ، وأما استفادة الاستحباب فموکولة إلی نظره ، ولعلها إذا وصلت إلینا لم نستظهر منها الاستحباب.

الثانی : فی أن الکراهة ملحقة بالاستحباب فی التسامح فی دلیلها أم لا؟

قیل : المشهور علی الالحاق ، وذلک بعد دعوی شمول العمل للفعل والترک یتوقف الالحاق علی أحد أمور :

إمّا تنقیح المناط بدعوی أن الغرض أن الاحکام الغیر الالزامیة لیست کالالزامیة المتوقفة علی ورود روایة صحیحة. واثباته مشکل.

وإمّا دعوی : أن ترک المکروه مستحب ، فقد بلغ استحباب الترک بالالتزام ، وإن کان البالغ بالمطابقة کراهة الفعل. وهو خلاف التحقیق المحقق فی محله من أن کل حکم تکلیفی لا ینحل إلی حکمین فعلا وترکا.

وإمّا دعوی : أن ترک المکروه إطاعة للنهی التنزیهی مما یثاب علیه قطعا ، فقد بلغ الثواب علی الترک علی حد بلوغ الثواب علی الفعل فی المستحب الذی لا ریب فی إناطة ترتب الثواب علیه باطاعة الأمر الاستحبابی ، وبلوغ الثواب علی الترک لازم کراهة الفعل.

وتقریر هذا الثواب البالغ واثباته علی أی تقدیر جعل ملزومه ، وهی الکراهة. فیکون مقتضی أخبار من بلغ جعل الاستحباب تارة ، وجعل الکراهة أخری. ومثله متعارف ، کما فی أدلة حجیة الخبر وحرمة ( نقض الیقین بالشک ) المتکفلة لجعل احکام مماثلة لمواردها ایجابا وتحریما. وهکذا.

وهذا الوجه وجیه ، لو لا ظهور الروایات فی الأفعال والوجودیات ، لا التروک والعدمیات.

نعم یمکن تنقیح المناط بوجه آخر ، وهو أن مورد الأخبار ، وإن اختص

ص: 189

بالفعل ، إلا أن ظاهر الأخبار أنها فی مقام الترغیب فی تحصیل الثواب البالغ من حیث إنه ثواب بالغ لا لخصوصیة فیما یثاب علیه ، حتی یقتصر علی ثواب الفعل ، فالحق حینئذ مع المشهور فی الحاق الکراهة بالاستحباب.

الثالث : فیما إذا وردت روایة بالاستحباب وأخری بالکراهة ، فعلی القول بعدم الإلحاق تکون الروایة الدالة علی الکراهة کالعدم فلا منافی لاستحباب الفعل.

وأما علی القول بالالحاق ، فعلی جمیع الوجوه المتقدمة یقع التنافی بین الروایتین ، فلا یعمهما الدلیل العام.

إلا أن الوجه فی المنافاة یختلف باختلاف المبانی المتقدمة : فعلی مبنی استحباب ترک المکروه لازم الروایتین استحباب والترک معا (1).

ولا یعقل جعل الداعی نحو الفعل والترک معا ، فانّه لا فرق هنا بین الالزامی وغیره ، فان ملاک صحة جعل الداعی مطلقا إمکان انقداح بسببه عند الانقیاد للأمر ، ویستحیل الجمع بین النقیضین ، فیستحیل الانبعاث فیستحیل البعث.

وعلی مبنی اثبات الکراهة بنفسها ، إما لتنقیح المناط وإما بالاستظهار من جعل الثواب علی الترک ، فلازم الروایتین اجتماع حکمین متضادین فی الفعل.

إلا أن هذا بناء علی ما هو التحقیق من کون التقابل بین الوجوب والحرمة وبین الاستحباب والکراهة تقابل الوجودین ، بأن یکون مفاد الأمر البعث نحو الفعل ومفاد النهی الزجر عن الفعل.

وأما بناء علی ما هو المعروف من أن مفاد النهی طلب الترک ، فلازم اجتماع الامر والنهی فی شیء تعلق الطلب بفعله وبترکه ، فیکون أجنبیا عن التقابل

ص: 190


1- 1. هکذا فی الاصل لکن الصحیح : استحباب الفعل والترک معا.

بالتضاد ؛ لأن أحد الطلبین قائم بطرف الفعل والآخر بطرف الترک. ومحذوره ذلک المعنی المتقدم (1) فی استحباب ترک المکروه ، فتفطن.

الرابع : إذا وردت روایة ضعیفة بالوجوب فالمشهور علی حملها علی الاستحباب ، نظرا إلی قصور الأخبار إلا عن اثبات حیثیة الثواب علی الفعل.

فلا یثبت بها العقاب علی الترک ، بل هو منفی بأصالة البراءة عن الوجوب.

ویمکن أن یقال : إن حقیقة الوجوب : إن کانت مرکبة من طلب الفعل والمنع من الترک أمکن أن یقال : إنه بلغه أمران : أحدهما قابل للثبوت دون الآخر.

وإن کانت من المعانی البسیطة فالبالغ معنی بسیط غیر قابل للثبوت بحده ، والقابل للثبوت بحده أی الاستحباب لم یبلغه.

وحیث إن البالغ هو الوجوب بحده فالثواب اللازم له هو الثواب اللازم للمحدود بحد خاص ، لا مطلق الثواب.

والمعنی البسیط البالغ ، وان کان قابلا للتحلیل إلی مطلق الطلب الجامع وحدّه ، إلا أن ذلک المعنی الجامع التحلیلی لا یستقل بالجعل ، حتی یکون الجامع مجعولا.

إلا أن هذا الاشکال لا اختصاص له بالمقام.

وسیجیء - إن شاء الله تعالی - التعرض له ولجوابه فی استصحاب الحکم الکلی فتدبره (2).

الخامس : نسب الشهید الثانی (3) (قدّس سره) إلی الأکثر التسامح فی أدلة السنن والآداب والفضائل والمواعظ وأشباهها.

ص: 191


1- 1. وهو عدم معقولیة جعل الداعی نحو الفعل والترک معا فیلزم البعث الی الجمیع بین النقیضین.
2- 2. نهایة الدرایة : التعلیقة 66.
3- 3. فی الدرایة 29.

وذهب إلیه الشیخ الأعظم (قدّس سره) فی رسالة التسامح (1) ، نظرا إلی أن العمل بکل شیء علی حسب ذلک الشیء ، والعمل بالخبر الوارد فی الفضائل نشرها ، والوارد فی المصائب ذکرها للابکاء مثلا قائلا :

إن العقل یحکم بحسن العمل مع الأمن من مضرة الکذب ، وأن عموم النقل کما فی النبوی (2) وروایة الاقبال (3) یقتضی استحبابه.

ولا بد من تقدیم مقدمة ، وهی أن الخبر عن الموضوع بما هو لا یراد منه إلا العمل المتعلق به إلا أن العمل :

تارة : یکون من غیر مقولة القول ، کما فیما إذا قام الخبر علی أن هذا الموضع الخاص مدفن نبی من الأنبیاء (علیه السلام) أو مسجد ، فان الثابت به استحباب الحضور عنده وزیارته ، واستحباب الصلاة فیه ، وهذا فی نفسه لا محذور فیه.

واخری : من مقولة القول المتصف بالصدق والکذب.

ولا بد حینئذ من تنقیح أن الکذب القبیح عقلا والمحرم شرعا ما ذا؟

لا ینبغی الریب فی أن الصدق الخبری والکذب الخبری لا حکم لهما عقلا ولا شرعا ، وإنما المناط فی الحسن والقبح والجواز والحرمة بالصدق والکذب المخبریین.

ولا ریب فی أن الصدق المخبری هو القول الموافق للواقع بحسب اعتقاد المخبر ، إلا أن الکلام فی الکذب المخبری المقابل للصدق المخبری ، هل بینهما التقابل بالتضاد أو بنحو العدم والملکة؟ بمعنی أن الکذب المخبری هو القول الذی یعتقد أنه خلاف الواقع ، أو القول الذی لا یعتقد أنه موافق للواقع فما لا

ص: 192


1- 1. مجموعة رسائل فقهیّة واصولیة / 28.
2- 2. عدة الداعی / 4.
3- 3. الاقبال / 627.

ثبوت له فی ظرف وجدان المخبر کذب ولا ینحصر الکذب فیما یعتقد أنه لیس کذلک فی الواقع.

والتحقیق : أن التقابل بینهما بنحو العدم والملکة ، وهو المعبر عنه فی لسان الشرع بالقول بغیر العلم ، فما لا علم به ولا حجة علیه یندرج الحکایة عنه فی الکذب القبیح عقلا والمحرم شرعا.

ولا یختص قبح الکذب بصورة الاضرار عقلا ، کما لا اختصاص له شرعا.

وعلیه فنشر الفضیلة التی لا حجة علیها وذکر المصیبة التی لا حجة علیها قبیح عقلا ومحرم شرعا ، فکیف یعمهما أخبار من بلغ؟ سواء کان مفادها الارشاد إلی حسن الانقیاد ، أو إثبات الاستحباب.

نعم إذا قلنا بأن الأخبار المزبورة تثبت حجیة الخبر الضعیف ، فلازمه اندراج الفضیلة والمصیبة فیما قامت الحجة علیه شرعا ، فیخرج عن تحت الکذب المخبری القبیح عقلا والمحرم شرعا.

وحینئذ إن کان إجماع فهو کاشف عن هذا المعنی لا أنه تخصیص فی حکم العقل والشرع. فتدبر جیدا.

السادس : إذا وردت روایة ضعیفة بالاستحباب ، وروایة صحیحة بعدم الاستحباب فهل یتسامح ، ویثبت الاستحباب أم لا؟

وتنقیح المسألة بأن التنافی : تارة - یتصور بین مدلول الخبر الضعیف ومدلول الخبر الصحیح - بما هما خبران.

ولا شبهة فی تنافیهما ذاتا ، لکن لا أثر لتنافیهما مع قطع النظر عن اعتبارهما.

وأخری : یلاحظ التنافی بین مدلول الخبر الصحیح بما هو مدلول دلیل معتبر ، ومدلول اخبار من بلغ.

ص: 193

ولا ریب ایضا فی عدم التعارض لأن موضوع عدم الاستحباب فعلا نفس الفعل بعنوانه ، وموضوع اخبار من بلغ المفیدة للاستحباب هو الفعل بما هو مما قد بلغ فیه الثواب.

وثالثة : یلاحظ التنافی بین أدلة حجیة الخبر الصحیح ونفس أخبار من بلغ.

وظاهر الشیخ الأعظم (قدّس سره) فی رسالة التسامح (1) أنهما متعارضان ، والأصل فیه تساقطهما. وهذا بناء علی أن مفاد ( أخبار من بلغ ) حجیة الخبر الضعیف ، کأدلة حجیة الخبر الصحیح ، وکل منهما یقتضی إلغاء احتمال خلاف مورده.

ویندفع بأن دلیل حجیة الخبر الصحیح علی الطریقیة یقتضی تنزیل مؤداه منزلة الواقع ، فإلغاء الاحتمال فیه راجع إلی إلغاء خلاف المحتمل ، وأنه غیر مستحب ، وإلغاء الاستحباب لا إلغاء أثر الاحتمال بما هو ، فان ( أخبار من بلغ ) تثبت استحباب الفعل لا بما هو ، بل بما هو مما بلغ فیه الثواب ، وبلوغ الثواب لا تخلف له ، فهی علی فرض إثبات الحجیة تثبت الحجیة علی وجه الموضوعیة ، لا علی وجه الطریقیة ، کدلیل حجیة الخبر الصحیح المفید للحجیّة علی وجه الطریقیة.

فتنزیل أدلة حجیة الخبر الصحیح - علی فرض التنزیل منزلة القطع - یراد منه التنزیل منزلة القطع الطریقی دون الموضوعی.

والعجب من الشیخ (قدّس سره) مع التفاته إلی هذا المعنی کیف حکم بالتعارض والتساقط؟

ومما ذکرنا تبین أنه لا حاجة إلی استحباب الفعل بملاک بلوغ الثواب بأخبار من بلغ ، نظرا إلی أن أخبار من بلغ تثبت الثواب علی أی تقدیر ، فسقوطها

ص: 194


1- 1. مجموعة رسائل فقهیة واصولیة / 33.

عن الحجیة فی موارد التعارض یوجب کونها کالخبر الضعیف البالغ به الثواب ، فعمومها وإن کان لا یمکن أن یعم نفسها ، إلا أن ملاکها التام الموجود فی کل خبر ضعیف موجود فیه ، ومقتضی علیة بلوغ الثواب للاستحباب هو الحکم باستحباب الفعل فی مورد التعارض.

* * *

قاعدة التسامح فی أدلة السنن

ص: 195

[ التنبیه الثالث ]

55 - قوله (قدّس سره) : ان النهی عن شیء إذا کان بمعنی طلب ترکه (1) ... الخ.

تحقیق المقام وبیان ما یجری فیه البراءة من الأقسام یستدعی بسطا فی الکلام ، فنقول : إن طلب فعل شیء أو ترکه یتصور علی وجوه :

منها : تعلق الطلب بصرف وجود الشیء ، وفی قباله تعلق الطلب بصرف العدم ، وقد یعبر عن الأول بالوجود اللابشرط ، ویناقض العدم الکلی ، وعن الثانی بالعدم المطلق والعدم الکلی ، ویقال : إن لازم الأول تحقق الطبیعة بأول وجود منها ، وإن لازم الثانی عدم انتفاء الطبیعة إلا بانتفاء جمیع أفرادها.

والتحقیق ما بیناه فی غیر مقام أن وجود کل طبیعة لیس نقیضه إلا عدمه البدیل له ، ولیس کل وجود إلا طاردا وناقضا لعدم ما یضاف إلیه الوجود بحده ، ولا یعقل أن یکون ناقضا للعدم الکلی والعدم المطلق.

فوجود کل طبیعة متخصصة بما أخذ فیها بدیله عدم تلک الطبیعة الخاصة بحدها.

فما اشتهر من أن وجود الطبیعة بوجود فرد ما وانتفاؤها بانتفاء جمیع الأفراد لا أصل له ، بل بدیل ذلک المحقق لتلک الطبیعة هو عدمه المطرود به ، لا عدم مطرود بغیره.

وأما انتقاض العدم باول وجود من الطبیعة ، وبقاؤه علی العدم بعدمه ، فلیس من حیث إن العدم المطلق بدیله ونقیضه ، بل بدیله فی الحقیقة هو عدم أول

التنبیه الثالث

ص: 196


1- 1. کفایة الاصول / 353.

وجود من الطبیعة ، لکن عدم الوجود الأول یلازم عدم سائر الوجودات.

کما أن التعبیر بالوجود اللابشرط لا یخلو عن محذور : إذ لو أرید منه الوجود بنحو الاهمال فهو غیر قابل لتعلق الحکم الجدی به ، للزوم تعین الموضوع بنحو من أنحاء التعین.

وإن أرید اللابشرط المقسمی - بناء علی ما هو التحقیق من الفرق بین الماهیة المهملة والماهیة اللابشرط ، لقصر النظر فی الأولی علی ذاتها وذاتیاتها ، وتوجه النظر فی الثانی (1) إلی الخارج عن ذاتها ، فلذا تکون مقسما للاعتبارات الواردة علیها.

فالوجود اللابشرط حینئذ هو اللابشرط من حیث اعتبار البشرطشیء والبشرطلا ، واللابشرط القسمی ، لا من کل حیثیة.

وعلیه ، فالوجود اللابشرط بهذا المعنی لا یکون موضوعا لحکم فعلی من الأحکام إلا بأحد اعتباراته الثلاثة ، حیث لا تعین له إلا أحد التعینات الثلاثة.

فلا محالة الوجود اللابشرط الذی یعقل تعلق الحکم به هو اللابشرط القسمی المتعین بتعین اللابشرطیّة من حیث القیود الخارجة عن ذات الماهیة الواردة علیها ، کلا بشرطیّة الانسان من حیث الضحک وعدمه ، ومن حیث الکتابة وعدمها وغیر ذلک.

وهذا غیر صرف الوجود ، وغیر أول الوجود ، ولا هو فی قبال العدم الکلی والعدم المطلق والعدم الأزلی واشباه هذه التعبیرات.

بل التحقیق بالتعبیر عنه بصرف الوجود وصرف العدم ما إذا لوحظ الوجود الجامع بین وجودات طبیعة خاصة بنهج الوحدة فی الکثرة ، فیلاحظ طبیعی الوجود بحده مضافا إلی طبیعة خاصة بحدها ، فیکون الوجود المضاف مسانخا فی وحدته لوحدة الطبیعة المضاف إلیها من حیث الماهیة ، وحدة نوعیة أو صنفیة

ص: 197


1- 1. هکذا فی الأصل لکن الصحیح : فی الثانیة.

مثلا.

فصرف الوجود بالاضافة إلی هذه الطبیعة الخاصة هو طبیعی الوجود الذی لا یشذ عنه وجود.

ونظیر هذا الاعتبار یجری فی طرف العدم المضاف إلی طبیعة خاصة ، فیلاحظ طبیعی العدم بحده الجامع بین أعدام طبیعة خاصة بحدها ، فیکون صرف العدم الذی لا یشذ عنه عدم من أعدام تلک الطبیعة الخاصة.

ثم إن هذا الوجود أو العدم الملحوظ کذلک : قد یکون کل فرد من طبیعیة ذا مصلحة أو ذا مفسدة ، فیناسبه تعلق سنخ الطلب به ، ولازمه تعلق کل فرد من أفراد طبیعی الطلب بفرد من افراد طبیعی الوجود ، أو طبیعی العدم المضافین إلی الماهیة.

فلا فرق فی الاطاعة والمعصیة بین ملاحظة وجود الطبیعة وعدمها هکذا ، وبین ملاحظتهما بنحو الکثرة وترتیب الحکم علیها مستقلا.

وقد یکون الوجود الملحوظ کذلک ذا مصلحة واحدة ، أو طبیعی العدم ذا مصلحة واحدة فیه ، أو ذا مفسدة واحدة فی طبیعی فعله ، فلا محالة یکون الطلب المتعلق به شخصا من الطلب لیس له إلا إطاعة واحدة أو معصیة واحدة.

ومنها تعلق الطلب بمجموع الوجودات من طبیعة خاصة بحیث ینبعث عن مصلحة خاصة قائمة بمجموعها لا بجمیعها ، فالطلب واحد شخصا ، له إطاعة واحدة ومعصیة واحدة.

وفی طرف طلب الترک یتصور وجهان :

أحدهما : قیام مفسدة واحدة بمجموع الافعال لا بجمیعها ، فینبعث منها طلب ترک المجموع ، فلا ینافی إتیان بعض الافعال ، بل عصیانه باتیان الجمیع.

ثانیهما : قیام مصلحة واحدة بمجموع التروک ، فینبعث منها طلب مجموع التروک لا ترک المجموع ، فاطاعته بمجموع التروک ، کما فی مجموع الأفعال ، وعصیانه یتحقق ولو بفعل واحد.

ص: 198

وحینئذ لا فرق بین طلب طبیعی الترک بحدّه ، وطلب مجموع التروک ، إلا بالاعتبار مع کون الطلب فیهما شخصیا.

ومنها تعلق الطلب بکل فرد من أفراد طبیعی الفعل أو بکل فرد من أفراد طبیعی الترک ، لقیام المصلحة بوجود الطبیعة متی تحققت فی طرف البعث ، أو لقیام المفسدة کذلک فی طرف الزجر.

کما یمکن انبعاث طلب کل فرد من أفراد الترک عن مصلحة فی نفس ترک الطبیعة الخاصة علی خلاف ظاهر النهی.

فهناک أشخاص من طلب الفعل أو من طلب الترک ، فیتعدد إطاعته وعصیانه ، لا طلب سنخی نوعی ینحل عقلا إلی أشخاص منه ، کما فی أحد القسمین من الاعتبار الأول.

نعم فرق بین الأمر والنهی ، حیث إن العموم فی الأمر یمکن أن یکون شمولیا وبدلیا ، دون النهی فان فیه تفصیلا :

توضیحه : أن طلب الفعل منبعث عن مصلحة قائمة بالفعل : فربما لا یکون تمانع بین أشخاص تلک المصلحة القائمة بتلک الطبیعة ، والمفروض أنها مصلحة لزومیة ، فلا محالة یطلب محصلات تلک المصالح الشخصیة اللزومیة بنحو العموم الشمولی.

وربما یکون بینها تمانع ، مع قیام المصلحة بطبیعة الفعل ، بحیث یفی کل شخص فرض من طبیعة الفعل بشخص من طبیعی المصلحة ، فلا محالة یطلب محصلاتها بنحو العموم البدلی.

مثلا إذا کان الغرض حصول الشبع بالأکل ، وکان أکل خبز واحد وافیا بتلک الفائدة بحیث لا یبقی مجال لاستیفاء هذا الغرض مما یفی به بذاته ، فیطلب منه أکل خبز واحد من آحاد الخبز بدلیا لا شمولیا.

بخلاف طلب الترک فانه ربما ینبعث عن مفسدة فی الفعل ، وربما ینبعث

ص: 199

عن مصلحة فی نفس الترک.

فان کان عن مفسدة فی الفعل فنفس المفسدة وان کانت أیضا علی قسمین :

فتارة : لا یکون تمانع بین وجوداتها ، وأخری - یکون بینها التمانع ، کما إذا کان کل فعل من طبیعی واحد تأثیره العمی وشبه ذلک - إلا أن الغرض حیث إنه لم یتعلق بفعل المفسدة بل بترکها ، فلا محالة تکون المفسدة بجمیع أشخاصها مطلوب الترک مطلقا شمولیا ، وإن کان لا یبقی مجال للامتثال بعد عصیان أحد أفراد الطلب ، لزوال الموضوع حینئذ.

وإن کان طلب الترک منبعثا عن مصلحة فی نفس طبیعی الترک ، فالمصلحة حیث إنها وجودیة تطلب نفسها فیمکن أن تفرض تارة متمانعة ، وأخری غیر متمانعة ، فیکون طلب الترک تارة بنحو العموم الشمولی ، وأخری بنحو العموم البدلی. فتدبره فانه حقیق به.

ثم إنک بعد ما عرفت الوجوه المتصورة والاعتبارات الواردة علی متعلق الأمر والنهی تعرف أن ما أفاده شیخنا العلامة - « رفع الله مقامه » فی أول الوجهین هنا من تعلق الطلب بترک شیء فی زمان أو مکان ، بحیث لو وجد فی ذلک الزمان أو المکان ولو دفعة لما امتثل أصلا الی آخر ما افاد - ینبغی أن یحمل علی ما إذا انبعث طلب الترک عن مصلحة واحدة فی طبیعی الترک بحده ، أو فی مجموع التروک.

وأما إذا کان منبعثا عن مفسدة فی مجموع الأفعال ، أو فی طبیعی الفعل بحده ، فلا محالة یکون المطلوب ترک المجموع ، فلا یسقط الطلب بفعل بعض المجموع عصیانا.

وأوضح من ذلک ما إذا کان المفسدة متعددة قائمة بالجمیع ، فان الطلب متعدد حقیقة ولبّا ، وإن کان بحسب الاعتبار واحدا سنخا ونوعا.

ص: 200

وأما فرض کون المفسدة القائمة بالجمیع متعددة متمانعة کما فرضناها ، فیسقط الطلب بفعل البعض کلیة ، فلا یوجب وحدة الحکم حقیقة.

بل هذا فرض معقول حتی فیما إذا اعتبر کل ترک موضوعا مستقلا ، فانه لا یبقی مجال لامتثال سائر أفراد الطلب ، فلا یختص هذا الحکم بصورة لحاظ الوحدة فی الموضوع والحکم.

ثم اعلم أن ملاک جریان البراءة عقلا عنده (قدّس سره) بحسب الظاهر من تقسیمه (قدّس سره) تعدد الحکم ، وملاک عدمه وحدته.

ففی صورة التعدد لا یکون تنجز الحکم ، لمکان إحراز موضوعه موجبا لتنجز حکم آخر لیس له هذا الشأن.

بخلاف صورة الوحدة فان الحکم الواحد - بعد تنجزه فی الجملة - یجب الفراغ عن عهدته ؛ لأن الواحد لا یتبعض من حیث التنجز وعدمه.

وأنت خبیر بأن الحجة علی الکبری : إن کانت حجة علی الصغری ، فلا فرق بین کبری طلب الترک المطلق وکبری طلب کل ترک.

وان لم تکن حجة علی الصغری ، فلا فرق بین الشک فی انطباق مدخول أداة العموم علی المائع المردد ، والشک فی انطباق طبیعی الترک المطلق علی ما یسع هذا الفرد المردد ، ولیس الشک فی هذا الفرد شکا فی محصل الترک المطلق ، بل هذا الفرد المردد علی تقدیر کونه خمرا مثلا یکون ترک شربه مقوم طبیعی ترک شرب الخمر بحده لا محصلا له.

فشرب (1) هذا المائع بالاضافة إلی طبیعی الترک ، وإن لم یکن کالفرد بالاضافة إلی الکلی ، بل مطابق طبیعی الترک بحدّه واحد ، وهو ما بالحمل الشائع ترک شرب الخمر بنهج الوحدة فی الکثرة.

إلا أن المطلوب بالحمل الشائع بنحو فناء العنوان فی المعنون هو الترک

ص: 201


1- 1. کذا فی الاصل ، لکن الصحیح : فترک شرب هذا المائع ، لأن الکلام فی ترک الشرب لا فی نفسه.

الجامع بین التروک الخارجیة بنهج الوحدة فی الکثرة ، وکون ترک شرب هذا المائع من جملة تلک الکثرات - التی یکون جامعها بالحمل الشائع متعلقا للطلب - مشکوک.

فما بالحمل الشائع مطلوب یشک فی سعته لهذا المائع المردد ، والحجة علی الکبری لیست حجة علی الصغری ، إلا بمقدار یعلم بسعة المطلوب بالحمل الشائع له.

وأما ما أفید (1) من استصحاب الترک المطلق إذا کان مسبوقا به.

فهو غیر مفید ، لأن الغرض الفراغ عن عهدة التکلیف المنجز ببقاء الترک المطلق علی حاله ، وعدم انقلابه باتیان الفرد المشکوک ، ومثل هذا الأثر العقلی غیر مترتب علی بقاء طبیعی الترک بحدّه علی حاله.

ولیس المستصحب أمرا جعلیّا فی نفسه کی یکون بالاضافة إلی الأثر العقلی کالمحقق لموضوعه ، والتعبد ببقاء الموضوع یجدی فی التعبد ببقاء حکمه لا فی الفراغ والاشتغال.

کما أن ما افید أخیرا (2) ؛ من أن أصالة البراءة وإن کان (3) یقتضی جواز الاقتحام فی المشکوک ، إلا أن قضیة لزوم احراز الترک اللازم وجوب التحرز عنه ، ولا یکاد یحرز إلا بترک المشتبه أیضا.

لا یخلو عن محذور ، إذ لا شک فی طلب هذا الفرد من الترک بالخصوص لیجری البراءة عنه ، وإنما الشک فی سعة الترک المطلوب لمثل هذا الترک فعلا.

فلو فرض جریان البراءة فیه ، لم یکن الحکم الفعلی المنجز إلا ما لا یسع هذا المشکوک ، فإما لا براءة ، وإما لا اشتغال. فتدبر جیدا.

والتحقیق : أن حقیقة البعث مثلا هو الانشاء بداعی جعل الداعی ، ولا

ص: 202


1- 1. فی الکفایة / 353.
2- 2. فی الکفایة / 334.
3- 3. مقتضی القاعدة تأنیث الفعلین لأن مرجع الضمیر هی أصالة البراءة.

یکون هذا الانشاء الخاص داعیا إلا بوجوده العلمی الذی لا یعقل الدعوة منه إلاّ فی موطن النفس ، لا بوجوده الواقعی الغیر الواصل.

وکما لا یعقل دعوة الآمر بوجوده الواقعی کذلک لا یعقل دعوته إلی أمر غیر حاضر فی أفق النفس حتی یتحقق منه الدعوة إلیه فی موطن الدعوة ، وفی محل انبعاث الشوق إلیه.

وهکذا بالاضافة إلی متعلق فعل المکلف کالماء والخمر والنجس ، فان حضور هذه المتعلقات - أیضا فی البعث إلی الشرب ، أو الزجر عنه فی فعلیة الباعثیة والزاجریة - لازم عقلا.

وهکذا الأمر بالاضافة الی حرکة العضلات بالقبض والبسط نحو موضوع خارجی ، فانه لا یتحرک العضلات نحو هذا الموضوع ، دون غیره جزافا ، بل بسبب انطباق ذلک المتعلق الکلی علی الجزئی فی وجدان العقل لا فی الخارج.

فانتهاء أمر دعوة البعث والزجر إلی ما تحرک نحوه العضلات قبضا وبسطا خارجا یقتضی حضور نفس البعث والزجر ومتعلقهما ، وما یضاف إلیه المتعلق عنوانا ومعنونا (1) فی وجدان العقل ، بحیث لو اختلّت إحدی هذه المقدمات لم یعقل الدعوة ، فلا یعقل جعل الداعی بالفعل.

وهذا هو السر فی اشتراط التکلیف بالقدرة أیضا ، فان نسبة القدرة إلی الارادة نسبة النقص إلی الکمال ، والقوة إلی الفعل ، والامکان إلی الوجوب.

فاذا لم یکن الشیء مقدورا لم یخرج الفعل من حد القوة إلی الفعل بالارادة حتی یعقل جعل الداعی المحصّل للارادة.

ص: 203


1- 1. کشرب الخمر مثلا ، فان الزجر تعلق بالشرب المضاف إلی الخمر ، فلا بد من علم المکلف به من حیث العنوان ، وهو عنوان الخمر ، والمعنون وهو المائع الخارجی الخاص الذی یزیل العقل ، فانه لو لم یعلمه من الجهتین لم یمکن الامتثال من جهة الجهل بحقیقته أو بأصل عنوانه ، فلا یعقل الانزجار.

ولا یخفی علیک أن الغرض من الانشاء بداعی جعل الداعی ، حیث إنه جعله بنفسه داعیا علی أی تقدیر ، فلا محالة یکون بوجوده الواصل حقیقة داعیا - لما مر سابقا (1) - من أن المعلول الفعلی لا ینبعث عن علة تقدیریة ، بل عن علة فعلیة.

فالأمر المحتمل بصورته الحاضرة فی النفس داع بالذات علی أی تقدیر ، والأمر الخارجی المطابق له داع بالعرض ، کالمعلوم بالذات والمعلوم بالعرض ، والمراد بالذات والمراد بالعرض.

ففی صورة احتمال الأمر لا یکون الأمر الخارجی الداعی بالعرض داعیا علی أی تقدیر ، بل علی تقدیر تحققه ومطابقته للصورة الحاضرة للنفس.

فاذا کان الانشاء الواقعی المفروض تحققه بداعی جعل الداعی حقیقة ، فهو بعنوان جعل الداعی بالعرض علی أی تقدیر ، ولا یعقل أن یکون کذلک إلا بنحو وجوده الواصل فی وجدان العقل ، وإلا ففی صورة احتماله لا یکون داعیا بالعرض علی أی تقدیر.

وکذا الأمر بالاضافة إلی عنوان متعلقه ، فان جعله داعیا إلی الشرب بعنوانه یستدعی إحداث الشوق الیه بعنوانه لا الی احتماله.

وکذا بالاضافة إلی ما أضیف إلیه المتعلق عنوانا ومعنونا.

نعم إذا قام الدلیل علی تنجیز المحتمل کان ذلک راجعا إلی جعل وجوده المحتمل داعیا.

أو إذا (2) کان من باب جعل الحکم المماثل کان فی الحقیقة جعل الحکم المماثل الواصل داعیا حقیقة بعنوان أنه الواقع ، فهو الداعی بالحقیقة ، والحکم الواقعی داع عنوانا وبالعرض.

ص: 204


1- 1. التعلیقة : 51.
2- 2. هکذا فی الأصل لکن الصحیح : وإذا.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین أن ملاک البراءة عدم فعلیة الحکم بعدم الوصول کبری وصغری ، من دون فرق بین کون القضیة حقیقیة أو خارجیة. فأخذ (1) القضیة حقیقیة مقدمة للبراءة - وأن فعلیة الحکم بفعلیة موضوعه بخروجه عن حد الفرض والتقدیر - مقدمة مستدرکة.

ولذا إذا کانت القضیة خارجیة کانت فعلیة الحکم بالوصول أیضا ، کما إذا قال لا تشرب هذه الخمور الموجودة فی الدار ، وتردد أمر مائع بین کونه منها وعدمه ، فانه قطعا مجری البراءة ، مع أن القضیة خارجیة ، فتدبره فانه حقیق به.

ومما ذکرنا تبین أنه لا شک فی [ عدم ](2) فعلیة الحکم الواقعی المحتمل ، بل ما ذکرنا برهان علی عدم فعلیته من دون وصول النوبة إلی قاعدة قبح العقاب بلا بیان.

وأما مع قطع النظر عن ذلک وملاحظة قاعدة قبح العقاب بلا بیان ومقتضاها فی الشبهة الموضوعیة ، فنقول : لیس المراد بالبیان ما هو وظیفة الشارع ، وهو بیان الکبری حکما وموضوعا ، حتی یتوهم حصوله ، وأن بیان الموضوع الجزئی لیس وظیفة الشارع.

بل المراد قبح العقاب بلا مصحح للعقوبة والمؤاخذة عقلا وشرعا ، وان لم یکن مصداقه وظیفة الشارع.

وقد بینا مرارا ان (3) مخالفة التکلیف الواقعی بما هی لیست مصححة للعقوبة عقلا ، بل بما هی ظلم علی المولی وخروج عن زی الرقیة ورسم العبودیة.

وکما أن مخالفة التکلیف الذی لا حجة علی أصله ولا علی متعلقه کلیة لیست ظلما ، إذ لیس من زی الرقیة اتیان ما لا حجة علیه من قبل المولی أو

ص: 205


1- 1. کما ذهب الیه المحقق النائینی قده. اجود التقریرات 2 / 200.
2- 2. أثبتناه لضرورة السیاق.
3- 3. منها ما تقدم فی مبحث حجیة القطع : التعلیقة 10 و 41 و 55. نهایة الدرایة 3.

التجنب عما لا حجة علیه من قبله.

کذلک مخالفة التکلیف المعلوم الذی صادف الفرد المشکوک فی الواقع ، فان فعل هذا المشکوک أو ترکه لیس خروجا عن زی الرقیة ، فان الحجة علی الکبری بما هی لا یعقل أن تکون حجة علی الصغری ، حتی یندرج فی موضوع مخالفة ما قامت علیه الحجة ، لیکون مصداقا للظلم المحکوم علیه بأنه مذموم علیه.

لا یقال : إتیان المشکوک ، وإن لم یکن ظلما مذموما علیه ، إلا أن مخالفة التکلیف المعلوم وعدم الخروج عن عهدته ظلم ، موجب للذم والعقاب ، فلزوم ترک المشکوک لیس من حیث نفسه ، بل من حیث لزوم الخروج عن عهدة التکلیف المنجز.

لانا نقول : بعد تسلیم أن إتیان هذا المشکوک من حیث کونه مخالفة ذلک التکلیف المعلوم لیس ظلما ، فلا محالة لا یتنجز ذلک التکلیف المعلوم إلا بمقدار یکون مخالفته ظلما وخروجا عن زی الرقیة.

ولا یجب الفراغ عن عهدة ما لا یتنجز بالاضافة إلی شیء ، بل یجب الفراغ عن عهدة ما کان منجزا له.

لکن قد بینا فی محله أن عدم استحقاق العقاب بعدم مخالفة التکلیف الواصل ، لا بقبح العقاب من المولی ، بل قبح معاقبته متفرع علی عدم استحقاقه ، فراجع.

* * *

التنبیه الثالث

ص: 206

[ التنبیه الرابع ]

56 - قوله (قدّس سره) : قد عرفت حسن الاحتیاط عقلا ونقلا (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن معنی حسنه عقلا کونه انقیادا للمولی ، وهو عنوان ممدوح علیه ، ومعنی حسنه شرعا لا بد من أن یکون رجحانه شرعا بقیام غرض مولوی به.

وإلاّ فکونه ممدوحا علیه عند الشارع بما هو من العقلاء فهو راجع إلی رجحانه العقلی ، ولیس بناء علی کونه راجحا عند الشارع - بما هو شارع - إلا کون الأمر به منبعثا عن نفس مصلحة الواقع بجعل الحکم المماثل ، تحصیلا للواجب الواقعی والغرض منه ، أو کون الأمر به بداعی تنجیز الواقع المحتمل ، لأجل الوصول إلی الغرض منه.

وأما الأمر به إرشادا ، فهو أمر منه بما هو عاقل ، لا بما هو شارع ذو غرض مولوی.

ومنه یعلم أنه بعد الحکم برجحانه شرعا فی الرسائل (2) لا مورد للتردید فی أن الامر به للاستحباب أو للارشاد ، والأمر سهل.

57 - قوله (قدّس سره) : ما لم یخل بالنظام فعلا فالاحتیاط قبل ذلک (3) ... الخ.

التنبیه الرابع

ص: 207


1- 1. کفایة الأصول : 354.
2- 2. فرائد الأصول المحشی 2 / 36.
3- 3. کفایة الأصول : 354.

أما بالاضافة إلی حسنه عقلا ، فلأن ما یخل بالنظام قبیح عندهم ، بل قد مرّ مرارا (1) أن ملاک الحسن والقبح العقلیین کون الشیء ذا مصلحة ینحفظ بها النظام ، أو ذا مفسدة یختل بها النظام.

وأما بالاضافة إلی وجوبه أو استحبابه الشرعی فلأنها بداعی جعل الداعی ، ومع قبح الاحتیاط المخل بالنظام فی نظر العقل لا یعقل تصدیق الجعل منه ، فیلغوا البعث قهرا.

بل نقول : إن نفس التکلیف الواقعی - الذی یقتضی الجمع بین محتملاته الاخلال بالنظام - لا یبقی علیه فعلیة الباعثیة والزاجریة ، لا من حیث إنه یقتضی ما یخل بالنظام ؛ لأن مقتضاه نفس متعلقه ، وهو قطعا لا یخل بالنظام ، بل الاخلال فی تحصیل العلم بامتثاله ، ولیس ذلک من مقتضیات نفس التکلیف ولو بالواسطة ، کما قدمنا شرحه فی أوائل (2) دلیل الانسداد.

بل من حیث إن العقل بعد ما لم یحکم بتحصیل العلم بامتثاله لا معنی لبقائه علی صفة الدعوة الفعلیة کما قدمناه هناک (3)

وأما ما فی المتن من أن الاحتیاط قبل الاخلال یقع حسنا ، وبعد لزوم الاختلال منه لا یکون حسنا ، فهو بالاضافة إلی الجمع بین الاحتیاطات بالنسبة إلی تکالیف متعددة ، لا بالاضافة الی الجمع بین محتملات تکلیف واحد ، فانه مبنی علی إمکان الانفکاک بین الموافقة القطعیة وترک المخالفة القطعیة. فتدبر.

ص: 208


1- 1. منها فی مبحث حجیة القطع التعلیقة 10. ومنها فی مبحث الظن التعلیقة : 51 و 145 نهایة الدرایة 3.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 130.
3- 3. فی التعلیقة : 128.

[ دوران الامر بین المحذورین ]

58 - قوله (قدّس سره) : وشمول مثل کل شیء لک حلال (1) ... الخ.

قد تقدم (2) فی مباحث القطع أن شمول کل شیء ... الخ یتوقف علی أمور :

منها : شموله للشبهة الحکمیة والموضوعیة معا ، مع أنه قد بینا (3) فی أدلة البراءة اختصاصه بالشبهة الموضوعیة.

ومنها : شموله للشبهة الوجوبیة والتحریمیة ، بتقریب أن الحرام یراد به ما حرم فعله أو ترکه ، فعموم الغایة یدل علی عموم المغیّی ، مع أن کل حکم من الأحکام الخمسة أمر بسیط لا ینحل إلی حکمین فعلا وترکا ، مع ظهور أن الایجاب ینبعث عن مصلحة فی متعلقه ، ولیس فی ترکه مفسدة حتی ینبعث منها تحریم.

کما أن التحریم ینبعث عن مفسدة فی متعلقه ، لا أن فی ترکه مصلحة کی ینبعث منها ایجاب.

وکذا لیس فی المراد التشریعی اللزومی فی موطن النفس إلا إرادة متعلقة بفعله لا کراهة متعلقة بترکه ، إذ لا فرق بین الارادة التشریعیة والتکوینیة إلا من حیث تعلق الأولی بفعل الغیر وتعلق الثانیة بفعل نفس المرید.

وکذا لا یستحق عقوبتین علی کل معصیة ، لأن المفروض أن فعل

ص: 209


1- 1. کفایة الأصول / 355.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 39.
3- 3. التعلیقة : 18.

الحرام ینطبق علیه (1) ترک الواجب ، وبالعکس فی ترک الواجب.

فتبین عدم التعدد من حیث المبادئ والنتائج والغایات.

ومنها : أن تکون الغایة عقلیة ، لا شرعیة جعلیة ؛ إذ لو کانت شرعیة فهی حاصلة لفرض العلم الاجمالی بالوجوب أو الحرمة ، بخلاف ما لو کانت عقلیة ، فان المراد من العلم هو المنجز ، ومع فرض عدم منجزیة هذا العلم من حیث الموافقة القطعیة وترک المخالفة القطعیة ، فالغایة غیر حاصلة بمجرد العلم.

وسیأتی إن شاء الله تعالی الاشکال فی الغایة ، حتی بناء علی کونها غایة عقلیة (2).

فاتضح أن الاستدلال به مبنی علی مقدمات کلها غیر مسلمة. فتدبر.

59 - قوله (قدّس سره) : ولا مانع منه عقلا ولا نقلا (3) ... الخ.

قد تقدم فی مباحث القطع بیان الموانع ودفعها فراجع (4).

60 - قوله (قدّس سره) : وقد عرفت أنه لا یجب موافقة الأحکام التزاما (5) ... الخ.

فی البحث عن وجوب الموافقة الالتزامیة جهتان :

إحداهما : تناسب مباحث القطع ، وهی أنه هل للتکلیف المعلوم مرحلتان من الاطاعة والمعصیة ، عملا والتزاما؟ أو الأولی فقط؟ وقد أشبعنا الکلام فیها هناک (6).

ص: 210


1- 1. کذا ، والصحیح : لا ینطبق علیه.
2- 2. فی التعلیقة : 62.
3- 3. کفایة الأصول : 355.
4- 4. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 39.
5- 5. کفایة الأصول : 355.
6- 6. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 31 و 32.

وثانیتهما - هل وجوب الموافقة الالتزامیة وحرمة مخالفتها - ولو بدلیل من الخارج - یمنع عن إجراء الاباحة والبراءة شرعا أو لا؟ وهذه الجهة تناسب مباحث الشک ومجاری الأصل.

وقد قدمنا الکلام فیها أیضا بتبع تعرض شیخنا العلامة - رفع الله مقامه - لها هناک (1). وبینا هناک (2) أن الأمر دائر بین ما یستحیل لزومه وما لا یمنع لزومه عن إجراء الاباحة والبراءة. فراجع.

وحیث عرفت أن الغرض هنا لیس مجرد لزوم الموافقة الالتزامیة کما هو المناسب لمبحث القطع ، حتی یقال : بعدم اللزوم کلیة ، أو أن الالتزام بالواقع إجمالا ممکن ، بل الغرض عدم مانعیة الالتزام اللازم ، حیث لا منافاة بین الحکم الواقعی والحکم الظاهری ، فلا مانع من الالتزام بهما معا.

لا یقال : هذا إذا تعلق الالتزام بنفس الواقع الذی هو إما الوجوب أو الحرمة ، وکل منهما حیث إنه مجهول فلا یکون فعلیا ، حتی یکون الالزام بحکمین فعلیین ، حتی یقال : بانه غیر معقول کعدم معقولیة نفس اجتماع الفعلیین.

واما اذا کان الالتزام بالمردد محالا ، لعدم تعین الطرف المقوم للالتزام الجدی الجزئی ، وإلاّ لزم إما تردد المعین أو تعین المردد ، وکلاهما خلف ، فلا محالة یجب الالتزام بنفس طبیعی الالزام.

وحیث إنه معلوم تفصیلا فیکون فعلیا فیمنع عن الاباحة الفعلیة ، کما أن الالتزام به لا یجتمع مع الالتزام بما ینافیه.

لأنا نقول : لا فعلیة لطبیعی الإلزام إلا بفعلیة نوعه ، فاذا لم یکن نوعه فعلیا لم یکن الجنس فعلیا ، فلا ینافی الاباحة الفعلیة ، فلا یکون الالتزامان

ص: 211


1- 1. کفایة الأصول : 268.
2- 2. التعلیقة : 35 و 36 و 37.

متنافیین ، هذا ، وبقیة الکلام مما یتعلق بالمقام قد تقدمت مفصلة فی مباحث القطع فراجع (1).

61 - قوله (قدّس سره) : وقیاسه بتعارض الخبرین (2) ... الخ.

لا یخفی علیک أن القیاس بالخبرین المتعارضین وابطاله ، تارة : لاثبات التخییر الذی هو أحد الوجوه فی المسألة ونفیه.

وأخری : لتتمیم البحث عن عدم وجوب الالتزام بأحد الحکمین بنحو التخییر حتی یمنع عن إجراء البراءة شرعا والحکم بالاباحة ، وإن کان لازمة بطلان القول بالتخییر. وظاهر العبارة هو الثانی ، کما هو مقتضی کلمات شیخنا العلامة الأنصاری (قدّس سره) فی الرسائل فی هذه المسألة (3).

وتقریب وجوب الالتزام بأحد الحکمین بنحو التخییر بوجهین :

احدهما : أنه یجب الالتزام شرعا بالحکم الواقعی بعنوانه ، فاذا کان الواقع هو الوجوب فالالتزام الواجب واقعا هو الالتزام بالوجوب ، وإذا کان هی الحرمة فالالتزام الواجب هو الالتزام بالحرمة.

وحیث لا یتمکن من الموافقة القطعیة للالتزام الواجب وجبت موافقته الاحتمالیة ، وهی بالالتزام بالوجوب أو الالتزام بالحرمة.

والجواب : أن أصل الالتزام الجدی بالواقع بعنوانه الخاص المجهول غیر معقول ، حتی یجب واقعا علی طبق الواقع ، حتی یجب موافقته الاحتمالیة ، بل مقولة الالتزام الجدی بشیء سنخ مقولة لا تتعلق إلا بما علم ، وهو لیس إلا نفس طبیعی الالزام ، وهذا معنی ما أفید فی الرسائل ، وهو قوله ( رحمة الله علیه ) ولیس

ص: 212


1- 1. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 37.
2- 2. کفایة الأصول : 355.
3- 3. فرائد الأصول المحشی : 2 / 63 و 64 و 65.

حکما شرعیا ثابتا فی الواقع ، حتی تجب مراعاته ، ولو مع الجهل التفصیلی (1) ... الخ.

ومنه تبین أنه لا جامع بین التخییر هنا والتخییر بین الخبرین ، حتی یقاس احدهما بالآخر :

إذ ملاک التخییر هنا مراعاة وجوب الالتزام الواحد بالاحتیاط المقتضی للموافقة الاحتمالیة.

وملإک التخییر هناک عدم امکان الجمع بین التزامین واجبین ، فیتخیر بین الالتزامین الواجبین.

ولذا قال (قدّس سره) بعد العبارة المتقدمة ، ومن هنا یبطل قیاس ما نحن فیه ... الخ.

ثانیهما : قیاس المورد بالخبرین المتعارضین بتنقیح المناط ، وبیان الملاک بینهما :

توضیحه : أن نفس التکلیف الواقعی وإن کان لا یقتضی عقلا الالتزام به أو بضده ، ودلیل الالتزام بالاحکام من الخارج وإن کانت (2) غیر مقتضیة (3) للالتزام بها بعناوینها الواقعیة ، إلا أن الدلیل علی التخییر بین الخبرین دلیل علی التخییر بین الحکمین هنا ؛ لأن الملاک هناک. إما رعایة الحکم الظاهری الأصولی وهی الحجیة ، ورعایة الحکم الواقعی أولی.

وإما لأن الخبرین مع ما نحن فیه مشترکان فی نفی الثالث. ففیما نحن فیه علما ، وفی الخبرین علمیّا.

ص: 213


1- 1. فرائد الأصول المحشی : 2 / 63.
2- 2. الصحیح : وإن کان.
3- 3. الصحیح : مقتضیا ، وزیادة : غیر.

وإما لأن الخبرین لا خصوصیة لهما إلا إحداث احتمال الحکمین واقعا ، وهو موجود فیما نحن فیه ؛ إذ لا شأن للخبرین بناء علی الطریقیة المحضة إلا إحداث الاحتمال.

والجواب : أن الحجیة : إما بمعنی لزوم الالتزام بمؤدی الخبر مقدمة للعمل ، لا تطبیق العمل علی مقتضی الخبر کما یظهر من بعض کلمات الشیخ الأجل (قدّس سره) (1).

وإما بمعنی جعل الحکم المماثل لمؤدی الخبر بعنوان ینطبق علی ذات الواجب مثلا کعنوان تصدیق العادل عملا.

وإما بمعنی تنجیز الواقع بالخبر. وعلی أی حال فالقیاس مع الفارق.

أما الحجیة بالمعنی الأول ، فایجاب الالتزام بمؤدی الخبر منبعث عن مصلحة فی نفس الالتزام إذا کان ایجاب الالتزام حقیقیا لا کنائیا. فهناک مصلحتان مقتضیتان لایجابین متعلقین بالالتزام.

وحیث لا قدرة علی امتثال هذین الواجبین المنبعثین عن مقتضیین ، فلا محالة یحکم العقل بالتخییر بینهما کسائر الواجبات المتزاحمة.

ولیس فیما نحن فیه إلا مصلحة مقتضیة للوجوب الواقعی ، أو مفسدة مقتضیة للتحریم الواقعی ، ولا موجب إلا لالتزام واحد بالمقدار الواصل ، وهو طبیعی الالزام.

نعم أصل الحجیة بهذا المعنی محل الاشکال ، إذ الالتزام بمؤدی الخبر - من حیث إنه مؤداه - لا معنی للزومه ، حیث إنه لیس من الأحکام حتی یجب الالتزام به.

والالتزام الجدی بالحکم الواقعی الغیر الواصل حقیقة ولا تعبدا غیر

ص: 214


1- 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 48.

معقول.

أما أنه غیر واصل حقیقة ، فهو واضح.

وأما أنه غیر واصل تعبدا ، فلان المفروض عدم جعل الحکم المماثل ، بل ایجاب الالتزام فقط.

وحیث إنه غیر معقول ، فلیحمل علی ایجاب الالتزام کنایة عن تطبیق العمل ؛ لأن العمل لا یکون إلا عن التزام ، فهو أمر بالالتزام کنایة ، وبالعمل حقیقة ، فیندرج تحت الشق الثانی.

وکذا لو جعلنا ایجاب الالتزام حقیقیا کاشفا بدلالة الاقتضاء عن جعل الحکم المماثل بجعل لازمه ، أو قبلا فیندرج تحت الشق الثانی.

وأما الحجیة بالمعنی الثانی ، وهو جعل الحکم المماثل ، فهو علی قسمین :

فتارة - ینبعث هذا الجعل المماثل عن مصلحة قائمة بالعنوان الطارئ ، فالحکم المماثل لا یدور ثبوته الحقیقی مدار الواقع ، لانبعاثه عن ملاک آخر غیر ملاک الواقع. وهذا معنی الحجیة علی الموضوعیة والسببیة.

فهناک علی الفرض فی الخبرین بحسب دلیل الحجیة مقتضیان لحکمین مماثلین لمؤدی الخبرین ، فالتخییر بینهما من باب التخییر بین الواجبین المتزاحمین.

فلا بقاس به ما لیس فیه إلا مقتضی واحد ، ومقتضی واحد.

وأخری ینبعث الجعل المماثل عن نفس مصلحة الواقع ، بحیث لا غرض فیه إلا إیصال الواقع بعنوان آخر ، فلا محالة یکون مقصورا علی مصادفة الخبر للواقع.

ولا تخییر هنا بحسب القاعدة ، إذ لا مقتضی هناک إلا نفس مقتضی الحکم الواقعی ، وهو واحد ، والحکم المماثل الحقیقی أیضا واحد ، فلیس هناک واجبان متزاحمان.

والتخییر إذا کان ثابتا شرعا فهو لوجه آخر مختص بالخبرین ، وهو

ص: 215

الاخذ بأحد الخبرین بعنوان التسلیم لما ورد عنهم (علیهم السلام).

فدلیل التخییر بناء علی هذا کدلیل حجیة الخبر عموما علی الموضوعیة ، فان عنوان التسلیم حیث إنه ذو مصلحة ، وکلاهما وارد ، فینطبق علی کلیهما هذا العنوان ، وحیث لا قدرة علی التسلیم لکلیهما ، وجب التسلیم لاحدهما مخیرا.

ولیس مثل هذا العنوان فیما نحن فیه ، حتی یکون دلیل التخییر هناک دلیلا علی التخییر هنا ، فعلم ان التخییر بین الخبرین لیس لأجل ما توهم من الملاک ، بل لما ذکرناه فی هذا الشقوق (1).

وأما الحجیة بالمعنی الثالث ، فحالها حال جعل الحکم المماثل علی الطریقیة المحضة ، إذ لا غرض فی هذا الانشاء علی الفرض إلا إیصال الواقع بأثره لا بمماثله ، فذاک الغرض هو الداعی الی تنجیز الواقع بالخبر ، وهذا شأن الخبر الموافق دون کلیهما.

فلا تخییر علی القاعدة ، بل بدلیل خاص بعنوان التسلیم لما یرد عنهم (علیهم السلام) بتوسط الثقات.

وأما ما عن شیخنا العلامة (قدّس سره) فی المتن من الجواب بناء علی الطریقیة من وجود ملاک الطریقیة فی کلا الخبرین ، هو احتمال الاصابة شخصا ، وغلبة الاصابة نوعا ، فالعلم الاجمالی بالکذب الواقعی غیر مانع ؛ إذ لیس الکذب الواقعی مانعا ومع وجود الملاک فی کلیهما ، فلا محالة یکون التخییر علی القاعدة ، ولا یقاس به ما نحن فیه ، حیث إنه لیس فیه إلا مجرد احتمال الحکمین ، لا ملاکان لاعتبار الحجیة فی کلا الخبرین.

فقد بینا فی محله أنه لا یخلو عن محذور ، إذ بناء علی الطریقیة المحضة لم ینبعث الانشاء بداعی جعل الحکم المماثل ، أو بداعی تنجیز الواقع إلا عن نفس مصلحة الواقع ، فالحکم المماثل واحد ، والمنجز بالحقیقة واحد عن مقتض واحد.

ص: 216


1- 1. هکذا فی الاصل ، ولکن الصحیح : هذه الشقوق.

غایة الامر أنه لم یجعل الحکم المماثل علی طبق مؤدی کل أمارة ، ولم یجعل الواقع منجزا بأیة أمارة کانت ، بل علی طبق ما له احتمال الاصابة شخصا ، وغلبة الاصابة نوعا.

ودخل هذه الخصوصیة فی الجعل المزبور عن المقتضی الواقعی أمر ، وکونه مقتضیا للجعل المزبور أمر آخر ، ومجرد وجود الشرط مع عدم المقتضی لا یفید شیئا ، ولا یکون التخییر علی القاعدة کالمتزاحمین. فتدبر جیدا.

62 - قوله (قدّس سره) : ولا مجال هاهنا لقاعدة قبح العقاب بلا بیان (1) ... الخ.

لیس الغرض فقد التمکن المعتبر فی تعلق التکلیف ، فانه حاصل قطعا ، بل الغرض فقد التمکن من الامتثال من حیث الموافقة القطعیة وترک المخالفة القطعیة ، وهو معتبر فی موضوع حکم العقل باستحقاق العقاب علی المخالفة القطعیة وترک الموافقة القطعیة ، وهو أثر تنجز التکلیف.

فلا نقص فی منجزیة العلم من حیث نفسه ، بل من حیث اعتبار التمکن من الامتثال فی تنجز التکلیف واستحقاق العقاب.

فکما أن فعلیة التکلیف منوطة بأمرین :

احدهما : وصوله ، والآخر : القدرة علی متعلقه ، ولا ربط لاحدهما بالآخر.

کذلک تنجز التکلیف ، واستحقاق العقاب علی مخالفته القطعیة ، وترک موافقته القطعیة منوط بأمرین :

أحدهما : الوصول الأعم من التفصیلی والاجمالی ، والآخر : التمکن من الموافقة القطعیة ، وترک المخالفة القطعیة ، ولا ربط لأحدهما بالآخر. فلا وجه لاحتساب التمکن المزبور من بیانیة العلم.

وأما أن العلم لا یصلح للبیانیة بتوهم تعلقه بجنس التکلیف ، ففیه :

ص: 217


1- 1. کفایة الأصول : 356.

أنه إذا علم بوجوب فعل فی الیوم أو حرمته فی غد لا علم له إلاّ بجنس التکلیف ، ومع ذلک یؤثر للتّمکن من الامتثال.

کما أنّه إذا علم بوجوب الجلوس فی مکان فی الیوم ، والجلوس فی مکان آخر فی الیوم لا یؤثر فی التنجز ، مع أنه متعلق بنوع التکلیف ، لعدم التمکن من الامتثال.

فیعلم أن العلم مطلقا قابل للتأثیر ، وإنما المانع عدم التمکن من الامتثال المعتبر عقلا فی استحقاق العقاب علی ترکه.

ومما ذکرنا یظهر الاشکال فی أدلة البراءة الشرعیة ، لأن ظاهرها کونها فی مقام معذریة الجهل وارتفاعها بالعلم ، فما کان تنجزه وعدمه من ناحیة العلم والجهل کان مشمولا للغایة والمغیّی ، وما کان من ناحیة التمکن من الامتثال وعدمه فلا ربط له بأدلة البراءة.

ومنه تبین أن الغایة فی کل شیء لک حلال ، وإن کانت عقلیة لا یجدی لشمول المغیّی لما نحن فیه ، إذ لیست المعذوریة هنا لأجل عدم حصول الغایة.

وهذا ما وعدناک به سابقا (1) ، فتدبره فانه حقیق به.

63 - قوله (قدس سره) : لعدم التمکن من الموافقة القطعیة کمخالفتها (2) ... الخ.

ظاهره عدم تنجز التکلیف من حیث ترک المخالفة القطعیة مطلقا سواء کانت فی واقعة أو فی واقعتین ، مع أنه بالاضافة إلی الواقعتین یتمکن من المخالفة القطعیة العملیة التدریجیة.

فانه إذا فعل فی واقعة ، وترک فی واقعة أخری یقطع بمخالفة التکلیف ، فانه إذا کان حراما فقد فعله ، وإن کان واجبا فقد ترکه.

ص: 218


1- 1. التعلیقة : 58.
2- 2. کفایة الأصول : 356.

ویقال : إن العقل لا یفرق فی قبح المخالفة القطعیة بین الدفعیة والتدریجیة.

بل ظاهر الشیخ الاعظم (قدّس سره) - فی الرسائل (1) فی مباحث القطع - الحکم بقوة قبح المخالفة القطعیة العملیة فی واقعتین.

وعدم الحکم بتنجز التکلیف فی واقعة لعدم التمکن من المخالفة القطعیة لا ینافی الحکم بتنجزه فی واقعتین ، لمکان التمکن منها.

وقد عرفت أنه لا قصور فی منجزیة العلم ، وإنما المانع عدم التمکن من الامتثال ، والمفروض حصوله من حیث ترک المخالفة القطعیة بالاضافة إلی واقعتین ، فالمقتضی موجود والمانع مفقود.

وهذه غایة ما یمکن أن یقال فی توجیه حکم العقل بقبح المخالفة القطعیة التدریجیة فی واقعتین.

والتحقیق : أن العلم لا ینجز إلا طرفه ، مع القدرة علی امتثال طرفه.

ومن البین أن هناک تکالیف متعددة فی الوقائع المتعددة ، فهناک علوم متعددة بتکالیف متعددة فی الوقائع المتعددة ، لا ینجز کل علم إلا ما هو طرفه فی تلک الواقعة ، والمفروض عدم قبول طرفه للتنجز ، ولا توجب هذه العلوم المتعددة علما - إجمالیا أو تفصیلیا - بتکلیف آخر یتمکن من ترک مخالفته القطعیة.

نعم انتزاع طبیعی العلم من العلوم المتعددة ، وطبیعی التکلیف من التکالیف المتعددة ، ونسبة المخالفة القطعیة إلی ذلک التکلیف الواحد المعلوم بعلم واحد ، هو الموجب لهذه المغالطة.

ومن الواضح أن ضم المخالفة فی واقعة إلی المخالفة فی واقعة أخری ، وإن کان یوجب القطع بالمخالفة ، لکنه قطع بمخالفة غیر مؤثرة ، لفرض عدم الأثر

ص: 219


1- 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 42.

لکل مخالفة للتکلیف المعلوم فی کل واقعة.

ومما ذکرنا تبین أن التمکن من ترک المخالفة القطعیة فی واقعتین غیر مفید ، لأنه لیس امتثالا للتکلیف المعلوم الذی یترقب امتثاله.

فان کل تکلیف فی کل واقعة یستدعی امتثال نفسه بحکم العقل لا امتثاله ، أو امتثال تکلیف آخر فی واقعة أخری.

ولا یخفی علیک أن عدم الفرق بین المخالفة القطعیة الدفعیة والتدریجیة صحیح اذا کان التدریجی طرف العلم ، لا فی مثل ما نحن فیه من کون کل واقعة أجنبیة عن واقعة أخری من حیث العلم والمعلوم فکذا من حیث الامتثال.

فلیس الاشکال فیما نحن فیه من حیث تدریجیة المخالفة ، کی یجاب :

تارة : بأن التکلیف بالمتأخر بنحو المعلق ، أو بنحو المشروط بالشرط المتأخر ، فهو فعلی حال تعلق العلم.

وأخری : بأن الواجب المشروط إذا علم بتحقق شرطه فی ظرفه کفی فی تنجزه فی ظرفه.

ثم إنه ربما ینتقض قبح الاذن فی المخالفة التدریجیة بالتخییر الاستمراری بین الخبرین الدالّ أحدهما علی الوجوب والآخر علی الحرمة ، وبالتخییر الاستمراری فی الرجوع إلی المجتهدین المتساویین فی مثل الفرض المذکور ، وبجواز العدول من مجتهد إلی آخر مطلقا ، أو ببعض مسوغات العدول فی مثل الفرض المزبور.

وأجاب عنه الشیخ الأجل (قدّس سره) (1) بعدم البأس به إذا کان للمکلف فی کل واقعة بدل ظاهری ، وتعبد بحکم ظاهری.

وربما یورد علیه : بأنه أیّ فرق بین الاباحة الظاهریة فی کل واقعة ،

ص: 220


1- 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 42.

وسائر الأحکام الظاهریة؟ (1)

ولا یخفی علیک أن غرضه (قدّس سره) لیس کفایة الحکم الظاهری فی المخالفة العملیة التدریجیة ، بل وجود البدل الظاهری الذی به یتدارک مصلحة الواقع أو مفسدته.

ففی مثل الخبرین المتعارضین یکون فی الالتزام بکل منهما مصلحة یتدارک بها مصلحة الواقع أو مفسدته ، أو نفس جعل الحکم علی طبق الخبرین بنحو التخییر منبعث عن مصلحة فی الفعل أو الترک بعنوان عارض إمّا مطلقا ، کما علی موضوعیة الخبر مطلقا ، أو فی خصوص مورد التعارض ، کما علی القول بالتخییر شرعا بعنوان التسلیم الراجع أیضا إلی الموضوعیة فی مثل هذا الحال.

وعلی أی حال فهناک مصلحة یتدارک بها الواقع عند الخطأ عن الواقع.

ولا بد من الالتزام بمثله فی التخییر بین المجتهدین ، أو جواز العدول.

وأما فی مثل الحکم علی معلوم الوجوب أو الحرمة بالاباحة مطلقا ، فلیس هناک بدل ظاهری ، حیث إن الفعل والترک علی حالهما من دون تعنونهما بعنوان ذی مصلحة حتی یکون الفعل المعنون بذلک العنوان بدلا ظاهریا عن الواقع.

کما لا معنی لتعنونهما - من قبل نفس الاباحة - بشیء ولو بالالتزام بالاباحة ، فان الاباحة تتعلق بنفس الفعل لا بالالتزام بها ؛ فانه غیر معقول ، فیتمحض فی الاذن فی المخالفة العملیة التدریجیة ، وهو قبیح.

64 - قوله (قدّس سره) : ثم إن مورد هذه الوجوه وان کان (2) ... الخ.

لا یخفی علیک أن تخصیص المورد بالتوصلیین ، وتقییده بعدم کونهما أو أحدهما تعبدیا ، تارة : لجهة تناسب مباحث القطع ، وأخری : لجهة تناسب هذا

ص: 221


1- 1. المورد هو المحقق الهمدانی قدس سره فی الفوائد الرضویة علی الفرائد المرتضویة.
2- 2. کفایة الأصول : 356.

المبحث.

ففی مباحث القطع لأجل تمحض المورد للمخالفة الالتزامیة ، إذ لو کانا تعبدیین أو کان أحدهما کذلک ، وفعل لا بداعی القربة کانت المخالفة عملیة. إذ لو کان حراما لفعله ، ولو کان واجبا لترکه ، حیث لم یأت به علی وجهه.

کما أنه إذا فعله بداعی الأمر ، وکان محتملا للتعبدیة کان متضمنا للموافقة الالتزامیة ؛ إذ لا یمکن الفعل بنحو التعبدیة إلا مع الالتزام بالحکم ، فلا یتمحض المورد للمخالفة الالتزامیة إلا فی التوصلی.

وأما هذا البحث فوجه التقیید فیه بالتوصلیین ، أن جریان جمیع الوجوه منوط بذلک ، وإن کان بعضها یناسب التعبدیة أیضا ، مثلا الأخذ بأحدهما مخیرا أو التخییر العملی بین الفعل والترک مع التوقف عن الحکم ظاهرا وواقعا یلائم التعبدی والتوصلی ؛ لأن التخییر إنما یکون بین المحتملین بحسب حالهما.

ففی التعبدیین یتخیر عملا أو لزوما بین اتیان الفعل قربیّا أو الترک قربیّا ، ولا یعقل مع دوران الأمر بین التعبدیین أن یکون مقتضی الأمر بالأخذ تخییرا ، أو مقتضی حکم العقل بعدم الحرج بفعل احد المحتملین إلاّ بنحو یحتمله.

وأما إجراء البراءة والحکم بالاباحة فلا یلائم إلا التوصلیین :

أما إجراء البراءة فمقتضاه نفی الوجوب فعلا ونفی الحرمة ، والاذن فی الفعل والترک ، والاذن فی الفعل بمجرده والترک بمجرده من دون معاملة الواجب أو الحرام معه ، إذن فی إتیانه لا بداعی القربة ، وفی الترک کذلک ، وهو إذن فی المخالفة العملیة القطعیة ، لا أن اجراء البراءة یستلزم المخالفة العملیة ، إذ هو غیر مانع عن إتیان المحتمل بداعی الوجوب المحتمل.

وأما الحکم بالاباحة فهو مع المحذور المزبور یستلزم محذورا آخر ، وهو منافات الاباحة المقابلة لسائر الاحکام مع التعبدیة المتقومة بالطلب اللزومی أو الغیر اللزومی ، فلا یعقل الحکم علی التعبدی بالاباحة الحقیقیة.

ص: 222

ومنه تبین أن القائل بالاباحة کشیخنا الاستاذ (قدّس سره) لا بد له من التخصیص بالتوصلیین ، فان تخییره عملا ، وإن لم یکن منافیا للتعبدیة إلا أن حکمه بالاباحة ینافی التعبدیة.

نعم مثل الشیخ الأجل (قدّس سره) حیث یختار التوقف (1) ، وعدم الالتزام إلا بالواقع علی ما هو علیه مع التخییر عملا بین الفعل والترک ، لا موجب للتخصیص عنده ، لا من حیث التخییر ولا من حیث التوقف ، وانما تخصیصه بالتوصلیین لا بناء علی مختاره (قدّس سره) ، بل بالنظر الی جریان جمیع الوجوه.

65 - قوله (قدّس سره) : ومع احتماله لا یبعد دعوی استقلال العقل بتعینه (2) ... الخ.

ربما یشکل بأن الحکم الشرعی الواقعی تعیینی ، وهو إما الوجوب معینا ، أو التحریم معینا ، ولیس کموارد التخییر والتعیین الشرعیین مما یحتمل کون الحکم الشرعی تعیینیا أو تخییریا.

بل لا یعقل کون الحکم الشرعی تخییریا بین الوجوب والحرمة فی واقعة واحدة ، فان الایجاب التخییری إنما یعقل بین فعلین ، حتی یکون ایجابا له ، وترخیصا فی ترکه إلی بدل.

وأما ایجاب الفعل مع تجویز ترکه لا الی بدل ، فینافی حقیقة الایجاب فضلا عن ایجاب ترکه تخییرا أیضا.

وکذا الأمر فی جعل الحکم المماثل علی طبق الوجوب والحرمة تخییرا ، فانه فی المحذور کالتخییر بین الحکمین الواقعیین.

وأما التخییر بین الخبرین الدال أحدهما علی الوجوب والآخر علی

ص: 223


1- (1) فرائد الأصول المحشی : 2 / 64 و 65
2- 2. کفایة الأصول : 356.

الحرمة - بناء علی السببیة - فلا یرجع إلی ایجاب وتحریم تخییریّین ، بل الی حکمین تعیینیّین ظاهریین ، والتخییر بحکم العقل لمکان عدم القدرة علی امتثالهما.

وحیث إن المقصود رجوعه إلی التخییر والتعیین العقلیین ، فیشکل بأن الحاکم هو العقل ، ولا معنی لتردد الحاکم ، حتی یقال : بدوران الآمر بین التعیین والتخییر ، ومقتضی الاحتیاط هو التعیین. بل العقل - فی مورد احتمال الاهمیة فی أحد الطرفین - إما أن یستقل بالتعیین أو بالتخییر.

وحیث إن مناط الاهمیة فی حکمه بالتخییر (1) - لأجل التساوی (2) - هی الاهمیة فی نظره ، ولا أهمیة فی نظره ، فلذا لا دوران فی نظره ، بل یستقل بالتخییر.

والجواب : أن حکم الشارع وإن کان تعیینیا ، إلا أن تعیینیة الحکم الشرعی لا یمنع عن اندراج المسألة تحت مسألة التعیین والتخییر ، فان الحکم فی الواجبین الشرعیین المتزاحمین تعیینی لا تخییری ، ومع ذلک إذا علم بأقوائیة ملاک أحدهما المعین یحکم بفعلیته المطلقة وبقاء الآخر علی فعلیته الذاتیة ، واذا احتمل اقوائیته یدور الامر بین بقاء کلیهما علی فعلیتهما الذاتیة المقتضی للتخییر فی مقام الامتثال عقلا ، أو بلوغ محتمل الاهمیة لمرتبة الفعلیة بقول مطلق وتعیّنه فی مرحلة الامتثال.

وأما حدیث عدم تردد الحاکم ، فالجواب عنه أن العقل یحکم کلیا بقبح التسویة بین الراجح والمرجوح ، وبقبح ترجیح احد المتساویین علی الآخر ، ولا تردد له فی هذه الکبری العقلیة فی الطرفین ولا فی ملاک هذه الکبری ، وانما یتردد فی انطباق الکبری علی مورد ، للتردد فی اقوائیة ملاک الحکم الشرعی فی طرف من ملاکه فی طرف آخر ، وهذا تردد منه لا بما هو حاکم بتلک الکبریات ولا فی

ص: 224


1- 1. هکذا فی الأصل ، لکن الصحیح : بالتعیین.
2- 2. هکذا فی الأصل ، لکن الصحیح : لأجل عدم التساوی.

ملاک الکبریات ، بل منه بما هو مدرک للحکم الشرعی ولملاکه ، واستقلال العقل بملاکات الاحکام الشرعیة مما لا یذهب الیه ذو مسکة.

نعم التحقیق أن مسألتنا هذه غیر مندرجة فی مسألة التخییر والتعیین العقلیین مع القطع بالاهمیة فضلا عن احتمالها ، فان حکم العقل بالتخییر هنا لیس بملاک التخییر بین الواجبین المتزاحمین من حیث تساویهما فی المقتضی ومقتضاه والقدرة علی امتثاله فی نفسه ، حتی یکون القطع باقوائیة الملاک او احتمالها مانعا عن حکمه بالتخییر.

بل التخییر هنا عقلا بمعنی استقلال العقل بعدم الحرج فی الفعل والترک ، بملاک عدم المتنجز للوجوب وللحرمة.

والقطع باهمیة ملاک الحرمة - علی تقدیر ثبوتها واقعا - أجنبی عن هذا الملاک فضلا عن احتمالها ؛ لأن احتمال ثبوت الحکم الأهم کاحتمال ثبوت غیر الأهم فی عدم التنجز ، لعدم التمکن من الموافقة القطعیة ، ومن ترک المخالفة القطعیة (1) علی حد سواء.

والموافقة الاحتمالیة للتکلیف المعلوم کالمخالفة الاحتمالیة قهریة ، لا أنها لازم المراعاة بحکم العقل ، حتی یتوهم أنه مع القطع بالأهمیة أو احتمالها فی طرف یحکم العقل بمراعاة موافقته الاحتمالیة بالخصوص.

نعم لو قلنا بوجوب الأخذ بأحد المحتملین - من باب دلالة الدلیل علی التخییر بین الخبرین ، علی التخییر بین المحتملین - فلازمه کون احتمال الوجوب ذا مصلحة مقتضیة لجعل الوجوب علی طبقه. واحتمال الحرمة ذا مفسدة مقتضیة لجعل الحرمة علی طبقه.

وحیث لا یتمکن من امتثال الحکمین یحکم العقل بالتخییر من باب التخییر بین المتزاحمین ، فلا محالة یتوقف عن الحکم بالتخییر مع القطع بالاهمیة

ص: 225


1- 1. هکذا فی المصدر ، لکن الصحیح : ومن المخالفة القطعیة.

أو احتماله ، فتدبر جیّدا.

66 - قوله (قدّس سره) : لشدّة الطلب فی أحدهما وزیادته (1) ... الخ.

غرضه قوة المناط والملاک لتحقق الطلب تارة ، وزیادة ملاک آخر للطلب أخری. فان قوة الملاک وزیادة ملاک آخر یوجب تأکد الطلب دائما ، وإلا فلا یعقل عروض طلب آخر علی معروض الطلب. وفی التعبیر بشدة الطلب وزیادته عن شدة الملاک وزیادته مسامحة.

67 - قوله (قدّس سره) : بما لا یجوز الاخلال بها (2) ... الخ.

بأن یکون موجب قوة الطلب ، بحیث لو کان وحده لکان لازم الاستیفاء ، وإلا لکان مقتضاه أولی ، لا متعینا.

68 - قوله (قدّس سره) : وکذا وجب ترجیح احتمال (3) ... الخ.

فکما تکون قوة الملاک وزیادته موجبة لتعین أحد المتزاحمین فی باب التزاحم ، کذلک موجبة لتعین أحد المحتملین هنا فی باب الدوران المحض حیث لا تعدد.

69 - قوله (قدّس سره) : ضرورة أنه رب واجب (4) ... الخ.

إلاّ أن یکون الغلبة والنوعیة لطرف الحرام ، فانها مجدیة هنا ، فان احتمال القوة فی الحرمة علی تقدیر ثبوتها أقوی من احتمال القوة فی الوجوب فیکون احتمال الحرمة أولی بالمراعاة فتدبر.

فان احتمال القوة فی الحرمة - علی تقدیر ثبوتها - أقوی من احتمال القوة فی الوجوب ، فیکون احتمال الحرمة أولی بالمراعاة. فتدبر.

التنبیه الرابع

ص: 226


1- 1. کفایة الأصول : 357.
2- 2. کفایة الأصول : 357.
3- 3. کفایة الأصول : 357.
4- 4. کفایة الأصول : 357.

أصالة الاحتیاط

ص: 227

ص: 228

العلم الاجمالی بالتکلیف المردد بین المتباینین

70 - قوله (قدّس سره) : فی دوران الامر بین المتباینین (1) ... الخ.

قد مرّ - فی مبحث الاجمالی من مباحث القطع (2) - ، أن البحث عن العلم الاجمالی.

تارة : من حیث شئون العلم ومقتضیاته وهو کونه مقتضیا للتنجز من حیث المخالفة القطعیة والموافقة القطعیة وحیثیته الاقتضاء محفوظة ، ولو مع عدم فعلیة مقتضاه ، لفقد شرط ، او وجود مانع.

وأخری : من حیث شئون الشک والجهل ، وهو أن الجهل التفصیلی هل هو مانع عقلا أو شرعا عن فعلیة مقتضی العلم الاجمالی؟ وهو المناسب للمقام.

ومنه تبین أن تخصیص البحث لمتقدم بحرمة المخالفة القطعیة (3) ، وتخصیص البحث هنا بوجوب الموافقة القطعیة بلا وجه ؛ لأن فعلیة حرمة المخالفة القطعیة متوقفة علی عدم مانعیة الجهل التفصیلی ، وهو من شئون هذا البحث.

کما أن اقتضاء وجوب الموافقة القطعیة من شئون ذلک المبحث.

وتوهم : أن البحث عن حرمة المخالفة القطعیة راجع إلی البحث عن أصل الاقتضاء ، والبحث عن وجوب الموافقة القطعیة هنا راجع الی مقدار

العلم الإجمالی بالتکلیف المردد بین المتباینین

ص: 229


1- 1. کفایة الأصول : 358.
2- 2. نهایة الدرایة : التعلیقة : 45.
3- 3. کما عن الشیخ قده. فرائد الاصول المحشی 1 / 35.

الاقتضاء وکیفیته ، فاسد ؛ لأن :

مبنی الأول علی أنه لا اقتضاء ، لو لم نقل بحرمة المخالفة القطعیة.

مع أنک قد عرفت أن الاقتضاء محفوظ مع عدم فعلیة مقتضاه.

ومبنی الثانی علی أن وجوب الموافقة القطعیة من باب دفع احتمال العقاب ، وهو من شئون الاحتمال.

وفیه أولا : أنه لیس البحث من حیث مقدار الاقتضاء ، وإلاّ لکان من شئون المقتضی ، وهو العلم.

وثانیا : ما تقدم فی مبحث العلم الاجمالی (1) : أن وجوب الموافقة القطعیة لیس من ناحیة احتمال العقاب ، ولا من ناحیة قاعدة دفع الضرر المحتمل ، فراجع ، وتدبّر. وسیجیء - إن شاء الله تعالی - فرق آخر بین المبحثین.

71 - قوله (قدّس سره) : إن کان فعلیا من جمیع الجهات بأن یکون (2) ... الخ.

توضیح المقام : أن مسلکه (قدّس سره) سابقا کما فی تعلیقته الأنیقة علی الرسائل (3) دفع التنافی بین الأحکام الواقعیة والظاهریة فی موارد الأمارات والأصول ، والعلم الاجمالی مع القول بالترخیص علی خلافه ، بحمل الأحکام الواقعیة علی الانشائیة ، والأحکام الظاهریة علی الفعلیة ، بالالتزام بتعدد المراتب الأربع (4) لطبیعی الحکم.

بیانه : أن الحکم له مراتب أربع :

ص: 230


1- 1. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 45.
2- 2. کفایة الأصول : 358.
3- 3. التعلیقة علی فرائد الأصول : 5 - 34.
4- 4. کذا فی الأصل والصحیح : بتعدد المراتب ، فقید الاربع زائد.

احداها : ثبوته اقتضاء : لا بنحو ثبوت المقتضی بثبوت المقتضی بثبوت عرضی ، فانه شأن المقتضی بمعنی السبب الفاعلی ، حیث إن المعلول یترشح من مرتبة ذات العلة الفاعلیة ، دون المقتضی بمعنی الغایة الداعیة إلی ذیها ، فان ذا الغایة لیس فی مرتبة ذات الغایة ، لا بوجودها الخارجی ولا بوجودها العلمی ، ولا بنحو ثبوت المقبول بثبوت القابل ، کالانسان فی النطفة القابلة ؛ بداهة أن المصلحة الداعیة لیست فی صراط المادیة ، ولا یتصور بصورة الحکمیة.

بل المراد ثبوت الحکم شأنا ، حیث إن طبیعی الفعل مستعد باستعداد ماهوی لا باستعداد مادی ؛ لأن یترتب علیه المصلحة إذا وجد فی الخارج ، وهی صالحة للتأثیر فی الانشاء بداعی البعث والتحریک فی مرتبة ذاتها وما هویتها ، فالوجوب بهذه الملاحظة له شأنیة الوجود.

ومنه یعلم أنه لیس هنا ثبوت خارجی عرضی ، کما فی المقتضی والمقبول ، بل ثبوت ماهوی وثبوت تقدیری شأنی.

ثانیتها : ثبوته إنشاء ، وهو وجود طبیعی البعث المفهومی بتبع اللفظ الذی ینشأ به ، فاللفظ موجود بالذات ، والبعث النسبی المفهومی بالعرض ، کما حققناه فی مباحث الألفاظ (1).

ثالثتها : ثبوته فعلا وحقیقة ، وهو ما بالحمل الشائع بعث أو زجر عند العقلاء ، بحیث یکون قابلا للباعثیة والزاجریة فعلا.

رابعتها : ثبوته بحیث یستحق علی مخالفته العقوبة ، وهی مرتبة تنجزه ، وهذا شأن من شئونه ونشأة من نشئات تحققه ، کما فصلناه فی أوائل مباحث القطع (2).

ص: 231


1- 1. نهایة الدرایة : 1 ، التعلیقة : 150.
2- 2. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 8.

ومن الواضح : أن التضاد والتماثل بین الفعلیّین من البعث أو الزجر ، لا بین الانشائیّین منهما ، ولا بین الفعلی والانشائی.

وحیث إن البعث المفهومی الانشائی لا أثر له ، فلا یترتب علی القطع به شیء ، ولا التعبد به ذو أثر. فلذا عدل (قدّس سره) عن هذا المسلک فی هذا الکتاب ، والتزم بفعلیة الواقع من وجه ، بحیث یکون له أثر عند تعلق العلم به.

والکلام فی تحقیق حال الفعلی من وجه والفعلی من جمیع الجهات ، فانه بظاهره لا یخلو عن شیء : إذ لو کان کل منهما واجدا لملاک الفعلیة ، وکان التفاوت بالمرتبة ، فتعدد المراتب لا یرفع التضاد والتماثل بعد کونهما واجدا للحقیقة التی بین أفرادها التماثل ، أو الحقیقتین اللتین بین أفرادهما التضاد.

ولو کان الفعلی من جهة فعلیّا من قبل بعض مبادئه ، فالفعلی بالحقیقة تلک المقدمة لا ذوها ، بل هو باق علی الشأنیة کما مر تفصیله فی مباحث القطع (1).

وما أفاده (قدّس سره) فی البحث فی مقام بیان الفعلی من جهة ، ومن جمیع الجهات - کما ربما یساعده بعض عباراته فی أوائل مباحث القطع (2) - هو أن الغرض الباعث علی التکلیف : ربما یکون بحدّ یبعث المولی إلی جعله فعلیا منجزا بایصاله ، ولو بنصب طریق موافق ، أو بجعل احتیاط لازم ، ودفع موانع تنجزه بأی نحو کان.

ومثله یستحیل الترخیص فی خلافه ؛ لأنه نقض للغرض.

وربما لا یکون الغرض بذلک الحدّ ، بل یدعوه إلی التکلیف بحیث إذا وصل إلی المکلف من باب الاتفاق لتنجّز علیه ، فهو فعلی من حیث نفسه ، لا من حیث إیصاله إلی المکلف.

ص: 232


1- 1. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 30.
2- 2. کفایة الأصول : 267.

فلا یجب حینئذ دفع موانع تنجزه ولا ینافیه إبداء المانع عن تنجزه ، فإن إبقاء المانع وابداء المانع - فی نظر العقل - علی حد سواء. ولیس الترخیص نقضا للغرض ، لأن سد باب تنجزه لا ینافی تنجزه لو وصل من باب الاتفاق.

والفرق بین العلم الاجمالی والعلم التفصیلی : أن الأول حیث إنه مقرون بالجهل ، فمع تمامیة مقام الاثبات فی الأدلة المرخصة فی أطرافه یستکشف عن أن سنخ الغرض غیر مناف للترخیص فی خلافه.

وحیث إن الثانی غیر مقرون بالجهل ، فلا تعمه الأدلة المرخصة.

فلا کاشف عن أن سنخ الغرض بحدّ لا ینافی الترخیص ، فلا محالة یکون الحکم فعلیّا بقول مطلق.

والجواب أولا : أنّ سنخ الغرض من المکلف به وإن کان یختلف قوة وضعفا ، إلا أن سنخ الغرض من التکلیف الحقیقی واحد ، وهو جعل الداعی إلی الفعل أو الترک.

فالترخیص وإن فرض أنه لیس نقضا للغرض من المکلف به ، لکنه نقض للغرض من التکلیف ، لما بین جعل الداعی حقیقة والترخیص من المنافاة.

وثانیا : بأن المفروض أن سنخ الغرض من المکلف به تام الاقتضاء ، وقد انبعث منه حقیقة البعث والزجر ، غایة الأمر أنه لا یجب علی المولی إیصاله ، لکنه بوصوله الاتفاقی ترتب علیه حکم العقل من وجوب الاطاعة وحرمة المعصیة ، فلا محالة یکون منجزا بالعلم الاجمالی إذا لم یکن قصور فی کونه وصولا.

وفرض قصوره شرعا ، خلف ، فان العلم حینئذ أخذ علی وجه الموضوعیة دون الطریقیة ، فیکون له دخل فی تمامیة اقتضاء المقتضی الباعث علی البعث.

ومثله یتصور فی العلم التفصیلی المأخوذ علی وجه الموضوعیة. فتدبر جیّدا.

وربما یتوهم أن المراد من الحکم الفعلی من جمیع الجهات هو الحکم البعثی

ص: 233

والزجری والتحریک الجدی.

ومن الحکم الفعلی من وجه هو الانشاء بداعی إظهار الشوق إلی الفعل ، فالحکم البعثی والزجری فعلی من قبل هذه المقدمة ، وهو کون ذات الفعل مشتاقا الیه.

ولا منافاة بین الشوق إلی ذات الفعل والترخیص فی ترکه ، بل المنافاة بین التحریک والترخیص.

وفیه أولا : أن الارادة التشریعیة بازاء الارادة التکوینیة ، فاذا بلغ الشوق مبلغا بحیث لو کان المشتاق إلیه من أفعال المشتاق لتحرک عضلاته نحوه ، کذلک إذا کان من أفعال الغیر تسبب إلی ایجاده بالبعث فلا ینفک مثل هذا الشوق عن البعث.

وإذا لم یکن الشوق بهذا الحدّ ، فکما لا یوجب حرکة العضلات فی التکوینیات ، کذلک لیس علة للبعث فی التشریعیات ومثله لو علم به تفصیلا أیضا لا أثر له.

وثانیا ما مرّ مرارا من أن الانشاء بأی داع کان لیس وصوله موجبا إلا لفعلیة ذلک الداعی.

ففعلیة مثل هذا الانشاء فعلیة إظهار الشوق ، فلا یعقل أن یکون مثله واقعا فی صراط فعلیة البعث ، کما لا یخفی.

وسنحقق (1) - إن شاء الله تعالی - ما ینبغی أن یراد من الحکم الفعلی من وجه ، کما مرّ مرارا أیضا (2).

وتحقیق حال العلم الاجمالی من حیث التنجیز برسم أمور :

ص: 234


1- 1. فی الأمر الأول من الأمور التی یرسمها لتحقیق حال العلم الاجمالی من حیث التنجیز.
2- 2. منها ما تقدم فی مبحث حجیة القطع التعلیقة : 30 و 42.

منها : أن الانشاء بلا داع محال ، والانشاء بأی داع کان فعلیته فعلیة ذلک الداعی ، فالانشاء بداعی الارشاد یکون وصوله موجبا لفعلیة الارشاد ، والانشاء بداعی جعل القانون وصوله یوجب فعلیة جعل القانون. وهکذا الانشاء بداعی جعل الداعی یکون مصداقا حقیقة لجعل الداعی بوصوله.

فما یمکن أن یقع فی صراط فعلیة جعل الداعی والبعث لیس إلا الانشاء بهذا الداعی دون غیره ، فانه إما محال فی نفسه ، أو یستحیل انقلابه عما هو علیه ، أو یستحیل صیرورة غیر ما بالقوة ما بالفعل.

ومثل هذا الانشاء الواقع فی صراط البعث الحقیقی هو الفعلی من قبل المولی ، وتمام ما یصدر منه ، وبلوغه مرتبة الفعلیة المطلقة ، وصیرورته مصداقا للبعث الحقیقی العقلائی بوصوله إلی المکلف إما بالعلم أو بالعلمی ، فالفعلیة المطلقة یساوق التنجز.

فان کان مراده (قدّس سره) من الفعلیة المنفکة عن مرتبة التنجز هذا المعنی من الفعلیة ، فقد عرفت وستعرف برهانا أنهما متلازمان لا تنفک إحداهما عن الأخری ؛ لأن ما به الفعلیة وهو الوصول ما به التنجز.

وإن کان مراده (قدّس سره) من الفعلیة ما هو الفعلی من قبل المولی ، فهو لا ینفک عن مرتبة الانشاء ؛ لأن الانشاء الذی هو من مراتب الحکم ویقع فی صراط الفعلیة لیس هو الانشاء المحض ؛ لأنه محال بنفسه ، ولا الانشاء بغیر داعی جعل الداعی ، فانه یستحیل أن یصیر مصداقا لجعل الداعی.

فاما أن یتحد الانشاء والفعلیة ، أو یتحد الفعلیة والتنجز ، فتدبر.

وأما أنّ الانشاء بداعی جعل الداعی لا یکون مصداقا لجعل الداعی حقیقة وفردا للبعث الجدی ، فلوجهین :

أحدهما : أن موطن الدعوة أفق النفس ، فلا تعقل دعوة الانشاء المزبور

ص: 235

إلا بوجوده العلمی الواقع فی موطن الدعوة ، لا بوجوده الواقعی الخارج عن أفق النفس.

ومجرد الالتفات الیه من دون وصوله الحقیقی بالعلم التصدیقی - لا یحقق دعوته علی أی تقدیر ، لما مرّ (1) سابقا ان صورة الأمر الحاضرة فی النفس لها الدعوة بالذات ، ومطابقها الخارجی له الدعوة بالعرض ، کالمعلوم بالذات والمعلوم بالعرض ، والمراد بالذات والمراد بالعرض.

فاذا أرید دعوة الانشاء الخارجی بالعرض علی أی تقدیر ، فلا بد من حضوره العلمی دون الاحتمالی فان الأمر الخارجی حینئذ لا یکون داعیا بالعرض ، إلا علی تقدیر المطابقة ، والمفروض جعل الانشاء داعیا ، لا جعل الانشاء الاحتمالی ، بل یستحیل جعل الانشاء المحتمل داعیا لزومیا ؛ إذ مع وصوله فبوصوله یتنجز ، وإلاّ فبمجرد احتماله لا یتنجز ، فیلغو الانشاء بهذا الداعی.

ولا یقاس بباب الاحتیاط ، فان وصول الأمر الاحتیاطی ینجز الأمر الواقعی المحتمل فما هو الواصل غیر ما هو المحتمل.

ثانیهما : أن الانشاء بداعی جعل الداعی لا یدعو فی نفوس العامة إلا باعتبار ما یترتب علی مخالفته من العقوبة ، فما لم یصل بنحو یستحق علی مخالفته العقاب لا یمکن أن یکون داعیا ، فلا بد من وصوله تحقیقا لدعوته.

ومنها : أن العلم الاجمالی المصطلح علیه فی هذا الفن لا یفارق العلم التفصیلی فی حد العلمیة ، ولیسا سنخین من العلم ، نظرا إلی تعلق الاجمالی بالمردد ، لما مر (2) مرارا ان المردد بما هو مردد لا ثبوت له ذاتا ووجودا ، ماهیة ، وهویة ، فلا

ص: 236


1- 1. التعلیقة : 55.
2- 2. منها ما تقدم فی مبحث القطع نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 41 ومنها ما تقدم فی مباحث الألفاظ نهایة الدرایة : 2 ، التعلیقة : 34. ومنها ما تقدم فی رد الاخباریین حیث قالوا بلزوم الاحتیاط بحکم

یعقل تقوّم العلم الاجمالی به.

مع بداهة أن العلم المطلق لا یوجد کما أن وجوده فی أفق النفس وتعلقه بالخارج عن أفق النفس غیر معقول ، بل المقوم لهذه الصفة الجزئیة لا بد من أن یکون فی أفقها ، فهو المعلوم بالذات ، وما فی الخارج معلوم بالعرض.

وعلیه فمتعلق العلم حاضر بنفس هذا الحضور فی النفس ، غایة الأمر أن طرف متعلقه مجهول أی غیر معلوم بخصوصیته ، فلم یلزم تعلق صفة حقیقیة بالمردد حتی یکون أصلا یبتنی علیه إمکان تعلق سائر الصفات الحقیقیة ، وجملة الصفات الاعتباریة بالمردد.

وحیث عرفت أن تعلق الاجمالی بالمردد غیر معقول ، وبالواقع بخصوصه غیر معقول ؛ إذ لا معنی لتعلقه به إلا کونه معلوما به ، وهو خلف ، فلا محالة لیس المعلوم إلا الجامع بین الخاصین المحتملین ، فهو مرکب من علم واحتمالین ، بل من علم تفصیلی بالوجوب ومن علم آخر ، بأن طرفه ما لا یخرج عن الطرفین.

فالوجوب الواقعی ، وان کان فی الواقع متعینا بتعلقه بالظهر مثلا ، إلا أنه بما هو معلوم متعین علما بما لا یخرج عن الظهر والجمعة ، وإلا فلا یعقل تعلق العلم أیضا بأن طرف الوجوب أحد الأمرین ، لرجوعه إلی العلم بطرفیة أحد الأمرین ، وهو من تعلق العلم بالمردد.

وقد نبهنا (1) علی هذا المطلب مشروحا عند التکلم فی الدلیل العقلی للاخباریین.

ومنها : قد مرّ فی مبحث (2) التجری أن ملاک استحقاق العقاب لیست

====

3. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 10.

ص: 237


1- العقل نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 37.
2- 2. فی التعلیقة : 37 کما اشرنا الیه.

مخالفة التکلیف بما هو ، ولا ارتکاب المبغوض بما هو ، ولا تفویت الغرض ونقضه بما هو ، لوجود الکل فی صورة الجهل ، ولیس من زی الرقیة ورسم العبودیة عدم مخالفة التکلیف واقعا ، أو عدم ارتکاب مبغوض المولی ونقض غرضه واقعا.

بل ما قامت علیه الحجة ، فانه هتک لحرمته وظلم علیه ، فیکون حینئذ مذموما علیه عقلا ومعاقبا علیه شرعا.

ومنها : أن الأفعال بحسب اتصافها بالحسن والقبح بمعنی استحقاق المدح والذم علی ثلاثة أقسام :

أحدها : أنها فی حد ذاتها - لو خلیت ونفسها - لا تکون محکومة بالحسن والقبح ، کجملة من الأفعال کالمشی والأکل والشرب الغیر الضروریین ، فانها لیست کالعدل والظلم حتی تکون بعنوانها محکومة بالحسن والقبح ، ولا کالصدق والکذب حتی تکون لو خلیت ونفسها مندرجة تحت عنوان محکوم بذاته بالحسن أو القبح ، بل اندراجها تحت عنوان حسن أو قبیح دائما بواسطة عروض عارض.

ثانیها : أنها وان لم تکن بعنوانها محکومة بالحسن أو القبح ، لکنها لو خلیت ونفسها تندرج تحت أحد عنوانین محکومین بذاتهما بأحد الوصفین کالصدق والکذب. فانهما لو خلیا ونفسهما لاندرج الأول تحت عنوان العدل فی القول والثانی تحت عنوان الجور فی القول لکنه اذا عرض الأول عنوان إهلاک المؤمن اندرج تحت عنوان الظلم واذا عرض الثانی عنوان إنجاء المؤمن اندرج تحت عنوان العدل والاحسان.

ثالثها : أنّها تکون بعنوانها - من دون اندراجها تحت عنوان آخر - محکومة بأحد الوصفین ، کالعدل والاحسان والظلم والعدوان ، فانه مع حفظ عنوان العدل لا یکون إلا محکوما بالحسن ، ومع حفظ عنوان الظلم لا یکون إلا محکوما بالقبح ، دون الصدق فانه - مع حفظ عنوانه - یعرضه عنوان قبیح. والکذب - مع حفظ عنوانه - یعرضه عنوان حسن.

ص: 238

وقد عرفت آنفا : أن مخالفة التکلیف ما لم تقم علیه الحجة لیست خروجا عن زی الرقیة ، لتکون ظلما حتی تکون قبیحة مذموما علیها.

ومنه تعرف أن مخالفة التکلیف بما هی لیست بحیث لو خلیت ونفسها لاندرجت تحت عنوان الظلم کالکذب ، بل اندراجها تحته منوط بعروض عارض ، وهو قیام الحجة علی التکلیف.

فمخالفة التکلیف الواصل ظلم قبیح بذاته وبعنوانه ، وتخلف الحکم عن موضوعه التام خلف محال ، ومخالفة التکلیف بما هی لیست بذاتها مندرجة تحت عنوان الظلم.

فوصول التکلیف الذی لا فرق فی حد ذاته بین التفصیلی والاجمالی موجب لاندراج المخالفة تحت عنوان یستحیل تخلف القبح عنه.

فالحکم باستحقاق الذم والعقاب علی مخالفة التکلیف المعلوم بالاجمال تنجیزی لا تعلیقی.

لا یقال : لم لا تکون المخالفة مقتضیة لاستحقاق الذم والعقاب ، ووصول التکلیف شرطا.

لانا نقول : الاقتضاء هنا لیس بمعنی السببیة حتی یکون قابلا للاشتراط الذی معناه دخل شیء فی فعلیة تأثیره.

لما عرفت من أن نسبة المدح والذم إلی هذه العناوین نسبة الحکم إلی موضوعه ، ولیس الموضوع سببا فاعلیا لحکمه ، بل اقتضاؤه له - کما هو المعروف فی الألسنة - بنحو اقتضاء الغایة لذیها ، لا السبب لمسببه.

وقد عرفت أن الاقتضاء - بمعنی کونه لو خلی ونفسه ممدوحا علیه ومذموما علیه - غیر متحقق فی موافقة التکلیف واقعا ومخالفته واقعا.

ومنه علم أنه ما لم یصل التکلیف لا اقتضاء للذم علی مخالفته بالمعنیین ومع وصوله یستحیل تخلف القبح عنها ، کما علم أن التعبیر هنا بالعلیة والاقتضاء

ص: 239

للتنجیز فیه مسامحة واضحة.

فان قلت : مقتضی عدم تعلق العلم الاجمالی بالواقع علی ما هو علیه ، وعدم تعلقه بأحدهما المصداقی المردد ، بل تعلقه بما لا یخرج عن الطرفین هو تنجیز العلم الاجمالی من حیث حرمة المخالفة القطعیة فقط ، دون وجوب الموافقة القطعیة أیضا ؛ لأن المخالفة الواقعیة للتکلیف الواقعی لیست ظلما حتی یکون احتمالها احتمال الظلم القبیح.

والمخالفة الاحتمالیة بما هی مخالفة احتمالیة للتکلیف الواقعی لیست بظلم أیضا ، والمخالفة الاحتمالیة للتکلیف الواصل بنفسه أیضا لیست ظلما ، وإلا لاستحق ذمین وعقابین فی صورة المخالفة القطعیة ، لتحقق مخالفتین محتملتین.

کما أن المخالفة الواقعیة للتکلیف الواصل لیست ظلما واقعا حتی یکون احتمالها احتمال الظلم المذموم علیه ، بداهة [ أنه ] لو صدر بعد العلم بالتکلیف فعل اختیاری مخالف واقعا للتکلیف الواصل لما کان ظلما ؛ إذ لیس من زی الرقیة ورسم العبودیة أن لا یخالف مولاه واقعا ، لا لأمره الواقعی ولا لأمره الواصل ، فلا یکون احتماله احتمال الظلم ، کما أنه لیس بنفسه ظلما.

فالمخالفة التی هی مصداق الظلم هی المخالفة فی وجدان العقل للتکلیف الواصل ، فینحصر مصداق الظلم فی المخالفة القطعیة للتکلیف المعلوم.

والموافقة الاحتمالیة أو القطعیة وإن کانت حسنة ، لکنه لیس ترک کل حسن قطعا ، إلا إذا اندرج تحت عنوان قبیح.

وقد عرفت عدم اندراجها بجمیع الوجوه تحت عنوان الظلم القبیح ، لا قطعا ولا احتمالا.

وأما حرمة المخالفة القطعیة ، فتحقیق الحال فیها : أن طبع المخالفة للتکلیف المعلوم علی طبع التکلیف المعلوم ، فان التکلیف إذا کان معلوما بالتفصیل ، فمخالفة المعلوم بالتفصیل تفصیلیة ، یتصف بها فعل معین فی وجدان

ص: 240

العقل ، وإذا کان معلوما بالاجمال کانت المخالفة إجمالیة.

وحیث إن معلومیة التکلیف بالاجمال راجعة إلی علم بأصل التکلیف وإلی علم بأن طرفه الواقعی لا یخرج عن الطرفین ، لا أحدهما بعینه ولا أحدهما المردد ، فکذلک مخالفته ، فانه مع اتیانهما معا فی الحرام یقطع بأصل مخالفة التکلیف ، وأن طرف هذه المخالفة ما لا یخرج عن الطرفین ، لا أنه یقطع بمخالفة أحد الفعلین ، وإلا لزم القطع بأحدهما المردد.

فلا مخالفة فی وجدان العقل للتکلیف الواصل إلا باتیانهما معا أو بترکهما معا لا أن المجموع مخالفة ، کیف؟ والتکلیف لم یتعلق بالمجموع ؛ لیکون مخالفته بفعل المجموع ، أو بترک المجموع ، بل تعلق بشیء یعلم بعدم خروجه عن الطرفین ، فکذلک یعلم بأن هذه المخالفة المتحققة طرفها لا یخرج عن الطرفین.

والمخالفة الکذائیة فی وجدان العقل حتی یکون ظلما لا تکون إلا إذا أتی بالطرفین فعلا أو ترکا ، حتی یحصل له علمان علی حد العلم بالتکلیف والعلم بطرفه.

قلت : هذه غایة تقریب الإشکال فی عدم اقتضاء العلم الاجمالی لوجوب الموافقة القطعیة.

ویندفع : بأن الظلم لا ینحصر فی مخالفة التکلیف الواصل فی وجدان العقل ، بل عدم المبالاة بأمر المولی ونهیه بعدم الانبعاث ببعثه ، وبعدم الانزجار بزجره فی وجدان العقل أیضا خروج عن زی الرقیة ورسم العبودیة.

وقد عرفت (1) مرارا : أن الانبعاث الواقعی بالبعث الواقعی وعدمه الواقعی لیسا مناطین للحسن والقبح ، فاتضح أن الانبعاث به بفعل أحد المحتملین وعدمه فی عدم الانبعاث فی وجدان العقل بالبعث المعلوم علی حد

ص: 241


1- 1. منها فی مبحث حجیة القطع التعلیقة : 10 و 41.

سواء.

وبقیة الکلام فی مباحث القطع.

هذا کله إن کان استحقاق العقاب بحکم العقل.

وإن کان بجعل الشارع ، فلازمه استحقاق العقاب علی مخالفة الواقع بعد قیام الحجة علیه.

إذ کما أن قاعدة اللطف تقتضی جعل التکلیف ، لایصال العباد إلی مصالحهم ، وصدهم عن مفاسدهم ، کذلک تقتضی جعل العقاب علی مخالفته ، تحقیقا للدعوة المؤدیة إلی المصالح ، وعدم الوقوع فی المفاسد.

وحیث إن وجوده الواقعی لا یترتب علیه الأثر ، فلا بدّ من إیصاله لیترتب علیه الأثر ، اما عموما أو خصوصا.

والعلم بالتکلیف علم بلازمه ، وهو العقاب المجعول علی مخالفته ، لا من حیث الاندراج تحت عنوان الظلم ، حتی ترد المحاذیر المتقدمة.

وبملاحظة العلم المزبور یحتمل العقاب علی فعل کل من المحتملین ، وهو الحامل للعبد إلی الفرار عنه ، من دون حاجة إلی حکم آخر من الشرع أو من العقل.

ومنه تعرف أن المنع من المخالفة القطعیة والاذن فیها شرعا - لکونه إذنا فی الظلم - لا ینطبق إلا علی المسلک الأول ، وإلا فلا بد من التعلیل بأن جعل العقاب ورفعه متنافیان.

کما أن المنع من ترک الموافقة القطعیة - لاحتمال العقاب الذی لا بد من دفعه - لا ینطبق إلا علی المسلک الثانی ، وإلا فلا عقاب علی المخالفة الواقعیة حتی یحتمل.

بل العقاب علی عدم المبالاة بأمر المولی فی وجدان العقل ، وهو بنفسه ظلم. وبه یظهر الخلط فی الکلمات بین المسلکین ، والله العاصم.

ص: 242

72 - قوله (قدّس سره) : وقد انقدح أنه لا وجه لاحتمال (1) ... الخ.

توضیح المقام : ان الترخیص فی ارتکاب کل منهما بدلا ، إما أن یکون شرعیّا وإما أن یکون عقلیا ، لمسوغ واستحقاق العقاب علی المخالفة ، إما بحکم العقل وإما بجعل الشارع :

فان کان الترخیص شرعیا لزم اجتماع المتنافین قطعا ؛ للقطع بثبوت الاباحة تخییرا والحرمة تعیینا.

وما أفاده (قدّس سره) فی مبحث القطع (2) من أن احتمال ثبوت المتنافیین کالقطع بثبوتهما إنما یصح مع الترخیص شرعا فی أحدهما المعین ، لا فی کل منهما تخییرا ، وإلا فالمنافاة قطعیة لا احتمالیة.

کما أن مورده الترخیص الشرعی ، لا الأعم منه ومن العقلی ، ویختص الترخیص الشرعی بهذا المحذور ، ویشارک غیره فی سائر المحاذیر.

وإن کان الترخیص عقلیا ، وکان استحقاق العقاب بحکم العقل :

فان کانت مخالفة التکلیف الواصل واقعا ظلما ، فهو إذن فی الظلم قطعا ، لأن الاذن بدلا فی کل منهما موجود ، مع أن أحدهما ظلم واقعا ، بمعنی أن المعذوریة فی کل منهما بدلا لا تجامع تنجز الواقع ، وعدم المعذوریة عقلا فی مخالفة الواقع.

وإن کان عدم المبالاة فی وجدان العقل بالتکلیف الواصل ظلما ، فالاذن فی عدم الانبعاث بارتکاب کل منهما لا یجامع کون عدم الانبعاث بالبعث المعلوم ظلما.

وإن کان الترخیص عقلیّا ، والاستحقاق بجعل الشارع ، فمن الواضح :

ص: 243


1- 1. کفایة الأصول : 359.
2- 2. کفایة الأصول : 273.

أن جعل العقاب علی مخالفة التکلیف الواصل واقعا ، ورفع عقاب الواقع علی تقدیر المصادفة متنافیان ، لأن ضم الواقع إلی غیر الواقع لا یحدث عقابا علی مخالفة الواقع ، بل بقاء الواقع علی فعلیته المتقومة باستحقاق العقاب عقلا أو جعلا غیر معقول.

فلا محالة إما لا فعلیة ولا تنجز للواقع ، وإما لا ترخیص فی کل منهما بدلا ، کما لا ترخیص فی کلیهما.

وأما حدیث نصب الطریق أو جعل البدل ، ولو کان بعنوان القناعة بالامتثال الاحتمالی عن الامتثال القطعی ، فهو اجنبی عن انفکاک وجوب الموافقة القطعیة عن حرمة المخالفة القطعیة ، أولا یجدی فی الانفکاک.

أما نصب الطریق ، فقد أوضحنا حاله فی الجواب (1) عن الدلیل العقلی للأخباریین ، وبیّنا هناک أن الحجیة إما بمعنی جعل الحکم المماثل ، أو بمعنی تنجیز الواقع.

ومن البیّن امتناع اجتماع حکمین فعلیین فی مورد واحد ، وامتناع تنجز المنجز ، فلا علم إجمالی بحکم فعلی علی أی تقدیر ، أولا یؤثر علی أی تقدیر ، فینحل العلم حکما.

ووجوب ما قام علیه الطریق أو ما اقتضاه الأصل السلیم عن المعارض لیس من ناحیة رعایة العلم الاجمالی وبقاء أثره من حیث حرمة المخالفة القطعیة ، بل من ناحیة الحجة ، فراجع.

وأما جعل البدل : فتارة بمعنی اشتمال غیر الواجب الواقعی فی حال

ص: 244


1- 1. التعلیقة : 35 و 37 وقد أجاب قده فی الأولی بقوله : فالتحقیق فی الجواب بناء علی ارادة جعل الحکم المماثل الخ ، وفی الثانیة بقوله : یمکن أن یقال إن ملاک الجواب بناء علی هذا الشق هو أن المنجّز لا یتنجّز الخ.

الجهل علی مصلحة یتدارک بها مصلحة الواجب الواقعی ، فالمأتی به : إما هو الواقع ، أو ما یتدارک به مصلحة الواقع ، ولاشتمال غیر الواجب الواقعی علی مصلحة یتدارک مصلحة الواقع یخیّر العقل بین إتیانه ، وإتیان الواقع.

ولیس ترک الواقع مع فعل ما یستوفی به الغرض منه قبیحا عقلا.

ولا منافاة بین العلم الاجمالی بوجوب تعیینی واحد واقعا والعلم بوجوبین تخییریین شرعا وعقلا بنحو الواجبین المتزاحمین ظاهرا. فلم یسقط الوجوب الواقعی عن الفعلیة لیکون خلفا ، أو یکون الترخیص التخییری منافیا ، بل یسقط بحکم العقل عن التعیّنیّة لثبوت البدل له ، ومثله لا ینافیه الترخیص إلی بدل.

واخری : بمعنی قناعة الشارع فی مقام إطاعة أحکامه ، واقتصاره علی الموافقة الاحتمالیة ، لما فی تحصیل الموافقة القطعیة من المفسدة المنافیة لما تعلق به غرض الشارع من التسهیل علی المکلف.

لکنک قد عرفت أن حرمة المخالفة القطعیة لبقاء عقاب الواقع ، ولو لاه لم یکن وجه لحرمة المخالفة القطعیة ، مع أن بقاء عقاب الواقع علی حاله وارتفاعه علی تقدیر المصادفة متنافیان ؛ بداهة أن ضم غیر الواقع إلی الواقع لا یوجب ترتب العقاب علی مخالفة الواقع.

وقد مر نظیره مرارا فی مسألة دلیل الانسداد ، ولیس إیجاب الموافقة القطعیة مولویا لمصلحة ، حتی إذا کان تحصیلها ذا مفسدة غالبة یسقط خصوص وجوب الموافقة القطعیة.

بل لیس هناک علی أی حال غرض مولوی ولا لزوم شرعی ، بل ولا عقلی ، فلا محالة لا بد من وقوع المزاحمة بین مفسدة الموافقة القطعیة والمصلحة المنبعث منها الحکم الواقعی ، ومع مغلوبیة المصلحة وسقوطها عن التأثیر لا تکلیف فعلی حتی یحرم مخالفته القطعیة.

ص: 245

ومنه تعرف أن الاذن فی ترک الموافقة القطعیة لا یفید اشتمال غیر الواقع علی مصلحة بدلیة ، إلاّ إذا رجع إلی الأمر باتیان الفرد الآخر.

وإلاّ فمجرد الترخیص یکشف عن مغلوبیة المصلحة الداعیة إلی الایجاب الواقعی ، فیزول العلم الاجمالی بالوجوب الفعلی.

ثم إنه بعد ما عرفت حال الترخیص فی أطراف العلم الاجمالی فی مقام الثبوت ، فهل الدلیل فی مقام الاثبات واف فی نفسه بالترخیص فی تمام الأطراف ، أو فی بعضها ، ولو بنحو الجمع بینه وبین حکم العقل بقبح الاذن فی المخالفة القطعیة ، أم لا؟

فنقول : قوله (ع) : ( کل شیء یکون فیه حلال وحرام ، فهو لک حلال أبدا حتی تعرف أنه حرام ) وشبهه مغیّا بالعلم (1).

وکذلک قوله (ع) : ( کل شیء لک حلال حتی تعرف أنه حرام ) (2) ولیس المغیّی معنونا بعنوان المشکوک والمشتبه ؛ لیقال : بأن الشک والاشتباه أعم من المجامع للعلم الاجمالی وغیره ، حتی یتوهم التعارض بین الغایة والمغیّی ، بل غایة ما یستفاد من الغایة کون المغیّی ما لم یعلم حکمه.

وحیث إن العلم أعم ، فکذا ما لم یعلم ، فلا یقتضی مقام الاثبات جریان قاعدة الحل فی تمام الاطراف.

وأوضح منه قوله (ع) : ( رفع ما لا یعلمون ) (3).

وقوله (ع) : ( الناس فی سعة ما لا یعلمون ) (4) واشباه ذلک.

ص: 246


1- 1. تهذیب الأحکام : 7 / 226 ، الکافی : 6 / 339 ، لکن مع فرق یسیر فی بعض الفاظ الحدیث بین ما فی الکتابین وبین ما فی المتن.
2- 2. تهذیب الأحکام : 7 / 226.
3- 3. الخصال : 417.
4- 4. عوالی اللآلی : 1 / 424 ، لکن فیه ما لم یعلموا وهو المصدر للحدیث.

وأما الاستصحاب ، فمقتضی الأخبار المذیلة بقوله (ع) : ( ولکنه ینقضه بیقین آخر ) (1) ونحوه وقوع المعارضة والمناقضة بین الصدر والذیل ، بلحاظ إطلاق الشک فی الصدر واطلاق الیقین فی الذیل.

وقد قدمنا فی بعض مباحث دلیل الانسداد (2) وسیجیء - إن شاء الله تعالی - فی آخر (3) مبحث الاستصحاب ارتفاع المناقضة ، سواء قلنا : بأن الذیل مؤکد للصدر ، فهو تابع سعة وضیقا للصدر ، أو قلنا : بأنه محدد له ، فیکون الصدر تابعا للذیل فی السعة والضیق.

وقد برهنا فی المقامین بعدم معقولیة التحدید ، وعدم قابلیة الیقین الإجمالی لاعتبار الناقضیة للیقین التفصیلی بجمیع وجوهه المتصورة.

کما أنه قد بینا فی محله (4) : أن استفادة تمحّض الشک فی غیر المقرون بالیقین الاجمالی - من وقوع قوله (ع) : ( ولکنه ینقضه بیقین آخر ) موقع الارشاد الی حکم العقل ، بالجری علی وفق الیقین الذی لا فرق فیه بین التفصیلی والاجمالی - مخدوشة ، فان الارشاد بلسان ( تنقضه بیقین آخر ) غیر الارشاد الی الجری علی وفق الیقین ، فراجع.

وعن بعض أجلة العصر (5) الجمع بینه وبین حکم العقل ، بحیث ینتج جواز الاذن فی ترک الموافقة القطعیة فقط.

وتقریبه علی ما أفاده أن إطلاق الاذن فی ارتکاب کل منهما لحال ارتکاب الآخر وعدمه یقید عقلا بحال عدم الآخر ، فلا یفید حینئذ إلا جواز ارتکاب کل

ص: 247


1- 1. تهذیب الأحکام : 1 / 8.
2- 2. نهایة الدرایة : 3 ، التعلیقة : 132.
3- 3. نهایة الدرایة : 5 ، التعلیقة : 123.
4- 4. نهایة الدرایة : 5 ، التعلیقة : 123.
5- 5. هو المحقق الحائری قده : درر الفوائد / 459.

منهما حال ترک الآخر.

ثم أورد علی نفسه بأنه إذا لم یرتکبهما معا ، فقد حصل شرط کل من الحکمین ، فیلزم ثبوتهما ، ولازمه الاذن فی المخالفة القطعیة.

فأجاب بأن الاطلاق لا یعم حال وجود متعلقه ، ولا حال عدمه ؛ إذ بعد فرض وجوده أو عدمه یخرج عن تحت القدرة ، فلا یمکن تعلق التکلیف به.

وبمثله أفاد فی باب تعارض الاستصحابین (1).

والتحقیق : أن عدم أحدهما حال وجود الآخر ، إما أن یکون قیدا للمباح ، أو یکون قیدا للاباحة :

فان کان قیدا للمباح بمعنی أن الفعل المقرون بترک الآخر هو المباح ، فان رجع الاذن بهذا النحو الی تحریم الجمع بین الفعلین لیکون ترکه ، إما بترک کلیهما ، أو بترک أحدهما ، فیباح إباحة عرضیة ، کترک الحرام فی غیر المقام ، فلا بأس به.

إلا أنه مناف غایة المنافاة لظاهر دلیل قاعدة الحل ؛ لأن ظاهره إثبات الحلیة الشرعیة الحقیقیة لکل منهما ، لا إثبات الحرمة الظاهریة للجمع الذی لازمه الاباحة العرضیة لنقیضه.

وإن لم یرجع الاذن بذلک النحو إلی تحریم الجمع ، فلازم إباحة الفعل المتقید بعدم الآخر کون ترکه ترک المباح.

وترک الفعل الخاص ، إما بترک ذات الخاص ، أو بترک الخصوصیة ، أو بترکهما معا ، فینتج جواز فعلهما معا عرضا ، لأن ترک المباح فعله مباح بالعرض.

وإن کان قیدا للاباحة بمعنی الترخیص فی فعل کل منهما علی تقدیر ترک الآخر ، فحیث إن الترک المجعول قیدا هو الترک فی موقع التکلیف البدیل للفعل

ص: 248


1- 1. درر الفوائد / 634.

الصالح لتعلق التکلیف به. فلا محالة : إما أن یکون العدم البدیل بما هو عدم مقارن شرطا مقارنا للاباحة.

وإما أن یکون العدم البدیل بذاته لا بوصف المقارنة قیدا.

فان کان الأول ، فلا إباحة أصلا مع ترک کلیهما ، لفقد العدم المقارن فی کلیهما ، وإذ لا شرط فلا مشروط.

مع أنه لا شبهة فی أن المباح مباح ، سواء ارتکبه أو ترکه.

وإن کان الثانی ، فلازمه إباحة الفعلین مع ترکهما معا ، لتحقق شرط کلیهما.

مع أن المقصود إباحة أحدهما لا کلیهما. والظاهر إرادة هذا الشق من جمیع الشقوق المتقدمة.

ویندفع الاشکال : بأن الواجب المشروط لا یخرج عن الاشتراط إلی الاطلاق بفعلیة شرطه ، ولا یلزم من جوازین مشروطین الاذن فی المخالفة القطعیة ، کیف؟ وفعل کل منهما هادم لتقدیر جواز الآخر.

واما الجواب المذکور فی طی التقریب فلا محصل له ، فان الاشکال لم ینشأ عن إطلاق الاباحة لمتعلقها حتی یمنع ، بل عن خروجها عن الاشتراط إلی الاطلاق بفعلیة شرطه (1). فتدبر.

73 - قوله ( قده ) : وأنه لو علم فعلیته ولو کان بین أطراف تدریجیة (2) ... الخ.

لیس المراد من التدریجی الفعل الزمانی المنطبق علی قطعة من الزمان ، فی قبال الدفعی الذی هو آنیّ الحصول کالوصولات إلی حدود المسافة.

ص: 249


1- 1. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : شرطها.
2- 2. کفایة الاصول / 360.

کما أنه لیس المراد منهما ما یمکن اجتماعهما فی زمان واحد وما لا یمکن ، فان وطأ الامرأتین کذلک ، بل شرب الإناءین غالبا کذلک.

بل المراد أن الفعلین تارة : یکونان حالیین ، بحیث یمکن أن یقع کل منهما فی حد ذاته فی الحال.

وأخری : بحیث لا یمکن أن یقع أحدهما إلا فی الاستقبال.

ثم إن عدم فعلیة التکلیف تارة - لعدم فعلیة موضوعه ، کعدم فعلیة حرمة الواطئ بعدم فعلیة کون المرأة حائضا.

وأخری - لعدم حصول قید الواجب أو الوجوب مثلا ، کالأوقات الخاصة فی الصلوات الیومیة ، وکالأیام المخصوصة لمناسک الحج ، وکشهر رمضان للصیام.

وثالثة - لعدم حصول ظرف الواجب ، کعدم اللیلة المستقبلة فی الوطء المحلوف علی ترکه فی اللیلة المستقبلة ، فان اللیلة المستقبلة لیست دخیلة فی مصلحة وجوب الوفاء بالحلف ولا دخیلة فی مصلحة الوفاء ، بل حیث إن الحلف تعلق بترکه فی اللیلة المستقبلة ، فلذا لا ینطبق الوفاء الواجب إلا علی ترک الوطء فی اللیلة المستقبلة.

وکذا فی المعاملة الربویّة الواقعة غدا ، فان وقوعها غدا لیس دخیلا فی مصلحة تحریمها ولا فی مفسدة فعلها ، بل ظرف محض للمعاملة الربویّة.

فنقول : أما وطء الحائض ، فعدم فعلیة حرمته لیس من ناحیة تأخر زمان الحیض ، بل من ناحیة عدم فعلیة الموضوع ، فهو حرام مشروط بتحقق موضوعه.

وأما عدم فعلیة وجوب الصلاة مع عدم دخول الوقت ، فبملاحظة عدم تحقق شرط الوجوب أو الواجب.

وأما عدم فعلیة حرمة وطء المرأة المحلوفة مع تحقق الحلف الذی هو موضوع لوجوب الوفاء ، فبملاحظة أن التکلیف متعلق بأمر استقبالی من باب الاتفاق ، وکذا الأمر فی المعاملة الربویّة فی المستقبل.

ص: 250

فمن ینکر الواجب المعلّق کشیخنا العلامة (1) الانصاری ( قده ) بملاحظة أن المصلحة الباعثة علی إرادة الفعل : إما قائمة به لا علی تقدیر ، فالارادة فعلیة متعلقة بأمر لا علی تقدیر ، فلها الباعثیة علی إیجاد الفعل فعلا.

وإما قائمة به علی تقدیر ، فالارادة المنبعثة عنها إرادة فعلیة متعلقة بأمر علی تقدیر ، فلا باعثیة لها إلاّ مع فرض حصول ذلک التقدیر ، ولا ثالث للإرادتین حتی یسمی وجوبا معلّقا.

فعلیه : یکون مثال الحیض عنده من التکلیف المشروط ، بخلاف مثالی الحلف والمعاملة الربویّة ، فانه لیس الزمان شرطا لا للتکلیف ولا للمکلف به ، فالارادة فیهما فعلیة لا علی تقدیر.

فیصح علی هذا المبنی دعوی الشیخ الأجل ( قده ) جریان البراءة فی مثال الحیض ، لدوران الأمر بین المطلق والمشروط الذی لا باعثیة له بالفعل.

وجریان الاحتیاط فی مثالی الحلف والمعاملة الربویّة ؛ لأن التکلیف فی کل من الطرفین لا قید له وجوبا وواجبا ، فالحکم فعلی لا علی تقدیر ، وله الباعثیة بالفعل.

وأما بناء علی ما ذکرناه - فی مبحث الواجب المعلق - ، من أن البعث والانبعاث متلازمان متضایفان ، وهما متکافئان فی الضرورة والامتناع والامکان ، وفی القوة ، والفعلیة.

ومن الواضح أن البعث الفعلی فعلیته بمعنی أنه یمکن أنه یکون داعیا بالفعل ، ولا یعقل ذلک إلا مع إمکان الانبعاث بالفعل ، ویستحیل الانبعاث نحو الفعل المتأخر.

ص: 251


1- 1. مطارح الانظار / 53.

فعلیه : لا فرق بین الأمثلة فی عدم فعلیة التکلیف ، غایة الامر أن عدم الفعلیة تارة - بعدم فعلیة الشرط الشرعی ، سواء کان زمانا أو غیره.

وأخری : بعدم إمکان الانبعاث ، لتقیده بالزمان المتأخر من باب الاتفاق ، فلا یمکن البعث بالفعل عقلا ، لتضایفه ، مع إمکان الانبعاث.

ومما ذکرنا یظهر ان الالتزام باشتراط التکلیف بالزمان المتأخر بنحو الشرط المتأخر لا یجدی شیئا ، فان فیه محذور استحالة الوجوب المعلق ، لانفکاک زمان الوجوب عن زمان الوجوب ، ومحذور استحالة الشرط المتأخر.

نعم ربما یقال : (1) بمنجزیة العلم الاجمالی فی جمیع الأمثلة ، نظرا إلی أن الواجب المشروط مع العلم بتحقق شرطه فی ظرفه کالواجب المطلق فی وجوب مقدماته الوجودیة والعلمیة ، وإن کان الوجوب المشروط باقیا علی عدم فعلیته بالفعل.

وفیه : إن أرید وجوب المقدمة شرعا بحکم العقل فی المقدمات التی لا یمکن تحصیلها فی وقت ذیها فهو غیر معقول لأن وجوب المقدمة شرعا وجوب معلولی منبعث عن وجوب ذیها ، فیتبعه فی الفعلیة ، ومع الالتزام بعدم فعلیة وجوب ذیها کیف یعقل فعلیة وجوبها؟

والعلم بتحقق الشرط فی ظرفه لا یؤثر فی المعلوم باخراجه إلی الفعلیة. والعقل یستحیل أن یحکم بمثل هذا الوجوب المعلولی.

وإن أرید حکم العقل بمجرد اللزوم واللابدیة - ، نظرا إلی حکمه باستحقاق العقاب علی ترک الواجب فی وقته بترک هذه المقدمة التی لا یمکن تحصیلها فی وقته - ، فعلی فرض تسلیمه لا یجدی فی وجوب الغسل قبل الفجر حتی یؤتی به بقصد الأمر.

ص: 252


1- 1. القائل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 / 272.

والتحقیق : إمکان الفرق بین المقدمات الوجودیة والمقدمة العلمیة بعدم وجوب المقدمة الوجودیة ، لترشحه من وجوب ذیها ، ولا وجوب لذیها فعلا ، ولزوم المقدمة العلمیة عقلا ، لأنه أثر العلم بالتکلیف ، لا أثر التکلیف بنفسه.

بیانه : أن مقتضی علمه الاجمالی بالتکلیف ، إما فی الحال أو فی الاستقبال مع بقائه علی شرائط الفعلیة والتنجز فی ظرفه ، هو وصول کل من التکلیفین المحتملین وصولا إجمالیا ، وهو کاف فی فعلیة الواصل فی موطنه.

فیعلم إجمالا أن مخالفة هذا التکلیف الحالی فی الحال ، أو مخالفة ذلک التکلیف الاستقبالی فی الاستقبال موجبة لاستحقاق العقاب ، إما علی هذه المخالفة فی الحال ، أو علی تلک المخالفة فی الاستقبال ، فکل من المخالفتین فی موطنها مما یحتمل ترتب العقاب علیها ، وهو الحامل علی دفع العقاب المحتمل بترک المخالفة فی موطنها.

ولا یتوقف فعلیة التکلیف فی موطنه علی أزید من الوصول ، کما لا یتوقف استحقاق العقاب علی أزید من مخالفة التکلیف فی موطن المخالفة وفی ظرف ترتب استحقاق العقاب.

کما لا یتوقف لزوم المقدمة العلمیة ودفع العقاب المحتمل علی أزید من احتمال العقاب بالاضافة إلی المخالفة الواقعیة للتکلیف الحقیقی فی ظرفه.

فان قلت : لا عبرة بوصول التکلیف الاستقبالی فی الحال ، فان وجوده وعدمه علی حد سواء ، وانما العبرة بالوصول فی موطن یترقب فیه البعث والانبعاث ، وهو الوصول فی الاستقبال.

فهذا الوصول الاجمالی لا أثر له بالاضافة إلی أحد الطرفین.

قلت : أولا إن هذا الوصول الحالی یکفی فی فعلیة التکلیف الاستقبالی فی ظرفه بنفس هذا الوصول ، فانه لا منافات بین فعلیته من قبل هذا الوصول فعلا ، وعدم فعلیته من قبل تضایف البعث والانبعاث ، فانه لا یکون البعث فعلیا

ص: 253

إلا حیث یمکن الانبعاث الفعلی.

وثانیا : إن مفروض الکلام بقاء التکلیف الاستقبالی علی شرائط الفعلیة والتنجز ، فمع العلم باستمرار الوصول وعدم التبدل بانقلاب العلم جهلا یقطع بفعلیة التکلیف الاستقبالی بالوصول بقاء ، وإن لم یکن فعلیا بالوصول حدوثا.

فان قلت : العلم الاجمالی لا یزید علی العلم التفصیلی ، مع أنه لو کان التکلیف الاستقبالی معلوما بالتفصیل لم یکن له أثر ، لا من حیث نفسه ولا من حیث مقدماته الوجودیة والعلمیة.

بل اللازم تعلق العلم الاجمالی بتکلیف فعلی ، بحیث إذا انقلب علمه الاجمالی إلی التفصیلی لکان ذا أثر فعلا.

قلت : اللازم أن یکون المعلوم بالاجمال ذا أثر فی موطن فعلیته ، لا ذا أثر فی الحال علی أیّ حال ، إلا أن العلم التفصیلی طرفه مفصل ، ولا أثر له فعلا من جمیع الجهات ، بخلاف العلم الاجمالی ، فان أحد طرفیه حالی ، ومراعاته عقلا أثر احتمال العقاب علیه فعلا.

فان قلت : العلم الاجمالی لا یؤثر فی التنجز إلا إذا تعلق بحکم فعلی ، وحیث إنه لا یتعلق بالمردد بل بالجامع بین الحکمین ، والجامع بین الفعلی وغیره غیر فعلی ، فلا أثر له فی التنجّز.

قلت : الفعلیة عندنا بنفس الوصول ، والواصل هو الانشاء بداعی جعل الداعی ، سواء کان متعلقا بأمر حالی أو استقبالی ، فبالوصول یکون الانشاء المتعلق بأمر حالی أو استقبالی فعلیا ، إما فی الحال أو فی الاستقبال.

* * *

العلم الإجمالی بالتکلیف المردد بین المتباینین

ص: 254

[ التنبیه الأول ]

74 - قوله ( قده ) : ان الاضطرار کما یکون مانعا عن العلم (1) ... الخ.

توضیح المقام وتفصیل الکلام : أن الاضطرار إذا کان إلی أحد الأمرین بلا تعیین ، فالوجه فی عدم منعه عن تنجیز العلم الاجمالی أن الاضطرار لیس إلی شرب النجس ولو علی سبیل الاحتمال ، إذ احتمال الانطباق عند فعلیة الارتکاب لا عند فعلیة الاضطرار ، فهو غیر مضطر الی الحرام قطعا.

ومتعلق التکلیف بما هو مقدور فعلا وترکا ، لا أن أحدهما المردد حرام وأحدهما المردد مضطر إلیه ، لیقال : بأن نسبة الاضطرار إلی الحرام وغیره علی حد سواء ، بل معنی الاضطرار إلی أحدهما أنه لا یقدر علی ترکهما معا ، مع القدرة علی فعل کل منهما وترکه فی نفسه.

وعلیه فشرائط تنجز الخطاب الواقعی من العلم به والقدرة علی متعلقه موجودة ، فیؤثر العلم أثره ، وإنما المکلف یعجز عن الموافقة القطعیة دون الامتثال بالکلیة ، فیکون معذورا عقلا فیما هو عاجز عنه ، لا فی غیره مع ثبوت مقتضیه.

وما یمکن أن یقال فی وجه مانعیة الاضطرار أمران :

أحدهما : ما فی الکتاب عن شیخنا الاستاذ ( قده ) کما فی فوائده (2) أیضا ، وهو منافاة الترخیص التخییری مع الحرمة التعیینیة ، ومقتضی الأهمیة المفروضة سقوط الحرمة التعیینیة بالمضادة.

التنبیه الأول من تنبیهات العلم الإجمالی

ص: 255


1- 1. کفایة الاصول / 360.
2- 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 331.

فلا علم بتکلیف فعلی ، حتی یقال : بأن سقوط لزوم الموافقة القطعیة لا یقتضی سقوط حرمة المخالفة القطعیة.

إلا أن هذا البیان إنما یجدی فیما إذا کان الترخیص شرعیا ، لا فیما إذا کان عقلیا أیضا ؛ إذ الترخیص العقلی لیس من مقولة الحکم الفعلی حتی یضاد الحرمة التعیینیة الفعلیة.

بل معناه حکم العقل بمعذوریة المضطر فی ارتکاب ما اضطر إلیه إذا صادف الحرام الواقعی ، فلا بد من ملاحظة منافاة هذه المعذوریة العقلیة مع الحرمة الفعلیة من حیث الأثر.

وأی منافاة بین المعذوریة فی ترک الموافقة القطعیة ، وعدم المعذوریة فی المخالفة القطعیة.

هذا مضافا إلی أنه لو کان هناک تکلیف شرعی بحفظ النفس عن الهلاک مثلا ، فهو تکلیف تعیینی لا ینافی بنفسه لحرمة شرب النجس تعیینا ، إذ المفروض عدم الاضطرار إلی شرب النجس بما هو ، بل العقل لمکان عدم تمیز الحرام عن الحلال یعذره فی تطبیق الحفظ الواجب علی کل من الفعلین.

فلیس هناک ایضا إلا المعذوریة العقلیة ، وقد مرّ عدم منافاتها للحرمة الواقعیة من حیث أثرها.

ثانیهما : ما مرّ منا مرارا (1) : من أن المعذوریة فی ارتکاب أحدهما ، ورفع عقاب الواقع عند المصادفة ینافی بقاء عقاب الواقع علی حاله حتی یحرم المخالفة القطعیة ، فان ضم غیر الواقع إلی الواقع لا یحدث عقابا علی الواقع ، والمانع من تنجز التکلیف هو الاضطرار ، لا اختیار ما یرتکبه فی مقام الاضطرار حتی یعقل

ص: 256


1- 1. منها ما تقدم فی التعلیقة 72 ومنها ما تقدم فی مبحث حجیة القطع. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 44.

التکلیف المتوسط المصطلح علیه عند بعضهم (1) تبعا للشیخ الأعظم ( قده ) ، بداهة أنه مأذون فی الارتکاب ، سواء ارتکب أم لا.

فان قلت : هذا إذا کان الاضطرار سابقا علی العلم الاجمالی ، وأما مع منجزیة العلم الاجمالی ولحوق الاضطرار فلا ، وذلک لاحتمال بقاء التکلیف المنجز بالنسبة إلی ما یرتکبه ، فیجب مراعاته عقلا.

قلت : مجرد عروض الاضطرار یوجب حکم العقل بعدم العقاب علی ارتکاب أی واحد کان ، ولا یدور حکم العقل مدار الارتکاب.

فمن الأول لا یحتمل بقاء التکلیف الفعلی المنجز ، لتقومه باستحقاق العقاب علی مخالفته عند مصادفته ، وحیث لا عقاب علیه وإن صادفه ، فلا یحتمل بقاء التکلیف من الأول ، سواء ارتکب أحدهما أم لا.

ولذا ذکرنا سابقا أن ایجاب الموافقة القطعیة لازم حرمة المخالفة القطعیة ، وأن الاذن فی ترک الموافقة القطعیة یستلزم الاذن فی المخالفة القطعیة.

ومما ذکرنا تبین أنه لا وجه للالتزام بالتوسط فی التکلیف ، بحیث یکون باقیا علی تقدیر ارتکاب غیر الحرام وساقطا علی تقدیر ارتکاب الحرام ، فان لزوم الالتزام به فیما إذا قام الدلیل علی ارتفاع الحرمة بارتکاب متعلقها ، فحینئذ یعلم منه بانضمامه إلی دلیل الحرمة اختصاصها بمن لم یرتکب متعلقها.

مع انه لیس کذلک ، بل الترخیص شرعا أو عقلا یدور مدار الاضطرار المشفوع بالجهل بالحرام تطبیقا ، فمن أول الأمر یجوز له ارتکاب أی واحد کان ، سواء ارتکب أم لم یرتکب ، ونفس جواز الارتکاب وإن صادف الواقع مناف عقلا لفعلیة الحرمة واستحقاق العقاب علی المخالفة عند المصادفة ، فتدبر جیدا.

ص: 257


1- 1. هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 /1. 270.

وقد مضی فیما تقدم شطر مما یتعلق بالمقام ، فراجع (1).

وأما إذا کان الاضطرار إلی أحدهما المعین :

فان کان الاضطرار سابقا علی العلم ، فلا شبهة فی عدم منجزیة العلم ، فان المعیّن حلال قطعا وإن کان حرما واقعا ، ولیس إلاّ مجرد احتمال التکلیف فی الطرف الآخر ، وهذا هو الفارق بین سبق الاضطرار إلی المعین وسبقه إلی الغیر المعین ، لاحتمال تعلق الاضطرار بالحرام الواقعی فی الأول دون الثانی ، کما عرفت.

وإن کان الاضطرار بعد حصول العلم وتأثیره أثره ، فالشیخ الأعظم (قدس سره) فی رسالة البراءة (2) علی الاحتیاط وبقاء العلم بأثره ؛ لأن وجوب الاجتناب عن کل واحد من الطرفین بملاحظة احتمال التکلیف المنجز بالعلم فی ذلک الطرف ، وهو بعینه موجود هنا ، لاحتمال بقاء التکلیف المنجز فی غیر المضطر إلیه ، کاحتمال ثبوته فیه قبل الاضطرار.

وعن شیخنا العلامة ( رفع الله مقامه ) فی متن الکتاب ، وفی فوائده (3) ، عدم منجزیة العلم الاجمالی بقاء.

وفی هامش الکتاب (4) علی منجزیته بقاء ، وموافقة الشیخ الأعظم ( قده ) فی ذلک.

واستند (قدس سره) فی عدم البقاء علی صفة التنجّز (5) إلی أن القدرة شرط للتکلیف حدوثا وبقاء ، فکما انه إذا علم إجمالا بثبوت خطاب مردد بین

ص: 258


1- 1. فی التعلیقة 72.
2- 2. فرائد الاصول المحشی 2 / 87.
3- 3. التعلیقة علی فرائد الاصول / 331.
4- 4. کفایة الأصول / 360.
5- 5. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : التنجیز.

فعل مقدور وفعل غیر مقدور ، فلا أثر له لعدم التکلیف الفعلی علی أی تقدیر ، کذلک إذا علم إجمالا بمثله بقاء لا حدوثا ، فانه لا علم له بتکلیف فعلی علی أی تقدیر بقاء من أول الأمر ، بل له العلم به إلی حد الاضطرار.

واستند (قدس سره) فی البقاء علی صفة التنجّز (1) إلی دوران الأمر بین تکلیف محدود فی هذا الطرف وتکلیف مطلق فی ذلک الطرف فیکون احتمال التکلیف المطلق من اول الأمر مقرونا باحتمال التکلیف المحدود فله الأثر من اول الأمر بیانه : أنه لیس التکلیف المعلوم مرددا بین ان یکون محدودا او مطلقا ، حتی ینحل إلی معلوم ومشکوک ، نظرا إلی أن ثبوت أصله إلی هذا الحد متیقن وفیما بعده مشکوک ، بل اشتراط أصل التکلیف بالقدرة وتحدیده بالاضطرار معلوم.

إنما الشک فی أن التکلیف بترک شرب النجس المعلوم ، هل هو منطبق علی ترک شرب هذا الاناء إلی حد الاضطرار إلی شربه؟ أو علی ترک شرب ذلک الاناء الذی لا اضطرار الیه علی الفرض؟.

ولیس التکلیف فی أحد الطرفین من حیث الانطباق متیقنا بالاضافة إلی الآخر ، نظیر ما إذا علم بأنه مأمور بالجلوس ، إما فی هذا المسجد ساعة ، أو فی ذلک المسجد الآخر ساعتین ، فکونه مأمورا بجلوس ساعة ، وإن کان معلوما علی أی تقدیر ، لکنه لا بنحو التطبیق ، فلا یجدی فی الانحلال.

فان قلت : هذا إذا کان هناک تکلیف واحد ، وأما إذا کان کل ترک من تروک شرب النجس بملاحظة قطعات الأزمنة مطلوبا مستقلا ، فهناک تکالیف متعددة بتعدد التروک ، وکل ترک فی کل زمان سواء کان فی طرف هذا الإناء أو فی طرف ذلک الإناء الآخر مطلوب إلی حد الاضطرار ، فاحتمال مطلوبیة ترک

ص: 259


1- 1. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : التنجیز.

شرب هذا الإناء فی هذه الساعة مقرون باحتمال مطلوبیة ترک شرب الآخر فی هذه الساعة ، وهکذا الی حد الاضطرار.

وأما بعد الاضطرار ، فلیس ترک شرب ما لم یضطر إلیه ذا طرف فعلا لیدور الأمر بین مطلوبیته ومطلوبیة طرفه ، ولا ذا طرف قبلا ، لأن کل ترک فی کل زمان کان له طرف یختص به دوران الأمر بین مطلوبیته أو مطلوبیة طرفه ، فلیس للترک بعد الاضطرار طرف لا فعلا ولا قبلا ، فهو احتمال بدوی غیر مقرون باحتمال آخر ، ولو من أول الأمر.

قلت : أولا - إن مطلوبیة کل ترک فی کل زمان ملازمة لمطلوبیة ترک آخر فی زمان آخر ؛ لأن کل ترک مطلوب من حیث إنه ترک شرب النجس مثلا ، فکل التروک فی جمیع الأزمنة فی الطرفین علی حد واحد.

وحینئذ نقول : إن التکلیف بترک الشرب فی کل زمان إن کان محققا من أول الأمر بنحو الواجب المعلّق ، فلا إشکال من حیث دوران الأمر بین ثبوت تکالیف متعددة من الأول ، إما فی طرف المضطر إلیه إلی حد الاضطرار ، وإما فی الطرف الآخر إلی الآخر.

وکذا إن کان بنحو الواجب المشروط ، وقلنا : بأن العلم به بلحاظ فعلیته فی ظرفه للعلم بتحقق شرائط تنجزه فی ظرفه له الأثر ، فان العلم بالتکالیف الحالیة والاستقبالیة له الأثر من أول الأمر ، فیتنجز التکلیف فیما بعد الاضطرار للعلم به إجمالا من الأول.

وإن قلنا : بأن العلم بالواجب المشروط لا أثر له قبل تحقق شرطه ، فیکون العلم بالتکلیف فی کل زمان منجزا له فی ذلک الزمان إلی أن ینتهی إلی الاضطرار ، فلا علم فیما بعده بتکلیف فعلی فی هذا الزمان ، إما فی هذا الطرف أو فی ذلک الطرف.

والمفروض : أن العلم به إجمالا من أول الأمر لا أثر له ، فیجب الاحتیاط

ص: 260

علی الأولین دون الاخیر.

وثانیا : أن الانحلال إلی تکالیف متعددة متعلقة بتروک شرب النجس ، إنما یصح إذا کان کل ترک ذا مصلحة باعثة علی طلبه.

بل حیث إن النجس واحد ، وفعل الشرب واحد ، والمفسدة القائمة به واحدة ، فلیس فی الحقیقة إلا زجر واحد عن الفعل الواحد.

وتعدده بحسب الفرض بالقیاس إلی قطعات الأزمنة ، وطلب کل ترک یتبع الزجر عما فیه المفسدة ، فلیس فی الحقیقة إلا تکلیف واحد مستمر إلی أن یتحقق الاطاعة أو العصیان.

وهذا الواحد من حیث استمراره مردد بین المطلق والمحدود ، من حیث التطبیق علی شرب هذا الاناء أو ذلک الاناء.

75 - قوله ( قده ) : حیث إن فقد المکلف به لیس من حدود التکلیف (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن عدم القدرة علی فعل المکلف به وترکه - تارة - بعدم القوة المنبثة فی العضلات ، وأخری - بوجود المانع من اعمال القدرة ، وثالثة - بعدم المحل لاعمال القدرة.

وفقد موضوع التکلیف کالنجس فیما نحن فیه من قبیل الثالث ، ولذا یکون التکلیف بالاضافة إلی مثل هذا الموضوع مشروطا عقلا لرجوعه إلی شرطیة القدرة ، وفعلیة التکلیف بفعلیة موضوعه.

نعم ربما لا یکون الموضوع ملحوظا هکذا ، کما إذا أمر بشرب الماء أو الدواء ، فانه یجب تحصیلهما ، ولا یتوقف فعلیة التکلیف علی حصولهما ، إلا أن طلب ترک شرب الخمر والنجس لیس کذلک ، ولذا لا یجب تحصیل الخمر والنجس مقدمة لامتثال التکلیف بترک شربهما ، فتدبر.

التنبیه الأول من تنبیهات العلم الإجمالی

ص: 261


1- 1. کفایة الأصول / 361.

[ التنبیه الثانی ]

76 - قوله ( قده ) : الثانی أنه لما کان النهی عن الشیء إنما هو (1) ... الخ.

حیث إن النهی الحقیقی هو جعل الداعی إلی الترک ، فما کان متروکا بعدم الابتلاء لا معنی لطلب ترکه ، کما عن شیخنا العلامة الانصاری ( قده ) (2) ، أو هو من قبیل طلب الحاصل ، کما عن شیخنا الاستاذ ( قده ) فی المتن ، أو من حیث إن تعلق التکلیف بالمکلف فعلیا ، وارتباطه به بارتباط موضوعه به فعلا ، فما لا شغل له به وما کان داعیه مصروفا عنه لا معنی لتعلق التکلیف الفعلی به ، کما عن آخرین.

والکل لا یخلو عن شیء ؛ لأن الخروج عن محل الابتلاء : إذا کان بحیث یمتنع عادة فعله وترکه ، فلیس هناک شرط زائد علی القدرة المعتبرة فی التکالیف البعثیة والزجریة عقلا.

وإذا کان بحیث لا یمتنع عادة بل یمکن تحصیله بأسبابه ، فیمکن توجه الداعی إلیه ، فهو محل الکلام ، إذ لو اعتبر الابتلاء به فعلا کان ذلک شرطا زائدا علی القدرة.

وصریح کلام الشیخ الاعظم ( قده ) فی رسائله : أن میزان الابتلاء وعدمه تعارف مساس المکلف به فی قبال اتفاق المساس به ، مع عدم استحالة الابتلاء عقلا وعادة.

التنبیه الثانی

ص: 262


1- 1. کفایة الأصول / 361.
2- 2. فرائد الاصول المحشی 2 / 1 - 80.

وأما توهم الفرق بین القدرة العقلیة والقدرة العادیة ، وأن ما هو المعتبر فی أصل التکلیف هی القدرة العقلیة المجامعة مع الخروج عن الابتلاء ، وأن القدرة العادیة هی المساوقة للدخول فی محل الابتلاء.

فمندفع : بأن القدرة العقلیة والعادیة لیست إلا فی قبال الممتنع عقلا والممتنع عادة ، والامتناع بکلا قسمیه منافیة (1) للقدرة المعتبرة عقلا فی التکلیف الایجابی والتحریمی.

مع أن صریح کلام الشیخ ( قده ) خروج المستحیل عادة کالمستحیل عقلا عن محل البحث ، وأنه بعد الامکان عقلا وعادة یعتبر الابتلاء به عادة فی قبال اتفاق الابتلاء به.

فحینئذ نقول : إن کان التکلیف الحقیقی البعثی والزجری جعل ما یدعو إلی الفعل أو الترک بالفعل. فمع وجود الداعی إلی الفعل أو الترک أو عدم الداعی فی نفسه إلی الترک یکون مستحیلا.

وأما إذا کان التکلیف الحقیقی جعل ما یمکن أن یکون داعیا ، بحیث لو انقاد العبد له لانقدح الداعی فی نفسه بدعوة البعث أو الزجر ، فیفعل أو یترک بسبب جعل الداعی. فهذه الصفة محفوظة ، سواء کان للمکلف داع إلی الفعل کما فی التوصلی الذی یأتی به بداعی هواه ، أو داع إلی ترکه کما فی العاصی ، أو لم یکن له داع إلی الفعل من قبل نفسه کما فیما نحن فیه.

وعلیه : فمجرد کونه متروکا بعدم الابتلاء أو کونه مما لا شغل له به لا یرجع إلی محصل ، إلا إذا أرید منه عدم الداعی له إلی فعله ، ومجرد عدم الداعی لا یمنع من جعل ما یمکن أن یکون داعیا ، لأنه یمنع عن جعل الداعی إلی الترک بالفعل لا بالامکان ، فانه یکفیه إمکان حصول الداعی له إلی الفعل لیمنع عنه الداعی إلی الترک من قبل المولی.

ص: 263


1- 1. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : مناف.

ولذا یصح جعل الداعی بالنسبة إلی العاصی ، مع کونه بحیث لا داعی له إلی الفعل ، بل کان له الداعی إلی الخلاف.

بل إذا کان عدم الداعی فعلا مانعا عن توجه النهی الحقیقی ، فلازمه عدم صحة النهی مع الدخول فی محل الابتلاء ، إذا لم یکن له داع إلی شربه مثلا ، مع أنه لیس کذلک جزما.

بل التحقیق : أن حقیقة التکلیف الصادر من المولی المتعلق بالفعل الاختیاری لا یعقل أن یکون إلا جعل الداعی بالامکان ، لا بمعنی البعث الخارجی الموجب لصدور الفعل منه قهرا ، فانه خلف.

إذ المفروض تعلق التکلیف بالفعل الاختیاری ، فلا شأن له إلا الدعوة الموجبة لانقداح الارادة فی نفس المکلف ، لکنه لا بحیث یوجب اضطراره إلی إرادة الفعل أیضا ، لأنه وإن لم یکن منافیا لتعلق التکلیف بالفعل الاختیاری ، لفرض توسط الارادة بین التکلیف وفعل المکلف ، إلا أنه خلاف المعهود من التکالیف الشرعیة. حیث إنه لیس فیها الاضطرار حتی بهذا المعنی ، بل تمام حقیقته جعل ما یمکن أن یکون داعیا ، ویصلح أن یکون باعثا.

ولا معنی للامکان إلا الذاتی والوقوعی ، فیجتمع مع الامتناع بالغیر أی بسبب حصول العلة فعلا أو ترکا من قبل نفس المکلف ، فان الامتناع بسبب العلة ، مع عدم امتناع عدم العلة یجامع الامکان الذاتی والوقوعی ، ولا یعقل الامکان بالغیر حتی ینافی الامتناع بالغیر.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین أن الدخول فی محل الابتلاء مع فرض تحقق القدرة بدونه لا دلیل علیه ، ولا معنی للاستهجان العرفی ، لعدم ارتباط حقیقة التکلیف بالعرف بما هم أهل العرف ، ولیس الکلام فی الخطاب بما هو خطاب حتی یتوهم ارتباطه بنظر العرف.

ص: 264

وعن بعض (1) أجلة العصر ( قده ) أیضا الالتزام بعدم شرطیة الابتلاء فی حقیقة التکلیف ، لکنه بدعوی أن حقیقة التکلیف لیست بمعنی البعث والزجر وجعل الداعی ، لیتوهم الاستهجان العقلائی.

بل حقیقة التکلیف هو الالزام بالفعل والترک ، وربما یکون نفس هذا الالزام موجبا لتحصیل الابتلاء ، فکیف یکون مشروطا بالابتلاء به.

لکنا قد بینا مرارا : أن حقیقة التکلیف الذی یتوسط بین إرادة المولی لفعل العبد وإرادة العبد إیاه ، هو جعل الداعی له ، بحیث یکون ایجادا تسبیبیا تنزیلیا من المولی ، وإن کان لهذا الایجاد التسبیبی عناوین مختلفة باعتبارات متعددة :

فمن حیث الایقاع فی کلفة الفعل أو الترک تکلیف.

ومن حیث جعله قرینا للمکلف - بحیث لا ینفک عنه إلا بالاطاعة أو العصیان - إلزام ، فکأنه جعله لازما له.

ومن حیث إنه موجب لحرکته نحو الفعل تحریک. ومن حیث اثباته علی رقبته ایجاب ، وهکذا.

وأما لزوم تحصیل الابتلاء المنافی لشرطیة الابتلاء ، فانما یرد إذا أرید شرطیته الابتلاء للأمر والنهی معا ، مع أنه لخصوص النهی ، فانه الذی لا یحسن مع حصول متعلقه ، وهو الترک بنفس عدم الابتلاء.

وغایة ما یمکن أن یقال فی وجه اعتبار الابتلاء فی خصوص التکلیف التحریمی ، مع تساوی الفعل والترک فی القدرة المعتبرة فی البعث والزجر : هو أن

ص: 265


1- 1. لعله المحقق النهاوندی قده لأن مراده بالعنوان المزبور کما صرح به مرارا فی هامش الجزء الأول علی حسب التجزئة فی الطبعة الأولی إما هو المحقق المزبور وإما هو المحقق الحائری قده ولیس فی کلام الثانی فالمراد هو الاول ولا یحضرنا کتابه حتی نراجعه.

البعث حیث إنه لجعل الداعی نحو الفعل ، فلا بد من أن یکون الفعل بحیث یمکن الانبعاث إلیه ، فاذا کانت مقدماته موجودة ، فلا محالة یکون انقیاد المکلف مساوقا للانبعاث بالبعث نحو الفعل ، وإن لم یکن مقدماته موجودة ، فحیث کان الانبعاث إلی ذیها ممکنا بالانبعاث إلیها فلا محالة یصح البعث نحو الفعل ، ونحو مقدماته.

وأما الزجر ، فهو أیضا لا یصح ، إلا إذا أمکن الانزجار عن الفعل ، فاذا کانت مقدمات الفعل موجودة ما عدا المقدمة الأخیرة ، فلا محالة یصح الانزجار عن الفعل بالانزجار عن مقدمته ، فیصح الزجر عنه وعن مقدمته المترتب علیهما ترک الفعل.

وأما إذا کان ما عدا المقدمة الأخیرة متروکا أیضا ، فلا یترقّب من الزجر عن الفعل ترتب الانزجار علیه عند انقیاد المکلف.

أما بنفسه فواضح.

وأما من حیث الانزجار عن مقدماته ، فلفرض کونها متروکة ، وتبدلها إلی النقیض لا أثر له ، حتی یکون إمکان الزجر والانزجار محفوظا ، لأن وجود ما عدا المقدمة الأخیرة وعدمه فی بقاء الترک علی حد سواء.

ولذا لا یحرم ما عدا المقدمة الأخیرة علی ما هو التحقیق فی محله. وعلیه ، فشرطیة الابتلاء لاقتضاء الزجر عن الفعل بالخصوص ، لا لاقتضاء مطلق التکلیف بعثا أو زجرا ، ولا لفقد القدرة ولو بمرتبة منها.

77 - قوله ( قده ) : بل یکون من قبیل طلب الحاصل (1) ... الخ.

وحینئذ : فان أرید من الطلب نفس الشوق الأکید النفسانی ، فطبیعة

ص: 266


1- 1. کفایة الاصول / 361.

الشوق کما مرّ مرارا (1) تتعلق بالحاصل من وجه المفقود من وجه آخر ، فلا یعقل تعلقها بالحاصل من کل وجه. والشوق إلی حصول الحاصل ثانیا لا یعقل ، لأن الوجود لا یعرض الموجود ، لأن المماثل لا یقبل المماثل ، فطلبه محال من العاقل.

وإن ارید منه البعث ، فحیث إنه ایجاد تسبیبی من الباعث یرجع الی ایجاد الموجود وهو محال.

قلت : قد یتعلق الطلب بما هو مفروض الحصول بعلته ، فالأمر فیه کما مر.

وقد یتعلق بالشیء فی عرض علته المفروضة ، فلیس لازمه طلب الحاصل ، لأن طلب الحاصل بنفس الطلب لیس فیه محذور ، بل فیه اجتماع علتین مستقلتین علی معلول واحد ، وصدور الواحد عن الکثیر محال.

هذا إذا فرض الترک بالداعی ، وأما إذا فرض الترک بعدم الداعی فمحذوره أمر آخر ، وهو أن ابقاء العدم علی حاله بالزجر والردع بملاحظة صیرورته مانعة (2) عن حصول الداعی إلی الفعل ، ومع عدمه لا یعقل المانعیة والزاجریة ، فان الشیء لا یتصف بفعلیة المانعیة إلا مع فعلیة المقتضی.

والجواب : عن الکل ما مرّ من أن العلیة والمانعیة فی النهی الحقیقی بالامکان لا بالفعلیة ، کی یلزم منه المحاذیر المتقدمة.

78 - قوله ( قده ) : کان المرجع هو البراءة (3) ... الخ.

للشک فی التکلیف الفعلی ، وهو مرفوع بأدلة البراءة ، وعدم البیان والحجة علی التکلیف الفعلی ، فالعقاب علیه قبیح.

ص: 267


1- 1. منها ما تقدم فی مبحث اجتماع الأمر والنهی. نهایة الدرایة 1. التعلیقة 62 ومنها فی مبحث حجیة القطع نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 46 ومنها فی التنبیه الثانی من تنبیهات البراءة. التعلیقة 47.
2- 2. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : مانعا.
3- 3. کفایة الاصول / 361.

وربّما یقال (1) : توجه التکلیف الفعلی للشک فی حسن التکلیف ، وإن کان مشکوکا ، إلا أنه لا شک فی وجود مبغوض المولی فی الأطراف ، والعلم به کفی به بیانا.

ولکنک قد عرفت غیر مرة أن المبغوضیة التی هی مصداق الکراهة التشریعیة کالمحبوبیة التی هی مصداق الإرادة التشریعیة ما یساوق الارادة والکراهة التکوینیتین.

فاذا وصلت الارادة مثلا حدا یبعث العضلات نحو الفعل کانت إرادة تکوینیة ، وإلا فلا.

فکذلک إذا وصلت حدا یبعث المولی علی قیامه بصدد تحصیل مراده بالبعث الفعلی نحوه کانت ارادة تشریعیة.

فلا تنفک الارادة التشریعیة عن البعث الفعلی ، کما لا تنفک التکوینیة عن حرکة العضلات ، وما لم تبلغ الارادة هذا الحدّ لا أثر لها ، کیف؟ ولو کان متعلقها فعلا تکوینیا للمولی لم تحرکه بالمباشرة نحو الفعل ، فکیف تحرکه نحوه بالتسبیب؟ فکذا الامر فی الکراهة التشریعیة.

فالشک فی البعث الفعلی والزجر الفعلی شک فی بلوغ الارادة والکراهة حدا له الأثر ، ومطلق المحبوبیة والمبغوضیة التی لا توجب قیام المولی مقام تحصیل محبوبه ، أو إعدام مبغوضه لا أثر له.

نعم دعوی قصور أدلة البراءة الشرعیة [ عن الشمول ](2) لصورة العلم بالحرمة ، والشک فی فعلیتها أمر آخر ، حیث إن ظاهرها ما کان التکلیف الواقعی مشکوکا ، فترتفع فعلیته ، لا مطلق الشک فی الفعلیة. وفی البراءة العقلیة کفایة.

ص: 268


1- 1. القائل هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 465.
2- 2. اضیف لقصور العبارة دونه.

79 - قوله ( قده ) : لا إطلاق الخطاب ضرورة أنه لا مجال (1) .. الخ.

منع ( قده ) عن التمسک باطلاق الخطاب ، تارة : بأن الابتلاء من شرائط تنجز الخطاب ، کما فی تعلیقته (2) علی الرسائل ، فلا یکون الاطلاق المتکفل لحکم الواقعة بمرتبته الانشائیة ناظرا إلی المرتبة المتأخرة.

وأخری : بأنه من شرائط فعلیة البعث والزجر ، کما فی فوائده (3) ( قده ) وهی أیضا مرتبة متأخرة عن مرتبة الانشاء.

وثالثة : کما فی المتن بأن التمسک بالاطلاق واستکشاف المراد الجدی من الخطاب فرع صحته وإمکانه فی نفسه ، مع أن صحته وامکانه بدون الابتلاء أو بدون هذا المقدار من الابتلاء مشکوک ، فلا تصل النوبة إلی استکشاف المراد الجدی المترتب علی معقولیته فی نفسه من إطلاق الخطاب.

أقول : أما عدم التمسک بالاطلاق - بناء علی الوجه الأول - فصحیح ، حتی فیما إذا کان جعل العقاب من الشارع ، فان النافع علیه إطلاق الدلیل المتکفل لجعل العقاب علی مخالفة التکلیف [ وشموله ](4) لصورة خروج مورده عن الابتلاء ، دون الدلیل المتکفل لأصل التکلیف.

إلا انّ قیدیة الابتلاء للتنجز غیر معقولة فی حد ذاتها ، اذ فرض استحقاق العقاب علی المخالفة فرض الابتلاء ، فکیف یعقل إطلاقه وتقییده؟

وأما عدم التمسک - علی الوجه الثانی - فمختصر القول فیه : أن مرتبة البعث والزجر الفعلیین وإن کانت غیر مرتبة الانشاء ، إلا أن القیود المأخوذة فی

ص: 269


1- 1. کفایة الأصول / 361.
2- 2. التعلیقة علی الرسائل / 147.
3- 3. التعلیقة علی الرسائل / 328.
4- 4. أثبتناها لضرورة السیاق.

مقام الانشاء بداعی جعل الداعی قید فی الحقیقة لصیرورته مصداقا لجعل الداعی دائما ، وإلا فالانشاء حاصل ، وکیف یعقل إناطته بأمر غیر حاصل؟ فکون الانشاء بداعی جعل الداعی - تام الاقتضاء وفعلیا من قبل المولی - إنما یستکشف بتجرده عن القید فی مقام الانشاء بداعی جعل الداعی.

وأما الانشاء بلا داع ، فهو محال فی نفسه ، کما أن الانشاء - بداع آخر غیر جعل الداعی - لیس من مراتب الحکم الحقیقی ، ولا یترقب منه فعلیة البعث والزجر ، بل فعلیته فعلیة ما أنشئ لأجله.

فلا محالة ینحصر الانشاء المترقب منه فعلیة البعث والزجر فی الانشاء بداعی جعل الداعی ، وإطلاقه وتجرده عن القید یکشف عن کونه مصداق البعث والزجر فعلا ، لا معلقا علی شیء.

إلاّ أن هذا الاطلاق إنما یجدی فی نفی القیود الدخیلة فی فعلیة الحکم شرعا ، لا القیود الدخیلة فی فعلیّته البعثیة والزجریة عقلا ، کالقدرة والوصول ، والابتلاء علی القول بدخله بحکم العقل ، ولا معنی لدفع قیدیة ما لا دخل له بالشارع بتجرد خطابه عنه ، کما هو واضح.

وربما یقال (1) : بدخل الابتلاء الذی هو من شئون القدرة فی ملاک النهی ، نظرا إلی أنه وان لم یکن دخیلا فی مفسدة الفعل ، إلا أنه دخیل فی مبغوضیة الصدور من المکلف ، وهی الملاک الأخیر لصدور النهی.

وکذا یستکشف الملاک الأول من النهی ، فاذا احتمل عدم المفسدة ، أو عدمها الا علی تقدیر مخصوص ، یکون إطلاق النهی کاشفا عن أصلها وعن إطلاقها ، کذلک الملاک الأخیر.

وکذا حسن التکلیف أو قبحه ، کحسن الفعل أو قبحه یستکشف بالأمر

ص: 270


1- 1. القائل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 / 251 و 252.

أو النهی.

والجواب : أن المبغوضیة منبعثة عن المفسدة ، کالمحبوبیة عن المصلحة.

وعدم صیرورة المحبوبیة إرادة تشریعیة مساوقة للتکوینیة ، أو عدم صیرورة المبغوضیة کراهة تشریعیة مساوقة للتکوینیة ، لیس لأجل دخل القدرة ، وما هو من شئونها فی کونها ملاکا للنهی ، بل لدخلها ابتداء فی الزجر.

فیستحیل تحقق الجزء الأخیر من العلة التامة للزجر لاستحالة معلولها ، فحیث لا یمکن التکلیف لا یریده ، لا أنه حیث لا یمکن الارادة لا یکلفه.

وأما حدیث استکشاف حسن التکلیف وقبحه فنقول : إن الحسن أو القبح ربما یکون لأجل مصلحة فی التکلیف أو مفسدة فیه ، فحاله حال حسن الفعل وقبحه.

وربما یکون لأجل اللغویة ونحوها ، فهو أمر عقلی أجنبی عن المصالح والمفاسد المستکشفة بالخطاب ، فتدبر جیدا.

وأما عدم التمسک علی الوجه الثالث ، کما هو ظاهر المتن ، فمجمل الکلام فیه : أنا بینا فی محله أن ظهور الدلیل علی التعبد بشیء أو إیجاب شیء أو تحریمه دلیل علی إمکانه وحسنه ، لظهوره فی وقوعه منه ، وهو أخص من إمکانه وحسنه ، والظاهر حجة الی أن تقوم حجة علی خلافه.

واحتمال استحالته أو قبحه لیس بحجة ، کی یمنع عن التمسک بالظاهر ، فالاطلاق دلیل بالالتزام علی إمکانه وحسنه.

لکنه لا یجدی فیما نحن فیه لأن دلالة الظاهر إنما یتّبع فیما هو ظاهر فیه ولو بالملازمة ، فیدل علی أن الانشاء بداعی جعل الداعی مجردا عن قید من قبل المتکلم ممکن وحسن منه ، وأمّا أنه لا قید له بحکم العقل ، فهو أجنبی عن مقتضیات المدلول الذی یکون الکلام ظاهرا فیه.

ص: 271

نعم ربما یتفق - کما فی هامش الکتاب (1) - إحراز کون المولی بصدد التحریک الجدی والبعث الحقیقی ، فیکشف عن تمامیة علته من باب کشف المعلول عن وجود علته التامة ، لا من باب کشف الخطاب عن المراد الجدی.

وعن بعض أجلة العصر (2) وجه آخر فی منع الاطلاق ، وهو أنه لا یمکن القطع بحکم ظاهری بواسطة الاطلاق والعموم ، لأن المفروض الشک فی أن خطاب الشرع فی هذا المورد حسن أم لا ، ولا تفاوت بین الخطاب الظاهری والواقعی.

وأنت خبیر بأن حجیة الامارات الغیر العلمیة سندا ، وإن أمکن أن یکون بمعنی جعل الحکم المماثل ، ومطلق التکلیف مشکوک الثبوت مع الشک فی الابتلاء وقیدیته.

إلا أن حجیة الامارات الغیر العلمیة دلالة ، کالظهور العمومی أو الاطلاقی لیست بمعنی جعل الحکم المماثل من العقلاء علی طبق مؤدیات الظواهر ، بل بمعنی بناء العقلاء عملا علی اتباعها ، والحکم باستحقاق المؤاخذة علی مخالفتها.

فلیس هناک حکم تکلیفی ظاهری لیکون حاله حال الحکم الواقعی فی التقیید بالابتلاء وعدمه.

ثم اعلم أنه - مع الاغماض عما ذکرنا من محذور التمسک بالاطلاق - لا فرق بین أن تکون الشبهة مفهومیة أو مصداقیة.

أما الأولی فواضح ؛ لدوران الأمر بین الاطلاق والتقیید من رأس ، إذا کان أصل قیدیة الابتلاء مشکوکا ؛ ولدوران الأمر بین الأقل والأکثر والشک فی زیادة

ص: 272


1- 1. کفایة الاصول / 361 - 362.
2- 2. هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 465.

التقیید ، إذا کان الشک فی مقدار الابتلاء المعتبر.

وأما الثانیة ، فلأن المقید حیث إنه لبّی یجوز التمسک فیه بالاطلاق ، ولو فی الشبهة من حیث المصداق ، لما ذکرنا فی محله (1).

التنبیه الثانی

ص: 273


1- 1. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 188.

[ التنبیه الثالث ]

80 - قوله ( قده ) : الثالث أنه قد عرفت أنه مع فعلیة التکلیف (1) ... الخ.

ربما یتوهم : أن الوجه فی منجزیة العلم الاجمالی أنه مرکب من علم واحتمال ، وأن الاحتمال الموجب للخوف هو المنجز للتکلیف ، وأن قبح العقاب بلا بیان رافع له.

فمع العلم المقرون بالاحتمال یزول المؤمّن ، فیؤثر المقتضی - وهو الاحتمال المحدث للخوف - أثره.

وعلیه : ففی غیر المحصور نفس الاحتمال المحدث للخوف - لکثرة أطرافه - ضعیف لا أثر له ، فلا مقتضی حتی یجدی فی تأثیره العلم الذی هو بمنزلة رفع المانع عن التأثیر.

وهو عجیب ؛ لأن احتمال التکلیف لا یساوق الاحتمال المحدث للخوف ، حتی یکون بمنزلة المقتضی ، بل المقتضی لاستحقاق المؤاخذة علی مخالفة التکلیف نفس العلم بالتکلیف.

ولا فرق فیه بین تعلقه بتکلیف یتردد بین أمور محصورة أو غیر محصورة ، والاحتمال المحدث للخوف فی کل طرف نشأ من قبل تنجز الواقع بالعلم به.

وربما یقال (2) : بأن ملاک غیر المحصور ما یمتنع عادة ارتکاب جمیع أطرافه. وحیث لا یمکن ارتکاب جمیع الاطراف فلا تحرم المخالفة القطعیة ، ومتی لم تحرم المخالفة القطعیة لم یجب الموافقة القطعیة ، فان وجوبها من لوازم حرمة

التنبیه الثالث

ص: 274


1- 1. کفایة الاصول / 362.
2- 2. القائل هو المحقق النائینی قدس سره أجود التقریرات 2 / 275.

المخالفة القطعیة.

ویندفع : بعد تسلیم الضابط ، أن المخالفة القطعیة لو کانت موضوعا للحرمة شرعا لکان الأمر کما قیل : من عدم حرمة ما لا یقدر علیه.

وأما إذا لم یکن حرمة شرعیة وکان الحرمة الفعلیة متعلقة بما یقدر علیه بذاته ، لفرض القدرة علی ارتکاب کل واحد من الأطراف ، لفرض دخول الکل فی محل الابتلاء ، کما هو مفروض کلام هذا القائل.

فلا محالة یکون العلم بالحرمة المتعلقة بالأمر المقدور موجبا لاستحقاق العقوبة علی مخالفتها.

ولیس ضم غیر الحرام إلی الحرام دخیلا فی القدرة علی متعلق الحرمة ، ولا دخیلا فی ترتب العقوبة علی مخالفتها بعد فرض تنجزها ؛ لاستجماع شرائطه ، فلیس ارتکاب الجمیع إلا سببا للقطع بترتب استحقاق العقوبة علی فعل الحرام الفعلی.

کما أن ارتکاب بعض الأطراف سبب لاحتمال ترتب الاستحقاق المزبور.

وعدم التمکن من تحصیل العلم باستحقاق العقاب معنی ، وعدم التمکن مما یستحق علیه العقاب معنی آخر ، والمضر هو الثانی دون الأول.

81 - قوله ( قده ) : نعم ربما تکون کثرة الأطراف فی مورد (1) ... الخ.

قد مر (2) فی أوائل البحث عن دلیل الانسداد أن العسر والحرج أو الضرر لیس فی متعلق التکلیف قطعا ، بل فی تحصیل العلم بامتثاله بالجمع بین محتملاته ، ولیس تحصیل العلم بالامتثال من مقتضیات التکلیف ، ولو بالواسطة ، بل التکلیف لا یقتضی إلا ایجاد متعلقه أو اعدامه.

ص: 275


1- 1. کفایة الأصول / 362.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 130.

وتحصیل العلم بامتثاله بحکم العقل الذی نسبته إلی الحکم الشرعی نسبة الحکم إلی موضوعه ، ولیس التکلیف المجهول بما هو تکلیفا إلهیّا ، لیقال : إن مقتضاه تحصیل العلم بالامتثال.

فالمرفوع بأدلة نفی الحرج والعسر والضرر نفس الحکم الضرری أو الحرجی ، أو الموضوع الموصوف بهما ، ولیس فیها إطلاق ، یعمّ ما إذا کان بنفسه حرجیا أو ضرریا. وما إذا کان موضوعا لحکم عقلی حرجی أو ضرری ، بحیث یعم الوصف بحال نفسه والوصف بحال متعلقه.

نعم إذا کان وجوب الاحتیاط فی مورد شرعیا وکان حرجیا صح نفیه بأدلة نفی الحرج فی الدین.

کما أنه إذا کان العسر بنحو یخل بالنظام فهو مانع عن التنجز عقلا ، بل عن فعلیة التکلیف شرعا.

أما الأول فواضح ؛ إذ مع حکم العقل بقبح الاخلال بالنظام ، کیف یعقل منه الحکم بقبح ترک تحصیل العلم بالامتثال؟

وأما الثانی ، فلأن التکلیف لجعل الداعی ، ومع التفات الجاعل إلی : أن عقل المکلف یمنعه عن تصدیق ما یلزم من بقائه - لیجب تحصیل العلم بامتثاله - عسر مخل بالنظام ، فلا محالة یستحیل منه التکلیف لهذا الغرض ، وإن لم یکن فی نفس متعلقه عسر مخل بالنظام.

وقد مرّ مرارا (1) : أن عدم وجوب الموافقة القطعیة المستلزمة للعسر المخل بالنظام یستلزم عدم حرمة المخالفة القطعیة.

ص: 276


1- 1. منها ما تقدم فی مبحث الانسداد. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 128.

82 - قوله ( قده ) : ولو شک فی عروض الموجب فالمتبع هو اطلاق (1) ... الخ.

حیث عرفت (2) أنه لا عسر ولا ضرر فی متعلق التکلیف ، بل فی تحصیل العلم بامتثاله ، ولیس تحصیله من مقتضیات التکلیف ، فلا معنی للتمسک باطلاق دلیل التکلیف ؛ إذ لیس تحصیل العلم بامتثاله من شئونه وأطواره الواقعة فی مورد التکلیف حتی یرفع الضرری منه ، أو یدفع مشکوکه باطلاقه.

فحاله حال الابتلاء من حیث عدم إمکان دفع قیدیته بالاطلاق.

بل مع قطع النظر عما ذکرناه هناک (3) من کون التقیید عقلیا یمکن دفع قیدیته لمرتبة الفعلیة هناک ، ولا یصح هنا لأنه لیس قیدا لمتعلق التکلیف ، بل لتحصیل العلم بامتثاله المتأخر عن مرتبة فعلیة التکلیف أیضا.

بل لا مجال له هنا فی الشبهة المصداقیة المختص بها المقام ، لأن التقیّد بعنوان لفظی هنا ، وباللبّی هناک.

نعم یصح فی العسر المخل بالنظام حیث إن التقیید عقلی فیه.

ومما ذکرنا یتضح حال الشک فی عروض سائر الموجبات لرفع التکلیف الفعلی.

أما الشک فی بلوغ الکثرة إلی حد یخرج بعض أطرافه عن محل الابتلاء ، فقد علم مما ذکرنا فی الشک فیه سابقا من أنه لا محال للتمسک بالاطلاق مطلقا.

وأما الشک فی بلوغ الکثرة إلی حد یمتنع معه ارتکاب الجمیع - بناء علی کونه ملاکا لغیر المحصور - فالأمر فیه کالعسر والحرج الذی لا دخل له بمتعلق

ص: 277


1- 1. کفایة الأصول / 362.
2- 2. فی التعلیقة المتقدمة.
3- 3. فی التعلیقة 79.

التکلیف ، بل فی العلم بامتثاله ، فکذا هنا ، فانه لا دخل له إلاّ فی العلم بمخالفته المتأخر عن مرتبة التکلیف.

بل لو فرض الشک فی القدرة علی متعلق التکلیف أیضا لا مجال فیه للتمسک بالاطلاق ، لما مرّ (1) سابقا من أنه لا دخل لها فی الملاک ، ولا فی حسن التکلیف وقبحه المنبعثین عن المصلحة والمفسدة.

نعم إذا کانت قضیة التکلیف قضیة خارجیة ، فالتکلیف الجدی حینئذ کاشف عن تمامیة علته من باب کشف المعلول عن علته ، لا من باب کشف الاطلاق عن المراد الجدی.

ومنه تعرف أن مرجع الشک هنا ولو فرض أنه إلی الشک فی القدرة ، إلا أنه لا فرق بینها وبین غیرها من حیث الحکم فیه بالبراءة دون الاحتیاط.

التنبیه الثالث

ص: 278


1- 1. فی التعلیقة 79.

[ التنبیه الرابع ]

83 - قوله ( قده ) : أنه إنما یجب عقلا رعایة الاحتیاط فی خصوص (1) ... الخ.

توضیحه یتوقف علی بیان مقدمة : هی أن للملاقی بالاضافة إلی ملاقیه أنحاء من الوساطة ثبوتا واثباتا وعرضا.

أما الوساطة فی الثبوت ، فالمراد منها تأثیر النجس فی نجاسة ملاقیة بأن یترشح النجاسة منه الی ملاقیه ، أو بنحو الاعداد وما أشبه ذلک ، سواء کانت النجاسة من الأمور الواقعیة ، أو من الاعتبارات الشرعیة الوضعیة.

والأولی واضحة ، والثانیة أیضا کذلک بعد التأمل ، إذ کما أن ذات النجس لها خصوصیة ذاتیة بسببها اعتبر الشارع لها هذه الصفة ، کذلک الملاقی یکون بسبب الملاقاة ذات خصوصیة مستدعیة لاعتبار تلک الصفة له.

وهذا المعنی غیر السرایة الحقیقیة ، فان السرایة الحقیقیة بسریان ذات النجس وانفصال أجزاء منها إلی الملاقی ، وما نحن فیه بمعنی العلیة والتأثیر ، وهما لا یقتضیان سریان العلة فی المعلول کما فی کل علة ومعلول.

وأما الوساطة فی الاثبات ، فالمراد منها أن الدلیل الدال علی وجوب الاجتناب عن النجس دلیل علی وجوب الاجتناب عن ملاقیه ، فهو متکفل لحکم النجس بالاصالة ، ولحکم المتنجس (2) بالتبعیة.

وعلیه فمقتضی الأولی تبعیة الملاقی للنجس ثبوتا ، ومقتضی الثانیة تبعیته له إثباتا.

وأما الوساطة فی العروض ، فالمراد منها أن الملاقی من شئون الملاقی ومن

التنبیه الرابع

ص: 279


1- 1. کفایة الأصول / 362.
2- 2. فی الاصل : النجس ، والصحیح : ما أثبتناه.

فروعه ، بحیث یکون الاجتناب عن ملاقاه بالاجتناب عنه ، لا بالاجتناب عن عین النجس فقط ، نظیر إکرام العالم ، فان إکرام ولده وخادمه من شئون إکرامه ، بحیث لو لم یکرمهما لم یکرم العالم کما هو حقه فلیس للملاقی اجتناب بحیاله واستقلاله ، کما لیس لخادم العالم إکرام بحیاله وبلحاظ نفسه ، بل من حیث إن إکرامه إکرام العالم ، وهذا هو المراد من ثبوت الحکم له عرضا.

إذا عرفت ذلک ، فاعلم أن مجرد تبعیة الملاقی لملاقاه ثبوتا واثباتا لا یجدی شیئا ، لأنه مع هذه التبعیة یکون الملاقی کملاقاه فردا من النجس حقیقة ، وله حکم بنفسه وبحیاله کالملاقاة ، فان وحدة الدلیل اجنبیة عن وحدة الحکم.

وعلیه : فما لم یکن الملاقی کملاقاه طرفا للعلم لا یجب عقلا الاجتناب عنه ، لأن وجوب الاجتناب العقلی من ناحیة طرفیة الشیء للعلم المنجز للحکم ، ولیس کوجوب الاجتناب الشرعی تابعا لوجوب الاجتناب عن شیء شرعا ثبوتا واثباتا.

بخلاف ما إذا قلنا بالوساطة فی العروض ، فان الملاقی وان لم یکن من أطراف العلم المنجز للتکلیف ، إلا أن تنجز التکلیف فی ملاقاه وطرفه یقتضی الاجتناب عنه ، حیث إن ذاک الاجتناب الواقعی اللازم شرعا مشکوک الحصول بالاجتناب عن ملاقاه وطرفه بالخصوص ، إذ لو کان الملاقی - بالفتح - هو النجس الواجب اجتنابه واقعا - والمفروض أن اجتنابه بالاجتناب عنه وعن ملاقیه - للزم فی مقام الخروج عن عهدة ذلک الاجتناب الواجب واقعا ، المعلوم إجمالا الاجتناب عنه بنحو یقطع بتحقق ذلک الاجتناب اللازم واقعا ، ولا یقطع إلا بالاجتناب عن الطرفین والملاقی معا.

وعلیه ینبغی حمل ما احتمله (1) الشیخ الأعظم (قدس سره) فی رسالة

ص: 280


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 85.

البراءة ، لا علی مجرد التبعیة فی مقام الاثبات أو الثبوت ، فضلا عن السرایة الحقیقیة التی یکذبها الحس والعیان غالبا.

ولا یخفی علیک أن هذا المعنی لا یستدعی التمحّض فی الوساطة فی العروض ، حتی یقال : بأنه لا شبهة فی وجوب الاجتناب عن ملاقی النجس المعلوم ، ولو مع فقد عین النجس ، فانه له - بما هو نجس بالتبع - حکم ، وله - بما هو من شئون عین النجس أیضا - حکم.

کما إذا فرض أن ولد العالم عالم أیضا ، فانه من حیث إنه عالم یجب إکرامه ، ومن حیث إنه ولد العالم فاکرامه إکرام أبیه العالم.

وتظهر الثمرة فی صورة الشک فانه مع الشک فی علمه یجری البراءة عن وجوب إکرامه ، لکنه مع الشک فی أن من مع العالم هل هو ابنه أم لا فانه ینبغی الاحتیاط حیث لا یقطع بتحقق إکرام العالم إلا باکرامه ، فکذلک فیما نحن فیه.

نعم : التحقیق عدم ثبوت الوساطة فی العروض ، لا لما ذکر من وجوب الاجتناب عن الملاقی مع عدم وجوب الاجتناب عن ملاقاه ، لعدم المنافاة کما مر من امکان اجتماع الحیثیتین فی الملاقی.

بل لانه اذا اجتنب عن النجس ولم یجتنب عن ملاقیه فقد اجتنب حقیقة عن فرد من نجس ولم یجتنب عن فرد آخر منه ، لا انه لم یجتنب اصلا کما لا یخفی.

84 - قوله ( قده ) : وأنه تارة یجب الاجتناب عن الملاقی دون ملاقیه (1) ... الخ.

حاصل الوجه فی عدم وجوب الاجتناب عن ملاقی المشتبه بالنجس عقلا عدم العلم بفرد آخر من النجس غیر ما علم به أولا بین الإناءین ، وحیث لا علم فلا یجب الاحتیاط.

ص: 281


1- 1. کفایة الأصول / 362.

إلا أن مجرد عدم العلم بفرد آخر من النجس لیس مناطا لعدم وجوب الاحتیاط ، کیف ومع سبق الملاقاة علی العلم الاجمالی ، کما فی الصورة الثالثة الآتیة فی کلامه (قدس سره) أیضا لیس هناک علم بفرد آخر من النجس ، ومع ذلک أوجب الاحتیاط فیها؟

بل لا یجب العلم بأصل وجود النجس فی وجوب الاحتیاط ، ویکفی مجرد کونه من أطراف العلم ، کما إذا علم بنجاسة هذا الإناء أو بغصبیة ذلک الإناء الآخر ، فانه لا شبهة فی منجزیة هذا العلم ، فلا یجب فی الاحتیاط إلا الطرفیة للعلم.

ومن الواضح أن الملاقی بعد الملاقاة طرف للعلم وجدانا ، بداهة أن الشخص بعد الملاقاة یقطع بأن هذا الاناء نجس أو ذاک الإناء الآخر وملاقیه معا للقطع بالملازمة بینهما.

بل غرضه (قدس سره) من عدم العلم بفرد آخر من النجس عدم کون الملاقی فی هذه الصورة طرفا للعلم المنجز ، لا عدم کونه طرفا فقط ، وذلک لأن العلم الاجمالی بعد تعلقه بالنجس المعلوم بین الإناءین أوجب تنجّز التکلیف المعلوم ، وبعد حدوث الملاقاة - وصیرورة أطراف العلم ثلاثة وجدانا - لا یعقل تأثیر العلم الثانی ؛ إذ المنجز لا یتنجز.

فهذا العلم الثانی لم یتعلق بتکلیف لم یتنجز حتی یعقل تنجزه بالعلم الحادث ثانیا ، لاحتمال أن یکون التکلیف فی طرف الملاقی - بالفتح - ، وبعد تنجزه لا علم بتکلیف آخر لم یتنجز حتی یتنجز بالعلم الثانی ، بل مجرد احتمال التکلیف فی الملاقی - بالکسر - تبعا للملاقی - بالفتح -.

بخلاف الصورة الثالثة ، فان العلم حدث بعد الملاقاة فقد تعلق بتکلیف لم یتنجز بعد ، وإنما یتنجز بهذا العلم.

ولا یقاس انقلاب العلم الأول إلی ما صار أطرافه ثلاثة بصورة انقسام

ص: 282

أحد الإناءین الی قسمین ، فکما أن مقتضی الملازمة بین الاجزاء فی العلم هو الاحتیاط ، کذلک الملازمة بین الملاقی وملاقیه فی الحکم.

وجه فساد القیاس : أن وجوب الاحتیاط فی صورة الانقسام لیس لمجرد الملازمة ، بل لأنه تفریق لما تنجز حکمه.

بخلاف ما نحن فیه ، فانه لا معنی للملازمة بین ما تنجز وما لم یتنجز.

فان قلت : بناء علی أن الحجیة الشرعیة بمعنی تنجیز الواقع إذا قامت البینة علی نجاسة شیء فلاقاه شیء آخر ، فان مجرد قیام الحجة علی نجاسة ذلک الشیء یوجب الحکم بوجوب الاجتناب عن ملاقیه.

ولا فرق بین المنجز الشرعی والعقلی ، فانه لا تفاوت بینهما إلا أن الأول بحکم الشارع والثانی بحکم العقل ، وإلا فأثر کل منهما استحقاق العقوبة علی تقدیر المصادفة.

وبعد تنجز الحکم فی الملاقی - بالفتح - علی تقدیر ثبوته فیه واقعا یجب الاجتناب عن ملاقیه أیضا ، وإن لم یکن علیه منجز عقلی ، کما فی ملاقی ما قام علیه المنجز الشرعی ، فانه لا منجز شرعی علی الملاقی ، ومع ذلک یجب الاجتناب عنه بتبع تنجز الحکم فی ملاقاه.

قلت : أولا إن دلیل المنجز الشرعی کما یدل بالمطابقة علی تنجز وجوب الاجتناب عن ما قامت البینة علی نجاسته ، کذلک یدل بالالتزام علی وجوب الاجتناب عن ملاقیه ، ولیس هذه الدلالة فی طرف المنجز العقلی الذی هو بحکم العقل.

وثانیا : إذا کان احتمال التکلیف المقرون باحتمال آخر هو المنجز للتکلیف المحتمل عقلا ، صح قیاس المنجز العقلی بالمنجز الشرعی.

وأما إذا کان المنجز هو العلم ، وکان احتمال التکلیف المنجز بالعلم هو المقتضی لوجوب الموافقة القطعیة ، فلا مجال للقیاس ، فان ملاقی ما قامت علیه

ص: 283

البینة ملاق لما تنجز حکمه بالمنجز الشرعی قطعا.

بخلاف ما نحن فیه ، فان المنجز هو العلم والمعلوم هو المنجز ، ولا ملاقی للمعلوم لا إجمالا ولا تفصیلا بل احتمالا فقط.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین عدم صلاحیة العلم الاجمالی - فی هذه الصورة - لوجوب الاجتناب عقلا عن الملاقی.

ومع عدم المقتضی عقلا لوجوب الاجتناب لا وجه للاستناد إلی المانع ، کما هو ظاهر الشیخ الأعظم (قدس سره) فی رسالة البراءة (1) وفی کتاب الطهارة (2) ، حیث استند فی عدم وجوب الاجتناب عقلا عن الملاقی إلی سلامة أصالة الطهارة فیه عن المعارض.

فان انحلال العلم بجریان الأصل الغیر المعارض ، إنما یحتاج إلیه إذا کان مع عدم الانحلال مقتضیا لوجوب الاجتناب.

ولیس باب العلم الاجمالی باب ترتیب آثار الطاهر والنجس - بما هما طاهر ونجس - لیتوهم الحاجة فیه إلی إجراء الأصل ، بل بابه باب تأثیر العلم فی وجوب الاجتناب عقلا ، وعدمه. فافهم جیدا.

85 - قوله ( قده ) : وأخری یجب الاجتناب عما لاقاه دونه (3) ... الخ.

ذکر (قدس سره) فی هذه الصورة الثانیة مثالین لوجوب الاجتناب عن الملاقی - بالکسر - دون الملاقی - بالفتح - بعکس الصورة المتقدمة.

أحدهما : ما إذا علم إجمالا بنجاسة هذا الإناء أو الإناء الآخر ، ثم علم بملاقاة ذلک الاناء الآخر لاناء ثالث من قبل ، مع علمه إجمالا بنجاسة ذلک

ص: 284


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 86.
2- 2. کتاب الطهارة للشیخ الأنصاری قده / 42.
3- 3. کفایة الأصول / 363.

الثالث أو طرف الملاقی - بالکسر -.

فحیث إن العلم الاول أثّر أثره ، فلا یبقی مجال للعلم الثانی فی تنجیز نجاسة الثالث وهو الملاقی - بالفتح -.

وحیث إنه علم بملاقاة ذلک الاناء الآخر للثالث دخل فی أفراد الملاقی - بالکسر - المبحوث عن وجوب اجتنابه وعدمه.

ومنه یعلم أن الملاقی ، وإن کان طرفا للعلم بالنجاسة من الأول ، لکنه لا بعنوان الملاقی ، وبعد العلم بملاقاته سابقا یحتمل نجاسته من قبل ملاقاته ، ومثله داخل فی محل البحث ، لا ما إذا احتمل نجاسته لوجه آخر ، فانه أجنبی عن مسالة الملاقی.

وکون نجاسة الملاقی فرعا لنجاسة ملاقاه لا یقتضی أصالة ملاقاه فی التنجز.

کما لم یقتض فرعیة الملاقی لتنجز ملاقاه فی الصورة السابقة ، فان باب الملازمة بین النجاسة فی الأصل والفرع غیر باب الأصالة ، والفرعیة فی التنجز والوجوب العقلی.

ثانیهما : ما إذا کانت الملاقاة قبل العلم الاجمالی وخرج الملاقی - بالفتح - عن مورد الابتلاء حال حدوث العلم أو قبله ، فان طرف العلم المؤثر منحصر فی الملاقی - بالکسر - وطرف الملاقی - بالفتح - ، فیؤثر العلم الاجمالی بالاضافة إلی التکلیف المعلوم بینهما.

ودخول الملاقی - بالفتح - بعد ذلک فی مورد الابتلاء ، وان کان یوجب حصول شرط التنجز من حیث الابتلاء ، لکنه لم یبق تکلیف علی أی تقدیر غیر منجز کی یتنجز بهذا العلم.

وربما : یتوهم أن الملاقی - بالکسر - لیس طرفا للشبهة ، بل طرفا الشبهة هما الملاقی - بالفتح - وما هو فی عرضه.

ص: 285

غایة الأمر أنه لم یکن العلم منجزا للخروج عن مورد الابتلاء ، وبعد دخول الملاقی - بالفتح - یؤثر العلم بالتکلیف أثره.

وکان منشأ التوهم ؛ أن البول المعلوم أو الخمر المعلوم أو ما أشبه ذلک مردد بین الإناءین ، ولیس الملاقی طرفا لهذا العلم.

ویندفع : بأن الغرض من الطرفیة لیس انطباق عنوان البول أو الخمر أو جامع آخر علی کل من الطرفین ، بل مجرد الطرفیة للتکلیف الصالح للتنجّز.

ومن البیّن حصول العلم الوجدانی بأن هذا نجس أو ذاک متنجس ، فیجب الاجتناب علی أی تقدیر شرعا ، فیتنجز بالعلم به عقلا.

وربما یقال (1) : بأن العلم حیث إنه طریقی لم یؤخذ علی وجه الصفتیة ، فالعبرة حینئذ بسبق المعلوم ، وإن کان العلم به متاخرا فی الوجود ، وحیث إن الملاقی - بالفتح - سابق بالرتبة علی الملاقی - بالکسر - فهو یتنجّز قبل تنجّز الملاقی - بالکسر - بسبب العلم الثانی وإن کان متأخرا.

ویندفع : بأن الطریقیة لا یقتضی إلا أن المعلوم السابق إذا کان له أثر یترتب علیه فعلا ، لترتبه علی وجوده لا علی العلم به ، فاذا لاقاه شیء قبل العلم به یترتب علیه فعلا أثر ملاقاة النجس ، ولا مجال لتوهم لزوم الملاقاة بعد العلم بالنجس.

وأما عدم تأثیر العلم الاجمالی الأول فلا معنی له ، لأن مجرد وجود شیء واقعا سابق فی الرتبة لا یعقل أن یکون بوجوده مانعا عن تأثیر العلم الوجدانی ، ووجوده العلمی المتأخر یستحیل أن یمنع فعلا عن تأثیر العلم الاجمالی ؛ لأن المعدوم حال وجود المقتضی وترقب تاثیره لا یعقل أن یکون مانعا عن تأثیره.

ومانعیته عن تأثیر العلم الأول بقاء توجب الدور ؛ لأن مانعیته فرع کونه

ص: 286


1- 1. القائل هو المحقق النائینی قده ، أجود التقریرات 2 / 263.

علما بحکم فعلی علی أی تقدیر ، وغیر منجز بمنجز سابق ، وکونه کذلک فرع سقوط العلم الأول عن التأثیر بقاء ، فافهم جیدا.

وربما یتوهم أن مقتضی عدم منجزیة العلم للملاقی - بالفتح - بعد دخوله فی مورد الابتلاء جریان أصالة الطهارة فیه ، لسلامتها عن المعارض علی الفرض ، لتساقط الأصلین فی طرفی العلم الاجمالی الأوّلی ، ومقتضی جریان أصالة الطهارة فی الملاقی - بالفتح - التعبد بطهارة ملاقیه ، وإلا لزم انفکاک المسبب عن سببه ، ومقتضی طهارة الملاقی - بالکسر - وعدم جریان حکم المقدمة العلمیة علیه عدم جریان أصالة الطهارة فی الملاقی - بالفتح - ، لدوران النجس المعلوم إجمالا بینه وبین ما هو فی عرضه ، فیتساقط الأصلان فیهما.

فلازم طرفیة الملاقی - بالکسر - للعلم الاجمالی هذا المحذور المحال ، بخلاف ما إذا انحصر الطرف فی الملاقی - بالفتح - وما هو فی عرضه ، فانه قبل تمامیة شرائط التنجز لا یجب الاجتناب عن شیء منهما ، وبعد التمامیة یجب.

ویندفع : بأنا نلتزم بانفکاک المسبب عن سببه بلحاظ بعض الآثار ، لمکان الموجب له ، فان التعبد بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقی - بالکسر - إنما یصح بتبع التعبد بعدمه فی الملاقی - بالفتح - إذا لم یکن هناک مانع عقلی أو شرعی.

توضیحه : أن شرائط تنجز التکلیف بین الملاقی - بالکسر - وطرفه ، مع خروج الملاقی - بالفتح - عن مورد الابتلاء ، کانت تامة ، من حیث وجود العلم وانحصار التکلیف الفعلی وعدم أصل حاکم علی الأصل فی الملاقی - بالکسر - ، لأن الخروج عن مورد الابتلاء ، کما یمنع عن فعلیة التکلیف بالاجتناب عن الخارج ، کذلک عن جریان الأصل العملی المطلوب منه ترتیب أثر عملی علیه.

وبعد دخوله فی محل الابتلاء یجری فیه الأصل الذی لا معارض له ؛ لسقوطه سابقا بالمعارضة مع الأصل فی الملاقی بالکسر ، ولم یوجد موضوع جدید لیکون له تعبد جدید.

ص: 287

ومقتضی التعبد بطهارة الملاقی - بالفتح - بعد تنجز التکلیف فی الملاقی - بالکسر - وطرفه لیس إلا ترتیب أثر الطاهر بما هو طاهر علی الملاقی - بالکسر - لا رفع وجوب الاجتناب العقلی التابع للعلم الاجمالی الذی لا مانع منه عند تأثیره ، فیجب الاجتناب عقلا عن الملاقی - بالکسر - وعن طرفه ، وإن کان لایعامل معه معاملة النجس من حیث ملاقاة شیء معه ، فضلا عن طرفه ، فان خروج الملاقی - بالکسر - عن وجوب الاجتناب لا یمنع بقاء احتمال التکلیف المنجز فی الآخر علی حاله ، فتدبر جیدا ، فانه حقیق به.

86 - قوله ( قده ) : وثالثة یجب الاجتناب عنهما فیما لو حصل (1) ... الخ.

وعن بعض الأجلة (قدس سره) (2) تسلیم طرفیة الملاقی بالکسر للعلم الاجمالی - فی الصورة الثانیة المتقدمة - بناء علی تعمیم تنجیز العلم لما إذا تعلق بخطاب مفصل أو بخطاب مردد ، لتردده بین وجوب الاجتناب عن النجس أو المتنجس هناک ، دون هذه الصورة ، حیث لا علم بخطاب مردد ، بل یعلم بخطاب مفصل ، وهو وجوب الاجتناب عن النجس بین الإناءین ، ویحتمل خطابا آخر فی الملاقی - بالکسر -.

وفیه : أن تنجیز العلم الاجمالی لا یدور أمره بین الأمرین ، من حیث تعلقه إما بخطاب مفصل أو بخطاب مردد ، لیتوهم أنه لم یتعلق بالمردد ، فمتعلقه مفصل ، والملاقی محتمل ، بل من أنحاء تعلقه أن یتعلق بتکلیف فی طرف ، وتکلیفین فی طرف آخر متوافقین أو متخالفین ، کما إذا علم بنجاسة هذا الاناء أو بنجاسة ذاک الاناء وغصبیة الثالث ، فانه لا ریب فی تنجیز التکلیف الواقعی بالعلم ، ولیس

ص: 288


1- 1. کفایة الأصول / 363.
2- 2. وهو المحقق الآشتیانی قده. بحر الفوائد 2 /2. 110.

أحد التکلیفین بالإضافة إلی الآخر قدرا متیقنا حتی یتوهم انحلاله إلی خطاب مفصل معلوم وخطاب آخر مشکوک.

نعم ما أفاده شیخنا العلامة ( رفع الله مقامه ) هنا من وجوب الاجتناب من جمیع الأطراف ، إنما هو بالنظر الی مقتضیات العلم الاجمالی ، حیث إنه تعلق بتکلیف غیر منجز ، فیصلح لأن یتنجز بالعلم ، بخلاف الصورتین السابقتین ، وإلا فالأصل فی الملاقی - بالکسر - لیس فی عرض الأصل فی الملاقی بالفتح ، لیکونا معا معارضین للأصل فی الطرف الآخر ، فیتساقط الجمیع ، بل الأصل فی الملاقی - بالفتح - فی عرض الأصل فی الطرف الآخر فقط ، فیبقی الأصل فی الملاقی - بالکسر - سلیما عن الأصل الحاکم وعن الأصل المعارض ، فینحل العلم بالاضافة إلیه ، فتدبر جیدا.

* * *

التنبیه الرابع

ص: 289

[ العلم الاجمالی بالتکلیف المردد بین الأقل والأکثر ]

87 - قوله ( قده ) : وتوهم انحلاله إلی العلم بوجوب الأقل (1) ... الخ.

توضیح الانحلال علی ما هو المعروف فی تقریبه : أن الأقل معلوم الوجوب علی أی حال ؛ لأنه إما واجب لنفسه واما واجب لغیره وهو الأکثر ، دون الأکثر فانه یحتمل وجوبه لنفسه فقط.

ولا یلزم من وجوب الأقل لغیره المبنی علی وجوب الأکثر لنفسه مع جریان البراءة عن وجوب الأکثر محذور ، لأن البراءة عن الأکثر لیست إلا رافعة لتنجّز الأمر بالأکثر ، لا أنها رافعة لأصل الأمر ، والوجوب المقدمی للأقل لا یتوقف إلا علی وجوب الأکثر واقعا ، لا علی تنجزه.

ومع العلم التفصیلی بوجوب الأقل واقعا لا یعقل إجراء البراءة عنه للقطع بمخالفته للواقع.

ویورد علیه : بان الوجوب المعلوم تفصیلا إذا کان له أثر علی أی تقدیر صح الانحلال بالإضافة إلی المعلوم بالاجمال الذی له الأثر علی ای تقدیر. ومن المعلوم أن وجوب الأقل لغیره لا أثر له ، لما حقق فی محله من أن الوجوب المقدمی لا یترتب علی موافقته ثواب ولا علی مخالفته عقاب.

وأجیب عنه : بأن الواجب المقدمی وإن لم یترتب علی ترکه عقاب من حیث نفسه ، لکنه من حیث إن ترکه سبب لترک ما یترتب علیه العقاب له الأثر.

فالأقل مما یقطع بأنه إما یترتب علی ترکه العقاب ، أو یترتب العقاب علی

العلم الإجمالی بالتکلیف المردد بین الأقل والأکثر

ص: 290


1- 1. کفایة الأصول / 364.

ترک ما هو مسبب عن ترکه.

فکما یصح دعوی الانحلال من حیث الوجوب بکونه معلوما بالتفصیل فی الأقل ، فکذا یصح دعواه من حیث التنجز وترتب العقاب علی ترک الأقل.

وأورد علیه - کما فی المتن - بأن الانحلال من حیث التنجز فی الأقل یستلزم المحال ، لأن ترتب العقاب ولو بالواسطة علی الأقل لا یعقل إلا مع تنجز الأمر بالاکثر ؛ لأن الأمر المقدمی کما یتبع الأمر بذی المقدمة وجودا کذلک فعلیة وتنجزا. فالالتزام بتنجز الأمر بالأقل علی أی تقدیر التزام بتنجز الأمر بالاکثر علی تقدیر ثبوته واقعا ، وهو مع فرض اجراء البراءة عن الأمر بالأکثر وعدم تنجزه خلف محال.

وأیضا مانعیة تنجز الأمر بالأقل عن تنجز الأمر بالأکثر کما هو المراد من الانحلال مستحیلة ؛ لأن وجوده بصفة المانعیة موقوف علی وجود الممنوع ، وما یتوقف وجوده علی شیء یستحیل أن یکون مانعا عنه.

وأیضا تنجز الأقل حیث إنه تابع لتنجز الأکثر ، فتنجزه یستلزم تنجز الأکثر ، وتنجز الأکثر یستلزم بقاء العلم الاجمالی علی حاله وعدم انحلاله ، فیستلزم عدم تنجز الأقل الموجب لانحلال العلم وعدم تنجز الأکثر ، فیلزم من تنجز الأقل بهذه الواسطة عدم تنجز الأقل ، وما یلزم من وجوده عدمه فهو محال.

وإن شئت قلت : یلزم من الانحلال بدعوی تنجز الأقل عدم الانحلال ؛ لأنه مستلزم لتنجز الأکثر ، ولا موجب له الا بقاء العلم الاجمالی علی حاله.

وبالجملة : تارة - نقول : إن فرض تنجز الأقل التابع لتنجز الأکثر فرض المقتضی لعدم الانحلال.

وأخری - نقول : إن فرض تنجز الأقل التابع لتنجز الأکثر المستلزم لبقاء العلم الاجمالی وعدم تنجز الأقل فرض عدم المقتضی للانحلال ؛ إذ المقتضی له تنجز الأقل ، وقد فرض بقاء العلم علی حاله ، وعدم ثبوت المقتضی لانحلاله.

ص: 291

وربما یوجه محذور الانحلال بوجه آخر ، وهو : أن فرض عدم تنجز الأمر بالأکثر باجراء البراءة فیه فرض عدم تنجز الأمر بالأقل من حیث وجوبه الغیری.

فلم یبق إلا احتمال وجوبه النفسی ، وهو غیر منجز ، فیجوز ترک الأقل أیضا.

فالانحلال یستلزم تجویز المخالفة القطعیة وترک الصلاة مثلا رأسا ، وهو باطل جزما. وقد ذکر فی التفصی عن هذه العویصة وجوه :

منها : ما عن بعض (1) الأعلام ، وملخصه : أن المراد بعدم تنجز الأکثر هی المعذوریة من قبل ترک إذا استند إلی ترک خصوص الجزء المشکوک ، فانه الذی یکون به الأکثر مقابلا للأقل ، لا إذا استند ترکه إلی ترک سائر الاجزاء بالاستقلال أو بالانضمام إلی الجزء المشکوک.

ولا منافاة بین المعذوریة وعدم العقاب علی ترک الأکثر بناء علی الأول ، وعدم المعذوریة وثبوت العقاب علی ترکه بناء علی الثانی.

وفیه : أنه بعد نفی العقاب علی ترک الأکثر بترک الجزء المشکوک المقوم للأکثر الموجب لمقابلته مع الأقل بحده ، لا واجب نفسی یترتب العقاب علی ترکه إلا الأقل بحده ، وهو محتمل لا مقطوع به ، ولیس هناک واجب نفسی آخر یکون الأقل مقدمة له ، حتی یکون ترکه سببا لترک ذاک الواجب النفسی المعاقب علی مخالفته ، فلا معنی للمعذوریة من قبل ترک الأکثر من وجه وعدم المعذوریة من قبل ترکه من وجه آخر الا علی الوجه الذی سنحققه ، ولا یبعد رجوع هذا الوجه إلیه فانتظر.

ص: 292


1- 1. هو المحقق الکبیر المیرزا محمد تقی الشیرازی قدس الله نفسه الزکیّة. رسالة أحکام الخلل المنضمة الی تعلیقته علی المکاسب / 174.

ومنها : ما عن بعض السادة الأعلام (قدس سره) وهذه عبارته : احتمال ترتب العقاب علی ترک الأقل ، مع عدم ما یوجب الأمن منه ، کاف فی إلزام العقل بوجوب الاتیان به.

مع أنه علی تقدیر وجوب الأکثر یکون ترک الأقل تجرّیا ومستلزما للعقاب إن قلنا فیه بالعقاب.

وفیه : أن مجرد احتمال وجوب الأقل لنفسه لا یلازم احتمال العقاب حتی یجب دفعه عقلا.

ولیس منشأ حکم العقل بمراعاة هذا الاحتمال إلا اقترانه باحتمال وجوب الأکثر لنفسه ، فیعلم بترتب العقاب علی الواجب النفسی المعلوم فی البین.

وإلا فمع عدم مراعاة احتمال وجوب الأکثر لنفسه ، وتمحض الاحتمال فی وجوب الأقل لنفسه فعلا ، کان حاله حال سائر الواجبات النفسیة المحتملة ، من دون مزیّة لهذا الواجب ، حتی یکون احتماله ملازما لاحتمال العقاب.

ومنه علم حال التجری ، فانه إنما یصح إذا کان علی فرض مصادفته للواقع منجزا له ، حتی یکون ترکه علی فرض مخالفته للواقع تجریا.

ومنها : ما عن بعض أجلة العصر (1) ، وهو قیاس العلم بوجوب الأقل لنفسه أو لغیره ، بقیام الحجة الشرعیة علی الطریقیة المحضة وتنجیز الواقع علی تقدیر المصادفة قائلا : بأن العلم بالتکلیف المتعلق بالأقل لما لم یعلم کونه مقدمیا أو نفسیا یجب عند العقل موافقته ؛ لأنه لو کان نفسیا لم یکن له عذر فی ترکه ، کما فی التکالیف الطریقیة ، حیث إن وجوب امتثالها عند العقل من جهة احتمال مصادفتها للواقع ، وان المکلف علی هذا التقدیر لم یکن معذورا.

ص: 293


1- 1. هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 474.

هذا ، وحاصله ان ملاک الانحلال قیام الحجة الشرعیة أو العقلیة فی بعض الأطراف لاشتراکهما فی العلم باستحقاق العقاب علی تقدیر ، لا علی جمیع التقادیر.

وفیه : أن ضم الوجوب الغیری إلی الوجوب النفسی هنا أجنبی عن العلم باستحقاق العقاب علی تقدیر النفسیة.

بل العلم به علی تقدیر : إن کان لأجل العلم الاجمالی بوجوب الأقل نفسیا أو بوجوب الأکثر نفسیا فدعواه صحیحة ، إلا أنه لا یعقل أن یکون تأثیر العلم فی طرف مانعا عن تأثیره فی طرف آخر ، مع تساوی نسبته إلیهما.

وإن کان لأجل احتمال وجوب الأقل نفسیا فقط ، فدعوی العلم بالعقاب علی تقدیر المصادفة غیر صحیحة ، إذ لا دلیل علی منجزیة الاحتمال.

وهذا هو الفارق بین الاحتمال الناشئ من الحجة الشرعیة القائمة علی بعض الأطراف ، والاحتمال هنا ؛ لأن الطریق الموجب للاحتمال مقطوع الحجیة والمنجزیة علی تقدیر المصادفة ، دون الاحتمال هنا.

وقد عرفت أن ضم احتمال الوجوب الغیری لا یجدی فی العلم بالعقاب علی تقدیر.

ومنه تعرف الفرق بین المقیس والمقیس علیه من وجهین :

أحدهما : من حیث المقتضی ، فان المقتضی للمنجزیة فی الحجة الشرعیة موجود ، وفی الاحتمال هنا غیر موجود ، وضم احتمال الوجوب الغیری لا یوجب منجزیة احتمال الوجوب النفسی.

وثانیهما : من حیث المانع ، فان اختصاص الحجة الشرعیة ببعض الأطراف یمنع عن تاثیر العلم الاجمالی فی کل طرف ، لما مرّ سابقا من أن المنجز لا یتنجز ، فلا بد من تعلق العلم بتکلیف غیر منجّز حتی یتنجّز بالعلم ، بخلاف ما نحن فیه ، فان نسبة العلم الاجمالی ونسبة الاحتمال إلی کل من الطرفین علی

ص: 294

حد سواء.

وقد عرفت أن اختصاص الأقل بالعلم بالأعم من الوجوب النفسی والغیری لا یجدی ، إذ ملاک العقاب احتمال وجوبه النفسی ، لا احتماله واحتمال وجوبه الغیری معا ، فتشکیل العلم وجعله حجّة عقلیّة وقیاسها بالحجّة الشرعیّة علی الطریقیّة بجامع احتمال العقاب علی تقدیر مغالطة واضحة.

والتحقیق فی تقریب الانحلال : أنا لا نقول بوجوب الأقل إما لنفسه أو لغیره حتی یقال : بأن تنجزه علی أی تقدیر فرع تنجز الأکثر ، فیلزم المحاذیر المتقدمة ، بل الاجزاء - کما حقق (1) فی مبحث مقدمة الواجب - وإن کانت مقدمات داخلیة ، لکنها غیر واجبة بوجوب غیری مقدمی ، لما ذکر من المحذور فی محله.

بل هناک وجوب نفسی واحد منبعث عن إرادة نفسیة واحدة منبعثة عن غرض واحد قائم بالاجزاء بالأسر التی عین الکل.

فوزان الوجوب النفسی الواحد القائم بالاجزاء بالأسر وزان الوجود العلمی المتعلق بمعنی تألیفی ترکیبی ، کالدار المؤلفة من عدة معان ، کالسقف والقباب والجدران وغیرها.

وانبساطه علی تلک الأجزاء بالأسر لیس کانبساط البیاض علی الجسم ، بحیث یکون لکل قطعة منه حظ من البیاض بنفسه ، بل کانبساط الوجود الذهنی علی الماهیة الترکیبیة ، فان المجموع ملحوظ بلحاظ واحد ، لا کل جزء

ص: 295


1- 1. أما کونها مقدمات داخلیة فقد تعرض له فی مبحث مقدمة الواجب. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 232.

بلحاظ یخصه.

فنقول : لا ریب فی أن هذا الوجوب النفسی الشخصی المعلوم أصله منبسط علی تسعة أجزاء بتعلق واحد ، وانبساطه بعین ذلک التّعلّق علی الجزء العاشر المشکوک مشکوک.

فهذا الوجوب النفسی الشخصی المعلوم بمقدار العلم بانبساطه یکون فعلیا منجزا ، وبالمقدار الآخر المجهول لا مقتضی لفعلیّته وتنجّزه.

وحیث إن المنبسط علی ذات الأقل هو الوجوب النفسی الذی لموافقته ومخالفته ثواب وعقاب ، فلا یتوقف فعلیّته وتنجّزه علی تکلیف آخر غیر معلوم الحال.

نعم : لا یعلم أن المنبسط علیه بحسب الفعلیة تمام المنبسط علیه واقعا أو بعضه ، ولا یخرج هذا التکلیف النفسی المعلوم عن کونه نفسیا أو عن کونه بالعلم فعلیا ، بعدم العلم بأن المنبسط علیه علما تمام ما هو المنبسط علیه واقعا أم لا.

فان قلت : کون الأقل معلوم الوجوب بالوجوب النفسی المتعلق به علی أی حال إنما هو باعتبار أنه ، إما تمام متعلق الوجوب النفسی وکلّه أو بعضه.

وکونه بعضه لا ینفک عن کون الأکثر کل المتعلق وتمامه ، لا کالوجوب المقدمی التابع لوجوب ذی المقدمة ، إذ لا تعدد لحقیقة الوجوب ، ولا علیّة بین المتضایفین.

فلیست بعضیّة الأقل معلولة لکلیّة الأکثر ، بل لأن البعضیّة والکلیّة متضایفتان والمتضایفان متکافئان فی القوة والفعلیة.

ففعلیة بعضیة الأقل ملازمة لفعلیة کلیة الأکثر.

فکون الأقل متعلقا فعلا للوجوب النفسی یستدعی أن یکون علی تقدیر کلیّته فعلیا وعلی تقدیر بعضیّته فعلیا.

وفعلیة البعضیة علی تقدیر یستدعی فعلیة کلیّة الأکثر علی ذلک التقدیر.

ص: 296

مع أن الفرض فرض عدم فعلیة الوجوب النفسی بالاضافة إلی الأکثر ، فکیف تکون بعضیة الأقل فعلیة.

قلت : بعضیة الأقل واقعا ملازمة لکلیة الأکثر واقعا.

واحتمال بعضیة الأقل - الملازم لاحتمال کلیة الأکثر واقعا - حیث إنه مقرون باحتمال کلیة الأقل واقعا ، فلذا یکون تعلق الوجوب المعلوم أصله بذات الأقل معلوما.

والعلم بالوجوب النفسی المتعلق بهذا المقدار یوجب فعلیته وتنجزه بهذا المقدار.

وأما بعضیة الأقل فعلا فلا ندعیها حتی یلازم فعلیة کلیة الأکثر ، بل ندّعی فعلیة الأمر بذات الأقل للعلم به.

والذی ینتزع عن ذات الأقل فعلا هی کلیة ذات الأقل للامر النفسی بالمقدار المعلوم الذی صار فعلیا ، فذات الأقل حقیقة هی کل ما صار الأمر بالاضافة إلیه فعلیا ، وکل جزء منه هو بعض ما صار الأمر بالنسبة إلیه فعلیا.

وهذا معنی ما ذکرنا : من أن عدم العلم بأن ذات الأقل تمام ما انبسط علیه الأمر أو بعضه واقعا ، لا یخرج الأمر المتعلق به عن النفسیة وعن الفعلیة ، فتدبره فانه حقیق به.

ومنه یتضح اندفاع دعوی (1) : أن المعلوم تفصیلا هو الجامع بین الماهیة اللابشرط القسمی بالاضافة إلی الجزء المشکوک والماهیة بشرط شیء ، وهی مهملة فی قوة الجزئیة ، ولو کان العلم بالجامع کافیا فی الانحلال لزم انحلال العلم الاجمالی بنفسه ، لکونه دائما علما بالجامع بین شیئین.

وجه وضوح الاندفاع : أن الاعتبار اللابشرطی والاعتبار البشرطشیء

ص: 297


1- 1. المدعی هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 / 288.

وان کانا متقابلین ، إلاّ أن تقابل الاعتبارات لا یقتضی تقابل ما له الاعتبار ، ولذا اشتهر أن الماهیة اللابشرط شیء یجتمع مع ألف شرط.

ومن المعلوم أن ذات الماهیة اللابشرط هی الواجبة بالحمل الشائع ، لا بما لها من الاعتبار ، وهذه الذات معلومة الوجوب تفصیلا.

وأما المغالطة من حیث انحلال العلم بنفسه.

فمندفعة ، بأن الجامع فی سائر الموارد قابلة للانطباق علی کل من المحتملین ، فلا یعقل تعین أحدهما بنفس هذا العلم.

بخلاف ما نحن فیه ، فان تشکیل العلم الاجمالی وفرض الاحتمالین والجامع بملاحظة فرض اللابشرطیة فی الأقل.

وقد عرفت انها غیر دخیلة لا فی الوجوب ولا فی النفسیة ، فافهم واستقم.

فان قلت : مقتضی کون الواجب ارتباطیا عدم الفراغ عن عهدة الأقل المعلوم وجوبه إلا باتیان الأکثر ، إذ کما یحتمل أن یکون الأقل مطلوبا وحده ، کذلک یحتمل أن یکون مطلوبا فی ضمن الکل ، وعلی التقدیر الثانی لا یتحقق الواجب إلا باتیان الأکثر حتی یتحقق المطلوب فی ضمن الکل.

قلت : لیس إتیان کل جزء شرطا لوجوب کل جزء ولا قیدا لنفس الجزء ، بل نسبة الأجزاء إلی الوجوب النفسی الواحد المتعلق بها بتعلق واحد علی حدّ واحد ، لا یکون بعضها بالنسبة إلی بعضها الآخر شرطا لطلبه ولا لنفسه ؛ لاستحالة شرطیة الشیء لوجوب نفسه ، وللزوم الخلف من فرض القیدیة. لتمحض البحث فی الجزئیة.

وإنما الارتباطیة بلحاظ تعلق طلب واحد بالاجزاء بالأسر ، لقیام غرض واحد بها.

فمطلوبیة کل جزء بعین الطلب الوحدانی ملازمة لمطلوبیة الجزء الآخر بعین ذلک الطلب الواحد.

ص: 298

وفعلیة مطلوبیة ذات بعض الأجزاء - لمکان العلم بها - لا یستدعی فعلیة ما هو مطلوب واقعا بعین ذلک الطلب ، مع عدم العلم الذی هو ملاک فعلیة البعث وتنجزه.

ولا یجب الفراغ عقلا إلا عن عهدة ما کان الطلب بالاضافة إلیه فعلیا ، لا عن عهدة ما هو مطلوب واقعا.

فان قلت : القطع بانبساط الوجوب علی الأقل لا یجدی فی مقام القطع بالامتثال ؛ إذ کما یقطع بالانبساط مع القطع بوجوب الأکثر ، ویقطع بعدم الامتثال مع الاقتصار علی الأقل ، کذلک یشک فی الامتثال مع الشک فی الانبساط علی الأکثر مع ان القطع بالانبساط علی الأقل موجود فی کلیهما.

قلت : القطع بعدم الامتثال عند الاقتصار علی الأقل فی صورة القطع بالانبساط علی الأکثر لیس من حیث القطع بالانبساط علی الأکثر واقعا حتی یشک فی الامتثال هنا ، لمکان الشک فی الانبساط واقعا.

بل من حیث فعلیة الأمر المنبسط علی الأکثر لمکان العلم بالانبساط.

وعلیه ، فلا شک فی الامتثال إلا بالاضافة إلی الانبساط من حیث الواقع ، ولا یضر ذلک بالامتثال لما یجب امتثاله عقلا وهو الأمر الفعلی.

فما هو فعلی ، وهو المعلوم تعلقه وانبساطه - لا شک فی الخروج عن عهدته ومقتضاه ، وما هو غیر معلوم فلا عهدة له عقلا حتی یجب امتثاله قطعا. فتدبر.

88 - قوله ( قده ) : مع أنّ الغرض الداعی إلی الأمر لا یکاد یحرز (1) ... الخ.

توضیح المقام أن تحصیل الغرض : تارة : یجب عقلا لنفسه من دون نظر إلی الأمر وموافقته أو إسقاطه.

ص: 299


1- 1. کفایة الأصول / 364.

وأخری : یجب عقلا مقدمة لإسقاط الأمر المنبعث عنه ، حیث لا یسقط المعلول إلا بسقوط علته.

وثالثة : یجب شرعا لبّا ، نظرا إلی أن ما یجب لفائدة ففی الحقیقة تلک الفائدة هی المطلوبة أولا وبالأصالة ، ومحصلها مطلوب ثانیا وبالتبع.

ولا یخفی علیک : أن لزوم تحصیل الغرض لنفسه : تارة : یراد به الغرض بما هو غرض أی المصلحة الباعثة الداعیة ، فسبیله سبیل موافقة الأمر بما هو أمر المولی ؛ أو (1) تحصیل مراد المولی بما هو مراده ، فکذا تحصیل غرضه بما هو غرض له داع إلی إرادته وبعثه.

وأخری : تحصیل ذات الغرض أعنی نفس المصلحة اللّزومیة بذاتها.

ولذا لا ریب فی أنه إذا علم بأن ولد المولی غریق ولم یلتفت إلیه المولی حتی یدعوه إلی إرادة انقاذه والبعث نحوه یجب علیه عقلا انقاذه ، لکونه ذا مصلحة لزومیة ، بحیث لو التفت إلیها المولی لانقدح فی نفسه الداعی إلی البعث إلیه.

والجواب عنه : أما علی الوجه الأول بقسمیه ، فبأن تحصیل الغرض إنما یجب إذا انکشف بحجة شرعیة أو عقلیة ، لا الغرض الواقعی الذی لا حجة علیه عقلا ولا شرعا ، فانه کالامر الواقعی والارادة الواقعیة التی لا حجة علیهما ، فانه لیس من زی الرقیة وعدم الخروج عن رسم العبودیة تحصیل أغراض مولاه الواقعیة التی لا حجة علیها.

وأیضا الأمر بشیء یصلح للکشف عن سنخ غرض یفی به المأمور به ، ولا یصلح للکشف عن سنخ غرض لا یفی به ، إذ المفروض العلم بالغرض من طریق العلم بمعلوله ، والعلة والمعلول متوافقان سعة وضیقا.

ص: 300


1- 1. فی الأصل أو تحصیل لکن الصحیح إذ تحصیل.

وعلی هذا ، فان لم نقل بانحلال العلم الاجمالی بالأمر ، فالعلم حجة علی الأمر المردد ، والأمر المردد حجة علی الغرض المردد فیجب تحصیله.

وأما إذا قلنا بالانحلال ، فلا حجة علی الأمر المردد ، بل علی الأمر بذات الأقل فقط.

فالغرض الواقعی إن کان مما یفی به الأقل فقد تمت علیه الحجة.

وإن کان مما لا یفی به إلا الأکثر فلا حجة علیه ، فلا یجب تحصیله.

فهذا البرهان یتوقف علی تمامیة البرهان الأول علی استحالة الانحلال ، وإلا فلا (1) ، مع أن المفروض أنه برهان آخر ، ولو لم یتم الأول.

وأما علی الوجه الثانی : فبأن الغرض القائم بشیء یستحیل أن ینبعث عنه الشوق إلا إلی ذلک الشیء دون غیره ، سواء کان مباینا أو أعم أو اخص.

والشوق إلی فعل یستحیل أن یحرک العضلات إلا إلی المشتاق إلیه فی الارادة التکوینیة ، ویستحیل أن ینبعث منه بعث إلا إلی المشتاق إلیه فی الارادة التشریعیة.

وحیث إن الأمر الواقعی لم یکن فعلیا إلا بالنسبة إلی ذات الأقل ، فیکشف بمقتضی العلیة والمعلولیة عن فعلیة الغرض بمقدار فعلیة الأمر.

ولو کان الغرض الواقعی قائما بالأکثر وکان فعلیا للزم علی المولی جعل الاحتیاط بجعل احتمال الأکثر منجزا ، وإلا لکان ناقضا لغرضه.

ولا ینافی ذلک وحدة الغرض وبساطته ؛ لما فهمنا من الشرع أنه یمکن أن یکون ذا مراتب ، بحیث یصیر فعلیا بمرتبة دون مرتبة أخری ، کما فیما إذا

ص: 301


1- 1. لا یخفی ما فی العبارة من الخلل لأن قوله وإلا فلا إنما یذکر بعد القضیة الشرطیة فیقال إذا صح المطلب الفلانی صح هذا أیضا وإلا فلا فکان علیه قده أن یقول فان تمّ الاول تمّ هذا أیضا وإلا فلا.

نسی بعض الأجزاء ، فانه تصح الصلاة ولا تجب الاعادة.

ولا یعقل ذلک إلا إذا کان لما عدا المنسی غرض فعلی بسببه تعلق به أمر فعلی ، لاستحالة المعلول بلا علة.

کما أن مقتضی عدم ایجاب الاعادة عدم فعلیة الغرض القائم بالمجموع.

وبالجملة بعد إمکان کون الغرض ذا مراتب غیر منافیة لوحدة الغرض وبساطته یکون الأمر الفعلی - من باب الکشف الإنّی - حجة علی غرض فعلی فی متعلقه ، فلا محالة یسقط بسقوطه.

ومنه تبین صحة الانحلال من حیث الوجوب ، ومن حیث الفعلیة والتنجز ، ومن حیث الغرض.

وأما ما عن (1) بعض أجلة العصر فی مقام الجواب عن هذا الوجه من أنه لا یعقل بقاء الأمر مع اتیان متعلقه ، لأنه یرجع إلی طلب الحاصل ، ففیه المحذور من وجهین :

أحدهما : أن الأمر علی تقدیر بقائه لا یقتضی إیجاد الموجود حتی یکون من باب طلب الحاصل ، بل مقتضاه إیجاد الطبیعة.

غایة الأمر حیث علم أن مقتضاه إیجاد الطبیعة مرة واحدة ، کان بقاؤه علی حاله بعد الجری علی وفق مقتضاه خلفا ، فان بقاءه مقتض لایجاد الطبیعة مرة أخری ، وهو خلف.

ثانیهما : أن استحالة شیء لا تسوغ وقوع محال آخر ، وهو انفکاک المعلول عن علته ، فان مقتضی بقاء الأمر هو الخلف المحال ، ومقتضی القطع بسقوطه مع الشک فی سقوط الغرض الباعث علیه انفکاک المعلول عن علته ، فلا بد من إصلاح أمر الغرض بحیث لا یرد هذا المحذور ، ولا یندفع إلا بما ذکرنا.

ص: 302


1- 1. هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 475.

وأما علی الوجه الثالث : فبأن الأحکام الشرعیة تارة : تکون مستندة إلی أحکام عقلیة ، وأخری : لا تکون مستندة إلیها.

فالأولی : حیث إنها بعین الملاک الذی یستقل العقل بحسنه ، فحالها حال الحکم العقلی.

وقد بیّنا مرارا (1) أن الحیثیات التعلیلیة فی الأحکام العقلیة حیثیات تقییدیة لها ، وأن الأغراض فی الأحکام العقلیة عناوین لموضوعاتها. فالضرب مثلا بما هو تأدیب حسن ، لا أنه حسن للأدب المرتب علیه ، وأنه الباعث علی استقلال العقل بحسنه ، بل التأدیب بعنوانه المندرج تحت عنوان الاحسان حسن ، سواء انطبق علی الضرب أو علی غیره.

وبالجملة : فمثل هذا الحکم الشرعی حیث إنه بملاک الحسن العقلی ، فلا محالة حاله حاله فی تحصیل الفعل بما هو معنون بالعنوان الحسن.

والثانیة : حیث إنها بملاک مولوی فی نظر الشارع ، وقد مرّ (2) وسیأتی - إن شاء الله تعالی - أن الملاکات المولویة الشرعیة لا یجب أن تکون عین الملاکات الموجبة لاتّصاف الأفعال بالتحسین والتقبیح العقلائیین ، فلا محالة تکون الأغراض متمحضة فی کونها حیثیات تعلیلیة ، ولا موجب لکونها حیثیات تقییدیة ، إذ لا یتصف الفعل بأنه واجب شرعی إلا إذا وقع فی حیز البعث والتحریک ، ولا موقع للاتصاف به واقعا وظاهرا إلا من حیث تعلق البعث به ، والمفروض تعلق البعث بنفس الفعل.

وکذا حال الارادة التشریعیة ، فان البعث منبعث عنها ، فلا یتسبب المولی

ص: 303


1- 1. منها فی مبحث مقدمة الواجب. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 288 و 290.
2- 2. فی مبحث حجیة الظن. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 2. وفی مبحث البراءة ، التعلیقة 30.

إلی إیجاد فعل إلا إذا کان مرادا من المکلف ، فلیس الغرض مرادا ولا واجبا شرعا لا بالذات ولا بالعرض.

89 - قوله ( قده ) : بناء علی ما ذهب إلیه المشهور من العدلیة من تبعیة الاوامر (1) ... الخ.

وعن بعض (2) أجلة العصر : لیس هذا الکلام مبنیا علی قواعد العدلیة القائلین بوجود المصلحة والمفسدة ؛ لوضوح أن لکل آمر غرضا فی إتیان المأمور به وإن کان جزافا ، ویلزم علی العبد إتیان المأمور به علی نحو یحصل غرض المولی. انتهی.

أقول : مبنی الأشاعرة علی نفی الغایات الذاتیة والعرضیة فی أفعاله تعالی ، نظرا إلی إمکان الارادة الجزافیة ، تمسکا منهم ببعض الأمثلة الجزئیة المذکورة فی الکتب الکلامیة بل الأصولیة أیضا.

غایة الأمر : أن غایة فعله تعالی - علی القول بها حیث إنه تعالی حکیم - هی المصالح والمفاسد.

فالأشاعرة یدعون أن الارادة علة للفعل ومخصصة له ، فلا یلزم الترجح بلا مرجح ، إلا أن الارادة الجزافیة - أی بلا جهة أخری موجبة لها - ممکنة ، لا أن الارادة بغرض غیر عقلائی أو غیر المصلحة محل الکلام.

ومنه تعرف أن الغرض لا یوصف بالجزاف بل بکونه غیر عقلائی ، بل الموصوف به هی الارادة أی الارادة بلا جهة موجبة لها.

وأما تحقیق امتناع الارادة الجزافیة ، وحصر الجهة الموجبة لها من الشارع فی المصالح والمفاسد ، وامتناع الارادة بلا فائدة فی المراد ، وامتناع التکلیف

ص: 304


1- 1. کفایة الأصول / 364.
2- 2. هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 475.

الحقیقی بالاضافة [ إلی ](1) ما لا غرض فیه ، فیحتاج إلی بسط فی الکلام ربما لا یناسب المقام.

ومجمله : أن الفعل وإن تخصص بالارادة وکان معلولا لها ، فلا یلزم الترجح بلا مرجح فی الفعل ، إلا أن تخصص إرادة هذا الفعل دون إرادة الفعل الآخر المساوی له بالوقوع یحتاج إلی جهة مخصصة ، وإلا لزم التخصص بلا مخصص المساوق للمعلول بلا علة فی نفس الإرادة.

کما أن نسبة الفاعل وفاعلیته إلی کل من الارادتین - بناء علی أنها من أفعاله لا من کیفیاته - علی السویة.

فاختصاص فاعلیته باحداهما دون الأخری بلا مخصص ، فإما بارادة أخری وهکذا فیتسلسل ، أو بهذه الإرادة فیدور.

وحیث إن الارادة لا بد لها من جهة موجبة فهی منحصرة بالاضافة إلیه تعالی بما هو حکیم فی المصالح والمفاسد ، فمن حیث عدم الجهة المرجحة یستحیل تحقق الارادة ، ومن حیث عدم موافقة الجهة للحکمة تکون قبیحة ، فیستحیل صدورها منه تعالی بالتبع.

ومنه تعرف مورد الاستحالة ومورد القبح.

وحیث إنه تعالی غنی بالذات وتامّ وفوق التمام ، فلا محالة یستحیل عود المصالح والفوائد إلیه تعالی ، بل إلی عبیده.

وأما انبعاث الارادة التشریعیة عن غرض فی المراد ، وانبعاث التکلیف الحقیقی عن غرض فی المکلف به ، فقد تعرضنا لهما مفصلا فی مبحث دلیل الانسداد (2) فراجع.

ص: 305


1- 1. أثبتناها لضرورة السیاق.
2- 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 145 حیث قال قده : فنقول أما الارادة التشریعیة ، وهو الشوق الاکید المتعلق بفعل الغیر الخ.

90 - قوله ( قده ) : لا یجدی من ذهب إلی ما علیه المشهور من العدلیة (1) ... الخ.

ولا یخفی علیک أن النزاع من حیث دوران الأمر بین الأقل والأکثر ، وإن کان لا یتفاوت فیه العدلی والأشعری ، لکنه من حیث حصول المصلحة التی هی إما عنوان للواجب أو غرض منه ، یتفاوت فیه العدلی والأشعری ، فمثل الشیخ الأعظم (رحمه الله) المجیب (2) بهذا الجواب لا یتمکن من اختیار البراءة ، مع کونه علی ما علیه المشهور من العدلیة ، وإن کان لغیره ذلک.

وتوهم : أنه علی فرض کون الصلاة مقدمة لواجب عقلی ، ننقل الکلام إلیه ، قإذا کان عنوانه مبینا تفصیلا وجب الاحتیاط فیه ، وإذا کان دائرا بین المتباینین وجب فیه الاحتیاط ، وإن کان دائرا بین الأقل والأکثر کان حاله حال ما نحن فیه.

مدفوع : بأن العنوان أو الغرض أمر بسیط لا یدور أمره بین المتباینین أو الأقل والأکثر ، بل یدور أمر محصله بین المتباینین أو الأقل والأکثر ، والشک فی المحصل مورد الاحتیاط مطلقا.

والعجب أنّه جعل هذا المعنی تفسیرا لجواب الشیخ الأعظم (قدس سره) مع أن صریح کلامه (رحمه الله) نفی الاحتیاط علی مسلک الأشاعرة وبعض العدلیة ، لا نفیه مطلقا حتی علی مسلک المشهور من العدلیة.

91 - قوله ( قده ) : لاحتمال أن یکون الداعی إلی الأمر (3) ... الخ.

ومرجعه أیضا إلی الشک فی حصول الغرض الباعث علی الأمر.

وفیه : أن الأمر علی هذا المبنی حیث إنه معلول عن غرض فی نفسه ،

ص: 306


1- 1. کفایة الأصول / 365.
2- 2. فرائد الأصول المحشی 2 / 116.
3- 3. کفایة الأصول / 365.

فالحجة علی الغرض فی نفس الأمر تامة.

إلا أنه من هذه الحیثیة مفروض الحصول ؛ لأنه قائم بنفس الأمر ، ولا حجة علی غرضیة هذا الغرض من الواجب حتی یجب تحصیله ، فما تمت علیه الحجة مفروض الحصول ، وما یمکن تحصیله غیر لازم التحصیل ؛ لعدم الحجة علیه علی الفرض.

مضافا إلی أن اتحاد الغرض من التکلیف ومن المکلف به معقول علی وجه وغیر معقول علی وجه آخر.

فان أرید : أن مصلحة المکلف به کافیة فی صحة التکلیف من دون حاجة إلی مصلحة فی نفس التکلیف فهو معقول ، إلا أنه خلاف هذا المبنی.

وإن أرید : أن المصلحة القائمة بالأمر قائمة بالمأمور به فهو غیر معقول ؛ إذ یستحیل أن یکون عین ما یقوم بفعل المولی قائما بفعل العبد.

نعم قیام فرد آخر من سنخ ذلک الغرض بفعل العبد معقول ، إلا أنه مشکوک من أصله ، لا أن غرضیته من الواجب فقط مشکوکة کما فی الایراد الأول ، ولعله (قدس سره) أشار إلی بعض ما ذکرنا بقوله (رحمه الله) : فافهم.

92 - قوله ( قده ) : کیف ولا اشکال فی امکان الاحتیاط (1) ... الخ.

توضیحه : أنه لا شبهة فی إمکان الاحتیاط هنا وفی المتباینین ، إذ الکلام بین الأعلام فی لزومه لا فی إمکانه ، ولا شبهة أیضا فی أن قصد الوجه تفصیلا غیر ممکن ، لا هنا ولا فی المتباینین ، فیدل علی حصول اللطف والمصلحة بالاحتیاط بفعل الأکثر هنا ، وبفعل المتباینین هناک ، وإلا کان معناه عدم إمکان الاحتیاط حقیقة فی العبادة.

وعلیه فیجب الاحتیاط تحصیلا للغرض ، ولا یکفی مجرد التخلص عن

ص: 307


1- 1. کفایة الأصول / 365.

عقاب مخالفة الأمر ؛ فان کفایته کانت مبنیّة علی عدم حصول اللطف والمصلحة بالاحتیاط الفاقد لقصد الوجه تفصیلا.

ویندفع : بأن عدم التمکن من قصد الوجه تفصیلا کما یجتمع مع عدم دخله فی الغرض ، کذلک یجتمع مع عدم لزومه ، فلا یکشف عن عدم دخله.

وأما التسالم علی إمکان الاحتیاط : فان أرید إمکان الاحتیاط بمعنی موافقة المأمور به الواقعی فهو مسلم ، لکنه لا یجدی الخصم.

وإن أرید إمکانه بمعنی إتیان الفعل علی وجه یترتب علیه المصلحة فهو محل الکلام ، من حیث دخل قصد الوجه فی الغرض وعدمه.

وقد مرّ أن عدم التمکن من قصد الوجه تفصیلا یجامع عدم دخله وعدم لزومه.

ولا منافاة بین عدم إمکان الاحتیاط بمعنی یترتب علیه الغرض ، وإمکانه بمعنی موافقة الأمر ، بحیث یتخلص عن عقوبة مخالفة الأمر.

ففی المتباینین لا یمکن التخلص عن عقاب مخالفة الأمر المعلوم إلا بإتیانهما معا. وفی الأقل والأکثر - بناء علی عدم الانحلال - کذلک.

وأما بناء علی الانحلال فلا عقاب إلا علی المخالفة للأمر المعلوم تعلقه بالأقل فقط ، فلا موجب للاحتیاط بفعل الأکثر ، لا من حیث تحصیل الغرض لعدم إمکانه ، ولا من حیث التخلص عن عقاب المخالفة ، لأنه یتحقق بفعل الأقل.

93 - قوله ( قده ) : مع وضوح بطلان احتمال اعتبار قصد الوجه کذلک (1) ... الخ.

أی بنحو یعرف وجه أجزاء المأتی به تفصیلا ، ولم یبین (قدس سره) وجه

ص: 308


1- 1. کفایة الأصول / 365.

وضوح البطلان ، بل أفاد (قدس سره) أن المراد من الوجه هو الوجه النفسی ، دون الوجه الغیری من الوجوب الغیری أو الوجوب العرضی أو عنوان الجزئیة.

وتوضیحه - ما مرّ منّا (1) - فی مباحث القطع : أن المراد بالوجه الشرعی ما یحاذی الوجه العقلی ، لما مر من تنزه ساحة الشارع من الأغراض النفسانیة والاقتراحات الغیر العقلائیة ، فلا یوجب إلا ما هو حسن واقعا عقلا ، ولا یحرّم إلا ما هو قبیح واقعا عقلا.

ومن الواضح أن الفعل بلحاظ قیام المصلحة المحسنة له موجه بوجه واحد حسن ، لا أن کل جزء له مصلحة خاصة به.

فلیس لکل جزء وجه حسن ، وإلا لکان هناک واجبات نفسیة ، حیث إنها فی الواقع واجبات عقلیة.

ومن البین أیضا أن الفعل المعنون بعنوان حسن لا یصدر موصوفا بالحسن ، وممدوحا علی فاعله ، إلا إذا صدر بعنوانه بالاختیار.

فاذا علم عنوانه وجب قصده ، وإلا وجب قصد وجهه النفسی الشرعی ، حتی یکون قصدا إجمالیا لوجهه الحسن العقلی الواقعی ، حتی یصدر منه حسنا وممدوحا علیه.

وأما دعوی أن جزء العبادة عبادة ، وکل عبادة یعتبر فیها قصد الوجه ، إذ لا فرق بین عبادة وعبادة ، فهو قیاس مغالطی.

لأنه : إن أرید من العبادة ما یکون حسنا بذاته ، وهو المراد من العبادة الذاتیة ، فالصغری غیر صادقة ؛ إذ لا یجب أن یکون جزء ما هو معنون بعنوان حسن حسنا بنفسه ، بل هو مقوم للمعنون بعنوان حسن ، فانه مقتضی الجزئیة.

وإن أرید من العبادة ما لا یحصل الغرض منه إلاّ إذا اتی به بداع قربی ،

ص: 309


1- 1. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 48.

فالکبری غیر صادقة ، إذ لیس الوجه فی اعتبار قصد الوجه عقلا إلا ما سمعت ، من أنه لقصد العنوان الحسن الواقعی إجمالا ، فلا یجب قصد الوجه فی کل عبادة بهذا المعنی ، بل فی کل عبادة بالمعنی الأول.

94 - قوله ( قده ) : واتیان الواجب مقترنا بوجهه غایة ووصفا (1) ... الخ.

أمّا بنحو الداعی ، فیدعوه الأمر الوجوبی بما هو وجوبی إلی الواجب الواقعی ، فیاتی بالأکثر أو بالمتباینین معا تحصیلا للواجب الواقعی.

وأمّا بنحو التوصیف ، فلیس المراد إتیان الموصوف بأنه واجب کما هو ظاهر العبارة ، لما حقق فی محله من أن عنوان الواجب لیس - کعنوان التأدیب أو التعظیم - من عناوین المأتی به فی الخارج ، لوضوح أن العنوان لا ینتزع إلا بلحاظ قیام مبدئه بذات المعنون. والوجوب الحقیقی لا قیام له بالفعل الخارجی ، للبراهین المسطورة فی مبحث (2) اجتماع الأمر والنهی.

بل المبدأ یقوم بطبیعی الصلاة الملحوظة فانیة فی مطابقها ، فطبیعی الصلاة بعد تعلق الوجوب به هو الموصوف بأنه واجب.

وأما المأتی به فی الخارج فهو مطابق ذات الواجب ، لا معروض الوجوب ومعنون عنوان الواجب.

فالمراد بقصد الوجه توصیفا أن یتصور طبیعی الصلاة الموصوف بأنه واجب ، فیقصده ویریده بما هو کذلک.

فغرضه (قدس سره) اقتران المأتی به بوجه الوجوب قصدا لا خارجا. ضرورة أن متعلق القصد والارادة هی الطبیعة المقومة للارادة فی أفق النفس ، لا

ص: 310


1- 1. کفایة الأصول / 365.
2- 2. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 167 ، 168.

الصلاة الخارجیة ؛ لاستحالة تقوم القصد والارادة بالخارج عن أفق النفس.

95 - قوله ( قده ) : لا سیما اذا دار الزائد بین کونه جزءا لماهیته وجزءا لفرده (1) ... الخ.

مقتضی دعوی انطباق الواجب علی المأتی به بتمامه وکماله ، لصدق الطبیعی علی الفرد بمشخصاته ، إمکان قصد الوجه تفصیلا.

وتحقیق المقام : أن صدق الطبیعی علی الفرد بمشخصاته لیس بمعنی صدق الانسان علی زید بعوارضه من کمه وکیفه ووضعه وأشباه ذلک ، بداهة أن فردیة شیء لمقولة لیس مناطا لفردیة شیء آخر لمقولة أخری ، فان المقولات متباینات بالذات ، ووجود کل مقولة کون تلک المقولة لا غیرها ، لاستحالة أن تکون هویة واحدة هویة مقولتین بالذات ، وإلا لزم الخلف.

مضافا إلی أن الانسان ینتزع من زید وعمرو وبکر ، مع تخالفها فی العوارض ، ولا ینتزع معنی واحد عن مطابقات متخالفة بما هی متخالفة ، وإلا لزم وحدة الکثیر ، فلا محالة ینتزع منها بجهة توافقها ، وهی کونها ذات نفس وبدن.

بل المراد من صدق الطبیعی علی فرده أن هویة زید مثلا ، بما هو فرد لطبیعة الانسان ، لیست إلاّ وجود حصة من هذه الطبیعة ، کما أن هویة عمرو وجود حصة أخری من هذه الطبیعة.

فوجود زید وجود بالذات لحصة متقرّرة فی مرتبة ذاته ، ووجود بالعرض للطبیعة النوعیة التی یشترک فیها جمیع الحصص.

ولیست الماهیة الشخصیة إلا هذه الحصة المتحصصة بنفس وجودها ، الذی هو الشخص الحقیقی ، وما یحتفّ به من العوارض لوازم التشخیص.

نعم إذا لم نقل بأن المرکب من الجوهر والعرض مرکب اعتباری لا وحدة

ص: 311


1- 1. کفایة الأصول / 365.

له حقیقة ، بل قلنا باتحاد الأعراض مع موضوعاتها فی الوجود ، نظیر اتحاد المادة والصورة فی الوجود الساری من الصورة الی المادة ، فیکون الموضوع مجری فیض الوجود ، فیسری الوجود منه إلی عرضه.

فتارة : یلاحظ کل منهما بما له من الدرجة الخاصة من الوجود ، فأحدهما جوهر والآخر عرض ولکل حکمه.

وأخری : یلاحظ کلاهما متحدین فی الوجود الساری ، فیحکم علی أحدهما بأنه الآخر فی الوجود الساری.

فحینئذ یصح دعوی صدق الطبیعی علی فرده بمشخصاته المشهوریة التی هی فی الحقیقة لوازم التشخص.

هذا کله فی صدق الطبیعی علی فرده بمشخصاته الحقیقیة.

وأما صدقه علی فرده بمشخصاته الاعتباریة ، کما فی صدق طبیعی الصلاة علی المشتمل علی الأجزاء المستحبة ، فتوضیح القول فیه أن الصلاة من المرکبات الاعتباریة لاشتمالها علی طبائع متعددة هی مقولات متباینة کمقولة الکیف المسموع ومقولة الوضع وشبههما.

ومن الواضح أن کل جزء منها کما أنه حقیقة من الحقائق ، کذلک له وجود خاص محفوف بعوارض مخصوصة ، ولیس جزء منها مقوما لحقیقة جزء آخر منها ، ولا مشخصا ومعیّنا لجزء آخر منه (1) ولا من لوازم مشخصة.

بل إذا وجدت الأجزاء المزبورة فی الخارج فقد وجدت حصص خارجیة مطابقة لطبائع مأخوذة وملحوظة علی نهج الوحدة ، أریدت بارادة واحدة ووجبت بوجوب واحد.

ومنه تعرف حال الجزء المستحبی کالقنوت ، فانه حصة من الطبیعة

ص: 312


1- 1. کذا فی الأصل ، لکن الصحیح : منها.

النوعیة للکیف المسموع ، له وجود خاص ولوازم مخصوصة کسائر الأجزاء.

غایة الأمر أنه جزء الطبیعة المؤتلفة من ذوات أجزاء واجبة وذوات أجزاء مندوبة.

ونسبة الأجزاء کلها الی هذه الطبیعة المؤتلفة نسبة جزء الطبیعة إلیها ، لا نسبة جزء الفرد بمعنی المشخص إلی الطبیعة.

ولا یخفی علیک أن کون طبیعة الصلاة الواجبة بالاضافة إلی الأجزاء المستحبة لا بشرط لا یوجب اعتبار المشخصیة لتلک الأجزاء إذ الواجب بالاضافة إلی کل خارج غیر مناف له لا بشرط ، ومع ذلک لیس کل خارج عن الطبیعة من مشخصاتها.

مع أن التعین المصحح لکون الشیء بشرط شیء لا یمنع عن صدق اللابشرط ، لا أنه مطابق اللابشرط.

فالصحیح فی اعتبار المشخصیة للأجزاء المندوبة هو أن المأتی به فی ضمن الصلاة الواجبة مما یندب الیه :

تارة : یکون مستحبا فی نفسه مطلقا ، سواء کان فی الصلاة أو غیرها.

وأخری : یکون مستحبا فی الصلاة ، بحیث تکون الصلاة ظرفا له فقط.

وثالثة : یکون مستحبا فیها بحیث یعد من مکملاتها وفضائلها.

واعتبار المشخصیة فی الثالث دون الأولین ، بلحاظ أن مشخص الشیء کما لا یعد أمرا فی قبال الشیء ، بل نحو وجوده ، فکذا فضیلة الشیء وکماله لیست أمرا فی قباله ، بل من شئونه وأطواره ، فالأجزاء المستحبة تعد کالمشخص بهذا الاعتبار.

ومن الواضح أن صدق الطبیعی علی فرده ، بمشخصه حقیقة لملاک هو مفقود فیما سمی بالمشخص ، بنحو من العنایة ، نظرا الی اشتراکهما فی بعض اللوازم.

ص: 313

بل لو قلنا بصدقه علی لوازم مشخصة للاتحاد فی الوجود الساری ، لما کان مجال للصدق هنا.

إذ کما أن الأجزاء المستحبة لیست من مشخصات طبیعة الواجب ، کذلک لیست بالاضافة إلیها بمنزلة الأعراض بالنسبة إلی موضوعاتها ، کما هو واضح جدا ، فتدبره فانه حقیق به.

96 - قوله ( قده ) : مضافا الی أنّ اعتبار قصد (1) ... الخ.

هذا إذا کان لزوم اتیانه عقلا ، من حیث احتمال دخله فی الغرض المولوی المنبعث عنه الأمر ، لما مرّ فی (2) محله من اقتضاء مقدمات الحکمة للقطع بعدم دخله فیه.

وأما بناء علی إرادة الملاک العقلی المنبعث عنه الأمر فلا قطع بخلافه ، بل لا یعقل صدور الفعل حسنا ، إلا إذا قصد عنوانه تفصیلا أو إجمالا ، ومبنی الاشکال هذا الوجه ، دون الوجه الأول.

وعلیه ، فلا مناص إلا إبطال المبنی ، وهو أنه لا یجب انبعاث الأمر عن ملاک عقلی من باب التحسین والتقبیح العقلیین.

وما یقال : من أن الشارع لا یأمر إلا بالحسن ولا ینهی إلا عن القبیح ، فلا یراد منه الحسن والقبیح بهذا المعنی ، الذی ملاکه المصالح العامة الموجبة لبقاء النوع ، والمفاسد العامة الموجبة لاختلال النظام.

بل المراد : أن الشارع لا یأمر إلا بما فیه مصلحة ، ولا ینهی إلا عمّا فیه مفسدة ولو لم تکونا عمومیة ، بحیث لو التفت العقل إلی تلک المصلحة أو تلک المفسدة لحکم بصلاحیتهما للعلیة للبعث والزجر ، وهذا مفاد الحکم العقلی

ص: 314


1- 1. کفایة الأصول / 366.
2- 2. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 174.

النظری ، کما أن الأول مفاد الحکم العقلی العملی ، فتدبر جیدا.

97 - قوله ( قده ) : مع ان الکلام فی هذه المسألة لا یختص (1) ... الخ.

قد عرفت سابقا : أن اعتبار قصد الوجه ، تارة : لوجه عقلی وجهنا به کلام المتکلم ، وأخری : لمجرد احتمال دخله فی الغرض ، وحکم العقل باتیانه.

فان کان الوجه فی اعتبار قصد الوجه هو الأول ، فملاکه کون الواجب معنونا بعنوان حسن ، لا یصدر حسنا إلا إذا قصد عنوانه تفصیلا أو إجمالا ، من طریق الأمر بقصد وجهه الشرعی المحاذی لوجهه العقلی ، سواء کان الغرض الباعث علی الأمر به یترتب علی نفس الفعل الحسن بما هو حسن ، أو کان الغرض بحیث لا یترتب علیه إلا إذا صدر بداعی الأمر به ، فیکون الواجب المنطبق علیه عنوان حسن عقلی : تارة - تعبدیا ، وأخری - توصلیا ، من دون ملازمة بین اعتبار قصد الوجه والتعبدیة.

هذا فی الحکم الشرعی المستند إلی الحکم العقلی بملاک التحسین والتقبیح العقلیین.

وأما إذا لم یکن کذلک ، بل کان لمجرد مصلحة فی المتعلق ، فلا موجب لقصد الوجه أصلا ، کما لا ملازمة بین الانبعاث عن المصلحة وکون المورد محکوما بالحسن عقلا ؛ لما مرّ غیر (2) مرة : أن المصالح والأغراض المولویة لا یجب أن تکون هی المصالح العامة التی ینحفظ بها النظام ویبقی بها النوع.

فتلخص : أن الحکم الشرعی المستند إلی الحکم العقلی یجب فیه عقلا قصد الوجه ، تعبدیا کان أو توصلیا ، والحکم الشرعی الغیر المستند إلی الحکم

ص: 315


1- 1. کفایة الأصول 366.
2- 2. منها ما ذکره فی مبحث الانسداد. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 2. ومنها ما تقدم فی مبحث البراءة التعلیقة 30.

العقلی - وان کان منبعثا عن المصلحة - لا یجب فیه قصد الوجه ، تعبدیّا کان أو توصلیا ؛ فلا ملازمة بین التعبدیة وقصد الوجه علی أی حال.

وإن کان الوجه فی اعتبار قصد الوجه هو الوجه الثانی ، فلا بأس بدعوی اختصاص احتمال اعتباره بالتعبدی ، إذ الغرض من التوصلی : إن کان مترتبا علیه ولو صدر لا عن قصد ، فکیف یحتمل اعتبار اتیانه بوجه وجوبه؟ فانه إنما یحتمل إذا کان للاختیاریة وقصد الأمر فی نفسه دخلا فی ترتب الغرض منه علیه.

98 - قوله ( قده ) : مع أنه لو قیل باعتبار قصد الوجه فی الامتثال (1) ... الخ.

محصله : أن دخل قصد الوجه فی الغرض وعدم التمکن منه بفعل الأکثر ، لو کان مانعا عن ایجاب الاحتیاط بفعل الأکثر ، لکان مانعا عن وجوب الأقل أیضا ، لدخل قصد الوجه التفصیلی فی غرضه ، مع أنه لم یعلم وجوبه النفسی تفصیلا ، کما لم یعلم وجوب الأکثر نفسیّا تفصیلا ، ولازمه تجویز المخالفة القطعیة ، ولا یقول به أحد.

والجواب : أن غرض الشیخ الأعظم (قدس سره) لیس المنع من وجوب الأکثر ؛ لعدم التمکن من قصد الوجه ، لیعارض بالأقل ، لیلزم منه المحذور المذکور ، بل غرضه عدم ایجابه بعدم وجوب تحصیل الغرض من اللطف والمصلحة ، ودعوی حصر الاطاعة اللازمة عقلا فی الاتیان بعنوان التخلص عن عقاب المخالفة.

وعلیه ، فبناء علی الانحلال یکون الأقل مقطوع العقاب ، فیجب عقلا التخلص عن عقابه دون الأکثر.

فالأقل والأکثر وإن تساویا فی عدم الوجوب بعدم وجوب تحصیل

ص: 316


1- 1. کفایة الأصول / 366.

الغرض ، لکنهما یفترقان فی لزوم التخلص عن عقاب المخالفة ، وهو مختص بالأقل دون الأکثر ، ولعل قوله (قدس سره) فافهم ، إشارة إلی ما ذکرنا ، فتدبر.

99 - قوله ( قده ) : وأما النقل ، فالظاهر أن عموم مثل حدیث الرفع قاض (1) ... الخ.

تحقیق المقام : أنه ربما یقال : بناء علی الانحلال العقلی إن وجوب الأقل نفسیا أو غیریا معلوم علی التفصیل ، ووجوب الأکثر نفسیا مشکوک ، فیرفع بحدیث الرفع مثلا.

بل بناء علی عدم الانحلال تتساقط القاعدة فی طرف الأقل والأکثر من حیث وجوبهما النفسی ، فیبقی وجوب الزائد غیریا بلا معارض ، فیرفع بحدیث الرفع.

والجواب : ما عرفت من أنه لا وجوب غیری للجزء ، فلا علم تفصیلی بوجوب الأقل ، کما لا مجری للقاعدة فی وجوب الزائد غیریّا.

بل الحق ما عرفت من أن تعلق الوجوب النفسی الشخصی المنبسط علی المرکب بالأقل معلوم ، وبالجزء الزائد مشکوک ، فیرفع الوجوب النفسی من حیث تعلقه بالجزء المشکوک ، ونتیجته عدم فعلیة الأمر النفسی بالجزء الزائد ، وإن کان متعلقا به واقعا ، ویستتبع رفع المؤاخذة علی ترک الواجب بترک الجزء المشکوک.

وعلیه ، فبناء علی الانحلال یکون رفعه شرعا مؤکدا لنفی فعلیّته عقلا.

بل بناء علی ما ذکرنا (2) فی البحث عن مفاد حدیث الرفع من أن مفاده هو الجعل ، دون الإخبار ، فمعنی رفع الحکم جعل عدمه فعلیا ، فیکون واردا علی حکم العقل ، فان العقل یحکم بعدم فعلیة الحکم الواقعی ، من باب عدم وصوله ومفاد الحدیث جعل عدمه فعلیّا واصلا. فراجع.

ص: 317


1- 1. کفایة الأصول / 366.
2- 2. فی التعلیقة 8.

وأما بناء علی عدم الانحلال عقلا ، فسیجیء - إن شاء الله تعالی - الکلام فیه.

وأما ما عن المصنف العلامة (قدس سره) : من إجزاء حدیث الرفع فی الجزئیة المشکوکة ، بناء علی أن جریانه فی الوجوب النفسی یوجب محذور المعارضة والمناقضة ، فتحقیق الحال فیه : أن الأمر إذا تعلق بمرکب من عدة أمور ، یوجب اتصاف المجموع بالکلیة ، واتصاف کل واحد من تلک الأمور بالجزئیة والبعضیة ، فان تمام المرکب کل المطلوب ، وکل واحد بعض المطلوب ، وهذه الجزئیة مجعولة بسبب جعل الطلب المتعلق بالمرکب ، دون الجزئیة ، بلحاظ الوفاء بالغرض أو بلحاظ الجمع فی اللحاظ ، فانها واقعیة لا جعلیة.

وحیث إن الجزئیة بلحاظ مقام الطلب مجعولة بتبع جعل الطلب المتعلق بالمجموع ، فلها وضع شرعا بالتبع ، فکذلک لها رفع شرعا.

وحیث إنه بین منشأ الانتزاع والمنتزع الاثنینیة بواسطة السببیة والمسببیة ، فلکل منهما حکم.

فربما لا یکون المنشأ موردا للشک ، فلا یعمه دلیل الرفع ، فلا یرتفع بسببه الأمر الانتزاعی المجعول تبعا.

وربما یکون نفس الأمر الانتزاعی بنفسه موردا للشک بلا معارضة ، فیعمه بنفسه دلیل الرفع ، کما فیما نحن فیه ، فان جزئیة الزائد لیست معارضة بجزئیة غیره ، بخلاف الأمر النفسی بالأکثر ، فانه معارض فی طرف الأقل.

ولا منافاة بین عدم رفع الأمر النفسی بالأکثر بحدیث الرفع ابتداء ، وارتفاعه بالملازمة بینه وبین ارتفاع الجزئیة. فتدبر.

والتحقیق : أن جزئیة الشیء فی مقام الطلب لیست (1) - بالاضافة إلی

ص: 318


1- 1. فی الأصل : لیس ، والصحیح ما أثبتناه.

الطلب المجعول - من قبیل عوارض الوجود بالنسبة إلی معروضها ، بل من قبیل عوارض الماهیة ، بمعنی أنهما مجعولان بجعل واحد بلا تخلل جعل بینهما ، لا أنهما کعوارض الوجود ، بحیث یکونان مجعولین بجعلین ، لما مرّ مرارا (1) : أن متعلق الطلب ثابت بثبوته ، وأن الحکم بالنسبة إلی موضوعه من قبیل عوارض الماهیة الغیر الموقوفة من حیث الوجود علیها ، بل ووجودها بوجود العارض.

فالمراد له ثبوت فی مرتبة الارادة بنحو ثبوت الارادة ، فان قوامها (2) فی التحقق به ، إذ الشوق المطلق لا یوجد.

وکذلک متعلق البعث الاعتباری ثابت فی أفق الاعتبار بنحو ثبوت البعث ، واتحاد الفعلیین بأی نحو فرض من الفعلیة محال ، فلا محالة لهما وجود واحد ، والمجعول بالذات إذا کان واحدا فله جعل واحد ، حیث لا تفاوت بین الجعل والمجعول بالذات ، بل بالاعتبار.

وإذا عرفت أن المتعلق ثبوته بعین ثبوت الطلب ، فما هو من شئون المتعلق - من حیث إنه کله أو بعضه - أولی بأن لا یکون له جعل بالاستقلال.

فمفهوم الطلب وان کان مغایرا لمفهوم متعلقه ولمفهوم الکلیة والجزئیة ، لکنها مجعولة بجعل واحد وموجودة بوجود واحد ، ولیس بینها السببیة والمسببیة المقتضیة للاثنینیة.

وعلم مما ذکرنا : أن معنی التبعیة کون الجزئیة مجعولة بالعرض ، لا کمجعولیة وجوب المقدمة بتبع وجوب ذیها. فالأصالة والتبعیة معنی ، والذاتیة والعرضیة معنی آخر ، والأول أعم من الثانی.

ص: 319


1- 1. منها فی مبحث التعبدی والتوصلی نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 167.
2- 2. هکذا فی الأصل والصحیح قوامه فی التحقق بها.

وعلیه ، فکما لا یکون وضع الجزئیة إلا بوضع الأمر بالمرکب کذلک لا رفع لها إلا بعین رفعه ، والمفروض عدم إمکان رفعه بحدیث الرفع.

ومنه یتضح أن مجرد اختلاف الرتبة بین الأمر النفسی وجزئیة الزائد من حیث اللزوم الموجب لتأخر رتبة اللازم عن ملزومه ولو کان لازم الماهیة لا یجدی فی رفع الجزئیة بملاحظة تساقط القاعدة فی المرتبة المتقدمة ، وذلک لأنه إنما یجدی مع تعدد الوجود کالوجوب الغیری التابع للوجوب النفسی ، لا مع وحدة الوجود.

هذا کله مضافا إلی أن الکلیة والجزئیة متضایفان متکافئان ، فالجزئیة وان لم تکن معارضة لجزئیة سائر الأجزاء ، لکنها معارضة بکلیة الأقل بتبع کلیة الأکثر.

فکما أن کلیة الأکثر فی نفسها مشکوکة ، لکنها معلومة بالاجمال ، کذلک جزئیة الزائد مشکوکة فی نفسها ومعلومة بالاجمال بتبع معلومیة کلیة الأکثر بالاجمال ، والمفروض عدم شمول الحدیث للمعلوم بالاجمال.

والجزئیة والکلیة لازمان للوجوب النفسی فی عرض واحد ، لوحدة المنشأ ، والمصحح للانتزاع ، ولیست الجزئیة مسببة عن کلیة الأکثر ، لیتوهم تساقط القاعدة فی طرف کلیة الأکثر وکلیة الأقل ، فیبقی القاعدة فی نفی جزئیة الزائد بلا معارض.

والمفروض أیضا أن المجعول بالتبع قابل للوضع والرفع ، والکلیة کالجزئیة فی المجعولیة بالتبع. وسیجیء - إن شاء الله تعالی - بعض الکلام فیه.

هذا مضافا الی ما سیأتی (1) إن شاء الله تعالی فی مبحث الأحکام الوضعیة أن الجزئیة لیست من الأحکام المجعولة ولو تبعا ، بل هی من اللوازم التکوینیة

ص: 320


1- 1. نهایة الدرایة 5 : التعلیقة 44.

للمجعول التشریعی ، لا من لوازمه التشریعیة ، لأن کل مجعول تشریعی مجعول تکوینی ، ولا عکس ، فانه من حیث إنه من الموجودات الخارجیة بما یناسبه من الوجود فی نظام الوجود مجعول تکوینی ، ومن حیث صدوره من الشارع بما هو شارع شریعة وجاعل طریقة ، لا بما هو جاعل هویات الممکنات ، مجعول تشریعی ، وملاک تشریعیته کونه ذا مصلحة موجبة لجعله شرعا.

ومن الواضح : أن وجوب المرکب من حیث انبعاثه عن مصلحة فیه تشریعی.

وأما اتصاف الشارع الموجب بکونه حاکما ، واتصاف المکلف بکونه محکوما علیه ، أو اتصاف الحکم بکونه محمولا ، واتصاف متعلقه بالموضوعیة ، فکلها من اللوازم التکوینیة للمجعول التشریعی ، من حیث کونه تکوینیا.

فکذلک الجزئیة والکلیة بلحاظ تعلق شیء واحد بالمرکب ، لا أن هذا المجعول التبعی منبعث عن مصلحة تبعیة لمصلحة المرکب ، کالوجوب المقدمی المعلول لمصلحة مقدمیة تابعة لمصلحة ذیها. وسیجیء - إن شاء الله تعالی - تمام الکلام فیه فی محله (1).

ثم إن هذا کله بناء علی الانحلال من وجوه الاشکال.

وأما بناء علی عدم الانحلال ، ففیه وجوه أخری من الاشکال :

أحدها : ما عن شیخنا العلامة رفع الله مقامه فی هامش (2) الکتاب ، وهو منافاة رفع الجزئیة مع العلم الاجمالی بالحکم الفعلی المحکوم عقلا بالاحتیاط ، ولذا خص جریان حدیث الرفع بما إذا علم إجمالا بمجرد الخطاب بالایجاب ، دون ما إذا علم بالحکم الفعلی.

ص: 321


1- 1. نهایة الدرایة 5 : التعلیقة 44.
2- 2. کفایة الاصول / 366.

لکنه بنفسه قابل للدفع ، فان محذور المناقضة أو الاذن فی المخالفة إنما یکون مع جریان الأصل أو القاعدة فی تمام الأطراف.

وأما إذا اختص أحد الاطراف بأمارة أو أصل أو قاعدة ، وکانت سابقة علی العلم الاجمالی أو مقارنة له ، فلا علم إجمالی بحکم فعلی علی أی تقدیر حتی یکون له أثر.

والمفروض اختصاص الحدیث بأحد الطرفین ، وسبقه علی العلم الاجمالی.

بیانه : أن المراد من الحکم الفعلی الذی تعلق به العلم : إن کان الفعلی من قبل المولی ، کما هو مدلول الأدلة ، والعلم به یبلغه إلی درجة الفعلیة البعثیة والزجریة ، وهو الفعلی بقول مطلق ، فمع قیام الحجة علی طرف من العلم بخصوصه لا یصلح العلم لجعله بالغا إلی درجة الفعلیة المطلقة ، لما مرّ (1) سابقا من امتناع اجتماع الفعلیین فی طرف.

وإن کان الفعلی المتعلق به العلم هو الفعلی بقول مطلق ، فمع أنه غیر (2) معقول - کما مرّ مرارا - یرد علیه : أنه مع قیام الحجة لا یعقل انعقاد العلم الاجمالی بحکم بعثی فعلی علی أی تقدیر ، فاما لا علم وإما لا تأثیر له فی الفعلیة ، فلا مناقضة ولا منافاة.

ثانیها : أنه إذا انحل العلم الاجمالی بالقاعدة فلا أثر له فی الطرف الآخر ، فما الملزم بفعل الأقل؟ ولازمه تجویز المخالفة القطعیة.

ص: 322


1- 1. فی التعلیقة 35 و 37.
2- 2. لأن الفعلیة بقول مطلق متقدمة بالعلم فما دام لم یعلم التکلیف لم یکن الفعلیة علی الاطلاق وقد صرح قده فی غیر مورد بأن الحکم عبارة عن جعل ما یمکن أن یکون داعیا فاذا وصل کان فعلیا بقول مطلق فراجع مبحث حجیة القطع. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 41 و 43.

والجواب : أنا لا نقول بلزوم سائر الأجزاء من ناحیة العلم الاجمالی حتی یرد المحذور ، بل بلزومها بالأدلة الدالة علی جزئیة تلک الأجزاء ، وأدلة الإجزاء لا تثبت إلا جزئیتها للواجب النفسی ، لا أنها تثبت تعلق الأمر النفسی بالأقل ، لیکون العلم الاجمالی منحلا بسببها ، ویلزم الخلف من انحلاله ، مع قطع النظر عن حدیث الرفع ، ویکفی ثبوت جزئیتها للواجب النفسی فی الالزام عقلا باتیانها ، وثبوت المؤاخذة علی ترک الواجب النفسی بترکها.

ثالثها : أن رفع الجزئیة لا یوجب انحلال العلم الاجمالی إلاّ بناء علی الأصل المثبت ، لأن الجزئیة لیست من أطراف العلم ، بل ملزومها من أطرافه ، وإجراء القاعدة فی نفس ما هو من أطراف العلم غیر ممکن للتساقط بالمعارضة ، فلا یرتفع الأمر النفسی عن الأکثر إلا بالملازمة العقلیة.

والجواب عنه أولا : أن المورد لیس من موارد الأصل المثبت إذ لا نرید التعبد بعدم الملزوم بالتعبد بلازمه ، بل هما متلازمان فی جمیع مراتب وجودهما.

فالجزئیة الواقعیة ملازمة عقلا لتعلق الأمر النفسی واقعا بما یعم هذا الجزء ، والجزئیة الفعلیة ملازمة للأمر النفسی الفعلی بما یعم الجزء ، وکذا رفع الجزئیة واقعا وفعلا.

فیکون حال ما نحن فیه حال اللازم الأعم للواقعی والظاهری ، بحیث یکون التعبد محققا لموضوعه ، لا موجبا للتعبد به کوجوب المقدمة ، فانه لازم عقلی لکل واجب واقعی أو ظاهری ، وکما أن التعبد بجزئیة شیء ظاهرا مستلزم عقلا لتعلق الأمر فعلا بما یعمه ، کذلک التعبد بعدمها مستلزم لعدم تعلق الأمر الفعلی بما یعمه عقلا.

وبالجملة : عدم الانفکاک عقلا لیس مخصوصا بواقعهما ، حتی یکون الاستلزام فی مقام التعبد مبنیا علی الأصل المثبت ، بل سار فی جمیع مراتب الواقع والفعلیة.

ص: 323

وثانیا : أن رفع الجزئیة ، وان لم یستلزم رفع الأمر النفسی عن الأکثر ، إلا أنه یرفع المؤاخذة علی الواجب النفسی ، من قبل ترکه بترک الجزء المشکوک ، ولا أثر للعلم الاجمالی بالأمر النفسی ، الذی لا أثر له علی تقدیر تعلقه بالأکثر ، وإن لم ینحل برفع أحد طرفیه.

وأما عدم ثبوت وجوب الأقل نفسیا برفع جزئیة المشکوک فلا یضرنا بعد العلم باستحقاق العقاب علی ترک الواجب النفسی ، بسبب ترک کل واحد من الأجزاء ما عدا المشکوک.

مع أنک قد عرفت سابقا (1) البرهان علی قیام غرض نفسی بالأقل الکاشف - بنحو کشف العلة عن معلولها - عن ایجاب نفسی متعلق بالأقل فی هذه الحال فراجع.

ومما ذکرنا یندفع إشکال الأصل المثبت بتقریب آخر ، وهو أن الماهیة المتعلقة بها الأمر النفسی إما ملحوظة بنحو اللابشرط القسمی أو بنحو البشرطشیء ، ونفی الثانی لا یثبت کونها متعینة بالتعین اللابشرطی.

وأما دفعه (2) بأن الاطلاق مقابل للتقیید بتقابل العدم والملکة ، لا بتقابل التضاد ، فاطلاق الماهیة عین عدم تقیدها الثابت بحدیث الرفع.

فمخدوش : بأن الاطلاق بمعنی اللابشرطیة معنی ، وعدم تقید الماهیة بخصوصیة معنی آخر ، فان اللابشرطیة ملاحظة الماهیة بحیث لا تکون مقترنة بخصوصیة ، ولا مقترنة بعدمها ، فعدم الاقتران بالخصوصیة لازم أعم للماهیة اللابشرط والماهیة بشرط لا ، لا أنه عین لحاظ الماهیة لا بشرط.

نعم بعد الفراغ عن عدم اقتران الماهیة بعدم الخصوصیة ینحصر الأمر

ص: 324


1- 1. فی التعلیقة 88.
2- 2. کما عن المحقق النائینی قده. فوائد الأصول 4 / 163.

قهرا فی الماهیة اللابشرط ، وهذا غیر العینیة.

کما أنه تبین مما ذکرنا : أنه لا منافاة بین أن یکون تقابل التقیید وعدمه تقابل العدم والملکة ، وأن یکون تقابل الابشرطیة والبشرطلائیة والبشرطشیئیة تقابل التضاد.

هذا إلاّ أن التمسک بحدیث الرفع - حیث إنه مبنی علی نفی الجزئیة لا نفی الوجوب النفسی للأکثر - لمکان التعارض ، مع ما عرفت فی کون الجزئیة مجعولا تشریعیا ، فلا مناص من الاشکال بناء علی عدم الانحلال عقلا.

وغایة ما یمکن أن یقال : إنه لا أثر لتعلق الأمر النفسی بالأقل بحدّه ، حتی یعارض به الأمر النفسی بالأکثر ، الذی له الأثر من حیث المؤاخذة علی ترکه بترک الجزء المشکوک.

وتعلق أصل الأمر النفسی بذات الأقل غیر معارض بتعلّقه بالأکثر ، لأن أصل تعلّقه بذات الأقل معلوم ، وإن لم یوجب هذا التعلق انحلال العلم علی الفرض.

فما هو النافع فی استحقاق العقاب علی ترک الأقل غیر معارض بشیء ، لعدم المنافاة بین الاستحقاق بترک ذات الأقل والاستحقاق بترک الجزء الزائد ، وما هو الطرف للعلم الاجمالی الموهم للمعارضة لا أثر له ، حتی لا یمکن رفع ما له الأثر ، فلا بأس حینئذ بشمول حدیث الرفع للأمر النفسی بالأکثر من حیث کونه مشکوکا فی نفسه.

ومنه یظهر الجواب عما أشکلناه سابقا علی رفع جزئیة الزائد بمعارضته بالتبع ، برفع کلیة الأقل ، فان کلیته وکونه تمام المتعلق لا أثر له علی ما مر.

100 - قوله ( قده ) : نسبة الاستثناء (1) ... الخ.

إن کانت أدلة الأجزاء مثبتة لجزئیتها واقعا ، فحدیث الرفع وشبهه لیس

ص: 325


1- 1. کفایة الأصول / 367.

فی مرتبة الواقع ، حتی یکون بمنزلة الاستثناء.

وإن کانت مثبتة لجزئیتها فعلا ، فحدیث الرفع ، وان کان بلحاظ أصل الفعلیة صالحا ، لأن یکون بمنزلة الاستثناء ، إلا أنه مخدوش من وجهین :

أحدهما : عدم تکفل الأدلة واقعا للفعلیة البعثیة والزجریة ، بل للإنشاء بداعی جعل الداعی وهو الفعلی من قبل المولی ، وصیرورته مصداقا لجعل الداعی بالفعل متقوم بوصوله عقلا ، فهو غیر فعلی بقول مطلق ، مع قطع النظر عن حدیث الرفع.

وأما رفع الفعلیة من قبل المولی فهو غیر معقول ، لأن معناه رفع الواقع ، حیث لا واقع عندنا إلاّ الانشاء بداعی جعل الداعی ؛ لأن الانشاء المحض محال ، والانشاء بداع آخر لا یترقب منه فعلیة الحکم البعثی والزجری.

وثانیهما : أن الفعلیة المطلقة لو کانت واقعیة ، فبالشک فیها لا یعقل أن یکون محکوما بعدم الفعلیة ، لأن احتمال المتناقضین کالقطع بهما فی الاستحالة.

* * *

العلم الإجمالی بالتکلیف المردد بین الأقل والأکثر

ص: 326

[ التنبیه الأول ]

101 - قوله ( قده ) : فان الانحلال المتوهم فی الأقل والأکثر (1) ... الخ.

تقریب الانحلال من وجوه :

أحدها : أن المقید بما هو مقید کما یتوقف وجوده علی وجود القید ، کذلک علی وجود ذات المقید ، فذات المقید واجبة بقول مطلق ، إما بوجوب نفسی أو بوجوب مقدمی.

والجواب : بالفرق بین مقدمیة ذات المقید ومقدمیة القید ، فان الثانی مقدمة خارجیة مباینة لذیها فی الوجود ، فیمکن وجوبها المقدمی بخلاف ذات المقید ، فانها من علل قوام المقید بما هو مقید ، کالاجزاء بالاضافة إلی المرکب ، فهی غیر مباینة لذیها فی الوجود ، فلا یعقل وجوبها المقدمی مع فرض وجوب المقید المتقوم بها.

فسبقها علیه بالتجوهر فی مقام الماهیة ، وسبقها علیه بالطبع فی الوجود لا یجدی إلا فی أصل المقدمیة ، لا فیما هو ملاک الوجوب المقدمی.

ثانیها : أن ذات المقید وان لم یکن لها وجوب غیری مقدمی ، إلا أنها متعلق الوجوب النفسی ، فللوجوب النفسی تعلق بها وبتقیدها ، کالمرکب من الأجزاء المستقلة بالوجود فی الخارج.

بیانه : أن ذات المقید لها وجود حقیقی استقلالی فی الخارج ، ولتقیدها وجود انتزاعی ، ولا جهة وحدة لهما إلا اللحاظ ؛ بداهة أن الماهیات فی حدود ذواتها

التنبیه الأول

ص: 327


1- 1. کفایة الاصول / 367.

متباینات ، ولا یعقل أن تکون ماهیة من الماهیات جهة جامعة لماهیتین متباینتین.

فالجامع الذی به یتّحد الماهیات بعضها مع بعض ، لیس إلا لحاظها أو وجودها الخارجی ، وبه یستدل علی أصالة الوجود واعتباریة الماهیة.

وکما أن الجمع فی اللحاظ فی المرکب الاعتباری المؤتلف من أجزاء مستقلة بالوجود ، لا ینافی انبساط الأمر علی الأجزاء ، فلکل منها حظ من الوجوب المتعلق بها.

کذلک وحدة ذات المقید والتقید فی اللحاظ - حیث لا جهة وحدة لهما سواه - لا تأبی انبساط الوجوب علیهما ، وکون کل واحد منهما متعلق الوجوب ، ولو بتعلق واحد ، کالاجزاء فی المرکب.

والجواب : أن نحوی وجود ذات المقید ووجود التقید ، وإن کانا متغایرین ، والجامع الموحد لهما هو اللحاظ ، إلاّ أن التقید : ربما یلاحظ علی وجه المعنی الاسمی ، فلا محالة یکون فی عرض ذات المقید ، فیوجب انبساط الأمر علی ذات المقید والتقید.

وربما یلاحظ علی وجه المعنی الحرفی ، وهو ملاحظة المقید بما هو مقید بحیث یکون التقید ملحوظا آلیا ، فیتعلق الأمر بالحصة الخاصة.

فبمقتضی هذه الملاحظة یکون الملحوظ خاصا ، لا أن الملحوظ معنیان مجموعان فی اللحاظ ، وحینئذ فلا معنی لانبساط الأمر علی جزءین.

ثالثها : أن المطلق عین المقید فی الوجود ، فالوجوب المضاف الی المقید مضاف إلی المطلق ، فالمطلق إما له وجوب مضاف إلیه بنفسه ، أو وجوب مضاف الیه من حیث إنه عین المقید.

والجواب : أن عینیة المطلق للمقید لا أصل لها ، لا ماهیة ولا وجودا ، إذ الحصة الموجودة لیست عین الوجود ، بل متحدة به اتحاد اللامتحصل مع المتحصل ، فالجامع بین الحصص أولی بأن لا یکون عین الوجود.

ص: 328

کما أن تباین الحصة مع الجامع ماهیة ومفهوما معلوم ، لا یحمل أحدهما علی الآخر بالحمل الذاتی الذی هو مناط العینیة من حیث الذات.

بل حیث إن الحصة متحدة مع الوجود ، والجامع ینطبق علی کل حصة من حصصه بلحاظ الوجود ، فالوجود المضاف إلی الحصة بالذات مضاف إلی الجامع بالعرض ، فیکون الحصة واسطة فی العروض.

وإذا عرفت نحو وجود الجامع ، تعرف نحو وجوبه أیضا ، فان حکم أحد المتحدین بالذات ینسب إلی الآخر بالعرض ، سواء کان المحمول هو الوجود أو الوجوب أو غیرهما.

وعلیه ، فلا علم بوجوب الجامع إلا بالمعنی الأعم من ما بالذات وما بالعرض ، فیما إذا کان هناک ما بالذات وهو المقید ، فان الجامع إما هو واجب بالذات إذا کان المطلق واجبا ، وإما واجب بالعرض إذا کان المقید بما هو واجبا.

وأما فی غیر هذه الحصة ، فلیس إلا احتمال الوجوب للجامع بالذات ، دون احتمال الوجوب بالعرض ، حتی یکون الوجوب بالمعنی الأعم معلوما.

وبالجملة لا وجه لدعوی أن وجوب الجامع معلوم لکنه لا یفید فی مقام إحراز الامتثال.

بل الصحیح : أن المعلوم من وجوب الجامع نحو وجوب لا ینطبق إلا علی المقید.

هذا کله فی دفع ما یتوهم فی مقام الانحلال والبراءة العقلیة من الشرطیة.

والتحقیق : أن کل خصوصیة لیست شرطا فی قبال الجزء ، بل کما مر (1) مرارا أن ذات ما یفی بالغرض هو المقتضی بسیطا کان أو مرکبا ، غایة الأمر أنه إذا کان مرکبا کان ما یأتلف منه المرکب کل واحد منه موصوفا بأنه بعض ما یفی

ص: 329


1- 1. منها ما ذکره فی مبحث الصحیح والاعم ، نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 71. ومنها فی مبحث التعبدی والتوصلی ، التعلیقة 174.

بالغرض ، أو بعض المطلوب بلحاظ مقام جعل الطلب.

ثم إن المقتضی أو أجزاءه : ربما یکون أمرا خاصا ، فالخاص هو المقتضی لا انه خصوصیة واردة علی المقتضی (1) أو یکون الجزء أمرا خاصا ، فیکون الخاص بعض ما یفی بالغرض ، لا أن الخصوصیة واردة علی الجزء المفروغ عن جزئیته.

فمثل هذه الخصوصیة مقوم الجزء ، ولا یستحق إطلاق الشرط المقابل للجزء علیها.

وربما تکون الخصوصیة دخیلة فی فعلیة تأثیر المقتضی البسیط أو المرکب ، ومثلها تسمی بالشرط ، لأن الشرط حقیقة إما من مصححات فاعلیة الفاعل أو من متممات قابلیة القابل ، فلا محالة له دخل إما فی طرف المؤثر أو فی طرف المتأثر ، والتقید الخطابی علی طبق التقید الواقعی ، فالاناطة لیست جزافیة.

إذا عرفت اختلاف الخصوصیات بحسب المقامات ، فاعلم أن التقید المقوم للجزء مقوم للمطلوب بالطلب النفسی المنبسط علیه ، وحاله ما عرفت مفصلا.

وأما التقید الذی له دخل فی فعلیة التأثیر ، فغیر مطلوب بعین الطلب النفسی ، بداهة أن الغرض لا یدعو إلا إلی ما یقوم به ، وما یفی به ، وأما ما له دخل فی ترتب الغرض علی ما یقوم به ، فهو مراد بارادة منبعثة عن إرادة متعلقة بنفس المقتضی المنبعثة عن الغرض القائم به ، فمثل هذه الخصوصیة مطلوب بطلب مقدمی منبعث عن طلب نفسی.

فمرجع الشک فی الشرطیة الحقیقیة إلی الشک فی طلب غیری مستقل ، منبعث عن طلب نفسی ، والانحلال فیه لیس فیه مجال الاشکال.

ص: 330


1- 1. الصحیح : لا أن الخصوصیة واردة علی المقتضی ، بقرینة قوله فیما بعد : لا أن الخصوصیة واردة علی الجزء.

فان قلت : هذا فی القید الذی له وجود استقلالی یمکن تعلق الطلب الغیری به ، وأما القید الذی لیس له استقلال فی الوجود ، کقید الایمان فی الرقبة ، فلا یعقل أن یکون مطلوبا بطلب غیری.

قلت : بعد فرض شرطیته واقعا وعدم دخله فی اقتضاء الغرض ، بل فی وجود الغرض من المقید المقتضی له ، فلا محالة لا یعقل أن یکون مطلوبا بعین الطلب النفسی ، بل الواجب المفروغ عن وجوبه متقید به.

وحینئذ فلا شک فی أن عتق الرقبة واجب نفسی علی أی تقدیر ، وإنما الشک فی تقید الواجب النفسی بقید وعدمه ، فلیس متعلق الوجوب النفسی دائرا بین المقید وغیره ، فلا ریب حینئذ فی الانحلال.

ومن جمیع ما ذکرنا تبین أن الشک فی جزئیة شیء بذاته مورد الانحلال للعلم بانبساط الأمر علی سائر الأجزاء والشک فی انبساطه علی الزائد.

وکذلک الشک فی شرطیة شیء حقیقة مورد الانحلال ، للعلم بوجوب ذات المشروط ، والشک فی انبعاث وجوب آخر من وجوبه بالاضافة إلی الشرط أو تقید الواجب المعلوم به.

وأما إذا دار الأمر بین جزئیة شیء بذاته أو بما له من الخصوصیة فلا انحلال أصلا ، لعدم العلم تفصیلا بجزئیة ذات الشیء کما عرفت تفصیلا ، وکذا لو کانت الخصوصیة مقومة للمرکب أو للبسیط.

102 - قوله ( قده ) : لدلالة مثل حدیث الرفع علی عدم شرطیة (1) ... الخ.

قد عرفت حال رفع الأمر المجعول بالتبع من غیر فرق بین الجزئیة والشرطیة.

ص: 331


1- 1. کفایة الأصول / 367.

إلا أنه بناء علی صحة الرفع لا فرق بین التقید الراجع إلی الشرطیة الحقیقیة والتقید الراجع إلی کونه مقوّما للمقتضی أو کونه مقوّما للجزء ، فان التقید فی مرحلة الطلب مجعول بجعل الطلب علی أی حال.

لکنه بینهما فرق من حیث کون ذات المشروط بعد نفی الشرطیة معلوم الوجوب ، بل قد عرفت أنه لا حاجة فیه إلی نفی الشرطیة ، لکفایة نفی الحکم التکلیفی المقدمی عقلا وشرعا ، بخلاف نفی تقید الجزء المقوم لجزئیته ، فان الأمر لم یتعلق بذاته علی أی حال حتی یفید فی الخروج عن عهدته بعد نفی الخصوصیة الجعلیة.

103 - قوله ( قده ) : ولیس کذلک خصوصیة الخاص (1) ... الخ.

لا یخفی علیک أن المرکب من جزءین حقیقیین کالجنس والفصل ، تارة یلاحظ جزءاه علی ما هما علیه من الجزئیة ، وأخری یلاحظ أحدهما متقیدا بالآخر ، وبالاعتبار الأول یتوهم انبساط الأمر علی الجمیع ، فیکون حاله حال الشک فی الجزئیة ، وبالاعتبار الثانی یتوهم الاطلاق والتقیید ، فیجری البراءة عن القید ، وکلا التوهمین فاسد.

أما الأول : فلان مورد الانبساط ما إذا کان کل من الجزءین مستقلا فی التحصّل ، لینبعث من الأمر به استقلالا أو انبساطا إرادة مخرجة له من العدم إلی الوجود ، والجنس والفصل متحدان ، إذ نسبة واحد إلی الآخر نسبة القوة إلی الفعل ، فلا یعقل انبساط الأمر علیهما ، کما لا یعقل تعلقه استقلالا بکل منهما.

وأما الثانی : فمبنی الانحلال : إمّا أنّ الجامع متیقن الوجوب ، والمقیّد مشکوک.

فهو أولا : غیر صحیح کما قدمناه (2).

ص: 332


1- 1. کفایة الأصول / 367.
2- 2. فی التعلیقة 101.

وثانیا : غیر مجد هنا ، لأن الجامع هناک من حیث إنه نوع تام متحصل الماهیة والهویة أمکن تعلق الوجوب به ، واما ما نحن فیه فان الجنس لا تعیّن له من حیث الماهیة إلا بفصله ، ولا تحصّل له من حیث الهویة إلا به ، فلا یعقل تعلق الوجوب به.

وإمّا أن القید واجب بوجوب آخر ، غیر وجوب ذات المقید ، فلا محالة یئول الأمر إلی الشک فی تکلیف زائد.

وما نحن فیه لا یجری فیه هذا البیان ، لا من حیث ذات المقید ، ولا من حیث نفس القید. والوجه واضح مما سمعت آنفا.

بل لا یجری فیه الانحلال الذی وجهناه فی القید الغیر المستقل فی الوجود ، کوصف الایمان فی الرقبة ، وذلک لأن ذات المقید القائم به (1) الغرض النفسی هناک قابل (2) للوجوب ، فیشک فی تقید الواجب النفسی به ، بخلاف ما نحن فیه ، فان ذات المقید لا تعین له (3) ولا تحصل له ، حتی یقوم به غرض نفسی لیجب بوجوب نفسی فتدبر جیدا.

وأما ما فی المتن من أن الخصوصیة انتزاعیة من ذات الخاص ، فمرجعه الی أنها لیست جعلیة کخصوصیة الاقتران بالطهارة حتی یمکن نفیها بأدلة البراءة ، فلیس هناک شرطیة جعلیة قابلة للرفع.

وهو وإن کان صحیحا إلا أنه لا تصل النوبة إلیه مع استحالة تعلق الوجوب بذات الخاص علی أی تقدیر.

التنبیه الأول

ص: 333


1- 1. والصحیح : بها.
2- 2. والصحیح : قابلة.
3- 3. والصحیح : لها ، وکذا الأمر فی الضمائر الآتیة والفعلین ، فان الصحیح فیها التأنیث.

[ التنبیه الثانی ]

104 - قوله ( قده ) : فلو لا مثل حدیث الرفع مطلقا (1) ... الخ.

أما إذا نسی الجزئیة فواضح ؛ لأن الجزئیة المنسیة حکم شرعی وضعی تبعی ، فهو مرفوع.

وأما إذا نسی ذات الجزء ، فتارة یقال : إن الجزئیة منسیّة بتبع نسیان ذات الجزء فهی مرفوعة ، وأخری إن رفع ذات الجزء برفع حکمه وهی الجزئیة.

وأما دعوی أن رفع الجزئیة برفع منشأ انتزاعها ، وهو الأمر بالکل ، ومع رفع منشأ الانتزاع لا أمر بما عدا المنسی.

فمندفعة : بأن عنوان الجزء منتزع من ذات الجزء ، فمبدأ العنوان وهی الجزئیة ، قائمة به بقیام انتزاعی ، والأمر مصحح الانتزاع ، وله دخل فی منشئیّته للانتزاع.

ومن الواضح : أن مصحح انتزاع الجزئیة من ذات الجزء تعلقه بذات الجزء فی ضمن تعلقه بالمجموع.

فتعلق الأمر بالمجموع مصحح انتزاع الکلیة من التمام ، ومصحح انتزاع الجزء أحد تعلقاته التحلیلیة وانبساطه علی ذات الجزء.

فالشک فی الجزئیة شک فی ذلک التعلق التحلیلی وانبساط الأمر ، فالمرفوع هو ذلک التعلق التحلیلی ، لا الأمر بالکل.

فیبقی الأمر بسائر تعلقاته واقتضاءاته علی حاله ، ولو عبر عن ذلک برفع الأمر بالکل ، فالمراد رفع الأمر بالکل بما هو کل ، لا رفع الأمر بذاته وبکلیته.

ولعله الوجه فی دعوی أن المفهوم عرفا من رفع الجزئیة رفع خصوصها مع

التنبیه الثانی

ص: 334


1- 1. کفایة الأصول / 368.

بقاء الأمر بالباقی ، أو دعوی أن نسبة حدیث الرفع إلی أدلة الاجزاء نسبة الاستثناء ، وإلا فهو لیس فی مرتبة الأدلة المتکفلة للاحکام الواقعیة ، حتی یکون بمنزلة الاستثناء منها. فتدبر.

وأما بناء علی عدم إمکان اختصاص الناسی بالأمر بما عدا المنسی ، کما عن الشیخ المحقق الأنصاری (قدس سره) علی ما سیأتی (1) - إن شاء الله تعالی - بیانه ، وبیان دفعه ، فربما یقال : إنه لو کان محالا ، لما أمکن تخصیص الناسی بالأمر بما عدا المنسی ، فان حدیث الرفع لا یوجب انقلاب المحال ممکنا :

ویمکن دفعه : بأن إشکال الاستحالة إنما یلزم من تنویع المکلف إلی الملتفت والناسی ، فیختص الناسی بحسب الدلیل الاجتهادی بالأمر بما عدا المنسی ، فیلزم المحال الآتی.

ولزوم التنویع بملاحظة أن عنوان المکلف لیس مأمورا بتمام الاجزاء ، وإلا لزم اجتماع أمرین وبعثین علی الناسی ، أحدهما بعنوان عام ، والآخر بعنوان خاص.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا : بأن المکلف بعنوانه مأمور بتمام الأجزاء واقعا ، والنسیان کالجهل مانع شرعا من فعلیة الأمر بالاضافة إلی الجزء المجهول ، أو الجزء المنسی ، ولا مانع من اجتماع الأمر الواقعی بالاضافة إلی المکلف بالتمام ، مع الأمر الفعلی بما عدا المنسی لنسیانه.

وفیه : أن کیفیة التمسک بحدیث الرفع مختلفة ، فتارة یقال : إن جزئیة الأمر المنسی مجهولة ، فهی مرفوعة من حیث الجهل بها لا من حیث نسیانها ، بحیث لو لم یکن النسیان احد التسعة لصحّ رفعها برفع الجهل بها ، فالایراد وارد ، لأن معنی الشک فی جزئیتها احتمال تعلق الأمر بالکل واحتمال تعلق الأمر بما عدا المنسی ، والمفروض أنه محال ، فکیف یجامع الاحتمال؟

ص: 335


1- 1. فی التعلیقة الآتیة.

وأخری یقال : إن المنسی وإن کان جزء واقعا إلا أن النسیان مانع عن فعلیة الجزئیة فالمأتی موافق للمأمور به الفعلی ، فهو حینئذ لا یستلزم احتمال المحال.

نعم لا مجال للتمسک بحدیث الرفع علی التقدیرین إلا مع استیعاب النسیان فی تمام الوقت ، لأن طبیعی الصلاة المشتملة علی الجزء المنسی انما یجب مطلق وجوده بین مبدأ الوقت ومنتهاه ، ومطلق وجود الجزء لا یکون منسیا إلا باستیعاب النسیان فی تمام الوقت.

وأما المنع (1) عن التمسک حتی مع الاستیعاب ، نظرا إلی أن ترک الجزء لیس موضوعا لحکم حتی یرتفع فی عالم التشریع ، فهو عجیب ، لأن الجزئیة المجعولة حکم ذات الجزء ، والجزء حیث إنه منسی فترک لا أن الترک منسی ، فرفع الجزئیة التی هی حکم ذات الجزء المنسی ، فتدبر.

105 - قوله ( قده ) : کذلک یمکن تخصیصها بهذا الحال (2) ... الخ.

بیان الإشکال : أن الأدلة المتکفلة للجزئیة ، مع عدم إطلاقها لحال النسیان بحسب مقام الاثبات ، إذا شک فی جزئیة شیء من تلک الأجزاء فی حال النسیان ، فمقتضی البرهان کونه جزء فی تلک الحال ، کما فی حال الالتفات ، لأن تخصیص الناسی واقعا بما عدا الجزء المنسی یوجب تنویع المکلف إلی الملتفت المأمور بتمام الأجزاء ، والناسی المأمور بما عدا المنسی.

ومع التنویع وتخصیص الناسی ، لا یکون الحکم المرتب علی عنوانه فعلیا إلا بفعلیة ذلک العنوان ، ولا یکون ذلک العنوان فعلیا موجبا لتوجیه التکلیف فعلیا إلا بالالتفات إلی العنوان ، والالتفات إلی النسیان موجب لارتفاعه الموجب لارتفاع حکمه.

ص: 336


1- 1. کما عن المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 / 175.
2- 2. کفایة الأصول / 368.

فهذا البعث المختص بعنوان الناسی محال علی أیّ حال ، إذ بوجوده الواقعی المنوط بالنسیان واقعا لا باعثیة له ، ولیس الغرض من التکلیف إلا بعث المکلف وحمله علی الفعل ، وبوجوده الواصل بوصول موضوعه ، یلزم من فرض وجوده عدمه ، لما عرفت.

وأما لزوم التنویع المتفرع علیه هذا المحال ، فلأنه لو اختص الناسی بحکم ، مع عموم عنوان التکلیف بالتمام ، یلزم منه توجه بعثین نحو الناسی : أحدهما بعنوان خاص ، وهو عنوان الناسی ، والآخر بعنوان عام ، وهو عنوان المکلف ، بخلاف ما إذا اختص التکلیف بالتام بعنوان الملتفت.

ومنه تعرف أنه لو لم یؤخذ عنوان الناسی فی التکلیف بما عدا المنسی ، بل أخذ عنوان المکلف یلزم توجه بعثین أیضا إلی الناسی ، لأنه کالملتفت فی توجه التکلیف بالتام إلیه ، لعدم خصوصیة فی عنوانه ، توجب 1 عدم توجهه إلیه.

وحیث إن النسیان علّة لتوجه تکلیف آخر بما عدا المنسی ، فلا محالة یکون مکلفا بذاته بتکلیف آخر.

نعم الملتفت لعدم العلة الموجبة لتوجه تکلیف آخر إلیه ، لیس له إلا التکلیف بالتمام.

وعلیه فنقول : إن الناسی إما لا تکلیف له أصلا ، أو له التکلیف بما عدا المنسی ، أو له التکلیف بالتمام ، والأول خلاف الاجماع والضرورة ؛ اذ محل الکلام هو التکلیف بالمنسی واقعا ، لا التکلیف مطلقا ، ولو بما عداه ، والثانی یلزم منه المحال ، بالتقریب المتقدم ، والثالث - هو المطلوب.

غایة الأمر أنه فی حال الغفلة والنسیان لا یؤاخذ بترک التام ، إلا أنه بعد الالتفات یجب علیه إتیان ما هو مکلف به واقعا.

التنبیه الأول

ص: 337

هذه غایة تقریب (1) ما سلکه شیخنا العلامة الأنصاری (قدس سره) فی عموم الجزئیة لحال النسیان.

واجیب عنه بوجوه :

أحدها : أن یکون المکلف بعنوانه مأمورا بما عدا الجزء المنسی ، ویکون مطلقا من حیث فعل ذلک الجزء وترکه ، ثم یقید ذلک الاطلاق فی حق الملتفت باتیان ذلک الجزء ، فالملتفت عنوان المکلف بذلک الجزء ، وما أتی به الناسی مطابق لأمره الواقعی ، من دون لزوم التکلیف بما عدا المنسی ، بما هو معنون بعنوان الناسی.

وفیه أنه خلاف ما وصل إلینا من أدلة الاجزاء ودلیل المرکب ، حیث إنه أمر فیها بالتمام بعنوان ذاته ، لا أنه أمر المکلف بما عدا المنسی مطلقا.

مضافا إلی أنه لا تعین للمنسی ، حتی یؤمر بما عداه مطلقا وبه مقیدا بالالتفات ، فلا بد من الالتزام بتعدد البعث بعدد ما یتصور من أنحاء نسیان الجزء إطلاقا وتقییدا.

ثانیها : أن یختص الناسی بما عدا المنسی ، لا بعنوان النسیان حتی یلزم المحال ، بل بعنوان واقعی یلازمه ، کأن یقول : من کثرت رطوبة مزاجه فهو مکلف بالتکبیرة والقراءة وغیرها ، مع عدم عدّ ذکر الرکوع مثلا فی عدادها ، فالمأتی به فی حال النسیان مطابق للمأمور به فی حقه ، من دون لزوم الانقلاب فی النسیان ، حیث لم یؤخذ عنوانا للمکلف ، بل أخذ ملازمه الذی لا یوجب الالتفات إلیه انقلابا. ولا بد من أخذ عنوان الملتفت أو ما یلازمه فی التکلیف بالتمام ، وإلاّ لکان متوجها إلی الناسی أیضا ، فیلزم منه اجتماع البعثین بالاضافة إلیه.

ص: 338


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 / 132 و 133 و 134.

وفیه أیضا عدم تعین المنسی حتی یؤمر بما عداه بعنوان ملازم.

مضافا إلی أن وجود ذلک العنوان الملازم للنسیان عموما أو فی خصوص الصلاة ، مع أنه أمر وهمیّ لا یکون الحکم علیه فعلیّا إلا بوصوله ، ولم یصل إلی أحد من المکلفین مثل هذا العنوان.

ومع فرض وصوله لا بد أن لا یکون ملازمته عند الناسی معلومة ، وإلا فیلازم الالتفات إلی النسیان ، فیعود المحذور المتقدم.

ثالثها : الالتزام بعدم تکلیف الناسی ، ولو بما عدا المنسی واقعا ، مع کون اتیان ما عدا المنسی ذا مصلحة ملزمة فی حقه ، لئلا یلزم خلاف الاجماع والضرورة.

وإنما لم یؤمر بما عدا المنسی ، لأن الانشاء بداعی جعل الداعی لیس إلا لبعث المکلف وحمله علی المطلوب منه واقعا ، وحیث إن الغافل غافل عن غفلته ، فیری توجه التکلیف إلیه ، لاعتقاده أن ما التفت إلیه من الاجزاء هو تمام المطلوب منه.

فمع وجود ما یحرکه بحسب اعتقاده لا مجال لتحریکه نحو ما عدا المنسی ، وحیث إن الفعل ذا مصلحة ملزمة فی حقه ومحبوب منه واقعا ، فیصدر الفعل منه قریبا.

ولا بد فی هذا الوجه أیضا من تقیید الأمر بالتمام بالملتفت ، وإلا لو کان بعنوان المکلف لعم الناسی واقعا ، فیجب علیه التمام بعد زوال غفلته.

غایة الأمر أن الناسی یری نفسه ملتفتا إلی التمام ، کسائر المکلفین لغفلته عن غفلته.

ولم یتعرض شیخنا العلامة الاستاذ (قدس سره) لهذا الجواب فی الکتاب مع تعرضه له ایضا فی تعلیقته (1) الانیقة علی رسالة البراءة.

ص: 339


1- 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 158.

ولعله لأجل أن ما اعتقده من الأمر وتحرک علی طبقه لم یکن فی حقه ، فلا إطاعة حقیقة للأمر حیث لا أمر. وأما محبوبیته واقعا فکفی بها مقربة له ، لکنه ما أتی بالفعل بداعی محبوبیته.

فما یصلح للدعوة المقربة ما دعاه ، وما دعاه لا واقعیة له حتی یضاف الفعل إلی المولی بسبب الداعی من قبله.

والأمر وإن کان بوجوده العلمی داعیا ، وهو غیر متقوم بوجوده العینی ، لکنا قد بینا (1) سابقا أن کون الفعل إطاعة لأمر المولی حقیقة بوجوده الواقعی ، باعتبار أن الأمر بوجوده العلمی صورة شخصه ، فینسب الی الصورة بالذات وإلی مطابقها بالعرض ، وإذا لم یکن لها مطابق ، فلا أمر من المولی حقیقة ، حتی یکون الفعل إطاعة حقیقیة بل انقیادا ، وهو حسن عقلا لا عبادة شرعا.

هذا. إلاّ إذا فرض ترتب المصلحة علی العمل المأتی به ولو بعنوان الانقیاد ، وهو کلام آخر.

وحیث عرفت عدم خلو الأجوبة المذکورة عن المحذور.

فاعلم : أنه یمکن أن یقال فی دفع إشکال الاستحالة بنحو لا ینافی ما وصل إلینا من الأدلة : إن ما عدا الأجزاء الارکانیة یمکن أن یکون متقیدا بالالتفات إلیه ، بأن یکون الدخیل فی الغرض الجزء الذی التفت إلیه المکلف بطبعه ، لا الجزء عن التفات ، کالصلاة عن طهارة حتی یجب تحصیله بقیده.

بل القید سنخ قیّد بوجوده بطبعه ومن باب الاتفاق ، أو یکون الجزء بذاته دخیلا فی الغرض ، لکنه لا مصلحة فی الالزام به ، إلا إذا التفت إلیه ، وعلی أی حال فلا جزئیة إلا لذات الجزء الملتفت إلیه.

فالتکلیف بنحو القضیة الحقیقیة متعلق بالمکلف بالاضافة إلی کل جزء من الأجزاء المعلومة بالأدلة مع الالتفات إلیه.

ص: 340


1- 1. فی التعلیقة 51.

فمن التفت إلی الجمیع فهو مأمور واقعا بالجمیع.

ومن التفت إلی البعض فهو واقعا مأمور بالبعض.

ولیس فی أخذ الالتفات الی ذات الجزء محذور أخذ النسیان ، کما لا یلزم منه سائر المحاذیر الواردة علی سائر الأجوبة.

ومع معقولیة هذا الاحتمال لا قطع بالأمر الواقعی بالتمام بالاضافة إلی الناسی ، حتی یکون الشک فیه راجعا إلی سقوطه بإتیان ما عدا المنسی لحصول ملاکه به.

بل شک فی أصل تعلق التکلیف به مع عدم الالتفات إلیه.

هذا کله بالنظر إلی مقام الثبوت ، وإمکان الأمر بما عدا المنسی.

وأما بالنظر إلی مقام الاثبات :

فربما یقال (1) : بأن إطلاق دلیل الواجب من حیث قطعات الزمان ومنها زمان النسیان ، معارض باطلاق دلیل الجزئیة ، والترجیح للثانی.

بیانه : أن مقتضی إطلاق دلیل الواجب لزمان النسیان هو أن الأمر بالصلاة موجود حتی فی زمان النسیان ، وحیث إن الأمر بالمرکب من المنسی وغیره غیر معقول ، لعدم القدرة علی ایجاد المنسی. فلا محالة یکون الأمر متعلقا بما عدا المنسی.

ومقتضی إطلاق دلیل الجزئیة الوضعیة لحال النسیان کون المنسی جزء للصلاة حتی حال النسیان.

وحیث إن عدم القدرة علی الجزء موجب لعدم القدرة علی المرکب فلا أمر بالمرکب ، ولا دلیل علی أمر آخر بما عدا ذلک الجزء ، فاطلاق دلیل الجزئیة لا مانع منه.

ص: 341


1- 1. القائل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 / 305.

وفیه : أن الجزئیة تارة : تلاحظ بالاضافة إلی الوفاء بالغرض ، وهی من الأمور الواقعیة التی لا مدخل للعلم والجهل والذکر والنسیان فیها.

وأخری : تلاحظ بالاضافة إلی مرحلة الطلب وکون الشیء بعض المطلوب ، وهذه حالها حال الأمر بالمرکب ، لأن مصحح انتزاعها هو الأمر بالمرکب ، فاذا لم یعقل الأمر بالمرکب من المنسی وغیره ، لم یعقل جزئیة المنسی بالجزئیة الوضعیة الجعلیة التی بیانها وظیفة الشارع.

وحیث إن ظاهر الارشاد الی الجزئیة هی الجزئیة شرعا لا واقعا ، فانه أجنبی عن الشارع بما هو شارع وجاعل للاحکام ، فلا محالة یکون حاله حال الأمر النفسی التحلیلی المتعلق بالجزء من حیث اختصاصه بغیر صورة النسیان وعدم القدرة.

ومما ذکرنا یتبین : أنه لا فرق بین أن یکون لسان دلیل الجزء لسان التکلیف أو لسان الوضع ، ولا فرق بین أن یکون دلیل التکلیف بالجزء متکفلا للتکلیف الحقیقی الذی هو انحلال الأمر المنبسط علی الاجزاء ، أو کان إرشادا إلی الجزئیة الوضعیة المعدودة من أحکام الوضع ، فاما أن لا یعقل الکل أو یعقل الکل بلا فرق بین الاقسام المزبورة.

وعن الشیخ الأعظم (قدس سره) فی رسالة (1) البراءة الفرق بین ما إذا کانت المانعیة مسببة عن التکلیف النفسی ، کالنهی عن لبس الحریر ، وما إذا کان التکلیف مسببا عن المانعیة ، فان المانعیة علی الأول مختصة بحال القدرة دون الثانی.

وعن بعض (2) الأعلام تقریبه ، بأن الوجوب والحرمة متضادان ، فعدم

ص: 342


1- 1. فرائد الأصول المحشی 2 : 133.
2- 2. وهو المحقق النائینی قده. فوائد الأصول 4 /2. 245. أجود التقریرات 2 / 306.

الوجوب متوقف علی وجود الحرمة ، ومع عدمها لا مانع من الأمر ، فجعل المسألة متوقفة علی توقف عدم أحد الضدین علی الآخر.

فاورد علیه بعدم التوقف ، وأن عدم الأمر ووجود النهی ملزومان لثالث ، وهی المبغوضیة الناشئة عن المفسدة ، وعدم أحد الملزومین لخصوصیة لا یوجب ارتفاع الملزوم الآخر مع بقاء علته واقعا.

وفیه مواقع للنظر :

منها : دعوی ابتناء کلام الشیخ الأعظم (قدس سره) علی القول بالمقدمیة فی مسألة الضد ، مع أن مسلکه (قدس سره) ومسلک جل المحققین عدم المقدمیة.

ومنها : کونهما ملزومین لثالث وهی المبغوضیة ، مع أن عدم الأمر بعدم المصلحة أو بعدم صلاحیتها للتأثیر لأقوائیة المفسدة ، فعلة عدم الأمر عدم علة وجوده لا علة وجود ضده ، کما هو واضح.

ومنها : أن المفسدة الواقعیة وإن کانت لا تتغیر بالقدرة وعدمها ، إلا أن تأثیرها فی المبغوضیة الفعلیة المؤثرة فی الزجر الجدی منوط بها ، فمع عدم القدرة حیث لا مبغوضیة فعلیة فلا نهی فعلا ، فلا مزاحم لتأثیر المصلحة الموجودة فی وجود الأمر ، کما اوضحناه فی مسألة (1) اجتماع الأمر والنهی ، وهذا هو الوجه فیما افاده الشیخ (قدس سره) ، لا مسألة المقدمیة.

نعم الکلام فی الشق الآخر وهو انبعاث النهی عن المانعیة علم